######OpenITI# #META# bkid: 148883 #META# bk: رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية وزهادهم ~~ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم #META# المؤلف: أبو بكر عبد الله بن محمد المالكي #META# حققه: بشير البكوش #META# راجعه: محمد العروسي المطوي #META# الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان #META# الطبعة: الثانية، 1414 ه - 1994 م #META# عدد الأجزاء: 2 #META# أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية ~~(مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: أبو بكر المالكي #META# authinf: المالكي (000 - بعد 453 ه = 000 - بعد 1061 م). عبد الله ~~بن محمد بن عبد الله المالكي، أبو بكر: مؤرخ، من أهل القيروان. بقي فيها ~~مدة، بعد خرابها (سنة 449 ه). له «رياض النفوس في طبقات علماء القيروان ~~وإفريقية وما يليها من بلدانها ومراسيها وحصونها وسواحلها، وعبادهم ونساكهم ~~وفضائلهم وتاريخهم - ط» مجلدان، ما زال ثانيهما تحت الطبع [تم طبعهما]. وفي ~~تذكرة النوادر، ذكر مخطوطة من مختصره . __________. رياض النفوس: ~~مقدمة الجزء الأول. وتذكرة النوادر 102 وفهرس دار الكتب 8: 152 وهو فيه: ~~«عبد الله بن عبد الله». نقلا عن: «الأعلام» للزركلي [مع إضافة بين ~~معقوفين] #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 148883 #META# over: 2 #META# seal: DB241A6E #META# oauth: 3004 #META# bver: 1 #META# pdf: None #META# oauthver: 1 #META# vername: None #META# cat: التراجم والطبقات #META# lng: عبد الله بن محمد بن عبد الله المالكي، أبو بكر #META# higrid: بعد 453 ه #META# ad: 453 #META# aseal: 24C4BE2F #META# blnk: None #META# pdfcs: None #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/148883 #META#Header#End# ### | [مقدمة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم # 1 - الحمد لله الأعز الأقدر، الحكيم الأكبر، ذي الجلال والكبرياء، والمجد ~~والسناء، والقدرة الع [لياء]. # 2 - أحمده على السراء والضراء، والشدة والرخاء، وأستعينه على أداء طاعته ~~واتباع [طريقته]. # 3 - وأتوكل عليه وأبرأ من الحول والقوة إليه. وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له وان محمدا عبده [ورسوله أرسله بالهدى]. # 4 - ودين الحق ليظهره على الدين كله، صلى الله عليه وعلى إخوانه من ~~النبيين وعلى آله الطيبين وسلم وشرف وكرم [وعظم]. # 5 - أفرد أهل خاصته بخالص معاملته وصحيح معرفته، اختصهم بالاجتباء ~~واصطفاهم بالاحتباء وكشف عن أنفسهم [أدران]. # 6 - الصدا وأجزل لهم من معارفه العطاء فهم أهل جد واجتهاد، ونسك وانفراد، ~~قد أزعجهم الخوف وأقلقهم الوجف [ %~%.. ]. # 7 - وقلوبهم وجلة. إنهم إلى ربهم راجعون، قد صغرت عندهم أعمالهم وعظمت ~~عليهم خواطرهم، ونصبوا ذنوبهم بين أعينهم [قد تكاثرت]. # 8 - حسراتهم، وتوالت عليهم أهوالهم، فهم خائفون، حذرون، وجلون، مشفقون، ~~يبادرون الفوت، ويراقبون نزول [الموت، قيامهم في]. # 9 - الدياجي، ولذتهم في التناجي، يعتبر بمرآهم الناظرون، ويبادر [إلى] ~~مجالستهم المريدون، جعلهم الله جل جلاله أهلا لخاصته [ %~%. ]. # 10 - لمعاملته وأدلة لخلقه: لمعرفتهم به وبشريعته، فهم المختارون من خلقه ~~لمعاملته الفائزون بقربه ومعرفته العارفون [بربوبيته]. # 11 - جعلنا الله-تعالى-فيهم ومنهم ونفعنا بمحبتهم وموالاتهم، وحشرنا في ~~زمرتهم ولا قطع بنا عنهم ولا طردنا عن التأسي بطريقتهم بفضله [ومنه]. PageV01P003 # 12 - أما بعد حفظكم الله من الشيطان وعمله، فقد شهدتكم سألتموني أن أجمع ~~كتابا أذكر فيه من كان بالقيروان وإفريقية [من العلماء]. # 13 - والمتفقهين والأولياء والعباد والمجتهدين. ومن كان بمراسي إفريقية ~~وسواحلها ومراسيها وحصونها [منهم، فاستخرت]. # 14 - الله ربي واستهديته واستعنته وذكرت ما بلغني من أخبار نساكهم ~~وعبادهم وفضائلهم وأوصافهم [وتاريخ وفاتهم، بحسب ما]. # 15 - انتهى إليه علمي وبلغته معرفتي وطاقتي ورأيت في جمع ذلك إحياء ~~لذكرهم ونشرا لفضائلهم فيتذكر بذلك متذكر ويقتدي [مقتد]. # 16 - ومزدجر، فلعل الله عز وجل يوفقه بفضله لسلوك طريقهم والتمسك بهديهم ~~فيكون في ذلك حياة لقلبه [ %~%.. ]. # 17 - وافتقار إلى ms001 ربه-جل جلاله-ومعرفة بنفسه، واحتقار لعمله ~~وزيادة في اجتهاده فقد كان بمغربنا منهم [فقهاء وعلماء]. # 18 - ومتعبدون أهل فضل كامل وبرهان شامل تواترت الأخبار بالصفات الجليلة ~~عنهم وانقضت، اذ كان [ %~%.. ]. # 19 - ولو كانت في الصحف مرسومة، وفي الكتب منظومة PageV01P004 ### || [ما جاء في فضل إفريقية والمنستير # 1 - عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ~~يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة. # 2 - وعن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~لا تزال عصابة PageV01P005 من أمتي بالمغرب يقاتلون على الحق لا يضرهم من ~~خالفهم حتى يرون يوما قتاما فيقولون: غشيتم فيبعثون سرعان ~~خيلهم ينظرون، فيرجعون إليهم فيقولون: الجبال قد سيرت، فيخرون سجدا، ~~فتفيض أرواحهم]. # [. . . . . . . . . . . . . . .] # 3 - / [وعن] أبي عبد الرحمن الحبلي [قال] قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ينقطع الجهاد من البلدان كلها فلا يبقى إلا بموضع من ~~الغرب يقال له افريقية، فبينا القوم بإزاء عدوهم، نظروا إلى الجبال قد سيرت ~~فيخرون لله تبارك وتعالى سجدا، فلا ينزع [عنهم] أخلاقهم -[يعني: ~~ثيابهم] - # إلا خدمهم في الجنة. PageV01P006 # 4 - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بساحل ~~قمونية باب من أبواب الجنة يقال له: المنستير من دخله فبرحمة ~~الله، ومن خرج منه فبعفو الله. # 5 - وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رابط ~~بالمنستير ثلاثة أيام وجبت له الجنة، قال أنس، بخ، بخ، يا رسول الله. # 6 - وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير يرفعه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # بالمنستير باب من أبواب الجنة يقال له «الأنف» دونه قنطرة من قناطير ~~ الأولين. PageV01P007 # 7 - أبو زكرياء الحفري قال: سمعت البهلول بن راشد يقول لوزير هرثمة ~~حين استشاره في بناء المنستير قال: فعدد له أن هرثمة بني بأرمينية في ~~غير موضع فقال له البهلول بن راشد ما ذكرت شيئا إلا والمنستير ~~أفضل منه، وذلك أنه بلغني # عن النبي صلى الله ms002 عليه وسلم: أنه باب من أبواب الجنة. [و] سمع ~~خالد بن حيان بن الأعين الحضرمي يقول: «بلغني [أن] تبيعا قال أن ~~هذه الكدية جأرت إلى الله تعالى يوم الطوفان، فقال لها: «اسكني، ~~فسأسكنك أوليائي». # قال أبو العرب: يعني المقبرة العظمى نحو «باب سلم». # قال عبد الله : فقد صح ما ذكره تبيع في مقبرة «باب سلم»، دفن فيها من ~~العلماء والصالحين عدد عظيم لا يحصيهم إلا الله عز وجل. PageV01P008 # عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قال: «كنت وأنا غلام مع عمي ~~بقرطاجنة، فإذا بقبر مكتوب عليه بالحميرية: «أنا عبد الله بن الأراشي ~~رسول رسول الله «صالح» عليه السلام، بعثني إلى أهل هذه القرية أدعوهم ~~إلى الله، أتيتهم ضحى، قتلوني ظلما، حسيبهم الله. وقيل إن شعيبا هو الذي ~~بعث عبد الله بن الأراشي. والأراش فخذ من بلي». # قال أبو العرب : سمعت بعض المشايخ، ممن يروى البديء من الأخبار، ~~يحدث عن اسحاق بن [أبي] عبد الملك أنه قال: «لم يدخل إفريقية نبي ~~قط.وأول من دخلها بالإيمان بعض حواريي عيسى عليه السلام». PageV01P009 ### || [ذكر فضل القيروان] # وعن إسحاق [بن الملشوني] : أن عقبة بن نافع كان معه في عسكره خمسة ~~وعشرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن عقبة جمع وجوه ~~أصحابه وكبار العسكر، فدار بهم حول «القيروان»، وأقبل يدعو لها ~~ويقول في دعائه: «اللهم املأها علما وفقها، واعمرها بالمطيعين ~~والعابدين، واجعلها عزا لدينك، وذلا على من كفر، وأعز بها الإسلام، وامنعها ~~من جبابرة الأرض». # وذكر أن معاوية وجه عقبة في جيش عظيم إلى إفريقية غازيا، فدخلها ~~وافتتحها، ووضع السيف على من بها من النصارى، وقال لأصحابه: «أرى لكم ~~يا معشر العرب أن تتخذوا بها مدينة يجعل بها عسكر، وتكون عزا للإسلام ~~إلى آخر الدهر»، فأجاب الناس إلى ذلك، واختط مدينة «القيروان».فقال له بعض ~~أصحابه: «قربها من البحر، ليكون أهلها مرابطين».فقال لهم: «إني أخاف أن ~~PageV01P010 يطرقها صاحب القسطنطينية فيهلكها ، ولكن اجعلوا بينها ~~وبين البحر ما لا يدركها غزاة البحر ، [لأن صاحب المركب لا ms003 ~~يظهر من اللجة حتى يستره الليل، فهو يسير إلى ساحل البحر إلى نصف الليل، ~~فيخرج، فيقيم في غارته إلى نصف النهار، فلا تدركها منه غارة أبدا] ، ~~فإن كان بينها وبين البحر ما لا يجب فيه التقصير، فأهلها مرابطون، ومن كان ~~على البحر فهم حرس لهم، وهم عسكر معقود إلى آخر الدهر، وميتهم في ~~الجنة».فاتفق رأيهم على ذلك، فقال: «قربوها من السبخة، [فقالوا: «نخاف أن ~~تهلكنا الذئاب، ويهلكنا بردها في الشتاء وحرها في الصيف»، فقال: «لا بد لي ~~من ذلك] ، لأن أكثر دوابكم الإبل، وهي التي تحمل عسكرنا، والبربر قد ~~تنصروا وأجابوا النصارى إلى دينهم، ونحن إذا فرغنا من أمرها لم يكن لنا بد ~~من المغازي والجهاد، ونفتح الأول منها فالأول ، فتكون إبلنا على ~~باب مصرنا في مرعاها آمنة من غارة البربر والنصارى»، فأجابوه إلى ذلك. # فمال إلى بناء المدينة على ساحل واديها. فقال: «شأنكم! » فقالوا: ~~«إنك أمرتنا بالبناء في شعار وغياض لا ترام، ونحن نخاف من السباع والحيات ~~وغير ذلك من دواب الأرض»، وكان في عسكره خمسة عشر رجلا من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وسائر ذلك تابعون. قال: فبلغني أنه دعا الله عز ~~وجل، وأصحابه يؤمنون على دعائه، ثم مضى حتى وقف على الوادي، فنادى: «أيتها ~~السباع! ارحلوا فإنا PageV01P011 أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ! ~~» فنظر الناس ذلك اليوم إلى أمر عظيم: نظروا إلى السباع تخرج إليهم من ~~الشعراء تحمل أشبالها والذئب يحمل أجراءه والحية تحمل أولادها، سمعا وطاعة. ~~ثم نادى عقبة في الناس: «كفوا عنهم حتى يرتحلوا! » فلما خرج ما بها من ~~الوحش والهوام، بإذن الله تعالى، أمرهم أن يقتطعوا ويختطوا، وأسس دار ~~الإمارة، واتخذ لها من الخمس ما يتخذ الأمراء لحرس المسلمين ### || [بناء المسجد] # ثم أتى بهم إلى موضع المسجد الأعظم فاختطه، ولم يحدث فيه بناء، ~~وكان يصلي فيه وهو كذلك. واختلف الناس عليه في القبلة، وقالوا: «إن أهل ~~المغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد، فاجهد نفسك في تقويمها »، ~~فأقاموا أياما ينظرون إلى ms004 مطالع الشتاء والصيف من النجوم ومشرق الشمس، ~~فلما رأى عقبة أن أمرهم قد اختلف بات مغموما، فدعا الله عز وجل أن يفرج ~~عنه، فأتاه آت في منامه فقال له: «يا ولي رب العالمين، يقول لك رب ~~العالمين: إذا أصبحت فخذ اللواء فاجعله على عاتقك، فانك تسمع بين يديك ~~تكبيرا لا يسمعه أحد من المؤمنين غيرك. فالموضع الذي ينقطع عنك فيه التكبير ~~فهو/قبلتك ومحراب مسجدك، وقد رضي الله عز وجل أمر هذا العسكر [وهذا المسجد] ~~ وهذه المدينة، وسوف يعز بها دينه ويذل بها من كفر به إلى آخر ~~الدهر».فاستيقظ عقبة من منامه، وجزع PageV01P012 جزعا شديدا، فتوضأ وأخذ في ~~الصلاة وهو في المسجد-ولم يبن بعد-ومعه أشراف الناس من الصحابة والتابعين ~~رضي الله تعالى عنهم، فلما انفجر الصبح ركع ركعتي الفجر، وإذا بالتكبير بين ~~يديه، فقال لمن حوله: «ألا تسمعون شيئا؟ » قالوا: «لا نسمع شيئا! » فعلم أن ~~الأمر من عند الله عز وجل. فأخذ اللواء فوضعه على عاتقه، وأقبل يتبع ~~التكبير الذي بين يديه، حتى انتهى إلى موضع محراب المسجد الأعظم اليوم، ~~فلما انتهى إليه انقطع عنه التكبير، فركز لواءه وقال: «هذا محرابكم! » ~~فاحتذى به جميع مساجد المدينة وسائر البلدان، ثم أخذ الناس في بنيان الديار ~~والمساجد وغير ذلك، فشد إليها الناس المطايا من كل مكان، وعمرت بفضلاء ~~الناس من الفقهاء والمحدثين والمتطوعين والعابدين والنساك والزاهدين ~~، وأعز بها الإسلام وأهله. ودمغ بها أهل النفاق والأهواء والشك ~~والضلالة. PageV01P013 ### || [سبب غزو إفريقية] # وأما سبب غزوها واختطاط مدينة القيروان، فذكر الواقدي قال : لما ~~عزل عمرو ابن العاص عن مصر، وولى عبد الله بن أبي سرح في سنة خمس وعشرين، ~~بعث المسلمين في جرائد الخيل-كما كانوا يعملون في ولاية عمرو- فأصابوا من ~~أطراف إفريقية وغنموا، فجاءوا بالغنائم إلى عبد الله، فكتب إلى عثمان يخبره ~~بما نال المسلمون من عدوهم، وقربهم من حوز المسلمين. # حدث [الواقدي] عن المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري قال: # «خرجت من منزلي بليل طويل أريد المسجد، فإذا عثمان رضي الله تعالى عنه في ~~مصلى ms005 النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فصليت خلفه، ثم جلس فدعا ليلا طويلا، ~~حتى أذن المؤذن، ثم قام منصرفا إلى بيته، فقمت في وجهه فسلمت عليه، فقال: ~~«يا ابن مخرمة»، واتكأ على يدي، «إني استخرت الله تعالى في ليلتي هذه في ~~بعث الجيوش إلى إفريقية، وقد كتب إلي عبد الله بن سعد يخبر بخبره مع ~~المشركين وغلبهم وقرب حوزهم من المسلمين » فقلت: «خار الله لأمير ~~المسلمين» قال: «فما رأيك يا ابن مخرمة؟ » قلت: «اغزهم » قال: «اجمع ~~اليوم الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأستشيرهم، فما ~~أجمعوا عليه فعلته، أو ما أجمع عليه أكثرهم فعلته، PageV01P014 فكن أنت ~~رسولي إليهم، واحضر معهم» فقلت : «لم قلت لي اجمع ولم تسم لي من ~~أجمع؟ » فقال: «إيت عليا وطلحة والزبير والعباس»، وذكر رجالا، فخلا بكل ~~واحد منهم في المسجد، ثم دعا أبا الأعور سعيد بن زيد، فقال له عثمان: # «ما كرهت يا أبا الأعور من بعثة الجيوش الى إفريقية؟ » فقال له: ~~«سمعت عمر يقول: «لا أغزيها أحدا من المسلمين ما حملت عيناي الماء»، فلا ~~أرى لك خلاف عمر »، «والله ما نخافهم، وإنهم لراضون أن يقروا في ~~مواضعهم [فلا يغزون] » فلم يختلف أحد ممن شاوره غيره. # ثم خطب الناس وندبهم إلى الغزو إلى إفريقية، فخرج جماعة من ~~الصحابة منهم عبد الله بن الزبير وأبو ذر الغفاري ، وعبد الله [ابن] ~~ عباس ومسور بن مخرمة ومقداد بن الأسود [وعبد الرحمن بن ~~الأسود بن] عبد يغوث وعبد PageV01P015 الرحمن بن أبي بكر الصديق ~~وعبد الرحمن بن صبيحة وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأخواه عبيد الله ~~وعاصم وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص والمطلب بن ~~السائب بن [أبي] وداعة والسائب بن عامر [بن هشام] وبسر بن أرطاة. ~~ومع كل واحد منهم جماعة من قومه. وخرج من «أسلم» ثلاثمائة رجل، منهم حمزة ~~بن عمرو [الأسلمي] ، وسلمة بن الأكوع. وخرج من «مزينة» ثمانمائة، ~~منهم بلال بن الحارث [المزني] ، وكان اللواء بيده، وخرج من ms006 «بني سليم» ~~أربعمائة وخمسون، وغيرهم من قبائل شتى . خرج جميعهم مع عبد الله بن أبي ~~سرح العامري سنة سبع وعشرين من الهجرة. وكانت هذه الغزاة تسمى «غزوة ~~العبادلة». # وروى الواقدي ، عن ربيعة الديلي، قال: «أغزانا عثمان إفريقية، ~~فخرجنا، PageV01P016 فقدمنا مصر، فخرج عبد الله بن سعد، وهو أميرنا، بمن ~~كان معه في مصر ومن قدم إليه من المدينة، فكانوا عشرين ألفا، يريد إلى ~~«البطريق جر جير» بإفريقية، [و] كان قد غلب على المغرب. فلما فصلنا من مصر ~~تقدمت [الطلائع] فوصلت «أطرابلس» ، وإذا ثم مراكب قد أرست، ~~فشدوا عليهم، فأقاموا ساعة ثم استأسروا، فكتفوا، وهم مائة، حتى لحق بنا ~~ ابن أبي سرح فقتلهم، وتحصن أهل أطرابلس، ولم يعرضوا لنا، ولم نهجهم، ~~وأخذنا ما في السفن، فكانت هذه أول غنيمة أصيبت». # «ثم تمادينا إلى إفريقية، ونحرنا الإبل وذبحنا البقر، وأخذنا العلف ~~والسبد [وبثثنا السرايا] تضرب في كل جهة، وأقمنا أياما تجري ~~بيننا وبين «جرجير» ملكهم الرسل، ندعوه إلى الإسلام، فكلما دعوناه إلى ~~الإسلام، نخر، ثم استطال وقال: # «لا أفعل هذا أبدا! » فقلنا له: «فتخرج الجزية في كل عام» فقال: «لو ~~سألتموني درهما لم أفعل! » فتهيأ الناس للقتال، وعبأ الناس عبد الله بن سعد ~~ميمنة وميسرة [وقلبا] ، وسار بأصحابه، فقال له رجل من القبط ممن كان ~~معه: «إن القوم لا PageV01P017 يصافونك ، هم أرعب منك من أن يصافوك، ~~وهم يهربون منك، فاجعل لهم كمينا وفرقهم في أماكن»؛ ففعل ذلك عبد الله، ~~وغدا بنا على تعبئة و [الروم] قد رفعوا الصلب ، وعليهم من السلاح ~~ما الله أعلم به، ومعهم من الخيل ما لا يحصى، فتصاولنا ساعة من نهار ~~حتى صارت الشمس قدر رمحين، وحمل عبد الله بالناس، فكانت الهزيمة عليهم، وكر ~~الكمين عليهم في كل مكان، فأكثروا فيهم القتل والأسر: لقد رأيت في ~~موضع واحد ألف أسير. فلما أصابهم الأسر والقتل طلبوا الصلح، فصالحهم عبد ~~الله بن سعد على خرج . # قيل: صالحهم على ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار». # قال «شباب العصفري» في تاريخه : غزا عبد ms007 الله بن سعد إفريقية مع ~~جماعة من الصحابة، فلقي جرجير في «سبيطلة»، وهي مدينة مسورة/على سبعين ~~PageV01P018 ميلا من القيروان، فقتل جرجير وهو [في] مائة ألف ~~، وصالح أهل المدائن والحصون على مائة ألف رطل ذهب. # قال «أبو عثمان سعيد بن عفير » في تاريخه : لما سمعت الروم ~~والأزارقة بمخرج عبد الله ووصوله إلى إفريقية، خرجوا إليه ومعهم ~~«جرجير» في جمع [كثير] من الروم، فلما التقوا بالمسلمين نادى ~~«جرجير» بالبراز، فبرز إليه عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم، فقتله ابن ~~الزبير، ومنهم من قال [قتلاه جميعا] . ثم كانت الهزيمة، واتخذ المسلمون ~~ذلك المنزل مسعكرا، وأصابوا لهم غنائم كثيرة، فأصاب الفارس في سهمه ~~ثلاثة آلاف دينار، ثم ساروا إلى البلاد ففتحوها كل مدينة عنوة. # الواقدي بلغه أن عبد الله بن الزبير قال : «أغزانا عثمان، رضي ~~الله تعالى عنه، إفريقية. وكان بها بطريق يسمى «جرجير» كان سلطانه من ~~أطرابلس إلى PageV01P019 طنجة، فسار عبد الله حتى حل به ، فقاتله ~~أياما، فقتله الله عز وجل، وكنت أنا الذي قتلته، فهرب جيشه. وقطع ابن أبي ~~سرح السرايا وفرقها في البلاد، فأصابوا غنائم كثيرة، فساقوا ما قدروا عليه ~~، فلما رأى ذلك رؤساء أهل إفريقية، اجتمعوا وطلبوا أن يؤخذ منهم ~~ثلاثمائة قنطار [من] ذهب، على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم، فقبل ذلك ~~منهم ابن أبي سرح. # وذكر بعض أهل العلم بالسير ومغازي إفريقية أن عبد الله بن سعد نزل ~~بموضع يسمى «قمونية»، وهو موضع مدينة القيروان ، فسأل عن أشراف من ~~بإفريقية من الروم، فقيل «جرجير» وهو صاحب مدينة سبيطلة. فزحف عبد الله إلى ~~جرجير الملك، فلقيه في خلق عظيم من الروم، فقاتله عبد الله بمن معه، والتحم ~~القتال، ووقع الصبر، حتى ظن الناس أنه الفناء. فانهزم «جرجير»، ولزمه عبد ~~الله بن الزبير في عجاج الموت، فعرفه بمن معه من أشراف قومه، ففرق عنه ~~أصحابه وقتله إلى جانب السور، وابنته تنظر من السور إلى قاتله؛ وسبقت خيول ~~المسلمين الروم إلى باب الحصن، فحالوا بينهم وبين الدخول إلى حصنهم، فركبهم ms008 ~~المسلمون يمينا وشمالا في السهل والوعر، فقتلوا أنجادهم وفرسانهم، ونزل عبد ~~الله بن أبي سرح على باب المدينة وحصرها بمن معه حصارا شديدا حتى فتحها، ~~وأخذ «ابنة جرجير» فوهبها لعبد الله بن الزبير. وهو صاحب الأفاعيل ذلك ~~اليوم، وهو المستشهد في سبيل الله. ودخل عبد الله المدينة فوجد فيها ~~سبيا كثيرا وأموالا جمة عظيمة، ووجد أكثرها PageV01P020 ذهبا. وسرى ~~على الروم، فبلغت خيوله «قصور قفصة»، وبلغت موضعا يقال له «مرماجنة » ~~فسبوا وغنموا [فأذلت] تلك الواقعة الروم بأفريقية، ولجئوا إلى ~~الحصون، وأصابهم رعب عظيم. # ثم اجتمعت خيول المسلمين، وأمر عبد الله بن سعد عبد الله بن عباس أن يقسم ~~عليهم فيئهم، فبلغ سهم الفارس يومئذ ثلاثة آلاف دينار، وبلغ سهم الراجل ألف ~~دينار. # وذكر أن ابنة الملك أشرفت على العرب في عسكرهم، فاستقلتهم، فقالت ~~لأبيها: «لا تسرع بالقتل في هؤلاء، وانحلنيهم»، فقال: «قد انحلتكهم» . ~~فالتقوا وهي تنظر، فهزم الله المشركين، وقتل أبوها «جرجير» وهي تنظر، ~~فتنازع الناس في قتله، فقالت: «ما للناس يتنازعون؟ » فقيل لها: «في ~~قتل أبيك» فبكت وقالت: # «قد رأيت الذي أدركه وقتله» فقال لها عبد الله بن سعد: «هل تعرفينه؟ » ~~قالت: # «إذا رأيته عرفته»، فأخذ عبد الله بن سعد الناس بالعرض، فمروا بين يديها ~~وهي تنظر، حتى مر عبد الله بن الزبير، فقالت: «هذا قاتل أبي» فقال له عبد ~~الله بن سعد: «كتمتنا يا أبا بكر قتلك إياه! » فقال له: «قد علمه الذي ~~قتلته له» فنفله ابن أبي سرح ابنة الملك. وفي [ذلك] يقول ابن الزبير ~~حين بلغه أنها سألت أباها أن ينحلها العرب: PageV01P021 # ابنة جرجير تلقي نحلتك %~% لقيت بالنحلة ثكلا ابتك # لتأخذن في الطريق عقبتك %~% لتسقين من قباء قربتك # شر عجوز بالحجاز ربتك # وقيل إنه لما حضر القتال أخرج جرجير ابنته، فألبسها حليها وثيابها ~~وأسفر عن وجهها، فكان عدة خدمها اللاتي صعدن معها الديدبان أربعين ~~ خادما، فقال لهم [جرجير الملك] : «أتدرون من هذه؟ » فقالوا : ~~«نعم يا سيدنا، هذه ابنة الملك، وهؤلاء خدمها»، فقال لهم: «وحق المسيح ~~والنصرانية، لا ms009 يقتل عبد الله بن سعد منكم رجل إلا زوجته ابنتي وسقت إليه ~~ما معها من الحلى والخدم، وأنزلته المنزلة التي لا يطمع فيها أحد ~~عندي! » فلم يزل يقول ذلك حتى أمره على مسامع أكثر رجاله، فحرض بذلك الروم ~~تحريضا كثيرا، فلما انتهى إلى عبد الله [بن سعد] ما فعله وقاله ~~«جرجير» نادى في عسكره، وأخبرهم بالذي كان من PageV01P022 جرجير، ثم ~~قال لهم: «وحق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يقتل أحد منكم ~~جرجير إلا نفلته ابنته وما معها! »، ثم زحف بمن معه من المسلمين، فضرب الله ~~عز وجل وجوه الروم، وأدرك عبد الله بن الزبير جرجير فقتله. # قال عبد الله بن الزبير: هجم علينا جرجير-في معسكرنا -في عشرين ~~ومائة ألف، فأحاطوا بنا من كل مكان، وسقط في أيدي المسلمين، ونحن في عشرين ~~ألفا، فاختلف الناس على ابن أبي سرح، فدخل فسطاطه [ورأيت غرة من ~~جرجير] ، فرأيته خلف عساكره على برذون أشهب، ومعه جاريتان له تظللان ~~ عليه بريش الطواويس، وبينه وبين جنده أرض بيضاء ليس فيها أحد، ~~فخرجت أطلب ابن أبي سرح، فقيل لي قد خلا في فسطاطه، فأتيت حاجبه، فأبى أن ~~يأذن لي عليه، فدرت من كسر الفسطاط، فدخلت عليه، فوجدته مستلقيا على ظهره، ~~فلما دخلت عليه استوى جالسا، /فقلت: «إيه، إيه! كل أزب نفور » فقال: ~~«ما أدخلك علي يا ابن الزبير؟ » [فقلت له] : «إني رأيت غرة من العدو، ~~فاخرج فاندب لي الناس! » قال: «وما رأيت؟ » فأخبرته، فخرج معي PageV01P023 ~~سريعا فقال: «يا أيها الناس! انتدبوا مع ابن الزبير»، فاخترت ثلاثين فارسا، ~~وقلت لسائرهم: «اثبتوا على مصافكم»، وحملت في الوجه الذي رأيت فيه «جرجير»، ~~وقلت لأصحابي: «احموا ظهري! » فو الله ما لبثت أن خرقت الصف إليه، ولا يحسب ~~هو وأصحابه إلا أني رسول إليه، وحين دنوت منه عرف الشر، فثنى برذونه ~~موليا، فأدركته مبادرا، فدفعت بالسيف عليه، فأصبت يدى إحدى الجاريتين ~~فقطعتهما، واحتززت رأسه فنصبته في رمحي، وكبرت. وحمل المسلمون في الوجه ~~الذي كنت فيه: وارفض العدو في كل ms010 وجه ومنح الله تعالى المسلمين أكنافهم. # فلما أراد ابن أبي سرح أن يوجه بشيرا إلى عثمان، رضي الله تعالى عنه، ~~قال: «أنت أولى من هنا بذلك، انطلق إلى أمير المؤمنين فأخبره بالخبر».فقدمت ~~على عثمان، فأخبرته بفتح الله ونصره ووصفت له أمرنا كما كان». # ذكر عبد الله بن نافع وعبد الملك بن حبيب أنه وصل من ~~إفريقية إلى المدينة في شهر. وذكر حسين بن سعيد الخراط أنه وصل من ~~سبيطلة إلى المدينة في ثمانية عشر يوما، وكان يومئذ ابن بضع وعشرين ~~سنة. # وذكر أنه كان يرتجز لابنة جرجير البطريق، ويقول: PageV01P024 # يا ابنة جرجير تهني عضبتك %~% # ستبصرين بالحجاز ربتك %~% # ما أحسن الوجه وأجلى مقلتك %~% # لتحملن من بدير قربتك %~% # لتعظمن في الإماء لقمتك %~% # فلما وصل عبد الله بن الزبير المدينة وأخبر عثمان-رضي الله تعالى ~~عنه- الخبر بما كان من الفتح، أمره عثمان أن يقوم بذلك خطيبا في مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: أنا أهيب لك مني لهم، فقام عثمان-رضي ~~الله تعالى عنه-في الناس خطيبا، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه، ثم قال: أيها ~~الناس إن الله تعالى فتح عليكم إفريقية، وهذا عبد الله بن الزبير يخبركم ~~خبرها إن شاء الله. # وكان عبد الله إلى جانب المنبر، وكان أول من خطب إلى جانب المنبر، فخطب ~~ ابن الزبير-رضي الله تعالى عنه-الناس خطبة تضمنت ما جرى في ~~غزوهم وقتالهم للعدو، ووصف سيرة أميرهم فيهم، قال عنه: PageV01P025 # إنه كان يسير بنا الأبردين ويخفض بنا في القرب ~~، ويتخذ الليل جملا، يعجل الرحيل من المنزل القفر، ويطيل اللبث في ~~الموضع الخصب، فلم نزل على أحسن حالة نعرفها من ربنا حتى انتهينا إلى ~~إفريقية، فنزلنا بها حيث يسمعون صهيل الخيل ورغاء الإبل وقعقعة السلاح، ~~فأقمنا أياما نجم كراعنا ونصلح سلاحنا، ثم دعوناهم إلى الإسلام والدخول ~~فيه، فأبعدوا منه، وسألناهم الجزية عن صغار أو الصلح ، فكانت هذه ~~أبعد، وأقامت رسلنا تختلف إليهم ثلاث عشرة ليلة تأتيهم فلما يئس ~~ منهم قام خطيبا، فذكر الله عز وجل وأثنى عليه، ثم ms011 ذكر فضل الجهاد. ~~فقاتلناهم أشد قتال، واستشهد الله جل جلاله رجالا من المسلمين، فبتنا ~~وباتوا، وللمسلمين دوي كدوي النحل، وبات المشركون في ملاهيهم وخمورهم. فلما ~~أصبحنا زحف بعضنا إلى بعض، فأفرغ الله تعالى علينا صبره، وأنزل علينا نصره، ~~ففتحناها من آخر النهار». # وتمادى على خطبته في مثل هذا المعنى، وكان أول مقام قامه فانتهى ذلك إلى ~~أبيه الزبير، فأقبل مسرعا وهو يقول: «غفر الله لأمير المؤمنين عرض هذا ~~الغلام لهذا المقام بين أظهر الناس وهو حديث السن! » فلما دخل المسجد رآه ~~قائما، فرمى بنفسه في آخر الناس، ثم سأل الله عز وجل تسديده وتثبيته، فلم ~~يزل عبد الله موفقا في خطبته حتى فرغ، فعجب الناس لشأنه، وهنئ بذلك الزبير، ~~فقال PageV01P026 بأبي وأمي لقد سمعت من كلامه ما أذكرني فوهات جده ~~الصديق، رضي الله تعالى عنه. # وأقام ابن أبي سرح وهو الأمير بسبيطلة على عسكره، فلما رأى الروم ~~الذين بالساحل ما حل «بجرجير» وأهل سبيطلة غارت أنفسهم وتجمعوا، وكاتب ~~بعضهم بعضا في حرب ابن أبي سرح، فخاف منهم لما معه من الغنائم، فكتب إلى ~~خليفته بمصر يأمره أن ينفذ إليه مراكب في البحر يجعل فيها غنائم المسلمين، ~~فأخذ خليفته فيما أمره به، فاتصل بالروم قصد ابن أبي سرح إياهم واستقباله ~~حربهم ، فخافوه وراسلوه، وجعلوا له جعلا على أن يرتحل بجيشه ولا ~~يعترضوه بشيء، ووجهوا إليه مائة قنطار ذهبا، فأجابهم إلى ذلك، وانصرف عنهم ~~راجعا إلى مصر، بعد أن أقام بإفريقية سنة وشهرين. فلما وصل إلى طرابلس ~~وافته المراكب، فحمل فيها أثقال جيشه، وقصد هو وأصحابه إلى مصر سالمين. ~~ووجه إلى عثمان رضي الله تعالى عنه بالأموال التي معه من الخمس وغيره. # فوقعت الفتنة على إثر ذلك، واستشهد عثمان رضي الله تعالى عنه، وولى بعده ~~علي رضي الله تعالى عنه، وبقيت إفريقية على حالها إلى ولاية معاوية رضي ~~الله تعالى عنه. PageV01P027 ### || ولاية معاوية بن حديج مصر وإفريقية # فلما ولى معاوية عزل عبد الله بن أبي سرح عن مصر وإفريقية، وولى ~~عليها [معاوية] ms012 بن حديج الكندي ، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكان ذلك في سنة أربعين، [فأراد معاوية غزو إفريقية] ، فأغزاها ~~ معاوية بن حديج، فخرج من مصر في سنة خمس وأربعين ومعه عبد الله بن عمر ~~وابن الزبير وجماعة من الصحابة وغيرهم من التابعين. وكان معه أيضا عبد ~~الملك بن مروان ويحيى بن الحكم والأكدر بن حمام اللخمي وكريب بن ~~أبرهة بن الصباح وخالد بن ثابت الفهمي وأشراف من جند مصر. فوصل ~~ إلى إفريقية [و] قصد جلولاء /وعليها PageV01P028 عامل جرجير ~~الذي كان ملك سبيطلة، فنزل بجيوشه على «قمونية» وهي «قيروان إفريقية»، فرحل ~~منها إلى جبل يقال له «القرن »، ويقال إنما سمى «القرن» لقول معاوية: ~~«ارحلوا بنا إلى ذلك القرن»، ويقال إنه نزل جبلا يقال له «ممطور» في ~~غربي قمونية ، فأصابه مطر شديد، فقال: «إن جبلنا هذا لممطور» فسمي ~~«ممطورا» إلى اليوم. # ثم رحل إلى «جلولا» ففتحها، [وسبب فتحها] أن معاوية بن حديج ~~طال مقامه عليها، ثم سار عنها، فذكر رجل من قومه قوسا نسيها، فرجع في ~~طلبها، فرأى ركنا من أركان جلولا قد انهدم، فلحق بمعاوية فأخبره. ويقال إنه ~~لما انصرف، جعل فرسان الناس وحماتهم ساقة للعسكر، فساروا قليلا، فإذا ~~خلفهم غبار شديد ورهج ، فوقف العسكر، وخف من كان بالساقة نحو ذلك ~~الغبار حتى وصلوا جلولا، فإذا هي قد وقع حصنها من ناحية [واحدة] ~~من ركن إلى ركن، فرجع العسكر ونزلوا على [حصنها من] موضع الهدم وألقوا ~~بأنفسهم إلى الموت، فقاتلوهم قتالا شديدا، فانهزم الروم، ودخلوها بالسيف، ~~فأصابوا بها سبيا كثيرا وغنائم، فيقال إن معاوية بن حديج [مضى إليها بجميع ~~عسكره، فغنم كل ما كان فيها، ثم] أنفذ الغنائم إلى معاوية بن أبي ~~سفيان بالشام. و [يقال] إن الذي PageV01P029 نسى القوس عبد الملك بن ~~مروان، وكان يذكر أشياء رآها بجلولا وهو خليفة. # قال أبو العرب : «إن معاوية بن حديج غزا إفريقية ثلاث غزوات: أما ~~الأولى فسنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان، [قال] : وكانت تلك الغزاة لا ~~يعرفها كثير من ms013 الناس، وأما الثانية فسنة [أربعين ، وأما الثالثة فسنة] ~~ خمسين»؛ انقضى كلام أبي العرب. # فلما وصلت الغنائم إلى معاوية بن [أبي] سفيان أعان معاوية بن حديج ~~بجيوش الشام ومصر إلى إفريقية، وذلك في سنة خمسين، وكان عبد الملك ابن ~~مروان معه، فوصلوا إلى إفريقية، واحتفروا الآبار التي تسمى اليوم «آبار ~~حديج» بباب تونس، وإنما احتفرها إذ كان عسكره هناك. # ثم غزا «بنزرت» وغنم غنائم كثيرة من نواحيها، ورجع قافلا إلى ~~«قمونية» وبنى بناحية القرن مساكن وسماها «قيروان»، وموضع «القيروان» غير ~~مسكون ولا معمور. # ثم رحل ابن حديج من إفريقية إلى معاوية بن أبي سفيان، فدفع الغنائم إليه، ~~فعزله معاوية عن مصر ، وولى عليها مسلمة بن مخلد الأنصاري. PageV01P030 ### || ولاية مسلمة مصر والقيروان # فوجه مسلمة بن مخلد [خالدا] بن ثابت الفهمي إلى إفريقية، ~~وكان من التابعين ، فخرج في المحرم سنة أربع وخمسين، فانتهى إلى موضع ~~ منها وأصاب غنائم كثيرة. # ثم عزله مسلمة وولى أبا المهاجر مولاه، وكان من التابعين. فخرج أبو ~~المهاجر من مصر سنة خمس وخمسين بجيوش أهل الشام ومصر إلى إفريقية فوصل إلى ~~«قرطاجنة»، وفيها مجتمع الروم، ويقال: نزل بفحص بتونس ، ويقال: نزل سبخة ~~وبنى بها، ومنها حارب [أهل] «قرطاجنة» وصالحهم ، ووجه حنش بن عبد ~~الله الصنعاني بجيش إلى «الجزيرة» فافتتحها، وكتب إلى أبي ~~المهاجر بذلك، فرحل إليه واجتمع معه، وقسم الفيء هنالك بين جميع الجيش. ثم ~~انصرف PageV01P031 فنزل «بدكرور» مدينة البربر بالقرب من موضع ~~«القيروان».ووجه بالخمس إلى مصر [ثم إن معاوية بن أبي سفيان عزل مسلمة بن ~~مخلد] وولى سعيدا بن يزيد الأنصاري، فلما بلغ ذلك أبا المهاجر ~~لحق بمولاه. # ثم وجه سعيد بن يزيد عقبة بن نافع الفهري واليا على إفريقية ~~بجيوش من قبله عددهم عشرة آلاف، سنة سبع وخمسين. فنزل حتى وصل إلى «قفصة» ~~وقسطيلية فافتتحها، وافتتح كل ما مر به في طريقه، حتى وصل إلى موضع ~~«القيروان» فقال: «يا أهل الوادي، اظعنوا فإنا نازلون، وإنا من وجدناه ~~قتلناه» - يعني من الوحش الذي بالوادي-فرئين يخرجن من أجحارهن هوارب، ms014 قال، ~~فلم ير الناس حية بعد ذلك أربعين سنة. # وكان في موضع القيروان حصن لطيف للروم يسمى «قمونية» ، وكان فيه ~~كنيسة وفيها الساريتان الحمراوان اللتان هما اليوم في المسجد الجامع، كانت ~~عليهما حنيتان مبنيتان أقامتا إلى أيام زيادة الله بن الأغلب، فهدمهما ~~زيادة الله وحملهما إلى المسجد الجامع، فجعلهما في المكان الذي هما فيه ~~اليوم . PageV01P032 # ثم إن معاوية عزل سعيدا بن يزيد وولى مسلمة بن مخلد الأنصاري، فرد ~~أبا المهاجر مولاه بجيش من قبله، فوصل إلى إفريقية سنة سبع وخمسين، وقيل ~~ إلى القيروان. فأخذ عقبة بن نافع فحبسه وضيق عليه، فبلغ خبره معاوية ~~فكتب إلى أبي المهاجر يأمره بتخليته ويعفيه مما صنع من ذلك ، فأطلقه ~~أبو المهاجر وأرسله برسل من قبله حتى أخرجوه من قابس، [فمضى] وهو حنق ~~على أبي المهاجر، فدعا الله عز وجل أن يمكنه منه، فلم يزل أبو المهاجر ~~خائفا من دعائه . # ثم إن أبا المهاجر صالح بربر إفريقية، وفيهم كسيلة الأوربي، وأحسن إليه ~~، وصالح عجم إفريقية، وخرج بجيوشه نحو المغرب، ففتح كل ما مر عليه حتى ~~انتهى إلى العيون المعروفة «بأبي المهاجر» نحو تلمسان، ولم يستخلف على ~~القيروان أحدا، ولم يبق بها إلا شيوخ ونساء، ثم رجع إليها فأقام بها. # ولما [سرح عقبة من ثقافه وتوجه إلى الشام] قدم [على] معاوية [ابن ~~أبي سفيان ف] وجده قد توفي-رحمه الله تعالى-وتولى بعده يزيد، فدخل عليه ~~فأخبره بما صنع أبو المهاجر وما دخل عليه منه ، وقال له : «لما ~~فتحت إفريقية وبنيت PageV01P033 مسجد الجماعة، بعثتم عبد الأنصاري ~~ فأهانني وأساء عزلي »، فغضب يزيد وقال: «أدركوها قبل أن ~~يخربها» ورد عقبة إليها، وأزال مسلمة عنها، وأقره بمصر، وذلك سنة اثنتين ~~وستين. # وقدم عقبة إلى القيروان بعشرة آلاف فارس، فأخذ أبا المهاجر فحبسه وقيده، ~~وأخذ ما معه من الأموال، فكانت مائة ألف دينار. وجدد بناء [القيروان] ~~ وشيدها، ونقل الناس إليها، فعمرت وعظم شأنها. # ثم خرج بأصحابه وبكثير من أهل القيروان إلى المغرب، واستخلف عليها ~~عمر بن علي القرشي وزهير بن قيس البلوي، ms015 وخرج بأبي المهاجر معه موثقا، فدعا ~~بأولاده وقال لهم: # «إني بعت نفسي من الله، وما أدرى ما يأتي/علي في سفري»، ثم قال: «يا ~~بني أوصيكم بثلاث خصال فاحفظوها ولا تضيعوها: إياكم أن تملئوا صدوركم ~~بالشعر وتتركوا القرآن فإن القرآن دليل على الله عز وجل، وخذوا من كلام ~~العرب ما يهتدى به اللبيب ويدلكم على مكارم الأخلاق، ثم انتهوا عما وراءه، ~~وأوصيكم أن لا تداينوا ولو لبستم العباء، فإن الدين ذل بالنهار وهم بالليل ~~، فدعوه تسلم لكم أقداركم وأعراضكم، وتبق لكم الحرمة في الناس ما ~~بقيتم، ولا تقبلوا العلم من المغرورين المرخصين، فيجهلوكم دين الله ~~ويفرقوا بينكم وبين الله تعالى؛ ولا PageV01P034 تأخذوا دينكم إلا من أهل ~~الورع والاحتياط فهو أسلم لكم، ومن احتاط سلم ونجا فيمن نجا»، ثم قال: ~~«عليكم سلام الله! وأراكم لا تروني بعد يومكم هذا»، ثم قال: «اللهم ~~تقبل نفسي في رضاك، واجعل الجهاد رحمتي ودار كرامتي عندك». # ثم سار لا يدافعه أحد حتى انتهى [إلى] «باغاي» والروم ~~يهربون من طريقه يمينا وشمالا ، فحاصرها وقد اجتمعوا بها، فقاتلهم ~~قتالا شديدا، ثم انهزم العدو فقتلهم قتلا ذريعا وغنم أموالهم . # ثم رحل فنزل على «لميس» وهي من أعظم مدائنهم، وانضم إليها من حولها، ~~PageV01P035 فخرجوا إليه في عدة لا يعلمها إلا الله عز وجل، [فقاتلهم قتالا ~~شديدا] حتى ظن المسلمون أنه الفناء، فضرب الله عز وجل في وجوه الروم، ~~فقاتلهم إلى باب حصنهم، وأصاب الناس منهم غنائم كثيرة. # ثم رحل يريد «الزاب» ، فسأل عن أعظم مدينة لهم، فقيل له «أذنة» ~~وهي دار ملكهم، و [كان] حولها ثلاثمائة وستون قرية كلها عامرة. فلما ~~بلغهم قدوم المسلمين عليهم هربوا إلى حصنهم وإلى الجبال، فنزل عقبة على واد ~~منها على ثلاثة أميال أو أكثر، فلقوه في عدة عظيمة في وقت المساء، [وكان] ~~ وقت نزوله، فكره منازلتهم وقتالهم في الليل، فتواقف القوم الليل ~~كله، لا راحة ولا فترة ولا نوم، PageV01P036 فسماه الناس، إلى اليوم، «وادي ~~سهر» ، لأنهم سهروا عليه، فلما صلى عقبة الصبح أمر المسلمين ms016 بقتالهم، ~~فقاتلوهم قتالا ما رأى المسلمون مثله قط، حتى يئس المسلمون من أنفسهم، ثم ~~أعطاهم الله عز وجل النصر والظفر، فانهزم الروم [وقتل فرسانهم وأهل النكاية ~~والبأس منهم] واستولت الهزيمة على بقيتهم. وفي هذه الغزوة ذهب عز ~~الروم من «الزاب» وذلوا وتحصنوا ، [فكره عقبة المقام عليهم وقد تحصنوا] ~~. # ورحل منها يريد المغرب حتى نزل «تاهرت»، فاستغاث الروم بالبربر، فأجابوهم ~~ونصروهم، فقام عقبة في الناس خطيبا، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال ~~: # «أيها الناس! إن أشرافكم وخياركم، الذين رضي الله تعالى عنهم وأنزل فيهم ~~كتابه، بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم «بيعة الرضوان» على [قتال] ~~ من كفر بالله إلى يوم القيامة، وهم أشرافكم والسابقون منكم إلى ~~البيعة، باعوا أنفسهم من رب العالمين بجنته بيعة رابحة. وأنتم اليوم في دار ~~غربة [وإنما بايعتم رب العالمين، وقد نظر إليكم في مكانكم هذا، ولم تبلغوا ~~هذه البلاد إلا طلبا لرضاه وإعزازا لدينه. فأبشروا! فكلما كثر العدو كان ~~أخزى لهم وأذل، إن شاء الله تعالى. وربكم-عز وجل -لا يسلمكم، فالقوهم بقلوب ~~صادقة، فإن الله-عز وجل -جعلكم [أولي] بأسه الذي لا يرد عن القوم ~~المجرمين، فقاتلوا عدوكم على بركة الله وعونه] . فالتقى المسلمون معهم، ~~فقاتلوهم قتالا شديدا، [فلم يكن لهم بقتال العرب من طاقة] فولى الروم ~~هاربين، ومات منهم ومن البربر [عدد عظيم] وقتلوا قتلا ذريعا. PageV01P037 # ثم رحل حتى نزل طنجة، فنزل على البحر المحيط [وهو بحر الأندلس] ~~فقال له الناس : «هذا بحر لا ترومه، وعليه ملك عظيم الشأن».فقال لهم: ~~«دلوني على رجال البربر والروم»، فقالوا: «[الروم] خلفك منهم خلق، ~~وأمامك في السوس أنجاد البربر».فأمر عقبة العسكر بالرحيل على بركة الله ~~وعونه، فرحل إلى «السوس الأدنى»، فلقي البربر في عدد لا يعلمه إلا الله ~~تعالى، فانهزموا فقتلهم قتلا ذريعا، وأمعنت خيل المسلمين في البلاد ~~والسواحل. # [ثم رحل إلى السوس الأقصى، فاجتمع عليه البربر في عدد لا يحصى، فاقتتلوا ~~قتالا شديدا حتى كثر القتلى في الفريقين، ثم إن الله بمنه وكرمه وفضله ضرب ~~في وجوههم، فهزمهم ms017 المسلمون وقتلوهم] وسبوا النساء وغنموا الأموال، ~~فبلغت الجارية الرومية بالمشرق منهم ألف دينار، وهربوا بين يديه. # ثم رحل يريد البحر المحيط، فانتهى إليه وأقحم فرسه فيه، لا يقف بين ~~يديه PageV01P038 أحد، ثم نادى بأعلى صوته وهو يشير بسوطه: «السلام عليكم ~~ورحمة الله! » فقال له بعض أصحابه: «على من تسلم يا ولي الله؟ » فقال لهم: ~~«على قوم يونس وهم من وراء هذا البحر، ولولاه لوقفت بكم عليهم»، ثم رفع ~~يديه إلى السماء، ثم قال: # «اللهم اشهد، أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد ~~أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد من دونك». # ثم رجع إلى إفريقية. فلما دنا منها أذن لمن معه من أصحابه أن ~~يتفرقوا ويتقدموا فوجا فوجا إلى إفريقية، فلما انتهى [إلى] ثغر ~~إفريقية وهي «طبنة» أذن لمن بقي معه بالانصراف إلى القيروان، ومال في خيل ~~يسيرة يريد «تهودة» لينظر قدر ما يكفيها من الخيل، [فلما انتهى إليها ~~نظر الروم إلى قلة من معه من الخيل] فقالوا: إن في [قتل] هذه ~~الخيل قتل أهل الأرض، وظنوا أن ذلك عسكره فأغلقوا باب حصنهم ورموه ~~بالحجارة وشتموه، وهو يدعوهم إلى الله وإلى رسوله، فلما توسط البلاد ~~نزل، فبعثت الروم إلى «كسيلة الأوربي» فأعلموه بقلة من معه، فجمع له ~~جمعا كبيرا من الروم والبربر، وزحف إليه ليلا حتى نزل بالقرب PageV01P039 ~~منه، وأحاط بعسكر عقبة، حتى أصبح، فلما رأى ذلك عقبة استعد له، وأمر ~~أصحابه ألا يركب منهم أحد، ويئس المسلمون من أنفسهم، فقاتلوا قتالا شديدا ~~حتى بلغ بهم البلاء ، وكثرت فيهم الجراح، فاستشهد عقبة رضي الله ~~عنه وجميع من كان معه رضي الله عنهم أجمعين، واستشهد معه أبو المهاجر، وكان ~~موثقا في الحديد. # وقيل [إن] «كسيلة» إنما أتى ناصرا لأبي المهاجر، لأنه كان ~~صديقه، فقتل أبو المهاجر في التحام القتال ولم يعلم به. # وقيل إن أبا المهاجر قاتل «كسيلة» مع البربر حتى ظفر به، فعرض عليه ~~الإسلام، فأسلم، وأحسن إليه أبو المهاجر واستبقاه ، وكان في عسكر ~~المسلمين حتى ms018 عزل أبو المهاجر، وقدم عقبة، فأراد أن ينهض إلى «طنجة»، فقال ~~له أبو المهاجر: «ليس بطنجة عدو لك، لأن الناس قد أسلموا، وهذا رئيس ~~البلاد- يريد كسيلة-فابعث معه واليا»، فأبى عقبة إلا أن يخرج بنفسه، ~~فخرج فلم ير كيدا حتى نزل «ماسة» بمكان من السوس الأقصى فبنى بها ~~مسجدا ، ثم أتى بذود غنم للعسكر، فذبح الذود، فأمر عقبة «كسيلة» أن ~~يسلخ مع السلاخين فقال PageV01P040 له: «أصلح [الله] الأمير، ~~هؤلاء فتياني وغلماني يكفوني» ، فنقره عقبة وقال له: «قم! » فقام ~~كسيلة مغضبا، فكان كلما دحس في الشاة مسح يده بلحيته مما علق بيده من بلل ~~ذلك، وجعل العرب/يمرون عليه وهو يسلخ، ويقولون له : «يا بربري ، ما ~~هذا الذي تصنع؟ » فيقول: «هذا جيد للشعر! » فمر به شيخ من العرب فقال: ~~«كلا، إن البربري ليتوعدكم» فقال أبو المهاجر لعقبة: «أصلح الله الأمير، ما ~~هذا الذي صنعت؟ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألف جبابرة العرب، ~~كالأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن ، وأنت تجيء إلى رجل هو خيار ~~قومه في دار عزه، قريب عهد بالكفر فتفسد قلبه ؟ توثق من الرجل فإني ~~أخاف فتكه! » فتهاون به عقبة، فلما انصرف نكث البربر ما كانوا عليه ، ~~وأقبلت النفرة إلى عقبة، فقال له أبو المهاجر: «عاجله قبل أن يجتمع ~~أمره» فزحف إليه عقبة، فتنحى من بين يديه، فقالت البربر لكسيلة: «لم تهرب ~~من بين يديه ونحن في خمسين ألفا وهو في خمسة آلاف؟ ». [فقال: «إنكم كل يوم ~~في زيادة، وهو في نقصان، ومدد الرجل قد افترق عنه، فإذا طلب إفريقية زحفت ~~إليه»] . فغشى «كسيلة» PageV01P041 عقبة بقرب «تهودة» في كثرة لا ~~يعلمها إلا الله عز وجل، فنزل عقبة عن فرسه، وركع ركعتين وقال: «اطلقوا أبا ~~المهاجر! » ثم قال [له] : «الحق بالمسلمين فقم بأمرهم ، وأنا ~~أغتنم الشهادة» فقال: «وأنا أغتنم الشهادة مثلك» فكسر كل واحد منهما ~~غمد سيفه، وكسر المسلمون أغماد سيوفهم، وقاتلوا حتى قتلوا [جميعا] . # وقيل إن عقبة أمر بتخلية أبي المهاجر، فأعجله القتال، فقاتل وهو ~~موثوق بالحديد، فذكر ms019 أن أبا المهاجر تمثل بقول أبي محجن : # كفى حزنا أن تمرغ الخيل بالقنا %~% وأترك مشدودا علي ~~وثاقيا # [إذا] قمت عناني الحديد وغلقت %~% مصارع أبواب تصم ~~المناديا PageV01P042 قال وهب بن منبه وشهر بن حوشب : إن هذه البقعة ~~الملعونة التي يقال لها «تهودة» كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن ~~سكناها، وقال: «سوف يقتل بها رجال من أمتي على الجهاد في سبيل الله ~~تعالى، ثوابهم ثواب أهل بدر وأحد ، وا شوقاه إليهم! # [قال شهر بن حوشب: سألت التابعين عن هذه العصابة؟ فقالوا: ذلك عقبة ~~وأصحابه قتلهم البربر والنصارى بتهودة] فمنها يحشرون يوم القيامة. # وقيل إن عقبة مر بعبد الله بن عمرو بن العاص وهو بمصر وقت ~~عودته إلى إفريقية فقال له عبد الله : «لعلك من الجيش الذين يدخلون ~~الجنة برحالهم»، فمضى فقاتل بجيشه البربر وهم كفار فقتلوا [جميعا] . # قال مؤلف الكتاب الشيخ أبو بكر عبد الله بن محمد المالكي: «حدثني ~~بهذا الفقيه «أبو عبد الله الأجدابي عن ولد أبي العرب عن أبيه، يقول: ~~«ولما PageV01P043 استشهد عقبة وأصحابه، جمع كسيلة جميع [أهل] ~~المغرب ، وزحف إلى القيروان. فانقلبت إفريقية نارا، وعظم البلاء على ~~المسلمين، فخرجوا هاربين لعظم ما اجتمع من البربر والروم مع كسيلة، ولم يبق ~~فيها إلى الشيوخ الهرمى والنسوان والأطفال وكل مثقل بالعيال . ~~وحار الناس، وأرسلوا إلى كسيلة يسألونه الأمان، ووثقوا بدعوة عقبة رحمه ~~الله تعالى، فأجابهم إلى ذلك، ودخل القيروان، وجلس في موضع عقبة، وبقى بقية ~~المسلمين تحت يديه. ومضى الذين هربوا حتى قدموا على يزيد فوجدوه توفي سنة ~~أربع وستين». # ذكر أبو العرب أن «زهير بن قيس البلوي» خليفة عقبة لما بلغه ما جرى ~~على عقبة رعب رعبا شديدا، وأراد الانصراف إلى مصر، فأبى «ابن حيان الحضرمي» ~~، وقال: «لا تفعل، فإنها هزيمة إلى مصر» فكان أول من برز فضرب خباءه ~~مبارزا للعدو، فلما رأى زهير عزمه، عزم معه ، وكان مع المسلمين في ~~عسكرهم تبيع ابن امرأة كعب الأحبار فقال له زهير: «لمن تراها؟ » ~~PageV01P044 فقال: «أراها لرجل من غسان وأنت ms020 رجل من بلي» قال: فاستهل ~~زهير، فحمد الله تعالى وقال: «أنا والله من نواقل العرب، وأنا من ~~غسان، جنى جدي جناية [في قومه] فلجأ إلى «بلي» فغلب علينا نسبهم» ~~وقال لتبيع: «ما علامة الفتح لنا؟ » قال: يطيش رجل من أصحابك ~~فيستشهد».فلما تدانت الخيول طاش رجل من أمداد اليمن فقتل، وكان ~~اللقاء «بقصر أبي عبيد» ويقال إنه كان «بممس» . ويقال إن تبيعا قال ~~لزهير: «علامة صاحب الفتح أن يفتض ذلك اليوم بكرا»، قال: فأدنى إليه زهير ~~ رأسه وقال إنه لم يجف بعد، و «إنما تطهرت من افتضاض بكر الساعة» فقال ~~له تبيع: «اخرج على بركة الله الساعة»، فثبت زهير بالقيروان حتى زحف إليه ~~كسيلة في جمع عظيم من البربر والروم. # ونقض الروم العهد، وخرجوا من حصونهم، ووافق جميعهم عيد الأضحى فاعتد زهير ~~ومن معه ستة آلاف: ألفين من البربر وأربعة آلاف من العرب، فلما رأى ~~زهير ما حل به من الروم والبربر، أرسل إلى الروم وقال لهم: «إنا وإياكم أهل ~~كتاب، وقد حضرنا يوم نعظمه، فأخروا حربنا حتى ينقضي العيد»، فأجابوه إلى ~~ذلك. فلما انقضى العيد زحف إلى كسيلة وقاتله قتالا شديدا، فانهزم كسيلة ~~وقتل من أصحابه ما لا يحصى، وتفرقوا. فأقام زهير بالقيروان يسيرا ثم خرج ~~إلى مصر، فوصل PageV01P045 إلى لوبيا ومراقية وذلك سنة خمس وستين، ~~فوجد يزيد قد توفي وعبد الله بن الزبير خليفة بمكة، ومروان بن الحكم أميرا ~~بالشام [فأقام هناك مرابطا] . # [ولما ولي عبد الملك بن مروان واشتد سلطانه واجتمع إليه أكابر المسلمين] ~~ فسألوه أن يبعث الجيوش إلى إفريقية لخلاص من فيها من المسلمين من يد ~~«كسيلة»، وأن يعز بها الإسلام كما كان في أيام عقبة، فقال لهم: «ومن للأمر ~~مثل عقبة؟ » فاتفق رأيهم ورأي المسلمين على زهير بن قيس البلوي، وكان من ~~رؤساء العابدين وأشراف المجاهدين، فوجه إليه عبد الملك بن مروان، يأمره ~~ بالخروج على أعنة الخيل فيمن معه من المسلمين لغزو إفريقية. # فلما اتصل ذلك بزهير سره وسارع إلى الجهاد، وكتب إلى عبد الملك يخبره ms021 ~~بقلة من معه من الرجال والأموال، فأرسل [عبد الملك] إلى أشراف العرب ~~ليحشدوا إليه الناس من الشام ، وأفرغ عليهم أموال مصر، فسارع ~~الناس إلى الجهاد، واجتمع منهم خلق عظيم، فأمرهم أن يلحقوا بزهير، فلما ~~وصلوا إليه خرج بهم إلى إفريقية، فلما دنا من القيروان [نزل بقرية يقال لها ~~«قلشانة»] وذلك في سنة تسع وستين، فبلغ ذلك كسيلة وكان في خلق عظيم ~~من الروم والبربر، فدعا PageV01P046 كبارهم وأشرافهم وشاورهم وقال لهم: ~~«أرى أن ننزل بممس لئلا يركبنا من بالقيروان إذا التحم القتال فنهلك، فيكون ~~عسكرنا بممس لأن ماءها كثير، فإن هزمناهم دخلنا معهم طرابلس وقطعنا آثارهم، ~~وإن هزمونا كان الجبل منا قريبا فتحصنا به» فأجابوه إلى ذلك، فنزل ممس. ~~وانتظره زهير أن يخرج إليه من القيروان، فلما رآه نزل ممس رحل زهير إليه ~~ونزل بالقيروان وأقام بها ثلاثة أيام حتى استراح وأراح، وأراح أصحابه ~~خيلهم، وزحف إلى كسيلة يوم الأربعاء صباحا. # فأشرف على عسكر [كسيلة] في آخر النهار، فنزل، وبات الناس على ~~مصافهم، فلما أصبح صلى زهير غلسا [ثم زحف إليه بمن معه] فالتقى ~~القومان، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر البلاء في الفريقين، فضرب الله في ~~وجه كسيلة فانهزم هو وأصحابه، وقتلوا قتلا [ذريعا] وقتل كسيلة بممس ~~وتمادت العرب في طلبهم حتى سقوا خيلهم من «ملوية» ، وادي طنجة. # وفتح «شقبنارية» وقلاعا أخر، ورجع وقد فزع منه جميع الروم ~~والبربر. # ثم إن زهيرا رأى بإفريقية رفاهة العيش وملكا عظيما فأبى من المقام، وقال: # «إنما قدمت للجهاد، ولم أقدم لحب الدنيا»، فأراده رؤساء أصحابه على ~~المقام فأبى، ورجع إلى المشرق ، ونزل ببرقة فكانت له بها وقائع كبيرة. # ولما بلغ الروم أن زهيرا خرج من برقة أمكنهم ما يريدون فخرجوا ~~إليها في مراكب كثيرة وقوة عظيمة، فأغاروا عليها، فسبوا وقتلوا، فوافق ذلك ~~قدوم زهير من PageV01P047 إفريقية إلى برقة، فأخبروه بخبرهم، فأمر عسكره أن ~~يمضي على الطريق، وعدل هو إلى الساحل في خيل يسيرة من فرسان أصحابه، ~~وطمع أن يدرك العدو فيستنقذ منه أسارى المسلمين، ms022 فلما وصل إلى الساحل أشرف ~~على الروم، فإذا هم خلق عظيم، واستغاث ذراري المسلمين وصاحوا، والروم ~~يدخلون بهم في المراكب وعسكر الروم [بوفرة] في البر، فنادى زهير في ~~أصحابه: «انزلوا رحمكم الله! » فنزل المسلمون، وبرز الروم لقتالهم، ~~فاقتتلوا حتى عانق بعضهم بعضا، وتكاثر عليهم الروم فاستشهد زهير وكل من كان ~~معه من المسلمين رضي الله عنهم، ولم يخلص منهم سوى رجل واحد، فأدخل الروم ~~خيلهم وسلاحهم والسبي الذي كان معهم إلى المراكب. فلما بلغ عبد الملك ~~والمسلمين الخبر اشتد عليهم ذلك، وكانت المصيبة بزهير وأصحابه مثل ~~المصيبة بعقبة بن نافع وأصحابه رضي الله تعالى عن جميعهم. # وسأل أشراف المسلمين عبد الملك أن ينظر إلى أهل إفريقية ويؤمنهم من عدوهم ~~ويبعث الجيوش إليهم، فقال عبد الملك: «ما أعلم أحدا أكفأ بإفريقية من حسان ~~ابن النعمان الغساني»، فبعثه أميرا سنة تسع وستين في ستة آلاف، وهو أول من ~~دخل إفريقية من أهل الشام في زمن بني أمية، فسار حسان إلى إفريقية، فسأل عن ~~أعظم من فيها من الملوك، فقالوا: «صاحب قرطاجنة» فرحل إليه [حسان] ، ~~وفي بلده من الروم ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وهي على شاطئ البحر تسمى ~~ترشيش [وهي من مدينة القيروان على مائة ميل] فنزل عليها، وضيق ~~عليهم، وتواقف القوم واقتتلوا، فقتل رجالهم وفرسانهم، واجتمع رأى الروم على ~~العبور إلى جزائر البحر، وكانت لهم سفن، فهربوا إلى «صقلية» وإلى الأندلس. ~~فدخلها «حسان» بالسيف، PageV01P048 فسباها، وغنم ما فيها وأرسل إلى ما ~~حولها من العمران، فاجتمعوا إليه مسرعين، فأمرهم بهدم قرطاجنة وقطع القناة ~~عنها. # ثم جمع عليه الروم، وعقدوا عليه عسكرا عظيما لا يعلمه إلا الله ~~تعالى، وأمدهم البربر وذلك في بلد تسمى «صطفورة» ، فزحف إليهم حسان ~~فقاتلهم قتالا عظيما، وأصيب من أصحابه رجال كثيرون ، رضي الله تعالى ~~عنا وعنهم. # [ثم] إن الله تبارك وتعالى ضرب في وجوه الذين كفروا من الروم ~~والبربر فانهزموا بعد بلاء عظيم، [فقتلهم حسان قتلا عظيما] واستأصلهم ~~وحمل بأعنة الخيل عليهم، فما ترك في بلادهم موضعا ms023 إلا وطئه بخيله، ولجأ ~~بقية الروم خائفين هاربين إلى مدينة «باجة» فتحصنوا بها، وهرب البربر ~~إلى إقليم «بونة». # وأخرق حسان البحر فاحتفره، وجعل دار الصناعة، وأخرق البحر ~~إليها ثم انصرف، إلى مدينة القيروان فأقام بها حتى برئت جراح أصحابه. # ثم سأل حسان فقال: «من أعظم ملوك إفريقية؟ » وعمن إذا قتل أو قهر ~~PageV01P049 دانت إفريقية لقاتله ويئس الروم والبربر من أنفسهم، فقيل له ~~امرأة يقال لها الكاهنة، وهي في جبل أوراس، وجميع من بإفريقية خائفون ~~منها، والروم سامعون لها مطيعون «فإن قتلتها يئس الروم والبربر أن ~~يكون لهم ملجأ».فلما سمع ذلك حسان عزم على قصدها، فخرج إليها بجيوشه، فلما ~~بلغ مجانة نزل بها، وكانت قلعة مجانة لم تفتح، فتحصن بها ~~الروم، فمضى وتركهم، وبلغ الكاهنة أمره فزحفت من جبل «أوراس» في عدد ~~لا يعلمه إلا الله عز وجل، فنزلت بمدينة «باغاي» ، فأخرجت من بها ~~وهدمتها، وظنت أن حسان يريد حصنا [يتحصن به] ثم أقبل حسان حين ~~بلغه الخبر إلى وادي «مسكيانة »، فقيل له إنها قد أقبلت في عدد لا ~~يحصيه إلا الله تعالى، فقال لهم: «دلوني على ماء يسع العسكر الذي أنا ~~فيه»، فمالوا به إلى نهر ، فنزل عليه، وزحفت إليه الكاهنة حتى ~~أتت أسفل النهر فنزلت عليه، فكان يشرب هو وأصحابه من أعلاه وتشرب هي ~~وأصحابها من أسفل النهر. فلما دنا بعضهم من بعض وتواقفت الخيل-[وذلك آخر ~~PageV01P050 النهار] -أبى حسان أن يقاتلهم بالليل، فوقف كل قوم ~~على مصافهم، فلما أصبحوا زحف بعضهم إلى بعض، فاقتتلوا قتالا شديدا، فعظم ~~البلاء، وظن المسلمون أنه الفناء، وانهزم حسان بعد بلاء عظيم، وقتل من ~~العرب خلق كثير، فسمى ذلك النهر «نهر البلاء» . فاتبعته الكاهنة بمن ~~معها، حتى خرج من حد «قابس» فأسلم إفريقية ومضى على وجهه، وأسرت من أصحابه ~~ثمانية رجال، وقيل ثمانين رجلا، منهم خالد بن يزيد العبسي ، /وكان ~~رجلا مذكورا. # فلما فصل من قابس كتب إلى أمير المؤمنين يخبره الخبر بما نزل بالمسلمين ~~من الكاهنة، وأقبل يرفق في سيره طمعا فيمن نجا ms024 من أصحابه [أن يلحقوا به] ~~، إلى أن بلغ [أنطابلس] ، ثم إن أمير المؤمنين [عبد الملك بن ~~مروان] كتب إليه: «إنه قد بلغني أمرك وما لقيت وما لقي المسلمون، فانظر حيث ~~لقيت كتابي هذا، فأقم ولا تبرح حتى يأتيك أمري»، فلقيه الكتاب وهو نازل ~~بمكان يقال له اليوم «قصور حسان» فبنى هنالك قصرا لنفسه، وأقام بذلك الموضع ~~هو ومن معه ثلاث سنين، وملكت الكاهنة إفريقية كلها. PageV01P051 # وكانت الكاهنة حين أسرت ثمانين رجلا من أصحاب حسان أحسنت إسارهم ~~إلا رجلا واحدا وهو خالد بن يزيد العبسي ، وكان أذكر من كان مع حسان، ~~فحبسته عندها ، ثم عمدت إلى دقيق شعير مقلو، فأمرت به فلت بزيت- ~~والبربر تسمى ذلك «البسيسة» -ثم دعت خالد بن يزيد وابنين لها فأمرتهم ~~فأكلوا ثلاثتهم منها، وقالت لهم: أنتم [الآن] قد صرتم إخوة. ~~وذلك عند البربر من أعظم العهد في جاهليتهم إذا فعلوه. # ثم إن حسان بعث رسولا إلى خالد-وخالد عند الكاهنة-يقول له: قال لك حسان: ~~مالك لا تكاتبنا بخبر الكاهنة؟ فكتب خالد كتابا إلى حسان مع رسوله في ~~خبزة ملة ، قد أنضجها، ثم دفعها إلى الرسول ليخفي الكتاب، وليظن من ~~رأى الخبزة أنها زاد ذلك الرجل فلم يغب شخص الرجل الرسول [عنهم] حتى ~~خرجت الكاهنة ناشرة شعرها [وهي تقول: يا معشر بني] ، هلاككم ~~فيما يأكل الناس فكررت ذلك ثلاث مرات، ومضى الرسول حتى قدم على حسان ~~بالكتاب، وقد افترق الناس يمينا وشمالا يطلبون من قالت فيه، فستره الله عز ~~وجل PageV01P052 عنها. وفي الكتاب جميع ما يحتاج إليه من خبر الكاهنة، ~~ويقول في آخره : وإذا وقفت على الكتاب فاطو المراحل، فإن الأمر ~~لك، ولست أسلمك إن شاء الله تعالى. # ثم إن خالد كتب بعد ذلك إلى حسان يخبره بما قبله، ثم عمد إلى قربوس ~~فنقره، [ثم وضع فيه الكتاب وأطبق عليه القربوس، وأخفى مكان النقر منه، ثم ~~حمل رسولا على دابة إلى حسان، فلما فصل الرسول بالكتاب، خرجت الكاهنة ناشرة ~~شعرها وهي تقول: يا بني] هلاككم في [شيء من] نبات ms025 الأرض، [وهو] ~~ بين خشبتين-وكانت من أعلم أهل زمانها بالكهانة-[ومضى الرسول حتى قدم ~~على حسان] . # فلما بلغ الكاهنة أن حسانا مقيم بقصوره لا يبرح، قالت للبربر ~~والروم: إنما طلب حسان من إفريقية المدائن والذهب والفضة [والشجر] ~~ونحن إنما نريد المراعي والزرع، فما أرى لكم إلا خرابها، فوجهت البربر ~~يقطعون الشجر ويهدمون الحصون. قال ابن أنعم : وكانت إفريقية من طرابلس ~~إلى طنجة ظلا واحدا متصلة الشجر، فأخربت ذلك كله؛ فخرج من النصارى ثلاثمائة ~~رجل [يستغيثون بحسان فيما نزل بهم من الكاهنة من خراب] الحصون وقطع ~~الشجر، وفي أثناء ذلك وصله كتاب عبد الملك يأمره [بالنهوض إلى ~~إفريقية قبل أن تخربها الكاهنة، فوافق ذلك وصول الروم إليه وقدوم رسول خالد ~~بن يزيد عليه، فرجع بجميع عسكره إلى إفريقية. # فيقال: إنه لما رحل من قصوره بجميع عسكره إلى إفريقية، خرجت الكاهنة ~~PageV01P053 ناشرة شعرها [فقالت] : يا بني انظروا ماذا ترون في ~~السماء؟ قالوا نرى شيئا من سحاب أحمر. فقالت: لا وإلهي، ما هو إلا رهج خيل ~~العرب قد أقبلت عليكم، ثم قالت لخالد بن يزيد، الذي كانت أسرته: إنما كنت ~~تبنيتك لمثل هذا اليوم، أما أنا فمقتولة ولكني أوصيك بأخويك هذين خيرا-تريد ~~ولديها-فانطلق بهما إلى العرب فخذ لهما أمانا، فانطلق بهما خالد إلى العرب ~~فأخذ لهما أمانا، ولقي حسان وهو مقبل يريد «الكاهنة» فأخبره خبرهما وأخذ ~~لهما أمانا، وكان مع حسان جماعة من البربر يقال لهم «البتر» فولى ~~عليهم الأكبر من ولدي الكاهنة وأكرمه وقربه ، ثم مضى حسان ومن ~~معه يريد الكاهنة، فوصل إلى «قابس» ، فلقيته الكاهنة في جيوش عظيمة، ~~فقاتلهم حسان، فهزمهم الله عز وجل، وهربت الكاهنة تريد «[قلعة] بسر» ~~لتتحصن بها، فأصبحت القلعة لاصقة بالأرض ، فهربت تريد جبال أوراس، ~~ومعها صنم عظيم من خشب كانت تعبده، يحمل بين يديها على جمل، فتبعها حسان ~~حتى قرب من موضعها، فلما كان الليل قالت لابنيها: PageV01P054 # إني مقتولة وأرى رأسي تركض به الدواب مقطوعا تمضي به إلى ~~المشرق من حيث تطلع الشمس، وأراه موضوعا بين يدي الملك-ملك ms026 العرب ~~الأعظم- الذي بعث إلينا بهذا الرجل، فقال لها خالد بن يزيد وولداها: فإذا ~~كان الأمر هكذا عندك ، فارحلي [وخلي] له البلاد»، فقالت له: ~~«وكيف [أفر] ، وأنا ملكة من الملوك، والملوك لا تفر من الموت، فأقلد ~~قومي عارا إلى آخر الدهر» قالوا لها: «أفلا تخافين على قومك؟ » ~~فقالت: «إذا أنا مت فلا أبقى الله أحدا منهم في الدنيا %~% » فقال لها خالد ~~بن يزيد وولداها: «فما نحن صانعون؟ » فقالت: «أما أنت يا خالد فستنال ملكا ~~عظيما عند الملك الأعظم، وأما أولادي فسيدركون ملكا بإفريقية مع هذا الملك ~~الذي يقتلني» ثم قالت لهم: «اركبوا واستأمنوا إليه» فركب خالد ~~بن يزيد وولداها في الليل وتوجهوا إلى حسان. # فلما أصبح حسان زحف إليها، وأقبلت الكاهنة زاحفة إليه، فلقيت [أعنة] ~~ الخيل خالدا وولديها فسلموا عليهم، ومضوا بهم إلى حسان، فدخل ~~خالد بن يزيد على حسان وأخبره بما قالت الكاهنة، وأنها وجهت إليه بولديها، ~~فأمر بهما حسان، فأدخلهما في عسكره، ووكل بهما أقواما . وقدم خالد بن ~~يزيد على أعنة الخيل، فالتقى القوم، ووضعوا السلاح بعضهم على بعض، وصبروا ~~حتى ظن القوم من المسلمين أنه الفناء، فانهزمت الكاهنة وقتلت عند بئر فسماه ~~المسلمون «بئر الكاهنة» فنزل حسان على الموضع الذي قتلت فيه. ويقال إنها ~~ قتلت عند PageV01P055 «طبرقة» فعجب الناس من خلقها ، ~~وكانت الأترجة، تجري فيما بين عجيزتها وأكتافها. # ثم إن الروم والبربر تحزبوا بعد ذلك، واجتمعوا على قتال حسان وقاتلوه، ~~فهزمهم الله تعالى، فخافوه، فاستأمنوا إليه، فلم يقبل أمانهم حتى أعطوه-من ~~جميع قبائلهم-اثني عشر ألف فارس يكونون مع العرب مجاهدين، فأجابوه ~~وأسلموا [على يديه] ، فعقد لولدي الكاهنة-بعد إسلامهما-لكل واحد منهما ~~على ستة آلاف فارس من البربر ، وأخرجهم مع العرب يفتحون إفريقية ~~ويقتلون الروم ومن كفر من البربر، فمن ذلك صارت الخطط للبربر بإفريقية، ~~فكان يقسم الفيء بينهم والأرض وحسنت طاعتهم فدانت له إفريقية ودون ~~الدواوين. # ثم قدم «القيروان» فأمر بتجديد بناء «المسجد الجامع»، فبناه بناء ~~حسنا، وجدده في شهر رمضان سنة أربع وثمانين. # ثم رحل يريد «قرطاجنة» فانتهى ms027 إلى طنبذة ، فوجه «أبا صالح» ~~مولاه PageV01P056 إلى قلعة «زغوان» ، فنزل بموضع فسمى «فحص أبي صالح» ~~، فقاتل أهلها ثلاثة أيام، فلم يقدر عليهم، فخلى حسان عسكره بطنبذة ~~ورحل إلى «زغوان» في خيل مجردة، فافتتحها ثم انصرف إلى «طنبذة» ثم سار يريد ~~«قرطاجنة»، فنزل بموضع دار الصناعة، وهو الذي أخرق البحر وجعلها دار ~~صناعة [فأخرج إليها الماء، وأجراه من البحر إليها] ، فخرج إليه ~~أهل قرطاجنة فحاربوه حربا شديدة فهزمهم الله تعالى، وملك [حسان] ~~ فحص تونس وقرطاجنة، فلما رأت الروم [شدته] وقهره [لهم، ~~وعلموا] أنهم لا قوام لهم به سألوه الصلح وأن يضع عليهم الخراج، ~~فأجابهم إلى ذلك، وأدخلوا ثقلهم في مراكب كانت عندهم معدة في البحر وهربوا ~~من باب يقال له «باب النساء» في الليل، وحسان لا علم عنده بذلك، وتركوا ~~المدينة خالية لا أحد فيها، ونزلوا بجزيرة صقلية وبعضهم بالأندلس، فدخلها ~~حسان فأخربها وأحرقها/وبنى بها مسجدا. # ورجع إلى «مدينة القيروان»، وأقام بها، وعمرها المسلمون وانتشروا وكثروا ~~فيها وأمنوا، وولى حسان على صدقات الناس والسعي عليهم «حنش بن عبد الله ~~الصنعاني» التابعي رضي الله تعالى عنه. # ثم رحل حسان بمن معه من السبي والغنائم والأموال إلى عبد الملك بن مروان ~~وكان معه خمسة وثلاثون ألف رأس من سبي البربر، وكان معه من الذهب ~~ثمانون ألف دينار قد جعلها في [قرب الماء، حياطة عليها] . واستقامت ~~إفريقية كلها، وأمن أهلها وقطع الله عز وجل مدة أهل الكفر منها وصارت دار ~~إسلام إلى وقتنا هذا، وإلى آخر الدهر إن شاء الله عز وجل. PageV01P057 ### | أبواب التراجم # PageV01P059 ### | [الطبقات] ذكر من دخل إفريقية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم # ومن كان بعدهم بالسواحل والبلاد من الزهاد والعلماء والعباد ، رضي ~~الله تعالى عنهم ### $ 1 - منهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه. # ويكنى أبا الفضل . وقال ابن عبد البر يكنى أبا العباس. وهو ~~ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد بالشعب قبل الهجرة [بثلاث سنين] ~~، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس عشرة سنة ms028 وقيل ثلاث ~~عشرة سنة. ولم يجزه [النبي] صلى الله عليه وسلم وأجاز عبد الله بن عمر ~~لكونه أسن منه، ودعا له عليه الصلاة والسلام وقال: # «اللهم علمه الكتاب والحكمة » فكان من العلماء بكتاب الله عز وجل ~~وتفسيره ومحكمه وناسخه ومنسوخه، PageV01P060 # وعالما بالسنة وجميع العلوم الشرعية. وكان طاوس يقول: هو بحر العلوم ~~، وقسم الفيء بين المسلمين في فتح إفريقية، وكان الأمير عبد الله ~~بن سعد بن أبي سرح . ### $ 2 - ومنهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه. # أسلم بإسلام أبيه عمر رضي الله تعالى عنه بمكة وهو صغير، وشهد معه ~~بدرا وأحدا، هكذا قال «ابن قتيبة» و «ابن إسحاق».كان يوم بدر ابن اثنتي ~~عشرة سنة، وهاجر مع أبيه وأمه إلى المدينة وهو ابن عشر سنين، وأخته شقيقته ~~زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأمه زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون ~~وكانت من المهاجرات الأول. وذكر أنه حج ستين حجة بعد حجة الوداع مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وأقام يفتي PageV01P061 المسلمين في الحلال والحرام ستين سنة، وكان من [أهل الورع] ~~ والعلم بالكتاب والسنة، وكان يحفظ ما سمع من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا حضر. وكان يسأل من حضر إذا لم يحضر، عما فاته من قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو فعله أو كان عليه قوله. # وكان صلى الله عليه وسلم يقول : «نعم الرجل عبد الله بن عمر، إلا أنه ~~ليس يصلي بالليل». # [قال سالم] فكان عبد الله بن عمر بعد ذلك لا ينام الليل إلا قليلا. # غزا إفريقية مرتين: الأولى مع عبد الله بن أبي سرح، والثانية مع معاوية ~~ابن حديج، وكان معه في الغزوة أم ولد فولد له منها صبية بإفريقية ثم توفيت ~~فدفنها بالمقبرة التي تعرف الآن «بقريش» . # وكان قد كف بصره. [مات] بمكة وهو ابن أربع وثمانين سنة، ويقال سبع ~~وثمانين، صلى عليه عبد الرحمن بن عوف . ودفن «بذي طوى» في مقبرة ~~المهاجرين ، وهو آخر من مات بمكة من ms029 الصحابة رضي الله تعالى عنهم. PageV01P062 ### $ 3 - ومنهم عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما. # ولد بعد الهجرة بعشرين شهرا، وهو أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة، ~~وسمعت أنه أول مولود ولد للمهاجرين. # البخاري بإسناد يتصل «بأسماء» قالت: «حملت بعبد الله بن الزبير، ~~فخرجت وأنا متم، فأتيت المدينة، فنزلت «بقباء» فولدت ب «قباء» ، ثم أتيت ~~[به] رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره فدعا بتمرة فمضغها ~~ثم تفل في فيه »، «فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم».قالت : [ثم حنكه بتمرة] «ثم دعا له وبرك عليه ». # والدته أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وجدته لأبيه ~~صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخالته عائشة أم ~~المؤمنين. وعمة أبيه خديجة بنت خويلد زوج النبي عليه الصلاة والسلام. PageV01P063 # وكان كثير الصيام طويل الصلاة، وربما قرأ في الركعة الواحدة ~~«بالبقرة» و «آل عمران» و «النساء» و «المائدة»، وكان ربما أطال ~~السجود في الصلاة فتنزل الطير على ظهره تحسبه جذم حائط. # وكان أول من كسا الكعبة الديباج، وكان يطيبها حتى يوجد ريحها خارج مكة، ~~وكانت كسوتها قبل ذلك المسوح والأنطاع ! . # وغزا إفريقية مع ابن أبي سرح وقتل «جرجير» ملك الروم، ويقال إنه أسس ~~«مسجد القيروان». # وختم الله عز وجل له بالشهادة، لما أراد الله عز وجل من كرامته وإهانة من ~~قتله وهو الحجاج بن يوسف، الله حسيبه ومجازبه ، وذلك يوم الثلاثاء لسبع ~~عشرة ليلة خلت من شهر جمادى [الآخرة، سنة ثلاث وسبعين] . PageV01P064 ### $ 4 - ومنهم أبو محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه. # صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الرواية عنه، وهو صاحب ابن ~~صاحب، وكان بينه وبين أبيه في العمر ثلاث عشرة سنة. أسلم قبل أبيه، وكان ~~مسكنه مكة، ثم رحل إلى الشام فأقام بها، ثم رحل إلى مكة فسكنها، وذهب بصره ~~في آخر عمره، وأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابة ms030 الحديث عنه ~~(1)، ولم يبلغنا أنه أذن لغيره. # وكانت تحته عمرة بنت عبيد الله بن عباس وولدت منه محمدا، وولد ~~محمد شعيبا، وكان من سراة قريش، وولد شعيب عمرا . وكان يحمل عنه العلم، ~~ويضعف إذا حدث عن أبيه عن جده. ويقال إنما وصل ذلك إليه من صحيفة وجدها في ~~كتب أبيه شعيب . وإذا حدث عن غير أبيه كان صحيح النقل. PageV01P065 # شهد عبد الله بن عمرو غزو إفريقية مع ابن أبي سرح سنة سبع وعشرين، ذكر ~~ذلك أبو العرب . # قال أبو سعيد بن يونس: وشهد أيضا فتح مصر، ونزل بها في دار أبيه التي ~~اختطها. وكان قد ولي مصر بعد أبيه نحو سنتين، ثم عزله معاوية عنها، ~~فانتقل إلى مكة وأوطنها حتى توفي بها سنة خمس وستين وهو ابن اثنين وسبعين ~~سنة في ولاية يزيد بن معاوية. [ويقال] : إنه توفي بمصر في داره الصغيرة ~~التي بمصر ودفن بها . ### $ 5 - ومنهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح رضي الله تعالى عنه. # أمير إفريقية، وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة ويقال اسم أبي سرح ~~الحسام بن الحارث. # وكان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم هو ومعاوية رضي الله تعالى ~~عنهما. # دخل إفريقية غازيا وأميرا بتولية عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه إياه ~~سنة سبع PageV01P066 وعشرين، وكان معه جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد ذكرنا أسماءهم وما جرى لهم. # ذكر أن عبد الله بن أبي سرح بنى مسجدا بالقيروان عند «باب عبد الله» ~~هو به معروف، يقال له «مسجد ابن أبي سرح». # شهد فتح مصر واختط بها، وكان صاحب ميمنة المسلمين مع عمرو بن العاص ~~في حروبه، وفارس بني عامر بن لؤي والمقدم فيهم. # عن عبد الله بن ربيعة قال : صلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح ~~المغرب بإفريقية، فلما صلى ركعتين سمع جلبة في المسجد ، فأرعبهم ذلك ~~وظنوا أنه العدو، فقطع الصلاة، فلم يجد شيئا . ثم خطب الناس وقال: إن ~~هذه الصلاة اختصرت. # ثم أمر مؤذنه ms031 فأقام الصلاة، ثم أعادها. # ولما حضرت عبد الله بن سعد الوفاة وهو «بالرملة» -وكان قد خرج هاربا ~~من الفتنة-جعل يقول لهم من الليل: «أصبحتم؟ » فيقولون: «لا».فلما كان مع ~~الصبح قال: «يا هشام بن كنانة ، إني لأجد برد الصبح، فانظروا! » ثم قال ~~لهم: PageV01P067 # «اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح».فنظروا فاذا هم بالصبح، [فتوضأ ~~ثم صلى] فقرأ في أول ركعة «بأم القرآن» و «الذاريات» وفي الثانية ~~بأم القرآن وسورة ثم سلم عن يمينه ثم ذهب ليسلم عن يساره، فقبض الله ~~عز وجل روحه وذلك سنة ست وثلاثين رضي الله تعالى عنه. ### $ 6 - ومنهم عبد الله بن أنيس الجهني القضاعي رضي الله تعالى عنه. # يكنى أبا أيمن ، صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى معه القبلتين، ~~وهو الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم في «ليلة القدر»: «يا رسول الله؛ ~~مرني بليلة أنزل فيها»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # «أنزل ليلة ثلاث وعشرين». # قلت أنا: إنه أراد نزول القرآن . PageV01P068 ### $ 7 - ومنهم أبو عبد الرحمن المسور بن مخرمة . # صحب النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه، وهو صاحب ابن صاحب. أسلم أبوه ~~يوم فتح مكة. وولد المسور في السنة الثانية من الهجرة، وتوفي النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو ابن ثماني سنين. وأمه أخت عبد الرحمن بن عوف. # دخل إفريقية غازيا مع ابن أبي سرح، وشهد معه المغازي والمعارك، وهو ~~الذي حرض عثمان رضي الله تعالى عنه على غزوها. # قال المسور: «لقد وارت الأرض أقواما لو رأوني معكم لاستحييت منهم». # وعن جعفر بن عبد الرحمن : أن المسور كان إذا قدم مكة لم يخرج منها ~~حتى يطوف لكل يوم غاب عنها أسبوعا . # عن عمر بن شداد الليثي قال: «والله إني لأصلي أمام المسور، فصليت ~~صلاة الشاب كنقر الديك، فزحف إلى المسور وقال لي: «قم صل! » فقلت: «قد صليت ~~عافاك الله»، فقال: «كذبت، والله ما صليت ولا تريم حتى تصلي».فقمت فصليت، ~~فأتممت الركوع والسجود، فقال لي المسور: «والله لا تعصون الله عز وجل، ونحن ms032 ~~ننظر، ما استطعنا». PageV01P069 # حدثنا زيد بن أبي الزرقاء أن المسور احتكر طعاما كثيرا، فخرج من ~~المسجد يوما، فرأى سحاب الخريف فكرهه، فشق عليه ما وقع في نفسه من كراهية ~~ذلك، فأمر بالطعام إلى السوق، وقال: «من جاءني وليته كما أخذت»، فأتى ~~عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فخاطبه في ذلك وقال له: «ما السبب ~~يا مسور؟ »: فقال: «رأيت سحاب الخريف فكرهته، فرأيت أني قد كرهت ما ينفع ~~المسلمين فأجمعت على ألا أربح فيه شيئا».فقال له عمر: «جزاك الله عن نفسك ~~خيرا وعن المسلمين خيرا». # قال البرقي : وكانت سن المسور يوم مات ثلاثا وستين سنة ~~وكانت وفاته سنة أربع وستين. ### $ 8 - ومنهم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، رضي الله تعالى عنهما. # يكنى أبا محمد صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو صاحب ابن صاحب ابن ~~صاحب PageV01P070 # لأن أبا قحافة، واسمه عثمان، والد أبي بكر الصديق أسلم يوم فتح مكة ~~وصحب النبي صلى الله عليه وسلم. ذكر أبو سعيد بن يونس أن عبد الرحمن دخل ~~إفريقية، ولم يذكر في أي جيش دخلها . ### $ 9 - ومنهم أبو ذر الغفاري ، واسمه جندب بن جنادة. # كان من كبار الصحابة، وكان كثير العزلة. ودخل إفريقية غازيا مع ابن ~~أبي سرح، وشهد مشاهدها، وشهد فتح مصر واختط بها. توفي «بالربذة» سنة ~~إحدى وثلاثين . # عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه قال: «لما حضرت أبا ذر الوفاة ~~بالربذة بكت امرأته، فقال لها: «ما يبكيك؟ » فقالت: «وما لي لا أبكي وأنت ~~تموت بفلاة من الأرض، وليس لي ثوب يسعك كفنا ، ولا لي طاقة بتغييبك في ~~الأرض؟ »، PageV01P071 فقال: «لا تبكي وأبشري، فإني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض وتشهده ~~عصابة من المؤمنين» وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد هلك في قرية وجماعة ~~غيري، فأنا الذي أموت بالفلاة، فأبصري الطريق وتبصري» قالت: فقلت «أنى ذلك ~~وقد انقطع الطريق وذهب الحاج؟ »، قال: «أبصري وتبصري» قالت: «فقمت/أشتد إلى ~~كثيب من رمل ms033 فأقوم عليه فأتبصر، ثم أعود إليه فأمرضه»، قالت: «فبينا أنا ~~كذلك، إذا أنا بنفر على رحالهم كأنهم الرخم تخد بهم رواحلهم» قالت: ~~«فألحت بثوبي، فوضعوا السياط عليها وأسرعوا، فلما وصلوا إلي قالوا: «يا أمة ~~الله، مالك؟ » فقلت: «رجل من المسلمين يموت، تكفنونه ».قالوا: «ومن هو؟ ~~» قالت: «أبو ذر، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم» فأتوا يفدونه بالآباء ~~والأمهات حتى دخلوا عليه فسلموا، فقال: «أبشروا، فإني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول»، ثم ذكر لهم الحديث الذي ذكر لامرأته. ثم قال لهم: ~~«وأنا ذلك الرجل. وأنتم أولئك القوم. وإنه لو كان لي ثوب يسعني كفنا لم ~~أكفن إلا في ثوب لي أو لأهلي، وإني أنشدكم الله ألا يكفنني رجل [منكم] ~~ كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا»، قال: «وليس من القوم إلا وقد ~~قارف ما سمى، إلا فتى من الأنصار، قال: «يا عم، أنا أكفنك في ردائي هذا وفي ~~ثوبين في عيبتي من غزل أمي، ولم أقارف مما ذكرت شيئا».فكفنه الأنصاري في ~~ثوبيه، وحضروا غسله وكفنه وصلوا عليه-رضي الله تعالى عنه-ودفنوه ». PageV01P072 ### $ 10 - ومنهم أبو سعيد المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة # البهراني رضي الله تعالى عنه. # شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم «بدرا» وغيرها من المغازي، وهو أول ~~من عدا به فرسه في سبيل الله تعالى، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~حديثا كثيرا ، وهو الذي أمره علي رضى الله تعالى عنه أن يسأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن المذي يعرض للرجل، ماذا عليه؟ قال علي عليه السلام: ~~«وعندي ابنته، فأنا أستحيي أن أسأله بنفسي» . أدخله مالك في «موطئه» ~~وسماه المقداد بن الأسود، وإنما نسب إلى الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن ~~زهرة، كان قد تبناه ورباه فنسب إليه. قال ابن قتيبة : ثم رجع المقداد ~~إلى نسبه. # وغزا إفريقية مع ابن أبي سرح، وكانت له بها مقامات مشهورة. ذكر سفيان ~~PageV01P073 ابن الحارث أنهم قالوا للمقداد : «إنك ثقلت، وتخرج في ms034 ~~هذه المغازي؟ » فقال: خفيفا كنت أو ثقيلا، لا أتخلف عنها، لأن الله تعالى ~~يقول في كتابه العزيز: # (انفروا خفافا وثقالا) ، ثم قال: قدمت سرية على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فذكروا البرد والأجر الذي أصابهم، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «إن البرد الشديد والأجر العظيم لأهل إفريقية». # قال عبد الله بن وهب في «جامعه» : أخبرني عبد الله بن لهيعة أنه ~~سمع يزيد ابن [أبي] حبيب يذكر أن المقداد بن الأسود كان قد غزا مع عبد ~~الله بن سعد إفريقية، فلما رجعوا قال عبد الله بن سعد للمقداد في دار بناها ~~بمصر : «كيف ترى بنيان هذه الدار» فقال له المقداد: «إن كانت من ~~مال الله فقد أفسدت، وإن كانت من مالك فقد أسرفت»، فقال له عبد الله: «لولا ~~أن يقول قائل: أفسد مرتين، لهدمتها». # وتوفي المقداد سنة ثلاث وثلاثين «بالجرف» . وحمل على رقاب الرجال حتى ~~دفن بالمدينة، وصلى عليه عثمان، رضي الله تعالى عنهم أجمعين؛ وتوفي وهو ابن ~~سبعين سنة. PageV01P074 ### $ 11 - ومنهم حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله تعالى عنه. # صحب النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه حديثا كثيرا . # شهد فتح إفريقية مع عبد الله بن سعد، وكانت له في ذلك مقامات مشهورة. # من طريق ابن سنجر عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي-وكان أبوه قد صحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم-قال: «سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : «على ذروة كل بعير شيطان، فإذا ركبتموها فسموا الله عز وجل ~~ثم لا تقصروا عن حاجتكم». ### $ 12 - ومنهم أبو عبد الرحمن بلال بن الحارث المزني رضي الله تعالى عنه. # صحب النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه حديثا كثيرا . شهد غزو إفريقية ~~وفتحها مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح. PageV01P075 # الواقدي قال: حدثني كثير بن عبد الله المزني [عن أبيه عن جده] ~~ قال: # كانت مزينة في غزو إفريقية وفتحها أربعمائة ، وكان لواؤهم على حدة ~~يحمله بلال بن الحارث المزني. # من طريق [ابن] سنجر ms035 بن محمد بن عمرو [بن علقمة] عن أبيه عن جده ~~قال: مر عليه رجل له شرف فقال له: «يا فلان، إن لك رحما وإنك تدخل على ~~هؤلاء القوم فتقول وتتكلم، وإني سمعت بلال بن الحارث المزني يقول: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : «إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ~~عز وجل ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى ~~يوم يلقاه؛ وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله عز وجل ما يظن ~~أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عز وجل عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه» ~~فانظر ماذا تقول وماذا تتكلم، فرب كلام قد منعني منه ما قال بلال رحمه الله ~~تعالى». # قال عبد الله : أدخل مالك-رضي الله تعالى عنه-هذا الحديث في «موطئه» ~~ عن محمد بن عمرو بن علقمة [عن أبيه] عن بلال بن الحارث المزني، PageV01P076 # ولم يذكر «جده» كما ذكره ابن سنجر، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن علي بن ~~محمد في كتابه «الملخص» : «وفي اتصاله شيء» . ### $ 13 - ومنهم المطلب بن أبي وداعة السهمي رضي الله تعالى عنه واسم «أبي # وداعة» الحارث بن صبيرة . # وكان معدودا من جملة الصحابة، وأدخله مالك في «موطئه». # من طريق ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن المطلب [بن أبي وداعة السهمي] ~~عن حفصة أم المؤمنين، أنها قالت : «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صلى في PageV01P077 سبحته قاعدا قط، حتى كان قبل وفاته بعام، فكان ~~يصلي في سبحته قاعدا، ويقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول ~~منها». # وذكر ابن سنجر عن المطلب قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل ~~يصلي قاعدا فقال : «صلاة القاعد على نصف صلاة القائم»، قال: فتجشم الناس ~~القيام». # قال أبو سعيد بن يونس: «وروى المطلب بن أبي وداعة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حديثا في الطواف/بالبيت . # قال عبد الله: وقد أدخله محمد بن سنجر في «مسنده» في جملة الصحابة الذين ~~صحبوا رسول الله صلى الله عليه ms036 وسلم ورووا عنه؛ وذكر حديث الذي كان يصلي ~~قاعدا. # شهد غزو إفريقية مع عبد الله بن سعد ومعه جماعة من قومه من بني سهم رضي ~~الله تعالى عنهم. PageV01P078 ### $ 14 - ومنهم ربيعة بن عباد الدؤلي رضي الله تعالى عنه. # كانت له صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواية عنه . # من طريق ابن سنجر عن ربيعة بن عباد الدؤلي، قال : «رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله عز ~~وجل ووراءه رجل تقد وجنتاه وهو يقول: «أيها الناس لا يغرنكم هذا عن ~~دينكم ودين آبائكم» قلت: # «من هذا؟ » قالوا: «عمه أبو لهب لعنه الله». # ودخل ربيعة مع عبد الله بن سعد إفريقية، وشهد غزوها وكانت له بها آثار ~~ومقامات. PageV01P079 ### $ 15 - ومنهم أبو محمد فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله تعالى عنه. # كان معدودا من جملة الصحابة الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ورووا عنه. # وأدخله محمد بن سنجر في «مسنده» في جملة الصحابة رضي الله تعالى ~~عنهم. # من طريق ابن سنجر عن «فضالة» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حجة الوداع : «ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم. ~~والمسلم؟ من سلم الناس من لسانه ويده. والمجاهد؟ من جاهد نفسه في طاعة الله ~~عز وجل. # والمهاجر؟ من هجر الخطايا والذنوب». # قال أبو سعيد بن يونس : دخل فضالة بن عبيد إفريقية غازيا هو ~~ورويفع بن ثابت، وشهد فتح مصر وولى بها القضاء والبحر لمعاوية بن أبي ~~سفيان. توفي بدمشق سنة ثلاث وخمسين. ويقال إن بها ولده إلى اليوم. PageV01P080 ### $ 16 - ومنهم رويفع بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه. # صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عنه. أدخله محمد بن سنجر في ~~«مسنده». # من طريق [ابن سنجر] عن حنش بن عبد الله الصنعاني قال : «غزونا ~~المغرب وعلينا رويفع بن ثابت فافتتحنا قرية يقال لها «جربة» فقام فينا ~~رويفع بن ثابت خطيبا فقال: «[إني] لا أقوم فيكم إلا بما ms037 سمعت من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. قام فينا «يوم خيبر» حين افتتحناها فقال: من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه ~~رده فيه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركبن دابة من فيء المسلمين ~~حتى إذا أعجفها ردها فيه». # وذكر أبو سعيد بن يونس بإسناد له يتصل بعبد الله بن أبي حذيفة قال: ~~«قدم علينا رويفع بن ثابت الأنصاري إفريقية، فأصبنا غنائم، فقام فينا ~~خطيبا، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «إن الله عز وجل قبض نبيه صلى ~~الله عليه وسلم وخلفني حتى أخبركم»، ثم بكى وجلس ثم قام فقال: «إني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن توطأ الحبالى حتى يضعن» ، وذكر ~~باقي الحديث. PageV01P081 # وذكر «أبو العرب بن تميم» بخطه أن رويفع بن ثابت هذا دخل إفريقية في ~~زمن موسى بن نصير في حاجة ، فلما فرغ من حاجته وبرز للخروج دخل على ~~موسى ابن نصير فقال: «إني رأيت أن علي حقا أن أودك وأذكر لك شيئا قاله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أرغبك به في فعل الخير وكثرة الصدقة ~~والمعروف، وذلك أنه اتصل بي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~«المعروف من أبواب الجنة وهو يمنع مصارع السوء». # وتوفي رويفع بن ثابت سنة ثلاث وخمسين «ببرقة» وهو أمير عليها ~~لمسلمة ابن مخلد الأنصاري أمير مصر، وقبره معروف بها إلى اليوم. وكان قد ~~اندرس ثم وجد بعد ذلك عند رأسه بلاطة مكتوب فيها: «هذا قبر رويفع بن ثابت ~~الأنصاري». # قال أبو سعيد بن يونس: كانت لرويفع بالمغرب وإفريقية ولايات وفتوحات، ~~وشهد أيضا فتح مصر واختط بها، ومنزله قائم بحاله إلى اليوم في زقاق «بني ~~حسنة» . PageV01P082 ### $ 17 - ومنهم جرهد بن خويلد بن بجرة الأسلمي ، رضي الله تعالى عنه. # صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عنه، وشهد فتح إفريقية وغزوها مع ~~عبد الله بن سعد. ذكر ذلك ابن يونس. # وأدخله «البخاري» فقال: «ويروى عن ms038 ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الفخذ عورة» . أدخل محمد بن سنجر ~~هذا الحديث في «مسنده» في جملة [ما رواه عن] الصحابة . PageV01P083 ### $ 18 - ومنهم أبو زمعة البلوي [رضي الله تعالى عنه]. # ذكر أبو العرب أنه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن بايع تحت ~~«الشجرة»، وأنه دخل إفريقية وأقام بها، وحضرته الوفاة بها ، وأمرهم أن ~~يسووا قبره بالأرض . # قيل: إن قبره «بمقبرة البلوية». # ذكر أحمد بن أبي سليمان أن أبا زمعة دفن بباب تونس، وبه سميت «البلوية». # قال أبو العرب : ولقد حدثني بعض أصحابنا أنه حضر حفر قبر في ~~البلوية قال فحفروا في أرض شديدة لم يحسبوا أن أحدا حفر فيها، فظهروا ~~على رجل مدفون لم يتغير منه شيء فظنوا أنه «أبو زمعة البلوي» صاحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . PageV01P084 ### $ 19 - ومنهم أبو عبد الرحمن بسر بن أبي أرطأة ، ويقال ابن أرطأة رضي # الله تعالى عنه. # صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه . ذكر ذلك [أبو] سعيد بن ~~يونس وغيره، وذكره أبو عبد الله محمد بن سنجر في «مسنده» في الصحابة. # من طريق ابن سنجر عن بسر بن أرطاة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول : «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا ~~[وعذاب] الآخرة». # دخل إفريقية غازيا، وشهد فتحها مع عبد الله بن سعد، وأقام معه بها؛ وشهد ~~قبل ذلك فتح مصر واختط بها، وله بمصر [دار وحمام يسميان باسمه] . وكان ~~قد عرض له وسواس في آخر عمره بعد قتل عثمان رضي الله تعالى عنه حزنا عليه، ~~وكانت وفاته بالشام. PageV01P085 ### $ 20 - ومنهم [المسيب] بن [حزن] المخزومي وهو والد سعيد، رضي الله # تعالى عنهما. # وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وممن بايع تحت «الشجرة» ~~/وشهد «الحديبية»، روى عنه ولده سعيد وغيره . ### $ 21 - ومنهم زياد بن الحارث الصدائي ، [رضي الله تعالى عنه]. # كانت له صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورواية ms039 عنه . وكان قد أتى ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعه على الإسلام، ثم كتب إلى قومه يدعوهم ~~إلى الإسلام والقدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلوا وأسلموا. PageV01P086 # قال أبو سهل: [فرات بن] محمد العبدي: قدم زياد بن الحارث الصدائي ~~إفريقية، وانفرد أهل إفريقية بحديثه، وحديثه من إحدى الغرائب التي أغرب بها ~~عبد الرحمن ابن أنعم . # دخل إفريقية وشهد المغازي. وأدخله محمد بن سنجر في «مسنده» في [جملة] ~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأغرب ~~في حديث عنه، ما علمت أن أحدا أدخله من أصحاب المسانيد : # عن ابن أنعم عن زياد بن نعيم الحضرمي، عن زياد بن الحارث الصدائي ~~صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : «أتيت نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم، فبايعته على الإسلام، فأخبرت أنه بعث جيشا إلى قومي، فقلت: «يا نبي ~~الله اردد الجيش، وأنا لك بإسلام قومي وطاعتهم. قال: «فاذهب فردهم».فقلت: ~~«يا رسول الله، إن راحلتي قد كلت»، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فردهم».قال الصدائي: «فكتبت إليهم، فقدم وفدهم بإسلامهم، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «يا أخا صداء، إنك لمطاع في قومك» فقلت: «بل الله ~~سبحانه هداهم للإسلام برسول الله» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا ~~أؤمرك عليهم؟ » فقلت: «بلى يا رسول الله» فكتب لي يؤمرني عليهم، فقلت: «يا ~~رسول الله، مر لي بشيء من صدقاتهم».قال: «نعم»، فكتب لي كتابا آخر بذلك. ~~وكان ذلك في بعض أسفاره، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا، فأتاه ~~أهل PageV01P087 ذلك المنزل يشكون عاملهم، ويتظلمون منه، فقال: «أو قد فعل؟ » ~~قالوا: # «نعم»، فالتفت إلى أصحابه فقال لهم وأنا فيهم أسمع: «لا خير في الإمارة ~~لرجل مؤمن» قال الصدائي: «فدخل ذلك في نفسي»، ثم أتاه آخر، فقال: «يا رسول ~~الله اعطني! » فقال صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس عن ظهر غنى فصداع في ~~الرأس وداء في البطن»، فقال السائل: «فاعطني من الصدقة! » فقال ms040 صلى الله ~~عليه وسلم: «إن الله عز وجل لم يرض حكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم هو ~~فيها فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت أنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك» قال ~~الصدائي: «فدخل ذلك في نفسي، إني سألته من الصدقات وأنا غني». # [ثم إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اعتشى من أول الليل، فلزمته، وكنت ~~قويا، وكان أصحابه ينقطعون عنه ويستأخرون حتى لم يبق معه أحد غيري] . ~~فلما كان أوان أذان الصبح، أمرني، فأذنت، فجعلت أقول: «أقيم يا رسول ~~الله؟ » فنظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر، فقال: «لا»، حتى إذا طلع ~~الفجر [نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبرز ثم انصرف إلي] و [قد] ~~ تلاحق به أصحابه قال: «هل من ماء يا أخا صداء؟ » فقلت: لا، إلا شيء ~~قليل لا يكفيك» قال: اجعله في إناء ثم ائتني به» فقلت: «نعم»، فوضع ~~كفه في الإناء، فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينا تفور، فقال: «لولا أني ~~أستحي من ربي يا أخا صداء لسقينا وأسقينا. ناد في أصحابي: من له حاجة ~~بالماء؟ » [فناديت فيهم] فأخذ من أراد منهم. ثم قام نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى الصلاة، فأراد بلال أن يقيم، فقال له نبي الله: «إن أخا صداء ~~هو أذن، ومن أذن فهو يقيم الصلاة».قال الصدائي: «فأقمت؛ فلما قضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الصلاة أتيته بالكتابين، فقلت: «يا نبي الله، أعفني من ~~هذين»، فقال نبي الله: # «وما بدا لك؟ » فقلت: «يا رسول الله، سمعتك تقول: لا خير في الإمارة لرجل ~~مؤمن، وأنا مؤمن بالله ورسوله. وسمعتك تقول لسائل : من سأل الناس ~~عن ظهر PageV01P088 # غنى فصداع في الرأس وداء في البطن، وقد سألتك وأنا غني»، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «هو ذاك، فإن شئت فاقبل وإن شئت فدع» فقلت له: «بل ~~أدع» فقال: # «دلني على رجل اؤمره»، فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه [فأمره] ~~. # قال، فقلنا: «يا نبي الله، إن لنا بئرا إذا ms041 كان الشتاء وسعنا ماؤها ~~[واجتمعنا عليها] ، وإذا كان الصيف قل ماؤها وتفرقنا على مياه حولنا ~~. وقد أسلمنا، وكل من حولنا عدو لنا، فادع الله لنا في بئرنا أن يسعنا ~~ماؤها، فنجتمع [عليها] ولا نفترق» فدعا بسبع حصيات ففركهن في يده ~~ودعا فيهن ثم قال: «اذهبوا بهذه الحصيات، فإذا أتيتم البئر فألقوها في ~~البئر واحدة واحدة، واذكروا اسم الله عز وجل».قال الصدائي: «ففعلنا، فما ~~استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعر البئر»، يعني من كثرة الماء. ### $ 22 - ومنهم أبو اليمن سفيان بن وهب الخولاني ، رضي الله تعالى عنه. # كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكره أبو العلاء الكوفي ~~(3) في «فوائده». # وكان من الوافدين على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو العلاء: إن ~~سفيان بن وهب هذا كان تحت راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع. PageV01P089 # وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا أغرب فيه ، لم يروه عنه ~~غيره، ذكره أبو سعيد بن يونس بن عبد الأعلى في كتابه بإسناد يتصل بعبد ~~الرحمن بن شريح، قال: سمعت سعيد بن أبي شمر السبائي يقول: سمعت سفيان ~~بن وهب الخولاني يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تأتي ~~المائة وعلى ظهر الأرض أحد باق»، قال بعض رواة هذا الحديث : فذكر هذا لا ~~لحديث لعبد العزيز بن مروان، فأمر بإحضار سفيان بن وهب، فجيء إليه به ~~محمولا، وهو شيخ كبير، فسأله عن هذا الحديث، فحدثه به، فقال عبد العزيز: ~~«لعل معناه: لا يبقى أحد ممن أدركني إلى رأس المائة» فقال سفيان: «هكذا ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول». # وذكر «المحاسبي » عن علي بن أبي طالب-رضي الله تعالى عنه-أنه لما بلغه ~~هذا الحديث قال: «إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك نقصان العلم ~~/واستحسن ذلك المحاسبي. # وشهد سفيان فتح مصر وبقي حتى ولي الإمارة لعبد العزيز بن مروان على ~~بعث PageV01P090 # «الطالعة» إلى إفريقية سنة ثمان وسبعين، وذكر أنه توفي سنة ms042 اثنتين ~~وثمانين. # وذكر أبو الحسن الدارقطني بإسناد يتصل بغياث بن أبي شبيب قال : «كان ~~سفيان بن وهب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بنا ونحن غلمة ~~بالقيروان، فيسلم علينا، ونحن في الكتاب، وعليه عمامة قد أرخاها من ~~خلفه». # ذكر ابن سحنون في تاريخه أن سفيان بن وهب هذا غزا إفريقية سنة ستين. ### $ 23 - ومنهم جبلة بن عمرو [الأنصاري] الساعدي ، رضي الله تعالى عنه. # كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل إفريقية مع معاوية بن ~~حديج وحديثه رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج، قال: سألت ~~سليمان بن يسار عن النفل في الغزو فقال: نفلنا معاوية بن حديج بإفريقية، ~~فأبى PageV01P091 # جبلة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ من ذلك شيئا . # قال أبو سعيد بن يونس: وكان ولده بإفريقية. ### $ 24 - ومنهم أبو نعيم معاوية بن حديج ، رضي الله تعالى عنه. # ذكره محمد بن عبد الله بن سنجر وحمزة الكناني وغيرهما في جملة أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # من طريق ابن سنجر عن معاوية بن حديج التجيبي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : «إن كان في شيء شفاء ففي شرطة من محجم أو شربة من عسل ~~أو كية بنار». PageV01P092 # قال ابن يونس: ولى معاوية إمارة إفريقية ثلاث مرات لمعاوية بن أبي سفيان: # سنة أربع وثلاثين وسنة أربعين وسنة خمسين، وكان شهد فتح مصر. وهو ~~الوافد بفتح الاسكندرية إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وكان أعور ~~ذهبت عينه يوم «دمقلة» من بلد «النوبة» مع ابن أبي سرح سنة إحدى ~~وثلاثين . # دخل إفريقية غازيا ثلاث مرات، وكانت له بها مقامات جليلة ومشاهد مشهورة ~~شريفة، وكان قد اختط مدينة عند «القرن» قبل تأسيس عقبة «للقيروان»، وأقام ~~بها مدة إقامته بإفريقية وحفر آبارا عند باب تونس في ناحية الجبل منه ~~منحرفة للشرق بالقرب من «مصلى الجنائز» تسمى للآن «آبار حديج» غلب عليها ~~اسم أبيه حديج، وذلك قبل تأسيس القيروان. ms043 ### $ 25 - ومنهم أبو شداد زهير بن قيس البلوي ، [رضي الله تعالى عنه]. # ذكره ابن يونس، وأنه معدود في جملة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(1)، وأنه روى-مع صحبته-عن بعض التابعين، ولم يذكر عنه حديثا، غير أنه ذكر ~~حديثا PageV01P093 يتصل بعبد الله بن وهب عن زهير بن قيس البلوي عن علقمة ~~بن رمثة ، قال : # بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى «البحرين»، ثم خرج ~~[رسول الله صلى الله عليه وسلم] في سرية، وخرجنا معه، فنعس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ فقال: «رحم الله عمرا»، فتذاكرنا كل إنسان ~~اسمه عمرو، ثم نعس الثانية [فاستيقظ] ، فقال: # «رحم الله عمرا»، ثم نعس الثالثة [فاستيقظ] فقال: «رحم الله عمرا»، ~~فقلنا: # «من عمرو يا رسول الله؟ » قال: «عمرو بن العاص» قلنا: «وما باله؟ » قال: # «[ذكرت أني] كنت إذا ندبت الناس للصدقة جاء من الصدقة فأجزل، فأقول ~~[له] : «من أين [لك] هذا يا عمرو؟ » فيقول: «من عند الله» وصدق ~~عمرو، إن لعمرو عند الله خيرا كثيرا». # قال علقمة : فلما كانت الفتنة قلت: «أتبع هذا الذي قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيه ما قال».قال: «فصحبته، فلم أفارقه». # قال ابن يونس: لم يحدث به عن علقمة غير زهير، وكلاهما صحابي. # غزا [زهير] إفريقية ووليها. ورجع إلى مصر كراهة في الإمارة بعد أن ~~سار بسيرة أهل العدل . PageV01P094 ### $ 26 - ومنهم أبيض : [رضي الله تعالى عنه]. # ذكره ابن يونس في جملة الصحابة. # [عن بكر بن سوادة أن] موسى بن الأشعث ، حدثهم: أن الوليد بن عنبسة ~~حدثه: أنه انطلق هو وأبيض، رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إلى رجل ~~يعودانه. # قال: فدخلنا المسجد، فرأيت الناس يصلون، فقلت: «الحمد لله الذي جمع ~~بالإسلام بين الأسود والأحمر والأبيض». # فقال أبيض: «والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى لا تبقى ملة إلا ~~ولها منكم نصيب» ، فقلت: «يرتدون [و] يخرجون من الإسلام؟ » ~~فقال: «لا، بل يصلون بصلاتكم، ويجلسون مجالسكم وهم معكم في سوادكم» . # قال أبو ms044 سعيد بن يونس بن عبد الأعلى: دخل أبيض هذا إفريقية، وهو معدود ~~فيها من أهل مصر. PageV01P095 ### $ 27 - ومنهم قيس بن يسار بن مسلم الكناني ، رضي الله تعالى عنه. # قال أبو سعيد وغيره: يقال إنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتل ~~معه في [] وقاتل أيام «الردة». # دخل إفريقية غازيا مع عقبة بن نافع، وقيل إنه دخلها قبل ذلك سنة سبع ~~وعشرين مع عبد الله بن سعد وهو جد أبي محرز القاضي . ### $ 28 - ومنهم أبو يقظان ، رضي الله تعالى عنه. # ذكره أبو سعيد في جملة الصحابة الذين دخلوا إفريقية. # من طريق أبي سعيد [عن عمرو بن الحارث] أن أبا عشانة المعافري ~~حدثه PageV01P096 # أنه سمع أبا اليقظان، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم «بصقلية» يقول ~~(3): «أبشروا! فو الله لأنتم أشد حبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم-ولم ~~تروه-من عامة من رآه» . # دخل أبو يقظان هذا إفريقية وغزا «صقلية» . # قال أبو سعيد: وذكر أن أبا يقظان هذا هو عمار بن ياسر ، وذلك عندي ~~وهم. ### $ 29 - ومنهم عقبة بن نافع بن عبد القيس ، رضي الله تعالى عنه. # ذكر أبو سعيد وغيره أنه معدود من جملة الصحابة الذين دخلوا إفريقية. # ولى الإمارة على إفريقية وبلد المغرب لمعاوية ولولده يزيد، وهو الذي اختط ~~مدينة «قيروان إفريقية» وبنى دار الإمارة التي في قبلي الجامع، وقد مر من ~~أخباره وندائه بالسباع والحيات وغيرها: «اظعنوا %~% »، وذكر زياد بن عجلان ~~أن أهل إفريقية أقاموا بعد ذلك أربعين سنة ولو التمست حية أو عقرب بألف ~~دينار ما وجدت. # وذكر أبو العرب بن تميم هذه الحكاية بإسناده عن سحنون عن ابن وهب عن ~~PageV01P097 الليث بن سعد، إلا أنه ذكر أن الذي جرى له/هذا عقبة بن عامر ~~(2). قال أبو العرب: وغير ابن وهب يقول بل هو عقبة بن نافع، وهو الصحيح. ~~ولا يوجد في شيء من مغازي إفريقية أن عقبة بن عامر غزا إفريقية ولا ولي ~~عليها. # عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال : لما فتح عقبة بن ms045 نافع ~~«ودان» و «فزان» وأسلموا على يديه، سألهم: «هل من ورائكم أحد؟ » قالوا: # «نعم، أهل جاوان» وهو قصر عظيم على رأس المفازة في وعورة على ظهر ~~الجبل، وهو قصبة «كوار» فسار إليهم خمس عشرة ليلة، فحاصرهم فلم يستطع فتح ~~الحصن، فصالحهم ثم انصرف راجعا، فأقام بموضع اسمه اليوم «ماء فرس»، ولم يكن ~~به ماء فأصابهم عطش شديد أشرف منه عقبة وأصحابه على الموت، فصلى عقبة ~~ركعتين، ودعا الله تبارك وتعالى، فجعل فرسه يبحث بيديه في الأرض [حتى] ~~كشف عن صفاة، فانفجر منها الماء، وجعل الفرس يمص من ذلك الماء، فانصرف عقبة ~~فنادى في الناس أن احتفروا، فاحتفروا سبعين حسيا، فشربوا وسقوا وصار ذلك ~~ماء معينا، فسمى لذلك «ماء فرس» إلى اليوم. PageV01P098 ### | [الطبقة الأولى]: ذكر من دخل إفريقية وسكن القيروان وأوطنها من التابعين ### || ذكر من دخل إفريقية وسكن القيروان وأوطنها من التابعين وهم الطبقة الأولى من علماء مدينة القيروان وذكر من كان في هذه الطبقة في سائر مدن إفريقية وحصونها ومراسيها ### ||| وأبدأ منهم بذكر العشرة التابعين الذين بعثهم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، ليفقهوا أهل إفريقية ويعلمونهم أمر دينهم. ### $ 30 - منهم أبو عبد الرحمن الحبلي واسمه عبد الله بن يزيد المعافري . # كان رجلا صالحا فاضلا، يروي عن جماعة من الصحابة منهم أبو أيوب ~~الأنصاري، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعقبة بن عامر، وفضالة ابن ~~عبيد، وغيرهم. # روى عنه جماعة من العلماء، وأدخله المصنفون في كتبهم ، وأغرب «بحديث ~~السجلات»: # عن أبي عبد الرحمن الحبلي أنه قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق ~~يوم PageV01P099 القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد ~~البصر، ثم يقول له الله تبارك وتعالى: «أتنكر من هذا شيئا؟ » فيقول: «لا يا ~~رب» فيقول الله عز وجل: # «ألك عذر أو حسنة؟ » فيهاب الرجل فيقول: «لا يا رب» فيقول الله عز وجل: # «بلى، إن ms046 لك عندنا حسنات، وإنك لا ظلم عليك» فتخرج له بطاقة فيها: # أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله» فيقول: «يا رب، ما هذه ~~البطاقة مع هذه السجلات؟ » فيقول الله عز وجل: إنه لا ظلم عليك» قال: # «فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة». # بعثه عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه إلى إفريقية ليفقههم في ~~الدين، فانتفع به أهل إفريقية، وبث فيها علما كثيرا. وتوفي بالقيروان سنة ~~مائة من الهجرة، ودفن بباب تونس. # وكان الشيخ أبو الحسن بن القابسي، رضي الله تعالى عنه، إذا ترحم على ~~والديه بباب تونس يحول وجهه إلى ناحية دبر القبلة من الجبانة منحرفا ~~إلى الشرقي ، ويقول: «رحمك الله يا أبا عبد الرحمن» ويذكر أن قبره بتلك ~~الناحية. # أخبرنا أبو عقيل زهرة بن معبد القرشي، قال: «كنت ضجيعا لأبي عبد ~~الرحمن الحبلى في المركب في غزو إفريقية، فكنت أسمعه إذا انتبه من نومه ~~يقول: # «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» ثلاث مرات، [سبحان الذي يحيي الموتى ~~وهو على كل شيك قدير-ثلاث مرات-] و «الحمد لله الذي أنام ليلي وهدأ ~~عروقي» ثلاث مرات. قال أبو عقيل: فقلت له: «رأيتك تلزم هذه الكلمات، فما ~~بلغك PageV01P100 فيهن؟ » قال: «بلغني أنه ما يقولهن أحد حين ينتبه من ~~نومه، إلا كان من الخطايا كيوم ولدته أمه». # قال أبو عقيل: «وسمعت أبا عبد الرحمن يقول أيضا: «إن الرجل إذا سلم على ~~أخيه المسلم، فسأله: كيف أصبحت، فقال: أحمد الله إليك، كتبه الله عز وجل من ~~الحامدين» فكان أبو عبد الرحمن إذا سئل: كيف أصبحت، قال: أحمد الله إليكم ~~وإلى جميع خلقه. # ابن هبيرة قال: سمعت أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: «مثل الذي يجتنب ~~الكبائر ويقع في المحقرات كمثل رجل لقيه سبع فاتقاه حتى نجا منه، ثم لقيه ~~فحل إبل فاتقاه حتى نجا منه، ثم لقيه فحل خيل، فكذلك حتى نجا، ثم لدغته ~~نملة، [فأوجعته] فتهاون بها وقد أوجعته، ثم أخرى ثم أخرى، ms047 ثم اجتمعن ~~عليه فصرعنه، فكذلك الذي يجتنب الكبائر ويقع في المحقرات. # عمرو بن سعيد المعافري ، قال: سمعت أبا عبد الرحمن الحبلي يقول : # «لتركبن هذه الأمة سنن بني إسرائيل حذو النعل بالنعل» فقلت له: «وتتيه يا ~~أبا عبد الرحمن كما تاهوا؟ » فقال: «ثكلتك أمك، ومنذ متى أنتم في التيه؟ ». # قال اسماعيل بن زيد الأبلي : كنا نأتي عبد الله بن يزيد ~~الإفريقي وهو أبو عبد الرحمن فنجلس ونتحدث ونتخاصم في الشيء وهو معنا، ~~وترتفع أصواتنا، فنقول له: «ما عندك في هذا؟ » فيقول: «ما سمعت ما ~~قلتم، وإني لمشغول عن ذلك» للذي غلب على قلبه من محبة الله عز وجل والشوق ~~إليه. PageV01P101 ### $ 31 - ومنهم أبو مسعود سعد بن مسعود التجيبي ، رضي الله تعالى عنه. # كان رجلا فاضلا مشهورا بالدين والفضل، قليل الهيبة للملوك في حق يقوله، ~~لا تأخذه في الله لومة لائم. صحب جماعة من الصحابة وروى عنهم، منهم أبو ~~الدرداء وغيره، وروى عنه جماعة منهم: عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم. # أخبر سعد بن مسعود أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له ~~(3): «يا رسول الله، إنه تمر بنا ساعات لو نموت فيها خشينا على أنفسنا»، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس من مؤمن إلا وله سورة وفترة، فإذا ~~دخلتكم السورة فأسرعوا قبل أن تأتيكم الفترة ، فاستمسكوا ~~بالفرائض والسنن» . # وأدخله عبد الله بن وهب في «جامعه» . # عن سعد ابن مسعود عن أبي الدرداء، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~: «أحب الموت اشتياقا إلى ربي، وأحب المرض تكفيرا لخطيئتي. وأحب الفقر ~~تواضعا لربي». # /وهو من العشرة الذين بعثهم عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ~~[ليفقهوا أهل القيروان] . # عبد الأعلى بن عقبة الغفاري، قال: «لما ثارت «الخوارج» على حنظلة بن ~~PageV01P102 صفوان بطنجة، جمع حنظلة علماء إفريقية، وهم الذين بعثهم عمر بن ~~عبد العزيز إلى إفريقية ليفقهوا أهلها في الدين، منهم سعد بن مسعود وحبان ~~بن أبي جبلة وطلق بن جابان وغيرهم، فكتبوا له هذه الرسالة ليقتدي ms048 ~~بها المسلمون ويعتقدوا ما فيها وهي: # بسم الله الرحمن الرحيم من حنظلة بن صفوان إلى جميع أهل طنجة. # أما بعد، فإن أهل العلم بالله وبكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~[يعلمون] أنه يرجع جميع ما أنزل الله عز وجل إلى عشر آيات: آمرة، ~~وزاجرة، ومبشرة، ومنذرة، ومخبرة، ومحكمة، ومتشابهة، وحلال، وحرام، وأمثال. ~~فآمرة بالمعروف، وزاجرة عن المنكر، ومبشرة بالجنة، ومنذرة بالنار، ومخبرة ~~بخبر الأولين والآخرين ، ومحكمة يعمل بها، ومتشابهة يؤمن بها، وحلال ~~أمر أن يؤتى، وحرام أمر أن يجتنب، وأمثال واعظة، فمن يطع الآمرة وتزجره ~~الزاجرة فقد استبشر بالمبشرة وأنذرته المنذرة، ومن يحلل الحلال ويحرم ~~الحرام ويرد العلم فيما اختلف فيه الناس إلى الله، مع طاعة واضحة ونية ~~صالحة، فقد فاز وأفلح وأنجح وحيا حياة الدنيا والآخرة. والسلام عليكم ورحمة ~~الله وبركاته». # أبو عثمان سعيد بن محمد بن صبيح، صاحب سحنون-رضي الله تعالى عنه - ~~PageV01P103 قال: حدثني شيخ يكنى بأبي مسعود قال: بعث زبان بن عبد ~~العزيز بن مروان رسولا إلى سعد بن مسعود فوجده في مجلسه في «جامع الفسطاط» ~~مع أصحابه، فقال له: «الأمير يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن رأيت أن ~~تؤنسنا بنفسك العشية، فافعل» فقال للرسول: «اقرأ على الأمير السلام، وقل له ~~ليس لي إليك حاجة فآتي لها، فإن تك لك حاجة فات لها» فأتاه الرسول فأخبره ~~فقصد إليه زبان حتى لقيه وسلم عليه، وقال: «يغفر الله لك يا أبا ~~مسعود! أتاك رسولنا، فكان من إغلاظك له ما كان».فقال له: «أصلح الله ~~الأمير؛ دعوتني إلى ما يشينني ودعوتك إلى ما يزينك»، فقال له: «فكيف ذلك؟ » ~~فقال له-أصلح الله الأمير-: «إنه من رآك ماشيا إلي مدحك، وقال: ذاك طالب ~~علم وخير. ومن رآني ماشيا إليك رآني طالب حطام وعرض من أعراض الدنيا، ~~فشانني».فقال له زبان : # «سليت والله ما كان بقلبي ونورته، نور الله قلبك وعلمك». # وعن فرات بن محمد العبدي أن سعدا بن مسعود صاح يوم الجمعة على ~~[أمير] إفريقية في مظلمة، وقد خرج الأمير من الجامع: ms049 «إني بالله لا ~~بك؛ أنا بالله لا بك! » فقضى الأمير حاجته. # عن سعد أنه كان يقول : «إذا أتاك الشيطان من قبل الصمت فقال لك: # إن الناس يعدون ذلك عيا منك. فاته أنت من قبل السلامة، فقل له: صامت سالم ~~خير من ناطق آثم». # قال سعد بن مسعود : «إذا رأيتم العبد دنياه تزداد وآخرته تنقص ، ~~مقيما على PageV01P104 ذلك راضيا به فذلك المغبون الذي ينتقص دينه [وهو] ~~ لا يشعر». # وسئل رحمه الله تعالى عن [علامة] ولي الله عز وجل، فقال: «من ~~استفرغت آخرته دنياه، ومن كان الحق هواه، ولم يكن [له] في شيء ~~مما يسخط الله تعالى رضاه، ومن كان الذكر قوله والعلم بغيته وفي بيوت ~~الله عز وجل مجلسه». # وكان يقول : «حب الدنيا رأس كل خطيئة». # وسئل أيضا عن علامة المتوكل فقال: «من رضي بحكم الله واطمأن إلى ~~موعد الله، وكان عنده ما تكفل الله عز وجل له به من رزقه بمنزلة ما قد بلغه ~~وملكته يده». # وسئل أيضا عن علامة الحكيم فقال: «من كان مصيبا في قوله، حليما في غضبه، ~~ذا عفو في قدرته، راضيا بمنزلته، غير مفتون بما ليس له، قد استغنى ~~بأمر آخرته عن دنياه». # وسئل أيضا عن الطاعة، هل تكون لها منزلة أشد من منزلة؟ فقال: «نعم، ~~إذا كانت الطاعة في منازل ثقلها ودافعتها المعصية في منازل دفعها ~~فهنالك اشتدت الطاعة على أهلها فكان أعظم ما يكون من أجرها». PageV01P105 # وسئل [أيضا] : أي الجلساء أشر مجالسة؟ فقال: «من يغفلكم قوله، ومن ~~تفتنكم رؤيته، ومن يدعوكم إلى دنياكم فعله». # وسئل أيضا عن الذي يزين العالم عند من جالسه فقال: «كثرة صمته ~~وقلة غضبه وحسن خلقه ولينه وخشوعه وتواضعه ». ### $ 32 - ومنهم إسماعيل بن عبيد الأنصاري رضي الله تعالى عنه: # مولى لهم، يعرف «بتاجر الله»، من أهل الفضل والعبادة والنسك والإرادة، ~~كثير الصدقة والمعروف مع علم وفقه. صحب جماعة من الصحابة وروى عنهم وهم: # عبد الله بن عمرو عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو [بن العاص] ~~وروى عنه من ms050 أهل إفريقية بكر بن سوادة الجذامي وعبد الرحمن بن زياد [بن ~~أنعم] ، وروى عنه من أهل مصر عمران بن عوف الغافقي والحارث بن يزيد ~~ وعبيد الله بن أبي جعفر. # وكان من سكان القيروان. انتفع به خلق كثير من أهلها وغيرهم، وبث فيها ~~علما كثيرا. وهو أحد العشرة التابعين، وكان رجلا صالحا يقال له «تاجر ~~الله» وهو الذي PageV01P106 بنى «المسجد الكبير» بالقيروان الذي ~~يعرف الآن «بمسجد الزيتونة»، وكان يصلي به ويعمره، وإليه ينسب السوق الذي ~~بجواره يسمى «سوق إسماعيل»، ولم يزل مقيما بالقيروان حتى حضرته نية في ~~الجهاد، فخرج في مركب مطوعا في غزاة عطاء بن رافع فغرق رضي الله ~~تعالى عنه وهو متقلد المصحف، وختم الله عز وجل أعماله بالشهادة، وكان ذلك ~~في سنة سبع ومائة . # وعن ابن أنعم، قال: قلت لابن المسيب: إن عندنا رجلا من الأنصار يقال ~~له إسماعيل بن عبيد، من العباد إذا سمعنا نذكر شعرا صاح علينا، فقال سعيد: # ذاك رجل نسك نسك العجم/.وكان رحمه الله تعالى يلبس جبة من صوف وكساء من ~~صوف وقلنسوة صوف. وإنما سمى تاجر الله عز وجل لأنه جعل ثلث كسبه لله تعالى ~~يصرفه في وجوه الخير. # وكان يوجه المولدات والأحمال إلى المشرق، فوجه رفقة كلها له، فخرج ~~يشيعهم [إلى قصر الماء] فسمع بكاء فقال: «ما هذا؟ » فقيل له: «هؤلاء ~~المولدات الذين وجهت يبكون مع آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم» فبكى إسماعيل ~~وقال: «إن دنيا PageV01P107 بلغت بي إلى أن أفرق بين الأحبة، إنها لدنيا ~~سوء؛ أشهدكم أن من كان له أب أو أم أو أخ أو أخت في هذه الرفقة فهي حرة ~~لوجه الله عز وجل».قال: فأنزل من المحامل سبعين مولدة، فأعتقهن كلهن . # حدث علي بن المطلب، وكان من فضلاء الناس، قال: بار على إسماعيل ~~طيقان ساج سبعمائة، وكان بالغرب بإفريقية، فقال: «لأتجرن في ~~هذه»، فاشترى مع كل ساج جبة وكساها المجاهدين في سبيل الله تعالى. # قالت امرأة من قريش من بني أمية لإنسان كان يتجر لها: «ما منعك أن ~~تكون مثل إسماعيل؟ ms051 » فقال: «أتريدين أن تجعلي فلانا تاجر فلانة مثل ~~إسماعيل تاجر الله؟ ». # كانت له جارية تخرج إلى السوق. وكان لها جار يتبعها إذا خرجت، فشكت ~~ذلك إلى مولاها إسماعيل، فأرسل إليه فأحضره فقال له: «ما حملك على أن تتعرض ~~جاريتي؟ » فقال له: «سلها، هل كلمتها بكلمة قط؟ » فسألها، فقالت: # «لا، صدق، ما كلمني بكلمة قط، إلا أني إذا خرجت أتبعني» فقال له: «ما ~~حملك على هذا؟ » قال: «المحبة لها» قال: فأمر بالجارية فأصلح من شأنها، ~~ووهبها له، وأعطاه ثلاثين دينارا، وقال له: «إذا فرغت فارجع إلي». # حدث غير واحد قالوا: كان بالقيروان رجل خياط له بنات، وكان ليس يقوم ~~به عمله إلا عن جهد، فلما كان ليلة عيد الفطر دخل على بناته، فوجدهن في ~~الظلام، وليس في البيت شيء يرد يده إليه، فخرج من بيته هائما محزونا، وشق ~~PageV01P108 عليه أن يرى بناته منكسرات القلوب بين أترابهن من بنات ~~الجيران، اللاتي يلبسن يوم العيد الثياب الحسان والزينة مع ما عند آبائهن ~~من كفاية العيش. فسولت له نفسه الخروج من القيروان حتى ينقضي العيد، فمر ~~بمسجد إسماعيل تاجر الله، وقد حضرت صلاة العشاء الآخرة، فصلى معه. فلما ~~انصرف الناس ولم يبق في المسجد إلا الرجل، رآه إسماعيل، فعلم أن له ~~قصة. فمضى الشيخ إلى داره وبعث وراءه، فأدخله وسأله عن قصته، فذكرها له، ~~فتوجع إسماعيل لذلك وبكى، وقال له: # «كم عندك من البنات؟ » فقال: «خمس»؛ فصاح إسماعيل لأمهات أولاده ~~وقال لهن: «ايتينني بحلى بناتكن وما صنعتن لهن في هذا العيد من الثياب ~~والزينة»، فأتينه بجميع ذلك، وقال لهن: «ايتينني بمائدة العيد» فأتينه بها ~~وفيها أنواع الأطعمة والحلوى، وقال لهن: «ايتينني بما عندكن من الطيب ~~والحناء» فدفع جميع ذلك إلى الخياط، ودفع إليه دنانير كثيرة، وقال له: «اكس ~~بناتك من هذه الثياب والحلى، وطيبهن بهذا الطيب وكل معهن هذه المائدة، ~~وأوسع على نفسك وعليهن بهذه الدنانير».ثم أمر عبيده، فحملوا ذلك إلى دار ~~الخياط، فضرب الباب عليهن ففتحن الباب، فوجدهن في الظلام على حالهن، فأدخل ms052 ~~العبيد جميع ذلك إلى داره وذهبوا، ففرح بناته بذلك فرحا شديدا، وكان في ~~داره سرور كثير ، ولبس بناته الحلى النفيس والثياب الجليلة واجتمعن حول ~~المائدة ووسع عليهن في النفقة. PageV01P109 ### $ 33 - ومنهم أبو الجهم عبد الرحمن بن رافع التنوخي ، رضي الله تعالى عنه. # من فضلاء المؤمنين. روى عن جماعة. وروى عنه جماعة. سكن القيروان وانتفع ~~به خلق كثير، وهو أول من استقضي بها بعد فتحها. ولاه عليها موسى بن نصير ~~سنة ثمانين من الهجرة، وهو أحد العشرة التابعين. توفي بالقيروان سنة ثلاث ~~عشرة ومائة، رحمه الله تعالى. # عن ابن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي، عن عبد الله بن عمرو ~~ابن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلس في مسجده ، فوجد ~~قوما يدعون الله تعالى ويرغبون إليه، وقوما يتعلمون الفقه ويعلمونه، فقال: ~~«كلا المجلسين على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه. أما هؤلاء فيدعون الله عز ~~وجل ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون ~~ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وإنما بعثت معلما».ثم جلس فيهم. ### $ 34 - ومنهم موهب بن حي المعافري رضي الله تعالى عنه. # صحب ابن عباس وروى عنه وعن غيره من الصحابة. كان من أهل الفضل والدين. PageV01P110 # ابن أنعم وعياش بن عباس القتباني [عن موهب بن حي المعافري] قال: # سألت ابن عباس فقلت له: «إنا نغزو المغرب وليسوا بأهل كتاب، فنجد في ~~آنيتهم السمن والعسل وفي قربهم أفنأكل [ذلك] وننتفع به؟ » ~~فقال: «لا بأس بذلك، لأن الدباغ لها طهور» . # وموهب أحد العشرة التابعين، رحمه الله تعالى. سكن القيروان وبث فيها ~~العلم وفيها كانت وفاته. ### $ 35 - ومنهم حبان بن أبي جبلة القرشي ، رضي الله تعالى عنه. # وهو من موالي بني عبد الدار، من أهل الفضل والدين، روى عن جماعة من ~~الصحابة منهم عبد الله بن عباس وعمرو بن العاص وولده عبد الله. روى عنه ابن ~~أنعم وأبو شيبة عبد الرحمن بن يحيى الصدفي وعبيد الله بن زحر. PageV01P111 # سكن القيروان وانتفع به أهلها. توفي سنة خمس ms053 وعشرين ومائة. وهو أحد ~~العشرة التابعين. وأدخله محمد بن سنجر في كتابه «المسند» وذلك ما حدثنا به ~~عبيد الله بن زحر: # عن حبان بن أبي جبلة، عن أبي قتادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل ثم غسل رأسه ثم دنا فاستمع ~~يوم الجمعة وأنصت، كان له كأجر سنة صيامها وقيامها ». ### $ 36 - ومنهم أبو ثمامة بكر بن سوادة الجذامي رضي الله تعالى عنه. # كان رجلا فاضلا جليلا. روى عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ~~منهم عقبة بن عامر وسهل بن سعد الساعدي وسفيان بن وهب الخولاني وأبو ثور ~~الفهمي، وروى عن جماعة من التابعين منهم سعيد بن المسيب وابن شهاب الزهري. # قال أبو سعيد بن يونس: كان فقيها مفتيا، سكن القيروان، وكانت وفاته بها ~~سنة ثمان وعشرين ومائة، رحمه الله تعالى. وقيل إنه غرق في مجاز ~~الأندلس. # وكان أحد العشرة التابعين. وأغرب بحديث عن عقبة بن عامر لم يروه غيره ~~فيما علمت: حدث عبد الله بن لهيعة، عن بكر بن سوادة الجذامي، عن عقبة ~~بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان على رأس ~~مائتين فلا تأمر بمعروف ولا تنه عن منكر، وعليك بخاصة نفسك». PageV01P112 # [قال عبد الله] : وهذا منه صلى الله عليه وسلم إشفاق على أمته أن ~~ينالهم في ذلك مكروه في جسم أو عرض أو [مال] فتتغير أنفسهم، ويودوا ~~أن يكونوا لم يفعلوا ذلك، لتغير الزمان وفساد الأصول وقلة المعين لهم ~~على ذلك، وأما من قدر على ذلك بيد أو لسان ولا يصل إليه على ذلك أذى في جسم ~~أو عرض ولا مال، فقد توجه عليه الفرض في ذلك. وقد روينا عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : «ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ~~حتى إذا رأيتم هوى متبعا وشحا مطاعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ~~فعليك بخاصة نفسك ودع أمر العامة ». PageV01P113 ### $ 37 - ومنهم أبو سعيد جعثل بن هاعان بن عمير ms054 [بن] اليثوب ، رحمه # الله تعالى. # ذكر أبو العرب أنه من التابعين، ولم يذكر عمن روى من الصحابة، وذكر ~~أبو سعيد [بن يونس] أنه يروى عن أبي تميم الجيشاني : عبد الله ~~ابن مالك. وروى عنه بكر بن سوادة وابن زحر وابن أنعم. # وهو أحد العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز من التابعين. وولى «قضاء ~~الجند» بإفريقية لهشام بن عبد الملك. # ذكر ابن يونس قال: كان أحد [القراء] الفقهاء، توفي أول خلافة هشام ~~. PageV01P114 # أدخله أبو عبد الرحمن النسائي في «مسنده» فقال بعد ~~الإسناد : عن عبيد الله بن زحر أن أبا سعيد جعثل بن عمير [أخبره] ~~ عن أبي تميم الجيشاني أن عقبة بن عامر أخبره أنه يسأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن امرأة نذرت أنها تمشي إلى بيت الله الحرام حافية ~~غير مختمرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ~~ثلاثة أيام». ### $ 38 - ومنهم أبو عبد الحميد إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر القرشي # المخزومي ، مولى لهم. # كان رضي الله تعالى عنه من أهل الدين والزهد. ذكر أبو سعيد بن يونس ~~أنه روى PageV01P115 عن عبد الله بن عمرو ، وفضالة بن عبيد، وروى عن ~~جماعة من التابعين. وروى عنه الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن ~~أنعم. # استعمله عمر بن عبد العزيز على أهل إفريقية ليحكم بينهم بكتاب الله عز ~~وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ويفقههم في الدين. وهو أحد العشرة ~~التابعين. سكن القيروان وسار في المسلمين بالحق والعدل، وعلمهم السنن وكانت ~~وفاته بالقيروان: توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وأسلم على يديه خلق كثير ~~من البربر. # ذكره أبو جعفر الطبري، قال : كان خير وال وخير أمير، سار فيهم بالعدل ~~والحق، وكان حريصا على دعاء البربر إلى الإسلام. # زياد بن أنعم، قال: سمعت إسماعيل بن عبيد الله يخطب ويحث الناس على ~~الجهاد ويقول: «إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : «والله لو علمت أن ~~أصحابي لا يتأخرون ولا أجد ما يقوتهم، ما تركت سرية تخرج ms055 في سبيل الله ~~تعالى إلا خرجت فيها. # ولغدوة وروحة في سبيل الله عز وجل خير من الدنيا وما فيها». # قال معن التنوخي : «ما رأيت زاهدا في هذه الأمة غير اثنين: عمر بن عبد ~~العزيز، وإسماعيل بن عبيد الله المخزومي». PageV01P116 # وكان خالا لهشام بن عبد الملك. قال رجاء: «وكان إسماعيل إذا قفل من ~~الصائفة من الغزو افترش ذراعه فنام عليه، وكان هو وأم ولده وفرسه ~~في بيت واحد زهدا في الدنيا وتواضعا». # ذكر أشهب وابن نافع عن مالك أن إسماعيل أوصى أن يتصدق عنه بكل شيء ~~تركه بعد موته، فرفع ذلك إلى هشام فأجاز منه الثلث ورد ثلثيه. # قال أبو بكر عبد الله المؤلف: وإنما فعل ذلك رجاء منه أن يجيز ذلك ورثته، ~~أو يكون لم يترك وارثا، وخاف أن يوضع في غير موضعه ويسلك به غير سبيله ~~لتغير أحوال الأئمة». ### $ 39 - ومنهم طلق بن جابان -ويقال: ابن جعبان-الفارسي رضي الله تعالى عنه. # ذكر أبو العرب [أنه] من التابعين، ولم يذكر عمن روى من الصحابة رضي ~~الله PageV01P117 تعالى عنهم. وذكر أبو سعيد [بن يونس أنه] [يروى] عن ~~أبي سلمة بن عبد الرحمن-وأبو سلمة تابعي-. # عده أبو العرب من العشرة التابعين. روى عنه موسى بن علي وعبد الرحمن بن ~~زياد بن أنعم. روى عنه من أهل مصر سعيد بن أبي أيوب. PageV01P118 ### ||| [ثانيا]: ومن هذه الطبقة ممن هو سوى العشرة المتقدم ذكرهم # : ### $ 40 - أبو عبد الله [علي] بن رباح بن قصير اللخمي . # كان فاضلا جليلا من جملة التابعين. يروي عن جماعة من الصحابة، رضي الله ~~تعالى عنهم، فمنهم عمرو بن العاص وولده عبد الله وعقبة بن عامر وأبو هريرة ~~وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. وروى عنه جماعة يكثر تعدادهم. # ذكره ابن وهب في تصانيفه وسحنون في «مدونته» . # وقدم إفريقية غازيا مجاهدا وسكن القيروان واختط بها دارا ومسجدا، ومسجده ~~عند باب نافع على يمين الخارج قبل أن يخرج. وانتفع به وتفقه على يديه [أهل ~~القيروان] ، وأدخله ابن سنجر في كتابه . # وذكر أن ms056 موسى بن/نصير لما وصل من الأندلس إلى القيروان قعد يوما في ~~مجلسه، فجاءه العرب يسلمون عليه فلما احتفل المجلس قال: «إنه قد صحبتني ~~ثلاث نعم: أما واحدة فإن أمير المؤمنين كتب إلي يهنئني في كتابه»، وأمر ~~بقراءة كتاب أمير PageV01P119 المؤمنين، فهنئ بذلك، «وأما الثانية فإن كتاب ~~ابني قدم علي بأنه فتح له بالأندلس فتح عظيم»، فأمر بكتاب ابنه فقرئ ~~فهنئ بذلك، «أما الثالثة فما صحبتني في مقدمي هذا من الأموال والسبي من ~~الأندلس»، فهنئ بذلك، وعلي بن رباح اللخمي التابعي ساكت وكان علي راوية ~~ابن عباس وأبي هريرة. فقال له موسى: «مالك يا علي لا تتكلم؟ » فقال: «أصلح ~~الله الأمير، قد قال القوم» فقال: # «وقل أنت أيضا» فقال: «أنا أقول، وأنا أنصح القائلين لك، إنه ما من دار ~~امتلأت حبرة إلا امتلأت عبرة، وما انتهى شيء إلا رجع، فارجع قبل أن ~~يرجع بك».قال: فانكسر موسى بن نصير وخشع. ثم التفت ففرق جواري عدة. ~~فكان موسى بعد ذلك إذا مر بخربة عادية، أو مدينة من مدائن الأولين، نزل ~~وركع ركعتين ومشى فيها وفكر في معالمها وفي آثارها ثم بكى بكاء كثيرا ثم ~~يركب. # ذكر أن الناس قحطوا، فخرج موسى بالناس فاستسقى وأمر رجلا يصلي بالناس ~~وخطب بهم ثم أخذ في الدعاء للوليد وأكثر، فأرسل إليه موسى: «إنا لم نأت ~~لذلك، فاقبل على ما قصدنا إليه، وجلسنا من أجله»، فلم يلتفت إلى كلامه، ~~وتمادى على حاله رجاء أن يبلغ ذلك الوليد فينال عنده منزلة، فأمر به موسى ~~فسحب حتى أخرج من بين الناس، ثم قام موسى فأخذ في الدعاء والتضرع إلى الله ~~عز وجل واللجإ إليه، فما برح الناس حتى أمطرت السماء بماء كأفواه ~~القرب، قال: فأتي موسى بدابته فقال: «[لا] والله لا أركب، ولكن أخوض ~~في هذا الطين». # فانصرف ماشيا، ومشى الناس معه. قال: فسمع يومئذ وهو يقول: «أسألك شهادة ~~في سبيلك، أو موتة في بلد نبيك»، يردد ذلك. فاستجاب الله تعالى دعاءه، ~~فتوفي بالمدينة متوجها إلى الحج، واستجاب الله عز ms057 وجل دعاءه ودفن بالمدينة. ~~ونفعه الله عز وجل بموعظة أبي عبد الله بن رباح، فصغرت عنده الدنيا وما ~~فيها ونبذها وانخلع مما كان فيه من الإمارة. PageV01P120 ### $ 41 - ومنهم أبو رشدين حنش بن عبد الله السبائي الصنعاني رضي الله # تعالى عنه. # من أهل الفضل والدين، يروي عن جماعة من الصحابة منهم: علي، وابن عمر، ~~وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص. وروى عنه الحارث بن يزيد ، وابن ~~أنعم، وقيس بن الحجاج، وعامر بن يحيى . وولد بصنعاء. # غزا المغرب مع رويفع، شهد غزو الأندلس مع موسى بن نصير، وله بإفريقية ~~آثار ومقامات. سكن القيروان واختط بها دارا ومسجدا ينسب إليه الآن في ناحية ~~«باب الريح»، وتوفي بإفريقية في سنة مائة. # وأدخله ابن وهب في «جامعه» وسحنون في «مدونته». # ابن وهب قال : كان حنش إذا فرغ من عشائه وحوائجه وأراد الصلاة من ~~الليل أوقد المصباح وقرب المصحف وإناء فيه ماء، فإذا وجد النعاس استنشق ~~الماء، يريد بعد تسليمه، وإذا تعايا في آية نظر في المصحف. PageV01P121 # وكان كثير الصدقة لا يرد سائلا، وإذا استطعمه السائل على باب داره لم ~~يزل يصيح بأهله: «أطعموا السائل! ، أطعموا السائل! » حتى يطعم. ### $ 42 - ومنهم أبو غطيف الهذلي واسمه جندب بن بشر، وقيل حبيب بن بشر ، رضي الله تعالى عنه. # من فضلاء المؤمنين، تابعي يروى عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وعليه ~~معتمده في الرواية. حدث عنه ابن أنعم وموسى بن علي بن رباح، سكن القيروان ~~واختط بها. وتزوج بنت بكر بن سوادة الجذامي [و] قد تقدم ذكره. # ابن أنعم قال: حدثنا أبو غطيف الهذلي قال: كنت عند ابن عمر فحضرت صلاة ~~الظهر فصلى، ثم عاد إلى مجلسه في داره، حتى إذا حضرت صلاة العصر توضأ ثم ~~صلى، ثم فعل في المغرب مثل ذلك، فقلت له: «أفريضة الوضوء عندك كل صلاة؟ » ~~فقال: «أو فطنت إلى هذا مني؟ » فقلت: «نعم»، فقال ابن عمر: # ليس ذلك بفريضة، ولو توضأت لصلاة الغداة لصليت به الصلوات كلها، ولكني ~~سمعت رسول الله ms058 صلى الله عليه وسلم يقول : «من توضأ على طهر فله عشر ~~حسنات ». PageV01P122 ### $ 43 - ومنهم أبو سعيد المقبري واسمه كيسان، مولى لبني ليث ، رضي الله تعالى عنه. # وسمي «المقبري» لأنه سكن المقبرة ، وكان مكاتبا في زمن عمر بن الخطاب ~~رضي الله تعالى عنه، هكذا قال أبو اسحاق بن شعبان القرطي. # قال أبو القاسم الجوهري : يقال إن كيسان كان مكاتبا لرجل من بني جندع ~~وكاتبه على أربعين ألفا وشاة في كل أضحى فأداها وخرج حرا . # كان من فضلاء التابعين. روى عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر وأبو ~~هريرة. روى عنه جماعة من المحدثين، منهم يزيد بن أبي حبيب وابن أنعم. # وأدخله مالك في «موطئه» فقال : حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن ~~أبيه عن أبي هريرة قال : «خمس من الفطرة: تقليم الأظفار، وقص الشارب، ~~ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان». PageV01P123 # سكن القيروان وروى عنه أهلها . # أدخله ابن وهب في «موطئه» ، وسحنون في «مدونته» وذكر عنه أنه ~~استسلف [بإفريقية] «دينارا جرجيريا» من رجل على أن يعطيه «منقوشا» ~~بمصر فسأل ابن عمر عن ذلك فقال: «لولا الشرط الذي فيه لم يكن به بأس».توفي ~~سنة مائة. ### $ 44 - ومنهم مغيرة بن أبي بردة الكناني ، حليف بني عبد الدار، رضي الله تعالى عنه. # من أهل الفضل، معدود في التابعين. روى عن أبي هريرة وغيره. # أدخله/مالك في «موطئه» : روى أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول ~~الله PageV01P124 صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، إنا نركب البحر ~~ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ » ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . # روى عنه موسى بن الأشعث البلوي وابن أنعم وولده عبد الله بن المغيرة. # روى عنه من أهل مصر يزيد بن أبي حبيب والحارث بن يزيد وسعيد بن سلمة . # وغزا مع ابن نصير المغرب والأندلس. # ابن وهب عن عبد الله ابن أبي صالح أنه قال: كنت مع المغيرة بن ~~أبي بردة في غزوة القسطنطينية ، وكان ms059 كثير الصدقة لا يرد سائلا سأله، ~~فجاءه خازنه المؤتمن على أمواله فقال له: «أنفق أصلحك الله، فو الذي يحلف ~~به ما إناء أفرغه إلا وجدته قد ملئ ». # ولما قتل يزيد بن أبي مسلم أمير إفريقية، اجتمع أهل إفريقية من أهل ~~الدين والفضل، واتفق رأيهم على ولاية المغيرة لما علموا من دينه وحزمه، ~~فأبى من ذلك رغبة منه في السلامة، واتفق رأيه ورأي ولده على الهروب من ذلك. PageV01P125 ### $ 45 - ومنهم ولده أبو المغيرة عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة القرشي . # من فضلاء التابعين. روى عن سفيان بن وهب الخولاني صاحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وابن لهيعة وخالد بن ~~[ميمون] وابن أنعم. # سكن القيروان وولاه قضاءها عمر بن عبد العزيز، لما صح عنده من فضله. وهو ~~صاحب «قصر مغيرة» و «قرية المغيريين» . # أبو عبد الله محمد بن هبة الله رحمه الله عن أبيه، وكان أبوه من ~~أصحاب أبي بكر بن اللباد، قال: لما ولى عمر بن عبد العزيز-رضي الله تعالى ~~عنه-إسماعيل بن عبيد الله الأنصاري على إفريقية، دفع إليه كتابا بولاية ~~عبد الله بن المغيرة قضاء إفريقية، وكان ذلك سنة تسع وتسعين من الهجرة. ~~ودخل إسماعيل القيروان ومعه الكتاب يقول فيه: «قد قلدت القضاء فيكم عبد ~~الله بن المغيرة، لما صح عندنا من دينه وزهده ونفاذه في علمه ومعرفته وثقته ~~في نفسه وشدة ورعه».فقبل ذلك عبد الله بن المغيرة وسار في أهل إفريقية ~~بسيرة أهل العدل، وأقام فيهم كتاب الله عز وجل وسنة نبيه ورسوله محمد صلى ~~الله عليه وسلم. PageV01P126 # قال أبو محمد عبد الله بن وهب، رحمه الله تعالى: إن سبب ولايته ~~القضاء أن سليمان بن عبد الملك، لما أفضت إليه الخلافة، وجه رجلا ثقة عنده ~~يقبض خراج إفريقية، وكان عاملها عبد الله بن موسى بن نصير، وكتب إليه يأمره ~~أن لا يوجه بما حصل من ذلك إلا مع عشرة عدول من أهل القيروان يصحبون المال ~~حتى يصل إليه، ويشهدون عنده أن ms060 هذا المال أخذ من وجهه، فامتثل عبد الله ما ~~أمره به سليمان. وحصل جميع ذلك ووجه به مع عشرة ثقات منهم عبد الله بن ~~المغيرة، فلما وصلوا بالمال إلى سليمان قال لهم سليمان: «أأخذ هذا المال من ~~وجهه؟ » قالوا: «نعم يا أمير المؤمنين»، وعبد الله بن المغيرة ساكت لم ~~يتكلم بشيء ورعا منه وخوفا من الله عز وجل. وكان عمر بن عبد العزيز حاضرا ~~في ذلك المجلس، فلما سمع كلامهم حفظها عمر بن عبد العزيز له وعلم أنه إنما ~~منعه من الكلام الورع والخوف من الله عز وجل أن لا يتكلم إلا بحق. فلما ~~انصرف القوم من المجلس، سأل عمر بن عبد العزيز عنه فعرفوه به وذكروا له ~~دينه وفضله وورعه فحفظ ذلك له. فلما أفضت الخلافة إليه ولاه حينئذ قضاء ~~إفريقية وتقلده للمسلمين، رضي الله تعالى عنهما. وأقام على القضاء إلى زمان ~~كلثوم بن عياض؛ فلما ولى كلثوم استعفى من القضاء وولى بعده عبد الرحمن ابن ~~عقبة الغفاري . PageV01P127 ### $ 46 - ومنهم عمارة بن غراب التجيبي ، رضي الله تعالى عنه. # من فضلاء المسلمين، تابعي روى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى ~~عنها وغيرها من التابعين. # روى ابن أنعم عن عمارة بن غراب قال: «سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله ~~تعالى عنها عن حجتي، وأخبرتها أني صرورة» -والصرورة الذي لم يحج حجة ~~الإسلام-فقالت لي: «شيخ مثلك لم يحج! ما كان يؤمنك أن يدركك الموت؟ » فقلت ~~لها: «إنا كنا بإفريقية نغزو [أرض] المغرب، فنحن نجاهد عدونا ولا نجد ~~إلى الحج سبيلا».فقالت: «إن كنت كذلك فإن الله تعالى يعذر بالمعذرة». # سكن القيروان. وروى عنه ابن أنعم، وذكره سحنون في تواليفه. PageV01P128 ### $ 47 - ومنهم زياد بن أنعم الشعباني والد عبد الرحمن رحمه الله تعالى. # كان رجلا صالحا فاضلا تابعيا يروى عن ابن عمر وأبي أيوب الأنصاري، ~~روى عنه ابنه عبد الرحمن. سكن القيروان واختط بها دارا ومسجدا في ناحية ~~«باب نافع». # شهد الغزو مع أبي أيوب الأنصاري، قال: فلما حضر غداؤنا أرسلنا إلى [أبي] ~~(3) أيوب ms061 الأنصاري وإلى أهل مركبه ، فأتى أبو أيوب فقال: دعوتموني ~~وأنا صائم، وكان علي من الحق أن أجيبكم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول : «للمسلم على المسلم ست خصال واجبات، فمن ترك شيئا منها فقد ~~ترك حقا واجبا لأخيه عليه: إذا دعاه أن يجيبه، وإذا لقيه أن يسلم [عليه] ~~(3) وإذا عطس أن يشمته، وإذا مرض أن يعوده، وإذا مات أن يحضره، وإذا ~~استنصحه أن ينصحه». PageV01P129 ### $ 48 - ومنهم عبد الرحمن بن أسميفع بن وعلة السبائي ، يعرف بابن وعلة # المصري . # كان، رضي الله تعالى عنه، من أهل الفضل والدين تابعيا معدودا في ~~التابعين. # روى عن ابن عمر وابن عباس، وروى عنه زيد بن أسلم ويحيى بن سعيد الأنصاري ~~والقعقاع بن حكيم وابن أنعم وغيرهم. # أدخله مالك في «الموطأ» : يروي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : # «إذا دبغ الإهاب فقد طهر».أدخله أبو داود ومسلم والنسائي في ~~مصنفاتهم. PageV01P130 # ذكره محمد بن سحنون في «الطبقات» فقال فيه: من أهل إفريقية وبها ~~مسجده ومواليه إلى اليوم. # وذكره ابن عبد الأعلى في كتابه. وأثنى عليه وقال : وكان شريفا بمصر ~~في أيامه ثم صار إلى إفريقية . ### $ 49 - ومنهم أبو الأشعث ربيعة بن يزيد ، مولى أبي سفيان بن حرب بن أمية # والد معاوية، رضي الله تعالى عنه. # كان معدودا في التابعين، يروى عن عقبة بن عامر الجهني. روى عنه الفرج بن ~~فضالة وعبد الله بن عامر القاري وسعيد بن عبد العزيز؛ وكان يعرف بربيعة ~~بن يزيد الدمشقي ، لأن أصله كان من دمشق. # أوطن إفريقية وكان مشهورا. قال سعيد بن عبد العزيز: «لم يكن عندنا بدمشق ~~أحسن سمتا في العبادة من مكحول وربيعة بن يزيد». # قال أبو زرعة : «خرج ربيعة بن يزيد غازيا إلى إفريقية، بعثه هشام بن ~~عبد الملك، واستعمل عليهم كلثوم بن عياض القشيري، فقتل بإفريقية، قتلته ~~البربر سنة ثلاث وعشرين ومائة ». PageV01P131 # أبو زرعة الدمشقي، قال: حدثني عبد الرحمن بن عامر اليحصبي قال: سمعت ~~ربيعة بن يزيد يقول : «ما أذن المؤذن لصلاة ms062 الصبح منذ أربعين سنة إلا ~~وأنا في المسجد، إلا أن أكون مريضا أو مسافرا». ### $ 50 - ومنهم أبو يحيى عياض بن عقبة بن نافع الفهري ، رضي الله تعالى عنه. # كان من جملة التابعين وفضلاء المؤمنين، يروى عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص وغيره من الصحابة والتابعين. روى عنه يزيد بن أبي حبيب واسحاق بن أبي ~~فروة . # وأخوه أبو عبيدة بن عقبة. # سكن إفريقية وأوطنها، وكان مع والده عقبة في حياته وبعد وفاته . ثم ~~انتقل في آخر عمره إلى مصر، فسكنها وأوطنها، وتوفي بها في سنة مائة. # وأغرب عن عبد الله بن عمرو بن العاص بحديث لم أعلمه رواه عنه غيره ~~: # [عن] ربيعة بن سيف، قال : توفي ولد لعياض بن عقبة الفهري واشتد ~~وجده عليه، فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص: ألا أنبئك بما يسليك عن ~~ابنك هذا؟ PageV01P132 # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «ما من مسلم يموت يوم ~~الجمعة إلا وقي فتاني القبر». # عن عياض بن عقبة الفهري . أنه مات ابن له يقال له «يحيى»، فلما أنزل ~~في قبره قال رجل: «والله إن كان لسيد الجيش، فعليك باحتسابه» فقال: «وما ~~يمنعني أن أحتسبه وقد كان أمس من زينة الحياة الدنيا وهو اليوم من الباقيات ~~الصالحات؟ ». ### $ 51 - ومنهم أبو منصور ، مولى سعد بن أبي وقاص. # وهو والد يزيد بن أبي منصور ، كان، رضي الله تعالى عنه، من أهل الفضل ~~والدين معدودا في التابعين . # يروى عن ابن عمر وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف. # روى عنه موسى بن وردان والنعمان بن عامر المعافري وابن أنعم. كان ~~مقرئا للقرآن ومفتيا. PageV01P133 # [قدم إفريقية وسكن القيروان إلى أن مات بها. # قال عبد الله بن لهيعة: حدثني شيخ من مراد قال: صلى بنا أبو منصور- ~~والد يزيد ابن أبي منصور-بإفريقية في رمضان فأوتر بواحدة فأنكر الناس عليه، ~~فقال: # رأيت سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف يوتران بواحدة. ### $ 51 مكرر-ومنهم أبو علقمة ، مولى عبد الله بن عباس . # روى عن عبد ms063 الله بن عباس وابن عمر وأبي هريرة. # روى عنه عبد الرحمن بن أنعم وخالد بن أبي عمران، ومن أهل مصر: الحارث بن ~~يزيد وزهرة بن معبد ويعلى بن عطاء. # سكن القيروان وأوطنها. وولي قضاء إفريقية، ذكر ذلك أبو سعيد بن يونس . # ومن روايته قال: سمعت أبا هريرة] يقول : إذا سألتم الله عز وجل ~~فاسألوه PageV01P134 # هكذا: وبسط راحتيه، وإذا استجرتم به. فقولوا هكذا: وقلب كفيه فجعلهما مما ~~يلي أذنيه. # قال أبو بكر [المالكي] : الصفة الأولى رغبة والصفة الثانية رهبة. وهو ~~في معنى قوله عز وجل: يدعوننا رغبا ورهبا، وكانوا لنا خاشعين . # [قال] : وسمعت أبا هريرة يقول: «من خرج من بيته وقال: بسم الله، قالت ~~الملائكة: سلمت. فإن قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. قالت الملائكة: حفظت، ~~فإن قال: توكلت على الله. قالت الملائكة: كفيت» . ### $ 52 - ومنهم أبو عثمان مسلم بن يسار الأنصاري مولى الأنصار ، يعرف بالطنبذي ، رضي الله تعالى عنه. PageV01P135 # روى عن [ابن عمر] وأبي هريرة وسفيان بن وهب الخولاني. روى عنه عمرو ~~بن أبي نعيمة وشراحيل بن يزيد وحميد بن هاني وابن أنعم. # سكن القيروان وتوفي بها ، وهو غير مسلم بن يسار البصري . # ذكر ابن عبد الأعلى بإسناد يرفعه إلى سعيد بن أبي أيوب عن أبي هاني ~~عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : «سيكون في آخر أمتي قوم يحدثونكم بما لم تسمعوا ~~أنتم ولا آباؤكم. [فإياكم] وإياهم». ### $ 53 - ومنهم أبو عمران موسى بن الأشعث البلوي ، رضي الله تعالى عنه. # من أهل الفضل والدين، من جملة التابعين، روى عن عبد الله بن مسعود وغيره. # روى عنه عبد الرحمن بن يحيى الصدفي وبكر بن سوادة الجذامي. # ذكره ابن عبد الأعلى في علماء أهل إفريقية: ذكر أنه قدم إفريقية فسكنها، ~~قال: «وكان وطنه قرية من قراها لا أدري ما اسمها». PageV01P136 ### $ 54 - ومنهم ميسرة الزرودي ، رضي الله تعالى عنه. # معدود في جملة التابعين. من أهل الفضل والدين. يروى عن [ابن] عمر ms064 و [عمر] ~~بن عبد العزيز . يروى عنه ابنه بشر بن ميسرة. # سكن إفريقية وأوطنها، وكان مقامه بقرية «زرود» التي بقرب «قلشانة» ~~(3). # عن ميسرة الزرودي عن عبد الله بن عمر : أن قوما أتوه، فلما أرادوا أن ~~يفارقوه، قالوا: زودنا منك حديثا ننتفع به، فقال : «اعملوا لمعاشكم ~~كأنكم تعيشون أبدا، واعملوا لآخرتكم كأنكم تموتون غدا».رواه عنه ولده بشر. # وبإسناد عن بشر بن ميسرة عن أبيه ميسرة عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: # «حريم البئر قدر عمقها». ### $ 55 - ومنهم عمرو بن راشد بن مسلم الكناني ، ويقال عمارة بن راشد وهو الغالب عليه. # وكان، رضي الله تعالى عنه، من فضلاء المؤمنين معدودا في جملة التابعين ~~روى عن أبي هريرة وغيره. روى عنه ابن أنعم. # سكن إفريقية وأوطنها، وكان سكناه بتونس واختط بها، وبها توفي، رحمه الله ~~تعالى، وكان أصله من الشام. PageV01P137 ### $ 56 - ومنهم أبو معمر عباد بن عبد الصمد ، رضي الله تعالى عنه. # كان يعد في جملة التابعين على اختلاف منهم في ذلك. ذكر أبو العرب أنه كان ~~يروي عن أنس بن مالك-وعليه يعتمد-وعن عبد الرحمن بن غنم . # روى عنه/كامل بن طلحة ويحيى بن سليمان الحفري، وكان أصله من البصرة. # سكن القيروان وأوطنها، وروى عنه بعض أهلها، ثم خرج إلى «قصطيلية» وأوطنها ~~وأقام بها، وتوفي بها، وكان يروى عن غير واحد من التابعين، منهم الحسن ~~البصري وعمر بن عبد العزيز وعطاء بن أبي رباح. # عبد الرحمن بن حريز سمعت أبا معمر عباد بن عبد الصمد يقول: «أدركت ~~أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعت من اثنين منهم ولم ~~أسمع من اثنين». # قال أسد بن الفرات: كان عندنا بالقيروان شيخ يقال له أبو معمر، فبلغنا أن ~~يحيى بن السلام مر به ذات يوم وهو «بمسجد أبي الفتح» عند أصحاب الشواذك ~~وهو يقول: «حدثني أنس بن مالك، حدثني عبد الرحمن بن غنم »، فقال له ~~يحيى: يا شيخ، لو قلت: «بلغني عن أنس بن مالك وعن ابن غنم لكان أشبه ~~بك» وذلك لأنه ms065 كان يطعن عليه في روايته. ويقال إنما حدثه رجل عن أنس. PageV01P138 # أبو العرب : وسئل عنه يحيى بن السلام، فقال: «ما أعرفه».ويحيى بن ~~السلام بصري وأبو معمر بصري. [وقال] أبو العرب: وإنما ضعفوه للغرائب ~~التي أتى بها عن أنس . # وكان قد غمز من بعض حديثه. # قال: حدثنا أبو معمر عباد ابن عبد الصمد، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ~~«لما أدخلت على الحجاج بن يوسف، قال الحجاج: «لقد هممت أن أضرب عنقك »، ~~قال أنس: فقلت له: «ما أنت بقادر على ذلك».قال: «ومن يحول بيني وبينك؟ » ~~قلت: «الله عز وجل والكتاب حتى يبلغ منتهاه. وكلام علمنيه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أتعوذ به منك ومن أشباهك».فقال له الحجاج: «علمنيه! »، فقال ~~له: «لست له بأهل»، فنكت الحجاج بمخصرته ونكس [رأسه] وقام أنس، [قال] ~~ فحدثني [بما كان] من طلبه منه أن يعلمه إياه ، فلم يعلمه ~~وعلمنيه وهو: «الله، الله، الله، ربي لا أشرك بربي أحدا. اللهم إني أسألك ~~بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شره الذي لا يصرفه غيرك. لا إله إلا الله ~~الحليم الكريم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب العرش العظيم، لا إله ~~إلا أنت، عز جارك، اجعلني في عياذك من فلان ومن الشيطان». # وعن عباد بن عبد الصمد قال: «أتيت الوليد بن يزيد زائرا، فبرني وأمر ~~بنزلي وأكرم مثواي، فبينا أنا عنده جالس إذ أتى بخرائط مسك، فجعلت بين ~~يديه، PageV01P139 فجعل يزنها بيده، ثم عمد إلى خريطة منها، فرمى بها إلي، ~~وقال: «دونك يا أبا معمر، ففيها ما يغنيك»، فأخذتها، ثم قلت: «يا أمير ~~المؤمنين، حدثني أنس بن مالك أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~: «طوبى لمن رآني، وآمن بي، وصدق بما جئت به، وطوبى لمن رأى من رآني ~~وآمن بي وصدق بما جئت به، وطوبى لمن رأى من رأى من رآني وآمن بي وصدق بما ~~جئت به» فصاح الوليد بسراريه وصبيانه: # «تعالوا انظروا من رأى من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم» فقالت صبية ms066 ~~منهن: «يا أبتاه، أيدن أصافحه من وراء الستر حبا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، لأنه قد رأى من رآه»؟ فأشار إليها حاجبه أن افعلي. قال عباد: ~~فتناولت بإصبعها من وراء الستر. # قال عباد: فأقمت عنده بعد ذلك ما شاء الله، حتى دخلت عليه كلب وقيس ~~فذبحوه والمصحف في حجره، وأنا قاعد عنده. فلما رأيت [ذلك] خرجت هاربا ~~والخريطة معي». PageV01P140 ### ||| ثالثا: ذكر من دخل إفريقية والقيروان من هذه الطبقة # ورجع إلى بلده أو غيرها ### $ 57 - منهم عاصم بن عمر بن الخطاب . # كان، رضي الله تعالى عنه، موصوفا بالدين والفضل. ولد بعد وفاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بخمس سنين . يروي عن أبيه عمر. # دخل إفريقية مجاهدا مع عبد الله بن سعد سنة سبع وعشرين، وله في ذلك ~~أخبار. # ذكر ابن المبارك في كتابه، عن أبي حاتم، قال: «كان بين عاصم وبين رجل ~~كلام في أرض، فتنازع معه فيها، فقال القرشي لعاصم: «إن كنت صادقا فادخلها! ~~» فقال له عاصم: «أو قد بلغ بك الغضب كل هذا؟ هي لك! » فقال له القرشي: «بل ~~هي لك! »، فتركاها جميعا، فلم يأخذها واحد منهما حتى ماتا، ولم يعرض ~~لها أولادهما، وبقيت للفقراء والمساكين. # وعن محمد بن سيرين، قال : قال فلان-وسمى رجلا من الناس-: ما رأيت PageV01P141 # أحدا من الناس إلا [وهو لا بد] أن يتكلم ببعض ما [لا] يريد، ~~غير عاصم. # ولقد كان بينه وبين رجل شيء يوما، فقام وهو يقول: # قضى ما قضى فيما خلا ثم لا %~% ترى له صبوة فيما بقى آخر الدهر ### $ 58 - ومنهم أبو عقيل زهرة بن معبد بن عبد الله بن هشام التيمي المدني، رضي الله تعالى عنه. # من فضلاء المؤمنين، يروى عن ابن عمر وابن الزبير. روى عنه حيوة بن شريح ~~والليث بن سعد وسعيد بن أبي أيوب. وأصله من المدينة، سكن مصر وأوطنها. # ذكر أبو سعيد أنه دخل إفريقية وأقام بها وغزا برها وبحرها مع إسماعيل ~~بن عبيد الله أمير إفريقية، وكان معه في غزو إفريقية في البحر ms067 أبو عبد ~~الرحمن الحبلي التابعي، رضي الله تعالى عنهما. # ذكر أن زهرة بن معبد هذا أصابه في أرض العدو احتلام في ليلة ثلاث وعشرين ~~من رمضان، وكان في مركب، فذهب إلى صدر المركب ليغتسل، فزلقت رجله فسقط في ~~البحر، فوجد ماءه عذبا. # قال رشدين بن سعد المصري، قال عمر بن عبد العزيز لزهرة بن معبد: PageV01P142 # «أين تسكن؟ » فقال له: «بالفسطاط» فقال له: «وأين أنت عن الطيبة؟ » فقال ~~له: «وأين الطيبة؟ » قال: «الإسكندرية، فإنك تجمع فيها دنيا وآخرة. إنها ~~الطيبة الموطن. والذي نفس عمر بيده، لوددت أن قبري يكون بها، ولقد بلغني ~~أنها تقدس في كل عام مرتين».فسكن زهرة بعد ذلك الإسكندرية، وترك سكن مصر. # قال الليث بن سعد: «كنا نعود أبا عقال زهرة بن معبد وهو شديد الوجع ~~ونحن خائفون عليه، فزرناه غدوة من تلك الغدوات، فقال: أريت الليلة عمر بن ~~عبد العزيز في المنام، فقال لي: أين تسكن يا أبا عقال؟ فقلت له: # الإسكندرية، إذ عزمت/علي في سكناها، فقال لي: ابشر بما يسرك في دنياك ~~وآخرتك، وكرر ذلك علي مرتين». ### $ 59 - ومنهم أبو قبيل المعافري واسمه حيي بن هانئ، رضي الله تعالى عنه. # من أهل الدين والفضل، يروي عن جماعة من الصحابة: منهم عبادة بن الصامت، ~~وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر الجهني. روى عنه عمرو بن ~~الحارث، ويزيد بن أبي حبيب، والليث بن سعد. # دخل إفريقية غازيا مع حسان بن النعمان، وشهد معه المغازي، وكانت له في ~~ذلك مقامات، ثم رجع إلى مصر وتوفي بالبرلس سنة ثمان وعشرين ومائة. PageV01P143 # ابن وهب: ذكر في «جامعه»، عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل المعافري، عن عبد ~~الله بن عمرو، أنه قال: «[من قال] حين يستنبه من نومه: «الحمد لله الذي ~~أحيا نفسي بعد موتها، إن ربي على كل شيء قدير»، كان كيوم ولدته أمه». # ابن وهب: وسأل رجل أبا قبيل عن القدر، فقال أبو قبيل: «لأنا في الإسلام ~~أقدم منه، فدين أنا في الإسلام أقدم منه، لا خير ms068 فيه». # عن ضمام بن إسماعيل، قال: كان أبو قبيل إذا صلى الصبح جلس في مصلاه الذي ~~صلى فيه حتى تطلع الشمس وترتفع، فيركع ما بدا له ثم يخرج فإذا قام على باب ~~المسجد رفع يديه ثم يستقبل القبلة بباطن كفيه حذو منكبيه، ثم يقول: # أعوذ بالذي (يمسك السمااات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من ~~أحد من بعده، إنه كان حليما غفورا) ثم يدعو دعاء كثيرا، ثم يقول في آخر ~~دعائه: # «اللهم لا تقصر بي عن الأخيار، ولا تجعلني مع الأشرار، وأسألك ألا تبقي ~~أحدا من أهله ولا ولده إلا قدمته بين يديه ، ولا أترك دينارا ولا درهما ~~ولا دنيا ». # قال ضمام: وكانت داره تسمى «اللفيف» من كثرة من كان فيها من أمهات ~~أولاده وغير ذلك، فماتوا كلهم حتى لم يبق منهم أحد، ولم يترك شيئا من ~~الدنيا إلا قطيفة وفراشا وسلاحا؛ وكان من تواضعه يلي الشراء من السوق ~~بنفسه، وكان لا يدع أن يصوم يوم الاثنين والخميس. PageV01P144 ### $ 60 - ومنهم أبو عبد الله عكرمة ، مولى عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى # عنه. # كان كثير الرواية عن مولاه وعليه معتمده، وروى عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص وعن أبي هريرة، وروى عنه خلق يطول ذكرهم. # وأدخله مالك في «موطئه» وكنى عن اسمه فقال: أخبرني مخبر عن بن عباس ~~(2)، وهو عكرمة. قال عباس الدوري : قلت ليحيى بن معين: «مالك بن أنس كره ~~عكرمة؟ » فقال: «نعم، لكنه روى عن رجل عنه شيئا يسيرا». # وسئل يحيى عن عكرمة وعن نافع مولى ابن عمر فقال: «كان عكرمة أعلمهم بابن ~~عباس، ونافع أعلمهم بابن عمر». # وقيل لسعيد بن جبير : «تعلم أحدا أعلم منك؟ » قال: «نعم، عكرمة». # قال قتادة : «أعلم الناس بالتفسير عكرمة». # قال أبو بكر: وقد اختلف العلماء بالحديث في عكرمة، فممن وثقه وأثنى عليه ~~يحيى بن معين وعلي بن المديني وأبو الحسن الكوفي وإسماعيل القاضي، وضعفه ~~غيرهم؛ لكنهم متفقون على حفظه ومعرفته بالعلم وتفسير القرآن الكريم. PageV01P145 # دخل عكرمة إفريقية وأقام بالقيروان، وبث ms069 بها العلم، وكان مجلسه في ~~مؤخر جامع القيروان في غربي الصومعة . # أبو العرب : ذكر أحمد بن صالح أن أصل عكرمة من بربر إفريقية، وذكر ~~غيره أنه من سبي إفريقية. # اشتراه ابن عباس. فقيل له «أتبيع علم أبيك؟ »؛ فاسترده وأعتقه . ~~توفي سنة خمس ومائة هو ابن [ثمانين] سنة، وتوفي هو وكثير عزة في يوم ~~واحد، وصلي عليهما جميعا، فقيل: مات أشعر الناس وأعلم الناس . ### $ 61 - ومنهم سليمان بن عوسجة اللخمي . # ذكره أبو العرب في التابعين، ولم يذكر عمن روى [من الصحابة] . وذكر ~~ابن عبد الأعلى أنه روى عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي، وعبد الرحمن هذا ~~تابعي. روى عنه ابن أنعم وغيره. # ابن أنعم عن سليمان بن عوسجة عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي أن النبي PageV01P146 # صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل السوق قال : «اللهم إني أسألك من خير ~~ما فيها، وأعوذ بك من شر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك من يمين ماحقة وصفقة ~~خاسرة . يا أهل السوق، اتقوا الأيمان فإنها تلقح البيع وتمحق ~~الدين». ### $ 62 - ومنهم أبو سعيد يحيى بن سعيد بن قيس بن قهد الأنصاري ، رحمه # الله تعالى. # قال يحيى بن معين : وكان قهد صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وكانت ابنته عند حمزة بن عبد المطلب تسمى «خولة» . # روى عن أنس و [واقد بن عمرو بن سعد بن] معاذ والسائب بن يزيد. روى ~~عنه مالك والليث بن سعد وشعبة بن الحجاج وغيرهم من الأكابر، وتوفي سنة ~~PageV01P147 ثلاث وأربعين ومائة ببغداد وهو قاضيها، ولاه عليها أبو ~~جعفر المنصور. # ذكر أبو القاسم بن الجوهري عن هشام بن عروة أنه قال: حدثني [العدل] ~~الرضا الأمين على ما تغيب عنه يحيى بن سعيد. # وذكر النسائي أنه ولى قضاء المدينة، وكان ثقة مأمونا. # وقال أيوب : ما تركت بها-يعني المدينة-أفقه من يحيى بن سعيد. # دخل يحيى بن سعيد إفريقية واجتمع بتونس مع خالد ابن أبي عمران، وروى ~~عنه. # عن عيسى بن مسكين ، عن سحنون بن سعيد، عن عبد الله بن وهب، قال: ms070 ~~أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال: كنت بإفريقية فعرضت لي حاجة من ~~حوائج الدنيا، فلبثت أدعو فيها الليل والنهار حتى لمت نفسي في ذلك وأهمني، ~~فذكرت ذلك لشيخ كان في المغرب، فقال لي: «لا يهمنك ذلك، فإني قد كنت أسمع ~~أن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يبارك لعبد في حاجة أذن له فيها ~~بالدعاء»، قال أبو العرب: هذا الشيخ هو خالد بن أبي عمران. PageV01P148 ### $ 63 - ومنهم أبو أيوب سليمان بن يسار ، رضي الله تعالى عنه. # وهو أخو عطاء بن يسار، من فضلاء/التابعين وفقهائهم. # وكان مالك رحمه الله تعالى يثني عليه ويقول : «هو أفقه من سعيد ، ~~وهو من أعلم أهل المدينة بالسير». # روى عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وغيرهم. # وروى عنه ابن شهاب. وهو أحد الفقهاء السبعة. # قدم إفريقية غازيا وأقام بها، وكانت له بها آثار مشهورة ومقامات مذكورة ~~ثم رجع إلى المدينة فأقام بها حتى توفي سنة أربع وتسعين . ### $ 64 - ومنهم رافع بن عقيب الكلاعي رضي الله تعالى عنه. # من أهل الفضل والدين، روى عن ابن عمر وغيره. # دخل إفريقية ثم خرج منها. وروى أشهب ، يرفعه إلى رافع، أنه قال: # «أفطرت في رمضان في سفر حضرني إلى اليمن؛ ثم لم أقضه حتى حضرني سفر آخر PageV01P149 # إلى إفريقية في رمضان، فأفطرته؛ ثم لم أقضه حتى حضرني سفر آخر في رمضان، ~~فأفطرته، فأخبرت بذلك عبد الله بن عمر فأمرني أن أقضي الثلاثة الأشهر، ~~وأمرني أن أقضي عن كل يوم مدا . إلا أني لم أقض حتى تداركن علي». ### $ 65 - ومنهم أبو ليلى دخين بن عامر الحجري ، رضي الله تعالى عنه. # كان من فضلاء المؤمنين، روى عن عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعن جماعة من التابعين. روى عنه من أهل القيروان بكر بن ~~سوادة الجذامي ويزيد بن أبي منصور وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم. # دخل إفريقية وأقام بها، ويذكر أنه كتب لعقبة بن نافع ، وشهد معه ~~المشاهد ms071 كلها والحروب والفتوحات التي كانت بإفريقية والمغرب، ثم رجع إلى ~~مصر. ويقال إنه استشهد بتنيس ؛ قتلته الروم بها سنة مائة، رضي الله ~~تعالى عنه. ### $ 66 - ومنهم أبو عبيدة مرة بن عقبة بن نافع الفهري ، رضي الله تعالى عنه. # كان له فضل ودين، روى عن ابن عمر وغيره، وروى عن أبيه عقبة بن ~~PageV01P150 نافع، وروى عنه عبد الكريم بن الحارث وموسى بن أيوب . # دخل إفريقية مع أبيه عقبة، وشهد معه بعض مغازيها. # ابن وهب في «موطئه»، يرفعه عن أبي عبيدة، قال: «كنت مع أبي عقبة بن نافع ~~بإفريقية، فقصر الصلاة في أسفاره سنة أو سنتين، حتى كتب إليه معاوية بن أبي ~~سفيان فعزم عليه ليتمن». # قال عبد الله : وإنما التزم معاوية في ذلك فعل عثمان بن عفان رضي الله ~~تعالى عنهما، لأن عثمان أتم الصلاة بمنى . وإنما فعل ذلك عثمان لما قيل ~~له: إن بعض القادمين من الآفاق ممن حضر الحج وقصر الصلاة بمنى حسبوا أن ~~الصلاة قصرت، فنقلوا ذلك إلى بلدانهم، فالتبس ذلك على من لا علم عنده ولا ~~دراية بالسنن والفقه في دين الله تعالى، فأتم عثمان الصلاة بمنى ليشتهر عند ~~جميع من حضر الموسم من أهل الآفاق وغيرهم أن الصلاة لم تقصر، وأنها باقية ~~على الفريضة التي فرضها الله عز وجل على عباده، وأن القصر إنما هو سنة في ~~السفر لا فرض؛ وكذلك تأولت عائشة رضي الله تعالى عنها في إتمامها في السفر، ~~كما تأول عثمان رضي الله تعالى عنه. وهذا أحسن ما يتأول عليهما في ذلك . PageV01P151 ### || ذكر الطبقة الثانية من فقهاء مدينة القيروان وما يليها من البلدان ومحدثيهم وعبادهم ونساكهم # ذكر ### ||| الطبقة الثانية # من فقهاء مدينة القيروان وما يليها من البلدان # ومحدثيهم وعبادهم ونساكهم ### $ 67 - منهم أبو خالد عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري الشعباني قاضي إفريقية، رضي الله تعالى عنه. # كان من جلة المحدثين منسوبا إلى الزهد والورع، صلبا في دينه؛ متفننا في ~~علوم شتى. وكان أول مولود ولد في الإسلام بعد فتح إفريقية. روى ms072 عن جماعة من ~~التابعين تقدم ذكرهم، وكان مشهورا، أدخله المؤلفون في كتبهم . # وكان سفيان الثوري يعظمه ويعرف حقه. وزاره سفيان بمكة؛ وذلك ما حدثنا به ~~عن ابن وهب، قال: خرجت إلى مكة في أول حجة حججتها وأنا صرورة، وكان بها ابن ~~أنعم. وكنت آتيه فأسمع منه. فكنت عنده ذات يوم فإذا برجل يستأذن عليه ~~بالباب فقال: «انظروا من بالباب»، فخرج رجل-أو قال: # خرجت أنا-فقالوا: «رجل عليه أطمار» فقال: «ائذنوا له»؛ فلما دخل قام إليه ~~عبد الرحمن ولقيه بالبشر والسلام، وأسند إليه حديثه وجرت بينهما مواعظ ~~ومذاكرة، فلما خرج الرجل قلت لمن بالحضرة من الطلبة: «من هذا الذي فعل به ~~PageV01P152 عبد الرحمن هذا الفعل كله؟ » فقالوا: «هذا سفيان الثوري» فلما ~~قالوه لي جمعت كتبي وخرجت مبادرا في إثره. # ولا يشك أحد في فضل عبد الرحمن. # [قال أبو العرب : وأنكروا عليه أحاديث ذكرها البهلول بن راشد، قال: # سمعت سفيان الثوري يقول: جاءنا عبد الرحمن بن زياد الإفريقي] بستة ~~ أحاديث يرفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لم أسمع أحدا من أهل ~~العلم يرويها : # -حديث ، أمهات الأولاد. # -وحديث ، الصدائي حين أذن قبل بلال، فأراد بلال أن يقيم، فقال عليه ~~السلام: إن أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم. # -وحديث إذا رفع الرجل رأسه من آخر سجدة ثم استوى جالسا فقد تمت صلاته ~~[وإن أحدث] . # -وحديث ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اغد عالما أو متعلما ولا تكن ~~الثالث فتهلك. PageV01P153 # -وحديث ، قال عليه الصلاة والسلام: لا خير فيمن لم يكن عالما أو ~~متعلما. # -وحديث ، قال صلى الله عليه وسلم: العلم ثلاثة وما سوى ذلك فضل: آية ~~محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة. # [قال]: فلهذه الغرائب [ضعف ابن معين حديثه] . # وكان مسكنه بالقيروان بقرب باب نافع، ومولده بإفريقية، وتوفي بالقيروان ~~في شهر رمضان سنة إحدى وستين ومائة ودفن بباب نافع. # وكان قد أسره الروم، فرفع إلى الطاغية مع جماعة من المسلمين، قال: ~~فبينا نحن في حبسه إذ غشيه عيد له، فأقبل علينا فيه ms073 من الحار والبارد ما ~~يفوق المقدار ، إذ خطرت امرأة [نفيسة] على الطاغية /، ~~فأخبرت بحسن صنيع الملك بالعرب، فخرقت ثيابها ونشرت شعرها وسودت وجهها، ~~فقال لها: مالك؟ فقالت: العرب قتلوا ابني وزوجي وأخي وأنت تفعل بهم ~~هذا الذي رأيت؟ فنخر وصلب، وقال: علي بهم، فصرنا بين يديه سماطين، وأمر ~~سيافه بضرب عنق واحد واحد حتى قرب الأمر مني، فحركت شفتي، وقلت: «الله، ~~الله، الله، PageV01P154 ربي لا أشرك به شيئا، ولا أتخذ من دونه وليا»؛ ~~ثلاثا. وأبصر فعلي، فقال: # «قدموا شماس العرب» -يريد عالمهم-فقال لي: لعلك قلت: «الله، الله، الله، ~~ربي لا أشرك به شيئا؟ » فقلت: «نعم».فقال: «ومن أين علمته؟ » قلت له: ~~«نبينا، عليه الصلاة والسلام، أمرنا به» فقال لي: «وعيسى أمرنا به في ~~الإنجيل» فأطلقني ومن معي». # وقيل: فداه أبو جعفر المنصور، فداه وولاه قضاء إفريقية. # ودخل يوما على المنصور، فقال: «يا ابن أنعم، ألا تحمد الله الذي ~~أراحك مما كنت فيه، ومما كنت ترى بباب هشام وذوي هشام؟ »، فقال له عبد ~~الرحمن: ما أمر كنت أراه بباب هشام إلا وأنا أرى اليوم منه طرفا، قال: فكبا ~~ لها أبو جعفر، ثم قال له: «فما منعك أن ترفع ذلك إلينا، وأنت تعلم أن ~~قولك عندنا مقبول؟ » فقال: «إني رأيت السلطان سوقا، وإنما يرفع إلى كل سوق ~~ما يجوز فيها»، قال: # فكبا لها أبو جعفر، ثم رفع رأسه فقال: «كأنك كرهت صحبتنا؟ »، فقال : ~~«ما يدرك [المال] والشرف إلا في صحبتك، ولكني تركت عجوزا [وإني أحب ~~مطالعتها، فقال: اذهب فقد أذنا لك] . # وحدثوا أنه لما غلب البربر على القيروان وفد على الخليفة رجال، قال ~~عبد الرحمن بن زياد: «فكنت أنا فيهم، فلما صرت إليه قال: «كيف رأيت ما وراء ~~[بابنا] ؟ » فقلت: «رأيت ظلما فاشيا وأمرا قبيحا».قال: فقال [لي]: ~~«لعله فيما بعد من بابي؟ » قال، فقلت له: «كلما قربت من بابك استفحل ~~الأمر وغلظ» PageV01P155 فقال لي: «أنت لا تهوى الدخول في شيء من أمرنا». # [فقلت له: عجوز خلفتها بالقيروان وأنا أحب الرجوع إليها. قال: فأذن ms074 لي] ~~. # قالوا : ولما توجه إلى إفريقية كتب إلى ولده وخاصته بهذه الأبيات: # ذكرت القيروان فهاج شوقي %~% وأين القيروان من العراق # مسيرة أشهر للعيس نصا %~% على الإبل المضمرة العتاق # فأبلغ أنعما وبني أبيه %~% ومن يرجى له ولنا التلاقي # بأن الله قد خلى سبيلي %~% وجد بنا المسير إلى مزاق # و«مزاق» هذا فحص إفريقية ، وانما سمي بذلك لتمزق السحاب عنده . # عن قبيصة بن عقبة : سمعت سفيان الثوري يقول : لما قدم بابن أنعم ~~على المنصور قال: «ما رأيت في طريقك؟ » قال: «ما زلت في منكر وجور عظيم حتى ~~قدمت عليك».فقال له أبو جعفر: «ما نعمل؟ ما نصنع؟ لا يلي لنا مثلك». # فقال له: «أتدري ما قال عمر بن عبد العزيز؟ -قال: الملك سوق، وإنما يجلب ~~إلى السوق ما ينفق فيها ». PageV01P156 # ولقي ابن أنعم عيسى بن موسى الهاشمي بالكوفة، فقيل لعيسى: إن ~~من حال هذا الرجل كذا ومن حاله كذا. فقال له عيسى: «ما منعك من إتياننا؟ » ~~فقال له: «وما أصنع عندك؟ إن أتيتك فأدنيتني فتنتني ، وإن أقصيتني ~~أحزنتني. # فليس عندك ما أرجوه ولا عندي ما أخافك عليه». # وعن ابن أنعم قال: «من دخل على سلطان ظالم يتقيه فقال: «اللهم إني ~~أستعينك عليه وأدفع بك في نحره وأعوذ بك من شره»، إلا صنع الله تعالى ~~به ذلك». # سمعت أبا موسى عيسى بن مسكين يقول : كان ابن أنعم بالعراق، فأرسل ~~إليه أهله كتابا من إفريقية، فلما فتح الكتاب تغير لونه واصفر، فما فرغ من ~~قراءة الكتاب حتى رؤي السرور في وجهه واحمر ورجع إليه لونه. فقال له أصحابه ~~الذين حوله: «أصلحك الله، لقد رأينا منك عجبا: رأيناك لما فتحت الكتاب ~~وقرأته تغير لونك، ثم لم تفرغ من قراءته حتى رجع إليك لونك».فقال لهم: # «نعم، لما قرأت أول الكتاب قرأت سلام أهلي ومالي وولدي فتغير لذلك لوني ~~واغتممت، إذ لم يذكرني الله عز وجل بمصيبة؛ ثم قرأت آخر الكتاب فذكروا: # إنك ابتليت بكذا ومات لك كذا ومات لك كذا، ففرحت بذلك». # ولما ولى القضاء وسار بالعدل ولم ms075 يقبل من أحد صلة ولا هدية، نزه نفسه عن ~~ذلك فرفع الله قدره وأعلى مناره. PageV01P157 # أبو عثمان المعافري قال: كنت يوما عند ابن أنعم وهو يتنفس الصعداء ~~ حتى أتاه شاب ومعه مخلاة بصل، فأسر إليه كلاما، فأسفر وجهه- يعني ~~استبشر- وقال لمن كان بحضرته: «قل لهم-يعني أهله-يبعثوا إلينا بشيء من ~~البصل مع الفول الذي كنتم طبختموه البارحة»، فبعثوا إليه بذلك، فقال لي: ~~«يا أبا عثمان، كل»، فقلت له: «لا»، فقال لي: «ولم، يا أبا عثمان؟ أظننت ~~ظنا؟ » فقلت: # «نعم» فقال: «أحسنت، يا أبا عثمان. إذا رأيت الهدية دخلت دار القاضي من ~~باب الدار، فاعلم أن الأمانة قد خرجت من كوة داره. وليس هذا هدية، إنما ~~أتاني به مولاي من ضيعتي».قال أبو عثمان: فقلت له: «إني رأيتك مغموما، فلما ~~أتاك هذا الغلام انطلقت واستبشر وجهك» فقال لي: «إني أصبحت فذكرت بعد عهدي ~~بالمصائب فخفت أن أكون نقصت من عين الله عز وجل، فلما أتاني هذا الغلام ذكر ~~لي أن أكفأ عبيدي وأقومهم بضيعتي توفي، فزال عني الغم واسترحت ». # وذكر أن امرأة من أهل القيروان كانت لها خاصة بحرمة يزيد بن ~~حاتم أمير إفريقية، فدار بينها وبين رجل من أهل القيروان خصومة. واستدار ~~الحكم لها على خصمها وكتب لها ابن أنعم قضية بحقها وختمه بخاتمه ~~وأعطاه لها، فمضت به المرأة مسرورة إلى يزيد لعلمها بمسرته، فلما دفعت ~~الكتاب إليه أخذه يزيد /ففض خاتمه وقرأه ثم رده إليها. فبكت المرأة وخافت ~~أن لا ينفعها الحكم إذ فض PageV01P158 خاتم القاضي؛ فلما رأى يزيد مشقة ذلك ~~عليها قال لها: «لا تجزعي، أنا أوجهه إلى القاضي فيختمه كما كان»، فبعثه ~~إليه فأبى من ذلك وقال: «لا أختمه حتى تعيد المرأة البينة»، فرده عليه يزيد ~~ثانية ليختمه، فأبى وقال: «لا أفعل».فلما ولى رسول يزيد راجعا أخذ عبد ~~الرحمن خاتمه فكسره، ودخل بيته وقال: «أنا أسبقه إلى العزل». # وفي رواية: فلما رأى ذلك يزيد، قال: «هذا قاض كره الحياة، التمسوه! »، ~~قال: فالتمسوه فلم يوجد في مجلس قضائه، فلقيه قوم بأشراف ms076 جزانة ~~ومعه جلده ودرته وهو سائر إلى تونس. # وقد قيل إنه ما عزل وما مات إلا وهو قاض. والصحيح أنه عزل عن القضاء. # حاشية: قال : لما عزل عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ولى القضاء ماتع بن ~~عبد الرحمن الرعيني، قال أبو العرب: «وكان ماتع فيما ذكر لي رجل سوء» قال: # «وما وجدت عن ماتع عند أحد من أصحابنا علما ندونه عنه».وولى بعده ~~يزيد بن الطفيل. # وقيل: إنه ولى القضاء مرتين: الأولى في أيام بني أمية، ولاه عليها مروان ~~بن محمد المعروف بالجعدي-وهو آخر من ملك من بني مروان-وكتب بذلك كتابا يقول ~~في بعضه: # «وقد ولاك أمير المؤمنين الحكومة والقضاء بين أهل إفريقية، وأسند إليك ~~أمرا عظيما وحملك خطبا جسيما، فيه دماء المسلمين وأموالهم، وإقامة كتاب ~~الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والذب عن ضعيفهم من قويهم ~~وإنصاف مظلومهم من PageV01P159 ظالمهم، والأخذ من شريفهم بالحق لخاملهم. ~~وقد رجاك أمير المؤمنين لذلك لفقهك وعدلك وخيرك وحسبك وعلمك وتجربتك. فعليك ~~باتقاء الله عز وجل وحده لا شريك له، وإيثار الحق على ما سواه. وليكن جميع ~~الناس: قويهم وضعيفهم، في الحق، عندك سواء». # فأقام قاضيا إلى سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وفيها زال ملك بني أمية، فعزل ~~عن القضاء إذ كان من قبل مروان. وولي بعده أبو كريب، وكان فاضلا ورعا. ~~قتلته الصفرية سنة أربعين ومائة ، حين تغلبوا على القيروان وملكوها. ~~فلما رأى ذلك علماء إفريقية بعثوا إلى المشرق [جماعة من شيوخهم] إلى ~~أبي جعفر المنصور، وكان رئيسهم ابن أنعم، مستغيثين به، فوجه معهم محمد بن ~~الأشعث بجيش كبير، وأمره إذا وصل وملكها وأخرج البربر منها، أن يولي عبد ~~الرحمن بن أنعم قضاء إفريقية. # وفي هذه السفرة سمع سفيان الثوري من ابن أنعم وكبار أصحاب أبي حنيفة وابن ~~أبي زائدة . وأجمع أهل القيروان على ولايته، لما علموا من دينه وفضله ~~وزهده. فسار فيهم بسيرة أهل العدل، وأقام فيهم الكتاب والسنة. ولم يزل على ~~ذلك حتى جرى له مع يزيد بن حاتم ms077 ما جرى، فترك القضاء ورحل عنه إلى تونس. ~~ولم يزل معظما في صدور الناس رفيع القدر عندهم حتى توفي، رضي الله تعالى ~~عنه. # وسبب موته ، فيما ذكر أبو العرب، أنه أكل حيتانا درنية وشرب ~~لبنا على PageV01P160 مائدة الأمير يزيد بن حاتم، وكان يوحنا المتطبب ~~حاضرا، فقال: إن كان الطب حقا فإن الشيخ يموت الليلة. فلما كان في السحر ~~سمعوا صيحة فقيل: ما هذه الصيحة؟ فقيل: مات عبد الرحمن القاضي. # وكان -رحمه الله تعالى-قبل ذلك، يخوف الناس من أكل الحيتان مع ~~اللبن، فقال له يزيد بن حاتم: «اذكر الحديث الذي سمعناه منك».فقال له عبد ~~الرحمن: «لا يكون إلا ما قدر الله عز وجل وأراده»، فأفلج من ليلته ومات في ~~الوقت. # وقال أبو الغارات السراج : شهدت جنازة [عبد الرحمن بن زياد] ابن أنعم ~~[سنة إحدى وستين ومائة] وأنا غلام، وشهدها الأمير يزيد بن حاتم، فوقف يزيد ~~خارجا من «باب نافع» ينتظر الجنازة فأخذت بمعقد ثفر دابته، فلما ~~نظر إلى جماعة الناس وازدحامهم وكثرتهم تمثل بهذا البيت فحفظته منه، وهو ~~: # يا كعب ما راح من قوم ولا ابتكروا %~% إلا وللموت في آثارهم حادي # وكان ذلك يوما عظيما. PageV01P161 # وكان الأمير يزيد بن حاتم على سنة ، محمود السيرة في ولايته، له ~~مناقب مشهورة، فلذلك استخف عبد الرحمن أكل طعامه، على ورع عبد الرحمن ~~وفضله. ### $ 68 - ومنهم أبو محمد خالد بن أبي عمران التجيبي ، مولى عمرو بن حارثة # التجيبي. # كان من العلماء الراسخين، في العلم، والعباد المجتهدين. اشتهرت إمامته ~~بالمشرق والمغرب. # سمع من جماعة من التابعين منهم سالم بن عبد الله بن عمر ونافع مولى بن ~~عمر، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى ~~عنه. # سمع منه جماعة من أهل المشرق منهم يحيى بن سعيد، وحيوة بن شريح، وعبد ~~الله بن لهيعة، وعمرو بن الحارث. # روى عنه من أهل إفريقية [عبد الرحمن بن زياد] بن أنعم، وعبد الملك بن ~~أبي كريمة، وعبيد الله بن زحر. # وكان مشهورا بإجابة الدعوة، وكان ms078 أكثر إقامته بتونس، وكانت وفاته بها سنة ~~PageV01P162 خمس، وقيل سنة سبع ، وعشرين ومائة، والله أعلم. # وعن خالد بن أبي عمران أنه أتى القاسم وسالما بمسائل [من المغرب] ~~فذهب يسائلهما عنها، فأبيا عليه أن يجيباه، فقال لهما خالد: «إنا بموضع ~~جفاء في هذا المغرب ، وإنهم حملوني هذه المسائل، وقالوا لي: إنك تقدم ~~على المدينة وبها [أبناء] أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلهم ~~لنا. وإنكما إن لم تفعلا كانت حجة لهم ، [فما شئتما] . فقال له ~~القاسم: سل، فسألهما خالد، فأجاباه فيم سألهما فيه. وكثير منها في ~~مدونة سحنون . # وكان أهل إفريقية وجهوا به إلى يزيد بن عبد الملك/، وهو الخليفة ~~يومئذ، يخبره بقتل يزيد بن أبي مسلم عامله على إفريقية، فلما وصل إليه قربه ~~وأدنى مجلسه واستشاره فيمن يوليه، فأشار عليه، فقبل قوله. # زفر بن خالد الصدفي: أن الصفرية لما خرجوا بإفريقية يوم «القرن» برز ~~PageV01P163 إليهم خالد بن أبي عمران، فبرز إليه ابن عم عبد الواحد الزناتي ~~الصفري، وهو رئيسهم، فقتله خالد بن أبي عمران. وكانت له، رحمه الله، مقامات ~~في الدين، شهد بها مغازي كثيرة وأبلى فيها بلاء كبيرا. ### ||||| ذكر فضله ومناقبه # : # حيوة بن شريح قال: بعث إلى خالد بن أبي عمران ليتولى القضاء فانضم إليه ~~رجل في طريقه، قال: فقال له: «يا أبا خالد، بعث إليك هؤلاء القوم؟ » قال: ~~«نعم»، قال: «أرادوك على ماذا؟ » قال: «أرادوني على القضاء».قال: # «أما علمت أن الله تبارك وتعالى إذا لم يكن له بالعبد حاجة نبذه إليهم؟ » ~~قال: ثم التفت فلم ير أحدا، فيروون أنه الخضر عليه السلام. # موعظة: [عن] ابن أبي كريمة عن خالد بن [أبي] عمران، قال: طلبني ~~عبيد الله بن الحبحاب أمير إفريقية ليوليني القضاء بإفريقية، فهربت ~~منه إلى الإسكندرية فلقيني الخضر رضي الله تعالى عنه، فقال: «يا خالد، طلبك ~~عبيد الله [على] القضاء فأبيت عليه؟ » قلت: «نعم».قال: «أحسنت، ~~فاستمسك. إن الله تبارك وتعالى إذا أبغض عبدا ألقاه إليهم». # عن إدريس قال: قال موسى بن نصير-وكان من التابعين-لأم ولده: # «اتخذي ms079 خالدا بن [أبي] عمران ولدا» قال: فأرسلت [إليه] بوصائف ~~ووصفاء، فرد هديتها. قال: فقال له الرسول: «ومن يجترئ يرد على فلانة أم ولد ~~الأمير هديتها؟ » قال: فأغلق الباب في وجهه، فلما رأى ذلك الرسول رجع ~~بالهدية إليها، فقالت للرسول: «ويحك! لعله استقلها؟ » ثم أرسلت إلى ابن أبي ~~عمران PageV01P164 فجاء، فقالت له: «لم رددت علينا هديتنا، لعلك استقللتها؟ ~~» ثم قالت له: «إن سيدي أمرني أن أتخذك ولدا، لأنفعك» فقال لها: «فمن أين ~~هذا الذي بعثت به؟ » فقالت له: «أكلم سيدي في الرجل فيعقد له الولاية، ~~فيرسل إلي بالرأس والرأسين»، قال: فقال لها خالد: «بخ! خالد بن [أبي] ~~عمران يغزو فلا يدركه في سهمه إلا كذا وكذا-بشيء يسير سماه-وأنتم ~~تأتيكم الدنيا هكذا؟ »، ثم أفرغ عليها المواعظ، فوعظها. قال: فجاء موسى بن ~~نصير فدخل عليها فلم تأخذ له أهبة. فقال لها موسى: «لعل خالد بن أبي عمران ~~دخل عليك؟ » فقالت: «نعم» فقال: «إن الحق ما قاله لك، فاقبليه ». # وعن حيوة: أن خالدا بن أبي عمران كان له جيران، وكانوا مخلطين، فاستأذن ~~عليهم يوما، وضرب عليهم الباب، فغيبوا ما كان بين أيديهم وأخفوه. فدخل ~~منزلهم، فجلس في قبلة البيت ثم قال لهم: «يا بني، كم بين قرية فلانة إلى ~~قرية فلانة؟ » فقالوا: «يغدو الرجل من فلانة ويقيل بفلانة» قال: «فإن قصر؟ ~~» قالوا: # «يروح من فلانة ويبيت بفلانة»، فقال لهم: «فإذا ترك الغدو والرواح؟ » ~~قالوا: # «فبعيد عليه أن يبلغ» فقال لهم: «يا بني أخي! تؤملون التوبة وأنتم مقيمون ~~على المعصية؟ »، ثم أقبل عليهم بالمواعظ، فوعظهم حتى تابوا وحسن حالهم. # موعظة: وعن عبد الملك بن أبي كريمة، قال: «صحبت خالدا ابن أبي عمران ~~وأنا صغير، ومشيت خلفه وأنا بقرطاجنة فسكت وسكت؛ ثم التفت إلي وقال: «يا ~~بني، إن للصحبة أمانة ولها خيانة، وإني أذكر الله عز وجل [في السر] ، ~~فاذكره». # دعاء: وقال حيوة: «اجتمعنا مع خالد بن [أبي] عمران في مجلس، قال ~~فدعا الله تعالى وأمنا ثم قرأ سجدة، فسجد وسجدنا معه، فقال: «اللهم إن كنت ms080 ~~PageV01P165 استجبت لنا فأرنا علامة ذلك» فرفع رجل من القوم رأسه فإذا بنور ~~ساطع؛ قال إدريس: «فظننت أن الرافع رأسه حيوة». # قال عبد الله: «ورأيت لخالد ابن أبي عمران دعاء كان يدعو به لا يكاد ~~يفارقه، وجدته بالمنستير بخط محمود المتعبد وهو: # «الحمد لله الذي فتق عن أكمام الغفلة بنور الإخلاص، والحمد لله الذي كشف ~~رين القلوب بنور اليقين، والحمد لله حمدا دائما بدوام ربوبيته، والحمد ~~لله كما يجب له على جميع خلقه، سبحان الله وبحمده تسبيحا يبلغ أقطار ~~السموات ويبلغ الرمل والثرى وما بين ذلك، وسبحان الله وبحمده تسبيحا تخشع ~~له السموات السبع ومن فيهن والأرضون ومن فيهن، وسبحان الله وبحمده من حيث ~~يعلم ومن حيث لا يعلم، ومن حيث علم ربي وعلى لسان كل قائل؛ رب إني إن انقطع ~~أملي من عملي لم ينقطع أملي منك، فحقق رجائي ولا تحقق حذري، واستر عورتي، ~~وسكن روعتي. أنت دليلي، إليك أشكو بثي وحزني وفاقتي وفقري، فيا حزني في قلة ~~شكري، ويا حزني إن أصبت بنفسي وأنت غير راض عني، فلا تعذبني بالنار بعد أن ~~أسكنت توحيدك قلبي، فإنك إن عذبتني بالنار جمعت بيني وبين قوم عاديتهم فيك، ~~اللهم ارحم في الدنيا غربتي، وفي القبر وحشتي، وبين يديك ذل مقامي، اللهم ~~إني أعوذ بك أن يفرط علي وعلى ولدي وأهلي، أو أن يطغى [علينا] . جل ~~جلالك، وعز جارك، وتبارك اسمك. هذا مقام العائذ بك، الهارب إليك، يا وارث ~~أيام الجبارين يا رحمن الدنيا والآخرة. اكفنا البلاء كله، عاجله وآجله. ~~وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم». PageV01P166 ### $ 69 - ومنهم عبد الله بن الحكم البلوي . # يروى عن جماعة من أهل العلم، ذكره ابن سحنون في طبقات أهل إفريقية لكنه ~~أدخله في جملة شيوخ المصريين، وابن سحنون أقعد بذلك. # أدخله سحنون في «مدونته» : عن عبد الله بن الحكم البلوي أنه سمع ~~عليا بن رباح اللخمي يخبر عن عقبة بن عامر الجهني، قال: «قدمت على عمر بن ~~الخطاب بفتح الشام وعلي خفان لي، فنظر إليهما ms081 ثم قال: كم لك منذ لم ~~تنزعهما ؟ فقلت: لبستهما يوم الجمعة واليوم الجمعة، [ثمان] ، فقال: ~~أصبت». ### $ 70 - ومنهم أبو محمد عبد العزيز بن بحير بن ريسان الرعيني . # ذكره أبو سعيد بن يونس، وأثنى عليه، وروى عن جماعة. كان بمصر وانتقل إلى ~~إفريقية وأوطنها، وكان جوادا كريما مطعاما للطعام. ذكر عنه أنه قيل له إن ~~ناسا من أهل الشرف يحضرون طعامك ويستحيون، فأمر غلمانه إذا قدموا ~~الطعام أن يطفئوا المصابيح. PageV01P167 ### $ 71 - ومنهم أبو كريب جميل بن كريب المعافري القاضي، ويقال اسمه # عبد الرحمن. # من أهل الفضل والعلم، يروى عن [أبي عبد الرحمن] الحبلى روى عنه ~~جماعة. سكن تونس، وكان من أجلاء شيوخ إفريقية. وأشخص إلى مدينة القيروان ~~بأمر بعض ولاة إفريقية، وولاه على قضائها بعد امتناعه منه وكراهيته فيه؛ ~~قيل إنه يزيد بن حاتم ، وقيل إنه أخوه روح، وقيل عبد الرحمن بن حبيب ~~بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع، وهو الصواب ؛ وكان حسن السيرة في قضائه، ~~ولم يزل على ذلك حتى قتلته الخوارج بوادي أبي كريب في ناحية الحبلي من ~~ناحية القيروان سنة تسع وثلاثين ومائة. # وعن جميل بن كريب، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمر، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شرب بزقة من خمرة فاجلدوه ثمانين ». # ذكر فضله ومناقبه: حدث أحمد بن بهلول الزيات أن يزيد بن حاتم، وهو ~~يومئذ أمير إفريقية، بعث إلى والي تونس يقول له: «ابعث إلي بأبي كريب أوليه ~~القضاء». [قال]: فتمارض أبو كريب، فكتب والي تونس إلى الأمير إن أبا ~~PageV01P168 كريب مريض، فكتب إليه يزيد: «[أن] ابعث إلي به في قطيفة» ~~. فبعث والي تونس بأبي كريب، فلما قدم على يزيد كلمه يزيد فلم يرد عليه ~~جوابا، ثم كلمه الأمير وأبو كريب ساكت فأنبه جلاس يزيد فقالوا له: ~~«الأمير يكلمك وأنت صامت؟ »، فقام الأمير يزيد على قدميه وأمر جلاسه أن ~~يتفرقوا عنه، وجعل يقول له: «والله يا أبا كريب ما أردت إلا الله عز وجل، ~~وأن أجعلك ms082 حسنة بيني وبين الله عز وجل للمسلمين، وتكون [لي] عونا على ~~هذا الأمر، وتحكم بالحق علي وعلى من حولي ، فاتق الله عز وجل فيما ~~دعوتك إليه من القيام بالحق في وفي المسلمين».فقال له أبو كريب: «أالله عز ~~وجل أردت بذلك؟ » فقال: «نعم» فكررها عليه ثلاثا ، فقال: «نعم» فقال ~~أبو كريب: «قد قبلت». # وجلس في جامع القيروان يحكم بينهم، فما مرت إلا أيام يسيرة حتى أتاه رجل ~~فقال: «أصلح الله القاضي، لي قبل الأمير حق ومطلب دفعني عنه وقد وقفت له ~~وسألته المجيء إليك فلم يفعل»، فأعطاه القاضي طابعا ، ومضى الرجل إلى ~~باب الأمير، فأعلم بذلك الأمير يزيد، وقيل: بل مضى معه أبو كريب بنفسه إلى ~~باب الأمير يزيد، فقال للحاجب: أعلم الأمير بمكاني. إن هذا الرجل يذكر أن ~~له حقا قبله، فأعلمه الحاجب، فلبس يزيد ثيابه وخرج إلى الجامع، فادعى الخصم ~~على الأمير يزيد بدعوى، فقال أبو كريب ليزيد: «ما تقول فيما ادعاه بحضرتك؟ ~~» فأنكر يزيد [دعواه] ، فطلب خصمه يمينه، فاستحلفه أبو كريب ~~PageV01P169 فأبى يزيد أن يحلف، فقال له أبو كريب: «إني أحكم عليك بنكولك ~~عن اليمين» فأنصفه يزيد من دعواه، ثم انصرف يزيد وهو يقول: «الحمد لله الذي ~~لم أمت حتى جعلت بيني وبين الله عز وجل من يحكم بين عباده بالحق»، ~~فقال أبو كريب: «وأنا أقول الحمد لله الذي لم أمت حتى رأيت أميرا يشكر ~~الله عز وجل بالقضاء بالحق عليه». # هكذا ذكر أبو بكر بن اللباد وأبو العرب أنها كانت مع يزيد، والصواب من ~~ذلك أن يكون هذا المجلس إنما جرى مع عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن ~~عقبة بن نافع الفهري أمير إفريقية. ويشهد بصحة ذلك أن أبا كريب استشهد في ~~سنة أربعين ومائة في دولة مروان بن محمد ، ويزيد بن حاتم إنما ولى ~~إفريقية في سنة خمس وخمسين ومائة في دولة المنصور. فلا شك أن ذكر يزيد بن ~~حاتم هنا غلط. # وكان، رحمه الله، يركب حمارا بشند ورسنه حبل ليف. # ومر يوما بمدينة ms083 القيروان ببئر أم عياض فعرض له خصمان فنزل عن حماره ~~وقعد إلى حائط ونظر بينهما فيما اختصما فيه. ثم قام ليركب فأراد أحدهما أن ~~يمسك برسن الحمار حتى يركب فمنعه أبو كريب من ذلك وأمسكه هو لنفسه. وهذا من ~~محاسبته لنفسه واجتهاده. PageV01P170 # ومثل هذه الحكاية، قال : أقبل غوث بن سليمان القاضي، وهو يريد ~~المسجد، فلما كان عند السراجين لقيته امرأة في محفتها، كما قدمت من الريف، ~~فشكت مظلمة فنزل في حانوت من حوانيت السراجين، كما هو ولم يبلغ المسجد، ~~وكتب لها بحاجتها، ثم ركب دابته إلى المسجد فانصرفت المرأة وهي تقول: أصابت ~~والله أمك حين سمتك «غوثا»، فأنت والله غوث عند اسمك. # ومن مناقبه: أنه كان، [إذ] كان قاضيا بالقيروان، [ساكنا في الدرب ~~المعروف بالسنجاري]، وأنه كان إذا أراد أن يتوجه إلى الجامع ساق حماره بين ~~يديه، وإذا انصرف من الجامع ركبه منصرفا، فربما لقيه في مسيره إلى الجامع ~~بعض الناس وهو يخوض الطين إلى أنصاف ساقيه، فيقال له: «لو ركبت الحمار! » ~~فيقول: «لا أفعل، هكذا حال من يسير إلى ربه عز وجل، يسير ذليلا متواضعا». # وربما وجد في الجامع وحده فيقال له: «أتقعد وحدك؟ » فيقول: «إن الناس قد ~~ذهبوا إلى جنازة»، فيقال له: «لو أنك انصرفت إلى دارك! » فيقول: «ومن لي ~~بالملهوف المضطر إذا قصدني فلم يجدني؟ ». # قال أحمد : وكان ربما تبين له الحكم بالليل، فيأتي دار من ثبت الحق ~~له، فيقرع عليه بابه فيستخرجه ويأمره بأن يحضر له صالحي جيرانه ليشهدهم له، ~~فيقول له: «لو تركت هذا إلى الغد! » فيقول القاضي: «فلو مت أنا في ليلتي ~~هذه، أما أكون أنا الذي أضعت عليك حقك؟ ». # ولم يزل قاضيا حتى ثار عاصم بن جميل على حبيب [بن عبد الرحمن، PageV01P171 # فخرج إليهم حبيب، فقاتلهم] فهزم هو ومن معه من عسكره، فلما صار إلى ~~مدينة القيروان أمر أبو كريب بقتالهم، فاجتمع إلى أبي كريب أهل ~~البصائر وخرجوا لقتالهم، إذ كانوا يستحلون سفك دماء المسلمين، واجتمع إليه ~~من الناس ألف رجل وتخاذل الباقون ms084 من أهل القيروان، فالتقوا على الوادي ~~المعروف «بوادي أبي كريب» ، فسمي به إلى اليوم، فاقتتلوا قتالا شديدا، ~~فقتل أبو كريب وجميع من معه، رحمة الله عليهم. وذلك سنة تسع وثلاثين ومائة. ### $ 72 - ومنهم يزيد بن الطفيل القاضي واسمه عبد الله بن عبد الرحمن [بن الطفيل] واشتهر وعرف بيزيد بن الطفيل. # وكان من فضلاء المؤمنين. روى عن علقمة بن وقاص الليثي. # روى ابن أنعم عن ابن الطفيل، قال: «سمعت علقمة بن وقاص يقول: سمعت عمر بن ~~الخطاب، رضي الله تعالى عنه، يقول: «استقبلوا الشمس بجباهكم فإنها حمامات ~~(2) العرب». # وسبب توليته القضاء أنه قدم إلى القيروان وزير للخليفة فدخل المسجد ~~الأعظم، فرأى حلقة عظيمة وفيها شاب كلما اختلف اثنان ممن حضر الحلقة رجعا ~~ إليه وصدرا عن رأيه، فقال الوزير: «من يكون هذا؟ » فقيل له: «هذا يزيد ~~بن الطفيل. فرجع الوزير إلى الخليفة، فبينا هو يوما بين يدي الخليفة إذ ذكر ~~قاضيا PageV01P172 لإفريقية، فقال له الوزير: «أين أنت من ابن الطفيل؟ » ~~ووصف له ما رأى منه؛ فبعث إليه بسجله؛ فبينا ابن الطفيل على دكان له على ~~باب داره بصطفورة إذ أقبل البريد فقال: «من فيكم ابن الطفيل؟ » فقيل ~~له: «هذا»، فقال: «السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته أيها القاضي»، ~~وناوله السجل. # وكان -رحمه الله تعالى-يركب حمارا [له] حتى يأتي المسجد الجامع، ~~فينزل عنه ويجلس ويخلي الحمار ويأخذ لجامه فيتركه عنده، قال: فينطلق ~~الحمار يريد دار يزيد بن الطفيل بلا قائد ولا سائق، فيقمم [ما يلقى] ~~ في الأزقة من حشيش أو بقل، [أو ما أشبه ذلك، وهو في ذلك يمشي حتى ~~يأتي دار ابن الطفيل] فيؤخذ فيدخل به الدار. ويجلس ابن الطفيل، فربما ~~يجلس فلا يأتيه أحد لقلة الخصومات في ذلك الزمان، فينعس القاضي، فإذا كان ~~الوقت الذي يعلمون أن القاضي ينصرف فيه، سرحوا الحمار فيذهب حتى ~~[يأتي] باب الجامع، فيخرج القاضي فيركبه. # ولم يزل قاضيا حتى عزله يزيد بن حاتم، [لأنه] كان [إذا انصرف ~~من مجلس قضائه] يستودع ديوانه رجلا صباغا مقابل المسجد ms085 الجامع، ~~فتقدم إليه يزيد في ذلك فقال له: «إني أحفظ ما في ديواني وهذا لا يضرني» ~~ولم يرجع في ذلك إلى قول يزيد بن حاتم، فرأى يزيد أن ذلك تضييع ، ~~فعزله. PageV01P173 ### $ 73 - ومنهم عمر بن يزيد بن مسروق التجيبي الزاهد. # وكان عابدا من أهل إفريقية وقطانها . يروى عن عبد الله بن دينار، ~~مولى عبد الله بن عمر. روى عنه جماعة من أهل العلم. ### $ 74 - ومنهم عبيد الله بن زحر الكناني . # كان فاضلا صالحا، يروى عن جماعة من العلماء . # ومما يتصل بنا عنه من الحديث: عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد ~~عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال : «إن PageV01P174 # أغبط الناس عندي لمؤمن خفيف الحاذ ، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه، ~~وأطاعه في السر، غامض في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان عيشه ~~كفافا فصبر على ذلك؛ ثم نفض رسول الله صلى الله عليه وسلم بإصبعه، ثم قال: ~~«عجلت منيته وقلت بواكيه وقل تراثه».روى عنه عبد الله بن لهيعة والمفضل ~~ بن فضالة . ### $ 75 - ومنهم أبو عمران موسى بن علي بن رباح بن قصير اللخمي ، رضي # الله تعالى عنه. # كان فاضلا، روى عن جماعة من التابعين منهم والده علي بن رباح. روى عنه ~~أكابر العلماء، منهم الليث، وابن المبارك، وابن وهب. أصله من القيروان وبها ~~مولده . # قال عبد الله بن لهيعة: قدم علينا موسى بن علي بن رباح سنة عشرين ومائة ~~وافدا إلى هشام بن عبد الملك، وكان يخضب بالسواد. وتوفي بالاسكندرية سنة ~~ثلاث وستين ومائة. PageV01P175 ### $ 76 - ومنهم أبو سليمان خلاد بن سليمان الحضرمي . # كان من أهل الفضل والدين، يروى عن نافع مولى ابن عمر، وخالد بن أبي ~~عمران، ودراج بن سمعان. روى عنه ابن وهب وسعيد بن أبي مريم، وكان أحد ~~الخائفين. مولده بإفريقية، ثم انتقل إلى المشرق وتوفي سنة ثمان وسبعين ~~ومائة. # أسند عنه ابن عبد الأعلى حديثين بعد أن أثنى عليه، فرفع الإسناد: ~~حدثنا نافع أنه ms086 سأل عبد الله بن عمر فقال : «إنا قوم لا نثبت عند قتال ~~عدونا، ولا ندري من الفئة [إمامنا أو عسكرنا] فقال: «إن الفئة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم» قال: فقلت: «إن الله عز وجل يقول في كتابه ~~العزيز: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار) ، فقال: «إنما نزلت هذه الآية لأهل بدر، لا قبلها ولا بعدها». ### $ 77 - ومنهم أبو محمد عبد الله بن فروخ الفارسي . # كان فاضلا صالحا متواضعا في نفسه، قليل الهيبة للملوك في حق يقوله، لا ~~يخاف في الله لومة لائم، مباينا لأهل البدع ومعاديا لهم، حافظا للحديث ~~والفقه. PageV01P176 # رحل إلى المشرق فسمع من جماعة من العلماء، منهم زكريا بن أبي زائدة، ~~تابعي، ومالك، وسفيان الثوري، وغيرهم. وكان اعتماده على مالك لكنه يميل إلى ~~طريقة أهل النظر والاستدلال. وكان مالك يكرمه ويرى له فضلا ويقول ~~لأصحابه: «هذا فقيه أهل المغرب». # ويقال: إن مولده كان بالأندلس سنة خمس عشرة ومائة، ثم سكن القيروان ~~وأوطنها، ثم رحل إلى المشرق فلقي من ذكرنا ونفعه الله عز وجل بهم. # عن سحنون أنه نظر في رسالة مالك إلى ابن فروخ-وكان ابن فروخ قد ~~كتب إلى مالك يخبره: «إن بلدنا كثير البدع، /وأنه ألف لهم كلاما في الرد ~~عليهم» - فكتب إليه مالك في الرسالة: «إنك إن ظننت ذلك بنفسك خفت أن تزل أو ~~تهلك . لا يرد عليهم إلا من كان ضابطا عارفا بما يقول لهم ، ليس ~~يقدرون أن يعرجوا عليه، فإن هذا لا بأس به. وأما غير هذا فإني أخاف أن ~~يكلمهم فيخطئ فيمضوا على خطئه أو يظفروا منه بشيء فيتعلقوا [به] ~~ويزدادوا تماديا على ذلك». # قال عبد الله : أشفق مالك، رضي الله تعالى عنه، أن يكون ذلك سببا ~~لإظهار طريقة الجدل بإفريقية فيؤدي ذلك إلى أسباب يخاف من غوائلها ولا يؤمن ~~شرها، فأراد حسم الباب. # ولما رحل إلى المشرق ولقي من ذكرناه من أهل العلم ونفعه الله عز وجل بهم. # رجع إلى إفريقية فأوطنها وأقام بها يعلم ms087 الناس العلم ويحدثهم بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفع به كثير، ثم رحل إلى المشرق لما ~~ألح عليه عبد الله بن عمر بن غانم قاضي PageV01P177 إفريقية في المشاورة في ~~بعض أقضيته وأحكامه، وأن يتقلد له ما يراه صوابا، فأشفق من ذلك ابن فروخ ~~وخاف من التقليد، فأراد السلامة والهروب من الرئاسة فرحل إلى المشرق فوصل ~~إلى مصر، ثم تمادى إلى مكة فحج، فرجع إلى مصر فتوفي بها ودفن بسفح المقطم ~~سنة ست [وسبعين] ومائة. وكانت لوفاته بمصر فجعة عظيمة في قلوب أهل ~~العلم، وقالوا: «طمعنا أن يكون خلفا لنا من الليث» وكانوا يعظمونه ويعتقدون ~~إمامته، رحمه الله تعالى. # قال سحنون : «اختلف ابن فروخ وابن غانم في مسألة، فقال ابن فروخ: # «[لا ينبغي للقاضي] إذا ولاه أمير غير عدل أن يلي» وقال ابن غانم: ~~«يجوز له أن يلي، وإن كان الأمير غير عدل».فكتب بها إلى مالك إلى ~~المدينة، [فلما أتى الرسول] إلى مالك، [فأصاب مالكا] على دكان ~~. كبيرة مرتفعة كثيرة الارتفاع، والناس مجتمعون عليه. فقعد حتى تفرق ~~الناس عنه، فقام إلى مالك وأعطاه PageV01P178 الكتاب، فقرأه مالك وقال ~~للرجل: «أولي ابن غانم؟ ».فقال الرجل: # «نعم»؛ فقال مالك: «إنا لله وإنا إليه راجعون! [ألاهرب] ، ألا ~~فر حتى تقطع يده! » ثم قال: «أصاب الفارسي، يعني ابن فروخ، وأخطأ الذي ~~يزعم أنه عربي»، يريد ابن غانم، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ### ||||| ومن فضائله رضي الله تعالى عنه، ومناقبه وتعظيم العلماء له وثنائهم عليه وأنواع من # أخباره # : # سنان [بن] أبي سنان الأسدي الكوفي، قال : سمعت أبي ~~يقول: قدم عبد الله بن فروخ المدينة حاجا، فلما نزل المدينة لبس ثيابه ثم ~~توجه إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فسلم عليه، ثم أتى مالكا بن أنس ~~للسلام عليه، فلما رآه مالك تلقاه بالسلام وقام إليه، وكان لا يكاد يفعل ~~ذلك بكثير من الناس، وكان لمالك موضع من مجلسه يقعد فيه وإلى جانبه ~~المخزومي معروف له ذلك لا يستدعي مالك أحدا إلى القعود فيه، فأقعده ms088 ~~فيه وساءله عن أموره وأحواله، وقال له: «متى كان قدومك يا أبا محمد؟ » ~~فأعلمه أن قدومه كان في الوقت الذي أتى إليه فيه، فقال له: # «صدقت؛ لو كان قدومك تقدم إذا لعلمت بك، ولو علمت لأتيتك»، وجعل مالك لا ~~ترد عليه مسألة وعبد الله حاضر إلا قال: «أجب يا أبا محمد» فيجيب عبد الله، ~~ثم يقول مالك للسائل: «هو كما قال لك».ثم التفت مالك إلى أصحابه وقال: «هذا ~~فقيه أهل المغرب ». PageV01P179 # وذكر بعض المصنفين عن أبي عمرو ميمون بن عمرو بن المغلوب صاحب ~~سحنون، قال: «حدثني أبو زكرياء القصير عن عبد الله بن فروخ أنه قال: أتيت ~~الكوفة وأكبر أملي السماع من سليمان بن مهران الأعمش، فسألت عنه، فقيل [لي] ~~ إنه غضب على أصحاب الحديث، فحلف أنه لا يسمعهم إلى وقت ذكروه. # قال: فكنت أختلف إلى داره طمعا أن أصل إليه، فلم أقدر على ذلك، فجلست ~~يوما على بابه وأنا مفكر في غربتي وما حرمته من السماع منه، إلى أن ~~فتح الباب، فخرجت جارية، فقالت: «ما بالك على بابنا؟ » فقلت: «أنا رجل ~~غريب»، وأعلمتها بخبري، فقالت: «وأين بلدك؟ »، فقلت: «إفريقية» فانشرحت لي ~~وقالت: «أتعرف القيروان؟ » قلت لها: «ومن أهلها أنا! » قالت: «لعلك تعرف ~~دار ابن فروخ؟ »، ثم تأملتني وقالت: «عبد الله؟ » قلت: «نعم! » فإذا هي ~~جارية كانت ببلادنا-أو قال من بلادنا، وأظنه قال: كنت رضيعا لها فأبعناها ~~وهي صغيرة-فصارت إلى الأعمش، [وكانت لها دالة عليه، فدخلت عليه] ، ~~فقالت [له] : «ابن مولاي، الذي كنت أخبرك بخبره، بالباب» فأمرها ~~بإدخالي، وأسكنني في بيت قبالته، فكنت أسمع منه وحدي وقد حرم سائر الناس، ~~إلى أن قضيت أربي منه». # قال: وكان مالك يكرمه ويعظمه. وفي هذه السفرة اجتمع مع أبي حنيفة؛ ~~وذاكره وكتب عنه مسائل كثيرة غير مدونة يذكر أنها نحو عشرة آلاف مسألة، وقد ~~لقيه قبل أن يدون كتبه . PageV01P180 # ويروى أنه ناظر زفر في مجلس أبي حنيفة، فازدراه زفر للمغربية، ~~فلم يزل ابن فروخ يناظره حتى علا على زفر، وقطعه بالحجة. فقال أبو ms089 ~~حنيفة لزفر: «لا خفف الله ما بك! » معاتبة من أبي حنيفة لزفر، إذ ازدرى ابن ~~فروخ. # ويذكر أنه قال: كنت يوما عند أبي حنيفة، فسقطت آجرة من أعلى داره ~~على رأسي فدمي، فقال لي: «اختر: إن شئت أرش الجرح، وإن شئت ثلاثمائة ~~حديث» فقلت: «الحديث خير لي»، فحدثني ثلاثمائة حديث. # وفي هذه السفرة لقي مالكا بن أنس وسمع منه وتفقه، وعليه اعتمد في الحديث ~~والفقه، وبصحبته اشتهر. وكان ربما مال إلى قول أهل العراق إذا تبين له أن ~~الصواب في قولهم. # وعن أبي عثمان المعافري ، قال: «أتيت إلى مالك بن أنس بمسائل من ابن ~~غانم، أقضية، فقال: «ما قال فيها المصفر، يعني البهلول بن راشد، وما قال ~~فيها الفارسي؟ /، يعني ابن فروخ».قال: ثم كتب الأجوبة وكتب في آخر الكتاب: # «ودين الله يسر إذا أقيمت حدوده». # وكان البهلول بن راشد يعظم قدر عبد الله بن فروخ ويكبر قدره ويقلده ~~في بعض ما ينزل به من أمور الديانة: # أبو محمد بن سعيد الحداد عن أبيه، قال : حدثني من أثق به من أهل ~~العلم، PageV01P181 قال: خرج البهلول بن راشد ذات يوم على أصحابه، وقد ~~غطى خنصره بكمه ، فأقبل على رجل من أصحابه فأسر إليه كلاما دون ~~سائر أهل المجلس، ثم انصرف الرجل ثم عاد إليه فكلمه فيما بينه وبينه، فأزال ~~البهلول كمه عن خنصره وجعل يقول: الحمد لله الذي لم يجعلني ممن ~~ابتدع بدعة في الإسلام. ثم أقبل على الرجل فقال له: «حدث القوم بما كان ~~بيني وبينك»، فقال الرجل: أرسلني إلى ابن فروخ أسأله: هل كان أحد من السلف- ~~إذا أوصي بحاجة-ربط في إصبعه خيطا؟ فتوجهت إلى عبد الله بن فروخ فسألته عن ~~ذلك فقال: «نعم، كان عبد الله بن عمر يفعله»، فقال بهلول عند ذلك: «إن أهلي ~~سألوني في حاجة فربطت في خنصري خيطا لأذكر حاجتهم، ثم خفت أن أكون ابتدعت ~~بدعة في الإسلام». # عن ابن عمر قال : «كان النبي، صلى الله عليه وسلم، إذا أشفق أن ينسى ~~الحاجة جعل في يده ms090 خيطا ليذكرها». # سكن الصائغ، قال : «كنت أعمل السلاسل من نحاس وأطليها بماء ~~الذهب الذي يجعل في اللجم، وأبعث بها تباع ببلد السودان. فوقع في قلبي منها ~~شيء، فسألت البهلول بن راشد فقال: «ما عندي فيها علم، ولكن اذهب إلى ابن ~~فروخ الفارسي وانظر الجواب وأخبرني»، فذهبت إلى ابن فروخ فسألته فقال: # «أهؤلاء الذين تبعث إليهم هذه السلاسل معاهدون ؟ » قلت: «نعم» فقال: ~~«ما أرى هذا، وهذا غش».فرجعت إلى البهلول فأخبرته فقال: «يا بني، هو كما ~~قال ابن فروخ».ثم قال: «ابن فروخ الدرهم الجيد وأنا الدرهم الستوق» . ~~قال سكن PageV01P182 الصائغ: فما عرفت أي شيء الدرهم الستوق، فسألت عنه ~~فقيل لي الدرهم النحاس». # ذكر [أبو عثمان سعيد بن محمد أنه قال: حدثني من أثق به] أن روح ~~ابن حاتم أرسل إلى عبد الله بن فروخ ليوليه القضاء فلما جاءه، قال: [له] ~~: «بلغني أنك تريد الخروج علينا» فقال ابن فروخ: «نعم! » فتعاظم ذلك ~~روح من قوله، فقال له [ابن] فروخ: «أرى ذلك مع ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا، ~~عدة أصحاب بدر، كلهم أفضل مني» فقال له روح: «قد أمناك أن تخرج علينا ~~أبدا». # ثم عرض عليه القضاء فأبى من ذلك وامتنع، فأقعده في الجامع، وأمر ~~الخصوم أن يكلموه وهو يبكي ويقول لهم: «ارحموني يرحمكم الله ! ~~».ولما أبي من ذلك أمر به أن يربط ويصعد به على سقف الجامع فإن هو قبل ~~وإلا طرح من أعلاه، فصعد به إلى سطح الجامع. وقيل له: «تفعل ؟ » قال: ~~«لا! » وحل على أن يطرح. فلما رأى العزيمة جدا ، وكان يظن أنه لن يطرح ~~حقا ، فقال: «قد قبلته»، فأجلس للناس وجعل معه حرس، فتقدم إليه خصمان ~~فلما صارا بين يديه نظر إليهما، فبكى وطال بكاؤه فأقام طويلا باكيا، ثم رفع ~~رأسه إليهما وقال: # «سألتكما بالله إلا أعفيتماني من أنفسكما ولا تكونا أول مشئومين علي» ~~فرحماه وقاما من بين يديه، فأعلم الحرس بذلك روحا، فقال: امضيا إليه فقولا ~~له : «فأشر علينا بمن نولي أو اقبل» فقال: «إن يكن أحد فعبد الله ~~بن ms091 عمر بن غانم، فإني أراه PageV01P183 شابا له صيانة»، فقبل ذلك منه روح، ~~وولى عبد الله بن غانم القضاء. # وكان ابن فروخ أشد الناس كراهة في القضاء: # وكان يقول : «قلت لأبي حنيفة: ما منعك أن تلي القضاء؟ فقال لي: يا ~~ابن فروخ، القضاء على ثلاثة أوجه ، مثل رجل يحسن العوم فأخذ البحر ~~طولا، فما عسى أن يعوم يوشك أن يكل فيغرق، ورجل لا بأس بعومه فعام يسيرا ~~فغرق، ورجل لا يحسن العوم فألقى بنفسه في البحر فغرق من ساعته، فهذا يمنعني ~~من القضاء والدخول فيه». # وأرسل يزيد بن حاتم إلى ابن فروخ يسأله عن دم البراغيث في الثوب، هل ~~تجوز الصلاة به؟ فقال: «ما أرى به بأسا»، وقال بحضرة الرسول: «يسألوننا ~~ عن دم البراغيث ولا يسألوننا عن دماء المسلمين التي تسفك! ». # وعن عبد الله بن فروخ أنه خرج يوما يصلي على جنازة فلما تابع رأى ~~ إسحاق ابن الأمير يزيد بن حاتم وقد أغرى كلابا كانت معه على ظبي ~~ليضريها به، فنهشت الظبي ومزقت جلده، فلما انصرف من الجنازة لقي إسحاق ابن ~~الأمير الذي كانت الكلاب معه فاستوقفه ابن فروخ، فوقف له إسحاق، فما كناه ~~ابن فروخ ولا زاده على أن قال له: «يا فتى، إني رأيتك آنفا تغري كلابك بشيء ~~من البهائم. وما أحب لك ذلك، لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، نهى عن ذلك ~~» فقبل منه إسحاق وقال له: # «صدقت يا أبا محمد، جزاك الله خيرا» مكنيا له ومعظما، ثم قال: «والله لا ~~فعلت ذلك بعدها أبدا» ثم مضى لوجهه. PageV01P184 # ذكر محمد بن وهب ، قال: حدثني عمران بن يحيى بن قادم ، وكان ~~جارا لابن وهب، قال: كنت أصحب ابن فروخ، وكان ابن فروخ ربما غسل الأموات ~~الغرباء ومن لا أحد له تواضعا لله عز وجل ورغبة منه في الأجر، وكان يتولى ~~ذلك بنفسه ولا يوليه غيره. قال: فصليت يوما الظهر في الجامع ثم نظر إلي عبد ~~الله بن فروخ وقال لي: اتبعني، فاتبعته. ولم يزل يتسلسل في الأزقة حتى ~~أتى/بعض ms092 خرائب باب نافع. فدخل حجرة خربة ودخلت وراءه، فإذا رجل أسود ~~ميت على مغسل، وإذا بقصرية مملوءة ماء وكساء أسود معلق على وتد. فتشمر عبد ~~الله بن فروخ وجمع ثيابه إلى حجره ولم ينزعها. ثم قال لي: «يا ابن أم ~~قادم، صب علي صبا رفيقا»، قال: فصببت عليه فجعل يغسل حتى فرغ، ثم أخذ ~~الكساء فكفنه فيه ثم وضعناه على سرير نعشه، ثم قال: «اخرج بنا إلى الطريق»، ~~قال فحملناه حتى أخرجناه إلى الطريق فمر بنا رجل فقال له ابن فروخ: ~~«الجنازة يرحمك الله»، قال: # فحملناه وحمل معنا ابن فروخ حتى صلينا عليه ودفناه. وكان الناس ~~يتبركون بصحبة ابن فروخ ويجلسون له على طريقه إذا خرج من بيته، فإذا مشى ~~مشى الناس معه، واغتنموا منه دعوة وذكرا وموعظة حتى [يأتي] الجامع، ثم ~~يتشاغل بمسح رجليه خارج الجامع ويقول للناس: «ادخلوا رحمكم الله»، حتى ~~لا يبقى من الناس الذين كانوا معه أحد، فإذا انفرد وبقي وحده، دخل رحمه ~~الله. # قال ابن قادم : وخرج يوما من الجامع، فمر في زقاق بني غانم فنظر إلى ~~دار [عبد الله بن عمر] بن غانم القاضي، وهو إذ ذاك على القضاء، ونظر ~~إلى غرفة PageV01P185 مبنية بالطوب على بعض داره، فرفع رأسه إليها وردد ~~النظر إليها ثم قال: «يا ابن غانم؛ ما ظننت أنه يبلغ بك الأمر إلى هذا كله! ~~.»، وأقبل يتعجب من ذلك ويستعظمه. # عن محمد بن سحنون قال: كانت المعتزلة تدعي: «عبد الله بن فروخ ~~عندنا». # فأخبرني بعض أصحاب أبي، وكان قد صحب أبا خارجة ، قال: نزل بنا أبو ~~خارجة-وقد كنت أسمع أن ابن فروخ يرمى بالاعتزال-فسألته عن ذلك، فقال: # من قال هذا؟ أنا حي، فو الله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت بهاتين ~~العينين-ومس عينيه بإصبعيه-شابا أعبد من ابن فروخ. ثم قال: والله لقد كنت ~~معه حتى أتاه حيوس بن طارق فقال له: ما تقول في المعتزلة؟ فقال له: وما ~~سؤالك عن المعتزلة؟ فعلى المعتزلة لعنة الله قبل يوم الدين، وفي يوم الدين، ms093 ~~وبعد يوم الدين، وفي طول دهر الداهرين! » فقال له حيوس بن طارق: لا تفعل ~~فإن فيهم رجالا صالحين . # فقال: ويحك! ما أحسبك تخاف في نفسك [في قعود] ولا في قيام من الناس. # وهل فيهم رجل صالح؟ # قال سحنون . «مات رجل يقال له الرفاء، [وكان] من أصحاب البهلول، ~~وكان فاضلا فحضره ابن غانم وابن فروخ والبهلول، فأتي بجنازته وبجنازة ابن ~~صخر المعتزلي، فصلي على الرفاء ثم قدم ابن صخر المعتزلي، فقالوا لابن غانم: ~~«الجنازة! » فقال: «كل حي ميت، قدموا دابتي»، ولم يصل عليه، فقيل لابن ~~فروخ: # «الجنازة! »، فقال مثل ذلك، وقام ولم يصل [عليه] ، وقيل للبهلول: # «الجنازة! »، فقال مثل ذلك فأخبر بلفظ كل واحد [من كان معه] من ~~أصحابه، فكان [ذلك] مما عرف لابن فروخ، وبرئ مما كان يقال فيه . PageV01P186 # عن إبراهيم الجرمي، قال: «خاصم إلى ابن غانم رجل من «صدف» أعور، ~~فقال له ابن غانم في بعض خصومته-إذ أمره بشيء، فقال له الصدفي: # «قد سألت العلماء فقالوا خلاف هذا »: «والله ما رأيت بعينك هذه ~~العوراء عالما قط».قال فأتى ابن فروخ فقال له: «يا أبا محمد، إني خاصمت إلى ~~ابن غانم فقال لي شيئا، فقلت: إني سألت العلماء فقالوا لي كذا وكذا، فقال ~~لي: والله ما رأيت بعينك عالما قط.وهذا أنت يا أبا محمد وغيرك من العلماء، ~~فكيف يحلف على هذا؟ » فقال له ابن فروخ: «إنما العلماء الذين يخشون الله عز ~~وجل، والعالم الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : علي أقضى ~~أمتي، وزيد أفرض أمتي، ومعاذ يأتي يتقدم العلماء»، فهؤلاء العلماء. # وهذا من إشفاق ابن فروخ وتواضعه، لم ير نفسه أهلا أن يتسمى بعالم. # وكان ابن فروخ كثير التهجد، وكان تهجده في آخر الليل. # قال أحمد بن يزيد : «كان ابن فروخ إذا أخذ الجند أعطياتهم أغلق ~~حانوته تلك الأيام حتى يذهب ما في أيديهم، فإذا ذهب ما في أيديهم فتح ~~حانوته». PageV01P187 ### $ 78 - ومنهم سعيد بن لبيد المعافري ، رحمه الله تعالى. # يروى عن أبي قبيل المعافري أنه سمع عبد ms094 الله بن عمرو يقول: «إن خطيئة ~~الخمر تعلو الخطايا كما تعلو شجرتها الشجر». ### $ 79 - ومنهم أبو زكرياء يحيى بن السلام بن أبي ثعلبة البصري التيمي ، تيم ربيعة. مولى لهم، رحمة الله عليه. # كان يحيى بن السلام يقول: «أحصيت بقلبي من لقيت من العلماء فعددت ~~ثلاثمائة وثلاثة وستين عالما، سوى التابعين، وهم أربعة وعشرون، وامرأة تحدث ~~عن عائشة رضي الله تعالى عنها». # روى عنه جماعة بالمشرق والمغرب. وكان يقول: «كل من رويت عنه العلم فقد ~~روى عني، إلا القليل منهم».ويذكر [عنه] أنه [قال] : «روى عني من ~~العلماء أربعة: مالك، والليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة»؛ ونسي ~~الرابع. ذكر ذلك أحمد بن كدنة، عن أبي العباس بن حمدون. PageV01P188 # وقال: «كتب عني مالك بن أنس ثمانية عشر حديثا». # قال أبو العرب : كان مولده سنة أربع وعشرين [ومائة].سكن القيروان ~~وأقام بها مدة من الزمان، ثم خرج إلى المشرق فتوفي بمصر سنة مائتين ودفن ~~بالمقطم بجوار /قبر عبد الله بن فروخ. # ومن سنده عن عبد الرحمن بن ثوبان ، مولى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، [عن رسول الله أنه قال ] : «خصلتان من كانتا فيه كتبه الله [عز ~~وجل] شاكرا صابرا، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله تعالى شاكرا ولا ~~صابرا: من نظر إلى من فوقه في الدين ودونه في الدنيا فاقتدى بهما كتبه الله ~~[سبحانه] شاكرا صابرا، ومن نظر إلى من فوقه في الدنيا ودونه في الدين ~~فاقتدى بهما لم يكتبه الله [عز وجل] شاكر ولا صابرا». ### ||||| ذكر فضله ومناقبه # : # أحمد بن محمد بن كدنة [قال]: سمعت محمدا بن يحيى يقول: «قال لي أبي- ~~وأنا زميله في سفري إلى الحج-: يا بني، رويت ستة آلاف حديث، أو ثمانية آلاف ~~حديث، لم يسألني عنها أحد ولم أحدث بها أحدا». # قال أبو سنان زيد بن سنان: «أخذت بركابه، فركب، فقال لي: آجرك الله ~~يا ابن أخي، أما إنه من أخذ بركاب أخيه المؤمن حتى يركب، حط الله عز وجل ~~عنه أربعين كبيرة» فقلت له: «يا أبا ms095 زكريا، إن هذا من العلم الشريف، ولكني ~~أريد أن تخبرني بأفضل ما تقرب العباد به إلى الله عز وجل» فقال: أخبرني زر ~~ عن PageV01P189 أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لن يتقرب العباد إلى الله تعالى بأفضل من رد كبد جائعة» . # قال أبو العرب : سألت أبا يحيى بن محمد بن يحيى بن السلام، خاليا، عن ~~قول جده في الإيمان، فقال لي: كان جدي يقول: «الإيمان قول وعمل ونية».وكان ~~يحيى ثقة صدوقا لا يقول عن جده إلا الحق. # وعن أبي القاسم السدري، أنه كتب إليه عيسى بن مسكين يقول: حدثنا عون ~~بن يوسف قال: قلت ليحيى بن السلام: «إن الناس يرمونك بالإرجاء»، قال عون: ~~«فأخذ يحيى لحيته بيده وقال: أحرق الله هذه اللحية بالنار إن كنت دنت الله ~~عز وجل قط بالإرجاء»، فقيل لعيسى: «فما تقول أنت فيه؟ » فقال: «والله إنه ~~لخير منا، وقد برأه الله مما يقولون». # وفي موضع آخر: كيف وقد حدثتكم أنه بدعة؟ # قال أبو العباس بن حمدون: «سمعت محمدا بن يحيى يقول : كنت أمشي مع ~~أبي رحمه الله تعالى، إلى أن انتهينا إلى موقف الخيل ، فبينا نحن نمشي ~~إذ جبذني جبذة شديدة ثم دخل إلى سقيفة وأدخلني معه، فقلت له: يا أبي: ~~ما قصتك؟ -فقال: يا بني إني [رأيت] غريما لي فخفت أن يراني ~~فيرتاع مني أو يخاف، وذكرت قول الله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ~~ميسرة) . # فقعدنا ساعة، ثم خرج أبي فخرجت معه؛ فلما أن مشينا قليلا قال: يا بني، ~~إنه جاء في الحديث: «من رحم يرحم». PageV01P190 # أبو العباس تميم بن أبي العرب عن أبيه، قال : [كان] يحيى بن ~~السلام من خيار خلق الله تعالى: دعا الله تعالى أن يقضي عنه الدين فقضى ~~دينه، ودعا الله عز وجل أن يورث ولده العلم فكان كما دعا. ودعا الله عز وجل ~~أن يكون قبره بمقطم مصر فكان ذلك. وقبره إلى جانب قبر ابن فروخ، وقيل إنه ~~يرى عليهما كل ليلة قنديلان. # قال ms096 سليمان بن سالم : إنما نسب إلى يحيى بن السلام الإرجاء أن موسى ~~بن معاوية الصمادحي أتاه فقال له: «يا أبا زكريا؛ ما أدركت الناس يقولون في ~~الإيمان؟ » فقال: أدركت مالكا وسفيان الثوري وغيرهم يقولون: «الإيمان قول ~~وعمل»، وأدركت مالك بن مغول وفطر بن خليفة وعمر بن ذر ~~يقولون: # «الإيمان قول».قال سليمان: فأخبر موسى سحنون بن سعيد بما ذكر يحيى عن عمر ~~بن ذر وفطر بن خليفة ومالك بن مغول ولم يذكر له ما قال عن غيرهم، فقال ~~سحنون: «هذا مرجئ». # حدث عون بن يوسف قال: «كنت عند عبد الله بن وهب وهو يقرأ عليه، فمر ~~حديث ليحيى بن السلام فقال: «امحه! » فقال عون، فقلت له: «لم تمحوه أصلحك ~~الله؟ » فقال: «بلغني أنه يقول بالإرجاء» فقلت له: «فانا كشفته عن ~~ذلك»، فقال لي: «أنت؟ » فقلت له: «نعم! » فقال لي: «فما قال لك؟ » قال: قلت ~~له: «فقال: معاذ الله أن يكون ذلك رأيي، أو أدين الله به، ولكن PageV01P191 ~~أحاديث رويتها عن رجال يقولون: «الإيمان قول» وآخرين يقولون: «الإيمان قول ~~وعمل»؛ فحدثنا بما سمعنا منهم»، فقال لي ابن وهب: «فرجت عني، فرج الله ~~عنك».قال عون: «فلما قدمت القيروان-وكان يحيى باقيا بعد-أتاني فسلم ~~علي وقال لي: «يا أبا محمد، قد بلغني محضرك فجزاك الله خيرا. والله ما قلت ~~إلا حقا وما دنت الله به قط» . PageV01P192 ### ||| ذكر من كان في هذه الطبقة-وهي الطبقة الثانية-من أهل القيروان، من أهل العبادة والنسك(1) ### $ 80 - منهم أبو عبد الله محمد بن مسروق -يعرف بالزاهد، رضي الله تعالى # عنه. # كان رجلا صالحا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، ترك الدنيا عن مقدرة ~~رغبة منه فيما عند الله عز وجل. # ذكر ابن اللباد بإسناد يتصل «بسعيد الأدم» المتعبد بمصر أنه قال: ~~«كان يقال إن رجلين كانا في الدنيا فزهدا فيها، وهما عمر بن عبد العزيز ~~ومحمد بن مسروق هذا».قال يحيى بن عمر: ومحمد بن مسروق هذا هو صاحب ~~«المسروقين» التي على طريق «سوسة». # عن علي بن مطلب قال: مسروق، والد محمد، ms097 خليفة موسى بن نصير بالمغرب، قال: ~~فكان محمد بن مسروق يفتض كل يوم عذراء، فلما مات أبوه بات ينظر في كتبه وفي ~~أمواله ومنازله، حتى أصبح فقال لجواريه: «من منكن تساعدني على أمر أريده؟ » ~~فأجابته واحدة منهن إلى ذلك، فقال لها: «اثردي لي خبزا وزيتا، وقدميه لي ~~عند إفطاري»، ففعلت ذلك، فلما أمسى قدمته إليه، فلم تساعده نفسه على أكله ~~لما عهدته من الطعام الطيب، فقال لها: «غطيه وارفعيه»، PageV01P193 # وأصبح صائما، ولم يأكل منه شيئا، فلم يأت الليل حتى اشتهاه وأكله. # قال علي بن مطلب: وكان يمر بالقرية من قرى أبيه، فيخرج إليه أهلها ~~ومن فيها فيقولون: «نحن عبيدك وكل ما [ترى] في هذه القرية فهو لك»، ~~فيقول: «إن كنتم صادقين فأنتم أحرار ومالكم لكم».ثم انخلع من جميع ذلك ومما ~~ترك أبوه، ولم يتلبس منه بشيء. # قال أبو الربيع سليمان بن داود : ثم رحل محمد بن مسروق هذا من ~~إفريقية، فقدم إسكندرية، فدخل عليه أبو شريح المتعبد الإسكندراني ، ~~فوجده راقدا على لبد وبين يديه شقفة فيها رماد يبصق فيها، وجارية ~~جالسة في بيته تغزل. قال: # فجعل ابن شريح يعزيه ويبشره، فقال له ابن مسروق: «والله يا أبا شريح، لو ~~أجد عن الله عز وجل مهربا لهربت»؛ وهذا من فرط إشفاقه وخوفه من الله عز ~~وجل. ### $ 81 - ومنهم أبو عيسى مروان بن عبد الرحمن اليحصبي ، رضي الله تعالى عنه. # كان من أهل الفضل والدين والزهد والعبادة. روى عنه ابن وهب وإدريس بن ~~يحيى وغيرهما. # سليمان بن سالم قال: [قال] سحنون: «كان أبو عيسى اليحصبي رجلا صالحا ~~ناسكا، وكان لا ينام أكثر ليله، لشغله بصلاته وإقباله على مناجاة ربه ~~جل وعلا». PageV01P194 # [وعن] يحيى بن عمر، قال: [حدثني] أبو الربيع سليمان ابن داود بن ~~أخي رشدين بن سعد ، قال: قدم ابن الخناق الإسكندرية بمراكب قمح ~~فاستبشر لها أهل الإسكندرية وفرحوا بها، قال: فلما وصل بها خزنها، فحزن ~~الناس لذلك، وأتوا إلى أبي عيسى مروان الناسك، فقالوا: «يا أبا عيسى، نحن ~~في ثغر من ms098 ثغور المسلمين، وقد قدم ابن الخناق بطعام واحتكره علينا»، ~~قال: فلما صلى العصر وفرغ من دعائه قال: «اللهم إن فلانا قدم علينا بمراكب ~~موسوقة كأنها إبل مقطورة ، وزعم أنه لا يبيع الطعام إلا بكذا وكذا، ~~اللهم فبعه عليه ثلاثة أرادب وأربعة أرادب وخمسة أرادب».قال أبو ~~الأصبغ: فأخبرني من وقف عليه وهو يباع إلى آخر ما انتهى إليه دعاء أبي ~~عيسى. # زياد بن سفيان ، قال: سرق رجل حمار أبي عيسى، فكان يقول في دعائه: # اللهم وصاحب الحمار فتب عليه! قال: فلما كان بعد ذلك إذا برجل قد جاء ~~فسلم عليه، فقال له: «[من] أنت رحمك الله؟ » قال: «أنا والله سارق ~~الحمار، فاجعلني في حل، وهذا حمارك. # حدث «سعيد الأدم» عن سكر الناظرين قال: كنت مع أبي عيسى مروان ~~بإفريقية قبل انتقاله إلى الإسكندرية، وكان يقال إنه مجاب الدعوة، فأخرج ~~دينارا يشتري به طعاما في سنة مجاعة وشدة، فلقي سائلا يقول: (من [ذا] الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا؟ ) فقال في نفسه: «لك ثلثه» فجاءه إبليس فوسوس ~~إليه وقال له: «وما عسى أن يقع منك ثلثه في هذا الغلاء؟ » فأراد أن يرغم ~~الشيطان، فقال في PageV01P195 # نفسه: «لك ثلثاه » قال: فجاءه إبليس ووسوس إليه وقال له: «وما عسى أن ~~يقع منك ثلثاه ؟ » قال: فأعطى السائل الدينار كله. ثم عمد إلى جرابه ~~فملأه نشارة، ثم جاء به إلى زوجته، فألقاه إليها ثم مضى إلى المسجد. فأقام ~~فيه حتى صلى العشاء الآخرة، ثم أقام في المسجد حتى ظن أن عياله قد ناموا ثم ~~انصرف إلى منزله، فرأى أثر نار فقالت له زوجته: «يا أبا عيسى، لقد جئتنا ~~اليوم بجوارى ما رأينا مثلها قط! » فلما أصبح قال: «يا سكر الناظرين ~~، تعال حتى أطعمك من طعام لم يزرعه زارع ولم يحصده حاصد». ### $ 82 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد السوسي ، رضي الله تعالى عنه. # كان رجلا صالحا فاضلا ورعا متجردا من الدنيا زاهدا فيها. أصله من السوس ~~الأقصى ثم انتقل إلى إفريقية، فسكن القيروان وأوطنها، وصحبه البهلول ms099 بن ~~راشد وانتفع به هو وغيره من أهل القيروان. # يحيى بن عمر [قال] ، قال إبراهيم بن شيبان : صحبت أبا عبد الله ~~السوسي ثلاثين سنة، فدخلت [عليه] يوما وهو يأكل، [فقال: ادن فكل] ، ~~فقلت له: # «بعد ثلاثين سنة، لم تدعني إلى طعامك إلا اليوم! » فقال لي: «إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال PageV01P196 # لي في منام رأيته: «لا يأكل طعامك إلا كل تقي ».ولم يتبين لي تقاك إلا ~~اليوم». # قال يحيى بن عمر: وكان محمد السوسي يقول: «الفقير إذا سافر يحتاج إلى ~~أربعة أشياء: علم يحرسه، ووجد يحمله، وورع يسوسه، وذكر يؤنسه». # قال: وسئل عن الزهد، فقال: «الزهد تجريد القلوب ونزوع اليقين ~~بالانصراف سرا وجهرا». # وكان ينادي إذا جنه الليل : «اللهم إني أسألك بيد أضرعتها إليك [ذلة] ~~ الافتقار، أن توصلني بفضلك إلى عز كل كرامة. وأنا إلهي في خناق خشيتك ~~ مأسور ، أنتظر ما يرد علي من فضلك ورحمتك، يا أرحم الراحمين». # ثم خرج أبو عبد الله السوسي من القيروان إلى المشرق، فتوفي بالطور ، ~~رضي الله تعالى عنه. ### $ 83 - ومنهم أبو حفص عمر بن عبد الله الفتال ، من الأبدال . # وكان من فضلاء المؤمنين، ومن الأصفياء المجتبين. # عن عبد الله بن الوليد، صاحب سحنون: كان أبو حفص قد جعل على نفسه ألا ~~يضحك أبدا ولا ينام مضطجعا ولا يأكل سمينا، فما رئي ضاحكا ولا مضطجعا PageV01P197 # ولا آكلا سمينا، حتى مات رحمه الله تعالى. # قال عبد الله بن الوليد : «أصاب الناس ريح وظلمة، فخرج الناس إلى ~~الجامع فوجدوه ساجدا وهو يبكي ويقول في سجوده: «اللهم احفظ محمدا صلى الله ~~عليه وسلم في أمته، ولا تشمت بنا أحدا من الأمم، وإن كنت أخذت القوم ~~بذنبي فهذه ناصيتي بين يديك» . # وكان يقول في مناجاته: «إلهي، أسألك مسألة مدهوش بهره وقار جلالك، وأسألك ~~حيرة لبيب حصرته رؤية إفضالك، وأسألك إطراق مفكر لا يدري ما الجواب وقد ~~تقدم/إليه إعذارك، وأسألك إخبات خاشع قد ملك عقله إعظامك، وأسألك قلق ~~الوجلين وروعة الخائفين وخلوة المستكينين، وأسألك دمعة مشربها من ماء ms100 ~~معين، لا يفنى مددها، ولا تنفد مجاريها الأحزان، كمثل شجرة (أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) . # وكان يقول : «اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك حبا لك وشوقا إلى رؤية وجهك ~~الكريم في الجنة، فأبحنيه مرة في الجنة واصنع بي ما شئت». # وكان كثيرا ما يقول: «نزلنا حيث رحل الناس». ### $ 84 - ومنهم أبو سليمان ربيع بن عبد الله الناسك ، رضي الله تعالى عنه. # كان من أهل الفضل والدين. تخلى عن الدنيا وتجرد منها وسلك طريقة أهل ~~الصدق في الانقطاع إلى الله عز وجل، وكان كثير السياحة والتغرب عن الأوطان، ~~وسكن «جبل اللكام» بالشام، وصحب الأبدال. PageV01P198 # قال أبو سليمان: سلكت طريق «تبوك» فاستوحشت، فهتف بي هاتف ~~وهو يقول: «يا هذا، نقضت العهد. لم تستوحش؟ أليس حبيبك معك؟ ». # وقال أبو عبد الله الزاهد ، وكان قد صحب ربيعا هذا، قال: «مرض ربيع ~~مرضة فاشتهى الرمان، فطلب له بكل وجه، فلم يوجد، فخرج إلى البحر فاستقبل ~~القبلة ودعا، فأتاه آت بسبع رمانات، فوضعهن في حجره. وانصرف». ### $ 85 - ومنهم مسافر بن سنان الواعظ ، رضي الله تعالى عنه. # كان رجلا صالحا فاضلا يجتمع إليه الناس للذكر والمواعظ، فانتفع به وعلى ~~يده جماعة من الناس. # قال سليمان بن سالم في «مجالسه» : كان مسافر بن سنان بالقيروان، وذكر ~~مواعظه، ثم قال: لقد أخبرني يحيى بن زكريا بن الحكم عن أبيه، قال: قلت ~~للبهلول بن راشد: «يا أبا عمرو ، أرأيت هذه القراءة التي تقرأ عندك، ~~أشيء رويته عن السلف فنرويه عنك، أم شيء رأيته؟ » فقال لي: «ما أخذته عن ~~أحد، إلا أني كنت عند معلمي أخيط ، وكان يرسلني، فكنت أمر على مسافر ~~بن سنان في المسجد PageV01P199 # الجامع وهو يذكر الناس ويعظهم وقوم من القراء يقرءون، فأقف عليه وأستحلي ~~سماع ذلك فأبطئ على معلمي. فحاسبت نفسي وقلت: لا يسوغ لي هذا ولا يسعني ذلك ~~لأني مستأجر. فكنت آخذ من معلمي طريحة أعملها بأجرة معلومة، وأسقطت ~~العمل بالأيام. فكنت أعمل طريحتي فإذا فرغت منها مضيت إلى مجلس ms101 مسافر فأسمع ~~ما يجري في مجلسه من المواعظ والذكر فانتفعت بذلك، وبقيت حلاوة تلك ~~المجالس في قلبي ومنفعتها إلى الآن». # قال البهلول: «وهؤلاء القراء إن أتوني سمعت قراءتهم، وإن غابوا لم أرسل ~~وراءهم». # قال أبو بكر: ولم أجد لمسافر هذا خبرا ولا أثرا أنقله عنه. ### || ذكر الطبقة الثالثة ### $ 86 - منهم البهلول بن راشد الحجري الرعيني ، مولى لهم. # فضله أشهر من أن يذكر. سمع من مالك والليث وسفيان والحارث بن نبهان ~~(3) ويونس بن يزيد، وسمع بإفريقية من ابن أنعم وموسى بن علي بن رباح. PageV01P200 # سمع منه سحنون وعون بن يوسف وأبو زكريا الحفري وعبد المتعالي ، وسمع ~~منه يحيى بن السلام حديثا واحدا. وروى عنه عبد الله [بن] مسلمة ~~القعنبي، قال القعنبي: حدثني البهلول: «وهو وتد من أوتاد المغرب ».وروى ~~عنه مسلم بن الحجاج في «سننه» ، وذكر ابن الجهم عن يزيد الفقير ~~أنه روى عنه، قال: لقيته بالمغرب، قال: وكان حسن الهيئة، ذكر ذلك ابن الجهم ~~في «كتاب الجزية» . # كان مولده ومولد عبد الله بن غانم وعبد الرحمن بن القاسم في سنة واحدة، ~~سنة ثمان وعشرين ومائة. وتوفي، رحمه الله تعالى، سنة ثلاث وثمانين ومائة، ~~بعد وفاة علي بن زياد بخمسة وثلاثين يوما، ودفن «بباب سلم» وقبره هناك ~~مشهور . # وألف ديوانا في الفقه. [و] الغالب عليه مذهب مالك، وربما مال ~~إلى قول الثوري. PageV01P201 # ومن بعض ما يتصل بنا إسناده ما حدثنا عن أبي سعيد الخدري أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خرج من بعض بيوته إلى المسجد فلم ير فيه أحدا، ~~فسمع في زاوية من زوايا المسجد صوتا فأتاهم فقال لهم: «الصلاة تنتظرون؟ أما ~~إنها صلاة لم تكن في الأمم قبلكم، وهي العشاء الآخرة».ثم نظر إلى السماء ~~فقال: «إن النجوم أمان السماء، فإذا انطمست [النجوم] أتى السماء ما ~~توعد . وأنا أمان لأصحابي فإذا أنا مت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي ~~أمان لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون».قالوا: «يا رسول الله، وما ~~يأتيهم؟ » قال: «التفاخر، والتكاثر، وقول الأبرار ، وعمل الفجار، ms102 ~~وتأتلف ألسنتهم وتختلف قلوبهم، يظهر بينهم السقارون ».قالوا: «يا رسول ~~الله، وما السقارون ؟ » قال: «قوم تكون تحيتهم التلاعن فالعنوهم، لعنهم ~~الله». ### ||||| ذكر فضله ومناقبه # : # فمن ذلك ما حدث به الشيخ الفقيه أبو عبد الله بن الأجدابي ، رحمه ~~الله تعالى، عن سليمان بن سالم، قال : نظر مالك إلى البهلول فقال: هذا ~~عابد بلده. # ونظر إلى عبد الله بن غانم فقال: هذا قاضي بلده. ونظر إلى عبد الله بن ~~فروخ فقال: # هذا فقيه بلده. فكان كما قال. # وكان البهلول من الفقهاء لكن غلب عليه العبادة، وابن غانم فقيه لكن لما ~~ولي القضاء غلب عليه اسمه. PageV01P202 # وذكر «حمديس» أنه سمع سحنونا يقول: كان البهلول [بن راشد] ~~ورباح بن يزيد، وكان الذكر لرباح، فلما مات عاد الذكر للبهلول. وما ذاك إلا ~~من خبيئة كانت للبهلول. # وقال سحنون : مثل العلم القليل في الرجل الصالح مثل العين العذبة في ~~الأرض /العذبة يزرع عليها صاحبها زرعا فينتفع به، ومثل العلم الكثير في ~~الرجل غير الصالح مثل العين الخرارة في الأرض السبخة تهدر الليل ~~والنهار لا ينتفع بها. # وكان سحنون يقول على إثر هذا: [هذا] البهلول كان رجلا صالحا ولم يكن ~~عنده من الفقه ما عند غيره. نفع الله تعالى به. وذكر رجلا آخر صحب السلطان ~~فقال: إنه بحر من البحور ما نفعه الله بعلمه . # وكان سحنون يقول : إنما اقتديت في ترك السلام على أهل الأهواء ~~والصلاة خلفهم بمعلمي البهلول. # أبو عثمان سعيد بن الحداد: ما كان بهذا البلد أحد أقوم بالسنة من رجلين: ~~بهلول في وقته وسحنون في وقته. # وعنه، قال : أقبل أبو محرز إلى بهلول يعوده فلما انتهى إلى درب ~~البهلول الذي فيه داره قيل للبهلول: أتاك أبو محرز لعيادتك. فقال: قولوا ~~له: إن كنت على رأيك فلا تقربنا. PageV01P203 # عن أبي عثمان قال: سمعت أبي يقول: مررت بسقيفة العراقي وهم يتناظرون ~~في الاعتزال، فوقفت أسمع منهم مناظرتهم، فبلغ ذلك البهلول. فلما جئته قال: ~~«يا محمد، بلغني أنك مررت بسقيفة العراقي فوقفت إليهم تسمع إلى مثل هذا، ms103 ~~فلا تقربني».وأغلظ علي. # قال سحنون : ولقد أتيت يوما إلى البهلول فوافاني رجل من أهل الأهواء ~~على بابه، وسألني عن الشيخ، فما رددت عليه جوابا، والشيخ يسمع ذلك، فلما ~~دخلت على الشيخ سلمت عليه، فلم يرد علي السلام، وأعرض عني، فلما خرج الناس ~~من عنده تقدمت إليه، فجثوت على ركبتي بين يديه، فقلت له: «ما خبري وما ~~قصتي؟ » فقال: «يسلم عليك رجل من أهل الأهواء ويسألك عني! » فقلت له: # «والله ما رددت عليه جوابا» قال، فقام لي عند ذلك وقال لي: «مرحبا ~~وأهلا»، وسلم علي وقال لي: «إن هذا الذي أمرتك به تعرف به الحق من الباطل». # وقال بعض أصحابه: كنت يوما جالسا عنده ومعه رجل عليه لباس حسن وهيئة، ~~فقال له البهلول: «أحب أن تذكر لي ما تحتج به القدرية».فسكت [الرجل] ~~حتى تفرق الناس ثم قال له: «يا أبا عمرو؛ إنك سألتني عما تحتج به القدرية، ~~وهو كلام تصحبه الشياطين، لأنه سلاح من سلاحهم، فتزينه في قلوب العامة، وفي ~~مجلسك من لا يفهم ما أتكلم به من ذلك، فلا آمن أن يحلو بقلبه منه شيء، ~~فيقول: سمعت هذا الكلام في مجلس البهلول».فقال له: «والله لأقبلن رأسك، ~~أحييتني أحياك الله». # سعدون بن أبان ، عن دحيون، قال: كنت بالمدينة فإذا برجل يسأل ويقول: ~~«أها هنا أحد من أهل إفريقية؟ » فقلت له: «أنا! » فقال: «من أهل القيروان؟ ~~» قلت: «نعم» قال: «أتعرف البهلول [بن راشد] ؟ » قلت: «نعم»، قال: فدفع ~~إلي كتابا وقال: «أوصله إليه».فدفعت إليه الكتاب، ففضه فإذا فيه: PageV01P204 # [من امرأة] من أهل سمرقند خراسان، «إني امرأة مجنت مجونا لم تمجنه ~~إلا هي» قالت: «ثم إني تبت إلى الله عز وجل وسألت عن العباد في أقطار ~~الأرض، فوصف لي أربعة، بهلول بإفريقية رابع الثلاثة. فسألتك بالله يا بهلول ~~إلا سألت الله عز وجل أن يديم لي ما فتح لي فيه»، قال: فسقط الكتاب من يده ~~وخر على وجهه، فما زال يبكي حتى لصق الكتاب بطين دموعه. ثم قال: «يا بهلول؛ ~~سمرقند خراسان! الويل لك ms104 يا بهلول من الله إن لم يستر الله تعالى عليك ~~يوم القيامة! ». # وبإسناده عن [أبي] عثمان قال: «بلغني أنه كان عند البهلول ~~طعام، فغلا السعر فأمر فبيع له، ثم أمر من يشتري له ربع قفيز ، فقيل ~~له: «تبيع وتشتري؟ فقال: نفرح إذا فرح الناس، ونحزن إذا حزنوا». # قال أبو زرجونة : استقفيت ليلة جمعة وضربت بمقرعة، فأخبرت ~~البهلول من الغد، فقلت له: إني استقفيت ، ونزعت عني أسمالي. قال، فأكب ~~علي يسألني أن أجعل من فعل ذلك [بي] في حل، فقلت له: يا أبا عمرو؛ ~~فعلوا بي وفعلوا، وأجعلهم في حل؟ فقال: أيسرك أن يحال بين أخيك المسلم وبين ~~الجنة بسببك؟ قال: فلم يزل يلطف بي ويسألني، حتى جعلتهم في حل». # وعن رجل من أصحاب البهلول، قال : جئت إلى البهلول وبين يديه ابنته ~~PageV01P205 وعليها ثياب مصبغة وهي طفلة، فقال: «ما أحببت شيئا ~~حبي لها، وإني أحب لو قدمتها».فانصرفت عنه، ثم عدت إليه فأصبت الناس ~~مجتمعين على بابه، فقلت: «ما للناس ؟ » فقيل لي: «توفيت ابنة البهلول» ~~فدخلت إليه، فلما عزيته ووليت عنه، لحقني فقال لي: «سألتك بالله، لا تذكر ~~لأحد ما كان مني ما دمت حيا»، يريد ما كان منه في تمنيه في صدر ذلك اليوم ~~لموت ابنته، فقلت له: «والله لا ذكرته ما دمت حيا». # حدث أحمد بن إبراهيم، قال: «دفع بهلول دينارين إلى رجل وأمره أن ~~يشتري له بهما زيتا من الساحل يستعذبه له، فلما انتهى الرجل إلى ~~الموضع سأل عن الزيت العذب فذكر له انه عند رجل نصراني، وليس بالموضع زيت ~~أعذب منه، فانطلق إليه فسأله أن يبيع منه بالدينارين، وقال: إنما أردته ~~للبهلول. فقال له النصراني: «فنحن نتقرب إلى الله بالبهلول كما تتقربون به ~~إلى الله تعالى»، فأعطاه بديناريه من ذلك الزيت الذي ليس بالموضع أعذب منه ~~مقدار ما يباع بأربعة دنانير من الزيت الدون ، ثم قدم على بهلول فأخبره ~~بجميع ما صنع مع النصراني، وما سمح له به، وما قال له. فقال له البهلول: ~~«قد قضيت حاجة فاقض ms105 الأخرى: اردد علي الدينارين. فقال له الرجل: «ولم، أصحك ~~الله؟ » قال: «ذكرت قول الله عز وجل: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر ياادون من حاد الله ورسوله) ، فخشيت أن آكل من زيت النصراني ~~فتحدث له مودة في قلبي، فأكون ممن واد من حاد الله ورسوله على عرض من ~~الدنيا يسير». PageV01P206 # عن أبي عثمان /قال: أتى هرثمة بن أعين، وهو والي إفريقية، إلى ~~البهلول برجاله وألويته. وكان في مسجده مستندا إلى عمود، فمال هرثمة عن ~~السرج لينزل، فلما رآه لم يرفع رأسه إليه ولم ينهض إلى القيام، رجع إلى ~~سرجه وقال لبعض أعوانه: # «ادفع هذا المزود الدراهم إليه، وقل له: يأمرك الأمير أن تفرقه، ~~فقال له البهلول: «قل له أنت أعرف بموضعه مني» وأبى أن يقبله. # عبد الله بن سعيد الحداد، عن أبيه عن جده، قال : كان لقوم من ~~النخاسين على بهلول عشرون دينارا، وكان لبهلول مع دحيون عشرون مثلها، ~~فوقف ببهلول سائل، فقال لدحيون: «ادفع إليه دينارا من العشرين»، ثم أقبل ~~إلى بهلول أصحاب العشرين، فقال لهم بهلول: «حضر منها تسعة عشر دينارا» ثم ~~قال لدحيون: «عدها عليهم»، فعدها، فأصاب عشرين دينارا، فقال لبهلول: «أراها ~~عشرين! » فقال له بهلول: «لا إله إلا الله! أراك لا تحسن العدد »، ~~وإنما قال هذا مخافة أن يظهر الله تعالى عليه هذا الأمر. # ومما يسند هذه الحكاية : أن عامر بن [عبد] قيس كان يأخذ عطاءه ~~فيجعله في ردائه، فلا يلقى أحدا من المساكين فيسأله إلا أعطاه، فإذا دخل ~~على أهله رمى به إليهم، فيعدونه، فيجدونه سواء كما أعطيه . PageV01P207 # ابن الحداد قال : «حدثتني أمي عن غزيل سرية البهلول قالت: أقمت مع ~~البهلول ثلاثين سنة فما رأيته نزع ثوبه عن جسده قط، ولا رأيته مصليا نافلة ~~قط.كان يأتيني فيرقدني كما ترقد الأم ابنتها، ثم يدخل المرحاض، فيتهيأ ~~للصلاة، ثم يصعد إلى غرفته فيغلقها بيني وبينه، فما كنت أدري أحي هو ~~أو ميت؛ غير أني كنت أسمع سقطته من آخر الليل، فأظن أنه استثقل نوما فسقط». # حدث ms106 بعض مشايخنا قال : دخل معتب بن رباح على البهلول في مسجده ~~فقال له البهلول: «يا أبا أحمد، ما جاء بك؟ » فقال: «يا أبا عمرو، قد عزمت ~~العام على الخروج إلى الحج» فقال له: «يا أبا أحمد، أما كنت حججت؟ » فقال: # «نعم، قد حججت، ولكني اشتقت إلى بيت الله الحرام وإلى قبر النبي عليه ~~الصلاة والسلام»، فقال له البهلول: «فكم هيأت لخروجك؟ » فقال: «مائة دينار» ~~فقال له البهلول: «فهل لك أن تأتيني بها، فأصرفها في مواضع، وأضمن لك على ~~الله عز وجل عشر حجج مقبولة؟ » فقام معتب سريعا فأتى بالصرة، فأفرغها ~~البهلول تحت جلد كان قاعدا عليه، وقعد معتب بن رباح، فلم يزل يدخل ~~الرجل فيعطيه خمسة، وآخر يعطيه ثمانية، وآخر يعطيه عشرة، فواحد يقول له: ~~«تزوج منها، وعش بالباقي»، وآخر يقول له: «وسع بها على عيالك ~~وصبيانك»، وآخر يقول له: «استر بها وجهك»، فلم يقوما حتى نفدت المائة. # وكان «بالسدرة» بالقيروان رجل صالح يقال له أبو سليمان الأعمى، وكان ~~من أهل الدين والفضل، وكان ربما أدلج إليه صقلاب بن زياد الهمذاني ~~ودنيج وأبو PageV01P208 الغصن، وهم من أصحاب البهلول، يتبركون بالصلاة ~~خلف أبي سليمان، فأخبر أبو سليمان أنه أتاه آت في تلك الليلة، فقال له: «يا ~~أبا سليمان، امض إلى معتب بن رباح فاخبره أن الله، تبارك وتعالى، قد وفى له ~~بما ضمنه له بهلول».قال أبو سليمان: «فغلب علي النوم، ثم أتاني الثانية ~~فقال: يا أبا سليمان، امض إلى معتب الساعة، قبل أن يطلع الفجر، فاخبره أن ~~الله عز وجل وفاه ما ضمن له البهلول» فقام أبو سليمان تلك الساعة، فأتى إلى ~~باب معتب بن رباح، فدق عليه الباب، فخرج إليه معتب فقال: «يا أبا سليمان، ~~ما جاء بك في هذه الساعة؟ » فقال: # «أرسلت إليك أخبرك أن الله عز وجل قد وفى لك ما ضمن لك البهلول عند ~~الله تعالى». # عبد الله بن الوليد [قال: كان عند البهلول] شاب يطلب عليه ~~العلم، ثم أقبل على المجانة، فأعلم البهلول بذلك، فساءه ما ms107 بلغه، فبينما هو ~~يوما جالس إذ خطر به الشاب وتحت ثوبه طنبور، فقيل للبهلول: «انظر ~~أصلحك الله إليه وإلى ما تحت ثوبه! » فتأمله البهلول، فعرف تصديق ما ~~قالوا، فقال للقائل: «لعله إنما ذهب به ليكسره! » فلما كان بعد ذلك بقريب ~~مضى البهلول بنفسه إلى دار الشاب، فقرع الباب، فقالت له أمه: «من هذا؟ » ~~فقال لها: «بهلول»، فقالت له: «ما تريد؟ » قال: «ولدك! » فلم يزل به حتى ~~خرج عليه الشاب، فسلم البهلول عليه وقال له: «يا ابن أخي، ما لك اشتغلت ~~عنا؟ أكل هذا زهادة منك في الخير؟ » وأخذ يعظه ويرفق به ويتعاهده بذلك، حتى ~~رجع الفتى عما كان عليه من المجانة، وعاود مجلس البهلول، وكان له شأن، ~~ونفعه الله تعالى ببهلول وصحبته. # وذكر عنه رحمه الله تعالى أنه صنع طعاما، وأحضر له جماعة من أصحابه، ~~PageV01P209 فقالوا: «يا أبا عمرو، لم صنعت هذا الطعام، وليس عندك شيء يصنع ~~لأجله الطعام؟ » فقال: «إني كنت خائفا من أن أكون من البربر، لما جاء فيهم ~~[من] الحديث ، فسألت عن أصلي من يعلمه، فأخبرت أني لست من البربر ~~فأحدثت لذلك هذا الطعام شكرا لله عز وجل، إذ لم أكن من البربر». # وحضر يوما عند المغيب في دار ابن غانم، وكان شهر رمضان، فقرب الماء ~~لغسل يد من كان حاضرا عنده، فغسلوا وغسل البهلول يده، ووضعها على المائدة ~~ولم يأكل، فقال له ابن غانم: «ما لك لم تأكل، أما كنت صائما؟ » فقال له ~~البهلول: # «سبحان الله! ألا أصوم رمضان؟ » فقال له ابن غانم: «أفسلطان أنا، طعامي ~~حرام؟ » فجعل البهلول يعتذر/إليه ويقول: «طعامك لا أجد في بيتي مثله، وإن ~~تكلفته شق ذلك علي إلى أن فرغ الناس من الأكل، كل ذلك لا يزيده على هذا ~~الاعتذار . ### ||||| وكان رحمه الله متواضعا: # : # حدث أبو محمد عبد الله بن يوسف الجبي قال : بلغني أن رجلا قال ~~لبهلول: # «يا بهلول، يا مرائي! » قال، فقال له بهلول: «قد أخبرتها بذلك-يعني نفسه- ~~فأبت علي ولم تقبل مني، فاجتمع عليها شهادتك وعلمي بها، فشهادة اثنين ms108 خير ~~من شهادة واحد». # أبو زكريا الحفري قال : «كنت عند بهلول وهو يتفلى، إذ أقبلت امرأتان ~~فقالت إحداهما للأخرى: «أتريدين أن أريك بهلولا؟ » -فقالت لها صاحبتها: PageV01P210 # «نعم»، فقالت لها: «هذا الذي يتفلى»، فقالت: «لأن تسمع بالمعيدي خير من ~~أن تراه» . قال أبو زكريا: فأقبل علي بهلول فقال لي: «أتريد أن أريك من ~~عرفني هذه المرأة التي عرفتني؟ ». # وسأله سائل عن مسألة، فأجابه، وقال: اذهب إلى الفارسي-يعني ابن ~~فروخ-فذهب السائل إليه فأجابه بمثل جواب البهلول، فانصرف الرجل إلى البهلول ~~فسأله فيها أيضا، فقال له البهلول: أليس قد دللتك ؟ قال: بلى، وقد ~~أجابني. # فقال له البهلول: فلعلك تفضل بعض الناس على بعض؟ والله لو كانت للذنوب ~~رائحة ما جلست إليك ولا جلست إلي. # أبو سنان قال : «سمعت البهلول يقول: إذا كان يوم القيامة جمع الله ~~تبارك وتعالى العلماء فضرب عليهم بسور من نور ثم يقول: «إني لم أضع حكمتي ~~فيكم وأنا أريد أن أعذبكم. تعافوا وادخلوا الجنة».قال أبو سنان: فقيل ~~للبهلول: «ما معنى تعافوا؟ » فقال: «قول بعضهم في بعض: فلان ليس يعرف شيئا» ~~. # وقال : «ما أعمال البر كلها عند الجهاد في سبيل الله تعالى إلا كبصقة ~~في بحر، وما أعمال البر كلها والجهاد عند طلب العلم إلا كبصقة في بحر». # روى عن البهلول أنه كان يقول : بينما رضوان واقف على باب الجنة إذ ~~سمع فيها حركة، فقال: «يا رب، خلقت هذه الدار وجعلت مفاتيحها بيدي وما ظننت ~~أن أحدا يدخلها بغير علمي»، فأوحى الله عز وجل إليه: «يا رضوان، هؤلاء قوم ~~عبدوني في الدنيا سرا فأدخلتهم الجنة سرا لئلا يروا أهوال يوم القيامة». PageV01P211 # دعاء: وكان رحمه الله تعالى كثيرا ما يدعو بهذا الدعاء. قال عبد الله: ~~«رأيته بخط محمود المتعبد بالمنستير وهو: # «اللهم إني أسألك باسمك العظيم الأعظم وأسألك باسمك الكبير الأكبر. ~~يا الله، يا الله، يا الله. أنت نور كل نور، بنور وجهك، وأنت نور السموات ~~والأرض، أسألك يا كريم، يا فتاح، يا فتاح، يا فتاح، يا قادر، يا قادر، يا ms109 ~~قادر، وبنور وجهك يا قادر، وبنور وجهك يا قادر، وبنور وجهك يا قادر، وبنور ~~وجهك يا قادر، يا حليم، وبنور وجهك يا حليم، [وبنور وجهك يا حليم] ، ~~أسألك أن توجب لنا رضوانك الأكبر، والدرجات العلى من الجنة، وتعفينا من ~~النار، ومن سخطك؛ وتمن علينا بحفظ كتابك حتى [نتلوه على الوجه الذي يرضيك] ~~ عنا». # قال البهلول: وإياك أن تدعو به في شيء من أمور الدنيا، اللهم إني قد ~~بلغت». # وكان، رحمه الله تعالى، يقول في دعائه: «اللهم رضني بقضائك وبارك لي في ~~قدرك، حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت». ### ||||| ذكر محنته رضي الله تعالى عنه # : # كان ، رحمه الله تعالى، في زمان محمد بن مقاتل العكي أمير إفريقية ~~، وكان يلاطف الطاغية ويبعث إليه بالألطاف ويكافئه الطاغية، فكتب ~~الطاغية إلى العكي أن أبعث إلي بالنحاس والحديد والسلاح، فلما عزم العكي ~~على ذلك وأن يبعث إليه بما طلب ، لم يسع البهلول السكوت، فتكلم وعارض ~~العكي، ووعظه، لتزول عنه الحجة من الله عز وجل، فلما ألح عليه في ذلك بعث ~~العكي إليه فضربه. # وقيل: إنه لما قيده ومدت رجلاه للقيد قال البهلول: إن هذا الضرب من ~~البلاء الذي لم أسأل الله عز وجل العافية منه قط. PageV01P212 # وقيل: إنه لما بعث وراءه ليضربه تحاشد إليه الناس والجماعات، فزاد العكي ~~ذلك حنقا عليه، فأخرج إلى الناس أجناده ففرقوهم، وأمر بتجريده وضربه، فرمى ~~عليه بأنفسهم جماعة، فضربوا. ثم ضرب أسواطا دون العشرين، وحبسه ثم أخرجه ~~فبرأ الضرب من جسمه إلا أثر سوط واحد فنغل ، فكان سبب موته. # بهلول قال : «أقمت ثلاثين سنة أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت: «بسم الله ~~الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» فلما ~~كان يومي مع العكي أنسيت أن أقولها، فابتليت به». # قال أبو عثمان: وإني لأقولها كل صباح خمسين مرة وكل مساء خمسين مرة منذ ~~كم شاء الله من الدهر، إنما أفتح عيني إليها بروعة. # أبو زرجونة، قال : لما ضرب بهلول دخلت ms110 عليه، فبينا أنا عنده إذ سمعت ~~بكاء رجل داخل من الباب وهو يبكي، فإذا هو عبد الله بن فروخ ، فأتى ~~فجلس قدام بهلول وهو يبكي، فقال له بهلول: «سبحان الله يا أبا محمد، ما ~~يبكيك؟ » قال: «أبكي لظهر ضرب في غير حق»، فقال له: «يا أبا محمد، قضاء ~~وقدر». # قال أبو زرجونة : فنحن جلوس حتى أرسل إليه العكي بكسوة وكيس، فأبى ~~البهلول أن يقبله ورده مع الرسول، فرد العكي الرسول إليه وقال له: «يقول لك ~~العكي: «إن كنت لم تقبل مني فاجعلني في حل»، فقال له البهلول: «قل: له ما ~~حللت يدي من [العقالين] حتى جعلتك في حل» فاغتم العكي لذلك وندم. # ونظر العكي إليه من حيث لا يشعر البهلول فجعل يقول/: «تبارك الله، كأنه ~~والله سفيان الثوري». PageV01P213 # وكان لباس البهلول قلنسوة حبر وساجا طرازيا وقميصا تستريا ~~ونعلا طائفيا . # عن أبي جعفر أحمد الكوفي، الذي كان يسكن «بالمنستير» قال : كنا مع ~~بعض الخلفاء في غزاة. وكنا معه من أهل الثغور اثنا عشر ألف فارس، وكان يقضي ~~لنا كل يوم حاجتين نكتب بهما إليه في رقعة يوصلها الحاجب إليه. فلما بلغنا ~~أن البهلول ضرب بإفريقية تخلخل العسكر، فأتينا بأسرنا إلى باب الخليفة، ~~فقال لنا الحاجب: # «ما بالكم؟ » فقلنا: «قد جعلنا حوائجنا كلها في نصرة البهلول» فقال لنا ~~الحاجب: # «اتقوا الله في دم العكي. ليس يبلغ الخليفة أن العكي ضرب البهلول إلا ~~قتله، وكيف يضرب البهلول بإفريقية، إلا أن يكون أهل إفريقية ارتدوا عن ~~الإسلام؟ ولكن اصبروا، فإن صح الخبر رفعت أمركم»، فرجعنا من الغزو قبل أن ~~يتبين لنا صحة الخبر، فرضي الله عن البهلول، ختم الله عز وجل أعماله ~~بالشهادة بهذا الابتلاء الذي اختاره الله له ليوصله الله عز وجل بذلك إلى ~~أعلى الدرجات وأكرم المقامات. PageV01P214 ### $ 87 - ومنهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن غانم بن شرحبيل بن ثوبان الرعيني . # قاضي إفريقية، وصاحب مالك بن أنس، رضي الله تعالى عنهم. كان فضله وعلمه ~~وورعه أشهر من أن يذكر وهو ms111 أحد الثقات والأثبات . # روى عن مالك وعليه معتمده، وروى عن سفيان الثوري وجماعة يطول ذكرهم. # وروى [بإفريقية] عن ابن أنعم وخالد بن أبي عمران، ودخل الشام ~~والعراق في طلب العلم ولقي أبا يوسف صاحب أبي حنيفة . وقد أدخله ابن ~~عبدوس في المجموعة. # وكان مولده ومولد البهلول في ليلة واحدة سنة ثمان وعشرين ومائة، وقد ~~ذكرناه. # وكانت وفاته سنة تسعين ومائة، وصلى عليه إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية، ~~ودفن بباب نافع، وكانت وفاته في ربيع الآخر من فالج أصابه. # وكان أبوه مذكورا في العرب الذين كانوا بإفريقية أيام بني أمية، قبل دخول ~~PageV01P215 المسودة، موصوفا بالشجاعة والقوة . ذكر أنه كان على ~~ساقة الناس في وقعة «القرن والأصنام» حين خرج حنظلة بن صفوان أمير ~~إفريقية أيام بني أمية لمحاربة الخوارج الذين أرادوا استباحة القيروان، ~~فيقال إن عمر بن غانم [قتل منهم مائة وثمانين] . # [ومن بعض ما يتصل بنا عنه من الإسناد: عن داود بن يحيى عن عبد الله ~~بن عمر بن غانم] وحاتم بن عثمان المعافري وعبد الله بن أبي حسان ~~اليحصبي قالوا: حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ ~~مقعده من النار ». ### ||||| ذكر مناقبه # : # بإسناد إلى عبد الله بن فروخ قال: دخلنا على سفيان الثوري- أنا ~~وابن غانم والبهلول-فسألناه في السماع، فأجاب إلى ذلك وقال: «يقرأ علي ~~أعربكم كلاما فإنه ربما قرأ علي القارئ فيلحن في قراءته فأحرم ~~نومي وطعامي».قال: فقرأ لنا PageV01P216 عليه ابن غانم شهورا كثيرة فما ~~رأينا الثوري رد عليه في قراءته شيئا ولا أخذ عليه لحنة [واحدة] . # وكان مالك إذا دخل عليه ابن غانم، وقت سماعه، أجلسه إلى جنبه ويقول ~~[لأصحابه] : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم كريم قوم ~~فأكرموه» ، وهذا كريم في بلده. # ولما ولي قضاء إفريقية بشر مالك بذلك أصحابه، وقال لهم: «أعلمتم أن ~~الفتى الرعيني الذي كان يأتي إلينا قد استقضى على إفريقية؟ ».وكان ms112 يسره ~~ذلك. # وذكر بعض قرابته أن مالك بن أنس عرض عليه أن يزوجه ابنته ويقيم ~~عنده. # فامتنع من المقام وقال: «إن أخرجتها معي إلى القيروان تزوجتها». # ولما بلغ ابن وهب موته غمه ذلك غما شديدا، وقال: «إنا لله وإنا إليه ~~راجعون؛ رحمك الله يا أبا عبد الرحمن، فلقد كنت قائما بهذا الأمر»، يريد ~~الفقه والعلم. # سحنون ، قال: «قرأ علينا ابن غانم كتابا من «الموطأ»، فقال له رجل: ~~«يا أبا عبد الرحمن، أيعجبك هذا من قول مالك؟ » فقام ابن غانم، وألقى ~~الكتاب من يده، وقال: «أو ليس وصمة علي في ديني وعقلي أن أرد على مالك قولة ~~قالها؟ والله لقد أدركت العباد الذين يتورعون عن الذر فما فوقه-سفيان ودون ~~سفيان-فما رأيت بعيني أورع من مالك»؛ وهذا من حسن أدبه. # وحدث بعض مشايخنا ، قال: مر رباح بن يزيد بعبد الله بن غانم، وبيد ~~PageV01P217 رباح قسط زيت. فقال له ابن غانم: أحمله لك يا أبا يزيد؟ ~~فقال له رباح: # «شأنك به»، وابن غانم إذ ذاك على القضاء، فدفع القسط إليه. وجعل رباح يشق ~~به مجامع الناس، فسلك به على حوانيت البزازين والمواضع المشهورة، حتى انتهى ~~إلى داره، قال له رباح: «أتدري لم فعلت هذا بك؟ » قال: «لا»، قال له: # «بلغني أنك تجد في نفسك فأحببت أن أضع منك»، فقال له ابن غانم: «جزاك ~~الله عني خيرا».وجرى له مع البهلول مثل ذلك. # حدث بعض أهل العلم، قال: خرج ابن غانم القاضي مع جماعة من أصحابه إلى ~~منزله ، وكان فيمن خرج معه سليمان بن زرعة، وخرج بزوامله ومطابخه، ~~فلما نزل نزع ثيابه واشتمل بردائه، وفعل مثل ذلك بجميع من معه، وكان في صيف ~~ووقت حر، ثم أمر بالطعام فقرب إليهم، وفيه كنافة، وكان ابن غانم يحبها. ~~فلما وضعت بين أيديهم خرق رجل من القوم موضع الزبد من وسط القصعة، فقال له ~~سليمان: (أخرقتها لتغرق أهلها) فقال له ابن غانم: «أتهزأ بكتاب الله ~~تعالى؟ /علي ألا كلمتك أبدا! » ثم أمر بدابته فقربت إليه، وانصرف راجعا إلى ms113 ~~القيروان. # عن أبي عثمان ، قال: «حدثت عنه أن ابنه دخل عليه وقد انصرف من ~~المكتب، فسأله عن سورته فقال له الصبي: حولني المعلم من سورة «الحمد» فقال ~~له: «اقرأها» فقرأها، فقال له: «تهجها»، قال: فتهجاها، فقال له: «ارفع ذلك ~~المقعد»، فرفعه فإذا تحته دنانير كثيرة، قال: وأبو عثمان شاك في عددها، إلا ~~أنها أكثر من العشرة ودون العشرين، قال: فحملها إلى معلمه فدفعها له، فأنكر ~~المعلم ذلك، وأتى بها إلى ابن غانم وأخبره أن الصبي أتاه بها فقال له ابن ~~غانم كالمعتذر: «لم يحضرني غيرها يا معلم، أتدري ما علمته؟ علمته (الحمد ~~لله رب العالمين). لحرف واحد مما علمته خير من الدنيا وما فيها». PageV01P218 # وكان من أحسن [الناس] همة في نفسه، خلف بعد وفاته كسوة ظهره ~~ بألف دينار. # ومما يذكر من فصاحته وبلاغته ما ذكره بعض المؤلفين، قال : روينا أن ~~عبد الله بن غانم-قبل أن يلي القضاء-دخل على يزيد بن حاتم المهلبي فقال له: # «ما شيء بلغني عنك؟ » فقال: «وما ذاك؟ أصلح الله الأمير» فقال له: «وقعت ~~بنا عند يزيد بن أبي منصور الرعيني ابن عمك، وما بلاؤنا عندك وعند أهل ~~بيتك؟ » فقال: «ما كان ذلك مني. كان المجلس الذي قرفت به عندك وأنا إذ ذاك ~~ناقلة يوم كذا من شهر كذا، شاهدي عليك الرفقة بأسرها، وقد أهللنا ~~هلال شهر رمضان، فتشايرناه بالأيدي».فقال له يزيد: «لحنت يا ابن عم» ~~فقال له: «ما هي لحنة»، فقال له: «فلم قلت تشايرناه؟ وإنما هو تشاورناه» ~~فقال ابن غانم: # «تشاورنا من الشورى، وتشايرنا من الإشارة بالأيدي»، [قال: ما هو كذلك] ~~، فقال له ابن غانم: «بيني وبينك أيها الأمير قتيبة النحوي »، وكان ~~قتيبة إذ ذاك قدم على يزيد وأنزله عنده، وكان إماما من أئمة أهل الكوفة، ~~فبعث إليه يزيد. وكان في قتيبة غفلة، فقال له يزيد: «إذا رأيت الهلال كيف ~~تقول؟ PageV01P219 # وكيف يكون القول إذا أشرت إليه وأشار غيرك ؟ » قال: «أقول ربي وربك ~~الله! » فقال له يزيد: «ليس هذا أردنا» فقال له ابن غانم: «دعني، ms114 أصلحك ~~الله، فإنه نحوي، آخذ له من طريق النحو فأفهمه» فقال: «لا تلقنه إذا»، فقال ~~له ابن غانم: «إذا أشرت وأشار غيرك، فقلت تفاعلنا في الإشارة، كيف يكون؟ » ~~قال: «تشايرنا»، فاستحي يزيد وقال «ظلمناك يا ابن غانم» وأنشد قتيبة لكثير ~~عزة : # فقلت وفي الأحشاء داء مخامر %~% ألا حبذا يا عز ذاك التشاير # قال [يزيد] : «فأين أنت يا قتيبة من التشاور؟ » فقال قتيبة: هيهات ~~أيها الأمير، ليس هذا من عملك، هذا من الشورى وذاك من الإشارة».فضحك يزيد ~~وعرف جفاء قتيبة فأعرض عنه. # قال أبو عثمان سعيد بن الحداد: كان ابن غانم كثيرا ما ينشد هذين البيتين ~~في مجلسه : # إذا انقرضت عني من العيش مدتي %~% فإن غناء الباكيات قليل # سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي %~% ويحدث بعدي للخليل خليل ### ||||| ذكر ولايته القضاء وسيرته فيه # : # ولي في رجب من سنة إحدى وسبعين ومائة، وهو ابن اثنتين وأربعين سنة. # وكان يكتب إلى ابن كنانة فيسأل له مالكا عن أحكامه. PageV01P220 # واختلف فيمن عقد له القضاء على إفريقية، فقيل: هارون الرشيد، وكتب له ~~بذلك كتابا، وقيل: بل عقد له بذلك أمير إفريقية روح بن حاتم، واتصل ذلك ~~بالخليفة فأقره. وأذكر ما روي لي في ذلك ليصح عند قارئه ومستمعه: # ذكر أن أبا عثمان حاتم بن عثمان المعافري كان صديقا لابن غانم، وكان ~~قد رحل معه إلى مالك وسمع منه. فجلس أبو عثمان يوما مع أناس فتكلموا ~~في ولاية ابن غانم، فقال بعضهم: لم تكن من أمير المؤمنين وإنما كانت من ~~المسودة ، - يعنون الجند-وروح بن حاتم. فقال أبو عثمان: «امرأته طالق ~~ثلاثة ورقيقه أحرار إن كان ولاه إلا أمير المؤمنين».ثم إن [أبا] ~~عثمان أتى إلى ابن غانم فأخبره الخبر. فقال له ابن غانم: «كم صداق ~~زوجتك التي تزوجتها [به] ؟ » قال: «مائتا دينار» قال: «وكم ثمن ~~مماليكك عليك؟ » قال: «مائة دينار» قال: فدعا ابن غانم بكيس، فعد لأبي ~~عثمان ثلاثمائة دينار وقال: «خذها يا أبا عثمان، فقد بانت منك امرأتك وعتق ~~عليك عبيدك».فهذا دليل على أن أمير المؤمنين لم ms115 يوله القضاء. وانتهى من ~~فضله إلى أن كاتبه الخليفة فصارت ولايته كأنها من قبله، إذ أجازها وأمضاها. # وذكر ابن أبي حسان، قال: مضيت مع ابن غانم إلى منزله الذي ~~PageV01P221 «بالريدان» فقال لي: «ما يقول الناس في ولايتي؟ » فقلت ~~له: «يقولون إن الذي ولاك روح بن حاتم برأي ابن فروخ» ، فقال ابن غانم: ~~«لا والله، لقد قال لي روح بن حاتم: والله ما خرجت من المشرق إلا وأنت قاض، ~~وذلك أني دخلت على أبي يوسف-وهو حينئذ قاضي القضاة لأودعه، وكان لي صديقا- ~~فقلت له: # «أصلحك الله يا أبا يوسف، إن أمير المؤمنين ولاني إفريقية، فهل لك من ~~حاجة؟ » فقال: «أوصيك بتقوى الله عز وجل وبأهل مدينة القيروان [خيرا] . ~~وبها شاب يقال له عبد الله بن غانم قد فقه وهو حسن الحال، فوله ~~قضاءها».فقلت له: «نعم» فودعته ثم انصرفت. فمن ذلك اليوم عقدت ولايتك ~~في قلبي». # كان ، رحمه الله تعالى، إذا جلس للخصوم رمى إليه الخصماء الشقاف ~~فيها قصصهم مكتوبة ؛ فقعد يوما للخصوم، فرموا إليه شقافهم، فدعا بها، ~~فإذا في شقفة منها «مكتوب نخاسي البغال» ، فدعاهم وسألهم عن قصصهم، ~~فقالوا له: # «اشترى [منا] أبو هارون موسى، مولى إبراهيم بن الأغلب وصاحب أمره، ~~بغالا بخمسمائة دينار ولم يدفع إلينا شيئا. فضم ديوانه، ثم قام إلى ~~إبراهيم، وكان قد أباح له الدخول ، فقال له إبراهيم: «ما قصة القاضي؟ » ~~فذكر له أمر المتظلمين من أبي PageV01P222 هارون. قال: فأحضر ابن الأغلب ~~أبا هارون فسأله عما ذكر ابن غانم، فأقر به وقال: «إنما أخرته ليجيء ~~خراج قصطيلية فإذا جاء دفعت/إليهم، فقال ابن غانم: «إنما ظننت أنه يجحد، ~~فأوقفه معهم موقف الخصوم، فأما إذ أقر فإني لا أبرخ حتى تدفع إليهم ~~أموالهم. # وبعث مرة إبراهيم الأمير إلى ابن غانم، فلما صار إلى دار الإمارة ~~جلس حتى [يخرج] الأمير، قال: فنظر ابن غانم في المجلس فإذا برجل يعرف ~~بحاتم الأبزاري ترعد فرائصه، فعرف قصته. وذلك أن كتاب أمير المؤمنين الرشيد ~~ورد فيه أن: # «أحضر حاتما الذي يقال له الأبزاري إليك، ms116 فإن «للفرج»، فتى أمير ~~المؤمنين، عنده عشرة آلاف دينار، فاقبضها منه ووجهها إلى أمير ~~المؤمنين»، وفي أسفل الكتاب: «وأحضره إلى عند عبد الله بن غانم ~~القاضي».قال: فدخل ابن غانم وحاتم والخراساني-وهو الرسول-فقرأ إبراهيم كتاب ~~هارون حتى [انتهى] إلى آخره، ثم التفت إلى ابن غانم فقال: «يا أبا عبد ~~الرحمن، هل سمعت ما في الكتاب؟ » قال: «نعم، فلماذا أحضرتني؟ ألي في هذا ~~الكتاب معتمل ؟ » فقال إبراهيم: «بلى، لعمر الله. ولم أمر بإحضارك؟ » ~~فقال له ابن غانم: «فأول ذلك أن آمر هذا الرسول بإحضار شاهدين عدلين أن ~~أمير المؤمنين استخلفه على قبض هذا المال، إن صح له، ويشهد غيرهما، أو هما، ~~من أهل الثقة أن هذا المال لأمير المؤمنين أو «للفرج» فتاه».فقال الرسول: ~~«أو يكتب أمير المؤمنين بالباطل؟ » فقال ابن غانم: «معاذ الله؛ أمير ~~المؤمنين أصدق وأكرم [من] أن يأخذ مالا بغير حله، PageV01P223 ولكن قد ~~تخترق الأشياء دونه» فقال الخراساني لإبراهيم: «ما يقول الأمير؟ » ~~فقال: «أقول ما قال القاضي» قال: فقام القاضي ابن غانم وقال لحاتم: «امض ~~أمامي» فقال إبراهيم: «لله تلاده من امرئ دحداح-يريد قصير القامة ~~-ما أنفذ بصيرته وأمضى عزيمته! ». # ونظر ابن غانم إلى قارورة في يد إبراهيم فيها دهن يسير. فقال له: ~~«ما هذا؟ » قال: «دهن» ثم قال للقاضي: «كم تظن يساوي هذا؟ » فقال له «يسير» ~~فقال له إبراهيم: «فإن ثمنه كثير: كذا وكذا»، وذكر ثمنا كثيرا. فقال ابن ~~غانم: «وما هو هذا؟ » قال: «السم القاتل» قال ابن غانم: «أرنيه» فدفع إليه ~~القارورة، فلما أخذها ابن غانم ضرب بها عمودا كان في المجلس، فكسرها وأراق ~~ما فيها، فقال له إبراهيم: «هاه! ماذا صنعت؟ » قال: «أفأترك معك ما يقتل ~~الناس؟ » . # وركب إبراهيم عمارية ، ودعا ابن غانم فقال: «اركب معي»، وأراد ~~أن يشق السماط الأعظم، فامتنع من ذلك ابن غانم. ثم ركب يوما آخر وابن غانم ~~معه، فسلك زرعا ولم يسلك معه ابن غانم في الزرع وأخذ في المحجة . ثم إن ~~إبراهيم صعد يوما إلى صومعة الجامع-وكانت الصومعة في الركن الغربي ms117 ثم ~~أزيلت PageV01P224 بعد ذلك وجعلت في المكان الذي [هي] به اليوم-فدعا ~~إبراهيم ابن غانم وقال له: «اصعد إلي» فأبى ابن غانم من ذلك وقال: «يا قوم! ~~ألا تعجبون من هذا الأمير ما يريد مني؟ : مرة يقول اركب معي في العمارية ~~ويشق السماط كهيئة المجلودين، لأنه إنما يشق في السماط بالمجلودين، ومرة ~~يشق في زرع الناس بدوابه، ويريد مني أن أمشي فيه، ومرة يقول: اصعد معي ~~الصومعة، وفي صعودي إليها تشرف على حرم المسلمين ونظر إلى عوراتهم. والله ~~لا أفعل ذلك! ». # تميم بن خيران ، قال: «كانت الكتب-حين تأتي-من عند الخليفة إلى ~~إبراهيم، ويأتي معها كتابه إلى ابن غانم، وكان الرسول يسكن إلى قرب «قبة ~~[ابن] عبد السلام»، فربما أتى إبراهيم وابن غانم إليه، فأخذ كل واحد ~~منهما كتابه، ففض إبراهيم كتابه وقرأه على ابن غانم، وهما جميعا راكبان ~~يتسايران، فقال إبراهيم لابن غانم: «قد فضضت أنا كتابي وقرأته عليك، ففض ~~أنت كتابك واقرأه علي» فأبى ابن غانم من ذلك، فوجد من ذلك ابن الأغلب. فلما ~~صارا جميعا إلى «مربع السماط» الذي يؤخذ منه إلى «السقطيين» وإلى ~~ناحية «الأبزاريين» حرك إبراهيم دابته، فصار قدام ابن غانم، فتركه ابن غانم ~~وعطف في زقاق السقطيين» وتمادى إلى داره، وشق إبراهيم السماط إلى دار ~~الإمارة وهو PageV01P225 يظن أن ابن غانم خلفه، فلما صار إلى باب دار ~~الإمارة افتقده، فأعلموه أنه فارقه من ذلك الموضع، فبعث في طلبه، فأتاه ~~فقال له: «ما حملك على أن عطفت عني وفارقتني؟ » قال: «أصلح الله الأمير؛ ~~إنما القاضي بحرمته، وإنما تنفذ أحكامه بقدر وفور جاهه، وإني [رأيتك] ~~حركت دابتك، ولو حركت دابتي سقطت قلنسوتي، وإذا سقطت قلنسوتي انكشف رأسي ~~وضحك علي الصبيان». # ويروى أن إبراهيم قال لابن غانم: «إنك فعلت اليوم فعلتين قبيحتين، ~~إحداهما منعك قراءتي كتابك، والثانية مفارقتك لي».ثم عاتبه على ذلك ~~وأظهر الغضب وقال له: «أو ما علمت أن في الأخبار أن إبراهيم الأمير يقتل ~~عبد الله القاضي؟ » فقال له ابن غانم: «لست أنت ذلك الأمير، ولا أنا ms118 ذلك ~~القاضي. ذلك الأمير ولدك، والقاضي هو غيري». # فقدر أن كان ذلك إبراهيم بن أحمد والقاضي عبد الله بن طالب. # وكان من إكرام الخليفة لابن غانم وإجلاله له ما يفوق المقدار، حتى ~~[إنه] كان إذا كتب كتابا لإبراهيم يقول في كتابه: «وأنا أعلمك أني لا ~~أفك لك كتابا حتى يكون مع كتابك إلي كتاب ابن غانم».فكان إبراهيم لذلك ~~أشد الناس وأكثرهم مداراة لابن غانم، وكان كثير الإكرام له والتعظيم. # وكان إبراهيم بن الأغلب يصلي بالجامع المكتوبات كلها، فخرج ليلة من ~~الليالي من داره، دار الإمارة، فدخل الجامع لصلاة العتمة، وكان مشغول القلب ~~فعثر على حصير فسقط، فلما صلى بالناس وانصرف، بعث في طلب ابن غانم، فأتاه ~~الرسول/وقال له: «الأمير يدعوك» فتغير ابن غانم عند ذلك وقال: «في مثل هذا ~~الوقت يوجه ورائي؟ » ثم لم يجد بدا من أن قام إليه. فلما دخل عليه قال له: ~~«يا أبا عبد الرحمن؛ إني لم أبعث إليك إلا لخير. إني لما دخلت المسجد اشتغل ~~قلبي عن حفظ نفسي، فعثرت على حصير فسقطت، فظننت بالناس أنهم حسبوا أني ~~منتبذ، PageV01P226 فأحببت أن تكون براءتي عندك، ولا أبالي بغيرك، ~~فاستنكهني»، فاستنكهه ابن غانم فوجده بريئا مما قال؛ فشكر له ذلك. # زياد بن يونس السدري، [قال] كان لابن غانم كاتب، وكان من عادته ~~أن يتقدم إلى مقعده في الجامع فيجلس حتى يأتي ابن غانم، وكان من عادة ~~القاضي أن يبعث بديوانه مختوما مع وصيف له، فيبقى بحاله إلى أن يأتي ابن ~~غانم فيركع ركعات ثم يجلس، فإذا رأى طابعه بحاله فكه، قال: فتقدم ~~الكاتب يوما كما كان يفعل، فبينما هو جالس إذ أتاه كتاب ابنه من باديته، ~~فجاء وصيف ابن غانم بالديوان على عادته فناوله الكتاب، فأخذه منه، ثم فك ~~كتاب نفسه ليقرأه، فوافق ذلك دخول القاضي، فأبصر الكتاب في يده، فبادر ~~الكاتب بالكتاب فأدخله في كمه، فأتى ابن غانم وما يبصر طريقا من شغل قلبه، ~~فركع ركعتين خفيفتين، وعلى وجهه الكآبة والغضب، ثم سكت وجلس، فناوله الكاتب ms119 ~~القمطر كما تقدمت عادته ليرى ابن غانم طابعه ويفكه؛ فصاح عليه ابن غانم: ~~«كف! » فكف، ثم طأطأ ابن غانم ثم تنهد، ثم رفع رأسه وهو يقول: «الله أحق أن ~~يؤثر، ليس في الحق من حشمة. ما هذا الكتاب الذي في كمك؟ » فاستحيى الكاتب ~~واحمر لونه، ودهش ثم قال: «أصلحك الله، كتاب أتاني من البادية أخبروني فيه ~~أن الزريعة قد فرغت، فابعث إلينا بالزريعة» فقال له ابن غانم: «لا بد من ~~إخراجه» فأخرجه له، فقرأه ابن غانم فأصابه كما قال، فسرى عن وجه ابن غانم ~~ما كان ظهر عليه من الكآبة، ثم أمره بفك الطابع، ففكه وأخذ في النظر بين ~~الناس. وهذا غاية في التوقي والاحتياط. # أبو محمد بن أبي زيد، رضي الله تعالى عنه، عن عبد الله بن سعيد بن ~~الحداد، عن أبيه، قال : حدثت عن القاضي ابن غانم أن اليوم الذي كان ~~يجلس PageV01P227 فيه للنظر بين النساء يلبس فيه فروا دنيا ويلقى ~~عينيه بالأرض. والذي لم يكن رآه قبل ذلك الوقت يتوهم أنه مكفوف البصر. وكان ~~يزيل الكتاب والحجاب من بين يديه إذا جلس للنظر بين النساء. # قال ابن الحداد : وبلغني أنه كان إذا أشرف على إنفاذ حكم لأحد يصلي ~~حزبه من الليل، فإذا جلس في آخر صلاته عرض من أراد أن يحكم له، على الله عز ~~وجل، ويقول: «اللهم إن فلانا خاصم إلي فلانا وادعى عليه بكذا وكذا، فسألت ~~فلانا عما ادعى عليه فأنكر، فسألت فلانا هل عنده فيما يدعيه بينة، فأحضرني ~~بينة، فرضيت حالها وصحت عندي عدالتها بكشفي عنها سرا وعلانية، وقد أشرفت ~~على أن أدفع من مال فلان إلى فلان كذا وكذا. اللهم إن كنت أشرفت من ذلك على ~~حق وأمر ترضاه فسددني له ووفقني، وإن كنت لم أوفق ولم يكن ذلك كذلك فاصرفه ~~عني. اللهم لا تسلمني! اللهم سلمني! »؛ فلا يزال يعرض الخصوم على ربه عز ~~وجل ويسأله التوفيق والتسديد حتى يطلع الفجر. # وذكر سليمان بن عمران، في صبره وحلمه، أن رجلا يقال له ابن ms120 زرعة له ~~جاه ورئاسة لقي يوما ابن غانم، فشتمه في وجهه في موضع خال ليس فيه أحد، ~~وذلك لأنه حكم عليه بوجه حق ترتب عليه. فاستعداه لذلك، فأعرض ~~عنه ابن غانم ولم يرد عليه شيئا، فلما كان بعد ذلك، لقيه بطريق «الريدان» ~~ فسلم عليه ابن زرعة، فرد ابن غانم السلام ورحب به، ومضى به معه إلى ~~منزله بالريدان، وأكرمه وعمل له طعاما كثيرا، ثم رجع ابن غانم إلى القيروان ~~ومعه ابن زرعة، فلما أراد مفارقته قال ابن زرعة لابن غانم: «يا أبا عبد ~~الرحمن، اغفر لي واجعلني في حل مما كان من خطابي»، فقال له ابن غانم: ~~«أما هذا فلست أفعله PageV01P228 حتى أوقفك بين يدي الله تعالى، وأما أن ~~ينالك في الدنيا مني مكروه أو عقوبة فلا». # وكان سبب موته ، رحمه الله، الفالج. # أخبر أبو الوليد عبد الملك بن قطن المهري ، قال: «مرض عبد الله بن ~~عمر بن غانم مرضه الذي توفي منه. فدخلت عليه عائدا فقلت: رفع الله تعالى ~~ضجعتك من هذه العلة إلى إفاقة وراحة، وأعاد عليك ما عودك من الصحة ~~والسلامة، فلطالما صححت وعوفيت، أصلحك الله. فاصبر لحكم الله عز وجل، فإن ~~الله يحب أن يصبر على بلواه كما يحب أن يشكر على نعماه» فقال: «هو الموت ~~والغاية التي إليها نهاية الخلق، فصبر جميل يؤجر صاحبه خير من جزع لا يغني ~~عنه»، ثم تمثل : # فهل من خالد إما هلكنا %~% وهل بالموت-يا للناس-عار؟ # سليمان بن عمران ، قال: «لما توفي ابن غانم رأى رجل في النوم، ممن ~~لا يعرف الشعر ولا يقرأ القرآن إلا ما يقيم صلاته، كأن قائلا [يقول] ~~بأعلى صوته: # زأرت ذئاب بعد طول عوائها %~% لما تضمنه القليب الملحد # قال فتعجب الناس من رؤياه. # وبكى عليه الأمير إبراهيم بن الأغلب، وأقبل «معد» خال إبراهيم يبكي ~~وينتحب حتى فرغوا من دفنه، وذلك «بجبانة باب نافع»، رضي الله تعالى عنهم ~~وأرضاهم. PageV01P229 ### $ 88 - ومنهم سقلاب بن زياد الهمذاني ، رضي الله تعالى عنه. # قال أبو سنان: كان سقلاب إماما من أئمة ms121 المسلمين مأمونا على ما سمع ~~(3). قال أبو العرب : سمع من مالك. وهو من طبقة البهلول. سمع منه أبو ~~سنان وداود بن يحيى وغيرهما. # ذكر أبو سنان زيد بن سنان أنه كان يدعو إذا جن الليل : # «اللهم إني أسألك منك ما هو لك رضى، وأستعيذك من كل أمر يسخطك. # اللهم إني أسألك من صفاء الصفاء صفاء أنال به منك شرف العطاء. اللهم لا ~~تشغلني شغل من شغله عنك ما أراد منك، إلا أن يكون لك». # وكان يقول : «نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم . ~~والله لوددت أن جسدي قرض بالمقاريض، وأن هذا الخلق أطاعوا الله عز وجل». # توفي، رحمه الله تعالى، سنة ثلاث وتسعين ومائة . PageV01P230 ### $ 89 - ومنهم أبو عون معاوية بن الفضل الصمادحي ، رضي الله تعالى عنه. # ذكر أبو إسحاق بن شعبان القرطي أنه روى عن مالك رحمه الله. # [و] روى معاوية عن ابن أنعم وعن الثوري. وروى عنه سحنون، وروى عنه ولد ~~نفسه موسى وأبو داود العطار. وكان ثقة قليل الحديث. # ذكر الفقيه أبو القاسم بن شبلون، رحمه الله، أن معاوية، رحمه الله، كانت ~~له كل يوم ختمة؛ وكان يستعمل الحديث الذي جاء: «إن الذاكر لله عز وجل، بين ~~الغافلين، له من الأجر والثواب ما لا يحصى تفسيره ».وكان يكثر من ذكر ~~الله عز وجل في الأسواق والمواضع التي يشتغل الناس فيها بالبياعات ، ~~وكان يركب بغلته ويمضي إلى السوق ويجيء ويتلو القرآن حتى يختم. قال: وإنما ~~كان يركب إذا بقي عليه اليسير من ختمته. # حدث معاوية عن طلحة بن عمرو [عن عطاء عن نافع قال: «رأيت رجلا جاء ~~إلى ابن عمر رضي الله عنهما] فقال: يا أبا عبد الرحمن، أنظرتم بأعينكم ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلمتموه بألسنتكم هذه، وبايعتموه ~~بأيديكم هذه؟ » فقال له عبد الله بن عمر: «نعم» فقال [له] الرجل: «طوبى ~~[لكم] »، فقال [له] ابن عمر: PageV01P231 # «ألا أخبرك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ » قال: «بلى» قال: ~~«فإني سمعت ms122 رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «طوبى لمن رآني وآمن ~~بي، وطوبى لمن لم يرني وآمن بي»؛ ثلاث مرات . ### $ 90 - ومنهم أبو عثمان حاتم بن عثمان المعافري ، رضي الله تعالى عنه. # سمع من مالك ومن ابن أنعم. قال أبو العرب : وأحسب أن رحلته إلى مالك ~~كانت مع ابن غانم. وروى عنه داود بن يحيى وغيره. وهو الذي كان يمضي بمسائل ~~ابن غانم إلى مالك. # حدث أبو عثمان، قال: كنت إذا أتيت بكتاب ابن غانم إلى مالك الذي فيه ~~مسائله، يقول مالك: «ادفعه إلى ابن كنانة» ، قال: فكان ابن كنانة يكتب ~~الجواب، فإذا كتبه أتيت به مالكا فيعرضه فإن أنكر شيئا أصلحه، وإلا ~~قال: # «ادفع إليه الكتاب فكله عني»، فأتيته يوما نصف النهار فقلت له: «يا أبا ~~عبد الله، إن الناس قد رحلوا، ولا أقدر أن أتخلف» قال: فخرج إلي وعليه ~~غلالة ورداء تساوي الغلالة خمسة دنانير، فأخذ الكتاب وقرأه ثم قال: ~~«الدواة! » فجعلت أمد PageV01P232 له، فإذا مر بشيء ينكره أصلحه. ثم قال ~~لي: «ادفعه إليه».فقلت له: «اطبع عليه، أصلحك الله، فإنها أحكام المسلمين» ~~فقال لي: «ما لي خاتم، إنما الخاتم لثلاثة : لتاجر أو قاض أو سلطان» ~~فمضيت بالكتاب إلى ابن غانم غير مختوم. # قال حاتم : وأكلت مع مالك، فرأيته يأكل بثلاث أصابع. # وكان يروي عن مالك غرائب لا يكاد يرويها عنه غيره: # لقد ذكر سليمان بن سالم بإسناد رفعه عن حاتم، قال : سمعت مالكا بن أنس ~~يقول: «حياة الثوب طيه وعيبه قصر أكمامه». # وعنه قال: حدثنا مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال ~~: «باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة».وسمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «إذا جاء الموت طالب [العلم] ومات على حاله فهو ~~شهيد». PageV01P233 ### $ 91 - ومنهم أبو الحسن علي بن زياد العبسي التونسي ، رضي الله تعالى عنه. # أبو العرب قال : كان ثقة مأمونا، متعبدا، بارعا في الفقه. سمع من مالك ~~والثوري والليث وابن لهيعة، ولم يكن في عصره بإفريقية مثله. # سمع ms123 منه البهلول وسحنون وشجرة بن عيسى وأسد بن الفرات. وذكر أن أسدا قال: ~~«إني لأدعو الله عز وجل لعلي بن زياد مع والدي، لأنه أول من تعلمت العلم ~~عليه».ولم يكن سحنون يقدم عليه أحدا من أهل إفريقية. # قال أبو سعيد بن يونس : وهو أول من أدخل المغرب «جامع سفيان الثوري» ~~(3) و «موطأ مالك» وفسر لهم قول مالك، ولم يكونوا يعرفونه، وهو معلم سحنون. ~~دخل الحجاز والعراق . # [جبلة قال: ] سمعت سحنونا يسأل شرحبيل قاضي أطرابلس عن أصل علي ~~بن زياد فقال: «كشفنا عن أصله فإذا هو من العجم. وكان أوله من أطرابلس ~~[ثم سكن مدينة تونس] ». ### ||||| ذكر فضله ومناقبه # : # عن سحنون، قال : «كان البهلول يأتي إلى علي بن زياد ليسمع منه، ويفزع ~~إليه في الملمات، يعني في العلم والمعرفة. PageV01P234 # [قال] : أبو العرب: حدثني يونس بن محمد وأبو عياش بن موسى أنهما سمعا ~~سحنونا بن سعيد يقول: «ما بلغ البهلول شسع علي بن زياد»، وضرب سحنون يده ~~إلى شسع نعله. # وكان يقول: «ما أنتجت إفريقية مثل علي بن زياد».وكان يقول: «ما فاقه ~~المصريون إلا بكثرة سماعهم، وذلك أن عليا بن زياد اختبرت سره وعلانيته، ~~والمصريون إنما اختبرت علانيتهم فقط». # أسد قال : [قال لي] المخزومي وابن كنانة: ما طرأ إلينا من بلد ~~من البلدان من كشف هذا الأمر ككشف علي بن زياد. # قال سحنون : كان البهلول يكاتب عليا إلى تونس يستفتيه في أمور ~~الديانة، وكان أهل العلم بالقيروان إذا اختلفوا في مسألة كتبوا بها إلى علي ~~بن زياد ليخبرهم من على الصواب فيها. # أبو الهيثم خالد بن يزيد الفارسي قال : «كنا عند البهلول فأتاه ~~رجل فقال: # إني رأيت في المنام كأن قنديلا دخل من باب تونس، فسار حتى دخل ~~في دار في رحبة «بني دراج» ، فقال له بهلول: «أتعرف الدار؟ » فقال ~~الرجل: «نعم»، فقال البهلول: «قوموا بنا فقد جاء علي بن زياد. قوموا بنا»، ~~فقمنا وقام الرجل معنا PageV01P235 حتى أتينا رحبة/ «بني دراج» فقال الرجل: ~~«هذه الدار التي رأيت القنديل دخل فيها »، فوقفنا ms124 بالباب، فسألنا، ~~فقالوا لنا: هذا علي بن زياد دخل في السحر. # فاستأذن عليه بهلول فدخل، فقام إليه علي بن زياد وسلم عليه وسلمنا عليه. ~~وجعل بهلول يسأله عن مسائل، حتى دخل أبو محرز ، فسلم فشقق له علي ~~بن زياد في السلام ولم يلتفت إليه، فقام بهلول وقال لي: «يا خالد، ~~اجلس ننظر ما يقول له» فجلست. فقال له أبو محرز: «يا أبا الحسن، قد تعلم ما ~~بيننا وبينك من العشرة والمودة وقد أرى منك غير ذلك، فلم ذلك؟ » فقال له ~~علي بن زياد: «يا محمود، بلغني عنك أنك تقول إن إبليس يستطيع السجود؛ فإذا ~~كان يستطيع السجود فكيف يجوز لك أن تلعنه، فلعله قد سجد؟ » فوجم أبو محرز، ~~وأخذ له في غير الجواب. # وأخذ علي يكرر ذلك عليه، وهو يحيد عن الجواب. # أبو جعفر بن قطويه : مر علي بن زياد بأبي محرز، وعنده الطلبة، فقال ~~له: # «يا أبا محرز، ما الذي أراد الله سبحانه وتعالى من عباده؟ » قال: ~~الطاعة»، فقال له: «وما الذي أراده إبليس منهم؟ » فقال له: «المعصية» فقال ~~له: «أي الإرادتين غلبت؟ » فقال له أبو محرز: «أقلني، أقالك الله تعالى»، ~~فقال له علي: «والله لا أقيلك حتى تتوب عن بدعتك»؛ ثم التفت علي بن ~~زياد إلى الطلبة فقال: # «شاهت الوجوه! أفمن هذا تسمعون؟ ». # سحنون : قال لي علي بن زياد: «زعم هؤلاء القوم-يعني أهل العراق-أنهم ~~يحسنون القياس، وقد بنوا على غير أساس». PageV01P236 # سحنون قال: أراد أمير تونس ورسول الخليفة الاجتماع بعلي بن زياد في مشورة ~~ من يلي القضاء، فتمارض لهما وأظهر أنه مريض لا يقدر على التصرف. ~~فأخبر بذلك والي تونس رسول الخليفة، فقال الرسول: «أمير بلد ورسول الخليفة ~~يوجه إلى رجل من رعيته فيتثاقل عن المجيء؟ » فقام الوالي ورسول ~~الخليفة فتوجها إليه فلما قيل له إنهما بالباب قال لمن [حوله] : ~~«حولوا وجهي إلى الحائط»، فدخلا عليه فقال له الوالي: «يا أبا الحسن، هذا ~~رسول الخليفة يستشيرك في قاض يلي قضاء إفريقية»، فقام علي وحول وجهه إلى ~~القبلة وقال: ms125 «ورب هذه القبلة ما أعرف بها أحدا يستوجب القضاء، قوموا عني». # وبعث روح بن حاتم أمير إفريقية إلى تونس في طلب علي بن زياد ليوليه ~~القضاء فقدم عليه، وأقبل بهلول بن راشد والصالحون إلى باب دار الإمارة إذ ~~بلغهم قدومه ودخوله على روح بن حاتم، فمكثوا ينتظرون خروجه إلى أن خرج ~~عليهم ممسيا يمسح العرق عن جبينه، فقالوا له: «ما فعلت؟ » فقال لهم: «عافى ~~الله، وهو محمود»، فقال له بهلول: «فما عزمت عليه ؟ » فقال: «على ألا ~~أبيت بها فيبدو له، فيوجه ورائي».فذهب البهلول وأصحابه مع علي حتى خرجوا من ~~باب تونس، والبواب يريد غلق باب المدينة لدخول الليل، فسألوا البواب أن ~~يمكث حتى ينتهوا مع علي إلى وادي أبي كريب ويحبس عليهم الباب، ففعل: ~~فتوجهوا حتى ودعوه بعد غروب الشمس، فانطلق علي بن زياد وحده على حماره إلى ~~تونس. PageV01P237 ### $ 92 - ومنهم أبو يحيى زكريا بن الحكم اللخمي ، رضي الله تعالى عنه. # قال أبو العرب: كان ثقة مأمونا. # ذكر سليمان بن عمران ، قال: كان زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب ~~جالسا، وعنده يحيى بن السلام وأسد بن الفرات وأبو محرز وزكريا بن محمد ~~بن الحكم، قال : فأتى زيادة الله بجراب فيه مال ففرغ بين يديه، فإذا فيه ~~خلاخل وأسورة من حلي النساء ودنانير، فأعطى منه لمن حضر مجلسه، فأخذوا غير ~~زكريا فإنه لم يأخذ منه شيئا، ثم قام فانصرف. فلما ولى جعل زيادة الله ينظر ~~إليه، وهو مول، ويقول: «لله درك يا ابن الحكم». # قال ابن الأجدابي : حضور يحيى بن السلام في هذا المجلس لا يصح، لأنه ~~مات سنة مائتين، وولى زيادة الله سنة إحدى ومائتين. # [زكرياء بن] محمد بن الحكم، عن حيوة بن شريح ، قال: «من صلى ثماني ~~ركعات من أول نهاره، كفاه الله ما أهمه وأوجب له مغفرته، وإن مات في نهاره ~~مات شهيدا». PageV01P238 ### $ 93 - ومنهم يزيد بن محمد الجمحي ، رضي الله تعالى عنه. # قال أبو العرب: كان ثقة قديم السن كثير الحديث. لقي مالك بن أنس وإبراهيم ~~بن ms126 محمد من أهل المدينة، وسمع من أبي بكر بن عياش وجماعة من أهل الكوفة ~~وأهل الشام وأهل البصرة. سمع منه موسى بن معاوية الصمادحي. # وركب يزيد بن محمد من إفريقية في البحر يريد غزو «المصيصة» فخرج ~~عليهم عدو صقلية فاستشهد ، رضي الله تعالى عنه. # قال الشيخ أبو عبد الله الأجدابي: فدل ذلك على أن أهل صقلية لم يكن بينهم ~~وبين المسلمين هدنة. # ومن بعض ما أسنده من الحديث: عن يزيد بن محمد الجمحي عن بقية بن الوليد ~~عن مسلم بن زياد ، قال: سمعت أنس بن مالك يقول : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «من قال حين يصبح: اللهم أصبحنا نشهدك ونشهد حملة عرشك ~~وملائكتك وجميع خلقك، أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن ~~محمدا عبدك ورسولك، أعتق الله عز وجل ربعه ذلك اليوم من النار. فإن قالها ~~مرتين، أعتق الله نصفه من النار. فإن قالها ثلاثا، أعتق الله عز وجل ثلاثة ~~أرباعه من النار. فإن قالها أربعا، أعتقه الله تعالى في ذلك اليوم من ~~النار». PageV01P239 ### $ 94 - ومنهم عبد الله بن أبي غسان ، رحمه الله تعالى. # قال أبو العرب: سمع من مالك وأغرب عنه بحديث ما علمت أن غيره رواه عنه. # عبد الله بن أبي غسان، قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : «طول مقام أمتي في قبورهم تمحيص ~~لذنوبهم». ### $ 95 - ومنهم يحيى بن زكريا بن محمد بن الحكم التجيبي ، رضي الله تعالى # عنه. # قال أبو العرب : كان صالحا ثقة. # قال عبد الله : ذكره أبو الحسن بن فهر في جماعة أصحاب مالك. # وقال أبو العرب: ذكر [عن] سليمان بن عمران أنه قال : كنا في جنازة ~~يحيى بن زكريا، فازدحم الناس عليه وكثروا على النعش، فبقي النعش واقفا في ~~باب نافع لا/يقدر الناس على أن يتعدوا به لكثرتهم، فصاح صائح: «معشر ~~المسلمين! ازدحموا على عمله ولا تزدحموا على نعشه». PageV01P240 ### $ 96 - ومنهم أبو خارجة عنبسة بن خارجة الغافقي ms127 ، من أنفسهم، رضي الله # تعالى عنه. # قال أبو العرب : كان ثقة مأمونا، وله سماع من مالك ومن الثوري. # وقال غيره: [كان] مستجابا عالما باختلاف العلماء واتفاقهم، أكثر اعتماده ~~على مذهب مالك. وسمع من الليث واليسع بن حميد وابن وهب ورشدين [بن] سعد ~~والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي. # وذكر ابن يونس : أنه سمع من سفيان بن عيينة. سمع منه في المغرب غير ~~واحد. # قال البهلول : اذهبوا بنا إلى أبي خارجة فإنه بلغني أنه جاء «بجامع» ~~سفيان الثوري لنسمع منه. # وكان مقام أبي خارجة في حصن على البحر يقال له «ينقة » في ناحية سفاقس ~~في الغربي منها. توفي في شهر ربيع الآخر سنة عشر ومائتين وهو ابن ست ~~وثمانين سنة. # وفي بعض ما يتصل عنه من الإسناد، يرفعه عن مالك عن نافع عن ابن عمر، ~~PageV01P241 أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «ما بعث الله ~~تعالى نبيا قبلي فاجتمع عليه أمر أمته إلا كان فيهم «قدرية» ومرجئة ~~يوسوسون أمر أمته من بعده. ألا إن الله لعن القدرية والمرجئة على لسان ~~اثنين وسبعين نبيا».قال أبو خارجة: زاد فيه غير مالك: # «أولهم نوح وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم». ### ||||| ذكر مناقبه وفضائله # : # فمن ذلك: قال سليمان بن محمد الأندلسي عن الحسن بن نصر السوسي، قال: ~~حدثنا نصر بن خالد: عطش الناس بسفاقس و «غافق» وأجدبوا ونزل بهم ~~القحط والجهد، فأتوا إلى أبي خارجة عنبسة، وكان مجاب الدعوة، وكان أسن من ~~سحنون، فقالوا: «نزل بنا الجوع والقحط فاستسق لنا» فقال لهم: «تأتون غدا ~~ببناتكم وصبيانكم وبهائمكم وتبيتون الصيام الليلة، فإذا كان الليل، فقفوا ~~بين يديه، وتضرعوا إليه واعرضوا أعمالكم عليه فإنه يرق لحالكم».قال: ففعل ~~الناس ذلك، واجتمعوا من كل مكان من الغد، وخرج بهم أبو خارجة، فصلى بهم ~~صلاة الاستسقاء، ثم خطب بهم، ثم جلس إلى صلاة الظهر، واشتد الحر عليهم فصاح ~~الأطفال والبهائم من شدة الحر، فقام أبو خارجة وصلى بهم الظهر، ثم بسط يديه ~~وقال: # «أنت مولانا ما لنا غيرك ولا سواك، ms128 بك نالوا الدرجات الرفيعة والمواهب ~~العالية، ولولاك ما نالوها، وأنت ذو رحمة واسعة، وأنت العالم بأحوالنا ~~وقبيح أعمالنا وما لنا غيرك ولا سواك. وقد قامت آمالنا بك، وقد جثونا بين ~~يديك. بهائمنا جائعة، وأرضنا سوداء يابسة، وقلوبنا خائفة، وبيوتنا فارغة، ~~وسماؤك عامرة، وخزائنك واسعة، فاسقنا سقية [نافعة] تجدد [الإيمان في ~~قلوبنا] ولا نبرح من بين يدي PageV01P242 كريم حتى تسقينا. ووسيلتنا ~~إليك نبينا الذي جعلته رحمة لنا، صلى الله عليه وسلم». # قال نصر بن خالد: فرأيت سحابة بيضاء رقيقة. ثم رأيت السماء اندفقت ~~بالغيث، فرأيت أبا خارجة وهو يرفع ثيابه وهو يقول: «بهذا يعرف الكريم، هذا ~~فعلك في من قصدك، فبهذا تعرف وتوصف». # وكان من دعائه: «اللهم إني أسألك الصحة والعفة والأمانة وحسن الخلق ~~والرضا بالقدر». # وكان أبو خارجة يقول : «اللهم أمتني قبل أن يخرج من هذا الوجه قوم ~~ينبحون نباح الكلاب» قيل له: «تريد: من هذا الغرب، نحو أرض البربر؟ » فقال: # «نعم».قال: فبلغني أنه مات قبل أن تشتجر الحرب. وكان ذلك أيام المنصور ~~الطنبذي . # قال عيسى بن مسكين : وكان ها هنا بالساحل رجل به تابع، فقال تابعه ~~يوما من الأيام: «لأخوفن أبا خارجة الليلة»، فنهاه عن ذلك الإنسي، وقال له: ~~«لا تعرض»، فقال: «لأفعلن! ».فلما كان الليل ركب أبو خارجة لينصرف إلى ~~منزله فلقيه خيال، ثم مضى غير بعيد فلقيه أيضا وتمثل بين يديه في صورة شخص، ~~فقصده أبو خارجة ووضع عليه [يده] ففر من بين يديه، وأقبل أبو خارجة ~~يتبعه ضربا وهو يصيح حتى دخل في الزيتون، ثم ذهب أبو خارجة في حاجته فأتى ~~الجني إلى صاحبه، وهو مروع، فأخبره الخبر فقال له: «قد نصحتك فلم تقبل». # وعن عيسى بن مسكين : حدثونا عن أبي خارجة أنه كان يصلي من الليل في ~~مسجد كان استضافه أهله ، فبينما هو يصلي في ركن المسجد نظر إلى الركن ~~الآخر PageV01P243 فإذا بشيخ قائم يصلي، فلما سلم أبو خارجة من صلاته استل ~~سيفه ثم قصده وهو يقول: «أعلي تجسر؟ »، فلما رأى عزمه انقمع منه، فإذا ms129 به ~~إبليس اللعين، أراد أن يلبس عليه صلاته ويدخل عليه الفتنة فحماه الله عز ~~وجل منه. # عيسى بن مسكين قال : «كان أبو خارجة كثيرا ما يقول: لا تمر الليالي ~~والأيام حتى تمتحى كتب أبي حنيفة من إفريقية».فكان كذلك: محاها الله ~~عز وجل بسحنون، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. # وكانت تذكر عنه أعاجيب من الإنذار بالحوادث التي تحدث في آخر الزمان، ~~وكانت عنده في ذلك أحاديث يرويها عن شيوخه، ومن عنده أخذها عيسى بن مسكين. # وكان سحنون يعظم أبا خارجة ويعرف حقه: # عيسى بن مسكين قال: كان رجل ينزل عنده أبا خارجة إذا مر به، وكان سحنون ~~أيضا ينزل عنده إذا مر به، فنزل به مرة سحنون فبينما هو عنده إذ جاء رجل ~~يستأذن، فإذا به أبو خارجة، فقام الرجل ليلتمس له موضعا غير موضع /سحنون، ~~فمنعه سحنون من ذلك، وقال له: «بل يكون معي في موضعي» فأذن له الرجل فدخل ~~وسلم، فرد عليه سحنون السلام وأكبره وعظمه ومد إليه يده فصافحه ثم جلس أبو ~~خارجة. وجاء رجل فسأل سحنونا عن مسألة فقال له سحنون: «سل أبا خارجة»، ~~وامتنع أن يجيب بحضرته إجلالا له وتعظيما. قال: فسأل الرجل أبا خارجة فأجاب ~~بجواب لم يوافقه سحنون عليه. قيل لعيسى: «فما أنكر عليه سحنون؟ » فقال ~~عيسى: «سحنون كان أحكم من ذلك». # قال عيسى: كان رجل بغدادي يود لو رأى أبا خارجة، قال: فنزل أبو خارجة ~~يوما قريبا من موضع الرجل، قال: فلما سمع بخبره أتاه فسلم عليه وصافحه ~~وعانقه وقال له: «أنت أبو خارجة؟ » فقال: «نعم، أنا أبو خارجة «تسمع ~~بالمعيدي خير من أن تراه! » -تواضعا منه، رحمه الله تعالى. PageV01P244 # وكان عالما بالعربية وعبارة الرؤيا: روى عيسى عن أبي خارجة [أنه قرأ] ~~ أن المشط يذهب الوباء، بالتصحيف. وحضره رجل أعرابي فقال له: «يا أبا ~~خارجة، انظر في هذا الحرف إنما هو «الوناء» بالنون».فتفكر أبو خارجة قليلا ~~ثم قال: «نعم والله، هو الوناء وهو الضعف والكلل؛ ودليل ذلك قوله تعالى ~~(ولا تنيا في ذكري) ms130 يعني تضعفا». # قال: وشكا نبي من الأنبياء إلى الله عز وجل الضعف في قومه، فأمره أن ~~يأمرهم أن يأكلوا لحم الثنيان باللبن. # وعنه، رضي الله تعالى عنه : أنه خرج إلى «سوسة» فنزل في بعض الطريق ~~واستلقى، وقال لأصحابه: «يأتيكم الساعة رجلان على دابة، فيسألان عن شيء ~~فيسمعان ما يكرهان» . فبينما هم كذلك إذ أقبل رجلان على بغلة فسألا عن ~~الشيخ أبي خارجة فأخبرا، فقالا له: رجل له عجل رأى في المنام كأنه خالفه ~~إلى خمير عنده فأكله. فقال له أبو خارجة: هذا رجل يخالفه إلى ~~أهله. فقال [أحد] الرجلين لصاحبه: «قد نهيناه من دخوله إليه فلم ~~ينته». # وكان رحمه الله تعالى ممن ينطق بالحكمة: # عن أبي عثمان سعيد بن حسان أنه قال: أوصى أبو خارجة بعض إخوانه فقال: # يا عبد الله؛ أوصيك بوصية: وهي أن تكون ذاكرا غانما أو ساكتا سالما، ~~وإياك وكثرة الكلام: إن العبد يسأل يوم القيامة عن فضول كلامه كما يسأل عن ~~فضول ماله، وإياك وكثرة الضحك: فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه، ويورث ~~الفقر. PageV01P245 # وكان يقول: أحب الأمور إلى الله سبحانه أسمحها وأسهلها. وثلاث من ~~أعطيهن فقد اغتبط: علم نافع، ورزق طيب، وعمل متقبل . # وكان يقول: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والتائب من الذنب العائد فيه ~~كالمستهزئ به. # وكان يقول: إذا ذكر عند أحدكم أخوه، فدعا له، كتب له من الأجر كمن عاده ~~في مرضه أو تبع جنازته. ومن أصابته مصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ~~جدد الله أجرها وإن قدمت. # وكان يقول : ثلاث من أعلام الإحسان: كظم الغيظ، وحفظ الغيب، وستر ~~العيب. وثلاث من أعلام المعرفة: الإقبال على الله عز وجل، والانقطاع إلى ~~الله تبارك وتعالى، والافتخار بالله سبحانه. وثلاث من أعلام الفكرة: سرعة ~~الادكار، وإدمان الاعتبار، وكثرة الاستغفار. # وكان يقول عند إفطاره : الحمد لله الذي رزقني فأفطرت. إن تعذبني فأنا ~~أهل لذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل لذلك . # وكان يقول، إذا دعا الرجل وفرغ من دعائه، ولم يصل على النبي محمد ms131 صلى ~~الله عليه وسلم: # رفرف الدعاء على رأسه فلا يصعد حتى يقوله. # وكان يقول: ثلاثة لكل واحد منهم ملك موكل به ينسيه: النفساء، وراكب ~~البحر، وحامل الجنازة. فالنفساء إذا أضر بها الطلق قالت: إن نجوت لم أعد. ~~فإذا وضعت ضرب الملك العاتق وقال لها: انسي، فتنسى. وراكب البحر إذا أخذه ~~الهول في البحر قال: إن نجوت لم أعد. فإذا وضع رجله في البر ضربه الملك على ~~العاتق وقال له: انس، فينسى. وحامل الجنازة إذا حملها ذكر الآخرة ونسي PageV01P246 # الدنيا، فإذا وضعها ضرب الملك العاتق وقال: انس، فينسى. # وكان رحمه الله تعالى، يروي عن مالك غرائب لم تكن عند غيره. وذلك ما حدث ~~به عنه، قال : «سألت مالكا عن الذي يعتم بالعمامة ولا يجعلها تحت حلقه ~~، فأنكرها وقال: «ذلك من عمل النبط وليس من عمة الناس، إلا أن تكون ~~قصيرة ولا تبلغ».قال مالك: «ومما يقوى العمة عندي أن الميت يعمم. # والعمامة، والاحتباء، والانتعال من عمل العرب» قال أبو خارجة: فقلت ~~لمالك: # «هل كانت العمة في الجاهلية؟ » فقال: «كانت العمامة في أول الإسلام ثم لم ~~تزل حتى كان هؤلاء؛ ولقد كنت أعد في مجلس ربيعة واحدا وثلاثين رجلا ما ~~منهم رجل إلا وهو معتم».قال مالك: «وأنا منهم».قال مالك: «ولقد كنت أراهم ~~يعتمون حتى تطلع الثريا ، رضي الله تعالى عنهم أجمعين». ### $ 97 - ومنهم عمر بن الحكم اللخمي . # سمع من مالك وكان ثقة. # روى عن الأوزاعي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خرج ~~يوم جمعة مسافرا دعت عليه الملائكة ألا يصحب في سفره ولا تقضى حاجته». PageV01P247 ### $ 98 - ومنهم أبو القاسم الزواوي ، رحمه الله تعالى. # قال أبو العرب : سمع من مالك وروى عنه [حديثا] لم أعلمه رواه عنه ~~غيره: # قال: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر، قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لما خلق الله عز وجل الجنة حفها بالريحان [وحف الريحان] ~~بالحناء، وما خلق الله عز وجل شجرة أحب إليه من الحناء. وإن الخاضب بالحناء ~~لتصلي عليه ملائكة ms132 الأرض إذا راح ». ### $ 99 - ومنهم أبو الوليد عباس بن الوليد الفارسي ، /رضي الله تعالى عنه. # قال أبو العرب : كان ثقة مأمونا حافظا للحديث. لقي جماعة [من ~~المحدثين] منهم ابن عيينة وحماد بن زيد والفضيل بن عياض، وبشرا كثيرا ~~من محدثي الأمصار. # وأحسبه لقي مالكا، لأن رحلته ورحلة «أسد» كانت في مدة واحدة. وذكر ~~ابن شعبان أنه لقى مالكا وروى عنه. سكن تونس وأوطنها وكانت له ~~بالقيروان دار PageV01P248 عند «باب الريح».استشهد رضي الله تعالى عنه ~~بمدينة تونس في شهر رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين. # ومن بعض ما أسنده من الحديث: عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي مليكة عن ~~طاوس عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قدوا ~~مصابيح منازلكم عند الغروب تستغفر لكم الملائكة وأركان البيت، ومن ترك ذلك ~~استبقاء للزيت نقص من زيته سبعون نقطة من حيث لا يعلم. ومن أوقدها عند ~~الغروب إكراما للملائكة زيد في زيته سبعون نقطة من حيث لا يعلم». # وقال : «لا تبيتوا حتى تطفئوا المصابيح وتكفئوا الإناء». # حدث أبو العرب عن أبيه أنه قال: ربما وجدنا في أواخر كتب عباس بن ~~الفارسي يقول: «درسته ألف مرة». # محمد بن جبلة قال: جئنا إلى عباس ابن الفارسي لنسمع منه، وأردنا أن نختبر ~~حفظه، ومعنا كتاب أبي الأحوص ، فقلبنا الورق فجعلنا الأول آخرا والآخر ~~أولا، فلما ذهبنا لنقرأ عليه قال: «ليس هذا. أول الكتاب حديث فلان».وكلما ~~أردنا أن نجوز عليه من مكان إلى مكان يقول لنا: «يتلو هذا الحديث حديث ~~فلان».فلم يزل كذلك حتى ألف الكتاب على نفسه. قال: فقبلت رأسه وقلت: «مثلك ~~من حمل العلم». # كان، رحمه الله تعالى، أحد الأئمة المعدودين والعلماء الراسخين. انتشرت ~~إمامته PageV01P249 بالمغرب والمشرق مما يطول بذكره الكتاب. ثم ختم الله عز ~~وجل له بالشهادة، فاستشهد بمدينة تونس ، وذلك لما دخلها جيش زيادة الله ~~بن إبراهيم بن الأغلب في [حرب] منصور الطنبذي وأراد استباحتها ~~وقتل أهلها وسبيهم. جلس عباس بن الفارسي في داره ولم يقاتل حتى دخلوا عليه ms133 ~~في داره، فخرج بسيفه وهو يقول: «الجهاد، الجهاد» فقتل وقطعت رأسه، وطرحت ~~جثته بخربة بتونس ؛ فأقامت سبعة أيام لم يقربها ذو ناب ولا مخلب حتى ~~دفنت. وكان يرى عليه كل ليلة مصباح أو كالمصباح. # ذكر عن أبي إسحاق بن علي بن حميد، قال: كنت يوما جالسا في مجلس الأمير ~~زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، إذ دخل عليه أبو فهر بن عمرون ، ~~فأخبره بما جرى له في تونس وفتحه لها واستيلائه عليها، ثم قال له: «وأعلمك ~~أني قتلت عباس بن الفارسي»، فاستعظم ذلك زيادة الله وأنكره، وقال له: «ما ~~حملك على ذلك، وما دعاك إلى قتله، وهو رجل صالح عالم؟ أما علمت أن قاتل ~~عباس بن الفارسي لا يلبث حولا؟ » قال أبو إسحاق: فما دار الحول على أبي فهر ~~حتى قتل. # قال أبو العرب : قال لي أبي: حدثني «صبرة» -مولى لنا-قال: «رأيت عند PageV01P250 # جثة عباس بن الفارسي كلبا أبيض يمنع الكلاب أن تدنو من جثته. وكانت جثته ~~ملقاة في خربة، فلم يقربها كلب». # حدثنا سليمان بن سالم، قال : «رأيت قاتل عباس بن الفارسي دخل ~~علينا-[ونحن عند زيد بن بشر] -وهو أسود الوجه قد مسخ به، ثم قتل بعد ~~ذلك». ### $ 100 - ومنهم أبو الخطاب محمد بن عبد الأعلى الكندي ، رحمه الله تعالى. # قال أبو سعيد بن عبد الأعلى: روى عن مالك والليث وابن لهيعة وابن أنعم. # قال أبو العرب : كان أبو الخطاب من مشايخ أهل إفريقية. روى عن الثوري. # وكان [يقول] إن له أربعين سنة لم ينزع طوقه من عنقه، اشتغالا منه ~~بالصلاة والعبادة. وكان ثقة في علمه وما حمل. وذكر أن البهلول سمع منه ~~. PageV01P251 ### $ 101 - ومنهم أبو مسعود العباس بن أشرس الأنصاري ، مولى لهم . # كان فاضلا. سمع من مالك. # قال سحنون : كان ابن أشرس حسن الضبط للعلم، وكان شديد الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. # وهو مذكور في «حديث الملتاط» ، رحمه الله تعالى. # وقد كانت نزلت به نازلة فرحل إلى القيروان فيها من تونس، واجتمع ~~بالبهلول بن راشد، وقبل منها ما ms134 أفتاه فيها وقلده إياها: # وذلك ما حدث به موسى بن معاوية الصمادحي، قال: استحلف السلطان بتونس أبا ~~مسعود بن أشرس، صاحب مالك، على رجل أراد السلطان قتله أنه ما أواه ولا يعلم ~~له موضعا. فحلف له ابن اشرس-وابن أشرس يومئذ قد علم موضعه PageV01P252 # وهو الذي آواه-فحلفه بالطلاق ثلاثا، فحلف له ابن أشرس إشفاقا منه على ~~الرجل وحقنا لدمه، ثم قال لامرأته: اعتزليني، فاعتزلته. ثم ركب ابن أشرس ~~حتى قدم على البهلول بالقيروان، فأخبره بما جرى. فقال له البهلول: «قال ~~مالك: إنك حانث».قال له ابن أشرس: وأنا سمعت مالكا يقول ذلك، وإنما أردت أن ~~أرى ما عندك. فقال له البهلول: «قال الحسن بن أبي الحسن البصري: لا حنث ~~عليك». # قال: فرجع ابن أشرس إلى زوجته وأخذ بقول الحسن. # قال أبو الحسن بن الخلاف: روى ذلك عن الحسن يحيى بن محمد بن يحيى بن ~~السلام عن أبيه عن جده عن الحسن بن دينار عن الحسن: في رجل طلبه السلطان ~~ليقتله أو ليجتاح ماله، فحلف عليه رجل بالطلاق أنه لا يعلم علمه؟ . # قال: «يحلف عن أخيه المسلم ولا طلاق عليه». ### $ 102 - ومنهم عمر بن سمك بن حميد # مولى موسى بن نصير، رحمه الله تعالى. # روى عن مالك رحمه الله تعالى. ### $ 103 - ومنهم أبو طالب عبد الله بن عثمان الأبزاري المعافري . # قال أبو العرب: كان رجلا صالحا. سمع من مالك ومن عبد الله بن فروخ. # وروى عنه داود بن يحيى. # قال داود: حدثنا أبو طالب بن عثمان عن عباد ابن كثير عن يحيى بن PageV01P253 # كثير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن حذيفة قال : «يا ~~رسول الله، كيف لنا بعلم ما يكون؟ ».قال: «يا ابن اليمان، من عمل بطاعة ~~الله، ولم ينتهك محارم الله، ولم يستأثر بالفيء لنفسه ولأهل بيته فعليك به ~~يا حذيفة. فإذا استأثر هو بالفيء وأهل بيته وشيدوا بنيانهم، وأظهروا ~~دنياهم، وزعموا أن الناس خول لهم، نقضوا كتاب الله تعالى وغيروا سنتي، ~~فما لك ولهم؟ إياك أن تكون ms135 لهم قاضيا ولا جابيا ولا عريفا ولا شرطيا، ولا ~~تعن بسمع ولا ببصر ولا لسان ولا شد ، وكن حلسا من أحلاس بيتك، وإياك ~~وأعوان الظلمة ومؤازرة أهل الباطل فتكون من أتباعهم، وترد مواردهم يوم ~~القيامة». ### $ 104 - ومنهم أبو عبد الله أسد بن الفرات بن سنان، مولى بني سليم: رضي # الله تعالى عنه. # قال أبو العرب: أصله من خراسان-نيسابور . قال سليمان ابن عمران: إنه ~~ولد بحران، سنة اثنتين وأربعين ومائة، ويقال إنها أول مدينة بنيت على الأرض ~~بعد الغرق بالطوفان. # قال: دخلت مع أبي إلى القيروان في جيش «ابن الأشعث»، فأقمنا بها خمس ~~PageV01P254 سنين، ثم رحلنا إلى تونس فأقمت بها نحو تسع سنين. فلما بلغت ~~ثماني عشرة سنة علمت القرآن ببجردة . # قال: ورأت أمي بها كأن حشيشا نبت على ظهري ترعاه البهائم، فعبرت رؤياها ~~عند معبر، فقال: «سوف يكون عند هذا الغلام علم يحمل عنه». # كان قدومه القيروان سنة أربع وأربعين ومائة وهو ابن سنتين، وسمع من علي ~~بن زياد «الموطأ» وتعلم منه العلم بعد أن ارتحل من بجردة إلى تونس. ثم ~~ارتحل إلى المشرق، فلقي مالكا وواظب عليه، وطلب عليه العلم وسمع منه ~~«الموطأ».ثم ارتحل إلى العراق فلقي أصحاب أبي حنيفة: أبا يوسف، وأسد بن ~~عمرو ومحمد بن الحسن. وكتب الحديث بالعراق وتفقه بها؛ ثم رحل من ~~العراق-بعد وفاة مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه-إلى مصر، فوجد أصحاب مالك ~~بوفرهم فلزم ابن القاسم رحمه الله وأخذ عنه «الأسدية»، وقدم بها إلى ~~القيروان وسمعها منه خلق كثير مع «الموطأ» وغير ذلك من العلوم، وانتشرت ~~إمامته. # ثم ولاه زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب قضاء إفريقية سنة ثلاث ومائتين، ~~فأقام قاضيا عليها يقضي بين أهلها بالكتاب والسنة، حتى خرج لغزو «صقلية» ~~فجاهد بها الروم وقاتلهم قتالا عظيما، وكانت له بها آثار مشهورة ومقامات ~~مذكورة، وافتتح منها مواضع كثيرة، ثم توفي رحمه الله تعالى من جراحات ~~أصابته وهو محاصر «لسرقوسة» في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة ومائتين، ودفن ~~بذلك الموضع. # ومن ms136 بعض ما أسند عنه من الحديث: عنه عن مالك عن سهيل بن أبي صالح PageV01P255 # عن أبيه عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «تفتح ~~أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا ~~إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا، ~~انظروا هذين حتى يصطلحا». ### ||||| ذكر رحلته وما تم له مع مالك وأهل العراق، وكيف كان سبب تدوينه # الأسدية وما جرى له مع ابن القاسم في ذلك # : # ذكر سليمان بن سالم، صاحب سحنون، أنه أخبره غير واحد [من شيوخه] ~~أن أسدا خرج إلى المشرق في سنة اثنتين وسبعين ومائة، فقصد مالك بن أنس، ~~فلما فرغ من سماعه منه قال له: «زدني يا أبا عبد الله سماعا منك» -وكأنه ~~استقل الموطأ- فقال له مالك: «حسبك ما للناس».وكان مالك إذا سئل عن مسألة ~~كتبها أصحابه، فيصير لكل واحد منهم «سماع» مثل «سماع ابن القاسم».فرأى أسد ~~أمرا يطول عليه، وخاف من طول مقامه أن يفوته ما رغب فيه من لقاء الرجال ~~والرواية عنهم، فرحل إلى العراق. # وذكر غير سليمان : أنه سأل مالكا يوما عن مسألة، فأجابه فيها؛ فزاد ~~أسد في السؤال، فأجابه؛ فزاد أسد في السؤال ، فأجابه؛ ثم زاد، فقال له ~~مالك: # «حسبك يا مغربي! إن أحببت الرأي فعليك بالعراق». # وذكر بعض المؤرخين عن أسد أنه قال : «لقد كان أصحاب مالك-[ابن] ~~القاسم وغيره-يجعلونني أسأل مالكا عن المسألة، فإذا سألته أجابني. # فيقولون لي: «فلو كان كذا وكذا؟ » فأقول له، فضاق علي يوما فقال لي: ~~«سلسلة PageV01P256 بنت سليسلة: إذا كان كذا وكذا، كان كذا وكذا! إن أردت ~~هذا فعليك بالعراق». # قال: فقلت لأصحابي: «تريدون أن تأخذوا العقارب بيدي؟ لا أعود إلى مثل ~~هذا». # وعن أسد قال : دخلت أنا وحارث بن أسد القفصي وغالب صهري على ~~مالك بن أنس لأودعه، فتقدم إليه صاحباي فقالا: «أوصنا يرحمك الله»، ~~فأوصاهما، ثم قال [لي] : «أوصيك بتقوى الله، والقرآن، والمناصحة لهذه ~~الأمة».فلما خرجنا من عنده قال لي صاحباي: «زادك ms137 والله علينا يا أبا عبد ~~الله». # قال سليمان: ولما ودعه ابن القاسم قال له : «أوصيك بتقوى الله، ~~والقرآن، ونشر هذا العلم». # ولما وصل أسد رحمه الله تعالى إلى العراق لقي أصحاب أبي حنيفة، فسمع ~~منهم ودارسهم، فلم يفتح له ما أراد، وكان يجلس في حلقة محمد بن الحسن فلا ~~ينفتح له شيء مما يتكلم عليه، وكان يدرس الليل والنهار ولا ينفتح له شيء. ~~وكان يتعاهد رقاقا يشتري منه الرقوق فشكا إليه وقال: «إني غريب طالب [علم] ~~، وقد نفدت بضاعتي ولم ينفتح لي شيء من العلم، فقال له: «اقرأ علي وأنا ~~أفتح لك وأبين لك أصول القوم».قال: «فكنت أقرأ عليه ويبين لي، وكنت أتعاهده ~~حتى انكشفت لي أصول القوم وظهرت لي مذاهبهم. فلما جلست بعد ذلك في حلقة ابن ~~الحسن تكلمت معهم وناظرتهم، فقال محمد/لأصحابه: انفتح دماغ المغربي! . # قال أسد : «فبينما نحن مع محمد بن الحسن يوما في الحلقة إذ أتاه رجل ~~يتخطى الناس حتى سار محمد بن الحسن، فسمعنا محمدا يقول: «إنا لله وإنا إليه ~~راجعون، PageV01P257 مصيبة ما أعظمها! مات مالك بن أنس. مات أمير المؤمنين ~~في الحديث! » قال: ثم فشا الخبر في المسجد وماج الناس حزنا لموت مالك بن ~~أنس. وكان، بعد موت مالك، إذا حدث عن مالك اجتمع إليه الناس وانسدت ~~عليه الطريق رغبة في حديث مالك، وإذا حدث عن غيره لم يجئه إلا الخواص. # ذكر سليمان بن سالم عن أسد أنه قال لمحمد بن الحسن : «إني غريب قليل ~~النفقة. والسماع منك نزر والطلب عندك كثير، فما حيلتي؟ » فقال لي: «اسمع مع ~~العراقيين بالنهار، وقد جعلت لك الليل وحدك، فتأتي فتبيت عندي، «وأسمعك». # قال: فكنت أبيت عنده. وكنت في بيت في سقيفته-وكان يسكن العلو-فكان ينزل ~~إلي، ويجعل بين يديه قدحا فيه الماء، ثم يأخذ في القراءة، فإذا طال عليه ~~الليل ورآني قد نعست، ملأ يده ونضح به في وجهي، فأنتبه. وكان ذلك دأبي ~~ودأبه حتى أتيت على ما أريد من السماع عليه». # قال أسد رحمه الله تعالى : وكنت ms138 يوما جالسا في حلقة محمد بن الحسن ~~حتى صاح صائح: «الماء للسبيل! » فقمت مبادرا فشربت من الماء ثم رجعت إلى ~~الحلقة، فقال لي محمد بن الحسن: «يا مغربي شربت ماء السبيل؟ » فقلت: # «أصلحك الله، وأنا ابن سبيل» قال: ثم انصرفت فلما كان عند الليل إذا أنا ~~بإنسان يدق الباب، فخرجت إليه، فإذا خادم محمد بن الحسن فقال: «مولاي يقرأ ~~عليك السلام ويقول لك: «ما علمت أنك ابن سبيل إلا في يومي، فخذ هذه النفقة ~~فاستعن بها على حاجتك».ثم دفع إلي صرة ثقيلة فقلت في نفسي: هذه كلها دراهم، ~~ففرحت بها. فلما دخلت منزلي فتحتها فإذا فيها ثمانون دينارا. # وعن بن أبي زيد الفقيه عن عبد الله بن سعيد بن الحداد عن أبيه سعيد قال ~~: # بلغني عن محمد بن الحسن ما أعجبني: وذلك أن أسدا نفدت نفقته، إذ كان يطلب ~~العلم بالمشرق، ولم يبق معه ما يتحمل به في انصرافه إلى إفريقية، فأعلم ~~محمد بن PageV01P258 الحسن بذلك، فأحب إدخال المنفعة عليه، فقال له: «إني ~~أذكر شأنك لولي العهد فأرجو أن يصلك بما تتحمل به إلى بلدك وتقوى به على ما ~~أنت بسبيله»، قال: فلما لقيه ذاكره أمره، فقال له: «يأتي الحاجب يوم كذا ~~وكذا فيوصله إلي».قال: فأعلم محمد بن الحسن أسدا بذلك، وأمره أن يمضي إليه ~~للوعد، وقال له: «اعلم أنك عندهم حيث تضع نفسك فإن أنزلت نفسك في مكان حسن ~~أنزلوك، وإن كان غير ذلك أنزلوك فيه. # فلما كان ذلك اليوم مضى أسد فدخل على الحاجب فأجلسه، ثم دخل إلى ولي ~~العهد، فخرج الحاجب وخادم معه، فأمره بالدخول، فدخل أسد والخادم بين يديه، ~~حتى انتهى به إلى موضع فأمره بالجلوس فيه حتى يرجع إليه. ومضى الخادم فأقام ~~شيئا ثم رجع ومعه مائدة مغطاة فجعلها بين يديه وقال له: «كل» قال أسد: # ففكرت فيما بيني وبين نفسي، وقلت: «أهذه مكرمة أو منقصة؟ ما أرى هذه إلا ~~منقصة».فقلت للخادم: «هذا الذي جئت به منك أو من مولاك؟ » فقال: # «مولاي أمرني أن آتيك ms139 به، وهو أرسلني [إليك] »، فقلت: «إن مولاك لا ~~يرضى بهذا: أن يكون ضيفه يأكل دونه، يا غلام هذا بر منك، وجبت مكافأتك ~~[علي] »، قال: وكانت معي في جيبي أربعون درهما لم يبق معي [من] ~~نفقتي سواها، فدفعتها إلى الخادم، وقلت له: ارفع مائدتك؛ فرفعها. ثم دخل ~~فأعلم مولاه بالذي كان مني. قال: فبلغني أنه لما حكى له ما فعلت وما قلت، ~~قال: «حر والله الذي لا إله إلا هو» ثم خرج إلي الخادم وقال لي: ~~«ادخل».فمضيت حتى دخلت عليه، وهو على سرير ومعلمه على سرير قبالته وسرير ~~ثالث خال ليس عليه أحد. فسلمت، فأمرني بالجلوس على السرير الخالي، فجلست. ~~وأقبل يسألني وأجيبه، فلما قرب انصرافي أخذ رقعة وكتبها وختمها ودفعها إلي، ~~وقال لي: «قف [بها] إلى صاحب الديوان، وتعود إلينا إن شاء الله تعالى، ~~فلك عندنا ما تسر به». # قال: فأخذت الرقعة وخرجت وليس معي شيء ولا بقي معي من نفقتي شيء، فاحتقرت ~~الرقعة، ولم أمض بها. PageV01P259 # فلما كان الغد لقيت محمد بن الحسن فقال لي: «ما صنعت؟ » فأخبرته بالذي ~~كان، فقال لي: «قم الساعة، فوصل الرقعة ولا تتوان» فمضيت فدفعتها إلى ~~صاحب الديوان، فدفع إلي عشرة آلاف، فأخذتها ومضيت إلى محمد بن الحسن، ~~فأعلمته بما كان، فقال لي: «لك فيما وصل [إليك] عون على ما أنت بصدده، ~~وفيها ما تتحمل به إلى بلدك، وإن عدت إلى القوم كنت لهم خادما».قال: فتركت ~~العود إليه . # قال أبو عثمان: والثانية أن أسدا تحدث في مجلس محمد بن الحسن أن بالغرب ~~طائرا يتكلم، قال: فنظر إليه الطلبة و [نظر] بعضهم إلى بعض منكرين لما ~~تحدث به. وفهمت ذلك منهم ولم يرد علي شيئا، وبقيت مغموما بذلك إلى أن بلغني ~~أن غرابا وصل إلى بعض السلاطين هدية من «المغرب».قال: فلم أزل أسعى فيه حتى ~~دفع إلي، فجئت به إلى مجلس محمد بن الحسن، فقلت: «هذا الذي كنت حدثتك أنه ~~يتكلم».وجعلت أريهم كيف يجاوب، فقال لي محمد: «ما أبهمت إذ تحدثت بالحديث، ~~ولا عذر بك ms140 إذ جئت بالمخرج منه، إذ كان خبرا لا تقبله القلوب». # قال: والثالثة أن أسدا كان جالسا مع محمد إذ مرت به امرأة في يدها ثوب ~~تريد أن تبيعه، فدعاها أسد، فأخذ الثوب فنظر إليه ثم قال: «إنه لثوب ~~صحيح».فقال له محمد: «ما هكذا تخاطب النساء، ألا قلت: ثوب صفيق أو ثوب جيد ~~أو ثوب حسن؟ » على الإنكار منه على أسد إذ كلم المرأة بما كلمها به. # قال أسد: قلت يوما لمحمد [بن الحسن] : اختلف الروايات في الذبيح من ~~هو، فقال قوم: إسحاق، وقال قوم: إسماعيل، وقال محمد: أصح الروايات عندنا ~~أنه إسماعيل/، لأن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: فبشرناها بإسحاق ومن ~~وراء إسحاق يعقوب فكيف يختبر [إبراهيم] بذبح إسحاق وقد أعلمه ~~الله PageV01P260 أنه سيولد له إسحاق ويولد لإسحاق يعقوب؟ وإنما الاختبار ~~فيما لم يعرف عاقبته وهو إسماعيل . # وذكر سليمان بن سالم: أن أسدا لما وصل إلى مصر بعد وفاة مالك ~~اجتمع مع عبد الله بن وهب، فسأله عن مسألة فأجابه ابن وهب بالرواية، فأراد ~~أن يدخل عليه غير الرواية، فقال له ابن وهب: «حسبك إذا أدينا إليك الرواية» ~~ثم أتى إلى أشهب، فسأله، فأجابه أشهب، فقال له أسد: «من يقول هذا، أمالك أم ~~أبو حنيفة؟ » فقال أشهب: «هذا قولي، عافاك الله! »، فقال له: «إنما سألتك ~~عن قول مالك وأبي حنيفة، فتقول هذا قولي؟ »، فدار بينهما كلام، فقال عبد ~~الله بن عبد الحكم لأسد: «ما لك ولهذا؟ هذا رجل أجابك بجوابه، فإن شئت ~~فاقبل وإن شئت فاترك».ففرق بينهما، فترك أشهب. # وأتى إلى عبد الرحمن بن القاسم، وهو يختم كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وقد ~~أضنى نفسه من العبادة ، فسأله عن مسألة فأجابه ثم أدخل عليه، فأجابه، ~~حتى انقطع أسد في السؤال. فقال له [ابن القاسم] : «يا مغربي زد وقل لي ~~من أين قلت حتى أبين لك قول مالك» فعند ذلك قام أسد على قدميه في المسجد ~~فقال: «معاشر الناس، إن [كان] مالك بن أنس قد مات، فهذا مالك بن ms141 أنس؛ ~~» فكان يغدو إليه كل يوم، فيسأله ويجيبه ابن القاسم، حتى دون ستين كتابا ~~وسماها «الأسدية». # وقيل: إن ابن القاسم ترك لأسد في سؤاله ختمة. # فلما عزم أسد على الرحيل إلى إفريقية قام عليه أهل مصر فسألوه في ~~كتبه أن ينسخوها، فأبى عليهم، فقدموه إلى القاضي بمصر، فقال لهم ~~القاضي: «وأي سبيل لكم عليه؟ رجل سأل رجلا فأجابه، وهو بين أظهركم فسلوه ~~كما سأله».فرغبوا إلى PageV01P261 القاضي في سؤاله أن يقضي حاجتهم، فسأله ~~القاضي فأجابه إلى ذلك، فنسخوها حتى فرغوا منها. # وعزم أسد على الرحيل فوجه معه ابن القاسم بضاعة وقال له: «إذا قدمت ~~إفريقية فبعها واشتر بثمنها رقوقا، وانسخ الكتب ووجه بها إلي ».فلما ~~قدم أسد إفريقية أظهر الكتب وأسمعها الناس، وانتشرت بإفريقية. # قال : وكان سحنون ومحمد بن رشيد يكتبانها، فلما سمع أسد بذلك شح ~~على الكتب ولم يعطها لأحد. # قال سليمان: قال لي محمد بن سحنون: فبقي على سحنون منها «كتاب القسم» ~~ فأتى رجل من أهل الجزيرة إلى أسد فسأله في «كتاب القسم » ~~فأبى أن يعطيه إياه حتى حلفه أنه لا يعطيه لسحنون، فلما صار الكتاب إلى ~~الرجل أتى به إلى سحنون وقال له: «خذه يا أبا سعيد، فما أعطانيه حتى حلفت، ~~وأنا أكفر عن يميني». # فكملت الكتب عند سحنون. # قال أبو القاسم زياد بن يونس السدري : ولما تهيأ لسحنون الخروج إلى ~~مصر خرج معه مشايخ أهل العلم وفيهم أسد، فقال لسحنون: «أما إنه لو كان معك ~~هذا الديوان لسمعته على ابن القاسم»، فقال له سحنون: «أما إنه في وعائي! » ~~ثم شيعوه وانصرفوا. # فوصل إلى ابن القاسم [فسأله] عن أسد: ما فعل الله به؟ فأخبره ~~بما انتشر من علمه في جميع الآفاق، فسر بذلك عبد الرحمن. ثم شافهه ~~سحنون في PageV01P262 مسائل سأله عنها، فرد عليه جوابها، ثم أحله من نفسه ~~بمحل عظيم. ثم قال له سحنون: إني أريد أن أسمع منك هذه «المدونة» ~~، قال: فاستخار الله عز وجل في ذلك عبد الرحمن، ثم قال: افعل. فبدأ ~~بالسماع عليه حتى ms142 استكملها، وأسقط منها ابن القاسم: «وأظن مالكا قال في هذه ~~المسألة كذا، وكذا، وأخال مالكا قال كذا وكذا» وقال لابن القاسم: «ما وقفت ~~عليه من قول مالك كتبته وما لم تقف عليه تركته وتكلمت فيه بما يظهر لك من ~~ذلك، والله يعينك».فأجابه عبد الرحمن إلى ذلك وتمم له ما أراد. # فلما فرغ كتب له عبد الرحمن كتابا إلى «أسد» يأمره فيه أن يرد «مدونته» ~~على «مدونة سحنون» فلما قدم سحنون بالكتاب دفعه إلى أسد، فلما قرأه أراد أن ~~يفعل ما أمره به من ذلك، فشاور في ذلك جماعة من تلامذته فقالوا له: «لا ~~تفعل، فإنك تتضع عند الناس إن رددت كتبك على كتب سحنون ويسود بذلك عليك ~~وترجع له تلميذا، وأنت قد أدركت مالكا وأخذت عنه، ثم دخلت الكوفة وأخذت عن ~~أبي يوسف ومحمد بن الحسن، فاترك هذا واحمل عن هؤلاء، فقبل منهم كلامهم ~~وفعل ما قالوا له، ولم يقبل كتاب ابن القاسم في ذلك، وتمسك بكتابه ~~«الأسدية» ونشر مذاهب أهل العراق، وتمسك سحنون «بمدونته» التي قدم بها، ~~ونشرها وسمعها عليه أهل المغرب، وانتشر ذكرها في الآفاق. وعول الناس عليها ~~وأعرضوا عن «الأسدية» وغلب عليها اسم سحنون. # والمشهور عن أسد رحمه الله تعالى أنه كان يلتزم من أقوال أهل المدينة ~~وأهل العراق ما وافق الحق عنده، ويحق له ذلك لاستبحاره في العلوم وبحثه ~~عنها وكثرة من لقي من العلماء والمحدثين. # وكان أسد بعد وصول كتاب ابن القاسم إليه، إذا ذكر عنده ابن القاسم، مشرفا ~~له ومعظما. PageV01P263 # وعن عبد الله بن سعيد [بن] الحداد عن أبيه قال: «سمعت معمرا يقول: # دخلت على أسد فوجدته يبكي، فقلت له، «أمصيبة نزلت بك؟ » فقال: «لا، ولكنه ~~جاءني من ابن القاسم كتاب يأمرني فيه أن أعرض كتبي على كتب سحنون، أفأعرض ~~كتبي على كتبه وأنه رتبته؟ » قال: فقلت له: «أنت أهل لما أصابك، أفما ~~عرفت إنما عرف ابن القاسم بك؟ ».فقال لي: «لا تفعل، لو رأيت ابن القاسم لعز ~~عليك أن تقول هذا فيه». # وقيل: ms143 إن أسدا ضرب شيخا من شيوخ إفريقية معروفا بالعلم ومعرفة ~~الحديث لما شهد عليه عنده في وقت ولايته القضاء أنه انتقص ابن القاسم، ~~فضربه على ذلك ضربا عظيما. فهذا يدل على موالاته ومحبته فيه، رضي الله ~~تعالى عنهم. ### ||||| ذكر فضله ومناقبه # : # قال أبو جعفر القصري: كان أسد إمام العراقيين بالقيروان كافة، مشهورا ~~بالفضل والدين، ودينه ومذهبه هو السنة، يقول: القرآن كلام الله عز وجل وليس ~~بمخلوق، وكان يبدع من يقول غير ذلك. # وكان يقول: «إن الله على العرش استوى بلا كيف ويرى في الأخرى كيف يشاء لا ~~كما يشاء العباد»، ويكفر من يمنع من ذلك. # وكان يقول: «والله لو أدخلت الجنة فحجبت عن رؤيته لشككت فيه، ولأنا أسر ~~برؤية ربي مني بالجنة». # وكان-رحمه الله تعالى-يكفر بشرا المريسي ويتكلم فيه بأقبح الكلام، ~~وبلغه أنه وضع كتابا وسماه «بكتاب التوحيد» فقال أسد: «أو جهل الناس ~~التوحيد حتى يضع لهم بشر فيه كتابا؟ هذه نبوة ادعاها».قال أسد: ولقد هممت ~~أن أختلف بألواحي إلى بشر فلم أفعل، فلما قدمت بلغني أنه تزندق وتعدى. # قال : وتحدث أسد بحديث فيه رؤية الله تبارك وتعالى في الآخرة، ~~وسليمان PageV01P264 العراقي آخر المسجد، فتكلم وأنكر، فسمعه فقام ~~إليه وجمع بين طوقه ولحيته واستقبله بنعله، فضربه ضربا شديدا حتى أدماه. # أبو العرب عن جبلة بن حمود قال: [أخبرنا] أبو سليمان داود ~~بن يحيى: # رأيت أسد بن الفرات يعرض التفسير فتلا هذه الآية: (فاستمع لما يوحى إنني ~~أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) فقال أسد عند ذلك: «ويل لأهل البدع، ~~هلكت هوالكهم، يزعمون أن الله عز وجل خلق كلاما، يقول ذلك الكلام المخلوق: ~~(لا إله إلا أنا). # عن ابن الحداد قال : «حدثت عن أسد أن أصحابه كانوا يقرءون عليه يوما ~~في «تفسير المسيب بن شريك »، إلى أن قرأ القارئ: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ~~ربها ناظرة) ، وكان سليمان بن حفص جالسا بين يديه، فقال له: «يا ~~أبا عبد الله: # من الانتظار» وكان إلى جانب أسد نعل غليظ ، فأخذ أسد بتلبيبه ، ~~وكان ms144 أيدا، وأخذ بيده الأخرى نعله وقال: «إي والله يا زنديق، لتقولنها أو ~~لأبيضن بها عينيك! » فقال: «نعم، ننظره». # قيل: لما قدم أسد من المشرق نزل القيروان، وسمع منه المعروفون بصحبته ~~ووجوه PageV01P265 أهلها كسحنون وأمثاله في ذلك الوقت، وسمع عليه كل معروف ~~بصحبته مثل معمر ومحمد بن وهب ومحمد بن قادم وأبي المنهال ~~وسليمان بن عمران وسائر من يقول بقول الكوفيين. ورحل الناس إليه من ~~البلدان، وسمعوا عليه وتفقهوا به. # فذكر عن عبد الخالق المتعبد أنه أتى إليه فقال له: «يا أبا عبد ~~الله، جئتنا بالرأي وتركت الآثار وما كان عليه السلف»، فقال له أسد: «أما ~~علمت يا عبد الخالق أن قول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هو رأي لهم وهو ~~أثر لمن بعدهم، وكذلك [قول] التابعين هو رأي لهم وهو أثر لمن بعدهم؟ ~~وأما ما في كتبي من قول ابن القاسم «أرى، وأظن» فلقد كنت أسأله عن المسألة ~~فيجيبني، فأقول له: «هذا قول مالك؟ » فيقول لي: «كذلك أحسب، وكذلك ~~أرى».وكان ابن القاسم ورعا، وكان نكره أن يهجم على الجواب وهو يشك فيه. ~~ولقد دفع إلي، لما أردت الانصراف إلى إفريقية، كتابا وقال لي: «كنت أجيبك ~~بأجوبة وربما شككت فيها أنها قول مالك. وهذا سماعي من مالك في هذا الكتاب ~~فخذه ليكون عندك، وقابل بما فيه وأصلح ما خالفه عليه»؛ فسكت عبد الخالق. # وعن أبي سنان الفقيه أنه قال: «كنت جالسا عند البهلول وأتاه رجل ~~فقال: # «إني أمرت ابني بشيء وقلت له: «إن لم تفعله فأمك طالق، إن قدرت لك على ~~مال لارددته عليك».فلم يجبه بشيء وسكت عنه إلى أن جاء أسد فقال له: «سل ~~هذا»، فسأله عن المسألة فقال له أسد: «طلق أمه واحدة بائنة، واتركها حتى ~~تنقضي عدتها، ثم رد على ابنك ماله، واخطب امرأتك وتزوجها».فقال له البهلول: ~~«اسمع ما يقول لك». # أبو سنان: كان أسد إذا سرد أقوال العراقيين يقول مشايخ كانوا ~~يجالسونه-ممن PageV01P266 يذهب إلى مذاهب أهل المدينة- «أوقد القنديل ~~الثاني يا أبا عبد الله»، فيسرد أقاويل المدينيين. ms145 # وكان ابن غانم يشاوره ويعجب به. # وكان يقول : «ضربنا في طلب العلم آباط الإبل، واغتربنا في البلدان ~~ولقينا العلماء، وغيرنا إنما طلب العلم خلف كانون أبيه ووراء منسج أمه، ~~ويريدون أن يلحقوا بنا! »، يريد بذلك أبا محرز. # ومدحه محمد بن الحسن بمكة ووصفه بالمناظرة والدراسة والسماع. # وسئل أسد عن الرجل يسأل عن المسألة، وهو يعرف اختلاف الناس في مثلها، هل ~~يفتي بالأقاويل أو يستحسن أحدها فيفتي به؟ فقال: إذا كان المفتي من أهل ~~النظر فلا يفتي بالقولين، لأنه يدع السائل في حيرة، ولكنه يفتي بأحسن ~~الأقاويل عنده؛ وإن كان من غير أهل التمييز فليخبر المستفتي بما روي عن ~~العلماء ولا يتخير له. # سليمان بن عمران، سمعت أسدا يقول: أهل الكوفة إذا أرسلوا في الرواية ~~عن عبد الله فهو ابن مسعود، وأهل المدينة إذا أرسلوا عن عبد الله فهو ~~ابن عمر. # قال أسد: معنى القول الذي قالته العلماء في النجاسة إذا وقعت في الغدير: ~~أنها لا تفسده حتى يكون إذا حركت ناحية منه تحرك أعلاه وأسفله . إنما ~~معنى ذلك إذا أنت حركت ناحية منه تحركت النواحي بتحريكك في وقته، وليس هي ~~تحريك الناحية التي تحركها فتتحرك غيرها بعد ذلك الوقت بتتابع الأمواج. # سليمان [بن عمران]: عرض لنا أسد «كتاب الأشربة» ، فمر فيه: لا بأس ~~PageV01P267 بشرب المنصف، لأن عنب خراسان كثير العسل قليل الماء فهو ينعقد ~~على النصف . # وأما غيره فلا يجوز حتى ينعقد وإن بلغ الثلثين . قال: ولقد اختبرنا ~~عنبنا «بمجردة» فوجدناه لا ينعقد إلا على الثلاثة أرباع، لأنه قليل ~~العسل كثير الماء، ولا يحل قبل انعقاده. وكذلك قال أهل العلم: إذا انعقد ~~قبل أن يبلغ الثلثين حل، لأن الحكم فيه انعقاده. ولا يشرب الطلاء حتى ~~يصير أصفر كعسل النحل. # /قال سليمان: وكتب إلي رجل من «قمودة» من طلبة العلم أن أسأل أسدا عن ~~النبيذ: أحلال هو أم حرام؟ .فسألت أسدا عن ذلك فقال: «إن النبيذ أخبث ~~الخبائث، ليس تقوم بالنبيذ عبادة ولا صيام ولا صلاة ولا جهاد ولا صدقة، ~~إنما ms146 يقوم به مزمار أو عود أو طنبور، فلو لم يعتبر تحليله من تحريمه إلا ~~بأخواته التي تقارنه [لكفى] ». # سليمان قال: سمعت أسدا يقول: شهدت عند ابن غانم على غلام بالبلوغ، فلما ~~خرجت من عنده وإذا الخصوم قد غيروا علي هاني بن أبي خيثمة، وهو الذي شهدت ~~عليه، فقال لي: يا أبا عبد الله، اتق الله! لا تشهد على غلام بالبلوغ وأنت ~~لا تعلم ذلك إلا بالنظر. قال أسد: فقلت له: ويحك! هذا من الأمور التي يشهد ~~على ظاهرها كما أشهد أنك هاني بن أبي خيثمة، ولم أعاين أباك حين قذفك نطفة ~~في رحم أمك. قال: فسكت عني. # وكان أسد يقول: «يا معشر طلبة العلم؛ إنكم تنوبون للمسلمين نيابة عظيمة، ~~بتقييدكم العلم عليهم، فلكم في بيت مال المسلمين حق لذلك، وكذلك قالت ~~العلماء: من ناب نيابة للمسلمين فله في بيت مالهم حق. # وكان أسد يقول: ثلاثة لا غيبة فيهم: صاحب بدعة، وأمير غشوم، ومن ألقى ~~جلباب الحياء وظاهر بالسوء. # ابن الحداد، قال: بلغني عن أسد أنه كان يختلف إليه شاب يطلب عليه العلم، ~~PageV01P268 فبينما هو ذات يوم جالس معه إذ سأله عن صناعته، فسمى الشاب له ~~صناعته، فقال له أسد: «قم! »؛ بانتهار. فقال له الشاب: «ما قصتي أصلحك ~~الله؟ إن كنت أنكرت صناعتي تركتها» فقال له أسد: «ما أنكرتها، ولكني أنكرت ~~تعطيلك لحانوتك الذي منه معاشك، وتقوى به على طلب العلم، وصاحب الحانوت ~~إنما هو بالحرفاء فإذا جاءك حريفك اليوم ولم يجدك وغدا فلم يجدك وبعد ~~غد مثل ذلك، استبدل بك غيرك، فضررت بنفسك وبمن تعوله. ولكن إن عزمت فاجعل ~~لنفسك يوما أو يومين [في] الجمعة يعلم حرفاؤك بمغيبك عن حانوتك في ذلك ~~اليوم أو اليومين، فيأخذون ما يحتاجون إليه قبل مغيبك»، ثم قال له أسد: ~~«انظر إلى هؤلاء الذين يأتوننا ، إنما هم أهل حرث وحصاد، فإذا كان وقت ~~حرثهم وحصادهم لم تر منهم أحدا يجيء إلينا، فإذا انقضى حرثهم أو حصادهم ~~عادوا إلى ما كانوا فيه». # وكان على فهمه وعلمه، ms147 أحد الشجعان وكانت له مقامات في الدين مشهودة. ### ||||| ذكر سبب ولايته القضاء وسيرته في ذلك، وولايته على الجند الخارجين إلى غزو # صقلية، وبعض ما جرى له من المقامات والأخبار # : # ذكر بعض المؤرخين أن سبب ولايته القضاء أن علي بن حميد لم يزل ~~يتلطف بزيادة الله في عزل «أبي محرز» وولاية «أسد» وعظم عنده شأنه واشتهاره ~~بالفقه والعلم، فأجابه إلى ذلك، وأقر أبا محرز على القضاء وولى معه أسدا، ~~فكانا يقضيان جميعا-ولم يعلم قبلهما قاضيان في مصر واحد ووقت ~~واحد-وذلك سنة أربع ومائتين. PageV01P269 # ولم يزالا على ذلك حتى ثار منصور الطنبذي وجماعة الجند على زيادة الله ~~وحاصروه في «القصر القديم» نحوا من اثنتي عشرة سنة، وملك منصور مدينة ~~القيروان وإفريقية، ونزل بعسكره بين شرقي مدينة القيروان وقبليها ، ~~وخندق خندقا هناك، فخرج إليه «أسد» وأبو محرز وهما جميعا قاضيان، فدخلا على ~~منصور-وعنده وجوه الأجناد وغيرهم-فقال لهما منصور في كلام كان منه: «اخرجا ~~معنا، أما تعلمان أن هذا البائس ظلم المسلمين؟ » فأما أبو محرز فإنه خاف من ~~منصور وأصحابه فقال: # «نعم، وظلم اليهود والنصارى».وأما أسد فقال لهم: «قد كنتم أعوانا له ~~قبل هذا الوقت، وأنتم وهو على مثل هذا الحال، وكما وسعنا الوقوف عنه وعنكم ~~فكذلك يسعنا الوقوف عنه وحده» قال: فصال عليه بعض الجند، فانصرفا جميعا ~~وهما خائفان. ثم انهزم منصور في شهر رمضان من سنة إحدى عشرة ومائتين، وفتح ~~الله عز وجل لزيادة الله، ورجع إليه ملك إفريقية، وهدم سور مدينة القيروان. # قال سليمان بن عمران : «كنت حضرت في أيام أبي العباس في هدنة ~~صقلية، وقد جمع شيوخ القيروان ووجوههم، وكنت فيمن حضر، فكتب بين يديه كتاب ~~الهدنة وقرئ على جماعة الناس. وكان فيه: إن من دخل إليهم من المسلمين وأراد ~~أن يردوه إلى المسلمين كان ذلك عليهم. فلما قدم «فيمه» [الرومي] ~~ في هذه الهدنة أيام زيادة الله رفع إليه أن عند الروم أسارى من ~~المسلمين، فجمع زيادة الله الناس، وأحضر أسدا وأبا محرز، وسألهما عن ذلك، ~~فأما أبو محرز فقال: ms148 «نستأني في هذا الأمر حتى يتبين» وأما أسد فقال: «نسأل ~~رسلهم عن ذلك».فقال أبو محرز: «وكيف نقبل قول الرسل عليهم أو دفعهم عنهم؟ ~~».فقال أسد: «بالرسل PageV01P270 هادناهم وبالرسل نجعلهم ناقضين. قال الله ~~عز وجل: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون) ، فكذلك لا ~~نتماسك به. ونحن الأعلون» قال: فسأل زيادة الله عند ذلك الرسل ~~فقالوا: «نعم، حبسوهم. لأنهم في دينهم لا يحل لهم ردهم» قال: وكان في الرسل ~~مسلم. # قال: فأمر يومئذ زيادة الله بالغزو إليها، فسارع أسد إلى الخروج. فكأن ~~زيادة الله تثاقل عن ذلك، فكان أسد يقول: «وجدوني رخيصا فلم يقبلوني، ~~وقد أصابوا من يجري لهم مراكبهم من النواتية، فما أحوجهم إلى من يجريها لهم ~~بالكتاب والسنة». # قال أحمد بن [أبي] سليمان : كره علماء إفريقية غزو صقلية للعهد الذي ~~كان لهم، لأنه لم يصح عندهم أنهم نقضوا العهد. # فلما ولى زيادة الله أسدا على تلك الغزاة، وعزم عليه في ذلك قال ~~له: # «أصلح الله الأمير، من بعد القضاء والنظر في حلال الله تعالى وحرامه ~~تعزلني وتوليني الإمارة؟ » فقال له زيادة الله: «إني لم أعزلك عن ~~القضاء/بل وليتك الإمارة، وهي أشرف من القضاء، وأبقيت لك اسم القضاء؛ فأنت ~~قاض أمير». # فخرج أسد على ذلك، ولم تجتمع الإمارة والقضاء لأحد ببلد إفريقية إلا لأسد ~~وحده. قال أبو العرب: وكان خروجه إلى صقلية في شهر ربيع الأول سنة اثنتي ~~عشرة ومائتين. وكان معه في جيشه نحو من عشرة آلاف فارس. # وذكر بعض مشايخنا أن أسدا لما خرج على الجيش متوجها إلى «سوسة» ~~ليركب إلى صقلية، خرج معه وجوه أهل العلم وجماعة الناس ليشيعوه، وأمر زيادة ~~PageV01P271 الله أن لا يبقى أحد من رجاله إلا شيعه. فركب أسد في جمع عظيم. ~~فلما رأى جمع الناس بين يديه و [من] خلفه وعن يمينه وعن شماله، وقد ~~صهلت الخيول وضربت الطبول ونشرت البنود، قال: «لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له»، ثم قال: «والله، يا معشر الناس، ما ولي لي أب ولا جد ولاية ms149 قط، ~~ولا رأى أحد من سلفي مثل هذا قط.وما رأيت ما ترون إلا بالأقلام، فأجهدوا ~~أنفسكم وأتعبوا أبدانكم في طلب العلم وتدوينه ، وثابروا عليه ~~واصبروا على شدته، فإنكم تنالون به الدنيا والآخرة». # [حكى] سليمان بن سالم: إن أسدا لما وصل إلى صقلية زحف «بلاطة» ملك ~~صقلية في خلق عظيم، يقال إنه [كان] في مائة ألف وخمسين ألفا. قال ابن ~~أبي الفضل: فرأيت أسد بن الفرات وفي يده اللواء وهو يزمزم فحملوا عليه، ~~فكانت فينا روعة [شديدة] ، وأقبل أسد على قراءة «يس»، فلما فرغ منها ~~قال للناس : # «هؤلاء عجم الساحل هؤلاء عبيدكم. لا تهابوهم! »؛ وحمل باللواء وحمل الناس ~~معه، فهزم الله عز وجل «بلاطة» وأصحابه. فلما انصرف أسد رأيت-والله-الدم قد ~~سال مع قناة اللواء مع ذراعه حتى صار تحت إبطه. # ومعنى قول أسد: هؤلاء عجم الساحل، يعني الذين كانوا هربوا من الساحل لما ~~فتحت إفريقية. # وكتب زيادة الله بن الأغلب بفتح صقلية على يدي أسد بن الفرات إلى ~~«المأمون». # ويقال إن أسدا قال «لفيمه» النصراني الرسول: «اعتزلنا، فلا حاجة ~~لنا بأن PageV01P272 تعينونا» وقال: «اجعلوا على رءوسكم سيماء تعرفون بها، ~~لئلا يتوهم واحد منا أنكم من هؤلاء المواقفين لنا، فيصيبكم بمكروه».فجعلوا ~~على رءوسهم الحشيش، فكانت تلك سيماهم. # قال سليمان بن سالم : وكان أسد و «ابن قادم» قد اختلفا، وذلك ~~أن أسدا لما وصل بالناس إلى صقلية أضر بالناس الجوع حتى أكلوا لحم الخيل. ~~فمشى الناس إلى ابن قادم، فمضى إلى أسد وقال له: «ارجع بنا [إلى] ~~إفريقية، فإن حياة رجل مسلم أحب إلينا من [أهل] الشرك كلهم» فقال له ~~أسد: «ما كنت لأكسر غزوة على المسلمين، وفي المسلمين خير كثير»، فأبى عليه ~~الناس ذلك، فأراد حرق المراكب. فبدرت من ابن قادم كلمة، فقال: «على أقل من ~~هذا قتل عثمان بن عفان» فتناوله أسد بالسوط، فضربه ولم يجرده، وإنما ضربه ~~أسواطا يسيرة، قدر ثلاثة أو أربعة. وتمادت عزيمته وبصيرته ، فقاتل ~~الروم قتالا شديدا حتى قتلهم وهزمهم واستأصلهم. # وسكنها المسلمون واستوطنوها، ثم شاء الله ms150 تعالى، بذنوب أهلها، أن أوقع ~~بهم عدوهم. نسأل الله تعالى حلمه وأمانه وعافيته لمن بقي بها من المسلمين، ~~وارتداد الكرة لهم على عدوهم، وعونه وتأييدهم على عدوهم والتوبة ~~عليهم آمين. PageV01P273 ### $ 105 - ومنهم أبو محرز محمد بن عبد الله بن قيس بن يسار بن مسلم الكناني # القاضي ، رحمه الله تعالى. # ذكر ابن شعبان القرطي ، أنه من المعدودين من أصحاب مالك. ولاه إبراهيم ~~بن الأغلب القضاء على كره منه. وكان رحمه الله يجلس للخصوم في داره وجعل ~~للنساء يوما عند بابه الذي في «زقاق ابن دينار». # قال أبو العرب : كان أبو محرز مبتلى بصب الماء ، وكان شديد الورع، ~~فرفع إلى إبراهيم بن الأغلب أنه في وقت وضوئه ينزع خاتمه من أصبعه ويطرحه ~~في بيته، فيطبع به أهله ما أحبوا. قال: فترصده إبراهيم يوما في وقت ~~وضوئه، فوجه إليه خادمين، فوجداه، في هيئة الوضوء، فقالا له : «يقول لك ~~الأمير: أين خاتمك؟ ».فقال لهما: «ها هو ذا»، فإذا هو في عنقه معلق في ~~خيط.فرجعا إلى الأمير فعرفاه بذلك، فتعجب من ذلك. # وكان أسد أوسع من أبي محرز علما وأغزر فقها، وكان أبو محرز أقل علما ~~وأكثر صوابا في كثير من الأوقات. # قال محمد بن زرزر : قال الأمير زيادة الله بن إبراهيم لأسد وأبي ~~محرز: «ما تقولان في دخول الحمام مع الجواري؟ » فقال له أسد: «ما بذلك بأس، ~~هن إماؤك، ونظرك إليهن وإلى فروجهن حلال».فخالفه أبو محرز في ذلك وقال ~~للأمير: # «إن كان يحل لك أن تنظر إلى عوراتهن فلا يجوز لبعضهن أن تنظر إلى عورة ~~بعض». PageV01P274 # وذكر الفقيه أبو القاسم بن شبلون ، رحمه الله تعالى، قال: حدثونا أن ~~رجلين استعدى أحدهما على الآخر عند أبي محرز القاضي، وأثبت عنده شاهدين ~~بعد أن كشف عنهما، فعدلا. فلما أراد أن يوجه الحكم على المشهود عليه؛ بعد ~~أن أعذر [إليه] ، أتاه المشهود عليه بعد صلاة المغرب فهجم عليه في ~~سقيفته، وقال: «أيها القاضي! عزمت [على] أن تحكم علي؟ »، قال القاضي: ~~«نعم! »؛ قال المشهود عليه: «امرأته طالق ثلاثا، ms151 وكل مملوك له حر إن ~~كان شهد علي هذان إلا بزور! » فقال أبو محرز: «ليس هذا علي، وأنا قد كشفت ~~عنهما فلم يبلغني عنهما إلا خير».ثم أصبح أبو محرز إلى مجلس قضائه، فجلس. ~~فأقبل المشهود له فقال له: «احكم لي أصلحك الله».فقال: «نعم، لكن تأتي ~~معك/بالشاهدين اللذين شهدا لك، فإني أريد أن أسألهما عن شيء بقي علي لم ~~أسألهما عنه».فمضى الرجل فأحضرهما، فلما جلسا في مجلس القاضي أبي محرز قال ~~القاضي بأعلى صوته: «يا شكرديد! إن في حلقتي شاهدي زور، فامض إلى «باب ~~سلم» فجئني بجملين حتى أحملهما عليهما »، فمضى «شكرديد».فالتفت أحد ~~الشاهدين إلى الآخر [وقال] : «قم بنا فإنا نراد. ما أحسبه يحمل على ~~هذين الجملين غيرنا» فهربا متسللين حتى غابا. فلما أتى «شكرديد» بالجملين ~~قال «أبو محرز» للمشهود له: «أين شاهداك؟ » فقال: «ها هنا كانا الساعة، ولا ~~أدري أين توجها! » فقال له أبو محرز: «يا عدو الله! تجترئ علي بشهود الزور؟ ~~» وهم بضربه. PageV01P275 # وقال السقيفي : بلغني أن أبا محرز كان يوما عند أبي العباس وهو متزر ~~ فكأن أبا العباس وجد من ذلك. # وكان أبو محرز يوما عند أبي العباس بن إبراهيم بن الأغلب ، وعلى رأسه ~~عبد له أسود. فقال أبو العباس: «يا أبا محرز، لو رأيت هذا وما يصنع في ~~الغارات لرأيت عظيما» فقال أبو محرز: «إنه لا يعرف الله» فقال له أبو ~~العباس: «وكيف ذلك؟ » فقال أبو محرز للعبد: «محمد النبي من الملائكة هو أم ~~من الإنس؟ » فقال العبد: «هو ربي وربك! » فقال أبو محرز: «ربي وربك الله» ~~ثم قال له: «قد أخبرتك أنه لا يعرف الله تعالى». # قال سليمان بن عمران: أخذ في زمن زيادة الله زنديق، فأرسل إلى أسد وأبي ~~محرز وزكريا بن محمد-وكان من أصحاب مالك-يسألهم عن وجه الحكم فيه. # فقال أبو محرز: «يستتاب، فإن تاب وإلا قتل».ووافقه أسد. وقال زكريا بن ~~محمد بن الحكم: «قد روى أهل العلم أنه من كان يظهر الإسلام واطلع عليه بغير ~~ذلك لم تقبل توبته».فقال أبو محرز: «فاعطه السيف ms152 ليقتله» قال: «إنما رويت ~~هذا ولا آخذه» فقال له أبو محرز: «يا أحمق! أفتجرئ هذا على قتله، وأنت لا ~~تأخذه؟ ». # فقال أسد: «لو قتل بعد توبته عندي لكان شهيدا» قال: فدعا زيادة الله ~~بالزنديق، فاستتابه فلم يتب، فضربت عنقه. # والصواب ما قاله زكريا : إنه لا تقبل توبته بعد القدرة عليه. لأن ~~توبته لا تعرف حقيقتها، لأنه يمكن أن يكون إنما تاب فرارا من السيف، فلا ~~يصح إيمانه إلا بيقين، كما إنه لا يصح كفره إلا بيقين. فإذا تاب قبل القدرة ~~عليه قبلنا توبته، PageV01P276 لأنه لو كان مقيما على زندقته ما جاءنا ~~تائبا، فلما جاءنا من قبل أن نقدر عليه علمنا صحة توبته، وهذا هو مذهب أهل ~~المدينة. وإنما تقلد أبو محرز وأسد في هذه المسألة مذاهب أهل العراق، رضي ~~الله تعالى عنهم أجمعين. # قال أبو العرب : يذكر عنه أنه كان لقنا ذهنا. وكان يروي عن عباد بن ~~كثير وعبد الله بن فروخ. # ويقال إن جده قيسا صحب النبي. ### ||||| ذكر ولايته القضاء # : # لما توفي ابن غانم قال ابن الأغلب له: «قد عزمت عليك لنوليك القضاء ~~ فقال له أبو محرز: «لست أصلح لهذا الأمر ولست أطيقه»، فقال له إبراهيم ~~بن الأغلب: «لو كان الأغلب بن سالم ويزيد بن حاتم باقيين لم أكن أنا أميرا، ~~ولو كان ابن أنعم وابن فروخ باقيين لم تكن أنت قاضيا، ولكل زمان رجال وعلى ~~الأمير أن يختار»، فقال أبو محرز متمثلا: # خلت الديار فسدت غير مسود %~% ومن الشقاء تفردي بالسؤدد # فقال له: «قد وليتك القضاء» فامتنع، فأمر به عامر بن معمر صاحب ~~الشرطة فأخذ بضبعه وأخرجه من باب المقصورة إلى المسجد الجامع، فأجلسه ~~وأمره بالنظر بين الخصوم. فرأى الناس أبا محرز وقد تقدمت الخصوم بين ~~PageV01P277 [يديه] ، فلما نظر بين الناس كبروا، فسمع إبراهيم تكبيرهم ~~من داره فقال: «قد قبل أبو محرز القضاء». # قال : ولما ولي أبو محرز القضاء جمع كل عبد له وماشية وأراهم للناس ~~وقال لهم: «هذا ما أملكه، وإنما أوقفتكم عليه لتعلموا أنني متى زدت ms153 على ذلك ~~فاعلموا أني خائن ». # وكان بين أسد وأبي محرز ملاحاة ومباعدة، إلا أنه على ما كان بينهما لم ~~يستحل أحدهما من صاحبه ما نهاه الله تعالى عنه. # لقد ذكر بعض المؤرخين أن أسدا انصرف يوما من عند زيادة الله فقال لبعض ~~أصحابه: «لله در أبي محرز! له، والله، دين يشح به. والله ما أباح دينه على ~~ما كان بيني وبينه من الشحناء» قيل له: «وكيف ذلك؟ » قال: «كنا اليوم عند ~~زيادة الله حتى دخل عليه أبو شيخ المفسر ، فقال: أصلح الله الأمير؛ ~~رأيت لك البارحة رؤيا حسنة فلتهنك ! ، فقال زيادة الله: وما رأيت يا ~~أبا شيخ؟ ، فقال: رأيت جبريل عليه السلام وقد قبل يدك، فانتفخ لها ~~زيادة الله وتبارى فوق سريره»، قال أسد: «فسمعت أبا محرز وهو يقول ~~بكلام خفي: كذب والله أبو شيخ! ، فقلت في نفسي: والله لا تسبقني إليها يا ~~أبا محرز! فبدرته وقلت: # كذب أبو شيخ! فتغيظ علي زيادة الله وتربد وجهه وقال: كيف ذلك يا أسد؟ فلم ~~أحر جوابا، فتداركني أبو محرز-ولولا ذلك لهلكت-فقال: أيها الأمير؛ كذب ~~والله أبو شيخ وصدق أسد. قال: وكيف ذلك؟ فلم يزل يكلمه ويبين له، ~~PageV01P278 فأطرق زيادة الله وخرجنا من عنده ». # وذكر عن أبي العباس محمد بن عبدون قال : «بعث الأمير زيادة الله في ~~طلب أبي محرز وأسد، وهما قاضيان، ليشهدهما على شراء اشتراه. فأقبل أسد إلى ~~قنطرة «باب أبي الربيع» فألفى أبا محرز واقفا ينتظره وبعض رسل الأمير معه، ~~وكانت بينهما وحشة، فقال له: «كيف أصبحت يا أبا محرز؟ » فلم يرد عليه شيئا. # فمشيا حتى دخلا على زيادة الله، فأجلس أبا محرز عن يمينه وأسدا عن يساره، ~~ثم دفع الكتاب إلى أسد ليقرأه، فنسي «بسم الله الرحمن الرحيم» وقال: «هذا ~~ما اشترى الأمير فقال له/أبو محرز: «أخطأت! »، فقال أسد: «أيها ~~الأمير، لقيته فسلمت عليه فلم يرد علي، ولم أقرأ غير كلمتين من الكتاب فقال ~~لي: # «أخطأت»، فنظر زيادة الله إلى أبي محرز، فقال أبو محرز: «ما سلم علي، ولو ms154 ~~سلم علي لرددت عليه، وما كنت أستجيز ترك ذلك، وإنما قال لي: كيف أصبحت؟ ~~[وقد] أصبحت مغموما، ولو أعلمته لسررته ، [وقرأ فلم يذكر «بسم ~~الله الرحمن الرحيم» فأخطأ] ». # فلما انقضى أمر الكتاب دخل الحاجب وقال : «أصلح الله الأمير. بالباب ~~رجل يذكر أنه رأى رؤيا للأمير، وهو يجب أن يقصها على الأمير، فقال: # «اكتبها عنه وجئني بها» فقال: «قد أردت ذلك منه، فقال: لا أقصها إلا ~~على الأمير» قال: «إئذن له» فدخل، [فقال: «ما رؤياك] فقال: «رأيت كأن ~~جبريل هبط من السماء إلى الأرض ومعه نور حتى وقف بين يديك وصافحك» فقال ~~PageV01P279 زيادة الله: «هذا عدل يجريه الله عز وجل على يدي»، فقال أسد: ~~«كذب الشيخ أيها الأمير»، فغضب زيادة الله [حتى رئي الغضب في وجهه، ثم ~~التفت إلى أبي محرز كالمحرك له على أسد، لما يعلم بينهما] ، فقال ~~أبو محرز: «صدق أسد» [وكذب الرجل] ، وأتى بحجة يبين بها كذب الرجل ~~، ثم قال: # «أصلح الله الأمير، إن هذا وأمثاله يأتونك بمثل هذا طلبا لدنياك، ~~فاتق الله عز وجل » [فسكت زيادة الله]، وخرج [الرجل، وقام] أبو ~~محرز وأسد، فلما خرجا قال أسد لأبي محرز: «أحسن الله جزاءك! رددت عني زيادة ~~الله»، فقال أبو محرز: «إنما فعلته لله عز وجل لا لك». # وكان رحمه الله تعالى، يبعد عن كل من فيه شبهة أو من يطلع من أحواله ~~على دنس. ولقد ذكر سليمان بن محمد عن الصف القبلي من الرهادنة ~~[والرفائين] وبعض حوانيت الكتانين وما وراء ذلك أنها كانت دورا لقوم، ~~فبنيت حوانيت وسميت «الحوانيت الجدد»، ونقل الناس من أسواقهم إليها وأخذوا ~~الناس بسكناها وعمارتها للأمير؛ وكان لأبي محرز صديق أخذ بسكنى حانوت منها، ~~فأقبل يوما ليدخل على أبي محرز على عادته، فصاح به: «ارجع وراءك» فقال: ~~«أصلح الله القاضي، إني مجبر على سكناها. ومع هذا فإني اشتريت الحانوت من ~~أصحابه».قال القاضي: [«هب أنك اشتريت الحانوت من أصحابه] ، فما تفعل ~~بطريقك إلى الحانوت؟ ممن تشتريه ؟ ». PageV01P280 ### $ 106 - ومنهم أبو عمرو البهلول بن عمر بن صالح ms155 بن عبيدة بن حبيب بن # صالح التجيبي ، رضي الله تعالى عنه. # ذكر ابن يونس وابن شعبان أنه من جملة أصحاب مالك من أهل إفريقية. # حدث أحمد بن يحيى بن مهران عن البهلول بن عبيدة، قال : «ما رأيت ~~أحدا أنزع بآية من كتاب الله عز وجل من مالك بن أنس، وما رأيت أحدا أعظم ~~قدرا في بلده من الليث بن سعد، وما رأيت أحدا أحسن سمتا من البهلول ابن ~~راشد، وما رأيت أحدا أخشى لله تعالى من عبد الله بن فروخ». # وعن أبي داود العطار، صاحب سحنون، قال: «سمعت البهلول [بن عبيدة] ~~يقول : «كنت جالسا عند مالك فأتي برجل ملبب فقالوا لمالك: الأمير يقرأ ~~عليك السلام ويقول لك: هذا رجل خنق رجلا فقتله، فقال مالك: # اخنقوه كما خنقه حتى يموت. قال: فمضوا به، فتغير وجه مالك وعلته صفرة ~~وتشوف إلى الزقاق حتى مر رجل فسأله: ما فعلوا بالرجل؟ فقال: خنقوه حتى ~~مات».قال بهلول بن عبيدة: «فرأيت الدم رجع إلى وجه مالك، فقال له ابن ~~كنانة: ما الذي رابك يا أبا عبد الله؟ فقال: وما ظننتم؟ أظننتم أني ندمت في ~~الفتوى؟ فقالوا: نعم، فقال: لا، ولكني تغيرت خوفا أن يبطل حكم من أحكام ~~الله عز وجل، فلما نفذ حكم الله في الفاعل زال عني ما كنت فيه». # قال بهلول بن عبيدة : «جمعنا زيادة الله بن الأغلب وشاورنا في قاض، ~~وكنا PageV01P281 # جماعة، وكان فينا ابن الصمادحي».قال بهلول: «فلما حضرت الصلاة قلت ~~لهم: # إن قدمنا أحدا منا رأى هذا-يعني السلطان-أنه خيرنا فيوليه القضاء، لكن ~~قدموا موسى بن معاوية الصمادحي، فإنه ليس له في هذا الأمر نصيب، إذ هو ~~مكفوف البصر. فقدمناه، فصلى بنا ». ### $ 107 - ومنهم أبو عبد الله زرارة بن عبد الله ، رضي الله تعالى عنه. # روى عن مالك وابن فروخ والليث. # توفي، رضي الله تعالى عنه، سنة ثمان وثلاثين ومائتين . # حدث زرارة، قال: كنت جالسا عند مالك فجاءه رجل فقال: «يا أبا عبد الله، ~~إن لي أبا ببلد السودان ولى أم أنا معها، ms156 فأبى يكتب إلي بالنهوض إليه، وأمي ~~تنهاني عن الخروج إليه، فما تأمرني؟ » فقال له مالك: «أطع أباك ولا تعص ~~أمك» فقلت له: «يا أبا عبد الله، ما ترى؟ » فانتهرني وقال: «أتريد مني أن ~~آمرك أن تعصيهما جميعا؟ » قال: ثم سألت الليث بن سعد، فقال: «أطع أمك، فقد ~~جاء البر بها ثلاثا».وسألت حمادا فقال مثل قول الليث. PageV01P282 ### $ 108 - ومنهم أبو الحجاج رباح بن ثابت الأزدي ، رحمه الله تعالى. # سمع من مالك وابن أبي ذئب. # قيل إنه قال في دعائه : «اللهم إنك تعلم أني إنما عبدتك حبا لك وشوقا ~~إلى وجهك الكريم، فأبحنيه مرة واصنع ما شئت». # وكان حلف ألا ينام مضطجعا ولا يضحك أبدا ولا يأكل سمينا. فما رئي ~~ضاحكا ولا مضطجعا ولا آكلا سمينا حتى مات، رضي الله تعالى عنه. # وتوفي سنة سبع وثلاثين ومائتين، وصلى عليه سحنون. # حدث أبو الحجاج رباح [قال] : قال أبو معمر عباد بن عبد الصمد عن أنس ~~بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه] قال : «من قال بسم الله ~~الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عشر مرات/برئ [-أو ~~خرج-] من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وعوفي من بلايا الدنيا. منها: الجذام ~~والبرص والريح، ويبعث الله عز وجل سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى الليل، ~~وهي رقية من تسعة وتسعين داء». PageV01P283 ### $ 109 - ومنهم أبو محمد عبد الله بن أبي حسان اليحصبي ، رضي الله تعالى عنه. # سمع من مالك وابن أبي ذئب. # ومن بعض ما أسند عنه: عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، قال: # أخبرني عبد الله بن يزيد، وهو أبو عبد الرحمن الحبلى، قال : كان عبد ~~الله بن عمر جالسا فقال: «ألا أعلمكم كلمات كان رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، يعلمهن أبا بكر يقولهن حين يريد أن ينام؟ » قال: قلنا: «بلى»، فأخرج ~~إلينا قرطاسا، فإذا فيه: # اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت رب كل شيء ومليكه، ~~أشهد ألا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا ms157 عبدك ورسولك والملائكة ~~يشهدون. اللهم إني أعوذ بك من الشيطان وشركه، وأعوذ بك أن أقترف على نفسي ~~سوءا أو أجره على مسلم». # حدث أبو سهل فرات بن محمد العبدي قال : سمعت عبد الله بن أبي حسان ~~يقول: «أتيت مالك بن أنس، فوجدته قد ارتفع وباب داره مغلق، فضربت الباب، ~~فخرجت إلي جارية [صفراء] ، فقالت [لي] : «أمن أهل المسائل أنت أم من ~~أهل الحوائج؟ » فقلت: «رجل غريب [أتيت إلى] أبي عبد الله مسلما عليه، ~~فقالت [لي] : «ليس هذا وقتك، أدخل إلى السقيفة»، فدخلت. # فلما كان وقت خروجه فتحت الباب، فإذا مجلس كبير مفروش بالنمارق ~~PageV01P284 والمتكآت من أول المجلس إلى آخره، وفي صدر المجلس نمرقة ~~عظيمة ومتكئة على اليمين وأخرى على الشمال وأخرى إلى الحائط.فقلت في ~~نفسي: هذا مجلس الشيخ أبي عبد الله. ثم دخلت فخرجت وفي حضنها مراوح . ~~فوضعت على كل متكئة مروحة، ثم دخل مشايخ فقعدوا، ثم خرج مالك يتهادى بين ~~تلك الجارية الصفراء وفتى، ورجلاه تخطان في الأرض من الكبر ، وكأني ~~انظر إلى جماله وبهائه وإلى شعر رأسه وقد تعقف جعودة، حتى أتيا به إلى ذلك ~~المجلس، فجلس وسوى عليه ثيابه. # فلما استوى جالسا سلم فعم بسلامه أهل المجلس فردوا عليه السلام، فقمت ~~فدفعت إليه كتاب ابن غانم، فقال: عاد صاحبك على القضاء؟ فقلت: نعم. # فقال: ما ذاك بخير له. ثم قرأ الكتاب، فالتفت إلى القوم فقال ~~لهم: هذا كتاب ابن غانم أتاني في هذا الرجل، يخبرني عن حاله في بلده وقدره، ~~وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتاكم عميد قوم ~~فأكرموه».قال: فقمت من بين يديه، فأوسع لي رجل، فجلست. فذكروا العلم فقال ~~مالك: لا يؤخذ هذا العلم إلا عن الموثوق بهم في دينهم، الحسن مخبرهم، [قال] ~~: ثم يأتي الرجل فيسأله عن المسألة، وأنا قاعد، فربما قال: «العلم أوسع ~~من ذلك، العلم أوسع من ذلك، PageV01P285 والله أعلم! ».فسئل عن ثنتين ~~وعشرين مسألة، وأنا أعدها ، فما أجاب إلا عن ثنتين منها، وقال مع ذلك: ~~«لا حول ولا ms158 قوة إلا بالله».قال: ثم اختلفت إليه، فلم أزل عنده مكرما، رحمة ~~الله تعالى عليه. # قال عيسى بن مسكين : وكان ابن أبي حسان يعطي لرجل كل يوم ثلاثة دراهم ~~ليأخذ له مجلسا يجلس فيه في مجلس مالك بالقرب منه، فكان الرجل يفعل له ذلك، ~~فكان إذا جاء ابن أبي حسان قام ذلك الرجل وجلس ابن أبي حسان في موضعه. # وقال غير عيسى: كان ابن أبي حسان يروي عن مالك غرائب لا تكاد توجد ~~عند غيره: روى عنه أنه سمعه يقول: «إن أهل الذهن والذكاء والعقول من ~~أهل الأمصار ثلاثة: المدينة، ثم الكوفة، ثم القيروان». # قال ابن وهب : ما رأيت مالكا أميل منه إلى أحد كميله إلى ابن أبي ~~حسان. # وكان مفوها، حاضر الحجة، قويا على المناظرة، ذابا عن السنة ، ~~قليل الهيبة للملوك في حق يقوله . # حدث فرات بن محمد العبدي قال : سمعت عبد الله بن أبي حسان يقول: PageV01P286 # دخلت على الأغلب فإذا الجعفري والعنبري يتناظران في القرآن، ~~والجعفري ينكر أن يكون القرآن مخلوقا، والعنبري يقول إنه مخلوق، فلما رآني ~~الجعفري قال: # «قد جاء شيخنا أبو محمد يعينني عليكم».قال: فلما جلست قلت للعنبري: «وما ~~أنت وذا؟ هذا بحر عميق، عليك بجربان البصرة».يعني النخل العنبري. فقال ~~العنبري: «إن كان أبو محمد معك فهذا الأمير معي»، يعني الأغلب، فقلت: # «ما للملوك والكلام في الدين؟ » فأحفظه ذلك، يعني أغضبه، ثم قال لي: «[يا ~~أبا محمد] ، وكذلك من أتى السلطان هو مثل السلطان».فقلت له: «إنما ~~أتاكم الآتي لأنكم خير ممن هو شر منكم، ولو أتى من هو خير منكم لأتاه ~~ الناس ولم يأتوكم ». # سليمان بن خلاد، قال : قلت لابن أبي حسان: «أرأيت هذا الذي يقول ~~الناس في أبي بكر وعلي؟ » -يريد التفضيل بينهما-فرفع يده فضربني الصدر ضربة ~~واحدة أوجعتني، ثم قال: «ليس هذا دين قريش ولا دين العرب. هذا دين أهل ~~«قم»، قرية من قرى خراسان».ثم قال: «والله ما يخفى علينا نحن من يستحق ~~الولاية بعد والينا، ولا من يستحق القضاء بعد قاضينا، فكيف يخفى على ms159 ~~PageV01P287 أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من يستحق الأمر بعد نبيهم؟ ». # فرات، قال : سمعت ابن أبي حسان يقول: «دخلت على زيادة الله بن ~~الأغلب، فأصبته جالسا وعنده أبو محرز وأسد وهما يتناظران في النبيذ ~~المسكر، وأبو محرز يذهب إلى تحليله، وأسد يذهب إلى تحريمه. فلما جلست قال ~~لي زيادة الله: «ما تقول يا أبا محمد؟ » فقلت له: «قد علمت سوء رأيي فيه، ~~وقاضياك يتناظران/بين يديك».فقال لي: «ناظرني أنت ودعهما».ثم قال لهما: # «اسكتا »، ثم قال لي: «ما تقول أنت؟ »، فقلت: «أصلح الله الأمير، كم ~~دية العقل؟ » قال لي: «وماذا مما نحن فيه! » فقلت: «جوابك ينتظر ~~سؤالي» فقال: «دية العقل ألف دينار» فقلت: «أصلح الله الأمير، فيعمد الرجل ~~إلى ما قيمته ألف دينار فيبيعه بدكيكجة تسوى نصف درهم؟ » فقال لي: «يا ~~أبا محمد، إنه يذهب ويرجع» فقلت له: «بعد ماذا، أصلحك الله؟ بعد أن قاء على ~~لحيته وكشف سوأته وسب هذا وضرب هذا وقتل هذا؟ » فقال: «صدقت والله صدقت! ~~». # وكان، رحمه الله تعالى، جوادا شريفا: بلغني أن رجلا من أصحابه أتاه ~~يوما على أثر نوء عظيم كان بالقيروان، فهدم كثيرا من دورها، فألفاه جالسا ~~في PageV01P288 مسجده فسلم عليه ثم أعلمه بما انهدم في داره، وشاوره في ~~بنيانه ومن يرى أن يبنيه فأمر بعض غلمانه فأتاه بثلاثين دينارا فدفعها ~~إليه وقال: «استعن بهذه على بنائك» فلما مضى قال له بعض ولده: «أتاك يشاورك ~~في بنائه، دفعت له ثلاثين دينارا؟ » فقال له: «يا بني، لست ببناء ولا ~~صاحب مرمة، وإنما تعرض [لمشورتنا] لمعروفنا». # ولقد ثار الجند على زيادة الله وعاثوا عليه: وأغاروا على منازل ~~ابن أبي حسان، وانتهبوا جميع ما كان له بها، وطلبوه، فاستخفى بالقيروان، ~~فبلغني أنه قال هذه الأبيات يذكر فعلهم : # أباح طغام الجند جهلا حريمنا %~% وشقوا عصا الإسلام من كل جانب # وعاثوا وجاروا في البلاد سفاهة %~% وظنوا بأن الله غير معاقب # ولو أنهم عرب كرام لدافعت %~% نفوس كرام عن حريم الأعارب # ولكنهم أوباش كل قبيلة %~% وقبط وأغنام لئام المناصب PageV01P289 ### $ 110 - ومنهم ms160 أبو عبد الله محمد بن معاوية الحضرمي ، رحمه الله تعالى. # سمع من مالك موطأه ، وكان له سن وإدراك . # ومن بعض ما أسنده من الحديث : عن العبدي ، عن محمد بن معاوية، عن ~~أبي معمر عباد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: «لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا ، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار ، ~~ما أغنى عنكم شيئا إلا بورع صادق ». ### $ 111 - ومنهم الحارث بن أسد القفصي ، رحمة الله تعالى عليه. # قال أبو العرب : إنه سمع من مالك، وكان ثقة. # لقد حدثني سعيد ابن إسحاق ومحمد بن أبي يوسف ، قالا: حدثنا محمد بن PageV01P290 # تميم ، قال: حدثني الحارث بن أسد، قال: دخلت على مالك بن أنس، أنا ~~وابن القاسم وابن وهب، فأردنا وداعه فقال ابن وهب: أوصنا يا أبا عبد ~~الله، فقال له: اتق الله وانظر عمن تنقل، وقال لابن القاسم: اتق الله وانشر ~~ما سمعت. فقلت له: يا أبا عبد الله، وأنا فأوصني. فقال لي: اتق الله وعليك ~~بتلاوة القرآن. قال الحارث: لم يرني أهلا للعلم فأمرني بتقوى الله وتلاوة ~~القرآن. # قال أبو العرب: وكان الحارث مستجابا. # قال سعيد بن إسحاق: وكان يختم كل ليلة من رمضان ختمة. ### $ 112 - ومنهم عبد المؤمن بن المستنير الجزري ، رحمه الله تعالى. # قال أبو العرب: روى عن مالك وأصحابه . وكان عبد المؤمن رجلا صالحا ~~كثير الرباط كثير الرواية لغرائب الرباط. # حدث أبو عبد الله حمدون بن عبد الله المكفوف، قال: سمعت عبد المؤمن ~~الجزري يقول: سبعة يستأنفون العمل: الناقه من المرض ، والحاج إذا صدر، ~~والغازي إذا صدقت نيته، والمنصرف من الجمعة، والمؤذن إذا أذن للوقت ~~ولم يأخذ على أذانه أجرا ، والرجل يرحل عنه الضيف، والمشرك إذا أسلم. PageV01P291 ### $ 113 - ومنهم علي بن يونس بن عياض الليثي ، رضي الله تعالى عنه. # سمع من مالك وابن عيينة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. # روي عنه أنه قال: «كنت جالسا عند مالك فجاء قوم من البربر من أهل المغرب ~~فسألوا؛ فقالوا: «ما تقول في الصلاة بالتاكمة ؟ » فوصفوه ms161 له، فلم يفهمه ~~(3). فقالوا لي-وكنت أحدث من في المجلس سنا-: «قم» فقمت، فربطوه علي كما ~~يفعلون في بلادهم. فقال لهم مالك: «لم تفعلون هذا؟ » قالوا: «نجمع فيه ~~الحشيش من الزرع فتحضر الصلاة»، فقال مالك: «إذا كنتم إنما تفعلون هذا ~~لمنافعكم، فتحضركم الصلاة، فتصلون به هكذا، ما أرى به بأسا إن شاء ~~الله». # قال : «وكنت جالسا عند مالك وإذا بسفيان بن عيينة يستأذن بالباب، فقال ~~مالك: «رجل صاحب سنة، أدخلوه».فدخل فقال: «السلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته» فردوا السلام، فقال: «سلامنا خاص وعام ، السلام عليك يا أبا ~~عبد الله ورحمة الله وبركاته» فقال مالك: «وعليك السلام يا أبا محمد ورحمة ~~الله وبركاته».وصافحه مالك وقال: «يا أبا محمد، لولا أنها بدعة ~~لعانقناك».فقال سفيان: «قد عانق من هو خير مني ومنك النبي صلى الله عليه ~~وسلم» فقال مالك: «جعفر؟ » قال: «نعم».قال: «ذاك حديث خاص يا أبا محمد، ، ~~ليس بعام» فقال سفيان: «ما عم جعفرا يعمنا إذا كنا صالحين، وما يخصه يخصنا ~~. أفتأذن لي PageV01P292 [أن] أحدث في مجلسك يا أبا عبد الله؟ » ~~قال: «نعم يا أبا محمد»: ، فقال سفيان : «حدثني عبد الله بن طاوس عن ~~أبيه عن عبد الله بن عباس، قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة ~~اعتنقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل ما بين عينيه وقال : «جعفر ~~أشبه الناس بي خلقا وخلقا . يا جعفر، ما أعجب ما رأيت بأرض الحبشة؟ » ~~فقال: «يا رسول الله، بينا أنا في بعض أزقتها إذا بسوداء على رأسها مكتل ~~فيه بر، فصدمها رجل على دابته، فوقع مكتلها وانتثر برها، فأقبلت تجمعه من ~~التراب وتقول : «ويل للظالم من المظلوم يوم القيامة. ويل للظالم إذا ~~وضع الكرسي للفصل يوم القيامة! » فقال النبي صلى الله عليه وسلم /: ~~«لا يقدس الله أمة لا يأخذ ضعيفها من قويها [حقه] غير متعتع ~~». # ثم قال سفيان: «يا أبا عبد الله، قدمت لأصلي في مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبشرك برؤيا رأيتها لك» فقال مالك: «نامت عينك، خيرا إن ms162 ~~شاء الله! » قال سفيان: «رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم قد انشق، وأقبل ~~الناس يهرعون إليه من كل جانب، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وأبو بكر عن ~~يمينه وعن يساره عمر فقط، والناس يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والنبي-صلى الله عليه وسلم-يرد عليهم بأحسن رد» قال سفيان: PageV01P293 # «فإذا بك -وأنا أعرفك في منامي كما أعرفك في يقظتي-فسلمت عليه، فرد ~~عليك السلام، ثم رمى في حجرك بخاتم نزعه من إصبعه. فاتق الله يا أبا عبد ~~الله فيما أعطاك. السلام عليكم» فقال مالك: «أخارج الساعة؟ » فقال: «نعم»، ~~فودعه مالك وخرج. # وعن علي بن يونس، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: «ناكح أمه وابنته وهادم ~~الكعبة وقاتل النفس التي حرم الله أهون في النار عذابا من رجل يتكلم ~~في مسألة بغير علم».قال ابن عون: يريد بذلك الكلام في المسألة النازلة. PageV01P294 ### ||| ذكر من كان في هذه الطبقة من العلماء والمحدثين ممن لم يلق مالكا ولا روى عنه ### $ 114 - منهم أبو يحيى مقسم بن عبيد الله الأزدي . # وكان من الفضلاء، رضي الله تعالى عنه، فما ذكر عنه أنه يرويه عن أبي معمر ~~عباد بن عبد الصمد عن أنس بن مالك، قال: «يقف العلم في جوف الرجل يوم ~~القيامة فيقول: يا رب، إنك جعلتني في جوف هذا فلم يعمل بي، قال: فيؤمر به ~~إلى النار، قال: فيأتي رجل قد كان علمه ذلك الرجل علما، ودخل به الجنة ~~فيقول: يا رب، إن هذا كان علمني علما وصلت به إلى الجنة، يا رب هب لي ~~معلمي، قال: فيقول الله عز وجل: هبوا له معلمه». ### $ 115 - ومنهم حفص بن عمارة ، رضي الله تعالى عنه. # كان من أهل الفضل والدين. سمع سفيان الثوري. وكان مؤاخيا للبهلول. وكان ~~كثير التهجد، كانت له ختمة كل ليلة. وهو الذي قال للبهلول ، لما رأى ~~كثرة معروفه PageV01P295 # وصلاته: سمعت سفيان يقول: «إذا كمل صدق الصادق لم يملك ما في يديه»، ~~فأقبل البهلول على يد حفص يقبلها ويقول له: «سألتك بالله: أنت ms163 سمعت هذا من ~~سفيان الثوري؟ » فقال: «والله لقد سمعت سفيان يقوله» . ### $ 116 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي الرعيني ، رضي الله تعالى عنه. # ومن بعض ما أسنده من الحديث ما حدث به عن غالب عن سعيد بن جبير، ~~قال: «قلنا لابن عمر: حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعته منه. ~~قال : «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله تعالى ليقرب ~~العبد يوم القيامة حتى يجعله في حجابه، ثم يقول له: «اقرأ كتابك»، فيعرفه ~~بذنوبه فيقول: «أتعرف %~% ؟ » أتعرف %~% ؟ » فيقول العبد: «نعم، نعم يا ~~رب! » فيقرأ العبد ويلتفت عن يمينه وعن شماله فيقول له PageV01P296 # الجبار العظيم: «عبدي، لا بأس عليك، أنت اليوم في ستري من كل مخلوق، ليس ~~بيني وبينك من يطلع على ذنوبك غيري، اذهب فقد غفرتها لك، إنك كنت لا ترجو ~~المغفرة من أحد غيري». # وكان رحمه الله حكيما: ذكر عنه أن رجلا استشاره في امرأة يتزوجها، فقال ~~له: «لا تتزوج امرأة فيها من هذه الخلال الثماني: لا تتزوجها منانة، ولا ~~بنانة، ولا كنانة، ولا حنانة، ولا حداقة، ولا خفاقة، ولا أنانة، ولا ذات ~~دايات. فأما المنانة فهي التي تمن بشيء كان منها إليك، وأما البنانة فهي ~~التي تبنن ولد غيرك عندك، وأما الكنانة فهي التي تقول: «كنت وكنت قبل ~~أن أجيء إليك»، وأما الحنانة فهي التي تحن لزوج كان لها قبلك، وأما الحداقة ~~فهي التي تنظر بعينها ثم تقول: «فلانة كساها زوجها، وفلانة حلالها زوجها ~~وصنع بها»، فهي تجبره. وأما الخفاقة فهي التي تصبح غدوة جائعة فتقول: «أبغي ~~رءوسا، أبغي فتوتا ، أبغي جشيشا »، وأما الأنانة فهي التي تصبح تئن ~~فتقول: «جنبي! فخذي! رأسي! ». # لتنظر هل يحبها زوجها أم لا. وأما ذات دايات فهي التي كل يوم عندها امرأة ~~أو عجوز فتقول: هذه دايتي، هذه خالتي، هذه عمتي». ### $ 117 - ومنهم أبو شيخ المفسر، واسمه طلق بن الشيخ ، ويقال سيف، # رحمه الله تعالى. # قال أبو العرب: كان رجلا صالحا معروفا بالدين. PageV01P297 # قال الشيخ أبو ms164 بكر عبد الله المالكي: كان سحنون يعظم أبا شيخ هذا ~~ويستفتيه عن عبارة الرؤيا لما تحقق عنده من علمه بها. قال: رأى سحنون في ~~منامه كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات، واجتمع الناس على دفنه ما خلا ~~سحنون وحده. فأرسل سحنون إلى أبي شيخ يسأله عن الرؤيا، وقال للرسول: «لا ~~تخبره أني رأيتها» واغتم لها سحنون ، [لأن البدعة بخلق القرآن قد ظهرت، ~~فأتى رسوله أبا شيخ، فسأله عن الرؤيا وكنى عن سحنون، فقال له أبو شيخ] : ~~سحنون رأى هذه الرؤيا، فدافعه الرسول عن ذكر سحنون، فلما رأى تماديه ~~على أن سحنون رأى الرؤيا قال له الرسول: «فسرها لمن كانت» . فقال ~~أبو شيخ: «هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ماتت واجتمع الناس على ~~دفنها خلا سحنون وحده، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات قبل هذا الوقت ~~بحين، وكانت سنته حية فأميتت في هذا الوقت بالبدعة، وتعاون الناس على دفنها ~~إلا سحنون وحده». # روى عن ابن أنعم والبهلول. # وذكر [عنه] قال : «رأيت مالكا على بغلة تساوي كثيرا، وعليها سرج ~~يساوي قريبا من ثمن البغلة، وعليه ثياب حسنة وغلام يمشي خلفه حتى أتى باب ~~داره وأنا PageV01P298 انظر إليه، فدخل راكبا من الباب/حتى أتى راكبا إلى ~~موضع مفرشه، فنزل عن دابته فقعد على مفرشه، فأخذ غلام منديلا [فمسح خفه] ~~ ثم نزعه واستوى مالك في مفرشه قاعدا» . PageV01P299 ### ||| ذكر من كان في هذه الطبقة من المتعبدين والزاهدين رضي الله تعالى عنهم ### $ 118 - منهم أبو يزيد رباح بن يزيد اللخمي ، رضي الله تعالى عنه. # قال أبو العرب وغيره: كان رباح رجلا صالحا مستجابا مشتهرا بالفضل والزهد، ~~يسلم ذلك إليه جميع أهل عصره. وكانوا يتبركون بدعائه ويتعظون برؤيته. # وكان يضرب به المثل في عبادته، رقيق القلب غزير الدمعة، كثير الإشفاق ~~والخشية والتواضع والرحمة. # روى عن ابن سمعان وعن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. # قال أبو العرب : طلبت حديثه فما وجدت منه إلا كتابا واحدا رواه عن ابن ~~سمعان. # توفي سنة اثنتين ms165 وسبعين ومائة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، ودفن بباب سلم ~~بجوار قبر البهلول. # ومما أسند عنه: قال: حدثني ابن سمعان عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ~~PageV01P300 عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة أنه قال : سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ فقال: «مؤمن مجاهد بنفسه وماله في ~~سبيل الله عز وجل».قالوا: ثم من يا رسول الله؟ قال: «ثم مؤمن معتزل في شعب ~~من الشعاب يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويدع الناس من شره». ### ||||| ذكر فضله ومناقبه وأوصافه وأحواله وكراماته وإجاباته. # رضي الله تعالى عنه. # فمن ذلك ما حدث أبو عبد الرحمن القصير قال : «رأيت أربعة ما رأيت ~~في الدنيا مثلهم: رأيت ابن عون بالبصرة فما رأيت مثله، ورأيت سفيان ~~الثوري بالكوفة فما رأيت مثله، ورأيت رباح بن يزيد بإفريقية فما رأيت مثله، ~~ورأيت الأوزاعي بالشام فما رأيت مثله». # ذكر عنه أنه قال : «رضت نفسي على المآثم حولا فبعد حول ضبطتها، ~~ورضت لساني على ترك ما لا يعنيني فبعد خمس عشرة سنة ضبطته». PageV01P301 # قال أبو عثمان بن الحداد: «إنه ليغلب على ظني أن هذه الرياضات إنما ~~كانت بعد أن بلغ الحلم، لأنه إنما مات ابن ثمان وثلاثين سنة. وكان قد ~~حمل نفسه على الاجتهاد حتى بلغني أنه قال: لقد كنت أحب الصحة فلما ضعفت عن ~~العمل أحببت المرض». # أخبر عبد الخالق المتعبد أن رباح بن يزيد ذكر ما أنعم الله عز وجل ~~عليه في دينه يوما من الأيام، وكان في ذلك الوقت البهلول، فقال رباح ~~للبهلول: «يا أبا عمرو: إن لي لاثنتي عشرة سنة-أحمد الله تعالى إليك فيها ~~كثيرا وأشكره -ما بغيت فيها شيئا سوى الله عز وجل، وإن لي لاثنتي ~~عشرة سنة قد أعطيت فيها من حلاوة القرآن ما لو شئت أن أتهجد بالآية الواحدة ~~ليالي لفعلت، وإن لي لاثنتي عشرة سنة أخاف فيها الغنى كما يخاف الغني ~~الفقر».فكان البهلول يقول: «أما الخلتان اللتان ذكرهما أولا: أنه لا ~~يخشى شيئا سوى الله عز وجل، وما ms166 ذكر من أنه أعطى من حلاوة القرآن ما ذكر، ~~فقد كنت شهدت ذلك منه غير ما مرة. وأما ما ذكره من خوفه الغنى فكان في نفسي ~~منها شيء ، لأني قلت: الغنى يخاف، هذه درجة عظيمة، أعظم . ثم إنه ~~بلغني أنه سأله رجل من أملياء أهل القيروان أن يزوجه ابنته، وكان لها مال ~~عظيم. فامتنع من ذلك وقال لي: «إنما أردت وأصحابك أن تأتوني فتنظروا إلى ~~فضول الدنيا عندي وفي بيتي، وملك ذلك لغيري، ولا تنبسط يدي فيه، فأضعه في ~~المواضع التي هي أفضل. قم فلا حاجة لي في شيء من ذلك كله».قال: فقلت: «صدق! ~~من خاف شيئا تجنبه، وهو صادق فيما يقول». PageV01P302 # قال أبو عثمان سعيد بن محمد بن الحداد : «بلغني عن البهلول بن ~~راشد أنه كان يوما جالسا وعنده رباح بن يزيد: إذ أقبل «بقية» أخو ~~البهلول من البادية، فجعل يلهج بذكر البادية، وبهلول يتقلى اغتماما برباح، ~~لأنه يعلم أنه لا يحتمل ذكر الدنيا، فلما أكثر من ذلك، نهض رباح، وجعل يقول ~~لبهلول: «سقطت [من عيني] ، تذكر الدنيا في مجلسك ولا تنكر ولا تغير؟ » ~~فقال له بهلول: «ما أبالي- إذا لم أسقط من عين الله عز وجل-من عين من سقطت» ~~فخر رباح على رأس البهلول يقبله وجعل يقول: «نعم [يا حبيبي يا] بهلول، ~~فلا تبالي من عين من سقطت إذا لم تسقط من عين الله عز وجل». # وقال بعضهم : حضرت مع رباح جنازة، والناس في ذلك الوقت في أزمة شديدة ~~وضيق من العيش، فنظرت إلى رباح ووجهه يتهلل يكاد أن يضحك من البشر، فقلت في ~~نفسي: «الناس فيما هم فيه من الكرب وهو مستبشر؟ ».ثم إن الله عز وجل كشف ~~ذلك عن المسلمين، وصاروا إلى رخاء من السعر، ورغد من العيش. واجتمعت معه في ~~جنازة أخرى فنظرت إليه كئيبا حزينا يبدو الحزن منه، يكاد من شدة الحزن أن ~~يبكي، فقلت في نفسي: «أين هذه الحالة من الحالة [التي] كنا [فيها ~~من] الشدة والضيق؟ »، ثم قلت: «والله لأسألنه! ». # فلصقت به وقلت ms167 له: «يا أبا يزيد، رأيت منك حالتين، فلم أجد لنفسي بدا أن ~~أسألك عنهما»، فقال لي: «وما هما؟ » فقلت له جميع ما رأيته منه، فقال: «أو ~~فطنت لي؟ » فقلت له: «وكل أمرك قد راعيت» فقال لي: «ويحك! كنا في اليوم ~~PageV01P303 الأول ونحن راغبون داعون لله عز وجل، وعيالنا وصبياننا كذلك، ~~وأنت ترى غفلتنا اليوم وطول سهونا وقلة تضرعنا، فأي الحالتين خير؟ » قال: ~~فقلت في نفسي: «أنت في شيء والناس في غيره». # وذكر أن رجلا من الأندلسيين أتى إلى رباح فقال له: «يا أبا يزيد، إن ~~سعيد/بن لبيد أخذ مني جارية لي».فأخذ رباح عصاه وانطلق معه إلى دار ~~سعيد بن لبيد، فوجد جماعة من الناس قد حفوا ببابه ينتظرونه، فألقى عصاه ~~بينهم وجلس حتى خرج سعيد راكبا من داره. فلما رآه من كان على بابه من تلك ~~الجماعة، نهضوا على أقدامهم، وثبت رباح جالسا، فقصد إليه سعيد، ورباح جالس ~~في مكانه، فأقبل سعيد يقول لرباح في الذين قاموا له: «[يا أبا يزيد] ، ~~هؤلاء كلهم أبناء دنيا».فقال [له] رباح: «قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : من أحب أن يتمثل له الرجال قياما على أقدامهم، فليتبوأ مقعده من ~~النار».فقال له سعيد: «يا أبا يزيد، هل من حاجة؟ » فقال له رباح: «أردد على ~~هذا الأندلسي جاريته».فصاح سعيد: # «جارية الأندلسي! » فأخرجت، فدفعها إلى مولاها. # وكان رحمه الله مستجاب الدعوة: # قال سعيد بن الحداد : كان لرباح بن يزيد صديق كانت له بنت مقعدة سأله ~~أن يزوجها له ففعل، فلما دخل عليها أخذ بيدها، وقال لها: «قومي بإذن الله» ~~فقامت صحيحة تمشي. فمال إلى موضع في البيت فصلى فيه حتى أصبح، وخرج وخلى ~~سبيلها وإنما كان به إلى النكاح الدعوة لها . # ومما يقوي هذه الحكاية ما ذكر أن عبد الله بن المبارك مر برجل قد أقعد من ~~ركبتيه، ثم مر به مرة أخرى وقد أطلق وهو يمشي صحيحا فقال له ابن المبارك: # «أعرفك وقد أقعدت، وأراك صحيحا تمشي، فكيف كان أمرك؟ » فقال له الذي ~~PageV01P304 كان مقعدا: ms168 «مر بي شخص لا أعرفه، فسلم علي، وقال لي: لما لا ~~تدعو الله عز وجل وتسأله العافية؟ فقلت له: كيف أقول في دعائي؟ فقال لي: قل ~~في دعائك: «اللهم كلما أنعمت علي بنعمة قل شكري لك عليها، وكلما ~~ابتليتني ببلية قل صبري لك عليها، فيا من لم يؤاخذني بقلة الشكر على ~~نعمه ولا بقلة الصبر على بلائه اكشف ضري وفرج عني؛ فدعوت بذلك فصرت إلى ~~العافية بإذن الله عز وجل». # أبو بكر محمد بن اللباد أنه قال : «أخبرت أن رباح بن يزيد كان عنده ~~أجراء حصادون ، فعمل لهم الغداء وكسر لهم الخبز، ثم قال: «لو كان عندنا ~~لبن عملناه لهم! » وكانت عنده قربة مملوءة بالماء، فصب منها لبنا على ~~الخبز، وقدم ذلك إليهم. # ثم قام إلى القربة ليتوضأ منها للصلاة، فصب منها ماء فتوضأ للصلاة». # قال بهلول : «قلت لرباح: يا أبا يزيد، إن الناس قد أكثروا عليك في ~~قصة اللبن»، فقال: «ما تعجبك من هذا؟ فو الله إن لي اثنتي عشرة سنة ما خفت ~~أحدا إلا الله عز وجل».قال بهلول: «فتصاغرت إلي نفسي، وقلت: «يا بهلول، أنت ~~تخاف الناس، وهذا لا يخاف أحدا إلا الله! ». # قال البهلول: «ثم قال رباح: لقد كنت بمكة فرأيت رجلا إذا كثر الطواف صلى ~~وإذا قل الطواف طاف، فاقتديت به واتبعته. فمال ليلة إلى زمزم، فأدلى دلوه، ~~فخرج عسل حلو طيب، فأكلنا منه. ثم دلى دلوه، فخرج لنا مملوءا لبنا، فشرب ~~وسقاني، ثم قال: «يا مغربي، بحق الذي أحببتني له لا تذكر ذلك لأحد ما دمت ~~بمكة».ويذكر مثل ذلك عن سفيان الثوري. # وكان رحمه الله ينطق بالحكمة: # ذكر ابن الحداد، قال: «أخبرني بعض أهل العلم عن رباح بن يزيد أنه أرسل ~~رسولا، وكان في المسجد، فعثر الرسول على حصير، ثم عاد الرسول فسلك على ~~PageV01P305 ذلك الحصير، فعثر عليه ثانية، فغضب رباح وقال له: «رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : # «لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين، وأنت تعثر على حصير مرتين! ألا إذ عثرت ~~عليه ms169 مرة أخذت حذرك فلا تعود إليه مرة أخرى؟ ». # ورأيت له، رحمه الله تعالى، رسالة كتب بها الى البهلول بن راشد: «السلام ~~عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإني أوصيك ونفسي ~~بتقوى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فالزم على نفسك كثرة ~~ذكره، واستعن بالله عز وجل على أداء فرائضه، واستغفره لما هو أعلم به، فإنه ~~عز وجل يقول: (من يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا ~~رحيما) ، ثم أحدث احتراسا من الجليس، إلا من كان همه يعلو فرحه ، ~~وفكره ينفع جليسه، يستعمله إلفه. فمن لم يكن منهم كذلك، فأظهر له حسن ~~الخلق، وتسلك من إخائه في رفق. واستعن بكتاب الله عز وجل وكثرة ذكره ~~وتلاوته، فإنه الشفاء والرحمة للمؤمنين. وقد نزل بنا ما ترى من سفك الدماء ~~وذهاب الأموال، وقد علمت ما عاينت من كثرة العبر بتسليط إلهك عز وجل يوم ~~سطا أبو حاتم الأعور ، وإنما كان ذلك نقمة بالذنوب، فبلغ من الفساد ما ~~الله أعلم به وأحصى له، من حصار وضيق أسعار وظهور المنكر. وقد قال إلهنا ~~الكبير المتعال عز وجل: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء ~~والضراء لعلهم يتضرعون) . فهل من رجوع ظاهر أو باطن؟ فما ينتظر من كان ~~في مثل ما نحن فيه إلا نزول النقم، إلا أن PageV01P306 يعفو ربنا ~~الحليم. ولقد علمت ما حل بمغمداس وغيرها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ~~ثم إنا لله وإنا إليه راجعون. وقد قال إلهنا الكبير عز وجل: (وإذا أردنا أن ~~نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) ~~. وإني أرى لك أن تحدث حذرا واحتراسا واستكانة وخضوعا وتذللا وخشوعا، ~~ترجو بذلك رضى إلهك والنجاة من نزول عقابه، وما ظهر من الفساد خوفا من سخط ~~الجبار، ولا تكن من الغافلين، ولكن أكثر من مجالستك من أهمه أمر نفسه وصلاح ~~دينه، فإن لم تجد أولائك فعليك بالخلوات واستعن بالله عز وجل، ولا تزال ~~تذكرنا، فإني ms170 قد نشبت في موضع لا يخلص منه إلا الله عز وجل. والوحدة لا تضر ~~من خاف الله تعالى بالغيب. والأنس لا ينفع من كان من دينه في شك وريب. قال ~~الله عز وجل: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا ~~علما) . # فمن رجوت من أهل زمانك أن يكون بقاؤه رحمة لأهل مكانه فاسرع إليه ~~وانتفع بلقائه، فإنه قد أدرك أمرا عظيما. فعليك يا أخي بكثرة الحزن والتفكر ~~والاعتبار بالذكر وملازمة الدار، ولا يعجبك كثرة الحديث، فإنه ليس نافع ~~الأمور إلا حديثا حرك القلوب لما فيه نجاتها وعمارتها بما يرضي ربها ~~عز وجل. وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من ~~أصبح أكبر همه غير الله عز وجل، فليس من الله [في شيء] ومن لم يهمه ~~أمر المسلمين فليس منهم».وقد أصبح الناس يسفك بعضهم PageV01P307 دماء بعض ~~ويأخذ بعضهم مال بعض؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقال الله عز وجل: (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أماالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم. ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيما. ومن يفعل ذلك عداانا ~~وظلما فسوف نصليه نارا، وكان ذلك على الله يسيرا) . فكيف تطيب نفس مؤمن ~~أو ترى سرورا، وهو يرى سخط ربه ظاهرا؟ ما سكنت القلوب إلى الفساد إلا لما ~~خالط الأبدان من العيوب. يا أخي، لا يغرنك رضى الناس عنك فإنهم لا يعلمون ~~ما يعلم الله، فاستغث بالله أيام رجائك، وليعلم منك الشفقة منه والثقة به، ~~ولا تزال تكتب إلينا وتذكرنا بنفسك، فإنه لن يخطر على بالنا أحد لمن ~~أقوانا إلا وذلك خير له ولنا. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته». # وكتب إلى عبد الله بن فروخ: # «بسم الله الرحمن الرحيم. # من رباح بن يزيد إلى عبد الله بن فروخ. سلام عليك. فإني أحمد إليك الله ~~الذي لا إله إلا هو، الذي أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وإياه نعبد ~~ونستعين. # أسأله شكرا لأنعمه وعملا يرضاه. # جاءني كتابك ms171 فقرأته وفهمت الذي ذكرت فيه، آجرك الله فيما دللت عليه من ~~خير، فإن الله عز وجل يقول: (لا خير في كثير من نجااهم إلا من أمر بصدقة أو ~~معروف أو إصلاح بين الناس، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما) . جعلنا الله تعالى وإياك ممن استوجب ذلك الأجر العظيم بيسير من ~~العمل، وتغمد منا ومنك ما لا يغفره إلا هو، إنه لا يغفر الذنوب إلا هو وحده ~~لا شريك له. أوصيك بتقوى الله الذي لا يشغله شيء عن شيء، الذي ابتدأ خلق ما ~~نرى على غير مثال كان قبل ذلك. فإنك في زمان قد ماتت فيه قلوب خلق كثير ~~PageV01P308 وهم لا يشعرون. فاتخذ أخا مصافيا في أموره ومداخله ومخارجه، ~~فإذا وجدت ما تحب فأوجب له ما يجب من الأخوة في الله عز وجل وإلا انقبض في ~~رفق ونصيحة. فإن كثيرا من أهل زمانك يحبون رضى الأشرار ورضى الأخيار ~~[فيا %~%%~%. ] وحسن الثناء على الأشرار، حتى يخيل إلى من يسمعه أن ~~القطع إليه برأيه وعمله وهواه. فأما الأشرار فيثنى عليهم بالشرف والفضل ~~لغنم ما في أيديهم مما لو كانت الكلاب تحاسب ثم عرفته لم تطعمه، ولم ~~تدن منه، إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علما. وانظر إلى من يسكن ~~إليه عقلك وتعرف البركة في مجالسته، وإن قل أولئك-وحق لهم القلة لكرامتهم ~~على الله عز وجل أعجل خروجهم من الدنيا إلى [دار] كرامتهم-لأنه لا ~~يبقى في آخر الزمان إلا الذين هم الأشرار كما قال عليه السلام : «حثالة ~~كحثالة التمر»، فارض بالوحشة واسأل الله عز وجل أن يسلمك يوما بيوم ~~حتى يلحقك بمن لا غنى بك عن صحبته ومرافقته، وما التوفيق إلا بالله، عليه ~~توكلت وإليه أنيب. فقد أدركت زمانا أميتت فيه السنة وأظهرت فيه البدعة، وعز ~~فيه أشرار كثير من هذه الأمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون مما تلقى من ~~أهل زمانك. كأن الذي خوفوه لا يقع بهم، أو كأن الذي حل بغيرهم لا يرونه. ~~وقد قال ms172 الله عز وجل: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، ولكن قست قلوبهم وزين ~~لهم الشيطان ما كانوا يعملون) ، وعهدت بلادنا بالحصار والقتل والفساد، ~~وقال الله تعالى: (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو ~~يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، أو يأخذهم في تقلبهم فما هم PageV01P309 ~~بمعجزين، أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم) . أسأل الله العظيم ~~الرءوف الرحيم أن يلحقنا وإياك بالصالحين. لا تزال تصلنا بكتاب فيه بعض ما ~~ينفع الله عز وجل به من الحكم التي ليس يعدلها كثير من عرض الدنيا، فإن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص قال : ما من هدية يهديها المرء إلى أخيه خير له ~~من كلمة حكمة ينفعه الله عز وجل بها في دينه. وقال الله تعالى: (الأخلاء ~~يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) . فاغتنم بقية عمرك واحسن أدب ~~جلسائك ، فمن رأيت الأدب ينفعه فتفقد مجالسته، ومن رأيته منهم يتكلم ~~بلسانه وهواه في الغيبة-يراها أفضل رغبته-فعاوده رجاء رجعته، فلعله ينتفع ~~بالحكمة، فإن لم تزجره الموعظة فدع إخاءه ولا تستوحش إلى مجالسته [والسلام ~~عليك ورحمة الله وبركاته] . # قال محمد بن الأشج: «أخبرني أبي قال : اعتل رباح بن يزيد-وكان ~~«بدرب عابد بن الأسود» -عند أخ من إخوانه، فلما بلغ يزيد بن حاتم أمير ~~إفريقية علته واعد «سعيد بن لبيد» عامله على أنهما يمشيان إليه بعد ~~المغرب رجالة. فلما كان بعد المغرب أتى سعيد بن لبيد قبل أن يأتي يزيد بن ~~حاتم، فخرج إليه صاحب الدار-وكان عند رباح ذلك الوقت جماعة/يعودونه-فلما ~~رآه دخل إلى رباح فقال: # «يا أبا يزيد، هذا سعيد بن لبيد قد أتى عائدا».فقال له رباح: «لا تأذن له ~~ولا تدخله علي».فقال صاحب الدار في نفسه: «رباح لا يبالي بسعيد ولا يخافه، ~~وأنا أبالي بسعيد وأخافه، والدار داري! » فخرج إليه وقال: «ادخل أصلحك ~~الله! »، PageV01P310 ثم سبقه إلى رباح، فقال: «هو ذا قد دخل»، فحول وجهه ~~نحو الحائط قبل دخوله، لئلا يخاطبه. فلما أن دخل سعيد قال له: «كيف تجدك يا ~~أبا يزيد؟ ms173 كيف أنت؟ » ونحو ذلك من الكلام، فما رد عليه رباح حرفا، ولا ~~أجابه بشيء. فلما أن رأى ذلك سعيد قال: «أحسب أن أبا يزيد نائم! ».فقال له ~~صاحب الدار: # «أحسب ذلك، أصلحك الله»؛ فحول رباح وجهه إلى صاحب الدار وقال له: # «ويحك! تكذب وأنت تخاطبني الساعة وتقول إني نائم؟ أما إني لو علمت أنك ~~تكذب ما أويت لك إلى سقف! ».قال: فخجل سعيد بن لبيد وخرج من عنده واجدا لما ~~نزل به. فلما صار إلى رأس الدرب لقي «يزيد بن حاتم» الأمير وقد أتى يعود ~~رباحا، فقال له سعيد: «انصرف، أصلح الله الأمير! » فقال له: «لم؟ » فأخبره ~~بما نزل به، وقال له: «إنما نزل بي هذا من رباح لكوني صحبتك»، فتوقف يزيد ~~ساعة مفكرا ثم قال له: «قد أتيت، فما كنت لأنصرف حتى أشهد عيادته»، فقال ~~له: «وكيف تعمل؟ » قال: «سوف ألطف له وأحتال».قال: فمضى يزيد حتى أتى الدار ~~التي فيها رباح، فخرج إليه صاحب الدار فلما رآه دخل إلى رباح فقال: «هذا ~~الأمير يزيد بن حاتم قد أتى عائدا وقد أذنت له بالدخول، ولم أقدر على غير ~~ذلك». # فأعاد رباح وجهه إلى الحائط كما فعل مع سعيد، والقوم جلوس بحالهم عند ~~رباح لم يبرحوا. فلما دخل يزيد سلم عليهم ثم قال لهم: «كيف أمسى أبو يزيد ~~العشية؟ كيف رأيتموه؟ من الله عليه بالعافية وصرف عنه المحذور»، وكان أولئك ~~العواد يجيبونه في كلامه كله في مسألته وفي دعائه. فخرج عنه الأمير يزيد بن ~~حاتم. ومات رباح من تلك العلة، فبلغ يزيد بن حاتم وفاته، فأتى لحضور ~~جنازته، فلما صلى الظهر أقبل الناس والأمير راكب ومعه أصحابه [في] ~~ خلق عظيم، فوقف ينتظر الناس ليخرجوا به، فازدحم الناس على نعشه من ~~صلاة الظهر إلى صلاة العصر، فلما رأى ذلك يزيد قال: «معاشر الناس، إن كنتم ~~مزدحمين فازدحموا على عمله ولا تزدحموا على جسمه».وأمر الشرط بحمل النعش، ~~فأخذه الشرط فحملوه وأزالوا الناس عنه، وحملوه إلى «باب سلم»، فصلى عليه ~~ودفن رحمه الله تعالى. ms174 PageV01P311 # وفي رواية : أن سعيدا قام من عند رباح مغضبا حتى دخل على الأمير يزيد ~~بن حاتم وقد غلبه البكاء وجعل يقول له: «ما مر علي قط مثل اليوم! »، ثم قص ~~عليه قصته مع رباح، فقال له يزيد: «هب أني عاديت لك أهل الأرض، ~~أفأعادي لك أهل السماء؟ تعال حتى أريك كيف يعاد مثل رباح».فركب يزيد مع ~~سعيد حتى دخل على رباح، فسلم يزيد على رباح فلم يرد عليه السلام، فأقبل ~~يزيد على عواد رباح فقال لهم: ان سعيدا دخل عليكم والعليل يشق عليه ~~الكلام، فإذا أجبتمونا عنه، فكأنه هو المجيب».ثم سألهم عن مبيته كيف كان ~~وكيف حاله، ثم نهض. وكان هذا دأبه معه كل يوم في الزيارة حتى مات، رحمه ~~الله تعالى. ### $ 119 - ومنهم أبو علي شقران بن علي الفرضي، رضي الله تعالى عنه. # قال أبو العرب ، رحمه الله تعالى: كان أبو علي رجلا صالحا ضرير البدن ~~والبصر، وكان يقال إنه مستجاب. وكان مؤاخيا للبهلول. وكان عالما بالفرائض، ~~وله فيها كتاب لم نجد عند علمائنا عن شقران غيره. روى [عنه] سحنون وعون ~~بن يوسف. وكان سنه نحو [سن] البهلول. وكانت عليه الفراض . PageV01P312 # وذكر غير أبي العرب : أنه نشأ على طهارة مع كثرة صلاة وصيام ~~وكثرة حزن وخشية، رقيق القلب غزير الدمعة، ومن صغره كان ينطق بالحكمة، ويرد ~~الناس إلى عبادة ربهم بالموعظة الحسنة، حتى انتفع به جماعة من المريدين ~~منهم ذو النون الاخميمي وغيره. # لقد حدث أبو عبد الملك مروان بن نصرون المتعبد، قال: «بلغ ذا ~~النون أن بالمغرب رجلا متعبدا يقال له شقران يخرج من أربعين يوما ~~إلى مثلها. فأتاه من مصر، فسأل عنه، فقيل له: «الساعة دخل. وليس يخرج إلى ~~أربعين يوما».فأقام ذو النون على بابه أربعين يوما، فلما تمت خرج، فلما رأى ~~ذا النون قال له: «من المشرق أنت؟ » قال: «نعم».قال: «ما الذي أقدمك ~~بلادنا؟ » قال: «بلغني خبرك فأتيت إليك لتعظني، لعل الله أن ينفعني ~~بكلامك».فقال له: «يا فتى، سح في الأرض، واستعن بأكل العشب على أداء ms175 الفرض. ~~ولا تقبل من أحد صلة ولا قرضا، فإذا خشيت أن تقترض فاستعن بالذي عليه تعرض» ~~. ثم دخل فأقمت على بابه أربعين يوما، فلما خرج بعد انقضائها قال ~~له : «ما انتفعت من الموعظة PageV01P313 بشيء؟ » قال: «أردت الزيادة»، ~~[قال: لست من أهلها] وسأنقصك! يا فتى، كل من كد يمينك مما عرق فيه ~~جبينك، ولا تأكل بدينك، فإن خفت أن يضعف يقينك فاستعن بالله معينك. أعلم أن ~~لي ولك غدا موقفا بين يدي الله عز وجل، فاتق الله ولا تشك من يرحمك إلى من ~~لا يرحمك».ثم دخل فأقمت على بابه أربعين يوما، فلما خرج قال: [ما] ~~«انتفعت بالموعظة؟ » قلت «أردت الزيادة».قال: «لست من أهلها، وسأنقصك! يا ~~فتى: ارض بما قسم الله لك تكن من أزهد الناس، واتبع ما أمرك الله به تكن من ~~أعبد الناس، وانته عما نهاك الله عز وجل عنه تكن من أورع الناس»، ثم هم ~~بالدخول، فجذبت ثوبه/وقلت: # «زودني منك زادا ينفعني الله تعالى به».قال: «فدس في يدي شيئا كهيئة ~~الدينار أو كهيئة الدرهم، فنظرت فإذا هو اسم من أسماء الله تعالى» قال: ~~«فما سألت الله عز وجل به شيئا إلا أعطاني إياه». # قال أبو محمد الحسن بن أبي العباس الأجدابي: «فذكر أن ذا النون وجد ~~في الرقعة التي دفعها إليه شقران: «يا دائم الثبات، يا مخرج النبات، يا ~~سامع الأصوات، يا مجيب الدعوات». # وحدث أبو عثمان سعيد بن عثمان بن عباس الخياط، قال : «سمعت ذا النون ~~بن إبراهيم الاخميمي يقول: «وصف لي رجل بالمغرب، وذكر لي من حكمته وكلامه ~~ ما حملني على أن ألقاه، فرحلت إليه إلى المغرب فأقمت على بابه أربعين ~~يوما على أن يخرج من منزله إلى المسجد، فكان يخرج في وقت كل صلاة، ويرجع ~~كالواله، لا يكلمني ولا يكلم أحدا»، قال: «فضاق لذلك صدري، فقلت: «يا هذا، ~~إني مقيم ها هنا منذ أربعين صباحا لا أراك تكلمني».فقال لي: «يا هذا لساني ~~سبع، فإن أنا أطلقته أكلني» فقلت: «رحمك الله، عظني بموعظة أحفظها ~~PageV01P314 عنك».قال: «وتفعل؟ » قلت: ms176 «نعم إن شاء الله تعالى» فقال: «لا ~~تحب الدنيا، وعد الفقر غنى، والبلاء من الله عز وجل نعمة ، والمنع من ~~الله عطاء، والوحدة مع الله أنسا، والذل عزا، والمباهاة خطأ ، والإياس ~~غفلة ، والطاعة حرفة، والتوكل معاشا، والله عز وجل لكل شيء عدة». # قال: «ثم مكثت بعد ذلك شهرا لا يكلمني. فقلت له: «رحمك الله، إني أريد ~~الرجوع إلى بلدي، فإن رأيت أن تزيدني في الموعظة» فقال لي: «وما كفاك ما ~~سمعت؟ » فقلت له: «رحمك الله تعالى، إني رجل مبتدئ لا علم عندي» فقال لي: # «هكذا؟ » قلت: «نعم» فقال لي: «يا هذا، اعلم أن الزاهد في الدنيا قوته في ~~الدنيا ما وجد ، ومسكنه حيث أدرك، ولباسه ما يستر ، والخلوة مجلسه، ~~والقرآن حديثه، والله العزيز الجبار أنيسه، والذكر رفيقه، والزهد قرينه، ~~والصمت جنته ، والخوف محجته ، والشوق مطيته، والنصيحة نهمته ، ~~والاعتبار فكرته، والصبر وساده، والتراب فراشه، والصديقون إخوانه، والحكمة ~~[كلامه] ، والعقل دليله، والحلم خليله، والتوكل كسبه ، والجوع ~~إدامه ، والله عونه ».قال: فقلت له: «يرحمك الله تعالى، فمتى يتبين ~~ العبد الزيادة في PageV01P315 هذا المكان ؟ » قال: «بالمحاسبة ~~للنفس والمناقشة لها. حسبك الآن، حسبك! ». # قال ذو النون : «سمعت أستاذي شقران المغربي يقول في بعض مواعظه: «يا ~~أخي، إن الله عز وجل عبادا [ %~%. ] فألفوا، وطلبوا فرحلوا، وقصدوا ~~فوصلوا؛ أولئك الربانيون والأحبار وعمال الله الأبرار، أولئك قوم كرمت ~~نفوسهم على الله فركبوا مطية النجاة إلى الله، وأحياهم عند ذلك حياة ~~الأصفياء، ثم أمدهم بمعونات الأقوياء. فسبحانه ما أك [رمه فيما أ] ~~عطاهم وخولهم، ولقد دعاهم فأجابوا، ولقد قبلوا فأصابوا».ثم قال: «أواه! ألا ~~مريد صادق؟ ألا فتى نمت عليه الحقائق؟ مالي لا أرى الصادقين؟ مالي عدمت أهل ~~اليقين؟ ألا فجدوا، فإن الطريق واضح. ثم اسمعوا مني، وإني لكم ناصح، فكم ~~بين من هو غدا مكرم محبور إلى من هو موبخ بما جنى محقور، ثم يؤمر ~~به إلى لظى مجرور. ويحكم! إن الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء (ولنعم دار ~~المتقين) . ثم قال: «ألا لهج خدوم؟ ألا ثكل ندوم؟ ألا ms177 حبيب لبيب؟ ألا ~~صفي كئيب؟ ألا تائب يثوب؟ ألا خادم يذوب؟ ألا راغب في الجزيل؟ ألا عارف ~~بالجليل؟ أين من استراحت بواطنه بحب الله تعالى؟ أين من ظهرت على جوارحه ~~شواهد الهيبة؟ أين من اقترب الرب تعالى من سرائره؟ أين من دانت لمعاملة ~~الله عز وجل ظواهره؟ أين من خبر الطريق؟ أين من نظر بالتحقيق؟ أين من أدناه ~~فلم يبرح؟ أين من شوق فلم يقرح ؟ أين من شجى فباح؟ أين من بلي ~~PageV01P316 فناح؟ أين من قبل ففرح؟ أين من وصل فغنم؟ أين من لزم فاجتنى ~~؟ أين من بكى بعويل؟ أين من صرخ بغليل؟ أين من رضي فطاب؟ أين من نحل ~~فذاب؟ أين من شفه الوداد؟ أين من جد باجتهاد؟ أين من همه الحبيب، أين من ~~دهره غريب ؟ [أين] من طالع الكشوف؟ أين من صال بالمعروف؟ أين ~~عماله الكرام؟ أين خدامه القيام؟ أين من ذكره غذاه؟ أين من قلبه يراه؟ يا ~~أخي، هل كانوا إلا بركات على المسلمين؟ ما أبصرهم بعلوم أهل اليقين! ما ~~أغوصهم في بحار المستنطقين! ما قولك في رجال أتتهم فوائد العطايا والمواهب؟ ~~جعلنا الله منهم وفيهم، وحشرنا في زمرتهم». # وقال أيضا : «قال أستاذي شقران: يا ذا النون ، من توكل استغنى، ~~ومن لم يتق تعب، ومن شكر كوفي، ومن رضي صوفي ، والنظر إلى الظلمة ~~آفة التحقيق، والهجر لهم أول الطريق». # وحدث أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى القرشي المتعبد الصقلي ، قال: # «حدثني أبو عبد الله محمد بن خراسان، قال : كان شقران بن علي من أجمل ~~ الناس، فهويته امرأة، فذكرت شأنها لعجوز فقالت لها: «أنا أجمع ~~بينكما».فمر شقران يوما بالموضع، فقامت إليه العجوز فقالت له: «يا ولدي، لي ~~ولد قد أحرقت PageV01P317 قلبي غيبته، وقد جاءني كتابه، فأحب منك أن ~~تقرأه لي»، فأجابها إلى ذلك، فقالت له: «يا سيدي، له أخت بها من الوجد عليه ~~مثل ما بي، فإن رأيت أن تلصق إلى الباب فتسمع أخته كتابه! » فقال: ~~«نعم»، فأتاها إلى الباب ففتحته ودخلت وقالت له: [يا سيدي] ، إنها ms178 لا ~~تخرج /وهي وراء الباب الوسطاني، فإن رأيت أن تتقدم إلى الباب الأوسط ~~وتقرأه لها، فإن الله تعالى يكمل أجرك». # فتقدم شقران إلى الباب، فبادرت العجوز وغلقت الباب البراني، وفتحت ~~الجارية الباب الأوسط ، وضربت بيدها في أطواق شقران وقالت له: «قد ~~وحلت! » وراودته عن نفسه. فلما رأى أن البلاء قد نزل به أراد ملاطفتها ~~ليتخلص منها، فقال لها: «ولا بد من ذلك؟ » فقالت: «لا بد من ذلك! » فقال ~~لها: «اعطيني ماء أتوضأ به» فأعطته ماء فتوضأ وضوءه للصلاة، ثم قال: «اللهم ~~إنك قد خلقتني كما شئت، وقد خفت الفتنة على نفسي، وأسألك يا ربي أن تغير ~~خلقتي وتصرف شرها عني»، فخرج وقد تغير وجهه وظهر به الجذام، فلما رأت ذلك ~~منه دفعته في صدره وأخرجته من الدار، ووقاه الله شرها. فكان ذلك بيديه ~~ورجليه فراضا حتى مات رحمه الله تعالى ورضي عنه، فإنه اختار بلاء ~~الدنيا على بلاء الآخرة». # ومما يشبه هذه الحكاية ما حدث به مالك بن أنس، رضي الله تعالى عنه، قال ~~: «كان يونس بن يوسف من العباد، وإنه راح يوما المسجد فلقيته ~~امرأة PageV01P318 فوقع في نفسه منها شيء، فقال: اللهم إنك كنت جعلت لي ~~بصري نعمة، وقد خشيت أن يكون [علي] نقمة، فاقبضه إليك».قال: «فعمى، ~~فكان يروح إلى المسجد يقوده ابن أخ له، فإذا [استقبل به الأسطوانة] ~~اشتغل الصبي مع الصبيان، فإذا عرضت له حاجة دعاه فأقبل إليه. فبينا هو ذات ~~يوم ضحوة في المسجد إذ أحس في بطنه شيئا فحصب الصبي فشغل عنه باللعب ~~مع الصبيان ولم يعلم به. فقال: «اللهم إنك جعلت لي بصري نعمة، فسألتك أن ~~تقبضه إليك فقبضته، اللهم وقد خشيت الفضيحة على نفسي فاردده إلي».قال: ~~«فانصرف إلى منزله وهو صحيح البصر».قال مالك: «فرأيته أعمى ورأيته بصيرا». # حدث عبد الرحيم صاحب ابن فروخ، قال : «كنا عند البهلول حتى أتاه رجل ~~معه ابن له صغير قد أصابه جدري وهو لا يبصر، فقال: ادع الله تعالى لولدي أن ~~يرد الله على هذا الصبي بصره»، قال: ms179 «فقام البهلول والصبي وأبو الصبي معنا ~~حتى دخلنا على شقران بن علي، فسلمنا عليه، فقال له البهلول: «إن أخانا هذا ~~ليس له غير ابنه الذي معه، وقد ابتلى في بصره، فادع الله تعالى أن يرد إليه ~~بصره».قال: فقال له شقران: «ادع يا أبا عمرو ونؤمن نحن».قال: [فقال ~~البهلول: بل أنت يا أبا علي فادع الله ونحن نؤمن] فاستقبل شقران ~~القبلة وهو على سريره، فحمد الله عز وجل وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~ثم قال: «اللهم إن أخانا هذا قد سألنا ما علمت، فنسألك أن ترد إلى ولده ~~بصره».فالتفت الصبي إلى أبيه وقال: «يا أبت، ما هذا؟ » فلما سمعه البهلول ~~أخذ بيد الصبي والرجل وقام فخرج. فطرح شقران بنفسه على وجهه فرددنا عليه ~~الباب وخرجنا بالصبي بصيرا». # أخبر حمدون بن العسال، قال : قحط الناس عندنا بالقيروان، فجاء قوم ~~إلى شقران وأنا عنده جالس فقالوا: «يا أبا علي، ادع الله يسقنا، فقد ترى ما ~~الناس فيه PageV01P319 من الجهد والغلاء».فشد إزاره على وسطه، ورفع يديه ~~بالدعاء والتضرع إلى الله عز وجل، و [جعل] يقول في دعائه: «عزيمة منى ~~عليك، اسقنا الساعة الساعة! » قال: فأرعدت [السماء] وأبرقت وأمطرت. ~~قال حمدون: فخرجنا من عنده نخوض في الماء إلى أنصاف سوقنا . # قال أبو عثمان : قال لي سعيد الصبيري : «صدق حمدون، كنت أنا ~~حاضرا ذلك ». # وفي رواية: أنه أبطأ عن الناس المطر، والزرع في الأكمام، فاجتمع الناس ~~يوم الجمعة وقالوا: «امضوا بنا إلى شقران»، فمضى الناس حتى دخلوا عليه، ~~فقالوا: # «يا أبا علي، أنت ترى حالنا وما نزل بنا، وقد أبطأ عنا المطر، والزرع في ~~الأكمام، فادع الله عز وجل أن يسقينا».فقال: «يقرأ أحدكم».فقرأ القارئ، ~~فلما فرغ القارئ استقبل شقران الدعاء. قال: فما برحت حتى سقينا، وكان مطرا ~~عظيما ، ثم حملنا أخفافنا في أيدينا من السيل. قال: فكان من دعائه: # «الساعة، الساعة! » ببطن كفيه. # قال أبو جعفر : ولقد بلغنا أن رجلا من أهل البيوتات كانت له ابنة ~~يأخذها تابع، فعالجوه فلم ينفع فيه العلاج، قال: ms180 فمضوا إلى شقران، ~~فسألوه الدعاء فقال لهم: «يقرأ القارئ».فقرأ القارئ، ثم دعا شقران ثم قال ~~لهم: «مروا في عافية» . قال: فلما مضوا بها إلى الدار دخل فيها الجنى، ~~ثم قال: «أين أهلها؟ » PageV01P320 فاجتمعوا إليه فقالوا له: «أتريد قتلها؟ ~~» فقال لهم: «لا، إنما أردت [أن] أخبركم بعجب: نادى مناد من الهواء: ~~«قد دعا عليك شقران بن علي، اخرج وإلا أحرقت بالنار! » وأنا خارج، لا ~~ترونني بعدها أبدا». # وعن خادم شقران قال : صاح بي شقران فقال: «إني أجنبت، فارفعني ~~أغتسل».فغلب علي النوم، فلحظ السماء وقال: «اللهم إني قد عجزت عن أداء ~~فرضي، وانقطع رجائي من غيرك، فاعطف على أسري وقلة حيلتي».فقمت لوقوع الماء ~~في المرحاض، والسراج يقد وهو قائم على رجليه بعد أن كان لا يقدر على ~~القيام، فعجبت من ذلك، فقال لي: «سألتك بالله لا تذكر هذا لأحد ما دمت ~~حيا». # وفي رواية: إنه احتلم، فسألني ماء فقلت له: «ليس عندنا ماء».وكان ذلك في ~~الليل، وأراد التطهر للصلاة، وكانت ليلة باردة، قال: فرأيته حرك شفتيه ثم ~~قال لي: «امض إلى القلة»، فسرت إليها وأنا أسمعه يقول: «اللهم يا رب اجعلها ~~سخنة» فأتيت القلة فإذا بها مملوءة بماء سخن، فأعلمته فقال لي: «[احملني ~~إلى] مغتسلي». # قال: فقمت به، وكانت ليلة مظلمة، فقال لي: «يا فضل، لو كان معنا مصباح ~~لكان أمكن لي في طهوري»./قال: فخرجت كف من الحائط وفيها مصباح يضيء، ~~فأقسم علي ألا أخبر عنه حسب ما تقدم . PageV01P321 ### $ 120 - ومنهم أبو سليمان الحبال . # كان رجلا فاضلا متعبدا. ذكر أحمد بن يزيد صاحب سحنون أنه رأى أبا سليمان ~~المتعبد واجتمع به، قال: فرأيت رجلا في عينيه رطوبة من كثرة البكاء. وقبره ~~«بالأجيفر» . # وأخبر رجل يسكن بالقرب من منزله يقال له عيسى بن القطان من أهل ~~القيروان، [وهو] رجل صالح، أن أبا سليمان هذا اشتهت امرأته لحما، فما ~~شعروا إلا بطائر عظيم هجم عليهم في البيت. # وأخبر صديق له قال: «قال لي أبو سليمان: أعلمك بشيء أكتمه عني: ~~إني خرجت من البيت وليس ms181 في البيت شيء، وأخذت المزود وجزت بأصحاب نشر الخشب، ~~فملأته ومضيت به إلى البيت فأعطيته لهم، ولم أدخل الدار حتى صليت العتمة، ~~فدخلت الدار، فأتوني بقرص فقلت: «من أين لكم هذا؟ » فقالوا: «من الدقيق ~~الذي جئتنا به»، فرفعت يدي بالدعاء وحمدت الله عز وجل على ذلك». # [وهذا] مثل ما جرى لأبي مسلم الخولاني ، رضي الله تعالى عنهم ~~أجمعين. PageV01P322 ### $ 121 - ومنهم أبو يزيد عبد الملك بن أبي كريمة الأنصاري ، مولى لهم. # قال أبو العرب: كان ثقة [خيارا] ، يقال إنه كان مستجابا . سمع من ~~مالك والثوري وغيرهم. وسمع منه خلق من الناس، وله مناقب جليلة. # وكان سحنون يقول: «كان بتونس علي بن زياد وابن أشرس وعبد الملك بن أبي ~~كريمة. ولم يكن ابن أبي كريمة في ناحيتهما، وإنما كان رجلا صالحا ورعا صاحب ~~أحاديث». # قال غيره: وكان يقوم الليل كله، فإذا كان السحر نادى بصوت له محزون: # «إليك قطع العابدون دجى الليل بتبكير الدلج، يستبقون إلى رحمتك وفضل ~~مغفرتك. فبك إلهي لا بغيرك أسألك أن ترفعني إليك درجة المقربين، وتجعلني في ~~زمرة السابقين»، فلا يزال كذلك حتى ينادى بالفجر. # وذكر عنه، رحمه الله تعالى، أنه كان يأتي وادي «بجردة» فإن لم ير ~~أحدا مشى بالبغلة على غير المجاز في ماء غريق، وإن رأى الناس خاض بها الماء ~~وأخذ على المجاز. # حدث عيسى بن مسكين قال : خرج عبد الملك بن أبي كريمة يوما وهو يحمل في ~~محفة وقد كبر وخرف، فمر على مجلسه الذي كان يجلس فيه مع أصحابه للعلم فأنشأ ~~يقول: # لقد ذهب الكماة وأسلموني %~% كفى حزنا لفرقتي الكماة # هم كانوا الثقات لكل أمر %~% وهم زين المجالس في الحياة # تولوا للقبور وخلفوني %~% فوا حزنا على فقد الحماة PageV01P323 # وروي عنه أنه قال : «قال بعض السلف: منهومان لا يشبعان: منهوم في ~~العلم، ومنهوم في المال. فالمنهوم في العلم يزداد خشية للرحمن، والمنهوم في ~~المال يزداد في الطغيان». # وروى أبو خارجة في سماعه من ابن أبي كريمة أنه قال: «من آثر الدينار ~~والدرهم على أخيه ms182 المسلم، إذا اضطر إليه، لم يدخل حظيرة الفردوس». # وحدث أبو زكريا يحيى بن عون، قال: سمعت يحيى بن سليمان المغربي يقول: ~~«قلت لابن أبي كريمة: مالي لا أراك تخرج إلى المسجد تصلي الجماعة وقد عرفت ~~فضلها؟ » فقال: «رأيت قلوبا لاهية، -ومجالس ساهية، وألسنة لاغية، فخفت ~~عليهم الداهية، فانصرفت عنهم في عافية». ### $ 122 - ومنهم أبو خالد عبد الخالق المتعبد، يعرف القتاب قال أبو العرب: كان من طبقة المجتهدين في العبادة، وكان من أصحاب البهلول، وكان راغبا في الآخرة، كثير الخوف، دائم الحزن، كثير المعروف، قليل الهيبة للملوك. روى عنه واصل بن عمرو المتعبد وحسنون بن هلال صاحب سحنون. PageV01P324 # ذكر حمدون بن العسال، قال : سألني سهل بن يونس بمصر عن عبد الخالق ~~فقلت له: «قطعه الخوف عن العمل».فقال: «ما يضره ذلك. لو كان عبد الخالق ~~في بني إسرائيل لصوروه في الكنائس». # وذكر حمدون المعروف بالخرنق ، قال : كنت مع عبد الخالق ذات يوم نحو ~~«باب سلم» إذ أبصر جماعة من الناس قد اجتمعوا فسألني عن شأنهم، فقلت: # «قعدوا لخيل تستبق»، فقال لي: «محضر صالح، بلغني أن الملائكة تشهده»، ثم ~~توجه وتوجهت معه إلى تلك الجماعة، فجلسنا حتى أقبلت الخيل وقد تقدمها ~~فارسان وأحدهما تقدم صاحبه. فلم يزل الذي كان صاحبه [متأخرا] يحث ~~[فرسه] حتى صار بين يدي صاحبه [وسبقه] . فأخذ صاحبه قصب السبق. # فجعل عبد الخالق يتخلل الناس حتى انتهى إلى الفرس السابق فجعل يقبل ~~جحفلته ويقول: «بارك الله فيك، صبرت فظفرت»، ثم انجدل مغشيا عليه. # فاجتمع الناس عليه فلطفت بهم حتى أزلتهم عنه، وحملته على دابة حتى انتهيت ~~به إلى موضعه، فأقام كم شاء الله مغشيا عليه، ثم أفاق. فذكرت له ما نابه ~~، فقال لي: «لما رأيت الفرس الذي كان خلف صار أمام الذي كان أمامه، ~~وأخذ فارسه [قصب] السبق ذكرت تقدم أقوام وأن من خلفهم قد يصير هو ~~المتقدم ويصيرون خلفه». PageV01P325 # قال أبو جعفر بن قطويه : سمعت أبي يقول: حضرت جنازة في باب تونس ~~وحضرها عبد الخالق [المتعبد] ، فذكر من حضر ms183 الآخرة وأهوالها. قال: # فصاح عبد الخالق ثم ولى نحو الفحص [هاربا على] وجهه، فمضينا في أثره ~~فأصبناه جاثيا على ركبتيه خارا على وجهه، فحملناه على دابة، ثم أقمنا بعد ~~ذلك أياما نعوده حتى مات، رحمة الله عليه، سنة عشر ومائتين [من شدة ~~ال] خوف . # وذكر سليمان بن سالم، قال: حدثني أبو زرجونة في جنازة يحيى بن زكريا ~~ابن الحكم، قال: خرجت ليلة أريد الأذان في المسجد-يريد أذان المغرب- فإذا ~~عبد الخالق مقبل فقلت له: «تفطر عندي! » فقال لي: «أو يسرك ذلك يا أبا عبد ~~الله؟ » فقلت له: «نعم» فقال لي: «نفعل ذلك».قلت له: [تأتي إلى] ~~المسجد حتى نصلي وندخل البيت» فقال: «لا يمكن ذلك، لأنني خرجت من بيتي ومن ~~نيتي أن أصلي في [الجامع] ، سأصلي وأنصرف إليك». قال أبو زرجونة: فدخلت ~~على عيالي ، فأخبرتها بذلك، وأمرتها أن تهيئ المائدة إلى أن يجيء، ثم ~~أذنت وصليت المغرب، وقعدت أنتظره حتى أقبل، فقمت ودخلت PageV01P326 معه، ~~وكانت المرأة سوت البيت وبخرته وأوقدت المصباح وأغلقت الباب، فلما جئنا ~~ندخل دفعت الباب وأبو خالد خلفي، فلما ضربت إليه رائحة البخور وقف، فأقبل ~~شبه المتنهد حتى خلت أن نفسه تتقطع، وأنا أقول له: «ادخل يا أبا خالد» وهو ~~فيما هو فيه من كربه، فقمت فأخذت بضبعه وأدخلته، وهو يقول: «يا أبا عبد ~~الله! يا أبا عبد الله! يا أبا عبد الله! » -كالمستغيث- «إلي! » ثم بقي ~~مطروحا على الوسادة، وجئت بالمائدة بجهلي وهو يستغيث: «إلي! »، فلما رأيته ~~لا يمد يده إلى المائدة [] ، ثم قام فبادر إلى الباب فخرج. فلما كان ~~بعد أيام لقيت ابنه، فقلت: «يا ابن أخي، كيف أبوك؟ » فقال لي: «يا أبا عبد ~~الله، بات الليل كله يصيح ويبكي، ما تركنا نرقد من بكائه وصياحه». # ابن الحداد : حدثني بعض من لقيت ممن أثق به من جيران عبد الخالق، عن ~~رجل من أصحابه يقال له حمدون الخرنق، قال: أقبل إلي عبد الخالق يوما على ~~بغل، وعليه قفتان من قفاف البقل ومعه لحم بقري ولحم غنمي من كل صنف ms184 ~~رطل [أو قال: فيهما جميعا رطل] ومعه خبز نقي فقال: «يا حمدون، إن أم ~~حمدون مريضة» -يعني زوجته- «فسر معي حتى تنال [معنا] منه». # وكان سكناه في ذلك الوقت «بالقرن»، فقلت له: «لم أعلم أهلي»، فلم يزل بي ~~حتى أجبته وتوجهت معه إلى «القرن» . قال: «فدفع ذلك الخبز واللحم إلى ~~أهله ودخلت معه إلى المسجد، فبصر برجل من أهل البادية عليه أثر البؤس ومعه ~~أطفال وهو يقضم الشعير كما تقضم الدواب، فذهب عبد الخالق إلى زوجته فجعل ~~يقول لها: «يا أم حمدون، يضعف الله أجرك غدا! » وقد كانت عالجت ذلك الطعام، ~~فأقبل به بأسره إلى ذلك الشيخ البدوي وقال له: «شأنك! » ثم نهض PageV01P327 ~~فأتى بقرص من شعير ولبن فقال لي: «كل أنت هذا يا حمدون» . # وكان بجواره جار له دميم المنظر وكانت له جارية حسناء، وكان يصيبها، ~~فشكت إليه أن ابنا لعبد الخالق كان يتعرضها. وكانت صلاته مع عبد ~~الخالق في المسجد، فلما صلى عبد الخالق العشاء الآخرة انصرف يريد داره ~~فصحبه الرجل وجعل يقول له: «يا أبا خالد، أنت ترى منظري وعندي جارية ~~أصيبها، وقد شكت إلي ابنك، وأنا أخاف أن تجيء بولد فيخبث عليه قلبي».فجعل ~~عبد الخالق يقول: «لا تتكلم بهذا الكلام، فإن عليك فيه دركا ، ولا يسمع ~~هذا الكلام منك أحد».ثم دخل عبد الخالق إلى داره وانصرف الرجل عنه. فلما ~~صلى الرجل الصبح في جماعة التمس عبد الخالق، فلم يجده، فتوجه إلى داره، ~~فإذا أبواب الدار مفتحة وليس في الدار أحد. فسأل عنه فقالوا: تحول البارحة ~~بعياله إلى الفندق [إذ] لم يمكنه أن يكتري دارا بالليل . # وحدث الثقة أن إبراهيم بن الأغلب أرسل إلى عبد الخالق فجاءه، وكان ~~عبد الخالق رجلا طويلا، آدم غليظا ، كثير الشعر يلبس عمامة كأنها ~~شقة ، فقال له الأمير: «بلغني أنك من العرب وأن لك عيالا، فخذ هذه ~~المائة دينار»، فقال له [عبد الخالق] : «أنا عنها غني» فقال إبراهيم: ~~«زيدوه مائة أخرى» فقال له عبد الخالق: «لو كان بي حاجة إلى ذلك لكان في ms185 ~~المائة كفاية». PageV01P328 # فلم يزل يقول: «زيدوه» وعبد الخالق يكلمه بالكلام الأول حتى بلغ معه ~~خمسمائة دينار ، فقال له إبراهيم بن الأغلب: «أفسدكم البربري ~~-يعني البهلول-والله لو أدركته لجعلته يرقص خلفي».قال عبد الخالق: «فأحسست ~~شعري قد خرج من عمامتي. ثم أقبلت عليه فقلت له: والله لو أدركته، لكنت أهون ~~عليه من هذا الطين الذي يعجن بين يديك ، ثم انصرفت». # قال عبد الله : ورأيت له هذه الموعظة كتب بها إلى أخ من إخوانه ~~فاستحسنتها وهي: # «أما بعد، فإني أوصيك ونفسي بتقوى الله عز وجل وذكر الموت، فإنه لم ينج ~~من نجا من الأولين والآخرين إلا بالتقوى، فأعدها جنة لك في الدنيا والآخرة، ~~وآثرها على هواك، ولا تقصر في شيء منها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # أسأل الله يا أخي أن يجعلنا وإياك من المتقين الصادقين الذين لا يلتمسون ~~إلا رضاه وثوابه؛ وطوبى للصادقين في هذا الزمان، ما أعظم ثوابهم وأشد حالهم ~~وأطول غمهم! لما يعلمون ويرون من أنفسهم خلاف الحق وما تدعوهم إليه أنفسهم ~~من حب الدنيا وحب رضى الناس عنهم. فهم ماضون أنفسهم على ذلك يريدون أن ~~يخلصوا أعمالهم ولا يريدون رضى أحد من الناس. فمن هنالك حزن القوم ~~واغتموا وهانت عليهم الدنيا وطلبوا الإخلاص رجاء أن يخلصوا من أهوال يوم ~~القيامة ومن غم الموت وهوله، فشغلهم ذلك عن الدنيا وكسر قلوبهم، فأنفسهم ~~منه في عناء، والناس في راحة. أسأل الله العظيم أن يجعل راحتنا بعد ~~PageV01P329 الموت، وأن يمن علينا وعليك، يا أخي، بتوبة نصوح قبل ~~الموت. # يا أخي، أقصر نفسك عن شهواتها ولا تمكنها من هواها فترديك، فإنها لا تشبع ~~ولا تقنع ولا ترضى منك إلا بهلاكك إن أطعتها. ولتعلم يا أخي أن الفقر ~~مع الدين خير من الغنى مع الفجور، وارض من الدنيا باليسير، فإن القليل منها ~~يجزي، ولا تشتغل بحبها ولا بطلبها عن الآخرة التي لا غنى لك عنها ولا بد لك ~~منها. واعلم أنه ليس أحد [ينظر لك إلا] أن تنظر أنت لنفسك، فاعمل ms186 لها ~~قبل أن يحال بينك وبين العمل؛ واغتنم بقية عمرك وصحة بدنك واتعب نفسك في ~~الدنيا تجد ذلك [وأنت] أحو [ج ما ت] كون إليه حين يندم طالب ~~الدنيا الذي يستعر [ض لها و] لم يدرك منها إلا ما قسم له، وضيع آخرته ~~حتى قدم ولم يقدم لنفسه شيئا، فلا دنيا بقيت [ولا آخرة] حصلت. ~~أسأل/الله تعالى أن ينفعنا وإياك يا أخي بما علمنا. # يا أخي، عليك بتلاوة القرآن والصلاة من الليل ولو ركعتين، فإن في ذلك ~~ثوابا عظيما. وإياك وكثرة الأكل فإن ذلك يقسي القلب ويعميه عن الآخرة ~~ويستخرج من اللسان داء ليس له به حاجة من الكلام، فاحفظ لسانك وأكثر ~~التفكر واذكر الموت ولا تنسه ، وانظر من تخالط ومن تصاحب، فإن صحبة ~~الناس وخلطتهم اليوم هلاك، ولا تكثر من الأصحاب والمعارف إلا من ترجو نفعهم ~~لآخرتك، وما أقلهم في هذا الزمان. ولا تستوحش إلا لمن ترجوه أن يكون عونا ~~على دينك. واحذر الناس واعلم أن من صحبهم اليوم يورث الغفلة في الفهم ~~والقسوة في القلب، فخالفهم واحرز دينك ، وأد ما وجب عليك من الحق، PageV01P330 # وانصحهم ولا تداهن أحدا من الناس، ولا ترض له إلا بما ترضى به لنفسك ولا ~~تستحي أن تأمر أحدا بالحق وإن غضب، فإن ذلك لا يضرك وهو لك لازم. ولا تخالط ~~من الناس إلا من تدان بحمل مؤنته، وخالط من يتحمل مؤنتك وهو أهون عليك ~~وأعون لك على دينك. # يا أخي، واعلم أن الله تبارك وتعالى كريم، إذا علم من العبد الصادق الصدق ~~وهو يريد رضاه وفقه وأعانه وذلل له الناس وجعلهم يخضعون له ويقبلون منه ~~ويتقونه، وإذا لم يكن كذلك هان عليهم ولم يقبلوا منه. فتمسك بطاعة الله ~~تعالى، وإياك أن تتهاون بشيء من المعاصي فتهون على الله عز وجل بعد الذي ~~رزقك من المعرفة، وبعد الذي صنع بك، فاشكر الله تعالى يزدك، وتضرع إليه ~~يرحمك. وليعلم منك أن أكبر همك في ليلك ونهارك رضاه، وأنك إنما تريد البقاء ~~في الدنيا لترضيه، واجتنب ms187 جميع ما يكره تدخل في ولاية الله عز وجل، إن شاء ~~الله تعالى، وتهن عليك الدنيا وأهلها، وارض بقضاء الله تعالى في جميع ~~أمورك، ولا تتهمه فإنه انظر منك لنفسك فيما أحببت أو كرهت، فسلم لقضائه ~~وارض به. # ولا تحمل على نفسك شدة المؤونة في الدنيا فتهلك. أسأل الله تعالى أن ~~يجعلنا وإياك من المتحابين فيه الصادقين المتناصحين، وأن يغفر لنا ولك كل ~~ما أردنا به غيره، وأن يحولنا وإياك إلى ما يحب ويرضى، والسلام عليك ورحمة ~~الله وبركاته. وصلى الله على سيدنا محمد». ### $ 123 - ومنهم حفص بن عمر الجزري ، رضي الله تعالى عنه. # كان رجلا صالحا فاضلا زاهدا ورعا. ظهرت له إجابات وكرامات، فمن ذلك أنه ~~كان عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب من أجمل الناس، وكان قد جعل PageV01P331 # على كل زوج تحرث ثمانية دنانير، فضاق الأمر بالناس؛ فقدم «حفص» مع ~~رجال صالحين من أهل «الجزيرة» فدخلوا على أبي العباس، فقال له حفص: # «أيها الأمير، اتق الله الذي إليه مصيرك، وارحم شبابك هذا، واحذر على ~~وجهك الجميل النار، وخفف عن الناس وأسقط عنهم ما وضعت على الأزواج من هذه ~~الدنانير».فقال له: «لست أفعل، ولا أحطهم شيئا»، فخرجوا من عنده يريدون ~~القيروان. فقال لهم حفص: «تصلون ركعتين تخلصون فيهما الدعاء، ونضرع ~~إلى الله تعالى لعله يكفيناه، فإنا قد يئسنا من المخلوقين، فنرجع إلى ~~الخالق عز وجل، فتوضئوا للصلاة وصلوا ركعتين».ففعلوا، ثم قال حفص: # «اللهم إن هذا الرجل الذي فضلته على عبادك في هذه الدنيا ومكنته في بلادك ~~قد ظلمنا وحمل علينا ما لا نقوى ولا نطيق دفعه ولا نستطيع منعه فاكفناه، ~~واحكم بيننا وبينه وأنت خير الحاكمين».فما لبث أبو العباس إلا خمسة أيام، ~~ثم خرجت له قرحة عظيمة تحت أذنه مات منها، في اليوم السابع من دعائهم . ### $ 124 - ومنهم أبو عثمان الجزري ، رضي الله تعالى عنه. # كان من أولياء الله تعالى المنقطعين إليه المتبتلين في العبادة. حدث بشير ~~بن عمروس المنستيري المتعبد، قال: صلينا العيد في المنستير، فخرجت إلى ~~الشعراء ms188 أدورها، فإذا أنا بأبي عثمان الجزري وصاحب له قعود خلف شرف، ~~فما شعرا بي PageV01P332 # حتى وقفت عليهما. فأما صاحب أبي عثمان ففر مني فدخل [الشعراء]، فلم أدر ~~من هو، فقلت: «يا أبا عثمان، السلام عليك».فرد علي السلام ثم قلت له: ~~«اليوم يوم عيد، فأطعمني مما معك».قال: فقال لي: «أقعد».فأخرج كسرة يابسة ~~من مخلاة كانت معه، فقلت له: «يا أبا عثمان، قد تعلم ما جاء فيمن أدخل على ~~أخيه المؤمن السرور، فسرني! » فقال: «بماذا؟ » قلت: «تمضي معي إلى البيت». # فآنس بك ، وأجابني إلى ذلك، فقلت له: «وصاحبك؟ » فقال: «ليس تقدر عليه ~~ولا تراه، ولكني أنا أمضي معك».قال: فمضى معه حتى دخلنا «قصر المنستير» ~~وصعد معي إلى بيتي، فلما دخل البيت علق مخلاته. قال بشير: فخرجت إلى برا ~~وتركته في البيت، واشتريت ربع خروف وأتيت به، فلما نظر إلي قام فأخذ مخلاته ~~[وخرج] إلى المسجد، فأقرن قدميه، فما زال كذلك حتى صلينا الظهر، ثم ~~أقرن قدميه حتى صلى العصر ثم جلس فجلست إليه وقلت له: «يا أبا عثمان، لو ~~قمت إلى البيت؟ » فقال: «يا أخي، ما أقبح التكلف ! ما أبرح من مكاني ~~[هذا] ».فلما أمسى وصلينا المغرب أقرن قدميه وصلى إلى العتمة، فلما صلى ~~العتمة أقرن قدميه فصلى إلى الصبح، فلما صلينا الصبح خرجت إلى البيت، ثم ~~جئت لأطلبه في مكانه فإذا به قد خرج؛ فخرجت إلى باب القصر انظر أي وجه أخذ، ~~فلم أعرف أين أخذ. ### $ 125 - ومنهم اسماعيل بن رباح الجزري ، رضي الله تعالى عنه. # قال أبو العرب : كان إسماعيل من المج [تهدين] ، [وكان يقال إنه] ~~(3) PageV01P333 مستجاب الدعوة، ما علمت أنه/روي عنه علم غير عبادته ~~ومناقبه. # وقال غيره: كان معظما لأمر الله عز وجل، لا يكاد يرى منكرا إلا غيره، ولا ~~يهاب في ذلك أحدا من الناس، كثير المعروف. # وسمع من يحيى بن السلام ، ولم أجد له حديثا يتصل بي عنه. وكان أصله من ~~الجزيرة ، ثم سكن القيروان، وتوفي سنة اثنتي عشرة ومائتين غريقا في ~~البحر بعد رجوعه من الحج؛ ms189 وذلك أنه ركب في البحر، فتحرك عليهم الهواء، ~~فقالوا له: # «يا أبا عبد الله، ادع لنا» فقال: «قد قضيتم حجكم فما الذي تريدون؟ » ثم ~~أخذ مصحفه فجعله في عنقه، ثم غطى رأسه بكسائه، ثم غرقت بهم المركب؛ ذكر ذلك ~~أبو العرب عن سليمان بن سالم. ### ||||| ذكر فضله ومناقبه وما خصه الله عز وجل به # : # ذكر أبو عثمان سعيد بن الحداد ، قال: حدثني من أثق به قال: كان ~~إسماعيل في صغره يحضر المكتب. فإذا حفظ ما في لوحه غسل ما فيه من القرآن في ~~إناء وشربه، فهذا كان دأبه حتى ختم. # وذكر أنه دخل على قوم جلوس في بيت وكل واحد منهم جالس على وطاء متكئا ~~، فنظر في جانب البيت فإذا بمصحف موضوع في الركن، فأخذ المصحف فضمه إلى ~~صدره، ثم قال لهم: «قوموا كلكم! » فقاموا، فأخذ ذلك الوطاء فكدسه في ~~وسط البيت شيئا على شيء حتى صار مرتفعا، ثم أخذ ذلك PageV01P334 المصحف ~~فوضعه فوقه، ثم قال لهم: «اقعدوا الساعة، فهكذا ينبغي للمصحف أن يكون عاليا ~~لا يعلى»، وهذا من تعظيمه وتشريفه لكتاب الله عز وجل، ولذلك عظمه الله ~~تعالى وشرف قدره. # ويروى عنه أنه مر يوما على دار أبي محرز القاضي، فإذا على القناة ~~التي تجري بين يدي داره قرطاس فيه اسم من أسماء الله تعالى فوق القناة لم ~~يغرق فيها، فخاف إسماعيل إن حاول إخراجه بقصبة أن يغرق في القناة فيتلطخ ~~ بالنجاسة، فألقى كساءه ونزل إلى القناة، فساخ فيها إلى الورك، وأخذ ~~القرطاس بيده وجعل يتخلل في القناة يلتمس موضعا يسهل عليه منه الخروج، فلم ~~يزل كذلك حتى أمكنه الخروج فخرج، وقد اجتمع الرجال والنساء والصبيان ينظرون ~~إليه، ثم أخذ كساءه بيده ثم تمادى إلى باب أبي الربيع حتى انتهى إلى ~~«وادي القصارين» فغسل مئزره وجسده ثم انصرف. # وذكر عن فضل بن أبي العنبر ، وكان واليا على «الجزيرة» ، ~~قال: # «قدمت بزواملي وأعواني، فنزلنا ببعض حصون «الجزيرة» التي على ساحل ~~البحر، فأدخلوا ثقلي في مسجد من مساجد الحصون، وأدخلوا الحصن ms190 كلابا وطيورا ~~كانت معهم».قال الفضل: «فلما دخلت رآني إسماعيل بن رباح، فأتاني فقال: «ما ~~هذا الذي أحدثت؟ أما ترى ما فعل أعوانك في بيت من بيوت الله عز وجل؟ » فصحت ~~عليهم، وأخرجتهم بالزجر».قال: «فنظر إلي إسماعيل وقال: حقن الله دمك! » ~~قال: فشهد فضل معارك كثيرة فكان يقول لهم: «والله لو حملوني على الأسنة ما ~~PageV01P335 هراقت مني محجمة دم، لأن دعوة الرجل الصالح بردت على ~~قلبي».فمات فضل سويا على فراشه لم يجرح جرحا حتى مات. # وعن ابن الحداد عن أبيه، قال : حدثني محمد بن لله ، قال: كنت ~~أخيط، وأنا غلام حدث السن، مع شباب عند معلمنا في المسجد المعروف اليوم ~~«بمسجد ابن أبي نصر» إذ أقبل [إسماعيل] بن رباح الجزري فقال ~~لمعلمنا: «يا شيخ؛ بكم اكتريت هذا الحانوت؟ » فقال له معلمنا: «ليس هذا ~~بحانوت، وإنما هو مسجد» فقال له إسماعيل: «إن المساجد لم تبن للصناع، إنما ~~بنيت للصلاة والذكر وتلاوة القرآن».أو كما قال رحمه الله تعالى، فنبره ~~معلمنا ، ثم أقبل علينا فقال: «يا شباب، اقبلوا مني أنتم إذ لم يقبل ~~مني معلمكم أن لا تخيطوا في المسجد». # ثم ولى عنا، فكان يتردد إلينا كالغريم يسألنا في أن ننتقل عن المسجد، ولا ~~نخيط فيه. قال: فما زال بنا حتى تركنا الخياطة فيه. # وحدث أبو سليمان ربيعة الجزري، قال: كنا في «الجزيرة» على طعام ~~إذ دخل علينا يهودي فدعوناه، فجلس يأكل معنا، [إلى أن] أقبل إسماعيل ~~ابن رباح، فرفعنا اليهودي في غرفة، فلما دخل إسماعيل دعوناه إلى طعامنا، ~~فمد يده ليأكل، ثم قبضها وقال: «طعامكم نجس، أو أكل منه نجس» فقلنا له: ~~دعونا PageV01P336 يهوديا طوافا فأكل معنا، فقال: «أما تستحيون من ~~الله تعالى؟ تأكلون مع من كفر بالله! » فنزل اليهودي من الغرفة وهو ~~يرعد. # ويروى عنه أنه أراد أن يشتري دابة من القيروان، فقيل له: «إنهم ~~يأخذون ربع درهم على الباب»، فرجع فقال: «والله لا أشتري من ها هنا، وليس ~~بي ما ذكرتم ولكن يقال فلان أعطى حق الباب فيرون أنه حلال». # واشترى ms191 من القيروان حمارا فوجده ربوضا ، ووجد فيه عيوبا كثيرة، ~~وقالوا له: «هذا حمارك كثير العيوب، فرده على النخاسين» فقال: «لا أفعل، ~~فإني استخرت الله تعالى فلست أرده». # وحدث محمد بن لله -شيخ كان من المخبتين مخمول الذكر وكان من ~~المخزونين -قال: بينما إسماعيل بن رباح في سفر إذ وافى رجلا من أهل ~~الساحل ومعه أهله وولده وهم بحال رثة، فرفع رأسه إليهم [كالناظر] إلى ~~فرصة ثم ثار إلى الساحلي فقال له: «يا ساحلي، كم تزيدني على كسائك ~~[هذا] وأعطيك كسائي [هذا] ؟ ».وكان كساء الساحلي خلقا وكساء ~~إسماعيل جديدا، فقال له: «ما عندي ما أزيدك، ما عندي إلا ثلاثة ~~دراهم».فبادر إسماعيل فألقى كساءه، وبادر الساحلي فألقى كساءه إلى إسماعيل ~~وأعطاه الدراهم الثلاثة، واشتمل إسماعيل PageV01P337 بذلك الكساء ~~الخلق ثم انطلق، فاشترى بدرهم من تلك الدراهم شعيرا وبدرهم زيتا وبدرهم ~~[تينا] ثم [عمل] من ذلك بسيسة، وجعلها في جفنة، ثم وضعها على ~~رأسه، ثم أقبل بها [إلى] الساحلي ثم قال: «تقدم أنت وأهلك وأطفالك ~~فكلوا» ، ودفع [ذلك] الطعام إليهم فأكلوه. ثم قال: «بقيت لي إليك ~~حاجة: # أخبرني أي موضع تريد؟ » فقال الساحلي: «بلغني أن بصطفورة زرعا ~~فأحببت أن أتبلغ إليها فأعيش فيها أنا وأهلي وصبياني».فترك إسماعيل ~~الجهة التي كان عليها ، وتوجه مع الساحلي حتى وصل معه إلى المنزل، فبلغ ~~صاحب المنزل أن إسماعيل بن رباح أتى إلى منزله، فخرج إليه يسأله: «ما الذي ~~جاء بك؟ » فقال له: «هذا الساحلي وأهله وولده وديعتي عندك» ثم ولى منصرفا. # قال سليمان بن سالم في «مجالسه» : بلغني أن أهل بيت إسماعيل عاتبوه ~~وقالوا له: «قد عررتنا بهذا التأزير وبهذا الكساء، ولكن خذ هذه الخمسة ~~دنانير فاذهب بها إلى القيروان فاكتس بها».فدخل القيروان فوقف على صراف ~~فقال له: «اعطني بهذه الدنانير دراهم» -وكانت الدراهم كبارا-فلما صارت ~~الدراهم إليه وقف به سائل وقال: تصدق علي، فأعطاه درهما. ثم وقف به آخر ~~فأعطاه درهما، ففطن به المساكين فتحاشدوا عليه فتصدق دينارا آخر ثم آخر حتى ~~تصدق بها كلها على المساكين ms192 ولم يبق معه إلا نصف دينار، فمضى وهو يريد أن ~~يخرج إلى الجزيرة في كسائه وتأزيره فلما كان في «سوق إيلان» وقف ~~على خباز يبيع الخبز فأعطاه النصف PageV01P338 دينار الذي بقي معه وقال له: ~~عد لي به خبزا فعد له به خبزا في كسائه ثم أقبل به إلى المساكين ففرقه ~~عليهم ولم يبق معه شيء ثم خرج فأتى منزله فاجتمع إليه أهل بيته فقالوا له: ~~«وأين ما اكتسيت؟ » فقال: «وافقت سوقا والله ما رأيت خيرا منه». # فقالوا فيما بينهم: «دعوا هذا عنكم فليس ينفع فيه شيء». # وحدث داود بن يحيى قال: دخل علي إسماعيل بن رباح فقربت إليه ~~كسرا من شعير يابسة وزيتا مرا، فلما أكل قال: «هذا طعامك؟ » قلت: «نعم» ~~فقال: «لو علمت أن هذا طعامك ما كان نزولي إلا عليك، ولم أكن أنزل على ~~غيرك». # قال: وحدثني غير داود : كان نزوله على معاوية الصمادحي، فيستجيد ~~له الطعام فلا يأكل منه شيئا، فيذهب معاوية إلى السؤال وأهل الطرق فيجمعهم ~~إليه ويقرب الطعام إليهم فإذا رآهم أكلوا أكل معهم. # وحدث أبو سليمان ربيعة الجزري أن إسماعيل بن رباح خرج يريد ~~«الجزيرة» ومعه قوم، فعرض لهم الأسد، فوقف الناس وتقدم إليه إسماعيل وقال ~~له: «إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أمرت به، وإن كنت لم تؤمر فخل عن ~~الطريق، [فتركهم ومضى] -قالوا: وكذلك جرى لإبراهيم بن أدهم مع الأسد- ~~ثم قال لأصحابه: # «قولوا: اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام واكنفنا بركنك الذي لا يرام؛ ~~اللهم ارحمنا بقدرتك علينا، لا نهلك وأنت الرجاء». PageV01P339 # وذكر أن إسماعيل بن رباح دخل على عبد الله بن إبراهيم أمير إفريقية، فقال ~~له الأمير: «ما اسمك؟ » فرد عليه وقال: «وأنت أيضا ما اسمك؟ » فقال الأمير: ~~«اسمي عبد الله».فقال: «وأنا اسمي إسماعيل» فقال له الأمير: «اقرأ علي» ~~فقال إسماعيل: # «لا سبيل إلى ذلك»، فقال الأمير: «ولم؟ »، قال: «لأنه بلغني أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم [قال] : «من قرأ على إمام جائر لعن بكل حرف عشر لعنات» ~~ فقال له ms193 الأمير: # «أو لا تسألني شيئا؟ » قال: «وما تملك فأسألك؟ » ثم خرج فقال بعض جلساء ~~الأمير: «لقد انتظرنا أمرك فيه»، قال: «او ما رأيتم ما كان بيني وبينه؟ »، ~~قالوا: # «وما كان بينك وبينه؟ »، قال: «كان بيني وبينه ثعبان فاغر فاه، لو أشرت ~~إليه لابتلعني». # وحدث السحابي صاحب سحنون قال: صحبت إسماعيل الجزري من الجزيرة نريد ~~«سوسة»، ونحن رجالة، فلما صرنا بين «المدفون» و «هرقلة» غابت لنا ~~الشمس واختلط الظلام، فمال إسماعيل إلى البحر فتوضأ وصلينا المغرب، ثم قرن ~~كعبيه فصلى ما بين المغرب والعشاء ثم صلى العشاء فركع ما شاء الله تعالى، ~~ثم التفت إلي فقال: «تشاء أن ترقد؟ » قلت له: «نعم» فمال إلى ذروة فجمع ~~شيئا من الرمل فجعله عند رأسه، وكانت ليلة شديدة البرد فالتف في كسائه، ~~ورقد ورقدت إلى جانبه وألصقت ركبتي إلى ذقني من البرد، فما مر من الليل شيء ~~حتى عرقت، فمددت يدي فإذا قطيفة علينا ألين من الحرير فتمطيت ففطن بي، ~~فقال: «ما PageV01P340 شأنك؟ » فقلت له: «ألا ترى ما علينا؟ » فقال لي: ~~«أحمد الله، وإن أردت أن ترقد فارقد وإن أردت أن تقوم فقم». # وكان كثيرا ما يقول: «رب سلم، رب سلم! » حتى يظن الجاهل أنه يقود جملا في ~~زلق من كثرة قوله: سلم، سلم. # وذكر أنه كان في رفقة، فسلبهم السلابة ، وكانت له في حياصته ~~دنانير، فلما عرفت السلابة أن في المسلوبين إسماعيل بن رباح ردوا على الناس ~~جميع ما سلبوه، وردوا دنانير إسماعيل عليه، فأبى أن يقبلها وقال: «إنها ~~اختلطت مع غيرها»، تورعا. # ثم خرج في آخر عمره إلى الحج فذكر أنه وقف بحلقة ابن وهب بمصر وعليه ~~تليس، فلم يقبل عليه ولا قرب مجلسه، فصاح من آخر الحلقة: «من أجل لباسي هذا ~~أقصى وأبعد؟ » فصاح به ابن وهب: «إلى ها هنا! [إلى ها هنا! ] » فدنا ~~منه حتى لاصقه بالركبة. وكان ابن وهب لا يعرفه، فلما خلا معه ابن وهب قال ~~له: «لو لبست [وسطا من الثياب] كان أحمد لك! » فقال له إسماعيل: ms194 «[من ~~تحمل حملا] ثقيلا من خشية الله تعالى أوشك أن يفضي به إلى راحة».فقال ~~له ابن وهب: «صدقت». # وقال عبد الله: وكان لإسماعيل بن رباح مواعظ حسنة وعظ بها بعض إخوانه من ~~المريدين، [رأيتها] بخط أبي زكريا محمد بن أحمد [بن يحيى] بن ~~مهران، وأنا أذكر منها ما فيه مقنع إن شاء الله تعالى لمن ألهمه الله رشده: ~~«كيف تصل يا أخي إلى ثواب الله عز وجل وقد علمت [أنك عصيت] الله مرارا ~~كثيرة PageV01P341 وقد تعرضت لسخطه، وقد علمت أنه يسخط على أهل معصيته ولم ~~تعلم أنه رضي وأنت تأوي إلى النساء [] الليل [] /لو كنت عصيت بعض ~~الآدميين أو كان السلطان يطلبك بذنب لما هنأك عيش ولا أتيت النساء، ولخرجت ~~هاربا في البلاد مخافة سخطه وعقابه وسجنه، فأي عذاب هو أشد من النار؟ وأي ~~ملك هو أقوى من الله عز وجل نقمة؟ لم يخف سر سقر، لا تبقى ولا تذر، المطلعة ~~على الأفئدة المنضجة للخلق، التي لا يفك أسيرها ولا يطاق حر سعيرها، ولا ~~يداوى جريحها، ولا يرحم فيها باك، ولا يجاب فيها داع. لا أكثر عليك الكلام، ~~تريد أن تدرك شرف الصالحين وتسبقهم؟ ارفض الدنيا وانبذها وراءك، وإن استطعت ~~أن لا تكون لك فيها دار ولا محل قرار فافعل، وليكن لباسك فيها الخلق الخشن ~~من الثياب والعبا، ولتكن صائما دهرك الطويل، ولتأكل عند فطرك الشعير ولتشرب ~~الماء القراح، يكن طعامك أطيب مما تأكل الملوك وشرابك أطيب من شرابهم. وأطل ~~القيام في الليل وتوسد الأرض، يكن فراشك غدا الحرير عند الملك القدير. ~~واعلم أن الري غدا في ظمائها ، والشبع غدا لمن جاع، والحلل غدا لمن عرى ~~اليوم، والفرح غدا لمن طال حزنه اليوم. # يا أخي، ما رأيت الطبيب كيف يصف الدواء ويخبر صاحبه أنه لا ينفع حتى ~~يحتمي ويترك ما نهاه عنه؟ واعلم يا أخي أنك لا تنتفع بشيء وإن كثرت صلاتك ~~وصدقتك حتى تترك ما يسخط ربك عليك فيه. اذكر كثرة نعمه عليك وإحسانه إليك: ~~من أنعم عليك بالإسلام؟ ms195 من كان يغذيك وأنت جنين في بطن أمك؟ أما تستحي من ~~الله علام الغيوب؟ اذكر نزول ملك الموت بك، المرمل زوجتك، المفرق مالك الذي ~~سعيت في طلبه وجمعته من حله وحرامه فصار لمن لا يحمدك، وتقف بين يدي من لا ~~يعذرك مرتهنا بعملك. اذكر قول ملك الموت: «اخرجي أيتها النفس الخبيثة، ~~أخرجي إلى سخط الله وشدة نقمته، أبشري بخلود [في] النار PageV01P342 ~~أبد الأبد مع الحميم والزقوم ومقطعات النيران».واذكر قوله: «السلام عليك يا ~~ولي الله تعالى، ارحل من هذه الدار إلى نعيم مقيم أبد الأبد مع المتقين ~~الأبرار، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. أبشر ~~بسندس وحرير وحور عين. لم يبق أحد إلا وهو راض عنك محب لك لرضى الله تعالى ~~عنك ومحبته لك. لو رأيت يا ولي الله ما أعد لك ! لم تبال ما أصابك. قد ~~بكت عليك الملائكة المقربون، وموضع مصلاك في الأرض باب من السماء كان ~~ينزل منه رزقك ويصعد منه عملك. قد بكت عليك الملائكة من شدة كربك، ولا كرب ~~عليك بعد اليوم. هذا وقد استبشرت بلقائك اليوم الملائكة واصطفت صفوفا ~~لتشيعك إلى قبرك. # أبشر بروح وريحان ورب غير غضبان، فما تخرج روح ولى الله إلا فرح ~~مسرور».فقد كان ينبغي لك أن تعمل لهذه الصفة لعلك أن تدركها ، وتحذر من ~~الأخرى لعلك أن تنجو منها. ما بالك يا هذا كأنك في شك من الموت؟ أين أبوك ~~وأمك؟ أين الأهل، أين القرابة؟ فانظر لنفسك وعاجل الندم بالتوبة قبل أن يقع ~~الندم منك حين لا ترحم لك عبرة ولا تقال لك عثرة. ما قولك إذا وقفت بين ~~يديه وقال لك: # «عبدي، أتعرف ذنب كذا يوم كذا؟ عبدي، ألم أحذرك نقمتي وشدة سلطاني؟ ألم ~~أخبرك أني منتقم ممن عصاني؟ فما جوابك علي؟ أكل هذا استخفافا بحقي وجرأة ~~علي؟ فوعزتي وجلالي وارتفاع مكاني وقدرتي على جميع خلقي، لا يجاورني من ~~عصاني! وعزتي لأنتقمن اليوم لنفسي! فما قولك يومئذ وقد طاشت الأحلام ~~وانكسرت الألسن؟ وفقنا الله وإياكم، وأعاننا على أهوال ms196 ذلك اليوم. وتماسكنا ~~بهذه الدار وسكناها وحبها من أعظم البلاء علينا. أما سمعته يقول في كتابه: ~~(اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأماال ~~والأولاد إلى قوله تعالى: (وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ~~ورضاان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)؟ وقال تعالى: (إن المتقين ~~في جنات وعيون، آخذين ما آتاهم ربهم، PageV01P343 إنهم كانوا قبل ذلك ~~محسنين) . إلى قوله تعالى: (وبالأسحار هم يستغفرون) أثنى عليهم ~~بما فعله بهم وشكره لهم. وقال عز وجل: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ~~ويدعوننا رغبا ورهبا، وكانوا لنا خاشعين) قرءوا القرآن فأسهروا به ~~ليلهم، وصفروا به ألوانهم، ورهلوا به أقدامهم، فما ليلهم بليل ولا نهارهم ~~بنهار. # أضنوا بالقرآن أبدانهم، وأسهروا به أعينهم، ولبسوا الأخلاق من الثياب، ~~وأكلوا الكسر من خبز الشعير، وشربوا الماء القراح، [و] توسدوا الأرض. يخيل ~~لهم أن زفير جهنم بين أيديهم وبين حجابهم، هتكوا حجابهم وأرملوا نساءهم ~~وأيتموا أولادهم. # إذا جهنم الليل ارتعدت فرائصهم وهملت أعينهم، وكان أحدهم مثل المرأة التي ~~تطلق : مرة قياما ومرة قعودا، آمل ما يكونون أجد ما يكونون، أحزن ~~ما يكونون ، أشوق ما يكونون ، فمنهم من ينادي ليله الطويل: «سيدي، ~~نجني من شر جهنم! » ومنهم من ينادي ليله الطويل: «يا مولاي، العفو، العفو! ~~» ومنهم من ينادي: «إله محمد! الأمان، الأمان! وأن لقني عند خروج روحي ~~الروح والريحان» ومنهم من ينادي: «إلهي، لا تحرمني النظر إليك، واجعلني في ~~جوارك» فما أقل ما صبروا، وما أعظم ما أخذوا من جزيل عطاء الله الكثير. أما ~~سمعته عز وجل يقول: # (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) ؟ ~~فلنعم الجزاء جزاؤهم، أباحهم [مولاهم] بحبوحة كرامته [و] أنزلهم مع ~~أخيار خلقه في جنة الخلد وملك الأبد. فاعمل يا هذا لهذا عمل من يخاف الآخرة ~~ويرجو رحمة ربه وجزيل ثوابه، وكن كالثكلى التي لا تجف دموعها لعلك تنجو، ~~وما أراك ناجيا. # عصمنا الله وإياك وغفر لنا ولك وتجاوز عنا وعنك». PageV01P344 ### || ذكر الطبقة الرابعة من ms197 فقهاء مدينة القيروان وعبادها وما يليها من بلدان إفريقية وغيرها ومحدثيهم ### $ 126 - أولهم أبو سعيد سحنون بن سعيد بن حبيب بن حسان بن هلال بن بكار بن ربيعة التنوخي ، رضي الله تعالى عنه. # وكان اسمه عبد السلام فغلب عليه اسم سحنون . # قال أبو العرب : اجتمعت فيه خلال قلما اجتمعت في غيره: الفقه البارع، ~~والورع الصادق، والصرامة في الحق، والزهادة في الدنيا، والتخشن في الملبس ~~والمطعم، والسماحة. كان ربما وصل إخوانه بالثلاثين دينارا، وكان لا يقبل من ~~أحد PageV01P345 شيئا، سلطان أو غيره . ولم يكن يهاب سلطانا في حق ~~يقوله. سليم الصدر للمؤمنين، شديد على أهل البدع. انتشرت إمامته بالمشرق ~~والمغرب وسلم له الإمامة أهل عصره وأجمعوا كلهم على فضله وتقدمته، رحمه ~~الله تعالى. # وكان [من صليبة] العرب، من تنوخ، أصله من الشام، من حمص. قدم به ~~أبوه سعيد مع جند أهل حمص. # قال : سمعت محمد بن أبان وقد قيل له: أكان سحنون من العرب صليبة ~~أو من الموالي؟ فقال: إن سحنون قد [أخذ] الناس عنه دينهم وصدقوه في ~~الدين وائتمنوه عليه. وقد قال: إنه من العرب، فكيف لا يصدقونه في نسبه؟ # قال : وكان مولده سنة ستين ومائة في رجب . قال عيسى بن مسكين: ~~ولد سحنون في قرية يقال لها مزنانة الشرق ، وأعرف البيت الذي ولد فيه. ~~وتوفي في PageV01P346 رجب لسبعة أيام مضت منه قبل صلاة الظهر سنة ~~أربعين ومائتين، ودفن بعد صلاة العصر. وكان الذي صلى عليه محمد بن الأغلب ~~في مصلى باب نافع وقبره معروف مشهور، رضي الله تعالى عنه. # سمع بإفريقية من جماعة [من] العلماء منهم علي بن زياد، وأبو مسعود ~~العباس بن اشرس، والبهلول بن راشد، وعبد الله بن عمر بن غانم الرعيني، ~~ومعاوية الصمادحي. # وسمع بمصر من ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وعبد الله بن طليب المرادي ~~، وعبد الله بن عبد الحكم، وشعيب بن الليث بن سعد، ويوسف بن عمرو ~~. # وسمع بالمدينة من عبد الله بن نافع الصائغ. ومعن بن عيسى، وأبي ضمرة أنس ~~بن عياض، وعبد ms198 الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون. [وسعيد بن سعيد ~~الزنبري ، ومطرف بن عبد الله وغيرهم. PageV01P347 # وسمع بالشام من الوليد بن مسلم، ومن أبي سعيد أيوب بن سويد الحميري] ~~. # وسمع من سفيان بن عيينة-وأصله من الكوفة، ثم نزل مكة-وسمع من عبد الرحمن ~~بن مهدي (بصري)، ووكيع بن الجراح (كوفي)، وحفص بن غياث (كوفي)، ويزيد بن ~~هارون (واسطي)، ويحيى بن سليمان (طائفي) ، وأبي داود الطيالسي ~~(بصري)، وأبي إسماعيل الأزرق وغيرهم. ### ||||| ذكر رحلته في طلب العلم وبعض ما جرى له في ذلك. # قال أبو العرب: رحل سحنون في طلب العلم أول سنة ثمان وثمانين ومائة. # وقال غير أبي العرب: وكان اعتماد سحنون على ابن القاسم وبه تفقه، وصحح ~~عليه «الأسدية»، لا يكاد يفارقه في سماع العلم والبحث عنه. # قال أبو عثمان سعيد بن الحداد: سمعت سحنون بن سعيد يقول: كنت إذا سألت ~~ابن القاسم عن المسائل يقول لي: «يا سحنون، أنت فارغ. إني لأحس في رأسي ~~دويا كدوي الرحى».يعني من قيام الليل. # قال: وكان قلما يعرض لنا إلا وهو يقول: «اتقوا الله، فإن قليل هذا الأمر ~~مع تقوى الله عز وجل كثير، وكثيره مع غير تقوى الله قليل».وكان سحنون أيضا ~~كثيرا ما يقوله إذا قرئ عليه. # ثم لما فرغ من قراءة العلم على ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك خرج إلى ~~الحجاز، فحدث أبو سهل فرات بن محمد العبدي، قال: سمعت سحنونا يقول : PageV01P348 # «لما حججنا كنت أزامل ابن وهب، وكنت في الشق الأيمن، وكان أشهب يزامله ~~يتيمه وكان ابن القاسم يزامله ابنه موسى أبو هارون».قال سحنون: «فكنت ~~إذا نزلت ذهبت إلى ابن القاسم أسائله من الكتب وأقرأ عليه إلى قرب وقت ~~الرحيل». # قال: «فقال لي ابن وهب وأشهب: «لو كلمت صاحبك ليلة واحدة يفطر عندنا! » ~~فكلمته فقال: «إن ذلك يثقل علي» فقلت له: فبم يعلم القوم مكاني منك؟ » فقال ~~لي: «فإذ عزمت على ذلك فأنا أفعل لك ذلك إن شاء الله إذا نزلنا ~~للتعريس».فأتيت إليهم فأعلمتهم، فلما كان وقت التعريس قام ms199 وقمت معه إلى ~~القوم، فأصبت أشهب وقد فرش أنطاعه وأتى من الأطعمة بأمر عظيم، وصنع ابن وهب ~~دون ذلك. فلما أتى عبد الرحمن سلم وقعد ثم أدار عينيه في الطعام فإذا ~~بسكرجة ؛ [فيها دقة] فأخذها بيده وحرك الأبزار حتى صارت ناحية ~~ولعق من الملح ثلاث لعقات، وهو يعلم أن أصل ملح مصر طيب، ثم قام وترك ذلك ~~وقال: # «بارك الله لكم! ».قال سحنون: «فاستحييت أن أقوم»، قال: «فتكلم أشهب وعظم ~~عليه ما فعل عبد الرحمن، فقال ابن وهب: «دعه، دعه! ». # قال سحنون: وكنا نمشي بالنهار، ونلقي المسائل ونحن مشاة، فإذا كان الليل ~~ونزلت الرفقة، قام كل واحد إلى حزبه من الصلاة فيقول ابن وهب لأصحابه: «أما ~~ترون إلى هذا المغربي يلقي المسائل بالنهار وهو لا يدرس بالليل؟ » فيقول له ~~ابن القاسم: «هو نور يجعله الله [في القلوب] ». # /قال: «ونزلنا بمسجد ببعض مدائن الحجاز-نسيت اسمها-قال: فنمنا بها ونمت ~~عند رجلي ابن القاسم، فانتبه مذعورا فقال لي: يا أبا سعيد، رأيت الساعة في ~~المنام كأن رجلا دخل علينا من باب المسجد ومعه طبق مغطى بمنديل وفيه رأس ~~PageV01P349 خنزير، فأسأل الله خيرها».قال سحنون: «فما لبثنا حتى أقبل رجل ~~ومعه طبق مغطى بمنديل وفيه رطب من تمر تلك القرية، فجعله بين يدي ابن ~~القاسم وقال له: # «ألا تأكل، أصلحك الله تعالى؟ » فقال له ابن القاسم: «ما لي إلى ذلك ~~سبيل»، قال: «فأعطه أصحابك» فقال: «أنا لا آكله، [فكيف] أعطيه غيري» ~~فانصرف الرجل، فقال ابن القاسم: «هذا تأويل الرؤيا يا أبا سعيد».قال: وكان ~~يقال: إن تلك القرية أكثرها أحباس غصبت، فحماه الله عز وجل منها لتقاه ~~ودينه. # قال: ومرضت بمكة، فكنت ربما جلست عند ابن القاسم وربما جلست عند أشهب ~~وابن وهب، وربما جلس ابن القاسم مع أشهب في موضع واحد، وربما جلست مع أشهب ~~وابن وهب. فجلست يوما مع ابن وهب فقلت له: «يشرب من هذا الماء؟ -وكان الماء ~~حينئذ بمكة في جلود الطائف بجوار السواري يصب فيه الماء ويملأ ليشرب منه ~~الناس-فأصابني عطش ms200 يوما فقلت له: «أشرب ؟ » فقال: # «لا» فقلت له: «أليس لي في فيء المسلمين سهم؟ ».فقال لي: «ليس هذا من فيء ~~المسلمين، إنما هذا الماء مما يأخذونه من صدقات الأعراب، فمنه هذا ~~الماء بمكة». # قال: «ولقد كنت أفتي أنه لا يحل شراء تمر مكة، لأنها كلها من الصدقات، ~~حتى كثر فيها الحلال وأنشأ الناس فيها الحيطان، وصار الغالب عليها ذلك وإن ~~كنت لأتقيه في خاصة نفسي، ولا أحب أن أضيق بذلك على الناس، فربما جاءني ~~الرجل يستفتيني عن شرائه فأقول: «جائز». ### ||||| ذكر أوصافه ومناقبه وفراسة العلماء فيه [وثنائهم عليه] # : # ذكر أن البهلول كتب إلى علي بن زياد كتابا عناية بسحنون أن يسمع ~~عليه، وكتب إليه: «إني إنما كتبت إليك في رجل يطلب العلم لله عز وجل».قال: ~~فلما قرأه قال لسحنون: «أين نزلت؟ » فأخبره. قال: فأخذ علي بن زياد الموطأ ~~فأتى به إلى PageV01P350 سحنون ليسمعه في موضعه الذي نزل به، وقال: «إن ~~ أخي-يعني البهلول- كتب إلي يعلمني [أنك] إنما تطلب العلم لله ~~تعالى». # وقال ابن القاسم لمحمد بن رشيد: «قل لصاحبك سحنون يقعد فالعلم أولى ~~به من الجهاد وأكثر ثوابا ». # وفي رواية أن ابن القاسم قال : «إن يكن أحد يسعد بهذه الكتب فسحنون ~~المغربي»، ثم التفت إلى عبد الله بن عبد الحكم فقال: «وإن قبل أبي محمد ~~لعلما»، والتفت إلى أصبغ وقال: «إن قبل هذا لرواية». # وقال أيضا : «ما قدم إلينا من إفريقية أحد مثل سحنون، لا ولا ابن ~~غانم». # وقال أشهب مثله في سحنون . وقال : «سحنون أفقه من أسد تسعا ~~وتسعين مرة». # ويروى أن عبد الرحيم بن عبد ربه الزاهد شاور أسدا عند ~~خروجه إلى صقلية . إلى من يقصد بعده ليسمع منه؟ فقال: «عليك بهذا الشيخ ~~ - PageV01P351 [يعني] سحنون، -فما أعلم أحدا يشبهه». # قال حمديس : سمع على سحنون العلم سنة إحدى وتسعين ومائة، وتلك السنة ~~توفي ابن القاسم. وكان العلم في صدره كسورة من القرآن . # وقال حمديس : «رأيت أبا المصعب الزهري صاحب مالك بالمدينة، ورأيت ~~أصحاب ابن القاسم بمصر وأصحاب ابن وهب وأشهب، ms201 ورأيت بمكة علماء وعلماء من ~~أهل بغداد قدموا إليها، فو الله ما رأيت فيهم مثل سحنون ولا مثل ابنه محمد ~~بعده». # قال عبد الله بن القبرياني : «جاء رجل إلى سحنون فسأله عن مسألة، ~~فأجابه فيها، فسكت الرجل، فقال له سحنون: «متى عهدك [بالكتاب؟ فقال: # البارحة، قال: ] فوجه سحنون في طلب الكتاب، فجيء به إليه، قال: ~~فتصفح فقصد موضع المسألة كأنه يعرفه، فوجده كما قال سحنون، فقال حينئذ ~~سحنون: # «إني حفظت هذه الكتب حتى صارت في صدري كأم القرآن، ثم كبرت سني وضعفت ~~قوتي، وأحسست الضعف، وأخاف أن يكون قد خالطني في عقلي مثل ما أصابني في ~~قوتي، أفتريد أن تشككني في هذا القليل الذي معي؟ »، أو كما قال رحمه الله ~~تعالى. # قال أبو بكر بن اللباد: قال لنا أبو سعيد بن عمرو بن يزيد : أول ~~ما تعلمت PageV01P352 من العلم مسائل الصلاة من سحنون، ولئن قلت لك إن ~~سحنون أفقه من أصحاب مالك بن أنس-معلميه كلهم-إني لصادق». # وكان عيسى بن مسكين يقول : «سحنون راهب هذه الأمة، ولم يكن بين مالك ~~وسحنون أحد أفقه من سحنون. # قال أحمد بن أبي سليمان: كان سحنون بن سعيد يوما عند البهلول بن ~~راشد فسئل عن مسألة فأخطأ فيها، فكلمه سحنون في ذلك، فضاق وقال: «ألا ترى ~~هؤلاء الأحداث يؤذوننا؟ » وكان شيخ إلى جانبه، فكلمه فسكت عنه. # ومما يذكر عن الشيخ أبي الحسن القابسي أنه كان يشق عليه مخالفة مالك ~~وسحنون خاصة، وكان يقول: «لا أقدر أن أخالفهما وأهاب ذلك هيبة عظيمة». # وكان سحنون إذا اجتمعت له نفقة خرج إلى علي بن زياد صاحب مالك في ~~ تونس، يطلب عليه العلم، فبينا سحنون عند علي بن زياد بتونس إذ جاءه ~~كتاب البهلول يسأله عن المسألة التي بينه وبين سحنون، فلما قرأه علي بن ~~زياد رمى به إلى سحنون، فلما قرأه قال: «هذه مسألة قد اختلف فيها عندنا، ~~فقال البهلول فيها كذا وكذا».فقال ابن زياد: «ومن نازعه؟ » فقال سحنون: ~~«أنا خالفته»، وأخبره بما قال فيها، فقال له علي ms202 بن زياد: «أخطأ البهلول ~~وأصبت أنت، اكتب إليه بهذا عني» ثم قال لسحنون: «الزم هذا الشيخ-يعني ~~البهلول بن راشد-فإنه رجل صالح، لما أن أهمته المسألة كتب إلي فيها». # قال سليمان بن سالم : لما أردت الخروج إلى الحج قال لي سحنون: ~~«إنك تقدم أطرابلس وقد كان فيها رجال ، ثم تقدم إلى مصر وبها الرواة، ~~ثم تقدم المدينة PageV01P353 وهي عش مالك، ثم تقدم مكة. فاجتهد مجهودك ~~فإن قدمت علي /بلفظة خرجت من دماغ مالك ليس عند شيخك أصلها فاعلم أن شيخك ~~كان مفرطا، يعني نفسه رحمه الله تعالى. # حدث أبو عياش بن موسى، قال: سمعت سحنونا يقول-وهو يزري على من يعجل ~~بالفتوى وينكر ذلك، ويذكر النهي عن ذلك عن المتقدمين من معلميه-: # «إني لأسأل عن المسألة فأعرفها وأعرف في أي كتاب هي فيه، وفي أي ~~ورقة، وأي صفحة، وعلى كم هي من سطر، فما يمنعني من الجواب فيها إلا كراهية ~~الجرأة بعدي على الفتوى».ثم قال: «ها هنا قوم يزعمون أنه حمل عني ست ~~وثلاثون ورقة في الصلاة، وإني لأخرج من الدنيا ولا يسألني الله عز وجل ~~عن مسألة قلت فيها برأي». # وذكر سليمان بن سالم أنه أتى رجل من أهل صطفورة إلى سحنون ~~فسأله عن مسألة فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام، فقال بعد ذلك: «مسألتي أصلحك ~~الله، [لي] ثلاثة أيام»، فقال له: «وما أصنع بك يا خليلي؟ مسألتك ~~نازلة وهي معضلة وفيها أقاويل وأنا متحير في ذلك»، فقال له الصطفوري ~~«وأنت أصلحك الله لكل معضلة».فقال له سحنون: «هيهات يا ابن أخي، ليس بقولك ~~أبذل لك لحمي ودمي للنار، ما أكثر ما لا أعرف، إن صبرت رجوت أن تنقلب ~~بحاجتك وإن أردت [أن] تمضي إلى غيري تجاب في ساعة واحدة».فقال له: ~~«إنما جئت إليك ولا أستفتي غيرك»، فقال: «فاصبر عافاك الله»، ثم أجابه بعد ~~ذلك. PageV01P354 # قال عيسى بن مسكين : قلت لسحنون: «تأتيك المسائل مشهورة مفهومة فتأبى ~~الجواب فيها؟ » فقال: «سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من فتنة المال». # وقال: «كان بعض من مضى يريد ms203 أن يتكلم الكلمة، ولو تكلم بها لا نتفع بها ~~خلق كثير، فيحبسها ولا يتكلم بها مخافة المباهاة». # وكان يتكلم [لله] ويصمت، فإذا أعجبه الصمت تكلم، وإذا أعجبه الكلام ~~صمت. # وكان يقول : «أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علما: يكون عند الرجل باب ~~واحد من العلم فيظن أن الحق كله فيه».قال سحنون: «وأنا أحفظ مسائل ~~فيها ثمانية أقاويل من ثمانية أئمة، فكيف ينبغي [لي] ~~أن أعجل بالجواب حتى أتخير؟ فلم ألام على حبس الجواب؟ ». # وذكر محمد بن عبدوس مسألة الوط ء في الدبر، مع هيبته لسحنون في ~~سؤاله عنها. ولما سأله قال: «يا بني لي في هذه المسألة أربعون سنة أتدبرها ~~وأدبر ما يخرج من الجواب فيها، [حتى] أحمل الناس عليه فما اتجه ~~لي فيها شيء. يا بني هذه من الشبهات، وترك الشبهات خير، فما تسمع مني فيها ~~حلالا ولا حراما»، فما سمعنا عنه فيها شيئا، ولا تقلد فيها فتوى، رضي الله ~~تعالى عنه. # وذكر أنه أرسل إليه الأمير زيادة الله بن الأغلب يسأل سحنونا عن مسألة ~~نزلت PageV01P355 به، فلم يجبه فيها بشيء. ورجع الرسول من عنده بلا جواب ~~فقال محمد بن عبدوس لسحنون: «اخرج من بلد القوم، لا تساكنهم: أمس ترجع عن ~~الصلاة خلف قاضيهم-يعني ابن أبي الجواد-واليوم لا تجيبهم في مسائلهم؟ » ~~فقال له سحنون: # «أفتجيب إنسانا إنما يريد أن يتفكه، يريد أن يأخذ قولي وقول غيري؟ ولو ~~كان شيئا يقصد به الدين لأجبته». # وقال: «أشقى الناس من باع آخرته بدنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا ~~غيره».قال رضي الله تعالى عنه: ففكرت فيمن باع آخرته بدنيا غيره، فوجدته ~~المفتي: يأتيه الرجل قد حنث في امرأته أو رقيقه فيقول له: لا شيء عليك، ~~فيذهب عنه الحانث فيتمتع بزوجته ورقيقه، وقد باع المفتي له دينه بدنيا هذا. ~~فما وجدت بقلبي من باع آخرته بدنيا غيره إلا المفتي». # قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى: قيل لي: قد قال بعض ~~الناس، ممن حضر هذا الكلام، لسحنون: إن بعض الشعراء قد ms204 ضمن هذا المعنى في ~~بيتين: # عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى %~% ولمشتري دنياه بالدين أعجب # وأعجب من هذين من باع دينه %~% بدنيا سواه، ذاك للحين أقرب # فأمر سحنون من حوله أن يكتبوهما. # وكان سحنون يقول : «من فقه الرجل مطعمه ومشربه ومدخله ومخرجه وصحبته ~~لأهل الخير. وليست العبادة بمطأطأة الرأس». # وقيل لسحنون بحضرة أبي سليمان : «يا أبا سعيد، كيف يسعك في دينك أن ~~تدع الطلبة وحاجتهم إليك وتخرج إلى البادية فتقيم بها الشهور الكثيرة؟ » ~~فقال: «يا أبا سليمان، تريد أن ترى كتبي في هذا الغدير؟ » -وأشار إلى ماء ~~بين يديه-فقال له أبو سليمان: «وكيف ذلك؟ » قال: «أحتاج إلى دراهم هؤلاء ~~القوم-يريد الملوك-فآخذها، فإذا أخذتها فارموا كتبي في هذا الغدير». PageV01P356 # وقال محمد بن سحنون : «قلت لسحنون: إن فلانا لا يأتي الوالي ولا ~~القاضي إلا بالليل، فكتب إليه بعض إخوانه: إن الذي يراك بالنهار هو يراك في ~~الليل، والسلام».فأعجب سحنون بما كتب به إليه وقال على إثر هذا: «ما أقبح ~~بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه، فيسأل عنه فيقال: «هو عند الأمير، ~~هو عند الوزير، هو عند القاضي».فإن هذا وشبهه لأشر من علماء بني إسرائيل، ~~لأنه بلغني أنهم كانوا يلقونهم من الرخص بما يحبون مما [ليس] عليه ~~العمل وما هو متروك، ويتركون أن يلقوهم بما عليه العمل وفيه النجاة ~~[لهم] ، كراهية أن يستثقلوهم . ولعمري لو فعلوا ذلك لربحوا ~~ولوجب أجرهم على الله عز وجل، فو الله لقد ابتليت بهذا القضاء وبهم، فو ~~الله ما أكلت [لهم لقمة] ، ولا شربت لهم جرعة، ولا لبست لهم ثوبا، ولا ~~ركبت لهم دابة، ولا أخذت لهم صلة. # وإني لأدخل عليهم فأكلمهم بالتشديد، وبما عليه العمل وفيه النجاة، ثم ~~أخرج من عندهم فأنظر في أمري فأجد علي الدرك، مع ما ألقاهم به من الشدة ~~والغلظة وكثرة مخالفتني لهم ووعظي لهم، فوددت أني [أنجو مما] دخلت فيه ~~كفافا، لا علي ولا لي» . # /قال: «وكنت أسمع منه يقول: إنه يقال: إذا رأيتم العالم يحب الدنيا ~~فاتهموه على دينكم».وقال زيدان بن ms205 إسماعيل: «سمعت سحنونا يقول-وقد ذكر ~~بعض هذه المواجل التي بناها هؤلاء الولاة فقال: «إنما هي حجارة، جمعوا ~~PageV01P357 ذلك فبنوا به ما جلا، فدخل فيه ماء ساقه الله إليه، فما أرى ~~بشرب ذلك الماء بأسا»، قال: فحدثت بذلك سعيد بن إسحاق فقال لي: ما شرب ~~سحنون من ماجل بناه الأمراء حتى لقي الله عز وجل، تورعا ونزاهة». # حدث أحمد بن أبي سليمان ، قال: «كنا يوما جلوسا عند سحنون حتى أتاه ~~غلامه بدرهم و [نصف فضة باع له به زيتونا] ، فقال سحنون: «الحمد لله، ~~زيتوننا وغلامنا ودابتنا»، ثم رمى بها، ثم قال لنفسه: «يا شقي، يا شقي، يا ~~شقي، تدري ممن باعها لك؟ » وهذا من إشفاقه، رضي الله تعالى عنه. # قال سليمان بن سالم : ذكر «خشيش البزاز» يوما عند سحنون ~~وصدقاته وزكواته وما كان يفعل من المعروف في ماله، فلما أكثروا عليه قال ~~لهم سحنون: # «اسكتوا! فلو لم يكن موقف خشيش عند الله تعالى إلا أنه يسأله عن كسبه ~~ماله من أين كسبه [لكان حسبه! .و] قد قيل لابن هرمز : مات فلان ~~وترك من المال كذا وكذا .. فقال: لكن المال لا يتركه! ». # قال محمد عن أبيه سحنون : «اعلموا أن ترك الحلال أفضل من عبادة ~~PageV01P358 التطوع ، وترك الحلال لله تعالى أفضل من أخذه وإنفاقه في ~~طاعة الله عز وجل». # وحدث يونس بن محمد الورداني، قال: سأل محمد بن عبدوس، ومحمد بن حسن، ~~ونفيس الضرير سحنونا عن الورع فقال : «ترك دانق مما كره الله عز وجل ~~أفضل من سبعين ألف حجة يتبعها سبعون ألف عمرة مبرورة متقبلة، وأفضل ~~من سبعين ألف فرس في سبيل الله تعالى بزادها وسلاحها، وأفضل من سبعين ألف ~~بدنة يهديها إلى بيت الله الحرام، وأفضل من [عتق] سبعين ألف رقبة ~~مؤمنة من ولد إسماعيل». # فذكر هذا الحديث صاحب لعبد الجبار [بن خالد] فقال عبد ~~الجبار: # «نعم، وأفضل من ملء الأرض إلى عنان السماء ذهبا وفضة من كسب حلال ~~وأنفقت في سبيل الله لا يراد بها إلا وجه الله تعالى». # قال: ms206 «وهذا كلام صحيح، وذلك أن ترك الحرام فريضة، وهذه الأشياء التي ~~[ذكرها] كلها تطوع، فالفريضة أولى من التطوع» . # حدث عبد الجبار بن خالد، قال: كنا نسمع من سحنون بمنزله في الساحل، ~~فصلى يوما الصبح، ثم دخل فخرج علينا وعلى كتفه المحراث وبين يديه زوج بقر ~~مقرون، فقال لنا: «إن الغلام [قد] حم [البارحة] ، فأنا أريد ~~PageV01P359 أن أذهب لأحرث ثم أرجع إليكم إذا فرغت أسمعكم».قال عبد الجبار: ~~«فقلت له: أنا أذهب أحرث لك، واجلس أنت تسمع أصحابنا فإذا رجعت قرأت عليك ~~ما فاتني به أصحابي. قال: فدفع إلي المحراث، فذهبت به فحرثت فلما رجعت ~~أدخلت البقر الدار. قال: فقرب إلي سحنون غداءه فإذا هو خبز شعير وزيت ~~قديم، فأكلت معه ثم قرأت عليه ما فاتني». # وحدث إسماعيل بن إبراهيم قال: دخلت على سحنون، وهو يومئذ قاض وأنا يومئذ ~~غلام، فإذا هو جالس في بيته وفي عنقه تسبيح وهو يسبح به وفي الدار ~~جشيش قد طبخ، فقال: «احتس من هذا الجشيش» فأبيت عليه من ذلك، فقال: ~~«يا بني، خذ هذه الشقة فقل لأخيك يبيعها وأخبره أنه قد دخل في طعمتها ~~كذا وكذا، وتبين لمن تبيعها منه أن قيامها أصطبة ، وعجل علي ~~بثمنها، فإن لشيخك ثلاثة أيام لم يجد ما يشتري به سخينة يأكلها» قال: # فذهبت بالشقة فبعتها، وجئته بالثمن عشية وهو ينظر بين الناس، فأخذ ~~الدراهم، وكنت قد جعلتها في كمي وجعلتها بين أصبعين من أصابعي، قال: فعرك ~~سحنون أذني بيده وقال: «ليس هكذا تمسك الدراهم، إنها يا بني حلال، فإذا ~~ذهبت فأين أجد مثلها؟ ».قال: ثم وجه ربع درهم فاشترى به أربع ثردات ، ~~فطبخها وأفطر عليها، فلما خرج لصلاة العشاء قال: «ما أطيب الثرد! اشتري لي ~~PageV01P360 منها أربع : فبعثت بواحدة إلى ابني محمد، وواحدة إلى ~~ابنتي خديجة، وأخرى إلى كذا، وأكلت أنا واحدة». # وكان يبعث في كل يوم إلى معتب بن [أبي] الأزهر يشتري له ربع ~~رطل لحما ليفطر عليه، ثم استكثره وتركه اقتداء منه بالصالحين. # ولقد كان يتصدق على الرجل ms207 الواحد بالمال الكثير الذي تجب فيه الزكاة. # ولقد حدث سعيد بن عباد المعروف بالمزغلة صاحب سحنون، قال: قال لي ~~سحنون يوما، وقد خلا معي: «يا سعيد، أليس أنا إمامك؟ » فقلت: «نعم، أصلحك ~~الله» فقال: «أو تقبل قولي؟ » فقلت: «وكيف لا أقبل قولك ولو لم أقبل قولك ~~لم أختلف [إليك] » قال: فقال لي: «هذا قولي ويميني» وحلف لي بالله، ~~وأراني صرة في يده، وذكر أن فيها ثلاثين دينارا وقال: «ما هي مال سلطان ولا ~~من تاجر ولا من وصية ، وما هي إلا من ثمن ثمرة غرستها بيدي، ~~فخذها تتقو بها على أمر آخرتك ودنياك» قال: فقلت له: «أنا عنها غني» -قال ~~[محمد] : «[و] هو والله كان محتاجا إلى خروبة» -.قال: فقال [لي] PageV01P361 # سحنون: -لما قلت له إني عنها غني-: «فخذها سلفا فتتزوج منها وتنفق، فإن ~~رزقك الله [فيها] فردها نقبلها منك، /وإن تعذر عليك ردها فأنت في ~~حل»، فقلت: «ما كنت بالذي أتعجل دينا في ذمتي من غير حاجة» فقال: «فإذا ~~أبيت من قبولها فلا تذكرها لأحد ما دمت أنا حيا». # وكان، رحمه الله تعالى، نزه النفس: # قال أبو داود العطار : «باع سحنون زيتونا له بنحو ~~ثمانمائة [دينار] فدفع ذلك المال إلي»، قال: «فكان [يبعث] إلي ~~رقعة يقول: «ادفع لفلان كذا وكذا دينارا، ولفلان كذا» صدقة منه عليهم، حتى ~~فنى ذلك المال كله». # قال أبو داود: «فأتيته بإضبارة فيها تلك البطائق التي كان يبعث بها ~~إلي، فلما فرغ من سماع الناس عليه تقدمت إليه بتلك البطائق فقال: «ما هذه؟ ~~» فأعلمته بها فقال: «أبقى من ذلك شيء».قلت: «لا» قال: فرمى بتلك البطائق ~~إلي وأبى أن يحاسبني، وقال لي: «إذا فرغ المال فلم أحاسبك؟ ». # وحدث أبو محمد عبد الله بن سعيد الصائغ، قال : دفع سحنون لرجل ذات ~~يوم صرة ، وهو في بيته، ثم قال له: «اذهب، فأول رجل تلقاه فادفعها ~~إليه».قال: فتخلل الأزقة، فإذا برجل عليه ثوب أبيض وتحته شيء يحمله، ~~PageV01P362 فدفع إليه الصرة، فلما أخذها ألقى الذي بيده وقال: «هذه ميتة، ~~كانت ms208 حلا لنا فحرمت الآن علينا». # فكانت هذه الفراسة من سحنون من العجب، إذ وقعت على غائب لم يشهده. وله في ~~ذلك حكايات من عطاء ومسامحة وتفريق غلة زيتون يطول بها الشرح. # قال بعض أصحابنا: «مررت بمحمد بن بشار المعروف بالزريني ~~الفقيه وهو جالس في صحن مسجده، فصعدت إليه فسلمت عليه، فرد علي ردا ~~فيه انكسار، فسألته: «ما بالك مغتما؟ » فقال: «وكيف لا أغتم وخادم لي سوداء ~~كانت تكفيني مؤونة الفرن والماء أصبت بها؟ » قال: «فمضيت إلى سحنون فأعلمته ~~باغتمام الزريني بموت خادمه، فقال سحنون : «اذهب إلى فندق كذا وكذا ~~فإن فيه رجالا خمسة من الساحليين فائتني بهم».قال: فذهبت فأتيته بهم، ~~فأقعدهم وقال لي: «اذهب إلى جامع العطار ، وقل له: «الشيخ يقول لك: # ادفع إلي خمسين دينارا».فأتيت بها إلى سحنون، فعدها عشرة عشرة إلى ~~أولئك الساحليين وقال: فرقوها على زيت من ثقات ، وكان ذلك قريبا ~~من PageV01P363 جمع الزيتون، ففعلوا ثم كتبوا إليه: إن الزيت قد اجتمع، ~~فكتب إليهم ببيعه، فباعوه بمائة دينار، فرد سحنون الخمسين دينارا إلى ~~جامع [العطار] ، فأنكر ذلك وقال: «شيخ مبارك يأخذ ويرد؟ ».ثم قال لي ~~سحنون: «اذهب بهذه الصرة إلى الزريني، فيها خمسون دينارا».ففعلت، فأخذها ~~مني ودعا لسحنون وقال: # «يفتقدنا في دنيانا وآخرتنا». # قال سليمان بن سالم : [تأدب سحنون] بأدب أهل المدينة حتى في ~~العيش، وكان يقول: «ما أحب أن يكون عيش الرجل إلا [على] قدر ذات يده، ~~ولا يتكلف إلى أكثر من ذلك ، وإن احتاج إلى امرأة طلبها على قدر ذات ~~يده في مؤنتها وقناعتها حتى يبقى في يده ما يستغنى به، وإن كان له مال صالح ~~حلال-والحلال هو الذي ارتضاه الله عز وجل لأنبيائه حين يقول: (يا أيها ~~الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) ، والطيب هو الحلال-اعتمد عليه ~~وتفرغ للعبادة؛ وإن لم يكن عنده فعليه بكسب يده، [فذلك] أولى به من ~~ذل المال، وهو مسألة الناس؛ وإن كان مستغنيا عن الزوجة فتركها أحب ~~إلي، وأكل أموال الناس بالمسكنة والصدقة خير من أكلها بالعلم والقرآن إذا ms209 ~~احتاج إلى ذلك». # سليمان بن سالم ، قال: رأيت لسحنون، رحمه الله تعالى، ساجا كحليا ~~PageV01P364 وأزرق وقلنسوة حبر. وكان يركب بلجام حديد ليس فيه من ~~الفضة شيء. وكان له برنس أسود كثيرا ما يلبسه في المطر والبرد والريح، ~~وربما قعد للسماع وهو عليه، وربما حمل حزم البصل من حانوت «جامع ~~العطار» وغير ذلك إلى داره تواضعا لله عز وجل. # فرات بن محمد العبدي، قال : كنت عند سحنون عشية فجاءه حسان فقال له ~~سحنون: «اجلس وخذلي «يا عاشق الحور» لابن المبارك ولا تطرب»، فابتدأ ~~في القصيدة فكلما أراد أن يطربها يقول له سحنون: «هيه! اسكت من التطريب»، ~~حتى انتهى إلى قول هذا البيت: # لمن رآك قتيلا بين أودية %~% في غربة قد سقيت المر والصبرا # فقال سحنون: «يرحم الله أبا عبد الرحمن، كيف يكون غريبا من تبكي عليه ~~السماء والأرض؟ إنما الغريب الذي قال [فيه] الله عز وجل: (فما بكت ~~عليهم السماء والأرض) . # عبد الجبار بن خالد السرتي ، قال: كنا نسمع على سحنون في بيت ~~PageV01P365 قبلي ، فدخل يوما فجلس محتبيا، فطوى الكتاب وجعله بين ~~عينيه وعليه كآبة وحزن، فما جسر أحد منا [أن] يسأله، حتى دخلت الشمس ~~البيت؛ فقرع الباب، فقيل: «من؟ » فقال: «غلامك فلان في منزل صقلاب»؛ فدخل ~~الغلام، فقال له سحنون: «ما وراءك؟ » فقال: «هلك الزوج الفلاني، وماتت ~~الخادم الفلانية، وقطع لك البين-يعني الريح-نحو خمسين ومائة شجرة»، فتهلل ~~وجهه وظهر سروره ودفع الكتاب الذي يقرؤه، ولما فرغ من القراءة قلنا ~~له: «أصلحك الله؛ دخلت علينا وعليك كآبة وحزن، فلما جاء هذا الغلام وحكى لك ~~مصائب وهموما استبشرت وظهر عليك سرور! » فقال: «أصبحت وأنا مفكر في نفسي ~~بأني لم أصب بمصيبة في جسم ولا ولد ولا مال، فقلت: «ما أظن الله تعالى ~~ذكرني، ولا لي عنده جاه! » فلما جاء هذا الغلام وذكر ما ذكر عرفت أن الله ~~تعالى قد ذكرني وأنه يخلف ما ذهب». # قال [] : «مات لولده ولد يكنى أبا بكر، فلما تقدم /ليصلي عليه ~~سكت فأطال السكوت، فقال له أحمد بن ms210 لبدة: «إنك لم تكبر» فكبر، فلما فرغ من ~~الصلاة قال له ابن لبدة: «يا عمي، ما بالك؟ » فقال له: «إني لما نظرت إلى ~~قامته بأعلى النعش راعني أمره، فظننت أني كبرت حتى أنبهتني» ثم قال: «لئن ~~وفي جدك ثوابك يا أبا بكر فما أحسن حاله». # وكان إذا بلغه موت أحد ممن سمع عليه يبكيه ذلك ويحزنه جدا. # قال ابن الحداد: «وكان إذا قرئ عليه «مغازي ابن وهب» تسيل دموعه». # قال سليمان بن سالم : «وكان اذا قرئ عليه «كتاب الجهاد» لابن وهب ~~» أو PageV01P366 «كتاب الزهد» بكى حتى تسيل دموعه على لحيته». # قال أبو بكر بن اللباد : «حدثت أن رجلا من أهل الأندلس يقال له ~~«إبراهيم بن لبيب» كان يسمع من سحنون، فأراد أن يعلم حزبه وصلاته ~~بالليل. قال إبراهيم: فأتيته فقلت: «إني أريد أن أسافر، وعندي غلام معه ~~نعمتي ولا تطمئن نفسي أن يكون إلا عندك، فأحب أن تبيح له أن يبيت معك في ~~البيت الذي تبيت فيه، قال: فأجابه إلى ذلك. فقال إبراهيم للغلام: «لا يكون ~~لك عمل في النهار إلا النوم والسهر في الليل، حتى ترى صلاة سحنون في ~~الليل».فأقام ثلاث ليال مع سحنون في البيت، ثم رجع إلى مولاه، فسأله عما ~~عاين من سحنون، فقال له: # «كان يصلي العشاء الآخرة ثم يوتر ثم ينام فما يقوم إلا لصلاة الصبح، ~~فيركع ركعتي الفجر ثم يصلي الصبح».فمضى إبراهيم بن لبيب إلى سحنون فقال: ~~«أصلحك الله، إنك إمامي، وقد أخذت عنك ديني، وقد أردت أن أعلم حزبك في ~~الليل» فقال له: «وما دعاك إلى هذا يا إبراهيم؟ ».فقال: «أردت أن اعلم ذلك» ~~فقال له سحنون «قليل من العمل مع الورع كثير». # هذا ويمكن أن يكون عرض لسحنون في هذه الليالي ما منعه من قيام ~~الليل، فقد وردت عنه أخبار في قيام الليل صحيحة مما يدل على كثرة تهجده ~~وملازمته لقيام الليل». # يحيى بن عون، قال : «دخلت مع سحنون على ابن القصار وهو مريض، وكان ~~من أصحابه، وأصابه في علته قلق، فقال ms211 له: «يا ابن القصار، ما هذا القلق ~~الذي أنت فيه؟ » قال: «الموت والقدوم على الله عز وجل» فقال له سحنون: ~~«ألست مصدقا بالرسل أولهم وآخرهم والبعث والحساب والجنة والنار؟ وأن أفضل ~~هذه الأمة-بعد نبيها صلى الله عليه وسلم-أبو بكر ثم عمر؟ و [أن] ~~القرآن كلام الله غير مخلوق؟ PageV01P367 # وأن الله تعالى يرى يوم القيامة؟ وأنه (على العرش استوى)؟ ولا تخرج على ~~الأئمة بالسيف وإن جاروا؟ » قال: «إي والله الذي لا إله إلا هو».فضرب سحنون ~~بيديه على ضبعيه وقال له: «مت إذا شئت، مت إذا شئت»، ثم خرج عنه». # حدث فرات بن محمد العبدي، قال : حدثت عن سحنون أنه قال لابنه محمد: ~~«يا بني، سلم على الناس، فإن السلام عليهم يزرع المودة في قلوبهم، وسلم على ~~عدوك، فإن رأس الإيمان بالله مداراة الناس». # وكان سحنون يقول : «ليس للأمور بصاحب من لم ينظر لها في ~~العواقب». # وحدث أبو محمد بن معاوية، قال : حضرت سحنونا، وكان ينهى الطلبة عن ~~الجلوس في موضع الطريق لخروج أهل الدار إلى حوائجهم، فجلست يوما في الطريق ~~لضيق الموضع، فجاءه حمل طعام من البادية، فنظر إلي وقال لي: «قم من ~~الطريق».فلم أقدر أن أقوم، فقال: «قد جاءنا رزق، فمن أين يدخل إلينا إذا ~~قعدتم لنا في الطريق؟ ».ثم تخطاني وجاز، ثم نظر إلينا ثم قال: «قد نهيتكم ~~غير مرة أن تقعدوا في الطريق»، وضاق علينا وقال: «إنما غايتكم أن أحتاج إلى ~~هؤلاء! » - وأومأ إلى السلطان- «فإذا أخذنا منهم فما تصنعون بكتبكم هذه؟ ~~ارموها في ذلك الماء» وأشار إلى ماء بين يديه. فلما كان من الغد خرج علينا ~~وعلى يده الكتب للسماع، فلما قعد في موضعه أخذ الكتاب ليقرأ، فلما ~~قرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» وضع الكتاب من يده ثم تبسم قليلا ثم قال: ~~«كبرنا وساءت أخلاقنا! ويعلم الله ما أصيح عليكم إلا لأؤدبكم، وما أريد ~~بكم-يعلم الله-مكروها، ألا إنا ابتلينا عند الكبر و [نحن] أحوج ما ~~كنا إلى أنفسنا» -كأنه يريد أن يعتذر بما ابتلى به من أمر القضاء- «وما ms212 ~~أريد إلا لترعووا وتفقهوا وتعملوا بما سمعتم». PageV01P368 # قال عيسى بن مسكين: وأتى قوم من الأندلسيين قد كتبوا «المدونة» وأرادوا ~~أن يسمعوها من سحنون، فقال لهم: «إني مشغول» فقال له شاب منهم: «إنا قد ~~كتبناها فما نصنع بها؟ لئن لم تسمعناها لنطرحنها في هذا الغدير! » ~~[وأشار] لغدير ماء بين يديه، فتغير سحنون وعض بنانه من الغيظ ثم قام ~~فمضى إلى أزواجه وهي تحرث، ثم رجع إليهم فقال: «إني لو احتجت إليكم ~~في مثل هذه-ورفع شيئا من الأرض-ما سوى علمي عندكم شيئا»، ثم أسمعهم. # وقال سليمان بن سالم: كنت قاعدا عند سحنون حتى أتاه رجل يقال له حسان بن ~~شاكر، فسلم عليه ثم قال: «أين غبت يا حسان؟ » فقال: «في البادية، أصلحك ~~الله» فقال له: «إن لله تعالى نبيا من البادية».ثم قال: «ما حال مسجدكم؟ » ~~فقال له: «كما تعرف البادية» فقال له سحنون: «وإني لأظنه تفتل فيه الحبال» ~~ فقال له: «نعم، فما أصنع بهم؟ » فتبسم سحنون ثم قال: «يا شيخ، ابن ~~سبعين سنة ولا تعرف ما تصنع بهم؟ أنا أخبرك ما تصنع بهم: تأخذ الحبل ~~من يده فتثنيه على أربعة وتضرب به رأسه وتخرجه من المسجد، فإن المساجد لم ~~تبن لفتل [الحبال] ، ثم قال له: «ما حال زرعكم؟ » فقال له: «جيد، ~~أصلحك الله، وأرجو أن تكون سنة مباركة».فقال سحنون: «آمين، جعلها الله سنة ~~مباركة! » وكرر ذلك ثلاثا. ثم قال: «يا حسان، تدري ما السنة المباركة؟ ~~[قال: # لا. قال: هي] السنة التي يسلم فيها للناس دينهم وإن كان نيلهم من ~~الدنيا قليلا، والسنة التي لا يسلم للناس فيها دينهم، وإن كان نيلهم من ~~الدنيا كثيرا، فتلك سنة مشئومة عليهم . # حدث الشيخ أبو الحسن علي بن محمد/بن خلف الفقيه القابسي، رضي الله ~~PageV01P369 تعالى عنه، قال : أتى رجل إلى سحنون، رضي الله تعالى عنه، ~~فجلس حتى انصرف الناس وخلا المجلس فأخذ في البكاء، فسأله سحنون وألح ~~عليه فيما أوجب ذلك، فذكر له أنه رأى ما استعظمه، فلم يزل به حتى شرح له ~~ذلك، فذكر له ms213 أنه رأى كأن القيامة قد قامت وأن الناس قد حشروا، [ثم] ~~قال لسحنون: «وأتى بك، [وأنا] أعرفك في منامي كما أعرفك في يقظتي»، ~~ثم وصف له أنه فعل به من الأغلال والسرابيل وأصناف الأنكال أمر عظيم، وأنه ~~أمر به فألقي في النار. قال الرائي لذلك: «فانتبهت مذعورا» فزعموا أن ~~سحنونا صبره وسكنه وأرسل في طلب رؤساء كنيسة النصارى، فأتى إليه باثنين ~~منهم، فجلسا، ثم سألهما سحنون فقال لهما: «هل مات لكم في هذا الوقت أحد ~~تعظمونه؟ » قالا : «بلى» ووصفا من حال ميتهم شيئا كثيرا، فقال لهما ~~سحنون: «هل من شأنكم أن تروا في منامكم لميتكم شيئا؟ » قالا: «بلى» قال: ~~«فهل رأيتما لهذا الميت الذي وصفتما شيئا؟ » فقالا: «نعم، جاءت فيه رؤى ~~كثيرة»، ووصفا فيه من الخير والترفيع له أمرا كبيرا، فقال: «انصرفا».ثم قال ~~للرجل: «كيف ترى؟ هل تشك في هؤلاء ومن مات منهم أنه من أهل النار؟ » فقال ~~الرجل: «لا»، فقال له سحنون: «فاعلم أن الشيطان يأتي المؤمن بما ~~يثبطه وينفره عن الخير ويمقته إليه ويمقت إليه أهله، ويأتي إلى الكافر بما ~~يغبط إليه حاله ويثبته على أمره . وإنما رآك تكثر الاختلاف ~~إلينا والائتمام بنا، فأراد أن يخذلك ويصدك». # وسأل أشهب عن سحنون فقال: «ما لي لا أسمع له ذكرا في بلدكم؟ » فقيل له: # «إنه رجل قليل ذات اليد، وإنما لزومه البادية أكثر أيامه» فقال أشهب: ~~«الحمد PageV01P370 لله، لقد ظننت أنه زل زلة سقط بها عند أهل بلده، فأما ~~إذ كان هكذا فلا يضره شيء». # حدث أبو موسى عيسى بن مسكين، قال: قدم سحنون إلى «منزلة بني هنغلات» ~~، فصلى العتمة في المسجد، قال: فجعل [أهل] القرية يسألونه عن ~~أخبار القيروان حتى مضى حين من الليل، فقال سحنون لغلام له: «اذهب إلى ~~البيت فافرش لي، فلم يجد فيه شيئا يفرشه، فجاء سحنونا فقال له: «أفرشت لي؟ ~~» فقال الغلام: «لم أصب ما أفرش لك» فأخذ سحنون برذعة الحمار ففرشها وجعل ~~الشند عند رأسه وقال للغلام: «هكذا كنت تفعل». # قال سليمان بن سالم: ms214 وسمعت سحنونا يقول: «اشتري لي شيء بخروبة ونصف، ~~فتغديت به أمس وتعشيت منه البارحة وتغديت منه اليوم قبل أن أخرج إليكم، ~~وبقي لي ما أتعشى به».قال سليمان بن سالم: ولم يسألوه ما هو. # قال: وكنا عنده يوما ومعنا رجل يقال له خلف بن جبير ، والقارئ يقرأ، ~~فنعس خلف هذا حتى قرأ القارئ ما شاء الله من ذلك، ثم انتبه فاختلفنا في ~~سماعه، فسألنا سحنونا فقال: «إذا جاء السماع وله قصده فهو يجزي». # وذكر أبو حفص القصطلاني عن الجزري، قال : بينا أنا جالس في مجلس ~~سحنون إذ أتاه رجل فسأله عن مسألتين أو ثلاث ثم قال له: «ما اليوم، وما غدا ~~وما بعد غد؟ » فقال له سحنون مجيبا «اليوم عمل، وغدا الحساب، وبعد غد ~~الجزاء». # قال الجزري: فلما ولى السائل قمت في طلبه فتبعته إلى «باب سلم» وأنا في ~~طلبه حتى دخل المقبرة، فلما خفت أن يفوتني قلت له: «بالله قف لي يا رجل، ~~فوقف وقال لي: ما تريد مني؟ أنا رجل من الجان، جئت أغشى مجلس أبي سعيد ~~أسأله PageV01P371 عن مسائل فحرمتني السؤال. ثم غاب عني وهو يتشبه ~~برجل من الرجال أكحل العينين. # قال الجزري: فحضرني الخروج إلى الحج فخرجت، فبينا أنا في الطواف إذ جذبني ~~رجل بثوبي من ورائي، فإذا بالجني فسلم علي فرددت عليه السلام، وأخبرني خبر ~~من خلفت من أهلي وضيعتي ثم قال: «إن الطلبة رأيتهم مختلفين إلى رجل في جبلي ~~ البيت ومعهم كتبهم ومحابرهم».فمضيت إلى الرجل معه، فلما أشرفنا على ~~الجماعة جبذ يدي وقد تغير لونه وقال: «هذا إبليس، والله لو رآني ~~لقتلني».فقلت له: «فما العمل؟ » فقال لي: «ارجع إليه فالكمه الرأس وقل له: ~~يا لعين يا ملعون، ايش أتى بك ها هنا؟ » ففعلت ذلك، فاضمحل حتى صار مثل ~~الدخان. فالتفت إلي الطلبة فقلت: «أين الذي كنتم تسمعون منه؟ هل ترون أحدا؟ ~~» ثم أخبرتهم بالقصة، فعجبوا من ذلك وحرقوا الكتب التي سمعوها منه. # ومما يسند هذه الحكاية ما رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه عن أبي ms215 ~~سعيد الأشج، قال: حدثني وكيع عن الأعمش عن المسيب بن رافع عن عامر بن عبدة ~~، قال: قال عبد الله-يعني ابن مسعود-: «إن الشيطان ليتمثل في صورة ~~الرجل فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب، فيتفرقون. فيقول الرجل منهم: # سمعت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه، يحدث. # دخل إسحاق بن إبراهيم بن عبدوس عند سحنون-وكان أبوه قد شكاه إلى سحنون- ~~فقال له سحنون: «تعال يا ولدي فاسمعه».قال: فلما أتاه وعاتبه بكى سحنون ~~وقال له: «يا ابني أنت مثل ولدي، فاجعلني في حل»، فقال له إسحاق: # «قد فعلت، أصلحك الله». PageV01P372 # قال سليمان: وسمعته يقول في الطلبة: «ما أريد منهم إلا لعل الله ينفعني ~~منهم بواحد». # قال: وسمعته يقول: «كادت تفوتني كتب ابن وهب، وبالله ما تشرى بكتاب ~~منها الدنيا وما فيها، وما عميت عن مسألة قط إلا وجدت/فرجها في كتاب ابن ~~وهب». # قال: وسمعته يقول في كتب ابن القاسم: وكذا هذه ، فقلما رأيت أحدا ~~أخذها إلا ونفعه الله تعالى بها، وذلك أن صاحبها كان يريد الله عز وجل». # قال وسمعته يقول: «من صحت كتبه صحت روايته، ومن سقم كتابه سقمت روايته». # قال وسمعته يقول في «كتاب الصمت» من «جامع ابن وهب»: «هذا الكتاب ~~يورثه الرجل ولده خير من أن يورثه الدنيا بجميع ما فيها». # قال سليمان : وكنت قاعدا قدام سحنون وهو يقرأ «كتاب الترغيب» من ~~«جامع ابن وهب» فرددت عليه حديثا هو في كتابي ولم يكن في كتابه، فقال لي: # «اقرأ الحديث»، فلما قرأته أنكر الحديث وصاح علي وقال: «من أين دخل هذا ~~الحديث في كتابك؟ » فأمسكت ولم أرد عليه، فكلمه محمد ولده وقال: «أصلحك ~~الله، الكتب تختلف»، فقال لي: «اطرح الحديث من كتابك»، فخططت عليه بالقلم ~~وهو ينظر، فقال لي: «زد خطا عليه» ، فطلسته كله. # فلما كان بعد ذلك خرج، فقعد، فنظرت في وجهه زبل حمام، [فمسحته] ~~ فقال لي : «ايش هو؟ » فقلت: «زبل حمام، أصلحك الله» PageV01P373 ~~فقال: «قد آذونا بالحمام، وقلت لهم ينحونه عنا فأبوا».ثم قال: «إذا ~~رأيت الطالب يصاح عليه وينهر ms216 فلا يبرح من مكانه فارجه ، وإذا رأيته ~~إذا صيح عليه تنحى من مكانه ويقعد بعيدا ثم لا يرجع ، فليس ~~يفلح».فقال أصحابنا الطلبة: «قد أعتبك». # وحدث بعض أصحابنا، قال : «رأيت فيما يرى النائم كأن سحنونا يبنى ~~ الكعبة»، قال: «فغدوت إليه فوجدته يقرأ للناس «كتاب المناسك في الحج» ~~الذي اختصره. # وحدث أبو عبد الله محمد بن المبارك بن الزيات صاحب مظالم ابن طالب، ~~قال: كان يألفني رجل أطرابلسي، دون أصحابنا أيام سماعنا من سحنون، فرأيت ~~معه كتبا قد محيت وكتب فيها قول أهل المدينة. قال: فكان يسمع معنا فيها. ~~قال، فقلت له: ما قصة هذه الكتب؟ قال: إني كنت أسمع قول أهل العراق، فرأيت ~~في منامي كأني واقف في وسط غدير وقد أصابني عطش شديد بلغ مني، فإذا شربت من ~~الماء شربت دما، ثم أملأ ركوتي بالماء فإذا شربت منها شربت دما فأمجه من ~~فمي، ثم التفت إلى رجل كان مني على القرب فقلت له: اسقني الماء فإن العطش ~~قد بلغ مني، فقال: أنت في الماء وتطلب من يسقيك؟ فقلت له: إني إذا شربته ~~صار في فمي دما، فقال لي: اذهب إلى الشيخ فهو يسقيك، قال: فمضيت إليه فأصبت ~~الشيخ قاعدا ووجهه إلى القبلة، فقلت له: لعل معك ماء فتسقيني، فقال لي: أنت ~~في الماء وتطلب من يسقيك؟ فقلت له: إني إذا شربته صار دما في فمي، وجعلت ~~PageV01P374 أريه ذلك ، فقال لي: هلم الإداوة التي معك في يدك، ~~فناولته الإداوة فصب لي فيها ماء فشربته فرويت. فلما أصبحت ذهبت أسأل عن ~~تأويل رؤياي فقيل: تطلب علما لا تنتفع به وسيبدلك الله تعالى به علما خيرا ~~منه. فقلت في نفسي: ما هو إلا قول أهل العراق! فتركته وطلبت قول أهل ~~المدينة من كل طريق». # قال: «فرحلت إليكم، فلم يكن لي هم إلا السؤال عن الرؤيا، فدلوني على أبي ~~زكريا الحفري. فمضيت إليه فسألته عن رؤياي، فقال لي مثل قول الأطرابلسي. # واختلفت إلى عون حينا، فقال لي رجل: «ممن تسمع؟ » فقلت: «من عون»، فقال: ms217 ~~«تدع سحنونا وتسمع من عون؟ » فقلت له: فأين موضعه؟ فقال لي: # بالقرب من مسجد عون. فقلت له: «إنه يمر بنا قوم معهم المحابر والدفاتر» ~~فقال: # «إلى سحنون يمرون»، قال: فتبعتهم، فأول ما رأيت سحنونا».وزاد أبو ~~القاسم: «رأيت الرجل الذي سقاني الماء في نومي» . PageV01P375 ### $ 127 - ومنهم أبو جعفر موسى بن معاوية الصمادحي ، رضي الله تعالى عنه. # قال أبو بكر بن اللباد: هو من ولد جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين. وكان ~~فاضلا. # وقال أبو العرب وغيره: كان ثقة مأمونا صالحا عالما بالحديث والفقه. # حدثت عن معتب بن أبي الأزهر [قال] : قلت لسحنون : «إن موسى جلس ~~PageV01P376 في الجامع يفتي الناس» فقال لي سحنون: «ما جلس في الجامع منذ ~~ثلاثين سنة أحق من موسى بالفتوى». # أبو بكر بن اللباد، قال: «[لقي] موسى بن معاوية في رحلته جماعة من ~~الفضلاء، منهم وكيع بن الجراح والفضيل بن عياض وجرير بن عبد الحميد». # وعن موسى بن معاوية ، قال: «لم ألق أحدا أروى من وكيع ، وكان ~~يروي خمسة وثلاثين ألف حديث، يقرؤها علينا ظاهرا على تأليفها ما يشك ~~في حديث منها». # وحدث أبو سليمان داود بن يحيى، قال : «سمعت موسى بن معاوية الصمادحي ~~يقول: رحلت من القيروان ولا أظن أني أرى أحدا أخشع من البهلول بن راشد، حتى ~~لقيت وكيع بن الجراح. وكان يقال إنه يختم في رمضان ختمة وثلثا كل ~~ليلة، فبت في مسجده، فدخل معتكفه فقلت: الليلة يبين لي ما قيل لي فيه. ~~فصلينا التراويح، فخرج إلى صحن المسجد وأنا انظر إليه، فلما أوترنا دخل في ~~مكانه فأحرم وأنا جالس فافتتح فقرأ بأم القرآن، ثم قرأ بعدها البقرة وآل ~~عمران، فأخذتني عيني فنمت. ثم انتبهت وقد ذهب من الليل أكثره وهو يقرأ في ~~«الحواميم»، فجلست حتى ختم، فدخل عليه [ابنه] بطبق فيه خبز وتمر وركوة ~~فيها ماء، فقال: «أين المغربي ؟ » فقمت إليه فقال: «تنال من سحورنا هذا ~~شيئا»، فأكل وأكلت معه، ثم قام فقرأ ثلث القرآن إلى «سورة براءة» ثم ركع ~~وسجد وسلم وجلس موضعه ms218 PageV01P377 حتى أقيمت الصلاة فصلى. ثم جلس في مصلاه، ~~والطلبة حوله وأنا معهم، حتى ركع الضحى شبيه باثنتي عشرة ركعة، ثم ~~تحول فحدث إلى نصف النهار أو قريب من ذلك. ثم رقد في مكانه فقام وقت الظهر ~~فدخل الميضأة، وهي قريبة من المسجد، فتوضأ للصلاة، ثم دخل المسجد فصلى ~~الظهر، ثم قرن كعبيه إلى العصر. فكان هكذا الشهر كله، حتى انقضى وأنا ~~معه في المسجد. # قال : ثم رحلت إلى الفضيل فقلت: ما أظن أني أرى أحدا أخشع من وكيع، ~~حتى قدمت مكة فطلبت الفضيل فلم أقدر عليه. فبينا أنا ذات عشية في بعض أزقة ~~مكة فإذا أنا برجلين يقول أحدهما لصاحبه: «وعدنا الشيخ يحدثنا»، فقلت لهما: # «من الشيخ؟ » فقالا: «الفضيل».فاغتديت إلى المسجد الحرام، فصلى بنا هارون ~~الخليفة صلاة الصبح، فقرأ بنا سورة الرحمن وسورة الواقعة في الركعة ~~[الثانية] ، فتمنيت ألا يسكت من حسن قراءته، فقمت لأبادر ، فجذبني ~~رجل إلى جانبي وقال لي: «تقوم بعد صلاة الصبح مسرعا! » فاعتذرت له بطلبي ~~للفضيل لأسمع منه، فقال: «أتحب أن تراه؟ » قلت: «نعم».فأشار إلى ناحية من ~~المسجد وقال لي: «هناك هو»، فقمت إليه فسمعته يقول: «مسكين هارون! قرأ سورة ~~الرحمن وسورة الواقعة ولا يدري ما فيهما»، ثم قام إلى منزله فدخل وأغلق ~~الباب. وأتى الطلبة من كل مكان، فإذا شيخ آدم، فقال له [الناس] : اجلس ~~يا أبا عبد الله اقرأ، لعل الشيخ يسمع قراءتك [فيخرج] . فسألت رجلا إلى ~~جانبي: «من هذا؟ » فقال [لي: هذا] صالح المري؛ فقرأ: بسم الله ~~الرحمن الرحيم. فكلا أخذنا بذنبه: فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من ~~أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا. وما كان الله ~~ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم PageV01P378 يظلمون قال: ففتح الكوة وقال ~~لابنه علي: «اخرج بي إلى هؤلاء القوم»، فخرج به وأقعده على مصطبة، فختم ~~القارئ الآية ثم دعا. # فقام إليه رجل حسن الوجه [حسن] الإحرام فقال له: «يا أبا علي، [ما] ~~ تفسير هذه الآية: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا ~~العذاب ؟ » فقال ms219 الفضيل: «حدثني هشام بن حسان عن الحسن أنه قال : # تأكلهم النار في كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم وأنضجتهم قيل لهم ~~عودوا فيعودون» فصعق الفضيل وغشى عليه، فحمل إلى داره. فبلغ ذلك ~~هارون الخليفة، فأرسل إلى سفيان بن عيينة وقال له: «إن الفضيل بن عياض فسر ~~آية من القرآن فصعق به، فإذا صليت عشاء الآخرة فواف الباب» ثم ~~أمر بعض خدمه فقال [له] : «إذا رأيت هذا الشيخ-يعني سفيان-فأدخله إلي»؛ ~~فأتى سفيان فأدخله إليه، فدعا ببغلة وبدرة، والبدرة ألف دينار، فأمر خادما ~~فحملها وخرج وهو يبكي حتى أتى باب الفضيل، فقرعه سفيان واستأذن، فأذنت له ~~الخادم بالدخول، قال: «أو يدخل من معي؟ » قالت : «نعم» فدخلوا، فسلموا ~~عليه ثم قال له سفيان: «هذا أمير المؤمنين قد جاء عائدا لك».فاستوى الفضيل ~~جالسا، فمد هارون يده إليه وسأله عن أحواله وقال: «عظني يرحمك الله» فقال ~~له الفضيل: «يا حسن الوجه، أنت المسئول عن هذه الرعية غدا».فقال له: «عظني، ~~يرحمك الله» فقال له: «أنت المسئول عن هذه الرعية»، وكرر ذلك ثلاث مرات، ~~فبكى PageV01P379 هارون حتى مسح دموعه بطرف ثوبه، ثم قال له هارون: «هذا ~~شيء أتيناك به، فاستعن به على نفقتك وعيالك»، فقال له الفضيل: «أنا غني ~~عنه» ثم كرر [ذلك] عليه فأبى، فقال له: «ففرقه على بعض أصحابك» فقال: ~~«إني رجل ضعيف لا أستطيع»؛ فرجع بها هارون معه، ولم يأخذ الفضيل منها شيئا ~~. # [حدث] محمد بن وضاح، قال : خرج علينا موسى بن معاوية الصمادحي ~~يوما وقد احمر وجهه، فقلنا له: «ما لك يا أبا جعفر ؟ » فقال: «جيران لي ~~آذوني في دجاجي».وقد أخبرني أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن خيثمة ~~قال: «إن لي جيرانا ما لهم عندي دينار ولا درهم ولا سألوني حاجة إلا ~~قضيتها. وإني لأبغض إليهم من الكلب الأسود إلى أهله».قيل: «ولم يا أبا عبد ~~الرحمن؟ » قال: «لأنه لا يحب منافق مؤمنا أبدا». # وعن موسى بن معاوية عن ابن القاسم أنه قال: «لي اليوم عشرون سنة ما دخلت ~~السوق، ولي عشرون سنة ms220 ما دخلت الحمام» قيل: «ولم؟ » قال: «نهاني عنه مالك» ~~فقيل [له] : «وكيف تعمل بالنورة؟ » قال: «أطلي بها من الشهر إلى ~~الشهر، تطليني بها أم ولدي في البيت». # [موسى بن معاوية عن] الحارث بن مسكين قال : «كان، والله، ابن ~~القاسم محبا لله ولرسوله. وكانت فيه العبادة والسخاء والشجاعة والورع ~~والزهد». PageV01P380 # [موسى بن معاوية] عن ابن عبد الحكم أنه قال: «كان ابن القاسم يصوم ~~الدهر كله». # وروى عنه [أنه] قال : «ذكر لي رجل بخراسان، فأتيته فأصبته ~~في المسجد يحدث، [فسلمت عليه] ، فقال [لي] : «من أين الرجل؟ » ~~فقلت: # «من المغرب» فقال: «من أي موضع؟ » فقلت: «من القيروان» قال: «ومن لقيت؟ » ~~قلت: «الفضيل ووكيعا وأبا معاوية الضرير» فقال لي: «ما أظنك تريد بهذا ~~الله عز وجل، أما كان يكفيك أن تجعل أحدهم لدينك؟ ولكنك أردت أن تقدم بلدك ~~فتقول: لقيت فلانا وفلانا. والله لا أسمعتك إلا ثلاثة أحاديث لعنائك! ~~».فأخذت كتبه، فانتخبت منها ثلاثة أحاديث رويتها عنه، ثم خرجت من الغد إلى ~~جرير بن عبد الحميد [الضبي] . # وهذا إشفاق من الرجل على موسى خيفة أن تؤديه رغبته في كثرة الرواية إلى ~~أن يروي عن الضعيف والمتروك، كما قال مالك، رحمه الله تعالى، لولدي ~~أخيه وهما أبو بكر وإسماعيل ابنا أبي أويس لما رأى حرصهما على كثرة ~~الرواية : «إن أردتما أن ينفعكما الله عز وجل [به] فأقلا منه ~~وتفقها». # وقال سحنون : «كنا نرابط بالمنستير في شهر رمضان، وكان موسى أكثرنا ~~صلاة فإذا كانت ليلة سبع وعشرين من رمضان طبقها من أولها إلى آخرها ~~، فإذا PageV01P381 أصبح قال: «توجهوا بنا إلى القيروان» فنقول له: ~~«أقم بنا حتى نعيد ها هنا» فيقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يجتهد في العشر الأواخر من شهر رمضان ، فإذا مضت ليلة سبع وعشرين رئيت ~~فيه الفترة» ، قال: «فلا نجد بدا من مساعدته ، فإذا أشرف على ~~القيروان حرك دابته وقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم [كان] إذا ~~قفل من حج أو عمرة فأشرف على المدينة أوضع راحلته وقال: # «أسرعوا ms221 بنا إلى بنات الأقوام». # قال فرات: ثم قال لي سحنون: «ويحك، اطلب لي هذا الحديث لموسى» فطلبته، ~~فأصبته لموسى عن عيسى بن يونس السبيعى بإسناده إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم». # قال أبو سهل فرات : حضرت موسى [بن معاوية] وقد أتاه رسول الأمير ~~زيادة الله [بن إبراهيم] يسأله عن عمود في مسجد خرب بالساحل أراد أن ~~يحوله إلى المسجد الجامع، يجعله مع صاحب له، فقال موسى: «لا ~~تحركه من الموضع الذي هو فيه»، ثم قال موسى: «حدثني سفيان بن عيينة، عن بشر ~~بن عاصم، PageV01P382 عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب لما بنى ~~مسجد مكة أراد أن يدخل أرضا للعباس ليعتدل بها المسجد، فمنعه ~~العباس وقال: «أرضي وملكي» فقال له عمر: «الأرض أرض الله، والمسجد مسجد ~~الله» فقال له العباس: «بيني وبينك رجل من المسلمين يحكم بيني وبينك» ~~فتراضيا بأبي [بن كعب فسا] را إلى أبي فضربا عليه الباب، فخرج إليهما، ~~فلما رأى عمر قال: «يا أمير المؤمنين، ألا أرسلت إلي حتى آتيك؟ » فقال له ~~عمر: «إن ا [الحاكم يؤتى] إليه ولا يأتي إلى أحد، وإني والعباس ~~تشاجرنا في أمر وحكمناك فيه».ثم دخلا معه داره، فأخذ وسادة فألقاها إلى عمر ~~فنبذها عمر برجله وقال له: «هذا أول جورك، اجلس أنت عليها» فجلس أبي عليها، ~~ثم ذكر له عمر القصة، فقال له: «يا أمير المؤمنين، إن الله عز وجل أوحى إلى ~~داود عليه السلام «أن ابن لي بيتا في الأرض أقدسه وأشرفه وأعظمه وأذكر ~~فيه»؛ فوضع داود يده فيه فبنى أساسه، وهو «بيت المقدس»، ثم أتمه بعده ولده ~~سليمان. فلما أخذ في إتمامه إذا فيه بيت لامرأة من بني إسرائيل لا يعتدل ~~المسجد إلا به، فأعطاها سليمان فيه عطاء، فلم ترض، فأمسك سليمان عن البناء، ~~فأوحى الله عز وجل إليه: «يا سليمان إن كنت إنما تعطي من عندك فأمسك، وإن ~~كنت إنما تعطي من عندي فأعط» فأعطاها سليمان حتى رضيت. فما أرى يا أمير ~~المؤمنين الحق إلا للعباس، فأرضه» ، فقال ms222 العباس: «ألست قد حكمت لي؟ » ~~قال: «نعم»، قال: «فإني أشهد الله عز وجل وأشهدك أني تركت أمير المؤمنين ~~يدخله في المسجد. # وتركته لله تعالى»؛ رضي الله تعالى عن جميعهم. PageV01P383 # وحدث موسى، قال: «لما خرجت أريد جريرا «بالري» من بلد خراسان، صحبني ~~شاب عليه جبة صوف وكساء صوف راجلا ، فقلت له: «إلى أين تريد؟ » قال: ~~«إلى جرير» فقلت له: «فالطريق واحدة».فوصلنا إليه نصف النهار، فجلسنا على ~~بابه في ظل حائط، حتى خرج متوكئا على عصا يريد الأذان في المسجد والصلاة ~~فيه، فسلمنا عليه فقال: «أين بلدكم؟ » فقلت: «إفريقية» فقال: # «إفريقية! » يستعظم ذلك، وقال: «ثم إلى أين؟ » فقلت له: «ثم إليك، يرحمك ~~الله» قال: فرق لنا ثم قال: «ادخلا المسجد لتصليا » ثم أذن وصلينا معه، ~~ثم أخرج كتابه فقرأ لنا، وأنا أمسك كتابي معه والشاب جالس وليس معه كتاب. # فانصرفنا إلى الموضع الذي نزلنا فيه والشاب معي، فلما جلسنا نتذاكر ما ~~حدثنا به الشيخ قال لي الشاب: حدث فلان عن فلان، فقلت له: «عن فلان عن ~~فلان» فقال: «ليس كذا قرأ الشيخ ، اقرأ: «فلان عن فلان» فقمت إلى ~~الكتاب فأصبته كما قال. فلم يزل الشاب معي حتى فرغنا من كتب جرير بن عبد ~~الحميد، ثم انصرفنا، فضاق صدري، فكاشفت الفتى فقلت له: «أين كتبك؟ » فتبسم ~~ثم قال لي: «يا أبا جعفر، أخرج إلي أي كتاب شئت» فأردت الاستقصاء عليه، ~~فأخرجت إليه كتابا فقال: «أي كتاب هو؟ » فنسبته له، فقال لي: «اسمع»، ~~فاندفع يقرؤه ظاهرا، فرأيت منه قدرة الله، فقلت له: «حسبك، يكفيك». PageV01P384 ### $ 128 - ومنهم أبو محمد عون بن يوسف الخزاعي ، رضي الله تعالى عنه. # قال أبو العرب : كان [رجلا] صالحا ثقة مأمونا. حدثني عنه ابنه ~~يحيى أنه قال: «قدمت المدينة سنة ثمانين ومائة ، وأدركت بها أربعين رجلا ~~من معلمي ابن وهب رحمه الله تعالى». # قال أبو العرب : وكانت له، رحمه الله تعالى، حبة من شعير ، في حين ~~كان يبيع الكتان، إذا أعطى جعلها مع المثقال وإذا أخذ جعلها مع الدراهم ~~التي يأخذ ms223 فيعطى بزيادة [حبة] ويأخذ بنقصان [حبة] ؛ # وذكر عنه أبو العباس بن طالب، قال : سمعت عون بن يوسف يقول: «إني ~~لأحب أن ألقى الله عز وجل وأنا طالب». # وكان يقول : «لا يبالي من لقي الله عز وجل على الإسلام والسنة على أي ~~جنب لقي الله تعالى».قال: فقال له ولده: «وإن كثرت ذنوبه؟ » فقال: «نعم»، ~~فاستعظمت ذلك وتعجبت منه، فقال لي: «وتلك الذنوب كلها تدخل في رحمة الله ~~تعالى التي وسعت كل شيء». # وروى عنه ، رحمه الله تعالى، أنه عاد رجلا مبتلى فقال له عون: «وهب ~~الله PageV01P385 لك العافية» فقال المبتلى: «لا تفعل يا أبا محمد، فإني ~~إذا وجدت العافية سكنت عروقي وجوارحي فلم أناج ربي، وإذا ضربت علي عروقي ~~ناجيت ربي سبحانه». # أخبرني سليمان بن سالم عنه، قال : كنت جالسا عنده، فأتاه ثلاثة من ~~المبتلين فقالوا: «مات عندنا رجل يقول بخلق القرآن، فما نصنع به؟ » ~~فقال: # «إن وجدتم/من يكفيكم مؤنته فلا تقربوه»، فسكتوا ثم أعادوا السؤال ثانية ~~فأجابهم بمثل الأول. ثم أعادوا السؤال ثالثة، فأجابهم بمثل ذلك، فقالوا: ~~«لا نجد من يكفينا مؤنته» فقال لهم: «اذهبوا فواروه من أجل التوحيد».قال ~~سليمان: «يريد تغسلونه وتكفنونه وتصلون عليه وتدفنونه». # قال أبو الحسن بن الخلاف بخطه: قال عون بن يوسف: «إذا أردت أن تكفر ~~القدري فقل له: «ما أراد الله عز وجل من خلقه؟ » فإن قال: «أراد منهم ~~الطاعة» فقد كفر، لأن منهم من عصى، وكل إله لا تتم طاعته فليس بإله. وإن ~~قال: «أراد منهم المعصية» فقد كفر، لأن منهم من أطاع وكل إله لا تتم إرادته ~~فليس بإله». # قال: «فإن قال لك المسئول: «ما أراد منهم؟ » فقل: «أراد منهم الذي أراد ~~لهم والذي كان لهم» -يريد ما سبق لهم عنده في اللوح المحفوظ. # قال عون : ولقد بلغ بعض [الخلفاء] أن رجلا تكلم في القدر، فبعث ~~إليه ونهاه، فقال: «يا أمير المؤمنين، ابعث إلي من يكلمني، فإن ظفر بي ~~فاقتلني، وإن ظفرت به فما لك علي سبيل».فبعث في طلب الأوزاعي فأتاه فأخبره ~~بما ms224 قال الرجل، وقال: «خاطبه وحاججه» [والله لئن ظفرت به لأقتلنه] . ~~فقال له الأوزاعي: «أسألك أو تسألني؟ » فقال له القدري: «سلني ولا تكثر» ~~فقال له الأوزاعي: «هل علمت أن الله عز وجل قضى على ما نهى عنه؟ » قال ~~القدري: «ما عندي من هذا علم» فقال له الأوزاعي: «هل علمت أن الله تعالى ~~حال دون ما أمر به؟ » فقال: «هذه أعظم من الأولى، ما عندي من هذا علم» قال ~~PageV01P386 له الأوزاعي: «هل علمت أن الله عز وجل أعان على ما حرم؟ » ~~فقال: «هذه أعظم من الاثنتين، ما عندي من هذا علم» فأمر به الخليفة فقتل، ~~ثم قال للأوزاعي: «يا أبا عمرو ، تكلمت ففسر» فقال: «سألته عن ~~ثلاث كلمات من كتاب الله تعالى؛ قلت له: «هل علمت أن الله عز وجل قضى على ~~ما نهى [عنه] ؟ »، فإن الله تعالى نهى آدم عن أكل الشجرة، وقضى ~~عليه بأكلها. وقلت له: «هل علمت أن الله عز وجل حال دون ما أمر به؟ »، أمر ~~إبليس لعنه الله تعالى بالسجود لآدم وحال بينه وبين ذلك. وقلت له: «هل علمت ~~أن الله عز وجل أعان على ما حرم؟ »، فإنه حرم الميتة وأعان المضطر على ~~أكلها». # قال بكر بن حماد : لما فرغت من قراءة كتبي كلها على عون-وهي كتب ابن ~~وهب-قلت له: «يا أبا محمد، كيف كان سماعك من ابن وهب؟ » فقال لي: «يا بني، ~~أقال لك أحد فينا شيئا ؟ » ثم قال لي: «والله ما أحب أن يعذب الله أحدا ~~من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بسببي بالنار؛ أبطل الله سعيه وصومه وصلاته ~~وسائر عمله إن كنت أخذتها من ابن وهب إلا [قراءة]: قرأت عليه أنا ~~وقرأ علي، ولو كانت إجازة لقلت إنها إجازة. وقد حضرت ابن وهب وأتاه رجل ~~بكتبه في تليس فقال له: # «يا أبا محمد، هذه كتبك»، فقال له ابن وهب: «صححت، وقابلت؟ » فقال: # «نعم» فقال له: «اذهب فحدث [بها] فقد أجزتها لك، فإني حضرت مالكا ~~وقد فعل [مثل] ذلك» . PageV01P387 ### $ 129 - ومنهم أبو سنان زيد ms225 بن سنان الأسدي ، رضي الله تعالى عنه. # كان [رجلا صالحا] ثقة مأمونا فقيها. قال أبو العرب : وكان سعيد بن ~~الحداد يقول: «ما سمعت الدنيا تذكر عنده قط».ولقد كان من تواضعه يحمل ~~الخبزة على يده إلى الفرن فيراوده الطلبة على أن يحملوها له فيأبى إلا أن ~~يحملها بنفسه تواضعا. # قال أبو سنان : كان بالمدينة رجل يصلي كل وقت تحل فيه الصلاة، فإذا ~~جاء وقت لا تحل فيه الصلاة ألقى ظهره على الحصى في المسجد ورفع رجله ~~على جدار المسجد ثم قال: اللهم امنن علي بلقائك حتى أستريح، فإنه لا راحة ~~لمن عرفك حتى يلقاك. # قال سليمان بن سالم : قال لي أبو سنان: «يا سليمان، إذا كان طالب ~~العلم قبل أن يتعلم مسألة في الدين يتعلم الوقيعة في الناس، متى يفلح؟ ». # وكان ، رحمه الله تعالى، لا يتكلم أحد في مجلسه بغيبة أحد، وإذا هم ~~بذلك أحد نهاه وأسكته. # قال أبو سنان : كتب إلي عبد الرحمن بن أبي الغمر كتابا، فكان فيما ~~كتب به إلي: «عليك يا أخي بنفسك، فلها فاعمل، وعلى حظها فاحرص، وعلى دوام ~~بقائها بالنعيم المقيم فقم لها بذلك، فكأن قد حجبت عن القيام بما ذكرت ~~لك PageV01P388 [فاغتنم ذلك] ما كان لله مبذولا، واعلم أنك لا ~~تقوى على ذلك حتى تترك ما تحب إلى ما تكره، فعند ذلك تقوى على ما تريد ~~ويهون عليك طلب ذلك وتقدر عليه إن شاء الله تعالى، وأبعد ما تكون منه حين ~~تعطي نفسك مناها وتدرأ عنها ما تكره، واعلم أن ذلك بالله ومنه. فعليك ~~بالاستعانة بالله في ذلك، فلعلك تعطاه إن حسنت فيه نيتك». PageV01P389 ### $ 130 - ومنهم أبو البشر زيد بن بشر بن عبد الرحمن الأزدي . # كان أصله من مصر فقدم مدينة القيروان . وكان فاضلا ، رحمه الله ~~تعالى. # ذكر [أبو] سعيد بن أخي هشام، قال : كان طريق بشر على سوق الخرازين ~~ فأقبل يوما يريد الجامع وحوله الطلبة، فإذا بشاب خراز يقول لجار له ~~: «ما رأيت أوحش من هذا الشيخ ولا أوحش لباسا من لباسه».وكان زيد ms226 يلبس ~~المفرج ، فلما سمع ذلك زيد نكس رأسه وتمادى إلى الجامع. فلما انصرف من ~~الجامع عاوده الشاب بقبيح اللفظ، فانصرف زيد ولم يلتفت إليه، فاتفق طلبة ~~زيد على أنهم يضربون PageV01P390 الشاب، فلما بلغ ذلك زيدا قال: «ما هذا ~~الذي أردتم؟ و [ما] الذي بلغني أنكم تنفستم به في شأن الشاب؟ » ~~فقالوا: «هو ما قيل لك، أصلحك الله، لاستخفافه بحقك وامتهانه لقدرك وعلمك» ~~فقال لهم: «أعطي الله عهدا إن تقدم إليه أحد منكم إلا بالتي هي أحسن [ما] ~~وطئ لي بساطا. أنا أصلح شأن الشاب».فصر صرة فيها عشرة دراهم، وجعلها ~~في جبته ، واستعمل لفردة نعل من/نعليه قبالا واهيا، ثم توجه ~~إلى الجامع. فلما مر بالشاب عاود اللفظ القبيح حسب عادته، فلما حاذاه اتكأ ~~على القبال فقطعه، ثم مال إلى الشاب فسلم عليه ثم قال: «أي بني، لعل عندك ~~قبالا ؟ » فأعطاه قبالا، فدفع إليه بالصرة، فقال له الشاب: «ما بال هذه ~~الصرة؟ » فقال: «إنك صنعت لي هذا القبال، فهو مكافأة لك عليه» وانصرف مع ~~الطلبة إلى الجامع. فلما انصرف من الجامع وقرب من حانوت الشاب قام الشاب ~~على قدميه وقال: «الحمد لله الذي اختص بلدنا بهذا الشيخ الفاضل»، ثم قال: ~~«اللهم أبقه لنا واحرزه للمسلمين، فلقد انتفع به شبابنا وحظي به شيوخنا. ~~ليت في بلدنا آخر مثله». # استعمل، رحمه الله تعالى، أدب ما أنزل عز وجل في كتابه: (ادفع بالتي هي ~~أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين ~~صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) . PageV01P391 ### $ 131 - ومنهم أبو الوليد مروان بن أبي شحمة المسلي الإفريقي-رحمه الله # تعالى. # قال أبو العرب : كان ثقة مستجابا فاضلا. وهو مولى آل عامر بن ~~نافع. سمع من وكيع بن الجراح ومن عبد الرحمن بن مهدي. وكان سحنون يعرف ~~فضله. سمع منه أحمد بن وزان الصواف. # قال : وبعث في طلبه بعض أمراء بني الأغلب في أمر نسب إليه ، فأقبل، ~~وقت دخوله إلى الأمير، خصي بيده عود أو طنبور، فأخذه مروان من يده ms227 بنزع ~~عنيف [فكسره] . فدخل [الخصي] على الأمير وقال: «شيخ بالباب كسر من ~~يدي كذا وكذا»، وخرق الخصي ثيابه لعظم ما نزل به عند نفسه. فلما دخل مروان ~~على الأمير عاتبه فيما صنع، فقال: «نعم، رأيت منكرا فغيرته» فلم يراجعه ~~الأمير، ثم عافاه الله تعالى منه وخرج. # وحدث عبد الرحمن ابنه فقال : كان أبي يعمل الطوب بيده، فيتصدق بثلث PageV01P392 # ما يربح فيه، وينفق الثلث الثاني، ويرد ثلثا في الطين والتبن وفيما يصلح ~~به عمل الطوب. # قال: ولم يكن له سرير يرقد عليه، إنما كان قد نصب طوبا [فعليه] ينام ~~[في بيته] . # وقال غير أبي العرب: كان مروان رجلا صالحا متقللا من الدنيا. # وكان يهجر إلى الجامع وعليه تأزير مرتديا بإزار آخر. # وكان إذا جنه الليل ينادي : «إلهي، لئن كنت أطلت في الدنيا جهدي ~~وتطيل شقائي في الآخرة لقد أهملتني وأسقطتني من عينك أيها الكريم»، ثم يبكي ~~حتى يغشى عليه. # ويقول عند ذلك: «قال مالك بن دينار: إن كنت تحب البقاء فعليك بدار تعافى ~~فيها فلا تسقم، ولا تشيب فيها ولا تهرم، وتقيم فلا تظعن، وتعيش فلا تموت» ~~-يعني الجنة. ### $ 132 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عياض المعلم. # قال أبو العرب : كان رجلا صالحا ثقة عالما بتعبير الرؤيا، وله سماع من ~~البهلول وغيره. PageV01P393 # أقام خمس عشرة سنة يشتهي [التمر] ، فاشتري له منه رطل. فلما مرض ~~[قال] لهم: «انظروا التمر في الطاق فتصدقوا به».ومات ولم يأكله، ~~رحمه الله تعالى. ### $ 133 - ومنهم أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي الدغشي ، رحمه الله تعالى. # ذكر أبو العرب أنه كان ضعيفا في الحديث . # وذكر غيره أنه كان من العلماء الزهاد، وأنه كتب إلى سهل بن يونس ~~كتابا يسأله فيه أن يعظه ويكتب إليه بحاله، فكتب إليه: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، كتبت إلي تسألني عن حالي؛ وما عسى أن أخبرك به من حالي وأنا بين ~~خصال موجعات أبكاني منهن أربع: [حب عيني] للنظر ، ولساني للفضول ~~، وقلبي للرئاسة ، وإجابتي إبليس لما يكره الله عز وجل مني. ms228 # وأمرضني مثلها: عين لا تبكي للذنوب المثبتة، وقلب لا يخشع عند الموعظة، ~~ومعرفة كلما قلبتها لم أحمدها، وحب المحمدة من الخلق. # وأضناني مثلها: عدمت خير زاد الآخرة وهو التقوى، وحرمت خير خصال الإيمان ~~وهو الحياء، وبعت أيامي بمحبتي الدنيا، وضيعت قلبا لا أقتني مثله أبدا؟ ». PageV01P394 ### $ 134 - ومنهم عباس بن عبد الله الضرير . # كان مكفوف البصر، وكان من [أهل] الفضل والعبادة، كثير الحزن والبكاء. # حدث جبلة بن حمود عن عون بن يوسف، قال : كان عباس الضرير ينادي إذا ~~أجنه الليل: «ليت شعري، إلى متى تحبسني؟ أنت تعلم أني لا أريد من ~~الدارين غيرك، فعجل راحتي». # وكان يحيي الليل صلاة، فإذا طلع الفجر وأصبح يقول: يا ابن آدم، إنه ~~ليس أحد أبر منه بخلقه، ولا أعلم بالدنيا وضررها من خالقها، فكان من بره ~~بهم ؛ أن أراد لهم ما يبقى وكره لهم ما يفنى، فقال تبارك وتعالى: ~~(تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) الآية، ثم يقول: «إلهي، لاطفت ~~العصاة حتى كأن بك الحاجة إليهم، وقد طال صبري عنك ولا بد لي منك»؛ ثم ~~يندفع في النياحة. ### $ 135 - ومنهم أحمد بن أبي محرز القاضي ، رضي الله تعالى عنه. # قال أبو بكر بن اللباد : إنه لم يحكم في قضائه منذ ولي حتى مات إلا ~~بحكم واحد: يقال إنه حكم في حمار وغرم ثمنه ، وذلك أنه ولي القضاء مكرها ~~في شهر رمضان سنة عشرين ومائة، فأقام على القضاء تسعة أشهر ثم توفي. PageV01P395 # قال أبو العرب : كان أحمد بن أبي محرز ورعا، لم يحكم بحكم حتى مات. # وكان سحنون إذا تكلم فيمن تقدمه من القضاة لم يتكلم فيه إلا بخير [لفضله] ~~. # وكان سبب توليته القضاء أن الناس احتاجوا إلى قاض، وكانوا في ذلك ~~الوقت إذا عرض القضاء على أحد امتنع من ذلك، فجمعهم الأمير عنده في مقصورة ~~وقال لهم: «ليس تخرجوا من عندي من هذا المكان حتى تشيروا علي بقاض أوليه ~~على المسلمين» فامتنعوا من ذلك. فلما رأى الأمير ذلك دس عليهم من عنده عينا ~~وقال [له] ms229 ، : «انظر إليهم وقت الصلاة من يقدمونه يصلي بهم»، /فرجع إليه ~~الرسول فأخبره أنهم قدموا على أنفسهم أحمد بن أبي محرز، فقال الأمير: رضوه ~~لدينهم رضيته أنا للدنيا ».فعندها أجبره على القضاء وأطلق الباقين. # فلما ولي القضاء اشترط على الأمير ألا يقبل من أحد من أقاربه أو حشمه أو ~~من يلوذ به وكيلا. # وقال من له عناية بأخبار القضاة: تخاصم رجل من أهل القيروان مع رجل ~~يعنى به علي بن حميد الوزير في دار من دور مدينة القيروان بقرب موضع يعرف ~~«بسقيفة المساكين» «بالسماط الأعظم»، فلما نشبت الخصومة في هذه الدار عند ~~أحمد بن أبي محرز وجب عقلها حتى يفصل فيها، فطبعها على الرجل ~~الذي كان يعنى به PageV01P396 علي بن حميد. فمضى ذلك الرجل إلى علي بن حميد ~~فأخبره، فأمر علي بن حميد بحل الطابع-وذلك أن علي بن حميد هذا [كان] ~~من دولة بني الأغلب بمحل الوزارة ورفيع الرئاسة، حتى كان بنو الأغلب يدعونه ~~«العم» -فمضى الرجل المطبوع [له] إلى أحمد ابن أبي محرز وهو جالس في ~~مجلس قضائه بجامع القيروان فأخبره بذلك. # فغضب القاضي وضم ديوانه ومضى إلى داره، وأخذ سجل ولايته ومضى ~~إلى القصر القديم نصف النهار وقت قائلة الأمير زيادة الله، فوافق ~~مسرورا الحاجب وسأله الإذن على الأمير، فمنعه من ذلك وقال: «ليس هذا ~~وقت إذن» فقال له أحمد القاضي: «وتمنعني من بابه؟ » فقال له: «لا أمنعك ولا ~~آمرك» فأتى أحمد القاضي إلى باب قصر زيادة الله فقرع حلقته، فخرجت والدة ~~زيادة الله من مقصورتها فزعة، فقيل لها: «القاضي أحمد يريد الإذن [على] ~~ الأمير لأمر أهمه». # فأتت إلى مقصورة زيادة الله وهو نائم على سريره مع بعض حرمه، فحركت حلقة ~~الباب، [فقال] الأمير: «من هذا؟ » فقالت: «الوالدة» فقال: «وما حاجتك؟ ~~» فقالت: «القاضي بالباب، وذكر أنه أتى في أمر دهمه» فأذن له بالدخول عليه، ~~[فدخل، وسلم] عليه بالإمارة وقص عليه قصته وقال: «هذا سجلك، فإن رأيت ~~أن تعافيني فإن الله تعالى يجزل مثوبتك» فكان جوابه: [لا تغضب] ، اجلس ~~خارج ms230 القصر حتى أريك ما أفعله». # قال: [فخرج] أحمد إلى سقيفة القصر وقام زيادة الله فاغتسل ولبس ~~ثيابه PageV01P397 وركب وجمع جنده حوله، وركب أحمد القاضي معه يحادثه ولا ~~يدري أين يتوجه الأمير، حتى دخل من «باب أبي الربيع».ووقف على باب المسجد ~~المعروف «بمسجد المقرعة» بالقرب من الجامع، فقال لأحمد: «أين الدار ~~التي أمرت بطبعها؟ » فقال: «هذه هي» فقال: «اجعل عليها طابعا» ففعل ذلك، ~~وختم بطابع الأمير زيادة الله، ثم عطف على أحمد فقال: «إنا نرضيك يا قاضي». # فلما سمع علي بن حميد بذلك ومجيء الأمير ووقوفه «بالسماط الأعظم» ~~خرج راجلا حتى أتاه، فكان من زيادة الله إلى علي كلام خشن، وقال له في ~~كلامه: # «والله لولا واجب قديم صحبتك ما جعلت طابعه إلا على رأس من حله! من تنقص ~~قاضي فإنما تنقصني وحل من أمري».ثم رجع الأمير زيادة الله إلى قصره، فكان ~~من ذلك بالقيروان رجة عظيمة. وتبرأ علي بن حميد من ذلك الرجل وود لو أن ~~حياته انقضت قبل ذلك. # وجرى مثل ذلك غير ما مرة، فرحمة الله تعالى ورضوانه على الأمير وعلى ~~قاضيه. # وكان زيادة الله يقول: «ما أبالي، إن شاء الله، ما قدمت عليه ~~يوم القيامة وقد قدمت أربعة قبل وفاتي»، قيل: «وما هي؟ » قال: «بنائي ~~المسجد الجامع بالقيروان، أنفقت فيه ستة وثمانين ألف دينار، وبنائي ~~«القنطرة» «بباب أبي الربيع»، وبنائي «الحصن بسوسة» ، وتوليتي أحمد بن ~~أبي محرز قضاء إفريقية». # وسمع ابن زرقون يحكي: أنه تخاصم رجل أبزاري مع رجل آخر عند أحمد بن ~~PageV01P398 أبي محرز، فراجع الأبزاري ابن أبي محرز وجفا عليه، فأمر بأدبه. ~~فلما كان في تلك الليلة راجع ابن [أبي محرز] القاضي نفسه في أمر ~~الأبزاري فوقع عنده أنه أنتصر لنفسه، فلما أصبح وجه في طلب الأبزاري ليتحلل ~~منه، فوجده قد رحل إلى المشرق للحج، فلحقه إلى مدينة «قلشانة» فاجتمع ~~معه وسأله [أن] يحلله، فحلله فرجع. فلما صار في بعض الطريق قال ~~في نفسه: «رجل فعلت به ما فعلت في جماعة من المسلمين سألته أن ms231 يحللني بيني ~~وبينه؛ هذا لا يصلح» ، [فرجع] إلى رفقة الحاج وجلس في وسط ~~الناس وطلب الأبزاري، وجمع الرفقة وأعلمهم بالقصة، وسأل الأبزاري بحضرتهم ~~أن يحلله أو يقتص منه، فحلله الأبزاري وقال: «ما أردت، أصلحك الله، إلا ~~خيرا. وأنا رفعت كلامي عليك ولم أجل القضاء، وقد أخطأت فيما فعلت وأنت في ~~حل مما أمرت به وفي سعة في الدنيا والآخرة عن طيب نفس مني»، فشكره على ذلك ~~ودعا الناس لابن أبي محرز وشكروه على ذلك وبكوا لفرقته، وانصرف إلى مدينة ~~القيروان. # فرحم الله ابن أبي محرز : حاسب نفسه قبل أن يحاسب، ولم يتقلد لأحد ~~قلادة يطالب بها يوم القيامة، فلقي الله تعالى خفيف الظهر. # وكان كثير البكاء غزير الدمعة؛ قال عبد الله الربعي: ذكر يوما في ~~مجلس ابن أبي محرز أن عمر بن عبد العزيز عزم على إبراهيم بن أبي عبلة ~~أن يوليه القضاء فامتنع من ذلك إبراهيم، فشدد عليه عمر في ذلك فقال ~~إبراهيم: «يا أمير المؤمنين، PageV01P399 بيني وبينك كتاب الله عز وجل» ~~قال: «وما هو؟ » قال: «قوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السمااات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها) [فلم ي] كرهها على ~~حملها ولا عتب إذ أشفقت منها». # فبكى ابن أبي محرز عند ذلك بكاء عظيما حتى انصرف الناس، /ولم ينتفع به ~~باقي يومه ذلك. # ولم يزل قاضيا بالقيروان لزيادة الله حتى توفي ، وكانت ولايته تسعة ~~أشهر. # ولما احتضر أحمد ، قال لابنه عمران : «إني أظن هذا الملك-يعني ~~زيادة الله-إذا أنا مت يبعث إلي بكفن وحنوط ويصلي علي، فإذا أنا مت ~~فاستر موتي وغسلني وكفني وحنطني وصل علي أنت ومن حضرك من أهل ~~خاصتنا، ثم أظهر موتي وأخرجني إلى قبري»؛ ثم مات رحمه الله تعالى، وفعل ~~عمران ما أمره. فلما أخرجه وصار على باب داره، وافاهم «خلف» الخادم من عند ~~الأمير زيادة الله ومعه اثنا عشر ثوبا وبرمة فيها مسك، فقال: يا عمران ما ~~هذا الذي صنعت؟ » [فقال له: ما كان عندنا علم من هذا الذي صنعتم] قال: ms232 ~~فلا بد أن تدخلوا هذه الثياب في كفنه؟ » فقال: «ليس إلى هذا سبيل، ولا ~~يصلح هذا».فأخذ خلف PageV01P400 # الخادم تلك البرمة وفرغها على كفن أحمد القاضي حتى أتى على آخرها، ~~ومضوا به، فلقيهم. زيادة الله عند المصلى، فنزل وصلى عليه، وحضر دفنه وعزى ~~عمران ولده. # ثم قال زيادة الله: يا أهل القيروان، ما لكم عند الله من [خير، ولو أراد ~~بكم] خيرا لم يزل أحمد [فيكم] وبين أظهركم وإنما ~~استكفاه أموركم تسعة أشهر». ### $ 136 - ومنهم أبو عبد الملك الملشوني وابنه اسحاق. # قال أبو العرب : حدث عن مقاتل بن سليمان وغيره، وحديثه يدل على ضعفه. # وقال غير أبي العرب: كان أبو عبد الملك الملشوني صاحب أخبار ومغاز. وله ~~كتاب كبير في أخبار الأنبياء صلوات الله عليهم وفي البديء . # وقال أبو العرب : وكان أمراء بني الأغلب يرسلون إلى إسحاق فيكون ~~عندهم في شهر رمضان، فيحدثهم بتلك العجائب حتى يقطع بهم طول النهار. # وكان ربما جالس سحنون بن سعيد. PageV01P401 # وحدث الشيخ أبو القاسم بن شبلون الفقيه، رضي الله تعالى عنه، فيما ~~[بلغه] ، أن سحنون بن سعيد دخل على محمد بن الأغلب الأمير أول يوم من ~~شهر رمضان، فألفى الأمير خاليا، فقال له: «أراك أيها الأمير خاليا» فقال: ~~«نعم، انفردنا في هذا الشهر المعظم وخلونا فيه وتركنا ما كان لغير الله ~~عز وجل»، فقال سحنون: «فأين أنت أيها الأمير من إسحاق [بن] الملشوني ~~يحدثك بأخبار الأمم السالفة والأعوام الماضية؟ »، فأمر محمد بن الأغلب ~~بإحضاره. وكان يحضر عند محمد بن الأغلب في كل يوم يحدثه بذلك حتى انقضى شهر ~~رمضان، فلما رأى هلال شوال خرج الحاجب إليه فقال: «انصرف، [آجرك الله] ~~. قال إسحاق: «فقلت في نفسي: ما أحد أعجز مني ولا أزهد في نفسه! ~~حضرت مجلس الأمير ثلاثين يوما فلم أذكر الدين الذي علي ولا الفقر الذي أنا ~~[فيه] ! # [قال] : فلما بلغت الباب إذا برسول يركض خلفي فقال: «أجب الأمير»، ~~فرجعت فدخلت عليه فقال: «يا ابن الملشوني، أردت أن أسألك عن شيء أجبني عنه» ~~فقلت: «أصلحك ms233 الله، ما هو؟ » فقال: «عقل الرجل أين مسكنه؟ » فقلت: «أما من ~~عاقل مثلك فبين عينيه، وأما من حليم مثلك فوسط رأسه، وأما في غير حازم مثلي ~~وفي عاجز يشبهني ففي قفاه» قال: «ولم ذاك؟ » فقلت: «أصلح الله الأمير، ~~جالستك وسامرتك ثلاثين يوما ولم أذكر لك دينا علي ولا أعلمتك به» قال: # «ويحك! وكم عليك من الدين ؟ » قلت: «مائة وخمسون دينارا»، فأمر بها ~~[لي] من بيت المال».قال إسحاق: «فقلت له: القمح الذي تقوم به الأبدان ~~ليس في البيت منه شيء» قال: «وكم قوتك في السنة؟ » قلت: «خمسون قفيز PageV01P402 # قمح» قال: «فأمر لي بها، فقلت له: «أصلح الله الأمير، البرذون الذي يحمل ~~رحلي لا يقوم إلا بالعلف» قال: «وكم يقوم به في السنة؟ » قلت: «خمسون ~~قفيز شعير» فأمر لي بها، فقلت: «أصلح الله الأمير، الزيت الذي نأتدم ~~به ونستصبح به ليس في البيت منه شيء» قال: «وكم يقوم بك في السنة؟ » قلت: ~~«ثلاثمائة قفيز» فأمر لي بها، فقلت: «أصلح الله الأمير، الحطب الذي ليس عنه ~~غنى ليس عندنا منه شيء» قال: «وكم يقوم بك؟ » قلت: «عشرة أحمال» فأمر لي ~~بها. # قال: ثم أمر الأمير إبراهيم بن دارم كاتبه أن يدفع إلي الخمسين ومائة ~~دينار وقال: «إن شئت تقضي بها، وإن شئت اصنع بها ما شئت» قال: ~~«فأخذت ذلك كله وانصرفت، وذلك ليلة العيد». ### $ 137 - ومنهم أبو الوليد عبد الملك بن قطن [المهري] اللغوي. # كان شيخ أهل اللغة والعربية والرواية ورئيسهم وعميدهم والمقدم في ~~زمانه وبلده. وكان من أحفظ العلماء وأكثرهم رواية لأنساب العرب ووقائعها ~~وأيامها: # وحسبك معرفة بعلمه وصحة روايته أن أكثر الأشعار المشروحة كانت تقرأ عليه ~~مجردة PageV01P403 من الشرح، فيشرحها ويبين معانيها فلما دخلت المشروحات ~~[نظر] طلبة العربية فيها، وفيما كانوا رووا عنه، فلم يجدوا في شرحه ~~خلافا لما قال أصحاب الشرح، ولا أخذوا عليه في تفسيره خطأ. # كان قليل النظر في تدبير معيشته: لا يمسك دينارا ولا درهما، على كثرة ~~ ما كان يوصل ويحبى ويعطى. # حدث حمدون النحوي المعروف بالنعجة ms234 ، قال: كنا عند أبي الوليد ~~المهري يوما فقال: «اخرجوا بنا إلى «ماجل مهرية» نتفرج»، وكانت داره بالقرب ~~من «سوق الأحد» . فخرجنا معه. فجلس وجلسنا حوله إلى أن مرت بنا نحو ~~عشرين بغلا أو أكثر ومعها رجل راكب، فلما رأى المهري عدل إليه ونزل وقال ~~له: «يقرأ مولاي عليك السلام ووجه إليك بهذه الدواب وهي محملة طعاما وعسلا ~~وزيتا، وبهذه العشرين دينارا» فقبضها منه متكرها ثم دمع وقال: ~~«ذهب الناس! » ثم قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون) أبو الفضل بن علي بن ~~حميد يوجه إلي بهذه! ».قال حمدون: فقلت له: «احمد الله عز وجل واشكره، ~~فإن هذا كثير». # فنظر إلي وهو مغضب وقال: «هذا كثير لك ولأمثالك، وأما لي فلا». # قال سعيد/بن الحداد، صاحب سحنون : «كنت يوما أمشي مع «المهري» ~~PageV01P404 إلى أن مررنا بالجزارين، فقام إليه رجل منهم فقال: «يا أبا ~~الوليد، أضررت بي، لأن بضاعتي كلها عندك، ولا بد لي من أداء مالي قبلك! » ~~فاعتذر إليه وسأله الصبر، فأبى عليه، فمر بنا رجل فقال للجزار: «كم لك على ~~الشيخ؟ » قال: # «عشرة دنانير» قال: «هي لك علي، امض معي حتى أدفعها لك» فمضى معه فدفع ~~ إليه الدنانير. وظننت أنا أنه من إخوان المهري، وظن المهري أنه من ~~أجلي فعل ذلك به، فلما سرنا قال لي المهري: «الرجل الذي ودى عني ~~الدنانير من هو؟ » فقلت: «لا أعرفه، ولكن أسأل عنه»، فسألت فإذا هو رجل ~~عطار» . # قال: «وكان الناس من تعظيم أهل العلم [والأدب على] خلاف ما هم عليه ~~اليوم. # [قال صاحب الكتاب] ولقد تذكرت بهذه الحكاية حكاية أخبرني بها بعض ~~المشايخ، قال: «كان شيخ له أدب وعقل، وكان يأتي إلى «زقاق الفرانين» بقرب ~~«السماط» فيجلس مع قوم، وكان أكثرهم من أهل العلم. فأبطأ عليهم أياما، ~~فمضوا إليه يتعرفون أحواله، فسألوه عما أخره عنهم فأعلمهم أن حماره ~~الذي كان ينصرف عليه أصيب به، فأصبح كل واحد منهم-من غير أن يعلم ~~صاحبه-فاشترى له حمارا بسرجه ولجامه، وكانوا جماعة، فأصبح على بابه نحو من ~~أربعين ms235 [حمارا] . # قال المهري : «اغتممت ليلة غما ما مر بي مثله، ثم سررت سرورا ما سررت ~~مثله، ثم اغتممت» [كذلك، ثم سررت كذلك] ، فقيل له: «وكيف ذلك، ~~PageV01P405 أصلحك الله؟ » قال: «كانت شدة وأزمة عظيمة، وضاق بنا الحال، ~~فبلغني أن رجلا من أشراف مهرة عنده طعام كثير يصل منه ويعطي»، قال: «فحسن ~~عندي [المسير إليه] ، فركبت دابتي ومضيت حتى وصلت منزله، فوجدته جالسا ~~في مسجده وعنده جماعة من الناس: مشترون وغيرهم. [فسلمت عليه] ~~وجلست ثم عرفته بنفسي، فلم يكن منه انشراح يرضيني، فصلى المغرب ثم دخل ~~منزله، ثم خرج فصلى بنا العشاء الآخرة، ثم دخل فلم نشعر إلا بالموائد [قد] ~~ نصبت للناس، فأكلنا، ثم أمر من أعلف دوابنا. فلما كان آخر الليل ~~سمعت حركة الناس للإدلاج، فإذا بغلام ينبهني، فقلت: «ما بالك ؟ [فقال: ~~قم] ، إن الناس راحلون» فامتنعت، فقال لي: [يا هذا] «بهذا أمرني ~~مولاي» فقدم إلي دابتي، فركبت وأنا من أكثر الناس هما، وجعلت أقول في نفسي: ~~«هذا الكذا، لم يلق [لي] بالا ولا اكترث بقدومي عليه! » وندمت على ~~إتياني إليه. ومضى الغلام معي حتى لقينا الناس، فقال لبعض أهل الرفقة: «هذا ~~الرجل» ثم قال لي: «إن مولاي احتشم منك ومن لقائك والاجتماع معك والاستماع ~~لمحادثتك إذ لم يستقبلك بما يجب لك» فزادني ذلك غما، فقال لي الرجل ~~الذي جمع الغلام بيني وبينه: «هل أصلحت موضعا؟ » قلت: «لماذا؟ » قال: «هذه ~~العشرون جملا محملة طعاما كلها لك» فسري عني وسررت سرورا كثيرا. وكان القمح ~~في ذلك [الوقت] القفيز بدنانير كثيرة. وأقبلت وأنا أفكر فيما أبيع منه ~~وما أبقي، وكيف أصنع، [وأنا] في سرور عظيم. فبينا أنا على ذلك إذا ~~بقوم محاربين قد خرجوا علينا وأحاطوا بنا وأخذوا كل شيء كان معنا، وعرونا ~~من ثيابنا، وأخذوا دوابنا، وكتفت فيمن كتف، فما مر علي غم مثله. فبينا أنا ~~على ذلك، وكانت ليلة مقمرة، إذ مر بي أحد السلابة، فنظر إلي وتأملني ثم قال ~~لي: «من أنت؟ » قلت: «أنا أبو الوليد المهري» فطأطأ علي وقبل ms236 رأسي وعانقني، ~~ثم مضى [عني] مسرعا، ثم أتى بأصحابه وهو يقول لهم: PageV01P406 # «كانت سفرتكم سفرة خائبة! » ثم أتيت بثيابي فلبستها، وبدابتي فركبتها، ~~وهو آخذ بركابي، ورد على جميع ما كان لأهل الرفقة بسببي. ثم قال لي: ~~«أتعرفني؟ » فقلت: «لا، إلا أنك أنعمت علي وأحسنت إلي» فقال لي: «وأين هذا ~~من إحسانك [أنت] ؟ » ثم قال لي: «أتعرف الفتى الحدث الذي قدم إلى زيادة ~~الله بن الأغلب بالقيروان ليقتل مع أصحابه، فسألته فيه وخلصته منه؟ » ~~فقلت: «نعم» فقال: «أنا هو» فجعلت أشكره، فقال: «وكيف لي بمكافأتك؟ خلصتني ~~من القتل [وأنا] إنما كففت عنك شري».ثم ودعني وانصرف مع أصحابه ~~بعد أن مشوا معنا إلى أن أصبح الصبح». PageV01P407 ### ||| ذكر من كان في هذه الطبقة من المتعبدين والزاهدين الخائفين والوجلين المشفقين رضي الله عنهم أجمعين ### $ 138 - ومنهم أبو خلف الخياط واسمه مطروح بن قيس، رضي الله تعالى عنه. # كان فاضلا جليلا مشهورا بالعبادة والاجتهاد. سمع من البهلول، ~~وسمع من الفضيل، وصحب جماعة من العلماء والمتعبدين. # وذكر [عن] حمديس أنه قال: «إن كان لا يدخل الجنة إلا مثل أبي خلف ~~الخياط وحمدون بن العسا [ل] فما أقل من يدخلها». # قال سليمان بن سالم: «رأيت في المنام كأني أتيت إلى أبي خلف الخياط، ~~فوجدته عند مسجده، فإذا بهاتف يقول لي: «هذا أبو خلف الخياط، من نقل عنه ~~حديثا واحدا دخل الجنة».قال سليمان: «فأصبحت، فغدوت على أبي خلف فجلست إليه ~~فسمعته يقول: «من تعبد لله عز وجل بعبادة ثم تركها ملالة مقته الله ~~تعالى» فكتبت ذلك. ثم سمعته يقول: «دخل [على] معاذ بن جبل وهو يبكي، ~~فقيل له: «ما يبكيك؟ » فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~«إن الرياء شرك». PageV01P408 # وسمعته يقول : «سمعت الفضيل بن عياض يقول: «اللهم لا تعذبني بالنار ~~بعد إذ أسكنت توحيدك بقلبي ، إنك إن تعذبني جمعت بيني وبين قوم عاديتهم ~~فيك». # وقال عون بن يوسف: «رأيت في منامي كأن قائلا يقول/لي: «زر أبا خلف، فإنه ~~[رجل صالح] فأصبحت، فركبت دابة وزرته». # حدث ms237 أبو خلف الخياط عن بعض أهل العلم يرفعه، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال يوما لأصحابه : «أما تستحيون من الله؟ » قالوا: «يا رسول ~~الله، ما منا إلا من يستحيي من الله».قال: «فمن استحيى من الله عز وجل ~~فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى ، وليذكر الموت والبلى ». # وذكر عنه أنه كان يوما جالسا حتى أتاه رجل فقال له: «يا أبا خلف، غلام ~~كان لي يعود علينا بشيء أبق فقطع بنا فيه».فسكت عنه أبو خلف ساعة ثم قال ~~له: # «اذهب نحو باب سلم فخذ غلامك» فمضى إلى «باب سلم» فمشى وهو يريد ناحية ~~«باب أصرم» فوجد غلامه راقدا في خندق، فأخذه ومضى. # قال سعيد بن الحداد: «كنت يوما عند أبي خلف الخياط، أنا وعبد الله ~~النفوسي، فقال عبد الله لأبي خلف «يا أبا خلف، ما الذي تشير به علينا: نلزم ~~بيوتنا أو نزور إخواننا؟ » فقال أبو خلف: «وما على الإنسان من زيارة ~~إخوانه؟ »، قال: ثم ارتاع بعقب كلامه. وأقبل عليه وهو يقول له: «أي شيء قلت ~~لي؟ ما الذي تشير به PageV01P409 # علينا؟ لا والله ما ندري! »، [و] تكدر بعد بشر كان منه إلينا، وأقبل ~~يردد ذلك علينا ويقول: «لا والله، عافاك الله! ما أعرف غير أن ابن المبارك ~~يقول: # وعبرة في سواد الليل جارية %~% على الخدود، لحر النار قد دمعوا # واندفع في البكاء ورمى الابرة من يده، ثم قال: «وا حسرتي، وا مصيبتي في ~~نفسي»، ثم أنشد البيت ثانية، وبكى وتمادى في بكائه. فكان ذلك جوابه»: ### $ 139 - ومنهم أبو عبد الله حمدون بن عبد الله العسال . # كان من أهل الفضل والدين والاجتهاد في العبادة. كان يصلي ثلث الليل وينام ~~ثلثه ويبكي ويدعو ثلثه . # وذكر ابن الحداد، قال: «كنت أذهب إلى «باب سلم» أصلي قيام رمضان خلف ~~حمدون، فكان إذا مر بآية [بشارة] جال في المحراب وتقدم وتأخر، وإذا مر ~~بآية خوف خشع واجتمع . ولقد قرأ ليلة في سورة يوسف قوله تعالى (إنما ~~أشكوا بثي وحزني إلى الله) . فسقط ms238 على وجهه في المحراب، فأقام ساعة ~~طويلة. ثم نهض قائما، رحمه الله تعالى». # وعن عمران بن الخشاب، قال: «خرجت مع حمدون بن العسال إلى «قصر PageV01P410 # الطوب»، فلما كنا بالقرب من القصر إذا بجبلين: جبل منهما شعث ليس فيه ~~نبت ولا خضرة، وآخر إلى جانبه حسن النبات والخضرة، فقال لي: «يا عمار، هذه ~~أرض متقاربة إحداهما شعثة والأخرى خضراء» فقلت له: «العمل! » فصاح: # «العمل، قلت يا عمار! العمل! ».ولم يزل يكرر ذلك ويصيح ويبكي حتى دخل قصر ~~الطوب». # وقال ابن الحداد : «مات غلام لحمدون بن العسال، وكان هو القائم به، ~~فجئنا لنعزيه. فنحن جلوس عنده حتى التفت إلينا فقال: «أشهدكم أن أهله وولده ~~أحرار لوجه الله تعالى» فأحزننا ذلك، فإنه لم يكن له شيء يقوى به على ~~معيشته غيرهم. ثم قال لنا: «إن العدو عرض لي فقال: «مات من يقوم بك ~~فما أنت صانع؟ » فأردت أن أرغمه بعتقي لزوجته وأولاده». ### $ 140 - ومنهم أبو محمد الأنصاري الضرير ، رحمه الله تعالى. # كان، رحمه الله تعالى، رجلا صالحا مستجابا، وكان ضرير البدن والبصر، وله ~~فضائل مشهورة. # فمن ذلك ما حدث به الثقة ، قال: «كنا ليلة النصف من شعبان عند أبي ~~محمد الأنصاري، وكان ساكنا بالدمنة ، وكنا نجتمع عنده مع القراء ~~للذكر مع وجوه الناس ليلة النصف من شعبان وليلة النصف من رمضان، وكان ~~أمراء بني PageV01P411 الأغلب يأتون إلى «جامع القيروان» في تينك ~~الليلتين ويكون فيهما من الصدقات أمر كثير ، ثم يخرجون من المسجد الجامع ~~إلى «الدمنة» ويزورون أبا محمد الأنصاري، يتبركون به وبدعائه. # قال: فخرج زيادة الله بن الأغلب من الجامع مقبلا إليه حتى وقف على باب ~~داره في حشمه وأهل بيته وخدمه، ثم قال لخلف الخادم ومسرور الخادم: # «ادخلا جميعا إلى هذا الرجل الصالح وأعلماه وقولا [له] : «إمامك ~~بالباب يريد الدخول إليك والسلام عليك».فدخلا إليه وأعلماه بما أمرهما به ~~زيادة الله، فقال لهما: «قولا له ينصرف عني إلى حال سبيله ، فما له عندي ~~حاجة ولا لي عنده حاجة».فخرجا إلى زيادة الله فأعلماه بما ms239 رد عليهما، ~~فاغتاظ زيادة الله، [عند ذلك] ، غيظا عظيما وقال لهما: «ادخلا إليه ~~وأخرجاه شاء أو أبى».فدخلا إليه فأعلماه بما أمرهما، فحمله قوم من أصحابه، ~~من الصالحين، حتى وقفوا به إليه فقال له زيادة الله: «يا هذا، أتيناك ~~لتأمرنا بمعروف فنفعله ونسارع إليه وتنهانا عن منكر فننزجر ~~عنه، فجبهتني وحجبتني [عن نفسك] وأنا إمامك! » فانتهره أبو محمد ~~الأنصاري وقال له: «جرأك علي علماء السوء الذين يغرونك ويزينون لك ~~زخارف الدنيا وغرورها، ولو عملت بما علمت أنبأتك بما جهلت. # اذهب عني لئلا أشتكيك إلى الله عز وجل» فقال: «صدقت» ثم انصرف عنه. PageV01P412 # فأرسل إليه بصلة فلم يقبلها. # وقال : لما انصرف منصور الطنبذي من القيروان إلى تونس ، وكانت ~~عندي دنانير مصرورة، وكان منصور قد أصلح سور القيروان وغلق أبوابها، فخرجت ~~في آخر الليل ومعي الدنانير حتى أتيت إلى الكسر الذي عند الدمنة فتراميت ~~منه فمضيت إلى دار [أبي محمد] الأنصاري فضربت الباب وأخبرت بنفسي، ~~ففتح لي فدخلت فوجدته جالسا في مصلاه، فقال لي: «ما جاء بك في هذا الوقت؟ » ~~فقلت له: «إن هذا الرجل قد رحل في هذه الليلة وهذه الدنانير ارفعها لي ~~[عندك] لأني أخاف من زيادة الله بن الأغلب أن ينهب هذه المدينة»، فقال ~~لي: «خذ دنانيرك معك»، فقلت له: «أصلحك الله، إني أخاف»، فقال لي: # «لا تخف فإني رأيت الساعة وأنا بين النائم واليقظان رجلا راكبا على فرس ~~[أخضر] وعليه ثياب خضر وبيده لواء [أخضر] وقد أخذ الدنيا فقلت ~~له: «من أنت يرحمك الله؟ » فقال: «أنا جبريل» فقلت له: «صلى الله عليك يا ~~جبريل»، فقال لي: «يا أنصاري، إن الله تعالى بعثني لأهل هذه القرية ~~بالأمان-يعني القيروان-[] فرددت دنانيري معي، وما را [عني شيء] ». PageV01P413 ### $ 141 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم المسوحي ، رضي الله تعالى # عنه. # قال أبو العرب : كان من المجتهدين في العبادة، وكان سحنون يعرف له ~~فضله. # قال أبو داود العطار: «صحبت أبا عبد الله المسوحي إلى الرباط، قال: ~~فنزلنا منزلا لإخوان لي، فأتونا بطعام ms240 فأكل وأكلت معه، ثم قام فتقيأ ~~الطعام وقال: # «يا أبا داود، أدخلت بطني [طعاما لا يحل] »، فتدبرت قوله فإذا القوم ~~غرمائي ولي عليهم دين، وهدية المديان مكروهة عند مالك إلا أن تكون قد ~~تقدمت بينه وبين المديان مهاداة من قبل ذلك، وأنه لم يهد إليه لمكان دينه ~~فلا بأس بذلك». # سمع أبو الغصن [يقول: «صحبت] المسوحي إلى الدور ، حتى انت ~~[هينا إلى حص] ن سوسة، أقمنا أكثر من عشرين يوما، /فما علمت أنه أكل ~~إلا أكلتين في دارين؛ [الأولى: ] سأله بعض أصحابه أن يفطر عندهم وأن ~~[يضع] يده في طعامهم، فأجابهم إلى ذلك. فلما تهيأ طعامهم تقدم وقال: ~~بسم الله، وأخذ لقمة فجعلها في فم أبي الغصن، ثم رفع يده وأتى بزاده فإذا ~~بدوخلة فيها تمر وبطة فيها PageV01P414 # زيت، فشقق منها تمرات وصب عليها زيتا وألقى على ذلك شيئا من دقيق ~~الشعير، فأكل منه وفرق على أصحابه ما بقي؛ والثانية: جاز برجل من أهل ~~المدينة يعرف طعامه فأكل عنده. وكان تحته فرس جواد فلما أتيا «سوسة» تلقته ~~امرأته «تقية» -وكانت من الصالحات-فحملته على السرج وقالت: «اللهم اجعله ~~لوجهك خالصا» وذهبت تبتقل له» -يريد: تجمع له بقل الفحص المباح يتغذى به. # قال أبو الغصن: «وكان يمكث السبعة أيام والأقل والأكثر لا يأكل طعاما»، ~~يريد أنه كان يتغذى في تلك الأيام بالبقول مع الزيت. # وقال أبو الغصن: «سمعت امرأة المسوحي تقول: قال لي أبو عبد الله المسوحي ~~يوما: «قومي فاكنسي البيت، فإن إخواني الساعة يأتون إلي».قالت: ففعلت وغلقت ~~الباب، فما لبثت أن سمعته يتكلم مع أقوام ويقول: «لقد كنت مشتاقا ~~إليكم»، فهممت أن أفتح الباب، ثم جسرت ففتحته بعد سويعة، فإذا به ميت ~~مسجى، رحمه الله تعالى، ولم أدر من أين دخلوا، لأن الأبواب مغلقة، باب ~~الدار وباب البيت». ### $ 142 - ومنهم أبو زكريا الهرقلي . # أصله من الأندلس. وكان صاحبا لسحنون لا يكاد يفارقه جلوسا وحديثا، ~~فلما ولي القضاء ترك مجالسته وصد عنه. PageV01P415 # ذكر أن سعدون [الصواف شارك] أبا زكرياء في الزرع، فلما ms241 حصداه ~~وصار في الأندر أقبل سعدون فرأى حماره مقيدا على الأندر ورأى حمار أبي ~~زكرياء [مبعدا منه، فعاتب أبا زكريا في ذلك، فقال له] : «إني اختبرت أكل ~~حماري وحمارك فرأيت حماري آكل من حمارك».فقال له سعدون: «أما حلل بعضنا ~~بعضا»، ثم قسما ما حصداه بينهما، فأقبل سعدون بحصته إلى القيروان، فلم يشعر ~~حتى أبصر أبا زكرياء، فقال له: «ما الذي أقدمك يا أبا زكرياء؟ » فقال له: # «بت بليلة طويلة عرض العدو بقلبي بأن سيحول الشعير وأصيب فيه، ~~فأتيت لأبيعه وأخرج حاجا، ولم يبق إلا رفقة تخرج بعد ثلاثة أيام»، ~~فقال: «يا سعدون، بع طعامي بعرض طعامك» [ففعل] وتوجه معه إلى ~~السوق لشراء دابة فلم يجدها، وعاد في اليوم التالي فلم يجدها، ~~فلما كان في الثالث توجه معه والحاج يضرب لهم الطبل وهم خارجون، فجعل أبو ~~زكرياء كلما ضرب الطبل يقول: «يا خفي اللطف! » ويردد ذلك، فنحن كذلك وإذا ~~بجماعة من جماعة بني PageV01P416 أبي حسان اليحصبي أتوا الموقف ~~فسألتهم «ما الذي أتى بكم؟ » فقالوا: # «مولانا تجهز يريد الحج فمات، فجئنا نبيع جهازه ودابته»، فاشتريت ~~منهم لأبي زكرياء حمارة وجميع جهازها حتى المخلاة والسوط، فركب أبو ~~زكرياء دابته وانطلق مع الحاج». # حدث أبو عياش ، قال: كان أبو زكرياء يمشي [و] صاحب له على شاطئ ~~البحر، فقال له: «يا أبا زكريا، لقد اشتهيت تينا أخضر» فقال له أبو زكريا: ~~«تمشي إلى تلك الصخرة فانظر ما [عندها] ».قال: فذهب. فوجد تينا أخضر، ~~فأتى به يحمله، فأكل منه حتى شبع، وأراد أن يحمل الباقي فقال له أبو زكريا: ~~«أترى أمك وضعته لك؟ ألقه! » فألقاه. # استشهد أبو إبراهيم الخراساني المتعبد برومة عن عداتها ، فجعل ~~أبو زكريا هذا-وكان صاحبه-يقول: «يا رب، خرجت أنا وصاحبي في حاجة فقضيت PageV01P417 # حاجته وتركت حاجتي؟ »، فخرج عنق من الروم فدفعوا دفعة واحدة فقتلوا ~~أبا زكرياء وانصرفوا. قال: «فنظرت إليه وإلى [أبي] إبراهيم ووجه هذا ~~إلى وجه هذا، رضي الله تعالى عنهما». ### $ 143 - ومنهم أبو عمرو بشير بن عمروس المتعبد بالمنستير ، رضي الله ms242 تعالى عنه. # قال أبو بكر بن خلف التجيبي : كان بشير المنستيري هذا من ~~المتعبدين الزهاد المنقطعين إلى الله عز وجل، وكان من رهبان الليل لا ينام ~~منه إلا قليلا، فإذا أصبح يقول: «أصبحت ونفسي وقلبي مصران على محبتك، ~~مشتاقان إلى لقائك فعجل سيدي بذلك قبل أن يأتي الليل».أقام على هذا ستين ~~سنة. # قال حمدون العسال : خرج يوما بشير إلى موضع داليته ، وجاء ابن حسام ~~القارئ من سوسة فقلت له: «ادخل بنا إلى بشير»، فدخلنا إليه وسلمنا عليه ~~وجلسنا، فأقبل ابن حسام يقول: # *قل لمن جاء يخطب حورا لاعبا* # فأدخل بشير رأسه تحت ثوبه وأخذ في البكاء، فلما قال: # *أنت في الخطبة عندي كاذبا* # شبك بشير يديه على رأسه وصاح وسقط إلى الأرض. PageV01P418 # وحدث بعض المشايخ، قال: كنت عند بشير المنستيري فأتى شاب من أهل القيروان ~~فصلى بهم قيام رمضان، فلما كانت ليلة الفطر تنهد الشاب، فقال له بشير: # «مالك؟ » فقال: «فكرت في والدي في هذه الليلة» فقال له بشير: «يا عدو ~~الله، تركت أعمال البر معك في بيتك سرا، وجئت تطلب البر علانية؟ والله لو ~~علمت ما صليت وراءك ». # قال ابن الحداد: وكانت له قريحة جيدة في العلم، وكان يحسنه، إلا أن ~~العبادة غلبت [عليه] . # وكان ملوك إفريقية يأتونه إلى بيته بالمنستير فلا يخرج [إليهم] . # وكان قد حج ودخل الشام وطرسوس ولقي جماعة من الصالحين وانتفع بهم. # وقال، رحمه الله تعالى: «كنت بطرسوس، وكان بها رجل من أهل خراسان، وكان ~~من المبرزين في الفضل، إنما يلبس جبة صوف مرقعة أكثرها جلود، فأتاه كتاب ~~قاضي خراسان بوفاة والده وأنه خلف نعمة كثيرة وأموالا ورقيقا، ويسأله في ~~كتابه أن يقدم، فلم يفعل؛ وجاءه كتاب ثان بمثل ذلك، فلم يرد جوابا ، ~~ثم جاءه كتاب ثالث يحرج عليه في المقام»، قال: «فمضى وتصدق بجميع ما ~~ترك والده ورجع على حالته التي خرج بها». PageV01P419 ### $ 144 - ومنهم مكرم المتعبد بالمنستير، رضي الله تعالى عنه. # كان فاضلا ورعا، وكان سكناه «بالقصر الكبير» وبه قبره على ساحل البحر، ms243 ~~وبجواره قبر فيزر المتعبد صاحبه. وبرجه معروف به إلى الآن «بالقصر ~~الكبير». # وقيل: كان تحت بيته بيت صغير يسكنه رجل فقير، قال: فنزل مكرم ذات يوم إلى ~~ذلك الرجل فسلم عليه وسأله عن حاله فقال له: «خبرتني رائحة قدرك البارحة»، ~~فقال له مكرم: «وما كان في قدري؟ إنما كان فيها بصل وزيت وكمون» قال: ~~«آذيتني بها على كل حال» فقال له: «فهلا جئتني؟ » قال: «كرهت أن أنغصك» ~~قال: «فقال مكرم: «وعشت أنا حتى طبخت قدرا فاحت رائحتها فشمها هذا وهذا! ~~والله الذي لا إله إلا هو لا طبخت قدرا حتى ألحق بالله عز وجل! ». # قال: فما طبخ قدرا ولا أكلها حتى مات، رحمه الله عز وجل. # قيل: وكان الشيوخ يذكرون عن مكرم أنه كان يجتمع مع الخضر عليه السلام، ~~ويروون أنهم كانوا يسمعون كلامه معه. وكان يخرج له رأسه من الطاق التي ~~(3) في البرج والخضر خارج البرج، يشبحون حديثه [معه] . وكان هذا عنه ~~مشهورا. # وكان كثير الحرس. ولما جاء ابن الجعد إلى المنستير، وأراد أن يبني قصرا ~~بجزيرة المنستير، أتى إلى مكرم هذا [يستأذنه] في ذلك، فقال له مكرم: ~~«بينا أنا ذات ليلة أحرس إذ رأيت فارسا في يده حربة، فقلت له: «من أنت؟ ~~وإلى أين تريد؟ » فقال: «أريد جزيرة ابن [الجعد] »، فمضى وأنا انظر ~~إليه، فإن كنت بانيا فابن هناك» قال: فبنى القصر في ذلك المكان الذي ذكره ~~مكرم فسمى «قصر ابن الجعد». PageV01P420 # وذكر شيوخ المنستير أن الروم أتوا مرة إلى المنستير وقد أصابهم عطش شديد، ~~فاستسقوا الماء فلم يسقوهم ومنعوهم أخذ الماء، فاستسقى الروم، وأسبلوا ~~شعورهم ودعوا، فأمطروا، فنصبوا الأنطاع وتلقوا بها الماء فشربوا حتى رووا. ~~قال مكرم لأصحابه: «ها هنا قوم جهال لا علم لهم، قد داخل قلوبهم من هذا ~~شيء، ويظنون أن هؤلاء الروم على حق».قالوا: واجتمع شيوخ المنستير بجماعتهم ~~إلى مكرم، وصلوا ركعتين، واجتهدوا في الدعاء، فأرسل الله سبحانه ريحا من ~~داخل البحر فكسرت مراكبهم ورمتهم على شاطئ البحر. قال: فخرج إليهم ~~المسلمون وغنموهم، وجمعوا ms244 جميع ما حصل من ذلك وبنوا به «ربض القصر ~~الكبير».وهذا يدل على أنه لم يكن بينهم وبين المسلمين عهد ولا هدنة، فلذلك ~~استحلوا سبيهم وأخذ أموالهم. ### $ 145 - ومنهم أبو محمد عبد الرحيم بن عبد ربه الربعي الزاهد ويعرف بعبد # الرحيم المستجاب. # قال سحنون : «رأيت ابن القاسم وأشهب وابن وهب وابن أبي كريمة وعلي بن ~~زياد والبهلول بن راشد وابن أشرس، فما رأيت مثل عبد الرحيم، وذلك أني علمت ~~باطنه وظاهره وهؤلاء إنما علمت ظاهرهم. # سمع من سحنون ومن أسد، وطلب العلم وعني به، وحبس كتبا كثيرة بخطه وضبطه ~~بقصر زياد. # وقال أبو العرب : وكان أول أمره تاجرا في «سوق البزازين» في ~~القيروان، ثم PageV01P421 ترك ذلك. وسكن «قصر زياد»، وهو الذي تولى ~~بناءه، وذلك أن أسدا، لما أراد الغزو إلى صقلية، أراد [عبد الرحيم] ~~الخروج معه فشاور في ذلك سحنونا فكسر عليه وقال له: «لا تفعل»، ثم قال ~~له: «كنت ذكرت لي أنك تحب بنيان «قصر زياد» وأن عندك أخبارا توجب الخوف ~~من البر والبحر. وبنيانك لهذا القصر يكون حرسا للمسلمين وغوثا لهم، يلجئون ~~إليه ويرابطون فيه، أفضل من مسيرك إلى صقلية».فمضى عبد الرحيم إلى أسد ~~فأخبره بما قال سحنون، فقال: «الذي أشار عليك به هو الصواب».ثم دخل ~~[على] زيادة الله بن الأغلب الأمير، فخرج [و] معه سجلان: سجل ~~منهما بولايته على صقلية أميرا وقاضيا، وسجل آخر لعبد الرحيم في الإذن ~~له في بناء «قصر زياد».فتولى عبد الرحيم بناءه وإصلاحه وأنفق فيه اثني عشر ~~ألف دينار [ستة آلاف من عنده] وستة آلاف من عند إخوانه، وكان ذلك سنة ~~اثنتي عشرة ومائتين. # ويذكر عن ميسرة بن مسلم أنه قال لأصحابه يوما وهم يسمعون عليه تحت ~~صومعة «قصر زياد»: «أتدرون كم أعطى عبد الرحيم بن عبد ربه الزاهد لبناء هذه ~~الصومعة لما فرغ من بنائها؟ »، قالوا: «لا علم لنا»، قال: «وهب اثني عشر ~~جملا محملة بالأ [موال] والهدايا». PageV01P422 # وكان البناء يعرف بعبد الله بن مالك من «قرية بني عمروس».وكان بقرية ~~«البرج» التي «بقصر ms245 زياد» شيخ فقيه اسمه «مسعود»، رأى في المنام كأنه ~~وزن مع عبد الله بن مالك البناء، فرجح عليه عبد الله بن مالك، فقال له ~~مسعود: «بماذا رجحت علي وأنا أطلب العلم وسمعت وصحبت العلماء؟ » فقال له ~~عبد الله: «رجحت عليك ببنيان هذه الصومعة»، وأشار إلى «صومعة قصر زياد». # قال : وكانت عند عبد الرحيم ضيعة واسعة، وكان عنده سبعة عشر ألف شجرة ~~زيتون، وكان مع هذا أزهد أهل زمانه. وكان كثير الصدقة والمعروف، لم يكن ~~للدنيا عنده قدر: لقد ذكر عن عيسى بن مسكين أنه قال: «كان لعبد الرحيم أخ ~~يقال له «هاشم» من أهل الفضل والعبادة، أتاه يوما بسبعين دينارا من ضيعته ~~فأقامت عنده مدة يسيرة، ثم أتاه أخوه فقال له عبد الرحيم: «جئتنا بشيء؟ » ~~فقال له: «أين السبعون دينارا التي دفعت إليك؟ » [] وجر بيده على ~~الحصير فقال له عبد الرحيم: / «قليلا، قليلا! لا تعفر يدك ~~الحصير! ».فعلم أنه تصدق بها، فأخلف له غيرها. # وذكر عنه أنه ما تزوج قط ولا تسرى. وكانت عنده وصيفتان مولدتان لهما ~~جمال تقومان به وتخدمانه، فقيل له: «لم لا تتخذ إحداهما سرية لك؟ فإنهما ~~تصلحان لذلك»، فحلف أنه لا يعرف صفة وجهيهما لشغله بعبادة ربه عز وجل. # قال أبو بكر عتيق بن خلف: «كان عبد الرحيم إذا جن الليل قام إلى ~~محرابه، فهو راكع وساجد إلى أن ينادى بالفجر. وكان السهر قد غيره حتى كأنه ~~مبهوت من PageV01P423 طول القيام وسرد الصيام. وكان ممن لا يتوسد ~~القرآن، فكان يهجع هجعة لطيفة ثم يثب كأنه قد ضل له شيء فهو يطلبه. # قال أبو الحسن بن الخلاف بخطه : «وحدثت عن عبد الرحيم أنه قال : # «زيارة الإخوان نقص من العمل».قال أبو بكر بن اللباد: «يريد عبد الرحيم ~~بذلك أنك كنت تكون في باب من الخير: من قراءة القرآن أو صلاة نافلة أو عمل ~~من أعمال البر، فتشغل به أو بالحديث معه عما أردته من عمل البر ». # وحدث من يوثق به قال: دخلت أنا وصاحب لي على عبد الرحيم ms246 فقال له ~~ صاحبي: «يا أبا محمد، أوصنا بكلمات ينفعنا الله تعالى بها ويؤجرك ~~عليها».فقال له: «يا بني، أوصيك أن تتقي الله، وتجتنب محارم الله، وتؤدي ~~فرائض الله عز وجل، وتحسن إلى عباد الله، وإن زدت زادك الله». # وكان سحنون يجله ويعظمه ويزوره ويسأله الدعاء إذا أهمه أمر، ويلجأ إليه ~~عند المهمات. فلما ولي سحنون القضاء كتب إليه برسالة وهي : # بسم الله الرحمن الرحيم. # من عبد الرحيم بن عبد ربه إلى سحنون بن سعيد. # أما بعد؛ فقد عهدتك وأنت معتن بنفسك: تقرأ القرآن وتعلم الناس العلم ~~PageV01P424 وتفقههم في الدين. وقد بلغني أنك جعلت قاضيا استوى فيك الأسود ~~والأبيض والضعيف والقوي، وصرت تنظر في أمر دنياهم بعد أن كنت تنظر في أمر ~~أخراهم. # فيا عجبا يا سحنون! أي حالتيك كانت أحسن: الأولى أم هذه؟ [والسلام عليك] ~~. # [فكتب إليه سحنون] : # بسم الله الرحمن الرحيم. # من سحنون بن سعيد إلى أخيه عبد الرحيم بن عبد ربه. # أما [بعد] ؛ فقد أتاني كتابك تذكر فيه «إني جعلت قاضيا»، فاعلم-يا ~~أخي-أني لم أزل قاضيا منذ أربعين سنة، وقد حدثني ابن وهب حديثا يرفعه : # «إن المفتي قاض يجري قوله في أشعار المسلمين وأبشارهم»، وأما قولك ~~إنك عهدتني أفقههم في الدين وانظر لهم في أمر أخراهم، وقد صرت انظر في أمر ~~دنياهم، فاعلم، رحمك الله تعالى، أنه لا تصلح لهم أخراهم حتى يصلح لهم أمر ~~دنياهم: آخذ لضعيفهم من قويهم ومن ظالمهم لمظلومهم. وبعد هذا كله فقد ~~ابتليت، فعليك بالدعاء فالزمه لي نفسك والسلام عليك». ### ||||| ذكر إجابة دعوته وصنوف من كراماته # : # عن محمد بن علي بن عبد ربه-ابن [أخي] عبد الرحيم -قال: «كان عمي عبد ~~الرحيم بن عبد ربه مقيما في «قصر زياد»، فرأى في منامه كأن قائلا يقول له: # «بقي عليك أن تسمع من سحنون كتب ابن وهب» فاستيقظ فقال: «اللهم كبرت سني ~~والحركة تشق علي، فيسر لي ذلك».فلم يكن إلا يسير حتى قدم سحنون ~~PageV01P425 بكتبه هاربا من أحمد بن الأغلب حين دعاه إلى القول بخلق ~~القرآن، فأقام ms247 عند عبد الرحيم شهرين ونصفا مستخفيا، فسمع عليه ما أراد من ~~ذلك، واستجاب الله عز وجل دعوته. # فلما كان بعد ذلك، وصل رسول أحمد بن الأغلب إلى قصر زياد في طلب ~~سحنون ورفعه إلى «رقادة» للمحنة في القول بخلق القرآن، فخرج عبد ~~الرحيم مع سحنون يشيعه. فلما انتهى مع سحنون إلى آخر الحمى، استقبل عبد ~~الرحيم القبلة ووقف سحنون قبالته يوادعه، فتعانقا وبكيا ودعا له عبد الرحيم ~~بدعاء كثير وهو مستقبل القبلة، ثم قال لرسول ابن الأغلب، وهو ابن سلطان ~~: «قل لأحمد: # عارضتني في ضيفي، فو الله لأعرضنك على رب العالمين»، فاستجاب الله عز وجل ~~دعاء عبد الرحيم وعافى الله عز وجل سحنونا مما طلب منه ، ولم يصل إليه ~~أذى، وأعزه الله تعالى وشرف قدره وأقام به السنة وأمات به البدعة. ولم يقم ~~أحمد بن الأغلب بعد ذلك إلا أياما حتى هلك . # قال أبو إسحاق السبائي: «بلغني عن سحنون أنه قال : «ذكر لي عن عبد ~~الرحيم أنه أقام ستة أشهر لم يشرب ماء، فأنكرت ذلك وهالني، فمضيت إلى «قصر ~~زياد» فاجتمعت به وقلت له: «اتصل بنا عنك وانتشر أنك أقمت ستة أشهر لم تشرب ~~ماء»، فقال لي: «من لا يأكل الطعام لا يشرب». PageV01P426 # قال: فلما أصبح الصبح سلمت عليه وانصرفت، فلما نزلت على الدرج من «البرج» ~~صيح بي، فرجعت إليه فقال لي: «سألتني عن شيء وكتمته عنك، فلما انصرفت حاسبت ~~نفسي لك، وقلت: «لا أدعه ينصرف على غير صحيح، فالذي قيل لك عني هو صحيح: لي ~~ستة أشهر لم أشرب ماء، وذلك أني كنت قائما أصلي، فأصابني عطش شديد، فلما ~~سلمت من الصلاة مددت يدي لآخذ القسط، فانقلب القسط وذهب كل ما فيه من ~~الماء، وكانت ليلة كثيرة الريح والبرد، والماجل أسفل «القصر».فكبر علي ~~النزول في طلب الماء، فقلت: «يا رب، إن هذا الماء شغلني عن حزبي، فاحمل عني ~~المؤونة». # فأجابني صوت من زاوية البيت-ولم أر أحدا-وهو يقول: «أصلحك [الله] ، ~~أنا من مؤمني الجن، أصلي بصلاتك مدة من الدهر، فمر ms248 بنا في هذه الليلة شيطان ~~مارد من شياطين الجن-وهم أضر علينا مما هم عليكم، نهرب بأدياننا منهم-فحسدك ~~على ما أعطاك الله عز وجل من الطاعة، فرمى لك شيئا في القسط، ولو شربته ~~لعرض لك في جسمك شيء ليس لك به طاقة، /فلما مددت يدك إلى القسط سبقتك إليه ~~فهرقته». # قال عبد الرحيم: «فأخلصت لله عز وجل -فسألته ، فحمل عني مؤونة العطش، ~~وإن احتجنا-بعد هذا-إلى الماء شربنا».قال: «فنزل سحنون متقلدا بسيفه ليركب ~~دابته، فنظر إليه الناس فقال لهم: «وما تستعظمون من هذا؟ عبد سأل مولاه في ~~حاجة فقضاها له». # حدث أحمد بن [أبي] حبيب البلياني ، وكان رجلا صالحا، قال : PageV01P427 # [كان] بقرب قصر زياد رجل من بني نافذ وكان له ناحية من ~~السلطان، وكان له فرس وكان يطلقه في زرع المرابطين، فخوطب في ذلك فلم يقبل ~~ولا سأل عن كلام من خاطبه، فأتى الناس إلى عبد الرحيم فذكروا ذلك له، فرفع ~~عينيه إلى السماء وقال: «اللهم اجعله آية للعالمين واكف المسلمين شره»، ~~فطارت عينا الفرس جميعا، وبقي أعمى لا يبصر شيئا، وكفى الله المسلمين شره. # وبإسناده قال: «بلغنا أن عبد الرحيم نزل به فقير من الفقراء، ~~فلم يجد ما يقدمه إليه إلا قرصا من الشعير أعدها لإفطاره، فآثر بها ~~الفقير على نفسه فأتى بالقرص وقدمه إليه وبقي هو بلا شيء، فقيل له: «أصلحك ~~الله، وما يكون منك، وأنت لا تقبل لأحد شيئا، وإنما تأكل من حلالك ~~الذي تعرفه؟ » قال: فقال لهم: «إن الله تعالى لا يتركني بالجوع».فلما كان ~~بعد ذلك بساعة، مر رجل من سكان المنستير «ببرج عبد الرحيم» فسمع فيه ~~كلاما ، فدخل على عبد الرحيم، فلم يجد عنده أحدا، ووجد بين يديه قرصا ~~وتمرا، فقال له: «تقدم فكل» فقال له: «سألتك بالله، أصلحك الله، من أين ~~أتاك هذا؟ » فلما أقسم عليه قال: «أتاني به الخضر وقال لي: هذا التمر أتيتك ~~به من أجدابية»، ثم قال عبد الرحيم: «آثرنا بما عندنا هذا الرجل الفقير ~~فعوضنا الله عز وجل ما هو أفضل منه». ms249 PageV01P428 # وقال أحمد بن أبي حبيب وغيره: «حدثنا الذين أدركناهم، قالوا: «كان ~~عبد الرحيم يأخذ الفتات في يده ويبسطها، فينزل الغراب على يده فيلتقط ما ~~عليها من الفتات»، وقالوا: «رأينا ذلك منه عيانا». # قالوا: «ومشهور عنه أنه كان يجتمع مع أبي العباس الخضر خلف «صومعة زياد» ~~في الناحية الشرقية منها». # ويذكر عن عبد الرحيم أنه رأى ليلة من ليالي رمضان في منامه قائلا ~~يقول له: # «كل من بات في هذا القصر مغفور له إلا صاحب التليس».وقد بات في ~~قصبة «القصر» تلك الليلة خلق كثير، فلما صلى عبد الرحيم الصبح خرج، ~~وكان من شأن [الناس] أن يودعوه وهو في بيته. فنزل ذلك اليوم إلى سقيفة ~~القصبة، فودعه الناس وسألوه الدعاء، فتقدم إليه صاحب التليس ليودعه، وقد خف ~~الناس عنه، فقال له سرا فيما بينه وبينه: «يا بني، رأى رجل في المنام أن كل ~~من بات في هذه القصبة مغفور له إلا صاحب التليس، وأخاف أن تكون أنت ~~هو، فعرفني: «ما الذي صنعت؟ » فقال: «أنا عبد مملوك أبقت من سيدي» فقال له: ~~«يا بني، ارجع إلى سيدك وتب إلى الله تعالى من ذنبك» وانصرف عنه، فرجع ~~العبد إلى سيده. # وذكر عن جماعة من الشيوخ قالوا : خرج عبد الرحيم سنة من السنين ~~إلى المنستير فنزل في «قصر الكبير»، فلما كان العشي سمع حس مهاريس، فقال: ~~«ما هذا؟ » فقيل له: «المرابطون يدقون التوابل لقدورهم» فاسترجع عند ذلك ~~وقال: «ما هكذا أعرف حالة المنستير قديما، عند سكانها شيء من دقيق ~~الشعير في القلة، وشيء من الزيت، فإذا كان عند إفطارهم لتوا ذلك الدقيق ~~بشيء من الزيت PageV01P429 فأكلوه. لله علي ألا أبيت في شيء من ~~المنستير».فخرج منها ذلك الوقت، فغايت له الشمس عند «قصر لمطة»، ولم يعد ~~إلى المنستير بعد ذلك. # ولم يزل مقيما ملازما «لقصر زياد» معتكفا على صيام النهار وقيام الليل ~~وتلاوة كتاب الله عز وجل حتى توفي. # وكانت وفاته سنة سبع وأربعين ومائتين، ودفن على سيف البحر من ناحية شرقي ~~القصر، رضي الله تعالى ms250 عنه. ومن بعض ما قيل فيه من المراثي : قال حاتم ~~الجبنياني المتعبد : # لهفي على عبد الرحيم وفضله %~% حتى الممات بكل قلب يستعر # ما كان أتقاه وأحسن أمره %~% في الله يسعى قد تشمر واتزر # أما النهار فصائم متهجد %~% والليل يهتف بالقرآن إلى السحر # شرب الهدى فملا الرشاد فؤاده %~% وهوى الصلاح فما على ذنب عثر # طلب الخلود، فباع دنياه بما %~% يبقى فقد ربح السعيد وما خسر # ولى حميدا راضيا عن ربه %~% فلقد عفا عنه لأطيب مختبر # قد كان في قصص الغراب %~% عجائب، للمسلمين جميعهم فيها عبر # بعث الغراب إليه رب محمد %~% حتى ليعلمه بصالح ما ادخر # جعل الفتات له براحة كفه %~% فدنا إليه به فقر ولم يطر # فهوى الغراب لأخذه متبادرا %~% من كفه لم يكتس ثوب الحذر # يا معشر العباد قوموا فانصروا %~% دين النبي ووقروه كما نصر # وصلوا الرباط وجاهدوا فعساكم %~% أن تظفروا بالصالحات كما ظفر PageV01P430 ### $ 146 - ومنهم أبو السرى واصل بن عبد الله الجمي المتعبد «بقصر جمة ». # ويعرف الآن «بقصر الرباط» «بالمهدية». # كان من أهل الزهد والعبادة والنسك [والارادة] والفضل والإجابة. أصله ~~من «جمة» وكان له بها حانوت يتجر به فيما يكال ويوزن من حنطة وقطنية ~~وزيت، ثم ترك ذلك ونبذ الدنيا وسكن «قصر الرباط» وتجرد لقيام الليل وصيام ~~النهار. # وداوم على ذلك حتى صار من الأولياء المعدودين، ومن الأصفياء المقربين، ~~والنساك المتجردين . # وطلب العلم على سحنون وعون بن يوسف، ونال من العلم/ما يستعين به على ~~عبادة ربه عز وجل. وسبب طلبه العلم أنه أتى إلى «جامع سوسة» يوم ~~الجمعة، فقام يصلي وسحنون قريب منه، فأذن المؤذن وتمادى واصل في الصلاة ~~ليتم السورة التي كان فيها، فلم يفرغ منها حتى بدأ الإمام في الخطبة، فنظر ~~إليه سحنون كالمنكر عليه. فلما سلم الإمام سأل عنه فأخبر به فدعاه وقال له: ~~«من أنت؟ » فقال: «أنا واصل» فقال له: «أنت واصل الذي يقال %~% ! » ~~فقال له: «أسأل الله بركة ما يقال» فقال له: «رأيتك وأنت تصلي والإمام ~~يخطب، اطلب العلم ولا تسكن في شيء من ms251 «القصور» حتى تطلبه».قال: فطلب ~~العلم على سحنون ولزمه عشر سنين. PageV01P431 # ويقال إن [سبب] طلبه للعلم أنه صلى إلى جانب سحنون «بحصن لمطة» . # فسلم الإمام، وأطال واصل الدعاء بعد سلام الإمام، فقال له سحنون: «يا ~~واصل، اطلب العلم خير لك» فلزم طلب العلم من ذلك الوقت. وكان سحنون يجله ~~ويعظمه. # ولقد حدث أبو الحسن علي بن عبد الله القطان المعروف بابن الخلاف المتعبد ~~أن واصلا قدم إلى القيروان، فهجر إلى الجامع يوم الجمعة، فبينا هو في ~~الصلاة إذ عرض له شيء من الفهم في القرآن ، فقال له سحنون: «وصلت والله ~~يا واصل». ### ||||| ذكر فضله وصنوف من كراماته # : # حدث الشيخ أبو الحسن علي بن محمد القابسي الفقيه، رضي الله تعالى عنه، ~~قال: «ذكر أن واصلا، رحمه الله تعالى، كان قبل أن يتعبد يتجر بحانوت ~~له «بجمة» بما يوزن ويكال، فأتته امرأة فساومته في شيء مما بين يديه، فجرى ~~بينهما منازعة فقالت له: «كفى بك ما أنت فيه بين مكيال وميزان»، فقال لها: # «صدقتني يا أمة الله».فألقى الله، عز وجل، في قلبه في الوقت ترك ~~البيع والشراء، وقام عن الدكان من فوره وترك جميع ما كان فيه، ومضى كما هو ~~إلى «قصر جمة» فأقام فيه أياما ملازما للقبلة لا يفتر من صلاة وصيام ليلا ~~ونهارا. # فلما رآه أهل القصر على تلك الصورة، تبينوا فيه الضعف من كثرة العمل ~~وعدم الغذاء، فكانوا يأتونه بعد المغرب بإفطاره، بشيء من خبز الشعير وبقل ~~البرية، فغفلوا عنه ليلتين لم يأتوه بشيء لما طال ذلك عليهم. فلما كان في ~~الليلة PageV01P432 الثالثة، بعد صلاة العشاء الآخرة، إذا بضارب يضرب باب ~~القصر عليهم، فتشرفوا من أعلى القصر وقالوا: «من أنت؟ » فقال لهم: ~~«أنا غلام فلان» - فسمى رجلا مذكورا بالخير- «أرسلني مولاي بطعام إلى ~~الشيخ واصل، وقال لي: إن أنت وصلت إليه في هذه الليلة بهذا الطعام ~~وأكل منه فأنت حر لوجه الله عز وجل».ففتحوا باب الحصن في ذلك الوقت، خلاف ~~عادتهم ، رغبة منهم في عتق الغلام، فإذا مع الغلام حمل بغل ms252 موقر، عليه ~~من أصناف الأطعمة والحلوى [شيء كثير] . فأتوا بذلك إلى واصل، فمد يده ~~إلى شيء منه فأكل، وقال للمرابطين: «افترقوا جميعه فيما بينكم» ولم ~~يدخر منه شيئا. فقال بعضهم [لبعض] : «أبيتم أن تطعموه خبز الشعير وبقل ~~البرية، وهو أطعمكم هذا الطعام الطيب الذي لا تعرفونه ولا نقدر على مثله ~~». # فمن تلك الليلة عرف القوم فضل واصل وموضعه من العبادة، ثم بانت بعد ذلك ~~كراماته وإجابة دعوته. # قال أبو الحسن بن الخلاف المتعبد-وكان يحب أخبار واصل ويثني عليه- قال: ~~«أخبرني أبو ميسرة عن سعيد بن الحداد أن واصلا أقام أربعين سنة ~~لم يدخر شيئا من الدنيا، وإنه ليقيم الأيام لا يطعم شيئا، فإذا جهد خرج إلى ~~الحمى فيجمع شيئا من بقول الأرض يقتات به ثم يعود إلى مصلاه». PageV01P433 # وحدث أبو محمد عبد الله بن يوسف الجبي ، قال: «سمع رجل بخبر ~~واصل-و [كان] الرجل من أهل المشرق-فأتى قاصدا ليراه ويزوره ويسأله ~~سؤال امتحان، فقال له: «قرصتك من أين؟ »، قال: «من بين الكاف ~~والنون».قال: «فأخبرني عنك: «أنت مقيم بالمسجد وليس [لك] مأوى غيره، ~~فإذا طبخ المرابطون قديراتهم وصلوا المغرب ودخلوا [بها] بيوتهم، ~~وسمعت حسا على الداموس، هل تتشرف نفسك إلى من يأتيك بشيء تأكله؟ »، ~~فقال له واصل: # «ما لنا عند أحد شيء فننتظره يجيئنا به»، فقال له: «أنت واصل حقا». # وعن ربيع بن سليمان القطان، رحمه الله تعالى، قال : «قال واصل الجمي ~~: «مكثت إحدى عشرة سنة فما علمت [أن] الشيطان ظفر بي فيها ~~ولا ساعة واحدة، إلا في ثلاث خطوات خطوتها في طريق ثم عاد علي العلم ببركته ~~فرجعت وأخذت طريقة أخرى»، فسئل عن بيان ذلك فقال: «نعم، كنت مرة بالساحل، ~~فبينا أنا أمشي في آخر النهار إذ عرضت لي طريقان: إحداهما تنتهي إلى قرية ~~رجل صالح فقير، والأخرى تنتهي إلى قرية رجل صالح غني، وهما جميعا صديقان. ~~فوقفت ساعة أتدبر لمن أقصد منهما، فقالت لي نفسي: «إن قصدت هذا PageV01P434 ~~الفقير فعسى بك أنك لا تجد عنده ما يتعشى عياله وأطفاله، وإن كان ms253 ~~عندهم ما يتعشون به فأنت تضيق عليهم في عيشهم وتشق عليهم وإن لم يظهر لك ~~ذلك؛ وإن قصدت الغني وجدت عنده خبزا طيبا من القمح الذي حرثه في أرضه ~~التي ورثها عن أبيه وجده، وتجد عنده زيتا طيبا وتينا فاخرا من ميراثه أيضا، ~~وعسى أن يذبح لك خروفا من غنمه، وهي ترعى أراضيه وزيتونه، فتسره ولا تدخل ~~عليه بمضرة وتجد بغيتك وتأكل شهوتك. # فخطوت في الطريق ثلاث خطوات، ثم استيقظت من نومة الجهل والهوى فقصدت ~~الطريق إلى قرية الفقير، فاجتمعت به، فرحب بي وفرح، وأنزلني عنده. # فلما حضر العشاء ضرب علينا إنسان الباب، فخرج إليه صاحب الدار فدخل ~~رجل/وعلى يده صحفة كبيرة فيها ثريد بخبز القمح وعليها لحم خروف سمين، فقال ~~لي: «كل، أيدك الله» فأكلنا حتى شبعنا، وحمل الفضلة إلى عياله. # ثم ضرب الباب مرة أخرى، فأتى بطبق في وسطه صحفة فيها زيت فاخر وحولها تين ~~فاخر، فقال لي: «كل، يرحمك الله»، فأكلت حتى بلغت أمنيتي من ذلك، فقلت له: ~~«من أين هذا؟ فأنا أعرف أن هذا ليس من مقدرتك» فقال: # «صدقت، ولكن أتاني من عند جاري» فقلت له: «صح به»، فأتاني به. # فقلت له: «من عندك هذا الطعام؟ » قال: [نعم] ، فقلت له: «أكنت منا ~~على وعد؟ » فقال: «لا، لكن كان عندنا خروف سمناه، فلما كان في هذا اليوم ~~حلا بقلوبنا ذبحه، فذبحناه وطبخناه وصنعنا له الخبز، وثردناه . ~~فلما رأيت جارنا قد نزلت به، قلت: «هذا الرجل صالح وليس يعرفه وليس يستضيف ~~به إلا رجل صالح مثله، ونعرف أن ليس عنده طاقة»، فقلت للزوجة: «نحن نجد ~~العوض عن PageV01P435 هذا في غير هذا الوقت، فهل لك أن نطعم كل ما ~~هيأناه من الطعام لجارنا هذا وضيفه ونسألهما في دعوة فيحرز الله علينا ~~أولادنا ويبارك فيما أعطانا؟ » فساعدتني على ذلك، فأخذت الصحفة من على ~~المائدة وأتيت بها إليكم. ثم قالت لي الزوجة : «لا بد من حلاوة تكون ~~بعد الثريد» فأعطتني هذا التين وهذا الزيت». # قال [عبد الله] : لما آثر واصل، رحمه ms254 الله تعالى، الفقير على الغني ~~أعطاه عز وجل جميع ما اشتهى أن يأكله عند الغني من غير سؤال ولا استشراف. ~~وهذا كله من ميراث الصدق. # حدث الشيخ القدوة الفقيه أبو الحسن علي بن محمد القابسي، رحمه الله ~~تعالى، قال : ذكر [أن] محمد بن سحنون، رضي الله تعالى عنه، كان ~~يوما جالسا في مسجده ضحى من النهار يلقي على أصحابه العلم وهو منشرح مقبل، ~~حتى وجم فأطرق ساكتا متفكرا، ثم نهض للقيام وقال: «من حضرته [نية] الزيارة ~~ لواصل فليقم»، ثم خرج من فوره وخرج معه أصحابه حتى وصل إلى «قصر ~~الرباط» بجمة . فدخل إلى «القصر» في اليوم الثاني والمؤذن يؤذن الظهر، ~~فنزل عن دابته وتوضأ للصلاة هو وأصحابه وصلوا مع واصل الظهر، فلما فرغ من ~~الصلاة والركوع تقدم إليه محمد بن سحنون فقال له: [واصل : يا هذا ~~رأيتك، أمررت يدك على لحيتك وهذا عمل لا يجوز! فقال ابن سحنون: وأنت ~~يا شيخ أعد صلاتك PageV01P436 فإنك أشغلت سرك بي، وسألت الله أن نأتيك ~~ونراه قد فعل فهل من حاجة؟ فقال: أتكون ابن سحنون؟ قال]: نعم، فمد يده إليه ~~وصافحه، وأقبل عليه وقال له: «لقد سألت الله تعالى أول أمس ضحوة النهار أن ~~يجمع بيني وبينك».وسر به سرورا عظيما، ودعا له ولأصحابه ووادعه ثم انصرف. # سعدون الخولاني-وكان يخدم واصلا-قال: «كنت أخدمه إلى أن تزوجت ابنة عمي، ~~وأنا ابن ثماني عشرة سنة، فقال لي يوما: «يا سعدون، اشتهيت زرازير ~~بيضاء، فإذا مضيت إلى قرية خولان فأتنا بها».فمضيت بالغد [وبلغت قريتي ~~وأهلي] فقلت لهم: «هل وقع عندكم زرازير ؟ » فقالوا: «والله ما وقع ~~منها شيء حتى الساعة، لا بيض ولا سود »، فأخذت دجاجا وفراريج ~~فسلقتها وسويت بعضها ، وأخذت بيضا وجبنا وتمرا وزيتونا مملحا وخبز قمح، ~~وملأت جرابا، وجعلته بين يدي. وركبت حتى وصلت به إلى واصل. فجعلت الجراب ~~بين يديه، فقال: «اللهم طول أعمارهم وتقبل أعمالهم وأصلح نسلهم، وأمت ~~سعدونا على السنة والاعتصام بحبل الله تعالى».فقلت له: «يا سيدي، هذه ~~الدعوة أحب إلي من الدنيا وما ms255 فيها. تقول لك العروس ابنة عمي: «والله ما ~~وقع عندنا من الزرازير البيض شيء في هذه السنة، وهذه هديتي، فأشتهي [أن] ~~ تقبلها» فقال: «قد قبلتها». # وفتح الجراب فأخرج منه منديلا فيه اثنتا عشرة تردة ما رأيت مثل بياض ~~شحومها وهي مسلوقة، فعزل منها اثنين، وأعطاني أنا اثنين، وأعطى أبا الفرج ~~PageV01P437 الرجل الصالح اثنين، وفرق باقيها على قوم صالحين، ثم قال: «يا ~~سعدون، فرق هذا المزود الذي فيه الهدية على جيراننا واحبس بعضه، فإنه ليس ~~لنا منه إلا شبعة». # قال: «فبقيت متعجبا لأني لا أعرف [أنه كان فيه] زرازير بيضاء. ~~فأدلجت في السحر إلى ابنة عمي» قال: «فسألتها، فقالت: «لا والله ما جعلت ~~فيه إلا ما رأيت».فرجعت إلى القصر، ففطن لي واصل فقال: «يا سعدون، إنما ~~أريتك هذا لتعلم يا بني أنه من أطاع الله تعالى نال الدنيا والآخرة». # وذكر أنه زار سعدون الخولاني واصلا الجمي، فلما دخل القصر قام ~~المرابطون فسلموا عليه وقالوا له: «نحب منك إذا سلمت على واصل تسأله أن ~~يدعو لنا في زوال البق عنا، فقد حل علينا منه أمر عظيم»، فاستأذن سعدون على ~~واصل، فأذن له، فدخل إليه فوجده في بيت مظلم جالسا على حصير قد اسود من طول ~~ما لبس فسلم عليه وجلس، فأصابه من البق ما أقلقه، فقال له واصل: «ما ~~قصتك؟ » قال: # «آذاني البق»، وأخبره بما شكا أهل القصر من ذلك، فدعا الله تبارك ~~وتعالى في إزالة ذلك عنهم، ثم ودعه وانصرف. # قال سعدون: «فلما صرت في الباب سمعته يقول: «أعوذ بالله منك يا ملعون» ~~ثلاث مرات، ثم أطلت القيام فلم أسمع شيئا، فاستأذنت عليه، فأذن فدخلت عليه ~~وسألته ما السبب فيما سمعته منه، فقال: «نعم، لما خرجت تصور لي الشيطان في ~~صورة [امرأة] أقبلت بين يدي وأدبرت، فقلت: «أعوذ بالله منك يا ملعون»، ~~ثم تصور في صورة حية قرناها في السقف ورأسها في الأرض فقلت: «أعوذ بالله ~~منك يا ملعون»، ثم تصور في صورة أخرى-نسيها أبو بكر الزويلي راوي هذه ~~القصة- فقلت: «أعوذ ms256 بالله منك يا ملعون» فذهب عني، وكفاني الله عز وجل ~~شره». # قال: «فوادعته فانصرفت وأخبرت المرابطين بما كان منه من الدعاء. فلما كان ~~بعد ذلك بمدة، دخلت القصر لزيارة واصل، فقام إلي المرابطون فقالوا لي: ~~«جزاك الله PageV01P438 عنا خيرا، فقد انقطع عنا البق فما رأيناه من الوقت ~~الذي/دعا فيه واصل»؛ رحمه الله تعالى. # وذكر سعدون أيضا، قال: أردت الحج، فمضيت إلى واصل الجمي أودعه وأسأله ~~الدعاء، قال: فدخلت إليه فإذا عنده من البراغيث والبق أمر عظيم، قال: # فأقبلت أتحرك كلما أكلوني، وواصل جالس لا يتحرك، فلما رأى قلقي قال: «يا ~~سعدون، ما لك؟ » فأخبرته بما أصابني من ذلك، فقال لي: «أتحسهم يا سعدون؟ » ~~فقلت له: «نعم» فقال: «يا سعدون، عاذك في أبي جاد ، ما أتى بك؟ » فقلت ~~له: «إني أردت التوجه إلى الحج، فأتيت إليك لأودعك وتدعو لي» فقال لي: # «وجمعت الدنانير يا سعدون، دينارا على دينار، حتى لزمتك فريضة الحج؟ ~~لقد أكلت، يا سعدون، على هذا الحصير طعاما لم تمسه الأيدي. وما أخبرتك بهذا ~~إلا لتعمل! ». # وذكر عن أبي محمد الجبي أن واصلا خرج ليلة من المسجد، فلما صارت ~~إحدى رجليه خارج المسجد والأخرى داخله عرضت له فكرة، فرفع رأسه إلى السماء ~~وقال لنفسه: «أطاعته السماوات والأرضون على عظمتهن ومن فيهن، وعصيته أنت ~~على صغرك وضعفك! »، قال ذلك يخاطب نفسه، فبقي باهتا حينا طويلا حتى استغرق ~~واسترخت يداه وسقط مغشيا عليه، وصادف رأسه الحائط فجرحه، فبادر سكان ~~القصر فحملوه وغسلوا الدم عنه وربطوا رأسه وهو في حاله، رحمه الله تعالى. # ولما حكى أبو الحسن عن واصل قوله لسعدون: «لقد أكلت طعاما على هذا ~~الحصير لم تمسه الأيدي %~% » قال له بعض من حضر: «لعله يريد الفواكه، لأنها ~~لم PageV01P439 تعملها الأيدي»، فقال له أبو الحسن: «ومن يقول هذا، وأن هذه ~~لم تعملها الأيدي، والله تعالى يقول: (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ~~وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون) إلى قوله تعالى: (وما عملته أيديهم) ~~ فما كانوا ممن يحكون هذا اللعب؟ ». # وقال سعيد بن ms257 الحداد: قال لي واصل يوما: «يا سعيد، من أحب أن يعرف لم ~~يصدق في عبادته، وإنما كره المتقون أن يعرفوا خوفا منهم أن يكرموا لعلمهم، ~~فرغبوا إلى الله تعالى أن يخفي ذكرهم في الدنيا عن جميع خلقه. يا سعيد ~~، من استأنس بالله لم يستوحش وإن كان في رءوس الجبال، فما أوحش من يكن ~~الله أنيسه ». # قال أبو بكر عتيق بن خلف: كان واصل كثيرا ما يقول: «ثلاثة من أعلام ~~المحبة: حب الليل للتهجد والخلوة، وكراهية الصبح لرؤية الناس والغفلة، ~~والمبادرة بالصالحات مخافة الفترة». # وكان يقول: «إن طريق الآخرة قد خلا لسالكيه، فلا يسلكه إلا القليل؛ ~~وازدحم الناس على طريق الدنيا حتى تضاغطوا فيه واندفعوا ولم يسمح أحد ~~لصاحبه. والناس في طريق الدنيا ثلاثة أصناف: صنفان معتلنان، وصنف مستتر. # فالصنفان المعتلتان الملوك والتجار: طلبوا الدنيا غير مرائين، استوت ~~أسرارهم وعلانيتهم؛ والصنف الثالث المستترون: أظهروا قصد الآخرة وضمائرهم ~~مطوية على الدنيا، ورأوا أن طلب الدنيا بالدين أعظم ربحا فذهبوا أن ~~يجمعوا بين الحالتين. أن يبقى لهم إجلال الديانة، ويبلغوا إلى شهواتهم ~~الباطنة. ولم يأخذ أحد من الدنيا منزلة إلا ترك مثلها من الآخرة. فلما ~~قصدوا الدنيا من الجهتين سقطت عنهم الآخرة من الجهتين، لأن طلب الدنيا ~~بالدنيا مباح، وطلب الدنيا بالدين محرم». # وكانت لواصل أخت، فكان لاشتغاله بالعبادة والتبتل لا يتفرغ لزيارتها، ~~PageV01P440 وكانت هي لا تقدر على الوصول إليه. فلما حضره الموت واشتد به ~~الأمر وقرب منه ما بعد، قال لبعض من بحضرته: «امضوا إلى أختي فأتوني بها»، ~~فمضوا إلى منزلها فأتوه بها. فلما وصلت أخبروه وقالوا: «أتدخل إليك؟ » ~~فقال: «لا سبيل إلى دخولها، ولا أكون أول من أباح للنساء دخول الحصون . ~~اجعلوها عند باب القصر تبكي وتنوح حتى أسمعها».قال: فبكت وناحت حتى سمعها، ~~فبكى ثم قال: «قولوا لها: # انصرفي، فالموعد بيني وبينك الآخرة» ثم توفي، رحمه الله تعالى. # أخبر بهذه الحكاية أبو الحسن بن الخلاف، فكان يقول: «عجبا، كيف أمرها ~~برفع الصوت بالنواح؟ لعله إنما استخف ذلك وأباحه لأخته للحديث الذي ms258 جاء في ~~«الموطأ» في دخول النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن ثابت ~~فوجده قد غلب عليه. # [فصاح به. فلم يجبه. فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: غلبنا ~~عليك، يا أبا الربيع. # فصاح] النسوة وبكين فجعل جابر يسكتهن، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «دعهن، فإذا وجب، فلا تبكين باكية».قالوا: «يا رسول الله، ~~ما الوجوب؟ »، قال: # «إذا مات»، فقد أباح لهم صلى الله عليه وسلم الصياح والبكاء عند احتضار ~~المريض وقرب الموت منه». # وكانت وفاة واصل، رحمة الله عليه، سنة اثنتين وخمسين ومائتين. # قال أبو العرب : وقبره بين يدي حوانيت الخياطين الذين بقرب القصر، ~~جمع الله تعالى بيننا وبينه في جنته برحمته. PageV01P441 ### || ذكر الطبقة الخامسة من علماء القيروان وعبادها وما يتصل بها من بعض مدنها ومراسيها # وأبدأ من هذه الطبقة بذكر أصحاب سحنون، رضي الله تعالى عنهم. فقد كان جمع ~~الله، عز وجل، فيهم الفقه والدين والورع والتواضع والزهد. فمما ذكر عنهم أن ~~شيبة بن زنون تحدث فقال : «عرست فدعوت ليلة عرسي جماعة من ~~أصحابنا منهم أحمد بن نمير، فأتوني»، قال: «وكان فيمن دعوت شيخ من أهل ~~المشرق- كان قدم علينا-من أصحاب أحمد بن حنبل. وكان الناس يسمعون منه ~~العلم، وكان شيخا مسمتا نبيلا قلما رأينا مثله».قال: «فكان أصحابنا في أول ~~الليل في قراءة وتغبير وبكاء وخشوع، ثم أخذوا بعد ذلك في مسائل العلم ~~والمناظرة فيها، ثم ابتدروا بعد ذلك زوايا الدار يصلون أحزابهم»، قال: ~~«فنظر/الشيخ الذي من أصحاب ابن حنبل فقال: «من أصحاب من هؤلاء؟ .ومن معلمهم ~~العلم؟ والله ما رأيت أحدا قط أنبل من هؤلاء: أخذوا في أول الليل في قراءة ~~القرآن والبكاء والخشوع، وبعد ذلك أخذوا يتناظرون في العلم، ثم بعد ذلك ~~وثبوا إلى قيام الليل والتهجد بأحزابهم. # والله ما رأينا مثل هؤلاء قط، والله ولا يصحب هؤلاء رجلا إلا نبلوه ~~وشرفوه»، فقيل له: «هؤلاء أصحاب سحنون». PageV01P442 # قال أبو العرب : حدثني عبد الله بن محمد ، قال: كان الذين يحضرون ~~مجلس سحنون من العباد ms259 أكثر ممن يحضره من طلبة العلم. كانوا يأتون إليه من ~~أقطار الأرض. ### $ 147 - فمن ذلك ولده أبو عبد الله محمد بن سحنون ، رضي الله تعالى عنهما. # قال أبو العرب ، كان إماما ثقة عالما بالمذهب، مذهب أهل المدينة، ~~عالما بالآثار. لم يكن في عصره أحد أجمع لفنون العلم منه، ألف في جميع ذلك ~~كتبا كثيرة تنتهي [إلى] نحو مائتي كتاب في جميع العلوم وفي المغازي ~~والتواريخ . # وكان والده قد تفرس فيه الإمامة، وكان والده يقول : «ما أشبهه إلا ~~بأشهب». # وكان والده يقول لمعلمه : «لا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف الكلام، ليس هو ~~ممن يؤدب بالضرب [والتعنيف، واتركه على نحلتي ] ، فإني أرجو أن يكون ~~نسيج وحده PageV01P443 وفريد أهل زمانه، وأخاف أن يكون عمره قصيرا». # وانتشرت إمامته في حياة والده، وأدرك من جميع العلوم ما لم يدركه غيره من ~~أهل عصره. وكانت له حلقة غير حلقة أبيه . # ومولده سنة اثنتين ومائتين، وتوفي سنة ست وخمسين ومائتين، ودفن «بباب ~~نافع». # سمع من أبيه، وعليه معتمده، وسمع من موسى بن معاوية الصمادحي، وعبد ~~العزيز بن يحيى المدني، وعبد الله بن أبي حسان اليحصبي ورحل إلى المشرق سنة ~~خمس وثلاثين ومائتين فلقي جماعة من العلماء منهم أبو المصعب الزهري صاحب ~~مالك، ويعقوب بن حميد بن كاسب، وسلمة بن شبيب وغيرهم. # ولما عزم على الرحلة قال له والده: إنك تقدم على بلدان-سماها-إلى أن ~~تقدم إلى مكة، فاجهد جهدك. فإن وجدت عند أحد من أهل هذه البلدان مسألة ~~خرجت من دماغ مالك بن أنس وليس عند شيخك-يعني نفسه-أصلها، فاعلم أن شيخك ~~كان مفرطا. # فلما وصل إلى مصر نزل على أبي رجاء بن أشهب، سأله أبو رجاء في ذلك ~~ففعل. قال: فكان علماء مصر يأتونه ويسلمون عليه، قال: فأتاه المزني صاحب ~~الشافعي فيمن أتاه، وجلس معه كثيرا ليقل الناس ويخلو معه. فلما خرج ~~قدمت إليه دابته ليركب، فقيل له: «كيف رأيته؟ » قال: «لم أر والله أعلم منه ~~ولا أحد ذهنا [على حداثة سنه] ». PageV01P444 # قال [عيسى بن مسكين] : وكتب كتابا الإمامة ms260 بمصر بماء الذهب ~~وأهديا إلى الخليفة، [قال عيسى] : وما ألف في هذا الفن أحسن ~~منهما. # وذكر أبو بكر بن اللباد أن محمد بن سحنون أتى بعد موت أبيه زائرا ~~إلى عبد الرحيم بن عبد ربه الزاهد فسلم عليه، فرد عليه السلام ~~وتركه يجلس حيث انتهى به المجلس، ولم يقبل عليه حتى انصرف. فلما كانت ~~الجمعة الآتية، انتهض ابن سحنون أصحابه في زيارة عبد الرحيم، فقالوا: ~~«رأيناه لم يقبل عليك ولا رحب بك في حين زيارتك له، فكيف تعود إليه بعد ~~هذا؟ » فقال: «ليس هذا بغيتي، هو رجل صالح ترجى بركته وبركة دعائه، وكان ~~والدي، رحمه الله تعالى، يأتيه ويتبرك بدعائه ويلجأ إليه عند المهمات من ~~الأمور». # قال: فتوجه محمد زائرا لعبد الرحيم، فلما رآه عبد الرحيم قام إليه قائما ~~ على رجليه ورحب به وأجلسه في موضعه، ولم يزل مقبلا عليه حتى انصرف. ~~قال: # فرجع إلى عبد الرحيم بعض أصحاب ابن سحنون فقالوا له: «أصلحك الله، رأينا ~~منك عجبا» فقال: «وما هو؟ » فقالوا: «أتاك محمد بن سحنون تلك الجمعة فلم ~~تقبل عليه، ثم أتاك اليوم فأقبلت عليه»، فقال عبد الرحيم: «والله ما أردت ~~بذلك إلا الله عز وجل: رأيت اجتماع الناس حوله فخفت عليه الفتنة، فعملت ما ~~عملت لصلاح حاله ولأجربه، فرأيت في الليلة المقبلة قائلا يقول لي: «مالك لم ~~تقبل على محمد بن سحنون وهو ممن يخشى الله عز وجل؟ » ففعلت ما رأيتم». # وذكر الشيخ أبو الحسن القابسي، رضي الله تعالى عنه، عن بعض شيوخه، ~~PageV01P445 قال : ذكر لي بعض سكان «المنستير» «بقصر ابن الجعد» ~~أنه خرج من بيته إلى الميضاة التي في أسفل القصبة، فسمع في البيت الذي يفتح ~~إلى القبلة بقرب الميضاة قارئا يقرأ في سورة الأعراف: (وقاسمهما إني ~~لكما لمن الناصحين، فدلاهما بغرور) . وهو يرددها ويبكي، فقضى حاجته ~~ورجع إلى بيته والقارئ في هذه الآية على حاله يرددها ويبكي. وكانت ليلة ~~شاتية، فلما كان آخر الليل نزل يتوضأ لصلاة الصبح، فجاز بذلك البيت، فسمع ~~الرجل يردد الآية لم ms261 يزل عنها، فوقف عند الباب ليسمع قراءته، فسمع حس وقوع ~~الدموع على الحصير، ولم يزل كذلك حتى غشيه الفجر، فخاف أن تفوته الصلاة، ~~فأسرع بالوضوء ، ووقف إزاء الباب ينتظر خروج ساكن ذلك البيت، فخرج رجل ~~قد ستر وجهه بردائه، فطلع إلى مسجد القصبة فاستقصى عليه حتى عرفه، فإذا به ~~محمد بن سحنون، رضي الله تعالى عنه. # وقال اللبيدي: سمعت من أثق به يقول: «خرج محمد بن سحنون من القيروان إلى ~~«قصر الطوب» للعبادة والحرس على المسلمين، قال: فنزلت قطاع الروم ~~بساحل ذلك البحر، فضربوا على الساحلين وعلى تلك المنازل، فتصايح الناس ولم ~~يكن مع محمد بن سحنون إلا بغل، فخاف إن بعث إلى سوسة في طلب فرس أن ينال ~~الروم من المسلمين بغيتهم، فتقلد بسيف وأخذ رمحا ودرقة، وركب ذلك البغل ~~الذي كان معه، واجتمع إليه الناس في جماعة من المرابطين ومن بقرب من القصر ~~من أهل البوادي/التي حوله، وتمادى بمن معه إلى الروم فوجدهم قد أشرفوا على ~~نهب PageV01P446 الأموال وسبي الحريم، فكبر عليهم هو ومن معه وقد ناشبوهم ~~القتال، فهزمهم الله على يديه، وقتل منهم مقتلة عظيمة وأتبعهم بالهزيمة حتى ~~أدخلهم البحر هاربين، فحلف محمد بعد ذلك أنه لا يخرج إلى الحرس إلا بفرس». # ورأيت موعظة كتب بها محمد بن سحنون إلى بعض أمراء بني الأغلب يقول ~~فيها: # «أما بعد، فإني أوصيك ونفسي بتقوى الله الذي بطاعته نيلت معالي الأمور ~~وارتقي إلى شرفها. وأول ما آمرك به النظر لنفسك ومعادك الذي تصير إليه، فلا ~~دنيا لمن لا آخرة له، وبحسن المنقلب يغبط المرء. فانظر لنفسك وخذ بعنانها ~~واحبسها في كل أمر تنازعك إليه. فعما قليل تذهب الدنيا وتأتي ~~الآخرة، فلا ينفع نفسا إلا ما قدمت ولا يسوؤها إلا ما عملت. وقد كان يقال: ~~إن خير الخلطاء وأنفع الأخلاء المرشدون في المضلات، المذكرون في الغفلات. ~~فأذكرك يوما هو منك قريب، تنزل فيه بساحتك ملائكة الرحمن، وقد أسلمك الأهل ~~والولدان، تعطي حيث لا يقبل منك، مسلوبا منك ما في يديك منه، ms262 مودعا في بطن ~~الأرض. ثم بعد ذلك الطامة الكبرى: يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، ثم ~~ينشر لك كتاب فيه من عملك مثاقيل الذر والخردل، فانظر كيف أنت عند ~~ذلك. وقد قلدت أمرا عظيما، لكل الخلق فيك نصيب، قد اشترك فيك العدو ~~والصديق؛ فخلص نفسك من وثاقها بأن تملأ الأرض عدلا كما أمرك الله سبحانه. ~~واعلم أن الذي ملكك أمر عدوك، وأدال لك عليه، وأذله بين يديك، هو الله ربك ~~وربه، وإلهك وإلهه، ومالكك ومالكه، يديل الأمور بينك وبينه في الدنيا، ثم ~~يتولى الحكم بينك وبينه يوم القيامة، فيأخذ منك له بمثاقيل الذر ~~والخردل. فانظر، رحمك الله وإيانا، لنفسك نظر من يموت غدا ثم يحاسب بجميع ~~ما قدم. ولا تملك نفسك عنانها، وتمهل في أمرك، وآثر الله عز وجل عند غضبك، ~~واعمل في ذلك وكل أمرك بما PageV01P447 يرضى الله سبحانه، فإنه يرضى عنك. ~~وآثر رضى الله عز وجل على رضى عباده، ولا ترض عباد الله بسخطه، فإنهم لن ~~يغنوا عنك من الله شيئا. وأنزل كتابي هذا منك بمنزلة من مرض أبوه فهو ~~يسقيه من الدواء ما يكره رجاء منفعته وهو به بار وعليه شفيق . والسلام ~~عليك ورحمة الله وبركاته». # وذكر عنه أنه كانت له تسعة أسرة لكل سرير سرية. وكانت له سرية يقال ~~لها «أم مدام».فكان عندها يوما من بعض الأيام، فقال لها: «ما عندك الليلة ~~يا أم مدام؟ » فقالت: «زوج فراخ» فقال: «اصنعيهما لنا الليلة»، ففعلت ذلك ~~وقد أخذ فيما هو فيه من التأليف في كتاب يرد فيه على بعض المخالفين، فاشتغل ~~في ذلك إلى الليل، فلما حضر الطعام استأذنته فقال لها: «أنا مشغول ~~الساعة».فلما طال ذلك عليها أقبلت تلقمه الطعام إلى أن أتى على الفرخين، ثم ~~تمادى فيما هو فيه إلى [أن] أذن في الجامع لصلاة الصبح، فقال لها: «يا ~~أم مدام، شغلنا عنك الليلة، قربي ما عندك من الطعام»، فقالت: «قد والله يا ~~سيدي أطعمته لك» فقال: «ما شعرت بذلك» لشغله وتعلق قلبه بما كان فيه ms263 من ~~التأليف. # وقال أبو الحسن القابسي: سمعت عيسى بن مسكين يقول: بينا نحن مع سحنون إذ ~~أقبل ولده محمد، فنظر إليه سحنون ثم نظر إلينا فقال : [أي فتى لولا أن ~~عمره قصير، ثم أقبل ولده جعفر، فنظر إليه ثم نظر إلينا فقال] : «ليس كل ~~فراخ العش تطير». # وحضر محمد بن سحنون يوما عند علي بن حميد الوزير، وكان علي يبغيه، ~~وكان يجل محمدا ويعظمه ويكبره، وكان في مجلسه جماعة ممن يحسن المناظرة، ~~PageV01P448 وأحضر معهم شيخا قدم من المشرق يقال له أبو سليمان النحوي ~~صاحب الكسائي الصغير ، وكان يقول بخلق القرآن ويذهب إلى الاعتزال، فقال ~~علي بن حميد الوزير لمحمد: «يا أبا عبد الله، إن هذا الشيخ وصل إلينا من ~~المشرق، وقد تناظر معه هؤلاء فناظره أنت»، فقال [محمد] : «تقول ~~أيها الشيخ أو تسمع؟ » فقال له الشيخ: «قل يا بني» فقال محمد: «أرأيت كل ~~مخلوق هل يذل لخالقه؟ » فسكت الشيخ ولم يحر جوابا، ومضى وقت طويل وانحصر ~~ولم يأت بشيء، فقال له محمد: # «كم سنة أتت عليك أيها الشيخ؟ » فقال له: «ثمانون سنة» فقال ابن سحنون ~~للوزير ابن حميد: «قد اختلف أهل العلم في الصلاة على الميت بعد سنة من يوم ~~موته ، فقال بعضهم: «يصلى عليه»، وأجمعوا أنه إذا جاوز السنة لا ~~يصلى عليه، وهذا الشيخ له ثمانون سنة ميت في عداد الموتى، فقد سقطت ~~الصلاة عليه بإجماع»، ثم قام. فسر بذلك علي بن حميد وأهل المجلس. فسئل ابن ~~سحنون أن يبين لهم معنى سؤاله هذا فقال: «إن قال إن كل مخلوق [يذل لخالقه] ~~، فقد كفر، لأنه جعل القرآن ذليلا، لأنه يذهب إلى أنه مخلوق. قال الله ~~عز وجل: (وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل ~~من حكيم حميد) ، وإن قال: # إنه لا يذل فقد رجع إلى مذهب أهل السنة لأنه لا يذهب [في هذه الحالة] ~~ إلى أنه مخلوق الذي هو صفة من صفاته». PageV01P449 # وذكر أنه كان يصحب محمد بن سحنون ويطلب عليه الفقه وعلم ms264 الكلام ~~والحلال فتى يعرف بأبي الفضل بن حميد -أخو علي بن حميد الوزير-ولم يكن ~~في علم الجدل بالماهر، فخرج إلى الحج فمر بمصر، فدخل حماما بها فإذا عليه ~~رجل يهودي، فلما خرج من الحمام أقبل يناظر اليهودي على مذهبهم [فغلبه ~~اليهودي] ، فرجع إلى القيروان بعد ما حج وفي قلبه حسرة، إذ لم يكن عنده ~~من المناظرة ما يدحض به حجة اليهودي. فلما رجع دخل على محمد بن سحنون فهابه ~~أن يذكر الحكاية. فقضى الله تعالى أن خرج محمد بن سحنون على إثر ذلك إلى ~~الحج فصحبه ذلك الرجل إلى مصر، فقال له: «امض بنا رحمك الله إلى الحمام»، ~~فأجابه ابن سحنون إلى ذلك، فمضى به إلى الحمام الذي عليه ذلك اليهودي، فلما ~~خرج ابن سحنون سبقه ذلك الرجل بالخروج، فأنشب المناظرة مع اليهودي، فلما ~~خرج ابن سحنون وجدهما يتناظران، وقد استعلى اليهودي على الرجل بكثرة الحجاج ~~والمناظرة بالباطل لضعف الرجل وقلة معرفته بالمناظرة، فدخل معهما محمد ~~فيما هما فيه، ورجعت المناظرة بين اليهودي ومحمد بن سحنون حتى حضرت ~~صلاة الظهر، فأقام محمد الصلاة وصلى، وعاد إلى المناظرة حتى حضرت صلاة ~~العصر فأقام محمد الصلاة وصلى العصر، ثم عاد إلى المناظرة فلم يزل إلى صلاة ~~المغرب وقد اجتمع الناس إليهما من كل موضع. وشاع ذلك بمصر وقال الناس بعضهم ~~لبعض: امضوا نسمع المناظرة بين الفقيه المغربي وبين اليهودي. فلما كان عند ~~صلاة المغرب انحصر اليهودي وانقطع عن الحجة وظهر عليه ابن سحنون ~~بالدلائل الواضحة والحجة البالغة. PageV01P450 # فلما تبين اليهودي الحق بالبرهان وأراد الله عز وجل هدايته، قال عند ذلك: ~~«أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله! » فأسلم وحسن إسلامه، ~~فكبر الناس عند ذلك، وعلت أصواتهم بالتكبير وقالوا: «أسلم اليهودي على يدي ~~الفقيه المغربي! »؛ فقام محمد وهو يمسح العرق عن جبينه، ثم رد وجهه إلى ~~صاحبه وقال: # «لا جزاك الله خيرا عني» ولامه أشد اللوم، وقال له: «كاد أن تجري على ~~يديك فتنة عظيمة. كيف تأتي إلى رجل ms265 يهودي تناظره وأنت ضعيف المناظرة ~~والجدال؟ فإذا رأى من أراد الله عز وجل فتنته هذا الذي كان يهوديا قد ~~غلبك واستظهر عليك بباطله أدخلت عليه الفتنة وداخله الشك في دينه. فلا تكن ~~لك عودة لمثل هذا وتب إلى الله عز وجل من ذلك. ولولا أني خفت الفتنة ~~على الناس أن يداخلهم شك في دينهم ما ناظرته».فرضي الله تعالى عنه. # وكان عنده من العفو والصفح عمن قصده [بأذى] أمر كبير، وسياسة حسنة، ~~ومعرفة كيف يلقى الحوادث وكيف يصرف الأمور: # حدث الشيخ أبو الحسين علي بن الكانشي رحمه الله تعالى فقال: سمعت ~~عيسى بن مسكين يقول: «كان العراقيون قد استعملوا رجلا يسب محمد بن ~~سحنون، وكانوا يصلونه على ذلك. فكان ذلك الرجل إذا لقي محمدا مخليا سبه ~~علانية، وإذا لقيه في أصحابه سبه سرا في أذنه، وفي كل ذلك لا يرد عليه ~~محمد شيئا، صبرا منه على الأذى رجاء لثواب الله عز وجل. فأتاه يوما فوجده ~~مع أصحابه، فسبه في أذنه، فلما فرغ من سبه خاف [محمد] من أصحابه أن ~~يبطشوا به، فقال له: «نعم وكرامة! إذا أنا تفرغت تعود إلي تقضى حاجتك إن ~~شاء الله» PageV01P451 وأوهم الحاضرين أنه إنما سأله في حاجة. فبلغ ذلك ~~العراقيين وقيل لهم: «أظننتم أن فلانا يسب محمد بن سحنون، وهو إنما حادثه ~~في أذنه وسأله حاجة؟ » فاتفقوا على قطع صلته، فضاع الرجل وضاع أهله وعياله ~~ووصل إليهم الضرر، فشكا ما نزل به إلى بعض الصالحين فقال: «إن فعلت ما آمرك ~~به حسنت عاقبتك وعاقبة أهلك في الدنيا والآخرة» قال: «وما هو؟ » فقال: ~~«عليك بصاحبك الذي كنت تسبه فأطلعه على أمرك»، فقبل نصيحته ومضى إلى [ابن] ~~ سحنون فوجده في مجلسه والناس حوله، فأصغى إليه بأذنه على العادة فقال ~~له: «أصلحك الله ما جئت لهذا، وإنما جئت تائبا منيبا مما كان مني إليك»، ~~فقال له: «اجلس» فجلس. فلما انقضى المجلس أخذ بيده ومضى إلى داره ودفع إليه ~~صرة فيها عشرون دينارا عينا، وقال له: # «اتسع بهذه إلى حين ms266 يلطف الله عز وجل لنا»، ثم كتب محمد بن سحنون ~~ثلاثين كتابا إلى ثلاثين رجلا مياسير من أصحابه بالساحل، يسأل كل واحد منهم ~~في شراء جارية وتوجيهها إليه، فوصل إليه ثلاثون جارية في مدة يسيرة، ~~فأمر ببيع خمس منهن وكسا بثمنهن الخمس والعشرين الباقيات وحلاهن وأجلسهن ~~صفا واحدا، ثم أحضر الرجل العراقي، فلما دخل أقبل عليه وقال له: «ما أبطأ ~~بك عنا، أصلحك [الله] ؟ » فقال: «استحياء منك لما سلف من قبح فعلي وسوء ~~لفظي وعظيم إحسانك إلي».ثم دفع إليه الجواري، فخرج من دار محمد بخمس وعشرين ~~جارية. [وهذا الفعل من محمد] امتثال لقول الله عز وجل: (ادفع بالتي هي ~~أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) ، ثم قال عز وجل: # (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) . وله في ~~مثل ذلك مقامات عجيبة، رحمه الله تعالى. # وكانت له سياسة حسنة، ومعرفة كيف يلقى الحوادث وكيف يصرفها ، ولقد ~~PageV01P452 حدث أبو ميسرة أحمد بن نزار الفقيه، قال: خرج أمين ~~لسليمان القاضي ليرابط بالمنستير، فصلى بهم إمامهم فسلم تسليمة ثم وثب ~~فقام، فقال الأمين: «ما له؟ أملدوغ هو؟ » فقالوا: «ما به ما ذكرت، وإنما ~~هذا مذهبه» فأراد أن يجعل الإمام يسلم تسليمتين فلم يساعده على ذلك أهل ~~المنستير وأغلظوا له في ذلك، اتباعا منهم لمذهب مالك رضي الله تعالى عنه. ~~فخرج من المنستير مغضبا فوصل القيروان فدخل على سليمان فأخبره بما جرى له ~~مع أهل المنستير وما تكلموا به، وأغرى بهم سليمان. # فتغيظ سليمان وأرسل خلف جماعة منهم، فلما وصلوا إلى الفسطاط بعثوا ~~رجلا منهم إلى محمد بن سحنون فأخبروه، فقال ابن سحنون: «إنا لله وإنا إليه ~~راجعون! ينهرهم ويهينهم ولا يعرفون ما يقابلونه به»، فقال للرجل: «ارجع ~~إليهم فقل لهم: إذا كان غدا فادخلوا من باب أبي الربيع وقت اجتماع ~~الناس، وليكن بين أيديكم رجل من أصحابكم وليقل: «يا معشر المسلمين! الدعاء ~~لأهل المنستير. فإن القاضي سليمان بن عمران بعث وراءهم ولا يدرون فيما ذا ~~أرسل ms267 وراءهم».قال: ففعلوا ذلك، فارتجت القيروان/وامتلأت الأزقة بالناس ~~وامتلأت السقيفة على سليمان، وامتلأ الدرب الذي كان يسكن فيه، فقال: «ما ~~بال الناس؟ » فقال له «قليل» : «إن أهل المنستير قد جاءوا، وإن أهل ~~القيروان قد أتوا إليك لينظروا ما تعمل بهم» ، فخاف سليمان من ذلك خوفا ~~شديدا، وقال لحاجبه: «قل لأهل المنستير ينصرفون إلى مواضعهم، فما لنا عليهم ~~سبيل». PageV01P453 # وذكر عن أحمد بن مسعود المعروف بدلك أنه كان يختلف إلى محمد بن ~~سحنون ثم مال إلى ابن عبدوس، فسأل ابن عبدوس يوما فقال: «ما تقول في ~~الإيمان أصلحك الله، إنه مخلوق هو أم غير مخلوق؟ » فقال له ابن عبدوس: «لا ~~أدري، ولكن [سل] صاحب الكوة» -وهو يريد ابن سحنون؛ وكان ابن سحنون ~~يجلس في طاق في مسجده. فأتى الرجل ابن سحنون فسأله، فقال له محمد بن سحنون: ~~«فأين صاحبك؟ » فقال: «قد سألته فلم يجبني وأرسلني إليك»، فقال له محمد: ~~«هذه مسألة تحتاج أن يختلف فيها سنة».ثم قال له: «الإيمان بضع وسبعون درجة، ~~أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله. فالإقرار ~~غير مخلوق، وما سوى ذلك من الأعمال مخلوقة».قال أحمد: فمضيت إلى العراق، ~~فاجتمعت مع داود فسألته عنها، فكان جوابه كجواب ابن سحنون، رحمه الله ~~تعالى. # وذكر عنه، رحمه الله تعالى، أن رجلا أتاه فقال: «آتي العمل من أعمال البر ~~في السر وأحب أن يظهر ذلك علي» فقال له محمد: «قل لنفسك: إنه إذا ظهر عليك ~~نفعك عند الله تعالى. فإن قبلت نفسك ذلك فهو رياء، وإن أبت نفسك ذلك فلا ~~يضرك ما دعتك إليه». # قال عيسى بن مسكين: «جادت عندنا سنة من السنين البقلة الحرشاء وهي لسان ~~الحمل ، فحملت منه إلى محمد في طرف ردائي، ثم رميته على كتفي فدفعته ~~إلى PageV01P454 الخادم وأنا محتشم، لأنه شيء لم أفعله قبل ذلك، فلما رآه ~~محمد خرج إلي فقال لي: # «جئتني بهذا ولم تصح لي من وراء الدرب! »، وفرح به وأوصاني أن أكثر له ~~منه، فكنت أحمل إليه منه، وربما ms268 ملأت له خرجا منه وأرسل به إليه على ~~حماري».قيل لعيسى: «وكيف جسرت عليه به أول مرة؟ » فقال: «لرزقه الذي كتب ~~الله له فيه». # ولما توفي قام الناس على قبره شهورا عدة حزنا منهم عليه وأسفا على ~~فراقه بعد أن ضربت على قبره فازة ، ذكر ذلك محمد بن حارث الأندلسي. # قال أبو الحسين الكانشي: «بلغني أنه لما مات رثاه جماعة، منهم أحمد ~~بن أبي سليمان رثاه بقصيدة ثلاثمائة بيت، منها يقول : # ألا فابك للإسلام إن كنت باكيا %~% لحبل من الإسلام أصبح واهيا # تثلم حصن الدين وانهد ركنه %~% عشية أمسى في المقابر ثاويا # إمام حباه الله فضلا وحكمة%~% # وفقهه في الدين كهلا وناشيا # وزوده التقوى وبصره الهدى %~% فكان بلا شك إلى النور هاديا # ألا أيها الناعي الذي جلب الأسى %~% وأورثنا الأحزان، لا كنت ناعيا! # نعيت إمام العالمين محمدا %~% وقلت: مضى من كان للدين راعيا ~~PageV01P455 ومن كان مصباحا دليلا على الهدى %~% وللصالحين العالمين مواليا # ومن كان حبرا عالما ذا فضيلة %~% تقيا رضيا طاهر القلب زاكيا # وقلت: ابن سحنون مضى لسبيله %~% وأبصرته، حقا كما قلت، ماضيا # فغادر أهل القيروان بوحشة %~% وكان لهم أنسا وخلا مواتيا # فجللهم شجوا، وألبسهم [أسى] %~% وأوقرهم هما على الحزن راسيا # ندبت ابن سحنون معلمي الذي %~% تعرفت خيرا حين كان إماميا # قضى وانقضت عني لذلك راحتي %~% وأفنى سروري عند ما صار فانيا # سأذكر لا أنفك، ما دمت باقيا %~% وإن مات، أوصافا له ومساعيا # قد ارضى [جميع] الناس إذ كان فيهم %~% فعنه إله الخلق لا زال راضيا # فقد عاش خمسا بعد خمسين حجة %~% يحامي عن الإسلام إلا ثمانيا # وناظر أهل العلم أمرد يافعا %~% ولما التحى، بالعلم قام مناديا # ولما علاه الشيب أبصرت نوره %~% بما [قد] كساه الله أزهر فاشيا # كذلك ذو النفس الكريمة إنما %~% يعاطي [الفتى] الخطب الجليل تعاطيا # ومن قول سحنون ومن قول مالك %~% وضعت دواوينا لنا هي ما هيا # وكان لك الله الذي حطت دينه %~% بجنته الفردوس عنا مجازيا # وحدث سحنون حديثا سمعته %~% ولم يك سمع غير سمعك واعيا # فكنت ms269 أمينا في الذي قلت صادقا %~% ولست لما أحصاه قلبك ناسيا # أقول، وقد أبصرته فوق نعشه: %~% عليك سلام الله ألا تلاقيا PageV01P456 ~~أيا تارك الدنيا، تركت لأهلها %~% أسى باطنا، وجدا عليك، وباديا # غدوت إلى قبر لدى «باب نافع» %~% فسار إليه الخير أجمع غاديا # أزال سرور الناس سترك عنهم %~% وألقى عليهم في الخميس الدواهيا # فأوجستهم : من كان قربك ساكنا %~% ومن كان في الآفاق يسكن نائيا ~~ # عممتهم بالوجد، إذ بنت، مثلما %~% عممتهم بالنفع إذ كنت باقيا # لمن جاء يبغي العلم كنت معلما %~% ومن جاء للمعروف كنت مواسيا # ومن جاء مظلوما ذليلا لنصره %~% تقول له: يا مرحبا بك جائيا # فأقسمت نذرا عامدا قول مالك: %~% علي به حجا إلى البيت ماشيا # ثلاثين عاما إن حججت أحجها %~% كذلك أو ألقى من الموت لاقيا # لقد حل من قلبي مصاب محمد %~% بوجد نفى نومي وغير حاليا # فلو أنه يفدى من الموت والبلى %~% لكنت له دون البرية فاديا # يقول بني، حين أنكر حاليا %~% وأبصر دمعي فوق خدي جاريا # وأبصرني صبا أبيت مسهدا %~% أراعي النجوم الطالعات تواليا # وأضحي شجي القلب دائم عبرة %~% كئيبا حزينا خاليا من عزائيا: # أراك أبى-في الليل-ساهر مقلة %~% وتصبح مشغولا عن الطعم طاويا # أمالا رزئت، أم أصابتك علة %~% فأصبحت منها خافض الصوت عانيا؟ # فقلت له: مالي سليم، وليس بي %~% سقام فأبغي للسقام مداويا # ولكنني، لما فقدت محمدا، فقدت %~% لما أرجوه فيك رجائيا PageV01P457 ~~رأيتك مولودا فوجهت رغبتي %~% إلى الله واستصحبته لك خاليا # بأن يدفع الأسواء عنك بعصبة %~% ولا زلت فيما عدا ذلك راجيا # وأبصرت أهل العلم عند محمد %~% وعلمهم يرقى على العلم عاليا # وما منهم إلا مناظر صاحب %~% وآخر لا ينفك للذكر تاليا # فأملت أن تأتي إلى المجلس الرضي %~% ومنيت نفسي عند ذاك أمانيا # فحال قضاء الله دون مشيئتي %~% فأبصرتني من أجل ذاك لما بيا # أكابد أحزانا بقلب موله %~% عليه [و] ما يزداد إلا تماديا # فيا عين جودي بالبكاء وأسعدي %~% عليه عيونا لا تزال بواكيا # ويا قلب عش صبا كئيبا محزنا %~% فإني أدينك إذ وجدتك خاليا # وحق لقلب يعرف ms270 الله لا يرى %~% على حاله خلوا من الشجو صاحيا # ويا قبر سحنون وقبر محمد %~% أظلكما الله الغمام الغواديا # توافى شريف الحلم والعلم فيكما %~% ووافاكما التفضيل لما توافيا # وقيل: إنه [رثي بثلاثمائة مرثية] ، فلما اجتمعت المراثي ~~[أتوا] بها «المهري» ليعرضوها عليه فقام شاب من أهل الساحل ~~وأنشأ يقول: # خل المدامع كي تجول مجالها %~% قطعت يمين العلم ثم شمالها # فقال له: حسبك يا هذا لا تزده ، فلو قلت ما عسى أن تقول ما قلت مثل ~~هذا البيت. PageV01P458 ### $ 148 - ومنهم أبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن عبدوس ، رضي الله تعالى # عنه. # قال أبو العرب : كان ثقة إماما في الفقه ذا ورع وتواضع، بذ الهيئة ~~وكان أشبه الناس بإخوان سحنون في فقهه وهديه وملبسه ومطعمه. وكان حسن ~~الكتاب، حسن التقييد. ومولده مولد ابن سحنون. مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة. # قال أبو العرب : ولقد قلت لحبيب صاحب مظالم سحنون: «من كنت تسأل إذا ~~نزلت بك المسائل؟ » فقال: «كنت أسأل سحنون، فإن لم أقدر على سؤاله سألت ~~محمد بن عبدوس». # قال لقمان بن يوسف : وأقام محمد بن عبدوس سبع سنين يدرس العلم، لا ~~يخرج من بيته إلا إلى صلاة الجمعة. # ومن طريق ابن التبان-أبي محمد عبد الله بن إسحاق-أن ابن عبدوس أقام ~~أربع عشرة سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء الآخرة، مشتغلا بدراسة العلم؛ وأقام ~~أربع عشرة سنة غيرها مشتغلا بقيام الليل والتهجد فيه وتلاوة [القرآن] . PageV01P459 # وكان ، رحمه الله، على غاية من التواضع: يجلس محتبيا زائلا عن صدر ~~مجلسه، فالجاهل به لا يعرف أنه صاحب المجلس. # وكان يركب بالشند حتى عوتب في ذلك، فاشترى سرجا دنيا كالقتب، ~~فكان يركب بين السلال إذا ذهب إلى منزله. # قال محمد بن بسطام : كنت ليلة في بيتي، وكانت ليلة شتوية ، إذ ~~ضرب علي الباب، فخرجت إليه فإذا به [محمد بن عبدوس] وعليه جبة صوف ~~وقلنسوة فرو، فقلت: «أصلحك الله، ما الذي أتى بك وأخرجك في هذا الوقت؟ » ~~فقال: «يا محمد، ما بت هذه الليلة غما مني بفقراء أمة محمد ms271 عليه السلام، ~~وهذه مائة دينار ذهبا» -وأخرج بها يده من طوقه- «غلة ضيعتي في هذه السنة، ~~أحب أن تفرقها على الفقراء والمستورين، ولا يذهب النهار غدا عنك وعندك منها ~~شيء».فأخذتها منه وانصرفت. # روى بخط ابن حكمون بيده، وكان من أصحاب ابن عبدوس، قال : # ذكر محمد بن عبدوس رجلا في مجلسه، فتكلم فيه بكلام سوء وأكثر من ذلك، ~~فقال له إسحاق أخوه: «يكفيك من القول فيه ما قلت» فقال له محمد: «والله ما ~~يكفيني، سمعت سحنون بن سعيد يقول: «إذا صح عندك فجور الرجل فلا تتورع أن ~~تقول فيه حتى يحذره الناس، لا والله ما يكفيني». # وذكر الشيخ أبو الحسن القابسي، رحمه الله تعالى، عن ابن عبدوس أنه PageV01P460 # أتاه رجل يوما في الوقت الذي اختلف فيه أصحاب سحنون في مسألة الإيمان، ~~فضرب عليه باب داره، فخرج إليه فقال له: «ما مذهبك في الإيمان؟ » فقال له: ~~«أنا مؤمن» فقال له: «عند الله؟ » فقال: «قد قلت لك إني مؤمن، فأما ~~مؤمن عند الله فلا أقطع لنفسي بذلك، لأني لا أدري بم يختم لي به»، فبصق ~~الرجل في وجه محمد بن عبدوس، فعمي الرجل من وقته وذهب بصره . ### $ 149 - ومنهم [أبو] عياش [أحمد بن] موسى بن مخلد الغافقي . # قال أبو العرب : كان شيخا صالحا ثبتا صحيح الكتب حسن التقييد. سمع من ~~سحنون ومن غيره. # وكان لا يكاد يذكر أحد في مجلسه بغيبة إلا نهى الذاكر عن ذلك. # وكان فيما بلغني ربما ركب ثورا من «باب أبي الربيع» حتى ينتهي إلى ~~منزله «بالروحاء» تواضعا منه، فإذا كلم في ذلك قال: «حسبك من الدواب ما ~~بلغك المنهل» . # وعرض عليه سحنون قضاء قصطيلية فامتنع من ذلك. PageV01P461 # قال أبو القاسم [بن] تمام : لقد رأينا من أبي عياش من الإجابات ~~والفراسات أمرا عظيما: كان ابني أحمد صغيرا مريضا، فأتيته فقلت له: «إني ~~أريد أن أسافر، فإن حدث بابني الموت فصل عليه وتوله» . فقال لي أبو ~~عياش: # «اذهب إلى سفرك فما هو بميت من هذه العلة».فأكدت عليه، فأكده علي ، ~~وأظنه حلف ms272 أنه لا يموت منها، فكان كذلك». # [قال عبد الله] حصل لأبي عياش قوله صلى الله عليه وسلم : «إن من ~~عباد الله من لو أقسم على الله لأبره». # وكان ، رحمه الله تعالى، يميل إلى الرقايق والمواعظ ويختم مجلسه بها ~~إذا فرغ من المسائل والكلام عليها. # وكان يقول في بعض مواعظه: كان سليمان عليه السلام-على ما أعطاه الله ~~تعالى من النبوة والملك-يلبس المسوح والخلق ويأكل/الشعير والفلق ~~ويقول: # «مسكين بين ظهراني مساكين»، وسلك هذا المنهاج أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ~~وأصحاب الصفة من المهاجرين والأنصار، رضي الله تعالى عنهم. # وقال محمد بن يونس : قلت لأبي عياش بن موسى: «إني صرت أتقدم ~~الناس في المسجد لأصلي بهم الفريضة وأنا كاره لذلك، لأني لست براض عن PageV01P462 # نفسي، فما ترى في ذلك؟ »، فقال لي [تقدمهم ولا تعطل المسجد فإن لك ~~ فيه أجرا ثم قال لي: ويحك لعله يصلي خلفك] من يدعو لك، فيستجاب ~~له، فيجيرك الله بدعائه. ### $ 150 - ومنهم محمد بن منيب . # من فقهاء العراقيين. وكان رجلا فاضلا وكان كريما: أتاه ابن أبي الشوارب ~~يستعينه في دينه فتحمل بجميعه . رضي الله تعالى عنه. ### $ 151 - ومنهم أبو حفص عبد الجبار بن خالد السرتي رضي الله تعالى عنه. # قال أبو العرب : كان صالحا، متعبدا، طويل الصلاة، كثير الدعاء، ~~مجتهدا. وكان من عقلاء شيوخ إفريقية. سمع من سحنون وعليه اعتماده. PageV01P463 # وقد حدث أبو عمرو هاشم بن مسرور، قال: مضيت ليلة من ليالي رمضان ~~إلى مسجد عبد الجبار لأصلي خلفه التراويح، فصليت معه صلاة العشاء الآخرة، ~~فلما فرغ من الصلاة تنفل الناس ما شاء الله أن يتنفلوا. ثم قام المؤذن ~~فقال: «الصلاة، رحمكم الله».فقام الناس ودخل عبد الجبار المحراب، فقرأ في ~~الترويحة الأولى «البقرة» و «آل عمران» و «النساء» و «المائدة»، فلما ~~قضاها انصرف أكثر الناس. ثم قام في الترويحة الثانية فقرأ «الأنعام» و ~~«الأعراف» و «الأنفال» و «براءة»، فلعهدي برءوس الناس أراها في [ظل] ~~ ضوء القناديل تتمايل يمينا وشمالا. ثم تمادى في الصلاة، فكان يمر في ~~القراءة مر الجواد، ms273 فإذا اشتبه عليه الحرف أو تعايا [فيه] تركه وقرأ ما ~~يليه، فيقرأ العشرين آية والثلاثين آية والأقل والأكثر، ثم يتفكر في ذلك ~~الحرف فيرجع إليه فيقرأه مفردا، ثم يعود إلى الموضع الذي كان [فيه] ~~فيقرأ منه. قال: فما زال كذلك حتى تراجع الناس إلى المسجد من آخر الليل ~~وعاد إلى العمارة بحسب ما كان في أول الليل، حتى ختم عبد الجبار، وأتاه ~~مؤذنه بقصعة فيها شيء يسير من ثريد، فتسحر [منه] ثم أذن المؤذن ~~وطلع الفجر، فصلى بهم الصبح. # قال عبد الله بن هاشم: فجاهدت نفسي على أن أقدر على ما قدر عليه عبد ~~الجبار من مجاوزته الموضع الذي أشكل عليه ورجوعه إليه بعد ذلك ببرهة، ثم ~~PageV01P464 رجوعه إلى الموضع الذي كان فيه، فما قدرت على ذلك إلا بعد ~~ثلاثين سنة. # قال : وخرج من داره يوم الجمعة لصلاة الجمعة ، فإذا شاب جميل له ~~هيئة حسنة ولباس جميل وقد اتبع صبية يمشي خلفها، فلما رآه عبد الجبار شق ~~عليه ذلك، فاتكأ برجله على رجله الأخرى فقطع شسع نعله، فصاح : «يا شاب، ~~يا شاب! » فالتفت الشاب إليه، فمشى إليه عبد الجبار، فوقف الشاب فقال له ~~عبد الجبار: «قد كبرت سني وضعف بصري، وقد انقطع شسع نعلي، فأصلحه لي» ~~فأصلحه له. ثم نظر عبد الجبار إلى الصبية وقد أمسكت في مشيتها ، فأخذ ~~النعل من الشاب وأدخله في رجله، وتمادى الشاب في أثر الصبية، فاتكأ عبد ~~الجبار على نعله ثانية فقطعه، ثم صاح: «يا شاب، يا شاب! » وكانت لعبد ~~الجبار هيبة عظيمة، فعاد إليه الشاب فقال له: «أصلح النعل يا مبارك، ما ~~أصلحته إصلاحا جيدا، أظنك أصلحته وأنت مستعجل» فأخذه الشاب وأصلحه، فعطف ~~عليه عبد الجبار وقال: «يا شاب، أنا قطعت النعل في المرة [الأولى] ~~والثانية، وإنما فعلت ذلك إشفاقا عليك ورحمة لك، وخفت والله يا بني على هذا ~~الشباب الصبيح من لفح النار».وبكى عبد الجبار وبكى الشاب. ثم قال له: «جزاك ~~الله خيرا، فو الله لا عدت إلى ما كان مني أبدا»، ثم ms274 صحب عبد الجبار إلى ~~الجامع وتاب وحسنت توبته وإنابته. وكان من فضلاء أهل وقته، ونفعه الله عز ~~وجل بنية عبد الجبار وبتلطفه وترفقه. # حدث الشيخ أبو الحسن القابسي، رحمه الله تعالى، قال : راح عبد الجبار ~~PageV01P465 بن خالد إلى صلاة الجمعة [يوم] طين على بغل راوية ، ~~لم يجد ما يركب عليه غير ذلك، فلما فرغ من صلاة الجمعة لم يجد دابة يرجع ~~عليها إلى داره. وكانت داره بعيدا من الجامع، فأتاه رجل من جند ابن الأغلب ~~بفرس مسرج فسأله في ركوبه فركب، فلما استوى على الفرس نظر إليه أصحابه، ~~فقال لهم: ما لكم تنظرون إلي؟ أما ورع انتقص أو علم [زاد] . [وإنما] ~~ فعله-رضي الله تعالى عنه-لوجه الضرورة لمنعه من المشي، وأخذ [في] ~~ذلك بالعلم، ولا يحمل عليه إلا أنه تصدق بقدر انتفاعه بركوب الفرس. # وذكر أن أولاد إبراهيم بن أحمد الأمير طهرهم، فمضى أهل العلم من ~~شيوخ القيروان لتهنئته. وكان فيمن مضى إليه عبد الجبار بن خالد، فلما أتى ~~إلى الأمير أكبره وعظمه وسر برؤيته، وأخرج إليه أولاده فدعا لهم وبارك ~~عليهم. ثم قال: # «أيها الأمير، هل علمت مقدار هذه النعمة التي أنعم الله تعالى عليك بها؟ ~~فإنه أعطاك مثل هؤلاء البنين، وعلمتهم كتاب الله عز وجل، وأحييت فيهم ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بلغني [أنك بالغت] فيما ~~عملت [من الأطعمة] ودعوت إلى ذلك الأغنياء» فقال له: «أجل، لموضع ~~المسرة [لا منا] بذلك» فقال له عبد الجبار: «فلو استكملت هذه المسرة ~~بأن تذكر الفقراء فيها! » فقال له/: «صدقت وبررت»، ثم دعا بكيس فيه خمسمائة ~~دينار ودفعه لعبد الجبار وسأله أن يفرقه على الفقراء والمساكين، فأجابه عبد ~~الجبار إلى ذلك، فسر الأمير PageV01P466 بذلك وخرج معه إلى باب القصر وقال: ~~«[احملوا] الشيخ على دابة» وقال: # «والله لا برحت حتى تركب! » فركب عبد الجبار والأمير قائم. فلما ركب ~~واستوى على دابته وأصلح الغلمان ثيابه وانصرف، التفت الأمير إلى كاتبه رجاء ~~بن محمد وقال له: «يا رجاء، رأيت ما أعقله، وما أظرفه! ms275 أتعرف في رعيتي ~~مثله؟ إنه قضى ذمامنا وتعافى من طعامنا وأخرج مالنا فيما يرضينا».فتصدق عبد ~~الجبار بجميع الدنانير على الفقراء والمساكين ولم يبق منها شيئا. رضي الله ~~تعالى عنه . # ومن مناقب عبد الجبار ، قال حمديس [القطان] : ما رأيت أورع من ~~عبد الجبار. # وكان سحنون إذا اجتمع إليه الناس للسماع منه يقول: «انظروا هل عبد ~~الجبار حضر»، فإن جاء قرأ لهم وإلا أخر ذلك حتى يأتي، فإذا جاء أمر القارئ ~~فيقرأ. وقال أبو العرب: وبلغني أنه قيل لعبد الجبار: «أكان سحنون لا يسمع ~~الناس حتى تحضر أنت؟ » فقال: «لا أدري، غير أني كنت إذا حضرت أمر القارئ أن ~~يقرأ، فقرأ للناس». # وكان ممن ينطق بالحكمة: فمن ذلك ما ذكره أبو الفضل بن الصائغ عنه أنه ~~PageV01P467 كان يقول : «من كان همه في الله قل في الدنيا والآخرة غمه ~~». # وكان يقول : # «ما أبعدنا منه على قربه إذا لم يردنا، ومتى أرادنا وجدنا وإن لم نرده، ~~ومتى ما أردناه لم نجده إلا أن يريدنا ». # وكان يقول: # «من أقعده العلم عن الجهل قام به العلم عند الله». # وكان يقول: # «ما أكثر السلامة عند من حصن عن العثرات بالندامة». # وقال: # «ما أكثر الآفات عند من جهل حكم السلامات». # وكان يقول: # «إن سرور العبد بنعم الله تعالى يشغله عن الله عز وجل، وإن كان ~~السرور بنعم الله من فضل الله تبارك وتعالى». # وكان يقول: # «الفرار من الأخيار والأشرار يزيد في القلوب من العلم بالله أنوارا ~~». # وقال: # «من اشتغل بالأشغال المضرة بالعقول عن الإقبال [ %~%%~% ] ، فما ~~أخوفني ألا PageV01P468 نؤمل إلا ليقال من سوء حال إلى أحسن حال». # وقال: # «ما أكثر في الدنيا الغنائم، و [ما] أكثر من هو عنها غافل نائم». # وقال : # «من أصبح وأمسى وهمه بغير الله مجتمع، لم يبال الله عز وجل في أي واد من ~~أودية الدنيا وقع». # وقال : # «لو أهمك شأنك لكل لسانك وتهيجت أحزانك، ولولا الفضول لصفت العقول، ~~ولكان المجهول عندها معقولا . ولكن بكثرة الفضول تكدرت العقول، ~~وكان المعقول عندها مجهولا . ومن كان بالليل ms276 [نائما] ، وبالنهار ~~هائما متى ينال الغنائم؟ ». # وقال : # «من سكت سلم، ومن تكلم بذكر الله غنم، ومن خاض أثم». # وقال : PageV01P469 # «من زم لسانه كثر في الدنيا وفي الآخرة أمانه». # وكان يقول : # «من وبخك فقد نفعك، ومن نفعك فقد رفعك ». # وقال : # «كل كلمة لم يتقدمها نظر فالكلام فيها خطر، وإن كانت من أسباب الظفر». # وقيل إنه، رضي الله تعالى عنه، ختم في مسجده ثلاثين ألف ختمة، وجد ~~ذلك مكتوبا في قبلة مسجده. ### $ 152 - ومنهم أحمد بن معتب بن أبي الأزهر بن عبد الوارث بن حسن # الأزدي . # كان نبيلا معدودا من أصحاب سحنون. وكانت له رحلة إلى المشرق وسمع سماعات ~~كثيرة. # وكان [سبب موته] -على ما ذكر ابن اللباد الفقيه-من خوف الله عز ~~PageV01P470 وجل: وذلك أنه حضر مجلس الذكر «بمحلة المرضى» وكان له بكاء ~~ونوح، وكان القراء إذا علموا أنه جاء تحركوا له وأقروا واعترفوا له ~~بالحزن. # فلما كان يوم السبت حضر جماعة [من القراء]-وذكر غير ابن اللباد: أنه مر ~~ في ذلك اليوم قبل دخوله المسجد بموضع فسمع قائلا يقول : # العفو أولى بمن كانت له القدر %~% لا سيما عن مقر ليس ينتصر # أقر بالذنب إجلالا لسيده %~% فقام بين يديه وهو يعتذر # فبكى وخشع ودعا للقائل وللذين حضروا، فانتفعوا بدعائه. ثم تمادى أحمد بن ~~معتب -فدخل المسجد فسمع بعض القوالين يقول : # دع الدنيا لمن جهل الصوابا %~% فقد خسر المحب لها وخابا # وما الدنيا، وإن راقتك، إلا %~% كبلقعة رأيت بها سرابا # قال ابن اللباد: فلما انتهى منها إلى قوله: # يظل نهاره يبكي بشجو %~% ويطوى الليل بالأحزان دابا # [تحرك وبكى] . # قال: ثم قرأ القارئ آيات من القرآن، فخر صعقا، فاحتمل إلى داره فلم PageV01P471 # يزل منازعا إلى مغيب الشمس، فتوفي بعد العشاء الآخرة ، رحمه الله ~~تعالى. # قيل: فلما انصرفوا به من مجلس الذكر مروا به على الصديني العراقي ~~فقال: # «هذا الرياء! » فلما مات قال الصديني: «هذا والله الإخلاص في الصدق! » ~~فكان يصاح خلف نعشه: «هذا شهيد القرآن». # ويروى أن سحنون قال له يوما: «إني أحب أن أسر ms277 إليك سرا، فإياك أن ~~تفشيه» قال: فقلت له: «يا أبا سعيد، أو منزلتي عندك منزلة من تخاف منه؟ فلا ~~تفشي لي سرك! » فقال لي: «ليس الأمر كما تظن، ولكن لكل إنسان صديق يكون ~~موضع ثقته وراحته، ولذلك الصديق [صديق] ، ومن مثل هذا تخرج الأسرار». ### $ 153 - ومنهم أبو جعفر أحمد بن وازن الصواف . # كان يسمى جوهرة أصحاب سحنون، وسمع منه. # وكان إذا قام بين يدي الله، عز وجل، لم يتعلق قلبه بشيء سوى ما هو ~~فيه. # ووجد بخط الفقيه أبي محمد بن أبي زيد، رحمه الله تعالى، قال: حدثني ~~تميم بن خيران قال: «كان لأحمد الصواف، صاحب سحنون، ولد له شبيبة ، ~~وكان PageV01P472 # يخالط أصحابا له على سماع اللهو والغناء. وكان إذا اجتمع عنده أصحابه ~~تقول له والدته: «يا بني، لا تتحركوا حتى يأخذ/والدك في الصلاة»؛ فإذا أخذ ~~في الصلاة أخذوا في عزفهم ولهوهم، فلا يشعر بهم ولا يسمع شيئا مما يجرى ~~لهم. فكانت والدته إذا أحست أنه ينصرف من الصلاة، ضربت الحائط عليهم ~~ليسكتوا. ### $ 154 - ومنهم أبو عبد الله أحمد بن يزيد القرشي ويعرف بالمعلم ، رضي الله # تعالى عنه. # قال أبو العرب : كان ثقة فاضلا ورعا فقيها نزها عالما بحديثه، وكان ~~يعرف براوية الصمادحي، سمع منه ومن سحنون. وكان في أول عمره يعلم ~~القرآن. # ذكر أن محمد بن سحنون وأحمد بن لبدة ورجالا من المدنيين تذاكروا أحمد ~~بن يزيد وصيامه وقيامه فقال لهم محمد: «دعونا من ابن يزيد لا تقرنوه بغيره، ~~فإن أحمد جمل الليل»، فيقال إنه ختم القرآن على قدميه ستة آلاف ختمة، ~~وختمه في غير الصلاة أمثال ذلك. # وحدث هاشم بن مسرور، قال: دخلت وأنا صغير على أحمد بن يزيد- وكنت كثير ~~التردد إليه-فرأيت في جدار بيته القبلي حزازا -وهي الخطوط -فقلت له: ~~«أصلحك الله، ما هذه الخطوط التي في الحائط؟ » فقال: «وما سؤالك يا هاشم عن ~~هذا؟ » فقلت له: «أصلحك الله، إن سألني عنها أحد فقال لي: ما PageV01P473 # هذه الخطوط التي في حائط معلمك؟ ما الذي أقول له؟ » فقال ms278 لي: «ولهذا ~~تسأل؟ » فقلت: «نعم» فقال: «هذه تسعة عشر ألف ختمة ختمتها لله عزل وجل ~~على قدمي. وإنما أخبرتك بهذا لتعمل». # قال : ثم عمر حتى كان لا يقوى على القيام، فكان يصلي جالسا. ### $ 155 - ومنهم أبو العباس عبد الله بن أحمد بن طالب . # له أوصاف جليلة: # ذكر ابن أبي عقبة، قال : خرج ابن طالب إلى القصر فلقي غلاما ~~راعيا، فسقط السوط من يد [ابن] طالب فجرى الغلام فناوله إياه، فقال له: ~~«من مولاك؟ » فأخبره، فلما وصل قال: «ايتوني بفلان»، فجاءه، فقال له: «أحب ~~أن تبيعني غلامك فلانا » فقال له: «أصلحك الله، ما نستغني عنه» فقال له: ~~«لا بد من ذلك» فقال له: «هو لك بلا ثمن» فقال له: «لا، إنما تأخذ ثمنه ~~وثمن الغنم التي معه»، فأجابه إلى ذلك. فدفع إليه ثمن العبد وثمن ~~الغنم، ثم بعث وراءه فقال له: «اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى، والغنم لك». # وذكر عنه أنه كان كريم الطبع كثير السماحة: # قيل إن ابن الحسيني زوج ابنته فشكا إلى ابن طالب الشوار -وهو ~~يريد PageV01P474 جهازها-وكانت له ابنة تخرج إليه من عيد إلى عيد، فقال ~~لأمها: «إني أحب أن تريني ابنتي وتلبسيها ثيابها وحليها، ولا تدعي منه ~~شيئا» ففعلت الأم ذلك، فلما رآها رحب بها وقال لها ولأمها: «إن ابن الحسيني ~~زوج ابنته وشكا إلي تعذر الأشياء عليه، وأنا أحب أن تنزعي هذا الحلي ~~وتخلعي هذه الثياب وتأتي بها إلي ندفعها لابن الحسيني وأنا أعوض لكما أكثر ~~مما أخذ» فدفعت إليه الحلي والحلل، فأعطاه جميع ذلك. # وذكر عنه أنه كان يمشي ذات يوم فإذا بجمال عليها حمولة قمح، فقال له ~~رجل من أصحابه كان يسايره: «أصلحك الله، إن الذي تنزل هذه على بابه في أمن ~~من هذه المجاعة » ثم فارقه الرجل، فسار ابن طالب إلى داره، فنزلت ~~الحمولة على باب داره، أتاه بها وكيله. فقال لهم ابن طالب : «اذهبوا ~~بهذه الأحمال كلها كما هي إلى دار فلان» -يعني الرجل الذي كان يسايره-وقال ~~لهم: «قولوا [له] : قد ms279 أمنت مما كنت تحذر». # وقال ابن أبي عقبة : كان رجل كفيف فقير يمشي مع زوجته في «السوق ~~الكبير» بالقيروان، فإذا بصقلبي قد أتى إلى بعض الطباخين فقال له الصقلبي: ~~«يقول لك مولاي: تأخذ لنا خروفا من حاله وصفته [كذا وكذا] وتعمله ~~في التنور، وتأخذ له من الخبز والزيتون وبقل المائدة ما يصلح، ويكون ذلك ~~مهيأ حتى إذا رجعت مع مولاي القاضي من صلاة الجمعة أتيت إليه فأخذته». PageV01P475 # وانصرف الغلام، والكفيف وزوجته يسمعان ما قال. فقالت له زوجته: ~~«والله ما اشتهيت إلا أن آكل من هذا الشواء»، وكانت حاملا. فقال لها: «أنت ~~طالق إن تغديت إلا منه» فلما سمعت ذلك منه قالت: «لا تمش معي ولا تصحبني، ~~لأنك حلفت بالطلاق».قال: فلما رجع القاضي سبقاه إلى الدار وجلسا حتى ~~أتى القاضي فدخل، وكان في سقيفة داره بيت يجلس فيه للنظر بين الناس ويتغدى ~~فيه إذا حضر غداؤه. # قال: فلما جلس القاضي وجلس معه إخوانه قال الكفيف لزوجته: «[إذا رأيت] ~~ هذا الخروف قد جاء على رأس الغلام فتسمعي لوقوع الماء في الطست» ~~فقالت له: «ما الذي يوصلك إليه؟ » فقال لها: «اسكتي عني»، فلما ~~سمعت وقوع الماء في الطست أخبرته، فقال الكفيف: «يا قاضي، قال الله تبارك ~~وتعالى: # (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) ، وقال تبارك وتعالى: (إنما ~~نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، إنا نخاف من ربنا يوما ~~عبوسا قمطريرا، فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا) » قال: ~~فصاح القاضي للصقلبي وقال له: «صح بالغلام واجعل على رأسه هذا الخوان كما ~~هو بما فيه وامض معه حتى توصله إلى دار هذا المتكلم، وفرغه ورد الخوان»، ~~ففعل الغلام ذلك. وكان إبراهيم بن أحمد الأمير قد فوض [إليه] ~~النظر في الولاة والجباة والحدود والقصاص والعزل والولاية، فقطع المنكر ~~والملاهي من القيروان. # وجعل على أكتاف اليهود والنصارى رقاعا بيضاء، في كل رقعة [صورة] ~~«قرد» PageV01P476 و «خنزير»، وعلى أبواب دورهم ألواحا مسمرة في ~~الأبواب مصورا فيها قردة . # وضيق على أهل القيروان في ms280 ملاهيهم وملاعبهم. # وكان إذا أشكل عليه أمر وقف عن تنفيذه، ويقول: «لئن يسألني الله عز ~~وجل: لم وقفت؟ أيسر علي من أن يسألني: لم جسرت؟ ». # وكان يقول في آخر مجلسه الذي يقضي فيه بين الناس: «اللهم ما كان في هذا ~~المجلس من زيغ أو زلل أو إقبال على خصم دون الآخر أو استيفاء حجة [من] ~~خصم [دون] صاحبه، فأسألك أن تغفره لي، وأن تراجع بي [إلى] الحق». # وكان يكتب على أحكامه: «حكمت لك بقول ابن القاسم»، «حكمت لك بقول ~~أشهب» ، ثم يقول له: «في البلد فقهاء وعلماء، اذهب إليهم، فما أنكروه ~~عليك فارجع إلي». # وفي حكاية أخرى، أنه كان إذا فرغ وقام من مجلس حكمه وقف وحول وجهه ~~إلى القبلة، ثم بسط كفيه وسالت الدموع على خديه ولحيته ويقول: «اللهم إن ~~كانت زلة أو هفوة، أو أصغيت بأذني إلى خصم دون خصم ، فأسألك أن تغفر لي ~~ولا تؤاخذني ولا تنتقم مني، إنك على كل شيء قدير».ثم يصلي على محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ثم ينصرف. هكذا كان عمله في كل مجلس يجلس فيه للقضاء. # وقال إبراهيم بن الكوفي: دخلت مع الأمير إلى جنان فيه ثمر قد ~~طاب، فأخذ بعض الثمر يناولنيه، فقبلته ثم أكلت ولم أقل له شيئا. فقال ~~لي: «دخلت PageV01P477 هذا الجنان مع ابن طالب في مثل هذا الحين، ~~فناولته من بعض ثمره، فقال لي: «أيها الأمير، يجب لله عليك شكران أن بلغك ~~غرسه ، ثم أكلت ثمرته» فقلت له: «وما هذا الشكر؟ » قال: «أن تصلي ~~ركعتين» قال: «فأمرت بحصيرين، فبسط لي واحد وله آخر ، فصلينا ركعتين»، ~~ثم قال لي: «وبقي آخر» فقلت: «وما هو؟ » قال: # «تبعث بصدقة إلى أهل «الدمنة» فإنهم أهل زمانة وضعف»، قال: «ففعلت»، قال: ~~وبقي [آخر] قلت: «وما هو؟ » قال: «تعزل من عمالك من كان جائرا وتجعل ~~[مكانه] من يعدل في الرعية» قال: «فأمرت بذلك».قال الأمير إبراهيم: # «فدخلت مع غيره، فلما ناولته من ثمره قال: «الأمير يحب قاضيه والرعية ~~تمتهنه» فجعلني ضربت وقتلت. # [قال عبد الله] ms281 فكم بين الرجلين! ». # وله فصل من رسالة كتب بها إلى محمد بن قمود قاضي طرابلس : « ~~%~%. فلا تبق غاية من الخير إلا بلغتها واتقيت الله فيما استرعيت بحسن ~~الكفاية والاجتهاد. وما بلغني إلا الجميل، فقد ربيتك وعلمتك وعرفتك العلم، ~~فلو لم تحفظ إلا إياي [ %~%%~% ] فكيف وقد عرفت ما عند الله عز وجل ~~لمن سأل عنه؟ ألا تراه، عز PageV01P478 # وجهه الكريم، يقول لنبيه داود عليه السلام: (يا داود إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله. إن الذين ~~يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) وأكثر ذكر ~~الموت وشدة هوله، وظلمة القبر ووحشته، وتضرع إلى الله تعالى في خلواتك. ولا ~~تنسك الجماعة حظك من القرآن وتدبره والوقوف عند عجائبه. وبالله توفيقك، ~~والسلام عليك ورحمة الله وبركاته» . ### $ 156 - ومنهم أبو الفضل أحمد بن علي [بن حميد التميمي] ، رضي الله تعالى # عنه. # سمع من سحنون، وكان واسع الرواية. # وذكر أحمد بن [أبي] سليمان أن كتبه بيعت بعد وفاته بألف دينار ومائتي ~~دينار، وكانت له دنيا عريضة لكنه كان زاهدا فيها مؤثرا بها تاركا للشبهات ~~. # لقد حدثت عن سعيد صاحب سحنون أنه قال : «ترك أبو الفضل هذا من ~~ميراث أبيه أكثر من ألف دينار لم يرثها، فقيل له في ذلك: «ما منعك منها؟ » ~~قال: # «كان ذلك من تجارة العاج، فكرهت أن أتلبس بشيء جاء فيه عن أهل العلم ~~كراهية» فترك ذلك تورعا وزهدا. PageV01P479 ### $ 157 - ومنهم أبو الحسن بن دارس المتعبد. # كان رجلا فاضلا مجتهدا ورعا متقللا من الدنيا. # حدث عبد الله بن نصر، قال: دخلت أنا وأبو الحسين بن غسان إلى أبي الحسن ~~بن دارس، وكان في دار فيها بيت مهدوم ليس فيه غير ثلاث حوائز وهو تحتها ~~ساكن، فقلنا له: «شيخنا وسيدنا، جئناك في حاجة تقضيها لنا» فقال: # «حوائجكم مقضية، فما حاجتكم؟ » فقلنا: «هذا البيت نبنيه ونعمل له أبوابا ~~ونصلحه ونشتري لك سريرا وفراشا وملحفة ومشملة وخادما يخدمك. وقد علمت ~~أن أموالنا ms282 حلال» فقال: «ما منكم أحد إلا أعرفه وقد حج، أكنتم إذا حججتم ~~ومضيتم إلى بيت الله، عز وجل، وقبر النبي، صلى الله عليه وسلم، هل تبنون في ~~كل مرحلة بيتا وتجعلون فيه سترا وفراشا وكانونا بالفحم ؟ » فقلنا ~~له: «لا» فقال لنا: «فهكذا الدنيا، إنما تقطع مراحل، وقد دنا نزولنا في ~~المرحلة. وإنما يبتني الإنسان لآخرته. # أيبني الإنسان ما لا يسكنه؟ لا ضيع الله أجركم. أعطوها لضعيف يحتاج ~~إليها» فخرجنا من عنده، وإذا بعجوز في الدار تخدمه، فقلنا لها: «هذه ~~مثاقيل، خذيها» فقالت: «وأيش أعمل بها؟ إنما أخدمه لله تعالى: أبيع له هذه ~~المراوح التي يعملها من الخوص، يأخذ منها قوته ويتصدق بالباقي». # قال: فأقمنا سنيات يسيرة، فاعتل وجئنا إليه، فأصبنا عنده يحيى بن عمر ~~وحمديس القطان وجبلة وأكابر أصحاب سحنون هؤلاء قعودا عند رأسه وهو مسجى ~~إلى القبلة ودموعه تنصب. فقال له يحيى بن عمر: «أصلحك الله، ما الذي أبكاك؟ ~~» فقال: «والله ما بكيت خوفا من الموت، لأنه كأس لا بد منه، ولا بد من PageV01P480 قدومي على الله عز وجل، لأني أقدم على كريم رحيم، ولا بكيت ~~إلا على تمتعكم بعدي بتلاوة القرآن وقيام الليل وصيام النهار والتهجد ~~والتبتل، وانقطاع عملي» ثم قال لهم: «إن لي إليكم حاجة: هذه الجبة الصوف ~~والكساء ختمت فيهما القرآن ثمانية آلاف ختمة ليلا ونهارا، كفنوني ~~فيهما؛ وهذه الحصير كنت أسجد عليها في سواد الليل، اجعلوها معي في لحدي؛ ~~وقليل من الشعير تصدقوا به؛ وهذه السطيحة حبسوها. والله ما خلفت شيئا ~~يسألني الله عز وجل عنه غير هذا. ثم [أسأل الله] الاجتماع معكم على ~~الحوض مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله».ثم قضى، رحمة الله تعالى عليه. # وكان كثيرا ما يدعو بهذا الدعاء: # «اللهم بك أصبحنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا. اللهم أصبحنا وأصبح الأمر ~~[و] الليل والنهار وما سكن فيهما لله وحده، لا شريك [له] . اللهم اجعل ~~أول هذا اليوم صلاحا، ms283 وأوسطه فلاحا وآخره نجاحا. بسم الله على نفسي وديني ~~وأهلي وولدي ومالي. الله، الله، الله، ربي لا أشرك به شيئا. اللهم لا ~~تؤدبنا بعقوبتك، ولا تمكر بنا في حكمك، ولا تؤاخذنا في تقصيرنا عن رضاك ~~لعظيم خطايانا. فاغفر لنا، ويسر أعمالنا، وتقبل منا. وكيف النجاة يا إلهي ~~ولا توجد إلا من قبلك؟ اللهم إننا نستودعك أنفسنا ولحومنا ودماءنا وأدياننا ~~وأهلنا وأولادنا وجميع ما أنعمت به علينا في الدنيا والآخرة. اللهم اكنفنا ~~بكنفك الذي لا يرام، واحرسنا بعينك التي لا تنام، وأعزنا بسلطانك الذي لا ~~يضام، وارحمنا بقدرتك علينا يا ذا الجلال والإكرام فإنك خير حافظ وأنت ~~أرحم الراحمين، واجعلنا في عبادك [الذين تحميهم] من السلطان الجائر، ~~ومن الشيطان الرجيم وأشياعه وأتباعه وخيله ورجله وأعوانه وإخوانه وجلاوزته ~~ ورسله وقهارمته وخدمه. عليك توكلنا وإليك أنبنا. ما شاء الله لا قوة ~~إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم». PageV01P481 ### | [السنين] ### || [وكانت سنة أربع وثمانين ومائتين # وفيها توفي] # : ### $ 158 - أبو الأحوص المتعبد بسوسة: أحمد بن عبد الله. # توفي يوم الجمعة، قبل الضحى ، وصلى عليه الناس يوم السبت قبل الضحى ~~(1). # قال أبو العرب : كان أصله من المغرب، سكن سوسة وأوطنها، وكان ثقة ~~متعبدا كثير العمل [والاجتهاد] . # كان يصلي من الضحى إلى العصر، ثم يجلس فيسمع الناس. [سمع] من سحنون ~~وغيره. وكان قد كف بصره. # وكانت بداية أبي الأحوص ولزو [مه] مدينة «سوسة» أنه أتى إليها ~~مرابطا، فأقام بها مدة حتى نفدت نفقته، وأراد الرجوع إلى بلده المغرب، فأتى ~~إلى جامعها ليركع فيه وينصرف، فبينما هو راكع إذ رأى عصفورا دخل الجامع وفي ~~فمه شيء يطعمه فراخه، فسقط من فم العصفور ما كان فيه، فخرج من خلف ~~الحصير فأر فأكل ما سقط من فم العصفور، فخاطب نفسه بأن قال لها : «فأر ~~خلف الحصير PageV01P482 قيض الله تعالى له من رزقه كما قد رأيت ولم يضيعه، ~~فكيف أضيع أنا؟ لله علي أن لا أدع مدينة الرباط إلى غيرها أبدا».فأقام ~~بمدينة «سوسة» واشتهر بها حتى مات، رحمه ms284 الله تعالى. # وكان إبراهيم الأمير يزوره، فإن وجده يطحن قوته بيده جلس على ~~التراب، وإن وجده فارغا جلس على جلد المطحنة، لأنه لم يكن في بيته حصير ولا ~~غيرها، وكان إذا عرضت للمسلمين حاجة، لله فيها رضى، كتب إليه فيها بالفحمة ~~في شقفة . # قال عبد الوهاب الزاهد : قمت إلى برج وهو على شاطئ البحر، فإذا ~~أبو الأحوص بين شرافتين في سواد الليل ودوي البحر وهو يقول: # أبوا أن يرقدوا الليل %~% فهم لله قوام # أبوا أن يفطروا الدهر %~% فهم لله صوام # أبوا أن يخدموا الدنيا %~% فهم لله خدام # ثم يقول: «لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد» ثم اندفع في النياحة، ~~ثم سمع حسي فقال لي: «من أنت؟ » فقلت: «أنا عبد الوهاب» فقال: «يا بني يا ~~أبا القاسم، إنما تقطع الدنيا بالهموم والأحزان والعلل والأمراض والأنكاد ~~، وإنما PageV01P483 نفرح غدا بالنظر إلى وجه الله عز وجل إذا ~~صرنا إلى دار السلام». # وقال بعض المتعبدين : كنت بمدينة «سوسة» مرابطا، فبلغني أن سعيد ~~الضرير قدم، فتوجهت إليه مع أبي الأحوص لنسلم عليه، فأصبنا عنده ناسا ~~ من الأضراء، وذلك بعد صلاة العصر، فدعوا وختم سعيد الصبيري الضرير ~~ المجلس بالدعاء، ثم افترقنا عند جواز المغرب إلى الجامع-وكان ~~ [وقت] قحط وصيف وحاجة الناس إلى الماء، وقد فرغت مواجلهم- ~~فوقف أبو الأحوص في الطريق، فوقف الناس لوقوفه، فقال: «اللهم إن كنت استجبت ~~لنا في مجلسنا فعرفنا بركة ذلك بأن تسقط الغيث»، فما دخلنا المسجد إلا ونحن ~~نخوض الماء من المطر الذي أصابنا. # وقال رجل صالح : رأيت في منامي كأني واقف علي باب الجنة، وأبو الأحوص ~~يريد أن يدخل الجنة، ورجل أعرفه من أهل «سوسة» يمنعه الدخول ويقول له: ~~«لا أدعك تدخل حتى تدفع لي حقي»، فقال: «هذا قصر أعطيكه في الجنة»، ~~فقال له: «لا» قال: «فأعطيك قصرين»، [قال: لا] ، قال: فقلت له: «يا ~~هذا، يعطيك قصرين في الجنة فتأبى، وإنما لك عليه درهمان ؟ » فنفضني ~~PageV01P484 نفضة ثم قال: «إن الله عز وجل لا يكذب ولا يكذب، لا بد من ms285 ~~القصاص يوم القيامة» فانتبهت [لنفضته] وأنا أعرف الرجل بوجهه، فغدوت ~~إلى الجامع فجلست بين الأبواب لصلاة الصبح، حتى دخل الرجل فأشرت إليه أن ~~يأتيني فأتاني وقعد إلى جانبي، وأقيمت الصلاة فصلينا، فلما انقضت الصلاة ~~قلت له: «يا أبا فلان، إن أبا الأحوص أوصاني أن أدفع إليك شيئا، وقد ~~أنسيته، فما لك عليه؟ » فقال: # «درهمان» فدفعت إليه الدرهمين وأعلمته بالرؤيا. # وذكر بعض الشيوخ أن إبراهيم بن أحمد جار على الناس وتعسفهم، فكتب إليه ~~رقعة أغلظ له فيها . # وقيل إنه كتب إليه رقعة فيها: (إذا السماء انفطرت) فلما وصلت إلى ~~إبراهيم بلغت منه مبلغا عظيما، فأتاه في الليل فاستأذن عليه، فلم يسمع من ~~حس المطحنة، لأن زوجته كانت تطحن، فلما سمعوا/فتحوا له الباب، فدخل إليه ~~فقال، بعد السلام والسؤال عن الحال: «أتتني رقعة ذكر أنها من عندك» فقال: # «أنا مكفوف البصر كما ترى، ولكن تقرأ الرقعة علي، فإن كنت أمليتها ~~أخبرتك» فقرئت [عليه] ، فقال: «نعم؛ أنا أمليتها»، فوعظه فاتعظ.ثم قال ~~له: «أحب أن ترفع إلي كلما ثبت عندك من مثل هذا فأغيره». # وسأله إبراهيم الأمير أيضا في بعض زوراته له أن يكلفه حاجة يقضيها ~~له، فقال له: «هذا البلد قد عمر، وهو ثغر، وأهل إفريقية إليه مقصدهم ~~وهو مرابطهم، والقرويون في ليلة كل جمعة يرابطون إليه والجامع يضيق ~~بهم، PageV01P485 وأحب أن تزيدهم فيه. وهذه الدواميس والدواليب التي ~~وسط المدينة تجري إليها ساقية من خارج المدينة، وتوصل إليها ماء ~~السماء فينتفع بذلك الناس والأرامل والأيتام، ويجد فيه راحتهم أهل الموسم ~~من الغرباء والمرابطين والمنقطعين إلى رب العالمين لحله وقدم أجله! .وتخرج ~~الذين حبستهم في الدواميس من أهل تونس» فأجابه إلى جميع ذلك، وأخرج ~~المحبوسين، وكان ذنبهم عنده عظيما. وزاد في الجامع الثلاثة سقوف ~~العالية التي تلي القبلة. # ويقال: إنه سأله أيضا أن يبني للمسلمين مصلى يصلون فيه يوم العيد ففعل ~~ذلك. # وذكر عن بعض أمراء بني الأغلب أنه أتى إلى سوسة، فتأخر عنه بعض من ~~يخدمه، فقيل له بعد ذلك: «لم تأخرت؟ » قال: ms286 «كان معي شيء من المسكر، فتأخرت ~~فأهرقته، لأني ما جسرت [أن] أدخل هذه المدينة به». # وقال عمرون : «وسوسة طرسوس [المغرب] ». # وذكر أيضا أن إبراهيم بن أحمد أظهر يوما في قصره عزفا ولهوا، فدخل رجل من ~~المتعبدين إلى المسجد الجامع من بابه الغربي فقال لأصحابه: «قوموا بنا إلى ~~هذا الرجل، فقد أحدث علينا أمورا لا نعرفها، ولا نصبر له عليها، فإما أن ~~يزيل عنا هذا الأمر وإلا فنحن نخرج وأرض الله واسعة. ونحن إنما سكناها لله ~~الواحد القهار». PageV01P486 # فخرج من باب الجامع الشرقي فصحبه نحو سبعين رجلا من المتعبدين، فتوجهوا ~~إلى قصر إبراهيم، فملئوا الفضاء الذي بين يدي القصر مع من تبعهم، فوجدوا ~~الأمر الذي يكرهونه قائما من اللهو والعزف، فقيل لهم: «ما تريدون؟ » قالوا: ~~«نريد الأمير لنجتمع به» فقيل لهم: «الأمير في شغل، لن تصلوا إليه في ~~يومكم» فقالوا له: # «عرفوه أنا لا نبرح من هنا حتى نجتمع به» فدخل الحاجب إلى الأمير فقال: ~~«شيوخ سوسة كلهم بالباب، وأرادوا الاجتماع بك» فقال له: «أو يمكنني ~~الاجتماع بهم وأنا على هذه [الحال] ؟ ألا اعتذرت لهم عني؟ » فقال: ~~«اعتذرت فلم يقبلوا عذري وقالوا: لا نبرح حتى نرى الأمير» فقال له: «اخرج ~~إليهم فانظر ماذا طلبوه نفذه لهم» فخرج الحاجب إليهم فقال: «إن الأمير أمر ~~بتنفيذ ما تحبون، لأنه على حال لا يمكن الاجتماع بكم» فقالوا: «نحن إنما ~~جئنا إلى هذه المدينة وسكناها لله الواحد القهار، وقد أحدثت علينا هذه ~~الأمور من اللهو والعزف، فإما أن يقطع عنا هذا الأمر وإلا فنحن نخرج عنه ~~وأرض الله واسعة».فعاد الحاجب إلى الأمير فأخبره، فقال للحاجب: «ارجع إليهم ~~فقل لهم: لن تروا ما أنكرتموه بعد هذا»، فانصرفوا. # وخرج هو إلى «قبة الرمل» فكان يخلو فيها بما يحب، فإذا قضى وطره رجع ليلا ~~إلى قصره. # وكانت مدينة «سوسة» في ذلك الوقت ليس بها شيء من المنكر: لا خمر ولا لهو ~~ولا عزف، وإنما كان أهلها مشتغلين بالحرب والحرز على المسلمين ~~والمسلمات وقيام الليل وصيام النهار. PageV01P487 ### || [وفي سنة ms287 تسع وثمانين ومائتين # توفي] # ### $ 159 - أبو جعفر حمديس [القطان] واسمه أحمد بن محمد الأشعري. # كان من أصحاب سحنون مشهورا بالفضل. وفضله أكبر من أن يحمله هذا ~~الكتاب. # [روي عنه أنه] قال: «لا تسلموا على أهل الأهواء» . # وقال ابن حكمون : مشيت مع حمديس يوما فسقط إلى الأرض، فرفعته، فقلت ~~له: «لو أخذت على القنطرة التي عند المسجد التي «بالسواري» عند الفحامين؟ » ~~فسكت عني، ثم قال: «تلك بناها داود بن حمزة من خدم السلطان». # وذكر حمديس هذا أن سحنون ترك شهوده الجمعة وراء معد بن عقال إذ كان يصلي ~~بمسجد القيروان، قال حمديس: «وكان يقول بخلق القرآن». # وقال حمديس: «كان أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، يقول : # أطيعوني ما أطعت الله تعالى فيكم، فإذا عصيته فلا تطيعوني، ولا طاعة لي ~~عليكم فيما أمرتكم به من المعصية». PageV01P488 # قيل لحمديس : «فلو أن إماما عمل بالمعصية أكنت تأمره أو تنهاه؟ » ~~فقال: # «لا»، واحتج بالحديث : «ينبغي للمؤمن ألا يذل نفسه» قالوا: «وكيف يذل ~~نفسه؟ » قال : «يعرضها من البلاء إلى ما [لا] طاقة لها به».وذكر ~~حديث مالك الذي قال [فيه] : «أدركت سبعة عشر تابعيا، فما سمعت أنهم ~~قاموا إلى إمام جائر فوعظوه».قيل لحمديس: «فلو أن إماما دعا إلى البدعة ~~وأمر بها وبات بالدار؟ » قال: # «نجاهده». # وقال حمديس : «اجتمعنا عند إبراهيم بن أحمد أنا ويحيى بن عمر وجماعة، ~~فطال بنا المجلس والمذاكرة، ثم عطف علي إبراهيم فقال [لي] : «من أين ~~عيشك؟ وفي كم أنت من العيال؟ » فقلت: في ستة. فقال لي: العيش من أين؟ فقلت ~~له: # «نحن من الله عز وجل في ستر جميل».فسكت عني، فقلت له: «لي إلى الأمير ~~حاجة».فنشط إليها وقال: «اذكر حاجتك» فقلت له: «تعافيني من المجيء إليك بعد ~~هذا المجلس، فإنك لست تجد عندي ما تريده» فسكت ساعة ثم قال: «قد فعلت».فعطف ~~عليه يحيى بن عمر وقال: «وأنا أيها الأمير» فقال: «لست أفعل»، ثم انصرفنا». # وقال أبو سعيد [بن] محمد بن سحنون : «لما اعتل حمديس أحضرنا له ~~طبيبا، فتبسم وقال: «ما أقبح المخالفة ms288 بعد الموافقة! من أراد الله عز وجل ~~به حالا /وأراد هو غيره، أليس قد خالف؟ » ثم قال: PageV01P489 # بيد الله دوائي %~% الذي يعلم دائي # إنما أظلم نفسي %~% باتباعي لهوائي # كلما داويت دائي %~% غلب الداء دوائي # وكتب إلى حمديس رجل من أهل المشرق، من أهل الورع، كتابا يقول فيه: ~~«خبرني إن كان الخبز عندكم من حلال حتى أقدم عليكم»، قال حمديس: # «فأنا منذ سنة ما وجدت له جوابا». # [وفيها توفي] : ### $ 160 - يحيى [بن عمر] بن يوسف الأندلسي بسوسة. # توفي، رحمه الله تعالى، في شهر [ذي] القعدة. # قال أبو بكر بن اللباد: «كان يحيى بن عمر من أهل الصيام والقيام، وكان ~~مجاب الدعوة، وكانت له براهين ». # قال أبو العباس الابياني : «ما رأيت مثل يحيى بن عمر في علمه وورعه ~~وزهده وكثرة دعائه وبكائه، [وكان حريصا على أهل العلم، يحرض طالبه ويشرفه] ~~. PageV01P490 # والوصف، والله، يقصر عن ذكر يحيى بن عمر وفضله، ولا يجهل أمره إلا جاهل». # وقال محمد بن حارث : «كان يحيى بن عمر متقدما في الحفظ. # لقي المصريين: يحيى بن بكير ومحمد بن رمح، [وسمع بالحجاز من] ابن ~~كاسب. وسمع بإفريقية من سحنون ويحيى بن سليمان الحفري . # قال : لما قدمت إلى سحنون سألت عنه، فقيل لي: «خرج إلى البادية». PageV01P491 # فمضيت إلى البادية، فاجتمعت به فرأيت رجلا أشعر عليه جبة صوف ~~ومنديل، وهو يتولى حرث ضيعته وأسباب مؤنته ، فاستقللته فقلت: «إنا لله ~~وإنا إليه راجعون. جئت من المشرق وخلفت به العلماء، وجئت إلى هذا الرجل وما ~~أراه يحفظ من العلم شيئا ولا معه شيء! ».فأنزلني ورحب بي، فلما كلمته ~~وسألته في العلم رأيت بحرا لا تكدره الدلاء، والله العظيم ما رأيت مثله قط، ~~كأن العلم، والله، جمع بين عينيه وفي صدره. # وقال يحيى الكانشي : «إن يحيى بن عمر أنفق في طلب العلم ستة آلاف ~~دينار». # وقال أبو العباس الابياني : «سمعت يحيى بن عمر يقول: أدخلت ابنا لي ~~على يمن بن رزق فقلت له: «أصلحك الله، ادع الله تعالى له» فقال: «جعله ~~[الله] في ميزانك» ms289 قال: فقلت له: «أصلحك الله، إنما أردت أن تدعو له» ~~فقال: # «جعله [الله] في ميزانك» فقلت له: «أصلحك الله، إنما أردت أن تدعو ~~له بالنماء» فقال: «جعله الله في ميزانك» فقلت له: «أصلحك الله تعالى، ~~[ادع] له بالنماء، والزيادة» فقال: «أردت شيئا وأردنا شيئا، بارك الله ~~فيه». # قال أبو القاسم : فذكرت هذه الحكاية لأبي محمد محرز بن خلف، رحمه ~~الله تعالى، فتعجب منها ثم قال محرز: «كان يحضر إلي رجل، وكان له ~~ولدان، فقال لي: «ادع الله تعالى أن يعلمهما القرآن» فأقام مدة ثم أتاني ~~فقال: «إنهما قد قرآ PageV01P492 القرآن، ولكن ادع الله تعالى أن يتقبلهما ~~مني» فأقام مدة ثم أتاني فقال: «قد قبل مني أحدهما» ثم أقام مدة وأتاني ~~وقال: «قبل الله عز وجل الآخر».قال أبو محمد محرز: # «فأخبرني من كان في جنازتهما، قال: «دخلت إلى داره فكأن ليس بها جنازة، ~~فلما أخذنا في غسله بكت امرأته، فعطف عليها فقال لها: «هكذا كان بيني ~~وبينك؟ » فسكتت كأنها لم تبك». # وكان ليحيى بن عمر كرسي في الجامع للسماع فيجلس عليه ويسمع عليه ~~الناس. قال أبو بكر الزويلي: «وما عملت أنه عمل ذلك لغيره ». # وكان يسمع بجامع القيروان ، فبينا هو يوما يسمع الناس وحوله خلق ~~كثير يسمعون عليه، إذ أتاه كتاب من عند أبي زكريا يحيى بن زكرياء بن عبد ~~الواحد الأموي الساكن «بقصر زياد»، قال: فدفعه إليه الرسول، فلما فكه ~~أسكت القارئ وقال لجماعة الناس: «صاحب هذا الكتاب من جده على جدي بالعتق، ~~فأنا من مواليه»، فعجب الناس من ذلك، وعلموا أنه إنما ذكر ذلك تواضعا لله ~~عز وجل. # حدث أبو بكر الزويلي قال : «ألف يحيى بن عمر كتابا في النهي عن ~~حضور «مسجد السبت» ، فدسوا عليه رجلا أندلسيا كان حسن الصوت بالقراءة، ~~فأتى PageV01P493 إلى «مسجد يحيى بن عمر» -وهو المسجد الذي بحذاء «حمام ~~النعمان» -فلما فرغ يحيى بن عمر من صلاة الظهر وسلم، استفتح الأندلسي بصوت ~~حسن وقرأ (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى ms290 في خرابها) ~~، وتمادى في القراءة إلى آخر الآيتين، فبكى يحيى بن عمر حتى [سالت ~~دموعه على لحيته] ثم قال: # «اللهم إن هذا القارئ ما أراد بقراءته رضاك ولا ما عندك، وإنما أراد بذلك ~~نقصي وعيبي؛ اللهم فلا تمهله بعد ثلاث»، قال: فيقال إنه ما بلغ ثلاثة أيام ~~حتى مات فيها، استجاب الله تعالى فيه دعوته». # وذكر بعض الشيوخ أن يحيى بن عمر مضى إلى قرطبة من ~~القيروان على دانق حتى رده على أهله ، [فخوطب في ذلك فقال: «رد ~~دانق على أهله] أفضل من عبادة سبعين سنة».قال: «فمضينا إلى قرطبة ~~ورجعنا في سنة، وبقيت معنا تسع وستون سنة ربحا». # ولما أمر السلطان بإنشاء المراكب للخروج فيها إلى صقلية هدم ~~الذين ينشئونها مقابر المسلمين ورفدوا بها المراكب إلا قبر يحيى بن ~~عمر، ما جسر أحد على PageV01P494 هدمه، فكلم في ذلك بعض السودان فقالوا: ~~«إنا لنرى عليه نورا عظيما، فهو الذي منعنا من هدمه». # وكان، رحمه الله تعالى، لا يكاد يخرج عن مذهب مالك وأصحابه، كثير النهي ~~عن كل محدثة وبدعة. # وكان يشتد عليه أمر «مسجد السبت» ويود لو أنه هدم حتى لا يجتمع فيه أحد. # وقد تكلم فيه بكلام شديد كبير . وخالف يحيى بن عمر من أصحاب سحنون ~~جماعة، وغيرهم، في جميع ما ذكره، فكانوا يحضرونه ويجتمعون فيه، منهم ~~أحمد بن معتب وغيره، وفيه كانت وفاته. وحضره- ممن هو دون أحمد بن معتب في ~~الطبقة-أبو بكر بن اللباد وأبو بكر بن سعدون وربيع القطان. لكنه كان في ذلك ~~الزمان على خلاف ما هو عليه اليوم، وذلك أنهم كانوا يحضرونه بالوقار ~~والسكينة والخشوع وغزر الدمعة وكثرة الصدقة والمعروف، وكانوا يقولون فيه ~~أشعار أبي معدان في الزهد والمواعظ وأهوال يوم القيامة وصفات أولياء ~~الله تعالى، ويركبون PageV01P495 عليها أعمالها على طريق الحزن ~~والخوف. وكان المتعبدون والصالحون إذا سمعوها استراحوا إليها بقلوبهم ~~وانشرحت نفوسهم وانصرفوا منه وهم محزونون نادمون. # ولقد ذكر عن [أبي] محمد بن فطيس المتعبد أنه قال: «كان الذين يحضرون ~~«مسجد السبت» إذا خرجوا منه ms291 يرى عليهم أثره إلى السبت الآخر». # حدث أبو الحسن علي بن محمد الأنصاري عن أبيه قال: «حضرت مسجد السبت ~~القديم وكان مبنيا بالطوب، فقال القوالون أشعارا في الزهد، فبكى الناس بكاء ~~عظيما حتى امتلأ المسجد بالبكاء وارتفعت أصواتهم، فقال رجل جالس بجواري: ~~«لقد طاب المسجد اليوم» فقال له رجل كبير السن شيخ: «يا هذا، حال ~~المسجد عما كنا عهدناه قبل هذا الوقت. أعرف أني حضرته يوما فقام ابن السامة ~~ فقرأ (أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة، اعملوا ما ~~شئتم إنه بما تعملون بصير) فقام شاب من الركن يبكي ويصيح: «الأمان ~~بالله! »؛ فرجع القارئ في الآية من أولها، فقال الشاب: «الأمان بالله! » ~~فرجع القارئ مرة ثالثة فصاح الشاب: «الأمان بالله! » وخر ميتا، رحمة الله ~~تعالى عليه. # فهكذا كانت صفة المسجد في الزمان الذي كان يحضر فيه هؤلاء الأفاضل. وأما ~~في هذا الوقت فهو على خلاف ذلك، فلا ينبغي حضوره ولا السعي إليه، ولا يحتج ~~في حضوره بمن حضره ممن قدمنا ذكره لأنهم لو أدركوا هذا الزمان لتركوا ~~حضوره». PageV01P496 # ومن فضائل يحيى بن عمر: وأما استجابة دعوته وكثرة ذكره وحكمته وصنوف من ~~كراماته : # فقال: : كان قوم من الجزيريين «بزقاق الروم» يكبرون ~~في «أيام العشر» ويرفعون أصواتهم بالتكبير، وكان يحيى بن عمر يجوز عليهم ~~إذا مضى إلى الجامع ويسمع تكبيرهم، فنهاهم عن ذلك وقال لهم: «هذه بدعة»، ~~فلم ينتهوا. فيقال إنه دعا عليهم فصار ذلك المكان خرابا، وأقام كذلك مدة ثم ~~عمر بعد ذلك. # وحدث الحسن بن نصر قال : «قال لي يحيى بن عمر: «اكتب عندك: لا ~~ترغب في مصاحبة الإخوان، فكفى بك من ابتليت بمعرفته أن تحترس منه، انفردوا ~~يا أهل العلم، انفردوا». # وعن الحسن عن يحيى بن عمر، قال: «ليس شيء أضر على ابن آدم من النظر ~~في النجوم: يخرجه نظره في النجوم إلى الدهرية». # حدث خلفون التونسي المتعبد بالمنستير، قال: «كان يحيى بن عمر يأتي إلينا، ~~إلى المنستير، يصوم رمضان، وكان يحدثنا. فقلت له: «فهل ms292 حفظت شيئا من حديثه ~~تحدثنا به؟ » فقال: «نعم مما حفظت عنه أنه قال-يرفع الحديث-إن الله تبارك ~~وتعالى يقول : «يا عبيدي تعملون عمل الفجار وتطلبون منازل الأبرار؟ ~~«إنك لا PageV01P497 تحصد من الشوك الرطب» ، كذلك لا ينال الفجار منازل ~~الأبرار». # قال بعض المؤرخين: كان يحيى بن عمر كثيرا ما ينشد : # هممت ولم أفعل، ولو كنت صادقا %~% عزمت ولكن الفطام شديد # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة %~% إليك انقطاعي؟ إنني لسعيد # وقال يحيى بن عمر: قال بعض الحكماء: «التفاتة خير من دمعة ».وأنشد ~~يحيى بن عمر: # اخفض الصوت إن نطقت بليل %~% والتفت بالنهار قبل الكلام # وكتب يحيى بن عمر رسالة إلى حمديس القطان وهي : # رضاك الله بقضائه، وأسعدك بقدره، وأطال عمرك في طاعته، وأوزعك الشكر ~~على نعمه، حتى تكون الآجلة خيرا لك من العاجلة. ولولا ما انتهى إليك ~~من ضعفي عن الخطو إليك لأكثرت من عيادتك، ولكنت بذلك مسرورا مع جزيل ~~الذي كنت آمله من ربي سبحانه على ذلك، غير أنه قد أنهى إلي صاحبنا ما كنت ~~عهدتك عليه، ثم رآك في آخر مرة وقد تماثلت عن حالتك الأولى فسرني ذلك، لما ~~رجوت لك من تمحيص ذنوبك. وهذا أفضل ما يناله المؤمن في الدنيا ويرغب إلى ~~ربه فيه. وكذلك قال نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، سيد العالمين وإمام ~~PageV01P498 المتقين : «خير الناس من طال عمره وحسن عمله»، وأنا أسأل ~~الله عز وجل أن يجعلنا وإياك منهم. # وقد علمت حال أهل بلدك؛ فأنا أحب منك، كلأك الله، إظهار الصبر على ما تجد ~~من العلة. وقد أعجبني زبرك بعض من عادك ممن لم تحب عيادته، ورجوت أن ~~تكون قد وفقت في ذلك لتشريد غيره، لأني أتخوف أن يكون بعضهم إنما يأتي إذا ~~بلغه عندك شدة، فينهي ما يرى للشامتين، فقد كان من بغيهم وإفكهم في علتك ~~التي قبل هذه أن أذاعوا موتك وملئوا به الأسواق والمساجد، حتى انتهى ذلك ~~إلي في منزلي، فأحزنني وغمني. # ولم يزل الصالحون من سلف هذه الأمة يبتلون بهم وينالهم منهم ms293 مثل الذي ~~نالك، (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا) الآية. وقال ~~تبارك وتعالى: # (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأااهم جهنم وبئس ~~المصير) . # وقد صح الحديث عن حذيفة، رضي الله تعالى عنه، أن المنافقين اليوم هم أشر ~~من المنافقين الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، قيل: «وكيف ذلك ~~يا أبا عبد الله؟ » قال: «لأن أولئك/إذ ذاك يكتمونه وهؤلاء اليوم يجهرون ~~به». # فهذا قول حذيفة، رضي الله عنه، في زمنه؛ وفضل زمنه وأهله على زمننا وأهله ~~[معروف] ، فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. أعاننا الله ~~وإياك على ما خلقنا له من طاعة، وأمدنا بالمعونة منه والتوفيق لكل ما ~~يحببنا له ويقربنا منه، إنه قريب مجيب. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته». PageV01P499 # قال ابن حارث : قال لي محمد بن الليث : قال [لي محمد بن عمر] ~~ أخو يحيى بن عمر: «كنت جالسا بتونس، إذ كان أخي متواريا عن ابن عبدون، ~~وكان القاضي بتونس عبد الله بن هارون الكوفي. قال: فما شعرت أن أتاني ~~رسوله فساء ظني وخبثت نفسي»، قال: «فأتيته [فدخلت عليه] فتبين ~~الذعر في، فقربني وسكنني فسكنت، ثم ناولني كتاب ابن عبدون فإذا فيه: «قد صح ~~عندي أن يحيى بن عمر متوار بتونس فاطلبه، فإذا ظفرت به فأوثقه وابعث ~~به إلي مع من تثق به»، قال محمد: «فاربد وجهي لذلك، فقال لي: «لا يسوء [بي] ~~ ظنك، فلم أبعث إليك لمكروه، ولكني أعجبك من ابن عبدون : يريد مني ~~أن آتي إلى إمام من أئمة المسلمين فأرسل به إليه ليمتهنه! » ثم قال لي: «إن ~~كان أخوك بهذا البلد فهو آمن مني ».قال محمد بن الليث: «فكانت هذه ~~المكرمة مشكورة لعبد الله بن هارون الكوفي في أمر يحيى بن عمر». # وبعد استخفائه وطلب العراقيين له، انتقل إلى سوسة فمات بها، رحمه الله ~~تعالى. # وقال أخوه عنه : كان أخي يحب سوسة ويحض على سكناها ويقول: «اللهم لا ~~تكسبني ذنبا أستحق له الخروج من سوسة»، وكان يقول: «إنما هي ms294 عندي مثل ~~الإسكندرية وعسقلان وهذه المواضع التي ذكر فضلها في الكتب». PageV01P500 # ولما توفي رثاه جماعة، ورثاه سعدون الورجيني بمرثية وهي : # عين ألم بها وجد فلم تنم %~% تبكي بدمع كنظم الدر منسجم # مدامع الصب أقلام تخط بها %~% أيدي الصبابة ما بالقلب من سدم # لفظ الضمير لسان الدمع ترجمه %~% حتى بدا كل سر فيه منكتم # لولا المدامع لم يعلم بلوعته %~% يخفي تباريح وجد غير منصرم # وهل تلذ بطعم النوم مقلة من %~% كسته كف الرزايا حلة السقم # وكل جارحة من جسمه قدحت %~% فيها يد البث نيرانا من الألم # لم يعدم الحزن إلا أن مهجته %~% قد أبدلت من سرور العيش بالعدم # تأبى الليالي علينا أن تدوم على %~% جمع من الشمل أو سد من الثلم # لا لوم إن كنت بعد الثكل لم أنم %~% لو ذاق من لامني ما ذقت لم ينم ~~PageV01P501 أنى يجيب إلى جنب الكرى رجل %~% قد أفردته المنايا من ذوي ~~الرحم # عجبت أن لم أمت حزنا وقد دفنت %~% كفاي في الترب أتقى العرب والعجم # يا موت أثكلتنا يحيى وكان [لنا] %~% في بلدة الغرب مثل البدر في ~~الظلم # ينجاب عنا به غيم الخنا ومتى %~% نقس به الناس فضلا كان كالعلم # ما كان إلا سراجا يستضاء به %~% في العلم يسمع منه العلم في الحلم # وكان يحيى-إذا خفنا-لنا حرما %~% نلجا إليه، فقد صرنا بلا حرم # وكان يحيى لنا سيفا يعز به ال %~% دين الحنيف ويحمى كل مهتضم # وكان يحيى لنا في كل حادثة %~% في الدين كالليث يحمي ساحة الأجم # وكان يحيى لنا في الزائغين إذا %~% ضلوا لسانا يبين الحق عن أمم # وكان يحيى لنا حرزا، وكان لنا %~% كنزا، وكان لنا كالغيث في الأزم # لتبك يحيى عيون بالدموع فإن %~% غاضت مدامعها فلتبكه بدم # أبكي من العلم والتقوى به اجتمعا %~% ومن مضى وهو أوفى الناس بالذمم # أبكي من الحلم ثوب كان يلبسه %~% أبكى على طاهر الأخلاق والشيم # أبكي فتى الدهر، أبكى شيخ كل حجى %~% أبكى أخا الفضل، أبكى معدن الكرم # من كان [من] بعد سحنون لنا خلفا %~% من ms295 كان في الحق مثل الصارم ~~الخذم # من كان يقفو من الأخيار أثرهم %~% من كان في الدين يروي غير متهم # من كان ذا ورع، من كان ذا أدب %~% من كان ذا فطن، من كان ذا فهم # بل ما ابتغى العلم إلا من معادنه %~% يلقى الثقات وينأى عن ذوي التهم # كم من فتاة رآها في حداثته %~% لم يلتفت نحوها خوفا من النقم # فغض طرفا عفيفا عند رؤيتها %~% مخافة من عقاب الله والنقم # سجية ركبت فيه ومعرفة %~% بالله لا كامرئ في الغي مقتحم PageV01P502 ما ~~كان أشجعه، ما كان أورعه %~% ما كان أفصحه في محفل الكلم # ما كان أرغبه في سنة درست %~% يشيدها ببناء الحاذق الفهم # ما كان أفقهه ، ما كان أعلمه %~% ما كان أحماه عند الخوف للحرم # ما كان أطهر تلك النفس من ريب %~% ما كان أكتب تلك الكف بالقلم # سقاك يا قبر يحيى عارض لجب %~% سمح الرذاذ كريم الوبل والديم # مبارك الظل يكسو الأرض أردية %~% كالوشى يلقى على القيعان والأكم # يا رب! صاحب هذا القبر خادم %~% ك المعروف بالنصح والإحسان في الخدم # أتاك ضيفا فلا تجعل قراه سو %~% ى الرضوان، إنك ذو فضل وذو كرم # وارحمه رب ووسع ضيق حفرته %~% فإنه طالما ناجاك في الظلم # ولا تؤانسه في استيحاشه بسوى %~% حور القصور بدار الخلد في الخيم # واعصمه من فتنة في القبر يعلمها %~% يا رب، إنك ملجا كل معتصم # قربه من عرشك العالي، فمذهبه ، %~% يا رب، أنك فوق العرش من قدم # واجعله ينظر إلى ما كان يوقنه %~% من نور وجهك يا ذا العز والعظم # احفظه، أكرمه، ألحقه بهمته %~% أقرر له عينه، أغدقه بالنعم # كم داوم الصمت إخباتا وحسن تقى %~% فإن تكلم أبدى لفظ محتشم # ما داوم الصمت إلا خوف مقتك يا %~% جبار، ما ذاك من عي ولا بكم # واحفظه للعلم وانفعني به وإذا %~% جزت الصراط فثبت فوقه قدمي ~~PageV01P503 أعظم بحبي له أجري وصن بدني %~% من حر نار تعيد الناس كالحمم # [إلهى] هبني له، يا منتهى أملي %~% أجر الشهيد، واسفك في رضاك دمي # أحببته ms296 فيك للزلفى لديك به %~% ما بيننا رب من قربى ولا رحم PageV01P504 ### || [ثم كانت سنة إحدى وتسعين ومائتين # وفيها توفي] # : ### $ 161 - أبو جعفر أحمد بن أبي سليمان داود الصواف الفقيه، رحمة الله تعالى # عليه. # وكان حكيما ينطق بالحكمة. # وذكر عنه أنه كان قوم أندلسيون يسمعون على أحمد ، وكانوا يؤملون ~~الحج، فحضرهم وقت الحج وبقيت عليهم كتب، فسألوه أن يصبر عليهم ويجلس لهم ~~حتى يتموا ما بقي عليهم في هذه الأيام اليسيرة، فقعد لهم يوما فضاق، وقعد ~~لهم يوما ثانيا فضاق، فقال في اليوم الثالث: # سألبس للصبر ثوبا جميلا %~% وأفتل للضجر حبلا طويلا # وأصبر بالرغم لا بالرضا %~% أخلص نفسي قليلا قليلا # وهما من قول أبي جعفر أحمد PageV01P505 قال أبو جعفر أحمد بن أبي ~~سليمان، فيما أوصى به لطالب العلم : يا طالب العلم، إذا طلبت العلم ~~فاتخذ له قبل طلبه أدبا تستعين به على طلبه، واتخذ له بعد طلبه أدبا تستعين ~~به على حمله. ومن أدب العلم الحلم، والحلم كظم الغيظ، وأن يغلب علمك وحلمك ~~هواك إذا دعاك إلى ما يشينك. وعليك بالوقار والتعفف والرزانة والصيانة ~~والصمت والسمت الحسن، والتودد إلى الناس ومجانبة من لا خير فيه، والجلوس مع ~~الفقهاء ومحبة الأخيار، ومنابذة الأشرار والقول الحسن في إخوانك والكف عمن ~~ظلمك. ولا تهمز أحدا بقول ولا تلمزه ولا تقل فيه ولو كان عدوك. فإن فعلت ~~ذاك شرفت عند العقلاء، وعرفت حقك الجلساء ، ولحقت بالعلماء، وهابك ~~السفهاء، وحللت محل الأبرار، وبرئت من الأشرار. فافهم وتفهم واستعن بالله ~~يعنك ». # قال أبو الحسن علي بن محمد : وجدت رقعة في مسجد أحمد بن أبي سليمان ~~مكتوب فيها : # يا لذة قصرت وطال بلاؤها %~% عند التذكر في الزمان الأول # لما تذكرها وقال ندامة %~% من بعدها: يا ليتني لم أفعل! # قال: فقلت لأحمد: «أهذه من قولك»؟ قال: «نعم». # قال أحمد : رأيت في منامي كأن صحن مسجدي امتلأ زبلا، ورجلان في ناحية ~~منه يتحدثان باليهودية ، فلما أصبحت جاء رجل فأخذ مفتاح المسجد فأذن، ~~فقمت فخرجت إلى المسجد فإذا صحنه ملئ بناس ms297 متبيضين، فلما صلوا PageV01P506 ~~أتوا إلي فقالوا لي: «نحن الصيارفة أمرنا عبد الله بن أحمد بن طالب أن ~~لا نصرف من أحد حتى ننظر في «كتاب الصرف» ، [فقرأته لهم، وعلمت أن ذلك ~~تأويل الرؤيا] . # قال أحمد: فأتى إلي رجلان منهم فسألاني عن مسألة فقلت لهما : «لا ~~تحل، فإنه ربا» فقالا لي: «فإن ابن الأشج قال لنا: أديروا بينكم ما ~~شئتم من بيع حرام، ثم تعالوا إلي أجعله لكم حلالا » فقلت لهما: «لا حول ~~ولا قوة إلا بالله، حرام، حرام! قوما عني». # وكان ابن الأشج هذا عراقيا، وكان إذا أراد أن يجوز الربا بين الناس يقول ~~لأحدهم : خذ الهر فاجعل في عنقه خمسين دينارا، وبعه بمائة إلى أجل، ~~فإذا أخذ الهر المشتري له وأقام عنده أياما فامض إليه وقل له: «عسى ذلك ~~الهر ترده إلينا، فإن الفيران قد أكلونا »، فيرده إليه؛ فكان هذا فعله ~~مع الناس. # وقال أحمد: دخل علي بكر بن حماد فتحدث عندي ساعة، فقلت له: # «أيش قلت؟ » فقال: «قلت هذه الأبيات : # نهار مشرق وظلام ليل %~% ألحا بالبياض وبالسواد # هما هدما دعائم عمر نوح %~% ولقمان وشداد بن عاد PageV01P507 فيا ~~بكر بن حماد تعجب %~% لقوم سافروا من غير زاد # تبيت على فراشك مطمئنا %~% كأنك قد أمنت من المعاد # فيا سبحان من أرسى الرواسي %~% وأوتدها على السبع الشداد # قال أحمد بن أبي سليمان: فلما انتهى إلى هذا البيت قلت له: «أمسك، رفعت ~~الجبال فوق السموات وأنزلت السموات تحت الجبال! » فقال لي: «وكيف ذلك؟ » ~~فقلت له: «اقرأ سورة عم يتساءلون»، فقرأها حتى انتهى إلى قوله تعالى وبنينا ~~فوقكم سبعا شدادا فقال لي: «والله لقد أنشدته بالعراق ومصر وتاهرت ~~والقيروان، فما فهمه أحد، وقد كسرته أنت فأصلحه»، فقلت له: «أفلا قلت: ~~فأوتدها مع السبع الشداد ؟ »، قال: فقال لي: «قد أصلحت ما أفسدت». # وله أشعار كثيرة. وقال أحمد : # ولما نحا عمري ثمانين حجة %~% وأيقنت أني قد قربت من المدى # تركت تكاليف الحياة لأهلها %~% وجانبتها طوعا مجانبتي الردى ~~PageV01P508 رأيت حليم القوم فيهم مقدما %~% ومن نال علما ms298 [نال] جاها ~~وسؤددا # أراني بحمد الله في المال زاهدا %~% وفي شرف الدنيا وفي العز أزهدا # تخليت من دنياي إلا ثلاثة %~% دفاتر من علم وبيتا ومسجدا # غنيت بها عن كل شيء حويته %~% وكنت بها أغنى وأقنى وأسعدا # وقد ذم قوم ما فعلت جهالة %~% فعدوا مع الجهال في الجهل أحمدا # ولو فهموا رأيي وأمري لأبصروا %~% وقالوا: [رأى] رأيا سديدا مسددا # ألم تر أن الدهر أوقر أهله %~% هموما وأن العيش صار منكدا # فما حل يوم فيه إلا بفجعة %~% وأنت لأخرى فيه منتظر غدا # وما فرحة إلا ستصبح ترحة %~% وما صاحب إلا سيصبح مفردا # وكم قد رأينا من عزيز مشرف %~% يبيت مقرا في القباب ممهدا # فجته المنايا وهو في حين غفلة %~% فأضحى ذليلا في التراب موسدا # وقال أيضا: فيما حدثناه غير واحد من أصحابنا، رضي الله عنهم أجمعين: # ولما محا عمري ثمانين حجة %~% هجرت تكاليف الحياة لما فجا ~~PageV01P509 ولاقيت أترابي: فأحدب ماشيا %~% وآخر مكفوفا، وآخر أعرجا # تمنيت طول العمر أحيا مؤدبا %~% وأسلك في التعليم للعلم منهجا # وخالط عيني العشا بعد حدة %~% وصار لساني إن تكلم لجلجا # وفي أذني وقر، وظهري به حنا %~% وما أبتغي مما أنا فيه مخرجا # رأيت الذي قد كنت [فيه] لدى الصبى %~% من الشيب والتشييخ أشنا ~~وأسمجا # /وأصلح أزماني [أوان] زمانتي %~% لزمت العصا من بعد مشيي تبرجا # وأصبحت مما كنت أبغي من الغني %~% إلى الزهد في الدنيا الدنية أحوجا # وحبست نفسي بين بيتي ومسجدي %~% وقد صرت مثل النسر أهوى التعرجا # كأني بهم قد أعلنوا بعدي البكا %~% إذا أنا صرت في المدارج مدرجا # وفي حين يقضيني وفي قول بعضهم %~% لبعض: توفي الشيخ وانقطع الرجا # فيا خير مرغوب إليه لراغب %~% ويا خير من يلجا إليه لمن لجا # كما لم تضعني، رب، منذ خلقتني %~% قني في معادي حر نار تأججا # وله من قصيدة طويلة يقول فيها : # تفهم يا حبيب -هديت-قيلي %~% تنال بفهمه خيرا كثيرا PageV01P510 ~~سمعتك تذكر الشعراء طرا %~% وتنشد قولهم جما غفيرا # وليس مؤلف قولا حكيما %~% كآخر قائلا إفكا وزورا # ويرجف قوله لينال دنيا ms299 %~% إذا ما نالها نال الغرورا # فلا تشغل بقول غير قيلي %~% فما في النفع كان له نظيرا # فدع عنك المذاهب واتبعني %~% متابعة تجد خيرا كثيرا # فقيه الناس سحنون تجدني %~% لأكثر فقهه بصرا بصيرا # وفي فقه الفقيه أبى سعيد %~% وجدت الحق متضحا منيرا # وفي تعليمه علما عليما %~% وفي تأديبه سترا ستيرا # لزمت فناءه عشرين عاما %~% أغاديه وأغشاه هجيرا # وكنت مؤدبا نفسي لنفسي %~% على نفسي أجنبها النكيرا # فنلت من العلوم لطول عمري %~% وإمضائي وتجربتي الدهورا # وحزت من السلامة ما كفاني %~% ووقاني وبلغني السرورا # ولم ألبس لذل الفقر ثوبا %~% ولم أك في الغنى بطرا فخورا # ولم أجزع وللأيام صرف %~% يعود عسيرها سهلا يسيرا # ولم أفرح لأن لها انقلابا %~% يعيد يسيرها صعبا عسيرا PageV01P511 ~~وإني، وإن توالى فجعها، %~% لجلدا %~%.. صبورا # ولا أنا وان نابت نائبة خضوعا %~% ولا متضعفا جزعا ضجورا # وإن أودعت سرا كنت حرزا %~% ولم أخبر بذاك أخا وزيرا # إذا كان الفتى عني غنيا %~% فلست إليه محتاجا فقيرا # أواصله، إذا يبغى وصالي %~% وأمنحه-إذا قطع-الدبورا # وليس من الجميل يرى كبير %~% يتابع مدبرا حدثا صغيرا # أرى الدنيا تغيرها الليالي %~% وأياما مؤلفة شهورا # أرى يوما يجيء بكل خير %~% ويوما بالحوادث مستطيرا # كذا أحوال دهرك: حال أمن %~% وحال تجزع البطل الجسورا # وكم ملك عظيم ذي اختيال %~% أعد خزائنا وبنى قصورا # وكان مداه ذا خطر عظيم %~% فصار مؤجلا أجلا قصيرا # ومن ذاك التملك والتعالي %~% وسكنى قصره، سكن الحفيرا # وأضجع في التراب بلا مهاد %~% بضيق اللحد منجدلا عفيرا # وكم من طالب للمال [يسعى] %~% ويركب في مطالبه البحورا # فصار يود لو أن كان أضحى %~% على تفريق ما حوى قديرا # وعاد يود أن لو كان أمسى %~% وليس بمالك منه نقيرا # وقد حبس اللسان فلا كلام %~% وقد سمع الصياح المستطيرا # فإما مؤمن يرجو خلاصا %~% وإما كافر يصلى سعيرا PageV01P512 فويل ~~للشقي إذا تردى %~% وصار إلى التي ساءت مصيرا # إلى نار تلظيها شديد %~% وتزفر في تغيظها زفيرا # وطوبى للسعيد إذا حباه %~% إله العرش في الفردوس حورا # وطاب له جنان الخلد حالا: %~% أحل له مع الذهب الحريرا ms300 # وصار شرابه من سلسبيل %~% وأنهار مفجرة خمورا # أراني قد كبرت ور [ق] عظمي %~% وصرت مخامرا ضرا ضريرا # كأني بالبكاء علي فاش %~% وقد حملوا بجثتي السريرا # إلى دار البلى حملا سريعا %~% وينصرفون عن قبري نفورا # وخلوني بأعمالي، فروحي %~% على الحالات تنتظر النشورا # أجرني من عذابك واعف عني %~% وكن لي منك يا أملي مجيرا # فإني قد كبرت ورق عظمي %~% لجأت إلى فنائك مستجيرا # وإني لم أزل أرجو عفوا %~% لأنك لم تزل ربا غفورا PageV01P513 # وفيها توفي ### $ 162 - أبو عبد الله محمد بن زرزر الفقيه . # كان عالما بمذاهب أهل الكوفة وبجميع الأقاويل . وله مناقب جليلة، ومن ~~ذلك: # ذكر أنه حضر جنازة وحضرها «أبو المنهال» .-وكان عظيم الجاه رفيع ~~القدر- فسأله ابن زرزر عن مسألة فأخطأ، ثم ثانية فأخطأ، فقام ابن زرزر ~~قائما على قدميه ثم كبر وصلى عليه كما يصلى على الميت، وقال له: «أنت أولى ~~أن يصلى عليك من هذا الذي حضرنا جنازته». # وفعل مثل ذلك بسليمان بن عمران القاضي. وذلك أن ابن زرزر كان يستخف ~~بسليمان لقصر فهمه في العلم، فلما تغير عقل ابن زرزر وجد سليمان سبيلا فحجر ~~ عليه، ثم بعث إليه يوما يخيره في تزويج امرأة أو شراء جارية وفي غير ~~ذلك من شراء وبيع وغيره. فقال ابن زرزر للرسول: «يكون تجوابي له ~~مشافهة»، فأتاه فقال له: PageV01P514 # «أقول لك: إن كنت حربتني وأنا عندك سفيه غير رشيد فقد أخطأت إذ ~~خيرتني، وإن كنت عندك رشيدا غير سفيه فقد أخطأت في حجرك علي»، ثم كبر عليه ~~أربع تكبيرات كما يكبر على الميت وانصرف. فأطرق سليمان ولم يتكلم. # وكان ابن زرزر حافظا للغريب بصيرا بالعربية [راوية للأشعار يحسن ~~الصنعة لها جيد القول فيها] . وشعره كثير جدا، وأكثره في توحيد الله عز ~~وجل والرد على الزنادقة والملحدين والكذابين ، فمن قوله : # تهتك الستر عن ذي البغي والفند %~% وحصحص الحق بعد الغي ~~واللدد # وأيقن المشرك الداعي له ولدا %~% بأنه الله لم يولد ولم يلد # لا موت يدركه، لا شيء يشبهه %~% يبلي الاباد ولا يبلى على الأبد ms301 # ويح ابن آدم من عاص يخالفه %~% ومن مصر على الآثام معتقد # وفي الخلود نعيم غير منصرم %~% باق بقدرته، باق بلا أمد # قال أبو العباس محمد بن الوليد: «تسمعت إلى ابن زرزر يوما وهو يقرأ حتى ~~انتهى إلى قوله عز وجل: (دعااهم فيها سبحانك اللهم) ، فقال: دعواهم ~~كلامهم الذي يقولون ويولعون به ، وهجير الرجل الكلمة التي يولع بها ~~ويرددها. PageV01P515 # وكان هجير عمر بن عبد العزيز : # صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه %~% فلما علاه، قال للباطل: ابعد # ثم ذكر هجير الفقهاء ، قال: وكان هجير أبي حنيفة : # كفى حزنا ألا حياة هنية %~% ولا عمل يرضى به الله صالح # وفيها توفي ### $ 163 - أبو هارون الأندلسي المتعبد، بالمدينة الشريفة حرسها الله تعالى، ودفن حذاء «مسجد فاطمة» رضي الله تعالى عنها، في «البقيع» جوار الحسن بن علي؛ رضي الله تعالى عنهما. # كان صالحا فاضلا مجتهدا في الدعاء والعبادة. تخلى عن الدنيا وباين أهلها ~~واشتغل بعبادة ربه عز وجل، والانقطاع إليه والاستئناس به والاستيحاش من ~~خلقه، مفتقرا إليه متوكلا عليه. وذكر عنه أنه ما اغتسل من جنابة قط: ~~كان حصورا لا يأتي النساء. PageV01P516 # وذكر عنه أنه قيل له في علته التي مات فيها: «لو تعالجت؟ » فرفع رأسه إلى ~~السماء وقال: «إلهي وسيدي، قد أعطيتك من نفسي عهدا أني لا أخالفك أبدا»، ثم ~~حول وجهه إلى الحائط وقال: «آه، وا شوقاه إلى حبيب إذا غضب عفا وإذا رضي ~~شفى». # [قال أبو عقال] : «فلما احتضر وضع رأسه في حجري ودموعه تنحدر وشفتاه ~~تتحركان ، فنظر إلي وأنا أبكي فقال لي: «يا أبا عقال، لم تمر أعمال ~~القوم باطلا. # نزل كل واحد على ما عمل»، ثم فاضت نفسه». # وكان يسأل الله عز وجل أن يجعل قبره بالبقيع. # قال عمران بن حفصون: كنت في حلقة حماس بن مروان القاضي حتى دخل عليه ~~رجل عليه مرقعة صوف، فقام إليه وأجلسه موضعه وحول وجهه إليه. ثم جلس معه ~~ساعة وخرج، فقام حماس معه فقال له: «يا سيدي لا تفعل» فقال: «هذا فرض ~~علي».فقال ms302 له الطلبة وابنه سالم: «يا سيدنا، من أين هذا الرجل؟ » فقال ~~لهم: «هذا أبو هارون الأندلسي، وهو مجاب الدعوة، وهو من الأبدال ترجى بركة ~~دعائه. يا بني الحقه وخذ بحظك منه». # فلحقه سالم فدفع إليه خمسة دنانير ودراعة وجبة صوف ومنديلا وسراويل . ~~ثم أعلم أباه بذلك، فلما كان من الغد دخل إليه فقال له: «يا سيدي، رأيته ~~كما كان أول مرة في مرقعته الصوف وفي العباءة التي كان فيها»، فقال له ~~حماس: «يا بني، ذاك من الأبدال يتأسى «بأهل الصفة»، لا تبيت معه بيضاء ولا ~~حمراء ولا PageV01P517 [يتلبس] بشيء من الدنيا إلا ما يسد جوعة ~~أو يستر عورة، نفعك الله يا بني بذلك، فلقد نفعني الله بصالح دعائه». # قال أبو عقال بن غلبون : «رأيت أبا هارون راقدا طول الليل وأنا ~~أصلي الليل كله، فوسوس لي في قلبي فقلت: «أنا أصلي الليل كله وهذا رجل ~~راقد! من أين هو أفضل مني؟ »، ثم غفت عيني فرقدت، فإذا أنا برجل مبيض ~~واقف على رأسي فقال: «اقرأ يا ابن غلبون : فقلت: «وما أقرأ؟ » فقال: ~~«اقرأ (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات. # سااء محياهم ومماتهم، ساء ما يحكمون) فانتبهت. ثم قام أبو هارون ~~فقلت: # «سيدي أبا هارون، أتعلقت من الدنيا بذنب أو معصية؟ » فقال: «والله يا أبا ~~عقال ما حللت ثوبي على معصية قط، ولا أكلت مال يتيم، ولا شهدت بغير الحق. ~~فأسأل الله يا أبا عقال أن يعفو عنا وعنك، وأن يدخلنا الجنة برحمته»، ~~فأخبرته بالرؤيا فبكى وقال لي: «يا ابن غلبون، كل في رحمة الله عز وجل ~~، وهذه من أكبر النعم قبلي». # حدث أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي يحيى المتعبد القرشي الصقلي، قال: # «سمعت أبا الحسن علي بن محمد الفقيه بحضرة جماعة من أصحابنا، وقد ذكر ~~أخبار الصالحين وفراساتهم، فقال: «حكى المغربي حيان المتعبد بالمنستير ~~حكاية، وهو PageV01P518 في جماعة من بلدان شتى، قال: حدثني أبو بكر بن ~~سعدون ، رحمة الله عليه- وكان من أهل الزهد والعبادة والرواية-قال: ms303 ~~حججت وأدركت بمكة أبا هارون الأندلسي وأبا عقال بن غلبون، رحمهما الله ~~تعالى، وكنت أجلس إلى حلقتهما. فلما قضينا الحج جلست إليهما على سبيل ~~العادة، وقد أخذ الناس في أهبة الرحيل، فقال لي أبو هارون الأندلسي: ~~«يا أبا بكر، أنت مقيم أو راجع إلى المغرب؟ » فقلت له: # «بل مقيم» فقال لي: «ألك بالمغرب أحد؟ » فقلت له: «بلى، لي والدة» فقال ~~لي: # «وكيف ينبغي لك أن تتخلف عنها، ولعلها متشوقة إليك؟ » قال، فقلت له: «لي ~~عذر يوجب إقامتي» فقال: «وما هو؟ » فقلت: «قلة النفقة».قال: فمد أبو هارون ~~يده إلى خرقة مصرورة فدفعها إلي وقال لي: «أنفق منها حتى تصل إن شاء الله ~~تعالى»، قال: فنهضت وخرجت مع الناس راجعا إلى المغرب، فما كنت أصل إلى ~~مرحلة فأحتاج فيها إلى شيء إلا وجدته في تلك الصرة، حتى وصلت إلى المغرب». # قال الشيخ أبو الحسن : وكان في آخر مجلس المغربي شيخان من أهل ~~القيروان، فكأنهما أنكرا على الشيخ حكايته، فارتفعت الأصوات بالنكير ~~عليهما، فسمع الشيخ جلبة الناس، فرد وجهه إليهم فقال: «ما لكم قد أكثرتم ~~الكلام؟ » فقال الناس: «أصلحك الله، إن هذين الشيخين قد أنكرا حكايتك هذه ~~التي حكيت»، فتغير وجه الشيخ واحمر وقال: «الله يعلم أني ما قلت إلا ما ~~أخبرني به أبو بكر وما كذبت عليه، ولكن ما أرى هذين الشيخين يموتان ~~ على الإسلام». PageV01P519 # قال أبو الحسن: فوصل الشيخان إلى القيروان فتشرق أحدهما وتمعزل ~~ الآخر. وكان يحضره الشيخ أبو علي بن خلدون ، فقال للشيخ أبي ~~الحسن : # «من الشيخان؟ » فقال: «فلان وفلان» قال: فعرفهم الشيخ ابن خلدون وجماعة ~~ممن حضر من أهل العلم. # قال أبو عقال بن غلبون: قال أبو هارون الأندلسي: «يا أبا عقال، نصحبك ~~صحبة موسى عليه السلام للخضر: لا تسألني عن شيء ولا اسألك عن شيء»، فعملت- ~~أنا وهو-في الإجارة ، فاشترينا رأسا وخبزا، فلما أن وضعناه بين أيدينا ~~لنفطر عليه وقف به سائل، فدفعه إليه وبقينا بلا شيء. ثم عملنا اليوم الثاني ~~ففعل كما فعل في اليوم الأول، ثم فعل ms304 في اليوم الثالث كذلك، وبقينا بلا ~~شيء. فلما أن صلينا في المسجد الحرام المغرب وخرجنا إلى بيت نسكنه قلت له: ~~«يا أبا هارون، أصابني الجوع» فتبسم وقال: «يا أبا عقال، الذي أجاعك أليس ~~يعلم أنك جائع؟ تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ إنما تنال الآخرة بالصبر، ~~ليس تخسر معه شيئا . إنه لا يضيع أجر المحسنين».قال: فلم يتم الكلام ~~حتى ضرب الباب، فقال لي: «قم اخرج فخذ هذا الذي جاءك»، فقمت فإذا بمائدة ~~مغطاة على رأس خادم عليها أطعمة من الحلوى والأشوية، فقال الغلام: «سيدي ~~يقرأ عليكما السلام ويقول لكما: اقبلا هذا الطعام»، فدخل بالمائدة فوضعها. ~~قال أبو هارون: «يا ابن غلبون، PageV01P520 مثل هذا الكريم يعامل ويتاجر ~~[معه] . أيهما أكثر: أهذا أم الذي أعطيت؟ والذي يعطيك غدا أكثر من ~~هذا. اخرج إلى محمد بن أحمد السدري وإلى محمد بن الكاتب وإلى ~~إخواننا كلهم فادعهم يأكلوا معنا. ليس لنا منه إلا شبعة، وشبعة نشبعها ~~غدا في دار الخلود إن شاء الله تعالى»، فأقبلوا فأكلوا منه ولم يبق ~~منه شيئا. # قال أبو بكر بن سعدون: فكنا في المسجد الحرام جلوسا مع أبي هارون وأبي ~~عقال ومحمد بن أحمد السدري وقوم صالحين، حتى قدم رجل خراساني فسأل عن أبي ~~هارون فقيل له: «ها هو ذا» فدفع إليه خريطة فيها دراهم فقبضها منه وفرغها ~~في ركوته، وأقبل يعطي كل من مر به، ثم أعطى منها قبضة دراهم لمحمد بن أحمد ~~السدري ثم قال له: «ايتنا بأطيب طعام في السوق» فجاء بشواء وحلوى ورقاق ~~وخبز حواري وفاكهة ثم وضعها بين أيدينا ، والخراساني جالس ينظر، ~~فقال أبو هارون: «كلوا هذه فهي من الله أتتنا، يجازي الله صاحبها بالجنة ~~لأنه قارضه». # ونظرت إلى أبي عقال وبيده عنقود عنب وهو يقول لهم: (وفيها ما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ الأعين) . جعلنا الله يا أبا هارون نجتمع في هذه الدار كما ~~جمعنا حول هذا البيت العتيق».ثم قال الخراساني: إنه لم يبق في الركوة ~~من الدراهم شيء ، إنما أعطيتها لك»، فقال له ms305 أبو هارون: «أعطيتها لمن ~~يجازيك عليها ويكافئك بها PageV01P521 ولا يضيع أجرك» ففرح الخراساني بهذا ~~الكلام. # حدث أبو بكر المؤدب الصقلي ، قال: كان أبو هارون قد سكن مدة «قصر ~~لمطة»، وكان أبي يصحبه وكنت أنا مع أبي سكانا في «قصر لمطة» . ~~قال: فقال لي مرارا كثيرة: «يا أبا بكر، اشتهيت «حوت قلقط» يعمل ~~ في المنستير، فاشتره واعمله لي»، فكنت ألوذ وأعتذر لصعب المشي ~~علي. إلى أن دعاني يوما ودفع إلي قطاعا -أراه قال نحو قيراطين- وقال ~~لي: «قم الساعة إلى المنستير اشتر الحوت الذي قلت لك عنه»، فلم يمكني ~~مخالفته. فمضيت إلى المنستير، فلما مشيت نصف الطريق أو أكثر إذا برجل على ~~كتفه مشنة فيها حوتان من قلقط، فقلت في نفسي: «لعلي أشتريهما منه ~~ويقرب عنائي».فلما التقينا سلمت عليه وقلت له: «تبيع مني هذين الحوتين؟ » ~~فقال: «لا»، قلت: «أنا أعطيك فيهما ثمنا كبيرا» فقال: «لو أعطيتني فيهما ~~دينارا ما بعتهما منك، لأنهما معي رسالة»، فقلت له: «إلى من؟ » قال: «إلى ~~أبي هارون الأندلسي في [قصر] لمطة» فقلت: «فأنا والله أرسلني أبو ~~هارون إلى المنستير أشتري له حوت قلقط اشتهاه».قال: فقال لي: «إذا كان هكذا ~~فوصلهم أنت إليه وأرجع أنا من ها هنا».قال: «فدفع إلي المشنة ورجع ~~PageV01P522 الرجل إلى المنستير، ورجعت أنا إلى أبي هارون. فلما وصلت إليه ~~سمع الشيخ أبو هارون كلامي فقال: «ما أعادك؟ أما مضيت؟ » فقلت: «بلى، أصلحك ~~الله، قرب الله عنائي: كان من الأمر كذا وكذا، وذكرت له القصة؛ فعجب رحمه ~~الله تعالى وقال لي: «اعملهما»، فتشمرت وغسلتهما وجعلتهما في طاجن ~~وأدخلتهما الفرن واشتغلت في عملهما إلى نصف النهار. وكانت أيام صيف، وكان ~~الفرن خارج «القصر» فلما أخرجوا الخبز أخرجته فرأيته جاء غاية من الغايات. ~~فأخذته على يدي ودخلت به القصر، فإذا في السقيفة جماعة رجال ونساء من ~~المسافرين دخلوا يقيلون من شدة الحر، فلما دخلت فاحت إليهم رائحته، فصاح بي ~~رجل منهم، فرجعت إليه فقال لي: «يا أخي، هذه المرأة حامل-وأشار بيده إلى ~~امرأة منهم-وقد شمت رائحة هذا ms306 الطاجن الذي معك، ويخشى أن تطرح . إن ~~رأيت أن تنفضل وتعطيها منها شيئا؟ » قال: فأنزلته عن يدي، وقطعت منه قطعة ~~وغطيته، ومضيت به إلى الشيخ، فلما كشفته بين يديه أعجبه وسر به ثم قال لي: ~~«أرى أثر شيء نزع منه» فأخبرته خبر الحامل/فقال لي: «أعطيتها منه؟ » فقلت ~~له: «نعم» فقال: «الحمد لله، سررتني والله»، ثم قال: «يا أخي، اقض ~~حاجتي وأدخل على قلبي مسرة، واحمله إلى جماعتهم يأكلوه» فقلت له: «لا تفعل، ~~أصلحك [الله] . أنا متعوب فيه من غدوة إلى الساعة، ولك مدة ~~تشتهيه، والحامل قد أكلت شهوتها».فقال لي: «لعلهم كلهم قد اشتهوه كما اشتهت ~~الحامل. لا والله ما يطيب لي أكله، هم أولى به ومعهم النساء والأطفال. ~~احمله إليهم» قال: فحملته والله على كره مني، وأتيتهم به وقلت لهم: «قال ~~لكم الشيخ: اجتمعوا وكلوا هذا» ففرحوا به فرحا شديدا، واجتمعوا كلهم ~~وأكلوه، وحملت الطاجن فارغا، فأخبرته بفرحهم وأكلهم إياه PageV01P523 ~~بجماعتهم، فسر بذلك سرورا عظيما ثم قال لي: «أبوك رأيته اليوم؟ » فقلت له: ~~«لا والله، أنا من غدوة مشغول معك، ما رأيت أبي ولا غيره»، قال: «وكذلك أنا ~~ما رأيته من غدوة».قال: فمضيت إلى أبي فوجدته قد تشمر وهو يعمل كنافة عجيبة ~~. # فأخبرته بما جرى لي مع الشيخ في الطاجن، فقال: «نعم ما عمل الشيخ» قال: ~~«وأنا قد عملت له هذه الكنافة» قال: فأخذ في عملها وأفرغ عليها الزبد ~~والعسل الكثير في مثرد كبير وغطاها وقال لي: «خذها على يدك»، وأغلق بيته ~~وجئنا إلى الشيخ أبي هارون، فقال: «ما هذا؟ » فقال له أبي: «كان عندي-أصلحك ~~الله-شيء من سميد وعسل وزبد، فقالت لي نفسي: «اعمل كنافة للشيخ أبي هارون ~~تأكلوها معه»، قال: فكشفها فأعجبت الشيخ، وقال: «يا أبا بكر، آثرنا بالطاجن ~~أولئك المساكين والنساء والأطفال، فعوضنا الله عز وجل ما هو خير منه». # وقال أبو عقال : خرجت أنا وأبو هارون يوما ومعنا عشرة مثاقيل ~~نفقة كنا استعددنا بها للسفر، وكانت مصرورة معي، إلى أن عرض لنا سائل ~~[وقال لنا] : # «واسونا مما ms307 رزقكم الله، يرحمكم الله ويعظم أجوركم! » فقال لي: «يا ابن ~~غلبون، اعطه تلك العشرة التي معك»، قال: فوقفت عن إعطائها وشححت بها، وخفت ~~أن ألتجئ إليها. ثم قال لي: «يا ابن غلبون، اعطه تلك العشرة التي معك ~~[وتوكل] على الله تبارك وتعالى» فأعطيته إياها. ومشينا قليلا وإذا ~~بفارس خلفي مبيض بأشد ما يكون من الجري، فأعطاني صرة وقال: «خذ، يا أبا ~~عقال »، ثم مضى الفارس حتى غاب في الطريق. ثم مشيت حتى لحقت أبا هارون، ~~وهو يومئذ على المقدمة، فعطف علي قبل أن أكلمه وقال لي: «يا ابن غلبون، ~~أعطيت عشرة فأخذت مائة، مثل هذا العزيز الكريم يتاجر معه؟ أما سمعته ~~PageV01P524 يقول: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) ؟ يا بخيل، خذ رأس ~~مالك وتصدق بالباقي فإن مثل هذا الكريم يتاجر [معه] ». # قال أبو بكر الصقلي، وكان من رجال يحيى بن عمر: «كنت أخدم أبا هارون ~~الأندلسي، وكان أبي كثير الصحبة له. قال: فجئت معه يوما إلى حانوت حجام عند ~~«المسجد الجامع بسوسة» ليأخذ له من شعره، فوجدنا الحجام يحلق رأس رجل، ~~فسلمنا وجلسنا ننتظر فراغه حتى أتى رجل من أهل الدنيا، فسلم وجلس، فرد عليه ~~الحجام، وقال له: «ارتفع يا سيدي»، وأعظمه. قال: فلما قام الرجل الذي بين ~~يديه قال للرجل الدنيائي : «اعزم يا سيدي» وصب على رأسه، ولم يلتفت إلى ~~أبي هارون».قال أبو بكر: «فغضبت من فعل الحجام، إذ لم يعط الشيخ حقه ولا ~~سيما أنه سبق، فقلت للشيخ بيني وبينه: «قم بنا إلى غيره»، فقال لي: # «لا» فقلت له: «ألا تراه قدم عليك رجلا من أهل الدنيا، وأنت سبقت، ولم ~~يعرف قدرك؟ » فأشار إلي أن أسكت فسكت ولم أقدر أخالفه. فلما فرغ من الرجل ~~بل الشيخ رأسه وجلس بين يديه، وحلق رأسه. قال: وحلقت رأسي بعده، فلما فرغنا ~~أخرج الشيخ أبو هارون من جيبه خرقة حلها وأخرج منها دينارين ودفعهما إلى ~~الحجام وخرج، فبقي الحجام باهتا ينظر إليه. فلما خرجنا قلت للشيخ: «لم فعلت ~~هذا، أصلحك الله؟ هذا ms308 رجل لم يعرف قدرك، وقدم عليك من سبقته أنت دوننا ككل ~~ من له دنيا، وحقرك، فأعطيته دينارين ليس معك غيرهما» فقال لي: «إنما ~~أردت أن أقيم جاه الفقر والفقراء عنده حتى لا يعود أبدا يقدم دنيائيا على ~~فقير ولا يرى فقيرا إلا نظر إليه بعين الجلالة».قال أبو بكر: «فمشينا ~~قليلا، فلما جاوزنا الجامع لقينا قوما عليهم أثر السفر، فسلموا على الشيخ ~~أبي هارون وقبلوا رأسه وبجلوه، ودفعوا له صرة وقالوا له: «فلان يقرأ عليك ~~السلام ووجه إليك بهذه الصرة» فأخذها منهم، فمشينا قليلا ففتحها فعد فيها ~~عشرة دنانير فقال لي: «يا أبا بكر، أقمنا جاه الفقراء PageV01P525 بدينارين ~~فعوضنا الله عز وجل عشرة». # وحدث أبو ميسرة أحمد بن نزار الفقيه، قال: «كنت بجامع سوسة وأبو هارون ~~الأندلسي جالس، فأتاه رجل ضعيف العقل من فقراء أهل سوسة فقال له: # «أطعمني الخبز والعسل» فقال: «نعم، إذا كان العصر تأتيني» وكان ذلك غدوة. # قال أبو ميسرة: «فكنت عنده وقت العصر جالسا حتى أتاه قوم من أهل ~~القيروان، فدفعوا له صرة وقالوا: «يا أبا هارون، هذا سهمك من أزوادنا» ~~فأخذها منهم، فبعد أن انصرفوا أتاه الضعيف للوعد، فحل الصرة وقال لرجل كان ~~جالسا : «خذ هذا القيراط اشتر له به خبزا وعسلا».قال أبو ميسرة: «فقلت ~~له: بين لي قولك للرجل: # «تأتيني العصر» وأنت ليس معك شيء من الدنيا» فقال: «يا أبا ميسرة كأني ~~أظن بالله عز وجل أن يتركني يوما كاملا بلا رزق؟ لا والله ما نظن هذا بالله ~~عز وجل». PageV01P526 # وفيها توفي: ### $ 164 - أبو عقال بن غلبون ، [رضي الله عنه] توفي وهو ساجد خلف المقام [ودفن بمكة] . # خرج من القيروان فأوطن الحرم وسكنه حتى مات به، ورفض الدنيا وتركها، ولزم ~~السهر وسرد الصيام، وباين أبناء جنسه، وتشرد عن الوطن وفارق السكن [وقال في ~~الزهد فأحسن] . # /وكان قد جر أذياله في الصبا، وأطال من عنانه في الهوى، منهمكا في ~~البطالة، صاحب لهو وصبوة مع مروءة وفتوة. إلى أن تناهت حدود القضاء فشمر ~~وارعوى، وآثر ما يبقى ms309 على ما يفنى، فبكى وناح على ما سلف من أيامه، وقارف ~~ من آثامه، صائما نهاره، قائما ليله، حتى كان يضرب به المثل في عبادته. # وأما سبب توبته ورجوعه إلى عبادة ربه، وما جرى له في ذلك من الأخبار ~~والمجالس: # فذكر سليمان بن محمد، قال: «أخبرني محمد بن الكاتب، قال: كنا نشرب ~~PageV01P527 عند أبي عقال بن غلبون في داره، [قال] فلما كان بعد العصر ~~خرج عنا من المجلس، وقد طبنا، فقال لغلامه: «امض فاشتر لي جبة من صوف ~~وعباءة وكساء ومئزرا من صوف»، فحسب [الغلام] أنه إنما يريد أن ~~يكسوها لأحد. فأتى بها إليه فنزع ثيابه تلك الناعمة النظاف ودخل إلى والدته ~~فقالت له: «ما هذا يا أبا عقال؟ أخولطت في عقلك يا بني؟ » فقال لها: «يا ~~أماه، والله لا عصيته بعد هذا اليوم أبدا، إلا أن يقدر علي»، وانصرف كل ~~واحد منا . فهكذا كانت توبته، رحمه الله تعالى. فباع ما كان له من دار ~~ وعقار وتصدق به. # وخرج إلى مكة، حرسها الله تعالى، في خيشتين ، [قال] : «ائتزرت ~~بواحدة وارتديت بالأخرى وفي يدي ركوة، حتى أتيت إلى بعض محارس سفاقس، ~~فرأيت أبا هارون الأندلسي هناك، فقال لي بعد ثلاث: «ما لك يا بني تكثر ~~الانتحاب والبكاء في ليلك ونهارك، بخلاف الشباب والفتيان حتى كأنك قريب عهد ~~بمعصية ؟ » قال: فقلت له: «ذنوبي قد عظمت وجلت» . فقال لي: «فإنها ~~صغيرة حقيرة في جنب عفو الله تعالى وكرمه وصفحه، فما اسمك يا بني؟ » ~~فقلت له: «اسمي أدب، وكنيتي أبو عقال» فقال لي: «أبشر بكل ما يسرك إن شاء ~~الله تعالى، فقد أتاني آت [من الله] في منامي فقال لي: «يصحبك ~~شاب إلى مكة اسمه «أدب» وكنيته «أبو عقال»، وقد تاب الله تعالى عليه في أم ~~الكتاب، فارفق به في صحبته معك». PageV01P528 # قال أبو عقال: «فكنت معه حتى أتانا الخبر بأن رفقة الحاج خرجت من ~~القيروان فوافيناها بقابس، فلما كان في الساعة التي نزلنا بها في طرف مناخ ~~الرفقة -وقد هلكت جوعا-قال [لي] : «يا بني، ms310 خذ هذه الستة ~~دراهم فاشتر بها ما نأكلوا فو الله ما أملك غيرها».قال أبو عقال: ~~فلما أخذتها واستقرت في يدي إذا بسائل قد وقف إليه، فقال له: «عسى يحضرك ~~شيء لله عز وجل»، فقال لي: # «ادفع إليه تلك الستة دراهم».قال: فأمسكت يدي وقلت في نفسي: «نحن البارحة ~~لم نطعم، وأنا لا أرى أين أضع قدمي من الجوع»، فأمسكت يدي عن الستة ~~دراهم، فانتهرني وقال: «ادفعها [إليه] كما أمرتك» قال: فدفعت إليه ~~خمسة دراهم وأمسكت درهما دون علمه. # قال: «فو الله ما مشى السائل قليلا ولا توارى حتى سمعنا صائحا يصيح ~~باسم أبي هارون واسمي فقلت له: «ألا تسمع هذا الذي يصوت بنا؟ » فقال [لي] ~~: # «الساعة ينتهي إليك»، والرجل يكثر الصياح باسمينا ويسأل أهل الرفقة ~~في المناخ عنا، فقلت له: «أقول لبيك وأجيبه؟ » فقال لي: «لا تكن ~~عجولا»، حتى وقف الصائح بنا وسلم علينا وقال: «هذه خمسون دينارا مثاقيل بعث ~~بها إليكما فلان PageV01P529 وفتح بها عليكما»، فنظر إلي أبو هارون ~~نظرة منكرة وقال: «يا ورنيدة لم تدفع إلى السائل الستة دراهم ~~كاملة؟ أما إنك لو دفعتها إليه كاملة لجاءتك ستون دينارا موفرة».قال: ~~ففرقناها على من كان في الرفقة [معنا] من الضعفاء والمساكين ولم نخرج ~~ من قابس ومعنا منها إلا التافه اليسير. فكنت معه تحت رفق الله عز وجل ~~وتحت ستره حتى وصلنا [إلى] مكة». # قال أبو بكر بن سعدون: رأيت أبا عقال على جبل الرحمة يوم عرفة جاثيا ~~بين يدي الله عز وجل على ركبتيه، باسطا ذراعيه، شاخصا ببصره ودموعه سكبا. ~~فقلت له: «يا أبا عقال، إنه يوم عظيم، ألا تدعو؟ » فقال لي: «يا ابن سعدون، ~~هو يعرف حاجتي وفي أي شيء جئت». # وقال أبو ميسرة: سمعت أبا عقال [يقول] : «لو سبقني أحد لجلست مع ~~المبتلين الذين قد أيس لهم من البرء، وأمسكت في يدي جرسا كما ~~يفعل المجذومون الذين قد ذهبت أعينهم وأيديهم وأرجلهم، فإن قال لي ~~قائل: «وأنت أين بلاؤك؟ » قلت له: «أنا بلائي [في قلبي] لا يرجى له ms311 ~~برء أبدا» . # قال أبو ميسرة أحمد بن نزار الفقيه: «وافيت أبا عقال (بمكة، فسلمت عليه ~~PageV01P530 وقلت له: «يا أبا عقال) ، أخبرني فأني نعتد بك ونثق بقولك ~~. بلغني أنه يأتيك طعام لم تمسه الأيدي»، فضرب بيده على رمته ~~وقال: «أنا أبو عقال الشاطر الداعر، سل عني الشطار والطنابريين ~~والعوادين! لمثلي أنا يقال هذا لسوء حالي! بلى، إنه إذا اشتهينا ~~شهوة-[يا أبا جعفر] -أتت إلينا من حيث لا نعلم: # رأيت أنا وأبو هارون شواء وحلوى وجردقا حواريا فاشتهيناه ~~جميعا، فقلت له: «يا أبا هارون، إنه لطعام طيب» ثم خرجت إلى «ذي طوى» فإذا ~~بنسوة فصاحت بي خادم صفراء، وتباعد النسوة، فقالت لي: «ارفع ~~لنا هذا السطل من البئر يا أبا عقال» فنزلت فرفعت السطل، فقالت لي: خذ ~~ذلك الطعام الذي في (هذا) المنديل» فإذا بشواء وحلوى وخبز حواري، ~~ثم مضيت إلى أبي هارون فقال لي: «يا أبا عقال، يشهيك ويدللك (إنك) ~~ اشتهيت شهوة PageV01P531 أتتك. يا أبا عقال، لا تكن آمالك كلها إلا في ~~الله عز وجل فإنه يتم لك كل شيء».هذا يا أبا جعفر الذي [بلغك] . # قال أبو القاسم الجوهري: حدثنا أبو على الواسطي، قال: لقيت إسحاق المقرئ ~~بطرسوس، قال : «لقيت أبا عقال بمسجد الخيف من «منى» وعليه خيشتان، ~~/مؤتزرا بواحدة ومرتديا بالأخرى ، فقلت له: «حدثني بأشد شيء مر عليك في ~~الحجاز»، وحوله جماعة يكتبون كلامه، فقال [لي] : «كان معي سبعون صاحب ~~ركوة، فوقع القحط فماتوا وبقي ستة أثر الضر فيهم. وبقينا ليالي لم نطعم، ~~فوقع في سرى أن آتي الركن فألتزمه فلعلي أن أموت على ذلك. [قال] : ~~فعانقته حبوا من الجوع. فطرأت على قلبي أبيات فرجعت إلي نفسي، وهي : # عقدت عليك مكمنات خواطري %~% عقد الرجاء فألزمتني حقوقا # إن الزمان عدا علي فزادني %~% علما بأنك سيدي تحقيقا # ما نالني ضر بوجه مساءة %~% إلا وجدت به إليك طريقا # حسبي بأنك عالم بمصالحي %~% إذ كنت مأمونا علي شفيقا # فامض القضاء على الرضى مني به %~% إني رأيتك في البلاء رفيقا # قال: فرجعت إلي نفسي واستندت ms312 إلى «زمزم»، فما استويت جالسا حتى أتى ~~PageV01P532 إلي أسود على رأسه مكتل فيه خبز ولحم مشوي وصرة دارهم ~~فقال لي: «أنت ابن غلبون؟ » فقلت له: «نعم» فوضعه بين يدي ومضى، فأوميت ~~ إلى أصحابي فكنت فيه كأحدهم». # وذكر الفقيه أبو سعيد بن أخي هشام ، قال: [حدثني رجل من أهل مصر قال] ~~: «دخلت جامع مصر فقلت: «اللهم أرني وليا من أوليائك». [قال] فإذا ~~برجل يركع عند المقصورة عليه عباءة». [قال] : «فجلست بجواره ~~فسمعته يقول وهو ساجد: «اللهم إني جائع فأطعمني»، ثم تمادى على الركوع. # فإذا برجل قد أقبل، فنظر يمينا وشمالا، ثم قصد نحوه فجعل بجواره جردقا ~~وخبيصا، فلحقته وسألته عن سبب ما أتى به فقال: «ذهبت زوجتي إلى الحمام، ~~فاشتهت علي أن أعمل لها لحما مشويا في تنور، فجاز بي رجل من أصدقائي ~~فاشتغلت معه حتى فات الوقت، وعمل جاري خبيصا فأخذت منه، وأخذت معه ~~ جردقا، وأتيت به إليها، فتغيرت علي وقالت: «أنت اشتغلت عني ولم تلق ~~إلي بالا»، فحلفت أنها لا تأكله، وحلفت أنا أني لا آكله ، فقالت: # «امض به إلى الجامع فأطعمه للفقراء». # [قال] : فدخلت الجامع ، فنظرت يمينا وشمالا على أن يقع بصري على ~~فقير، فما وقع بصري إلا على هذا الذي يركع عند المقصورة، فلما وضعته بجواره ~~وانصرفت [عنه] ، رأيت الجامع مملوءا بالفقراء».قال: «فرجعت انظر إلى ~~PageV01P533 الرجل فإذا هو أبو عقال بن غلبون [رضي الله عنه وأرضاه] . # قال أبو ميسرة: وسمعت أبا عقال يقول-وقد سألته: «ما أشد ما جرى عليك ~~بمكة؟ » فقال-: «أشد ما مر علي أنا جعنا يوما ثم يوما ثم يوما، فمضينا إلى ~~قوم فواجرونا في عمل الطين، ونحن ثلاث [أنفس] : أنا وأبو [هارون] ~~ ورجل آخر».قال: «فعملت أنا معهم في الطين إلى الضحى، فضعفت عن العمل ~~ولم أقدر على شيء، وخفت إن أكلت معهم وحلت في العمل. فخرجت من مكة ~~هاربا نحو الصحراء، وليس-والله الذي لا إله إلا هو-في قلبي ذكر جنة ولا نار ~~ولا حساب ولا عقاب. ولقد كنت أتمنى لو أصبت قشرة خبز على ms313 مزبلة، ~~حتى جئت إلى بئر إلى جنبه خشبة فنمت عليها وأنا مهموم لما بي من الجوع ~~. # فأنا كذلك حتى أقبل نسوة فقلن: «تنح لنا عن البئر فإنا طلبنا أن ~~نتفرج عنده»، قال: «فتنحيت عنهن، وجعلت بيني وبينهن شرفا. فأنا كذلك لما بي ~~، إذ أقبلت واحدة منهن فقالت: «قد وقع لنا الإناء الذي نستقي به في ~~البئر فلعلك [تجيء] تخرجه لنا [من البئر] » فجئت مبادرا حتى ~~أخرجته لها، ثم رجعت إلى موضعي وأنا مغموم لما في قلبي من الجوع. حتى ~~أقبلت [إلي] واحدة منهن بطبق فيه خبيص وفالوذج وشواء وجرادق، وقالت: ~~«كل، فهذه بنت فلان التاجر تنزهت اليوم إلى هذا الموضع، وهذا هدية لك من ~~عندها»، PageV01P534 فأكلت طعاما لو عملت شهرا جديدا بمكة وأحرزت عملي ~~ما قام لي بذلك الطبق. فأكلت وشبعت، ثم حضرتني دمعة شكر فبكيت، ~~ثم قلت لنفسي: «يا ابن غلبون، لم تذكر في هذا اليوم جنة ولا نارا ولا ~~ذنبا من ذنوبك؟ إنما كان همك كسرة خبز يابسة تأكلها، فقد أكلت شيئا لم يخطر ~~ببالك».ثم نمت ، فبينا أنا نائم إذ وقف بي ثلاثة نفر، واحد منهم ~~متقدم واثنان في طلبه، فقلت لواحد منهم، «من هذا؟ » فقال: «هذا إبراهيم ~~الخليل» [صلى الله عليه وسلم] ، فعطف علي بوجهه وقال: «يا ابن غلبون، ~~تظن أنك تقصد الله تعالى ويضيعك، أو تقصد الله ويخذلك؟ »، ثم انتبهت. فهذا ~~أشد ما مر بي بمكة». # وقال أبو بكر بن سعدون : «قال لي أبو عقال : «يا أبا بكر، زال من ~~قلبي حب الدنيا إلا حب النساء» قال: «فكنت أطوف مغطى العينين خوفا من ~~الفتنة فإذا بامرأة خراسانية نظرت [إلي] وأنا أطوف فقالوا لها: ~~«هذا رجل من ملوك المغرب، طلق الدنيا وبقي في قلبه حب النساء»، فقالت: «أنا ~~أتزوجه».فأرسلت إليه، فقال لها: «لا أتزوجك حتى تتركي الدنيا ولا يبقى معك ~~شيء منها مثلي» فأخبروها، فتصدقت بما [معها] وتزوجت أبا عقال، فأقام ~~معها حتى توفي فدفنا جميعا بمكة، أبو عقال وزوجته الخراسانية». PageV01P535 # قال أبو بكر بن سعدون : حججت ms314 سنة تسعين ومائتين، فسمعت أبا عقال ~~يذكر الرءوس ، فقلت له: «إذا كان بالغداة، إن شاء الله تعالى، وصليت ~~الصبح فاصعد إلى [جبل] أبي قبيس وأنا آتيك بها إن شاء الله عز وجل». # قال: «فغدوت إلى رواس فأخذت منه ثلاثة رءوس، وأخذت رقاقا وخبزا ~~وصعدت إلى أبي قبيس فأصبته جالسا ناحية، فوضعت المئزر بين ~~يديه، ثم أخذت [رأسا] فشققته، فوجدته دودا يغلي، فوضعته وأخذت ~~الثاني، فوجدته كذلك. فلما رأى ذلك أبو عقال قام وتركني، فمضيت إلى الرواس ~~فقلت: # «يا هذا، أبعت مني بائتا مدودا؟ » فقال لي: «ما عندي بائت ولا ~~مدود» فقلت له: «هاك! » فنظر فإذا ليس فيه دودة واحدة، فأقبلت أتعجب وذكرت ~~له القصة، فقال: «نعم، [هكذا] تكون هذه الرءوس من عند العامل/أو من ~~عند صاحب الشرطة» ، أو كما قال أبو بكر . # وذكر الشيخ أبو الحسن [بن] القابسي، رحمه الله تعالى، أبا عقال، ~~فحكى كيف كان سبب توبته، ثم أنشد له شعرا يصف فيه أحواله التي كان ~~يفعل قبل توبته، فقيل للشيخ [أبي الحسن] : هل يجوز مثل هذا: أن يذكر ~~PageV01P536 الإنسان أفعاله القبيحة؟ أما يدخل هذا في حديث ابن عمر ~~الذي قال فيه: # «من المجانة أن يعمل الإنسان عملا بالليل فيصبح يخبر به»؟ فقال الشيخ أبو ~~الحسن: «إن أفعاله كانت ظاهرة غير مستترة عليه » فقيل له: «وقد أخبر ~~هو بها في شعره لمن لم يكن يعلمها [منه] ، فقال: «إنه لو لم ~~يخبر بها هو من لم يعلمها لبلغته من غيره». # وقيل : إنه كتبت إلى أبي عقال أخته من القيروان إلى مكة كتبا ~~كثيرة، بعد توبته وإنابته، تسأله وترغب إليه في الرجوع إلى المغرب لتجتمع ~~به وتسر برؤيته قبل أن يفرق الموت بينهما، فكل كتاب وصل إليه منها ~~ألقاه من يديه ولم يقرأه. فلما طال ذلك عليها أوصت إليه بغير كتاب ~~[ورغبت إليه] وقالت: # «بحق الثدي الذي رضعته معك إلا أريتني وجهك قبل الموت وفراق الدنيا ~~! ما لك؟ في حين صباك وجناياتك وكثرة ما يطرأ علينا بسببك كنت عندنا، ~~وحين صرنا ms315 نفتخر بك ونتبرك برؤيتك فارقتنا؟ » فقال لرسولها: «قل لها ~~ما كنت لأدع بلدا عرفت الله عز وجل فيه وأمضي إلى بلد عصيت الله تعالى فيه. ~~أخشى أن تقتضيني العوائد». # ثم قدمت عليه أخته بعد ذلك من المغرب وأقامت [معه] بمكة حتى ماتت ~~. PageV01P537 # وقيل : إنها لما قدمت [عليه] قال لها: «[يا] أخت، إن ~~هذا بلد شديد العيش وليس تمكنك الأشياء به كما كانت تمكنك بإفريقية، وأنت ~~قد تعلمت بإفريقية العيش الرغد والطعام الطيب».فقالت له: «إذا لم أجد شيئا ~~أخذت القربة وحملت [على] ظهري الماء وسقيت مع السقايات». [قال] ~~ثم إنها أقامت معه ما شاء الله تعالى بمكة تتعبد معه، وكانت مجتهدة. ثم ~~توفيت بمكة، حرسها [الله] . # قال أبو بكر بن سعدون: رأيت على قبر أبي عقال أبياتا رثته بها أخته ~~، وهي : # ليت شعري ما الذي عاينته %~% بعد دوم الصوم مع نفي الوسن # مع نزوح النفس عن أوطانها %~% من نعيم وحميم وسكن # يا وحيدا ليس من وجدي به %~% لوعة، تمنعني من أن أجن # فكما تبلى وجوه في الثرى %~% فكذا يبلى عليهن الحزن # وكان سبب موته أنه صلى العشاء الآخرة [وذلك] في شهر رمضان ثم قمنا ~~ لصلاة التراويح، فصلينا ترويحة، أو اثنتين، فسجد الناس وسجد أبو ~~PageV01P538 عقال، ثم قام الناس و [بقي] أبو عقال [ساجدا] ~~بحاله، فظن من وراءه أنه نام في سجوده، فلما انقضت الترويحة التي ~~كانوا فيها ذهبوا يحركونه فإذا هو قد مات. فصعد رجل على «الحجر» ~~فقال: «أيها الناس، إن الله تبارك وتعالى أراد أن ينشر لأبي عقال في ~~أرضه اليوم عملا ». # وكان، رحمه الله تعالى، هوى الشعر في أيام حداثته، فلما صار إلى ما صار ~~إليه كان يقوله في معنى الزهد ورفض الدنيا، ويندب نفسه فيه ويصف أحواله ~~التي تقدمت [له] في حداثته، فمن ذلك قوله : # أيا من يرى الرشد في غيه %~% ويخبط في الداجيات القتادا # تجاف بنفسك عن حتفها %~% وخذ لأمانك منك القيادا # أجب داعي الله لا تعصه %~% فقد جاد بالنصح جهرا ونادى # ولا تله بالموبقات التي %~% أبادت ms316 بوائقها من تمادى # وأقفرت الربع من أهله %~% وأبقت حلوف الندامى فرادى # وشتتت الشمل بعد ائتلاف %~% فلم تبق للرائدين ارتيادا # بلوت الزمان، ودست البلاد %~% ونافست في كل شيء عنادا # شربت المدام، وسست القيان %~% ورضت الجياد، ورعت الشدادا ~~PageV01P539 أصيد الغزال وأم الرئال %~% بطرف أراه يجيد الطرادا # وصعلكت في البر والبحر دهرا %~% أخلف أهلي علي حدادا # أسوم البعاد وأهوى اللذاذ %~% وأظهر في الأرض مني ~~الفسادا # أروح على ذا وهذا وذاك %~% أديم السهاد وأجفو المهادا # إلى أن تناهت حدود القضاء %~% وأنفذ سلطانه ما أرادا # فجلى من القلب إظلامه %~% وأنور ما كان منه سوادا # فألزمت نفسي مدى صبرها %~% وخالفتها في هواها عنادا # وباينت ما كنت ألهو به %~% فأمسي وأصبح عندي سهادا # رضيت بدون الكفاية قوتا %~% وبالله عن كل خلق عمادا # فأضحى الملوك وأهل النعيم %~% أقل البرية عندي عدادا # وأسقطت لومي عن العالمين %~% فمن شاء ود ومن شاء عادى # فمن دام دمت له في الوفاء %~% وزايدته أبدا ما استزادا # ومن تاه تهت بمن لا يذل %~% به من أعز ولا من أسادا # فلم أر عيشا كعيش القنوع %~% ولم أر مثل التقى لي مرادا ~~PageV01P540 قال أبو الربيع سليمان بن محمد: أخبرني محمد بن الكاتب الرجل ~~الصالح، [الفاضل]، قال: دخلت المسجد الحرام فإذا أنا بابن غلبون في ~~«الحطيم» قاعدا، فسلم علي وعانقني ثم قال لي: «يا ابن الكاتب: # أما والأكف المهديات سلامها %~% إلى مدنف لم يستطع أن يسلما # وتلك الخدود البيض والأعين التي %~% قضين لدمعي أن يفيض ويسجما» # ثم قال لي: «يا ابن الكاتب، استمع قولي في تكفيره»، ثم قال : # «لاح المشيب بلمتي فنعاني %~% ونفى الصبا عني وزم عناني # ونأت خطوب الحادثات بأسرتي %~% فبقيت منفردا من الأقران # فلئن مضى صدر الزمان بصفوه %~% فلأخدمن لسيدي المنان # /ولأقطعن علائقي من غيره %~% جتى أحل بساحة الميدان # ولأنفين مطاعمي وملابسي %~% ولأمنعن من الكلام لساني # ولأهجرن أحبتي ومعارفي %~% ولأقطعن عصابة المجان # ولأبكين على الصبا ولما مضى %~% من غرتي في سالف الأزمان # فلعل من شمل العباد بفضله %~% يحيى الفؤاد بكثرة الأشجان # يا من إليه حسن ms317 ظني قادني %~% أنت المؤمل عند كل أوان # فامنن علي بما أؤمل منك يا %~% معطي [الجميل] ومسدي الإحسان # وقال أيضا : # لئن عزف الإخوان عني نزاهة %~% وخلفني عنهم نصيبي من الفقر # لقد سرني أني خلي من الذي %~% أضاعوه من حقي ولو كنت في الأسر ~~PageV01P541 ولو كنت في الدنيا على مثل حالهم %~% أبحتهمو رحلي وعدت إلى ~~طمري # فما لي إلى خلق سوى الله حاجة %~% ولكنه شيء تجاذبه فكري # أتيه على الدنيا إذا ما تعذرت %~% وأوثر بالموجود منها على الضر # سأرعى لهم ما هان مني عليهمو %~% وأحمل نفسي في الجفاء على الصبر # عليهم سلام الله مني رسالة %~% مقسمة بين التواصل والهجر # فما ألفة الألاف إلا تشاغل %~% عن الجد والتشمير في النهي والأمر # رضيت بوصل الله عن كل قاطع %~% حبال الإخا فيما ينوب من ~~الدهر # وأيقنت أن المنع من فيض جوده %~% وفضلا لأهل القرب باح به شكري # فقمت على صول الزمان مفكرا %~% بأربعة أنبت فيها على الصبر # فقل لحصون الغرب طرا ومن [بها] %~% أبحتكمو حظى من البر والبحر # يقارعني من شاء منكم بعيشة %~% معينة الأوقات ظاهرة الستر # بلا عوض منها إلى النفس راجع %~% علي بجاه في الأنام ولا قدر # وقال أيضا: # مناي وتسويفي بنفسي أذلها %~% وأعملها فيما عليها بما لها # تميل إلى حظ من القوت دارس %~% بحظ من الدار التي لا انقضا لها # كأني للدنيا رهين بخدعة %~% تحالفني [يوما] ويبقى وبالها # وناشئة الليل البهيم يقومها %~% رجال أضاعت فرشها وحجالها ~~PageV01P542 سوامر أسدال الظلام ضوامر %~% بنيل من الإقتار ~~منها منالها # ولاذت بمولاها بصائر فكرها %~% فأنعشها روح الحياة وعالها # فلما رأى من آثرته بحبها %~% دوام الأسى منها عليها رثى لها # فعفى مراقيها وأوطى سهولها %~% وحطت عليه بالوجود رحالها # نعيم ذوي الألباب برهان صدقهم %~% ولي حالة لم ينعم الله بالها # كأني ونفسي بين حرب وهدنة %~% إذا ساعدتني في السهاد بدا لها # إذا ذادها للورد حادي وعيدها %~% أشار إليها ضده فأزالها # تخالفني في كل أمر أريده %~% وتقطع مني باليمين شمالها # فمن لي بنفس لا تزال غوية %~% تساعد شيطانا يريد ضلالها ms318 # فلو كان لي التخيير في بدء خلقتي %~% تعوذت من نفسي فلم أر حالها # وكنت كمن لم يبدع الله خلقه %~% فلا علة آسي عليها ولا لها # ولو كنت في الدارين حرا مدللا %~% لنغص ذكر الموت عندي دلالها # فلا كانت الدنيا ولا كنت قبلها %~% فما لي وما للعيش فيها وما لها # وقال أبو عقال يذكر أوصاف أبي هارون الأندلسي واجتهاده في الطاعة ودوامه ~~عليها . PageV01P543 # قرين الحزن ذو هم يجول %~% أخو سهر إذا نام الغفول # دؤوم الكد أواه إذا ما %~% تذكر ما توعده الجليل # عزوف النفس عن شهوات دار %~% تميل لها القلوب وما تميل # قرير العين بالإخوان صب %~% غزير الدمع بسام وصول # سخي الكف ليس بما لديه %~% من الدنيا، وإن جلت ، بخيل # رحيب الصدر ليس له ادخار %~% ولا أهل ولا ولد يعول # فعول ما يقول وكل أمر %~% يدل عليه فهو له عمول # ذكي النفس ذو عقل ولب %~% صدوق اللفظ يفهم ما يقول # وقال أيضا : # دعاه من الأوطان شوق مبرح %~% فجاد عليه دمعه وهو قاطر # عليه لكتمان المودة شاهد %~% من الوجد يبدي ما تجن الضمائر # عزوف عن الآمال بين ضلوعه %~% وبين الحشا من لوعة الحب باتر PageV01P544 ~~ألا فعلى الدنيا عفاء يشوبه %~% طلاقي لها ما ساعدتني البصائر # فإن أقبلت يوما علي بودها %~% فإني لما تولي من البر كافر # لعمرك ما في الدنيا شيء أريده %~% سوى أنها نزل وأني مسافر PageV01P545 ### | بسم الله الرحمن الرحيم ### || ثم كانت سنة ثلاث وتسعين ومائتين # وفيها توفي: ### $ 165 - أبو عبد الله محمد بن أبي حميد بسوسة -حرسها الله- # حدث ابن اللباد (عنه) انه قال : رأيت سحنونا بعد موته كأنه في ~~موضع فخرجت في طلبه، فحس بي خلفه فقال لي: أتحفظ القرآن؟ فقلت له: نعم ~~فقال (لي): اقرأ عشر واتل عليهم نبأ نوح في [سورة] يونس، ~~فقرأته عليه فلما فرغت منه قال لي: القراءة في المصحف أفضل، فقلت له يا ~~أبا سعيد أشكو إليك أني آخذ الكتاب فأدرس، فإذا/حفظت العشر مسائل أو ~~نحوها انسيت فقال: يا بني لم يجئ الصدق ولو جاءك (الصدق) ms319 لجاءك ~~فوق ما تريد-مع انه يرى هذا الإكثار الذي أكثرت أنا ليس هو هناك- القراءة ~~في المصحف أفضل القراءة في المصحف أفضل، القراءة في المصحف [أفضل] . PageV02P005 # عن محمد بن [أبي] حميد قال: سمعت قاسم الجوعي يقول # (أظهروا نسكا وزهدا %~% و) على المنقوش داروا # وله صلوا وصاموا %~% وله حجوا وزاروا # لو رأوه في الثريا %~% ولهم ريش لطاروا # سمع من سحنون. وسمع بمكة من غير واحد. # قال أبو جعفر القمودي بينما أنا بين سابت ونائم إذ وقف بي شخص فقال ~~لي: لا قائم ولا نائم إن أردت أن ترى أولياء الله تعالى فاخرج إلى مسجد ~~الدمنة-يريد المصلى الذي (في) قبلة الدمنة-قال أبو جعفر فقمت من فوري ~~إلى الذي عنده مفاتيح أبواب المدينة فسألته أن يفتح لي فقال لي: تفتح حصن ~~المسلمين في هذا الوقت؟ فقلت [له] : افتح لي من الباب قدر شبر وكن من ~~ورائي فإذا خرجت فاغلق الباب، ففعل البواب له ذلك لجلالته، قال أبو جعفر: ~~فخرجت إلى الدمنة ليلا/فوجدت شخصا قائما يصلي في قبلة المصلى، فأحرمت وراءه ~~وأقبلت أصلي بصلاته حتى طلع الفجر فتأملته فإذا به محمد بن أبي حميد ~~المتعبد، فلما رآني وعرف أني قد رأيته [وعرفته] PageV02P006 جعل ~~إصبعه على فيه وأشار إلي أن أسكت ثم قال: تلك الطريق. وأشار بيده نحوها أن ~~أنصرف عنه فانصرفت. # وكان سكناه بمدينة سوسة. # وكان من إشفاقه يقول: ما أراني صليت قط بالحقيقة كما يجب لحق الله ~~عز وجل ومثلي يعمل عملا يصلح لله تبارك وتعالى [اللهم] إن كنت تعلم ~~اني عملت عملا رضيته لك فاحرقني بالنار. # وكان قد عظم جلال الله عز وجل في قلبه حتى هان عليه في الله تعالى ~~كل عمل عمله . # قال القاضي عبد الله بن هاشم : حدثني عبد الله بن أبي عيسى- ~~وكان من الأبدال-قال: كنت أماشي ابن أبي حميد فالتفت إلي وقال لي: يا ابن ~~أبي عيسى نموت؟ فقلت له: نعم يا سيدي، ثم مشى قليلا فالتفت إلي وقال لي: ~~نموت يا ابن أبي عيسى؟ فقلت له: [نعم يا ms320 سيدي ثم مشى قليلا، فالتفت إلي ~~وقال لي: نموت يا ابن أبي عيسى فقلت له] نعم-أصلحك الله-قال: فصاح: آه ~~ومد بها صوته ثم ضرب بيده في صدري وقال: # نموت يا ابن أبي عيسى ويصلى في المساجد بعدنا ونحن تحت التراب/فقلت له: # لا بد من ذلك [فغشى عليه] . PageV02P007 # حدث الطبني المؤدب رضي الله عنه-وكان فيه خير -قال: دخلت يوما على ~~ابن أبي حميد في علته التي مات منها وهو في البيت وكان في الدار ذباب ~~وإذا بكف خارجة من الحائط تذب عن وجهه رأتها عيني لا شك فيها. # وقال أبو إسحاق السبائي : كان محمد بن أبي حميد يقول : ~~اللهم إن كنت تعلم أني عملت عملا رضيته لك فأحرقني بالنار. # قال أبو القاسم: وسمعت محمد بن كامل القطان السوسي يقول: كنت ~~في جنازة مع ابن أبي حميد فأتى رجل على دابة يركض يسأل عن ابن أبي حميد حتى ~~سقط عليه [فسلم] وقال له: أتيتك لرؤيا رأيتها لك، رأيت في المنام ~~قائلا يقول [لي] اذهب إلى ابن أبي حميد فسلم عليه فإنه ختم خلف كل ~~عمود بجامع القيروان ختمة. قال: فسأله أبي [وقال له: أكان ذلك] فقال: ~~قد كان ذلك. # قال أبو محمد: فعددت أعمدة الجامع الذي بالقيروان فوجدتها عدد ~~أيام السنة . PageV02P008 # وجرت له قصة مع ابراهيم بن أحمد الأمير قال: أتى ابراهيم بن أحمد ~~إلى سوسة وقد بلغه عن أهلها أذى فقال: أمضي إليها فأخربها وأهدم سورها ~~وأعذب أهلها: قال: فوصل إلى سوسة في/الليل فأتى إلى الدمنة فنزل في مسجدها ~~فاجتمع إليه أهل الدمنة، فقال لهم: هل عندكم أحد يحفظ القرآن يخرج (إلي) ~~؟ فخرج (إليه) محمد بن أبي حميد، فسلم عليه وجلس معه ساعة ثم ~~قال له: ما أتى بك ؟ فقال له: بلغني أن أهل هذه المدينة تكلموا في ~~بالقبيح وآذوني بألسنتهم فجئت معتمدا لإخرابها وإخراب سورها وعذاب ~~ أهلها فقال له ابن أبي حميد: يأذن لي الأمير أن أقرأ، فقال له: ~~اقرأ فقرأ بعد أن تعوذ يا أيها النبي قل لمن في ms321 أيديكم من الأسرى إن يعلم ~~الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم ~~ فبكى ابراهيم بن أحمد عند ذلك بكاء عظيما ثم قال: والله لا فعلت ~~شيئا مما كنت اعتقدت . وركب من ساعته راجعا إلى القيروان وذلك كله ~~ببركة محمد بن أبي حميد وحسن نيته رحمة الله ورضوانه عليه. PageV02P009 ### || ثم كانت سنة أربع وتسعين ومائتين # وفيها توفي: ### $ 166 - بكار المتعبد بقصر الطوب # وكان (من) المحزونين الخائفين. وكان إذا أخذ في البكاء قطع على أهل ~~القصر الصلاة. # قال أبو ميسرة : قيل لبكار: إذا مت دفناك مع أهل قصر الطوب. فقال ~~(لهم) : مرائي حيا ومرائي ميتا إن رحمني ربي فسيجمع بيني وبين ~~أهل قصر الطوب وإن لم يرحمني فليس ينفعني أهل قصر الطوب. # وفيها توفي: ### $ 167 - محمد بن علي بن درسة البجلى # كان له سماع. ومما أسند إليه قال: (حدثنا) محمد بن بشير ~~البغدادي عن إسحاق بن نجيح عن PageV02P010 عطاء عن ابن عباس ~~قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وهو (على) ~~ولاية اليمن : من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل سلام عليك، فإني أحمد ~~[إليك] الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإن ابنك فلانا توفي في يوم ~~كذا وكذا فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر، ورزقك الصبر عند (البلاء) ~~والشكر عند الرخاء و [اعلم أن] أنفسنا وأموالنا من مواهب الله عز ~~وجل الهنية وعواريه المستودعة يمتعنا بها إلى أجل معدود ويقبضها لوقت ~~معلوم وحقه عليك إذا بلاك الصبر فعليك بتقوى الله تعالى وحسن العزاء ~~فإن الجزع لا يرد ميتا ولا يؤخر أجلا [وإن الأسف لا يرد ما هو نازل ~~بالعباد] والسلام (عليك) . PageV02P011 # وفيها توفي: ### $ 168 - أبو عثمان سعيد بن إسحاق الكلبي # مولى كلب، صاحب سحنون، بقصر الطوب، ودفن به، صلى عليه أبو يونس كان ~~ثقة، متعبدا، سريع (الدمعة) كثير الصلاة. سمع/من سحنون وعون ابن يوسف ~~وسمع من أبي زكريا الحفري وسمع بمصر من أبي الطاهر أحمد ابن عمرو ms322 بن ~~السرح ، ومن محمد بن عبد الحكم، ومن جماعة. # وكان حسن الكتاب قليل الخطإ، إذا أشكل عليه حرف سأل عنه، وكان ساكنا بقصر ~~الطوب يقيم به شهورا ثم يقدم إلى القيروان فيقيم شهورا فيأتيه الناس ~~فيسمعون منه. مولده سنة اثنتي عشرة ومائتين. # ومما حدث به: (حدثنا) محمد بن رزين السوسي عن زهير بن عباد ~~عن أبي بكر المديني حدثنا ثور بن يزيد عن ابن عمر قال: قال رسول ~~الله PageV02P012 صلى الله عليه وسلم: ابن آدم عندك ما يغنيك وتطلب ما ~~يطغيك، [ابن آدم] لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع، ابن آدم إذا كنت ~~آمنا في سربك معافى في بدنك عندك قوت يومك فعلى الدنيا العفاء . # قال أبو محمد عبد الله بن إسحاق الفقيه ابن التبان رضي الله ~~عنه: قال أبو عثمان سعيد بن إسحاق: ما نفعني الله تعالى إلا بشاب رأيته ~~بمكة-حرسها الله-وهو تحت جدار يقرأ القرآن بتلاوة حسنة وتفهم وقراءة حزينة ~~بمقدار ما يسمع منه وعليه/خرقتان فقلت له: يا فتى مالك؟ كأنك قريب عهد ~~بمصيبة فقال لي: عليك بنفسك، فلها فانظر ودع ما فيه غيرك، فما شككت ~~أنه ولي لله عز وجل فقلت في نفسي: قد وقعت على حاجتي فجثوت بين يديه ~~على ركبتي وقلت له: سألتك بالله إلا دعوت لي، فقال لي: شغلك الله بنفسك ~~وجعلك ممن تنظر إلى عيوبك ، وعرفك قدر ما تطلب حتى يهون عليك ما تترك. # فوصل سعيد إلى القيروان فتخلى عن الدنيا وجعل الله همه في العزلة ~~والانفراد بالله عز وجل، وسكن قصر الطوب، فكان به معلق القلب، دائم البكاء ~~والفكرة حتى لحق بالله عز وجل . # قال خلف السرتي : نزل عندنا بقصر الطوب شاب فأقام نحو ثلاثة أيام أو ~~أكثر ثم أخذ عصاه وخرج سائرا، فخرج سعيد بن إسحاق فقال: أين ~~PageV02P013 الشاب؟ فقيل له: خرج. قال خلف السرتي : فلحقته وأدركته ~~وأمسكته حتى (أتى) سعيد بن إسحاق وجعل يعتذر إليه ويقول له: يا هذا ~~(إننا) أشغلنا عنك ونسيناك ولكن خذ هذه الصرة، وأخرج صرة فيها ms323 ~~دراهم من جيبه، فقال له الشاب: أنا مستغن عنها، فألحف عليه وألح في أن ~~يأخذها، فقال له: مالي إليها حاجة، فقال له سعيد : ما نرى معك شيئا ~~ يغنيك عنها، فمد الشاب يده إلى الرمل، فأخذ منه قبضته فإذا هو ~~ذهب يلوح في يده، فبهت سعيد بن إسحاق ثم ألقاه الشاب ومضى، ونحن ننظر إليه ~~فكان سعيد يقول: إني لمحروم إذ لم أقل له ادع لي دعوة. قال خلف ~~السرتي: فأنا ألزم القعود في هذه الرملة، وأحبها وكان أبدا يجلس فيها. # وسمع بعض الشيوخ سعيد بن إسحاق يبكي الليل كله في ليلة باردة جدا ~~حتى أصبح، فقال له-أصلحك الله-: سألتك بالله ما أبكاك في هذه الليلة بخلاف ~~العادة؟ فقال له: نعم، تفكرت في فقراء أمة محمد صلى الله عليه وسلم في ~~(هذه) الليلة الباردة فبكيت رقة لهم. # قال بعض أهل التاريخ: أتى نواتية لابراهيم (الأمير) ~~فأرادوا النزول في قصر الطوب وكان في القصر في ذلك الوقت سعيد بن ~~إسحاق وأبو يونس PageV02P014 # وجبلة فمنعوهم من ذلك وأغلقوا باب القصر في وجوههم. فبلغ ذلك ابراهيم ~~[الأمير] فأتى (إلى) باب قصر الطوب وهو مغضب فقال: من هذا ~~الذي منع عبيدي أن يدخلوا القصر؟ فارتاع أهل القصر لذلك وداخلهم من الجزع ~~ أمر عظيم، فأتوا إلى سعيد بن إسحاق فعرفوه فتشرف من أعلى القصر وقال: # من هذا؟ فقال له: أنا ابراهيم بن أحمد الأمير، فرفع سعيد صوته وقال: يا ~~ابراهيم تركنا لك الدنيا كلها وانزوينا في هذا الثغر فجئت تؤذينا والله لئن ~~لم تمر لأهلكنك، فمضى ابراهيم هاربا على وجهه حتى جاز القصر بأمر عظيم، ~~فقال له الذين حوله: ما لك يا سيدنا؟ فقال لهم: لما صال علي سعيد بن إسحاق ~~تلك الصولة حسبت أن الفحص اشتعل نارا علي، فما زلت كذلك حتى وقعت في ~~هذا الموضع. # ومنهم : ### $ 169 - أبو السرى واصل المتعبد # الساكن بقصر تبصة المرابط وهو الحصن الذي يقال له في هذا الوقت ~~PageV02P015 الديماس . كان رجلا صالحا، فاضلا، مجتهدا، صحب جماعة من ~~النساك المنقطعين ms324 إلى الله عز وجل بالمشرق والمغرب-وهو غير أبي السرى واصل ~~[الجمي] المتعبد بقصر جمة . # قال ربيع بن سليمان الكانشي: كنت كثير الاختلاف إليه، فبصر يوما برجل ممن ~~[كان يختلف معنا ليس معه عصا-وكان اسمه ابراهيم-فقال: يا ابراهيم ما لك بلا ~~عصا؟ فقال: ليس عندي عصا فقال لبعض] [من] كان معنا جالسا: اذهب إلى ~~الركن-وأشار إلى أحد أركان البيت-فاتني بالعصا التي فيه. فذهب الرجل فأتاه ~~بعصا/فأخذها ونظر إليها ثم دفعها إلى ابراهيم وقال له: هي عندك بأمانة الله ~~عز وجل فاحفظها. قال: فأخذها الرجل وانصرفنا. فلما كان في الجمعة الأخرى ~~أتيناه فلم يكن له هم إلا النظر إلى العصا فرأى عليها خيطا ملفوفا، ~~فقال له: ما لهذه العصا؟ فقال له: يا سيدي كنت أعاني أمر ثور فاعتاص علي ~~فضربته بها فتصدعت، فقال له: وانما أعطيتها لك لرعي البقر، هاتها ~~وأخذها وقال : أتدرون شأن هذه العصا؟ قلنا: لا، فقال : كنت أكثر ~~السياحة منفردا عن الناس فبينما أنا يوما سائر في بعض PageV02P016 ~~الفلوات إذ بصرت برجل جالس على شفير بئر [و] قد ركب طوق البئر ~~وإحدى رجليه خارج البئر والأخرى يلعب بها في مائه فقصدت نحوه وقد ~~أضناني العطش فوصلت إلى البئر من ناحية ظهر الرجل، فنظرت فإذا ماؤه قد ~~عاد في أسفله وكانت معي ركوة فيها خيط فألقيتها في البئر فلم أدرك الماء ~~فلم أزل أحل الخيط شيئا بعد شيء حتى فنى الخيط من يدي ولم أصل إلى ~~الماء. # قال: وسمع الرجل حسي من خلفه فالتفت إلي ثم سلم بعضنا على/بعض وقال ~~لي: ما حاجتك؟ قلت: الماء، قال: اطو حبلك، فطويته ثم قال [لي] هلم ~~ركوتك، فأسلمتها إليه، فمد يده في البئر فأخرجها مملوءة ماء، ~~فناولنيها ثم قال [لي] اشرب، فشربت حتى رويت ثم قال لي: هل لك في ~~طعام؟ قلت: نعم، فقال: امض إلى خلف الرابية-يعني كدية أشار إليها- فكل ~~ما تجد هناك ولا تدخر منه شيئا، فمضيت، فإذا بتمر برني وبرازق تفور ~~حرارة ما كنت أقدر على أكلها من شدة حرارتها، ms325 فسميت الله عز وجل وأكلت ~~حتى أخذت حاجتي ثم قمت وفي ركوتي فضل ماء فأخذها من يدي وأراق ما ~~(كان) فيها من الماء. فقلت له: لعلنا نحتاج إليه؟ فقال: أطعمك وسقاك ~~وأنت تدخر عليه إذا احتجنا إلى شيء أتانا الله به. PageV02P017 # ثم سار الرجل أمامي وأنا أتبع أثره وكان برد شديد وعلي أطمار رثة فأخذنا ~~مطر فنظرت إليه وقد عوذ نفسه وأشار بعصاه يمينا وشمالا وأمامه وخلفه فكان ~~المطر يقع حوله وهو معافى منه لا تصل إليه قطرة واحدة. قال: ونالني من ~~البرد وأذى المطر ما لا أصفه. قال: فما شعر إلا بتقعقع أسناني من شدة البرد ~~فالتفت إلي وقال: هاهنا أنت؟ /قلت نعم. قال ادن مني فدنوت منه، فنظر إلى ~~بللي وشدة قري، فوضع يده على رأسي وأمرها على ظهري، ثم قال: # اللهم دفئ جسده وجفف ثوبه، فجف ثوبي، (قال) : ثم عوذني وأشار بالعصا ~~حولي كما فعل على نفسه، فكنا نمشي والمطر يقع على كل جانب من جوانبنا ولا ~~تصل إلينا منه قطرة فما فوقها إلى أن كف المطر، ثم صحبته بعد ذلك ~~يومين حتى انتهينا إلى موضع من الأرض فقال: سر في ودائع الله، فهذا ~~العمران قد قرب منا، قال: وكنا نعرف قرب العمران بكثرة الوحش (والصيد) ~~وذلك أن المفازة والقفار لا يرى فيها وحش البتة، فقلت له: إني أريد ~~صحبتك؟ فقال لي: لا تقدر على ذلك ومن تحلى بغير ما هو فيه استحق من الله عز ~~وجل المقت عليه ولكني أرجو لك خيرا إن شاء الله تعالى. فقلت له: يا سيدي ~~أحب شيئا أذكرك به، فقال لي: أمن الدنيا تريد؟ فقلت: لا، قال: ما معي غير ~~عصاي هذه فخذها بأمانة الله، فقد جعل الله تعالى فيها خيرا لي وللذي ~~أعطانيها وللذي أعطاه إياها، نحن ثلاثة قد جعل الله تعالى لنا فيها ~~خيرا كثيرا/فاحتفظ بها، فأخذتها منه وهي عندي من ذلك الوقت، ثم عطف واصل ~~على الذي كان أعطاه العصا فقال له : وأنا رجوت الله تعالى PageV02P018 ~~[أن] يجري ms326 لك من بركتها شيئا بانتفاعك بها فجعلتها لرعاية ~~البقر. ثم قال للرجل: أعدها في الموضع الذي كانت فيه. فأعادها. # قال أبو الحسن علي الصقلي الجزيري : قصدت أزور أبا السرى واصلا ~~الصغير مع جماعة فرأيت في كلب بتلك البقعة أعجوبة وذلك أنه لا ينبح ~~على الزوار من كانوا بل يبصبص إليهم ثم يدخل الدار فلا أدري أيفهمون ~~(عنه) بعلامة أو غير ذلك فيعلمون بذلك أن الزوار قد أتوا لزيارة واصل ~~فيخرج إلينا أبو السرى فنسلم عليه. قال فقلت له يا أبا السرى أنت جلت ~~في الشرق والغرب فاذكر لي بعض ما رأيت ؟ فقال: بينا أنا أمشي بالشام ثم ~~ذكر نحو الحكاية التي تقدم ذكرها . # ثم قال: وآخر دللت عليه وكان لا يكاد يوصل إليه (إلا في) ~~الأيام الكثيرة فجئت وقيل لي: قل له أنا من الجوالين فدققت الباب فخرج ~~إلي ابن له فسألته الوصول/إلى أبيه، فقال لي: أنا ابنه ولي أيام ما وصلت ~~إليه، فقلت له: إني من الجوالين، فذهب ثم خرج إلي مسرعا فأذن لي بالدخول، ~~فدخلت PageV02P019 فقال لي : دونك ذلك البيت، فدخلت (البيت) فإذا ~~بشيخ قائم يصلي فهبته ، ثم جلست فسلم ثم جلس فلم أقدر أكلمه من هيبته ~~فلما طال ذلك على الشيخ، قال لي: يا أخي أترى بعد الموت عملا ؟ فقلت: ~~لا، فقال: # إن الساعة تذهب والصحيفة تطوى. فلم أسمع منه غير ذلك. وقام وخرجت أنا. # وذكر الزناتي الساكن بقصر ابن الجعد -وكان من خيار الناس-قال: # قال لي أبو السرى واصل: كنت أجول في الغرب فإذا ضللت عن الطريق أتت ~~الوحوش (والسباع) وغيرها تمشي بين يدي تهديني إلى الطريق فأمشي عليها. PageV02P020 ### || ثم كانت سنة ست وتسعين ومائتين # وفيها توفي ### $ 170 - [أبو عبد الرحمن] بكر بن حماد # سمع بافريقية من سحنون-رضي الله عنه-وغيره. # سعي به إلى ابراهيم ابن أحمد الأمير فخرج هاربا من القيروان يريد تاهرت ~~بلده فلما صار بسباطة خرج عليه قطاع الطريق فقتل ولده عبد الرحمن وجرح ~~بكر جراحات [عدة] فما زال في بطنه فتق منها إلى ms327 أن مات. # وله/في ولده عبد الرحمن مراث كثيرة رأيت منها (أبياتا وهي) : PageV02P021 # بكيت على الأحبة إذ تولوا %~% ولو أني هلكت بكوا عليا # فيا سكني بقاؤك كان ذخرا %~% وفقدك قد كوى الأكباد كيا # كفى حزنا باني منك خلو %~% وانك ميت وبقيت حيا # ولم أك آيسا فيئست لما %~% رميت الترب فوقك من يديا # فليت الخلق إذ خلقوا أطاعوا %~% وليتك لم تكن يا بكر شيا # نسر بأشهر تمضي سراعا %~% ونطوى في لياليهن طيا # فلا تفرح بدنيا ليس تبقى %~% ولا تأسف عليها يا بنيا # فقد قطع البقاء غروب شمس %~% ومطلعها علينا يا اخيا # وليل التم يجلوه نهار %~% تدور له الفراقد والثريا # [قال] : وله في الزهد والمواعظ وذكر الموت وهوله [شعر] ~~كثير. # قال أبو بكر ابن اللباد-رضوان الله عليه-: دخلت على بكر بن حماد رحمة ~~الله تعالى عليه، فقال [لي] : اكتب، فأملى علي لنفسه : PageV02P022 # زرنا منازل قوم لن يزورونا %~% إنا لفي غفلة عما يقاسونا # لو ينطقون لقالوا: الزاد ويحكم %~% (جد الرحيل) فما يرجو المقيمونا؟ ~~ # الموت أجحف بالدنيا فخربها %~% وفعلنا فعل قوم لا يموتونا # فالآن فابكوا فقد حق البكاء لكم %~% فالحاملون لعرش الله ~~باكونا # ماذا عسى تنفع الدنيا مجمعها %~% لو كان جمع فيها كنز قارونا # قال ابن اللباد: وأنشدني بكر بن حماد لنفسه : # لقد جمحت نفسي فصدت وأعرضت %~% وقد مرقت نفسي فطال مروقها # فيا أسفي من جنح ليل يقودها %~% وضوء نهار لا يزال يسوقها # إلى مشهد لا بد لي من شهوده %~% ومن جرع للموت سوف أذوقها # ستأكلها الديدان في باطن الثرى %~% ويذهب عنها طيبها وخلوقها ~~ # مواطن للقصاص فيها مظالم %~% تؤدى إلى أهل الحقوق حقوقها PageV02P023 ~~سحاب المناي كل يوم مظلة %~% فقد هطلت حولي ولاح بروقها # وللنفس حاجات تروح وتغتدي %~% ولكن أحاديث الزمان تعوقها # تجهمت خمسا بعد سبعين حجة %~% ودام غروب الشمس لي وشروقها # وأيدي المنايا كل يوم وليلة %~% إذا فتقت لا يستطاع رتوقها # تصبح أقواما على حين غفلة %~% ويأتيك في حين البيات طروقها # وقال أيضا [في المعنى] : # قف بالقبور فناد الهامدين بها %~% من أعظم بليت فيها وأجساد ms328 # قوم تقطعت الأسباب بينهم %~% من الوصال وصاروا تحت أطواد # راحوا (جميعا) على الأقدام وابتكروا %~% فلن يروحوا ولا يغدو ~~ لهم غاد # والله والله لو ردوا ولو نطقوا %~% إذا لقالوا: التقى من أفضل الزاد ~~PageV02P024 فبرز القوم وامتدت عساكرهم %~% كيما يوافوا لميقات ~~وميعاد # ما بالقلوب حياة عند غفلتها %~% والله، سبحانه، منها بمرصاد # [كيف البقاء وهذا الموت يطلبنا %~% هيهات، هيهات، يا بكر بن حماد] ~~ # بينا ترى المرء في لهو وفي لعب %~% حتى تراه على نعش وأعواد # هذي أبا مالك دنيا منغصة %~% فيها حزازات أحشاء وأكباد # فكلنا واقف منها على سفر %~% وكلنا ظاعن يحدو به الحادي # في كل يوم نرى نعشا نشيعه %~% فرائح فارق الأحباب أوغاد # الموت يهدم ما تبنيه من فرح %~% فما انتظارك يا بكر بن حماد # وقال أيضا : # لقد حفت الأقلام بالخلق كلهم %~% فمنهم شقي خائب وسعيد PageV02P025 ~~تمر الليالي بالنفوس سريعة %~% ويبدئ ربي خلقه ويعيد # أرى الخير في الدنيا يقل كثيره %~% وينقص نقصا والحديث يزيد # فلو كان خيرا قل كالخير كله %~% وأحسب أن الخير منه بعيد PageV02P026 ### || ثم كانت سنة سبع وتسعين ومائتين # ثم كانت سنة سبع وتسعين ومائتين # وفيها توفي: ### $ 171 - أبو يوسف جبلة بن حمود بن عبد الرحمن # يكنى جده بأبي الأشعث من ولد المعروف بالمقطع مولى عثمان بن عفان رضي ~~الله تعالى عنه [و] دفن بباب سلم [و] صلى عليه أبو سعيد بن محمد ~~ابن سحنون [و] حضر جنازته خلق من الناس. وكان مولده سنة عشر ~~ومائتين [و] كان يكون بقصر الطوب المرابط ثم يقدم إلى القيروان ~~فيسمع الناس منه ثم يرجع. PageV02P027 # سمع من سحنون ومن جماعة من علماء مصر من أبي إسحاق/البرقي وغيره. # وكان صحيح السماع. # قال موسى بن عبد الرحمن القطان: من أراد أن يدخل إلى دار عمر ابن ~~الخطاب-رضي الله عنه-فليدخل (إلى) دار جبلة. ولو أن جبلة في زمن بني ~~اسرائيل لأتتنا أخباره في الكتب ولو فاخرنا بنو اسرائيل ~~بعبادهم وزهادهم لفاخرناهم به. # قال أبو سعيد بن محمد بن سحنون: كانت مع جبلة همة يتيه بها على ~~الخلفاء. ms329 # وحضر سعيد بن الحداد وحماس جنازة فقال له سعيد: تقدم يا أبا يوسف ~~فأنت أزهدنا وأسن منا وأعلم بتقى ربه منا. # وقال رجل لموسى بن عبد الرحمن القطان صبيحة موت جبلة: لقد وفق الله ~~تعالى له جوار هذا الرجل الصالح-يعني البهلول بن راشد-نفعه الله تعالى ~~به. (قال) : فقال موسى: فلعل البهلول ينتفع به. PageV02P028 # وكان سحنون إذا رأى جبلة مقبلا يقول: إن عاش هذا الشاب فسيكون ~~له نبأ وهو أزهد أهل زمانه. # قال أبو محمد عبد الله بن سعد : ما سمعته قط يذكر الدنيا بمدح ~~ولا ذم. # قلت لسعيد بن الحداد: ذكر لي أن جبلة كان ينام على زنبيل وقطعة ~~نطع وطوبة عند رأسه فوقها وسادة. قال: فقال لي سعيد: هو فوق ما تصف وكرر ~~ ذلك ثلاث مرات. # قال أبو محمد: وكان جبلة لا يحب ما ظهر من الأعمال وكانت أعماله ~~كلها خفية ما خلا الزهد فإنه كان يظهر عليه. # وعن أبي محمد عبد الله بن سعد قال: كان جبلة بن حمود من أفضل رجال ~~سحنون قد علاهم بالزهد ورأيته وسمعت منه: وكان أول شأنه أنه لما نشأ لأبويه ~~وتعلم كتاب الله عز وجل حببت إليه دار سحنون فكان يختلف إليه ويسمع منه. ~~وكان (أبوه) يقول بقول أهل العراق ويصحب السلطان، فأراد يوما الخروج ~~إلى دار سحنون فأخذ أبوه طاشيره (فرفعه) لئلا يمضي إلى دار سحنون، ~~فأخذ جبلة مقنعة أمه فتردى بها ومضى ، فلما رآه سحنون [قال PageV02P029 له] : ما فعل طاشيرك يا جبلة؟ فأخبره بما فعل أبوه، ~~فدعا سحنون خادما له فقال: ائتني بالمدرج ، فأتاه به فدفعه إلى جبلة. # قال جبلة: فلما خرجت دعاني رجل أندلسي فقال (لي) يا جبلة هل لك في ~~ثوب أكثر من هذا يقطع ثوبا وطاشيرا؟ فقلت له: أفعل، فمضى (بي) إلى ~~خياط ودفع إليه الثوب وقال له: اقطع لهذا من هذا ثوبا وطاشيرا ففعل وأعطاه ~~ حقه وواعده أن يدفعه إلي العصر وأخذ الثوب مني ثم عدت إلى الخياط ~~فأخذت منه الثوب فلبسته ثم مضيت إلى دار ms330 سحنون فلما قمت لا نصرف سألني عن ~~المدرج فأخبرته بالقصة وما فعل الأندلسي، فقال لي سحنون: أما أنه قد غبنك ~~الأندلسي. # حدث الشيخ أبو الحسن [بن] القابسي رضي الله عنه وأرضاه قال: # دخل جبلة يوما على سحنون وعليه أخلاق ، فجلس فلما فرغ السماع قام ~~ليخرج فقال له سحنون: اجلس، فجلس فلما خرج الناس ولم يبق عنده أحد غير ~~جبلة أخرج إليه شقة ورداء وقال [له] : قطع [لك] من هذه قميصين ~~ والبس هذا الرداء. PageV02P030 # قال: وجلس رجال على باب سحنون حتى خرج جبلة فقالوا له: لماذا حبسك سحنون؟ ~~فأخبرهم بما أعطاه فقالوا له: تبيع منا ما أعطاك؟ فأبى فرغبوه في ~~الثمن ودفعوا إليه أربعين دينارا ، فباعها منهم بأربعين دينارا، ~~فقال له سحنون بعد ذلك: ما فعلت في الثياب؟ فقال بعتهم من قوم بأربعين ~~دينارا، فقال له سحنون: يا ورنيدة اشتروا منك ما عرفوا وبعت ما لم ~~تعرف. # ومات والد جبلة-وكان ذا يسار-وترك نعمة عظيمة فلم يرث [جبلة] ~~منها شيئا، فكلم جبلة على تركه ميراث أبيه فقال: ما علمت من أبي إلا ~~خيرا ما كان يقول ببدعة لكني رأيته يقتضي (من) ثمن الطعام طعاما وهو ~~عنده جائز وعندنا غير جائز. فتركه تنزها -رضي الله عنه- # قال أبو بكر الزويلي : كان قوت جبلة في الشهر ثمنين شعيرا ~~، كان يطحنهما ويجعلهما في قلة، (فكان) إذا رأى الشمس ~~(تغيرت) خرج إلى الفحص فأخذ ما وقع على يده من بقل البرية وأتى ~~به إلى بيته وجعل القديرة PageV02P031 على النار وجعل فيها ذلك البقل فإذا غلت أدخل يده في [تلك] ~~ القلة وأخرج قبضة من الدقيق فألقاها فيها ثم أفطر على ذلك، فكان ~~هذا عيشه، ومثل هذا كثير من ورعه. # وذكر عنه أنه رئي وهو يروح [على] الماء فقيل له في ذلك، فقال: # اشتهيت الماء البارد. # ورئي مرة أخرى وقد انكسر الكانون الذي يصطلي به فأشعبه ~~بالزفت وجعل فيه النار وجعله تحته فلما سخن فيه النار قام منه الدخان الذي ~~(في) الزفت، وهذا كله من أفعاله دليل على نسيانه ms331 لأمور الدنيا وعمارة ~~ قلبه بأمور الآخرة. رضي الله تعالى عنه. # وخرج ليلة ليتوضأ فوجد بعض الزوار طبخ بيسارا وغرفه في صحفة ~~وجعله في السطح ليجمد له، فمر به جبلة فوجده قد جمد، فقال: مساكين جمد لهم، ~~فصب فيه الماء من إبريق كان معه ثم مضى فجاء القوم فقالوا: # من أفسد علينا بيسارنا وصب فيه الماء؟ فقال لهم جبلة: أنا فلا تظنوا ~~إلا PageV02P032 خيرا، ظننت أنه فسد عليكم فأردت أن أزيدكم فيه الماء. # وقيل إنه راح مرة إلى الجمعة بقميص زوجته، فقيل له: ما ~~هذا -أصلحك الله-قميص المرأة؟ فقال : ما علمت منها إلا خيرا طاهرة ~~عفيفة. # وكان النساء في ذلك الزمان يقطعن قريبا من تقطيع الرجال، وإنما فعل ~~ذلك لأنه لم يجد غيره ، وقد كان في ذلك اليوم غسل ثوبه فحضرت صلاة ~~الجمعة ولم ينشف ثوبه فأخذ قميص زوجته (فخرج به) وهذا يدل على تقلله ~~من الدنيا وزهده فيها، وأنه لم ينل منها إلا ما سد جوعته وستر عورته ~~. # وذكر أبو العرب في كتابه في الطبقات قال: خرج علينا ~~جبلة/وعليه قميص وغلالة وسراويل ومنديل على أكتافه وكانت ~~ثيابه تلك قد أكلها الجراد فقوم بعض من كان معنا من الطلبة جميع ثيابه التي ~~كانت عليه بثلاثة أرباع درهم (يعني) فضة خالصة. PageV02P033 # قال أبو محمد بن خيران : دخلت على جبلة بين العشائين وهو يأكل بطيخا ~~ فقلت له: إن رائحة هذا تخرج الدواب-[يعني الحيات] -فقال (لي) ~~: إنها مرسلة فقلت له: وفي الظلام؟ فقال [لي] : ما جاء سعد ~~بعد. قال فلقيت سعدا فقلت له: ما بالك تركت الشيخ في الظلام؟ فقال [لي] ~~: له سبع عشرة سنة ما أوقد مصباحا. # قال أبو بكر المؤدب بن محمد بن بشير مضى أبي بي-وأنا صغير- إلى ~~المرابطين ، فنزلنا بقصر الطوب، فدخلنا على جبلة بن حمود، فقال: ~~لقد أضمرت اليوم أن أفطر وسألت الله عز وجل أن يأتيني بمن أفطر معه، ~~فأخذ شقفة وجعلها على نار وطبخ (عليها) عصيدا فأكلنا فيها، فكانت ~~قدرنا وصحفتنا. ثم قال لي: يا بني اشته ما ms332 شئت فقال لي أبي: اشته يا ~~بني كما أمرك الشيخ، قال: فخطر ببالي تين أخضر-ولا والله ما هو زمانه ~~على حال-فقلت: أشتهي تينا أخضر فمد جبلة يده وأدخلها في قلة فأخرج لي ~~خمس تينات خضر. # وكان مستجاب الدعوة. PageV02P034 # قال أبو بكر هبة الله بن محمد بن أبي عقبة : خرج علينا جبلة ~~يوما ونحن في المسجد الذي عند داره-وكنا جماعة وكنت أنا ناحية جالسا ~~- فدخل عليهم وهم يضحكون وقد رفعوا أصواتهم بالضحك فقال لهم: لانفعكم الله ~~بالعلم. قال أبو بكر: فو الله ما علمت أن أحدا منهم ذكر ولا انتفع ~~بالعلم. (وقال أبو بكر) : والله ما ضحكت معهم. # وكان رجل يقال له أبو جميل السائح أصفر كنت أراه يأتي إلى ~~جبلة من الجمعة إلى الجمعة مع المتعلمين فيسمعون من جبلة الرقائق، ~~وكان لباس أبي جميل جبة من صوف وكرزية ورداء من صوف، فإذا مر ~~القارئ بشيء عصر عينيه أبو جميل فيقول (له) جبلة أراك تعصر عينيك يا ~~أبا جميل، لست من أهل هذا. قال أبو محمد: فما هو إلا أن دخل الشيعي -لعنه ~~الله-فأخبرني من رآه تحت دواب كتامة /يخدمهم. PageV02P035 # ولما كانت أيام أبي العباس بن الأغلب وولي الصديني ~~[القضاء] كان جبلة يصلي في مسجده يوم الجمعة الظهر أربع ~~ركعات بأذان وإقامة، فقال له المؤذن: أترى أن أؤذن وأقيم في داخل ~~المسجد فإن الوقت حاد ؟ فقال جبلة: تؤذن وتقيم في الصحن وإلا ~~فالزم دارك، لو منعنا أحد من الصلاة لرميناه بالنبل. # ووجه إليه أحمد بن أبي سليمان مع أبي بكر المعلم فقال: قل له ~~: يا أبا يوسف كيف جاز لك أن تصلي أربعا والجامع يجمع، ~~فأتاه فأخبره PageV02P036 بقول أحمد، فقال: قل له: يا أحمد ألم يمر بك قول مالك في ~~المسجونين أنهم يجمعون في السجن لأنهم منعوا من الجمعة ونحن ~~منعنا من الجمعة فأقمنا أنفسنا مقام المسجونين، فأخبرت أحمد بقوله فقال: ~~رحمك الله أبا يوسف . # وكتب الصديني إلى أبي العباس الأمير: إن جبلة يصلي في مسجده يوم ~~الجمعة بأذان وإقامة، فأرسل ms333 إليه الأمير: مد يدك إلى من شئت واحذر جبلة. # قال عبد الله : ولما دخل عبيد الله إلى افريقية وملكها ونزل ~~برقادة ترك جبلة-رضي الله تعالى عنه-/سكنى قصر الطوب وأتى إلى القيروان ~~فسكنها فخوطب على ذلك وقيل له-أصلحك الله -كنت بقصر ~~الطوب تحرس المسلمين وترابط فتركت الرباط والحرس ورجعت إلى هاهنا؟ فقال: ~~كنا نحرس عدوا بيننا وبينه البحر فتركناه وأقبلنا على حراسة ~~هذا الذي حل بساحتنا لأنه أشد علينا من الروم، فكان (إذا أصبح و) ~~ صلى الصبح خرج إلى طرف القيروان من ناحية رقادة ومعه قوس ونشابه ~~ (وسيفه وترسه) وجلس محاذيا لرقادة فيقيم نهاره أجمع في ذلك ~~الموضع فإذا كان PageV02P037 عند غروب الشمس رجع-رحمه الله تعالى-إلى داره. # وكان رضي الله عنه يحرس بالعشي عند الفرانق فقيل له في ذلك فقال: # أحرس عورات المسلمين [من هؤلاء القوم فإن رأيت منهم شيئا حركت ~~المسلمين] عليهم. # قال الشيخ أبو الحسن بن القابسي رضي الله تعالى عنه: كان جبلة رضي ~~الله عنه يصلي الجمعة في مسجده ويجتمع إليه الناس فجاءه صاحب المحرس يتجسس ~~عليه (قال) : فأخذه جبلة وأدخله المسجد وضربه بالجريد ولم يتركه حتى ~~تاب وحلف أن لا يعود. # ولم يكن في وقته أكثر اجتهادا منه في مجاهدة عبيد الله وشيعته كان ~~لا يداري في ذلك أحدا من الخلق فسلمه الله عز وجل /منهم وحماه من [كيدهم و] ~~ مكرهم. # قال أبو الحسن : وإنما سلك أبو إسحاق السبائي في بغض عبيد الله ~~ وشيعته طريق جبلة بن حمود رحمهما الله عز وجل. # وكان كثير الصدقة على تقلله من الدنيا وترك الطلب لها. # أخبر ابراهيم بن فليح-وكان يخدم جبلة-قال: أتيت إلى حماس ابن مروان ~~القاضي-وكانت شدة عظيمة-فسألني عن جبلة وقال (لي) : خذ هذه الخمسة ~~دنانير فبلغ أبا يوسف جبلة السلام وقل له يقول لك حماس PageV02P038 -أصلحك ~~الله-والله ما هي من أوساخ الناس ولا هي إلا من ميراثي من أبي فلا ~~يضيق بك شيء واتسع بها. قال: فقلت له: ترى-أصلحك الله-أن ~~أشاوره قبل أن أمضي بها؟ فقال (لي) : أصبت، ms334 فأتيت إلى جبلة فأخبرته ~~بما قال، فقال لي: قل له يا أبا القاسم جزاك الله خيرا قد رعيت (منا) ~~ما يرعى الصديق من أخيه ولكن قل له: افعل ما كان سحنون يفعل : افتح ~~مطمر الشعير واطعم ولدك ولا تأخذ لهم من بيت مال المسلمين شيئا. ثم ~~دخل جبلة إلى البيت فأخرج لي ستين درهما وقال لي: امض بهذه إلى أبي محمد ~~الشذوني -وكان من رجال سحنون-وقل له : أخ من إخوانك يبلغك ~~السلام ووجه إليك بهذه وهو يقول لك من هو فإن ألح عليك فلا تخبره ~~وردها. وامض إلى دحمان بن معافى-وكان من رجال سحنون- وقل له: أخ من ~~إخوانك يقرأ عليك السلام ووجه إليك بهذه وهو لا يقول لك من هو. قال: ~~فمضيت إلى أبي محمد الشذوني فكان الذي قال PageV02P039 الشيخ، فقلت له: لا ~~تسل، تأخذها أو تردها [إليه] ؟ فأخذها وقال جزى الله خيرا من ~~أرسلها، متى عهدك بأبي يوسف؟ فقلت: في كل وقت. # وأما دحمان فما سألني ودعا لصاحبها. # ودفع جبلة إلى رجل يقال له ابراهيم-كان يخدمه-دراهم وقال له: # اشتر لي بها أضحية وكان ذلك في العشر، قال فمضيت إلى حمديس الرقاع ~~وأخبرته أنها لجبلة فأعطاني كبشا كالحمار فلما أتيته به ضرب بيده ~~عليه وقال: ليس هذا بدراهمي، قال ابراهيم الصائغ: كانت الغنم غالية فلما ~~رأى الكبش كبيرا رده وقال لي: اشتر لي من السوق بربح ، فشهدته وقد ~~ذبحه بيده يوم النحر فلما سلخه السلاخ دعا بامرأة لها أيتام من جيرانه فدفع ~~إليها جلده وسلبه ثم دعا بأخرى فدفع إليها الربع ثم فعل ذلك بأخرى ~~ودخل داره بالربع في يده فقطع الذنب فوجهه إلى [أبي] يونس المتعبد. # وأما ما كان [يذكر عنه] من اجتماعه بالخضر عليه السلام فحدث [أبو ~~محمد] الحسن بن محمد اللواتي قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن سعد ~~ الصائغ عن أبيه قال: سمعت أبا ميسرة وهو يقول : كنت آتي ~~إلى جبلة وهو في سقيفته فاستأذن عليه فأسمع معه كلاما غير كلامه ولا ~~أدري ما PageV02P040 هو، ms335 فيأذن لي في الدخول فأدخل فلا أرى معه أحدا ~~فأسأله في كتاب -وليس هو من حاجتي-لأختبر ما في البيت، فيقول لي: امض إلى ~~البيت فخذ الكتاب من الزير فأدخل فلا أجد في البيت أحدا فأخرج على ~~أني أسأله فأنساه من البيت إلى السقيفة. فعارضني ذلك كثيرا لا مرة ~~ولا مرتين ولا ثلاثا ولا أكثر [من ذلك] . قال أبو محمد فقلت له: يا ~~أبا جعفر فما ترى ذلك يكون؟ فقال: ما أدري، قال: فقلت له إما أن يكون الخضر ~~عليه السلام أو عبدا صالحا من مؤمني الجن. قال: ما أعرف. # وجاء رجل إلى جبلة على/لسان المروذي فقال له: يقول لك القاضي ~~سلم تسليمتين، واقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» وقل «حي على خير العمل» ~~ فقال له جبلة: مر قبحك الله وقبح من أرسلك، قال: فأخبرني من تبعه ~~ قال فقلت له: لا تقل للقاضي ما قال لك الشيخ، فقال: لا. # فاتبعته من حيث لا يعلم فأتى إلى القاضي فقال: مضيت إلى جبلة برسالتك ~~فقال لي: قبحك الله وقبح من أرسلك. فقال له المروذي: يا كذا [و] PageV02P041 كذا أنا أرسلتك إلى جبلة، جبلة ليس بإمام ولا مؤذن تجيء إلى ~~أولياء الله تتعرض بي لدعائهم . قال: فخرج فقلت له: لا مع الله ولا مع ~~الشيطان، ظننت أن المروذي يمد يده إلى جبلة. # وعن أبي بكر أيضا قال: لما اتصل بجبلة أن بعض أهل القيروان خرجوا ~~يتلقون أبا عبد الله الشيعي تقية من شره ومداراة له فقال ~~جبلة: اللهم لا تسلم من خرج يسلم عليه. واغتم لذلك غما شديدا، فلما انتهوا ~~إلى وادي أبي كريب جردوا وأخذت ثيابهم فلما عرف جبلة بذلك قال: ~~ما غمني إلا رجل واحد فيه خير لا دنيا له. والرجل هو حماس بن مروان ~~القاضي . # وكانت لجبلة فراسة لا تخطئ: # ولما حضر/-رضي الله تعالى عنه-أول خطبة لبني عبيد الله في ~~PageV02P042 جامع القيروان جلس عند المنبر فسمع خطبتهم فلما (سمع) ما ~~لا يجوز سماعه قام قائما وكشف (عن) رأسه حتى رآه الناس ومشى ms336 من ~~المنبر إلى آخر باب في [الجامع] -جامع القيروان-والناس ينظرون إليه ~~حتى خرج من الباب وهو يقول: قطعوها قطعهم الله . فمن حينئذ ترك ~~العلماء حضور جمعتهم وهو أول من نبه على ذلك رضي الله تعالى عنه. # وروي أنه قدم ليصلي على جنازة فصلى عليها ثم قدمت أخرى فقدم ~~عليها أبو العباس بن عبدون القاضي فانصرف جبلة ولم يصل وراءه ~~-وكان انصرافه من جهة القبلة-ولم يخرق الصفوف حتى رآه من حضر، فشق ذلك على ~~ابن عبدون فأرسل إليه يقول له: إني [قد] صليت وراءك إذ قدمت ثم لما ~~قدمت أنا انصرفت أنت من روائي أتظن أني أقول بخلق القرآن؟ ما أقول به. فقال ~~جبلة لرسوله: قل له عني أمرك عندي أعظم مما تقول ألست الذي ضربت أحمد بن ~~معتب وابراهيم الدمني ورجلا ثالثا PageV02P043 سماه، له لقب ~~يعرف به وقطعت بهم سماط القيروان وأمرت أن ينادى عليهم: هؤلاء ~~حزب الشيطان. وهم رجال سحنون/وسحنون أخذ العلم عن رجال مالك ورجال مالك ~~أخذوه عنه وأخذه مالك عن التابعين، والتابعون عن الصحابة-رضي ~~الله عنهم أجمعين-والصحابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم. فأمرك عندي أعظم ~~من البدعة. # قال أبو محمد عبد الله بن سعد: أخبرني بعض أصحابنا قال: لما ولي ~~ابن عبدون القضاء مضى إلى قصر الطوب فخرج إليه أبو يونس وسعيد ابن إسحاق ~~وغيرهما يدارونه وجبلة جالس في بيته فأخبر بمجيئه وقيل له: هو يأتيك ~~فيسلم عليك فأتى ابن عبدون فوقف على باب بيت جبلة فسلم، فلم يرد عليه، فقال ~~[له] -وهو جالس-: ما اسمك؟ فقال (له) : محمد. فقال له: يا محمد ~~إياك أن تقول القرآن مخلوق، مر، فمضى ابن عبدون وهو يجر اطنابه. # قال أبو محمد : وجاءه صاحب المحرس واسمه سحنون فقال له: PageV02P044 # الأمير يقول لك كرر الإقامة -[يعني قبل الصلاة] -وسلم اثنتين ~~ ولا تقنت في الصبح . فقال له جبلة: مر يا شص سماك جدك ~~«سحنونا» وأنت مسخونا ، الأمير لا يعلمنا أمر ديننا . # وفيها توفي: ### $ 172 - أبو محمد يونس بن محمد الورداني # رضي الله ms337 تعالى عنه. # روى أبو القاسم اللبيدي رضي الله عنه عن شيوخه قالوا: كان ~~يونس PageV02P045 الورداني هذا مخمول الذكر وذلك أن لما/دخل عبيد الله ~~إفريقية واستولى عليها طلب أهل الفضل والدين فخاف على نفسه منه فقال ~~لأهله : أخيركم بين أحد وجهين: إما أن تتركوني أهرب من (إفريقية) لا ~~تروني أبدا وإما أن تتركوني أرعى البقر فقالوا له: إن ما ذكرت ليشق ~~علينا وكونك معنا نرى وجهك أحب إلينا من هروبك وانقطاع خبرك عنا. # قالوا: فأقبل على رعاية البقر، فكان إذا أصبح أخذ مصحفه فجعله في مخلاة ~~وتقلد بها وأخذ عصاه وساق البقر بين يديه وأبعدها عن العمارة وأقبل ~~على قراءة القرآن النهار أجمع فإذا أمسى واختلط الظلام أقبل بالبقر إلى ~~منزله فكان هذا دأبه حتى مات وسلمه الله تعالى من فتنة بني عبيد (الله) ~~. قالوا: # فهذا الذي أخمل ذكره رضي الله عنه. # وقيل : إنه لم يبق عند سحنون كتاب إلا وقد ظهر عليه يونس. # ولقد ذكر عنه أنه كان يرعى البقر يوما فأتى إليه قوم على معنى ~~ الزيارة فلما رآهم من بعيد أخذ عصاه في يده وأقبل (يسوق) البقر ~~ويجري وراءها مثلما يعمل الرعاة فرضي الله تعالى عنه وأرضاه بمنه وكرمه ~~وعونه. PageV02P046 ### || وفي سنة تسع وسبعين ومائتين # وفي سنة تسع وسبعين ومائتين # توفي : ### $ 173 - أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الضبي ويعرف بابن البرذون . ### $ 174 - [أبو بكر بن هذيل] # : # قال أبو عبد الله/الحسين بن سعيد الخراط : كان [ابن البرذون] ~~رجلا (صالحا) فقيها بارعا في العلم يذهب مذهب النظر من رجال سعيد بن ~~الحداد لم يكن في شباب عصره أقوى على الجدل والمناظرة وإقامة الحجة ~~على المخالفين منه. PageV02P047 # سمع من جماعة من رجال سحنون: منهم عيسى بن مسكين ويحيى بن عمر وجبلة ~~وسعيد بن إسحاق. # ضربه محمد بن أسود الصديني، إذ كان قاضيا، لذبه عن السنة، وكان ~~الصديني يصرح بخلق (القرآن) . # فلما ولي القضاء المروذي في أيام أبي عبد الله الشيعي أخذ ~~قوما من أهل العلم فضرب بعضهم وسجن بعضهم فرفع خبر ابراهيم ms338 إلى أبي العباس ~~المخطوم فأمر حسن ابن أبي خنزير -عامل القيروان-أن يأخذه هو وأبا ~~بكر بن هذيل فيقتلهما جميعا: لعنه الله. # فأما ابراهيم الضبي فإنه لما أتى به إلى ابن أبي خنزير ووقف بين يديه قال ~~ له: يا خنزير، فقال له الضبي: الخنازير معروفة بآبائها. فغضب وعاجله ~~بالقتل صبرا، فضرب عنقه ولم يضربه. وضرب ابن هذيل خمسمائة سوط ثم ضرب PageV02P048 # عنقه وطيف بهما [جميعا] مربوطين إلى بغل مسحوبين على وجوههما ~~في سماط القيروان وصلبا بباب أبي الربيع . # قال أبو عبد الله محمد بن خراسان: لما وصل عبيد الله إلى/رقادة أرسل ~~إلى القيروان من أتاه بابن البرذون وابن هذيل -وكانا فقيهين فاضلين ~~ -فلما وصلا إليه وجداه على سرير ملكه جالسا وعن يمينه أبو عبد الله ~~الشيعي وعن يساره أبو العباس أخوه فلما وقفا بين يديه قال لهما أبو عبد ~~الله وأبو العباس: # أتشهدان أن هذا رسول الله-وأشارا إلى عبيد الله-فقالا جميعا ~~بلفظ واحد: والله الذي لا إله إلا هو لو جاءنا هذا والشمس عن يمينه والقمر ~~عن يساره يقولان إنه رسول الله ما قلنا إنه رسول الله، فأمر عبيد الله ~~حينئذ بذبحهما جميعا وأمر بربطهما إلى أذناب البغال . # قال أبو الحسن المطلبي: كان ابو بكر بن هذيل من المتورعين PageV02P049 # ذكر الشيخ أبو الحسن بن القابسي: أنه إنما كان عيشه من كد امرأته كانت ~~تشتري الكتان فتغزله وتنسج منه أبدانا فتبيعها فما كان فيها من فضل تقوتا ~~به واشتريا برأس المال كتانا، فمن هذا كان عيشهما. # قال الشيخ أبو الحسن فأخبرني من أثق به قال: وجه إلي يوما ابن هذيل ودفع ~~إلي بدنا من تلك الأبدان وقال: عسى يمكنك أن تبيع لنا هذا البدن وتأتينا ~~بالثمن (قال) : فمضيت به وعرضته فسوى ثمنا دونا ليس بالكثير فإذا برجل ~~صنهاجي فقال (لي) : تبيع (لي) هذا البدن؟ فقلت: نعم فقال: # كم ثمنه؟ فقلت له: كذا وكذا-وزدت عليه في ثمنه-فقال لي: قبلت. # فبعته منه بذلك وأخذت الثمن فجعلته في صرة وأتيت إليه فدفعتها إليه ~~فقال لي: ms339 ضعها في الثابوت ففعلت ذلك ومضيت، فلما كان بعد مدة كثيرة دخلت ~~إليه على سبيل الزيارة فقال لي: كنت دفعت إليك بدنا فماذا صنعت في أمره؟ ~~فقلت له: قد بعته لك-أصلحك الله-وأتيتك بالثمن. فقال لي: ما وصل إلي شيء. ~~فقلت له: بلى قد أتيتك بالثمن وأمرتني أن أضعه في الثابوت. فقال لي: ما ~~أعلم شيئا من هذا. فقمت مبادرا إلى الثابوت فإذا بالصرة في الثابوت على ~~حالها قد عشش عليها العنكبوت (فعجبت وقلت في نفسي: الله عز وجل حماه منها ~~فأتيت بها إليه وقلت له: هذه هي-أصلحك الله-وجدتها في الثابوت فأخذها) ~~ثم قال لي سألتك بالله: أخبرني ما قصة هذه الدراهم فإنه ما طاب ~~على قلبي أخذها. فقلت له: والله (أصلحك الله) لأصدقنك، وأخبرته ~~بالقصة كما جرت. فقال لي: أو يحل لك أن تطعم أخاك المسلم الحرام/فقلت ~~له: فإني تائب-أصلحك الله-إني لا أعود إلى شيء من هذا PageV02P050 أبدا، فقال لي: خذها عني وقم. فقلت له: تصدق بها أنت؟ فقال ~~(لي) : # والله لا فعلت ولا تتصدق بها إلا أنت عقوبة لك فيما فعلت، (قال) ~~ فأخذتها منه وأتيت بها إلى الدمنة فعرضتها على قوم من أهل ~~البلاء وأخبرتهم بقصتها فقالوا: قد أحل الله الميتة للمضطر ~~والميتة خير لنا منها، فتوجهت بها إلى (جهة) باب سلم فإذا برجل ~~ بدوي عليه أثر الفقر فعرضتها عليه وأخبرته بقصتها فقال (لي) : ~~الميتة حلال للمضطر وأنا مضطر فأخذها وتركني. # قال أبو عبد الله مكي بن عبد الرحمن المنستيري : وإنما حكى لي الشيخ ~~(أبو الحسن) هذه الحكاية لما سألته عن المضطر إذا وجد ميتة ومالا ~~مغصوبا ما الذي يؤمر أن يأكل منهما ؟ PageV02P051 # وفيها قتل : ### $ 175 - أبو جعفر محمد بن خيرون # الأندلسي القرطبي -مولى معافر- رضي الله عنه. PageV02P052 # حدث الشيخ أبو الحسن (بن) القابسي رضي الله عنه قال: ذكر لي من ~~أثق به أنه كان جالسا عند (ابن) أبي خنزير-لعنه الله-في سقيفته حتى دخل ~~عليه شيخ ذو هيئة جميلة وقد علاه صفار وسمت وخشوع وعلى رأسه منديل ~~مهلبي، فلما رآه ms340 ابن أبي خنزير بكى، فقال له: ما الذي أبكاك؟ قال: ~~السلطان-يعني عبيد الله-وجه إلي يأمرني أن آمر بدوس هذا الشيخ ~~PageV02P053 حتى يموت وهو ابن خيرون. قال ثم أمر به فأدخل إلى المجلس ~~ثم بطح على ظهره وطلع السودان فوق السرير فقفزوا عليه (بأرجلهم) حتى ~~مات، فلما مات أخذوه وحملوه على بغل وألقوه في حفير، وذلك لجهاده في الدين ~~وبغضه لعبيد الله وجنده رحمة الله تعالى عليه، وكان الذي عمل عليه ~~وسعى به المروذي -لعنة الله عليه-. # ونهب ابن أبي خنزير ماله وأخذ مولدة كانت له وجعلها مع خدمه، ~~فلما طال على ابن أبي خنزير كثرة ما يأتي به المروذي من العلماء والصالحين ~~ليقتلهم سعى به عند عبيد الله ومضى فيه إلى المهدية فقبل عبيد [الله] ~~قوله ومكنه منه فأخذه فألبسه تليسا ورماه في اسطبل الدواب تمشي ~~عليه فركضت في بطنه حتى قتلته ، فكانت تلك المولدة-التي كانت لابن ~~خيرون-تأتيه وهو تحت أرجل الدواب، فيقول لها: إنك بسبي صرت عند السلطان، ~~فتقول له: يا شيخ السوء قتلت سيدي ابن خيرون شيخ القيروان وأزلتني من عنده ~~ورددتني عند خنزير بن خنزير/وتأمر خدمها فيلطمونه ويطعمونه قذره . ~~وكانت هي المتولية لعذابه حتى هلك-لعنه الله-. PageV02P054 # قيل انه لما ضربه ألف سوط وعذبه قال له : هات الأموال التي ~~جمعت فقال: والله لو أن تحت قدمي جبا مملوءا بمال الدنيا كلها ما أخرجت لكم ~~منه درهما واحدا واني قد عصيت الله عز وجل فيكم فسلطكم علي، فاضرب ما ~~شئت وعذب كيف شئت. # وكان محمد بن عمر المروذي هذا معتقدا لمذهب الشيعة معروفا بذلك ~~فلما دخل الشيعي-لعنة الله عليه-بادر إليه ودخل في دعوته ولزمه فولاه ~~قضاء إفريقية، فتصلب وتكبر وكانت أيامه صعبة جدا وأخاف أهل السنة. ثم خرج ~~الشيعي إلى سجلماسة في طلب عبيد [الله] اللعين فاستخلف في مكانه أبا ~~العباس فأطلق يد المروذي وقوى أمره، فأخذ أبا العباس بن بطريقة ~~قاضي طرابلس وكان من الفقهاء العلماء وأبا القاسم الطرزي قاضي صقلية ~~والمحتسب بمدينة القيروان قبل القضاء فضربهما وهون ms341 بهما. وقتل ابن هذيل ~~وابراهيم بن البرذون وأول ما ولي زاد في الأذان «حي على خير العمل» وترك PageV02P055 الناس يصلون «القيام» سنة واحدة ثم منعهم وترك/أكثر ~~الناس الصلاة في المساجد وأخذ أموال الأحباس والحصون وأخذ سلاح الحصون التي ~~على البحر وأمر الفقهاء أن لا يفتوا ولا يكتبوا وثيقة إلا من تشرق ~~وكفر وأمر [أن] يزال (من) الحصون والمساجد اسم ~~الذي بناها وأمر بها من السلاطين ويكتب اسم المهدي-لعنه الله-. PageV02P056 ### || ثم كانت سنة اثنتين وثلاثمائة # قال أبو العرب : # ثم كانت سنة اثنتين وثلاثمائة وفيها توفي: ### $ 176 - أبو عثمان سعيد بن محمد بن صبيح الغساني # ، مولاهم ، يعرف بابن الحداد ، في شهر (ذي) القعدة . PageV02P057 # كان عالما ثقة في الفقه والكلام والذب [عن الدين] والرد على فرق ~~المخالفين (للجماعة) ، من أذهن الناس وأعلمهم بما قاله الناس. # قال محمد بن حارث : وكان (في) أول أمره صحب سحنونا ~~وسمع منه. وله مقامات مشهورة مع بني عبيد لعنهم الله . ### ||||| (ذكر أوصافه وحفظه) # : # قال أبو بكر بن اللباد الفقيه: بينا سعيد بن الحداد يوما جالس ~~إذ أتاه رسول من قبل البغدادي فقال له: أحب أبو جعفر أن يراك، ~~قال فلبست ثيابي ومضيت حتى أتيت بابه، فإذا برجل أجلس لي ينتظرني فقال: ~~ادخل، فدخلت عليه، فقال لي: أحب عبيد الله (أن يجتمع بك) فقلت: PageV02P058 # ها أنا ذا، فركب وجعل معي من يصحبني ومضى هو أمامي [قال] فمضيت ~~مع/الرجل حتى أتى بي إلى مكان فأجلسني فيه، فأنا جالس حتى أتاني رسول ~~ثان غير الرجل الذي كنت معه، فقال لي: قم يا شيخ، فقمت فدخلت معه حتى أتيت ~~(إلى) باب المجلس [الذي هو فيه] فإذا بعبيد الله (لعنه الله) ~~ جالس والبغدادي واقف على رأسه، [فدخلت وأقبل أبو جعفر فقال لي: ادن ~~، حتى وقفت على رأسه] فتكلمت بما حضرني من الكلام ثم قال لي: ~~اجلس، فجلست، فإذا بكتاب لطيف إلى جانبه على مخدة، فرأيته وقد أومى إلى أبي ~~جعفر فقال له: اعرض الكتاب على الشيخ. قال: # ورمقته ببصري فعرفت الكتاب، قال: تصفح، ms342 فجعل يده على بعض الصفحة وأنا ~~انظر إلى الإسناد، فقال لي أبو جعفر: (اقرأ) قال: فقلت له: عرفت ~~الحديث وهو حديث «غدير خم» : «من كنت مولاه فعلي مولاه» . وهو حديث ~~صحيح، وقد رويناه . فعطف علي عبيد الله (لعنة الله عليه) فقال لي: ~~فما للناس لا يكونون عبيدنا؟ فقلت له: -أعز الله السيد-لم يرد ولاية ~~PageV02P059 الرق، إنما أراد ولاية في الدين، قال: فقال لي: فهل من ~~شاهد من كتاب الله عز وجل؟ فقلت: نعم. قال الله عز وجل: ما كان لبشر ~~أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون فما لم يجعله الله عز وجل لنبي لم يجعله لغير نبي وعلي لم يكن ~~نبيا، إنما كان وزير النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: انصرف لا ~~ينالك أحد ، قال: فخرجت وصحبني البغدادي حتى خرجت وأومأ إلي فوقفت، ~~فقال لي: اكتم هذا المجلس . # وأرسل محمد بن عمر المروذي في طلب العلماء مدنيهم وعراقيهم، ~~فقال لهم: إني أمرت أن أناظركم في قيام رمضان، فإن وجبت لكم حجة رجعنا ~~إليكم وإن وجبت لنا رجعتم إلينا. قال أبو عثمان: فقلت له: ما تحتاج إلى ~~المناظرة. فقال لي: لا بد منها. فقلت له: شأنك وما تريد. فقال: ألستم ~~PageV02P060 تعلمون وتروون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم إلا ليلة ثم ~~قطع وأن عمر بن الخطاب [هو الذي] استن القيام وقد جاء في ~~الحديث الذي تروونه (ونرويه) أن «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ~~وأن كل ضلالة في النار» . فقلت له: # هذه البدعة من البدع التي يرضاها الله عز وجل ويذم من تركها، فقال: # وأين تجد/ذلك في كتاب الله عز وجل؟ فقلت له: في كتابه المنزل ~~الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . PageV02P061 # قال: وأين؟ قلت له: قال الله ms343 عز وجل: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها ~~عليهم إلا ابتغاء رضاان الله فما رعوها حق رعايتها (فنحن نثابر على ~~هذه البدعة التي هي رهبانية) لئلا يذمنا الله عز وجل كما ذمهم . ~~فقال: من صلى القيام ضربت عنقه، قال: فقلت له: قد قلت لك هذا أولا: ما ~~تحتاج إلى المناظرة ، فلم تقبل. # ويحكى أن أبا عبد الله الشيعي قال له يوما: القرآن يقر أن ~~محمدا ليس بخاتم النبيين. # فقال له سعيد: أين ذلك؟ # فقال له: في قوله (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) فخاتم النبيين غير ~~رسول الله . # فقال له سعيد: هذه الواو ليست من واوات الابتداء وإنما هي من واوات ~~العطف كقوله عز وجل: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ~~ فهل [من] أحد يوصف بهذه الصفات غير الله عز وجل؟ # وتكلم (عنده) يوما فغضب من كلامه رجل من كتامة يعرف بأبي ~~PageV02P062 موسى شيخ المشايخ وقام إليه بالرمح فمنعه أبو عبد ~~الله من ذلك ثم عطف على أبي عثمان فقال له: يا شيخ لا تغضب/أتدري ~~إذا غضب هذا (الشيخ) كم يغضب لغضبه: [يغضب لغضبه] اثنا عشر ألف ~~سيف؟ # فقال له أبو عثمان : ولكني [أنا] يغضب لغضبي (الله) الواحد ~~القهار الذي أهلك عادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا . # قال أبو الأسود موسى بن عبد الرحمن القطان: لو سمعتم سعيد بن محمد ~~في تلك المحافل-يعني مناظرته للشيعي-وقد اجتمع له جهارة الصوت وفخامة ~~المنطق وفصاحة اللسان وصواب المعاني لتمنيتم أن لا يسكت. # وذكر أن الشيعي قال للصقلبي : إذا اجتمع الناس فاذن لهم بالدخول ~~علي، فلما جاء سعيد بن الحداد أذن له في الدخول، فلما دخل قال للصقلبي: ألم ~~أقل لك إذا اجتمع الناس فاذن لهم؟ فقال له الصقلبي: هذا هو PageV02P063 ~~الناس كلهم وإنما فعلت ما أمرتني به. قال: وإنما فعل ذلك الصقلبي لما ~~أعجبه من كلام سعيد رضي الله عنه وكان الصقلبي مسلما ثم قتله الشيعي بعد ~~ذلك لمدحه لسعيد. قال أحمد بن موسى : سمعت سعيدا سنة تسعين ~~-وقد خوف بشيء-فقال: ms344 الثقة بالله لمن قام بحج الله. # وخوفه ولده لمباينته للشيعي أول دخوله، فقال له: يا ~~بني/حسبي من له غضبت وعن دينه ذببت. # وروي أنه كان في أول أمره صحب سحنونا وسمع منه ثم نزع عن ~~ذلك وصار إلى مذهب الشافعي من غير تقليد بل كان كثيرا ما يخالفه ولا ~~يعتقد مسألة إلا بنظر وحجة. وكان يقول : إنما أدخل كثيرا من الناس إلى ~~التقليد نقص العقول [ودناءة الهمم] . PageV02P064 # جمع-رضي الله عنه-علم اللغة والنحو، عربي اللسان، جهير الصوت، إذا لحن في ~~لفظة استغفر الله عز وجل، وكان إذا تكلف الشعر أجاده، حسن اللباس، جميل ~~الزي همته في ذلك تفوق همم أهل اليسار، وكان يتقوت بأدنى قوت وأقله. وكان ~~يقول: إنما المروءة في إظهار حسن اللباس، فأما ما هو مستور عن الناس (من ~~إظهار) المآكل والمشارب فليس بمروءة ولا سيما لمن عجز عنها. # وكان يعلم كثيرا [من أخبار] عباد إفريقية. لم يرحل ولا حج ~~لأنه كان مقلا وإنما أثرى وتمول بعد الشيخ والزمانة. رحمه الله. ### ||||| ذكر شيء من أوصافه أيضا # : # قال محمد بن حارث الأندلسي: سمعت من يحكي من العلماء ~~قال: دخل رجل أندلسي على سعيد بن الحداد يوما فجلس إليه وحادثه فقال له ~~سعيد: أراك طالب علم، فقال: نعم/وأنا متوجه إلى المشرق في طلبه. فقال له ~~[سعيد] : ما الذي كتبت من العلم ؟ فأشار الأندلسي إلى كمه فأخرج ~~كتابا من بعض الأسانيد، فقال له سعيد: اقرأ منه شيئا (فقال: نعم) ~~فقرأ حديثا واحدا، فلما أتمه قال له سعيد: ضع الكتاب من يدك، ثم أخذ يفسر ~~له ذلك الحديث ويلخص له معانيه ويأتيه فيه بالشواهد . فقال له ~~الأندلسي: PageV02P065 # تفضل بالإملاء [علي] فأملاه عليه. ثم قرأ (عليه) حديثا ~~ثانيا [وثالثا] وكل ذلك يفسر [له ويأتي بالشواهد] مثل الأول. ~~فقال له الأندلسي: مالي حاجة بالتقدم إلى المشرق وأنا أعلم أني لا ~~ألقى مثلك. # وقال محمد بن مسرور النجار : جلست يوما إلى سعيد بن الحداد، ~~فألقيت عليه مسألة معقدة مقفلة من كتاب أشهب [بن عبد العزيز] ~~، فبدأ ms345 بتنزيلها وبالنظر فيها فلم يزل يلخصها شيئا فشيئا حتى ~~بلغ فيها إلى ما بلغ أشهب، فقلت [له] : أصبت يا أبا عثمان ~~، هكذا قال أشهب في كتابه (قال) : فقال [لي] : لعل أشهب ما ~~وضعها حتى تدبرها أياما [ونظر فيها حينا] وقد أتيناك (نحن) ~~ بجوابها بنظر ساعة واحدة. PageV02P066 # وحكي عن رجل من جلسائه يعرف بابن المكي قال: قلت له يوما: يا ~~أبا عثمان ما أشبه نفسي إذا كنت بين يديك إلا مثل/الحمار ، فقال لي: ~~لا تفعل [يا أبا محمد] فإنك تحس حسا لطيفا وأنت كما قال الشاعر: # *وفوقك أقوام وأنت شريف* # [قال] : ولما أمر ابراهيم الأمير ابن عبدون بإحضار ابن طالب ~~وامتحانه بحضرة العلماء، فاجتمعوا وجلس [الأمير] ابراهيم في المقصورة ~~(وذلك برقادة) فأتي بابن طالب من السجن وسأله ابن عبدون عن أشياء رجا ~~أن يجد فيها (عليه) ما يتوسل به إلى امتهانه لم يحفظ ~~منها المخبر إلا قوله: لم دفعت من وصية خضر الخادم إلى فلان ~~العباسي مائة دينار ودفعت إلى غيره الدينار والأقل، وهو عندك لا تحل ~~له صدقة لأنه من بني هاشم؟ (فقصر في الجواب) ، فأمر برده إلى ~~السجن. # وقال ابراهيم لابن عبدون: أحضره يوما آخر وأحضر جماعة الفقهاء حتى ~~يتبينوا خطأه وظلمه فانكل به حينئذ، فتكلم الناس بما دار ~~بينهما ووصل ذلك PageV02P067 إلى أبي عثمان سعيد بن الحداد فتحقق ذلك ~~واستقصاه كما يجب ثم قال لابنه عبد الله: يا بني، قد علمت بر هذا ~~الشيخ بنا-يعني ابن طالب- وقد صار إلى ما صار إليه وقد ذهب أكثر عقله/وفهمه ~~لعظيم محنته، وإنما يعد الناس الإخوان لمثل هذه الحال، ~~فجئني بقرطاس ودواة، فأتاه بهما، فكتب إليه كتابا ذكر له فيه ~~جميع جواب المسائل التي سأله عنها ابن عبدون وبين له الحجة في جميعها، فكان ~~مما أمره أن يحتج به في أمر العباسي أن بني هاشم إنما حرمت عليهم ~~الصدقات إذ كان يصل إليهم سهم ذي القربي، فيأخذونه، فأما الآن فالصدقة ~~جائزة عليهم وأخذهم لها حلال لحاجتهم إليها وقال لابنه: امض بهذا ~~الكتاب ms346 وادخل إليه إلى السجن واحذر أن يشعر أحد بهذا وقل له يقرؤه في خلوته ~~فمضى به ودفعه إليه، فلما كان اليوم الذي جلس فيه ابراهيم أمر ابن ~~عبدون بإحضاره ومناظرته فلم يسأله (عن شيء مما) كان [قد] عجز ~~عن جوابه في الجمعة الماضية إلا أجاب فيه بجواب صحيح في كل ما سئل ~~عنه. فاغتم ابراهيم لذلك وأمر برده إلى السجن، ثم عمل على قتله-رضي الله ~~تعالى عنه-. # وكان سعيد كثيرا ما يردد قول الشافعي-رضي الله عنه وأرضاه- ~~PageV02P068 ويعجب به وهو قوله: «لو أن الناس تكلموا في العلم/بصحة الفطن ~~لقل اختلافهم فيه». # وكان يقول: ليس الفقه حمل الفقه وإنما الفقه معرفة الفقه والفطنة فيه ~~والفهم بمعانيه ، ويقول على أثر ذلك القول: رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال ذلك بقوله «نضر الله عبدا سمع مقالتي [هذه] فوعاها ~~فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه غير فقيه» . قال: ~~ويشهد لذلك أيضا قول علي بن أبي طالب-رضي الله تعالى عنه وأرضاه-إذ قيل له: ~~«هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء غير القرآن؟ فقال: لا، ~~والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا أن يؤتي الله عز وجل العبد ~~فهما في كتابه ». # وكان-رضي الله عنه-يقول: ما من شيء أحب إلي من دفع الضلال بالحق ولو [أن] ~~ ضلالة ألقاها إبليس اللعين بالصين [ثم] وردت علي لكشفت ~~(عن) باطلها وأظهرت حق الله سبحانه وتعالى فيها. # وكان كثير الرد على أبي حنيفة-رضي الله عنه-ولا يراه إماما. وكان يجل ~~مالكا-رضي الله عنه-ويعظمه. PageV02P069 # وكانت له مجالس كثيرة مع أهل العراق من أهل القيروان، وأنا/أذكر ~~منها مجلسا واحدا ليستبين الناظر في هذا الفصل موضع سعيد بن الحداد-رضي ~~الله عنه-من العلم وقيامه بالحجة لأهل الحق. فمن ذلك مجلسه مع ~~ابراهيم الأمير: # قال رحمه الله تعالى: دخلت على ابراهيم [الأمير] وكان حاضرا للمجلس ~~ابن الكوفي ، وهو قاضيه يومئذ، وابن الأشج وجماعة فلما دخلت ~~عليه أومأ إلي -ولم أقبل له يدا ولا لغيره قط -قال: وأدناني حتى لصقت إلى ms347 ~~سريره، ثم أخذ بعض النافية -وهم القائلون بخلق القرآن-فقال: أيها ~~الأمير كثر التشبيه وفشا بالقيروان وقال قائلون كذا. وقال آخرون كذا. ~~قال أبو عثمان: صرح النافي وكنيت أنا إجلالا لله عز وجل عن تشنيع أهل ~~التعطيل على أولي السنة ، وعلمت أنه إنما أراد أن يحرك (بذلك) ~~الأمير ليصل [منه إلى أمر يجد] به السبيل إلى كيد السنة ~~وإماتتها، فقلت له: أيها الأمير PageV02P070 (إن) ما استفاض من الخبر ~~وانتشر دخل ذلك على البكر في خدرها والبادي في بدوه فكيف بمن حضر فليشر ~~ -أيها الأمير-إلى رجل قال ذلك من جميع البرايا، فإن لم يفعل فاعلم ~~مقامه-يعني من الكذب والكفر-قال: # فقال/له الأمير: اذكر أحدا. قال: سوف أطلب ذلك، قال (أبو عثمان) ~~: فقلت له: طلبناك بذكر ما سلف إلى أن صرت تطلبه في التوقيف ~~. قال: فقال الأمير: [آمر] مناديا (ينادي) لا يتكلم ~~أحد في الكلام، قال: فقلت [له] أيها الأمير الناس هادون ساكنون فمتى ~~ناديت حركت ساكنا. # قال: (ثم) جرى ذكر تكلم الله تعالى لموسى صلى الله عليه وسلم. ~~فقلت: ممن سمع موسى الكلام؟ قال ابن الأشج: من الشجرة. قلت : من ورقها ~~أو من لحائها؟ قال أبو عثمان: فو الله ما درى أحد من أهل المجلس ~~مرادي-فيما ظهر لي- (إلا) الأمير، فبدر فقال لابن الأشج : اسكت ~~ويلك ، خوفا PageV02P071 أن يجيب فيجب عليه القتل. قيل لأبي ~~عثمان وما أردت-أصلحك الله- بهذا الكلام؟ فقال: لأنه كل ما صرح فقال بأنه ~~من الشجرة على الحقيقة كفر وزعم أن الله تبارك وتعالى لم يكلم موسى ~~(وأنه) لم يفضله بكلامه. # (قال) : ثم حول الأمير وجهه إلي فقال لي: أقول لك كما قلت ~~لابن طالب لا أقول مخلوقا ولا غير مخلوق. قال: فقلت له: لم ؟ قال: لأن ~~الله تعالى قال كلامي ولم يقل مخلوقا . ولا غير مخلوق. قال: فقلت له ~~فإن قال غيرك مثل ما قلت في علم الله سبحانه، (فقال) إن الله عز وجل ~~لم يقل مخلوقا ولا غير مخلوق وسلك في العلم مسلكك في الكلام؟ (قال) : ~~فقال: # والله لو قال ms348 ذلك أحد لقسمته بسيفي، قال: فقلت له: ولم؟ قال: لأنه لو كان ~~ مخلوقا لكان قبل أن يخلق العلم جاهلا، لأن ضد العلم الجهل، قال: # فقلت له: فكذلك لا يقال في الكلام مخلوق لأنه لو كان مخلوقا لكان ~~موصوفا قبل خلقه بضده وهو الخرس. وما لزم في العلم لزم مثله في الكلام. # ودليل آخر: إن العلم لا يعدو إحدى منزلتين: إما أن يكون صفة فعل ~~كان من الله عز وجل فمن شك في (خلق) ذلك فهو كافر، ولعلم الله ~~[و] قدرته، ومن شك فلم يدر ذلك مخلوق أو غير مخلوق فهو كافر. والكلام ~~لا يعدو هاتين المنزلتين. فالواقف شاهد على نفسه بأنه تارك للقول بالحق ~~حتما. قال: PageV02P072 # فتبسم، وبين لي أنه فهم ما كلمته به، وابن الأشج يكرر القول ويبديه: يريد ~~القول بالوقف، فأقبل علي ابراهيم بن أحمد فقال لي: أقول لك كما كنت أقول ~~لابن طالب : أنت لا تضطرني/إلى مذهبك وأنا لا أضطرك إلى مذهبي. # قال: ثم أخذ ابن الأشج في مدح أهل العراق وتفضيلهم على أهل الحجاز فقال: ~~لقد قال أسد : سألت مالكا فأجابني، وسألته عن أخرى فأجابني، ثم ~~سألته عن مسألة أخرى فأجابني، فقال لي رجل كان واقفا على رأس مالك-رضي الله ~~عنه-: إن أردت التشقيق فعليك بالعراق. # فقلت (له) : أيها الأمير هذا وأصحابه يزعمون أن أبا بكر الصديق ~~-رضوان الله عليه-إذا انفرد بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تقم ~~به حجة، وأن عمر-رضوان الله عليه-إذا انفرد بخبر لم تقم به حجة، وأن عثمان ~~وعليا -رضوان الله عليهما-كذلك إذا انفردا وها هو ذا يريد أن يقيم ~~الحجة في تفضيل أهل العراق على أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بخبر رجل لا يعرف من هو من جميع البرايا. قال أبو عثمان رضي الله عنه: فما ~~نطق ابن الأشج ولا أصحابه بكلمة غير قوله: ويحك يا سعيد ، كأنه يريد ~~دون هذا على تعظيم السلطان. PageV02P073 # قال أبو عثمان: فقلت له: أتدري ما عبارة «ويحك»؟ فما درى ms349 ما أقول. # (قال) فقلت له: أنت تتكلم في مجلس الأمير وأنت لا تدري ما عبارة ~~كلمة تكلمت بها، ثم قلت له: أتحب أن أعرفك عبارتها؟ إن عبارة «ويحك» ~~«ويلك» وذلك أن العرب كرهت المخاطبة باللام فجعلتها مرة حاء ومرة ~~تجعلها سينا فتقول: «ويسك» . # قال: ثم جعل ابن الأشج يذكر أهل المدينة وأنهم لا يعرفون التأويل. # -قال أبو عثمان: فقلت: أيها الأمير أرأيت لو أن رجلا قيل له: احمل رطلا ~~فقال: لا أستطيع، فقيل له: فكم تستطيع؟ فقال: حمل قنطار! # -قال: يكون هذا مخيلا . # -قلت: فقيل له فانظر هذا [الذي] بينك وبينه خطوة، قال: لا ~~أراه، قيل له: و [من] كم ترى؟ قال: من فرسخ! # -قال: يكون هذا مخيلا. # قلت: وأبو حنيفة-رضوان الله عليه-يقول: من مس رأسه باصبعين حتى عم رأسه ~~يريد بذلك تكملة طهارته أنه لا يجزيه حتى يمسح [رأسه] بأكثر كفه، قيل ~~له: فمن ترك مسح رأسه ومضى في حاجة فأصابه رش بل رأسه؟ قال: يجزيه. قيل له: ~~فمن مسح بإصبعي كفيه خفيه؟ قال: لا يجزيه. # قيل له: فمن مضى وهو تارك للطهارة فخاض نهرا وهو لا يريد طهارة ~~؟ PageV02P074 # قال: يجزيه ذلك (من) الطهارة. قال أبو عثمان: فقلت له: أيها الأمير ~~فمن كان في جليل العلم بهذه الحال فكيف تنسب إليه غوامض العلم؟ قال: # فعرض لي بعض من حضر بشيء ذكره من غير معاني العلم. فقلت له: والله ما ~~أملك فوق الأرض ولا تحت/الأرض شيئا، ولو أن لي عبدا أسود ما رضيت أن ~~يتسفسف همته هذا التسفسف. # وكانت له مقامات في الدين مع الكفرة المارقين : أبي عبد الله الشيعي ~~وأبي العباس أخيه وعبيد الله-لعنة الله عليهم-أبان فيها كفرهم ~~وزندقتهم وتعطيلهم. # خرج جماعة من القيروان للقاء الشيعي -لعنة الله عليه- ~~منهم: # أبو عثمان وحماس وابن عبدون ، وكان أبو عثمان مهاجرا لابن عبدون، ~~وذلك أنه حبسه، فقال ابن عبدون لأبي عثمان: تقدم يا أبا عثمان، فلم يجبه، ~~فقال له: تقدم فليس هذا وقت مهاجرة، فلسانك سيف الله، وصدرك خزانة ~~الله، وإنما أراد ms350 ابن عبدون بذلك أن يحرضه على مناظرة الشيعي. # ولما خرج لمناظرته خرج معه أهله وولده وهم يبكون فقال (لهم) ~~لا PageV02P075 تفعلوا لا يكون إلا خيرا، حسبي من له خرجت وعن دينه ذببت. # فأول مجلس جرى له معه أنه قال: ارسل ورائي الشيعي-لعنة الله عليه- ~~وما كنت آتي إليه إلا برسول، فدخلت إليه في قصر ابراهيم بن أحمد وحوله ~~جماعة من أصحابه/وجماعة ممن ينسب إليهم العلم من أهل بلدنا، فسلمت ثم ~~جلست، فقال أبو عبد الله لابراهيم بن يونس -وقد قيل له إن هذا ~~الشيخ كان قاضيا على هذه المدينة-بأي شيء كنت تقضي؟ # فقال له ابراهيم: بالكتاب والسنة. # فقال له أبو عبد الله: فما السنة؟ # فقال (له) ابراهيم: السنة .. السنة # [قال أبو عثمان: فلما سمعته على قوله «السنة .. السنة %~% »] قلت ~~لأبي عبد الله: المجلس مشترك أو خاص ؟ # فقال: مشترك. # فقال أبو عثمان: أصل السنة في كلام العرب: المثال الذي يتمثل عليه، ~~قال الشاعر : PageV02P076 # تريك سنة وجه غير مقرفة %~% ملساء ليس بها خال ولا ندب # أي صورة وجه ومثاله. # والسنة محصورة في ثلاث: الائتمار بما أمر به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والانتهاء عما نهى عنه والايتساء [به] فيما فعل . # قال الشيعي: فإن اختلف عليك فيما نقل إليك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وجاءت السنة من طرق؟ # -فقلت له: انظر إلى أصح الخبرين نقلا فآخذ بأصحهما وأطلب الدليل على موضع ~~الحق في أحد الحديثين ويكون الأمر في ذلك كشهود/عدول اختلفوا في شهادة فلا ~~بد من طلب الدليل على موضع [الحق] من الشهادتين. # -فقال الشيعي: فلو استووا في الثبات؟ # -فقلت له: يكون أحدمها ناسخا والآخر منسوخا. # -قال : فمن أين قلتم بالقياس؟ # -فقلت له: قلنا ذلك من كتاب الله عز وجل. # -قال: فأين تجد ذلك؟ # -قلت: قال الله عز وجل (في كتابه العزيز) : يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ~~يحكم به ذاا عدل منكم فالصيد معلومة عينه، والجزاء الذي أمرنا ms351 أن ~~PageV02P077 نمثله بالصيد (المعلومة) عينه ليس بمنصوص فعلمنا ~~بذلك أن الله تعالى إنما أمرنا أن نمثل ما لم ينص ذكر عينه: بالقياس ~~والاجتهاد. ومنه قول الله عز وجل: يحكم به ذاا عدل منكم فلم يكله إلى حاكم ~~واحد حتى جعلهما اثنين: ليقيسا ويجتهدا. # (فقال أبو عبد الله الشيعي) : ومن ذوا عدل؟ .وأومأ أن «ذوا عدل» ~~إنما هم قوم مخصوصون بنص الآية . # قال: فقلت: هم الذين قال الله عز وجل فيهم في آية المراجعة: # وأشهدوا ذوي عدل منكم ومثل ذلك في تثبيت القياس قوله عز وجل: ~~ولو ردوه إلى الرسول /وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ~~. والاستنباط غير منصوص. # ثم عطف على موسى القطان فقال له: أين وجدتم حد الخمر في كتاب الله ~~تعالى؟ # فقال له موسى: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من شربها فاضربوه ~~بالاردية. ثم إن عاد فاضربوه بالأيدي، ثم إن عاد فاضربوه بالجريد» ~~. PageV02P078 # - (فقال له: أبو عبد الله على النكير منه، ايش هذا؟ أقول لك : أين ~~وجدتم حد الخمر في كتاب الله تعالى، تقول: اضربوه بالأردية ثم بالأيدي ثم ~~بالجريد) ؟ # -قال أبو عثمان: فقلت له: إنما حد قياسا على حد القاذف [لأنه ~~إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى ، فوجب عليه ما يؤول ~~أمره إليه وهو حد القاذف] . # -فقال لموسى القطان: أو لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: «أقضاكم علي» ~~، فجعل موسى وهو ينص عليه الحديث» %~% وأعلمكم بحلال الله ~~وحرامه معاذ، وأرأفكم أبو بكر، وأشدكم في دين الله عمر ، رضي ~~الله عنهم أجمعين. # -فقال له الشيعي: وكيف يكون أشدهم في دين الله وقد هرب بالراية يوم حنين ~~؟ PageV02P079 # -فقال له موسى: ما سمعنا بهذا ولا نعرفه. # -قال أبو عثمان: فقلت له: تحيز إلى فئة كما أنزل الله تعالى. قال الله عز ~~وجل: إلا متحرفا لقتال /أو متحيزا إلى فئة [فمن تحيز إلى فئة] ~~كما أمر الله عز وجل فليس بفار . # فمال [الشيعي] بوجهه إلى بعض أصحابه فقال: أتسمع ما قال ~~الشيخ، قال: انحاز ms352 إلى فئة كما أمر الله-سبحانه-. # فقال مجيبا-وهو يشير بيده-وأي فئة أكثر من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم [وقد كان حاضرا ولم يتحيز إليه] وكأنه تخافت في كلامه ويسمع من ~~يليه . # -[فقلت: جاء عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «عمر فئة» فمن تحيز إلى ~~عمر فقد تحيز إلى فئة. # فسكت: فحركه بعض أصحابه، وقال ألا تسمع ما يقول الشيخ؟ # فقال: صدق، أو نحو هذا من القول سمعتها أنا منه ومن كان يليه] . # ثم قال لأبي عثمان: هلا كان عندك من قول الله عز وجل حكاية ~~PageV02P080 عن نبيه [صلى الله عليه وسلم] في قوله لأبي بكر لا ~~تحزن إن الله معنا دلالة أن حزنه كان مسخوطا لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهاه عنه. # -فقال أبو عثمان: لم يكن قوله له إلا تبشيرا بأنه آمن على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعلى نفسه معه مما كان يحذره من غلبة المشركين، وكان خوفه ~~لما خاف من ذلك من أجل أنه لا يظهر على غيب ما تجري به مقادير الله عز وجل ~~ ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي بغيب ما يكون قبل أن ~~يكون فكان في قوله: لا تحزن إن الله معنا ما يبين أن الله معهما، ~~بنصرته/إياهما وذلك لا يكون إلا بوحي من الله عز وجل وقد بين الله تعالى ~~اطلاعه أنبياءه المرسلين على غيبه بقوله: فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول . # فقال (له) أبو عبد الله: وهل تجد لهذا نظيرا من التنزيل: «لا تفعل» ~~يراد به التبشير ولا يراد به النهي عن أمر مسخوط؟ # فقال (له) أبو عثمان: نعم. قال: الله عز وجل لموسى وهارون [عليهما ~~السلام] لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى لما خافا من فرعون أن ~~يفرط عليهما أو أن يطغى ولم يكن خوفهما خوفا يسخط الله عز وجل عليهما من ~~أجله. # لأنهما لو أديل لفرعون عليهما لكان في ذلك طغيانا لفرعون وتضعضعا ~~للدين وهما رسولان داخلان في (معنى) قوله ms353 تعالى إلا من ارتضى ~~من PageV02P081 رسول، فأطلعهما الله عز وجل على غيب ما خافا كما أطلع ~~محمدا (نبيه) -صلى الله عليه وسلم-على غيب ما يؤول إليه الأمر ~~الذي خافه أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، فصار قول الله عز وجل في أبي ~~بكر شرفا لم يبلغه أحد بعده: فإن الله تعالى أنزل فيه [و] ~~ في الأمر الذي خافه من التبشير بالأمن منه ما أنزل على ~~موسى/وهارون صلى الله عليهما. # -فقال له أبو عبد الله: أفلا أوجب قول الله تعالى عند من سمعه وما ~~محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ~~ انقلاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ # -فقال له أبو عثمان: (لا) ، لأن معناه أفإن مات أو قتل أفتقبلون ~~ على أعقابكم لأن معنى أفإن مات: استفهام ومعنى انقلبتم: # أفتنقلبون . والاستفهامان إذا جاءا في قصة واحدة اجتزئ بأحدهما عن ~~ الآخر. وهذا الاستفهام إنما هو في معنى التقرير بأن لا تنقلبوا ~~على أعقابكم. PageV02P082 # -فقال له: فهل تجد في كتاب الله عز وجل نظيرا يكون من هذا دليلا؟ # -فقال له: نعم. قول الله عز وجل أفإن مت فهم الخالدون أي إنك ~~إن مت فهم لا يخلدون ، فلما التقى استفهامان أجزأ ذكر أحدهما عن ~~الآخر، فكأن لفظ الاستفهام من ذلك مراد به التقرير: (بأنهم لا ~~يخلدون) . # -فقال أبو عبد الله : يا أهل المدينة إنكم تبغضون عليا. # -فقال أبو عثمان: على مبغض علي لعنة الله والملائكة والناس أجمعين/وكيف ~~أبغض عليا وقد سمعت سحنون بن سعيد-وهو إمام أهل المدينة بالمغرب-يقول: «علي ~~بن أبي طالب إمامي في الدين أهتدى بهديه واستن بسنته وأقتفي أثره» ~~-رحمة الله عليه-. # -فقال أبو عبد الله: أراد أن يقول: صلى الله (عليه) ، فرجع ~~فقال: رحمة الله (عليه) . # -فقال أبو عثمان: -ورفع بها صوته-نعم. صلى الله عليه وسلم، لأن ~~الصلاة في PageV02P083 كلام العرب: الرحمة والدعاء، قال الأعشى : # تقول بنتي وقد قربت مرتحلا %~% يا رب، جنب أبي الأوصاب والوجعا # عليك مثل الذي صليت، فاغتمضي %~% نوما فإن ms354 لجنب المرء مضطجعا # فالصلاة من الله رحمة ومن الآدميين دعاء، نعم فصلى الله على علي ~~وفاطمة والحسن والحسين وعلى أهل طاعته أجمعين من أهل السماوات والأرضين ~~. # -فقال له أبو عبد الله: أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كنت ~~مولاه فعلي مولاه » أفليس علي مولاك؟ # فقال أبو عثمان: هو مولاي بالمعنى الذي أنابه مولاه، ومعنى مولاي: على ~~الولاية في الدين لا مولى عتاقة، وذلك أن المولى في كلام العرب: الولي وابن ~~العم والمعتق والمنعم عليه. قال الله عز وجل في ابن العم -حكاية عن زكرياء ~~عليه السلام- وإني خفت الماالي من ورائي يريد [به] العصبة. ~~وقال في ولاية الدين: ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى ~~لهم PageV02P084 أي لا ولي لهم. وقال في المؤمنين: بعضهم أولياء بعض ~~، فعلي مولى المؤمنين بأنه وليهم، وهم مواليه بأنهم أولياؤه، فهو ~~مولاي بالمعنى الذي أنا به مولاه. # -فقال أبو عبد الله: ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: «علي مني بمنزلة ~~هارون من موسى» ؟ # -فقال له أبو عثمان: نعم إلا أنه قال: «(إلا) أنه لا نبي بعدي» ~~ وهارون كان حجة في حياة موسى، وعلي لم يكن حجة في حياة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وهارون كان شريكا لموسى، أفكان لعلي شرك مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم في النبوة؟ إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«علي مني كهارون من موسى» على التقريب والوزارة والولاية. # قال: أليس هو أفضل ؟ # -/فقال له أبو عثمان: أليس الحق متفقا عليه غير مختلف فيه؟ # -قال: نعم: # -قال: فقلت له: قد ملكت مدائن [كثيرة] قبل مدينتنا ~~(هذه) PageV02P085 -وهي أعظم مدينة-واستفاض الخبر عنك أنك لم تكره أحدا خالفك في ~~ مذهبك [على الدخول فيه] فاسلك بنا مسلك غيرنا. # -فألح (عليه) بعض أصحابه في قصدنا . # -فقال لهم : (نقول) كما قال شعيب : وإن كان طائفة ~~منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا ~~وهو خير الحاكمين . # ثم نهضنا. # قال [أبو عثمان] : ودخلت يوما ms355 على أبي العباس. فأجلسني معه في ~~مكانه وهو يقول لرجل (ممن) ينتسب إلى العراقيين-أجللت أنا كتابي عن ~~ذكره-: # -أليس العالم أعلم من المتعلم أبدا؟ والعراقي يقول له: نعم، وأهل ~~المجلس لا ينطقون. # قال: فقلت له: بقي شيء، أو نتكلم ؟ PageV02P086 # فتمادى، فقال له: أو ليس المتعلم يحتاج إلى المعلم أبدا؟ قال: والعراقي ~~يقول [له] : نعم. # قال: وفهمت مراده ومقصده ليؤكد بذلك الطعن على أبي بكر-رضي الله ~~تعالى عنه-في سؤاله [عليا رضي الله عنه] عن فرض الجدة ، قال: # فبدرت وقلت له: إني أسمع كلاما يجب / [لله] علي [فيه] ~~ أن لا أسكت. # -قال: وما ذلك؟ # -قلت له: المتعلم يكون أعلم من المعلم أبدا ويكون أفضل (منه) ~~وأفقه. # -فقال: : وما دليلك؟ # -قلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم [حيث] يقول: «رب حامل فقه إلى ~~من هو أفقه منه ورب حامل فقه غير فقيه» . PageV02P087 # وآخر : ما هو متعارف بين الخليقة، أن المعلم يعلم الصبيان القرآن ~~فلا يزال يعلمهم حتى يكبر [الصبي] . فيعطي الله عز وجل للصبي من الفهم ~~بعام القرآن وبخاصه وبظاهره وباطنه ما لا يقدر معلمه على علمه ~~أبدا. # قال: فقال لي: فاذكر من عام القرآن وخاصه شيئا؟ # -قال: فقلت له: قال الله عز وجل: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ~~فاحتمل أن تكون هذه الآية أراد بها عاما فلما قال الله عز وجل: # اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~الآية، علمنا بهذه الآية أن مراده في [الآية] الأولى خاص ~~دون عام. # أراد ولا تنكحوا المشركات/غير الكتابيات حتى يؤمن. # -قال: ومن المحصنات؟ # -قلت : العفائف. # -قال: المحصنات: المتزوجات. # -قال: قلت: الإحصان [في كلام العرب] -التي بلسانها نزل ~~PageV02P088 القرآن-: الإحراز، فكل من أحرز شيئا فقد أحصنه، فالإيمان: ~~انحراز يحرز دم صاحبه (وماله) وسبيه ، وهو يحصنه، والعتق: يحصن ~~ المملوك لأنه يحرزه (من) أن يجري عليه ما يجري على المماليك. ~~والتزويج: يحصن الفرج لأنه أحرزه (من) أن يكون مباحا [له] ما ~~كان ms356 له قبل التزويج، والعفاف: إحصان للفرج لأنها أحصنت فرجها ~~بالعفاف. # قال: ما يكون الإحصان-عندي-إلا التزويج . # -قال: فقلت له: منزل القرآن يأبى ما ذكرت. قال الله عز وجل: # ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها يريد أعفته. # -قال: أعفته؟ # -قلت: نعم (أعفته) . وقال: محصنات غير مسافحات عفائف غير زوان ~~. # -قال: فقال لي: فقد قال في الاماء: فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة، فعليهن ~~نصف ما على المحصنات من العذاب ، فكيف جعل العذاب على المحصنات وهن ~~عندك قد يكن عفائف؟ # قال: قلت: سماهن بمتقدم إحصانهن قبل زناهن قال الله عز وجل ~~PageV02P089 في كتابه العزيز: ولكم نصف ما ترك أزااجكم وقد انقطعت ~~العصمة بالموت ، يريد اللائي كن أزواجكم [وهذا كثير] . # -قال: فعارضني-معينا له بعض من سمى، فأجللت أنا كتابي عن ذكره- ~~قال: فقلت له: امسك (عن هذا) يا حدث-بصيحة-قال: # فلم ينطق. # -[فقال لي أبو العباس: فعذاب المحصنات: الرجم، فكيف يعقل نصف الرجم ~~وقد يقتل بواحدة وربما لم يقتل بأكثر من ذلك؟ # -قال: فقلت: هذا مما كنا فيه، أراد خاصا دون عام، أراد نصف ما عليهن من ~~عذاب الجلد دون الرجم. # -فقال لي: ومن يقول بالجلد مع الرجم؟ # قال: قلت: علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-جلد شراحة مائة ورجمها ~~. وقال: «جلدتك بكتاب الله ورجمتك بسنة رسول الله».] . # قال: ثم جرى ذكر شيء فقال لي: # -أنت يا شيخ تلوذ. PageV02P090 # قال: قلت: ليس أنا [الذي] ألوذ-لأني أنا المجيب لك-وأنت الذي تلوذ ~~لأني إذا أتيتك بالجواب ووقفتك منه على حد له رجعت إلى مسألة أخرى غير ما ~~سألتني عنه، فأنت الذي لذت. # قال: ثم صحت والله صيحة: ألا أحد يكتب ما أقول ويقول غضبا لله تعالى. # قال: فو الله لقد وقى الله تعالى شره. # -قال فكأنك تقول انك أعلم الناس؟ # -قال: قلت: أما بديني فنعم. # -قال: فما تحتاج فيه إلى زيادة؟ # -قلت: لا [لأن] ديني الذي أنا عليه هو الحق الذي ليس الحق في ~~سواه أبدا. # -قال: فأنت (إذن) أعلم من موسى [بن عمران] -عليه السلام- إذ ~~يقول: هل أتبعك على ms357 أن تعلمن مما علمت رشدا . # -قال: فقلت له: [قائل] هذا طاعن على نبوة موسى-عليه السلام- إذ ~~يزعم أن الله تعالى اصطفاه برسالته وبكلامه ونبوته وهو محتاج/إلى أن يتعلم ~~بعد ذلك شيئا من دينه-معاذ الله-إنما (كان) العلم-الذي كان عند ~~الخضر-دنيويا: سفينة خرقها لعلمه بالملك الذي يأخذ كل سفينة غصبا، وغلاما ~~قتله: علم كفره وإيمان أبويه، وجدارا أقامه: علما بالكنز الذي تحته. PageV02P091 # وذلك كله لا يزيد في دين موسى [شيئا] . # -قال: فأنا أسألك. # -قلت له: أورد [و] علي الإصدار بالحق بلا مثنوية . # -قال: فقال [لي] : ما تفسير الله؟ # -[قال] : فقلت له: ذو الإلهة . # - (قال: وما الإلهة ؟ # -قلت: الربوبية. # -قال: وما الربوبية ؟ # -قلت: الملك للأشياء كلها . # -فقال لي: فقريش -في جاهليتها-كانت تعرف الله. # -فقلت له: لا، ما كانت تعرف الله. PageV02P092 # -قال: فقد حكى الله عنهم قولهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى . # - (قال) : قلت (له) : لما أشركوا معه غيره فقالوا : ~~ذو الشركاء والآلهة لم يعرفوه، وإنما يعرف الله من قال: إن الله ليس ~~له شريك وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: قل يا أيها ~~الكافرون لا أعبد ما تعبدون فلو كانوا يعبدون الله ما قال: لا ~~أعبد ما تعبدون. # -قال: ثم قال لي: فمن الذين آمنوا؟ # -فقلت : نحن ومن ترى، وأوميت بيدي إلى أصحابنا وهم بين ~~يديه. # -قال: ومن الذين هادوا؟ # -/قال: فقلت: أين المتكلم آنفا بما لا يدري. هذا من (ذلك) الذي ~~أنكرت : سماهم وهم كفار بمتقدم كلمة كانت منهم تابوا بها ~~(فكانوا PageV02P093 بها) مسلمين بقولهم: إنا هدنا إليك . # -قال: فمن النصارى؟ # - (قال) : قلت: الذين تكلموا في المسيح صلى الله عليه وسلم. # -قال: فمن الصابئون ؟ # -فقلت : هم الذين عبدوا الملائكة وزعموا أنهم بنات الله ~~[-تبارك الله وتعالى-] . # [-قال أبو عثمان: وهذا قول أهل العلم: فبدأت بجوابهم قبل أن أجيبه بكلام ~~المتكلمين. # -قال أبو عثمان: فقال لي: هم الذين عبدوا الملائكة؟ # -قال: قلت: نعم وزعم هشام : أنهم أصل المنانية .] PageV02P094 # -قال: فمن الذين أشركوا؟ # - (قال) : فتبينت أنه إنما أراد ms358 بإيمائه ، وبما استدللت منه ~~أنهم عنده مسلمون. # -قال: فقلت: المشركون الذين كانوا يعبدون الأصنام، الذين أرسل إليهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقرأ عليهم ~~آيات من سورة براءة . # -قال: فقريش ما كانت تعبد؟ # -قلت له: الأصنام. # -فقال لي: وما الأصنام؟ # -قلت له: الحجارة. # -قال: والحجارة كانت تعبد؟ -على النكير منه أن (تكون) الحجارة هي ~~الأصنام-. # -قال: فقلت له: نعم. والعزى كانت تعبد وهي شجرة ، والشعرى كانت تعبد ~~وهي نجم . # -قال: فقال لي: الله يقول/: أمن لا يهدي إلا أن يهدى ، فكيف تقول ~~انها الحجارة والحجارة لا تهتدي إذا هديت لأنها ليست من ذوات العقل؟ # -فعارضني بعض أهل المجلس-كالمعين له-فقال: كيف تعقل الحجارة PageV02P095 ~~وهي من غير ذوات العقل؟ # -قال: فقلت للمعارض: أمسك. ما لك ولذا؟ # -ثم قلت: قد أخبرنا الله عز وجل: ان الجلود تنطق في الآخرة وليست من ذوات ~~ النطق. # -فقال : نسب إليها النطق على سبيل المجاز، والنطق للأفواه. # -فقلت [له] : منزل القرآن يأبى ما ذكرت، فقلت: قال الله عز وجل: ~~اليوم نختم على أفااههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ~~ قال: -وأشرت بإصبعي السبابة إلى فمي فقلت: ختم [الله] على ~~أفواههم: ثم بين بقوله تعالى: وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا ~~الله الذي أنطق كل شيء . وما الفرق بين جسمك وأجسامهم (وبين ~~الحجارة) إلا أنه عقلنا [الله] فعقلنا ولو لم يعقلنا لم ~~نعقل ، وكذلك الحجارة إذا شاء أن يعقلها عقلت. [هذا الجبل لما ~~عقله الله عقل جلال تجليه: اندك. قال الله تبارك وتعالى: فلما تجلى ربه ~~للجبل جعله دكا ] . PageV02P096 ### ||||| ذكر زهد أبي عثمان سعيد بن الحداد-رضي الله عنه- # قال أبو عثمان : قال لي ابن طالب/يوما: بمن تأنس اليوم يا أبا ~~عثمان؟ # فقلت له: بالوحدة والغد [و] بعد الغد. # ثم قال لي يوما [آخر] : ما الذي يتغدى أبو عثمان ؟ # فقلت له: الخضرة والقطنية. # فقال لي: احسن والله أبو عثمان. وأبو عثمان خير منا . # قال ابن التفاحي: قلت لأبي إسحاق السبائي: ms359 ما رأيت-أصلحك الله- ~~أغزر دمعة من سعيد بن الحداد، لأن كل [صاحب] جدل وكلام تجد له ~~قسوة. # فقال السبائي: سعيد بن الحداد سبق إلى قلبه صحبة النساك: واصل ~~وأصحابه. # قال الفقيه أبو بكر (بن) عبد الرحمن رضي الله عنه وأرضاه عن ~~أبيه قال : كانت الدجاجة إذا باضت في دار سعيد فرحوا بذلك لأنهم ~~يشترون بها بقلا، وكان مع هذا التقلل يلبس لباس الشرفاء للتهيب ~~في PageV02P097 أعين الأعداء -يعني عبيد الله وشيعته-وكانت كسوته ~~تقوم بعشرين دينارا. # وكانت له همة يتيه بها على أهل الدنيا وذلك أنه كان جالسا-يوما-على باب ~~داره فجاز به عبد الحميد السرتي/-وهو شاب-راكبا على فرس ينظر في عطفيه ~~جمالا وكسوة فلم يسلم على سعيد، فأنشأ سعيد يقول: # ويبصرني إذا ذو المال يزهى %~% بما يحوي من المال الجزيل # أراه كأن عيني لا تراه %~% وأعرض عنه إعراض الملول # وكان يقول في مثل ذلك : # رغبت بنفسي عن دني المكاسب %~% وما أعجزتني حيلة عن مطالبي # فإن لم أنل دنيا فقد نلت همة %~% تنزه نفسي عن دني المعائب # أبت همتي إلا سموا إلى العلى %~% وإن طأطأتني حادثات النوائب # [تراني وفي صدري هموم كثيرة %~% ضحوكا لأخفي عن جليس وصاحب] # ذكر الشيخ أبو الحسن بن القابسي رضي الله عنه وأرضاه، قال: كان فتى يطلب ~~على سعيد فخرج من عنده يوما، فأتى الدار ، فوجد والده قد صنع/سكباجة ~~محكمة فلما قربت بين أيديهم قال له والده: مسألة يا بني. # -فقال له: ما هي؟ # -قال له : هل الموت مخلوق أو غير مخلوق؟ # -فبقي الفتى ساكتا لا يحير جوابا. فقال له والده: صحبت هذا الشيخ ~~الذي تطلب عليه كذا وكذا سنة ولم تعلم هذه المسألة، لله علي إن أكلت ~~PageV02P098 من هذه السكباجة شيئا حتى تمضي إلى معلمك وتسأله عن هذه ~~المسألة. # قال: فمضى الفتى-وكان نصف النهار-في يوم حار في مسافة بعيدة، فضرب على ~~أبي عثمان الباب، فقال: من [هذا] ؟ # -فقال: فلان-أصلحك الله-. # -فرفع الخيط وقال له: لج واتركه رهوا ، فلما دخل على أبي عثمان، قال ~~له: ما الذي أتى بك ms360 (في) هذا الوقت؟ # -فقال له: مسألة أردت سؤالك عنها. # -فقال له: [و] ما هي؟ # فأخبره بها، فقال له: اقرأ [من] أول سورة الملك تجد مسألتك، فقرأ ~~حتى انتهى إلى قوله تعالى: الذي خلق الموت والحياة فقال له حسبك. # ففهم الفتى المسألة. ثم قال له أبو عثمان: «البطنة تذهب الفطنة» ثم ~~أشار إلى باقية مغطاة بمنديل-فقال له: اكشفها. فكشفها. فإذا بنصف ~~خبزة. # فقال: هذا قوتي في يومي هذا وليلتي آكله الساعة ثم لا آكل شيئا إلى ~~قبل هذا الوقت من الغد. # ثم مضى الشاب إلى أبيه فأعلمه بما قال له، فقال : أما الساعة فكل ما ~~أحببت. PageV02P099 # وكان رضي الله عنه وأرضاه متقللا من الدنيا حتى ورث من ~~أخ له مات بصقلية أربعمائة دينار أعانه عليها الأمير ابراهيم بن ~~أحمد، فلما وصلت إليه هدم داره وبناها وأنفق فيها مائتي دينار، واشترى ~~بخمسين دينارا: # كسوة (واشترى) بخمسين دينارا: فرشا ودثارا وما يصلح ~~للاستخدام من الأواني وغير ذلك، وبقيت معه مائة دينار، فعاتبه بعض ~~إخوانه على محقه الدنانير، فقال (لهم) : عملت ما عمله أكابر الرجال ~~وعقلاؤهم: أما بنياني الدار، فإنما راحة المرء في داره. # وأما الكسوة فهو نظر في المعيشة لأنه إذا كان عند الرجل ثوب ~~واحد هلك في أقرب وقت وإذا كان عنده جملة من الثياب بقيت عنده ~~ مدة من الزمان. # وأما المائة دينار الباقية فأي شيء يفنيها؟ وأنا (إنما) آكل ~~من الجمعة إلى الجمعة/ربع رطل لحم نجعل عظامه في ليلة وشرائحه في ~~ليلة، ثم نأكل PageV02P100 في الليلة الثالثة السماصاحية، (وهي الخزيرة) ~~، و [في] الليلة الرابعة كواكبية ، وهي: سلق وحمص، والليلة ~~الخامسة نيسابورية، وهي سلق واسفنارية، (وهي جزر) ، والليلة السادسة: ~~فستقية، وهي سلق وفول، والليلة السابعة: اللحم. # وهذا الفعل من أبي عثمان-رضي الله عنه-قناعة وتدبير للمعيشة ، قنع ~~بما في يديه [واستغنى] عن الناس. # وكان يحض على القناعة ويرغب الناس فيها ويقول: إنها غنى . # ابن أبي زيد رضي الله عنه عن عبد الله بن سعيد عن أبيه قال : قدمت ~~من طرابلس في سفرة كنت ms361 سافرت إليها في محمل ونحن في رفقة ~~فيها سبعون حمل بر من شداد البصرة وجميع الرفقة: من ~~الجمال والأحمال والأعوان لرجل واحد هو فيها معنا يقال له أبو عوانة راكب ~~على حمار مسرج PageV02P101 محزم الوسط بمنطقة، وكان يستظل بظل محملي. قال أبو عثمان: فقال ~~لي يوما -وهو تحت ظل محملي-: يا أبا عثمان ما يقول أصحابكم-أصحاب ~~الحديث-في القناعة؟ قال أبو عثمان: فقلت له من تلقائي: القناعة غنى، لأنه ~~من قنع بما في يديه استغنى عما في يد غيره . قال: فقال ~~لي: لكن أصحابنا السواديين يقولون: القناعة فقر، لأن كل من قنع ~~لا يطلب ومن لم يطلب لا يكسب ومن لم (يكسب) فهو فقير، ~~قال: أبو عثمان: # فسكت عنه ولم أكلمه بشيء، قال: فنزل إلى القيروان- (وكان له ريع) ~~-فباع فندقا له في باب سلم، وباع دارا له وغير ذلك، ثم اشترى ثلاثين حملا ~~حتى كملها مائة جمل بأحمالها وأعوانها، ثم توجه يريد بلد السودان. قال أبو ~~عثمان: فانقطع خبره من الوقت الذي خرج فيه إلى هذا الوقت فما أدرى ما فعل ~~الله تعالى به وبجميع ما معه، قال: فذكرت خبره لبعض من يسافر إلى تلك ~~الجهة، قال: يقال إنه نزل في بعض الرمال فأسفت عليهم الريح ~~فدفنتهم أجمعين. قال أبو عثمان: فوقع في قلبي أنه عوقب بما كلمني به ~~في القناعة. PageV02P102 # قال عبد الله ولده: اشتكى أبي بحر شديد حتى رأينا بصره قد ~~تغير علينا ورآه بذلك بعض من عنده من العواد، قال: واحسب أنه قال: -ولم ~~يعلم هو بذلك من نفسه حتى أخبر-فلما خلا رفع المرآة إلى وجهه فنظر إلى بصره ~~بتلك الحالة فرفع يديه إلى الله عز وجل وقال: اللهم بحق الإسلام الذي ~~سيط به لحمي ودمي فرج عني. قال: فأعاد الله عز وجل بصره على ما كان ~~عليه قبل ذلك. وزال منه ما أصابه (فيه) ، قال: ثم نظر (بعد) ذلك ~~وجهه في المرآة فرأى بصره قد عاد لهيئته، قال: أقول ، وما عسى أن ~~أقول؟ أحمد من أعبد. # وخطر ms362 عليه صاحب المحرس وهو في مجلسه (مع جلسائه) ، فلحظه لحظا ~~منكرا، فقال له بعض جلسائه : إنما صار إلى العامل ليخبره اجتماع الناس ~~عندك، فأخذ-رحمه الله-يستعين بالله تعالى ويستكفيه شره وضره، قال: فما أمسى ~~له الليل حتى أتاه الخبر أن ذلك المخوف -صاحب المحرس-صار إلى العامل ~~، فلما صار إليه خاطبه [وأطال] ، فلا يدرى في أمره أم في غيره، ~~فأمر العامل بالسيف وأن يوسط به صاحب المحرس، فوقع نصفه من جانب والنصف ~~الآخر من جانب، فحمد الله تعالى أبو عثمان كثيرا PageV02P103 وشكره على ما ~~كفاه منه. # وكان رحمه الله تعالى على غاية من حسن الخلق وكرم النفس: # ذكر عنه أنه جلس إليه يوما شيخ يعرف بابن مرزوق -وكان في ما مضى ~~مغنيا-قال: فأخذ سعيد في حديث يحدثه ويحدث أصحابه، فلما توسط كلامه سكت عن ~~الحديث وقطعه وقال: ارو هذا الحديث، فلما قام ابن مرزوق قال: كدنا أن ~~نحشم جليسنا، فعلم أنه كان باقي الحديث الذي سكت [عنه] في ذم الغناء، ~~وأظن الرجل كان مغنيا. # وأخذ «فتح» الحاجب (رجلا) قيل إنه مفسد لحرم المسلمين، ~~فقال الرجل لفتح: لا تعجل علي. سعيد بن الحداد يعرفني ويعرف حالي، قال ~~سعيد: وأنا أعرف ذلك. قال: فجاءني، فقال (لي) : تعرفني؟ فقلت له: # نعم. أعرفك بسوء الحال والرداء. فقال لي: صدقت. ولكني أشهد الله تعالى ~~وأشهدك أني تائب إلى الله عز وجل من جميع ما عملته/فقال أبو عثمان سعيد ~~-رضي الله تعالى عنه-فبعد أن أدبر عني أتاني رسول الحاجب يسألني عنه، قال: ~~فقلت له: أما مذ تاب ورجع إلى الله عز وجل فما علمت منه جرحة ~~ ولا زلة. رحم الله أبا عثمان ونضر وجهه. # وأما كلامه بالحكمة وصنعته للشعر فقد حدثنا الشيخ أبو محمد ~~بن أبي PageV02P104 زيد الفقيه، حدثنا أبو محمد عبد الله بن سعيد بن الحداد ~~عن أبيه أنه كان يقول: # إن لم يشتد حزنك على ما تنكره من حالك فاقض على نفسك بخروجك من نعت ~~المؤمنين الذين نعتهم نبيهم صلى الله عليه وسلم في قوله: «من ms363 سرته حسنته ~~وساءته سيئته فهو مؤمن » وليس ترك ما يوصف به المؤمنون بمخرج لهم من ~~الإيمان إذا لم يكن تركهم له على الديانة وإن استوجبوا به الوعيد. # وقال أيضا: # ما جرت الأعمال التي هي في نفسها قرب إلا قصد العاملين بها غير وجه الله: ~~إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا . # وقال: # الحب في الله والبغض في الله [من] أفضل ما تقرب به إلى الله عز وجل ~~فهو فريضة على من آمن بالله تعالى. # (وقال) : # لا تقل إلا/خيرا ولا ترد بما تقول إلا الله عز وجل لأن الله تبارك ~~وتعالى يقول: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وقال: أفلا يعلم إذا ~~بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور فمن علم أن كلامه محصي عليه حرس ~~قوله وإرادته، وما توفيقي إلا بالله. # قال ابن حارث: قال لي أبو جعفر بن موسى التمار : كان أبو عثمان ~~PageV02P105 كثيرا ما يقول: ما لطالب العلم وملاءمة المضاجع. # وكان يقول : # دليل الضبط الإقلال، ودليل التقصير الإكثار. # وكان كثيرا ما يقول : # تقديم من أخره الله، وتأخير من قدمه الله فتنة في الأرض ~~وفساد كبير. # وكان كثيرا ما يقول للذي يردد قولا لا ينتفع به: # امح فلسا واكتب فلسا . # وكان كثيرا ما يقول: # القرب من الفتنة غرق، والبلاء إنما هو في القلب، وما للفتنة ~~مثل التباعد عنها. # وكان يقول : # المكر مضارع للسحر (-يعني مشابه السحر-، لأن من احتال عليك ~~كمن سحرك ، والغدر إلى جانبه (الذل) . # وكان يقول : # سل ربك العافية من بلاء يضطرك إلى المعصية . PageV02P106 # وكان يقول : # إنما هو دين أو مروءة فمن عري منهما (فقد) عري من كل خير. # وكان يقول: # من شغل بذكر مساوئ الناس ترك حظه من الشغل بمساوئ نفسه، ومن شغل بالفكر ~~في مساوئ نفسه أذهله ذلك عن الشغل بمساوئ الناس، ومساوئ نفسه هي التي تضره ~~، ومساوئ الناس لا تضره. # وأنشد في مثل هذا المعنى: # يمنعني من عيب غيري الذي %~% أعلمه في من العيب # عيبي لهم بالظن مني ms364 لهم %~% ولست من عيبي في ريب # إن كان عيبي غاب عنهم %~% فقد أحصى ذنوبي عالم الغيب # وقال أبو عثمان رحمه الله: # إذا رأيت إنسانا يكثر الخوض في الحديث فليدخل قلبك أنه غير ناج من القول ~~بالباطل في كثرة ما يخوض فيه: # وقال : # القرب من السلطان ، في غير هذا الوقت، حتف من الحتوف/فكيف في هذا ~~الوقت. # وقال: # من طالت صحبته للدنيا وللناس فقد ثقل ظهره. # وقال: # من لم يعالج إصلاح ما يجول في قلبه، ويجري على لسانه فليست له عناية ~~PageV02P107 بدينه، ومن أهمه ما يجول في قلبه ويجري على لسانه فهو مشغول ~~بنفسه، والقلوب مولعة بما عليها فيه الضرر . # وكان يقول: # خاب السالون عن الله عز وجل والمتنعمون بالدنيا، فكأن الناس ما ~~آمنوا بالله عز وجل ولا صدقوا بوعيده. # وقال: # من أوليته جميلا على غير طريق الحق أعقبك منه قطيعة مكان الجميل الذي ~~أوليته، عقوبة من الله عز وجل، فإن قصدت بما أوليته طريق البر ثم لم ~~يرعه، كان الله عز وجل المعين لك عليه. # وقال: # افعل لله تعالى يمدحك من كان يذمك [و] افعل لغير الله يذمك من كان ~~يمدحك. # وقال: # من تحبب إلى العباد بمعاصي الله تعالى بغضه الله إلى من تحبب إليه ~~(بمعصيته) . # وقال: # من ترك القول بالحق خيفة من الناس لم يأمن أن ينزل به البلاء. # وقال: # ما رأيت للإنسان مثل الوحدة إلا أن يكون جليسا أخذت الآخرة بقلبه/أخذا ~~قويا. # وقال: PageV02P108 # المقدم من قدمه تقواه، قدم عند العباد أو أخر. # وقال: # قف نفسك على ما يوجب عليها، واصبرها على أخذ الحق منها. # (وقال: # قف نفسك عن تناول ما لا يجب لها واصبرها على أخذ مفروضها) . # وقال : # ليس كل ذنب يجب فيه العفو ، ولا كل حالة يحسن فيها الحلم. # وقال أيضا: # لا تعدلن بالوحدة شيئا، فإن الناس صاروا ذبابا. # وقال: # ما استنقذت النفوس بمثل ترك مساعدتها. # وقال: # ما صد عن الله تعالى بمثل طلب المحامد وطلب الرفعة عند المخلوقين: # وقال: # أعظم من ذنب المذنب تركه الاعتراف بذنبه. # (وقال) ms365 : # لا والذي لا إله إلا هو ما فرح قط عاقل وهو يعلم أنه في غير طريق رشده. # وقال: # الذي أنت فيه تخليه، والذي بين يديك تصير إليه. PageV02P109 # وقال : # ما بين الإنسان وبين أن يغتبط بما قدم من خير ويندم على ما ترك من الدنيا ~~إلا أن ينزل به الموت ويندم على فراق الدنيا، وقد حان معقلنا وجد رحيلنا ~~وما ينبغي للإنسان أن يضيع مكسبه ولا يسرع/يده فيما يملك لو لم ~~يتماسك بالوفر إلا لشماتة الأعداء لئلا يحتاج الإنسان إلى غيره وإن فتح له ~~فيه قدمه. # وقال: # القيام بأمر الجماعة حمل ثقيل فإن ابتليت فابل الله عز وجل منك بلاء ~~حسنا. # وقال : # القلب الحي كاللحم الحي: اليسير يؤلمه، والقلب الميت كاللحم الميت الكثير ~~لا يؤلمه. # وقال: # هو زمان لا تحدث نفسك أنك تجد فيه أحدا يصفي لك المودة في الباطن ~~كما يبدي لك في الظاهر، ولو انك تغضب هذا الذي يبدي لك المودة أو ~~تخالفه في شيء يهواه لهان عليه أن يعرضك لما فيه حتفك. # وكان-رحمة الله عليه-يقول الشعر ويجيده فمن (ذلك) ما أنشده أبو ~~محمد ابن أبي زيد وأبو بكر أحمد بن أبي بكر الزويلي لأبي عثمان رضي ~~الله عنهم أجمعين: # ما زلت من حادثات الدهر معتجبا %~% حتى انقضى عجبي بعد الثلاثمائة ~~PageV02P110 /لا بارك الله في عام وفي سنة %~% كانت لشر زمان كان مختبئه # عادت اسافله طرا أعاليه %~% ولا أعالي إلا وهي منكفئه # وقال أيضا: # كم عساني أعيش (كم كم عساني) %~% كم عساني أبقى على الحدثان # بعد سبعين حجة وثمان %~% قد توفيتها من الأزمان # يا خليلي قد دنا الموت مني %~% فابكياني هديتما وانعياني # قال ابن حارث : ولما مات أبو عثمان-رضي الله عنه-خرج البريد سحرا ~~يبشر بموته سلطان الشيعة. # (قال) : وذكر [بعض] من قدم من رقادة في ذلك الصباح، أنه قال: ~~كنت أول خارج من باب رقادة صباحا، فلقيت البريد، فقلت له: ما وراءك؟ فقال ~~: أتيت بموت سعيد (رحمة الله عليه) . # قال: ورثي بأشعار كثيرة فمما حفظت قول القائل (في شعره) ms366 : # أين المقدم والآذان مصغية ال %~% يه حتى وعت كل الذي ثقفا # أين الذي كشف المعنى المعمى (لنا) %~% فصار متضحا للناس ~~منكشفا # أين الذي لم تزل منه بديهته %~% كمثل فكرته إن رام منحرفا PageV02P111 ~~أين الذي عن لذيذ العيش قد عزفا %~% أين الذي من بحار العلم قد غرفا # أودت به حادثات الدهر فانجذمت %~% به العلوم وأضحى الدين منعجفا # كانت تطيب لنا الدنيا بواحدها %~% وبالذي لم يزل يحكي لنا السلفا # وقال سهل بن ابراهيم الوراق يرثيه : # نفى النوم من عيني خيال مروع %~% وعاود قلبي شجوه فهو موجع # /فبت شجي القلب سفاح عبرة %~% أراعي نجوم الليل من حيث تطلع # حياة الفتى ما عاش بؤس وحيرة %~% ومر الليالي قد يسر ويفجع # كأن خطوب الدهر بيني وبينها %~% سوالف ثأر فهي بي تتوقع # لعمرك ما صاد عن الماء حائم %~% يطوف به حيران يدنو فيمنع ~~PageV02P112 ولا هاتف بالليل بين حمائم %~% هواجع محزون يحن ويسجع # فريد وحيد بان عنه قرينه %~% فيبكي ويحكي قس دير يرجع # بأوجع من قلب قريح يبثه %~% غداة نعى عثمان ناع مروع # نعى من شجا قلبي وكنت محاذرا %~% عليه من الأقدار ما ليس يدفع # يرق لهذا القلب من طول بثه %~% دموع كتبديد الجمان تدفع # وشرد نوم العين فيض دموعها %~% وأنى لعين بعد عثمان تهجع # لقد كنت جلدا في النوائب صابرا %~% على حادث الأيام ما تتضعضع # فبان العزا والصبر يوم فراقه %~% ومن فارق الأحباب يأسى ويجزع ~~PageV02P113 وبان اصطباري عن حبيب فقدته %~% فكيف وما للصبر في ~~القلب موضع # تجرع كأس الموت وهي كريهة %~% فما لي بكأس الحزن لا أتجرع # يؤرقني طيف لعثمان زائر %~% إذا هجع النوام يسري وينزع # يؤرق عيني من لذيذ غموضها %~% فليس لها إلا سهاد وأدمع # عجبت لنفسي بعده كيف لم تمت %~% وما بحياة بعد إذ مات أصنع # فلو أن شيئا كان يفدى فديته %~% وهيهات ما في الميت ~~للحي مطمع # لقد راح صبري يوم راحوا بنعشه %~% فثووه لحدا ثم آبوا وودعوا # أريحانة قد صرت ريحانة الثرى %~% فأضحى البلا في جسمك الغض يسرع # ألا بأبي الغصن النضير ms367 الذي ذوى %~% فعيني على تلك النظارة تدمع # /سقى قبرك الصوب الموشى لأرضه %~% وجادت عليه مزنة ليس تقلع # وله أيضا مرثية في أبي عثمان يقول في بعضها : # وقالوا: قضى نحبا وذاق منية %~% فيا لك من خطب يحل عرى الصبر # وكم مارق عادى سعيدا وسبه %~% وضاق به ذرعا وباداه بالهجر ~~PageV02P114 يود بقلب ذاب هما وغصة %~% لو ان أبا عثمان في ظلم القبر # وان امرءا منكم تمنى وفاته %~% وليس له عذر ففي واسع العذر # فليت الذي أمسى شجى في حلوقهم %~% يمد له حبل الحياة إلى الحشر # أليس لسان المسلمين وسيفهم %~% إذا كادهم أهل الضلالة والكفر # أليس هلال الأرض بل شمس دجنها %~% وبدر دجاها حين أمست بلا بدر # يجيب وما غاصت دقائق فكره %~% جوابا عتيدا في أدق من السحر # /إذا وارت الأرماس يوما سعيدها %~% فقد غربت شمس الحجى عند من يدري PageV02P115 ### || [ثم كانت سنة ثلاث وثلاثمائة] # وفيها توفي: ### $ 177 - أبو عبد الله [محمد] بن عبادة السوسي # رضي الله عنه. # قال (الشيخ) أبو الحسن الفقيه بن القابسي-رحمة الله عليه -كان ~~محمد ابن عبادة من الصالحين، سمع من هشام بن عمار وأبي المصعب . # وكان هو القيم في بناء قصر ابن الجعد ومتولي الإنفاق فيه. وكان ابن الجعد ~~له منازل وبضائع فقدر للنفقة [فيه] مقدارا وأمرهم أن يجعلوه قياسا ~~في مثله ففعلوا وغلطوا بزيادة جنبتين فلما كمل السفلي عمر بالناس ~~قبل أن تركب أبوابه. ثم لما تم الدور الثاني عمر أيضا وبقي تمام القصر ~~والأبراج للطبقة الثالثة وبقي أبواب البيوت والإصلاح بالجير وذهب الذي كان ~~يكفي لذلك كله في PageV02P116 القوسين اللذين زادوهما غلطا، فانبرى قوم ~~للنفقة فيه وقال ابن الجعد: لا ينفق أحد معي فيه شيئا حتى يتم الدور ~~الثاني وأبراج الدور الثالث. فلما نجزت النفقة أراد محمد بن عبادة ~~القدوم/إلى القيروان، فأراد أن يدخل على قلب بانيه مسرة -وكان قد اجتمع فيه ~~ثمانية وأربعون رجلا كلهم حفظ القرآن-فسألهم ابن عبادة أن يختم كل ~~واحد منهم القرآن في ليلته ففعلوا، فغدا إلى القيروان فلما سلم على ابن ms368 ~~الجعد قال له: ما الخبر ؟ فقال: الذي يسرك ما جئت حتى صلى في مسجد ~~القصر وبيوته كلها وختم فيه القرآن البارحة ثمانية وأربعون ختمة، فسر ~~بذلك ابن الجعد وابتهج ثم قال له: وما وراء ذلك ؟ قال: النفقة ~~نجزت وقد بقي كذا وكذا فلا تحمل على نفسك (فإنه) قد شرع أقوام في ~~تمامه فقال له: لا بأس، ثم دخل الدار فأقام ساعة ثم علت الأصوات في الدار ~~بالبكاء فصاح عليهم وكلمهم ساعة ثم خرج بعد ذلك وكمه مملوء فقال لابن ~~عبادة: هات كمك فأفرغ فيه حلي أهله فقال له ابن عبادة: لم فعلت هذا؟ قال: ~~لم أضعه لهم إلا على جهة العارية على انني متى شئت أخذته وقد ~~استمتعوا به زمانا ولست (بالذي) أوثرهم على نفسي فإذا جاءت الغلات أو ~~البضائع عملنا لهم ما يسرهم، فأخذه ابن عبادة وصرفه وتمم به بناء ما بقي ~~عليهم من القصر. PageV02P117 # /وفيها توفي : ### $ 178 - أبو القاسم حماس بن مروان -الناسك-بن سماك الهمداني من صليبة العرب. قال ابن حارث: معدود في العباد مذكور بصلاة الليل وصيام النهار ولباس الصوف مع الفقه البارع والكلام الجيد عليه. # قال أبو العرب: سمع من سحنون ومن ابن عبدوس وغيرهما. # ذكر (عبد الله) بن سعد قال : خرج حماس من بيته (ذات) ~~ليلة فسمع ابنه سالما يتهجد (في بيته) . ثم ذهب إلى بيت ابنه الآخر ~~ فوجده يتهجد، ثم ذهب إلى بيت العجوز فوجدها تتهجد، ثم ذهب إلى بيت ~~الخادم فوجدها تتهجد، (قال) فملئ بذلك سرورا ووقف في وسط الدار وقال: ~~يا آل سماك هكذا فكونوا. PageV02P118 # وقال غير عبد الله: فذكر انهم باعوا الخادم فاشتراها قوم فرأتهم لا ~~يصلون بالليل فظنت أنه من لم يصل بالليل (فليس) بمسلم فهربت ~~من الدار إلى مواليها-دار حماس-فقالت لهم: هكذا يحل لكم بعتموني من قوم ~~يهود لا يصلون بالليل. # قال حماس: كنا نوجه الشعير يشترى لنا به البقل نطبخه ~~فكسد/الشعير ونفق البقل فصرنا نثرد الشعير بالشعير . # قال أحمد بن نصر رأيت حماسا في ليلة جمعة يقوم ويقعد ms369 ويختلف ~~فقلت له: -أصلحك الله-ما خبرك؟ فقال لي: عندنا شعير أخذته رائحة المطمورة ~~ ليس يأخذه منا البقالون فطبخنا منه جشيشا نثرد فيه من ~~خبزه، ورأيت البارحة الشعير خارجا من الفرن ففكرت في (بيوت) ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم-وانه لم يكن شيء من ذلك لهم في أكثر ~~الأوقات PageV02P119 وأنهم طالما اشتاقوا إليه ، فلما أكلته عرض لي منه ~~ريح فلذلك أقوم وأقعد. # ولما حضرته الوفاة قال لهم بيعوا من كتبي ما تكفنوني فيه . # وجرى بين أخته سيدة وبين أخيه أحمد اختلاف في ضيعة بينهما كانا يتخاصمان ~~عنده عليها، فعملت أخته ليلة من الليالي دجاجة إفريقية ووجهت بها إليه عند ~~افطاره فلما وضعت بين يديه قال: من أين هذه؟ قيل له: اختك بعثت بها إليك ~~قال: وجهوا وراء أخي فلان، فوجه في طلبه فأتاه، ووجه في طلب أخته فأتته ~~وأمرهما أن يأكلاها/بين يديه وأصلح بينهما وخرجا، فقالت -عند ذلك ~~أخته-: والله الذي لا إله إلا هو ما وجهت بها إليك إلا شفقة مني عليك لعلمي ~~أنك أقمت أياما كثيرة لا تأكل سخينة وأنت تنظر بين المسلمين. فأحببت أن ~~أوجر على ذلك (فقال لها: أكمل الله أجرك) والله يعين على ذلك برأفته. # وذكر عنه أنه كان لا يهاب سلطانا. ولم يركب في ولايته دابة. وكان ~~يخرج إلى منزله- (منزل) مطروح -راكبا على حمار بشند لا خف ~~في رجله، ولم يكسب دينارا ولا درهما. وكان إذا أراد شراء الزيت والبقل باع ~~الشعير واشترى بثمنه ما يحب من ذلك. ولم يأخذ على القضاء أجرا، وقد ~~PageV02P120 تقدم ذكر أبي هارون الأندلسي وامتناعه من النزول ~~عنده-بعد أن كان ينزل-فقال له: إني لا آخذ على القضاء أجرا، فعاد فنزل ~~عنده. # قال أبو زكرياء-كاتب تميم بن خيران -تخاصم رجلان في حق العرس إلى ~~حماس بن مروان فقال العروس: ليس يجب علي حق العرس، وقال أبو العروسة بل ~~هو/واجب عليك، فقال لهما حماس: المعروف في البلد أنه من أتى إليه ~~بشوار يسوى خمسة وعشرين دينارا دفع دينارين ونصفا، وإن كان أقل ms370 ~~من ذلك دفع على قدر ذلك، فقال له العروس: فإنه لم يدفع إلي شيئا من الشوار ~~له قيمة، وكان العروس يختلف إلى هشام بن العراقي الموثق يتعلم منه ما ~~يخاطب به حماسا من حجته فلما أعبى أمرهما حماسا رد وجهه إلى أبي ~~العروسة فقال له: ابنتك هي؟ فقال له: نعم، ثم قال للعروس: زوجتك هي؟ فقال ~~له: نعم. فقال لهما: قوما عني ليس هذا عرسا هذه جنازة. # وقال أبو العباس الابياني : اختصمت امرأتان إلى حماس في جرتين ~~مملوءتين سقطت إحداهما على الأخرى من يد صاحبتها فانكسرتا جميعا ولم يدر ~~أيتهما PageV02P121 سقطت على صاحبتها. فقال لهما: ترجعا إلي غدا، فرجعتا ~~(إليه) فقال لهما: # ترجعا إلي غدا، فرجعتا (إليه) فقال لهما: تعودا إلي ثالثة ~~ففعلتا فقال لهما: والله ما أدري كيف أحكم بينكما ثم أدخل يده في كمه ~~فأخرج دراهم ثم قال لرجل امض فاشتر لهما جرتين مملوءتين مكان جرتهما (ففعل ~~ذلك) وأخذت كل واحدة جرة وقال: لو علمت الجرة الساقطة بعينها لغرمت ~~صاحبتها قيمة الأخرى. PageV02P122 ### || ثم كانت سنة أربع وثلاثمائة # فيها (توفي) ### $ 179 - أبو يونس المتعبد بقصر الطوب، واسمه نصير. # في شهر ربيع الأول، وهو ابن مائة (سنة) وثماني سنين. نفر الناس لحضور ~~جنازته ودفن [في] اليوم الثالث من موته. # وكان رجلا صالحا فاضلا متعبدا مستجابا قليل الهيبة للسلطان، سكن قصر ~~الطوب وبه مات. قبره أمام القصر يتبرك به-رضي الله عنه-. # وكان-رحمه الله تعالى-يقول: # كيف تقر لي عين في الدنيا وأنا أعلم أن معي ابليس فيها مجاورا وإنما ~~تقر العين في دار لا يجاور فيها إلا الرب سبحانه. # وكان يقول: # لو أن الله عز وجل غفر لي وأدخلني الجنة وقال (لي) سل سؤلك لقلت: # يا رب قد ذهبت الدنيا وجاءت الآخرة وجازيت أهل طاعتك وسألوك سؤلهم ~~فأعطيتهم وأنا أسألك اليوم أن تجعل (لي) إلى خدمتك سبيلا لتكون لي ~~نعيما في الجنة. PageV02P123 # وقيل: إن أبا يونس مال إلى القراءة في كتب الرقة، قال: فرأى في منامه ~~(كأن) قائلا يقول له: اشتغلت بكلام ms371 عبيدي عن كلامي؟ (قال) : فانتبه ~~مرعوبا فآلى على نفسه أن لا يتكلم بغير القرآن حتى يلقى الله عز ~~وجل، فعكف على قراءة القرآن بالليل والنهار، وكان إذا أراد أن يتكلم أشار ~~بإشارات تفهم، أو يكتب لمن يقرأ بما يريد. # قال لي أبي: وذكر لي بعض الصيادين الصالحين منهم أنهم [ربما] جازوا ~~بالليل على قبر أبي يونس فيسمعون في قبره قراءة القرآن. # قال أبو القاسم بن تمام: مضينا إلى قصر الطوب في عشرة أنفس إلى أبي يونس ~~فقلنا له: اكتب لنا كتابا إلى أم الأمير فإن زيادة الله الأمير أخذ مائتي ~~رجل من أهل العلم والقرآن فأرسلهم إلى العسكر رماة . فقال أبو يونس: ما ~~نعرف الأمير ولا أمه إنما نعرف الله عز وجل ورسوله. الليلة نسأل الله فيهم ~~ويطلقون، إن شاء الله تعالى، وكانت ليلة جمعة فلما كان الليل قام ~~أبو يونس فقال: يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم يا خاتم النبيين يا سيد ~~المرسلين يا من جعله الله رحمة للعالمين قوم من أمتك أتوني يسألونني في قوم ~~صالحين أن يطلقوا فقد سألتك فاسأل الله فيهم، فلما صلى حزبه ورقد مر ~~به النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال له: يا أبا يونس قد سألت الله ~~تعالى فيهم وغدا يطلقون، إن شاء الله تعالى. PageV02P124 # قال ابن تمام: فلما أصبحنا قلنا له: يا سيدنا ما كان من الحاجة؟ فقال: # قد سألت النبي صلى الله عليه وسلم (فيهم) فقال لي: غدا يطلقون إن ~~شاء الله عز وجل، فلما كان يوم الجمعة دخلوا على زيادة الله بن الأغلب صاحب ~~الجيش فسلموا عليه فرد عليهم السلام ورحب بهم، وقال لهم: يا أهل العلم ~~والقرآن لعنة الله على ابن الصائغ الذي وجهكم إلي قد تركتكم (كرامة) ~~ لله عز وجل وللنبي عليه أفضل الصلاة والسلام. # قال: وذكر أن أخا له اشتكى أرنبا كانت أفسدت عليه بحيرة له ~~بجوار قصر الطوب فدعا عليها فلم تلبث إلا يسيرا حتى ماتت. # قال الشيخ أبو الحسن الفقيه علي بن ms372 خلف رضي الله تعالى عنه: خرج أبو يونس ~~من بيته في ليلة مظلمة فإذا برجل ساجد في ظلمة الليل وهو يسأل الله عز وجل ~~الحور والقصور ويتمنى من نعيم الجنة، فوقف به أبو يونس وقال له: ~~يا هذا ألا سألت الله عز وجل في العفو، فإنه إذا عفا عنك أعطاك ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت/ولا خطر على قلب بشر. (قال) : فما طلع الفجر ~~حتى دق باب الحصن رجل من أهل سوسة وهو يقول: أرسلت إلى الشيخ أبي يونس ~~فأخبر به فقال: اطلعوه، فربطت له الحبال فطلع ، وكان PageV02P125 باب ~~الحصن لا يفتح حتى تطلع الشمس فلما أدخل عليه قال له: # -أصلحك الله-وقف بي هاتف في هذه الليلة وقال لي: امض إلى أبي يونس ~~فقل له: إن الله عز وجل أعطاك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر، فبكى الشيخ أبو يونس ثم خرج الرجل . # حدث رجل من أهل العلم قال: خرجت مع أبي إلى المنستير فدخلنا على أبي يونس ~~المتعبد فسلمنا عليه وسأل أبي عني فقال (له أبي) : هذا ولدي. # فدعا لي وقام إلى بيته، وكان جالسا على باب بيته، فأخرج [من] حرزه ~~ أقلاما مرساوية فسأل أبي عني إن كنت أحضر الكتاب؟ فقال له أبي: ~~نعم، فدفع إلي الأقلام ثم ودعناه وخرجنا، فلما مضينا عنه قدر ~~ميل، وإذا به يطرد وراءنا ويصيح: يا هذا يا هذا، فرجعنا/إليه فقال ~~لأبي : لعل ابنك بمحضره على قارعة الطريق فإذا جاز به [من] عند ~~سلطان أو أحد من خدامهم قال له: يا بني اعطني مدة فيعطيه فيكتب بها فأكون ~~يوم القيامة ممن أعانهم بمدة قلم. وأخذ الأقلام مني ورجع، (رضي الله عنه ~~وأرضاه. قال أبو العرب رضي الله عنه) : خاف-رحمة الله عليه-من الحديث ~~الذي جاء فيمن أعان الظلمة أنه قال: «ينادي مناد يوم القيامة أين أعوان ~~الظلمة؟ فلا PageV02P126 يبقى أحد مد لهم [مدة] فما فوقها إلا حشر ~~معهم» . # وكان-رحمه الله تعالى-سخي الكف كثير الصدقة، حدث أبو بكر محمد ms373 ابن أحمد ~~بن ابراهيم المعلم الذي كان يعرف بالصقلي قال: كان في قصر الطوب أبو ~~يونس في برجه وكان (رجل) أسود يأتي ويتعاهد القصر في أول رجب (فيقيم) ~~رجب) وشعبان ورمضان، فإذا أكمل هذه الأشهر مضى، فأقام بهذه الحال مدة ~~[من السنين] فلما كان سنة من السنين أتى فنزل في البيت الذي تحت البرج ~~الذي لأبي يونس فقال لي أبو يونس: إن هذا الرجل يقد شيئا كثير الدخان ~~من زبل وشبهه فأحب أن تجيء وتأخذ دقيقا وحطبا يابسا فتدفعه إليه، قال: فجئت ~~إلى أبي يونس فأعطاني قصعة فيها دقيق وكوزا فيه زيت وحطبا يابسا وذلك ~~بعد المغرب وقد غلق القصر، فقال لي: تمضي بهذا إلى هذا الرجل وتعرفه بكثرة ~~الدخان. قال أبو بكر: فمضيت إليه وعرفته ودفعت إليه ما معي. (قال) ~~فقال لي: يا أخي إنما نجيكم مرة في السنة فإن كنا ضيقنا عليكم فنحن ~~نمضي ونترككم. قال أبو بكر: فمضيت وتركته ثم افتقدته بعد ساعة فوجدته قد ~~ترك الزيت والحطب والدقيق (في البيت) وخرج ففتشت عليه بالقصر فلم أجده ~~ فلما أصبحنا قلت للبواب: اصبر علينا بالباب ساعة، فصبر وفتشنا ~~القصر كله فما وجدنا PageV02P127 # (فيه أحدا) ولا نعرف من أين خرج، فكثر عجبنا من ذلك . # وفيها توفي : ### $ 180 - صدقة الضرير المتعبد رحمه الله تعالى. # ودفن بباب تونس ودفن بجواره مولاه سالم. # وكان من فضلاء المؤمنين مجاب الدعوة. وكان قد ذهبت يداه ورجلاه من ~~البلاء، فكان إذا أراد الوضوء للصلاة حمل إلى متوضاه فوضئ جميع وضوئه ~~(للصلاة) ثم حمل إلى مصلاه الذي يصلي فيه. # قال/أبو عبد الله الخراط: سمعت أبا إسحاق السبائي يقول: كان صدقة ~~مستجابا. وكان له غلام اسمه سالم من المتعبدين، وإنما انتفع مروان ~~بدعاء صدقة وصحبة سالم مولاه. وكان صدقة معلم مروان القرآن. # قال أبو عبد الملك مروان: رأيت أبا هارون الأندلسي-وأنا حدث-بقصر ~~PageV02P128 الطوب-وكان من الأبدال-فتقدمت إليه وسلمت عليه، وعليه مرقعة من ~~صوف فقال لي: من أنت؟ فقلت له: مروان، وكان قائما فعانقني، وقال لي: # أنت مروان الخياط ms374 معلمك صدقة المجاب الدعوة، سينفعك الله تعالى به. ثم جر ~~يده على رأسي ودعا [لي] فوجدت لدعوته حلاوة في قلبي وبكيت، فلما دخلت ~~على معلمي صدقة أعلمته بالخبر فبكى الشيخ الفاضل (ثم قال لي) : يا بني ~~ذاك سيد عباد المغرب سينفعك الله بدعائه. # وذكر أن الناس كانوا إذا حبس الله تعالى عنهم الغيث أتوا إلى صدقة الضرير ~~يسألونه الدعاء فأتوا إليه يوما (وقد أصاب البلد قحط شديد) فسألوه ~~في الدعاء فرفع يديه إلى السماء ودعا بدعاء عظيم ثم قال: يا رب ~~الساعة %~% الساعة %~% فما خرج الناس عنه حتى أغاثهم الله عز وجل بالمطر. # /قال حمديس القطان لصدقة الضرير: عند الله عز وجل كل يوم دعوتان ~~مجابتان فقيل له: فما علمك؟ فقال: أخبرني بعض أهل العلم ممن أثق به ~~أنه رأى ذلك في المنام. # وقيل: إن آخر كلمة سمعت من صدقة الضرير وهو يجود بنفسه: ارفق بحبيبك يا ~~حبيبي. ثم فاظت نفسه. # قال أبو ميسرة: توفي صدقة والصديني في يوم واحد فغسل الصديني ~~المقرعة الغاسل ثم مضى على أنه يغسل صدقة، فمنعه الناس وقالوا [له] ~~ PageV02P129 # اذهب لا تنجسه. # وكان مولاه سالم على غاية من العبادة والزهد. قيل: دخل ربيع القطان ~~ومروان على صدقة الضرير يعودونه فلما خرجوا من عنده وجدوا سالما غلامه في ~~بيته التي في السقيفة وهو يدور من طرفها إلى طرفها ويقول: لك الحمد يا ~~مولاي %~% ويكرر ذلك، فبدر ربيع إليه وقال له: تجننت يا ابن السوداء؟ فقال ~~له سالم: اسكت يا سيدي %~% يا أبا سليمان مولاي الكبير عودني يطعمني من ~~ثلاث إلى ثلاث فلما (ان) كان البارحة زادني رابعة. # وفيها توفي: ### $ 181 - أبو بكر [الصدفي] الصوفي السوسي رضي الله عنه. # ومما يسند عنه أنه/قال : أخبرنا محمد بن عبد الحكم عن أبيه عبد ~~الله ابن عبد الحكم قال: هيأ مالك بن انس رضي الله عنه دعوة للطلبة ~~وكنت معهم فمضينا معه إلى داره فلما دخل قال لنا: هذا المستراح ~~وهذا الماء ثم دخلنا البيت ولم يدخل معنا ثم دخل ms375 بعد ذلك فأتي بالطعام ولم ~~يؤت بالماء قبل الطعام لغسل أيدينا فلما فرغنا من الطعام أتى بالماء لغسل ~~أيدينا فغسلنا أيدينا ثم PageV02P130 خرج الناس وتخلفت بعدهم، فقال لي: ~~يا عبد الله ما تخلفك عن أصحابك، فقلت له: رأيت منك خلالا أربعا ~~أحب أن تفسرها لي، ثم ذكرت له جميع ما رأيت، فقال لي: أما إعلامي لكم ~~بالمستراح والماء فأنا دعوتكم لأبركم، فلعل أحدكم يصيبه بول أو ~~غير ذلك فلا يدري أين يذهب فيصل إليه الضرر، وأما تركي الدخول معكم فلعلي ~~ إذا دخلت معكم أقول: هاهنا يا فلان وهاهنا يا فلان اجلس، وقد ~~أنسى بعضكم أن أقول له ذلك فيظن أن ذلك نقص به فتركتكم حتى إذا أخذتم ~~مجالسكم دخلت عليكم، وأما تقديمي إليكم الطعام قبل الوضوء فإن الوضوء قبل ~~الطعام من سنة /الأعاجم . وقد حدثني نافع عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان PageV02P131 يبول فيستنجي بشماله ويأكل بيمينه ~~. وأما تقديمي إليكم الغسل (بالماء) بعد الطعام فقد جاء في (ذلك) ~~ حديث: (أنه) من بات وفي يده غمر من الطعام فأصابه بلاء ~~فلا يلوم إلا نفسه . PageV02P132 ### || ثم كانت سنة خمس وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 182 - يونس بن أبي النجم المؤدب الأطرابلسي المتعبد. # كان شيخا مشهورا بالإجابة. # قال ربيع القطان بخطه : حكى لنا الشيخ الأطرابلسي عبد الله بن محمد ~~العازب قال: أخبرني يونس المؤدب هذا-وكان من المجابين الدعاء-قال: # كنت أنا والشعاب في غرفة الشعاب بمسجده الذي بطرابلس يوم جمعة ~~إلى أن دخل عليه رجل مبيض يسطع مسكا فقام الشعاب إليه ولهى عني حتى ~~كأني ليس (معه) وتحدثا طويلا ثم قال للشعاب: (قرب الهجير، فقال له ~~الشعاب: و) لا تصلي معنا-يريد الجمعة-فقال له: (لا) بقرطبة أصلي، ~~ثم خرج من عند الشعاب فقال لي الشعاب: يا يونس (قم) فقمت مع الشعاب إلى ~~السترة التي في جبلي مسجده فقال لي: انظر/إليه يخوض البحار بقدميه PageV02P133 # [و] يثور الغبار بين يديه. قال يونس: فنظرت إليه كالنقع . قال ~~[عبد الله] : يمكن أن يكون الخضر عليه السلام ms376 أو من مؤمني الجن. # وممن كان في هذا العصر : ### $ 183 - سعيد الصبري المتعبد # كان من أهل الفضل والعبادة مشهورا بالإجابة. # قال ربيع بن سليمان القطان بخطه: قال لي محمد بن رصيف القصري: # سمعت أبا يزيد بن الشعب يقول: قيل للصبري-وقد كان الناس يأتونه من كل ~~أفق يدعو لهم ويجاب دعاه -ما هذا الجاه الذي لا ترد لك به دعوة؟ ~~قال: فقال لسائله نعم أنا أخبرك: يأتيني الناس وكل واحد منهم مضطر ~~قلق بحاجته وقد علم السائل مقام دعوة المضطر من الله عز وجل فأقول له: إما ~~تدعو ونؤمن أو ندعو وتؤمن فيجيب الله عز وجل الدعاء باضطرارهم ~~فينتفعون PageV02P134 # بدعائهم وهم يظنون أنهم بنا ينتفعون، فدعنا بسوق قامت لنا من حيث هي ~~لغيرنا. # قال ربيع القطان فقلت لابن رصيف : لقد تخلص الشيخ ولطف ونعم ~~الستر هذا وشبهه. رحمه الله وإيانا. # وفيها توفي: ### $ 184 - أبو عبد الله محمد بن عمرو بن خيرون المقرئ الأندلسي # قال أبو عبد الله الخراط: كان صالحا ثقة كريم الأخلاق سمح النفس. # إماما في القراءة. وكان من ذوي التجمل والأنفس الشريفة. وكان قد أصيب ~~بتجارة كبيرة في البحر نحو ألفي دينار فبلغ ذلك أبا إسحاق بن حبشي بن ~~عمر الأغلبي ، وكان من أهل الجود والمعروف، فاغتم لما بلغه أمره ~~وأرسل محمد ابن زكنون-وكان متصلا به-يسأله الاجتماع به. قال: فاجتمعوا بقصر ~~حبشي الذي على البحر بسوسة فكلمه وذكر اغتمامه بما رزئ به وحادثه طويلا ثم ~~أخرج كيسا فيه ألف دينار وقال: يا أبا عبد الله قد علمت (ما جرى) بيننا ~~من المودة والإخاء في (ذات) الله وما يجب بين الإخوان من الحق وقد ~~أحببت أن تسرني PageV02P135 # بقبول هذه الدنانير وتصرفها في حاجاتك، فقال له ابن خيرون: أحسن الله ~~مجازاتك وأوجب حقك، الله تعالى أعطانا والله أخذ منا والخلف بيده وهو ~~المحمود على السراء والضراء وقد أبقى علينا من نعمه ما لنا فيه الكفاية. ~~فقال له: قد علمت ذلك ولكني أحببت أن تشركني في ثوابك ولا تبخل علي بما فيه ms377 ~~سألتك، فقال له: لك ثواب نيتك-أعزك الله تعالى-ولا سبيل إلى أخذ المال. ~~قال: فخذه مني سلفا ولا ترده في وجهي وألح عليه وجهد جهده في قبوله ~~(منه فأبى عليه من ذلك) ولم يأخذ منه شيئا. قال المحدث: فلا أدري والله ~~ممن أعجب من هذا الذي بذل ألف دينار من غير مسألة أو من هذا الذي ~~لم يأخذها تعففا ونزاهة. # وفيها توفي: ### $ 185 - محمد بن طيب المصري المتعبد # (كان) من أهل العبادة. صحب أبا سعيد أحمد بن عيسى البغدادي المعروف ~~بابن الإسكاف وأبا هارون الأندلسي وأبا عقال بن غلبون . نزل PageV02P136 # بسوسة فأوطنها. حدث عنه الحسن بن نصر السوسي بحكايات. كان يقول: # بركة الصلاح تلحق التاسع من الولد. وشؤم المعاصي تضر الرابع من الولد. # كانت وفاته بالقيروان [و] دفن بباب سلم. رضي الله عنه. # وفيها توفي 186 - ابراهيم الدمني المتعبد. # صحب محمد بن سحنون. وكان صالحا سكن الدمنة. بنى مسجد الخميس ~~بالدمنة فكان الناس يجتمعون إليه فيه للذكر والدعاء. PageV02P137 # (وكان مشهورا بالفضل/والعبادة والنسك والإجابة) . # قال أبو الربيع سليمان بن محمد : كان ابراهيم (الدمني) إذا سمع ~~هذه الآية: وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ~~ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين يقوم وينوح ~~ويبكي ويصيح ويقول: اللهم بحق هذه العناية وهذه الكفاية وهذا الحفظ احفظ ~~لنا ديننا حتى نلقاك مسلمين. # قال أبو الربيع: وكنا في مسجد ابراهيم بحارة المرضى سنة ثلاثمائة ~~(حتى) أقبل الشرط -عشرة منهم-فوقفوا على باب المسجد وقالوا لابراهيم: ~~يا أبا إسحاق إنا بعثنا إليك صاحب المدينة حسن بن علي بن أبي خنزير ~~ لعنه الله تعالى [لنأتيه بك] وكان أبو إسحاق هذا من المتقدمين في ~~الخير فقال لمن (كان) في المسجد: لا تزولوا عن المسجد ولا تفترقوا ~~وأيدوني بالدعاء. قال فمضى به الشرط حتى أوصلوه إلى أبي جعفر -صاحب ~~المدينة-فنظر إليه PageV02P138 فقال لهم: أهذا هو ؟ فقال له مجيبا: أنا ~~ابراهيم صاحب الكسور البلق وصاحب المرقعات من المزابل إنما تقدم ~~أبو بكر وعمر ms378 وعثمان وعلي وأصحاب بيعة الرضوان إلى الله عز وجل ~~بمناصحتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فمن ذا الذي يتباعد من الله تعالى ~~ويتقرب إليكم؟ فقال له: يا شيخ هذا الفاسق رفع إلى أمير المشركين انك ~~تطعن في الدولة فأمرني بقتلك ويأبى الله من ذلك أن أقتل مثلك. (قال) ~~: ثم أمر بصفع قفا ذلك الساعي . ثم ركب إلى رقادة إلى عبيد الله. ~~فقال له: وجهت إلي في شيخ صالح ضعيف؟ فقال له: فاضرب الساعي خمسمائة ~~سوط، فرجع، فضربه حتى مات تحت الضرب، فانصرف إليهم ابراهيم فقال: احمدوا ~~الله واشكروه فهذا فعله فيمن رجاه وقصده. # قال أبو الربيع: وكان في الدمنة جماعة من العباد وكنت أدخل مع جدي غلبون ~~وأنا صبي إليهم، منهم: ابراهيم هذا، ومحمد العنقل من الأبدال، وإسحاق ~~الطانونة الساكن في مسجد الخضر، وأبو العباس الضرير، ورحيم ، فكنت ~~أدخل إلى هذا رحيم العابد فكان يقول لجدي: (يا أبا عقال) اسمع ~~دعائي: اللهم إنك تعلم أنا نريد أشياء (وأنت) لا تريدها PageV02P139 # فتحرمنا إياها فنأسف عليها وأنت العالم لمصالحنا، اللهم افعل بنا ما ~~أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله (اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا) اللهم ~~طيب مطاعمنا ومشاربنا (وملابسنا) وآثارنا حتى نلقاك طيبين اللهم ~~اجعلنا من الذين تتوفاهم الملائكة طيبين [يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة ~~بما كنتم تعملون] 29. # وكان بالدمنة شيخ من المتعبدين يقال له : ### $ 187 - سعيد البكاء . # من الخاشعين (المحزونين. كان) يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول ما رقدت ~~ أوجعتني ركبتاي وأوجعني صلبي فأنا الليل كله أتضرع إليه ~~وأقول: # كيف يا مولاي أقوى على مقطعات النيران وثقل الأغلال وأنا لا أقوى على وجع ~~ركبتي ووجع صلبي اللهم لا تعذب شيبتي بالنار اللهم كما آنستني في هذا الليل ~~(في مضجعي) [بذكرك آنسني في] قبري . وكان كثير النياحة ~~والبكاء، بها كان يقطع أكثر ليله . رضي الله عنه. PageV02P140 ### $ 188 - [أبو علي، الضرير بالدمنة] # ذكر سليمان بن سالم صاحب سحنون (قال) : كان شاب ضرير يختلف إلي في ~~كتب ابن أبي كريمة حتى سمعها مني ms379 ثم إني غبت عنه نحو سنتين ثم ~~قدمت فسألت عنه فقيل لي: صار إلى حاله، فمضيت. [إليه] إلى الدمنة -وكان ~~بها ساكنا-فضربت الباب فخرجت إلي سوداء فقلت لها: أبو علي، فقالت لي: ليس ~~يدخل الناس إليه فقلت لها: أعلميه أني أبو الربيع، فأعلمته ثم خرجت إلي ~~سريعة فقالت لي: ادخل إلى السقيفة وجاءت بحصير فقعدت (عليه) حتى ~~أقبل متكئا على السوداء وقد ذهبت عيناه ويداه/ورجلاه من البلاء فعانقته ~~وأجلسته فقال لي: لقد كنت مشتاقا إلى لقائك لأخبرك بشيء رأيته. ~~فقلت له: ما هو؟ فقال لي: فتح الله عز وجل لي في ليلة من الليالي فصليت ما ~~فتح الله عز وجل لي فيها ثم قعدت أدعو فرد الله علي PageV02P141 # بصري فإذا بطائرين واقفين عن يميني فكنت أدعو الله تعالى للرجل أسميه ~~فيقولان آمين وربما دعوت للرجل أسميه فلا يقولان آمين، فبعض من ذكرت أمنا ~~على دعائي وبعض لم يؤمنا [على دعائي له] فقلت له: فرأيت الطائرين ~~؟ فقال لي: نعم، وسمعت كلامهما. قال: ثم طارا عني فلما طارا عدت إلى ~~حالتي التي كنت عليها لا أبصر شيئا. ### $ 189 - [شاب ضرير آخر بالدمنة] # قال سليمان: وحدثني عبد الله بن عبيد الله المهري، قال: بلغني عن شاب ~~في دمنة القيروان ضرير سقطت رجلاه من ركبتيه كان يقف على ركبتيه يصلي ~~فمضيت إليه فدخلت فأصبته في مسجده وهو قائم على ركبتيه [يصلي] فسجد ~~وسلم وقال لي: من الشيخ؟ فقلت: عبد الله بن عبيد الله المهري، فقال لي: ~~يا أبا محمد حدثت بحديث بلغتي عنك. فقلت له: وما هو؟ فقال لي: حديث ~~النجوى. فقلت له: [نعم] بلغني/أن الله عز وجل يدني [العبد] المؤمن ~~يوم القيامة من نفسه حتى يضع عليه كتفه ثم يقول له: عبدي تعرف ذنب كذا ~~(كذا) ، يوم كذا وكذا فيقول [نعم] سيدي أعرف، حتى يقرره [فيعترف] ~~ بذنوبه. قال: فقال لي الشاب: بالله يا أبا محمد قل تعرف، PageV02P142 ~~تعرف، ثم انجدل في مسجده مغشيا عليه، فخرجت عنه وتركته، فبت به مغموما ~~ثم عاودته (من ms380 الغد) لعلمي به، فقال لي: مرحبا بك يا أبا محمد أعد علي ~~الحديث، قال: فقلت له: سوف أرجع إليك إن شاء الله تعالى ومضيت عنه. PageV02P143 ### || ثم كانت سنة سبع وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 190 - أبو عمرو هاشم بن مسرور صاحب الفرن . # كان مشهورا بالخير كثير الصدقة يتصدق في السنة بالمال العظيم ويفك ~~السبايا كسبي تونس وغير ذلك ويزودهم من ما له. # قال أبو عبد الله الحسين بن سعيد الخراط: بلغني عنه أنه كان ربما أخرج له ~~ الخبز من الفرن فإذا نظر إليه وأعجبه طيبه أمرهم أن يعطوه للفقراء ~~(فإذا جاءه المشترون قال لهم: بعناه ممن يوفينا ثم يبعث به إلى الفقراء) ~~ والأضراء في الدمنة فيتصدق به كله. # ولقد بلغني أنه تصدق [مرة] /بمال نحو المائة دينار فأنفذه كله في ~~الفقراء والمساكين فمر يوما في بعض الأزقة فعارضه رجل فسلم عليه ثم مد يده ~~إليه فقال له: أعطني فإني مضطر فقال له: ما معي شيء ثم تفكر فمد يده ~~إلى تكته فإذا فيها فضة نحو ثلثي درهم مما فضل من المال الذي تصدق به ~~فدفعه إليه فأخذه الرجل ثم حمد الله تعالى وذهب فرأى أبو عمرو [في] ~~منامه قائلا PageV02P144 يقول له: يا هاشم تقبل الله عز وجل منك المائة ~~دينار بتلك القطاع التي تصدقت بها على الرجل الذي سألك. قال أبو عمرو ~~: فجعلت ذلك الرجل من بالي وطلبته بكل حيلة فلم أقدر عليه. # وكان هاشم في حلقة عبد الجبار في جماعة رجال سحنون حتى وقف ~~سائل فقال: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له فقال عبد ~~الجبار: ما ظنك بقوله عز وجل: فيضاعفه له فنزع هاشم عمامته عن رأسه وقطعها ~~باثنتين ، فدفع إلى السائل نصفها وأخذ هو النصف الآخر . # وكان أول ما تدخل الفاكهة يقف بالمكتب فيقول للمعلم أخرج إلي ~~من عندك من الأيتام فيشتري لهم الفاكهة فيطعمهم ويدهن/رءوسهم ويقبل بين ~~أعينهم ويقول: ما عسى أن أصنع بكم ؟ ويرفع رأسه إلى السماء ويقول: # اللهم هذا الجهد مني، فكان يدور على ms381 كل مكتب بالقيروان فيفعل ذلك مع ~~صبيانه. # وكان رحمه الله تعالى إذا حضر جنازة يجلس على شفير القبر فإذا ~~نظر PageV02P145 إلى اللحد قال: ما أحوج هذا القبر إلى فرش فينصرف ~~فيتصدق بأحسن ثيابه وإذا نظر إلى التراب وهو يهال على الميت قال: ما أحوج ~~هذا (القبر) إلى ضياء ونور، فينصرف فيتصدق بالزيت على الأرامل ~~والمساكين. # وكان يشتري الكتان [و] يجعل في كل ربطة رطلا ويصر مع ~~الربطة درهما ويخرج إلى بيوت الأرامل والضعفاء والمستورات فيدفع إلى ~~كل بيت ربطة وصرة حتى يعم كل من يعرف. # وكان رضي الله عنه يقف يوم الخميس عند سوق الدجاج فإن رأى ~~امرأة أو شيخا بيده (هرة) أو فرخ أو دجاجة يشير إليهم ويقول لهم: ~~ما دعاكم إلى بيع هذا؟ فإن شكوا فاقة واضطرارا أعطى كل واحد منهم على ~~ما يرى من حاجته وحاله، فلا ينصرف حتى يذهب آخر الناس وهو متقنع ~~بردائه. # وكان يقعد/بالعشي عند سوق الغزل فإذا رأى امرأة خرجت بخصلة قال لها: ~~ما دعاك إلى بيع هذه لو تركتها حتى تكملي عليها؟ فإن شكت إليه ~~الفقر والاضطرار بكى بكاء عظيما ومضى معها حتى تدخل موضعها وينظر ما ~~PageV02P146 عندها فيغير حالها ويدفع إليها ما يصلح لها من كتان وقمح ~~ودثار. # وكان يخرج في الشتاء، يقف عند باب تونس ومرة على باب نافع ومرة على ~~باب أبي الربيع فإذا بصر بشيخ أو شاب خرج بحبل يحتطب في شدة ~~البرد والريح، رده وقال: ارجع، هذه نفقتك ونفقة عيالك. # لو طلبت في الناس كلهم مثل هاشم %~% طلبت ما ليس في الدنيا بموجود # وكان يذهب إلى الدمنة في الأعياد يصنع لهم الحلوى ويجعل ~~ذلك بين أيديهم ويطعمهم بيده ويفلي ثيابهم ويدهن رءوسهم ويقلم أظافرهم ~~ ويدعو [لهم] وينصرف. # وكان هاشم-رضي الله عنه وأرضاه-يمشي في الأسواق [يدور] على ~~الباعة المقترين يزيد في رءوس أموالهم ويقول لهم: كلوا الربح وردوا إلي رأس ~~المال ثم يذهب عنهم فلا يعود إليهم أبدا. # وخرج مرة في السحر إلى الحمام وعليه فرو سمور تحته ms382 قميص/وعليه ~~منديل وبيده سطل ومئزر . فمر بشيخ يرتعد ويصيح: البرد! فعدل إليه هاشم ~~PageV02P147 ورمى الفرو والقميص عليه وجلله بالمنديل ودفع إليه ~~السطل والمئزر وتناول هاشم-رضي الله عنه وأرضاه-حصيرا كانت على الشيخ جعلها ~~على نفسه وعاد (راجعا) إلى داره. # أخبر القاضي عبد الله بن هاشم قال: وجدت بطاقة في ميراث أبي ~~بخطه فيها مكتوب: «تصدقت بمالي كله وهو يزيد على الألف دينار حتى ما بقي ~~معي إلا قدر خمسة دنانير، فتجرت (فيها) فأنماها الله عز وجل وبارك ~~فيها حتى صارت تزيد على الألف دينار فتصدقت بها ثانية حتى ما بقي معي ~~إلا خمسة دنانير، فتجرت فيها فأنماها الله عز وجل وبارك فيها حتى صارت تزيد ~~على الألف (دينار) فتصدقت بها ثالثة حتى ما بقي منها إلا خمسة ~~دنانير (فتجرت بها) فبارك الله فيها وأنماها حتى صارت تزيد على ~~الألف [دينار] ، فلما رأيت ذلك علمت أن الله عز وجل أوقفني لعباده فكنت ~~أعطي وأحتسب ولا أتوقف عن العطاء لأحد من أهل الحاجة». # قال عبد الله بن هاشم/سمعت أبي يحدث قال: كتب إلي أهل السجن ~~رقعة يذكرون لي فيها ما هم فيه من الجوع والضيق وسوء الحال ويستحكمون ~~ PageV02P148 # الله عز وجل (علي) ، وكنت في ضيق من الحال ولم أجد ما أمد يدي إليه ~~إلا مهراسا من نحاس كان عندي من تركة أبي، فبعته بنحو ثلاثة دنانير ~~ واشتريت لهم قمحا وعملته خبزا ومضيت به إلى السجن وفرقته عليهم وجعلت ~~ ثوابه لوالدي فرأيت والدي في المنام [في] تلك الليلة فقال لي: يا ~~بني جازاك (الله) عني أفضل ما جازى به ولدا عن والده، قد كان ~~ بين يدي عقبات عظيمة فلقد أعنتني على جواز أعظمها بثمن ذلك ~~المهراس. # قال ابن سعيد الخراط: اجتاز هاشم بن مسرور بابن العزفي وهو ~~يبني الحمام فقال له: ما هذا الذي تبني؟ فقال له: أخرجت ألف دينار أبني بها ~~حماما يكون عدة لولدي بعدي، فدعا له وانصرف فلما وصل إلى بيته أخرج ألف ~~دينار ثم قال: اللهم إن ابن العزفي أخرج ms383 ألف دينار يبني بها حماما يكون عدة ~~لولده وإني أخرجت هذه الألف دينار لوجهك، فأنت عدة لولدي ثم تصدق بها ~~كلها على الفقراء والمساكين. # /وكان رحمه الله طويل الصلاة كثير التلاوة. لقد حدث عبد الله ابن ~~هاشم قال: كان لأبي-رضي الله عنه-في كل شهر رمضان تسعون ختمة، وأما سائر ~~أيامه فكان (له) في كل يوم وليلة ختمتان لا بد من ذلك على أنه ~~PageV02P149 كان يتصرف في حوائجه. # وأخبر عنه أيضا قال: سافرت نحو المغرب فلما صرت في بعض المناهل ونام ~~الناس طلبت النوم فلم يجئني منه شيء فلما تمادى [بي] السهر رأيت أن لا ~~يذهب ليلي خسارة، فتأهبت للصلاة وقمت فأخذت في الصلاة، فطابت لي القراءة، ~~فختمت القرآن كله، فلما حسن ذلك عندي جعلت ثواب تلك الختمة لأبي، فلما قدمت ~~أتاني ابن أبي حميد -وكان (رجلا) صالحا- فقال لي: رأيت أباك في ~~النوم. فقال لي اشكر ابني هاشما وقل له: جازاك الله -عز وجل -عني [من ولد] ~~ خيرا فلقد أجزتني بالختمة التي كانت في سفرك عقبة عظيمة. # وكان-رضي الله عنه-مستجاب الدعوة، كانت بالقيروان سنة قليلة المطر (قحطة) ~~ فصلينا يوما على جنازة بباب سلم، فجلست مع هاشم بن مسرور نتحدث فقال ~~لأبي القاسم بن مسرور الأبزاري أخي الضرير الفقيه ، / (انظر) ~~ يا بني لهذا الفحص-يريد فحص الدوارة -قد اسود من قلة المطر وغيث ~~السماء (قال) : ونحن في شمس تقلي ، فرفع يديه إلى PageV02P150 ~~السماء وقال: اللهم أمطرنا وفرج عنا واسقنا وأغثنا وعجل بذلك يا ربنا في ~~يومنا هذا. ودعا بدعاء كثير ثم انصرفنا جميعا فلما صرنا في بعض الطريق ~~سحبت السماء وهطل المطر فما انتهينا إلى «سوق الكعك» حتى خضنا الطين، [قال] ~~ فالتفت إلي هاشم وقال لي: ما أيمن يومنا هذا، سألتك بالله لا تتحدث ~~ بشيء من أمرنا فما ذكرنا ذلك حتى توفي هاشم. # حدثنا عبد الله بن أبي العباس قال: هجرت يوما إلى الجامع فبينما أنا سائر ~~إذا بهاشم أمامي يمشي قد راح إلى الجمعة فأدركته عند دار سعيد ابن ~~السكران فسلمت عليه-وكان ms384 عبد الله صديقا لهاشم-فلم يرد علي السلام (ثم سلمت ~~عليه ثانية، فلم يرد علي) فسلمت عليه مرارا وكل ذلك لا يرد علي ~~السلام، ونحن نمشي حتى حاذينا ساباط ابن العزفي فأنكرت ذلك من أمره وحدثت ~~نفسي بغير شيء حتى انتهينا إلى المسجد الذي بجوار «حمام أبي إسحاق» ~~جوار «درب الأقرع بن بكار» فنظرت إليه وقد حال وتغير لونه ثم مال/على ~~المسجد وهم أن يسقط فأدركته واحتضنته فأقام ساعة حتى خفت عليه ثم فتح عينيه ~~فأبصرني فقال: عبد الله، أنت هاهنا؟ فقلت له: # نعم. أو لم ترني وأنا معك من قرب منزلك؟ فقال لي: لا والله ما شعرت بك، ~~يا بني عرض على [قلبي] فكرة في حديث رويناه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: في جهنم حية طولها كذا وكذا-ووصف ذلك-للقراء من هذه ~~الأمة، فهؤلاء القراء فما ظنك بغيرهم. PageV02P151 # وفيها قتل: ### $ 191 - عروس المؤذن الرجل الصالح المتعبد . # كان-رضي الله عنه-يؤذن بمسجد أبي عياش الفقيه صاحب سحنون وكان اسمه ~~منيب، (وكان) سبب قتله أنه شهد [عليه] بعض المشارقة أنه لم يقل في ~~أذانه : «حي على خير العمل» فقطع لسانه وقتل بالرماح بعد أن طيف ~~به القيروان ولسانه بين عينيه، ثم قتل رضي الله عنه. # وفيها توفي: ### $ 192 - أبو سعيد محمد بن محمد بن سحنون بن سعيد التنوخي # - رضي الله عنهم- PageV02P152 ودفن بمقبرة باب نافع إلى جنب أبيه. # كان ورعا فاضلا جليل القدر لم يسمع من أبيه وسمع من رجال جده. # وكان يعرف حقه لدينه وأبوته. و (كان) مولده سنة ست وخمسين ~~ومائتين/العام الذي توفي فيه محمد. # قال أبو عبد الله الخراط: قال لي بعض ولد محمد بن سحنون: خرج محمد بن ~~سحنون مع الأمير محمد بن أحمد بن الأغلب إلى سوسة فلما صلى الصبح جلس ~~بعد الصلاة، فقال لمن حوله: يأتيني اليوم بشير من القيروان ~~(يخبرني) بأن «قراطيس» جاريتي وضعت حملها وأتت بغلام وأنا اسميه-إن شاء ~~الله تعالى-باسمي وأكنيه بكنية أبي، ويكون رجلا صالحا. فما انتصف النهار ~~حتى أتاه غلام (له) ms385 [فبشره] بأن أم ولده «قراطيس» ولدت غلاما، ~~فنزع ثوبا كان عليه له قدر فرمى به إلى الغلام فلما (أن) صار الثوب ~~ إليه قال له: # اختر أيهما شئت: إن أحببت أن ترد الثوب واعتقك، أو تحبس الثوب وأنت ~~مملوك، فرد الغلام الثوب وأعتقه. وإنما كانت رؤيا رآها محمد في ~~المنام. PageV02P153 # وكان أبو سعيد-رضي الله عنه-أصغر ولد (محمد) أمه «قراطيس» (أم ~~ولد محمد) قدم بها من مصر في العام الذي (حج) فيه ، اشتراها ~~بمصر وذلك أنه سمع بكاء امرأة في الرفقة-في وقت دخولهم مصر-فسأل عن المرأة ~~وشأنها، فأخبر أنها جارية إنسان أندلسي يريد بيعها، فبكت وذكرت أن لها ~~أبوين بالمغرب فرق لها وبعث في طلب الأندلسي فاشتراها منه وحج بها ~~(معه) وانصرف بها إلى إفريقية وقال: والله ما أردت شراءها رغبة فيها ~~ولكن لأجمع بينها وبين أبويها فلعل الله أن يجمع بيني وبين أبي ~~فتسراها وأولدها أولادا. # وكان أبو سعيد يقول كثيرا : وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين ~~يعلمون ما تفعلون وكان كثيرا ما يقول: إن زلزلة الساعة شيء عظيم ~~ثم يقول: اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم يقول: واتقوا يوما لا ~~تجزي نفس عن نفس شيئا ويقول: ابن آدم إنك مسئول. # وقيل : إن الخضر-عليه السلام-كان يجتمع معه. # قال أبو بكر محمد بن محمد بن بشير المؤدب : أتيت مرة إلى أبي ~~سعيد PageV02P154 فرأيته مستبشرا ومعه أبو يحيى الأطرابلسي والمارندي ، ~~فقال-بعد كلام دار بيننا -لقد أتاني إنسان طوال، بعيد الخطى من صفته ~~كذا [وكذا] من جهة البرية-يعني السبخة-فقمت إليه قصدا وهو قاصدي فسلمت ~~عليه ودار بيني وبينه كلام ووصية، (ثم فارقني) . # فقلت له: يا أبا سعيد أظنه الخضر- (عليه السلام) - # فقال لي: هو كذلك. # فسألناه أن يحكي لنا ما دار بينهما من الكلام/فأبى من ذلك. # وجرت عليه محنة على يدي المروذي-لعنة الله عليه-وذلك انه أحضره وقال ~~له: بلغني عنك أشياء كثيرة يجب في أقل منها سفك (الدماء) ولئن لم تلزم ~~العافية وتتبع ما يعنيك لأنزلن بك ما تستحقه. ثم أمر حاجبه فقنعه درات ~~يسيرة. ms386 # قال المؤرخ: فلمت المروذي على فعله به وقلت له: لو صح قبله ذنب لوجب عليك ~~حفظه لجده (قدس الله روحه ونور ضريحه) وتستجلب بذلك قلوب الصالحين. ~~[قال] فقال لي: والله ما ضربته إلا شفقة عليه ونظرا له وذلك أن ~~المشارقة أكثروا علي في أمره، فأردت أن أرضيهم بما فعلت خوفا أن يرفعوا ~~ خبره إلى السلطان فيكون في أمره أكثر مما كان، (ثم قال) : وهل ~~رأيتني (قط) عاقبت أحدا مثل ما عاقبته؟ رضي الله عنه وأرضاه-. PageV02P155 # ومن هذه الطبقة : ### $ 193 - أبو علي عبد الله بن محمد بن الفرج المعروف بابن البناء مولى # الأغلب -. # كان من أهل الفهم والدراية، والفقه والرواية، كتب لعيسى بن مسكين ثم ~~ولي قضاء قصطيلية ، بارعا في علم القضاء لم يكن في عصره أعلم/ [منه] ~~[بذلك] ، متفننا في علوم شتى، عدلا في أحكامه، كتب لابن طالب وبه ~~انتفع. مولده سنة خمس وثلاثين ومائتين. # وكان سبب استكتاب عيسى إياه أن إبراهيم بن أحمد لما ولاه بعد محاورة PageV02P156 # ومراجعة، قال له: عندي مولى لنا قد فقه فأحب أن تجعله كاتبا لك، فاستكتبه ~~عيسى بن مسكين وأودعه ودائع، ثم طرأت أزمة شديدة وضيقة عظيمة فقيل لعيسى ~~[بن مسكين] : ذهبت ودائع الناس التي عند ابن البناء فقال: لم؟ ~~فقيل له: رأيناه يقطع الميتة. فوجه إليه عيسى، فقال له: # الودائع، فقال له: الساعة آتيك بها، فذهب فأتاه بما عنده من الودائع، ~~فلما رآها عيسى بحالها قال له: تأكل الميتة وهذه عندك؟ فقال له: إن الميتة ~~أحلت لي مع الاضطرار ولم يحل لي أن أخون أمانتي . فقال له: ارجع بها. ~~فقال له: والله لا رجعت إلي وامتنع من قبولها وأسلمها إليه. # قال أبو عبد الله بن الخراط: لما ولى إبراهيم بن أحمد أبا علي ~~ابن البناء قضاء قصطيلية نزل به مثل ما نزل بموسى بن عبد الرحمن ~~القطان مع أهل طرابلس فسعى به أهل قصطيلية ورفعوا عليه ~~البغي عند ابراهيم/حتى عزله بعد أن كان له مع جماعة من وجوه أهل البلد قصة ~~عجيبة PageV02P157 وذلك ms387 أنه قدم البريد إلى عامل قصطيلية بعزله وتخشيبه ~~ ورفعه إلى حبس رقادة فألفى العامل غائبا وكاتبه في مكانه جالسا، فقال ~~الكاتب للبريد: ما الذي جئت به في هذا الكتاب؟ قال: بعزل ابن البناء ~~وتخشيبه ورفعه إلى حبس رقادة فأرسل بالبشرى إلى القوم الذين كانوا ~~لاحوه وبسببهم نزلت به النازلة فأتوا سراعا إلى دار العامل فاختبروا ذلك، ~~فصح عندهم ما أتى به البريد في عزله وتخشيبه فاستخفهم ذلك إلى أن قالوا: ~~نسير إليه في مجلس قضائه فنشتمه ونشفي صدورنا منه، فأتوه في مجلس قضائه-ولا ~~علم عنده بما أتى [فيه] من عند الأمير-فصبوا عليه من قوارع السب (ما ~~أحبوا) ، فلم يشك ابن البناء انهم لم يجسروا عليه بذلك إلا وقد أيقنوا ~~بعزله. ونظر إلى نفسه في مجلس قضائه لم يصل إليه العزل فقال من (ها) ~~هنا من الأعوان؟ فابتدروه فأمرهم بإمساكهم ثم عصبهم إلى العمود ~~رجلا رجلا فضرب كل واحد منهم ضربا وجيعا ونكل بهم جميعا وأمر بتقييدهم ~~في الحديد وأودعهم الحبس وساعده القدر فيهم قبل أن يقدم العامل حتى ~~نفذ فيهم ما أحب ثم أتى العامل بأثر ذلك، فأرسل إليه فأوثقه وأرسله ~~إلى رقادة، فلما قدم (إلى) رقادة تولى مناظرته، بين يدي ابراهيم بن ~~أحمد، [محمد بن] عبد الله بن عبدون، فأبان ابن البناء عن نفسه وكشف عن ~~السبة المرفوعة عليه، فرفع ابراهيم [الأمير] رأسه إلى PageV02P158 # بلاغ الفتى فقال له بالصقلبية : إني أرى هذا الرجل-يريد ابن ~~البناء- يستحق أن تنزع قلنسوة القاضي-يعني ابن عبدون-وتجعل على رأسه. ثم ~~بعد ذلك ضمه [ابراهيم ابن أحمد] إلى كتابة قاضيه عيسى بن مسكين. # ومنهم : ### $ 194 - عبد الله بن محمد الأعمش الطرابلسي المتعبد، يعرف بالعازب . # كان من فضلاء المؤمنين وخيار المتعبدين، روى عن جماعة من العلماء. قال ~~ربيع القطان: قال لي عبد الله المشهور بالعازب: كان عندنا رجل يقال له أبو ~~القاسم الأندلسي صحب النساك والصالحين، طريقة الفقراء الصادقين وساح في ~~طلب الأولياء-قال عبد الله: وهو ترب صاحبك علي بن زكرون إلى طريق ~~PageV02P159 الآخرة-فحدثني أبو القاسم/من فيه ms388 إلى أذني قال : خرجت أريد ~~الشبلي الناسك ببغداد فنزلت بها فأردت أن أستريح بدخول الحمام فأتيت ~~صاحب الحمام لأدخل، فقال لي: يا هذا فيه [رجل] من أهل (الله) ~~المتقين ، فدفعت إليه درهما لأدخل فأذن لي فدخلت فإذا [أنا] بشيخ ~~جالس بين يديه صبي ، فلما جلست ابتدر إلي وقال لي: أنت أبو ~~القاسم؟ قلت نعم. قال الأندلسي الجائي إلينا؟ قلت: نعم. وأنت أبو فلان ~~الشبلي؟ قال نعم. # فقال : خذ هذا السطل (فإذا صب الماء الحار) فاملأه من الميزاب، ~~ففعلت ثم استلقى على ظهره وقال لي صب ذلك الماء الحار على بدني، ~~فصببته، فلما فرغ قام فجلس ومسح وجهه وقال: الحمد لله الذي لم يجعل لك ~~علينا سلطانا [يعني حرارة الماء] ثم خرجنا (من الحمام) فإذا ناس ~~عند منزله PageV02P160 ينتظرون خروجه فلما رآهم جلس ودعا بالخادم فقال له: ~~هلم بالنار ، فأتاه بها تتوقد فبسط كفه وقال له: اجعلها في كفي ~~فجعلها في كفه فلم يزل يلقي عليها بخورا مرة فمرة حتى بخرهم ~~عشرين رجلا واحدا فواحدا ثم ألقاها من كفه ثم مسح كفه بكفه وقال: الحمد لله ~~الذي لم يجعل لها علينا سلطانا. PageV02P161 ### || ثم كانت/سنة تسع وثلاثمائة # ثم كانت سنة تسع وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 195 - أبو الغصن نفيس السوسي -رضي الله عنه- # كان ثقة فقيه (البدن) سمع من سحنون ومن جماعة بمصر، عرض عليه حماس ~~قضاء سوسة فامتنع من ذلك. وكان يحفظ موطأ ابن وهب عن ظهر قلب وكانت ~~صنعته عمل الغرابيل يعيش منها، وكانت له رباع [في] بني وشتيت ، وكان ~~مولى لامرأة من بني وشتيت . # وأراد ابراهيم الأمير أن يوليه قضاء سوسة فأبى وامتنع وقال له: سألتك ~~بالله-أيها الأمير-لا تعر القضاء بي لأني عبد رومي أعور غرابيلي مولى ~~امرأة وهذه هجنة عليك أن تولي مثلي-أو كما قال-فقال له ابراهيم : ~~(والله) PageV02P162 لولا أني أعزك بالقضاء وأخشى دعاءك لوليتك. ~~ثم تركه. # وكان من التواضع على غاية، ذكر أنه دخل يوما على (بعض) فقهاء ~~سوسة وهو محمد بن بسطام -وكان فيه ضيق خلق-يعوده في مرضه ms389 في ~~اليوم الثالث من وجعه، فسلم ولم يأبه إليه فجلس في الموضع الذي تلقى فيه ~~النعال والأقراق ، وكانت بينه وبين المريض وقفة، فلما اطمأن أبو الغصن ~~جالسا سمع المريض وهو يقول: ألا إن هذا العبد السوء أبا الغصن لم يرض ~~أن يعودني في مرضي/هذا، فقام أبو الغصن على قدميه قائما وقال: هذا أنا ~~قد أتيت لزيارتك وعيادتك إجلالا وإعظاما لحقك، فارتج على الرجل [وقال له] ~~: لم لم ترتفع؟ فقال له: أنا عبد مولى والعبد لا يتخطى رقاب مواليه. # وكان في جواره شاب بطال ممعن في الملاهي. وأبو الغصن في كل ذلك ~~لا يتجهم في وجه الشاب خوفا أن يشرد منه، فأقيمت الصلاة يوما في مسجد ~~أبي الغصن ، فقال أبو الغصن للشاب: تقدم فصل بنا (فامتنع الفتى، ~~فعزم عليه أبو الغصن وتقدم فصلى بأبي الغصن) فلما انقضت الصلاة ~~PageV02P163 رجع الشاب فلم يدع في بيته مسكرا ولا أداة ولا ملاهي إلا ~~اهرق وكسر ثم عاود العمل الصالح ونزع عما كان عليه ونفعه الله تعالى ~~بتلطف أبي الغصن ورفقه به . # ومن بعض ما يتصل بنا عنه من الإسناد أنه قال: حدثنا محمد ابن رزين ~~ عن نعيم بن حماد عن عبد الله بن المبارك حدثنا معمر عن ~~أبي إسحاق عن الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : «ما اجتمع قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم ~~الملائكة ونزلت عليهم السكينة/وتغشتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده». PageV02P164 # قال أبو الربيع سليمان بن محمد: دخلت على أبي ميسرة الفقيه فقال لي: # أنت عاقل، فقلت له: لا والله يا أبا ميسرة، من يصف نفسه بالعقل؟ فقال لي ~~عند ذلك أبو ميسرة. قال لي أبو الغصن نفيس السوسي: يا بني يا أحمد إنما ~~العاقل من عقل عن الله عز وجل وتفكر في بلائه في نزاعه في سياقه ~~[و] يوم خروجه من مجلسه إلى الجادة ورجوعهم إلى ما جمع يقتسمونه كأنهم ~~لم يعرفوه، وتفكر في اليوم الثالث يوم ينادي (المنادي) من مكان قريب: ms390 ~~أيتها العظام البالية والأوصال المتفرقة إن الله-عز وجل -يدعوكم لفصل ~~القضاء فتشق الأرض عنهم سراعا ويقوموا من مضاجعهم، فقوم على جبل وقوم ~~على نجب وقوم قد أنحمهم العرق على وجوههم، لمثل هذا فليعمل ~~العاملون وفي مثل هذا فليتفكر المتفكرون. # وفيها قتل: ### $ 196 - أبو القاسم بن مفرج صاحب الوثائق. PageV02P165 # وصلب برملة المهدية. وقتل معه ذلك اليوم: ### $ 197 - أبو عبد الله محمد بن عبد الله السدري # قتلا جميعا بالرماح وصلبا. # وكان أبو عبد الله [السدري] هذا من العباد والزهاد البدلاء المريدين ~~العاملين ينتحل التوكل، كثير الحج والأسفار والتغرب عن الأوطان . # /حدثنا [أبو القاسم] إبراهيم السطيوسي وأثنى عليه خيرا وكان قد ~~صحب أبا عبد الله السدري طويلا بالمشرق وقال: انتهت صحبتي معه إلى أن صعدنا ~~الطور فلما انتهينا إلى الموضع الذي قيل إن الله تعالى كلم فيه موسى عليه ~~السلام (خر صعقا) فاستعنت بمن بالموضع على حمله وإنزاله وأقام ~~مغشيا عليه باقي يومه وليلته. # (قال) : ثم دخلنا إلى الموضع الذي يقال إن الشجرة التي سمع موسى ~~عليه السلام (الكلام) من ناحيتها كانت فيه وقد بنى عليه بيت، وعليه ~~ PageV02P166 # حفظة وقوام. قال ابراهيم: فأما أنا فصليت ركعتين وأما أبو عبد الله فبقي ~~مبهوتا كالولهان لا يطيق كلاما ولا يحير جوابا. # وأكل مرة مع قوم طعاما فلما أكل منه لقمة أو لقمتين قام وهو ~~يقول: # حضر الطعام وغاب ذكر الله سبحانه. ولم يأكل بعد ذلك لقمة. # [قال] أبو بكر بن شراحيل الصيرفي: صحبت السدري في طريق الجزيرة ~~فسرنا حتى انتهينا إلى شجرة لها ظل فوقف السدري يصلي تحت الشجرة واضطجعت ~~إلى جنبه حتى أقبل سبع فقلت له: -أصلحك [الله] - السبع جاءنا ~~فأقبل/على صلاته ولم يشتغل بكلامي والسبع يقرب منا، فلما رأيته لم ~~يشتغل بكلامي تعلقت بأغصان الشجرة وصرت فوقها وبقيت انظر ما الذي يعمل به ~~فنظرت إلى السبع وقد دار من خلفه فشمه ثم دار عن يمينه وعن يساره فبسط ~~ذراعيه وجعل يحرك ذنبه، فركع السدري وسلم ثم قال: خيرا شغلت قلوبنا، ~~إن كنت أمرت ms391 فينا بشيء [فامتثله] وإلا فاذهب، فقام السبع فتمطى ~~وذهب. فمد السدري [يده] إلي من فوق الشجرة، فجذبني ولكزني في ~~الحلق بيده وقال لي: يا ورنيدة أو يخاف غير الله عز وجل. PageV02P167 # وذكر عبد الله بن هاشم قال: حدثني أبو بكر بن شراحيل قال: خرجنا مرة ~~مع السدري للدور فمررنا على موضع من الجزيرة، فنزل إلينا أهله ~~وسألونا أن نتغدى عندهم فأجبناهم إلى ذلك فما كان بأوشك شيء أن جاءونا ~~ بكنافة فمددنا أيدينا لنأكل ومد السدري يده معنا ثم قبضها قبل أن ~~يمسها وقال: كلوا رحمكم الله تعالى، فقلنا له: -أصلحك الله-وكل أنت ~~معنا، فقال كلوا كما أقول لكم فلست آكل شيئا منها. قلنا: ولم؟ قال ~~غلبت علي شهوة نفسي فمددت يدي ولم أذكر ربي. قال/: فأكلنا ولم يأكل معنا ~~منها شيئا. # حدث أبو محمد من الله الفقيه قال: كان عندنا بباجة أبو ~~الحسن PageV02P168 علي ابن أبي سعيد [الفقيه] المتعبد-وكان شيخا ~~جليلا، سمحا كل ما يملك للفقراء-وكانت له أخبار معهم منها: أنه كان لا ~~يشتهي الزبد ولا يميل إليه، فخطر في قلبه مرة فجعل من عمله له على حسب ما ~~أراده، فلما قرب إليه عاوده طبعه في كراهيته فقال لنفسه: كنت لا تشتهينه ~~ ثم اشتهيته فمكنت منه ثم عدت إلى النزوع عنه، فهو كذلك حتى قرع عليه ~~بابه فإذا بأبي عبد الله السدري الشهيد الذي رفعه عبيد الله إلى ~~المهدية (فقتله) ، فأدخله وقدم إليه الطعام فلما رآه السدري بكى فقال ~~له : ما لك؟ فقال له: لما وصلت إلى وادي باجة اشتهيت هذا الطعام ~~فدعوت الله عز وجل فيه، فهلا كان دعائي وسؤالي (في) الجنة والله لا ~~أكلت زبدا حتى ألقى الله عز وجل. # وأكل مرة مع قوم طعاما فلما (أكل) لقمة أو لقمتين أقبل وهو يقول: # حضر الطعام وغاب ذكر الله تعالى ولم يأكل بعد لقمة . # وأما سبب قتل السدري وجهاده لبني عبيد الله-لعنة الله عليهم-وما جرى ~~عليه في ذلك وما رؤي له بعد قتله من البراهين والكرامات. وذلك أن أبا ms392 عبد ~~الله السدري كان من أولياء الله عز وجل، وكان قد بايع على جهاد ~~PageV02P169 عبيد الله (وزداجة) وقبائل أهل إفريقية وأكثر أهل ~~القيروان فبلغ عبيد الله خبره/فأمر بطلبه، فقيل له هو في ناحية باجة، ~~فوجه في طلبه خيلا فوجدوه واحتاطوا عليه، فلما جن الليل قرن قدميه فهو قائم ~~بين يدي الله عز وجل حتى انصدع الفجر، فرجع أصحاب الخيل بعضهم على بعض ~~وقالوا: هذا رجل من أولياء الله عز وجل نعين على قتله ولا يدخل ~~أيدينا من ذلك شيء إلا الآثام والأوزار، الرأي أن نخليه ونقول ما ~~وجدناه فخلوا سبيله ورجعوا فقالوا: ما أصبناه ولا وقعنا على خبره ~~(قال) : فمضى إلى مكة [و] أقام بها. قال: فالتقى به رجل في الطواف ~~فلما قضى طوافه أخذ بيده (وقال: والله لا قتلني إلا عنيد) فذكر في ~~رواية: انه كان لعبيد الله بمكة عين تكاتبه بكل ما يجري بمكة في ~~الموسم فكاتبه بخبر السدري واستنفاره الناس عليه. وكان السدري يسأل ربه عز ~~وجل (في) الشهادة فرأى في منامه (كأن) قائلا يقول له: إن أردت ~~(أن تنال) الشهادة فارجع (إلى) المغرب تنلها . PageV02P170 # فرأى ذلك مرارا كثيرة. فلما كثر عليه ذلك رجع إلى المغرب، فكل بلد وصل ~~إليه يكاتب عبيد الله من بها من عيونه ودعاته /بأخباره حتى وصل إلى ~~الساحل، فبلغ عبيد الله وصوله، فأرسل في طلبه البريد -وكان نازلا عند ~~رجل من إخوانه الصالحين-فخرج من عنده وخرج الرجل الذي كان [السدري] ~~نازلا عنده يشيعه-وكان أشبه الناس به-فلما سار عن المنزل قليلا عرض له حقن ~~، فمال إلى ناحية وبقي صاحبه على الطريق فلقيه البرد فلما رأوه ~~قالوا له: أنت السدري؟ فقال لهم: نعم، فجعلوا في رجله قيدا [وكبلوه] ~~وأركبوه دابة من دوابهم وساروا به إلى عبيد الله-لعنة الله عليه- وهم ~~يحسبون أنه السدري، فأدركهم السدري. فلما قرب منهم أشار إليه صاحبه أن ~~يذهب، فقال له-رضي الله عنه-: [إني] لهذا قدمت، ثم قال للبرد: # من تطلبون؟ فقالوا له: السدري، فقال لهم: أنا السدري وليس هو هذا. ms393 # فأزالوا القيد من رجل الرجل وجعلوه في رجله وحملوه على الدابة ~~ووصلوا به إليه. فلما وقف بين يديه قال له: -عبيد الله اللعين-أنت الشاتم ~~لنا الذاكر عنا أنا أحدثنا في الإسلام الحوادث؟ فقال له نعم، أنا القائل ~~ذلك. فقال له: وما الذي رأيته منا؟ فأخبره بكل ما يعتقده في الدين/والإسلام ~~وكل ما أحدث فيهما. فقال لهم اضربوا عنقه فأخرجوه ليضربوا عنقه، فلما ~~قرب للقتل قال: # اللهم لا تبقه بعدي. ثم قتل رحمه الله تعالى. فلم يقم عبيد الله [بعده] ~~ إلا PageV02P171 مدة يسيرة ثم ابتلاه الله عز وجل بعلة عظم فيها ~~جسده وانتفخ حتى صار كالعدل وتفجر بالدماء فكان إذا ألقي الرقيق من ~~الأردية الشرب عليه صاح ثم رفع عينيه إلى السماء وشخص يقول: أنمروذ ~~أنا؟ أفرعون أنا؟ أقارون أنا؟ ثم مات. خلد الله تعالى عليه ما هو فيه وبارك ~~له في العذاب الذي صار إليه. # فذكر [أن] ابن أخت الغساني المقرئ عرض له أمر حوج ~~فيه إلى البغدادي كاتب عبيد الله فمضى إليه، فأنزله عنده فألفى عبيد الله ~~في تلك العلة. ثم مات عبيد الله، فأتى به البغدادي ليقرأ عند رأسه- وكان من ~~أطيب الناس مساقا-وحول عبيد الله أبناؤه وهم يصرخون بالبكاء فقال لابن ~~أخت الغساني: اقرأ. قال: فطلبت من القرآن ما أقرؤه فلم يتيسر لي منه إلا ~~قوله تعالى يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم /النار وبئس الورد المورود ~~قال: فطلبت أن أقرأ غير هذه الآية فلم أقدر على ذلك فكنت أرددها حتى خشيت ~~على نفسي أن يفيقوا من بكائهم فيعاقبوني ويقتلوني فتسللت حتى خرجت . PageV02P172 # وذكر عن أبي عبد الله بن خراسان أن أبا عبد الله السدري لما وصلوا به إلى ~~المهدية أدخلوه على البغدادي فقال له: يا شيخ [إن] أمير المؤمنين كثير ~~العفو فإذا دخلت عليه فاعط الإمارة حقها. ثم قام ودخل على عبيد الله بعد أن ~~شاور عليه، فأمر بدخوله، فدخل إلى مجلس فيه بساط (من) حرير مفروش، ثم ~~عطف عليه البغدادي فقال له: إن أمير المؤمنين كثير العفو، ms394 فقال له السدري: ~~أتكذب عليه في وجهه؟ فقال له عبيد الله: كيف كذب يا شيخ؟ قال: سماك ~~بأمير المؤمنين ولو كنت أمير المؤمنين ما أمرت بسب السلف وأظهرت الخمر ~~والقبالات والمراصد ومناله السد . قال عبيد [الله] : # احبسوه فما زال الصالحون يدخلون على الملوك ويعظونهم ؟ فقالوا له: ~~هذا يكون جرأة عليك واستخفافا بالسلطنة، فقال: اضربوا عنقه، فهم ~~خارجون به وهو يضحك/فقال له عبيد الله: ما الذي أضحكك؟ فقال: # تعجبت من حلم الله عز وجل فيك. فأتوا به عند النخل ليقتلوه فهرب ~~العسكر كله فلم يجدوا أحدا يقتله فأخذوا روميا سقوه خمرا (حتى سكر) ~~ فقتله ثم صلبوه، فلما كان الليل انفتح باب في السماء ونزل عمود ~~من نور من PageV02P173 السماء. فوقع الصياح، فطلع عبيد [الله] على ~~قصره فرأى نورا على خشبته أضاءت منه الأرض فأمر في الوقت من فتح باب ~~المدينة وأنزله من خشبته ودفنه. # وقيل إنه لما أخرج من السجن ليقتل ضربه السجان للوجه . فقال له: # قطع الله يديك ورجليك، فلما أتى به إلى الرملة قال لهم: لا تقتلوني ~~إلا بالسيف يا عبدة الطاغوت، فضربه أسود بالرمح فقال له: فيك وفي بنيك، ~~فقتل بالرماح، ونقب السجن تلك الليلة فخرج منه ثلاثة عشر رجلا، فلما أصبح ~~الصبح قطعت يدا السجان ورجلاه وأجاب الله تعالى دعوة الرجل الصالح. # وافتخر الذي قتله بقتله، فقام إليه إنسان منهم فضربه ضربة رمى ~~بذراعه مع كتفه. # وفي رواية قال: رأيته في اليوم الذي خرج به للقتل وقد تغير لونه وعلاه ~~خوف/ثم سقط على وجهه إلى الأرض، قال: فنظرت إلى لونه وقد حسن واستبشر وجهه، ~~وجعل يسير مسرعا، ثم قتل. فلما كان الليل رأيته في منامي فقلت له: يا أبا ~~عبد الله قال: لبيك. قلت: رأيتك في حين خروجهم بك متغير اللون خائفا من ~~الموت، قال: نعم قد كان ذلك، قلت له: ثم رأيتك وقد سقطت ثم قمت وقد حسن ~~لونك واستبشر وجهك ثم سرت مسرعا، قال: # نعم. لما سقطت سمعت قائلا يقول: يا سدري أتكره لقاء الله ms395 عز وجل؟ (قال) ~~: فأزال الله تعالى ما كان بقلبي وسارعت إلى ما رضيه الله عز ~~وجل لي. PageV02P174 # وقيل: إنه لما سجن رأى في المنام كأنه أتى بقطعة من شهد فتحساها فأصبح، ~~فحكاها لمن حضره ، فقال له رجل [منهم] : هذه شهادة أتتك، فما ~~أضحى نهار ذلك اليوم حتى قتل رضي الله عنه، فلما قدم للقتل كأنه جزع ~~فقيل له: أتكره القدوم على الله عز وجل؟ فوثب كأنه نشط من عقال وهو ~~يقول: لبيك لبيك %~% حتى قتل-رضي الله عنه وأرضاه-. # ولما بلغ مروان المتعبد قتل السدري بلغ منه مبلغا عظيما وداخله ~~وله. # وقيل لمروان: سألناك بالله [هل] خفت هؤلاء القوم، يريد بني عبيد ~~الله ؟ فقال: ما خفتهم إلا مرة واحدة لما قتلوا السدري. PageV02P175 ### || ثم كانت سنة/إحدى عشرة وثلاثمائة # ثم كانت سنة/إحدى عشرة وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 198 - أبو عبد الله محمد بن قطانية # المتعبد بقصر الطوب. # كان مشهورا بالعبادة والخير والاجتهاد. توفي بقصر الطوب. # سمع من محمد بن وضاح . قال: سمعت ابن وضاح يقول: لا تؤاخ من الإخوان ~~إلا من يغلب حزنه فرحه، وعمله قوله، ولا تسلك من إخائه في لطف . # قال : وكان له اجتماع مع الخضر-عليه أفضل الصلاة والسلام-، فأردت أن ~~أقف على حقيقته. قال أبو جعفر أحمد: فأتيت إلى مسجده فصليت معه المغرب ~~وسلمت عليه وقلت: جئت لأبيت عندك الليلة، فقال: # على الرحب والسعة ثم نهضنا إلى منزله فقدم ما قسم الله تعالى من طعام ~~ثم قعدنا للحديث فلما طال بنا قلت له: يا أبا عبد الله إني إنما قصدتك لأمر ~~أردت الوقوف على حقيقته منك، قال: وما هو؟ قلت: أحب أن تخبرني بصحة ما ~~أسمعه عنك من اجتماعك بالخضر عليه السلام، فقال: نعم، قد اجتمعت به. قلت: ~~وكيف ذلك؟ قال: بكرت يوما إلى الجامع فجلست في PageV02P176 أحد ركنيه من ~~الصف الأول فما أذن المؤذن الظهر حتى ختمت ختمة وافتتحت في سورة البقرة، ~~فبينا أنا كذلك إذا برجل قد دخل بيني وبين الصف الملاصق لي فأحرم ~~فاستحفيت فعله وقلت: ما وجد ms396 هذا الرجل موضعا إلا هاهنا [قال] فأخذت ~~نعلي وقمت [حتى أتيت الركن الذي] قبالته من الصف نفسه فأحرمت فما آن لي ~~أن أحرم وإذا بالرجل قد أحرم إلى جانبي، قال: # فقلت: هذا عجب ثم أخذت فيما كنت فيه، فلما انقضت الصلاة عطف علي فقال: ~~أتعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا الخضر، قال: فاستبشرت به وسلمت عليه ثم جعل ~~يعظني ويوصيني بأشياء كان فيها: وعليك بخدمة الله في أرضه -يعني الصلاة- ~~قال: ثم غاب عني فلم أره عشرين سنة، قال: فإني لجالس بعد عشرين سنة في ~~الجانب الشرقي من الجامع إذ أقبل إلي، فسلم علي وسلمت عليه ثم جلس إلي وجرت ~~بيننا أحاديث، فقلت له: بعد عشرين سنة؟ فقال: إني خشيت عليك الفتنة. ~~ثم جعل يحدثني حتى خرج أبو عبد الملك مروان بن نصرون المتعبد (من شق ~~الجامع) يريد الخروج فقال لي: # هذا أبو عبد الملك وأنا أذهب إليه، فودعني ثم قام، فأتبعته بصري حتى لقي ~~أبا عبد الملك فسلم عليه ثم مضى معه حتى خرجا جميعا من الجامع. # /قال ابن قطانية: ثم لقيني بعد ذلك أبو عبد الملك مروان فسلم علي وقال ~~لي: يا ابن قطانية يسلم عليك الخضر-عليه السلام-فيكون ردك عليه كما رأيت، ~~فقلت له: اعذرني فما علمت [انه الخضر] . PageV02P177 ### || ثم كانت سنة أربع عشرة [وثلاثمائة] # وفيها توفي: ### $ 199 - أبو عبد الله محمد بن بدر بن يحيى الجذامي(2) رحمه الله تعالى، بمنزله بشرف مهرة . # ومما يسند عنه قال: موسى بن خاقان يرفعه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # أيها الساهر ليله الذائب شحمه، الصائم نهاره لا تغتر بما أنت فيه فإن ~~الله عز وجل لن يقبل عملا بغير تقوى، فنوم المتقي أفضل من سهر المخلط ~~وإفطار المتقي أفضل من صوم المخلط . PageV02P178 ### || ثم كانت سنة عشر وثلاثمائة # ثم كانت سنة عشر وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 200 - أبو عمرو ميمون بن عمرو بن المغلوب . # ودفن بباب سلم . # كان رجلا صالحا ذا دين وفضل. سمع من سحنون [و] كان معدودا في ~~PageV02P179 أصحابه . ولي ms397 أبو عمرو مظالم القيروان ثم ولي بعد ذلك قضاء ~~صقلية فلما ولي قضاءها اجتاز بسوسة (إليها) فقال لهم: يا أهل سوسة هذا ~~كسائي وهذا فروي وجبتي وخرج [فيه] كتبي وهذه السوداء تخدمني معها ~~ جبة وكساء فبهذا دخلت عليكم وانظروا بأي شيء أرجع؟ # [قال] قال أبو الربيع: فأخبرني سعيد بن (أبي) عثمان من أهل ~~صقلية (قال) إنه لما وصل إلينا قلنا له: هذه (دار) القضاء تنزل ~~فيها. فقال: # هذه دار عظماء أيش أعمل فيها؟ فنزل في دويرة لطيفة. وكانت السوداء تغزل ~~وتبيع غزلها وتنفق عليه من فضل ذلك فإذا ضرب أحد الباب خرجت إليهم فقالت: ~~الساعة يخرج إليكم القاضي [فيخرج فيقضي بين الناس على بابه ثم يدخل. أقام ~~على ذلك سنين إلى] أن اعتل فأقام ثلاثة أيام لم يخرج فقرع الناس الباب ~~فخرجت إليهم السوداء وقالت: ادخلوا عودوا القاضي فإنه مريض فدخلنا ~~عليه فأصبنا وسادتين محشوتين بتبن عند رأسه وحصير بردي تحته فلما رآنا ~~بكى ثم قال: اللهم تعلم أني اجتهدت ما استطعت. ثم خرج من صقلية وهو ~~مريض وقال لأهلها: خلف الله عليكم بعدي بخير، فقالوا له: # صحبك الله بالعافية. فوصل إلى سوسة فقال (لهم) : يا أهل سوسة، كما ~~دخلنا عليكم كذلك) رجعنا إليكم، هذا كسائي وجبتي وخرجي فيه كتبي وهذه ~~السوداء تخدمني . رضي الله عنه وأرضاه. PageV02P180 ### || ثم كانت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 201 - أبو عبد الله (محمد) بن بسطام بن رجاء الضبي # (بمدينة) [سوسة] . يقال [إنه] من البصرة. # قال محمد بن عبد الرحمن بن بسطام: سمعت جدي محمدا يقول: لا تجلسوا ~~عند عالم يزهدكم في الآخرة، ولكن اجلسوا عند عالم ينقلكم من الشك إلى ~~اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الرغبة إلى الرهبة، ومن الكبر إلى ~~التواضع. # قال محمد بن بسطام: سمعت يزيد بن عمرو بن يزيد يقول: من قرأ سورة «لقمان» ~~ أمن الغرق بإذن الله-عز وجل -وسمعته يقول: من قرأ قوله تعالى وما ~~قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسمااات مطويات ~~بيمينه سبحانه ms398 وتعالى عما يشركون من غم يجده فرج الله تعالى عنه-إن شاء ~~الله تعالى-. # وقال غير أبي العرب: إنه كتب كتبا بخطه. وكان قد اشترى وصيفا PageV02P181 # لإصلاح المصباح في حين نسخه بالليل. وكان يتخذ له القصب الحلو يقطعه ~~(له) قطعا لطافا، فإذا نعس الوصيف جعل في فيه قطعة [منها] ~~ليزيل عنه النعاس (متى ما عرض له) . # وفيها توفي: ### $ 202 - أبو محمد عبد الله التاهرتي . # كان فاضلا عابدا. وكان يشير إلى المحبة والشوق. # سكن مدينة سوسة محتسبا للحرس بها على المسلمين. # حكى عنه أبو إسحاق السبائي أنه اعتل علة شديدة حتى يئسوا منه فقال للذي ~~يخدمه: [إني] لست أموت من هذه العلة، وأنا أفيق منها-إن شاء الله ~~تعالى-فإذا كانت المرضة الثانية بعدها توقعوا موتي. قال أبو إسحاق ~~السبائي: ما أراه إلا دعا الله عز وجل فأخبر/ [بذلك] في منامه. # قال أبو مالك الدباغ : شهدته وقد احتضر وحوله جماعة، فتذاكروا الموت ~~وسكراته، وشدته وغمراته، ثم قال: ادخل يا ملك [الموت] . وأقبل يبتسم ~~وينظر عن يمينه. وشممنا رائحة طيبة. PageV02P182 ### || ثم كانت سنة أربع عشرة وثلاثمائة # ثم كانت سنة أربع عشرة وثلاثمائة # فيها توفي: ### $ 203 - أبو جعفر أحمد بن نصر الفقيه # - رحمه الله تعالى- # [كان من الفقهاء المبرزين، والحفاظ المعدودين، لا يدانيه في ذلك أحد في ~~زمانه] ، وله مناقب جليلة. # الشيخ أبو الحسن بن القابسي رضي الله عنه قال: نزلت بالقيروان مسألة، ~~وذلك أن امرأة سقت زوجها شيئا فجذمته فاضطرب علماء القيروان فيها، فسئل ~~عنها أحمد بن نصر هذا فقال لهم: المسألة في المدونة فقالوا له: أين هي؟ ~~فقال لهم: قال مالك-رضي الله عنه-: في كتاب الجراح (في) السن إذا ضربها ~~رجل فاسودت أو اخضرت فقد تم عقلها ووجبت فيها الدية. لأن السن إنما يراد ~~منها بياضها وجمالها فإذا ضربت فاسودت أو اخضرت فقد ذهب جمالها ووجبت فيها ~~الدية وكذلك الإنسان إنما يراد [منه] جماله وحسنه فإذا تجذم ~~PageV02P183 ذهب حسنه فوجبت (فيه) الدية، فإن قتل بعد ذلك ففيه دية ~~أخرى وكذلك السن/أيضا. # وقال أيضا الشيخ أبو ms399 الحسن (الفقيه) ابن القابسي رحمه الله ~~تعالى: # ذكر أن قاضيا كان في زمن أحمد بن نصر كانت له أحكام خطأ فكان (أحمد) ~~ ينبه على خطئه ويتكلم في أحكامه، فدخل القاضي على عبيد الله فقال: ~~هاهنا رجل من البربر مطاع وله ذكر ونحن لا نأمنه-وكان يتوقع أمر أبي يزيد- ~~فوجه وراءه وسجنه وقيده، وكان يعتريه الإسهال، فلما جعل القيد في رجله دعا ~~ الله عز وجل أن لا يبتليه في السجن بالاختلاف فارتفع عنه الإسهال طول ~~ إقامته في السجن. فلما تبين لعبيد الله أنه ليس قبله شيء مما رمي به ~~أمر بإخراجه فلما وصل إلى داره عاد إليه الإسهال. أقام في السجن تسعة ~~أشهر ثم سعى أبو سعيد الضيف عند عبيد الله في إطلاقه فأطلقه. # قال رحمه الله تعالى: حبست في بيت الدم مع السراق وأصحاب الدماء وكنت ~~أخرج في كل جمعة يفتقد قيدي، أقمت على هذا شهرين ثم أخرجت بعد ذلك من ~~ذلك البيت إلى الموضع الذي يحبس فيه جميع الناس. PageV02P184 # قال: ثم أخرج قدمه وضرب/بيده عليه قال: وجعل الحبل فيه شهرين على ~~غير ذنب ولا جناية، والله ما سرقت ولا زنيت ولا كان ذلك إلا على محبة صاحب ~~القبر والمنبر-صلى الله عليه وسلم-. # قال تميم بن خيران الموثق: أتى رجل إلى أبي جعفر أحمد بن نصر فقال ~~له: أصلحك الله جئت أشاورك في شيء؟ فقال له: ما هو؟ فقال له: لي ولد وليس ~~لي غيره، وقد خطب إلى قوم فقالوا له: إن أعطاك والدك داره زوجناك وإلا فلا، ~~وهي-أصلحك الله-دار شريفة لها قدر. فقال له أحمد: لا تفعل، فمضى الرجل ~~فاطرح كلام الشيخ وكتب الدار لولده وتزوج إلى القوم الذين ~~خطب إليهم، فما كان إلا مدة يسيرة حتى أقبل الأب إلى أبي جعفر وشكا إليه ما ~~هو فيه من الحاجة وشدة الفقر، فقال له أحمد بن نصر: # قد نهيتك فلم ركبت ما نهيتك عنه. ثم أنشأ-رضي الله عنه-يقول: # إذا احتاج البنون إلى أبيهم %~% أتوا بالبر والفضل الجزيل # وإن احتاج والدهم إليهم ms400 %~% يقاسي الهم في الليل الطويل # فأحسن والد لم يعط شيئا %~% وعاش بماله حتى الرحيل # قال الشيخ أبو الحسن الفقيه ابن القابسي-رضي الله عنه-: قال أحمد ~~ابن نصر: امرأة معها ألف دينار تعطاك بدرهم واحد غالية، ثم أنشد : PageV02P185 # لا يعجبنك يا فتى %~% حسن فرش ومتكا # إن للعرس فرحة %~% بعدها النوح والبكا # قال الشيخ أبو الحسن: وكان أحمد بن نصر يقول: تزوجت امرأة حافظة لكتاب ~~الله عز وجل وحفظت الموطأ، ولقد توفي لها ولد أكله السبع فلما بلغها ذلك، ~~توضأت وجلست تقرأ، ولم تعبأ بما طرأ عليها، ولم تحزن، وعلى هذا كله ما دام ~~لي معها سرور ثلاثة أيام متوالية قط. # وفيها (توفي) : ### $ 204 - أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن هارون البجلي الشافعي. # كان عالما بمذهب الشافعي. # قال بعضهم: كنا نقرأ يوما على أبي عبد الله البجلي الشافعي حتى نعس، ~~فسكتنا حتى انتبه، فقال (لنا) /: رأيت الساعة في المنام رجلا وقف ~~بيني وبينكم، حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الرائحة، فأنشدني : PageV02P186 # ألا ذهب الوفاء فلا وفاء (5 - ) %~% وباد رجاله (6 - ) وبقى الغثاء # وأسلمني الزمان إلى رجال %~% حياتهم وموتهم سواء (7 - ) # أخلاء إذا استغنيت عنهم (8 - ) %~% وأعداء إذا نزل (9 - ) البلاء # وفيها توفي: ### $ 205 - أبو سوادة بن الفراء . # المتعبد بالمنستير. # وكانت وفاته بالقيروان. حضر جنازته خلق عظيم من (أهل) القيروان لم ير ~~[مثل] ذلك الجمع على شيخ من أهل ذلك الوقت. # وكان سكناه بقصر ابن الجعد . # كان من فضلاء المؤمنين من أهل العبادة والتبتل والصيام والقيام رقيق ~~القلب، غزير الدمعة، طويل الحزن. كان إذا قرأ القرآن يرتله ويبكي وينتحب ~~فيبكي جميع من يسمعه، ولقد أقام ليلة كاملة يردد سورة «الرحمن» ويبكي، فلما ~~انتهى إلى قوله تعالى يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنااصي والأقدام ~~اندفع في البكاء والانتحاب، فإذا سكن رجع إلى الآية فرددها واندفع ~~بالبكاء PageV02P187 والانتحاب، فهو كذلك حتى أصبح. # /قال بعضهم: شهدت أبا سوادة المتعبد ليلة بقصر المنستير فسمعته يقرأ في ~~أول الليل لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم ms401 خالدون لا يحزنهم الفزع ~~الأكبر (فإذا بلغ لا يحزنهم الفزع الأكبر) رجع إلى قوله لا يسمعون ~~حسيسها لا يكاد يجاوز ذلك ويبكي وأنا أستمع إليه وقتا بعد وقت حتى طلع ~~ الفجر. # وذكر عنه أنه كان من البكائين وله في ذلك كثير. # ولما توفي أبو سوادة لم يبق أحد بالقيروان إلا شهد جنازته، وابراهيم ~~القصري جالس في ذلك اليوم وحوله خلق عظيم، فنظر إلى النعش فصاح: # واعزهم في سواد الليل إذا قاموا من مضاجعهم إلى محاريبهم، واعزهم إذا ~~انصدع الفجر فرحين مغتبطين (بما) آتاهم الله من المناجاة وقد أشرق نور ~~في وجوه القوم يحبون الله عز وجل ويحبهم، لا يشغلهم عن الله تعالى ~~شاغل، واعزهم إذا أشرقت الشمس عليهم وهم صائمون مخبتون متبتلون، واعزهم إذا ~~توفتهم الملائكة طيبين ، واعزهم إذا خرجوا هذا الخروج. # وكان له/مقامات في ذلك مذكورة. PageV02P188 ### || ثم كانت سنة ست عشرة وثلاثمائة # ثم كانت سنة ست عشرة وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 206 - أبو محمد عبد الله المعروف بالغيمي الفخار # ودفن بباب أبي الربيع . # كان من العلماء [المتعبدين] . وكانت له ختمة [في] كل ليلة. ~~أصله من PageV02P189 سرت . يعنى بالمدونة وبكتاب أشهب وبكتاب ابن ~~الماجشون . كان جيد العقل كثير الإنصاف طويل الصمت. (وكان) مجاب ~~الدعوة في غير شيء، قال أبو سليمان ربيع بن سليمان القطان: كان يقول لي أبو ~~محمد عبد الله: كان لي ولد وضيء خفت عليه الفتنة، فسألت الله عز وجل في ~~قبضه، فأجاب دعائي (وقبضه) . # وكان من دعائه إذا دعا أن يقول: «رب أمتني بغتة ولا تفوتني صلاة»، ~~وكان يذكر قصة موسى بن عبد الرحمن القطان، فأجاب الله تعالى دعاءه ~~(ومات) فجأة . صلى المغرب في جماعة ثم دخل ليفطر فما زال ~~الشفق إلا وهو من أهل الآخرة. وكان يقول: «اللهم لا تمتني حتى أزهد في ~~الدنيا وأترك الدكان والعيال»، فكان كذلك. # وكان يقول: كل ما بلغني من/التعبد عملته حتى لقد عملت ما روي عن بعض ~~السلف من أنه ختم في ليلة ثلاث ختم ووطئ أهله ثلاث مرات PageV02P190 ~~عند كل ms402 ختمة مرة ثم طهور حلاسي . # وبلغني عن بعض أصحابنا-يعني أبا محمد بن أبي عيسى -أنه كان بقصر ~~الطوب، وكان في تهجده بالليل، فوقع قتال عظيم في الحصن بصياح شديد، فبلغني ~~أنه سئل عن ذلك الصياح والقتال، فقال : ما علمت به، وهو لم ينم، فإني ~~لم أقدر على ذلك. # وإنما اقتدى-رحمه الله-بما جاء عن سليمان بن عتر التجيبي أنه كان ~~يختم القرآن كل ليلة ثلاث مرات ويطأ أهله ثلاث مرات، فلما مات قالت ~~(امرأته) : رحمك (الله) . لقد كنت مرضيا لربك، مرضيا لأهلك. # وكان من الكدادين ممن يحيي الليل بطوله ويشد اللفائف على ~~ساقيه في أول الليل كأنه خارج إلى سفر ليقوى بذلك على قيام الليل. وغير مرة ~~صلى الصبح بوضوء المغرب. PageV02P191 # قال أبو محمد عبد الله بن عامر الحداد : خرجنا معه إلى المنستير ~~في رمضان، فلما كان ليلة سبع وعشرين رأيت في آخر الليل/كأن قائلا يقول لي: # ترقد يا هذا وأبو محمد الغيمي ختم الليلة خمس ختم، فانتبهت، فأتيته ~~فأعلمته بالرؤيا، فتبسم وقال: هو كذلك قرأت الليلة النصف الأخير عشر ~~مرات: وهو الذي كان يحفظه . # قال أبو سليمان ربيع: حدثنا أبو محمد الكموني-وهو ممن أثق به-قال: # خرج أبو محمد الغيمي إلى تونس يشتري (بها) زيتا. فأقام بها شهرا أو ~~أكثر ثم إني قدمت عليه لأحثه على المجيء ، فأخبرني اخوان صاحبان ممن ~~كان معه في الفندق قالا: كنا والله هاهنا مع أبي محمد، فكان إذا صلى بالليل ~~يقف على رأسه قنديل من السماء يزهر لا معاليق له نراه بأعيننا. قال: ~~فالتقيت مع أبي محمد فذكرت له الأخوين، فقال: ما بهما هما رجلان ~~صالحان، فقلت له: كان من خبرهما لي عنك كذا وكذا، فسكت. PageV02P192 ### || ثم كانت سنة ثماني عشرة [وثلاثمائة] # ثم كانت سنة ثماني عشرة [وثلاثمائة] وفيها (توفي) : ### $ 207 - أبو سعيد لقمان بن يوسف الغساني # ، بتونس. # (كان فقيها) ، وكان الإبياني يثني عليه ثناء حسنا، ويذكر أنه كان ~~عالما باثني عشر صنفا من العلوم. # سمع من عبد الجبار وعيسى بن مسكين ويحيى بن عمر. ms403 ويذكر عنه أنه أقام ~~بصقلية أربع عشرة سنة يدرس المدونة ويأخذها في اللوح حتى خرج له خراج ~~ في جنبه من رأس اللوح فمنه كان سبب موته [وأصل] علته ~~التي مات فيها. # قال الإبياني: كنت معه يوما في جامع تونس -وكان يوما مطيرا- ~~فقام إلى ماء مستنقع في صحن الجامع، فغسل رجليه في ذلك (الماء) فقام ~~PageV02P193 إليه رجل، فقال له: تغسل رجليك في المسجد أيها الشيخ؟ ~~فقال له: # لقمان: عطاء بن أبي رباح يتوضأ في المسجد الحرام وهذا يمنعني أن ~~أغسل رجلي في جامع تونس. وقد روى موسى بن معاوية الصمادحي عن ابن ~~القاسم : لا بأس بإسباغ الوضوء في صحن المسجد. وكان موسى يتوضأ في ~~(صحن) مسجده. PageV02P194 ### || ثم كانت سنة تسع عشرة وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 208 - أبو سعيد خلف بن محمد بن جرير السرتي اليحصبي # بمدينة مصر. سمع من أبي بكر محمد بن زبان الحضرمي. وسمع ~~بالقيروان من عبد الجبار [بن] خالد صاحب سحنون. # وكان يقوم كل ليلة دائما بسدس القرآن/فإذا كان شهر رمضان صلى ~~PageV02P195 بالناس الأشفاع في مسجده ثم ينصرف الناس بعد فراغه فيلقي ~~بنفسه في ثيابه فيأخذ راحة ثم يقوم فيبتدئ من أول القرآن، فإذا كان وقت ~~السحور أقام أصحابه وقد بلغ سورة «الملك» فيتقدم فيصلي بهم تمام الختمة ~~ويدعو هكذا كان دأبه حتى خرج إلى مصر. # قال ولده سعيد: كان أبي قد قرأ القرآن على أبي عبد الله محمد بن خيرون ~~المقرئ زمانا طويلا، وكان ابن خيرون إذا خرج إلى سوسة يرابط خرج أبو ~~سعيد في إثره، فكان ربما تعذر عليه النوم في القائلة، فيرسل إلي فآتيه ~~فأقرأ عليه حتى ينام. # وكان له صوت حسن بالقرآن. قال ولده: لقد كنت أخرج معه للرباط فينزل بقصر ~~سهل ، فكان يقوم بنا كل ليلة في شهر رمضان ويجتمع خلفه جماعة فأسمع ~~البكاء والشهيق من كل مكان. ولم يكن يتكلف [في] قراءته. # وكان يحسن الفروسية، مولعا بشراء الخيل، ويخرج إلى الرباط بها للحرس ~~على المسلمين والسياحة على البحر. # وكان ربما خرج من سوسة ms404 هو وأبو جعفر /أحمد بن سعدون الأربسي وأبو ~~بكر بن أبي عقبة فيقفوا صفا واحدا كأن العدو بين أيديهم ويجرون خيلهم ~~في ذلك الموضع حتى (تطلع) الشمس. رحمهم الله تعالى. PageV02P196 ### || ثم كانت سنة اثنتين وعشرين [وثلاثمائة] # وفيها توفي: ### $ 209 - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد التميمي ، يعرف # بالقصري . # مولى الأغلب بن سالم الأمير. ودفن بباب سلم . # قال أبو العرب: كان أبو جعفر يسمع معنا من مشايخنا ويكثر الكتاب ~~والسماع. وكان ثقة. # وقال ابن الأجدابي الفقيه : كان أبو جعفر رجلا صالحا. قيل إنه مضى ~~لزيارة يحيى بن عمر إلى سوسة ، فلما وصل وجد يحيى بن عمر قد ألف كتابا، ~~فأراد أن يكتبه فلم يجد ما يشتري به الرق فباع القميص التي كانت عليه، ~~فاشترى بثمنها رقوقا وكتب الكتاب وقابله وأتى به معه إلى القيروان. PageV02P197 # قال سعيد بن محمد بن جرير : شهدت أبا بكر بن اللباد يأتي راجلا ~~إلى أبي جعفر أحمد بن عبد الرحمن القصري يأخذ منه كتابا كتابا، ينقل ~~منه سماعه من يحيى بن عمر وغيره، وهذا لثقته/وضبطه. # قال ابن شبلون : وكنا ونحن صبيان نلعب يمر بنا فنترك اللعب ~~ونهرب إجلالا له وهيبة. # قال أبو جعفر بن نظيف: (قال أحمد) ربما انتبهت من النوم ~~فأرى نورا نازلا من السماء على كتب المعجزات. # وهذا الكتاب الذي فيه المعجزات كتاب عجيب يشتمل على نيف وستين جزءا، سماه ~~«كتاب تجديد الإيمان وشرائع الإسلام» . وقفت على جميعه وقرأته مرارا ~~بصقلية وإفريقية، نفعنا الله تعالى به ونفع مؤلفه. # وكان-رضي الله عنه-قد حماه الله تعالى من الطعام المشتبه لما أراد ~~من طهارة قلبه وجوارحه. لقد ذكر أبو محرز خلف بن ابراهيم قال: سأل أحمد ابن ~~عبد الرحمن بعض أصحابنا وأنا أسمع عن غنم الأضاحي تشترى ويؤتى بها من ~~PageV02P198 [وجوه] مكروهة، فقال أحمد: تتحرى وتجتهد، وقد قال مالك: ~~ليس المتحري بحدود الله كاللاعب فيها. قال أحمد: وإني لأشتهي الشيء من ~~الطعام فأشتريه فعند أكله لا أجد له طعما ولا لذة، ولقد تفكرت في ذلك فما ms405 ~~هو إلا لأحد أمرين: إما للحديث الذي جاء «ترفع حلاوة الدنيا وزينتها» ~~أو من كسب الناس والتباسه قال: ثم تفكرت في قول آدم عليه أفضل ~~الصلاة والسلام : # تغيرت البلاد ومن عليها %~% فوجه الأرض مغبر قبيح # تغير كل ذي لون وطعم %~% وقل بشاشة الوجه المليح # فهذا آدم صلى الله عليه وسلم يقول: تغير كل ذي لون وطعم، فكيف بزماننا ~~هذا؟ فقال له بعض أصحابنا: قال لي أحمد بن نصر: إنما أنزلنا إفريقية بمنزلة ~~الميتة يأكل منها المضطر حاجته (قال) : فقلت له: عند قوله هذا، المراد ~~بذلك غير الشهوات من القوت الذي لا بد منه [ل] سد جوعة وستر عورة، ~~فسكت أحمد بن نصر. فقال له أحمد بن محمد بن عبد الرحمن: قد أتيته بالحق ~~والصواب، فما يقول؟ PageV02P199 # وفيها توفي : ### $ 210 - عبد الله بن اسماعيل البرقي # - رحمه الله تعالى- # كان-رحمه الله تعالى-من أهل الفقه والأدب، مصاحبا لأحمد بن نصر وغلب عليه ~~في آخر عمره الورع، ذكر ذلك ابن حارث . # /قال ابن حارث : مات بسوسة من رعدة قاصفة سمعها [وكان قد أغفى في حين ~~الرعدة بعد دعاء شديد وتضرع عظيم] ، فكان قلبه قد أشرب الخوف من الله عز ~~وجل، فلما فجأه الرعد [القاصف] زهقت نفسه. # وكان في حين موته من أبناء الأربعين. # قال [أبو] الربيع: قلت له يوما، ورأيته يبكي وقد ذهب بصره، إلى كم ~~هذا البكاء؟ فقال لي: يا أبا الربيع: إنما جعلت عيناي للبكاء ولساني لتعظيم ~~الله عز وجل وتحميده، والصلاة على نبيه، وبدني للتراب والبلى، وقلبي للخوف ~~والرجاء، لم أخلق للعب ولا للهو إنما خلقت للعمل الصالح. # وبشر بالجنة في منامه. قال أبو الربيع: دخلت على أبي سعيد النوفلي PageV02P200 # فقلت له: يا سيدي يا أبا سعيد أخبرني أبو محمد البرقي أنه بشر بالجنة، ~~فقال لي: # يا أبا الربيع من كان يختم القرآن كل يوم ختمة والمصحف في حجره وهو صائم، ~~فهل خلقت الجنة إلا لمثل هذا-رضي الله عنه وأرضاه-. # وفيها توفي: ### $ 211 - أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن [أبي] قشاش # من ms406 أهل سفاقس. قال أبو عبد الله الخراط: كان أبو إسحاق فاضلا صالحا عابدا ~~مجتهدا خاشعا متواضعا سخي النفس كثير الزيارة لإخوانه ولمن دونه في ~~السن/والعلم والفضل. # وكان يعد الحلوى والدهن والطيب للفطر والأضحى، فإذا كان يوم العيد ~~ذهب به إلى «دار الجذماء» فطيب به أهل البلاء وجعل ذلك بين أيديهم فلا ~~يزال يطعم هذا وهذا حتى يعمهم ثم يقسم بينهم الذي يبقى ويدهن رءوسهم ~~ويعزيهم ويصبرهم ثم ينصرف إلى داره. # قال عبد الله : كان ممن علم وعمل، سمعت بعض شيوخنا يقول: بلغني أن ~~عيسى بن مسكين كان يقول: الناس يطلبون علم الدنيا وابن أبي قشاش يطلب علم ~~الآخرة. # قال ميسرة بن مسلم: كنا نخرج مع أبي إسحاق في جماعة من أصحابه ~~PageV02P201 للسياحة في كل سنة، فكان إذا تنازع أصحابه أنشأ يقول: # أكرم صديقك حتى ينقضي السفر %~% إن الذي أنت موليه سينتثر # ولا تكن كلئام أظهروا ضجرا %~% إن اللئام إذا ما سافروا ضجروا PageV02P202 ### || ثم كانت سنة تسع عشرة [وثلاثمائة] # فيها توفي: 212 - حمدون بن مجاهد الكلبي المتعبد # / أصله من قرية أولمش . كان رحمه الله تعالى ذا أوصاف جليلة. وكان ~~يحسن الفقه . # قال أبو بكر ميسرة بن مسلم: قال لي حمدون: كتبت بيدي ثلاثة آلاف كتاب ~~وخمسمائة كتاب ولعل الكتاب الذي أدخل به الجنة لم أكتبه بعد. # كان رحمه الله تعالى إذا انصرف من المحراب وجد أصحابه موضع سجوده ~~قد ابتل من دموعه. # قالوا : ولقد صلى بنا التراويح في شهر رمضان، فلما كان ليلة سبع PageV02P203 # وعشرين ختم بنا ختمة وأخذ (في) الدعاء والبكاء والتضرع إلى الله عز ~~وجل والالتجاء إليه والناس خلفه يبكون ويتضرعون، فتاب إلى الله عز وجل ~~وأناب في تلك (الليلة) نحو السبعين رجلا، فمنهم من ندم على شرب الخمر، ~~ومنهم من كان على غير ذلك من الذنوب، فصاروا كلهم إلى التوبة النصوح بفضل ~~نيته وجميل طويته. # وفيها توفي: ### $ 213 - أبو الحسن الصقلي الجزيري قال أبو سليمان ربيع القطان بخطه: كان أبو الحسن هذا من خيار الناس. # ذكر لنا عنه ms407 أنه كان على منواله صامتا لا ينطق إلا بذكر الله عز وجل أو ~~بما يعنيه، فإذا أقيمت الصلاة تأوه واجتر نفسه وتواجد وقال: واذهاب ~~عمري في خسارة. # قال ربيع القطان: وسمعته يقول: والله الذي لا إله إلا هو ما شيء في وقتي ~~هذا أقر لعيني من القدوم على الله تعالى، لأني قد تحقق ظني به، فقلت له: # سررتني والله. # ودخلنا عليه بداره نعوده عند مسجد أبي زرجونة ، فقال لنا: كان عندنا ~~(يا أبا سليمان) بثغر صقلية رجل يقال له أبو علي الطنجي -أنا رأيته ~~وعرفته- PageV02P204 وكان من الكدادين عمره كله وكان من أهل الشغل والذكر ~~وكان يظهر له عدوه إبليس في هيئة إنسان، قال: فكان يقول له العدو: (أنضحت ~~قلبي) بكدك فو الله لأنضحن قلبك أو تكف عما أنت فيه (قال) : فيقول ~~أبو علي: # إليك [عني] يا عدو الله، والله لا زلت هكذا إن شاء الله تعالى أبدا. ~~فبينا هو ذات يوم راقد على سدة إذ قلبه عدو الله من فوقها، فانجرح ~~له موضع السجود، فلم يزل يرم وينتشر حتى أخذ الوجه، فكان يأتيه العدو ~~فيقول له: # اقصر ويزول عنك ما تجد، فيقول: اذهب يا عدو الله [والله] لا أقصر أو ~~أموت، فكانت تلك العلة سبب موته-رضي الله عنه- # قال ربيع القطان/: قال لنا أبو الحسن: يا أبا سليمان كان عندنا رجل فاضل ~~ من [المتعبدين] المشتغلين بالذكر والكد اسمه مفرج أبو عبد ~~السلام، فلم يزل على ذكره واجتهاده حتى حضرت غزاة، فخرج معها جماعة من ~~الجياد وخرج مفرج أيضا -وكان بلدنا إذ ذاك الوقت بلد جياد ~~لم تواقعهم فتنة-فتلاقى العدو والإسلام وقتل من المسلمين خلق عظيم ~~وأصيب فيما ظننت أبو عبد السلام مفرج -قال مفرج: فرأيت والله سلالم ~~منصوبة من الأرض إلى السماء تنزل عليها جوار ما رأيت قط مثلهن وبيد كل ~~PageV02P205 واحدة منهن منديل أخضر، فنزلت كل واحدة منهن على صاحبها ~~من الشهداء فأخذت رأسه وجعلته في حجرها ومسحت من دمه بذلك المنديل ثم رفعته ~~أو ارتفعت -قال أبو الحسن (أحدهما) ms408 -قال لنا مفرج: فلما نزلت ~~صاحبتي لم تجدني ميتا فانصرفت مستخزية وهي تقول: وا شؤم ~~بختي واعاري عند صواحباتي ثم انصرفت قال مفرج: وكان ذلك مني في اليقظة ولا ~~أزال أبكي وا إخوتاه حتى ألحق بها. # قال أبو الحسن: فكان بعد ذلك غلب عليه/من الكد والزهد والاشتغال بالله عز ~~وجل والدار الآخرة والأكل مما تنبت الأرض من بقولها ما الله عز وجل به ~~عليم، فكان كلما قيل له: اقصر يا أبا عبد السلام فبدون هذا تدرك الجنان ~~(قال) فيقول: ويحكم اعذروني ثم يقص (هذه القصة) عليهم ~~ويبكي. # قال أبو الحسن: أقام كذلك نحوا من ست سنين ثم توفي على خير، ~~فلحق بما أمل إن شاء الله تعالى. PageV02P206 ### || ثم كانت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 214 - أبو جعفر أحمد بن سعدون الأربسي # توفي يوم الجمعة أول شهر ذي القعدة ودفن بسوسة عند قبة الرمل . # كان ذا سمت وورع وفقه وصلاح وفضل وثقة في الحديث . # سمع منه الناس وكتب جميع كتب يحيى بن عمر وسمع عليه أكثرها لما هرب يحيى ~~بن عمر من ابراهيم بن أحمد في الوقت الذي طلبه فيه العراقيون أودع كتبه ~~عند أحمد فكانت عنده في داره، فكتبها كلها. # قال أبو الأزهر ما رأيت فيمن أدركت من المتعبدين مثله. وكان قد ~~اعتل فلم يبق في بدنه عضو إلا وفيه علة/إلا لسانه وعقله وبصره. (وكان ~~إخوانه يزورونه) وهو ملقى على ظهره لا يستطيع الجلوس ولقد كنت ربما ~~أتيته زائرا PageV02P207 فيأتيه قوم من اخوانه بينهم اختلاف رجاء أن ~~يصلح بينهم فيذكر له كل واحد منهم قصته فأجعل من بالي حفظ ما يطلبه كل ~~واحد منهم وما يحتج به لأقف على ما يجيبهم به وعلى صحة فهمه وربما جازت علي ~~أشياء من أقاويلهم لا أذكرها إلا بجوابه لهم، وهو مع هذا قد أدرك ~~الثمانين وقد خالطه من السقم ما [قد] أعلمتك به. # ورأى رجل ثقة في منامه قائلا يقول له: إن أردت أن تنظر إلى أبي ~~بكر الصديق-رضي الله عنه-فانظر إلى ms409 أبي جعفر الأربسي. # (وشكا أبو جعفر القمودي-إذ كان ساكنا عند أبي جعفر الأربسي-) أن ~~الريح تدخل إليه من الطاق الذي في الغرفة التي أبو جعفر القمودي ~~ساكن فيها، فأخبر بذلك أبا جعفر الأربسي. قال: نعم أنا أصلحه-إن شاء ~~الله تعالى-فأخرج كيسا مربوطا فنفضه فوقع منه دينار ، فقال: هذا بقية ~~ألف دينار دخلت بها سوسة . فقالوا له: فيما ذهبت أصلحك الله؟ فقال ~~(لهم) في الزكاة وحبوب البقل. # وذكر عنه أنه/لقيه رجل وهو طالع إلى السجن مع المساء وعلى عاتقه ~~PageV02P208 الكساء وبيده طعام، فقال له: ما تريد في هذه الساعة في السجن؟ ~~فقال: # حبس صديق لي اليوم، أريد أن أبيت معه الليلة أوانسه بنفسي. # حدث أبو بكر بن عمرون السوسي عن أبيه قال: وقف أبو جعفر القمودي على ~~أبي جعفر الأربسي عند موته وهو مسجى فقال له: خلصت يا أبا جعفر وزرب ~~عليك لا يصل إليك سلطان ولا شيطان وتركتنا بعدك في بحر نسبح فيه لا ~~ندري أننجو أم نغرق. # لما مرض أبو جعفر الأربسي صار أبو جعفر القمودي إذا سلم من ~~صلاته يمضي وينظر إليه من الباب ثم يرجع إلى صلاته فإذا سلم عاد (فنظر) ~~ إليه فعل ذلك مرارا، فعاد إليه مرة، فوجده في حال النزع، وقد انقطع ~~ كلامه، فقال: الحمد لله رب العالمين: الآن (قد) طابت نفسي عليك، ~~فقد خلصت وبقيت أنا موحولا ، فلما سمع ذلك منه أبو جعفر الأربسي ~~أشار إلى حلقه بإصبعه أراد بذلك أن نفسه باقية في الحلقوم لم تخرج بعد ~~وإنما يخلص بعد خروج نفسه على الإسلام. # فلما مات-رضي الله تعالى عنه-/قيل لأبي جعفر القمودي: تخرج تصلي عليه؟ ~~فقال لهم: وكيف لا أخرج [أصلي] على أخي وصديقي، قال فلما أتى بالحمار ~~وركبه وركب خلفه رجل يمسك بذقنه لأنه قد انحنى من الكبر PageV02P209 ~~والهرم فلما أتى بالنعش قيل له: انزل-أصلحك الله تعالى-وتقدم [فصل] ~~عليه، فقال (لهم: أنا أتقدم) ؟ ما أنا أهل [لذلك] ، فجهدوا عليه ~~فأبى، فقالوا له: إنك قد قلت تصلي عليه؟ فقال لهم: إنما أردت بذلك ms410 أن أصلي ~~عليه مأموما فتقدم عليه سعدون الخولاني، وكان قد جاء من المنستير مع جماعة ~~الشيوخ لحضور الجنازة، رضي الله عنهما. PageV02P210 ### || ثم كانت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 215 - أبو جعفر القمودي # رحمه الله تعالى، بمدينة سوسة، يوم الجمعة في شهر ربيع الآخر، وصلى عليه ~~سعدون الخولاني ودفن إلى جانب أبي جعفر الأربسي وهو ابن أربع وتسعين سنة. # كان ذا أوصاف جليلة بلغ من العبادة مبلغا عظيما حتى صار كالشن ~~البالي، لم يكن في عصره أكثر منه عبادة حتى ان المثل ليضرب به (في عبادته) ~~(3)، وكان من أحلم الناس يدعو لمن يؤذيه. # أخبر-رضي الله عنه-أنه جاز إفريقية كلها (قال) : فما طاب على قلبه إلا ~~المقام بسوسة. # وكانت له زوجة رزق منها ولدين فماتا قبل البلوغ، ثم فارق أمهما وتزوجت ~~بعده وهو باق يدعو لها لأنها كانت محسنة إليه، وكان لها عليه صداق سبعون ~~دينارا [ف] أعطاها سبعة دنانير وتركت له ما بقي. # وكانت بدايته أنه كان يعمل في الحمامات ويخدم بها ويوقد النار فيها، فهو ~~يوما يوقد النار فيها وينظر إلى شدة لهبها حتى أيقظه الله عز وجل، لما أراد ~~من هدايته، عند نظره إلى [فعل] النار بالحطب وما عاين من شدة اللهب ~~فوقع في PageV02P211 قلبه ما وقع، فترك الحمام ولزم عبادة الله-عز وجل ~~-واختار لنفسه عمل الحلفاء (لحلها) فكان يعملها بيده ويتقوت بها حتى ~~هجم عليه أمر فترك عمل الحلفاء، فقيل له: لم تركتها ؟ فقال (لهم) : ~~هجم على قلبي شيء هد يدي ورجلي فما استطعت أعمل شيئا. # وذكر عنه: أنه لما انخلع من الدنيا دعا بزوجة له عجوز فانية، فقال لها: ~~/خذي هذا المهر تقوي به على عبادة ربك، وقال لها: أنا رجل وأنت امرأة أنت ~~ أحوج إليه مني وأبى أن يأخذه منها، وأقبل على الكد والانفراد. # قال الحسن بن نصر السوسي: سألني أبو جعفر أن أكتب له كتابي يمن ابن رزق ~~ ففعلت ودفعتهما إليه فعمل بما فيهما وبقيت أنا انظر من بعيد. # روي عن يمن بن رزق ms411 أنه أقام أربعين سنة يفطر على الخبز والماء لا غير. # وذكر أبو جعفر القمودي أن الشيطان تمثل له، وهو بقصر الطوب في صورة ~~معزة وهو في المسجد قبل أن ينتقل إلى دار الأربسي بسوسة (قال) ~~فأتاني لوجهي فقال لي: لو عبدت حتى تكون كالقوس ما مت إلا بالجوع، ~~قال: فولفت ما (كان) معي، فكان دينارا، فدفعته إلى رجل صالح من ~~أهل الرهانة فقلت له: أحب أن تتجر لي به فأخذه وعمل به ثم أتاني بعد ~~PageV02P212 مدة فقال لي: [قد] بلغ الدينار كذا وكذا بعدد سماه، ~~فقلت له : أتجر به ولا تبلغ ما تجب فيه الزكاة، (قال) فعمل به حتى ~~بلغ تسعة عشر دينارا، فأخبرني بذلك، فقلت له: ارفعها لي عندك، فبعد ذلك ~~أتاني إبليس [لعنه الله] في الصورة التي أتاني بها أولا، فقال لي مثل ~~مقالته الأولى، (قال) : فقلت له: فأين التسعة عشر دينارا التي عندي ~~بسوسة، (قال) : # فتولى عني. # والقمودي إنما خاطب إبليس من حيث يليق به من إيثاره للدنيا ونسيانه لله ~~عز وجل و (حاشاه) أن تكون ثقته هو بالذهب دون الله سبحانه وتعالى ~~لأنه كان من العلماء بالله تعالى. # وذكر أبو جعفر في مجلس أبي الفضل الممسي فقيل لأبي الفضل: # أصلحك الله عز وجل، هل كان (معه) من العلم شيء؟ فقال بنترة ~~وانتهار: كان معه من العلم النافع خلاف ما ترى أو فوق ما نحن فيه. # وقيل عنه: لو أن أبا جعفر صعد إلى السماء فرأى عبادة الملائكة ما زاد على ~~حاله الذي هو فيه. # وذكر عن أبي بكر الزويلي قال: ما رأيت مثل أبي جعفر قط، ولو وقف بين يدي ~~الله تعالى فرأى ثواب المحسنين وعقاب المسيئين ما زاد على ما هو فيه ~~من العبادة. # قال أبو محمد عبد الله بن إسحاق ابن التبان الفقيه: لو عاين أبو جعفر ~~القمودي أهل السماوات الذين وصفهم الله عز وجل بأنهم يسبحون الليل ~~PageV02P213 والنهار لا يفترون ما زاد على ما هو فيه من العبادة ~~والاجتهاد. # ذكر أن الحجام أراد ms412 أن يأخذ من شاربه شيئا فما قدر على ذلك من شغله ~~بالذكر، فقال له: أصلحك الله، أتركني آخذ من شاربك شيئا، فقال له: يا هذا ~~كل إنسان في شغله خذ ما أمكن. # وأهديت إليه رمانة فأقامت عنده في الطاق مدة فدخل عليه بعض إخوانه، ~~فقال له-أصلحك الله-[ما] لهذه الرمانة عندك مدة فما يمنعك من الانتفاع ~~بها؟ فقال له: من يتفرغ لتحبيبها. # وذكر عنه: أنه جلس يوما ورأسه بين أطواقه وهو يدوي بذكر الله سبحانه وأبو ~~جعفر الأربسي جالس يتحدث مع الناس حتى أخرج القمودي رأسه إليهم فقال لهم: ~~اعتقاد ترك ما يكره الله عز وجل خير من كثير العمل ، ثم رد رأسه كما ~~كان، وأقبل على الذكر. # قال بعضهم: دخلت عليه أزوره فقال لي: تذكر شيئا؟ فقلت (له: لا) إنما ~~اعتقدت زيارتك (فقال لي) : كتب الله تعالى لك ثواب الزائرين، قال: ~~فخرجت من عنده وقام في وهمي أنه استثقلني فأنا خارج وإذا بقوم ~~آخرين جاءوه زائرين فقلت: والله لأنتظرن هؤلاء حتى أرى هل يمكثون ~~عنده شيئا، فما لبثت أن خرجوا من عنده من فورهم، فقلت لهم: ما وراءكم؟ ~~فقالوا: دخلنا للشيخ فقال لنا: تذكرون شيئا إنا قوم محفوزون (قال، ~~فقلت: هذه لفظة زائدة على ما قال لي) فعلمت أنه مشتغل بذكر ~~PageV02P214 الله تعالى، يغتنم ساعاته ويتوقع أجله، رضي الله عنه. # ودخل عليه أبو بكر بن اللباد رضي الله عنه، يزوره ويسلم عليه فرد عليه ~~السلام ولم يقبل عليه كما ينبغي أن يقبل على العلماء، فخرج ابن اللباد وهو ~~مغضب وهو يقول: عالم عند الله تعالى أفضل من سبعين عابدا ، فعوتب ~~القمودي في ذلك، فقال: والله ما عرفته لو عرفته لأديت من حقه ما يجب. # قال بينما ابن اللباد جالس في مسجد السبت حتى قال المغبرون ~~ شيئا من صفات أولياء الله تعالى، فقال أبو بكر بن اللباد : هذه ~~صفة أبي جعفر القمودي-رضي الله عنه-. # ودخل إليه أبو عبد الله بن/دارة المتعبد فأقبل يحدثه فأكثر عليه في ~~حديثه، فقال له أبو جعفر: ms413 يا أبا عبد الله أبعد الموت عمل؟ فقال: لا. # فقال: سلام عليك، واستقبل القبلة وأحرم للصلاة. # وقال مرة لأبي جعفر الأربسي: ما تريد بجلوسك مع هؤلاء الذين يدخلون إليك ~~ويشغلونك؟ فقال له : أستأنس بهم، فقال له أبو جعفر القمودي: لو ~~PageV02P215 ذقت حلاوة الأنس بالخالق ما احتجت إلى مؤانسة المخلوقين لأنه ~~قد جاء في الحديث: «إن الله تعالى يقول: أنا جليس من ذكرني» ثم قال: ~~ما أجد حس الناس إذا صعدوا إلي من الدرج إلا كضرب السياط في أكتافي. # حدث أبو الليث السراج قال: دخلت يوما على أبي جعفر القمودي وأبي جعفر ~~الأربسي، فجعلت أكلم أبا جعفر وأخفض من صوتي، فقال لي: ارفع صوتك، فقلت له: ~~إني أخاف أن أشغل الشيخ بكلامي، فقال: إنه ليس يسمعك، فقلت وكيف ذلك؟ قال ~~: كان يشغله بعض ما كان يسمع من الكلام عن ذكر الله تعالى، فسأل الله ~~عز وجل أن ينقص (من) سمعه فنقصه الله عز وجل منه، فهو لا يسمع ~~إلا ما رفع به الصوت/كثيرا وكان يكره فضول النظر، فسأل الله عز وجل أن ~~ينقص من بصره فنقصه منه فهو لا يبصر إلا ما كان معه في الغرفة. # وحدثنا أبو عبد الله بن يقظان السوسي قال: كان أبو جعفر ~~القمودي ينفرد في بيته للعبادة والاجتهاد، وصاحبه أبو جعفر الأربسي جالس مع ~~أصحابه يتذاكرون العلم ثم يخرجون منه إلى الحديث فيأتي القمودي إلى باب ~~البيت الذي هم فيه، فيجعل يده على قوائم الباب ثم يقرأ هذا الآية: يا أيها ~~الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم ~~وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما اذكروا ~~الله يذكركم %~% [قد] جاءكم الموت %~% ثم يرجع إلى بيته-رضي الله ~~عنه-. PageV02P216 # وخرج أبو جعفر ليلة بقصر الطوب يكبر على البحر ويتهجد فرأى رجلا في ~~أعلى القصر ساكنا، فقال: يا هذا اذكر الله تعالى ولا تكن خلاء في خلاء. قال ~~أبو حفص: يريد أبو جعفر لا تكن خلاء من الذكر في الأيام كما ms414 قال الله ~~عز وجل: كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية . # /قال أبو الأزهر: قلت لأبي جعفر الأربسي: (إنه) يتصل بنا عنه أنه لا ~~ينام مضطجعا وإنما ينام جالسا محتبيا؟ فقال لي: نعم، هو أخبرني بذلك وقال: ~~إنما أجد راحتي إذا جلست هكذا. # قال أبو الأزهر: فقلت له: بلغنا أن قوته ثمن قمح في شهر وهو ستة ~~أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إنما كانت الخادم تعجن له ~~نصف مد دقيق فربما أكل منه ليلتين وربما أكل منه ثلاث ليال. فقلت له: فمع ~~هذا إدام؟ فقال لي: وما هذا الإدام؟ فقلت له: اللحم فقال لي: ما كان يأكل ~~اللحم حين كان لحما فكيف حين صار جيفة-يعني لما اشتبهت أغنام ~~الناس واختلطت في الحروب التي كانت-فقلت له: فالحيتان؟ فقال لي: ربما اشتهى ~~منه هذا اللجي (من أجل) انه ليس عليه قبالة. # قال أبو الأزهر: فقلت له: فعنده تين يابس أو غير ذلك يأتدم به ~~[الخبز] ، فقال لي: ما كان عنده تين، إنما كانت الخادم تطبخ له القدر ~~PageV02P217 ببصلة وزيت وشيء من ملح ثم تكسر له على ذلك شيئا من الخبز ~~. وكان يحب التين الأخضر يأكل منه إذا وجده مثل العشرين حبة. # قال أبو الأزهر: فقلت للأربسي: هذا القوت/اليسير من يأتيه [به] ، ~~فحسبته اشتد سؤالي عليه في هذا، وكره-رضي الله عنه-أن يمنعني مما ~~أردته فقال لي: إخوان معروفون له. وما أراه أراد إلا نفسه، لأنه كان له ~~ودودا ، وكان له أخ بالأربس [وقرابة] فظننت أنه شق عليه أن يقول: # أنا، فيكون هذا من باب المنة، ثم قال لي: وما عسى أن يكون أكله. لقد كان ~~له عندنا قفيز قمح فأقام حتى خشينا عليه السوس، قال فقلت له: أسلفنا إياه، ~~فإذا أردت شيئا منه أعطيناك ففعل ذلك فله مدة طويلة لم يأخذ منه إلا ربع ~~قمح. # قال أبو الأزهر: ثم عطف علي أبو جعفر فقال لي: يا أبا الأزهر إن كان لا ~~يدخل الجنة إلا مثل أبي جعفر القمودي فما ms415 أقل من يدخلها وأنا أخبرك عنه ~~بشيء لم أسمعه من أحد ولا رأيته أنا ولا أنت في كتاب: أخبرني ~~(منذ سنتين) أنه يدعو لأزيد من اثني عشر ألفا من إخوانه بأسمائهم ~~قال: وهم في كل يوم يزيدون. قال الأربسي: فقلت له: وكيف تحفظ أسماءهم؟ فقال ~~لي: إذا ذكرت الرجل مرتين أو ثلاثا لم أنسه، فقلت له: كيف يدعو لهم؟ قال: ~~يقول : اللهم (افعل) بفلان وفلان وفلان إلى أن يبلغ ما أراد من ~~ذلك، ثم يدعو لآبائهم وأمهاتهم وأزواجهم وذراريهم وجميع أمة (سيد المرسلين) ~~ محمد (خاتم النبيين) صلى الله عليه وسلم. # قال أبو الأزهر (قلت له) : متى يدعو لهم-أصلحك الله-؟ وكيف ~~PageV02P218 يدرك الصلاة بالليل مع الدعاء لهؤلاء ؟ فقال لي: كان يدعو ~~لهم كل ليلة فلما (كثروا عليه) رجع يدعو لهم ليلة ويصلي ليلة، وكان ~~إذا قام إلى حزبه من الليل قال: اللهم إنك تعلم إن لنا إخوانا فيك وأحباء ~~وأولياء تحاببنا فيك، ما اجتمعنا على زلة ولا على خزية، فمن كان منهم حيا ~~في هذا الوقت فأشركه في صالح دعائي ، ومن كان منهم (يدعو إليك فاجعل ~~دعانا واصلا إليك، ومن كان منهم) عليلا أو مهموما مغموما ففرج عنه ~~واجعل بعضنا لبعض بركة ورحمة، وصاحب الكلب اللهم أصلحه ولا تؤاخذه، وإن كان ~~ميتا فارحمه . # وأما سبب ذكر الكلب فإنه خرج إلى قمودة فلقيه قوم من خدمة ~~السلطان فأعطوه كلبا في عنقه شراك ليمسكه ، قال: فأمسكته، فتفلت ~~من يدي فلما رأوا الكلب قد هرب تناول أحدهم سوطا فضربني به الرأس ~~فأنضحني . # وقال أبو الحسن علي بن/عبد الله القطان: كان من دعاء أبي جعفر القمودي ~~المتعبد رحمه الله تعالى: [اللهم صل على محمد، اللهم صل على محمد، اللهم ~~اكفني سر نفسي وسر اليقين] ، اللهم صل على محمد، اللهم صل على محمد، ~~اللهم صل على محمد. اللهم اقض لي كل حاجة مع المغفرة، [اللهم صل على محمد، ~~اللهم صل على محمد، اللهم اكفني كل هول دون الجنة] . اللهم صل على ~~محمد، اللهم صل على محمد، ms416 اللهم صل PageV02P219 على محمد، اللهم اغسل قلبي ~~بماء اليقين وزودني بالتقى، واجعل غناك مع محبتك في قلبي. # وذكر أبو جعفر الزقاق [المتعبد] قال: أبطأت عليه يوما، وكنت أختلف ~~إليه، فقال: ما أخرك عني؟ فقلت له: يا سيدي إني (أحب) التغبير ~~وشهود مواضعه والأماكن التي يجتمع فيها له، فأكب ساعة وجعل رأسه بين ~~ركبتيه، وكذا كان أكثر جلوسه، ثم رفع رأسه إلي فقال: احضرها فإنه إنما وقع ~~في هذه المحافل القلائل . [وأشار بإصبعه السبابة، يريد أنهم الآحاد ~~القليلون] . # حدث أبو محمد عبد الله بن عمرون السوسي قال: أتى شاب إلى أبي جعفر ~~القمودي (فسلم عليه) فسأله الشيخ عن حال جدته لأنه كان يعرفها ~~قبل ذلك فقال له: تقرأ عليك السلام وقد وجهت إليك معي زوجي فراخ ~~مشوية، وجعلهما بين يديه، وتقول لك: سألتك بالله كل منهما، فاستعظم الشيخ ~~قسمها/عليه بذلك وقال: جل الله عز وجل ثم سكت سكتة ثم قال له: اعرف عندكم ~~في «الكملة» -وهي الجنينة-شيء من العليق ينبت مع الزرب؟ فقال له: نعم ~~عندنا منه شيء كثير، فقال ايتني منه بشيء؟ قال: # فمضى الشاب فأتاه به ، فأخذ فخذا من فرخ منهما ثم جعل عليه ~~ذلك العليق، فدلكه به حتى سقاه بمائه، والعليق شديد المرارة، ثم أكله وقال ~~له: PageV02P220 # يا أخي اقرأ عليها السلام وقل لها: قد ابررنا قسمك. ورد عليها البقية. # وكان الشيخ أبو علي المتعبد، حسان بن محمد، يحدث: أن أبا جعفر القمودي ~~بينا هو جالس وعنده بعض أصحابه حتى أتته ثلاث دواخل تمر هدية ~~من عند رجل يعرف أصل ريعه وطيب كسبه، فأمر بتفريغ الدواخل ثم قال: الهدية ~~مشتركة وقسمها بين القوم بالسوية ، وأخذ لنفسه خمس تمرات -رضي الله ~~عنه-وجعلهم في دوخلة فارغة فلما كان بعد المغرب، أخذ في الشغل كعادته فقالت ~~له نفسه: عجل قليلا تفطر على تمرات حلال فعاتب نفسه بأن قال/لها: ~~(ما) استطعت الصبر عن خمس تمرات حتى أمرتني أن أخفف صلاتي من أجلهن ~~-لله علي لا أكلت تمرا حتى ألقاه-رحمه الله. # ومثل هذا ms417 [ما روي عن] مالك بن دينار أنه كان ربما يمر ~~بالأسواق فإذا رأى الشيء يشتهيه قال لنفسه: اصبري فو الله ما أمنعك إلا ~~لكرامتك علي. # وكان أبو حازم إذا نظر إلى الفاكهة قال: والله إني لأشتهيك ولكن ~~موعدك الجنة. # وكان يقول: من أطلق شهوته أذهب مروءته. PageV02P221 # وذكر عنه أنه كان يخدمه رجل من إخوانه فسخن له ماء في يوم بارد ~~لوضوئه للصلاة فأخذ أبو جعفر ليتوضأ به فرآه سخنا فقال: من سخن هذا ~~[الماء] ؟ فقال له: أنا-أصلحك الله-[فإني] رأيته يوما باردا ~~فسخنته [لك] فقال له: لا تعد [لذلك] إنا نحن ننظر في زيادة ~~الحبة والحبتين. # قال: أرى أبا جعفر تأول الحديث الذي جاء في فصل الوضوء في السبرات . # وكان أول سكناه بقصر زياد وكان سبب خروجه منه أن عبيد الله السلطان ~~أخلى القصر من سكانه المرابطين وجعله مخزنا لعدة البحر، فأخرج كل من في ~~القصر غير أبي جعفر القمودي ما جسر عليه أحد يخرجه فأقام به مدة وحده ~~وهو يظن أنه عامر بأهله لانفراده في بيته وشغله بعبادة ربه، فخرج يوما ~~يتوضأ للصلاة فتأمل القصر فرآه خاليا لا أنيس به، فقال: ما بال الناس؟ فقيل ~~له: أخرجوا ولم يبق [فيه] غيرك، فقال: وما الفرق بيني وبين إخواني ~~المسلمين؟ فأخذ ركوته وجلدا مصوفا كان عنده وخرج إلى قصر الطوب المجاور ~~لمدينة سوسة فبلغ خروجه أبا جعفر الأربسي، وكان فقيها [متعبدا، وأبا قحطان ~~قائدا أخاه، وكان فقيها] وغيرهما من أهل العلم والخير، فخرجوا إليه ~~إلى قصر الطوب، فلما وصلوا سألوا عنه رجلا كان يخدمه فقال لهم: لي أربع ~~عشرة سنة أخدمه ما رأيته قط وجد راحة في النهار (إلا الساعة) وقد ~~نعس، فاقعدوا (فقعدوا) ساعة حتى قام من نعسته، فسألوه ورغبوا إليه ~~(في) أن يرجع معهم وسأله كل إنسان منهم أن يكون عنده، فقال لهم: ~~دعوني مع صاحبي -يعني أبا جعفر الأربسي-فرجع أبو جعفر وأبو قحطان ~~ولدا سعدون PageV02P222 بأبي جعفر إلى دراهما، فأقام ساكنا بها معهما إلى ~~أن مات-رضي الله عنه وأرضاه-/فدارهم ms418 تعرف بدار الشيوخ إلى الآن بمدينة ~~سوسة. # قال أبو عبد الله محمد بن عمرون السوسي : كان ببلدنا أبو جعفر ~~القمودي، فكان يشبه بالعابدين في الكد والاجتهاد في العبادة وكان له ذكر ~~بالمشرق والمغرب، فقال ذات يوم لأصحابه، لما دخلوا عليه: اتقوا ~~الغيبة، فإنه اغتيب عندي رجل، فلم أساعدهم ولا أنهاهم فنمت، فأتاني آت [في ~~منامي] وفي يده طبق فيه لحم، فقال: يا أحمد كل هذا اللحم، إن ~~هذا الدين مثل العين غبارة تعكرها، فقال أصحابه: نبه والله الشيخ من ليلته. # قيل لبعض أهل الرقة: من أشجع الناس-قال: من جاهد الشيطان عن طاعة ربه، ~~واحترس من ورود خواطر الهوى على قلبه. # حدث أبو محمد عبد الله بن يقظان السوسي قال: قدم أخوان من تجار أهل ~~الأندلس (في مركب) فوقعوا في مدينة عبيد الله، فغصب متولي الموضع ~~رحلهم، فطلبوا إليه أن يرد إليهم شيئا منه فأبى، فقال أحدهم للآخر: امض ~~[بنا] إلى عباد المنستير نسألهم في الدعاء فإن الله عز وجل يجيب ~~دعاءهم، فأتى الرجل إلى/المنستير فسأل شيوخها فدعوا له ثم قالوا له : ~~امض إلى سوسة إلى أبي جعفر القمودي فدعاؤه مستجاب، إن شاء الله تعالى، فإن ~~تعذر عليك الدخول إليه فارفع صوتك وقل: أنا رجل مضطر جئت أسأل في الدعاء ~~فمنعت وحجبت. قال أبو محمد: وكذا كان شأنه، قل ما يفتح لأحد إلا ~~PageV02P223 أن يحتال عليه بمثل هذا لأنه كان مشغولا بصلاته وتلاوته، ~~فوصل إليه الرجل وقرع بابه فلم يؤذن له ففعل ما أمره به الشيوخ، ~~فسمعه أبو جعفر فخرج إليه فقال له: أي يوم هذا؟ فقال له: يوم الجمعة، فقال ~~له: فأي شهر هذا؟ فقال له: شهر رمضان، فقال له: ففي شهر رمضان في يوم ~~الجمعة (يتكلم الناس) ؟ ثم قال : أي شيء خبرك؟ فقص عليه قصته، ~~فقال له: اذهب تكف إن شاء الله تعالى، فخرج الرجل من عنده ~~فأقام يومه بسوسة ثم انصرف إلى المنستير فلقيه رجل يعرفه فقال له: هاهنا ~~رجل يسأل عنك، فالتمسه، فإذا به أخوه فقال له: ms419 [ايه] ما كان من ~~أمرك؟ فقال له: قد فرج الله عز وجل عنا ودفع إلينا رحلنا كله وخرجت ~~مبادرا لك /لأسرك بذلك. # وذكر من يوثق به من الشيوخ: أن رجلا من كتامة اعتدى على رجل من بادية ~~سوسة وخاف على نفسه الموت فدله رجل من إخوانه على رجل من أهل سوسة يعرف ~~بابن طاوس-وكان من الفضلاء الأجلاء-فأتاه فشكا إليه ما حل به. فقال له: امض ~~إلى أبي جعفر القمودي فاشك ما نزل بك إليه، فقال له: ما أعرف داره، فقال ~~له: أنا أبعث [معك] من يريك داره ولكن إذا قرعت الباب قف وتأن، فإن ~~فتح لك وإلا فاقرع ثانية وقف وتأن، فإن فتح لك فاذكر قصتك وإن لم يفتح فقل ~~ ما أقول لك: أتيناكم نرجو PageV02P224 بركة دعائكم غلقتم في وجوهنا ~~أبوابكم باب الله عز وجل أقرب إلينا من أبوابكم ثم قف. قال الرجل فمضيت ~~وقرعت الباب وتأنيت فلم يؤذن لي، فقلت ما قال لي ابن طاوس ثم وقفت حتى سمعت ~~ حركة الباب ففتحه أبو جعفر ثم قال لي: سلام عليك، فرددت/عليه السلام ~~ثم قال لي: مالك؟ فقلت له: جرى (علي) كذا وكذا فرأيته حرك شفتيه ثم ~~قال لي: انصرف لعل الله يكفيك أمره فانصرفت فلما كان الغد خرجت إلى ~~باب القبلة أستمع الأخبار حتى رآني قوم من أهل منزلي، فقالوا لي: اخرج إلى ~~المنزل ولا تقعد، فقلت كيف أجد الخروج إليه وأنتم تعلمون ~~ما جرى؟ فقالوا : # لما كان بالأمس في الوقت الفلاني. ووصفوا الوقت الذي اجتمعت فيه مع ~~أبي جعفر، أصاب الكتامي أمر من الله عز وجل فمات، فخرجت إلى الموضع فوجدته ~~ميتا. # وأتى رجل مضطر نزلت به نازلة إلى أبي الحسين الكانشي -رضي الله ~~عنه-بالمنستير يسأله في الدعاء، فقال له: امض إلى مدينة سوسة إلى أبي جعفر ~~القمودي، وذلك في شهر رمضان، فإذا قرعت بابه ولم يفتح لك فأعد PageV02P225 ~~القرع وقل: نأتي مضطرين وقد اقرحنا ونزلت النوازل بنا إلى قوم رغبة ~~في دعائهم، فغلقوا أبوابهم في وجوهنا، اللهم لا ms420 تغلق أبواب رحمتك عنا، ~~وارفع بذلك صوتك حتى يسمعك/قال: فلما وصل الرجل فعل كما أمره أبو ~~الحسين، فلما سمعه أبو جعفر نزل إليه، فقال له، بخفض صوت، أي يوم هذا؟ فقال ~~له: يوم الجمعة، فقال له: وأي شهر هذا؟ فقال له: شهر رمضان، فقال له: في ~~ [يوم] جمعة في شهر رمضان يكلم الناس الناس ويرفعوا أصواتهم؟ ~~فقال له: أنا رجل مضطر، فقال: ما خبرك؟ فقال له غلام ابن أبي سعيد ~~الضيف وكيل المنزل الذي أنا فيه حل علي منه كذا وكذا، ~~فهربت منه بروحي وأسلمت أهلي وولدي ومالي في يديه فقال له أبو جعفر: كفاك ~~الله مؤونته وأقلبك بمغفرته، فمضى الرجل فلجأ إلى جامع سوسة ، ~~فهو في اليوم الثاني جالس في الجامع حتى رأى رجلا من أهل منزله ~~يدور عليه ، فلما التقى معه [قال] : أبشر فقد مات الوكيل، ~~PageV02P226 فقال له: وكيف ذلك؟ فقال: هو بالأمس في أحسن ما مر به حتى ~~ضربته حية، فهو في النزع إلى البارحة، (فلما كانت البارحة) ~~مات. فقال له: # أي وقت ضربته الحية بالأمس؟ فوصف له الوقت (فإذا هو الوقت) الذي ~~مضى هو فيه إلى أبي جعفر ودعا له فيه. # وذكر بعض أهل العلم: أن رجلا من أهل سوسة نقم عليه عبيد الله في أمر بلغه ~~عنه من البغضة لهم والنكير عليهم، فرفعوه من سوسة إلى مدينة عبيد ~~الله وسجنوه في دار البحر ، وكان أبو جعفر ممن يعرفه، فأتى أهله إلى ~~أبي جعفر [القمودي] فعرفوه، فقال لهم: يكف المؤونة إن شاء الله ~~تعالى ويخلص . فهم في الغد جلوس حتى أتاهم الرجل المعقول فقيل ~~له: # كيف كان سبب خلاصك؟ فقال: كنت في العقلة حتى بعث السلطان ورائي ~~ليلا، فقال: أنت فلان بن فلان؟ فقلت: نعم. فقال لي: اذهب إلى بلدك فإنه ~~ وقف بي هاتف فقال لي: اترك فلانا الساعة وإلا تهلك الآن، وقال ~~لي: انصرف إلى موضعك الساعة، قال: فانصرفت إليكم. # وكان بسوسة رجل يقال له شبلون وكانت (له) والدة أقامت مقعدة ~~PageV02P227 ثلاث عشرة سنة قال ms421 شبلون: وكانت لي أخت قد سئمت من طول الخدمة ~~وملت وخشيت أن تدعها فتبقى منقطعة وحدها، فأتيت أبا جعفر فشاورته ~~ في التزويج رجاء معونتها لأختي وخلفا منها إن غابت، فأشار بترك ~~التزويج فألححت عليه، فقال: أرجو أن أمك ستفتح لك الباب عند إتيانك إليها ~~(قال) فانصرفت من مجلسه وما أطقت القعود (فيه) سرورا مني ~~بما وعدني (به) حتى (أتيت) الدار، فقرعت الباب، فإذا بأمي قد ~~فتحت الباب فقلت: # ما هذا؟ فقالت: والله يا بني ما أدري إلا أنه لما قرعت الباب كأن ماسحا ~~مسح على ظهري، فقمت كما ترى وقد ذهب عني كل ما كنت أجده من العلة. # وكان قد حماه الله عز وجل من مشتبه الطعام واللباس فما عافته نفسه تركه ~~وما طابت [له] نفسه [قبله. وجرى مثل ذلك لجماعة من الصالحين مثل ~~المحاسبي وغيره] . # ذكر أن رجلا اسمه عبيد كان يخدم أبا جعفر قال: فقال لي ذات يوم: ~~اشتر لي جلالة ! قال عبيد: فاشتريتها من قوم من أهل النورين ، ~~PageV02P228 قرية بقرب سوسة. ثم أتيته بها، فقال لي: دعها في ذلك الموضع، ~~قال عبيد: # ثم عدت إليه فقال لي: إن هذه الجلالة (التي اشتريتها) ما ~~طابت نفسي لها أخرجها عني، فخرجت بها فسألت أهل القرية عن الذين ~~باعوها مني. # فقالوا: إنهم شباب استأجروا أنفسهم في غنم يرعونها فيأخذون ~~من صوفها بغير إذن أربابها فما اجتمع عندهم من ذلك أعطوه إلى أمهم ~~فتعمله لهم ثم يبيعونه (في السوق) ، فعلمت أن الله عز وجل حمى أبا ~~جعفر منها. # ودخل عليه رجلان فعطف على أحدهما، فقال له/الرجل: بقي على شيء من زكاة ~~مالي لم أخرجه بعد، ثم مضى من عشيته تلك فأخرج ما بقي عليه وعاد من ~~غد ذلك اليوم، فلما جلس التفت إليه، فقال له-بعد توبيخ-أرباع وأثمان، أي ~~أخرجتها أرباعا وأثمانا، أي ربع درهم وثمن درهم، كأنه بالشدة . # وكان رحمه الله، على ما جمع الله فيه من خلال الخير، لا يرى لنفسه قدرا، ~~ذكر الحسن أبو محمد بن أبي العباس الأجدابي ms422 قال: نظر أبو جعفر إلى ~~شاب كان يخدمه وعليه كآبة مغموم فقال له: مالك يا بني؟ فقال له: # قلبي ما وجدت منه ما أحب، فقال له أبو جعفر: عمك أحمد (يعني بأحمد نفسه) ~~ له تسعون سنة ما له قلب، تحب أنت أن يكون لك قلب. # (حدثنا) أبو حفص عمرون بن محمد السوسي [قال: بينما أبو علي الحسن ~~PageV02P229 ابن نصر السوسي] بمجلس قضائه في جامع مدينة سوسة-عمرها ~~الله-إذ دخل عليه أبو جعفر القمودي وقد ارتدى برداء صوف فسلم عليه فأدناه ~~وقرب مجسله وأقبل عليه [يحدثه] ثم سأله أبو جعفر في رجل سجنه الحسن ~~وقال له: # إن له والدة قد أكثرت من البكاء عليه، وشفع له عنده ، فقال له ~~الحسن: # سجنته في حق لغيري وليس [هو] لي وامتنع من تخليته فانصرف أبو جعفر ~~وقد وجد في نفسه، فلما حاذى الماجل عاتب نفسه ووبخها بأن قال لها: ~~بأي شيء تجدين على الحسن وهو أعلم منك وأفضل، وقد قضى بالحق، ثم تحرج من ~~موجدته وعاد وما استطاع المضي حتى رجع إليه مبادرا من عند الماجل فعرفه ~~ بما حدثته نفسه، ثم قال له: نعم ما فعلت إذ لم تتركه، جازاك (الله) ~~ خيرا عن نفسك وعني، ففعلك هو الحق والصواب ولكن مخالفة النفوس فيها ~~مشقة. # ثم تزايد حاله إلى أن بلغ الغاية من الكد والاجتهاد في العبادة، ~~ولما مات رحمه الله تعالى وجد الناس جسمه قد اخضر مما نهكته العبادة. # ونفر الناس إليه من القيروان (لما بلغهم موته) من صلاة الظهر إلى ~~العشاء الآخرة فأتوا باب سوسة سحرا، فقال البوابون: لم يمت، فانتظر الناس ~~إلى طلوع الشمس، فمات رحمه الله تعالى. # وقدم سعدون الخولاني مع أهل القصور في عدد عظيم وقد أشرق بنور الله عز ~~وجل الفحص من نور وجوههم من قيام الليل وصيام النهار، فدخل عليه سعدون ~~الخولاني، وأبو جعفر مسجى، وأبو عبد الله الحذاء يقرأ عند رأسه: PageV02P230 # الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم فصاح الخولاني ~~وبكى وقال: يا أحمد أنت والله من الطيبين، ms423 ثم قال لهم: رأيت البارحة قصورا ~~في طرف المقابر مملوءة بالجوهر والياقوت وفيها جوار ما رأيت مثلهن ورأيت ~~قبابا وأبوابا قد فتحت في السماء ونورا عظيما، فقلت: لمن هذا؟ فقالت (جارية ~~منهن) : هذا للعروس الذي يخرج غدا من سوسة، فغسل ثم قام الناس ~~يودعونه وصلوا عليه. # ورئي أبو جعفر الأربسي في المنام فقيل له: كيف حالك؟ فأخبر بخير فقيل له: ~~فأبو جعفر القمودي صاحبك؟ فقال: ذاك ما أقام في قبره غير ليلة (واحدة) ~~ ثم رفع فما جاز بنا إلا كالبرق-رحمه الله تعالى-. # ويذكر عن محمد بن يحيى الصيقل-وكان رجلا صالحا-انه قال: كانت عندي زوجة، ~~فخاصمتني مخاصمة شديدة وسفهت (علي حتى أشرفت) على طلاقها، ~~فتذكرت أن لي منها نشبا ، فأمسكت عن ذلك، فخرجت عنها يوما وأنا مغضب ~~شديد الهم، فأتيت مسجد دمنة سوسة، فركعت فيه ركعات/ثم حدثتني نفسي أن أمضي ~~إلى «قبور الشهداء» الذين عند «قبة الرمل»، فأتوسل إلى الله تعالى ~~بهم في خلاصي منها، فأتيت إلى «قبور الشهداء» فوقفت بين قبرين فتوسلت بهما ~~إلي الله عز وجل وسألته أن يصلح علي زوجتي أو يخلصني منها وأكثرت الدعاء ~~والتضرع ثم نمت في ذلك الموضع حتى استحرت الشمس علي، فمر بي ~~رجل من إخواني فأنبهني وقال لي: ها PageV02P231 هنا تنام؟ فقلت: نعم، ~~فقال لي: وما قصتك؟ وما الذي أتى بك إلى هاهنا؟ فأخبرته بالقصة، فقال لي: ~~والصالحين [إنك] تكذبني ، فقلت له: # والله [ما كذبت و] لقد صدقتك، فقال لي: يا أخي ومن كان بينه وبين ~~زوجته شيء تطيبه؟ فقلت له: والله ما طيبتني، فقال لي: شم ثيابك فشممت رائحة ~~طيب لم أر أطيب منه رائحة، فعجبت من ذلك وقلت من أين جاءني هذا الطيب؟ ~~فأقبل الرجل (وهو) يدور في المقابر بعينيه ويشتم الرائحة فإذا ~~بطاق صغير في القبر، فاستنشق منه رائحة الطيب، فقال: من (ها) ~~هنا علق بك الطيب ثم سد ذلك الموضع بماء البحر والرمل، ثم قال لي: سألتك ~~بالله لا تدل الناس على القبر فينبشونه [ثم قال] : أتدري ~~قبر من ms424 هذا؟ قلت: لا، قال هذا قبر/أبي جعفر القمودي المتعبد، فعجبت من ذلك ~~ثم مضيت إلى السوق فاشتريت شيئا وأتيت به الدار، فقرعت الباب، فقالت زوجتي ~~: من هذا؟ فقلت: افتحي، فقالت: نعم يا سيدي ومولاي حبا وكرامة فقلت في ~~نفسي: انقلبت العين لأني لم أعتد منها هذا قبل ذلك، فلما فتحت ~~[الباب] أقبلت علي تعانقني وتقول لي: ما هذه العداوة التي بيني ~~وبينك؟ مضيت إلى القمودي وشكوتني إليه؟ فقلت لها: وكيف ذلك؟ قالت ~~PageV02P232 بعد ما خرجت عني بساعة أخذتني عيني، فنمت، فدخل علي من هذا ~~الباب خمسة رجال، فقال أحدهم: خذوها، فابتدرني اثنان منهم ~~فقبضا علي وشداني بالقيد وعنفا علي، ثم قال للاثنين الباقيين : ~~اضرباها سوطين سوطين على القلب وسوطين على الكلى، فأخذا سوطين من نار ~~ورفعاهما ليضرباني بهما، فأقبلت أتضرع إلى الشخص الذي أمرهما بذلك ~~وأقول له: # سألتك بالله لا تضربني حتى تخبرني ما الذنب (الذي) استوجبت به هذا ~~(الضرب العظيم) ، فقال لي: أو ما علمت ذنبك؟ فقلت: لا، فقال لي: # أسأت عشرة بعلك وآذيته بلسانك فشكاك إلى أبي جعفر القمودي/فرفع أبو ~~جعفر القمودي القصة إلى الله عز وجل، فأمرنا فيك بما ترين ، فقلت ~~: # قد تبت إلى الله عز وجل عن جميع ذلك، فو الله لا عصيت الله تعالى فيه ~~أبدا، فقال لهم: دعوها فإن عادت إلى الذنب عدنا للعقوبة، ثم انتبهت. # قال: وكان سبب بداية أبي علي منصور بن عباس-رضي الله عنه- على ما ~~ذكر أبو بكر أحمد بن يحيى المتعبد-رحمه الله تعالى-أن أهل منزله خرجوا إلى ~~المنستير ليصلوا عاشوراء وخرج شباب المنزل، قال منصور: # فخرجت معهم، وأنا حدث السن، فوصلنا وصلينا عاشوراء بها، ثم رجعنا فمررنا ~~بسوسة، وكان المذكور بها أبا جعفر القمودي، وكان لا يصل إليه PageV02P233 # أحد إلا بعد صلاة العصر وكان له صاحب من العلماء يقال له أبو جعفر ~~الأربسي، فقلت له: كيف السبيل إلى رؤية الشيخ أبي جعفر، فقال لي: # اذهب إلى باب حجرته، فإن وجدته غير مطبق [فحرك الباب وإن وجدته مطبقا ~~ فارجع، قال منصور: ms425 فمضيت فوجدت الباب غير مطبق] ، فاستأذنت ~~وسلمت، فقال [لي] : ادخل، فلما دخلت [عليه] أقبل علي واستبشر ~~وقال: تقدم إلي، فلما قربت منه قال لي: أنت منصور بن عباس؟ قلت: نعم، ~~ولم يكن رآني قبل ذلك، وجعل يده على قلبي وقرأ عليه وقال: # شرح الله صدرك مع كلمات غير ذلك، ثم قال لي: الزم «جبل زغوان» فإنك ~~تجبر به، قال: فرجعت إلى المنزل فوجدت لدعائه في قلبي نورا فلزمت «الجبل» ~~فعادت علي بركة دعوته ووصيته-رضي الله عنه-. # وفيها توفي: ### $ 216 - أبو الفضل يوسف بن مسرور مولى نجم الصيرفي # ودفن بقصر الجديد ، وكان مولده في شهر ذي الحجة سنة إحدى وخمسين ~~ومائتين. PageV02P234 # قال أبو عبد الله الخراط: كان كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~صالحا، فاضلا، ثقة. ألف في الأحمية كتابا وما يجب على سكان الحصون [أن ~~يعملوا به، فكان سكان الحصون] يبغضونه لذلك ويؤذونه . # سمع من يحيى بن عمر ومن فرات بن محمد العبدي وغيرهما. كان يخبز قوته ~~فيثرده وهو سخن بالزيت ويجعله في إناء ويفطر كل ليلة على شيء يسير منه، ~~وكان يسرد الصيام طول عمره، وأقام أربعين سنة ما طبخ قدرا ولا أوقد في بيته ~~مصباحا. # قال يونس القفصي: كنت أرى له قدرا موضوعة في مكان واحد وإلى جانبها حطب ~~موضوع، أقمت زمانا أراها، فرفعت يوما الغطاء عنها/فإذا هي مملوءة ~~بالعنكبوت. # قال يونس : وكنت إذا رابطت لم أزل ملازما [له] أتبرك بخدمته ~~ومحادثته، وذلك في المنستير قبل خروجه إلى قصر سهل، فإني لجالس عنده إذ ~~أخرج لي دقيقا، فأمرني بصدقته، ففعلت، ثم أخرج إلي خبزا وأمرني ~~بصدقته، ففعلت، ثم قال لي: لقد ضاقت نفسي من هذه الويبة ، لي اليوم منذ ~~طبختها ستون يوما. قال يونس: فقدرت أنه كان فيما فرقته من دقيق وخبز ~~مثل ثمنين قمحا ، فكان قوت الشيخ في الستين يوما (الذي ذكر) ثمنين ~~قمحا . PageV02P235 # وذكر عنه أنه لم يكن في بيته غير كتبه وجلد صوف وركوة معلقة ~~وتاسومة . # قال يونس : قال لي يوما: يا بني إنما يريد ms426 البقاء في الدنيا من كان ~~يتلذذ بالطعام [والشراب] والنوم والنساء، وأنا والله قد عدمت شهوة ~~الثلاث فما شهوتي بعد في المقام. # قال : ما رأيت أحدا أسر بالموت منه. وكان يقول: والله لو أعلم [أن] ~~ أحدا تجاب دعوته لسألته أن يسأل الله تعالى لي في الموت، فقلت له: # أصلحك الله، أو تحب أن تموت؟ فقال: وكيف لا أحب الخروج من دار فيها ~~الفتن وإبليس %~% وكذا %~% وكذا %~% إلى دار أرجو فيها الاجتماع مع ~~محمد صلى/الله عليه وسلم. [ف] تحدث أبو علي حسن بن فتحون على أثر ذلك ~~قال: أنا أعلم سبب موته: كنت يوما جالسا عند أبي محمد البرقي حتى دخل عليه ~~أبو الفضل، فقال له: إن شئت تدعو ونؤمن أو ندعو وتؤمن، فقال: أي ذلك شئت، ~~فأخذ أبو الفضل في الدعاء وأخذ الآخر يؤمن على دعائه يسألان الله ~~تعالى في الموت، فما أتى بعد ذلك شهر حتى مات أبو الفضل ثم شهر آخر بعده ~~ حتى مات أبو محمد . PageV02P236 # قال أبو الربيع سليمان : أخبرني فتحون القصري، قال: نزلت على ~~أبي الفضل-رضي الله عنه-فحملت إليه هدية: عسلا وسميدا وكعكا، فوضعت ذلك بين ~~يديه (فقال لي: ما هذا) ! قلت له: هدية مني إليك-أصلحك الله-فقال: يا ~~أبا نصر أسأل الله عز وجل أن يعظم ثوابك، اليوم لي ثلاثون سنة ما أكلت ~~شيئا من هذه الطرائف التي أتيت بها إنما وظيفتي من الشهر إلى الشهر ~~ بقيراط شعير، وإنما ينعم الناس ويأكلون غدا، لم أسكن هذه الحصون ~~لآكل بديني، فيقال: فلان الصالح يهدى إليه، فرقها يا أبا نصر على الضعفاء ~~[ففعلت] فأخرجت له خريطة فيها دراهم/فقلت له: يا سيدي يا أبا الفضل ~~فرق هذه على من يستحقها؟ فقال لي: ما أفعل إنما أفرق مالي، وأما مالك ~~فأنت تسأل عنه يوم القيامة. # ويذكر عنه أنه خرج يوما من سوسة يريد المنستير فمر بطفل صغير يبكي ~~بدموع حارة مع أمه، وقد حاذت به حانوتا لرجل بين يديه سفنج فقال لأم ~~الطفل: ما لهذا الصبي يبكي؟ فقالت له: مشيت وهو ms427 معي، فلما رأى هذه اشتهاها ~~ وقال لي: اشتر لي منها، فقلت له: يفتح الله (عز وجل وأشتري لك) ، ~~ولطفت به ، فجعل يبكي كما ترى، فقال لها: أبوه حي أو PageV02P237 ~~ميت؟ فقالت له: بل مات وهو يتيم كما ترى ، (والطفل في ذلك كله يبكي ~~بكاء شديدا) ، وكانت شدة ومجاعة، فأخذ بيد الطفل وقال لصاحب الدكان: خذ ~~هذا المنديل، ونزعه عن رأسه ورمى به إليه، وأطعم هذا الطفل حتى يشبع، وادفع ~~إلى أمه كذا وكذا، فقال له صاحب الدكان: خذ ما شئت حتى تأتي بما عليك، فقال ~~له: ما أحب ذلك إلا برهن، ومضى حاسر الرأس إلى القصر. # وذكر عنه أنه اشتهى تينا أخضر، فسمعه إنسان يذكر/ذلك فمضى إلى السوق ~~فاشتراه له وأتى به إليه، فلما رآه أبو الفضل من بعيد قال له: اذهب عني، ~~فراع الرجل ذلك، ورجع إلى صاحب التين، فقال له: أحب أن تقيلني من هذا ~~التين لأن الذي اشتريته له لم يرده، فقال له: ومن هو؟ فقال له: أبو ~~الفضل مولى نجم، فقال: ولمثل أبي الفضل يصلح هذا (التين) ~~فقلت له: : ولم ذلك؟ قال: لأنه لرجل كتامي ، سخر عليه ~~أهل المنزل، حرثوه اثنتي عشر سكة في أرض مغصوبة، قال: فأتى الرجل ~~إلى أبي الفضل فدخل عليه فلم يقل له شيئا ولا قال : اذهب عني كما قال ~~أول PageV02P238 مرة، فقال له : أليس اشتهيت التين؟ فقال له: نعم، فقال ~~له: ولم رددتني به؟ فقال له: وأيش [كان] معك؟ والله ما خيل لي ~~أنه كان معك إلا خنزير تقوده، فلذلك صرفتك . # وذكر عن شيخ معمر كان بالمنستير اسمه عبد السلام. كانت له بنية ~~فمرضت بالجدري، فأتى على بصرها وطلع عليه بياض [فكانت] لا ~~ترى قليلا ولا كثيرا وكان له ابن أخ فرغب فيها، فقالت له أمه وأخواته: ~~تأخذ صبية مكفوفة (البصر) ترجع تخدمها؟ قال: فوقع على قلبي/من ذلك أمر ~~عظيم فمضيت إلى المنستير، فوجدت أبا الفضل مولى نجم منعزلا عن الطريق ~~(إلى ناحية) ورأسه بين ركبتيه، قال: فرفع رأسه [إلي] فرآني، ms428 فقال ~~لي: # عبد السلام فقلت: نعم، فسلمت عليه، فقال: ما قصتك؟ فأخبرته بخبر الصبية ~~وما على قلبي منها، فقال لي: إذا كان غدا هذا الوقت فاتني بها إلى هذا ~~الموضع قال: فقلت له: نعم، وسلمت عليه ومضيت، قال: فسمعته وهو يقول: أخطأنا ~~الطريق، ليس هكذا هو، ثم صاح بي فأتيته، فقال: لا تحركها ولا تأت بها، ~~[قد] أتاها الله تعالى بالفرج من حيث لا تدري ولا PageV02P239 تشعر، ~~قال: فمضيت إلى المنستير، ثم رجعت (فأتيت) إلى الدار فوجدت الصبية ~~راقدة (فحركتها) فقامت (إلي) ، ففتحت عينين ، والله الذي ~~لا إله إلا هو، إنهما لأجمل مما كانتا قبل الوجع، ليس فيهما قليل ولا ~~كثير، فعادت إلى أفضل ما كانت فيه من الصحة وفرج الله تعالى عن قلبي بجاه ~~أبي الفضل، وعلمت أنه من أولياء الله تعالى. # قال أبو الفضل: -وكتب بخط يده-قال أبو ذر -رضي الله عنه-: «ما زال ~~بي/الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى اتخذني الناس عدوا ومالي ~~إليهم من جرم» . قال أبو الفضل: وأنا على ذلك وعلى القيام بالحق ~~والقول به، رماني قوم بسهام المنية، وأرادوا أن يقطعوني من الأرض ~~جهالة وحمية، وحسدا منهم لي وبغيا بلا ذنب ولا جناية، حتى نصرني الله تعالى ~~العالم بكل خفية، فصبرت صبر الكرام على ما قضى الله عز وجل به علي من كل ~~بلية، وتجرعت مرارات وهانت علي في الله، إذ كانت سلما إلى كل علية. # وكان كثير الحرس على المسلمين فلقد ذكر عنه أنه قال: كنت بسوسة [منذ ~~أربعين سنة] فجاءت مخاوف من العدو ومشت [مراكبه] في البحر ~~PageV02P240 فأخذ الوالي أهل سوسة-أصحاب النوالات وغيرهم-بالحرس نوبا، ~~وكان المرابطون في ذلك الوقت قلة ، فلما سمع الناس بذلك انجفلوا مقبلين ~~إلى سوسة وكثر الناس، فخرجوا إلى «رملة سوسة» مستعدين حارسين على ذراري ~~المسلمين فإنا ذات ليلة في ذلك نحرس وقد علوت في المحارس وأرى أهل الدور ~~يمشون في ضوء السرج حتى جن الليل/ (علي) ، فسمعت صبية وهي تقول لأمها ~~: # (يا أماه) قد جاء المرابطون يحرسون علينا ms429 قومي بنا نرقد، فأعجبني ما ~~سمعت منها واغتبطت بما فتح الله عز وجل لي من ذلك، والحمد لله رب العالمين ~~ولي الحمد وأهله. # قال أبو العباس الابياني: لما احتضر أبو الفضل قال لبعض من يقوم بشأنه ~~ويلوذ به: إذا أنا مت وأنزلتموني في لحدي، فسنوا علي التراب سنا ولا تزيدوا ~~على تراب قبري شيئا، فإني رويت في بعض الآثار: أنه إذا زيد على تراب القبر ~~تراب من غيره لم يسمع الميت الأذان ولم ير الزوار. # قال عبد الله رضي الله عنه: وكان لأبي الفضل-رحمة الله عليه-كلام في ~~معاني العبادات والحض على الكد والاجتهاد وصوم النهار وقيام الليل. # فمن ذلك ما رواه عنه أبو سعيد خلف بن يزيد النوفلي المتعبد ~~بالمنستير قال: سمعت أبا الفضل يوسف بن مسرور يقول: # ينبغي لمن عرف الله تعالى وعقل أمره، أن يرفض نعيم حلال الدنيا من قلبه، ~~ويتجلبب بجلباب حزنه، ويكون كالمريض في نفسه، ويعمل ليوم فقره، وينكسر ~~إلى ربه، ويفر عن الشاغلين عنه ، ويبكي/إذا خلا على ذنبه، PageV02P241 ~~ويعزم على بغض الدنيا، فيتركها لربه، فذلك الكريم حقا. # وقال أيضا: # من كشف عن قلبه أمر الدنيا، نظر إلى ثواب نور الآخرة، ومن اليقين ترك ما ~~يرى لما لا يرى. ومن ساس نفسه بالجوع وقي شرها، وخشوع القلب قيد العين عن ~~النظر، وما رأيت لسان واعظ أطول من لسان المقابر، وحرام على قلب يلج ملكوت ~~السماء وهو يجد لذة الطعام، ومن فقد نفسه وجد ربه. # وثلاثة أشياء من أخلاق المرسلين: تعذيب النفس في طاعة الله عز وجل، ~~وتحبيب الله عز وجل إلى خلقه، وتصغير الدنيا. والدنيا تغر الجاهل ~~بلذاتها، وتعم الصالح بآفاتها. # وقال: # لست أبكي على نفسي إن ماتت، ولكن أبكي على حاجتي إن فاتت، سيدي قسا قلبي ~~وجهلت أمري، فمن لي إن لم ترحمني؟ سيدي وفي غربة القيامة من يؤنسني؟ ومن ~~أهوالها من ينقذني؟ سيدي [و] حوض محمد صلى الله عليه وسلم من يوردني؟ ~~وعند الميزان من يحضرني؟ وعلى طريق النجاة من يدلني؟ وبين العراة الحفاة ms430 من ~~يسترني؟ ومن أيدي الخصماء من ينزعني؟ وعلى جسر جهنم من يجيزني ؟ أبعد ~~الإيمان [بك] إلهي تعذبني؟ يا ليت [أمي] لم تلدني! إلهي! أأنا ~~ أنسى أياديك عندي! ألست الذي أعطيتني الإسلام الذي ارتضيته! وجنبتني ~~الأهواء ووفقتني! ألست الذي جملتني بالعلم وهديتني! وألبستني ثوب التقى ~~ وأكرمتني! ألست الذي أقلتني وسترتني! فلك الحمد PageV02P242 على ما ~~فضلتني! وهديتني بنور الهدى ورحمتني. فافزع إلى الله بالسهر الطويل ~~في فكاك رقبتك، وانقطع إليه بكل رغبتك، وابذل في طلب رضاه وما عنده ~~طاقتك، وابك إذا خلوت على ذنبك، واعلم أن الصلاة ترحل الأبدان إلى ~~الآخرة [والأعمال] تنزلها منازلها، والبكاء من رهبة الله تعالى يؤمنك ~~من سخطه إن شاء الله تعالى، فقل (وأنت حزين) . # ألا يا عين ويحك فاسعديني %~% بسكب الدمع في ظلم الليالي # لعلك في القيامة أن تفوزي %~% بخير الفوز في تلك العلالي # وقال: # إذا قمت في الليل فقل: قمنا لك ونحن متعرضون لجودك [ونوالك] فكم من ~~ذي جرم عظيم/صفحت له عن جرمه، وكم ذي كرب عظيم قد فرجت له عن كربه، فو عزتك ~~ما دعانا إلى مسألتك-بعد الذي انطوينا عليه من معصيتك-إلا الذي عرفناه ~~ من جودك وكرمك، فأنت المؤمل لكل خير، والمرجو عند كل نائبة ولو قيل ~~لي: ما تريد؟ لقلت: رضى ربي يحله علي ومنية سريعة وميتة طيبة. وأفضل ~~العبادة أن تنام أول الليل وتقوم آخره كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم ~~، فازرع في جسدك طول التهجد، واسق [زرعك] دموع ~~PageV02P243 عينيك حتى تنبت السعادة، فيكون حصادك إياها يوم قفزك ~~للكرامة فعلق قلبك بربك وانصب بدنك في طاعته لعل قلبك أن يتصدع ~~كمدا واحتراقا وحزنا، فقد قيل: # فيا عجبا للناس لذت عيونهم %~% مطاعم غمض بعدها الموت ~~منصب # وطول قيام الليل أيسر مؤنة %~% وأهون من نار تفور وتلهب # وقال : # وكيف تنام العين وهي قريرة %~% ولم تدر في أي المحلين تنزل # /وكيف ينام من خاف النيران ، وخطب الشهيات الحسان، وما أتاه أمان، ~~ومن ذكر النار طار نومه، ومن ذكر الجنة طار قلبه إليها، إلا كريما ~~ يصبر ms431 أياما بعدد، فيأخذ أيام الأمد ، فأريدوا الله عز وجل ~~بأعمالكم وبقراءتكم واتعبوا له أبدانكم، فراحة الآخرة أحب إليكم من راحة ~~الدنيا، ومن نجا من عسر ذلك اليوم فقد نجا، فجانب خدك لين الوسادة، ~~فإن غلب عليك نومك، فضعه على حجر بالتراب ، لكي إذا عفرك رفضت ~~PageV02P244 المنام، وودع الراحة في الدنيا وداع الكرام، ولا ينبغي ~~لمن عقل أمر نفسه أن يوادعها على حال، فو الله الذي لا إله إلا هو وحده لا ~~شريك له ما رضيت (لله) نفسي ولا عملي منذ بلغت إلى أن صرت شيخا. # قال: # ومن ذكر (عمل) الماضين، استقل عمله في الباقين، ومن (كان) ذا ~~أثقال كيف يلحق بالمخفين، واحذر أن يكون في عملك حب المحمدة من المخلوقين ~~ومخافة ذمهم، فإنك إن بليت بذلك هلكت وإن نجوت من ذلك كنت من المخلصين، ولم ~~أر أبعث للإخلاص من الوحدة ومتى أحب العبد الخلوة فقد تعلق بعمود الإخلاص، ~~فاجعل الغالب على قلبك أنه لولا الله ما عملت عملا، فإذا غلب على قلبك ذلك ~~فقد صغى القلب للإخلاص . # وقال أبو الفضل: # أيها القارئ: قد أشرق لك نور الحكمة وضياء المعرفة، واستنارت أنوار ~~العلم وظهر لك، وألجم بالأدب عقلك لإجابته ولقبول النصح، فقد مهد لك منهاج ~~السلامة فاستمع القول معهم، فإنه عز وجل يقول (في كتابه العزيز) : # أو ألقى السمع وهو شهيد يعني بقلبه، وان قليل الفهم مع قليل ~~العظة أعظم في النفع من كثير العظة مع قليل الاستماع؛ وهذا الكلام هدية مني ~~لمن قبله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعمت الهدية ونعمت العطية ~~الكلمة من كلام الحكمة يسمعها الرجل المؤمن ثم ينطوي عليها حتى ~~يهديها لأخيه» ولو أن PageV02P245 المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم ~~أمر نفسه إذا لرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقل الواعظون والساعون ~~ لله في أرضه بالنصيحة، وإني لكثير/الإسراف على نفسي غير محكم لكثير ~~من أمري، عظيم السقط والزلل عند الغضب والرضى، فو الله الذي لا إله إلا هو ~~ما أجدني أرضى نفسي لله تعالى ولا ms432 عملي ولا أثق بعملي أنه ينجيني، ~~ولو [أني] كتفت عند الموت وسيق بي مكتوفا إلى ربي لكان لي قليلا، ومن ~~أقل حياء مني ومن أحمق فيما بيني وبين الله تعالى. عصمنا الله وإياكم ~~بتوفيقه ووهب لنا ولكم من التسهيل علينا ما نسلك به طريقه ونصل به ~~إلى طاعته. # وقال أبو الفضل: # أصح ما وجدت في عملي الإقرار بعجزي، والانتظار لفضل ربي، ولذلك يقال: من ~~عرف قدره هانت عليه نفسه، وعظم عند الخلق قدره، ولولا أن الله تعالى بمنه ~~يغفر الذنوب ما دخل أحد الجنة، ولقد عجبت كيف يعذب الله تعالى أحدا وهو ~~يغفر الذنوب، ولكن أراد أن يعرف خلقه فضل نعمته، ومن قصد إلى الله عز وجل ~~بالمحافظة على دينه حفظه الله عز وجل، ومن أخلص قلبه إليه صار في محل محبته ~~واختياره، فقدم الأثرة لله عز وجل واعرف/قدر ما أذاقك الله عز وجل من ~~ملاطفته بالشكر منك على ذلك يزيدك لين الله تعالى، وآها لقلب يحب ~~الله تعالى كيف يصبر عن ذكره أو يلهيه شيء عنه أو كيف يسكن إلى غيره ~~أو يكون لأحد مكان فيه سواه، فعليك بمن يزيدك كلامه فهما، ومنازعته علما، ~~والاستماع إليه حكمة، والنظر إليه عبرة، إن تكلم لم يلغ، وإن صمت لم يندم، ~~وإن عمل لم يبطئ، فإن مجالسته غبطة. # وقال أبو الفضل: PageV02P246 # من فكر اعتبر، ومن اعتبر ادكر، ومن ادكر انزجر، ومن انزجر راقب الموت، ~~قال الله عز وجل في كتابه العزيز: أولم ينظروا في ملكوت السمااات والأرض ~~وما خلق الله من شيء . # وقال: # يا أخي اجعل قصدك التوكل على الله تعالى يكفك، وإياك وما يلهيك ويطغيك ~~وينسيك، وضم إلى نفسك الصبر، واعقد على قلبك البر، وكف بصرك ولسانك (عن ~~الإثم، واحتمل مرارة الذل في الله، وتجرع غصص الأذى، تكن من المقربين غدا، ~~وصم عن الدنيا وافطر على الموت، وبادر الفوت، وخف ذنبك/وارج ربك) ~~وابك على خطيئتك، وناج ربك في الظلم إذا هدأت العيون وعانق الرجال ~~نساءهم وتلذذوا بهن وفرحت قلوبهم بشهوات المتع، ms433 ونالوا من ذلك عظيم الخطر، ~~فاذكر عند ذلك سرعة زواله عنهم ثم ما يساويه ويعارضه من التبغيض ~~ونزول الآجال وفرقة الأحباب حتى تصير فريدا قد عانق الهم والحزن، وذهبت ~~ عنه خبيئة نفسه فصارت في قعر الحفر فلا رجعة لها إليه. # وقال أبو الفضل: # من رد بصره عن شيء لا يحل له النظر إليه وهو يشتهي النظر إلى ذلك إجلالا ~~لله تعالى وتعظيما، أعقبه الله عز وجل عبادة يجد حلاوتها في قلبه ومن أطاع ~~نفسه وهواه وتابع النظر إلى ذلك كان سهما من سهام إبليس يصيب قلبه أبدا، ~~فاطلب أبدا، بالعمل الصالح، زكاة نفسك عند الله تعالى، ما نحن -والحمد لله- ~~إلا كرجل عطب في لجج البحار وقد تعلق بخشبة فهي ترفعه وتضعه وهو يقول: يا ~~رب، يا رب، عسى (الله تعالى) أن ينجيه، فقد PageV02P247 قتلنا أنفسنا ~~بأيدينا ونحن بالجهل نضحك/، فالحمد لله على غفلتنا، فليتني كنت تبنة ~~تسفيني الرياح، وان أمي لم تلدني أو كنت نسيا منسيا، أو ثمرة تأكلني الطير ~~ثم تبعرني. # وقال أبو الفضل: # (لك) ترهبت خليقتك، وإليك جزعت من عقوبتك، فأنت، ملجأ الهارب ~~منك، ومستغاث الطالب لطاعتك، فبحقك علي خلصني من حب الدنيا، وصف قلبي ~~ولبي لك وأذقه من لذة ذكرك وحلاوة مناجاتك ما تغنيني به عن غيرك؛ بل أين هم ~~الأخيار وخيرة الأبرار، الذين بك وثقت قلوبهم، فعاملوك بخالص من سرهم ~~ حتى خفيت أعمالهم عن الحفظة وبانت أمامك، فوقع بهم ما أملوه ~~ من شكرك، ووصلوا إلى ما أرادوا من محبتك؟ بل أين الزهاد والسادة ~~العباد الذين خطوا العمر بحقائق الصبر حتى أفنوه في طاعتك؟ بل ~~أين الذين تجشموا القتال لمن عاداك وكفر بك حتى خروا على الأذقان في محبتك؟ ~~أين الذين ثبتوا في مواطن الامتحان ونواصيهم تجز في حقك، والقيام بأمرك ~~وسلموا الأمور إليك ، فصاروا قد رضوا/بقضائك، رب فبهم ألحقني ، ~~ولأعمالهم وفقني ، فنالوا منك ما أرادوا، وكنت لهم PageV02P248 ~~مؤدبا، ولفعلهم مؤيدا ، حتى أوصلتهم إلى مقام الصادقين في خدمتك، وإلى ~~منازل العارفين في معرفتك، وأعوذ بك من كل ms434 قاطع وشاغل عنك، واجعل قلبي ~~لمحبتك متأهلا ، ولساني بذكرك مبتهلا، واجعلني إليك متطلعا، وإلى ما ~~في يديك ناظرا، (حتى) لا أعبأ بالدنيا ولا بأهلها، فعن قليل تذهب ~~الآلام عن أبدان الخدام، الذين ألهتهم الطاعة عن الطعام والشراب، وجمع ~~ الحطام، الذين رهلت أقدامهم من طول القيام بين يديك. # وقال أبو الفضل: # ويجب على من عرف الله تعالى في هذا الزمان، أن لا يصدق الظلمة بكذبهم، ~~ولا يعينهم على ظلمهم، ولا يدخل عليهم ولا يخرج، وأن يتباعد منهم، وإن ~~أيامنا هذه خوادع، يؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، ويكذب فيها ~~الصادق، ويصدق الكاذب، وكفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة، وأعلم أنا ~~ قد بذلنا المجهود لك بالنصيحة، وأن من أضاع أمر الله أضاعه الله ~~تعالى، وإضاعته له أن يسلط عليه/من لا يرحمه، وإنا في زمان كثر شره، ~~وقل خيره، وارتد أكثر أهله، وفارقوا جماعة الإسلام، وتناجوا فيما ~~بينهم بالضلال، ونقضوا شرائع الدين وتمالئوا على الإفك والزور. # [قال عبد الله] : جميع هذا الكلام إنما تكلم به أبو الفضل في الوقت ~~الذي اشتدت فيه فتنة عبيد الله اللعين. # قال أبو الفضل: # إني نظرت في هذه الأحمية التي على ساحل البحر، فوجدت أهل العلم ~~PageV02P249 (لم) يثبت عندهم كيف فتحت إفريقية: عنوة أو صلحا ~~، فرأينا أن أحسن الأمور لمن سكنها أن يسكنها ومعه ما ينفق فيها على ~~نفسه، ومن تلزمه نفقته ويكون ذلك من حلال، فإن مسته فاقة فرأيت له: إن كان ~~ذا صنعة أن يعمل صنعته ، ويأتي بما يصيب من عمل يده، فينفق منه على ~~نفسه، فيكون له بذلك ثواب الرباط ويسلم من متشابهات الحرام، وإن لم ~~تكن له قوة بدن ولا صحة فليخرج فليحرث ما يكفيه عند الإخوان، فهذا أحب إلي ~~(له) من الحرث في الحمى لما فيه من الشبهة. # وقال بعض الشعراء في أبي الفضل (مولى نجم) : # أقول وفي قولي بلاغ من القول %~% وإن كنت عن نظم القريض لفي شغل # ألا يا أخلائي وأهلي وجيرتي %~% ومن يرد التصحيح في الدين عن أصل # بقصر ms435 المنستير المبارك عالم %~% نزيل (غريب) الدار يكنى أبا الفضل # فشدوا المطايا نحوه (وتغربوا %~% لكي) تسمعوا ما جاء حقا عن الرسل # وما عنده في صحة الدين رخصة %~% وكالذهب الإبريز في القول والفعل # وينشر نور العلم في كل مشهد %~% فأصبح محمودا بريا من البخل # وكالحسن البصري في الزهد والتقى %~% ونصح البرايا حذوك النعل ~~بالنعل # أنار حصون الغرب بالعلم فاهتدى %~% رجال وقد كانوا من الدين في جهل PageV02P250 # وأحيا به الله العلوم فبثها %~% ليدحض قول الناصب المارق المغل # كريم يغض الطرف عن جلسائه %~% حياء ودينا بالسكينة والعقل # ويدعو إلى الله الكريم عباده %~% وينصح للإسلام بالحق والعدل # سأملأ دلو الفهم من بحر علمه %~% وأصحبه في الله بالبر والوصل # وأتبع ما في كتبه بحقيقة %~% لصحة ما فيها وأتبعها أهلي # وفيها توفي: ### $ 217 - سعدون بن أحمد الخولاني # المتعبد بالمنستير رضي الله عنه، يوم الخميس ضحى، لثلاث مضين من ~~شعبان، ودفن جبلي القصر الكبير. # كان فاضلا، ذا أوصاف جميلة، وكان شيخ الحصون لم يكن بالمنستير في ~~وقته أسن منه ، أدرك سحنونا ولم يرو عنه وسمع من ولده ومن غيره كثيرا ~~. # قال رضي الله عنه: قال (لي) محمد بن سحنون: يا خولاني كيف بك ~~PageV02P251 إذا أردت أن يسلم لك دينك مع قوم لا يبالون ألا تسلم لهم ~~أديانهم. # [قال] : [زرت] الإبياني -وكان من العباد المجتهدين- فدخلت ~~إليه فسلمت عليه فقال لي: يا سعدون ألك والدان ؟ فقلت: نعم- أصلحك الله ~~تعالى-فقال: يا سعدون أطع والديك واعص الله يرحمك الله عز وجل، وأطع الله ~~واعص والديك يعذبك الله تعالى، قال سعدون: فأنكرتها في نفسي غير أني لم ~~أراجع الشيخ ثم قدمت القيروان، فدخلت على محمد بن سحنون، فسلمت عليه، فقال: ~~من أين جئت (يا سعدون) ؟ فقلت-أصلحك الله تعالى-: # من تونس، فقال (لي: هل) دخلت على الرجل الصالح جعفر مولى شراش ؟ ~~قلت: نعم، غير أنه كلمني بكلمة أنكرتها، ثم أخبرته بما جرى (لي معه) ، ~~فقال لي محمد: صدق، إنك إذا أطعت والديك فقد أطعت الله عز وجل، وإذا عصيت ~~والديك فقد عصيت الله عز ms436 وجل. # وكان كثيرا ما يقول: الأذلاء متحيرون يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار، حكمت عليهم الهموم، وهجمت عليهم الأحزان في قلوبهم، وقد حال ~~اللطف فيها، (وهجوم المحبة عليها) فذاقت لذاذة الانفراد وحمدت السرى ~~عند الصباح ، فجادوا بما حوت أملاكهم ولم يبخلوا بما خولهم، أين ~~هؤلاء؟ . # قال محمود السبائي المتعبد بقصر دويد : (سمعت سعدون الخولاني رضي ~~PageV02P252 الله عنه) يقول: أصول الدين أربع: رد المظالم، والكف عن ~~المحارم، والكف عن أعراض الناس، والنظر في المعيشة، وهي تورث أربعا: غنى ~~بلا مال، وعلما بلا تعلم، وعزا بلا عشيرة، وأنسا بلا جماعة. # قال: وسمعته يقول في صفة المرأة، وذكره عن بعض الحكماء: # هي غم لا يريم، وشر لا ينفد، وغل لا ينفك، إن أيسرت أرضتك بلسانها، وإن ~~احتجت أسرعت إلى فراقك، وإن ذللت [لها] ركبتك، وإن عاودتها غلبتك، وإن ~~فوضت إليها أمرك خسرتك، وإن فاوضتها سرا شهرتك ، تفجر ودمعها قريب، ~~وتذنب وصوتها عال، وتحلف وجرمها مكشوف، وتهرم وأخلاق الصبى فيها، ويفنى ~~خيرها، ويبقى شرها وطول لسانها، فإن كنت منها بعيدا فلا تقرب إليها، ~~وإن كنت (منها) قريبا فأسرع النجاة وادع ربك بالخلاص فإنه يقدر ~~على ذلك. # وكان له دعاء يدعو به لا يكاد يفارقه وهو: # يا كافي محمد الأحزاب، يا كافي المؤمنين القتال، يا كافي موسى ~~فرعون، يا كافي ابراهيم النمروذ، اكفنا البلاء قليله وكثيره أوله وآخره، ~~آجله وعاجله/ما قل منه وما كثر، اللهم لا تشمت بنا الأعداء [ولا تجعلنا مع ~~الظالمين] ، اللهم افتح لنا أبواب الخير كلها، واغلق عنا أبواب الشر ~~كلها، اللهم من أرادنا فرده، ومن كادنا فكده، ومن أراد ضرنا فضره. اللهم غل ~~أيدي الظالمين عنا، وغض أبصارهم، وخذ بنواصيهم، واطبع على قلوبهم. # اللهم من أرادنا بسوء أو مكروه أو أراد فساد ديننا وخلاء مساجدنا، ~~فاشغل PageV02P253 كل جارحة منه بجائحة. اللهم استجب دعانا (يا كريم) ~~ولا تحملنا ما لا نطيقه، ولا تكلفنا ما لا نقوى [عليه] ، ولا تسلط ~~علينا من لا يرحمنا. اللهم امنن علينا بالعفو والمعافاة والغفران في الدنيا ~~والآخرة. ms437 اللهم عافنا فيمن عافيت، واكفنا شر ما قضيت إنك القاضي ولا يقضى ~~عليك. اللهم كن لنا ومعنا ومن بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن ~~شمائلنا ومن فوقنا ومن تحتنا، وليا وحافظا وناصرا إنك على كل شيء قدير، وصل ~~ اللهم على سيدنا محمد النبي وآله [وصحبه] وسلم. # وأتى إليه قوم فقالوا-أصلحك الله عز وجل -إن قوما من كتامة قتلوا ~~عندنا رجلا صالحا، وأضرموا عليه النار طول الليل وأصبح بدنه أبيض لم ~~/تأخذ فيه النار. فقال لهم: لعله حج ثلاث حجج ؟ فقالوا: نعم، فقال ~~لهم: حدثني واصل : أنه من حج حجة أدى فرضه ومن حج ثانية داين ربه، ~~فينادي غدا ملك من عند الله عز وجل، [يقول] : من كان له على الله تعالى ~~وتقدس دين فليقم، ومن حج ثلاث حجج حرم الله سبحانه جسده وشعره وبشره ~~على النار. # ومشهور عن سعدون-رضي الله عنه-أنه كان يجتمع به رجل من مؤمني الجن ~~يكنى بأبي عبد الله. حدثنا ابن اللباد قال: قال لي أبو عثمان PageV02P254 ~~سعدون [بن أحمد] : كان يأتيني رجل من الجان إلى بيتي فيوقظني من النوم ~~فقلت له: ما اسمك؟ فقال لي: محمد، فقلت له: مسلم أنت؟ فقال لي: لو كنت غير ~~مسلم ما أيقظتك إلى الصلاة، وكان يصافحني، فكنت أرى يده صغيرة فيها ~~لين، فقلت له: أرني وجهك؟ فقال لي: وما تريد أن ترى ؟ وجهي ينكد عليك ~~عيشك. # قال: وكانت قد ضاعت لي حمارة وولدها من المرسى، (فأتاني) ~~فقال لي: يا أبا عثمان الذي سرق لك الحمارة وابنها مضى بهما إلى ~~المهدية ليبيعهما ، فلقيته في بعض طرق المهدية، فتمثلت له في صفة ~~رجل، فقلت له: هذه الحمارة وولدها للخولاني، فردهما عليه ~~وإلا/فضحتك في المهدية، فقال لي: نعم، أردهما (عليه) ، فمضى بهما ~~وأنا أسايره حتى بلغ بهما إلى الحمى، فلما كان من الغد أتاني بعض السكان ~~فقال لي: يا أبا عثمان قد جمع الله (الكريم) [عليك] الحمارة ~~وولدها وهما في الحمى. # قال أبو عثمان سعدون: وكان عندي في البيت قلة مملوءة ماء ms438 للوضوء ~~PageV02P255 فقمت من الليل لأتوضأ (منها) فأصبتها قد فرغت ولم أجد ~~فيها ماء فقلت: # ما هذا الفعل الذي فعل بنا؟ فقال لي: يا أبا عثمان اعلم أن حية فقدت ~~ابنها فأتت إلى القلة فشربت (منها الماء) ثم تقيأت فيها لتؤذي من ~~يتوضأ منها، فخفت أن تتوضأ منها فيصيبك شيء، فاهرقتها. # قال أبو عثمان: وكانت زوجتي قد اعتلت بعلة، فقال لي: نأتيك بدواء ~~تشربه فتجد العافية إن شاء الله سبحانه وتعالى، فعمل لي دواء ثم أتاني به، ~~فشربت منه، فوجدت العافية. # وكان يأتيني فيحدثني بأخبار الموسم والحج، ثم غاب عني. # وزاد أبو الربيع سليمان بن محمد عن سعدون-رحمه الله-أنه قال : ثم ~~ قلت له: يا أبا عبد الله لم لا تدخل قصور بني الأغلب؟ فقال: أعوذ ~~بالله أن أدخل قصورهم إنما أدخل (إلى) موضع الصالحين. # قال : فلما خرج إلى الحج سألني في عصا، فأعطيته [عصا] ، فأخذها ~~ فقال لي: هذه غليظة، فأعطيته قصبة ومضى (عني) إلى الحج، فأنا بعد ~~قضاء الحج بنحو خمسة أيام حتى رأيت القصبة قد وقعت بين يدي ثم سمعت ~~قائلا [يقول] : أنا ابن أخي أبي عبد الله [فإنه] مات PageV02P256 ~~بالإسكندرية، وقد أوصاني بهذه القصبة أن أصرفها إليك، فقلت له: لم لم تكن ~~صديقي كما كان عمك؟ فقال: عمي كان رجلا صالحا وأنا فاسق، ثم غاب عني. # حدثنا أبو الحسن (علي) الأنصاري السائح، [وكان] رجلا صالحا، ~~قال: كنا مع سعدون الخولاني في الدور الذي (كان) يدور على الحصون ~~حتى حاذينا ينونش فسمعنا سعدونا وهو يسلم على من لا نراه ~~فقلنا له : # ما هذا-أصلحك الله-؟ فقال صاحبنا جاء يسلم عليكم وعلي ويصحبكم حتى ~~ينقضي سفركم، قال السائح، فكنا إذا جلسنا في بيت نسمع حسه ولا نراه ~~حتى رجعنا، فلما حاذينا الموضع الذي اجتمعنا به فيه قال لنا سعدون: [إن ~~صاحبكم يسلم عليكم ويؤمل الرجوع، فقلنا لسعدون] : وكيف يفارقنا ولم ~~يفدنا بفوائد عن أصحابه الذين/يؤذون الناس؟ فقال الجني لسعدون: إنهم ~~يشاركونكم في المطعم والمشرب والملبس (والنوم) قالوا : عرفنا ~~بذلك؟ PageV02P257 # قال: نعم، إذا ms439 أكل أحدكم لا يبتدئ حتى يقول: بسم الله، وإذا شرب لا يبتدئ ~~حتى يقول: بسم الله، وإذا أراد أن ينزع ثيابه ليدخل فراشه فليقل عليها: ~~باسم الله، في حرز الله، وأمان الله، وإذا دخل فراشه فليقل: بسم الله، ~~فإنهم لا يقربونه وأنه إذا لم يذكر اسم الله على ثيابه ~~لبسوها بالليل وسافروا بها، ويردوها، حتى يقول أحدهم: ما أدنى هذا الثوب ~~وأسرع تقطعه وإنما ذلك من لبسهم له . # ووجد بخط الشيخ أبي إسحاق الجبنياني -رحمة الله عليه-قال: ذكر ابن ~~لهيعة عن بكر بن عمرو أنه سمع صفوان بن سليم يقول: إن الجن ~~يستمتعون بمتاع الأنس وثيابهم، فمن أخذ منكم ثوبه أو وضعه فليقل: باسم ~~الله، فإن اسم الله تعالى له طابع . # وبلغ عبيد الله أن سعدون يجتمع إليه خلق من الناس يخرج بهم إلى الدور ~~، فخاف عبيد الله منه، وقيل له: انه يخرج عليك، فوجه وراءه PageV02P258 ~~ودخل عليه فعارضه جؤذر الصقلبي وقال له: يا شيخ الخير من/الله والشر ~~ممن؟ فانتهره سعدون وقال له: قال الله عز وجل: قل أعوذ برب الفلق من شر ما ~~خلق %~% فأنكر عبيد الله على الصقلبي معارضته وأصرفه كما يجب. # قال: وأغرى به بعض من كان يسكن بالمنستير ممن هو متصل بشيعة بني عبيد ~~[الله] -لعنه الله-فرفع على سعدون أنه يجتمع إليه العامة مع أشياء هو ~~بريء منها وان عنده كتب الحدثان، فبعث عبيد الله وراءه صقلبيا فدخل على ~~سعدون في بيته وقال له: يا شيخ عليك السمع والطاعة ؟ فقال له: نعم ~~فقال له: مد رجليك؟ فمدهما، وقيدهما، ثم جمع ما في بيته من الكتب، ثم خرج ~~به وبكتبه حتى وقف به على عبيد الله، فاتصل ذلك بأم أبي القاسم ولد عبيد ~~الله، فكلمته عليه وقالت له: تأتي إلى رجل صالح ولي من أولياء الله سبحانه ~~وتعالى تفعل به هذا؟ [أما] تخشى أن يدعو على ولدك فيهلك؟ فأمر ~~بتخليته وأزال القيود من رجليه ودفع إليه ثلاثمائة دينار وبعث إليه دابة ~~وقال له: تصرف [هذه] الدنانير فيما ms440 تريد وهذه الدابة تركبها فقال له ~~سعدون -رضي الله عنه-هذه الدنانير قد قبلتها، ثم دعا أحد أولاد عبيد الله، ~~فجعلها في حجره وجر بيده على رأسه ودعا له ثم قال لعبيد الله: هذه الدنانير ~~هبة مني لولدك هذا ودفعها إليه، وأما الدابة فأنا شيخ كبير لا أستطيع ~~ركوبها، وإنما أركب ما لا يتعبني من الحمير، ثم انصرف (عنه) ، فقال له ~~عبيد [الله] : PageV02P259 # لا تقطعنا، فكان يأتيهم في الهناء والعزاء مداراة للقوم على المنستير ~~وأهله ليكف أذاهم (وشرهم) وليبقى عليها الحال الجميل والهيبة، ولا ~~يكون كسائر الحصون التي أخلوها وأفسدوها فكان ذلك سببا لمعافاة ~~المنستير. # وكانوا ربما بعثوا إلى سعدون في الأعياد بالأكبش للضحايا فيقبلها ~~ويفرقها على الضعفاء ويبعث [إليه] بالفستق، فكان يفرقه ~~على من يأخذه-رضي الله عنه-. PageV02P260 ### || ثم كانت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 218 - أبو عبد الله محمد بن سهلون # المتعبد بقصر جبنيانة ، ودفن به. # كان ذا أوصاف جميلة، سمع من عيسى بن مسكين [وغيره] ، نجب على يديه ~~جماعة من المتعبدين منهم: أبو إسحاق الجبنياني وغيره. # قال الشيخ أبو الحسن/قال لنا أبو إسحاق السبائي: مضيت إلى زيارة محمد ~~PageV02P261 ابن سهلون-وكان رجلا صالحا-فجئنا إلى بيته ضحى فقيل: لا يخرج ~~من بيته إلا إلى وقت الصلاة، ولو ضرب عليه الباب من شاء قال: فجلسنا على ~~باب البيت، فطال علينا الأمر، فافتتح رجل أندلسي كان معنا، (القراءة) ~~بصوت حزين فسمعنا للشيخ حركة وبكاء وشهيقا، ثم فتح الباب بمرة وخرج وهو ~~يبكي، وقد ابتلت لحيته بدموعه، فتمادى كما هو في حالته فلا ندري أين ~~ذهب ثم رجع إلينا وقت الصلاة، فسلمنا عليه. # قال أبو جعفر أحمد: كان يأتي إلى محمد بن سهلون-رحمه الله-إفطاره بالعشي، ~~فإن كان في المسجد أحد من الغرباء بعث إليه منه، وكان إفطاره على ~~الماء، هذا دأبه أبدا. # اللبيدي قال: حدثنا أحمد السائح-وكان صالحا فاضلا من أهل طرس التي ~~عند صدف -كان إنما يرى أهله وولده في السنة مرة واحدة ثم يخرج عنهم إلى ~~سياحته. # قال: جئت مرة مع ms441 محمد بن سهلون من الساحل إلى القيروان ليشتري لابنته ما ~~يجهزها به للدخول على زوجها، فاشترى لها ما تحتاج إليه من ذلك ثم ~~خرج/وخرجت معه، فبينا نحن على الطريق التفت إليه فرأيته يشهق ويبكي، فقلت ~~له: ما بالك-أصلحك الله عز وجل؟ فقال: وما سؤالك عن هذا؟ فقلت له: لا بد من ~~ذلك، فقال: تفكرت في بعد عهدي بالمصائب ، PageV02P262 # فخفت أن يكون ذلك استدراجا من الله عز وجل، قال أحمد: فما مشينا إلا ~~يسيرا حتى طلعت سحابة عظيمة، فأمطرت مطرا وابلا وأفسدت جميع ما ~~اشترى لابنته من جهازها، فأقبل وهو يبتسم ويضحك، وزال عن قلبه ما كان فيه ~~من الشغل. # وفيها توفي: ### $ 219 - الحسن بن محمد القلانسي (المعلم) كان له إدراك مع صلاح وفضل، سمع من محمد بن يحيى بن السلام ومن ابنه يحيى، (وهو) معلم أبي الحسن الدباغ. # قال ربيع القطان: قال لي الحسن بن محمد القلانسي : بينا أنا أمشي في ~~الهجير إلى الجامع يوم الجمعة، فإذا بشيخ ذي لبسة ولحية عظيمة لقيني عند ~~«دار ابن الجمل» فقلت له: يا شيخ هل صلى الجامع؟ فقال لي: نعم، صلينا ~~الجمعة، فانصرف، فلم أفعل، ووقع في قلبي أنه إبليس-لعنه الله- فتماديت، ~~فإذا الإمام ما قعد/على المنبر بعد، فعلمت أنه إبليس. PageV02P263 # وذكر أنه قام في حق [في] وقت الغدوات، فنقم عليه وشهد عليه أنه ~~قذف السلطان، فحبس بعض يوم، ورميت عليه خمسون دينارا، قال لي: يا بني، فقمت ~~في السجن وصليت ركعتين ودعوت الله عز وجل فقلت: اللهم إن كنت تعلم أنما ~~حبست على إحياء حق فيك فخلصني، فلا والله ما تم دعائي حتى نودي بي، فخرجت ~~بلا غرم والحمد لله. # قال ربيع: وكان أبوه صاحبا لنا عند أحمد بن نصر في المسائل. # قال أبو الحسن علي بن محمد الدباغ: أنشدني حسن المؤدب هذا: # اعمل وأنت من الدنيا على حذر %~% واعلم بأنك بعد الموت مبعوث # واعلم بأنك ما قدمت من عمل %~% محصى عليك وما خلفت موروث PageV02P264 ### || ثم كانت سنة تسع وعشرين [وثلاثمائة] # وفيها توفي: ms442 ### $ 220 - أبو عبد الله محمد بن العباس بن الوليد # الفقيه المعروف بالهذلي وهو ابن تسعين سنة. # [كان] عالما بمذهب أهل المدينة، حافظا للمسائل ./سمع من محمد ابن ~~سحنون وغيره. ضربه القاضي النفطي بالدرة، وذلك أن قوما من المشارقة ~~رفعوا إلي محمد بن عمران القاضي النفطي-لعنه الله-أن الفقيه الهذلي يفتي ~~بمذهب مالك-رضي الله عنه وأرضاه-ويطعن على مذهب أمير المشارقة ولا يرى ~~إمامته، فأمر بضربه عريانا حتى سال الدم من رأسه، وكان محلوقا، ثم أركب ~~ عريانا على حمار وشق به جميع أسواق مدينة القيروان وحبسه . وذلك ~~في شهر رمضان سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، ثم تركه بعد ذلك. PageV02P265 ### || ثم كانت سنة ثلاثين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 221 - أبو القاسم عبد الوهاب بن نصر المتعبد # في المحرم. وصلى عليه أحمد بن أبي خالد الدباغ. ودفن بباب سلم . # قال الخراط: كان مجاب الدعوة، وكان ممن علم وعمل، [وكان] سند ~~عمله موت النفس والتواضع، لا يكاد يرى في مسجد أو جنازة إلا وهو قائم يصلي ~~مع حسن خلق، له ملاحة في العباد ، وحلاوة في النساك، يخدم الأرامل ~~والأيتام والفقراء، كثير الرباط والسياحة، كانت له ختمتان بين ليله ~~ونهاره/وكان لا يتكلم في ثلاثة أشهر [من السنة] : رجب وشعبان ورمضان. # قال طريف الخياط الساكن بقصر الجديد : سألت عبد الوهاب، وكانت ~~بيني وبينه صداقة، أن يخرج معي إلى سوسة، فأتاني بعد أيام فقال لي: يا ابن ~~الرومية تخرج (إلى) سوسة؟ فقلت له: نعم، فقال لي: توافي PageV02P266 ~~الغداة فوافيت إلى باب عبد الله لوعده، وكان مرادي أن يأتي ~~فنكتري له دابة؛ واكترى الناس وخرجوا، وأيست منه فجلست عند ~~القنطرة حتى طلعت الشمس، فبعد طلوع الشمس [أتى] ، فقمت إليه وقلت له: ~~ما الذي أخرك عن موعدك ؟ فقال: إن من عادتي أن لا أخرج من بيتي حتى ~~أركع الضحى، ثم قال: اعزم بنا، فأخرج من كمه شراكا وتحزم، ثم أخذ ~~الطريق وأنا معه، فأخذ في تلاوة القرآن، فلم يزل يقرأ حتى اعترضنا قوم ~~سودان مارين على الطريق، فخفت منهم فأخذني عبد الوهاب فجعلني ms443 إلى جانب ومال ~~إلى جانبهم وما ارتاع، ففارقونا، وما كلمنا أحد منهم، فلم نزل كذلك ~~حتى انتهينا إلى ماجل أبي الزمرد ثم مال إلى قصر القبرياني ، قال: ~~فجئنا قبل المغرب /فدخلنا، فنزلنا المحرس الذي على باب القصر، ~~فجدد وضوءه ودخل المسجد فلم يزل يصلي في المسجد إلى صلاة العشاء الآخرة. ~~قال: فعمدت إلى طعام كان معي فهيأته له وأخذت كسائي الذي معي ففرشته له، ~~وقلت: # الشيخ متعوب [ينام] فطلع إلي، فقربت إليه الطعام، فأكل منه ثم ~~قلت له: يا سيدي ألا تنام ، فإنك متعوب ، وأشرت له إلى المكان ~~المفروش، فقال لي: ارقد أنت وإذا أردت أنا فسوف أرقد، وامتنع، ومال إلى ركن ~~PageV02P267 المحرس، وقام يصلي فمرة يقرأ ومرة يسقط من غلبة النوم، فلم يزل ~~يصلي حتى طلع الفجر، فسلم ونزل إلى المسجد [يذكر الله عز وجل] فلا ~~أدري إن كان جدد وضوءه أم لا؟ قال طريف: فجددت وضوئي وصليت معه الصبح، ~~ثم جلس إلى القبلة يذكر الله عز وجل حتى طلعت الشمس وركع ونام إلى أن تعالى ~~النهار فقام من نومه واستجد وضوءه ثم قال لي: اخرج بنا نمشي على البحر، ~~فإنها غزوة، فخرجنا نمشي ناحية القبلة وهو يكبر ويذكر [الله تعالى] ، ~~حتى انتهينا إلى قرب الحمامات ، فركع في ذلك الموضع، ثم رجعنا والمؤذن ~~يؤذن/للظهر، فهيأت له إفطاره ثم عمل في ليلته تلك مثل ما عمل في الماضية ~~، ثم نزلنا فصلينا الصبح وجلس يذكر الله عز وجل حتى طلعت الشمس ثم صلى ~~الضحى، فهذا كان دأبه حتى فارقته. # وحدث أبو الزاكي حازم بن ميسرة قال: كنت أخرج معه إلى سوسة فإذا عيينا ~~ قلت له: اقعد نستريح؟ فيقول لي: اقعد، ثم يقول: الله أكبر فيصلي ثم ~~يقول لي: يا بني إنك إنما خلقت لتعمل، فما فاز القوم إلا بأعمالهم لا ~~بأبدانهم. # قال أبو الربيع سليمان بن محمد: كنت أدخل المسجد فأجد عبد الوهاب يركع ~~الضحى فإذا ركعت إلى جانبه وسلم يقول لي: يا بني أخاف أن يحلق ~~على اسمي؟ فقلت له: ms444 يا سيدي كيف يحلق على اسمك؟ قال: انظر إلى السلطان إذا ~~بدأ بالعرض فقال : أين فلان بن فلان؟ فيقال له: هذا هو ، ~~PageV02P268 فيقول له: يا مولاي أنا لازم بالباب وقائم بالخدمة ، فيعده ~~بالإحسان، فإذا نادى أين فلان بن فلان؟ فيقال له: ما رأيناه ~~فيقول: ما لنا فيه خير، حلقوا على اسمه، اطردوه، فأنا أخاف أن يحلق على ~~اسمي وأطرد، فاسمع مني يا بني يا أبا الربيع: إذا مشيت فاذكر الله تعالى، ~~/وإذا قعدت فاذكر الله تعالى، واذكر الله في الليل، فإن ذكرته ذكرك، وإن ~~تاجرته ربحك ، وإن خدمته أعزك، وإن قرعت الباب فتح لك، وإن رجعت إليه ~~قبلك ولا يضيع أجرك إنه لا يخلف الميعاد. # قال أبو الربيع: ودخلت على مروان الخياط الفاضل العابد فأصبته يخيط جبة ~~من صوف، فقال لي: هذه الجبة لجارك أبي القاسم عبد الوهاب: اشترى كساء ~~فقطعت له منه هذه الجبة وعمامة يصلي بهما في سواد الليل [قال] فاجتمعت ~~مع عبد الوهاب، فقلت له: لأي شيء لا تلبس؟ فقال لي: يا أبا الربيع اللباس ~~غدا والنعيم غدا والعز غدا والذل غدا، الدنيا صدقة على القوم. # وكان-رحمه الله تعالى-يوما بباب سلم ينتظر جنازة، فقام يركع حسب ~~عادته إذا خلا، وكان أبو بكر بن اللباد-رحمه الله-في موضع جالسا ينتظر ~~الجنازة، فقال ابن اللباد: إن من الرجال رجالا يرفع الله عز وجل عنهم ~~الرياء لا يغيرهم ما عملوا [و] عبد الوهاب منهم. PageV02P269 # قال أبو الحسن بن الخلاف: وهذه أمور لا يستوي الناس فيها، ولا تستوي ~~مقاصدهم وكل إنسان له شأن هو أعلم به، فإذا صح له فلا درك/عليه ولا يعنف ~~أحد يعلم صحته وحسن مقصده، إنما يعنف الذي لا يصح مقصده، ويتزين لما يرتفع ~~[به] عند الناس وهذا الرياء والهلاك. # قال سليمان: وقف يوما محمد بن عسكر فقال: # إن أقبلت قلت : صباح أقبلا %~% وإن أدبرت قلت : ليل أظلما # جارية تيمت المتيما %~% يحكي شعاع الشمس منها المبسما # فقال عبد الوهاب: الرجل الصالح لا خاطب ولا عاشق، وأقبل يصيح: # أين الخطاب، ms445 وأين العاملون، وأين العارفون بالله؟ أين المستحيون من الله ~~عز وجل؟ ثم صاح وبكى وبكى الناس لبكائه ثم وقع مغشيا عليه. # قال أبو الربيع: وكنت أدخل على عبد الوهاب بعد العصر، فيقول لي: يا بني ~~خذ لي تلك الأبيات: # *ضر التقى وتصفر الألوان* # قال أبو الربيع: فاندفعت أقول: # ضر التقى وتصفر الألوان %~% من أوجه طفيت على الأبدان # ولزومك المحراب ليلك ساجدا %~% لتجازي الإحسان بالإحسان # فاندفع عبد الوهاب في النياحة [والبكاء] وأقبل وهو يقول: وافرحهم ~~بك، واتغير ألوانهم فيك، واشوقهم إليك. PageV02P270 # قال: ولما اعتل عبد الوهاب اجتمع عنده جماعة من أهل العلم فقهاء ~~مذكورون ، فقال عبد الوهاب لابنه: يا محمد ايتني بتلك الدراعة ~~الصوف، فأتاه بجبيبة مرقعة صفراء، فقال لهم: كفنوني فيها، فإن لي فيها ~~مئات: ختمت القرآن فيها ثلاثة آلاف ختمة في سواد الليل وادفنوني بين والدي، ~~فإني رأيت البارحة نورا عظيما بين القبرين (وضياء) والاجتماع معكم في ~~دار الكرامة إن شاء الله تعالى مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي ~~الله تعالى عنهم وأرضاهم. # وفيها توفي: ### $ 222 - أبو جعفر أحمد بن أبي خالد يزيد الدباغ رحمه الله # ذو أوصاف جميلة حسنة، يميل إلى التصوف، كريم الأخلاق محبب إلى الناس. # سمع من يحيى بن عمر ومن غيره ، وله أخبار ومجالس مع أهل النسك والرقة. # قال أحمد: رأيت بمكة شابا كريم الأخلاق عليه جبة من صوف وقد طال شعره ~~وعلاه شحوب ونحول، فقلت له: السلام عليك يا صوفي، فقال لي: وعليك ~~السلام يا قطني فقلت له: إن لباس القطن مع وجود التقى لا يضر ولباس الصوف ~~مع عدم التقى لا ينفع، فقال لي: صدقت. فقلت له : PageV02P271 # ما الذي يورث النفوس الهموم؟ فقال لي: ثلاث، تذكار ما سلف (من الذنوب) ~~، وتذكر الحالات، وخوف الخاتمات. # حدثنا أبو علي القمودي السوسي قال: كان قوم يسمعون العلم على أبي جعفر، ~~فاجتمعوا يوما على بابه ينتظرون الإذن لهم في الدخول، فسمعوا في داخل الدار ~~صوتا عاليا وهو يقول: يا زانية، يا بنت الزانية، يا بنت ms446 الشيخ السوء، فنفرت ~~أنفسهم وقالوا: من هذا الذي سفه في دار الشيخ؟ فلما أذن لهم في الدخول، ~~ودخلوا عليه قالوا له-أصلحك الله عز وجل -سمعنا في دارك صوتا عاليا بالشتم، ~~فقال لهم-تلك الزانية: ابنتي، وأمها الزانية: زوجتي، والشيخ السوء: أنا، ~~والشاتم صهري، ولكن لا تجعلوا من عاداتكم الاستماع إلى ما في ديار ~~الناس . # وكان يقول/: من زعم أن الرزق لا يأتي إلا بالاضطراب فقد أخطأ، ومن ~~زعم أن التوكل لا يكون إلا بترك الاضطراب فقد أخطأ-يريد أن الإنسان يسلم ~~إلى الله عز وجل ولا يجعل التوكل في شيء معين. # قال القاضي عبد الله بن هاشم: حدثني أبو بكر هبة الله بن محمد بن أبي ~~عقبة قال: خرجنا مرة نريد الرباط، وفي جماعتنا أبو جعفر، فاشترينا من بعض ~~القرى خبزا، فلما قدمناه لنأكله نظر إليه ابن أبي خالد فقال: ويحكم كيف ~~تقدرون على أكل هذا الخبز؟ قلنا وما له؟ قال: أو ما ترونه؟ قلنا له: ما نرى ~~إلا خبزا قال: لكني والله أراه أسود منتنا، (قال) : فأردناه ~~على الأكل PageV02P272 منه فأبى وقال: لا والله لا أقدر على أكله قال: فلما ~~سمعنا ذلك منه داخلنا من الخبز شيء، فانصرفنا إلى الموضع الذي اشترينا ~~منه، فسألنا عن خبره وكشفنا عن أصله ، فعرفنا أن الذي يعمل الخبز هناك ~~رجل يهودي وانه تقبل السوق في تلك القرية فلا يعمل أحد بها خبزا ~~سواه، فعلمنا أن الشيخ ينظر بنور الله عز وجل. # وحدث عبد الله بن هاشم عنه/بمثل ذلك وذكر أنه أصابه عطش في تلك السفرة ~~فدعا بماء فأتي به إليه، فهم ليشرب ، فدفقه من فمه وقال: ما طاب ~~لي: فكشفنا عنه فإذا هو من ماء جب وقعت فيه ميتة، قالوا فتعجبنا. # وحدث أبو الحسن بن أبي العباس (ابن) الأجدابي المتعبد قال: # أخبرني بعض شيوخي أن أبا جعفر بن (أبي) خالد الدباغ-رحمة الله عليه- ~~دخل فشهد عند عيسى بن مسكين القاضي بموت رجل فقال له كاتبه ابن البناء ~~، وكان بينه وبينه محارشة : ما اسمك ؟ فقال له: أحمد، ms447 فقال: # ابن من؟ فقال له: ابن أبي خالد، فقال له: ابن من؟ فقال له: الذي لم يزدك ~~على فلان شيئا-يعني جد ابن البناء الكاتب-لم يزدني على (أبي) خالد ~~شيئا-وكانا جميعا من الموالي-فقال له: بأي شيء تشهد؟ قال: أشهد أن فلانا ~~مات، فقال له: أين مات؟ فقال له: مات حتى لا يرى أبدا، فقال له: كيف مات؟ ~~فقال له: نقل من دار الدنيا إلى (دار) الآخرة، فقال له القاضي (عيسى) ~~ -بانتهار-اكتب كتب الله تعالى وراء ظهرك. PageV02P273 # قال [عبد الله] : وكان أبو جعفر (أحمد) رحمه الله تعالى أحد ~~عقلاء شيوخ القيروان، لقد ذكر ابن حارث قال : حضرت/بعض المجالس ~~بالقيروان فذكروا شيخا من أهل العلم قد كان ظهر سؤدده وقام جاهه ثم انقلبت ~~به الحال وانعرجت طريقته [إلى طريقة] الفتك لولوعه بغلام ~~كان يصحبه، فقال حسين بن أحمد بن معتب: عجبا للناس قد أولعوا ~~بفلان لما اقترف من فعل كذا وكذا وفي الناس من تقلد أمثال ذلك وما أحد ~~يذكره بشيء من ذلك، فقال أحمد: أنا أضرب لكم (في ذلك) مثلا: لو أن ~~رجلا ممن شأنه لبس الثياب الوسخة والأطمار الخلقة وقع في صدر ثوبه وسخ ~~شنيع المنظر ثم شق سماط القيروان كله (لما) أنكر عليه أحد [شيئا] ~~ولو وقع مثل ذلك في صدر رجل لباس نقي الثوب، فشق به سماط القيروان ~~لمالت الأبصار إليه من كل جانب ولاستفظع رضاه بلبس ذلك الثوب . فقلنا ~~له من كل جانب: صدقت. PageV02P274 ### || ثم كانت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 223 - أبو البشر محمد بن أحمد بن يونس # كان صالحا-رحمه الله تعالى-وكانت داره بسوسة بجوار دار العامل [ف] ~~إذا ظلم أو ضرب أحدا صال عليه أبو البشر وانتهره/حتى يترك العامل ~~المضروب. # وكان كثيرا ما يخرج إلى «دمنة سوسة» فيأتي إلى سوق الخياطين في وقت ~~عمارته فيذكر الله عز وجل في مواضع منه لما جاء من الفضل في ذلك ، ثم ~~يتمادى إلى الدمنة، فيفتح له باب مسجد الدمنة، فيركع فيه، ثم يجتمع إليه ~~أهل الضر، فيسألهم عن ms448 حالهم ويهون عليهم ما هم فيه من الضر والبلاء ويقول ~~لهم: لو عاينتم ما لكم عند الله عز وجل من الأجر والثواب لهان عليكم ما ~~أنتم فيه لأنه قد جاء في الحديث: «إن أهل الضر والبلاء إذا عاينوا ثواب ~~الله عز وجل لهم في الآخرة ودوا لو أعادهم الله سبحانه إلى ~~(الدنيا) وقرضت لحومهم بالمقاريض» فلا ينصرف [أبو البشر] ~~عنهم إلا وقد هان عليهم ما PageV02P275 # يقاسون من الأوجاع والأسقام لما يرجون من ثواب ذلك. # وفيها توفي: ### $ 224 - خلف السرتي # المتعبد بقصر الطوب. # أقام به (1*) سبعين سنة. وله إجابات معروفة-رضي الله عنه وأرضاه-. # وفيها توفي: ### $ 225 - أبو محمد عبد الله بن سعد اللجام # منصرفه من الحج برمادة وبها دفن. # قال أبو عبد [الله] الخراط /: كان صالحا من طلبة العلم، حسن التقييد ~~والنقل، سمع من جماعة من العلماء. # كان مؤالفا لربيع القطان لا يكاد يفارقه. وكان يقول الشعر في معاني ~~الزهد، فمن قوله : # أزعجت عن لذة القرآن يا سندي %~% وذاك لما ركبت الذنب باللدد # أتلو القرآن فأسهو عن عجائبه %~% لشهوة قطعت مني عرى كبدي PageV02P276 ~~فما سلكت طريق الناعمين به %~% قد صار تذكارهم أحلى من الشهد # وطول أنس بهم في وقت خلوتهم %~% يتلونه دائما قربا من الصمد # هيهات يا نفس أن تحظي بحالتهم %~% وأنت مخدوعة والله بالرصد # اهجر بلاك وكن للذنب باكيه %~% وراقب الله في الألفاظ والجسد PageV02P277 ### || ثم كانت (سنة) اثنتين وثلاثين وثلاثمائة # ثم كانت (سنة) اثنتين وثلاثين وثلاثمائة / وفيها توفي: ### $ 226 - يوسف بن عبيد الله القفصي التميمي # من أنفسهم، وهو ابن اثنتين وستين سنة. # كان من أعلم أهل زمانه وأفقههم مع أدب بارع وعقل رصين ، وزهد ~~في (كل) ما يتنافس فيه الناس من الدنيا وأسبابها. وكان نظارا ~~في الفقه، عالما باختلاف العلماء عالما بالحديث واللغة، وكان يقول الشعر ~~الجيد، وكان أهل بلده مجمعين على فضله وعلمه. # ومن بعض ما قال في الزهد: # وما الدهر إلا ليلة بعد يومها %~% ونجم تراه طالعا ثم آفلا # وقرن جديد خلف قرن ودولة %~% تعاقب أخرى لا يزلن ms449 شواملا # فلو صح لي عقلي بما أنا واصف %~% لبت وجنبي لا يمل قلاقلا PageV02P278 ~~ولو صح لي عقلي لحزت خلائقا %~% أباري بهن الصالحين الأفاضلا # ولو كنت من داري على كنه علمها %~% وقد ذوقت مني اللهاة حناظلا # لأعرضت عنها حيت أولت إساءة %~% وجازيتها بالصاع صاعا مكايلا # ولو أن لي قلبا يعي لتقطعت %~% علائق دنياي فبتن زوائلا # ولو أن لي سمعا لقد أسمع البلى %~% للبيت منه المنذرات العواذلا # ولو أن لي عينا ترى ما بدا لها %~% لأجرت بنحري من دموعي جداولا # ولو أن لي نفسا علي عزيزة %~% لكسبتها تلك الكسوب الأماثلا # ولو أن لي إلفا حميا لحاد بي %~% عن الرق للدنيا إلى العتق مائلا # ولو أن (لي) رأيا يعاش بمثله %~% تخيرت أحوالا به ومنازلا # ولو أن لي سعيا جميلا لمال بي %~% (إلى) الكد حتى يترك ~~الجسم ناحلا # ولو أن لي أدنى حياء لهدني %~% وداعي أترابا وخدنا مواصلا # وفقد تقاة من حميم وجيرة %~% تولوا فما عاجوا علي الرواحلا # /وفوا لي أيام الحياة ولم أف %~% وأصبحت عنهم لاهي القلب ذاهلا # إذا ذكروا ريع الفؤاد لذكرهم %~% وهيج أشجانا له وبلابلا ~~PageV02P279 ولو لم يكن بالوجه مني صلابة %~% لوقرت شيبا بالعذارين ماثلا # ولو أن لي حسا لأحسست للبلى %~% دبيبا بجسمي قد أحال الشمائلا # ولو أن لي حزما لأعددت جنة %~% بها أتوقى الحادثات النوازلا # وما جنة للمستجن يعدها %~% باحصن أركان وأزكى نوافلا # من البر إن البر للمرء معقل %~% بعيد من الآفات فاق المعاقلا # ومن قوله : # صافى الجليل من العباد رجالا %~% مدوا الهموم وقصروا الا ما لا # عرفوا جلال مليكهم بحقائق %~% فتحملوا لجلاله الأثقالا # أنسوا به دون الورى وتقربوا %~% منه فأخمل ذكرهم إخمالا # متنعمين بذكره فبذكره %~% قطعوا الشهور وأفنوا الأحوالا # /متعبدين له تعبد ذلة %~% متسربلين من التقى سربالا # صمت عن الفحشاء إن مرت بهم %~% يوما وإن قالوا فطاب مقالا # قد أودعوا علما خفيا فاجتنوا %~% منه ثمارا تعجز الجهالا # وهم إذا ما الليل أقبل أقبلوا %~% متجللين من الظلام جلالا # يتسابقون إلى القيام قد امتطوا %~% ظهر الظلام وأنصبوا الأوصالا # نكسوا الرءوس على ms450 الصدور وهيجوا %~% شجوا يقرب منهم الآجالا PageV02P280 ~~لله درهم عصابة عصمة %~% لولاهم صب العذاب وبالا # تحيا القلوب بذكرهم من موتها %~% وإذا رءوا ذكر الإله تعالا # وقال أيضا : # بعيشك أجساد أضر بها الكد %~% وطول السرى في الليل والليل ممتد # إذا رجعوا فيه الحنين فرققوا %~% تجدد وجد منهم دونه الوجد # /ينوحون إشفاقا ويشجون رقة %~% تشوق موعود إذا نجز الوعد # قياما على الأقدام طورا وتارة %~% يجرون أقداما محا نضوها الجهد # ركوعا سجودا والأكف شوارع %~% خضوعا كما يخذي لسيده العبد # سراة إلى مأمولهم ما لحاجهم %~% سواه ولا من بعدها لهم بعد # إلى من إلى معروفه ينتهي المنى %~% ومن نحوه الآمال تسمو وتمتد # لقد بذلوا المجهود فيه إذ ايقنوا %~% بأن ليس يوما من ملاقاته بد # وصانوا وجوها لم تخلق صفاحها %~% قبائح أعمال عواقبها نكد # اولائك حزب للجليل حباهم %~% بما تقصر الآمال عنه وتنقد # أذاقهم روح الحياة وبردها %~% وذوقهم كأس الوداد فما صدوا PageV02P281 ~~/رأى جدهم فيه فبلغهم به %~% مراتب فضل ليس يبلغها حد # وعلمهم علما إليه حداهم %~% فطاب الذي يحدى وطاب الذي يحدو # بنفسي هم من معشر أي معشر %~% بهم تسلم الدنيا ويستبشر الخلد PageV02P282 ### || ثم كانت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 227 - أبو بكر محمد [بن محمد] بن وشاح المعروف بابن اللباد # الفقيه-رحمه الله-حضر جنازته خلق عظيم. # قال أبو عبد الله الخراط: كان أبو بكر بن اللباد رجلا صالحا، فقيها جليل ~~القدر، عالما باختلاف أهل المدينة واجتماعهم ، مهيبا مطاعا. # سمع من ابن طالب، ويحيى بن عمر، وعليه معوله. سمع منه خلق عظيم من كثير ~~من البلدان. أفلج في آخر عمره، سنة ثلاثين. وكان من الحفاظ المعدودين ~~والفقهاء المبرزين. # (قال) : قال أبو الحسن على بن إسماعيل المؤدب: كنت يوما عند أبي بكر ~~ابن اللباد بعد أن أفلج/فقال لأبي: يا أبا إسماعيل أقعدني فقال لي أبي: ~~تعال أعني عليه يا بني، فقمنا إليه جميعا فأجلسناه، فنظر إلى رجليه ~~وهما ممدوتان وقد تغيرتا ودخلتهما نفخة، فبكى وجرت دموعه على شيبته ثم ~~قال: اللهم ثبتهما على جواز الصراط يوم تزل ms451 الأقدام فأنت العالم بهما ~~والشاهد عليهما انهما ما مشتا لك في معصية قط. PageV02P283 # وقد كان مجاب الدعاء. قال أبو بكر أيضا، حدثني أبي قال: كنا عنده ~~نقرأ عليه، حتى سمعنا فوق البيت حركة فصاح الشيخ بخادمه مارية ~~وقال لها: انظري من هذا الذي فوق السطح ، فرجعت إليه وقالت: ابن الثوام ~~ يطارد حماما، فقال الشيخ: اللهم أصلحه، فما كان إلا بعد يوم أو يومين ~~[حتى] ضرب علينا الباب، فقال الشيخ للخادم: انظري من هذا؟ ~~فقالت : جعفر بن الثوام، فقال لها: افتحي له ، فدخل فجلس في الحلقة ~~والقارئ يقرأ فقال له: اجلس يا مؤمن آل فرعون، وكان أجداده كلهم ينتحلون ~~ مذهب أهل الكوفة، فكان يواظب معنا سماع العلم ويحضر معنا حلقة السبائي ~~ثم بلغ في العبادة مبلغا عظيما. # وذكر أيضا انه دعا على ثلاثة فأجيبت دعوته فيهم/، فأما أحدهم فدعا ~~عليه بالجنون، فكان يمشي في أزقة القيروان والصبيان يرمونه بالحجارة وقد ~~ذهب عقله، والثاني دعا عليه بالجلاء فمات في بلد السودان، والثالث دعا عليه ~~بالعمى فعمي بعد ذلك. # وكان رحمه الله متقللا من الدنيا: # ذكر أنه كان عنده زيت فأمر ببيعه أبا الحكم الزيات وكان قد اشتراه ~~PageV02P284 شراء رخيصا، اشترى كل مائة وستين قفيزا بدينار، فباعه له ~~بثلاثين دينارا عيونا وأتى بها إليه فبسط رجليه وفتح ذيوله على ساقيه وأقبل ~~وهو يصبها من يد إلى يد وفرح بها ثم دفعها إلينا وقال: زكوها علي، فو الله ~~ما زكيت قبلها قط، قال: فزكيناها. # وكان كثير الصبر: # كانت له امرأة سليطة تؤذيه بلسانها ويقاسي منها أمرا عظيما، فقال له ~~الطلبة: طلقها ونحن نؤدي عنك صداقها. فقال لهم: حفظتها في والدها وذلك ~~أني خطبت إلى جماعة من الناس، فردوني وقالوا: لا نزوج صاحب محبرة ~~وقلم، فخطبت إلى هذا الرجل فلم يردني وزوجني ابنته لله عز وجل /وكان يفعل ~~معي جميلا كثيرا ويرفقني بما يقدر عليه، أفتكون مكافأتي لهذا ~~الرجل طلاقي ابنته؟ # وكان يقول: لكل مؤمن محنة وهذه محنتي. # وذكر أنها قالت له يوما: يا زان ms452 ، فقال: سلوها بمن زنيت؟ ~~فسألوها فقالت: زنى بالخادم، فقال لهم: سلوها لمن الخادم، لي أو لها؟ ~~فسألوها فقالت: له، فسأله الطلبة في طلاقها وتحمل صداقها فأبى وقال: أخشى ~~إن طلقتها أن يبتلى بها مسلم، ولعل الله عز وجل دفع عني بمقاساتي لها ~~بلاء عظيما. PageV02P285 # وشور رجل ابنته بشوار حسن كثير فعجب الناس منه وحضره ابن ~~اللباد فانصرف الناس وهم يهنئون صاحب الشوار، فقال له أبو بكر: لا أخلف ~~ الله عليك بخير [فقد] أكمدت جارك وعضلت ابنته وخالفت سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وذكر الفقيه ابن أبي زيد أبو محمد-رحمه الله تعالى-قال: كنا عنده يوما ~~فقال: تعرفون نافلة تسمى بثلاثة أسماء؟ قلنا: لا ندري، قال: هي الصلاة ~~بين المغرب والعشاء عشرين ركعة في عشر تسليمات/هي قيام الليل، وهي ~~صلاة الغفلة، وهي صلاة الأوابين . # وكان ربما مضى إلى مسجد السبت للفرجة والراحة وكان المسجد في ذلك الزمان ~~بخلاف ما هو عليه في هذا الوقت (كان يحضره في هذا الوقت أهل الفضل والعبادة ~~والنسك والإرادة وكانوا يقولون فيه أشعار أبي معدان وهي أشعار حسنة في ~~الزهد والمواعظ، فكان في ذلك الوقت) الذي كان ممنوعا فيه من دخول ~~الناس إليه يمضي إلى مسجد السبت [ف] لقيه رجل وهو سائر إلى المسجد ~~فقال له-بعد أن سلم عليه-إلي أين تمضي-أصلحك الله-؟ فقال PageV02P286 له: ~~إلى مسجد السبت. فقال له: وكيف-أصلحك الله-تمضي إليه وتخالف [معلمك] ~~يحيى بن عمر، وقد كان ينهى عن حضوره وألف في ذلك كتابا شدد فيه النكير على ~~من يحضره، فقال له أبو بكر: وإذا فعل ذلك [يحيى ابن عمر] فغلامه أنا ~~لا أقدر [أن] أخالفه! ثم قال له: نحن قوم محبوسون نأتي إلى هذا ~~المسجد للراحة والفرجة ونقترح عليهم أشعار أبي معدان ، فإن فيها ~~الزهد، فسكت عنه الرجل. # /وفي رواية: أنه رآه يخوض الطين، متوجها إلى مسجد السبت، وقد شمر ~~ثيابه فقال له-أصلحك الله-في هذا الطين، يعز على يحيى بن عمر لو رآك ~~؟ فقال له أبو بكر: بس وأيش غلام يحيى بن ms453 عمر أنا؟ قال الله ~~عز وجل ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به ~~عمل صالح وحضور هذا المسجد يغيظ بني عبيد-لعنهم الله-. # ولم يزل ممنوعا من الفتوى والسماع واجتماع الطلبة حوله إلى أن توفي، رضي ~~الله تعالى عنه. # وكان أبو محمد بن أبي زيد وأبو محمد بن التبان الفقيهان وغيرهما ~~يأتون إليه في خفية، وكانوا ربما جعلوا الكتب في أوساطهم وحجرهم حتى ~~تبتل PageV02P287 بعرقهم خوفا منهم على أنفسهم من بني عبيد أن ينالوهم ~~بمكروه. رضي الله تعالى عنهم . # ولما توفي-رحمه الله-رثاه أبو محمد بن أبي زيد الفقيه بمرثية حسنة ~~أنشدنيها أبو عبد الله الحسين بن أبي العباس الفقيه وهي : # يا من لمستعذب في ليله حزنا %~% مستوطن من بقايا دائه وطنا # /بدلت بعد لذيذ العيش في كبدي %~% جمرا وحزنا نفى عن مقلتي الوسنا # وبت للنجم أرعاه أخا سهر %~% والورق تندب في تغريدها سكنا # فهيجت سقما من قلب مكتئب %~% وبت أسعدها حينا وتسعدنا # ما للذاذة قد [ماتت] وقد جنيت %~% مرارة العيش واللذات تهجرنا # والقلب يشهد عن قلب الكئيب وعن %~% جمر بأحشائه قد أوقدت شجنا # قل للجفون وللأحشاء إذ نكبا %~% لا تبكيا طللا عاف؟ ولا دمنا # يا عين وابكي لمن في فقده فقدت %~% جوامع العلم والخيرات إذ دفنا # ريب الحوادث لا ترثي إذا طرقت %~% على قبيح ولا تبقي لنا حسنا # والموت لا بد يغشى الخلق كلهم %~% لكن بأهل التقى والعلم يفجعنا # /لو كنت تقبل منا عنهم عوضا %~% لكان منك نفاديهم بأنفسنا PageV02P288 يا ~~موت لم تزل الأيام مخبرة %~% عما صنعت وريب الحادثات بنا # جوامع الخير قد عزت مطالبها %~% وقد نأى كل محبوب إليكم دنا # يا طول شوقي إلى من غاب منظره %~% وذكره في جوى الأحشاء قد سكنا # لهفي على ميت ماتت به سبل ال %~% خيرات، قد كان أحيا الدين والسننا # نفسي تقيك أبا بكر وقد قبلت %~% فدتك من كل مكروه إليك دنا # إنا فقدناك فقد الأرض وابلها %~% فنحن بعدك نلقى الضيم والفتنا # ونحن بعدك أيتام بغير أب ms454 %~% إذ غيب الترب عنا وجهك الحسنا # ألا سقى الله قبرا فيه أعظمه %~% غيثا تروى به الأرض التي سكنا # /لله درك من قبر دفنت به %~% وحبذا ذلك الحسن الذي دفنا # وحبذا أنت من نفس مطهرة %~% وحبذا أنت من روح رقى فدنا # من رحمة الله إذ تمت نقيبته %~% وقام بالحق في الدنيا فما وهنا # حتى استنار به الإيمان في بلد %~% لولاه مات به الإيمان ~~واندفنا # من كان في الله قد صحت بصيرته %~% وقام في موقف قد كان أعجزنا # وجاد بالنفس عن دين الإله ولم %~% يمل كما مال من داجى ومن ركنا # قد كان يعتز بالرحمان إذ قصدوا %~% لذله بهوان السجن إذ سجنا # كم محنة طرقته في الإله فلم %~% يجد لذلك إذ في ربه امتحنا ~~PageV02P289 بل كان حصنا لدين الله ينصره %~% ويحتمي غضبا لله إن فتنا # إن صال في الله لم يرهب عواذله %~% ولا ملامة من في قوله طعنا # الصدق خلته والعلم حليته %~% والدين رتبته والله شاهدنا # /تالله لا قرت العينان بعد أبي %~% بكر بمثل أبي بكر يكون لنا # كيف العزا بعد شيخ المسلمين نعم %~% وهو الإمام الذي قد كان قدوتنا # قد زين الحق تبيانا فأوضحه %~% وبعد جهل بنا قد كان بصرنا # أب لأصغرنا كفل لأكبرنا %~% وفي النوازل ملجانا ومفزعنا # يا من هو العلم المشهور منظره %~% ومن تأدب بالتقوى وأدبنا # أبدى لنا سبلا في العلم شافية %~% ومشربا عذبت منه مشاربنا # يا مفزعا في جميع النائبات ألا %~% من بعد فقدك قد سدت مسالكنا # يا من به كنت في الأحياء ذا جلد %~% لم يبق موتك لي روحا ولا بدنا # ومن يفرج أحزاني إذا طرقت %~% ومن به الله أهدانا وأرشدنا # ومن به تكشف الظلماء إن نزلت %~% ومن بدعوته الرحمن ينفعنا # أبكى لمن نطقت عنه مفاخره %~% والله فيه معالي الخير أشهدنا # /حويت يا قبر أجيال العلوم وقد %~% أطفيت عنا سراجا كان نورنا # يا قبر إن لم تكن ترثي لميتته %~% ألا رثيت لنا إذ عنه تبعدنا ~~PageV02P290 نعم، ويا أيها المقبور في جدث %~% ومن تبدل من أثوابه كفنا # بدلت ms455 من هذه الدنيا وعيشتها %~% بجنة الخلد لا تلقى بها المحنا # على الأرائك في ملك على فرش %~% مع قاصرات بدار الخلد قد أمنا # واجمعه يا رب مع قوم أحبهم %~% حبا لوجهك لم يطلب له ثمنا # وذكر أبو الحسن علي بن عبد الله القطان قال: اقتسم قوم من أهل سوقنا ~~قطنا في حانوتي، فبقي منه مما تطاير شيء لصق بالأرض وأطراف ~~الحصير ، فجئت أبا بكر فسألته عن ذلك، فنهرني ولم يجبني كأنه احتقر أن ~~يكون هذا السؤال لمن كان في مثل سني من الشبيبة، فلما رأيته أبى أن يجيبني ~~ولم يرض نفسي ولا أجابني غلبتني الدموع ، فبكيت بحضرته بكاء غلبة، فلما ~~رأى ذلك أجابني بأن قال: تصدق به بإذن أصحابه، وكانوا جماعة. # قال: ثم قال لي: أحسنت، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم ~~قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض على الله عز وجل بالأعمال، أما رأيت ~~العساكر إذا عرضت كيف يلبس بعضهم الديباج وبعضهم الحرير وغير ذلك، وهؤلاء ~~[الذين] يكنسون الأزبال من الزقاق ويلقطون منه ما وجدوا فيه لا يحضرون ~~العرض إنما عليهم الأخلاق وثم من ليست (عليه) أخلاق ولا يجدها. # قال أبو بكر محمد (بن محمد) بن ادريس عن أبيه قال: كنت جالسا PageV02P291 # مع أبي بكر ابن اللباد على باب داره، فخرج رجل من جيرانه فنظر إلينا ~~وانصرف ولم يسلم على الشيخ، فأقبلت (وأنا) انظر إليه، فلما رآني انظر ~~إليه قال لي: يا أبا عبد الله دعه فإن «أزهد الناس في العالم قرابته ~~وجيرانه» . # وقال مرة أخرى في مثل ذلك: ما قرب الخير قط من قوم إلا زهدوا فيه. # وقال لي يوما: يا أبا عبد الله أدركت بالقيروان رجالا أملياء ~~افتقروا ما دخلوا فتنا ولا أغرمهم سلطان مالا، ولكنهم اتجروا ~~بالحنطة في أيام الشدائد. # وفيها استشهد : ### $ 228 - أبو الفضل عباس بن عيسى بن العباس الممسي # الفقيه رضي الله تعالى عنه، واستشهد معه خمسة وثمانون رجلا كلهم فاضل خير ~~في حرب بني عبيد-لعنهم الله-مع أبي يزيد، فالتقوا بالوادي ~~PageV02P292 المالح فقتل في التحام ms456 القتال، ولم توجد له جثة. # كان فاضلا، عالما، صواما، قواما، وكان معه ورع كثير، وكان أبو إسحاق ~~[السبائي] يحبه محبة عظيمة خارجة عن محبة من سواه. # فمن ورعه: ما ذكره الشيخ أبو الحسن قال: كانت عندنا ههنا على ضفة ~~الوادي نوالات مغصوبة يباع فيها البقل وكنت أشتغل في معاشي ~~فربما جئت PageV02P293 # وقد أمسيت فأحتاج إلى شراء البقل فاشتري من تلك النوالات فوقف في وجهي ~~الشراء منها وتحرجت من ذلك/إن كان يجوز لي، فسألت أبا الفضل ابن ~~الممسي وأبا حفص بن العسال ووصفت لهما حال النوالات فقالا لي-كأن ~~أحدهما يسمع من صاحبه-: تتصدق بقدر ما أقام البقل في النوالة من بعد ~~اشترائك إياه إلى أن قبضته. فقلت لهما: إنما كراء النوالة في الشهر ~~ربع درهم، ويشترى (فيها) البقل باثني عشر درهما وأنا إنما ~~أشتري بحبة فكيف أعمل ؟ فقالا لي: إنها مثاقيل الذر أفلا تجتمع ~~عليك في السنة حبتان . # قال أبو الحسن: فأخذت بهذا المذهب في غيره فيما يباع ويشترى، أتحرى قدر ~~(كراء) ذلك فأتصدق به. # قال أبو الأزهر : حدثنا عبد الوهاب بن حسين بن معتب قال: كنت ~~بسوسة في شهر رمضان، وكان معي رجل أندلسي، فأرسل إلي كعكا معجونا ~~PageV02P294 بالسكر من القيروان، وكان أبو الفضل بسوسة نازلا في الموضع ~~الذي نحن فيه، فبعثت إليه من [ذلك] الكعك مع الأندلسي، فرده على ~~الأندلسي وقال له: يعز علي لست آكل سكر صقلية، قال الأندلسي: فقلت له أصلحك ~~(الله) : لم؟ فقال: لأني أخبرت/أنه يعمل من ضياع اقتطعها السلطان. # قال أبو الفضل الفقيه-رحمه الله تعالى-: ينبغي لمن أراد أن يتصدق ~~بثلث ما له أن ينوي بذلك أداء التباعات التي عليه والتي لا يعلم أهلها ~~ويقدم النية فإنه أولى من إخراجها مطلقا. # قال أبو الحسن بن الخلاف: وقلت أنا: وكذلك من أراد صلاة نافلة ~~ينبغي له-على هذا-أن يصلي صلاة يوم ينوي بذلك الصلوات [الخمس] فتكون ~~هذه قضاء عن صلاة فائتة أو صلاة صلاها بتخفيف لا تجزئ أو يكون قد ~~نسيها. # [قال] (أبو عبد الله الأجدابي: حدثنا ms457 محمد بن سعيد المؤدب قال) ~~: # أنشدني أبو عبد الله الحسن بن محمد التميمي اللغوي الداروني في ~~الشيخ أبي الفضل عباس (ابن عيسى الممسي) : # ما أشرف العلم ويا حبذا %~% مجلسنا عند أبي الفضل PageV02P295 يفيض في ~~علم وفي حكمة %~% يصدر منها القول عن فصل # وفي لغات العرب قد زانها %~% شواهد تعرب عن أصل # وصاحب المجلس بادي الحجى %~% قد خص بالعلم وبالعقل # والدين والفضل معا والتقى %~% والخلق الواسع والبذل # قال أبو عبد الله فقلت للداروني/: أجز # أبو الفضل كهف للعلوم بأسرها %~% ومعدنها عند احتكاك المحافل # فأجاب الداروني # وقرة عين الطالبين إذا غدوا %~% إليه ليعروا من ثياب المجاهل # فقال المؤدب: # على وجهه نور يكاد ضياؤه %~% يجلي الدجى والليل ملقي الكلاكل # فقال الداروني: # لقد نال في الدنيا من انت إمامه %~% مواهب علم جاوزت كل نائل # وإني وإن أطنبت فيك مقصر %~% وما أنا وحدي بل كذا كل قائل # قال: وختم الله تعالى الكريم [له] بالشهادة بعد هذه الفضائل في ~~PageV02P296 جهاد بني عبيد-لعنهم الله-. # حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الله القطان قال: سمعت أبا الفضل ~~يقول وقد جاءه بنو أبي سلاس في أيام أبي يزيد فخرج إليهم من داره ~~حافيا فسمعته/يقول لهم في كلام جرى بينهم: قد برح الخفاء قتال ~~هؤلاء القوم أفضل من قتال المشركين. # قال أبو عبد الله الفقيه الأجدابي: قلت لأبي الحسن: أنت سمعت أبا الفضل ~~يقول هذا؟ فقال: نعم؛ وأوصاني أبو الحسن-حينئذ-بطي هذا. # واستنهضه الناس في الخروج مع أبي يزيد، فقال لهم: امهلوني الليلة. # قال: فلما أصبح أتوا إليه فقال لهم: اعزموا على عون الله تعالى فقد قرأت ~~القرآن من أوله إلى آخره فما وجدت فيه ما يوجب القعود. # ورأى -رضي الله تعالى عنه-أن الخروج مع أبي يزيد الخارجي وقطع دولة ~~بني عبيد فرض لازم لأن الخوارج من أهل القبلة لا يزول عنهم اسم ~~الإسلام ويورثون ويرثون وبنو عبيد ليسوا كذلك لأنهم مجوس زال ~~عنهم اسم PageV02P297 الإسلام فلا يتوارث معهم ولا ينسب ~~إليهم. # واختلف كيف كان سبب موت أبي الفضل-رحمه الله تعالى-فقيل: ms458 # إنه سقط من على دابته في وقت الهزيمة (فانكسر وركه) ثم مات بعد ذلك ~~من دوس/الدواب في وقت الهزيمة. # وقيل : [بل] وقعت فيه جراح في وقت القتال، فأثخنته ، فسقط ~~إلى الأرض. # (حدثنا) الشيخ الفقيه أبو بكر بن عبد الرحمن عن بعض شيوخه قال: # حكى (لي) رجل من قرابة أبي الفضل، وكان ممن شهد المعركة، قال: # لما انهزم الناس وقتل منهم من قتل، أقبلت وأنا أمشي بين القتلى فإذا بأبي ~~الفضل الممسي-رحمه الله-صريعا مقتولا، قال: فلما رأيته غلبتني العبرة ~~وأقبلت وأنا أبكي، وكان بنو عبيد-لعنهم الله-تطلبوا جثته ليتشفوا ~~ منه، فبينا أنا كذلك إذا بجندي راكب على فرس، فلما رآني أبكي قال: من ~~هذا الذي تبكي عليه؟ فقلت: رجل من قرابتي، قال: فمضى عني وكفاني الله عز ~~وجل شره. فلما غاب عني أخذت أبا الفضل-رحمه الله تعالى-فرميته PageV02P298 في جرف وردمته عليه خوفا أن يظهروا عليه فيتشفوا منه ~~. # وذكر انه لما سقط وقع ظهره إلى ناحية المهدية فمر به رجل فقال له: # تفضل ورد وجهي إلى ناحية هذه المدينة لئلا ألقى الله عز وجل وأنا مول ~~ ظهري إليهم. # وقال /الحزامي البناء: اعترض الناس في أيام أبي يزيد في الخروج ~~معه إلى المهدية فاعترضت مع أبي الفضل ثم بدا لي في الخروج وخفت ~~فقعدت فبلغنا بعد ذلك أن أبا الفضل وربيع القطان استشهدا فقلت: ماذا؟ ~~عوفيت منه؟ كدت أقتل ويبقى أولادي يتامى. فرأيت في المنام كأن نجبا ~~ عليها عماريات وعليها حلل تأخذ بالأبصار، فأقبلت (وأنا) ~~انظر إليها وأتعجب منها فإذا بأبي الفضل-رحمه الله تعالى-وهو في عمارية ~~[منها] على نجيب وعليها حلل تخطف بالأبصار وهي تطير في ~~الهواء، فناداني وقال لي: يا PageV02P299 فلان لو كنت معنا لنلت ما ~~نلنا ولكنك تقول: ماذا؟ سلمت منه؟ كدت أقتل ويبقى أولادي يتامى . # قال محمد بن أبي الفضل الممسي: كان أبي-رحمه الله تعالى-لا يدخل ~~مرحاضه أحد غيره، وكانت فيه آنيته وجميع ما يحتاج إليه، وكان مدورا ~~ومفتاحه معه، فيوم قتل في الوادي المالح-رحمه الله-سقطت آنيته التي يتوضأ ~~فيها فكسرت ms459 وكان لها وجبة /فقالت لي الوالدة: يا بني أعطانا ~~الله تعالى خير هذا، كسرت آنية والدك، فكان ذلك في الساعة التي استشهد ~~فيها. # ولأبي محمد بن أبي زيد الفقيه مرثية مطولة يرثي بها أبا الفضل الممسي ~~يقول في بعضها : # يا ناصرا للدين قمت مسارعا %~% وبذلت نفسك مخلصا ومريدا # وذببت عن دين الإله مجاهدا %~% وابتعت بيعا رابحا محمودا # عهدي به بين الأسنة لم يكن %~% لله عند لقا العدو كمودا # حتى تخيره الجليل لداره %~% وأناله حورا بها وخلودا PageV02P300 فعليك ~~أبكي يا ابن عيسى ما بكت %~% قمرية أو غردت تغريدا # يا لوعة طرقت فؤادي إذ أتى %~% ناع بفقدك إذ فقدت شهيدا # كانت حياتك طاعة وعبادة %~% فسعدت في المحيا ومت سعيدا # لله من شهدت له أحواله %~% وعلت مناقبه فعاش حميدا # وبنى المفاخر وامتطى درجاتها %~% حتى ارتقى ما كان منه بعيدا # يا قرة للناظرين وعصمة %~% للمسلمين وعدة وعديدا # /يا فاتق الرتق الخفي بعلمه %~% ومبينا للمشكلات مفيدا # جمعت كل فضيلة ونقيبة %~% وحويت علما طارفا وتليدا # ذلت صعاب العلم إذ باشرته %~% هذبت من معسوره معقودا # وبرعت بين أصوله وفروعه %~% فقهرت ما (قد) كان منه عنيدا # لما وهت أركانه وتضعضعت %~% باشرت ذروته فعاد جديدا # فأبنته ونبشته [و] فتقته %~% للصادرين ومن أتاك مفيدا # يا أيها المحسود في أخلاقه %~% وفعاله لا لمت فيك حسودا # يا طاهر الأخلاق يا كهل الصبى %~% والمستفاد برأيه التسديدا # أفديك من ورع عليم عالم %~% لك في الورى ما إن رأيت عديدا # يبكي إذا غسق الدجى بمدامع %~% قد خددت في خده أخدودا PageV02P301 ~~طول التهجد والصيام شعاره %~% وعن الطريق فما تراه محيدا # أسفي عليك أقول وا أسفي وهل %~% يسلوك قلب لا يكون حديدا # آها عليك وليس ذاك بنافعي %~% وأرى البقا مني ومنك بعيدا # /إن فاتني نظر إليك فلم يغب %~% ذكر يحل من السلو ~~عقودا # ومدامعي تسقي وتطفئ بالحشا %~% نارا إذا طفيت تزيد وقودا # فعليك لا أسلوا السلام وقد أرى %~% ذكراك ان خلق الحديد جديدا # وإليك أهدي بالسلام تحية %~% أهدت منافعنا إليك سعودا # صبرا كما أمر الجليل فعنده %~% عوض ms460 المصاب بصبره موجودا # وعد الصبور بصبره أجرا كما %~% وعد الشكور تطولا ومزيدا # وقال أبو القاسم الفزاري يرثي أبا الفضل [عباس بن عيسى] ~~: PageV02P302 # عليك أبا الفضل استباق دموعي %~% وشغلي بأنواع الأسى وولوعي # وناران: نار في المآقي من البكا %~% ونار من الأشجان بين ضلوعي # على طاهر الأخلاق عف مبرئ %~% من السوء محمود بكل صنيع # أديب أريب ماجد متكرم %~% حليم وقور الجانبين بديع # /على سنة الإسلام عاش كأنما %~% يقابله منها انفلاق صديع # منوع من الفحشاء والإثم نفسه %~% وليس لباغي فضله بمنوع # بنفسي صريع جالت الخيل حوله %~% بمعترك الأبطال أي صريع # قضى نحبه بين الأسنة والظبى %~% شهيدا مع العباد غير جزوع # وظل إلى دار العلى متطلعا %~% يناجي إليها نفسه بطلوع # وضمخ في مثل الخلوق بطعنة %~% كست صدره المحمود ثوب نجيع # ومد يمينا كان معتمدا بها %~% لطول سجود أو لطول ركوع # وقلب طرفا طال ما بات ساهرا %~% بمحرابه يذري وكيف دموع # وما مات حتى بشر الحور باسمه %~% وعاينه في صحة وهجوع # وأشرفن من أعلى الجنان تشوقا %~% ونادين فارتاح ارتياح سميع # /ولو قيل: بع بعض الذي نلت بالذي %~% تركت لكان البعض غير مبيع # ولست له أبكي ولكن لمعشر %~% أصيبوا به من مفرد وجميع ~~PageV02P303 وللفقه والإسلام والدين والتقى %~% وطول احتمال ~~واصطناع صنيع # مضى عالم العلم الرفيع وطالما %~% أصابت قناة الموت كل ~~رفيع # ولولا التأسي بالنبي محمد %~% وأعظم به من أسوة لمروع # وأصحابه الأخيار والسلف الألى %~% [قضوا نحبهم] من مارع ~~ومروع # وعلمي بإكرام الشهادة نالها %~% سريعا إليها وهو غير سريع # بجيش لو ان المصطفى كان شاهدا %~% لجاهد فيه الشرك غير مضيع # لقل عزائي إثره وتصبري %~% وطال بكائي بعده وخشوعي # سقى جدثا أضحى به الفضل ساكنا %~% من المزن خفاق البروق هموع # ونالته منا رحمة وتحية %~% على قرب دار أو محل شسوع # ألا ليت شعري هل أرى نور وجهه %~% بيوم عصيب للأنام جموع؟ # شفيعك فيه يا أبا الفضل من له %~% غضبت رسول الله خير شفيع # أعد لك (الله) الكرامة والرضي %~% بأعلى محل في الجنان وسيع # وجازاك عن دين النبي وهديه ms461 %~% جزاء مريد للإلاه مطيع PageV02P304 # سأبكيك حتى يقرح الدمع مقلتي %~% وما ذاك ان طاولته بشنيع # وأخلد ذكرا منك في كل بلدة %~% بشعر عجيب للرواة بديع # وفيها توفي: ### $ 229 - أبو عبد الله محمد بن أبي سهل الصوفي # رحمه الله تعالى. كان من أهل الفضل والدين. تنسك بعد فترة . # قال: رث علي النوال فنزلت إلى حفرة بالقرب من النوال أحفر [فيها] ~~ترابا أصلحها به إذ أصابت المسحاة عظم ساق ميت فكسرته اثنتين ، ~~فداخلني هم شديد. فتركت العمل وانصرفت حزينا، وكانت ليلة شاتية، فأدخلت تحت ~~عباءتي كانونا وبقيت مفكرا إذ غفوت فإذا بامرأة كأنها أجمل من رأيت من ~~النساء [وأحسنهن] فقالت لي: يا هذا ما كفاك أن سكنت بين أظهرنا وآذيتنا ~~بالنجاسات والتكشف حتى كسرت ساقي، لي معك موقف بين يدي الله عز وجل. (قال) ~~: فاستيقظت وأنا مذعور، فهدمت النوال ومحوت أثره، وأنا خائف من قولها ~~حتى ألقى الله عز وجل. PageV02P305 # وفيها توفي: ### $ 230 - أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم بن تمام رحمه الله تعالى. لثمان بقين من ذي القعدة ودفن بباب سلم. وصلى عليه أحمد بن أبي الوليد صاحب الصلاة (والخطبة) بعد أن قال لابنه أبي العباس : تقدم صل على أبيك، فقال: لا أفعل /هو أوصى أن تصلي عليه، فتحول إلى مروان وإلى أبي إسحاق السبائي فقال لهما: تقدما فصليا، فقالا له: أنت أحق، فصلى عليه جمع عظيم. وقيل: صلى عليه ولده. # وكان ابن أبي الوليد، صاحب الصلاة والخطبة (في أيام أبي يزيد) مبغضا ~~في بني عبيد كثير التنبيه على أحوالهم. # سمع أبو العرب من خلق كثير . وكانت أوصافه أوسع من أن يحملها ~~PageV02P306 كتاب. وكان جده أبو الجهم (ولي إفريقية) . # وسبب طلب أبي العرب العلم وملازمته له وتركه ما كان فيه آباؤه، قال: ~~أتيت يوما وأنا حدث إلى دار يحيى بن محمد بن السلام فرأيت ~~عنده الطلبة ورأيت أمرا أعجبني وركنت إليه نفسي فعاودت الموضع، وكنت آتي ~~إليه والطرطور على رأسي، ونعل أحمر في رجلي، في زي أبناء السلاطين، ~~وكان الطلبة ينقبضون ms462 عني من أجل ذلك الزي، فقال لي PageV02P307 ~~رجل يوما بجواري: لا تتزي بهذا الزي فليس هو زي طلبة العلم وأهله، ~~ورفق بي فرجعت إلى أمي، فقلت [لها] نلبس/الرداء وثيابا تشاكل ~~لباس أهل العلم والتجار، فأبت علي من ذلك [و] قالت: إنما تكون ~~مثل آبائك وأعمامك، قال أبو العرب: فاحتلت حتى اشتريت ثيابا وجعلتها ~~عند صباغ في باب أبي الربيع، فكنت إذا أتيت من القصر القديم أتيت بذلك ~~الزي الذي تحبه أمي ووالدي، فإذا وصلت إلى باب أبي الربيع ودخلت حانوت ~~الصباغ خلعتها ولبست الأخر المرفوعة عنده، ومضيت إلى دار [يحيى ~~بن] محمد ابن السلام، فإذا انصرفت من عنده ووصلت (إلى) حانوت الصباغ ~~رفعتها ولبست الثياب التي جئت بها، ثم قال لي رجل من أصحابي: أراك ~~تلازم هذا المجلس وتسمع فيه العلم ولا تكتب شيئا مما تسمع بيدك يكون عندك، ~~ما هذا حقيقة طلب العلم؟ فقلت له: والدي رغبا عن هذا وعن المعونة عليه ~~وما مكناني من شيء أشتري به الرق. فقال لي: أنا أعطيك جلدا تكتبه ~~لنفسك وتكتب لي جلدا عوضا منه، فرضيت له بذلك، فكنت أكتب لنفسي ما ~~شئت/وأكتب له في جلوده ما يحب حتى يسر الله عز وجل لي ما اشتريت به ~~PageV02P308 الرق وما قويت به على طلب العلم. # وكتب-رضي الله عنه-بيده كتبا كثيرة، أكثر من ثلاثة آلاف كتاب. # وكان ضابطا كثير التقييد لكتبه، عالما بما فيها. # وكان-رحمه الله تعالى-أحد من عقد الخروج على بني عبيد في أيام أبي يزيد. ~~قال أبو عبد الله الحسين بن سعيد الخراط : لما بلغني أن ~~الفقهاء اجتمعوا في الجامع في تدبير الخروج مع أبي يزيد إلى المهدية ~~بكرت إلى الجامع فأصبت أبا العرب بن تميم، وأبا الفضل الممسي وأبا ~~سليمان ربيع (بن سليمان) القطان، وأبا عبد الملك مروان، وأبا إسحاق ~~السبائي وغيرهم، فتكلموا في الخروج وتناظروا حتى قال أبو العرب: اسكتوا ~~اسكتوا %~% فسكت الناس فقال: حدثني عيسى بن مسكين عن محمد بن عبد الله بن ~~سنجر يرفعه إلى النبي صلى الله عليه ms463 وسلم أنه قال: «يكون في آخر ~~الزمان قوم يسمون الرافضة فإن أدركتموهم فاقتلوهم فإنهم كفار ~~».فلما تم الحديث كبر الناس وارتفعت PageV02P309 أصواتهم ثم خرجوا ~~واعترضوا عند الجامع وفي السماط وعلى/كثير منهم المصبغات وابن ~~القصطلية المغبر يقرأ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه الآية: # قال: ثم تمادى الشيوخ بأجمعهم إلى باب أبي الربيع فضربوا أخبيتهم عند ~~اليهودية ثم خرجوا %~% ولما حاصروا المهدية سمع الناس على أبي العرب ~~-رضي الله عنه-في الموضع كتابي الإمامة لمحمد بن سحنون-رضي الله عنهم- ~~فقال أبو العرب عند ذلك: كتبت بيدي هذه ثلاثة آلاف كتاب وخمسمائة كتاب ~~فو الله الذي لا إله إلا هو لقراءة هذين الكتابين علي في هذا الموضع أفضل ~~عندي من جميع ما كتبت. # وكان-رحمه الله تعالى-يصنع الشعر ويجيده، فمن [ذلك] قوله : # إذا انقطع الصديق لغير عذر %~% فزاد الله خلته انقطاعا ~~PageV02P310 إلى يوم التناد بلا رجوع %~% فإن رام الرجوع فلا ~~استطاعا # إذا ولى أخوك قفاه عنك %~% فول قفاك عنه وزده باعا # وناد وراءه يا رب تمم %~% ولا تجعل لفرقته اجتماعا # وله أشعار كثيرة يندب فيها نفسه، يقول في بعضها : # أإن سجعت أيكية بتغرد %~% بكيت بدمع واكف متردد # وهاجت بي الأحزان حين تجاوبت %~% حمائم ورق [فاستلبن] تجلدي # حمام بكى من غير دمع جرى [له] %~% فهاج البكا من حائل الدمع ~~مسعدي # فما تنسني الأيام لم أنس حبتي %~% ومجلسنا والشمل لم يتبدد # ولما رأيت الشيب عمم مفرقي %~% ففكرت فعل الخائف المتزهد # وأقصرت عن ذكر الصبى وهجرته %~% وصرت فريدا لا أبالك أوحد # وقال أيضا : PageV02P311 # ضعفت حيلتي وقل اصطباري %~% وإلى الله أشتكي كل ما بي # وهن العظم بعد أن كان صلبا %~% وفقدت الشباب أي شباب # ولقد كنت والشباب لباسي %~% أسحب الذيل عابثا في الثياب # وتراني أميس كالغصن حسنا %~% وقذالي كمثل ريش الغراب # وترى الغانيات نحوي صورا %~% يتراءين مرجعي وذهابي # ولقد كن يشتهين حديثي %~% فادعهن خشية للعقاب PageV02P312 ### || ثم كانت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 231 - أبو عبد الله ms464 محمد بن الفتح المؤدب المرجي ودفن بباب سلم. كانت له أوصاف جليلة حسنة، معروف بالرجلة . صلى وراءه عيسى بن مسكين ورضيه إماما. وكان أحد من عقد الخروج في الجامع على بني عبيد لكنه لم يخرج لزمانته وضعفه. # كان يخرج إلى مقبرة باب سلم فيستتر خلف حائط فيقرأ هنالك على ~~أصحابه للخوف من بني عبيد والوجل منهم، لأنهم-لعنهم الله-منعوا من بث العلم ~~وسجنوا أهل العلم في ديارهم . # وجرت عليه قصة [رحمه الله تعالى] من ابن عبدون وذلك منه عداوة ~~PageV02P313 لأهل الدين، لما كان عليه من البدعة ومخالفة السنة، وذلك أن ~~ابن عبدون بلغه أن أبا عبد الله تكلم في أبي حنيفة رضي الله عنه، فأراد ~~التوسل إلى إهانته، فارتصده حتى عجن خمرة طين ليرفعها على سقوفه. ~~وتركها كما يترك الناس حتى تطيب فيرفعها فجاز [به] ابن ~~عبدون فقال لحاجبه: كلمه يزيل هذا (الطين) من طريق المسلمين ~~ومضى، ففعل الحاجب . وظن أبو عبد الله خيرا فلم يرفعها في ذلك اليوم ~~فلما كان من الغداة بكر ابن عبدون إلى الجامع فقال لحاجبه: أعرفته ~~ بما قلت لك؟ فقال: نعم. فقال: أخرجوه فأخرج-رحمة الله عليه-فبطح على ~~خمرة الطين وضربه تسعا وسبعين درة، نفعه الله عز وجل بها، وانتقم ممن ~~ضربه وأخذ له منه بحقه. # /وكان-رحمة الله عليه-من أهل التحقيق في التصديق بكرامات الأولياء. وكان ~~يقول: من أنكر الكرامات فليس من أهل المدينة ولا كرامة، لأنها زيادة في ~~الإيمان وجمال للمذهب، والقول بها رد على المعتزلة وبغض فيهم، وما أدركت ~~أحدا أقتدي به في (ديني) بالمشرق ولا بالمغرب إلا وهو يقول ~~بالكرامات ويتزين بذكرها في كل الأوقات. # قال ربيع القطان: حدثنا أبو عبد الله المرجي قال: مضيت أنا وأبو بكر ~~PageV02P314 ابن اللباد وأبو محمد بن أبي عيسى إلى شيخ كبير بالسدرة ~~ يقال له: أبو زيد العبسي فدخلنا إليه وجلسنا عنده فقال له ~~أبو بكر بن اللباد: جئناك في شيء بلغنا عنك في سبب المر الحديد. فقال ~~له: نعم . بينا أنا ذات يوم جالس في بيتي وبين ms465 يدي المصحف أتلو فيه- ~~وأنا إذ ذاك بصير-فلما أن فتحت سورة طه قرأت حتى إذا بلغت منها [إلى] ~~قوله عز وجل : # الرحمن على العرش استوى إذا أنا بمر من حديد كان في كوة البيت ~~طار من أرض الكوة التي كان بها حتى (ضرب) سقف الكوة ثم سقط إلى أسفل، ~~فأخذته ورفعته في الكوة، ثم قرأت أيضا حتى بلغت (إلى) قوله عز وجل: ~~الرحمن على العرش استوى طار ثانية حتى ضرب سقف الكوة ثم سقط، فرفعته أيضا ~~ثم عدت كذلك فعاد كذلك، ثلاثا أو أربعا ، ثم انصرفت عن قراءتها ~~فسكن المر. # قال ربيع: فقال لي المرجي عند ما حكاها لي: يا أبا سليمان إن أولياء ~~الله PageV02P315 # عز وجل يعطون هذا وما هو أكثر منه، وقوم هم في أسفل السافلين يظنون ~~أنهم شيء وليسوا بشيء يكذبون بكرامات الأولياء لا أذاقهم الله تعالى منها ~~شيئا أبدا. # وفيها توفي: ### $ 232 - أبو إسحاق إبراهيم بن محمد القصري المتعبد رحمه الله تعالى. # أوصافه جميلة حسنة. ذكر ابن التبان الفقيه عنه أنه قال: رأيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم في المنام ستين مرة . # وروي عنه أنه قال: رأيت رب العزة [سبحانه] في المنام، فقال لي: ~~يا إبراهيم تقرب تقرب، فتقربت حتى صرت بين يديه كالفرخ، فقال لي: ~~يا إبراهيم إني أريد أن أعتبك. # وكان كثير النياحة والبكاء إذا جن الليل. وكان مستجاب الدعاء. # قال أبو الربيع سليمان بن محمد : كنت أدخل إلى ابراهيم القصري وأقعد ~~ إلى جنبه، فأسلم عليه وأقول له: يا سيدي يا أبا إسحاق أجيء إليك ~~لتحدثني PageV02P316 فلا تحدثني. فيقول: يا حبيبي يا أبا الربيع من ~~ينوي يسكت ويشتغل عن ذكر الله-عز وجل -وهو يقول : فاذكروني أذكركم ~~. # وكنت أدخل إليه ويده مبسوطة وهو يقول: # اللهم أنزل بقلبي منك فرحة لا تنقضي، ومحبة لا تنجلي، واكشف الغطاء ~~عن قلبي حتى يرى من عظمتك وسلطانك ما تعتقني به من رق الدنيا، اللهم عظم ~~قدرتك في قلبي حتى إذا هممت بذنب أو أردته كانت هيبتك وعظمتك والحياء منك ~~يمنعني ms466 من ذلك. # قال: وكنت أدخل إليه وهو يعلم الصبيان [بالقصر] ويصيح: اقرؤوا يا ~~صبيان، وهو ينعس، فقلت له: ما هذا يا سيدي يا أبا إسحاق؟ (فقال لي) : ~~طرقي إلى الله عز وجل عامرة وقد رفعت إليه خبري، وأنا أنتظر الفرج [من ~~الله عز وجل] . # قال: ثم أتيت إليه بعد ذلك بأيام، فأصبته في المسجد، فقال لي: # قضيت الحاجة يا أبا الربيع، لست أعلم صبيا بعدها. # وكان [يقول: # إليك أسندت ظهري الضعيف، وبك تتم آمالي، وإليك] ترفع أعمالي، وقد ~~رفعت خبري إليك، /وقد قصرت آمالي كلها إلا فيك، وماذا عاديت فيك، ~~PageV02P317 وماذا أبغضت فيك، وماذا أحببت فيك، (وماذا واليت فيك) . ~~اللهم احشرني مع أحبائك وأوليائك، ولا تحشرني مع أعدائك يا أرحم الراحمين، ~~وكان يقول: # بحق المناجاة التي ناجيت بها موسى-عليه السلام-والكلام الذي كلمته [به] ~~، وبحق الاسم الذي ناديت به موسى : لن تراني ولكن انظر إلى الجبل ~~فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما بدت أنوار الحجب من شعاع العظمة ~~تدكدكت الجبال الشمخ الراسيات لجلال هيبتك وعزك وسلطانك، وشخصت الوحوش ~~بأبصارها، والطير في أوكارها، والجن في أقطارها، والنحل في أجحارها ، ~~وسجد من في السماوات ومن في الأرض: وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت ~~إليك وأنا أول المؤمنين بحق هذه المناجاة اغفر لنا وارحمنا وارحم ~~فقرنا (وضعفنا) وحاجتنا إليك، وأمن خوفنا، واحشرنا تحت لواء ~~نبينا [محمد] صلى الله عليه وسلم. # قال /أبو الحسن الزعفراني : بينا أنا ليلة مع أصحاب لي ~~ ومعنا أبو PageV02P318 إسحاق إبراهيم القصري، وكان معنا قارئ ~~فقرأ، ثم اندفع (بعد القراءة) يقول: # من كان يرجو بأن يلقى سلامته %~% يوم الحساب ولا يفزعه مورده # فليحفظ الله في أسرار خلوته %~% ولا يغيب عن الإجلال مشهده # فقام أبو إسحاق، فجثا على ركبتيه بين يدي [ذلك القارئ، وقال للقوال : ~~أعد، فو الله ما زال ذلك القوال يردد وأبو إسحاق جاث على ركبتيه بين يدي] ~~ القارئ يبكي وينتحب وينوح حتى هجم الصبح. # قال أبو الحسن: فما شبهت ليلتنا هذه إلا بحكاية حكاها لي ابن سلم ms467 ~~-وكان ابن سلم هذا رجلا يحسن القول، وكان ساكنا بسوسة-قال: # كان عندنا بسوسة رجال صالحون من أهل الرقة، فاجتمعوا ذات ليلة وحضرت ~~معهم، فأنشأت أقول: # طوبى لمن سبقت له دار الرضى %~% وجرى له قدر بها مقدور # فغدا غداة الحشر من ظلم الثرى %~% وكتابه بيمينه منشور # فأخذوا في النياحة والبكاء وأنا أردد البيتين حتى هجم الصبح. PageV02P319 # وفيها توفي: ### $ 233 - أبو يحيى حشيش بن يحيى بن محمد بن حشيش # في (شهر) صفر. كانت أوصافه جميلة وله صدقة ومعروف. وكان كثير ~~المال. له آبار مسبلة لوجه الله عز وجل بسلقطة (على) ساحل ~~البحر، ومساجد كثيرة بالقيروان. وكان بزازا. له سماعات كثيرة من جماعة. # ذكر أن شيبة بن زنون مر بمنزل حشيش الأكبر ليلة فسمعه وهو يقول: ~~والله يا ملعون لأخرجنها على رغم أنفك، وغلامي فلان حر، (وغلامي فلان حر) ~~، وغلامي فلان حر [لوجه الله] فأعتق أربعة مماليك. وأصبحت بكرة ~~فقلت له: أكرمك الله يا أبا يحيى اني مررت بمنزلك ثم قص عليه [القصة ~~PageV02P320 و] وما سمع منه، فقال له: هذا وقت زكاتي، فأخرجت ما يجب ~~لله عز وجل (علي) ، فكره ذلك إلي إبليس ووسوس لي من كل وجه فأعانني ~~الله عز وجل [عليه] حتى كان ما سمعت. # وكان الذي أخرج [في] تلك السنة ألفي دينار زكاة ثمانين ألفا. ~~وكان ذلك كله من كسبه وفائدته، /ولم يرث من مال أبيه شيئا لقربه من ~~السلطان، [لأن] أباه ، رضيع الأمير إبراهيم بن الأغلب ، ولي ~~بعض معادن إفريقية. # حدثنا أبو يحيى حشاش بن يحيى الأموي [قال] كان عندنا ببلد ~~قبودة ديماس ، فإذا هبت الريح (كان لها) فيه دوي وصوت، فهبت ~~ريح عاصف، ذات يوم، فانهدم من الكوة التي تدخل منها الريح (فتح كبير) ~~ إلى بيت كالازج - (يعني الحنية) - فأصيب فيه شيء مكتوب في ~~PageV02P321 لوح من حجارة بالمسند ، فبعد دهر طويل أصابوا من عبره ~~ لهم، فكان فيه : # إن الملوك بلاء حيث ما حلوا %~% فلا يكن لك في أكنافهم ظل # ماذا تؤمل من قوم إذا سخطوا %~% جاروا عليك وإن ms468 أرضيتهم ملوا # فاستغن بالله عن إتيانهم أبدا %~% إن الوقوف على أبوابهم ذل # [ومن صلحاء القيروان: ### $ 234 - أبو مالك سعد بن مالك الدباغ] # قال عبد الرحمن بن محمد : سمعت أبا مالك سعد بن مالك يقول: PageV02P322 # إن الله عز وجل أنعم على العباد على قدره، وطلب منهم الشكر على أقدارهم. # قال وسمعته يقول: # من ظن أنه ببذل المجهود يصل فمتمني، (كلا) ولكن يكون الجهد ~~مبذولا والله عز وجل مرجوا . # قال: وسمعته يقول : # إنما يتزوج المرء خوفا من الوسواس. ولقد كان رجال يتزوجون من غير حاجة ~~خوفا من العدو. وإنما تطلب الدنيا خوفا على الدين. قال: وإنما تركت الأخذ ~~من الناس خوفا من شغل القلب ولا بد لمن قبل من المكافأة وترك ذلك أسلم. # وفيها استشهد: ### $ 235 - ربيع، أبو سليمان، بن سليمان بن عطاء الله القرشي النوفلي مقتولا بالوادي المالح يوم الاثنين من صفر وهو ابن ست وأربعين سنة. PageV02P323 # ذكر [شيء من] أوصافه ومناقبه-رحمه الله تعالى-. # [قال] : كان حافظا لكتاب الله عز وجل، قارئا له بالروايات ~~عالما بتفسيره ومعانيه وغريبه، حافظا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عالما بمعانيه وعلله وغريبه وأسماء رجاله وكناهم وقويهم من ضعيفهم. # سمع ممن صحب سحنون ومن غيرهم. وسمع بمصر ومكة. # قال ربيع: كنت في حلقة الدينوري يوم الجمعة حتى همت الشمس بالغروب ~~ فقام لينصرف فقلت في نفسي: ليته لو قعد حتى يصلي المغرب في جماعة ~~ثم ينصرف وهو يعلم ما جاء في فضل الجماعة ، فوقف وقفة ثم قال: PageV02P324 # نعم يا بني أنا أخبرك لأي شيء انصرفت ولم أصل المغرب، لأن ~~هؤلاء الباعة ينصبون هذه السرج في طريق المسلمين [في] موضع لا يجوز ~~لهم أن ينصبوها فيه. فأنا أكره أن أستضيء بسراج نصبه إنسان في موضع لا يجوز ~~له نصبه فيه. # وكان لربيع أربعة إخوة كلهم صالحون فضلاء. وكان سليمان ~~والد ربيع يجلس في الليل مع أولاده فإذا خطر في نفسه شيء يسأل عنه من ~~العلم يقوم (من) مكانه ويجثو على ركبتيه بين يديه فيقوم إليه ربيع ms469 [و] ~~ يقول: يا والدي لم فعلت هذا؟ فيقول له: إنما أردت أن أعطي العلم حقه ~~فيسأله عما يحب، فيجيبه ثم يرجع إلى مكانه. رضي الله عنه. # وكان أبو محمد (بن) التبان-رضي الله عنه-يحب ربيع القطان محبة ~~عظيمة ويعظمه ويكرمه ويحسن الثناء عليه. # وكان ربيع القطان في أول عمره شديد/الطلب للعلم، كثير الحرص، فلما تفقه ~~أقبل على العبادة وترك دراسة العلم، وأكثر الناس فيه الأقاويل. # قال ابن التبان: وبلغني أن ربيع القطان رأى رزمة المدونة فقال-وأشار ~~إليها-: لقد طال ما شغلتني عن الله-عز وجل - (وذكره) . قال أبو محمد ~~ابن التبان: وأعوذ بالله أن يقول هذا ربيع. PageV02P325 # قال أحمد بن ثابت صهر العسال : دخلت يوما على ربيع القطان أزوره، ~~فأصابني بول فقمت إلى مرحاضه فأصبته قد عشش عليه العنكبوت من قلة دخوله ~~فيه. # وكان قد نحل جسمه (ورق عظمه) حتى صار كالعود اليابس من صيام ~~النهار وقيام الليل. # قال أحمد: وسمعت أخي ربيعا يقول: إني لأستغفر الله عز وجل من ليال كنت ~~أدرس فيها لأخطئ أبا الفضل الممسي. # وكان [قد] جعل على نفسه ألا يشبع من طعام ولا نوم حتى ~~يقطع الله عز وجل دولة بني عبيد. فختم الله تعالى له بالشهادة في قتالهم. # قال أبو محمد عبد الله بن يوسف الجبي المتعبد بالمنستير: كنت ~~يوما جالسا عند ربيع القطان/والمجلس محتفل، فوقع بقلبي شيء فأقلقني، فتربصت ~~لينصرف الناس فلم أقدر، وقمت قائما وقلت: أصلحك الله عز وجل، مسألة، فنظر ~~إلي وقال لي: اجلس فجلست ساعة، فاحترق قلبي فقمت فأعدت الكلام، فنترني ~~وقال: اجلس، فغضبت وقلت له: ويحك، يحل لك تكتم العلم؟ ثم خرجت، فأقمت أياما ~~ثم قلت لنفسي: حيث قطعت حظك من ربيع [فلن] يبالي هو بك، مضيت إليه أم ~~تأخرت عنه، إنما وقع الضرر بك لما يفوتك منه من الخير. PageV02P326 # قال: فمضيت إليه، فوجدت الباب مردودا بلا حديدة، وكانت علامة جلوسه، ~~فدخلت إليه ولم أستأذن، فوجدته جالسا على رجليه، وقد أخذته حالة وهو يبكي ~~ويقول في بكائه : # أنت دائي ودوائي %~% أنت ms470 عزي ومناي # أنت فخري، أنت ذخري %~% أنت كنزي وغناي # قال: فبقيت انظر إليه وقد هاج في حاله ، قال: فسلمت عليه، ~~فانتبه من حاله وقال: مرحبا [بك] . ثم قام (إلي) ، فأخذ بأطواقي ~~فجمعها علي ثم جلس بي في وسط البيت وقال لي: صارت لك نفس تغضب وتنزق ~~ فقلت له: -أصلحك الله-أي شيء أعمل، وقع بقلبي شيء فاحترقت، فقمت ~~إليك أرجو الفرج وأنت تجلسني؟ فقال لي: قد رأيتك (وحسست بك) فما ~~مسألتك؟ فأخبرته بها. فقال لي: فتلومني على نزقي عليك ، فهذه ~~مسألة ينبغي أن [لا] تذكر قدام الناس. [الجواب فيها كذا كذا] . PageV02P327 # قال أبو عبد الله الأجدابي الفقيه: المسألة التي أنشأها أبو ~~محمد الجبي هي أنه سأله عن الوسوسة. # قال: قلت له: إن العدو قد آذاني. (قال) : فقال لي: إن العدو إنما هو ~~سارق. والسارق لا يدخل بيتا خاليا لا شيء فيه. إنما يدخل بيتا عامرا، ولكن ~~إذا قال لك هكذا-وأشار بيده إليه كأنه يتناول شيئا-فقل له أنت هكذا، ~~ورفع رأسه إلى السماء ومد يديه داعيا إلى الله سبحانه، فالجأ إلى الله ~~-عز وجل -في كشف ما طرأ عليك منه فإنه يذهب. # [قال] عبد الله بن يوسف الجبي: حضرنا يوما جنازة مع ربيع- رحمه ~~الله تعالى-قال: فرأينا في الفحص زرعا حسنا قد أسبل . قال: فنظر ربيع ~~إلى سنبلة قد علت فوق السنبل كله، فعمد إليها فقبلها/ (قال) فصنعنا ~~كما صنع اتباعا له، قال: ثم سألته : لم فعل ذلك-فقال : عجبت من ~~الموهبة التي خصت بها دون سائر السنبل والأرض واحدة والماء واحد. # قال أحمد أخو ربيع: كان أخي مذ قدم من الحج سلم إلي الحانوت ~~فتوليته وقمت به مع العمالين ، فرمى السلطان على القطانين قطنا [كان ~~عنده PageV02P328 وحسبه عليهم بدينارين القنطار] وكان يسوى دينارا ~~ونصفا (فطرح علي منه ثلاثة قناطير، فهممت أن أعمله وأهيئ ثمنه ~~وأغزله وأزيد دينارا ونصفا) من عندي، فشاورته، فقال لي: لا تعمله ~~فتركت عمله، فهزني الأعوان، فقلت له: نعمله؟ فقال لي: لا تعمله، ~~فتركته، ثم هزني العون، فضقت وصايحته في ms471 الكلام فقلت له: لم تزل تنهاني عن ~~عمله وأنا أطيعك (حتى ضرني الأمر) فقال لي: يا بغيض، ثلاث مرات، إنه ~~يزول عنك ويرجع إلى الذي أعطاه لك، فبينا أنا جالس حتى أتى إلي رجل من ~~البوابين خلاسي فقال لي [إن] الوالي أرسلني في طلبك، فقلت له: ~~فيما ذا؟ فقال لي: ما أعرف. # فمضيت معه وأنا حائر، فلما رآني قال لي: أين القطن الذي طرحته عليك؟ جئني ~~به الساعة، فجئته به فقال لي: انصرف، فقلت له: [إن] اسمي عندك في ~~الكتبة، فقال للكاتب: امح اسمه، ففعل وأتيت من عند الوالي إلى أخي فأخبرته، ~~فقال لي: هي أشياء أعلمني بها من ليس يكذب، قال: # فسألته وألححت عليه، فقال لي: إن كنت تحلف ألا تخبر بها أحدا ما دمت حيا ~~أخبرتك؟ فحلفت [له] بالله-عز وجل -لا أخبرت بها أحدا وأنت حي فقال: ~~أما واحدة فهي هذه، وأما الثانية فالمركب الذي يركب [فيه] أخي ~~إلى مصر يصل [سالما] ، وأخبرني بالثالثة [قال] : ليس يمكنني أن ~~أخبر PageV02P329 بها لأنها [من] خبر السلطان. # وقال شيخ ثقة: ركبنا من مدينة السلطان فجرينا أياما نريد إلى مصر ~~ومعنا أخ لربيع اسمه سعيد-فانفتح لنا اللوح فرجعنا إلى قبودية ~~ وفرغنا بعض الشحنة أو الشحنة كلها. ثم أصلحنا المركب، وضعفت قلوبنا، ~~وأردنا أن ندع المركب وكراءه ونركب في غيره لما رأيناه يرقع، فبتنا مغمومين ~~ونحن ننازع أنفسنا على الخروج منه، حتى جاء كتاب ربيع-رضي الله عنه وأرضاه- ~~إلى سعيد أخيه: إنه بلغني أن قلوبكم ضعفت لما نالكم من انفتاح المركب وأراد ~~بعضكم الخروج منه/فلا تخرجوا منه ولا تضعف قلوبكم فإن المركب يصل سالما بكل ~~ما معه من الشحنة ولولا [شيء] لأخبرتكم من أين قلت. ففرحنا وتقوت ~~قلوبنا، وقال صاحب المركب: يصل-والله-مركبي سالما لأن ربيعا لم يتكلم بهذا ~~إلا من موضع لم يتداخله فيه شك لصحته. # فلما وصل المركب تكلم الناس وقالوا: رؤيا رآها فصدقت رؤياه، وجال هذا على ~~ألسنة الناس في ذلك الزمان وكثر الكلام فيما بينهم، فسألوني أن أسأله عن ~~هذا، فقلت ms472 له: يا أخي إن الناس قالوا عنك إنك تكلمت في هذه الثلاثة أشياء ~~ عن رؤيا رأيتها في النوم فصدقت رؤياك، فنظر إلي شزرا كالمستحمق ~~وقال لي: وهذا موضع رؤيا أو منام؟ والله ما قلته عن رؤيا ولا ~~PageV02P330 منام ولا رأيته وأخبرت به إلا في اليقظة، غير أني رأيت أن ~~أخاطب الناس من حيث هم. وكرر علي اليمين ألا أخبر بهذا ما دام حيا. # وكان -رحمة الله عليه-يتكلم على الأحوال: # لقد ذكر أبو علي حسن بن فتحون الخراز قال: كنت كثيرا ما ~~أغشى مجلس أبي سليمان ربيع القطان أريد سؤاله عن أشياء تختلج في صدري ~~، فأجله فما أقوم من مجلسه حتى يتكلم عن شيء أردت سؤاله عنه، فأنصرف ~~بعلم ما أردت بلا مسألة دارت بيني وبينه. # ولقد كنت عنده (يوما) حتى (ذكر) [من] بعض كرامات ~~الأولياء [ما] هالني ذكره وتردد في قلبي خطره، فنطق وقال : # [قالوا] أتعجبين من أمر الله ، فأزال الله ما كان بقلبي ~~ وقلت: نعم، الملك واسع والقدرة أعظم. PageV02P331 # قال عبد الله بن سعد اللجام : واعدت أبا سليمان على كتاب ~~يقابله معي، فقال لي: نأتي إليك الليلة نقابله معك، فانتظرته إلى أن اختلط ~~الظلام، فرددت أبواب الدرب مخافة العسس، ووقفت خلف الباب أنتظره طويلا وأنا ~~قلق من أمره، وخائف عليه لأن الرجل قد انقطعت وغلق الناس ~~أبوابهم وعلمت أنه لا بد أن يوفي بوعده، فبينا أنا كذلك إذ سمعت حسه (وهو) ~~ يتحدث مع إنسان، فظننت أنهم العسس، ثم وقفا وقفة عند باب الدرب ~~يتحادثان بشيء لا يتأدى إلى (سمعي) حتى فرغ حديثهما ثم ضرب باب ~~الدرب، ففتحت له، فدخل الدرب، وخرجت (أنا) انظر الذي كان معه، فلم- ~~والله-أر أحدا، فقلت له: سألتك بالله -تعالى-يا أبا سليمان وبحق ما ~~بيننا من الأخوة: من هذا الذي كان يحدثك؟ فقال لي: لا تحلفني، فأعدت عليه ~~السؤال بالله (ثانية) ، فقال: من الذي وقع بقلبك؟ فقلت له: الخضر. ~~فقال لي: نعم. هو والله كان معي وتحدث معي في شيء. # وحدث أبو بكر أحمد بن محمد ms473 بن يحيى القرشي المتعبد، قال: قلت للشيخ ~~أبي الحسن علي بن محمد الفقيه-رضي الله تعالى عنه-: هل بلغك أن أحدا اجتمع ~~مع الخضر- (عليه السلام) - ؟ فقال لي: نعم. كان يذكر أنه كان يجتمع مع ~~ربيع القطان في غرفته-رضي الله عنه-. PageV02P332 # ومن براهينه وفضائله أيضا، ما ذكره أخوه أبو جعفر أحمد بن سليمان القطان ~~ بخطه. [قال] : أخبرني أخي ربيع قال: رأيت في المنام كأني أمشي ~~في الهواء كالمشي على الأرض وإذا بقباب وفازات مضروبة وحشم وجمع كثير ~~مثل اجتماع العساكر ، فوقع في قلبي أن الله-عز وجل -في ذلك المكان ~~فبينا أنا أتأمل من ذلك الجمع وأتهيبه جاءني آت فقال لي: # انك تدعى/للدخول، فمضى بي حتى وقف عند الحجب ، فأحضرت ذهني وقطعت ~~نفسي وعدلت أموري وعلمت أني أدخل على ملك عظيم، ثم رفع الحجاب وقال لي ~~: قد أذن لك بأن تدخل، فدخلت فرأيت الله عز وجل جالسا على سرير كهيئة ~~جلوس الملك، فلما دنوت منه قال لي: ربيع ابن سليمان؟ قلت: نعم يا رب. فقال ~~لي: سل يا ربيع سل، فقلت: نعم يا رب أسألك من خزائن علمك علما ينفعني. ثم ~~قال لي: انظر إلى الأرض، فانبطحت على صدري في الهواء بمنزلة ما يعوم المرء ~~في الماء . فنظرت إلى الأرض فرأيت الناس وهم في هيئة الذر يمشون ~~. فقال لي: كيف تراهم؟ فقلت: نعم يا رب منهم من عليه ضياء ونور، ومنهم ~~من لا نور عليه، فقال لي: أتدري من أولائك الذين عليهم الضياء والنور؟ ~~فقلت: لا يا رب. فقال: # أولائك أراذينا في الدار، فميزت منهم يسيرا وعلمهم ~~منهم: حجاج PageV02P333 ابن أبي يعقوب الدقاق . # وأما كلامه بالحكمة ومواعظه فكثير، منه هذه الخطبة: # الحمد لله [الواحد] الرحمن، الفرد الديان، الصمد الموجود [بكل ~~مكان] ، الحي المعبود الذي كشف/الأغطية عن قلوب أهل خالصته فأبصرت، ~~وفتح بأنوار الإيمان دياجيها فأشرقت، ونزع عنها قناع الجهل فأسرعت، ودعمها ~~برفيع العلم فتأيدت، وجالت بنوافذ لمحاتها في الملكوت فأيقنت، فغدت ~~لدى تكوين الرياضات مشربها، وجل بفضل العزيز في المعارف خطبها، حتى أحلهم- ~~تعالى-برياض ms474 ونهر مبرته، وكساهم حلل أهل معرفته، وتوجهم بتيجان أهل مودته، ~~ومكن رتبهم بأوطان الصديقين، وسقاهم صفوا من شراب المقربين، وأوزعهم الشيم ~~ الزكية، والأخلاق الرضية ؛ عند تلوين الأقدار، وتصرف ~~الاختيار، فجعلهم في الدار أوتادا، وله عبيدا أوحادا، لا يفزعهم دونه صوت ~~ملك (جبار) ، ولا صولة ذي سلطان قهار، إذ هو-تعالى جل وعز-حصنهم الذي ~~لا يضام، وكهفهم الذي لا يرام: أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ~~ ثم أحلهم-تعالى-بما به آمنوا من دار الأمان، وأشهدهم مصداق وعده هناك ~~بالعيان، منا منه عليهم وتطولا منه لديهم، وإحسانا منه إليهم، سبحانه لا ~~إله إلا هو الرحمن الودود. PageV02P334 # وله في هذا المعنى كثير. وكان يصنع الشعر ويجيده على معاني أهل ~~النسك والمترققين، فمن (ذلك) قوله في نعت الناسكين: # طورا يصول وطورا يألف الكمدا %~% صب مشوق يعاني القرب والبعدا # ويحي لما حل بالمشتاق من كمد %~% يبكي الرسوم فيا ويحي له كمدا # يا حسنه وسواد الليل منسدل %~% فرد يلوذ بمولاه وقد سهدا # يتلو الكتاب بترجيع الخطاب متى %~% مر الشفاء على هذا الهوى ركدا # لو إذ تراه إذا ما الوجد خامره %~% أو قد تراه إذا ما حن أو سجدا # خلت الشموس دياجي عند زهرته %~% أو خلت كل الضيا من نوره صعدا # يجني الثمار لدى الروضات عرفهم %~% يبري السقام ويدعو ماجدا صمدا # /حتى إذا حل في صفو الصفاء بدا %~% باد من الحق يدنيه إذا شردا # للعلم أوقفه وقفا بلا جزع %~% ذاق الأمان وللإجلال قد رغدا # فالأنس ينطقه والقدر يخجله %~% والبر يبهته والفهم قد حمدا # لما صفا في الوفا غابت حساسية %~% وغاب عنه الذي لولاه ما شهدا # فالقرب معدنه والغيب مشهده %~% والصحو منهجه للحق منفردا # صب تراه إذا ما حل ذو لدد %~% يبدي البيان بيانا شافيا مددا # نطاق بالحق تياه بلا صلف %~% ثبات نور يرى في لحظة رشدا ~~PageV02P335 يكفيك وصفهم يا لائمي ديما %~% لا صبر لا صبر عن حبي لهم ~~أبدا # كيف السلو وكيف الصبر دونهم %~% أضحوا كهوفا وأوتادا لنا عمدا # مني عليهم سلام الله متصلا %~% ما ناح ms475 طير السما أو حن أو غردا # وأنشد أبو عبد الله الفقيه الأجدابي لربيع بن سليمان، رحمة الله عليه: # تبدى لقلبي منك ما قد أناره %~% فتاه عن الأشكال بالمشرب ~~العذب # وأسقيته كأسا من العلم شافيا %~% فيا لك من حال يطيب لذي اللب # فأضحى رهينا بالوداد لديكم %~% سقيما كئيبا للبعاد عن القرب # يناجيكم طورا وينقص تارة %~% ويأنس أحيانا كذا العبد بالرب # فلولاكم ما كان «سلم» بقربكم %~% ولولاكم لانهار في ورطة ~~الذنب # فجودوا عليه بالوصال تعطفا %~% فأنتم له الآمال واللطف والرعب # /فمنكم بدا الإحسان والفضل والغنا %~% وأنتم مننتم بالخلاص من الذنب # فإن دام وصل فالعيون قريرة %~% وإن كانت الأخرى فآه على عطب # وأنا لهداي وأنتم أحبتي %~% ومن صانه المولى يزاح عن الكرب # وكان-رحمه الله-قد تحقق عنده أنه لا بد له من الشهادة، فكان ذلك يجري على ~~لسانه، وإنما ذلك لرؤيا رآها. PageV02P336 # قال أحمد بن سليمان-رضي الله عنه-: دخلت على أخي ربيع -رحمه الله- ~~مرة فأصبته جالسا في البيت نصف النهار، وهو ساكت متفكر ، فقلت له: ما ~~لي أراك (يا) أخي متفكرا ؟ فقال لي: تفكرت في أمري وفيما يراد ~~بي، فقلت له: في ماذا؟ فقال لي: يراد (بي) وبرأسي هذا أمر عظيم! فقلت ~~له: وكيف ذلك؟ فقال لي: رأيت رؤيا لها مقدار عظيم. فقلت له: وما هي ~~يا أخي-وأقسمت عليه-؟ قال : رأيت الحق جل ذكره في المنام فأمرني أن ~~أدنو منه، فدنوت منه، فشرف موضعا من رأسي وعظمه-وهو ما بين صدغي وأذني من ~~الجانب الأيسر-وأشار بيده إلى ذلك المكان. # فكانت الوالدة رحمها الله تعالى سألته إذا حلق الحجام ذلك المكان ~~أن تأخذ ما اجتمع فيه من الشعر، فاجتمع لنا من ذلك شيء كثير، فلما ~~ماتت أوصت أن يدفن معها لتتبرك به/فضرب في ذلك الموضع بالسيف حين ~~جهاده لبني عبيد، فحصلت له الشهادة بتلك الضربة-رضي الله عنه وأرضاه-. # قال حسن [بن] فتحون الخراز: قال لي ربيع : يا حسن PageV02P337 # ليدارن بهذا الرأس-وأشار إلى رأسه-فشاء الله تعالى أن دير ~~برأسه بطرابلس. # وعوتب -رحمه الله تعالى-في خروجه مع أبي ms476 يزيد إلى حرب بني عبيد، ~~فقال: وكيف لا أخرج وقد سمعت الكفر بأذني، فمن ذلك أني حضرت يوما إشهادا، ~~وكان فيه جمع كثير، أهل سنة ومشارقة ، وكان بالقرب مني أبو قضاعة ~~الداعي ، فأتى رجل مشرقي من أعظم المشارقة، فقام إليه رجل من المشارقة ~~وقال له: إلى هاهنا يا سيدي ارتفع إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم- ~~يعني أبا قضاعة، ويشير بيده إليه-فما أنكر أحد منهم شيئا من هذا، ~~فكيف يسعني أن أترك القيام عليهم؟ # وروي بخطه-رحمه الله تعالى-قال: لما كان في رجب سنة إحدى وثلاثين ~~قام الصبي المكوكب يقذف الصحابة ويطعن على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وعلقت عظام رءوس أكباش وحمير وغيرها على أبواب الحوانيت والدروب عليها ~~قراطيس معلقة/مكتوب فيها (أسماء) يعنون رءوس الصحابة- رضي الله ~~تعالى عنهم-فلما رأى ذلك ربيع لم يسعه التأخر عن الخروج عليهم [لما] PageV02P338 # أن وجد رجلا من أهل القبلة قام عليهم، وكذلك كان جميع الشيوخ يتأولون ~~. # قال الشيخ (الفقيه أبو بكر بن عبد الرحمن الخولاني: حدثنا) أبو ~~الحسن الفقيه-رحمه الله تعالى-قال: خرج الشيخ أبو إسحاق السبائي-رحمه الله ~~تعالى-مع شيوخ إفريقية إلى حرب بني عدو الله مع أبي يزيد ، فكان ~~أبو إسحاق يقول-ويشير بيده إلى عسكر أبي يزيد- : هؤلاء من أهل القبلة ~~، وهؤلاء ليسوا من أهل القبلة-يريد عسكر بني عدو الله-فعلينا أن نخرج ~~مع هذا الذي من أهل القبلة لقتال من [هو] على غير القبلة- وهم بنو ~~عدو الله- فإن ظفرنا (بهم) لم ندخل تحت طاعة أبي يزيد، لأنه ~~خارجي، والله عز وجل يسلط عليه إماما عادلا فيخرجه من بين أظهرنا ~~ويقطع أمره عنا. # والذين خرجوا معه من الفقهاء والعباد : أبو العرب بن تميم، وأبو عبد ~~الملك مروان بن نصرون، وأبو إسحاق السبائي، وأبو الفضل الممسي، وأبو ~~سليمان ربيع القطان/مع جماعة من العراقيين. PageV02P339 # وقيل لأبي الحسن بن الخلاف: ما الذي عاق أبا ميسرة عما فعل أصحابه؟ ~~قال: ذهاب بصره، ولكنه قد أخرج محمدا ابنه وقال: أدخلني الله تعالى في ~~شفاعة أسود رمى على هؤلاء القوم حجرا-وشهق الشيخ أبو ms477 الحسن بالبكاء- ~~فقيل لأبي الحسن: إن أبا سعيد بن أخي هشام لم يخرج؟ فقال: قد شهر أبو ~~سعيد السيف وحمله على عاتقه مصلتا، وهذا غاية في أنه يقول [بقول] ~~الشيوخ في الخروج عليهم، فقال له بعض من حضر : # كان أبو سعيد يذكر أن الجبن منعه من حضور الحرب. # ويذكر أن أبا الفضل الممسي تكلم في أمر الجهاد للمشارقة مع ~~الشيوخ، وكان من بعض خطابه أن قال لهم: إن كنتم تعزمون عزيمة رجل واحد ~~وتجتهدون في هذا الأمر فإني لا أضن بنفسي عنكم. فقال له أبو إسحاق ~~السبائي: جازاك الله يا أبا الفضل عن الإسلام (وأهله) خيرا، أي والله ~~نشمر ونجد في قتال اللعين المبدل للدين ، فلعل الله أن يكفر عنا ~~بجهادنا تفريطنا وتقصيرنا عما يجب علينا من جهادهم، فكلمهم أبو الفضل ~~PageV02P340 واحدا واحدا/فقال ربيع القطان أنا أول من يشرع في هذا ~~الأمر ويخرج فيه، ويندب الناس إليه ويحضهم عليه. # وتسارع جميع الفقهاء والعباد، فلما كان الغد خرج أبو العرب وخرج ~~جميع الفقهاء ووجوه التجار إلى المصلى بالسلاح الشاكي والعدة العجيبة التي ~~لم ير مثلها، وضاق بهم الفضاء. # وتواعد الناس أن ينظروا في الزاد وآلة السفر إلى يوم السبت، وذلك يوم ~~الاثنين، وركب بعض الشيوخ من الموضع إلى الجامع بالسلاح، وشقوا سماط ~~القيروان، وزادوا في استنهاض الناس. # فلما كان يوم الجمعة اجتمعوا في الجامع، وركبوا بالسلاح الكامل، وعملوا ~~البنود والطبول، وأتوا بالبنود فركزوها قبالة باب المسجد الجامع ، وهو ~~المعروف بالحدادين ، وكانت سبعة بنود: # -بند أصفر لربيع بن سليمان القطان-رضي الله عنه-مكتوب عليه: # البسملة ومعها «لا إله إلا الله محمد رسول الله». # -وفي الثاني، وهو لربيع أصفر أيضا: نصر من الله وفتح قريب على يد ~~أبي يزيد، اللهم انصره على من سب نبيك . # -وفي الثالث، وهو أصفر، لأبي العرب: بعد البسملة/ فقاتلوا أئمة الكفر ~~إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون . PageV02P341 # -وفي الرابع، وهو بند أحمر، لعباس [الممسي] : لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله. # -وفي الخامس، وهو بند أخضر، لمروان المتزهد ، بعد البسملة ms478 : # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ~~. # -وفي السادس، وهو بند أبيض، [للسبائي] ، بعد البسملة: لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله ، «أبو بكر الصديق»، «عمر الفاروق». # -وكان ثم [بند] سابع، وهو لإبراهيم بن العمشاء ، وكان أكبر ~~البنود، لونه أبيض، [فيه] : لا إله إلا الله محمد رسول الله، إلا ~~تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ ~~يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا . # فلما اجتمع الناس وحضرت صلاة الجمعة طلع (الإمام) على ~~المنبر، وهو أحمد بن محمد بن أبي الوليد -وكان الممسي هو الذي أشار ~~به-وخطب خطبة أبلغ فيها، حرض الناس على الجهاد وأعلمهم بما (لهم) فيه ~~من PageV02P342 الثواب، وتلا هذه الآية: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير ~~أولي الضرر الآية. وقال: # يا أيها الناس جاهدوا من كفر (بالله) وزعم أنه رب من دون الله ~~تعالى وغير أحكام الله عز وجل /وسب نبيه وأصحاب نبيه وأزواج نبيه . # فبكى الناس بكاء شديدا. وقال في خطبته . # اللهم إن هذا القرمطي الكافر الصنعاني المعروف بابن عبيد الله ~~ المدعي الربوبية من دون الله، جاحدا لنعمك ، كافرا ~~بربوبيتك ، طاعنا على أنبيائك ورسلك، مكذبا لمحمد-صلى الله عليه وسلم- ~~نبيك وخيرتك من خلقك، سابا لأصحاب نبيك وأزواج نبيك، أمهات المؤمنين، سافكا ~~لدماء أمته، منتهكا لمحارم أهل ملته، افتراء عليك، واغترارا بحلمك. # اللهم فالعنه لعنا وبيلا، واخزه خزيا طويلا، واغضب عليه بكرة وأصيلا، ~~واصله جهنم وساءت مصيرا ، بعد أن تجعله في دنياه عبرة للسائلين، ~~وأحاديث في الغابرين . واهلك اللهم شيعته ، وشتت كلمته، ~~وفرق PageV02P343 جماعته، وأكسر شوكته، واشف صدور قوم مؤمنين منه. # ونزل. فصلى الجمعة ركعتين وسلم. وقال: ألا إن الخروج غدا يوم السبت إن ~~شاء الله تعالى. # وركب ربيع القطان فرسه وعليه آلة الحرب وفي عنقه المصحف وحوله جمع من ~~الناس من أهل القيروان متأهبون معدون لجهاد أعداء الله، ~~/عليهم آلة الحرب، فنظر إليهم ربيع القطان، فسر بهم وقال: الحمد لله الذي ~~أحياني حتى أدركت عصابة من ms479 المؤمنين اجتمعوا لجهاد أعدائك، وإعزاز دينك، يا ~~رب بأي عمل [و] بأي سبب وصلت إلى هذا؟ ثم أخذ في البكاء حتى ~~جرت دموعه على لحيته، ثم قال لهم: والله لو رآكم محمد (رسول الله) ~~-صلى الله عليه وسلم-لسر بكم. [و] قال في موطن [آخر] بعد ~~أن أنصت الناس: يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا ~~فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ، ثم قال : ألا تقاتلون ~~قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله ~~أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين. قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم ~~عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين. ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء ~~والله عليم حكيم ثم أشار بيده وقال: اذكروا الله يذكركم، فكبر الناس، ~~ومشى حتى بلغ الجامع، وأبو سعيد بن أخي هشام الفقيه تحت ركابه وفي يده سيف ~~مصلت. PageV02P344 # فاستشهد ربيع القطان-رحمه الله تعالى-في قتال أعداء الله يوم الاثنين في ~~صفر من سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة/وكان بينه وبين أبي الفضل الممسي ستة ~~أشهر. وقيل إنهما استشهدا في يوم واحد ، وذلك من قائله وهم. # وكان غرض المجوس بني عبيد -لعنهم الله-وشهوتهم أخذ ~~ربيع حيا ليتشفوا [منه] . قال الشيخ الفقيه أبو الحسن بن ~~القابسي-رحمه الله-: فلما تلاقوا في القتال أقبل ربيع وهو يطعن فيهم ~~ويضرب وهم يتوقفون عن طعنه طمعا أن يأخذوه حيا، فلما أثخنهم بالضرب ~~والطعن حمل عليه جماعة منهم فقتلوه، وما ولى دبرا.-رحمة الله عليه ~~ورضوانه-. # واستشهد معه فضلاء وأيمة وعباد وصالحون. ذكر أبو القاسم اللبيدي ~~-رضي الله عنه-قال: قال [لنا] الشيخ أبو الحسن علي بن محمد ~~الفقيه -رضي الله عنه-أخبرنا شيوخنا الذين أدركناهم: أن الذين ماتوا في دار ~~البحر بالمهدية من حين دخل عبيد الله إلى الآن أربعة آلاف رجل، ~~في العذاب، ما بين عالم وعابد و (رجل) صالح. ولذلك يقول سهل الوراق ~~ -رضي الله عنه-: PageV02P345 # وأحل دار البحر في أغلاله %~% من كان ذا تقوى وذا صلوات # وقال بعض الشعراء في هجو بني عبيد ms480 الله -لعنهم الله تعالى-: # الماكر الغادر الغاوي لشيعته %~% شر الزناديق من صحب وتباع # الناكثين عهود الله كلهم %~% قوم إلى سفه في الناس أوضاع # العابدين (إذا) عجل يخاطبهم %~% بسحر هاروت من كفر وتبداع # لو قيل للروم أنتم مثلهم لبكوا %~% أو اليهود لسدوا صمخ أسماع # ولو عزينا إلى إبليس ما مكروا %~% لقال إبليس: ما هذا من اطباعي # [ولقد] رئي لربيع، بعد وفاته، رؤى كثيرة مما يدل على شهادته ~~وصدق نيته. ### $ 236 - [محمود أخو ربيع القطان] # قال : وكان له أخ اسمه محمود -رحمة الله عليه-كان ذا أوصاف جليلة ~~(3) وظهرت له إجابات وكرامات. PageV02P346 # قال مكي بن يوسف الأبزاري: رابطنا ومشينا الدور ومحمود معنا، ونحن ~~على الساحل، فأصابني عطش، فشكوت ذلك وقلت: لا أستطيع أن أصبر، فقال لي: ~~تعال، فدخل البحر فوقف فيه ثم غرف بيديه جميعا فشرب من ماء البحر. ثم غرف ~~ثانية وقال لي: اشرب. فشربت من يديه حتى ارتويت وزال عطشي، فغرفت أنا بيدي ~~لأشرب فوجدت ماء البحر [ما ألفته] ، فألقيته من فمي. وعلمت فضله. ثم ~~مشينا. # وكان رضي الله عنه حبب إليه، في صباه، حضور الجنائز [والصلاة عليها] ~~والصلاة في الخلوة والمشي بين المقابر والمواضع الخالية من الناس. # وكانت والدته عملت له قميصا (فلبسها) . ثم إنها رأته يلبس قميصا مرقعة ~~بعد ذلك، فسألته عن القميص (التي عملت له) ، فقال لها: ذهبت ، ~~فاستقصت الوالدة على خبرها . فأخبرت أنه باعها واشترى بثمنها قمحا ~~وتصدق به على الفقراء في «دار حجاج الزقاق» ، وتولى إعطاءه ~~لمساكين حجاج، فلما صح عندها الخبر قامت إليه فضربته ضربا شديدا، ~~وأغاظها ذلك من فعله وقالت له: عملتها لك بيدي لتفرح بها فنزعتها عن بدنك ~~وبقيت PageV02P347 في خلقان ، أخبرني ما كان سبب بيعها وأنت تأكل مع ~~إخوتك كما يأكلون، ولم تحتج إلى نفقة، ولا عسر بك أمر؟ فقال لها: نعم، هو ~~كما قلت، ولكن تفكرت أن علي أيمانا بالله تعالى وجبت علي فيها ~~الكفارة، فلم أرد أن آخذ (من) شيء لم يؤذن لي فيه. وقميصي هي ملك لي ~~ولا يقبل ms481 الله سبحانه إلا (ما كان) طيبا، فما رأيت شيئا طيبا ليس ~~لإخوتي فيه ملك ولا شركة [غيرها] فبعتها، وكفرت الأيمان التي وجبت علي ~~قبل أن أموت. ولقد شق علي غضبك، وشغل سرك، فاجعليني في حل، فو الله ما أردت ~~بفعلي [هذا] إلا مرضاة الله تعالى، فتغلغلت الدموع في عيني والدته، ثم ~~سألته أن يجعلها في حل من ضربها [له] ، ففعل. # وكانت قبل ذلك تؤذيه بلسانها وتصيح عليه وتؤنبه، فلما رأت صدق نيته في ~~طلب ما يقرب إلى الله تعالى أمسكت عنه وعطفت عليه، ولاطفته في أموره وسارعت ~~إلى ما يسره من الخير. # وكان له -رحمه الله تعالى-دعاء وكلام من الحكمة، فمن دعائه أنه كان ~~يقول: # اللهم آنسني بك في الخلوة ، واحفظ علي أسباب العزلة، وسلمني في ~~المجالسة والمخالطة. # وكان يقول : PageV02P348 # الدنيا أمل ووجل، والآخرة جزاء وعمل، والمتوسط بينهما أجل، واذكر أجلا ~~يطلبك، وخدة تحث بك، وقوة منك تنتقص، ونفسا منك تختلس مع كل نفس . # وكان يقول: # ألا أخبركم بالحازم العازم، الذي قال: هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت أني ~~ملاق حسابيه . # وقال-رحمة الله عليه-عند عارض من بعض الأصحاب عرض بشيء . # لا تطمئن فإن الناس قد حالوا %~% واقبض لسانك عما قلت أو قالوا # واحذر زمانك إذ أخرت عن زمن %~% بادي النصيحة إما ملت أو ~~مالوا # وابك الدماء على ما فات من زمن %~% فيه الوفاء وفيه الدين والحال # لله أنت لقد غودرت في زمن %~% أعلى الفضائح آداب وأفضال # واقنع بحلسك إن تقبل نصيحتنا %~% أو تصمتن فما يعنيك تسآل PageV02P349 ### || ثم كانت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 237 - سعيد بن الأصفر المعلم # كان ذا أوصاف جميلة، وكان إذا جنه الليل يقول: # اللهم اجعلنا من قوم رفعهم الوفاء بعهدك، فخضعت لك نفوسهم، واستحيت منك ~~قلوبهم، وأطرقت جوارحهم بالفقر والفاقة، والرضى والتسليم فصرخوا إليك بلسان ~~الفقر، وأعولوا بالبكاء خوف الانقطاع، يبكون بأنفسهم على أنفسهم. # قال أبو عبد الله بن التمار: كنت أحضر عنده في المسجد، فأنا عنده يوما ~~حتى أقبل أبو محمد الجبي ، وأبو بكر بن ms482 سعد، ويونس السقاء ، قال ~~يونس: ومررنا في طريقنا بفول أبيض سخن قد أخرج من القدر، فتاقت نفسي إليه ~~أنا وأبو بكر ابن سعد وأعجبنا. قال أبو عبد الله: فلما سلموا على سعيد ~~المعلم وجلسوا أخرج خروبة من تحته وقال لي: اذهب فاشتر (بها) ~~فولا سخنا. قال: فجئته به. فقال اجعله بين يدي أبي بكر، فقال له/أبو بكر: # لست آكله حتى تعرفني ما سبب هذا؟ فقال له سعيد: لما رأيتك مقبلا تاقت PageV02P350 # نفسي إلى فول، فعلمت أن ذلك من أجلك. رحمة الله تعالى عليه. # وفيها توفي ### $ 238 - أبو محمد الأوساني، المتعبد بالمنستير # ، رضي الله عنه. # كان مشهورا بالعبادة. كان إذا صلى بكى. وإذا تحدث بكى، حتى عمشت عيناه. # كان صاحب أقوات معلومة: يخير نفسه عند إفطاره في نصف المد (2*) فإن ~~اختارت دقيقا أو سويقا أو زبيبا أو تمرا أو تينا، لم يطعم غيره إلى مثلها ~~من الليلة القابلة. # وكان هجيره: # «ما أبعد الطريق على من لم تكن دليله، وأوحشها على من لم تكن أنيسه، إلا ~~هي وأي دهر لم يعصك فيه أهله، فكنت أنت العواد عليهم بالمغفرة». # وكان كثيرا ما يقول: # يا أيها الظالم في فعله %~% والظلم مردود على من ظلم # إلى متى أنت وحتى متى %~% تشكو المصيبات وتنسى النعم # وفيها توفي: ### $ 239 - أبو عبد الله محمد بن حنيف الجندي المتعبد # ، رحمه الله تعالى. # كان صالحا، فاضلا، مشهورا بالعبادة. # ومما أسند [عنه] ما ذكره أبو بكر الزويلي عنه أنه قال: يروى عن ~~رسول PageV02P351 # الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أعلمكم/بالله أعرفكم بنفسه، من قيد سره ~~بعلانيته، وراقب الله تعالى عند همومه، وحاسب نفسه عند كل نفس، فقد أدرك ~~آداب نفسه. # قالوا: وكان يقول: # الدنيا عوار يتداولها أهلها على قدر أعمالهم فيها، ثم يدعها صادر لعابر ~~ حتى تتم العدة وتنقطع المدة، ويحصد [كل] إنسان ما زرع. وأمر الدنيا ~~صغير وحقير ، وهي فانية، والفاني يشبه بعضه بعضا. وما مضى منها لا يوجد ~~له طعم ولا لذة. وكفى بك من علم ما بقي ms483 منها علمك بما مضى، أمورها أشباه، ~~وأيامها دول، فأنت بعد الصادر عابر، وبعد الأول آخر، فخذ مثلك من مثلك، فكم ~~همام بسط له في أمله ثم لاح له نجم المنية، فإذا الملك مملوك، وأخو السلطان ~~صعلوك، قبض على أمواله، وشغل عن أعماله، [وصار] بعد القصور إلى جدث ~~بالفلاة محفور. فاعمل في حسابك لوفاتك قبل نزول الأسباب، وانقطاع الأنساب. # ومنهم : ### $ 240 - أبو إبراهيم ابن العربي ، المتعبد. رضي الله عنه. # مذكور بالخير والدين والحقائق. من أجلاء عباد الجزيرة كان أبو العباس ~~الابياني يجله ويعظمه ويذكر مناقبه. PageV02P352 # وكان من شأن عباد الجزيرة إذا أرادوا التوجه إلى الحصون للرباط، أتوا ~~إليه وسألوه أن يمضي معهم رغبة في صحبته، فيقول لهم: حتى أشاور والدتي ~~-وكان برا بها، مطيعا لها ، مؤديا لحقها-فيدخل إليها فيشاورها، فإن أذنت ~~له مضى معهم. وإن أبت حلس وتركهم. فقالوا له يوما: في مثل السير ~~إلى الرباط وأبواب البر تشاور والدتك؟ فقال لهم: نترك ما هو أفضل لي من ~~طاعة الوالدة ونخرج في ما هو أتعب لي وأشق علي وأقل أجرا، بل أجري في ~~طاعتها أكبر من أجري في المواضع التي نتوجه إليها معكم . وذكر عنه من ~~إبرارها شيء عظيم. # وكانت له فراسة فضله الله تعالى بها، فمن ذلك أنه كان إذا أقرأ ~~الصبيان أعشارهم يقول لطفل (منهم) : اقرأ أنت يا شص ، ويكثر من قول ~~ذلك، فإذا كبر الطفل تسرق وتلصص وصحت فيه فراسة أبي إسحاق-رحمه ~~الله تعالى-وبصيرته . # ولما قرأ كتاب آداب المعلمين لمحمد بن سحنون-رضي الله عنهم-ترك ~~PageV02P353 التعليم وقال: /لله عز وجل علي لا علمت أبدا. وذلك أنه خاف أن ~~يضعف عن القيام بالشرائط التي فيه، فتركه تورعا . # وذكر أنه لما حج، ومعه عطية الجماجرى لينتفع بصحبته، فلما وصلا إلى ~~برقة-ومنها أصل أبي إبراهيم-سأل عن نسبه بها، فعرف أنه من العجم، فكتب (إلى ~~بعض) إخوانه بالجزيرة كتابا فيه: قد كنت انتسبت عندكم إلى ~~البربر، فتقصيت في بلدي عن نسبي، فإذا بي من العجم، فنحمد الله تعالى ~~إليكم الذي لم يجعلني من ms484 البربر. # وإنما خاف-والله تعالى أعلم-أن يكون من البربر لأحاديث رويت في ذمهم، فمن ~~ذلك ما ذكر في مسند ابن سنجر مسندا عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه-عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: قسم الله تعالى الخبث على سبعين (جزءا) ~~فجعل في البربر تسعة وستين جزءا والثقلين جزءا واحدا . # ويروى عن شيخ ثقة من أهل الإسكندرية أن سليمان بن داود-صلى الله عليهما- ~~أرسل بربريا مع شيطان (في حاجة) ، فرجع الشيطان يتعوذ بالله عز ~~وجل من البربري . PageV02P354 # وكان بالجزيرة فضلاء وعباد، منهم: ### $ 241 - نصرون اللوزي المتعبد # ، رحمة الله عليه. # أوصافه/كلها حسنة، له براهين وكرامات. فمن ذلك ما حدثنا به جماعة من شيوخ ~~الجزيرة: أن سلما وأبا إبراهيم بن العربي وغيرهما مضوا لزيارة نصرون ~~بقرية اللوزة بالجزيرة، فقال بعضهم لبعض: ليشته كل واحد منا شهوة، ~~فقال سلم: أنا أشتهي إفريقية بزيت طيب. وقال أبو علي: أنا أشتهي قرصا ~~من سميذ بعسل. وقال أبو إبراهيم: أشتهي أنا قمحا مقلوا، فلما وصلوا إلى ~~نصرون سلموا عليه، فقال لهم: ما الذي أتى بكم؟ قالوا: زائرين. قال: زائرين ~~لله تعالى؟ قالوا: نعم، (فقال: إن صدقتم فقد أفلحتم، ثم أعاد عليهم القول ~~ثانية، فقالوا: نعم. فقال لهم: إن صدقتم فقد أفلحتم وأفلح البلد الذي جئتم ~~منه، ثم أعاد عليهم القول ثالثة، فقالوا له: نعم) فقال: إن صدقتم فقد ~~أفلحتم وأفلح البلد الذي جئتم منه والبلد الذي جئتم إليه. ثم أقاموا عنده، ~~فلما كان الليل أتى إليهم بالعشاء، فقدم إليهم ثردة بدجاجة وعليها زيت ~~طيب، وقال لسلم: كل يا سلم يا صاحب الإفريقية. ثم أتى بقرص سميذ بعسل طيب ~~وقال: كل يا أبا علي يا صاحب الحلوات. ثم أتى بقمح مقلو/وقال: كل يا ~~PageV02P355 أبا إبراهيم يا صاحب المحففات . # فذكرت هذه الحكاية للمؤدب محرز -رحمه الله تعالى-فقال: يمكن أن يكون ~~سمع ذلك منهم رجل من مؤمني الجن فوصله إلى نصرون أو رأى ذلك في المنام، ~~رضي الله عنه. PageV02P356 ### || ثم كانت سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 242 - أبو ms485 عبد الله محمد بن أبي المنظور عبد الله بن حسان الأنصاري # القاضي، رحمه الله تعالى. يوم السبت الظهر، وصلى عليه عبد الله ابن هاشم. ~~وهو يومئذ حاكم القيروان، ودفن حينئذ بباب سلم لعشر بقين من ~~المحرم. # قال [أبو] عبد الله بن سعيد الخراط: أصله من الأندلس، له رحلة إلى ~~العراق وإلى اليمن، سمع من إسماعيل القاضي ، وابن قتيبة ، والحارث بن ~~أبي أسامة ، وأبي يعقوب الدبري بصنعاء. PageV02P357 # ولي قضاء القيروان لإسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد الله سنة أربع وثلاثين ~~وثلاثمائة. # سمع منه أحمد بن عبد الرحمن القصري وعبد الله بن أبي هاشم وعبد الله ابن ~~التبان وغيرهم. وتوفي وهو قاض . # وكانت له عند أهل البلد جلالة، وأغلق عن نفسه باب السماع ~~واعتذر بأنه لزمته يمين غليظة أن لا/يسمع أحدا من أهل القيروان، ~~وربما أسمع الرجل الغريب. # وحج في رحلته، وولي القضاء وقد ناف على التسعين سنة ولم يشب شعره، كان ~~غرابيا . # وذكر أنه لما شد عليه إسماعيل في ولاية القضاء قال له: لا التزم لك هذا ~~الأمر إلا على أن لا آخذ لكم صلة، ولا أركب لكم دابة، ولا أقبل شهادة لمن ~~طاف بكم أو قاربكم، ولا أذممكم في شيء ولا أحدا بسببكم، ولا أركب ~~لكم مهنئا ولا معزيا، فأجابه إلى ذلك والتزم له ما شرط عليه. وقال له: فإذا ~~لم تأخذ صلة فمن أين تعيش؟ فقال: بما أعيش الآن فقال له: فعلى ماذا ~~تركب وأنت شيخ كبير؟ فقال: الجامع قريب من داري أستطيع المشي إليه. # وكان رحمه الله قد سار بالعدل في أقضيته وإيثار الحق ، لا تأخذه في ~~PageV02P358 الله-عز وجل -لومة لائم. # ذكر الشيخ أبو الحسن بن القابسي-رحمه الله تعالى-قال: سب يهودي ~~النبي-صلى الله عليه وسلم-فرفع إلى القاضي ابن أبي المنظور، وشهدت عليه ~~البينة، فقال: ما الذي أعمل لم أعط السيف، فأخرج من داره منبرا وقعد/عليه ~~على باب داره، في الشارع الأعظم. قال: وأحضر اليهودي، فعرض عليه الإسلام، ~~فأبى أن يسلم، فأجلسه ومد رجليه وقال لرجاله : خذوا بيده واجذبوه ms486 إلى ~~أنفسكم حتى يتقوس ظهره، وأمر حاجبه راشدا -وكان ذا قوة في الضرب-أن ~~يضرب ظهره من حذو قلبه، فضربه راشد حتى غشي عليه، ثم أمر غيره فابتدأ في ~~ضربه، فلم يزل يضربه حتى مات تحت الضرب، فقالوا له: مات -أصلحك الله- ~~فقال: الحق قتله. ثم أمرهم بدفعه إلى أهل دينه. # وإنما فعل ذلك-رحمه الله تعالى-لأنه لو رفع أمره لم يقتله بسبب السب، ~~فأظهر إنما يضربه ضرب الأدب ليصل بذلك إلى قتله، فإذا قيل له: قتلته، ~~قال: مات من ألم الضرب. # وذكر الشيخ أبو الحسن [القابسي] قال : قام القاضي [ابن] ~~ أبي المنظور من مجلسه في الجامع منصرفا إلى داره، فلما دخل من باب ~~داره أحس في الدار حركة وشم رائحة طيبة، فدخل إلى بيته، فلما جلس قال ~~له أهله: PageV02P359 # «سلاف» داية السلطان جاءت إليك-وكانت سلاف هذه لم يكن عند إسماعيل ~~أعز منها-قال: فجعلوا لها منبرا/على باب البيت [قال] : وكان القاضي قد ~~حبس نائحة وقد اشتهرت بالفسق ومخالطة السفهاء وشهد عليها عنده بألوان ~~من الفسق، فضربها وسجنها في الفلقة. قال: فقالت له: سلام على القاضي ، ~~فقال لها: مالك يا هذه؟ فقالت له «قضيب» جارية السلطان، فقال لها: ما لها؟ ~~فقالت: تقول لك: «مشتاق» المسكينة قد انتهيت منها إلى ضربها وسجنها، ~~وانتهيت منها إلى ما رأيت أنه الحق عندك، فأحب أن تخرجها وتطلق سبيلها، ~~فقال القاضي لسلاف: والله يا منيتنة لولا %~% لأوجعتك ضربا ولجعلتك ~~ في مكانها، أيش تحبوا أن تجعلوا ظهر الشيخ السوء [قنطرة] ؟ ~~اذهبي لعنك الله تعالى ولعن من أرسلك. قال: فولولت وشقت ثيابها وكشفت ~~رأسها وذهبت إلى «قضيب» [قال] -وكانت قضيب ليس عند السلطان (إسماعيل) ~~ أعز منها، حتى انه كان يقول لها: الناس كلهم عبيدي وأنا عبدك، وكان قد ~~شغف بها-فذكرت لها ما قال القاضي، فدخلت (بها) إلى إسماعيل، فقال لها ~~مالك؟ وشق عليه ما رآه منها، لأنه كان يجلها ، فذكرت له ما جرى، فقال ~~لها: أيش نعمل له ما أخذ PageV02P360 # لنا صلة ولا ركب لنا دابة ولا نقدر على عزله، ونحن ms487 نحب صلاح البلد . # قال: فانصرفت مخزية هي و «قضيب». # وقال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله تعالى-: كانت لمعلمي التونسي خصومة ~~عند القاضي، فلما ثبت حق المؤدب عنده أنفذ الحكم له. فلما كان يوم الجمعة ~~لبس المؤدب ثيابه وتعرض للقاضي ابن أبي المنظور في طريقه، فشكره وأثنى عليه ~~وعلى حكمه له بحقه. قال: فانتهره (القاضي) وقال له: يا ورنيدة ~~، تشكرني على ما لزمني من الحق لك، ما الذي أقول لك؟ لكنك معلم حقا. # وفيها توفي: ### $ 243 - أبو ميسرة أحمد بن نزار الفقيه # كنيته أبو جعفر ، يوم الاثنين ، ودفن يوم الثلاثاء. # أراد إسماعيل أن يوليه قضاء القيروان فامتنع من ذلك. # سمع منه جماعة من أهل العلم منهم: أبو محمد بن أبي زيد وغيره. # وكان من المجتهدين في العبادة. وكان أبو ميسرة-رحمه الله تعالى- يختم ~~كل ليلة ختمة في محراب مسجده: فبينا هو ليلة في تهجده وبكائه، بعد ما أتى ~~على صلاته، إذا بنور عظيم خرج له من حائط المحراب، وبوجه PageV02P361 كأنه ~~البدر فقال له: تملأ من وجهي يا أبا ميسرة، فأنا ربك الأعلى، فبصق في ~~وجهه وقال له: اذهب (يا ملعون) فعليك لعنة الله تعالى، فطفئ ذلك ~~النور من ساعته كسراب بقيعة، وإذا به إبليس لعنه الله أراد أن يفتنه فحماه ~~الله تعالى منه بمنه وكرمه. # ووقع في عقل إسماعيل أن أبا ميسرة لم يكن يرى الخروج عليهم، فأراد أن ~~يوليه القضاء فأداره عليه ، فقال له: كيف يلي القضاء رجل أعمى يبول ~~تحته؟ وما علم به أحد أنه أعمى إلا ذاك اليوم، فقال له: منذ كم عميت -أصلحك ~~الله تعالى-؟ فقال: منذ ثماني عشرة سنة. ثم قال: اللهم إنك تعلم أني ~~انقطعت إليك وأنا ابن ثماني عشرة سنة فلا تمكنهم مني، فما جاء العصر ~~إلا وهو من أهل الآخرة، فغسل، وكفن وخرج [به] ، فوجه إليه إسماعيل ~~بالكفن والطيب، فوافاه الرسل على النعش، فأنزلوه في «درب ابن ~~دينار» في المسجد وجعلوا عليه الكفن. # وكان -رضي الله عنه-بجواره رجل أسود، فكان ينقب ويسرق ولا يبالي ms488 ما ~~ارتكب، فمضى إليه الجيران وقالوا له: ارحل عنا، فشتمهم وسبهم، فلما صلوا ~~العشاء الآخرة قالوا له: يا أبا ميسرة ادع (الله) تعالى عليه، فقال: PageV02P362 # اللهم [إنه] عبد من عبيدك ونحن نخافه لأنه لا يخافك فأصلحه ~~. وإن لم يسبق في علمك إصلاحه فخذه بعلمك وأزل عنه حلمك وفاجئه ~~بسطوتك ونقمتك. قال: (فلما) أصبح الصبح جاء الشرط فأخرجوه ~~من داره ومضوا به فضربوا عنقه. # فقال أبو ميسرة بعد ذلك: بالدعاء يتقرب إلى (الله) عز وجل، وبالدعاء ~~يصرف البلاء، وبالدعاء يتنزل الغيث من السماء، لأن الله عز وجل أمر به ~~ووعد بالإجابة. # وكان متواضعا في نفسه-رحمه الله تعالى-وقالت له والدته: يا بني ما تتقي ~~المقت من الله عز وجل وعلى مائدتك ثلاثة ألوان: ثردة بالسلق، وصير ، ~~وزيت وخبز. # ذكر صنوف من كراماته وفضائله: # قال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن الفقيه-رضي الله عنه-: خرج أبو ~~ميسرة ليصلي على جنازة بباب سلم، فشق الجبانة فإذا بامرأة مع رجل في ~~مجنبة قد أمكنته من نفسها، وهو يحل سراويله ، فصاح أبو ميسرة: لا ~~PageV02P363 حول ولا قوة إلا بالله، وأقبل وهو يريد السير إلى ناحيتهما ~~، فتركها الرجل وهرب، فأقبلت المرأة إلى أبي ميسرة، فضربت بيدها على ~~أطواقه وصاحت بأعلى صوتها: معاشر المسلمين: هذا الرجل راودني عن نفسي ~~. وأبو ميسرة ساكت، فلما رأت ما هو فيه من قلة المقدرة، تركته وقالت ~~له: إياك أن تغير المنكر إلا ومعك غيرك (قال) فانصرف أبو ميسرة وهو ~~يقول: بين مصدق ومكذب، (بين مصدق ومكذب) ، وأقبل وهو يكرر هذا الكلام ~~حتى انتهى إلى منزله. # قال أبو بكر أحمد بن سفيان الداودي : أتيت أبا ميسرة فدخلت عليه ~~وسألته عن حاله، وكان ضعيف البصر، وكنت حدثا ليس لي لحية، فقال لي: ما معك ~~أحد؟ فقلت: لا، فقال لي: قم فاخرج فإذا جاء أصحابك دخلت معهم. # قال ابن الخلاف : وأتت إليه امرأة تسأله عن شيء، فقال لها: يا هذه ~~ارفعي صوتك، فقيل له في ذلك، فقال: خفت أن تمرض لي كلامها. # وقال له رجل ms489 : ادع الله تعالى أن يكفيني الهم كله، فقال له: أما ما ~~دمت في الدنيا. أي لا بد فيها من الهم . # وشكا إليه رجل أنه لا يقوم الليل، فقال له: إذا استيقظت فتوضأ وصل ~~ركعتين، فإذا نودي يوم القيامة: أين قوام الليل؟ قمت معهم بتلك الركعتين. # قال أبو الحسن بن الخلاف-رضي الله عنه-لقد أعجبني هذا من قول PageV02P364 ~~أبي ميسرة وهكذا يكون الأدلاء. # وكان يقول: معرفة الصالحين تورث الفردوس الأعلى. # وشكا إليه بعد عهده به ، فقال له: يا أخي (إنما) فائدة ~~الاجتماع الدعاء، فإذا ذكرتني دعوت لي، وإذا ذكرتك دعوت لك، فنكون كأنا ~~التقينا وإن لم نلتق. # وقال ابن الخلاف: كنت عنده يوما اقرأ عليه رقعة، فوقف بالباب ~~سائل فقلت له: فتح الله عز وجل لك، فقال لي أبو ميسرة-رحمه الله ~~تعالى-: قل فتح الله تعالى لنا ولك، فلعلها ساعة توافق إجابة. # وذكر -رحمه الله تعالى-: قال: رمتني والدتي عند رجل من الرهادنة ~~، وأنا صبي، وكان عنده صبيان، فكان يعطيهم سلع الناس يبيعونها، ولا ~~يعطيني أنا من تلك السلع شيئا، فكان هذا دأبه معي يوم وثان وثالث ~~، فلما رأيت ذلك منه، قلت لرجل من جيراننا: ما علة هذا الرجل في دفعه ~~لصبيانه ما يبيعونه دوني؟ فقال لي: أنت إذا بعت استقصيت وهؤلاء لا ~~PageV02P365 يستقصون في البيع/يبيعون ذلك ليأخذه من تحت يده ~~، فينفعونه بذلك، فتركت ذلك ورجعت أكتب في البركة ، فباعوا ~~رأسا وشرطوا فيه عيوبا، فأبى المشتري أن يقبله بتلك العيوب، فلما كان آخر ~~النهار باعوه من رجل ولم يذكروا له العيوب التي ذكروها للرجل الأول، ~~فقلت لهم: غدوة ذكرتم أن به عيوبا ، والساعة تبيعونه بلا عيب، ~~فقال بعضهم لبعض من أين جئتم لنا بهذا ؟ قال فتركت البركة ورجعت أكتب ~~في باب الغنم . قال: فأتاني صاحب القنية يوما، فقال لي: اقرأ ما ~~على فلان، فقلت له : على فلان كذا وكذا، فقال لي: أرأيت لو قال لك ~~ليس علي إلا كذا وكذا ما الذي تقول (له) ؟ [قال] فقلت له: أقول ~~له: ما عندك إلا ms490 كذا وكذا، (قال) : فقال لي: أرأيت لو قال لك ~~امرأتي طالق كذا وكذا، وما PageV02P366 # عندي صدقة، ما عندي شيء من ذلك، ما الذي تقول له؟ فقلت له: # أقول له ما عندك إلا كذا وكذا، فقال لي: اترك الدفتر من يدك. وكان ~~أراد مني أن أقول له: امرأتي طالق وأحلف كما حلف ما عندك إلا كذا وكذا، ~~فتركت ذلك ولزمت الدار، وكانت خربة، فضرب علي عباس الزيات الباب، فخرجت ~~إليه، فسألني وقال لي: قم اعجن لي الطين وأنا أبني لك، فعجنت له الطين ~~وكان يبني حتى بنى لي غرفة، فلزمت (طلب العلم و) العبادة من ~~حينئذ. # وكان أبو بكر بن اللباد الفقيه-رضي الله عنه-يجله ويعظمه رحمه الله. # وفيها توفي: ### $ 244 - أبو رزين الأسود الجمونسي المتعبد # الساكن بجمونس . # كان من أهل الاجتهاد في الطاعة، صحب أبا ميسرة وكانت بينهما اخوة. # وصحب غيره. # ظهرت له براهين وكرامات. أثنى عليه ربيع القطان. # قال: عبد الملك بن داود: صحبت أبا رزين إلى الحج، فكنت أنا وصاحبي ~~إذا عجنا عن أنفسنا مدين كان قوتنا غداء وعشاء، وإذا عجن أبو رزين جاءنا ~~فيه الغداء والعشاء ونشبع. # وقلت له يوما: إني لا أعلم اسم المرأة التي احج عنها، وذلك عند ~~PageV02P367 الإهلال، فقال لي: أهلل باسم الله، وقل اللهم عن ميمونة، ~~[وهو لا يعرفها، ولا يعرف اسمها ميمونة ولا موضعها، ففعلت ما أمرني به، ~~ثم قدمت فسألت عن اسمها، فإذا اسمها ميمونة] . # قال: وقال لي أبو رزين: حشدني حاشد السودان قديما إلى رقادة، فبذل أهل ~~البلد للحاشد دينارين ليتركني فأبى بكل حيلة ؛ فأخذني ومضى بي إلى ~~رقادة، وأبو معلوم الكتامي يسمي [الناس] المحشودين فلما قربت ~~منه نظر إلي /وقال: من أمركم أن تجيبوا هذا؟ وهو لا يعرفني، وقال: [جيبوا] ~~ دواة وقرطاسا وكتب: يا معشر الحشاد لا تعرضوا لأبي رزين هذا في أي ~~بلاد كان، وأطلقني وأمر بالحاشد أن يعلق ويضرب، فانطلقت وأنا أسمع صياحه من ~~الضرب. PageV02P368 ### || ثم كانت سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 245 - أبو محمد عبد الله ms491 بن فطيس المتعبد، رضي الله عنه. # أوصافه جميلة. سمع من يحيى بن عمر وغيره. # وكان أحد المشيخة الذين عقدوا الخروج في الجامع على [بني] عبيد الله. # وقال بعضهم: مر [ابن فطيس] بجماعة نساء وهن يبكين، قال: فدخل وسطهن ~~(2) يبكي وينوح، فقيل له-أصلحك الله تعالى-: إنهن نساء، فقال، والله ما ~~حسبتهن إلا رجالا اجتمعوا يبكون على الذنوب. # قال: وكان إذا سمع نواح النساء في مقبرة باب نافع، وهو في بيته، ينوح ~~وينتحب ويندب نفسه. # وكان مستجاب الدعوة: بينما هو يؤذن إذ مر به رجل ، كان معروفا بالأذى، ~~متعلقا بحدث، فاستغاث الحدث بأبي محمد وقال له: يا عم خلصني منه؟ فقال له: ~~دعه يا فاسق، فعطف عليه الرجل، وبيده سكين مصلت، وقال له: والله يا شيخ كذا ~~وكذا، وشتمه بأقبح الشتم، لئن لم تربح عافيتك لخضبتها من دمك ، ~~فقال: اللهم عاجله، فما هو إلا أن [بلغ] كسر PageV02P369 ركن ~~المسجد، إذا بالصبي قد أقبل وهو يقول: يا عم انظر والله ما معي سكين. فقال: ~~مالك يا بني؟ فقال: لما عطف بي الركن خرج إليه رجل وبيده خطر ، ~~فضربه به الرأس فصرعه وها هو ميت، فقال له: # انصرف، فقد عافاك الله عز وجل. # ولما وصل أبو يزيد إلى القيروان، وقد هجم أصحابه في أبوابها، وعاث عسكره ~~في البلد، وانتهب وأفسد ، [قال] : فحملنا أبا محمد [ابن] فطيس ~~على أيدينا ووقفنا به إلى أبي يزيد، وسلمنا عليه، (فخاطبه أبو محمد) ~~وقال له: أيها الأمير إني إذا ذكرت الآية التي في سورة محمد صلى الله عليه ~~وسلم تذكرتك ، فقال [أبو يزيد] : وما هذه الآية؟ قال: قول الله ~~تبارك وتعالى إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم والذين كفروا فتعسا لهم ~~وأضل أعمالهم فقال له أبو يزيد: هذا جزاء وشرط.وقد قال الله عز وجل في ~~كتابه العزيز [ما] هو آكد من ذلك [وهو] قوله تعالى ولينصرن الله ~~من ينصره إن الله لقوي عزيز فقال له أبو محمد: إن العسكر هجم القيروان ~~. PageV02P370 # وقد عاث/وأفسد، فقال له: ما يحل [لي] أن ms492 أمنعهم ما أباح الله تعالى ~~لهم . لأن بلدكم هذا قد أخذته بلا عهد ولا عقد. ألم يشتم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه وعائشة أم المؤمنين وأنتم تسمعون ولا تغيرون؟ فقال ~~له أبو محمد: كنا مستضعفين. فقال له ألم تكن أرض الله ااسعة فتهاجروا فيها ~~ ما أحد أضعف مني ومن صاحبي، أنا أعرج وصاحبي أعمى ، وقد قمنا بما ~~يجب علينا من حق، فقال له: أيها الأمير أحسن إلى أهل هذه البلدة، فقال له ~~أبو عبد الله محمد بن سعيد الخشاب المؤدب : أتيناك بمديح، فقال: إني ~~امرؤ لا أقبل المديح، فقلنا له: في الدين، فقال: هات فتكلم كلاما ~~بالبربرية أظنه قال: اسكتوا، فصاح العسكر صيحة عظيمة حتى ظننا أن الدنيا ~~[قد] انطبقت . ثم سكتوا حتى لا يسمع صوت أحد، وأصغى إلى أن أنشدته ~~إياها وأولها : # *ألا يا عباد الله قوموا فجاهدوا* # قال: فلما أتممتها صاح بقوم فقال لهم: نادوا في القيروان بأن لا يبقى أحد ~~فيها من العسكر، (ففعل ذلك) ، فخرجوا في الوقت . PageV02P371 # قيل: وكان إذا سمع النساء يبكين في مقبرة باب نافع (وهو في بيته) ~~ ينوح (وينتحب) ويندب نفسه كما قال موسى بن أصبغ. # فأصبحت مرتاد المآتم والها %~% إذا ما بكى باك على ميت نحت # وحق بأن أفنى ضنى وصبابة %~% على جلل الحوب الذي كنت أسلقت # وكان مستجاب الدعوة: (بينما هو يؤذن، وذكر الحديث الذي تقدم) . # وفيها توفي: ### $ 246 - أبو محمد عبد الله بن أبي المهزول المتعبد. # كان -رحمه الله تعالى-من كبار الشيوخ. كان له علم بالله تعالى ومعرفة ~~(3) ويقين، انتفع بصحبته الشيخ أبو إسحاق السبائي. كان ساكنا مرسى الياقوتة ~~ بناحية بنزرت . # كانت له روايات عن شيوخه، فمن ذلك ما رواه عن محمد بن عبد الله ~~PageV02P372 بن بشير عن منصور بن عمار قال: كنت بمكة فنمت في المسجد ~~الحرام، إذ رأيت كأن امرأة تطوف بالبيت عليها ثياب خضر تتبختر فيها، ~~فقمت كالمنكر عليها، فقلت لها: من أنت يا هذه تطوفين بالتكبر والتجبر ~~حول بيت الله تعالى الحرام؟ فقالت لي أنا ms493 زبيدة، فقلت لها (أنت) أم ~~الخليفة محمد الأمين، زوجة الرشيد أمير المؤمنين، وابنة الخلائف؟ فقالت ~~: تعس الخلائف وددت لو أني كنت راعية بعدن أعيش بالبقل والحنظل، فقلت ~~لها: قد كانت لك أفعال حسنة في تسهيل العقاب وسقي الماء ~~بالاستنباط يروي القريب والبعيد ووفد الله تعالى من الحجيج، وبناء المساجد ~~والحصون، فقالت: قد جاء ذلك من حيث جاءوا وأحصاه (الله) عددا وأوقف ~~الأباعد والأقارب كلا على حقه. ولقد رأيت زنة الذرة تصير إلى ميزان صاحبها، ~~غير أني حرقت في الدنيا بولدي، حرقت بوابه؟ وطفت مع الرشيد أمير المؤمنين، ~~فإذا امرأة أرملة معها (أيتام) ، فأهويت إلى خاتم فألقيته إليها ~~وله فص يساوي أربعين ألفا (أعنتها) به، وكان ميراثي من آبائي قبل ~~الخلافة، فوهب الله عز وجل (لي نفسي) ، فلم أر شيئا-يا منصور-عند الله ~~تبارك وتعالى أفضل من الصدقة على الأيتام. # قال الفقيه أبو عبد الله الأجدابي: رأيت بخط ربيع القطان قال: كان ابن ~~PageV02P373 أبي المهزول لا يقرأ البسملة في صلاته. وكان مؤذن مسجده لا ~~يقول في آذانه: # «حي على خير العمل»، فانتشر ذلك عنه وفشا حتى انتهى الأمر إلى السلطان ~~فوردت الكتب إلى عامل الموضع أن يأمرهما أن يرجعا عن ذلك، فأمرهما، ~~فلم يفعلا، وراجعه العامل غير مرة، فلم يفعل. # فبعث ابن زريق ليشهد على فعلهما/ويعاتبهما، فقدم ابن زريق إلى ~~الموضع، فقال للشيخ ابن أبي المهزول: إلى هاهنا، فقال له: لا، فقام ~~ابن زريق وقال له: إن لم تنته عن هذا أعلمت السلطان، فلم يجاوبه الشيخ ~~بشيء. ثم كرر عليه القول، فلم يجبه بشيء، فذهب ابن زريق، فقال المؤذن لابن ~~(أبي) المهزول: نترك الآذان؟ فقال له الشيخ: لا تفعل، فاني سألت الله ~~عز وجل أن يميتني وإياك قبل أن يبتلينا بأمر من عندهم. # [قال] : فأتى كتاب من الملعون السلطان بقتلهما والناس منصرفون ~~من جنازة أحدهما، وقد دفنا جميعا أحدهما بعد الآخر. # وذكر-رحمه الله-أن كتامة أرادوا قتله والدخول عليه في المسجد، فنظروا فيه ~~وداروا ثم خرجوا، وأنا أراهم، فمنعني الله تعالى منهم أن ms494 يروني وسلمت. # قال مكي بن يوسف الهمداني: سمعت أبا إسحاق السبائي يقول: سقط ولد [ابن] ~~ أبي المهزول من فوق القصر إلى أسفل فقام ابن أبي المهزول إلى الصلاة ~~لما سمع بخبره، فسلم الصبي من وقعته وقام يمشي على رجليه وقام يجبذ ~~بثوب أبيه ويقول: يا أبي هذا أنا. PageV02P374 # قال الشيخ أبو الحسن الفقيه بن القابسي -رحمه الله تعالى-: # سمعت/الشيخ أبا إسحاق السبائي يقول: خرجنا مرة نزور ابن أبي المهزول ~~بصطفورة ، وكان معنا سبعة أنفس، فما أخذت عليهم شيئا أنكرته إلا ~~أنهم كانوا إذا دخلوا الخلاء للاستنجاء يدخلون بركاهم، ثم يتوضئون منها ثم ~~يحملونها على أكتافهم، فيقطر الماء من أسافلها على ثيابهم، فهذا وحده أخذته ~~عليهم. # وكان فيهم شيخ فيه مزح ، فإذا قال أصحابه: ميلوا بنا إلي هذا القصر ~~[فإن] فيه رجلا صالحا نسلم عليه، يقول : صلاحه لنفسه، فلما ~~قربنا إلى منزل ابن أبي المهزول صبروا حتى يجددوا الوضوء، وكنت بوضوء، ~~فسبقتهم، فدخلت المسجد، وركعت تحية المسجد إلى أن دخلوا المسجد، فلما رآهم ~~ الشيخ قال: -وأنا أسمعه-إلى أين يدخل هؤلاء المسجد وهم أنجاس؟ ~~فجلسوا بين يدي الشيخ وسلموا عليه، فأقبل يشير بإصبعه إلى الشيخ ~~[الذي] من جملتهم ويقول: هذا شيخ هو أو صبي، هذا شيخ هو أو صبي ؟ # قال: ثم حيانا فسلمت عليه، فرد علي السلام. وما قال لي شيئا، PageV02P375 ~~فسمعت قوما يشكون إليه: إن الذين يرصدون المراكب الجائزة من ~~الأندلس إلى مصر قد آذوا الناس، فقال الشيخ ابن [أبي] المهزول: # هؤلاء /قعدوا ينتظرون قوما (قد) سلمهم الله تعالى فقال أبو ~~إسحاق: فقلت له: من أين علمت؟ قال أخبرت. قال فسكت. # قال إبراهيم بن سعيد بخطه: ذهب عبد الله وعيسى، يعرفان بابني ~~ الصقلي من تونس إلى حصن ابن أبي المهزول. وكان من شأنهما الإقامة عنده ~~أربعين يوما فورد عليهما كتاب أبيهما: أن زوجة عيسى على سبيل ، وما ~~أراكما تلحقانها، فأخبر الشيخ بالقضية ، فقال: ما عزمكما؟ قالا: على ~~الرحيل، فقال لهما تمما ما جئتما له. أنت يا عيسى تجد زوجتك قد قامت، ms495 وتحمل ~~منك وتلد ولدا وتسميه موسى، وهو ولدك حقا، فقعدا ولم يخالفاه وأتما ~~ أربعين (يوما) ثم قدما ، فوجد عيسى زوجته في عافية وحملت ~~وولدت له ولدا سماه موسى. وعاش أربعين يوما ثم توفي. قال عيسى: فلما انصرفت ~~من دفنه ذهبت إلى ابن أبي المهزول فقلت: يا أبا محمد، كل شيء عرفناه منك ~~غير أن علم الغيب من أين؟ فتبسم وقال: استغفر الله تعالى، لست أعلم الغيب، PageV02P376 # ولكني أسأل الله عز وجل في الأمر ، فإذا سكنت نفسي واستقر علي قلبي: # علمت أنه يكون، وربما هتف بي في المنام إن الله تعالى قد أجاب دعوتك في ~~كذا وكذا. # وفضائله كثيرة، وحقه كان معروفا، وكان يزوره أبو إسحاق السبائي كما ذكرنا ~~ وأبو العباس (الابياني) ولقمان بن يوسف-رحمهما الله تعالى- ~~ومؤمنو الجن. # ومنهم: ### $ 247 - عمرون الأسود الحامي # المتعبد بحصن الحامة . # ظهرت له براهين وكرامات: حدثنا أبو بكر محمد بن اللباد قال: لما ~~استقر عند إبراهيم بن أحمد الأمير أمر عمرون أراد أن ينظر إليه، فقيل له: ~~إنه ليس يظهر إلا يوم الجمعة. ويظهر ساعة من النهار ثم لا يظهر إلى الجمعة ~~الأخرى يملأ جرته بالماء ثم يعود، فلا يزال يشرب منها ويتوضأ سائر ~~جمعته، فركب PageV02P377 إبراهيم بن أحمد يوم الجمعة وكمن له في طريقه حتى ~~أقبل عمرون وجرته على عنقه، فبدر إليه الحجاب فقالوا له: الأمير يا أبا حفص ~~يريد أن يسلم عليك، فلما نظر عمرون إليه رمى بجرته عن عنقه وسلم عليه، ~~فنزل [الأمير] إبراهيم (إليه) وصافحه وقال: ألك حاجة في خاصتك أو ~~في عامة بلدك (نأتي عليها فوق إيثارك) ؟ فقال له: ليست لي حاجة ~~ولكن ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا/تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما ~~أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين . # ذكر الشيخ أبو الحسن علي بن محمد الفقيه قال: ذكر الشيخ أبو إسحاق ~~السبائي حكاية فاستفهمته فيها فوقف وقوف المتنبه، فما علمت أني سمعته ~~ ذكرها حتى فارقته لسفري وأنا أذكرها لأبين موضعها عنده ms496 لمن عسى ~~أن يكون قد سمعها منه قبل المواقفة فيها فتلبس عليه. # ذكر أن أبا الحسن بن تمام الأجدابي-رجل من التجار-أخبره أنه خرج مع أبيه ~~وهو صغير إلى تونس من القيروان، لحاجة كانت لأبيه عند إبراهيم ابن أحمد ~~ قال: فباتوا في الحصن الذي كان فيه عمرون الحامي، فذكر أن أباه ~~PageV02P378 عمد إلي المبيت في سقيفة الحصن وجعل فرشه خلف الباب بعد ~~أن غلق ، و [ذكر أنه] اجتمع تمام بعمرون في داخل القصر بعد أن ~~غلق، فلما كان في السحر سمع آذان عمرون خارج القصر والباب مغلق بعد لم ~~يفتح، ثم فتح الباب وخرجوا (إلى عند عمرون) ، فوجدوه عند شجرة لوز، ~~فقعدوا (عنده) ؛ قال أبو الحسن (بن تمام) : فقمت-لمكاني من الصغر- ~~إلى شجرة اللوز فتناولت منها [شيئا] فكسرته وأكلته ، فأصبته ~~مرا، فقلقت منه فلما رآني عمرون وقلقي مد يده إلى الغصن، فأخذ منه ~~وكسر وأعطاني إياه، فأكلت [منه، فوجدته] حلوا، فمددت يدي، وأخذت ~~ثانية، فوجدته مرا ، فمد عمرون يده، فأخذ وكسر (أيضا) ثم أعطاني ~~، فوجدته حلوا. # قال الشيخ الفقيه أبو الحسن: فلما فرغ الشيخ أبو إسحاق من الحكاية قلت ~~أنا له: كيف كان أبو الحسن هذا؟ قال: ما كان إلا رجل صدق، وذكر (أنه) ~~ ليس ممن يتعمد الكذب، ولا يرضى به. فقلت له: فما ترى أنت -أصلحك الله- ~~في هذا؟ فانتبه وقال لي: إنما أخبرني به أبو الحسن بن تمام، PageV02P379 ~~وذكر أنه كان صغيرا، فقلت له: فما تقول أنت في هذا؟ فقال لي: أنا ما أعرف ~~هذا، وأبى أن يقول لي يمكن أن يكون، وراجعته ما أمكنني عسى أن يشير إلي إلى ~~إمكان أن يكون ذلك ، فما استطعت أكثر من (أن) يقول: # أنا ما أعرف. # قال أبو ميسرة الفقيه: حدثني سهلون [الفقيه] قال: سألته، فقلت له: # إن الناس يقولون إنك تشرب ماء البحر؟ فقال لي: إذا أحوجت إليه ~~شربته. # قال عبد الله بن نصر الصواف: اغتممت يوما، فأتيت إلى أبي/عبد الملك مروان ~~ لأتسلى برؤيته، فجرت عنده حكايات، فقلت له-أصلحك الله-: # أحب أن تخبرني ms497 بما رأيته من براهين الأولياء، فقال: نعم، كنت ليلة ~~نازلا عند عمرون الحامي فإني لجالس معه على سطح القصر، وقد أشرق ~~القمر، إذ جرى بيني وبينه كلام في مثل هذا المعنى، فقلت له: أصلحك ~~(الله) إنه (قد) ذكر لي عنك أهل الحصن أنهم ربما غلقوا باب ~~الحصن، وأنت بالجبل، فيجدونك قبل فتح الباب بالحصن، وربما غلقوه وأنت ~~فيه فيجدونك بالغداة في الجبل، (فأحب) أن توقفني من ذلك على ما أزداد ~~به PageV02P380 يقينا، فقال لي : يا مروان إذا أريتك شيئا أتوقن ~~أن الله عز وجل يعطي أولياءه ما هو أكثر من ذلك ؟ فقلت له: نعم. قال: ~~فنظر فإذا في أسفل القصر ثوران: أحمر قائم، وأبلق رابض. فقال: اي هذين ~~الثورين تريد أن أحرك لك؟ قلت: الأبلق؛ قال: فمد رجله حتى بلغ بها الثور. ~~فأقامه من مربضه، ثم قبضها إليه، قال مروان: فكأنها-والله يا ابن أخي- ~~عمامة أو كرزية سوداء أسالها إنسان ثم قبضها. # وذكر الشيخ أبو علي حسن بن حمود التونسي المعروف بالفوني-رضي الله عنه- ~~قال: حدثنا أن عبيدا الذي بنى المهدية/أخرج من المهدية صقلبيا (له) ~~ عنف وسلطنة، ووجه معه عسكرا لحشد البحريين والزوليين فحشد ~~من تونس وباديتها وصطفورة خلقا عظيما، وجاز بهم على قصر الحامة، فوجد ~~قوما من أهل القصر يسقون على البئر فقرمهم فجرى أهلوهم إلى عمرون ~~مستغيثين به، فخرج عمرون وقطع قدام الصقلبي الخيل وأشار ~~PageV02P381 بعصاه، فانهزم الصقلبي وخيله، فلم يردهم رد إلى منزل بني ~~صلتان ، وهي فحوص مسيرة أميال، ثم وقف عمرون وقال للناس: حلوا أكتفتهم ~~ ففعلوا، وبقي القوم وقوفا، فقال لهم: امضوا إلى مواضعكم، فقالوا: نخاف ~~إذا فارقناك أن تلحقنا الخيل وتأخذنا وتؤسي إلينا، فقال لهم: اذهبوا أنا ~~هاهنا قائم لا يصل إليكم أحد قال: فمضوا وخلصوا. ووصل الصقلبي إلى المهدية ~~وليس معه أحد من المحشودين فقال له السلطان: وأين الحشد (الذي ~~حشدت؟ ) فقال له [الصقلبي] : حشدت خلقا عظيما، فلما قربت من مرسى ~~الحامة خرج منها شيخ وبيده حربة قد انتهت إلى السماء، فصاح صيحة وأشار بها، ~~فما ms498 جمع الله منا واحدا مع واحد وافترق الحشد. # ونزل بالقصر/رجل غريب محتار ومعه زوجته، وهي حامل، فأتى الرجل إلى جماعة ~~حول القصر وقال لهم: إن لي امرأة حاملا قد اشتهت حوتا، وليس عندي ما أشتريه ~~به، فعسى تسلفوني ربع درهم أشتري لها به شهوتها، فلم يقدر له منا ~~بشيء، فجاء عمرون المتعبد، فأخبروه الخبر ، فدعا بالرجل ونزل معه، حتى ~~إذا بلغا ذلك السمار الذي بين البحر والقصر قطعا سمارتين PageV02P382 # ومضيا إلى البحر-ونحن ننظر-فما كان بأوشك [من] أن طلع الرجل وفي كل ~~سمارة حوت (كبير) يثقل الإنسان. (قال) : فكشفنا عن خبره، ~~فقال: إن في أمر هذا الرجل لعجبا: لما حاذينا السمار، [الذي بين القصر ~~والبحر] ، أمرني فقطعت سمارتين، ومشينا حتى دخلنا إلى موضع من البحر ~~ينتهي إلى نصف الساق، قال: فأقبل إليه من الحيتان ما لا يوصف، فتناول منها ~~حوتا وقال: اجعل هذا في سمارة. ثم تناول آخر وقال: اجعل هذا في الأخرى. ثم ~~قال: انصرف [بنا] ، فإن في هذا كفاية. # [ومنهم]: ### $ 248 - زهرون بن حسنون الحمال # كان شيخا صالحا متعبدا، ناسكا مجتهدا، ظهرت له براهين وكرامات. # أصله من القيروان-رحمه الله تعالى-وحج حججا على طريق الوحدة ولا يحمل معه ~~زادا. وكان يأكل من المناهل ، من أتاه بشيء أكله. # حدثني أبو عبد الله محمد بن هيبون قال: مضيت إلى الحج فمررت بأجدابية ~~فلقيت أبا عبد الله محمد بن يحيى الأجدابي ، وكان من أصحاب أبي إسحاق بن ~~شعبان الفقيه، فبت معه في محرس من محارس برنيق يعرف PageV02P383 ~~بميلة . (وكان هذا سنة اثنتين وثمانين [وثلاثمائة] في إثر قصة ~~عبد الرحمن ابن الصقلي وكان قد شنع على الشيخ أنه لا يقول ~~بالكرامات -أعني : # [أبا] محمد بن أبي زيد- (فقال محمد بن يحيى: ما هذا الذي بلغنا عن ~~الشيخ أبي محمد أنه ينكر الكرامات) ؟ فقلت له: ما (من) هذا شيء ~~وبينت (له) القصة كما جرت، فسر بذلك، وقال: [والله] ما حسبت ~~[إلا] أن اتساعه في الدنيا حجبه عن هذا، ثم قال لي: كنا عند ~~الشيخ أبي إسحاق ms499 بن شعبان، فكان يحكي (لنا) من كرامات الصالحين شيئا ~~كثيرا، ويتبرك بذكرهم وأخبارهم، ويتأسى بطريقهم. # ثم قال لي أبو عبد الله: كان زهرون يأخذ الطرقات وحده متقفرا . وكان ~~لا يحمل معه زادا إنما (كان) يأكل من منهل إلى منهل، فقال لنفسه يوما: # يا زهرون صار يذكر عنك أنك لا تحمل الزاد، وأنك تأكل من منهل إلي منهل، ~~فصار لك هذا عادة، وليس هذا من حقيقة التوكل، إن كان حقا ما تقول، فهذه ~~طريق خالية فيها الماء خذها. وأنت تعلم أنه ما كان لك (من) رزق يأتيك ~~أينما كنت، (قال) : فمضى عليها حتى أتى إلى ماء، فنزل عليه وشرب وتوضأ ~~(وصلى) وقال لنفسه: هذا الماء للوضوء والشرب، PageV02P384 والله عز ~~وجل معك في كل /مكان وهو الرازق ، فاصبري هاهنا واقعدي في هذه الخلوة، ~~فبينما هو كذلك جالس إذ رأى شبحا في الصحراء مقبلا إليه [فلما وصل] ~~ سلم [عليه] واستسقى (الماء) وسقى دابته ، فقال في نفسه: ~~هذا رجل قد تاه وانقطع، وأضعفه الجوع-قال: وزهرون من الشموس والتعفار ~~قد تغير حتى صار كالشن البالي-.قال: ففتح سفرة فيها طعام، فقال له: ~~تعال نأكل ، فلم يكلمه، فقال الرجل: عز علي، قد بلغ منه الجوع ~~وأضعفه، فقام إليه بالسفرة ووضعها بين يديه. وقال له: كل، فلم يكلمه ولا ~~أكل، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله: قد بلغ منه الجوع، فأخذ اللقمة وأتى ~~بها إلى فيه، فوجد أسنانه مشدودة ، (قال) : فأخذ يعالج أسنانه حتى ~~فتحها ، (قال) : فقال زهرون لنفسه: (هيه) هذا رزق جاءك كرها، ~~(يا هذه) سواء عليك أخذت عمارة أو قفارا، لو شاء الله تعالى أن لا ~~يعطف عليك أولائك الذين على طريق العمارة لفعل. وإنما هو رزق لك عند الله ~~مفروغ منه أخذت عمارة أو قفارا. فالزمي طريقك وسلمي الأمر لله. ~~(قال) : ثم أكل من الطعام الذي أتى به الشيخ. فقال له الشيخ: PageV02P385 # يا هذا ما منعك من كلامي؟ فقال له [زهرون] : لا تسل عما لا ~~يعنيك ، لي عذر لا يمكنني ذكره. ثم رجع زهرون ms500 إلى الطريق الذي يعرف. # قال أبو بكر بن سعدون : دخل زهرون/الأطرابلسي على أبي بكر ابن اللباد ~~الفقيه، فرأى في بيته زيا حسنا وفرشا وطيئا، فأنكر ذلك، فقال أبو بكر ابن ~~اللباد: خذوا برجله، فقيل له: لا تفعل-أصلحك الله تعالى-هذا زهرون ~~الأطرابلسي، فقال له (أبو بكر) بن اللباد: تعال [يا] زهرون ~~تسمع مسألة من وضوئك، فقيل له: إن شئت [ألقيت عليه] ؟ فألقى عليه ~~من كتاب الصلاة والزكاة، فأجابه عن ذلك كله جوابا حسنا. فقال له أبو ~~بكر ابن اللباد: لو قدمت إليك الساعة ثردة من حلوى وخبزا من شعير ~~أيهما تأكل ؟ فقال له: ما قسم الله عز وجل لي منهما أكلته. فقال له: ~~أنت زهرون حقا. ثم قال له: اجعلني في حل؟ فقال: قد جعلتك في حل. ثم سلم ~~عليه وانصرف. # قال زهرون لأبي بكر بن سعدون: نعلمك في الفقر ثلاثة وفي الطعام ثلاثة، ~~فقلت له: ما هي؟ فقال لي: أما الفقر فلا تسأل، ولا تصر ، ولا ترد. قال: ~~هذا قد عرفته، فما الطعام؟ فقال لي: كل بالتظرف وبالانبساط PageV02P386 ~~وبالإيثار ، فقلت: كيف يكون هذا؟ فقال لي: إذا كنت مع الأغنياء فكل ~~بالتظرف لئلا يقولوا: الفقير ليس له همة، فيمقتوا الفقر من أجلك. وإذا كان ~~الطعام كثيرا والإخوان حضور، فانبسط معهم تسرهم، وان كان الطعام قليلا، ~~فآثر الجماعة/على نفسك. # وذكر عنه أنه أصابه المطر يوما، فآوى إلى كهف في سند جبل، فلم يلبث إلا ~~قليلا، فإذا بأسد عظيم يزأر قد سد عليه باب المغارة، فمد يديه، وحرك أذنيه ~~ وجعل يبصبص إلى زهرون ويلعقه بلسانه. قال زهرون: فكان الأسد في ~~ناحية [وأنا في ناحية] حتى أتيت على حزبي من الليل وتهجدي، ولا ~~والله ما عدا علي بمكروه وانه معي كالخروف، فلما كان في اليوم الثاني مررت ~~ببعض القرى، فإذا بامرأة ما رأيت قط أجمل منها ولا أبهى، وقد خرجت من دار، ~~فجعلت انظر إلى شكلها، حتى حاذيت كلبا، فهر نحوي ونبح علي وقام كالأسد ~~العظيم وكبش علي فخرق لحمي ومزقه ، فرجعت على نفسي ms501 باللوم ~~والعتاب، وقلت (في نفسي) : يا نفس [كنت] البارحة مع الأسد لم يعد ~~عليك وقد أنس بك ، فلما عصيت الله عز وجل في يومي هذا، ورميت ببصري إلى ~~ما نهاني عنه سلط علي هذا الكلب. اللهم إني تائب PageV02P387 # إليك، وبكيت على نظري إليها زمانا . # ومنهم : ### $ 249 - أبو عبد الله محمد بن أبي حميد # شيخ متعبد أطرابلسي ، فضله مشهور. # قال أبو عبد الله مكي بن يوسف: نزلت بطرابلس [حين] انصرافي من الحج، ~~فكنت أكثر الاختلاف إليه فإني لجالس عنده ذات يوم إذ أتته امرأة بصبي ~~قد احدودب ظهره، فلا يقدر أن يمشي، ولا يرفع رأسه، فأجلسته بين يدي ~~الشيخ ، فقال له الشيخ: يا بني ارفع رأسك؟ فما قدر، ثم قال له: # امش ؟ فما قدر، فالتفت إلي وقال: يا أبا عبد الله أما ترى هذا ~~الصبي ما استطاع المشي ولا قدر أن يرفع رأسه؟ فقلت له: نعم يا سيدي، فأمر ~~بيده على ظهره ثم كتب باصبعه ثلاثة أسطر لم أقف على ما فيها، ثم ~~قال للصبي : ارفع رأسك، فرفع رأسه، ثم قال له : امش ، فمشى. # قال: واني لعنده ذات يوم ومعنا رجل جالس، إذ قام الشيخ لحاجة PageV02P388 ~~الإنسان، فالتفت إلي الذي كان معي، فأقبل يذكر من فضل الشيخ، فقلت: ~~نعم هو كما تذكر، (قال) : وأخبرك بشيء رأيته منه، سألته ليلة أن أبيت ~~عنده، تبركا بذلك وطلبا للفائدة فيه، فقال لي: يا أخي، ما عندنا إلا كسرة ~~ يابسة، فقلت: يا سيدي إنما سروري الاجتماع بك، قال: فصليت معه العشاء ~~الآخرة وما فتح الله بعدها وأوتر، ثم صعد على سدة له ورمى إلي جلدا ذا ~~صوف لأنام عليه، ثم أقبل علي، فقال: كنت أشتهي الساعة أن آكل معك لحما ~~مطبوخا بلفت وبعده سنبوسقا . قال الرجل: فما استتم الكلام ~~حتى سمعنا قرع الباب ./فقال: ويحك، انظر من هذا؟ فقمت، فإذا بخادم، ~~فأعلمته بها، فخرج إليها، فقالت: يا سيدي، سيدي يقرأ عليك السلام ويقول لك: ~~[يا سيدي] هذا شيء عملناه لك فلم يتم إلا الآن، فاقبله. ms502 قال ~~الرجل: فإذا [هو] -والله-لحم مطبوخ بلفت، وسنبوسق . PageV02P389 # وكان في عصره رجل يقال له: ### $ 250 - أبو العباس التنمزيلي # ظهرت له كرامات. قال أبو الليث السراج: حدثني رجل ثقة أطرابلسي نسيت ~~اسمه قال-: احتيج إلى سارية لمسجد بناحية أطرابلس ، فأرادوا إخراجها ~~(إليه) من المدينة، فلما توسطوا بالعجلة التي عليها السارية (الباب) ~~(3) نشب رأسها في عتبة الباب، (قال) : ووراء العتبة حجر، فاجتمع لها خلق ~~من الناس بالحبال والشرك- (يعني السيور -والخشب، ففرجهم عنها وخلع ~~كرزية كانت على رأسه، فأدخلها تحت السارية ودعا رجلا، فدفع إليه طرفها ~~وأمسك هو الطرف الآخر، ثم قال: قل باسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ~~وارفع، فقالا جميعا ورفعا، فارتفعت السارية من ذلك الوحل. # وهذا المسجد معروف بمسجد البدوية ، وهو اليوم في قبلي أطرابلس ~~بموضع يعرف بالسوق القديم ، وهي قرية مسكونة/وفيه نحو الخمسين ~~سارية، وهذه السارية إذا تلي القرآن فيه جهرا ترشح عرقا، دون ما سواها ~~حتى يقول الراءون (لها) : إنها إنما تبكي من خشية الله تعالى، وأن بركة ~~أبي العباس عادت عليها. PageV02P390 # واختصم مرة بمدينة طرابلس قوم من المسلمين مع قوم من النصارى على حجر ~~، فزعم المسلمون أنه كان بمسجد (قد) انهدم وأن النصارى قد ~~أدخلوه في ركن من أركان كنيستهم عمادا له، وزعم النصارى أن الحجر لهم ~~قديما، وأن المسلمين ادعوا عليهم فيه. قال: فقال أبو العباس: اذهبوا ~~بنا إلى موضع الحجر، (قال) : فساروا حتى حاذوا المكان، فوقف أبو العباس ~~(ووقف الناس معه-رضي الله عنه-) ، فقال: أيها الحجر، إن كنت كما قال ~~المسلمون، فقع بإذن الله تعالى وقدرته، وإن كنت كما قال النصارى فاثبت في ~~مكانك، قال: فمال الحجر حتى سقط بالأرض وانهدم ركن الكنيسة الذي كان ~~معتمدا عليه. قال: فقال للمسلمين: ارفعوا حجركم. # وقال للنصارى: ابنوا أنتم كنيستكم. PageV02P391 ### || ثم كانت سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 251 - أبو علي الحسن بن نصر السوسي # الفقيه، مولى امرأة من أهل قصطيلية . صلى عليه بمدينة سوسة/ودفن بها ~~وخرج إلى حضور جنازته خلق كثير من أهل القيروان، وكان ms503 في فضله وورعه ~~وصلابته في الحق وفقهه، وتصحيح كتبه وسماعاته وتقييده ، وتلاوته ~~لكتاب الله عز وجل وقيام ليله وصيام نهاره، ما لا يحمله كتاب. # كان أبو الفضل الممسي يشرف قدر الحسن بن نصر ويرفع من حاله على من هو ~~أعلى منه ذكرا، ولا يعجبه من العلماء إلا العاملون ، وكان يقول: إنما ~~ في نواحي إفريقية أربعة رجال: سحنون بن أحمد بن ملول بقصطيلية، ~~والحسن بن نصر بسوسة، وحمود بن سهلون بالساحل وقمود بقابس. PageV02P392 # قيل عن الحسن بن نصر انه كان لا تذكر (الدنيا في مجلسه، أقام فوق ~~الأربعين سنة إذا دخل شهر رمضان لم يكلم) أحدا من الناس، ولا أهلا ولا ~~ولدا، وإذا أراد حاجة كتب بها ويقول: ينبغي للصائم أن لا يتكلم بما لا ~~يحل له ولا ينظر إلى ما لا يحل له، وكان يختم في كل ليلة من شهر رمضان ~~ختمة. # وذكر عنه أنه قال لولده محمد: (يا بني) اربط لي حبلا في السقف ~~لعلي أقدر أصلي قائما-وكان ذلك في علته التي مات فيها-قال محمد: # فربطت له الحبل وحملناه حتى وقف على نفسه وأمسك الحبل، فغلب ولم/يستطع ~~القيام كما كان، فبكى وقال: وا غوثاه! يا لله! حيل بيني وبين طاعة ربي. ~~قال: فقلت له: يا أبي صل جالسا، وأنت تعلم أن الفرض يصلى جالسا مع الضرورة ~~فكيف النفل؟ فقال لي: يا بني العمر قصير والعمل قليل، وإنما أردت أن ~~أعمل أكثر مما عملت، فالحمد لله على ما قضى وقدر. # قال محمد: ولما طالت بأبي العلة قال لوالدتي: يا عائشة طالت علتي وتوليت ~~مني خيرا وتعبت معي تعبا كثيرا، وأنت في ذلك مأجورة مثابة، لا تملي ولا ~~تزهدي في خدمتي واصبري. فإني ما أشك أن أجلي قد قرب، فيذهب أجرك بقلة ~~الصبر، سمعت هاتفا يقول لي من هذا الطاق: يا حسن غداة صلاة الظهر تنفرج عنك ~~، فما أشك أني بالغداة أموت، فكان كذلك. رحمة الله عليه. PageV02P393 # وأما ورعه، فحدث محمد ولده قال : كان أبي جالسا يوما في داره (وحوله ~~طلبة ms504 العلم) ، حتى دخل عليه عمرون الفقيه -وكان من رجاله- فدفع ~~إليه ثمن درهم وقال له: اشتر لنا بهذا حوتا من هذا السراف ، قال: # فمضى عمرون فاشتراه وجاء به إلى الدار، قال: فأخذنا الحوت وقليناه ~~وجعلناه في بواقي حتى دخل الشيخ بعد صلاة المغرب/وكنا نعمل له حريرة ~~ يفطر عليها، وكان يسرد الصيام، فقدمناها إليه، فشربها. (قال) : ثم ~~قدمنا له الحوت، فلما رآه استعظمه وقال، أرأيت ما فعل عمرون؟ حرمنا في ~~هذه الليلة العشاء، أعطيناه ثمن درهم يشتري لنا به، فزاد من عنده واشترى ~~هذا كله. فلما كان الغد جلس الشيخ في مسجده، وأتى عمرون مع سائر ~~الناس، فقال له: يا أبا حفص أعطيناك (ثمن درهم تشتري لنا به سرافا، فاشتريت ~~لنا بأكثر مما أعطيناك وحرمتنا العشاء البارحة) ، فقال له عمرون: PageV02P394 # ما زدتك-أصلحك الله-من عندي شيئا، لكني وجدته رخيصا (فاشتريت لك منه رطلا ~~بالكبير بثمن درهم، فقال له: حيث وجدته (رخيصا) كنت تشتري (لنا) ~~ منه بخروبة وترد خروبة . قال: ثم أكل الشيخ منه في الليلة الآتية ~~هو وأهل داره. # وكان-رحمه الله تعالى-متوقفا عن الشبهات طيب المكسب. # ذكر عن حسنة بنت البندوني-الرجل الصالح-وهي زوجة محمد ابن الحسن، (وكانت ~~صالحة) ، وكانت تسكن مع الحسن في داره ، [أنها] قالت: لما كان ~~يوم من الأيام، بعد صلاة العصر والشيخ في المسجد، قرع علينا الباب، ففتحنا، ~~فإذا بثلاثة من الخدم على رءوسهم طيافير مغطاة، فقلنا لهم ما ~~هذا؟ فذكروا أن ذلك من عند رجل من فقهاء سوسة جليل القدر. قال: فأخذنا ~~الأطباق وتركناها على حالها مغطاة حتى دخل الشيخ من المسجد وقت ~~إفطاره، فقدمنا له فطره الذي يفطر عليه ثم قدمنا له PageV02P395 ~~الأطباق، وكشفناها [له] فإذا فيها: قباط وفالوذج ومشاش ~~، فقال لزوجته: من أين هذا؟ أليس قد قلت لك: لا تقبلي من أحد شيئا ~~ولا هدية، (ولا تأخذي) إلا ما يأتي به عمرون فإنه بقطاعي يشتري، ~~فقالت له زوجته: وجه به إليك فلان الفقيه ، فقال لها: فلان ~~[الفقيه] متولي أحباس سوسة؟ وإن كنت أعلم أنه من أهل الدين ms505 والفضل ~~والعلم، فأنا ممن لا آكل له طعاما ولا لغيره ، وغضب على زوجته غضبا ~~شديدا إذ عصته وقبلت الهدية، فقالت له زوجته: فادفعها لولدك محمد يأكله ~~ هو وعياله، فقال لها: # سبحان الله! وتستفتيني لمن أعطيه وتدخل علي الدواخل ، أنت ~~أولى به وبحسابه غدا، اعملي به ما شئت، فأبت من ذلك زوجته وتورعت PageV02P396 # وأخذت الأطباق بما فيها/وجعلت من حملها لها ومضت بنفسها معها إلى ~~دار الرجل، واعتذرت له عن الشيخ، فأخذها منها وغضب لذلك وقال لها: قولي له ~~: يا أبا علي أتعلم في أموالنا حراما؟ وغضب على الشيخ مدة ثم رجع ~~إليه بعد ذلك. # وكان الرجل الذي وجه [إليه] بالأطباق : عبد الله بن حمود السلمي ~~المعروف بابن الحفنة وكان فقيه البدن واسع (الرواية) . قيل ~~: إنه انكسر عليه من جملة الكراء مال. فأدى ذلك من ما له ولم يضطر ~~السكان إلى الغرم رقة منه عليهم، رحمة الله تعالى عليه. # قال ولده محمد: غلا السعر مرة بسوسة، فقلت لأبي: اشتر لنا ~~(الطعام) ، فإني أرى السعر قد غلا، فقال لي: ادع لي بحسان-يعني خادمه- ~~قال: فدعوتها، فأتت (الخادم) فقال لها: اكتالي ما عندنا من ~~القمح. قال محمد: فظننت أنه يشتري لنا ويزيدنا، فعرفته الخادم أن عندنا ~~ PageV02P397 ثمنين قمحا ، فقال لها: امضي به إلى السوق إلى الجروي ~~ الحناط وقولي له: # يقول لك الشيخ: بع لنا هذا القمح ، (ففعلت الخادم) فقال ~~لي: يا بني يا محمد (أنت) إنما متكلك على ما في يديك، فما أنت من ~~المتوكلين على الله تعالى. كأن القمح إذا كان عند أبيك ينجيك من قضاء ~~الله عز وجل (عليك) ، أنت رجل قليل اليقين، يا بني: من توكل على الله ~~كفاه. # وكان متقللا من الدنيا. # قال أبو عبد الله محمد بن خليفة : وجهني معلمي-وكان يقال له ابن ~~الكشاطة-بمسألة في كتف إلى الحسن بن نصر ، فكتب له جوابها. قال: # فمضيت إليه فوجدته قائما على رجل سدة وهو يطين حائطا في داره بالطين ~~وزوجته تكور له الطين بيديها وتناوله إياه يملس به الحائط، فأخبرته ~~بالمسألة، فأخذ ms506 الكتف من يدي وقرأها وقال لي: معك دواة؟ فقلت: نعم. ~~فأخذها وكتب الجواب ودفعه إلي وهو قائم على حاله. # وكان يلبس جبة صوف، فإذا اتسخ صدر الجبة أدارها فرد الذي منها ~~PageV02P398 على ظهره حذو صدره . # وكان يجعل على رأسه مربعة زوجته . وهي خرقة لطيفة. # وكان إذا صب المطر يقرأ هذه الآية إن الله يمسك السمااات والأرض أن تزولا ~~ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده خوفا على داره أن تقع من وهاها ~~. # وكان أكثر زيه فروا وقلنسوة منه. # وكان يقول: بعت ريعا بتوزر ، فرأيت في المنام (كأن) قائلا يقول ~~لي: اجعله في التراب، فلما استيقظت تذكرت الحديث: «من باع ريعا أو عقارا ~~فقمن أن لا يبارك له فيه إلا أن يرده في مثله» قال: فلما/جئت إلى ~~مدينة سوسة ضاق علي الحال بها، إذ ليس بيدي صنعة أتعيش بها، ولا معرفة ~~بأمور الدنيا والتصرف فيها، فرأيت والدي في المنام فقال لي: أين مالك؟ ~~فأتيته به، فحفر له في الأرض وجعله فيها ورد عليه (التراب) ، فلما ~~أصبحت سألت (عنها) بعض المعبرين، فقال لي: إنما أمرك أن تشتري به ~~أرضا تنتفع PageV02P399 بشجرها وما تحرث فيها، فاشتريت ريعا بمدينة ~~سوسة، وقرية المريدين ومنزل أبي سعيد . وكان يقول لولده: قد ~~اشتريت لك ريعا تمضي إليه بالغداة مع الرفقة المتوجهة إلى ~~القيروان وترجع بالعشي مع الرفقة المتوجهة من القيروان إلى سوسة ~~والشمس مع ذلك وراءك في سيرك ووراء ظهرك في رجوعك. # قالت حسنة زوجة ولده محمد: بينما هو ليلة في صلاته إذ سمعته زوجته ~~عائشة- (رضي الله عنها) - وهو يصيح بها. قالت عائشة: فطلعت إليه وأنا ~~مذعورة-إذ ليس من عادته (أن يصيح) بعد أخذه في الصلاة- فقال: ~~كأني أسمع صرير مزمار، فقلت له: ومزمار في سوسة من أين (وأين) ؟ ~~[وأنت] قد قطعت منها الملاهي وكسرت ما في دار الخمر من أواني الخمر، ~~فقال لي: تسمعي ، (قالت) : فسمعت حس مزمار من ناحية قصر طارق ~~ فأخبرته بذلك، فلما تيقنه، قطع ما هو فيه ونزل إلى باب PageV02P400 ~~داره، ففتحه وصاح ms507 إلى بعض جيرانه، وقال: التمسوا لي هذا المزمار في ~~أي دار هو وعرفوني بذلك ، فمضوا حتى وصلوا (إلى) قصر طارق ~~فسألوا أهل القصر عمن نزل بالمسكن الذي بنى طارق في غربي قصره، ~~فقالوا : نزل به رجل من هؤلاء القوم يقال له: الأمير طاهر جاء من ~~المهدية وهو ابن عم إسماعيل السلطان، أتى معه بالمسكر والملاهي، ~~فرجعوا إلى الشيخ وعرفوه بذلك، فقال لهم: اجمعوا الناس، فلما جمعوهم قال ~~لهم : تصلون إلى هذا الفاسق وتقولون له: أتيت بالمنكرات ~~إلى رباط المسلمين وثغر من ثغورهم، اخرج عنا وإلا جاهدناك حتى تخرج، (قال) ~~: فذهبوا إليه وعرفوه ما قال الحسن-رحمه الله تعالى-فقال لهم: أنا ~~منصرف عنكم بالغداة، وقطع التي كانت عنده، ولم يسمع منه بعد النكير عليه ~~شيء، فلما أصبح رحل عنهم. # وكان هذا من الحسن بعد (تركه) النظر بين أهل سوسة، لأنه إنما ولي ~~في أيام زيادة الله . # ولما كان بعد فتنة أبي يزيد جاء إسماعيل السلطان إلى مدينة سوسة، ~~PageV02P401 فنزل في الملعب وقال لعبده/جوهر : تمضي إلى الحسن ~~بن نصر فتأتيني به بعد ما ينام الناس عند الرقدة، فركب جوهر وأتى دار ~~الحسن، فاستأذن وقال: يخرج إلي الشيخ، فطلع ولده إليه، فوجده يتهجد، فقال ~~له: # اقصر في صلاتك، فإن جوهر رسول الأمير إسماعيل بالباب. قال: فنظر ~~إليه نظرة منكرة كراهة منه لذلك. قال: فخرج إلى جوهر فاعتذر له عن ~~الشيخ بأعذار ، فلم يقبل ذلك (منه) جوهر وقال له: لست انصرف ~~ من ها هنا حتى أجتمع به ، فإما أن يمضي معي أو يعتذر بعذر يظهر ~~لي صوابه مما يزيل عنه العتب، فرجع إلى أبيه، فقال له: إن جوهر قال: لا ~~يمضي إلا بك ولا يزول من على الباب حتى يجتمع بك قال: فو ~~الله ما نظر إلي ولا اشتغل بكلامي حتى فرغ من حزبه. ونحن والجيران تحت خوف ~~عظيم من وقوف جوهر على الباب، فلما قضى صلاته التفت إلي وقال لي: أما ~~استحييت من الله عز وجل، أنا قائم بين يديه وتقول لي: جوهر واقف ms508 ~~بالباب PageV02P402 (قال) : وعزم الشيخ على الخروج، وكان (عليه) ~~فرو مقلوب، قلبه من جراء إصابة فيه، فقلت له: بهذا الفرو المقلوب تخرج إلى ~~جوهر؟ (قال) : # فقال لي: ما أقل حياءك من الله تعالى، قمت به بين يدي الله عز وجل وتقول ~~ لي اخرج بغيره إلى جوهر، ثم خرج إلى جوهر واجتمع به واعتذر له ~~بأعذار كثيرة وجرت بينهما مراجعات طويلة، فقبل جوهر أعذاره وقال له: ~~أنا أجتمع بمولاي وأحمل عنك هذا الأمر، وأرجع إليك بما يكون في ذلك، فلما ~~كان عند السحر عاد إليه وقال له: قد اجتمعت بمولاي وأخبرته بأعذارك، ~~فعذرك وشق عليه إذ لم يجتمع بك، وهو يقرأ عليك السلام ويسألك في ~~الدعاء، فقال له: قل له: أصلحك الله للمسلمين وأصلح جميع قضاتك. ولم يزده ~~على ذلك. # وقيل انه، إذ كان حاكما، فكان في أيام الموسم وقدوم أهل القيروان ~~إلى الرباط -يجلس في القبة التي يؤذن فيها، في جامع سوسة، وكانت تشرف ~~على أبواب البحر، فإذا رأى رجلا معه حدث أمر بأن يؤتى به، فإن كان الصبي من ~~الرجل [مثل] أبيه أو قرابته تركه، وإن استرابه منعه من التصرف ~~به. # قال أبو الحسن اللواتي الفقيه : إن الحسن رد شهادة رجل وأسقطه من PageV02P403 # أجل أنه كان ينزل من حانوته فيتصرف متزرا بمئزر عاري البدن ، ~~فقال: أسقط مروءته وهمته، رضي الله عنه. # وفيها صلب: ### $ 252 - محمد بن [إسحاق] الحبلي # قاضي مدينة برقة (وكان) السبب في ذلك، أنه أتاه عامل برقة المعروف ~~بابن كافي فقال له: إن غدا العيد، فقال له : إن رئي الهلال الليلة كان ~~ ما قلت، وإن لم ير لا أخرج لأنه لا يمكنني أن أفطر الناس يوما ~~ من رمضان وأتقلد ذنوب الخلق فقال له: بهذا وصل كتاب مولاي ، ~~فالتمس الناس الهلال تلك الليلة فلم يروه، فأصبح العامل إلى القاضي بالطبول ~~والبنود وهيئة العيد، فقال له: لا والله، لا أخرج ولا أخطب ولا أصلي ~~[العيد] ولا PageV02P404 أتقلد أن أفطر الناس يوما من رمضان ولو ~~علقت بيدي، فمضى العامل، فجعل من ms509 خطب وصلى. وكتب بما جرى إلى مولاه ~~، فلما وصل إليه الخبر أمر برفعه إليه، فلما وصل قال له: إما أن ~~تتنصل وأعفو عنك، وإلا فعلت بك ما قلت، فامتنع من الدخول في دعوته، ~~وقال له : امتثل ما شئت، فنصب له صاريا عند الباب الأخير ~~ من أبواب الجامع الذي يلي درب المهدي وعلق بيده إليه في الشمس، ~~فأقام كذلك ضاحيا [للشمس] في شدة الحر يومه ذلك، فلما كان بالعشي ~~مات رحمه الله. # وكان يطلب من يسقيه الماء في ذلك الحال، فلا يجسر أحد من الناس ~~يسقيه لأنهم خافوا، فلما مات أخذوه ومضوا (به) فصلبوه على خشبة ب «باب ~~أبي الربيع».رحمه الله تعالى ورضي عنه، وكان الله عز وجل حسيب الظالمين ~~والمنتقم منهم يوم الجزاء والدين. PageV02P405 ### || ثم كانت سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة # ثم كانت سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة # وفيها توفي : ### $ 253 - أبو علي المكفوف، [وهو] الحسن بن علي النحوي الزاهد # (كان) رحمه الله ذا أوصاف جميلة، معروفا بالإجابة، متقللا من ~~الدنيا من المؤثرين/على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. # وكان عالما باختلاف العلماء واتفاقهم مع المعرفة الواسعة بالنحو واللغة ~~وعلوم القرآن [الكريم] . وكان يحسن التعبير وولد أكمه ، انتفع به ~~خلق [كثير] من الناس. PageV02P406 # ذكر الأجدابي الفقيه عن أبي محمد عبد الله بن نصر الخياط انه ~~كان يقال: إن أبا علي المكفوف يعرف اسم الله الأعظم. قال عبد الله: فكنت ~~إذا سألته [أن] يعلمنيه يتناعس لي، فلما ألححت عليه قال لي: لا أفعل ~~، فقلت له: لم يا سيدي؟ فقال: لأنك لا تقوى على حمله [علمته] مرة ~~لإنسان، فمات وهو شص . # قال عبد الله بن نصر: وقلت له-أصلحك الله-أردت سكنى المنستير؟ فقال لي: ~~ لا تفعل، فقلت له: ولم؟ فقال: كان أندلسي من طلبة سحنون بن سعيد- ~~رضي الله عنه-فقال له: أردت سكنى المنستير؟ فقال له: لا تفعل، فإن الذي أنت ~~فيه أولى. قال: ثم قال سحنون: إن سكنته فاجتنب أربعا: لا تجلس في السقيفة، ~~ولا تأخذ مزرعة ولا جنانا، ولا تأخذ صدقة، ولا تكن لهم أماما. ms510 قال: ثم ~~فسرها أبو علي فقال: أما السقيفة: # فهي سوق الخسارة ، ومن أخذ مزرعة أو جنانا لزمه أن يذب عنهما في ~~كل أمر من لوازم الحصون ، وأما الصدقة: فهي أوساخ الناس، وأما الإمام: # فإنما يعني المتولي لأمورهم كالأمير وشبهه. PageV02P407 # قال عبد الله وكنت جالسا عنده حتى دخل عليه رجل، فشكا إليه فاقة، ~~فنزع جبته، فرمى بها إليه، وبقي عريانا في مئزر خلق (من) صوف، ~~فقلت له: هذا مرفوع عنك، أنت في فاقة وليس لك من الدنيا شيء ، فقال: ~~اجلس يا خياط ليس نصلي حتى يأتي ما هو خير إن شاء الله تعالى، فبعد ساعة ~~دخل عليه رجل ومعه غلامه يحمل رزمة فيها جبة شرب رفيعة مستعملة، ~~ومنديلا مهلبيا جديدا (ومئزرا جديدا) ، ودفع إليه صرة فيها نفقة، فقال ~~(له: الرجل) : يا سيدي أحب أن تقوم على رجليك حتى ألبسك بيدي، ففعل ذلك ~~وكساه الجبة، وجعل المنديل على رأسه، وشد المئزر في وسطه، ثم انصرف. فقال ~~لي يا خياط: أعطيناه جبة خلقة فعوضنا [جبة] جديدة ومنديلا ومئزرا ~~ونفقة كثيرة. # (قال) : ورأيت مرة الجوع في وجهه، وقد أقام ثلاثة أيام لم يطعم ~~[شيئا] ، فأردت الانصراف، فقال لي اجلس حتى نتغدى، فما كان بأوشك [من] ~~ أن دخل أبو عبد الله الرعيني المتعبد بسكباج وخبز ~~PageV02P408 فرني ، فأكلنا، فلما انصرف أبو عبد الله قلت له: أكنت معه ~~ تحت وعد؟ فقال: لا والله، ولكن أقمت ثلاثا لم أطعم، فسألت الله تعالى ~~أن يسد جوعتي ويرزقني من حيث لا أحتسب. قال أبو عبد الله: ثم اجتمع بي أبو ~~محمد الخياط فقال لي: أكنت مع الشيخ في وعد؟ فقلت: لا والله إلا أن عجلة ~~ جاءتنا من القرية، فذبحناها وعملنا منها للشيخ ما يأكل. # قال أبو محمد الخواص : اشتهى أبو علي لحما بإطرية ، قال: وذكر ~~ذلك لمن حوله، فلما فرغ من ذلك إذا بامرأة في يدها طاس عليه منديل ~~لطيف، وهو مملوء بلحم وإطرية ومعه خبز سخن، فجعل بين يدي الشيخ أبي علي، ~~فقال: سبحان الله، وأخذ الطاس. (قال) : فقلنا ms511 للمرأة: من وجه معك بهذا ~~(الطاس) ؟ فقالت: رجل أعطانيه في رأس هذا الزقاق وقال لي: امضي ~~ به، فادفعيه إلى الشيخ، وما أدري (من هو) . # وقال مرة لرجل مرشا ، في شيء نازعه فيه من أبيات شعر، ثم استدرك ~~وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال للرجل: لا بد لك أن تقول لي مثلما ~~قلت لك، فكبر ذلك على الرجل، فلم يزل به حتى قال له مثلما قال، PageV02P409 ~~فحينئذ طابت نفسه وحمد الله تعالى على ذلك. # ومن قوله في الشعر، ما أنشده الفقيه [أبو عبد الله] الأجدابي قال: # أنشدني أبو محمد عبد الله بن نصر الخياط قال: أنشدني أبو علي (النحوي رضي ~~الله عنه) : # مراض من الأشواق تحيا قلوبهم %~% بذكرك بل كادت إليك تطير # /يضيء ظلام الليل نور قلوبهم %~% فهم لليالي المظلمات بدور # لهم طرق كانت إلى الله سهلة %~% وهن على من لا يحب وعور # يناجيك بالشكوى دخيل ضميرهم %~% وأنت بشكواهم لديك خبير # هم القوم لا يلهيهم عن مليكهم %~% أعاليل دنيا للفناء تصير # وكتب إلى بعض إخوانه يعرض له بشيء: # من كان يبغي الذل في نفسه %~% فليطلع الناس على فقره # ما للفتى إن عضه دهره %~% معول أحسن من صبره # فلما قرأ البيتين دخل عليه فوجده جالسا ، وعليه فرو خلق قديم، وهو ~~مكشوف الرأس فخلع عليه ثوب كتان جديد، وجبة شرب عجيبة رقيقة، ~~ومنديلا (جديدا) وسراويل طرنيا ، وجعل بين يديه صرة ~~فيها مائة درهم. PageV02P410 ### || ثم كانت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 254 - أبو حفص عمر بن محمد بن مسرور العسال الفقيه # للنصف من شعبان، وسنه نحو من أربعين سنة ، ودفن بباب أبي الربيع. # صلى عليه أبوه. كان ذا أوصاف جميلة. [وكان] فقيها عظيما . # قال السبائي: ما تطيب على قلبي فتيا أحد مثل فتيا أبي حفص لأنه يشوب ~~فتياه بورع وخوف وشدة مراقبة وإشفاق وحذر. # قال أبو بكر بن عثمان المؤدب: ما قام أبو/إسحاق السبائي لأحد إلا ~~لأبي حفص بن العسال، وذلك أن أبا إسحاق كان جالسا في داره حتى دخل عليه ms512 ~~أبو حفص ، فقام إليه أبو إسحاق السبائي (وتلقاه) وصافحه وجلس، فقال ~~له أبو إسحاق: ما الذي أتى بك-أصلحك الله عز وجل؟ -فقال له أبو حفص: نعتني ~~نفسي، وما أظن أجلي إلا قد قرب فأردت أن أحدث بك عهدا، فقال ~~له أبو إسحاق: جمع الله شمل المسلمين بك وأبقاك لهم؛ PageV02P411 فقيل لأبي ~~إسحاق يدخل إليك العلماء فلا تقوم لأحد منهم وتقوم لأبي حفص؟ فقال: أبو حفص ~~عالم عامل. # (وكان يقول: إذا أردت أن ترى العالم العامل) فعليك بأبي حفص. # وكان قد جمع الله تعالى فيه خصال الخير كلها. وكان قصير العمر ، توفي ~~في حياة والده. ذكر الشيخ أبو الحسن بن القابسي أنه دخل على ~~الشيخ أبي عبد الله ابن العسال وولده أبو حفص في النزع، والشيخ جالس ~~وفي يده جزء من القرآن يقرأ فيه بحذاء طاق في داره ، وكان في المجلس ~~جماعة من الفقهاء فيهم ابن أبي زيد وغيره، فكان يحول وجهه إليهم فيقول ~~لهم: كيف رأيتم أبا حفص؟ فتقول له الجماعة: بخير إن شاء الله تعالى، ~~فنحن كذلك حتى مات أبو حفص، قال فأدركتنا وجمة وخشينا أن نفجأ ، قلب ~~الشيخ أبي عبد الله والده/فسكتنا، فحول وجهه إلينا وقال: مات أبو حفص؟ ~~فقلنا له: نعم، -أصلحك الله تعالى-جبر الله مصابك . قال: # فثنى الجزء على إبهامه ولم يطبقه. ثم حول وجهه إليه، وهو جالس ~~في مكانه، فقال: رحمك الله يا بني، فلقد كنت صواما قواما، حافظا لكتاب ~~PageV02P412 الله تبارك وتعالى، عالما بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~ولقد طمعت- يا بني -أن أكون في صحيفتك، فالحمد لله الذي جعلك في صحيفتي. ~~قال، ثم قال: # خذوا في غسله وتهيئته وفتح المصحف وأقبل على قراءته . PageV02P413 ### || ثم كانت سنة أربع وأربعين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 255 - أبو بكر محمد بن سعدون الجزيري التميمي # المتعبد ، رحمه الله تعالى. آثاره وآدابه ومروءاته كثيرة. وحج ~~حججا مع كثرة الرباط. # لزم قصر ابن الجعد، حسن الصوت بالقرآن. سمع (من) محمد بن بسيل ~~ومن غيره. سمع بمصر من جماعة وبمكة. وصحب ms513 أبا عقال وأبا هارون ، وجال ~~بالشام: في لبنان وجبل اللكام والأكواخ ، وغزا به غزوات، وكان يقوم ~~في جموع المسلمين فيحرضهم على الجهاد بمقامات كانت عنده، وبشعر الدهفلي ~~، وبما يشوق ويبكي، فكانت النيات تنبعث معه. PageV02P414 # قال أبو الربيع سليمان بن محمد: لما قدمنا من الحج سنة تسع وعشرين ~~وثلاثمائة وصلنا إلى مصر فمضينا إلى الجبل المعروف بالمقطم /، إلى ~~المسجد الذي فيه، ليلة الجمعة، وكان معنا أبو بكر بن سعدون الجزيري، والحسن ~~بن أبي سراح ، والرجل الصالح أبو عبد الله، من قصر زياد ، وحملنا ~~معنا طعاما، فأصبنا أبا عبد الله الرجل الصالح يقرأ حديثا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ورغائب فصلينا معه العصر ثم المغرب، وكنا صياما ، ثم ~~قدمنا الطعام، فدخل علينا أسود طوال يسمى عليا ، عليه مرقعات، من سكان ~~الجبل، فقال أبو عبد الله: هذا ولي من أولياء الله تعالى-يعني الأسود-لي ~~مدة ما رأيته إلا في هذه الليلة، قوموا بنا إليه لنتبرك به ، فقام إليه ~~أبو بكر بن سعدون فركع وركعنا ثم رقدنا، فلما أصبح صلينا الصبح، ثم نزلنا ~~إلى القبور، ونحن معه، ثم وقف إلى قبر بنان ، فقال: رحمك الله عز وجل ~~يا أبا الحسن فلقد سلم لك دينك وقدمت على من يهون عليه غفران ذنبك. ثم وقف ~~إلى قبور قوم صالحين، فقلت له: يا سيدي ادع لنا، فقال لي: أتحب ~~الدراهم؟ قلت: # إي والله. قال: ليس يصلح حب الله وحب الله وحب الدراهم، إنما يحب الله ~~وحده. # فقال ابن سعدون: لنا عيال. فقال له: العيال عيال الله عز وجل، أنت تنفق ~~عليهم؟ ليس هذا حجة. ثم عطف علينا فقال: لا جعل الله الدنيا أكبر ~~PageV02P415 همكم، ولا جعل فكركم إلا في لقائه ورضاه ومن عليكم ~~بالعمل/الصالح، والورع الحاجز، وجعلكم ممن يتقيه ويخافه سرا وعلانية، ~~واستعملكم بأعمال طيبة تحظون بها عنده وتتقربون بها إليه. فقال ~~له [ابن] سعدون: من بلاد من أنت؟ فقال: أنا من بلاد القيروان من تربية ~~ رجل صالح نفعني الله (تبارك وتعالى) به، ثم ودعنا وطلع ~~الجبل. # ذكر ms514 الشيخ أبو الحسن الفقيه أنه سمع ابن سعدون يقول: صليت بمصر ~~اثنتي عشرة ركعة ثم نمت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول ~~الله إن مالكا والليث -رضي الله عنهم-اختلفا في الضحى، فمالك يقول: ~~اثنتا عشرة ركعة، والليث يقول: ثمان . قال: فضرب بيده بين وركي ~~وقال: رأي مالك-رضي الله عنه-هو الصواب ، ثلاث مرات . قال أبو بكر ~~ وكان PageV02P416 في وركي وجع فمن تلك الليلة زال عني. # وكانت له براهين من نور تضيء عليه إذا صلى ونحوه. # وهو أحد الشيوخ الذين عقدوا الخروج على [بني] عبيد الله. وكان ~~من دعائه إذا فرغ من صلاته في أيام أبي يزيد ويشير إلى نحو «جمة» يقول: ~~اللهم من أرادنا فرده، ومن كادنا فكده، اللهم اكسر عنا حد من أقام لنا حده، ~~واطفئ عنا نار من أوقد لنا وقدة، واعم عنا أعين الكفرة، وأنزل علينا ~~السكينة، واكسنا درعك الحصينة. # قال أبو الحسن الزعفراني : حضرنا مسجد السبت، ومعنا أبو بكر ابن ~~اللباد وأبو بكر بن سعدون، فافتتح بعض القوالين فقال: # لا يشغلنك عن حبيبك شاغل %~% فإذا فعلت فإن حبك باطل # فتحرك محمد بن (أبي) سهل الصوفي، ثم استغرقه الحال، فما بقي أحد في ~~المسجد إلا بكى لصدق ذلك الرجل في حركته. ولقد نظرت إلى ابن اللباد وإن ~~دموعه لتنحدر على لحيته، وابن سعدون وقد علا نحيبه. # وأملى أبو بكر بن سعدون : # الخير أجمع في السكوت %~% وفي ملازمة (البيوت) # فإذا تهيأ ذا وذا %~% فاقنع-إذن-بأقل قوت PageV02P417 # وأنشد أيضا: # إذا القوت تأتى %~% لك والصحة والأمن # وأصبحت أخا حزن %~% فلا فارقك الحزن # وأنشد أيضا: # سجن اللسان هو السلامة للفتى %~% من كل نازلة لها استئصال # إن اللسان إذا حللت عقاله %~% ألقاك في شنعاء ليس تقال # وفيها توفي : ### $ 256 - أبو بكر بن الفتح المؤدب # في ذي الحجة. صلى عليه القاضي ابن هاشم . # قال محمد بن الفتح الرجل الصالح الفاضل: خرجت يوم العيد إلى المصلى ~~في سنة مجاعة، فإذا بشيخ يصيح: أشبعوني (فإني) ومن عندي PageV02P418 # جياع ومن أشبعنا أشبعه الله من ثمار ms515 الجنة، فأخذت قيراطا كان ~~[بقي] معي فاشتريت به خبزتين وأعطيتهما له ، فأخذهما مني وضمهما ~~إلى صدره وقال لي: فرحتني فرحك الله بالجنة وأطعمك من ثمارها التي لا تقطع ~~ولا تمنع ، ثم زلت عنه، فحسست لذة كلامه وإجابة دعائه في قلبي، ~~فمضيت إلى المصلى، ثم انصرفت إلى داري، فأخذتني نومة، فأتاني آت فقال لي: ~~يا محمد بالخبزتين ترحم. # وفيها توفي : ### $ 257 - أبو العباس فضل بن نصر التاهرتي . # صلى عليه ابن هاشم . كان عالما بمذهب الشافعي. وكان يصنع الشعر، فمن ~~[ذلك] قوله : # بلغ الوشاة علي حيث أرادوا %~% والله يسألهم وما قد كادوا PageV02P419 ~~والله (يعلم أنني) ما قلت ما %~% قال الوشاة تأفكا وأعادوا # فهب الوشاة أتوا بأمر بين %~% أين الكرام أبدلوا أم بادوا # عفو الملوك عن الذنوب مدائح %~% مدحوا نفوسهم بها فأجادوا # وكتب إليه بعض إخوانه يعزيه بابن له قتل في ناحية الجزيرة ، فكان في ~~بعض جوابه (له) : # وصل كتابك فجدد شوقا إلى رؤيتك، وهيج صبابة إلى الاجتماع بك، وخيل إلي، ~~على شحط الديار ، وبعد المزار، شخصك، وصور لي ، على نأي ~~المساوف بيني وبينك، مثالك. ووقفت على ما وعظت به وعزيت عليه، فنبه من ~~غفلة، وأيقظ من رقدة، وذكرت قول بكر بن حماد في ولده: # وهون وجدي أنني بك لاحق %~% وأن بقائي في الحياة قليل # وأن ليس يبقى للحبيب حبيبه %~% وليس بباق للخليل خليل PageV02P420 ولو أن ~~طول الحزن مما يرده %~% لنادمني حزن عليه طويل # بلى ربما دارت على القلب لوعة %~% فيرجعها صبر هناك جميل # غير أني-يا أخي-إذا فكرت في أول هذا الشعر لم أملك عبرا ، ولم أجد ~~صبرا، وهو قوله : # تبدد ما قد كان منك مجمعا %~% وجلله رمل عليك مهيل # فلا علم ينبيك أين محله %~% ولا جدث يشفى عليه غليل # خلا أعظم قد بددت ومفاصل %~% تميل [بها] الأرياح حيث تميل # وكان أبو العباس لما فقد ابنه اختلفت عليه الأخبار فيه، فمن قائل له: إنه ~~قتل، وقائل: إنه مات، وقائل: إنه حي، ومن مخبر أنه غرق في البحر، فقال في ~~أمره (وأحسن) القول : # فلو ms516 كافتقاد الناس قبلي بنيهم %~% أتيح له موت وأضمره قبر # إذن لصبرت النفس ثم أحتسبته %~% ليعظم لي من بعد ميتته الأجر # ولكن طوت عني المقادير أمره %~% فما لي به منذ انتأى شخصه خبر # فرحمتك اللهم قد بلغ الأسى %~% نهاية مجهودي وقد غلب الصبر PageV02P421 ### || ثم كانت سنة ست وأربعين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 258 - أبو محمد/عبد الله بن أبي هاشم مسرور التجيبي # الفقيه، مولى بني عبيدة (التجيبيين) المعروف بابن الحجام . # فضائله-رحمه الله تعالى-مشهورة، وأوصافه جميلة، وهو أحد الأئمة، مهاب في ~~نفسه لا يكاد أحد ينطق في مجلسه بغير الصواب، كان يشبه بيحيى ابن عمر ~~وحمديس القطان. سمع من جماعة ، وانتفع به عالم كثير. # توفي شهيدا بحرق النار. قيل: [إنه] اصطلى، عند كبره وعند ما غلب ~~عليه البلغم ، فنعس فالتهبت النار في ثيابه وأفرطت فيها حتى ~~احترق هو PageV02P422 نفسه وشعر وجهه إلا موضع السجود منه وكان مولده سنة ~~ثلاث وستين ومائتين. # كانت له تأليفات ومصنفات في أنواع من العلوم . واقتنى كتبا كثيرة ~~كلها بخط يده قال الشيخ أبو الحسن بن القابسي-رحمه الله-: ترك أبو ~~محمد سبعة قناطير كتب كلها بخط يده . زاد غيره: إنه لما توفي رفع ~~جميعها إلى سلطان الوقت، فأخذها ووضعها في القصر ومنع الناس منها ~~كيدا للإسلام وبغضا فيه. # وفي رواية : إنه لما اشتد به المرض قال له بعض أصحابه: نخشى أن ~~يأخذ السلطان كتبك إن قدر الله تعالى عليك بالموت ويمنع الانتفاع بها ، ~~وأنت قد تعبت فيها وضبطها، فحبسها على المسلمين ، ووجه ثلثها إلى أبي ~~محمد بن أبي زيد، وثلثها إلى/موضع آخر، والثلث (الآخر) إلى موضع آخر، ~~ففعل ما أمروه به ، فلما كان الغد قال لهم: لم أقدر البارحة أن ~~أنام لما فقدت كتبي فردوها علي، فردوا عليه ثلثيها وتركوا الثلث الآخر عند ~~ابن أبي زيد، فتوفي حينئذ، فوجه السلطان في الوقت، فأخذ كل ما كان عنده ~~PageV02P423 من الكتب، ولم يسلم منها إلا الثلث الذي كان عند [ابن] ~~أبي زيد. # قيل : إن أهله اشتروا له جارية وزينوها وأدخلوها عليه، فلما ms517 كان ~~الليل أخذ في الكتاب، فكتب الليل كله ولم يلتفت إليها، وأقام على ذلك ~~ نحوا من شهر، فلما طال ذلك على الجارية، قالت له: إن كنت لا تصل ~~إلي وليس لك في غرض فبعني. فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا جاريتك فلانة. فقال ~~لها: أنا ما اشتريت جارية، ولكن امضي إلى الذين اشتروك يبيعونك، ففعلت ~~ذلك. فلم يتزوج ولم يتسر إلى أن مات. قال أبو بكر ابن عبد الرحمن: فأقام ~~على ذلك حتى مات، وبه نال ما نال. # وذكر عنه انه انتظر يوما رجلا في حضور السماع، فطال الانتظار ، ~~فقال له أبو القاسم الفزاري الشاعر: -أصلحك الله-حضرني بيت من الشعر، ~~تسمعه إن شئت؟ [فقال: نعم] ، فأنشده : # مثل جرى في الناس ليس بقاصد %~% جوع الجماعة في انتظار الواحد # قال: فقال: أنزلوا الرزمة واقرؤوا. PageV02P424 ### || ثم كانت سنة سبع وأربعين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 259 - أبو بكر يحيى بن خلفون المؤدب الهواري # كان من أقرإ أهل زمانه. وكان فاضلا. رحمه الله. # وكان قد ابتلي برجل مشرقي يقف بإزاء كتابه فيسب أبا بكر وعمر-رضي ~~الله عنهما-لينكيه بذلك ويغيظه ، فلما أكثر عليه من ذلك قال ~~لصبيانه: إذا أقبل فأخبروني، فلما أقبل أخبروه، فقام فاستخفى في زاوية من ~~زوايا الكتاب وقال لهم: إذا وقف وسب فابتدروه وأدخلوه الكتاب، فلما أقبل ~~على العادة وثب عليه الصبيان، فأدخلوه الكتاب وجعلوا رجليه في ~~الفلقة، فلما فعلوا ذلك قال لهم الهواري: ارفعوا أصواتكم بالقراءة، وقفوا ~~بالباب وارفعوا ألواحكم، ففعل ذلك الصبيان وأقبلوا يصيحون لكيلا ~~يعرف أحد بذلك، ثم ضربه المؤدب ضربا عظيما حتى أدماه وضربه الرأس والظهر، ~~فلما أعيا (وكل) قام إليه الصبيان (فقالوا) له: يا مؤدب قد ~~نلت أنت سهمك من ضربه فدعنا PageV02P425 نحن ننال من ضربه مثل ما ~~نلت أنت، فقال لهم: دونكم، فقاموا إليه، فضربه كل واحد منهم ما قدر عليه، ~~فلما لم يبق منه مفصل صحيح أخذوه بيد ورجل فرموه في الزقاق، فمر به حمال، ~~فسألوه أن يحمله في القفة، فأتى الناس (إلى) الهواري فقالوا له: هو ms518 ~~عند السلطان من حاله ومن شأنه [كذا وكذا] ، فنخشى أن تمتحن على يديه، ~~ولكن امض إلى فلانة الحرة ، ولا سيما ابنها عندك في الكتاب، فقال لهم: ~~أحسنتم وأصبتم، فصاح بالصبي ولد الحرة وقال له: كلما أقول لأمك شيئا ~~فصدقني عليه ، فقال: نعم. # فمضى بعكازه إلى دار الحرة، فضرب الباب، (وقال: الهواري) ، فخرج ~~إليه والد الصبي فقال له: ما قصتك يا مؤدب؟ فقال له: الحرة لا بد لي ~~منها، فأذن له في الدخول، فدخل عليها، فقالت له: ما شأنك يا مؤدب؟ فقال ~~لها: أتى فلان إلى كتابي فعارض الصبيان في الفساد، فإن كنت لم تصدقيني فيما ~~قلت لك فسلي الصبي يخبرك، فقال الصبي: نعم سألني في الفساد ، ~~فقالت: هذا الفاعل الضائع علي به، فأتي به إليها، فأمرت بضربه بالخطور ~~ (-يعني المطارق-، فضرب) حتى أشرف على [الموت PageV02P426 و] ~~الهلكة (وبقي مطروحا) ، فأخذ الهواري عصاه وأتى إليه فضربه برجله وقال ~~له: أنا الهواري يا خنزير يا مشرقي . # قال الشيخ أبو الحسن الفقيه رحمه الله تعالى: انتهى إلى أبي ذميم ~~-لعنه الله- ما يتولى منه المؤدب الهواري من الشتم واللعن، فبعث في طلبه ~~فوصل إليه صاحب المحرس (فدخل عليه) وقال له: يا مؤدب، المعلم نصر ~~يدعوك فقال: من نصر؟ فقال له: السجان. قال: فأردت التحيل في الانفلات ~~فما وجدت، فأخذت قرقى وعصاي وإزاري ومضيت معه إلى سجن (نصر) ~~، فأدخلوني فيه، وأتوا بي إلى غرفة في عتبتها حبل معلق، ~~فقالوا: يا مؤدب، اطلع هنا، فقلت في نفسي: إنما أرادوا مني أن أتعلق بالحبل ~~فينقطع بي فأسقط إلى الأرض، فانكسر وأنا شيخ كبير، فجعلت يدي في العتبة ~~وثرت ، فصرت في الغرفة، فلما أن جلست دخل علي نصر وأعوانه ومعه قفة ~~فيها الأنكال والأغلال، فقال: مد رجليك يا PageV02P427 مؤدب، فقلت: ~~لماذا؟ فقال: أمرنا بتقييدك، قال: فمددت رجلي، فلما أن قربت مني الأنكال ~~دخل علي فتى جميل الوجه طيب الرائحة وقال: تنحوا عن الشيخ، وصاح عليهم، ~~فقلت له: من تكون؟ (فقال: أنا جوهر) فقلت له: أنت جوهر المذكور ~~في ms519 مجالس العلماء والصالحين. وقلت في نفسي: باللعنة؟ فقال: نعم. فزالوا ~~عني. ومضى بي، فأدخلني عند مؤدب ولده، ومضى يستأذن علي، ثم أقبل فأخذ بيدي ~~وأدخلني على (ابن) بادية ، وهو معد، وكذلك كان يسميه المؤدب، ~~فلما أن دخلت عليه في إيوانه وهو جالس على سرير ملكه ورأيته، أقبلت وأنا ~~ألعنه وأدخلت يدي تحتي وأنا أعقد السفافل وأقول في نفسي: ابن بادية ~~ هذه في عينك، هذه في قلبك. # قال: فلما أن قربت منه قال لي: يا مؤدب ، بما استحققنا الشتم ~~منك تشتمنا وتعلننا [قال] : فقلت له: على ابن خيرون قرأته ~~وتصاممت له. # وأريته إنما سألني على من قرأت. قال: فكرر علي الكلام ورفع صوته وقال لي: ~~بلغنا أنك تشتمنا وتطعن علينا، فقلت له: القرآن قائل هذا، وحولت ظهري وقلت ~~له: من هاهنا يؤخذ الحد، ولم يدر ما تحت ذلك. ثم أمر لي بعشرة دنانير ~~وصرفني وقال لي: يا مؤدب لا تعد. قال: فقلت له: القرآن PageV02P428 ~~قلت لك القائل هذا . قال: فانصرف معي جوهر ودفع إلي الدنانير. # (قال) : فلما صرت في سقيفة القصر قام إلي البوابون وأرادوا أن ~~يأخذوا مني مما أعطاني، فلما رأيتهم ضيقوا علي صحت: يا أبا الحسن ~~جوهرا ، فجرى إلي وقال لي: مالك يا مؤدب. وزجر البوابين عني، فخرجت ~~بها. # قال الشيخ أبو الحسن (الفقيه) : فصر الدنانير في صرة وقال (لنا) ~~: # هذه إنما أخذتها لأستعين بها على هدم قصرهم نعطي لكل رجل ربع درهم. # قال: فكان يسأل عن الصرف فإذا أخبروه أنه زاد ربع درهم فرح وقال: # زادني في الهدامين رجلا ، فلما أن توفي-رحمه الله-وجدت الصرة في ~~صندوقه (على حالها) وعليها مكتوب : «هذه دنانير أخذتها من ابن ~~بادية تصرف أرباعا ويعطى لكل رجل ربع درهم لهدم قصرهم ».ولم ~~يمس منها شيئا. # قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله: وكنا عنده يوما في مسجد (ابن) خيرون ~~ (ونحن) نقرأ عليه حتى وثب قائما وقال: قوموا معي، قال الشيخ ~~PageV02P429 أبو الحسن: فخرجت أنا وأبو الحسن ابن الجزيري وأبو عبد الله بن ~~الأندلسي و (من) ms520 كان معنا، فوقف وقال: إذا قلت قولا وفرغت منه فقولوا: # آمين، ولا تختلف أصواتكم، فقلنا نعم. فصاح بأعلى صوته وحول وجهه إلى جهة ~~صبرة وقال: اللهم العن ذا الأمير الصنعاني. (ثم) قال: : قولوا: # آمين. قال: فعالجنا أن تتفق أصواتنا فلم نقدر، فنزق علينا، ثم قال: اللهم ~~العن ذا الأمير الديصاني فما اتفقت أصواتنا إلا عن جهد وشدة. قال: # (ثم) أخذ عصاه وجاء إلى العمود الذي في المجنبة، فأقبل يطعن ~~فيه بعصاه وهو يقول: ابن بادية هذه في قلبك، هذه في بطنك، هذه في عينك. ~~قال: # وهو في جهد حتى عرق عرقا عظيما، ثم دخل (إلى) المسجد فجلس وجلسنا ~~حوله وهو يلهث ويقول: الحمد لله %~% الحمد لله # قال الشيخ أبو الحسن: ومرض مرضة شديدة أشفى فيها على الموت. # قال: فأروا ماءه لابن الجزار الطبيب -وكان ابن الجزار على خلاف ~~السنة- فلما رآه قال: ليس يغلق الخمسة أبدا، هو ميت، فلما رجع ~~الرسول من PageV02P430 # عنده قال له المؤدب: ما قال لك ابن الجزار؟ (قال) : فسكت الرسول. ~~فقال له أقال لك اني أموت من هذه العلة؟ فقال له: يا مؤدب لا تسأل عن ~~هذا. قال: فقال لهم: اشتروا لي لحم بقري وباذنجانا وقرعا واعملوا لي ~~سكباجا محكما ، واشتروا لي خبزا نقيا، فعملوا له ذلك، ثم أكل الجميع مع ~~الخبز، ثم قال لهم: دثروني، فدثروه، فعرق عرقا عظيما، فلما كان بعد العصر ~~أفاق من غمرته ووجد الراحة فقال لهم: أعطوني قرقي وعصاي، فأعطوه ذلك، فمضى ~~إلى دار (ابن) الجزار، فقال لي أبي: فأخبرني بعض من كان جالسا [عنده] ~~ قال: [بينما] نحن جلوس معه تلك العشية حتى سمع حس قرق، قال: فوثب ~~ابن الجزار وقال: هذا حس قرق الهواري وطلع الدرج ورد الباب على نفسه ووقف ~~خلف الباب حتى طلع الهواري فقال: أين هذا الجزار ابن الجزار الذي يقطع في ~~حكم الله عز وجل ويقطع علي بالموت؟ وحق هذه القبلة لو وجدته جالسا لجعلت ~~عصاي هذه بين أذنيه، قولوا له: يا كذاب هذا أنا صحيح سوي، ms521 بهذه العصا ~~ أحارب الدجال ثم مضى. # وفيها توفي: ### $ 260 - سالم الفوال المتعبد رحمة الله عليه. # قال الشيخ أبو الحسن الفقيه: جاء سالم إلى أبي بكر بن اللباد فوجده ~~مخليا، فقال له: لي مدة أشتهي أن أسألك عن مسألة في خلوة فلم أجد فهذا ~~PageV02P431 وقتها. فقال له: ما هي؟ فقال له: -أصلحك الله تعالى-: أنا أحفظ ~~القرآن وحبب إلي قراءته في الليل في الصلاة. فقال له الشيخ أبو بكر: نعم ما ~~تعمل، والقرآن هاد إلى كل خير، والقرآن في الصلاة من أفضل أعمال البر. فقال ~~(2) له سالم: # غير إني-أصلحك الله تعالى-إذا افتتحت القرآن فقلت: الحمد لله رب ~~العالمين: قال الشيخ أبو الحسن: ثم غلب على سالم البكاء والشهيق، فكلما ~~ابتدأ صورة المسألة غلبه البكاء حتى ظن الشيخ أبو بكر أنه إنما يسأل عن ~~وسوسة الشيطان وعن حديث نفسه، فقال له: كلما وسوس إليك الشيطان ولم تعتقده ~~فإن الله تعالى لا يؤاخذك به؛ [هذا] وسالم في بكائه، حتى قال الشيخ: يا ~~هذا، إن الخلوة لا تدوم لك، فاذكر ما تحدث به نفسك. فقال له: إذا افتتحت ~~القراءة غلبتني العبرة وخنقني البكاء، فأحاول أن أتمادى في القرآن فلا ~~أقدر، وخفت أن يكون هذا عقوبة، فأعرض عنه الشيخ أبو بكر، وأقبل ينوح ويبكي، ~~حتى إذا ذهب ذلك عنه وسكن: رد وجهه إلى سالم فقال له: يا بني، دم على ما ~~أنت عليه، فقد أنعم الله عليك، وأعطيت الخشية من الله تعالى، فاحمد الله-عز ~~وجل -على ما أعطاك، واشكره على ما [أولاك و] أنعم (به) عليك، الذي ~~يطلبه الناس فبعد حين يصبح لهم، وجدته أنت في أول أمرك. PageV02P432 # وفيها توفي: ### $ 261 - أبو جعفر أحمد الأطرابلسي # المتعبد بالمنستير بقصر دويد . # كان فاضلا مجتهدا. أقام مرابطا أربعين سنة، لم يأكل من لحم صيد [بحر] ~~المنستير طريا ولا مالحا، ولم يشرب من صهريج ماء القصر، ولا دخل لهم ~~مرحاضا. # وكان ربما واجر نفسه في الحصاد والخرط. # قال أبو بكر بن عبدون (المتعبد) جعلت في فيه قطعة حوت عند ms522 ~~إفطاره فرمى بها من فيه وقال لي: يا أبا بكر ما أكلت حوتا ولا لحما ولا ~~فاكهة منذ أربعين سنة. أقامت بطة زيت في بيته -أتته من طرابلس- ~~وثمنة فول، معلقة تسع سنين، فما نظر إليهما حتى أعطاهما للزوار ~~. # وكان ينام على الأرض لا حصير ولا وسادة ولا كانون ولا سراج ولا برمة، سوى ~~قدح كان يتوضأ فيه للصلاة، حتى قعدت عيناه (في) رأسه من ~~PageV02P433 الجوع. وما أوقد في بيته مصباحا قط.وكان إذا تاقت نفسه إلى ~~لقمة سخنة يأخذ قبضة من دقيق الشعير بنخالته، فيعجنها ، فإذا نظر إلى ~~نار قد استغنى عنها أصحابها وأنزلوا قدورهم (عنها) دفنها في بقية ~~تلك النار. # قال الشيخ أبو الحسن: وأهدى قوم إلى أبي الحسين الكانشي المتعبد سفنجة ~~ بعسل، فلما رآها أبو الحسين أعجبته وقال لنفسه: أمضي بها إلى أبي جعفر ~~الأطرابلسي قال: فأخذ الإناء على يده وأتى إلى [بيت] أبي جعفر، فضرب ~~الباب، فقال: من؟ فقال: أبو الحسين، ففتح من الباب يسيرا، فدفع إليه أبو ~~الحسين الإناء فلما رآه ضرب الباب في وجه أبي الحسين وقال: إذا حصلت في ~~أعناقهم قلادة قالوا أحمد الأطرابلسي. قال: فمضى أبو الحسين والطاس على يده ~~ ووقف على بيته ، وصاح بأعلى صوته: يا صاحب القلادة %~% يا صاحب ~~القلادة .. فقال: (يا) مبارك خذ قلادتك. قال: # فتحير الناس في أمره وهو يصيح (كذلك) بأعلى صوته، فأتاه القوم ~~الذين أهدوا إليه [السفنج] فقالوا له: مالك-أصلحك الله تعالى-؟ فقال ~~لهم: # خذوا قلادتكم، فقالوا له: -أصلحك (الله تعالى) -أو ما تعرف ~~أكسابنا وطيبها؟ فقال لهم: أيش أنا قلته ، أحمد الأطرابلسي، (الرجل ~~الصالح) قاله. (قال) : فأخذ القوم طاسهم وانصرفوا عنه. PageV02P434 # وكان أحمد هذا من المستجابين في الدعاء : # قال أبو عبد الله الجزيري : كانت لي امرأة صالحة، وكانت أقعدت ~~وامتنعت عن الصيام والقيام واحتاجت إلى القصرية فقالت لي يوما: سألتك ~~بالله سل لي سيدي أبا الحسين الكانشي يسأل الله تعالى أن يريحني من ~~هذا الحال، فأتيت الشيخ أبا الحسين فلم أجده، قال: وكان الشيخ أبو ~~الحسين ربما ms523 انخلس فلا يوجد (لا) في الشعراء ولا في القصر، ~~فخرجت أختبر، فإذا بأحمد الأطرابلسي ماشيا، فسلم علي وقال لي: أيش ~~خبرك؟ فقلت له: هل رأيت الشيخ أبا الحسين؟ فأشار إلى جرف على شاطئ البحر ~~وقال لي: هو تحته يصلي. ثم قال لي: ما خبرك؟ فذكرت له أمر الزوجة و (ذكرت ~~له) أنها (امرأة) ذات دين وعفاف. فقال لي: فرج الله عنها وأتاها ~~بالفرج من حيث لا تدري ولا تشعر. ثم مضى؛ ومضيت (أنا) حتى جئت إلى ~~الشيخ أبي الحسين الكانشي، فوجدته قائما يصلي، فجلست أنتظره، فطول في ~~صلاته -وذلك من الضحى إلى (أن حانت) صلاة الظهر، فلما حانت صلاة ~~(الظهر) حركت طرفه وقلت له: -أصلحك الله تعالى-حانت صلاة ~~PageV02P435 الظهر، فأوجز في صلاته وسلم، [فلما سلم] رد وجهه إلي وقال ~~لي: الأمر الذي جئتني فيه قضى فيه ذمام الأطرابلسي. قال: فقلت له: وما هو ~~-أصلحك الله-؟ فقال: جئت في أمر المرأة ؟ فقلت له: نعم. قال : # ولقيت أحمد الأطرابلسي فدعا لها؟ فقلت له: نعم. فقال: قد عوفيت في ~~ذمام أحمد. قال أبو عبد الله: ثم مضينا فصلينا الظهر ثم مضيت إلى عند ~~زوجتي، وقد تركتها مقعدة، فوجدتها قائمة تصلي . فعجبت-والله-من هذا ~~عجبا عظيما. ثم أصبحت فأتيت إلى الشيخ أبي الحسين، فقلت له: # سألتك بالله (تعالى وتقدس) ما هذا؟ وكيف كان الأمر؟ فقال لي: يا هذا ~~[إنما هو] نور يجعله الله تعالى في القلوب/فينطق من يشاء كما يشاء، ~~ويسكت من يشاء كيف يشاء . ثم أنشد أبو بكر بن عزرة : # وما أنا بالمستنكر البين [إنني] %~% بذي لطف الإخوان قدما ~~مفجع # حديثهم في كل حي ألفتهم %~% إذا أنفس عزوا علي تصدعوا PageV02P436 # وفيها توفي : ### $ 262 - بشير بالمنستير ودفن بها. رحمه الله تعالى. # كان متقللا من الدنيا، وأكثر عيشه بقل البرية. # قال خلفون التونسي: سألني رجل من أهل الدنيا أن أمضي معه ليراه، فمضيت ~~معه، وكان الرجل الدنيوي طويلا جسيما. قال: فدخلنا إليه وباب النوالة ~~(2) قصير لا يدخله الإنسان إلا منحنيا، فجلسنا عنده ساعة، فأخرج الرجل ~~دراهم ms524 فسأله قبولها، فقال له بشير: لا حاجة لي بها انها تبتخس عندي من ~~هواء البحر، فقال له الرجل: لا بد من قبولها، فوضعها بين يديه. # ثم قام ليخرج، فانحنى من قصر الباب، فأخذ بشير الدراهم فوضعها ~~على ظهر الرجل وهو منحن (قال خلفون) : فأشفق الرجل إن خرج أن تتبدد ~~الدراهم إن قام فبقي منحنيا وقال لي: خذ الدراهم من على ظهري، فأخذتها ~~وبشير يضحك من فعله وخوفه عليها. # وقال خلفون: ذبح الأعرج يوما شاة-وكان أمينا على المنستير-فقال لي: ~~يا خلفون امض بربع هذه الشاة إلى بشير، فمضيت إليه فوجدته قائما على باب ~~نوالته، فلما رآني وضع يده على أنفه وقال لي: إليك يا خلفون الجيفة معك، ~~/اذهب عني، قال: فمضيت بالربع في يدي ولم يقبله. PageV02P437 # قال أبو بكر الزرجوني -[وكان] من فضلاء المؤمنين-كان [بشير ~~المتعبد] يقول: إلهي في الدنيا الهموم والغموم وفي الآخرة الحساب ~~والعقاب، فأين الراحة؟ # ذكر عنه أنه قال : بينا أنا عند أبي علي إذ دخل (عليه) شاب ~~عليه ثياب نظيفة ورائحة [طيبة] عجيبة، فقال له: ما حقيقة الشكر ~~لله عز وجل، بعد معرفته؟ فقال له أبو علي: ما هذا؟ أو ليس قد قلت: بعد ~~معرفته؟ لما صحت المعرفة كان شكرك مطويا في حقيقة المعرفة. فانصرف الفتى. PageV02P438 ### || ثم كانت سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة # وفيها توفي : ### $ 263 - أبو الخير العبد . رحمه الله تعالى. # كان يسلك طريق النساك. ثم رحل إلى المشرق فظهرت له (كرامات) ، ثم سكن ~~جبل لبنان ، فتوفي هناك. # قال حسن بن فتحون: كان أبو الخير-رضي الله عنه-ينشدني: # ما الدهر إلا ليلة %~% (من) بعدها يوم جديد # وكلاهما بك فاعل %~% ما لا تريد وما تريد PageV02P439 ### || ثم كانت سنة تسع وأربعين (وثلاثمائة) # وفيها توفي: ### $ 264 - أبو الفضل العباس بن محمد الصواف الغدامسي # المتعبد بالمنستير-رضي الله عنه-.يوم الجمعة صلاة العصر لاثنتي عشرة ليلة ~~خلت من شهر ربيع الأول. ودفن يوم الأحد ضحى في داخل الجزيرة ، وهو ابن ~~ست وتسعين سنة. صلى عليه القاضي عبد الله بن هاشم [و] نفر الناس للصلاة ms525 ~~عليه مشاة وركبانا وكان ما افترق في غيره من/الأوصاف الجميلة اجتمع فيه ~~. # سئل رحمه الله عن السنة التي سكن فيها بالمنستير، فقال: قدمت من ~~غدامس إلى إفريقية فنزلت بمدينة سوسة في ذي الحجة سنة ست وثمانين ~~ومائتين، فأقمت بها ثلاثة أشهر. ثم رحلت إلى المنستير في شهر ربيع الأول من ~~سنة سبع. قال: وكنت حججت سنة أربع وثمانين ومائتين من بلدي وأبواي حيان، ~~فلما ماتا رحلت إلى المنستير. # ولما وصل إلى المنستير استعمل نفسه في غسل الميض ، (فكان إذا فرغ ~~PageV02P440 الناس استقى الماء وغسل الميض) . وكان ربما جعل خده على ~~الموضع المغسول تواضعا (لله عز وجل) ، ثم انتقل من حال إلى حال حتى بلغ ~~الدرجة التي مات عليها. # وكان يخدم المرابطين ويأتي إلى الشعراء بثلاثة حبال يعمل فيها ~~ ثلاث حزم من حطب ويشدهم وينقلهم قليلا قليلا حتى يأتي بالجميع إلى ~~القصر . # وكان يعجن لصالحي الموضع ويخبز لهم. ويقوم [في] الليل في الشتاء ~~فيسخن الماء لمن أراد منهم غسلا أو وضوءا. وكان يقول: خدمت المرابطين ~~ثلاثين سنة وخدموني ثلاثا وثلاثين سنة، فلهم علي الفضل. # وانتفع الشيخ أبو الفضل الغدامسي بشيخ جليل متعبد يعرف بالباجي، على يديه ~~تعلم القرآن. وبعد موته رأى أبو الفضل رؤيا، قال: رأيت معلمي الباجي في ~~المنام، فسألته عن حاله، فذكر خيرا، فقلت له: فكيف كان موتك وكيف ~~كان خبرك؟ فقال: لما مت ردت/إلي نفسي. فكنت أعرف كل ما تصنعون بي حتى ~~أخرجتموني وغسلتموني وكفنتموني، وصليتم علي، فلما دفنتموني وانصرفتم عني، ~~صاح بي صائح يا رجل، يا رجل، فما علمت أنه يريدني، فصاح بي يا هذا الذي نزل ~~عندنا الساعة، فقلت له: ما تريد مني؟ فقال لي: اقرأ، أما ترى ما جاءك؟ قال: ~~فانطلق لساني في سورة يس. قال: PageV02P441 # وأتاني الملكان فقال أحدهما للآخر: سله، فقال له: كيف أسأله أما ~~تسمعه يقرأ قلب القرآن. قال فمضيا عني وما سألاني. # ذكر عنه أنه قال: ما عصيت الله تعالى قط في عمري-فيما أعلم-إلا ثلاث ~~مرات. أما واحدة: فإني رأيت رجلا ms526 يخنق أبي حتى ضيق عليه . # والثانية: حين كنت شابا راودني إنسان على نفسي-وكان معروفا بالسوء- فقلت ~~له: انصرف عني وإلا فقأت عينك، فلم ينصرف، فأخذت حصاة فرميته بها، ~~فطارت عينه الواحدة، ثم ألح علي ، فقلت له: إن لم تنصرف وإلا فقأت عينك ~~الأخرى، (فلم ينصرف) ، فأخذت حصاة ، فرميت بها عينه الأخرى، فذهبت، ~~فبقي أعمى لا يبصر. ورأيته بعد ذلك في الأسواق أعمى يتكفف الناس. ولم ~~يخبرنا بالثالثة، رحمة الله عليه. # قال الشيخ أبو الحسن الفقيه-رحمة الله عليه-: يقال إنه لم يغضب في عمره ~~إلا ثلاث غضبات كلها لله، واحدة منها في/خبر أبيه في بلده واثنتان في ~~المنستير إحداهما : في خبر أبي سوادة ، وكان شيخا صالحا، فأوذي ~~فغضب له أبو الفضل وانتصر له، والثالثة: في خبر القط الذي كان يسمى «نسنس» ~~، وذلك أن ابن أبي الربيع جلس عند الميضاة يغسل حيتانا، فأخذ ~~«نسنس» منها حوتا، فضربه ابن أبي الربيع ضربة منكرة، فغضب أبو PageV02P442 ~~الفضل وقال: أما علمت أنه «إنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء» ، ~~إن «نسنس» إنما أخذ قسمه ولم يأخذ قسمك، لو كان [لك] مقسوما لم يأخذه، ~~ثم قال: أما علمت أن الحوت في البحر مكتوب على ظهره-وهو في البحر-إنه من ~~رزق فلان. # ومن ذلك ما رأي محمود المتعبد [رأى] النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المنام وهو يقول له: اجمع الفول الأخضر من جنانك واحمله إلى الغدامسي فإنه ~~اشتهاه. قال: # فاستيقظت فخرجت إلى الجنان، فجمعت الفول الأخضر ومضيت به إلى (الشيخ) ~~ الغدامسي، فقال له : من أخبرك أني اشتهيت الفول؟ فقال له: # النبي صلى الله عليه وسلم أخبرني في المنام. # وكان إذا خرج من المنستير أحد يريد الحج يأتي إلى أبي الفضل ~~الغدامسي فيسأله في الدعاء، فيقول له أبو الفضل (الغدامسي) : يا ~~أخي إذا رزقت (الحج) وزرت قبر النبي عليه الصلاة والسلام فأحب أن تقرأ ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم [مني] السلام وتقول له: أبو الفضل ~~الغدامسي يقرأ عليك السلام وكذلك صاحبيك ، قال أبو القاسم: فلما حججت ~~وزرت ms527 سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت له: يا رسول الله [تعالى ~~وتقدس] أنا فلان بن فلان من سكان المنستير، وأبو الفضل الغدامسي ~~يقرئك السلام وصاحبيك. قال: PageV02P443 # فسمعت صوتا لا أشك أنه صوت عمر بن الخطاب لجهارته وهو يقول: تبلغنا، ~~تبلغنا. # قال أبو الحسن الفقيه: كان أبو الفضل الغدامسي يذكر أشياء فيقال له: # من أين لك هذا؟ فيقول: يأتيني شيخ من ناحية البحر فيحكي لي، فقيل ~~له: من هذا الشخص؟ فأشار [إلى] أنه الخضر (عليه السلام) فقيل له: # وما الدليل على أنه (الخضر) ؟ فقال: يأتي بأمر لا يستطاع دفعه. # وكان يتكلم على الخاطر : # ذكر أبو بكر بن سعدون قال: كنت يوما عند أبي الفضل (الغدامسي) ، فجال ~~في سري أن أسأله عن شيء من أمر الدنيا، فلما هممت بالاستفتاح في السؤال عن ~~ذلك عطف علي فقال يا أبا بكر، قلت لبيك، قال: والله ما معي من الدنيا ~~قيراط واحد وأنا أختار ذلك وأريده. # قال أبو الفضل الغدامسي: سألت الله عز وجل في شيئين فأعطانيهما، سألته أن ~~ينزع من قلبي حب غدامس فنزعه، وسألته أن يكفيني مؤونة البراغيث فكفاني. قال ~~أبو محمد الجبي: فكان يجلس ونحن حوله نتفلى من البراغيث وهو لا يحس شيئا. # قال الفقيه أبو بكر بن عبد الرحمن: حدثني والدي [عبد الرحمن] قال: # مضيت لزيارة أبي الفضل وحملت له معي تمرا، دفعته لإنسان دفعه إليه، ~~PageV02P444 قال: ثم دخلت عليه، فسلمت وجلست، فقال للرجل: من أتى بهذا ~~(التمر) ؟ فقال له: -أصلحك الله تعالى-هذا الشاب، وأشار إلي، فقال لي: ~~من أين موضعك؟ فقلت له: من أهل القيروان، قال: فأقبل وهو يمدح أهل ~~القيروان، ويذكر ما أنعم الله تعالى به عليهم ويدعو لهم، قال: فقلت له ~~-أصلحك الله تعالى-: أحب أن تدعو لهم بالغيث فإنهم تحت عطش عظيم، ~~(قال) : فأخذ في الدعاء (قال) فدعا بدعاء عظيم، (قال) فوصل ~~إلينا الخبر من القيروان أن الوادي أتى إلى الماجل في الوقت الذي دعا فيه ~~أبو الفضل، فملأ المواجل من غير مطر أصاب ms528 القيروان، إنما مطرت البوادي ~~فأتى السيل إلى المواجل فملأها. # وأتاه رجل يستغيث به وهو يبكي فقال (له: -أصلحك الله تعالى-) ~~أخذ أخي على لبود أتى بها من الأندلس-وكانت اللبود مخطرة لا يخرج ~~بها أحد-وقد سجن في المهدية على أن تقبل ، وهو يتضرع، فرق له الشيخ أبو ~~الفضل وقال له: أمضي معك، (قال) فخرج الشيخ أبو الفضل معه، فلما مشى ~~عن القصر يسيرا استيقظ وقال للرجل: لا حول ولا قوة إلا بالله أخطأنا ~~الطريق، (فقال له-أصلحك الله تعالى-: نحن على الطريق، فقال له: لا يا مبارك ~~قد أخطأنا الطريق) ، قال: فرجع (الشيخ) أبو الفضل إلى ناحية فركع ~~ركعتين وسأل الله عز وجل في حاجة الرجل، فما أصبح الصبح حتى وصل الرجل ~~المسجون إلى أبي الفضل. فقال له: كيف كان خبرك؟ فقال له: ما أدري- أصلحك ~~الله تعالى-إلا [أني] كنت جالسا في PageV02P445 الليل أنتظر ما يصنع ~~بي حتى فتح باب السجن وحلت قيودي وقيل (لي) : # اخرج الساعة إلى المنستير. # وذكر عنه -رحمه الله تعالى-أنه سأل الله عز وجل أن يريه وليا من ~~أوليائه فرأى في منامه (كأن) قائلا يقول له: إذا كانت الليلة ~~الآتية تبيت برا من القصر فترى ما سألت، فلما كانت الليلة الآتية ~~انخلس من القصر وبات برا، فلما كان في ظلمة الليل رأى نورا ساطعا في ~~«قبة الرمل» قال: # فمشى إليه فإذا (في «قبة الرمل») شخص في أطمار وقد غلب نوره على ~~سواد الليل، قال: فسلم عليه، فرد السلام وقال له: يا هذا ألا سألت الله عز ~~وجل في العفو، فإنك إذا سألته في العفو أعطاك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر، ثم ولى. # قال أبو محمد الجبي: جاء مرة السلطان معد-لعنة الله عليه-جائزا ~~بالمنستير فنزل بها وضربت فازاته، فأرسل إلى الشيخ الغدامسي يسأله في ~~الخروج إليه ليراه، فصعب ذلك على الشيخ، والرسل تأتي وراءه، فأسبغ الوضوء ~~وركع ركعتين، فجاء رسول يجري وراء الرسل يخبرهم أن السلطان رحل، فقالوا له: ~~أيش الخبر؟ فقال لهم: ms529 [بينما] السلطان جالس حتى دبت عليه عقرب، فقال ~~لهم: ارحلوا الساعة من هذا المكان، فمضى ولم يجتمع به. # وأما سخاؤه ومروءته/وكثرة صدقته (ومعروفه) فكثير، وإيثاره على نفسه ~~وإشفاقه ورقة قلبه، وسلامة صدره: PageV02P446 # قال أبو محمد الجبي: ما رأيت أهون من الدنيا عند أبي الفضل ولا أقل وزنا: ~~وذلك أن رجلا أتى إليه وهو يجري ويلهث حتى سال عرقه، فقال له أبو الفضل: ما ~~دهاك؟ فقال: أتيت لأبشرك بوصول لوح مشحون أرسل [به] إليك، فقال ~~له: وهذا الذي صيرك بهذه الحالة؟ فقال له: نعم، فقال له: اذهب فبارك ~~الله لك في اللوح بما فيه. # قال أبو محمد بن أبي زيد (الفقيه) : بلغني أن ابن عم له بغدامس توفي ~~وليس له وارث غيره وترك جنانا وغلاما فيه محافظا على صلواته من ~~الأتقياء، فقال: أشهدكم أنه حر وأن الجنان عليه صدقة. # قال أبو محمد الجبي: أتى ليلة أبو محمد بن التبان الفقيه إلى أبي الفضل ~~الغدامسي ليبيت عنده، فصاح بابن مؤنس ورشيد وقال لهما: الفقيه بات ~~عندنا الليلة وليس عندنا ما نعشيه (وما يصلح له) ، الحقوني ، ~~قال: # فمضى ابن مؤنس في الوقت إلى القصر فوجد سبع حجلات مع (بدوي) ~~فاشتراهم وأتى بهم، فلما رآهم الشيخ سر بهم سرورا عظيما، ودخل إلى بيته ~~وأخرج نعلا طائفيا جديدا مما أهدي إليه، وقطائع وأشياء مما يساوي ~~دنانير، PageV02P447 فدفع جميع ذلك إلى ابن مؤنس وقال له: خذ هذا فبعه ~~وابعث به إلى صبيانك ينفقونه كما أدخلت على قلبي السرور في هذه الليلة. # /وذكر عنه أنه أقام يشتهي غسانية سنين عدة، فقال للذي يخدمه: قد ~~تاقت نفسي إلى هذه الشهوة الغد أغدو ومعي ديناران ورثتهما من أمي، ~~فخذهما وامض إلى سوسة فاشتر لنا سميذا طيبا وعسلا وما يصلح وتأتي معك بطباخ ~~يتولى لنا طبخها، فقال له خادمه إن الذي ذكرته يقوم بدار عرس ويأكل (منه) ~~ ثلاثمائة رجل، وأنت إنما تكسر شهوتك على ربع مد [سميذ] وربع ~~قفيز عسل، وربع درهم زعفران وتأكل مع هذا منه ليالي ، فقال ~~له: ms530 يا بني قد علمت هذا الذي تقول ولكن آكل الغسانية وحدي دون المرابطين؟ ~~إنما أردت أن أعمهم كلهم بأكلها، فمضى الخادم إلى سوسة فأتى معه بالطباخ ~~وبكل ما يحتاج إليه، فلما صنعت الغسانية (وأحكمت) قال لخادمه: اذهب ~~إلى كل رجل في القصر فآت بصحفة من عنده نبعث فيها إليه بسهمه. قال: فأتى ~~بصحاف كل من في القصر-القصبة والربض-وجعل صحفته بين الصحاف حتى عمهم كلهم ~~وفرقها عليهم ولم يبق في PageV02P448 (بيته) إلا صحفته فيها سهمه ~~وسهم خادمه (فقط) ثم قال أبو الفضل لخادمه : قد بقي علينا الشيخ ~~المسن الكبير الذي في موضع كذا وكذا من القصر، وهو شيخ صالح قديم الخير لا ~~يؤبه له، فكيف لم تأت بصحفته؟ فقال: قد-والله-أنسيته، فقال: لم يبق ~~إلا صحفتي وفيها سهمي وسهمك فامض إليه بسهمي، فقال له خادمه: ~~-أصلحك الله تعالى-لك مدة تشتهي هذه الغسانية وتحرمها نفسك الساعة؟ أنا ~~أمضي إليه بسهمي وأترك (أنت) سهمك تفطر عليه/فقال: لا بد أن تمضي إليه ~~بسهمي، فقال له: # نمضي بسهمك وسهمي إليه، فقال: ذلك إليك، قال: فمضى الخادم بجميع ما ~~في الصحفة، وتنكد عليه من أجل ما حرمه الشيخ من شهوته، فلم يمش إلا ~~قليلا وإذا بغلام أسود على كتفه خرج كبير فيه أزيار كثيرة وعليها ~~قراطيس مشدودة مملوءة إلى أفواهها بالغسانية المحكمة الصنعة، والقباط ~~ الأبيض النضيج ملوز وغير ملوز، وفالوذج، وثردة حلوى بماء الورد ~~والمسك والكافور. وأقبل وهو يقبل رأسه ويديه (ورجليه) ويتضرع إليه أن ~~يأكل منه شيئا ولو وزن درهمين، فقال له الشيخ: من أنت يا هذا ؟ PageV02P449 # فقال : أنا عبد-وأظنه قال: مولاي أبو بكر بن أبي عقبة -، ~~فقال: مالك؟ فقال له: مولاي يطهر الليلة أولاده وقد صنع طعاما واسعا ~~للناس وبعث بجميع ما في هذا الخرج إليك وقال لي، وأشهد الله تعالى [عليه] ~~ وكل من حضر عنده من العلماء والصالحين، إن أكل أبو الفضل الليلة من ~~هذا الطعام شيئا فأنت حر وزوجتك وأولادك أحرار لوجه الله الكريم وابتغاء ~~ثوابه العظيم، فسر أبو الفضل بعتق الغلام وأولاده ms531 [وزوجته] ، وازداد ~~إيمانا ويقينا حين آتاه الله عز وجل في الساعة التي آثر فيها على نفسه ~~هؤلاء المرابطين (رضي الله عنهم) بما لم يكن في (ظنه) ولا في ~~يقينه ، ثم بالعتق للغلام وأولاده وزوجته. # وذكر قوم بحضرته/الدنيا وأهلها وما بلغت (إليه) مكاسبهم وأن قوما ~~كسبوا عشرة آلاف وأربعين ألفا ، والشيخ ساكت، فقال له قائل منهم ~~-أصلحك الله تعالى-: تحب لو كان لك هذا المال فتصرفه في وجوه البر؟ ~~فقال: لا أحب ذلك، وإن ذلك الحجر الذي أطلع عليه إلى الدكان خير ~~ عندي منه، لأن الحجر ينفعني [وذاك لا ينفعني] . # قال أبو الحسن: وكان في هذا متبعا للعلم، لأن سحنون (رضي الله ~~PageV02P450 عنه) قال في كتاب الزهد : ترك الحلال أفضل من أخذه ~~وإنفاقه في طاعة الله تبارك وتعالى. # وكان أبو إسحاق السبائي إذا ذكر أبا الفضل يقول: ذلك سيد العابدين، ~~أخبرني بشيء ما اطلع عليه إلا الله عز وجل. # قال أبو محمد الحسن : قلت لأبي محمد الجبي: ما هو؟ قال: زعموا أن ~~أبا إسحاق السبائي أراد الرحيل من القيروان ولم يخبر أحدا ، هروبا من ~~سلاطين البلد في [ذلك] الوقت، وكان ذلك في نفسه، فأرسل إليه الغدامسي ~~من المنستير: لا تتحرك فليس للقوم إليك طريق. # قال أبو الربيع سليمان بن خلف التجيبي: سمعت رجلا في مجلس الغدامسي وهو ~~يقول: بمنك القديم وفضلك العظيم إلا ما غفرت لنا، فقال له الغدامسي: # أتدري ما منه القديم وفضله العظيم؟ فقال له الرجل: أخبرني-أصلحك الله ~~تعالى-فقال: سمعت أبا جعفر/أحمد بن أبي خالد الدباغ يقول: سمعت عيسى ~~بن مسكين، أو عنه، الشك من أبي الربيع، وهو يقول: منه القديم: # أن جعلك في اللوح المحفوظ مسلما، وفضله العظيم: أن جعلك من أمة محمد عليه ~~الصلاة والسلام. # قال عبد الرحمن بن محمد : سمعت أبا الفضل يقول: ثلاث تنبت النفاق في ~~القلب كما ينبت الزرع على شط الفرات: المنكر ، والاختلاف إلى أبواب ~~السلاطين، واستماع الغناء. PageV02P451 # وكان-رحمه الله تعالى-من أرق الناس قلبا، وأغزرهم دمعة، سليم القلب من ~~غائلة كل مسلم، يرى ms532 أن أكثر الناس عيوبا وذنوبا أفضل منه عند الله ~~تبارك وتعالى. # ولقد ذكر عنه أنه خرج من بيته ليلة من الليالي إلى المسجد، فنظر إلى شاب ~~من جيرانه يقبل حدثا، فأوهمهما أنه لم يرهما وتمادى إلى المسجد فصلى ~~بالناس وعاد إلى بيته، فضاق القصر بأقطاره على الفتى، وطالت عليه ليلته، ~~وجزع جزعا شديدا. وتوهم أن أبا الفضل يحكي عنه للمرابطين ما رآه، وود ~~أنه لم يخلق حياء وحشمة، فهرب إلى سوسة وترك جميع ما في بيته، فأقام بها ~~مدة يتوقع ما يكون، فأتى قوم من المنستير، فسأل رجلا منهم: هل أحدث ~~الغدامسي من بعدي حدثا أو ذكر عني شيئا؟ قال: ما سمعت ولا رأيت ~~، ثم سأل [غيره] فلم يسمع شيئا يسوؤه، وقال له/المسئول: لقد ~~أوحشتنا من غيبتك، وافتقدنا قراءتك وأذانك، فلم يصدقهم فيما بينه وبين نفسه ~~وقال: أحتال في الرجوع إلى بيتي، وآخذ ما كان لي (فيه) ، وأنتقل ~~إلى حصن من الحصون، فدخل الحصن مساء، فأخبر بدخوله الشيخ أبو الفضل ، ~~فقال: علي به، فأتاه جماعة من المرابطين وقالوا له. الشيخ يدعوك، فقام إليه ~~ وهو لا يشك أنه أخبرهم بقصته مع الحدث، وهو PageV02P452 ~~يقول في نفسه: بأي وجه ألقاه، وأي حرمة تكون لي إذا أمر بضربي وأهانني، ~~فقام كأنه يساق إلي الموت بالسيف صبرا، وليس في وجهه نقطة من دم، فلما رآه ~~الشيخ أبو الفضل قام إليه وسلم عليه وعانقه وتبسم في وجهه وقال له: ~~ما هذه الغيبة؟ والله لقد أوحشتنا في غيبتك هذه، امض فصل بالناس فإني قد ~~ضعفت الليلة عن القراءة. وأخذ بيده فمضى به وأدخله المحراب، فلم يصل بالناس ~~حتى كادت نفسه تخرج من بين جنبيه حياء وحشمة، فلما انصرف الناس عدل إلى ~~بيته فقال له الشيخ: سبحان الله العظيم! أنت الليلة ضيفنا وضيافتك ~~واجبة علينا، [فافطر الليلة عندنا] ، فأفطر الغدامسي والفتى معه على ~~طعامه، فلما كان عند طلوع الفجر مر به الغدامسي/وهو يضم قشاشه ، وقد ~~عظم في نفسه الأمر، وقال (في نفسه) مالي وجه انظر به إلى ms533 وجه ~~الغدامسي بعد هذا كله، فعدل إليه الغدامسي وسأله عما يريده، فقال له: أزمعت ~~الانتقال إلى قصر شقانص أو قصر الطوب، فقال له والله لا برحت ولا ~~خرجت مع الناس شبرا واحدا، اجلس يا بني ومد بكفيك إلى الله تعالى معي، ~~ونعتقد توبة نصوحا من ذنوبنا، ونرغب جميعا إلى الله تعالى فيها، فما ~~رأيت في هذه الحصون أكثر ذنوبا مني، وافتتح في PageV02P453 # الدعاء لنفسه وللفتى، واجتهد في التضرع والبكاء ، وعادت على ~~الفتى بركة ذلك الدعاء، فحسن منه الحال، وصار إلى غاية التصون والكمال. # ولما احتضر-رحمة الله عليه-وأغمي عليه أفاق من ذلك وأقبل يقول لمن ~~حوله: أين أنا؟ فقيل له: في بيتك، فيقول : ليس هذا بيتي، هذا ~~بيت من فوقه غرف، ثم أغمي عليه بعد ذلك، ثم أفاق وهو يقول: لمثل هذا ~~فليعمل العاملون، ثم احتضر [وهو] على ذلك، رحمة الله عليه. # وفيها توفي: ### $ 265 - إبراهيم المتعبد ، رحمة الله عليه. # كانت له زوجة متعبدة يقال لها «نصرة» وعنده بنات. وكان يطحن للناس في ~~بيته، ومنه كان قوته. وكان يقول: سألت الله عز وجل ليلة يميتني أن يبيت ~~بناتي بلا عشاء حتى لا أترك لبناتي عدة من الدنيا إلا الله عز وجل . # ويشبه فعل هذا الرجل [في أهله] ما قاله بعض الصالحين: # /إن الذي فوضت إليه أمري %~% هو الذي خلفت في أهلي # لا عدموا فضل إلهي الذي %~% أفضاله أعظم من فضلي PageV02P454 # وفيها توفي: ### $ 266 - أبو حفص عمر بن عبد الله بن يزيد الصدفي # الإمام المتعبد. رحمه الله تعالى. توفي بمدينة سوسة. # كان ممن طلب العلم وجالس العلماء، سمع من أحمد بن أبي سليمان ~~وغيره، ثم اعتزل ولزم العبادة. وكانت له [في] كل ليلة ختمة ثم زاد ~~فهمه، فكان لا يكاد يبلغ النصف حتي ينفجر الصبح، تأوها وتدبرا وحنينا وغزر ~~دمعة. # قال أبو الحسن الزعفراني: كنت إذا رأيت أبا حفص علمت أنه من أهل الليل قد ~~أخلق السهر وجهه. # وكان قد سكن قصر ابن الجعد فكان في ركن منه، وأبو عبد الله ابن ms534 دارة ~~ في الركن الثاني، وأبو الفضل الغدامسي في الركن الثالث، وأبو عبد الله ~~ابن سعدون في الركن الرابع، فكانت أركان القصر تدوي بالقراءة الليل ~~كله، وبالبكاء تارة، وبالنياحة تارة، وهم من أركان القصر يتجاوبون. # وكان من شأنه إذا تكاثر الناس بالمنستير، أيام الموسم، [أن] ~~ يخرج PageV02P455 إلى سوسة-لما اشتهر أمره-وكانت له بها زوجة، فيقيم ~~بها، ويلبس ثيابا جميلة، ويتزيى بزي حسن لا يشبه (زيه) ، ويتصرف (في) ~~ الأسواق كتصرف التجار، ليخفي بذلك حاله ويستر [أمره و] ~~فضله، ولا يعرفه من يراه بهيئته تلك إذ المعروف غير ذلك من لبسته وهيئته. ~~قال أبو علي الحسين ابن سعدون الوراق المتعبد: فيجتمع الناس بقصر ابن ~~الجعد للسلام عليه، ويتكاثرون على باب بيته تبركا به وبرؤيته، ~~ويبحثون عنه رغبة في بركة دعوته فلا يجدون أحدا وهو بينهم بسوسة يتصرف ~~ولا يفطن له ولا يعرف، فإذا انقضى الموسم عاد إلى بيته في القصر ولبس ~~ما اعتاد لباسه من الخشن. # رحمة الله عليه. # وكان مجاب الدعوة: # ذكر عنه أنه رأى ليلة القدر. وكان قد عرض له في ركبته داء منعه من ~~المشي إلا بالعصا وإذا وقف في الصلاة كانت معلقة عن الأرض، وكان الناس ~~يخوفونه منها، قال: فخررت ساجدا في تلك الليلة وسألت الله عز وجل أن يهب لي ~~العافية فيها، فبرئت وزال منها الألم. # قال : وظهر لي إبليس فقال لي: كم بالله بالله وكم هذا الجد ~~والاجتهاد، فقلت له: أتراك يا عدو الله ناجيا من عذاب الله تعالى إذا عذبت ~~PageV02P456 أنا؟ قال: فانخسأ عني. يريد بعدو الله تعالى أنه لا بد له ~~من عذاب الله عز وجل، فلو كان عذابي ينجيك لكنت حريصا على أن تجتهد ~~عليه، ولكن لا بد لك منه نجوت أنا منه أو لم أنج. # ورئي في النوم فقيل له: ما فعل الله عز وجل بك؟ فقال: خيرا، انتفعنا ~~بفروج كان عندنا، قال: فسئلت/امرأته-وكانت ذات دين وتقى- ما سبب الفروج ~~الذي كان عندك (وما قصته) ؟ قالت : (كان) خصيا سمناه في ~~عيد فطر قرب منا، فلما ms535 كانت (ليلة) العيد ذبحناه وأصلحنا له ~~جميع ما يحتاج إليه، فلما صلينا المغرب قربته إليه، فلما نظر إليه قال: أحب ~~أن أسألك في حاجة؟ فقلت وما هذه الحاجة التي تسألني فيها؟ فقال: أحب أن ~~تؤثريني بنصيبك في هذه الصحفة في هذه الليلة، [قالت] فقلت له: أتسألني ~~فيما كان لك أن أهبه لك؟ فقال: أحببت ذلك، قالت : # فقلت له: أفعل وكرامة، قالت : فأخذ الصحفة وحملها على يده وخرج ولم ~~يعلمني من أمرها بشيء فأتى إلى أرملة من جيراننا لها بنون وبنات أيتام ~~فقرع عليها الباب فخرجت إليه، فوقف خلف الباب، فسلم عليها ثم قال لها: وأين ~~PageV02P457 الصبية؟ فقالت: هم نيام، فقال لها: وما أوجب نومهم في هذا ~~الوقت ؟ فقالت له: اصطنع جيراننا أطعمة وفوحوا أبازير وأفاويه ~~فخفت أن يتشوفوا إلى ذلك وليس عندنا شيء فنومتهم، فقال لها: ولم لا أرى ~~عندك سراجا؟ فقالت له: ما عندنا زيت ولا طعام، فقال لها: خذي هذه الصحفة ~~فأنبهيهم فليجتمعوا عليها، ثم أخذ كوزا مملوءا بالزيت وأتى به إليها وقال ~~لها: اسرجي لهم السراج فهذا الذي/أوجب ذكر الفروج في المنام. رضي الله ~~تعالى عنه. PageV02P458 ### || ثم كانت سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 267 - أبو بكر عطية بن محمد بن رهبون الجزري الجماجري المتعبد # قال أبو الحسن الدينوري : ما قدم إلينا من إفريقة أكثر جدا واجتهادا ~~من عطية. # حج حججا كثيرة. وكان مستجاب الدعوة. # ذكر أبو جعفر أحمد الحداد الجزيري-وكان من خاصة عطية-قال: # توجه عطية إلى الحج سنة من السنين، فوصل إلى تروجة ، فدخل المسجد، ~~وكان جائعا فاجتاز به شاب، فلما رآه قال له-وهو خارج من المسجد-: # امض معي فمضى معه، فأدخله بيتا وأتاه بخبز وشراب -يعني لبنا (رائبا) ~~ - فأكل. فبعد فراغه من الأكل (أخبره) أنه نصراني، فقال له: ما ~~اسمك؟ قال: خلف، فقال له: جعلك الله عز وجل يا خلف مؤذنا في هذا المسجد، ~~فلما رجع من مكة أتى إلى ذلك المسجد، فوجده قد أسلم وهو يؤذن في ~~المسجد، واستجاب الله عز وجل دعوة عطية. ms536 # (قال) : وكان أبو العباس الإبياني يجل عطية هذا ويكبره. وكان عطية ~~PageV02P459 [هذا] قد وفقه الله تعالى في ابتداء أمره إلى أفضل ~~الأعمال ببره بوالديه ، فكان يضرب به المثل في ذلك. # حج حججا كثيرة. وذكر فراساته وكراماته وما ينطقه الله تعالى به ~~[على لسانه] /على الخواطر كثير يطول شرحه، ورفقه بأهل الذنوب، ثم ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع استجابة دعائه كما تقدم (ذكره) ~~. PageV02P460 ### || ثم كانت سنة أربع وخمسين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 268 - أبو سعيد خلفون النوفلي (المتعبد بالمنستير ليلة الثلاثاء لسبع خلون من المحرم ودفن في قبلي القصر الكبير) ، على سيف البحر مع أبي الحسين الكانشي في موضع واحد وهو ابن ثلاث وتسعين سنة. رحمه الله تعالى. # كان لا يخرج من بيته إلا لصلاة الفرض أو مجلس ترجى بركته. وكان إذا سلم ~~عليه أحد ينظر إليه فإن رأى لله عز وجل فيه وديعة جلس وانبسط، وإن رأى غير ~~ذلك قال: علينا شغل، ودخل [بيته] . # وكان كثيرا ما يقول: إني أعرف بالناس من البيطار بالدواب . # وكان يقول: من يعمل أياما بعدد ينعم أبد الأبد. من خلا بربه لم يعدم ~~النور في قلبه، ومن خلا بغيره لم يعدم الزيادة في ذنبه. # وكان يقول: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فاطلبوا نعيما ~~لا موت فيه. # [و] سمع وهو يقول لرجل: الزم الباب ترى العجب ألا ترى إلى بوابي ~~الستر لا يحجبون عن الملك يرفع الناس حوائجهم إليهم وهم يرفعونها إلى ~~الملك. # وقال: أضر ما على الإنسان نفسه ونفس نفسه ونفس نفس نفسه، قلت: PageV02P461 # ما تفسيره قال: نفسه: هي الأمارة بالسوء، ونفس نفسه: الهوى، ونفس نفس ~~نفسه: الشهوة. # قال أبو محمد بن نصر بن أبي البار الميلي: وسمعته يقول: بلغنا أن ~~(الإنسان) إذا كان يدعو في الرخاء ثم نزل به البلاء فدعا قالت ~~الملائكة: # صوت معروف ودعوة مستجابة إن شاء الله (تبارك وتعالى) ، وإن كان لا ~~يدعو في الرخاء ونزل به البلاء [فدعا] قالت الملائكة: صوت غير معروف ~~ودعوة غير مستجابة ms537 قال: وإذا دعا العبد بظهر الغيب لأخيه قبل نفسه يقول ~~الله عز وجل: عبدي بك أبدأ ثم بأخيك. # وأما استجابة دعوته، فذكر عنه أنه أفلج وهو ابن تسعين سنة إلا ~~سنة وأقام تسعة أشهر يصلي على ظهره بالإيماء، وقد جف نصفه، ثم انحل ~~الفالج بعد ذلك وزالت العلة بأسرها وعاش بعد ذلك نحوا من أربع سنين، ~~ومات بعلة أخرى بحرارة. فسئل عن سبب زوال الفالج فقال: لما رأيت أسري ~~وطول علتي قلت: اللهم إني أسألك بقدر القرآن عندك ومكانه منك إلا رددت ~~علي يدي ورجلي، فقمت كما ترى صحيحا. # وقال له رجل من أصحابه-عند ما رآه [وما] . قد بلغ إليه [من] ~~الخير-: هل تحب الموت (أو الحياة) ؟ فقال: ما أحب هذا ولا هذا، ~~PageV02P462 ولكن أحب الذي أحب الله عز وجل لي، إن أحب مولاي حياتي أحببت ~~ذلك، وإن أحب مولاي موتي أحببت/ذلك. قال [عبد الله] : وهذه طريقة أهل ~~الرضى ولا تسليم وهي درجة رفيعة . # ولما حضرت وفاته قال: أوقد السراج للأضياف الذين عندنا. قال الجبي ~~فقدر أنه رأى ملائكة الحضور، ثم مات [ %~%.. ] من الليل، وأوصى أن ~~يصلي عليه حيان بن بقين المؤدب (المغربي) ، إذ هو من سادات سكان ذلك ~~القصر، وأنذر الناس بموته وتربص به الاربعاء والخميس، وكفن في كساء وجبة ~~(من) صوف وكرزية كان يصلي فيها إذا نام الناس مع إزار وثوبين، وصلى ~~عليه، وجعل بعضهم يعزي بعضا فيه. # وذكر أنه أتى رجل من أهل المشرق إليه فسلم عليه فسأله من أين موضعه؟ ~~[فقال له: من بيت المقدس [و] قد جئت من الأندلس أريد بلدي] ، فقال ~~له: من بيت المقدس إلى الأندلس لو لزمت الباب لرأيت العجب، فقال له: يا شيخ ~~أنا رجل لي حوائج أدور على البوابين لعلي أصادف منهم من يرفع حاجتي. ~~فسكت النوفلي. PageV02P463 # وكان يقول: يحق لمن لم يدر في اللوح [المحفوظ] ما اسمه (أن) لا ~~يزال بقلب قريح مكروب. # (قال) : وقال له بعض أصحابه: أبلغك أن أحدا اجتمع مع الخضر؟ ~~فقال: بلى رجل في هذا ms538 الحصن، قال له: هو حي اليوم؟ قال: نعم، ثم عطف وقال: ~~قد صلى الخضر معنا في المسجد مرارا. قال ذلك مرات. # وحدث أبو محمد الحسن بن [أبي] العباس الأجدابي قال: حدثنا أبو علي ~~القمودي قال: كنت جالسا يوما عند أبي سعيد بالقصر الكبير ومعي حريز ~~الخياط الأمين حتى أتى الشيخ أبوك-يعني أبا العباس رحمه الله تعالى-ومعه ~~أبو محمد الجبي: عبد الله بن يوسف، قال فسلموا على الشيخ وجلسوا. قال: فقال ~~الشيخ لأبي العباس والدك: نشم عليك رائحة طيبة. # فقال له الجبي: هذه رائحة الماءورد المحلوب والكافور فقال ~~الشيخ: # الكافور .. ! أخبرك يا أخي ما رأيت الكافور قط.قال: فارسل الشيخ والدك ~~(الغلام) إلى الحصن-يعني قصر ابن الجعد-في الموضع الذي كان فيه نازلا. ~~وقال له: ايتني بالمخزنة التي فيها الكافور. وأقبل الشيخ النوفلي يقول ~~لأبيك: يا أبا العباس، أعندك غلام؟ فقال له: نعم، فقال له: ما الذي ~~يعمل؟ فقال: يخدم ويقف على الباب: قال له: فهذا نحن لنا بواب على ~~PageV02P464 القصر بلا شراء. أعندك مرحاض يوقد فيه القنديل الليل ~~كله؟ قال: لنا. # إنما يوقد وقت الحاجة (إليه) ، قال: فهذا نحن عندنا سبعة مراحيض ~~توقد فيها القناديل الليل كله. قال له: عندك يا أبا العباس في دارك ~~بئر يشترى لها دلو وحبل من وقت إلى وقت؟ فقال له: نعم، فقال: فهذا نحن ~~عندنا بئر لا نشتري لها حبلا ولا دلوا ولا نهتم لها بشيء من ~~هذا. # قال أبو علي : إنما يريد بهذا أن يذكر نعم الله تعالى على المرابطين. ~~قال: # ثم قال له: وإذا صب ماء المطر نخرج إلى المسجد لا نمشي في الطين ولا في ~~الزلق . قال: فهم يتحدثون إذ أتى الغلام بالمخزنة وفيها الكافور. ~~قال: # قدرت فيها مثقالا أو نحوه، قال: فأخذه أبو/محمد الجبي ففرغه ~~ في كمه وقال له: يا سيدي هذا الكافور، قال: فنظر إليه وتعجب منه وقال: ~~يا أخي إن الله تعالى أعد للمتقين في الآخرة دارا يكون الكافور ترابها ~~الذي يمشون عليه ، خالدين فيها أبدا، لهم فيها ما تشتهي ms539 الأنفس وتلذ ~~الأعين وهم فيها خالدون. [ثم] قال: حدثني عبد الله الأوساني قال: ~~روي في الحديث أن الملائكة تأتي إلى المؤمنين بأطباق من نور عليها مناديل ~~من نور، فيها تحف لم PageV02P465 يروها ولا هي عندهم ، فيقول الملك ~~للمؤمن ربنا يقرأ عليك السلام ويقول لك: من الحي الذي لا يموت إلى ~~الحي الذي لا يموت. # قال أبو علي: ثم تحدثوا ساعة وقال له الشيخ والدك: خذ هذا الكافور، [فقال ~~له الشيخ] ما نحتاجه، قال: فقال له الجبي أو غيره: كيف ترد عليه شيئا ~~قد سألك أن تأخذه؟ قال: خلوه، فوضعه بين يديه. ثم دعا الشيخ النوفلي ~~وانصرفوا. ثم قال لي يا حسن تعال، فتقدمت إليه فقال لي: امض إلى ~~الصفار-وكان شيخا صالحا يغسل الموتى-فادفع إليه المخزنة وقل له: إذا غسلت ~~ميتا فاجعل من هذا الكافور في أكفانه: قال: ففعلت ما أمرني به. # وكان يعمل له خبز يقيم عنده مدة طويلة (يأكل فتاته) ويشمسه حتى ~~يجف، فإذا جف دقه، فإذا كان الصيف بله بالماء وأفطر عليه، وفي المساء ~~يطبخ بصلة ويلقي عليها من ذلك الفتات المدقوق. # وذكروا له رجلا يملك عشرة آلاف دينار، فقال لهم: والله إن عندي ما هو خير ~~منها وأنفع، قلنا له: وما هو؟ قال: هذا الحجر الذي عليه هذه القلة/لا ~~أحاسب عليه ، ولا أسأل عنه إلا أن يكون صاحب هذه الدنانير التي ~~ذكرتم ينفقها في سبيل الله، فإنها أنفع من هذا الحجر. PageV02P466 ### || ثم كانت سنة خمس وخمسين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 269 - أبو عبد الله محمد بن نظيف البزاز الفقيه # - رحمه الله تعالى- بمصر. # كان من الفقهاء البارعين والأئمة المعدودين. # ذكر عنه-رحمه الله تعالى-أنه دخل إلى موضع تباع فيه الكتب، وقد ~~حضر ذلك المكان جماعة من العلماء والصالحين، فلما دخل قاموا كلهم على ~~أرجلهم، إجلالا له وهيبة، لأنه كانت له هيبة لم تكن لأحد من أهل وقته. # وكان في ذلك المجلس السكاكيني الشاعر، فلما رأى تعظيمهم له وقيامهم ~~هاله ذلك وقال: لقد أعطي هذا الرجل أمرا كبيرا والله لأختبرنه قال: ms540 فألقى ~~عليه مسائل من معاني القرآن للزجاج فوجده بحرا لا تكدره الدلاء، وكأنه ~~إنما يجيب من الكتاب لا يتلعثم في حرف منه، فلما رأى ذلك السكاكيني قال ~~لنفسه: لو قام الناس لهذا على رءوسهم لكان قليلا . # تخلى عن الدنيا وانقطع إلى الله عز وجل، وآثر ما يبقى على ما يفنى. ~~ولما اشتهرت إمامته خرج إلى المشرق من إفريقية هربا من الرئاسة، ولما ~~ظهر فيها PageV02P467 من سب السلف عند اشتداد أمر بني عبيد-لعنهم الله ~~تعالى-. # وكانت صفته كما قال بعض الحكماء: طلبوا حتى علموا، [فلما علموا] ~~عملوا، (فلما عملوا) عرفوا، فلما عرفوا طلبوا، فلما طلبوا هربوا. # وكان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد يقول: لو كان [أبو] عبد ~~الله ابن نظيف مقيما بالقيروان لم يسعني أن أجلس هذا المجلس لأنه أولى به ~~مني، لحفظه وفهمه وفقهه ودينه وورعه./وكان يعد في أعلى طبقة أصحاب أبي ~~بكر بن اللباد. # وكان يحضر مجلس أبي إسحاق السبائي وأصحابه للمذاكرة، فتخلف مرة، فسأله ~~أبو إسحاق عن سبب تخلفه، فقال له: اغتيب في مجلسك رجل مسلم فلذلك ~~تخلفت فقال له: فإني تائب . # وكان له إخوة صالحون ، ممن يعنى بالعلم. رحمة الله تعالى عليهم. PageV02P468 ### || ثم كانت سنة ست وخمسين وثلاثمائة # وفيها توفي: ### $ 270 - أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد السبائي المتعبد # يوم الثلاثاء لثمان بقين من رجب. صلى عليه أبو الحسن الدباغ وناس ~~يقولون: صلى عليه عبد الله بن هاشم، وهو وهم. وكان مولده سنة سبعين ~~ومائتين. أجداده من أطرابلس. # قال الشيخ أبو إسحاق السبائي: أبطأ علي الرزق مرة، فقالت لي ~~نفسي: # امض فادخل فيما يدخل فيه الناس وتعرض للرزق فيما يمكنك. قال: فخرجت من ~~موضعي إلى موضع ألتمس فيه الرزق، فسمعت معلما يقرأ في هذه الآية: # ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين فانتبهت لذلك ~~ورجعت إلى بيتي وجلست، فدخل علي بعد ذلك رجل من إخواني (فقال لي) ~~: هذا دينار فخذه سلفا، فأخذته ومضيت به (إلى) «الإبراهيمية» PageV02P469 # فاشتريت به أبدانا، فكنت أقصرها في داري على ms541 البئر، فكنت أربح في ~~البدن قيراطا أو نحوه. فقام لي من ذلك معاش كثير. # ذكر [شيء من] أوصافه-رضي الله تعالى عنه-وثناء العلماء عليه # وذكرهم لفضائله: # كان وقافا عن الشبهات، مشهورا بالعبادة، لا يدانيه أحد في ذلك من ~~أهل وقته، شديد الغلظة على أهل البدع، كثير التنبيه على أحوالهم (وزندقتهم) ~~، وثق بالله/فحماه، وتوكل عليه فكفاه. وكان لا يغتاب عنده أحد من ~~المسلمين إلا مبتدع أو ملحد. # وكان وليا لله عز وجل من الذين ينزل بدعائهم القطر، وتظهر ~~عليهم البراهين والعجائب والكرامات بالدعاء والرقى. # ولقد كان من بالقيروان من أهل الدين والعلم إنما ينظرون إذا نزلت ~~المعضلات إلى ما يفعل إن أغلق بابه فعلوا مثله، وإن فتح بابه فتحوا ~~[أبوابهم] ، وإن (تكلم) ونطق تكلموا مثل كلامه لتقدمه عندهم ~~ومكانه من الفضل والعلم مع المعرفة بمحنة الوقت وكيف تلقى ~~الحوادث. # صحب أبا جعفر أحمد بن نصر الفقيه، وأبا البش مطر بن يسار ~~PageV02P470 التونسي ، وأبا جعفر أحمد بن محمد بن عبد الرحمن القصري ~~وأخذ عنهم علما كثيرا بكثرة ملازمتهم. وصحب الصالحين مثل (ابن) ~~[أبي] المهزول، ومثل أبي عبد الله (محمد) ابن سهلون، معلم أبي ~~إسحاق الجبنياني. # وكان شديد الأخذ على نفسه، شديد الورع. وكان أحد من عقد الخروج على بني ~~عبيد [الله] . وكان الفقيه [أبو] محمد بن أبي زيد يصفه بكثرة ~~(الفضل و) العقل ويقول (ما) هذا الذي نحن فيه (إلا) من ~~بركته ودعائه. # قال أبو الحسن الفقيه: ما انتفعت إلا بدعاء أبي إسحاق فإنه قال لي: # أعلى الله تعالى قدرك في الدنيا والآخرة. # وقال أحمد بن نصر الفقيه: لا تعارضوا أبا إسحاق السبائي فلو وزن إيمانه ~~بإيمان أهل المغرب لرجحهم. # وسئل أبو محمد بن أبي زيد فقيل له: أصلحك الله تعالى-هل تعلم أحدا في ~~أقطار الأرض يشبه أبا إسحاق السبائي؟ فقال: أما في إيمانه فما علمت أحدا ~~ يشبهه فيه-يعني في وقته-. # قال أبو الحسن علي بن عبد الله القطان: ما قلدت أبا محمد بن أبي زيد حتى ~~رأيت السبائي يقلده. PageV02P471 # قال الأجدابي: بلغني ms542 عن بعض العلماء أنه كان يقول: بالقيروان (رجلان) ~~ يدعى كل واحد منهما باسم صاحبه وهما: أبو الحسن الدباغ، وأبو إسحاق ~~السبائي. يقال: الدباغ عالم، وهو أولى بأن يسمى عابدا لكثرة حيائه ~~وصمته وسكونه ولينه ووطائه وعلمه. وأبو إسحاق السبائي يسمى عابدا وهو ~~أولى بأن يسمى عالما لأنه كان يدري العلم ويعرفه ويتذاكر العلماء ~~بحضرته وفي مجلسه، وهم: أبو محمد بن أبي زيد، وهو الملقي عليهم، وأبو ~~القاسم ابن شبلون، وأبو الحسن بن القابسي، وسعيد بن إبراهيم ، وغيرهم: ~~كل من يعرف مسألة كان يحضر مجلسه، فإذا تنازعوا فصل بينهم بأمر يرجعون كلهم ~~فيه إليه. وكانوا إذا نزل بهم أمر من المهمات يفزعون إليه ويستشيرونه في ~~جميع أمورهم ، وكان موفقا، فهو أولى بأن يسمى عالما من أبي الحسن ~~الدباغ. # قال أبو الحسن الفقيه-رحمه الله تعالى-: وصل موت أبي إسحاق إلى مصر في ~~تسعة عشر يوما لعظمه في صدور القوم ومحله من الإسلام. وكان لموته بمصر ~~وجبة في قلوب أهل الجلالة من العلماء والصالحين. ولقد عزاني فيه كل ~~جليل كأبي بكر محمد بن بكر النعالي الفقيه، وكانت حلقته تدور على ~~PageV02P472 سبعة عشر عمودا ، /لعظمها وكبرها، [وكان ~~النعالي] يقول: لقد كان يطرقني ما يمنعني من النوم وأسهر عامة ليلي ~~ إما (لهم و) غم، وإما لوجع، فأكابد المعيشة في ليلي والتعب ~~والسهر حتى إذا كان آخر الليل، وهو الوقت الذي كان يقوم فيه أبو إسحاق ~~للتهجد، وكان قد أرسل لي وعقد لي على نفسه، أنه يذكرني ويدعو لي: فإذا جاء ~~وقت ذكره إياي ألقيت علي الراحة وذهبت عني المشقة التي كنت أكابدها في ~~أول الليل، وانتقلت إلى حال الراحة فأهدأ وأنام ويذهب عني الوجع أو التعب ~~أو الهم الذي كنت [مكروبا] به من أول الليل إلى ذلك الوقت. # فهذا النعالي على جلالته كان يبيت في خفارته ويسكن إلى دعائه ويفرح ~~بمودته وصداقته. # كان (أبو إسحاق) منزويا عن الناس هاربا منهم، وكان أبو عبد الملك ~~مروان في ذلك مشهورا، فكان الناس يختلفون إليه ويزورونه، فهو الذي ms543 ستر ~~على أبي إسحاق. فلما توفي انكشف أبو إسحاق (فرجع الناس إليه. قال محمد ابن ~~أخي مروان: لما أخبرت أبا إسحاق) بموت عمي مروان قال : إنا لله ~~وإنا إليه راجعون كشفني [أبو عبد الملك] . PageV02P473 # ولما شغله الناس كان يقول: إذا كان الأمر هكذا فمتى يعمل الإنسان؟ قال: ~~فكان يقول: هذا أمر قد نزل-يعني اختلاف الناس إليه-لا يزيله إلا الموت. # قال أبو عبد الله الأجدابي: قلت لأبي علي حسان بن محمد : هل خرج أبو ~~إسحاق للصلاة على مروان؟ فقال لي: ما علمت أنه خرج من باب (داره) ~~متصرفا من أيام أبي يزيد حتى توفي. بلى إنه كان يخلو في مسجد أبي الحكم قبل ~~أن يعرف، أقام فيه عشرين سنة يخلو فيه للعبادة. # قال أبو سعيد خلف القلال: قال لي الشيخ أبو إسحاق: افل لي كسائي ~~قال: ففليته، فوجدت فيه برغوثا ميتا، فقال لي: فليته ؟ قلت: نعم. # وأخبرته بما وجدت فيه. فقال: ما مكناهم. # قال أبو سعيد القلال: وما رقد أبو إسحاق على عود قط -يعني: سدة ولا ~~سريرا -. # وكان إذا دخل في الصلاة لم يكن قلبه إلا فيها. قال علي بن حمود -وكان ~~خصيصا بأبي إسحاق-: دخلت يوما على أبي إسحاق في بيته فوجدته [قائما] ~~ يصلي، فجلست ثم دخل [شخص] آخر فجلس إلى جنبي (قال) : فلما ~~سلم من صلاته (أقبل علينا) وقال: متى دخلتما؟ فقلنا له: منذ ساعة. قال ~~: ما عرفت بكما (في) وقت دخولكما ولا رأيتكما إلا الساعة. قال ~~ أبو الحسن : إنما ذلك من شدة خوفه. PageV02P474 # وكان إذا أراد أن يتوضأ يتلو قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ثم يقول: نعم يا رب .. # (نعم يا رب) ويكرر ذلك، ثم يغسل وجهه وذراعيه وهو تحت خوف عظيم وو ~~له، يفعل ذلك في كل عضو حتى يفرغ من وضوئه. # وكان يحب سماع القرآن ممن له صوت حسن، قال الشيخ أبو الحسن فعاتبت ~~أبا القاسم ابن أخت الغساني في قلة دخوله إليه، وأخذت ms544 بيده ومضيت به إلى ~~دار أبي إسحاق فدخلنا/عليه، فوجدنا عنده أبا القاسم الفزاري الشاعر، (قال: ~~فسلمنا على الشيخ وقلت له: هذا أبو القاسم جارك ثم) قلت (له) : يا ~~أبا القاسم (اقرأ) فقال: هيبة الشيخ تمنعني أن أقرأ، ولكن اقرأ معي. ~~قال الشيخ أبو الحسن: فابتدأ في سورة الواقعة [قال] وابتدأت معه بصوت ~~منخفض، حتى انتهى إلى قوله عز وجل وكنتم أزااجا ثلاثة فرفع (بها) ~~صوته وغلق عينيه وسكت أنا، ورجع فابتدأ من أول السورة، فعهدي بالشيخ أبي ~~إسحاق (و) قد انضم بعضه إلى بعض وهو يتنهد ويتأوه، وكأني أحس أن ~~أضلاعه تجتلف ، فقلت: الساعة يموت وندمت في مجيئي إليه، وطال علي ~~تمام السورة، فما فرغ منها وأنا آمن على الشيخ، فقمنا وتركناه في غيبته ~~تلك. # وكان ابن أخت الغساني هذا قويا في الدين، قليل المبالاة بمن خالف ~~PageV02P475 الشريعة. لقد دخل النعمان إلى الجامع وهو جالس في حلقته، ~~وإنسان يقرأ عليه، فقالوا له-أصلحك الله تعالى-: النعمان دخل من ~~(الباب) ، فقال للذي يقرأ بين يديه: ارجع، ورفع صوته وهو يقول: ادخلوا ~~أبااب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين فتخيل النعمان في مشيته، ~~فلما أراد الخروج قالوا له-أصلحك الله تعالى-: ها هو ذا خارج، فقال للذي ~~يقرأ بين يديه: مالك [ارجع] اعرف ما [تقول و] تقرأ، ورفع صوته ~~وهو يقول: وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به . # فدهش النعمان وعثر في حصير من (حصر) الجامع ووقع على ~~وجهه. # وقام من سقطته وهو مدهوش ، وأمر بخياطة حصر الجامع فمن ذلك اليوم ~~خيطت حصر الجامع. # وحقد عليه النعمان فأمر بطلبه، وسجنه في حبس «الزيادية» مدة، فكان ~~إذا قرأ في السجن اجتمع الناس في الأزقة خارج [السجن] ، فخاف ~~النعمان PageV02P476 فأخرجه، فخرج أبو القاسم إلى الأندلس، فوصل (إلى) ~~الحكم، فرفع به وأدناه. # ذكر أنه قرأ عند الحكم أمير المؤمنين-رحمه الله تعالى-في إيوانه في ~~سورة إبراهيم ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون . فلما انتهى إلى ~~قوله عز وجل وسكنتم في مساكن الذين ظلموا ms545 أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ~~وضربنا لكم الأمثال نزل الحكم من فوق سريره-رحمة الله عليه-وهو يبكي ~~وينتحب، وجثا بين يديه. # وكان الحكم يقول: ليس أشتهي من دولة الشويعي إلا أربعة: أبو القاسم ~~ابن أخت الغساني المقرئ، وابن الصيقل الشاعر ، وابن الجزار الطبيب، ~~وابن القصطلية المغبر. فأما أبو القاسم بن أخت الغساني وابن الصيقل ~~فقد وصلا إليه وأقاما عنده حتى ماتا. وأما ابن القصطلية وابن الجزار ~~فلم يصلا إليه. # وأما ورعه ونزاهته وحمايته من الشبهات فحدث أبو سعيد قال: قال لي ~~أبو إسحاق يا أبا سعيد أيصاب الفقوس ؟ فقلت له: نعم. قال: فخذ لنا منه. PageV02P477 # قال: فخرجت من عنده، وجئت إلى الذي أعرفه بالثقة، ممن لا يشتري شيئا فيه ~~شبهة، فسلمت عليه ثم قلت له: ثم من ذاك شيء؟ وهي علامة بيني وبينه، فأخذ ~~اللوح /الذي فيه بيع يومه ونظر فيه ثم قال لي: # نعم، فقلت له: أحب أن آخذ منه، فترك حانوته وقام معي حتى انتهى إلى الذي ~~باع منه ذلك الحلال الذي عرفه هو، فسلم عليه ثم قال له: أين الذي بعت ~~منك؟ فقال: ها هو ذا [معزول] فاخترت منه بحضرته وإذن المشتري بثمن ~~درهم، ثم أخذته ومضيت به إلي دار أبي إسحاق فدخلت فسلمت عليه ثم ~~دفعته [له] وخرجت ، فناقرني سري وقلت: والله لأخبرنه ولا ~~تقلدت [ذلك] (له) ، وذلك أنه قلدني في ذلك وأنا المطلوب، ~~والرجل الذي قلدته أنا ذلك لم يفسر لي من أين هو، ولا من أملاك من ~~هو، ولا بين لي كيفية صحة الملك فيه، فسكت ذلك اليوم إذ لم أجد من الشيخ ~~فراغا، فلما عدت إليه قلت له-أصلحك الله عز وجل -: إني قد حصلت في ~~عتاب بيني وبين نفسي وذلك أنك على طريق وقد ألقيت في عنقي قلادة، وكلفتني ~~حملا ثقيلا، فلما تذكرت أن الأمر الذي أتولاه عظيم [لا أقدر عليه] . ~~قلت: والله لأخبرنه ولا تقلدت هذا الأمر العظيم حتى أستأذنه. قال: فتبسم ~~الشيخ أبو إسحاق ثم قال : يا أبا سعيد لو كان ms546 فيه PageV02P478 شيء ما ~~جاز، عناية من الله سبحانه. # ومثل هذه الحكاية كثير، [ف] -من براهينه في قميص لبسها ~~فوجدها على جلده كالشوك، فاستقصى مشتريها على بائعها فوجدها فاسدة ~~الأصل . # وكذلك في الضحية لما شوى من كبدها فمضغ منه بعضه فألقاه من فمه ثم ~~استقصى عليها فوجدت قد بدلت وعصمه الله تعالى وحماه وكفاه. # قال أبو سعيد القلال: كان عندي زوج فراخ فسمنا حتى كانا ~~كالزبدة فذبحتهما ومضيت بهما إلى الشيخ/أبي إسحاق فأخذهما مني وقلبهما في ~~يده وتعجب منهما. ثم قال لي: خذهما يا أبا سعيد ما طابت نفسي ~~عليهما، فأتيت إلى الدار، فسألت زوجتي وولدي: ما كانا يأكلان؟ فقالا: كنا ~~نطعمهما حب الزبيب الذي يطرحه النباذون. # قال أبو الحسن علي بن محمد الفقيه: أتى رجل مرة بتين أخضر إلى الشيخ أبي ~~إسحاق فقال له: [أنت] تعرف-أصلحك الله تعالى-طيب اكتسابنا، وأصل ~~رباعنا وقد أتيت بهذا التين فأحب أن تقبله، فأبى عليه من ذلك، فقال له- ~~أصلحك الله تعالى-قد كان أبي يهدي إليك منه وتقبله منه، وهو قد صار لي ~~ميراثا من قبل أبي والله ما غيرت وما بدلت، فأبى من قبوله ~~PageV02P479 البتة، فلما رأى الرجل ذلك بكى فلما رآه أبو إسحاق قد ~~بكى قال له: يا هذا الزيت الذي دهنت به التين من أين هو؟ فقال له- ~~أصلحك الله عز وجل -اشتريته من السوق، فقال له: ارفع تينك. ولم يمنعه من ~~قبوله إلا سبب الزيت الذي دهن به. # قال أبو الفضل عباس الزيات-وكان صالحا-قال لي أبو إسحاق : # قد فرغ الزيت فأحب أن تشتري لي حلالا، فأقمت أياما ألتمس له حتى ~~أتى رجل براوية زيت له أصل [فأتيت له بالراوية وبصاحبها وقلت له: هذا ~~زيت له أصل] ، فقال لي: فأين صاحبه؟ فقلت له: بالباب، فقال: أدخله ~~إلي، قال: فدخل الرجل، فقال له أبو إسحاق: من أين هذا الزيت لك؟ قال: ميراث ~~(من) أبي ورثناه (منه) أنا وأختان لي أخذ كل واحد منا ~~حقه : ثم سأله عن أبيه (من أين صار له) فقال: ورثه من ms547 أبيه، ثم ~~سأله من أين كان لجده ؟ فتوقف ولم يجبه بشيء. قال أبو الفضل فقلت لأبي ~~إسحاق: تكتاله-أصلحك الله تعالى-؟ قال: فسكت (عني) أبو إسحاق ساعة، ~~ثم رفع رأسه إلى صاحب الزيت وقال له: # المعصرة التي عصرت فيها هذا الزيت أهل القرية بأجمعهم يعصرون فيها؟ PageV02P480 # قال: نعم. [قال] : وفي القرية الطيب وغير الطيب؟ قال: نعم. فقال ~~ له: يا أخي قم فلا سبيل إلى أخذ الزيت، فأخذ الرجل زيته ومضى. # واشترى الشيخ أبو الحسن بن الخلاف زيتا مع الشيخ أبي إسحاق ، أظنه ~~اقتسماه، فبعد مدة قال (له أبو إسحاق) : بقي عندك شيء من ذلك الزيت ~~؟ فقال له: نعم-أصلحك الله تعالى-بقيت عندي منه بطة ، فقال ~~له : أحب أن تولينيها، قال أبو الحسن فتدبرت ذلك، وقالت لي نفسي: هو ~~أقدر على طلب الحلال منك لاشتهاره. وأدركني منه حياء، فقلت له-أصلحك ~~الله تعالى-: ما تحضرني نية، فقال: نعم يا أخي لا تعطنا شيئا حتى ~~تحضرك النية. قال: ثم عرقت عرقا عظيما حياء من الشيخ. وأقبل أهل ~~المجلس ينظرون إلي تعجبا من إبائي على الشيخ، ثم خرجت وأنا مشغول السر، ~~فأخذت في طلب الزيت لنفسي فوجدت زيتا عند قوم من أصول في أيديهم من ~~أكساب طيبة، وهم يزكون، فاشتريت منهم. # وأصبحت بالبطة التي سألني فيها الشيخ أبو إسحاق، فدخلت عليه، فلما رآها ~~قال: حضرت النية؟ قلت: نعم. قال: فكيف ذلك ؟ قلت : PageV02P481 # وجدت زيتا (يصلح لي ولا يصلح لك، قال: كيف) يصلح لك (و) لا ~~يصلح لي؟ قلت : وجدت الورع درجات، فسلكت أنت أعلاها، أنت تسأل عن ~~الأصول وعن إخراج الزكاة. ثم تسأل عن المواريث كيف كانت في أصولها، ~~لأنه من حين دخل القوم غيروا على (الناس) أكسابهم، فوجدت أنا زيتا ~~عند قوم أعرفهم من أهل الخير والزكاة فاشتريته ولم أسأل عما وراء ~~ذلك، فأخذ البطة وفرغها ووزن ثمنها على حساب ما كنا اشترينا. # ولما وقعت الهزيمة على أبي يزيد أتى إنسان إلى الشيخ أبي إسحاق ~~فقال له: اركب هذا الحمار (-أصلحك الله تعالى-فإني أخاف عليك، ms548 فقال له أبو ~~إسحاق: ومن أين أصل هذا الحمار حتى أركب عليه؟ فقال له) -أصلحك الله ~~تعالى-: هذا وقت السؤال؟ أنت ترى السيف في إثرنا وأنت تسأل عن هذا، اركب- ~~أصلحك الله تعالى-فقال له: لا سبيل إلى الركوب، فمضى الرجل بحماره وتركه. # قال أبو إسحاق : ثلاث أعتذر منهن: غسلي الدم في مجلس أحمد ابن ~~نصر حين كتب المحضر على أبي الفضل الممسي، انفجر منخراي ~~PageV02P482 دما، فقمت فغسلت الدم وانصرفت ولم أشاور أحمد بن نصر في ذلك ~~الماء الذي غسلت به. ودخولي حمام الجزارين ولم أعلم أن ريعه حبس على ~~القصر الجديد، فبعد ذلك وجهت قيراطا يشترى به زيت يوقد ~~في القصر. وشربي الماء من الفسطاط، وذلك أنه فنى زادي فأقمت بالفسطاط ثلاثة ~~أيام مالي غذاء إلا الماء، فأنكرت نفسي. # قال أبو عبد الله الخراط: فحسبك من افتقد من نفسه، في عمره كله، ثلاث ~~خصال، فكيف بمن عمره كله تخليط. # قال الشيخ أبو الحسن الفقيه كان الشيخ أبو إسحاق يحب الماء البارد ~~حتى لقد كان يشرب الماء المبرد (في الليالي) . قال: فقال لأصحابه: أي ~~شيء يبرد الماء؟ قالوا له: الأزقاق السودانية. قال: فقال له أبو محمد ~~ابن أبي زيد (الفقيه) عندي واحدة آتيك بها، فأتاه بها، فقال ~~له: كم ثمنها؟ فغضب أبو محمد وقال: والله ما كانت إلا مرمية في ~~المخزن تقول أيش ثمنها؟ قال: فردها عليه الشيخ أبو إسحاق، فقال أبو محمد ~~عند ذلك: PageV02P483 # شيخ مبارك كلما قلنا إنا قربنا منه لم نزدد منه/إلا بعدا. # قال أبو الحسن: ولم يكن (أحد) عند أبي إسحاق مثل ابن أبي زيد ولا ~~أعز عليه منه. لكنه قد سد باب القبول عن نفسه، فما كان يقبل من أحد شيئا. # وكان يقول: ما تركت سائر القبول-يعني الهدية-إلا خوفا من شغل ~~القلب، إذ لا بد لكل من قبل هدية من المكافأة، وترك ذلك عندي أسلم، فقيل ~~له: # فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية، فغضب عند ذلك وقال: لا ~~نشبه نحن النبي صلى الله عليه ms549 وسلم، لو فعلنا نحن هذا لتمندلوننا . # قال الشيخ أبو الحسن الفقيه: دخلت يوما على الشيخ أبي إسحاق فلما رآني ~~أقبل علي وقال لي: اذهب الساعة [ف] أخرج الدم ، فتوانيت، فصاح ~~علي وقال: لا بد لك من خروج الدم، فإن كان يمنعك من خروجه اللحم فاللحم ~~عندنا. قال: فمضيت في الوقت فأخرجت الدم، ووجه إلي الشيخ ربع شاة، فلما كان ~~بعد ذلك مضيت إليه فقال لي: يا بني الحمد لله رب العالمين لو لم تخرج الدم ~~لجرى عليك حادث عظيم. قال: وجئت بالدراهم معي ثمن الربع، فمددت يدي ~~بالدراهم فقال لي ما هذا يا أبا الحسن؟ فقلت له -أصلحك الله تعالى-: حق ~~الربع شاة، فوقع على قلبه من ذلك أمر عظيم وقال: إنما وجهته إليك على سبيل ~~الهدية، فاحبس دراهمك فلو كان عندك أنت أيضا شيء ووجهت إلينا منه لقبلناه، ~~فقلت له-أصلحك الله عز وجل --: أنت لا تصل إلى اللحم إلا بعد التعب والبحث، ~~فحول وجهه إلي وقال: يا أبا الحسن لو كانت فيه شبهة لعرفناها. PageV02P484 # قال الشيخ أبو الحسن الفقيه: دخل عبد العزيز بن أيوب يوما على الشيخ أبي ~~إسحاق السبائي/-وكان يحبه-فقال له-أصلحك الله تعالى-: جئت إليك فلما وصلت ~~إلى رحبة ابن أبي داود (إذا بشيخ) لم أر أجمل منه هيبة ولحية ~~وهو يزمر بالزق ، فبقيت أتعجب منه وانظر إلى بياض لحيته وجمالها على ~~الزق، فبدر الشيخ إليه وقال له: ايه يا عبد العزيز إياك [أن] تقول ~~ لك نفسك إنك خير منه، لأنه مسلم ما بينك وبينه إلا أن يتوب ويراجع ~~أمر الله تعالى، إياك [أن] تحدثك نفسك أنك خير منه، وأقبل يكرر ~~ذلك عليه وقد صال عليه وتغيظ.ثم قال أبو إسحاق: والله ما أرى لي فضلا على ~~أهل الكبائر من المسلمين، فإذا رأيتم أهل البلاء فاحمدوا الله تعالى على ~~العافية قال [عبد الله] : فذكر عن رجل كان في مجلس أبي إسحاق ~~[في] ذلك اليوم أنه قال: خرجت إلى مكة في العام المقبل فبينا أنا عند ~~الطواف إذا بالرجل الزامر ms550 يطوف بالبيت، فقلت له: ألست فلانا ؟ قال: ~~نعم. # فقلت : ما سبب توبتك وحجك؟ قال: لا أدري إلا أنه ألقي في قلبي ~~التوبة فتبت. ثم خرجت إلى هاهنا (فحججت) كما ترى، فحسن حاله ونفعه ~~PageV02P485 الله عز وجل بدعاء [الشيخ] أبي إسحاق. # وكان يقول لمن تاب: هنيئا لك يا أخي ويقرأ الآيات التي في سورة غافر [من ~~قوله تعالى] : الذين يحملون العرش %~% إلى آخرها ، ثم ~~يقول: فهذا يا أخي لمن تاب فهنيئا لك. # وقيل له يوما: إن قوما يؤذونك، فقال له: دعهم لسنا من أعمالنا على صحة ~~وثقة أنها تتقبل منا، بل نحن منها على خطر، وهذا نحن منه على ~~يقين وثقة أنه يجعل لنا في الآخرة عند حاجتنا إليه. # وكانت امرأة فرحون امرأة صالحة. قالت : كنست للشيخ أبي إسحاق ~~البيت واستقيت له الماء وملأت القلة والازيار قالت: فمد يده ~~فأخرج قيراطا من جيبه ودفعه إلي وقال لي: ادعي الله تعالى لي، فقالت ~~له: أنقى الله-عز وجل -قلبك من الصدا والردى ، وجعل فيه الصبر ~~والتقى. فقال لي: ادعي لي: فقلت له ما قلت أولا، فنظر إلي وقال: ما ~~هو إلا شيء يجري على لسانك . PageV02P486 # قال أبو القاسم بن شبلون الفقيه: حضرت يوم العيد أنا وصاحب لي، ~~فطلع إسماعيل السلطان، وكان قد تغير لونه واصفر من الزمهرير الذي ~~أصابه بطريق جلولاء فقال في خطبته «أيها الناس إن حسينا أتاكم بنقطة ~~من قلة، وهذه القلة بين أظهركم» -يريد بحسين أبا عبد الله الشيعي لعنه ~~الله-قال: # فانصرفنا إلى مجلس أبي إسحاق فأخبرناه بهذا الكلام فقال: عجبا، نقطة من ~~قلة خرقت المشرق والمغرب، اللهم أكسر القلة. قال الشيخ: فبعد أيام ~~يسيرة مات إسماعيل. # قال أبو سعيد خلف القلال، خادم الشيخ أبي إسحاق السبائي: كنت ليلة ~~عند الشيخ فجعل يحدثني، وتلذذت بحديثه حتى أذن المؤذن في الجامع للعشاء ~~ الآخرة وانقطع مشي الناس من الأزقة، وضرب البوق ، وكرهت أن أقطع ~~عليه حديثه، وكان البوق إذا ضرب فمشى أحد بعد ضربه ضربوا عنقه لأنه لا يمشي ~~حينئذ إلا من ms551 يسرق أو يخرج لضرب من الفساد. وكان معد قد ثقف البلد تثقيفا ~~شديدا بالعسس والحرس والرصد الشديد، فلما فرغ الشيخ من حديثه وسلمت عليه ~~لأخرج قالت امرأته: إلى أين تخرج؟ فقلت لها: إلى الدار. فقالت: البوق [قد] ~~ ضرب منذ ساعة ، فقال لي الشيخ: اقعد، تبيت عندنا الليلة؟ قال: ~~فقلت له-أصلحك الله تعالى-: # تتحير تلك الوالدة وتظن أني أصبت بمصيبة أو دهيت بداهية، فقال لي ~~PageV02P487 الشيخ: اصبر يا أخي يا [أبا] سعيد، فوقفني بين يديه ~~وأقبل يشير عن يميني وعن شمالي، فسمعته آخرا وهو يقول: وضرب لنا مثلا ونسي ~~خلقه قال: من يحي العظام وهي رميم إلى آخر السورة. فإذا به إنما قرأ ~~علي وعوذني ب «يس».ثم أخذ في الدعاء فدعا بدعاء عظيم، ثم قال لي: مر ~~يا أخي يا [أبا] سعيد حفظك الله تعالى من بين يديك ومن خلفك وعن ~~يمينك وعن شمالك ومن فوقك ومن تحتك. قال: فخرجت من داره فمررت برحبة ابن ~~أبي داود، فإذا رابطة وعساسة وكلاب، فما كلمني أحد بكلمة ولا نبح علي ~~كلب، (ثم تماديت في طريقي فمررت بالسماط على دار ابن أسود الداعي، فوجدت ~~عندها رابطة وعساسة وكلابا ، فما كلمني منهم أحد ولا نبح علي ~~كلب) . ثم تماديت إلى ناحية سوق ابن هشام وعنده رصد وكلاب ~~فما كلمني منهم أحد، فلما وصلت إلى بئر أم عياض وجدت أيضا عندها ~~ مثل ذلك، فتماديت حتى انتهيت إلى الدرب، فداخلني الهم والفزع، قلت: # هم صلوا وغلقوا الأبواب فمن يفتح لي؟ فهززت الباب فانفتح لي، ~~فأصبت أمي واقفة خلف باب (الدار، فلما رأتني قالت: خلف. قلت: # خلف) فدخلت وحمدت الله تعالى على السلامة فلما كان الغداة ~~مضيت PageV02P488 إلى دار الشيخ فسلمت عليه فما قال لي كيف كان وصولك/ولا ~~سألني عن شيء من ذلك ثقة منه بالله عز وجل أنه لا يضيعني ولا يسلمني. # ومن (دعائه) وإجاباته : أنه كان يدعو لمن عمي فيبصر، وعلى من ~~ظلمه وآذاه فيهلك من يومه، وإذا ضغطه أمر فدعا فرج [الله تعالى] ~~ عنه، ويدعو ms552 على من سب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيهلك . # قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله الربعي عن أبيه: كان أبو إسحاق ~~-رضي الله عنه-[قد سأل الله عز وجل] أن ينسي معدا اسمه؛ قال ~~عبد الله بن هاشم: فكان معد إذا اجتمعت معه يقول [لي] : ذلك الشيخ ~~الذي يسكن بباب الريح . قال: فأقول له: السبائي؟ فيقول: نعم. # ومن إجابة دعوته : أن أبا القاسم الفزاري الشاعر، رحمه الله، كان قد ~~هجا بني عبيد-لعنهم الله-في أيام أبي يزيد، فبعد قتله طلبه السلطان ليقتله، ~~فلجأ إلى السبائي، وهو (فزع) خائف. وقال له: أنت تعلم ما يراد بي، ~~فقام [الشيخ] أبو إسحاق فدخل خزانته وأقبل يدعو ويقول كلاما بعضه ~~يفهم وبعضه لا يفهم ثم قال لأبي القاسم: امض اشتر غداءك وادخل الحمام. ثم ~~امض إليه فلن ترى شيئا تكرهه قال أبو القاسم: فخرجت من PageV02P489 ~~عنده ففعلت ما أمرني به من الغداء ودخول الحمام ووثقت نفسي بقوله ودعائه. # ثم مضيت إلى السلطان، فدخلت عليه فقال بعض من في مجلسه: يأمرك السلطان أن ~~ تنشده ما قلت في أيام أبي يزيد، فتوقفت عن ذلك وخفت، فقال: أنشدها ~~ولك الأمان، قال: فأنشدته القصيدة الرائية وهي : # تلفع في مفارقه القتير %~% وقوس غصنه اللدن النضير # /وليس يؤدب الإنسان شيء %~% كتأديب الحوادث إذ تدور # وإن ببابك اللهم عبدا %~% من الخذلان أصبح يستجير # دعاك وقد رجاك فصنه مما %~% يحاذر ذو المراقبة الحذور # $ 5 ولا تسلمه للدنيا فتهوي %~% به منها بطون أو ظهور # سلامتها، وان دامت سقام %~% ونعمتها، وإن راقت غرور # ومرعاها لراعيها وخيم %~% وكثرتها لمكثرها يسير # تسر المرء يوما ثم تغدو %~% فتسلب ما أتاح له السرور # وإن واتتك إقبالا ونعمى %~% فعقباها الفجائع والقبور # 10 وكل الخير فيها مستعار %~% وسوف يرد ذاك المستعير # وإن عزيزها عما قليل %~% ذليل، والغني بها فقير PageV02P490 وكل مؤمل أمل ~~طويل %~% وعمر لو تأمله قصير # وبعد الموت أهوال عظام %~% يشيب لبعضها الطفل الصغير # وتذهل كل مرضعة لكرب %~% ليوم فيه شر مستطير # 15 وبعد الموت للأرواح إما %~% نعيم ms553 في الكرامة أو سعير # عجبت لفتنة أعمت وعمت %~% يقوم بها دعي أو كفور # تزلزلت المدائن والبوادي %~% لها وتلونت منها الدهور # وضاقت كل أرض ذات عرض %~% ولم تغن المعاقل والقصور # فنجى القيروان وساكنيها %~% إله دافع عنها قدير # 20 أحاط بأهلها علما وخبرا %~% وميز ما أكنته الصدور # وجللهم بعافية وأمن %~% وأسبل فوقها ستر ستير # وأنبت جلة العلماء فيها %~% بحار لا تعادلها بحور # ومنها سادة العلماء قدما %~% إذا عدوا، وليس لهم نظير # وفيها القوم عباد خيار %~% فقد طاب الأوائل والأخير # 25/شعارهم التقى والخوف ليلا %~% على أقدامهم غيب حضور # كأنهم لخوف الله موتى %~% أقامهم إلى البعث النشور # بلاد حشوها علم وحلم %~% وإسلام ومعروف وخير # هم افتكوا سبايا كل أرض %~% وفادوا ما استبد به المغير # كفيناهم عظائمها جميعا %~% فزالت عنهم تلك الشرور # 30 وسكنا قلوبا خافقات %~% أمات عروقها ضر ضرير # وآوينا وآسينا وكنا %~% لهم أهلا وأكثرهم شطير # فبات طعامنا لهم طعاما %~% هناك، ودورنا للقوم دور # وكان لنا ثواب الله ذخرا %~% وقام بشكرنا منهم شكور PageV02P491 ~~ولولا القيروان وساكنوها %~% لغاب طعامهم والمخ رير # 35 كأن القيروان وهم عراة %~% حفاة، محشر فيه المصير # فهل للقيروان وساكنيها %~% عديل حين يفتخر الفخور؟ # عراق الشرق بغداذ وهذي %~% عراق الغرب بينهما كثير # ولست أقيس بغداذا إليها %~% وكيف تقاس بالسنة الشهور؟ # بلاد تقصف العظماء قصفا %~% إذا ما رامها منهم غدور # 40 بلاد خطها أصحاب بدر %~% وتلك اختط ساحتها أمير # بناها المستجاب وقد دعا في %~% جوانبها دعاء لا يبور # بناها كل بدري كريم %~% كأن صفاح أوجههم بدور # هم صلوا بمسجدها براحا %~% وليس له جدار مستدير # وهم وضعوا له أسسا %~% [وساسا] فقدست المواضع والصخور # 45 وقادهم الأذان إليه حتى %~% أضاء لهم من المحراب نور # ولم يسبقهم ملك ظلوم %~% لتأسيس ولا ملك كفور # وأصحاب النبي له بناة %~% فلا عصيان فيه ولا فجور # أقاموا شطر قبلتها سويا %~% إلى البيت العتيق فلم يجوروا PageV02P492 وإن ~~عراصه لمقدسات %~% مباركة وتربته طهور # 50 بها حلق العلوم لها دوي %~% يجاوبها الكتاب المستنير # ألا أبلغ معاشر ليس عندي %~% لهم (عذر) ولا فيهم عذير ms554 # نحب صلاحهم وهم غضاب %~% علينا، إن ذا جور كبير # ضمائرهم مراض واجمات %~% علينا لا أفاق لهم ضمير # ولا ذنب لنا إلا لأنا %~% سلمنا حين عمهم الثبور # ثم مضى فيها حتى انتهى [إلى قوله منها] : # 55 وليس لنا كما لهم حصون %~% ولا جبل أعاليه وعور # ولا سور أحاط بنا ولكن %~% لنا من حفظ رب العرش سور # ولا نأوي إلى بحر وأنى %~% إذا قضي القضا تنحى البحور # ولكنا إلى القرآن نأوي %~% وفي أيماننا البيض الذكور # عقائق كالبوارق مرهفات %~% بها تحمى الحرائم والثغور # 60 وسمر في أعاليهن شهب %~% بها ظمأ، مواردها النحور # لنا شيب جحاجحة ليوث %~% وشبان غرانقة صقور # وكلهم شديد البأس جلد %~% جريء قلبه ثبت وقور # وإنا بعد من خوف وأمن %~% نحب إذا تشعثت الأمور: PageV02P493 # رسول الله والصديق حبا %~% به ترجى السعادة والحبور # 65 وبعدهما نحب القوم طرا %~% وما اختلفوا فربهم غفور # 5 لا بأبي وخالصتي وأمي %~% محمد البشير لنا النذير # سأهدي ما حييت له ثناء %~% مع الركبان ينجد أو يغور # / [قالوا] : فلما فرغ من إنشادها لم يعرض له إسماعيل بسوء، فلما خرج ~~من بين يديه قام أحد الجند من بين يدي إسماعيل فاخترط سيفه ليقتل أبا ~~القاسم، فقال له إسماعيل: مالك؟ قال : أضرب عنقه. فقال له: قد أمناه، ~~فألا كان هذا في حين نشيده إيانا، فلما قام عنا وانصرف قمت إليه؟ فعافاه ~~الله تعالى من شره بدعاء الشيخ السبائي. # ولأبي القاسم الفزاري أشعار كثيرة في هجو بني عبيد منها : # عبدوا ملوكهم وظنوا أنهم %~% نالوا بهم سبب النجاة عموما # وتمكن الشيطان من خطواتهم %~% فأراهم عوج الضلال قويما # رغبوا عن الصديق والفاروق في %~% أحكامهم لا سلموا تسليما # واستبدلوا بهما ابن أسود نابحا %~% وأبا قدارة واللعين تميما # 5 تبعوا كلاب جهنم وتأخروا %~% عمن أصارهم الإله نجوما # يا ليت شعري من هم إن جهلوا %~% دنيا، ومن هم إن عددت صميما! # أمن اليهود؟ أم النصارى؟ أم هم %~% دهرية جعلوا الحديث قديما؟ PageV02P494 # أم هم من الصابين أم من عصبة %~% عبدوا النجوم وأكثروا التنجيما؟ # أم هم زنادقة معطلة ms555 رأوا %~% [أن] لا عذاب غدا ولا تنعيما؟ # 10 أم عصبة ثنوية قد عظموا %~% النورين عن ظلماتهم تعظيما؟ # من كل مذهب فرقة معلومة %~% أخذوا بفرع وادعوه أروما # سبحان من (أبلى) العباد بكفرهم %~% وبشركهم حقبا وكان رحيما # يا رب فالعنهم ولق لعينهم %~% بأبي يزيد من العذاب أليما # [قالوا] : ومدح ابن قتار معدا وإسماعيل بمدحة كفر فيها، ~~فقال له: أيهما أشعر أنت أو سهل الوراق؟ فقال له: أنا أشعر في مدحكم ~~وسهل أشعر في هجوكم فتغيظ لهذا، فخاف سهل لما بلغه خوفا عظيما، ومضى إلى ~~دار أبي إسحاق السبائي، فقرع الباب ودخل، وكانت للشيخ فراسة، فلما نظر إليه ~~قال له: أنت سهل؟ قال: نعم. فقام إليه وأجلسه بجواره وأقبل عليه وقال له: ~~ما الذي جاء بك؟ فأخبره بما قال ابن قتار، فقال له: PageV02P495 # أنشدني واجعل إصبعيك في أذنيك وارفع صوتك بها ما استطعت، فأنشدها له، وهي ~~: # هل أنت بعد الشيب ذو صبوات %~% أم مرعو عنها مطيع نهاة # يأبى مشيبك من سؤالك أربعا %~% كانت محل العير والظبيات # يا صاحبي سلا ذوي الردات %~% ما بال وحي نبيهم لم يات # ما كان عنه مبطئا ناموسه %~% من قبل في وقت من الأوقات # 5 فالآن لا وحي إليه، فأين ما %~% زعموا من الإيهام والأبهات؟ # غضب الإله على نبي لم يزل %~% حيران مغرورا أخا سكرات # متهمكا في خمره وسماعه %~% مترددا في الغي والشبهات # متعللا بالترهات، وتارة %~% يتنفس الصعداء بالزفرات # لا فرج الرحمن كربك! إنما %~% فرج الورى أن تألف الكربات # 10 يا ابن الأراذل والمجوس، ويا ابن من %~% هتك الفروج وضيع ~~الصلوات # أسفى عليك الخارجي بصيلم %~% وافتك عند نهاية الميقات # /الله باعثه فمن ذا صارف %~% ما الله باعثه من النقمات # فلتقرعن عصاه كل مضلل %~% عادى النبي وحرف السورات PageV02P496 لتطهرن ~~الأرض من ذي ردة %~% بالمقرنين وكل طاغ عات # 15 حذرتم كيد الإله ومكره %~% فأبيتم والله ذو سطوات # وأبيتم إلا تمادي مسرف %~% في ظلمه، والظلم ذو ظلمات # ناداكم رب العباد برجفة %~% فغدت جذوع النخل منقعرات # فلقد كسا طول البلاد وعرضها %~% من جوركم ms556 ما فاق كل صفات # قوم إساءتهم إليك بقدر ما %~% أحسنت، لا بل مثله مرات # 20 ما قص في التنزيل سوأة أمة %~% إلا وفيهم ضعفها سوءات # ومتى تخبرهم بسيرة من مضى %~% قالوا: أتخبرنا بمخترقات # نكروا فما عرفوا الجميل ولا احتذوا %~% فعل الكرام ولا اقتدوا بقدات ~~ # وإذا الأعانيت اصطفينك فاستمع %~% تأويلهم في [محكم] الآيات # كتمرد المجان واستهزائهم %~% في القول من زور ومختلقات # 25 أو كانهمار موسوس يعتاده %~% (هذيانه) وخباله تارات # قد ألفوه ومثلوا أمثاله %~% تأليف برد خرافة القينات # الطاعنين على النبي محمد %~% والقائلين بأسخف القالات # إن الإمام هو النبي وإنه %~% رب تعالى الله ذو العظمات PageV02P497 فتنوا ~~بأحمق من عليها، كيف لو %~% علقوا بذي لب وذي إخبات؟ # 30 هدم المساجد وابتناها منزها %~% لمضارب العيدان والنايات # وأحل دار البحر في أغلاله %~% من [كان] ذا تقوى وذا صلوات # مستحمق بادي العوار مهوس %~% نكد قليل الخير والبركات # قال حديث الصدق رافض أهله %~% راض عن الكذاب والقينات # ما زلت أبصر في سفاهة رأيه %~% كر الزمان عليه بالآفات # /فعليه، ما لبي الحجيج وطوفوا %~% وعلى ذويه، خوالد اللعنات # أبدا تغادي أو تراوح روحه %~% حيا وبعد الموت معتورات # فلما فرغ من إنشادها قال له أبو إسحاق: اخبرني ما أردت بهذه ~~القصيدة؟ فقال له: أردت بها الله عز وجل. فقال: اللهم احمه واكفه وعافه. ~~فخرج من عنده وجاز بأبي القاسم الفزاري فقال له الفزاري: الدوارة ~~[يبحثون] عنك ، فخاف سهل، فقال: منذ ثلاث ساعات وجه إليكم ~~السلطان بخلعة وصرة، فقال له: ذلك الوقت الذي كنت فيه عند (أبي إسحاق) ~~ السبائي. ويقال إن السلطان أحضره وقال له لا بد لك أن تنشدني القصيدة ~~التي هجوتنا فيها (كلها) ، فقال له: أنشدها ولي الأمان؟ ~~فأعطاه الأمان، وأنشده القصيدة كلها، فلم يصل إليه بمكروه ووصله ~~PageV02P498 وأكرمه . وذلك كله بدعاء الشيخ رضي الله تعالى عنه ~~وأرضاه. # قال الشيخ أبو الحسن الفقيه-رحمة الله تعالى عليه-: دخل أبو العباس ~~ابن أبي ثوبان، [أخو] صاحب المظالم، على أبي إسحاق، أراد أن يعاتبه ~~ويعذله، فوجده خاليا قرب وقت قيامه ضحى عاليا، ms557 فسلم وجلس، ثم سأله سؤال ~~منبسط: كيف حالك يا أبا إسحاق؟ فأجابه الشيخ جواب منقبض، لأنه كان عارفا ~~به. ثم قال له: ما حركك يا مبارك؟ ما نحتاج أن تعيننا أو نحو هذا ~~الكلام، فغضب وخرج وهو يقول: ليس العجب/إلا مني، فلقي أبا علي حسنا أخا ~~ أبي عبد الله الفقيه بن نظيف خارجا من «القاسمية» ذاهبا ~~إلى داره، وهو حقن ، فقال له: يا أبا علي العجب من شيخكم هذا، قال: أي ~~شيخ؟ قال: (هذا) السبائي الذي تدخلون (إليه) ، فقال له: ما له؟ ~~قال: مضيت إليه زعم على أني أعذله وأعاتبه، فأقبل (وهو) يقول: ما ~~نحتاج %~% ما نحتاج %~% ، قل له: في عاقبة سوف ترى. قال أبو علي: ~~فذهب عني ما بي من الحقن وتوجهت مسرعا إلى [الشيخ] أبي إسحاق، فلما ~~استأذنت بقرع الباب أذن، فدخلت فوجدته خاليا، فقلت له: -أصلحك الله تعالى- ~~من خرج من عندك الساعة؟ فقال PageV02P499 الشيخ مبتسما: ليس إلا خيرا ~~، فأخبرته بما جرى لي معه وبما أدركني من خوف على الشيخ، وجعلت أسأله ~~في أمر يلطف فيه مما يسكن به أبا العباس (عما يصنعه) مما يعقده مع ~~أخيه الذي هو على المظالم في أمر يؤذي به الشيخ والمسلمين. قال: وهو يقول: ~~لا يا مبارك، ليس إلا خيرا . قال: فقلت له -أصلحك الله تعالى-: إنه ~~(قد) قال: سوف ترى، وجعلت أكررها، فقال لي الشيخ، بعد ساعة (من ~~المراجعة) : يا مبارك قل له: سترى أنت (قال) : فخرجت من عنده ~~فدخلت داري فتخففت وتغديت (ونمت) ثم خرجت إلى حانوتي بعد زوال الشمس، ~~فسمعت عند دار أبي العباس: # الواعية ، فقلت ما هذا؟ قالوا: مات أبو العباس بن أبي ثوبان (قال) ~~: # فجعلت أدفع ذلك وأدافع من يقوله لي حتى وافيت أخاه أبا سعيد صاحب ~~المظالم خارجا من دار الميت، فقلت له: ما هذا؟ فقال لي: مات أبو العباس، ~~فعزيته، ثم قلت له: وكيف هذا؟ وأنا كنت معه الساعة ، فقال: إنما دخل ~~الحمام ثم تغدى ونام، وانتبه، فنخر مرة أو مرتين ثم مات. فانصرفت من ms558 ~~ساعتي إلى الشيخ، [أبي إسحاق] ، فاستأذنت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: ~~حسن، فأذن لي، [فدخلت] . فسلمت [عليه] ثم قلت له: مات أبو ~~العباس ثم حكيت له كيف كان موته، فقال لي: يا أخي يا أبا علي قد كفيت ما ~~تحذره والحمد لله عز وجل. # قال الشيخ أبو الحسن وهذه حكاية مستفيضة أشهر من كثير من الأمور لا تكاد ~~تخفى، ومثل هذا كثير. PageV02P500 # قال الشيخ أبو محمد [بن أبي زيد] الفقيه-رضي الله تعالى ~~عنه-: # كان الشيخ أبو إسحاق [رضي الله عنه] مستجابا. ولقد رأيت من استجابة ~~دعوته أشياء كثيرة وذلك أنه كانت لي بنت فأصابها في عينها شيء وكرهت ~~السير بها [إلى] عند ابن أعين ، وعند انصرافي من مجلس ~~الشيخ أبي إسحاق- (رضي الله عنه) - قلت له: ابنتي أصابها شيء في ~~عينها أردت أن تدعو لها، فقال لي: ولم لم تمض بها إلى ابن ~~أعين؟ فقلت له إني كرهت أن يراها، فقال لي: ابعث بها إلي أرقها ثم ~~رجع فقال: لا تمض (بها) إلى ابن أعين ولا تبعث بها إلي. من هاهنا ~~أرقيها لك، فلم يزل يرقيها حتى أفاقت. # قال [أبو] محمد: وكانت عندي طفلة، فلما بدأت تمشي ~~استرخى وركها، فمضت بها امرأة إلى الشيخ أبي إسحاق-رحمه الله-فرقاها، ~~فأتتني بها صحيحة. # قال أبو محمد أيضا: كان موسى اليهودي عند معد، وعنده وجوه ~~PageV02P501 رجاله، فقال له معد: رجل في بيت من قصب بقرب الفحص يشتمنا وما ~~قدرنا له على شيء، فقال له ابن الإفرنجية: من هو يا مولاي؟ /نقطع ~~رأسه ونفعل به كذا وكذا، فقال له معد: اسكت يا عبد السوء، فقال موسى ~~اليهودي لمعد: إنك لن تطيقه، فسكت عنه معد، فلما خلا المجلس قال معد لموسى ~~اليهودي: ما ذاك الخطاب الذي خاطبتني به؟ فقال له: نعم. أنا أخبرك، كانت ~~عندي ابنة وكان بعينها بياض، فما بقي شيء مما أمر به الأوائل إلا وقد عملته ~~لها، فلم تنتفع بشيء [منه] حتى إني وجهت إلى مصر فاشتريت لها مثقال ~~توتية بمائة مثقال ذهبا ، وعملته ms559 لها، فما نفعها شيء وابيضت ~~عيناها. فكانت لا تبصر. وكانت تدخل إلينا امرأة فقيرة من المسلمات فقالت ~~أعطوني هذه الصبية أمضي بها عند السبائي، فمضت بها إليه فرقاها في جملة من ~~يرقي فجاءت وهي تبصر وزال ما بها في الوقت. # وذكر عنه أنه كان يرقي الناس الذين (يأتون إليه جملة) ويجر [على] ~~ كل إنسان منهم بيده على وجعه فيبرأ، فتحيل رجل مشرقي ممن مرق ~~في الإسلام، بعينيه وجع، فأرخى منديله على وجهه في جملة الناس/خوفا أن ~~يعرف، فرقى أبو إسحاق الجماعة وخرجوا، فبعد خروجهم عرفه بعض من حضر أن فيهم ~~رجلا مرق عن الإسلام، فقال: لم لم تخبروني به؟ علي به، فقام رجل وراءه ~~ ورده إليه وهو فزع، فقال له أبو إسحاق: أجررت PageV02P502 بيدي ~~على وجعك؟ (فقال له: نعم) [فقال له] : قال الله عز وجل: # وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ~~ اخرج فليس لك في القرآن شيء. # قال عبد الرحمن بن محمد : سمعت أبا إسحاق-رضي الله عنه- يقول: # كل الخلق يريدون الله عز وجل. ولكن انظر من يريده الله تعالى (وتقدس) ~~. [و] قال له أندلسي: إن خبرك عندنا، فقال له أبو إسحاق: يا أخي ~~الخبر غدا. وسمعته يقول: -وقد سأله عن الحديث الذي جاء: «المؤمن تسره ~~حسنة» كيف هذه المسرة؟ قال: مسرة طمع. # وسمعته يقول: الذي نؤمن به من الغيب هو أوثق عندنا من ~~أعمالنا، لأن الأعمال تشوبها الآفات. # وسمعته يقول : # إنما يتزوج المؤمن/خوفا من الوسواس. وقد كان رجال يتزوجون من غير حاجة ~~إلى النساء-أي عدة للعدو-وإنما يطلب الإنسان الدنيا خوفا على الدين. وما ~~تركت قبول الهدية من الناس إلا خوفا من شغل القلب إذ لا بد لمن قبل [هدية] ~~ من المكافأة، وترك ذلك عندي أسلم. # قال أبو بكر بن عبد الرحمن الفقيه حدثني الشيخ أبو الحسن قال: لما ~~PageV02P503 دخل عبيد الله إفريقية وتم له ملكها تشرق ابن غازي ~~المتعبد بقصر الطوب. لقد حدثني أبي أبو بكر بن خلف قال: لما توجه ابن ~~غازي- لعنه ms560 الله-إلى عبيد الله ليدخل [هو وأصحابه] في دعوته ، ~~قيل لعبيد الله - (لعنه الله) -: قد أتى ابن غازي وأصحابه ليدخلوا في ~~دعوتك، ويتصلوا بك، فقال: أدخلوهم الداموس ، فلبس عبيد الله فروا ~~مقلوبا ودخل عليهم الداموس دابا على يديه ورجليه مثل الدابة، فقال ~~لهم: بح ورجع إلى سرير ملكه فلبس ثيابه وجلس/، فأتى إليه أحد وزرائه ~~فقال له: يا مولاي أتأذن لابن غازي وأصحابه في الدخول عليك ~~؟ فقال له: ولأي شيء يدخلون وقد فرغت من أمرهم ، وحكى له ما فعل، ~~فقال له: لا بد أن يدخلوا وتبين لهم (ذلك) بلسانك، فأذن لهم، فدخلوا ~~عليه ، فقال لهم: أما رأيتم (الذي) دخل عليكم الداموس؟ قالوا: ~~نعم. قال: أنا PageV02P504 الذي فعل ذلك، فأما دخولي على يدي ورجلي فإنما ~~أردت [بذلك] أن أعلمكم أنكم مثل البهائم لا شيء عليكم لا وضوء ولا ~~صلاة ولا زكاة ولا شيء من الفرائض ، سقط جميع ذلك عنكم. وأما لباسي ~~الفرو مقلوبا، فإنما أردت بذلك أن أعلمكم أنكم قلبتم (الدين) الذي ~~كنتم عليه ودخلتم في هذا الدين. وأما قولي (لكم) : بح، فإنما أردت أن ~~أعلمكم أن الأشياء كلها مباحة لكم: [من] الزنا، وشرب الخمر، وجميع ما ~~حرم الله -تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا-. # قال الشيخ أبو الحسن: وأخبرني من رأى ابن غازي راكبا على دابة وعليه رداء ~~وطويلة ، وهو في زقاق الروم ، والناس حوله وهو يقول: يا ريان لا ~~قود ولا دية، قال غير أبي الحسن: يا زيان -منقوطة-، قال: يريد بذلك ~~إنه لا حرام ولا حلال، ولا حد ولا حكم. # وحدث أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى القرشي، المتعبد الصقلي، قال: # حدثنا أبو عبد الله محمد بن خراسان قال: كان ابن غازي ساكنا بقصر ~~الرباط بسوسة، وكان قد بلغ من العبادة إلي غاية لم يبلغها [أحد] غيره ~~في وقته، وكان له صوت حسن في القراءة فقرأ ليلة وأعلن بقراءته ~~، فسمعه PageV02P505 (إبراهيم بن أحمد) الأمير، فسأل عنه، فقيل ~~له: هذا ابن غازي، فاستحسن قراءته وأعجبه حسن صوته، فذكر ms561 ذلك لابن غازي ~~فقال: لو علمت أنه يسمعني لحبرت قراءتي تحبيرا ، فخرج إبراهيم من سوسة ~~إلى تونس، فتبعه ابن غازي إلى تونس، فهو ليلة في قصره بتونس ينظر إلى ~~النجوم إذ سمع قراءة ابن غازي التي سمعها بسوسة، فقال لهم: سلوا عن ~~هذا (الرجل) القارئ [من هو] ؟ فسألوا عنه، فعرفوا أنه ابن غازي ~~فأخبروا/بذلك إبراهيم بن أحمد، فقال إبراهيم: ما أرى هذا الرجل يموت على ~~الإسلام، فلما وصل عبيد الله إلى إفريقية تشرق ابن غازي وكان في جملة النفر ~~الذين قالوا لعبيد الله: أنت أنت [ %~%%~% ]. # ذكر (الشيخ) الفقيه أبو القاسم بن شبلون-رحمه الله تعالي-عن الشيخ ~~أبي إسحاق السبائي أنه كان إذا رقى أحدا يقرأ في رقيته: الحمد لله رب ~~العالمين وقل هو الله أحد والمعوذتين، كل سورة سبع مرات، ثم يقول-في آخر ~~رقيته-: ببغضي في عبيد [الله] وذويه ، وحبي في نبيك وأصحابه ~~وأهل بيته: اشف (كل) من رقيته، فيشفى باذن الله سبحانه وتعالى، وروى عنه ~~أنه كان إذا ابتدأ يرقي تعوذ وبسمل في أول أم القرآن وإذا فرغ منها ~~أمن في كل مرة من السبع . PageV02P506 # قال الفقيه أبو بكر بن اللباد-رحمة الله عليه-في بعض تآليفه : هذا ~~ما انتهى إلينا من أخبار العلماء العقلاء المؤمنين الذين يتلذذ ~~بمجالستهم وأخبارهم، (وتطلب الفائدة منهم) ويشتد ~~الاغتمام بمفارقتهم ويطول الحزن والبكاء عند فقدهم، وتقرب ~~ القلوب [منهم] وإن نأت بهم ديارهم، أخلاقهم جميلة، وقلوبهم ~~سليمة، وأنفسهم كريمة، قد عرفوا أزمانهم، وأقبلوا على شأنهم، الناس منهم في ~~راحة، وأنفسهم منهم في تعب، شغلهم بالله متصل، وعن غيره منفصل، فسلم الناس ~~من ألسنتهم وأيديهم، اخوة كما أمر الله عز وجل، أمهاتهم شتى وقلوبهم على ~~الحق والخير مجتمعة، فمن أحبهم أفاد خيرا كثيرا، ومن حسدهم أو آذاهم ~~فقد خسر خسرانا مبينا، لا يرغب في مجالستهم إلا أديب عاقل، ولا يزهد في ~~رؤيتهم إلا أحمق جاهل، نفعنا الله سبحانه بهم، وأشركنا في صالح دعائهم، ~~وغفر لنا ولهم، وجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمته ودار كرامته، إنه غفور ~~رحيم، (فسل ms562 الله سبحانه التوفيق والرشاد والسداد، انه) الكريم الجواد ~~. # [وهذا] آخر [ما وجدته من] كتاب «رياض النفوس» في طبقات ~~PageV02P507 علماء (مدينة قيروان إفريقية وما يليها من بلدانها ~~ومراسيها وحصونها وسواحلها وعبادهم ونساكهم وفضائلهم (وأوصافهم) ~~وتاريخ وفاتهم تأليف أبي بكر عبد الله بن محمد المالكي قدس الله روحه ونور ~~ضريحه، ولنختم الكتاب بالصلاة على سيد الأولين والآخرين والحمد لله رب ~~العالمين . ### | [خاتمة] ### || [خاتمة نسخة «ق»] # وكان الفراغ من نسخ [هذا] السفر المبارك [في] السابع من ربيع ~~الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة. كتبه العبد الفقير إلى رحمة مالكه ومولاه ~~المستجير بالله من شر شيطانه ودنياه، المتوكل على خالقه في الصبر على ما ~~قدره عليه وقضاه، الراجي من بارئه إحسانه إليه في متقلبه ومثواه، اللائذ ~~بكرمه الذي ما خاب من أمه ورجاه ، التائب مما اقترف من الذنوب في ما مضى ~~من عمره وسلف: يوسف بن محمد بن عبد الوهاب بن يوسف التتائي المالكي، ~~غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. # ونسخ هذا السفر المبارك بالمدرسة المولوية الأجلية المالكية الوزيرية ~~الصاحبية الصفوية بدميرة القبلية عمرها الله سبحانه وتعالى إنه على ما ~~يشاء قدير وصلى الله على محمد وآله. ونفع بما فيه ورزقنا العمل به إنه قريب ~~مجيب. PageV02P508 ### || [خاتمة نسخة «ب»] # وهو آخر كتاب «رياض النفوس»، كتبه عبيد الله وابن عبيده: عثمان ابن عمر ~~بن أبي بكر محمد بن أبي بكر بن أيوب حامدا الله تعالى ومصليا على نبيه محمد ~~صلى الله على آله وصحبه. تم في مدة آخرها رابع عشرين رجب سنة سبع وعشرين ~~وسبعمائة. نقلت من نسختين مختلفتي الأصل إحداهما تاريخها سنة أربع وأربعين ~~وخمسمائة، والأخرى قال [ناسخها]: كتبها الفقير إلى ربه تعالى يحيى بن مفرج ~~بن معبد بن المبارك بمكة شرفها الله تعالى في ربيع الآخر سنة إحدى وستمائة، ~~وكتب هذه النسخة لنفسه ولمن شاء الله تعالى بعده أقل عبيده: عثمان بن عمر ~~في مدة آخرها رابع عشرين رجب من سنة سبع ms563 وعشرين وسبعمائة. أحسن الله تعالى ~~خاتمتها، آمين. # [خاتمة المختصر «م»] # كمل المختصر من «رياض النفوس» بمعونة الملك القدوس والحمد لله كثيرا وصلى ~~الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما. اختصره لنفسه يحيى بن إبراهيم ابن ~~علي وهو يسأل الله العفو والعافية وذلك في سنة ثمان وسبعين وكان الفارغ من ~~نسخة في السابع عشر من محرم من عام سبعة وأربعين وستمائة، والحمد لله ~~كثيرا. PageV02P509 ms564