######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010637 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن رشيق القيرواني #META# 010.AuthorNAME :: أبو على الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي (المتوفى : 463هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 463 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: العمدة في محاسن الشعر وآدابه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأدب :: من عيون الشعر العربي وكتبه #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: العمدة في محاسن الشعر وآدابه #META# 030.LibURI :: JK_010637 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # باب في فضل الشعر # العرب أفضل الأمم، وحكمتها أشرف الحكم؛ لفضل اللسان على اليد، والبعد عن ~~امتهان الجسد؛ إذ خروج الحكمة عن الذات، بمشاركة الآلات؛ إذ لا بد للإنسان ~~من أن يكون تولى ذلك بنفسه، أو احتاج فيه إلى آلة أو معين من جنسه. # وكلام العرب نوعان: منظوم، ومنثور. ولكل منهما ثلاث طبقات: جيدة، ~~ومتوسطة، ورديئة، فإذا اتفق الطبقتان في القدر، وتساوتا في القيمة، ولم يكن ~~لإحداهما فضل على الأخرى كان الحكم للشعر ظاهرا في التسمية؛ لأن كل منظوم ~~أحسن من كل منثور من جنسه في معترف العادة، ألا ترى أن الدر وهو أخو اللفظ ~~ونسيبه، وإليه يقاس، وبه يشبه إذا كان منثورا لم يؤمن عليه، ولم ينتفع به ~~في الباب الذي له كسب، ومن أجله انتخب؛ وإن كان أعلى قدرا وأغلى ثمنا، فإذا ~~نظم كان أصون له من الابتذال، وأظهر لحسنه مع كثرة الاستعمال، وكذلك اللفظ ~~إذا كان منثورا تبدد في الأسماع، وتدحرج عن الطباع، ولم تستقر منه إلا ~~المفرطة في اللفظ وإن كانت أجمله، والواحدة من الألف، وعسى أن لا تكون ~~أفضله، فإن كانت هي اليتيمة المعروفة، والفريدة الموصوفة؛ فكم في سقط الشعر ~~من أمثالها ونظرائها لا يعبأ به، ولا ينظر إليه، فإذا أخذه سلك الوزن، وعقد ~~القافية؛ تألفت أشتاته، وازدوجت فرائده وبناته، واتخذ اللابس جمالا، ~~والمدخر مالا فصار قرطة الآذان، وقلائد الأعناق، وأماني النفوس، وأكاليل ~~الرءوس، يقلب بالألسن، ويخبأ في القلوب، مصونا باللب، ممنوعا من السرقة ~~والغضب. # وقد اجتمع الناس على أن المنثور في كلامهم أكثر، وأقل جيدا محفوظا، وأن ~~الشعر أقل، وأكثر جيدا محفوظا؛ لأن في أدناه من زينة الوزن والقافية ما ~~يقارب به جيد المنثور. # وكان الكلام كله منثورا فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها، وطيب ~~أعراقها، وذكر أيامها الصالحة، وأوطانها النازحة، وفرسانها الأمجاد، ~~وسمحائها الأجواد؛ لتهز أنفسها إلى الكرم، وتدل أبناءها على حسن الشيم ~~فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام، فلما تم لهم وزنه سموه شعرا؛ لأنهم ~~شعروا به، أي: فطنوا. # وقيل: ما تكلمت به ms001 العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد ~~الموزون؛ فلم يحفظ من المنثور عشره، ولا ضاع من الموزون عشره. # ولعل بعض الكتاب المنتصرين للنثر، الطاعنين على الشعر، يحتج بأن القرآن ~~كلام الله تعالى منثور، وأن النبي صلى الله عليه وسلم غير شاعر؛ لقول الله ~~تعالى: " وما علمناه الشعر، وما ينبغي له " ويرى أنه قد أبلغ في الحجة، ~~وبلغ في الحاجة، والذي عليه في ذلك أكثر مما له؛ لأن الله تعالى إنما بعث ~~رسوله أميا غير شاعر إلى قوم يعلمون منه حقيقة ذلك، حين استوت الفصاحة، ~~واشتهرت البلاغة؛ آية للنبوة، وحجة على الخلق، وإعجازا للمتعاطين، وجعله ~~منثورا ليكون أظهر برهانا لفضله على الشعر الذي من عادة صاحبه أن يكون ~~قادرا على ما يحبه من الكلام، وتحدى جميع الناس من شاعر وغيره بعمل مثله ~~فأعجزهم ذلك، كما قال الله تعالى: " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " فكما أن ~~القرآن أعجز الشعراء وليس بشعر، كذلك أعجز الخطباء وليس بخطبة، والمترسلين ~~وليس بترسل، وإعجازه الشعراء أشد برهانا، ألا ترى كيف نسبوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى الشعر لما غلبوا وتبين عجزهم؟ فقالوا: هو شاعر، لما في ~~قلوبهم من هيبة الشعر وفخامته، وأنه يقع منه ما لا يلحق، والمنثور ليس ~~كذلك، فمن ههنا قال الله تبارك وتعالى: " وما علمناه الشعر، وما ينبغي له " ~~أي: لتقوم عليكم الحجة، ويصح قبلكم الدليل، ويشهد لذلك رواية يونس عن ~~الزهري أنه قال: معناه ما الذي علمناه شعرا، وما ينبغي له أن يبلغ عنا ~~شعرا. # وقال غيره: أراد وما ينبغي له أن يبلغ عنا ما لم نعلمه، أي: ليس هو ممن ~~يفعل ذلك؛ لأمانته ومشهور صدقه. ولو أن كون النبي صلى الله عليه وسلم غير ~~شاعر غض من الشعر لكانت أميته غضا من الكتابة، وهذا أظهر من أن يخفي على ~~أحد. PageV01P001 واحتج بعضهم بأن الشعراء أبدا يخدمون الكتاب، ولا تجد ~~كاتبا يخدم شاعرا، وقد ms002 عميت عليهم الأنباء، وإنما ذلك لأن الشاعر واثق ~~بنفسه. مدل بما عنده على الكاتب والملك؛ فهو يطلب ما في أيديهما ويأخذه، ~~والكاتب بأي آية يفضل الشاعر فيرجو ما في يده؟ وإنما صناعته فضلة عن ~~صناعته، على أن يكون كاتب بلاغة، فأما كاتب الخدمة في القانون وما شاكله ~~فصانع مستأجر، مع أنه قد كان لأبي تمام والبحتري قهارمة وكتاب، وكان من ~~عميان الشعراء كتاب أزمة كبشار وأبي علي البصير، وكان ابن الرومي من أكبر ~~كتاب الدواوين، فغلب عليه الشعر؛ لأنه غلاب. وكما تجد من يمدح السوقة في ~~الشعراء فكذلك تجد للسوقة كتابا، وللتجار الباعة، في زمننا هذا وقبله. # ولما أهجم بهذا الرد، وأورد هذه الحجة، لولا أن السيد أبقاه الله قد جمع ~~النوعين، وحاز الفضيلتين، فهما نقطتان من بحره، ونوارتان من زهره، وسيرد في ~~أضعاف هذا الكتاب من أشعاره ما يكون دليلا على صدق ما قلته، إن شاء الله ~~تعالى. # ومن فضل الشعر أن الشاعر يخاطب الملك باسمه، وينسبه إلى أمه، ويخاطبه ~~بالكاف كما يخاطب أقل السوقة؛ فلا ينكر ذلك عليه، بل يراه أوكد في المدح، ~~وأعظم اشتهارا للممدوح، كل ذلك حرص على الشعر، ورغبة فيه، ولبقائه على مر ~~الدهور واختلاف العصور، والكاتب لا يفعل ذلك إلا أن يفعله منظوما غير ~~منثور، وهذه مزية ظاهرة وفضل بين. # ومن فضائله أن الكذب الذي اجتمع الناس على قبحه حسن فيه، وحسبك ما حسن ~~الكذب، واغتفر له قبحه، فقد أوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن زهير ~~لما أرسل إلى أخيه بجير ينهاه عن الإسلام، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بما أحفظه، فأرسل إليه أخوه " ويحك إن النبي صلى الله عليه وسلم أوعدك لما ~~بلغه عنك، وقد كان أوعد رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه فقتلهم يعني ابن ~~خطل وابن حبابة وإن من بقيء من شعراء قريش كابن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب ~~قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله ~~عليه ms003 وسلم؛ فإنه لا يقتل من جاء تائبا، وإلا فانج إلى نجائك، فإنه والله ~~قاتلك، فضاقت به الأرض، فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم متنكرا، ~~فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر وضع كعب يده في يد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد أتى مستأمنا ~~تائبا، أفتؤمنه فآتيك به؟ قال: هو آمن، فحسر كعب عن وجهه وقال: بأبي أنت ~~وأمي يا رسول الله هذا مكان العائذ بك، أنا كعب بن زهير، فأمنه رسول الله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنشد كعب قصيدته التي أولها: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول # يقول فيها بعد تغزله وذكر شدة خوفه ووجله: # أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول # مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ال ... قرآن فيه مواعيظ وتفصيل # لا تأخذني بأقوال الوشاة فلم ... أذنب، ولو كثرت في الأقاويل # فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم قوله، وما كان ليوعده على باطل، ~~بل تجاوز عنه ووهب له بردته، فاشتراها منه معاوية بثلاثين ألف درهم. وقال ~~العتبي بعشرين ألفا، وهي التي يتوارثها الخلفاء يلبسونها في الجمع والأعياد ~~تبركا بها. # وذكر جماعة منهم عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي الشاعر أنه أعطاه مع ~~البردة مائة من الإبل، قال: وقال الأحوص يذكر عمر بن عبد العزيز عطية رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كعبا، وقد توقف في عطاء الشعراء: # وقبلك ما أعطى هنيدة جلة ... على الشعر كعبا من سديس وبازل # رسول الإله المستضاء بنوره ... عليه السلام بالضحى والأصائل # واعتذر حسان بن ثابت من قوله في الإفك بقوله لعائشة رضي الله عنها في ~~أبيات مدحها بها: # حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # يقول فيها: # فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي # ثم يقول: # فإن الذي قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرئ بي ماحل PageV01P002 ~~فاعتذر كما تراه مغالطا ms004 في شيء نفذ فيه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالحد، وزعم أن ذلك قول امرئ ماحل، أي: مكايد، فلم يعاقب لما يرون من ~~استخفاف كذب الشاعر، وأنه يحتج به ولا يحتج عليه. # وسئل أحد المتقدمين عن الشعراء فقال: ما ظنك بقوم الاقتصاد محمود إلا ~~منهم، والكذب مذموم إلا فيهم. # حكى أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين النيسابوري أن كعب الأحبار قال له عمر ~~بن الخطاب وقد ذكر الشعر: يا كعب، هل تجد للشعراء ذكرا في التوراة؟ فقال ~~كعب: أجد في التوراة قوما من ولد إسماعيل، أناجيلهم في صدورهم ينطقون ~~بالحكمة، ويضربون الأمثال، لا نعلمهم إلا العرب. # وقيل: ليس لأحد من الناس أن يطري نفسه ويمدحها، في غير منافرة، إلا أن ~~يكون شاعرا، فإن ذلك جائز له في الشعر، غير معيب عليه. # وقال بعضهم وأظنه أبا العباس الناشئ العلم عند الفلاسفة ثلاث طبقات: ~~أعلى، وهو ما غاب عن الحواس فأدرك بالعقل أو القياس، وأوسط، وهو علم الآداب ~~النفيسة التي أظهرها العقل من الأشياء الطبيعية كالأعداد والمساحات وصناعة ~~التنجيم وصناعة اللحون، وأسفل، وهو العلم بالأشياء الجزئية والأشخاص ~~الجسيمة، فوجب إذا كانت العلوم أفضلها ما لم تشارك فيه الجسوم أن يكون أفضل ~~الصناعات ما لم تشارك فيه الآلات، وإذا كانت اللحون عند الفلاسفة أعظم ~~أركان العمل الذي هو أحد قسمي الفلسفة وجدنا الشعر أقدم من لحنه لا محالة، ~~فكان أعظم من الذي هو أعظم أركان الفلسفة، والفلسفة عندهم علم وعمل. هذا ~~معنى الكلام المنقول عنه مختصرا وليس نصا. # فإن قيل في الشعر: إنه سبب التكفف، وأخذ الأعراض، وما أشبه ذلك؛ لم يلحقه ~~من ذلك إلا ما يلحق المنثور. # ومن فضائله أن اليونانيين إنما كانت أشعارهم تقييد العلوم والأشياء ~~النفيسة والطبيعية التي يخشى ذهابها، فكيف ظنك بالعرب الذي هو فخرها العظيم ~~وقسطاسها المستقيم؟ وزعم صاحب الموسيقى أن ألذ الملاذ كلها اللحن، ونحن ~~نعلم أن الأوزان قواعد الألحان، والأشعار معايير الأوتار لا محالة، مع أن ~~صنعة صاحب الألحان واضعة من قدره، مستخدمة له، ms005 نازلة به، مسقطة لمروءته، ~~ورتبة الشاعر لا مهانة فيها عليه، بل تكسبه مهابة العلم، وتكسوه جلالة ~~الحكمة. # فأما قيامه وجلوس اللحون فلأن هذا متشوف إليه، يحب إسماع من بحضرته ~~أجمعين، بغير آلة ولا معين، و لا يمكنه ذلك إلا قائما أو مشرفا، وليدل على ~~نفسه، ويعلم أنه المتكلم دون غيره، وكذلك الخطيب، وصاحب اللحون لا يمكنه ~~القيام لما في حجره كرامة منه على القوم، على أن منهم من كان يقوم بالدف ~~والمزهر. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان لسحرا وإن من الشعر ~~لحكما " وقيل " لحكمة " : فقرن البيان بالسحر فصاحة منه صلى الله عليه ~~وسلم، وجعل من الشعر حكما؛ لأن السحر يخيل للإنسان ما لم يكن للطافته وحيلة ~~صاحبه وكذلك البيان يتصور فيه الحق بصورة الباطل، والباطل بصورة الحق؛ لرقة ~~معناه، ولطف موقعه، وأبلغ البيانين عند العلماء الشعر بلا مدافعة، وقال ~~رؤبة: # لقد خشيت أن تكون ساحرا ... راوية مرا ومرا شاعرا # فقرن الشعر أيضا بالسحر لتلك العلة، ويروي أيضا لقد حسنت بسين مضمومة غير ~~معجمة، ونون، والتاء مفتوحة. # باب في الرد علي من يكره الشعر # روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنما الشعر كلام مؤلف فما ~~وافق الحق منه فهو حسن، وما لم يوافق الحق منه فلا خير فيه " ، وقد قال ~~عليه الصلاة والسلام: " إنما الشعر كلام، فمن الكلام خبيث وطيب " ، وقالت ~~عائشة رضي الله عنها: الشعر فيه كلام حسن وقبيح، فخذ الحسن واترك القبيح، ~~ويروي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بنى لحسان بن ثابت في المسجد منبرا ينشد عليه الشعر، وقال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أعلم منه، وقال على بن ~~أبي طالب رضي الله عنه: الشعر ميزان القول، ورواه بعضهم: الشعر ميزان ~~القوم. # وروى ابن عائشة يرفعه قال: قال رسول الله صلى الله علية وسلم: " الشعر ~~كلام من كلام العرب جزل، تتكلم ms006 به في بواديها، وتسل به الضغائن من بينها " ~~وأنشد ابن عائشة قول أعشى بني قيس بن ثعلبة: PageV01P003 قلدتك الشعر يا ~~سلامة ذا ... فايش، والشيء حيث ما جعلا # والشعر يستنزل الكريم كما ... ينزل رعد السحابة السبلا # ويروى عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: مر الزبير بن العوام ~~رضي الله عنه بمجلس لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وحسان ينشدهم، وهم ~~غير آذنين لما يسمعون من شعره، فقال: مالي أراكم غير آذنين لما تسمعون من ~~شعر ابن الفريعة؟ لقد كان ينشد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحسن ~~استماعه، ويجزل عليه ثوابه، ولا يشتغل عنه إذا أنشده. # ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بحسان وهو ينشد الشعر في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أرغاء كرغاء البكر؟ فقال حسان: دعني ~~عنك يا عمر، فوالله إنك لتعلم لقد كنت أنشد في هذا المسجد من هو خير منك ~~فما يغير علي ذلك، فقال عمر: صدقت. # وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: مر من قبلك بتعلم ~~الشعر؛ فإنه يدل على معالي الأخلاق، وصواب الرأي، ومعرفة الأنساب. # وقال معاوية رحمه الله: يجب على الرجل تأديب ولده، والشعر أعلى مراتب ~~الأدب وقال: اجعلوا الشعر أكبر همكم، وأكثر دأبكم، فلقد رأيتني ليلة الهرير ~~بصفين وقد أتيت بفرس أغر محجل بعيد البطن من الأرض، وأنا أريد الهرب لشدة ~~البلوى فما حملني على الإقامة إلا أبيات عمرو بن الإطنابة: # أبت لي همتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح # وإقحامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح # وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي # لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح # ويروى أن أعرابيا وقف على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: إن لي إليك ~~حاجة رفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله تعالى ~~وشكرتك، وإن لم تقضها حمدت الله تعالى وعذرتك، فقال له علي: خط حاجتك ms007 في ~~الأرض، فإني أرى الضر عليك، فكتب الأعرابي على الأرض إني فقير فقال له علي: ~~يا قنبر؛ ادفع إليه حلتي الفلانية، فلما أخذها مثل بين يديه فقال: # كسوتني حلة تبلى محاسنها ... فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا # إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه ... كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا # لا تزهد الدهر في عرف بدأت به ... فكل عبد سيجزى بالذي فعلا # فقال علي: يا قنبر، أعطه خمسين دينارا، أما الحلة فلمسألتك، وأما ~~الدنانير فلأدبك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أنزلوا الناس ~~منازلهم " وقيل لسعيد بن المسيب: إن قوما بالعراق يكرهون الشعر، فقال: ~~نسكوا نسكا أعجميا. # وقال ابن سيرين: الشعر كلام عقد بالقوافي، فما حسن في الكلام حسن في ~~الشعر، وكذلك ما قبح منه. # وسئل في المسجد عن رواية الشعر في شهر رمضان وقد قال قوم: إنها تنقض ~~الوضوء فقال: # نبئت أن فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول # ثم قام فأم الناس، وقيل: بل أنشد: # لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزا ... ولو رضيت رمح أسته لاستقرت # وقال الزبير بن بكار: سمعت العمري يقول: رووا أولادكم الشعر؛ فإنه يحل ~~عقدة اللسان، ويشجع قلب الجبان، ويطلق يد البخيل، ويحض على الخلق الجميل. # وسئل ابن عباس: هل الشعر من رفث القول؟ فأنشد: # وهن يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير ننك لميسا # وقال: إنما الرفث عند النساء، ثم أحرم للصلاة. # وكان ابن عباس يقول: إذا قرأتم شيئا من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في ~~أشعار العرب؛ فإن الشعر ديوان العرب. وكان إذا سئل عن شيء من القرآن أنشد ~~فيه شعرا. # وكانت عائشة رضي الله عنها كثيرة الرواية للشعر. يقال: إنها كانت تروي ~~جميع شعر لبيد. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تدع العرب الشعر حتى تدع ~~الإبل الحنين " . # وكان أبو السائب المخزومي على شرفه، وجلالته، وفضله في الدين والعلم ~~يقول: أما والله لو كان الشعر محرما لوردنا الرحبة كل يوم مرارا. والرحبة: ~~الموضع الذي تقام فيه الحدود، يريد ms008 أنه لا يستطيع الصبر عنه فيحد في كل يوم ~~مرارا ولا يتركه. PageV01P004 فأما احتجاج من لا يفهم وجه الكلام بقوله ~~تعالى: " والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون " فهو غلط، وسوه تأول؛ لأن المقصودين بهذا النص شعراء ~~المشركين الذين تناولوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء، ومسوه ~~بالأذى، فأما من سواهم من المؤمنين فغير داخل في شيء من ذلك، ألا تسمع كيف ~~استثناهم الله عز وجل ونبه عليهم فقال: " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا " يريد شعراء النبي صلى الله ~~عليه وسلم ينتصرون له، ويجيبون المشركين عنه، كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ~~وعبد الله بن رواحة. وقد قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: " هؤلاء النفر ~~أشد على قريش من نضح النبل " ، وقال لحسان بن ثابت " اهجهم يعني قريشا ~~فوالله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام، في غلس الظلام، اهجهم ومعك جبريل ~~روح القدس، وألق أبا بكر يعلمك تلك الهنات " فلو أن الشعر حرام أو مكروه ما ~~اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم شعراء يثيبهم على الشعر، ويأمرهم بعمله، ~~ويسمعه منهم. # وأما قوله عليه الصلاة والسلام: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير ~~له من أن يمتلئ شعرا " فإنما هو من غلب الشعر على قلبه، وملك نفسه حتى شغله ~~عن دينه وإقامة فروضه، ومنعه من ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، والشعر غيره ~~مما جرى هذه المجرى من شطرنج وغيره سواء. وأما غير ذلك ممن يتخذ الشعر أدبا ~~وفكاهة وإقامة مروءة فلا جناح عليه وقد قال الشعر كثير من الخلفاء ~~الراشدين، والجلة من الصحابة والتابعين، والفقهاء المشهورين، وسأذكر من ذلك ~~طرفا يقتدي به في هذا الباب، إن شاء الله تعالى. # باب في أشعار الخلفاء والقضاة والفقهاء # من ذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه قالوا: واسمه عبد الله ابن ~~عثمان، ويقال: عتيق لقب له قال في غزوة عبيدة بن الحارث، رواه ابن ms009 إسحاق ~~وغيره: # أمن طيف سلمى الدمائث ... أرقت، أوامر في العشيرة حادث؟؟ # ترى من لؤي فرقة لا يصدها ... عن الكفر تذكير ولا بعث باعث # رسول أتاهم صادق فتكذبوا ... عليه، وقالوا: لست فينا بماكث # إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا ... وهروا هرير المجحرات اللواهث # فكم قد متتنا فيهم بقرابة ... وترك التقى شيء لهم غير كارث # فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم ... فما طيبات الحل مثل الخبائث # وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم ... فليس عذاب الله عنهم بلابث # ونحن أناس من ذؤابة غالب ... لنا العز منها في الفروع الأثائث # فأولى برب الراقصات عشية ... حراجيج تخدى في السريح الرثائث # كأدم ظباء حول مكة عكف ... يردن حياض البئر ذات النبائث # لئن لم يفيقوا عاجلا من ضلالهم ... ولست إذا آليت قولا بحانث # لتبتدرنهم غارة ذات مصدق ... تحرم أطهار النساء الطوامث # تغادر قتلى تعصب الطير حولهم ... ولا يرأف الكفار رأف ابن حارث # فأبلغ بني سهم لديك رسالة ... وكل كفور يبتغي الشر باحث # فإن شعثوا عرضي على سوء رأيهم ... فإني من أعراضهم غير شاعث # ومن شعر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان من أنقد أهل زمانه للشعر ~~وأنفذهم فيه معرفة ويروى للأعور الشني: # هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها # فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها # ومن شعره أيضا وقد لبس بردا جديدا فنظر الناس إليه وقد روى لورقة بن نوفل ~~في أبيات: # ولا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويفنى المال والولد # لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا # ولا سليمان؛ إذ تجرى الرياح له ... والجن والإنس فيما بينها ترد # حوض هنالك مورود بلا كذب ... لا بد من ورده يوما كما وردوا # ومن شعره أيضا رضي الله عنه: PageV01P005 توعدني كعب ثلاثا يعدها ... ولا ~~شك أن القول ما قال لي كعب # وما بي خوف الموت؛ إني لميت ... ولكن خوف الذنب يتبعه الذنب # ومن شعر عثمان بن عفان رضي الله عنه: # غنى النفس يغني النفس حتى يكفها ... وإن عضها حتى يضر بها الفقر # وما ms010 عسرة فاصبر لها إن لقيتها ... بكائنة إلا سيتبعها يسر # ومن شعر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان مجودا ما قاله يوم صفين يذكر ~~همدان ونصرهم إياه: # ولما رأيت الخيل ترجم بالقنا ... نواصيها حمر النحور دوامي # وأعرض نقع في السماء كأنه ... عجاجة دجن ملبس بقتام # ونادى ابن هند في الكلاع وحمير ... وكندة في لخم وحي جذام # تيممت همدان الذين هم هم ... إذا ناب دهر جنتي وسهامي # فجاوبني من خيل همدان عصبة ... فوارس من همدان غير لئام # فخاضوا لظاها واستطاروا شرارها ... وكانوا لدى الهيجا كشرب مدام # فلو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان: ادخلوا بسلام # وهو القائل بصفين أيضا: # لمن راية حمراء يخفق ظلها ... إذا قلت قدمها حضين تقدما # فيوردها في الصف حتى يرد بها ... حياض المنايا تقطر الموت والدما # فهؤلاء الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم: ما منهم إلا من قال الشعر، ~~وخامسهم الحسن بن علي رحمه الله، وهو القائل وقد خرج على أصحابه مختضبا ~~رواه المبرد: # نسود أعلاها، وتأبى أصولها، ... فليت الذي يسود منها هو الأصل # ومن شعر معاوية بن أبي سفيان رحمة الله عليه ما رواه ابن الكلبي عن عبد ~~الرحمن المدني، قال: لما حضرت معاوية الوفاة جعل يقول: # إن تناقش يكن نقاشك يار ... ب عذابا، لا طوق لي بالعذاب # أو تجاوز فأنت رب رءوف ... عن مسيء ذنوبه كالتراب # وروى في غير موضع واحد: # فقدت سفاهتي، وأزحت غيي ... وفي على تحلمي اعتراض # على أني أجيب إذا دعتني ... إلى حاجاتها الحدق المراض # ومن قوله ايضا، وهو لائق به، دال على صحة ناقله: # إذا لم أجد بالحلم مني عليكم ... فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم! ؟ # خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد ... حباك على حرب العداوة بالسلم # وأما يزيد بن معاوية فمن بعده فكثير شعرهم مشهور. # ومن شعر الحسين بن علي رضي الله عنهما، وقد عاتبه أخوه الحسن رحمه الله ~~في امرأته: # لعمرك إنني لأحب دارا ... تحل بها سكينة والرباب # أخبهما وأبذل جل مالي ... وليس للائمي عندي عتاب # وليس من بني ms011 عبد المطلب رجالا ونساء من لم يقل الشعر، حاشا النبي صلى ~~الله عليه وسلم: فمن ذلك قول حمزة بن عبد المطلب رحمه الله يذكر لقاءه أبا ~~جهل وأصحابه في قصيده تركت أكثرها اختصارا: # عشية صاروا جاشدين وكلنا ... مراجله من غيظ أصحابه تغلي # فلما تراءينا أناخوا فعقلوا ... مطايا وعقلنا مدى غرض النبل # وقلنا لهم: حبل الإله نصيرنا ... وما لكم إلا الضلالة من حبل # فثار أبو جهل هنالك باغيا ... فخاب، ورد الله كيد أبي جهل # وما نحن إلا في ثلاثين راكبا ... وهم مائتان بعد واحدة فضل # وأما العباس فكان شاعرا مغلقا حسن التهدي: من ذلك قوله رحمه الله يوم ~~حنين يفتخر بثبوته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ألا هل أتى عرسي مكري وموقفي ... بوادي حنين والأسنة تشرع # وقولي إذا ما النفس جاشت لها قدى ... وهام تدهدى والسواعد تقطع # وكيف رددت الخيل وهي مغيرة ... بزوراء تعطى باليدين وتمنع # نصرنا رسول الله في الحرب سبعة ... وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا # ومن شعر عبد الله بن عباس رضي الله عنه: # إذا طارقات الهم ضاجعت الفتى ... وأعمل فكر الليل والليل عاكر ~~PageV01P006 وباكرني في حاجة لم يجد بها ... سواي ولا من نكبة الدهر ناصر # فرجت بمالي همه من مقامه ... وزايله هم طروق مسامر # وكان له فضل علي بظنه ... بي الخير؛ إني للذي ظن شاكر # ومن شعر جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين رضي الله عنه قوله يوم مؤتة وفيه ~~قتل رحمة الله عليه: # يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها # والروم روم قد دنا عذابها ... علي إذا لاقيتها ضرابها # وشعر أبي سفيان بن الحارث مشهور في الجاهلية والإسلام. فأما أبو طالب ومن ~~شاكله فلم أذكر لهم شيئا، خلا بيتين لعبد الله بن عبد المطلب أنشدهما ~~القاضي أبو الفضل، وهما: # وأحور مخضوب البنان محجب ... دعاني فلم أعرف إلى ما دعا وجها # بخلت بنفسي عن مقام يشينها ... فلست مريدا ذاك طوعا ولا كرها # وكانت فاطمة رضي الله عنها تقول الشعر، رويت لها أشياء كثيرة. # ثم ms012 نرجع إلى الخلفاء المرضيين: قال عمر بن عبد العزيز، رواه الأوزاعي عن ~~محمد بن كعب: # أيقظان أنت اليوم أم أنت حالم؟ ... وكيف يطيق النوم حيران هائم؟ # فلو كنت يقظان الغداة لحرقت ... جفونا لعينيك الدموع السواجم # نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم، والردى لك لازم # وتشغل فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم # ومما أثبته حماد الرواية من شعره: # إنه الفؤاد عن الصبا ... وعن انقيادك للهوى # فلعمر ربك إن في ... شيب المفارق والجلا # لك واعظا لو كنت تت ... عظ اتعاظ ذوي النهى # حتى متى لا ترعوي؟ ... وإلى متى؟ وإلى متى؟ # بلى الشباب وأنت إن ... عمرت رهن للبلى # وكفى بذلك زاجرا ... للمرء عن غي، كفى # ومن شعره أيضا أنشده ابن داود القياسي في كتابه: # ولولا النهى ثم التقى خشية الردى ... لعاصيت في حب الصبا كل زاجر # صبا ما صبا فيما مضى ثم لا ترى ... له صبوة أخرى الليالي الغوابر # ومن قول عبد الله بن الزبير قوله وقد ولي الحرمين مدة، ودعي بأمير ~~المؤمنين ما شاء الله حتى قتل، رحمة الله عليه وقد روي لعبد الله بن الزبير ~~بفتح الزاي وكسر الباء : # لا أحسب الشر جارا لا يفارقني ... ولا أحز على ما فاتني الودجا # وما لقيت من المكروه منزلة ... إلا وثقت بأن ألقى لها فرجا # ومن قوله المشهور عنه: # وكم من عدو قد أراد مساءتي ... بغيب، ولو لاقيته لتندما # كثير الخنا حتى إذا ما لقيته ... أصر على إثم وإن كان أقسما # وحسبك من القضاة شريح بن الحارث: كان شاعرا مجودا، وقد استقضاه عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، كتب إلى مؤدب ولده وقد وجده وقت الصلاة يلعب بجرو ~~كلب، وأودع الأبيات رقعة وأنفذها مع ولده مختومة إلى المؤدب : # ترك الصلاة لأكلب يسعى بها ... طلب الهراش مع الغواة الرجس # فليأتينك غدوة بصحيفة ... كتبت له كصحيفة المتلمس # فإذا هممت بضربه فبدرة ... وإذا بلغت به ثلاثا فاحبس # واعلم بأنك ما أتيت فنفسه ... مع ما يجرعني أعز الأنفس # فهذا شريح، وهلم جرا إلى حيث ms013 شئت، ومن الفقهاء عبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة بن مسعود، قال في امرأة من هذيل قدمت المدينة ففتن بها الناس ورغبوا ~~فيها خاطبين: # أحبك حبا لو علمت ببعضه ... لجدت ولم يصعب عليك شديد # وحبك يا أم الوليد مولهي ... شهيدي أبو بكر فنعم شهيد # ويعلم وجدي قاسم بن محمد ... وعروة ما أخفي بكم وسعيد # ويعلم ما ألقى سليمان علمه ... وخارجة يبدي بنا ويعيد # متى تسألي عما أقول تخبري ... فلله عندي طارف وتليد PageV01P007 هؤلاء ~~الستة الذين ذكرهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقاسم بن ~~محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير بن العوام، وسعيد بن المسيب، ~~وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله صاحب هذا الشعر هو ~~سابعهم، وهم فقهاء المدينة، وأصحاب الرأي الذين هم عليهم المدار. # وقد كان جماعة من أصحاب مالك بن أنس يرون الغناء بغير آلة جائزا، وهو ~~مذهب جماعة من أهل مكة والمدينة، والغناء حلة الشعر إن لم يلبسها طويت، ~~ومحال أن يحرم الشعر من يحل الغناء به. # وأما محمد بن إدريس الشافعي فكان من أحسن الناس افتنانا في الشعر، وهو ~~القائل: # ومتعب العيس مرتاحا إلى بلد ... والموت يطلبه في ذلك البلد # وضاحك والمنايا فوق مفرقه ... لو كان يعلم غيبا مات من كمد # من كان لم يؤت علما في بقاء غد ... ماذا تفكره في رزق بعد غد # ومن قوله أيضا في غير هذا المعنى: # الجد يدني كل شيء شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق # فإذا سمعت بأن مجدودا حوى ... عودا فأورق في يديه فصدق # وإذا سمعت بأن محروما أتى ... ماء ليشربه فجف فحقق # وأحق خلق الله بالهم امرؤ ... ذو همة يبلى برزق ضيق # ولربما عرضت لنفسي فكرة ... فأود منها أنني لم أخلق # وهذا باب لو تقصيته لاحتمل كتابا مفردا ولكني طبقت المفصل، وذكرت بعض ~~المشاهير من الناس. # باب من رفعه الشعر، ومن وضعه # إنما قيل في الشعر " إنه يرفع من قدر الوضيع الجاهل، مثل ما يضع من قدر ms014 ~~الشريف الكامل، وإنه أسنى مروءة الدني، وأدنى مروءة السرى " لأمر ظاهر غاب ~~عن بعض الناس فتأوله أشد التأويل، وظنه مثلبة وهو منقبة، وذلك أن الشعر ~~لجلالته يرفع من قدر الخامل إذا مدح به، مثل ما يضع من قدر الشريف إذا ~~اتخذه مكسبا، كالذي يؤثر من سقوط النابغة الذبياني بامتداحه النعمان بن ~~المنذر، وتكسبه عنده بالشعر، وقد كان أشرف بني ذبيان، هذا، وإنما امتدح ~~قاهر العرب، وصاحب البؤس والنعيم.. وكاشتهار عرابة الأوسي بشعر الشماخ بن ~~ضرار، وقد بذل له في سنة شديدة وسق بعير تمرا، فقال: # رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # حتى صار ذلك مثلا سائرا، وأثرا باقيا، لا تبلى جدته، ولا تتغير بهجته، ~~وقدح ذلك في مروءة الشماخ، وحط من قدره؛ لسقوط همته عن درجة مثله من أهل ~~البيوتات وذوي الأقدار. # فأما من صنع الشعر فصاحة ولسنا، وافتخارا بنفسه وحسبه، وتخليدا لمآثر ~~قومه، ولم يصنعه رغبة ولا رهبة، ولا مدحا ولا هجاء، كما قال واحد دهرنا ~~وسيد كتاب عصرنا أبو الحسن أحسن الله إليه وإلينا فيه: # وجدت طريق البأس أسهل مسلكا ... وأحرى بنجح من طريق المطامع # فلست بمطر ما حييت أخا ندى ... ولا أنا في عرض البخيل بواقع # فلا نقص عليه في ذلك، بل هو زائد في أدبه، وشهادة بفضله، كما أنه نباهة ~~في ذكر الخامل، ورفع لقدر الساقط، وإنما فضل امرؤ القيس وهو من هو لما صنع ~~بطبعه، وعلا بسجيته، عن غير طمع ولا جزع. # حكي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: لو أن الشعراء المتقدمين ~~ضمنهم زمان واحد ونصبت لهم راية فجروا معا علمنا من السابق منهم، وإذ لم ~~يكن فالذي لم يقل لرغبة ولا لرهبة، فقيل: ومن هو؟ فقال: الكندي، قيل: ولم؟ ~~قال: لأني رأيته أحسنهم نادرة، وأسبقهم بادرة. # وقال علي بن الجهم في مدح المتوكل: # وما الشعر مما أستظل بظله ... ولا زادني قدرا، ولا حط من قدري # ثم قال: # ولكن إحسان ms015 الخليفة جعفر ... دعاني إلى ما قلت فيه من الشعر # فذكر أنه لا يستظل بظل الشعر، أي: لا يتكسب به، وأنه لم يزده قدرا لأنه ~~كان نابه الذكر قبل عمل الشعر، ثم قال ولا حط من قدري فأحسن الاعتذار لنفسه ~~وللشعر، يقول: ليس الشعر ضعة في نفسه، ولا صنعته فيمن دون الخليفة، وما ~~كفاه ذلك حتى جعل نفسه بإزاء الخليفة، بل مكافئا له بشعره على إحسان بدأه ~~الخليفة به، ولم يرض أن يجعل نفسه راغبا ولا مجتديا. PageV01P008 قال ~~الطائي في هذا المعنى لمحمد بن عبد الملك الزيات، على ما كان فيه من الكبر ~~والإعجاب، وهو حينئذ الوزير الأكبر: # لقد زدت أوضاحي امتدادا، ولم أكن ... بهيما ولا أرضى من الأرض مجهلا # ولكن أياد صادفتني جسامها ... أغر فوافت بي أغر محجلا # فطمع بنفسه إلى حيث ترى، وجعل الغرة من كسبه وهي في الوجه مشهورة ~~والتحجيل من زيادات الممدوح، وهو في القوائم. # وقد سبق إلى هذا المعنى أبو نخلة السعدي فقال يمدح مسلمة بن عبد الملك: # وأحييت من ذكري، وما كان خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض # وقد حكى أن امرأ القيس نفاه أبوه لما قال الشعر، وغفل أكثر الناس عن ~~السبب، وذلك أنه كان خليعا، ومتهتكا، شبب بنساء أبيه، وبدأ وبهذا الشر ~~العظيم، واشتغل بالخمر والزنا عن الملك والرياسة، فكان إليه من أبيه ما ~~كان، ليس من جهة الشعر، لكن من جهة الغي والبطالة؛ فهذه العلة، وقد جاوزت ~~كثيرا من الناس ومرت عليهم صفحا. # وأما تفسير القول الآخر في السري والدني؛ فإنه إذا بلغت بالدنى نفسه، ~~وطمحت به همته إلى أن يصنع الشعر الذي هو أخو الأدب، وتجارة العرب، تكافأ ~~به الأيادي، ويحل به صدر النادي، ويرفع صوته على من فوقه، ويزيده في القدر ~~على ما استحقه فقد صار سريا، على أن القائل، فإن كان المقول له فذلك أعظم ~~مزية، وأشرف خطة ومنزلة، وإذا انحطت بالسري همته، وقصرت مروءته، إلى أن ~~يصنع الشعر ليتكسب به المال ويكافئ به الأيادي دون غيره وهو ms016 يعلم أنه أبقى ~~من المال، وأنفس ذخائر الرجال، وأنه إن خاطب به من فوقه فقد رضي بالضراعة، ~~وإن خاطب به كفأه ونظيره فقد نزل عن المساواة، وإن خاطب به من دونه سقط ~~جملة ذلك على أن يكون شعره مزحا أو عتابا، وأما أن يكون هجاء فأبقى لخزيه ~~وأضل لسعيه. # وسأذكر ممن رفعه أو ممن وضعه ما قال أو قيل فيه من الشعر بعض من ذكر ~~الناس؛ لئلا أخلي الكتاب من ذلك، وإن كنت حريصا على الإيجاز والاختصار. # فممن رفعه ما قال من القدماء الحارث بن حلزة اليشكري، وكان أبرص، فأنشد ~~الملك عمرو بن هند قصيدته: # آذنتنا ببينها أسماء # وبينه وبينه سبعة حجب؛ فما زال يرفعها حجابا فحجابا لحسن ما يسمع من شعره ~~حتى لم يبق بينهما حجاب، ثم أدناه وقربه، وأمثاله كثير. # ومن المخضرمين حسان بن ثابت رحمه الله، لم تكن له ماتة ولا سابقة في ~~الجاهلية والإسلام إلا شعره، وقد بلغ من رضا الله عز وجل ورضا نبيه عليه ~~الصلاة والسلام ما أورثه الجنة. # ومن الفحول المتأخرين الأخطل واسمه غياث بن غوث، وكان نصرانيا من تغلب ~~بلغت به الحال في الشعر إلى أن نادم عبد الملك بن مروان، وأركبه ظهر جرير ~~بن عطية بن الخطفي، وهو تقي مسلم، وقيل: أمره بذلك بسبب شعر فاخره فيه بين ~~يديه وطول لسانه، حتى قال مجاهرا: لعنة الله عليه، لا يستتر في الطعن على ~~الدين والاستخفاف بالمسلمين: # ولست بصائم رمضان طوعا ... ولست بآكل لحم الأضاحي # ولست بزاجر عنسا بكورا ... إلى بطحاء مكة للنجاح # ولست مناديا أبدا بليل ... كمثل العير " حي على الفلاح " # ولكني سأشربها شمولا ... وأسجد قبل منبلج الصباح # وهذه غاية عظيمة ومنزلة غريبة حملت من المسامحة في الدين على مثل ما نسمع ~~والملوك ملوك بزعمهم. وهجا الأنصار ليزيد بمن معاوية، لما شبب عبد الرحمن ~~بن حسان بن ثابت بعمته فاطمة بنت أبي سفيان وقيل: بل بأخته هند بنت معاوية ~~قيل: ولولا شعره لقتل دون أقل من ذلك.. وقد رد على جرير أقبح ms017 رد، وتناول من ~~أعراض المسلمين وأشرافهم، ما لا ينجو مع مثله علوي، فضلا عن نصراني. # ومن المحدثين أبو نواس، كان نديما للأمين محمد بن زبيدة طول خلافته.. ~~ومسلم بن الوليد صريع الغواني، اتصل بذي الرياستين ومات على جرجان وكان ~~تولاها على يديه.. والبحتري، كان نديما للمتوكل لا يكاد يفارقه، وبمحضره ~~قتل المتوكل. وكثير ممن أكتفي بهؤلاء عن ذكره. # وقد خطب أبو الطيب هذه الرتبة إلى كافور الإخشيدي، فوعده بها وأجابه ~~إليها، ثم خافه لما رأى من تحامله وكبره، واقتضاه أبو الطيب مرارا، وعاتبه ~~فما وجد عنده راحة.. فمن ذلك قوله يقتضيه: PageV01P009 وهبت على مقدار كفي ~~زماننا ... ونفسي على مقدار كفيك تطلب # إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية ... فجودك يكسوني وشغلك يسلب # وقوله يقتضيه أيضا ويعاتبه من قصيدة مشهورة: # ولي عند هذا الدهر حق يلطه ... وقد قل إعتاب وطال عتاب # ثم قال بعد أبيات: # أرى لي بقربي منك عينا قريرة ... وإن كان قربا بالبعاد يشاب # وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب # أقل سلامي حب ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب # وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب # وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوى يبغي عليه ثواب # وما شئت إلا أن أذل عواذلي ... على أن رأيي في هواك صواب # وأعلم قوما خالفوني فشرقوا ... وغربت أني قد ظفرت وخابوا # فهؤلاء رفعهم ما قالوه من الشعر؛ فنالوا الرتب، واتصلوا بالملوك، وليس ~~ذلك ببدع للشاعر ولا عجيب منه. وقد كنت صنعت بين يدي سيدنا من أمر العالي ~~زاده الله علوا: # الشعر شيء حسن ... ليس به من حرج # أقل ما فيه ذها ... ب الهم عن نفس الشجي # يحكم في لطافة ... حل عقود الحجج # كم نظرة حسنها ... في وجه عذر سمج # وحرقة بردها ... عن قلب صب منضج # ورحمة أوقعها ... في قلب قاس حرج # وحاجة يسرها ... عند غزال غنج # وشاعر مطرح ... مغلق باب الفرج # قربه لسانه ... من ملك متوج # فعلموا أولادكم ... عقار طب المهج # وطائفة أخرى ms018 نطقوا في الشعر بألفاظ صارت لهم شهرة يلبسونها، وألقابا ~~يدعون بها فلا ينكرونها: منهم عائد الكلب، واسمه عبد الله بن مصعب، كان ~~واليا على المدينة للرشيد، لقب بذلك لقوله: # مالي مرضت فلم يعدني عائد ... منكم، ويمرض كلبكم فأعود؟! # والممزق، واسمه شاس بن نهار، لقب بقوله لعمرو بن هند: # فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي ... وإلا فأدركني ولما أمزق # وقد تمثل بهذا البيت عثمان بن عفان رضي الله عنه في رسالة كتب بها علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه. # ولقب مسكين الدرامي واسمه ربيعة، من ولد عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد بن ~~عبد الله بن درام بقوله: # أنا مسكين لمن أبصرني ... ولمن حاورني جد نطق # فلما سمي مسكينا قال: # وسميت مسكينا وكانت لجاجة ... وإني لمسكين إلى الله راغب # وإني امرؤ لا أسأل الناس مالهم ... بشعري، ولا تعمى علي المكاسب # وإنما هذا لمكان الشعر من قلوب العرب، وسرعة ولوجه في آذانهم، وتعلقه ~~بأنفسهم. # ومنهم من سمي بلفظة من شعره لشناعتها، مثل النابغة الذبياني واسمه زياد ~~بن عمرو وسمي نابغة لقوله: # فقد نبغت لنا منهم شئون # وأما الجعدي واسمه قيس بن عبد الله فإنما نبغ بالشعر بعد أربعين سنة فسمي ~~نابغة لذلك. # وجران العود، سمي بذلك لقوله: # عمدت لعود فالتحيت جرانه ... وللكيس خير في الأمور وأنجح # خذا حذرا يا خلتي فإنني ... رأيت جران العود قد كان يصلح # يخاطب امرأتيه، وقد تركتاه ونشزتا عليه؛ فلزمه هذا الاسم وذهب اسمه كرها. # كذلك أبو العيال، لا يعرف له اسم غير هذا؛ ولقوله: # ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال؛ يطرح نفسه كل مطرح # ليبلغ عذرا أو يصيب رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح # أمثالهم ممن ذكره المؤلفون لا يحصون كثرة، وليسوا من هذا الباب في شيء؛ ~~لأن غلبة هذه الأسماء عليهم ليست شرفا لهم ولا ضعة، وإنما هي من جهة ~~الشناعة فقط، ولكن الكلام ذو شجون. PageV01P010 ومن ههنا عظم الشعر، وتهيب ~~أهله، خوفا من بيت سائر تحدى به الإبل، أو لفظة شاردة ms019 يضرب بها المثل، ~~ورجاء في مثل ذلك؛ فقد رفع كثيرا من الناس ما قيل فيهم من الشعر بعد الخمول ~~والإطراح، حتى افتخروا بما كانوا يعيرون به ووضع جماعة من أهل السوابق ~~والأقدار الشريفة حتى عيروا بما كانوا يفتخرون به. # فمن رفعه ما قيل فيه من الشعر بعد الخمول الملحق، وذلك أن الأعشى قدم مكة ~~وتسامح الناس به، وكانت للمحلق امرأة عاقلة وقيل: بل أم فقالت له: إن ~~الأعشى قدم، وهو رجل مفوه، مجدود في الشعر ما مدح أحدا إلا رفعه، ولا هجا ~~أحدا إلا وضعه وأنت رجل كما علمت فقيرا خامل الذكر ذو بنات، وعندنا لقحة ~~نعيش بها فلو سبقت الناس إليه فدعوته إلى الضيافة ونحرت له واحتلت لك فما ~~تشتري به شرابا يتعاطاه؛ لرجوت لك حسن العاقبة، فسبق إليه المحلق، فأنزله ~~ونجر له، ووجد المرأة قد خبزت خبزا وأخرجت نحيا فيه سمن وجاءت بوطب لبن، ~~فلما أكل الأعشى وأصحابه، وكان في عصابة قيسية، قدم إليه الشراب واشتوى له ~~من كبد الناقة، وأطعمه من أطايبها، فلما جرى فيه الشراب وأخذت منه الكأس ~~سأله عن حاله وعياله فعرف البؤس في كلامه، وذكر البنات، فقال الأعشى: كفيت ~~أمرهن، وأصبح بعكاظ ينشد قصيدته: # أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي معشق # ورأى المحلق اجتماع الناس، فوقف يستمع، وهو لا يدري أين يريد الأعشى ~~بقوله، إلى أن سمع: # نفى الذم عن آل المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق # ترى القوم فيها شارعين، وبينهم ... مع القوم ولدان من النسل دردق # لعمري قد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار باليفاع تحرق # تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق # رضيعي لبان ثدي أم تحالفا ... بأسحم داج عوض لا نتفرق # ترى الجود يجري ظاهرا فوق وجهه ... كما زان متن الهندواني رونق # فما أتم القصيدة إلا والناس ينسلون إلى الملحق يهنئونه، والأشراف من كل ~~قبيلة يتسابقون إليه جريا يخطبون بناته؛ لمكان شعر الأعشى، فلم تمس منهن ~~واحدة إلا في عصمة رجل أفضل من أبيها ms020 ألف ضعف. # وكذلك بنو أنف الناقة، كانوا يفرقون من هذا الاسم، حتى إن الرجل منهم ~~يسأل: ممن هو؟ فيقول: من بني قريع، فيتجاوز جعفرا أنف الناقة بن قريع بن ~~عوف بن مالك ويلغي ذكره فرارا من هذا اللقب، إلى أن نقل الحطيئة واسمه جرول ~~بن أوس أجدهم وهو بغيض بن عامر بن لؤي بن شماس بن جعفر أنف الناقة من ضيافة ~~الزبرقان بن بدر إلى ضيافته وأحسن إليه فقال: # سيري أمام فإن الأكثرين حصا ... والأكرمين إذا ما ينسبون أبا # قوم هم الأنف، والأذناب غيرهم ... ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا؟ # فصاروا يتطاولون بهذا النسب ويمدون به أصواتهم في جهارة. # وإنما سمي جعفر أنف الناقة لأن أباه قسم ناقة جزورا ونسيه، فبعثته أمه ~~ولم يبق إلا رأس الناقة، فقال له أبوه: شأنك بهذا، فأدخل أصابعه في أنف ~~الناقة وأقبل يجره، فسمي بذلك. # ومثل هاتين القصتين قصة عرابة الأوسي مع الشماخ، وقد تقدم ذكرها. # وممن وضعه ما قيل فيه الشعر حنى انكسر نسبه، وسقط عن رتبته، وعيب بفضيلته ~~بنو نمير، وكانوا جمرة من جمرات العرب، إذا سئل أحدهم: ممن الرجل؟ فخم لفظه ~~ومد صوته وقال: من بني نمير، إلى أن صنع جرير قصيدته التي هجا بها عبيد بن ~~حصين الراعي، فسهر لها، وطالت ليلته إلى أن قال: # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا # فأطفأ سراجه ونام وقال: قد والله أخزيتهم آخر الدهر، فلم يرفعوا رأسا ~~بعدها إلا نكس بهذا البيت، حتى إن مولى لباهلة، كان يرد سوق البصرة ممتارا ~~فيصيح به بنو نمير: يا جواذب باهلة، فقص الخبر على مواليه، وقد ضجر من ذلك، ~~فقالوا له: إذا نبزوك فقل لهم: # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا # ومر بهم بعد ذلك فنبزوه، وأراد البيت فنسيه، فقال: غمض وإلا جاءك ما ~~تكره، فكفوا عنه ولم يعرضوا له بعدها. # ومرت امرأة ببعض مجالس بني نمير فأداموا النظر إليها، فقالت: PageV01P011 ~~قبحكم الله يا بني نمير! ما قبلتم قول الله ms021 عز وجل: " قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم " ولا قول الشاعر " # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا # وهذه القصيدة تسميها العرب الفاضحة، وقيل: سماها جرير الدماغة، تركت بني ~~نمير ينتسبون بالبصرة إلى عامر بن صعصعة، ويتجاوزون أباهم نميرا إلى أبيه، ~~هربا من ذكر نمير، وفرارا مما وسم به من الفضيحة والوصمة. # والربيع بن زياد، كان من ندماء النعمان بن المنذر، وكان فحاشا عيابا بذيا ~~سبابا لا يسلم منه أحد ممن يفد على النعمان، فرمي بلبيد وهو غلام مراهق ~~فنافسه وقد وضع الطعام بين يدي النعمان، وتقدم الربيع وحده ليأكل معه على ~~عادته، فقام لبيد فقال مرتجلا: # يا رب هيجا هي خير من دعة ... نحن بني أم البنين الأربعه # ونحن خير عامر بن صعصعه ... المطعمون الجفنة المدعدعه # والضاربون الهام تحت الخيضعه ... مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه # فقال النعمان: ولمه؟ فقال: # إن استه من برص ملمعه # فقال النعمان: وما علينا من ذلك؟ فقال: # إنه يولج فيها إصبعه # يولجها حتى يواري أشجعه ... كأنما يطلب شيئا أودعه # ويروي أطمعه فرفع النعمان يده عن الطعام، وقال: ما تقول يا ربيع؟ فقال: ~~أبيت اللعن كذب الغلام، فقال لبيد: مره فليجب، فقال النعمان: أجبه يا ربيع، ~~فقال: والله لما تسومني أنت من الخسف أشد علي مما عضهني به الغلام، فحجبه ~~بعد ذلك، وسقطت منزلته، وأراد الاعتذار، فقال النعمان: # قد قيل ما قيل إن حقا وإن كذبا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا؟؟ # وبنو العجلان، كانوا يفخرون بهذا الاسم لقصة كانت لصاحبه في تعجيل قرى ~~الأضياف، إلى أن هجاهم به النجاشي فضجروا منه، وسبوا به، واستعدوا عليه عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه، فقالوا: يا أمير المؤمنين هجانا، فقال: وما قال؟ ~~فأنشدوه: # إذا الله عادى أهل لؤم ورقة ... فعادى بني عجلان رهط ابن مقبل # فقال عمر بن الخطاب: إنما دعا عليكم ولعله لا يجاب، فقالوا: إنه قال: # قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل # فقال عمر رضي الله عنه: ليتني من هؤلاء، ms022 أو قال: ليت آل الخطاب كذلك، أو ~~كلاما يشبه هذا، قالوا: فإنه قال: # ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوراد عن كل منهل # فقال عمر: ذلك أقل للسكاك، يعني الزحام، قالوا: فإنه قال: # تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ... وتأكل من كعب بن عوف ونهشل # فقال عمر: كفى ضياعا من تأكل الكلاب لحمه، قالوا: فإنه قال: # وما سمي العجلان إلا لقولهم ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل # فقال عمر: كلنا عبد، وخير القوم خادمهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين هجانا، ~~فقال: ما أسمع ذلك، فقالوا: فاسأل حسان بن ثابت، فسأله فقال: ما هجاهم ولكن ~~سلح عليهم، وكان عمر رضي الله عنه أبصر الناس بما قال النجاشي، ولكن أراد ~~أن يدرأ الحد بالشبهات، فلما قال حسان ما قال سجن النجاشي، وقيل: إنه حده. # وهذه جملة كافية، ونبذة مقنعة، فيما قصدت إليه من هذا الباب. # باب من قضى له الشعر ومن قضى عليه # أنشد النابغة الجعدي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قصيدة يقول ~~فيها: # علونا السماء عفة وتكرما ... وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا # فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: أين المظهر يا أبا ليلى؟ فقال: ~~الجنة بك يا رسول الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أجل إن شاء ~~الله، فقضت له دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وسبب ذلك شعره. # وأنشده حسان بن ثابت حين جاوب عنه أبا سفيان بن الحارث بقوله: # هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء # فقال له: جزاؤك عند الله الجنة يا حسان، فلما قال: # فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء # قال له: وقاك الله حر النار، فقضى له بالجنة مرتين في ساعة واحدة، وسبب ~~ذلك شعره. PageV01P012 ولما تنافر عامر بن الطفيل وعلقمة بن علائة أقاما ~~عند هرم بن قطبة بن سنان سنة لا يقضي لأحدهما على الآخر، إلى أن قدم الأعشى ~~وكانت لعامر عنده يد فقال: # علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر # إن تسد الحوص فلم ms023 تعدهم ... وعامر ساد بني عامر # حكمتموه فقضى بينكم ... أزهر مثل القمر الباهر # لا يقبل الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر # فرواه الناس، وافترقوا وقد نفر عامر على علقمة بحكم الأعشى في شعره وكان ~~في رأي هرم على قول أكثر الناس خلاف ذلك. # وإلى هذا وأشباهه أشار أبو تمام الطائي بقوله في صفة الشعر: # يرى حكمة ما فيه وهو فكاهة ... ويقضى بما يقضي به وهو ظالم # وكانت لرجل شهادة عند أبي دلامة، فدعاه إلى تبليغها عند القاضي بن أبي ~~ليلى، فقال له: إن شهادتي لا تنفعك عنده، فقال الرجل: لا بد من شهادتك، ~~فشهد عند القاضي وانصرف وهو يقول: # إذا الناس غطوني تغطيت دونهم ... وإن بحثوا عني ففيهم مباحث # فقضى القاضي على الخصم بشهادة أبي دلامة، وقبض المشهود له المال، وغرمه ~~القاضي للمشهود عليه تحرجا من ظلمه، ويقال: إنما شهد لطبيب عالج ولده من ~~علة به، وأمره أن يدعي على من شاء بألف درهم، ففعل الطبيب وشهد أبو دلامة، ~~وهذا أشبه بمجونه من الأول. # وذكر العتبي أن رجلا من أهل المدينة ادعى حقا على رجل، فدعاه إلى ابن ~~حنطب قاضي المدينة، فقال: من يشهد بما تقول؟ فقال: زنقطة، فلما ولي قال ~~القاضي: ماشهادته له إلا كشهادته عليه، فلما جاء زنقطة القاضي قال له: فداك ~~أبي وأمي، أحسن والله الشاعر حيث يقول: # من الحنطبيين الذين وجوههم ... دنانير مما شيف في أرض قيصرا # فأقبل القاضي على الكاتب، فقال: كبير ورب السماء، ما أحسبه شهد إلا بالحق ~~فأجز شهادته. # وخاصم جرير بن الخطفي الحماني الشاعر إلى قاضي اليمامة، فقال في أبيات ~~رجز بها: # أعوذ بالله العلي القهار ... من ظلم حمان وتحويل الدار # فقال الحماني مجيبا له: # ما لكليب من حمى ولا دار ... غير مقام أتن وأعيار # قب البطون داميات الأظفار ويروي قعس الظهور داميات الأظفار فقال جرير: ~~مقام أتنى وأعياري لا أريد غيره، وقد اعترف به، فقال القاضي: هي لجرير، ~~وقضى على الحماني بشعره الذي قال. # وكان الفرزدق يجلس إلى الحسن البصري، فجاءه ms024 رجل فقال: يا أبا سعيد، إنا ~~نكون في هذه البعوث والسرايا فنصيب المرأة من العدو وهي ذات زوج أفتحل لنا ~~من قبل أن يطلقها زوجها؟ فقال الفرزدق: قد قلت أنا مثل هذا في شعري، فقال ~~الحسن: وما قلت؟ قال: قلت: # وذات حليل أنكحتنا رماحنا ... حلالا لمن يبني بها لم تطلق # فقال الحسن: صدق، فحكم بظاهر قوله، وما أظن الفرزدق والله أعلم أراد ~~الجهاد في العدو المخالف للشريعة، لكن أراد مذهب الجاهلية في السبايا. كأنه ~~يشير إلى العزة وشدة البأس. # وقيل: إن عمر بن الخطاب كان يتعجب من قول زهير: # فإن الحق مقطعه ثلاث ... أداء أو نفار أو جلاء # وسمي زهير قاضي الشعراء بهذا البيت، يقول: لا يقطع الحق إلا الأداء، أو ~~النفار وهو الحكومة أو الجلاء وهو العذر الواضح ويروي يمين أو نفار وهذه ~~الثلاث على الحقيقة هي مقاطع الحق كما قال، على أنه جاهلي، وقد وكدها ~~الإسلام. # باب شفاعات الشعراء، وتحريضهم # قال عبد الكريم: عرضت قتيلة بنت النضر بن الحارث للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو يطوف، فاستوقفته وجذبت رداءه حتى انكشف منكبه، وقد كان قتل أباها، ~~فأنشدته: # يا راكبا أن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة، وأنت موفق # أبلغ به ميتا بأن قصيدة ... ما إن تزال بها الركائب تخفق # مني إليه، وعبرة مسفوحة ... جادت لمائحها وأخرى تخنق # فليسمعن النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق # ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق # قسرا يقاد إلى المنيه متعبا ... رسف المقيد وهو عان موثق PageV01P013 ~~أمحمد ها أنت نجل نجيبة ... من قومها والفحل فحل معرق # ما كان ضرك لو مننت، وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق # والنضر أقرب من قتلت وسيلة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت سمعت شعرها هذا ما قتلته. # ولما قتل الحارث بن أبي شمر الغساني المنذر بن ماء السماء وهو المنذر ~~الأكبر، وماء السماء أمه أسر جماعة من أصحابه، وكان فيمن أسر شاس بن عبدة ~~في تسعين ms025 رجلا من بني تميم، وبلغ ذلك أخاه علقمة بن عبدة الشاعر صاحب امرئ ~~القيس، وهو معروف بعلقمة الفحل، فقصد الحارث ممتدحا بقصيدته المشهورة التي ~~أولها: # طحا بك قلب بالحسان طروب ... بعيد الشباب عصر خان مشيب # فأنشده إياها، حتى إذا بلغ إلى قوله: # إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتي ... لكلكلها والقصريين وجيب # إليك أبيت اللعن كان وجيفها ... بمشتبهات هولهن مهيب # هداني إليك الفرقدان ولا حب ... له فوق أعلام المتان علوب # فلا تحرمني نائلا على جناية ... فإني امرؤ وسط القباب غريب # وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشاس من نداك ذنوب # فقال الحارث: نعم وأذنبة، وأطلق له شاسا أخاه، وجماعة أسرى بني تميم، ومن ~~سأل فيه أو عرفه من غيرهم. # وكان لأمية بن حرثان ولد اسمه كلاب، هاجر إلى البصرة في خلافة عمر رضي ~~الله عنه، فقال أمية: # سأستعدي على الفاروق ربا ... له عمد الحجيج إلى بساق # إن الفاروق لم يردد كلابا ... على شيخين هامهما زواقي # فكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري بإشخاص كلاب، فما شعر أمية إلا به يقرع ~~الباب. # وما زالت الشعراء قديما تشفع عند الملوك والأمراء لأبنائها وذوي قرابتها، ~~فيشفعون بشفاعتهم، وينالون الرتب بهم. # ودخل العماني الشاعر وهو أبو العباس محمد بن ذؤيب الفقيمي على الرشيد، ~~فأنشده أرجوزة يقول فيها: # قل للإمام المقتدي بأمه ... ما قاسم دون مدى ابن أمه # فقد رضيناه فقم فسمه # فقال الرشيد: ما رضيت أن أسميه وأنا قاعد حتى أقوم على رجلي، فقال له: يا ~~أمير المؤمنين، ما أردت قيام جسم لكن قيام عزم، فأمر الرشيد بإحضار القاسم ~~ولده، ومر العماني في إنشاده يهدر، فلما فرغ قال الرشيد للقاسم: أما جائزة ~~هذا الشيخ فعليك، وقد سألنا أن نوليك العهد، فأجبناه. # وشفع الطائي للواثق عند أبيه المعتصم في أن يوليه العهد، فقال: # فاشدد بهارون الخلافة؛ إنه ... سكن لوحشتها ودار قرار # بفتى بني العباس والقمر الذي ... حفته أنجم يعرب ونزار # كم العمومة والخئولة مجه ... سلفا قريش فيه والأنصار # هو نوء يمن منكم وسعادة ... وسراج ليل فيكم ونهار ms026 # فاقمع شياطين النفاق بمهتد ... ترضى البرية هديه والباري # ليسير في الآفاق سيرة رأفة ... ويسوسها بسكينة ووقار # فالصين منظوم بأندلس إلى ... حيطان رومية فملك ذمار # ولقد علمت بأن ذلك معصم ... ما كنت تتركه بغير سوار # واستعطف مالك بن طوق لقومه بني تغلب وكانوا أفسدوا في الطرق، فخافوه ~~واستشفعوا بأبي تمام فقال في قصيدة مشهورة يخاطب بها مالكا: # ورأيت قومك والإساءة منهم ... جرحى بظفر للزمان وناب # هم صيروا تلك البروق صواعقا ... فيهم، وذاك العفو سوط عذاب # فأقل أسامة جرمها، واصفح لها ... عنه، وهب ما كان للوهاب # رفدوك في يوم الكلاب، وشققوا ... فيه المزاد بجحفل كلاب # وهم بعين أباغ راشوا للوغى ... سهميك عند الحارث الحراب # وليالي الثرثار والحشاك قد ... جلبوا الجياد لواحق الأقراب # فمضت كهولهم، ودبر أمرهم ... أحداثهم تدبير غير صواب # لا رقة الحضر اللطيف غذتهم ... وتباعدوا عن فطنة الأعراب PageV01P014 ~~فإذا كشفتهم وجدت لديهم ... كرم النفوس وقلة الآداب # لك في رسول الله أعظم أسوة ... وأجلها في سنة وكتاب # أعطى المؤلفة القلوب رضاهم ... كرما، ورد أخائذ الأحزاب # فذكر أصحاب الأخبار أن هذه القصيدة وقعت من مالك أجل موقع فأجزل ثوابه ~~عليها، وقبل شفاعته، ورد القوم إلى رتبتهم ومنزلتهم، من بعد اليأس ~~المستحكم، والعداوة الشديدة. # وكان أبو قابوس الشاعر رجلا نصرانيا من أهل الحيرة منقطعا إلى البرامكة، ~~فلما أوقع الرشيد بجعفر صنع أبو قابوس أبياتا وأنشدها الرشيد يشفع عنده ~~للفضل بن يحيى: # أمين الله هب فضل بن يحيى ... لنفسك، أيها الملك الهمام # وما طلبي إليك العفو عنه ... وقد قعد الوشاة به وقاموا # أرى سبب الرضا عنه قويا ... على الله الزيادة والتمام # نذرت علي فيه صيام شهر ... فإن تم الرضا وجب الصيام # وهذا جعفر بالجسر تمحو ... محاسن وجهه ريح قتام # أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام # لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام # وما أبصرت قبلك يا بن يحيى ... حساما قده السيف الحسام # عقاب خليفة الرحمن فخر ... لمن بالسيف عاقبه الحمام # وقد اختلط هذا الشعر بشعرين في وزنه ورويه ومعناه: أحدهما لأشجع ms027 السلمي، ~~والآخر لسليمان أخي صريع، فالناس فيه مختلفون، وهذه صحته. فانظر إلى تجاسره ~~على مثل هذا الأمر العظيم من الشفاعة والرثاء. # واستعطف أبو الطيب سيف الدولة لبني كلاب وقد أغار عليهم فغنم الأموال ~~وسبى الحريم، فأتى بعضهم أبا الطيب يسأله أن يذكرهم له في شعره، ويشفع فيهم ~~فقال في قصيدة له مشهورة يخاطبه: # ترفق أيها المولى عليهم ... فإن الرفق بالجاني عتاب # فإنهم عبيدك حيث كانوا ... إذا تدعو لنائبة أجابوا # وعين المخطئين هم، وليسوا ... بأول معشر خطئوا فتابوا # وأنت حياتهم غضبت عليهم ... وهجر حياتهم لهم عقاب # وما جهلت أياديك البوادي ... ولكن ربما خفي الصواب # وكم ذنب مولده دلال ... وكم بعد مولده اقتراب # وجرم جره سفهاء قوم ... وحل بغير جارمه العذاب # وهذا من أفعال الشعراء قديم مشهور. وقد افتخر به البحتري فقال في قصيدة ~~له طويلة: # إن أبق أو أهلك فقد نلت التي ... ملأت صدور أقاربي وعداتي # وغنيت ندمان الخلائف: نابها ... ذكرى، وناعمة بهم نشواتي # وشفعت في الأمر الجليل إليهم ... بعد الجليل، فأنجحوا طلباتي # وصنعت في العرب الصنائع عندهم ... من رفد طلاب وفك عناة # وكان أبو عزة كثيرا ما يستنفر المشركين، ويحرض على قتال النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فأسر يوم بدر، وجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فشكا إليه ~~الفقر والعيال، فرق له، وخلى سبيله بعد أن عاهده ألا يعين عليه بشعره، ~~فأمسك عنه مدة، ثم عاد إلى حاله الأولى، فأسر يوم أحد، فخاطب النبي صلى ~~الله عليه وسلم بمثل خطابه الأول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ~~تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمدا مرتين " ثم قتله صبرا، وقال: " لا يلسع ~~المؤمن من جحر مرتين " . # وقال أوس بن حجر يغري النعمان بن المنذر ببني حنيفة؛ لأن شمر بن عمرو ~~السحيمي قتل المنذر، وهو حينئذ مع الحارث بن أبي شمر الغساني، وقال ابن ~~جنى: إنما قتل ابن النعمان: # نبئت أن بني حنيفة أدخلوا ... أبياتهم تامور قلب المنذر # ويروى أن بني سحيم فغزاهم النعمان، وقتل فيهم وسبى، وأحرق نخلهم، ويقال: ms028 ~~إنما أغرى بهم عمرو بن هند. # ودخل سديف بن ميمون على أبي العباس السفاح، وعنده سليمان بن هشام بن عبد ~~الملك وابناه، وفي رواية أخرى سليمان بن مروان وولدان له، وفي رواية ثالثة ~~إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك، فأنشده سديف: # لا يغرنك ما ترى من أناس ... إن بين الضلوع داء دويا PageV01P015 فضع ~~السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا # فقال سليمان: قتلتني يا شيخ قاتلك الله. ونهض أبو العباس فوضع المنديل في ~~عنق سليمان، وقتل من ساعته. # ودخل شبل بن عبد الله بن علي، وأنشده قصيدة له يقول فيها محرضا على بني ~~أمية، وعنده منهم ثمانون رجلا: # أقصهم أيها الخليفة واقطع ... عنك بالسيف شأفة الأرجاس # دلها أظهر التودد منها ... ولها منكم كحز المواسي # ولقد غاظني وغاظ سوائي ... قربها من نمارق وكراسي # أنزلوها بحيث أنزلها الل ... ه بدار الهوان والإتعاس # واذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس # والقتيل الذي بحران أمسى ... ثاويا بين غربة وتناسي # فلما سمع بذلك تنكر، وأمر بهم فقتلوا، وألقى عليهم البساط، وجلس للغذاء ~~وإن بعضهم يسمع أنينه لم يمت بعد، حكى ذلك جماعة من المؤلفين، واختلفوا في ~~رواية الشعر وحده؛ فأكثر الروايات موضع البيت الأول: # لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وأواس # ويروي وغراس وبعضها على ما في النسخة، ولا أدري كيف صحة ذلك، وعبد الله ~~لم يكن يدعى بالخلافة، اللهم إلا أن يكون ذلك حين أراد خلع المنصور. وأكثر ~~الناس يروي هذه الأبيات لسديف بن ميمون يخاطب أبا العباس السفاح، غير أن في ~~الرواية الأولى: # نعم شبل الهراس مولاك شبل ... لو نجا من حبائل الإفلاس # وهو يشهد لما روي أولا. # وحكى غيرهم قال: دخل العبدي الشاعر على عبد الله بن علي بفلسطين، وقد دعي ~~به، وعنده من بني أمية اثنان وثمانون رجلا، والغمر بن يزيد بن عبد الملك ~~جالس معه مصلاه، قال العبدي: فاستنشدني عبد الله بن علي فأنشدته قولي: # وقف المتيم في رسوم ديار # وهو مصغ مطرق حتى انتهيت إلى ms029 قولي: # أما الدعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أمية من دعاة النار # وبنو أمية دوحة ملعونة ... ولهاشم في الناس عود نضار # أأمي مالك من قرار فالحقي ... بالجن صاغرة بأرض وبار # ولئن رحلت لترحلن ذميمة ... وكذا المقام بذلة وصغار # قال: فرفع الغمر رأسه إلي، وقال: يا بن الزانية ما دعاك إلى هذا؟ وضرب ~~عبد الله بقلنسوة كانت على رأسه الأرض، وكانت العلامة بينه وبين أهل ~~خراسان، فوضعوا عليهم العمد حتى ماتوا، وأمر بالغمر فضربت عنقه صبرا. # وكان ابن حزم أميرا على المدينة، فتحامل على الأحوص الشاعر تحاملا شديدا، ~~فشخص إلى الوليد بن عبد الملك، فأنشده قصيدة يمتدحه فيها، فلما بلغ إلى ~~قوله كالذي يشتكي ابن حزم وظلمه: # لا ترثين لحزمي ظفرت به ... يوما ولو ألقي الحزمي في النار # الناخسين لمروان بذي خشب ... والداخلين على عثمان في الدار # فقال له الوليد: # صدقت والله، لقد غفلنا عن حزم وآل حزم، ثم كتب عهدا لعثمان بن حيان المري ~~على المدينة، وعزل ابن حزم، وأمر باستئصال أموالهم، وإسقاطهم جميعا من ~~الديوان. # ولما وثب إبراهيم بن المهدي على المأمون اقترض من التجار مالا كثيرا، ~~فكان فيه لعبد الملك الزيات عشرة آلاف دينار، فلما لم يتم أمره لوى التجار ~~أموالهم، فصنع محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب فيها المأمون، منها قوله: # تذكر أمير المؤمنين قيامه ... بأيمانه في الهزل منه وفي الجد # إذا هز أعواد المنابر باسته ... تغنى بليلى أو بمية أو هند # ووالله ما من توبة نزعت به ... إليك، ولا ميل إليك، ولا ود # وكيف بمن قد بايع الناس، والتقت ... ببيعته الركبان غورا إلى نجد!؟ # ومن صك تسليم الخلافة سمعه ... ينادي بها بين السماطين عن بعد # وأي امرئ سمى بها قط نفسه ... ففارقها حتى يغيب في اللحد؟ # وعرضها على إبراهيم وهو حينئذ خامل الذكر لم يتعلق بعد بالخدمة تعلقا ~~ينفع فسأله إبراهيم كتمانها، واستحلفه على ذلك، وأدى مال أبيه دون سائر ~~التجار، ومثل ذلك كثير لو تقصي لطال به الكتاب. # باب احتماء القبائل بشعرائها PageV01P016 كانت القبيلة من العرب ms030 إذا نبغ ~~فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن ~~بالمزاهر، كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان؛ لأنه حماية ~~لأعراضهم، وذب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم. وكانوا لا ~~يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج: فممن حمى قبيلته ~~زياد الأعجم، وذلك أن الفرزدق هم بهجاء عبد القيس، فبلغ ذلك زيادا وهو ~~منهم، فبعث إليه: لا تعجل وأنا مهد إليك هدية، فانتظر الفرزدق الهدية، ~~فجاءه من عنده: # فما ترك الهاجون لي إن هجوته ... مصحا أراه في أديم الفرزدق # ولا تركوا عظما يرى تحت لحمه ... لكاسره أبقوه للمتعرق # سأكسر ما أبقوا له من عظامه ... وأنكت مخ الساق منه وانتقي # فأنا وما تهدي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق # فلما بلغته الأبيات كف عما أراد، وقال: لا سبيل إلى هجاء هؤلاء ما عاش ~~هذا العبد فيهم. # وهجا عبد الله بن الزبعري السهمي بني قصي، فرفعوه برمته إلى عتبة بن ~~ربيعة؛ خوفا من هجاء الزبير بن عبد المطلب، وكان شاعرا مفلقا شديد العارضة ~~مقذع الهجاء، فلما وصل عبد الله إليهم أطلقه حمزة بن عبد المطلب وكساه، ~~فقال: # لعمرك ما جاءت بنكر عشيرتي ... وإن صالحت إخوانها لا ألومها # فرد جناة الشر؛ إن سيوفنا ... بأيماننا مسلولة لا نشيمها # فإن قصيا أهل مجد وعزة ... وأهل فعال لا يرام قديمها # هم منعوا يومي عكاظ نساءنا ... كما منع الشول الهجان قرومها # وكان الزبير غائبا بالطائف، فلما وصل إلى مكة وبلغه الخبر قال: # فلولا نحن لم يلبس رجال ... ثياب أعزة حتى يموتوا # ثيابهم سمال أو طمار ... بها ودك كما دسم الحميت # ولكنا خلقنا إذ خلقنا ... لنا الحبرات والمسك الفتيت # وهجا رجل من بني حرام الفرزدق، فجاء به قومه يقودونه إليه، فقال الفرزدق: # ومن يك خائفا لأذاة شعري ... فقد أمن الهجاء بنو حرام # هم قادوا سفيههم وخافوا ... قلائد مثل أطواق الحمام # وهجا الأحوص بن محمد الأنصاري رجلا من الأنصار يقال له ابن بشير وكان ~~مكثرا فاشترى هدية، ووفد بها على ms031 الفرزدق مستجيرا به، فأجاره، ثم قال: أين ~~أنت من الأحوص بن محمد؟ فقال: هو الذي أشكو، فأطرق الفرزدق ساعة ثم قال: ~~أليس الذي يقول: # ألا قف برسم الدار فاستنطق الرسما ... فقد هاج أحزاني وذكرني نعمى # قال: بلى، قال: والله لا أهجو شاعرا هذا شعره، فاشترى ابن بشير أنفس من ~~الهدية الأولى وقدم بها على جرير، فاستجاره فأجاره، ثم قال له: ما فعل ابن ~~عمك الأحوص بن محمد؟ قال: هو صاحبي الذي هجاني، قال: أليس القائل: # تمشى بشتمي في أكاريس مالك ... يشيد به كالكلب إذ ينبح النجما # قال: بلى، قال: والله لا أهجو شاعرا هذا شعره، فاشترى أكثر من الهديتين ~~وأهداها إلى الأحوص وصالحه. # ولهذا وأمثاله قال جرير لقومه يعاتبهم في قصيدة خاطب فيها أباه وجده ~~الخطفي ممتنا عليهم بنفسه: # بأي نجاد تحمل السيف بعد ما ... قطعت القوى من محمل كان باقيا؟ # بأي سنان تطعن القرن بعد ما ... نزعت سنانا من قناتك ماضيا؟ # ألا لا تخافا نبوتي في ملمة ... و خافا المنايا أن تفوتكما بيا # فقد كنت نارا يصطليها عدوكم ... وحرزا لما ألجأتم من ورائيا # وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شر عنكم بشماليا # وإني لعف الفقر مشترك الغنى ... سريع إذا لم أرض جاري انتقاليا # جريء الجنان لا أهاب من الردى ... إذا ما جعلت السيف من عن شماليا # وليست لسيفي في العظام بقية ... ولا السيف أشوى وقعة من لسانيا # وهذا الباب اكثر من أن يستقصى، ورغبتي في الاختصار، وإنما جئت منه ومن ~~سواه بلمحة تدل على المراد، وتبلغ في ذلك حد الاجتهاد. # باب من فأل الشعر وطيرته PageV01P017 تفاءل حسان بن ثابت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بفتح مكة فقال في كلمته المشهورة يخاطب بذلك مشركي أهل مكة ~~ويتوعدهم: # عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء # يبارين الأعنة مصغيات ... على أكتافها الأسل الظماء # تظل جيادنا متمطرات ... يلطمهن بالخمر النساء # ورأيت من يستحسن يلطمهن من لطمت الخبزة إذا نفضت عنها الرماد، فلما كان ~~يوم الفتح أقبل النساء يمسحن وجوه الخيل، وينفضن الغبار ms032 عنها بخمرهن، فقال ~~قائل: لله در حسان إذ يقول، وأنشد الأبيات. وروى قوم أن الناس أمروا بالسير ~~إلي كداء تفاؤلا بهذا البيت ليصح؛ فكان الأمر كما قال. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفاءل، ولا يتطير، ويحب الاسم الحسن، ~~وقال: " ثلاثة لا يسلم منهن أحد: الطيرة، والظن، والحسد " قيل له: فما ~~المخرج منهن يا رسول الله؟ قال: " إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، ~~وإذا حسدت فلا تبغ " . # ومن مليح ما وقع في التفاؤل ما حكى محمد بن الجراح، وذلك أن أبا الشمقمق ~~شخص مع خالد بن يزيد بن مزيد، وقد تقلد الموصل، فلما مر ببعض الدروب اندق ~~اللواء، فاغتم خالد لذلك وتطير منه، فقال أبو الشمقمق: # ما كان مندق اللواء لطيرة ... تخشى، ولا سوء يكون معجلا # لكن هذا العود أضعف متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا # فسري عن خالد، وكتب صاحب البريد بخبر ذلك إلى المأمون، فزاده ديار ربيعة، ~~وأعطى خالد أبا الشمقمق عشرة آلاف درهم. # وبغى جماعة من الكتاب على موسى بن عبد الملك، فأمر المتوكل بحبسه، قال: ~~فرأيت في النوم قائلا يقول: # أبشر فقد جاءت السعود ... أباد أعداءك المبيد # لم يظفروا بالذي أرادوا ... بل يفعل الله ما يريد # ووقف المتوكل منهم على أمر أوجب إيقاعه بهم، وأمر بإطلاقي وإعادتي إلى ~~أشرف رتبة. # ولا بد من ذكر ما يتطير منه في باب غير هذا. # وقال قيس المجنون: # قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا # فما مات حتى برص، ورأى في منامه قائلا يقول له: هذا ما تمنيت. ويقال: إن ~~المؤمل بن أميل لما قال: # شف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر # نام ذات ليلة صحيحا، فأصبح مكفوف البصر. # وتطير أبو الهول على جعفر بن يحيى البرمكي، فقال: # أصبحت محتاجا إلى ضرب ... في طلب العرف من الكلب # إذا شكا صب إليه الهوى ... قال له: مالي وللصب # أعنى فتى يطعن في ديننا ... يشب معه خشب الصلب # فكان من أمر جعفر ما كان. # وكان ms033 ابن الرومي كثير الطيرة: ربما أقام المدة الطويلة لا يتصرف تطيرا ~~بسوء ما يراه ويسمعه، حتى إن بعض إخوانه من الأمراء افتقده فأعلم بحاله في ~~الطيرة، فبعث إليه خادما اسمه إقبال ليتفاءل به، فلما أخذ أهبته للركوب قال ~~للخادم: انصرف إلى مولاك فأنت ناقص، ومنكوس اسمك لا بقا.. # وابن الرومي القائل: الفأل لسان الزمان، والطيرة عنوان الحدثان. وله فيه ~~احتجاجات وشعر كثير. # باب في منافع الشعر ومضاره # قد أكثر الناس في هذا الفن، ولا بد مع ذلك أن آتي منه بنبذ يقتضيها ترسيم ~~الكتاب وحق التأليف، وليست علي مطالبة، ولا قبلي حجة، في ذكر مضاره بعد ~~منافعه أو معها؛ إذ كانت الرغبة في تحسين الحسن ليتزيد منه، وتقبيح القبيح ~~لينتهى عنه. # وقد فرط في أول الكتاب من قول عائشة رضي الله عنها وقول سواها من الصحابة ~~ومن التابعين رحمة الله عليهم ورضوانه في الشعر ما فيه كفاية: من أنه كلام ~~يحسن فيه ما يحسن في الكلام،ويقبح منه ما يقبح في الكلام وبقدر حسنه وقبحه ~~يكون نفعه وضرره، والله المتعال. # حكى أبو العباس المبرد أن المأمون سمع منشدا ينشد قول عمارة بن عقيل بن ~~بلال بن جرير: # أأترك إن قلت دراهم خالد ... زيارته؟ إني إذا للثيم # فقال: أو قد قلت دراهم خالد؟ احملوا إليه مائتي ألف درهم، فدعا خالد ~~بعمارة، فقال: هذا مطر من سحابك، ودفع إليه عشرين ألفا. # ووجد أبو جعفر المنصور على أحد الكتاب وأمر به ليضرب، فقال: # ونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا PageV01P018 فخلى ~~سبيله إعجابا ببديهته. # وحمل بعض العمال إلى يزيد بن معاوية مالا جليلا، فقطع عليه قسيم الغنوي ~~فأخذه، وأمر يزيد بطلبه، فلما حصل بين يديه قال: ما حملك على الخروج علينا ~~وأخذ مال يحمل إلينا؟ قال: إذنك يا أمير المؤمنين أعزك الله، قال: ومتى ~~أذنت لك؟ قال: حين قلت وأنا أسمعك: # اعص العواذل وارم الليل عن عرض ... بذي سبيب يقاسي ليله خببا # كالسيد لم ينقب البيطار سرته ... ولم يدجه ولم يقطع له لببا # حتى ms034 تصادف مالا أو يقال فتى ... لاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا # فعصيت عواذلي، واسهرت ليلي، وأعلمت جوادي، فأصبت مالا قال: قد سوغناكه ~~فلا تعد. # وكان جميل بن محفوظ وأبو دهمان من عمال يحيى بن خالد، فوفد عليهما مرة ~~أبو الشمقمق واسمه مروان بن محمد فأكرمه أبو دهمان وأساء إليه جميل، فقال: # رأيت جميل الأزد قد عق أمه ... فناك أبو دهمان أم جميل # وتناظرا بعد ذلك في مال بين يدي يحيى بن خالد، فاستعلى جميل على أبي ~~دهمان في الخطاب، فقال له أبو دهمان: احفظ الصهر الذي جعله بيننا أبو ~~الشمقمق، فضحك يحيى بن خالد حتى فحص الأرض برجليه، وترك المال الذي تشاجرا ~~فيه. # وأتى مصعب بن الزبير بأسارى من أصحاب المختار، فأمر بقتلهم بين يديه، ~~فقام إليه أسير منهم فقال: أيها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة ~~إلى صورتك هذه الحسنة ووجهك المليح الذي يستضاء به فأتعلق بك وأقول: يا رب، ~~سل مصعبا فيم قتلني، فاستحيا مصعب وأمر بإطلاقه، فقال: أيها الأمير، اجعل ~~ما وهبت من حياتي في خفض ودعة من العيش، قال: قد أمرت لك بثلاثين ألف درهم، ~~قال: أشهدك أيها الأمير أن شطر هذا المال لعبد الله بن قيس الرقيات، قال: ~~ولم ذلك؟ قال: لقوله: # إنما مصعب شهاب من الله تجلت عن وجهه الظلماء # فضحك مصعب وقال: اقبض ما أمرنا لك به، ولابن قيس عندنا مثله، فما شعر عبد ~~الله بن قيس إلا وقد وافاه المال. # وحكى عن ابن شهاب الزهري قال: دعاني يزيد بن عبد الملك، وقد مضى شطر ~~الليل، فأتيته فزعا وهو على سطح، فقال: لا بأس عليك اجلس؛ فجلست واندفعت ~~جاريته حبابة تغني: # إذا رمت عنها سلوة قال شافع ... من الحب: ميعاد السلو المقابر # ستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة حب يوم تبلى السرائر # قال: لمن هذا الشعر؟ فقلت: للأحوص، قال: ما فعل الله به؟ قلت: محبوس ~~بدهلك، فكتب من ساعته بإطلاقه، وأمر له بأربعمائة دينار، وقدم إليه فأحسن ~~جائزته. # وممن ضره الشعر ms035 وكل من عند الله عز وجل وبمشيئته ومقدوره علي بن العباس ~~بن جريج الرومي: كان ملازما لأبي الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن ~~وهب، مخصوصا به، فاتصل ذلك بعبيد الله وسمع هجاءه، فقال لولده أبي الحسين: ~~أحب أن أرى ابن روميك هذا، فجمع بينهما فرأى رجلا لسانه أطول من عقله، ~~فأشار عليه بإبعاده، فقال: أخافه، قال: لم أرد إقصاءه ولكن بيت أبي أبي حية ~~النميري: # فقلنا لها في السر نفديك لا يرح ... صحيحا وإلا تقتليه فألممي # فحدث أبو القاسم ابن فراس بما كان من أبيه وكان ابن فراس من أشد الناس ~~عداوة لابن الرومي فقال له: أنا أكفيكه، فسم له لوزينجة فمات، وسبب ذلك ~~كثرة هجائه وبذاءته. # ودعبل بن علي الخزاعي: كان هجاء للملوك، جسورا على أمير المؤمنين، ~~متحاملا، لا يبالي ما صنع، حتى عرف بذلك، وطار اسمه فيه، فصنع على لسانه ~~بكر بن حماد التاهرتي، وقيل: غيره ممن كان دعبل يؤذيه ويهاجيه: # ملوك بني العباس في الكتب سبعة ... ولم تأتنا عن ثامن لهم كتب # كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة ... كرام إذا عدوا، وثامنهم كلب # وقال قوم: PageV01P019 بل صنعها دعبل نفسه، وكان المعتصم يعرف بالثامن ~~وبالمثمن أيضا، فبلغه ذلك، فأمر بطلبه، ففر منه إلى بلد بالسودان بناحية ~~المغرب وهي التي تعرف الآن بزويلة بني الخطاب فمات بها وهنالك قبره، وإلى ~~جانبه قبر عبد الله ابن شيخنا أبي عبد الله محمد بن جعفر النحوي رحمه الله، ~~هكذا يروى أصحابنا. وأما شعر البحتري فيشهد بخلاف هذا، وذلك أنه رثي دعبلا ~~وأبا تمام حبيبا الطائي فقال في أبيات هجا فيها الخثعمي الشاعر: # جدث على الأهواز يبعد دونه ... مسرى النعي، ورمة بالموصل # فالذي بالموصل أبو تمام حبيب لا شك لأنه مات بها وهو يتولى البريد للحسن ~~بن وهب، وكان يعنى به كثيرا، والآخر دعبل، ورأيت من يرويه: # شلو بأعلى عقر قوف تلفه ... هوج الرياح، ورمة بالموصل # والأول أعرف وأشبه بالصواب. # ووالبة بن الحباب: ذكر أن الرشيد أو غيره سأل من القائل: ms036 # ولها ولا ذنب لها ... حب كأطراف الرماح # في القلب يجرح دائبا ... فالقلب مكلوم النواح # فقال له بعض من حضر من العلماء: ذلك والبة بن الحباب يا أمير المؤمنين، ~~وأين تذهب عن معرفته؟ والله ما رأيت أرق منه شعرا، ولا أطيب نادرة، ولا ~~أكثر رواية، ولا أجزل معرفة بأيام العرب منه، فقال: لم يمنعني منه إلا بيتا ~~شعر قالهما وهما: # قلت لساقينا على خلوة ... أدن كذا رأسك من رأسيا # ونم على وجهك لي ساعة ... إني امرؤ أنكح جلاسيا # أتحب أن ينكحنا لا أم لك؟ قال: فغسلت أثوابي عرقا من شدة الحياء. # ويزيد ابن أم الحكم الثقفي: عهد له الحجاج على فارس، فأتاه يودعه، فقال ~~له: أنشدني، وقدر أنه يمدحه، فأنشده: # وأبى الذي سلب ابن كسرى راية ... بيضاء تخفق كالعقاب الطائر # فاسترد العهد منه، وقال لحاجبه: إذا رده عليك فقل له: أورثك أبوك مثل ~~هذا؟ فقال له الحاجب ذلك، فقال يزيد: قل للحجاج: # وورثت جدي مجده وفعاله ... وورثت جدك أعنزا بالطائف # وبمثل هذا السبب غضب سليمان بن عبد الملك على الفرزدق، وذلك أنه استنشده ~~لينشده فيه أو في أبيه، فأنشده مفتخرا عليه: # وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب # سروا يخبطون الريح وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوارذات الحقائب # إذا استوضحوا نارا يقولون: ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب # فتبين غضب سليمان، وكان نصيب حاضرا فأنشده: # أقول لركب قافلين رأيتهم ... قفا ذات أو شال ومولاك قارب # قفوا خبروني عن سليمان؛ إنني ... لمعروفه من أهل ودان طالب # فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # فقال: يا غلام، أعط نصيبا خمسمائة دينار، وألحق الفرزدق بنار أبيه، فخرج ~~الفرزدق مغضبا يقول: # وخير الشعر أكرمه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيد # وممن ضره الشعر وأهلكه سديف؛ فإنه طعن في دولة بني العباس بقوله لما خرج ~~محمد بن الحسن بالمدينة على أبي جعفر المنصور في أبيات له: # إنا لنأمل أن ترتد ألفتنا ... بعد التباعد والشحناء والإحن # وتنقضي دولة أحكام قادتها ... فينا كأحكام ms037 قوم عابدي وثن # فانهض ببيعتكم ننهض بطاعتنا ... إن الخلافة فيكم يا بني الحسن # فكتب المنصور إلى عبد الصمد بن علي بأن يدفنه حيا، ففعل، ويقال: إن ~~الأبيات لعبد الله بن مصعب نسبت إلى سديف وحملت عليه فقتل بسببها، وذلك ~~أشد. # وأحمق الشعراء عندي من أدخل نفسه في هذا الباب أو تعرض له، وما للشاعر ~~والتعرض للحتوف؟ وإنما هو طالب فضل، فلم يضيع رأس ماله؟ لا سيما وإنما هو ~~رأسه، وكل شيء يحتمل إلا الطعن في الدول، فإن دعت إلى ذلك ضرورة مجحفة ~~فتعصب المرء لمن هو في ملكه وتحت سلطانه أصوب، وأعذر له من كل جهة وعلى كل ~~حال، لا كما فعل سديف. # وأبو الطيب لما فر ورأى الغلبة قال له غلامه: لا يتحدث الناس عنك بالفرار ~~أبدا وأنت القائل: # الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والطعن والضرب والقرطاس والقلم ~~PageV01P020 فكر راجعا فقتل، وكان سبب ذلك هذا البيت.. # وكان كافور الإخشيدي قد وعد أبا الطيب بولاية بعض أعماله، فلما رأى ~~تعاظمه في شعره وسموه بنفسه خافه، وعوتب فيه، فقال: يا قوم، من ادعى النبوة ~~مع محمد صلى الله عليه وسلم لا يدعي المملكة مع كافور؟! حسبكم. # وزعم أبو محمد عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي أن أبا الطيب إنما سمي ~~متنبئا لفطنته، وقال غيره: بل قال: أنا أول من تنبأ بالشعر، وادعى النبوة ~~في بني القصيص. # والأخبار في هذا النوع كثيرة جدا، وإنما جئت بأقربها عهدا، وأشهرها في ~~كتب المؤلفين، مما يليق بالموضع ذكره. # باب تعرض الشعراء # كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه عالما بالشعر، قليل التعرض لأهله: ~~استعداه رهط تميم بن أبي بن مقبل على النجاشي لما هجاهم، فأسلم النظر في ~~أمرهم إلى حسان بن ثابت؛ فرارا من التعرض لأحدهما، فلما حكم حسان أنفذ عمر ~~حكمه على النجاشي كالمقلد من جهة الصناعة، ولم يكن حسان على علمه بالشعر ~~أبصر من عمر رضي الله عنه بوجه الحكم، وإن اعتل فيه بما اعتل، وقد مضت ~~الحكاية. # وكذلك صنع في هجاء الحطيئة الزبرقان بن ms038 بدر: سأل حسان ثم قضى على الحطيئة ~~بالسجن، وقيل: بل سجنه لمواقفته إياه وقوله: إن لكل مقام مقالا، فقال له: ~~أتهددني؟ امضوا به إلى السجن، فسجنه في حفرة من الأرض. # وسئل أبو عبيدة: أي الرجلين أشعر: أبو نواس، أم ابن أبي عيينة؟ فقال: أنا ~~لا أحكم بين الشعراء الأحياء، فقيل له: سبحان الله كأن هذا ما تبين لك! ~~فقال: أنا ممن لم يتبين له هذا؟؟!! وقيل: إن أول من لقب قريشا على شرفها، ~~وبعد ذكرها في العرب سخينة لحساء كانت تتخذه في الجاهلية عند اشتداد الزمان ~~خداش بن زهير حيث يقول: # يا شدة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا الليل والحرم # فذهب ذلك على أفواه الناس، حتى كان من التمازح به ما كان بين معاوية بن ~~أبي سفيان وبين الأحنف بن قيس التميمي، حين قال له: ما الشيء الملفف في ~~البجاد؟ فقال له: السخينة يا أمير المؤمنين، أراد معاوية قول الشاعر: # إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجئ بزاد # بخبز أو بلحم أو بتمر ... أو الشيء الملفف في البجاد # يريد وطب اللبن، وأراد الأحنف قول خداش بن زهير يا شدة ما شددنا... البيت ~~وحتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك الأنصاري: أترى الله ~~نسي قولك؟ يعني: # زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب # ولسير الشعر على الأفواه هذا المسير تجنب الأشراف ممازحة الشاعر خوف لفظة ~~تسمع منه مزحا فتعود جدا، كما قال دعبل الخزاعي: # لا تعرضن بمزح لامرئ طبن ... ما راضه قلبه أجراه في الشفة # فرب قافية بالمزح جارية ... في محفل لم يرد إنماؤها نمت # إني إذا قلت بيتا مات قائله ... ومن يقال له والبيت لم يمت # وقال رجل لابن الرومي يمازحه: ما أنت والشعر؟ لقد نلت منه حظا جسيما وأنت ~~من العجم، أراك عربيا في الأصل أو مدعيا في الشعر! قال: بل أنت دعي؛ إذ كنت ~~تنتسب عربيا ولم تحسن من ذلك شيئا، وله يقول من أبيات: # إياك يا بن ms039 بويب ... أن يستشار بويب # قد تحسن الروم شعرا ... ما أحسنته العريب # وهذا مثل قول الصيني الشاعر لبعض الأعراب وقد أنشد عبد الله بن طاهر ~~بحضرته شعرا، فقال له الأعرابي: ممن الرجل؟ فقال: من العجم، قال: ما للعجم ~~والشعر؟ أظن عربيا نزا على أمك، قال: فمن لم يقل منكم الشعر معشر العرب ~~فإنما نزا على أمه أعجمي!! فسكت الأعرابي. # وأنشد أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فقال: # وللشعراء ألسنة حداد ... على العورات موفية دليله # ومن عقل الكريم إذا اتقاهم ... وداراهم مداراة جميله # إذا وضعوا مكاويهم عليه ... وإن كذبوا فليس لهن حيله # والأبيات لأبي الدلهان. ولأمر ما قال طرفة: # رأيت القوافي تتلجن موالجا ... تضايق عنها أن تولجها الإبر # وقال امرؤ القيس: PageV01P021 وجرح اللسان كجرح اليد. ومع ذلك كله فلا ~~ينبغي للشاعر أن يكون شرسا، ولا حرجا عريضا؛ لما يدل به من طول لسانه وتوقف ~~الناس عن مخاشنته. # فهذا الفرزدق كان شاعر زمانه ورئيس قومه، لم يكن في جيله أطرف منه نادرة، ~~ولا أغرب مدحا، ولا أسرع جوابا: اجتاز بنسوة وهو على بغلة فهمزها فحبقت، ~~فتضاحكن، وكان عريضا، فقال: ما يضحككن وما حملتني أنثى قط إلا فعلت مثل ~~هذا؟ قالت إحداهن: فما صنعت التي حملتك تسعة أشهر؟ فانصرف خجلا. # ومر به رجل فيه لين، فقال له: من أين أقبلت عمتنا؟ فقال: نفاها الأغر بن ~~عبد العزيز، فكأن الفرزدق صب عليه الماء؛ لأنه عرض له بقول جرير فيه حين ~~نفاه عمر بن عبد العزيز من المدينة: # نفاك الأغر بن عبد العزيز ... وحقك تنفى من المسجد # وكان الفرزدق مرة ينشد، والكميت صبي، فأجاد الاستماع إليه، فقال له: يا ~~بني أيسرك أني أبوك؟ قال: أما أبي فلا أرى به بدلا، ولكن يسرني أنك أمي، ~~فأفحمه حتى غص بريقه، وزعم قوم أن هذه الحكاية إنما وقعت مع كثير. # ومر يوما بمضرس الفقعسي، وهو غلام حديث السن، ينشد الناس شعره فحسده على ~~ما سمعه منه، فقال له بعد كلام طويل فيه تعريض وتصريح: أدخلت أمك البصرة؟ ~~وفهم عنه ms040 مضرس ما أراد، فقال: كلا ولكن أبي! ورجع إلى إنشاده فاستحيا ~~الفرزدق، حكى ذلك شيخنا أبو عبد الله، وإنما أراد الفرزدق أنها إن دخلت ~~البصرة فقد وقعت عليها فأنت ابني، قال مضرس: بل أبي وقع على أمك. # ومثل هذا بعينه عرض للفرزدق مع الحطيئة؛ فإن الحطيئة قال له وقد سمعه ~~ينشد شعرا أعجبه: أنجدت أمك؟ قال: بل أنجد أبي!! ونظم ذلك جرير، ونعاه ~~عليه، وادعى أنه صحيح فقال: # كان الحطيئة جار أمك مرة ... والله يعلم شأن ذاك الجار # من ثم أنت إلى الزناء بعلة ... بأشر شيخ في جميع نزار # لا تفخرن بغالب ومحمد ... وافخر بعبس كل يوم فخار # وكان يزعم أن الحطيئة جاور لينة بنت قرطة فأعجبته فراودها فوقع عليها ~~وزوجها أخوها العلاء غالبا أبا الفرزدق وقد تبين حملها فولدت الفرزدق على ~~فراشه. # واحتذى هذا الحذو سواء أبو السمط مروان الأصغر بن أبي الجنوب بن مروان ~~أبي حفصة فقال يهجو علي بن الجهم بن بدر: # لعمرك ما الجهم بن بدر بشاعر ... وهذا علي بعده بصنع الشعرا # ولكن أبي قد كان جارا لأمه ... فلما تعاطى الشعر أوهمني أمرا # والشاعر أولى من كف منطقه، وأقال عثرات اللسان؛ لما رزق من القدرة على ~~الكلام، والعفو من القادر أحسن، وبه أليق " ولمن انتصر بعد ظلمه فاؤلئك ما ~~عليهم من سبيل؛ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير ~~الحق، أولئك لهم عذاب أليم، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور " . # باب التكسب بالشعر والأنفة منه # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنهاكم عن قيل وقال، وعن كثرة ~~السؤال، وإضاعة المال، وعقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات " . # وكانت العرب لا تتكسب بالشعر، وإنما يصنع أحدهم ما يصنعه فكاهة أو مكافأة ~~عن يد لا يستطيع أداء حقها إلا بالشكر إعظاما لها، كما قال امرؤ القيس بن ~~حجر يمدح بني تيم رهط المعلى: # أقر حشا امرئ القيس بن حجر ... بنو تيم مصابيح الظلام # لأن المعلى أحسن إليه وأجاره حين طلبه المنذر بن ماء ms041 السماء، لقتله بني ~~أبيه الذين قتل بدير مرينا، فقيل لبني تيم " مصابيح الظلام " من ذلك اليوم ~~لبيت امرئ القيس. وقال أيضا لسعد بن الضباب: # سأجزيك الذي دافعت عني ... وما يجزيك عني غير شكري # فأخبره أن شكره هو الغاية في مجازاته كما قدمت. # حتى نشأ النابغة الذبياني؛ فمدح الملوك، وقبل الصلة على الشعر، وخضع ~~للنعمان بن المنذر، وكان قادرا على الامتناع منه بمن حوله من عشيرته أو من ~~سار إليه من ملوك غسان، فسقطت منزلته، وتكسب مالا جسيما، حتى كان أكله ~~وشربه في صحاف الذهب والفضة وأوانيه من عطاء الملوك. # وتكسب زهير بن أبي سلمى بالشعر يسيرا مع هرم بن سنان. PageV01P022 فلما ~~جاء الأعشى جعل الشعر متجرا يتجر به نحو البلدان، وقصد حتى ملك العجم ~~فأثابه وأجزل عطيته علما بقدر ما يقول عند العرب، واقتداء بهم فيه، على أن ~~شعره لم يحسن عنده حين فسر له، بل استهجنه واستخف به، لكن احتذى فعل الملوك ~~ملوك العرب. # وأكثر العلماء يقولون: إنه أول من سأل بشعره، وقد علمنا أن النابغة أسن ~~منه وأقدم شعرا، وقد ذكر عنه من التكسب بالشعر مع النعمان بن المنذر مع ما ~~فيه من قبح: من مجاعلة الحاجب، ودس الندماء على ذكره بين يديه، وما أشبه ~~ذلك. # وذكر أن أبا عمرو بن العلاء سئل: لم خضع النابغة للنعمان؟ فقال: رغب في ~~عطائه وعصافيره. # وأما زهير فما بلغه الطائي قط معرفة باجتداء من يمدحه، ويدلك على ذلك ما ~~قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابنة زهير حين سألها: ما فعلت حلل هرم بن ~~سنان التي كساها أباك؟ قالت: أبلاها الدهر، قال: لكن ما كساه أبوك هرما لم ~~يبله الدهر، وقال عمر رضي الله عنه لبعض ولد هرم بن سنان: أنشدني ما قال ~~فيكم زهير، فأنشده، فقال: لقد كان يقول فيكم فيحسن، قال: يا أمير المؤمنين ~~إنا كنا نعطيه فنجزل، قال عمر: ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم. # ثم إن الحطيئة أكثر من السؤال بالشعر، وانحطاط الهمة فيه، والإلحاف، حتى ms042 ~~مقت وذل أهله وهلم جرا، إلى أن حرم السائل وعدم المسئول. # إلا بقايا من أناس بهم ... إلى سبيل المكرمات يهتدى # كالسيد أبي الحسن أحسن الله إلى الدنيا ببقائه. وأما أكثر من تقدم ~~فالغالب على طباعهم الأنفة من السؤال بالشعر، وقلة التعرض به لما في أيدي ~~الناس، إلا فيما لا يزرى بقدر ولا مروءة كالفلتة النادرة والمهمة العظيمة، ~~ولهذا قال عمر رضي الله عنه: نعم ما تعلمته العرب الأبيات من الشعر يقدمها ~~الرجل أمام حاجته. # ألا ترى أن لبيد بن ربيعة لما بعث إليه الوليد بن عقبة مائة من الإبل ~~ينحرها كعادته عند هبوب الصبا، وقد أسن وأقل، وكان يطعم الناس ما هبت ~~الصبا، قال لابنته: اشكري هذا الرجل فإني لا أجد نفسي تجيبني، ولقد أراني ~~لا أعيا بجواب شاعر، فقالت هذه الأبيات: # إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا # أغر الوجه أبيض عبشميا ... أعان على مروءته لبيدا # بأمثال الهضاب كأن ركبا ... عليها من بني حام قعودا # أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثريدا # فعد إن الكريم له معاد ... وظني بابن أروى أن يعودا # وعرضتها عليه فقال: لقد أجدت لولا أنك استعدت، كراهية في قولها: # فعد إن الكريم له معاد ويروى: لولا أنك استزدت. # وقالوا: كان الشاعر في مبتدأ الأمر أرفع منزلة من الخطيب؛ لحاجتهم إلى ~~الشعر في تخليد المآثر، وشدة العارضة، وحماية العشيرة، وتهيبهم عند شاعر ~~غيرهم من القبائل؛ فلا يقدم عليهم خوفا من شاعرهم على نفسه وقبيلته، فلما ~~تكسبوا به وجعلوه طعمة وتولوا به الأعراض وتناولوها صارت الخطابة فوقه، ~~وعلى هذا المنهاج كانوا حتى فشت فيهم الضراعة، وتطعموا أموال الناس، وجشعوا ~~فخشعوا، واطمأنت بهم دار الذلة، إلا من وقر نفسه وقارها، وعرف لها مقدارها، ~~حتى قبض تقي العرض مصون الوجه، ما لم يكن به اضطرار تحل به الميتة، فأما من ~~وجد البلغة والكفاف فلا وجه لسؤاله بالشعر. # فقد حكى عن ابن ميادة أنه مدح أبا جعفر المنصور بكلمته التي يقول فيها: # فوجدت حين لقيت أيمن طائر ms043 ... ووليت حين وليت بالإصلاح # وعفوت عن كسر الجناح ولم يكن ... لتطير ناهضة بغير جناح # قوم إذا جلب الثناء إليهم ... بيع الثناء هناك بالأرباح # وأتاه راعي إبله بلبن فشرب ثم مسح على بطنه وقد عزم على الرحلة فقال: ~~سبحان الله أأفد على أمير المؤمنين وهذه الشربة تكفيني؟!! وصرف وجهه عن ~~قصده، فلم يفد عليه، هذا على أنه ساقة الشعراء، فأنت ترى كبر نفسه، وبعد ~~همته. # على أن عبد الله بن عمر على جلالته، والحسن البصري، وعكرمة، ومالك بن أنس ~~المدني وجملة من أهل العلم غير هؤلاء، كانوا يقبلون صلات الملوك. # وقد سئل عثمان بن عفان رضي الله عنه عن مال السلطان، فقال: لحم طير زكي. ~~PageV01P023 والشعراء في قبولها مال الملوك أعذر من المتورعين وأصحاب ~~الفتيا؛ لما جرت به العادة قبل الإسلام وعلى عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبعده إلى أيام المنصور الذي أنف ابن ميادة أن يفد عليه. # وهكذا يروى عن جميل بن عبد الله بن معمر أنه ما مدح أحدا قط إلا ذويه ~~وقراباته، وأنه صحب الوليد بن عبد الملك في سفر، فكلفه أن يرجز به، وظن أنه ~~يمدحه فأنشأ يقول: # أنا جميل في السنام من معد ... في الذروة العلياء والركن الأشد # فقال له الوليد: اركب لا حملت. # وزعم محمد بن سلام الجمحي أنه مدح عبد العزيز بن مروان بقوله في شعره: # أبا مروان أنت فتى قريش ... وكهلهم إذا عد الكهول # توليه العشيرة ما عناها ... فلا ضيق الذراع ولا بخيل # كلا يوميه بالمعروف طلق ... وكل بلائه حسن جميل # وعمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وكان يشبه به من المولدين ~~العباس بن الأحنف، فإنه ممن أنف عن المدح تظرفا، وقال فيه مصعب الزبيري: ~~العباس عمر العراق، يريد أنه لأهل العراق كعمر بن أبي ربيعة لأهل الحجاز، ~~استرسالا في الكلام، وأنفة عن المدح والهجاء، واشتهر بذلك، فلم يكن يكلفه ~~إياه أحد من الملوك ولا الوزراء، وقد أخذ صلة الرشيد وغيره على حسن التغزل ~~ولطف المقاصد في التشبيب بالنساء. ms044 # وهذا باب قد احتذاه الكتاب في زماننا هذا إلا القليل، وقوم من شعراء ~~وقتنا أنا ذاكرهم في كتاب غير هذا، إن شاء الله. # وعلى كل حال فإن الأخذ من الملوك كما فعل النابغة، ومن الرؤساء الجلة كما ~~فعل زهير؛ سهل وخفيف. # فأما الحطيئة فقبح الله همته الساقطة على جلالة شعره وشرف بيته، وقد كانت ~~الشعراء ترى الأخذ ممن دون الملوك عارا، فضلا عن العامة وأطراف الناس. # قال ذو الرمة يهجو مروان بن أبي حفصة بذلك، ويفتخر عليه بأنه لا يقبل إلا ~~صلة الملك الأعظم وحده، هكذا رواه عبد الكريم وأنشده ابن عبد ربه أيضا: # عطايا أمير المؤمنين ولم تكن ... مقسمة من هؤلا وأولائكا # وما نلت حتى شبت إلا عطية ... تقوم بها مصرورة في ردائكا # وأنشد له أو لغيره: # وما كان مالي من تراث ورثته ... ولا دية كانت، ولا كسب مأثم # ولكن عطاء الله من كل رحلة ... إلى كل محجوب السرادق خضرم # وقال صاحب الكتاب: والذي أعرف أن سلم بن عمرو الخاسر كتب إلى مروان بن ~~أبي حفصة: # من مبلغ مروان عني رسالة ... مغلغلة لا تنثني عن لقائكا # حباني أمير المؤمنين بنفحة ... ثمانين ألفا طأطأت من حبائكا # ثمانين ألفا نلت من صلب ماله ... ولم تك قسما من أولى وأولائكا # فأجابه مروان عن ذلك فقال: # أسلم بن عمرو قد تعاطيت خطة ... تقصر عنها بعد طول عنائكا # وإني لسباق إذا الخيل كلفت ... مدى مائة أو غاية فوق ذلكا # فدع سابقا إن عاودتك عجاجة ... سنابكه أوهين منك سنابكا # رأيت أمرأ نال السها فحسدته ... فلم يبق إلا أن تموت بدائكا # طلبت من المهدي شطر حبائه ... فقال لك المهدي لست هنالكا # فما أعولت أم على ابن، ولا بكى ... على يوسف يعقوب مثل بكائكا # عضضت على كفيك حتى كأنما ... رزئت الذي أعطيت من صلب مالكا # حبيت بأوقار البغال، وإنما ... سراب الضحى ما تدعي من حبائكا # وما نلت حتى شبت إلا عطية ... تقوم بها مصرورة في ردائكا # وما عبت من قسم الملوك لشاعر ... به خص عفوا من أولى ms045 وأولائكا # وأقسم لولا ابن الربيع ورفده ... لما ابتلت الدلو التي في رشائكا # ومن قول مروان أيضا: # قد حبيت بألف ألف لم تكن ... إلا بكف خليفة ووزير # ما زلت آنف أن أؤلف مدحة ... إلا لصاحب منبر وسرير # ما ضرني حسد اللئام، ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذوو التقصير # وقال آخر فيما يناسب هذا ويشاكله، ويشد على يد من تمذهب به أو اعتقده: ~~PageV01P024 وإذا لم يكن من الذل بد ... فالق بالذل إن لقيت الكبارا # وافتخر بشار بن برد فقال: # وإني لنهاض اليدين إلى العلا ... قروع لأبواب الهمام المتوج # ويروى وإني لسوار اليدين أي: مرتفع. # باب تنقل الشعر في القبائل # ذكر أبو عبد الله محمد بن سلام الجمحي في كتاب الطبقات، وغيره من ~~المؤلفين، أن الشعر كان في الجاهلية في ربيعة، فكان منهم مهلهل بن ربيعة ~~واسمه عدي، وقيل: امرؤ القيس وإنما سمي مهلهلا لهلهلة شعره، أي: رقته ~~وخفته، وقيل: لاختلافه، وقيل: بل سمي بذلك لقوله: # لما توقل في الكراع شريدهم ... هلهلت أثأر جابرا أو صنبلا # ويروى لما توعر في الكلاب هجينهم قال أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري: ~~يعني بقوله هجينهم امرأ القيس بن حمام الذي ذكره امرؤ القيس في شعره حيث ~~يقول: # عوجا على الطل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حمام # وكان مهلهل تبعه يوم كلاب ففاته ابن حمام بعد أن تناوله مهلهل بالرمح، ~~وقد كان ابن حمام أغار على بني تغلب مع زهير بن جناب فقتل جابرا وصنبلا، ~~ويروي " لأننا " بمعنى لعلنا، وهي لغة فيما زعم بعض المؤلفين، والذي كنت ~~أعرف " لعننا " بالعين ونونين، وكذلك أعرف " ابن جذام " بذال معجمة، كذا ~~روى الجاحظ وغيره، ويروى " خذام " بالخاء والذال المعجمتين. وكان مهلهل أول ~~من قصد القصائد، قال الفرزدق بن غالب: ومهلهل الشعراء ذاك الأول وهو خال ~~امرئ القيس بن حجر الكندي الشاعر، وجد عمرو بن كلثوم الشاعر أبو أمه. # ومنهم المرقشان، والأكبر منهما عم الأصغر، والأصغر عم طرفة بن العبد، ~~واسم الأكبر عوف بن سعد، وعمرو بن قميئة ابن ms046 أخيه، ويقال: إنه أخوه، واسم ~~الأصغر عمرو بن حرملة، وقيل: ربيعة بن سفيان، وهذا أعرف. # ومنهم سعد بن مالك الذي يقول: # يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا # ولا أدري هل هو أبو عمرو بن قميئة الشاعر والمرقش الأكبر أم لا؟؟ وطرفة ~~بن العبد، وعمرو بن قميئة، والحارث بن حلزة، والمتلمس وهو خال طرفة، واسمه ~~جرير بن عبد المسيح والأعشى واسمه ميمون بن قيس بن جندل وخاله المسيب بن ~~علس واسم المسيب زهير ثم تحول الشعر في قيس فمنهم النابغتان، وزهير بن أبي ~~سلمى، وابنه كعب لأنهم ينسبون في عبد الله بن غطفان، واسم أبا سلمى ربيعة، ~~ولبيد، والحطيئة، والشماخ واسمه معقل بن ضرار وأخوه مزرد، واسمه جزء بن ~~ضرار، وقيل: بل اسمه يزيد وجزء أخوهما: وكان المزرد شريرا يهجو ضيوفه، وهجا ~~قومه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # تعلم رسول الله أنا كأنما ... أفأنا بأنمار ثعالب ذي صحل # تعلم رسول الله لم أر مثلهم ... أجر على الأدنى وأحرم للفضل # ومنهم خداش بن زهير. # ثم استقر الشعر في تميم، ومنهم كان أوس بن حجر شاعر مضر في الجاهلية، لم ~~يتقدمه أحد منهم، حتى نشأ النابغة وزهير فأخملاه، وبقي شاعر تميم في ~~الجاهلية غير مدافع، وكان الأصمعي يقول: أوس أشعر من زهير، ولكن النابغة ~~طأطأ منه، وكان زهير راوية أوس، وكان أوس زوج أم زهير. # وسئل حسان بن ثابت رضي الله عنه: من أشعر الناس؟ فقال: أرجلا أم حيا؟ ~~قيل: بل حيا، قال: أشعر الناس حيا هذيل. قال ابن سلام الجمحي: وأشعر هذيل ~~أبو ذؤيب غير مدافع، وحكى الجمحي قال: أخبرني عمر بن معاذ المعمري قال: في ~~التوراة مكتوب أبو ذؤيب مؤلف زورا، وكان اسم الشاعر بالسريانية، فأخبرت ~~بذلك بعض أصحاب العربية وهو كثير بن إسحاق فأعجب منه وقال: قد بلغني ذلك، ~~وقال الأصمعي: قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح الشعراء لسانا وأعذبهم أهل ~~السروات، وهن ثلاث وهي الجبال المطلة على تهامة مما يلي اليمن: فأولها ~~هذيل، وهي تلي ms047 السهل من تهامة، ثم بجيلة في السراة الوسطى، وقد شركتهم ثقيف ~~في ناحية منها، ثم سراة الأزد أزد شنوءة وهم بنو الحارث بن كعب بن الحارث ~~بن نصر بن الأزد، وقال أبو عمرو أيضا: أفصح الناس عليا تميم وسفلي قيس، ~~وقال أبو زيد: أفصح الناس سافلة العالية وعالية السافلة، يعني عجز هوازن، ~~قال: PageV01P025 ولست أقول قالت العرب إلا ما سمعت منهم، وإلا لم أقل قالت ~~العرب... وأهل العالية أهل المدينة ومن حولها ومن يليها ودنا منها، ولغتهم ~~ليست بتلك عنده. # وقوم يرون تقدمة الشعر لليمن: في الجاهلية بامريء القيس، وفي الإسلام ~~بحسان بن ثابت، وفي المولدين بالحسن بن هانيء وأصحابه: مسلم بن الوليد، ~~وأبي الشيص، ودعبل، وكلهم من اليمن، وفي الطبقة التي تليهم بالطائيين: حبيب ~~والبحتري، ويختمون الشعر بأبى الطيب، وهو خاتمة الشعراء لا محالة وكان ينسب ~~في كندة، وهي رواية ضعيفة، وإنما ولد في كندة بالكوفة فيما حكى ابن جنى، ~~وإلا فكان غامض النسب، فيقولون: بديء الشعر بكندة يعنون امرأ القيس وختم ~~بكندة يعنون أبا الطيب وزعم بعض المتأخرين أنه جعفي، وقوم منهم الصاحب بن ~~عباد يقولون: بديء الشعر بملك وختم بملك، يعنون امرأ القيس وأبا فراس ~~الحارث بن سعيد بن حمدان، وقال آخرون: بل رجع الشعر إلى ربيعة فختم بها كما ~~بدئ بها، يريدون مهلهلا وأبا فراس، وأشعر أهل المدر بإجماع من الناس واتفاق ~~حسان بن ثابت... وقال أبو عمرو بن العلاء: ختم الشعر بذي الرمة، والرجز ~~برؤية بن العجاج، وزعم يونس أن العجاج أشعر أهل الرجز والقصيد، وقال: إنما ~~هو كلام فأجودهم كلاما أشعرهم، والعجاج ليس في شعره شيء يستطيع أحد أن ~~يقول: لو كان في مكانه غيره لكان أجود، وذكر أنه صنع أرجوزته: قد جبر الدين ~~الإله فجبر فيها نحو مائتي بيت وهي موقوفة مقيدة، قال: ولو أطلقت قوافيها ~~وساعد فيها الوزن لكانت منصوبة كلها.. وقال أبو عبيدة: إنما كان الشاعر ~~يقول من الرجز البيتين والثلاثة ونحو ذلك، إذا حارب أو شاتم أو فاخر، حتى ~~كان ms048 العجاج أول من أطاله وقصده، ونسب فيه، وذكر الديار، واستوقف الركاب ~~عليها، ووصف ما فيها، وبكى على الشباب، ووصف الراحلة، كما فعلت الشعراء ~~بالقصيد فكان في الرجاز كامرئ القيس في الشعراء... وقال غيره: أول من طول ~~الرجز الأغلب العجلي، وهو قديم، وزعم الجمحي وغيره أنه أول من رجز، ولا أظن ~~ذلك صحيحا؛ لأنه إنما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نجد ~~الرجز أقدم من ذلك... وكان أبو عبيدة يقول: افتتح الشعر بامريء القيس، وختم ~~بابن هرمة، ولم أرى أنقد من الذي قال: أ شعر الناس من أنت في شعره...وأنشد ~~مروان بن أبي حفصة يوما جماعة من الشعراء، وهو يقول في واحد بعد واحد: هذا ~~أشعر الناس، فلما كثر ذلك عليه قال: الناس أشعر الناس. # باب في القدماء والمحدثين # كل قديم من الشعراء فهو محدث في زمانه بالإضافة إلى من كان قبله، وكان ~~أبو عمرو بن العلاء يقول: لقد أحسن هذا المولد حتى هممت أن آمر صبياننا ~~بروايته، يعني بذلك شعر جرير والفرزدق، فجعله مولدا بالإضافة إلى شعر ~~الجاهلية والمخضرمين، وكان لا يعد الشعر إلا ما كان للمتقدمين. # قال الأصمعي: جلست إلى ثماني حجج فما سمعته يحتج ببيت إسلامي، وسئل عن ~~المولدين فقال: ما كان من حسن فقد سبقوا إليه، وما كان من قبيح فهو من ~~عندهم، ليس النمط واحدا: ترى قطعة ديباج، وقطعة مسيح، وقطعة نطع، هذا مذهب ~~أبي عمرو وأصحابه: كالأصمعي، وابن الأعرابي أعني أن كل واحد منهم يذهب في ~~أهل عصره هذا المذهب، ويقدم من قبلهم وليس ذلك الشيء إلا لحاجتهم في الشعر ~~إلى الشاهد، وقلة ثقتهم بما يأتي به المولدون، ثم صارت لجاجة. # فأما ابن قتيبة فقال: لم يقصر الله الشعر والعلم والبلاغة على زمن دون ~~زمن، ولا خص قوما دون قوم، بل جعل الله ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كل ~~دهر، وجعل كل قديم حديثا في عصره. # ومما يؤيد كلام ابن قتيبة كلام علي رضي الله عنه " لولا أن الكلام يعاد ms049 ~~لنفد " فليس أحدنا أحق بالكلام من أحد، وإنما السبق والشرف معا في المعنى ~~على شرائط نأتي بها فيما بعد من الكتاب إن شاء الله. وقول عنترة هل غادر ~~الشعراء من متردم يدل على أنه يعد نفسه محدثا، قد أدرك الشعر بعد أن فرغ ~~الناس منه ولم يغادروا له شيئا، وقد أتى في هذه القصيدة بما لم يسبقه إليه ~~متقدم، ولا نازعه إياه متأخر. وعلى هذا القياس يحمل قول أبى تمام وكان ~~إماما في هذه الصناعة غير مدافع : # يقول من تقرع أسماعه ... كم ترك الأول للآخر PageV01P026 فنقض قولهم " ما ~~ترك الأول للآخر شيئا " وقال في مكان آخر فزاده بيانا وكشفا للمراد: # فلو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت ... حياضك في العصور الذواهب # ولكنه صوب العقول: إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب # وإنما مثل القدماء والمحدثين كمثل رجلين: ابتدأ هذا بناء فأحكمه وأتقنه، ~~ثم أتى الآخر فنقشه وزينه، فالكلفة ظاهرة على هذا وإن حسن، والقدرة ظاهرة ~~علية وإن خشن. # وسمعت القاضي أبا الفضل جعفر بن أحمد النحوي وقد سئل عن ذي الرمة وأبي ~~تمام فأجاب بجواب يقرب معناه من هذا لم أحفظه. # وقال أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع وقد ذكر أشعار المولدين: إنما تروى ~~لعذوبة ألفاظها، ورقتها، وحلاوة معانيها، وقرب مأخذها، ولو سلك المتأخرون ~~مسلك المتقدمين في غلبة الغريب على أشعارهم ووصف المهامة والقفار، وذكر ~~الوحوش والحشرات ما رويت؛ لأن المتقدمين أولى بهذه المعاني، ولا سيما مع ~~زهد الناس في الأدب في هذا العصر وما قاربه وإنما تكتب أشعارهم لقربها من ~~الأفهام، وأن الخواص في معرفتها كالعوام، فقد صار صاحبها بمنزلة صاحب الصوت ~~المطرب: يستميل أمة من الناس إلى استماعه وإن جهل الألحان وكسر الأوزان.. ~~وقائل الشعر الحوشي بمنزلة المغنى الحاذق بالنغم غير المطرب الصوت: يعرض ~~عنه إلا من عرف فضل صنعته، على أنه إذا وقف على فضل صنعته لم يصلح لمجالس ~~اللذات، وإنما يجعل معلما للمطربات من القينات: يقومهن بحذقه، ويستمتع ~~بحلوقهن دون حلقه، ليسلمن من الخطأ في صناعتهن، ms050 ويطربن بحسن أصواتهن. # وهذا التمثيل الذي مثله ابن وكيع من أحسن ماوقع، إلا إن أوله من قول أبي ~~نواس: # صفة الطلول بلاغة القدم ... فاجعل صفاتك لابنة الكرم # لا تخدعن عن التي جعلت ... سقم الصحيح وصحة السقم # تصف الطلول على السماع بها ... أفذو العيان كأنت في الحكم؟؟ # وإذا وصفت الشيء متعبا ... لم تخل من غلط ومن وهم # ولم أر في هذا النوع أحسن من فضل أتى به عبد الكريم بن إبراهيم فإنه قال: ~~قد تختلف المقامات والأزمنة والبلاد فيحسن في وقت مالا يحسن في آخر، ~~ويستحسن عند أهل بلد مالا يستحسن عند أهل غيره، ونجد الشعراء الحذاق تقابل ~~كل زمان بما استجيد فيه وكثر استعماله عند أهله، بعد أن لا تخرج من حسن ~~الاستواء، وحد الاعتدال، وجودة الصنعة، وربما استعملت في بلد ألفاظ لا ~~تستعمل كثيرا في غيره: كاستعمال أهل البصرة بعض كلام أهل فارس في أشعارهم، ~~ونوادر حكاياتهم، قال: والذي أختاره أنا التجويد والتحسين الذي يختاره ~~علماء الناس بالشعر، ويبقى غابره على الدهر، ويبعد عن الوحشي المستكره، ~~ويرتفع عن المولد المنتحل، ويتضمن المثل السائر، والتشبيه المصيب، ~~والاستعارة الحسنة. # قال صاحب الكتاب: وأنا أرجو أن أكون باختيار هذا الفضل وإثباته ههنا ~~داخلا في جملة المميزين، إن شاء الله؛ فليس من أتى بلفظ محصور يعرفه طائفة ~~من الناس دون طائفة لا يخرج من بلده ولا يتصرف من مكانه كالذي لفظه سائر في ~~كل أرض، معروف بكل مكان، وليس التوليد والرقة أن يكون الكلام رقيقا سفساقا، ~~ولا باردا غثا، كما ليست الجزالة والفصاحة أن يكون حوشيا خشنا ولا أعرابيا ~~جافيا، ولكن حال بين حالين.. # ولم يتقدم امرؤ القيس والنابغة والأعشى إلا بحلاوة الكلام وطلاوته، مع ~~البعد من السخف والركاكة، على أنهم لو أغربوا لكان ذلك محمولا عنهم؛ إذ هو ~~طبع من طباعهم، فالمولد المحدث على هذا إذا صح كان لصاحبه الفضل البين بحسن ~~الإتباع، ومعرفة الصواب، مع أنه أرق حوكا، وأحسن ديباجة. # باب المشاهير من الشعراء # والشعراء أكثر من أن يحاط بهم عددا، ms051 ومنهم مشاهير قد طارت أسماؤهم، وسار ~~شعرهم، وكثر ذكرهم، حتى غلبوا على سائر من كان في أزمانهم، ولكل أحد منهم ~~طائفة تفضله وتتعصب له، وقل ما يجتمع على واحد، إلا ما روى عن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في امرئ القيس أنه أشعر الشعراء وقائدهم إلى النار يعني ~~شعراء الجاهلية والمشركين. قال دعبل بن علي الخزاعي: ولا يقود قوما إلا ~~أميرهم.. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للعباس بن عبد المطلب رحمه الله ~~وقد سأله عن الشعراء: PageV01P027 امرؤ القيس سابقهم: خسف لهم عين الشعر ~~فافتقر عن معان عور أصح بصر. # قال عبد الكريم: خسف لهم من الخسيف وهي البئر التي حفرت في حجارة فخرج ~~منها ماء كثيرا، وجمعها خسف، وقوله افتقر أي: فتح، وهو من الفقير، وهو فم ~~القناة، وقوله عن معان عور يعني أن امرأ القيس من اليمن، وأن اليمن ليست ~~لهم فصاحة نزار، فجعل لهم معاني عورا فتح منها امرؤ القيس أصح بصر.. قال: ~~وامرؤ القيس يماني النسب، نزاري الدار والمنشأ، وفضله علي رضي الله عنه بأن ~~قال: رأيته أحسنهم نادرة، وأسبقهم بادرة، وأنه لم يقل لرغبة ولا لرهبة. # وقد قال العلماء بالشعر: إن امرأ القيس لم يتقدم الشعراء لأنه قال ما لم ~~يقولوا، ولكنه سبق إلى أشياء فاستحسنها الشعراء واتبعوه فيها؛ لأنه قيل أول ~~من لطف المعاني، واستوقف على الطلول، ووصف النساء بالظباء والمها والبيض، ~~وشبه الخيل بالعقبان والعصي، وفرق بين النسيب وما سواه من القصيد، وقرب ~~مأخذ الكلام؛ فقيد الأوابد، وأجاد الاستعارة والتشبيه. # روى الجمحي أن سائلا سأل الفرزدق: من أشعر الناس؟ قال: ذو القروح، قال: ~~حين يقول ماذا؟ قال: حين يقول: # وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب # وأما دعبل فقدمه بقوله في وصف عقاب: # ويلمها من هواء الجو طالبة ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب # وهذا عنده أشعر بيت قالته العرب. # وسئل ليبد: من أشعر الناس؟ قال: الملك الضليل، قيل: ثم من؟ قال: الشاب ~~القتيل، قيل: ثم من؟ قال: الشيخ أبو ms052 عقيل يعني نفسه . # وكان الحذاق يقولون: الفحول في الجاهلية ثلاثة، وفي الإسلام ثلاثة ~~متشابهون: زهير والفرزدق، والنابغة والأخطل، والأعشى وجرير. # وكان خلف الأحمر يقول: الأعشى أجمعهم. وقال أبو عمرو بن العلاء: مثله مثل ~~البازي يضرب كبير الطير وصغيره. وكان أبو الخطاب الأخفش يقدمه جدا لا يقدم ~~عليه أحدا. # وحكى الأصمعي عن ابن أبي طرفة: كفاك من الشعراء أربعة: زهير إذا رغب، ~~والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب، وعنترة إذا كلب، وزاد قوم: وجرير إذا ~~غضب. # وقيل لكثير أو لنصيب : من أشعر العرب؟ فقال: امرؤ القيس إذا ركب، وزهير ~~إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا شرب. # وكان أبو بكر رضي الله عنه يقدم النابغة؛ ويقول: هو أحسنهم شعرا، وأعذبهم ~~بحرا، وأبعدهم قعرا. # وسئل الفرزدق مرة: من أشعر العرب؟ فقال: بشر بن خازم؛ قيل له: بماذا؟ قال ~~بقوله: # ثوى في ملحد لا بد منه ... كفى بالموت نأيا واغترابا # ثم سئل جرير فقال: بشر بن خازم، قال: بماذا؟ قال: بقوله: # رهين بلى، وكل فتى سيبلى ... فشقي الجيب وانتحبي انتحابا # فاتفقا على بشر بن أبي خازم كما ترى. # وقال محمد بن أبي الخطاب في كتابه الموسوم بجمهرة أشعار العرب: إن أبا ~~عبيدة قال: أصحاب السبع التي تسمى السمط: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة، ~~والأعشى، ولبيد، وعمرو بن كلثوم، وطرفة. قال: وقال المفضل: من زعم أن في ~~السبع التي تسمى السمط لأحد غير هؤلاء فقد أبطل.. فأسقط من أصحاب المعلقات ~~عنترة، والحارث بن حلزة، وأثبت الأعشى، والنابغة. # وكانت المعلقات تسمى المذهبات، وذلك لأنها اختيرت من سائر الشعر فكتبت في ~~القباطي بماء الذهب وعلقت على الكعبة؛ فلذلك يقال: مذهبة فلان، إذا كانت ~~أجود شعره، ذكر ذلك غير واحد من العلماء، وقيل: بل كان الملك إذا استجيدت ~~قصيدة الشاعر يقول: علقوا لنا هذه، لتكون في خزانته. # وقال الجمحي في كتابه: سأل عكرمة بن جرير أباه جريرا: من أشعر الناس؟ ~~قال: أعن الجاهلية تسألني أم عن الإسلام؟ قال: ما أردت إلا الإسلام فإذ ~~ذكرت الجاهلية فأخبرني عن أهلها، ms053 قال: زهير شاعرهم، قال: قلت: فالإسلام؟ ~~قال: الفرزدق نبعة الشعر في يده، قلت: فالأخطل؟ قال: يجيد مدح الملوك ويصيب ~~صفة الخمر، قلت: فما تركت لنفسك؟ قال: دعني فإني نحرت الشعر نحرا وكتب ~~الحجاج بن يوسف إلى قتيبة بن مسلم يسأله عن أشعر الشعراء في الجاهلية وأشعر ~~شعراء وقته، فقال: أشعر شعراء الجاهلية امرؤ القيس، وأضربهم مثلا طرفة، ~~وأما شعراء الوقت فالفرزدق أفخرهم، وجرير أهجاهم، والأخطل أوصفهم. ~~PageV01P028 وأما الحطيئة فسئل عن أشعر الناس، فقال: أبو دؤاد حيث يقول: # لا أعد الإقتار عدما، ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام # وهو وإن كان فحلا قديما وكان امرؤ القيس يتوكأ عليه ويروي شعره فلم يقل ~~فيه أحد من النقاد مقالة الحطيئة. # وسأله ابن عباس مرة أخرى، فقال: الذي يقول: # ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره، ومن لا يتق الشتم يشتم # وليس الذي يقول: # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب؟ # بدونه، ولكن الضراعة أفسدته كما أفسدت جرولا، والله لولا الجشع لكنت أشعر ~~الماضين، وأما الباقون فلا شك أني أشعرهم، قال ابن عباس: كذلك أنت يا أبا ~~مليكة. # وزعم ابن أبي الخطاب أن أبا عمرو كان يقول: أشعر الناس أربعة: امرؤ ~~القيس، والنابغة، وطرفة، ومهلهل. قال: وقال المفضل: سئل الفرزدق فقال: امرؤ ~~القيس أشعر الناس، وقال جرير: النابغة أشعر الناس، وقال الأخطل: الأعشى ~~أشعر الناس، وقال ابن أحمر: زهير أشعر الناس، وقال ذو الرمة: لبيد أشعر ~~الناس، وقال الكميت: عمرو بن كلثوم أشعر الناس، وهذا يدلك على اختلاف ~~الأهواء، وقلة الاتفاق. # وكان ابن أبي إسحاق وهو عالم، ناقد، ومتقدم مشهور يقول: أشعر الجاهلية ~~مرقش، وأشعر الإسلاميين كثير، وهذا غلو مغلوط، غير أنهم مجمعون على أنه أول ~~من أطال المدح.. # وسأل عبد الملك بن مروان الأخطل: من أشعر الناس؟ فقال: العبد العجلاني، ~~يعني تميم بن أبي بن مقبل، قال: بم ذاك؟ قال: وجدته في بطحاء الشعر ~~والشعراء على الحرفين، قال: أعرف ذلك له كرها. # وقيل لنصيب مرة: من أشعر العرب؟ فقال: أخو ms054 تميم، يعني علقمة بن عبدة، ~~وقيل: أوس بن حجر، وليس لأحد من الشعراء بعد امرئ القيس ما لزهير والنابغة ~~والأعشى في النفوس. # والذي أتت به الرواية عن يونس بن حبيب النحوي أن علماء البصرة كانوا ~~يقدمون امرأ القيس، وأن أهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى، وأن أهل الحجاز ~~والبادية كانوا يقدمون زهيرا والنابغة، وكان أهل العالية لا يعدلون ~~بالنابغة أحدا، كما أن أهل الحجاز لا يعدلون بزهير أحدا. # وروى ابن سلام يرفعه عن عبد الله بن عباس أنه قال: قال لي عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: أنشدني لأشعر شعرائكم، قلت: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: ~~زهير، قلت: ولم كان كذلك؟ قال: كان لا يعاظل بين الكلام، ولا يتتبع حوشيه، ~~ولا يمدح الرجل إلا بما فيه، ثم قال ابن سلام على عقب هذا الكلام: قال أهل ~~النظر: كان زهير أحصفهم شعرا، وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعاني في ~~قليل من المنطق، وأشدهم مبالغة في المدح. # قال صاحب الكتاب: وإذا قوبل آخر كلام عمر بآخر هذا الكلام تناقض قول ~~المؤلف أعني ابن سلام لأن عمر إنما وصفه بالحذق في صناعته، والصدق في ~~منطقه؛ لأنه لا يحسن في صناعة الشعر أن يعطى الرجل فوق حقه من المدح؛ لئلا ~~يخرج الأمر إلى التنقص والازدراء، كما أخذ ذلك على أبي الطيب وغيره آنفا، ~~وقد فسد الوقت، ومات أرباب الصناعة، فما ظنك والناس ناس والزمان زمان؟ ~~وسيرد عليك في مكانه من هذا الكتاب إن شاء الله، وقد استحسن عمر الصدق ~~لذاته، ولما فيه من مكارم الأخلاق، والمبالغة بخلاف ما وصف، ويشهد لقول عمر ~~رضي الله عنه في زهير أنه لا يمدح الرجل إلا بما فيه استحسانا لصدقه ما جاء ~~به الأثر أن رجلا قال لزهير: إني سمعتك تقول لهرم: # لأنت أشجع من أسامة إذا ... دعيت نزال ولج في الذعر # وأنت لا تكذب في شعرك، فكيف جعلته أشجع من الأسد؟ فقال: إني رأيته فتح ~~مدينة وحده، وما رأيت أسدا فتحها قط!! فقد خرج لنفسه طريقا ms055 إلى الصدق، ~~وبعدا عن المبالغة.. والذي أعرف أنا أن البيت المتقدم ذكره لأوس بن حجر، ~~والحكاية عنه، ومثلها عن عمران بن حطان الخارجي لما سألته امرأته كيف قلت: # فهناك مجزأة بن ثو ... ر كان أشجع من أسامة # وصدر بيت زهير بن أبي سلمى: # ولنعم حشو الدرع أنت إذ ... دعيت نزال ولج في الذعر # إلا أن تكون الأخرى رواية فلا أبعدها؛ لأن زهيرا كان يتوكأ على أوس في ~~كثير من شعره، وهي رواية الجمحي لا أظن غير ذلك، فأما بيت زهير في هذا ~~المعنى فهو: PageV01P029 ولأنت أشجع حين تتجه ال ... أبطال من ليث أبي أجر # وأما النابغة فقال من يحتج له: كان أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق ~~كلام، وأذهبهم في فنون الشعر، وأكثرهم طويلة جيدة، ومدحا، وهجاء، وفخرا، ~~وصفة. # وقال بعض متقدمي العلماء: الأعشى أشعر الأربعة، قيل له: فأين الخبر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأ القيس بيده لواء الشعراء؟ فقال: بهذا ~~الخبر صح للأعشى ما قلت، وذلك أنه ما من حامل لواء إلا على رأس أمير، فامرؤ ~~القيس حامل اللواء، والأعشى الأمير. # وقالت طائفة من المتعقبين: الشعراء ثلاثة: جاهلي، وإسلامي، ومولد؛ ~~فالجاهلي امرؤ القيس، والإسلامي ذو الرمة، والمولد ابن المعتز. وهذا قول من ~~يفضل البديع وبخاصة التشبيه على جميع فنون الشعر. # وطائفة أخرى تقول: بل الثلاثة الأعشى والأخطل وأبو نواس. وهذا مذهب أصحاب ~~الخمر وما ناسبها، ومن يقول بالتصرف وقلة التكلف. # وقال قوم: بل الثلاثة مهلهل وابن أبي ربيعة وعباس بن الأحنف، وهذا قول من ~~يؤثر الأنفة، وسهوله الكلام، والقدرة على الصنعة والتجويد في فن واحد، ~~ولولا ذلك لكان شيخ الطبع أبو العتاهية مكان عباس. لكن أبا العتاهية تصرف. # وليس في المولدين أشهر اسما من الحسن أبي نواس، ثم حبيب والبحتري ويقال: ~~إنهما أخملا في زمانهما خمسمائة شاعر كلهم مجيد، ثم يتبعهما في الاشتهار ~~ابن الرومي وابن المعتز، فطار اسم ابن المعتز حتى صار كالحسن في المولدين ~~وامرئ القيس في القدماء؛ فإن هؤلاء الثلاثة لا يكاد يجهلهم ms056 أحد من الناس، ~~ثم جاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس. # والاشتهار بالشعر أقسام وحدود، ولولا ذلك لم يكن نصر بن أحمد الخبزرزي ~~أشهر من منصور النمري وكلثوم العتابي وأبي يعقوب الخريمي وأبي سعيد ~~المخزومي. # وفوق هؤلاء كلهم طبقة في السن أشهرهم وأشعرهم بشار بن برد، وليس يفضل على ~~الحسن مولد سواه، وكذا روى الجاحظ وغيره من العلماء... ومن طبقة بشار مروان ~~بن أبي حفصة، وأبو دلامة زند بن الجون الأعرابي، وقيل: زبد، بالباء معجمة ~~بواحدة ساكنة ومتحركة حكاه المرزباني، والسيد الحميري، وسلم الخاسر، وأبو ~~العتاهية، وجماعة يطول بهم الشرح ليس فيهم مثله. # ومن طبقة أبي نواس العباس بن الأحنف، ومسلم بن الوليد صريع الغواني، ~~والفضل الرقاشي، وأبان اللاحقي، وأبو الشيص، والحسين بن الضحاك الخليع، ~~ودعبل، ونظراء هؤلاء ساقتهم دعبل ليس فيهم نظير أبي نواس. # وأما طبقة حبيب والبحتري وابن المعتز وابن الرومي فطبقة متداركة قد ~~تلاحقوا، وغطوا على من سواهم، حتى نسي معهم بقية من أدرك أبا نواس كابن ~~المعذل، وهو من فحول المحدثين وصدورهم المعدودين، غمره حبيب ذكرا واشتهارا، ~~وكأبي عفان أيضا، أدرك أبا نواس، ولحق البحتري فستره، وكذلك الجماز، ~~وللجماز يقول أبو نواس: # اسقني يا بن أذين ... من سلاف الزرجون # وديك الجن، وهو شاعر الشام، لم يذكر مع أبي تمام إلا مجازا، وهو أقدم ~~منه، وقد كان أبو تمام أخذ عنه أمثلة من شعره يحتذى عليها فسرقها، ودعبل ما ~~أصاب مع أبي تمام طريقا على تقدمه في السن والشهرة، ولم يذكر من أصحاب ابن ~~الرومي وابن المعتز إلا من ذكر بسببهما في مكاتبة أو مناقضة، وأما أبو ~~الطيب فلم يذكر معه شاعر إلا أبو فراس وحده، ولولا مكانه من السلطان ~~لأخفاه، وكان الصنوبري والخبزرزي مقدمين عليه للسن، ثم سقطا عنه، على أن ~~الصنوبري يسمى حبيبا الأصغر لجودة شعره، ولقيه مرة بالمصيصة أو غيرها فقال ~~له يهزأ به: أنت صاحب بغادين؟ يريد قصيدته: # شربنا في بغادين ... على تلك الميادين # لما فيها من المجون والخلاعة، فقال له الصنوبري: أنت صاحب ms057 الطرطبة؟ يريد ~~قصيدته: # ما أنصف القوم ضبه ... وأمه الطرطبه # لما فيها من الركاكة، ولكل كلام وجه وتأويل، ومن التمس عيبا وجده، وقيل: ~~بل قال له: أنت صاحب جاخا؟ قال: نعم، قال: أنت شاعر بلدك، يريد قوله في صفة ~~الوعل: # ذاك أم أعصم كأن مدرياه ... حين عاجا على القذالين جاخا # باب المقلين من الشعراء والمغلبين PageV01P030 ولما كان المشاهير من ~~الشعراء كما قدمت أكثر من أن يحصوا ذكرت من المقلين وأصحاب الواحدة من وسع ~~ذكره في هذا الموضع، ونبهت على بعض المغلبين منهم؛ لما تدعو إليه حلجة ~~التأليف، وتقتضيه عادة التصنيف، غير مفرط ولا مفرط، إن شاء الله. # فمن المقلين في الشعر: طرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة بن عبدة ~~الفحل، وعدي بن زيد، وطرفة أفضل الناس واحدة عند العلماء، وهي المعلقة: # لخوله أطلال ببرقة تمهد. # وله سواها يسير؛ لأنه قتل صغيرا حول العشرين فيما روى، وأصح ما في ذلك ~~قول أخته ترثيه: # عددنا له ستا وعشرين حجة ... فلما توفاها استوى سيدا ضخما # فجعنا به لما رجونا إيابه ... على خير حال لا وليدا ولا قحما # أنشده المبرد، والقحم: المتناهي في السن. وعبيد بن الأبرص قليل الشعر في ~~أيدي الناس على قدم ذكره، وعظم شهرته، وطول عمره، ويقال: إنه عاش ثلاثمائة ~~سنة، وكذلك أبو دواد، وعبيد الذي أجاب امرأ القيس عن قوله حين قتلت بنو أسد ~~أباه حجرا: # وأفلتهن علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطاب # فقال له عبيد وقرعه بقسم من شعره: # فلو أدركت علباء بن قيس ... قنعت من الغنيمة بالإياب # لأن امرأ القيس قد كان قد قال: # وقد طوقت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب # وقتل عبيدا النعمان بن المنذر يوم بؤسه، وقيل: عمرو بن هند. وعلقمة ابن ~~عبدة حاكم امرأ القيس في شعره إلى امرأته، فحكمت عليه لعلقمة، فطلقها، ~~وتزوجها علقمة فسمي الفحل لذلك، وقيل: بل كان في قومه آخر يسمى علقمة الخصي ~~من ربيعة الجوع. # ولعلقمة الفحل ثلاث قصائد مشهورات إحداهن: ذهبت من الهجران في كل مذهب ~~ويروي ms058 في غير مذهب وفي هذه القصيدة وقع الحكم له على امرئ القيس، والثانية ~~قوله: طحا بك قلب في الحسان طروب والثالثة قوله: هل ما علمت وما استودعت ~~مكتوم وأما عدي بن زيد فلقربه من الريف وسكناه الحيرة في حيز النعمان بن ~~المنذر لانت ألفاظه فحمل عليه كثير، وإلا فهو مقل، ومشهوراته أربع: قوله: # أرواح مودع أم بكور؟. # وقوله: # أتعرف رسم الدار من أم معبد؟. # وقوله: # ليس شيء على المنون بباقي. # وقوله: # لم أر مثل الفتيان في غير ال ... أيام ينسون ما عواقبها # وقال بعض العلماء وأحسبه أبا عمرو : وعدي في الشعراء مثل سهيل في النجوم: ~~يعارضها ولا يجري معها. هؤلاء أشعارهم كثيرة في ذاتها، قليلة في أيدي ~~الناس، ذهبت بذهاب الرواة الذين يحملونها. # ومن المقلين المحكمين سلامة بن جندل، وحصين بن الحمام المري، والمتلمس، ~~والمسيب بن علس: كل أشعارهم قليل في ذاته جيد الجملة. # ويروى عن أبي عبيدة أنه قال: اتفقوا على أن أشعر المقلين في الجاهلية ~~ثلاثة: المتلمس، والمسيب بن علس، وحصين بن الحمام المري، وأما أصحاب ~~الواحدة فطرفة أولهم عند الجمحي، وهو الحكم الصواب. # ومنهم عنترة، والحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم، من أصحاب المعلقات ~~المشهورات، وعمرو بن معدي كرب، صاحب: # أمن ريحانة الداعي السميع. # والأسعر بن أبي حمران الجعفي صاحب المقصورة: # هل بان قلبك من سليمى فاشتفى؟. # وسويد بن أبي كاهل، صاحب: # بسطت رابعة الحبل لنا. # والأسود بن يعفر، صاحب: # نام الخلي فما أحس رقادي # وله شعر كثير، إلا أنه لا ينتهي إلى قصيدته هذه. # وكان امرؤ القيس مقلا، كثير المعاني والتصرف، لا يصح له إلا نيف وعشرون ~~شعرا بين طويل وقطعة، ولا ترى شاعرا يكاد يفلت من حبائله، وهذه زيادة في ~~فضله وتقديمه. # وأما المغلبون فمنهم نابغة بني جعدة، ومعنى المغلب: الذي لا يزال مغلوبا. ~~قال امرؤ القيس: # فإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف، ولم يغلبك مثل مغلب # يعني أنه إذا قدر لم يبق، فإذا قالوا: غلب فلان فهو الغالب. وقد غلب على ~~الجعدي أوس بن ms059 مغراء القريعي، وغلبت عليه ليلى الأخيلية، قال الجمحي: وقد ~~غلب عليه من لم يكن إليه في الشعر ولا قريبا منه: عقال بن خويلد العقيلي ~~وكان مفحما بكلام لا بشعر، وهجاه سوار بن أوفى القشيري، وهاجاه وفاخره ~~الأخطل، وله يقول عبيد بن حصين الراعي يتوعده: PageV01P031 فإني زعيم أن ~~أقول قصيدة ... مبينة كالنقب بين المخازم # خفيفة أعجاز المطي، ثقيلة ... على قربها، نزالة بالمواسم # وقد علم الكافة ما صنع جرير بالأخطل والراعي جميعا، وقيل: إن موت الجعدي ~~كان بسبب ليلى الأخيلية: فر من بين يديها فمات في الطريق مسافرا، والأصح ~~أنها هي التي ماتت في طلبه. قال الجمحي: كان النابغة الجعدي أقدم من ~~الذبياني؛ لأنه أدرك المنذر بن محرق، ويشهد بذلك قوله: # تذكرت والذكرى تهيج على الفتى ... ومن عادة المحزون أن يتذكرا # نداماي عند المنذر بن محرق ... فأصبح منهم ظاهر الأرض مقفرا # والذبياني إنما أدرك النعمان، وقال غيره: إن النابغة الذبياني شفع عند ~~الحارث بن أبي شمر الغساني حين قتل المنذر في أسارى بني أسد فشفعه، وإياه ~~عني علقمة بن عبدة بقوله: # وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشاس من نداك ذنوب # قال الجمحي: وكان الجعدي مختلف الشعر، سئل عنه الفرزدق فقال: مثله مثل ~~صاحب الخلقان: ترى عنده ثوب عصب، وثوب خز، وإلى جنبه شملة كساء. وكان ~~الأصمعي يمدحه بهذا، وينسبه إلى قلة التكلف، فيقول: عنده خمار بواف، ومطرف ~~بآلاف بواف: يعني بدرهم وثلث. # ومن المغلبين الزبرقان، غلبه عمرو بن الأهتم، وغلبه المخبل السعدي، وغلبه ~~الحطيئة، وقد أجاب الاثنين ولم يجب الحطيئة. # وقال يونس بن حبيب: كان البعيث مغلبا في الشعر، غلابا في الخطب. # ومنهم تميم بن أبي بن مقبل: هجاه النجاشي فقهره وغلب عليه، حتى استعدى ~~قومه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يكن من أشكاله في الشعر فيقرن به، ~~وهاجى النجاشي عبد الرحمن بن حسان فغلبه عبد الرحمن وأفحمه. # وحدثنا أبو عبد الله محمد بن جعفر، قال: هجا الأعور بن براء بني كعب، ~~ومدح قومه بني كلاب، فأتت بنو ms060 كعب تميم بن أبي بن مقبل ينتصرون عليه به، ~~فقال: لا أهجوهم، ولكني أقول فارووا فقد جاءكم الشعر، وقال: # ولست وإن شاحنت بعض عشيرتي ... لأذكر ما الكهل الكلابي ذاكر # فكم لي من أم لعبت بثديها ... كلابية عادت عليها الأواصر # فأتت الأعور بن براء بنو كعب فعنفوه ورجعوا عليه، فقال: # ولست بشاتم كعبا، ولكن ... على كعب وشاعرها السلام # ولست ببائع قوما بقوم ... هم الأنف المقدم والسنام # وكائن في المعاشر من قبيل ... أخوهم فوقهم وهم كرام # فتسالما، وكان سبب ذلك إغضاء بن مقبل وإعطاؤه المقادة هربا من الهجاء، ~~وقوم يرون ذلك منه أنفة. # ومن مغلبي المولدين على جلالته، وتقدمه بشار بن برد، فإن حماد عجرد وليس ~~من رجاله، ولا أكفائه هجاه فأبكاه، ومثل به أشد تمثيل. # وعلي بن الجهم: هاجى أبا السمط مروان بن أبي الجنوب فغلبه مروان، وهاجاه ~~البحتري فغلب عليه أيضا، على أن عليا أقذع منه لسانا، وأسبق إلى ما يريده ~~من ذلك، وأقدم سنا. # ومنهم حبيب: هاجى السراج وعتبة فما أتى بشيء، وهجاه ابن المعذل حين أراد ~~وجهته فقال: أما هذا فقد كفى ناحيته، ولم يقدم عليه، على أن حبيبا أطول منه ~~ذكرا وأبعد صوتا في الشعر، والذي قال له: # أنت بين اثنتين، تبرز للنا ... س لكلتيهما بوجه مذال # لست تنفك طالبا لوصال ... من حبيب أو راغبا في نوال # أي ماء لحر وجهك يبقى ... بين ذل الهوى وذل السؤال؟ # ورأيت في شعر ابن المعذل في رواية المبرد أن عبد الصمد اجتمع بحبيب عند ~~بعض بني هاشم، فكتب في رقعة هذه الأبيات المذكورة وألقاها إليه، وهاجى ~~دعبلا فاستطال عليه دعبل أيضا. # باب من رغب من الشعراء عن ملاحاة غير الأكفاء # منهم الزبرقان بن بدر: لما هجاه المخبل السعدي جاوبه بعتاب؛ لأنه رآه ~~أهلا لذلك من أجل شرف بيته وجلالته في نفسه، فلما هجاه الحطيئة لم يره ~~مكانا للجواب، على أنه ابن عمه وجاره في النسب لأنهما جميعا من مضر، بل ~~استعدى عليه عمر رضي الله عنه فأنصفه. # وسحيم بن وثيل ms061 يقول للأحوص والأبيرد بن المعذر وهما شاعران مفلقان، وقال ~~عبد الكريم: الأبيرد ابن أخي الأحوص: # عذرت البزل إن هي خاطرتني ... فما بالي وبال ابني لبون! # فأنت ترى هذا الاحتقار. PageV01P032 ومثل هذا وإن لم يكن من هذا الباب ~~بحتا قول الفرزدق لعمر بن لجأ لما أعانه الفرزدق على جرير بشعر، وفطن له ~~جرير، فدهش عمر ولم يجد جوابا، فقال الفرزدق حين بلغه ذلك يستضعفه ويستوهن ~~عز # وما أنت إن قرما تميم تساميا ... أخا اليتيم إلا كالوشيظة في العظم # فلو كنت مولى العز أوفى طلابه ... ظلمت ولكن لا بدى لك بالظلم # والفرزدق قال فيه الطرماح من شعر هجا فيه بيوت بني سعد: # واسأل فقيرة بالمروت هل شهدت ... شوط الحطيئة بين الكسر والنضد # أو كان في غالب شعر فيشبهه ... شعر ابنه فينال الشعر من صدد # جاءت به نطفة من شر ماء صرى ... سيقت إلى شر واد شق في بلد # فقال الفرزدق يتهاون بأمره ويستحقره: # إن الطرماح يهجوني لأرفعه ... أيهات أيهات عيلت دونه القضب # " عيلت دونه القضب أي: رفعت عنه القصائد، من قولهم: عالت الفريضة، أي: ~~ارتفعت، والقضيب: القصيدة لأنها تقتضب. # وجرير هجاه بشار بن برد بأشعار كثيرة فلم يجبه، قال بشار: ولم أهجه ~~لأغلبه، ولكن ليجيبني فأكون من طبقته، ولو هجاني لكنت أشعر الناس. # وهجا حماد عجرد بشارا، فلم يجبه أنفة واحتقارا، إلى أن قال فيه: # له مقلة عمياء واست بصيرة ... إلى الأير من تحت الثياب تشير # على وده أن الحمير تنيكه ... وأن جميع العالمين حمير # فغضب وهجاه. قال الجاحظ: ما كان ينبغي لبشار أن يضاد حماد عجرد من جهة ~~الشعر؛ لأن حمادا في الحضيض وبشارا في العيوق، وليس مولد قروي يعدله شعر في ~~المحدث إلا وبشار أشعر منه، ولا نعلم مولدا بعد بشار أشعر من أبي نواس. # وهجا ابن الرومي البحتري، وابن الرومي من علمت، فأهدى إليه تخت متاع وكيس ~~دراهم، وكتب إليه ليريه أن الهدية ليست تقية منه، ولكن رقة عليه، وأنه لم ~~يحمله على ما فعل إلا الفقر والحسد المفرط: ms062 # شاعر لا أهابه ... نبحتني كلابه # إن من لا أعزه ... لعزيز جوابه # وأبو تمام: هجاه دعبل وغيره من الأكفاء فجاوبهم، وابتدأ بعضهم، ولم يلتفت ~~إلى مخلد بن بكار الموصلي حين قال فيه وكانت في حبيب حبسة شديدة إذا تكلم: # يا نبي الله في الشع ... ر ويا عيسى بن مريم # أنت من أشعر خلق ... الله ما لم تتكلم # وقال فيه أشعارا كثيرة منها: # انظر إليه وإلى خبثه ... كيف تطايا وهو منشور # ويحك من دلاك في نسبة ... قلبك منها الدهر مذعور # إن ذكرت طاء على فرسخ ... أظلم في ناظرك النور # بل رآه دون المهاجاة والجواب، ولو هجاه لشرفت حاله ونبه ذكره. # وكذلك فعل المتنبي حين بلي بحماقات ابن حجاج البغدادي: سكت عنه اطراحا ~~واحتقارا، ولو أجابه لما كان بحيث هو من الأنفة والكبر؛ لأنه ليس من ~~أنداده، ولا من طبقته. # ولما وصل أبو القاسم بن هانئ إلى أفريقية هجاه الشعراء، فقال: لا أجيب ~~منهم أحدا إلا أن يهجوني علي التونسي فإني أجيبه، فلما بلغ قوله عليا قال: ~~أما إني لو كنت ألأم الناس ما هجوته بعد أن شرفني على أصحابي وجعلني من ~~بينهم كفئا له. # ومن الشعراء من يتزيا بالكبر، ويظهر الأنفة في الجواب عن هجاء من هو مثله ~~أو فوقه خوفا من الزراية على نفسه، كما وقع من جماعة أعرفهم من أهل عصرنا، ~~وهو يتسرعون إلى أعراض السوقة والباعة، ويستفحلون على الصبيان ومن ليس من ~~أهل الصناعة، ولو كانت لهم أنفة كما يزعمون إلا عن الأكفاء لكانوا عمن لا ~~يحسن شيئا بالجملة ولا يعد في الخاصة أشد تنزها. # ومنهم من لا يهجو كفئا ولا غيره؛ لما في الهجو من سوء الأثر، وقبح ~~السمعة: كالذي يحكى عن العجاج أنه قيل له: لم لا تهجو؟ فقال: ولم أهجو؟ إن ~~لنا أحسابا تمنعنا من أن نظلم، وأحلاما تمنعنا من أن نظلم، وهل رأيتم بانيا ~~لا يحسن أن يهدم؟ ثم قال: أتعلمون أني أحسن أن أمدح؟ قالوا: نعم، قال: ~~PageV01P033 أفلا أحسن أن أجعل مكان " أصلحك الله ms063 " " قبحك الله " ومكان " ~~حياك الله " " أخزاك الله " . وقد رد ابن قتيبة هذا القول على العجاج بأن ~~الهجاء أيضا بناء، وليس كل بان لضرب بانيا لغيره. ورده الجاحظ بأن من ~~الشعراء من لا يجيد فنا من الشعر، وإن أجاد فنا غيره، كما يوجد ذلك في كل ~~صناعة. ومعنى الجاحظ وابن قتيبة واحد، وإن اختلف اللفظان، والصواب ما قالا ~~إلا أن يعرف من الشاعر أنف عن قدرة لا تدفع، وبعد تجربة لا تستراب، فحينئذ. ~~وسئل نصيب عن مثل ذلك فقال: إنما الناس أحد ثلاثة: رجل لم أعرض لسؤاله فما ~~وجه ذمه، ورجل سألته فأعطاني فالمدح أولى به من الهجاء، ورجل سألته فحرمني ~~فأنا بالهجاء أولى منه، وهذا كلام عاقل منصف، لو أخذ به الشعراء أنفسهم ~~لاستراحوا واستراح الناس. # وقد كان في زماننا من انتحل هذا المذهب، وهو أبو محمد عبد الكريم بن ~~إبراهيم، لم يهج أحدا قط. ومن أناشيده في كتابه المشهور، لغيره من الشعراء: # ولست بهاج في القرى أهل منزل ... على زادهم أبكي وأبكي البواكيا # فإما كرام موسرون أتيتهم ... فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا # وإما كرام معسرون عذرتهم ... وإما لئام فادخرت حيائيا # وهذا مثل كلام نصيب في المنثور الذي تقدم، وإنما ذكرت هؤلاء لأنهم يمدحون ~~ولا يرضون بالهجاء، وأما من لا يمدح فأحرى أن لا يهجو أحدا، على أن منهم من ~~لم يقل قط إلا هجوا أو شبيها به: كيحيى بن نوفل، ذكره دعبل في طبقاته، ونجد ~~له من أهل عصرنا نظراء عدة. # باب في الشعراء والشعر # طبقات الشعراء أربع: جاهلي قديم، ومخضرم، وهو الذي أدرك الجاهلية ~~والإسلام، وإسلامي، ومحدث. ثم صار المحدثون طبقات: أولى وثانية على ~~التدريج، وهكذا في الهبوط إلى وقتنا هذا، فليعلم المتأخر مقدار ما بقي له ~~من الشعر فيتصفح مقدار من قبله لينظركم بين المخضرم والجاهلي، وبين ~~الإسلامي والمخضرم، وأن المحدث الأول فضلا عمن دونه دونهم في المنزلة، على ~~أنه أغمض مسلكا وأرق حاشية، فإذا رأى أنه ساقة الساقة تحفظ على نفسه، وعلم ~~من أين يؤتى، ms064 ولم تغرره حلاوة لفظه، ولا رشاقة معناه، ففي الجاهلية ~~والإسلام من ذهب بكل حلاوة ورشاقة، وسبق إلى كل طلاوة ولباقة. # قال أبو الحسن الأخفش: يقال: ماء خضرم، إذا تناهى في الكثرة والسعة، فمنه ~~سمي الرجل الذي شهد الجاهلية والإسلام مخضرما، كأنه استوفى الأمرين، قال: ~~ويقال: أذن مخضرمة، إذا كانت مقطوعة، فكأنه انقطع عن الجاهلية إلى الإسلام. # وحكى ابن قتيبة عن عبد الرحمن عن عمه، قال: أسلم قوم في الجاهلية على إبل ~~قطعوا آذانها، فسمي كل من أدرك الجاهلية والإسلام مخضرما، وزعم أنه لا يكون ~~مخضرما حتى يكون إسلامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقد أدركه كبيرا ~~ولم يسلم، وهذا عندي خطأ؛ لأن النابغة الجعدي ولبيدا قد وقع عليهما هذا ~~الاسم، وأما علي بن الحسين كراع فقد حكى: شاعر مخضرم بحاء غير معجمة مأخوذ ~~من الحضرمة، وهي الخلط؛ لأنه خلط الجاهلية بالإسلام. # وأنشد بعض العلماء ولم يذكر قائله: # الشعراء فاعلمن أربعه ... فشاعر لا يرتجى لمنفعه # وشاعر ينشط وسط المجمعه ... وشاعر آخر لا يجري معه # وشاعر يقال خمر في دعه # وهكذا رويتها عن أبي محمد عبد العزيز بن أبي سهل رحمه الله، وبعض الناس ~~يرويها على خلاف هذا. # وقد قيل: لا يزال المرء مستورا وفي مندوحة ما لم يصنع شعرا أو يؤلف ~~كتابا؛ لأن شعره ترجمان علمه، وتأليفه عنوان عقله. # وقال الجاخظ: من صنع شعرا أو وضع كتابا فقد استهدف؛ فإن أحسن فقد استعطف، ~~وإن أساء فقد استقذف. # قال حسان بن ثابت، وما أدراك ما هو؟: # وإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته: صدقا # وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسا وإن حمقا # وقال محمد بن مناذر وكان إماما: # لا تقل شعرا ولا تهمم به ... وإذا ما قلت شعرا فأجد # وقال شيطان الشعراء دعبل بن علي: # سأقضي ببيت يحمد الناس أمره ... ويكثر من أهل الروايات حامله # يموت ردي الشعر من قبل أهله ... وجيده يبقى وإن مات قائله # وقالوا: PageV01P034 الشعراء أربعة: شاعر حنذيذ، وهو الذي يجمع إلى ms065 جودة ~~شعره رواية الجيد من شعر غيره، وسئل رؤبة عن الفحولة، قال: هم الرواة؛ ~~وشاعر مفلق، وهو الذي لا رواية له إلا أنه مجود كالخنذيذ في شعره؛ وشاعر ~~فقط، وهو فوق الرديء بدرجة؛ وشعرور، وهو لا شيء. قال بعض الشعراء لآخر ~~هجاه: # يا رابع الشعراء كيف هجوتني ... وزعمت أني مفحم لا أنطق # وقيل: بل هم شاعر مفلق، وشاعر مطلق، وشويعر، وشعرور، والمفلق: هو الذي ~~يأتي في شعره بالفلق، وهو العجب، وقيل: الفلق الداهية قال الأصمعي: ~~فالشويعر مثل محمد بن حمران بن أبي حمران، سماه بذلك امرؤ القيس، ومثل عبد ~~العزى المعروف بالشويعر، وهو الذي يقول: # فنلت به ثأري، وأدركت ثورتي ... إذا ما تناسى ذحله كل غيهب # وهو الضعيف عن طلب ثأره، وروى بالغين معجمة وبالعين غير معجمة. # قال الجاحظ: والشويعر أيضا صفوان بن عبد ياليل من بني سعد بن ليث، وقيل: ~~اسمه ربيعة بن عثمان، وهو القائل: # وأفلتنا أبو ليلى طفيل ... صحيح الجلد من أثر السلاح # وقال بعضهم: شاعر، وشويعر، وشعرور. # وقال العبدي في شاعر يدعى المفوف من بني ضبة ثم من بني حميس: # ألا تنهى سراة بني خميس ... شويعرها فويلية الأفاعي # فسماه شويعرا، وفالية الأفاعي: دويبة فوق الخنفساء، فصغرها أيضا تحقيرا ~~له وزعم الحاتمي أن النابغة سئل: من أشعر الناس؟ فقال: من استجيد جيده، ~~وأضحك رديئه، وهذا كلام يستحيل مثله عن النابغة؛ لأنه إذا أضحك رديئه كان ~~من سفلة الشعراء، إلا أن يكون ذلك في الهجاء خاصة، وقال الحطيئة: # الشعر صعب وطويل سلمه ... والشعر لا يسطيعه من يظلمه # إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه ... زلت به إلى الحضيض قدمه # يريد أن يعربه فيعجمه # وإنما سمي الشاعر شاعرا؛ لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره، فإذا لم يكن عند ~~الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة قيما ~~أجحف فيه غيره من المعاني، أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ، أو صرف معنى ~~إلى وجه عن وجه آخر؛ كان اسم الشاعر عليه مجازا لا حقيقة، ولم يكن ms066 له إلا ~~فضل الوزن، وليس بفضل عندي مع التقصير.. # ولقي رجل آخر فقال له: إن الشعراء ثلاثة: شاعر، وشويعر، وماص بظر أمه، ~~فأيهم أنت؟ قال: أما أنا فشويعر، واختصم أنت وامرؤ القيس في الباقي. # وقال بعضهم: الشعر شعران: جيد محكك، ورديء مضحك، ولا شيء أثقل من الشعر ~~الوسط والغناء الوسط. # وقد قال ابن الرومي يهجو ابن طيفور: # عدمتك يا ابن أبي الطاهر ... وأطعمت ثكلك من شاعر # فما أنت سخن ولا بارد ... وما بين ذين سوى الفاتر # وأنت كذاك تغثي النفو ... س تغثية الفاتر الخاثر # وقد يجوز أن يكون النابغة أشار فيما حكى عنه الحاتمي من الرديء المضحك ~~إلى هذا النحو. # وقيل: عمل الشعر على الحاذق به أشد من نقل الصخر، ويقال: إن الشعر كالبحر ~~أهون ما يكون على الجاهل أهول ما يكون على العالم، وأتعب أصحابه قلبا من ~~عرفه حق معرفته، وأهل صناعة الشعر أبصر به من العلماء بآلته من نحو وغريب ~~ومثل وخبر وما أشبه ذلك ولو كان دونهم بدرجات، وكيف إن قاربوهم أو كانوا ~~منهم بسبب؟ وقد كان أبو عمرو بن العلاء وأصحابه لا يجرون مع خلف الأحمر في ~~حلبة هذه الصناعة أعني النقد ولا يشقون له غبارا، لنفاذه فيها؛ وحذقه بها، ~~وإجادته لها وقد يميز الشعر من لا يقوله، كالبزاز يميز من الثياب ما لم ~~ينسجه، والصيرفي يخبر من الدنانير ما لم يسبكه ولا ضربه، حتى أنه ليعرف ~~مقدار ما فيه من الغش وغيره فينقص قيمته. # وحكى أن رجلا قال لخلف الأحمر: ما أبالي إذا سمعت شعرا استحسنته ما قلت ~~أنت وأصحابك فيه!! فقال له: إذا أخذت درهما تستحسنه وقال لك الصيرفي إنه ~~رديء هل ينفعك استحسانك إياه؟. # وقيل للمفضل الضبي: لم لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟ قال: علمي به ~~هو الذي يمنعني من قوله، وأنشد: # وقد يقرض الشعر البكي لسانه ... وتعيي القوافي المرء وهو لبيب ~~PageV01P035 والشعر مزلة العقول، وذلك أن أحدا ما صنعه قط فكتمه ولو كان ~~رديئا، وإنما ذلك لسروره به، وإكباره إياه، ms067 وهذه زيادة في فضل الشعر، ~~وتنبيه على قدره وحسن موقعه من كل نفس. # وقال الأصمعي على تقدمه في الرواية وميزة بالشعر: # أبى الشعر إلا أن يفيء رديه ... علي، ويأبى منه ما كان محكما # فيا ليتني إذ لم أجد حوك وشيه ... ولم أك من فرسانه كنت مفحما # وقال عبد الكريم: الشعر أربعة أصناف: فشعر هو خير كله، وذلك ما كان في ~~باب الزهد، والمواعظ الحسنة، والمثل العائد على من تمثل به بالخير، وما ~~أشبه ذلك؛ وشعر هو ظرف كله، وذلك القول في الأوصاف، والنعوت والتشبيه، وما ~~يفتن به من المعاني والآداب؛ وشعر هو شر كله، وذلك الهجاء، وما تسرع به ~~الشاعر إلى أعراض الناس؛ وشعر يتكسب به، وذلك أن يحمل إلى كل سوق ما ينفق ~~فيها، ويخاطب كل إنسان من حيث هو، ويأتي إليه من جهة فهمه. # وذكر الجمحي في الشعراء المقاحم والثنيان قال: والمقحم: الذي يقتحم سنا ~~إلى أخرى، وليس بالبازل ولا المستحكم، وأنشد لأوس بن حجر: # وقد رام بحري قبل ذلك طاميا ... من الشعراء كل عود ومقحم # قال: والثنيان: الواهن العاجز، وأنشد لأوس بن مغراء: # ترى ثنانا إذا ما جاء بدأهم ... بدؤهم إن أتانا كان ثنيانا # قال غيره: الثنيان: الذي ليس بالرئيس، بل هو دونه، وأنشدوا لنابغة بني ~~ذبيان يخاطب يزيد بن الصعق: # يصد الشاعر الثنيان عني ... صدود البكر عن قرم هجان # قال الجمحي: وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم ~~والصناعات: منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، منها ما تثقفه اليد ~~منها ما يثقفه اللسان، من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا يعرف بصفة ولا وزن دون ~~المعاينة ممن يبصره، ومن ذلك الجهبذة بالدينار والدرهم لا تعرف جودتهما ~~بلون ولا مس ولا طراوة ولا دنس ولا صفة، ويعرفه الناقد عند المعاينة فيعرف ~~بهرجها وزائفها وستوقها ومفرغها، ومنه البصر بأنواع المتاع وضروبه وصنوفه ~~مع تشابه لونه ومسه وذرعه واختلاف بلاده حتى يرد كل صنف منها إلى بلده الذي ~~خرج منه، وكذلك بصر الرقيق فتوصف الجارية فيقال: ناصعة ms068 اللون، جيدة الشطب، ~~نقية الثغر، حسنة العين والأنف، جيدة النهدين، ظريفة اللسان، واردة الشعر، ~~فتكون بهذه الصفة بمائة دينار وبمائتي دينار، وتكون أخرى بألف دينار وألفي ~~دينار؛ ولكن لا يجد واصفها مزيدا على هذه الصفة؛ وتوصف الدابة فيقال: خفيف ~~العنان، لين الظهر، جيد الحافر، فتي السن، نقي من العيوب؛ فيكون بخمسين ~~دينارا أو نحوها، وتكون أخرى بمائتي دينار وأكثر، تكون هذه صفتها، ويقال ~~للرجل والمرأة في القراءة والغناء: إنه لندي الحلق، حسن الصوت، طويل النفس، ~~مصيب اللحن، ويوصف الآخر والأخرى بهذه الصفة وبينهما بون بعيد، يعرف ذلك ~~أهل العلم به عند المعاينة والاستماع، بلا صفة ينتهي إليها ولا علم يوقف ~~عليه، وإن كثرت المدارسة للشيء لتعين على العلم به، وكذلك الشعر يعرفه أهل ~~العلم به. # وسمعت بعض الحذاق يقول: ليس للجودة في الشعر صفة، إنما هو شيء يقع في ~~النفس عند المميز: كالفرند في السيف، والملاحة في الوجه، وهذا راجع إلى قول ~~الجمحي، بل هو بعينه، وإنما فيه فضل الاختصار. # باب حد الشعر وبنيته PageV01P036 الشعر يقوم بعد النية من أربعة أشياء، ~~وهي: اللفظ، والوزن، والمعنى، والقافية، فهذا هو حد الشعر؛ لأن من الكلام ~~موزونا مقفى وليس بشعر؛ لعدم القصد والنية، كأشياء اتزنت من القرآن، ومن ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما لم يطلق عليه أنه شعر، ~~والمتزن: ما عرض على الوزن فقبله، فكأن الفعل صار له، ولهذه العلة سمي ما ~~جرى هذا المجرى من الأفعال فعل مطاوعة، هذا هو الصحيح، وعند طائفة من أصحاب ~~الجدل أن المنفعل والمفتعل لا فاعل لهما، نحو: شويت اللحم فهو منشو ومشتو، ~~وبنيت الحائط فهو منبن، ووزنت الدينار فهو متزن، وهذا محال لا يصح مثله في ~~العقول، وهو يؤدي إلى ما لا حاجة لنا به، ومعاذ الله أن يكون مراد القوم في ~~ذلك إلا المجاز والاتساع، وإلا فليس هذا مما يغلط فيه من رق ذهنه وصفا ~~خاطره، وإنما جئت بهذا الفصل احتجاجا على من زعم أن المتزن غير داخل في ~~الموزون، وإذا ms069 لم يعرض المتزن على الوزن فيوجد موزونا فمن أين يعلم أنه ~~متزن؟ وكيف يقع عليه هذا الاسم؟ وقال بعض العلماء بهذا الشأن: بني الشعر ~~على أربعة أركان، وهي: المدح، والهجاء، والنسيب، والرثاء. # وقالوا: قواعد الشعر أربعة: الرغبة، والرهبة، والطرب، والغضب: فمع الرغبة ~~يكون المدح والشكر، ومع الرهبة يكون الاعتذار والاستعطاف، ومع الطرب يكون ~~الشوق ورقة النسيب، ومع الغضب يكون الهجاء والتوعد والعتاب الموجع. # وقال الرماني علي بن عيسى: أكثر ما تجري عليه أغراض الشعر خمسة: النسيب، ~~والمدح، والهجاء، والفخر، والوصف، ويدخل التشبيه والاستعارة في باب الوصف. # وقال عبد الملك بن مروان لأرطأة بن سهية: أتقول الشعر اليوم؟ فقال: والله ~~ما أطرب، ولا أغضب، ولا أشرب، ولا أرغب، وإنما يجيء الشعر عند إحداهن. قال ~~أبو علي البصير: # مدحت الأمير الفتح أطلب عرفه ... وهل يستزاد قائل وهو راغب # فأفنى فنون الشعر وهي كثيرة ... وما فنيت آثاره والمناقب # فجعل الرغبة غاية لا مزيد عليها. # وقال عبد الكريم: يجمع أصناف الشعر أربعة: المديح، والهجاء، والحكمة، ~~واللهو، ثم يتفرغ من كل صنف من ذلك فنون؛ فيكون من المديح المرائي ~~والافتخار والشكر، ويكون من الهجاء الذم والعتاب والاستبطاء، ويكون من ~~الحكمة الأمثال والتزهيد والمواعظ، ويكون من اللهو الغزل والطرد وصفة الخمر ~~والمخمور. # وقال قوم: الشعر كله نوعان: مدح، وهجاء؛ فإلى المدح يرجع الرثاء، ~~والافتخار، والتشبيب، وما تعلق بذلك من محمود الوصف: كصفات الطلول والآثار، ~~والتشبيهات الحسان، وكذلك تحسين الأخلاق: كالأمثال، والحكم، والمواعظ، ~~والزهد في الدنيا، والقناعة، والهجاء ضد ذلك كله، غير أن العتاب حال بين ~~حالين؛ فهو طرف لكل واحد منهما، وكذلك الإغراء ليس بمدح ولا هجاء؛ لأنك لا ~~تغرى بإنسان فتقول: إنه حقير ولا ذليل، إلا كان عليك وعلى المغري الدرك، ~~ولا تقصد أيضا بمدحه الثناء عليه فيكون ذلك على وجهه. # والبيت من الشعر كالبيت من الأبنية: قراره الطبع، وسمكه الرواية، ودعائمه ~~العلم، وبابه الدربة، وساكنه المعنى، ولا خير في بيت غير مسكون، وصارت ~~الأعاريض والقوافي كالموازين والأمثلة للأبنية، أو كالأواخي والأوتاد ~~للأخبية، فأما ما ms070 سوى ذلك من محاسن الشعر فإنما هو زينة مستأنفة ولو لم تكن ~~لاستغنى عنها. # قال القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني صاحب كتاب الوساطة: الشعر علم من ~~علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربة مادة له، ~~وقوة لكل واحد من أسبابه؛ فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرز، ~~وبقدر نصيبه منها تكون مرتبته من الإحسان. وقال: ولست أفضل في هذه القضية ~~بين القديم والمحدث، والجاهلي والمخضرم، والأعرابي والمولد، إلا أني أرى ~~حاجة المحدث إلى الرواية أمس، وأجده إلى كثرة الحفظ أفقر، فإذا استكشفت عن ~~هذه الحال وجدت سببها والعلة فيها أن المطبوع الذكي لا يمكنه تناول ألفاظ ~~العربي إلا رواية، ولا طريق إلى الرواية إلا السمع، وملاك السمع الحفظ. # قال دعبل في كتابه: PageV01P037 من أراد المديح فبالرغبة، ومن أراد ~~الهجاء فبالبغضاء، ومن أراد التشبيب فبالشوق والعشق، ومن أراد المعاتبة ~~فبالاستبطاء؛ فقسم الشعر كما ترى هذه الأقسام الأربعة، وكان الرثاء عنده من ~~باب المدح على ما قدمت، إلا أنه جعل العتاب بدلا منه. # وقال غير واحد من العلماء: الشعر ما اشتمل على المثل السائر، والاستعارة ~~الرائعة، والتشبيه الواقع، وما سوى ذلك فإنما لقائله فضل الوزن. # وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: قلت لأعرابي: من أشعر الناس؟ قال: الذي ~~إذا قال أسرع، وإذا أسرع أبدع، وإذا تكلم أسمع، وإذا مدح رفع، وإذا هجا ~~وضع. # وسئل بعض أهل الأدب: من أشعر الناس؟ فقال: من أكرهك شعره على هجو ذويك ~~ومدح أعاديك، يريد الذي تستحسنه فتحفظ منه ما فيه عليك وصمة، وخلاف للشهوة، ~~وهذا ذوب قول أبي الطيب: # وأسمع من ألفاظه اللغة التي ... يلذ بها سمعي ولو ضمنت شتمي # أخذه من قول أبي تمام: # فإن أنا لم يمدحك عني صاغرا ... عدوك فاعلم أنني غير حامد # أتبعه البحتري في ذلك فقال: # ليواصلنك ركب شعري سائرا ... يرويه فيك لحسنه الأعداء # وقال عبد الصمد بن المعذل: الشعر كله في ثلاث لفظات، وليس كل إنسان يحسن ~~تأليفها: فإذا مدحت قلت أنت، وإذا هجوت قلت لست، ms071 وإذا رثيت قلت كنت. # وقال بعض النقاد: أصغر الشعر الرثاء؛ لأنه لا يعمل رغبة ولا رهبة. # قال ابن قتيبة: قال أحمد بن يوسف الكاتب لأبي يعقوب الخريمي: أنت في ~~مدائحك لمحمد بن منصور كاتب البرامكة أشعر منك في مراثيك له، فقال: كنا ~~يومئذ نعمل على الرجاء، ونحن نعمل اليوم على الوفاء. # قال صاحب الكتاب: ومن هذا المنثور والله أعلم سرق البصير بيته المتقدم في ~~الفتح بن خاقان. # وقيل لبعضهم: ما أحسن الشعر؟ فقال: ما أعطى القياد، وبلغ المراد. # وقال أبو عبد الله وزير المهدي: خير الشعر ما فهمته العامة، ورضيته ~~الخاصة. # وسمعت بعض الشيوخ يقول: قال الحذاق: لو كانت البلاغة في التطويل ما سبق ~~إليها أبو نواس والبحتري. # وقال بعض الحذاق من المتعقبين: أشعر الناس من تخلص في مدح امرأة ورثائها. # وقال ابن المعتز: قيل لمعتوه: ما أحسن الشعر؟ قال: ما لم يحجبه عن القلب ~~شيء. # باب في اللفظ والمعنى # اللفظ جسم، وروحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم: يضعف بضعفه، ~~ويقوى بقوته، فإذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصا للشعر وهجنة عليه، ~~كما يعرض لبعض الأجسام من العرج والشلل والعور وما أشبه ذلك، من غير أن ~~تذهب الروح، وكذلك إن ضعف المعنى واختل بعضه كان للفظ من ذلك أوفر حظ، ~~كالذي يعرض للأجسام من المرض بمرض الأرواح، ولا تجد معنى يختل إلا من جهة ~~اللفظ، وجريه فيه على غير الواجب، قياسا على ما قدمت من أدواء الجسوم ~~والأرواح، فإن اختل المعنى كله وفسد بقي اللفظ مواتا لا فائدة فيه، وإن كان ~~حسن الطلاوة في السمع، كما أن الميت لم ينقص من شخصه شيء في رأي العين، إلا ~~أنه لا ينتفع به ولا يفيد فائدة، وكذلك إن اختل اللفظ جملة وتلاشى لم يصح ~~له معنى؛ لأنا لا نجد روحا في غير جسم البتة. # ثم للناس فيما بعد آراء ومذاهب: منهم من يؤثر اللفظ على المعنى فيجعله ~~غايته ووكده، وهم فرق: قوم يذهبون إلى فخامة الكلام وجزالته، على مذهب ~~العرب ms072 من غير تصنع، كقول بشار: # إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما # إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة ... ذرى منبر صلى علينا وسلما # وهذا النوع أدل على القوة، وأشبه بما وقع فيه من موضع الافتخار، وكذلك ما ~~مدح به الملوك يجب أن يكون من هذا النحت. # وفرقة أصحاب جلبة وقعقعة بلا طائل معنى إلا القليل النادر: كأبي القاسم ~~بن هانئ ومن جرى مجراه؛ فإنه يقول أول مذهبته: # أصاخت فقالت: وقع أجرد شيظم ... وشامت فقالت: لمع أبيض مخذم # وما ذعرت إلا لجرس حليها ... ولا رمقت إلا برى في مخدم PageV01P038 وليس ~~تحت هذا كله إلا الفساد، وخلاف المراد، ما الذي يفيدنا أن تكون هذه المنسوب ~~بها ليست حليها فتوهمته بعد الإصاخة والرمق وقع فرس أو لمع سيف؟ غير أنها ~~مغزوة في دارها، أو جاهلة بما حملته من زينتها، ولم يخف عنا مراده أنها ~~كانت تترقبه!! فما هذا كله؟ وكانت عند أبي القاسم مع طبعه صنعة، فإذا أخذ ~~في الحلاوة والرقة، وعمل بطبعه وعلى سجيته؛ أشبه الناس، ودخل في جملة ~~الفضلاء؛ وإذا تكلف الفخامة، وسلك طريق الصنعة أضر بنفسه، وأتعب سامع شعره. ~~ويقع له من الكلام المصنوع والمطبوع في الأحايين أشياء جيدة، كقوله في ~~المطبوع يصف شجعانا: # لا يأكل السرحان شلو عقيرهم ... مما عليه من القنا المتكسر # العقير ههنا منهم، أي: لم يمت لشجاعته حتى تحطم عليه من الرماح ما لا يصل ~~معه الذئب إليه كثرة، ولو كان العقير هو الذي عقروه هم لكان البيت هجوا؛ ~~لأنه كان يصفهم بالضعف والتكاثر على واحد. وقوله في المصنوع: # وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنضر من ورق الحديد الأخضر # فهذا كله جيد وبديع، وقد زاد فيه على قول البحتري: # حملت حمائله القديمة بقلة ... من عهد عاد غضة لم تذبل # ويروى: # من عهد تبع # ومنهم من ذهب إلى سهولة اللفظ فعني بها، واغتفر له فيها الركاكة واللين ~~المفرط: كأبي العتاهية، وعباس بن الأحنف، ومن تابعهما، وهم يرون الغاية قول ~~أبي العتاهية: # يا إخوتي إن ms073 الهوى قاتلي ... فيسروا الأكفان من عاجل # ولا تلوموا في اتباع الهوى ... فإنني في شغل شاغل # عيني على عتبة منهلة ... بدمعها المنسكب السائل # يا من رأى قبلي قتيلا بكى ... من شدة الوجد على القاتل # بسطت كفي نحوكم سائلا ... ماذا تردون على السائل؟ # إن لم تنيلوه فقولوا له ... قولا جميلا بدل النائل # أو كنتم العام على عسرة ... منه فمنوه إلى قابل # وقد ذكر أن أبا العتاهية وأبا نواس والحسين بن الضحاك الخليع اجتمعوا ~~يوما، فقال أبو نواس: لينشد كل واحد قصيدة لنفسه في مراده من غير مدح ولا ~~هجاء، فأنشد أبو العتاهية هذه القصيدة، فسلما له وامتنعا من الإنشاد بعده، ~~وقالا له: أما مع سهولة هذه الألفاظ، وملاحة هذا القصد، وحسن هذه الإشارات؛ ~~فلا ننشد شيئا، وذلك في بابه من الغزل جيد أيضا لا يفضله غيره. # ومنهم من يؤثر المعنى على اللفظ فيطلب صحته، ولا يبالي حيث وقع من هجنة ~~اللفظ وقبحه وخشونته: كابن الرومي، وأبي الطيب، ومن شاكلهما: هؤلاء ~~المطبوعون، فأما المتصنعون فسيرد عليك ذكرهم إن شاء الله تعالى. # وأكثر الناس على تفضيل اللفظ على المعنى، سمعت بعض الحذاق يقول: قال ~~العلماء: اللفظ أغلى من المعنى ثمنا، وأعظم قيمة، وأعز مطلبا؛ فإن المعاني ~~موجودة في طباع الناس، يستوي الجاهل فيها والحاذق، ولكن العمل على جودة ~~الألفاظ، وحسن السبك، وصحة التأليف، ألا ترى أن رجلا أراد في المدح تشبيه ~~رجل لما أخطأ أن يشبهه في الجود بالغيث والبحر، وفي الإقدام بالأسد، وفي ~~المضاء بالسيف، وفي العزم بالسيل، وفي الحسن بالشمس فإن لم يحسن تركيب هذه ~~المعاني في أحسن حلاها من اللفظ الجيد الجامع للرقة والجزالة والعذوبة ~~والطلاوة والسهولة لم يكن للمعنى قدر. # وبعضهم وأظنه ابنوكيع مثل المعنى بالصورة، واللفظ بالكسوة؛ فإن لم تقابل ~~الصورة الحسناء بما يشاكلها ويليق بها من اللباس فقد بخست حقها، وتضاءلت في ~~عين مبصرها. # وقال عبد الكريم وكان يؤثر اللفظ على المعنى كثيرا في شعره وتآليفه : ~~الكلام الجزل أغنى عن المعاني اللطيفة من المعاني اللطيفة عن الكلام الجزل، ms074 ~~وإنما حكاه ونقله نقلا عمن روى عنه النحاس. # ومن كلام عبد الكريم: قال بعض الحذاق: المعنى مثال، واللفظ حذو، والحذو ~~يتبع المثال؛ فيتغير بتغيره، ويثبت بثباته. # ومنه قول العباس بن حسن العلوي في صفة بليغ: معانيه قوالب لألفاظه، هكذا ~~حكى عبد الكريم، وهو الذي يقتضيه شرط كلامه، ثم خالف في موضع آخر فقال: ~~ألفاظه قوالب لمعانيه، وقوافيه معدة لمبانيه، والسجع يشهد بهذه الرواية ~~الأخرى، وهي أعرف. PageV01P039 والقالب يكون وعاء كالذي تفرغ فيه الأواني، ~~ويعمل به اللبن والآجر، وقد يكون قدرا للوعاء كالذي يقام به اللوالك، وتصلح ~~عليه الأخفاف، ويكون مثالا كالذي تحذى عليه النعال، وتفصل عليه القلانس، ~~فلهذا احتمل القالب أن يكون لفظا مرة ومعنى مرة. # وللشعراء ألفاظ معروفة، وأمثلة مألوفة، لا ينبغي للشاعر أن يعدوها، ولا ~~أن يستعمل غيرها، كما أن الكتاب اصطلحوا على ألفاظ بأعيانها سموها الكتابية ~~لا يتجاوزونها إلى سواها، إلا أن يريد شاعر أن يتظرف باستعمال لفظ أعجمي ~~فيستعمله في الندرة، وعلى سبيل الخطرة، كما فعل الأعشى قديما، وأبو نواس ~~حديثا، فلا بأس بذلك، والفلسفة وجر الأخبار باب آخر غير الشعر؛ فإن وقع فيه ~~شيء منهما فبقدر، ولا يجب أن يجعلا نصب العين فيكونا متكئا واستراحة، وإنما ~~الشعر ما أطرب، وهز النفوس، وحرك الطباع، فهذا هو باب الشعر الذي وضع له، ~~وبنى عليه، لا ما سواه. # ومن ملح الكلام على اللفظ والمعنى ما حكاه أبو منصور عبد الملك بن ~~إسماعيل الثعالبي، قال: البليغ من يحوك الكلام على حسب الأماني، ويخيط ~~الألفاظ على قدود المعاني. # وقال غيره: الألفاظ في الأسماع كالصور في الأبصار. # وقال أبو عبادة البحتري: # وكأنها والسمع معقود بها ... وجه الحبيب بدا لعين محبه # باب في المطبوع والمصنوع # ومن الشعر مطبوع ومصنوع، فالمطبوع هو الأصل الذي وضع أولا، وعليه المدار. ~~والمصنوع وإن وقع عليه هذا الاسم فليس متكلفا تكلف أشعار المولدين، لكن وقع ~~فيه هذا النوع الذي سموه صنعة من غير قصد ولا تعمل، لكن بطباع القوم عفوا، ~~فاستحسنوه ومالوا إليه بعض الميل، بعد أن ms075 عرفوا وجه اختياره على غيره، حتى ~~صنع زهير الحوليات على وجه التنقيح والتثقيف: يصنع القصيدة ثم يكرر نظره ~~فيها خوفا من التعقب بعد أن يكون قد فرغ من عملها في ساعة أو ليلة، وربما ~~رصد أوقات نشاطه فتباطأ عمله لذلك، والعرب لا تنظر في أعطاف شعرها بأن تجنس ~~أو تطابق أو تقابل، فتترك لفظة للفظة، أو معنى لمعنى، كما يفعل المحدثون، ~~ولكن نظرها في فصاحة الكلام وجزالته، وبسط المعنى وإبرازه، وإتقان بنية ~~الشعر، وإحكام عقد القوافي وتلاحم الكلام بعضه ببعض حتى عدوا من فضل صنعة ~~الحطيئة حسن نسقه الكلام بعضه على بعض في قوله: # فلا وأبيك ما ظلمت قريع ... بأن يبنوا المكارم حيث شاءوا # ولا وأبيك ما ظلمت قريع ... ولا برموا لذاك ولا أساءوا # بعثرة جارهم أن ينعشوها ... فيغبر حوله نعم وشاء # فيبنى مجدهم ويقيم فيها ... ويمشي إن أريد به المشاء # وإن الجار مثل الضيف يغدو ... لوجهته وإن طال الثواء # وإني قد علقت بحبل قوم ... أعانهم على الحسب الثراء # وكذلك قول أبي ذؤيب يصف حمر الوحش والصائد: # فوردن والعيوق مقعد رابئ ال ... ضرباء خلف النجم لا يتتلع # فكرعن في حجرات عذاب بارد ... حصب البطاح تغيب فيه الأكرع # فشربن ثم سمعن حسا دونه ... شرف الحجاب، وريب قرع يقرع # فنكرنه فنفرن فامترست به ... هوجاء هادية وهاد جرشع # فرمى فأنفذ من نحوص عائط ... سهما فخر وريشه متصمع # فبدا له أقراب هاد رائغا ... عنه فعيث في الكنانة يرجع # فرمى فألحق صاعديا مطحرا ... بالكشح فاشتملت عليه الأضلع # فأبدهن حتوفهن فهارب ... بدمائه أو بارك متجعجع # فأنت ترى هذا النسق بالفاء كيف اطرد له، ولم ينحل عقده، ولا اختل بناؤه، ~~ولولا ثقافة الشاعر ومراعاته إياه لما تمكن له هذا التمكن. PageV01P040 ~~واستطرفوا ما جاء من الصنعة نحو البيت والبيتين في القصيدة بين القصائد، ~~يستدل بذلك على جودة شعر الرجل، وصدق حسه، وصفاء خاطره؛ فأما إذا كثر ذلك ~~فهو عيب يشهد بخلاف الطبع، وإيثار الكلفة، وليس يتجه البتة أن يتأتى من ~~الشاعر قصيدة كلها أو أكثرها متصنع من غير ms076 قصد؛ كالذي يأتي من أشعار حبيب ~~والبحتري وغيرهما. وقد كانا يطلبان الصنعة ويولعان بها: فأما حبيب فيذهب ~~إلى حزونة اللفظ، وما يملأ الأسماع منه، مع التصنيع المحكم طوعا وكرها، ~~يأتي للأشياء من بعد، ويطلبها بكلفة، ويأخذها بقوة. وأما البحتري فكان أملح ~~صنعة، وأحسن مذهبا في الكلام، يسلك منه دماثة وسهولة مع إحكام الصنعة وقرب ~~المأخذ، لا يظهر عليه كلفة ولا مشقة. وما أعلم شاعرا أكمل ولا أعجب تصنيعا ~~من عبد الله بن المعتز؛ فإن صنعته خفية لطيفة لا تكاد تظهر في بعض المواضع ~~إلا للبصير بدقائق الشعر، وهو عندي ألطف أصحابه شعرا، وأكثرهم بديعا ~~وافتتانا، وأقربهم قوافي وأوزانا، ولا أرى وراءه غاية لطالبها في هذا ~~الباب، غير أنا لا نجد المبتدئ في طلب التصنيع ومزاولة الكلام أكثر انتفاعا ~~منه بمطالعة شعر حبيب وشعر مسلم بن الوليد؛ لما فيهما من الفضيلة لمبتغيها، ~~ولأنهما طرقا إلى الصنعة ومعرفتها طريقا سابلة، وأكثرا منها في أشعارهما ~~تكثيرا سهلها عند الناس، وجسرهم عليها. على أن مسلما أسهل شعرا من حبيب، ~~وأقل تكلفا، وهو أول من تكلف البديع من المولدين، وأخذ نفسه بالصنعة، وأكثر ~~منها. ولم يكن في الأشعار المحدثة قبل مسلم صريع الغواني إلا النبذ ~~اليسيرة، وهو زهير المولدين: كان يبطئ في صنعته ويجيدها. # وقالوا: أول من فتق البديع من المحدثين بشار بن برد، وابن هرمة، وهو ساقة ~~العرب وآخر من يستشهد بشعره. ثم أتبعهما مقتديا بهما كلثوم بن عمرو ~~العتابي، ومنصور النمري، ومسلم بن الوليد، وأبو نواس. واتبع هؤلاء حبيب ~~الطائي، والوليد البحتري، وعبد الله بن المعتز؛ فانتهى علم البديع والصنعة ~~إليه، وختم به. وشبه قوم أبا نواس بالنابغة لما اجتمع له من الجزالة مع ~~الرشاقة، وحسن الديباجة، والمعرفة بمدح الملوك. وأما بشار فقد شبهوه بامرئ ~~القيس؛ لتقدمه على المولدين وأخذهم عنه، ومن كلامهم: بشار أبو المحدثين. # وسمعت أبا عبد الله غير مرة يقول: إنما سمي الأعشى صناجة العرب لأنه أول ~~من ذكر الصنج في شعره. قال: ويقال: بل سمي صناجة لقوة طبعه، وحلية ms077 شعره، ~~يخيل لك إذا أنشدته أن آخر ينشد معك. ومثله من المولدين بشار بن برد، تنشد ~~أقصر شعره عروضا وألينه كلاما فتجد له في نفسك هزة وجلبة من قوة الطبع؛ وقد ~~أشبهه تصرفا وضربا في الشعر وكثرة عروض مدحا وهجاء وافتخارا وتطويلا. انقضى ~~كلام أبي عبد الله ورجعنا إلى القول في الطبع والتصنيع. # ولسنا ندفع أن البيت إذا وقع مطبوعا في غاية الجودة ثم وقع في معناه بيت ~~مصنوع في نهاية الحسن لن تؤثر فيه الكلفة ولا ظهر عليه التعمل كان المصنوع ~~أفضلهما، وإلا أنه إذا توالى ذلك وكثر لم يجز البتة أن يكون طبعا واتفاقا؛ ~~إذ ليس ذلك في طباع البشر. وسبيل الحاذق بهذه الصناعة إذا غلب عليه حب ~~التصنيع أن يترك للطبع مجالا يتسع فيه، وقيل: إذا كان الشاعر مصنعا بان ~~جيده من سائر شعره: كأبي تمام؛ فصار محصورا معروفا بأعيانه، وإذا كان الطبع ~~غالبا عليه لم يبن جيده كل البينونة، وكان قريبا من قريب: كالبحتري ومن ~~شاكله. وقد نص ابن الرومي في بعض تسطيراته على محمد بن أبي حكيم الشاعر حين ~~عاب عليه قوله في الفرس من قصيدة رثى بها عبد الله بن طاهر: # فله شهامة سودنيق باكر ... وحوافر حفر ورأس صنتع # وذكر قول حبيب: # بحوافر حفر وصلب صلب PageV01P041 فحفل به، واعتذر له، وخرج التخاريج ~~الحسان، وذكر أن الحافر المقعب ونحوهما أشرف في اللفظ من الحافر الأحفر، ~~إلا أن الطائي عنده كان يطلب المعنى ولا يبالي باللفظ، حتى لو تم له المعنى ~~بلفظة نبطية لأتى بها، والذي أراه أن ابن الرومي أبصر بحبيب وغيره منا، وأن ~~التسليم له والرجوع إليه أحزم، غير أنني لو شئت أن أقول ولست رادا عليه، ~~ولا معترضا بين يديه إن المعنى الذي أراده وأشار إليه من جهة الطائي إنما ~~هو معنى الصنعة كالتطبيق والتجنيس وما أشبههما، لا معنى الكلام الذي هو ~~روحه، وإن اللفظ الذي ذكر أنه لا يبالي به إنما هو فصيح الكلام ومستعمله، ~~ويدلك على صحة ما ادعيته على ابن ms078 الرومي قوله " إن الحافر الوأب والمقعب ~~أشرف في اللفظ من الحافر الأحفر " ؛ فكلامه راجع إلى ما قلته في الطائي، ~~غير مخالف له، وإن كان في الظاهر على خلافه؛ لينساغ ذلك، إلا أن أكثر الناس ~~على ما قال، وإنما هذا معرض للكلام، لا مخالفة. # وقال الجاحظ: كما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا، ولا ساقطا سوقيا؛ فكذلك ~~لا ينبغي أن يكون وحشيا، إلا أن يكون المتكلم به بدويا أعرابيا؛ فإن الوحشي ~~من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقي رطانة السوقي. # قال: وأنشد رجل قوما شعرا فاستغربوه، فقال: والله ما هو بغريب، ولكنكم في ~~الأدب غرباء. # وعن غيره: أن رجلا قال للطائي في مجلس حفل وأراد تبكيته لما أنشد: يا أبا ~~تمام، لم لا تقول من الشعر ما يفهم؟ فقال له: وأنت لم لا تفهم من الشعر ما ~~يقال؟ ففضحه. # ويروى أن هذه الحكاية كانت مع أبي العميثل وصاحبين له خاطباه فأجابهما. # وقال بعض من نظر بين أبي تمام وأبي الطيب: إنما حبيب كالقاضي العدل: يضع ~~اللفظة موضعها، ويعطي المعنى حقه، بعد طول النظر والبحث عن البينة، أو ~~كالفقيه الورع: يتحرى في كلامه ويتحرج خوفا على دينه. وأبو الطيب كالملك ~~الجبار: يأخذ ما حوله قهرا وعنوة، أو كالشجاع الجريء: يهجم على ما يريده لا ~~يبالي ما لقي، ولا حيث وقع. # وكان الأصمعي يقول: زهير والنابغة من عبيد الشعر، يريد أنهما يتكلفان ~~إصلاحه ويشغلان به حواسهما وخواطرهما. # ومن أصحابهما في التنقيح وفي التثقيف والتحكيك طفيل الغنوي. وقد قيل: إن ~~زهيرا روى له، وكان يسمى محبرا لحسن شعره. # ومنهم الحطيئة، والنمر بن تولب، وكان يسميه أبو عمرو بن العلاء الكيس. # وكان بعض الحذاق بالكلام يقول: قل من الشعر ما يخدمك، ولا تقل منه ما ~~تخدمه، وهذا هو معنى قول الأصمعي، وسأحلي هذا الباب من كلام السيد أبي ~~الحسن بحلية تكون له زينة فائقة، وأختمه بخاتمة تكسوه حلة رائقة؛ لأوفى ~~بذلك بعض ما ضمنت، وأقضى به حق ما شرطت، إن شاء الله. # فمن ms079 ذلك قوله بتاهرت سنة خمس وأربعمائة يتشوق إلى أهله: # ولي كبد مكلومة من فراقكم ... أطامنها صبرا على ما أجنت # تمنتكم شوقا إليكم وصبوة ... عسى الله أن يدني لها ما تمنت # وعين جفاها النوم واعتارها البكى ... إذا عن ذكر القيروان استهلت # فلو أن أعرابيا تذكر نجدا فحن به إلى الوطن، أو تشوق فيه إلى بعض السكن؛ ~~ما حسبته يزيد على ما أتى به هذا المولد الحضري المتأخر العصر، وما انحط ~~بهذا التمييز في هواي، ولا أتنفق بهذا القول عند مولاي، ولا الخديعة مما ~~تظن به، ولا فيه، ولكن رأيت وجه الحق فعرفته، والحق لا يتلثم، وما هو في ~~بلاغته وإيجازه إلا كما قال الأحيمر السعدي في وصيته: # من القول ما يكفي المصيب قليله ... ومنه الذي لا يكتفي الدهر قائله # يصد عن المعنى فيترك مانحا ... ويذهب في التقصير منه يطاوله # فلا تك مكثارا تزيد على الذي ... عنيت به في خطب أمر تزاوله # باب في الأوزان # الوزن أعظم أركان حد الشعر، وأولاها به خصوصية، وهو مشتمل على القافية ~~وجالب لها ضرورة، إلا أن تختلف القوافي فيكون ذلك عيبا في التقفية لا في ~~الوزن، وقد لا يكون عيبا نحو المخمسات وما شاكلها. # والمطبوع مستغن بطبعه عن معرفة الأوزان، وأسمائها، وعللها؛ لنبو ذوقا عن ~~المزاحف منها والمستكره. والضعيف الطبع محتاج إلى معرفة شيء من ذلك يعينه ~~على ما يحاوله من هذا الشأن. PageV01P042 وللناس في ذلك كتب مشهورة، ~~وتواليف مفردة، وبينهم فيه اختلاف، وليس كتابي هذا بمحتمل شرح ذلك، ولا هو ~~من شرطه؛ فرارا من التكرار والتطويل، ولكني أذكر نتفا يحتاج إليها، ويكتفي ~~بها من نظر من المتعلمين في هذا الكتاب، إن شاء الله. # فأول من ألف الأوزان وجمع الأعاريض والضروب الخليل بن أحمد فوضع فيها ~~كتابا سماه العروض استخفافا، والعروض: آخر جزء من القسم الأول من البيت، ~~وهي مؤنثة، وتثنى وتجمع، إلا أن يكون لهذا الجنس من العلم، والضرب: آخر جزء ~~من البيت من أي وزن كان. # ثم ألف الناس بعده، واختلفوا على مقادير استنباطاتهم، ms080 حتى وصل الأمر إلى ~~أبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، فبين الأشياء وأوضحها في اختصار، وإلى ~~مذهبه يذهب حذاق أهل الوقت، وأرباب الصناعة: فأول ما خالف فيه أن جعل ~~الخليل الأجزاء التي يوزن بها الشعر ثمانية: منها اثنان خماسيان، وهما: ~~فعولن، وفاعلن، وستة سباعية، وهي: مفاعيلن، وفاعلاتن، ومستفعلن، ومفاعلتن، ~~ومتفاعلن، ومفعولات، فنقص الجوهري منها جزء مفعولات، وأقام الدليل على أنه ~~منقول من " مستفع لن " مفروق الوتد، أي: مقدم النون على اللام؛ لأنه زعم ~~أنه لو كان جزءا صحيحا لتركب من مفرده بحر كما تركب من سائر الأجزاء. يريد ~~أنه ليس في الأوزان وزن انفرد به مفعولات، ولا تكرر في قسم منه، وعد الخليل ~~أجناس الأوزان فجعلها خمسة عشر جنسا، على أنه لم يذكر المتدارك، وهي عنده: ~~الطويل، والمديد، والبسيط، في دائرة؛ دائرة ثم الوافر والكامل في دائرة: ثم ~~الهزج، والرجز، والرمل، في دائرة؛ ثم السريع، والمنسرح، والخفيف، والمضارع، ~~والمقتضب، والمجتث، في دائرة. ثم المتقارب وحده في دائرة. # وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاج اختلاف الناس في ألقاب ~~الشعر؛ فحكى عن الخليل شيئا أخذت به اختصارا وتقليدا؛ لأنه أول من وضع علم ~~العروض وفتحه للناس، وغادرت ما سوى ذلك من قول أبي إسحاق الزجاج وغيره لا ~~على أن فيه تقصيرا. # ذكر الزجاج أن ابن دريد أخبره عن أبي حاتم عن الأخفش قال: سألت الخليل ~~بعد أن عمل كتاب العروض: لم سميت الطويل طويلا؟ قال: لأنه طال بتمام ~~أجزائه، قلت: فالبسيط؟ قال: لأنه انبسط عن مدى الطويل وجاء وسطه فعلن وآخره ~~فعلن، قلت: فالمديد؟ قال: لتمدد سباعيه حول خماسيه، قلت: فالوافر؟ قال: ~~لوفور أجزائه وتدا بوتد، قلت: فالكامل؟ قال: لأن فيه ثلاثين حركة لم تجتمع ~~في غيره من الشعر، قلت: فالهزج؟ قال: لأنه يضطرب؛ شبه بهزج الصوت، قلت: ~~فالرجز؟ قال: لاضطرابه كاضطراب قوائم الناقة عند القيام، قلت: فالرمل؟ قال: ~~لأنه شبه برمل الحصير لضم بعضه إلى بعض، قلت: فالسريع؟ قال: لأنه يسرع على ~~اللسان، قلت: فالمنسرح؟ قال: لانسراحه وسهولته، قلت: ms081 فالخفيف؟ قال: لأنه ~~أخف السباعيات، قلت: فالمقتضب؟ قال: لأنه اقتضب من السريع، قلت: فالمضارع؟ ~~قال: لأنه ضارع المقتضب، قلت: فالمجتث؟ قال: لأنه اجتث، أي: قطع من طويل ~~دائرته، قلت: فالمتقارب؟ قال: لتقارب أجزائه؛ لأنها خماسية كلها يشبه بعضها ~~بعضا. # وجعل الجوهري هذه الأجناس اثني عشر بابا، على أن فيها المتدارك: سبعة ~~منها مفردات، وخمسة مركبات، قال: فأولها المتقارب، ثم الهزج، والطويل ~~بينهما مركب منهما، ثم بعد الهزج الرمل، والمضارع بينهما، ثم بعد الرمل ~~الرجز، والخفيف بينهما، ثم بعد الرجز المتدارك، والبسيط بينهما، ثم بعد ~~المتدارك المديد، مركب منه ومن الرمل، قال: ثم الوافر والكامل، لم يتركب ~~بينهما بحر لما فيهما من الفاصلة. # وزعم أن الخليل إنما أراد بكثرة الألقاب الشرح والتقريب، قال: وإلا ~~فالسريع هو من البسيط، والمنسرح والمقتضب من الرجز، والمجتث من الخفيف؛ لأن ~~كل بيت مركب من مستفعلن فهو عنده من الرجز طال أو قصر، وكل بيت ركب من ~~مستفعلن فاعلن فهو من البسيط طال أو قصر، وعلى هذا القياس سائر المفردات ~~والمركبات عنده. والمتدارك الذي ذكره الجوهري مقلوب من دائرة المتقارب، ~~وذلك أن فعولن يخلفه فاعلن ويخبن فيصير فعلن، وشعر عمرو الجني منه، وهو ~~الذي يسميه الناس اليوم الخبب. PageV01P043 وليس بين العلماء اختلاف في ~~تقطيع الأجزاء، وأنه يراعى فيه اللفظ دون الخط؛ فيقابل الساكن بالساكن، ~~والمتحرك بالمتحرك، ويظهر حرف التضعيف، وتسقط ألف الوصل ولام التعريف إذا ~~لم تظهر في درج الكلام، وتثبت النون بدلا من التنوين، ويعد الوصل والخروج ~~حرفين، وهذا هو الأصل المحقق؛ لأن الأوزان إنما وقعت على الكلام، والكلام ~~لا محالة قبل الخط؛ لأن الألف صورة هوائية لا مستقر لها، ولأن المضاعف يجعل ~~حرفا واحدا، ولأن التنوين شكل خفي، وليس في جميع الأوزان ساكنان في حشو بيت ~~إلا في عروض المتقارب؛ فإن الجوهري أنشد، وأنشده المبرد قبله: # ورمنا القصاص وكان التقاص ... فرضا وحتما على المسلمين # قال الجوهري: كأنه نوى الوقوف على الجزء، وإلا فالجمع بين ساكنين لم يسمع ~~به في حشو بيت. # قال صاحب الكتاب: ms082 إلا أن سيبويه قد أنشد: # كأنه بعد كلال الزاجر ... ومسحه مر عقاب كاسر # بإسكان الحاء وإدغامها في الهاء والسين قبلها ساكنة. # وجميع أجزاء الشعر تتألف من ثلاثة أشياء: سبب، ووتد، وفاصلة؛ فالسبب ~~نوعان: خفيف، وهو متحرك بعده ساكن، نحو: ما، وهل، وبل، ومن، وثقيل، وهو ~~متحركان، نحو: لم، وبم، إذا سألت، وقد أنكره بعض المحدثين: والوتد أيضا ~~نوعان: مجموع، وهو متحركان بعدهما ساكن، نحو: رمى، وسعى، ومفروق، وهو ساكن ~~بين متحركين، نحو: قال، وباع. والفاصلة فاصلتان: صغرى، وهي ثلاث متحركات ~~بعدها ساكن، نحو: بلغت، وما أشبه ذلك، وكبرى، وهي أربع متحركات بعدها ساكن، ~~نحو: بلغني، وبلغنا، وما أشبه ذلك، وهي تأتي في جزء من الشعر بعينه، وهو: ~~فعلتن، ولا تأتي البتة بإجماع من الناس بين جزءين فتكون حرفين متحركين في ~~آخر جزء ومثلهما في أول جزء آخر يليه، ولا يجتمع في الشعر خمس متحركات ~~البتة. # ومن الناس من جعل الشعر كله من الأوتاد والأسباب خاصة يركب بعضهما على ~~بعض فتتركب الفواصل منهما، وبعض المتعقبين وأظنه الملقب بالحمار يسمي ~~الفاصلتين وتدا ثلاثيا، ووتدا رباعيا، والسبب عنده نوعان: منفصل نحو من، ~~ومتصل نحو لمن؛ فاللام عنده وحدها سبب متصل، والميم والنون سبب هو منفصل ~~لما كان لحركة الميم نهاية وهي النون الساكنة، ولو كانت متحركة لم تكن ~~نهاية. # وأما الزحاف فهو ما يلحق أي جزء كان من الأجزاء السبعة التي جعلت موازين ~~الشعر من نقص أو زيادة أو تقديم حرف أو تأخيره أو تسكينه، ولا يكاد يسلم ~~منه شعر. # ومن الزحاف ما هو أخف من التمام وأحسن، كالذي يستحسن في الجارية من ~~التفاف البدن واعتدال القامة، مثال ذلك مفاعيلن في عروض الطويل التام تصير ~~مفاعلن في جميع أبياته، وهذا هو القبض، وكل ما ذهب خامسه الساكن فهو مقبوض. ~~وفاعلن في عروض البسيط التام وضربه يصير فعلن، وذلك هو الخبن، وكل ما ذهب ~~ثانيه الساكن فهو مخبون. ومفاعلتن في عروض الوافر التام وضربه حذفوا منه ~~التاء والنون وأسكنوا اللام فصار مفاعل، فخلفه فعولن، ms083 وهذا هو القطف، وليس ~~في الشعر مقطوف غيره. ويخف على المطبوع أبدا أن يجعل مكان مستفعلن في ~~الخفيف مفاعلن يظهر له أحسن. # ومنه أعني الزحاف ما يستحسن قليله دون كثيره، كالقبل اليسير والفلج ~~واللثغ مثال ذلك قول خالد بن زهير الهذلي لخاله أبي ذؤيب: # لعلك إما أم عمرو تبدلت ... سواك خليلا شاتمي تستحيرها # فنقص ساكنا بعد كاف سواك؛ وهو نون فعولن، وهذا هو القبض، ومن رواه " ~~خليلا سواك " قبض الياء من مفاعيلن، وهو أشد قليلا. ومنه يحتمل على كره، ~~كالفدع والوكع والكزم في بعض الحسان، ومثاله في الشعر كثير وكفاك قول امرئ ~~القيس بن حجر: # وتعرف فيه من أبيه شمائلا ... ومن خاله، ومن يزيد، ومن حجر # سماحة ذا، وبر ذا، ووفاء ذا، ... ونائل ذا: إذا صحا، وإذا سكر # فهذا أجمع العلماء بالشعر أنه ما عمل في معناه مثله، إلا أنه على ما تراه ~~من الزحاف المستكره، حكى ذلك أبو عبيدة. # ومنه قبيح مردود لا تقبل النفس عليه، كقبح الخلق واختلاف الأعضاء في ~~الناس وسوء التركيب، مثله قصيدة عبيد المشهورة: # أقفر من أهله ملحوب. # فإنها كادت تكون كلاما غير موزون بعلة ولا غيرها، حتى قال بعض الناس: ~~إنها خطبة ارتجلها فاتزن له أكثرها. # وقال الأصمعي: PageV01P044 الزحاف في الشعر كالرخصة في الفقه، لا يقدم ~~عليها إلا فقيه. # وينبغي للشاعر أن يركب مستعمل الأعاريض ووطيئها، وأن يستحلى الضروب ويأتي ~~بألطفها موقعا، وأخفها مستمعا، وأن يجتنب عويصها ومستكرهها؛ فإن العويص مما ~~يشغله، ويمسك من عنانه، ويوهن قواه، ويفت في عضده، ويخرجه عن مقصده. # وقد يأتون بالخرم كثيرا وهو ذهاب أول حركة من وتد الجزء الأول من البيت ~~وأكثر ما يقع في البيت الأول، وقد يقع قليلا في أول عجز البيت، ولا يكون ~~أبدا إلا في وتد، وقد أنكره الخليل لقلته فلم يجزه، وأجازه الناس، أنشده ~~الجوهري: # قدمت رجلا فإن لم تزع ... قدمت الأخرى فنلت القرار # وأنشد أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري لامرئ القيس: # لقد أنكرتني بعلبك وأهلها ... وابن جريح كان في حمص أنكرا ms084 # هكذا روايته، ورواه غيره ولا بن جريح بغير خرم. فإذا اجتمع الخرم والقبض ~~على الجزء فذلك هو الثرم، وهو قبيح. وهذان عيبان تدلك التسمية فيهما على ~~قبحهما؛ لأن الخرم في الأنف، والثرم في الفم، وإنما كانت العرب تأتي به لأن ~~أحدهم يتكلم بالكلام على أنه غير شعر، ثم يرى فيه رأيا فيصرفه إلى جهة ~~الشعر؛ فمن ههنا احتمل لهم وقبح على غيرهم. ألا ترى أن بعض كتاب عبد الله ~~بن طاهر عاب ذلك على أبي تمام في قوله: # هن عوادي يوسف وصواحبه. # على أنه أولى الناس بمذاهب العرب. # ويأتون بالخزم بزاي معجمة وهو ضد الخزم بالراء غير المعجمة، الناقص منهما ~~ناقص نقطة، والزائد زائد نقطة وليس الخزم عندهم بعيب؛ لأن أحدهم إنما يأتي ~~بالحرف زائدا في أول الوزن، إذا سقط لم يفسد المعنى، ولا أخل به ولا ~~بالوزن، وربما جاء بالحرفين والثلاثة، ولم يأتوا بأكثر من أربعة أحرف، ~~أنشدوا عن علي بن أبي طالب رحمه الله تعالى ورضي عنه: # اشدد حياز يمك للموت ... فإن الموت لاقيكا # ولا تجزع من الموت ... إذا حل بواديكا # فزاد " اشدد " بيانا للمعنى لأنه هو المراد. قال كعب بن مالك الأنصاري ~~يرثي عثمان بن عفان رضي الله عنه: # لقد عجبت لقوم أسلموا بعد عزهم ... إمامهم للمنكرات وللغدر # فزاد " لقد " على الوزن، هكذا أنشدوه. وأنشد الزجاج وزعم أصحاب الحديث أن ~~الجن قالته: # نحن قتلنا سيد الخزر ... ج سعد بن عباده # رميناه بسهمين ... فلم نخط فؤاده # فزاد على الوزن " نحن " وأنشد الزجاج أيضا: # بل لم تجزعوا يا آل حرب مجزعا. # فزاد " بل " وأنشد أيضا: # يا مطر بن خارجة بن مسلم إنني ... أجفى وتغلق دوني الأبواب # وإنما الوزن " مطر بن خارجة " والياء والألف زائدة.. ومما جاء فيه الخزم ~~في أول عجز البيت وأول صدره، وهو شاذ جدا، قول طرفة: # هل تذكرون إذ نقاتلكم ... إذ لا يضر معدما عدمه # فزاد في أول صدر البيت " هل " وزاد في أول العجز " إذ " والبيت من قصيدته ~~المشهورة: # أشجاك الربع أم قدمه ... أم رماد ms085 دارس حممه # وقال جريبة بن الأشيم أنشده أبو حاتم عن أبي زيد الأنصاري: # لقد طال إيضاعي المخدم لا أرى ... في الناس مثلي من معد يخطب # حتى تأوبت البيوت عشية ... فوضعت عنه كوره تتثاءب # فاللام في " لقد " زائدة، وصاحب هذا الشعر جاهلي قديم، وقالت الخنساء: # أقذى بعينك أم بالعين عوار ... أم أوحشت إذ خلت من أهلها الدار # فزادت ألف الاستفهام، ولو أسقطتها لم يضر المعنى ولا الوزن شيئا، وروى أن ~~أبا الحسن بن كيسان كان ينشد قول امرئ القيس: # كأن ثبيرا في عرانين وبله. # فما بعد ذلك بالواو فيقول: # وكأن ذرى رأس المجيمر غدوة. # وكأن السباع فيه غرقى عشية. # معطوفا هكذا؛ ليكون الكلام نسقا بعضه على بعض وقال عبد الكريم بن ~~إبراهيم: مذهبهم في الخزم أنه إذا كان البيت يتعلق بما بعده وصلوه بتلك ~~الزيادة بحروف العطف التي تعطف الاسم على الاسم والفعل على الفعل والجملة ~~على الجملة، وأخذ الخزم من خزامة الناقة، ومن شأنهم مد الصوت فجعلوه عوضا ~~من الخزم الذي يحذفونه من أول البيت. # وقد قال غيره: PageV01P045 إنما أسقطوه كأنهم يتوهمون أنه في السكتة؛ ~~فلذلك جعلوه في الوتد المجموع؛ لأن المفروق لو أسقطوا حركته الأولى لبقي ~~أوله ساكنا، ولا يبتدأ بالساكن، فيسقط أيضا، والسكتة لا تحتمل عندهم إلا ~~حرفا واحدا؛ وهذا اعتلال مليح بين جدا. # ومن التزحيف في الأوساط الإفعاد، وهو أن تذهب مثلا نون متفاعلن أو ~~مستفعلن في عروض الضرب الثاني من الكامل، وتسكن اللام، فيصير عروضه كضربه ~~فعلاتن أو مفعولن، كما قال الشاعر، وهذا هو القطع عند أصحاب القوافي: # أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النساء عواقب الأطهار # فجاء هذا على معنى التصريع وليس به؛ فهو عيب، وأقبح منه قول الآخر: # إني كبرت وإن كل كبير ... مما يضن به علي ويقتر # لأنه أتى بالعروض دون الضرب بحرف، لا لتوهم تصريع ولا إشكال، وإنما نذكر ~~مثل هذا ليجتنب إذا عرف قبحه. وجاء منه في الطويل قول النابغة الذبياني: # جزى الله عبسا عبس آل بغيض ... جزاء الكلاب العاويات وقد ms086 فعل # أنشده النحاس. قول ضباب بن سبيع بن عوف الحنظلي: # لعمري لقد بر الضباب بنوه ... وبعض البنين حمة وسعال # هكذا روايته بالحاء غير معجمة، وهو الصحيح، وبعضهم يرويه غمة بالغين ~~معجمة. # وزعم الجمحي أن الإقعاد لا يجوز لمولد، وقد أتى به البحتري في عروض ~~الخفيف فقال يهجو شاعرا: # ليس ينفك هاجيا مضروبا ... ألف حد ومادحا مصفوعا # قياسا على قول الحارث بن حلزة اليشكري: # أسد في اللقاء ذو أشبال ... وربيع إن شنعت غبراء # وابن قتيبة يسمى هذا الزحاف إقواء، وسأذكره في أبواب القوافي إن شاء الله ~~تعالى. # ومن مهمات الزحاف أربعة أشياء: ابتداء، وهو ما كان في أول البيت مما لا ~~يجوز مثله في الحشو: كالثلم في الطويل، والعصب الوافر، والخرم في الهزج؛ ~~وفصل، وهو ما كان ملتزما في نصف البيت الذي يسمى عروضا، مثل مفاعلن في عروض ~~الطويل، وفعلن في عروض المديد، وما جرى مجراهما، هذا هو الحقيقة، وأما ما ~~كان من جهة التوسع والمجاز ومعنى التقريب فقد مر ذكرهما آنفا؛ واعتماد، وهو ~~ما كان من الزحاف الجائز في الحشو ولا مثل الجزء الذي قبل الضرب، كقول امرئ ~~القيس: # أعنى على برق أراه وميض ... يضيء حبيا في شماريخ بيص # فأثبت ياء شماريخ وهي مكان النون من فعولن، وكان الأجود أن يسقطها ~~بالقبض؛ لمكان الاعتماد؛ لأن السبب قد اعتمد على وتدين: أحدهما قبله، ~~والآخر بعده، فقوى قوة ليست لغيره من الأسباب، فحسن الزحاف فيه، والاعتماد ~~في المتقارب سلامة الجزء من الزحاف؛ وغاية، وهو ما كان في الضرب الذي هو ~~جزء القافية ملتزما مخالفا للحشو: كالمقطوع والمقصور والمكسوف، والمقطوف، ~~وهذه أشياء لا تكون في حشو البيت.. # قالوا: وأكثر الغايات معتل؛ لأن الغاية إذا كانت فاعلاتن أو فعولن أو ~~مفاعيلن فقد لزمها أن لا تحذف سواكن أسبابها؛ لأن آخر البيت لا يكون ~~متحركا، هذه حقيقة ما ذكر، وأما المجاز والاتساع فكثير... # ويتصل بالغايات أنواع أخر: فمن ذلك معرفة ما يلزمه حرف المد واللين الذي ~~هو الردف مما لا يلزمه ذلك؛ أجمع حذاق أهل ms087 العلم من البصريين والكوفيين على ~~أن كل وزن نقص من أتم بنائه حرف متحرك عوض حرف المد واللين من ذلك الحرف ~~فلم يجيء إلا مردفا بواو أو ياء أو ألف. ولا يحتسب في ذلك بما يقع للزحاف، ~~مثل مفعولن في الخفيف. ألا ترى أنه يعاقب فاعلاتن؟ فهو لا يوجب الردف، فإن ~~ذهب منه أكثر من حرف متحرك أو ما يقوم مقامه، وهو حرف ساكن مع حرف آخر ~~متحرك؛ لم يلزمه الردف، وإذا التقى ساكنان ألزموه الردف: فما سقط فألزم حرف ~~المد فعولن المحذوف في الطويل، لم يعتدوا بالنون لما يدركها من الزحاف ~~فكأنما ذهبت اللام فقط، ومن المديد فاعلاتن المقصور، ومن البسيط فعلن ~~المقطوع. والفرق بين القطع والقصر أن القصر في الأسباب والقطع في الأوتاد، ~~وهما جميعا ذهاب ساكن من آخر الجزء وحركة متحرك قبله ملاصقة. والردف إنما ~~يكون عوضا مما بعده لا مما قبله. ومن الكامل فعلات المقطوع، ومن الرجز ~~مفعولن المقطوع، ومن الرمل فاعلاتن المقصور، ومن المتقارب فعولن المقصور. ~~PageV01P046 ومما التقى فيه ساكنان وألزموه الردف مستفعلان المذال في ~~البسيط، وفيه اختلاف: أما من ألزمه الردف فلالتقاء الساكنين، أقاموا المد ~~منهما مقام الحركة؛ وأما من لم يلزمه الردف فلآنه قد تم وزيد على تمامه. ~~والإرداف إنما يأتي عوضا من النقصان لا من الزيادة. وفي الكامل متفاعلان ~~المذال، وفي الرجز شاذ، أنشده أبو زهرة النحوي في كتاب العروض، وهو: # كأنني فوق أقب سهوق ... جأب إذا عشر صاتي الإرنان # وفي الرمل فاعلاتن وحدها، والقول فيها كالقول في مستفعلان المذال في ~~البسيط، وفاعلات في السريع، وهو مذيل من البسيط عند الجوهري؛ فإما على ما ~~عند من سواه فهو موقوف من مفعولات مطوية أي ساقطة الواو ومفعولات في مشطور ~~السريع أيضا، وفي منهوك المنسرح يلزمها حرف اللين؛ فعلى هذا إجماع الحذاق، ~~إلا سيبويه فإنه رخص فيه لموافقة الوزن مردفا وغير مردف، وأنشد قول امرئ ~~القيس: # ولقد رحلت العيس ثم زجرتها ... وهنا وقلت: عليك خير معد # وقول الراجز: # إن تمنع اليوم نساء يمنعن. # بإسكان ms088 العين والنون. وكان الجرمي والأخفش يريان هذا غلطا من قائله، ~~كالسناد والإكفاء، يحكى ولا يعمل به، إلا أن أبا نواس في قوله: # لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند. # أخذ يقول سيبويه، وهو قليل، والقياس الأول حسن مطرد، وهو المختار. ومن ~~أهم أمور الغايات معرفة ما ينشد الشعر مطلقا ومقيدا. قال أبو القاسم ~~الزجاجي وغيره من أصحاب القوافي: الشعر ثلاثة وستون ضربا، لا يجوز إطلاق ~~مقيد منه إلا انكسر الشعر، ما خلا ثلاثة أضرب: أحدهما في الكامل: # أبني لا تظلم بمكة لا الصغير ولا الكبير # وهذا هو الضرب السابع يسمى مذالا، وإن شئت قلت: ولا الكبيرا فأطلقته وهو ~~الضرب السادس منه يسمى المرفل، والضرب الثاني في الرمل وهو قول زيد الخيل: # يا بني الصيداء ردوا فرسي ... إنما يفعل هذا بالذليل # وهو الضرب الثاني منه، فإن أطلقته صار أول ضرب منه، والضرب الثالث في ~~المتقارب، أنشد الأصمعي وأبو عبيدة: # كأني ورحلي إذا زعتها ... على جمزي جازي بالرمال # غير أن سيبويه أنشد فيما يجوز تقييده وإطلاقه: # صفية قومي ولا تعجزي ... وبكى النساء على حمزة # وهو من المتقارب: إن أطلق كان محذوفا، وإن قيد كان أبتر. وقد أنشد أبو ~~زيد سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري لعمرو بن شاس، قال: والشعر مقيد # وما بيضة بات الظليم يحفها ... إلى جؤجؤ جاف بميثاء محلال # بأحسن منها يوم بطن قراقر ... تخوض به بطن القطاة وقد سال # لطيفة طي الكشح مضمرة الحشا ... هضيم العناق هونة غير مجبال # تميل على مثل الكثيب كأنها ... نقا كلما حركت جانبه مال # هذا شيء لم يذكره العروضيون، وهو عندهم مطلق محمول على الإقواء، كما حمل ~~قول امرئ القيس: # أحنظل لو حاميتم وصبرتم ... لأثنيت خيرا صالحا ولأرضان # ثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غران # عوير ومن مثل العوير ورهطه ... وأسعد في ليل البلابل صفوان # فقد أصبحوا والله أصفاهم به ... أبر بأيمان وأوفى بجيران # إلا الأخفش والجرمي؛ فإنهما يرويان هذا الشعر موقوفا، ولا يريان فيه ~~إقواء، وهذا عند سيبويه لا بأس به. ms089 # وقد صوب الناس قول الخليل في مخالفة هذا المذهب، وأنشد بعض المتعقبين ~~أظنه البازي العروضي: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # بالتقييد على أنه من الضرب المحذوف المعتمد، قال: إلا أنه يدخله عيب لترك ~~حرف اللين، وهو كثير جدا. PageV01P047 وليس الابتداء والفصل والاعتماد ~~والغاية بعلل، ولكنها مواضع العلل؛ فأقيم المضاف إليه مقام المضاف. وأما ~~زحاف الحشو فمن أهمه معرفة المعاقبة والمراقبة: فأما المعاقبة فهي أن ~~يتقابل سببان في جزءين، فهما يتعاقبان السقوط: يسقط ساكن أحدهما لثبوت ساكن ~~الآخر، ويثبتان جميعا، ولا يسقطان جميعا، والمعاقبة بين سببي جزءين من جميع ~~الأوزان في أربعة أنواع: المديد، والرمل، والخفيف، والمجتث، وهو عند ~~الجوهري ضرب من الخفيف، فإذا كان السبب في أول البيت أو كان قبله وتد دخله ~~الزحاف فهو بريء من المعاقبة؛ إذ ليس قبله ما يعاقبه، ولأن الوتد لا يعاقب ~~السبب، فإذا زوحف ثاني الجزء لمعاقبة ما بعده فهو عجز، فإن زوحف أوله ~~لمعاقبة ما قبله وآخره لمعاقبة ما بعده فهما طرفان، وياء مفاعيلن في الطويل ~~والهزج يعاقب نونها، وكذلك سين مستفعلن في الكامل تعاقب فاءها. # والمراقبة: أن يتقابل السببان في جزء واحد فيسقط ساكن أحدهما، ولا يسقطان ~~جميعا البتة، وكذلك لا يثبتان جميعا، وهي من جميع الأوزان في المضارع ~~والمقتضب، والجوهري يعد المقتضب من الرجز كما قدمت، فهي من المضارع في سببي ~~مفاعيلن أعني الياء والنون إما أن يأتي مفاعيلن مقبوضا أو مفاعيلن مكفوفا، ~~ومن المقتضب في سببي مفعولات أعني الفاء والواو إما أن تخبن فتصير مفاعيل ~~وإما أن تطوى فتصير فاعلات، ولا يجوز أن يكون هذا ولا الذي قبله أعني ~~المضارع سالما البتة. # والفرق بين المراقبة والمعاقبة أن سببي المعاقبة يثبتان معا، وأن سببي ~~المراقبة لا يثبتان معا، وأن المعاقبة في جزءين، إلا ما كان من مفاعيلن في ~~الطويل والهزج ومستفعلن في الكامل وأن المراقبة في جزء واحد. # وسأفرد لباقي الزحاف بابا أذكره فيه مع المشطور إن شاء الله تعالى. # ولست أحمل أحدا على ارتكاب ms090 الزحاف إلا ما خف منه وخفي، ولو أن الخليل ~~رحمه الله وضع كتاب العروض ليتكلف الناس ما فيه من الزحاف ويجعله مثالا دون ~~أن يعلموا أنها رخصة أتت بها العرب عند الضرورة لوجب أن يتكلف ما صنعه من ~~الشعر مزاحفا ليدل بذلك على علمه وفضل ما نحا إليه. # ولسنا نرى الزحاف الظاهر في شعر محدث، إلا القليل لمن لا يتهم كالبحتري، ~~وما أظنه كان يتعمد ذلك، بل على سجيته؛ لأنه كان بدويا من قرى منبج، ولذلك ~~أعجب الناس به، وكثر الغناء في شعره؛ استطرافا لما فيه من الحلاوة على طبع ~~البداوة. وذكر ابن الجراح أنه من أهل قنسرين والعواصم. # وقد ذكرت ما يليق ذكره بهذا الموضع ليعرفه المتعلم إن شاء غير متكلف به ~~شعرا إلا ما ساعده عليه الطبع، وصح له فيه الذوق؛ ولأني وجدت تكلف العمل ~~بالعلم في كل أمر من أمور الدين أوفق، إلا في الشعر خاصة؛ فإن عمله بالطبع ~~دون العروض أجود؛ لما في العروض من المسامحة في الزحاف، وهو مما يهجن ~~الشعر، ويذهب برونقه. # باب القوافي # القافية شريكة الوزن في الاختصاص بالشعر، ولا يسمى شعرا حتى يكون له وزن ~~وقافية، هذا على رأي من رأى أن الشعر ما جاوز بيتا واتفقت أوزانه وقوافيه ~~ويستدل بأن المصرع أدخل في الشعر، وأقوى من غيره، وأما ما قد أراه فقد ~~قدمته في باب الأوزان. # واختلف الناس في القافية ما هي؟ فقال الخليل: القافية من آخر حرف في ~~البيت إلى أول ساكن يليه من قبله، مع حركة الحرف الذي قبل الساكن، والقافية ~~على هذا المذهب، وهو الصحيح تكون مرة بعض كلمة، ومرة كلمة، ومرة كلمتين، ~~كقول امرئ القيس: # كجلمود صخر حطه السيل من عل. # فالقافية من الياء التي بعد حرف الروي في اللفظ إلى نون من مع حركة ~~الميم، وهاتان كلمتان. وعلى وزن هذه القافية قوله: # إذا جاش فيه حميه غلي مرجل. # فالقافية " مرجل " وهي كلمة، وعلى وزنها قوله: # ويلوى بأثواب العنيف المثقل. # فالقافية من الثاء إلى آخر البيت، وهذا ms091 بعض كلمة. وتابعه على هذا أبو عمر ~~الجرمي وأصحابه، وهو قول مضبوط، محقق يشهد بالعلم. وقال الأخفش: القافية ~~آخر كلمة من البيت، واستدل على صحة ذلك بأنه لو قال لك إنسان: PageV01P048 ~~اكتب لي قوافي قصيدة لكتبت له كلمات، نحو: كتاب، ولعاب، وركاب، وصحاب، وما ~~أشبه ذلك، وهو المتعارف بين الناس اليوم، أعني قول الأخفش، وكل كلمة من ~~قوله " عل " وقوله " مرجل " وقوله " المثقل " في شعر امرئ القيس قافية ~~بذاتها عند الأخفش، فعلى هذين القولين مدار الحذاق في معرفة القافية. # ورأي الخليل عندي أصوب، وميزانه أرجح؛ لأن الأخفش إن كان إنما فر من جعله ~~القافية بعض الكلمة دون بعضها فقد نجد من القوافي ما يكون فيها حرف الروي ~~وحده القافية على رأيه، فإن وزن معه ما قبله فأقامهما مقام كلمة من الكلمات ~~التي عدها قوافي كان قد شرك في القافية بعض كلمة أخرى مما قبلها، فإذا جاز ~~أن يشترك في القافية كلمتان لم يمتنع أن تكون القافية بعض كلمة، مثال ذلك ~~ما شاكل قول أبي الطيب: # طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب # حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي # فالقافية في البيت الأول على قوله " الكذب " لولا أن الألف فيه ألف وصل ~~نابت عنها لام " إلى " فإن قال: إن القافية في البيت الثاني " يشرق بي " ~~رجع ضرورة إلى مذهب الخليل وأصحابه؛ لأن القافية عند في هذا البيت من الياء ~~التي للوصل وهي ههنا ضمير المتكلم إلى شين " يشرق " مع حركة الياء التي ~~قبلها في أول الكلمة. وإن جعل القافية باء الخفض التي في موضع الروي وياء ~~الضمير التي قامت مقام الوصل رجع إلى قول من جعل القافية حرف الروي وهو ~~خلاف مذهبه، وليس بشيء؛ لأنه لو كان صحيحا لجاز في قصيدة واحدة فجر، وفجار، ~~وفاجر، وفجور، ومنفجر، وانفجار، ومفجر، ومتفجر، ومفجور، وهذا لا يكون أبدا، ~~إلا أن الفراء يحيى بن زياد قد نص في كتاب حروف المعجم أن القافية هي حرف ms092 ~~الروي، واتبعه على ذلك أكثر الكوفيين: منهم أحمد بن كيسان، وغيره، وخالفه ~~من أهل الكوفة أبو موسى الحامض، فقال: القافية ما لزم الشاعر تكراره في آخر ~~كل بيت. وهذا كلام مختصر مليح الظاهر، إلا أنه إذا تأملته كلام الخليل ~~بعينه لا زيادة فيه ولا نقصان. # ومن الناس من جعل القافية آخر جزء من البيت: قال أبو القاسم عبد الرحمن ~~الزجاجي: بعض الناس من العلماء يرى أن القافية حرفان من آخر البيت، وحكى ~~أنهم سألوا أعرابيا وقد أنشد: # بنات وطاء على خد الليل. # ما القافية؟ فقال: " خد الليل " . ولا أدري كيف قال أبو القاسم هذا؟ لأن ~~" خد الليل " كلمتان وليستا حرفين إلا اتساعا، وهذا هو آخر جزء من البيت ~~على قول من قاله، ولو قال قائل: إن الأعرابي إنما أراد الياء واللام من ~~الليل على مذهب من يرى القافية حرفين من آخر البيت لكان وجها سائغا؛ لأن ~~الأعرابي لا يعرف حروف التهجي فيقول القافية الياء واللام من الليل فكرر ~~اللفظ ليفهم عنه السائل مراده. # ومنهم من جعل القافية في الجزء الآخر من البيت، وقال: لا يسمى بيتا من ~~الشعر ما دام قسيما أول. # ومنهم من قال: البيت كله هو القافية؛ لأنك لا تبني بيتا على أنه من ~~الطويل، ثم تخرج منه إلى البسيط، ولا إلى غيره من الأوزان. # ومنهم من جعل القافية القصيدة كلها؛ وذلك اتساع ومجاز. # وسميت القافية قافية لأنها تقفو إثر كل بيت، وقال قوم: لأنها تقفو ~~أخواتها، والأول عندي هو الوجه؛ لأنه لو صح معنى القول الأخير لم يجز أن ~~يسمى آخر البيت الأول قافية؛ لأنه لم يقف شيئا، وعلى أنه يقفو أثر البيت ~~يصح جدا، وقال أبو موسى الحامض: هي قافية بمعنى مقفوة، مثل ماء دافق بمعنى ~~مدفوق، وعيشة راضية بمعنى مرضية، فكأن الشاعر يقفوها، أي يتبعها، وهذا قول ~~سائغ متجه. # وسأذكر مما يلزم القافية من الحروف والحركات ما لا غنى عن ذكره في هذا ~~الموضع مجملا مختصر البيان والإيضاح، إن شاء الله تعالى. # فأقول: إن الشعر ms093 كله مطلق ومقيد؛ فالمقيد ما كان حرف الروي فيه ساكنا، ~~وحرف الروي الذي يقع عليه الإعراب، وتبنى عليه القصيدة، فيتكرر في كل بيت ~~وإن لم يظهر فيه الإعراب لسكونه، وليس اختلاف إعرابه عيبا كما هو في المطلق ~~إقواء، وحركة ما قبل الروي المقيد خاصة دون المطلق على رأي الزجاج وأصحابه ~~توجيه، وقال غيره: PageV01P049 في المطلق والمقيد جميعا يسمى التوجيه، ما ~~لم يكن الشعر مردفا، ويجوز في التوجيه التغيير؛ فيكون سنادا عند بعض ~~العلماء، وكان الخليل يجيزه على كره من جهة الفتحة، فأما الضمة والكسرة ~~فهما عنده متعاقبتان كالواو والياء في الردف، والفتحة كالألف، وأنشدوا: # أحار بن عمرو كأني خمر. # وفي القصيدة: # وكندة حولي جميعا صبر. # وفيها: # تحرقت الأرض واليوم قر. # فاختلف التوجيه: بالكسر، والضم، والفتح. وقد سمى ابن قتيبة وأبو عبيدة ~~وغيرهما هذا العيب إجازة، إلا أن منهم من جعل الإجازة اختلاف حركة الروي ~~فيما كان وصله هاء ساكنة خاصة، وأنشدوا: # الحمد لله الذي ... يعفو ويشتد انتقامه # في كرههم ورضاهم ... لا يستطيعون اهتضامه # وأنشد آخرون في مثل ذلك، إلا أن منهم من أطلق الهاء: # فديت من أنصفني في الهوى ... حتى إذا أحكمه مله # آمن ما كنت، ومن ذا الذي ... قبلي صفا العيش له كله؟ # وكان ابن الرومي يلتزم حركة ما قبل الروي في المطلق والمقيد في أكثر شعره ~~اقتدارا: صنع ذلك في قصيدته القافية في السوداء، وفي مطولته: # أبين ضلوعي جمرة تتوقد؟. # قال شيخنا أبو عبد الله: الإجازة بالزاي معجمة اختلاف حركات ما قبل ~~الروي، وهو مأخوذ من إجازة الحبل، وهو: تراكب قواه بعضها على بعض، فكأن هذا ~~اختلفت قوى حركاته. وقد حكى ابن قتيبة عن ابن الأعرابي مثل قول أبي عبد ~~الله، وقال: هو مأخوذ من إجازة الحبل والوتر. # والمطلق نوعان: أحدهما: ما تبع حرف رويه وصل فقط. والوصل أحد أربعة أحرف: ~~الياء، والواو، والألف، والهاء، ينفرد كل واحد منها بالقصيدة حتى تكمل؛ ~~فمما وصله ياء: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل. # فبعد اللام ياء في اللفظ، لا يقوم ms094 الوزن إلا بها، ومما وصله واو: # أمن المنون وريبها تتوجع. # فبعد العين في اللفظ واو كذلك، ومما وصله ألف: # أيتها النفس أجملي جزعا. # فبعد العين ألف ثابتة في الخط، وإنما أثبتوها دون الياء والواو لخفتها ~~مرة وكونها عوضا عن التنوين مرة، ومما وصله هاء: # أشجاك الربع أم قدمه. # وكل وصل ساكن ما خلا الهاء، فإنها تكون ساكنة ومتحركة، وسيرد عليك ذكرها ~~إن شاء الله تعالى.. وإذا كان ما قبل الواو والياء والهاء ساكنا أو كانت ~~مضاعفة لم تكن إلا حروف روي لا غير؛ لأن الوصل لا يكون ما قبلها ساكنا، ~~ولعله أن المقيد لا وصل له فأما الألف فلا يكون ما قبلها ساكنا لأنها أخف ~~من ذلك؛ وإذا انفتح ما قبل الواو والياء الساكنتين لم يكونا إلا رويا عند ~~سيبويه، وإذا انكسر ما قبلهما أو انضم كنت فيهما بالخيار، وكذلك الألف إذا ~~كانت أصيلة أنت فيها بالخيار. وأما الياء المشددة المكسور ما قبلها مع ~~الياء المشددة المفتوح ما قبلها فرأي القاضي أبي الفضل جعفر بن محمد فيهما ~~أن يكون المكسور ما قبلها ردفا ويكون المفتوح ما قبلها إما ردفا لما بقي ~~فيها من المد وإما غير ردف الذهاب أكثر المد منها؛ فتكون على المذهب الأول ~~مثل " قضينا " مع رضينا وهذا سناد، وعلى المذهب الثاني مثل إرداف بيت وترك ~~إرداف الآخر، كقول حسان بن ثابت ولا توصه في بيت، ثم قال في الآخر: ولا ~~تعصه وهذا أيضا سناد. وله رأي ثالث، وهو أن تكون الياءان لما أدغمت إحداهما ~~في الأخرى صارتا بمنزلة حرف واحد، وصار التزام التشديد اختيارا من الشاعر، ~~وإلا فترك التشديد جائز له. وهذا قول الخليل والأخفش جميعا، وقد أنكره ~~الجرمي وأبو سعيد السيرافي، وكل هاء تحرك ما قبلها فهي صلة، إلا أن تكون من ~~نفس الكلمة؛ فإنك تكون فيها بالخيار: إن شئت جعلتها رويا، وإن شئت سمحت بها ~~فصيرتها صلة والتزمت ما قبلها فجعلته رويا. وكثيرا ما يسقط الشعراء في هذا ~~النوع، قال أبو الطيب: # أنا بالوشاة إذا ms095 ذكرتك أشبه ... تأتي الندى ويذاع عنك فتكره # وإذا رأيتك دون عرض عارضا ... أيقنت أن الله يبغي نصره # فغلط في التصريع لأنه التزام فيه الهاء ولولا ذلك لكان البيتان رائيين ~~وسمح بهاء تكره فصيرها صلة وإن كانت من نفس الكلمة. وقد وقع ابن المعتز في ~~مثل حال أبي الطيب فقال: # أفنى العداة إمام ماله شبه ... ولا ترى مثله يوما ولم تره PageV01P050 ~~ضار إذا انقض لم تحرم مخالبه ... مستوفز لاتباع الحق منتبه # ما يحسن القطر أن ينهل عارضه ... كما تتابع أيام الفتوح له # وقال أيضا يصف كلاب الصيد في أرجوزة: # إن خرطت من قدها لم ترها ... إلا وما شاءت من الصيد لها # تمسكه عضا، ولا يدمى به ... غريزة منهن أو تفقها # ووقع بشار بن برد على تقدمه عليهما في مثل ذلك، فقال: # الله صورها وصيرها ... لاقتك أو لم تلقها ترها # نصبا لعينيك لا ترى حسنا ... إلا ذكرت لها به شبها # ولا أعلم أن أحدا من العلماء تسامح في مثل هذا، بل هو عندهم عيب ~~كالإكفاء، وروى بيت بشار نزها بالنون والزاي، جمع نزهة، ولا عيب فيه على ~~هذا. وهاء حمزة وطلحة لا تكون إلا صلة، وإذا تحركت هاء التأنيث كنت فيها ~~بالخيار: إن شئت التزمت ما قبلها وجعلتها كالصلة مجازا، وإن شئت التزمتها ~~فكانت على حقها رويا. وهذا رأيهم في كاف المخاطب مع التأسيس: إذا شاءوا ~~جعلوها رويا فلم يلتزم ما قبلها، وإن شاءوا جعلوها مقام الصلة والتزموا ما ~~قبلها مجازا، وهو الأجود؛ لاختيار الشعراء إياه قديما على اتساعهم في تركه. ~~قال القاضي أبو الفضل: من زعم أن التاء والكاف يكونان وصلا فإنما حمله على ~~ذلك أنه رأى بعض الشعراء قد لزم في بعض شعره حرفا لم يفارقه فظن ذلك الحرف ~~رويا. وإنما لم يجز عنده كونهما صلة لأنهما ليس فيهما من مضارعة حروف المد ~~واللين ما في الهاء. وقال من جعل التاء صلة كالهاء: إنها تجيء للتأنيث ~~مثلها، وتكون اسما كما تكون الهاء اسماء وتزاد كما تزاد، وتزداد الهاء، وإن ~~الهاء ms096 تنقلب تاء في درج الكلام، وشبه الكاف بالهاء لأنها حرف إضمار مثلها، ~~وأنها تكون اسما للمجرور والمنصوب كالهاء. # والنوع الآخر من المطلق ما كان لوصله خروج، ولا يكون ذلك الوصل إلا هاء ~~متحركة، نحو قول الشاعر: # والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه # فالسين حرف الروي، وحركتها مجرى، وإن شئت إطلاق، كلاهما يقال، والهاء ~~وصل، وحركتها نفاذ، وبعدها في اللفظ ياء هي الخروج، ولو كانت الهاء مضمومة ~~كان الخروج واوا، أو مفتوحة كان الخروج ألفا. ولا يكون حرف الروي إلا في ~~أحد ثلاثة مواضع: إما متأخرا كقول طرفة: # لخولة أطلال ببرقة ثهمد. # فالدال روي، وإما قبل المتأخر ملاصقا له كقول عمرو بن كلثوم: # ألا هبي بصحنك فاصبحينا. # فالنون حرف الروي، أو قبل المتأخر بحرف كقول لبيد: # عفت الديار محلها فمقامها. # فالميم حرف الروي، وهذه المواضع المذكورة إنما هي في اللفظ لا في الخط، ~~ولا يكون حرف الروي إذا كان بعده شيء إلا متحركا؛ لأن المقيد لا شيء بعده، ~~وأنشد بعضهم: # شلت يدا فارية فرتها. # على أن التاء حرف روي، فرد ذلك العلماء بالعلة التي ذكرتها، وقالوا: إنما ~~التزم التاء والراء قبلها اتساعا، وإلا فالهاء هي الروي. # وكل شعر فلا بد أن يكون: مطلقا، أو مقيدا، ثم لا بد أن يكون مردفا أو ~~مؤسسا، أو معرى منهما مجردا. # فالمردف نوعان: تشترك الياء والواو في أحدهما، ثم قول علقمة الفحل: # طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب # فالياء في مشيب مقام الواو في طروب. # وتنفرد الألف بالنوع الآخر نحو قول امرئ القيس: # ألا عم صباحا أيها الطلل البالي. # لا يشركها غيرها، والحركة التي قبل الردف ياء كانت أو واوا أو ألفا تسمى ~~الحذو، وقد تجر الضمة واوا في اللفظ، والكسرة ياء، وذلك مع هاء الضمير، ~~فتكون ردفا، وإن لم تثبت في الخط، نحو قول ابن المعتز: # ضمخوا عارضها بال ... مسك في خد أسيل # تحت صدغين يشيرا ... ن إلى وجه جميل # عندي الشوق إليه ... والتناسي عنده لي ms097 # ومن المردف ما تكون حركة الحذو فيه مخالفة للردف؛ فيجعل شعرا على جهته؛ ~~فإن دخل مع غيره كان سنادا، وذلك مثل هول وسيل يكونان في قصيدة، ولا يكون ~~معهما سول وفيل. PageV01P051 وقياس المردف في الوصل والخروج وغير ذلك من ~~حروف الروي وحركته جار على ما تقدم في المجرد من الردف، إلا الحذو ~~والتوجيه؛ فإن المقيد يختص بالتوجيه، وهو الروي، والمردف يختص بالحذو، وهو ~~حركة ما قبل الردف، وإن كان المردف مقيدا سقط التوجيه وبقي الحذو؛ لأن ~~الردف قد سد موضع التوجيه. # وقد يلتبس بالمردف ما ليس بمردف فيجتنبه الشعراء، مثل فيهم مع منهم وهو ~~جائز؛ لأن الهاء ليست رويا فتكون الياء ردفا، وإنما الروي الميم، ويجتنبون ~~منكم مع منهم وذلك جائز لا عيب فيه؛ لما قدمت آنفا وكان ابن الرومي خاصة من ~~بين الشعراء يلتزم ما لا يلزمه في القافية، حتى أنه لا يعاقب بين الواو ~~والياء في أكثر شعره قدرة على الشعر واتساعا فيه. والأجود أن يكون الردف ~~والروي جميعا في كلمة واحدة، فإذا كانا في كلمتين فلا بأس. # والمؤسس من الشعر: ما كانت فيه ألف بينها وبين حرف الروي حرف يجوز ~~تغييره؛ فذلك الحرف يسمى الدخيل، وحركته تسمى الإشباع، ويجوز تغييرها عند ~~الخليل، ولا يجوز عند أبي الحسن الأخفش، مثال ذلك ما أنشده أبو زكريا ~~الفراء: # نهوى الخليط وإن أقمنا بعدهم ... إن المقيم مكلف بالسائر # إن المطي بنا يخدن ضحى غد ... واليوم يوم لبانة وتزاور # وهو جائز غير معيب، وأما القاضي أبو الفضل فرأيه أن حركة الدخيل ما دامت ~~إشباعا جاز فيها التغيير بالنصب والخفض والرفع؛ فإذا قيد الشعر وصار موضع ~~الإشباع التوجيه لم يجز الفتح مع واحد منهما، واعتل في ذلك بحال المطلق غير ~~المؤسس أن ما قبل رويه جائز تغييره، فإذا قيد لم يجز الفتح فيه إلا وحده، ~~فهو سناد، ويشارك الضم والكسر، وهذا قول واضح البيان، ظاهر البرهان، والناس ~~مجمعون على تغيير الدخيل حتى أن بعضهم لم يسمه لتغيره واضطرابه لكن عده ~~فيما لا يلزم ms098 القافية فسكت عنه. # وأما الإشباع فالقول فيه ما قدمت، وإذا كان ألف التأسيس في كلمة وحرف ~~الروي في كلمة أخرى لم يعدوها تأسيسا لبعدها، إلا أن يكون حرف الروي مع ~~مضمر متصل أو منفصل، فإن الشاعر بالخيار: إن شاء جعل الألف تأسيسا، وإن شاء ~~لم يجعلها تأسيسا؛ فالتي لا تكون عندهم تأسيسا قول عنترة: # والناذرين إذا لم ألقهما دمى. # لما كان الاسم ظاهرا، وقد أنشد بعضهم في أبيات اللغز والمعاياة: # أقول لعمرو حين خود رأله ... ونحن بوادي عبد شمس وهاشم # وهي: من الوهى، وشم من الشيم للبرق.. وقول الآخر: # أقول لعبد الله لما لقيته ... ونحن بوادي الروم فوق القناطر: # فالقنا: جمع قناة، وطر، أمر من طار يطير، فرخص فيه لما انكسرت حركة دخيله ~~على متعارف الشعر، وهو كلام حسن الظاهر، إلا أنه خلاف لما قال العلماء، ~~والتي تكون تأسيسا لكونها مع المضمر قول الشاعر: # تزيد حسى الكأس السفيه سفاهة ... وتترك أخلاق الكريم كما هيا # وقول جرير: # فردي جمال الحي ثم تحملي ... فما لك فيهم من مقام ولا ليا # فهذا ضمير متصل، والذي قبله ضمير منفصل.. # ومما جاءت الألف فيه غير تأسيس مع المضمر قول الشاعر، وهو من شواهد أبي ~~الفتح عثمان بن جني النحوي: # أيه جاراتك تلك الموصية ... قائلة لا تسقيا بحبليه # لو كنت حبلا لسقيتها بيه ... أو قاصرا وصلته بثوبيه # فالألف في سقيتها غير تأسيس، فإذا كانت الهاء والكاف التي للمخاطب دخيلا ~~لم يخلط الشعراء بها غيرها اتساعا، وإلا فهو جائز. وأنشد الجرمي لعوف ابن ~~عطية ابن الخرع: # فإن شئتما ألقحتما ونتجتما ... وإن شئتما عينا بعين كما هما # وإن كان عقلا فاعقلا لأخيكما ... بنات المخاض والفصال المقاحما # ومن المؤسس والمردف ما يلتبس على المبتدئ فلا يميزه إلا عن كلفة وبعد ~~فترة، فأوردت منه ما يكون له مثالا يستدل به ويعمل عليه إن شاء الله تعالى. # فمن ذلك تغيير ما قبل الكاف في القافية المؤسسة لأنه دخيل، والكاف روي، ~~والتزامه يعد اتساعا، فإذا كان موضع الكاف هاء صار الشعر مردفا ms099 موصولا ولم ~~يجز تغيير ما قبل الهاء، لأنك لو غيرته لكنت قد غيرت حرف الروي، مثال ذلك ~~قول كثير أو غيره: # تراغت لو شك البين بزل جمالك ... ولو شئت ما فجعتني بارتحالك PageV01P052 ~~فالتزم اللام في القصيدة كلها أو في أكثرها؛ اتساعا، ولو غير كما فعل ذو ~~الرمة في قوله: # أما استحلبت عينيك إلا محلة ... بجمهور حزوي أو بجرعاء مالك # أناخت روايا كل دلو به بها ... وكل سماكي أجش المبارك # لم يكن عيبا؛ لأن الكاف روي وصلتها الياء التي بعدها في اللفظ، والدخيل ~~راء المبارك ولام مالك وقد التزمه كثير كأن القافية عنده لاميه مردفة، ~~فالكاف مقام الهاء صلة على المجاز لا على الحقيقة، وقال كثير في المردف: # على ابن أبي العاص دلاص حصينة ... أجاد المسدي سردها وأذالها # فاللام روي، والألف التي قبلها ردف، والهاء صلة، والألف التي بعدها خروج، ~~ولا يجوز أن يقال لهذه القافية مؤسسة؛ لأن الهاء إذا تحرك ما قبلها وليست ~~من نفس الكلمة لم تكن إلا صلة، وإذا كانت الهاء صلة لم تكن اللام إلا رويا، ~~ولا يجوز تغييرها. # وجميع ما يلحق القوافي من الحروف والحركات ستة أحرف وست حركات، فالأحرف: ~~الروي، والردف، والتأسيس، والوصل، والخروج، والدخيل؛ والحركات: الإطلاق، ~~والحذو، والرس، والتوجيه، والنفاذ، والإشباع، والذي يجتمع منها في قافية ~~واحدة خمسة أحرف، وهي: التأسيس، والروي، والصلة، والخروج، والدخيل؛ وكلها ~~يلزم تكراره بعينه إلا الدخيل، وأربع حركات، وهي: الرس، والإشباع، ~~والإطلاق، والنفاذ، وذلك مثل قول الشاعر: # يوشك من فز من منيته ... في بعض غراته يوافقها # ولا يجتمع في قافية الحذو والرس، كما لا يجتمع الردف والتأسيس، وكذلك لا ~~يجتمع أيضا التوجيه والإشباع، فيسقط التوجيه إذا كان المؤسس مطلقا، ويسقط ~~الإشباع إذا كان المؤسس مقيدا. # وقد أنكر الجرمي والأخفش وأصحابهما على الخليل تسمية الرس، وقالوا: لا ~~معنى لذكر هذه الفتحة؛ لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، وإنما احتيج ~~إلى ذكر الحذو قبل الردف لأن الحذو قد يتغير فيكون مرة فتحة قبل ألف ومرة ~~كسرة قبل ياء ومرة ms100 ضمة قبل واو.. ومما يجب أن يراعى في هذا الباب الإقواء، ~~والإكفاء، والإيطاء، والسناد، والتضمين؛ فإنها من عيوب الشعر. # فأما الإقواء والإكفاء فاختلف العلماء فيهما وفي اشتقاقهما.. وأما السناد ~~والإيطاء فاتفقوا فيما دون اشتقاقهما. # وعند أكثر العلماء: اختلاف إعراب القوافي إقواء، وهو غير جائز لمولد، ~~وإنما يكون في الضم والكسر، ولا يكون فيه فتح، هذا قول الحامض.. وقال ابن ~~جني: والفتح فيه قبيح جدا، إلا أن أبا عبيدة ومن قال بقوله كابن قتيبة ~~يسمون هذا إكفاء، والإقواء عندهم: ذهاب حرف أو ما يقوم مقامه من عروض ~~البيت، نحو قول الشاعر وهو بجير بن زهير بن أبي سلمى: # كانت علالة يوم بطن حنين ... وغداة أوطاس ويوم الأبرق # واشتقاقه عندهم فيما روى النحاس من أقوت الدار إذا خلت كأن البيت خلا من ~~هذا الحرف. وقال غيره: إنما هو من أقوى الفاتل حبله إذا خالف بين قواه فجعل ~~إحداهن قوية والأخرى ضعيفة، أو ممرة والأخرى سحيلة، أو بيضاء والأخرى ~~سوداء، أو غليظة والأخرى دقيقة، أو انحل بعضها دون بعض أو انقطع، وهذا ~~يسميه الخليل المقعد، وهو من باب الوزن، لا من باب القافية، والجمهور الأول ~~من العلماء على خلاف رأي أبي عبيدة في الإقواء. # وأما الإكفاء فهو الإقواء بعينه عند جلة العلماء: كأبي عمرو بن العلاء، ~~والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، وهو قول أحمد بن يحيى ثعلب، وأصله من ~~أكفأت الإناء إذا قلبته، كأنك جعلت الكسرة مع الضمة وهي ضدها، وقيل: من ~~مخالفة الكفوة صواحبها، وهي النسيجة من نسائج الخباء تكون في مؤخره، فيقال: ~~بيت مكفأ، تشبيها بالبيت المكفأ من المساكن إذ كان مشبها به في كل أحواله.. ~~قال الأخفش البصري: الإكفاء القلب، وقال الزجاجي وابن دريد: كفأت الإناء ~~إذا قلبته، وأكفأته إذا أملته، كأن الشاعر أمال فمه بالضمة فصيرها كسرة، ~~إلا أن ابن دريد رواهما أيضا بمعنى قلبته شاذا، وقيل: بل من المخالفة في ~~البناء والكلام، يقال أكفأ الباني إذا خالف في بنائه، وأكفأ الرجل في كلامه ~~إذا خالف نظمه فأفسده، ms101 قال ذو الرمة: # ودوية قفر ترى وجه ركبها ... إذا ما علوها مكفأ غير ساجع # وقال المفضل الضبي: الإكفاء اختلاف الحروف في الروي، وهو قول محمد بن ~~يزيد المبرد، وأنشد: PageV01P053 قبحت من سالفة ومن صدغ ... كأنها كشية ضب ~~في صقع # فأتى بالعين مع الغين، واشتقاقه عنده من المماثلة بين الشيئين، كقولك ~~فلان كفء فلان، أي: مثله، قال: ومنه كافأت الرجل، كأن الشاعر جعل حرفا مكان ~~حرف، والناس اليوم في الإكفاء على رأي المفضل، وهو عيب لا يجوز أيضا لمحدث، ~~ولا يكون إلا فيما تقارب من الحروف، وإلا فهو غلط بالجملة، هذا رأي الأخفش ~~سعيد بن مسعدة، والخليل يسمي هذا النوع: الإجازة. # قال الفراء: الإجازة في قول الخليل: أن تكون القافية طاء والأخرى دالا، ~~وقال أبو إسحاق النجيرمي: الإجازة بالراء لا غير وهي من الجوار، وهو الموج، ~~قال ابن السكيت: وهو الماء الكثير، وأنشد للقطامي يذكر سفينة نوح عليه ~~السلام: # ولولا الله جار بها الجوار. # قال المهلبي: ورأيته بخط الطوسي والسكري بالراء، وهو قول الكوفيين، فأما ~~البصريون فيقولون الإجازة بالزاي، حكى ذلك ابن دريد.. # وقال بعض شيوخنا: الإجازة في القوافي مشتقة من الجوار في السكنى والذمام، ~~ألا ترى أنها فيما تقارب من الحروف، فكأن الحرف جاور الآخر ودخل في ذمامه، ~~وقال قوم: بل هي من الجور، كأن القافية جارت، أي: خالفت القصد، وأجارها ~~الشاعر، أي: صيرها كذلك، وعلى هذا يصح قول النجيرمي. # فإذا تأملنا أقاويل العلماء وجدنا الإجازة بالزاي اختلاف التوجيه، وهو ~~حركة، والإجازة بالراء اختلاف الروي، وهو حرف، وليس هذا من هذا في شيء، ~~فكأن العلماء لم يختلفوا حينئذ؛ لأن التسمية اختلفت باختلاف المسمى. # ومثل الإجازة الإصراف، حكاه شيخنا أبو عبد الله، قال: وهو أن تكون ~~القافية دالا والأخرى طاء، والقصيدة مصرفة، ولذلك قال الشاعر: # مقومة قوافيها وليست ... بمصرفة الروي ولا سناد # وأما السناد فأنواع كثيرة: منها وهو المشهور أن يختلف الحذو، وهو حركة ما ~~قبل الردف، فيدخل شرط الألف وهي الفتحة على الياء والواو كقول الفضل بن ~~عباس اللهبي: # واملئي ms102 وجهك الجميلا خموشا. # ثم قال: # وبنا سميت قريش قريشا. # وهو كثير جائز للعرب غير جائز للمولدين، ومنها اختلاف الإشباع، كقول ~~النابغة: # يزرن ألالا سيرهن التدافع. # والقصيدة كلها إشباع، ومنها إرداف قافية وتجريد أخرى، كقول حسان بن ثابت ~~في قافية: # فأرسل حكيما ولا توصه. # وقال في أخرى: # وشاور لبيبا ولا تعصه. # ومنها تأسيس قافية دون أخواتها، كقول العجاج: # فخندف هامة هذا العالم. # وأول هذه الأرجوزة: # يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي. # وكلها غير مؤسسة إلا هذا البيت وحده، ويقال: إن لغته الهمز، فإذا همز لم ~~يكن تأسيسا. ومنها اختلاف التوجيه، نحو قول امرئ القيس بن حجر: # لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر # ثم قال: # تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعا صبر # إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر # فما قبل الراء في البيت الأول مكسور، وفي الثاني مضموم، وفي الثالث ~~مفتوح، وليس هذا بعيب شديد عندهم. # قال الزجاجي: السناد: كل عيب يلحق القافية، ما خلا الإقواء والإكفاء ~~والإيطاء، وهذا قول فيه بيان واختصار. # وقال علي بن عيسى الرماني: السناد اختلاف ما قبل حرف الروي أو بعده على ~~أي وجه كان الاختلاف: بحركة كان، أو بحرف.. # وقال ابن جني: السناد: كل عيب يحدث قبل الروي. # واشتقاق السناد من تساند القوم إذا جاءوا فرقا لا يقودهم رئيس واحد، ~~وقيل: بل هو من قولهم ناقة سناد إذا كانت قوية صلبة؛ لأن الياء الصلبة أقوى ~~في النطق من الياء اللينة.. وقالوا: بل السناد الناقة المشرفة، كأن إحدى ~~القوافي أشرفت على أخواتها. # وأما الإيطاء فهو أن يتكرر لفظ القافية ومعناهما واحد، كما قال امرؤ ~~القيس في قافية سرحة مرقب وفي قافية أخرى فوق مرقب وليس بينهما غير بيت ~~واحد.. وكلما تباعد الإيطاء كان أخف، وكذلك إن خرج الشاعر من مدح إلى ذم، ~~أو من نسيب إلى أحدهما، ألا ترى إلى قولهم دع ذا و عد عن ذا فكأن الشاعر في ~~شعر آخر، وأقبح من هذا الإيطاء قول تميم بن أبي ms103 بن مقبل: # أو كاهتزاز رديني تداوله ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا PageV01P054 ~~ويروي تذاوقه ثم قال في القصيدة غير بعيد: # نازعت ألبابها لبي بمتصد ... من الأحاديث حتى زدنني لينا # فكرر القافية والمعنى مع أكثر لفظ القسيم، وأشد من ذلك قول أبي ذؤيب في ~~بنيه: # سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا، ولكل جنب مصرع # ثم قال في صفة الثور والكلاب: # فصرعنه تحت العجاج فجنبه ... متترب، ولكل جنب مصرع # فكرر ثلث البيت.. وإذا اتفق الكلمتان في القافية واختلف معناهما لم يكن ~~إيطاء عند أحد من العلماء، إلا عند الخليل وحده، فإن يزيد عنده بمعنى الاسم ~~ويزيد بمعنى الفعل إيطاء، وكذلك جون للأبيض والأسود، وجلل للكبير والصغير، ~~وإذا كان أحد الاسمين نكرة والآخر معرفة لم يكن إيطاء، وكذلك ضرب للواحد ~~وضربا للاثنين، ولم تضرب للمذكر ولم تضربي للمؤنث، ومن غلام ومن غلامي ~~مضافا، كل هذا ليس بإيطاء.. وأما اختلاف الحروف على الاسم كقولك لزيد وبزيد ~~وعلى الفعل كقولك أضرب ويضرب وتضرب في مخاطبة المذكر والحكاية عن المؤنث؛ ~~فكل ذلك إيطاء.. # والإيطاء جائز للمولدين، إلا عند الجمحي وحده؛ فإنه قال: قد علموا أنه ~~عيب وقال الفراء: إنما يواطئ الشاعر من عي، وإذا كرر الشاعر قافية للتصريع ~~في البيت الثاني لم يكن عيبا، نحو قول امرئ القيس: # خليلي مرا بي على أم جندب. # ثم قال في البيت الثاني لدى أم جندب واشتقاقه من الموافقة، قال الله عز ~~وجل: " ليواطئوا عدة ما حرم الله " أي: ليوافقوا.. وقال قوم: بل الإيطاء من ~~الوطء، كأن الشاعر أوطأ القافية عقب أختها، كما قال توبة يخاطب بعل ليلى ~~الأخيلية: # لعلك يا تيسا نزا في مريرة ... تعاقب ليلى أن تراني أزورها # علي دماء البدن إن كان بعلها ... يرى لي ذنبا غير أني أزورها # والتضمين: أن تتعلق القافية أو لفظة مما قبلها بما بعدها، كقول النابغة ~~الذبياني: # وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ، إني # شهدت لهم مواطن صالحات ... وثقت لهم بحسن الظن مني # وكلما كانت اللفظة المتعلقة بالبيت الثاني بعيدة من ms104 القافية كان أسهل ~~عيبا من التضمين، ويقرب من قول النابغة قول كعب بن زهير: # ديار التي بتت حبالي وصرمت ... وكنت إذا ما الحبل من خلة صرم # فزعت إلى وجناء حرف كأنما ... بأقرابها قار إذا جلدها استحم # وأخف من هذا قول إبراهيم بن هرمة: # إما تريني شاحبا مبتذلا ... كالسيف يخلق جفنه فيضيع # فلرب لذة ليلة قد نلتها ... وحرامها بحلالها مدفوع # وليس منه قول متمم بن نويرة: # لعمري وما دهري بتأبين هالك ... ولا جزعا مما أصاب فأوجعا # لقد كفن المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيات أروعا # وربما حالت بين بيتي التضمين أبيات كثيرة بقدر ما يتسع الكلام وينبسط ~~الشاعر في المعاني، ولا يضره ذلك إذا أجاد. # ويجمع القوافي كلها خمسة ألقاب: المتكاوس، وهو: أربع حركات بين ساكنين، ~~وله جزء واحد وهو فعلتن، والفراء لا يعده؛ لأنه عنده من المتدارك؛ لأن ~~فعلتن إنما هي مستفعلن مزاحف السببين؛ والمتراكب، وهو ثلاث متحركات بين ~~ساكنين، ولها جزءان مفاعلتن وفعلن؛ والمتدارك، وهو: حركتان بين ساكنين، وهو ~~نحو مفاعلن ومتفاعلن ومستفعلن وفاعلن؛ والمتواتر وهو: ما توالى فيه متحرك ~~بين ساكنين، نحو مفاعيلن وفاعلاتن وفعلاتن ومفعولن؛ والمترادف، وهو: ما ~~اجتمع في آخره ساكنان نحو فاعلان ومتفاعلان ومستفعلان، وما أشبه ذلك. # ولا يجتمع نوعان من هذه الأنواع في قصيدة، إلا في جنس من السريع؛ فإن ~~المتواتر يجتمع فيه مع المتراكب، إذا كان الشعر مقيدا كقول المرقش في بيت: # وأطراف الأكف عنم. # وفي بيت آخر: # قد قلت فيه غير ما تعلم. # باب التقفية والتصريع # هذا باب يشكل على كثير من الناس علمه، ويلحقه عيب سماه قدامة التجميع، ~~كأنه من الجمع بين رويين وقافيتين، ورأيت من يقول: التخميع بالخاء كأنه من ~~الخمع في الرجل، وسأذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى. # فأما التصريع فهو ما كانت عروض البيت فيه تابعة لضربه: تنقص بنقصه، وتزيد ~~بزيادته، نحو قول امرئ القيس في الزيادة: PageV01P055 قفا نبك من ذكرى حبيب ~~وعرفان ... ورسم عفت آياته منذ أزمان # وهي في سائر القصيدة مفاعلن، وقال في النقصان: ms105 # لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عسيب يماني # فالضرب فعولن، والعروض مثله لمكان التصريع، وهي في سائر القصيدة مفاعلن ~~كالأولى؛ فكل ما جرى هذا المجرى في سائر الأوزان فهو مصرع. # والتقفية: أن يتساوى الجزءان من غير نقص ولا زيادة، فلا يتبع العروض ~~الضرب في شيء إلا في السجع خاصة، مثال ذلك قوله: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل # فهم جميعا مفاعلن، إلا أن العروض مقفى مثل الضرب، فكل ما لم يختلف عروض ~~بيته الأول مع سائر عروض أبيات القصيدة إلا في السجع فقط فهو مقفى. # واشتقاق التصريع من مصراعي الباب، ولذلك قيل لنصف البيت مصراع كأنه باب ~~القصيدة ومدخلها، وقيل: بل هو من الصرعين، وهما طرفا النهار، قال أبو إسحاق ~~الزجاج: الأول من طلوع الشمس إلى استواء النهار، والآخر من ميل الشمس عن ~~كبد السماء إلى وقت غروبها. قال شيخنا أبو عبد الله: وهما العصران. وقال ~~قوم: الصرع المثل، وسبب التصريع مبادرة الشاعر القافية ليعلم في أول وهلة ~~أنه أخذ في كلام موزون غير منثور، ولذلك وقع في أول الشعر، وربما صرع ~~الشاعر في غير الابتداء، وذلك إذا خرج من قصة إلى قصة أو من وصف شيء إلى ~~وصف شيء آخر فيأتي حينئذ بالتصريع إخبارا بذلك وتنبيها عليه، وقد كثر ~~استعمالهم هذا حتى صرعوا في غير موضع تصريع، وهو دليل على قوة الطبع، وكثرة ~~المادة، إلا أنه إذا كثر في القصيدة دل على التكلف، إلا من المتقدمين، قال ~~امرؤ القيس: # تروح من الحي أم تبتكر ... وماذا عليك بأن تنتظر؟ # أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر # وشاقك بين الخليط الشطر ... وفيمن أقام من الحي هر # فوالى بين ثلاثة أبيات مصرعة في القصيدة، وقد يجعلون أولها: # أحار بن عمرو كأني خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر # وقال عنترة العبسي: # أعياك رسم الدار لم يتكلم ... حتى تكلم كالأصم الأعجم # ثم قال بعد بيت واحد: # هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد ms106 توهم؟ # يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحا دار عبلة واسلمي # فصرع البيت الأول والثالث والرابع. # وقولنا في شعر امرئ القيس وعنترة وغيرهما مما يستأنف مصرع إنما هو مجاز ~~وجرى على عادة الناس؛ لئلا يخرج عن المتعارف، وإلا فقد بينت ذلك أولا. # ومن الناس من لم يصرع أول شعره قلة اكتراث بالشعر، ثم يصرع بعد ذلك، كما ~~صنع الأخطل إذ يقول أول قصيدة: # حلت صبيرة أمواه العداد وقد ... كانت تحل وأدنى دارها نكد # وأقفر اليوم ممن حله الثمد ... فالشعبتان فذاك الأبلق الفرد # فصرع البيت الثاني دون الأول.. وقال ذو الرمة أول قصيدة: # أدارا بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق # ثم قال بعد عدة أبيات: # أمن مية اعتاد الخيال المؤرق؟ ... نعم؛ إنها مما على النأي تطرق # وكان الفرزدق قليلا ما يصرع أو يلقي بالا بالشعر، كقوله: # ألم تر أني يوم جو سويقة ... بكيت فنادتني هنيدة ماليا # فجاء بمثل هذه القصيدة الجليلة غير مصرعة. وكذلك قوله يرد على جرير: # تكاثر يربوع عليك ومالك ... على آل يربوع فما لك مسرح # وأكثر شعر ذو الرمة غير مصرع الأوائل، وهو مذهب الكثير من الفحول وإن لم ~~يعد فيهم لقلة تصرفه، إلا أنهم جعلوا التصريع في مهمات القصائد فيما ~~يتأهبون له من الشعر، فدل ذلك على فضل التصريع. وقد قال أبو تمام وهو قدوة: # وتقفو إلى الجدوى بجدوى، وإنما ... يروقك بيت الشعر حين يصرع # فضرب به المثل كما ترى. # والتصريع يقع فيه من الإقواء والإكفاء والإيطاء والسناد والتضمين ما يقع ~~في القافية: فمن الإقواء ما أنشده الزجاجي، وهو قول بعضهم: # ما بال عينك منها الماء مهراق ... سحا فلا غارب منها ولا راقي # ومن الإكفاء قول حسان بن ثابت، وأنشده الجاحظ: PageV01P056 ولست بخير من ~~أبيك وخالكا ... ولست بخير من معاظلة الكلب # ومن الإيطاء قول عبد الله بن المعتز: # يا سائلا كيف حالي ... أنت العليم بحالي # ومن السناد قول إسماعيل بن القاسم أبا العتاهية: # ويلي على الأظعان ولوا ... عني بعتبة فاستقلوا # ومن التضمين قول البحتري: ms107 # عذيري فيك من لاح إذا ما ... شكوت الحب قطعني ملاما # ومن ابتداء القصائد التجميع، وهو: أن يكون القسيم الأول متهيئا للتصريع ~~بقافية ما، فيأتي تمام البيت بقافية على خلافها كقول جميل: # يابثن إنك قد ملكت فأسجحي ... وخذي بحظك من كريم واصل # فتهيأت القافية على الحاء، ثم صرفها إلى اللام. # ومثله قول حميد بن ثور الهلالي: # سل الربع أنى يممت أم سالم؟ ... وهل عادة للربع أن يتكلما؟!! # فتهيأت له قافية مؤسسة لو شاء، ثم أتت في آخر البيت غير مؤسسة، ويروى أم ~~أسلما فخرج عن التجميع. # ومن أشد التجميع قول النابغة الذبياني: # جزى الله عبسا عبس آل بغيض ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل # وإنما التجميع فيما شابه الإطلاق، أو قارب ذلك، كقول جميل فيما تقدم وقول ~~حميد، وهو الإكفاء والسناد وفي القوافي، إلا أنه دونهما في الكراهية جدا.. ~~وإذا لم يصرع الشاعر قصيدته كان كالمتسور الداخل من غير باب. # والمداخل من الأبيات: ما كان قسيمه متصلا بالآخر، غير منفصل منه، قد ~~جمعتهما كلمة واحدة، وهو المدمج أيضا، وأكثر ما يقع ذلك في عروض الخفيف، ~~وهو حيث وقع من الأعاريض دليل على القوة، إلا أنه في غير الخفيف مستثقل عند ~~المطبوعين، وقد يستخفونه في الأعاريض القصار: كالهزج ومربوع الرمل وما أشبه ~~ذلك. # ومن الشعر غير المصرع ما لا يجوز أن يظن تجميعا، وذلك نحو قول ذي الرمة ~~واسمه غيلان بن عقبة: # أأن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم # لأن القافية من عروض البيت غير متمكنة، ولا مستعمل مثلها، وإن كان ~~استعمالها جائزا لو وقع. # ومن الشعر نوع غريب يسمونه القواديسي، تشبيها بقواديس السانية؛ لارتفاع ~~بعض قوافيه في جهة وانخفاضه في الجهة الأخرى، فأول من رأيته جاء به طلحة بن ~~عبيد الله العوني في قوله من قصيدة له مشهورة طويلة: # كم للدمى الأبكار بال ... خبتين من منازل # بمهجتي للوجد من ... تذكارها منازل # معاهد رعيلها ... مثعنجر الهواطل # لما نأى ساكنها ... فأدمعي هواطل # وهو مربوع الرجز تعمد فيه الإقواء وأوطأ في أكثره ms108 قصدا كما فعل في ~~البيتين الأولين من هذه. # ومن الشعر جنس كله مصرع، إلا أنه مختلف الأنواع، وأنا منبه عليها إن شاء ~~الله تعالى. # فمن ذلك الشعر المسمط، وهو: أن يبتدئ الشاعر ببيت مصرع، ثم يأتي بأربعة ~~أقسمة على غير قافيته، ثم يعيد قسيما واحدا من جنس ما ابتدأ به، وهكذا إلى ~~آخر القصيدة، مثال ذلك قول امرئ القيس، وقيل إنها منحولة: # توهمت من هند معالم أطلال ... غفاهن طول الدهر في الزمن الخالي # مرابع من هند خلت ومصايف ... يصيح بمغناها صدى وعوازف # وغيرها هوج الرياح العواصف ... وكل مسف ثم آخر رادف # بأسحم من نوء السماكين هطال # وهكذا يأتي بأربعة أقسمة على أي قافية شاء، ثم يكرر قسيما على قافية ~~اللام، وربما كان المسمط بأقل من أربعة أقسمة كما قال أحدهم: # خيال هاج لي شجنا ... فبت مكابدا حزنا # عميد القلب مرتهنا ... بذكر اللهو والطرب # سبتني ظبية عطل ... كأن رضابها عسل # ينوء بخصرها كفل ... ثقيل روادف الحقب # وربما جاءوا بأوله أبياتا خمسة على شرطهم في الأقسمة، وهو المتعارف، أو ~~أربعة، ثم يأتون بعد ذلك بأربعة أقسمة، كما قال خالد القناص، أنشده الزجاجي ~~أبو القاسم: # لقد نكرت عيني منازل جيران ... كأسطار رق ناهج خلق فاني # توهمتها من بعد عشرين حجة ... فما أستبين الدار إلا بعرفان PageV01P057 ~~فقلت لها: حييت يا دار جيرتي ... أبيني لنا أنى تبدد إخواني # وأي بلاد بعد ربعك حالفوا ... فإن فؤادي عند ظبية جيراني # فجاء بأربعة أبيات كما ترى، ثم قال بعدها: # رما نطقت واستعجمت حين كلمت ... وما رجعت قولا وما إن ترمرمت # وكان شفائي عندها لو تكلمت ... إلي ولو كانت أشارت وسلمت # ولكنها ضنت علي بتبيان # وهكذا إلى آخرها، وقد جاء هذا الشاعر في قصيدته بخمسة أقسمة مرة واحدة، ~~ولم يعاودها، ولو عاودها لم يضره، وكذلك لو نقص، إلا أن الاعتدال أحسن. # والقافية التي تكرر في التسميط تسمى عمود القصيدة، واشتقاقه من السمط، ~~وهو: أن تجمع عدة سلوك في ياقوتة أو خرزة ما، ثم تنظم كل سلك منها على حدته ms109 ~~باللؤلؤ يسيرا، ثم تجمع السلوك كلها في زبرجدة أو شبهها أو نحو ذلك، ثم ~~تنظم أيضا كل سلك على حدته وتصنع به كما صنعت أولا إلى أن يتم السمط، هذا ~~هو المتعارف عند أهل الوقت. # وقال أبو القاسم الزجاجي: إنما سمي بهذا الاسم تشبيها بسمط اللؤلؤ، وهو ~~سلكه الذي يضمه ويجمعه مع تفرق حبه، وكذلك هذا الشعر لما كان متفرق القوافي ~~متعقبا بقافية تضمه وترده إلى البيت الأول الذي بنيت عليه في القصيدة صار ~~كأنه سمط مؤلف من أشياء مفترقة. # ونوع آخر يسمى مخمسا، وهو: أن يؤتى بخمسة أقسمة على قافية، ثم بخمسة أخرى ~~في وزنها على قافية غيرها كذلك، إلى أن يفرغ من القصيدة، هذا هو الأصل، ~~وأكثروا من هذا الفن حتى أتوا به مصراعين مصراعين فقط، وهو المزدوج، إلا أن ~~وزنه كله واحد وإن اختلفت القوافي، كذات الأمثال، وذات الحلل، وما شاكلهما، ~~ولا يكون أقل من مصراعين، وكل مشطور أو منهوك فهو بيت، وإن قيل مصرع فعلي ~~المجاز، وما سوى ذلك مما لم يأت مثله عن العرب فهو مصاريع ليس ببيت، ولم ~~أجدهم يستعملون في هذه المخمسات إلا الرجز خاصة؛ لأنه وطئ سهل المراجعة، ~~فأما المسمطات فقد جاءت في أوزان كثيرة مختلفة كما قدمت. # ونوعان من الرجز وهما: المشطور، والمنهوك فأما المشطور فما بني على شطر ~~بيت، نحو قول أبي النجم العجلي: # الحمد لله الوهوب المجزل ... أعطى فلم يبخل ولم يبخل # وأما المنهمك فهو ما بني على ثلث بيت، ونهك بذهاب ثلثيه، أي: أضعف وهذا ~~مثل قول أبي نواس: # وبلدة فيها زور ... صعراء تخطى في صعر # فأشبه بهما مشطور السريع ومنهوك المنسرح، وسيأتيان فيما بعد إن شاء الله ~~تعالى.. # وأنشد الزجاجي وزنا مشطرا محير الفصول لا أشك أنه مولد محدث، وهو: # سقى طللا بحزوى ... هزيم الودق أحوى # عهدنا فيه أروى ... زمانا ثم أقوى # وأروى لا كنود ... ولا فيها صدود # لها طرف صيود ... ومبتسم برود # لأن شط المزار ... بها ونأت ديار # فقلبي مستطار ... وليس له قرار # ستدنيها ذمول ... جلنفعة ms110 ذلول # إذا عرضت هجول ... تقصر ما يطول # وهذا وزن ملتبس: يجوز أن يكون مقطوعا من مربع الوافر، ويجوز أن يكون من ~~المضارع مقبوضا مكفوفا، ذكره الجوهري.. # وأنشد لبعض المحدثين: # أشاقك طيف مامه ... بمكة أم حمامه # أشاقك: مفاعل، وحقه في أصل الوزن مفاعيلن. # وقد رأيت جماعة يركبون المخمسات والمسمطات ويكثرون منها، ولم أر متقدما ~~حاذقا صنع شيئا منها؛ لأنها دالة على عجز الشاعر، وقلة قوافيه، وضيق عطنه، ~~ما خلا امرأ القيس في القصيدة التي نسبت إليه وما أصححها له، وبشار بن برد، ~~قد كان يصنع المخمسات والمزدوجات عبثا واستهانة بالشعر، وبشر بن المعتمر؛ ~~فقد أنشد الجاحظ له أول مزدوجة، وصنع ابن المعتز قصيدة في ذم الصبوح، ~~وقصيدة في سيرة المعتضد ركب فيها هذا الطريق؛ لما تقتضيه الألفاظ المختلفة ~~الضرورية، ولمراده من التوسع في الكلام، والتملح بأنواع السجع. # وهذا الجنس موقوف على ابن وكيع والأمير تميم بن المعز، ومن ناسب طبعهما ~~من أهل الفراغ وأصحاب الرخص، وقد يقع لبعض الشعراء البيتان والثلاثة لها ~~قافية واحدة يجعلونها معاياة فيتلاقفها العروضيون، كالأبيات التي تروى لابن ~~دريد وسترد في مكانها من سوى هذا الباب، إن شاء الله تعالى. PageV01P058 ~~باب في الرجز والقصيد # قد خص الناس باسم الرجز المشطور والمنهوك وما جرى مجراهما، وباسم القصيد ~~ما طالت أبياته، وليس كذلك؛ لأن الرجز ثلاثة أنواع غير المشطور والمنهوك ~~والمقطع: فأما الأول منها فنحو أرجوزة عبدة بن الطبيب: # باكرني بسحرة عواذلي ... وعذلهن خبل من الخبل # يلمنني في حاجة ذكرتها ... في عصر أزمان ودهر قد نسل # والنوع الثاني نحو قول الآخر: # القلب منها مستريح سالم ... والقلب مني جاهد مجهود # والنوع الثالث قول الآخر: # قد هاج قلبي منزل ... من أم عمرو مقفر # فهذه داخلة في القصيد، وليس يمتنع أيضا أن يسمى ما كثرت بيوته من مشطور ~~الرجز ومنهوكه قصيدة؛ لأن اشتقاق القصيد من " قصدت إلى الشيء " كأن الشاعر ~~قصد إلى عملها على تلك الهيئة، والرجز مقصود أيضا إلى عمله كذلك. # ومن المقصد ما ليس برجز وهم يسمونه رجزا لتصريع جميع ms111 أبياته؛ وذلك هو ~~مشطور السريع، نحو قول الشاعر أنشدناه أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي عن ~~أبي علي الحسين بن إبراهيم الآمدي، عن ابن دريد، عن أبي حاتم السجستاني، عن ~~أبي زيد الأنصاري: # هل تعرف الدار بأعلى ذي القور ... غيرها نأج الرياح والمور # ودرست غير رماد مكفور ... مكتئب اللون مريح ممطور # وغير نؤى كبقايا الدعثور ... أزمان عيناء سرور المسرور # عيناء حوراء من العين الحور # وأنشد أبو عبد الله لابن المعتز: # ومقلة قد بات يبكيها ... فيض نجيع من مآقيها # وكلها طول تمنيها ... بأنجم الليل تراعيها # ومهجة قد كاد يفنيها ... طول سقام ثابت فيها # وبرؤها في كف مبليها ... كما ابتلاها فهو يشفيها # ليس لها من حبها ناصر ... من ذا على الأحباب يعديها # وهذا عند الجوهري من البسيط، والذي أنشد أبو عبد الله على قول الجوهري هو ~~من الرجز، وجعل الجزء الآخر مستفع لن مفروق فيه الوتد، فأسكن اللام؛ لأن ~~آخر البيت لا يكون متحركا، فخلفه مفعولات. # وأما المنهوك المنسرح صبرا بني عبد الدار فهو عند الجوهري من الرجز، ~~ومثله ويلم سعد سعدا إلا أنه أقصد منه. # فعلى كل حال تسمى الأرجوزة قصيدة طالت أبياتها أو قصرت، ولا تسمى القصيدة ~~أرجوزة إلا أن تكون من أحد أنواع الرجز التي ذكرت، ولو كانت مصرعة الشطور ~~كالذي قدمته؛ فالقصيد يطلق على كل الرجز، وليس الرجز مطلقا على كل قصيد ~~أشبه الرجز بالشطر. # قال النحاس: القريض عند أهل اللغة العربية الشعر الذي ليس برجز، يكون ~~مشتقا من قرض الشيء أي: قطعه، كأنه قطع جنسا، وقال أبو إسحاق: وهو مشتق من ~~القرض، أي: القطع والتفرقة بين الأشياء، كأنه ترك الرجز وقطعه من شعره. # وكان أقصر ما صنعه القدماء من الرجز ما كان على جزأين، نحو قول دريد بن ~~الصمة يوم هوازن: # يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع # حتى صنع بعض المتعقبين وأظنه علي بن يحيى، أو يحيى، بن علي المنجم أرجوزة ~~على جزء واحد، وهي: # طيف ألم بذي سلم ... بعد العتم يطوي الأكم # جاد بفم ms112 وملتزم ... فيه هضم إذا يضم # ويقال: إن أول من ابتدع ذلك سلم الخاسر، يقول في قصيدة مدح بها موسى ~~الهادي: # موسى المطر غيث بكر ... ثم انهمر ألوى المرر # كم اعتسر ثم ايتسر ... وكم قدر ثم غفر # عدل السير باقي الأثر ... خير وشر نفع وضر # خير البشر فرع مضر ... بدر بدر والمفتخر # لمن غبر # والجوهري يسمي هذا النوع المقطع. # وقد رأى قوم أن مشطور الرجز ليس بشعر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: # هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت PageV01P059 بكسر التاء، ~~ورواية أخرى بسكونها وتحريك الياء بالفتح قبلها وليس هذا دليلا، وإنما ~~الدليل في قول النبي صلى الله عليه وسلم عدم القصد والنية؛ لأنه لم يقصد به ~~الشعر ولا نواه؛ فلذلك لا يعد شعرا وإن كان كلاما متزنا، وإلا فالرجاز ~~شعراء عند العرب وفي متعارف اللسان، إلا أن الليث روى أنهم لما ردوا على ~~الخليل قوله " إن المشطور ليس بشعر " قال: لأحتجن عليهم بحجة إن لم يقروا ~~بها كفروا، قال: فعجبنا من قوله حتى سمعنا حجته.. وقد رواه قوم دميت بإسكان ~~الياء والتاء جميعا ولا يكون حينئذ موزونا. # والراجز قلما يقصد؛ فإن جمعهما كان نهاية نحو أبي النجم؛ فإنه كان يقصد، ~~وأما غيلان فإنه كان راجزا ثم صار إلى التقصيد، وسئل عن ذلك فقال: رأيتني ~~لا أقع من هذين الرجلين على شيء، يعني العجاج وابنه رؤبة، وكان جرير ~~والفرزدق يرجزان، وكذلك عمر بن لجأ كان راجزا مقصدا، ومثله حميد الأرقط، ~~والعماني أيضا، وأقلهم رجزا الفرزدق. # وليس يمتنع الرجز على المقصد امتناع القصيد على الراجز، ألا ترى أن كل ~~مقصد يستطيع أن يرجز وإن صعب عليه بعض الصعوبة، وليس كل راجز يستطيع أن ~~يقصد، واسم الشاعر وإن عم المقصد والراجز فهو بالمقصد أعلق، وعليه أوقع، ~~فقيل لهذا شاعر، ولذلك راجز، كأنه ليس بشاعر، كما يقال خطيب أو مرسل أو نحو ~~ذلك. # باب في القطع والطول # حدثنا الشيخ أبو عبد الله عبد العزيز بن أبي سهل رحمه الله تعالى، ms113 قال: ~~سئل أبو عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ فقال: نعم ليسمع منها، قيل: ~~فهل كانت توجز؟ قال: نعم ليحفظ عنها. قال: وقال الخليل بن أحمد: يطول ~~الكلام ويكثر ليفهم، ويوجز ويختصر ليحفظ؛ وتستحب الإطالة عند الإعذار، ~~والإنذار، والترهيب، والترغيب، والإصلاح بين القبائل، كما فعل زهير، ~~والحارث بن حلزة، ومن شاكلهما، وإلا فالقطع أطير في بعض المواضع، والطوال ~~للمواقف المشهورات.. # ويحكى أن الفرزدق لما وقع بينه وبين جرير ما وقع وحكم بينهما قال بعض ~~الحكام: الفرزدق أشعر؛ لأنه أقواهما أسر كلام، وأجراهما في أساليب الشعر، ~~وأقدرهما على تطويل، وأحسنهما قطعا، فقدم بالقطع كما ترى. # وقال بعض العلماء: يحتاج الشاعر إلى القطع حاجته إلى الطوال، بل هو عند ~~المحاضرات والمنازعات والتمثل والملح أحوج إليها منه إلى الطوال. # وقال أحد المجودين، وهو محمد بن حازم الباهلي: # أبى لي أن أطيل المدح قصدي ... إلى المعنى وعلمي بالصواب # وإيجازي بمختصر قصير ... حذفت به الطويل من الجواب # وقيل لابن الزبعري: إنك تقصر أشعارك، فقال: لأن القصار أولج في المسامع، ~~وأجول في المحافل، وقال مرة أخرى: يكفيك من الشعر غرة لائحة، وسبة فاضحة.. # وقيل للجماز: لم لا تطيل الشعر؟ فقال: لحذفي الفضول. وقال له بعض ~~المحدثين وقد أنشده بيتين: ما تزيد على البيت والبيتين؟ فقال: أردت أن ~~أنشدك مذارعة، وهو القائل: # أقول بيتا واحدا وأكتفي ... بذكره من دون أبيات # وقيل مثل ذلك لعقيل بن علفة، فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق. # وقال الجاحظ: قيل لأبي المهوس: لم لا تطيل الهجاء؟ فقال: لم أجد المثل ~~السائر إلا بيتا واحدا. # وهجا محمد بن عبد الملك الزيات أحمد بن أبي دؤاد بتسعين بيتا، فقال ابن ~~أبي دؤاد يخاطبه: # أحسن من تسعين بيتا سدى ... جمعك معناهن في بيت # ما أحوج الملك إلى مطرة ... تغسل عنه وضر الزيت # غير أن المطيل من الشعراء أهيب في النفوس من الموجز وإن أجاد، على أن ~~للموجز من فضل الاختصار ما ينكره المطيل، ولكن إذا كان صاحب القصائد دون ~~صاحب القطع بدرجة أو ms114 نحوها وكان صاحب القطع لا يقدر على التطويل إن حاوله ~~بتة سوي بينهما؛ لفضل غير المجهود على المجهود، فإنا لا نشك أن المطول إن ~~شاء جرد من قصيدته قطعة أبيات جيدة، ولا يقدر الآخر أن يمد من أبياته التي ~~هي قطعة قصيدة. # ولام قوم الكميت على الإطالة فقال: أنا على الإقصار أقدر، هكذا جاءت ~~الدواية، ولا تكاد ترى مقطعا إلا عاجزا عن التطويل، والمقصد أيضا قد يعجز ~~عن الاختصار، ولكن الغالب والأكثر أن يكون قادرا على ما حاوله من ذلك ~~وبالعجز رمى الكميت. PageV01P060 وكان عبد الكريم بهذه الصفة، لا يكاد يصنع ~~مقطوعا، ولا أظن في جميع أشعاره خمس قطع أو نحوها. # وكان أبو تمام على جلالته وتقدمه مقصرا في القطع عن رتبة القصائد.. # والمشهورون بجودة القطع من المولدين: بشار بن برد، وعباس بن الأحنف، ~~والحسن بن الضحاك، وأبو نواس، وأبو علي البصير، وعلي بن الجهم، وابن ~~المعذل، والجماز، وابن المعتز. # وكانوا يقولون في زمان منصور الفقيه وهو قريب من عصرنا هذا : إياكم ~~ومنصورا إذا رمح بالزوج، وكان ربما هجا بالبيت الواحد. # ووصف عبد الكريم أبا الطيب؛ فزعم أنه أحسن الناس مقاطيع، ولو قال مقاطع ~~بلا ياء قلنا صدقت ولم نخالفه. # وقيل: إذا بلغت الأبيات سبعة فهي قصيدة، ولهذا كان الإيطاء بعد سبعة غير ~~معيب عند أحد من الناس... ومن الناس من لا يعد القصيدة إلا ما بلغ العشرة ~~وجاوزها ولو ببيت واحد.. ويستحسنون أن تكون القصيدة وترا، وأن يتجاوز بها ~~العقد، أو توقف دونه؛ كل ذلك ليدلوا على قلة الكلفة، وإلقاء البال بالشعر. # وزعم الرواة أن الشعر كله إنما كان رجزا وقطعا، وأنه إنما قصد على عهد ~~هاشم بن عبد مناف، وكان أول من قصده مهلهل وامرؤ القيس، وبينهما وبين مجيء ~~الإسلام مائة ونيف وخمسون سنة. وذكر ذلك الجمحي وغيره. # وأول من طول الرجز وجعله كالقصيد الأغلب العجلي شيئا يسيرا، وكان على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتى العجاج بعد فافتن فيه؛ فالأغلب العجلي ~~والعجاج في الرجز كامرئ ms115 القيس ومهلهل في القصيد. # والشاعر إذا قطع وقصد ورجز فهو الكامل؛ وقد جمع ذلك كله الفرزدق، ومن ~~المحدثين أبو نواس، وكان ابن الرومي يقصد فيجيد، ويطيل فيأتي بكل إحسان، ~~وربما تجاوز حتى يسرف، وخير الأمور أوساطها.. وهو القائل: # وإذا امرؤ مدح امرأ لنواله ... فأطال فيه فقد أراد هجاءه # لو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه # ؟ 26 باب في البديهة والارتجال البديهة عند كثير من الموسومين بعلم هذه ~~الصناعة في بلدنا أو من أهل عصرنا هي الارتجال، وليست به؛ لأن البديهة فيها ~~الفكرة والتأيد، والارتجال ما كان انهمارا وتدفقا لا يتوقف فيه قائله: ~~كالذي صنع الفرزدق وقد دفع إليه سليمان بن عبد الملك أسيرا من الروم ~~ليقتله، فدس إليه بعض بني عبس سيفا كهاما فنبا حين ضرب به، فضحك سليمان، ~~فقال الفرزدق ارتجالا في مقامه ذلك يعتذر لنفسه، ويعير بني عبس بنبو سيف ~~ورقاء بن زهير عن رأس خالد بن جعفر: # فإن يك سيف خان أو قدر أبى ... لتأخير نفس حينها غير شاهد # فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد # كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... ويقطعن أحيانا مناط القلائد # ولو شئت قط السيف ما بين أنفه ... إلى علق دون الشراسيف جاسد # ثم جلس وهو يقول: # ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم # وكالذي يروى عن أبي الخطاب عمرو بن عامر السعدي المعروف بأبي الأسد، وقد ~~أنشد موسى الهادي شعرا مدحه به يقول فيه: # يا خير من عقدت كفاه حجزته ... وخير من قلدته أمرها مضر # فقال له موسى: إلا من يا بائس؟ فقال واصلا كلامه ولم يقطعه: # إلا النبي رسول الله؛ إن له ... فخرا، وأنت بذاك الفخر تفتخر # ففطن موسى ومن بحضرته أن البيت مستدرك، ونظروا في الصحيفة فلم يجدوه؛ ~~فضاعف صلته. # وأعظم ارتجال وقع قصيدة الحارث بن حلزة بين يدي عمر بن هند؛ فإنه يقال: ~~أتى بها كالخطبة، وكذلك قصيدة عبيد بن الأبرص، وقيل: أفضل البديهة بديهة ~~أمن، وردت ms116 في موضع خوف، فما ظنك بالارتجال وهو أسرع من البديهة؟. # وكان أبو نواس قوي البديهة والارتجال، لا يكاد ينقطع ولا يروي إلا فلتة، ~~روى أن الخصيب قال له مرة يمازحه وهما بالمسجد الجامع: أنت غير مدافع في ~~الشعر، ولكنك لا تخطب! فقام من فوره يقول مرتجلا: # منحتكم يا أهل مصر نصيحتي ... ألا فخذوا من ناصح بنصيب # رماكم أمير المؤمنين بحية ... أكول لحيات البلاد شروب # فإن يك باقي سحر فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب # ثم التفت إليه وقال: PageV01P061 والله لا يأتي بمثلها خطيب مصقع فكيف ~~رأيت؟ فاعتذر إليه وحلف إن كنت إلا مازحا. # وسمعت جماعة من العلماء يقولون: كان مسلم بن الوليد نظير أبي نواس، وفوقه ~~عند قوم من أهل زمانه في أشياء، إلا أن أبا نواس قهره بالبديهة والارتجال، ~~مع تقبض كان في مسلم وإظهار توفر وتصنع، وكان صاحب روية وفكرة لا يبتده ولا ~~يرتجل. # وكان أبو العتاهية فيما يقال أقدر الناس على ارتجال وبديهة؛ لقرب مأخذه، ~~وسهولة طريقته، اجتمع عدة من الشعراء فيهم أبو نواس؛ فشرب أحدهم ماء، ثم ~~قال: أجيزوا: د الماء وطابا فكلهم تلعثم، حتى طلع أبو العتاهية، فقال: فيم ~~أنتم؟ فأنشدوه، فقال وما تروى: حبذا الماء شرابا فأتى بالقسيم رسلا شبيها ~~بصاحبه، وذلك هو الذي أعوز القوم لا وزن الكلام. # وصحب رفقة فسمع زقاء الديوك، فقال لرفيقه: # هل رأيت الصبح لاحا؟ # قال: نعم، قال: # وسمعت الديك صاحا. # قال: نعم، قال: # إنما بكى على المغ ... تر بالدنيا وناحا # فاستيقظ رفيقه للكلام أنه شعر فرواه؛ فما جرى هذا المجرى فهو ارنجال. # وأما البديهة فبعد أن يفكر الشاعر يسيرا ويكتب سريعا إن حضرت آلة، إلا ~~أنه غير بطيء ولا متراخ، فإن أطال حتى يفرط أو قام من مجلسه لم يعد بديها. # وقالوا: اجتمع الشعراء بباب الرشيد، فأذن لهم، فقال: من يجيز هذا القسيم ~~وله حكمه؟ فقالوا: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: الملك لله وحده فقال ~~الجماز: وللخليفة بعده # وللمحب إذا ما ... حبيبه بات عنده # فقال: أحسنت، ms117 وأتيت على ما في نفسي، وأمر له بعشرة آلاف درهم. # ومن عجيب ما روي في البديهة حكاية أبي تمام حين أنشد أحمد بن المعتصم ~~بحضرة أبي يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي وهو فيلسوف العرب: # إقدام عمرو، في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس # فقال له الكندي: ما صنعت شيئا، شبهت ابن أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين ~~بصعاليك العرب! ومن هؤلاء الذين ذكرت؟ وما قدرهم؟ فأطرق أبو تمام يسيرا، ~~وقال: # لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس # فهذا أيضا وما شاكله هو البديهة، وإن أعجب ما كان البديهة من أبي تمام؛ ~~لأنه رجل متصنع، لا يحب أن يكون هذا في طبعه. وقد قيل: إن الكندي لما خرج ~~أبو تمام قال: هذا الفتى قليل العمر؛ لأنه ينحت من قلبه، وسيموت قريبا، ~~فكان كذلك. # وقد كان أبو الطيب كثير البديهة والارتجال، إلا أن شعره فيهما نازل عن ~~طبقته جدا، وهو لعمري في سعة من العذر؛ إذ كانت البديهة كما قال فيها ابن ~~الرومي: # نار الروية نار جد منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويح # وقد يفضلها قوم لسرعتها ... لكنها سرعة تمضي مع الريح # وقال عبد الله بن المعتز: # والقول بعد الفكر يؤمن زيغه ... شتان بين روية وبديه # ومن الشعراء من شعره في رويته وبديهته سواء عند الأمن والخوف؛ لقدرته، ~~وسكون جأشه وقوة غريزته: كهدبة بن الخشرم العذري، وطرفة بن العبد البكري، ~~ومرة بن محكان السعدي؛ إذ يقول وقد أمر مصعب بن الزبير رجلا من بني أسد ~~بقتله: # بني أسد إن تقتلوني تحاربوا ... تميما، إذا الحرب العوان اشمعلت # ولست وإن كانت إلى حبيبة ... بباك على الدنيا إذا ما تولت # وهذا شعر لو روي فيه صاحبه حولا كاملا على أمن ودعة وفرط شهوة أو شدة ~~حمية لما أتى فوق هذا. # وكذلك عبد يغوث بن صلاءة؛ إذ يقول في كلمة طويلة: # أقول وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا ms118 # فيا راكبا إما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا # وكانوا قد شدوا لسانه خوفا من الهجاء، فعاهدهم فأطلقوه لينوح على نفسه، ~~فصنع هذه القصيدة، وعرض عليهم في فدائه ألف ناقة، فأبوا إلا قتله، فقال: # فإن تقتلوني تقتلوني بخيركم ... وإن تطلقوني تحربوني بماليا # وهذه شهامة عظيمة وشدة. # ومن قول طرفة بن العبد لما أيقن بالموت: # أبا منذر كانت غرورا صحيفتي ... ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي ~~PageV01P062 أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض # وأين هؤلاء من عبيد بن الأبرص وهو شيخ الصناعة، ومقدم في السن على ~~الجماعة إذ يقول له النعمان يوم بؤسه: أنشدني، فقال: حال الجريض دون ~~القريض، قال: أنشدني قولك: # أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب # فقال: لا، ولكن: # أقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد # فبلغت به حال الجزع إلى مثل هذا القول، على أن في بيت طرفة بعض ~~الضراعة... # وممن وجد نفسه عند إحاطة الموت به تميم بن جميل؛ فإنه القائل بين يدي ~~المعتصم وقد قدم السيف والنطع لقتله: # أرى الموت بين النطع والسيف كامنا ... يلاحظني من حيث ما أتلفت # وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئ مما قضى الله يفلت # وأي امرئ يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت # يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يسل علي السيف فيه وأسكت # وما حزني أني أموت وأنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت # ولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت # كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا # فإن عشت عاشوا خافضين بنعمة ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا # فكم قائل: لا أبعد الله داره ... وآخر جذلان يسر ويشمت # فعفا عنه المعتصم وأحسن إليه، وقلده عملا. # وعلي بن الجهم هو القائل وقد صلب عريانا: # لم ينصبوا بالشاذياخ عشية ال ... اثنين مغلولا ولا مجهولا # نصبوا بحمد الله ملء عيونهم ... حسنا، وملء قلوبهم تبجيلا # ما ضره أن بز عنه لباسه ... فالسيف أهول ما يرى مسلولا # وهذا من جزل ms119 الكلام، لا سيما في مثل ذلك المقام، وكان علي من الفضلاء ~~علما بالشعر وصناعة له. # حكي عن علي بن يحيى أنه قال: كنت عند المتوكل إذ أتاه رسول برأس إسحاق بن ~~إسماعيل، فقام علي بن الجهم يخطر بين يديه ويقول: # أهلا وسهلا بك من رسول ... جئت بما يشفي من الغليل # برأس إسحاق بن إسماعيل # قال المتوكل: قوموا التقطوا هذا الجوهر لا يضيع. # والشاعر الحاذق المبرز إذا صنع على البديهة قنع منه بالعفو اللين، والنزر ~~التافه؛ لما فيها من المشقة، وهو في الارتجال أعذر. # واشتقاق البديهة من بده بمعنى بدأ، أبدلت الهمزة هاء كما أبدلت في أشياء ~~كثيرة لقربها منها؛ فقد قالوا مدح ومده، ولهنك تفعل كذا بمعنى لأنك، ومثل ~~ذلك كثير. # والارتجال: مأخوذ من السهولة والانصباب، ومنه قيل: شعر رجل، إذا كان سبطا ~~مسترسلا غير جعد، وقيل: هو من ارتجال البئر وهو أن تنزلها برجليك من غير ~~حبل. # باب في آداب الشاعر # من حكم الشاعر أن يكون حلو الشمائل، حسن الأخلاق، طلق الوجه، بعيد الغور، ~~مأمون الجانب، سهل الناحية، وطيء الأكناف، فإن ذلك مما يحببه إلى الناس، ~~ويزينه في عيونهم، ويقربه من قلوبهم، وليكن مع ذلك شريف النفس، لطيف الحس، ~~عزوف الهمة، نظيف البزة، أنفا؛ لتهابه العامة، ويدخل في جملة الخاصة، فلا ~~تمجه أبصارهم، سمح اليدين، وإلا فهو كما قال ابن أبي فنن واسمه أحمد: # وإن أحق الناس باللوم شاعر ... يلوم على البخل الرجال ويبخل # وإلى هذا المعنى ذهب الطائي بقوله: # أألوم من بخلت يداه وأغتدي ... للبخل تربا؟ ساء ذاك صنيعا!! # والشاعر مأخوذ بكل علم، مطلوب بكل مكرمة؛ لاتساع الشعر واحتماله كل ما ~~حمل: من نحو، ولغة، وفقه، وخبر، وحساب، وفريضة، واحتياج أكثر هذه العلوم ~~إلى شهادته، وهو مكتف بذاته، مستغن عما سواه؛ ولأنه قيد للأخبار، وتجديد ~~للآثار. # وصاحبه الذي يذم ويحمد ويهجو ويمدح، ويعرف ما يأتي الناس من محاسن ~~الأشياء وما يذرونه، فهو على نفسه شاهد، وبحجته مأخوذ. PageV01P063 وليأخذ ~~نفسه بحفظ الشعر والخبر، ومعرفة النسب، وأيام العرب؛ ليستعمل بعض ms120 ذلك فيما ~~يريده من ذكر الآثار، وضرب الأمثال، وليعلق بنفسه بعض أنفاسهم ويقوى بقوة ~~طباعهم، فقد وجدنا الشاعر من المطبوعين المتقدمين يفضل أصحابه برواية ~~الشعر، ومعرفة الأخبار، والتلمذة بمن فوقه من الشعراء، فيقولون: فلان شاعر ~~راوية، يريدون أنه إذا كان راوية عرف المقاصد، وسهل عليه مأخذ الكلام، ولم ~~يضق به المذهب، وإذا كان مطبوعا لا علم له ولا رواية ضل واهتدى من حيث لا ~~يعلم، وربما طلب المعنى فلم يصل إليه وهو ماثل بين يديه؛ لضعف آلته: ~~كالمقعد يجد في نفسه القوة على النهوض فلا تعينه الآلة. # وقد سئل رؤبة بن العجاج عن الفحل من الشعراء، فقال: هو الراوية، يريد أنه ~~إذا روى استفحل. # قال يونس بن حبيب: وإنما ذلك لأنه يجمع إلى جيد شعره معرفة جيد غيره، فلا ~~يحمل نفسه إلا على بصيرة، وقال رؤبة في صفة شاعر: # لقد خشيت أن تكون ساحرا ... راوية مرا ومرا شاعرا # فاستعظم حاله حتى قرنها بالسحر. # وقال الأصمعي: لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلا حتى يروي أشعار العرب، ~~ويسمع الأخبار، ويعرف المعاني، وتدور في مسامعه الألفاظ. وأول ذلك أنه يعلم ~~العروض؛ ليكون ميزانا له على قوله؛ والنحو؛ ليصلح به لسانه وليقيم به ~~إعرابه؛ والنسب وأيام الناس؛ ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب ~~وذكرها بمدح أو ذم. # وقد كان الفرزدق على فضله في هذه الصناعة يروي للحطيئة كثيرا، وكان ~~الحطيئة راوية زهير، وكان زهير راوية أوس بن حجر وطفيل الغنوي جميعا، وكان ~~امرؤ القيس راوية أبي دؤاد الإيادي: مع فضل تحيزه، وقوة غريزة، ولا بد بعد ~~ذلك أن يلوذ به في شعره، ويتوكأ عليه كثيرا، وقد نزل أعشى بني قيس بن ثعلبة ~~بين يدي النابغة الذبياني بسوق عكاظ وأنشده فقدمه، وأنشده حسان بن ثابت، ~~ولبيد بن ربيعة؛ فما عابهم ذلك، ولا غض منهم، وكان كثير راوية جميل ومفضلا ~~له: إذا استنشد لنفسه بدأ بجميل، ثم أنشد ما يراد منه، ولم يكن بدون جرير ~~والفرزدق، بل يقدم عليهما عند جميع أهل الحجاز، وكان أبو ms121 حية النميري واسمه ~~الهيثم بن الربيع، وهو من أحسن الناس شعرا، وأنظفهم كلاما مؤتما بالفرزدق، ~~آخذا عنه، كثير التعصب له والرواية عنه. # ولا يستغني المولد عن تصفح أشعار المولدين؛ لما فيها من حلاوة اللفظ، ~~وقرب المأخذ، وإشارات الملح، ووجوه البديع الذي مثله في شعر المتقدمين ~~قليل، وإن كانوا هم فتحوا بابه، وفتقوا جلبابه، وللمتعقب زيادات وافتنان، ~~لا على أن تكون عمدة الشاعر مطالعة ما ذكرته آخر كلامي هذا دون ما قدمته؛ ~~فإنه متى فعل ذلك لم يكن فيه من المتانة وفضل القوة ما يبلغ به طاقة من تبع ~~جادته، وإذا أعانته فصاحة المتقدم وحلاوة المتأخر اشتد ساعده، وبعد مرماه، ~~فلم يقع دون الغرض؛ وعسى أن يكون أرشق سهاما، وأحسن موقعا، ممن لو عول عليه ~~من المحدثين لقصر عنه، ووقع دونه، وليجعل طلبه أولا للسلامة، فإذا صحت له ~~طلب التجويد حينئذ، وليرغب في الحلاوة والطلاوة رغبته في الجزالة والفخامة، ~~وليجتنب السوقي القريب، والحوشي الغريب، حتى يكون شعره حالا بين حالين كما ~~قال بعض الشعراء: # عليك بأوساط الأمور؛ فإنها ... نجاة، ولا تركب ذلولا ولا صعبا # فأول ما يحتاج إليه الشاعر بعد الجد الذي هو الغاية، وفيه وحده الكفاية ~~حسن التأتي والسياسة، وعلم مقاصد القول؛ فإن نسب ذل وخضع، وإن مدح أطرى ~~وأسمع، وإن هجا أخل وأوجع، وإن فخر خب ووضع، وإن عاتب خفض ورفع، وإن استعطف ~~حن ورجع، ولكن غايته معرفة أغراض المخاطب كائنا من كان؛ ليدخل إليه من ~~بابه، ويداخله في ثيابه، فذلك هو سر صناعة الشعر ومغزاه الذي به تفاوت ~~الناس وبه تفاضلوا.. # وقد قيل: PageV01P064 لكل مقام مقال وشعر الشاعر لنفسه وفي مراده وأمور ~~ذاته من مزح، وغزل، ومكاتبة، ومجون، وخمرية، وما أشبه ذلك غير شعره في ~~قصائد الحفل التي يقوم بها بين السماطين: يقبل منه في تلك الطرائق عفو ~~كلامه، وما لم يتكلف له بالا، ولا ألقي به، ولا يقبل منه في هذه إلا ما طان ~~محككا، معاودا فيه النظر، جيدا، لا غث فيه، ولا ساقط، ولا قلق؛ وشعره ms122 ~~للأمير والقائد غير شعره للوزير والكاتب، ومخاطبته للقضاة والفقهاء بخلاف ~~ما تقدم من هذه الأنواع.. وسيأتي هذا في موضعه من هذا الكتاب مفصلا، إن شاء ~~الله تعالى. # والمتأخر من الشعراء في الزمان لا يضره تأخره إذا أجاد، كما لا ينفع ~~المتقدم تقدمه إذا قصر، وإن كان له فضل السبق فعليه درك التقصير، كما أن ~~للمتأخر فضل الإجادة أو الزيادة، ولا يكون الشاعر حاذقا مجودا حتى يتفقد ~~شعره، ويعيد فيه نظره، فيسقط رديه، ويثبت جيده، ويكون سمحا بالركيك منه، ~~مطرحا له، راغبا عنه؛ فإن بيتا جيدا يقاوم ألفي رديء. # وقال امرؤ القيس وهو أول من زعموا أنه أختبر له وعلم به أنه يكون أفضل ~~الشعراء والمقدم عليهم: # أذود القوافي عني ذيادا ... ذياد غلام جريء جرادا # فلما كثرن وعنينه ... تخير منهن شتى جيادا # فأعزل مرجانها جانبا ... وآخذ من درها المستجادا # هكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها " حراد " بالحاء مكسورة غير معجمة، و " ~~شتى جيادا " بالشين معجمة مفتوحة غير منونة التاء. # فإذا كان أشعر الشعراء يصنع هذا ويحكيه عن نفسه، فكيف ينبغي لغيره أن ~~يصنع؟ وزعم ابن الكلبي أنه امرؤ القيس بن بكر بن امرئ القيس بن الحارث بن ~~معاوية الكندي، وروي " سفي " في موضع " جريء " والسفي: السفيه والخفيف ~~أيضا، وإليه يرجع اشتقاقه، وزعم غير ابن الكلبي أن الأبيات لامرئ القيس بن ~~عابس الكندي. # ويقال: إن أبا نواس كان يفعل هذا الفعل؛ فينفي الدني ويبقي الجيد. # وليلتمس له من الكلام ما سهل، ومن القصد ما عدل، ومن المعنى ما كان واضحا ~~جليا يعرف بديا، فقد قال بعض المتقدمين: شر الشعر ما سئل عن معناه، وكان ~~الحطيئة يقول: خير الشعر الحولي المحكك، أخذ في ذلك بمذهب زهير، وأوس، ~~وطفيل. # ولا يجوز للشاعر كما يجوز لغيره أن يكون معجبا بنفسه، مثنيا على شعره، ~~وإن كان جيدا في ذاته، حسنا عند سماعه، فكيف إن كان دون ما يظن؟ كقوم ~~أفردوا لذلك أنفسهم، وأفنوا فيه أعمارهم وما يحصلون على طائل، وقد قال الله ~~عز وجل: " فلا تزكوا ms123 أنفسكم " اللهم إلا أن يريد الشاعر ترغيب الممدوح أو ~~ترهيبه فيثني على نفسه، ويذكر فضل قصيدته؛ فقد جعلوه مجازا مسامحا فيه: ~~كالذي يعرض لكثير من الشعراء في أشعارهم من مدح قصائدهم، على أن أبا تمام ~~يقول: # ويسيء بالإحسان ظنا لا كمن ... يأتيك وهو بشعره مفتون # وإن كان أوصف الناس لقصيده، وأكثرهم ولوعا بذلك، وهذا ما دام شعرا كان ~~محمولا على ما قدمناه، وإنما المكروه المعيب أن يكون ذلك منثورا أو تأليفا ~~مسطورا: كالذي فعل الناشئ أبو العباس في أشياء من شعره ذكرها في كتابه ~~الموسوم بتفضيل الشعر؛ فشكرها، ونوه بها، ونبه عليها، وفضلها على أشعار ~~الفحول: مثل جرير وغيره، منها قول جرير: # إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا # يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا # وزعم بعد إقامة ما حسبه برهانا أن قوله: # لا شيء أعجب من عينيك؛ إنهما ... لا يضعفان القوى إلا إذا ضعفا # خير منه، وأسلم من الاعتراض، وأكثر اختصارا. # ويجب على الشاعر أن يتواضع لمن دونه، ويعرف حق من فوقه من الشعراء؛ فإن ~~امرأ القيس وكان شديد الظنة في شعره، كثير المنازعة لأهله، مدلا فيه بنفسه، ~~واثقا بقدرته لقي التوأم اليشكري، واسمه الحارث بن قتادة، فقال له: إن كنت ~~شاعرا كما تقول فملط لي أنصاف ما أقول فأجزها، قال: نعم، فقال امرؤ القيس: # أحار ترى بريقا هب وهنا # فقال التوأم: # كنار مجوس تستعر استعارا # فقال امرؤ القيس: # أرقت له ونام أبو شريح # فقال التوأم: # إذا ما قلت قد هدأ استطارا # فقال امرؤ القيس: # كأن هزيمه بوراء غيب # فقال التوأم: PageV01P065 عشار وإله لاقت عشارا # فقال امرؤ القيس: # فلما أن علا كنفي أضاخ # فقال التوأم: # وهت أعجاز ريقه فحارا # فقال امرؤ القيس: # فلم يترك بذات السر ظبيا # وقال التوأم: # ولم يترك بجهلتها حمارا # فلما رآه امرؤ القيس قد ماتنه، ولم يكن في ذلك الحرس أي: العصر من يماتنه ~~أي: يقاومه ويطاوله آلى ألا ينازع الشعر أحدا آخر الدهر، وروى ms124 ذلك أبو ~~عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء، ولو نظر بين الكلامين لوجد التوأم أشعر في ~~شعرهما هذا؛ لأن امرأ القيس مبتدئ ما شاء، وهو في فسحة مما أراد، والتوأم ~~محكوم عليه بأول البيت، مضطر في القافية التي عليها مدارهما جميعا، ومن ~~ههنا والله أعلم عرف امرؤ القيس من حق المماتنة ما عرف، ونازع أيضا علقمة ~~بن عبدة فكان من غلبة علقمة عليه ما كان.. # وأما جرير فهجاه شاعر يقال له: البردخت، فقال: ما اسمه؟ قيل له: البردخت، ~~فقال: وما معنى البردخت؟ قالوا له: الفارغ، فقال: إذا والله لا أشغله بنفسي ~~أبدا، وسالمه، هذا وهو جرير الذي غلب شياطين الشعراء، وسكن شقاشق الفحول.. # وأما عقبة بن رؤبة بن العجاج فإنه أنشد عقبة بن سلم بحضرة بشار أرجوزة، ~~فقال: كيف ترى يا أبا معاذ؟ فأثنى بشار كما يجب لمثله أن يفعل، وأظهر ~~الاستحسان، فلم يعرف له عقبة حقه، ولا شكر له فعله، بل قال له: هذا طراز لا ~~تحسنه، فقال له بشار: ألمثلي يقال هذا الكلام؟ أنا والله أرجز منك ومن أبيك ~~ومن جدك، ثم غدا على عقبة بن سلم بأرجوزته التي أولها: # يا طلل الحي بذات الصمد ... بالله خبر كيف كنت بعدي # فضح بها ابن رؤبة فضيحة ظاهرة كان غنيا عنها.. # وكان في البحتري إعجاب شديد، إذ أنشد يقول: ما لكم لا تعجبون؟ أما حسن ما ~~تسمعون؟ فأنشد المتوكل يوما قصيدته التي أولها: # عن أي ثغر تبتسم ... وبأي طرف تحتكم؟ # وأبو العباس الصيمري حاضر، فلما رأى إعجابه قام حذاءه فقال: # من أي سلح تلتقم؟ ... وبأي كف تلتطم؟ # ذقن الوليد البحتري ... أبي عبادة في الرحم # فولى البحتري وهو غضبان، فقال: وعلمت أنك تنهزم فضحك المتوكل حتى فحص ~~برجليه، وأعطى الصيمري جائزة سنية. # باب عمل الشعر وشحذ القريحة # لا بد للشاعر وإن كان فحلا، حاذقا، مبرزا، مقدما من فترة تعرض له في بعض ~~الأوقات: إما لشغل يسير، أو موت قريحة، أو نبو طبع في تلك الساعة أو ذلك ~~الحين. وقد كان الفرزدق ms125 وهو فحل مضر في زمانه يقول: تمر علي الساعة وقلع ~~ضرس من أضراسي أهون علي من عمل بيت من الشعر. فإذا تمادى ذلك على الشاعر ~~قيل: أصفى وأفصى، كما يقال: أفصت الدجاجة إذا انقطع بيضها، وكذلك يقال له: ~~أجبل، كما يقال لحافر البئر إذا بلغ جبلا تحت الأرض لا يعمل فيه شيء: أجبل، ~~ومثل أجبل: أكدى، إلا أنهم خصوا به العطاء، وذلك أن يصادف حافر البئر كدية ~~فلا يزيد شيئا على ما حفر، ويقال: أفحم الشاعر على أفعل، قالوا: وهو من فحم ~~الصبي إذا انقطع صوته من شدة البكاء، فإن ساء لفظه وفسدت معانيه قيل له: ~~أهتر فهو مهتر. وقد قيل في الذبياني: إنه إنما كان شعره نظيفا من العيوب ~~لأنه قاله كبيرا، ومات عن قرب، ولم يهتر.. وأكثر ما جاء الإهتار في صفة ~~الكبير الذي يختلط كلامه وقولهم في شعر النابغة إنه قاله وهو كبير يدل على ~~أنه بهذا سمي نابغة كما عند أكثر الناس، لا لقوله: # فقد نبغت لنا منهم شئون. # كما تقدم من قول بعضهم. ويقال: أخلى الشاعر، كما يقال أخلى الرامي، إذا ~~لم يصب معنى. # حكي عن البحتري أنه قال: فاوضت ابن الجهم عليا في الشعر، وذكر أشجع ~~السلمي فقال: إنه كان يخلى، فلم أفهمها عنه، وأنفت أن أسأله عنها، فلما ~~انصرفت فكرت فيها، ونظرت في شعر أشجع، فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولة ~~ليس فيها بيت رائع. # ثم إن للناس فيما بعد ضروبا مختلفة: يستدعون بها الشعر، فتشحذ القرائح ~~وتنبه الخواطر، وتلين عريكة الكلام، وتسهل طريق المعنى: كل امرئ على تركيب ~~طبعه، واطراد عادته، وسيأتي ذلك في أقاويل العلماء بما أرجو أن تكون فيه ~~هداية إن شاء الله تعالى. # قال بكر بن النطاح الحنفي: PageV01P066 الشعر مثل عين الماء: إن تركتها ~~اندفنت، وإن استهتنتها هتنت، وليس مراد بكر أن تستهتن بالعمل وحده؛ لأنا ~~نجد الشاعر تكل قريحته مع كثرة العمل مرارا، وتنزف مادته، وتنفد معانيه، ~~فإذا أجم طبعه أياما وربما زمانا طويلا ثم صنع الشعر ms126 جاء بكل آبدة، وانهمر ~~في كل قافية شاردة، وانفتح له من المعاني والألفاظ ما لو رامه من قبل ~~لاستغلق عليه، وأبهم دونه، لكن بالمذاكرة مرة؛ فإنها تقدح زناد الخاطر، ~~وتفجر عيون المعاني، وتوقظ أبصار الفطنة، وبمطالعة الأشعار كرة؛ فإنها تبعث ~~الجد، وتولد الشهوة. # وسئل ذو الرمة: كيف تعمل إذا انقفل دونك الشعر؟ فقال: كيف ينقفل دوني ~~وعندي مفتاحه؟ قيل له: وعنه سألناك، ما هو؟ قال: الخلوة بذكر الأحباب، فهذا ~~لأنه عاشق، ولعمري إنه إذا انفتح للشعر نسيب القصيدة فقد ولج من الباب، ~~ووضع رجله في الركاب، على أن ذا الرمة لم يكن كثير المدح والهجاء، وإنما ~~كان واصف أطلال، ونادب أظعان، وهو الذي أخرجه من طبقة الفحول. # وقيل لكثير: كيف تصنع إذا عسر عليك الشعر؟ قال: أطوف في الرباع المحيلة؛ ~~والرياض المعشبة، فيسهل علي أرصنه، ويسرع إلى أحسنه. # وقال الأصمعي: ما استدعي شارد بمثل الماء الجاري، والشرف العالي، والمكان ~~الخالي وقيل: الحالي، يعني الرياض وحدثني بعض أصحابنا من أهل المهدية وقد ~~مررنا بموضع بها يعرف بالكدية هو أشرفها أرضا وهواء قال: جئت هذا الموضع ~~مرة فإذا عبد الكريم على سطح برج هنالك قد كشف الدنيا، فقلت: أبا محمد؟ ~~قال: نعم، قلت: ما تصنع ههنا؟ قال: ألقح خاطري، وأجلو ناظري، قلت: فهل نتج ~~لك شيء؟ قال: ما تقر به عيني وعينك إن شاء الله تعالى، وأنشدني شعرا يدخل ~~مسام القلوب رقة، قلت: هذا اختبار منك اخترعته، قال: بل برأي الأصمعي. # وقالوا: كان جرير إذا أراد أن يؤبد قصيدة صنعها ليلا: يشعل سراجه ويعتزل، ~~وربما على السطح وحده فاضطجع وغطى رأسه رغبة في الخلوة بنفسه. يحكي أنه صنع ~~ذلك في قصيدته التي أخزى بها بني نمير، وقد تقدم ذكرها. # وروى أن الفرزدق كان إذا صعبت عليه صنعة الشعر ركب ناقته، وطاف خاليا ~~منفردا وحده في شعاب الجبال وبطون الأودية والأماكن الخربة الخالية، فيعطيه ~~الكلام قياده. حكى ذلك عن نفسه في قصيدته الفائية: # عزفت بأعشاش وما كدت تعزف # وذكر أن فتى من الأنصار ms127 بحضرة كثير أو غيره فاخره بأبيات حسان بن ثابت: # لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # فأنظره سنة فمضى حنقا، وطالت ليلته ولم يصنع شيئا، فلما كان قرب الصباح ~~أتى جبلا بالمدينة يقال له ذباب، فنادى: أخاكم يا بني لبني، صاحبكم، ~~صاحبكم، صاحبكم، وتوسد ذراع ناقته، فانثالت عليه القوافي انثيالا، وجاء ~~بالقصيدة بكرة وقد أعجزت الشعراء وبهرتهم طولا وحسنا وجودة. # وقيل لأبي نواس: كيف عملك حين تريد أن تصنع الشعر؟ قال أشرب حتى إذا كنت ~~أطيب ما أكون نفسا بين الصاحي والسكران صنعت وقد داخلني النشاط وهزتني ~~الأريحية. # قال ابن قتيبة: وللشاعر أوقات يسرع فيها أتيه، ويسمح فيها أبيه: منها أول ~~الليل قبل تغشي الكرى، ومنها صدر النهار قبل الغداء، ومنها يوم شرب الدواء، ~~ومنها الخلوة في الحبس والمسير، ولهذه العلل تختلف أشعار الشاعر ورسائل ~~المترسل. # وحكى عن أبي تمام وقد سأله البحتري عن أوقات صنعة الشعر قريب من هذا لا ~~أحفظه نصا، ولا أشك أن ابن قتيبة به اقتدى، إن كان مما رواه. PageV01P067 ~~ومما يجمع الفكرة من طريق الفلسفة استلقاء الرجل على ظهره، وعلى كل حال ~~فليس يفتح مقفل بحار الخواطر مثل مباكرة العمل بالأسحار عند الهبوب من ~~النوم؛ لكون النفس مجتمعة لم يتفرق حسها في أسباب اللهو أو المعيشة أو غير ~~ذلك مما يعييها، وإذ هي مستريحة جديدة كأنما أنشئت نشأة أخرى؛ ولأن السحر ~~ألطف، وأرق نسيما هواء، وأعدل ميزانا بين الليل والنهار، وإنما لم يكن ~~العشي كالسحر وهو عديله في التوسط بين طرفي الليل والنهار لدخول الظلمة فيه ~~على الضياء بضد دخول الضياء في السحر على الظلمة، ولأن النفس فيه كالة ~~مريضة من تعب النهار وتصرفها فيه، ومحتاجة إلى قوتها من النوم متشوقة نحوه؛ ~~فالسحر أحسن لمن أراد أن يصنع، وأما لمن أراد الحفظ والدراسة وما أشبه ذلك ~~فالليل، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: " إن ناشئة الليل هي أشد وطأ ~~وأقوم قيلا " وهذا الكلام الذي لا مطعن فيه، ولا اعتراض عليه، وعلى قراءة ms128 ~~من قرأ وطاء يكون معناه أثقل على فاعله، وإذا كان كذلك كان أكثر أجرا، فهذا ~~يشهد لنا أن العمل أول الليل يصعب؛ لأن النوم يغلب والجسم يكل. # وكان أبو تمام يكره نفسه على العمل حتى يظهر ذلك في شعره.. حكى ذلك عنه ~~بعض أصحابه، قال: استأذنت عليه وكان لا يستتر عني فأذن لي فدخلت فإذا هو في ~~بيت مصهرج قد غسل بالماء، يتقلب يمينا وشمالا، فقلت: لقد بلغ بك الحر مبلغا ~~شديدا، قال: لا، ولكن غيره، ومكث كذلك ساعة ثم قام كأنما أطلق من عقال، ~~قال: الآن وردت، ثم استمد وكتب شيئا لا أعرفه، ثم قال: أتدري ما كنت فيه مذ ~~الآن؟ قلت: كلا، قال: قول أبي نواس: كالدهر في شراسة وليان أردت معناه فشمس ~~علي حتى أمكن الله منه فصنعت. # شرست، بل لنت، بل قانيت ذاك بذا ... فأنت لا شك فيك السهل والجبل # ولعمري لو سكت هذا الحاكي لنم هذا البيت بما كان داخل البيت؛ لأن الكلفة ~~فيه ظاهرة، والتعمل بين، على أن مثل حكاية أبي تمام وأشد منها قد وقعت لمن ~~لا يتهم، وهو جرير: صنع الفرزدق شعرا يقول فيه: # فإني أنا الموت الذي هو ذاهب ... بنفسك، فانظر كيف أنت محاوله # وحلف بالطلاق أن جريرا لا يغلبه فيه، فكان جرير يتمرغ في الرمضاء ويقول: # أنا أبو حزرة، حتى قال: # أنا الدهر يفنى الموت والدهر خالد ... فجئني بمثل الدهر شيئا يطاوله # وكان أبو تمام ينصب القافية للبيت؛ ليعلق الأعجاز بالصدور، وذلك هو ~~التصدير في الشعر، ولا يأتي به كثيرا إلا شاعر متصنع كحبيب ونظرائه، ~~والصواب أن لا يصنع الشاعر بيتا لا يعرف قافيته، غير أني لا أجد ذلك في ~~طبعي جملة، ولا أقدر عليه، بل أصنع القسيم الأول على ما أريده، ثم ألتمس في ~~نفسي ما يليق به من القوافي بعد ذلك، فأبني عليه القسيم الثاني: أفعل ذلك ~~فيه كما يفعل من يبني البيت كله على القافية، ولم أر ذلك بمخل علي، ولا ~~يزيحني عن مرادي، ولا يغير علي ms129 شيئا من لفظ القسيم الأول، إلا في الندرة ~~التي لا يعتد بها أو على جهة التنقيح المفرط. # وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحه كالمتعجب من شعره، ~~فقال: كيف تقول الشعر؟ قال: أنظر في ذلك ثم أقول، قال: فعليك بالمشركين ولم ~~يكن أعد شيئا، فأنشد أبياتا منها: # فخبروني، أثمان العباء متى ... كنتم بطاريق أو دانت لكم مضر؟؟ # فعرف الكراهية في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، لما جعل قومه أثمان ~~العباء، فقال: # نجالد الناس عن عرض ونأسرهم ... فينا النبي وفينا تنزل السور # وقد علمتم بأنا ليس يغلبنا ... حي من الناس إن عزوا، وإن كثروا # ينتهي إلى أن يقول في النبي صلى الله عليه وسلم: # فثبت الله ما أعطاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا # فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه، فقال: " وإياك فثبت الله يا بن ~~رواحة " . PageV01P068 ومن الشعراء من يسبق إليه بيت واثنان، وخاطره في ~~غيرهما: يجب أن يكونا بعد ذلك بأبيات، أو قبله بأبيات، وذلك لقوة طبعه، ~~وانبعاث مادته، ومنهم من ينصب قافية بعينها لبيت بعينه من الشعر مثل أن ~~تكون ثالثة أو رابعة أو نحو ذلك لا يعدو بها ذلك الموضع إلا انحل عنه نظم ~~أبياته، وذلك عيب في الصنعة شديد، ونقص بين؛ لأنه أعني الشاعر يصير محصورا ~~على شيء واحد بعينه، مضيقا عليه، وداخلا تحت حكم القافية. # وكانوا يقولون: ليكن الشعر تحت حكمك، ولا تكن تحت حكمه. # ومنهم من إذا أخذ في صنعة الشعر كتب من القوافي ما يصلح لذلك الوزن الذي ~~هو فيه، ثم أخذ مستعملها، وشريفها، ومساعد معانيه، وما وافقها، وأطرح ما ~~سوى ذلك، إلا أنه لا بد أن يجمعها ليكرر فيها نظره، ويعيد عليها تخيره في ~~حين العمل، هذا الذي عليه حذاق القوم. # ومن الشعراء من إذا جاءه البيت عفوا أثبته، ثم رجع إليه فنقحه، وصفاه من ~~كدره، وذلك أسرع له، وأخف عليه، وأصح لنظره، وأرخى لباله.. # وآخر لا يثبت البيت إلا بعد إحكامه في نفسه، وتثقيفه ms130 من جميع جهاته، وذلك ~~أشرف للهمة، وأدل على القدرة، وأظهر للكلفة، وأبعد من السرقة. # وسألت شيخا من شيوخ هذه الصناعة فقلت: ما يعين على الشعر؟ قال: زهرة ~~البستان، وراحة الحمام. # وقيل: إن الطعام الطيب، والشراب الطيب، وسماع الغناء، ما يرق الطبع، ~~ويصفي المزاج، ويعين على الشعر. # ولما أرادت قريش معارضة القرآن عكف فصحاؤهم الذين تعاطوا ذلك على لباب ~~البر وسلاف الخمر ولحوم الضأن والخلوة إلى أن بلغوا مجهودهم. فلما سمعوا ~~قول الله عز وجل " وقيل يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي، وغيض الماء، ~~وقضي الأمر، واستوت على الجودي، وقيل بعدا للقوم الظالمين " يئسوا مما ~~طمعوا فيه، وعلموا أنه ليس بكلام مخلوق. # وقيل: مقود الشعر الغناء به، وذكر عن أبي الطيب أن متشرفا تشرف عليه وهو ~~يصنع قصيدته التي أولها: # جللا كما بي فليك التبريح. # وهو يتغنى ويصنع، فإذا توقف بعض التوقف رجع بالإنشاد من أول القصيدة إلى ~~حيث انتهى منها. # وقال بعضهم: من أراد أن يقول الشعر فليعشق فإنه يرق، وليرو فإنه يدل، ~~وليطمع فإنه يصنع. وقالوا: الحيلة لكلال القريحة انتظار الحمام، وتصيد ~~ساعات النشاط، وهذا عندي أنجع الأقوال، وبه أقول، وإليه أذهب.. # وقال بكر بن عبد الله المزني: لا تكدوا القلوب ولا تهملوها، وخير الفكر ~~ما كان في عقب الحمام، ومن أكره بصره عشي، واشحذوا القلوب بالذاكرة ولا ~~تيأسوا من إصابة الحكمة إذا منحتم ببعض الاستغلاق، فإن من أدمن قرع الباب ~~وصل. # وقال الخليع: من لم يأت شعره من الوحدة فليس بشاعر، قالوا: يريد الخلوة، ~~وربما أراد الغربة، كما قال ديك الجن: ما أصفى شاعر مغترب قط. # ومما لا يسع تركه في هذا الموضع صحيفة كتبها بشر بن المعتمر، ذكر فيها ~~البلاغة، ودل على مظان الكلام والفصاحة، يقول فيها: PageV01P069 خذ من نفسك ~~ساعة فراغك، وفراغ بالك، وإجابتها إياك، فإن قلبك تلك الساعة أكرم جوهرا، ~~وأشرف حسا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب ~~لكل عين وغرة من لفظ شريف ومعنى بديع، واعلم أن ذلك ms131 أجدى عليك مما يعطيك ~~يومك الأطول بالكد والمجاهدة، وبالتكلف والمعاندة، ومهما أخطأك لم يخطئك أن ~~يكون مقبولا قصدا، أو خفيفا على اللسان سهلا كما خرج من ينبوعه، ونجم من ~~معدنه. وإياك والتوعر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي ~~يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك، ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما؛ ~~فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن يصونهما عما يفسدهما ~~ويهجنهما، وعما تعود من أجله أسوأ حالا منك من قبل أن تلتمس إظهارهما، ~~وترهن نفسك في ملابستهما وقضاء حقهما، وكن في إحدى ثلاث منازل: فإن أولى ~~الثلاث أن يكون لفظك رشيقا عذبا، وفخما سهلا، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا، ~~وقريبا معروفا: إما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وإما للعامة إن كنت ~~للعامة أردت، والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضع ~~بأن يكون من معاني العامة. وإنما مدار الشرف مع الصواب وإحراز المنفعة، ومع ~~موافقة الحال، ومع ما يجب لكل مقام من المقال، وكذلك اللفظ العامي والخاصي، ~~فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك، واقتدارك في ~~نفسك على أن تفهم العامة معاني الخاصة وتكسوها الألفاظ المتوسطة التي لا ~~تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكفاء؛ فأنت البليغ التام. فإن كانت ~~المنزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك ولا تسمح لك عند أول نظرك في أول ~~تكلفك، وتجد اللفظة لم تقع موقعها ولم تصل إلى قرارها وإلى حقها من أماكنها ~~المقسومة لها، والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها ولم تتصل بشكلها، ~~وكانت قلقة في مكانها نافرة عن موضعها؛ فلا تكرهها على اغتصاب مكانها، ~~والنزول في غير أوطانها؛ فإنك إذا لم تتعاط قرض الشعر الموزون، ولم تتكلف ~~اختيار الكلام المنثور لم يعبك بترك ذلك أحد؛ فإن أنت تكلفتها ولم تكن ~~حاذقا مطبوعا، ولا محكما لشأنك، بصيرا بما عليك ولك؛ عابك من أنت أقل منه ~~عيبا، ورأى من هو دونك أنه فوقك. فإن أنت ابتليت بأن تتكلف القول وتتعاطى ~~الصنعة، ولم تسمح ms132 لك الطباع؛ فلا تعجل، ولا تضجر، ودعه بياض يومك أو سواد ~~ليلك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك؛ فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن ~~كانت هناك طبيعة، أو جريت في الصناعة على عرق، فإن تمنع عليك بعد ذلك من ~~غير حادث شغل، ومن غير طول إهمال؛ فالمنزلة الثالثة أن تتحول عن هذه ~~الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفها عليك؛ فإنك لم تشتهه ولم تنازع ~~إليه إلا وبينكما نسب، والشيء لا يحن إلا إلى ما شاكله، وإن كانت المشاكلة ~~قد تكون في صفات، وإلا أن النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة، ولا تسمح ~~بمخزونها مع الرهبة، كما تجود به مع الشهوة والمحبة. # وقال بعض أهل الأدب: حسب الشاعر عونا على صناعته أن يجمع خاطره، بعد أن ~~يخلي قلبه من فضول الأشغال، ويدع الامتلاء من الطعام والشراب، ثم يأخذ فيما ~~يريده. وأفضل ما استعان به الشاعر فضل غنى أو فرط طمع. والفقر آفة الشعر، ~~وإنما ذلك لأن الشاعر إذا صنع القصيدة وهو في غنى وسعة نقحها وأنعم النظر ~~فيها على مهل، فإذا كان مع ذلك طمع قوي انبعاثها من ينبوعها، وجاءت الرغبة ~~بها في نهايتها محكمة، وإذا كان فقيرا مضطرا رضي بعفو كلامه، وأخذ ما أمكنه ~~من نتيجة خاطره، ولم يتسع في بلوغ مراده ولا بلوغ مجهود نيته؛ لما يحفزه من ~~الحاجة والضرورة، فجاء دون عادته في سائر أشعاره وربما قصر عمن هو دونه ~~بكثير، ومنهم من تحمي الحاجة خاطره، وتبعث قريحته؛ فيجود، فإذا أوسع أنف، ~~وصعب عليه عمل الأبيات اليسيرة فضلا عن الكثيرة، وللعادة في هذه الأشياء ~~فعل عظيم، وهي طبيعة خامسة كما قيل فيها. # باب في المقاطع والمطالع # اختلف أهل المعرفة في المقاطع والمطالع: فقال بعضهم: هي الفصول والوصول ~~بعينها، فالمقاطع: أواخر الفصول، والمطالع: أوائل الوصول، وهذا القول هو ~~الظاهر من فحوى الكلام، والفصل: آخر جزء من القسيم الأول كما قدمت، وهي ~~العروض أيضا، والوصل: أول جزء يليه من القسيم الثاني. # وقال غيرهم: PageV01P070 المقاطع: منقطع الأبيات، وهي القوافي، والمطالع: ~~أوائل الأبيات ms133 وقال قدامة بن جعفر في بعض تآليفه وقد ذكر الترصيع: هو أن ~~يتوخى تصيير مقاطع الأجزاء في البيت على سجع، أو شبيه به، أو من جنس واحد ~~في التصريف، فأشار بهذه العبارة إلى أن المقاطع أواخر أجزاء البيت كما ~~ترى.. وقد نجد من الشعر المرصع ما يكون سجعه في غير مقاطع الأجزاء، نحو قول ~~أم معدان الأعرابية في مرثية لها: # فعل الجميل وتفريج الجليل وإع ... طاء الجزيل الذي لم يعطه أحد # فالسجع في هذا البيت اللام المطردة في ثلاثة أمكنة منه، وآخر الأجزاء ~~التي هي المقاطع على شريطة الياء التي قبل اللام، اللهم إلا أن يجعل السجع ~~هو الياء الملتزمة فحينئذ، على أنا لا نعلم حرف السجع يكون إلا متأخرا في ~~مثل هذا المكان، ومثل هذا في أنواع الأعاريض كثير. # ومن الناس من يزعم أن المطلع والمقطع أول القصيدة وآخرها، وليس ذلك بشيء؛ ~~لأنا نجد في كلام جهابذة النقاد إذا وصفوا قصيدة قالوا: حسنة المقاطع، جيدة ~~المطالع، ولا يقولون المقطع والمطلع، وفي هذا دليل واضح؛ لأن القصيدة إنما ~~لها أول واحد، وآخر واحد، ولا يكون لها أوائل وأواخر، إلا على ما قدمت من ~~ذكر الأبيات والأقسمة وانتهائها. # وسألت الشيخ أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن السمين عن هذا، فقال: ~~المقاطع أواخر الأبيات، والمطالع أوائلها، قال: ومعنى قولهم حسن المقاطع ~~جيد المطالع أن يكون مقطع البيت وهو القافية متمكنا غير قلق ولا متعلق ~~بغيره، فهذا هو حسنه، والمطلع وهو أول البيت جودته أن يكون دالا على ما ~~بعده كالتصدير وما شاكله. # وروى الجاحظ أن شبيب بن شيبة كان يقول: الناس موكلون بتفضيل جودة ~~الابتداء وبمدح صاحبه، وأنا موكل بتفضيل جودة المقطع وبمدح صاحبه، وحظ جودة ~~القافية وإن كانت كلمة واحدة أرفع من حظ سائر البيت أو القصيدة، وحكاية ~~الجاحظ هذه تدل على أن المقطع آخر البيت أو القصيدة، وهو بالبيت أليق؛ لذكر ~~حظ القافية. # وحكى أيضا عن صديق له أنه قال للعتابي: ما البلاغة؟ فقال: كل كلام أفهمك ~~صاحبه حاجته ms134 من غير إعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ، قال: قلت: قد ~~عرفت الإعادة والحبسة، وما الاستعانة؟ قال: أما تراه إذا تحدث قال عند ~~مقاطع كلامه: يا هناه اسمع مني، واستمع إلي، وافهم، وألست تفهم؟ هذا كله عي ~~وفساد. # قال صاحب الكتاب: وهذا القول من العتابي يدل على أن المقاطع أواخر ~~الفصول. ومثله ما حكاه الجاحظ أيضا عن المأمون أنه قال لسعيد بن سلم: والله ~~إنك لتصغي لحديثي، وتقف عند مقاطع كلامي. وإذا جعل المقطع والمطلع مصدرين ~~بمعنى القطع والطلوع كانت الطاء واللام مفتوحتين، وإذا أريد موضع القطع ~~والطلوع كسرت اللام خاصة، وهو مسموع على غير قياس. # باب المبدأ والخروج والنهاية # قيل لبعض الحذاق بصناعة الشعر: لقد طار اسمك واشتهر، فقال: لأنني أقللت ~~الحز، وطبقت المفصل، وأصبت مقاتل الكلام، وقرطست نكت الأغراض بحسن الفواتح ~~والخواتم ولطف الخروج إلى المدح والهجاء، وقد صدق، لأن حسن الافتتاح داعية ~~الانشراح، ومطية النجاح، ولطافة الخروج إلى المديح، سبب ارتياح الممدوح، ~~وخاتمة الكلام أبقى في السمع، وألصق بالنفس؛ لقرب العهد بها؛ فإن حسنت حسن، ~~وإن قبحت قبح، والأعمال بخواتيمها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وبعد، فإن الشعر قفل أوله مفتاحه، وينبغي للشاعر أن يجود ابتداء شعره؛ ~~فإنه أول ما يقرع السمع، وبه يستدل على ما عنده من أول وهلة، وليجتنب " ألا ~~" و " خليلي " و " قد " فلا يستكثر منها في ابتدائه؛ فإنها من علامات الضعف ~~والتكلان، إلا للقدماء الذين جروا على عرق، وعملوا على شاكلة، وليجعله حلوا ~~سهلا، وفخما جزلا، فقد اختار الناس كثيرا من الابتداءات أذكر منها ههنا ما ~~أمكن ليستدل به، نحو قول امرئ القيس: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل. # وهو عندهم أفضل ابتداء صنعه شاعر؛ لأنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر ~~الحبيب والمنزل في مصراع واحد، وقوله: # ألا عم صباحا أيها الطلل البالي. # ومثله قول القطامي واسمه عمير بن شييم التغلبي : # إنا محيوك فاسلم أيها الطلل. # وكقول النابغة: # كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب PageV01P071 ~~وقوله: # كتمتك ms135 ليلا بالجمومين ساهرا ... وهمين هما مستكنا وظاهرا # وهذا بعض ما اختير للقدماء.. ومما اختير لهم في الرثاء قول أوس بن حجر: # أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا # ومما اختير للمحدثين قول بشار بن برد: # أبي طلل بالجزع أن يتكلما. # وهو عندهم أفضل ابتداء صنعه محدث، وقول أبي نواس: # لمن دمن تزداد طيب نسيم ... على طول ما أقوت وحسن رسوم # وقوله: # رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفى عليه بكى عليك طويل # وقوله: # أعطتك ريحانها العقار ... وحان من ليلنا انسفار # وقوله: # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء # وما أشبه ذلك مما لو تقصيته لطال وكثر.. # وليرغب عن التعقيد في الابتداء؛ فإنه أول العي، ودليل الفهة، فقد حكى أن ~~دعبل بن علي الخزاعي ورد حمص فقصد دار عبد السلام بن رغبان ديك الجن، فكتم ~~نفسه عنه خوفا من قوارصه ومشارته، فقال: ما له يستتر وهو أشعر الجن والإنس؟ ~~أليس هو الذي يقول؟: # بها غير معذول فداو خمارها ... وصل بعشيات الغبوق ابتكارها # ونل من عظيم الردف كل عظيمة ... إذا ذكرت خاف الحفيظان نارها # فظهر إليه، واعتذر له، وأحسن نزله، ثم تناشدا فأنشد ديك الجن ابتداء ~~قصيدة: # كأنها ما كأنه خلل ال ... خلة وقف الهلوك إذ بغما # فقال له دعبل: أمسك، فوالله ما ظننتك تتم البيت إلا وقد غشي عليك، أو ~~تشكيت فكيك، ولكأنك في جهنم تخاطب الزبانية، أو قد تخبطك الشيطان من المس، ~~وإنما أراد الديك أن يهول عليه، ويقرع سمعه، عسى أن يروعه ويردعه، فسمع منه ~~ما كره أن يسمعه، ولعمري ما ظلمه دعبل، ولقد أبعد مسافة الكلام، وخالف ~~العادة، وهذا بيت قبيح من جهات: منها إضمار ما لم يذكر قبل، ولا جرت العادة ~~بمثله فيعذر، ولا كثر استعماله فيشتهر، مع إحالة تشبيه على تشبيه، وثقل ~~تجانسه الذي هو حشو فارغ، ولو طرح من البيت لكان أحزم، واستدعى قافيته لا ~~لشيء إلا لفساد المعنى واستحالة التشبيه، ما الذي يريد ب " بغامه " في ~~تشبيهه الوقف وهو ms136 السوار ولم كان وقف الهلوك خاصة؟ ومعنى البيت أن عشيقته ~~كأنها في جيدها وعينها الغزال الذي كأنه بين نبات الخلة سوار الجارية ~~الحسنة المشي المتهالكة فيه وقيل: الهلوك البغي الفاجرة فما هذا كله؟ وأي ~~شيء تحته؟ ومثله قول محمد بن عبد الملك الزيات يصف ناقته أول قصيدة مدح بها ~~الحسن بن سهل: # كأنها حين تناءى خطوها ... أخنس مطوى الشوى يرعى القلل # فالعيب الأول في مخالفة العادة لازم له، ومع ذلك قوله " حين تناءى خطوها ~~" مقصر بها، وهو يقدر أن يقول " حين تدانى خطوها " وخالف جميع الشعراء ~~بذلك؛ لأنهم إنما يصفون الناقة بالظليم والحمار والثور بعد الكلال غلوا في ~~الوصف ومبالغة، هذا هو الجيد، فإن لم يفعلوا لم يذكروا أنها بذلت جهدها، ~~واستفرغت جميع ما عندها، بل يدعون التأويل محتملا للزيادة، ثم قال " يرعى ~~القلل " والثور لا يرعى قلل الجبال، وإنما ذلك الوعل؛ فإنه لا يسهل، والثور ~~في السهول والدماث ومواضع الرمال، إلا أن يريد قلل النبات أي أعاليه، فربما ~~أن تكون القلل نبتا بعينه أو مكانا فقد يمكن، وما سمعت بهما. # ومن الشعراء من يقطع المصراع الثاني من الأول إذا ابتدأ شعرا، وأكثر ما ~~يقع ذلك في النسيب، كأنه يدل بذلك على وله وشدة حال، كقول أبي الطيب: # جللا كما بي فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشا الأغن الشيح؟ # فهذا اعتذار من اعتذر له، ولو وقع مثل هذا في الرثاء والتفجع لكان موضعه ~~أيضا، وكذلك عند العظائم من الأمور والنوازل الشديدة. # وليحترس مما تناله فيه بادرة، أو يقع عليه مطعن؛ فإن أبا تمام امتدح أبا ~~دلف بحضرة من كان يكرهه، فافتتح ينشد قصيدته المشهورة: على مثلها من أربع ~~وملاعب وكانت فيه حبسة شديدة فقال الرجل: " لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين " فدهش أبو تمام حتى تبين ذلك عليه، على أنه غير مأخوذ بما قيل، ولا ~~هو مما يدخل عليه عيبا، ولا يلزمه ذنبا على الحقيقة، إلا أن الحوطة والتحفظ ~~من خجلة البادرة أفضل وأهيب، والتفريط أرذل وأخذل. PageV01P072 ودخل جرير ~~على عبد الملك ms137 بن مروان فابتدأ ينشده: أتصحو أم فؤادك غير صاح فقال له عبد ~~الملك: " بل فؤادك يا بن الفاعلة " كأنه استثقل هذه المواجهة وإلا فقد علم ~~أن الشاعر إنما خاطب نفسه. # ومن هذه الجهة بعينها عابوا على أبي الطيب قوله لكافور أول لقائه مبتدئا، ~~وإن كان إنما يخاطب نفسه لا كافورا: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا # فالعيب من باب التأدب للملوك، وحسن السياسة لازم لأبي الطيب في هذا ~~الابتداء، لا سيما وهذا النوع أعني جودة الابتداء من أجل محاسن أبي الطيب، ~~وأشرف مآثر شعره إذا ذكر الشعر. # ودخل ذو الرمة على عبد الملك بن مروان، فاستنشده شيئا من شعره، فأنشده ~~قصيدته: ما بال عينك منها الماء ينسكب وكانت بعين عبد الملك ريشة وهي تدمع ~~أبدا، فتوهم أنه خاطبه أو عرض به، فقال: وما سؤالك عن هذا يا جاهل؟!! فمقته ~~وأمر بإخراجه. # وكذلك فعل ابنه هشام بأبي النجم وقد أنشده في أرجوزة: # والشمس قد كادت ولما تفعل ... كأنها في الأفق عين الأحول # وكان هشام أحول، فأمر به فحجب عنه مدة، وقد كان قبل ذلك من خاصته: يسمر ~~عنده، ويمازحه. # وإنما يؤتى الشاعر في هذه الأشياء؛ إما من غفلة في الطبع وغلظ، أو من ~~استغراق في الصنعة وشغل هاجس بالعمل يذهب مع حسن القول أين ذهب. # والفطن الحاذق يختار للأوقات ما يشاكلها، وينظر في أحوال المخاطبين؛ ~~فيقصد محابهم، ويميل إلى شهواتهم وإن خالفت شهوته، ويتفقد ما يكرهون سماعه ~~فيجتنب ذكره.. ألا ترى أن بعض الملوك قال لأحد الشعراء وقد أورد بيتا ذكر ~~فيه: " لو خلد أحد بكرم لكنت مخلدا بكرمك " وقال كلاما نحو هذا، فقال ~~الملك: إن الموت حق، وإن لنا منه نصيبا، غير أن الملوك تكره ذكر ما ينكد ~~عيشها، وينغص لذتها، فلا تأتنا بشيء مما نكره ذكره.. # ومن المشهور أن النعمان بن المنذر رأى شجرة ظليلة ملتفة الأغصان، في مرج ~~حسن كثير الشقائق، وكان معجبا بها، وإليه أضيفت " شقائق النعمان " فنزل ~~وأمر بالطعام والشراب ms138 فأحضر، وجلس للذته، فقال له عدي بن زيد العبادي وكان ~~كاتبه: أتعرف أبيت اللعن ما تقول هذه الشجرة؟ فقال: وما تقول؟ قال: تقول: # رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال # عطف الدهر عليهم فتووا ... وكذاك الدهر حال بعد حال # من رآنا فليوطن نفسه ... إنما الدنيا على قرب زوال # كأنه قصد موعظته، فتنغص عليه ما كان فيه، وأمر بالطعام والشراب فرفعا من ~~بين يديه، وارتحل من فوره، ولم ينتفع بنفسه بقية يومه وليلته، وكانا جميعا ~~نصرانيين؛ فهذا شأن الملوك قديما وحديثا. # ومن هذه الجهة أكثر الناس من الدعاء لهم بطول العمر، حتى بلغوا بهم ما لا ~~يمكن، فقالوا: عش أبدا، واسلم مدى الدهر، وابق بقاء الزمان، ودم مدة ~~الأيام. # واعترض النقاد في ذلك واختلفوا بحسب ما ينتحل كل واحد منهم في قول أبي ~~نواس للأمين: # يا أمين الله عش أبدأ ... دم على الأيام والزمن # أنت تبقى والفناء لنا ... فإذا أفنيتنا فكن # وفي كثير من مثله. وإذا خرج الكلام عن حد الإمكان فإنما يراد به بلوغ ~~الغاية لا غير ذلك. ومن قبيح ما وقع لأبي نواس الذي أساء فيه أدبه، وخالف ~~فيه مذهبه؛ أن بعض بني برمك بنى دارا استفرغ فيها مجهوده، وانتقل اليها، ~~فصنع أبو نواس في ذلك الحين أو قريبا منه قصيدة يمدحه بها يقول أولها: # أربع البلى، إن الخشوع لباد ... عليك، وإني لم أخنك ودادي # وختمها أو كاد بقوله: # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغادي # فتطير منها البرمكي، واشمأز حتى كلح وظهرت الوجمة عليه، ثم قال: نعيت ~~إلينا أنفسنا يا أبا نواس، فما كانت إلا مديدة حتى أوقع بهم الرشيد وصحت ~~الطيرة.. وزعم قوم أن أبا نواس قصد التشاؤم لهم لشيء كان في نفسه من جعفر، ~~ولا أظن ذلك صحيحا؛ لأن القصيدة من جيد شعره الذي لا أشك أنه يحتفل له، ~~اللهم إلا أن يصنع ذلك حيلة منه، وسترا على ما قصد إليه بذلك. PageV01P073 ~~وللشعراء مذاهب في افتتاح القصائد بالنسيب؛ لما فيه ms139 من عطف القلوب، ~~واستدعاء القبول بحسب ما في الطباع من حب الغزل، والميل إلى اللهو والنساء، ~~وإن ذلك استدراج إلى ما بعده. # ومقاصد الناس تختلف: فطريق أهل البادية ذكر الرحيل والانتقال، وتوقع ~~البين، والإشفاق منه، وصفة الطلول والحمول، والتشوق بحنين الإبل ولمع ~~البروق ومر النسيم، وذكر المياه التي يلتقون عليها والرياض التي يحلون بها ~~من خزامى، وأقحوان، وبهار، وحنوة، وظيان، وعرار، وما أشبهها من زهر البرية ~~الذي تعرفه العرب. وتنبته الصحاري والجبال وما يلوح لهم من النيران في ~~الناحية التي بها أحبابهم، ولا يعدون النساء إذا تغزلوا ونسبوا، فإذا وقع ~~مثل قول طرفة: # وفي الحي أحوى ينفض المردشادن ... مظاهر سمطى لؤلؤ وزبرجد # فإنما هو كناية بالغزل عن المرأة. # وأهل الحاضرة يأتي أكثر تغزلهم في ذكر الصدود، والهجران، والواشين، ~~والرقباء، ومنعة الحرس والأبواب، وفي ذكر الشراب والندامى، والورد والنسرين ~~والنيلوفر، وما شاكل ذلك من النواوير البلدية، والرياحين البستانية، وفي ~~تشبيه التفاح والتحية به، ودس الكتب، وما شاكل ذلك مما هم به منفردون.. وقد ~~ذكروا الغلمان تصريحا، ويذكرون النساء أيضا: منهم من سلك في ذلك مسلك ~~الشعراء اقتداء بهم، واتباعا لما ألفته طباع الناس معهم، كما يذكر أحدهم ~~الإبل، ويصف المفاوز على العادة المعتادة، ولعله لم يركب جملا قط، ولا رأى ~~ما وراء الجبانة، ومنهم من يكون قوله في النساء اعتقادا منه، وإن ذكر فجريا ~~على عادة المحدثين وسلوكا لطريقتهم؛ لئلا يخرج عن سلك أصحابه، ويدخل في غير ~~سلكه وبابه، أو كناية بالشخص عن الشخص لرقته، أو حب رشاقته.. وهذا مما لا ~~يطلب عليه شاهد لكثرته، إلا أني أتلمح في هذا المكان بقول أبي نواس: # علي عين وأذن من مذكرة ... موصولة بهوى اللوطي والغزل # كلاهما نحوها سام بهمته ... على اختلافهما في موضع العمل # والعادة أن يذكر الشاعر ما قطع من المفاوز، وما أنضى من الركاب، وما تجشم ~~من هول الليل وسهره، وطول النهار وهجيره، وقلة الماء وغؤوره، ثم يخرج إلى ~~مدح المقصود؛ ليوجب عليه حق القصد، وذمام القاصد، ويستحق منه المكافأة. # وكانوا ms140 قديما أصحاب خيام: ينتقلون من موضع إلى آخر؛ فلذلك أول ما تبدأ ~~أشعارهم بذكر الديار، فتلك ديارهم، وليست كأبنية الحاضرة؛ فلا معنى لذكر ~~الحضري الديار إلا مجازا؛ لأن الحاضرة لا تنسفها الرياح، ولا يمحوها المطر، ~~إلا أن يكون ذلك بعد زمان طويل لا يمكن أن يعيشه أحد من أهل الجيل، وأحسب ~~ما استعمله المولدون المحدثون ما ناسب قول علي بن العباس الرومي: # سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصري الدلال رصافي # أشار بقنيان من الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي # وكانت دوابهم الإبل لكثرتها، وعدم غيرها، ولصبرها على التعب وقلة الماء ~~والعلف فلهذا أيضا حضوها بالذكر دون غيرها ولم يكن أحدهم يرضى بالكذب فيصف ~~ما ليس عنده كما يفعل المحدثون؛ ألا ترى أن امرأ القيس لما كان ملكا كيف ~~ذكر خيل البريد والفرانق يعني البريد على أنه لم يستغن عن ذكر الإبل للعادة ~~التي جرت على ألسنتهم، فقال يصف رحيله إلى قيصر ملك الروم: # إذا قلت روحنا أرن فرانق ... على جلعد واهي الأباجل أبترا # على كل مقصوص الذنابي معاود ... بريد السري بالليل من خيل بربرا # إذا زعته من جانبيه كليهما ... مشى الهيدبي في دفه ثم فرفرا # أقب كسرحان الغضا متمطر ... ترى الماء من أعطافه قد تحدرا # وكانت الخيل البربرية تهلب أذنابها كالبغال؛ لتدخل مداخلها في خدمة ~~البريد، وليعلم أنها للملك. وقال الفرزدق: # راحت بمسلمة البغال عشية ... فأرعى فزارة لا هناك المرتع # لما كان الذي راحت به البغال أميرا يذكر رحيله وقد عزل. # وقال ابن ميادة في ابن هبيرة لما كان أميرا أيضا: # جاءت به معتجرا ببرده ... سفواء تردى بنسيج وحده # تقدح قيس كلها بزنده PageV01P074 إلا أن منهم من خالف هذا كله فوصف أنه ~~قصد الممدوح راجلا: إما إخبارا بالصدق، وإما تعاطي صعلكة ورجلة.. # قال أبو نواس للفضل بن يحيى بن خالد: # إليك أبا العباس من بين من مشى ... عليها امتطينا الحضرمي الملسنا # قلائص لم تعرف حنينا على طلا ... ولم تدر ما قرع الفنيق ولا الهنا # فذكر أن قلائصهم التي امتطوها ms141 إليه نعالهم، فأخرجه كما ترى مخرج اللغز، ~~وأتبعه أبو الطيب فقال: # لا ناقتي تحمل الرديف، ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها # شراكها كورها، ومثفرها ... زمامها، والشسوع مقودها # وقال كرة أخرى في مثل ذلك يتشكى: # وحبيت من خوص الركاب بأسود ... من دارش فغدوت أمشي راكبا # وقال أيضا يتصعلك ويتفقر: # ومهمه جبته على قدمي ... تعجز عنه العرامس الذلل # بصارمي مرتد، بمخبرتي ... مجتزئ؛ بالظلام مشتمل # ولو شاء قائل أن يقول: إن أبا نواس لم يرد ما ذهب إليه أبو الطيب، لكن ~~أراد أنه معه في بلدة واحدة قصده في حاجته محتذيا نعليه؛ لكان ذلك أظهر ~~وجها، ما لم يكن الحضرمي من الجلود مخصوصا به المسافر دون الحاضر، وظاهر ~~الكلام أن مقصد الشاعرين واحد. # وقد ذكر أبو الطيب الخيل أيضا في كثير من شعره، وكان يؤثرها على الإبل؛ ~~لما يقوم في نفسه من التهيب بذكر الخيل، وتعاطي الشجاعة، فقال يذكر قدومه ~~إلى مصر على خوف من سيف الدولة: # ويوم كليل العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب # وعيني إلى أذني أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب # له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهب # شققت به الظلماء أدني عنانه ... فيطغى، وأرخيه مرارا فيلعب # وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثل حين أركب # وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب # إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضاءها فالحسن عنك مغيب # وليس في زماننا هذا ولا من شرط بلدنا خاصة شيء من هذا كله، إلا ما لا يعد ~~قلة؛ فالواجب اجتنابه، إلا ما كان حقيقة، لا سيما إذا كان المادح من سكان ~~بلد الممدوح: يراه في أكثر أوقاته، فما أقبح ذكر الناقة والفلاة حينئذ!. # وقد قلت أنا وإن لم أدخل في جملة من تقدم، ولا بلغت خطته من قصيدة اعتذرت ~~بها إلى مولانا خلد الله أيامه من طول غيبة غبتها عن الديوان: # إليك يخاض البحر فعما كأنه ... بأمواجه جيش إلى البر زاحف # ويبعث خلف النجح كل ms142 منيفة ... تريك يداها كيف تطوى التنائف # من الموجفات اللاء يقذفن بالحصى ... ويرمى بهن المهمه المتقاذف # يطير اللغام الجعد عنها كأنه ... من القطن أو ثلج الشتاء ندائف # وقد نازعت فضل الزمام ابن نكبة ... هو السيف لا ما أخلصته المشارف # فكيف تراني لو أعنت على الغنى ... بجد، وإني للغنى لمشارف # وقد قرب الله المسافة بيننا ... وأنجزني الوعد الزمان المساوف # ولولا شقائي لم أغب عنك ساعة ... ولا رام صرفي عن جنابك صارف # ولكنني أخطأت رشدي فلم أصب ... وقد يخطئ الرشد الفتى وهو عارف # فذكرت قرب المسافة بيني وبينه حوطة وإخبارا أن خوض البحر وجوب الفلاة من ~~صفة غيري من القصاد والغرباء والمنتجعين من الأمصار. # ومن قصيدة صنعتها بديهة بالمهدية ساعة وصول إليه أدام الله عزه عن اقتراح ~~بعض شعراء وقتنا هذا: # وذيال له رجل طحون ... لما نزلت به، ويد زجوج # يطير بأربع لا عيب فيها ... لظهران الصفا منها عجيج # خرجت به عن الأوهام سبقا ... وقل له عن الوهم الخروج # إلى الملك المعز أبي تميم ... أمر بمن سواه فلا أعيج # ومن أخرى في معنى التفقر والرحلة: # وماء بعيد الغور كالنجم في الدجى ... وردت طروقا أو وردت مهجرا ~~PageV01P075 على قدم أخت الجناح وأخمص ... يخال حصى المعزاء جمرا مسعرا # فريدا من الأصحاب صلتا من الكسا ... كما أسلم الغمد الحسام المذكرا # ومن الشعراء من لا يجعل لكلامه بسطا من النسيب، بل يهجم على ما يريده ~~مكافحة، ويتناوله مصافحة، وذلك عندهم هو: الوثب، والبتر، والقطع، والكسع، ~~والاقتضاب، كل ذلك يقال.. والقصيدة إذا كانت على تلك الحال بتراء كالخطبة ~~البتراء والقطعاء، وهي التي لا يبتدئ فيها بحمد الله عز وجل على عادتهم في ~~الخطب. قال أبو الطيب: # إذا كان مدح فالنسيب المقدم ... أكل فصيح قال شعرا متيم؟ # فأنكر النسيب، وزعموا أن أول من فتح هذا الباب وفتق هذا المعنى أبو نواس ~~بقوله: # لا تبك ليلى، ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد # وقوله وهو عند الحاتمي فيما روى عن بعض أشياخه أفضل ابتداء صنعه شاعر من ms143 ~~القدماء والمحدثين: # صفة الطلول بلاغة القدم ... فاجعل صفاتك لابنة الكرم # ولما سجنه الخليفة على اشتهاره بالخمر، وأخذ عليه أن لا يذكرها في شعره ~~قال: # أعر شعرك الأطلال والمنزل القفرا ... فقد طالما أزرى به نعتك الخمرا # دعاني إلى نعت الطلول مسلط ... تضيق ذراعي أن أرد له أمرا # فسمعا أمير المؤمنين وطاعة ... وإن كنت قد جشمتني مركبا وعرا # فجاهر بأن وصفه الأطلال والقفر إنما هو من خشية الإمام، وإلا فهو عنده ~~فراغ وجهل، وكان شعوبي اللسان، فما أدري ما وراء ذلك، وإن في اللسان وكثرة ~~ولعه بالشيء لشاهدا عدلا لا ترد شهادته. وقد قال أبو تمام: # لسان المرء من خدم الفؤاد. # ومن عيوب هذا الباب أن يكون النسيب كثيرا والمدح قليلا، كما يصنع بعض أهل ~~زماننا هذا، وسنبين وجه الحكم والصواب من هذا في باب المدح إن شاء الله ~~تعالى. # ومن الشعراء من لا يجيد الابتداء، ولا يتكلف له، ثم يجيد باقي القصيدة ~~وأكثرهم فعلا لذلك البحتري: كان يصنع الابتداء سهلا، ويأتي به عفوا، وكلما ~~تمادى قوي كلامه، وله من جيد الابتداء كثير؛ لكثرة شعره، والغالب عليه ما ~~قدمت، غير أن القاضي الجرجاني فضله بجودة الاستهلال وهو الابتداء على أبي ~~تمام وأبي الطيب، وفضلهما عليه بالخروج والخاتمة، ولست أرى لذلك وجها، إلا ~~كثرة شعره كما قدمت؛ فإنه لو حاسبهما ابتداء جيدا بابتداء مالأربى عليهما ~~وقصرا عن عذره.. فأما الحاتمي فإنه يغض من أبي عبادة غضا شديدا، ويجور عليه ~~جورا بينا لا يقبل منه ولا يسلم إليه. # وكان أبو تمام فخم الابتداء، له روعة، وعليه أبهة، كقوله: # الحق أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار # وقوله: # السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب # وقوله: # أصغى إلى البين مغترا فلا جرما # وقوله: # يا ربع لو ربعوا على ابن هموم # والغالب عليه نحت اللفظ، وجهارة الابتداء.. # وكان أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي يفضل ابتداءات البحتري جدا، وهو ~~الذي وضع كتاب الموازنة والترجيح بين الطائيين، ونوه فيه بالبحتري أعظم ~~تنويه.. ms144 ومن جيد ابتداءاته قوله: # عارضننا أصلا فقلنا الربرب ... حتى أضاء الأقحوان الأشنب # وقوله: # ما على الركب من وقوف الركاب ... في مغاني الصبا ورسم التصابي؟؟ # وقوله: # ضمان على عينيك أني لا أسلو # وقوله: # ترى عنده علم بشجوى وأدمعي ... وأني متى أسمع بذكراه أجزع؟ # وأما الخروج فهو عندهم شبيه بالاستطراد، وليس به؛ لأن الخروج إنما هو أن ~~تخرج من نسيب إلى مدح أو غيره بلطف تحيل، ثم تتمادى فيما خرجت إليه كقول ~~حبيب في المدح: # صب الفراق علينا، صب من كثب ... عليه إسحاق يوم الروع منتقما # سيف الإمام الذي سمته هيبته ... لما تخرم أهل الأرض مخترما # ثم تمادى في المدح إلى آخر القصيدة. # وكقول أبي عبادة البحتري: # سيقت رباك بكل نوء عاجل ... من وبله حقا لها معلوما # ولو أنني أعطيت فيهن المنى ... لقيتهن بكف إبراهيما PageV01P076 وأكثر ~~الناس استعمالا لهذا الفن أبو الطيب؛ فإنه ما يكاد يفلت له، ولا يشذ عنه، ~~حتى ربما قبح سقوطه فيه، نحو قوله: # ها فانظري أو فظني بي تري حرقا ... من لم يذق طرفا منها فقد وألا # عل الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلا # فقد تمنى أن يكون له الأمير قوادا، وليس هذا من قول أبي نواس: # سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هوانا؛ لعل الفضل يجمع بيننا # في شيء؛ لأن أبا نواس قال " يجمع بيننا " ثم اتبع ذلك ذكر المال والسخاء ~~به، فقال: # أمير رأيت المال في نعمائه ... مهينا ذليل النفس بالضيم موقنا # فكأنه أشار إلى أن جمعه بينهما بالمال خاصة: يفضل عليه، ويجزل عطيته، ~~فيتزوجها أو يتسرى بها، وأبو الطيب قال: " يشفع " والشفاعة رغبة وسؤال، ثم ~~أتبع بيته بما هو مقو لمعناه في القيادة فقال: # أيقنت أن سعيدا طالب بدمي ... لما بصرت به بالرمح معتقلا # فدل على أنه يشفع، فإن أجيب إلى مساعدة أبي الطيب فذاك، وإلا رجع إلى ~~القهر.. # والذي يشاكل قول أبي نواس قوله: # أحب التي في البدر منها مشابه ... وأشكو إلى من لا يصاب له شكل # فلفظة ms145 الشكوى تحمل عنه كما حملن عن أبي نواس ومما سقط فيه وإن كان مليح ~~المظهر قوله يخاطب امرأة نسب بها: # لو أن فناخسر صبحكم ... وبرزت وحدك عاقه الغزل # وتفرقت عنه كتائبه ... إن الملاح خوادع قتل # ما كنت فاعلة وضيفكم ... ملك الملوك وشأنك البخل # أتمنعين قرى فتفتضحي ... أم تبذلين له الذي يسل # بل لا يحل بحيث حل به ... بخل ولا جور ولا وجل # فحتم على فناخسرو بأن الغزل يعوقه، ولأن كتائبه تتفرق عنه، وجعله يسأل ~~هذه المرأة، وتشكك هل تمنعه أم تبذل له، ثم أوجب أن البخل لا يحل بحيث حل؛ ~~فأوقعه تحت الزنى أو قارب ذلك، ولعل هذا كان اقتراحا من فناخسرو؛ وإلا فما ~~يجب أن يقابل من هو ملك الملوك بمثل هذا، وما أسرع ما انحط أبو الطيب: بينا ~~هو يسأل الأمير أن يشفع له إلى عشيقته صار يشفع للأمير عندها.. # والاستطراد: أن يبني الشاعر كلاما كثيرا على لفظة من غير ذلك النوع، يقطع ~~عليها الكلام، وهي مراده دون جميع ما تقدم، ويعود إلى كلامه الأول، وكأنما ~~عثر بتلك اللفظة عن غير قصد ولا اعتقاد نية، وجل ما يأتي تشبيها، وسيرد ~~عليك في بابه مبينا إن شاء الله تعالى.. # ومن الناس من يسمي الخروج تخلصا وتوسلا، وينشدون أبياتا منها: # إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه ... فليس به بأس ولو كان من جرم # ولو أن جرما أطعموا شحم جفرة ... لبانوا بطانا يضرطون من الشحم # وأولى الشعر أن يسمى تخلصا ما تخلص فيه الشاعر من معنى إلى معنى، ثم عاد ~~إلى الأول وأخذ في غيره. ثم رجع إلى ما كان فيه. كقول النابغة الذبياني آخر ~~قصيدة اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر: # وكفكفت مني عبرة فرددتها ... إلى النحر منها مستهل ودامع # على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع؟!! # ثم تخلص إلى الاعتذار فقال: # ولكن هما دون ذلك شاغل ... مكان الشغاف تبتغيه الأصابع # وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالضواجع # ثم وصف حاله عندما سمع ms146 من ذلك فقال: # فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع # يسهد في ليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع # تناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طورا، وطورا تراجع # فوصف الحية والسليم الذي شبه به نفسه ما شاء، ثم تخلص إلى الاعتذار الذي ~~كان فيه فقال: # أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع # ويروى وخبرت خير الناس أنك لمتني ثم اطرد له ما شاء من تخلص إلى تخلص، ~~حتى انقضت القصيدة وهو مع ما أشرت إليه غير خاف إن شاء الله تعالى. ~~PageV01P077 وقد يقع من هذا النوع شيء يعترض في وسط النسيب من مدح من يريد ~~الشاعر مدحه بتلك القصيدة، ثم يعود بعد ذلك إلى ما كان فيه من النسيب، ثم ~~يرجع إلى المدح، كما فعل أبو تمام وإن أتى بمدحه الذي تمادى فيه منقطعا، ~~وذلك قوله في وسط النسيب من قصيدة له مشهورة: # ظلمتك ظالمة البريء ظلوم ... والظلم من ذي قدرة مذموم # زعمت هواك عفا الغداة كما عفت ... منها طلول باللوى ورسوم # لا، والذي هو عالم أن النوى ... أجل وأن أبا الحسين كريم # ما زلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على ألف سواك تحوم # ثم قال بعد ذلك: # لمحمد بن الهيثم بن شبابة ... مجد إلى جنب السماك مقيم # ويسمى هذا النوع الإلمام. # وكانت العرب لا تذهب هذا المذهب في الخروج إلى المدح، بل يقولون عند ~~فراغهم من نعت الإبل وذكر القفار وما هم بسبيله: دع ذا و عد عن ذا ويأخذون ~~فيما يريدون أو يأتون بأن المشددة ابتداء للكلام الذي يقصدونه، فإذا لم يكن ~~خروج الشاعر إلى المدح متصلا بما قبله ولا منفصلا بقوله دع ذا و عد عن ذا ~~ونحو ذلك سمي طفرا وانقطاعا.. وكان البحتري كثيرا ما يأتي به نحو قوله: # لولا الرجاء لمت من ألم الهوى ... لكن قلبي بالرجاء موكل # إن الرعية لم تزل في سيرة ... عمرية مذ ساسها المتوكل # ولربما قالوا بعد صفة الناقة والمفازة " إلى فلان قصدت ms147 " و " حتى نزلت ~~بفناء فلان " وما شاكل ذلك. # وأما الانتهاء فهو قاعدة القصيدة، وآخر ما يبقى منها في الأسماع، وسبيله ~~أن يكون محكما: لا تمكن الزيادة عليه، ولا يأتي بعده أحسن منه، وإذا كان ~~أول الشعر مفتاحا له وجب أن يكون الآخر قفلا عليه. # وقد أربى أبو الطيب على كل شاعر في جودة فصول هذا الباب الثلاثة، إلا أنه ~~ربما عقد أوائل الأشعار ثقة بنفسه، وإعرابا عن الناس، كقوله أول قصيدة: # وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعد والدمع أشفاه ساجمه # فإن هذا يحتاج الأصمعي إلى أن يفسر معناه. # ويقع له في الخروج ما كان تركه أولى به، وأشعر له، وإنما أدخله فيه حب ~~الإغراب في باب التوليد، حتى جاء بالغث البارد، والبشع المتكلف، نحو قوله: # أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيرا، وابن إبراهيم ريعا # فهذا من البشاعة والشناعة بحيث لا يخفى على أحد، وما أظنه سرق هذا المعنى ~~الشريف إلا من كذبة كذبها أبو العباس الصيمري عن لسان رجل زعم أنه قال: ~~رأيت رجلا نام ويده غمرة فجره النمل ثلاثة فراسخ، فقد جعل أبو الطيب مكان ~~الرجل جبلا، وإن أعلمنا الإغراق في مراده ولفظه.. قال: # أعز مكان في الدنا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب # وبحر أبو المسك الخضم الذي له ... على كل بحر زخرة وعباب # يريد وخير بحر أبو المسك، وهذه غاية التصنع والتكلف. # ومن العرب من يختم القصيدة فيقطعها والنفس بها متعلقة، وفيها راغبة ~~مشتهية، ويبقى الكلام مبتورا كأنه لم يتعمد جعله خاتمة: كل ذلك رغبة في أخذ ~~العفو، وإسقاط الكلفة، ألا ترى معلقة امرئ القيس كيف ختمها بقوله يصف السيل ~~عن شدة المطر: # كأن السباع فيه غرقى غدية ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل # فلم يجعل لها قاعدة كما فعل غيره من أصحاب المعلقات، وهي أفضلها. # وقد كره الحذاق من الشعراء ختم القصيدة بالدعاء لأنه من عمل أهل الضعف، ~~إلا للملوك؛ فإنهم يشتهون ذلك كما قدمت، ما لم يكن من جنس قول أبي الطيب ~~يذكر الخيل لسيف الدولة: ms148 # فلا هجمت بها إلا على ظفر ... ولا وصلت بها إلا إلى أمل # فإن هذا شبيه ما ذكر عن بغيض: كان يصابح الأمير فيقول: لا صبح الله ~~الأمير بعافية، ويسكت ثم يقول: إلا مساه بأكثر منها، ويماسيه فيقول: لا مسى ~~الله الأمير بنعمة، ويسكت ثم يقول: إلا وصبحه بأتم منها، أو نحو هذا، فلا ~~يدعو له حتى يدعو عليه؛ ومثل هذا قبيح، لا سيما عن مثل أبي الطيب. # باب البلاغة # تكلم رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " كم دون لسانك من حجاب؟ فقال: شفتاي، وأسناني، فقال له: PageV01P078 ~~" إن الله يكره الانبعاق في الكلام، فنضر الله وجه رجل أوجز في كلامه ~~واقتصر على حاجته " . # وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: فيم الجمال؟ فقال: " في اللسان " يريد ~~البيان. # وقال أصحاب المنطق: حد الإنسان: الحي الناطق؛ فمن كان في المنطق أعلى ~~رتبة كان بالإنسانية أولى. # وقالوا: الروح عماد الجسم، والعلم عماد الروح، والبيان عماد العلم. # وسئل بعض البلغاء: ما البلاغة؟ فقال: قليل يفهم، وكثير لا يسأم. # وقال آخر: البلاغة إجاعة اللفظ، وإشباع المعنى. # وسئل آخر فقال: معان كثيرة، في ألفاظ قليلة. # وقيل لأحدهم ما البلاغة؟ فقال: إصابة المعنى وحسن الإيجاز. # وسئل بعض الأعراب: من أبلغ الناس؟ فقال: أسهلهم لفظا، وأحسنهم بديهية.. # وسأل الحجاج ابن القبعثري: ما أوجز الكلام؟ فقال: ألا تبطئ، ولا تخطئ، ~~وكذلك قال صحار العبدي لمعاوية بن أبي سفيان. # وقال خلف الأحمر: البلاغة كلمة تكشف عن البقية. # وقال المفضل الضبي: قلت لأعرابي: ما البلاغة عندكم؟ فقال: الإيجاز من غير ~~عجز، والإطناب من غير خطل. # وكتب جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي إلى عمرو بن مسعدة: إذا كان الإكثار ~~أبلغ كان الإيجاز تقصيرا، وإذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيا. # وأنشد المبرد في صفة خطيب: # طبيب بداء فنون الكلا ... م لم يعي يوما ولم يهذر # فإن هو أطنب في خطبة ... قضى للمطيل على المنزر # وإن هو أوجز في خطبة ... قضى للمقل على المكثر # قال أبو ms149 الحسن علي بن عيسى الرماني: أصل البلاغة الطبع، ولها مع ذلك آلات ~~تعين عليها، وتوصل للقوة فيها، وتكون ميزانا لها، وفاصلة بينها وبين غيرها، ~~وهي ثمانية أضرب: الإيجاز، والاستعارة، والتشبيه، والبيان، والنظم، ~~والتصرف، والمشاكلة، والمثل، وسيرد كل واحد منها بمكانه من هذا الكتاب إن ~~شاء الله تعالى. # وقال معاوية لعمرو بن العاص: من أبلغ الناس؟ فقال: من اقتصر على الإيجاز، ~~وتنكب الفضول. # وسئل ابن المقفع: ما البلاغة؟ فقال: اسم لمعان تجري في وجوه عدة كثيرة: ~~فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في ~~الإشارة، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا، ومنها ما يكون ابتداء، ~~ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون خطبا، ~~ومنها ما يكون رسائل؛ فعامة هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى ~~والإيجاز هو البلاغة. # قال صاحب الكتاب: فهذا ابن المقفع جعل من السكوت بلاغة رغبة في الإيجاز ~~وقال بعض الكلبيين: # واعلم بأن من السكوت إبانة ... ومن التكلم ما يكون خبالا # وقلت أنا في مثل ذلك: # وأخرق أكال للحم صديقه ... وليس لجاري ريقه بمسيغ # سكت له ضنا بعرضي فلم أحب ... ورب جواب في السكوت بليغ # وقلت أيضا ولم أذكر بلاغة: # أيها الموحي إلينا ... نفثة الصل الصموت # ما سكتنا عنك عيا ... رب نطق في السكوت # لك بيت في البيوت ... مثل بيت العنكبوت # إن يهن وهنا ففيه ... حيلتا سكنى وقوت # وقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: إبلاغ المتكلم حاجته بحسن إفهام السامع، ~~ولذلك سميت بلاغة. # وقال آخر: البلاغة أن تفهم المخاطب بقدر فهمه، من غير تعب عليك. # وقال آخر: البلاغة معرفة الفصل من الوصل. # وقيل: البلاغة حسن العبارة، مع صحة الدلالة. # وقيل: البلاغة أن يكون أول كلامك يدل على آخره، وآخره يرتبط بأوله. # وقيل: البلاغة القوة على البيان، مع حسن النظام. # ومن قول السيد أبي الحسن أدام الله عزه في صفة كاتب بالبلاغة وحسن الخط: # فضل الأنام بفضل علم واسع ... وعلا مقالهم بفصل المنطق # وحكى لنا وشي الرياض ms150 وقد وشت ... أقلامه بالنقش بطن المهرق # فبلغ ما أراد من الوصف في اختصار وقلة تكلف. ونحو ذلك قوله أيضا: # إذا مشقت يمناك في الطرس أسطرا ... حكيت بها وشي الملاء المعضد # يروق مجيد الخط حسن حروفها ... ويعجب منها بالمقال المسدد PageV01P079 ~~وهذا الشعر كالأول في الجزء وإصابة المفصل، وإن أبا الحسن لكما قال سميه ~~أبو الطيب خاتم الشعراء: # عليم بأسرار الديانات واللغى ... له خطرات تفضح الناس والكتبا # بلى كما قال ولي نعمته، وشاكر منته: # إني لأعجب كيف يحسن عقده ... شعر من الأشعار مع إحسانه # ما ذاك إلا أنه در النهى ... يفد التجار به على دهقانه # أستغفر الله لا أجحد أبا الطيب حقه، ولا أنكر فضله، وقد قال: # ملك منشد القريض لديه ... يضع الثوب في يدي بزاز # ثم نرجع إلى وصف البلاغة، بعد ما أفضينا ووشحنا هذا الباب من ذكر السيد، ~~فنقول: وقالوا: البلاغة ضد العي، والعي: العجز عن البيان. # وقيل: لا يكون الكلام يستوجب اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه ~~معناه، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك. # وسأل عامر بن الظرب العدواني حمامة بن رافع الدوسي بين يدي بعض ملوك حمير ~~فقال: من أبلغ الناس؟ قال: من حلى المعنى المزيز باللفظ الوجيز، وطبق ~~المفصل قبل التحريز. # قيل لأرسطاطاليس: ما البلاغة؟ قال: حسن الاستعارة. # وقال الخليل: البلاغة ما قرب طرفاه، وبعد منتهاه. # وقيل لخالد بن صفوان: ما البلاغة؟ قال: إصابة المعنى، والقصد إلى الحجة ~~وقيل لإبراهيم الإمام: ما البلاغة؟ قال: الجزالة، والإطالة، وهذا مذهب ~~جماعة من الناس جلة، وبه كان ابن العميد يقول في منثوره. # وقيل لبعض الجلة: ما البلاغة؟ فقال: تقصير الطويل، وتطويل القصير، يعني ~~بذلك القدرة على الكلام. # وقال أبو العيناء: من اجتزأ بالقليل عن الكثير، وقرب البعيد إذا شاء، ~~وبعد القريب، وأخفى الظاهر، وأظهر الخفي. # وقال البحتري يمدح محمد بن عبد الملك الزيات حين استوزر، ويصف بلاغته: # ومعاون لو فضلتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد # حزن مستعمل الكلام اختيارا ... ووتجنبن ظلمة التعقيد # وركبن اللفظ القريب ms151 فأدرك ... ن به غاية المراد البعيد # والبيت الأول من هذه القطعة يشهد بفضل الشعر على النثر. # وحكى الجاحظ عن الإمام إبراهيم بن محمد قوله: كفى من حظ البلاغة ألا يؤتى ~~السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع. ثم قال ~~الجاحظ: أما أنا فأستحسن هذا القول جدا. # ومن كلام ابن المعتز: البلاغة بلوغ المعنى، ولما يطل سفر الكلام. # وقال ابن الأعرابي: البلاغة التقرب من البغية، ودلالة قليل على كثير. # وقال بعض المحدثين: البلاغة إهداء المعنى إلى القلب في أحسن صورة من ~~اللفظ. # ومن كلام أبي منصور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبي، قال: قال بعضهم: ~~البلاغة ما صعب على التعاطي وسهل على الفطنة. وقال: خير الكلام ما قل ودل، ~~وجل ولم يمل. وقال: أبلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقل مجازه، وكثر إعجازه، ~~وتناسبت صدوره وأعجازه. قال: وقيل: البليغ من يجتني من الألفاظ نوارها، ومن ~~المعاني ثمارها. # وهذا الذي حكاه الثعالبي مما يدلك على حذق أبي الطيب في قوله لابن ~~العميد: # قطف الرجال القول قبل نباته ... وقطفت أنت القول لما نورا # وكان يمكنه أن يقول لما أثمر لكن ذهب إلى ما قدمت، وإن ما اقتدى بقول أبي ~~تمام: # ويجف نوار الكلام، وقلما ... يلفى بقاء الغرس بعد الماء # وكان بعضهم يقول: تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق ~~في غير أهل البادية نقص، والخروج مما بنى عليه الكلام إسهاب. # وقال العتابي: قيم الكلام العقل، وزينته الصواب، وحليته الإعراب، ورائضة ~~اللسان، وجسمه القريحة، وروحه المعاني.. # وقال عبد الله بن محمد بن جميل المعروف بالباحث: البلاغة الفهم والإفهام ~~وكشف المعاني بالكلام، ومعرفة الإعراب، والاتساع في اللفظ، والسداد في ~~النظم، والمعرفة بالقصد، والبيان في الأداء وصواب الإشارة، وإيضاح الدلالة، ~~والمعرفة بالقول، والاكتفاء بالاختصار عن الإكثار، وإمضاء العزم على حكومة ~~الاختيار. # قال: PageV01P080 وكل هذه الأبواب محتاج بعضها إلى بعض، كحاجة بعض أعضاء ~~البدن إلى بعض، لا غنى لفضيلة أحدها عن الآخر؛ فمن أحاط معرفة بهذه الخصال ~~فقد كمل كل كمال، ومن شذ عنه ms152 بعضها لم يبعد من النقص بما اجتمع فيه منها. # قال: والبلاغة تخير اللفظ في حسن الإهام. # وسئل الكندي عن البلاغة، فقال: ركنها اللفظ، وهو على ثلاثة أنواع: فنوع ~~لا تعرفه العامة ولا تتكلم به، ونوع تعرفة وتتكلم به، ونوع تعرفة ولا تتكلم ~~به، وهو أحمدها. # ومن كتاب عبد الكريم قالوا: حسن البلاغة أن يصور الحق في صورة الباطل، ~~والباطل في صورة الحق. # قال: ومنهم من يعيب ذلك المعنى، ويعده إسهابا، وآخره يعده نفاقا. # قال: ومر غيلان بن خرشة الضبي مع عبد الله بن عامر بنهر أم عبد الله الذي ~~يشق البصرة فقال عبد الله بن عامر: ما أصلح هذا النهر لأهل هذا المصر!! ~~فقال غيلان: أجل والله أيها الأمير: يتعلم فيه العوم صبيانهم. ويكون ~~لسقياهم، ومسيل مياههم، ويأتيهم بميرتهم.. قال: ثم مر غيلان يساير زياد على ~~ذلك النهر وقد كان عادي ابن عامر. فقال له: ما أضر هذا النهر لأهل هذا ~~المصر!! فقال غيلان: أجل والله أيها الأمير: تندى منه دورهم، ويغرق فيه ~~صبيانهم، ومن أجله يكثر بعوضهم؛ فكره الناس من البيان مثل هذا، انقضى كلام ~~عبد كريم. # والذي أراه أنا أن هذا النوع من البيان غير معيب بأنه نفاق؛ لأنه لم يجعل ~~الباطل حقا على الحقيقة، ولا الحق باطل، وإن ما وصف محاسن شيء مرة، ثم وصف ~~مساويه مرة أخرى: كما فعل عمرو بن الأهتم بين يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقد سأله عن الزبرقان بن بدر، فأثنى خيرا فقال: مانع بحوزته، مطاع في ~~أنديته ويروى في أذينه فلم يرض الزبرقان بذلك، وقال: أما إنه قد علم أكثر ~~مما قال، ولكن حسدني لشرفي وفي رواية أخرى حسدني مكاني منك، يخاطب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه عمرو شرا، وقال: أما لئن قال ما قال لقد ~~علمته ضيق الصدر، زمر المروة، أحمق الأب، لئيم الخال، حديث الغنى، ثم قال: ~~والله يا رسول الله ما كذبت عليه في الأولى، وقد صدقت في الآخرة، ولكن ~~أرضاني فقلت بالرضا، وأسخطني ms153 فقلت بالسخط، فقال رسول الله عليه وسلم: إن من ~~البيان لسحرا قال أبو عبيد القاسم بن سلام: وكأن المعنى والله أعلم أنه ~~يبلغ من بيانه أن يمدح الإنسان فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله، ثم ~~يذمه فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله الآخر، فكأنه سحر السامعين بذلك. # وقال الجاحظ: العربي يعاف البذاء، ويهجو به غيره، فإذا ابتلى به فخر به، ~~ولكنه لا يفخر به لنفسه من جهة ما هجا به صاحبه. # ودخل أبو العيناء على المتوكل، فقال له: بلغني عنك بذاء، قال: إن يكن ~~البذاء صفة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فقد زكي الله وذم فقال: " نعم ~~العبد إنه أواب " وقال: " هماز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ~~ذلك زنيم " فذمه حتى قذفه، وأما أن أكون كالعقرب التي تلسع النبي والذمى ~~فقد أعاد الله عبدك من ذلك، وقد قال الشاعر: # إذا أنا بالمعروف لم أثن صادقا ... ولم أشتم الجبس اللئيم المذمما # ففيم عرفت الخير والشر باسمه ... وشق لي الله المسامع وألفما؟ # قال الجاحظ: قال ثمامة بن أشرس: قلت لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ قال: أن ~~يكون اللفظ يحيط بمعناك، ويخبر عن مغزاك، ويخرجه من الشركة، ولا يستعين ~~عليه بالكثرة، والذي لا بد منه أن يكون سليما من التكلف، بعيدا من الصنعة، ~~بريا من التعقيد، غنيا عن التأويل قال الجاحظ: وهذا هو تأويل قول الأصمعي: ~~البليغ من طبق المفصل، وأغناك عن المفسر. # قال أبو عبيدة: البليغ: البلغ، بفتح الباء، وقال غيره: البلغ: الذي يبلغ ~~ما يريد من قول وفعل، والبلغ: الذي لا يبالي ما قال وما قيل فيه، كذلك قال ~~أبو زيد، وحكى ابن دريد كلام بلغ وبليغ، وقال ابن الأعرابي: يقال بلغ وبلغ، ~~ولا شك أن ابن الأعرابي قال: إنما هو في الأهوج الذي لا يبالي حيث وقع من ~~القول. # وقد تكرر في هذا الباب من أقاويل العلماء مالم يخف عني، ولا غفلته، لكن ~~اغتفرت ذلك لاختلاف العبارات، ومدار هذا الباب كله على أن بلاغة وضع الكلام ms154 ~~موضعه من طول أو إيجاز، مع حسن العبارة، ومن جيد ما حفظته قول بعضهم: ~~PageV01P081 البلاغة شد الكلام معانيه وإن قصر، وحسن التأليف وإن طال. # باب الإيجاز # الإيجاز عند الرماني على ضربين: مطابق لفظه لمعناه: لا يزيد عليه، ولا ~~ينقص عنه، كقولك: " سل أهل القرية " ، ومنه ما فيه حذف للاستغناء عنه في ~~ذلك الموضع، كقول الله عز وجل: " واسأل القرية " وعبر عن الإيجاز بأن قال: ~~هو العبارة عن الغرض بأقل ما يمكن من الحروف، ونعم ما قال، إلا أن هذا ~~الباب متسع جدا، ولكل نوع منه تسمية سماها أهل هذه الصناعة.. # فأما الضرب الأول مما ذكر أبو الحسن فهم يسمونه المساواة. ومن بعض ما ~~أنشدوا في ذلك قول الشاعر: # يا أيها المتحلي غير شيمته ... إن التخلق يأتي دونه الخلق # ولا يواتيك فيما ناب من حدث ... إلا أخو ثقة، فانظر بمن تثق # فهذا شعر لا يزيد لفظه على معناه، ولا معناه على لفظه شيئا.. ومثله قول ~~أبى العتاهية ورواه بعضهم للحطيئة، وهذا شرف عظيم لأبي العتاهية إن كان ~~الشعر له، ولا أشك فيه: # الحمد لله إني في جوار فتى ... حامي الحقيقة نفاع وضرار # لا يرفع الطرف إلا عند مكرمة ... من الحياء، ولا يغضي على عار # وأنشد عبد الكريم في اعتدال الوزن: # إنما الذلفاء همي ... فليدعني من يلوم # أحسن الناس جميعا ... حين تمشي وتقوم # أصل الحبل لترضى ... وهي للحبل صروم # ثم قال: عندهم أنه ليس في هذا الشعر فضلة عن إقامة الوزن، وهذه الأبيات ~~وأشكالها داخلة في باب حسن النظم عند غير عبد الكريم. # والضرب الثاني مما ذكر الرماني وهو قول الله عز وجل " واسأل القرية " ~~يسمونه الاكتفاء، وهو داخل في باب المجاز؛ وفي الشعر القديم والمحدث منه ~~كثير، يحذفون بعض الكلام لدلالة الباقي على الذاهب: من ذلك قول الله عز ~~وجل: " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى " ~~كأنه قال: لكان هذا القرآن. ومثله قولهم: لو رأيت عليا بين الصفين، أي: ~~لرأيت أمرا عظيما، وإنما ms155 كان هذا معدودا من أنواع البلاغة لأن نفس السامع ~~تتسع في الظن والحساب، وكل معلوم فهو هين؛ لكونه محصورا، وقال امرؤ القيس: # فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا # كأنه قال: لهان الأمر، ولكنها نفس تموت موتات، ونحو هذا، ومن الحذف قول ~~الله عز وجل: " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم " أي: فيقال ~~لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟. ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم قوله ~~للمهاجرين وقد شكروا عنده الأنصار: " أليس قد عرفتم ذلك لهم؟ " قالوا: بلى، ~~قال: " فإن ذلك " يريد فإن ذلك مكافأة لهم. وروى أبو عبيدة أن سفيان الثوري ~~قال: جاء رجل من قريش إلى عمر بن عبد العزيز يكلمه في حاجة له، فجعل يحث ~~بقرابته، فقال عمر: " فإن ذلك " ثم ذكر حاجته، فقال: " لعل ذلك " .. # وقال الطرماح يوما للفرزدق: يا أبا فراس، أنت القائل: # إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول # أعز مما ذا وأطول مما ذا؟ وأذن المؤذن، فقال له الفرزدق: يا لكع ألا تسمع ~~ما يقول المؤذن " الله أكبر " أكبر مما ذا أعظم مما ذا؟؟ فانقطع الطرماح ~~انقطاعا فاضحا وزعم بعض العلماء أن معنى قول الفرزدق عزيز طويل، ولكنه بناه ~~على أفعل مثل أبيض وأحمر وما شاكلها، فجعله لازما لما في ذلك من الفخامة في ~~اللفظ والاستظهار في المعنى. # ومن الإيجاز قول الأعرابي في صفة الذئب: # أطلس يخفي شخصه غباره ... في شدقه شفرته وناره # فقوله في الشفرة والنار إيجاز مليح. # وقال آخر في صفة سهم صادر: غادر داء ونجا صحيحا وقال آخر في صفة ناقة: ~~خرقاء إلا أنها صناع وقال أبو نواس يصف جنين ناقة مخدجا: ميت النسا حي ~~الشعر وقال ابن المعتز يصف بازيا: مبارك إذا رأى فقد رزق ومن الإيجاز ~~البديع قول الله عز وجل: " وقيل يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي، وغيض ~~الماء، واستوت على الجودي، وقيل: بعدا للقوم الظالمين " وقله تعالى: " خذ ~~العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين " فكل كلمة من هذه الكلمات في ms156 مقام ~~كلام كثير، وهي على ماترى من الإحكام والإيجاز، ومثل ذلك قوله تعالى: ~~PageV01P082 " يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدو، فاحذرهم، قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون " وقوله تعالى: " وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها " وقوله: ~~" إن تتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس " وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~للأنصار: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع " وقال: " كفى ~~بالسلامة داء " ومثل هذا كثير في كلامه صلى الله عليه وسلم، ومن أولى منه ~~بالفصاحة وأحق بالإيجاز؟ وقد فقال: " أعطيت جوامع الكلم " فأما قوله عليه ~~الصلاة والسلام: " كفى بالسيف شا " يريد " شاهدا فقد حكاه قوم من أصحاب ~~الكتب: أحدهم عبد الكريم، والذي أرى أن هذا ليس مما ذكروا في شيء؛ لأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنما قطع الكلمة وأمسك عن تمامها لئلا تصير حكما، ~~ودليل ذلك أنه قال: " لولا أن يتتابع فيه الغيران والسكران " فهذا وجه ~~الكلمة والله أعلم، لا كما قال علقمة بن عبدة: # كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم # يريد " بسبائب الكتان " فحذف اضطرارا؛ لأن الوزن لا يستقيم له إلا بعد ~~الحذف، وكذلك قول لبيد: درس المنا بمتالع قأبان يريد " المنازل " فحذف ~~للضرورة أيضا، و رسول الله صلى الله عليه وسلم غير متكلف ولا مضطر. فأما ~~سائر العرب فالحذف في كلامهم كثير؛ لحب الاستخفاف، وتارة للضرورة، وسيرد ~~عليك في باب الرخص، إن شاء الله تعالى. # باب البيان # قال أبو الحسن الرماني في البيان: هو إحضار المعنى للنفس بسرعة إدراك، ~~وقيل ذلك لئلا يلتبس بالدلالة؛ لأنها إحضار المعنى للنفس وإن كان بإبطاء. # وقال: البيان: الكشف عن المعنى حتى تدركه النفس من غير عقلة، وإنما قيل ~~ذلك لأنه قد يأتي التعقيد في الكلام الذي يدل، ولا يستحق اسم البيان. # قال صاحب الكتاب: وقد مر بي في باب البلاغة قول غيلان بن خرشة في صفة نهر ~~أم عبد الله مادحا وذاما، وهو من جيد البيان عندهم، وكذلك قول عمرو بن ~~الأهتم في الزبرقان بين يدي رسول الله صلى ms157 الله عليه وسلم حين قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان لسحرا " وقال مثل ذلك للعلاء بن الحصين ~~وقد سأله: هل تروي من الشعر شيئا؟ فأنشد: # حي ذوى الأضغان تسب عقولهم ... تحيتك الحسنى وقد يرقع النعل # فإن دحسوا بالكره فاعف تكرما ... وإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل # فإن الذي يؤذيك سماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن من الشعر لحكما " وروى " لحكمة " . # ومن البيان الموجز الذي لا يقرن به شيء من الكلام قول الله تعالى: " ولكم ~~في القصاص حياة " وقوله في الإعراب عن صفته: " قل هو الله أحد، الله الصمد، ~~لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد " فبين تعالى أنه واحد لا ثاني معه، ~~وأنه صمد لا جوف له وقيل: الصمد السيد الذي يصمد إليه في الأمور كلها، ولا ~~يعدل عنه، وقيل: العالي المرتفع وأنه غير والد ولا مولود، وأنه لا شبه له ~~ولا مثل وقيل: إن الكفو ههنا الصاحبة تعالى الله وإنما نزلت هذه السورة لما ~~سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: صف لنا ربك وانسبه ~~فقد وصف نفسه في التوراة ونسبها، فأكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، ~~وقال: لو سألتموني أن أصف لكم الشمس لم أقدر على ذلك، فبينما هو كذلك إذ ~~هبط عليه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد " قل هو الله أحد " السورة. # ومن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم قوله صلى ~~الله عليه وسلم: " المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد ~~على من سواهم " و " المرء كثير بأخيه " فهذا كلام في نهاية البيان ~~والإيجاز. # وقال أبو بكر رضي الله عنه في بعض مقاماته: " وليت أموركم ولست بخيركم، ~~أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم " فقد بلغ ~~بهذه الألفاظ الموجزة غاية البيان. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بعض خطبه: " أيها الناس، إنه والله ~~ما فيكم ms158 أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي ~~حتى آخذ الحق منه " وروى ذلك المبرد عن العتبي، وذكر الأخفش عن علي بن ~~سليمان هذه الخطبة فقال: الصحيح عندي أنها لأبي بكر.. PageV01P083 ومن كلام ~~عمر رضي الله عنه: " كفى بالمرء غيا أن تكون فيه خلة من ثلاث: أن يعيب شيئا ~~ثم يأتي مثله، أو يبدو له من أخيه ما يخفى عليه من نفسه، أو يؤذي جليسه ~~فيما لا يعنيه " . # وكتب عثمان بن عفان إلى علي بن أبي طالب رحمة الله عليهما لما أحيط به " ~~أما بعد فإنه قد جاوز الماء الزبى، وبلغ الحزام الطبيين، وتجاوز الأمر بي ~~قدره، وطمع في من لا يدفع عن نفسه. # فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي ... وإلا فأدركني ولما أمزق " # البيت الذي قد تضمنته الرسالة من شعر الممزق العبدي، يقوله لعمرو بن هند ~~في قصيدة مشهورة، وبه سمي الممزق، واسمه شاس بن نهار. # وخاطب عثمان عليا يعاتبه وهو مطرق، فقال له: ما بالك لا تقول؟ فقال علي: ~~إن قلت لم أقل إلا ما تكره، وليس لك عندي إلا ما تحب، قال المبرد: تأويل ~~ذلك: إن قلت اعتددت عليك بمثل ما اعتددت به علي، فلدغك عتابي، وعقدي ألا ~~أفعل وإن كنت عاتبا إلا ما تحب. # وهذا قليل من كثير يستدل به عليه، ولو تقصيت ما وقع من ألفاظ التابعين، ~~وما تقدمت به شعراء الجاهلية والإسلام؛ لأفنيت العمر دون ذلك، وقد استفرغ ~~أبو عثمان الجاحظ وهو علامة وقته الجهد وصنع كتابا لا يبلغ جودة وفضلا، ثم ~~ما ادعى إحاطة بهذا الفن لكثرته وأن كلام الناس لا يحيط به إلا الله عز ~~وجل. # باب النظم # قال أبو عثمان الجاحظ: أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، ~~فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغا واحدا، وسبك سبكا واحدا؛ فهو يجري على اللسان ~~كما يجري الدهان. # وإذا كان الكلام على هذا الأسلوب الذي ذكره الجاحظ لذ سماعه، وخف محتمله، ~~وقرب فهمه، وعذب النطق به، وحلي في ms159 فم سامعه، فإذا كان متنافرا متباينا عسر ~~حفظه، وثقل على اللسان النطق به، ومجته المسامع فلم يستقر فيها منه شيء. # وأنشد الجاحظ قال: أنشدني أبو العاصي قال: أنشدني خلف: # وبعض قريض القوم أبناء علة ... يكد لسان الناطق المتحفظ # وأنشد عنه أبي البيداء الرياحي: # وشعر كبعر الكبش فرق بينه ... لسان دعي في القريض دخيل # واستحسن أن يكون البيت بأسره كأنه لفظة واحدة لخفته وسهولته، واللفظة ~~كأنها حرف واحد، وأنشد قول الثقفي: # من كان ذ عضد يدرك ظلامة ... إن الذليل الذي ليست له عضد # تنبو يداه إذا ما قل ناصره ... ويأنف الضيم إن أثرى له عدد # والناس مختلفو الرأي في مزاوجة الألفاظ: منهم من يجعل الكلمة وأختها، ~~وأكثر ما يقع ذلك في ألفاظ الكتاب، وبه كان يقول البحتري في أكثر أشعاره، ~~من ذلك قوله: # تطيب بمسراها البلاد إذا سرت ... فيفغم رياها ويصفو نسيمها # ففي القسيم الآخر تناسب ظاهر.. وكذلك قوله: # ضاق صدري بما أج ... ن وقلبي بما أجد # وقوله أيضا في مدح المتوكل: # لقد اصطفى رب السما ... ء له الخلائق والشيم # ومنهم من يقابل لفظتين بلفظتين، ويقع في الكلام حينئذ تفرقة وقلة تكلف: ~~فمن المتناسب قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بعض كلامه " أين من سعى ~~واجتهد، وجمع وعدد، وزخرف ونجد، وبنى وشيد " فأتبع كل لفظة ما يشاكلها، ~~وقرنها بما يشبهها. ومن الفرق المنفصل قول امرئ القيس: # كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبإ الزق الروي، ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال # وكان قد ورد على سيف الدولة رجل بغدادي يعرف بالمنتخب، ولا يكاد يسلم منه ~~أحد من القدماء والمحدثين، ولا يذكر شعر بحضرته إلا عابه، وظهر على صاحبه ~~بالحجة الواضحة، فأنشد يوما هذين البيتين، فقال: قد خالف فيهما وأفسد، لو ~~قال: # كأني لم أركب جوادا، ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال # ولم أسبإ الزق الروي للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # لكان قد جمع بين الشيء وشكله؛ فذكر الجواد والكر في ms160 بيت، وذكر النساء ~~والخمر في بيت، فالتبس الأمر بين يدي سيف الدولة، وسلموا له ما قال، فقال ~~رجل ممن حضر: ولا كرامة لهذا الرأي، والله أصدق منك حيث يقول: PageV01P084 ~~" إن لا ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى " فأتى بالجوع ~~مع العري ولم يأت به مع الظمأ، فسر سيف الدولة، وأجازه بصلة حسنة. # قال صاحب الكتاب: قول امرئ القيس أصوب، ومعناه أعر وأغرب؛ لأن اللذة التي ~~ذكرها إنما هي الصيد، هكذا قال العلماء، ثم حكى عن شبابه وغشيانه النساء: ~~فجمع في البيت معنيين، ولو نظمه على ما قال المعترض لنقص فائدة عظيمة، ~~وفضيلة شريفة تدل على السلطان، وكذلك البيت الثاني: لو نظمه على ما قال ~~لكان ذكر اللذة حشوا لا فائدة فيه؛ لأن الزق لا يسبأ إلا للذة، فإن جعل ~~الفتوة كما جعلناها فيما تقدم الصيد قلنا: في ذكر الزق الروي كفاية ولكن ~~امرأ القيس وصف نفسه بالفتوة والشجاعة بعد أن وصفها بالتملك والرفاهة. # وأما احتجاج الآخر بقول الله عز وجل فليس من هذا في شيء؛ لأنه أجرى ~~الخطاب على مستعمل العادة، وفيه مع ذلك تناسب؛ لأن العادة أن يقال: جائع ~~عريان، ولم يستعمل في هذا الموضع عطشان ولا ظمآن، وقوله تعالى: " تظمأ " و ~~" تضحى " متناسب؛ لأن الضاحي هو الذي لا يستره شيء عن الشمس، والظمأ من شأن ~~من كانت هذه حاله. # وقال الجاحظ: في القرآن معان لا تكاد تفترق، من مثل: الصلاة والزكاة، ~~والخوف والجوع، والجنة والنار، والرغبة والرهبة، والمهاجرين والأنصار، ~~والجن والإنس، والسمع والبصر. # ومن الشعراء من يضع كل لفظة موضعها لا يعدوه؛ فيكون كلامه ظاهرا غير ~~مشكل، وسهلا غير متكلف، ومنهم من يقدم ويؤخر: إما لضرورة وزن، أو قافية وهو ~~أعذر، وإما ليدل على أنه يعلم تصريف الكلام، ويقدر على تعقيده، وهذا هو ~~العي بعينه، وكذلك استعمال الغرائب والشذوذ التي يقل مثلها في الكلام، فقد ~~عيب على من لا تعلق به التهمة نحو قول الفرزدق: # على حالة لو أن في البحر حاتما ... على ms161 جوده ما جاد بالماء حاتم # فخفض حاتما على البدل من الهاء التي في " جوده " حتى رأى قوم من العلماء ~~أن الإقواء في هذا الموضع خير من سلامة الإعراب مع الكلفة، وكذلك قوله: # نفلق هاما لم تنله أكفنا ... بأسيافنا هام الملوك القماقم # أراد: نفلق بأسيافنا هام الملوك القماقم، ثم نبه وقرر فقال: هاما لم تنله ~~أكفنا، يريد أي قوم لم نملكهم ونقهرهم، وهذا عند الصدور المذكورين بالعلم ~~تكلف وتعمل، لا تعرفه العرب المطبوعون، وكذلك: # إن الفرزدق صخرة عادية ... طالت فليس تنالها الأوعالا # نصب الأوعال بطالت، ويروي " عزت " . وأكثر شعر أبي الطيب من هذه العلامة، ~~ومما لا بأس به قول الخنساء: # فنعم الفتى في غداة الهياج ... إذا ما الرماح نجيعا روينا # فقدمت " نجيعا " على " روينا " مبادرة للخبر بالري من أي شيء هو، وكذلك ~~قول أبي السفاح بكير بن معدان اليربوعي: # نهنهته عنك فلم ينهه ... بالسيف إلا جلدات وجاع # أراد نهنهته عنك بالسيف، أو أراد فلم ينهه إلا جلدات وجاع بالسيف، ~~وكلاهما فيه تقديم وتأخير. # ورأيت من علماء بلدنا من لا يحكم للشاعر بالتقدم، ولا يقضى له بالعلم، ~~إلا أن يكون في شعره التقديم والتأخير، وأنا أستثقل ذلك من جهة ما قدمت، ~~وأكثر ما تجده في أشعار النحويين. # ومن الشعر ما تتقارب حروفه أو تتكرر فتثقل على اللسان، نحو قول ابن بشر: # لم يضرها والحمد لله شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول # فإن القسيم الآخر من هذا البيت ثقيل؛ لقرب الحاء من العين، وقرب الزاي من ~~السين. # وقال آخر: # وقبر حرب في مكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر # فتكررت الألفاظ، وترددت الحروف، حتى صار ألقية يختبر به الناس، ولا يقدر ~~أحد أن ينشده ثلاث مرات إلا عثر لسشانه فيه وغلط. # وقال كعب بن زهير: # تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول # فجمع بين الضاد والذال والظاء، وهي متقاربة متشاكلة. # ومن حسن النظم أن يكون الكلام غير مثبج، والتثبيج: جنس من المعاظلة ترد ~~في بابها إن شاء الله تعالى. PageV01P085 ومن ms162 الناس من يستحسن الشعر مبنيا ~~بعضه على بعض، وأنا أستحسن أن يكون كل بيت قائما بنفسه لا يحتاج إلى ما ~~قبله ولا إلى ما نعده، وما سوى ذلك فهو عندي تقصير، إلا في مواضع معروفة، ~~مثل الحكايات وما شاكلها، فإن بناء اللفظ على اللفظ أجود هنالك من جهة ~~السرد، ولم أستحن الأول على أن فيه بعدا وتنافرا، إلا أنه إن كان كذلك فهو ~~الذي كرهت من التثبيح. # باب المخترع والبديع # المخترع من الشعر هو: ما لم يسبق إليه قائله، ولا عمل أحد من الشعراء ~~قبله نظيره أو ما يقرب منه، كقول امرئ القيس: # سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال # فإنه أول من طرق هذا المعنى وابتكره، وسلم الشعراء إليه، فلم ينازعه أحد ~~إياه، وقوله: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي # وله اختراعات كثيرة يضيق عنها الموضع، وهو أول الناس اختراعا في الشعر، ~~وأكثرهم توليدا. # ومن الاختراع قول طرفة: # ولولا ثلاث هن من لذة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي # فمنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد # وكري إذا نادى المضاف محنبا ... كسيد الغضاذي الطخية المتورد # وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الطراف المعمد # وقوله يصف السفينة في جريها: # يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفائل باليد # وله أيضا اختراعات أكثرها من هذه القصيدة. وقال نابغة بني ذبيان: # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد # وقوله أيضا من الاختراعات: # لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد # لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد # وما زالت الشعراء تخترع إلى عصرنا هذا وتولد، غير أن ذلك قليل في الوقت ~~والتوليد: أن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدمه، أو يزيد فيه زيادة؛ ~~فلذلك يسمى التوليد، وليس باختراع؛ لما فيه من الاقتداء بغيره، ولا يقال له ~~أيضا سرقة إذا كان ليس آخذا على وجهه، مثال ذلك قول امرئ القيس: # سموت إليها بعد ms163 ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال # فقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة،، وقيل: وضاح اليمن: # فاسقط علينا كسقوط النوى ... ليلة لا ناه ولا زاجر # فولد معنى مليحا اقتدى فيه بمعنى امرئ القيس دون أن يشركه في شيء من ~~لفظه، أو ينحو نحوه إلا في المحصول، وهو لطف الوصول إلى حاجته في خفية. # وأما الذي فيه زيادة فكقول جرير يصف الخيل: # يخرجن من مستطير النقع دامية ... كأن آذانها أطراف أقلام # فقال عدي بن الرقاع يصف قرن الغزال: # تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها # فولد بعد ذكر القلم إصابته مداد الدواة بما يقتضيه المعنى؛ إذ كان القرن ~~أسود. وقال العماني الراجز بين يدي الرشيد يصف الفرس: # تخال أذنيه إذا تشوفا ... قادمة أو قلما محرفا # فولد ذكر التحريف في القلم، وهو زيادة صفة. # ومن التوليد قول أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان: # لكل قبيلة ثبج وصلب ... وأنت الرأس أول كل هاد # فقال نصيب لمولاه عمر بن عبد العزيز: # فأنت رأس قريش وابن سيدها ... والرأس فيه يكون السمع والبصر # فولد هذا الشرح وإن كان مجملا في قول أمية بن أبي الصلت... ثم أتى علي بن ~~جبلة فقال يمدح حميد بن الحميد: # فالناس جسم، وإمام الهدى ... رأس، وأنت العين في الرأس # فأوقع ذكر العين على مشبه معين، ولم يفعل نصيب كذلك، لكن أتى بالسمع ~~والبصر على جهة التعظيم؛ لأن من ولد عمر ولي عهد، ففي قول علي بن جبلة ~~زيادة.. وجاء ابن الرومي فقال: # عين الأمير هي الوزي ... ر، وأنت ناظرها البصير # فرتب أيضا ترتيبا فيه زيادة، فهذا مجرى القول في التوليد. # وأكثر المولدين اختراعا وتوليدا فيما يقول الحذاق أبو تمام، وابن الرومي. ~~PageV01P086 والفرق بين الاختراع والإبداع وإن كان معناهما في العربية ~~واحدا أن الاختراع: خلق المعاني التي لم يسبق إليها، والإتيان بما لم يكن ~~منها قط، والإبداع إتيان الشاعر بالمعنى المستظرف، والذي لم تجر العادة ~~بمثله، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل ms164 له بديع وإن كثر وتكرر، فصار الاختراع ~~للمعنى والإبداع للفظ؛ فإذا تم للشاعر أن يأتي بمعنى مخترع في لفظ بديع فقد ~~استولى على الأمد، وحاز قصب السبق. # واشتقاق الاختراع من التليين يقال: " بيت خرع " إذا كان لينا، والخروع ~~فعول منه، فكأن الشاعر سهل طريقة هذا المعنى ولينه حتى أبرزه. # وأما البديع فهو الجديد، وأصله في الحبال، وذلك أن يفتل جديدا ليس من قوى ~~حبل نقضت ثم فتلت فتلا آخر. وأنشدوا للشماخ بن ضرار: # أطار عقيقه عنه نسالا ... وأدمج دمج ذي شطر بديع # والبديع ضروب كثيرة، وأنواع مختلفة، أنا أذكر منها ما وسعته القدرة ~~وساعدت فيه الفكرة، إن شاء الله تعالى، على أن ابن المعتز وهو من جمع ~~البديع، وألف فيه كتابا لم يعده إلا خمسة أبواب: الاستعارة أولها، ثم ~~التجنيس، ثم المطابقة، ثم رد الأعجاز على الصدور، ثم المذهب الكلامي، وعد ~~ما سوى هذه الخمسة أنواع محاسن، وأباح أن يسميها من شاء ذلك بديعا، وخالفه ~~من بعده في أشياء منها يقع التنبيه عليها والاختيار فيها حيثما وقعت من هذا ~~الكتاب، إن شاء الله تعالى. # باب المجاز # العرب كثيرا ما تستعمل المجاز، وتعده من مفاخر كلامها؛ فإنه دليل ~~الفصاحة، ورأس البلاغة، وبه بانت لغتها عن سائر اللغات. # ومعنى المجاز طريق القول ومأخذه، وهو مصدر جزت مجازا كما تقول " قمت ~~مقاما " ، وقلت مقالا " حكى ذلك الحاتمي، ومن كلام عبد الله بن مسلم بن ~~قتيبة في المجاز قال: لو كان المجاز كذبا لكان أكثر كلامنا باطلا؛ لأنا ~~نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر، ~~ونقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا، والفعل لم يكن وإنما يكون، وتقول: ~~كان الله، وكان بمعنى حدث، والله قبل كل شيء، وقال في قول الله عز وجل: " ~~فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه " لو قلنا لمنكر هذا كيف تقول في ~~جدار رأيته على شفا انهيار؟ لم يجد بدا من أن يقول: يهم أن ينقض، أو يكاد، ~~أو يقارب، فإن فعل فقد جعله ms165 فاعلا، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من ~~ألسنة العجم إلا بمثل هذه الألفاظ. # والمجاز في كثير من الكلام أبلغ من الحقيقة، وأحسن موقعا في القلوب ~~والأسماع، وما عدا الحقائق من جميع الألفاظ ثم لم يكن محالا محضا فهو مجاز؛ ~~لاحتماله وجوه التأويل، فصار التشبيه والاستعارة وغيرهما من محاسن الكلام ~~داخلة تحت المجاز، إلا أنهم خصوا به أعني اسم المجاز بابا بعينه؛ وذلك أن ~~يسمى الشيء باسم ما قاربه أو كان منه سبب، كما قال جرير ابن عطية: # إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # أراد المطر لقربه من السماء، ويجوز أن تريد بالسماء السحاب؛ لأن كل ما ~~أظلك فهو سماء، وقال " سقط " يريد سقوط المطر الذي فيه، وقال " رعيناه " ~~والمطر لا يرعى، ولكن أراد النبت الذي يكون عنه؛ فهذا كله مجاز، وكذلك قول ~~العتابي: # يا ليلة لي بجوارين ساهرة ... حتى تكلم في الصبح العصافير # فجعل الليلة ساهرة على المجاز، وإنما يسهر فيها، وجعل للعصافير كلاما، ~~ولا كلام لها على الحقيقة. ومثله قول الله عز وجل إخبارا عن سليمان صلى ~~الله على سيدنا محمد وعليه: " يا أيها الناس علمنا منطق الطير " وإنما ~~الحيوان الناطق الإنس والجن والملائكة، فأما الطير فلا، ولكنه مجاز مليح ~~واتساع، وهذا أكثر من أن يحصره أحد، ومثله في كتاب الله عز وجل كثير، من ~~ذلك قوله تعالى: " واسأل القرية " ومثله " وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ~~" يعني حبه، ومنه: " فتبارك الله أحسن الخالقين " وهو الخالق حقا وغيره ~~خالق مجازا، وقوله: والله خير الماكرين وإنما سمي ذلك مكرا لكونه مجازاة عن ~~مكر، وكذلك قوله: " فبشرهم بعذاب أليم " والعذاب لا يبشر به، وإنما هو أنه ~~مكان البشارة. # ومن أناشيد هذا الباب قول الفرزدق: # والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار # وقال يعقوب بن السكيت: العرب تقول: PageV01P087 بأرض بني فلان شجر قد ~~صاح؛ إذا طال، وأنشدوا للعجاج: كالكرم إذ نادى من الكافور قال ابن قتيبة: ~~لما تبين الشجر بطوله ودل على نفسه جعله كأنه ms166 صائح؛ لأن الصائح يدل على ~~نفسه بصوته. وأنشد غيره قول سويد بن كراع في نحو هذا: # رعى غير مذعور بهن، وراقه ... لعاع تهاداه الدكادك واعد # يقال: نبات واعد، إذا أقبل كأنه قد وعد بالتمام، وكذلك إذا نور أيضا قيل: ~~قد وعد. ومن المجاز عندهم قول الشاعر وغيره: فعلت ذاك والزمان غر، والزمان ~~غلام، وما أشبه ذلك، وهو يريد نفسه ليس الزمان، ولا أرى ذلك مستقيما بل ~~عندي الصواب ونفس الاستعارة أن يبقى الكلام على ظاهره مجازا؛ لأنا نجد في ~~هذا النوع ما لا ينساغ فيه التأويل، كقول بعضهم: # سألتني عن أناس هلكوا ... شرب الدهر عليهم وأكل # فليس معناه شربت وأكلت عليهم؛ لأنه إنما يعني بعد العهد لا السلو وقلة ~~الوفاء. وقال أبو الطيب: # أفنت مودتها الليالي بعدنا ... ومشى عليها الدهر وهو مقيد # فإنما أراد الدهر حقيقة. وقال الصنوبري: # كان عيشي بهم أنيقا فولى ... وزماني فيهم غلاما فشاخا # فليس مراده كنت فيهم غلاما فشخت، ولكل موضع ما يليق به من الكلام ويصح ~~فيه من المعنى. # وأما كون التشبيه داخلا تحت المجاز فلأن المتشابهين في أكثر الأشياء إنما ~~يتشابهان بالمقاربة على المسامحة والإصلاح، لا على الحقيقة، وهذا يبين في ~~بابه إن شاء الله تعالى. # وكذلك الكناية في مثل قوله عز وجل إخبارا عن عيسى ومريم عليهما السلام: " ~~كانا يأكلان الطعام " كناية عما يكون عنه من حاجة الإنسان، وقوله تعالى ~~حكاية عن آدم وحواء صلى الله عليهما: " فلما تغشاها " كناية عن الجماع، ~~وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " العين وكاء السه " وقوله لحاد كان يحدو ~~به " إياك والقوارير " كناية عن النساء لضعف عزائمهن، إلى أكثر من هذا. # باب الاستعارة # الاستعارة أفضل المجاز، وأول أبواب البديع، وليس في حلي الشعر أعجب منها، ~~وهي من محاسن الكلام إذا وقعت موقعها، ونزلت موضعها، والناس مختلفون فيها: ~~منهم من يستعير للشيء ما ليس منه ولا إليه، كقول لبيد: # وغداة ريح قد وزعت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # فاستعار للفجر ملاءة، وأخرج لفظة مخرج التشبيه.. وكان أبو ms167 عمرو بن العلاء ~~لا يرى أن لأحد مثل هذه العبارة، ويقول: ألا ترى كيف صير له ملاءة، ولا ~~ملاءة له، إنما استعار له هذه اللفظة؟ وبعض المتعقبين يرى ما كان من نوع ~~بيت ذي الرمة ناقص الاستعارة؛ إذ كان محمولا على التشبيه، ويفضل عليه ما ~~كان من نوع بيت لبيد، وهذا عندي خطأ؛ لأنهم إنما يستحسنون الاستعارة ~~القريبة، وعلى ذلك مضى جلة العلماء، وبه أتت النصوص عنهم، وإذا استعير ~~للشيء ما يقرب منه ويليق به كان أولى مما ليس منه في شيء، ولو كان البعيد ~~أحسن استعارة من القريب لما استهجنوا قول أبي نواس: # بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح # فأي شيء أبعد استعارة من صوت المال؟ فكيف حتى بح من الشكوى والصياح مع ما ~~أن له صوتا حين يوزن أو يوضع؟ ولم يرده أبو نواس فيما أقدر؛ لأن معناه لا ~~يتركب على لفظه إلا بعيدا، وكذلك قول بشار: # وجدت رقاب الوصل أسياف هجرها ... وقدت لرجل البين نعلين من خدي # فما أهجن " رجل البين " وأقبح استعارتها!! ولو كانت الفصاحة بأسرها فيها، ~~وكذلك " رقاب الوصل: ولا مثل قول ابن المعتز وهو أنقد النقاد: # كل وقت يبول زب السحاب # فهذا أردأ من كل رديء، وأمقت من كل مقيت. # قال القاضي الجرجاني: الاستعارة ما اكتفى فيها بالاسم المستعار عن ~~الأصلي، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها، وملاكها بقرب التشبيه، ومناسبة ~~المستعار للمستعار له، وامتزاج اللفظ بالمعنى حتى يوجد بينهما منافرة، ولا ~~يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر. # وقال قوم آخرون منهم أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع: خير الاستعارة ما ~~بعد، وعلم في أول وهلة أنه مستعار، فلم يدخله لبس، وعاب على أبي الطيب ~~قوله: # وقد مدت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديل الركاب من النعل # إذ كانت الخيل لها عيون في الحقيقة، ورجح عليه قول أبي تمام: PageV01P088 ~~ساس الأمور سياسة ابن تجارب ... رمقته عين الملك وهو جنين # إذ كان الملك لا عين له في الحقيقة. # وقال أبو الفتح عثمان بن ms168 جني: الاستعارة لا تكون إلا للمبالغة، وإلا فهي ~~حقيقة، قاله في شرح بيت أبي الطيب: # فتى يملأ الأفعال رأيا وحكمة ... وبادرة أحيان يرضى ويغضب # وكلام ابن جني أيضا حسن في موضعه؛ لأن الشيء إذا أعطى وصف نفسه لم يسم ~~استعارة، فإذا أعطى وصف غيره سمي استعارة، إلا أنه لا يجب للشاعر أن يبعد ~~الاستعارة جدا حتى ينافر، ولا يقربها كثيرا حتى يحقق، ولكن خير الأمور ~~أوساطها.. قال كثير يمدح عمر بن عبد العزيز واستعار حتى حقق: # وقد لبست لبس الهلوك ثيابها ... وأبدت لك الدنيا بكف ومعصم # وترمق أحيانا بعين مريضة ... وتبسم عن مثل الجمان المنظم # وحسبك أنه وصف العين التي استعار بالمرض، وشبه المبسم بالجمان، وهذا ~~إفراط غير جيد ههنا. # قال أبو الحسن الرماني: الاستعارة استعمال العبارة على غير ما وضعت له في ~~أصل اللغة، وذكر قول الحجاج " إني أرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها " . # وقد يأتي القدماء من الاستعارات بأشياء يتجنبها المحدثون، ويستهجنونها، ~~ويعافون أمثالها ظرفا ولطافة، وإن لم تكن فاسدة ولا مستحيلة؛ فمنها قول ~~امرئ القيس: # وهر تصيد قلوب الرجال ... وأفلت منها ابن عمرو حجر # فكان لفظة هر استعارة الصيد معها مضحكة هجينة، ولو أن أباه حجرا من فارات ~~بيته ما أسف على إفلاته منها هذا الأسف، وأين هذه الاستعارة من استعارة ~~زهير حين قال يمدح: # ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا # لا على أن امرأ القيس أتى بالخطأ على جبهته، ولكن للكلام قرائن تحسنه، ~~وقرائن تقبحه، كذكر الصيد في هذين البيتين. # ولعل معترضا يقول: العرب لا تعرف إلا الحقائق، ولا تلتفت إلى كلام ~~السفلة، فقد قدمت هذا في أول كلامي، وعرفت أنه لا يلزم، ولكن يرغب عنه في ~~الواجب، ألا ترى أن بعض الوزراء وقيل: بل هو المأمون غير المسلحة واستهجنها ~~لما فيها فقال: قولوا المصلحة، وليس ذلك لعلة إلا موافقة كلام السفلة. # وقال الرماني: الاستعارة الحسنة ما أوجب بلاغة، ببيان لا تنوب منابه ~~الحقيقة، كقول امرئ القيس: قيد الأوابد واسترذل قول ms169 بعض المولدين: اسفري لي ~~النقاب يا ضرة الشمس بأن قال: أتراه ظن أن الضرة لا تكون إلا حسنة؟! وإلا ~~فأي وجه لاختياره هذه الاستعارة. # ومثل قول امرئ القيس المتقدم ذكره في القبح قول مسلم بن الوليد: # وليلة خلست للعين من سنة ... هتكت فيها الصبا عن بيضة الحجل # فاستعار للحجل يعني الكلل بيضة، كما استعارها امرؤ القيس للخدر في قوله: ~~وبيضة خدر لا يرام خباؤها وكلاهما يعني المرأة، فاتفق لمسلم سوء الاشتراك ~~في اللفظ؛ لأن بيضة الحجل من الطير تشاركها، وهي لعمري حسنة المنظر كما ~~عرفت.. وقال في موضع آخر: # رمت السلو وناجاني الضمير به ... فاستعطفتني على بيضاتها الحجل # فما الذي أعجبه من هذه الاستعارة قبحها الله!!؟ ولو قال " الكلل " لتخلص ~~وأبدع فكان تبعا لامرئ القيس في جودة هذه الاستعارة.. # وقال حبيب على بصره بهذا النوع: والله مفتاح باب المعقل الأشب فجعل الله ~~تعالى اسمه مفتاحا، وأي طائل في هذه الاستعارة مع ما فيها من البشاعة ~~والشناعة!!؟ وإن كنا نعلم أنما أراد أمر الله وقضاءه. # واعترض بعض الناس على قول أبي تمام: # وللجود باب في الأنام ولم تزل ... مذ كنت مفتاحا لذاك الباب # بحضرة بعض أصحابنا، وقال: أتى إلى ممدوحه فجعله مفتاحا، فهلا قال كما قال ~~ابن الرومي: # قبل أنامله فلسن أناملا ... لكنهن مفاتح الأرزاق # فقال له الآخر: عجبت منك تعيب أن يجعل ممدوحه مفتاحا وقد جعل ربه كذلك، ~~وأنشد البيت المتقدم عجزه. # وقال في ممدوح ذكر أنه يعطيه مرة ويشفع له أخرى إلى أن يعطيه: # فإذا ما أردت كنت رشاء ... وإذا ما أردت كنت قليبا # فجعله مرة حبلا ومرة بئرا.. وقال الآخر هو أبو تمام: # ضاحي المحيا للهجير وللقنا ... تحت العجاج تخاله محراثا PageV01P089 ~~فلعنة الله على المحراث ههنا، ما أقبحه وأركه!!! وأين هذا كله من قوله ~~المليح البديع: # أو ما رأت بردى من نسج الصبا ... ورأت خضاب الله وهو خضابي # وإن كان إنما أخذه من قول الله عز وجل: " صبغة الله ومن أحسن من الله ~~صبغة " قالوا: يريد الختان، وقيل: ms170 الفطرة. # والاستعارة إنما هي من اتساعهم في الكلام اقتدارا ودالة، ليس ضرورة؛ لأن ~~ألفاظ العرب أكثر من معانيهم، وليس ذلك في لغة أحد من الأمم غيرهم، فإنما ~~استعاروا مجازا واتساعا. ألا ترى أن للشيء عندهم أسماء كثيرة وهو يستعيرون ~~له مع ذلك؟ على أنا نجد أيضا اللفظة الواحدة يعبر بها عن معان كثيرة، نحو " ~~العين " التي تكون جارحة، وتكون الماء، وتكون الميزان، وتكون المطر الدائم ~~الغزير، وتكون نفس الشيء وذاته، وتكون الدينار، وما أشبه ذلك كثير، وليس ~~هذا من ضيق اللفظ عليهم، ولكنه مع الرغبة في الاختصار، والثقة بفهم بعضهم ~~عن بعض. ألا ترى أن كل واحد من هذه التي ذكرنا له اسم غير العين أو أسماء ~~كثيرة؟ ومما اختاره ابن الأعرابي وغيره قول أرطاة بن سهية: # فقلت لها يا أم بيضاء إنني ... هريق شبابي واستشن أديمي # فقال هريق شبابي لما في الشباب من الرونق والطراوة التي هي كالماء، ثم ~~قال استشن أديمي لأن الشن هو القربة اليابسة؛ فكأن أديمه صار شنا لما هريق ~~ماء شبابه؛ فصحت له الاستعارة من كل وجه ولم تبعد. # ومثل ذلك في الجودة ما اختاره ثعلب وفضله جماعة مما قبله، وهو قول طفيل ~~الغنوي: # فوضعت رحلي فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل # فجعل شحم سنامها قوتا للرحل، وهذه استعارة كما تراها كأنها الحقيقة ~~لتمكنها وقربها، وقد تناولها جماعة منهم كلثوم بن عمرو العتابي: قال في ~~قصيدة يعتذر فيها إلى الرشيد: # ومن فوق أكوار المهاري لبانة ... أحل لها أكل الذرى والغوارب # ثم أتى أبو تمام وعول على العتابي وزاد المعنى زيادة لطيفة بينة فقال: # وقد أكلوا منها الغوارب بالسرى ... فصاحت لها أشباحهم كالغوارب # وكان ابن المعتز يفضل ذا الرمة كثيرا، ويقدمه بحسن الاستعارة والتشبيه، ~~لا سيما بقوله: # فلما رأيت الليل والشمس حية ... حياة الذي يقضي حشاشه نازع # لأن قوله والشمس حية من بديع الكلام والاستعارة، وباقي البيت من عجيب ~~التشبيه. واختار الحاتمي في باب الاستعارة في وصف سحائب وأظنه لابن ميادة، ~~واسمه الرماح بن أبرد من ms171 بني مرة، وميادة أمه: # إذا ما هبطنا القاع قد مات بقله ... بكينا به حتى يعيش هشيم # ورواه قوم لأبي كبير، وابن ميادة أولى به وأشبه. # والاستعارة كثيرة في كتاب الله عز وجل وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم: من ~~ذلك قوله تعالى: " لما طغى الماء " وقوله: " فلما سكت عن موسى الغضب " ~~وقوله: " وسمعوا لها شهيقا وهي تفور، تكاد تميز من الغيظ " ، فالشهيق ~~والغيظ استعارتان، وقوله تعالى: " يا أرض ابلغي ماءك " وكثير من هذا لو ~~تقصى لطال جدا. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " الدنيا حلوة خضرة " وقوله ~~لحالب حلب ناقة: " دع داعي اللبن " يعني بقية من اللبن في الحلب، وقوله: " ~~تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة " . قال أبو عبيد: يريد أنها منها خلقهم، ~~ومنها معادهم وهي بعد الموت: كفاتهم وقوله: " رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي " ~~فغسل الحوبة استعارة مليحة. # ومن أناشيد هذا الباب وهو فيما زعم ابن وكيع استعارة وقعت قول امرئ القيس ~~يصف الليل: # وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي # فقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # فاستعار لليل سدولا يرخيها، وهو الستور، وصلبا يتمطى به، وأعجازا يردفها، ~~وكلكلا ينوء به، وقال حسان بن ثابت يذكر قتلة عثمان رحمة الله عليه: # ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # فالاستعارة قوله عنوان السجود به وقد أخذه من قول الله تعالى: " سيماهم ~~في وجوههم من أثر السجود " وقال جميل العذري: # أكلما بان حي لا تلائمهم ... ولا يبالون أن يشتاق من فجعوا # علقتني بهوى منهم، فقد جعلت ... من الفراق حصاة القلب تنصدع PageV01P090 ~~البديع " حصاة القلب " . ومن كلام المولدين قول أبي التواس: # بصحن خد لم يغض ماؤه ... ولم تخضعه أعين الناس # البديع كل البديع عجز البيت. وقال أيضا: # فإذا بدا اقتادت محاسنه ... قسرا إليه أعنة الحدق # البديع " أعنة الحدق " وقوله: " اقتادت " . وقال أبو الطيب: # ضممت جناحيهم على القلب ضمة ... تموت الخوافي تحتها والقوادم # أراد بالجناحين ميمنة العسكر وميسرته، وبالقلب موضع الملك، والخوافي ~~والقوادم السيوف والرماح، وهذا تصنيع ms172 بديع، كله حسن الاستعارات.. وقال: # صدمتهم بخميس أنت غرته ... وسمهريته في وجهه شمم # وهذا كالأول جودة.. وقال السري والموصلي: # يشق جيوب الورد في شجراته ... نسيم متى ينظر إلى الماء يبرد # فالبديع قوله: " متى ينظر " . # باب التمثيل # ومن ضروب الاستعارة التمثيل، وهو الممائلة عند بعضهم، وذلك أن تمثل شيئا ~~بشيء فيه إشارة، نحو قول امرؤ القيس وهو أول من ابتكره، ولم يأت أملح منه: # وما ذرفت عيناك إلا لتقذحي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل # فمثل عينيها بسهمي الميسر يعني المعلى، وله سبعة أنصباء، والرقيب، وله ~~ثلاثة أنصباء فصار جميع أعشار قلبه للسهمين الذين مثل بهما عينيها، ومثل ~~قلبه بأعشار الجزور؛ فتمت له جهات الاستعارة والتمثيل. # وقال حريث بن زيد الخيل: # أبانا بقتلانا من القوم عصبة ... كراما، ولم نأكل بهم حشف النخل # فمثل خساس الناس بحشف النخل، ويجوز أن يريد أخذ الدية فيكون حينئذ حذقا ~~أو إشارة.. وقال الأخطل لنابغة بني جعدة: # لقد جاز أبو ليلى بقحم ... ومنتكث عن التقريب وان # إذا هبط الخبار كبا لفيه ... وخر على الجحافل والجران # وإنما عيره بالكبر، وإنما هو شاب حديث السن.. وقال بعض الرواة: إنما ~~تهاجيا في مسابقة فرسين، وهو غلط عند الحذاق. # ومن التمثيل أيضا قوله: # فنحن أخ لم تلق في الناس مثلنا ... أخا حين شاب الدهر وابيض حاجبه # ومعنى التمثيل اختصار قولك مثل كذا وكذا كذا وكذا... # وقال أبو خراش في قصيدة رثى بها زهير بن عجردة، وقد قتله جميل بن معمر ~~يوم حنين مأسورا: # فليس كعهد الدار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل # يقول: نحن من عهد الإسلام في مثل السلاسل، وإلا فكنا نقتل قاتله، وهو من ~~قول الله عز وجل في بني إسرائيل " ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم " يريد بذلك الفرائض المانعة لهم من أشياء رخص فيها لأمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وإلى نحو ذلك ذهب عمرو بن معدي كرب حين خفقه عمر رضي الله ~~عنه بالدرة، فقال له: الحمى أضرعتني لك، يعني الدين، وإن كان مثل ms173 قديما ~~إنما هو الحمى أضرعتني للنوم. # ومن جيد التمثيل قول ضباعة بنت قرط ترثي زوجها هشام بن المغيرة المخزومي: # إن أبا عثمان لم أنسه ... وإن صمتا عن بكاه لحوب # تفاقدوا من معشر! ما لهم ... أي ذنوب صوبوا في القليب؟ # ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم في التمثيل قوله: " الصوم في الشتاء ~~الغنيمة الباردة " وقوله: " ظهر المؤمن مشجبه، وخزانته بطنه، وراحلته رجله، ~~وذخيرته ربه " وقوله: " المؤمن في الدنيا ضيف، وما في يديه عارية، والضيف ~~مرتحل، والعارية مؤداة، ونعم الصهر القبر " . # ومن مليح أناشيد التمثيل قول ابن مقبل: # إني أقيد بالمأثور راحلتي ... ولا أبالي وإن كنا على سفر # فقوله أقيد بالمأثور تمثيل بديع، والمأثور هو السيف الذي فيه أثر، وهو ~~الفرند، وقوله ولا أبالي حشو مليح، أفاد مبالغة عجيبة، وقوله إن كنا على ~~سفر زيادة في المبالغة، وهذا النوع يسمى إيغالا، وبعضهم يسميه التبليغ، وهو ~~يرد في مكانه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. # ومما اختاره عبد الكريم وقدمه قول ابن أبي ربيعة: # أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان!!؟ # هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني PageV01P091 يعني ~~الثريا بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، وكانت نهاية في ~~الحسن والكمال، وسهيل بن عبد الرحمن بن عوف، وكان غاية في القبح والدمامة. ~~فمثل بينهما وبين سمييهما، ولم يرد إلا بعد ما بينهما وتفاوته خاصة، لا أن ~~سهيلا اليماني قبيح ولا دميم، ولا أدري هل هذا الرأي موافق لرأي عبد الكريم ~~أم لا؟ وحسبك أن الشاعر لم ينكر إلا التقاءهما. # وقال أبو الطيب وذكر نزارا: # فأقرحت المقاود ذفرييها ... وصعر خدها هذا العذار # ووصف رمحا فقال، وهو مليح متمكن جدا: # يغادر كل ملتفت إليه ... ولبته لثعلبه وجار # وقال يخاطب سيف الدولة: # بنو كعب وما أثرت فيهم ... يد لم يدمها إلا السوار # بها من قطعها ألم ونقص ... وفيها من جلالتها افتخار # والتمثيل والاستعارة من التشبيه، إلا أنهما بغير أداته، وعلى غير أسلوبه، ~~والمثل المضروب في الشعر نحو ms174 قول طرفة: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # راجع إلى ما ذكرته؛ لأن معناه ستبدي لك الأيام كما أبدت لغيرك ويأتيك ~~بالأخبار من لم تزود كما جرت عادة الزمان.. وتسمية المثل دالة على ما قلته؛ ~~لأن المثل والمثل والشبيه والنظير، وقيل: إنما سمي مثلا لأنه مائل لخاطر ~~الإنسان أبدا، يتأسى به، ويعظ ويأمر ويزجر، والماثل: الشاخص المنتصب، من ~~قولهم " طلل ماثل " أي: شاخص، فإذا قيل " رسم مائل " فهو الدارس، والماثل ~~من الأضداد.. وقال مجاهد في قول الله عز وجل " وقد خلت من قبلهم المثلات " ~~: هي الأمثال. وقال قتادة: هي العقوبات. وقال قوم: إنما معنى المثل المثال ~~الذي يحذى عليه، كأنه جعله مقياسا لغيره، وهو راجع إلى ما قدمت. وقال ~~بعضهم: في المثل ثلاث خلال: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وقد ~~يكون المثل بمعنى الصفة، من ذلك قول الله تعالى: " مثل الجنة التي وعد ~~المتقون " أي: صفة الجنة، وقوله: " وله المثل الأعلى في السموات والأرض " ~~أي: الصفة العليا، وهي قولنا " لا إله إلا الله " وقوله تعالى: " ذلك مثلهم ~~في التوراة، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه " أي: صفتهم. # باب المثل السائر # المثل السائر في كلام العرب كثير نظما ونثرا، وأفضله أوجزه، وأحكمه ~~أصدقه، وقولهم " مثل شرود وشارد " أي سائر لا يرد كالجمل الصعب الشارد الذي ~~لا يكاد يعرض له ولا يرد. وزعم قوم أن الشرود ما لم يكن له نظير كالشاذ ~~والنادر، فأما قول أبي تمام وكان إمام الصنعة ورئيسها: # لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس # حين عيب عليه قوله في ابن المعتصم: # إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس # فإنه يشهد للقول الأول؛ لأن المثل بعمرو وحاتم مضروب قديما، وليس بمثل لا ~~نظير له كما زعم الآخر. # وقد تأتي الأمثال الطوال محكمة إذا تولاها الفصحاء من الناس، فأما ما كان ~~منها في القرآن فقد ضمن الإعجاز، قال الله عز وجل: " كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا، وإن ms175 أوهن البيوت لبيت العنكبوت " وقال: " ومثله كمثل الكلب: إن تحمل ~~عليه يلهث، أو تتركه يلهث " وقال: " كمثل الحمار يحمل أسفارا " فهذه أمثال ~~قصار.. وقال: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " ومن ~~الأمثال الطوال قوله تعالى: " ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة ~~لوط " الآية " وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون " الآية " ومريم ~~ابنة عمران " الآية، وقال: " فمثله كمثل صفوان عليه تراب " الآية، وقال: " ~~والذين كفروا بربهم أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم ~~يجده شيئا " الآية، ثم قال: " أو كظلمات في بحر لجى " الآية.. ومن كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الأمثال قوله: " كل الصيد في جوف الفرا " قاله ~~لأبي سفيان بن حرب حين أسلم، وقوله: " مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع ~~تميلها الريح مرة هكذا ومرة هكذا، ومثل المنافق مثل الأرزة المجذية على ~~الأرض حتى يكون انجعافها مرة " وقوله حين ذكر الدنيا وزينتها فقال: " وإن ~~مما تنبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم " وقوله: " وإياكم وخضر الدمن " قيل: ~~وما خضراء الدمن؟ قال: PageV01P092 " المرأة الحسناء في المنبت السوء " ~~والأناشيد في هذا الباب كثيرة: فمنها ما فيه مثل واحد، ومنها ما فيه مثلان، ~~ومنها ما فيه ثلاثة أمثال، ومنها ما فيه أربعة أمثال، وهو قليل جدا، وكل ~~نوع من هذه الأنواع فيه احتياج واستغناء. # والمثل إنما وزن في الشعر ليكود أشرد له، وأخف للنطق به، فمتى لم يتزن ~~كان الإتيان به قريبا من تركه.. وقد حكى الحاتمي أشياء لا أدري كيف وجهها، ~~وزعم أن حمادا الراوية سئل: بأي شيء فضل النابغة؟ فقال: إن النابغة إن ~~تمثلت ببيت من شعره اكتفيت به، مثل قوله: # حلفت فلم أتلاك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب # بل لو تمثلت بنصف بيت من شعره اكتفيت به، وهو قوله ليس وراء الله للمرء ~~مذهب بل لو تمثلت بربع بيت من شعره اكتفيت به، وهو قوله أي الرجال المهذب؟ ~~ولا أعرف كيف يحمل حماد هذا ربع ms176 بيت وفيه زيادة سببين وهما أربعة أحرف؟ إلا ~~أن يريد التقريب، فهذا من الاحتياج الذي ذكرته؛ لأنه لا يتمثل به على أنه ~~شعر إلا احتاج إلى ما قبله واستغنى ما قبله عنه، ألا ترى أنه لو قال ولست ~~بمستبق أخا لا تلمه أنه يكون مثلا كافيا، ثم لا يتعلق قوله على شعث بشيء من ~~المثل الثاني وإن بقي موزونا، فإذا رده على الصدر تعلق به وبقي المثل ~~الثاني مكسورا. # ومثله قول القطامي، واسمه عمير بن شييم التغلبي: # والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهي، ولأم المخطئ الهبل # فقوله ولأم المخطئ الهبل مثل، إلا أنه غير موزون حتى يتصل بقوله ما يشتهي ~~وذلك من تمام المثل الأول الذي في صدر البيت، وهذا كله احتياج ومما لا ~~احتياج فيه قول امرئ القيس: # الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل # ففي كل قسيم من هذين مثل قائم بنفسه، غير محتاج إلى صاحبه.. # وكذلك قول الحطيئة: # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس # وقال عبيد بن الأبرص الأسدي: # الخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد # ومما فيه مثل واحد قول عنترة العبسي: # نبئت عمرا غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم # فجاء بالمثل غير محتاج إلى ما قبله.. وقال أبو ذؤيب: # تركوا هوي وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا، ولكل جنب مصرع # فإن بدأت بالقسيم الثاني كان مثلا سائرا، وإن أسقطت جزأ منه بقي المثل ~~سائرا غير موزون، إلا أن يكون في المرفوع من الأمثال مصمت يأتي في البيت ~~بأسره كقول الأول: # وإنك لن ترى طردا لحر ... كإلصاق به طرف الهوان # وقول أبي نواس: # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق # ومما فيه ثلاثة أمثال قول زهير: # وفي الحلم إذعان، وفي العفو دربة، ... وفي الصدق منجاة من الشر فاصدق # فأتى بكل مثل في ربع بيت، ثم جعل الربع الآخر زيادة في شرح معنى ما قبله. ~~وكذلك قول النابغة الذبياني: # الرفق ms177 يمن، والأناة سلامة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا # فجاء بثلاثة أمثال إلا أنها مداخلة لم تسلم سلامة ما قبلها من كلام زهير. # وقال ابن عبد القدوس: # كل آت لا بد آت، وذو الجه ... ل معنى، والغم والحزن فضل # فأتى بثلاثة أمثال مداخلة الوزن أيضا، وكان قول ضابئ بن الحارث: # وفي الشك تفريط، وفي الحزم قوة، ... ويخطئ في الحدس الفتى ويصيب # أحسن تعديلا في القسمة؛ لأن شطره الأول مشتمل على مثلين، وشطره الثاني ~~مشتمل على مثل قائم بنفسه. وقال عبد الله بن المعتز: # والعيش هر، والموت مر ... مستكره، والمنى ضلال # والحرص ذل، والبخل فقد ... وآفة النائل المطال # ففي البيت الأول ثلاثة أمثال في أحدها احتياج، وفي البيت الثاني ثلاثة ~~أمثال لا احتاج فيها على حذو ما أتى به ضابئ، ولم أر بيتا فيه أربعة أمثال ~~كل واحد منها قائم بنفسه إلا قليلا، أنشد الأصمعي: # فالهم فضل، وطول العيش منقطع، ... والرزق آت، وروح الله منتظر # وقال أبو الطيب وحكم عليه الوزن أيضا: # والمرء يأمل، والحياة شهية، ... والشيب أوقر، والشبيبة أنزق # فأتى بمثلين في كل قسيم، وصنعت أنا: PageV01P093 كل إلى أجل، والدهر ذو ~~دول ... والحرص مخيبة، والرزق مقسوم # وأقل من ذلك ما كان فيه خمسة أمثال، ولا أعرف منه في حفظي إلا بيتا واحدا ~~للقزاز السناط في بسط قصيدة مدح بها الأمير تميم بن المعز معد، وهو قوله: # خاطر تفد، وارتد تجد، واكرم تسد ... وانقد تقد، واصغر تعد الأكبرا # وأما ما فيه ستة فإني صنعت: # خذ العفو، وأب الضيم، واجتنب الأذى ... وأغض تسد، وارفق تنل، واسخ تحمد # ومن الأمثال أيضا كلمات سارت على وجه الدهر: كقولهم " تسمع بالمعيدي خير ~~من أن تراه " يضرب مثلا للذي رؤيته دون السماع به، وفي كل ما جرى هذا ~~المجرى، وكذلك قولهم: " على أهلها جنت براقش " يضرب مثلا للرجل يهلك قومه ~~بسببه. وأما قولهم في تفسير ما يقع في الشعر من جنس قول الحطيئة: شدوا ~~العناج وشدوا فوقه الكربا هو مثل؛ فإنما ذلك مجاز، أرادوا التمثيل. # وهذه الأشياء ms178 في الشعر إنما هي نبذ تستحسن، ونكت تستظرف، مع القلة، وفي ~~الندرة، فأما إذا كثرت فهي دالة على الكلفة، فلا يجب للشعر أن يكون مثلا ~~كله وحكمة كشعر صالح بن عبد القدوس؛ فقد قعد به عن أصحابه وهو يقدمهم في ~~الصناعة لإكثاره من ذلك، وما نص عليه العلماء في كتبهم، وكذلك لا يجب أن ~~يكون استعارة وبديعا كشعر أبي تمام؛ فقد رأيت ما صنع به ابن المعتز، وكيف ~~قال فيه ابن قتيبة، وما ألف عليه المتعقبون كالجرجاني وأبي القاسم بن بشر ~~الآمدي وغيرهما، وإنما هرب الحذاق عن هذه الأشياء؛ لما تدعو إليه من التكلف ~~لا سيما إن كان في الطبع أيسر شيء من الضعف والتخلف. وأشد ما تكلفه الشاعر ~~صعوبة التشبيه؛ لما يحتاج إليه من شاهد العقل واقتضاء العيان. ولا ينبغي ~~للشعر أن يكون أيضا خاليا مغسولا من هذه الحلي فارغا ككثير من شعر أشجع ~~وأشباهه من هؤلاء المطبوعين جملة، مع أنه لا بد لكل شاعر من طريقة تغلب ~~عليه فينقاد إليها طبعه، ويسهل عليه تناولها: كأبي نواس في الخمر، وأبي ~~تمام في التصنيع، والبحتري في الطيف، وابن المعتز في التشبيه، وديك الجن في ~~المراثي، والصنوبري في ذكر النور والطير، وأبي الطيب في الأمثال وذم الزمان ~~وأهله. وأما ابن الرومي فأولى الناس باسم شاعر؛ لكثرة اختراعه، وحسن ~~افتتانه، وقد غلب عليه الهجاء حتى شهر به؛ فصار يقال: أهجى من ابن الرومي، ~~ومن أكثر من شيء عرف به، وليس هجاء ابن الرومي بأجود من مدحه ولا أكثر. ~~ولكن قليل الشر كثير. # باب التشبيه # التشبيه: صفة الشيء بما قاربه وشاكله، ومن جهة واحدة أو جهات كثيرة لا من ~~جميع جهاته؛ لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان إياه، ألا ترى أن قولهم " خذ ~~كالورد " إنما أرادوا حمرة أوراق الورد وطراوتها، لا ما سوى ذلك من صفرة ~~وسطه وخضرة كمائمه، وكذلك قولهم " فلان كالبحر، أو كالليث " إنما يريدون ~~كالبحر سماحة وعلما، وكالليث شجاعة وقرما، وليس يريدون ملوحة البحر ~~وزعوقته، ولا شتامة الليث وزهوقته؛ فوقوع ms179 التشبيه إنما هو أبدا على الأعراض ~~لا على الجواهر؛ لأن الجواهر في الأصل كلها واحد، اختلفت أنواعها أو اتفقت؛ ~~فقد يشبهون الشيء بسميه ونظيره من غير جنسه، كقولهم " عين كعين المهاة، ~~وجيد كجيد الريم " فاسم العين واقع على هذه الجارحة من الإنسان والمهاة، ~~واسم الجيد واقع على هذا العضو من الإنسان والريم، والكاف للمقاربة، وإنما ~~يريدون أن هذه العين لكثرة سوادها قاربت أن تكون سوداء كلها كعين المهاة، ~~وأن هذا الجيد لانتصابه وطوله كجيد الريم، ألا ترى أن الأصمعي سئل عن الحور ~~فقال: أن تكون العين سوداء كلها كعيون الظباء والبقر، ولا حور في الإنسان، ~~هذا أحد أقوال الأصمعي في الحور، ويدلك على أن التشبيه إنما هو هو ~~بالمقاربة كما قلنا. # والتشبيه والاستعارة جميعا يخرجان الأغمض إلى الأوضح، ويقربان البعيد، ~~كما شرط الرماني في كتابه، وهما عنده في باب الاختصار. # قال: واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن، وتشبيه قبيح، فالتشبيه ~~الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بيانا، والتشبيه القبيح ما كان ~~على خلاف ذلك، قال: PageV01P094 وشرح ذلك أن ما تقع عليه الحاسة أوضح في ~~الجملة مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب؛ فالأول في العقل ~~أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع، وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح ~~مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما ~~يؤلف، ثم عاب على بعض شعراء عصره: # صدغه ضد خده مثل ما الوع ... د إذا ما اعتبرت ضد الوعيد # من قبل أنه شبه الأوضح بالأغمض، وما تقع عليه الحاسة بما لا تقع عليه، ~~وكذلك قوله: # له غرة كلون وصال ... فوقها طرة كلون صدود # وقال في موضع آخر: التشبيه على ضربين والأصل واحد: فأحدهما التقدير، ~~والآخر التحقيق؛ فالذي يأتي على التقدير التشبيه من وجه واحد دون وجه، ~~والذي يأتي على التحقيق التشبيه على الإطلاق، وهو التشبيه بالنفس، مثل ~~تشبيه الغراب بالغراب، وحجر الذهب بحجر الذهب إذا كان مثله سواء، وحمرة ~~شقائق بحمرة الشقائق. ms180 # قال صاحب الكتاب: أما ما شرط في التشبيه فهو الحق الذي لا يدفع، لا أنه ~~قد حمل على الشاعر فيما أخذ عليه؛ إذ كان قصد الشاعر أن يشبه ما يقوم في ~~النفس دليله بأكثر مما هو عليه في الحقيقة، كأنه أراد المبالغة، ولعله يقول ~~أو يقول المحتج له: معرفة النفس والمعقول أعظم من إدراك الحاسة، لا سيما قد ~~جاء مثل هذا القرآن وفي الشعر الفصيح: قال الله عز وجل: " طلعها رءوس ~~الشياطين " فقال قوم: إن شجرة الزقوم وهي أيضا الأستن لها صورة منكرة وثمرة ~~قبيحة يقال لها: رؤوس الشياطين، وقال قوم: الشياطين الحيات في غير هذا ~~المكان، والأجود الأعرف أنه شبه بما لا يشك أنه منكر قبيح؛ لما جعل الله عز ~~وجل في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن والشياطين، وإن لم يروها عيانا، ~~فخوفنا تعالى بما أعد للعقوبة، وشبهه بما نخاف أن نراه، وقال امرؤ القيس: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال # فشبه نصال النبل بأنياب الأغوال لما في النفس منها. وعلى هذا التأويل قال ~~أبو تمام وفيه عكس: # وأحسن من نور يفتحه الندى ... بياض العطايا في سواد المطالب # وقال أعرابي قديم: # يزملون حديث الضغن بينهم ... والضغن أسود أو في وجهه كلف # فوصفه بما يتصور ويقوم في النفس، كأنه يقول: لو كان صورة لكان هكذا، وقال ~~بعض المولدين: # وتدبر عينا في صحيفة فضة ... كسواد يأس في بياض رجاء # فاليأس على الحقيقة غير أسود؛ لأنه لا يدرك بالعيان، لكن صورته في ~~المعقول وتمثيله كذلك مجازا، والرجاء أيضا على هذا التقدير في البياض. # وقد يقول المحتج الأول: إن هذا داخل في باب الاستطراد، كأن الشاعر لم ~~يقصد الإخبار عن الغرة والطرة وشبههما، لكن عن الوصال والصدود، وعكس ~~التشبيه ثقة بأن ما أشبه شيئا من جهة فقد أشبهه الآخر من تلك الجهة. # فأما قول ابن المعتز يصف شرب حمار: # وأقبل نحو الماء يشتل صفوه ... كما أغمدت أيدي الصياقل منصلا # فإنه بديع، يشبه فيه انسياب الماء في شدقيه إلى حلقه بمنصل يغمد، ms181 وهذا ~~تشبيه مليح يدرك بالحس، ويتمثل في المعقول، وكرر هذا التشبيه فقال يذكر إبل ~~سفر: # وأغمدن في الأعناق أسياف لجة ... مصقلة تفرى بهن المفاوز # وزعم قدامة أن أفضل التشبيه ما وقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر ~~من انفرادهما، حتى يدنى بهما إلى حال الاتحاد، وأنشد في ذلك وهو عنده أفضل ~~التشبيه كافة: # له أيطلا ظبي، وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان، وتقريب تتفل # وهذا تشبيه أعضاء بأعضاء هي هي بعينها، وأفعال بأفعال هي هي أيضا بعينها، ~~إلا أنها من حيوان مختلف كما قدمت، والأمر كما قال في قرب التشبيه، إلا أن ~~فضل الشاعر فيه غير كبير حينئذ؛ لأنه كتشبيه نفس الشيء المشبه الذي ذكره ~~الرماني في تشبيه الحقيقة، وإنما حسن التشبيه أن يقرب بين البعيدين حتى ~~تصير بينهما مناسبة واشتراك، كما قال الأشجعي: # كأن أزيز الكير إرزام شخبها ... إذا امتاحها في محلب الحي ماتح ~~PageV01P095 فشبه ضرع العنز بالسكير، وصوت الحلب بأزيزه، فقرب بين الأشياء ~~البعيدة بتشبيهه حتى تناسبت، ولو كان الوجه ما قال قدامة لكان الصواب أن ~~يشبه الأشجعي ضرع عنزة بضرع بقرة، أو خلف ناقة؛ لأنه إنما أراد كبره وكثرة ~~ما فيه من اللبن، وكان يعدل عن ذكر الكير وأزيزه الذي دل به على أعظم ما ~~يكون من صفة كبر الضرع وكثرة لبنه. # وسبيل التشبيه إذ كانت فائدته إنما هي تقريب المشبه من فهم السامع، ~~وإيضاحه له أن تشبه الأدون بالأعلى إذا أردت مدحه، وتشبه الأعلى بالأدون ~~إذا أردت ذمه، فتقول في المدح: تراب كالمسك، وحصى كالياقوت، وما أشبه ذلك، ~~فإذا أردت الذم قلت: مسك كالسك أو التراب، وياقوت كالزجاج أو كالحصى؛ لأن ~~المراد في التشبيه ما قدمته من تقريب الصفة وإفهام السامع، وإن كان ما شابه ~~الشيء من جهة فقد شابهه الآخر منها، إلا أن المتعارف وموضوع التشبيه ما ~~ذكرت. # وأصل التشبيه مع دخول الكاف وأمثالها أو كأن وما شاكلها كلها شيء بشيء في ~~بيت واحد، إلى أن صنع امرؤ القيس في صفة عقاب: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ms182 ... لدى وكرها العناب والحشف البالي # فشبه شيئين بشيئين في بيت واحد، واتبعه الشعراء في ذلك؛ فقال لبيد ابن ~~ربيعة: # وجلا السيول عن الضلول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها # فشبه الطلول بالزبر والسيول بالأقلام، بل زاد فشبه جلاء هذه عن هذه ~~بتجديد تلك لتلك. وحكى عن بشار أنه قال: ما قر بي القرار مذ سمعت قول امرئ ~~القيس كأن قلوب الطير رطبا ويابسا حتى صنعت: # كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # فإن كان مراده الترتيب فصدق، ولم يقع بعد بيت امرئ القيس في ترتيبه ~~كبيته، وإن كان المراد تشبيهين في بيت فقد قال الطرماح في صفة ثور وحشي: # يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد # وهذا نهاية في الجودة. وأما قول من قال في بيت الحارث بن حلزة: # وحسبت وقع سيوفنا برءوسهم ... وقع السحابة بالطراف المشرج # إن فيه تشبيهين من جهة الكثرة والحس أو السرعة والحس؛ فمحتمل، إلا أن ~~الشاعر لم يصرح إلا بالوقع خاصة، يريد بذلك الحس وحده ظاهر الأمر ولذلك خص ~~الطراف؛ لكونه من الأدم، فصوت القطر عليه أشد منه على غيره من سائر البيوت. ~~وقال بشار أيضا: # خلقنا سماء فوقهم بنجومها ... سيوفا ونقعا يقبض الطرف أقسما # وقال فشبه شيئين مختلفين بشيئين من جنس واحد: # من كل مشتهر في كف مشتهر ... كأن غرته والسيف نجمان # وربما شبهوا شيئا بشيئين كقول القطامي: # فهن كالحلل الموشى ظاهرها ... أو كالكتاب الذي قد مسه البلل # وربما شبهوا بثلاثة أشياء كما قال البحتري: # كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منظم، أو برد، أو أقاح # فقول الشاعر " أو " زيادة تشبيه وإن لم يصح من جميع المشبه بها إلا شيء ~~واحد من جهة الحكم في " أو " . ومن الناس من يرويه: # كأنما يبسم عن لؤلؤ ... أو فضة، أو برد، أو أقاح # وهي زعموا رواية أكثر أهل الأندلس والمغرب؛ فيكون حينئذ الثغر مشبها ~~بأربعة أشياء، وقد تقدم أبو تمام فقال: # وثناياك إنها إغريض ... ولآل توم وبرق وميض # فشبهها بثلاثة أشياء حقيقة؛ لأن حكم الواو غير ms183 حكم " أو " لا سيما وقد ~~أتى التشبيه بغير كاف ولا شيء من أخوتها، فجاء كأنه إيجاب وتحقيق. # وكثر تشبيههم شيئين بشيئين حتى لم يصر عجبا، وقد جاءوا بتشبيه ثلاثة ~~أشياء بثلاثة أشياء في بيت واحد: بالكاف؛ وبغير كاف؛ فقال مرقش: # النشر مسك، والوجوه دنا ... نير، وأطراف الأكف عنم # وقال ابن الرومي: # كأن تلك الدموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد # وقال أيضا ويدخل في باب قول مرقش: # إن أقبلت فالبدر لاح، وإن مشت ... فالغصن ماد، وإن رنت فالريم # وقال ابن المعتز: # بدر وليل وغصن ... وجه وشعر وقد # خمر ودر وورد ... ريق وثغر وخد # وقال صاحب الكتاب: # كأن ثناياه أقاح، وخده ... شقيق، وعينيه بقية نرجس # وقال أيضا على جهة التفسير: PageV01P096 بكؤوس حكين من شف قلبي ... شفة ~~لم تذق وثغرا وريقا # يريد حافة الكأس والحباب والخمر. # ثم أتوا بتشبيه أربعة بأربعة: بالكاف أيضا، وبغير كاف، فقال امرؤ القيس ~~وهو أول من فتح هذا الباب: # له أيطلا ظبي، وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان، وتقريب تتفل # فجاء بتشبيه إضافة كما ترى حتى جعله تحقيقا لولا مفهوم الخطاب. # بدت قمرا، ومالت خوط بان، ... وفاحت عنبرا، ورنت غزالا # فجاء بالتشبيه على إسقاط الكاف. وقال أيضا: # ترنو إلي بعين الظبي مجهشة ... وتمسح الطل فوق الورد بالعنم # فشبه في القسيم الأول عينها بعين الظبي، وشبه في القسيم الآخر ثلاثة ~~بثلاثة، وقد تقدم أبو نواس فقال: # يبكي فيذري الدر من نرجس ... ويلطم الورد بعناب # وهذا مليح جدا. سئل ابن مناذر: من أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول: # يا قمرا أبصرت في مأتم ... يندب شجوا بين أتراب # يبكي فيذري الدر من نرجس ... ويلطم الورد بعناب # هذا أشعر الجن والأنس. وقد جاء بالشعر على سجيته أعني أبا نواس وشاهد ذلك ~~ظاهر في لفظه، وإلا فهو قادر أن يجعل مكان الدر الطل حتى يتناسب الكلام، ~~لكنه لم يكن يؤثر التصنيع ولا يراه فضيلة؛ لما فيه من الكلفة ومن الناس من ~~يرويه كذلك، ومنهم من يرويه فيذري الدر من جفنة ومما شبه أربعة بأربعة ms184 مع ~~الكاف قول ابن حاجب وهو عبد العزيز وزير القادر بالله أبي العباس النعمان : # ثغر وخد ونهد واختضاب يد ... كالطلع والورد والرمان والبلح # وقال صاحب الكتاب: # بفرع ووجه وقد وردف ... كليل وبدر وغصن وحقف # ومما وقع فيه تشبيه خمسة بخمسة قول أبي الفرج الوأواء، وأتى به بغير آلة ~~تشبيه: # فأسبلت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد # وقال أبو الفتح البستي شاعر مصر في وقتنا هذا يصف شمعة: # قد شابهتني في لون وفي قضف ... وفي احتراق وفي دمع وفي سهر # فقوله قد شابهتني أظهر مقدرة من المجيء بالكاف؛ لأنهم إنما استصعبوا ذلك ~~مع الكاف وأخوتها من جهة ضيق الكلام بها، فهذا الذي أتى به البستي أشد ~~ضيقا، ألا ترى أنه لو قال: " كأنها أنا " لكان هو الصواب ويكون قد أتى بكأن ~~وضميرين بعدها فضلا عن الكاف. # ومنهم من يأتي بالتشبيه الواحد بغير كاف كقول امرئ القيس: # سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال # وقوله أيضا: # إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفضل # يريد كسمو حباب الماء، وكتعرض أثناء الوشاح. # وأبدع من هذا عندهم وأغرب قول المنخل اليشكري: # دافعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير # وإنما براعته عندهم لما لم يكن قبله فعل من لفظه. # ومن مليح التشبيه قول أبي كبير الهذلي: # فالطعن شغشغة، والضرب هيقعة ... ضرب المعول تحت الديمة العضدا # وللقسي أزاميل وغمغمة ... حس الجنوب تسوق الماء والبردا # فالأول من نوع بيتي امرئ القيس، والثاني من نوع بيت المنخل، وأنا أستحسن ~~هذين البيتين جدا. # وقد يقع التشبيه بين الضدين والمختلفين: كقولك " العسل في حلاوته كالصبر ~~في مرارته، أو كالخل في حموضته " . # قال أبو الحسن الرماني: وهذا الضرب من التشبيه لا يقال إلا بتقييد وتفسير ~~ومن هذا النوع الذي ذكره الرماني قول ابن المهدي للمأمون يعتذر: # لئن جحدتك معروفا مننت به ... إني لفي اللؤم أحظى منك بالكرم # وكذلك قول أبي نواس: # أصبح الحسن منك يا أحسن الأم ... ة يحكي سماجة ابن حبيش ms185 # يريد أن هذا غاية كما أن ذاك غاية. # قال الجرجاني: التشبيه والتمثيل يقع مرة بالصورة والصفة، وأخرى بالحالة ~~والطريقة، اعتذر بذلك عن قول أبي الطيب: # بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه # إنه إنما أراد وقوفا خارجا عن المتعارف. وأنشد: # رب نيل أمد من نفس العا ... شق طولا قطعته بانتحاب PageV01P097 فهذا ~~والله هو النقد العجيب الذي غفل الناس عنه، بل عموا وصموا. والبيت لمحمد بن ~~عبد الملك الزيات، ويروي لماني الموسوس. ومثله قول أبي تمام: # ومسافة كمسافة الهجر ارتقى ... في صدر باقي الحب والبرحاء # وأنشد الرماني لذي الرمة: # كأنه كوكب في إثر عفريت ... مسوم في سواد الليل منقضب # ثم قال: قد اجتمع الثور والكوكب في السرعة إلا أن انقضاض الكوكب أسرع، ~~واستدل بهذا على جودة التشبيه. # وأنا أرى أن فيه دركا على الشاعر، وإغفالا من الشيخ المفسر، وذلك أن ~~الثور مطلوب، والكوكب طالب، فشبهه به في السرعة والبياض، ولو شبهه بالعفريت ~~وشبه الكلب وراءه بالكوكب لكان أحسن وأوضح، لكنه لم يتمكن له المعنى الذي ~~أراده من فوت الثور الذي شبه به راحلته؛ وأما ما أغفله الشيخ فإن الشاعر ~~إنما رغب في تشبيه الثور بالكوكب، واحتمل عكس التشبيه: بأن جعل المطلوب ~~طالبا لبياضه فإن الثور لهق لا محالة؛ وأما السرعة التي زعم فإن العفريت لو ~~وصفه به وشبهه بسرعته لما كان مقصرا، ولا متوسطا، بل فوق ذلك. # ومن التشبيهات عقم لم يسبق أصحابها إليها، ولا تعدى أحد بعدهم عليها، ~~واشتقاقها فيما ذكر من الريح العقيم، وهي التي لا تلقح شجرة ولا تنتج ثمرة، ~~نحو قول عنترة العبسي يصف ذباب الروض: # وخلا الذباب بها فليس بارح ... غردا كفعل الشارب المترنم # هزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم # وقوله أيضا في صفة الغراب: # خرق الجناح كأن لحي رأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع # وقال الحطيئة يصف لغام ناقته: # ترى بين لحييها إذا ما ترغمت ... لغاما كبيت العنكبوت الممدد # وقال الشماخ يصف آثار ريش نعامة: # كأنما منثني ms186 أقماع ما مرطت ... من العفاء بليتيها الثآليل # وقول عدي بن الرقاع يصف قرن ظبي: # تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها # وقول الراعي يصف جعد الرأس: # جدلا أسك كأن فروة رأسه ... بذرت فأنبت جانباها فلفلا # وقول بشر بن أبي خازم يصف عروق الأرطى وقد كشفها ثور: # يثير ويبدي عن عروق كأنها ... أعنة خراز تخط وتنشر # وقول الطرماح في صفة الظليم: # مجتاب شملة برجد لسراته ... قددا، وأسلم ما سواه البرجد # وقول ذي الرمة في صفة الليل: # وليل كجلباب العروس قطعته ... بأربعة والشخص في العين واحد # وقول مضرس بن ربعي في صفة رأس النعامة: # سكاء عارية الأخادع رأسها ... مثل المدق وأنفها كالمسرد # وقال النابغة في صفة النسور: # تراهن خلف القوم خزرا عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب # وهذا التشبيه عندهم عقيم، إلا أني أقول: إنه من قول طرفة يصف عقابا: # وعجزاء دفت بالجناح كأنها ... مع الصبح شيخ في بجاد مقنع # وينظر أيضا إلى قول امرئ القيس قبله: # كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل # وقال عبد الله بن الزبير الأسدي في تشبيه رأس القطاة: # تقلب للإصغاء رأسا كأنها ... يتيمة جوز أغبرتها المكاسر # وفي الشعر من هذا صدر جيد، وفي القرآن تشبيه كثير كقوله تعالى: " والقمر ~~قدرناها منازل حتى عاد كالعرجون القديم " وقوله تعالى: " والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيمة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا " وقوله: ~~" إذا غشيهم موج كالظلل " وقوله: " كأنهم جراد منتشر " ومن كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " الناس كأسنان المشط، وإنما يتفاضلون بالعافية " وقال: " ~~الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " وكثير من هذا يطول تقصيه. # وقد أتت القدماء بتشبيهات رغب المولدون إلا القليل عن مثلها استبشاعا ~~لها، وإن كانت بديعة في ذاتها، مثل قول امرئ القيس: # وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل # فالبنانة لا محالة شبيهة بالأسروعة، وهي دودة تكون في الرمل، وتسمى ~~جماعتها بنات النقا، وإياها عنى ذو الرمة بقوله: # خراعيب أمثال كأن بنانها ms187 ... بنات النقا تخفى مرارا وتظهر PageV01P098 ~~فهي كأحسن البنان: لينا، وبياضا، وطولا، واستواء، ودقة، وحمرة رأس، كأنه ~~ظفر قد أصابه الحناء، وربما كان رأسها أسود، إلا أن نفس الحضري المولد إذا ~~سمعت قول أبي نواس في صفة الكأس: # تعاطيكها كف كأن بنانها إذا اعترضتها العين صف مداري # أو قول علي بن العباس الرومي: # سقى الله قصرا بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصري الدلال رصافي # أشار بقضبان من الدر قمعت ... يواقيت حمرا فاستباح عفافي # وقول عبد الله بن المعتز: # أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق # كان ذلك أحب إليها من تشبيه البنان بالدود في بيت امرئ القيس، وإن كان ~~تشبيهه أشد إصابة. وفي قول الطائي أبي تمام: # بسطت إليك بنانة أسروعا ... تصف الفراق ومقلة ينبوعا # وقرب هذا عنده وهو مدح من قول حسان في الهجو: # وأمك سوداء نوبية ... كأن أناملها الحنظب # إذ كانا جميعا من خشاش الأرض. فأما قول امرئ القيس أو مساويك إسحل فجار ~~مجرى غيره من تشبيهاتهم؛ لأنهم يصفونها بالعنم والأقلام وما أشبه ذلك، ~~والبنان قريب الشبه من أعواد المساويك: في القدر، والاستواء، والإملاس، إلا ~~أن الأول على كراهته أشبه بها، والإسحل: شجر المخيطا. # وقد استبشع قوم قول الآخر يصف روضا # كان شقائق النعمان فيه ... ثياب قد روين من الدماء # فهذا وإن كان تشبيها مصيبا فإن فيه بشاعة ذكر الدماء، ولو قال من العصفر ~~مثلا أو ما شاكله لكان أوقع في النفس وأقرب إلى الأنس. # وكذلك صفتهم الخمر في حبابها بسلخ الشجاع وما جرى هذا المجرى من التشبيه، ~~فإنه وإن كان مصيبا لعين الشبه فإنه غير طيب في النفس، ولا مستقر على ~~القلب، ومن ذلك قول أبي عون الكاتب: # تلاعبها كف المزاج محبة ... لها، وليجري ذات بينهما الأنس # فتزبد من تيه عليها كأنها ... غريرة خدر قد تخبطها المس # فلو أن في هذا كل بديع لكان مقيتا بشعا، ومن ذا يطيب له أن يشرب شيئا ~~يشبه بزبد المصروع وقد تخبطه الشيطان من المس؟! وكأني أرى بعض من لا يحسن ~~إلا الاعتراض ms188 بلا حجة قد نعى على هذا المذهب، وقال: رد على امرئ القيس، ولم ~~أفعل، ولكني بينت أن طريق العرب القدماء كثير من الشعر قد خولفت إلى ما هو ~~أليق بالوقت وأشكل بأهله. وقد عاب الأصمعي بين يدي الرشيد قول النابغة: # نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود # على أنه تشبيه لا يلحق، ولا يشق غبار صاحبه، ولم يجد فيه المطعن إلا بذكر ~~السقيم؛ فإنه رغب عن تشبيه المحبوبة به، وفضل عليه قول عدي بن الرقاع ~~العاملي: # وكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم # وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم # وأجرى الناس هذا المجرى قول صريع الغواني على أنه لم يقع لأحد مثله، وهو: # فلطت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع # فهذا تشبيه مصيب جدا، إلا أنهم عابوه بما بينت، وإنما أشار إلى قول ~~النابغة: # ويخططن بالعيدان في كل منزل ... ويخبأن رمان الثدي النواهد # ومثله قول أبي محجن الثقفي في وصف قينة: # وترفع الصوت أحيانا وتخفضه ... كما يطن ذباب الروضة الغرد # فأي قينة تحب أن تشبه بالذباب؟ وقد سرق بيت عنترة وقلبه فأفسده. # باب الإشارة # والأشارة من غرائب الشعر وملحه، وبلاغة عجيبة، تدل على بعد المرمى وفرط ~~المقدرة، وليس يأتي بها إلا الشاعر المبرز، والحاذق الماهر، وهي في كل نوع ~~من الكلام لمحة دالة، واختصار وتلويح يعرف مجملا ومعناه بعيد من ظاهر لفظه؛ ~~فمن ذلك قول زهير: # فإني لو لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاء # فقد أشار له بقبح ما كان يصنع لو لقيه، هذا عند قدامة أفضل بيت في ~~الإشارة.. وقول الآخر: # جعلت يدي وشاحا له ... وبعض الفوارس لا يعتنق # وهذا النوع من الشعر هو الوحي عندهم.. وأنشد الحاتمي عن علي بن هارون عن ~~أبيه، عن حماد، عن أبيه إسحاق بن إبراهيم الموصلي: # جعلنا السيف بين الخد منه ... وبين سواد لمته عذارا PageV01P099 فأشار ~~إلى هيئة الضربة التي أصابه بها دون ذكرها إشارة لطيفة دلت على كيفيتها، ~~وإنما وصف أنهم ضربوا عنقه، ms189 ويروي بين الجيد ومثله قول الآخر: # ويوم يبيل النساء الدماء ... جعلت رداءك فيه خمارا # يريد بالرداء الحسام كما قال متمم بن نويرة: # لقد كفن المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيات أروعا # وقوله إنه جعله خمارا أي قنعت به الفرسان، وأشار بقوله يبيل النساء ~~الدماء إلى وضع الحوامل من شدة الفزع. # ومما جاء في الإشارة على معنى التشبيه قول الراجز يصف لبنا ممذوقا وجاء ~~بمذق هل رأيت الذئب قط فإنما أشار إلى تشبيه لونه؛ لأن الماء غلب عليه فصار ~~كلون الذئب. # ومن أنواع الإشارة التفخيم فكقول الله تعالى: " القارعة ما القارعة " وقد ~~قال كعب بن سعد الغنوي: # أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللقاء هيوب # وأما الإيماء فكقول الله عز وجل: " فغشيهم من اليم ما غشيهم " فأومأ إليه ~~وترك التفسير معه.. وقال كثير: # تجافيت عني حين لا لي حيلة ... وخلفت ما خلفت بين الجوانح # فقوله وخلفت ما خلفت إيماء مليح.. ومثله قول ابن ذريح: # أقول إذا نفسي من الوجد أصعدت ... بها زفرة تعتادني هي ما هيا # ومن أنواع التعريض: كقول كعب بن زهير لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا # فعرض بعمر بن الخطاب وقيل: بأبي بكر رضي الله عنهما، وقيل: برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تعريض مدح، ثم قال: # يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل # فقيل: إنه عرض في هذا البيت بالأنصار، فغضبت الأنصار، وقال المهاجرون: لم ~~تمدحنا إذ ذممتهم، حتى صرح بمدحهم في أبيات يقول فيها: # من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار # ومن مليح التعريض قول أيمن بن خريم الأسدي لبشر بن مروان يمدحه ويعرض ~~بكلف كان بوجه أخيه عبد العزيز حين نفاه من مصر على يدي نصيب الشاعر مولاه: # كأن التاج تاج بني هرقل ... جلوه لأعظم الأعياد عيدا # يصافح خد بشر حين يمسي ... إذا الظلماء باشرت الخدودا # فهذا من خفي التعريض؛ لأنه أوهم ms190 السامع أنه إنما أراد المبالغة بذكر ~~الظلماء لا سيما وقد قال حين يمسي وإنما أراد الكلف، هكذا حكت الرواة. # ومن أفضل التعريض مما يجل عن جميع الكلام قول الله عز وجل: " ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم " أي: الذي كان يقال له هذا أو يقوله، وهو أبو جهل؛ لأنه ~~قال: ما بين جبليها يعني مكة أعز مني ولا أكرم، وقيل: بل ذلك على معنى ~~الاستهزاء به. # ومن أنواعها التلويح، كقول المجنون قيس بن معاذ العامري: # لقد كنت أعلو حب ليلى فلم يزل ... بي النقض والإبرام حتى علانيا # فلوح بالصحة والكتمان ثم بالسقم والاشتهار تلويحا عجيبا، وإياه قصد أبو ~~الطيب بعد أن قلبه ظهرا لبطن فقال: # كتمت حبك حتى منك تكرمة ... ثم استوى فيك إسراري وإعلاني # لأنه زاد حتى فاض عن جسدي ... فصار سقمي به في جسم كتماني # إلا أنه أخفاه وعقده كما ترى، حتى صار أحجية يتلاقاها الناس. # ومن أجود ما وقع في هذا النوع قول النابغة يصف طول الليل: # تقاعس حتى قلت: ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآيب # " الذي يرعى النجوم " يريد به الصبح، أقامه مقام الراعي الذي يغدو فيذهب ~~بالإبل والماشية؛ فيكون حينئذ تلويحه هذا عجبا في الجودة، وأما من قال: إن ~~الذي يرعى النجوم إنما هو الشاعر الذي شكا السهر وطول الليل؛ فليس على شيء. ~~وزعم قوم أم الآيب لا يكون إلا بالليل خاصة، ذكره عبد الكريم. # ومن أنواع الإشارات الكناية والتمثيل، كما قال ابن مقبل وكان جافيا في ~~الدين: يبكي أهل الجاهلية وهو مسلم، فقيل له مرة في ذلك فقال: # وما لي لا أبكي الديار وأهلها ... وقد رادها رواد عك وحميرا # وجاء قطا الأحباب من كل جانب ... فوقع في أعطاننا ثم طيرا # فكنى عما أحدثه الإسلام ومثل كما ترى. PageV01P100 ومن أنواعها الرمز: ~~كقول أحد القدماء يصف امرأة قتل زوجها وسبيت: # عقلت لها من زوجها عدد الحصى ... مع الصبح أو مع جنح كل أصيل # يريد أني لم أعطها عقلا ولا قودا بزوجها، إلا الهم الذي يدعوها إلى ms191 عد ~~الحصى، وأصله من قول امرئ القيس: # ظللت ردائي فوق رأسي قاعدا ... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي # ومن مليح الرمز قول أبي نواس يصف كؤوسا ممزوجة فيها صور منقوشة: # قرارتها كسرى، وفي جنباتها ... مها تدريها بالقسي الفوارس # فللخمر ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس # يقول: إن خد الخمر من صور هذه الفوارس التي في الكؤوس إلى التراقي ~~والنحور، وزبد الماء فيها مزاجا، فانتهى الشراب إلى فوق رءوسها، ويجوز أن ~~يكون انتهاء الحباب إلى ذلك الموضع لما مزجت فأزبدت، والأول أملح، وفائدته ~~معرفة حدها صرفا من معرفة حدها ممزوجة، وهذا عندهم مما سبق إليه أبو نواس، ~~وأرى والله أعلم إنما تحلق على المعنى من قول امرئ القيس: # فلما استطابوا صب في الصحن نصفه ... ووافى بماء غير طرق ولا كدر # ويروي " ووافوا وإياه أردت، ويروى " استظلوا " من الظل مكان " استطابوا " ~~جعل الماء والشراب قسمين لقوة الشراب، فتسلق الحسن عليه، وأخفاه بما شغل به ~~الكلام من ذكر الصورة المنقوشة في الكؤوس، إلا أنها سرقة ظريفة مليحة، ولم ~~يكن أبو نواس يرضى أن يتعلق بمن دون امرئ القيس وأصحابه. # وأصل الرمز الكلام الخفي الذي لا يكاد يفهم، ثم استعمل حتى صار الإشارة ~~وقال الفراء: الرمز بالشفتين خاصة. # ومن الإشارات اللمحة، كقول أبي نواس يصف يوما مطيرا: # وشمسه حرة مخدرة ... ليس لها في سمائها نور # فقوله " حرة " يدل على ما أراد في باقي البيت؛ إذ كان من شأن الحرة الخفر ~~والحياء، ولذلك جعلها مخدرة، وشأن القيان والمملوكات التبذل والتبرج، وأما ~~زعم من زعم أن قوله " حرة " إنما يريد خلوصها كما تقول: هذا العلق من حر ~~المتاع؛ فخطأ؛ لأن الشاعر قد قال: " ليس لها في سمائها نور " فأي خلوص ~~هناك؟ وكذلك قول حسان ويكون أيضا تتبيعا: # أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل # يريد أنهم ملوك ذوو حاضرة ومستقر عز، ليسوا أصحاب رحلة وانتجاع. # ومن أخفى الإشارات وأبعدها اللغز، وهو: أن يكون للكلام ظاهر عجب لا يمكن، ~~وباطن ممكن غير ms192 عجب، كقول ذي الرمة يصف عين الإنسان: # وأصغر من قعب الوليد ترى به ... بيوتا مبناة وأودية قفرا # فالباء في به للإلصاق كما تقول " لمسته بيدي " أي: ألصقتها به وجعلتها ~~آلة اللمس، والسامع يتوهمها بمعنى في، وذلك ممتنع لا يكون، والأول حسن غير ~~ممتنع ومثله قول أبي المقدام: # وغلام رأيته صار كلبا ... ثم من بعد ذاك صار غزالا # فقوله صار إنما هو بمعنى عطف وما أشبهه من قول الله عز وجل: " فخذ أربعة ~~من الطير فصرهن إليك " ، ومستقبله يصور، وقد قيل " يصير " وهي لغة قليلة، ~~وليس صار التي هي من أخوات كان مستقبلها يصير فقط ومعناها استقر بعد تحول. # واشتقاق اللغز من ألغز اليربوع ولغز، إذا حفر لنفسه مستقيما ثم أخذ يمنة ~~ويسرة، يوري بذلك ويعمى على طالبه. # ومن الإشارات اللحن، وهو كلام يعرفه المخاطب بفحواه، وإن كان على غير ~~وجهه، قال الله تعالى: " ولتعرفنهم في لحن القول " وإلى هذا ذهب الحذاق في ~~تفسير قول الشاعر: # منطق صائب وتلحن أحيا ... نا، وخير الحديث ما كان لحنا # ويسميه الناس في وقتنا هذا المحاجاة لدلالة الحجا عليه. وذلك نحو قول ~~الشاعر يحذر قومه: # خلوا على الناقة الحمراء أرحلكم ... والبازل الأصهب المعقول فاصطنعوا # إن الذئاب قد اخضرت براثنها ... والناس كلهم بكر إذا شبعوا # أراد " بالناقة الحمراء " الدهناء، و " بالجمل الأصهب " الصمان، " ~~وبالذئاب " الأعداء، يقول: قد اخضرت أقدامهم من المشي في الكلأ والخصب، ~~والناس كلهم إذا شبعوا طلبوا الغزو فصاروا عدوا لكم كما أن بكر بن وائل ~~عدوكم.. # ومثل ذلك قول مهلهل لما غدره عبداه وقد كبرت سنه وشق عليهما ما يكلفهما ~~من الغارات وطلب الثارات، فأراد قتله، فقال: PageV01P101 أوصيكما أن ترويا ~~عني بيت شعر، قالا: وما هو؟ قال: # من مبلغ الحيين أن مهلهلا ... لله دركما ودر أبيكما # فلما زعما أنه مات قيل لهما: هل أوصى بشيء؟ قالا: نعم، وأنشدا البيت ~~المتقدم، فقالت ابنته: عليكم بالعبدين فإنما قال أبي: # من مبلغ الحيين أن مهلهلا ... أمسى قتيلا بالفلاة مجندلا # لله دركما ودر أبيكما ... لا يبرح العبدان ms193 حتى يقتلا # فاستقروا العبدين أنهما قتلاه، ورويت هذه الحكاية لمرقش. # وسبيل المحاجاة أن تكون كالتعريض والكناية، وكل لغز داخل في الأحاجي، وقد ~~حاجى شيخنا أبو عبد الله بعض تلاميذه فقال له: # أحاجيك عباد كزينب في الورى ... ولم تؤت إلا من حميم وصاحب # فأجابه التلميذ بأن قال: # سأكتم حتى ما تحس مدامعي ... بما انهل من دموع سواكب # فكان معكوس قول أبي عبد الله " عباد كزينب " سرك ذائع، فقال الآخر " ~~سأكتم " فأجابه على الظاهر إجابة حسنة، ومعكوس سأكتم " منك أتيت " فكأنه ~~قابل به قول الشيخ " ولم تؤت إلا من صديق وصاحب " وهذا كله مليح. # ومنها التعمية، وهذا مثل للطير وما شاكله، كقول أبي نواس: واسم عليه خبن ~~للصفا وما أشبهه، وهو معنى مشهور. # ومن الإشارات مصحوبة، وهي عند أكثرهم معيبة كأنها حشو واستعانة على ~~الكلام، نحو قول أبي نواس: # قال إبراهيم بالما ... ل كذا غربا وشرقا # ولم يأت بها أبو نواس حشوا، ولكن شطارة وعبثا بالكلام، وإن شئت قلت بيانا ~~وتثقيفا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن ~~العاص: " وكيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس، وقد مرجت عهودهم وأمانتهم، ~~واختلفوا فكانوا هكذا؟ وشبك بين أصابع يديه " ، ولا أحد أفصح من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولا أبعد كلاما منه من الحشو والتكلف. # وقالوا: مبلغ الإشارة أبلغ من مبلغ الصوت، فهذا باب تتقدم الإشارة فيه ~~الصوت، وقيل: حسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان، جاء ~~بذلك الرماني نصا، وقاله الجاحظ من قبل، وأخذ على بعض الشعراء في قوله: # أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... إشارة مذعور ولم تتكلم # فأيقنت أن الطرف قال: مرحبا ... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيم # إذ كان هذا كله مما لا تحمله إشارة خائف مذعور. # ولما أقام معاوية الخطباء لبيعة يزيد قام رجل من ذي الكلاع فقال: هذا ~~أمير المؤمنين، وأشار بيده إلى معاوية، فإن مات فهذا، وأشار إلى يزيد، فمن ~~أبى فهذا، وأشار إلى السيف، ثم قال: # معاوية الخليفة لا ms194 تمارى ... فإن يهلك فسائسنا يزيد # فمن غلب الشقاء عليه جهلا ... تحكم في مفارقه الحديد # وقد جاء أبو نواس بإشارات أخر لم تجر العادة بمثلها، وذلك أن الأمين بن ~~زبيدة قال له مرة: هل تصنع شعرا لا قافية له؟ قال: نعم، وصنع من فوره ~~ارتجالا: # ولقد قلت للمليحة قولي ... من بعيد لمن يحبك: " إشارة قبلة " # فأشارت بمعصم ثم قالت ... من بعيد خلاف قولي: " " لا لا " # فتنفست ساعة ثم إني ... قلت للبغل عند ذلك: " " امش " # فتعجب جميع من حضر المجلس من اهتدائه وحسن تأتيه، وأعطاه الأمين صلة ~~شريفة. # ومن إشارات الحذف، نحو قول نعيم بن أوس يخاطب امرأته: # إن شئت أشرفنا جميعا فدعا ... الله كل جهده فأسمعا # بالخير خيرا وإن شرا فاا ... ولا أريد الشر إلا أن تاا # كذا رواه أبو زيد الأنصاري، وساعده من المتأخرين علي بن سليمان الأخفش، ~~وقال: لأن الرجز يدل عليه، إلا أن رواية النحويين " وإن شرا فا " و " إلا ~~أن تا " قالوا: يريد إن شرا فشر، وإلا أن تشائي.. وأنشدوا: # ثم تنادوا بعد تلك الضوضا ... منهم بهات وهل ويا يا # نادى مناد منهم ألاتا ... قالوا جميعا كلهم بلى فا # وأنشد الفراء: قلت لها قومي فقالت: قا ف يريد قد قمت. # ومن أنواعها التورية كقول علية بنت المهدي في طل الخادم: # أيا سرحة البستان طال تشوقي ... فهل لي إلى ظل إليك سبيل PageV01P102 متى ~~يشتفى من ليس يرجى خروجه ... وليس لمن يهوى إليه دخول؟ # فورت بظل عن طل، وقد كانت تجد به، فمنعه الرشيد من دخول القصر، ونهاها عن ~~ذكره، فسمعها مرة تقرأ: " فإن لم يصبها وابل " فما نهى عنه أمير المؤمنين، ~~أي فطل فقال: ولا كل هذا. # وأما التورية في أشعار العرب فإنما هي كناية: بشجرة، أو شاة، أو بيضة، أو ~~ناقة، أو مهرة، أو ما شاكل ذلك كقول المسيب بن علس: # دعا شجر الأرض داعيهم ... لينصره السدر والأثأب # فكنى بالشجر عن الناس، وهم يقولون في لكلام المنثور: جاء فلان بالشوك ~~والشجر، إذا جاء بجيش عظيم. # وكان عمر ms195 رضي الله عنه أو غيره من الخلفاء قد حظر على الشعراء ذكر ~~النساء، فقال حميد بن ثور الهلالي: # تجرم أهلوها لأن كنت مشعرا ... جنونا بها، يا طول هذا التجرم # وما لي من ذنب إليهم علمته ... سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي # بلى فاسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي ... ثلاث تحيات وإن لم تكلم # وقال أيضا في مثل ذلك: # أبى الله إلا أن سرحة مالك ... على كل أفنان العضاة تروق # فيا طيب رياها، ويا برد ظلها ... إذا حان من شمس النهار شروق # فهل أنا إن عللت نفسي بسرحة ... من السرح مسدود علي طريق؟ # حمى ظلها شكس الخليقة خائف ... عليها غرام الطائفين شفيق # يريد بذلك بعلها أو ذا محرمها # فلا الظل من برد الضحى مستطيعه ... ولا الفيء منها في العشي نذوق # وقال عنترة العبسي: # يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم # وإنما ذكر امرأة أبيه، وكان يهواها، وقيل: بل كانت جاريته؛ فلذلك حرمها ~~على نفسه، وكذلك قوله: والشاة ممكنة لمن هو مرتمي والعرب تجعل المهاة شاة؛ ~~لأنها عندهم ضائنة الظباء، ولذلك يسمونها نعجة، وعلى هذا المتعارف في ~~الكناية جاء قول الله عز وجل في إخباره عن خصم داود عليه السلام: " إن هذا ~~أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة " كناية بالنعجة عن المرأة، وقال ~~امرؤ القيس: # وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل # كناية بالبيضة عن المرأة.. وروى ابن قتيبة أن رجلا كتب إلى عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: # ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري # قلائصنا هداك الله، إنا ... شغلنا عنكم زمن الحصار # فما قلص وجدن معقلات ... قفا سلع بمختلف النجار # يعقلهن جعد شيظمي ... وبئس معقل الذود الظؤار # وإنما كنى بالقلص وهي النوق الشواب عن النساء، وعرض برجل يقال له جعدة ~~كان يخالف إلى المغيبات من النساء، ففهم عمر ما أراد، وجلد جعدة ونفاه. # ومن الكناية اشتقاق الكنية؛ لأنك تكني عن الرجل بالأبوة، فتقول: أبو ~~فلان، ms196 باسم ابنه، أو ما تعورف في مثله، أو ما اختار لنفسه؛ تعظيما له ~~وتفخيما، وتقول ذلك للصبي على جهة التفاؤل بأن يعيش ويكون له ولد. # قال المبرد وغيره: الكناية على ثلاثة أوجه: هذا الذي ذكرته آنفا أحدها، ~~والثاني: التعمية والتغطية التي تقدم شرحها، والثالث: الرغبة عن اللفظ ~~الخسيس كقول الله عز وجل: " وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا " فإنها فيما ~~ذكر كناية عن الفروج. ومثله في القرآن وفي كلام الفصحاء كثير. # باب التتبيع # ومن أنواع الإشارة التتبيع، وقوم يسمونه التجاوز، وهو: أن يريد الشاعر ~~ذكر الشيء فيتجاوزه، ويذكر ما يتبعه في الصفة وينوب عنه في الدلالة عليه، ~~وأول من أشار إلى ذلك امرؤ القيس يصف امرأة: # ويضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل # فقوله " ويضحى فتيت المسك " تتبيع، وقوله " نؤوم الضحى " تتبيع ثان، ~~وقوله " لم تنتطق عن تفضل " تتبيع ثالث، وإنما أراد أن يصفها بالترفه، ~~والنعمة، وقلة الامتهان في الخدمة، وأنها شريفة مكفية المؤونة، فجاء بما ~~يتبع الصفة ويدل عليها أفضل دلالة.. ونظيره قول الأخطل يصف نساء: # لا يصطلين دخان النار شاتية ... إلا بعود يلنجوج على فحم PageV01P103 ~~فذكر أنهن ذوات تملك وشرف حال. وأين من هذا القول النابغة في معناه وقصده: # ليست من السود أعقابا إذا انصرفت ... ولا تبيع بجنبي نخلة البرما # كأنها إن لم تكن سوداء العقبين بياعة للبرم كانت في نهاية الحسن والشرف ~~والدعة. # وقال النابغة وأراد أن يصف طول العنق وتمام الخلقة فيها فذكر القرط؛ إذ ~~كان مما يتبع وصف العنق، ولم يسبقه إلى ذلك أحد من الشعراء: # إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق # فجعل رعاثها يخاف ويفرق، وعذره ببعد مسقطه، فتناول هذا المعنى عمر بن أبي ~~ربيعة فأوضحه بقوله: # بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها، وإما عبد شمس وهاشم # وتبعه ذو الرمة فزاد المعنى وضوحا بقوله: # والقرط في حرة الذفرى معلقه ... تباعد الحبل منه فهو يضطرب # وقال طفيل الغنوي يصف فرسا، ويروى لغيره: # هريت قصير عذير اللجام ... أسيل طويل ms197 عذار الرسن # فلو ترك الهرت والأسالة لكان من هذا الباب، ولكنه الآن لم يقصد التتبيع، ~~وإنما جاء به كالتوكيد لما قبله، هذه رواية ابن قتيبة، وأما رواية النحاس ~~عن شيوخه عن الأصمعي فإنها: # وأحوى قصير عذار اللجام ... وهو طويل عذار الرسن # وهذا تتبيع لا شك فيه. وأما قول الأخطل: # أسيلة مجرى الدمع، أما وشاحها ... فجار، وأما الحجل منها فما يجري # ففيه التتبيع في ثلاثة مواضع، وهي صفة الخد بالسهولة، وصفة الخصر بالرقة، ~~والساق بالغلط. ومثله قول الأعشى: # صفر الوشاح، وملء الدرع، خرعبة ... إذا تأتي يكاد الخصر ينخزل # فقوله " صفر الوشاح " دال على رقة الخصر، " وملء الدرع " دال على تمام ~~الخلق من طول وسمن وامتلاء صدر وعجيزة، وكل ما وقع من قولهم: طويل النجاد، ~~وكثير الرماد، وما يشاكلهما فهو من هذا الباب. وقالت ليلى الأخيلية: # ومخرق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما # أرادت أنه يجذب ويتعلق به للحاجات لجوده وسؤدده وكثرة الناس حوله، وقيل: ~~إنما ذلك لعظم مناكبه، وهم يحمدون ذلك. # ومن عجيب ما وقع في هذا الباب من التجاوز قول أوس بن حجر: # حتى يلف نخيلهم وبيوتهم ... لهب كناصية الحصان الأشقر # أراد الحرب التي هي المقصود بالصفة، هكذا الرواية الصحيحة، وبهذا التفسير ~~فسره جلة العلماء وهم الأكثر، وقال آخرون: بل إنما أغراه بإحراق النخل ~~والبيوت ففعل، ولا يكون على هذا الرأي الآخر من هذا الباب. # ومن التجاوز قول رؤبة بن العجاج يصف حوافر الخيل: سوى مساجيهن تقطيط ~~الحقق أراد أن يشبهها بالمساحي فجعلها أنفسها مساحي، يريد العظم. # ومثله قول ابن دريد: # يدير إعليطين في ملمومة ... إلى لموحين بألحاظ اللأى # أراد أن يشبه أذن الفرس بالإعليط وهو وعاء ثمر المرخ فجعل الأذن نفسها ~~إعليطا، كما فعل رؤبة في المساحي، ومثله كثير. # ومما يدخل في باب التجاوز قول النابغة: # تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب # وإنما أراد السلوقي مع ما فيه من الجسد وما تحت لابسه زعموا من السرج ~~والفرس، فعدا عن الجميع، وجاء بما يتبعه، ويستغني به ms198 عن ذكره، إذ كانت لا ~~تقد السلوقي إلا أن تقد ما فيه، ولا تنتهي إلى الصفاح على ما فسروا من أنه ~~يريد الفارس بأداته إلا بعد أن تأتي على السرج والفرس، على أن من الناس من ~~رد يوقدن على الخيل.. وإلى مثل هذا الإفراط ذهب النمر بن تولب في صفة السيف ~~الذي شبه به نفسه فقال: # تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي # وروى الحذاق " القينين والهادي " وهو واضح في المعنى. # ومن التتبيع قول زهير: # وملجمنا ما إن ينال قذاله ... ولا قدماه الأرض إلا أنامله # فأشار إلى طول عنقه وقوائمه بذكر تطاول الملجم إشارة عجيبة، وتبعه ابن ~~مقبل فقال: # تمطيت أخليه اللجام فبذني ... وشخصي يسامي شخصه وهو طائله # وإنما تناول زهير هذا المعنى من أبي دؤاد الإيادي، ويروي بن ثعلبة الأسدي ~~حيث يقول: # لا يكاد الطويل يبلغ منه ... حيث يثني على المقص العذار # وأنا أقول: PageV01P104 إن بيت الذبياني في الرعاث مأخوذ من قول عبيد بن ~~الأبرص: # ماطوا الرعاث بنهد لو يزل به ... لاندق دون تلاقي اللبة القرط # وقال ابن دريد وأتى ببديع مليح: # قريب ما بين القطاة والمطا ... بعيد ما بين القذال والصلا # فدل هذا على قصر الظهر وطول العنق.. # وقال بعض الشعراء فملح وظرف: # فما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل # أشار إلى كثرة غشيان الضيوف، حتى إن الكلب مما أنس جبن أن ينبح فضلا عما ~~سوى ذلك، وهزال فصيله دال على أن الألبان مبذولة للضيفان، فقل ما بقي له ~~منها. # وقد قال امرؤ القيس: سمان الكلاب عجاف الفصال فعجف الفصال للعسلة التي ~~قدمت، وسمن الكلاب لكثرة ما ينحرون ويذبحون. # ومن أعجب التتبيع قوله: # أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر # يقول: أنزلوا نجدا الذي من نباته المرخ أم الغور الذي من نباته العشر؟ ~~وإن الأعراب يعملون خيامهم من نبات الأرض التي ينزلونها، فإذا رحلوا تركوه ~~واستأنفوا غيره من شجر البلد الذي ينزلون به، هكذا شرح العلماء هذا البيت ~~المتقدم، ولا ms199 أرى الأعراب تذكر ذلك كثيرا في أشعارها، وإنما يتعاورون ذكر ~~الوتد، اللهم إلا أن تكون الأعمدة وما شاكلها تنتخب وتحمل وإنما المطرح ما ~~جعل فوقها وسد به خصاصها فدفع الحر والبرد فنعم، ولا شك أن هذا هو الصحيح، ~~ويدل عليه قول جرير يذكر منزلا: # فلا عهد إلا أن تذكر أو ترى ... ثماما حوالي منصب الخيم باليا # فذكر الثمام مطرحا، وقال أبو دواد: # عهدت لها منزلا دائرا ... وآلا على الماء يحملن آلا # فالآل الأول: أعمدة الأخبية، والآل الثاني: الشخص الذي يرتفع عند اشتداد ~~الحر، هكذا فسروه، منهم قدامة، والذي قال الحذاق: يعني أعمدة تحمل أعمدة ~~مثلها ذكره أبو حنيفة، وقوله " على الماء " يعني الماء العد الذي هو المحضر ~~يرجعون إليه بعد تبديهم وانقطاع ماء السماء، وقد أخبرك الشاعر على القول ~~الأول أنهم يحملون أعمدة الأخبية والبيوت. # ومن أحسن ما وقع في هذا الباب من التتبيع قول حسان بن ثابت: # أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل # فقوله " حول قبر أبيهم " تتبيع مليح، أشار به إلى أنهم ملوك مقيمون لا ~~يخافون فينتقلون من مكان إلى مكان، وأنهم في مستقر عز وأرض خصب لا تجدب، ~~أراد الشام، وأن ذلك دأبهم من القدم، فهو حول قبر أبيهم، وهذا كما قال ابن ~~مقبل: # نحن المقيمون لم تبرح ظعائننا ... لا نستجير، ومن يخلل بنا يجر # ومن هذا الباب أيضا قول عنترة بن شداد العبسي: # بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذي نعال السبت ليس بتوأم # أراد أنه ملك؛ لأن نعال السبت لا يحتذيها عندهم إلا كل شريف، يدلك على ~~ذلك قول عتيبة بن مرداس المعروف بابن فسوة يذكر آل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في قصيدة لام فيها عبد الله بن عباس وشكر الحسن بن علي عليهما السلام ~~وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهما: # إلى نفر لا يخصفون نعالهم ... ولا يلبسون السبت ما لم يخصر # ومن التتبيع قول الحطيئة: # لعمرك ما قراد بني كليب ... إذا نزع القراد بمستطاع # وذلك أن الفحل إذا ms200 منع الخطام نزعوا من قردانه شيئا فلذ ذلك، وسكن إليه، ~~ولان لصاحبه حتى يلقى الخطام في رأسه، فزعم الحطيئة أن هؤلاء لا يخدعون عن ~~عزهم وإبائهم فيقدر عليهم. # وأما قول ذي الإصبع العدواني واسمه حرثان بن الحارث: # يا عمرو، إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني # فيجوز أن يكون أراد أضربك على الرأس الذي تصيح منه الهامة اسقوني على زعم ~~الأعراب، فيكون من هذا الباب، ويجوز أن يكون مراده أضربك فلا يؤخذ بثأرك ~~وتكون حيث ههنا مثلها في قول زهير: لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم فيخرج عن ~~هذا الباب.. وإلى نحو التأويل الأول قصد أبو الطيب بقوله: # فيا بن الطاعنين بكل لدن ... مواضع يشتكي البطل السعالا # أراد الصدر، أو النحر.. # وبيت البحتري في صفة الذئب، ويروى لعمارة بن عقيل: # فأوجرته أخرى فأظللت ريشها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد PageV01P105 ~~خير من بيت أبي الطيب وأجمع للصفة، وقوله " أظللت " بمعنى صبرت ويروى ~~بالضاد. # باب التجنيس # التجنيس ضروب كثيرة: منها المماثلة، وهي: أن تكون اللفظة واحدة باختلاف ~~المعنى، نحو قول زياد الأعجم، وقيل: الصلتان العبدي يرثي المغيرة ابن ~~المهلب: # فانع المغيرة للمغيرة إذ بدت ... شعواء مشعلة كنبح النابح # فالمغيرة الأولى: رجلن والمغيرة الثانية: الفرس، وهو ثانية الخيل التي ~~تغير. # وقال صاحب الكتاب: قال الله تعالى: " وأسلمت مع سليمان " وقال تعالى: " ~~ثم انصرفوا صرف الله قلوبكم " وفي كلام النبي صلى الله عليه وسلم " سليم ~~سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله ورسوله " وإن كان من غير ~~هذا الباب.. وأنشد سيبويه: # أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة ... قليل بها الأصوات إلا بغامها # البلدة الأولى: صدر الناقة، والثانية: المكان من الأرض. # ومثله ما أنشده ثعلب: # وثنية جاوزتها بثينة ... حرف يعارضها ثني أدهم # فالثنية الأولى: عقبة، والثانية: ناقة، والثني الأدهم: الظل، استعار له ~~هذا الاسم.. ويروى " حبيب أدهم " . # ومثله أنشده أبو عمرو بن العلاء: عود على عود على عود خلق وقال: الأول ~~الشيخ، والثاني: الجمل المسن، والثالث: الطريق القويم قد ذلل بكثرة الوطء ms201 ~~عليه. # ويجري هذا المجرى قول الأودي: # وأقطع الهوجل مستأنسا ... بهوجل عيرانة عيطموس # أنشده قدامة على أنه طباق، وسائر الناس يخالفونه في هذا المذهب، وقد جاء ~~رد الأخفش علي بن سليمان عليه في ذلك وإنكاره على رأي الخليل و الأصمعي في ~~كتاب حلية المحاضرة للحاتمي. # وعلى القول الأول قال أبو نواس في ابن الربيع: # عباس عباس إذا حضر الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع # وقال أبو تمام: # ليالينا بالرقمتين وأهلنا ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد # فالعهد الأول المسقي: هو الوقت، والعهد الثاني: هو الحفاظ، من قولهم " ~~فلان ماله عهد " والعهد الثالث: الوصية من قولهم " عهد فلان إلى فلان، ~~وعهدت إليه " أي: وصاني وصيته، والعهد الرابع: المطر، وجمعه عهاد، وقيل: ~~أراد مطرا بعد مطر بعد مطر، وفسر ذلك بقوله: # سحاب متى يسحب على النبت ذيله ... فلا رجل ينبو عليه ولا جعد # واستثقل قوم هذا التجنيس، وحق لهم. # ومن مليح هذا النوع قول ابن الرومي: # للسود في السود آثار تركن بها ... لمعا من البيض تثني أعين البيض # فالسود الأول: الليالي، والسود الآخر: شعرات الرأس واللحية، " و " والبيض ~~الأول: الشيبات، والبيض الآخر: النساء.. # وزعم الحاتمي أن أفضل تجنيس وقع لمحدث قول عبد الله بن طاهر: # وإني للثغر المخيف لكاليء ... وللثغر يجري ظلمه لرشوف # فهذا وما شاكله التجنيس المحقق، والجرجاني يسميه المستوفي. # ويقرب منه وليس محضا قول ابن الرومي: # له نائل ما زال طالب طالب ... ومرتاد مرتاد وخاطب خاطب # أدخل الترديد، والترديد: نوع من المجانسة يفرد له باب إن شاء الله تعالى. # والتجنيس المحقق: ما اتفقت فيه الحروف دون الوزن، رجع إلى الاشتقاق أو لم ~~يرجع، نحو قول أحد بني عبس: # وذلكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن أنفسكم لا يعرف الأنفا # فاتفقت الأنف مع الأنف في جميع حرفها دون البناء، ورجعا إلى أصل واحد، ~~هذا عند قدامة أفضل تجنيس وقع، ومثله في الاشتقاق قول جرير والجرجاني يسميه ~~التجنيس المطلق، قال: وهو أشهر أوصافه: # وما زال معقولا عقال من الندى ... وما زال محبوسا عن الخير حابس ms202 # وقال جرير أيضا، وفيه المضارعة والمماثلة والاشتقاق، وأنشده ابن المعتز: # تقاعس حتى فاته المجد فقعس ... وأعيا بنو أعيا وضل المضلل # وقال خلف بن خليفة الأقطع: # فإن يشغلونا عن أذان فاننا ... شغلنا وليدا عن غناء الولائد # يعني الوليد بن زياد بن عبد الملك. وقال أبو تمام فأحكم المجانسة ~~بالاشتقاق: # بحوافر حفر وصلب صلب ... وأشاعر شعر وخلق أخلق # فجنس بثلاث لفظات. ومثله قول البحتري: # صدق الغراب، لقد رأيت شموسهم ... بالأمس تغرب عن جوانب غرب PageV01P106 ~~ويقرب من هذا النوع قول ذي الرمة واسترجعت هامها الهيم الشعاميم فالهيم ~~والهام قريبان في اللفظ بعيدان في الاشتقاق، وربما جعلهما بعض الناس من أصل ~~واحد، وكذلك قوله: # كأن البرى والعاج عيجت متونها ... على عشر نهى به السيل أبطح # قال ابن المعتز " نهى به السيل " أي: بلغ به إليه فهو أنعم له وأكثر ~~لدونة. # وأنا أقول: معناه ترك به السيل نهيا، وهو الغدير، وذلك أتم لما أراد ابن ~~المعتز، اللهم إلا أن يكون معناه جعل نهايته هناك فإنه أتم وأجود، أي: لم ~~يجد منصرفا فأقام. وقال البحتري: # وذكرنيك والذكرى عناء ... مشابه منك بينه الشكول # نسيم الروض في ريح شمال ... وصوب المزن في راح شمول # وقال أبو تمام: # مليتك الأحساب، أي حياة ... وحيا أزمة وحية واد # ويقرب من هذا النوع نوع يسمونه المضارعة، وهو على ضروب كثيرة: منها أن ~~تزيد الحروف وتنقص، نحو قول أبي تمام والجرجاني يسميه التجنيس الناقص : ~~يمدون من أيد عواص عواصم وهما سواء لولا الميم الزائدة. وكذلك قوله قواض ~~قواضب سواء لولا الباء، ومع ذلك فإن الباء والميم أختان. ومثله قول ~~البحتري: # فيا لك من حزم وعزم طواهما ... جديد البلى تحت الصفا والصفائح # ومنها أن تتقدم الحروف وتتأخر، كقول الطائي: # بيض الصفائح لا سود الصحائف، في ... متونهن جلاء الشك والريب # فقوله " الصفائح، لا سود الصحائف " هو الذي أردت. وقال البحتري: # شواجر أرماح تقطع بينهم ... شواجر أرحام ملوم قطوعها # ومثله قول أبي الطيب: # ممنعة منعمة رداح ... يكلف لفظها الطير الوقوعا # وحكى ابن دريد أن أعرابيا شتم ms203 رجلا فقال: لمج أمه، فقدم إلى السلطان ~~فقال: إنما قلت: ملج أمه، فدرأ عنه.. # قال أبو بكر: لمجها: أتاها، وملجها: رضعها. # وأصل المضارعة أن تتقارب مخارج الحروف، وفي كلام العرب منه كثير غير ~~متكلف، والمحدثون إنما تكلفوه؛ فمن المعجز قول الله عز وجل: " وهم ينهون ~~عنه وينأون عنه " وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل سمعه وهو ينشد على ~~سبيل الافتخار وقيل: بل سأله عن نسبه فقال: # إني امرؤ حميري حين تنسبني ... لا من ربيعة آبائي ولا مضر # فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ذلك والله ألأم لجدك، وأضرع لخدك، ~~وأفل لحدك، وأقل لعدك، وأبعد لك عن الله ورسوله " وقوله عليه الصلاة ~~والسلام: " نعوذ بالله من الأيمة والعيمة والغيمة والكزم والقزم " الأيمة: ~~الخلو من النساء، والعيمة: شهوة اللبن، والغيمة: العطش، والكزم: قصر اللبان ~~خلقة أو من بخل، ويقال: الكزم شدة الأكل، والقزم: شهوة اللحم. # وهذا النوع يسميه الرماني المشاكلة، وهي عنده ضروب: هذا أحدها، وهي ~~المشاكلة في اللفظ خاصة، وأما المشاكلة في المعنى فننبه عليها في أماكنها ~~إن شاء الله تعالى.. # وقال ابن هرمة: # وأطعن للقرن يوم الوغى ... وأطعم في الزمن الماحل # وقال أبو تمام: # رب خفض تحت الثرى وغناء ... من عناء ونضرة من شحوب # وأبعد من هذا قليلا قول ساعدة بن جؤية الهذلي: # رأى شخص مسعود بن بشر بكفه ... حديد حديث بالوقيعة معتد # ومن المضارعة بالتصحيف ونقص الحروف قول بعضهم: # فإن حلوا فليس لهم مقر ... وإن رحلوا فليس لهم مفر # وقال البحتري يمدح المعتز بالله: # ولم يكن المعتز بالله إن سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه # فجاء بتصحيف مستوف. وقال: # ما بعيني هذا الغزال الغرير ... من فتون مستجلب من فتور # وقال غيره وأظنه قابوس بن وشمكير : # إن المكارم في المكا ... ره والغنائم في المغارم # وقال بعض العلماء: ربما أسفر السفر عن الظفر، وتعذر في الوطن قضاء الوطر. ~~وقال آخر: خلف الوعد خلق الوغد. وقال ابن المعتز: # لئن نزهت سمعك عن كلامي ... لقد نزهت في خديك طرفي # له وجه به ms204 يصبى ويضني ... ومبتسم به يشقي ويشفي # وقال آخر أيضا في مثل ذلك، وفيه تغيير كثير بتصحيف: # فمن داع ومن راع ... ومن مطر ومن مطرق PageV01P107 وكل خاشع الطرف ... ~~لديه خاضع المنطق # أعني بالتغيير ضاد " خاضع " ليست مناسبة لشين خاشع فيكون تصحيفا، وإنما ~~التصحيف فيما تناسب من الخط، ومن هذا قوله " داع " و " راع " لبعد ما ~~بينهما في اللفظ والهجاء. # ومن الإسقاط الذي لا يظهر إلا في الخط قول شمس المعالي قابوس بن وشمكير: # ومن يسر فوق الأرض يطلب غاية ... من المجد نسري فوق جمجمة النسر # ومن يختلف في العالمين نجاره ... فإنا من العلياء نجري على نجر # فياء الوصل في النسر جانست به نسري وصار لقاء النون كسرة الهاء من جمجمة ~~كالتنوين في الهاء، وكذلك صلة نجر جانست به نجري فإذا صرت إلى الخط زالت ~~المجانسة. # وقد أحدث المولدون تجانسا منفصلا يظهر أيضا في الخط كقول أبي تمام: # رفدوك في يوم الكلاب وشققوا ... فيه المزاد بجحفل كاللاب # الكاف للتشبيه، واللاب: جمع لابة، وهي الحرة ذات الحجارة السود.. هذا أصح ~~الروايتين، وأما قوله بجحفل كلاب أي كأن به كلبا فليس بشيء، وإنما القول ما ~~قدمناه، وليس بتجانس صحيح على ما شرطه المتقدمون، ولكنه استظرف فأدخل في ~~هذا الباب تملحا.. وأكثر من يستعمله: الميكالي، وقابوس، وأبو الفتح البستي، ~~وأصحابهم؛ فمن ذلك قوله: # عارضاه بما جنى عارضاه ... أو دعاني أمت بما أودعاني # فقوله " أو دعاني " إنما هي أو التي للعطف، نسق بها " دعاني " وهو أمر ~~الاثنين من دع على قوله " عارضاه " الذي في أول البيت، وقوله " أودعاني " ~~الذي في القافية فعل ماض من اثنين، تقول في الواحد " أودع يودع " من ~~الوديعة. وقال أيضا: # وإن أقر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له # وربما صنعوا مثل هذا في القوافي فتأتي كالإيطاء وليس بإبطاء إلا في اللفظ ~~مجازا، ولا بتجنيس إلا كذلك.. قال عمر بن علي المطوعي: # أمير كله كرم سعدنا ... بأخذ المجد منه واقتباسه # يحاكي النيل حين يسأم نيلا ... ويحكي باسلا في وقت باسه # أراد ms205 أن يناسب فجاء القافيتان كما نرى في اللفظ، وليس بينهما في الخط إلا ~~مجاورة الحروف، وهذا أسهل معنى لمن حاوله، وأقرب شيء ممن تناوله، من أبواب ~~الفراغ وقلة الفائدة، وهو مما لا شك في تكلفه، وقد أكثر منه هؤلاء الساقة ~~المتعقبون في نثرهم ونظمهم حتى بردوا، بل تدركوا، فأين هذا العمل من قول ~~القائل، وهو أبو فراس: # سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله # وما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول زهتني بل شمائله # ألوي بصبري أصداغ لوين له ... وغل صدري ما تحوي غلائله # فما كان من التجنيس هكذا فهو الجيد المستحسن، وما ظهرت فيه الكلفة فلا ~~فائدة فيه. # وقد يجيئ التجنيس على غير قصد كقول أبي الحسن في مقطعاته التي ترد فيما ~~بعد: # ما ترى الساقي كشمس طلعت ... تحمل المريخ في برج الحمل # فبهذا التجنيس تم المعنى وظهر حسنه؛ إذ كان برج الحمل بيت المريخ وموضع ~~شرف الشمس، فصار بعض الكلام مرتبطا ببعضه، ومظهرا لخفي محاسنه، وحصل ~~التجنيس فضلة على المعنى؛ لأنه لو قال في موضع الحمل " النطح " أو الكبش " ~~لكان كلاما مستقيما؛ فهذا التجنيس كما ترى من غير تكلف ولا قصد، ولكن ~~الأكثر أن يكون التجنيس مقصودا إليه، مأخوذا منه ما سامحت فيه القريحة، ~~وأعان عليه الطبع.. # وقد يعد قوم من المضارعة ما ناسب اللفظ في الخط فقط، كقوله تعالى: " وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا " وهي مضارعة بعيدة لا يجب أن يعد مثلها.. واختلف ~~الناس في قول الأعشى: # إن تسد الحوص فلم تعدهم ... وعامر ساد بني عامر # فقال الجرجاني علي بن عبد العزيز القاضي: هو مجانسة؛ لأن أحدهما رجل، ~~والآخر قبيلة، وقال غيره: بل معناهما واحد، وأنا على خلاف رأي الجرجاني لأن ~~الشاعر قال بني عامر وأضاف بني إليه، ولو قال ساد عامرا يعني القبيلة لكان ~~تجنيسا غير مدفوع. قال الجرجاني: وأراه يعني بيت الأعشى يخالف قول الآخر: # قتلنا به خير الضبيعات كلها ... ضبيعة قيس لا ضبيعة أضحما PageV01P108 ~~لأن كلتيهما قبيلتان، فكأنه جمع بين ms206 رجلين متفقي الاسم، انتهى كلامه، وهو ~~يشهد بما قلته في بيت الأعشى إذا حققه من له ميز وتدبير.. # وقد ذكروا تجنيسا مضافا، أنشده جماعة من المتعقبين منهم الجرجاني: # أيا قمر التمام أعنت ظلما ... علي تطول الليل التمام # فهذا عندهم وما جرى مجراه إذا اتصل كان تجنيسا، وإذا انفصل لم يكن ~~تجنيسا، وإنما كان يتمكن ما أراد لو أن الشاعر ذكر الليل وأضافه فقال " ليل ~~التمام " كما قال " قمر التمام " والرماني سمى هذا النوع مزواجا، ومثله ~~عنده قول الآخر: # حمتني مياه الوفر منها مواردي ... فلا تحمياني ورد ماء العناقد # ومن المزاوجة عندهم قول الله تعالى: " يخادعون الله وهو خادعهم " وقوله: ~~" من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " وقوله: " إنما نحن ~~مستهزئون الله يستهزئ بهم " وكل هذه استعارات ومجاز؛ لأن المراد المجازاة ~~فزاوج بين اللفظين. # وكان الأصمعي يدفع قول العامة " هذا مجانس لهذا " إذا كان من شكله، يقول: ~~ليس بعربي خالص، حكى ذلك ابن جني.. فأما ابن المعتز فقال وهو أول من نحا ~~هذا النحو وجمعه والمجانسة: أن تشبه اللفظة اللفظة في تأليف حروفها على ~~السبيل الذي ألف الأصمعي كتاب الأجناس عليها، قال: والجنس أصل لكل شبء: ~~تتفرع منه أنواعه، وتعود كلها إليه، وكالإنسان وهو جنس وأنواعه عربي ورومي ~~وزنجي، وأشباه ذلك، ولم تكن القدماء تعرف هذا اللقب أعني التجنيس يدلك على ~~ذلك ما حكى عن رؤبة بن العجاج وأبيه، وذلك أنه قال له يوما: أنا أشعر منك، ~~قال: وكيف تكون أشعر مني وأنا علمتك عطف الرجز؟ قال: وما عطف الرجز؟ قال ~~عاصم يا عاصم لو اعتصم قال: يا أبت، أنا شاعر ابن شاعر، وأنت شاعر ابن ~~معجم، فغلبه، فأنت ترى كيف سماه عطفا، ولم يسمه تجانسا، اللهم إلا أن يذهب ~~بالعطف إلى معنى الالتفات فنعم. # ومن أناشيد هذا الباب قول الشنفرى واسمه عامر بن عمرو الأزدي: # وبتنا كأن البيت حجر فوقنا ... بريحانة ريحت عشاء وظلت # وقال علي بن محمد بن نصر بن بسام: # فاشرب على الورد من وردية عتقت ms207 ... كأنها خد ريم ريم فامتنعا # وقال الفرزدق: # ألم يأته أني تخلل ناقتي ... بنعمان أطراف الأراك النواعم # وحقيقة المجانسة عند الرماني المناسبة بمعنى الأصل، نحو قول أبي تمام: في ~~حده الحد بين الجد واللعب قال: لأن معناهما جميعا أبلغ، وأما قولك قرب ~~واقترب، والطلوع والمطلع، وما شاكل هذا؛ فهو عنده من تصرف اللفظ، ولا يعده ~~تجنيسا، ومن تصرف المعنى عنده قولك: عين الميزان، وعين الإنسان، وعين ~~الماء، ونحو ذلك.. ومن التصرف في اللفظ والمعنى جميعا قولك: الضرب ~~والمضاربة والاستضراب، وما أشبه ذلك، كل هذه الأنواع عنده من باب التصرف. # وما أكثر ما يستعمل هذا النوع بعض شعراء وقتنا المذكورين، ويظن أنه قد ~~أتى بشيء من غرائب التجنيس. # وأما قول دعبل في امرأته سلمى: # أحبك حبا لو تضمنه سلمى ... سميك ذاك الشاهق الرأس # فقد جنس من غير جنس؛ لأن قوله سميك دال على مراده. # ومثله قول آخر: # ضيعتي مثل اسمها العا ... م وداري مسترمه # أنشده الرماني.. وقال الآخر، وهو أبو تمام: # إذ لا صدوق ولا كنود اسماهما ... كالمعنيين ولا النوار نوارا # المراد صدر البيت لا عجزه. # وإذا دخل التجنيس نفي عد طباقا، وكذلك الطباق يصير بالنفي تجنيسا، وسأفرد ~~لهما بابا إن شاء الله تعالى فيما بعد باب الترديد. # باب الترديد # وهو أن يأتي الشاعر بلفظة متعلقة بمعنى، ثم يردها بعينها متعلقة بمعنى ~~آخر في البيت نفسه، أو في قسيم منه، وذلك نحو قول زهير: # من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا # فعلق يلق بهرم، ثم علقها بالسماحة. وكذلك قوله أيضا: # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم # فردد أسباب على ما بينت. ولبعض الحجازيين: # ومن لامني فيهم حبيب وصاحب ... فرد بغيظ صاحب وحميم # وقال مجنون بني عامر: # قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا PageV01P109 ~~وقال أبو تمام: # خفت دموعك في إثر القطين لدن ... خفت من الكثب القضبان والكثب # الترديد في خفت ولو جعلت الكثيب ترديدا لجاز.. وقال ابن المعتز: # لو شئت لا شئت ms208 خليت السلو له ... وكان لا كان منكم في معافاتي # وقال أيضا في مثل ذلك: # أتعذلني في يوسف وهو من ترى ... ويوسف أضناني ويوسف يوسف # ولبعضهم وأظنه الصنوبري: # أنت عذري إذا رأوك، ولكن ... كيف عذري إذا رأوك تخون # الترديد في قوله " إذا رأوك " .. وقال أبو الطيب وأحسن ما شاء: # أمير أمير عليه الندى ... جواد بخيل بأن لا يجودا # الترديد في أول البيت، وهذا نوع في أشعار المحدثين أكثر منه في أشعار ~~القدماء جدا. # والعلماء بالشعر مجمعون على تقديم أبي حية النميري وتسليم فضيلة هذا ~~الباب إليه في قوله: # ألا حي من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا # إذا ما تقاضى المرء يوما وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا # والترديد الذي انفرد فيه بالإحسان عندهم قوله لبسن البلى مما لبسن ~~اللياليا وكذلك قوله إذا ما تقاضى المرء يوما وليلة ثم قال: تقاضاه شيء لا ~~يمل التقاضيا لأن الهاء كناية عن المرء، وإن اختلف اللفظ. # ويلحق بهذا قول أبي نواس: لو مسها حجر مسته سراء وقول الحسين بن الضحاك ~~الخليع: # لقد ملأت عيني بغير محاسن ... ملأن فؤادي لوعة وهموما # لقرب ما بين اللفظتين، وكذلك قول الطائي: # راح إذا ما الراح كان مطيها ... كانت مطايا الشوق في الأحشاء # ردد مطيها ومطايا الشوق. وعلى هذا يحمل قول الجحاف بن حكيم، وقيل: العباس ~~بن مرداس: # تعرض للسيوف بكل ثغر ... وجوها لا تعرض للطسام # وحمل قوم قول امرئ القيس فثوبا لبست وثوبا أجر على أنه تكرار لا ترديد ~~فيه، وهذا هو الخطأ البين، وأي ترديد يكون أحسن من هذا؟ وقد أفاد الثاني ~~غير إفادة الأول حسب ما شرطوا. # ومثله قول بعض الأعراب في مدح هارون الرشيد: # جهير الكلام جهير العطاس ... جهير الرواء جهير النغم # ومن أملح ما سمعته قول ابن العميد: # فإن كان مسخوطا فقل شعر كاتب ... وإن كان مرضيا فقل شعر كاتب # وهو داخل عندي في باب الترديد؛ إذ كان قوله عند السخط شعر كاتب إنما ~~معناه التقصير به، وبسط العذر له؛ إذ ليس ms209 الشعر من صناعته كما حكى ابن ~~النحاس أنهم يقولون " نحو كتابي " إذا لم يكن مجودا، وقوله عند الرضا شعر ~~كاتب إنما معناه التعظيم له، وبلوغ النهاية في الظرف والملاحة؛ لمعرفة ~~الكتاب باختيار الألفاظ وطرق البلاغات، فقد ضاد وطابق في المعنى، وإن كان ~~اللفظ تجنيسا مرددا. # وسمع أبو الطيب باستحسان هذا النوع فجعله نصب عينيه حتى مقته وزهد فيه، ~~ولو لم يكن إلا بقوله: # فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلهن قلاقل # فهذه الألفاظ كما قال كلهن قلاقل، ونحو ذلك قوله: # أسد فرائسها الأسود، يقودها ... أسد، تكون له الأسود ثعالبا # فما أدري كيف تخلص من هذه الغابة المملوءة أسودا؟ ولا أقول إنه بيت شعر، ~~وأين يقع هذا من قول غيره: # فصبح الوصال وليل الشباب ... وصبح المشيب وليل الصدود # تم بحمد الله وتوفيقه الجزء الأول من كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني، ~~ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني منه، وأوله " 45 باب التصدير " أعان ~~الله تعالى على إكماله، بمنه وفضله. # بسم الله الرحمن الرحيم # باب التصدير # وهو، أن يرد أعجاز الكلام على صدوره، فيدل بعضه على بعض، ويسهل استخراج ~~قوافي الشعر إذا كان كذلك وتقتضيها الصنعة، ويكسب البيت الذي يكون فيه ~~أبهة، ويكسوه رونقا وديباجة ويزيده مائية وطلاوة. # وقد قسم هذا الباب عبد الله بن المعتز على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يوافق ~~آخر كلمة من البيت آخر كلمة من النصف الأول، نحو قول الشاعر: # يلفي إذا ما الجيش كان عرمرما ... في جيش رأي لا يفل عرمرم # الآخر: ما يوافق آخر كلمة من البيت أول كلمة منه، نحو قوله: # سريع إلى ابن العم يشتم عرضه ... وليس إلى داعي الندى بسريع PageV01P110 ~~والثالث: ما وافق آخر كلمة من البيت بعض ما فيه، كقول الآخر: # عزيز بني سليم أقصدته ... سهام الموت وهي له سهام # والتصدير قريب من الترديد، والفرق بينهما أن التصدير مخصوص بالقوافي ترد ~~على الصدور، فلا تجد تصديرا إلا كذلك حيث وقع من كتب المؤلفين، وإن لم ~~يذكروا فيه فرقا، والترديد يقع في ms210 أضعاف البيت، إلا ما ناسب بيت ابن العميد ~~المقدم. # ومن أبيات التصدير قول زهير: # كذلك خيمهم، ولكل قوم ... إذا مستهم الضراء خيم # وقال أيضا في ذلك: # له في الذاهبين أروم صدق ... وكان لكل ذي حسب أروم # وقال أبو الأسود واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي : # وما كل ذي لب بموتيك نصحه ... وما كل مؤت نصحه بلبيب # فهذا تصدير، وإن كان ظاهره في اللفظ ترديدا للعلة التي ذكرتها. # ومن أناشيدهم في التصدير قول طفيل الغنوي: # محارمك أمنعها من القوم؛ إنني ... أرى جفنة قد ضاع فيها المحارم # وقال جرير وهم يستحسنوه جدا: # سقى الرمل جون مستهل ربابه ... وما ذاك إلا حب من حل بالرمل # وقال عمرو بن الأحمر: # تغمرت منها بعد ما نفد الصبا ... ولم يروا من ذي حاجة من تغمرا # تغمرت أي: شربت من الغمر، وهو قدح صغير جدا، ضربه مثلا، أي: تعللت منها ~~بالشيء القليل، وذلك لا يبلغ ما في نفسي منك من المراد. # ومن التصدير نوع سماه عبد الكريم المضادة، وأنشد للفرزدق: # أصدر همومك لا يغلبك واردها ... فكل واردة يوما لها صدر # وأنشد في التصدير بيت طفيل المتقدم، وبيت جرير، وخص بيت الفرزدق بالمضادة ~~دون أن يجعله تصديرا كما جعله أولا طباقا كما يقال في الأضداد إذا وقعت في ~~الشعر، وقد رأيته في إحدى النسخ مع أبيات المطابقة. # ويقاربه من كلام المحدثين قول ابن الرومي: # ريحانهم ذهب على درر ... وشرابهم درر على ذهب # والكتاب يسمون هذا النوع التبديل، حكاه أبو جعفر النحاس. # ومن أناشيد ابن المعتز قول منصور بن الفرج في ذكر الشيب: # يا بياضا أذرى دموعي حتى ... عاد منها سواد عيني بياضا # وأنشد لأبي نواس، وهو عندي بعيد من أحكام السمعة التي يدخل بها في هذا ~~الباب، على أنه غاية في ذاته؛ لأن أكثر العادة أن تعاد اللفظة بنفسها: # دقت ورقت مذقة من مائها ... والعيش بين رقيقتين رقيق # وأنشد لمسلم بن الوليد: # تبسم عن مثل الأقاح تبسمت ... له مزنة صيفية فتبسما # وهذا البيت أيضا ترديد، وأنشد للطائي: ms211 # ولم يحفظ مضاع المجد شيء ... من الأشياء كالمال المضاع # فالمولدون أكثر عناية بهذه الأشياء، وأشد طلبا لها من القدماء، وهي في ~~أشعارهم أوجد كما قدمت آنفا. # باب المطابقة # المطابقة في الكلام: أن يأتلف في معناه ما يضاد في فحواه المطابقة عند ~~جميع الناس: جمعك بين الضدين في الكلام أو بيت الشعر، إلا قدامة ومن اتبعه؛ ~~فإنهم يجعلون اجتماع المعنيين في لفظة واحدة مكررة طباقا، وقد تقدم الكلام ~~في باب التجانس، وسمى قدامة هذا النوع الذي هو المطابقة عندنا التكافؤ، ~~وليس بطباق عنده إلا ما قدمت ذكره، ولم يسمه التكافؤ أحد غيره وغير النحاس ~~من جميع من علمته. # قال الخليل بن أحمد: طابقت بين الشيئين إذا جمعت بينهما على حذو واحد ~~وألصقتهما. # وذكر الأصمعي للمطابقة في الشعر فقال: أصلها وضع الرجل في موضع اليد في ~~مشي ذوات الأربع، وأنشد لنابغة بن الجعدة: # وخيل يطابقن بالدار عين ... طباق الكلاب يطأن الهراسة # ثم قال: أحسن بيت قيل لزهير في ذلك: # ليث بعثر يصطاد الرجال، إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا # حكى ذلك ابن دريد عن أبي حاتم عنه. # وأما علي بن سليمان الأخفش فاختار قول ابن الزبير الأسدي: # رمي الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا # فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا # وهذا من التبديل على مذاهب الكتاب، وأختار أيضا قول طفيل الغنوي: # بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مذبول # حكاه الحاتمي عن أبي الفرج على ابن الحسن القرشي.. # وقال الرماني: PageV01P111 المطابقة: مساواة المقدار من غير زيادة ولا ~~نقصان. # قال صاحب الكتاب: هذا أحسن قول سمعته في المطابقة من غيره، وأجمعه ~~لفائدة، وهو مشتمل على أقوال الفريقين وقدامة جميعا، وأما قول الخليل إذا ~~جمعت بينهما على حذو واحد ألصقتهما فهو مساواة المقدار من غير زيادة ولا ~~نقصان كما قال الرماني، يشهد بذلك قول لبيد: # تعاورن الحديث وطبقنه ... كما طبقت بالنعل المثالا # ومنه طبقت المفصل أي: أصبته فلم أزد في العضو شيئا ولم أنقص منه.. وكذلك ~~قول ms212 الأصمعي " أصلها من وضع الرجل موضع اليد في مشي ذوات الأربع هو مساواة ~~المقدار أيضا؛ لأن من ذوات الأربع ما تجاوز رجله موضع يده، ومنها ما يطابق ~~كما قال خلقة، وربما كان طباقها من ثقل تحكله أو شكيمة تمنعها أو شيئا ~~تتقيه على أنفسها، ولذلك شبه النابغة الجعدي مشي الخيل بوطء الكلاب الهراس، ~~وهو حطام الشوك؛ فهي لا تضع أرجلها إلا حيث رفعت منه أيديها طلبا للسلامة. # وأما قول قدامة في المطابق هو ما اشترك في لفظة واحدة بعينها فإنه أيضا ~~مساواة لفظ للفظ، وهي أعني المساواة على رأي الخليل والأصمعي مساواة معنى ~~لمعنى، وقد يكون المراد أيضا مطابقة الفظ للمعنى، أي: موافقته، ألا ترى ~~أنهم يقولون: فلان يطابق فلان على كذا إذا وافقه عليه وساعده فيه؛ فيكون ~~مذهب قدامى أن اللفظ وافقت معنى، ثم وافقت بعينها معنى آخر، ويصح هذا أيضا ~~في قول الخليل في الطباق إنه جمعك بين الشيئين على حذو واحد فيكون الشيئان ~~للمعنيين، والحذو الواحد: اللفظة. # ومن مليح ما رأيته في المطابقة قول كثير بن عبد الرحمن يصف عينا # وعن نجلاء تدمع في بياض ... إذا دمعت، وتنظر في سواد # قال أيضا: # ووالله ما قاربت إلا تباعدت ... بصرم، ولا أكثرت إلا أقلت # وقال ابن المعتز، ويروى لابن المعذل: # هواي هوا باطن ظاهر ... قديم حديث لطيف جليل # ولبعض الأعراب: # أمؤثرة الرجال علي ليلى ... ولم أوثر على ليلى النساء # وقال إعرابي: الدراهم مياسم تسم حمدا أو ذما، فمن حبسها كان لها، ومن ~~أنفقها كانت له ونظم الشاعر هذا الكلام فقال: # أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك # ومن الطباق الحسن قول إعرابي: خرجنا حفاة حين أنتعل كل شيء ظله، وما ~~زادنا إلا التوكل وما مطايانا إلا الأرجل، حتى لحقنا بالقوم. # وقال آخر لصاحبه: إن يسار النفس أفضل من يسار المال، فإن لم ترزق غنيا ~~فلا تحرم تقوى، فرب شبعان من النعم غرثان من الكرم؛ وأعلم أن المؤمن على ~~خير ترحب به الأرض وتستبشر به السماء، ولن يساء إليه ms213 في بطنها وقد أحسن على ~~ظهرها.. ولربيعة بن مقروم الضبي: # فدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل # ومن أفضل كلام البشر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض خطبه ~~فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن ~~الحياة قبل الممات؛ فو الدي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد ~~الدنيا دار، إلا الجنة أو النار فهذا هو المعجز الذي لا تكلف فيه ولا مطمع ~~في الإتيان بمثله. وقال الله عز من قائل: وما يستوي الأعمى والبصر، ولا ~~الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، وما يستوي الأحياء ولا الأموات ~~وعد ابن المعتز من المطابقة قول الله عز وجل: ولكم في القصاص حياة لأن ~~معناه: القتل أنفة للقتل فصار القتل سبب الحياة، وهذا من أملح الطباق ~~وأخفاه. # ومما استغربه الجرجاني من الطباق واستلطفه قول الطائي: # مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل # لمطابقته بهاتا وتلك، وإحداهما للحاضر وأخرى للغائب، فكانتا في المعنى ~~نقيضتين وبمنزلة الضدين، هذا قوله، وليس عندي بمحقق؛ إنما إحداهما للقريب ~~والأخرى للبعيد المشار إليه، ولكن الرجل أراد التخلص فزل في العبارة. # ومثل هذا عندي في بابه قول أبي الطيب يذكر خيل العدو الزاحف للحرب: # ضربن إلينا بالسياط جهالة ... فلما تعارفنا ضربن بها عنا # فقوله ضربن إلينا مجيء إقدام، وقوله ضربن بها عنا ذهاب فرار، وهما ضدان. # ومن أنواع الطباق قول هدبة بن خشرم: PageV01P112 فإن تقتلونا في الحديد ~~فإننا ... قتلنا أخاكم مطلقا لم يكبل # فقوله في الحديد ضد قوله مطلقا لم يكبل وإن لم يأتي على متعارف المضادة، ~~وكذلك قوله: # فإن يك أنفي زال عني جماله ... فما حسبي في الصالحين بأجدع # كأنه قال: وإن يك أنفي أجدع فما حسبي بأجدع. # قال الجرجاني: وقد يخلط من يقصر علمه ويسوء تمييزه بالمطابق ما ليس منه، ~~كقول كعب بن سعد الغنوي يرثى أخاه: # لقد كان أما حلمه فمروج ... علينا، وأما جهله فعزيب # لما رأى ms214 الحلم والجهل ووجد مروحا وعزيبا جعلهما في هذه الجملة، ولو ~~ألحقنا ذلك بها لوجب أن يلحق أكثر أصناف التقسيم، ولا تسع الخرق فيه حتى ~~يستغرق أكثر الكلام. # قال صاحب الكتاب: معنى قوله فيما أنكر أن البيت إنما حقه أن يكون في باب ~~المقابلة؛ لمقابلة الشاعر فيه كلمتين بكلمتين تقرباني من مضادتهما، وليستا ~~بضدين على الحقيقة، ولو كانتا ضدين لم يكن ما زاد على لفظتين متضادتين أو ~~مختلفتين إلا مقابلة، فإن لم يكن بين الألفاظ مناسبة البتة إلا الوزن سمى ~~موازنة، وسأذكره في باب المقابلة إن شاء الله، هكذا جرت العادة في هذه ~~التسمية. # وأما قولنا إن الكلمتين غير متفاوتتين فظاهر؛ لأن الحلم ليس ضده في ~~الحقيقة الجهل، وإنما ضده السفه والطيش، وضد الجهل العلم والمعرفة وما ~~شاكلهما، وكذلك المروح ليس ضده العزيب وإنما ضده المغدو به أو المبكر به، ~~وما أشبههما ولما ثقل وزن المروح من هاتين اللفظتين وقل استعماله تسمحت ~~فيهما، وأما العزيب فهو البعيد والغائب، ولا مضادة بينه وبين المروح إلا ~~بعيدة، كأنه يقول: إن هذا يأتي لوقته وذلك بعيد خفي لا يأتي ولا يعرف، على ~~أنا نجد أبا تمام إمام الصنعة قد قال: # ولقد سلوت لو أن دارا لم تلح ... وحلمت لو أن الهوا لم يجهل # وقال زهير، وزعموا أنه لأوس بن الحجر: # إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل # لما وجده خلافا له طابق بينها كما يفعل بالضد، وإن كان الخلاف مقصرا عن ~~رتبة الضد في المباعدة، والناس متفقون على أن جميع المخلوقات: مخالف، ~~وموافق، ومضاد، فمتى وقع الخلاف في باب المطابقة فإنما هو على معنى ~~المسامحة وطرح الكلفة والمشقة، وأنشد غير واحد من العلماء لحسين بن مطير: # بسود نواصيها وحمر أكفها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها # ورواه ابن الأعرابي في نسق أبيات: # بصفر تراقيها وحمر أكفها ... وسود نواصيها وبيض خدودها # وهذه الرواية أدخل في الصنعة، وقال الرماني وغيره: السواد والبياض ضدان، ~~وسائر الألوان يضاد كل واحد منها صاحبه، إلا أن البياض ms215 هو ضد السواد على ~~الحقيقة؛ إذ كان كل واحد منهما كلما قوي زاد بعدا من صاحبه، وما بينهما من ~~الألوان كلما قوى زاد قربا من السواد، فإن ضعف زاد قربا من البياض، وأيضا ~~فلأن البياض منصبغ لا يصبغ، والسواد صابغ لا منصبغ، وليس سائر الألوان ~~كذلك؛ لأنها كلها تصبغ ولا تنصبغ، انقضى كلامهم، وهو بين ظاهر لا يخفى على ~~أحد، وإنما أوردته إبطالا لزعم من زعم أن أفضل مطابقة وقعت قول عمرو بن ~~كلثوم: # بأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا # ومن أخف الطباق روحا، وأقله كلفة، وأرسخه في السمع، وأعقله في القلب؛ قول ~~السيد أبي الحسن في قصيدة: # ألا ليت أياما مضى لي نعيمها ... تكر علينا بالوصال فننعم # وصفراء تحكي الشمس من عهد قيصر ... يتوق إليها كل من يتكرم # إذا مزجت في الكأس خلت لآلئا ... تنثر في حافاتها وتنظم # جمعنا بها الأشتات من كل لذة ... على أنه لم يغش في ذاك محرم # فطابق بين تنثر وتنظم وبين جمعنا والأشتات أسهل طباقا وألطفه من غير تعمل ~~ولا استكراه، وأتى في البيت الأول من قوله مضى وتكر بأخفى مطابقة، وأظرف ~~صنعة على مذهب من انتحله. # ومما يغلط فيه الناس كثيرا في هذا الباب الجمال والقبح كقول بعض ~~المحدثين. # وجهه غاية الجمال، ولكن ... فعله غاية لكل قبيح # وليس لضده، وإنما ضده الدمامة، والقبح ضده الحسن. وقال الصولي أبو بكر ~~يصف قلما: PageV01P113 ناحل الجسم ليس يعرف مذكا ... ن نعيما، وليس يعرف ~~ضرا # وليس بيهما مضادة. وإنما ضد النعيم البؤس، فأما قول أبي الطيب: # فالسلم تكسر من جناحي ماله ... بنواله ما تجبر الهيجاء # فإنه داخل في الطباق المحض؛ لأن المراد بالهيجاء الحرب وهي اسم من ~~أسمائها، فكأنه قال الحرب، فأتى بضد السلم حقيقة. # باب ما اختلط فيه التجنيس بالمطابقة # من ذلك أن يقع في الكلام شيء مما يستعمل للضدين: كقولهم جلل بمعنى صغير، ~~وجلل بمعنى عظيم؛ فإن باطنه مطابقة، وإن كان ظاهره تجنيسا، وكذلك الجون ~~الأبيض، والجون الأسود، وما أشبه ذلك وكذلك إن ms216 دخل النفي كما قدمت، قال ~~البحتري: # يقيض لي من حيث لا أعلم الهوى ... ويسري إلي الشوق من حيث أعلم # فهذا مجانس في ظاهره، وهو في باطنه مطابق؛ لأن قوله لا أعلم كقوله أجهل، ~~ومثل ذلك قول الآخر: # لعمري لئن طال الفضيل بن ديسم ... مع الظل ما إن رأيه بطويل # كأنه قال: إن رأيه قصير، وقد جاء في القرآن: " هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون " فأما قول الفرزدق: # لعمري لئن قل الحصى في عديدكم ... بني مهشل ما لؤمكم بقليل # ظاهره تجنيس بالقلة، وباطنه تطبيق بالكثرة؛ إذ كان معنى قل الحصى في ~~عديدكم أنكم كثير، ومعنى ما لؤمكم بقليل أنه كثير أيضا، فخاف الأول، وقد ~~قال جلهمة بن أد بن مالك وهو طيء لولده في وصية: " ولا تكونوا كالجراد أكل ~~ما وجد وأكله ما وجده " فهذا مجانس الظاهر مطابق الباطن، ومما أنشده ثعلب: # أبى حبي سليمى أن يبيدا ... وأمسى حبلها خلقا جديدا # الجديد هنا: المجدود وهو المقطوع، مثل قتيل وهزيل بمعنى مقتول ومهزول، ~~كأنه قال مجدودا، أي: مقطوعا، فليس بمطابق، وإن كان كذلك في الظاهر عند من ~~لا يميز، فأما المميز فيعلم أنه لا يكون خلقا جديدا في حال: وقال العتابي ~~يعاتب المأمون وقد حجب عنه وكان به حفيا: # تضرب الناس بالمهندة البي ... ض على غدرهم وتنسى الوفاء # فأتى بالغدر والوفاء، جميعا، وهما ضدان، فطابق بينهما في الظاهر وباطن ~~كلامه مجانس لأن قوله وتنسى الوفاء كقوله تغدر. # وقال جرير أيضا: # أتصحو أم فؤادك غير صاح. # فقوله غير صاح نقيض أتصحو لولا استفهام لم تعلم حقيقة محصوله بعد، إلا ~~على مذهب من جعل أم بمعنى بل فكأنه قال لنفسه: بل فؤادك غير صاح، فناقض ~~الصحو، ودخل كلامه في المطابقة.. وقال قيس بن الخطيم، ويروي لعدي: # وإني لأغنى الناس عن متكلف ... يرى الناس ضلالا وليس بمهتدي # كأنه قال وهو ضال فجانس في الباطن، وإن كان قد طابق في الظاهر. ومن هذا ~~الباب قولك فاعل ومفعول، نحو خالق ومخلوق وطالب ومطلوب هما ضدان في ms217 المعنى، ~~وإن تجانسا في اللفظ، وكذلك ما كان اسم الفاعل منه مفعل والمفعول مفعل نحو ~~مكرم ومكرم و معط ومعطى وما جرى هذا المجرى أو زاد عليه في البناء، وأما ~~قولك قضيت واقتضيت فظاهره تجنيس وباطنه طباق، إلا أنه غير محض، وكذلك قولك ~~أخذت وأعطيت؛ لأن الأخذ ضده الترك، والإعطاء ضد المنع، فهذا مما يظنه من لا ~~يحسن طباقا وليس كما ظن، ولكنه كثر جدا في الكلام، واستعمله الناس، كما ~~تقدم من قولنا في الحلم والجهل والجمال والقبح. # ومما ظاهره تجنيس وباطنه طباق الوعد والوعيد كما قال الشاعر: # وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # وأول ما يعتد به في هذا الباب قول امرئ القيس: # فإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد # ويروى فإن تكتموا الداء لا نخفه وقوله لا نخفه أي: لنبده من قوله تعالى: ~~أكاد أخفيها فكأن الشاعر قال: إن تدفنوا الداء ندعه دفينا أو قال: إن ~~تكتموا الداء نكتمه، وكذلك قوله لا نقعد كأنه قال: إن تبعثوا الحرب نبعثها، ~~ومن كلام السيد أبي الحسن: # وأعلم أن المجد شيء مخلد ... وأن الفتي والمال غير مخلد # والبيت من قصيدة شريفة أولها: # صحا القلب عن سعدي وعن أم مسعد ... ولم يشجني نوح الحمام المغرد # باب المقابلة # المقابلة: مواجهة اللفظ بما يستحقه في الحكم، هذا حد ما اتضح عندي ~~PageV01P114 المقابلة: بين التقسيم والطباق، وهي تتصرف في أنواع كثيرة، ~~وأصلها ترتيب الكلام على ما يجب؛ فيعطي أول الكلام ما يليق به أولا، وآخره ~~ما يليق به آخرا، ويأتي في الموافق بما يوافقه، وفي المخالف بما يخالفه. # وأكثر ما تجئ المقابلة في الأضداد، فإذا جاوز الطباق ضدين كان مقابلة ~~مثال ما أنشده قدامة لبعض الشعراء، وهو: # فيا عجبا كيف اتفقنا؛ فناصح ... وفي، ومطوي على الغل غادر؟ # فقابل بين النصح والوفاء بالغل والغدر، وهكذا يجب أن تكون المقابلة ~~الصحيحة، لكن قدامة لم يبال بالتقديم والتأخير في هذا الباب، وأنشد ~~للطرماح: # أسرناهم وأنعمنا عليهم ... وأسقينا دماءهم التربا # فما صبروا بلأس ms218 عند حرب ... ولا أدوا لحسن يد ثوابا # فقدم ذكر الإنعام على المأسورين، وأخر ذكر القتل في البيت الأول؛ وأتى في ~~البيت الثاني بعكس الترتيب، وذلك أنه قدم ذكر الصبر عند بأس الحرب وأخر ذكر ~~الثواب على حسن اليد، اللهم إلا أن يريد بقوله فما صبروا لبأس عند حرب ~~القوم المأسورين إذ لم يقاتلوا حتى يقتلوا دون الأسر وإعطاء اليد؛ فإن ~~المقابلة حينئذ تصح وتترتب على ما شرطنا، وهذه عندهم تسمى مقابلة ~~الاستحقاق، ويقرب منها قول أبي الطيب: وفعله ما تريد الكف والقدم لأن الكف ~~من اليد بمنزلة القدم من الرجل، فبينهما مناسبة وليست مضادة، ولو طلبت ~~المضادة لكان الرأس أو الناصية أولى، كما قال تعالى: " فيؤخذ بالنواصي ~~والأقدام " . # ومن أناشيد المقابلة قول النابغة الجعدي: # فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعادية # فقابل يسر بيسوء وصديقه بالأعادي، وهذا جيد؛ ولو كان كل مقابل على وزن ~~مقابله في هذا البيت والبيت الذي أنشده قدامة أولا لكان أجود.. # وقال عمرو بن معدي كرب الزبيدي: # ويبقى بعد حلم القوم حلمي ... ويفنى قبل زاد القوم زادي # فقال يبقى بعد ثم قال يفنى قبل فهذا كما أردنا. # وقال الفرزدق: # وأنا لنمضي بالأكف رماحنا ... إذا أرعشت أيديكم بالمعالق # سأل أبو جعفر المنصور أبا دلامة فقال: أي بيت قالته العرب أشعر؟ قال: بيت ~~يلعب به الصبيان، قال: وما هو ذلك؟ قال: قول الشاعر: # ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل # وقال يزيد بن محمد المهلبي، يقوله لسليمان بن وهب: # فمن كان للآثام والذل أرضه ... فأرضكم للأجر والعز معقل # وقال في التغزل: # إن تغيبي عني فسقيا ورعيا ... أو تحلي فينا فأهلا وسهلا # والمعجز قوله الله تعالى: " ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار ~~مبصرا ولتبتغوا من فضله " فقابل الليل بالسكون، والنهار بابتغاء الفضل، ~~وجعل بعض المفسرين الليل والنهار بمعنى الزمان، والأول أعجب إلى، وقال ~~تعالى: " وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين " . # ومن جيد المقابلة قول بكر بن ms219 النطاح الحنفي: # أذكى وأوقد للعداوة والقرى ... نارين نار وغى ونار زناد # وكذلك قوله: # لباسي حسام أو إزار معصفر ... ودرع حديد أو قميص مخلق # إلا أنه لو كان الإزار رداء كان أجود، لا سيما والسيف يسمى رداء، ولكنا ~~هكذا رويناه. # ومن خفي المقابلة والقسمة قول العباس بن الأحنف وأحسن ما شاء: # اليوم مثل الحول حتى أرى ... وجهك، والساعة كالشهر # وهذا مليح؛ لأن الساعة من اليوم كالشهر من الحول جزء من اثني عشر. # وقال محمد بن أحمد العلوي: # لا تؤخر عني الجواب فيومي ... مثل دهر، وساعتي مثل شهر # فلم يصنع شيئا، وكان يمكنه أن يجعل مكان دهر حولا؛ فتكون قسمة مستوية، ~~ولكنا هكذا رويناه. # ومن جيد ما وقع في المنثور من المقابلة قول بعض الكتاب فإن أهل الرأي ~~والنصح لا يساويهم ذوو الأفن والغش، وليس من يجمع إلى الكفاية الأمانة كمن ~~أضاف إلى العجز الخيانة ومن كلام إبراهيم بن هلال الصابي وأعد لمحسنهم جنة ~~وثوابا، ولمسيئهم نارا وعقابا. # وقال أبو الفتح محمود بن حسين كشاجم: # تريك الحسن والإحسان وقفا ... إذا برزت لنا وإذا تغيب # ومما عابه الجرجاني على ابن المعتز: PageV01P115 بياض في جوانبه احمرار ~~... كما احمرت من الخجل الخدود # لأن الخدود متوسطة وليست جوانب؛ فهذا من سوء المقابلة، وإن عده الجرجاني ~~غلطا في التشبيه، وإنما العلة في كونه غلطا ما ذكرناه.. # ومن المأخوذ المعيب عندي قول الكميت يخاطب قضاعة: # رأيتكم من مالك وادعائه ... كرائمة الأولاد من عدم النسل # فوقع تشبيهه على الادعاء والرثمان خاصة، لا على صحة المقابلة في الشبهين؛ ~~لأن هؤلاء فيما زعم يدعون أبا، والرائمة تدعى ولدا، وهما ضدان. # والصواب قول الآخر يهجو كاتبا، أنشده الجاحظ: # حمار في الكتابة يدعيها ... كدعوى آل حرب في زياد # وقال أبو نواس: # أرى الفضل للدنيا وللدين جامعا ... كما السهم فيه فوق والريش والنصل # فزاد في المقابلة قسما؛ لأنه قابل اثنين بثلاثة. # وكذلك قول أبي قيس ابن الأسلت: # الحزم والقوة خير من ال ... إدهان والفكة والهاع # فقابل الحزم بالإدهان، والقوة بالفكة وهي الضعف ويروي الفهة ms220 وهي العي، ~~وزاد الهاع، وهو الجبن والخفة. # ومما سقط فيه عبد الكريم من جهة المقابلة وإن كان تمثيلا وتشبيها قوله ~~يمدح نزار بن معد صاحب مصر: # إلى ملك بين الملوك وبينه ... مسافة ما بين الكواكب والترب # لأنه لما أتى بالملوك أولا وبضمير الممدوح وهو الهاء التي في بينه بعد ~~ذلك، ثم أتى بالكواكب وهي جماعة تقابل الملوك وبالترب وهو واحد يقابل ~~الضمير باتحاده؛ أوجب له بهذا الترتيب أن يكون هو الترب، وتكون الملوك هم ~~الكواكب، ولم يرد إلا أن يجعله موضع الكواكب، ويجعلهم موضع الترب، ولكن حكم ~~عليه ما حكم على ابن المعتز الذي إليه انتهى التشبيه وسر صناعة الشعر.. ~~ويدلك على صحة ما طلبته به قول امرئ القيس بن حجر: # كأن القلوب الطير رطبا ويابسا ... لدي وكرها العناب والحشف البالي # قابل الرطب أولا بالعناب مقدما، وقابل اليابس ثانيا بالحشف تاليا. وكذلك ~~قول الطرماح: # يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد # فقابل يبدو بيسل، وقابل تضمره البلاد بيغمد، على ترتيب، وكذلك كان يجب ~~لهؤلاء أن يصنعوا، وإلا كانوا مخطئين أو مقصرين. # ومن المقابلة ما ليس مخالفا ولا موافقا كما شرطوا إلا في الوزن والازدواج ~~فقط، فيسمى حينئذ موازنة نحو قول النابغة: # أخلاق مجد تجلت ما لها خطر ... في البأس والجود بين الحلم والخبر # وعلى هذا الشعر حشا النعمان بن المنذر فم النابغة درا. # وينضاف إلى هذا النوع قول أبي الطيب: # نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال # فوازن قوله في حياتك بقوله في منامك وليس بضده ولا موافقه، وكذلك صنع في ~~الموازنة بين حبيب وخيال، وإن اختلف حرف اللين فيهما، فإن تقطيعه في العروض ~~واحد. # فأما قول أبي تمام: # فكنت لناشيهم أبا، ولكهلهم ... أخا، ولذي التقويس والكبرة ابنما # فإنه من أحكم المقابلة وأعدل القسمة. # وقد بنيت في أول هذا الباب أن المقابلة بين التقسيم والطباق؛ فكلما توفر ~~حظها منهما كانت أفضل. # ومن أملح ما رويناه في الموازنة وتعديل الأقسام مما يجب أن نختم به هذا ms221 ~~الباب قول ذي الرمة: # أستحدث الركب عن أشياعهم خبرا ... أم راجع القلب من أطرابه طرب؟؟ # لأن قوله أستحدث الركب موازن لقوله أم راجع القلب وقوله عن أشياعهم خبرا ~~موازن لقوله من أطرابه طرب وكذلك الركب موازن للقلب وعن موازن لمن، ~~وأشياعهم موازن أطرابه وخبرا موازن لطرب. # وقال السيد أبو الحسن في هذا النوع: # لكفاك أندى من غيوم سواجم ... وعزمك أمضى من حسام مهند # فكل لفظة من القسيم الأول موازنة لأختها من القسيم الآخر موازنة عدل ~~وتحقيق. # باب التقسيم # اختلف الناس في التقسيم: فبعضهم يرى أنه استقصاء الشاعر جميع أقسام ما ~~ابتدأ به، كقول بشار يصف هزيمة: # بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه ... ويدرك من نجى الفرار مثالبه # فراح فريق في الأساري، ومثله ... قتيل، ومثل لاذ بالبحر هاربه ~~PageV01P116 فالبيت الأول قسمان: إما الموت، وإما حياة تورث عارا ومثلبة، ~~والبيت الثاني ثلاثة أقسام: أسير، وقتيل، وهارب؛ فاستقضى جميع الأقسام، ولا ~~يوجد في ذكر الهزيمة زيادة على ما ذكر. # ومثل ذلك قول عمرو بن الأهتم إلا أنه أكثر إيجازا: # اشربا ما شربتما فهذيل ... من قتيل وهارب وأسير # فجمع الوجوه كلها في مصراع واحد. # ومن التقسيم الجيد قول نصيب: # فقال فريق القوم: لا، وفريقهم: ... نعم، وفريق قال: ويحك ما ندري # فلم يبق جواب سائل إلا أتى به؛ فاستوفى جميع الأقسام، وزعم قوم أنه أفضل ~~بيت وقع فيه تقسيم. # ومن أناشيد قدامة في هذا الباب قول الشماخ يصف حمار وحش: # متى ما تقع أرساغه مطمئنة ... على حجر يرفض أو يتدحرج # فلم يبق الشماخ قسما ثالثا إلا أن يقول: يغوص في الأرض، وذلك لا يلزم؛ من ~~جهة أن الحافر عند الجرى وسرعة المشي يقذف الحجر إلى وراء، إلا أنه لو أتى ~~به لكان حسنا من أجل قوله مطمئنة. # ومن أشرف المنثور في هذا الباب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وهل ~~لك يابن آدم بن مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ~~" فلم يبق عليه الصلاة والسلام قسما رابعا لو طلب ms222 يوجد.. وقال نافع بن ~~خليفة: يا بني، اتقوا الله بطاعته، واتقوا السلطان بحقه، واتقوا الناس ~~بالمعروف فقال رجل منهم: ما بقي شيء من أمر الدين والدنيا إلا وقد أمرتنا ~~به.. وقال أعرابي إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، والسلاح عند من لا ~~يستعمله، والمال عند من لا ينفقه ضاعت الأمور وكان ثابت البناني يقول: ~~الحمد لله وأستغفر الله فسئل: لم خصهما؟ فقال: لأني بين نعمة وذنب؛ فاحمد ~~الله على النعمة، وأستغفره من الذنوب.. ووقف أعرابي على حلقة الحسن البصري ~~فقال: رحم الله من تصدق من فضل، أو واسى من كفاف، أو آثر من قوت، فقال ~~الحسن: ما ترك البدوي منكم أحدا إلا وقد سأله. # ثم نعود إلى الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: # وهبها كشيء لم يكن، أو كنازح ... به الدار، أو من غيبته المقسابر # فلم يبق مما يعبر به عن إنسان مفقود قسما إلا أتى به في هذا البيت. # وقال آخر، وأحسبه أبا دهبل الجمحي أو طريحا: # لو قلت للسيل دع طريقك وال ... موج عليه كالهضب يعتلج # لارتد، أوساخ، أو لكان له ... في سائر الأرض عنك منعرج # ولا يدع السيل طريقه إلا بأحد هذه الأشياء. # وقال أبو العتاهية: # وعلى من كلفي بكم ... قيد وجامعة وغل # فأتى على جميع ما يتخذ للمأسور أو المجنون ولم يبقى قسما هذا وأمثاله مما ~~قدمت هو الجيد من التقسيم؛ وأما ما كان في بيتين أو ثلاثة فغير عاجز عنه ~~كثير من الناس. # وزعم الحاتمي أن أصح تقسيم وقع لشاعر قول الأسعر الجعفي يصف فرسا: # أما إذا استقبلته فكأنه ... باز يكفكف أن يطير وقد رأى # أما إذا استدبرته فتسوقه ... ساق قموس الوقع عارية النسا # أما إذا استعرضته متمطرا ... فتقول: هذا مثل سرحان الغضا # واختاره أيضا قدامة، وليس عندي بأفضل من قول امرئ القيس إلا بشرف الصفات: # إذا أقبلت قلت دباءة ... من الخضر مغموسة في الغدر # وإن أدبرت قلت أثفية ... ململمة ليس فيها أثر # وإن أعرضت قلت سرعوفة ... لها ذنب خلفها مسبطر # ولو ms223 لم يكن إلا تنسيق هذا الكلام بعضه على بعض، وانقطاع ذلك بعضه من بعض، ~~وقد صنعت على ضعف متني وتأخر وقتي: # إذا أقبلت أقعت، وإن أدبرت كبت ... وتعرض طولا في العناني فتستوي # وكلفت حاجاتي شبيهة طائر ... إذا انتشرت ظلت لها الأرض تنطوي # ومن التقسيم نوع هو هذا الأول إلا أن فيه زيادة تدريجا وترتيبا فصعب لذلك ~~على متعاطيه وقل جدا.. فأحسنه قول زهير بن أبي سلمى: # يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا # فأتى بجميع ما استعمل في وقت الهياج، وزاد ممدوحه رتبة، وتقدم به خطوة ~~على أقرانه، ولا أرى في التقسيم عديل هذا البيت، ويليه في باله قول عنتر: ~~PageV01P117 إن يلحق أكرر، وإن يستلحموا ... أشدد، وإن يلفوا بضنك أنزل # ويروى وإن يقفوا ومما ينضاف إليهما قول طريح بن إسماعيل الثقفي: # إن يسمع الخير يخفوه، وإن سمعوا ... شرا أذاعوا، وإن لم يسمعوا كذبوا # وقال الحصين بن الحمام: # دفعناكم بالحلم حتى بطرتم ... وبالكف حتى كان رفع الأصابع # فلما رأينا جهلكم غير منتهي ... وما قد مضى من حلمكم غير راجع # مسنا من الآباء شيئا، وكلنا ... إلا حسب في قومه غير واضح # فلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمكم كانوا كرام المضاجع # كأنه يقول: نحن أكرم منكم أمهات، فهذا هو التدريج في الشعر. # وبعضهم في التقسيم على خلاف ما قدمت: زعم أبو العيناء أن خير تقسيم قول ~~ابن أبي ربيعة: # تهيم إلى نعم؛ فلا الشمل جامع ... ولا الحبل موصول، ولا أنت مقصر # ولا قرب نعم إن دنت منك نافع، ... ولا نأيها يسلى، ولا أنت تصبر # واختار قوم آخرون قول الحارثي: # فلا كمدى يفنى، ولا لك رقة، ... ولا عنك إقصار، ولا فيك مطمع # وزعم الفرزدق أن أكمل بيت قالته العرب أو قال: أجمع بيت قول امرئ القيس: # له أيطلا ظبي، وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان، وتقريب تتفل # وقال الأعشي يصف فرسا: # سلس مقلده، أسي ... ل خده، مرع جنابه # وقال عمرو بن شأس: # مدمج سابغ الضلوع طويل الش ... خص عبل الشوي ممر ms224 الأعالي # وقال أبو دؤاد الإيادي: # بعيد مدى الطرف حاظي البضيغ ... ممر المطا سمهري القصب # هذا وما قبله يسمى جمع الأوصاف، وسماه بعض الحذاق من أهل الصناعة التعقيب ~~العين قبل القاف وأما التقعيب فمكروه في الكلام. # وكان محمد بن موسى المنجم يحب التقسيم في الشعر، وكان معجبا بقول العباس ~~بن الأحنف: # وصالكم صرم وحبكم قلي ... وعطفكم صد وسلمكم حرب # ويقول: أحسن والله فيما قسمحين جعل كل شيء ضده، والله إن هذا التقسيم ~~لأحسن من تقسيمات إقليدس، حكى ذلك الصولي.. # ومن مليح التقسيم قول داود بن سلم: # في باعه طول، وفي وجهه ... نور، وفي العرنين منه شمم # فوصف بعض أحواله وقسمها كما فعل الأولون. # ومن أنواع التقسيم التقطيع، أنشد الجرجاني للنابغة الذبياني: # ولله عينا من رأى أهل قبة ... أضر لمن عادى أو أكثر نافعا # وأعظم أحلاما و أكبر سيدا ... وأفضل مشفوعا إليه وشافعا # وسماه قوم منهم عبد الكريم التفصيل، وأنشد في ذلك: # بيض مفارقنا، تغلي مراجلنا ... ناس بأموالنا آثار أيدينا # وقال البحتري: # قف مشوقا، أو مسعدا، أو حزينا ... أو معينا، أو عاذرا أو عذولا # فقطع وفصل كما تراه. وقال أبو الطيب: # فيا شوق ما أبقى، ويا لي من النوى، ... ويا دمع ما أجرى، ويا قلب ما أصى # ففصل كما فعل أصحابه وجاء به على تقطيع الوزن، كل لفظتين ربع بيت.. # وقال أيضا: # للسبي ما نكح، والقتل وما ولد، ... والنهب ما جمع، والنار ما زرعوا # وإذا كان تقطيع الأجزاء مسجوعا أو شبيها بالمسجوع فذلك هو الترصيع عند ~~قدامة، وقد فضله وأطنب في وصفه إطنابا عظيما.. وأنشد أبيات أبي المثلم يرثى ~~صخر الغي: # لو كان للدهر مال عند متلده ... لكان للدهر صخر مال قنيان # آبي الهضيمة، ناب بالعظيمة، مت ... لاف الكريمة لا سقط ولان وان # حامي الحقيقة، نسال الوريقة، مع ... تاق الوسيقة، جلد غير ثنيان # رباء مرقبة، مناع مغلبه ... ركاب سهبلة، قطاع أقران # هباط أودية، حمال ألوية ... شهاد أندية، سرحان فتيان # يعطيك ما لا تكاد النفس تسلمه ... من التلاد وهوب غير منان # وللقدماء من ms225 هذا النوع، إلا أنهم لا يكثرون منه كراهة التكلف.. قال أبو ~~دؤاد يصف فرسا، وقيل: بل رجل من الأنصار: # فالعين قادحة، والرجل ضارحة ... واليد سابحة، واللون غربيب PageV01P118 ~~والشد منهمر، والماء منحدر، ... والقصب مضطمر، والمتن ملحوب # وقال الكميت بن زيد في ذلك: # كالناطقات الصادقا ... ت الواسقات من الذخائر # وإلى هذا ذهب أبو الطيب بقوله: # الناعمات القاتلات المحييا ... ت المبديات من الدلائل غرائبا # وقال توبة بن الحمير، وفيه التقسيم والترصيع: # لطيفات أقدام، نبيلات أسوق ... لفيفات أفخاذ، دقاق خصورها # وقال مسلم بن الوليد صريع الغواني: # كأنه قمر، أو ضيغم هصر، ... أو حية ذكر، أو عارض هطل # وقال أيضا: # يورى بزندك، أو يسعى بجندك، أو ... يفرى بحدك، كل غير محدود # ومن كلام أبي تمام، وكان يجيد التصنيع: # تجلى به رشدي، وأثرت به يدي، ... وفاض به ثمدي، وأروى به زندي # وقال أيضا وأحسن ما شاء: # تدبير معتصم، بالله منتقم، ... لله مرتقب، في الله مرتغب # وقال أيضا في غير هذا النمط: # عن ثامر ضاف، ونبت قرارة ... واف، ونور كالمراجل خافي # المراجل: ثياب.. وقال كشاجم: # هلال في إضاءته حياء في سماحته شهاب في اتقاده # ومن جيد ما للمحدثين قول ديك الجن: # حر الإهاب وسيمه، بر الإيا ... ب كريمه، محض النصاب صميمه # فأكثر البيت ترصيع كيف ما أدرته.. # وكان المذهب الأول وهو المحمود أن يؤتى ببيت من هذا أو بعض بيت، كما قال ~~امرؤ القيس: # وأوتاده ماذية، وعماده ... ردينية، فيها أسنة قعضب # وكما قال امرؤ القيس: # كحلاء في برج، صفراء في نعج، ... كأنها فضة قد مسها ذهب # وأما ما هو شبيه بالمسجوع فقول امرئ القيس: # فتور القيام، تطوع الكلا ... م، تفتر عن ذي غروب أشر # وقوله ألص الضروس، حنى الضلوع فجاء فتور في وزن قطوع، وكذلك الضروس ~~والضلوع، وألص وحنى. # ثم أدخل المولدون في هذا الباب أشياء عدوها تقطيعا وتقسيما، وذلك نحو قول ~~أبي العميثل الأعرابي: # فاصدق وعف وجد وأنصف واحتمل ... واصفح ودار وكاف واحلم واشجع # والطف ولن وتأن وارفق واتئد ... واحزم وجد وحام واحمل وادفع # وكقول ديك ms226 الجن: # أحل وأمرر، وضر وانفع ولن واخ ... شن ورش وابر وانتدب للمعالي # وقول أبي الطيب: # أقل أنل اقطع احمل على سل أعد ... زد هش بش تفضل ادن سر صل # ثم زاد في هذا وتباغض حتى صنع: # عش ابق أمم سد قد جد مر انه رهفه أسر نل ... غظ ارم صب احم اغز اسب رع زغ ~~دل ائن بل # فهذه رقية العقرب كما قال ابن وكيع، ولا بد من شرحها.. قوله عش ابق دعاء ~~له بالعيش والبقاء، واسم: من السمو، وسد: من السيادة: أي دم هكذا، وقد: من ~~قود الخيل، وجد: من الجود والسماح، أو من الجود وهو المطر الغزير، مرانه: ~~من الأمر والنهي، ره: من الورى تثبت الهاء فيه أظنه في الخط دون اللفظ، على ~~أنه ليس موضع وقف، ولا يجب أن يكتب بلا هاء لئلا يخالف العادة وتقع كلمة ~~على حرف واحد، والورى: داء في الجوف: أي اصنع ذلك بإعدائك وحسادك، فه: من ~~الوفاء، واسر: من سرى الليل، يصفه بالعزم والغارات، ونل: من النيل ~~والإدراك، أي: نل ما تحب، وروى نل أي أعط، من النول، ويقال: نلته إذا ~~أعطيته، وغظ: من غيظ الحسود، ويروي عظ من الوعظ، وارم: من رمي العدو ~~بالمكايد وغيرها، وصب: من صاب المطر والهم، واحم: من حميت المكان، واغز: من ~~الغزو، واسب: من السبي وارع: من الروع، وزع: من وزعت، أي: كففت، ود: من ~~الدية، ول: من الولاية للأمور وقد يكون من المطر الولي، واثن: من الثنى ~~أضداده إذا ردهم، وبل: من الوابل، وهذه غاية المقت والبغاضة وإن كان ولا بد ~~فقوله أيضا: # دان بعيد، محب مبغض، بهج ... أغر، حلو ممر، لين شرس # ندي أبي غر واف أخو ثقة ... جعد سرى نه ندب رضا ندس # ند: من الندى، وغر: من غرى به، ونه: من النهى، وأصل هذا كله من قول امرئ ~~القيس: # أفاد فجاد، وشاد فزاد ... وقاد فذاد، وعاد فأفضل # باب التسهيم # وقدامة يسميه التوشيح.. وقيل: PageV01P119 إن الذي سماه تسهيما علي بن ~~هارون المنجم، وأما ms227 ابن وكيع فسماه المطمع، وهو أنواع: منه ما يشبه ~~المقابلة، وهو الذي اختاره الحاتمي، نحو قول جنوب أخت عمرو ذي الكلب: # فأقسم يا عمرو لو نبهاك ... إذا نبها منك داء عضالا # إذا نبها ليث عريسة ... مفيتا مفيدا نفوسا ومالا # خرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكى الكلالا # فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه الهلالا # أردت قولها مفتيا نفوسا ومفيدا مالا فقابلت مفتيا بالنفوس ومفيدا بالمال، ~~وكذلك قولها في البيت الأخير لما ذكرت النهار جعلته شمسا ولما ذكرت الليل ~~جعلته هلالا لمكان القافية، ولو كانت رائية لجعلته قمرا . # وسر الصنعة في هذا الباب أن يكون معنى البيت مقتفيا قافيته، وشاهدا بها ~~دالا عليها كالذي اختاره قدامة للراعي، وهو قوله: # وإن وزن الحصى فوزنت قومي ... وجدت حصى ضريبتهم رزينا # فهذا النوع الثاني هو أجود من الأول للطف موقعه. # والنوع الثالث شبيه بالتصدير، وهو دون صاحبيه، إلا أن قدامة لم يجعل ~~بينهما فرقا.. وأنشد للعباس بن مرداس: # هم سودوا هجنا وكل قبيلة ... يبين عن أحسابها من يسودها # وقال نصيب الأكبر مولى بني مروان: # وقد أيقنت أن ستبين ليلى ... وتحجب عنك إن نفع اليقين # وإن تأملت قوافي ما هذه سبيله لم تجد له من لطف الموقع ما لقافية الراعي ~~وإنما أختير هذا النوع على ما ناسب المقابلة والتصدير لأن كل واحد منهما ~~مدلول عليه من جهة اللفظ: إما بالترتيب، وإما باشتراك المجانسة، والقافية ~~في بيت الراعي دالة على نفسها بالمعنى وحده، فصار استخراجها أعجب وأغرب، ~~وتمكنها أشد وأوكد. # وقد حكى أن ابن أبي ربيعة جلس إلى ابن عباس رضي الله عنه، فابتدأه ينشده: # تشط غدا دار جيراننا # فقال ابن العباس: # وللدار بعد غد أبعد # فقال له عمر: هكذا صنعت، فأنت ترى كيف طبق المفصل، وأصاب شاكلة الروي، ~~لما كان المعنى يقتضي زيادة البعد كلما طال العهد بأيام الموسم، وأجتنب " ~~أشط " لأنه لا يتزن ولايستعمل، وعدا عن أن يقول " أبرح " وما شاكله رغبة في ~~قرب المأخذ، وسلوكا لطريق الفصاحة، وأتيانا بالمتعارف المعتاد المتعاهد. # ويحكى ms228 عن عدي بن الرقاع أنه أنشد في صفه الظبية وولدها: # تزجى أغن كأن ابنة روقه # فغفل الممدوح عنه، فسكت، فقال الفرزدق لجرير: ما تراه يقول؟ فقال: يقول: # قلم أصاب من الدواة مدادها # وأقبل عليه الممدوح فأنشد كما قال جرير لم يغادر حرفا.. وقالت الخنساء: # ببيض الصفاح وسمر الرما ... ح بالبيض ضربا وبالسمر وخزا # وقالت أيضا في نحو ذلك: # ونلبس في الحرب نسج الحديد ... ونلبس في السلم خزا وقزا # وقال حريث بن محفض: # فإن يك طعن بالرديني يطعنوا ... وان يك ضرب بالمهند يضربوا # وقال ابن الدمينة واسمه عبد الله بن عبيد الله أحد بني عامر الخثعمي: # وكوني عل الواشين لداء شغبة ... كما أنا بالواشي ألد شغوب # وكوني إذا مالوا عليك صليبة ... كما أنا إن مالوا علي صليب # فالبيتان جميعا مسهمان. وقال دعبل: # وإذا عاندنا ذو نخوة ... غضب الروح عليه فعرج # فعلى أيماننا يجري الندى ... وعلى أسيافنا تجري المهج # ليس يجهل أحد بعد معرفة البيت الأول من هذين البيتين قافية الأخر منهما. # ومن جيد التسهيم قول بعضهم: # لو أنني أعطيت من دهري المنى ... وما كل من يعطي المنى بمسدد # فقلت لأيام مضين: ألا ارجعي ... وقلت لأيام أتين: ألا ابعدي # وكذلك قول الآخر وهو مليح: # حبيبي غدا لا شك فيه مودع ... فو الله ما أدري به كيف أصنع # فيا يوم لا أدبرت هل لك محبس ... ويا غد لا أقبلت هل لك مدفع # إذ لم أشيعه تقطعت حسرة ... ووا كبدي إن كنت ممن يشيع PageV01P120 أردت ~~البيت الأخير.. وما أظن هذه التسمية إلا من تسهيم البرود، وهو أن ترى ترتيب ~~الألوان فتعلم إذا أتى أحدها ما يكون بعده. وأما تسميته توشيحا فمن تعطف ~~أثناء الوشاح بعضها على بعض وجمع طرفيه، ويمكن أن يكون من وشاح اللؤلؤ ~~والخرز، وله فواصل معروفة الأماكن، فلعلهم شبهوا هذا به، ولا شك أن ~~الموشحات من ترسيل البديع وغيره إنما هي من هذا، وبعض الناس يقول: إن ~~التوشيج بالجيم، فإن صح ذلك فإنما يجيء من " وشجت العروق " إذا اشتبكت، ~~فكأن الشاعر ms229 شبك بعض الكلام ببعض.. فأما تسميته المطمع فذلك لما فيه من ~~سهولة الظاهر وقلة التكلف، فإذا حوول امتنع وبعد مرامه. # باب التفسير # وهو: أن يستوفي الشاعر شرح ما ابتدأ به مجملا، وقل ما يجيء هذا إلا في ~~أكثر من بيت واحد، نحو قول الفرزدق واختاره قدامة: # لقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم # لألفيت منهم معطيا ومطاعنا ... وراء شزرا بالوشيج المقوم # هذا جيد في معناه، إلا أنه غريب مريب؛ لأنه فسر الآخر أولا والأول آخرا؛ ~~فجاء فيه بعض التقصير والإشكال، على أن من العلماء من يرى أن رد الأقرب على ~~الأقرب والأبعد على الأبعد أصح في الكلام. # وأكثر ما في التفسير عندي السلامة من سوء التضمين لا أنه بعينه ما لم يكن ~~في بيت واحد أو شبيه به كالذي أنشده سيبويه: # خوى على مستويات خمس ... كركرة وثفنات ملس # لأن هذا كالبيت المصرع فهو بيتان من مشطور الرجز ومن التفسير الجيد قول ~~حاتم الطائي، ويروي لعتيبة بن مرداس: # متى ما يجئ يوما إلى المال وارثي ... يجد جمع كف غير ملأى ولا صفر # يجد فرسا مثل العنان وصارما ... حساما إذا ما هز لم يرض بالهبر # وأسمر خطيا كأن كعوبة ... نوى القسب قد أربى ذراعا على العشر # فهذا هو التفسير الصحيح السالم من ضرورة التضمين؛ لأنه لم يعلق كلامه بلو ~~كما فعل الفرزدق، ولا بما يقتضي الجواب اقتضاء كليا؛ فلهذا حسن عندي.. # ومثله قول عروة بن الورد: # وإن امرأ يرجو تراثي وإن ما ... يصير له منه غدا لقليل # ومالي مال غير درع ومغفر ... وأبيض من ماء الحديد صقيل # وأشمر خطي القناة مثقف ... وأجرد عريان السراة طويل # هكذا أنشدوه بالإقواء، ويجوز أن يرفع على القطع والإضمار، كأنه قال: هو ~~صقيل، أو قال: ولي أبيض من ماء الحديد، يعني سيفه. # وقال ذو الرمة في التفسير: # وليل كجلباب العروس ادرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد # أحم علافي، وأبيض صارم ... وأعيس مهري، وأروع ماجد # ففسر الأربعة ما هي، ورفع على شرط ما ms230 قدمت من الإضماز، كأنه قيل له: ما ~~الأربعة التي شخصها في العين واحد؟ فقال: كذا وكذا وكذا.. # ومن التفسير ما يفسر الأكثر فيه بالأقل، وهو من باب الإيجاز والاختصار: ~~وذلك ما أتت فيه الجملة بعد الشرح، نحو قول أبي الطبيب: # من مبلغ الأعراب أني بعدها ... جالست رسطاليس والإسكندرا # ومللت بحر عشارها فأضافني ... من ينحر البدر النضار لمن قرى # وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملكا متبديا متحضرا # ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا # نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا # فقوله نسقوا لنا نسق الحساب مقدما وأتى فذلك إذ أتيت تفسير مليح قليل ~~النظير في أشعار الناس.. # وتعلقت به في بعض مدح السيد أبي الحسن فقلت: # أتى بعد أهل العلى ... كجملة شيء شرح # وقد أتى به أبو الطيب في بيت واحد فقال: # إذا عد الكرام فتلك عجل ... كما الأنواء حين تعد عام # فهذا الذي كنا نرغب فيه لكون المفسر والمفسر به في بيت واحد. # ونظيره قوله أيضا: # مضى وبنوه وانفردت بفضلهم ... وألف إذا ما جمعت واحد فرد # فجاء به أيضا في بيت واحد. # وكذلك قول امرئ القيس: # فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال ~~PageV01P121 ومن قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي: # فأرسلنا ربيئتنا فأوفى ... فقال: ألا أولى خمس رتوع # رباعية وقارحها وجحش ... وثالثة وهادية زموع # ففسر ما هي، وأنثها لغلبة التأنيث على اسم الدواب.. # وقال مالك بن خريم، وقيل: حزيم: # فإن يك شاب الرأس منى فأنني ... أبيت على نفسي مناقب أربعا # فواحدة أن لا أبيت بغرة ... إذا ما سوام الحي حولي تضوعا # وثانية أن لا تفزع جارتي ... إذا كان جار القوم فيهم مفزعا # وثالثة أن لا أصمت كلبنا ... إذا نزل الأضياف حرصا لنودعا # ورابعة أن لا أحجل قدرنا ... على لحمها حين الشتاء لنشبعا # " أجحل " أستر، أجعلها في حجلة لتخفى عن الجار رغبة أن نشبع، ولكن أبرزها ~~وكتب أحمد بن يوسف وفي رواية النحاس: عمرو بن مسعدة عن المأمون " أما بعد ~~فقد أمر ms231 أمير المؤمنين من الإستكثار من المصابيح في شهر رمضان؛ فإن في ذلك ~~أنسا للسابلة، وضياء للمجتهدين، ونفيا لمكامن الريب، وتنزيها لبيوت الله عز ~~وجل عن وحشة الظلم " . # ومن جيد التفسير في بيت واحد قول أبي الطيب: # فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى ... ويرجى الحيا منه وتخشى الصواعق # فإنه قد أحكمه أشد إحكام، وجاء به أحسن مجيء، حتى أربى على البحتري إذ ~~يقول: # بأروع من طي كأن قميصه ... يزر على الشيخين زيد وحاتم # سماحا وبأسا كالصواعق والحيا ... إذا اجتمعا في العارض المتراكم # وقد رد الكلام جميعا آخره على أوله.. # وأصل هذا المعجز قول الله تعالى: " وهو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا " . # وقال أبو الطيب أيضا في التفسير المستحسن: # إن كوتبوا أو لقوا أو حوربوا وجدوا ... في الخط واللفظ والهيجاء فرسانا # ففسر وقابل كل نوع بما يليق به، من غير تقديم ولا تأخير، كالذي وقع أولا ~~في بيتي الفرزدق.. # ومن التفسير قول كشاجم واسمه محمود بن الحسين: # في فمها مسك، ومشمولة ... صرف، ومنظوم من الدر # فالمسك للنكهة والخمر للري ... قة واللؤلؤ للثغر # وهذا من مليح ما وقع للمحدثين. # وقال لقمان لابنه: إياك والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقا، وإذا ~~ضجرت لم تصبر على حق. # باب الاستطراد # وهو: أن يرى الشاعر أنه في وصف شيء وهو إنما يريد غيره، فإن قطع أو رجع ~~إلى ما كان فيه فذلك استطراد، وإن تمادى فذلك خروج، وأكثر الناس يسمي ~~الجميع استطرادا، والصواب ما بينته.. # وأوضح الاستطراد قول السموأل وهو أول من نطق به حيث يقول: # ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول # يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول # واتبعه الناس، فقال الفرزدق وأجاد: # كأن فقاح الأسد حول ابن مسمع ... إذا اجتمعوا أفواه بكر بن وائل # ثن أتى جرير فأربى وزاد بقوله: # لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل # فهجا واحدا واستطرد باثنين.. # وقال مخارق بن شهاب المازني يصف معزى: # ترى ضيفها فيها يبيت بغبطة ... وضيف ابن ms232 قيس جائع يتحوب # فوفد ابن قيس هذا على النعمان بن المنذر فقال: كيف المخارق بن شهاب فيكم؟ ~~فقال: سيد شريف حسبك من رجل يمدح تيسه ويهجو ابن عمه. # ومن جيد الاستطراد قول دعبل بن علي الخزاعي، ويروي لبشار بن برد وهو أصح: # خليلي من كلب أعينا أخاكما ... على دهره، إن الكريم معين # ولا تبخلا بخل ابن قزعة؛ إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين # إذا جئته في الفرط أغلق بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين # ويروى في حاجة سد بابه وأنشد البحتري أبو تمام لنفسه في صفة فرس واستطرد ~~يهجو عثمان بن إدريس الشامي: # وسابح هطل التعداء هتان ... على الجراء أمين غير خوان # أظمى الفصوص وما تظمى قوائمه ... فخل عينيك في ظمآن ريان # فلو تراه مشيحا والحصى زيم ... تحت السنابك من مثنى ووحدان PageV01P122 ~~أيقنت إن لم تثبت أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان # فقال له: أتدري ما هذا من الشعر؟ قال: لا أدري، قال: هذا الاستطراد، أو ~~قال: المستطرد. # قال الحاتمي: وقد يقع من هذا الاستطراد ما يخرج به من ذم إلى مدح، كقول ~~زهير: # إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كن الجواد على علاته هرم # فسمى الخروج استطرادا كما تراه اتساعا، وأنشد في الخروج بالاستطراد من ~~مدح إلى ذم قول بكر بن النطاح يمدح مالك بن طوق: # عرضت عليها ما أرادت من المنى ... لترضى، فقالت: قم فجئني بكوكب # فقلت لها: هذا التعنت كله ... كمن يتشهى لحم عنقاء مغرب # سلي كل أمر يستقيم طلابه ... ولا تسألي يا در في كل مذهب # فأقسم لو أصبحت في عز مالك ... وقدرته أعيى بما رمت مطلبي # فتى شقيت أمواله بعفاته ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب # فهذا مليح: أوله خروجه، وآخره استطراد، وملاحته أن مالكا من بني تغلب ~~فصار الاستطراد زيادة في مدحه، وزعم قوم أنه يمدح مالك بن علي الخزاعي، ~~ومما استطرد أبو الطيب في هجاء كافور: # يموت به غيظا على الدهر أهله ... كما مات غيظا فاتك وشبيب # على أن هذا البيت ms233 قد يقع موقع غيره من أبيات هذا الباب؛ إذ ليس القصد فيه ~~مدحا ولا هجاء للرجلين المذكورين، ولكن التشبيه والحكاية لا غير. # وقيل: أصل الاستطراد أن يريك الفارس أنه فر ليكر، وكذلك الشاعر يريد أنه ~~في شيء لم يقصد إليه فذكره ولم يقصد قصده حقيقة إلا إليه. # ومن الاستطراد نوع يسمى الاندماج، وذلك نحو قول عبيد الله بن طاهر لعبد ~~الله بن سليمان بن وهب حين وزر المعتضد: # أبي الدهر من إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحب ونكرم # فقلت له: نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا؛ إن المهم المقدم # وحكى أحمد بن يوسف الكاتب أنه دخل على المأمون وفي يده كتاب من عمرو بن ~~مسعدة يردد فيه النظر، فقال: لعلك فكرت في ترديدي النظر في هذا الكتاب، ~~قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: إني عجبت من بلاغته واحتياله لمراده " ~~كتبت كتابي إلى أمير المؤمنين أعزه الله ومن قبلي من قواده وأجناده في ~~الطاعة والانقياد على أحسن ما يكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم واختلت ~~أحوالهم " ألا ترى يا أحمد إدماجه المسألة في الإخبار، وإعفاءه سلطانه من ~~الإكثار؟ ثم أمر لهم برزق ثمانية أشهر، وهذا النوع أقل في الكلام من ~~الاستطراد المتطرف وأغرب. # باب التفريع # وهو من الاستطراد كالتدريج من التقسيم، وذلك أن يقصد الشاعر وصفا ما ثم ~~يفرع منه وصفا آخر يزيد الموصوف توكيدا، نحو قول الكميت: # أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم يشفى بها الكلب # فوصف شيئا ثم فرع شيئا آخر لتشبيه شفاء هذا بشفاء هذا. وقال ابن المعتز: # كلامه أخدع من لحظه ... ووعده أكذب من طيفه # فبينا هو يصف خدع كلامه فرع منه خدع لحظه، ويصف كذب وعده فرع كذب طيفه ~~وقال أيضا يصف ساقي كأس: # فكأن حمرة لونها من خده ... وكأن طيب نسيمها من نشره # حتى إذا صب المزاج تبسمت ... عن ثغرها فحسبته من ثغره # ما زال ينجزني مواعد عينه ... فمه، وأحسب ريقه من خمره # البيتان الأولان من هذه الثلاثة تفريع، والبيت الآخر ليس بتفريع جيد؛ لأن ~~الخمرة ms234 نازلة عن رتبة الريق عند العاشق، وحق التفريع أن يكون الآخر من ~~الموصوفين زائدا على الأول درجة: في الحسن إن قصد المدح، وفي القبح إن قصد ~~الذم، وهو نوع خفي إلا على الحاذق البصير بالصنعة. # ومثل بيت ابن المعتز قول البحتري: # وإذا تألق في الندي كلامه ال ... مصقول خلت لسانه من عضبه # لأن حق العضب في باب المدح أن اللسان أمضى منه.. # ومن التفريع الجيد قول الصنوبري: # ما أخطأت نوناته من صدغه ... شيئا، ولا ألفاته من قده # وكأنما أنفاسه من شعره ... وكأنما قرطاسه من جلده # فانظر إليه كيف يزيده رتبة في الجودة كلما فرع. PageV01P123 ووصف ابن ~~شيرزاد جارية كاتبة: فقال كأن خطها أشكال صورتها، وكأن بيانها سحر مقلتها، ~~وكأن سكينها غنج لحظها، وكأن مدادها سواد شعرها، وكأن قرطاسها أديم وجهها، ~~وكأن قامتها بعض أناملها، وكأن مقطها قلب عاشقها. # وشتان ما بين هذا الوصف وقول الآخر يهجو كاتبا أنشده الصولي في أبيات: # كأن دواته من ريق فيه ... تلاق فنشرها أبدا كريه # وقال كشاجم: # شيخ لنا من مشايخ الكوفه ... نسبته للعليل موصوفه # لو بدل الله قمله غنما ... ما طمع الناس منه في صوفه # ومن لطيف التفريع قول أبي الطيب يصف ليلا: # أقلب فيه أجفاني كأني ... أعد بها على الدهر الذنوبا # بينا هو يصف كثرة سهره وإدارة لحظه شبهها بكثرة ذنوب الدهر عنده.. وقال ~~فبرد: # ولو نقصت كما قد زدت من شرف ... على الورى لرأوني مثل شانيكا # هذا التفريع الملعون.. وقال محمد بن وهب: # طللان طال عليهما الأمد ... دثرا فلا علم ولا نضد # لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعد الأحبة بعض ما أجد # ومن المستحسن قول الخوارزمي أبي بكر محمد بن العباس: # سمح البديهة ليس يمسك لفظه ... فكأنما ألفاظه من ماله # وكأنما عرماته وسيوفه ... من حدهن خلقن من إقباله # متبسم في الخطب تحسب أنه ... تحت العجاج ملثم بفعاله # وأخبث ما سمعته في هذا الباب قول ابن الرومي يهجو رجلا: # له سائس ماهر ... يجول على متنه # ويطعن في دبره ... أفانين من طعنه # بأطول من قرنه ms235 ... وأغلظ من ذهنه # ومن التفريع أيضا قول أبي الطيب على غير هذا النظام: # أسير إلى أقطاعه في ثيابه ... على طرفه من داره بحسامه # وما مطرتنيه من البيض والقنا ... وروم العبدي هاطلات غمامه # فهذا تفريع تناوله من قول أبي تمام: # فقالوا: فما أولاك؟ صف بعض نيله ... فقلت لهم: من عنده كل ما عندي # وأصله من قول أبي نواس: فكل خير عندهم من عنده يصف كلب صيد. # باب الالتفات # وهو الاعتراض عند قوم، وسماه آخرون الاستدراك، حكاه قدامه، وسبيله أن ~~يكون الشاعر آخذا في معنى ثم يعرض له غيره فيعدل عن الأول إلى الثاني فيأتي ~~به، ثم يعود إلى الأول من غير أن يخل في شيء مما يشد الأول، كقول كثير: # لو ان الباخلين، وأنت منهم، ... رأوك تعلموا منك المطالا # فقوله وأنت منهم اعتراض كلام في كلام، قال ذلك ابن المعتز، وجعله بابا ~~على حدته بعد باب الالتفات، وسائر الناس يجمع بينهما. # قال النابغة الذبياني: # ألا زعمت بنو عبس بأني ... ألا كذبوا كبير السن فاني # فقوله ألا كذبوا اعتراض، ورواه آخرون للجعدي ألا زعمت بنو كعب وهو أشبه ~~بالجعدي؛ لأنه أعلى سنا منه؛ فقوله ألا كذبوا اعتراض، وكذلك ما يجري مجراه. # وأنشدوا في الالتفات لبعض العرب: # فظلوا بيوم دع أخاك بمثله ... على مشرع يروي ولما يصرد # فقولك دع أخاك بمثله التفات مليح. # وقال جرير يرثي امرأته أم حزرة: # نعم القرين وكنت علق مضنة ... وارى بنعف بلية الأحجار # فقوله وكنت علق مضنة هو الالتفات. # وقال عوف بن محلم لعبد الله بن طاهر: # إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # فقوله بلغتها التفات، وقد عده جماعة من الناس تتميما، والالتفات أشكل ~~وأولى بمعناه، ومنزلة الالتفات في وسط البيت كمنزلة الاستطراد في آخر ~~البيت، وإن كان ضده في التحصيل؛ لأن الالتفات تأتي به عفوا وانتهازا، ولم ~~يكن لك في خلد فتقطع له كلامك، ثم تصله بعد إن شئت، والاستطراد تقصده في ~~نفسك، وأنت تحيد عنه في لفظك حتى تصل به كلامك عند انقطاع آخره، ms236 أو تلقيه ~~إلقاء وتعود إلى ما كنت فيه. # وقد جاء الالتفات في آخر البيت نحو قول امرئ القيس: # أبعد الحارث الملك بن عمرو ... له ملك العراق إلى عمان # مجاورة بني شمجي بن جرم ... هوانا ما أتيح من الهوان # ويمنحها بنو شمجي بن جرم ... معيزهم، حنانك ذا الحنان PageV01P124 فقوله ~~ما أتيح من الهوان وقوله حنانك ذا الحنان الالتفات وحكى عن إسحاق الموصلي ~~أنه قال: قال الأصمعي: أتعرف التفات جرير؟ قلت: وما هو؟ فأنشدني: # أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بعود بشامة، سقي البشام! # ثم قال: أما تراه مقبلا على شعره، إذ التفت إلى البشام فدعا له، وأنشد له ~~عبد الله المعتز: # متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام. # وأنشد له أيضا ابن المعتز: # طرب الحمام بذي الأراك فهاجني ... لا زلت في غلل وأيك ناضر # لم يعد ابن المعتز إلا ما كان من هذا النوع، وإلا فهو اعتراض كلام في ~~كلام وقد أحسن ابن المعتز في العبارة عن الالتفات بقوله " هو انصراف ~~المتكلم من الإخبار إلى المخاطبة ومن المخاطبة إلى الإخبار " وتلا قوله ~~تعالى: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة " . # وأنشد غيره لأبي عطاء السندي يرثي يزيد بن عمر بن هبيرة: # وإنك لا تبعد على متعهد ... بلى كل ما تحت التراب بعيد # وهذا هو الاستدراك، ومثله قول زهير: # حي الديار التي لم يبلها القدم ... بلى، وغيرها الأرواح والديم # وكذلك قول جرير: # غدا باجتماع الحي نقضي لبانة ... فأقسم لا تقضى لبانتنا غدا # وأنشد ابن المعتز في هذا النوع، وهو لبشار: # نبئت فاضح قومه يغتابني ... عند الأمير، وهل علي أمير؟ # ومن مليح ما سمعته قول نصيب: # وددت ولم أخلق من الطير أنني ... أعار جناحي طائر فأطير # فقوله ولم أخلق من الطير عجب، ولما سمعت التي قيل فيها هذا البيت تنفست ~~تنفسا شديدا، فصاح ابن أبي عتيق: أوه قد والله أجبته بأحسن من شعره، والله ~~لو سمعك لنعق وطار، فجعله غرابا لسواده. # وأنشد الصولي للعباس بن الأحنف: # وقد كنت أبكي وأنت راضية ms237 ... حذار هذا الصدود والغضب # إن تم ذا الهجر يا ظلوم، فلا ... تم، فما في العيش من أرب # وقال: سمعت ثعلبا يقول: ما رأيت أحدا إلا وهو يستحسن هذا الشعر. # ومن المليح أيضا قول القحيف بن سليمان العقيلي: # أمنكم يا حنيف نعم لعمري ... لحى مخضوبة ودم سجال # يخاطب ابنه.. وقال عدي بن زيد العبادي وهو في حبس النعمان يخاطب ابنه ~~زيدا ويحرضه: # فلو كنت الأسير، ولا تكنه، ... إذا علمت معد ما أقول # باب الاستثناء # وابن المعتز يسميه توكيد المدح بما يشبه الذم، وذلك نحو قول النابغة ~~الذبياني: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # فجعل فلول السيف عيبا، وهو أوكد في المدح.. # وقال النابغة الجعدي: # فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا # فاستثنى جوده الذي يستأصل ماله، بعد أن وصفه بالكمال. وبهذا الاستثناء ثم ~~وزاد كمالا وتأكد حسنه.. # فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا # فكأنه لما كان فيه ما يسوء أعاديه لم يطلق عليه أنسه يسر فقط، وذلك زيادة ~~في مدحه، وليس هذا الاستثناء على ما رابه النحويون فتطلبه بحروف الاستثناء ~~المعروفة، وإنما سمي اصطلاحا وتقريبا، سماه هؤلاء المحدثون نحو الحاتمي ~~وأصحابه ولم يسم حقيقة.. # ومن مليح هذا النوع قول أبي هفان وقد تقدم به وجود غاية التجويد: # ولا عيب فينا غير أن سماحنا ... أضر بنا، والبأس من كل جانب # فأفنى الردى أرواحنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عائب # فقوله إن السماح ولبأس أضر بهم ليس بعيب على الحقيقة، ولكن توكيد مدح، ~~والمليح كل المليح قوله " وغير عائب " فهذا الثاني أعجب من الأول وألطف ~~موقعا.. وقال آخر: # ولا عيب فينا غير عرق لمعشر ... كرام، وأنا لا نخط على النمل # فقصر من جهة قوله غير عرق لمعشر كرام لأن سبيل هذا الباب أن يؤثر فيه بما ~~يظن أنه عيب أو تقصير، وإن كان على التحصيل فخرا وفضلا، كالفلول في سيوف ~~النابغة الذبياني، وإتلاف المال في شعر الجعدي، ms238 وترك الخط على النمل في شعر ~~لآخر وأنهم لا يشفون صاحبها، وهي داء واحدتها النملة، وأما ذكر الكلام فلا ~~وجه له ههنا. PageV01P125 ومن هذا الباب قول ابن الرومي: # ليس له عيب سوى أنه ... لا تقع العين على شبهه # فجعل انفراده في الدنيا بالحسن دون أن يكون له قرين يؤنسه عيبا؛ فهو يزيد ~~توكيد حسنه. # وقال حاتم الطائي: # وما تتشكى جارتي غير أنني ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها # سيبلغها خيري ويرجع أهلها ... إليها ولم تقصر علي ستورها # لما كان في ترك الزيارة إشكال بين مراده. # ومن أصحاب التآليف من يعد في هذا الباب ما ناسب قول الشاعر: # فأصبحت مما كان بيني وبينها ... سوى ذكرها كالقابض الماء باليد # وقال الربيع بن ضبيع الفزاري: # فنيت وما يفنى صنيعي ومنطقي ... وكل امرئ إلا أحاديثه فاني # وليس من هذا الباب عندي، وإنما هو من باب الاحتراس والاحتياط؛ فلو أدخلنا ~~في هذا الباب كل ما وقع فيه استثناء لطال، ولخرجنا فيه عن قصده وغرضه ولكل ~~نوع موضع. # باب التتميم # وهو التمتم أيضا، وبعضهم يسمي ضربا منه احتراسا واحتياطا. # ومعنى التتميم: أن يحاول الشاعر معنى، فلا يدع شيئا يتم به حسنه إلا ~~أورده وأتى به: إما مبالغة، وإما احتياطا واحتراسا من التقصير، وينشدون بيت ~~طرفة: # فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي # لأن قوله غير مفسدها تتميم للمعنة، واحتراس للديار من الفساد بكثرة ~~المطر. ومثله قول جرير: # فسقاك حيث حللت غير فقيدة ... هزج الرواح وديمة لا تقلع # فقوله غير فقيدة تتميم لما أراد من دنوها وسقياها غير راحلة ولا ميتة إذ ~~كانت العادة أن يدعى للغائب الميت بالسقي؛ فاحترس من ذلك. # وقد عاب قدامة على ذي الرمة قوله: # ألا يا سلمي يا دار مي على البلا ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر # فإنه لم يحترس كما احترس طرفة، فرد ذلك عليه بأن الشاعر قدم الدعاء ~~بالسلامة للدار في أول البيت، وهذا هو الصواب.. وقال زهير: # من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا ms239 # قوله على علاته مبالغة وتتميم عجيب. # والأصل في هذا قول الله عز وجل: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا " فقوله " على حبه " هو التتميم والمبالغة في قول من قال إن الهاء ~~ضمير الطعام، وإن كان كناية عن الله تعالى خرج المعنى عن هذا الباب، وقال ~~الله جل اسمه: " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ~~" فتمم بقوله وهو مؤمن " ومن أناشيد قدامة والحاتمي وغيرهما قول نافع بن ~~خليفة الغنوي: # رجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عادوا بالسيوف القواضب # قال الحاتمي: فإن المعنى تم بقوله " ويعطوه " وإلا كان ناقصا. # ويجري مجراه عندي قول عنترة العبسي: # أثني علي كما علمت فإنني ... سهل مخالفتي إذا لم أظلم # فقوله إذا لم أظلم تتميم حسن. # وقال آخر: # فلا تبعدن إلا من السوء؛ إنني ... إليك وإن شطت بك الدار نازع # فاستثناؤه " السوء " تتميم واحتراس جيد. # وقال أبو الطيب بن الوشاء: # لئن كان باقي عيشنا مثل ما مضى ... فللموت إن لم ندخل النار أروح # وقال سراقة البارقي يهجو رهط جرير: # صغار مقاريهم عظام جعورهم ... بطاء عن الداعي، إذا لم يكن أكلا # كأنه قال إذا لم يكن المدعو إليه أكلا. # وقال مريع بن وعوعة الكلابي وقد قتل رجلا نهشليا: # وقلت لأصحابي: النجاء؛ فإنما ... مع الصبح إن لم تسبقوا جمع نهشل # ويجري على هذه الأناشيد قول ابن محكان السعدي حين قدم للقتل: # ولست وإن كانت إلي حبيبة ... بباك على الدنيا إذا ما تولت # فاستثنى وإن كانت إلي حبيبة استثناء مليحا، ونوى التقديم والتأخير؛ فلذلك ~~جاز له أن يأتي بالضمير مقدما على مظهره، هكذا قال فيه أبو العباس المبرد، ~~ومن التتميم الحسن قول امرئ القيس: # على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفا نين جري غير كز ولا واني # فقوله قبل سؤاله تتميم حسن لقوله " أفانين حرى " وقول أعشى باهلة: وكل ~~أمر سوى الفحشاء فإنه لا يدبرها. # باب المبالغة PageV01P126 وهي ضروب كثيرة. والناس فيها مختلفون: منهم من ~~يؤثرها، ويقول بتفضيلها، ويراها الغاية القصوى في الجودة، ms240 وذلك مشهور من ~~مذهب نابغة بني ذبيان، وهو القائل: أشعر الناس من استجيد كذبه، وضحك من ~~رديئه، هكذا أعرفه، ورأيت بخط جماعة منهم عبد الكريم والباغي من استجيد ~~جيده ومطابقه وضحك من رديئه. وروى قوم من حديث النابغة ومطالبته حسان ابن ~~ثابت بالمبالغة ونسبته إياه إلى التقصير في قوله: # لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # ما هو مشهور عندهم مشهور في كتبهم، ومنهم من يعيبها وينكرها، ويراها عيبا ~~وهجنة في الكلام، قال بعض الحذاق بنقد الشعر: المبالغة ربما أحالت المعنى، ~~ولبسته على السامع؛ فليست لذلك من أحسن الكلام ولا أفخره، لأنها لا تقع ~~موقع القبول كما يقع الاقتصاد وما قاربه؛ لأنه ينبغي أن يكون من أهم أغراض ~~الشاعر والمتكلم أيضا الإبانة والإفصاح، وتقريب المعنى على السامع؛ فإن ~~العرب إنما فضلت بالبيان والفصاحة، وحلا منطقها في الصدور وقبلته النفوس ~~لأساليب حسنة، وإشارات لطيفة، تكسبه بيانا وتصوره في القلوب تصويرا، ولو ~~كان الشعر هو المبالغة لكانت الحاضرة والمحدثون أشعر من القدماء، وقد ~~رأيناهم احتالوا للكلام حتى قربوه من فهم السامع بالاستعارات والمجازات ~~التي استعملوها، وبالتشكك في الشبهين، كما قال ذو الرمة: # فيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أنت أم أم سالم # فلو أنه قال أنت أم سالم على نفي الشك بل لو قال " أنت أحسن من الظبية " ~~لما حل من القلوب محل التشكك. وكما قال جرير: # فإنك لو رأيت عبيد نسيم ... وتيما قلت: أيهم العبيد # فلو قال " عبيدهم " أو " خير منهم " لما ظن به الصدق، فاحتال في تقريب ~~المشابهة؛ لأن في قربها لطافة تقع في القلوب وتدعو إلى التصديق. # وكذلك قول أبي النجم يصف عرق الخيل: # كأنه من عرق يسربله ... ككرسف النداف لولا بلله # فإنه لو قال " إنه الكرسف " لم يكن في حسن هذا؛ لأنه يشهد بتقارب الشبهين ~~إلى أن وقع في الشك.. والمبالغة في صناعة الشعر كالاستراحة من الشاعر إذا ~~أعياه إيراد معنى حسن بالغ فيشغل الأسماع بما هو محال، ويهول مع ذلك على ~~السامعين، وإنما ms241 يقصدها من ليس بمتمكن من محاسن الكلام أن تمكنه، ولا يتعذر ~~عليه، وتنجذب كلما أرادها إليه، انقضى كلامه. # وفيه كفاية وبلاغ، إلا أنه فيما يظهر من فحواه لم يرد إلا ما كان فيه ~~بعد، وليس كل مبالغة كذلك، ألا ترى أن التتميم إذا طلبت حقيقته كان ضربا من ~~المبالغة وإن ظهر أنه من أنواع الحشو المستحسن، وقد مر ذكره. وكذلك ما ناسب ~~قول ابن المعتز يصف خيلا: # صببنا عليها ظالمين سياطنا ... وطارت بها أيد سراع وأرجل # وهذا عند جميع الناس من باب الحشو، وهو عندي مبالغة، وكذلك الإيغال، ~~وسيرد في بابه إن شاء الله. # فمن أحسن المبالغة وأغربها عند الحذاق: التقصي، وهو بلوغ الشاعر أقصى ما ~~يمكن من وصف الشيء، كقول عمرو بن الأيهم التغلبي: # ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث كانا # فتقصى بما يمكن أن يقدر عليه فتعاطاه ووصف به قومه. # ومن أغربها أيضا ترادف الصفات، وفي ذلك تهويل مع صحة لفظ لا تحيل معنى، ~~كقول الله تعالى: " أو كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه ~~سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض " . # فأما الغلو فهو الذي ينكره من ينكر المبالغة من سائر أنواعها، ويقع فيه ~~الاختلاف لا ما سواه مما بينت، ولو بطلت المبالغة كلها وعيبت لبطل التشبيه ~~وعيبت الاستعارة، إلى كثير من محاسن الكلام: فمن أبيات المبالغة قول امرئ ~~القيس: # كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر # يعل به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر المستحر # فوصف فاها بهذه الصفة سحرا عند تغيير الأفواه بعد النوم، فكيف تظنها في ~~أول الليل؟! ومثل ذلك قوله يصف نارا وإن كان فيه إغراق: # نظرت إليها، والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان، تشب لقفال # يقول: نظرت إلى نار هذه المرأة تشب لقفال والنجوم كأنها مصابيح رهبان، ~~وقد قال: # تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال PageV01P127 وبين ~~المكانين بعد أيام، وإنما يرجع القفال إلى الغزو والغارات وجه الصباح؛ فإذا ~~رأوها من مسافة أيام وجه الصباح وقد خمد سناها ms242 وكل موقدها فكيف كانت أول ~~الليل؟!! وشبه النجوم بمصابيح الرهبان؛ لأنها في السحر يضعف نورها كما يضعف ~~نور المصابيح الموقدة ليلها أجمع، لا سيما مصابيح الرهبان؛ لأنهم يكلون من ~~سهر الليل فربما نعسوا ذلك الوقت، وهذا مما أورده شيخنا أبو عبد الله. # وقال أمرؤ القيس يصف فرسا: # لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر # أراد طوله؛ لأن العروس تجر ذيلها إما من الحياء وإما من الخيلاء. # وزعم الجاحظ أن قول غيلان ذي الرمة: # وليل كجلباب العروس ادرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد # أراد به سبوغه لا لونه، وأكثر الناس على خلاف قوله، وأنا أرى أن هذا كقول ~~عوف بن عطية بن الخرع التيمي من تيم الرباب يصف خيلا: # وجللن دمخا قناع العرو ... س تدني على حاجبيها الخمار # دمخ جبل بعينه، فأراد أن الخيل كسونه قناعا من الغبار هذه صفته. # ومن معجز المبالغة قول الله عز وجل: " سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ~~ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار " فجعل من يسر القول كمن يجهر به، ~~والمستخفي بالليل كالسارب بالنهار، وكل واحد منهما أشد مبالغة في معناه ~~وأتم صفة. # باب الإيغال # وهو ضرب من المبالغة كما قدمت، إلا أنه في القوافي خاصة لا يعدوها، ~~والحاتمي وأصحابه يسمونه التبليغ، وهو تفعيل من بلوغ الغاية، وذلك يشهد ~~بصحة ما قلته، ويدل على ما رتبته. # وحكى الحاتمي عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن يزيد المبرد قال: حدثني ~~التوزي قال: قلت للأصمعي: من أشعر الناس؟ قال: الذي يجعل المعنى الخسيس ~~بلفظه كبيرا، أو يأتي إلى المعنى الكبير فيجعله خسيسا، أو ينقضي كلامه قبل ~~القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى، قال: قلت: نحو من؟ قال: نحو ~~الأعشى إذ يقول: # كناطح صخرة يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل # فقد تم المثل بقوله: وأوهى قرنه، فلما احتاج إلى القافية قال " الوعل " ~~قال: قلت: وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قنة ~~الجبل على قرنه ms243 فلا يضيره، قال: قلت: ثم نحو من؟ قال: نحو ذي الرمة بقوله: # قف العيس في أطلال مية واسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل # فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال " المسلسل " فزاد شيئا، وقوله: # أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعا كتبديد الجمان المفصل # فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال " المفلل " فزاد شيئا أيضا. # وليس بين الناس اختلاف أن امرأ القيس أول من ابتكر هذا المعنى بقوله يصف ~~الفرس: # إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب # فبالغ في صفته، وجعله على هذه الصفة بعد أن يجري شأوين ويبتل عطفه ~~بالعرق، ثم زاد إيغالا في صفته بذكر الأثأب، وهو شجر للريح في أضعاف أغصانه ~~حفيف عظيم وشدة صوت، ومثل ذلك قوله: # كأن عيون الطير حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب # فقوله " لم يثقب " إيغال في التشبيه، وأتبعه زهير فقال: # كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم # فأوغل في التشبيه إيغالا بتشبيهه ما يتناثر من فتات الأرجوان بحب الفنا ~~الذي لم يحطم؛ لأنه أحمر الظاهر أبيض الباطن، فإذا لم يحطم لم يظهر فيه ~~بياض البتة، وكان خالص الحمرة، وتبعهما الأعشى فقال يصف امرأة: # غراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل # فأوغل بقوله " الوحل " بعد أن قال " الوجى " وكذلك قوله " الوعل " وكان ~~الرشيد كثير العجب بقول صريع الغواني: # إذا ما علت منا ذؤابة شارب ... تمشت به مشى المقيد في الوحل # ويقول: قاتله الله! ما كفاه أن جعله مقيدا حتى جعله في وحل، وأنا اقول: ~~إنه بيت الأعشى بعينه. # ومن الإيغال قول الطرماح العقيلي يصف فرسا بسعة المنخر: # لا يكتم الربو إلا ريث يخرجه ... من منخر كوجار الثعلب الخرب # فكونه كوجار الثعلب غاية في المبالغة، فكيف إذا كان خرابا؟. PageV01P128 ~~ومن الإيغال الحسن قول الخنساء: # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار # فبالغت في الوصف أشد مبالغة، وأوغلت إيغالا شديدا بقولها " في رأسه نار " ~~بعد أن جعلته علما، وهو الجبل ms244 العظيم. # وأنشد الجاحظ: # ألوي حيازيمي بهن صبابة ... كما تتلوى الحية المتشرق # فقوله " الحية المتشرق " إيغال؛ لأنه أشد لتلويه. # وكذلك قول جرير: # بات الفرزدق عائرا وكأنه ... قعو تعاوره السقاة معار # وإذا كان معارا كان أشد لاستعماله وأقل للتحفظ عليه. # وقال النجاشي يذكر عبد الرحمن بن حسان: # لما أتاني ما يقول ودونه ... مسيرة شهر للمطى المفرد # فأوغل بقوله " المفرد " إيغالا عجيبا؛ لأنه أسير من المحمل. # وقال جميل: # إني لأكتم حبها إذ بعضهم ... فيمن يحب كناشد الأغفال # " الناشد " طالب الضالة، وإذا كانت غفلا ليس فيها سمة كان أشد للبحث ~~عليها، وأكثر للسؤال والذكر. # ومن أحسن إيغال المحدثين قول مروان بن أبي حفصة: # هم القوم: إن قالوا أصابوا، وإن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أطابوا ~~وأجزلوا # فقوله " وأجزلوا " قد أتى به في نهاية الحسن. # وكذلك قول بشار بن برد: # وغيران من دون النساء كأنه ... أسامة ذو الشبلين حين يجوع # فقوله " حين يجوع " إيغال حسن. # وقال ابن المعتز: # وداع دعا والليل بيني وبينه ... فكنت مكان الظن منه وأعجلا # فقوله " وأعجل " زيادة وصف، وإيغال ظاهر. # وقال أبو الطيب في رثاء أم سيف الدولة: # مشى الأمراء حوليها حفاة ... كأن المرو من زف الرئال # " فالزف " : أصغر الريش وألينه، ولا سيما النعام، ولم يرض بذلك حتى جعله ~~زف الرئال، شبه به المرو وهو ما صغر من الحصى وحد فهذا فوق كل مبالغة ~~وإيغال. # ومن هذا نوع يسمى الاستظهار، وهو قول ابن المعتز لابن طباطبا العلوي أو ~~غيره: # فأنتم بنو بنته دوننا ... ونحن بنو عمه المسلم # فقوله " المسلم " استظهار؛ لأن العلوية من بني عم النبي عليه الصلاة ~~والسلام أيضا أعني أبا طالب ومات جاهليا، فكأن ابن المعتز أشار بحذقه إلى ~~ميراث الخلافة. # وليس بين الإيغال والتتميم كبير فرق؛ إلا أن هذا في القافية لا يعدوها، ~~وذلك في حشو البيت. # واشتقاق الإيغال من الإبعاد، يقال: أوغل في الأرض، إذا أبعد، فيما حكاه ~~ابن دريد، وقال: وكل داخل في شيء دخول مستعجل فقد أوغل فيه وقال الأصمعي في ~~شرح قول ذي الرمة: # كأن ms245 أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج # الإيغال: سرعة الدخول في الشيء، يقال: أوغل في الأمر، إذا دخل فيه بسرعة، ~~فعلى القول الأول كأن الشاعر أبعد في المبالغة وذهب فيها كل الذهاب، وعلى ~~القول الثاني كأنه أسرع الخول في المبالغة بمبادرته هذه القافية. # وكلما أكثرت من الشواهد في باب فإنما أريد بذلك تأنيس المتعلم وتجسيره ~~على الأشياء الزائعة. ولأريه كيف تصرف الناس في ذلك الفن، وقلبوا تلك ~~المعاني والألفاظ. # باب الغلو # ومن أسمائه أيضا الإغراق، والإفراط، ومن الناس من يرى أن فضيلة الشاعر ~~إنما هي في معرفته بوجوه الإغراق والغلو، ولا أرى ذلك إلا محال؛ لمخالفته ~~الحقيقة، وخروجه عن الواجب والمتعارف.. وقد قال الحذاق: خير الكلام ~~الحقائق، فإن لم يكن فما قاربها وناسبها، وأنشد المبرد قول الأعشى: # فلو أن ما أبقين مني معلق ... بعود تمام ما تأود عودها # فقال: هذا متجاوز، وأحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبه، وأحسن منه ما ~~أصاب الحقيقة فيه، انقضى كلامه. # وأصح الكلام عندي ما قام عليه الدليل، وثبت فيه الشاهد من كتاب الله ~~تعالى، ونحن نجده قد قرن الغلو فيه بالخروج عن الحق؛ فقال جل من قائل: " يا ~~أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق " . # والغلو عند قدامة: تجاوز في نعت ما للشيء أن يكون عليه، وليس خارجا عن ~~طباعه، كقول النمر بن تولب في صفة سيف شبه به نفسه: # تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي PageV01P129 ~~إذ ليس خارجا عن طباع السيف أن يقطع الشيء العظيم ثم يغوص بعد ذلك في ~~الأرض، ولأن مخارج الغلو عنده على " تكاد " وعلى هذا تأول أصحاب التفسير ~~قول الله تعالى: " وبلغت القلوب الحناجر " أي: كادت. # وقال الجرجاني في كتاب الوساطة: والإفراط مذهب عام في المحدثين، وموجود ~~كثير في الأوائل، والناس فيه مختلفون: من مستحسن قابل، ومستقبح راد، وله ~~رسوم متى وقف الشاعر عندها ولم يتجاوز بالوصف حدها سلم، ومتى تجاوزها اتسعت ~~له الغاية، وأدته الحال إلى الإحالة، وإنما الإحالة نتيجة الإفراط، ms246 وشعبة ~~من الإغراق. # وقال الحاتمي: وجدت العلماء بالشعر يعيبون على الشاعر أبيات الغلو ~~والإغراق، ويختلفون في استحسانها واستهجانها، ويعجب بعض منهم بها، وذلك على ~~حسب ما يوافق طباعه واختياره، ويرى أنها من إبداع الشاعر الذي يوجب الفضيلة ~~له، فيقولون: أحسن الشعر أكذبه، وأن الغلو إنما يراد به المبالغة والإفراط، ~~وقالوا: إذا أتى الشاعر من الغلو بما يخرج عن الموجود ويدخل في باب المعدوم ~~فإنما يريد به المثل وبلوغ الغاية في النعت، واحتجوا بقول النابغة وقد سئل: ~~من أشعر الناس فقال: من استجيد كذبه وأضحك رديثه، وقد طعن قوم على هذا ~~المذهب بمنافاته الحقيقة، وأنه لا يصح عند التأمل والفكرة، انقضى كلامه. # ومن أبيات الغلو للقدماء قول مهلهل: # فلولا الريح اسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور # وقد قيل: إنه أكذب بيت قالته العرب، وبين حجر وهي قصبة اليمامة وبين مكان ~~الوقعة عشرة أيام، وهذا اشد غلوا من قول امرئ القيس في النار؛ لأن حاسة ~~البصر أقوى من حاسة السمع وأشد إدراكا.. # ومنها قول النابغة في صفة السيوف: # تقد السلوقي المضاعف نسجه ... ويوقدن بالصفاح نار الحباحب # وهو دون بيت امرئ القيس في تنر صاحبة النار إفراطا، ودون بيت النابغة قول ~~النمر بن تولب في صفة السيف أيضا، وقد أنشدته فيما مضى من هذا الباب واختار ~~قوم على بيتي النابغة والنمر قول أبي تمام: # ويهتز مثل السيف لو لم تسله ... يدان لسلته ظباه من الغمد # ومن الغلو قول جرير: # فلو وضعت فقاح بني نمير ... على خبث الحديد إذا لذابا # لأنه شيء لا يذوب أبدا، وقد نعي على أبي نواس قوله: # وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق # إذ جعل ما لم يخلق يخافه.. وكذلك قوله: # حتى الذي في الرحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان # وزعم بعض المتعقبين أن الذي كثر هذا الباب أبو تمام، وتبعه الناس بعد، ~~وأين أبو تمام مما نحن فيه؟ فإذا صرت إلى أبي الطيب صرت إلى أكثر الناس ~~غلوا، وأبعدهم فيه همة، حتى ms247 لو قدر ما أخلي منه بيتا واحدا، وحتى تبلغ به ~~الحال إلى ما هو عنه غنى، واه في غيره مندوحة، كقوله: # يترشفن من فمي رشفات ... هن فيه أحلى من التوحيد # وإن كان له في هذا تأويل ومخرج يجعله التوحيد غاية المثل في الحلاوة ~~بفيه. # وقوله: # لو كان ذو القرنين أعمل رأيه ... لما أتى الظلمات صرن شموسا # أو كان صادف رأس عازر سيفه ... في يوم معركة لأعيا عيسى # أو كان لج البحر مثل يمينه ... ما انشق حتى جاز فيه موسى # فما دعاه إلى هذا وفي الكلام عوض من بلا تعلق عليه؟ فكيف إذا قال: # كأني دحوت الأرض من خبرتي به ... كأني بني الإسكندر السد من عزمي # فشبه نفسه بالخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، ثم انحط ~~إلى الإسكندر، وربما أفسد أبو الطيب إغراقه هكذا ونقص منه بما يظنه إصلاحا ~~له وزيادة فيه، نحو قوله يصف شعره: # إذا قلته لم يمتنع من وصوله ... جدار معلى أو خباء مطنب # فما وجه الخباء المطنب بعد الجدار المنيف؟ بينا هو في الثريا صار في ~~الثرى! وإنما أراد الحاضرة والبادية، وكذلك قوله: # تصد الرياح الهوج عنها مخافة ... ويفزع منها الطير أن يلقط الحبا # فكم بين خوف الرياح الهوج وصدودها، وبين فزع الطير أن تلقط الحب؟ ولا ~~سيما وأفزع الطير بهائمه التي تلقط الحب لضعفها وعدمها السلاح، وأقل خيال ~~أو تمثال يحمي مزروعات جمة PageV01P130 وقد رجح صاحب الوساطة هذا البيت على ~~قول أبي تمام: # فقد بث عبد الله خوف انتقامه ... على الليل حتى ما تدب عقاربه # فاعتبروا يا أولي البصار. # ومما يشاكل قول أبي الطيب في ألفاظه قول نصر الخابز أرزي: # ذبت من الشوق فلو زج بي ... في مقلة النائم لم ينتبه # وكان لي فيما مضى خاتم ... فالآن لو شئت تمنطقت به # فبين الإغراق والإغراق بون بعيد واختلاف شديد. # وإذا لم يجد الشاعر بدا من الإغراق لحبه ذلك، ونزوع طبعه إليه فليكن ذلك ~~منه في الندرة، وبيتا قي القصيدة إن أفرط، ولا يجعل هجيراه كما ms248 يفعل أبو ~~الطيب. وأحسن الإغراق ما نطق فيه الشاعر أو المتكلم بكاد أو ما شاكلها، نحو ~~كأن ولو ولولا، وما أشبه ذلك مما لم يناسب أبيات أبي الطيب المتقدم ذكرها ~~في البشاعة، ألا ترى ما أعجب قول زهير: # لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأحسابهم أو مجدهم قعدوا # فبلغ ما أراد من الإفراط، وبنى كلامه على صحة. # ومما استحسنه الرواة ونص عليه العلماء قول امرئ القيس يصف سنانا: # حملت ردينيا كأن شباته ... سنا لهب لم يتصل بدخان # وإذا نظرت إلى قول أبي صخر: # تكاد يدي تندى إذا ما لمستها ... وينبت في أطرافها الورق النضر # وقول أبي الطيب: # عجبت من أرض سحاب أكفهم ... من فوقها وصخورها لا تورق # لم يخف عنك وجه الحكم فيهما، على أن في قول أبي الطيب بعض الملاحة ~~والمخالطة لطبعه في حب الإفراط وقلة المبادرة فيه؛ إذ كان ممكنا أن يقول: ~~إن الصخور أورقت، ولغة القرآن أفصح اللغات، وأنت تسمع قول الله تعالى: " ~~يكاد البرق يخطف أبصارهم " وقوله: " إذا أخرج يده لم يكد يراها " وقوله: " ~~يكاد زينتها يضيء ولو لم تمسسه نار " . # واشتقاق الغلو من المبالغة، ومن غلوة السهم، وهي مدى رميته، يقال: غاليت ~~فلانا مغالاة وغلاء، إذا اختبرتما أيكما أبعد غلوة سهم، ومنه قول النبي ~~عليه الصلاة السلام: " جرى المذكيات غلاء " وقد جاء في حديث داحس " غلاء " ~~و " غلاب " بالياء ايضا، وإذا قلت: غلا السعر غلاء، فإنما تريد أنه ارتفع ~~وزاد على ما كان، وكذلك غلت القدر غليا أو غليانا، إنما هو أن يجيش ماؤها ~~ويرتفع، والإغراق أيضا أصله في الرمي، وذلك أن تجذب السهم في الوتر عند ~~النزع حتى تستغرق جميعه بينك وبين حنية القوص، وإنما تفعل ذلك لبعد الغرض ~~الذي ترميه، وهذه التسمية تدل على ما نحوت إليه وأشرت نحوه. # باب التشكك # وهو من ملح الشعر وطرف الكلام، وله في النفس حلاوة وحسن موقع، بخلاف ما ~~للغو والإغريق. # وفائدته الدالة على قرب الشبهين حتى لا يفرق بينهما، ولا يميز أحدهما من ~~الآخر، ms249 وذلك نحو قول زهير: # وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء # فإن تكن النساء مخبئآت ... فحق لكل محصنة هداء # فقد أظهر أنه لم يعلم أنهم رجال أم نساء، وهذا أملح من أن يقول: هم نساء، ~~وأقرب إلى التصديق؛ ولهذه العلة اختاروه كما تقدم القول في بيت ذي الرمة: # أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقاآ أنت أم أم سالم # وبيت جرير فإنك لو رأيت عبيد تيم وبيت أبي النجم في صفة عرق الخيل. وقال ~~العرجي: # بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر # وإنما سلك طريق ذي الرمة. # وقال سلم بن عمرو الخاسر: # تبدت فقلت الشمس عند طلوعها ... بجلد غني اللون عن أثر الورس # فلما كررت الطرف قلت لصاحبي ... على مرية: ما ها هنا مطلع الشمس # فأنت ترى كيف موقع هذا الشك من اليقين؟ وكيف حلاوته في الصدر وقبوله؟؟ ~~فإنه لو كان يقينا ما بلغ هذا المبلغ. # وتناول هذا المعنى أبو زيد الوضاح بن محمد الثقفي فقال يمدح المستعين ~~بالله: # وقائلة والليل قد نشر الدجى ... فغطى بها ما بين سهل وقردد # أرى بارقا يبدو من الجوسق الذي ... به حل ميراث النبي محمد # فظل عذارى الحي ينظمن تحته ... ظفارية الجزع لم يسرد # أضاءت به الآفاق حتى كأنما ... رأينا بنصف الليل نور ضحى الغد ~~PageV01P131 فقلت: هو البدر الذي تعرفينه ... وإلا يكن فالنور من وجه أحمد # وأما قول أبي تمام حين قصد عبد الله بن طاهر إلى خراسان يذكر شك رفقائه ~~واستبعادهم الطريق: # يقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القرد: # أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا؟ ... فقلت: كلا ولكن مطلع الجود # فقد صرف المعنى فيه عن وجهه، وخالف فيه قصده، ونسب الشك إلى غيره، وهو ~~بعيد من قول سلم، وليس ذكرهما جميعا مطلع الشمس قدوة، ولا عليه معول.. وقال ~~ابن ميادة: # وأشفق من وشك الفراق وإنني ... أظن لمحمول عليه فراكبه # فوالله ما أدري: أيغلبني الهوى ... إذاجد جد البين أم أنا غالبه؟! # فقوله ms250 في البيت الأول " أظن " مليح جدا، وكذلك قوله في البيت الثاني " ما ~~أدري أيغلبني الهوى أم أنا غالبه " . # وأخذ هذا المعنى ابن أبي مية وزاده ملاحة فقال: # فديتك لم تشبع ولم ترو من هجري ... أيستحسن الهجران أكثر من شهر # أراني سأسلو عنك إن دام ما أرى ... بلا ثقة، لكن أظن ولا أدري # وقد أحسن أبو الطيب في قوله: # أريقك أم ماء الغمامة أم خمر؟؟ ... بفي برود وهو في كبدي جمر # لولا أنه كدر صفوه ومرر حلوه بما أضاف إليه من قوله: # أذا الغصن أم ذا الدعص أم أنت فتنة ... وهذا الذي قبلته البرق أم ثغر؟ # ولله در أبي نواس إذ يقول: # ألا لا أرى مثل امترى اليوم في رسم ... تغص به عيني ويلفظه وهمي # أتت صور الأشياء بيني وبينه ... فظني كلا ظن وعلمي كلا علم # ويروي وجهلي كلا جهل. # وأول من نطق بهذا المعنى امرؤ القيس: # لمن طلل دارس آيه ... أضر به سالف الأحرس # تنكره العين من جانب ... ويعرفه شغف الأنفس # وقال أعرابي في معنى أبيات الوضاح بن محمد: # أقول والنجم قد مالت مياسره ... إلى الغروب: تأمل نظرة حار # ألمحة من سنا برق رأى بصري ... ووجه نعم بدا لي أم سنا نار # بل وجه نعم بدا والليل معتكر ... فلاح من بين حجاب وأستار # باب الحشو وفضول الكلام # وسماه قوم الاتكاء، وذلك أن يكون في داخل البيت من الشعر لفظ لا يفيد ~~معنى، وإنما أدخله الشاعر لإقامة الوزن، فإن كان ذاك في القافية فهو ~~استدعاء، وقد يأتي في حشو البيت ما هو زيادة في حسنه وتقوية لمعناه: كالذي ~~تقدم من التتميم، والالتفات، والاستثناء، وغير ذلك، مما ذكرته آنفا. # من ذلك قول عبد الله بن المعتز يصف خيلا: # صببنا عليها ظالمين ... فطارت بها أيد سراع وأرجل # وقد مر ذكره في باب المبالغة، فقوله ظالمين حشو أقام بها وزن، وبالغ في ~~المعنى أشد مبالغة من جهته، حتى علمنا ضرورة أن إتيانه بهذه اللفظة التي هي ~~حشو في ظاهر الأمر أفضل من تركها، وهذا ms251 شبيه بالتتميم.. # وقال الفرزدق: # ستأتيك مني إن بقيت قصائد ... يقتصر عن تحبيرها كل قائل # فقوله إن بقيت حشو في ظاهر لفظه، وقد أفاد به معنى زائدا، وهو شبيه ~~بالالتفات من جهة، وبالاحتراس من جهة أخرى، فما كان هكذا فهو الجيد، وليس ~~بحشو إلا على المجاز، أو بعد أن ينعت بالجودة والحسن، أو يضافا إليه، وإنما ~~يطلق اسم الحشو على ما قدمت ذكره مما لا فائدة فيه. # وقد أتى العتابي بما فيه كفاية حيث يقول: # إن حشو الكلام من لكنه المر ... ء وإيجازه من التقويم # فجعل الحشو لكنة، وليس كل ما يحشى بن الكلام لزيادة فائدة لكنة، وإنما ~~أراد ما لا حاجة إليه ولا منفعة، كقول أبي صفوان الأسدي يذكر بازيا: # ترى الطير والوحش من خوفه ... حواجر منه إذا ما أغتدي # فقوله منه بعد قول من خوفه حشو لا فائدة فيه، ولا معنى له، وكذلك قول أبي ~~تمام يصف قصيدة: # خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود حالك الجلباب # فقوله الدجى حشو؛ لأن في القسيم الثاني ما يدل عليه من زيادة استعارتين ~~مليحتين، فإن لم يكن في القسيم الأول حشو كان القسيم الثاني بأثره فضلة. # وقال أبو الطيب في نحو من ذلك: PageV01P132 إذا اعتل سيف الدولة اعتلت ~~الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم المحض # فقوله والبأس حشو؛ لأن قوله ومن فوقها دال على الإنس والجن جميعا، والبأس ~~والكرم جميعا، والبأس والكرم جميعا، اللهم إلا أن يحمله على تأويلهم في قول ~~الله تعالى: " فيهما فاكهة ونخل ورمان " فأعاد ذكرهما وهما من الفاكهة ~~لفضلهما، وقوله تعالى: " ومن كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال " ~~فإن هذا سائغ وليس بحشو حينئذ. # ومن الحشو قول الكلحبة اليربوعي: # إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت ... حبال الهوينا بالفتى أن تقطعا # فقوله بالفتى حشو، وكان الواجب أن يقول به لأن ذكر المرء قد تقدم، إلا أن ~~يريد في قوله بالفتى الزراية والأطنوزة فإنه يحتمل. # قال زيد الخيل يخاطب كعب بن زهير: يقول: # أرى زيدا وقد كان معدما ... أراه ms252 لعمري قد تمول واقتنى # فقوله أراه لعمري حشو واستراحة يستغنى عنها بقوله أرى زيدا ومما يكثر به ~~حشو الكلام أضحى، وبات، وظل، وغدا، وقد، ويوما، وأشباهها، وكان أبو تمام ~~كثيرا ما يأتي بها، ويكره للشاعر استعمال ذا، وذي، والذي، وهو، وهذا، وهذي ~~وكان أبو الطيب مولعا بها، مكثرا منها في شعره، حتى حمله حبه فيها على ~~استعمال الشاذ وركوب الضرورة في قوله: # لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء # وكذلك يكره للشاعر قوله في شعره " حقا " إلا أن تقع له موقعها في قول ~~الأخطل: # فأقسم المجد حقا لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشعر # فإن قوله ههنا حقا زاد المعنى حسنا وتوكيدا ظاهرا. # ولقد أحسن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في قوله لابن المعتز: # ولو قبلت في حادث الدهر فدية ... لقلنا على التحقيق نحن فداؤه # فقوله " على التحقيق " حشو مليح فيه زيادة فائدة. # ومن الناس من يسمي هذا النوع من الكلام ارتفادا، وأنشد بعض العلماء قول ~~قيس بن الخطيم: # قضى لها الله حين صورها ال ... خالق أن لا يكنها سدف # والاتكاء عنده والإرتفاد هو قول الشاعر " صورها الخالق " لأن اسم الله ~~تعالى قد تقدم. # ووجدت الحذاق يعيبون قول ابن الحدادية وهي أمه، واسمه قيس بن منقذ: # إن الفؤاد قد أمسى هائما كلفا ... قد شفه ذكر سلمى اليوم فانتكسا # لحشوه ب " قد " في موضعين من البيت ثم ب " أمسى " وب " اليوم " على ~~تناقضهما. # وعاب الحاتمي على الأعشى قوله: # فرميت غفلة قلبه عن شاته ... فأصبت حبة قلبها وطحالها # لأن تكرير القلب عنده حشو لا فائدة فيه، وهذا تعسف من الحاتمي لأن قلبه ~~غير قلبها، فإنما كرر اللفظ دون المعنى، ورأيت روايته في أكثر النسخ " حبة ~~قلبه وطحالها " وهو غلط، ومن ههنا عابه فيما أظن، ومن الناس من روى " فرميت ~~غفلة عينه عن شاته " وهي رواية مشهورة صحيحة. # ونعوا على أبي العيال الهذلي قوله: # ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب # لأن صداع الرأس من أدواء ms253 الرأس خاصة، فليس الذكر الرأس معه معنى، وعلى ~~جميل قوله: # وما ذكرتك النفس يا بثن مرة ... من الدهر إلا كادت النفس تتلف # فتكرير النفس لبس له وجه ههنا، وللتكرير موضع يحسن فيه، وسيرد إن شاء ~~الله في بابه. # ومن الحشو نوع سماه قدامة التفضيل بالفاء وزعم قوم أنه بالعين كأنهم ~~يجعلونه اعوجاجا من قولهم: ناب أعصل، وجعله آخرون بالعين وضاد معجمة، كأن ~~عندهم من: تعضل الولد، إذا عسر خروجه واعترض في الرحم، وظاهر البيت الذي ~~أنشده قدامة يدل على أنه التفصيل بالفاء وهو قول دريد بن الصمة: # وبلغ نميرا إن عرضت ابن عامر ... وأي أخ في النائبات وطالب # ويجري هذا المجرى قول أبي الطيب، بل هو اقبح منه: # حملت إليه من لساني حديقة ... سقاها الحيا سقي الرياض السحائب # لأن التفرقة بين النعت والمنعوت أسهل من التفرقة بين المضاف والمضاف ~~إليه، وهما بمنزلة اسم واحد، فإذا شئت أن تجعل بيت ابن الخطيم " حين صورها ~~الخالق " من هذا النوع جاز لك؛ فيكون التقدير قضى لها الله الخالق حين ~~صورها. # باب الاستدعاء PageV01P133 وهو ألا يكون للقافية فائدة إلا كونها قافية ~~فقط، فتخلو حينئذ من المعنى كقول عدي القرشي، أنشده قدامة: # ووقيت الحتوف من وارث وا ... ل، وأبقاك صالحا رب هود # فإنه لم يأت لهود النبي عليه السلام ههنا معنى إلا كونه قافية. # وما أعجب السيد الحميري في قوله: # أقسم بالفجر وبالعشر ... والشفع والوتر ورب لقمان # في منزل محكم ناطق ... بنور آيات وبرهان # فالفجر فجر الصبح والعشر عش ... ر النحر والشفع نجيان # محمد وابن أبي طالب ... والوتر رب العزة الباني # باني سموات بناها بلا ... تقدير إنس ولا جان # فانظر إلى قوله " رب لقمان " ما اكثر قلقه وأشد ركاكته!!! وأما قوله " ~~الباني " فقد خرج فيه من حد اللين والبرد، وتجاوز فيه الغاية في ثقل الروح، ~~والله حسبه. # ومن أناشيد قدامة قول علي بن محمد صاحب البصرة: # وسابغة الأذيال زغف مفاضة ... تكنفها مني نجاد مخطط # فلا أدري معنى هذا الشاعر في تخطيط النجاد، وهذا أقل ما ms254 في تكلف القوافي ~~الشاردة إذا ركبها غير فارسها، وراضها غير سائسها. # باب التكرار # وللتكرار مواضع يحسن فيها، ومواضع يقبح فيها، فأكثر ما يقع التكرار في ~~الألفاظ دون المعانى، وهو في المعاني دون الألفاظ أقل، فإذا تكرر اللفظ ~~والمعنى جميعا فذلك الخذلان بعينه، ولا يجب للشاعر أن يكرر اسما إلا على ~~جهة التشوق والاستعذاب، إذا كان في تغزل أو نسيب.. كقول امرئ القيس، ولم ~~يتخلص أحد تخلصه فيما ذكر عبد الكريم وغيره، ولا سلم سلامته في هذا الباب: # ديار لسلمى عافيات بذي الخال ... ألح عليها كل أسحم هطال # وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا ... بوادي الخزامي أو على رأس أو عال # وتحسب سلمى لا تزال ترى طلا ... من الوحش أو بيضا بميثاء محلال # ليالي سلمى إذ تريك منضدا ... وجيدا كجيد الريم ليس بمعطال # وكقول قيس بن ذريح: # ألا ليت لبنى لم تكن لي خلة ... ولم تلقني لبنى ولم أدر ما هيا # أو على سبيل التنويه به، والإشارة إليه بذكر، إن كان في مدح كقول أبي ~~الأسد: # ولائمة لامتك يا فيض في الندى ... فقلت لها: هل يقدح اللوم في البحر؟ # أرادت لتثني الفيض عن عادة الندى ... ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر؟! # كأن وفود الفيض يوم تحملوا ... إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر # مواقع جود الفيض في كل بلدة ... مواقع ماء المزن في البلد القفر # فتكر يراسم الممدوح ههنا تنويه به، وإشارة بذكره، وتفخيم له في القلوب ~~والأسماع. # وكذلك قول الخنساء: # وإن صخرا لمولانا وسيدنا ... وإن صخرا إذا نشتو لنحار # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار # أو على سبيل التقرير والتوبيخ. كقول بعضهم: # إلى كم وكم أشياء منكم تريبني ... أغمض عنها لست عنها بذي عمي # فأما قول محمد بن مناذر الصبيري في معنى التكثير: # كم وكم كم كم وكم كم كم وكم ... قال لي: أنجز حر ما وعد # فقد زاد على الواجب، وتجاوز الحد. # ولما أنشدوا للصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد قول أبي الطيب: # عظمت فلما لم ms255 تكلم مهابة ... تواضعت، وهو العظم عظما عن العظم # قال: ما أكثر عظام هذا البيت مع أنه من قول الطائي: # تعظمت عن ذاك التعظيم فيهم ... وأوصاك عظم القدر أن تتنبلا # ومن المعجز في هذا النوع قول الله تعالى في سورة الرحمن: " فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان " كلما عدد منة أو ذكر بنعمة كرر هذا. وقد كرر أبو كبير ~~الهذلي قوله: # فإذا وذلك ليس إلا ذكره ... وإذا مضى شيء كأن لم يفعل # على بعض الروايات في سبعة مواضع من قصيدته التي أولها: # أزهير هل عن شيبة من معدل ... أم لا سبيل إلى الشباب الأول؟؟ # كلما وصف فصلا وأتمه كرر هذا البيت. # أو على سبيل التعظيم للمحكي عنه، وأنشد سيبويه: PageV01P134 لا أرى الموت ~~يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # أو على جهة الوعيد والتهديد إن كان عتاب موجع، كقول الأعشى ليزيد بن مسهر ~~الشيباني: # أبا ثابت لا تعلقنك رماحنا ... أبا ثابت أقصر وعرضك سالم # وذرنا وقوما إن هم عمدوا لنا ... أبا ثابت واقعد فإنك طاعم!! # أو على وجه التوجع إن كان رثاء وتأبينا، نحو قول متمم بن نويرة: # وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك؟؟ # فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى ... دعوني فهذا كله قبر مالك # وأولى ما تكرر فيه الكلام باب الرثاء؛ لمكان الفجيعة وشدة القرحة التي ~~يجدها المتفجع، وهو كثير حيث التمس من الشعر وجد. # أو على سبيل الاستغاثة وهي في باب المديح، نحو قول العديل بن الفرخ: # بني مسمع لولا الإله وأنتم ... بني مسمع لم ينكر الناس منكرا # ويقع التكرار في الهجاء على سبيل الشهرة، وشدة التوضيع بالمهجو، كقول ذي ~~الرمة يهجو المرئي: # تسمى امرأ القيس بن سعد إذا اعتزت ... وتأبى السبال الصهب والأنف الحمر # ولكنا أصل امرئ القيس معشر ... يحل لهم لحم الخنازير والخمر # نصاب امرئ القيس العبيد وأرضهم ... ممر المساحي لا فلاة ولا مصر # تخطى إلى الفقر امرؤ القيس؛ إنه ... سواء على الضيف امرؤ القيس والفقر # تحب امرؤ القيس القرى أن تناله ... وتأبى مقاريها ms256 إذا طلع الفجر # هل الناس إلا يا امرأ القيس غادر ... وواف وما فيكم وفاء ولا غدر؟ # وكذلك صنع جرير في قصيدته الدماغة التي هجا بها راعي الإبل؛ فإنه كرر " ~~بني نمير " في كثير من أبياتها. # ويقع أيضا على سبيل الازدراء والتهكم والتنقيص، كقول حماد عجرد لابن نوح، ~~وكان يتعرب: # يا بن نوح يا أخا ال ... حلس ويا ابن القتب # ومن نشا والده ... بين الربا والكثب # يا عربي يا عربي ... يا عربي يا عربي # ومن المعيب في التكرار قول ابن الزيات: # أتعزف أم تقيم على التصابي؟ ... فقد كثرت مناقلة العتاب # إذا ذكر السلو عن التصابي ... نفرت من اسمه نفر الصعاب # وكيف يلام مثلك في التصابي ... وأنت فتى المجانة والشباب؟!! # سأعزف إن عزفت عن التصابي ... إذا ما لاح شيب بالغراب # ألم ترني عدلت عن التصابي ... فأغرتني الملامة بالتصابي؟!! # فملأ الدنيا بالتصابي، على التصابي لعنة الله من أجله، فقد برد به الشعر، ~~ولا سيما وقد جاء به كله على معنى واحد من الوزن، لم يعد به عروض البيت، ~~وأين هذا من تكريره على جهة التفخيم في قوله للحسن بن سهل من قصيدة: # إلى الأمير الحسن استجدتها ... أي مزار ومناخ ومحل # أي مزار ومناخ ومحل ... لخائف ومستريش ذي أمل # وهذا كقول امرئ القيس: # تقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا # عشية جاوزنا حماة وشيزرا ... أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا # ومن تكرير المعاني قول امرئ القيس، وما رأيت أحدا نبه عليه: # فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل # كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل # فالبيت الأول يغني عن الثاني، والثاني يغني عن الأول، ومعناهما واحد؛ لأن ~~النجوم تشتمل على الثريا، كما أن بذبل يشتمل على صم الجندل، وقوله " شدت ~~بكل مغار الفتل " ومثل قوله " علقت بأمراس كتان " ويقرب من ذلك وليس به قول ~~كثير: # وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت # لكالمرتجى ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت # كأني وإياها سحابة ممحل ms257 ... رجاها فلما جاوزته استهلت PageV01P135 إلا أن ~~كثيرا تصرف، فجعل رجاء الأول ظل الغمامة ليقيل تحتها من حرارة الشمس ~~فاضمحلت وتركته ضاحيا، وجعل الممحل في البيت الثاني يرجو سحابة ذات ماء ~~فأمطرت بعد ما جاوزته. # ومن مليح هذا االباب ما أنشدنيه شيخنا أبو عبد الله محمد بن جعفر لابن ~~المعتز، وهو قوله: # لساني لسري كتوم كتوم ... ودمعي بحبي نموم نموم # ولي مالك شفني حبه ... بديع الجمال وسيم وسيم # له مقلتا شادن أحور ... ولفظ سحور رخيم رخيم # فدمعي عليه سجوج سجوم ... وجسمي عليه سقيم سقيم # باب منه # ذكر ابن المعتز أن الجاحظ سمى هذا النوع المذهب الكلامي. # قال ابن المعتز: وهذا باب ما علمت أني وجدت منه في القرآن شيئا، وهو ينسب ~~إلى التكلف، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # قال صاحب الكتاب: غير أن ابن المعتز قد ختم بهذا الباب أبواب البديع ~~الخمسة التي خصها بهذه التسمية، وقدمها على غيرها، وأنشد الفرزدق: # لكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها # ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من أحرارهن شفيعها # وأنشد لآخر، ولا أظنه إلا إبراهيم بن العباس: # وعلمتني كيف الهوى وجهلته ... وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي # فاعلم مالي عندكم فيميل بي ... هواي إلى جهلي وأعرض عن علمي # وعاب على أبي تمام قوله: # فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضا # وحكى أن إسحاق الموصلي سمع الطائي ينشد ويكثر من هذا الباب وأمثاله عند ~~الحسن بن وهب، فقال: يا هذا، لقد شددت على نفسك. # وأنشد ابن المعتز لنفسه: # أسرفت في الكتمان ... وذاك مني دهاني # كتمت حبك حتى ... كتمته كتماني # فلم يكن لي بد ... من ذكره بلساني # وهذه الملاحة نفسها، والظرف بعينه. # ومن هذا الباب نوع آخر هو أولى بهذه التسمية من كثير مما ذكره المؤلفون، ~~نحو قول إبراهيم بن المهدي يعتذر إلى المأمون من وثوبه على الخلافة: # البر منك وطاء العذر عندك لي ... فيما فعلت، فلم تعذل ولم تلم # وقام علمك بي فاحتج عندك لي ... مقام شاهد ms258 عدل غير متهم # وكذلك قول أبي عبد الرحمن العطوي: # فو حق البيان يعضده البر ... هان في مأقط ألد الخصام # ما رأينا سوى الحبيبة شيئا ... جمع الحسن كله في نظام # هي تجري مجرى الإصابة في الرأ ... ي ومجرى الأرواح في الأجسام # وقد نقلت هذا الباب نقلا من كتاب عبد الله بن المعتز، إلا ما لا خفاء به ~~عن أحد من أهل التمييز، واضطرني إلى ذلك قلة الشواهد فيه، إلا ما ناسب قول ~~أبي نواس: # سخنت من شدة البرودة حتى ... صرت عندي كأنك النار # لا يعجب السامعون من صفتي ... كذلك الثلج بارد حار # فهذا مذهب كلامي فلسفي.. وقوله أيضا: # فيك خلاف لخلاف الذي ... فيه خلاف لخلاف الجميل # وأشباه ذلك مما في هذا غنى عنه ودلالة عليه. # باب نفي الشيء بإيجابه # وهذا الباب من المبالغة، وليس بها مختصا، إلا أنه من محاسن الكلام، فإذا ~~تأملته وجدت باطنه نفيا، وظاهره إيجابا.. قال امرؤ القيس: # على لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا # فقوله " لا يهتدى بمناره " لم يرد أن له منارا لا يهتدى به، ولكن أراد ~~أنه لا منار له فيهتدى بذلك المنار. # وكذلك قول زهير: # بأرض خلاء لا يسد وصيدها ... علي، ومعروفي بها غير منكر # فأثبت لها في اللفظ وصيدا، وإنما أراد ليس لها وصيد فيسد علي. # ويتصل بهذا قول الزبير بن عبد المطلب يذكر عميلة بن السباق بن عبد الدار، ~~وكان نديما له وصاحبا: # صبحت بهم طلقا يراح إلى الندى ... إذا ما انتشى لم تحتضره مفاقره # ضعيفا بحث الكأس قبض بنانه ... كليلا على وجه النديم أظافره PageV01P136 ~~فظاهر كلامه أنه يخمش وجه النديم، إلا أن أظافره كليلة، وإنما أراد في ~~الحقيقة أنه لا يظفر وجه النديم ولا يفعل شيئا من ذلك، وكذلك قوله " لم ~~تحتضره مفاقره " أي: ليس له مفاقر فتحتضره. # وقال أبو كبير الهذلي يصف هضبة: # وعلوت مرتقبا على مرهوبة ... حصاء ليس رقيبها في مثمل # عيطاء معنقة يكون أنيسها ... ورق الحمام جميعها لم يؤكل # يريد أنه ليس بها جميم فيؤكل، ms259 يدل على ذلك قوله في البيت الأول " حصاء " ~~وهي التي لا نبت فيها. # وقال أبو ذؤيب يصف فرسا: # متفلق أنساؤها عن قانئ ... كالقرط صار وغبره لا يرضع # فلم يرد أن هناك بقية لبن لا يرضع، لكن أراد أنها لا لبن لها فيرضع. # والشاهد على جميع ما قلته في شرح هذه الأشياء ما جاء في تفسير قول الله ~~عز وجل: " لا يسألون الناس إلحافا " قالوا: ليس يقع منهم سؤال فيقع إلحافا: ~~أي هم لا يسألون البتة. # والمعيب من هذا الباب قول كثير يرثي عزة صاحبته: # فهلا وقاك الموت من أنت زينه ... ومن هو أسوأ منك دلا وأقبح؟ # لأنه قد أوهم السامع أن لها دلا سيئا، ولكن غيره أسوأ منه وأقبح، فكيف إن ~~كان القبح راجعا عليها لا على دلها، وليس هذا في شيء من قوله تعالى: " ~~أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا " لأن هذا إشكال فيه. # باب الاطراد # ومن حسن الصنعة أن تطرد الأسماء من غير كلفة، ولا حشو فارغ؛ فإنها إذا ~~أطردت دلت على قوة طبع الشاعر، وقلة كلفته ومبالاته بالشعر. # وذلك نحو قول الأعشى: # أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل # فأتى كالماء الجاري اطرادا وقلة كلفة، وبين النسب حتى أخرجه عن مواضع ~~اللبس والشبهة.. # ولما سمع عبد الملك بن مروان قول دريد بن الصمة: # قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤابة بن أسماء بن زيد بن قارب # قال كالمتعجب: لولا القافية لبلغ به آدم، ورواه قوم " أبأت بعبد الله " . # وقال أبو تمام: # عبد المليك بن صالح بن عل ... ي بن قسيم النبي في نسبه # فهذا سهل العنان، خفيف على اللسان، وإن كانت الياء في " المليك " ضرورة ~~وتكلفا. # وقال الحارث بن دوس الإيادي: # وشباب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد # فأطردت ثلاثة أسماء لا كلفة فيها. # وقال أبو تمام في قالب بيت الأعشى، وإن نقص عنه اسما واحدا: # بنصر بن منصور بن بسام انفرى ... لما شظف الأيام عن عيشة رغد # فأما من ms260 أتى بأكثر من هذا ومن الأول فقد قال بعضهم: # من يكن رام حاجة بعدت عن ... ه وأعيت عليه كل العياء # فلها أحمد المرجى بن يحيى ب ... ن معاذ بن مسلم بن رجاء # فجاء كلامه نسقا واحدا، إلا أنه قد شغل البيت وفصل بين الكلام بقوله " ~~المرجى " غير أن مجانسة رجاء هونت خطيئته وغفرت ذنبه. # وقال الطائي: # عمرو بن كلثوم بن مالك بن عت ... اب بن سهم سهمكم لا يسهم # فخاطب بذلك بني عمرو بن غنم التغلبيين، وهم بنو عم مالك بن طوق، فانتظم ~~له ما أراد من الأسماء، إلا أنه ظاهر التكلف، وقال فأتى بستة: # مناسب تحسب من ضوئها ... منازل للقمر الطالع # كالدلو والحوت وأشراطه ... والبطن والنجم إلى البالع # نوح بن عمرو بن حوى بن عم ... رو بن حوى بن الفتى مانع # فأحكم التصنيع وقابل ستة بستة؛ لأن الأشراط منزلة، وإن جمعها، إلا أن " ~~الفتى " ههنا غضة مع برد لفظ وركاكة، ما أحسن أبا هؤلاء كلهم يقال له الفتى ~~وإن كنا نعلم أنه لم يرد فتاء السن، ولكن الفتوة. # وجاء أبو الطيب فجاءك بالتعسف في قوله لسيف الدولة: # فأنت أبو الهيجا ابن حمدان يا ابنه ... تشابه مولود كريم ووالد # وحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد # ففي هذا المعنى من التقصير أنه جاء به في صفين وأنه جعله أنياب الخلافة ~~بقوله: # أولئك أنياب الخلافة كلها ... وسائر أملاك البلاد الزوائد PageV01P137 ~~وهم سبعة بالممدوح، والأنياب في المتعارف أربعة، إلا أن تكون الخلافة تمساح ~~نيل أو كلب بحر؛ فإن أنياب كل واحد منهما ثمانية، اللهم إلا أن يريد أن كل ~~واحد منهم ناب الخلافة في زمانه خاصة؛ فإنه يصح، وفيه من الزيادة على ما ~~قبله أنه زاد واحدا في العدد، فإنه جعل كل ابن هو أبوه في الخلافة إلى أن ~~بلغ راشدا، ولم يقصد إلى ذلك أحد من أصحابه، وإنما مقت شعره هذا تكريره كل ~~اسم مرتين في بيت واحد، وهي أربعة أسماء. # باب التضمين والإجازة # وهذا باب يختلط على كثير من ms261 الشعراء ممن ليس له ثقوب في العلم ولا حذق ~~بالصناعة، كجماعة ممن وسم في بلدنا بالمعرفة، وينسب إليها مكذوبا عليه ~~فيها، كاذبا فيما ادعاه منها، ولتعرفنهم في لحن القول. # فأما التضمين فهو قصدك إلى البيت من الشعر أو القسيم فتأتي به في أواخر ~~شعرك أو في وسطه كالمتمثل، نحو قول محمود بن الحسين كشاجم الكاتب: # يا خاضب الشيب والأيام تظهره ... هذا شباب لعمر الله مصنوع # أذكرتني قول ذي لب وتجربة ... في مثله لك تأديب وتقريع # إن الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبين الناس أن الثوب مرقوع # فهذا جيد في بابه، وأجود منه أن لو يكن بين البيت الأول والآخر واسطة؛ ~~لأن الشاعر قد دل بذلك على أنه متهم بالسرق، أو على أن هذا البيت غير ~~مشهور، وليس كذلك، بل هو كالشمس اشتهارا، ولو أسقط البيت الأوسط لكان ~~تضمينا عجيبا، لأن ذكر الثوب قد أخرج الثاني من باب الأول إلا في المعنى، ~~وهذا عند الحذاق أفضل التضمين، فإنما احتذى كشاجم قول ابن المعتز في أبيات ~~له: # لا ذنب لي إن ساء ظنك بعدما ... وفيت لكم، ربي بذلك عالم # وها أنا ذا مستعتب متنصل ... كما قال عباس وأنفي راغم # تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوما فقل: أنا ظالم # وأبيات العباس بن الأحنف التي منها البيت المضمن هي قوله: # وصب أصاب الحب سوداء قلبه ... فأنحله، والحب داء ملازم # فقلت له إذ مات وجدا بحبه ... مقالة نصح جانبتها المآثم: # تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوما فقل: أنا ظالم # فإنك إن لم تحمل الذنب في الهوى ... يفارقك من تهوى وأنفك راغم # غير أن شيخنا أبا عبد الله روى هذه الأبيات أيضا لابن المعتز. # فهذا النوع من التضمين جيد، وهو الذي أردنا من قبل؛ وأجود منه أن يصرف ~~الشاعر المضمن وجه البيت المضمن عن معنى قائله إلى معناه، نحو قول بعض ~~المحدثين، ونسبه قوم إلى ابن الرومي: # يا سائلي عن خالد، عهدي به ... رطب العجان وكفه كالجلمد # كالأقحوان غداة غب سمائه ms262 ... جفت أعاليه وأسفله ندي # هكذا أعرفه، وروى " عن جعفر " فصرف الشاعر قول النابغة في صفة الثغر: # تجلوا بقادمتي حمامة أيكة ... بردا أسف لثاته بالإثمد # كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي # إلى معناه الذي أراد. # ومن هذا المعنى أيضا قول ابن الرومي بلا محالة: # وسائلة عن الحسن بن وهب ... وعما فيه من كرم وخير # فقلت: هو المهذب غير أني ... أراه كثير إرخاء الستور # وأكثر ما يغنيه فتاه ... حسين حين يخلو بالسرير # فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور # فالبيت الأخير لمهلهل، فجاء قرع البيض بالذكور ههنا عجيبا، وإن كانت ~~اللفظتان في المعنى غير اللفظتين. # ومن الشعراء من يضمن قسيما نحو قول بعضهم، أظنه الصولي: # خلقت على باب الأمير كأنني ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # إذا جئت أشكو طول ضيق وفاقة ... يقولون: لا تهلك أسى وتحمل # ففاضت دموع العين من سوء درهم ... على النحر حتى بل دمعي محملي # لقد طال تردادي وقصدي إليكم ... فهل عند رسم دارس من معول # ومنهم من يقلب البيت فيضمنه معكوسا، نحو قول العباس بن الوليد بن عبد ~~الملك بن مروان لمسلمة بن عبد الملك: # لقد أنكرتني إنكار خوف ... يضم حشاك عن شتمي وذحلي PageV01P138 كقول ~~المرء عمرو في القوافي ... لقيس حين خالف كل عذل # عذيرك من خليلك من مراد ... أريد حياته ويريد قتلي # والبيت المضمن لعمرو بن معدي كرب الزبيدي، يقوله لابن أخته قيس بن زهير ~~بن هبيرة بن مكشوح المرادي، وكان بينهما بعد شديد وعداوة عظيمة، وحقيقته في ~~شعر عمرو: # أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد # وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا رأى ابن ملجم تمثل بهذا البيت. # ومن التضمين ما يجمع فيه الشاعر قسمين من وزنين كقول علي بن الجهم يعرض ~~بفضل الشاعرة جارية المتوكل وبنان المغني وكانا يتعاشقان فإذا غنى بنان: # اسمعي أو خبرينا ... يا ديار الظاعنينا # غنت هي كالمجاوبة له عما يقول: # ألا حييت عنا ما مدينا ... وهل بأس بقول مسلمينا # فقال علي ms263 منبها عليهما في ذلك: # كلما غنى بنان ... اسمعي أو خبرينا # أنشدت فضل ألا حي ... يت عنا يا مدينا # عارضت معنى بمعنى ... والندامى غافلونا # أحسنت إذ لم تجاوب ... هم ديار الظاعنينا # لو أجابتهم لصرنا ... آية للسائلينا # واستعاد الصوت مولا ... ها وحث الشاربينا # قلت للمولى وقد دا ... رت حميا الكأس فينا # رب صوت حسن ين ... بت في الرأس قرونا # وأنشد ابن المعتز في باب التضمين للأخطل: # ولقد سما للخرمي فلم يقل ... يوم الوغى لكن تضايق مقدمي # إشارة إلى قول عنترة العبسي: # إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي # وهذا تضمين أنت ترى كيف هو، وأنشد لآخر: # عوذ لما بت ضيفا له ... أقراصه مني بياسين # فبت والأرض فراشي وقد ... غنت قفا نبك مصاريني # ومن التضمين ما يحيل الشاعر فيه إحالة، ويشير به إشارة، فيأتي به كأنه ~~نظم الأخبار أو شبيه به، وذلك نحو قول بعضهم في معنى قول ابن المعتز كما ~~قال عباس وأنفي راغم إنه لم يرد الأبيات المقدم ذكرها، وإنما أراد قوله ~~للرشيد حين هجرته ماردة: # لا بد للعاشق من وقفة ... تكون بين الوصل والصرم # حتى إذا الهجر تمادى به ... راجع من يهوى على رغم # فهذا النوع أبعد التضمينات كلها، وأقلها وجودا، وذلك نحو قول أبي تمام: # لعمرو مع الرمضاء والنار تلتظي ... أرق وأحمى منك في ساعة الكرب # أراد البيت المضروب به المثل: # المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار # وقد صنعت أنا معنى الهجاء: # عرسه من غير ضير ... عرس زيد بن عمير # أبدا تزني فإن حاض ... ت تقد حبا لأير # ولها رجلان من نا ... قة كعب بن زهير # هكذا تبنى المعالي ... ليس إلا كل خير # " زيد بن عمير " هو الذي يقول في زوجته: # تقود إذا حاضت، وإن طهرت زنت ... فهي أبدا يزنى بها وتقود # و " كعب بن زهير " يقول في وصف ناقته: # تهوى على يسرات وهي لاهية ... ذوابل وقعهن الأرض تحليل # فكانت هذه المرأة في حاليها لا تقع رجلاها بالأرض: إما لكثرة مباضعة أو ~~شدة مشي ms264 في فساد. # ومن أنواع التضمين تعليق القافية بأول البيت الذي بعدها، وقد تقدم ذكره. # وأما الإجازة فإنها بناء الشاعر بيتا أو قسيما يزيده على ما قبله، وربما ~~أجاز بيتا أو قسيما بأبيات كثيرة، فأما ما أجيز فيه قسيم بقسيم فقول بعضهم ~~لأبي العتاهية: أجز برد الماء وطابا فقال: حبذا الماء شرابا وأما ما أجيز ~~فيه بيت ببيت فقول حسان بن ثابت وقد أرق ذات ليلة فقال: # متاريك أذناب الأمور إذا اعترت ... أخذنا الفروع واجتنبنا أصولها # وأجبل، فقالت ابنته: يا أبت، لا أجيز عنك، فقال: أوعندك ذاك؟ قالت: بلى، ~~قال: فافعلي، فقالت: # مقاويل للمعروف خرس عن الخنا ... كرام يعاطون العشيرة سولها # قال: فحمي الشيخ عند ذاك، فقال: # وقافية مثل السنان ردفتها ... تناولت من جو السماء نزولها # فقالت ابنته: PageV01P139 يراها الذي لا ينطق الشعر عنده ... ويعجز عن ~~أمثالها أن يقولها # وذكر أن العباس بن الأحنف دخل على الذلفاء فقال: أجيزي عني هذا البيت: # أهدى له أحبابه أترجة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر # فقالت غير مفكرة: # خاف التلون إذ أتته لأنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر # فحلف لها بكل الأيمان، وكانت تعزه، لئن ظهر البيت إن دخلت منزلكم أبدا، ~~وأضافه إلى بيته. # وأما ما أجيز فيه قسيم بيت ببيت ونصف فقول الرشيد للشعراء: أجيزوا: الملك ~~لله وحده فقال الجماز: وللخليفة بعده # وللمحب إذا ما ... حبيبه بات عنده # واستجاز سيف الدولة أبا الطيب قول عباس بن الأحنف: # أمني تخاف انتشار الحديث ... وحظي في ستره أوفر؟ # فصنع القصيدة المشهورة: # هواك هواي الذي أضمر ... وسرك سري فما أظهر # إلا أنه خرج فيها عن المقصد. # والإجازة في هذا الموضع مشتقة المعنى من الإجازة في السقي، يقال: أجاز ~~فلان فلانا، إذا سقى له أو سقاه، الشك مني، وأما اللفظة فصحيحة فصيحة. # وقال ابن السكيت: يقال للذي يرد على أهل الماء فيستقى: مستجيز: قال ~~القطامي: # وقالوا فقيم الماء فاستجز ... عبادة؛ إن المستجيز على قتر # ويجوز أن يكون من " أجزت عن فلان الكأس " إذا تركته وسقيت غيره، فجازت ~~عنه دون أن ms265 يشربها، فقال أبو نواس: # وقلت لساقينا أجزنا فلم أكن ... ليأبى أمير المؤمنين وأشربا # فجوزها عني عقارا ترى لها ... إلى الشرف الأعلى شعاعا مطنبا # وقد تقدم ذكره الإجازة التي فيها عيوب القوافي، وذكرت اشتقاقها. # ومن هذا الباب نوع يسمى التمليط، وهو أن يتساجل الشاعران فيصنع هذا قسيما ~~وهذا قسيما لينظر أيهما ينقطع قبل صاحبه، وفي الحكاية أن امرأ القيس قال ~~للتوأم اليشكري: إن كنت شاعرا كما تقول فملط أنصاف ما أقول فأجزها، قال: ~~نعم، قال امرؤ القيس: أحار ترى بريقا هب وهنا فقال التوأم: كنار مجوس تستعر ~~استعارا ف قال امرؤ القيس: أرقت له ونام أبو شريح فقال التوأم: إذا ما قلت ~~قد هدأ استطارا ولا يزالان هكذا، يصنع هذا قسيما وهذا قسيما إلى آخر ~~الأبيات. # وقد تقدم إنشادها في باب أدب الشاعر من هذا الكتاب. # وربما ملط الأبيات شعراء جماعة، كما يحكى أن أبا نواس والعباس بن الأحنف ~~والحسين بن الضحاك الخليع ومسلم بن الوليد الصريع خرجوا في متنزه لهم ومعهم ~~يحيى بن المعلى، فقام يصلي بهم، فنسي الحمد وقرأ " قل هو الله أحد " فأرتج ~~عليه في نصفها، فقال أبو نواس: أجيزوا: # أكثر يحيى غلطا ... في قل هو الله أحد # فقال عباس: # قام طويلا ساهيا ... حتى إذا أعيا سجد # فقال مسلم بن الوليد: # يزحر في محرابه ... زحير حبلى بولد # فقال الخليع: # كأنما لسانه ... شد بحبل من مسد # وأنشدني بعض أصحابنا هذه الأبيات على طريق الاستملاح لها والاستظراف بها، ~~وقال: هذا الذي يعجز الناس عنه، فقلت: فما بال عباس وأبي نواس لم يقولا بعد ~~البيت الأول: # ونسي الحمد فما ... مرت له على خلد # ولا سيما وقد كان ذلك حقيقة، وكذلك جرت الحكاية، فقال: ولمن البيت؟ فقلت: ~~لابن وقته. # واشتاق التمليط من أحد شيئين: أولهما أن يكون من الملاطين، وهما جانبا ~~السنام في مرد الكتفين، قال جرير: # ظللن حوالي خدر أسماء، وانتحى ... بأسماء موار الملاطين أروح # فكأن كل قسيم ملاط، أي: جانب من البيت، وهما عند ابن السكيت العضدان. ~~والآخر وهو الأجود ms266 أن يكون اشتقاقه من الملاط وهو الطين يدخل في البناء ~~يملط به الحائط ملطا، أي: يدخل بين اللبن حتى يصير شيئا واحدا. وأما الملط ~~وهو الذي لا يبالي ما صنع والأملط الذي لا شعر عليه في جسده؛ فليس لاشتقاقه ~~منهما وجه. # باب الاتساع # وذلك أن يقول الشاعر بيتا يتسع فيه التأويل؛ فيأتي كل واحد بمعنى، وإنما ~~يقع ذلك لاحتمال اللفظ، وقوته، واتساع المعنى. # من ذلك قول امرئ القيس: # مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل PageV01P140 فإنما ~~أراد أنه يصلح للكر والفر، ويحسن مقبلا مدبرا، ثم قال " معا " أي: جميع ذلك ~~فيه، وشبهه في سرعته وشدة جريه بجلمود صخر حطه السيل من أعلى الجبل؛ فإذا ~~انحط من عال كان شديد السرعة، فكيف إذا أعانته قوة السيل من ورائه؟؟ وذهب ~~قوم منهم عبد الكريم إلى أن معنى قوله كجلمود صخر حطه السيل من عل إنما هو ~~الصلابة؛ لأن الصخر عندهم كلما كان أظهر للشمس والريح كان أصلب. # وقال بعض من فسره من المحدثين: إنما أراد الإفراط، فزعم أنه يرى مقبلا ~~ومدبرا في حال واحدة عند الكر والفر لشدة سرعته، واعترض على نفسه، واحتج ~~بما يوجد عيانا؛ فمثله باللجلمود المنحدر من قنة الجبل، فإنك ترى ظهره في ~~النصبة على الحال التي ترى فيها بطنه وهو مقبل إليك، ولعل هذا ما مر قط ~~ببال امرئ القيس، ولا خطر في وهمه، ولا وقع في خلده، ولا روعه. # ومثله قول أبي نواس: ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر فزعم من فسره أنه ~~إنما قال " وقل لي هي الخمر " ليلتذ السمع بذكرها كما التذت العين برؤيتها، ~~والأنف بشمها، واليد بلمسها، والفم بذوقها، وأبو نواس ما أظنه ذهب هذا ~~المذهب، ولا سلك هذا الشعب، ولا أراه أراد إلا الخلاعة والعبث الذي بنى ~~عليه القصيدة، ودليل ذلك أنه قال في تمام البيت: ولا تسقني سرا إذا أمكن ~~الجهر ويروى " فقد أمكن الجهر " فذهب إلى المجاهرة، وقلة المبالاة بالناس، ~~والمداراة لهم في شرب الخمر بعينها ms267 التي لا اختلاف بين المسلمين فيها. # وقد ثبت أن المأمون ذم أخاه الأمين على المنابر، وذكر في مذامه أنه صحب ~~شاعرا من أمره ومن قصته أنه يجاهر بالمعاصي، ويقول في قصيدة أولها كذا ~~وأنشد البيت: # فبتنا يرانا الله شر عصابة ... نجر بأذيال الفسوق ولا فخر # ومثل ذلك قول المفضل الضبي بين يدي الرشيد والكسائي حاضر في معنى قول ~~الفرزدق: # أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع # وقد سأل الأمين والمأمون: ما معناه؟ فقالا: معناه في قوله " قمراها " ~~تغليب المستعمل عندهم؛ لأن القمر أكثر استعمالا عند العرب من الشمس، وكذلك ~~قولهم " العمران " لما كان عمر أطول أياما وأكثر تأثيرا، فقال الرشيد: هكذا ~~أخبرنا هذا الشيخ، وأشار إلى الكسائي، فقال المفضل: بل مراده بالقمرين جداك ~~إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما، وبالنجوم الطوالع أنت وآباؤك الطيبون، ~~فأعجب الرشيد بذلك ووصله، والفرزدق ما قصد إلى شيء من ذلك ولا أراده، ولا ~~علم أن الرشيد بعده يكون أمير المؤمنين، وإنما أراد أن كل مشهور فاضل فهو ~~لنا عليكم، ومنا لا منكم، فنحن أشرف بيتا، وأظهر فضلا، وأبعد صوتا، إلا أن ~~التي جاء بها المفضل ملحة أفادت مالا. # ويتعلق بهذا قول أبي الطيب يذكر الروم: # وقد بردت فوق اللقان دمائهم ... ونحن أناس نتبع البارد السخنا # أراد أنا نتبع البارد من الدماء سخنا، كأنه يتوعدهم بقتل آخر، فيكون قد ~~أخذه من قول سويد بن كراع وهي أمه يصف كلابا وثورا: # فهز عليه الموت والموت دونه ... على روقه منه مذاب وجامد # وقال الأصمعي: يعني بالمذاب الحار، وبالجامد والبارد، ويجوز أن يكون أبو ~~الطيب أراد: ونحن أناس نتبع البارد من الطعام سخنا، وكذلك أيضا عادتنا في ~~الدماء؛ فيكون قد فرع. # وزعم قوم في قوله يشفع لبني كلاب إلى سيف الدولة: # وتملك انفس الثقلين طرا ... فكيف تحوز أنفسها كلاب # أنه لم يرد القبيلة، وإنما أراد أن يجعلهم كلابا على باب التحقير لقدرهم، ~~والتلطف لهم، كما جعلهم في البيت الأول ذئابا سراقا، ولا أظن ذلك، بل لا ~~أحققه؛ لأن في ms268 القصيدة: # ولو غير الأمير غزا كلابا ... ثناه عن شموسهم ضباب # ولاقي دون ثأيهم طعانا ... يلاقي عندها الذئب الغراب # إلا أن يحملوا على الشاعر التناقض، وينسبوه إلى قلة التحصيل؛ فذلك إليهم، ~~على أن هذه القصيدة قليلة النظير في شعره: تناسبا، وطبعا، وصنعة، ومثلها ~~الرائية في وزنها وذكر القصة بعينها. # باب الاشتراك PageV01P141 وهو أنواع: منها ما يكون في اللفظ، ومنها ما ~~يكون في المعنى؛ فالذي يكون في اللفظ ثلاثة أشياء: فأحدها: أن يكون اللفظان ~~راجعين إلى حد واحد ومأخوذين من حد واحد، فذلك اشتراك محمود، وهو التجنيس، ~~وقد تقدم القول فيه، والنوع الثاني: أن يكون اللفظ يحتمل تأويلين أحدهما ~~يلائم المعنى الذي أنت فيه والآخر لا يلائمه ولا دليل فيه على المراد، كقول ~~الفرزدق: # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # فقوله " حي " يحتمل القبيلة، ويحتمل الواحد الحي، وهذا الاشتراك مذموم ~~قبيح، والمليح الذي يحفظ لكثير في قوله يشبب: # لعمري لقد حببت كل قصيرة ... إلي، وما تدري بذاك القصائر # عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطا؛ شر النساء البحاتر # فأنت ترى فطنته لما أحس باشتراك كيف نفاه، وأعرب عن معناه الذي نحا إليه. # ومن نوع قول الفرزدق قول كشاجم يذكر الميدان: # عمرته بفتية صباح ... سمح، بأعراضهم شحاح # فنحن نعلم أنه أراد سمح شحاج بأعراضهم، ولكن فيه من اللبس ما هو أولى من ~~التأويل. # والنوع الثالث ليس من هذا في شيء، وهو سائر الألفاظ المبتذلة للتكلم بها، ~~لا يسمى تناولها سرقة، ولا تداولها اتباعا؛ لأنها مشتركة لا أحد من الناس ~~أولى بها من الآخر، فهي مباحة غير محظورة، إلا أن تدخلها استعارة، أو ~~تصحبها قرينة تحدث فيها معنى، أو تفيد فائدة، فهناك يتميز الناس، ويسقط اسم ~~الاشتراك الذي يقوم به العذر، ولو غيرت اللفظة وأتى بما يقوم مقامها كقول ~~ابن أحمر: # بمقلص درك الطريدة، متنه ... كصفا الخليقة بالفضاء الملبد # فقوله " درك الطريدة " وقول الأسود بن يعفر: # بمقلص عتد جهير شده ... قيد الأوابد والرهان جواد # جميعا كقول امرئ القيس: بمنجرد ms269 قيد الأوابد هيكل وكذلك قول أبي الطيب: ~~أجل الظليم وربقة السرحان فأما ما ناسب قول الأبيرد اليربوعي يرثي أخاه: # وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه، وإن عظم الأجر # وقول أبي نواس في صفة الخمر: # ترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تقل جفونها # فهو من المشترك الذي لا يعد سرقة. # وقد نص عليه القاضي الجرجاني أنه من المنقول المتداول المبتذل. # وأما الاشتراك في المعاني فنوعان: أحدهما: أن يشترك المعنيان وتختلف ~~العبارة عنهما، فيتباعد اللفظان، وذلك هو الجيد المستحسن، نحو قول امرئ ~~القيس: # كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير محلل # وقول غيلان ذي الرمة: # نجلاء في برج صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب # فوصفا جميعا لونا بعينه: فشبهه الأول بلون بيضة النعام، وشبهه الثاني ~~بلون الفضة قد خالطها الذهب يسيرا ولذلك قال " قد مسها ذهب " ونحو قول عبدة ~~بن الطبيب يصف ثورا وحشيا: # مجتاب نصع جديد فوق نقبته ... وفي القوائم من خال سراويل # وقال الطرماح يصف ظليما: # مجتاب شملة برجد لسراته ... قدرا فأسلم ما سواه البرجد # فوصف الأول بياض الثور وسواد قوائمه وتخطيطها فشبه ظهره كأن عليه نصعا ~~جديدا، وهو الثوب الأبيض، وشبه ما في قوائمه من السواد والتخطيط بسراويل من ~~الخال، وهو ضرب من الوشي. # وقال الثاني: إنه مجتاب شملة برجد، يريد ما على الظليم من قرونه، ~~والبرجد: كساء أسود مخمل، وجعل الشملة قدرا لسراته دون رجليه وعنقه؛ فدل ~~على بياضهن. # وقال عنترة: # صعل يعود بذي العشيرة بيضه ... كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم # فشبهه بعبد طويل عليه فرو أصلم، أي: قصير الذيول، وإنما خص الفرو لأنهم ~~كانوا يلبسونه مقلوبا، وجعله عبدا لبياض ساقيه وعنقه وإشرابهما الحمرة يعني ~~صفات الروم، ولم تكن العبيد في ذلك الوقت إلا بيضا؛ فهذا اشتراك في وصف ~~الظهر والقوائم واختلاف في اللفظ والعبارة. PageV01P142 والنوع الثاني على ~~ضربين: أحدهما: ما يوجد في الطباع من تشبيه الجاهل بالثور والحمار، والحسن ~~بالشمس والقمر، والشجاع بالأسد وما شابهه، والسخي بالغيث والبحر، ms270 والعزيمة ~~بالسيف والسيل، ونحو ذلك؛ لأن الناس كلهم الفصيح والأعجم والناطق والأبكم ~~فيه سواء؛ لأنا نجده مركبا في الخليقة أولا. # ولآخر ضرب كان مخترعا، ثم كثر حتى استوى فيه الناس، وتواطأ عليه الشعراء ~~آخرا عن أول، نحو قولهم في صفة الخد " كالورد " وفي القد " كالغصن " وفي ~~العين " كعين المهاة من الوحش " وفي العنق كعنق الظبي، وكإبريق الفضة أو ~~الذهب فهذا النوع وما ناسبه قد كان مخترعا، ثم تساوى الناس فيه، إلا أن ~~يولد أحد منهم فيه زيادة، أو يخصه بقرينة؛ فيستوجب بها الانفراد من بينهم، ~~ومثل ذلك تشبيه العزم بهبوب الريح، والذكاء بشواظ النار، وسيرد عليك من ~~قوافي باب السرقات وما ناسبها كثير، إن شاء الله تعالى. # باب التغاير # وهو أن يتضاد المذهبان في المعنى حتى يتقاوما، ثم يصحا جميعا، وذلك من ~~افتنان الشعراء وتصرفهم وغوص أفكارهم. # من ذلك قول بعض العرب المتقدمين يذكر قوما بأنهم لا يأخذون إلا القود دون ~~الدية: # لا يشربون دمائهم بأكفهم ... إن الدماء الشافيات تكال # وقال آخر وقد أخذ بثأره إلا إنه فيما زعم قتل دون من قتل له، ويروى ~~لامرأة حارثية: # فيقتل خير بامرئ لم يكن له ... بواء ولكن لا تكايل بالدم # ويروى " في فتى لم يكن له وفاء " فالأول يقول: لا آخذ بالدم لبنا، لكن ~~آخذ دما بقدره، فكان ذلك مكايلة، والثاني يزعم أن قتيله قليل المثل ~~والنظير، فمتى لم يقتل به إلا نظيره بعد انتقامه، وعسر إدراكه الثأر فقال: ~~إن الدماء ليست مما يكايل به في الحقيقة، وقيل: إنما يعني بذلك أن الإسلام ~~لما جاء أزال المكايلة بالدم؛ فكانوا لا يقتلون بالرئيس إلا رئيسا مثله. # ومن هذا الباب قول أبي تمام في التكرم يفضله على الكرم المطبوع: # قد بلونا أبا سعيد حديثا ... وبلونا أبا سعيد قديما # ووردناه سائحا وقليبا ... ورعيناه بأرضا وجميما # فعلمنا أن ليس إلا بشق الن ... فس صار الكريم يدعى كريما # وقال أبو الطيب في خلافه: # لو كفر العالمون نعمته ... لما عدت نفسه سجاياها # كالشمس لا تبتغي بما صنعت ... تكرمة ms271 عندهم ولا جاها # وإلى هذا المذهب نحا السيد أبو الحسن في قوله: # جبر الكسير إذا يهاض جناحه ... لجأ المطرد مستغاث المملق # جمع الفضائل والمحامد والعلا ... خلق لعمر أبيك غير تخلق # وأصل معنى قول أبي الطيب من قول بشار: # ليس يعطيك للرجاء وللخو ... ف ولكن يلذ طعم العطاء # وقال البحتري في نحو ذلك: # لا يتعب النائل المبذول همته ... وكيف يتعب عين الناظر النظر؟! # وكان أبو الطيب لقدرته واتساعه في المعاني كثيرا ما يخالف الشعراء ويغاير ~~مذاهبهم، ألا ترى إلى قول علي بن العباس النوبختي وهو في رواية الجرجاني ~~لابن الرومي يصف القلم ويفضله على السيف، وكتب بذلك إلى علي بن مقلة في ~~قصيدة: # إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم # كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم # فالموت والموت لا شيء يعادله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم # وهذا كلام متقن البنية، صحيح المعنى، لا مطعن فيه، فجاء أبو الطيب فخالفه ~~وذهب مذهبا آخر يشهد بصحته العيان، ويصححه البرهان، فقال: # حتى رجعت وأقلامي قوائل لي: ... المجد للسيف ليس المجد للقلم # اكتب بذا أبدا قبل الكتاب بها ... فإنما نحن للأسياف كالخدم # ومن التغاير قول الفرزدق يصف إبله ويفخر: # ألم تسمعا يا بني حكيم حنينها ... إلى السيف تستبكي إذا لم تعقر # فجعلها إذا لم تعقر حنت إلى السيف واستبكت؛ لكثرة عادتها، وهذا غلو مفرط، ~~وكان في مكان آخر يصفها بالجزع إذا رأت الضيف لعلمها أنها تنحر له: # ترى النيب من ضيفي إذا ما رأينه ... ضمورا على جراتها ما تجيزها ~~PageV01P143 فزعم أنها تخفي حسها حتى إنها لا تجتر خوفا من النحر، وهذا ~~المعنى مأخوذ من بيتين مدح بهما النبي صلى الله عليه وسلم، وهما: # وأبيك حقا إن إبل محمد ... عزل نوائح أن تهب شمال # وإذا رأين لدى الفناء غريبة ... فدموعهن على الخدود سجال # يقول: إذا هبت الشمال وهي من رياح الشتاء، وعلامات المحل أيقن أن رسول ~~الله عليه وسلم ينحرهن للضيفان والجيران؛ فهي نوائح ms272 لذلك، وقوله وإذا رأين ~~لدى الفناء غريبة أي: يعرفن بذلك أنها ناقة ضيف فتذري كل واحدة دمعها، لا ~~تدري هل هي النحورة، وهذا من مليح الشعر ولطيف المدح، وقل كل مديح لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # ومن مليح التغاير قول أبي الشيص: # أجد الملامة في هوام لذيذة ... حبا لذكرك؛ فليلمني اللوم # وقول أبي الطيب في عكس هذا: # أأحبه وأحب فيه ملامة؟ ... إن الملامة فيه من أعدائه # وهذا عند الجرجاني هو النظر والملاحظة، وهو يعده في باب السرقات، قال: ~~وأصله من قول أبي نواس: # إذا غاديتني بصبوح عذل ... فممزوجا بتسمية الحبيب # ولأبي العلاء المعري مثله من غير التزام: # لم يبق غير العذل من أسبابهم ... فأحب من يدنو إلي عذول # يغدو فر مستخبر عن حالهم ... غيري، ولا مستخبر مسئول # باب التصرف ونقد الشعر # يجب للشاعر أن يكون متصرفا في أنواع الشعر: من جد وهزل، وحلو وجزل، وأن ~~لا يكون في النسيب أبرع منه في الرثاء، ولا في المديح أنفذ منه في الهجاء، ~~ولا في الافتخار أبلغ منه في الاعتذار، ولا في واحد مما ذكرت أبعد منه صوتا ~~في سائرها؛ فإنه متى كان كذلك حكم له بالتقدم، وحاز قصب السبق، كما حازها ~~بشار بن برد، وأبو نواس بعده. # حكى الصاحب بن عبادة في صدر رسالة صنعها على أبي الطيب، قال: حدثني محمد ~~بن يوسف الحمادي، قال: حضرت بمجلس عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وقد حضره ~~البحتري، فقال: يا أبا عبادة، أمسلم أشعر أم أبو نواس؟ فقال: بل أبو نواس؛ ~~لأنه يتصرف في كل طريق، ويبرع في كل مذهب: إن شاء جد، وإن شاء هزل، ومسلم، ~~ومسلم يلزم طريقا واحدا لا يتعداه، ولا يتحقق بمذهب لا يتخطاه فقال له عبيد ~~الله: إن أحمد بن يحيى ثعلبا لا يوافقك على هذا، فقال: أيها الأمير، ليس ~~هذا من علم ثعلب وأضرابه ممن يحفظ الشعر ولا يقوله؛ فإنما يعرف الشعر من ~~دفع إلى مضايقه، فقال: وريت بك زنادي يا أبا عبادة، إن حكمك في ms273 عميك أبي ~~نواس ومسلم وافق حكم أبي نواس في عميه جرير والفرزدق؛ فإنه سئل عنهما ففضل ~~جريرا، فقيل: إن أبا عبادة لا يوافقك على هذا، فقال: ليس هذا من علم أبي ~~عبيدة؛ فإنما يعرفه من دفع إلى مضايق الشعر، وقد خالف البحتري أبا نواس في ~~الحكم بين جرير والفرزدق، فقدم الفرزدق، قيل له: كيف تقدمه وجرير أشبه طبعا ~~بك منه؟ فقال: إنما يزعم هذا من لا علم له بالشعر، جرير لا يعدو في هجائه ~~الفرزدق ذكر القين وجعثن وقتل الزبير، والفرزدق يرميه في كل قصيدة بآبدة، ~~حكى ذلك غير واحد من المؤلفين. # فإذا كان هذا فقد حكم له بالتصرف، وبهذا أقول أنا، وإياه أعتقد فيهما، ~~وإذا لم يكن شعر الشاعر نمطا واحدا لم يمله السامع، حتى إن حبيبا ادعى ذلك ~~لنفسه في القصيدة الواحدة فقال: # الجد والهزل في توشيع لحمتها ... والنبل والسخف، والأشجان والطرب # وقد كان إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية: # لا يصلح النفس إذ كانت مصرفة ... إلا التصرف من حال إلى حال # وأنشد الصاحب لأبي أحمد يحيى بن علي المنجم في نقد الشعر: # رب شعر نقدته مثل ما ين ... قد رأس الصيارف الدينارا # ثم أرسلته فكانت معاني ... ه وألفاظه معا أبكارا # لو تأتى لقالة الشعر ما أس ... قط منه الحلو به الأشعارا # إن خير الكلام ما يستعير النا ... س منه ولم يكن مستعارا # وقال الجاحظ: PageV01P144 طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يحسن إلا ~~غريبه فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة ~~فوجدته لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار، وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر ~~بما أردت إلا عند أدباء الكتاب: كالحسن بن وهب، ومحمد بن عبد الملك الزيات. # قال الصاحب على أثر هذه الحكاية: فلله أبو عثمان، فلقد غاص على سر الشعر، ~~واستخرج أرق من السحر. # وسأذكر بعد هذا الباب قطعة من أشعار الكتاب يظهر فيها مرماهم، ويستدل به ~~على مغزاهم، ويعرف حسن اختيار الجاحظ فيما ذهب إليه من تفضيلهم، ويشهد لي ~~بجودة الميز، ms274 وفرط التثبت والإنصاف، إن شاء الله تعالى. # باب في أشعار الكتاب # والكتاب أرق الناس في الشعر طبعا، وأملحهم تصنيعا، وأحلاهم ألفاظا، ~~وألطفهم معاني، وأقدرهم على تصرف، وأبعدهم من تكلف. # وقد قيل: الكتاب دهاقين الكلام، وما نزيدك على قول إبراهيم بن العباس ~~الصولي بين يدي المتوكل حين أحضر لمناظرته أحمد بن المدبر فقال ارتجالا: # صد عني وصدق عني الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا # أتراه يكون شهر صدود ... وعلى وجهه رأيت الهلالا # فطرب له المتوكل واهتز ووصله، وخلع عليه وحمله، وجدد له ولاية. وقيل له ~~في التلطف والاستعطاف أكثر من هذا، وأي مدح أبرع وأبدع من قوله في الفضل بن ~~سهل: # لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل # فباطنها للندى ... وظاهرها للقبل # ونائلها للغنى ... وسطوتها للأجل # أليس هذا الماء الزلال، والسحر الحلال؟؟ ولقد أجاد ابن الرومي في تناوله ~~هذا المعنى حين قال: # مفبل ظهر الكف، وهاب بطنها ... له راحة فيها الحطيم وزمزم # فظاهرها للناس ركن مقبل ... وباطنها عين من الجود عيلم # إلا أن الأول أخف وزنا، وأرشق لفظا ومعنى. وهذان البيتان وإن كانت فيهما ~~زيادة فإنما هما بإزاء البيت الأوسط من أبيات إبراهيم فقط.. # ومن تغزل إبراهيم قوله: # أراك فلا أرد الطرف كيلا ... يكون حجاب رؤيتك الجفون # ولو أني نظرت بكل عين ... لما استقصت محاسنك العيون # فهذا وأبيك البيان، والخبر الذي كأنه العيان. # وما أجد كل حلاوة وحسن طلاوة، إلا دون قوله: # ابتداء بالتجني ... واقتضاء بالتظني # واشتفاء بتجني ... ك لأعدائك مني # بأبي قل لي لكي أع ... لم لم أعرضت عني # قد تمنى ذاك أعدا ... ئي، فقد نالوا التمني # وأما الهجاء فقد بلغ فيه أبعد الغايات بقوله في محمد بن عبد الملك ~~الزيات: # فكن كيف شئت وقل ما تشاء ... وأرعد يمينا وأبرق شمالا # نجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا # ومن شعر محمد بن عبد الملك الزيات قوله لأحمد بن أبي دؤاد، وقد أمر ~~الواثق أن يقوم جميع الناس لابن الزيات، ولم يجعل في ذلك رخصة لأحد، وكان ~~ابن أبي دؤاد يشتغل ms275 بصلاة الضحى إذا أحس بقدومه أنفة من القيام إليه في دار ~~السلطان، وامتثالا للأمر، فصنع ابن الزيات: # صلى الضحى لما استفاد عداوتي ... وأراه ينسك بعدها ويصوم # لا تعد من عداوة مشئومة ... تركتك تقعد تارة وتقوم # ومن تغزله قوله، وهو في غاية العذوبة: # قام بقلبي وقعد ... لما نفى عني الجلد # يا صاحب القصر الذي ... أسهر عيني ورقد # واعطشي إلى فم ... يمج خمرا من برد # إن قسم الناس فحس ... بي بك من كل أحد # وقال يرثي جاريته سلوانة، وهي أم ولده عمر الأصغر: # يقول لي الخلان: لو زرت قبرها ... فقلت: وهل غير الفؤاد لها قبر؟ # على حين لم أحدث فأجهل قدرها ... ولم أبلغ السن التي معها الصبر # وقال أيضا وأحسن ما شاء: # مالي إذا غبت لم أذكر بواحدة ... وإن مرضت فطال السقم لم أعد # ما أعجب شيء ترجوه فتحرمه ... قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي # ومن شعره في هذا الباب مقطعات متفرقة تغني عن الإكثار منه ههنا. ~~PageV01P145 وأما الحسن بن وهب فمن قوله: # لم تنم مقلتي لطول بكاها ... ولما جال فوقها من قذاها # فالقذى كحلها إلى أن ترى وج ... ه سليمى، وكيف لي أن تراها؟! # أسعدت مقلتي بإدمانها الدم ... ع وهجرانها الكرى مقلتاها # فلعيني في كل حين دموع ... إنما تستدرها عيناها # وقدم إليه كانون، ومعه قينة كان يهواها، فأمرت بإبعاد الكانون، فصنع: # بأبي كرهت النار حتى أبعدت ... فعرفت ما معناك في إبعادها # هي ضرة لك بالتماع شعاعها ... وبحسن صورتها لدى إيقادها # وأرى صنيعك بالقلوب صنيعها ... بأراكها وسيالها وعرادها # شركتك في كل الجهات بحسنها ... وضيائها وصلاحها وفسادها # ومن مليح الشعر قوله يمدح محمد بن عبد الله بن ظاهر غب مطر: # هطلتنا السماء هطلا دراكا ... جاوز المزربان فيه السماكا # قلت للبرق إذ تألق فيه: ... يا زناد السماء من أوراكا # أحبيبا أحببته فجفاكا؟ ... فعسى ذاك أن يعود كذاكا # أم تشبهت بالأمير أبي العب ... اس في جوده؟ فلست هناكا # وهذا هو الكلام الكتابي، السهل، المرسل، الحسن الطلاوة، والظاهر الحلاوة. # ومن قوله يرثى حبيبا الطائي، وكان ms276 صديقا له جدا: # سقى بالموصل القبر الغريبا ... سحائب ينتحبن به نحيبا # إذا أظللنه أطلقن فيه ... شعيب المزن يتبعها شعيبا # ولطمت البروق له خدودا ... وشققت الرعود له جيوبا # فإن تراب ذاك القبر يحوي ... حبيبا كان يدعى لي حبيبا # وهي قصيدة كاملة أتيت بهذا منها معرضا. # ومن شعراء الكتاب سعيد بن حميد الكاتب، وهو القائل في طول الليل: # يا ليل، بل يا أبد ... أنائم عنك غد؟ # يا ليل، لو تلقى الذي ... ألقى بها أو أجد # قصر من طولك أو ... أضعف منك الجلد # ورواه قوم أنحل من منك الجسد والأول عندي أصوب، وعلى كل حال فمنه أخذ أبو ~~الطيب قوله: # ألم ير هذا الليل عينيك رؤيتي ... فتظهر فيه رقة ونحول # وليس يلزم الكاتب أن يجاري الشاعر في أحكام صنعة الشعر؛ لرغبة الكتاب في ~~حلاوة الألفاظ وطيرانها، وقلة الكلفة، والإتيان بما يخف على النفس منها؛ ~~وأيضا فإن أكثر أشعارهم إنما يأتي تظرفا، لا عن رغبة ولا رهبة، فهم مطلقون ~~مخلون في شهواتهم، مسامحون في مذاهبهم؛ إذ كانوا إنما يصنعون الشعر تخيرا ~~واستظرافا، كما قال كشاجم الكاتب: # ولئن شعرت فما تع ... مدت الهجاء ولا المديحه # لكن رأيت الشعر لل ... آداب ترجمة فصيحه # وعلى هذا النمط يجري الحكم في أشعار الخلفاء، والأمراء، والمترفين من أهل ~~الأقدار: لا يحاسبون فيها محاسبة الشاعر المبرز الذي الشعر صناعته، والمديح ~~بضاعته. # وقد أعرب أبو الفتح بن العميد وأغرب في قوله: # فإن كان مرضيا فقل: شعر كاتب ... وإن كان مسخوطا فقل: شعر كاتب # ولو حاولت أن أذكر من علمت من شعراء الكتاب سوى من ذكرت لبعد الأمد، ~~وطالت الشقة، واحتجت إلى أن أقيم لهذا الفن ديوانا مفردا؛ لكني عولت على ~~ابن الزيات، وابن وهب؛ لإحالة الجاحظ في الفضل عليهما، وآنستهما باثنين ~~ليسا بدونهما، ولو لم آت بهذا الباب إلا بما بنيته عليه من ذكر أشعار السيد ~~الرئيس أبي الحسن أيده الله لكان ذلك فوق الرضا والكفاية. # فمن ذلك قوله: # باكر الراح ودع عنك العدل ... واسع في الصحة من قبل العلل # واغتنم ms277 لذة يوم زائل ... فالمنايا ضاحكات بالأمل # ما ترى الساقي كشمس طلعت ... تحمل المريخ في برج الحمل # مائسا كالغصن في دعص نقا ... فاتن المقلة زينت بالكحل # وقوله أيضا يتغزل: # مر بنا يهتز في مشيه ... مثل اهتزاز الغصن الرطب # فمقلتي ترتع في حسنه ... ومقلتاه أحرقت قلبي # قوله " أحرقت " وهما مقلتان كقول بعضهم، وأنشده أبو الجراح في طبقات ~~الشعراء: PageV01P146 أشركت عيناه ظالمة ... في دمي يا عظم ما جنت # فقال " ظالمة " وقال " جنت " لأن التثنية جمع في الحقيقة، والجماعة تخبر ~~عنها كما تخبر عن الواحد: لمكان التأنيث، والشاهد من قول القدماء قول ~~أحدهم: # لمن زحلوقة زل ... بها العينان تنهل # فقال " تنهل " وكان حقه أن يقول " تنهلان " لكن العلة ما قدمت. # ومن الموعظة الحسنة البالغة قوله: # أمن الزمان زمانة العقل ... فاخش الإله وحل عن الجهل # واعلم بأنك في الحساب غدا ... تجزى بما قدمت من فعل # ومن تشكي أحوال الناس وقلة ثقتهم وإنصافهم قوله: # أيا رب، إن الناس لا ينصفونني ... ولم يحسنوا قرضي على حسناتي # إذا ما رأوني في رخاء ترددوا ... إلي، وأعدائي لدى الأزمات # ومهما أكن في نعمة حزنوا لها ... ذوو أنفس في شدة جذلات # ثقاتي ما دامت صلاتي لديهم ... وإن عنهم أخرتها فعداتي # سأمنع قلبي أن يحن إليهم ... وأصرف عنهم قاليا لحظاتي # وألزم نفسي الصبر دأبا لعلني ... أعاين ما أملت قبل مماتي # ألا إنما الدنيا كفاف وصحة ... وأمن، ثلاث هن طيب حياتي # قوله " ثلاث " يعني ثلاث خصال أو ثلاث أحوال، كما قال طرفة: فلولا ثلاث ~~هن من لذة الفتى ثم فسرهن فقال: فمنهن سبق العاذلات بشربة وكرى إذا نادى ~~المضاف مجنبا وتقصير يوم الدجن والسبق والتقصير والكر كلها مذكرة، لكن أراد ~~ما قدمت. # ومن أحسن الأشعار قوله: # خليلي، إن لم تسعداني فأقصرا ... فليس يداوي بالعتاب المتيم # تريدان مني النسك في غير حينه ... وغصني ريان ورأسي أسحم # وقوله في قصيدة طويلة: # غراء واضحة ينوس بقرطها ... جيد حكى جيد الغزال الأعنق # صدت فأغرت بالسجوم مدامعي ... والعين تذرف بالدموع السبق # تشكو البعاد إذا بعدت تصبرا ... وإن ارتجعت ms278 إلى الزيارة تفرق # ولقد يبيت أخو المودة لائمي ... في حبها لوم الشفيق المشفق # حتى إذا طلعت فأبصر شخصها ... أخزى جهالة لائمي المستحمق # كم قد قطعت بوصلها من ليلة ... وبشرب صافية كلون الزئبق # يسعى بها كالبدر ليلة تمه ... سحار ألحاظ رخيم المنطق # آليت أترك ذا وتلك وهذه ... حتى يفارقني سواد المفرق # فلله سلامة هذا الطبع واندفاعه، وقرب هذا اللفظ واتساعه، ولله رقة معانيه ~~وإرهافها، وظهورها مع ذلك وانكشافها، ولطف مواقعها من القلوب، وسرعة ~~تأثيرها في النفوس، وسيرد من شعره فيما بعد ما لاق بالمواضع التي يذكر ~~فيها، إن شاء الله تعالى. # باب في أغراض الشعر وصنوفه # وهو بسط لما بعده من الأبواب، وقد فرط البسط له، وفرغ من مقدمته في باب ~~حد الشعر وتبيينه، وأنا ذاكر هنا ما لا بد منه. # تكلم قوم في الشعر عند أبي الصقر إسماعيل بن بلبل من حيث لا يعلمون فكتب ~~إليه أبو العباس الناشئ: # لعن الله صنعة الشعر، ماذا ... من صنوف الجهال فيها لقينا؟ # يؤثرون الغريب منه على ما ... كان سهلا للسامعين مبينا # ويرون المحال شيئا صحيحا ... وخسيس المقال شيئا ثمينا # يجهلون الصواب منه، ولا يد ... رون للجهل أنهم يجهلونا # فهم عند من سوانا يلامو ... ن، وفي الحق عندنا يعذرونا # إنما الشعر ما تناسب في النظ ... م، وإن كان في الصفات فنونا # فأتى بعضه يشاكل بعضا ... قد أقامت له الصدور المتونا # كل معنى أتاك منه على ما ... تتمنى لو لم يكن أن يكونا # فتناهى عن البيان إلى أن ... كاد حسنا يبين للناظرينا # فكان الألفاظ فيه وجوه ... والمعاني ركبن فيه عيونا # فائتا في المرام حسب الأماني ... فيجلي بحسنه المنشدينا # فإذا ما مدحت بالشعر حرا ... رمت فيه مذاهب المسهبينا PageV01P147 فجعلت ~~النسيب سهلا قريبا ... وجعلت المديح صدقا مبينا # وتنكبت ما تهجن في السم ... ع، وإن كان لفظه موزونا # وإذا ما قرضته بهجاء ... عفت فيه مذاهب المرفثينا # فجعلت التصريح منه دواء ... وجعلت التعريض داء دفينا # وإذا ما بكت فيه على الغا ... دين يوما للبين والظاعنينا # حلت دون الأسى وذللت ms279 ما كا ... ن من الدمع في العيون مصونا # ثم إن كنت عاتبا شبت في الوع ... د وعيدا وبالصعوبة لينا # فتركت الذي عتبت عليه ... حذرا آمنا، عزيزا مهينا # وأصح القريض ما فات في النظ ... م، وإن كان واضحا مستبينا # وإذا قيل أطمع الناس طرا ... وإذا ريم أعجز المعجزينا # قال أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري: كنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت ~~أرجع فيه إلى طبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه، ووجوه اقتضائه، حتى قصدت ~~أبا تمام؛ فانقطعت فيه إليه، واتكلت في تعريفه عليه، فكان أول ما قال لي: ~~يا أبا عبادة، تخير الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن ~~العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر، وذلك ~~أن النفس قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم، فإن أردت النسيب فاجعل ~~اللفظ رقيقا، والمعنى رشيقا، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكآبة، ~~وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، وإذا أخذت في مدح سيد ذي أياد فأشهر مناقبه، ~~وأظهر مناسبه، وأبن معالمه، وشرف مقامه، وتقاض المعاني، واحذر المجهول ~~منها، وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الزرية، وكن كأنك خياط يقطع الثياب على ~~مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ ~~القلب، واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه؛ فإن الشهوة نعم ~~المعين، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين: فما استحسنته ~~العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه، ترشد إن شاء الله تعالى. # قال صاحب الكتاب: قد كنت أردت ذكر هذا الفصل فيما تقدم من باب عمل الشعر ~~وشحذ القريحة له، فلم أثق بحفظي فيه، حتى صححته فأثبته بمكانه من هذا ~~الباب. # ومن قول الناشئ في معنى شعره الأول: # الشعر ما قومت زيغ صدوره ... وشددت بالتهذيب أسر متونه # ورأيت بالإطناب شعب صدوعه ... وفتحت بالإيجاز عور عيونه # وجمعت بين قريبه وبعيده ... ووصلت بين مجمه ومعينه # فإذا بكيت به الديار وأهلها ... أجريت للمحزون ماء شؤونه # وإذا مدحت به جوادا ماجدا ... وفيته بالشكر ms280 حق ديونه # أصفيته بنفيسه ورصينه ... وخصصته بخطيره وثمينه # فيكون جزلا في اتساق صنوفه ... ويكون سهلا في اتفاق فنونه # فإذا أردت كناية عن رتبة ... باينت بين ظهوره وبطونه # فجعلت سامعه يشوب شكوكه ... ببيانه وظنونه بيقينه # وإذا عتبت على أخ في زلة ... أدمجت شدته له في لينه # فتركته مستأنسا بدماثة ... مستيئسا لوعوثه وحزونه # وإذا نبذت إلى التي علقتها ... إن صارمتك بفاتنات شؤونه # تيمتها، بلطيفه ودقيقه ... وشغفتها بخبيه وكمينه # وإذا اعتذرت إلى أخ من زلة ... واشكت بين محيله ومبينه # وهذا حين أبدأ بالكلام على هذه الأغراض والصنوف واحدا فواحدا، إن شاء ~~الله سبحانه وتعالى. # باب النسيب # حق النسيب أن يكون حلو الألفاظ رسلها، قريب المعاني سهلها، غير كز ولا ~~غامض، وأن يختار له من الكلام ما كان ظاهر المعنى، لين الإيثار، رطب ~~المكسر، شفاف الجوهر، يطرب الحزين، ويستخف الرصين. # وروى أبو علي إسماعيل بن القاسم، عن ابن دريد، عن أبي حاتم، عن الأصمعي، ~~عن أبي عمرو بن العلاء، عن رواية كثير قال: كنت مع جرير وهو يريد الشام ~~فطرب، وقال: أنشدني لأخي بني مليح يعني كثيرا فأنشدته حتى انتهيت إلى قوله: ~~PageV01P148 وأدنيتني حتى إذا ما سنيتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح # تجافيت عني حين لا لي حيلة ... وخلفت ما خلفت بين الجوانح # فقال: لولا أنه لا يحسن بشيخ مثلي النخير لنخرت حتى يسمع هشام على ~~سريره.. # وقيل لأبي السائب المخزومي: أترى أحدا لا يشتهي النسيب؟ فقال: أما من ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فلا. # والنسيب والتغزل والتشبيب كلها بمعنى واحد.. وأما الغزل فهو إلف النساء، ~~والتخلق بما يوافقهن، وليس مما ذكرته في شيء؛ فمن جعله بمعنى التغزل فقد ~~أخطأ، وقد نبه على ذلك قدامة وأوضحه في كتابه نقد الشعر. # وقال الحاتمي: من حكم النسيب الذي يفتتح به الشاعر كلامه أن يكون ممزوجا ~~بما بعده من مدح أو ذم، متصلا به، غير منفصل منه، فإن القصيدة مثلها مثل ~~خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في ~~صحة التركيب غادر ms281 بالجسم عاهة تتخون محاسنه، وتعفي معالم جماله، ووجدت حذاق ~~الشعراء وأرباب الصناعة من المحدثين يحترسون من مثل هذه الحال احتراسا ~~يحميهم من شوائب النقصان، ويقف بهم على محجة الإحسان. # ومن مختار ما قيل في النسيب قول المرار العدوي. # وهي هيفاء هضيم كشحها ... فخمة حيث يشد المؤتزر # صلتة الخد طويل جيدها ... ضخمة الثدي ولما ينكسر # يضرب السبعون في خلخالها ... فإذا ما أكرهته ينكسر # لا تمس الأرض إلا دونها ... عن بلاط الأرض ثوب منعفر # تطأ الخز ولا تكرمه ... وتطيل الذيل منه وتجر # ثم تنهد على أنماطها ... مثل ما مال كثيب منقعر # عبق العنبر والمسك بها ... فهي صفراء كعرجون العمر # أملح الناس إذا جردتها ... غير سمطين عليها وسور # قال عبد الكريم: هذه أملح وأشرف ما وقع في الوصف، وهي أشبه بنساء الملوك. # وأنشد لغيره: # قليلة لحم الناظرين يزينها ... شباب ومخفوض من العيش بارد # أرادت لتنتاش الرواق فلم أقم ... إليه، ولكن طأطأته الولائد # تناهى إلى لهو الحديث كأنها ... أخو سقطة قد أسلمته العوائد # وأنواع النسيب كثيرة، وهذا الذي أنشدته أفضلها في مذاهب المتقدمين، ~~وللمحدثين طريق غير هذه كثيرة الأنواع أيضا: فما أختار من ذلك ما ناسب قول ~~أبي نواس: # حلت سعاد وأهلها سرفا ... قوما عدى ومحلة قذفا # وكأن سعدي إذ تودعنا ... وقد اشرأب الدمع أن يكفا # رشا تواصين القيان به ... حتى عقدن بأذنه شنفا # فإن هذا في غاية الجودة ونهاية الإحسان، وما ناسب قول مسلم بن الوليد: # أحب التي صدت وقالت لتربها: ... دعيه، الثريا منه أقرب من وصلي # أماتت وأحيت مهجتي فهي عندها ... معلقة بين المواعيد والمطل # وما نلت منها نائلا غير أنني ... بشجو المحبين الألى سلفوا قبلي # بلى، وربما وكلت عيسى بنظرة ... إليها تزيد القلب خبلا على خبل # ومن الجيد قول الوليد بن عبيد البحتري: # رددن ما خففت منه الخصور إلى ... ما في المآزر فاستثقلن أردافا # إذا نضين شفوف الريط آونة ... قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا # والبحتري أرق الناس نسيبا، وأملحهم طريقة، ألا تسمع قوله: # إني وإن جانبت بعض بطالتي ... وتوهم الواشون أني ms282 مقصر # ليشوقني سحر العيون المجتلي ... ويروقني ورد الخدود الأحمر # وشعره من هذا النمط، لا سيما إن ذكر الطيف؛ فإنه الباب الذي شهر به، ولم ~~يكن لأبي تمام حلاوة توجب له حسن التغزل، وإنما يقع له من ذلك التافه ~~اليسير في خلال القصائد، مثل قوله: # بت أرعى الخدود حتى إذا ما ... فارقوني بقيت أرعى النجوما # وقوله أول قصيدة: # أرامة، كنت ما لف كل ريم ... لو استمتعت بالأنس المقيم # أدار البؤس، حسنك التصابي ... إلي فصرت جنات النعيم # ومما ضرم البرجاء أني ... شكوت فما شكوت إلى رحيم PageV01P149 وأما أبو ~~الطيب فمن مليح ما سمعت له قوله: # كئيبا توقاني العواذل في الهوى ... كما يتوقى ريض الخيل حازمه # قفي تغرم الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانية، والمتلف الشيء غارمه # سقاك وحيانا بك الله، إنما ... على العيس نور والخدور كمائمه # فقد جاء بأملح شيء وأوفاه من الظرافة والغرابة. # وقوله يذكر ربع أحبابه: # نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا # نذم السحاب الغر في فعلها به ... ونعرض عنها كلما طلعت عتبا # وقال في ذكر الديار أيضا: # ودسنا بأخفاف المطي ترابها ... فلا زلت أستشفي بلثم المناسم # ديار اللواتي دارهن عزيزة ... بسمر القنا يحفظن لا بالتمائم # حسان التثني ينقش الوشي مثله ... إذا مسن في أجسامهن النواعم # ويبسمن عن در تقلدن مثله ... كأن التراقي وشحت بالمباسم # ورد جماعة من الكتاب على العتابي، وهو بحلب، وفي يده رقعة، وقد أطال فيها ~~النظر والتأمل، فقال: أرأيتم الرقعة التي كانت في يدي؟ قالوا: نعم، قال: ~~لقد سلك صاحبها واديا ما سلكه غيره، فلله دره، وكان في الرقعة قول أبي ~~نواس: # رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفى عليه بكى عليك طويل # يا ناظرا ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيل # روى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: أغزل بيت قالته العرب قول ~~عمر بن أبي ربيعة: # فتضاحكن وقد قلن لها: ... حسن في كل عين من تود # وكان الأصمعي يقول: أغزل بيت قالته العرب قول امرئ القيس: # وما ذرفت ms283 عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل # وحكى عن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أنه قال: لم تقل العرب بيتا أغزل من ~~قول جميل بن معمر: # لكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل عندهن شهيد # وفضلته بهذا البيت سكينة بنت الحسين بن علي رضوان الله عليهم، وأثابته به ~~دون جماعة من حضر من الشعراء. # وقال بعضهم: الأحوص من أغزل الناس بقوله: # إذا قلت أني مشتف بلقائها ... وحم التلاقي بيننا زادني سقما # وقال غيره: بل جميل بقوله: # يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها فيعود # وقال آخر: بل جرير بقوله: # فلما التقى الحيان ألقيت العصي ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله # والأحوص عندهم أغزلهم في هذه الأبيات الثلاثة؛ لزيادته سقما إذا التقى ~~المحبوب. # وقال الحاتمي: أغزل ما قالته العرب قول أبي صخر: # فيا حبذا زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر # وقال أبو عبيدة: ما حفظت شعرا لمحدث، إلا قول أبي نواس: # كأن ثيابه أطلع ... ن من أزراره قمرا # يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا # بعين خالط التفت ... ير من أجفانها الحورا # وخد سابري لو ... تصوب ماؤه قطرا # وللشعراء أسماء تخف على ألسنتهم وتحلو أفواههم، فهم كثيرا ما يأتون بها ~~زورا نحو: ليلى، وهند، وسلمى، ودعد، ولبنى، وعفراء، وأروى، وريا، وفاطمة، ~~ومية، وعلوة، وعائشة، والرباب، وجمل، وزينب، ونعم، وأشباههن. # ولذلك قال مالك بن زغبة الباهلي، أنشده الأصمعي: # ما كان طبي حبها غير أنه ... يقام بسلمى للقوافي صدورها # وأما عزة وبثينة فقد حماهما كثير وجميل، حتى كأنهما حرما على الشعراء.. # وربما أتى الشعراء بالأسماء الكثيرة في القصيدة؛ إقامة للوزن، وتحلية ~~للنسيب، كما قال جرير: # أجد رواح القوم؟ بل لات روحوا ... نعم كل من يعنى بجمل مبرح # ثم قال بعد بيت واحد: # إذا سايرت أسماء يوما ظعائنا ... فأسماء من تلك الظعائن أملح # ظللن حوالي خدر أسماء فانتحى ... بأسماء موار الملاطين أروح # صحا القلب عن أسما وقد برحت به ... وما كان يلقى من تماضر أبرح # وأما قول السيد الحميري: ms284 # ولقد تكون بها أوانس كالدمى ... هند وعبدة والرباب وبوزع PageV01P150 ~~فإنه ثقيل من أجل بوزع. # وأنكر هذه اللفظة عبد الملك بن مروان على جرير، فما ظنك بالسيد الحميري؟ ~~وكلما كانت اللظة أحلى كان ذكرها في الشعر اشهى، اللهم إلا أن يكون الشاعر ~~لم يزور الاسم، وإنما قصد الحقيقة لا إقامة الوزن؛ فحينئذ لا ملامة عليه، ~~ما لم يجد في الكنية مندوحة.. # وقال يزيد بن أم الحكم: # أمسى بأسماء هذا القلب معمودا ... إذا أقول صحا يعتاده عيدا # كان أحور من غزلان ذي بقر ... أهدى لعائشة العينين والجيدا # على أن بعضهم رواه " أهدى لها شبه العينين " وهو أجود لا محالة، ومثل هذا ~~كثير في أشعار القدماء، ولست أرى مثله من عمل المحدثين صوابا، ولا علمته ~~وقع لأحد منهم، إلا ما ناسب قول السيد المتقدم آنفا، وقول أبي تمام الطائي: # وإن رحلت في ظعنهم وحدوجهم ... زيانب من أحبابنا وعواتك # ومن عيوب هذا الباب أن يكثر التغزل ويقل المديح، كما يحكى عن شاعر أتى ~~نصر بن سيار بأرجوزة فيها مائة بيت نسيبا وعشرة أبيات مديحا، فقال له نصر: ~~والله ما أبقيت كلمة عذبة ولا معنى لطيفا إلا وقد شغلته عن مديحي بنسيبك، ~~فإن أردت مديحي فاقتصد في النسيب، فغدا عليه فأنشده: # هل تعرف الدار لأم عمرو؟ ... دع ذا وحبر مدحة في نصر # فقال نصر: لا هذا ولا ذاك، ولكن بين الأمرين. # فأما مذهبه الأول في طول النسيب وقصر المديح فإن نصيبا اتبعه فيه، ولكن ~~ذاك منه إنما كان على اقتراح في القصيدة التي مدح بها بني جبريل، وأما ~~المذهب الثاني فانتحله أبو الطيب في قوله: # واحر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم # ثم خرج إلى المدح في البيت الثاني. # ويعاب على الشاعر أن يفتخر أو يتعاطى فوق قدره، كما أخذ على عباس قوله: # فإن تقتلوني لا تفوتوا بمهجتي ... مصاليت قومي من حنيفة أو عجل # وعيب على الفرزدق وهو صميم بني تميم قوله: # يا أخت ناجية بن سامة إنني ... أخشى عليك بني إن ms285 طلبوا دمي # اللهم إلا أن يكون النسيب الذي يصنع مجازا كالذي في بسط القصائد، فإن ذلك ~~لا بأس به، ولا مكروه فيه. # وسمع ابن أبي عتيق قول ابن أبي ربيعة المخزومي: # بينما ينعتنني أبصرنني ... دون قيد الميل يعدو بي الأغر # قالت الكبرى: أتعرفن الفتى؟ ... قالت الوسطى: نعم، هذا عمر # قالت الصغرى وقد تيمتها: ... قد عرفناه، وهل يخفى القمر!؟ # فقال له: أنت لم تنسب بهن، وإنما نسبت بنفسك، وإنما كان ينبغي لك أن ~~تقول: قالت لي فقلت لها، فوضعت خدي فوطئت عليه. # وكذلك قال له كثير لما سمع قوله: # قالت لها أختها تعاتبها ... لا تفسدن الطواف في عمر # قومي تصدي له لأبصره ... ثم اغمزيه يا أخت في خفر # قالت لها: قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرت تشتد في أثري # أهكذا يقال للمرأة؟؟ إنما توصف بأنها مطلوبة ممتنعة. # قال بعضهم أظنه عبد الكريم : العادة عند العرب أن الشاعر هو المتغزل ~~المتماوت، وعادة العجم أن يجعلوا المرأة هي الطالبة والراغبة المخاطبة، ~~وهنا دليل كرم النجيزة في العرب وغيرتها على الحرم. # وعاب كثير على نصيب قوله: # أهيم بدعد ما حييت، فإن أمت ... فيا ليت شعري من يهيم بها بعدي # حتى إنه قال له: كأنك اغتممت لمن يفعل بها بعدك، وهو لا يكنى.. # ومثل هذه الحكاية ما قاله بعض الكتاب وقد دخل على علي بن عبد الله بن ~~جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو محبوس ~~فقال: أين هذا الجعفري الذي يتديث في شعره؟ قال علي: فعلمت أنه يريدني ~~لقولي: # ولما بدا لي أنها لا تحبني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي # تمنيت أن تهوى سواي، لعلها ... تذوق صبابات الهوى فترق لي # فما كان إلا عن قليل وأشغفت ... بحب غزال أدعج الطرف أكحل # وعذبها حتى أذاب فؤادها ... وذوقها طعم الهوى والتذلل # فقلت لها: هذا بهذا، فأطرقت ... حياء، وقالت: كل من عايب ابتلي # فقلت: أنا هو جعلت فداك، وأنا الذي أقول في الغيرة: PageV01P151 ربما ~~سرني صدودك عني ... وطلابيك وامتناعك ms286 مني # حذرا أن أكون مفتاح غيري ... فإذا ما خلوت كنت التمني # ويعاب ما ناسب قول الآخر، وهو جميل: # فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي # لأن الصواب قول عباس، أو مسلم: # أبكي وقد ذهب الفؤاد، وإنما ... أبكي لفقدك لا لفقد الذاهب # فأما طرد الخيال والمجاورة في المحبة فهو مذهب مشهور، وقد ركبه جلة ~~الشعراء، ورواه رواة: منهم طرفة، ولبيد، ثم جرير، ثم جميل، فقال طرفة، وهو ~~أول من طرقه: # فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها، فإني واصل حبل من وصل # وقال لبيد في مثل ذلك: # فاقطع لبانة من تعرض وصله ... ولشر واصل خلة صرامها # يقول: اقطع المزار ممن تعرض وصله للقطيعة ويقال: تعرض الشيء، إذا فسد، ~~حكاه الخليل فإن شر من وصلك من قطعك بلا ذنب، يريد الذي تعرض وصله، ومن ~~الناس من رواه ولخير واصل خلة صرامها يقول: إن خير من وصل الخلة من قطعها ~~باستحقاق، يعني نفسه.. # وقال جرير: # طرقتك صائدة القلوب، وليس ذا ... وقت الزيارة، فارجعي بسلام # على أن قوما زعموا أنه كان محرما، فلذلك طرد الخيال، كأنه تحرج وليس طرد ~~عتب. # وقال جميل: # ولست وإن عزت علي بقائل ... لها بعد صرم: يا بثين صليني # وجرى على سنن هؤلاء جماعة من المولدين، واعتقدوا هذا المبدأ قولا وفعلا، ~~حتى تعداه بعضهم إلى القتل، مثل عبد السلام بن رغبان، ونصر الخابز أرز ومن ~~شاكلهما من الشطار، إلا أن أصل هذا المذهب عند قدامة فاسد، وعاب عن نابغة ~~بني تغلب واسمه الحارث بن عدوان، أحد بني زيد بن عمرو بن غنم بن تغلب قوله: # بخلنا لبخلك لو تعلمين ... وكيف يعيب بخيل بخيلا؟ # لأن الواجب عنده في التغزل أن يكون على خلاف هذا، وكل ما لا يليق ~~بالمحبوب فهو مكروه في باب النسيب. # قالت عزة لكثير يوما ويقال بثينة ما أردت بنا حين قلت: # وددت وبيت الله أنك بكرة ... وأني هجان مصعب ثم نهرب # كلانا به عر فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدى وأجرب # نكون لذى ms287 مال كثير مغفل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب # إذا ما وردنا منهلا صاح أهله ... علينا، فلا ننفك نرمى ونضرب # لقد أردت بنا الشقاء، أما وجدت أمنية أوطأ من هذه؟! فخرج من عندها خجلا ~~وإنما اقتدى بالفرزدق حيث يقول، وهذا من سوء الأتباع: # ألا ليتنا كنا بعيرين لا نرد ... على حاضر إلا نشل ونقذف # كلانا به عر يخاف قرافه ... على الناس مطلي الأشاعر أخشف # بأرض خلاء وحدنا وثيابنا ... من الريط والديباج درع وملحف # ولا زاد إلا فضلتان: سلافة ... وأبيض من ماء الغمامة قرقف # وأشلاء لحم من حباري يصيدها ... إذا نحن شئنا صاحب متألف # لنا ما تمنينا من العيش مادعا ... هديلا بنعمان حمائم هتف # وإذا كان بعيرا فما هذه الأمنية التي كلها للحيوان الناطق؟ لولا أنه ردها ~~إلى نفسه حقيقة، وإلا فما أملح الجمل نشوان يصيد الحباري بالبازي. # ومعايب هذا الباب كثيرة، وفما قدمت منها دليل على باقيها. # واشتقاق التشبيب يجوز أن يكون من ذكر الشبيبة، وأصله الإرتفاع، كأن ~~الشباب ارتفع عن حال الطفولية، أو رفع صاحبه، ويقال: شب الفرس، إذا رفع ~~يديه وقام على رجليه. # قال الجاحظ: يقال شبت شبوبا، وشب الفرس بيديه فهو يشب شبيبا، ويقال: مالك ~~عضاض ولا شباب، انقضى كلامه. # ويجوز أن يكون من الجلاء، يقال: شب الحمار وجه الجارية، إذا جلاه ووصف ما ~~تحته من محاسنه؛ فكأن هذا الشاعر قد أبرز هذه الجارية في صفته إياها وجلاها ~~للعيون، ومنه الشب الذي يجتلي به وجوه الدنانير، ويستخرج غشها، ومنها: شببت ~~النار، إذا رفعت سناها وزدتها ضياء. # وأنشد الأصمعي لعكاشة بن أبي مسعدة: يدفع عنها كل مشبوب أغر قال: المشبوب ~~الذي إذا رأيته فزعت لحسنه.. قال ابن دريد: شببت في الشعر شبيبا، مثل نسبت ~~نسيبا، والنسيب أكثر ما يستعمل في الشعر. PageV01P152 باب في المديح # وسبيل الشاعر إذا مدح ملكا أن يسلك طريقة الإيضاح والإشادة بذكره ~~للممدوح، وأن يجعل معانيه جزلة، وألفاظه نقية، غير مبتذلة سوقية، ويجتنب مع ~~ذلك التقصير والتجاوز والتطويل؛ فإن للملك سآمة وضجرا، ربما عاب من ms288 أجلها ~~ما لا يعاب، وحرم من لا يريد حرمانه، ورأيت عمل البحتري إذا مدح الخليفة ~~كيف يقل الأبيات، ويبرز وجوه المعاني، فإذا مدح الكتاب عمل طاقته، وبلغ ~~مراده. # وقد حكى عن عمارة أن جده جريرا قال: يا بني، إذا مدحتهم فلا تطيلوا ~~الممادحة؛ فإنه ينسى أولها، ولا يحفظ آخرها، وإذا هجوتم فخالفوا. # قال عبد الكريم: وهذا ضد قول عقيل بن علفة المرادي، وحكى غيره قال: دخل ~~الفرزدق على عبد الرحمن بن أم الحكم، فقال له عبد الرحمن: أبا فراس، دعني ~~من شعرك الذي ليس يأتي آخره حتى ينسى أوله، وقال: قل في بيتين يعلقان ~~بالرواة، وأنا أعطيك عطية لم يعطكها أحد قط قبلي، فغدا عليه وهو يقول: # وأنت ابن بطحاوي قريش، وإن تشأ ... تكن من ثقيف سيل ذي خدر غمر # وأنت ابن سوار اليدين إلى العلى ... تكفت بك الشمس المضيئة للبدر # فقال: أحسنت، وأمر له بعشرة آلاف درهم. # وإذا كان الممدوح ملكا لم يبال الشاعر كيف قال فيه، ولا كيف أطنب، وذلك ~~محمود، وسواه المذموم، وإن كان سوقة فإياك والتجاوز به خطته؛ فإنه متى ~~تجاوز به خطته؛ كان كمن نقصه منها، وكذلك لا يجب أن يقصر عما يستحق، ولا أن ~~يعطيه صفة غيره؛ فيصف الكاتب بالشجاعة والقاضي بالحمية والمهابة، وكثيرا ما ~~يقع هذا لشعراء وقتنا، وهو خطأ، إلا أن تصحبه قرينة تدل على الصواب الرأي ~~فيه، وكذلك لا يجب أن يمدح الملك ببعض ما يتجه في غيره من الرؤساء، وإن كان ~~فضيلة. # وذلك مثل قول البحتري يمدح المعتز بالله: # لا العذل يردعه ولا الت ... عنيف عن كرم يصده # فإنه مما أنكره عليه أبو العباس أحمد بن عبد الله، وقال: من ذا يعنف ~~الخليفة على الكرم أو يصده؟ هذا بالهجاء أولى منه بالمدح. # وعيب على الأخطل قوله في عبد الملك بن مروان: # وقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبيض لا عاري الخوان ولا جدب # وقالوا: لو مدح بها حرسيا لعبد الملك لكان قد قصر به. # قلت أنا: وإن كان فلا بد من ms289 ذكر الضيافة والقرى، كقول ابن قيس الرقيات ~~لمصعب بن الزبير: # يلبس الجيش بالجيوش ويسقي ... لبن البخت في عساس الخلنج # لأن هذا وإن لم يعد به ممادحة العرب في سقي اللبن فقد زاده رتبة عرف بها ~~أنه ملك. وأجود منه في معناه قول حسان في آل جفنة: # يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل # ويروي " مسكا " . # وعابوا على الأحوص قوله للملك: # وأراك تفعل ما تقول، وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل # فقالوا: إن الملوك لا تمدح بما يلزمها فعله كما تمدح العامة، وإنما تمدح ~~بالإغراق والتفضيل بما لا يتسع غيرهم لبذله. # ومن هذا النوع قول كثير: # رأيت ابن ليلى يعتري صلب ماله ... مسائل شتى من غني ومصرم # مسائل إن توجد لديك تجد بها ... يداك، وإن تظلم بها تتظلم # لأن هذا إنما يقع لمن دون الخليفة والملك، وإنما أخذه من قول زهير في هرم ~~ابن سنان، وليس بملك، ولذلك حسن قوله: # هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوا، ويظلم أحيانا فيظلم # يريد أنه يسأل ما ليس قبله فيحتمله، هذا، وقد قال الصولي في شرح قول ~~حبيب: # لو يفاجى ركن المديح كثيرا ... بمعانيه خالهن نسيبا # طاب فيه المديح والتذ، حتى ... فاق وصف الديار والتشييبا # سألت عون بن محمد الكندي: لم خص كثيرا؟ فقال: سمعته يقول: أمدح الناس ~~زهير والأعشى، ثم الأخطل وكثير. # وحكى غير الصولي أن مروان بن أبي حفصة كان يقدم كثيرا في المدح على جرير ~~والفرزدق. # ومما قدم به زهير قوله: # لو كان يقعد النجم من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا # قوم سنان أبوهم حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا # إنس إذا أمنوا، جن إذا فزعوا، ... مرزأون بها ليل إذا جهدوا PageV01P153 ~~محسدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله عنهم ماله حسدوا # ويروي غر بها ليل في أعناقهم صيد وقدمه قدامة بن جعفر الكاتب فقال في ~~كتابه نقد الشعر: لما كانت فضائل الناس من حيث هم ناس، لا من طريق ما هم ~~مشتركون فيه مع ms290 سائر الحيوانات، على ما عليه أهل الألباب من الاتفاق في ~~ذلك؛ إنما هي العقل والعفة والعدل والشجاعة؛ كان القاصد للمدح بهذه الأربعة ~~مصيبا، وبما سواها مخطئا. # فقال زهير: # أخي ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله # لأنه قد وصفه بالعفة لقلة في اللذات وأنه لا ينفد فيها ماله، وبالسخاء ~~لإهلاكه ماله في النوال وانحرافه إلى ذلك عن اللذات، وذلك هو العقل، ثم ~~قال: # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله # أراد أن فرحة بما يعطي أكثر من فرحه بما يأخذ، فزاد في وصف السخاء منه: ~~بأن يهش، ولا يلحقه مضض، ولا تكره لفعله.. # ثم قال: # فمن مثل حصن في الحروب ومثله ... لإنكار ضيم أو لخصم يجادله # فأتى في هذا البيت بالوصف من جهة الشجاعة والعقل، فاستوفى ضروب المدح ~~الأربعة التي هي فضائل الإنسان على الحقيقة، وزادها ما هو وإن كان داخلا في ~~الأربعة فكثير من الناس من لا يعرف وجه دخوله فيها حيث قال أخي ثقة فوصفه ~~بالوفاء، والوفاء داخل في هذه الفضائل التي قدمنا، وقد تفنن الشعراء فيعدون ~~أنواع الفضائل الأربع وأقامها وكل داخل في جملتها مثل أن يذكروا ثقابة ~~المعرفة، والحياء، والبيان، والسياسة، والصدع بالحجة، والعلم، والحلم عن ~~سفاهة الجهلة، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى، وهي من أقسام العقل؛ وكذكرهم ~~القناعة، وقلة الشهوة، وطهارة الإزار، وغير ذلك وهي من أقسام العفة؛ ~~وكذكرهم الحماية، والأخذ بالثأر، والدفع عن الجار، والنكاية في العدو، وقتل ~~الأقران، والمهابة، والسير في المهامه والقفار الموحشة، وما شاكل هذا وهو ~~من أقسام الشجاعة؛ وكذكرهم السماحة، والتغابن، والانظلام، والتبرع بالنائل، ~~والإجابة للسائل، وقرى الأضياف، وما جانس هذه الأشياء، وهي من أقسام العدل. # وأما تركيب بعضها من بعض فيحدث منها سته أقسام: يحدث من تركيب العقل مع ~~الشجاعة الصبر على الملمات ونوازل الخطوب، والوفاء بالإيعاد؛ وعن تركيب ~~العقل مع السخاء البر، وإنجاز الوعد وما أشبه ذلك؛ وعن تركيب العقل مع ~~العفة التنزه، والرغبة عن المسألة، والاقتصار على أدنى معيشة، وما ms291 أشبه ~~ذلك؛ وعن تركيب الشجاعة مع السخاء الإتلاف، والإخلاف وما جانس ذلك؛ وعن ~~تركيب الشجاعة مع العفة إنكار الفواحش، والغيرة على الحرم؛ وعن تركيب ~~السخاء مع العفة الإسعاف بالوقت، والإيثار على النفس، وما شاكل ذلك. # قال: وكل واحدة من هذه الفضائل الأربع المتقدم ذكرها وسط بين طرفين ~~مذمومين. # مدح أبو العتاهية عمر بن العلاء فأعطاه سبعين ألفا وخلع عليه حتى لم ~~يستطع أن يقوم، فغار الشعراء لذلك، فجمعهم ثم قال: عجبا لكم معشر الشعراء ~~ما أشد حسد بعضكم لبعض، إن أحدكم يأتينا ليمدحنا فينسب في قصيدته بصديقته ~~بخمسين بيتنا فما يبلغنا حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره، وقد أتى أبو ~~العتاهية فنسب في أبيات يسيرة. ثم قال: # إني أمنت الزمان وريبه ... لما علقت من الأمير حبالا # لو يستطيع الناس من إجلاله ... لحذوا له حر الخدود نعالا # إن المطايا تشتكيك؛ لأنها ... قطعت إليك سباسبا ورمالا # فإذا وردن بنا وردن خفائفا ... وإذ صدرن بنا صدرن ثقالا # ومن مليح ما لأبي العتاهية في المدح قوله: # فتى ما استفاد الما إلا أفاده ... سواه كأن الملك في كفه حلم # إذا ابتسم المهدي نادت يمينه ... ألا من أتانا زائرا فله الحكم # وله أيضا في معنى بيتي الفرزدق اللذين صنعهما لعبد الرحمن بن أم الحكم: # فما مثل بيتيه في العالمين ... أعز بناء ولا أرفع # فبيت بناه له هاشم ... وبيت بناه له تبع # ولو حاول الدهر ما في يديه ... لعاد وعرنينه أجدع # ومن المديح المنصوص عليه قول زهير: PageV01P154 وفيهم مقامات حسان وجوهها ~~... وأندية ينتابها القول والفعل # وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل # على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل # سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يفعلوا ولم يليموا ولم يألوا # فما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه أباء آبائهم قبل # وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل # وكذلك أيضا قوله: # من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا # ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث ms292 عن أقرانه صدقا # يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا # فضل الجواد على الخيل البطاء فلا ... يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا # هذا وليس كمن يعيا بخطبته ... وسط الندى إذا ما ناطق نطقا # لو نال حي من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا # وينبغي أن يكون قصد الشاعر في مدح الكاتب والوزير ما اختاره قدامة وغيره، ~~وكذلك ما ناسب حسن الروية، وسرعة الخاطر بالصواب، وشدة الحزم، وقلة الغفلة، ~~وجود النظر للخليفة، والنيابة عنه في المعضلات بالرأي أو الذات، كما قال ~~أبو نواس: # إذا نابه أمر فإما كفيته ... وإما عليه بالكفى تشير # وبأنه محمود السير، حسن السياسة، لطيف الحس، فإن أضاف ذلك إلى البلاغة، ~~والخط، والتفنن في العلم؛ كان غاية. # وأفضل ما مدح به القائد: الجود، والشجاعة، وما تفرغ منهما، نحو التخرق في ~~الهيئات، والإفراط في النجدة، وسرعة البطش، وما شاكل ذلك. # ويمدح القاضي بما ناسب العدل والإنصاف، وتقريب البعيد في الحق، وتبعيد ~~القريب، والأخذ للضعيف من القوي، والمساواة بين الفقير والغني، وانبساط ~~الوجه، ولين الجانب، وقلة المبالاة في إقامة الحدود واستخراج الحقوق، فإن ~~زاد إلى ذلك ذكر الورع، والتحرج، وما شاكلهما، فقد بلغ النهاية. # وصفات القاضي كلها لائقة بصاحب المظالم، ومن دون هذه الثلاث الطبقات سوى ~~طبقة الملك فلا أرى لمدحه وجها، فإن دعت إلى ذلك ضرورة مدح كل إنسان بالفضل ~~في صناعته، والمعرفة بطريقته التي هو فيها، وأكثر ما يعول عن الفضائل ~~النفسية التي ذكرها قدامة، فإن أضيف إليها فضائل عرضية أو جسمية: كالجمال، ~~والأبهة، وبسطة الخلق، وسعة الدنيا، وكثرة العشيرة؛ كان ذلك جيدا، إلا أن ~~قدامة قد أبى منه، وأنكره جملة، وليس ذلك صوابا، وإنما الواجب عليه أن ~~يقول: إن المدح بالفضائل النفيسة أشرف وأصح، فأما إنكار ما سواها كرة واحدة ~~فما أظن أحدا يساعده فيه، ولا يوافقه عليه. # وقد كره الحذاق أن تمدح الملوك بما ناسب قول موسى شهوات وروى لغيره: # ليس فيما بدا لنا منك عيب ... عابه الناس غير أنك فاني ms293 # أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان # وذكر عن سليمان بن عبد الملك أنه خرج من الحمام، وهو الخليفة، يريد ~~الصلاة، ونظر في المرآة فأعجبه جماله، وكان حسن الوجه، فقال: أنا الملك ~~الشاب، ويروى " الفتى " فتلقته إحدى حظاياه، فقال لها: كيف ترينني؟ فتمثلت ~~في البيتين المتقدم ذكرهما، فتطير بهما ورجع، فحم فما بات إلا ميتا تلك ~~الليلة وروى عن بعض الملوك أنه قال: ما لهؤلاء الشعراء قاتلهم الله، ربما ~~ذكرونا شيئا نحن أكثر ذكرا له منهم فينغصون به علينا أوقات لذتنا!!؟ يعني ~~بذلك الموت. # ومن أشنع ما في ذلك قول أبي تمام: # فليطل عمره فلو مات في طو ... س مقيما لمات فيها غريبا # فما الذي دعاه إلى ذكر الموت ههنا إلا النكد والنغاصة؟. # أجمع الناس على تقديم قول كعب بن زهير يمدح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # تحمله الناقة الأدماء معتجرا ... بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم # وفي عطافيه أو أثناء ريطته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم # والجهال يروون البيت الأول لأبي دهبل الجمحي، ويناسبه قول العجاج: ~~PageV01P155 يحملن كل سؤدد وفخر ... يحملن ما ندري وما لا ندري # قال الأصمعي: وأصله قول الحارث بن حلزة: # وفعلنا بهم كما علم الل ... ه وما إن للحائنين دماء # قال: ولم يقل قط شاعر " كما يعلم " أحسن من هذه الثلاثة المعاني قال أبو ~~العباس المبرد: من الشعراء من يحمل المدح، فيكون ذلك وجها حسنا؛ لبلوغه ~~الإرادة مع خلوة من الإطالة، وبعده من الإكثار، ودخوله في الاختصار. # وذلك نحو قول الحطيئة: # تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المكارم يحمد # تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ويعلم أن المرأ غير مخلد # يرى البخل لا يبقي على المرء ماله ... ويعلم أن المرء غير مخلد # ورواه غيره أن المال غير مخلد. # كسوب متلاف إذا ما سألته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... نجد خير نار عندها خير موقد # تصرف في أبياته هذه في أصناف المديح، واتى ms294 بجماع الوصف وجملة المدح على ~~سبيل الاقتصار في البيت الأخير. # ومثله قول الشماخ: # رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى العلياء منقطع القرين # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # انتهى كلامه. # ومن أفضل ما مدح به ملوك وأكثره إصابة للغرض ما ناسب قول أبن هرمة ~~المنصور: # له لحظات عن حفافي سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل # فأم الذي أمنت آمنة الردى ... وأم الذي أوعدت بالثكل ثاكل # وقول أبي العتاهية في مدح الهادي: # يضطرب الخوف والرجاء إذا ... حرك موسى القضيب أو فكرا # وكذلك قول الحزين الكناني في عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وقد وفد ~~عليه بمصر، ويروي للفرزدق في علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنهم، وقيل: بل قالها فيه اللعين المنقري، وقيل: بل الأبيات ~~لداود بن سلم في قثم بن العباس بن عبد الله بن العباس: # في كفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم # يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم # اجتمع الشعراء بباب المعتصم فبعث إليهم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل ~~منصور النميري في أمير المؤمنين الرشيد: # إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع # إذا رفعت أمرا فالله رافعه ... ومن وضعت من الأقوام متضع # من لم يكن بأمين الله معتصما ... فليس بالصلوات الخمس بنتفع # إن أخلف الغيث لم تخلف أنامله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع # فليدخل، فقال محمد بن وهب: فينا من يقول خيرا منه، وأنشد: # ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر # يحكى أفاعيله في كل نائلة ... الغيث والليث والصمصامة الذكر # فأمر بإدخاله وأحسن صلته. # قالوا: لما حضرت الحطيئة الوفاة قال: أبلغوا الأنصار أن أخاهم أمدح الناس ~~حيث يقول: # يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل # قال ثعلب: بل قول الأعشى: # فتى لو يباري الشمس ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقى المفالدا # أمدح منه. # وقال أبو عمرو بن العلاء: بل بيت جرير: # ألستم ms295 خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح # أسير ما قيل في المدح وأسهله. # وقال غيره: بل قول الأخطل: # شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا # وقال دعبل: بل قول أبي الطمحان القيني: # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم العقد ثاقبه # قال: وقد تنازع في هذا البيت يعني بيت أبي الطمحان قوم، وفي بيت حسان في ~~آل جفنة، وبيت النابغة: # فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # وبيت أبي الطمحان أشعرها. # قال الحاتمي: بل بيت زهير: # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله PageV01P156 وحكى ~~علي بن هارون عن أبيه أنه قال: أجمع أهل العلم على أن بيتي أبي نواس أجود ~~ما للمولدين في المدح، وهما قوله: # أنت الذي تأخذ الأيدي بحجزته ... إذا الزمان على أبنائه كلحا # وكلت بالدهر عينا غير غافلة ... من جود كفك تأسو كل ما جرحا # روى الحاتمي عن محمد بن عبد الواحد عن أحمد بن يحيى قال: سمعت ابن ~~الأعرابي يقول: أمدح بيت قاله مولد قول أبي نواس: # تغطيت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني # فلو تسأل الأحداث عني ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني # قال صاحب الكتاب: نحن إلى الإنصاف أحوج منا إلى المكابرة والخلاف، أبو ~~نواس ذهب مذهبا لطيفا يخرج له فيه العذر والتأويل، وإلا فما في صفة الخمول ~~أشد مما وصف، لا سيما على رواية من روى: فلو تسأل الأيام عني ومن جيد ما ~~سمعته لمحدث وأظنه لابن الرومي في عبيد الله بن سليمان بن وهب، ورأيت من ~~يرويه لأبي الحسين أحمد بن محمد الكاتب : # إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر # ولو أضاءت لنا أنوار غرته ... تضاءل النيران: الشمس والقمر # وإن مضى رأيه أو حد عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر # من لم يبت حذرا من خوف سطوته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر # ينال بالظن ما يعيا العيان به ... والشاهدان عليه العين والأثر # كأنه ms296 وزمام الدهر في يده ... يرى عواقب ما يأتي وما يذر # وقال خلف الأحمر: أغلب المدح أكثره ملقا كقول زهير: # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله # أخو ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله # غدوت عليه غدوة فوجدته ... قعودا لديه بالصريم عواذله # يفدينه طورا، وطورا يلمنه ... وأعيى فما يدرين أين مخاتله # فأعرضن منه عن كريم مرزإ ... عزوم على الأمر الذي هو فاعله # وقال طفيل الغنوي: # جزى الله عنا جعفرا حين أزلفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت # أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لا قوة منا لملت # وقال الأصمعي: أخلب الشعر قول حمزة بن بيض: # تقول لي والعيون هاجعة: ... أقم علينا يوما، فلم أقم # أي الوجوه انتجعت؟ قلت لها: ... لا أي وجه إلا إلى الحكم # متى يقل حاجبا سرداقه ... هذا ابن بيض بالباب يبتسم # قد كنت أسلمت فيك مقتبلا ... فهات إذ حل أعطني سلمي # وسأل الرشيد المفضل الضبي: أي بيت قالته العرب أمدح؟ فقال: # أغر أبلج تأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار # هكذا روايته فيه. # قال شرحبيل بن معن بن زائدة: كنت أسير تحت قبة يحيى بن خالد، وقد حج مع ~~الرشيد، وعديله أبو يوسف القاضي، إذ أتاه أعرابي من بني أسد كان يلقاه إذا ~~حج فيمدحه، فأنشده شعرا أنكر يحيى منه بيتا فقال: يا أخا بني أسد، ألم أنهك ~~عن مثل هذا الشعر؟ ألا قلت كما قال الشاعر: # بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل # هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل # بها ليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أول # هم القوم إن قالوا أصابوا، وأن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أطابوا ~~وأجزلوا # ولا يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا # فقال أبو يوسف: لمن هذا الشعر أصلحك الله فما سمعت أحسن منه؟ فقال يحيى: ~~يقوله ابن أبي حفصة في أبي هذا الفتى، وأوما إلي، فكان قوله أسر إلى من ~~جليل ms297 الفوائد، ثم التقت إلي وقال: يا شرحبيل، أنشدني أجود ما قاله ابن أبي ~~حفصة في أبيك، فأنشدته: # نعم المناخ لراغب ولراهب ... ممن تصيب جوائح الأزمان PageV01P157 معن بن ~~زائدة الذي زيدت به ... شرفا على شرف بنو شيبان # إن عد أيام اللقاء فإنما ... يوماه يوم ندى ويوم طعان # يكسو الأسرة والمنابر بهجة ... ويزينها بجهارة وبيان # تمضي أسنته ويسفر وجهه ... في الحرب عند تغير الألوان # نفسي فداك أبا الوليد إذا بدا ... رهج السنابك والرماح دواني # فقال يحيى: أنت لا تدري جيد ما مدح به أبوك، أجود من هذا قوله: # تشابه يوماه علينا فأشكلا ... فلا نحن ندري أي يوميه أفضل # أيوم نداه الغمر، أم يوم بأسه؟ ... وما منهما إلا أغر محجل # ومما اخذ الكميت قوله يمدح النبي صلى الله عليه وسلم: # فاعتتب القول من فؤادي والش ... عر إلى من إليه معتتب # إلى السراج المنير أحمد لا ... يعدلني رغبة ولا رهب # عنه إلى غيره ولو رفع الن ... اس إلى العيون وارتقبوا # وقيل: أفرطت، بل تقصدت، ولو ... عنفني القائلون أو ثلبوا # إليك يا خير من تضمنت ال ... أرض ولو عاب قولي العيب # لج بتفضيلك اللسان ولو ... أكثر فيك الضجاج والصخب # قالوا: من هذا الذي يقول في مدح النبي صلى الله عليه وسلم أفرطت، أو ~~يعنفه، أو يثلبه، أو يعيبه، حتى يكثر الضجاج والصخب؟!! وهذا كله خطأ منه، ~~وجهل بمواقع المدح، وقال من احتج له: لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وإنما أراد عليا رضي الله عنه، فورى عنه بذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~خوفا من بني أمية. # ومن الشعراء من ينقل المديح عن رجل إلى رجل، وكان ذلك دأب البحتري، وفعله ~~أبو تمام في قصائد معدودة؛ منها: قدك أتئب أربيت في الغلواء نقلها عن يحيى ~~بن ثابت إلى محمد بن حسان، فأما الذي قال: " هن بنياتي أنكحهن من شئت " فهو ~~معذور إن لم يثب، فأما إن أثيب فذلك منه قلة وفاء، وفرط خيانة. # باب الافتخار # والإفتخار هو المدح نفسه، إلا أن الشاعر يخص به ms298 نفسه وقومه، وكل ما حسن ~~في المدح حسن في الافتخار، وكل ما قبح فيه قبح في الافتخار؛ فمن أبيات ~~الافتخار قول الفرزدق: # إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول # قال أحمد بن يحيى: أفخر بيت قالته العرب قول امرئ القيس: # ما ينكر الناس منا حين نملكهم ... كانوا عبيدا وكنا نحن أربابا؟ # وقال دعبل بن علي: أفخر الشعر قول كعب بن مالك: # وببئر بدر إذ يرد وجوههم ... جبريل تحت لوائنا، محمد # وقال الحاتمي: قول الفرزدق: # ترى الناس إن سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا # قال: ويتلوه قول جرير: # إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا # وقال آخرون: بل بيت الفرزدق: # ونحن إذا عدت معد قديمها ... مكان النواصي من وجوه السوابق # وقال غيرهم: بل قوله لجرير: # وإذا نظرت رأيت فوقك دارما ... والشمس حيث تقطع الأبصارا # وقيل: بل قول ابن ميادة واسمه الرماح بن أبرد : # ولو أن قيسا قيس عيلان أقسمت ... على الشمس لم يطلع عليك حجابها # وأفخر بيت صنعه محدث عندهم بشار: # إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما # إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة ... ذرا منبر صلى علينا وسلما # ويروى: هتكنا سماء الله أو مطرت دما ومن جيد الافتخار قول بكر بن النطاح ~~الحنفي: # ومن يفتقر منا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسأل # ونحن وصفنا دون كل قبيلة ... ببأس شديد في الكتاب المنزل # وإنا لنلهو بالحروب كما لهت ... فتاة بعقد أو سخاب قرنفل # يعني قول الله عز وجل: " قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس ~~شديد " فدعوا في خلافة أبي بكر إلى قتال أهل الردة من بني حنيفة، وبسبب هذا ~~الشعر وأشباهه طلبه الرشيد طلب، وقال: PageV01P158 كيف يفتخر على مضر ومنهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خير البشر؟ فهذا افتخار بالشجاعة خاصة. # وممن افتخر بالكثرة أوس بن مغراء قال: # ما تطلع الشمس إلا عند أولنا ... ولا تغيب إلا عند أخرانا # وقد أنكر قدامة أن ms299 يمدح الإنسان بآبائه دون أن يكون ممدوحا بنفسه؛ لأن ~~كثيرا من الناس لا يكونون كآبائهم، والذي ذهب إليه حسن. # وأنكر الجرجاني على أبي الطيب قوله: # ما بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي # وإنما أخذه من قول علي بن جبلة حيث يقول: # وما سودت عجلا مآثر غيرهم ... ولكن بهم سادت على غيرهم عجل # قال: وهذا معنى سوء يقصر بالممدوح، ويغض من حسبه، ويحقر من شأن سلفه، ~~وإنما طريفة المدح يشرف بآبائه، والآباء تزداد شرفا به؛ فجعل لكل واحد منهم ~~حظا في الفخر وفي المدح نصيبا، وإذا حصلت الحقائق كان النصيبان مقسومين، بل ~~كان الكل خالصا لكل فريق منهم؛ لأن شرف الوالد جزء من ميراثه، ومنتقل إلى ~~ولده كانتقال ماله، فإن رعى وحرس ثبت وازداد، وإن أهمل وضيع هلك وباد. ~~وكذلك شرف الوالد يعم القبيلة، وللولد منه القسم الأوفر، والحظ الأكبر. # قال صاحب الكتاب: والذي يقع عليه الاختيار عندي ما ناسب قول المتوكل ~~الليثي: # إنا وإن أحسابنا كرمت ... لسنا على الأحساب نتكل # نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا # وقول عامر بن الطفيل الجعفري: # فإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل موكب # فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # ومن أفخر ما قال المولدون قول إبراهيم الموصلي يفتخر بولائه من خزيمة بن ~~حازم النهشلي: # إذا مضر الحمراء كانت أرومتي ... وقام بمجدي حازم وابن حازم # عطست بأنفي شامخا وتناولت ... يداي الثريا قاعدا غير قائم # ومن قول السيد أبي الحسن يفخر بقومه بني شيبان: # يا آل شيبان لا غارت نجومكم ... ولا خبت ناركم من بعد توقيد # لأنتم دعائم هذا الملك مذ ركضت ... قبل الخيول لإبرام وتوكيد # المنعمون إذا ما أزمة أزمت ... والواهبون عتيقات المزاويد # سيوفكم أفقدت كسرى مرازبه ... في يوم ذي قار إذ جاؤا لموعود # وهذا هو الفخر الحلال غير المدعى فيه ولا المنتحل. # ومما عابه الأصمعي وغيره قول عامر بن معشر بن أسحم يصف أسيرا أسروه: # فظل يخالس المذقات فينا ms300 ... يقاد كأنه جمل ربيق # وذلك بأنه وصف أسيرهم بأنه جائع يخالس القليل الممذوق من اللبن، وإنما ~~ذلك من الجهد. # ومن أجود قصيدة افتخر فيها شاعر قصيدة السموأل بن عادياء اليهودي فإنها ~~جمعت ضروب الممادح وأنواع المفاخر، وهي مشهورة. # باب الرثاء # وليس بين الرثاء والمدح فرق؛ إلا أنه يخلط بالرثاء شيء يدل على أن ~~المقصود به ميت مثل " كان " أو " عدمنا به كيت وكيت " وما يشاكل هذا وليعلم ~~أنه ميت. # وسبيل الرثاء أن يكون ظاهر التفجع، بين الحسرة، مخلوطا بالتلهف والأسف ~~والاستعظام، إن كان الميت ملكا أو رئيسا كبيرا، كما قال النابغة في حصن بن ~~حذيفة بن بدر: # يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... وكيف بحصن والجبال جنوح # ولم تلفظ الموتى القبور، ولم تزل ... نجوم السماء، والأديم صحيح # فعما قليل ثم جاء نعيه ... فظل ندي الحي وهو ينوح # فهذا وما شاكله رثاء الملوك والرؤساء الجلة، وإلى هذا المعنى ذهب أبو ~~العتاهية حين قال: مات الخليفة أيها الثقلان فرفع الناس رؤوسهم، وفتحوا ~~عيونهم، وقالوا: نعاه إلى الجن والإنس، ثم أدركه اللين والفترة فقال: ~~فكأنني أفطرت في رمضان يريد: إني بمجاهرتي بهذا القول كأنما جاهرت بالإفطار ~~في رمضان نهارا وكل أحد ينكر ذلك علي، ويستعظمه من فعلي، وهذا معنى جيد ~~غريب في لفظ رديء غير معرب عما في النفس. # ومن أفضل الرثاء قول حسين بن مطير يرثي معن بن زائدة، ويروي لابن أبي ~~حفصة: # فيا قبر معن، كنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة مضجعا PageV01P159 ~~ويا قبر معن، كيف واريت جوده؟ ... وقد كان منه البر والبحر مترعا # بلى وقد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدعا # فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا # وما قصر أبو تمام في رثائه محمد بن حميد بالقصيدة التي يقول فيها: # ألا في سبيل الله من عطلت له ... فجاج سبيل الثغر وانثغر الثغر # فتى كلما فاضت عيون قبيلة ... دما ضحكت عنه الأحاديث والنشر # وما مات حتى مات مضرب سيفه ... من الضرب ms301 واعتلت عليه القنا السمر # فتى مات بين الطعن والضرب ميتة ... تقوم مقام النصر إذ فاته النصر # وقد كان فوت الموت سهلا فرده ... إليه الحفاظ المر والخلق الوعر # ونفس تخاف العار حتى كأنما ... هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر # فأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر # وقد أجاد أيضا في القصيدة التي رثى بها إدريس بن بدر السامي يقول فيها: # ولم أنس سعي الجود خلف سريره ... بأكسف بال يستقل ويظلع # وتكبيره خمسا عليه معالنا ... وإن كان تكبير المصلين أربع # وما كنت أدري يعلم الله قبلها ... بأن الندى في أهله يتشيع # وليس في ابتداءات المرائي المولدة مثل قوله: # أصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا # يرثي بها محمد بن حميد، وجعل خاتمها: # فإن أترم عن عمر تدانى به المدى ... فخانك حتى لم تجد عنه منزعا # فما كنت إلا السيف لاقى ضريبة ... فقطعها ثم انثنى فتقطعا # وأبو تمام من المعدودين في إجادة الرثاء، ومثله عبد السلام بن رغبان ديك ~~الجن، وهو أشهر في هذا من حبيب، وله فيه طريق انفرد بها، وذلك أنه قتل ~~جاريته واتهم بها أخاه، ثم قال يرثيها: # يا مهجة جثم الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الردى بيديها # رويت من دمها التراب، وربما ... روى الهوى شفتي من شفتيها # حكمت سيفي في مجال خناقها ... ومدامعي تجري على خديها # فوحق نعليها لما وطئ الحصى ... شيء أعز علي من نعليها # ما كان قتليها لأني لم أكن ... أخشى إذا سقط الغبار عليها # لكن بخلت على الأنام بحسنها ... وأنفت من نظر العيون إليها # وقال أيضا فيها على بعض الروايات: # أشفقت أن يرد الزمان بغدره ... أو أبتلى بعد الوصال بهجره # فقتلته، وله علي كرامة ... ملء الحشا، وله الفؤاد بأسره # قمر أنا استخرجته من دجنه ... لبليتي وزففته من خدره # عهدي به ميتا كأحسن نائم ... والحزن ينحر دمعتي في نحره # الذي أعرف " ينحر مقلتي " وهو أصح استعارة. # لو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحي منه بكى له في قبره ms302 # غصص تكاد تفيض منها نفسه ... ويكاد يخرج قلبه من صدره # والرواية الأخرى أن المتهم بالجارية غلام كان يهواه قتله أيضا، فصنع فيه ~~هذه الأبيات، فصنعت فيه أخت الغلام: # يا ويح ديك الجن، بل تبا له ... ماذا تضمن صدره من غدره # قتل الذي يهوى وعمر بعده ... يا رب لا تمدد له في عمره # ويكون الرثاء مجملا كالمدح المجمل فيقع حسنا لطيفا: كقول ابن المعتز في ~~المعتضد: # قضوا ما قضوا من أمره ثم قدموا ... إماما إمام الخير بين يديه # وصلوا عليه خاشعين كأنهم ... صفوف قيام للسلام عليه # وقال في عبيد الله بن سليمان بن وهب: # قد استوى الناس ومات الكمال ... وصاح صرف الدهر: أين الرجال! # هذا أبو العباس في نعشه ... قوموا انظروا كيف تسير الجبال # يا ناصر الملك بآرائه ... بعدك للملك ليال طوال # وذكر غير واحد أن أراتي بيت قيل: PageV01P160 أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ~~... فطيب تراب القبر دل على القبر. # ومن عادة القدماء أن يضربوا الأمثال في المرائي بالملوك الأعزة، والأمم ~~السالفة، والوعول الممتنعة في قلل الجبال، والأسود الخادرة في الغياض، ~~وبحمر الوحش المتصرفة بين القفار، والنسور، والعقبان، والحيات؛ لبأسها وطول ~~أعمارها، وذلك في أشعارهم كثير موجود لا يكاد يخلو منه شعر. # قال أبو علي: فأما المحدثون فهم على غير هذه الطريقة أميل، ومذهبهم في ~~الرثاء أمثل، في هذا وقبله، وربما جروا على سنن من قبلهم إقتداء بهم وأخذا ~~بسنتهم كالذي صنع أبو أيوب في رثائه أبا البيداء الأعرابي وخلف بن حيان ~~الأحمر ومرائيه فيهما وقافية مشهورات: إحداهن قوله: # لا تئل العصم في الهضاب ولا ... شغواء تغذو فرخين في لجف # والثانية قوله: لو كان حي وائلا من التلف والثالثة قوله في أبي البيداء: # هل مخطئ يومه عفر بشاهقة ... ترعى بأخيافها شثا وطباقا # وكما صنع ابن المعتز يرثي أباه بالقصيدة اللامية المقيدة في الرمل: # رب حتف بين أثناء الأمل ... وحياة المرء ظل منتقل # وهي أيضا معروفة، ولولا اشتهار هذه القصائد، ووجودها، وخيفة التطويل بها؛ ~~لأثبتها في هذا الموضع. # وليس من عادة الشعراء ms303 أن يقدموا قبل الرثاء نسيبا كما يصنعون ذلك في ~~المدح والهجاء، وقال ابن الكلبي وكان علامة : لا أعلم مرثية أولها نسيب إلا ~~قصيدة دريد بن الصمة: # أرث جديد الحبل من أم معبد ... بعافية وأخلفت كل موعد؟ # وعن علي بن سليمان، عن أبي العباس الأحول، وأن القصيدة التي لأبي قحافة ~~أعشى باهلة، إنما هي لابنة المنتشر، واسمها الدعجاء. # قال: وقال علي بن سليمان: حدثني أبي أن أولها. # هاج الفؤاد على عرفانه الذكر ... وذكر خود على الأيام ما يذر # قد كنت أذكرها والدار جامعة ... والدهر فيه هلاك الناس والشجر # هكذا أنشده النحاس والذي أعرف " وذكر ميت " وأعرف أيضا " والدهر فيه هلاك ~~الناس والغير " كذلك أنشدنيه الموصلي في الأغاني، ثم عطف النحاس فقال: هذان ~~البيتان لا يعرفان في أول هذه القصيدة؛ ومما يزيد الاسترابة بهما أن ~~المتعارف عند أهل اللغة أنه ليس للعرب في الجاهلية مرثية أولها تشبيب إلا ~~قصيدة دريد، وأنا أقول: إنه الواجب في الجاهلية والإسلام، وإلى وقتنا هذا، ~~ومن بعده؛ لأن الآخذ في الرثاء يجب أن يكون مشغولا عن التشبيب بما هو فيه ~~من الحسرة والاهتمام بالمصيبة؛ وإنما تغزل دريد بعد قتل أخيه بسنة، وحين ~~أخذ ثأره، وأدرك طلبته. وربما قال الشاعر في مقدمة الرثاء " تركت كذا " أو ~~" كبرت عن كذا " وهو في ذلك كله يتغزل ويصف أحوال النساء، وكان الكميت ~~ركابا لهذه الطريقة في أكثر شعره؛ فأما ابن مقبل فمن جفاء أعرابيته أنه رثى ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه بقصيدة حسنة أتى فيها على ما في النفس، ثم عطف ~~وقال: # فدع ذا، ولكن علقت حبل عاشق ... لإحدى شعاب الحين والقتل أريب # ولم تنسني قتلى قريش ظعائنا ... تحملن حتى كادت الشمس تغرب # يطفن بغريد يعلل ذا الصبا ... إذا رام أركوب الغواية أركب # من الهيف مبدان ترى نطفاتها ... بمهلكة أخراصهن تذبذب # والنسيب في أول القصيدة على مذهب دريد خير مما ختم به هذا الجلف، على ~~تقدمه في الصناعة، إلا أن تكون الرواية " ظعائن " بالرفع. # ومما عيب على الكميت في الرثاء ms304 قوله في ذكر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # وبورك قبر أنت فيه، وبوركت ... به وله أهل بذلك يثرب # لقد غيبوا برا وحزما ونائلا ... عشية واراه الضريح المنصب # حكاه الجاحظ وغيره، وأظن أن المراد بما عيب الثاني من هذين البيتين، فأما ~~الأول فجيد. # ومن العجب أن يقول عبدة بن الطيب في تأبين قيس بن عاصم: # عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما # تحية من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلما # فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما PageV01P161 ويقول ~~الكميت في تأبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول، فهلا قال مثل قول ~~فاطمة رضي الله عنها: # اغبر آفاق السماء وكورت ... شمس النهار وأظلم العصران # فالأرض من بعد النبي كئيبة ... أسفا عليه كثيرة الرجفان # فليبكه شرق البلاد وغربها ... وليبكه مضر وكل يماني # وليبكه الطود المعظم جوه ... والبيت ذو الأستار والأركان # يا خاتم الرسل المبارك صنوه ... صلى عليك منزل القرآن # صلى الله عليه وسلم، ورحم وكرم وعظم. # والنساء أشجى الناس قلوبا عند المصيبة، وأشدهم جزعا على هالك؛ لما ركب ~~الله عز وجل في طبعهن من الخور وضعف العزيمة. # وعلى شدة الجزع يبنى الرثاء، كما قال أبو تمام: # لولا التفجع لادعى هضب الحمى ... وصفا المشقر أنه محزون # فانظر إلى قول جليلة بنت مرة ترثي زوجها كليبا، حين قتله أخوها جساس، ما ~~أشجى لفظها، وأظهر الفجيعة فيه!! وكيف يثير كوامن الأشجان، ويقدح شرر ~~النيران، وذلك: # يا ابنة الأقوام إن لمت فلا ... تعجلي باللوم حتى تسألي # فإذا أنت تبينت التي ... عندها اللوم فلومي واعذلي # إن تكن أخت امرئ ليمت على ... جزع منها عليه فافعلي # فعل جساس على ضني به ... قاطع ظهري ومدن أجلي # لو بعين فديت عيني سوى ... أختها وانفقأت لم أحفل # تحمل العين قذى العين كما ... تحمل الأم قذى ما تفتلي # إنني قاتلة مقتولة ... فلعل الله أن يرتاح لي # يا قتيلا قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعا من عل # ورماني فقده من كثب ms305 ... رمية المصمى به المستأصل # هدم البيت الذي استحدثته ... وسعى في هدم بيتي الأول # مسني فقد كليب بلظى ... من ورائي ولظى مستقبلي # ليس من يبكي ليومين كمن ... إنما يبكي ليوم ينجلي # درك الثائر شافيه وفي ... دركي ثأري ثكل المثكل # ليته كان دمى فاحتلبوا ... دررا منه دمى من أكحلي # ومن أشد الرثاء صعوبة على الشاعر أن يرثي طفلا أو امرأة؛ لضيق الكلام ~~عليه فيهما، وقلة الصفات، ألا ترى ما صنعوا بأبي الطيب وهو فحل مجود إذا ~~ذكر المحدثون في قوله يذكر أم سيف الدولة: # صلاة الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفن بالجمال # فقالوا: ماله ولهذه العجوز يصف جمالها؟ وقال الصاحب بن عباد: استعارة ~~حداد في عرس، فان كان أراد بالاستعارة الحنوط فقد والله ظلم وتعسف، وإن كان ~~أراد استعارة الكفن بجمال العجوز فقد اعترض في موضع اعتراض إلى مواضع كثيرة ~~في هذه القصيدة، على أن فيهما ما يمحو كل زلة، ويعفى على كل إساءة قال ~~الصاحب بن عباد: ولقد مررت على مرثية له في أم سيف الدولة تدل مع فساد الحس ~~على سوء أدب النفس، وما ظنك بمن يخاطب ملكا في أمه بقوله: # رواق العز فوقك مسبطر ... وملك علي ابنك في كمال # ولغل لفظة الاسبطرار في مراثي النساء من الخذلان الصفيق الرقيق، وأنا ~~أقول: إن أشد ما هجن هذه اللفظة وجعلها مقام قصيدة هجاء أنه قرنها بفوقك؛ ~~فجاء عملا تاما لم يبق فيه الإفضاء. # ومن صعب الرثاء أيضا جمع تعزية وتهنئة في موضع، قالوا: لما مات معاوية ~~اجتمع الناس بباب يزيد، فلم يقدر أحد على الجمع بين التهنئة والتعزية، حتى ~~أتى عبيد الله بن همام السلولي فدخل فقال: يا أمير المؤمنين، آجرك الله على ~~الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعية، فقد رزئت عظيما، وأعطيت ~~جسيما، فاشكر الله على ما أعطيت، واصبر على ما رزئت، فقد فقدت خليفة الله، ~~وأعطيت خلافة الله، ففارقت جليلا، ووهبت جزبلا؛ إذ قضى معاوية نحبه، ووليت ~~الرياسة، وأعطيت السياسة، فأورده الله موارد السرور، ووفقك لصالح الأمور. ms306 # فاصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة ... واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا # لا رزء أصبح في الأقوام نعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا PageV01P162 ~~أصبحت والي أمر الناس كلهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا # وفي معاوية الباقي لنا خلف ... إذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا # ففتح للناس باب القول. # وعلى هذا السنن جرى الشعراء بعده؛ فقال أبو نواس يعزي الفضل بن الربيع عن ~~الرشيد، ويهنئه بالأمين: # تعز أبا العباس عن خير هالك ... بأكرم حي كان أو هو كائن # حوادث أيام تدور صروفها ... لهن مساو مرة ومحاسن # وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا الملك مغبون ولا الموت غابن # ويروى: فلا أنت مغبون واتبعه أبو تمام بالقصيدة التي أولها: ما للدموع ~~تروم كل مرام يقولها للواثق بعد موت المعتصم، صرف الكلام فيها كيف شاء، ~~وأطنب كما أراد، واحتج فيها فأسهب، وتقدم فيها على كل من سلك هذه الناحية ~~من الشعراء، وأراد ابن الزيات مجاراته فعلم من نفسه التقصير فاقتصر على ~~قوله: # قد قلت إذ غيبوك واصطفقت ... عليك أيد بالترب والطين # اذهب فنعم المعين كنت على الد ... نيا ونعم الظهير للدين # لن يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون # ومن جيد ما رثي به النساء وأشجاه وأشده تأثيرا في القلب وإثارة للحزن قول ~~محمد بن عبد الملك هذا في أم ولده: # ألا من رأى الطفل المفارق أمه ... بعيد الكرى عيناه تبتدران # رأى كل أم وابنها غير أمه ... يبيتان تحت الليل ينتجيان # وبات وحيدا في الفراش تحثه ... بلابل قلب دائم الخفقان # يقول فيها بعد أبيات: # ألا إن سجلا واحدا قد أرقته ... من الدمع أو سجلين قد شفياني # فلا تلحياني إن بكيت؛ فإنما ... أداوي بهذا الدمع ما تريان # وإن مكانا في الثرى خط لحده ... لمن كان في قلبي بكل مكان # أحق مكان بالزيارة والهوى ... فهل أنتما إن عجت منتظران # ومن أشجى الشعر رثاء قوله في هذه القصيدة: # فهبني عزمت الصبر عنها لأنني ... جليد، فمن بالصبر لابن ثمان؟؟ # ضعيف القوى لا يعرف الأجر حسبة ... ولا يأتسى بالناس في ms307 الحدثان # ألا من أمنيه المنى فأعده ... لعثرة أيامي وصرف زماني # ألا من إذا ما جئت أكرم مجلسي ... وإن غبت عنه حاطني ورعاني # فلم أر كالأقدار كيف تصيبني ... ولا مثل هذا الدهر كيف رماني # فهذه الطريق هي الغاية التي يجري حذاق الشعر إليها، ويعتمدون في الرثاء ~~عليها، ما لم تكن المرئية من نساء الملوك، وبنات الأشراف، وغير ذوات محارم ~~الأشعار؛ فإنه يتجافى عن هذه الطريقة إلى أرفع منها، نحو قول أبي الطيب: # ولو أن النساء كمن فقدنا ... لفضلت النساء على الرجال # وقوله في هذه القصيدة: # مشى الأمراء حوليها حفاة ... كأن المرو من زف الرئال # ونحو قوله لأخت سيف الدولة: # يا أخت خير أخ، يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أشرف النسب # أجل قدرك أن تدعي مؤنثة ... ومن يصفك فقد سماك للعرب # ورثاء الأطفال أن يذكر مخايلهم، وما كانت الفراسة تعطيه فيهم، مع تحزن ~~لمصابهم، وتفجع بهم، كالذي صنع أبو تمام في ابني عبد الله بن طاهر. # باب الاقتضاء والاستنجاز # حسب الشاعر أن يكون مدحه شريفا، واقتضاؤه لطيفا، وهجاؤه إن هجا عفيفا؛ ~~فإن الاقتضاء الخشن ربما كان سبب المنع والحرمان، وداعية القطيعة والهجران، ~~وقوم يدرجون العتاب في الاقتضاء، والاقتضاء في العتاب، وأنا أرى غير هذا ~~المذهب أصوب؛ فالاقتضاء طلب حاجة، وباب التلطيف فيه أجود؛ فإن بلغ الأمر ~~العتاب فإنما هو طلب الإبقاء على المودة والمراعاة، وفيه توبيخ ومعارضة لا ~~يجوز معها بعد الاقتضاء، إلا أن الناس خلطوا هذين البابين، وساووا بينهما. # فمن أحسن الاقتضاء على ما تخيرته، ونحوت إليه قول أمية بن أبي الصلت لعبد ~~الله بن جدعان: # أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك؟ إن شيمتك الحياء # وعلمك بالحقوق وأنت فرع ... لك الحسب المهذب والسناء PageV01P163 خليل لا ~~يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء # فأرضك كل مكرمة بنتها ... بنو تيم وأنت لها سماء # إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء # تباري الريح مكرمة وجودا ... إذا ما الكلب أجحره الشتاء # فأنت ترى هذا الاقتضاء كيف يلين الصخر، ويستنزل القطر، ويحط ms308 العصم إلى ~~السهل؟؟ ومثله قول الآخر: # لأشكرنك معروفا هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف # ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف # وأما ما ناسب قول محمد بن يزيد الأموي لعيسى بن فرخان شاه؛ إذ يقول له ~~مستبطئا: # أبا موسى، سقى أرض ... ك دان مسبل القطر # وزاد الله في قدر ... ك ما أخملت من قدري # لقد كنت أرجيك ... لما أخشى من الدهر # فقد أصبحت من أوك ... د أسبابي إلى الفقر # أترضى لي بأن أرضى ... بتقصيرك في أمري؟ # وقد أفنيت ما أفني ... ت في شكرك من عمري # مواعيد كما أخبت ... سراب المهمه القفر # فمن يوم إلى يوم ... ومن شهر إلى شهر # فلم أحصل على قيم ... ة ما قلمت من ظفري # لعل الله أن يصن ... ع لي من حيث لا أدري # فألقاك بلا شكر ... وتلقاني بلا عذر # ولا أرجوك في الحالي ... ن لا العسر ولا اليسر # فهذا هو العتاب الممض، والتوبيخ الذي دونه الجلد بالسوط، بل بالسيف!! ~~ومما صنعته في العتاب على هذا الشكل بعد اليأس المستحكم على ما شرطته: # رجوتك للأمر المهم وفي يدي ... بقايا أمني النفس فيها الأمانيا # فساوفت بي الأيام حتى إذا انقضت ... أواخر ما عندي قطعت رجائيا # وكنت كأني نازف البئر طالبا ... لإجمامها أو يرجع الماء طافيا # فلا هو أبقى ما أصاب لنفسه ... ولا هي أعطته الذي كان راجيا # ومن أملح ما رأيته في الاقتضاء والاستبطاء قول أبي العتاهية لعمر بن ~~العلاء وابن المعتز يسمي هذا النوع مزحا يراد به الجد، وهو: # أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنشر # سنرقيك بالأشعار حتى تملها ... فإن لم نفق منها رقيناك بالسور # وكنت أنا صنعت في استبطاء: # أحسنت في تأخيرها منة ... لو لم تؤخر لم تكن كامله # وكيف لا يحسن تأخيرها ... بعد يقيني أنها حاصله؟؟ # وجنة الفردوس يدعى بها ... آجلة للمرء لا عاجله # لكنما أضعف من همتي ... أيام عمر دونها زائله # والعتاب أوسع حدا من الاقتضاء؛ لأنه يكون مثله بسبب الحاجات، وقد يكون ~~بسبب غيرها ms309 كثيرا، والاقتضاء لا يكون إلا في حاجة. # باب العتاب # العتاب وإن كان حياة المودة، وشاهد الوفاء فإنه باب من أبواب الخديعة، ~~يسرع إلى الهجاء، وسبب وكيد من أسباب القطيعة والجفاء، فإذا قل كل داعية ~~الألفة، وقيد الصحبة، وإذا كثر خشن جانبه، وثقل صاحبه. # وللعتاب طرائق كثيرة، وللناس فيه ضروب مختلفة؛ فمنه ما يمازجه الاستعطاف ~~والاستئلاف، ومنه ما يدخله الاحتجاج والانتصاف، وقد يعرض فيه المن ~~والإجحاف، مثل ما يشركه الاعتذار والاعتراف. # وأحسن الناس طريقا في عتاب الأشراف شيخ الصناعة وسيد الجماعة أبو عبادة ~~البحتري الذي يقول: # يريبني الشيء تأتي به ... وأكبر قدرك أن أستريبا # وأكره أن أتمادى على ... سبيل اغترار فألقى شعوبا # أكذب ظني بأن قد سخطت ... وما كنت أعهد ظني كذوبا # ولو لم تكن ساخطا لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا # ولا بد من لومة أنتحي ... عليك بها مخطئا أو مصيبا # أيصبح وردي في ساحتي ... ك طرقا ومرعاي محلا جديبا؟! # أبيع الأحبة بيع السوام ... وآسى عليهم حبيبا حبيبا PageV01P164 ففي كل ~~يوم لنا موقف ... يشقق فيه الوداع الجيوبا # وما كان سخطك إلا الفراق ... أفاض الدموع وأشجى القلوبا # ولو كنت أعلم ذنبا لما ... تخالجني الشك في أن أتوبا # سأصبر حتى ألاقي رضا ... ك إما بعيدا وإما قريبا # أراقب رأيك حتى يصح ... وأنظر عطفك حتى يؤوبا # والذي يقول أيضا: # وأصيد إن نازعته اللحظ رده ... كليلا، وإن راجعته القول جمجما # ثناه العدى عني فأصبح معرضا ... وأوهمه الواشون حتى توهما # وقد كان سهلا واضحا فتوعرت ... رباه وطلقا ضاحكا فتجهما # أمتخذ عندي الإساءة محسن ... ومنتقم مني امرؤ كان منعما؟ # ومكتسب في الملامة ما جد ... يرى الحمد غنما والملامة مغرما # يخوفني من سوء رأيك معشر ... ولا خوف إلا أن تجوز وتظلما # أعيذك أن أخشاك من غير حادث ... تبين أو جرم إليك تقدما # ألست الموالي فيك غر قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما # ثناء كأن الروض فيه منور ... ضحا، وكأن الوشى فيه منمنما # ولو أنني وقرت شعري وقاره ... وأجللت مدحي فيك أن يتهضما # لأكبرت أن أومي إليك ms310 بأصبع ... تضرع أو أدنى لمعذرة فما # وكان الذي يأتي به الدهر هينا ... علي ولو كان الحمام المقدما # ولكنني أعلي محلي أن أرى ... مدلا وأستحييك أن أتعظما # فهذا عتاب كما قال: # عتاب بأطراف القوافي كأنه ... طعان بأطراف القنا المتكسر # وقد نحوت أنا هذا النحو في كلمة عاتبت بها القاضي جعفر بن عبد الله ~~الكوفي قلت فيها: # وقد كنت لا آتي إليك مخاتلا ... لديك، ولا أثني عليك تصنعا # ولكن رأيت المدح فيك فريضة ... علي إذا كان المديح تطوعا # فقمت بما لم يخف عنك مكانه ... من القول حتى ضاق مما توسعا # ولو غيرك الموسوم عني بريبة ... لأعطيت منها مدعي القول ما ادعى # فلا تتخالجك الظنون فإنها ... مآثم، واترك في للصنع موضعا # فوالله ما طولت باللوم فيكم ... لسانا، ولا عرضت للذم مسمعا # ولا مات عنكم بالوداد، ولا انطوت ... حبالي، ولا ولى ثنائي، مودعا # بلى ربما أكرمت نفسي فلم تهن ... وأجللتها عن أن تذل وتخضعا # ولم أرض بالحظ الزهيد، ولم أكن ... ثقيلا على الإخوان كلا مدفعا # فباينت لا أن العداوة باينت ... وقاطعت لا أن الوفاء تقطعا # ألوذ بأكناف الرجاء، وأتقي ... شمات العدا، إن لم أجد فيك مطمعا # ومن معاتبات أبي تمام قوله لابن عبد الملك الزيات: # لئن هممي أوجدنني في تقلبي ... مآلا لقد أفقدنني منك موئلا # وإن رمت أمرا مدبر الوجه إنني ... لأترك حظا في فنائك مقبلا # وإن كنت أخطو ساحة المحل إنني ... لأترك روضا من جداك وجدولا # كذلك لا يلقي المسافر رحله ... إلى منقل حتى يخلف منقلا # ولا صاحب التطواف يعمر منهلا ... وربعا إذا لم يخل ربعا ومنهلا # ومن ذا يداني أو ينائي؟ وهل فتى ... يحل عرى الترحال أو يترحلا؟ # فمرني بأمر أحوذي فإنني ... أرى الناس قد أثروا وأصبحت مرملا # فسيان عندي صادفوا لي مطعنا ... أعاب به أو صادفوا لي مقتلا # ومن قصيدة أخرى لأبي تمام: # تقطعت الأسباب إن لم تغرلها ... قوى أو يصلها من يمينك واصل # سوى مطلب ينضى الرجاء بطوله ... وتخلق إخلاق الجفون الوسائل # وقد تألف العين الدجى وهو قيدها ... ويرجى شفاء ms311 السم والسم قاتل ~~PageV01P165 ولي عدة تمضي العصور وإنها ... كعهدك من أيام مصر لحائل # سنون قطعناهن عشرا كأن ما ... قطعنا لقرب العهد منها مراحل # وإن جزيلات الصنائع لامرئ ... إذا ما لليالي ناكرته معاقل # وإن المعالي يسترم بناؤها ... سريعا، كما قد تسترم المنازل # ولو حاردت شوال عذرت لقاحها ... ولكن حرمت الدر والضرع حافل # منحتكها تشفي الجوى وهو لاعج ... وتبعث أشجان الفتى وهو ذاهل # ترد قوافيها إذا هي أرسلت ... هوامل مجد القوم وهي هوامل # وكيف إذا حليتها بحليها ... تكون وهذا حسنها وهي عاطل؟؟! # أكابرنا، عطفا علينا؛ فإننا ... بنا ظمأ برح وأنتم مناهل # وقال ابن الرومي لأبي الصقر إسماعيل بن بلبل يعاتبه في قصيدة جيدة ~~مختارة: # عقيل الندى، أطلق مدائح جمة ... خواصي حسرى قد أبت أن تسرحا # وكنت متى تنشد مديحا ظلمته ... يكن لك أهجى كلما كان أمدحا # عذرتك لو كانت سماء تقشعت ... سحائبها أو كان روض تصوحا # ولكنها سقيا حرمت رويها ... وعارضها ملق كلاكل جنحا # وأكلأ معروف حميت مريعها ... وقد عاد منها الحزن والسهل مسرحا # فيا لك بحرا لم أجد فيه مشربا ... وإن كان غيري واجدا فيه مسبحا # مديحي عصا موسى، وذاك لأنني ... ضربت به بحر الندى فتضحضحا # فيا ليت شعري إن ضربت به الصفا ... أيحدث لي فيه جداول سيحا # كتلك التي أبدت ثرى البحر يابسا ... وشقت عيونا في الحجارة سفحا # سأمدح بعض الباخلين لعله ... إذا اطرد المقياس أن يتسمحا # فهذا هو الذي لا يبلغ جودة، ولا يجاري سبقا، على أن البحتري قد تقدم إلى ~~بعض المعنى في قوله للفتح بن خاقان: # غمام خطاني صوبه وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم # وبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا ... وموضع رحلي منه أسود مظلم # وما بخل الفتح بن خاقان بالندى ... ولكنها الأقدار تعطي وتحرم # وأما أبو الطيب المتنبي فكان في طبعه غلظة، وفي عتابه شدة، وكان كثير ~~التحامل، ظاهر الكبر والأنفة، وما ظنك بمن يقول لسيف الدولة: # يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم # أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم ms312 فيمن شحمه ورم # وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم # أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم # أنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسهر الناس جراها ويختصم # وجاهل مده في جهله ضحكي ... حتى أتته يد فراسة وفم # إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث يبتسم # فهذا الكلام في ذاته في نهاية الجودة، غير أنه من جهة الواجب والسياسة ~~غاية في القبح والرداءة، وإنما عرض بقوم كانوا ينتقصونه عند سيف الدولة ~~ويعارضونه في أشعاره، والإشارة كلها إلى سيف الدولة، ثم قال بعد أبيات: # يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم # ما كان أخلقنا منكم بتكرمة ... لو أن أمركم من أمرنا أمم # إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم # وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم # كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم؟! # ما أبعد العيب والنقصان من شرفي ... أنا الثريا وذان الشيب والهرم # ليت الغمام الذي عند صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم # أرى النوى يقتضيني كل مرحلة ... لا تستقل بها الوخادة الرسم PageV01P166 ~~لئن تركن ضميرا عن ميامننا ... ليحدثن لمن ودعتهم ندم # وإنما قال أولا ليحدثن لسيف الدولة الندم ثم بدله، وليس هذا عتابا، لكنه ~~سباب، وبسبب هذه القصيدة كاد يقتل عند انصرافه من مجلس إنشادها، وهذا ~~الغرور بعينه. # فأما عتاب الأكفاء، وأهل المودات، والمتعشقين من الظرفاء، فبابة أخرى ~~جارية على طرقاتها. # قال إبراهيم بن العباس الصولي يعاتب محمد بن عبد الملك الزيات، وقد تغير ~~عليه لما وزر: # وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حربا عوانا # وكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت فيك أذم الزمانا # وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا # وهذا عندي من أشد العتاب وأوجعه. # ومن أكرم العتاب قول السيد أبي الحسن أدام الله سيادته وسعادته: # وإني لأطرى كل خل صحبته ... وأنت ترى شتمي بغير حياء # ستعلم يوما ما أسأت لصاحب ... تكرم أخلاقي وحسن ms313 وقائي # ومن مليح ما سمعت قول سعيد بن حميد يعاتب صديقا له: # أقلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل تارة ويميل # لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول # ولكل نائبة ألمت مدة ... ولكل حال أقبلت تحويل # فالمنتمون إلى الإخاء عصابة ... إن حصلوا أفناهم التحصيل # ولعل أحداث المنية والردى ... يوما ستصدع بيننا وتحول # ولئن سبقت لتبكين بحسرة ... وليكثرن علي منك عويل # ولتفجعن بمخلص لك وامق ... حبل الوفاء بحبله موصول # ولئن سبقت، ولا سبقت، ليمضين ... من لا يشاكله لدي خليل # وليذهبن بهاء كل مروءة ... وليفقدن جمالها المأهول # وأراك تكلف بالعتاب وودنا ... صاف، عليه من الوفاء دليل # ود بدا لذوي الإخاء جماله ... وبدت عليه بهجة وقبول # ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول # إلى ههنا أومأ أبو الطيب بقوله: # ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جاران دارهما العمر # وأشار إليه أيضا بقوله، وأردت البيت الأخير: # زودينا بحسن وجهك ما دا ... م فحسن الوجوه حال تحول # وصلينا نصلك في هذه الدني ... ا فإن المقام فيها قليل # والجميع من قول الأول: # ولقد علمت فلا تكن متجنيا ... أن الصدود هو الفراق الأول # حسب الأحبة أن يفرق بينهم ... ريب المنون فما لنا نستعجل # إلا أن ابن حميد قد فنن وبين، وشرح ما أجمل غيره بقوله " لئن سبقت أنا " ~~" ولئن سبقت أنت " فله بذلك فضل بين، ورجحان ظاهر. # وما أحسن إيجاز الذي قال: # العمر أقصر مدة ... من أن يمحق بالعتاب # وقال أبو المحدثين بشار: # إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه # فعش واحدا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه # إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه # باب الوعيد والإنذار # كان العقلاء من الشعراء وذوو الحزم يتوعدون بالهجاء، ويحذرون من سوء ~~الأحدوثة، ولا يمضون القول إلا لضرورة ولا يحسن السكوت معها. # قال ابن مقبل: # بني عامر، ما تأمرون بشاعر ... تخير آيات الكتاب هجانيا؟ # أأعفو كما يعفو الكريم فإنني ... أرى الشغب فيما بيننا ms314 متدانيا # أم اغمض بين الجلد واللحم غمضة ... بمبرد رومي يقط النواصيا # فأما سراقات الهجاء فإنها ... كلام تهاداه اللئام تهاديا # أم اخبط خبط الفيل هامة رأسه ... بحرد فلا يبقى من العظم باقيا # وعندي الدهيم لو أحل عقالها ... فتصبح لم تعدم من الجن حاديا PageV01P167 ~~شبه لسانه بمبرد رومي لمضاته، وشبه القصيدة التي لو شاء هجاهم بها بالدهيم ~~وهي الداهية، وأصل ذلك أن الدهيم ناقة عمرو بن زبان الذهلي التي حملت رءوس ~~بنيه معلقة في عنقها، فجاءت بها الحي، فضرب بها المثل للداهية. # وقال جرير لبني حنيفة، وكان ميلهم مع الفرزدق عليه: # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا # أبني حنيفة إنني إن أهجكم ... أدع اليمامة لا تواري أرنبا # " أحكموا " كفوا، ومن حكمة اللجام. # وقال أيضا لتيم الرباب رهط عمر بن لجأ: # يا تيم تيم عدي لا أبا لكم ... لا يلقينكم في سوأة عمر # وكان علي بن سليمان الأخفش في صباه يعبث بابن الرومي لما يعلم من طيرته، ~~فيجعل من يقرع الباب عليه بكرة ويتسمى له بأقبح الأسماء، فيمنعه ذلك من ~~التصرف، فقال يتوعده: # قولوا لنحوينا أبي حسن ... إن حسامي متى ضربت مضى # وإن نبلي متى هممت بأن ... أرمي نصلتها بجمر غضى # لا تحسبن الهجاء يحفل بال ... رفع ولا خفض خافض خفضا # ولا تخل عودتي كبادئتي ... سأسعط السم من عصى الحضضا # أعرف في الأشقياء لي رجلا ... لا ينتهي أو يصير لي غرضا # يليح لي صفحة السلامة والس ... لم، ويخفي في قلبه الرضا # يضحي مغيظا علي أن غضب ا ... لله عليه ونلت منه رضا # وليس تجدي عليه موعظتي ... إن قدر الله حينه فقضى # كأنني بالشقي معتذرا ... إذا القوافي أذقنه مضضا # ينشدني العهد يوم ذلك وال ... عهد خفار إذا له قبضا # لا يأمنن السفيه بادرتي ... فإنني عارض لمن عرضا # عندي له السوط إن تلوم في ال ... سير وعندي اللجام إن ركضا # أسمعت أنباء صيتي أبا حسن ... والنصح لا شك نصح من محضا # وهو معافى من السهاد فلا ... يجهل فيشرى فراشه قضضا # أقسمت بالله ms315 لا غفرت له ... إن واحد من عروقه نبضا # وكذلك قد فعل، وقد مزقه بالهجاء كل ممزق، وجعله مثلة بين أصحابه، على أن ~~الأخفش كان يتجلد عليه، ويظهر قلة المبالاة به، وهيهات! وقد وسمه سمة ~~الدهر، وسامه سوم الخسف والقهر. ومما قلته في هذا الباب: # يا موجعي شتما على أنه ... لو فرك البرغوث ما أوجعا # كل له من نفسه آفة ... وآفة النحلة أن تلسعا # وقلت من قصيدة خاطبت بها بعض بني مناد: # من يصحب الناس مطويا على دخل ... لا يصحبوه؛ فخلوا كل تدخيل # لا تستطيلوا على ضعفي بقوتكم ... إن البعوضة قد تعدو على الفيل # وجانبوا المزح إن الجد يتبعه ... ورب موجعة في إثر تقبيل # ومنها بعد أبيات لا تليق بالموضع خوف الحشو: # يا قوم لا يلقيني منكم أحد ... في المهلكات؛ فإني غير مغلول # لا تدخلوا بالرضا منكم على غرر ... فتخربوا لليث غضبانا من الغيل # إلا تكن حملت خيرا ضمائركم ... أكن تأبط شرا ناكح الغول # باب الهجاء # يروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: خير الهجاء ما تنشده العذراء في ~~خدرها فلا يقبح بمثلها، نحو قول أوس: # إذا ناقة شدت برجل ونمرق ... إلى حيكم بعدي فضل ضلالها # واختار أبو العباس قول جرير: # لو أن تغلب جمعت أحسابها ... يوم التفاخر لم تزن مثقالا # ومثل قوله: # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا # وبين الاختيارين تناسب في عفة المذهب، غير أن بيت جرير الثاني أشد هجاء ~~لما فيه من التفضيل، فقد حكى محمد بن سلام الجمحي عن يونس بن حبيب أنه قال: ~~أشد الهجاء الهجاء بالتفضيل، وهو الإقذاع عندهم. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من قال في الإسلام هجاء مقذعا فلسانه ~~هدر " ولما أطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه من حبسه إياه بسبب هجائه ~~الزبرقان بن بدر قال له: إياك والهجاء المقذع، قال: PageV01P168 وما المقذع ~~يا أمير المؤمنين؟ قال: المقذع أن تقول هؤلاء أفضل من هؤلاء وأشرف، وتبني ~~شعرا على مدح لقوم وذم لمن تعاديهم، فقال: أنت والله ms316 يا أمير المؤمنين أعلم ~~مني بمذاهب الشعر، ولكن حباني هؤلاء فمدحتهم وحرمني هؤلاء فذكرت حرمانهم ~~ولم أنل من أعراضهم شيئا، وصرفت مدحي إلى من أراده ورغبت به عمن كرهه وزهد ~~فيه، يريد بذلك قصيدته المهموزة التي يقول فيها: # وآنيت العشاء إلى سهيل ... أو الشعرى فطال بي الإناء # وهي أخبث ما صنع. وفيها أو من أجلها قال خلف الأحمر: أشد الهجاء أعفه ~~وأصدقه، وقال مرة أخرى: ما عف لفظه وصدق معناه، ومن كلام صاحب الوساطة: ~~فأما الهجو فأبلغه ما خرج مخرج التهزل والتهافت، وما اعترض بين التصريح ~~والتعريض، وما قربت معانيه، وسهل حفظه، وأسرع علوقه بالقلب ولصوقه بالنفس، ~~فأما القذف والإفحاش فسباب محض، وليس للشاعر فيه إلا إقامة الوزن. # ومما يدل على صحة ما قاله صاحب الوساطة وحسن ما ذهب إليه إعجاب الحذاق من ~~العلماء وفرسان الكلام بقول زهير في تشككه وتهزله وتجاهله فيما يعلم: # وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء # فإن تكن النساء مخبئات ... فحق لكل محصنة هداء # وإن هذا عندهم من أشد الهجاء وأمضه. # ولما قدم النابغة بعد وقعة حسي سأل بني ذبيان: ما قلتم لعامر بن الطفيل ~~وما قال لكم؟ فأنشدوه، فقال: أفحشتم على الرجل وهو شريف لا يقال له مثل ~~ذلك، ولكني سأقول، ثم قال: # فإن يك عامر قد قال جهلا ... فإن مطية الجهل السباب # فكن كأبيك أو كأبي براء ... تصادفك الحكومة والصواب # فلا يذهب بلبك طائشات ... من الخيلاء ليس لهن باب # فإنك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب # فإن تكن الفوارس يوم حسي ... أصابوا من لقائك ما أصابوا # فما إن كان من سبب بعيد ... ولكن أدركوك وهم غضاب # فلما بلغ عامرا ما قال النابغة شق عليه، وقال: ما هجاني أحد حتى هجاني ~~النابغة، جعلني القوم رئيسا، وجعلني النابغة سفيها جاهلا وتهكم بي! وروى أن ~~شاعرا مدح الحسين بن علي رضي الله عنهما، فأحسن عطيته، فعوتب على ذلك، ~~فقال: أترون أني خفت أن يقول إني لست ابن فاطمة بنت ms317 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا ابن علي بن أبي طالب؟ ولكن خفت أن يقول: لست كرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ولست كعلي، فيصدق ويحمل عنه، ويبقى مخلدا في الكتب، ~~ومحفوظا على ألسنة الرواة، فقال الشاعر: أنت والله يا ابن رسول الله أعلم ~~بالمدح والذم مني، وقد وقع الحسن بن زيد بن الحسين بن علي في بعض ما قال ~~جده، قال فيه ابن عاصم المديني، واسمه محمد بن حمزة الأسلمي: # له حق، وليس عليه حق ... ومهما قال فالحسن الجميل # وقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لأهلها وهو الرسول # وجميع الشعراء يرون قصر الهجاء أجود، وترك الفحش فيه أصوب، إلا جريرا ~~فإنه قال لبنيه: إذا مدحتم فلا تطيلوا الممادحة، وإذا هجوتم فخالفوا، وقال ~~أيضا: إذا هجوت فأضحك. وسلك طريقته في الهجاء سواء علي بن العباس بن ~~الرومي، فإنه كان يطيل ويفحش، وأنا أرى أن التعريض أهجى من التصريح؛ لاتساع ~~الظن في التعريض، وشدة تعلق النفس به، والبحث عن معرفته، وطلب حقيقته، فإذا ~~كان الهجاء تصريحا أحاطت به النفس علما، وقبلته يقينا في أول وهلة، فكان كل ~~يوم في نقصان لنسيان أو ملل يعرض، هذا هو المذهب الصحيح، على أن يكون ~~المهجو ذا قدر في نفسه وحسبه؛ فأما إن كان لا يوقظه التلويح، ولا يؤلمه إلا ~~التصريح؛ فذلك، ولهذه العلة اختلف هجاء أبي نواس، وكذلك هجاء أبي الطيب فيه ~~اختلاف؛ لاختلاف مراتب المهجوين. # فمن التفضيل في الهجاء قول ربيعة بن عبد الرحمن الرقي: # لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم # فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم # فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم # ومن الاستحقار والاستخفاف قول زياد الأعجم: PageV01P169 فقم صاغرا يا شيخ ~~جرم فإنما ... يقال لشيخ الصدق: قم غير صاغر # فمن أنتم؟ إنا نسينا من أنتم ... وريحكم من أي ريح الأعاصر؟!! # أأنتم أولى جئتم مع النمل والدبا ... فطار، وهذا شيخكم غير طائر # قضى الله خلق الناس ثم خلقتم ... بقية ms318 خلق الله آخر آخر # فلم تسمعوا إلا بمن كان قبلكم ... ولم تدركوا إلا مدق الحوافر # وأخذ الطرماح منه هذا المعنى فقال: # وما خلقت تيم وعبد مناتها ... وضبة إلا بعد خلق القبائل # ومن الاحتقار أيضا قول جرير في التيم: # ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود # فإنك لو رأيت عبيد تيم ... وتيما قلت: أيهم العبيد؟ # ومن مليح التهكم والاستخفاف قول أبي هفان: # سليمان ميمون النقيبة حازم ... ولكنه وقف عليه الهزائم # ألا عوذوه من توالي فتوحه ... عساه ترد العين عنه التمائم # وفيه يقول ابن الرومي: # قرن سليمان قد أضر به ... شوق إلى وجهه سيتلفه # كم يعد القرن باللقاء؟ وكم ... يكذب في وعده ويخلفه؟ # لا يعرف القرن وجهه، ويرى ... قفاه من فرسخ فيعرفه # أخذ معنى البيت الأخير من قول الخارجي وقد قال له المنصور: أي أصحابي كان ~~أشد إقداما في مبارزتكم؟ فقال: ما أعرف وجوههم، ولكن أعرف أقفاءهم، فقل لهم ~~يدبروا لأعرف. # وأجود ما في الهجاء أن يسلب الإنسان الفضائل النفسية وما تركب من بعضها ~~مع بعض، فأما ما كان في الخلقة الجسمية من المعايب فالهجاء به دون ما تقدم، ~~وقدامة لا يراه هجوا البتة، وكذلك ما جاء من قبل الآباء والأمهات من النقص ~~والفساد لا يراه عيبا، ولا يعد الهجو به صوابا، والناس إلا من لا يعد قلة ~~على خلاف رأيه، وكذلك يوجد في الطباع وقد جاء ما أكد ذلك من أحكام الشريعة. # وقد جمع السيد أبو الحسن أنواع الفضائل وسلبها بعض من رأى ذلك فيه صوابا، ~~فقال: # وخل لا سبيل لصرم حبله ... تعرض لي بحتف فرط جهله # ردي الظن لا يأوي لخلق ... ولا يؤوى إليه لسوء فعله # يصدق هاجسا يغري، ويغرى ... بتكذيب العيان لضعف عقله # ويشنأ كل ذي دين وعلم ... وأصل ثابت لفساد أصله # وكان السيد أبو الحسن في هذا الباب الذي سلكه من الهجاء كما قال ولي ~~إحسانه: # إذا لم تجد بدا من القول فانتصف ... بحد لسان كالحسام المهند # فقد يدفع الإنسان عن نفسه الأذى ... بمقوله، إن لم ms319 يدافعه باليد # ويقال: إن أهجى بيت قاله شاعر قول الأخطل في بني يربوع رهط جرير: # قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولي على النار # لأنه قد جمع فيه ضروبا من الهجاء: فنسبهم إلى البخل بوقود النار لئلا ~~يهتدي بها الضيفان، ثم البخل بإيقادها إلى السائرين والسابلة، ورماهم ~~بالبخل بالحطب، وأخبر عن قلتها وأن بولة تطفئها، وجعلها بولة عجوز، وهي أقل ~~من بولة الشابة، ووصفهم بامتهان أمهم وابتذالها في مثل هذه الحال، يدل بذلك ~~على العقوق والاستخفاف، وعلى أن لا خادم لهم، وأخبر في أضعاف ذلك ببخلهم ~~بالماء، وقال محمد بن الحسين بن عبد الله الأنصاري: إنه رماهم في هذا البيت ~~بالمجوسية؛ لأن المجوس لا ترى إطفاء النار بالماء، ولا أدري أنا كيف هذا ~~والبول ماء غير أنه ماء نجس قذر؟ وقيل لبني كليب: ما أشد ما هجيتم به؟ ~~قالوا: قول البعيث: # ألست كليبيا إذا سيم خطة ... أقر كإقرار الحليلة للبعل # وكل كليبي صحيفة وجهه ... أذل لأقدم الرجال من النعل # وكان النابغة الجعدي يقول: إني وأوسا لنبتدر بابا من الهجاء، فمن سبق منا ~~إليه غلب صاحبه، فلما قال أوس بن مغراء: # لعمرك ما تبلى سرابيل عامر ... من اللؤم ما دامت عليها جلودها # قال النابغة: هذا والله البيت الذي كنا نبتدره. والذي أراه أنا على كل ~~حال أن أشد الهجاء ما أصاب الغرض، ووقع على النكتة، وهو الذي قال خلف ~~الأحمر بعينه. # باب الاعتذار PageV01P170 وينبغي للشاعر أن لا يقول شيئا يحتاج أن يعتذر ~~منه، فإن اضطره المقدار إلى ذلك، وأوقعه فيه القضاء؛ فليذهب مذهبا لطيفا، ~~وليقصد مقصدا عجيبا، وليعرف كيف يأخذ بقلب المعتذر إليه، وكيف يمسح أعطافه، ~~ويستجلب رضاه، فإن إتيان المعتذر من باب الاحتجاج وإقامة الدليل خطأ، لا ~~سيما مع الملوك وذوي السلطان، وحقه أن يلطف برهانه مدمجا في التضرع والدخول ~~تحت عفو الملك، وإعادة النظر في الكشف عن كذب الناقل، ولا يعترف بما لم ~~يجنه خوف تكذيب سلطانه أو رئيسه، ويحيل الكذب على الناقل والحاسد، فأما مع ~~الإخوان فتلك ms320 طريقة أخرى. # وقد أحسن محمد بن علي الأصبهاني حيث يقول: # العذر يلحقه التحريف والكذب ... وليس في غير ما يرضيك لي أرب # وقد أسأت فبالنعمى التي سلفت ... إلا مننت بعفو ما له سبب # وقال إبراهيم بن المهدي للمأمون في أبيات يعتذر إليه: # الله يعلم ما أقول فإنها ... جهد الألية من مقر خاضع # ما إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها إلا بنية طائع # وقد سلك أبو علي البصير مذهب الحجة وإقامة الدليل بعد إنكار الجناية، ~~فقال: # لم أجن ذنبا فإن زعمت بأن ... جنيت ذنبا فغير معتمد # قد تطرف الكف عين صاحبها ... ولا يرى قطعها من الرشد # ونحوت أنا هذا النحو فقلت: # لا يبعد الله أبا جعفر ... دعابة بت على نارها # وإن تأذيت فيا ربما ... تأذت العين بأشفارها # وأجل ما وقع في الاعتذار من مشهورات العرب قصائد النابغة الثلاث: إحداهن: ~~يا دار مية بالعلياء فالسند يقول فيها: # فلا لعمر الذي مسحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من جسد # والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند # ما قلت من سيء مما أتيت به ... إذا فلا رفعت سوطي إلي يدي # إذا فعاقبني ربي معاقبة ... قرت بها عين من يأتيك بالحسد # إلا مقالة أقوام شقيت بها ... كانت مقالتهم قرعا على الكبد # نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد # والثانية: أرسما جديدا من سعاد تجنب يقول فيها معتذرا من مدح آل جفنة ~~ومحتجا بإحسانهم إليه: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب # لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب # ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومهرب # ملوك وإخوان إذا ما لقيتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب # كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكرهم لك أذنبوا # فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب # وذلك أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # والثالثة: عفا ذو حسي من فرتنا فالفوارع ms321 يقول فيها بعد قسم قدمه على ~~عاداته: # لكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوي غيره وهو راتع # فإن كنت لا ذو الضغنين عني مكذب ... ولا حلفي على البراءة نافع # ولا أنا مأمون بقول أقوله ... وأنت بأمر لا محالة واقع # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # وقد تعلق بهذا المعنى جماعة من الشعراء: قال سلم الخاسر يعتذر إلى ~~المهدي: # إني أعوذ بخير الناس كلهم ... وأنت ذاك بما نأتي ونجتنب # وأنت كالدهر مبثوثا حبائله ... والدهر لا ملجأ منه ولا هرب # ولو ملكت عنان الريح أصرفه ... في كل ناحية ما فاتك الطلب # فليس إلا انتظاري منك عارفة ... فيها من الخوف منجاة ومنقلب # وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: # وإني وإن حدثت نفسي بأنني ... أفوتك إن الرأي مني لعازب # لأنك لي مثل المكان المحيط بي ... من الأرض أني استنهضتني المذاهب ~~PageV01P171 وإلى هذه الناحية أشار أبو الطيب بقوله: # ولكنك الدنيا إلي حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب # إلا أنه حرف الكلم عن مواضعه. # واختار العلماء لهذا الشأن قول علي بن جبلة: # وما لامرئ حاولته عنك مهرب ... ولو رفعته في السماء المطالع # بلى هارب لا يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع # لأنه قد أجاد مع معارضته النابغة، وزاد عليه ذكر الصبح، وأظنه اقتدى بقول ~~الأصمعي في بيت النابغة: ليس الليل أولى بهذا المثل من النهار وفي هذه ~~الاعتراض كلام يأتي في موضعه من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى. # وأفضل من هذا كله قول الله تعالى: " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن ~~تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان " . # ووجد الفضل بن يحيى على أبي الهول الحميري فدخل إليه فأنشده: # كساني وعبد الفضل ثوبا من البلى ... وإيعاده الموت الذي ما له رد # وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... من الجرم ما يخشى على مثله الحقد # فجد بالرضا لا أبتغي منك غيره ... ورأيك فيما كنت عودتني بعد # فقال له الفضل على ms322 مذهب الكتاب في تحرير الخطاب: لا أحتمل والله قولك: " ~~ورأيك فيما كنت دعوتني " فقال أبو الهول: لا تنظر أعزك الله إلى قصر باعي، ~~وقلة تمييزي، وافعل بي ما أنت أهله، فأمر له بمال جسيم، ورضي عنه، وقربه. # وفي اشتقاق الأعذار ثلاثة أقوال: أحدهما أن يكون من المحو، كأنك محوت ~~آثار الموجدة، ومن قولهم: اعتذرت المنازل، إذا درست، وأنشدوا قول ابن أحمر: # أم كنت تعرف آيات فقد جعلت ... أطلال إلفك بالودكاء تعتذر # والثاني: أن يكون من الانقطاع، كأنك قطعت الرجل عما أمسك في قلبه من ~~الموجدة، ويقولون: " اعتذرت المياه " إذا انقطعت. وأنشدوا للبيد: # شهور الصيف واعتذرت إليه ... نطاق الشيطين من السماء # والقول الثالث: أن يكون من الحجر والمنع... قال أبو جعفر: يقال " عذرت ~~الدابة " أي جعلت لها عذرا يحجزها من الشراد، فمعنى اعتذر الرجل احتجز، ~~وعذرته: جعلت له بقبول ذلك حاجزا بينه وبين العقوبة والعتب عليه، ومنه تعذر ~~الأمر احتجز أن يقضى، ومنه جارية عذراء. # باب سيرورة الشعر والحظوة في المدح # كان الأعشى أسير الناس شعرا، وأعظمهم فيه حظا، حتى كاد ينسى الناس أصحابه ~~المذكورين معه؛ ومثله زهير، والنابغة، وامرؤ القيس؛ وكان جرير نابغة الشعر ~~مظفرا، قال الأخطل للفرزدق: أنا والله أشعر من جرير، غير أنه رزق من سيرورة ~~الشعر ما لم أرزقه، وقد قلت بيتا لا أحسب أن أحدا قال أهجى منه، وهو: # قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولي على النار # وقال هو: # والتغلبي إذا ننحنح للقرى ... حك استه وتمثل الأمثالا # فلم يبق سقاء ولا أمة حتى روته. قال الأصمعي: فحكما له بسيرورة الشعر قال ~~الحسين بن الضحاك الخليع: أنشدت أبا نواس قولي: # وشاطري اللسان مختلق الت ... كريه شاب المجون بالنسك # إلى أن بلغت إلى قولي: # كأنما نصب كأسه قمر ... يكرع في بعض أنجم الفلك # فنفر نفرة منكرة، فقلت: مالك فقد أفزعتني؟!! فقال: هذا معنى مليح وأنا ~~أحق به، وسترى لمن يروى، ثم أنشدني بعد أيام: # إذا عب فيها شارب القوم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا ms323 # فقلت: هذه مصالته يا أبا علي، فقال: أتظن أنه يروى لك معنى مليح وأنا في ~~الحياة؟!! وأنت ترى سيرورة بيت أبي نواس كيف نسي معها بيت الخليع، على أن ~~له فضل السبق، وفيه زيادة ذكر القمر، وقد أربى ابن الرومي عليهما جميعا ~~بقوله: # أبصرته والكأس بين فم ... منه وبين أنامل خمس # وكأنها وكأن شاربها ... قمر يقبل عارض الشمس # ولكن بيت أبي نواس أملأ للفم والسمع، وأعظم هيبة في النفس والصدر ولذلك ~~كان أسير. # وفي زماننا هذا قوم يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو ~~كره الكافرون. PageV01P172 وليس في العرب قبيلة إلا وقد نيل منها، وهجيت، ~~وعيرت؛ فحط الشعر بعضا منهم بموافقة الحقيقة، ومضى صفحا عن الآخرين لما لم ~~يوافق الحقيقة، ولا صادف موضع الرمية. # فمن الذي لم يحك فيهم هجاء إلا قليلا على كثرة ما قيل فيهم: تميم بن مرة، ~~وبكر بن وائل، وأسد بن خزيمة، ونظراؤهم من قبائل اليمن. # ومن الذين شقوا بالهجاء، ومزقوا كل ممزق على تقدمهم في الشجاعة والفضل ~~أحياء من قيس: نحو غنى وباهلة ابني أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان، واسم غنى ~~عمرة، وكانوا موالي عامر ابن صعصعة: يحملون عنهم الديات والنوائب، ونحو ~~محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان، وجسر بن محارب حالفوا بني عامر بن ربيعة بن ~~عامر بن صعصعة على لوم الحلف، ومن ولد طابخة بن إلياس بن مضر: تيم وعكل ~~ابنا عبد مناة بن أد، صادف الشعر سباء كان وقع عليهم في الجاهلية، فاستهانت ~~العرب بهم، وانطبع الهجاء فيهم، وعدى بن عبد مناة، كانوا قطينا لحاجب بن ~~زرارة، وأراد أن يستملكهم ملك رق بسجل من قبل المنذر، والحبطات، وهم ولد ~~الحارث بن عمرو بن تيم، وسمى الحارث الحبط لعظم بطنه، شبهوه بالجمل الحبط، ~~وهو الذي انتفخ بطنه مما رعى الخلا؛ فأما سلول فقد قال فيهم أبو زياد ~~الكلابي: كرام من كرام من صعصعة، لم يحالفوا، ولم يدخلوا في صغار، وإنما ~~كلمة عامر بن الطفيل التي حدثت هي التي ms324 شأمتهم يريد قوله: " أغدة كغدة ~~البعير وموت في بيت سلولية " قلت: أما عامر فقد قال هذه الكلمة حين دعا ~~عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فما يصنع بقول السموأل ابن عادياء: # ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول # والسموأل في زمان امرئ القيس، وبين امرئ القيس ومبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مائة وأربع وخمسون سنة. # قال الجاحظ: لم تمدح قبيلة قط في الجاهلية من قريش كما مدحت مخزوم قال: ~~وكان عبد العزيز بن مروان أحظى في الشعر من كثير من خلفائهم، قال: ولم يكن ~~من أصحابنا وخلفائنا أحظى في الشعر من الرشيد، وقد كان يزيد بن مزيد وعمه ~~معن بن زائدة ممن أحظاه الشعر، ولا أعلم في الأرض نعمة بعد ولاية الله ~~تعالى أعظم من أن يكون الرجل ممدوحا. # قلت أنا: أما هذه النعمة فقد أحلها الله مضاعفة عند السيد أبي الحسن، ~~وقرنها منه بالاستحقاق، فقرت مقرها، ونزلت منزلها المختار لها، وأحيا الله ~~لبني شيبان حمدا لم يشبه ذم، وجودا لم يعقبه فدم، مما زاد على يزيد، ولم ~~يدع لمعن معنى في الجود. # وقال غيره: كان عمر بن العلاء ممدحا، وفيه يقول بشار بن برد: # قل للخليفة إن جئته ... نصيحا ولا خير في المتهم # إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمرا ثم نم # فتى لا يبيت على دمنة ... ولا يشرب الماء إلا بدم # دعاني إلى عمر جوده ... وقول العشيرة بحر خضم # ولولا الذي زعموا لم أكن ... لأمدح ريحانة قبل شم # وله يقول أبو العتاهية: # إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسبا ورمالا # وقد مرت هذه الأبيات فيما مضى من هذا الكتاب. # قال أبو عبيدة: لم يمدح أحد قط بني كليب غير الحطيئة بقوله: # لعمرك ما المجاور في كليب ... بمقصي الجوار ولا مضاع # هم صنعوا لجارهم وليست ... يد الخرقاء مثل يد الصناع # ويحرم سر جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع # وكانت قيس تفتخر على تميم؛ لأن شعراءهم تضرب المثل بقبائل قيس ورجالها ~~فأقامت تميم دهرا ms325 لا ترفع رءوسها حتى قال لبيد: # أبني كليب كيف تنفي جعفر ... وبنو ضبينة حاضرو الأجباب # قتلوا ابن عروة ثم لطوا دونه ... حتى يحاكمهم إلى جواب # يرعون منخرق اللديد كأنهم ... في العز أسرة حاجب وشهاب # متظاهري حلق الحديد عليهم ... كبني زرارة أو بني عتاب # قوم لهم عرفت معد فضلها ... والفضل يعرفه ذوو الألباب # وقال زبان بن منصور الفزاري: # فجاءوا بجمع محزئل كأنهم ... بنو دارم إذ كان في الناس دارم PageV01P173 ~~فتكلمت تميم وافتخرت؛ لمكان هذين الشاعرين العظيمي القدر في قيس، فدل هذا ~~على أن قيسا أحظى بالمدح من تميم. # والأوابد من الشعر الأبيات السائرة كالأمثال، وأكثر ما تستعمل الأوابد في ~~الهجاء، يقال: رماها بآبدة، فتكون الآبدة هنا الداهية، قال الجاحظ: الأوابد ~~الدواهي، ومنه أوابد الشعر، حكاه عن أبي زيد، وحكى: الأوابد الإبل التي ~~تتوحش فلا يقدر عليها إلا بالعفر، والأوابد الطير التي تقيم صيفا وشتاء، ~~والأوابد الوحش؛ فإذا حملت أبيات الشعر على ما قال الجاحظ كانت المعاني ~~السائرة كالإبل الشاردة المتوحشة، وإن شئت المقيمة على من قيلت فيه لا ~~تفارقه كإقامة الطير التي ليست بقواطع، وإن شئت قلت: إنها في بعدها من ~~الشعراء وامتناعها عليهم كالوحش في نفارها من الناس. # وأما المجدودون في التكسب بالشعر والحظوة عند الملوك فمنهم: سلم الخاسر ~~مات عن مائة ألف دينار، ولم يترك وارثا، وأبو العتاهية صنع: # تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذل الحرص أعناق الرجال # وكان صديقه جدا، فقال سلم: ويلي من ابن الفاعلة، جمع القناطير من الذهب ~~ونسبني إلى ما ترون من الحرص، ولم يرد ذلك أبو العتاهية، لكن دعاه يعجبه ~~كما يفعل الصديق مع صديقه، ومروان بن أبي حفصة: أعطى مائة ألف دينار غير ~~مرات، وكان لا يقابل إلا بالكثير، وهو لعمري من ذوي البيوتات، والمعوقين في ~~التكسب بالشعر، وكان أبو نواس محظوظا لا يدري ما وصل إليه، لكنه كان متلافا ~~سمحا، وكان يتساجل في الإنفاق هو وعباس بن الأحنف وصريع الغواني، وكان ~~البحتري مليا قد فاض كسبه من الشعر، وكان يركب في ms326 موكب من عبيده، وأبو تمام ~~فما وفى حقه مع كثرة ما صار إليه من الأموال؛ لأنه تبذل، وجاب الأرض، وكذلك ~~أبو الطيب. # باب ما أشكل من المدح والهجاء # أنشدنا أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي، عن أبي علي الحسين بن إبراهيم ~~الآمدي، لرجل من بني عبد شمس بن سعد بن تميم: # تضيفني وهنا، فقلت: أسابقي ... إلى الزاد؟ شلت من يدي الأصابع # ولم تلق للسعدي ضيفا بقفرة ... من الأرض إلا وهو عريان جائع # لم يرد أنه يسبق ضيفه إلى الزاد فيكون قد هجا نفسه، ولكنه وصف ذئبا لقيه ~~ليلا، فقال: أتسبقني أنت إلى الأكل؟ أي: تأكلني، شلت إذا أصابعي إن لم أرمك ~~فأقتلك فآكل من لحمك!! ثم قال على جهة المثل: لم تلق للسعدي يعني نفسه ضيفا ~~بقفزة لا مستعتب فيها يعني الذئب إلا وهو جائع، يقول: فهو لا يبقي علي لأني ~~بغيته. # ومن أناشيدهم: # أبوك الذي نبئت يحبس خيله ... غداة الندى حتى يجف لها البقل # قالوا: إذا أخذ مطر الصيف الأرض أنبتت بقلا في أصول بقل قد يبس فذلك ~~الأخضر هو النشر، وهو الغمير، فتأكله الإبل، فيأخذها السهام، ولا سهام في ~~الخيل؛ فعابه بالجهل بالخيل. # وقال الأصمعي: هذا القول خطأ، بل مدحه بمعرفة الخيل؛ لأن النشر مؤذ لكل ~~من يأكله وإن لم يكن ثم سهام. # وقال سليمان بن قنة في رثاء الحسين بن علي رضي الله عنهما، وذكر آل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ويروي للفرزدق: # أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت # أراد لم يغمدوا سيوفهم إلا بعد أن كثرت بها القتلى، كما تقول: لم أضربك ~~ولم تجن علي إلا بعد أن جنيت علي؛ وقال آخرون: أراد لم يسلوا سيوفهم إلا ~~وقد كثرت بها القتلى، كما تقول: لم ألقك ولم أحسن إليك إلا وقد أحسنت إليك، ~~والقولان جميعا صحيحان؛ لأنه من الأضداد. # وينشدون قول الآخر: # هجمنا عليه وهو يكعم كلبه ... دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح # ويروى: # دفعت إليه وهو يخنق كلبه ... ألا ms327 كل كلب لا أبا لك نابح # قالوا: فالمدح أن يكون إنما يكعمه لئلا يعقر الضيوف، والذم أن يكون ذلك ~~لئلا ينبح فيدل عليه الضيف، وأنا أعرف هذا البيت في هجاء محض للراعي هجا به ~~الحطيئة، وهو: # ألا قبح الله الحطيئة؛ إنه ... على كل من وافى من الناس سالح # ويروى: على كل ضيف ضافه فهو سالح # هجمنا عليه وهو يكعم كلبه ... دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح # بكيت على مذق خبيث قريته ... ألا كل عبسي على الزاد نائح PageV01P174 ~~وأنشدنا أبو عبد الله: # تجنبك الجيوش أبا خبيب ... وجاد على منازلك السحاب # ويروى: أبا ربيب قال: إن دعا له فإنما أراد أن يعافي من الجيوش، وأن ~~يجوده السحاب فتخصب أرضه، وإن دعا عليه قال: لا بقي لك خير تطمع فيه ~~الجيوش، فهي تتجنب ديارك لعلمهم بقلة الخير عندك، ويدعو على محلته بأن ~~تدرسها الأمطار. # وقال غيره: معناه جاد على محلتك السحاب فأخصبت ولا ماشية لك، فذلك أشد ~~لهمك وغمك، ويكون المعنى حينئذ كقول الآخر: # وخيفاء ألقى الغيث فيها ذراعه ... فسرت وساءت كل ماش ومصرم # أي: فسرت كل ماشية، وساءت كل فقير. # وأنشد أبو عبد الله أيضا: # إني على كل إيسار ومعسرة ... أدعو حبيشا كما تدعى ابنة الجبل # وروى المبرد: أدعو حنيفا يريد أنه يجيب بسرعة كالصدى، وهو ابنة الجبل، ~~وقيل: ابنة الجبل الصخرة المنحدرة من أعلاه، وزاد أبو زيد في روايته بيتا، ~~وهو: # إن تدعه موهنا يعجل بجابته ... عاري الأشاجع يسعى غير مشتمل # فهذا مدح لا محالة، ومنهم من حمله على قول الآخر: # كأني إذ دعوت بني حنيف ... دعوت بدعوتي لهم الجبالا # ورواه قوم: بني سليم فمن مدح جعله كالأول في سرعة الإجابة، ومن ذم نسبهم ~~إلى الثقل عن إجابته مثل الجبال. # ومن الدعاء الذي يدخل في هذا الباب قول الآخر: # تفرقت غنمي يوما فقلت لها: ... يا رب سلط عليها الذئب والضبعا # قيل: إنهما إذا اجتمعا لم يؤذيا، وشغل كل واحد منهما الآخر، وإذا تفرقا ~~آذيا، وقيل: إن معناه في الدعاء عليها قتل ms328 الذئب الأحياء عيثا، وأكل الضبع ~~الأموات، فلم يبق منها بقية. # ومن لطيف ما وقع في هذا الباب قول النابغة الذبياني: # يصد الشاعر الثنيان عني ... صدود البكر عن قرم هجان # لم يرد أنه يغلب الثنيان ولا يغلب الفحل، لكن أراد التصغير بالذي هجاه، ~~فجعله ثانيا، وقال الآخر: # ومن يفخر بمثل أبي وجدي ... يجئ قبل السوابق وهو ثاني # أراد وهو ثان من عنانه؛ لأنه يسبق متمهلا. # وقال ابن مقبل: # إن الرفاق أناخوا حول منزله ... حلوا بذي فجرات زنده واري # قال ابن السكيت " بذي فجرات " أي: يتفجر بالسخاء والعطاء، ويدل على ما ~~قال ابن السكيت أن لصيق هذا البيت: # جم المخارج، أخلاق الكريم له، ... صلت الجبين، كريم الخال مغوار # ومما يمدح به ويذم قولهم " هو بيضة البلد " فمن مدح أراد بها أصل الطائر، ~~ومن ذم أراد أنها لا أصل لها، قالت أخت عمرو بن عبدود في علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه لما قتل أخاها: # لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... لقد بكيت عليه آخر الأبد # لكن قاتله من لا يعاب به ... وكان يدعى قديما بيضة البلد # فهذا مدح كما تراه. # وقال الراعي النميري يهجو عدي بن الرقاع العاملي: # لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا ابن الرقاع، ولكن لست من أحد # تأبى قضاعة ن ترضى لكم نسبا ... وابنا نزار؛ فأنتم بيضة البلد # وأنشد بعض العلماء: # وإني لظلام لأشعث بائس ... عرانا، ومقرور بري ماله الدهر # وجار قريب الدار، أو ذي جناية ... غريب بعيد الدار ليس له وفر # يظنه السامع هجا نفسه بظلم هؤلاء الذين ذكر، إنما مدحها بأنه يظلم الناقة ~~فينحر فصيلها من غير علة ولا داء، إلا لضيافة هذا الأشعث، والجار ~~وأشباههما. # 84 - باب في أصول النسب وبيوتات العرب PageV01P175 أول النسب بعد آدم صلى ~~الله عليه وسلم من نوح عليه السلام؛ لأن جميع من كان قبله قد هلك، وإنما ~~بقي من ولده سام، وحام، ويافث، فولد يافث الصقالبة وبرجان والأشبال، وكانت ~~منازلهم أرض الروم، من قبل أن تكون الروم، ومن ولده ms329 الترك، والخزر، ويأجوج ~~ومأجوج؛ وولد حام كوش وكنعان وقوط؛ فأما قوط فنزل أرض الهند والسند فأهلها ~~من ولده، وأما كوش وكنعان فأجناس السودان، والنوبة، والزنج، والزعارة، ~~والحبشة، والقبط، وبربر من أولادهما؛ وولد سام إرم، وإر فخشذ، فعاد بن عوص ~~بن إرم، وطسم وجديس ابنا لاوذ بن إرم، ومنهم العماليق، ومنهم فراعنة مصر، ~~والجبابرة، ومنهم ملوك فارس، وأجناس الفرس كلها ولده، وثمود بن عابر بن ~~سام، وماش بن إرم نزل ببابل، ومن ولده نمرود الذي فرق الله الألسنة في ~~زماته، وهو الذي بنى الصرح ببابل، ويقال: إن النبط من ولد ماش؛ ويقال أيضا: ~~إنهم من ولد شاروخ بن فالغ بن إرفخشذ، والأنبياء كلها عربيها وعجميها، ~~والعرب كلها يمنيها ونزاريها من ولد سام بن نوح، حكى جميع ذلك ابن قتيبة، ~~ومن ولد إرفخشذ قحطان بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ، وكان مسكن قحطان اليمن، ~~فكل يمان من ولده، فهم من العرب العاربة. ويقطن بن عابر، وهو أبو جرهم، ~~وكانت مساكن جرهم اليمن، ثم نزلوا مكة فسكنوا بها، وتزوج إسماعيل صلى الله ~~عليه وسلم امرأة منهم؛ فهم أخوال العرب المستعربة. # قال الزبير بن بكار: العرب ست طبقات: شعب، وقبيلة، وعمارة، وبطن، وفخذ، ~~وفصيلة: فمضر شعب، وربيعة شعب، ومذحج شعب، وحمير شعب، وأشباههم، وإنما سميت ~~الشعوب لأن القبائل تشعبت منها، وسميت القبائل لأن العمائر تقابلت عليها: ~~أسد قبيلة، ودودان بن أسد عمارة، والشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع ~~العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ، والأفخاذ تجمع ~~الفصائل: كنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. # وزعم أبو أسامة فيما رأيت بخطه، وقد عاصرته، وكان علامة باللغة أن تأليف ~~هذه الطبقات على تأليف خلق الإنسان الأرفع فالأرفع؛ فالشعب أعظمها، مشتق من ~~شعب الرأس، ثم القبيلة من فبلته، ثم العمارة، قال: والعمارة الصدر، ثم ~~البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، قال: وهي الساق، أو قال: المفصل، الشك مني ~~أنا، قال: والحي أعظم من الجميع؛ لاشتمال هذا الاسم على جملة الإنسان. # وأما أبو عبيدة فجعل بعد ms330 الفخذ العشيرة، قال: وهم رهط الرجل دنيا ثم ~~الفصيلة، قال: دون ذلك بمنزلة المفصل من الجسد، وهم أهل بيت الرجل، فأما ~~البيوتات فكل يدعي لنفسه سابقة، ويمت بفضيلة، غير أن الصحيح ما اتفق عليه ~~العلماء، وتداوله الرواة. # قال ابن الكلبي: كان أبي يقول: العدد من تميم في بني سعد، والبيت في بني ~~دارم، والفرسان في بني يربوع، والبيت من قيس في غطفان، ثم في بني فزارة، ~~والعدد في بني عامر، والفرسان في بني سليم، والعدد من ربيعة في بكر والبيت ~~والفرسان في شيبان. # قال ابن سلام الجمحي: كان يقال: إذا كنت من تميم ففاخر بحنظلة، وكاثر ~~بسعد، وحارب بعمرو، وإذا كنت من قيس ففاخر بغطفان، وكاثر بهوازن، وحارب ~~بسليم، وإذا كنت من بكر ففاخر بشيبان، وكاثر بشيبان، وحارب بشيبان. # قال أبو عبيدة: ليس في العرب أربعة إخوة أنجب ولا أعد ولا أكثر فرسانا من ~~بني ثعلبة بن عكابة، وكان يقال له: الأغر والحصن، وبنوه شيبان، وذهل، وقيس، ~~وتيم الله. قال: ففارس غطفان الربيع بن زياد العبسي، وفاتكها الحارث بن ~~ظالم، وحاكمهما هرم بن قطبة، وجوادها هرم بن سنان المري، وشاعرها النابغة ~~الذبياني، وفارس بني تميم عتيب بن الحارث بن شهاب أحد بني يربوع، وفارس ~~عمرو بن تميم طريف بن تميم العنبري، وفارس دارم عمرو ابن عمرو بن عدس، ~~وفارس سعد فدكي بن أعبد المنقري، وفارس الرباب زيد الفوارس بن حصن الضبي، ~~وفارس قيس عامر بن طفيل، وفارس ربيعة بسطام بن قيس. # قال أبو عبيدة: بيوت العرب ثلاثة: فبيت قيس في الجاهلية بنو فزارة ومركزه ~~بنو بدر، وبيت ربيعة بنو شيبان، ومركزه ذو الجدين، وبيت تميم بنو عبد الله ~~بن دارم، ومركزه بنو زرارة. # وقال أبو عمرو بن العلاء: PageV01P176 بيت بني سعد اليوم إلى الزبرقان بن ~~بدر من بني بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد، وبيت بني ضبة بنو ضرار بن عمرو ~~الرديم، وبيت بني عدي بن عبد مناة آل شهاب من بني ملكان، وبيت التيم آل ~~النعمان بن جساس. ms331 # قال: وليس في العرب جساس غيره. # قال الجمحي: فارس اليمن في بني زبيد عمرو بن معدي كرب، وشاعرها امرؤ ~~القيس، وبيتها في كندة الأشعث بن قيس، لا يختلف في هذا، وإنما اختلف في ~~نزار. # قال: وأما الشرف فما كان قبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد النبي ~~واتصل في الإسلام. # قال أبو إياس البصري: كان بيت قيس في آل عمرو بن ظرب العدواني، ثم في غني ~~في آل عمرو بن يربوع؛ ثم تحول إلى بني بدر، فجاء الإسلام وهو فيهم. # وقال الأخفش علي بن سليمان: فرعا قريش هاشم وعبد شمس، وفرعا غطفان بدر بن ~~عمرو بن لوذان وسيار بن عمرو بن جابر، وفرعا حنظلة رياح وثعلبة ابنا يربوع، ~~وفرعا ربيعة بن عامر بن صعصعة جعفر وبكر ابنا كلاب، وفرعا قضاعة عذرة ~~والحارث بن سعد. # باب مما يتعلق بالأنساب # قال أبو عبيدة: قريش البطاح قبائل: كعب بن لؤي بن عبد مناف وبنو عبد ~~الدار وعبد العزى ابنا قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو مخزوم بن يقظة وبنو ~~تيم بن مرة، وبنو جمح وسهم ابنا هصيص بن كعب، وبعض بني عامر بن لؤي. # وقريش الظواهر: بنو محارب والحارث ابنا فهر، وبنو الدرم بن غالب ابن فهر، ~~وعامة بني عامر ابن لؤي، وغيره. # كان يقال: مازن غسان أرباب الملوك، وحمير أرباب العرب، وكندة كندة الملك، ~~ومذحج مذحج الطعان، وهمدان أحلاس الخيل، والأزد أسد البأس، والذهلان: ~~أحدهما ذهل بن شيبان بن ثعلبة ويشكر، والآخر ضبيعة وذهل بن ثعلبة، ~~واللهزمتان: إحداهما عجل وتيم اللات، والأخرى قيس بن ثعلبة وعنزة، وكلهم من ~~بكر بن وائل، إلا عنزة بن أسد بن ربيعة. # الأحابيش: حلفاء قريش. # قال ابن قتيبة: هم بنو المصطلق، والحياء بن سعد بن عمرو وبنو الهون بن ~~خزيمة: اجتمعوا بذنب حبشي وهو جبل بأسفل مكة فتحالفوا بالله إنا ليد على ~~غيرنا ما سجى ليل وأوضح نهار، وما أرسى حبشي مكانه. # وقال حماد الراوية: إنما سموا بذلك لاجتماعهم، والتحابش: هو التجمع في ~~كلام العرب. # المطيبون: ms332 عبد مناف، وزهرة، وأسد بن عبد العزى، وتيم، والحارث بن فهر، ~~وعبد قصي. # الأحلاف: مخزوم، وعدي، وسهم، وجمح، وعبد الدار. # سموا أولئك المطيبين لخلوق صنعته لهم أم حكيم فغمسوا أيديهم فيه، وسموا ~~الآخرين أحلافا لجزور نحروه، فدافوا دمه في جفنة فمسوه بأيديهم ولعقوا منه، ~~وسموا " الأحلاف " و " لعقة الدم " . # والأراقم: جشم، ومالك، وعمر بن ثعلبة، ومعاوية، والحارث، بنو بكر بن حبيب ~~بن غنم بن تغلب بن وائل، قال أبو علي: ليس في العرب نصراني غيره. # البراجم: خمسة بطون من بني حنظلة: قيس، وغالب، وعمرو، وكلفة، والظليم، ~~وهو مرة؛ تبرجموا على إخواتهم يربوع وربيعة ومالك، وكلهم أبوهم حنظلة بن ~~مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرة. # الثعلبات: ثعلبة بن سعد بن ضبة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، وثعلبة بن عدي ~~بن فزارة، وأضاف إليهم قوم ثعلبة بن يربوع. # والرباب: هم ضبة بن أدبن طابخة، وتيم، وعدي، وعوف وهو عكل وثور، وكل ~~هؤلاء بنو عبد مناة بن أدبن طابخة. # الأجارب: خمس قبائل من بني سعد: وهم ربيعة، ومالك، والحارث وهو الأعرج ~~وعبد العزى، وبنو حمار. # والحرام: بنو كعب بن سعد بن زيد مناة. # الضباب: هم أربعة بطون من بني كلاب: ضب، وضبيب، وحسل، وحسيل، بنو معاوية ~~بن كلاب، كذا زعم ابن قتيبة وغيره. # وقال أبو زيد الكلابي، وهو أعلم بقومه: هم بنو عمرو بن معاوية بن كلاب، ~~وإنما سموا ضبابا لأنه سمى فيهم ضبا وحسلا وحسيلا، فقال له الرجل وسمعه ~~يهتف بهم: والله ما بنوك هؤلاء إلا الضباب، فسموا الضباب إلى اليوم؛ قال: ~~ومن ولد عمرو بن معاوية بن كلاب: ضب، وحسل، وحسيل، وحصن، وحصين، وخالد، ~~وعبد الله، وقاسط، والأعرف، وتولب، وشقيق، وخزيم، والوليد، وزهير؛ فهؤلاء ~~أربعة عشر لم تدرج منهم قبيلة، وهم الضباب جميعا. # الأكابر: شيبان، وعامر، وجليحة، والحارث بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي ~~بن بكر بن وائل. # بنو أم البنين: عامر، والطفيل، وربيعة، وعبيدة، ومعاوية، بنو مالك بن ~~جعفر بن كلاب، هكذا عند أكثر الناس، قالوا: ms333 PageV01P177 وإنما اضطرت ~~القافية لبيدا فجعلهم أربعة وهم خمسة. # وقال أبو زيد الكلابي، وهو أعلم بقومه: إن بني أم البنين أربعة، كما قال ~~لبيد: ابتكرت عامرا ملاعب الأسنة، وثنت بالطفيل، ثم تزوج عليها مالك سلامة ~~السلمية، فغارت أم البنين وأسقطت له ثلاثة ذكورا، وجاءت السلمية بثلاثة، ~~وهم: سلمى، وعبيدة، وعتبة، فأدار مالك الحيلة على أم البنين وأخيها زهير بن ~~خداش بن زهير، حتى أخذ عليها حكما بأن لا تسقط ولدا وكانت حاملا فولدت ~~معاوية معوذ الحكماء، ثم ثنت بربيعة أبي لبيد، وزعم بعض شيوخه الذين أخذ ~~عنهم أنه سمي معوذ الحكماء من أجل أنه تولى حكما عن زهير بن عمرو على أخيه، ~~وروى أبيات معاوية التي من أجلها سمي معوذ الحكماء لزيد الخيل، غير أنه لم ~~ينشد البيت، وزعم أنه ناقض بها طفيلا الغنوي. # قال: وأم البنين بنت عمرو بن عامر فارس الضحياء. # الكملة: بنو زياد العبسيون، وهم: أنس الحفاظ، ويقال له أيضا: أنس ~~الفوارس، وعمارة الوهاب، وربيع الكامل، وقيس الجواد، هكذا رويناه عن ~~النحاس. # قال المبرد وغيره: ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس، أمهم فاطمة ~~بنت الخرشب الأنمارية. # الحمس: هم قريش، وكنانة، ومن دان بدينهم من بني عامر بن صعصعة. # قال أبو عمرو بن العلاء: الحمس من بني عامر: كلاب، وكعب، وعامر، بنو ~~ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأمهم مجد بنت التيم الأدرم بن غالب بن فهر بن ~~مالك، وكانوا في الجاهلية يتحمسون في أديانهم، أي: يتشددون، لا يستظلون ~~أيام منى، ولا يدخلون البيوت من أبوابها، وقيل: سموا حمسا لشدة بأسهم، ~~ويعدون في الحمس خزاعة. # العنابس: حرب، وأبو حرب، وسفيان، وأبو سفيان، وعمرو، وأبو عمرو، بنو أمية ~~بن عبد شمس. # والأعياص: العاص، وأبو العاص، والعيص، وأبو العيص، وبنوه أيضا. # أم القبائل: هند بنت تميم بن مر، ولدت لعمرو بن قاسط تيم الله، وأوس ~~الله، وعائذ الله؛ وولدت لوائل بن قاسط بكرا، وتغلب، وعنزا، وقيل: هو عنز ~~بن وائل؛ وولدت لعبد القيس بن قصي اللبوك بن عبد القيس، وبعضهم يقول: ~~اللبوء ms334 بالهمز وبضم الباء وفيه اختلاف بين العلماء. # الجمرات: جمرات العرب: ضبة، وعبس، والحارث بن كعب؛ سموا بذلك لأن أمهم ~~الخشناء بنت برة فيما يقال رأت في المنام كأن ثلاث جمرات خرجت منها، قال ~~أبو عبيدة: فطفئت من الجمرات اثنتان: الحارث بن كعب حالفت في غطفان، وضبة ~~حالفت الرباب وسعدا، وبقيت عبس لم تطفأ؛ لأنها لم تحالف، وأما الجاحظ ~~فجعلها عبسا وضبة ونميرا. وأشار إلى أن في تميم جمارا أيضا، وصرح بذلك ~~المفضل، فقال: هم بنو يربوع، وزعم الفرزدق أنهم بنو العدوية، نسبو إلى ~~أمهم، وهم زيد، وصدى، وجشيش، بنو مالك بن حنظلة، وزعم آخرون أنهم بنو مالك ~~بن خزيمة بن تميم بن جل بن عبد مناة بن أد، غير أنهم جعلوا مكان جشيش ~~يربوعا، ومن الجمرات التي لم تطفأ عند بعضهم نمير بن عامر بن صعصعة؛ لأنهم ~~لم يحالفوا أحدا من العرب. # قال الجاحظ: إنما قيل لكل واحد منها جمرة؛ لأنهم تجمعوا حتى قووا على ~~عدوهم واشتدوا، قال: ويجوز أن يكون اشتقاقه من تجمير المرأة شعرها، وإذا ~~ضفرته قيل: قد جمرته؛ وقال غيره: ومنه " خف مجمر " إذا كان مجتمعا شديدا. # طهية بنت عبشمس بن سعد ولدت لمالك بن حنظلة عوفا، وأبا سود، وربيعة، وآخر ~~لم يعرفه ابن الكلبي، فعرف أولادها بها. # والموالي ثلاثة: مولى اليمين المحالف، ومولى الدار المجاور، ومولى النسب ~~ابن العم والقرابة. قال الشاعر: # نبئت حيا على نعمان أفردهم ... مولى اليمين ومولى الدار والنسب # باب ذكر الوقائع والأيام PageV01P178 قد أثبت في هذا الباب ما تأدى إلى ~~من أيام العرب ووقائعهم، مستخرجة من النقائض وغيرها، ولم أشرط استقضاء ~~وغيرها، ولم أشرط استقضاءها، ولا ترتيبها؛ إذ كان في أقل مما جئت به غني ~~ومقنع، ولأن أبا عبيدة ونظراءه قد فرغوا مما ذكرت؛ فإنما هذه القطعة تذكرة ~~للعالم، وذريعة للمتعلم، وزينة لهذا الكتاب، ووفاء لشرطه، وزيادة لحسنه؛ إذ ~~كان الشاعر كثيرا ما يؤتى عليه في هذا الباب، وأنا أذكر ما علمته من ذلك في ~~أقرب ما أقدر عليه من الاختصار إن ms335 شاء الله تعالى، بعد أن أقدم في صدره ~~أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقائعه مع المشركين؛ لأنه أولى ~~بالتقديم، وأحق بالتعظيم، ولما أرجوه من بركة اسمه، وافتتاح القصص بذكره. # غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة ودان على رأس الحول من الهجرة، ثم ~~غزا عيرا لقريش بعد شهر وثلاثة أيام، ثم غزا في طلب كرز بن حفص حتى بلغ ~~بدرا بعد عشرين يوما، ووجهت القبلة إلى الكعبة، تم غزا بدرا فكان يوم بدر ~~لستة عشرة يوما خلت من شهر رمضان من سنة اثنتين، وكان المشركون يومئذ ~~تسعمائة وخمسين رجلا، والمسملون ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، فقتل من المشركين ~~خمسون رجلا، وأسر أربعة وأربعون، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا. # يوم أحد: كان في شوال من سنة ثلاث. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سبعمائة، وقريش في ثلاثة آلاف، وفي هذه الغزوة استشهد حمزة رضي الله عنه. # يوم الخندق: كان في سنة أربع يوم بني المصطلق وبني لحيان: في شعبان سنة ~~خمس يوم خبير: في سنة ست وكان يوم مؤتة في سنة ثمان، واستشهد فيه زيد بن ~~حارثة أمير الجيش، وجعفر بن أبي طالب أمير الجيش أيضا بعده، وعبد الله بن ~~رواحة أمير الجيش بعدها، وقام بأمر الناس خالد بن الوليد، وكانوا في ثلاثة ~~آلاف. # وكان فتح مكة في شهر رمضان سنة ثمان، وبعده بخمس عشرة ليلة سار إلى حنين ~~في شوال، ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع هوزان في شوال للنصف منه، ~~فانهزم المسلمون، وكان الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي ~~بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، وأبا ~~سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه، وأيمن بن عبد الله، وهو ابن أم ~~أيمن، واستشهد ذلك اليوم، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد ~~بن حارثة، وفي رواية أخرى أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، وابنه، وأبو سفيان ~~بن الحارث، وربيعة بن الحارث، ms336 وربيعة بن الحارث، وأيمن، وأسامة، ثم رجع ~~الناس من وقتهم، وانهزم المشركون، وكانت الكرة عليهم لله ولرسوله. # ثم سار بعد حنين إلى " الطائف " فحاصرها شهرا، ولم يفتتحها، وغزا بلدة ~~الروم في رجب من سنة تسع؛ فبلغ تبوك وبنى بها مسجدا، وهو بها اليوم وفتح ~~الله عليه في سفره ذاك دومة الجندل على يدي خالد بن الوليد، وكل هذا مختصر ~~من كتاب ابن قتيبة، وإياه قلدت فيما رأيت من هذه الطريقة، والله المستعان، ~~وعليه توكلت وهذه أيام العرب: يوم " إراب " لبني ثعلبة بن بكر: رئيسهم ~~الهذيل بن حسان، على بني رياح بن يربوع، وكان الهذيل سبي نساء بني رياح، ~~والتقى بهم على إراب، وقد سبقه بنو رياح إليه ليمنعوهم الماء، حتى يرد ~~السبي، فأقسم الهذيل: لأن رددتم إلينا ماء فارغا لنأتيهم فيه برأس إنسان ~~تعرفونه فاشتروا منه بعض السبي، واطلق البعض. # يوم " نعف فشاوة " لبسطام بن قيس رئيس بني شيبان، على بني يربوع، قتل فيه ~~بجيرا، وأسر أباه أبا مليل، ثم من عليه من وقته، وترك له مليلا ولده، وكان ~~أسيرا عنده بعد أن كساه وحمله: يوم " نجران " للأقرع بن حابس في قومه بني ~~تميم، على اليمن، هزمهم وكانوا أخلاطا، وفيهم الأشعث بن قيس، وأخوه، وفيهم ~~ابن باكور الكلاعي الذي أعتق في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أربعة ~~آلاف أهل بيت في الجاهلية أسروا. # يوم " الصمد " هو يوم " طلح " ويوم " بلقا " ويوم " أود " ويوم " ذي طلوح ~~" كلها يوم واحد، لبنى يربوع على بني شيبان ورئيسهم الحوفزان، ورئيس ~~اللهازم أبجر بن بجير العجلي. # يوم طخفة وهو أيضا يوم " ذات كهف " ويوم " خزار " في قول بعضهم لبني ~~يربوع والبراجم على المنذر بن ماء السماء، أسروا فيه أخاه حسان، وابنه ~~قابوس، وجزت ناصية قابوس، وكان ذلك بسبب إزالة الردافة عن عوف بن عتاب ~~الرياحي. PageV01P179 يوم " المروت " : وهو يوم " إرم الكلبة " نقا قريب من ~~النباج، لبني حنظلة وبني عمرو بن تميم، على بني قشير بن كعب بن ربيعة بن ~~عامر بن صعصعة، وكان ms337 الذكر فيه لبني يربوع، وإنما أغارت قشير على بني ~~العنبر فاستنقذ بنو يربوع أموال بني العنبر وسبيهم من بني عامر. # يوم مليحة: لبني شيبان على بن يربوع، رئيسهم بسطام بن قيس، وقتل ذلك ~~اليوم عصمة بن النجار، فلما رآه بسطام قال: ما قتل هذا إلا لتثكل رجلا أمه، ~~فقتل به يوم العظالي قاتله الهبش بن المقعاس يوم اللوي: لفزارة على هوزان، ~~وفيه قتل عبد الله بن الصمة، وأثخن أخوه دريد يوم الصليفاء: لهوازان على ~~فزارة وعبس وأشجع، وفيه قتل دريد بأخيه ذؤاب بن أسماء. # يوم الهباءة: وهو يوم الجفر لعبس على ذبيان، وفيه قتل حذيفة بن بدر وأخوه ~~حمل سيدا بني فزارة، وكان يقال لحذيفة رب معد. # يوم عراعر: لعبس على كلب وذبيان، وفيه قتل مسعود بن مصاد الكلبي، وكان ~~شريفا. # يوم الفروق: بين عبس وبني سعد بن زيد مناة، قاتلوهم فمنعت عبس أنفسها ~~وحريمها، وخابت غارة بني سعد، وقيل لقيس بن زهير ويقال عنترة : كم كنتم يوم ~~الفروق؟ قال: مائة فارس كالذهب، لم نكثر فنفشل ولم نقل فنذل. # يوم شعب جبلة: قال أبو عبيدة: كانت عظام أيام العرب ثلاثة: يوم كلاب ~~ربيعة، ويوم شعب جبلة، ويوم ذي قار، وكان يوم الشعب لبني عامر بن صعصعة ~~وعبس حلفائهم على الحليفين أسد وذبيان، ورئيسهم حصن بن حذيفة يطلب عبسا بدم ~~أبيه، وتطلب عبس بن بغيض بدم أبيهم، ومعهم معاوية بن الجون الكندي في جمع ~~من كندة، وعلى بني حنظلة بن مالك والرباب رئيسهم لقيط بن زرارة يطلب بدم ~~معبد أخيه، ويثربي بن عدس ومعهم حسان بن الجون أخو معاوية وقيل: بل عمرو بن ~~الجون وحسان بن مرة الكلبي أخو النعمان ابن المنذر لأمه. # وقال غير أبي عبيدة: كان مع أسد وذبيان معاوية بن شرحبيل بن الحارث بن ~~عمرو بن آكل المرار، ومع بني حنظلة والرباب حسان بن عمرو بن الجون في جموع ~~من كندة وغيرهم، فأقبلوا إليهم بوضائع كانت تكون مع الملوك بالحيرة وغيرها، ~~وهم الرابطة، وجاءت بنو تميم فيهم لقيط ms338 وحاجب وعمرو بن عمرو، ولم يتخلف ~~منهم إلا بنو سعد؛ لزعمهم أن صعصعة هو ابن سعد، ولم يتخلف من بني عامر إلا ~~هلال بن عامر بن ربيعة بن عامر، وشهدت غني وباهلة وناس من بني سعد بن بكر ~~وقبائل بجيلة إلا قشيرا، وشهدت بنو عبس بن رفاعة ابن بهثة بن سليم مرداس بن ~~أبي عامر أبو العباس بن مرداس صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد معهم ~~نفر من عكل، فانتهى جميع أهل الشعب يومئذ ثلاثين ألفا. # وجاء الآخرون عدد لا يعلمه إلا الله عز وجل، ولم يجتمع قط في الجاهلية ~~جمع مثله، فانهزمت تميم وذبيان وأسد وكندة ومن لف لفهم، وقتل لقيط بن ~~زرارة، طعنه شريح بن الأحوص، فحمل مرتثا فمات بعد يوم أو يومين، وأسر حسان ~~بن الجون أسره طفيل بن مالك، وأسر معاوية بن الحارث بن الجون، أسره عوف بن ~~الأحوص، وجر ناصيته وأطلقه على الثواب، ولقيه قيس بن زهير فقتله، وأسر حاجب ~~بن زرارة، أسره ذو الرقيبة مالك بن سلمة بن قشير، وأسر عمرو بن عدس، أسره ~~قيس بن المنتفق، فجز ناصيته وأطلقه على الثواب، وكان يوم جبلة قبل الإسلام ~~بسبع وخمسين سنة، وقبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسبع عشرة سنة، وفي ~~يوم الشعب ولد عامر ابن الطفيل، هكذا روى محمد بن حبيب عن أبي عبيدة، وروى ~~عنه غيره خلاف ذلك. # يوم أقرن: لبني عبس على بن تميم، وبخاصة بني مالك بن مالك بن حنظلة، وفي ~~هذا اليوم قتل عمرو بن عمرو بن عدس، وابنه شريح، وأخوه ربعي، وكان عمرو بن ~~عمرو خرج مراغما للنعمان بن المنذر، فسبي سبيا من عبس، وغنم مالا، وابتنى ~~بجارية من السبي، فأدركته عبس فكان من أمره ما كان. # يوم زبالة: لبني بكر بن وائل، وبخاصة بني شيبان وبني تميم الله، رئيسهم ~~بسطام، علي بني تميم ورئيسهم الأقرع بن حابس، أسر فيه الأقرع وأخوه فراس، ~~واستنقذهما بسطام بعد أن حكم عليه عمران بن مرة بمائة ناقة. # يوم جدود: لبني ms339 سعد بن زيد مناة علي بن شيبان، وكانت بنو شيبان أغارت مع ~~الحوفزان على سعد، فأدركهم قيس بن عاصم المنقري فقتلهم واستنقذ ما كان في ~~أيديهم، وفاته الحوفزان لصلابة فرسه، فلما يئس من أسره حفزه بالرمح في ~~خزانة وركه فانتقضت عليه بعد حول فمات منها PageV01P180 وسالمت في هذا ~~اليوم بنو يربوع الجيش على تمر أخذوه منهم وفضل ثياب، فعيرتهم بذلك منقر. # يوم الكلاب الأول لسلمة بن الحارث بن عمرو المقصور، ومعه بنو تغلب والنمر ~~بن قاسط وسعد بن زيد مناة والصنائع، على أخيه شرحبيل ابن الحارث بن عمرو ~~ومعه بكر بن وائل بن حنظلة بن مالك وبنو أسد وطوائف من بني عمرو بن تميم ~~والرباب، ولم يكونوا ذلك الوقت يدعون ربابا، وإنما ترببوا بعد ذلك، حكاه ~~أبو عبيد، فقتل شرحبيل: قتله أبو حنش عاصم بن النعمان الجشمي، ويقال: بل ~~قتله ذو الثنية حبيب بن عتبة الجشمي، وكانت له سن زائدة، وهو أخو أبي حنش ~~لأمه، وهي سلمى بنت عدي بن ربيعة أخي مهلهل، هكذا أثبتوا في هذا الموضع أن ~~عديا أخو مهلهل، ويسمى الكلاب الأول أيضا. # يوم الشعيبة وهو يوم الكلاب الثاني لبني تميم وبني سعد والرباب رئيسهم ~~قيس بن عاصم، على قبائل مذحج في نحو اثني عشر ألفا رئيسهم زيد بن المأمور؛ ~~وهو مذحج وهمدان وكندة، وفي هذا اليوم أسر عبد يغوث بن وقاص الحارثي وهتم ~~فم سمي بن سنان، بعد أن أسر رئيس كندة: هتمه قيس بن عاصم بقوسه، وانتزع عبد ~~يغوث من يدي الأهتم بعد أن شرط المأسور لموصله إليه مائة ناقة من الإبل، ~~انتزعه التيم فقتلوه برئيسهم النعمان بن جساس، وكان قد قتل ذلك اليوم، وسمي ~~الكلاب الثاني أيضا. # يوم حر الدوابر قال أبو عبيدة: لم يشهد من تيم إلا الرباب وسعد خاصة، ~~وكان الغناء من الرباب لتيم، ومن سعد لمقاعس يوم ذي بيض أغار الحوفزان على ~~بني يربوع فسبى نسوة منهم، فأصرختهم بنو مالك بن حنظلة، واستنقذوا النسوة، ~~وأسروا الحوافزان: أسره حنظلة بن بشر بن ms340 عمرو، وزعم قوم أن هذا اليوم يوم ~~الصمد. # يوم عاقل: لبنى حنظلة على هوازن، وفيه أصر الصمة بن الحارث ابن جشم، وهزم ~~جيشه، وكان الذي أسره الجعد بن الشماخ أحد بني عدي بن مالك بن حنظلة، ثم ~~أطلقه بعد سنة، وجز ناصيته على أن يثيبه، فأتاه على الثواب فضرب الصمة ~~عنقه، ثم غزا بني حنظلة ثانية فأسره الحارث ابن نبيه المجاشعي، وأسر رجل من ~~بني أسد وكان نزيلا عند ابن أخت له في بني يربوع ابنا للصمة، فافتدى الصمة ~~نفسه، ومضى مع ابن نبيه في فداء ابنه إلى الأسدي النازل في بني يربوع، ~~فطعنه أبو مرحب بالسيف فقتله؛ لشيء كان بينهما عند حرب بن أمية، فبنو مجاشع ~~تعير بذلك. # يوم عينين: لبني نهشل على عبد القيس، منعوا فيه بني منقر وقد خرجوا ~~ممتارين من البحرين، فعرضت لهم عبد القيس، واستغاثوا ببني نهشل فحموهم ~~واستنقذوهم. # يوم قلهي: منعت بنو ثعلبة بن سعد بن ذبيان بني عبس الماء وغلبتهم عليه ~~بعد إصلاح فزارة ومرة، حتى أخذوا دية عبد العزى بن حذار ومالك بن سبيع. # يوم بزاخة: لبني ضبة على محرق الغساني وأخيه فارس مودود، أغارو على بني ~~ضبة ببزاخة في طوائف من العرب من إياد وتغلب وغيرهما، فأدركتهم بنو ضبة، ~~فأسر زيد الفوارس محرقا، وأسر أخاه حنش بن الدلف ثم قتلاهما بعد أن هزم من ~~كان معهما، وقتل معهما عدة. # يوم إضم: لبني عائذة بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة على الحارث ابن مزيقيا ~~الملك الغساني، وهو عمرو بن عامر، وفيهم كان ملك عسان بالشام في آل جفنة... ~~علثة بن عمرو قتل بني عائذة قتلا ذريعا، وفي ذلك اليوم قتل الرديم وحمل رجل ~~من بني عائذة بن قيس يدعى عامر. بن ضامر فقال: والله لأطعنن طعنة كمنخز ~~الثور النعر، ثم قصد ابن مزيقيا فطعنة فقتله وانهزم أصحابه هزيمة فاحشة، ~~وزعم قوم أن هذا اليوم هو يوم بزاخة. # وقال آخرون: بل كانت الواقعة مع عبد الحارث من ولد مزيقيا، وزعم غيرهم ms341 ~~أيضا أنها مع مزيقيا نفسه لا مع ولده، والله أعلم. # يوم نقا الحسن: الحسن شجر، سمي بذلك لحسنه، وقيل: هو جبل، وهذا اليوم ~~لبني ثعلبة بن سعد بن ضبة على بكر بن وائل، وفيه قتل بسطام بن قيس: قتله ~~عاصم بن خليفة أخو بني صباح، وكان رجلا أعسر فأصاب صدغه الأيسر حتى نجم ~~السنان من الصدغ الأيمن. # يوم أعيار: وهو أيضا يوم النقيعة لبني ضبة على بني عبس، وفيه قتل عمارة ~~الوهاب: قتله شرحاف بن المثلم بابن عم له يدعى مفاضلا كان عمارة قد قتله ~~وانطوى خبره، ثم سمع شرحاف ذكره على شراب، وكان حينئذ غلاما، فحين شب أخذ ~~بثأر عمه يوم النقيعة، واستنقذت بنو ضبة إبلها من عبس، وقد كانوا أدركوهم ~~في المراعي. PageV01P181 يوم رحرحان الأول: غزا يثربي بن عدس بن زيد بن عبد ~~الله بن دارم بني عامر بن صعصعة، وعلى بني عامر قريط بن عبيد بن أبي بكر، ~~وقتل يثربي. # يوم رحرحان الثاني: لبني عامر بن صعصعة، ورئيسهم الأحوص، على بني دارم، ~~وفي ذلك اليوم أسر معبد بن زرارة: أسره عامر بن مالك وأخوه طفيل وشاركهما ~~في أسره رجل من غنى يقال له: أبو عميرة عصمة بن وهب وكان أخا طفيل من ~~الرضاعة، وفي أسرهم مات معبد، شدوا عليه القد وبعثوا به إلى الطائف خوفا من ~~بني تميم أن يستنقذوه، كان هذا كله بسبب قتل الحارث بن ظالم المري من مرة ~~بن سعد ذبيان خالد بن جعفر غدرا عند الأسود بن المنذر وقيل: عند النعمان ~~والتجائه إلى زرارة بن عدس، فلما انقضت وقعة رحرحان جمع لقيط بن زرارة لبني ~~عامر وألب عليهم، وكان بين يوم رحرحان وغزوة جبلة سنة واحدة. # يوم ضرية: اختلفت سعد والرباب على بني حنظلة، وكان بنو عمرو ابن تميم ~~حالفوا بكر بن وائل، فضاقت حنظلة بسعد والرباب، فساروا إلى عمرو بن تميم ~~فردوهم وحالفوهم، ثم جمعوا لسعد والرباب ورئيسهم يومئذ ناجية بن عقال، ~~ورئيس سعد والرباب قيس بن عاصم، فقال ابن خفاف لسعد ms342 والرباب: من لعيال عمرو ~~وحنظلة إن قتلتم مقاتلتهم؟ قالوا: نحن، قال: فمن لعيالكم إن قتلوا ~~مقاتلتكم؟ قالوا: هم، قال: فدعوهم لعيالهم وليدعوكم لعيالكم، وتكلم الأهتم ~~بمثل ذلك ورجال من أشراف سعد، وساروا إلى عمرو وحنظلة إلى النسار من حمى ~~ضرية، ناجية بن عقال والقعقاع بن معبد بن زرارة وسنان بن علقمة بن زرارة ~~إلى الصلح، وأبى ذلك مالك بن نويرة يوم النسار: وذلك أن عامر بن صعصعة ومن ~~معهم من هوازن انتجعوا بلاد سعد والرباب، وهم يمتون إليهم برحم؛ لأنهم ~~يزعمون أن صعصعة أبا عامر هو ولد سعد بن زيد بن مناة بن تميم. # وقال آخرون: إنما غضبوا على سعد لما أنهب المعزى بعكاظ، فلحق ببني أمه ~~ولد معاوية بن بكر وهوازن، وكان سعد قد فارقها بعد أن ولدت له صعصعة ~~وتزوجها معاوية بن بكر فضمن سعد والرباب الأهتم، واسمه سنان بن سمي بن ~~سنان، وقيل: سمي بن سنان، وضمن هوازن مرة بن هبيرة، فسرقت خيل لذي الرقيبة، ~~ثم اعترفت بعد ذلك بيسير عند الحنيف المنتجف، اعترفها بعض القشيريين، فضربه ~~القشيري على ساعده، وضربه الحنيف فقتله، فأرادت هوازن القود من الرباب، ~~فطلبهم بذلك ضامن سعد، فأبت الرباب إلا الدية، ففارقتهم سعد، وضافرت هوازن، ~~فاستمدت بنو ضبة أسدا وطيئا والتقوا بالنسار، فعبأت أسد لسعد والرباب ~~لهوازن، فانهزمت هوازن وسعد، وكان حامي أدبار بني عامر يومئذ قدامة بن عبد ~~الله القشيري، فرماه ربيعة بن أبي وكان أرمى الناس فقتله، فلما رأت ذلك بنو ~~عامر منه وسائر هوازن سألوا أن يؤخذ منهم شطور أموالهم وسلاحهم، وقبل ذلك ~~منهم، وهذا يوم المشاطرة ويوم النسار وهو من مذكورات أيام العرب في ~~الجاهلية، وبنو ضبة تزعم أن هذا اليوم قبل يوم جبلة، وأبو عبيدة لا يشك أنه ~~بعده. # يوم " الصرائم " وهو أيضا يوم الجرف لبني رياح بن يربوع على بني عبس، وفي ~~هذا اليوم أسر الحكم بن مروان بن زنباع العبسي، أسره أسيد بن حياة السليطي، ~~وأسر بنو حميري بن رياح زنباعا وفروة ابني مروان بن ms343 زنباع، واستنقذوا جميع ~~ما أصابته عبس لربيعة بن مالك بن حنظلة وأسرفوا ذلك اليوم في قتل بني عبس. # يوم " الغبيط " : لبني يربوع علي بن شيبان، وكان الشيبانيون قد غزوهم ~~متساندين على ثلاثة ألوية: الحوفزان بن شريك، والأسود أخوه، وبسطام بن قيس، ~~وفي هذا اليوم أسر الأسود بن الحوفزان وزيد بن الأسود بن شريك، وحمى بسطام ~~آخر القوم حتى حسبوه قتل وأسر، ورثاه بعضهم بمرات عدة، وزعم سعد عن أبي ~~عبيدة أن يوم الغبيط هو يوم الأياد ويوم العظالي سمي بذلك لأن بسطام بن قيس ~~وهانئ بن قبيصة ومقرون بن عمرو الحوفزان بن شريك تعاظلوا على الرياسة. # وقال مرة أخرى: لم يشهد الحوفزان يوم العظالى، وهو أيضا يوم الإناقة ويوم ~~أعشاش، ويوم مليحة. # يوم ذي نجب لبني يربوع على بني عامر، وفيه قتل حسان بن معاوية بن آكل ~~المرار الملك، قتله حشيش بن نمران من بني رياح بن يربوع، وقيل: PageV01P182 ~~بل هو عمرو بن معاوية أعني المقتول وأما حسان فأسر، أسره دريد بن المنذر، ~~وكانت بنو عامر أتت به تغزو بني حنظلة بن مالك بعد يوم جبلة بعام، فتنحى ~~لهم بنو مالك بن عمرو بن عدس، وتركوا في صدورهم بني يربوع، فهزمت بنو عامر ~~هزيمة عظيمة، وأسر يومئذ يزيد بن الصعق، وقتلت بنو نهشل خليف بن عبيد الله ~~النميري، وأسر زيد بن ثعلبة الهصان، وهو عامر بن كعب بن أبي بكر بن كلاب، ~~وقتل خالد بن ربعي النهشلي عمرو بن الأحوص، وكان رئيس بني عامر يومئذ. # يوم خزازي: ويقال: خزاز واختلف فيه: فقال قوم: كان رئيس نزار فيه كليب بن ~~ربيعة. وقال آخرون: رئيسهم زرارة بن عدس، وقال آخرون: بل ربيعة بن الأحوص، ~~وقد أنكروا عمرو بن العلاء جميع ذلك والذي ثبت عنده أنه قال: هو يوم لنزار ~~على ملك من ملوك اليمن قديم لا يعرف من هو منهم، وأما ربيعة فيقول: لا شك ~~أنه يوم خزار لكليب بن ربيعة على مذحج وغيرهم من اليمن، وكان بعقب يوم ~~السلان، فجمع كليب ms344 جموع ربيعة، فاقتتلوا، فانهزمت مذحج والذين معهم من ~~اليمن. # يوم ملزق وهو أيضا يوم السوبان كان لبني تميم على عبس وعامر بعد أن قاتلت ~~تميم جميع من أتى بلادها من القبائل، وهم إياد، وبلحارث بن كعب، وكلب وطيئ، ~~وبكر، وتغلب، وأسد، كانوا يأتونهم حيا حيا فتقتلهم تميم وتنفيهم عن البلد، ~~وآخر من أتاهم بنو عبس وبنو عامر. # يوم الوندة وهي بالدهناء، أغارت بنو هلال على نعم بني نهشل. فأنزلتهم بنو ~~نهشل بالوندة وهي بالدهناء فما أفلت من بني هلال إلا رجل واحد يقال له: ~~فراس طواف؛ وقيل أواب. # يوم فيف الريح ورأيته بخط البصري فيفا مقصورا في مواضع من كتاب نوادر أبي ~~زياد الكلابي. # وأنشد أبو زياد لعامر بن الطفيل: # ويا لفيفا من اليمن استثارت ... قبائل كان ألبهم فخاروا # الفيفا: جبل طويل من جبال خثعم يقال له: فيفا الريح، وكان الصبر فيه ~~والشرف لبني عامر، وقد اجتمعت كلها إلى عامر بن الطفيل على قبائل مذحج، وقد ~~غزتهم مذحج في عدد عظيم من بني الحارث بن كلب وجعفي وزبيد وقبائل سعد ~~العشيرة ومراد وصدى ونهد، ورئيسهم الحصين بن يزيد الحارثي، واستغاثوا ~~بخثعم، فجاءت شهران وناهس وأكلب عليهم أنس بن مدرك، وأسرع القتل في ~~الفريقين، فافترقوا، ولم تغنم طائفة منهم طائفة، وفي هذا اليوم أصيبت عين ~~عامر، وزعم عبد الكريم وغيره أن يوم فيفا الريح هو يوم طلح. # يوم ذي بهدى: لبني يربوع على تغلب، أسروا فيه الهذيل، قال جرير للأخطل ~~يعيره بذلك: # هل تعرفون بذي بهدى فوارسنا ... يوم الهذيل بأيدي القوم مقتسر # يوم البشر لبني كلاب على الأراقم، ورئيس قيس يومئذ الجحاف بن حكيم ~~الكلابي، وكان سبب ذلك تعيير الأخطل إياه. # يوم الرغام لبني ثعلب بن يربوع، ورئيسهم عتيبة بن الحارث بن شهاب، أغار ~~فيه على بني كلاب فأطرد إبلهم، وقتل يومئذ أخوه حنظلة، قتله الحوثرة، وأسر ~~الحوثرة ذلك اليوم، فدفع إلى عتيبة فقتله صبرا بأخيه، وانهزم الكلابيون بعد ~~أن أسرع فيهم القتل والأسر. # يوم الهراميت للضباب، وهم معاوية بن كلاب، ms345 على أخوته بني جعفر بن كلاب، ~~وكان هذا اليوم في زمن عبد الملك بن مروان، وكذلك يوم البشر. # يوم الوقيظ كان في فتنة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو للهازم، رئيسهم ~~أبجر بن بجير، على بني مالك بن حنظلة، فأما بنو عمرو بن تميم فأنذرهم ناشب ~~بن بشامة العنبري، فدخلوا الدهناء فنجوا، وفي هذا اليوم أسر ضرار بن ~~القعقاع بن معبد، أسره الفزر الشيباني ورجل من تيم اللات، فجزت تيم اللات ~~ناصيته، وخلته تحت الليل مضارة للفزر، ويسمى هذا اليوم يوم الحنو. ~~PageV01P183 يوم جزع طلال لفزارة ورئيسهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، ~~على التيم وعدي وعكل وثور أطحل بني عبد مناة، وأخذ يومئذ شريك بن مالك بن ~~حذيفة من التيم وعكل أربعين امرأة ثم أطلقهن، وأخذ خارجة بن حصن نفرا من ~~التيم فأطلقهم بغير فداء، ثم أغارت فزارة بعد ذلك عليهم ورئيسهم عيينة، ~~فقتلوا التيم قتلا ذريعا وأخذوا منهم مائة امرأة فقسمهن عيينة في بدر، ~~وجعلهن مع أزواجهن الأسارى ينقلن الخرى هونا لهم، ثم أطلق الجميع بعد ذلك ~~بغير فداء، وأغارت عليهم بعد ذلك بنو غيظ بن مرة، ورئيسهم زيد بن شيبان بن ~~أبي حارثة، فقتلوا التيم وعديا وسبوا سبيا كثيرا لم يردوا منه شيئا، فنعى ~~هذا كله عليهم جرير. # يوم أوارة الأول: لتغلب والنمر بن قاسط مع المنذر بن ماء السماء، على بكر ~~بن وائل مع سلمة بن الحارث، واسم سلمة معدي كرب، وهو أيضا الغلفاء، بعد قتل ~~أخيه شرحبيل، والذي قتل سلمة الغلفاء بن عمرو بن كلثوم، عرفه فحمل عليه حتى ~~قنعه السيف، وكان سبب هزيمة بكر بن وائل، وحلف المنذر يومئذ ليقتلن بدر على ~~رأس أوارة حتى يلحق الدم بالحضيض، فشفع لهم مالك بن كعب العجلي، وقال ~~للمنذر: أنا أخرجك من يمينك، فصب الماء على الدم فلحق الأرض، وبر يمين ~~المنذر، فكف عن القتل، وكان مالك هذا رضيع المنذر. # يوم أوارة الأخير: كان لعمرو بن هند على بني دارم، وذلك أن ابنا له كان ms346 ~~مسترضعا عند زرارة بن عدس اسمه أسعد، وكان قد تبناه فعبث بناقة لأحد بني ~~دارم يقال له سويد، فخرق ضرعها، فشد عليه فقتله، وأتى الخبر زرارة، وهو عند ~~عمرو، وكان كالوزير له، فلحق بقومه وأدركه الموت على عقب ذلك، فغزا عمرو ~~بني دارم، وحلف ليقتلن منهم مائة، فقتل منهم تسعة وتسعين، وأتم المائة برجل ~~من البراجم، وفي حكاية أخرى أنه أحرقهم، وبذلك تشهد مقصورة ابن دريد وشعر ~~الطرماح، وزعم أبو عبيدة أن من زعم أنه أحرقهم فقد أخطأ، وذكر له شعر ~~الطرماح، فقال: لا علم له بهذا، واستشهد بقول جرير: # أين الذين بسيف عمرو قتلوا ... أم أين أسعد فيكم المسترضع # يوم زرود الأول: لشيبان مع الحوفزان، على بني عبس، وأثخن ذلك اليوم عمارة ~~الوهاب جراحا، غير أنه سلم فلم يمت منها. # يوم زرود الآخر: أغار حزيمة بن طارق التغلبي على بني يربوع، فاستاق ~~النعم، فأدركوه، فأسره أسيد بن حناءة السليطي وأنيف بن جبلة الضبي وكان ~~ثقيلا في بني يربوع، وردوا الغنيمة من أيدي التغلبيين. # يوم تثليث غزت سليم مع العباس بن مرداس مرادا، فجمع لهم عمرو بن معدي ~~كرب، فالتقوا بتثليث، فصبر الفريقان ولم تظفر طائفة منهم بالأخرى، وفي ذلك ~~اليوم صنع العباس قصيدته السينية، وهي إحدى المنصفات. # يوم ذي علق كان بين بني عامر وبين بني أسد، وفي هذا اليوم قتل ربيعة أبو ~~لبيد. # يوم العذيب: كان لبني سعد بن زيد مناة وعنزة، على مذحج وحمير، وكان رأس ~~اليمن الأصهب الجعفي، بعث إليه النعمان ينكر عليه بلوغ سعد وعنزة العذيب، ~~فحشد لهم ولقيهم، فقتلوه، قتله الأحمر بن جندل، وانهزمت اليمانية هزيمة ~~شديدة، وأخذ منهم مال كثير وسبي. # يوم الصفقة: وهو أيضا يوم المشقر كان على بني تميم بسبب غير كسرى التي ~~كان يجيزها هوذة بن علي السحيمي، فلما سارت ببلاد بني حنظلة اقتطعوها برأي ~~صعصعة بن ناجية جد الفرزدق، فكتب كسرى إلى المكعبر عامله على هجر فاغتالهم، ~~وأراهم أنه يعرضهم للعطاء ويصطنعهم، فكان أحدهم يدخل من باب المشقر فينزع ms347 ~~سلاحه ويخرج من الباب الآخر فيقتل، إلى أن فطنوا، وأصفق الباب على من حصل ~~منهم؛ فلذلك سميت الصفقة، وشفع هوذة في مائة من أساراهم فتركوا له، فكساهم ~~وأطلقهم يوم الفصح وكان نصرانيا. PageV01P184 يوم ذي قار: كان على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو لبني بكر بن وائل وقادمة بني شيبان وبعدهم ~~بنو عجل، على الأعاجم جنود كسرى ومن معهم من العرب رئيسهم إياس بن قبيصة ~~الطائي، وكان مكان النعمان بن المنذر بعد قتل كسرى إياه، وتحت يديه طيئ ~~وإياد وبهرا، وقضاعة والعباد وتغلب والنمر بن قاسط، قد رأس عليهم النعمان ~~بن زرعة أعني النمر وتغلب وكان سبب يوم ذي قار طلب كسرى تركة النعمان بن ~~المنذر، وكان النعمان قد تركها وترك ابنا له وبنتا عند هانئ بن قبيصة بن ~~هانئ بن مسعود الشيباني، فمنع رسول كسرى من الوصول إلى ما طلب؛ وكتب كسرى ~~إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد، وكان عاملا له على الطف، بأن يعين إياسا، ~~فأنفذ إلى قومه ليلا، وحرضهم على القتال، وتوطأت العرب على العجم، فطارت ~~إياد عن العجم حين تشاجرت الرماح كأنهم مهزومون، وقتل الهامرز بن خلا يزر ~~عامل كسرى، وأسر النعمان بن زرعة التغلبي، وبسبب ما صنع قيس بن مسعود ~~استدرجه كسرى حتى أتاه فقتله. # يوم الفجار الأول: كان بين كنانة بن خزيمة وبين عجز هوازن، بسوق عكاظ أول ~~يوم من ذي القعدة، وبذلك سمي فجارا؛ لأنهم فجروا في الشهر الحرام، وكان سبب ~~ذلك أن بدر بن معسر الكناني كان يستطيل على من ورد عكاظ فيمد رجله ويقول: ~~أنا أعز العرب؛ فمن كان أعز منها فليضربها بالسيف فضربها الأحمر بن هوازن ~~من بني نصر بن معاوية، وكان بين القبيلتين تشاجر دون أن يقع بينهما دماء، ~~وليس هذا الفجار عند ابن قتيبة، وقد ذكره أبو عبيدة. # يوم الفجار الثاني: كان بسبب فتيان من غزية قريش وكنانة رأو امرأة وضيئة ~~من بني عامر بن صعصعة بسوق عكاظ، فسألوها أن تسفر لهم، فأبت، فحل ms348 أحدهم ~~ذيلها إلى ظهر درعها بشوكة، فلما قامت انكشفت، فقالوا: منعتنا رؤية وجهك ~~وأريتنا دبرك!! فصاحت: يال عامر فتهايجوا وجرت بين الفريقين دماء يسيرة، ~~حملها الحارث بن أمية، وليس هذا الفجار أيضا عند ابن قتيبة وقد ذكره أبو ~~عبيدة. # يوم الفجار الثالت: كان بسبب دين كان لأحد بني نصر على أحد بني كنانة، ~~فأتى النصرى بقرد فقال: من يبيعني مثل هذا بمالي على فلان؟ فمر أحد بني ~~كنانة فقتل القرد، فتصايح الفريقان، ثم سكنوا، وكان هذا سبب الأمر العظيم ~~من قتل البراض الكناني عروة الرحال بن عيينة بن جعفر بن كلاب واتبعت هوازن ~~قريشا، وكانوا قد أدركوهم بنخلة، حتى دخلوا الحرم، وجنهم الليل، ثم التقوا ~~بعد حول فكانت الوقعة أيضا عليهم، وهو يوم شمطة ثم التقوا أيضا بعد حول، ~~فكانت الكرة على هوازن وفي ذلك اليوم سموا بني أمية العنابس لما فعل حرب ~~وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان من تقييدهم أنفسهم حتى يظفروا أو يقتلوا، هذه ~~رواية أبي عبيدة، وأما ابن قتيبة فجعل ما جرى بين النصري والكناني هو ~~الفجار الأول، وقال في آخره: ولم يكن بينهم قتال، إنما كان ذلك القتال في ~~الفجار الثاني، وجعل سبب الفجار الثاني أن عيينة بن حصن بن حذيفة أتى سوق ~~عكاظ فرأى الناس يتبايعون، فقال: أرى هؤلاء مجتمعين بلا عهد ولا عقد، ولئن ~~بقيت إلى قابل ليعلمن، فغزاهم من قابل، وأغار عليهم، قال: فهذا الفجار ~~الثاني، والحرب فيه كناية وقيس، والدائرة على قيس عيلان. # يوم الجفار: للأحاليف في ضبة وأخوتها الرباب وأسد وطيئ، على بني تميم، ~~واستحر القتل يومئذ في بني عمرو بن تميم فقتلوا قتلا ذريعا. # يوم الصريف: كانت هذه الوقعة في أيام الرشيد، وهي لبني ضبة على بني ~~حنظلة، وفي ذلك يقول شاعرهم، وأظنه من ولد جرير: # صبرت كليب للطعان ومالك ... يوم الصريف وفرت الأحمال # والأحمال: بطون من بني حنظلة. # وقد أوفيت بما عقدت به في صدر هذا الكتاب من إثبات ما انتهى إلي من أيام ~~العرب، مجتهدا في اختصارها، بريئا ms349 مما وقع فيها من الاختلاف، وإنما عهدة ~~ذلك على الرواة. # وسأذكر من مفاخر بني شيبان لمعا أختم بها هذا الكتاب كما بدأته؛ لأني لو ~~تقصيت ذلك لأفنيت العمر دون تقضي الجزء الذي لا يتجزأ منه قلة، لكني ذهبت ~~فيهم وفي سيدهم أبي الحسن مذهب أبي الطيب في أخوتهم بني تغلب وفي سيدهم علي ~~بن حمدان حيث يقول: # ليت المدائح تستوفي مدائحه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل ~~PageV01P185 قال أبو عبيدة: قدم على النعمان بن المنذر وفود ربيعة ومضر بن ~~نزار، وكان فيمن قدم عليه من وفود ربيعة بسطام بن قيس والحوفزان بن شريك ~~البكريان، وفيمن قدم عليه من وفد مضر من قيس عيلان عامر بن مالك وعامر بن ~~الطفيل، ومن تميم قيس بن عاصم والأقرع بن حابس، فلما انتهوا إلى النعمان ~~أكرمهم وحباهم، وكان يتخذ للوفود عند انصرافهم مجلسا: يطعمون فيه معه، ~~ويشربون، وكان إذا وضع الشراب سقي النعمان، فمن بدأ به على أثره فهو أفضل ~~الوفد، فلما شرب النعمان قامت القينة تنظر إلى النعمان من الذي يأمرها أن ~~تسقيه وتفضله من الوفد، فنظر في وجهها ساعة ثم أطرق ثم رفع رأسه وهو يقول: # اسقي وفودك مما أنت ساقيتي ... فابدي بكأس ابن ذي الجدين بسطام # أغر ينميه من شيبان ذو أنف ... حامي الذمار وعن أعراضها رامي # قد كان قيس بن مسعود ووالده ... تبدا الملوك بهم أيام أيامي # فارضوا بما فعل النعمان في مضر ... وفي ربيعة من تعظيم أقوام # هم الجماجم والأذناب غيرهم ... فارضوا بذلك أو بوءوا بإرغام # فقال عامر بن الطفيل: # كان التبايع في دهر لهم سلف ... وابن المرار وأملاك على الشام # حتى انتهى من لخم إلى ملك ... بادي السنان لمن لم يرمه رامي # أنحى علينا بأظفار فطوقنا ... طوق الحمام بإتعاس وإرغام # إن يمكن الله من دهر نساء به ... نتركك وحدك تدعو رهط بسطام # فانظر إلى الصيد لم يحموك من مضر ... هل في ربيعة إن لم تدعنا ms350 حامي؟؟ # فأجابه بسطام بن قيس فقال: # لعمري لئن ضجت تميم وعامر ... لقد كنت يوما في حلوقهم شجى # أروني كمسعود وقيس وخالد ... وعمرو وعبد الله ذي الباع والندى # وكانوا على أفناء بكر بن وائل ... ربيعا إذا ما سال سائلهم جدى # فسرت على آثارهم غير تارك ... وصيتهم حتى انتهيت إلىمدى # قال: وافتخر رجلان بباب معاوية بن أبي سفيان: أحدهما من بني شيبان، ~~والآخر من بني عامر بن صعصعة، فقال العامري: أنا أعد عليك عشرة من بني ~~عامر، فعد علي عشرة من بني شيبان، فقال الشيباني: هات إذا شئت، فقال ~~العامري: خذ عامر بن مالك ملاعب الأسنة، والطفيل بن مالك قائد هوازن وفارس ~~قرزل، ومعاوية بن مالك معوذ الحكماء، وربيعة بن مالك فارس ذي علق، وعامر بن ~~الطفيل، وعلقمة بن علاثة، وعتبة بن سنان، ويزيد بن الصعق، وأربد بن قيس، ~~وهو أربد الحتوف، فقال الشيباني: خذ قيس بن مسعود رهينة بكر بن وائل، ~~وبسطام بن قيس سيد فتيان ربيعة، والحوفزان ابن شريك فارس بكر بن وائل، ~~وهانىء بن قبيصة أمين النعمان بن المنذر، وقبيصة بن مسعود وافد المنذر، ~~ومفروق بن عمرو حاضن الأيتام، وسنان بن مفروق ضامن الدمن، والأصم عمرو بن ~~قيس صاحب رءوس بني تميم، وعمران بن مرة الذي أسر يزيد بن الصعق مرتين، ~~وعمرو بن النعمان، فتلاحيا، فخرج حاجب معاوية فصادفهما على تلك الحال، فدخل ~~على معاوية فأخبره بالقضية، فدعا بهما، فلما دخلا عليه نسبهما، فانتسبا له، ~~فقال معاوية: عامر أفخر هوازن، وشيبان أفخر بكر بن وائل، وقد كفاكما الله ~~المؤنة، هذان رجلان من غير قومكما عندي يحكمان بينكما: عدي بن حاتم، وشريك ~~بن الأعور الحارثي، احكما بينهما، ثم قال معاوية للشيباني: من يعبى لعامر ~~بن مالك؟ قال الأصم بن أبي ربيعة الذي قتل من تميم مائة رجل على دم، فقال ~~معاوية للرجلين: ما تقولان؟ قالا: رجح الأصم على عامر بن مالك، قال معاوية: ~~فمن يعبى لعامر بن الطفيل؟ قال الشيباني: الحوفزان بن شريك، قال الحكمان: ~~رجح الحوفزان، قال: فمن يعبى ms351 لعلقمة بن علاثة؟ قال الشيباني: بسطام بن قيس، ~~فقالا: رجح بسطام، قال معاوية: فمن يعبى لعتبة بن سنان؟ قال الشيباني: ~~مفروق بن عمرو، فقالا: رجح مفروق، قال نعاوية: فمن يعبى للطفيل بن مالك؟ ~~فقال الشيباني: عمران بن مرة، فقالا: رجح عمران بن مرة، فقال معاوية: فمن ~~يعبى لمعاوية بن مالك؟ قال الشيباني: عوف بن النعمان، فقالا: رجح عوف بن ~~النعمان، قال معاوية: PageV01P186 فمن يعبى لعوف بن الأحوص؟ قال الشيباني: ~~قبيصة بن مسعود، فقالا: رجح قبيصة، قال: فمن يعبى لربيعة بن مالك؟ قال: ~~هانئ بن قبيصة، فقالا: رجح هانئ بن قبيصة، قال معاوية: فمن يعبى ليزيد بن ~~الصعق؟ قال: سنان بن مفروق، فقالا: رجح سنان بن مفروق، قال: فمن يعبى لأربد ~~بن قيس؟ قال: الأسود بن شريك، فقال معاوية للشيباني: فأين نسيت قيس بن ~~مسعود؟ قال: أصلحك الله! قيس ليس من هذه الطائفة فاتهم قيس مجدا طويلا، ~~فقال العامري في ذلك: # أعد إذا عددت أبا براء ... فكان علا على الأقوام فضلا # وكان الجعفري أبو علي ... إذا هاجت الهيجاء علا # ووالده الذي حدثت عنه ... طفيل خيرنا يفعا وطفلا # وكان معود الحكم المباري ... رياح الصيف أعلى القوم فعلا # وقد أوردت زناد أبي لبيد ... ربيعة يوم ذي علق فأبلى # وعلقمة بن أحوص كان كهفا ... كلابيا رحيب الباع سهلا # وعتبة والأغر يزيد، إني ... رأيتهما لكل الفخر أهلا # وعوفا ثم أربد ذا المعالي ... كفى بهما عليك ندى وبذلا # أولئك من كلاب في ذراها ... وخير قرومها حسبا ونبلا # فقال الشيباني مجيبا له: # أعد إذا عددت أبا خفاف ... وعمران بن مرة والأصما # وهانئا الذي حدثت عنه ... وكان قبيصة الأنف والأشما # ومفروقا وذا النجدات عوفا ... وبسطاما ووالده الخضما # وأسود كان خير بني شريك ... ولم يك قرنه كبشا أجما # أولئك من عكابة خير بكر ... واكرم من يليك أبا وأما # وأفضل من ينص إلى المعالي ... إذا ما حصلوا خالا وعما # وأكثر قومهم بالشر طوفا ... وأبعد قومهم في الخير هما # فقال معاوية للحكمين: ما تقولان؟ قالا: شيبان أكرم الحيين، فقال معاوية: ~~وذلك ms352 قولي، فأكرمهما وحباهما، وفضل الشيباني على العامري. # قال: وكان من حديث ذي الجدين أن الملك النعمان قال: لأعطين أفضل العرب ~~مائة من الإبل، فلما أصبح الناس اجتمعوا لذلك، فلم يكن قيس بن مسعود فيهم، ~~وأراده قومه على أن ينطلق، فقال: لئن كان يريد بها غيري لا أشهد ذلك وإن ~~كان يريدني بها لأعطينها، فلما رأى النعمان اجتماع الناس قال لهم: ليس ~~صاحبها شاهدا، فلما كان من الغداة قال له قومه: انطلق، فانطلق، فدفعها إليه ~~الملك، فقال حاجب بن زرارة: أبيت اللعين، ما هو أحق بها مني، فقال قيس ابن ~~مسعود: أنافره عن أكرمنا قعيدة، وأحسننا أدب ناقة، وأكرمنا لئيم قوم، فبعث ~~معهما النعمان من ينظر ذلك، فلما انتهوا إلى بادية حاجب بن زرارة مروا على ~~رجل من قومه، فقال حاجب: هذا ألأم قومي، وهو فلان بن فلان، والرجل عند حوضه ~~ومورد إبله، فأقبلوا إليه، فقالوا: يا عبد الله؛ دعنا نستقي؛ فإنا قد هلكنا ~~عطشا وأهلكنا ظهورنا، فتجهم وأبى عليهم، فلما أعياهم قالوا لحاجب: أسفر، ~~فسفر فقال: أنا حاجب بن زرارة، فدعنا فلنشرب، قال: أنت؟ فلا مرحبا بك ولا ~~أهلا، فأتوا بيته، فقالوا لامرأته: هل من منزل يا أمة الله؟ قالت: والله ما ~~رب المنزل شاهد، وما عندنا من منزل، وراودوها على ذلك فأبت، ثم أتوا رجلا ~~من بكر بن وائل على ماء يورد، قال قيس: هذا والله ألأم قومي، فلما وقفوا ~~عليه قالوا له مثل ما قالوا للآخر فأبى عليهم، وهم أن يضربهم، فقال له قيس ~~بن مسعود: ويلك أنا قيس بن مسعود، فقال له: مرحبا وأهلا، أورد، ثم أتوا ~~بيته، فوجدوا فيه امرأته وقدرها يئط، فلما رأت الركب من بعيد أنزلت القدر ~~وبردت، فلما انتهوا إليها قالوا: هل عندك يا أمة الله من منزل؟ قالت: نعم ~~أنزلوا في الرحب والسعة، فلما نزلوا طعموا وارتحلوا، فأخذوا ناقتيهما، ~~فأناخوهما على قريتين للنمل؛ فأما ناقة قيس بن مسعود فتضورت وتقلبت ثم لم ~~تنز، وأما ناقة حاجب فمكثت وثبتت، حتى إذا قالوا قد ms353 اطمأنت طفقت هاربة، ~~فأتوا الملك فأخبروه بذلك، فقال له: قد كنت يا قيس ذا جد، فأنت اليوم ذو ~~جدين فسمي بذلك ذا الجدين، وقيل: PageV01P187 إنما سمي بذلك لأسيرين أسرهما ~~مرتين، وقيل: بل سبق سبقين، هكذا جاءت الرواية. # والذي أعرف أنا أن ذا الجدين إنما هو عبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام ~~سمي بذلك لأنه اشترى كعب بن مامة من أيدي قوم من عنزة أسروه، فكتم نفسه، ~~وعرفه عبد الله وأظهر أنه لم يشتره عن معرفة، فوهبه كل ما لقي في طريقه من ~~إبل أبيه بعبدانها، وكانت سودا وحمرا وصهبا، وبلغ به إلى أبيه فأجاز له ~~ذلك، وأعطاه قبته بما فيها، فلما أتى الحيرة قال بعض من رآه لصاحبه: إنه ~~لذو جد، قال الآخر: بل هو ذو جدين، فسمي بذلك. # باب في معرفة ملوك العرب # وأنا أذكر في هذا الباب من ملوك النواحي من أخذه حفظي، وبلغته روايتي، ~~على شريطة الاختصار والتخليص، بحسب الطاقة والاجتهاد، إن شاء الله تعالى. # ملوك اليمن: قال ابن قتيبة وغيره: أول من حيي بتحية الملوك أبيت اللعن و ~~أنعم صباحا يعرب بن قحطان، فولد له يشجب، وولد ليشجب سبأ، وقيل: إنه أول من ~~سبى السبي من ولد قحطان، واسمه عبد الشمس، وقيل: عامر، وأول الملوك ~~المتوجين من ولده حمير بن سبأ ملك حتى مات هرما، ولم يزل الملك في ولد حمير ~~لا يعدوا ملكهم اليمن، حتى مضت قرون، وصار الملك إلى الحارث الرائش، وبينه ~~وبين حمير خمسة عشر أبا، فخرج من اليمن، وغزا وجلب الأموال، فراش الناس، ~~وبذلك سمي الرائش، وفي عصره مات لقمان صاحب النسور، وهو لقمان الذي بعثته ~~عاد ليستسقي لها بمكة، وكان ملك الرائش مائة وخمسة وعشرين سنة، وذكر نبينا ~~صلى الله عليه وسلم، وأنشد ابن قتيبة: # وأحمد إسمه، يا ليت أني ... أعمر بعد مبعثه بعام # ثم أبرهة ذو المنار بن الرائش، وكان ملكه مائة وثلاثا وثمانين سنة، ثم ~~أفريقس بن أبرهة، وهو الذي بنى أفريقية، وبه سميت وكان ملكه مائة ms354 وستين ~~سنة؛ ثم العبد بن أبرهة، وهو ذو الأذعار، سمي بذلك لقوم سباهم منكري الوجوه ~~تزعم العرب أنهم النسناس، وكان ملكه خمسا وعشرين سنة، ثم هدهاد بن شرحبيل ~~بن عمرو بن الرائش، وهو أبو بلقيس، ملك سنة واحدة ثم بلقيس إلى أن أسلمت ~~على يدي سليمان صلى الله عليه وسلم، ثم ناشر بن عمرو بن يعفر بن شرحبيل، ~~وكان ملكه خمسا وثمانين سنة، ثم شمر بن أفريقس، وهو الذي أخرب مدينة ~~سمرقند، وبه سميت سمركند، ومعنى كند أخربها، وهو الذي يسمى شمر يرعش؛ ~~لارتعاش كان به، وكان ملكه مائة وسبعا وثلاثين سنة، ثم ابنه الأقرن بن شمر ~~يرعش، وكان ملكه ثلاثا وخمسين سنة، ثم تبع الأكبر بن الأقرن، وكان ملكه ~~مائة وثلاثا وستين سنة، ثم ابنه كليكرب؛ ولم يغز حتى مات، وكان ملكه خمسا ~~وثلاثين سنة، ثم تبع بن كليكيرب وهو أبو كرب تبع الأوسط، كان يغزو بالنجوم ~~ويعمل أعماله كلها بأحكامها، ويقال: إنه آمن برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وهو القائل فيه: # شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم # فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم # ثم حسان بن تبع الأوسط، وهو الذي غزا جديسا وقتل اليمامة التي سميت بها ~~جو اليمامة، ثم عمرو بن تبع أخو حسان، وكان ملكه ثلاثا وستين سنة، ثم عبد ~~كلال بن مثوب، وكان على دين عيسى يستر إيمانه، وكان ملكه أربعا وسبعين سنة؛ ~~ثم تبع بن حسان وهو الأصغر، وكان الحارث بن عمرو بن حجر جد امرئ القيس ابن ~~أخيه، وتبع هو الذي عقد الحلف بين ربيعة واليمن، وهو الذي أدخل في اليمن ~~دين اليهود ثمانية وسبعين سنة، ثم أخوه لأمه مرثد بن عبد كلال، وقيل: ~~PageV01P188 مزيد، وكان ملكه إحدى وأربعين سنة، ثم ابنه ربيعة بن مرثد، ملك ~~سبعا وثلاثين سنة، ثم أبرهة بن الصباح، ملك ثلاثا وسبعين سنة، وكان يكرم ~~معدا ويعلم أن الملك كائن في بني النضر بن كنانة، ثم حسان بن عمرو بن تبع ms355 ~~بن كليكرب، ملك سبعا وثلاثين سنة، ومدحه خالد بن جعفر بن كلاب لما شفعه في ~~أسارى من قومه، ثم ذو الشناتر، واسمه نجيعة ينوف، ولم يكن من أهل بيت ~~الملكة، لكنه من أبناء المقاول، قتله ذو نواس وكان غلاما من أبناء الملوك ~~حسن الوجه له ذؤابتان، أراده ذو الشناتر على نفسه فوجأه بخنجر كان قد أعده ~~له فقتله، ورضيته حمير لنفسها لما أراحها من ذي الشناتر، وذو نواس صاحب ~~الأخدود الذي ذكره الله عز وجل، وكان يهوديا، فخد الأخدود لقوم من أهل ~~نجران تنصروا على يد قيل آل جفنة، وعلى أيام ذي نواس دخلت الحبشة اليمن، ~~واقتحم البحر منهزما فغرق، وكان ملكه ثمانيا وستين سنة، وقام بعده ذو جدن ~~فهزمته الحبشة، فاقتحم البحر فهلك، وملك اليمن أبرهة الأشرم، وهو الذي زحف ~~إلى مكة بالفيل فهلك جيشه، وابتلي بالأكلة، فحمل إلى اليمن فهلك بها، وملك ~~بعده ابنه يكسوم فساءت سيرته باليمن، فاستجاش سيف بن ذي يزن كسرى، فجيش له ~~جيشا عظيما، وقد مات يكسوم، وولي بعده مسروق أخوه، وهو أيضا أخو سيف لأمه، ~~فقتلته الحبشة، وسبيت نساؤهم، فقام سيف ملكا من قبل كسرى حتى غدره خدامة من ~~الحبشة ولم يجتمع ملك اليمن لأحد بعده، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فانكشفت به الظلمة، واهتدت بهديه الأمة، واستقر الملك في نصابه، بعد ~~الخلفاء الأربعة من أصحابه، ممن وجبت طاعته، وصحت بيعته، وأنا واقف عند ~~الشبهة، قائل في هذا بما قالت به الجماعة، فقد تنازع اسم أمير المؤمنين من ~~لا يصلح له، ولا يسلم إليه؛ فلذلك أعرضت عن ذكر من لم أذكره، ولولا ذلك ~~لذكرت كل واحد وزمانه، ومنتهى عمره، إلى وقتنا هذا، وما توفيقي إلا بالله. # ملوك الشام: كانت بالشام سليح وهم من غسان، ويقال: من قضاعة وأول ملوكهم ~~النعمان بن عمرو بن مالك، ثم من بعده ابنه مالك، ثم من بعد مالك ابنه عمرو؛ ~~إلى خروج مزيقيا وهو عمرو بن عامر من اليمن في قومه من الأزد، وسمي مزيقيا ms356 ~~لأنه كان يمزق كل يوم حلة لا يعود إلى لباسها ثم يهبها، ويسمى عامر ماء ~~السماء؛ لأنه كان يجيء في المحل فينوب عن الغيث بالرفد والعطاء وهو ابن ~~حارثة الغطريف، ابن امرئ القيس البطريق، بن ثعلبة البهلول، بن مازن قاتل ~~الجوع، بن الأزد، ومعه رجل يقال له جذع بن سنان، فنزلوا بلاد عك، فقتل جذع ~~ملك بلاد عك، فافترقت الأزد والملك فيهم حينئذ ثعلبة بن عمرو بن عامر، ~~فانصرف عامله فحارب جرهم فأجلاهم عن مكة، واستولوا عليها زمانا ثم أحدثوا ~~الأحداث، وجاء قصي بن كلاب فجمع معدا وبذلك سمى مجمعا واستعان ملك الروم ~~فأعانه، وحارب الأزد فغلبهم، واستولى على مكة دونهم، فلما رأت الأزد ضيق ~~العيش بمكة ارتحلت، وانخزعت خزاعة لولاية البيت وبذلك سميت فصار بعض الأزد ~~إلى السواد فملكوا عليهم مالك بن فهم أبا جذيمة الأبرش، وصار قوم إلى يثرب، ~~وهم الأوس والخزرج، وصار قوم إلى عمان، وصار قوم إلى الشام، وفيهم جذع بن ~~سنان، فأتاه عامل الملك في خرج وجب عليه فدفع إليه سيفه رهنا، فقال الرومي: ~~أدخله في كذا من أم الآخر، فغضب جذع وقنعه فقتله، فقيل: خذ من جذع ما ~~أعطاك، وسارت مثلا، وولوا الشأم، فكان أولهم الحارث بن عمرو محرق، سمي بذلك ~~لأنه أول من حرق العرب في ديارها، وهو الحارث الأكبر، ويكنى أبا شمر، ثم ~~ابنه الحارث بن أبي شمر الغساني، وهو الحارث الأعرج، وأمه مارية ذات ~~القرطين، وهي مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية الكندي، وأختها ~~هند الهنود امرأة حجر آكل المرار الكندي، وإلى الحارث الأعرج زحف المنذر ~~الأكبر فانهزم جيشه، وقتل، ثم الحارث الأصغر بن الحارث الأكبر، وهو ولد ~~الحارث الأعرج ثم عمرو بن الحارث، وكان يقال له: أبو شمر الأصغر، وله يقول ~~نابغة بني ذبيان: # علي لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب # والنعمان بن الحارث هو أخو الحارث الأصغر، وله يقول النابغة: # هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير سريع التمام PageV01P189 وللنعمان ~~هذا ثلاثة بنين: عمرو، وحجر، ms357 والنعمان، ومن ولد الأعرج أيضا المنذر، ~~والأيهم أبو جبلة، وجبلة آخر ملوك غسان، كان طوله اثني عشر شبرا، وهو الذي ~~تنصر في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # ملوك الحيرة: أولهم مالك بن فهم بن عمرو بن دوس بن الأزد، ملك العرب ~~بالعراق عشرين سنة، ثم ابنه جذيمة بن مالك، وهو الأبرش، وهو الوضاح، كان ~~ملكه ستين سنة، ثم عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة اللخمي، ويقال: إن نصرا هو ~~الساطرون صاحب الحضر، وهو جرمقاني من أهل الموصل، وقيل: بل هو من أشلاء قنص ~~بن معد بن عدنان، وعمرو هذا هو ابن أخت جذيمة الأبرش وفيه قيل: " شب عمرو ~~عن الطوق " ثم امرؤ القيس بن عمرو بن عدي، ويقال: بل الحارث بن عمرو، وإنه ~~الذي يدعى محرقا، ثم النعمان بن امرئ القيس، وهو النعمان الأكبر الذي بني ~~الخورنق، ثم المنذر بن امرئ القيس، وهو المنذر الأكبر بن ماء السماء أخو ~~النعمان الأكبر، ثم المنذر بن المنذر، وهو الأصغر، ثم أخوه عمرو بن المنذر، ~~وهو عمرو بن هند، ويسمى محرقا؛ لأنه حرق بني تميم، وقيل: بل حرق نخل ~~اليمامة، ثم النعمان بن المنذر صاحب النابغة الذبياني، وهو أخو ملوك لخم، ~~ثم ولى بعده إياس بن قبيصة الطائي، ثم ابنه أشهر، واضطرب ملك فارس وضعفوا، ~~وكانت ملوك الحيرة من تحت أيديهم، وأتى الله عز وجل بالإسلام فعز أهله ~~بالنبي صلى اله عليه وسلم. # باب من النسبة # قال ابن دريد: الإبل الأرحبية منسوبة إلى أرحب بن همدان. # أسد خفية وأسد خفان وهما أجمتان من العذيب على ليلة. # الرماح اليزنية: منسوبة إلى ذي يزن الملك، ويقال الأيزنية، قال ذو الرمة: # أرين الذي استودعن سوداء قلبه ... هوى مثل شك الأيزني النواجم # هكذا جاءت الرواية في هذا البيت. # الدروع تنسب إلى فرعون. قال راشد بن كثير: # بكل فرعونية لونها ... مثل بصيص البغشة الغادية # وتنسب إلى داود، وسليمان، وتبع، ومحرق، يريدون بذلك القدم وجودة الصنعة. # الكنائن الزغرية: منسوبة إلى زغر وهو موضع بالشام تعمل فيه ms358 كنائن حمر ~~مذهبة. # قال أبو دؤاد يصف فرسا: # ككنانة الزغري زي ... نها من الذهب الدلاص # السمهري: الرمح الشديد، يقال: اسمهر الأمر، إذا اشتد. # الأتحمية: برود منسوبة إلى أتحم باليمن. # القعضبية: ضرب من الأسنة، تنسب إلى قعضب، رجل قشيري كان يعملها، وكذلك ~~الشرعبية أيضا. قال الأعشى: # ولدن من الخطى فيها أسنة ... ذخائر مما سن أبزى وشرعب # والشرعبية أيضا من الثياب الحارية في قول امرئ القيس: # فلما دخلناها أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاري جديد مشطب # قال الأصمعي: احتبوا بحمائل سيوفهم قال أبو عبيدة: ما نسبت إلى الحيرة ~~سيوف قط، وإنما يريد الرحال كما قال الآخر: مشددة برحال الحيرة الجدد قال ~~ابن الكلبي: أول من اتخذ الرحال علاف، وهو زبان بن جرم؛ فلذلك قيل للرحال ~~علافية وأول من عمل الحديد من العرب الهالك بن مراد بن أسد بن خزيمة؛ فلذلك ~~قيل لبني أسد القيون، وقيل لكل حداد: هالكي. # قال أبو عبيدة: أجود السهام التي صنعتها العرب في الجاهلية سهام بلام، ~~وسهام يثرب، وهما بلدان قريبان من حجر اليمامة، وأنشد الأعشى: بسهام يثرب ~~أم سهام بلام سلوق: قرية باليمن، وإليها تنسب الكلاب والدروع. # سيف مشرفي: منسوب إلى مشرف، وهي قرية باليمن كانت السيوف تعمل بها، وليس ~~قول من قال أنها منسوبة إلى مشارف الشام أو مشارف الريف بشيء عند العلماء، ~~وإن قاله بعضهم. # والسيوف السريجية: منسوبة إلى سريج رجل من بني أسد، قال محمد بن حبيب: هو ~~أحد بني معرض بن عمرو بن أسد بن خزيمة، وكانوا قيودنا. # الدروع الحطمية: منسوبة إلى حطمة بن محارب بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن ~~عبد القيس بن أفصى. # وقال ابن الكلبي: هي منسوبة إلى حطم، وهو أحد بني عمرو بن مرثد من بني ~~قيس بن ثعلبة، وقال الأصمعي: لا أعلم ما تنسب إليه. # الخط: جزيرة بالبحرين تنسب إليها الرماح، قال الأصمعي: ليست تنبت الرماح ~~لكن سفن الرماح ترفأ إلى هذا الموضع فقيل للرماح خطية. PageV01P190 والمسك ~~الدارئ: منسوب إلى دارين، يعني عطارا بالبحرية، زعم ذلك أبو جعفر ms359 محمد بن ~~حبيب البغدادي، والأكثر المشهور عند العلماء أن دارين وغزة موضعان بالشام. # عصفور، وداعر وشاعر، وذا الكلبتين: فحول إبل النعمان بن المنذر. # عصافير النعمان: أولاد عصفور الفحل، وهو أكرم فحل للعرب فيما يزعمون. # والقسي العصفورية: منسوبة إلى رجل يسمى عصفورا، حكاه الجاحظ. وأنشد لابن ~~بشير: # عطف السيات بواقع في بذلها ... تعزى إذا نسبت إلى عصفور # يعني قسي البندق، ودعا بها على حمام جاره. # ويقال للقسي أيضا الماسخية منسوبة إلى رجل من الأزد، واسمه ماسخة هو أول ~~من عملها. # والإبل العسجدية والعبدية والعمانية: إبل ضربت فيها الوحوش. # والإبل الشذقمية والجديلية عن غيره منسوبة إلى شذقم وجديل، وهما فحلان ~~مشهوران. # الحمر الأخدرية: منسوبة إلى حمار يسمى أخدر، وقيل: هو فرس كان لبعض ~~الملوك، أظنه أزدشير بن بابك، توحش فضرب في عانة فنسبت أولاده إليه، وهو ~~أفره الحمر، هكذا تزعم العرب، والعادة أن يكون ما تناتج منه بغالا. فأما ~~الكداد فحمار معروف من الوحشية نتج. قال الفرزدق: # حمار لهم من بنات الكداد ... يدهمج بالوطب والمزود # والبغال يزعمون أن قارون أول من أنتجها؛ فهي تنسب إليه، وقيل: بل أنتجها ~~قبله أفريدون. # باب العتاق من الخيل ومذكوراتها # وأول ما أذكر منها خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومراكبه، جريا على ~~العادة في التبرك باسمه: فمنها السكب وهو فرسه يوم أحد، حكاه ابن قتيبة، ~~ومنها المرتجز وكان له فرس يقال: اللزاز وفرس يقال له الضرب وفرس يقال له ~~اللجيف وفرس يقال له الورد وزاد غير ابن قتيبة فرسا يقال له سحة وكانت ~~بغلته يقال لها دلدل وكان حماره يقال له يعفور وكانت ركائبه القصوى ~~والجدعاء والعضباء. # وهذه خيل العرب: قال ابن قتيبة عن أبي عبيدة: الغراب والوجيه ولاحق ومذهب ~~ومكتوم كانت كلها لغنى. # وقال أحمد بن سعد الكاتب: كان أعوج أولا لكندة، ثم أخذته سليم، ثم صار ~~لبني عامر، ثم لبني هلال، قال ابن حبيب: ركب رطبا فاعوجت قوائمه وكان من ~~أجود خيل العرب، وأمه سبل كانت لغنى، وأم سبل البشامة، كانت لجعدة، ولهم ms360 ~~أيضا الفياض. # قال ابن سعد: والوجيه ولاحق لبني سعد، قيل: وحلاب لبني تغلب، والصريح ~~لبني نهشل، وزعم غيره أنه كان لآل المنذر، وجلوى لبني ثعلب ابن يربوع، وذو ~~العقال لبني رياح بن يربوع، وهو أبو داحس، وكان داحس والغبراء لبني زهير، ~~وهي خالة داحس، وأخته من أبيه ذي العقال، وقرزل والخطار والحنفاء لحذيفة بن ~~بدر، وهي أخت داحس من أبيه وأمه، وقرزل آخر للطفيل بن مالك، وحذفة لخالد بن ~~جعفر بن كلاب، وحذفة أيضا لصخر بن عمرو بن الشريد، والشقراء لزهير بن جذيمة ~~العيسى، والزعفران لبسطام ابن قيس، والوديقة ونصاب وذو الحمار لمالك بن ~~نويرة، والشقراء أخرى لأسيد بن حناءة السليطي، والشيط لأنيف بن جبلة الضبي، ~~والوجيف لعامر بن الطفيل والكلب والمزنوق والورد له أيضا، والخنثى فرس ~~لعمرو بن عمرو بن عدس، والهداج فرس الريب بن شريق السعدي، وجزة فرس يزيد بن ~~سنان المري فارس غطفان، والنعامة للحارث بن عباد، وابن النعامة لعنترة، ~~والنحام فرس السليك بن السلكة السعدي، والعصا فرس جذيمة بن مالك الأزدي، ~~والهراوة لعبد القيس بن أفصى، واليحموم فرس النعمان بن المنذر، وكامل فرس ~~زيد الخيل، والربد فرس الحوفزان، وأبو الزعفران فرس بسطام، والعرادة فرس ~~الكحلبة اليربوعي، انتهى كلام أحمد بن سعد. # وعن ابن دريد: القطيب فرس كان للعرب، وكذلك البطين واللعاب والعباءة فرس ~~حري بن ضمرة النهشلي، والمدعاس فرس النواس بن عامر المجاشعي، وصهباء فرس ~~النمر بن تولب، وحافل فرس مشهور ذكره حرب بن ضرار في قوله: # كميت عبناة السراة نمى بها ... إلى نسب الخيل الصريح وحافل # والعسجدي لبني أسد، والشموس فرس زيد بن حذاق العبدي، والضيف لبني تغلب، ~~وهراوة الغراب فرس الريان بن حويص العنبري، يقال: PageV01P191 إنها جاءت ~~سابقة طول أربع عشرة سنة فتصدق بها على العزاب يتكسبون عليها في السباق ~~والغارات، والحرون فرس تنسب إليه الخيل، وكان لمسلم بن عمرو بن أسيد ~~الباهلي والزليف فرس مشهور، وهو من نسل الحرون، ومناهب فرس تنسب إليه الخيل ~~أيضا، قال الشمردل: # لأفحل ثلاثة سمينا ... مناهبا والضيف والحرونا ms361 # والعلهان: فرس أبي مليك عبد الله بن الحارث اليربوعي. # ومن أقدم الخيل زاد الراكب، وهبه سليمان عليه السلام لقوم من الأزد كانوا ~~أصهاره. # وكان إسماعيل عليه السلام أول من ذلل الخيل وركبها، وكانت قبل من سائر ~~الوحوش. # باب من المعاني المحدثة # قال أبو الفتح عثمان بن جني: المولدون يستشهد بهم في المعاني كما يستشهد ~~بالقدماء في الألفاظ، والذي ذكره أبو الفتح صحيح بين؛ لأن المعاني إنما ~~اتسعت لاتساع الناس في الدنيا، وانتشار العرب بالإسلام في أقطار الأرض، ~~فمصروا الأمصار، وحضروا الحواضر، وتأنقوا في المطاعم والملابس، وعرفوا ~~بالعيان عاقبة ما دلتهم عليه بداهة العقول من فضل التشبيه وغيره، وإنما ~~خصصت التشبيه لأنه أصعب أنواع الشعر، وأبعدها و متعاطى، وكل يصف الشيء ~~بمقدار ما في نفسه من ضعف أو قوة، وعجز أو قدرة، وصفة الإنسان ما رأى يكون ~~لا شك أصوب من صفته ما لم ير، وتشبيهه ما عاين بما عاين أفضل من تشبيه ما ~~أبصر بما لم يبصر، ومن هنا يحكى عن ابن الرومي أن لائما لامه فقال: لم لا ~~تشبه تشبيه ابن المعتز وأنت أشعر منه؟ قال: أنشدني شيئا من قوله الذي ~~استعجزتني في مثله، فأنشده في صفة الهلال: # فانظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر # فقال: زدني، فأنشده: # كأن آذريونها ... والشمس فيه كاليه # مداهن من ذهب ... فيها بقايا غاليه # فصاح: وا غوثاه، يا لله، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ذلك إنما يصف ~~ماعون بيته؛ لأنه ابن الخلفاء، وأنا أي شيء أصف؟ ولكن انظروا إذا وصفت ما ~~أعرف أين يقع الناس كلهم مني؟ هل قال أحد قط أملح من قولي في قوس الغمام: # وقد نشرت أيدي السحاب مطارفا ... على الأرض دكنا وهي خضر على الأرض # يطرزها قوس الغمام بأصفر ... على أحمر في أخضر وسط مبيض # كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض # وقولي في قصيدة في صفة الرقاقة: # ما أنس لا أنس خبازا مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر # ما بين رؤيتها ms362 في كفة كرة ... وبين رؤيتها زهراء كالقمر # إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر # وهذا كلام إن صح عن ابن الرومي فلا أظن ذلك أمرا لزمه في الدرك؛ لأن جميع ~~ما أراه ابن المعتز أبوه وجده في ديارهم كما ذكر أن ذلك علة للإجادة وعذر ~~فقد رآه ابن الرومي هنالك أيضا، اللهم إلا أن يريد أن ابن المعتز ملك قد ~~شغل نفسه بالتشبيه فهو ينظر ماعون بيته وأثاثه فيشبه به ما أراد، وأنا ~~مشغول بالتصرف في الشعر طالبا به الرزق: أمدح هذا مرة، وأهجو هذا كرة، ~~وأعاتب هذا تارة، وأستعطف هذا طورا، ولا يمكن أن يقع أيضا عندي تحت هذا، ~~وفي شعره أيضا من مليح التشبيه ما دونه النهايات التي لا تبلغ، وإن لم يكن ~~التشبيه غالبا عليه كابن المعتز. # ولم أدل بهذا البسط كله على أن العرب خلت من المعاني جملة، ولا أنها ~~أفسدتها، لكن دللت على أنها قليلة في أشعارها، تكاد تحصر لو حاول ذلك ~~محاول، وهي كثيرة في أشعار هؤلاء، وإن كان الأولون قد نهجو الطريق، ونصبوا ~~الأعلام للمتأخرين، وإن قال قائل: ما بالكم معشر المتأخرين كلما تمادى بكم ~~الزمان قلت في أيديكم المعاني، وضاق بكم المضطرب؟ قلنا: أما المعاني فما ~~قلت غير أن العلوم والآلات ضعفت، وليس يدفع أحد أن الزمان كل يوم في نقص، ~~وأن الدنيا على آخرها، ولم يبق من العلم إلا رمقه معلقا بالقدرة، ما يمسكه ~~إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه. PageV01P192 وإذا تأملت ~~هذا تبين لك ما في أشعار الصدر الأول الإسلاميين من الزيادات على معاني ~~القدماء والمخضرمين، ثم ما في أشعار طبقة جرير والفرزدق وأصحابهما من ~~التوليدات والإبداعات العجيبة التي لا يقع مثلها للقدماء، إلا في الندرة ~~القليلة والفلتة المفردة، ثم أتى بشار بن برد وأصحابه فزادوا معاني ما مرت ~~قط بخاطر جاهلي ولا مخضرم ولا إسلامي، والمعاني أبدا تتردد وتتولد، والكلام ~~يفتح بعضه بعضا وكان ابن الرومي ضنينا بالمعاني، حريصا عليها، يأخذ ms363 المعنى ~~الواحد ويولده، فلا يزال يقلبه ظهرا لبطن، ويصرفه في كل وجه، وإلى كل ~~ناحية، حتى يميته ويعلم أنه لا مطمع فيه لأحد، ثم نجد من بعده من لا ينتهيه ~~في الشعر، بل لا يعشره، قد أخذ المعنى بعينه فولد فيه زيادة، ووجه له وجهة ~~حسنة، لا يشك البصير بالصناعة أن ابن الرومي مع شرهه لم يتركها عن قدرة، ~~ولكن الإنسان مبني على النقصان. # وسأورد عليك من معاني المعاني المتقدمين، وأنظرها بأمثالها من أقوال ~~المولدين لا أعدوها ليتبين البرهان، هذا، على أنني ذممت إلى المحدثين ~~أنفسهم في أماكن من هذا الكتاب، وكشفت لهم عوارهم، ونعيت لهم أشعارهم، ليس ~~هذا جهلا بالحق، ولا ميلا إلى بنيات الطرق، لكن غضا من الجاهل المتعاطي، ~~والمتحامل الجافي، الذي إذا أعطي حقه تعاطى فوقه، وادعى على الناس الحسد، ~~وقال: أنا ولا أحد، وإلى كم أعيش لكم؟ وأي علم بين جنبي لو وجدت له ~~مستودعا؟ فإذا عورض في شعره بسؤال عن معنى فاسد أو متهم، أو طولب بحجة في ~~لحنة أو شاذ، أو نواظر في كلمة من ألفاظ العرب مصحفة أو نادرة، قال: هكذا ~~أعرف، وكأنما أعطي جوامع الكلم، حاش لله! وأستغفر الله، بل هو العمى ~~الأكبر، والموت الأصغر، وبأي إمام يرضى، وإلى أي كتاب يرجع، وعنده أن الناس ~~أجمعين بضعة منه، بل فضلة عنه، فهو كما قال حماد عجرد في يونس بن فروة: # أما ابن فروة يونس فكأنه ... من كبره أير الحمار القائم # ما الناس عندك غير نفسك وحدها ... والناس عندك ما خلاك بهائم # وأين من ذكر بشار بن برد حين قيل له: بم فقت أهل عمرك وسبقت أبناء عصرك: ~~في حسن معاني الشعر، وتهذيب ألفاظه؟ قال: لأني لم أقبل كل ما تورده علي ~~قريحتي، ويناجيني به طبعي، ويبعثه فكري، ونظرت إلى مغارس الفطن، ومعادن ~~الحقائق، ولطائف التشبيهات، فسرت إليها بفكر جيد، وغريزة قوية، فأحكمت ~~سبرها، وانتقيت حرها، وكشفت عن حقائقها، واحترزت عن متكلفها، ولا والله ما ~~ملك قيادي الإعجاب بشيء مما آتي به. # وكم ms364 في بلدنا هذا من الحفاث قد صاروا ثعابين، ومن البغاث قد صاروا ~~شواهين، إن البغاث في أرضنا يستنسر، ولولا أن يعرفوا بعد اليوم بتخليد ~~ذكرهم في هذا الكتاي، ويدخلوا في جملة من يعد خطله، ويحصى زلله؛ لذكرت من ~~لحن كل واحد منهم وتصحيفه وفساد معانيه وركاكة لفظه ما يدلك على مرتبته من ~~هذه الصناعة التي ادعوها باطلا، وانتسبوا إليها انتحالا، وقد بلغني أن بعض ~~من لا يتورع عن كذب، ولا يستحيي من فضيحة، زعم أني أخذت عنه مسائل في هذا ~~الكتاب لو سئل عنها الآن ما علمها، والامتحان يقطع الدعوى، كما قال بعض ~~الشعراء: # من تحلى بغير ما هو فيه ... فضح الإمتحان ما يدعيه # وكنت غنيا عن تهجين هذا الكتاب بالإشارة إلى من أشرت إليه آنفا من ذكره، ~~وعزوفا بهمتي عن الانحطاط إلى مساواته، ولكن رأيت السكوت عنه عجزا وتقصيرا، ~~كما قال أبو تمام: # ترك اللئيم ولم يمزق عرضه ... نقص على الرجل الكريم وعار # وكما قال أبو الطيب، وقد استحق المعنى عليه: # إذا أتت الإساءة من وضيع ... ولم ألم المسيء فمن ألوم؟ PageV01P193 ثم ~~أعود إلى التسطير فأطرح عن المحدث المولد ما كان من جنس تشبيه النعامة ~~للطرماح، وصفة الثور الوحشي له أيضا، وصفة مغارز ريش النعامة إذا أمرط ~~للشماخ، ومثل بيت العنكبوت فيما يمتد من لغام الناقة تحت لحييها في شعر ~~الحطيئة؛ وتشبيه الذباب بالأجذم، ولحيى الغراب بالجلم لعنترة، وأشباه هذا ~~مما انفردت به الأعراب والبادية كعادتها، كانفرادها بصفات النيران، ~~والفلوات الموحشة، وورود مياهها الآجنة، وتعسف طرقاتها المجهولة، إلى غير ~~ذلك مما لا يعرف عيانا؛ إذ كان المحدث غير مأخوذ به، ولا محمول عليه، ألا ~~ترى إلى أبي نواس وهو متقدم في المحدثين لما وصف الأسد وليس من معارفه، ~~ولعله ما شاهده قط إلا مرة في العمر إن كان شاهده؛ دخل عليه الوهم فجعل ~~عينيه بارزة وشبههما بعيون المخنوق، وقام عنده أن هذا أشنع وأشبه بشتامة ~~وجه الأسد، وذهب عنه من صفة أبي زبيد وغيره لغؤور عينيه مما هو أعلم ms365 به ممن ~~أخذ عليه، وأكثر ظني والله أعلم أن أبا نواس إنما رجع بالصفة الرجل المشبه ~~بالأسد، وجعل أزورار عينيه وبروز جفنيه من علامات الغيظ والحنق على أقرانه ~~في الحرب. # وكذلك لما تعاطى الأعرابي أبو نخيلة ما لا يعرف قال: ولم تذق من البقول ~~الفستقا فجعله بقلا على ما في نفسه من لعاع البقل. # على أن المحدثين قد شاركوا القدماء في كل ما ذكرته أيضا، إلا أولئك أولى ~~به، وأحق بالتقدمة فيه، كما خالطوهم في صفات النجوم ومواقعها، والسحب وما ~~فيها من البروق والرعود، والغيث وما ينبت عنه، وبكاء الحمام، وكثير مما لا ~~يتسع له هذا الباب، ولكني أفرد كتابا قائما بنفسه أذكر فيه ما انفرد به ~~المحدثون، وما شاركهم فيه المتقدمون، وآتي ها هنا من هذين النوعين بما يسد ~~خلة المفتقر إلى سماعه من المبتدئين. # قال النابغة يذكر طول ليله: # كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب # تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآيب # وقال أبو الطيب في وزنه ورويه: # أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ... وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب # فإن نهاري ليلة مدلهمة ... على مقلة من فقدكم في غياهب # فأنت ترى ما فيه من الزيادة وحسن المقصد، على أن بيتي النابغة عندهم في ~~غاية الجودة. # وقال يزيد بن الطثرية حين حلق أخوه ثور جمته: # فأصبح رأسي كالصخيرة أشرفت ... عليها عقاب ثم طارت عقابها # وهذا البيت من أفضل الأوصاف وأحسنها بيانا عند قدامة وغيره. # وقال بعض المتأخرين، وأحسبه الزيادي، في غلام حلقت وفرته: # حلقوا رأسه ليكسوه قبحا ... غيرة منهم عليه وشحا # كان صبحا عليه ليل بهيم ... فمحوا ليله وأبقوه صبحا # وقال رؤبة بن العجاج: # أمست شواتي كالصفاة صفصفا ... فصار رأسي جبهة إلى القفا # فقال ابن الرومي وأحسن ما شاء: # يجذب من نقرته طرة ... إلى مدى يقصر عن نيله # فوجهه يأخذ من رأسه ... أخذ النهار الصيف من ليله # ولو تتبعت هذا لأطلت في غير موضع الإطالة. # فأما ما انفرد به المحدثون فمثل قول بشار: # يا ms366 قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا # قالوا: بمن لا ترى تهذي؟ فقلت لهم: ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا # وكرره فقال: # قالت عقيل بن كعب إذ تعلقها ... قلبي وأمسى به من حبها أثر: # أنى ولم ترها تهذي؟ فقلت لهم: ... إن الفؤاد يرى ما لا يرى البصر # وقوله أيضا: # وكيف تناسى من كأن حديثه ... بأذني وإن غيبت قرط معلق # واختراعاته كثيرة، واشتهاره بذلك يغني عن الإنشاد له. # وكقول أبي نواس، وقد ذكر المبرد أنه لم يسبق إليه، وهو: # أيها الرائحان باللوم لوما ... لا أذوق المنام إلا شميما # نالني بالملام فيها إمام ... لا أرى لي خلافه مستقيما # فاصرفاها إلى سواي فإني ... لست إلا على الحديث نديما # كبر حظى منها إذا هي دارت ... أن أراها أو ان أشم النسيما PageV01P194 ~~فكأني وما أزين منها ... قعدي يزين التحكيما # كل عن حمله السلاح إلى الحر ... ب فأوصى المطيق أن لا يقيما # القعدية: فرقة من الخوارج ترى الخروج وتأمر به، وتقعد عنه. # وقوله أيضا: # بنينا على كسرى سماء مدامة ... مكللة حافاتها بنجوم # فلو رد في كسرى بن ساسان روحه ... إذا لاصطفاني دون كل نديم # وهذا المعنى أيضا لم يتناوله أحد قبله. # وكذلك قوله: # قد قلت للعباس معتذرا ... من ضعف شكريه ومعترفا: # أنت امرؤ جللتني نعما ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا # فإليك مني اليوم تقدمة ... تلقاك بالتصريح منكشفا # لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا # وقال أيضا في صفة النساء الخمارات، ويروي لابن المعتز: # وتحت زنانير شددن عقودها ... زنانير أعكان معاقدها السرر # فهذا تشبيه ما علمت أنه سبق إليه. # وقال أيضا: # لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلى؟ # لو تفرعت لاستطالة ليلى ... ولرعي النجوم كنت مخلا # ومعاني أبي نواس واختراعاته كثيرة. # وأكثر المولدين معاني وتوليدا فيما ذكره العلماء أبو تمام، غير أن القاسم ~~بن مهرويه قد زعم أن جميع ما لأبي تمام من المعاني ثلاثه: أحدها قوله: # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود # لولا ms367 اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود # والثاني قوله: # بني مالك، قد نبهت خامل الثرى ... قبور لكم مستشرقات المعالم # غوامض قيد الكلف من متناول ... وفيها علا لا يرتقي بالسلالم # والثالث قوله: # يأبى على التصريد إلا نائلا ... إن لم يكن محضا قراحا يمذق # نزرا كما استكرهت عائر نفحة ... من فأرة المسك التي لم تفتق # وأنا أقول: إن أكثر الشعراء اختراعا ابن الرومي، وسيأتي برهان ذلك في ~~الكتاب الذي شرطت تأليفه إن شاء الله سبحانه.. ولا بد ها ههنا من نبذ يسيرة ~~أشغل بها الموضع: منها قوله: # عيني لعينك حين تنظر مقتل ... لكن لحظتك سهم حتف مرسل # ومن العجائب أن معنى واحدا ... هو منك سهم وهو مني مقتل # وقوله في عتاب: # توددت حتى لم أدع متوددا ... وأفنيت أقلامي عتابا مرددا # كأني أستدعي بك ابن حنية ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا # وقوله في أبيات يتغزل فيها، وإن كان قد كرر المعنى: # نظرت فأقصدت الفؤاد بلحظها ... ثم انثنت عنه فظل يهيم # فالموت إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم # وقوله ولم أسمع أحسن منه في معناه: # وما يعتريها آفة بشرية ... من النوم إلا أنها تتبختر # وغير عجيب طيب أنفاس روضة ... منورة باتت تراح وتمطر # كذلك أنفاس الرياض بسحرة ... تطيب، وأنفاس الورى تتغير # باب في أغاليط الشعراء والرواة # ولا بد أن يؤتى على الشاعر المفلق، والعالم المتقن؛ لما بني عليه الإنسان ~~من النقص والتقصير، وخير ما في ذلك أن يرجع المرء إلى الحق إذا سمعه، ولا ~~يتمادى على الباطل لجاجة وانفة من الخطأ؛ فإن تماديه زيادة في الخطأ الذي ~~أنف منه. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي، عن أبي علي الآمدي، عن علي بن ~~سليمان الأخفش، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: تلاحى مسلم بن الوليد وأبو ~~نواس، فقال مسلم: ما أعلم بيتا لك يخلو عن سقط، فقال أبو نواس: اذكر شيئا ~~من ذلك، فقال: بل أنشد أنت أي بيت شئت، فأنشد أبو نواس: # ذكر الصبوح بسحرة ms368 فارتاحا ... وأمله ديك الصباح صياحا # فقال مسلم: قف عند هذا، لم أمله ديك الصباح، وهو يبشره بالصبوح، وهو الذي ~~يرتاح إليه؟ فقال أبو نواس: فأنشدني أنت، فأنشده: # عاصى الشباب فراح غير مفند ... وأقام بين عزيمه وتجلد # فقال أبو نواس: PageV01P195 ناقضت، ذكرت أنه راح، والرواح لا يكون إلا ~~بالانتقال من مكان إلى مكان، ثم قلت وأقام فجعلته منتقلا مقيما في حال، هذا ~~متناقض. # قال أبو العباس: وكلا البيتين صحيح، ولكن من طلب غيبا وجده ومن طلب له ~~مخرجا لم يفته. # قال الأصمعي: وأخطأ زهير في قوله كأحمر عاد ولا أدري لم خطأه وقد سمع قول ~~الله عز وجل: " وأنه أهلك عادا الأولى " فهل قال هذا إلا وثم عاد أخرى؟ وهي ~~هلكت بالنمل من ولد قحطان. قال قيس بن سعد بن عبادة: سراويل عادي نمته ثمود ~~وكان يقال لثمود عاد الصغرى. # وخطأ الشماخ في قوله في وصف ناقته: رحى حيزومها كرحى الطحين ظنه يصفها ~~بالكبر، وهو عيب لا محالة، وإنما وصفها بالصلابة لا غير. وأخذ ابن بشر ~~الآمدي على البحتري قوله: # هجرتنا يقظى وكادت على مذ ... هبها في الصدود تهجر وسنى # قال: هذا غلط؛ لأن خيالها يتمثل له في كل أحوالها، يقظى كانت أو وسنى أو ~~ميتة، والجيد قوله: # أرد دونك يقظانا ويأذن لي ... عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا # وأنا أقول: إن مراده أنها لشدة هجرها له ونحوها عليه لا تراه في المنام ~~إلا مهجورا، ولا تراه جملة، فالمعنى حينئذ صحيح لا فساد فيه، ولا غلط، ولعل ~~الرواية وكادت وهذا موجود في كلام الناس اليوم، ومثله يقولون: " فلان لا ~~يرى لي مناما صالحا " وليس بين بيتي البحتري تناسب من جهة المعنى جملة ~~واحدة؛ لأنه أولا يحكي عنها، وثانيا يحكي عن نفسه، بلى إن في اللفظ اشتراكا ~~ظاهرا. # وفي كتاب عبد الكريم من المأخوذ على أبي تمام قوله: # مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل # قال: فيه غلط من أجل أنه نفى عن النساء لين القنا، وإنما ms369 قيل للرماح ~~ذوابل للينها وتثنيها، فنفى ذلك أبو تمام عن قدود النساء التي من أكمل ~~أوصافها اللين والتثني والانعطاف. # قلت أنا: أما أبو تمام فقوله الصواب؛ لأنهم يقولون رمح ذابل إذا كان شديد ~~الكعوب صلبا، وهو الذي تعرف العرب، ومنه قولهم: " ذبلت شفتاه " إذا يبستا ~~من الكرب أو العطش أو نحوهما، فأما كلام المعترض فغير معروف إلا عند ~~المولدين؛ فإنهم يقولون: " نوارة ذابلة " وليسوا بقدوة؛ على أن كلامهم راجع ~~إلى ما قلناه، إنما ذلك لقلة المائية وابتداء اليبس، وإنما نقل عبد الكريم ~~كلام ابن بشر الآمدي. # قال الأصمعي: قرأت على أبي محرز خلف بن حيان الأحمر شعر جرير، فلما بلغت ~~إلى قوله: # وليل كإبهام الحباري محبب ... إلي هواه غالب لي باطله # رزقنا به الصيد الغرير ولم نكن ... كمن نبله محرومة وحبائله # فيا لك يوما خيره قبل شره ... تغيب واشيه وأقصر عاذله # قال خلف: ويحه، ما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ فقلت: هكذا قرأته على أبي عمرو ~~بن العلاء، قال: صدقت، وكذا قال جرير، وكان قليل التنقيح لألفاظه، وما كان ~~أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع، قلت: فكيف يجب أن يكون قال: الأجود أن يكون " ~~خيره دون شره " فاروه كذلك، وقد كانت الرواة قديما تصلح أشعار الأوائل، ~~فقلت: والله لا أرويه إلا كذا. # قلت أنا: أما هذا الإصلاح فمليح الظاهر، غير أنه خلاف الظاهر، وذلك أن ~~الشاعر أراد أنه كان ليلة في وصال، ثم فارق حبيبه نهارا، وذلك هو الشر الذي ~~ذكر، والرواية جعله لم يفارق فغير عليه المعنى، إلا أن تكون الرواية ويوم ~~كإبهام الحبارى فحينئذ.. على أن دون تحتمل ما قصد، وتحتمل معنى قبل؛ فهي ~~لفظة مشتركة، وتكون أيضا بمعنى بعد؛ لأنها من الأضداد، ولكن في غير هذا ~~الموضع. وخطأ الأصمعي بشامة بن الغدير في قوله يصف راحلته: # وصدر لها مهيع كالحليف ... تخال بأن عليه شليلا # لأن من صفة النجائب قلة الوبر وخطأ أيضا كعب بن زهير في قوله يصف راحلته: ~~فعم مقيدها ضخم مقلدها لأن النجائب دقيقات المذابح. ms370 # ونبه أو الفضل بن العميد على البحتري في بيت كسره، وهو قوله: # لماذا تتبع النفس شيئا ... جعل الله الفردوس منه جزاء # قال ننشده: جعل الله الخلد منه جزاء ليستقيم، حكى ذلك الصاحب بن عباد.. ~~وأنشد له أيضا: # أبا غالب بالجود تذكر واجبي ... إذا ما غني الباخلين نسيه PageV01P196 ~~وزعم أنه لحن، ولست أرى به بأسا، هذا الشاعر أسكن الياء لما يقتضيه بناء ~~القافية، فإذا أسكن الياء وما قبلها مكسور لم تكن الهاء إلا مكسورة إتباعا ~~لما قبلها، لا سيما وهي طرف، وقد فعلوا مثل هذا في وسط الكلمة.. وقال رؤبة: ~~كأن أيديهن بالقاع القرق ولم يقل أيديهن بالضم استثقالا، وأيضا فكأنه أعني ~~البحتري نوى الوقوف، ثم جر القافية كعادتهم في تحريك الساكن أبدا إلى الجر. # وأنشد الصاحب بن عباد قال: أنشدني علي بن المنجم، قال: أنشدني أبو الغوث ~~لأبيه: # وأحق الأيام بالأنس أن يؤ ... ثر فيه يوم المهرجان الكبير # وأنا أقول: إن أبا الغوث جاء من قبله الخذلان في هذه الرواية، فويل ~~للآباء من أبناء السوء، ودع المثل القديم، ولا أظن البحتري قال إلا: # وأحق الأيام بالأنس أن تؤ ... ثره فيه يوم المهرجان الكبير # وأخذ الأحمر على المفضل روايته في قول امرئ القيس: نمس بأعراف الجياد ~~أكفنا وما هو إلا نمش أي: نمسح، والمشوش المنديل. # وكذلك قول المفضل: # إذا ألم خيالها طرقت ... عيني فماء شجونها سجم # وإنما هو طرفت بالفاء. # وأخذ عليه الأصمعي في قول أوس: تصمت بالماء تولبا جذعا وإنما هو جدعا ~~بدال مكسورة غير معجمة، ولأمر ما قال ذو الرمة لموسى بن عمرو: اكتب شعري، ~~فالكتاب أعجب إلي من الحفظ؛ لأن الأعرابي ينسى الكلمة قد تعب في طلبها ~~ليلة، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا ~~يبدل كلاما بكلام. # قال الأخطل: أخطأ الفرزدق حيث قال: # أبني غدانة إنني حررتكم ... فوهبتكم لعطية بن جعال # لولا عطية لاجتدعت أنوفكم ... من بين ألأم اوجه وسبال # كيف يكون وهب له وهو يهجوهم هذا الهجاء؟ فانبرى له فتى ms371 من بني تميم فقال: ~~وأنت الذي قلت في سويد بن منجوف: # فما جذع سوء خرق السوس بطنه ... لما حملته وائل بمطيق # أردت هجاءه فزعمت أن وائلا تعصب به الحاجات، وقدر سويد لا يبلغ ذلك ~~عندهم، فأعطيته الكثير، ومنعته القليل، وأردت أن تهجو حاتم بن النعمان ~~الباهلي، وأن تصغر شأنه، وتضع من قدره؛ فقلت: # وسود حاتما أن ليس فيها ... إذا ما أوقد النيران نار # فأعطيته السؤدد من قيس الجزيرة، ومنعته ما لا يضر منعه؛ وأردت أن تمدح ~~سماكا الأسدي فقلت: # نعم المجير سماك من بني أسد ... بالطف إذ قتلت جيرانها مضر # قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه ... فالآن طير عن أثوابه الشرر # فانصرف الأخطل خجلا. # قال الحسن لعلي بن زيد: أرأيت قول الشاعر: # لولا جرير هلكت بجيله ... نعم الفتى وبئست القبيلة # مدحه أم هجاه؟ قال: مدحه وهجا قومه، فقال الحسن: ما مدح من هجي قومه. # وقال من اعتذر للنابغة في قوله: # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأي عنك واسع # إنما قدم الليل في كلامه لأنه أهول، ولأنه أول، ولأن أكثر أعمالهم إنما ~~كانت فيه؛ لشدة حر بلدهم، فصار ذلك عندهم متعارفا. # وكذلك اعترفوا لزهير في قوله يصف الضفادع: # يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغمر والغرقا # فقال: لم يرد أنها تخاف الغرق على الحقيقة، ولكنها عادة من هرب من ~~الحيوان من الماء، فكأنه مبالغة في التشبيه، كما قال الله عز وجل: " وإن ~~كان مكرهم لتزول منه الجبال " وقال: " وبلغت القلوب الحناجر " والقول فيهما ~~محمول على كاد هكذا الحذاق من المفسرين، مع أنا نجد الأماكن البعيدة القعر ~~من البحار لا تقربها دابة، خوفا على نفسها من الهلكة، فكأنه أراد المبالغة ~~في كثرة ماء هذه الشربات، وإنما اقتدى فيه بقول أوس بن حجر: # فباكرن جونا للعلاجيم فوقه ... مجالس غرقى لا يحلا ناهله # وعند القاضي الجرجاني من غلط أبي النواس في الوزن قوله: # رأيت كل من كان أحمقا معتوها ... في ذا الزمان صار المقدم الوجيها # يارب نذل وضيع نوهته تنويها ms372 ... هجوته لكيما أزيده تشويها PageV01P197 ~~ولم يقل أبو نواس فيما علمت إلا رب وضيع نذل وهذا أفرط في التعصب والحمية ~~على أبي نواس وغيره لمن لا يجري في حلبتهم ولا يشق غبارهم. # باب ذكر منازل القمر # ولما رأيت العرب وهم أعلم الناس بهذه المنازل وأنوائها؛ لأنها سقف ~~بيوتهم، وسبب معايشهم وانتجاعهم غلطوا فيها فقال أحدهم: من الأنجم العزل ~~والرامحة.. وقال امرؤ القيس. # إذا ما الثريا في السماء تعرضت فأتى بتعرض الجوزاء، ورأيت كل من عني ~~بالنجوم من المحدثين واستوفى جميع المنازل مخطئا، لا شك في خلافه؛ لأنه ~~إنما يصف نجوم ليلة سهرها، والنجوم كلها لا تظهر في ليلة واحدة، ولذلك قلت ~~أنا احتياطا في الليل من نسيب قصيدة مدحت بها السيد أبا الحسن أدام الله ~~عزه: # قد طال حتى خلته ... من كل ناحية وسط # وتكررت فيه المنا ... زل منه لا مني الغلط # وجب أن أذكر هذه المنازل وأنواءها، واختلاف الناس فيها، وعولت في ذلك على ~~ما ذكره أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، مجتهدا فيما استطعت من ~~البيان والاختصار، إن شاء الله تعالى. # السنة أربعة أجزاء، لكل جزء منها سبعة أنواء، لكل نوء ثلاثة عشر يوما، ~~إلا نوء الجبهة فإنه أربعة عشر يوما، زيد فيه يوم لتكمل السنة ثلاثمائة ~~وخمسة وستين يوما، وهو المقدار الذي تقطع الشمس فيه بروج الفلك الاثنى عشر، ~~لكل برج منزلتان وثلث منزلة، وكلما نزلت الشمس منزلة من هذه المنازل سترته؛ ~~لأنها تستر ثلاثين درجة: خمسة عشر من خلفها، ومثلها من أمامها، فإذا انتقلت ~~عنها ظهرت، هكذا قال الزجاجي. # وإذا اتفق أن تطلع منزلة من هذه المنازل بالغداة ويغرب رقيبه فذلك النوء ~~لا يتفق لكل منزلة إلا مرة واحدة في السنة، وهو مأخوذ من ناء ينوء إذا نهض ~~متثاقلا، والعرب تجعل النوء للغارب؛ لأنه ينهض للغروب متثاقلا، وعلى ذلك ~~أكثر أشعارها، وتفسير بعض العلماء في قوله تعالى: " ما إن مفاتحه لتنوء ~~بالعصبة أولى القوة " أي: تميل بهم الأرض، وهذا التفسير أوجه من قول من جعل ~~الكلمة ms373 من المقلوب، قال: وبعضهم يجعله للطالع، وهذا هو مذهب المنجمين؛ لأن ~~الطالع له التاثير والقوة، والغارب ساقط لا قوة له ولا تأثير. قال المبرد: ~~النوء على الحقيقة للطالع من الكوكبين، لا الغارب، وهذه المنازل كلها يطلع ~~بها الفلك من المشرق، ويغرب في المغرب، كل يوم وليلة، وتلك دورة من دوراته. # الربع الأول من السنة، وابتداؤه من سبعة عشر يوما من آذار، وبعضهم يجعله ~~في عشرين يوما منه، فيستوي حينئذ الليل والنهار منه، ويطلع مع الغداة فرع ~~الدلو الأسفل، وهو المؤخر، ويسقط العواء، وإليها ينسب النوء، وهي تمد وتقصر ~~وصفتها خمسة كواكب كأنها ألف معطوفة الذنب إلى اليسار، وبذلك سميت، وتقول ~~العرب: عويت الشيء، إذا عطفته، وقال آخرون: بل هي كأنها خمسة أكلب تعوي خلف ~~الأسد، قال ابن دريد: هي دبر الأسد، والعواء في كلامهم الدبر. # النوء الثاني: السماك، وهما سماكان: أحدهما السماك الأعزل، نجم وفاد، ~~شبهوه بالأعزل من الرجال، وهو الذي لا سلاح معه، وهو منزل القمر، والآخر: ~~كوكب تقدمه آخر، شبهوه بالرمح، وهما ساقا الأسد، وسمي سماكا لعلوه، ولا ~~يقال لغيره إذا علا سماك، هكذا قال سيبويه مما حكى الزجاجي عن أبي إسحاق ~~الزجاج، غير أنه قال في الأعزل: وقيل إنما سمي أعزل لأن القمر لا ينزل به. # وأنا أقول: القول الآخر خلاف ما عليه جميع الناس، ورؤية العين تدركه على ~~غير ما يزعم الزاعم. # النوء الثالث: الغفر، وهو ثلاثة كواكب غير زهر، وبذلك سميت، من قولك: ~~غفرت الشيء، إذا غطيته، ومنه سميت الغفارة التي تلبس، وقيل: إنما سمي غفرا ~~من الغفرة، وهي الشعر الذي طرف ذنب الأسد، وقال أبو عبيدة: الغفر كل شعر ~~صغير دون الكثير، وكذلك هو في الريش، وقال قوم: هو من النكس في المرض، ~~يقال: أغفر المريض، إذا نكس، كأن النكس غطاء العافية. # النوء الرابع: الزبانان، كوكبان مفترقان، وهما قرنا العقرب، وقيل: يداها، ~~وسميا زبانين لبعد كل واحد منهما عن صاحبه، من قولهم: زبنت كذا، إذا دفعته ~~لتبعده عن نفسك، ومنه اشتقاق الزبانية؛ لأنهم يدفعون ms374 أهل النار إليها. # النوء الخامس: الإكليل، ثلاثة كواكب على رأس العقرب، وبذلك سميت إكليلا. ~~PageV01P198 النوء السادس: القلب، كوكب أحمر وقاد: جعلوه للعقرب قلبا، على ~~معنى التشبيه. # النوء السابع: الشولة، كوكبان أحدهما أخفى من الآخر، وهما ذنبا العقرب، ~~وذنب العقرب شائل أبدا، فشبه به، هذا قول بعضهم، وبعضهم يجعل الشولة الإبرة ~~التي في ذنب العقرب، وهم أهل الحجاز، وهو أصح على مذهب من زعم أنهما كوكبان ~~فقط. # الربع الثاني: الصيف، أول أنوائه " النعائم " وهي ثمانية كواكب نيرة: ~~أربعة منها في المجرة تسمى الواردة، وأربعة خارجة منها تسمى الصادرة، وشبهت ~~بالخشبات التي تكون على البئر يعلق بها البكرة والدلاء. # الثاني من الصيف " البلدة " وهي فرجة لطيفة لا شيء فيها، لكن بجوارها ~~كواكب تسمى القلادة، وإنما قيل لتلك الفرجة البلدة تشبيها بالفرحة التي بين ~~الحاجبين، إذا لم يكونا مقرونين، يقال منه: رجل أبلد، ويقال: بل شبهت ~~بالبلدة، وهي باطن الراحة كلها، وقيل: باطن ما بين السبابة والإبهام. # الثالث منه " سعد الذابح " وهما نجمان صغيران: أحدهما مرتفع في الشمال ~~معه كوكب آخر يقال هو شاته التي تذبح، والآخر هابط في الجنوب. # الرابع منه " سعد بلع " وهما كوكبان صغيران مستويان في المجرة، شبها بفم ~~مفتوح، يريد أن يبتلع شيئا، وقيل: إنما قيل بلع كأنه بلع شاته، وبلع غير ~~مصروف؛ لأنه معدول من بالع، مثل زفر وقثم، وسعد مضاف إليه. # الخامس منه " سعد السعود " وهما كوكبان: أحدهما أنور من الآخر، سمي بذلك ~~لأن وقت طلوعه ابتداء كمال الزرع وما يعيش به الحيوان من النبات. # السادس منه " سعد الأخبية " وهما كوكبان عن شمال الخباء، والأخبية أربعة ~~كواكب: واحد منها في وسطها يسمى الخباء؛ لأنها على صورة الخباء، وزعم ابن ~~قتيبة أنه سمي بذلك لطلوعه وقت انتشار الحيات والهوام، وخروج ما كان ~~مختبئا. # السابع: فرع الدلو الأعلى، وهو المقدم، وبعضهم يسميه العرقوة العليا ~~تشبيها بعرقوة الدلو، وهما كوكبان مفترقان نيران، وقيل له " دلو " لأنه ~~تأتي فيه الأمطار العظيمة، ويقال: بل سميا بذلك لأنهما مثل صليب الدلو الذي ~~يفرغ ms375 منه الماء. # الربع الثالث: الخريف، أول أنوائه " فرع الدلو الأسفل " وصورته كوكبان ~~مضيئان بينهما بعد صالح يتتبعان العرقوة العليا. # ثم الحوت، وهو كوكب أزهر نير في وسط السمكة. # ثم الشرطان، وهما مفترقان مع الشمال، منهما كوكب دونه في القدر، وسميا ~~شرطين لأن سقوطهما علامة ابتداء المطر واتصاله، وكل من جعل لنفسه علامة فقد ~~شرطها، ومنه سمي الشرط؛ لأن لهم علامة عرفوا بها. # ثم البطين: وهو ثلاثة كواكب طمس خفيات، وهو بطن الحمل، إلا أنه قد صغر. # ثم الثريا، ثم الثريا، وهو النجم، وصورتها ستة كواكب متقاربة حتى كادت ~~تتلاصق، وأكثر الناس يجعلها سبعة، وقد جاء الشعر بالقولين جميعا، سميت بهذا ~~لأن مطرها عنه تكون الثروة وكثرة العدد والغنى، وهي تصغير ثروي، ولم ينطق ~~بها إلا مصغرة. # ثم الدبران، كوكب وقاد على أثر نجوم تسمى القلاص، وقيل له " دبران " لأنه ~~دبر الثريا، أي: جاء خلفها، ويقال له أيضا " الراعي " و " التالي " و " ~~التابع " و " الحادي " على التشبيه. # ثم الهقعة، سميت بهذا تشبيها بالدائرة التي تكون عند عقب الفارس في جنب ~~الفرس، وصورتها ثلاثة أنجم صغار متقاربة كآثار رءوس أصابع ثلاث في ثرى إذا ~~جمعت الوسطى والسبابة والإبهام، وهي رأس الجوزاء. # الرابع: الشتاء، وهو آخر أرباع السنة، وأول أنوائه " الهنعة " سميت بذلك ~~لأنها كوكبان مقترنان كل واحد منهما منعطف على صاحبه، من قولك: هنعه، إذا ~~عطف بعضه على بعض، واقترانهما في المجرة بين الجوزاء والذراع المقبوضة. # ثم الذراعان، وهي ذراع الأسد المبسوطة والمقبوضة: كوكبان نيران بينهما ~~كواكب صغار تسمى الأظفار. # ثم النثرة، وهي لطخة لطيفة بين كوكبين، وهي عندهم ما بين فم الأسد وأنفه، ~~ومن الإنسان فرجة ما بين الشاربين حيال وترة الأنف، وقيل: إنما سميت نثرة ~~لأنها كقطعة سحاب نثرت. # ثم الطرف، عينا الأسد، وهما كوكبان صغيران بينهما نحو قامة في مرأى ~~العين. # ثم الجبهة، أربعة كواكب معوجة، في اليماني منها بريق، وهي جبهة الأسد ~~عندهم. # ثم الزبرة، نجمان يرى أحدهما أكبر من الآخر، ويقال لهما " الخرتان " ~~كأنهما نفذا إلى جوف ms376 الأسد، والعيان يبطل ذلك، كما قال الزجاجي. ~~PageV01P199 ثم الصرفة، كوكب وقاد عنده كواكب طمس، سمى بذلك لانصراف البرد ~~لسقوطه. # فهذه عدة المنازل وصفاتها، وإنما أضيفت إلى القمر دون الشمس، وحظهما فيه ~~واحد؛ لظهورها معه، وتسمى نجوم الأخذ، كأن الأرض تأخذ عنها بركات المطر، ~~وقيل: لأخذ الشمس والقمر سمتهما في سيرها. # باب في معرفة الأماكن والبلدان # قال أبو عبيدة: الحجاز هو ما بين الجحفة وجبل طيء، وإنما سمي حجازا لأنه ~~حجز ما بين نجد والغور، وحكى ابن قتيبة عن الرياشي عن الأصمعي: إذا خلفت ~~حجرا مصعدا فقد أنجدت، فلا تزال منجدا حتى تنحدر من ثنايا ذات عرق، فإذا ~~فعلت فقد أتهمت إلى البحر، فإذا عرضت لك الحرار وأنت منجد فتلك الحجاز، ~~وإذا تصوبت من ثنايا العرج واستقبلك المرخ والأراك فقد أتهمت، وسمي حجازا ~~لأنه حجز ما بين نجد وتهامة، فأما محمد بن عبد الله الأسدي فقال: حد الحجاز ~~الأول بطن نخلة وظهر جدة، والحد الثاني مما يلي الشام شغبى وبدا، والحد ~~الثالث مما يلي تهامة بدر والسقيا ورهاط وعكاظ، والحد الرابع ساية وودان، ~~ثم تنحدر إلى الحد الأول بطن نخل. # وأما بطن الجزيرة فإنها ما بين دجلة والفرات والموصل، والسودان: سواد ~~البصرة والأهواز ودست ميسان وفارس، وسواد الكوفة كسكر إلى الزاب وحلوان إلى ~~القادسية. # وجزيرة العرب قال أبو عبيدة: هي في الطول ما بين حفير أبي موسى إلى أقصى ~~اليمين، وفي العرض مل بين يبرين إلى السماوة. # وقال الأصمعي: هي ما بين نجران والعذيب، حكاه ابن قتيبة عن الرياشي، قال: ~~وحكى عنه أبو عبيدة أنها في الطول من أقصى عدن إلى ريف العراق، وفي العرض ~~من جدة وما والاها من طراز البحر إلى طراز الشام. # وقيل: سمي العراق تشبيها بعراق المزادة، وهو موضع الخرز المستطيل في ~~أسفلها، وقال بعضهم: هو جمع عرق؛ لاشتباك عروق النخل والشجر في تلك الأرض، ~~وقيل: إن اسمه بالفارسية إيران شهر أي: أسفل الأرض، فعربت. # وأما الشام واليمن فمن اليد اليمنى واليد الشؤمى، وهي الشمال؛ لأن الذي ms377 ~~يستقبل الشمس تكون اليمن عن يمينه والشام عن شماله، ويقال شأم بالهمز ~~والتخفيف، ومنهم من جعل الشام جمع شامة، وهي النكتة تكون في الجسم سوداء أو ~~نحو ذلك، وكذلك في الأرض. # قال ذو الرمة: # وإن لم تكوني غير شام بقفرة ... تجر بها الأذيال صيفية كدر # باب من الزجر والعيافة # وعنهما يكون الفأل والطيرة، وبين الطيرة والفأل فرقان عند أهل النظر ~~والمعرفة والحقائق؛ وذلك أن الفأل تقوية للعزيمة، وتحضيض على البغية، ~~وإطماع في النية؛ والطيرة تكسر النية، وتصد عن الوجهة، وتثنى العزيمة، وفي ~~ذلك ما يعطل الإحالة على المقادير. # وقد تفاءل النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عن الطيرة في قوله: " لا عدوى، ~~ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر " وقد تقدم ذكرها، وقيل في الهامة: إنها هده ~~المعرفة. # والطيرة من أحد شيئين: مشتقة إما من الطيران، كأن الذي يرى ما يكره أو ~~يسمع يطير، كما قال بعضهم: # عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير # وإما من الطير، وهو الأصل والمختار من الوجهين، هكذا ذكر الزجاجي. # وكانت العرب تزجر الطير والوحش؛ فمن قال بالقول الأول احتج بأن الوحش ~~يطير بها، وزجرت مع الطير، ومن قال بالقول الثاني قال: إنما الأصل في ~~الطير، ثم صار في الوحش، وقد يجوز أن يغلب أحد الشيئين على الآخر فيذكر ~~دونه ويرادان جميعا. # أنشد الجاحظ: # ما يعيف اليوم في الطير دوح ... من غراب البين أو تيس برح # قال: فجعل التيس من الطير؛ إذ قدم ذكر الطير وجعله من الطير في معنى ~~التطير، والعرب تتطير بأشياء كثيرة: منها العطاس، وسبب تطيرهم منه دابة ~~يقال له العاطوس يكرهونها، والغراب أعظم ما يتطيرون به، والقول فيه أكثر من ~~أن يطلب عليه شاهد، ويسمونه حاتما؛ لأنه يحتم عندهم بالفراق، ويسمونه ~~الأعور على جهة التطير بذلك؛ إذ كان أصح الطير بصرا، ويقال: سمي أعور ~~لقولهم: " عورات الرجل عن حاجته " إذا رددته عنها، وقد اعتذر أبو الشيص ~~للغراب وتطير بالإبل وإن كان غيره سبقه إلى المعنى فقال: # الناس يلحون غرا ms378 ... ب البين لما جهلوا # وما على ظهر غرا ... ب البين تطوى الرحل PageV01P200 ولا إذا صاح غرا ... ~~ب في الديار احتملوا # ما فرق الأحباب بع ... د الله إلا الإبل # وما غراب البين إ ... لا ناقة أو جمل # هكذا رويته، وبعضهم يجعل الشعر ما قرب الأحباب وبعده والناس يلحون.. بواو ~~مكان الهمزة يعطف بها. # وقال آخر فملح وظرف: # زعموا بأن مطيهم عون النوى ... والمؤذنات بفرقة الأحباب # لو أنها حتفي لما أبغضتها ... ولهابهم سبب من الأسباب # ويتطيرون بالصرد، ومن أسمائه الأخيل، والأخطب، ويقال: الأخيل الشقراق، ~~ويقال: بل طائر يشبهه، والولق أيضا الصرد، قال زبان بن منظور الفزاري في ~~حديث له كان مع نابغة بني ذبيان وقد تطير من جرادة سقطت عليه فرجع من الغزو ~~ومضى زبان فظفر وغنم: # تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير، وهي الثبور # بل شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا، وباطله كثير # يقولها في أبيات لا أقف على جملتها. # وقال شاعر قديم لزبان أيضا: # لا يمنعنك من بغا ... ء الخير تعقاد التمائم # لا، والتشاؤم بالعطا ... س ولا التيامن بالمقاسم # ولقد عدوت وكنت لا ... أعدو على واق وحاتم # وإذا الأشائم كالأيا ... من، والأيامن كالأشائم # قد خط ذلك في الزبو ... ر الأوليات القدائم # ويتشاءمون بالثور الأعضب، وهو المكسور القرن. # وقال الكميت ينفي الطير ويدفعها عن نفسه: # ولا أنا ممن يزجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب # ولا السانحات البارحات عشية ... أمر صحيح القرن أم مر أعضب # والبيت الأول من هذين يشبه بيت الأعشى الذي أنشده الجاحظ. # ومن أمثال العرب " فلان كبارح الأروى " وفيه قولان: أحدهما أن الأروى ~~يتشاءم بها، فإذا كانت بارحا فقد عظم الأمر، والآخر أنها إنما تكون في قرون ~~الجبال، ولا تكاد تكون سانحة ولا بارحة. # وفي السانح والبارح اختلاف: قال عمرو بن العلاء: سأل يونس رؤبة عن السانح ~~والبارح، فقال: السانح ما ولاك ميامنه، والبارح ما ولاك مياسره، قال ابن ~~دريد: السانح يتيمن به أهل نجد ويتشاءمون بالبارح، ويخالفهم أهل العالية ~~فيتشاءمون بالسانح ويتيمنون بالبارح. # قال الشاعر الهذلي ms379 يذكر امرأته: # زجرت لها طير السنيح فإن يكن ... هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها # قال: والسانح: الذي يلقاك وميامنه عن ميامنك، والبارح الذي يلقاك وشمائله ~~عن شمائلك، والجابه والناطح: اللذان يستقبلانك، والقعيد: الذي يأتيك من ~~ورائك. # قال صاحب الكتاب: الكارس الذي ينزل عليك من الجبل، حكاه الثعالبي، قال ~~أبو جعفر النحاس: السنيح عند أهل الحجاز: ما أتى عن اليمين إلى اليسار، ~~والبارح عندهم: ما أتى من اليسار إلى اليمين، وهم يتشاءمون بالسانح، ~~ويتيمنون بالبارح، وأهل نجد بالضد من ذلك، والسانح عندهم هو البارح عند أهل ~~الحجاز. # وقال المبرد: السانح: ما أراك مياسره فأمكن الصائد، والبارح: ما أراك ~~ميامنه فلم يمكن الصائد إلا أن ينحرف له. # وقد يتطيرون من البازي والغراب وأشياء كثيرة من جهة التسمية، ويتيمن بها ~~آخرون. # ومن مليح ما رأيت في الزجر والعيافة، قال الصولي: كان لأبي نواس إخوان لا ~~يفارقهم، فاجتمعوا يوما في موضع أخفوه عنه، ووجهوا إليه برسول معه ظهر ~~قرطاس لم يكتبوا فيه شيئا، وحزموه بزير وختموه بقار، وتقدموا إلى رسولهم أن ~~يرمى بالكتاب من وراء الباب، فرمى به، فلما رآه استعلم خبرهم فعلم أنه من ~~فعلهم وتعرف موضعهم وأتاهم فأنشدهم: # زجرت كتابكم لما أتاني ... كزجر سولنح الطير الجواري # نظرت إليه مخزوما بزير ... على ظهر، ومختوما بقار # فقلت: الزير ملهية ومله ... وقلت: القار من دن العقار # وقلت: الظهر أهيف ذو جمال ... تركب صدغه فوق العذار # فجئت إليكم طربا وشوقا ... فما أخطأت دراكم بداري # فكيف ترونني وترون زجري ... ألست من الفلاسفة الكبار؟! # باب ذكر المعاظلة والتثبيج PageV01P201 العظال في القوافي: التضمين، حكاه ~~الخليل بن أحمد، وزعم قدامة أن المعاظلة سوء الاستعارة، وهو عندهم مشتق من ~~التداخل والتراكب، ومنه تعاظلت الجراد والكلاب وأنشد قدامة بيت أوس بن حجر: # وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا # لأنه قد أساء الاستعارة عنده؛ لجعله الطفل تولبا، وهو ولد الحمار. # وأما التثبيج فهو طول الكلام واضطرابه، ولا يقال " كلام مثبج حتى يكون ~~هكذا، ويقال: رجل مثبج الخلق، إذا كان طويلا في اضطراب، ms380 والتثبيج عند ~~الصولي في الخط ألا يكون بينا، وكذلك هو الكلام. # وزعم قوم أن المعاظلة تداخل الحروف وتراكبها، كما عيب على كعب بن زهير ~~قوله: # تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول # وعاب ابن العميد حبيبا لقوله: # كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي، ومتى ما لمته لمته وحدي # بالتكرير في أمدحه أمدحه مع الجمع بين الحاء والهاء في كلمة، وهما معا من ~~حروف الحلق، وقال: هو خارج عن حد الاعتدال، نافر كل النفار، حكى ذلك عنه ~~الصاحب بن عباد. # وزعم آخرون أنها تركيب الشيء في غير موضعه، كقول الكميت بن زيد: # وقد رأينا بها حورا منعمة ... بيضا تكمل فيها الدل والشنب # وهذا البيت مما عابه عليه نصيب. # ومثله عندي قول أبي الطيب: # يحل المسك عن غدائرها الري ... ح ويفتر عن شنيب برود # باب الوحشي المتكلف والركيك المستضعف # الوحشي من الكلام: ما نفر عنه السمع، والمتكلف: ما بعد عن الطبع، ~~والركيك: ما ضعفت بنيته، وقلت فائدته، واشتقاقه من الركة، وهي المطر ~~الضعيف، وقيل: من الرك، وهو الماء القليل على وجه الأرض. # وأنشد النحاس # تهادى كعوم الرك يقطعه الحيا ... بأبطح سهل حين تمشي تأودا # وفلان ركيك أي: ضعيف العقل، ويقال للوحشي أيضا: حوشي، كأنه منسوب إلى ~~الحوش، وهي بقايا إبل وبار بأرض قد غلبت عليها الجن فعمرتها ونفت عنها ~~الإنس، لا يطؤها إنسي إلا خبلوه. # قال رؤبة: جرت رجالا من بلاد الحوش وإذا كانت اللفظة خشنة مستغربة: لا ~~يعلمها إلا العالم المبرز، والأعرابي القح؛ فتلك وحشية، وكذلك إن وقعت غير ~~موقعها، وأتى بها مع ما ينافرها، ولا يلائم شكلها. # وكان أبو تمام يأتي بالوحشي الخشن كثيرا ويتكلف. # وكذلك أبو الطيب كان يأتي بالمستغرب ليدل على معرفته، نحو قوله: كل آخائه ~~كرام بني الدنيا ولكنه كريم كرام وهذا مع غرابته وتكلفه غير محمول على ~~ضرورة يكون فيها عذر؛ لأن قوله كل إخوانه يقوم مقامه بلا بغاضة. # ومن التكلف قول إبراهيم بن سيار للفضل بن الربيع، ويروى أيضا لإبراهيم بن ~~شبابة: ms381 # هبني ظلمت وما ظلمت بل ظلم ... ت أقر كي يزداد طولك طولا # إن كان جرمي قد أحاط بحرمتي ... فأحط بجرمي عفوك المأمولا # فتبارك الله كأنهما لم يخرجا من ينبوع واحد. # قال إبراهيم بن المهدي لعبد الله بن صاعد كاتبه: إياك وتتبع الوحشي من ~~الكلام طمعا في نيل البلاغة؛ فإن ذلك هو العي الأكبر، عليك بما سهل مع ~~تجنبك ألفاظ السفل. # وقال أبو تمام يمدح الحسن بن وهب بالبلاغة: # لم يتبع شنع اللغات، ولا مشى ... رسف المقيد في طريق المنطق # ينشق في ظلم المعاني إن دجت ... منه تباشير الكلام المفلق # وقال علي بن بسام: # ولا خير في اللفظ الكريه استماعه ... ولا في قبيح اللحن والقصد أزين # قال علي بن عيسى الرماني: أسباب الإشكال ثلاثة: التغيير عن الأغلب ~~كالتقديم والتأخير وما أشبهه، وسلوك الطريق الأبعد، وإيقاع المشترك، وكل ~~ذلك اجتمع في بيت الفرزدق: # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # فالتغيير على الأغلب سوء الترتيب؛ لأن التقدير " وما مثله في الناس حي ~~يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه " يريد بالمملك هشام بن عبد الملك، والممدوح ~~هو إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك؛ وأما سلوك الطريق الأبعد فقوله ~~" أبو أمه أبوه " وكان يجزئه أن يقول " خاله " وأما المشترك فقوله " حي ~~يقاربه " لأنها لفظة " حي " تشترك فيها القبيلة والحي من سائر الحيوان ~~المتصف بالحياة، قال: PageV01P202 وإذا تفقدت أبيات المعاني لا تخرج عن هذه ~~الأسباب الثلاثة. # وحكى الصولي قال: أنشدني بعض الكتاب عن أحمد بن يحيى ثعلب قول البحتري ~~للحسين بن وهب: # وإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدجى في كتبه # فاللفظ يقرب فهمه من بعده ... منا، ويبعد نيله في قربه # حكم سحائبها خلال بنانه ... هطالة، وقليبها في قلبه # كالروض مؤتلفا بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه # وكأنها والسمع معقود بها ... وجه الحبيب بدا لعين محبه # واستعادها أبو العباس حتى فهمها، ثم قال: لو سمع الأوائل هذا الشعر لما ~~فضلوا عليه شعرا. # باب الإحالة والتغيير # وهذه لمح أتيت ms382 بها تدل من عرفها على رداءتها، وتدعو إلى كراهتها ~~واجتنابها، وقد وقعت في أشعار الجلة من المتقدمين، والتمس لهم فيها العذر ~~لأنهم أرباب اللغة وأصحاب اللسان، وليس المولد الحضري منهم في شيء فمن ~~الإحالة قول ابن مقبل: # أما الأداة ففينا ضمر صنع ... جود حواجز بالألباد واللجم # ونسج داود من بيض مضاعفة ... من عهد عاد، وبعد الحي من إرم # فكيف يكون نسج داود من عهد عاد؟ اللهم إلا أن يريد فينا ضمر صنع من عهد ~~عاد؛ فذلك له على سبيل المبالغة، مع أن الإحالة لم تفارقه، وكم بين قيس ~~عيلان وبين عاد، فضلا عن بني العجلان؟! وقال عبد الرحمن بن حسان: # وإن مال الضجيع بها فدعص ... من الكثبان ملتبد مهيل # قالوا: وكيف يكون ملتبدا مهيلا؟ هذا مستحيل متناقض، والذي عندي فيه أنه ~~صواب؛ لأنه إنما أراد بالتباده صلابة ملمس العجيزة، وأنها غير مسترخية ~~وجعله مهيلا لارتعاده واضطرابه من العظم، كما قال ابن مقبل: # يمشين هيل النقا سالت جوانبه ... ينهال طورا، وينهاه الثرى حينا # فقد جعله مرة ينهال، ومرة ينهاه الثرى والتثني الذي فيه.. # وقال جميل في التغيير: # لا حسنها حسن، ولا كدلالها ... دل، ولا كوقارها توقير # فحذف كاف التشبيه فصار المعنى كأنه ليس حسنها حسنا، وقد يغيرون اللفظ كما ~~قال النابغة: ونسج سليم كل قضاء ذائل وهذا أسهل من قول الآخر: من نسج داود ~~أبي سلام وهذا كثير يخرج منه في هذا الموضع ما ذكرت. # 98 - باب الرخص في الشعر وأذكر هنا ما يجوز للشاعر استعماله إذا اضطر ~~إليه، على أنه لا خير في الضرورة، على أن بعضها أسهل من بعض، ومنها ما يسمع ~~عن العرب ولا يعمل به؛ لأنهم أتوا به على جبلتهم، والمولد المحدث قد عرف ~~أنه عيب، ودخوله في العيب يلزمه إياه. # فمن ذلك قصر الممدود على مذاهب أهل البصرة والكوفة جميعا، وله على ما ~~أجاز الكوفيون وصل ألف القطع، وهو قبيح.. قال حاتم طيء: # أبوه أبي، والأمهات أمهاتنا ... فأنعم فداك اليوم أهلي ومعشري # قال بعضهم: إنما الرواية ms383 والأم من أمهاتها وله تخفيف المشدد في القافية، ~~وأما في حشو البيت فمكروه جدا، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وربما حذفوا ~~النون الساكنة.. كما قال: # فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل # وأن يحذف للألف واللام أو الإضافة ما يحذف للتنوين مثل قول خفاف: # كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثثين عصف الإثمد # وأن يحذف حرفا من الكلمة كقول العجاج: قواطنا مكة من ورق الحمي وحرفين ~~كقول علقمة بن عبدة: مفدم بسبا الكتان ملثوم يريد بسبائب الكتان، وأن يحذف ~~من المكنى في الوصل ما يحذف منه في الوقف.. كقول الشاعر: سأجعل عينيه لنفسه ~~مقنعا وأقبح منه أن يحذف من المكنى المنفصل كقول الآخر: # فبيناه يشري رحله قال قائل: ... لمن جمل رخو الملاط نجيب؟ # وأقبح من ذلك أن يحذف الألف من ضمير المؤنث.. أنشد قطرب: # أما تقول به شاة فيأكلها ... أو أن تبيعه في بعض الأراكيب # أراد " تبيعها " فحذف الألف، قال: ولا يجوز استعمال هذا للمحدث لشذوذه ~~وقبحه، ويجوز له حذف الياء والواو من المضمر المذكر لكثرته واطراده، ~~وللشاعر ان يحذف اسم " ليت " إذا كان مضمرا.. أنشد المفضل لعدي بن زيد: ~~PageV01P203 فليت دفعت الهم عني ساعة ... فبتنا على ما خيلت ناعمي بال # يريد " ليتك " وله حذف الفاء من " افتعلته " من التقوى وما تصرف منها، ~~أنشد المفضل لخداش بن زهير: # تقوه أيها الفتيان؛ إني ... رأيت الله قد غلب الجدودا # وأنشد أبو زيد الأنصاري: # إن المنية بالفتيان ذاهبة ... وإن تقوها بأرماح وأدراع # وحذف الفاء من جواب الجزاء كما قال: # يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع # قال سيبويه: تقديره إنك إن يصرع أخوك فتصرع. # ومثله أيضا: # من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان # يريد " فالله يشكرها " وهذا أبين من الأول، وحذف النون من تثنية " الذي " ~~وجمعه. # قال الأخطل: # أبني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا # وأنشد سيبويه: # وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد # أراد " الذين " وعلى ms384 هذا قال أبو الطيب: # ألست من القوم الذي من رماحهم ... نداهم، ومن قتلاهم مهجة البخل # ويجوز أن يكون جعل " الذي " للجماعة والواحد كما جعل " من " وقد حكى ذلك ~~الزجاجي. # قال ابن قتيبة في قول الله عز وجل: " كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ~~ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون " : إن " الذي " ههنا ~~يعني الذين، والله أعلم. # وحذف الياء من " الذي " فمنهم من يسكن الذال بعد الحذف، ومنهم من يدعها ~~مكسورة على لفظها، أنشد البصريون والكوفيون جميعا: # فظلت في شر من اللذ كيدا ... كمن تزبى زبية فاصطيدا # ويروى كالذ تزبي زبية فاصطيدا فجمع بين اللغتين. ونظير هذا حذف الياء من ~~" التي " وإسكان التاء، وأنشدوا: # فقل للت تلومك: إن نفسي ... أراها لا تعوذ بالتميم # وحذف الياء والتاء من " اللواتي " أنشد الزجاجي: # جمعتها من أينق غزار ... من اللوا شرفن بالصرار # وحذف الموصول وترك الصلة. كما قال يزيد بن مفرغ: # عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق # أراد " وهذا الذي تحملين " فحذف. # وحذف اسم " إن " ولكن " كما قال: # ولكن من لا يلق أمرا ينوبه ... بعدته ينزل به وهو أعزل # فحذف الهاء من لكنه لأنه جازى بمن، ولو أعمل فيها لكن لم يجز أن يجازي ~~بها. # ومثله قول الآخر: # إن من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباء # أراد إنه. ويبدلون من الحروف السالمة حروف المد و اللين، و أنشدوا: # لها أشارير من لحم تثمره ... من الثعالي ووخز من أرانيها # أراد " من الثعالب " " ومن أرانبها " ويلينون الهمزة، وذلك كثير جدا جائز ~~في المنثور والفصيح، وله حذف ألف الاستفهام، كما قال الأخطل: # كذبتك عينيك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا # وهذا رديء في المنثور جدا. # ونقصان الجموع عن أوزانها لضرورة القافية كما قال رؤبة: حتى إذا بلت ~~حلاقيم الحلق يريد " الحلوق " وترك صرف ما ينصرف؛ لأنه يحذف منه التنوين ~~وهو يستحقه، وهو غير جائز عند البصريين، إلا أنه قد جاء في الشعر. قال عباس ~~بن مرداس يخاطب رسول ms385 الله صلى الله عليه وسلم: # وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع # وعلى هذا المذهب قال أبو نواس: # عباس عباس إذا احتدم الوغا ... والفضل فضل والربيع ربيع # ويروى إذا حضر الوغا والفراء يرى ترك الصرف لعلة واحدة، وهي التعريف، ~~والبصريون يخالفونه في ذلك ويأبونه. # ومن أقبح الحذف حذف حركة الإعراب للضرورة، وأنشدوا لامرئ القيس: # فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل # ومثله للفرزدق: # رحت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بداهمك من المئزر # وزعم قوم أن الرواية الصحيحة في قول امرئ القيس اليوم أسقى وبذلك كان ~~المبرد يقول، وقال الآخرون: بل خاطب نفسه كما يخاطب غيره، فقال: فاليوم ~~فاشرب، وفي بيت الفرزدق وقد بدا ذاك من المئزر كناية عن الهن، وهذا مما ~~يسمع ويحكى، ولا يقاس عليه البتة. # هذا صدر جيد مما علمته يجوز للشاعر من الحذف والنقصان. PageV01P204 والذي ~~يجوز من الزيادات أنا ذاكر منه أيضا ما وسعته قدرتي، إن شاء الله تعالى: ~~فمن ذلك صرف ما لا ينصرف، وإجراء المعتل مجرى الصحيح؛ فيعرب في حال الرفع ~~والخفض، تقول: هذا القاضي، ومررت بالقاضي، وزيد يقضي ويغزو، ولا يجوز في ~~المنثور من الكلام، وعلى هذا قول قيس بن زهير: # ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بني زياد # كأنه يقول في الرفع يأتيك بضم الياء، فلما جزمها أسكنها. # ومنهم من يبدل من الياء همزة، وهو القليل، فيقول: القاضئ، والغازئ، ~~وأنشد: # يا دار سلمى بدكاديك البرق ... سقيا وإن هيجت شوق المشتئق # همزة الياء، وليس أصلها الهمزة. # وله إظهار التضعيف كقوله: يشكو الوجى من أظلل وأظلل وإنما هو الأظل وهو ~~باطن خف البعير. # وتثقيل المخفف في وصل الكلام على نية من يقف على التثقيل، وأنشدوا: # ببازل وجناء أو عيهل ... كأن مهواها على الكلكل # موقع كفي راهب يصلي # فثقل العيهل وهي السريعة، والكلكل في صلة الشعر، وهما مخففتان وله إدخال ~~النون الخفيفة أو الثقيلة في الواجب، وإنما تدخل فيما ليس بواجب، نحو الأمر ~~والنهي والاستفهام. قال القطامي: # وهم الرجال، وكل ذلك ms386 منهم ... يحزن في رحب وفي متضيق # وأنشدوا لآخر، وهو جذيمة الأبرش: # ربما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات # وله إدخال الفاء في جواب الواجب، والنصب بها على إضمار أن. قال طرفة: # لنا هضبة لا ينزل الذل وسطها ... ويأوي إليها المستجير فيعصما # فنصب بالفاء على الجواب. # وقال آخر: # سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا # وقطع ألف الوصل لأنه زيادة حركة، والجزم بحرف وحرفين، وأكثر من ذلك، وقد ~~مضى فيما تقدم من هذا الكتاب. # وزيادة حرف في المجموع نحو قول الشاعر: # تنفى يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف # فزاد ياء في الدراهم وياء في الصياريف إن لم تكن الرواية تختلف، على أن ~~الدراهم لا يضطر فيها إلى زيادة الياء؛ إذ كان الوزن يقوم دونها، وإن قيل ~~في بعض اللغات درهام. # وله على مذاهب الكوفيين خاصة مد القصور، وقد ألزم ابن ولاد البصريين مده ~~على مذهب سيبويه في امتناع الحركة ويجوز التقديم والتأخير، كما قال العجير ~~السلولي: # وما ذاك إن كان ابن عمي ولا أخي ... ولكن متى ما أملك الضر أنفع # بالرفع، أراد ولكن أنفع متى ما أملك الضر، ولا أدري ما الفرق بين هذا ~~وبين إن يصرع أخوك تصرع حيث فرقوا بينهما غير أنا نسلم لهم كما سلم من هو ~~أثقب منا حسا وأذكى خاطرا وقال عمرو بن قميثة: # لما رأت ساتيد ما استعبرت ... لله در اليوم من لامها # وهذه أشياء من القرآن وقعت فيه بلاغة وإحكاما لا تصرفا وضرورة، وإذا وقع ~~مثلها في الشعر لم ينسب إلى قائله عجز ولا تقصير، كما يظن من لا علم له ولا ~~تفتيش عنده: من ذلك أن يذكر شيئين ثم يخبر عن أحدهما دون صاحبه اتساعا، كما ~~قال الله عز وجل: " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها " . أو يجعل ~~الفعل لأحدهما ويشرك الآخر معه، أو يذكر شيئا فيقرن به ما يقار به ويناسبه ~~ولم يذكره، كقوله تعالى في أول سورة الرحمن: " فبأي آلاء ربكما تكذبان " ~~وقد ذكر الإنسان قبل هذه ms387 الآية دون الجان، وذكر الجان بعدها. # وقال المثقب العبدي: # فما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني # أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني # فقال أيهما قبل أن يذكر الشر؛ لأن كلامه يقتضي ذلك. # وأن يحذف جواب القسم وغيره، نحو قوله عز وجل: " ق والقرآن المجيد، بل ~~عجبوا أن جاءهم منذر منهم " وقوله: " والنازعات غرقا " إلى قوله: " يوم ~~ترجف الراجفة " فلم يأت بجواب؛ لدلالة الكلام عليه، وقال عز وجل: " ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم " أراد لعذبكم أو نحوه ومن هذا ~~قول امرئ القيس: # ولو أنها نفس تموت جميعة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا # وقد تقدم ذكره. # ومن ذلك إضمار ما لم يذكر كقوله جل اسمه: " حتى توارت بالحجاب " يعني ~~الشمس، وقوله: " فأثرن نفعا " ولم يجر للوادي ذكر PageV01P205 وقال حاتم ~~طيئ: # أماوي، ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر؟ # يعني النفس، وأنشد ابن قتيبة عن الفراء: # إذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف، والسفيه إلى خلاف # يعني جرى إلى السفه وحذف لا من الكلام وأنت تريدها، كقوله تعالى: " كجهر ~~بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم " وزيادة لا في الكلام كقوله سبحانه " وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون " فزاد لا لأنهم لا يؤمنون، هذا قول ابن ~~قتيبة، وقال جل اسمه: " ما منعك أن لا تسجد " أي: ما منعك أن تسجد، قال: ~~وإنما تزاد لا في الكلام لإباء أو جحد، وقال: " لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا ~~يقدرون على شيء من فضل الله " أي: ليعلم. # وقال أبو النجم: فما ألوم النجم أن لا تسهرا يريد أن تسهرا. # وحذف المنادى كقوله تعالى: " ألا يا اسجدوا لله " كأنه قال: " ألا يا ~~هؤلاء اسجدوا لله " وقال ذو الرمة في مثل ذلك: # ألا يا سلمى يا دار مي على البلى ... ولا أزال منهلا بجرعائك القطر # وأن يخاطب الواحد بخطاب الاثنين والجماعة، أو يخبر عنه، كقوله تعالى: " ~~إن الذين ينادونك من وراء الحجرات " وإنما كان رجلا واحدا، وقوله " ألقيا ms388 ~~في جهنم " وإنما يخاطب مالكا خازن النار، وقيل: بل أراد ألق ألق، فثنى ~~الفعل، وقوله: " فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى " فخاطب الاثنين بخطاب ~~الواحد، وقوله: " فقد صغت قلوبكما وقوله: " وألقى الألواح " وهما لوحان ~~فيما زعم المفسرون، حكاه ابن قتيبة؛ وأن يصف الجماعة بصفة الواحد كقوله: " ~~إن كنتم جنبا " . # ومن غرائب هذا الباب أن يأتي المفعول بلفظ الفاعل، كقوله تعالى: " لا ~~عاصم اليوم من أمر الله " أي: لا معصوم، وكذلك قوله: " من ماء دافق " أي: ~~مدفوق، وقوله: " في عيشة راضية " أي: مرضي بها، وقوله: " وجعلنا آية النهار ~~مبصرة " أي: مبصر فيها، وأن يأتي الفاعل بلفظ المفعول به كقوله تعالى: " ~~إنه كان وعده مأتيا " أي آتيا. # وقد جاء الخصوص في معنى العموم في قوله تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء " وجاء العموم بمعنى الخصوص في قوله: " يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا " ومن الحمل على المعنى قوله تعالى: " وكذلك زين ~~لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم " كأنه قيل: من زينه؟ فقيل: ~~شركاؤهم. # والحمل على المعنى في الشعر كثير، ومن أنواعه التذكير والتأنيث، ولا يجوز ~~أن تؤنث مذكرا على الحقيقة من الحيوان، ولا أن تذكر مؤنثا. # قال ابن أبو ربيعة المخزومي: # فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر # فأنث الشخوص على المعنى. وكل جمع مكسر جائز تأنيثه وإن كان واحده مذكرا ~~حقيقيا. # ومما أنث من المذكر حملا على اللفظ قول الشاعر، أنشده الكسائي: # أبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة، ذاك الكمال # ومثل هذا في الشعر كثير وموجود. # باب السرقات وما شاكلها # وهذا باب متسع جدا، لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعى السلامة منه، وفيه ~~أشياء غامضة، إلا عن البصير الحاذق بالصناعة، وأخر فاضحة لا تخفى على ~~الجاهل المغفل، وقد أتى الحاتمي في حلية المحاضرة بألقاب محدثة تدبرتها ليس ~~لها محصول إذا حققت: كالاصطراف، والاجتلاب، والانتحال، والاهتدام، ~~والإغارة، والمرافدة، والاستلحاق، وكلها قريب، وقد استعمل بعضها في مكان ~~بعض، غير أني ذاكرها على ماخيلت فيما بعد. # وقال الجرجاني ms389 وهو أصح مذهبا، وأكثر تحقيقا من كثير ممن نظر في هذا الشأن ~~: ولست تعد من جهابذة الكلام، ولا من نقاد الشعر، حتى تميز بين أصنافه ~~وأقسامه، وتحيط علما برتبه ومنازله، فتفصل بين السرق والغصب وبين الإغارة ~~والاختلاس، وتعرف الإلمام من الملاحظة، وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ~~ادعاء السرقة فيه والمبتذل الذي ليس واحد أحق به من الآخر، وبين المختص ~~الذي حازه المبتدي فملكه واجتباه السابق فاقتطعه. # قال عبد الكريم: قالوا: PageV01P206 السرق في الشعر ما نقل معناه دون ~~لفظه، وأبعد في أخذه، على أن من الناس من بعد ذهنه إلا عن مثل بيت امرئ ~~القيس وطرفة حين لم يختلفا إلا في القافية؛ فقال أحدهما وتحمل، وقال الآخر ~~وتجلد ومنهم من يحتاج إلى دليل من اللفظ مع المعنى، ويكون الغامض عندهم ~~بمنزلة الظاهر، وهم قليل. # والسرق أيضا إنما هو في البديع المخترع الذي يختص به الشاعر، لا في ~~المعاني المشتركة التي هي جارية في عاداتهم ومستعملة في أمثالهم ~~ومحاوراتهم، مما ترتفع الظنة فيه عن الذي يورده أن يقال إنه أخذه من غيره. # قال: واتكال الشاعر على السرقة بلادة وعجز، وتركه كل معنى سبق إليه جهل، ~~ولكن المختار له عندي أوسط الحالات. # وقال بعض الحذاق من المتأخرين: من أخذ معنى بلفظه كما هو كان سارقا، فإن ~~غير بعض اللفظ كان سالخا، فإن غير بعض المعنى ليخفيه أو قلبه عن وجهه كان ~~ذلك دليل حذقه. # وأما ابن وكيع فقد قدم في صدر كتابه على أبي الطيب مقدمة لا يصح لأحد ~~معها شعر إلا الصدر الأول إن سلم ذلك لهم، وسماه كتاب المنصف مثل ما سمي ~~اللديغ سليما، وما أبعد الإنصاف منه. # والاصطراف: أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه إلى نفسه، فإن صرفه إليه ~~على جهة المثل فهو اختلاب واستلحاق، وإن ادعاه جملة فهو انتحال، ولا يقال ~~منتحل إلا لمن ادعى شعرا لغيره وهو يقول الشعر، وأما إن كان لا يقول الشعر ~~فهو مدع غير منتحل، وإن كان الشعر لشاعر أخذ منه غلبة ms390 فتلك الإغارة والغصب، ~~وبينهما فرق أذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، فإن أخذه هبة فتلك ~~المرافدة، ويقال: الاسترفاد، فإن كانت السرقة فيما دون البيت فذلك هو ~~الاهتدام، ويسمى أيضا النسخ، فإن تساوى المعنيان دون اللفظ وخفي الأخذ فذلك ~~النظر والملاحظة، وكذلك إن تضادا ودل أحدهما على الآخر، ومنهم من يجعل هذا ~~الإلمام، فإن حول المعنى من نسيب إلى مديح فذلك الاختلاس، ويسمى أيضا نقل ~~المعنى، فإن أخذ بنية الكلام فقط فتلك الموازنة، فإن جعل مكان كل لفظة ضدها ~~فذلك هو العكس، فان صح أن الشاعر لم يسمع بقول الآخر وكانا في عصر واحد ~~فتلك المواردة، وإن ألف البيت من أبيات قد ركب بعضها من بعض فذلك هو ~~الالتقاط والتلفيق، وبعضهم يسميه الاجتذاب والتركيب، ومن هذا الباب كشف ~~المعنى والمحدود من الشعر، وسوء الاتباع، وتقصير الآخذ عن المأخوذ منه، ~~وسأورد عليك مما رويته أو تأدى إلى فهمه لكل واحد من هذه الألقاب مثالا ~~يعرفه العالم، ويقتدي به المتعلم، إن شاء الله تعالى. # أما الاصطراف فيقع من الشعر على نوعين: أحدهما: الاجتلاب، وهو الاستلحاق ~~أيضا كما قدمت، والآخر: الانتحال؛ فأما الاجتلاب فنحو قول النابغة ~~الذبياني: # وصهباء لا تخفي القذى وهو دونها ... تصفق في راووقها حين تقطب # تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا # فاستلحق البيت الخير فقال: # وإجانة ريا السرور كأنها ... إذا غمست فيها الزجاجة كوكب # تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا # وربما اجتلب الشاعر البيتين على الشريطة التي قدمت؛ فلا يكون في ذلك باس، ~~كما قال عمرو ذو الطوق: # صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراه اليمينا # وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا # فاستلحقهما عمرو بن كلثوم؛ فهما في قصيدته، وكان عمرو بن العلاء وغيره لا ~~يرون ذلك عيبا، وقد يصنع المحدثون مثل هذا. # قال زياد الأعجم: # أشم إذا ما جئت للعرف طالبا ... حباك بما تحوي عليه أنامله # ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله ms391 سائله # ويروى هذا لأخت يزيد بن الطثرية، فاستلحق البيت الأخير أبو تمام فهو في ~~شعره. # وأما قول جرير للفرزدق وكان يرميه بانتحال شعر أخيه الأخطل بن غالب: # ستعلم من يكون أبوه قينا ... ومن كانت قصائده اجتلابا # فإنما وضع الاجتلاب موضع السرق والانتحال لضرورة القافية، هكذا ذكر ~~العلماء من هؤلاء المحدثين، وأما الجمحي فقال: من السرقات ما يأتي على سبيل ~~المثل ليس اجتلابا، مثل قول أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي: PageV01P207 ~~تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعاد بعد أبوالا. # ثم قاله بعينه النابغة الجعدي لما أتى موضعه، فبنو عامر ترويه للجعدى، ~~والرواة مجمعون أنه لأبي الصلط؛ فقد ذهب الجمحي في الإجتلاب مذهب جرير أنه ~~انتحال ولم أر محدثا غيره يقول هذا القول. # والانتحال عندهم قول جرير: # إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا # غيضن من عبراتهن وقلن لي: ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا؟ # فإن الرواة مجمعون على أن البيتين للمعلوط السعدي انتحلهما جرير، وانتحل ~~أيضا قول طفيل الغنوي: # ولما التقى الحيان ألقيت العصا ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله # ولذلك قال الفرزدق: # إن تذكروا كرمي بلؤم أبيكم ... وأوابدي تتنحلوا الأشعارا # وكان يتقارضان الهجاء، ويعكس كل واحد منهما المعنى على صاحبه وليس ذلك ~~عيبا في المناقضات، ولما قال الفرزدق في بني ربيع: # تمنت ربيع أن يجيء صغارها ... بخير، وقد أعيا ربيعا كبارها # أخذه البعيث بعينه في بني كليب رهط جرير فقال الفرزدق: # إذا ما قلت قافية شرودا ... تنحلها ابن حمراء العجان # يعني البعيث؛ وكان ابن سرية. # وأما قول البحتري: # رمتني غواة الشعر من بين مفحم ... ومنتحل ما لم يقله ومدعى # فيشهد لك ما قدمت ذكره؛ لأنه قسمهم ثلاثة أقسام: مفحم قد عجز عن الكلام ~~فصلا عن التحلي بالشعر غير أنه يتبع الشعراء؛ والآخر منتحل لأجود من شعره، ~~والثالث مدع جملة لا يحسن شيئا. # والإغارة: أن يصنع الشعر بيتا ويخترع معنى مليحا فيتناوله من هو أعظم منه ~~ذكرا وأبعد صوتا، فيروى له دون قائله، كما فعل الفرزدق بجميل ms392 وقد سمعه ~~ينشد: # ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا # فقال: متى كان الملك في بني عذرة؟ إنما هو في مضر وأنا شاعرها، فغلب ~~الفرزدق على البيت، ولم يتركه جميل ولا أسقطه من شعره. # وقد زعم بعض الرواة أنه قد قال له: تجاف لي عنه، فتجافى جميل عنه، والأول ~~أصح؛ فما كان هكذا فهو إغارة، وقوم يرون أن الإغارة أخذ اللفظ بأسره ~~والمعنى بأسره، والسرق أخذ بعض اللفظ أو بعض المعنى، كان ذلك لمعاصر أو ~~قديم. # وأما الغصب فمثل صنيعه بالشردل اليربوعي، وقد أنشد في محفل: # فما بين من لم يعط سمعا وطاعة ... وبين تميم غير حز الحلاقم # فقال الفرزدق: والله لتدعنه أو لتدعن عرضك، فقال: خذه لا بارك الله لك ~~فيه. # وقال ذو الرمة بحضرته: لقد قلت أبياتا، إن لها لعروضا وإن لها لمرادا ~~ومعنى بعيدا، قال: وما قلت؟ فقال: قلت: # أحين أعادت بي تميم نسائها ... وجردت تجريد اليماني من الغمد # ومدت بضبعي الرباب ومالك ... وعمرو وسالت من ورائي بنو سعد # ومن آل يربوع زهاء كأنه ... دجى الليل محمود النكاية والرفد # فقال له الفرزدق: إياك وإياها لا تعودن إليها، وأنا أحق بها منك، قال: ~~والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبدا إلا لك وسمعت بعض المشايخ يقول: ~~الاصطراف في شعر الأموات كالإغارة على شعر الأحياء، إنما هو أن يرى الشاعر ~~نفسه أولى بذلك الكلام من قائله. # وأما المرافدة فأن يعين الشاعر صاحبه بالأبيات يهبها له، كما قال جرير ~~لذي الرمة: أنشدني ما قلت لهشام المرئي، فأنشده قصيدته: # نبت عيناك عن طلل بحزوى ... محته الريح وامتنح القطارا # فقال: ألا أعينك؟ قال: بلى بأبي وأمي، قال: قل له: # يعد الناسبون إلى تميم ... بيوت المجد أربعة كبارا # يعدون الرباب وآل سعد ... وعمرا ثم حنظلة الخيارا # ويهلك بينها المرئي لغوا ... كما ألغيت في الدية الحوارا # فلقيه الفرزدق، فلما بلغ هذه قال: جيد، أعده، فأعاده، فقال: كلا والله، ~~لقد علكهن من هو أشد لحيين منك، هذا شعر ابن المراغة. ms393 # واسترفد هشام المرئي جريرا على ذي الرمة فقال في أبيات: # يماشي عديا لؤمها ما تجنه ... من الناس ما ماشت عديا ظلالها PageV01P208 ~~فقل لعدي تستعن بنسائها ... علي فقد أعيا عديا رجالها # أذا الرم، قد قلدت قومك رمة ... بطيئا بأيدي العاقلين انحلالها # ويروي بأيدي المطلقين فقال ذو الرمة لما سمعها: يا ويلتنا، هذا والله شعر ~~حنظلي، وغلب هشام على ذي الرمة بعد أن كان ذو الرمة مستعليا عليه. # وقد استرفد نابغة بني ذبيان زهيرا فأمر ابنه كعبا فرفده. # والشاعر يستوهب البيت والبيتين والثلاثة وأكثر من ذلك، إذا كانت شبيهة ~~بطريقته، ولا يعد ذلك عيبا؛ لأنه يقدر على عمل مثلها، ولا يجوز ذلك إلا ~~للحاذق المبرز. # والاهتدام نحو قول النجاشي: # وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمت فيها يد الحدثان # فأخذ كثير القسم الأول واهتدم باقي البيت فجاء بالمعنى في غير اللفظ، ~~فقال: ورجل رمى فيها الزمان فشلت وأما النظر والملاحظة فمثل قول مهلهل: # أنبضوا معجس القسي وأبرق ... نا كما توعد الفحول الفحولا # نظر إليه زهير بقوله: # يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا # وأبو ذؤيب بقوله: # ضروب لهامات الرجال بسيفه ... إذا حن نبع بينهم وشريح # والإلمام: ضرب من النظر، وهو مثل قول أبي الشيص: أجد الملامة في هواك ~~لذيذة وقول أبي الطيب: أأحبه وأحب فيه ملامة البيت، وقد تقدم ذكرهما في ~~التغاير. # وأما الاختلاس فهو قول أبي نواس: # ملك تصور في القلوب مثاله ... فكأنه لم يخل منه مكان # اختلسه من قول كثير: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل # وقول عبد الله بن مصعب: # كأنك كنت محتكما عليهم ... تخير في الأبوة ما تشاء # ويروى كأنك جئت محتكما عليهم اختلسه من قول أبي نواس: # خليت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتخب # فاكتست منه طرائفه ... ثم زادت فضل ما تهب # أردت البيت الأول. # ومن هذا النوع قول امرئ القيس: # إذا ما ركبنا قال ولدان حينا ... تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب # نقله ابن مقبل إلى القدح فقال: # إذا ms394 امتحنته من معد عصابة ... عدارية قبل الإفاضة يقدح # نقله ابن المعتز إلى البازي فقال: # قد وثق القوم له بما طلب ... فهو إذا عرى لصيد واضطرب # عروا سكلكينهم من القرب # نقلته أنا إلى قوس البندق فقلت: # طير أبابيل جاءتنا فما برحت ... إلا وأقواسنا الطير الأبابيل # ترميهم بحصى طير مسمومة ... كأن معدنها للرمي سجيل # تعدو على ثقة منا بأطيبها ... فالنار تقدح والطنجير مغسول # والموازنة مثل قول كثير: # تقول مرضنا فما عدتنا ... وكيف يعود مريض مريضا # وازن في القسم الآخر قول نابغة بني تغلب: # بخلنا لبخلك قد تعلمين ... وكيف يعيب بخيلا بخيلا # والعكس قول ابن أبي قيس، ويروى لأبي حفص البصري: # ذهب الزمان برهط حسان الأولى ... كانت مناقبهم حديث الغابر # وبقيت في خلف يحل ضيوفهم ... منهم بمنزلة اللئيم الغادر # سود الوجوه لئيمة أحسابهم ... فطس الأنوف من الطراز الآخر # وقد عاب ابن وكيع هذا النوع بقلة تمييز منه أو غفلة عظيمة. # وأما الموارد فقد ادعاها قوم في بيت امرئ القيس وطرفة، ولا أظن هذا مما ~~يصح؛ لأن طرفة في زمان عمرو بن هند شاب حول العشرين، وكان امرؤ القيس في ~~زمان المنذر الأكبر كهلا واسمه وشعره أشهر من الشمس؛ فكيف يكون هذا مواردة؟ ~~إلا أنهم ذكروا أن طرفة لم يثبت له البيت، حتى استحلف أنه لم يسمعه قط ~~فحلف، وإذا صح هذا كان مواردة، وإن لم يكونا في عصر، وسئل أبو عمرو بن ~~العلاء: أرأيت الشاعرين يتفقان في المعنى ويتواردان في اللفظ لم يلق واحد ~~منهما صاحبه ولم يسمع شعره؟ قال: تلك عقول رجال توافت على ألسنتها، وسئل ~~أبو الطيب عن مثل ذلك فقال: الشعر جادة، وربما وقع الحافر على موضع الحافر. # وألما الالتقاط والتلفيق فمثل قول يزيد بن الطثرية: # إذا ما رآني مقبلا غض طرفه ... كأن شعاع الشمس دوني مقابله # فأوله من قول جميل: PageV01P209 إذا ما رأوني طالعا من ثنية ... يقولون: ~~من هذا؟ وقد عرفوني # ووسطه من قول جرير: # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا # وعجزه من قول عنترة ms395 الطائي: # إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من حولي تدور # فأما كشف المعنى فنحو قول امرئ القيس: # نمشي بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب # وقال عبدة بن الطبيب بعده: # ثمة قمنا إلى جرد مسومة ... أعرافهن لأيدينا مناديل # فكشف المعنى وأبرزه. # وأما المجدود من الشعر فنحو قول عنترة العبسي: وكما علمت شمائلي وتكرمي ~~رزق جدا واشتهارا على قول امرئ القيس: # وشمائلي ما قد علمت، وما ... نبحت كلابك طارقا مثلي # ومنه أخذ عنترة، والمخترع معروف له فضله، متروك له من درجته، غير أن ~~المتبع إذا تناول معنى فأجاده بأن يختصره إن كان طويلا، أو يبسطه إن كان ~~كزا، أو يبينه إن كان غامضا، أو يختار له حسن الكلام إن كان سفسافا، أو ~~رشيق الوزن إن كان جافيا فهو أولى به من مبتدعه، وكذلك إن قلبه أو صرفه عن ~~وجه إلى وجه آخر، فأما إن ساوى المبتدع فله فضيلة حسن الاقتداء لا غيرها، ~~فإن قصر كان ذلك دليلا على سوء طبعه، وسقوط همته، وضعف قدرته. # فمما أجاد فيه المتبع على المبتدع قول الشماخ: # إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين # فقال أبو النواس: # أقول لناقتي إذا بلغتني ... لقد أصبحت مني باليمين # فلم أجعلك للغربان نحلا ... ولا قلت " اشرقي بدم الوتين " # وكرره فقال: # وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام # قربننا من خير من وطئ الحصى ... فلها علينا حرمة وذمام # ومما يتساوى فيه السارق والمسروق منه قول امرئ القيس فلو أنها نفس البيت، ~~وقول عبدة بن الطبيب فما كان قيس البيت. # وسوء الاتباع أن يعمل الشاعر معنى رديا ولفظا رديا مستهجنا ثم يأتي من ~~بعده فيتبعه فيه على رداءته، نحو قول أبي تمام: # باشرت أسباب الغنى بمدائح ... ضربت بأبواب الملوك طبولا # فقال أبو الطيب: # إذا كان بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول # فسرق هذه اللفظة لئلا تفوته. # ومما قصر فيه الآخذ عن المأخوذ منه قول أبي دهبل الجمحي في معنى بيت ~~الشماخ: # يا ناق سيري ms396 واشرقي ... بدم إذا جئت المغيره # سيثيبني أخرى سوا ... ك، وتلك لي منه يسيره # فأنت ترى أين بلغت همته؟؟ ومما يعد سرقا وليس بسرق اشتراك اللفظ المتعارف ~~كقول عنترة: # وخيل قد دلفت لها بخيل ... عليها الأسد تهتصر اهتصارا # وقول عمرو بن معدي كرب: # وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع # وقول الخنساء ترثي أخاها صخرا: # وخيل قد دلفت لها بخيل ... فدارت بين كبشيها رحاها # ومثله: # وخيل قد دلفت لها بخيل ... ترى فرسانها مثل الأسود # وأمثال هذا كثير. # وكانوا يقضون في السرقات أن الشاعرين إذا ركبا معنى كان أولاهما به ~~أقدمهما موتا، وأعلاهما سنا، فإن جمعهما عصر واحد كان ملحقا بأولاهما ~~بالإحسان، وإن كانا في مرتبة واحدة لهما جميعا، وإنما هذا فيما سوى المختص ~~الذي حازه قائله، واقتطعه صاحبه، ألا ترى أن الأعشى سبق إلى قوله: # وفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا # موروثة مجدا، وفي الأصل رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا # فأخذ النابغة فقال: # شعب العلا فيات بين فروجهم ... والمحصنات عوازب الأطهار # وبيت النابغة خير من بيت الأعشى باختصاره، وبما فيه من المناسبة بذكر ~~الشعب بين الفروج وذكره النساء بعد ذلك، وأخذه الناس من بعده، فلم يغلبه ~~على معناه أحد، ولا شاركه فيه، بل جعل مقتديا تابعا، وإن كان مقدما عليه في ~~حياته، وسابقا له بمماته. # وقال أوس بن حجر: # كأن هرا جنيبا عند غرضتها ... والتف ديك برجليها وخنزير # فلم يقربه أحد، وكذلك سائر المعاني المفردة والتشبيهات العقم تجري هذا ~~المجرى. PageV01P210 وأجل السرقات نظم النثر وحل الشعر، وهذه لمحة منه. قال ~~نادب الإسكندر " حركنا الملك بسكونه " فتناوله أبو العتاهية فقال: # قد لعمري حكيت لي غصص المو ... ت وحركتني لها وسكنتا # وقال أرساطاطاليس يندبه: " قد كان هذا الشخص واعظا بليغا، وما وعظ بكلامه ~~عظة قط أبلغ من موعظته بسكوته " وقال أبو العتاهية في ذلك: # وكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيا # وقال عيسى عليه السلام: تعملون السيئات وترجون أن تجازوا عليها بمثل ms397 ما ~~يجازى به أهل الحسنات، أجل لا يجنى الشوك من العنب. # فقال ابن عبد القدوس: # إذا وترت امرأ فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا # وأخذ الكتاب قولهم " قدمت قبلك " من قول الأقرع بن حابس، ويروى لحاتم: # إذا ما أتى يوم يفرق بيننا ... بموت فكن أنت الذي تتاخر # وقولهم " وأتم نعمته عليك " من قول عدي بن الرقاع العاملي: # صلى الإله على امرئ ودعته ... وأتم نعمته عليه وزادها # فما جرى هذا المجرى لم يكن على سارقه جناح عند الحذاق، وفي أقل ما جئت به ~~منه كفاية. # باب الوصف # الشعر إلا أقله راجع إلى باب الوصف، ولا سبيل إلى حصره واستقصائه، وهو ~~مناسب للتشبيه، مشتمل عليه، وليس به؛ لأنه كثيرا ما يأتي في أضعافه، والفرق ~~بين الوصف والتشبيه أن هذا إخبار عن حقيقة الشيء، وأن ذلك مجاز وتمثيل. # وأحسن الوصف ما نعت به الشيء حتى يكاد يمثله عيانا للسامع، كما قال ~~النابغة الجعدي يصف ذئبا افترس جؤذرا: # فبات يذكيه بغير حديدة ... أخو قنص يمسي ويصبح مفطرا # إذا ما رأى منه كراعا تحركت ... أصاب مكان القلب منه وفرفرا # فأنت ترى كيف قام هذا الوصف بنفسه، ومثل الموصوف في قلب سامعه. قال ~~قدامة: الوصف إنما هو ذكر الشيء بما فيه من الأحوال والهيئات، ولما كان ~~أكثر وصف الشعراء إنما يقع على الأشياء المركبة من ضروب المعاني كان أحسنهم ~~وصفا من أتى في شعره أكثر المعاني التي الموصوف بها مركب فيها، ثم بأظهرها ~~فيه، وأولاها به، حتى يحكيه ويمثله للحس بنعته. # وقال بعض المتأخرين: أبلغ الوصف ما قلب السمع بصرا. واصل الوصف الكشف ~~والإظهار، يقال: قد وصف الثوب الجسم، إذا نم عليه ولم يستره، ومنه قول ابن ~~الرومي: # إذا وصفت ما فوق مجرى وشاحها ... غلائلها ردت شهادتها الأزر # إلا أن من الشعراء والبلغاء من إذا وصف شيئا بلغ في وصفه، وطلب الغاية ~~القصوى التي لا يعدوها شيء: إن مدحا فمدحا، وإن ذما فذما. # والناس يتفاضلون في الأوصاف، كما يتفاضلون في سائر الأصناف: فمنهم ms398 من ~~يجيد وصف شيء ولا يجيد وصف آخر، ومنهم من يجيد الأوصاف كلها وإن غلبت عليه ~~الإجادة في بعضها: كامرئ القيس قديما، وأبي نواس في عصره، والبحتري وابن ~~الرومي في وقتهما، وابن المعتز، وكشاجم؛ فإن هؤلاء كانوا متصرفين مجيدين ~~الأوصاف، وليس بالمحدث من الحاجة إلى أوصاف الإبل ونعوتها، والقفار ~~ومياهها، وحمر الوحش، والبقر، والظلمان، والوعول؛ ما بالأعراب وأهل ~~البادية؛ لرغبة الناس في الوقت عن تلك الصفات، وعلمهم أن الشاعر إنما ~~يتكلفها تكلفا ليجري على سنن الشعراء قديما، وقد صنع ابن المعتز وأبو ~~النواس قبله ومن شاكلهما في تلك الطرائق ما هو مشهور في أشعارهم: كرائية ~~الحسن في الخصيب، وجيمية ابن المعتز المردفة في الضرب الثاني من الكامل. # والأولى بنا في هذا الوقت صفات الخمر والقيان وما شاكلهما، وما كان ~~مناسبا لهما كالكؤوس والقناني والأباريق، وتفاح التحيات، وباقات الزهر إلى ~~ما لا بد منه من صفات الخدود، والقدود، والنهود، والوجوه، والشعور، والريق، ~~والثغور، والرداف، والخصور، ثم صفات الرياض والبرك والقصور، وما شاكل ~~المولدين؛ فإن ارتفعت البضاعة فصفات الجيوش وما يتصل بها من ذكر الخيل، ~~والسيوف، والرماح، والدروع، والقسي، والنبل، إلى نحو ذلك من ذكر الطبول، ~~والبنود، والمنحرفات، والمنجنيقات، وليس يتسع بنا هذا الموضع لاستقصاء ما ~~في النفس من هذه الأوصاف؛ فحينئذ أدل على مظانها دلالة مجملة، وأذكر مما قل ~~شكله وعز نظيره شواهد وأمثلة يعرف بها المتعلم كيف العمل فيها ومن حيث ~~المسلك إليها، إن شاء الله تعالى. PageV01P211 أما نعات الخيل فامرؤ القيس، ~~وأبو دؤاد، وطفيل الغنوي، والنابغة الجعدي، وأما نعات الإبل فطرفة في ~~معلقته من أفضلهم، وأوس بن حجر، وكعب بن زهير، والشماخ، وأكثر القدماء يجيد ~~وصفها؛ لأنها مراكبهم، ألا ترى رؤبة لما غلط في وصف الفرس كيف قال: أدنني ~~من ذنب البعير، وكان عبيد بن حصين الراعي النميري أوصف الناس للابل، ولذلك ~~سمي راعيا، وأما الحمر الوحشية والقسي فأوصف الناس لها الشماخ، شهد له بذلك ~~الحطيئة والفرزدق، وهذان يجيدان صفات الخيل والقسي أيضا والنبل، وأما الخمر ~~فمن أوصاف الأعشى ms399 والأخطل وأبي نواس وابن المعتز، ولأبي نواس أيضا وابن ~~المعتز الصيد والطرد، فما شئت من هذه الأوصاف فالتمسها حيث ذكرت، ومن ~~الأوصاف القليلة المثل قول رؤبة يصف الفيل: # أجرد الخصر طويل النابين ... مشرب اللحى صغير الفقمين # عليه أذنان كفضل الثوبين # وقال آخر يصفه، أنشده عبد الكريم: # من يركب الفيل فهذا الفيل ... إن الذي يحمله محمول # على تهاويل لها تهويل ... كالطود إلا أنه يجول # وأذن كأنها منديل # هكذا أنشده، وبين البيتين الأخيرين أبيات كثيرة أسقطتها، وقد أنشدها غلام ~~ثعلب عنه عن ابن الأعرابي. # وقال عبد الكريم فجمع ما فرقاه وزاد عليهما: # وأضخم هندي النجار تعده ... ملوك بني ساسان إن رابها أمر # من الورق لا من ضربه الورق ترتعي ... أضاخ ولا من ضربه الخمس والعشر # يجئ كطود جائل فوق أربع ... مضبرة لمت كما لمت الصخر # له فخذان كالكثيبين لبدا ... وصدر كما أوغى من الهضبة الصدر # ووجه به أنف كراووق خمرة ... ينال به ما تدرك الأنمل العشر # وأذن كنصف البرد يسمعه الندا ... خفيا وطرف ينقض الغيب مزور # ونابان شقا لا يريك سواهما ... قناتين سمراوين طعنهما نثر # له لون ما بين الصباح وليله ... إذا نطق العصفور أو غلس الصقر # وصنعت أنا في زرافة أتت في الهدية من مصر إلى مولانا خلد الله ملكه من ~~قصيدة طويلة: # أتتك من كسب الملوك زرافة ... شتى الصفات لكونها أثناء # جمعت محاسن ما حكت فتناسبت ... في خلقها وتنافت الأعضاء # تحتثها بين الخوافق مشية ... باد عليها الكبر والخيلاء # وتمد جيدا في الهواء يزينها ... فكأنه تحت اللواء لواء # حطت مآخرها وأشرف صدرها ... حتى كأن وقوفها إقعاء # وكأن فهر الطيب ما رجمت به ... وجه الثرى لو لمت الأجزاء # وتخيرت دون الملابس حلة ... عيت لصنعة مثلها صنعاء # لونا كلون الزبل إلا أنه ... حلي وجزع بعضه الجلاء # أو كالسحاب المكفهرة خيطت ... فيه البروق، وميضها إيماء # أو مثل ما صدئت صفائح جوشن ... وجرى على حافاتهن جلاء # نعم التجافيف التي ادرعت به ... من جلدها لو كان فيه وقاء # وصنعت أيضا: # ومجنونة أبدا لم تكن ... مذللة الظهر ms400 للراكب # قد اتصل الجيد من ظهرها ... بمثل السنام بلا غارب # ملمعة مثل ما لمعت ... بجناء وشي يد الكاعب # كأن الجواري كنفنها ... لخالخ من كل جانب؟ # وقال كشاجم يصف اصطرلابا: # ومستدير كجرم البدر مسطوح ... عن كل رابعة الأشكال مصفوح # صلب يدار على قطب يلينه ... تمثال طرف بشكم الحذق مشبوح # مثل البنان وقد أوفت صفائحه ... على الأقاليم في أقطارها الفيح # كأنما السبعة الأفلاك محدقة ... بالماء والنار والأرضين والريح # تنبيك عن طالع الأبراج هيئته ... بالشمس طورا وطورا بالمصابيح # وإن مضت ساعة أو بعض ثانية ... عرفت ذاك بعلم منه مشروح # وإن تعرض في وقت يقدره ... لك التشكك جلاه بتصحيح PageV01P212 مميز في ~~قياسات النجوم لنا ... بين المشائيم منها والمناجيح # له على الظهر عينا حكمة بهما ... يحوي الضياء ويجنيه من اللوح # وفي الدوائر من أشكاله حكم ... تلقح الفهم منا أي تلقيح # لا يستقل لما فيها بمعرفة ... إلا الحصيف اللطيف الحس والروح # حتى ترى الغيب عنه وهو منغلق ال ... أبواب عمن سواه جد مفتوح # نتيجة الدهر والتفكير صوره ... ذوو العقول الصحيحات المراجيح # وقال أيضا يصف تحت حساب الهندسة: # وقلم مداده تراب ... في صحف سطورها حساب # يكثر فيه المحو الإضطراب ... من غير أن يسود الكتاب # حتى يبين الحق والصواب ... وليس إعجام ولا إعراب # فيه ولا شك ولا ارتياب # وقال يستهدي بركارا: # جد لي ببركارك الذي صنعت ... فيه يدا قينة أعاجيبا # ملأم الشفرتين معتدل ... ماشين من جانب ولا عيبا # شخصان في شكل واحد قدرا ... وركبا في العقول تركيبا # وأشبه شيئين في اشتباههما ... بصاحب لا يمل مصحوبا # أوثق مسماره وغيب عن ... نواظر الناقدين تغييبا # فعين من يجتليه تحسبه ... في قالب الاعتدال مصبوبا # وضم شطريه محكم لهما ... ضم محب إليه محبوبا # يزداد حرصا عليه مبصره ... ما زاده بالبنان تقليبا # فقوله كلما تأمله ... طوبى لمن كان ذاله طوبى # ذو مقلة بصرته مذهبة ... لم تأله زينة وتذهيبا # ينظر منه إلى الصواب به ... فلا يزال الصواب مطلوبا # لولاه ما صح شكل دائرة ... ولا وجدنا الحساب محسوبا # الحق فيه فإن عدلت إلى ... سواه كان الحساب ms401 تقريبا # لو عين إقليدس به بصرت ... خر له بالسجود مكبوبا # فابعثه واجنبه لي بمسطرة ... تلق الهوى بالثناء محبوبا # لا زلت تجدي وتجتدي حكما ... مستوهبا للصديق موهوبا # وقال في صفة البنكام: # روح من الماء في جسم من الصفر ... مؤتلف بلطيف الحس والنظر # مستعبر لم يغب عن إلفه سكن ... ولم يبت قط من طعن على حذر # له على الظهر أجفان محجرة ... ومقلة دمعها يجري على قدر # تنشأ له حركات في أسافله ... كأنها حركات الماء في الشجر # وفي أعاليه حسبان يفصله ... للناظرين بلا ذهن ولا فكر # إذا بكى دار في أحشائه فلك ... خافي المسير وإن لم يبك لم يدر # مترجم عن مواقيت تخبرنا ... عنها فيوجد فيها صادق الخبر # تقضى به الخمس في وقت الوجوب، وإن ... غطى على الشمس ستر الغيم والمطر # وإن سهرت لأسباب تؤرقني ... عرفت مقدار ما ألقى من السهر # محرر كل ميقات تخيره ... ذوو التخير للأسفار والحضر # ومخرج لك بالإجراء ألطفها ... من النهار وقوس الليل والسحر # نتيجة العلم والأفكار صوره ... يا حبذا بدع الأفكار في الصور # وقال يصف زرمانج آبنوس: # نعم المعين على الآداب والحكم ... صحائف حلك الألوان كالظلم # لا تستمد مدادها غير صبغتها ... فسر ذي اللب منها غير مكتتم # خفت وجفت فلم تدنس لحاملها ... ثوبا ولم يخش منها نبوة القلم # وأمكن المحو فيها الكف فاتسعت ... لما تضمن من نثر ومنتظم # حليتها بلجين وانتخبت لها ... وقاية من ذكي العود لا الأدم # فالكم يعبق منها حين تودعه ... عرفا تنسم منها أطيب النسم # لو كن ألواح موسى حين يغضبه ... هارون لم يلقها خوفا من الندم # وله من قصيدة ذكر فيها طاووسا مات له: PageV01P213 رزئته روضة يروق، ولم ~~... نسمع بروض يمشي على قدم # جثل الذنابى كأن سندسة ... زرت عليه موشية العلم # متوجا خلقة حباه بها ... ذو الفطر المعجزات والحكم # كأنه يزدجرد منتصبا ... يبني فيعلى مآثر العجم # يطبق أجفانه ويحسر عن ... فصين يستصبحان في الظلم # أدل بالحسن فاستذال له ... ذيلا من الكبر غير محتشم # ثم مشى مشية العروس؛ فمن ... مستظرف معجب ومبتسم # فهذا طرف مما ms402 شرطته كاف، يرى به المتعلم نهج هذه الطريقة، إن شاء الله ~~تعالى. # باب الشطور وبقية الزحاف # القول في الشطور على أحد وجهين: إما أن يراد بالشطر نصف البيت، وإما أن ~~يراد به القصد، وذلك أنهم إذا ذكروا الشطور فربما أنشدوا أبياتا كاملة، ~~وليست أقسمة؛ فيكون هذا من قوله تعالى: " فول وجهك شطر المسجد الحرام " ~~وكذلك القسيم أيضا: يجوز أن يكون نصف البيت، ويجوز أن يكون بمعنى الحظ من ~~الوزن؛ لأن الحظ يقال له قسيم وقسم. # قال جرير: # أتاركة أكل الخزيز مجاشع ... وقد خس إلا في الخزيز قسيمها # يريد حظها. وقالت ابنة المنذر بن ماء السماء: # بعين أباغ قاسمنا المنايا ... فكان قسيمها خير القسيم # وهذا حين أبدأ بذكر الشطور على مذهب الجوهري لقلة حشوه. # الطويل: مثمن قديم، مسدس محدث، أجزاؤه " فعولن مفاعيلن " ثماني مرات ~~وزحافه: القبض، الثلم، والثرم، الكف، الحذف. ومسدسه أن يحذف منه مفاعيلن ~~الآخرة من كل قسم. # المديد: مثمن محدث، مسدس قديم، مربع قديم،، أجزاؤه " فاعلاتن فاعلن " ~~ثماني مرات وعلى ذلم أتى محدثه، وبيت مربعه السالم: # بؤس للحرب التي ... غادرت قومي سدى # قال: وهذا شعر قديم، إلا أن الخليل لم يذكره. زحافه: الخبن، الكف، الشكل، ~~القصر، الحذف، الصلم. # البسيط: مثمن قديم، مسدس قديم، مربع محدث، أجزاؤه " مستفعلن فاعلن " ~~ثماني مرات ومسدسه " مستفعلن فاعلن مستفعلن " مكررة، قال: وله مسدس آخر ~~يسميه الخليل السريع، وقد نقص منه " فاعلن " الأولى والثالثة وبيته المربع ~~المحدث: # دار عفاها القدم ... بين البلى والعدم # زحافه: الخبن، الطي، الخبل، القطع، الإذالة، التخليع. ومعنى التخليع: قطع ~~" مستفعلن " في العروض والضرب جميعا. # الوافر: مسدس قديم، مربع قديم، أجزاؤه " مفاعلتن " ست مرات، ولم يجئ عن ~~العرب في مسدسه بيت صحيح. زحافه: العصب، القطف، النقص، العقل، العضب، ~~القصم، العقص، الجمم. # الكامل: مسدس قديم، مربع قديم، أجزاؤه متفاعلن " ست مرات، زحافه: ~~الإضمار، الوقص، الخزل، القطع، الخرم، الترفيل، الإذالة. # الهزج: مسدس محدث، مربع قديم، أجزاؤه مفاعيلن " أربع مرات، بيته المسدس ~~المحدث: # ألا هل هاجك الأظعان إذ بانوا ... وإذ صاحت بشط البين غربان # زحافه: ms403 الخزم، الكف، القبض، الحزب، الشتر، الحذف. # الرجز: مسدس، مربع، مثلث، مثنى، كله قديم، موحد محدث، أجزاؤه " مستفعلن " ~~ست مرات، زحافه: الخبن، الطي، الخبل، القطع، الفرق، الوقف؛ ومعنى قوله ~~الفرق: أن يفرق الوتد المجموع في حشو مسدسه فيعود مستفعلن مستفعنل بتقديم ~~النون فيكون وزنه مفعولات. # قال: وهو الذي يسميه الخليل المنسرح، ولم يجئ ضربه إلا مطويا، وفي صدر ~~مربعه، قال: وهو الذي يسميه الخليل المقتضب، وفي ضرب مثناه ومثلثه إلا أنه ~~ساكن اللام؛ لأن آخر البيت لا يكون إلا متحركا، وذلك هو الوقف. # الرمل: مسدس قديم، مربع قديم، أجزاؤه " فاعلاتن " ست مرات، زحافه: الخبن، ~~الكف، الشكل، الحذف، القصر، الإسباغ. # الخفيف: مسدس قديم، مربع قديم، أجزاؤه " فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن " مكرر، ~~ومربعه " فاعلاتن مستفعلن " قال: وقد ركب منه مربع آخر، وهو الذي يسميه ~~الخليل مجتثا، وقد نقص منه " فاعلاتن " الأولى والرابعة. وزحافه: الخبن، ~~الكف، الشكل، الحذف، القطع، التشعيث، الإسباغ، الطي. # المضارع: مربع قديم لا غير، أجزاؤه " مفاعلن فاعلاتن " مكرر، ولم يجئ عن ~~العرب فيه بيت صحيح. زحافه: القبض، الكف، الحذف، الشتر، الخبن. PageV01P214 ~~المتقارب: مثمن قديم، مسدس مربع محدث، أجزاؤه " فعولن " ثماني مرات. زحافه: ~~القبض، الثلم، الثرم، القصر، الحذف، البتر، وبيت مربعه المحدث: # وقفنا هنيه ... بأطلال ميه # المتدارك: مثمن قديم، مسدس محدث، أجزاؤه " فاعلن " ثماني مرات، وبيته ~~السالم من مثمنه: # لم يدع من مضى للذي قد غبر ... فضل علم سوى أخذه بالأثر # وشعر عمرو الجني مخبون. زحافه: الخبن، القطع، الإذالة، الترفيل.. # وهذا شرح الألقاب عن أبي زهرة النحوي وغيره. كل ما حذف ثانيه الساكن فهو ~~مخبون، وكل ما حذف رابعه الساكن منه فهو مطوي، وما حذف خامسه الساكن فهو ~~مقبوض، وما حذف سابعه الساكن فهو مكفوف، وما حذف ثانيه ورابعه الساكنان فهو ~~مخبول، وما حذف ثانيه وسابعه الساكنان فهو مشكول، وما حذف ثانيه المتحرك ~~فهو موقوص، وما حذف خامسه المتحرك فهو معقول، وما حذف سابعه المتحرك فهو ~~مكشوف عند الخليل، ولم يعتد به الجوهري، وما حذف رابعة الساكن وأسكن ثانية ~~المتحرك فهو مخزول، وما ms404 أسكن ثانية المتحرك فهو مضمر، وما أسكن خامسة ~~المتحرك فهو معصوب، وما أسكن سابعه المتحرك فهو موقوف، وما حذف ساكن سببه ~~وأسكن متحركه فهو مقصور، وإن كان هذا العمل في وتد فهو مقطوع، وكل سبب زيد ~~عليه حرف ساكن ليس من الجزء الذي هو فيه فهو مسبغ، وإن كان ذلك في وتد فهو ~~مذيل؛ فإن زيد على الوتد حرفان فهو مرفل، وكل ما حذف منه وتد مجموع فهو ~~أحذ، فإن حذف وتد مفروق فهو أصلم، وإذا حذف من الجزء سبب وأسكن المتحرك الي ~~يليه فهو مقطوف، وكل وتد مجموع كان في مبتدأ البيت فحذف أول الوتد فهو ~~مخروم، وإن كان ذلك في " فعولن " فهو أثلم، فإن كان فيه مع الخرم قبض فهو ~~أثرم، وإن كان الخرم في " مفاعلتن " فهو أعصب وإن كان مع ذلك عصب فهو أقصم، ~~وإن كان فيه مع الخرم قبض فهو أعفص، وإن كان فيه مع الخرم عقل فهو أجم، ~~وإذا خرمت " مفاعيلن " فهو أخرم وإذا كففته مع ذلك فهو أخرب، وإذا خرمته ~~وقبضته فهو أشتر، وما ذهب منه جزآن من العروض والضرب فهو مجزو، وما يذهب ~~منه شطره فهو مشطور، وما ذهب ثلثاه فهو منهمك، ومل سلم من الزحاف وهو يجوز ~~فيه فهو سالم، وما سلم من الخرم فهو موفور، وما استوفى دائرته فهو تام، وما ~~استوفى أجزاء دائرته وكان في بعض الأجزاء نقص فهو واف، وكل جزء كان في ضرب ~~أو عروض فكان بمنزلة الحشو فهو صحيح، وإن خالف الحشو فهو معتل، ومخالفة ~~الحشو: أن يدخل فيه من النقص والزيادة ما لا يدخل الحشو، أو يمتنع من النقص ~~الذي يدخل الحشو، والمعتدل على أربعة أوجه: ابتداء، وفصل، وغاية، واعتماد. ~~وقد شرحتها فيما تقدم. # باب بيوتات الشعر والمعرقين فيه # منها في الجاهلية بيت أبي سلمى: كان شاعرا واسمه ربيعة، وابنه زهير كان ~~شاعرا، وله خؤولة في الشعر: خاله بشامة بن الغدير، وكان كعب وبجير ابنا ~~زهير شاعرين، وجماعة من أبنائهما. # ومن المخضرمين حسان بن ثابت بن ms405 المنذر بن حرام، وهو وأبوه وجده وأبو جده ~~شعراء، وابنه عبد الرحمن شاعر، ذكر ذلك المبرد وبعد هذين بيت النعمان بن ~~بشير، وبنوه: أبان، وبشير، وشبيب، وابنته حميدة، ومن بني بنيه عبد الخالق ~~بن عبد الواحد، وعبد القدوس بن عبد الواحد بن النعمان، وأم النعمان عمرة ~~بنت رواحة شاعرة، وخاله عبد الله بن رواحة أحد شعراء النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # ومن المعرقين في الشعر عن عبد الكريم نهشل بن حرى بن ضمرة بن جابر بن ~~قطن، ستة ليس يتوالى في بني تميم مثلهم شعرا وشرفا وفعالا. # وعن ابن قتيبة القاسم بن أمية بن أبي الصلت، وهو القائل: # قوم إذا نزل الغريب بدارهم ... تركوه رب صواهل وقيان # وربيعة بن أمية عن غير ابن قتيبة. # ومن بيوتات الشعر في الإسلام بيت جرير: كان هو وأبوه عطية وجده الخطفي ~~شعراء، وكان بنوه وبنو بنيه شعراء.. قال أبو زياد الكلابي: رأيت باليمامة ~~نوحا وبلالا ابني جرير وهما يتسايران ولهما جمال وهيئة وقدر عظيم، وأشعر من ~~باليمامة يومئذ حجناء بن نوح بن جرير، وكان عقيل بن بلال شاعرا، وعمارة ~~ابنه شاعرا، أدرك الطائي حبيبا ولقيه المبرد. # ومن المعوقن عقبة بن رؤبة بن العجاج. PageV01P215 ومن البيوتات بيت أبي ~~حفصة: كان مروان شاعرا، وجماعة بيته شعراء يضربون بألسنتهم أنوفهم، حكاه ~~الجاحظ، وكان يحيى جد مروان شاعرا يهاجي اللعين المنقري، وأكثر أهل بيته ~~شعراء رجالا ونساء. # وبيت أبي عيينة بيت شعر: منهم مجد وبنوه أبو عيينة وعبد الله وداود وعباد ~~بن داود لقبه المخرق لقوله: # أنا المخرق أعراض اللئام كما ... كان الممزق أعراض اللئام أبي # وبيت الرفاشيين منهم عبد الصمد بن الفضل وابناه الفضل والعباس، وأكثرهم ~~شعراء. # وبيت اللاحقيين: كان حمدان شاعرا، وابنه، وأبوه أبان شاعرا، وجده عبد ~~الحميد شاعرا، ولاحق أبو عبد الحميد شاعر، وإليه نسبوا، وهو مولى ~~الرقاشيين، وأكثر أهل هذا البيت شعراء. # وبيت أمية الكاتب ذكرهم دعبل، وهم أمية وإخوته: علي، ومحمد، والعباس ~~وسعيد، ومن أولاد هؤلاء أبو العباس بن أمية وأخواه علي وعبد ms406 الله، وابن ~~عمهم محمد بن علي بن أبي أمية. # وبيت رزين بيت شعر، منهم عبد الله شاعر، وابنه الشيص شاعر، واسمه محمد، ~~ومنهم علي شاعر، وابناه دعبل وعلي شاعران. # وبيت حميد بن عبد الحميد. كان حميد شاعرا، وبنوه أهرم وأبو عبد الله وأبو ~~نصر وأبو نهشل شعراء، ذكرهم دعبل. # والفرق بين المعرق وبين ذي البيت أن المعرق من تكرر الأمر فيه وفي أبيه ~~وجده فصاعدا، ولا يكون معرقا حتى يكون الثالث فما فوقه، وعلى هذا فسر قول ~~أبي الطيب: # العارض الهتن ابن العارض الهتن اب ... ن العارض الهتن ابن العارض الهتن # قالوا: إنما أراد أنه معرق، وزاد واحدا على الشرط المتعارف، وإنما أخذه ~~أبو الطيب من قول محمد بن عبد الملك الزيات: # ما كان ينذرنا ويؤمن سربنا ... ويجيرنا من شر كل مخيفة # إلا مقام خليفة لخليفة ... لخليفة لخليفة لخليفة # يعني الواثق بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، فصدق وحسن في ~~معناه، ونقص المتنبي بواحد بعد سرقته. # وذو البيت من عم الأمر جميع أهل بيته أو أكثرهم، فهذا فرق بينهما. # ومن الأخوة ومن لم يعرق: لبيد وأخوه لأمه أربد، والشماخ وأخواه جزء ويزيد ~~وهو مزرد وبنو ابن مقبل وهم عشرة أخوة، تميم، وفضالة وحيان: ورفاعة، ووبرة، ~~والمضاء، وأعقد، وعبد الله، وخفاف، وأبو الشمال، وأم تميم ابنة أمية بن أبي ~~الصلت، وفي أولاد أخوته المذكورين آنفا شعر؛ وقيس بن عمرو النجاشي وأخوه ~~خديج، وعمرو بن أحمر وأخواه سنان وسيار، وغيلان ذو الرمة وإخوته: أوفى، ~~ومسعود، وهشام، وحرقاس، شعراء خمستهم، ومسلم بن الوليد وأخوه سليمان ~~الكفيف، وأشجع السلمي وأخوه أحمد. # وأما الشاعر ابن الشاعر فقط فيقال له الثنيان حكاه عبد الكريم عن غيره، ~~وهو كثير لو أخذنا في ذكرهم لطالت مسافة الباب. # باب حكم البسملة قبل الشعر # قال أبو جعفر النحاس: اختلف العلماء في كتب " بسم الله الرحمن الرحيم " ~~أمام الشعر؛ فكره ذلك سعيد بن المسيب والزهري، وأجازه النخعي، وكذا يروي عن ~~ابن العباس، قال: اكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " أمام ms407 الشعر وغيره؛ قال ~~أبو جعفر: ورأيت علي بن سليمان يميل إلى هذا، وقال: ينبغي أن يكتب أمام ~~الشعر " بسم الله الرحمن الرحيم " لأنه يجيء بعده " قال فلان " وما أشبه ~~ذلك.. قلت أنا: إنما هذا في الشعر إذا دون، فأما قصيدة رفعها الشاعر إلى ~~ممدوحه فلا يكتب قبلها اسم قائلها، لكن بعدها، وإذا كان الأمر هكذا فلا ~~سبيل إلى كتاب البسملة؛ لأن العذر حينئذ ساقط. # باب أحكام القوافي في الخط # إذا صارت الواو الأصلية والياء الأصلية وصلا للقافية سقطت في الخط كما ~~تسقط واو الوصل وياؤه، مثل واو يغزو للواحد، ويغزوا للجماعة إذا كانت ~~القافية على الزاي، ألا ترى أنهم أسقطوها في اللفظ فضلا عن الخط.. قال ~~الراجز: كريمة قدرهم إذا قدر يريد إذا قدروا قال أبو عبد الله محمد بن ~~إبراهيم بن السمين وقد سألته عن هذا: لا يجوز حذف هذه الواو في أشد ضرورة، ~~للعرب لا للمولدين؛ لأنها علامة جمع وإضمار؛ فحذفها يلتبس بالواحد، قال: ~~PageV01P216 وهذا مذهب سيبويه والبصريين، ومثل واو يغزو وياء يقضي للغائب ~~وتقضي للمؤنثة الغائبة والمذكر المخاطب. وكذلك ياء القاضي والغازي إذا كانا ~~معرفين بالألف واللام، وهذا هو الوجه، فإن كتب بإثبات الواو والياء فعلى ~~باب المسامحة، والأجود أن تكون الواو والياء خارجا في الغرض، وكذلك ياء ~~الضمير نحو غلامي إذا كانت القافية الميم فالوجه سقوط الياء، فإن كتبت ~~مسامحة ففي الغرض كما قدمت، وقد أسقطها بعضهم في اللفظ. أنشدني أبو عبد ~~الله للأعشى: # ومن شانئ كاسف وجهه ... إذا ما انتسبت له أنكرن # قال: يريد أنكرني فحذف الياء، فأما ما يكون منونا نحو قاض، وغاز، أو ~~مجزوما نحو لم يقض، ولم يغز، فلا يجوز أن يثبت فيهما الياء والواو على ~~المسامحة؛ لأنهما سقطا بالتنوين والعامل.. ومن العرب من يقول هذا الغاز، ~~ومررت بالقاض، بغير ياء، وهذا تقوية لمذهب من حذفها في الخط إذا كانت وصلا ~~للقافية. # وإن كان في قوافي قصيدة ما يكتب بالياء وما يكتب بالألف كتبا جميعا ~~بالألف لتستوي القوافي، وتشتبه صورتها في الخط. ms408 # باب النسبة إلى الروي # إذا قلت قصيدة فنسبتها إلى ما كان على حرفين قلت هذه قصيدة بائية وحائية، ~~وكذلك أخواتهما، وإن شئت جعلت الهمزة واوا فقلت: ياوية، وكان أبو جعفر ~~الرقاشي ينسب إلى ما كان على حرفين يقول: هذا يبوي، ويتوي، وكذلك أخواتهما، ~~إلا ما ولا فإنه يقول: مووي، ولووي على فعلي، وتقول على هذا القول: قصيدة ~~مووية ولووية، قال ثعلب: ما كان على ثلاثة أحرف الأوسط ياء فليس فيه إلا ~~وجه واحد، تقول: سينت سينا، وعينت عينا، إذا كتبت سينا وعينا، فيقول على ~~هذا: قصيدة مسينة ومعينة وسينية وعينية، وكذلك قصيدة ميمية، ولا تقول " ~~مؤومة " فإنه خطأ، وتقول في الواو وهي على ثلاثة أحرف الأوسط ألف بالياء لا ~~غير؛ لكثرة الواوات، فتقول: وويت واوا حسنة، وبعضهم يجعل الواو الأولى همزة ~~لاجتماع الواوين فيقول: أويت واوا حسنة، فالقصيدة على هذا واوية ومؤواة ~~وموواة، وقال بعضهم في " ما " و " لا " من بين أخواتهما: مويت ماء حسنة، ~~ولويت لاء حسنة، بالمد؛ لمكان الفتحة من ما ولا. # باب الإنشاد وما ناسبه # ليس بين العرب اختلاف إذا أرادوا الترنم ومد الصوت في الغناء والحداء في ~~إتباع القافية المطلقة، مثلها من حروف المد واللين في حال الرفع والنصب ~~والخفض، كانت مما ينون أو مما لا ينون، فإذا لم يقصدوا ذلك اختلفوا: فمنهم ~~من يصنع كما يصنع في حال الغناء والترنم؛ ليفصل بين الشعر والكلام المنثور، ~~وهم أهل الحجاز، ومنهم من ينون ما ينون وما لا ينون: إذا وصل الإنشاد أتى ~~بنون خفيفة مكان الوصل فجعل ذلك فصلا بين كل بيتين فينشد قول النابغة: يا ~~دار مية بالعلياء فالسند منونا إلى آخر القصيدة، لا يبالي بما فيه ألف ~~ولام، ولا مضاف، ولا بفعل ماض، ولا مستقبل، وهم ناس كثير من بني تميم. # ومنهم من يجري القافي مجراها ولو لم تكن قوافي فيقف على المرفوع والمكسور ~~موقوفين ويعوض المنصوب ألفا على كل حال، وهم ناس كثير من قيس وأسد، ~~فينشدون: # لا يبعد الله جيرانا لنا ظعنوا ... لم ms409 أدر بعد غداة البين ما صنع # يريد " ما صنعوا " . وكذلك ينشدون: # ففاضت دموع العين مني صبابة ... على النحر حتى بل دمعي محمل # فإذا وصلوا جعلوه كالكلام وتركوا المدة لعلهم أنها في أصل البناء. # قال سيبويه: سمعناهم ينشدون: أقلي اللوم عاذل والعتاب إذا كان منونا ~~أثبتوا تنوينه ووصلوه كما يفعلون بالكلام المنثور. # ومن العرب من في لغته أن يقف على إشباع الحركة: فتجر الضمة واوا، والكسرة ~~ياء، والفتحة ألفا، فينشد هذا كله موصولا من غير قصد غناء ولا ترنم. # ومنهم من في لغته أن لا يعوض شيئا من النصب فهو ينشد هذا كله موقوفا من ~~غير اعتقاد تقييد، وإذا كان الشعر مقيدا كان تنويه بإزاء إطلاقه، فهو غير ~~جائز؛ لأن الشعر المقيد يكسر بتنوينه كما يكسر بإطلاقه، ما خلا الأوزان ~~التي قدمنا القول أنها من بين ضروب الشعر يجوز إطلاقها وتقييدها. ~~PageV01P217 ويحكى عن رؤبة أنه أنشد قصيدته القافية المقيدة منونة، فرد ذلك ~~الزجاجي وأنكره، وذكر أنه وهم من السامع، وأن الوجه فيه أن من العرب من ~~يزيد بعد كل قافية " إن " الخفيفة المكسورة إعلاما بانقضاء البيت، فينشد: # وقاتم الأعماق خاوي المخترق ان ... مشتبه الأعلام لماع الخفق ان # يكل وفد الريح من حيث انخرق ان وإذا كان ما قبل حرف الروي ساكنا وكانت ~~لغة منشده الوقوف على المضموم والمكسور بنقل الحركة كما أنشد أعرابي من بني ~~سنبس قول ذي الرمة: ولا زال منهلا يجرعائك القطر بضم الطاء وإسكان الراء ~~لما وقف حكى ذلك عبد الكريم، وعلى هذا قال الآخر: أنا ابن ماوية إذ جد ~~النفر أراد " النفر " بالخيل. # وأنشد أبو العباس ثعلب: # أرتني حجلا على ساقها ... فهش الفؤاد لذاك الحجل # فقلت ولم أخف من صاحبي: ... ألا بأبي أصل تلك الرجل # وقال: نقل لاضطرار القافية. # ومما يدخل في شفاعة هذا الباب: الغناء، والحداء، والتغبير، قال الشاعر: # تغن بالشعر إما كنت قائله ... إن الغناء لهذا الشعر مضمار # ويقولون: فلان يتغنى بفلان أو بفلانة، إذا صنع فيه شعرا. # قال ذو الرمة: # أحب المكان القفر من ms410 أجلي أنني ... به أتغنى باسمها غير معجم # وكذلك يقولون: حدا به، إذا عمل فيه شعرا. # قال المرار الأسدي: # ولو أني حدوت به أرفأنت ... نعامته وأبصر ما يقول # وغناء العرب قديما على ثلاثة اوجه: النصب، والسناد، والهزج. # فأما النصب فغناء الركبان والفتيان، قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وهو ~~الذي يقال له المرائي، وهو الغناء الجنابي، اشتقه رجل من كلب يقال له جناب ~~بن عبد الله بن هبل، فنسب إليه، ومنه كان أصل الحداء كله، وكله يخرج من أصل ~~الطويل في العروض. # وأما السناد فالثقيل ذو الترجيع، الكثير النغمات والنبرات، وهو على ست ~~طرائق: الثقيل الأول، وخفيفه، والثقيل الثاني، وخفيفه، والرمل، وخفيفه. # وأما الهزج فالخفيف الذي يرقص عليه، ويمشي بالدف والمزمار فيطرب، ويستخف ~~الحليم، قال إسحاق: هذا كان غناء العرب حتى جاء الله بالإسلام، وفتحت ~~العراق، وجلب الغناء الرقيق من فارس والروم، فغنوا الغناء المجزأ المؤلف ~~بالفارسية والرومية، وغنوا جميعا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير. # قال الجاحظ: العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة، والعجم ~~تمطط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع موزونا على غير ~~موزون. # ويقال: إن أول من أخذ في ترجيعه الحداء مضر بن نزار؛ فإنه سقط عن جمل ~~فانكسرت يده فحملوه وهو يقول: وايداه، وايداه، وكان أحسن خلق الله جرما ~~وصوتا، فأصغت الإبل إليه وجدت في السير، فجعلت العرب مثالا لقوله هايدا ~~هايدا يحدون به الإبل، حكى ذلك عبد الكريم في كتابه. # وزعم ناس من مضر أن أول من حدا رجل منهم، كان في إبله أيام الربيع، فأمر ~~غلاما له ببعض أمر، فاستبطأه، فضر به بالعصا، فجعل ينشد في الإبل ويقول: ~~يايداه، يايداه، فقال له: إلزم إلزم، واستفتح الناس الحداء من ذلك الوقت. # وذكر ابن قتيبة أنهم قالوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وحكى الزبير بن ~~بكار في حديث يرفعه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم من بني غفار سمع ~~حاديهم بطريق مكة ليلا فمال إليهم: إن أباكم مضر خرج إلى بعض رعاته فوجدها ms411 ~~قد تفرقت، فأخذ عصا فضرب بها كف غلامه، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح: ~~وايداه، وايداه، فسمعت الإبل ذلك فعطفت، فقال مضر: لو اشتق مثل هذا لانتفعت ~~به الإبل واجتمعت، فاشتق الحداد. # وأما التغبير فهو تهليل أو تردد صوت، بقراءة أو غيرها، حكى ذلك ابن دريد، ~~وحكى أبو إسحاق الزجاجي قال: سألني بعض الرؤساء: لما سمي التغبير تغبيرا؟ ~~قلت: لأنه وضع على أنه يرغب في الغابر أي: الباقي، أي: يرغب في نعيم الجنة ~~وفيما يعمل للآخرة وقال غيره: إنما قيل له تغبير لأنه جعل ما يخرج من الفن ~~بمنزلة الغبار، فعرض الجوابان على أحمد بن يحيى فاستجاد جوابي. # يقال للمراسل في الغناء: المثالي، حكاه غلام ثعلب # باب الجوائز والصلات # قال أبو جعفر النحاس: PageV01P218 أصل الجائزة أن يعطي الرجل ما يحيزه ~~ليذهب إلى وجهه، وكان الرجل إذا ورد ماء قال لقيمه: أجزني أي: أعطني ماء ~~حتى أذهب لوجهتي وأجوز عنك فكثر حتى جعلت الجائزة عطية. # قال الراجز: # يا قيم الماء فدتك نفسي ... أحسن جوازي وأقل حبسي # قال ابن قتيبة: أصل الجائزة والجوائز أن عبد عوف بن أصرم من بني هلال بن ~~عامر بن صعصعة ولي فارس لعبد الله بن عامر، فمر به الأحنف بن قيس في جيشه ~~غازيا إلى خراسان، فوقف لهم على قنطرة الكر فجعل ينسب الرجل فيعطيه على قدر ~~حسبه، فكان يعطيهم مائة مائة، فلما كثروا عليه قال: أجيزوهم، فأجيزوا؛ فهو ~~أول من سن الجوائز. # قال الشاعر: # فدى للأكرمين بني هلال ... على علاتهم عمي وخالي # هم سنوا الجوائز في معد ... فصارت سنة أخرى الليالي # والبدرة: عشرة آلاف درهم، سميت بذلك لوفورها، قال بعضهم: ومنه سمى القمر ~~ليلة أربعة عشرة بدرا لتمامه وامتلائه من النور، ويقال: لمبادرته الشمس، ~~وقيل: بل البدرة جلدة السخلة إذا فطمت والجذع من المعز يملأ مالا، فسمى ~~المال بدرة باسم الوعاء مجازا. # والصلة ما أخذه رجل من السلطان أول ما يتصل به، ثم كثر ذلك حتى قيل لهبة ~~الملك صلة. # وهذه أبيات كنت صنعتها للسيد أبي ms412 الحسن أدام الله عزه ختمت بها الكتاب ~~لما جاء موضعها: # إن الذي صاغت يدي وفمي ... وجرى لساني فيه أو قلمي # مما عنيت لسبك خالصه ... واخترته من جوهر الكلم # لم أهده إلا لتكسوه ... ذكرا تجدده على القدم # لسنا نزيدك فضل معرفة ... لكنهن مصائد الكرم # فأقبل هدية من أشدت به ... ونسخت عنه آية العدم # لا تحسب الدنيا أبا حسن ... تأتي بمثلك فائق الهمم # الحمد لله الذي بنعمته تكمل الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد أشرف ~~الكائنات، وعلى آله وصحبه نجوم الهداية وأعلام الدرايات، وسلم تسليما ~~كثيرا. # وبعد، فقد نجز كتاب العمدة، في محاسن الشعر وآدابه لأبي علي الحسن بن ~~رشيق الأزدي: المولود في سنةمن الهجرة " 1000 م " المتوفي في ذي القعدة ~~سنةمن الهجرة " 1064م " بعد أن صقله التحقيق، وجلاء حسن الوضع، وزانه رونق ~~الطبع، وبعد أن قضيت نصف حول في المراجعة ومعاودة النظر، وقضيت من بعد ذلك ~~ثلاثة أشهر في الإشراف على طبعه، لا يحملني على تجثم هذه الأهوال إلا ~~الرغبة الصادقة في خدمة العربية، والحرص على أن تكون كتبها صحيحة المعنى ~~جميلة الرواء. # وإني أتضرع إلى الله تعالى أن يثيبني على هذا بمقدار إخلاصي فيه لوجهه؛ ~~فهو حسبي ونعم الوكيل. PageV01P219 ms413