######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0023629 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (المتوفى: 465هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 465 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: لطائف الإشارات = تفسير القشيري #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0023629 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-23629 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/23629 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: إبراهيم البسيوني #META# 041.EdNUMBER :: الثالثة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | الجزء الاول ### | مدخل # ترجع أهمية نشر هذا الكتاب إلى ثلاثة عوامل رئيسية: # أولا: أنه من الناحية الموضوعية يعالج قضية هامة وهى تفسير القرآن الكريم ~~على طريقة أرباب المجاهدات والأحوال، وهذا منهج في التفسير نادر في المكتبة ~~العربية، فأنت تستطيع أن تجد عددا غير قليل من التفاسير التي تتناول النص ~~القرآنى فى ضوء اللغة العربية أو الإعراب أو البلاغة أو الفقه أو أسباب ~~النزول أو التشريع أو القصص والأخبار أو نحو ذلك مما هو مألوف ومعروف منذ ~~نزل القرآن ومنذ ظهرت الاتجاهات المختلفة فى دراسته، ويمكن أن تجد عدة ~~مصنفات لعدة شخصيات فى كل لون من هذه الألوان بحيث يغنيك واحد أو اثنان ~~منها عما سواهما. # فإذا بحثت عن التفسير الصوفي ألفيته- على العكس من ذلك- نادرا، وألفيت ~~الإنتاج فيه غير شاف، فإما أن يكون مقتضبا «كتفسير القرآن العظيم» لسهل بن ~~عبد الله التستري (المتوفى سنة 283 ه) وقد طبعته السعادة فى عام 1908 م ~~فيما لا يزيد على مائتى صفحة، ويستطيع القارئ أن يتصور كيف يمكن لمائتى ~~صفحة أن تعنى بدراسة القرآن على نحو مرض. # وإما أن يكون مطعونا فيه كما هو الشأن فى «حقائق التفسير» لأبى عبد ~~الرحمن السلمى (المتوفى سنة 412 ه) الذي يقول فى وصفه- ونحن نقتطف منه هذه ~~الفقرة لنوضح ما قلناه آنفا عن ندرة التفسير الصوفي: «لما رأيت المتوسمين ~~بعلوم الظاهر قد سبقوا فى أنواع فرائد القرآن من قراءات وتفاسير ومشكلات ~~وأحكام وإعراب ولغة ومجمل ومفضل، وناسخ، ومنسوخ، ولم يشتغل أحد منهم بفهم ~~الخطاب على لسان الحقيقة إلا آيات متفرقة أحببت أن أجمع حروفا أستحسنها من ~~ذلك وأضم أقوال مشايخ أهل الحقيقة إلى ذلك وأرتبه على السور حسب وسعى ~~وطاقتى» [حقائق التفسير للسلمى مخطوطة 150 تفسير دار الكتب ص 221] . # PageV01P003 # وعند ما ظهر حقائق التفسير، أحدث ضجة كبرى، فقد لقى معارضات شديدة من ~~معاصريه وممن أتوا بعده، فانهم بالابتداع والتحريف والقرمطة والتشيع ووضع ~~الأحاديث على الصوفية يقول ابن الصلاح: (وجدت عن الإمام الواحدي أنه قد صنف ~~أبو عبد الرحمن ms0001 السلمى حقائق التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد ~~كفر) وقال الذهبي فى «تذكرته» : أتى السلمى فى «حقائقه» بمصائب وتأويلات ~~للباطنية نسأل الله العافية تذكرة الحفاظ ج 3 ص 249. # ووصفه ابن تيمية بالكذب: (منهاج السنة ج 4 ص 155) . # وعد السيوطي تفسيره ضمن التفاسير المبتدعة معللا لذلك بقوله: « ### | .... # وإنما أوردته فى هذا القسم لأنه غير محمود (طبقات المفسرين للسيوطى ط ~~ليدن سنة 1839 ص 31) . # أما إخوان الصفا الذين يحشرهم جولد تسيهر ضمن مفسرى الصوفية فى كتابه ~~(مذاهب التفسير الإسلامى) ، فهم أولا غير صوفية وإنما هم جماعة من ~~المشتغلين بالفلسفة ذوى أغراض بعيدة خبيثة، ضمت صفوفهم لفيفا من الناس ~~مختلفى النزعات والثقافات حتى كان من بينهم ملاحدة، فإحالتهم على الصوفية ~~تجن على الحقيقة وعلى التاريخ وعلى التصوف، ولسنا نبرىء جولد تسيهر من ذلك- ~~مع تقديرنا لكتابه القيم. # وحتى القرن الخامس الهجري لا نجد كما يقول صاحب (تاريخ أدبيات در ايران) ~~: «أهم من حقائق السلمى ولطائف الإشارات للقشيرى وتفسير سورة الإخلاص ~~للغزالى» [تاريخ أدبيات در ايران للدكتور ذبيح الله صفا (مكتوب بالفارسية) ~~فصل التفسير صفحة 256، 257] . # وبعد ذلك بنحو قرن نلتقى بتفسير ابن عربى الذي هو قبل كل شىء مطعون فى ~~نسبته إليه، وفى ذلك يقول الشيخ محمد عبده (اشتبه على الناس فيه كلام ~~الباطنية بكلام الصوفية، وينسبونه للشيخ الأكبر محيى الدين بن عربى، وإنما ~~هو للقاشانى الباطني الشهير) ويضيف الأستاذ الإمام (وفيه من النزعات ما ~~يتبرأ منه دين الله وكتابه العزيز) تفسير المنار ج 1 ص 18) . # PageV01P004 # نعم صدق الأستاذ الإمام، فالكتاب مملوء بدعاوى وحدة الوجود، وما جره هذا ~~المذهب من ويلات، ولسنا هنا بصدد دراسة تفصيلية له، ولكننا نشعر بالحاجة ~~إلى أن نسوق شواهد قليلة تثبت مجانبة هذا التفسير للحق، وكيف أنه لا يصح أن ~~يكون نموذجا للاتجاه الصوفي السديد- كما حلا لجولد تسيهر أن يظهره ويتحمس ~~له، ليخرج من ذلك بأحكام عامة يصدرها عن التصوف الإسلامى- كأنما يروى ~~غليله. # ففى سورة المزمل عند قوله تعالى (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا، يقول: ~~(واذكر ms0002 اسم ربك الذي هو أنت..) !! ج 2 ص 352. # وفى سورة الواقعة عند قوله تعالى (نحن خلقناكم فلولا تصدقون) ، يقول: نحن ~~خلقناكم بإظهاركم بوجودنا، وظهورنا فى صوركم) ج 2 ص 291 وليس هذا التصور ~~بمستغرب على من يقول إن عجل بنى إسرائيل أحد المظاهر التي اتخذها الله وحل ~~فيها!! وليس من الإنصاف أن يقال للناس هذا هو رأى الصوفية المسلمين ولا رأى ~~بعده، بل يجب أن نضع فى اعتبارنا أن مذهب وحدة الوجود مذهب فلسفى يبتعد عن ~~المنهج القلبي العرفانى الذي اختطه أرباب المجاهدات والأحوال للوصول إلى ~~وحدة الشهود، وفى وحدة الشهود- ومهما قيل عنها من كلام ظاهره مستشنع وباطنه ~~سليم على حد تعريف أبى نصر السراج الطوسي للشطح- يبقى دائما شىء هام قوى ~~ناصع أن العبد عبد والرب رب ولا تداخل ولا امتزاج ولا حلول ولا اتحاد، بل ~~بمقدار ما يصل العبد إلى تحقيق عبوديته يصل إلى التحقق من ربوبيته الرب ~~وتنزيهه عن كل إفك وباطل ... تعالى الله علوا كبيرا. # ولا ينبغى لنا أن نغض الطرف عن قيمة التفاسير المبعثرة فى المراجع ~~الصوفية الكبرى لآيات بعينها من القرآن الكريم، فإن تبعثر هذه التفاسير لا ~~يحول دون تقديرها حق قدرها، ذلك لأنها غالبا ما سيقت لتدعيم موقف أو لتشهد ~~على استمداد فكرة أو لفظة، فهى من هذه الناحية لا تخرج عن كونها تفسيرا ~~صوفيا غير مجموع. # وفيما عدا ذلك يمكن القول إن أبرز التفاسير الصوفية التي نعرفها كتابان ~~أولهما «عرائس البيان فى حقائق القرآن» لأبى محمد روزبهان بن أبى النصر ~~البقلى الشيرازي المتوفى سنة 606 ه[كشف الظنون ج 2 ص 21] # PageV01P005 # وثانيهما التأويلات النجمية» لنجم الدين داية المتوفى سنة 654 ه وقد مات ~~قبل أن يكمله فأكمله علاء الدولة السمناني المتوفى 736 ه (كشف الظنون ج 1 ص ~~238) . # لأجل هذا كله نحتفل «بلطائف الإشارات» فأغلب ما سقناه من تفاسير صوفية لا ~~يسلم من النقد، ولا يصح أن يكون نموذجا صالحا لتمثيل الصوفية والتصوف ~~بأمانة وصدق. # «لطائف الإشارات» سفر نفيس كتبه صاحبه محاولا أن يوفق ms0003 بين علوم الحقيقة ~~وعلوم الشريعة، وقاصدا إلى هدف بعيد أنه لا تعارض بين هذه وتلك، وأن أي ~~كلام يناقض ذلك خروج على أى منهما وعلى كليهما (فكل شريعة غير مؤيدة ~~بالحقيقة فغير مقبول، وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصول، الشريعة أن ~~تعبده والحقيقة أن تشهده) الرسالة القشيرية ص 46. # وهذا ما حدث فعلا.. فأنت خلال قراءة «اللطائف» تشعر أن كل صغيرة وكبيرة ~~فى علوم الصوفية لها أصل من القرآن، ويتجلى ذلك بصفة خاصة حيثما ورد ~~المصطلح الصوفي صريحا فى النص القرآنى كالذكر والتوكل والرضا، والولي ~~والولاية والحق والظاهر والباطن، والقبض والبسط ... إلخ فلا تملك إلا أن ~~تحكم أن الصوفية قد استمدوا أصولهم وفروعهم من كتاب الله الكريم، وأن ~~علومهم ليست غريبة ولا مستوردة كما يحلو لبعض الباحثين حين يتهمون التصوف ~~الإسلامى بالتأثر بالتيارات الأجنبية: اليونانية والفارسية والهندية ~~والمسيحية ونحوها. # كذلك تلحظ عبقرية القشيري إزاء اللفظة أو الآية حيثما لا يكون فيها ~~اصطلاح صوفى، فإنه يستخرج لك من آيات الطلاق إشارات فى الصحبة والصاحب، ومن ~~علاقة النبي بأصحابه إشارات عن الشيخ ومريديه، ومن مظاهر الطبيعة كالشمس ~~والقمر والمطر والجبال إشارات رائعة تتصل اتصالا وثيقا بالرياضيات ~~والمجاهدات أو بالمواصلات والمكشوفات. # وربما قيل إن صنيع القشيري مسبوق وملحوق، ولكن ها نحن منذ قليل أوضحنا ~~مقدار ما أصاب التفاسير الصوفية من سهام النقد، وبقي أن نتعرف الأسباب التي ~~جعلتنا نحكم بأن لطائف الإشارات، خير مناضل عن التفسير الصوفي بعامة، بل ~~بأنه من أفضل الأعمال # PageV01P006 # التي أنتجتها قرائح الصوفية فى شتى العصور، وربما يبدو فى ذلك بعض ~~التعميم مع أن الأحكام العلمية ينبغى ألا تخضع للتعميم لأننا لا نستطيع أن ~~ندعى المعرفة الشاملة بكل التراث الصوفي، ونعترف أن عشرتنا مع الكتاب ~~وصاحبه عشر سنوات كاملة أثناء إعداد بحثى الماجستير والدكتوراه فى ~~الموضوعات الصوفية، ونعترف أن حماسنا لما نلحظه من الاعتدال عند القشيري ~~دون سائر الباحثين، ونعترف أن ما كنا نشعر به من وجوه النقص فى سائر ~~المصنفات التي نهض بها غيره فى هذا الخصوص- كل ذلك ms0004 ربما كان الدافع إلى ~~لجوئنا إلى هذا الحكم الذي سقناه. # ومن أعجب الأمور أن القشيري يشتهر «بالرسالة» التي لا تخرج عن كونها ~~مجموعة من الأسانيد المنسوبة إلى الشيوخ فى موضوعات بعينها، ومجموعة من ~~التراجم لأبرز الشيوخ الذين ظهروا منذ نهاية القرن الثاني الهجري حتى بداية ~~القرن الخامس فى صفحات قليلة ربما أغنت عنها الكتب المطولة التي وضعت خصيصا ~~لهذا الغرض مثل تذكرة العطار أو طبقات السلمى أو طبقات الشعراني ونحوها. ~~ومع تقديرنا «للرسالة» إلا أننا لا نعتبرها بحال من الأحوال أفضل أعمال ~~القشيري، وأنها ظلمته حين شهرته، وحين أوقفت اسمه عليها، وأصبح حتما منذ ~~الآن أن يقول الناس «القشيري صاحب اللطائف» لا صاحب «الرسالة» . فاللطائف ~~هى أبلغ أعماله التي تزيد على العشرين- فى نقل صورة واضحة لشخصيته، ولست ~~أدرى لماذا لم يجد هذا الكتاب ما هو جدير به من الاهتمام فى العصور ~~الماضية؟ لماذا حكم عليه دائما أن يبقى فى منطقة الظل؟ حتى صار ما نعرفه عن ~~نسخه كما نفهم من «تذكرة النوادر» وكما يقول بروكلمان- محدودا ومبعثرا بين ~~روما وبرلين واسطنبول وتونس والهند والقاهرة، ومعظمها كما سنذكر بعد قليل ~~غير كامل. # ولكى ندرك أهمية هذا الكتاب فى تصحيح كثير من المقاييس العلمية عن التصوف ~~والتفسير الصوفي لا بد لنا أن نلم بشىء من سيرة صاحبه، ونكتفى من معالم هذه ~~السيرة بما يمكن أن يتبرر به وصول هذا العمل الجليل بتلك الأوصاف وإلى تلك ~~النتائج. وذلكم هو العامل الثاني لأهمية نشر هذا الكتاب: # ثانيا: صاحب هذا الكتاب هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن ~~محمد القشيري، ولقبه زين الإسلام، وشهرته القشيري. # PageV01P007 # ولد فى ربيع الأول عام 376 ه الموافق يوليو 986 م. # وتوفى فى يوم الأحد السادس عشر من ربيع الآخر عام 465 ه وهو عربى النسب ~~من جهة أبيه فهو من قبيلة قشير العدنانية المتصلة بهوازن، ويذكر ابن حزم أن ~~سلالات من قشير اتجهت إلى المغرب نحو الأندلس إبان الفتح الإسلامى زمن ~~الأمويين، واتجه بعضها إلى المشرق ms0005 وكان منها ولاة وقواد على خراسان ~~ونيسابور. (جمهرة الأنساب 273 و 459) كذلك فإن القشيري عربى النسب من جهة ~~أمه فهى سلمية وأخوها أبو عقيل السلمى من وجوه دهاقين أستوا، واستوا هى ~~الناحية التي ولد فيها القشيري وتلقى بها تعليمه الأولى. # وحدث أن اجتاحت المنطقة ضائقة اقتصادية، ففكر الأهالى فى إرسال لفيف من ~~أبنائهم إلى نيسابور لكى يتلقوا من دروس الحساب ما يمكنهم- بعد عودتهم- من ~~المشاركة فى تنظيم الأمور الاقتصادية، وكان القشيري أحد هؤلاء الأبناء. # وبدأ القشيري فى نيسابور يتهيأ لهذا اللون من الدراسة، ولكنه ما لبث أن ~~انصرف عنها عند ما اجتذبته مجالس الفقه والكلام والحديث والتفسير والأدب، ~~ولم تبخل نيسابور عليه بزاد، فلقد كانت فى ذلك الوقت تعج بالنشاط الفكرى، ~~وتحفل بكبار الشيوخ أمثال ابن فورك، ومحمد بن أبى بكر الطوسي، وأبى إسحق ~~الاسفرايينى، وقد ظفر القشيري فى كنف هؤلاء الأئمة برعاية خاصة حينما أتيح ~~له الاتصال بهم، وأتيح لهم معرفته عن قرب، ووضح لهم فيه حسن الاستعداد، ~~والدأب، واستقامة الخلق. # ولم يكن القشيري يضيع فترة ما بعد الدرس هباء، بل كان ينكب على القراءة ~~والاستذكار وكان شديد الولع بالعلوم العقلية، وبخاصة تلك التي تتناول ~~المسائل التي طالما اشتجر الخلاف حولها بين الأشاعرة وأهل الاعتزال، ~~واستوعب فى هذه الفترة معظم ما صنف الباقلاني. # وجاء يوم سأل فيه الإمام الاسفرايينى تلميذه القشيري- حين وجده لا يكتب ~~كما يكتب سائر الطلاب: أما علمت يا بنى أن هذا العلم لا يحصل بالسماع؟ # (ولكن القشيري أعاد عليه كل ما سمعه، وقرره أحسن تقرير، من غير إخلال ~~بشىء فتعجب منه وأكرمه، وقال له ما كنت أدرى يا بنى أنك بلغت هذا المحل، ~~فلست تحتاج إلى درس يكفيك أن تطالع مصنفاتى، وتنظر فى طريقتى، وإن أشكل ~~عليك شىء طالعتنى به # PageV01P008 # ففعل ذلك، وجمع بين طريقة الاسفرايينى وطريقة ابن فورك) طبقات الشافعية ~~للسبكى ج 3 ص 243 وما بعدها. # وبينما كان القشيري منصرفا بكل همته إلى هذا اللون من الدراسة، دائب ~~الاتصال بهذا الطراز من الشيوخ ساقه القدر ms0006 ذات يوم إلى مجلس من لون آخر ~~يتصدره شيخ من طراز آخر. استمع القشيري إلى أبى على الدقاق وهو يعظ على ~~طريقة الصوفية ويتحدث فى الرياضات والمجاهدات، والأحوال والمكشوفات، ~~والأذواق والمواجيد، والمعارف العليا التي تنثال من الحق على عباده الذين ~~اصطفاهم، وإذا بالرجل والحديث يستوليان عليه، ويملكان فيه كل ذرة، وإذا ~~القشيري يحادث نفسه صامتا: إنى لهذا خلقت! وعند ما كان يتهيأ ليغشى ما ~~اعتاد من مجالس كانت أقدامه تسوقه نحو الدقاق ومجلسه فكان أول من يجلس وآخر ~~من ينهض. # ولمحه الشيخ، ورأى فيه إصغاء ملفتا للنظر، فقربه منه، وحباه بعطفه. # وذات يوم تقدم الطالب- فى استحياء- من شيخه، فشكا إليه أمرا حزبه إنه لا ~~يستطيع أن يجمع بين المواظبة على ما اعتاد من مجالس وبين مجلس الدقاق، وهو ~~يؤثر أن ينصرف بكل همته وعزيمته إلى علم القلوب، وابتسم الشيخ للشاب، وتطلع ~~إلى وجهه، وربت على كتفه قائلا: # - إنما ينبغى لك أولا أن تتقن دراستك بقدر طاقتك! ومضى الشاب الطموح يجمع ~~بين الدراستين، وساعده ذلك على أن يتكون تكوينا عقليا ووجدانيا فى مرحلة من ~~أدق مراحل العمر، كما ساعده على أن يتجنب كثيرا من المشاكل النفسية التي ~~تلم بأمثاله نتيجة الاغتراب عن بلده، ونتيجة الملل. # وأعجب الدقاق بمثابرته وطموحه واستقامته وتواضعه (فاختاره لكريمته فاطمة ~~مؤثرا إياه على سائر أقربائها الذين تقدموا لخطبتها) ، وفيات الأعيان ج 2 ص ~~375. # وهكذا توثقت الصلة بين الشيخ والشاب، وصار الدقاق رائدة وملهمه الذي ~~أعانه على مواجهة مشكلات الحياة، وبصره بآفات النفس وأدوائها، وكشف له عن ~~الكثير من الخفايا والدقائق. # PageV01P009 # فكان هذا الاتصال عاملا جديدا من عوامل الاستقرار النفسي، وبداية لمرحلة ~~جديدة من النضج الفكرى، لأنه أتاح له أن يجد فى صهره شيخا ورائدا وصديقا، ~~وسهل عليه أن يهرع إليه يستنصحه إزاء كل مسألة تعرض له أو أمر ينبهم عليه، ~~فلم يقع تحت تأثير بلبلة، ولم يخضع لأزمة، ولم تتجاذبه ضغوط أو صراعات. # كل ذلك ترك أثره فى شخصيته، فلسنا نجد فى مؤلفاته اضطرابا أو جموحا أو ~~غموضا، ms0007 ولسنا نشعر فيما وراء السطور بعقدة من العقد، ولسنا نحس بميل إلى ~~ابتداع، إنما نجد أنفسنا أمام شخصية سوية، يتميز الخط الفكرى لها ~~بالاستقامة والاعتدال، والوضوح والصدق، والإخلاص والبذل. # ولعل أبسط دليل على وفاء القشيري لشيخه أنك لو تصفحت «رسالته» لما غاب ~~اسم الدقاق عن عينك، وهو يذكر اسمه دائما مقرونا بالتكريم والترحم، ويكفيك ~~أن تقرأ هذه الفقرة لتوضح لك أولا شيئا عن مسلك القشيري خلال حياته العلمية ~~وتوضح لك ثانيا مدى ما ينبغى أن تكون عليه علاقة المريد بشيخه، فهذه وتلك ~~تصور ما نرمى إليه من بعيد عن كشف جوانب فى سيرة الرجل الذي تقدم لك كتابه. # يقول القشيري: «لم أدخل على الأستاذ أبى على- رحمه الله- فى وقت بدايتى ~~إلا صائما، وكنت أغتسل قبله، وكنت أحضر باب مدرسته غير مرة فأرجع من الباب ~~احتشاما من أن أدخل عليه، فإذا تجاسرت مرة ودخلت، كنت إذا بلغت وسط المدرسة ~~يصحبنى شبه خدر حتى لو غرز فى إبرة مثلا لعلى كنت لا أحس بها. ثم إذا قعدت ~~لواقعة وقعت لى لم أحتج أن أسأله بلساني عن المسألة فكلما كنت أجلس كان ~~يبتدىء بشرح واقعتى، وغير مرة رأيت منه هذا عيانا، وكنت أفكر فى نفسى كثيرا ~~إنه لو بعث الله عز وجل فى وقتى رسولا إلى الخلق هل يمكننى أن أزيد فى ~~حشمته على قلبى فوق ما كان منه رحمه الله تعالى؟ فكان لا يتصور لى أن ذلك ~~ممكن، ولا أذكر أنى فى طول اختلافي إلى مجلسه ثم كونى معه بعد حصول الوصلة ~~أن جرى فى قلبى أو خطر ببالي عليه قط اعتراض إلى أن خرج- رحمه الله تعالى- ~~من الدنيا) الرسالة ص 147. # وليس استطرادا أن نذكر لك كلمة موجزة عن رأى عبد الرءوف المناوى فى ~~الدقاق، # PageV01P010 # لأن هذه الكلمة على إيجازها لا تكشف لك عن سمات الدقاق وحسب إنما هى ~~سمات، القشيري ذاته فى أدق التفاصيل. # يقول المناوى «هو أبو على الحسن الدقاق النيسابورى الشافعي، كان لسان ~~وقته وإمام عصره، فارها فى العلم، محمود السيرة، ms0008 مجهود السريرة، جنيدى ~~الطريقة، سرى الحقيقة، أخذ مذهب الشافعي عن القفال والحصرى وغيرهما، وبرع ~~فى الأصول وفى الفقه وفى العربية حتى شدت إليه الرحال فى ذلك، ثم أخذ فى ~~العمل، وسلك طريق التصوف، وأخذ عن النصرآباذي، قال ابن شهبه: وزاد عليه ~~حالا ومقاما ... وقد أخذ عنه القشيري صاحب «الرسالة» وله كرامات ظاهرة ~~ومكاشفات باهرة 104 ه كلام المناوى بعد أن أخذ يضرب أمثلته لأقواله ~~المنثورة والمنظومة [الكواكب الدرية فى تراجم الصوفية ترجمة الدقاق] . # أما فى مجال الصداقة فلعل أوثق من نعرف اتصالا به صديقه أبو عبد الرحمن ~~السلمى وصديقه أبو المعالي الجويني إمام الحرمين. # وترجع أهمية السلمى فى حياة القشيري إلى أنه غزير الإنتاج فى العلوم ~~الصوفية، وأن القشيري استفاد من علمه، وآية ذلك أنك تجد السلمى فى ~~«الرسالة» حلقة اتصال بارزة فى العديد من الأسانيد والأخبار التي عليها ~~يعتمد القشيري موصولة بالدارقطنى والسراج والنصرآباذي وغيرهم، ولكن الأهم ~~من ذلك- فى تقديرنا- أن القشيري استفاد من السلمى فائدة أبعد أثرا، ذلك أنه ~~تجنب التورط فى المزالق التي أدت بصديقه إلى أن يتهم وأن يكون موضع نقد ~~معاصريه ومن جاء بعده، وقد نوهنا بشىء من ذلك عند كلامنا عن «حقائقه» . # أما الجويني فقد كان- كالقشيرى- شافعيا من حيث المذهب الفقهي، أشعريا من ~~حيث العقيدة الكلامية، وقد تعرض- كالقشيرى- لآلام المحنة التي اكتوى بنارها ~~الأشاعرة، والتي سنتحدث عنها بعد قليل، وهاجر البلاد وجاور الحرمين، ولم ~~يعد إلى وطنه إلا بعد انجلاء الغمة. # وإذا كان السلمى صديقا أقرب إلى الأستاذ فإن الجويني كان صديقا أقرب إلى ~~التلميذ، فقد استفاد من علم القشيري، فإذا تذكرنا أن الجويني أستاذ الغزالي ~~أمكن أن نقول إن # PageV01P011 # القشيري موصول بالغزالي لا بطريق المصنفات التي خلفها وحسب بل بطريق ~~السند الذي يمثله الجويني. # وفى مجال الحياة العملية نجد القشيري يضطلع بأعمال تتفق واستعداده ~~وثقافته، فقد اشتغل بالتدريس فى مسجد المطرز وهو فى الثلاثين من عمره ويتضح ~~ذلك من هذا النص: # «كنت فى ابتداء وصلتي بالاستاذ أبى على- رضى الله عنه- عقد لى المجلس فى ~~مسجد المطرز، فاستأذنته ms0009 وقتا للخروج إلى «نسا» ، فكنت أمشى معه يوما فى ~~طريق مجلسه، فخطر ببالي: ليته ينوب عنى فى مجالسى أيام غيبتى ### | .... # إلخ» الرسالة ص 116. # وإلى جوار ذلك كان القشيري يعكف على التأليف دون انقطاع فانتهى من ~~التفسير الكبير المعروف (بالتيسير في التفسير) قبل عام 410 ه، ومن اللطائف ~~عام 434، ومن الرسالة عام 437 واستمر يمارس هذا النشاط فى دأب لا يعرف ~~الكلال حتى وصلت كتبه إلى خمسة وعشرين كتابا أو نحوها، ومن أهمها إلى جوار ~~ما سبق: ترتيب السلوك، والتحبير فى التذكير، والأربعون حديثا، وشكاية أهل ~~السنة بحكاية ما نالهم من المحنة، واستفادات المرادات، والقصيدة الصوفية، ~~والتوحيد النبوي، واللمع، والفصول، والفتوة، ونحو القلوب الصغير، والكبير، ~~والمقامات الثلاثة، وفتوى، والمعراج. # ولم يطبع من هذه الكتب إلا النذر اليسير، وفى النية أن نقوم- بعون من ~~الله- بإخراج ما وقع لنا منها خلال رحلات طويلة عديدة، حتى يزداد الناس ~~علما به وتقديرا له. # ولم يسلم القشيري خلال حياته من المحن والآلام، وربما كانت أشدها جميعا ~~ما حدث له إبان حكم السلطان طغرل ووزيره اللعين الكندري. # كان السلطان طغرل سنيا حنفيا، ووزيره أبو نصر الكندري معتزليا رافضيا، ~~خبيث العقيدة، ذا آراء مسرفة فى التشبيه وخلق الأفعال، والقدر، وكان متعصبا ~~فى ذلك أشد التعصب. # وفى هذا الوقت كان بنيسابور شخصية فذة لها فى أوساط العامة والخاصة نفوذ ~~كبير، ومحبة فائقة، ذلكم هو الأستاذ أبو سهل بن الموفق أحد رجال الطبقة ~~الرابعة الشافعية، # PageV01P012 # وكان كثير المال جوادا، وكان مرموقا بالوزارة، وداره مجتمع العلماء، ~~وملتقى الأئمة، ونظرا لما عرف عنه من تعلق بالمذهب الأشعري، وذود عنه، وسعى ~~حثيث لنشره فقد ألهب ذلك حقد الكندري، خاصة وقد كان يخشى أن يقع اختيار ~~السلطان عليه للوزارة من دونه، فمضى يلفق- لدى السلطان- عنه التهم. ولم ~~يكتف بذلك بل لجأ إلى حيلة دنيئة حين حصل من السلطان على تفويض بسب ~~المبتدعة على المنابر، فلم يجد السلطان فى ذلك بأسا، فوافق عليه، ولكن ~~الكندري استغل هذه الموافقة فأقحم اسم أبى الحسن الأشعري ضمن المبتدعة ~~الواجب سبهم، ms0010 وكل من كان يرفض الانصياع لذلك من الوعاظ والخطباء يفصل من ~~عمله، ويطرد من البلاد، فنجم عن ذلك شر خطير، وفتنة كبرى امتد شررهما إلى ~~سائر المشرق، وبات الأشاعرة فى حزن مقيم. # وفى وسط هذه المحنة، وذات يوم كثيب أسود جاء الأمر من قبل السلطان بالقبض ~~على القشيري وإمام الحرمين والرئيس الفراتي وأبى سهل الموفق، ونفيهم، ~~ومنعهم من المحافل، وحين قرئ الكتاب هجم جماعة من الأوباش على الأستاذ ~~الفراتي وعلى القشيري وأخذوا يجرونهما فى الطرقات، ويكيلون لهما أقذع أنواع ~~التهكم والاستخفاف حتى وصل الشرطة بهما إلى محبس القهندر. # أما إمام الحرمين فقد هرب من البلاد على طريق كرمان، واتجه إلى الحجاز، ~~وهناك جاور، وأما أبو سهل. فقد كان لحسن الحظ غائبا فى بعض النواحي. # وبقي السجينان الجليلان فى المحبس، وقامت جماعات كبيرة من الناس ~~لإنقاذهما، وحدثت حرب دامية بينهم وبين رجال السلطان انتهت بهزيمة رجال ~~السلطان، وأخرج السجينان الجليلان من سجنهما، ولكن كبار الأشاعرة اجتمعوا ~~وقرروا أن جهاز الحكم لن يهدأ له قرار، وأن الخير فى رحيل أئمة المذهب إلى ~~أماكن نائية عن المشرق. # فترك القشيري وطنه وبيته وأهله وعشيرته، ومضى يضرب فى الأرض الواسعة عشر ~~سنوات كاملة، كان خلالها موضع التكريم والتبجيل، وأقبل الناس عليه وعلى ~~دروسه إقبالا عظيما، حتى لقد خصص الخليفة العباسي- القائم بأمر الله- له ~~مجلسا خاصا فى مسجد قصره، وكان يواظب على شهود وعظه ومجلس حديثه، ويكرمه، ~~ويحظى ببركته. # PageV01P013 # وقد وصف الخطيب البغدادي (صاحب تاريخ بغداد) مقدار إعجاب الناس بالقشيري، ~~وكان هو نفسه أحد تلاميذه حيث يقول (حدثنا وكتبنا عنه وكان ثقة) . # (تاريخ بغداد ج 10 ص 83) . # وذهب القشيري الحج، وهناك التقى بصديقه الجويني وبعدد كبير من الأئمة ~~الذين شردتهم المحنة طوال سنوات عديدة، فاجتمعوا وتدارسوا أحوالهم ~~ومستقبلهم، واستقر رأيهم على أن يطيعوا كلمة واحد منهم مهما كانت هذه ~~الكلمة حتى يتم الاتفاق على مبدأ ثابت يسرى عليهم جميعا، ولم يكن ذلك الذي ~~وقع عليه اختيار الجمع غير عبد الكريم القشيري. # فصعد المنبر، وظل يتكلم، وهم يجدون ms0011 لكلامه وقعا مؤثرا على قلوبهم ~~وعقولهم، ثم مرت لحظات صمت، بعدها شخص القشيري ببصره إلى السماء ضارعا ثم ~~أطرق، والناس من حوله يتابعون أمره، ويتفرسون ملامحه ... ثم قبض على لحيته ~~وصاح بصوت عال: # «يا أهل خراسان.. بلادكم بلادكم، إن الكندري غريمكم يقطع الآن إربا إربا، ~~وإنى أشاهده الساعة وقد تمزقت أعضاؤه ثم أنشد: # عميد الملك ساعدك الليالى ... على ما شئت من درك المعالي # فلم يك منك شىء غير أمر ... بلعن المسلمين على التوالي # فقابلك البلاء بما تلاقى ... فذق ما تستحق من الوبال # (تبيين كذب المفترى لابن عساكر ليدن ص 93) ويقول السبكى فى طبقاته: (وضبط ~~التاريخ فكان ذلك اليوم بعينه وتلك الساعة بعينها قد أمر السلطان بأن يقطع ~~الكندري إربا إربا. وأن يرسل عضو منه إلى كل مكان) السبكى فى «طبقات ~~الشافعية» ج 2 ص 272. # وهكذا عاد القشيري بعد هذه السنوات العشر الثقال (من 445 إلى 455) إلى ~~بلاده، وهى وإن كانت أقسى فترات عمره، وأشدها آلاما إلا أنها كانت حافلة ~~بالتجارب، وأعانته على زيادة خبرته بالحياة والأحياء، وساعدت على توثيق ~~الصلة بينه وبين الأوساط العلمية والأدبية خارج المشرق، ودفعته إلى أن يصنف ~~العديد من المصنفات المتصلة بالمذهب الأشعري # PageV01P014 # وبخاصة كتابه الجليل القدر «شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة» ~~، وهى قبل كل شىء وبعد كل شىء آية ثباته على مبدئه، وأنه خليق أن يتصدر ~~المفكرين الأحرار فى جيله. # وجاء السلطان ألب أرسلان خلفا لعمه طغرل، وبمجىء أرسلان ووزيره الهمام ~~الفذ نظام الملك استقبل العالم الإسلامى كله والأشاعرة بوجه خاص والقشيري ~~بوجه أخص عهدا زاهرا آمنا، وعاد القشيري إلى مدينته الحبيبة نيسابور حيث ~~قضى بها بقية عمره، وقضى بها عشر سنوات (كان فيها مرفها محترما، ومطاعا ~~معظما، وأكثر صفوه فى آخر أيامه التي شاهدناه فيها آخرا، وازداد من يقرأ ~~عليه كتبه وتصانيفه والأحاديث المسموعة له، وما يؤول إليه من نصرة المذهب ~~حتى بلغ المنتمون إليه آلافا، فأملوا تذكيره وتصانيفه أطراف) «تاريخ ~~نيسابور لعبد الغافر الفارسي حفيد القشيري» . # وكان نظام الملك أحد ms0012 تلاميذه والمقربين إليه، وأعاد الوزير- بفضل توجيه ~~القشيري- للأشاعرة وللزهاد وللعلماء كل ما فقدوه إبان المحنة الأليمة من ~~كرامة وحظوة. # أما أبناء القشيري فلا نعرف له إلا بنتا واحدة هى أمة الرحيم أم عبد ~~الغافر الفارسي (قاموس الأعلام باللغة الأوزبكية ط اسطانبول سنة 1314 ص ~~3080) . # ونعرف له ستة أبناء كلهم عبادلة وكلهم أئمة، سلكوا مسلك أبيهم وقد ترجم ~~لهم السبكى فى طبقاته كما تحدث عنهم ابن عساكر وابن خلكان. # ولهذا ينبغى أن نتحفظ فى نسبة الأقوال المنسوبة إلى القشيري فى بعض ~~المراجع فقد تكون هذه الأقوال صادرة عن أحد أبنائه فهم جميعا أشاعرة وهم ~~جميعا شافعية وهم جميعا سلكوا طريق الإرادة. # لبث القشيري فى نيسابور فى أخريات حياته لم يكد يبرحها إلا لزيارة أقاربه ~~فى البلاد المجاورة مثل نسا وأبيورد، ولكنه كان يعود مسرعا إلى نيسابور بعد ~~كل زيارة. # وقبل أن تبزغ شمس السادس عشر من ربيع الآخر من عام 465 ه، كانت روحه ~~الطاهرة قد عادت إلى بارئها. فوورى جثمانه إلى جوار صهره وشيخه وملهمه ~~وصديقه أبى على الدقاق فى مقبرة خاصة بالأسرة ما زالت قائمة حتى وقتنا ~~الحاضر يزورها الناس للتبرك. # PageV01P015 # من خلال هذه السيرة التي حاولنا إيجازها نستطيع أن ندرك أهمية الكتاب ~~الذي نقدم له. # فصاحب الكتاب رجل أوتى حظا وفيرا من العلوم العقلية والنقلية قبل أن يلج ~~باب الصوفية، وهذه فى حد ذاتها ظاهرة لها أهميتها، وقد رأينا كيف نصح الشيخ ~~الدقاق له بالتعمق فى هذه الدراسات قيل البدء بالسير فى دروب الإرادة، وفى ~~ذلك أبلغ رد على من يتخرصون الاتهامات عن الصوفية فيقولون إنهم قوم يجانبون ~~العقل، ويحتقرون العلم ويأمرون تلامذتهم بكسر محابرهم- كما يدعى ابن الجوزي ~~غفر الله له. # والقشيري بعد ذلك كله أديب ينظم الشعر ويتذوق الأسلوب العربي تذوقا يعتمد ~~على أسس قوية، وقد أوضحنا ذلك بتفصيل كبير فى الأطروحة التي أعددناها عنه ~~ونلنا بها درجة الدكتوراه. # فإذا جاء بعد ذلك ليدرس الأسلوب القرآنى، وليستخرج منه إشارات لطيفة فهو ~~معد لذلك أحسن إعداد، وهو قمين بالوصول ms0013 إلى نتائج باهرة، بقدر ما لديه من ~~تهيؤ صالح مكتمل. # ثم هو شافعى أشعرى، وهو سنى متحفظ، وهو بهذه الأوصاف باحث متعمق منصف، لا ~~يأخذ- وهو يستخرج إشارة من العبارة- إلا جانب الحذر والحيطة والاعتدال، وهو ~~من أجل ذلك لم يخرج قيد أنملة عن هذا الخط، فلم ينصر الحقيقة على حساب ~~الشريعة، ولم ينصر الشريعة على حساب الحقيقة، ولذلك لا نعجب إذا لم نجد ~~عنده جموحا أو ميلا إلى جموح، ولا نعجب إذا ألفيناه لا يسخط أوساط أهل ~~السنة حتى من تعصب منهم ضد التصوف وأهله فقد كان رائده دائما نصرة الحق، ~~فليس غريبا أن يجىء «لطائف الإشارات» تعبيرا صادقا عن التصوف فى أفضل درجات ~~الاعتدال، وأنقى صور التناول. فليس عند القشيري ما عند غيره من مساس ~~بالألوهية، بل هو طالما يعلنها حربا لا هوادة فيها على المبتدعين والمضللين ~~الذين أساءوا إلى التصوف وأهله تارة تحت ستار الثوب، وتارة بدعوى الفناء ~~المغرق، ونحو ذلك من الأباطيل. # والتصوف عند القشيري ليس ثوبا مرقعا، أو خرقة بالية تفرد صاحبها عمن ~~سواه، وتكون علما على تقواه، إنما هو صفاء النفس من كروراتها. وإن من كان ~~صادقا فى طويته ونيته سيكون محفوظا فى حالة انمحائه، سوف يرد فى حالة الجمع ~~إلى حالة الفرق الثاني # PageV01P016 # ليؤدى الفرائض الواجبة عليه ثم يعود إلى حالة الجمع مرة أخرى، ويكون فى ~~كل أحواله مصرفا بإرادة مولاه. كذلك فإن من كان صادقا فى بدايته ووسيلته ~~وغايته كان محفوظا- من قبل الحق- فى كل كلمة ينطق بها أو كل حركة تصدر عنه، ~~فإذا نطق نطق بالله، وإذا تحرك تحرك بالله. ومثل هذا العبد لا ينتظر منه- ~~وهو فى يد الله على هذا النحو- أن يكون غريب الأقوال أو غريب الأفعال. ~~فالصدق هو عمدة الأمر فى هذا السبيل- كما يرى هذا الإمام الجليل. # ثالثا: ننتقل بعد ذلك إلى العامل الثالث فى أهمية إخراج هذا الكتاب، وهو ~~فى هذه المرة يعود إلى النسخة أو النسختين اللتين نعتمد عليهما فى التحقيق. # النسخ الكاملة من «اللطائف» نادرة فهى حسبما تقول تذكرة ms0014 النوادر لا تزيد ~~على خمس إحداها فى خزانة بانكى پور مكتوبة فى القرن التاسع، والثانية فى ~~المكتبة الحبيبية تاريخ كتابتها عام 844 وهى ناقصة من أولها، والثالثة فى ~~الخزانة الآصفية بخط قديم جدا، والرابعة فى مكتبة الجامعة العثمانية ~~بحيدرآباد مكتوبة بخطوط مختلفة سنة 726 والخامسة فى مكتبة محمد باشا ~~باسطنبول. # غير أننا نعتقد أن هناك عددا أكبر من النسخ يزيد عما ذكرت التذكرة وأنها ~~منبثة فى أنحاء متفرقة من العالم، ونرجح أن النسخ الكاملة نادرة جدا كما ~~يشير بروكلمان. وإنه لمن دواعى التوفيق أن يتاح لنا أن نحصل- لأول مرة- على ~~الكتاب كاملا، فقد وجدنا فى مدينة طشقند عاصمة جمهوريات أوزبكستان ~~السوفيتية فى المركز الديني لمسلمى آسيا الوسطى وقازاخستان نسخة شبه كاملة ~~تحت رقم 1302 تفسير تبدأ بمقدمة بقلم القشيري- وهى على جانب كبير من ~~الأهمية- لأنها تكشف عن منهجه فى الدراسة، ثم بعدها الفاتحة والبقرة و ### | .... # حتى سورة قريش، ومعنى ذلك أنها تنقص فقط سور الماعون والكوثر والكافرون ~~والنصر والمسد والإخلاص والفلق والناس. وهذه السور القصيرة موجودة فى ~~النسخة الأخرى التي عندنا فى مصر ورقمها 266 تفسير (أنظر فهرس الخزانة ~~التيمورية ط تفسير ص 230) والتي تبدأ بالآية (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه ~~التماثيل ... ) فى سورة الأنبياء وقد قمنا بنسخ هذه المخطوطة، كما قمنا ~~بالتقاط صورة بالميكروفيلم للنسخة الطشقندية ثم أجرينا تصويرها # PageV01P017 # وتكبيرها بحيث تسهل قراءتها وكانت النسختان المادة الأساسية التي اعتمدنا ~~عليها أثناء إعداد الدكتوراه عند كلامنا عن القشيري المفسر. # النسختان إذا تتكاملان، ويصبح هذا السفر النفيس كاملا، ويقع فى نحو ألف ~~ومائتين صفحة، اخترنا أن نقسمها إلى أربعة أجزاء تصدر متلاحقة فى مدى عام ~~أو عامين حسبما تساعدنا الظروف ويرزقنا الله العافية. ### | وصف عام للنسخة السوفيتية # تبلغ أوراقها 597 ورقة، والأرقام التي كتبها الناسخ مطموسة فى كثير من ~~الأحيان ولذا حرصنا عند تكبير الميكروفيلم والتصوير والطبع أن نرقمها نحن ~~من خلف حتى لا تضطرب الأمور عند القراءة والدراسة. # وعلى الورقة الأولى توجد تعليقة مكتبة الإدارة الدينية هكذا: ### | تفسير أبو القاسم القشيري ms0015 ### | 200- # صو ا 1302- II 35 أما الورقة الثانية فيبدو أنها كانت خالية فملأها أحد ~~القراء بأحاديث وشواهد شعرية وكتابة باللغة الفارسية. # ثم تبدأ مقدمة الكتاب بقلم القشيري منذ الورقة الثالثة. # وقد وقع خطأ فى ترقيم الصفحات، فبينما نجد الحديث متصلا غير منقطع بعد ~~الورقة 214 نجد رقم الورقة التالية هو 225 بدلا من 215، وهناك خطأ آخر ربما ~~حدث قبل تغليف الكتاب: فالأوراق من 394 إلى 401 كلها موجودة عقب الورقة 431 ~~دون أن يحدث خلل أو سقوط، ومعنى هذا أن الكتاب رغم هذا- كامل لم يضع منه ~~شىء. # كذلك يقع تفسير أواخر طه وأوائل الأنبياء- خطأ- ضمن تفسير الفرقان. وقد ~~صححنا هذا الوضع. # PageV01P018 # ونظرا لعدم اكتمال النسخة من آخرها- كما قلنا من قبل- فلقد كنا نخشى أن ~~يغيب عنا التذييل الذي يذكر فيه الناسخ اسم وتاريخ انتهائه من عمله كما جرت ~~العادة، ولكن لحسن الحظ وجدناه قد قسم الكتاب قسمين كبيرين ينتهى القسم ~~الأول بنهاية تفسير سورة الكهف ورقة 378، وعندها كتب هذه العبارة باللغة ~~الفارسية المختلفة بالعربية: # (تم بعون الله وحسن توفيقه نصف أول از تفسير محقق إمام أبو قاسم القشيري ~~رحمة الله عليه بتاريخ شهر شوال سنة 1224) . # ومن هذه العبارة يتضح أن الناسخ غير عربى، وأنه ربما كان فارسيا أو ~~أفغانيا أو أوزبكيا أو أذربيجانيا، فكثرة من سكان أفغانستان وأزبكستان ~~وأذربيجان يعتبرون الفارسية لغة اتصالهم بالعلوم الإسلامية حتى اليوم. # وقد نجم عن كون الناسخ فارسيا جنسا أو لغة أن كتابته ومراعاته للإملاء لم ~~تكونا جيدتين، وكان علينا أن نقرأ الكتاب قراءة متفحصة لنحاول أن نحدد ~~الطريقة التي اتبعها، لأنها- بما فيها من خطأ أحيانا أو خروج على المألوف ~~فى الرسم أحيانا أخرى- هى التي جرى عليها عند نقله من النسخة الأخرى التي ~~يحتمل أنها تجرى على هذا النحو، وربما كان الناسخ ينقل على نحو يكون مفهوما ~~لديه، وميسور القراءة له وحده. # وهو لا يهتم بضبط الكلمات، ولا بترقيم العبارات فليس هناك ضبط أو فاصلة ~~أو علامات استفهام أو أقواس أو علامات تعجب أو نحو ذلك. وقد وقع ms0016 الناسخ فى ~~أخطاء عديدة أثناء النسخ، وربما كان مسئولا عن ذلك أو يحتمل أن النسخة التي ~~نقل عنها بهذا الوصف. # وهامش النسخة وبخاصة فى القسم الأول من الكتاب حافلة بالتعليقات، بعضها ~~مكتوب بالفارسية قصد منها شرح المفردات وترجمتها. # وهناك عناوين جزئية مكتوبة باللغة العربية بخط حسن تشير إلى موضوعات ~~متنوعة ربما قصد بعض القراء إلى أن يجمعها ليستفيد منها، وليحدد موقف ~~المصنف إزاءها مثل (الروح- حقوق الوالدين- الدعاء- النفس ... إلخ) . # وعند ما كانت تسقط بعض الكلمات أو العبارات من الناسخ أثناء النقل كان ~~يستدرك # PageV01P019 # فيضع علامة مميزة على آخر كلمة فى المتن بدأ بعدها السقوط ويضع العلامة ~~نفسها فى الهامش فوق الكلمة أو العبارة الساقطة، فإذا تكرر السقوط فى ~~الصفحة الواحدة ميز كل موضع وكل مستدرك بعلامة مباينة. كذلك فإنه كان يضع ~~علامة خاصة عند ما يعيد كتابة كلمة أو عبارة أو سطر بدون داع حتى يلفت نظر ~~القارئ إلى ما وقع فيه من سهو. # ولم يحدث أن وضع الناسخ ترجمة فارسية لكلمة داخل المتن بل كان يكتب ~~الترجمة أسفل نظيرها، اللهم إلا فى حالة واحدة داخل شاهد شعرى: # آن كه شاد شود در عطا دادن ومعناها: أصبح حينئذ مسرورا بالعطاء. # ونستبعد أن القشيري يفعل ذلك، فعلى الرغم من إتقانه للغة الفارسية إلا ~~أنه حرص فيما نعرف له من مصنفات أن يكتب بالعربية خالصة. # ويبدو أن النسخة أتيح لها أن تراجع ذات مرة، فهناك تصحيحات مختلفة فى رسم ~~الكتابة موجودة فى الهامش فى أماكن مقابلة لموضع التصحيح فى المتن. ومن ~~أمثلة ذلك ما جاء فى الورقة 350 أول سورة الإسراء (وتوحد بعلو قعونه) تصحح ~~فى المراجعة (وتوحد بعلو نعوته) . # وفى الورقة 361 (لبلاء أو شدة يقاليها) تصحح فى الهامش (لبلاء أو شدة ~~يقاسيها) . # وفى الورقة 372 جاء فى سياق وصف الدنيا (نعمها مشوقة بنقمتها تصحح فى ~~المراجعة (نعمها مشوبة بنقمها) . # وقد كنا نحكم الدقة عند الاستفادة من هذه المراجعة لأننا نفترض أنها قد ~~تكون نوعا من الاجتهاد الشخصي وليست تصويبا على نسخه أفضل. ms0017 # بقي شىء هام جدا، وهو توضيح موقفنا من أخطاء الناسخ، ويمكن أن نقول إننا ~~اتخذنا منها ثلاثة مواقف. # (ا) موقفا نجد فيه الخطأ مؤكدا ويتجلى ذلك عند كتابة بعض الآيات الكريمة ~~حيث تسقط كلمة أو حرف أو تزيد كلمة أو حرف، فنصلح هذا الخطأ. # PageV01P020 # (ب) موقفا فيه الخطأ شبه مؤكد وعند ذلك نكتب فى المتن ما نراه صوابا دون ~~أن نترك الأمر على عواهنه بل نثبت فى الهامش ما جاء فى النسخة، موضحين ~~أسباب رفضنا لما كتبه الناسخ حتى نضع أمام القارئ صورة أمينة لما نقوم به ~~من عمل، وكان المفروض أن نكتب كل ما كتب الناسخ فى المتن وأن نصوب ما نراه ~~فى الهامش ولكن هذه الأخطاء كثيرة جدا بحيث تعوق القراءة، وتشق على الدارس. # (ح) موقفا فيه خطأ الناسخ محتمل، وعند ذلك ننقل عن الناسخ ما كتب فى ~~المتن، ونشير إلى موقفنا إزاءه فى الهامش قائلين (ونرجح كذا ... أو لا ~~نستبعد أنها فى الأصل كذا) تاركين الرأى للقارئ والدارس فى أن يختارا ما ~~يريانه أقرب إلى الصواب. # أما المشتبهات فنضع مكانها نقطا بين أقواس ونشير إليها فى الهامش، وليس ~~لنا فيها حيلة إلا إذا ظهرت لنا نسخة من الكتاب أكثر وضوحا. # وإذا تطلب السياق كلمة أو حرفا ليتماسك ويتضح وضعناها من عندنا بين قوسين ~~مشيرين إليها فى الهامش. # وتجب ملاحظة أننا لا نقحم أنفسنا فى تكملة أو ترجيح إلا بناء على معرفة ~~بأسلوب القشيري الذي ترجع معاشرتنا له إلى سنوات تزيد على العشر، كذلك ~~كثيرا ما نرجع إلى مصنفاته الأخرى لنتبين رأيه فى موضع مناظر ومع كل ذلك ~~فإننا دائما نضع الأمر بين يدى القارئ لنترك له أن يشاركنا، وله أن يقتنع ~~بما نقول أو يتقبل ما نقلناه عن الناسخ بحذافيره حسبما يحلو له، وله أن ~~يرفض. # ومع أن الهوامش لا تخلو من تعليقات وشروح وتخريجات للحديث الشريف إلا ~~أننا نشعر أنها مقتضبة وغير كافية، فحرصنا على تزويد الناس بالمتن كان ~~رائدنا الأول فى هذه المرحلة، على أننا ms0018 نعد- إن أعاننا الله- أن نتمم هذا ~~العمل بشروح أكثر بسطة، فليس «اللطائف» بأقل حاجة إلى الشروح من «الرسالة» ~~التي حظيت باهتمام الدارسين والباحثين طوال أجيال متعاقبة. # PageV01P021 ### | النسخة المصرية # تبدأ هذه النسخة كما قلنا من قبل بالآية (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه ~~التماثيل ... ) حتى نهاية الكتاب، وترجع أهمية هذه النسخة إلى أنها أولا ~~أكملت ما ينقص النسخة السوفيتية من قصار السور، كما أنها ساعدت- نظرا لوضوح ~~كتابتها أكثر من زميلتها- على التقليل من المشتبهات، وتتجلى أهمية ذلك فى ~~المجلد الثاني. # ولسنا ندرى شيئا عن الناسخ الذي اضطلع بها ولا عن تاريخ نسخها نظرا لأنها ~~ناقصة من بدايتها كما أن الناسخ لم يترك شيئا عنه فى نهايتها، ونرجح أنها ~~أحدث عهدا من النسخة السابقة اعتمادا على رسم الكتابة وقواعد الإملاء. ### | منهج القشيري فى تأليف الكتاب وأهميته # صدر القشيري كتابه بمقدمة مفيدة أوضحت خطته فى تناول الأسلوب القرآنى، ~~وهذه المقدمة لا تلقى ضوءا على الكتاب وحده إنما تقف بنا على المقصود ~~بالتفسير الإشارى للقرآن، وسائله وغاياته. # أطلق القشيري على كتابه اسم «لطائف الإشارات» وإذا فالتسمية التي زعمها ~~صاحب كتاب (تاريخ أدبيات در ايران) ج 2 ص 257 ط ثالثة سنة 1339 غير صحيحة ~~حيث يقول: # «لطائف الإشارات فى حقائق العبارات» . # ومن المقدمة نفهم أن هذا اللون من التفسير يعتمد على استبطان خفايا ~~الألفاظ- مفردة أو مركبة- دون التوقف عند حدود ظواهرها المألوفة ومعانيها ~~القاموسية، وإنما ينظر إلى اللفظة القرآنية على أنها ذات جوهر يدق على ~~الفهم العادي، وأهل التجريد وحدهم هم الذين يتاح لهم- بفضل من الله- العلم ~~الذي يكشفون به عن هذا الجوهر. # وهناك رباط وثيق بين هذا العلم وبين العمل إذ لا يحظى به إلا من جرد قلبه ~~من كل سانحة، وصفى نفسه من كل كدورة، وتهيأ بكل الهمة لهذه المهمة الجليلة: ~~دراسة كلام الحق جل ذكره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. # PageV01P022 # وفى ذلك يقول القشيري فى مقدمته: «أكرم الأصفياء من عباده بفهم ما أودعه ~~من لطائف أسراره وأنواره لاستبصار ما ضمنه من دقيق إشاراته وخفى ms0019 رموزه، بما ~~لوح لأسرارهم من مكنونات، فوقفوا بما خصوا به من أنوار الغيب على ما استتر ~~عن أغيارهم، ثم نطقوا على مراتبهم وأقدارهم، والحق- سبحانه وتعالى- يلهمهم ~~بما به يكرمهم، فهم به عنه ناطقون، وعن لطائفه مخبرون، وإليه يشيرون، وعنه ~~يفصحون، والحكم إليه فى جميع ما يأتون به ويذرون» . # ويتضح- بادئ ذى بدء- أن هذا اللون من الدراسة يفترق عن سائر ألوان الفكر ~~الإسلامى فى أمور كثيرة، لعل أهمها عنصر الاصطفاء من قبل الله، فليس يمكن ~~لغير من اختصهم الله بفضله أن يخوضوا فيه. فأنت تستطيع أن تكون متكلما أو ~~فيلسوفا أو نحويا أو أديبا إذا توفرت لذلك، وكان لديك استعداد ملائم، ~~وخصصته بعنايتك، أما أن تكون مستنبطا للإشارة من العبارة فهذه خصوصية فريدة ~~لا بد أن يسبقها اجتباء إلهى. كذلك يمكنك أن تكون عالما فى أي فرع من فروع ~~المعرفة دون أن يصحب ذلك عمل، أما أن تقبل على القرآن الكريم لتستشف ~~الجواهر من وراء الظواهر فهذه مسألة ينبغى أن تقترن بجهود مضنية فى تصفية ~~النفس والقلب من كل العلائق، وتخليتهما عن كل الشواغل الدنية، وتحليتهما ~~بكل الأوصاف السنية. # وربما كانت هذه الشروط المتصلة بالاجتباء المسبوق، والعمل المقترن بالعلم ~~من أسباب ندرة ما وصلنا من هذا اللون من التفسير، كما أنها قد تكون أسباب ~~خروج بعض ما يحشر فى نطاقه- زورا أو خطأ- عن التفسير الإشارى السديد. # فرق آخر يفرق هذا اللون من التفسير عن غيره أنه لا يعتمد اعتمادا كليا أو ~~مسرفا على العقل، إنما هو يعنى بالأمور العقلية بالقدر الذي يعني به ~~الصوفية بالعقل، ونعني به أن الذهن آلة لتصحيح الإيمان فى مراحل البداية، ~~أما فيما فوق ذلك وفيما هو حثيث الخطو نحو المعارف العليا فهناك ملكات أخرى ~~يناط بها حمل هذا العبء، وهى فى مذهب القشيري تتدرج صعودا من القلب إلى ~~الروح إلى السر ثم إلى سر السر أو عين السر. معنى هذا أن استنباط الإشارات ~~اللطيفة من النص القرآنى ليس عملية عقلية صرفة إلا فى الحدود التي تضمن عدم # PageV01P023 # افتيات الإشارة ms0020 على العبارة، فلا تخرج بها عن مألوف ما ينسجم مع الأسلوب ~~العربي سواء من حيث اللغة أو النحو أو الاشتقاق أو الفنون الأدبية، ولا ~~تخرج بها عن الدلالات التي توافق أسباب النزول والأخبار الموثوقة وعلوم ~~الحديث والأصول والفقه، فكأن الإشارة ليست انبعاثا تلقائيا محضا ولكنها ~~مقيدة- منذ البداية- بالكثير من العلوم العقلية والنقلية فما أشبه موقف ~~اللفظة القرآنية فى هذا المجال بموقف من يتهيأ لارتياد الطريق الصوفي ~~فكلاهما يتعرى عن ظاهره، وكلاهما يخضع لما تتطلبه المعارف العقلية والنقلية ~~من شرائط البداية، وكلاهما يصبح صافيا رائقا يشف درجة بعد درجة كلما زاد ~~الصعود وارتقى القصود.. # فاللفظة القرآنية فيها حياة وفيها نمو، وفيها عوالم مضيئة متألقة تشبه ~~تلك العوالم التي يتدرج فيها العابد الزاهد المريد العارف المحب. # قد يقال وأي فرق إذا بين التفسير الإشارى وغيره من التفاسير مادام يعنى ~~بالأمور العقلية والنقلية؟ والجواب على ذلك أنه لا يعنى بهذه الأمور ~~لذاتها، ولا يوقف نفسه داخل أسوارها، ولا يقطع العمر فى حزازاتها ~~وخلافاتها، إنما هى وسيلة فى الابتداء يلجأ إليها المفسر بمقدار ما يسعفه ~~حظه منها لكى يفض الأغلفة الظاهرية. وهذه العناية إن التزمت بذلك صارت ~~وسيلة من وسائل إقناعنا بأن التفسير الإشارى ليس عشوائيا يخب فيه كل من هب ~~ودب ولكنه خاضع لنواميس وقواعد. # ونستطيع بعد ذلك أن نميز بين تفسير القشيري فى «لطائفه» وبين أولئك الذين ~~ننسب تفاسيرهم إلى التصوف وأهله، أولئك الذين أسرفوا حين حملوا النص ~~القرآنى فوق ما يحتمل، وبدلا من أن يخضعوا للنص القرآنى أخضعوا النص ~~القرآنى لنصرة مذاهبهم، وساروا فى الدروب العقلية حتى جمحوا، وابتعدوا عن ~~الخط الأصيل حتى صارت تفاسيرهم جديرة بالدرس فى مجالس الفلسفة والكلام لا ~~في مجالس الرياضات والمجاهدات والأحوال. أما عند القشيري فليس هناك مذهب ~~عقلى خبىء، ولا عقيدة باطنية مستورة، كل ما عنده من قصد أن يتم لقاء كامل ~~بين الشريعة والحقيقة فى ظلال كلمات الله- جل ذكره، لأنه إذا لم يتم هذا ~~اللقاء فى كنف كلام الله فأين يمكن أن يتم؟! وهنا تلتقى ms0021 هذه المحاولة التي ~~بذلها فى «اللطائف» مع المحاولة التي بذلها فى «الرسالة» # PageV01P024 # فهو منذ الصفحة الأولى فى «رسالته» يحاول أن يعرف بأن عقيدة الشيوخ ~~«الذين بهم اقتداء» عقيدة سليمة لا تخرج في قليل أو كثير عن عقيدة التوحيد ~~الرائقة الصافية، ثم يسير فى تراجم الشيوخ ليختار لك من أقوالهم وأخبارهم ~~وأفعالهم ما يؤيد ذلك، ثم يبوب رسالته إلى التوبة والزهد والتوكل والرضا ~~والمحبة ... إلخ. ولا ينثنى عند استفتاح كل باب عن ذكر آيات من كتاب الله ~~الكريم بعدها أحاديث وأخبار عن الرسول صلوات الله عليه.. # لماذا كل ذلك؟ لكى يثبت أن هناك لقاء بين الشريعة والحقيقة، وأنهما وجهان ~~لشىء واحد.. # تلك هى الغاية القصوى التي يطمح إليها هذا الإمام الجليل، والتي من أجلها ~~نذر عمره، وخصص جهده، ولم يضن عليها بشىء في استطاعته، ولم يفارقه الطموح ~~إليها فى مصنف من مصنفاته ... وما أعظمها وما أشرفها من غاية! فإذا كنا ~~أخرجنا من نطاق التفسير الإشارى هذه التفاسير المنسوبة لبعض المنتسبين ~~للتصوف فأولى أن نخرج من هذه التأويلات الاعتزالية والشيعية والبدعية ~~والإلحادية وغيرها مما تعتمد فى مباحثها على أن للقرآن ظاهرا وباطنا، ذلك ~~لأن قضية الظاهر والباطن استغلت استغلالا سيئا لخدمة الكثير من العقائد ~~الهدامة، وارتكبت فى حق الظاهر القرآنى جرائم خطيرة حين أريد له أن يؤول ~~لنصرة الأغراض المريضة والدعوات الجامحة، وفى ذلك يقول التفتازاني فى شرح ~~العقائد النسفية: «سميت الملاحدة باطنية لا دعائهم أن النصوص ليست على ~~ظواهرها بل لها معان باطنة لا يعرفها إلا المعلم، وقصدهم بذلك نفى الشريعة ~~بالكلية» ، ويستدرك التفتازاني قائلا: «وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من ~~أن النصوص على ظواهرها ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف على أرباب ~~السلوك يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة فهو من كمال العرفان ومحض ~~الإيمان» (شرح العقائد النسفية ط الحلبي سنة 132 ه) . # والذي نحمده للقشيرى وينبغى أن نشيد به فى هذا التقديم أنه حرص أشد الحرص ~~على النص القرآنى، وأنه التزم بالنظر إليه نظرة اعتبار وتقديس، ms0022 وكان عمله ~~أشبه بمن يقبس قطفات من الضوء من مشكاة كبيرة ينير بها الطريق أمام الزهاد ~~والعارفين، دون أن يتورط فى تعسف أو ينزلق فى درب من دروب الشطط، والسبب ~~الهام الذي يعود إليه هذا المنهج # PageV01P025 # أنه سني حريص على سنيته بقدر ما هو صوفى حريص على صوفيته، فكان عليه أن ~~يرضى أوساط أهل السنة فى الوقت الذي كان عليه أن ينفع الصوفية، وأن يوضح ~~لكلا الطرفين أن الأصول والفروع فى الحالين مستمدة من كتاب الله الكريم. # ولقد أعان القشيري فى عمله أنه صنف قبل «اللطائف» كتابا كاملا فى تفسير ~~القرآن على نحو تقليدى هو «التيسير فى التفسير» - الذي حصلنا على مصورة ~~للجزء الخامس منه من أكاديمية العلوم السوفيتية- ونجده فى «التيسير» يعنى ~~أشد العناية باللغة والاشتقاق والنحو وأسباب النزول والأخبار والقصص. وقد ~~صنفه قبل أن يلتقى بشيخه الدقاق أي قبل أن يسلك المسلك الصوفي، فأعانه ذلك ~~على أن يفقه العبارة من معظم زواياها المتصلة بالظاهر، حتى إذا بدأ يكتب ~~«اللطائف» كان طريقه إلى الإشارة وإلى فقه الباطن ممهدا، ومناله ميسورا، ~~وآفاقه مفتحة. # سار القشيري فى «اللطائف» على خطة واضحة محددة التزم بها من أول الكتاب ~~إلى آخره، فهو يبدأ بتفسير البسملة كلمة كلمة، وأحيانا حرفا حرفا، والبسملة ~~تتكرر بلفظها فى مفتتح كل سورة، ومع ذلك فإننا نجده يلجأ إلى تفسير كل ~~بسملة على نحو ملفت للنظر إذ هى تختلف وتتنوع ولا تكاد تتشابه، ويزداد ~~إعجابنا بالقشيري كلما وجدنا تفسير البسملة يتمشى مع السياق العام للسورة ~~كلها، فالله والرحمن والرحيم لها دلالات خاصة فى سورة القارعة، ولها دلالات ~~أخرى فى سورة النساء ولها دلالات خاصة فى الأنفال وهكذا ... # ونستنتج من ذلك عدة نتائج: # أولا: أنه يعتبر البسملة قرآنا وليست كما يقول البعض- شيئا يستفتح به ~~للتبرك، شأن ما نصنع فى بداية أقوالنا وأفعالنا (انظر «المغني» للقاضى عبد ~~الجبار المتوفى سنة 415 ه ج 11 ط وزارة الثقافة (تراثنا) ص 161) . # ثانيا: أنه مادام يعتبر البسملة قرآنا، ومادام يجد لها مقاصد متجددة، ~~فكأنه لا ms0023 يؤمن بفكرة التكرار فى القرآن، وفى ذلك يقول فى الورقة الثالثة من # PageV01P026 # اللطائف: «فلما أعاد الله- سبحانه وتعالى- هذه الآية- أعنى بسم الله ~~الرحمن الرحيم- فى كل سورة، وثبت أنها منها أردنا أن نذكر فى كل سورة من ~~إشارات هذه الآية كلمات غير مكررة وإشارات غير معادة» . # ثالثا: أن لدى القشيري قدرة غير عادية ونفسا طويلا عند استبطان الظاهر، ~~لأننا نجده أمام أربع كلمات تتكرر بلفظها ومعناها من بداية القرآن إلى ~~نهايته، فإذا أضفنا إلى ذلك أنه سار على هذه السنة فى «التيسير» ازداد ~~إعجابنا به وعجبنا له. # ومن الخير أن نضرب هنا مثلين لما صنع فى بسملة «اللطائف» لنستوضح مقاصده ~~من هذا الاتجاه. # يقول فى بسملة سورة «الحجر» : «سقطت ألف الوصل من كتابة بسم الله وليس ~~لإسقاطها علة، وزيد فى شكل الباء من بسم الله وليس لزيادتها علة، ليعلم أن ~~الإثبات والإسقاط بلا علة فلا يقبل من قبل لاستحقاق علة، ولا رد من رد ~~لاستيجاب (لاستحقاق) علة. فإن قيل العلة فى إسقاط الألف من بسم الله كثرة ~~الاستعمال فى كتابتها أشكل بأن الباء فى بسم الله زيد فى كتابتها وكثرة ~~الاستعمال موجودة. فإن قيل العلة في زيادة شكل الباء بركة أفضالها بسم الله ~~أشكل بحذف ألف الوصل لأن الاتصال فيها موجود. # فلم يبق إلا أن الإثبات والنفي ليس لهما علة يرفع من يشاء ويمنع من يشاء» ~~. # ويتضح من هذا أن استنباط الإشارة ليس- كما قلنا من قبل- مسألة عشوائية ~~إنما هو خاضع لقواعد وأصول، وإلى تفنيد لمختلف الآراء، ومحاولة للإقناع. # وليس هذا فقط.. بل إنك لو تعمقت داخل السورة لأدهشك- كما أدهشنى- أن هناك ~~صلة وثيقة محكمة بين هذا الذي فسرت به البسملة وبين كلام فى داخل السورة عن ~~رفع الخلق بلا علة، وخفضهم بلا علة، وذلك كما ورد فى قصة خلق آدم، وكيف أن ~~الملائكة (كانوا فى حال سترهم لأنهم نظروا إلى القوالب مع أن الاعتبار ~~بالمعاني التي يودعها، فالملائكة استصغروا قدر آدم وحاله وتعجبوا من الأمر ~~لهم بالسجود فكشف لهم شظية مما اختصه فسجدوا للأمر ms0024 وكذا حال من ادعى ~~الخيرية) أما إبليس فلم يفطن للمشيئة الإلهية # PageV01P027 # العليا، فسجد الملائكة كلهم أجمعون (بعد ما لاحت لهم المعرفة) وبقي هو ~~على عناده متأبيا أن يسجد لبشر مخلوق من صلصال من حمأ مسنون (لأنه لا يعرف ~~أن مشيئة الله تجرى على غير علة) . # وفى سورة براءة- التي نعرف أنها السورة الفريدة فى القرآن الكريم التي ~~تبدأ بدون بسملة نجد الأمر يستوقف نظر القشيري فلا يتركه كى يمردون استنباط ~~إشارة، استمع إليه يقول: «الحق- سبحانه- جرد هذه السورة عن ذكر البسملة ~~ليعلم أنه يخص من يشاء وما يشاء بما يشاء، ويفرد من يشاء بما يشاء، لا ~~لصنعه سبب، ولا فى أفعاله غرض ولا أرب. ومن قال إنه لم يذكرها لأن السورة ~~مفتتحة بالبراءة عن الكفار فهو- وإن كان وجها فى الإشارة- إلا أنه ضعيف، ~~وفى التحقيق كالبعيد، لأنه افتتح سورا من القرآن بذكر الكفار مثل قوله: ~~«الذين كفروا ... » ومثل قوله «ويل لكل همزة لمزة» وقوله: «تبت يدا أبي لهب ~~وتب» وقوله: «قل يا أيها الكافرون ... » فهذه كلها مفاتح السور، والبسملة ~~مثبتة فى أوائلها، وهى متضمنة ذكر الكفار. # وقد يقال إنها تضمنت ذكر الكفار دون ذكر صريح للبراءة، وإن تضمنته تلويحا ~~هذه البراءة هنا فى ذكر البراءة من الكفار قطعا فلم تصدر بذلك الرحمة، وإذا ~~كان تجرد السورة عن هذه الآية يشير إلى أنها لذكر الفراق فبالحرى أن يخشى ~~أن تجرد الصلاة عنها يمنع كمال الوصلة والاستحقاق» . # ... ... وبعد أن ينتهى القشيري من بسط مذهبه فى كل بسملة على هذا النحو ~~الطريف الممتع يبدأ فى تفسير السورة آية آية، ولم يتخل عن آية إلا فى مواضع ~~نادرة، بل ربما تكون الآية طويلة نسبيا ومع ذلك لا يتركها دون إشارة حتى ~~ولو كانت سريعة مقتضبة «على سبيل الإقلال خشية الملال» كما يقول فى مقدمته. # ولا بد أن القارئ يتوقع أن تسوق إليه موقف القشيري من الحروف المقطعة ~~التي تلى البسملة فى عديد من السور نظرا لما دار حول هذه الحروف من جدل ~~كثير، ونظرا لأنها لبعدها عن ms0025 مألوف الكلام العادي أقرب ما تكون إلى الرموز ~~وبمعنى آخر أقرب ما تكون إلى الإشارات أي أدخل فى عمل القشيري فى «لطائف ~~الإشارات» . وربما كان أفضل # PageV01P028 # ما يورده هنا قول القشيري فى (الم) التي افتتحت بها سورة البقرة لأنها ~~كانت أول حروف مقطعة يقابلها أثناء عمله. يقول: «هذه الحروف المقطعة فى ~~أوائل السور من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله عند قوم. ولكل كتاب ~~سر، وسر الله فى القرآن هذه الحروف المقطعة. # وعند قوم أنها مفاتيح أسمائه فالألف من اسم «الله» واللام يدل على اسم ~~«اللطيف» ، والميم يدل على اسم «المجيد» و «الملك» . # وقيل أقسم الله بهذه الحروف لشرفها لأنها بسائط أسمائه وخطابه، وقيل إنها ~~أسماء السور، وقيل الألف تدل على اسم «الله» واللام على اسم «جبريل» والميم ~~تدل على اسم «محمد» صلى الله عليه وسلم فهذا الكتاب نزل من الله على لسان ~~جبريل إلى محمد (ص) . # والألف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف فى ~~الخط، وسائر الحروف يتصل بها إلا أحرف يسيرة، فلينتبه العبد عند تأمل هذه ~~الصفة لاحتياج الخلق بجملتهم إليه واستغنائه عن الجميع. # ويقال «1» يتذكر العبد المخلص من حالة الألف تقدس الحق- سبحانه وتعالى- ~~عن التخصص ذلك أن سائر الحروف لها محل من الحلق والشفة واللسان إلى غيرها ~~من المخارج، غير الألف فإنها هويته لا تضاف إلى محل. # ويقال الإشارة منها إلى انفراد العبد لله سبحانه فيكون كالألف لا يتصل ~~بحرف، ولا يزول عن حالة الاستقامة والانتصاب بين يديه. # ويقال يطالب العبد فى سره عند مخاطبته بالألف بانفراد القلب إلى الله ~~تعالى، وعند مخاطبته باللام بلين الجانب، وعند سماع الميم بموافقة أمره ~~فيما يكلفه. وقد اختص كل حرف بصفة مخصوصة، وانفردت الألف باستواء القامة ~~والتميز عن الاتصال بشىء من أضرابها من الحروف فجعل لها صدر الكتاب إشارة ~~إلى أن من تجرد عن الاتصال بالأمثال والأشغال حظى بالمرتبة العليا، وفاز ~~بالدرجة القصوي، وصلح للتخاطب بالحروف المنفردة التي هى غير PageV01P029 # مركبة على سنة الأحباب فى ms0026 ستر الحال، وإخفاء الأمر على الأجنبى من هذه ~~القصة، قال شاعرهم: # قلت لها قفى قالت قاف ولم يقل وقفت سترا عن الرقيب، ومراعاة لقلب الحبيب، ~~وهكذا تكثر العبارات للعموم، والرموز والإشارات للخصوص أسمع موسى كلامه فى ~~ألف موطن، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «أوتيت جوامع الكلم فاختصر لى ~~الكلام اختصارا» وقال بعضهم: # قال لى مولاى ما هذا الدنف ... قلت تهوانى قال: لام ألف # ... ... ويمضى القشيري بعد ذلك فيستخرج للصوفية إشارات ثمينة مما يصادفه ~~فى الآية من حكم تشريعى يتصل بالقتال والغنيمة والأسر والكيل والميزان ~~والدين والشهادة ونحو ذلك أو كلام فى العبادات كالصوم والصلاة والحج ~~والزكاة أو ما يعود بالآية إلى أسباب نزولها والأخبار والقصص التي رويت من ~~حولها، أو ما تحتوى من مظاهر قدرة المولى- جل وعلا- فى خلق الإنسان والكون. # وينبغى ألا ننتظر من القشيري إسهابا فى الأحكام الفقهية والقواعد ~~التعبدية والأسانيد ونحو ذلك فما لهذا ألف كتابه، ولا يصح للقارئ أن يتوقع ~~منه ذلك فهناك تفاسير مخصوصة وضعت للوفاء بهذه الأمور، إنما قصد القشيري ~~إلى استمداد شىء نافع للصوفية يتدعم به رأى من آرائهم أو عمل من أعمالهم، ~~فهذا هو مقصوده، وتلك مراميه، ونحن من أجل ذلك نقول بلا تحفظ إن «لطائف ~~الإشارات» يمثل تمثيلا صادقا مذهب القشيري فى التصوف أكثر مما تمثله ~~«الرسالة» فهو يغنى عنها وهى لا تغنى عنه. # وعلينا الآن أن نسوق أمثلة قليلة توضح موقف القشيري فى تلك الأمور حتى ~~يعرف القارئ منذ البداية أي نوع من التفسير ذلك الذي نضعه بين يديه. ففيما ~~يختص بالأحكام التشريعية نراه مثلا عند الآية الكريمة «واعلموا أنما غنمتم ~~من شيء فأن لله خمسه» يقول: # الغنيمة ما يحصل عليه المؤمنون من أموال الكفار إذا ظفروا عند الجهاد ~~والقتال. ولما كان الجهاد قسمين: جهاد الظاهر مع الكفار وجهاد الباطن مع ~~النفس والشيطان، وكما أن للجهاد # PageV01P030 # الأصغر غنيمة عند الظفر كذلك للجهاد الأكبر غنيمة وهو أن يملك نفسه التي ~~كانت فى يد عدويه: الهوى والشيطان، وبعد أن كانت ظواهره مقرا ms0027 للأعمال ~~الذميمة وباطنه مستقرا للأحوال الدنيئة يصير محل الهوى مسكن الرضا، ومقر ~~الشهوات والمنى محلا لما يرد عليه من مطالبات المولى، وتصير النفس مستلبة ~~من إصرار الشهوات، والقلب مختطفا من وصف الغفلات، والروح منزوعة من أيدى ~~العلاقات، والسر مصونا من الملاحظات. وكما أن من جملة الغنيمة سهما لله ~~وللرسول وهو الخمس فما هو غنيمة- على لسان الإشارة- سهم خالص لله وهو ما لا ~~يكون للعبد فيه نصيب لا من كرائم العقبى ولا من ثمرات التقريب ولا من خصائص ~~الإقبال، فيكون العبد عند ذلك محررا عن رق كل نصيب، خالصا لله بالله، يمحو ~~ما سوى الله» . # ونلفت نظر القارئ إلى ما ورد فى هذا النص من ترتيب الملكات الباطنة ~~للإنسان من أسفل إلى أعلى، وهى: النفس ثم القلب ثم الروح ثم السر، ولكل ~~منها وظيفة ولكل وظيفة غاية، كما أن لكل منها آفات ولكن لكل علاج ... ~~والكلام فى ذلك كله موزع فى الكتاب حسب السياق الذي توحى به آيات الكتاب ~~الكريم. والقشيري مشكور أعظم الشكر حين التزم بهذا الترتيب، ولم يتخل عنه ~~لا فى اللطائف وحده بل فى كل ما بين أيدينا من مصنفاته، حتى صار له مذهب ~~واضح السمات بارز القسمات فى المعراج الروحي، وتفصيل ذلك موضح فى كتابنا عن ~~«مذهبه فى التصوف» الذي هو القسم الأول من بحثنا للدكتوراه. # ويطابق القشيري بين ما يحدث من نسخ لبعض الأحكام وبين ما يحدث من نسخ فى ~~السلوك الصوفي حيث يقول عند قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ~~إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل ... » «حكم هذه الآية كان ~~ثابتا فى الشرع، ولكنه نسخ بعده. والنسخ هو الإزالة، ومعنى النسخ فى سلوك ~~المريدين أنهم فى الابتداء فرضهم القيام بالظاهر من حيث المجاهدات، فإذا ~~لاح لهم من أحوال القلوب شىء آلت أحوالهم إلى مراعاة القلوب فتسقط عنهم ~~أوراد الظاهر» . # أما فيما يختص بالعبادات فإننا نلحظ أن القشيري يغتنم كل فرصة كى يوضح ~~ضرورة التزام العبد بأدائها مهما أوغل فى الفناء عن ms0028 نفسه، فليس ثمة عذر ~~لسقوطها عنه أو إعفائه # PageV01P031 # منها، كذلك نراه يهتم اهتماما ملحوظا بالحث على التغلغل فى بواطنها، ~~ومعرفة جواهرها، فهى ليست رسوما ظاهرية يؤديها البدن وحسب ولكنها ذات مقاصد ~~بعيدة. # فاستقبال القبلة عند الصلاة له عند القشيري إشارة: (لتكن القبلة مقصود ~~نفسك، وسبحانه مقصود مشهود قلبك لا تعلق قلبك بأحجار وآثار، وأفرد قلبك لى) ~~وعند قوله تعالى «وأتموا الحج والعمرة لله» يقول: «إتمام الحج على لسان ~~العلم القيام بأركانه وسننه وهيئته، وإراقة الدماء التي تجب فيه، وعلى لسان ~~أهل الإشارة الحج هو القصد، فقصد إلى بيت الحق وقصد إلى الحق، فالأول حج ~~العوام والثاني حج الخواص، وكما أن الذي يحج بنفسه يحرم ويقف ثم يطوف ~~بالبيت ويسعى ثم يحلق، فكذلك من يحج بقلبه فإحرامه بعقد صحيح على قصد صحيح، ~~ثم يتجرد عن لباس مخالفاته وشهواته ثم باشتماله بثوبي صبره وفقره، وإمساكه ~~عن متابعة حظوظه من اتباع الهوى وإطلاق خواطر المنى، وما فى هذا المعنى، ثم ~~الحاج أشعث أغبر تظهر عليه آثار الخشوع والخضوع والتلبية، وأفضل الحج الشج ~~والعج فالشج صب الدم والعج رفع الصوت بالتلبية فكذلك سفك دم النفس بسكاكين ~~مخالفتها، ورفع أصوات السر بدوام الاستغاثة وحسن الالتجاء والوقوف بساحات ~~القربة باستكمال أوصاف الهيبة. وموقف النفوس عرفات وموقف القلوب الأسامى ~~والصفات (أسماء الله الحسنى وصفاته) ، وطواف القلوب حول مشاهد العز، والسعى ~~بالأسرار بين صفى كشف الجلال ولطف الجمال، ثم التحلل بقطع أسباب الرغائب ~~والاختيار والمنى والمعارضات بكل وجه» . # وتسمع القشيري عند: «كتب عليكم الصيام ... » يقول: «الصوم على ضربين: # صوم ظاهر وهو الإمساك عن المفطرات مصحوبا بالنية، وصوم باطن وهو صون ~~القلب عن الآفات، ثم صون الروح عن المساكنات، ثم صون السر عن الملاحظات ### | .... # ونهاية الصوم إذا هجم الليل، ولكن من أمسك عن الأغيار فصومه نهايته أن ~~يشهد الحق. والصوم لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته كما يقول عليه السلام ~~فالرؤية عائدة على الهلال، وعند أهل التحقيق فالرؤية عائدة إلى الحق فصومهم ~~لله حتى شهودهم، وفطرهم لله، وإقبالهم على الله، والغالب ms0029 عليهم الله» . # PageV01P032 # هذا عن العبادات أما عن أسباب النزول فينظر إليها القشيري كما ينظر إلى ~~مورد المثل ومضربه، فالآية «ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ~~فبإذن الله» يقول عندها القشيري: «نزلت حين أمر الله رسوله بقطع بعضها ~~فقالت اليهود: أي فائدة فى هذا؟ # أمن الصلاح قطع النخل وعقر الشجر؟ # فوجد المسلمون فى أنفسهم من قولهم، فأنزل الله تعالى الآية، وأن ذلك بإذن ~~الله، وانقطع الكلام وفى هذا دليل على أن الشريعة غير معللة، وأنه إذا جاء ~~الأمر الشرعى بطل طلب التعليل، وسكتت الألسنة عن المطالبة: بلم؟ وهكذا من ~~قال لأستاذه وشيخه: # لم؟ لم يفلح، وكل مريد يكون لأمثال هذه الخواطر فى قلبه جولان لا يجىء ~~منه شىء، ومن لم يتجرد قلبه عن طلب الاعلال ولم يباشر حسن الرضا لكل ما ~~يجرى، واستحسان ما يبدو من الغيب من الله- بسره وقلبه- فليس من الله فى ~~شىء» . # وفى قوله تعالى: «إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة» يقول: «نزلت هذه ~~الآية فى أهل رجل من اليمن ترك لهم جنة متمرة، وكان يتصدق منها للمساكين، ~~فلما ورثه أهله قالوا: لن نفعل فعله، وأقسموا ألا يعطوا شيئا، فأهلك الله ~~جنتهم. وندموا وتابوا» وهذه حال من له بداية حسنة، ويجد التوفيق على ~~التوالي، ويجتنب المعاصي، فيعوضه الله فى الوقت نشاطا، وتلوح فى باطنه ~~أحوال فإذا بدر منه سوء دعوى، وترك أدبا من آداب الخدمة تنسد عليه تلك ~~الأحوال، ويقع فى فترة، فإذا حصل منه بالعبادات والفرائض إخلال انقلب حاله، ~~ورد عن الوصال إلى البعاد، ومن الاقتراب إلى الاغتراب عن الباب، وصارت ~~صفوته قسوة، فإن كان له بعد ذلك توبة على ما سلف، وندامة على ما فات من ~~أمره، فقلما يصل إلى حاله، ولكن لا يبعد أن ينظر إليه الحق بأفضاله، فيقبله ~~بعد ذلك، رعاية لما سلف منه فى البداية من أحواله، فإن الله تعالى رءوف ~~بعباده» . # ومن مظاهر القدرة الإلهية فى الكون والحياة والإنسان لا يغيب عن القشيري ~~أن يستمد إشارات مناسبة يوجهها نحو الموضوعات ms0030 الصوفية فيقول مثلا عند «ألم ~~نخلقكم من ماء مهين» : «مهين أي حقير ذكرهم أصل خلقتهم لئلا يعجبوا ~~بأحوالهم، فإنه لا جنس من المخلوقات والمخلوقين أشد دعوى من بنى آدم، ومن ~~الواجب أن يتفكر الإنسان فى أصله، # PageV01P033 # كان نطفة وفى انتهائه إلى جيفة، وفى وسائط حاله كنيف فى قميص، فبالحرى ~~ألا يدل ولا يفخر ... ثم صوره فأحسن صورته فهو قادر على أن يرقيك من ~~الأحوال الخسيسة إلى المنازل الشريفة النفيسة. # والإنسان أفضل من الجان لأن الجان من نار، والنار بالماء تنطفىء وتصبح ~~رمادا ولا يجىء منها شىء. أما الطين (الإنسان) فإذا انكسر عاد به الماء إلى ~~ما كان عليه، ولذلك العدو (إبليس) انطفأ ما كان يلوح عليه من سراج الطاعة، ~~ولكن آدم عليه السلام لما اغتر جبره ماء العناية فقال تعالى: ثم اجتباه ~~ربه» . # «خلق الإنسان من طين ولكنه تعالى «يحبهم ويحبونه» خلق الإنسان من طين ~~ولكنه تعالى «رضى الله عنهم ورضوا عنه» خلق الإنسان من طين ولكنه يقول ~~«فاذكروني أذكركم» خلق الإنسان من طين ولكن: # فكم أبصرت من حسن ولكن ... عليك من الورى وقع اختياري # وبعد ... فهذه أمثلة سريعة أردنا أن نقدمها للتدليل على المواقف التي ~~يتخذها القشيري فى ظلال القرآن من زوايا مختلفة وفى ظروف متنوعة، ومن مجموع ~~هذه المواقف يتحصل مذهبه فى التصوف فضلا عن مذهبه فى الكلام، وهنا تجدر ~~الإشارة إلى أنه حاول أن يحل بطريق العلم الصوفي ما عجز المتكلمون عن حله، ~~فحين حل القلب محل العقل ليصعد ويقصد نحو الملأ الأعلى، وأصبح الحق مناط ~~الأمل لم يعد هناك معنى لأى حديث فى الجبر والاختيار والحسن والقبيح ~~والثواب والعقاب- على النحو الذي اشتجر من حوله الخلاف بين المتكلمين. ~~الله- فى عرف هذا الصوفي وفى عرف الصوفية الخلص- مشهود ومحبوب لا معبود ~~فقط، وكل كلام عن جبر الحب وعذاب الحب يسمج ويسخف، وهل هناك أجمل من أن ~~يتعذب الإنسان فى حبه حتى يهلك؟ ألا ما أروعها من غاية! وما أجدر من أن ~~يضيع العمر بين فقد ووجد! وما أعظم أن ms0031 يكون الحق خلفا لك عن كل حطام الدنيا ~~وأن تكون مشاهدته بديلا لك عن كل نعيم الجنان! # PageV01P034 # بقيت مسألة هامة لا أحب أن أنهى هذا التقديم دون أن أوضحها، وهى قيمة هذا ~~الكتاب من الناحية الأدبية. # والواقع أن المسألة أكثر شمولا وأوسع أبعادا من أن تنصرف إلى «لطائف ~~الإشارات» وحده أو حتى إلى أعمال القشيري كلها، إنها تتصل بقضية أعظم هى ~~الطريقة التي يؤخذ بها الإنتاج الصوفي عموما، فما زلنا حتى الآن نكتفى ~~بدراسة الأعمال الصوفية ضمن الدراسات الفلسفية والعقلية، فالتصوف فى ~~جامعاتنا يدرس فى أقسام الفلسفة بينما لا يدرس فى أقسام اللغة العربية ~~وآدابها، وإذا حدث شىء من ذلك فهو ينتقل إليها بطريق أساتذة الفلسفة. # وإنى لأتساءل: إلى متى يظل الحال هكذا؟ إن الوضع مقلوب، فالمشتغلون ~~بالأدب أولى باحتضان التصوف، لأن الإنتاج الصوفي- فى كثير من الأحوال- درر ~~من المنظوم والمنثور، والصوفية أنفسهم قوم يصرحون أن مذهبهم لا يعنى بالعقل ~~إلا فى مراحل البداية من أجل تصحيح الإيمان، أما طريقهم بعد ذلك فوثيق ~~الصلة بالقلب والوجدان، فهم بذلك يقتربون من أهل الفن وينأون عن أهل العقل، ~~هم فى حاجة إلى من يتذوق أقوالهم أكثر مما هم فى حاجة إلى من يتفكر فيها، ~~وتجربتهم فى الفناء تدنو من تجربة الإلهام فى الفن، ومصطلحاتهم التي وضعوها ~~لأنفسهم تنم عن بصر نافذ فى الأسلوب العربي والاشتقاق، وهكذا يفرض الإنتاج ~~الصوفي نفسه على الدراسات الأدبية، بينما المشتغلون بهذه الدراسات لا ~~يكادون يحركون ساكنا. # وليس بمعقول أن أقنع القارئ بجدوى دراسة «اللطائف» من الناحية الأدبية ~~بواسطة هذه السطور القليلة، فهذا له مكان آخر، إنما قصدت لأثير قضية عامة ~~قد يؤدى الأخذ بها إلى تصحيح كثير من المقاييس التي تتصل بالتصوف وبالأدب ~~على حد سواء. # وفى تقديرنا أن منهج القشيري فى استخراج الإشارة من العبارة منهج أدبى، ~~لأنه يعتمد على تذوق اللفظة- مفردة ومركبة- تذوقا ينبنى على أصول من اللغة ~~والاشتقاق والإعراب والبلاغة، ثم إن التعبير الذي يفصح به القشيري تعبير ~~أدبى له خصائص الأسلوب الأدبى والصياغة الفنية، ومعنى ms0032 هذا أنه نظر للقرآن ~~بمنظار أدبى وعبر عن نظرته بطريقة أدبية، وليس أدخل فى التفسير الأدبى من ~~منهج كهذا، حيث استكمل ناحيتين: أدب المفسر وأدب المفسر. # PageV01P035 # حقا إن القرآن كتاب دين وهداية وتشريع وعلم وغير ذلك مما يمكن أن تحج ~~إليه المقاصد الإنسانية تلتمس فيه زادا ينمى المعارف، ويثرى العلوم، ويفتح ~~مغاليق الأمور. ولكنه قبل كل ذلك معجزة فنية بهرت سامعيها أول ما بهرتهم ~~بالبيان، والنظم، والقول، فوجدوا لذلك حلاوة، وعليه طلاوة، وهم أهل لسن ~~وفصاحة، فنحن نعلم أن المعجزة تكون من جنس معجزات المخاطبين ولكنها من حيث ~~الدرجة أعلى قدرا وأصعب دركا وأعز منالا. # تخرج من هذا إلى أن دراسة إعجاز القرآن إن أغفلت تفسيرا كاللطائف- راعى ~~فيه صاحبه أدب المفسر وأدب المفسر- إنما تغفل عن رافد غنى من روافد ~~الدراسات القرآنية. # ويمكن أن نضرب أمثلة سريعة توضح طريقة القشيري عند ما يتصدى لبعض الجوانب ~~فى الأسلوب القرآنى. # فمن اللفظة المفردة تنبعث إيحاءات جميلة مؤثرة تزيد المعنى قوة وتأكيدا ~~كأن يقول عند قوله تعالى: «بل هم في شك يلعبون» : اللعب فعل يجرى على غير ~~ترتيب، تشبيها باللعاب الذي يسيل لا على نظام مخصوص، فوصف المنافق باللعاب ~~تصويرا لتردده وتحيره وشكه فى عقيدته» . # والتسبيح عنده مرتبط «بالسباحة فى بحار التوحيد بلا شاطئ، فبعد ما حصلوا ~~فيها فلا خروج ولا براح فحازت أيديهم جواهر التفريد، نظموها فى عقود ~~الإيمان ورصعوها فى أطواق الوصلة» . # والفجر «انفجار الصبح كما يتفجر الماء من الصخر» . # ومن القصة تنبعث إيحاءات ممتعة فمريم حين خوطبت «وهزى إليك بجذع النخلة» ~~: # كان ذلك الجذع يابسا أخرج الله سبحانه فى الوقت الرطب الجنى، وكان ذلك ~~آية ودلالة على أن الذي قدر على فعل هذا قادر على خلق عيسى عليه السلام من ~~غير أب، وقد أمرت بهز النخلة اليابسة حينما جاءتها علاقة الولد بعد أن كانت ~~لا تتكلف السعى إذ كان زكريا يدخل عليها المحراب فيجد عندها رزقا، أمرت بهز ~~النخلة وهى فى أضعف حالها زمان قرب عهدها بوضع الولد ليعلم أن العلاقة ms0033 توجب ~~المشقة والعناء، أمرت بهز النخلة اليابسة وأمكنها ذلك وهى فى حال ضعفها وفى ~~ذلك أوضح دلالة على صدقها ... » . # PageV01P036 # وإذا ضرب القرآن مثلا بالكلب أو الذبابة أو البعوضة أو التي نقضت غزلها ~~من بعد قوة، فإن هذا التصوير القرآنى الأخاذله على وجدان القشيري الأديب ~~وقع مؤثر، يقول مثلا ( ### | .... # وضرب المثل بالبعوضة لأنها إذا جاعت فرت وطارت، وإذا شبعت تشققت وتلفت، ~~كذلك الإنسان ليطغى أن رآه استغنى. «وما فوقها» أي الذباب، وجهة الإشارة فى ~~أن للذباب وقاحة حيث يعود عند البلاغ فى الذب، والله سبحانه خلق القوة فى ~~الأسد ولكنه خلق فيه النفور من الناس، وخلق الضعف فى الذباب، ولكنه خلق فيه ~~الوقاحة، وتلك حكمة الله) . # والمظاهر الكونية فى القرآن مصادر إشارات لا تنتهى وهى من أقوى الوسائل ~~التي استغلها القشيري لتوضيح حقائق العلم الصوفي فالشمس والقمر، والليل ~~والنهار، والجبال والبحار، والسحب والأمطار ### | .... # كلها توحى بمعان كثيرة لتوضيح الفروق الدقيقة بين الطوالع واللوامع ~~واللوائح، وعلم اليقين وحق اليقين، وعلوم الإنسان العقلية والمعارف اللدنية ### | .... # إلى آخره. # يقول عند «كلا والقمر» : أقمار العلوم إذا أخذ هلالها فى الزيادة بزيادة ~~البراهين فإنها تزداد حتى إذا صارت إلى حد التمام وبلغت الغاية تبدو أعلام ~~المعرفة، ثم تأخذ علوم البراهين فى النقصان حين تطلع شموس المعرفة، وكما أن ~~القمر كلما قرب من الشمس يزداد نقصانه حتى يصير محاقا كذلك إذا ظهر سلطان ~~العرفان تأخذ أقمار العلوم فى النقصان بزيادة المعارف كالسراج فى ضوء ~~الشمس) . # وتوقف القشيري طويلا عند المواقف النفسية وعند الاستدلالات الوجدانية فى ~~الأسلوب القرآنى فكشف الكثير من أسرار الإعجاز القرآنى كما أبان عن عبقريته ~~فى التذوق الفنى، وليس ذلك غريبا بالنسبة لصوفى ذى بصيرة كاشفة، وشاعر له ~~حس دقيق مرهف، وباحث متعمق فى أغوار النفس البشرية، وأديب يحسن التعبير عما ~~يذوق ويجد. # نفعنا الله بعلمه وبركته. # دكتور ابراهيم بسيونى # PageV01P037 # نرمز للنسخة السوفيتية المصورة بالحرف (ص) ونرمز للنسخة المصرية بالحرف ~~(م) ونرمز للرسالة القشيرية ط الحلبي سنة 1959 (بالرسالة) # PageV01P038 # صورة لورقة من النسخة السوفيتية # PageV01P039 # رب ms0034 يسر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي شرح قلوب أوليائه بعرفانه، ~~وأوضح نهج الحق بلائح برهانه، لمن أراد طريقه، وأتاح البصيرة لمن ابتغى ~~تحقيقه، وأنزل الفرقان هدى وتبيانا، على صفيه محمد صلى الله عليه وسلم وعلى ~~آله- معجزة وبيانا، وأودع صدور العلماء معرفته وتأويله، وأكرمهم بعلم قصصه ~~ونزوله، ورزقهم الإيمان بمحكمه ومتشابهه وناسخه، ووعده ووعيده، وأكرم ~~الأصفياء من عباده بفهم ما أودعه من لطائف أسراره وأن (واره) لاستبصار ما ~~ضمنه من دقيق إشاراته، وخفى رموزه، بما لوح لأسرارهم من مكنونات، فوقفوا ~~بما خصوا به من أنوار الغيب على ما استتر عن أغيارهم، ثم نطقوا على مراتبهم ~~وأقدارهم، والحق سبحانه وتعالى يلهمهم بما به يكرمهم، فهم به عنه ناطقون ~~وعن لطائفه مخبرون «1» وإليه يشيرون، وعنه يفصحون، والحكم إليه فى جميع ما ~~يأتون به ويذرون. # قال الإمام جمال الإسلام أبو القاسم القشيري رحمه الله: وكتابنا هذا يأتى ~~على ذكر طرف من إشارات القرآن» # على لسان أهل المعرفة، إما من معانى مقولهم، أو قضايا أصولهم، سلكنا فيه ~~طريق الإقلا (ل) خشية الملال، مستمدين من الله تعالى عوائد المنة، متبرئين ~~من الحول والمنة «3» مستعصمين من الخطأ والخلل، مستوفقين لأصوب القول ~~والعمل، ملتمسين أن يصلى على سيدنا محمد صلى الله عليه و (سلم) ، ليختم لنا ~~بالحسنى بمنه وأفضاله. وتيسر الأخذ PageV01P041 # فى ابتداء هذا الكتاب فى شهور سنة أربع وثلاثين وأربعمائة «1» ، وعلى ~~الله إتمامه إن شاء الله تعالى عز وجل. ### | سورة فاتحة الكتاب # هذه السورة بدا (ية) الكتاب، ومفاتحة الأحباب بالخطاب والكتاب منه أجل ~~النعمى، وأكرم الحسنى إذ هى ( ... ) «2» وابتداء وفى معناه قيل. # أفديك بل أيام دهرى كلها ... تفدين أياما ( ### | ..... # سقيا لمعهدك الذي لو لم يكن ... ما كان قلبى للصبابة معهدا «3» # ولقد كان صلى الله عليه وسلم غير مرتقب لهذا الشأن، وما كان هذا الحديث ~~منه على بال، وحينما نزل عليه جبريل صلوات الله عليه وسلامه أخذ فى الفرار، ~~وآثر التباعد لهذا الأمر آوى ( ... ) قائلا: دثرونى دثرونى، زملونى زملونى، ~~وكان يتحنث فى حراء، ويخلو هنالك ( ### | .... # ) فجأة، ms0035 وصادفته القصة بغتة كما قيل: # أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبى فارغا فتمكنا «4» # وكان صلوات الله عليه وسلم رضى بأن يقال له أجير خديجة ولكن (الحق سبحانه ~~وتعالى أراده لأن) «5» يكون سيد الأولين والآخرين حيث قال. «يس والقرآن ~~الحكيم» ، (رفعه إلى) أشرف المنازل وإن لم يسم إليه بطرف التأميل سنة منه ~~تعالى وتقدس ( ... ) إلا عند من تقاصرت الأوهام عن استحقاقه، ولذلك ما قصوا ~~العجب من شأنه ( ... ) يتيم أبى طالب PageV01P042 # من بين البرية، ولقد كان صلوات الله عليه وسلم فى سابق (علمه) سبحانه ~~وتعالى مقدما على الكافة من أشكاله وأضرابه، وفى معناه قيل: # هذا ( ... ) أطمار ... وكان فى فقر من السيار # آثر عندى (بالإكبار) ... من أخى (ومن) جارى # وصاحب الدرهم (والدينار) ... فإن صاحب الأمر مع الإكثار «1» # ولقد كان صلى الله عليه وسلم قبل النبوة حميد الشأن، (محمود) الذكر، ~~ممدوح الاسم، أمينا لكل واحد. وكانوا يسمونه محمدا الأمين، ولكن (الكافرين) ~~( ... ) حالته، بدلوا اسمه، وحرفوا وصفه، وهجنوا ذكره، فواحد كان يقول ساحر ~~وآخر يقول ( ... ) # وثالث يقول كاذب، ورابع يقول شاعر: # أشاعوا لنا فى الحي أشنع قصة ... وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا # وهكذا صفة المحب، لا ينفك عن الملام ولكن كما قيل # أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمنى اللوم «2» # وماذا عليه من قبيح قالة (من) يقول، (والحق سبحانه يقول) : «ولقد نعلم ~~أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك» أي استمع إلى ما يقال فيك بحسن ~~الثناء علينا. # [فصل] وتسمى هذه السورة أيضا أم الكتاب، وأم الشيء أصله، وإمام كل شىء ~~مقدمه. وهذه السورة لما تشتمل عليه من الأمر بالعبودية، والثناء على الله ~~بجمال الربوبية، ثم «3» كمالها من الفضائل- لا تصح الفرائض إلا بها. وقوله ~~صلى الله عليه وسلم مخبرا عنه سبحانه وتعالى: «قسمت الصلاة بينى وبين عبدى ~~نصفين» يعنى قراءة هذه السورة، فصارت أم الكتاب، وأصلا لما تنبنى عليه من ~~لطائف الكرامات وبدائع التقريب والإيجاب. PageV01P043 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفاتحة (1) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم (1) # الباء فى «بسم الله» ms0036 حرف التضمين أي بالله ظهرت الحادثات، وبه وجدت ~~المخلوقات، فما من حادث مخلوق، وحاصل منسوق، من عين وأثر وغبر، وغير من حجر ~~ومدر، ونجم وشجر، ورسم وطلل، وحكم وعلل- إلا بالحق وجوده، والحق ملكه، ومن ~~الحق بدؤه، وإلى الحق عوده، فبه وجد من وحد، وبه جحد من ألحد «1» ، وبه عرف ~~من اعترف، وبه تخلف من اقترف. # وقال «بسم الله» ولم يقل بالله على وجه التبرك بذكر اسمه عند قوم، وللفرق ~~بين هذا وبين القسم عند الآخرين، ولأن الاسم هو المسمى عند العلماء، ~~ولاستصفاء القلوب من العلائق ولاستخلاص الأسرار عن العوائق عند أهل ~~العرفان، ليكون ورود قوله «الله» على قلب منقى وسر مصفى. وقوم عند ذكر هذه ~~الآية يتذكرون من الباء (بره) «2» بأوليائه ومن السين سره مع أصفيائه ومن ~~الميم منته على أهل ولايته، فيعلمون أنهم ببره عرفوا سره، وبمنته عليهم ~~حفظوا أمره، وبه سبحانه وتعالى عرفوا قدره. وقوم عند سماع بسم الله تذكروا ~~بالباء براءة الله سبحانه وتعالى من كل سوء، وبالسين «3» سلامته سبحانه عن ~~كل عيب، وبالميم مجده سبحانه بعز وصفه، وآخرون يذكرون عند الباء بهاءه، ~~وعند السين سناءه، وعند الميم ملكه، فلما أعاد الله سبحانه وتعالى هذه ~~الآية أعنى بسم الله الرحمن الرحيم فى كل سورة وثبت أنها منها أردنا أن ~~نذكر فى كل سورة من إشارات هذه الآية «4» كلمات غير مكررة «5» ، وإشارات ~~غير معادة، فلذلك نستقصى القول هاهنا وبه الثقة. PageV01P044 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفاتحة (1) : آية # 2] # الحمد لله رب العالمين (2) # حقيقة الحمد الثناء على المحمود، بذكر نعوته الجليلة وأفعاله الجميلة، ~~واللام هاهنا للجنس، ومقتضاها الاستغراق فجميع المحامد لله سبحانه إما وصفا ~~وإما خلقا، فله الحمد لظهور سلطانه، وله الشكر لوفور إحسانه. والحمد لله ~~لاستحقاقه لجلاله وجماله، والشكر لله لجزيل نواله وعزيز أفضاله، فحمده ~~سبحانه له هو من صفات كماله وحوله، وحمد الخلق له على إنعامه وطوله، وجلاله ~~وجماله استحقاقه لصفات العلو، واستيجابه لنعوت العز والسمو، فله الوجود ~~(قدرة) «1» القديم، وله الجود الكريم، وله الثبوت الأحدى، والكون الصمدى، ms0037 ~~والبقاء الأزلى، والبهاء الأبدى، والثناء الديمومى، وله السمع والبصر، ~~والقضاء والقدر، والكلام والقول، والعزة والطول، والرحمة والجود، والعين ~~والوجه والجمال، والقدرة والجلال، وهو الواحد المتعال، كبرياؤه رداؤه، ~~وعلاؤه سناؤه، ومجده عزه، وكونه ذاته، وأزله أبده، وقدمه سرمده، وحقه ~~يقينه، وثبوته عينه، ودوامه بقاؤه، وقدره قضاؤه، وجلاله جماله، ونهيه أمره، ~~وغضبه رحمته، وإرادته مشيئته، وهو الملك بجبروته، والأحد فى ملكوته. تبارك ~~الله سبحانه!! فسبحانه ما أعظم شأنه! [فصل] علم الحق سبحانه وتعالى شدة ~~إرادة أوليائه بحمده وثنائه، وعجزهم عن القيام بحق مدحه على مقتضى عزه ~~وسنائه فأخبرهم أنه حمد نفسه بما افتتح به خطابه بقوله: «الحمد لله» ~~فانتعشوا بعد الذلة، وعاشوا بعد الخمود، واستقلت أسرارهم بكمال التعزز حيث ~~سمعوا ثناء الحق عن الحق بخطاب الحق، فنطقوا ببيان الرمز على قضية الأشكال. ~~وقالوا: # ولوجهها من وجهها قمر ... ولعينها من عينها كحل # هذا خطيب الأولين والآخرين، سيد الفصحاء، وإمام البلغاء، لما سمع حمده ~~لنفسه، ومدحه سبحانه لحقه، علم النبي أن تقاصر اللسان أليق به فى هذه ~~الحالة فقال: «لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» . # داوود لو سمعت أذناه قالتها ... لما ترنم بالألحان داوود # غنت سعاد بصوتها فتخاذلت ... ألحان داوود من الخجل PageV01P045 # [فصل] وتتفاوت طبقات الحامدين لتباينهم فى أحوالهم فطائفة حمدوه على ما ~~نالوا من إنعامه وإكرامه من نوعى صفة نفعه ودفعه، وإزاحته وإتاحته، وما ~~عقلوا عنه من إحسانه بهم أكثره ما عرفوا من أفضاله معهم قال جل ذكره: «وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها» ، وطائفة حمدوه على ما لاح لقلوبهم من عجائب ~~لطائفه، وأودع سرائرهم من مكنونات بره، وكاشف أسرارهم به من خفى غيبه، ~~وأفرد أرواحهم به من بواده مواجده. وقوم حمدوه عند شهود ما كاشفهم به من ~~صفات القدم، ولم يردوا من ملاحظة العز والكرم إلى تصفح أقسام النعم، وتأمل ~~خصائص القسم، و (فرق بين) «1» من يمدحه بعز جلاله وبين من يشكره على وجود ~~أفضاله، كما قال قائلهم: # وما الفقر عن أرض العشيرة ساقنا ... ولكننا جئنا بلقياك نسعد # وقوم ms0038 حمدوه مستهلكين عنهم فيما استنطقوا من عبارات تحميده، بما اصطلم ~~أسرارهم من حقائق توحيده، فهم به منه يعبرون، ومنه إليه يشيرون، يجرى عليهم ~~أحكام التصريف، وظواهرهم «2» بنعت التفرقة مرعية، وأسرارهم مأخوذة بحكم جمع ~~«3» الجمع، كما قالوا: # بيان بيان الحق أنت بيانه ... وكل معانى الغيب أنت لسانه # قوله جل ذكره: رب العالمين الرب هو السيد، والعالمون جميع المخلوقات، ~~واختصاص هذا الجمع بلفظ العالمين لاشتماله على العقلاء والجمادات فهو مالك ~~الأعيان ومنشيها، وموجد الرسوم والديار بما فيها. # ويدل اسم الرب أيضا على تربية الخلق، فهو مرب نفوس العابدين بالتأييد ~~ومرب قلوب الطالبين بالتسديد، ومرب أرواح العارفين بالتوحيد، وهو مرب ~~الأشباح بوجود النعم، ومرب الأرواح بشهود الكرم. # ويدل اسم الرب أيضا على إصلاحه لأمور عباده من ربيت العديم أربه فهو مصلح ~~أمور الزاهدين بجميل رعايته، ومصلح أمور العابدين بحسن كفايته، ومصلح أمور ~~الواجدين PageV01P046 # بقديم عنايته، أصلح أمور قوم فاستغنوا بعطائه، وأصلح أمور آخرين فاشتاقوا ~~للقائه، وثالث أصلح أمورهم فاستقاموا للقائه، قال قائلهم: # مادام عزك مسعودا طوالعه ... فلا أبالى أعاش الناس أم فقدوا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفاتحة (1) : آية # 3] # الرحمن الرحيم (3) # اسمان مشتقان من الرحمة، والرحمة صفة أزلية وهى إرادة النعمة وهما اسمان ~~موضوعان للمبالغة ولا فضل بينهما عند أهل التحقيق. # وقيل الرحمن أشد مبالغة وأتم فى الإفادة، وغير الحق سبحانه لا يسمى ~~بالرحمن على الإطلاق، والرحيم ينعت به غيره، وبرحمته عرف العبد أنه الرحمن، ~~ولولا رحمته لما عرف أحد أنه الرحمن، وإذا كانت الرحمة إرادة النعمة، أو ~~نفس النعمة كما هى (عند قوم فالنعم فى أنفسها مختلفة، ومراتبها متفاوتة ~~فنعمة هى) «1» نعمة الأشباح والظواهر، ونعمة هى نعمة الأرواح والأسرار. # وعلى طريقة من فرق بينهما فالرحمن خاص الاسم عام المعنى، والرحيم عام ~~الاسم خاص المعنى فلأنه الرحمن رزق الجميع ما فيه راحة ظواهرهم، ولأنه ~~الرحيم وفق المؤمنين لما به حياة سرائرهم، فالرحمن بما روح، والرحيم بما ~~لوح فالترويح بالمبار، والتلويح بالأنوار: # والرحمن بكشف تجليه والرحيم بلطف توليه، والرحمن بما أولى من الإيمان ~~والرحيم ms0039 بما أسدى «2» من العرفان، والرحمن بما أعطى من العرفان والرحيم بما ~~تولى من الغفران، بل الرحمن بما ينعم به من الغفران والرحيم بما يمن به من ~~الرضوان، بل الرحمن بما يكتم به والرحيم بما ينعم به من الرؤية والعيان، بل ~~الرحمن بما يوفق، والرحيم بما تحقق، والتوفيق للمعاملات، والتحقيق ~~للمواصلات، فالمعاملات للقاصدين، والمواصلات للواجدين، والرحمن بما يصنع ~~لهم والرحيم بما يدفع عنهم فالصنع بجميل الرعاية والدفع بحسن العناية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفاتحة (1) : آية 4] # مالك يوم الدين (4) # المالك من له الملك، وملك الحق سبحانه وتعالى قدرته على الإبداع، فالملك ~~مبالغة من المالك وهو سبحانه الملك المالك، وله الملك. وكما لا إله إلا هو ~~فلا قادر على الإبداع إلا هو، فهو بإلهيته متوحد، وبملكه متفرد، ملك نفوس ~~العابدين فصرفها فى خدمته، وملك قلوب العارفين فشرفها بمعرفته، وملك نفوس ~~القاصدين PageV01P047 # فتيمها، وملك قلوب الواجدين فهيمها. ملك أشباح من عبده فلاطفها بنواله ~~وأفضاله، وملك أرواح من أحبهم ( ### | .... # ) «1» فكاشفها بنعت جلاله، ووصف جماله. ملك زمام أرباب التوحيد فصرفهم ~~حيث شاء على ما شاء ووفقهم حيث شاء على ما شاء كما شاء، ولم يكلهم إليهم ~~لحظة، ولا ملكهم من أمرهم سنة ولا خطرة، وكان لهم عنهم، وأفناؤهم له منهم ~~«2» . # [فصل] ملك قلوب العابدين إحسانه فطمعوا فى عطائه، وملك قلوب الموحدين ~~سلطانه فقنعوا ببقائه. عرف أرباب التوحيد أنه مالكهم فسقط عنهم اختيارهم، ~~علموا أن العبد لا ملك له، ومن لا ملك له لا حكم له، ومن لا حكم له لا ~~اختيار له، فلا لهم عن طاعته إعراض ولا على حكمه اعتراض، ولا فى اختياره ~~معارضة، ولا لمخالفته تعرض، «ويوم الدين» . # يوم الجزاء والنشر، ويوم الحساب والحشر- الحق سبحانه وتعالى يجزى كلا بما ~~يريد، فمن بين مقبول يوم الحشر بفضله سبحانه وتعالى لا بفعلهم، ومن بين ~~مردود بحكمه سبحانه وتعالى لا بجرمهم. فأما الأعداء فيحاسبهم ثم يعذبهم ~~وأما الأولياء فيعاتبهم ثم يقربهم: # قوم إذا ظفروا بنا ... جادوا بعتق رقابنا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفاتحة (1) : آية # 5] # إياك نعبد ms0040 وإياك نستعين (5) # معناه نعبدك ونستعين بك. والابتداء بذكر المعبود أتم من الابتداء بذكر ~~صفته- التي هى عبادته واستعانته، وهذه الصيغة أجزل فى اللفظ، وأعذب فى ~~السمع. والعبادة الإتيان بغاية ما فى (بابها) «3» من الخضوع، ويكون ذلك ~~بموافقة الأمر، والوقوف حيثما وقف الشرع. # والاستعانة طلب الإعانة من الحق. # والعبادة تشير إلى بذل الجهد والمنة، والاستعانة تخبر عن استجلاب الطول ~~والمنة، فبالعبادة يظهر شرف العبد، وبالاستعانة يحصل اللطف للعبد. فى ~~العبادة وجود شرفه، وبالاستعانة أمان تلفه. والعبادة ظاهرها تذلل، وحقيقتها ~~تعزز وتحمل: # وإذا تذللت الرقاب تقربا ... منا إليك، فعزها فى ذلها PageV01P048 # وفى معناه: # حين أسلمتني لذال ولام ... ألقيتنى فى عين وزاى «1» # [فصل] العبادة نزهة القاصدين «2» ، ومستروح المريدين، ومربع الأنس ~~للمحبين، ومرتع البهجة للعارفين. بها قرة أعينهم، وفيها مسرة قلوبهم، ومنها ~~راحة أرواحهم. وإليه «3» أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: أرحنا بها يا ~~بلال» . ولقد قال مخلوق فى مخلوق: # يا قوم ثارى عند أسمائى ... يعرفه السامع والرائي # لا تدعنى إلا بيا عبدها ... فإنه أصدق أسمائى # والاستعانة إجلالك لنعوت كرمه، ونزلك بساحة جوده، وتسليمك إلى يد حكمه، ~~فتقصده بأمل فسيح، وتخطو إليه بخطو وسيع، وتأمل فيه برجاء قوى «4» ، وتثق ~~بكرم أزلى، وتتكل على اختيار سابق، وتعتصم بسبب جوده (غير ضعف) «5» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفاتحة (1) : آية # 6] # اهدنا الصراط المستقيم (6) # الهداية الإرشاد، وأصلها الإمالة، والمهدى من عرف الحق سبحانه، وآثر ~~رضاه، وآمن به. والأمر فى هذه الآية مضمر فمعنا اهدنا بنا «6» - والمؤمنون ~~على الهداية فى الحال- فمعنى السؤال الاستدامة والاستزادة. والصراط ~~المستقيم الطريق الحق وهو ما عليه أهل التوحيد. ومعنى اهدنا أي مل بنا ~~إليك، وخذنا لك، وكن علينا دليلنا، ويسر إليك سبيلنا، وأقم لنا هممنا، ~~واجمع بك همومنا. # [فصل] اقطع أسرارنا عن شهود الأغيار، ولوح فى قلوبنا طوالع الأنوار، ~~وأفرد PageV01P049 # قصودنا إليك عن دنس الآثار، ورقنا عن منازل الطلب والاستدلال إلى جمع ~~ساحات القرب والوصال. # [فصل] حل بيننا وبين مساكنة «1» الأمثال والأشكال، بما تلاطفنا به من ~~وجود الوصال، وتكاشفنا به من شهود الجلال والجمال. # [فصل] ms0041 أرشدنا إلى الحق لئلا نتكل على وسائط المعاملات، ويقع على وجه ~~التوحيد غبار الظنون وحسبان الإعلال. # «اهدنا الصراط المستقيم» أي: أزل عنا ظلمات أحوالنا لنستضىء «2» بأنوار ~~قدسك عن التفيؤ بظلال طلبنا، وارفع عنا ظل جهدنا لنستبصر بنجوم جودك، فنجدك ~~بك. # [فصل] اهدنا الصراط المستقيم حتى لا يصحبنا قرين من نزغات الشيطان ~~ووساوسه، ورفيق من خطرات النفوس وهواجسها، أو يصدنا عن الوصول تعريج فى ~~أوطان التقليد، أو يحول بيننا وبين الاستبصار ركون لى معتاد من التلقين، ~~وتستهوينا آفة من نشو أو هوادة، وظن أو عادة، وكلل أو ضعف إرادة، وطمع مال ~~أو استزادة. # [فصل] الصراط المستقيم ما عليه من الكتاب والسنة دليل، وليس للبدعة عليه ~~سلطان ولا إليه سبيل. الصراط المستقيم ما شهدت بصحته دلائل التوحيد، ونبهت ~~عليه شواهد التحقيق. الصراط المستقيم ما درج عليه سلف الأمة، ونطقت بصوابه ~~دلائل العبرة. # الصراط المستقيم ما باين الحظوظ سالكه، وفارق «3» الحقوق قاصده. الصراط ~~المستقيم ما يفضى بسالكه إلى ساحة التوحيد، ويشهد صاحبه أثر العناية ~~والجود، لئلا يظنه موجب (ببذل) «4» المجهود. PageV01P050 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفاتحة (1) : آية 7] # صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7) # يعنى طريق من أنعمت عليهم بالهداية إلى الصراط المستقيم، وهم الأولياء ~~والأصفياء. # ويقال طريق من (أفنيتهم) «1» عنهم، وأقمتهم بك لك، حتى لم يقفوا فى ~~الطريق، ولم تصدهم عنك خفايا المكر. ويقال صراط من أنعمت عليهم بالقيام ~~بحقوقك دون التعريج على استجلاب حظوظهم. # ويقال صراط من (طهرتهم) «2» عن آثارهم حتى وصلوا إليك بك. # ويقال صراط من أنعمت عليهم حتى تحرروا من مكائد الشيطان، ومغاليط «3» ~~النفوس ومخاييل الظنون، وحسبانات الوصول قبل خمود آثار البشر (ية) . # ويقال صراط من أنعمت عليهم بالنظر والاستعانة بك، والتبري من الحول ~~والقوة، وشهود ما سبق لهم من السعادة فى سابق الاختيار، والعلم بتوحيدك ~~فيما تمضيه من المسار والمضار. # ويقال صراط الذين أنعمت عليهم بحفظ الأدب فى أوقات الخدمة، واستشعار نعت ~~الهيبة. # ويقال صراط الذين أنعمت عليهم بأن حفظت عليهم آداب الشريعة وأحكامها عند ~~غلبات (بواده) ms0042 «4» الحقائق حتى لم يخرجوا عن حد العلم، ولم يخلوا بشىء من ~~أحكام الشريعة. # ويقال صراط الذين أنعمت عليهم حتى لم تطفئ شموس معارفهم أنوار ورعهم ولم ~~يضيعوا شيئا من أحكام الشرع «5» . # ويقال صراط الذين أنعمت عليهم بالعبودية عند ظهور سلطان الحقيقة. # قوله جل ذكره: غير المغضوب عليهم ولا الضالين PageV01P051 # المغضوب عليهم الذين صدمتهم هواجم الخذلان «1» ، وأدركتهم مصائب الحرمان، ~~وركبتهم سطوة الرد، وغلبتهم بواده الصد والطرد. # ويقال هم الذين لحقهم ذل الهوان، وأصابهم «2» سوء الخسران، فشغلوا فى ~~الحال باجتلاب الحظوظ- وهو فى التحقيق (شقاء) إذ يحسبون أنهم على شىء، ~~وللحق فى شقائهم سر. # ويقال هم الذين أنسوا بنفحات التقريب زمانا ثم أظهر الحق سبحانه فى بابهم ~~شانا بدلوا بالوصول بعادا، وطمعوا فى القرب فلم يجدوا مرادا، أولئك الذين ~~ضل سعيهم، وخاب ظنهم. # ويقال غير المغضوب عليهم بنسيان التوفيق، والتعامي عن رؤية التأييد. ولا ~~الضالين عن شهود سابق الاختيار، وجريان التصاريف والأقدار. # ويقال غير المغضوب عليهم بتضييعهم آداب الخدمة، وتقصيرهم فى أداء شروط ~~الطاعة. # ويقال غير المغضوب عليهم هم الذين تقطعوا فى مفاوز الغيبة، وتفرقت بهم ~~الهموم في أودية وجوه الحسبان. # [فصل] ويقول العبد عند قراءة هذه السورة آمين، والتأمين سنة، ومعناه يا ~~رب افعل واستجب، وكأنه يستدعى بهذه القالة التوفيق للأعمال، والتحقيق ~~للآمال، وتحط رجله بساحات الافتقار، ويناجى حضرة الكرم بلسان الابتهال، ~~ويتوسل (بتبريه) «3» عن الحول والطاقة والمنة والاستطاعة إلى حضرة الجود. ~~وإن أقوى وسيلة للفقير تعلقه بدوام الاستعانة لتحققه بصدق الاستغاثة. ### | السورة التي تذكر فيها البقرة # قوله تعالى: # بسم الله الرحمن الرحيم الاسم مشتق من السمو والسمة، فسبيل من يذكر هذا ~~الاسم أن يتسم بظاهره بأنواع المجاهدات، ويسمو بهمته إلى محال المشاهدات. ~~فمن عدم سمة المعاملات على ظاهرة، وفقد PageV01P052 # سمو الهمة للمواصلات بسرائره لم يجد لطائف الذكر عند قالته، ولا كرائم ~~القرب فى صفاء حالته. # [فصل] معنى الله: الذي له الإلهية، والإلهية استحقاق نعوت الجلال. فمعنى ~~بسم الله: # باسم من تفرد بالقوة والقدرة. الرحمن الرحيم من توحد فى ابتداء الفضل ~~والنصرة. ms0043 فسماع الإلهية يوجب الهيبة والاصطلام، وسماع الرحمة يوجب القربة ~~والإكرام. وكل من لاطفه الحق سبحانه عند سماع هذه الآية رده بين صحو ومحو، ~~وبقاء وفناء، فإذا كاشفه بنعت الإلهية أشهده جلاله، فحاله محو. وإذا كاشفه ~~بنعت الرحمة أشهده جماله فحاله صحو: # أغيب إذا شهدتك ثم أحيا ... فكم أحيا لديك وكم أبيد # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) # هذه الحروف المقطعة فى أوائل السورة من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا ~~الله- عند قوم، ويقولون لكل كتاب سر، وسر الله فى القرآن هذه الحروف ~~المقطعة. وعند قوم إنها مفاتح أسمائه، فالألف من اسم «الله» ، واللام يدل ~~على اسمه «اللطيف» ، والميم يدل على اسمه «المجيد» و «الملك» . # وقيل أقسم الله بهذه الحروف لشرفها لأنها بسائط أسمائه وخطابه. # وقيل إنها أسماء السور. # وقيل الألف تدل على اسم «الله» واللام تدل على اسم «جبريل» والميم تدل ~~على اسم «محمد» صلى عليه وسلم، فهذا الكتاب نزل من الله على لسان جبريل إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # والألف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف فى الخط ~~وسائر الحروف يتصل بها إلا حروف يسيرة، فينتبه العبد عند تأمل هذه الصفة ~~إلى احتياج الخلق بجملتهم إليه، واستغنائه عن الجميع. # ويقال يتذكر العبد المخلص «1» من حالة الألف تقدس الحق سبحانه وتعالى عن ~~التخصص PageV01P053 # بالمكان فإن سائر الحروف لها محل من الحلق أو الشفة «1» أو اللسان إلى ~~غيره من المدارج «2» غير الألف فإنها هويته، لا تضاف إلى محل. # ويقال الإشارة منها إلى انفراد العبد لله سبحانه وتعالى فيكون كالألف لا ~~يتصل بحرف، ولا يزول عن حالة الاستقامة والانتصاب بين يديه. # ويقال يطالب العبد فى سره عند مخاطبته بالألف بانفراد القلب إلى الله ~~تعالى، وعند مخاطبته باللام بلين جانبه فى (مراعاة) حقه، وعند سماع الميم ~~بموافقة أمره فيما يكلفه. # ويقال اختص كل حرف بصيغة مخصوصة وانفردت الألف باستواء القامة، والتميز ~~عن الاتصال بشىء من أضرابها من الحروف، فجعل لها صدر ms0044 الكتاب إشارة إلى أن ~~من تجرد عن الاتصال بالأمثال والأشغال حظى بالرتبة العليا، وفاز بالدرجة ~~القصوى، وصلح للتخاطب بالحروف المنفردة التي هى غير مركبة، على سنة الأحباب ~~فى ستر الحال، وإخفاء الأمر على الأجنبى من القصة- قال شاعرهم: # قلت لها قفى لنا قالت قاف لا تحسبى أنا نسينا لا يخاف ولم يقل وقفت سترا ~~على الرقيب ولم يقل لا أقف مراعاة لقلب الحبيب بل: «قالت قاف» . # ويقال تكثر العبارات «3» للعموم والرموز والإشارات للخصوص، أسمع موسى ~~كلامه فى ألف موطن، وقال لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ألف ... وقال ~~عليه السلام: أوتيت جوامع الكلم «4» فاختصر لى الكلام اختصارا» وقال بعضهم: ~~قال لى مولاى: ما هذا الدنف؟ # قلت: تهوانى؟ قال: لام الف قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 2] # ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) PageV01P054 # قيل ذلك الكتاب أي هذا الكتاب، وقيل إشارة إلى ما تقدم إنزاله من الخطاب، ~~وقيل ذلك الكتاب الذي وعدتك إنزاله عليك يوم الميثاق. # لا ريب فيه، فهذا وقت إنزاله. وقيل ذلك الكتاب الذي كتبت فيه الرحمة على ~~نفسى لامتك- لا شك فيه، فتحقق بقولي. # وقيل الكتاب الذي هو سابق حكمى، وقديم قضائى لمن حكمت له بالسعادة، أو ~~ختمت عليه بالشقاوة لا شك فيه. # وقيل (حكمى الذي أخبرت أن رحمتى سبقت على غضبى لا شك فيه «1» ) . # وقيل إشارة إلى ما كتب فى قلوب أوليائه من الإيمان والعرفان، والمحبة ~~والإحسان، وإن كتاب الأحباب عزيز على الأحباب، لا سيما عند فقد اللقاء، ~~وبكتاب الأحباب سلوتهم وأنسهم، وفيه شفاؤهم وروحهم، وفى معناه أنشدوا: # وكتبك حولى لا تفارق مضجعى ... وفيها شفاء للذى أنا كاتم # وأنشدوا: # ورد الكتاب بما أقر عيوننا ... وشفى القلوب فنلن غايات المنى # وتقاسم الناس المسرة بينهم ... قسما وكان أجلهم حظا أنا «2» # قوله جل ذكره: هدى للمتقين أي بيانا وحجة، وضياء ومحجة، لمن وقاه الحق ~~سبحانه وتعالى من ظلمات الجهل، وبصره بأنوار العقل، واستخلصه بحقائق الوصل. ~~وهذا الكتاب للأولياء شفاء، وعلى الأعداء عمى وبلاء. المتقى من اتقى رؤية ~~تقاه، ولم يستند ms0045 إلى تقواه، ولم ير نجاته إلا بفضل مولاه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 3] # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) PageV01P055 # حقيقة الإيمان التصديق ثم التحقيق، وموجب الأمرين التوفيق. والتصديق ~~بالعقل والتحقيق ببذل الجهد، فى حفظ العهد، ومراعاة الحد. فالمؤمنون هم ~~الذين صدقوا باعتقادهم ثم الذين صدقوا فى اجتهادهم. # وأما الغيب فما يعلمه «1» العبد مما خرج عن حد الاضطرار فكل أمر دينى ~~أدركه العبد بضرب استدلال، ونوع فكر واستشهاد فالإيمان به غيبي. فالرب ~~سبحانه وتعالى غيب. # وما أخبر الحق عنه من الحشر والنشر، والثواب والمآب، والحساب والعذاب- ~~غيب. # وقيل إنما يؤمن بالغيب من كان معه سراج الغيب، وأن من أيدوا ببرهان ~~العقول آمنوا بدلالة العلم وإشارة اليقين، فأوردهم صدق الاستدلال ساحات ~~الاستبصار، وأوصلهم صائب الاستشهاد إلى مراتب السكون فإيمانهم بالغيب ~~بمزاحمة علومهم دواعى الريب. # ومن كوشف بأنواع التعريف أسبل عليهم سجوف الأنوار، فأغناهم بلوائح البيان ~~عن كل فكر وروية، وطلب بخواطر ذكية، ورد وردع لدواع ردية، فطلعت شموس ~~أسرارهم فاستغنوا عن مصابيح استدلالهم، وفى معناه أنشدوا: # ليلى من وجهك شمس الضحى ... وظلامه فى الناس سارى # والناس فى سدف الظلا ... م ونحن فى ضوء النهار # وأنشدوا: # طلعت شمس من أحبك ليلا ... فاستضاءت ومالها من غروب # إن شمس النهار تغرب بالليل ... وشمس القلوب ليست تغيب «2» # ومن آمن بالغيب بشهود الغيب غاب فى شهود الغيب فصار غيبا يغيب. # وأما إقامة الصلاة فالقيام بأركانها وسننها ثم الغيبة «3» عن شهودها ~~برؤية من يصلى له «4» PageV01P056 # فيحفظ عليه أحكام الأمر بما يجرى عليه منه، وهو عن ملاحظتها محو، فنفوسهم ~~مستقبلة القبلة، وقلوبهم مستغرقة فى حقائق الوصلة: # أرانى إذا صليت يممت نحوها ... بوجهي وإن كان المصلى ورائيا # أصلى فلا أدرى إذا ما قضيتها ... أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا؟ # وإن أصحاب العموم يجتهدون عند افتتاح الصلاة ليردوا قلوبهم إلى معرفة ما ~~يؤدون من الفرض، ولكن عن أودية الغفلة ما يرجعون. أما أهل الخصوص فيردون ~~قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون ولكن عن حقائق الوصلة ما يرجعون فشتان بين غائب ms0046 ~~يحضر أحكام الشرع ولكن عند أوطان الغفلة، وبين غائب يرجع إلى أحكام الشرع ~~ولكن عند حقائق الوصلة. # قوله جل ذكره: ومما رزقناهم ينفقون الرزق ما تمكن الإنسان من الانتفاع ~~به، وعلى لسان التفسير أنهم ينفقون أموالهم إما نفلا وإما فرضا على موجب ~~تفصيل «1» العلم. وبيان الإشارة أنهم لا يدخرون عن الله سبحانه وتعالى شيئا ~~من ميسورهم فينفقون نفوسهم فى آداب العبودية، وينفقون قلوبهم على دوام ~~مشاهدة الربوبية. فإنفاق أصحاب الشريعة من حيث الأموال، وإنفاق أرباب ~~الحقيقة من حيث الأحوال، فهؤلاء يكتفى منهم عشرين بنصف ومن المائتين بخمس ~~«2» ، وعلى هذا السنن جميع الأموال يعتبر فيه النصاب. وأما أهل الحقائق فلو ~~جعلوا من جميع أحوالهم- لأنفسهم ولحظوظهم- لحظة قامت عليهم القيامة. # [فصل] الزاهدون أنفقوا فى طريقة متابعة هواهم، فآثروا رضاء الله على ~~مناهم، والعابدون أنفقوا فى سبيل الله وسعهم وقواهم، فلازموا سرا وعلنا ~~نفوسهم. والمريدون أنفقوا فى سبيله ما يشغلهم عن ذكر مولاهم فلم يلتفتوا ~~إلى شىء من دنياهم وعقباهم. والعارفون أنفقوا فى سبيل الله ما هو سوى ~~مولاهم فقربهم الحق سبحانه وأجزاهم، وبحكم الإفراد به لقاهم. PageV01P057 # [فصل] الأغنياء أنفقوا من نعمهم على عاقبتهم. والفقراء أنفقوا من هممهم ~~على منابتهم «1» ويقال العبد بقلبه وببدنه وبماله، فبإيمانهم بالغيب قاموا ~~بقلوبهم، وبصلاتهم قاموا بنفوسهم، وبإنفاقهم قاموا بأموالهم، فاستحقوا ~~خصائص القربة من معبودهم، وحين قاموا لحقه بالكلية استوجبوا كمال الخصوصية. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 4] # والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4) # إيمانهم بالغيب اقتضى إيمانهم بالقرآن، وبما أنزل الله من الكتب قبل ~~القرآن، ولكنه أعاد ذكر الإيمان هاهنا على جهة التخصيص والتأكيد، وتصديق ~~الواسطة صلى الله عليه وسلم فى بعض ما أخبر يوجب تصديقه فى جميع ما أخبر، ~~فإن دلالة صدقه تشهد على الإطلاق دون التخصيص، وإنما أيقنوا بالآخرة لأنهم ~~شهدوا على الغيب فإن حارثة لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ~~أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمنا بالله حقا، وكأنى بأهل الجنة يتزاورون وكأنى بأهل ~~النار يتعاوون ms0047 «2» وكأنى بعرش ربى بارزا فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أصبت فالزم. # وهذا عامر بن عبد القيس يقول: «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» . وحقيقة ~~اليقين التخلص عن تردد التخمين، والتقصي عن مجوزات الظنون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 5] # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) # يعنى على بيان PageV01P058 # من ربهم ويقين وكشف وتحقيق، وذلك أنه تجلى لقلوبهم أولا بآياته ثم تجلى ~~لها بصفاته ثم تجلى لها بحقه وذاته. # وقوم «على هدى من ربهم» بدلائل العقول وضعوها فى موضعهما فوصلوا إلى ~~حقائق العلوم، وقوم على بصيرة ملاطفات التقريب فبمشاهدة الرحمة والكرم ~~وصلوا إلى بيان اليقين، وآخرون ظهرت الحقيقة لأسرارهم فشهدوا بالغيب حقيقة ~~الصمدية، فوصلوا بحكم العرفان إلى عين الاستبصار. # «وأولئك هم المفلحون» الفلاح الظفر بالبغية «1» ، والفوز بالطلبة، ولقد ~~نال القوم البقاء فى مشهد اللقاء فظفروا بقهر الأعداء، وهى غانمة «2» ~~النفوس من هواجسها، ثم زلات القلوب من خواطرها «3» ، فوقفوا بالحق للحق بلا ~~واسطة من عقل، أو رجوع إلى ذكر وفكر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 6] # إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) # من كان فى غطاء وصفه محجوبا عن شهود حقه فالإشارة لنعته أنه سيان عنده ~~قول من دله على الحق، وقول من أعانه على استجلاب الحظ، بل هو إلى دواعى ~~الغفلة أميل، وفى الإصغاء إليها أرغب. كيف لا؟ وهو بكى الفرقة موسوم، وفى ~~سجن الغيبة محبوس، وعن محل القربة ممنوع، لا يحصل منهم إيمان، لأنه ليس لهم ~~من الحق أمان فلما لم يؤمنوا لم يؤمنوا. حكم سبق من الله حتم، وقول له فصل، ~~وإن القدرة لا تعارض، ومن زاحم الحق فى القضية «4» كبسته سطوات العزة، ~~وقصمته بواده «5» الحكم. # ويقال إن الكافر لا يرعوى عن ضلالته لما سبق من شقاوته، وكذلك المربوط ~~بأغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه، فهو لا يبصر رشده، ولا يسلك قصده. ~~ويقال إن PageV01P059 # الذي بقي فى ظلمات رعونته سواء عنده نصح المرشدين وتسويلات المبطلين، لأن ~~الله سبحانه ms0048 وتعالى نزع عن أحواله بركات الإنصاف، فلا يدرك بسمع القبول، ~~ولا يصغى إلى داعى الرشاد، كما قيل: # وعلى النصوح نصيحتى ... وعلى عصيان النصوح # ويقال من ضل عن شهود المنة عليه فى سابق القسمة توهم أن الأمر من حركاته ~~وسكناته فاتكل على أعماله، وتعامى عن شهود أفضاله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 7] # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) # الختم على الشيء يمنع ما ليس فيه أن يدخله وما فيه أن يخرج منه، وكذلك ~~حكم الحق سبحانه بألا يفارق قلوب أعدائه ما فيها من الجهالة والضلالة، ولا ~~يدخلها شىء من البصيرة والهداية. على أسماع قلوبهم غطاء الخذلان، سدت تلك ~~المسامع عن إدراك خطاب الحق من حيث الإيمان، فوساوس الشيطان وهواجس النفوس ~~شغلتها عن استماع خواطر الحق. # وأما الخواص فخواطر العلوم وجولان تحقيقات المسائل فى قلوبهم شغلت قلوبهم ~~عن ورود أسرار الحق عليهم بلا واسطة، وإنما ذلك لخاص الخاص، لذا قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «لقد كان فى الأمم محدثون فإن يكن فى أمتى فعمر» ~~«1» فهذا المحدث مخصوص من الخواص كما أن صاحب العلوم مخصوص من بين العوام. ~~وعلى بصائر الأجانب غشاوة فلا يشهدون لا ببصر العلوم ولا ببصيرة الحقائق، ~~ولهم عذاب عظيم لحسبانهم أنهم على شىء، وغفلتهم عما منوا من المحنة (و ... ~~) » # فى الحال والمال «3» ، فى العاجل فرقته، وفى الآجل حرقته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 8] # ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) ~~PageV01P060 # ثبتوا على نفاقهم، ودأبوا على أن يلبسوا على المسلمين، فهتك الله أستارهم ~~بقوله: وما هم بمؤمنين كذا قيل: # من تحلى بغير ما هو فيه ... فضح الامتحان ما يدعيه # ولما تجردت أقوالهم عن المعاني كان وبال ما حصلوه منها أكثر من النفع ~~الذي توهموه فيها، لأنه تعالى قال: «إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار» ولولا نفاقهم لم يزدد عذابهم. # ويقال لما عدموا صدق الأحوال لم ينفعهم صدق الأقوال، فإن الله تعالى قال: ~~«والله يشهد ms0049 إن المنافقين لكاذبون» فكانوا يقولون نشهد إنك لرسول الله، ~~وكذلك من أظهر من نفسه ما لم يتحقق به افتضح عند أرباب التحقيق فى الحال، ~~وقيل: # أيها المدعى سليمى هواها ... لست منها ولا قلامة ظفر # إنما أنت فى هواها كواو ... ألصقت فى الهجاء ظلما بعمرو # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 9] # يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9) # عاد وبال خداعهم والعقوبة عليه «1» إلى أنفسهم فصاروا فى التحقيق كأنهم ~~خادعوا أنفسهم، فما استهانوا إلا بأقدارهم، وما استخفوا إلا بأنفسهم، وما ~~ذاق وبال فعلهم سواهم، وما قطعوا إلا وتينهم. ومن كان عالما بحقائق ~~المعلومات فمن رام خداعه إنما يخدع نفسه. # والإشارة فى هذه الآية أن من تناسى لطفه السابق وقال لى ربى ومنى وأنا ~~يقع فى وهمه وظنه لك وبك ومنك وأنت، وهذا التوهم أصعب العقوبات «2» لأنه ~~يرى سرابا فيظنه شرابا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوقاه ~~حسابه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 10] # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) # فى قلوب المنافقين مرض الشك، ويزيدهم الله مرضا بتوهمهم أنهم نجوا بما ~~لبسوا PageV01P061 # على المسلمين، ثم لهم عذاب أليم مؤلم، يخلص وجعه إليهم فى المآل. (وفى) ~~الإشارة يحصل لمن خلط قصده بحظه، وشاب إرادته بهواه (أن) يتقدم فى الإرادة ~~بقدم، ويتأخر بالحظوظ ومتابعة النفس بأخرى، فهو لا مريد صادق ولا عاقل ~~متثبت. ولو أن المنافقين أخلصوا فى عقائدهم لأمنوا «1» فى الآخرة من ~~العقوبة كما أمنوا فى الدنيا من نحو بذل الجزية وغير ذلك مما هو صفة أهل ~~الشرك والذمة «2» ، كذلك لو صدق المريد فى إرادته لوصل بقلبه إلى حقائق ~~الوصلة، ولأدركته بركات الصدق فيما رامه من الظفر بالبغية، ولكن حاله كما ~~قيل: # فما ثبتنا فيثبت لنا عدل بلا حنف ... ولو خلصنا تخلصنا من المحن «3» # وإن من سقمت عبادته حيل بينه وبين درجات الجنات، ومن سقمت إرادته حيل ~~بينه وبين مواصلات القرب والمناجاة. وأما من ركن إلى الدنيا واتبع الهوى ms0050 ~~فسكونهم «4» إلى دار الغرور سقم لقلوبهم، والزيادة فى علتهم تكون بزيادة ~~حرصهم كلما وجدوا منها شيئا- عجل لهم العقوبة عليه- يتضاعف حرصهم على ما لم ~~يجدوه. # ثم من العقوبات العاجلة لهم تشتت همومهم ثم تنغص عيشهم فيبغون بها عن ~~مولاهم، ولم يكن لهم استمتاع ولا راحة فيما آثروه من متابعة هواهم، وهذا ~~جزاء من أعرض عن صحبة مولاه، وفى معناه قيل: # تبدلت فتبدلنا وا حسرتا ... لمن ابتغى عوضا ليسلو فلم يجد «5» # والإشارة فى العذاب الأليم بما كانوا يكذبون إنما هى الحسرة يوم الكشف ~~إذا رأوا أشكالهم الذين صدقوا كيف وصلوا، ورأوا أنفسهم كيف خسروا. ~~PageV01P062 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 11 الى # 12] # وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم ~~المفسدون ولكن لا يشعرون (12) # الإشارة منها: أنه إذا دعاهم واعظ فى قلوبهم من خفى خواطرهم إلى ما فيه ~~رشدهم تتبعوا رخص التأويل، ولبسوا على أنفسهم ما يشهد بقساوة قلوبهم، وحين ~~جحدوا برهان الحق من خواطر قلوبهم نزع الله البركة من أحوالهم، وأبدلهم ~~تصامما عن الحق، وابتلاهم بالاعتراض على الطريقة «1» وسلبهم الإيمان بها. # وكما أن المرتد أشد على المسلمين عداوة كذلك من رجع عن الإرادة إلى ~~الدنيا والعادة فهو أشد الناس إنكارا لهذه الطريقة، وأبعد من أهلها، وفى ~~المثل: من اخترق كدسه «2» تمنى أن يقع بجميع الناس ما أصابه. # وإرفاق المرتدين عن طريق الإرادة- عند الصادقين منهم- غير مقبول كما أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل زكاة ثعلبة. # ويقال كفى لصاحب الكذب فضيحة بأن يقال له فى وجهه كذبت، فهم لما قالوا ~~إنما نحن مصلحون، أكذبهم الحق سبحانه فقال: «ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا ~~يشعرون» : إنا نعلمهم فنفضحهم. # قوله عز ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 13] # وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم ~~هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) # الإشارة منها أن المنافقين لما دعوا إلى الحق وصفوا المسلمين بالسفه، ~~وكذلك أصحاب الغنى إذا أمروا بترك الدنيا وصفوا أهل الرشد ms0051 بالكسل والعجز، ~~ويقولون إن الفقراء ليسوا على شىء، لأنه لا مال لهم ولا جاه ولا راحة ولا ~~عيش، وفى الحقيقة هم الفقراء وهم أصحاب المحنة وقعوا فى الذل مخالفة الذل، ~~ومارسوا الهوان خشية الهوان، شيدوا القصور ولكن PageV01P063 # سكنوا القبور، زينوا المهد ولكن أدرجوا اللحد، ركضوا فى ميدان الغفلة ~~ولكن عثروا فى أودية الحسرة، وعن قريب سيعلمون، ولكن حين لا ينفعهم علمهم، ~~ولا يغنى عنهم شىء. # سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 14 الى 15] # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ~~إنما نحن مستهزؤن (14) الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15) # أراد المنافقون أن يجمعوا بين عشرة الكفار وصحبة المسلمين، فإذا برزوا ~~للمسلمين قالوا نحن معكم، وإذا خلوا بأضرابهم من الكفار أظهروا الإخلاص ~~لهم، فأرادوا الجمع بين الأمرين فنفوا عنهما. قال الله تعالى: «مذبذبين بين ~~ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء» ، وكذلك من رام أن يجمع بين طريق الإرادة ~~وما عليه أهل العادة لا يلتئم ذلك، فالضدان لا يجتمعان، و «المكاتب عبد ما ~~بقي عليه درهم» ، وإذا ادلهم الليل من هاهنا أدبر النهار من هاهنا، ومن كان ~~له فى كل ناحية خليط، وفى زاوية من قلبه ربيط كان نهبا للطوارق، ينتابه كل ~~قوم، وينزل فى قلبه كل ( ### | .... # ) «1» ، فقلبه أبدا خراب، لا يهنأ بعيش، ولا له فى التحقيق رزق من قلبه، ~~قال قائلهم: # أراك بقية من قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام # ولما قال المنافقون إنما نحن مستهزئون قال الله تعالى: «الله يستهزئ بهم» ~~أي يجازيهم على استهزائهم، كذلك لما ألقى القوم أزمتهم فى أيدى الشهوات ~~استهوتهم فى أودية التفرقة، فلم يستقر لهم قدم على مقام فتطوحوا فى متاهات ~~الغيبة، وكما يمد المنافقين فى طغيانهم يعمهون يطيل مدة «2» هؤلاء فى مخايل ~~الأمل فيكونون عند اقتراب آجالهم أطول ما كانوا أملا، وأسوأ ما كانوا عملا، ~~ذلك جزاء ما عملوا، ووبال ما صنعوا. وتحسين أعمالهم القبيحة فى ms0052 أعينهم من ~~PageV01P064 # أشد العقوبات لهم، ورضاؤهم بما فيه من الفترة «1» أجل مصيبة لهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 16] # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ~~(16) # الإشارة منها أن من بقي عن الحقوق بالبقاء فى أوطان الحظوظ خسرت صفقتهم: # وما ربحت تجارتهم. والذي رضى بالدنيا عن العقبى لفى خسران ظاهر. # ومن آثر الدنيا أو العقبى على الحق تعالى لأشد خسرانا. # وإذا كان المصاب «2» بفوات النعيم مغبونا فالذى مني بالبعاد عن المناجاة ~~وانحاز «3» بقلبه عن مولاه، وبقي فى أسر الشهوات، لا إلى قلبه رسول، ولا ~~لروحه وصول، ولا معه مناجاة، ولا عليه إقبال، ولا فى سره شهود- فهذا هو ~~المصاب والممتحن. # وإن من فاته وقت فقد فاته ربه، فالأوقات لا خلف عنها ولا بدل منها، ولقد ~~قال بعضهم: # كنت السواد لمقلتى ... فبكى عليك الناظر # من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 17] # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون (17) # هذا مثل ضربه الله سبحانه للمنافقين بمن استوقد نارا «4» فى ابتداء ليلته ~~ثم أطفئت النيران فبقى صاحبها فى الظلمة، كذلك المنافق ظهر عليه شىء من ~~العوافي فى الدنيا بظاهره ثم امتحنوا فى الآخرة بأليم العقوبة، أو لاح شىء ~~من إقرارهم ثم بقوا فى ظلمة إنكارهم. # والإشارة من هذه الآية لمن له بداية جميلة يسلك طريق الإرادة، ويتعني ~~مدة، ويقاسى بعد الشدة شدة، ثم يرجع إلى الدنيا قبل الوصول إلى الحقيقة، ~~ويعود إلى ما كان فيه من ظلمات البشرية. أورق عوده ثم لم يثمر، وأزهر غصنه ~~ثم لم يدركه، وعجل كسوف الفترة على PageV01P065 # أقمار حضوره، وردته يد القهر بعد ما أحضره لسان اللطف، فوطن عن القرب ~~قلبه، وغل من الطالبين نفسه، فكان كما قيل. # حين قر الهوى وقلنا سررنا ... وحسبنا من الفراق أمنا # بعث البين رسله فى خفاء ... فأبادوا من شملنا ما جمعنا # وكذلك تحصل الإشارة فى هذه الآية لمن له أدنى شىء من ms0053 المعاني فيظهر ~~الدعاوى فوق ما هو به، فإذا انقطع عنه ( ... ) «1» ماله من أحواله بقي فى ~~ظلمة دعاواه. # وكذلك الذي يركن إلى حطام الدنيا وزخرفها، فإذا استتبت الأحوال وساعد ~~الأمل وارتفع المراد- برز عليه الموت من مكامن المكر فيترك الكل ويحمل ~~الكل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 18] # صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) # صم عن سماع دواعى الحق بآذان قلوبهم، بكم عن مناجاة الحق بألسنة أسرارهم، ~~عمى عن شهود جريان المقادير بعيون بصائرهم، فهم لا يرجعون عن تماديهم فى ~~تهتكهم، ولا يرتدعون عن انهماكهم فى ضلالتهم. # ويقال صم عن السماع بالحق، بكم عن النطق بالحق، وعمى عن مطالعة الخلق ~~بالحق. # لم يسبق لهم الحكم بالإقلاع، ولم تساعدهم القسمة بالارتداع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 19] # أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) # معنى قوله أو لإباحته ضرب مثلهم إما بهذا وإما بذلك شبه القرآن بمطر ينزل ~~من السماء، وشبه ما فى القرآن من الوعد والوعيد بما فى المطر من الرعد ~~والبرق، وشبه التجاءهم إلى الفرار عند سماع أصوات الرعد. كذلك الإشارة ~~لأصحاب الغفلات إذا طرق أسماعهم وعظ الواعظين، أو لاحت لقلوبهم أنوار ~~السعادة ولو أقلعوا عماهم فيه من الغفلة لسعدوا، لكنهم ركنوا إلى التشاغل ~~بآمالهم الكاذبة، وأصروا على طريقتهم الفاسدة، وتعللوا بأعذار واهية، ~~PageV01P066 # ويحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يهلكون أنفسهم، ويسعون فى الخطر ~~بأيمانهم «1» : # إن الكريم إذا حباك بوده ... ستر القبيح وأظهر الإحسانا # وكذا الملول «2» إذا أراد قطيعة ... مل «3» الوصال وقال كان وكانا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 20] # يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ~~ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (20) # من تمام مثل المنافقين- كذلك أصحاب الغفلات- إذا حضروا مشاهد الوعظ، أو ~~جنحت «4» قلوبهم إلى الرقة، أو داخلهم شىء من الوهلة تقرب أحوالهم من ~~التوبة، وتقوى رغبتهم فى الإنابة حتى إذا رجعوا إلى تدبرهم، ms0054 وشاوروا إلى ~~قرنائهم، أشار الأهل والولد عليهم بالعود إلى دنياهم، وبسطوا فيهم لسان ~~النصح، وهددوهم بالضعف والعجز، فيضعف قصودهم، وتسقط إرادتهم، وصاروا كما ~~قيل: # إذا ارعوى، عاد إلى جهله ... كذى الضنى عاد إلى نكسة # وقال: «ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم» يعني سمع المنافقين الظاهر ~~وأبصارهم الظاهرة، كما أصمهم وأعماهم بالسر، فكذلك أرباب الغفلة، والقانعون ~~من الإسلام بالظواهر- فالله تعالى قادر على سلبهم التوفيق فيما يستعملونه ~~من ظاهر الطاعات، كما سلبهم التحقيق فيما يستبطنونه من صفاء الحالات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 21] # يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) # العبادة موافقة الأمر، وهى استفراغ الطاقة فى مطالبات تحقيق الغيب، ويدخل ~~فيه التوحيد بالقلب، والتجريد بالسر، والتفريد بالقصد، والخضوع بالنفس، ~~والاستسلام للحكم. # ويقال اعبدوه بالتجرد عن المحظورات، والتجلد فى أداء الطاعات، ومقابلة ~~الواجبات PageV01P067 # بالخشوع والاستكانة، والتجافي عن التعريج فى منازل الكسل والاستهانة. # قوله: «لعلكم تتقون» : تقريب الأمر عليهم وتسهيله، ولقد وقفهم بهذه ~~الكلمة- أعنى لعل- على حد الخوف والرجاء. # وحقيقة التقوى التحرز والوفاء (بالطاعة) «1» عن متوعدات العقاب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 22] # الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) # تعرف إليهم بذكر ما من به عليهم من خلق السماء لهم سقفا «2» مرفوعا، ~~وإنشاء الأرض لهم فرشا موضوعا، وإخراج النبات لهم بالمطر رزقا مجموعا. ~~ويقال أعتقهم عن منة الأمثال بما أزاح لهم من العلة فيما لا بد منه، ~~فكافيهم السماء لهم غطاء، والأرض وطاء، والمباحات رزقا، والطاعة حرفة، ~~والعبادة شغلا، والذكر مؤنسا، والرب وكيلا- فلا تجعلوا لله أندادا، ولا ~~تعلقوا قلوبكم بالأغيار فى طلب ما تحتاجون إليه فإن الحق سبحانه وتعالى ~~متوحد بالإبداع، لا محدث سواه، فإذا توهمتم أن شيئا من الحادثات من نفع أو ~~ضرر، أو خير أو شر يحدث من مخلوق كان ذلك- فى التحقيق شركا. # وقوله عز وجل: «وأنتم تعلمون» أن من له حاجة فى نفسه لا يصلح أن ترفع ms0055 ~~حاجتك إليه. # وتعلق المحتاج بالمحتاج، واعتماد الضعيف على الضعيف يزيد فى الفقر، ولا ~~يزيل هواجم الضر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 23 الى 24] # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم ~~من دون الله إن كنتم صادقين (23) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ~~التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (24) PageV01P068 # لبس على بصائر الأجانب حتى لم يشهدوا حبيبه صلوات الله عليه، فتاهوا فى ~~أودية الظنون لما فقدوا نور العناية، فلم يزدد الرسول عليهم إتيانا ~~بالآيات، وإظهارا من المعجزات إلا ازدادوا ريبا على ريب وشكا على شك، وهكذا ~~سبيل من أعرض عن الحق سبحانه، لا يزيده ضياء الحجج إلا عمى عن الحقيقة قال ~~الله تعالى: «وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون» ، وليبلغ عليهم فى ~~إلزام الحجة عرفهم عجزهم عن معارضة ما آتاهم من معجزة القرآن الذي قهر ~~الأنام من أولهم إلى آخرهم، وقدر عليهم أنهم لو تظاهروا فيما بينهم، ~~واعتضدوا بأشكالهم، واستفرغوا كنه طاقتهم واحتيالهم لم يقدروا على الإتيان ~~بسورة مثل سورة القرآن. ثم قال فإن لم تفعلوا- وأخبر أنهم قطعا لا يقدرون ~~على ذلك ولا يفعلون فقال: # «ولن تفعلوا» ، فكان كما قال- فانظروا لأنفسكم، واحذروا الشرك الذي يوجب ~~لكم عقوبة النار التي من (سطوتها) «1» بحيث وقودها الناس والحجارة، فإذا ~~كانت تلك النار التي لا تثبت لها الحجارة مع صلابتها () «2» فكيف يطيقها ~~الناس مع ضعفهم، وحين أشرفت «3» قلوب المؤمنين على غاية الإشفاق من سماع ~~ذكر النار تداركها بحكم التثبيت فقال: «أعدت للكافرين، ففى ذلك بشارة ~~للمؤمنين. وهذه سنة من الحق سبحانه: إذا خوف أعداءه «4» بشر مع ذلك ~~أولياءه. # وكما أن كيد الكافرين يضمحل فى مقابلة معجزات الرسل عليهم السلام فكذلك ~~دعاوى الملبسين تتلاشى عند ظهور أنوار الصديقين، وأمارة المبطل فى دعواه ~~رجوع الزجر منه إلى القلوب، وعلامة الصادق فى معناه وقوع القهر «5» منه على ~~القلوب. وعزيز من فصل وميز بين رجوع الزجر وبين وقوع القهر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 25] # وبشر الذين ms0056 آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به ~~متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25) PageV01P069 # هذه البشارة بالجنان تتضمن تعريفا بنعم مؤجلة لعموم المؤمنين على الوصف ~~الذي يشرح بلسان التفسير. ويشير إلى البشارة للخواص بنعم معجلة مضافة إلى ~~تلك النعم يتيح (ها) الله لهم على التخصيص، فتلك المؤجلة «1» جنان المثوبة ~~وهذه جنان القربة، وتلك رياض النزهة وهذه رياض الزلفة، بل تلك حدائق ~~الأفضال وهذه حقائق الوصال، وتلك رفع الدرجات وهذه روح المناجاة، وتلك قضية ~~جوده، هذه الاشتعال بوجوده، وتلك راحة الأبشار وهذه نزهة الأسرار، وتلك لطف ~~العطاء للظواهر وهذه كشف الغطاء عن السرائر، وتلك لطف نواله وأفضاله وهذه ~~كشف جماله وجلاله. # قوله جل ذكره: كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ~~وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون. # كما أن أهل الجنة تتجدد «2» عليهم النعم فى كل وقت، فالثانى عندهم- على ~~ما يظنون- كالأول، فإذا ذاقوه وجدوه فوق ما تقدم- فكذلك أهل الحقائق: ~~أحوالهم فى السرائر أبدا فى الترقي، فإذا رقى أحدهم عن محله توهم أن الذي ~~سيلقاه فى هذا النفس مثل ما تقدم فإذا ذاقه وجده فوق ذلك بأضعاف، كما قال ~~قائلهم: # مازلت أنزل من ودادك منزلا ... تتحير الألباب دون نزوله # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 26] # إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا ~~فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا ~~مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) # الاستحياء من الله تعالى بمعنى الترك، فإذا وصف نفسه بأنه يستحى من شىء ~~فمعناه أنه لا يفعل ذلك وإذا قيل لا يستحى فمعناه لا يبالى بفعل ذلك. # والخلق فى التحقيق- بالإضافة إلى وجود الحق- أقل من ذرة من الهباء فى ~~الهواء، PageV01P070 # لأن هذا استهلاك محدود فى محدود. فسيان- فى قدرته» # - العرش والبعوضة، فلا ms0057 خلق العرش أشق وأعسر، ولا خلق البعوضة أخف عليه ~~وأيسر، فإنه سبحانه متقدس عن لحوق العسر واليسر. # فإذا كان الأمر بذلك الوصف، فلا يستحى أن يضرب بالبعوضة مثلا كما لا ~~يستحى أن يضرب بالعرش- فما دونه- مثلا. # وقيل إن جهة ضرب المثل بالبعوضة أنها إذا جاعت فرت «1» وطارت، وإذا شبعت ~~تشققت فتلفت كذلك (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) . # وقيل ما فوقها يعنى الذباب، وجهة الإشارة فيه إلى وقاحته، حتى إنه ليعود ~~عند البلاغ فى الذب، ولو كان ذلك فى الأسد لم ينج منه أحد من الخلق، ولكنه ~~لما خلق القوة فى الأسد خلق فيه تنافرا من الناس، ولما خلق الوقاحة فى ~~الذباب خلق فيه الضعف، تنبيها منه سبحانه على كمال حكمته، ونفاذ قدرته. # قوله جل ذكره: فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم، وأما الذين ~~كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا. # فأما من فتحت أبصار سرائره فلا ينظر إلى الأغيار والآثار إلا بنظر ~~الاعتبار، ولا يزداد إلا نفاذ الاستبصار. وأما الذين سكرت أبصارهم بحكم ~~الغفلة فلا يزيدهم ضرب الأمثال إلا زيادة الجهل والإشكال والأنكال. # قوله جل ذكره: يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين. # هذا الكتاب لقوم شفاء ورحمة، ولآخرين شقاء وفتنة. فمن تعرف إليه يوم ~~الميثاق بأنوار العناية حين سمعوا قوله: «ألست بربكم» تذكروا عند ورود ~~الواسطة- صلوات الله عليه وعلى آله- قديم عهده، وسابق وده فازدادوا بصيرة ~~على بصيرة، ومن رسمه بذل القطيعة، وأنطقه ذلك اليوم عن الحسبان والرهبة ما ~~ازدادوا عند حصول الدعوة PageV01P071 # النبوية إلا جحدا على جحد، وما خفى عليهم اليوم صادق الدلالة، إلا لما ~~تقدم لهم سابق الضلالة. لذلك قال الله تعالى: «وما يضل به إلا الفاسقين» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 27] # الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27) # الإشارة فيه إلى حال من سلك طريق الإرادة، ثم رجع إلى ما هو عليه أهل ~~العادة، قال بترك ms0058 نفسه ثم لم يصدق حين عزم الأمر، ونزل من إشارة الحقيقة ~~إلى رخص الشريعة «1» ، وكما أن من سلك الطريق بنفسه- مادام يبقى درهم فى ~~كيسه- فغير محمود رجوعه فكذلك من قصد بقلبه- مادام يبقى نفس من روحه- فغير ~~مرضى رجوعه: # إن الألى ماتوا على دين الهدى ... وجدوا المنية منهلا معلولا «2» # ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل: وصل أسباب الحق بقطع أسباب الخلق، ولا ~~يتم وصل ماله إلا بقطع ما لك، فإذا كان الأمر بالعكس كان الحال بالضد. # ومما أمر العبد بوصله: حفظه ذمام أهل هذه الطريقة، والإنفاق على تحصيل ~~ذلك بصدق الهمم لا ببذل النعم، فهممهم على اتصال أسباب هذه الطريقة وانتظام ~~أحوالها موقوفة، وقلوبهم إلى توقع الحراسة من الله تعالى لأهلها مصروفة. ~~وفساد هذه الطريقة فى الأرض: # أما من لهم حواشى أحوالهم، وإطراق أمورهم فيتشاغلون عن إرشاد مريد ~~بكلامهم، وإشحاذ قاصد بهممهم وذلك مما لا يرضى به الحق سبحانه منهم. # ومن نقض العهد أيضا أن يحيد سرك لحظة عن شهوده، ومن قطع ما أمرت بوصله ~~PageV01P072 # أن يتخلل أوقاتك نفس لحظك دون القيام بحقه، ومن فسادك فى الأرض ساعة تجرى ~~عليك ولم تره فيها. ألا إن ذلك هو الخسران المبين، والمحنة العظمة، والرزية ~~الكبرى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 28] # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ~~ترجعون (28) # هذه كلمة تعجيب وتعظيم لما فيه العبد، أي لا ينبغى مع ظهور الآيات أن ~~يجنح إلى الكفر قلبه. # ويقال تعرف إلى الخلق بلوائح دلالاته، ولوامع آياته. فقال: «وكنتم ~~أمواتا» يعنى نطفة، أجزاؤها متساوية، «فأحياكم» : بشرا اختص بعض أجزاء ~~النطفة بكونه عظما، وبعضها بكونه لحما، وبعضها بكونه شعرا، وبعضها بكونه ~~جلدا ... إلى غير ذلك. # «ثم يميتكم» بأن يجعلكم عظاما ورفاتا، «ثم يحييكم» بأن يحشركم بعد ما ~~صرتم أمواتا، «ثم إليه ترجعون» أي إلى ما سبق به حكم من السعادة والشقاوة. # ويقال «كنتم أمواتا» بجهلكم عنا، «فأحياكم» بمعرفتكم بنا، «ثم يميتكم» عن ~~شواهدكم، «ثم يحييكم» به بأن يأخذكم عنكم، «ثم إليه ms0059 ترجعون» أي بحفظ أحكام ~~الشرع بإجراء الحق «1» . # ويقال «كنتم أمواتا» لبقاء نفوسكم فأحياكم بفناء نفوسكم ثم يميتكم عنكم ~~عن شهود ذلك لئلا تلاحظوه فيفسد عليكم، ثم يحييكم بأن يأخذكم عنكم ثم إليه ~~ترجعون بتقلبكم فى قبضته سبحانه وتعالى. # ويقال يحبس عليهم الأحوال فلا حياة بالدوام ولا فناء بالكلية، كلما قالوا ~~هذه حياة- وبيناهم كذلك- إذ أدال عليهم فأفناهم، فإذا صاروا إلى الفناء ~~أثبتهم وأبقاهم، فهم أبدا بين نفى وإثبات، وبين بقاء وفناء، وبين صحو ومحو ~~... كذلك جرت سنته سبحانه معهم. PageV01P073 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 29] # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع ~~سماوات وهو بكل شيء عليم (29) # سخر لهم جميع المخلوقات على معنى حصول انتفاعهم بكل شىء منها، فعلى الأرض ~~يستقرون وتحت السماء يسكنون، وبالنجم يهتدون، وبكل مخلوق بوجه آخر ينتفعون. ~~لا بل ما من عين وأثر فكروا فيه إلا وكمال قدرته وظهور ربوبيته به يعرفون. # ويقال مهد لهم سبيل العرفان، ونبههم إلى ما خصهم به من الإحسان، ثم علمهم ~~علو الهمة حيث استخلص لنفسه أعمالهم وأحوالهم فقال «لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر» . # قوله جل ذكره: ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وهو بكل شيء عليم. # فالأكوان بقدرته استوت، لا أن الحق سبحانه بذاته- على مخلوق- استوى، وأنى ~~بذلك! والأحدية والصمدية حقه وما توهموه من جواز التخصيص بمكان فمحال ما ~~توهموه، إذ المكان به استوى، لا الحق سبحانه على مكان بذاته استوى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 30] # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ~~(30) # هذا ابتداء إظهار سره فى آدم وذريته. أمر حتى سل من كل بقعة طينة ثم أمر ~~بأن يخمر طينه أربعين صباحا، وكل واحد من الملائكة يفضى «1» العجب: ما حكم ~~هذه الطينة؟ فلما ركب صورته لم يكونوا رأوا مثلها فى بديع الصنعة وعجيب ~~الحكمة، فحين قال «إني جاعل في ms0060 الأرض ... » ترجمت الظنون، وتقسمت القلوب، ~~وتجنت الأقاويل، وكان كما قيل: # وكم أبصرت من حسن ولكن ... عليك من الورى وقع اختياري # ويقال إن الله سبحانه وتعالى خلق ما خلق من الأشياء ولم يقل فى شأن شىء ~~منه ما قال فى حديث آدم حيث قال: «إني جاعل في الأرض خليفة» ، فظاهر هذا ~~الخطاب يشبه المشاورة PageV01P074 # لو كان من المخلوقين. والحق سبحانه وتعالى خلق الجنان بما فيها، والعرش ~~بما هو عليه من انتظام الأجزاء وكمال الصورة، ولم يقل إنى خالق عرشا أو جنة ~~أو ملكا، وإنما قال تشريفا وتخصيصا لآدم إنى جاعل فى الأرض خليفة. # [فصل] ولم يكن قول الملائكة: «أتجعل فيها من يفسد فيها» على وجه الاعتراض ~~على التقدير ولكن على جهة الاستفهام، فإن حمل الخطاب على ما يوجب تنزيه ~~الملائكة أولى لأنهم معصومون ... قال تعالى «لا يعصون الله ما أمرهم» . # ويقال استخرج الحق سبحانه منهم ما استكن فى قلوبهم من استعظام طاعاتهم ~~والملاحظة إلى أفعالهم بهذا الخطاب فأفصحوا عن خفايا أسرارهم بقولهم: «ونحن ~~نسبح بحمدك» . ثم إن الحق سبحانه عرفهم أن الفضيلة بالعلم أتم من الفضيلة ~~بالفعل، فهم كانوا أكثر فعلا وأقدمه، وآدم كان أكثر علما وأوفره، فظهرت ~~فضيلته ومرتبته. # ويقال لم يقل الحق سبحانه أنتم لا تفسدون فيها ولا تسفكون الدماء بل قال: ~~«إني أعلم ما لا تعلمون» ، من غفرانى لهم. # ويقال: فى تسبيحهم إظهار فعلهم واشتهار خصائصهم وفضلهم «1» ، ومن غفرانه ~~لمعاصى بنى آدم إظهار كرمه سبحانه ورحمته، والحق سبحانه غنى عن طاعات كل ~~مطيع، فلئن ظهر بتسبيحهم استحقاق تمدحهم ثبت بالغفران استحقاق تمدح الخالق ~~سبحانه. # ويقال إنى أعلم ما لا تعلمون من صفاء عقائد المؤمنين منهم فى محبتنا، ~~وذكاء سرائرهم فى حفظ عهودنا وإن تدنس بالعصيان ظاهرهم، كما قيل: # وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف «2» شفيع # ويقال إنى أعلم ما لا تعلمون من محبتى لهم، وأنتم تظهرون أحوالكم، وأنا ~~أخفى عليهم أسرارى فيهم، وفى معناه أنشدوا: # ما حطك الواشون عن رتبة ... عندى ولا ضرك مغتاب # كأنهم أثنوا- ولم ms0061 يعلموا- ... عليك عندى بالذي عابوا «3» PageV01P075 # ويقال إنى أعلم ما لا تعلمون من انكسار قلوبهم وإن ارتكبوا قبيح أفعالهم، ~~وصولة قلوبكم عند إظهار تسبيحكم وتقديسكم، فأنتم فى رتبة وفاقكم وفى عصمة ~~أفعالكم، وفى تجميل تسبيحكم، وهم منكرون عن شواهدهم، متذللون بقلوبهم، وإن ~~لانكسار قلوب العباد عندنا لذماما قويا. # ويقال أي خطر لتسبيحكم لولا فضلى، وأي ضرر من ذنوبهم إذا كان عفوى؟ ويقال ~~لبستكم طاعتكم ولبستهم رحمتى، فأنتم فى صدار «1» طاعتكم وفى حلة تقديسكم ~~وتسبيحكم، وهم فى تغمد عفوى وفى ستر رحمتى ألبستهم ثوب كرمى، وجللتهم رداء ~~عفوى. # ويقال: إن أسعدتكم عصمتى فلقد أدركتهم رحمتى. # وإيصال عصمتى بكم عنده وجودكم وتعلق رحمتى بهم فى أزلى. # ويقال: لئن كان محسنكم عتيق العصمة فإن مجرمهم غريق الرحمة. # ويقال: اتكالهم على زكى أحوالهم فألجأهم إلى الاعتراف بالجهالة حتى ~~يتبرأوا عن المعارف إلا بمقدار ما من به الحق عليهم فقالوا: «سبحانك لا علم ~~لنا إلا ما علمتنا» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 31] # وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء ~~إن كنتم صادقين (31) # عموم قوله الأسماء يقتضى الاستغراق، واقتران قوله سبحانه بكلها يوجب ~~الشمول والتحقيق، وكما علمه أسماء المخلوقات كلها- على ما نطق به تفسير ابن ~~عباس وغيره- علمه أسماء الحق سبحانه، ولكن إنما أظهر لهم «2» محل تخصصه فى ~~علمه أسماء المخلوقات وبذلك المقدار بان رجحانه عليهم، فأما انفراده بمعرفة ~~أسمائه- سبحانه- فذلك سر لم يطلع عليه ملك مقرب. ومن ليس له رتبة مساواة ~~آدم فى معرفة أسماء المخلوقات فأى طمع فى مداناته فى أسماء الحق، ووقوفه ~~على أسرار الغيب؟ # وإذا كان التخصيص بمعرفة أسماء المخلوقات يتقضى أن يصح (به سجود) «3» ~~الملائكة PageV01P076 # فما الظن بالتخصيص بمعرفة أسماء الحق سبحانه؟ ما الذي يوجب لمن أكرم به؟ # ويقال خصوصية الملائكة بالتسبيح والتقديس وهذه طاعات تليق بالمخلوقين فإن ~~الطاعة سمة العبيد ولا تتعداهم، والعلم فى الجملة صفة مدح يجب فى نعت الحق ~~سبحانه واجبا لا يصح لغيره، فالذى يكرمه بما يتصف هو سبحانه (بيانه وإن كان ~~للمساواة أتم ms0062 من الكرام بما يكون مخلوقا على جنس المخلوقات) «1» . # ويقال أكرمه فى السر بما علمه ثم بين تخصيصه يوم الجهر وقدمه. ويقال ~~قوله: «ثم عرضهم» ثم: حرف تراخ ومهلة.. إما على آدم فإنه أمهله من الوقت ما ~~تقرر ذلك فى قلبه، وتحقق المعلوم له بحقه ثم حينئذ استخبره عما تحقق به ~~واستيقنه. وإما على الملائكة فقال لهم على وجه الوهلة: «أنبئوني» فلما لم ~~يتقدم لهم تعريف تحيروا، ولما تقدم لآدم التعليم أجاب وأخبر، ونطق وأفلح، ~~إظهارا لعنايته السابقة- سبحانه- بشأنه. # وقوله: «إن كنتم صادقين» فيه إشارة إلى أنهم تعرضوا لدعوى الخصوصية، ~~والفضيلة والمزية على آدم، فعرفهم أن الفضل ليس بتقديم تسبيحهم لكنه فى ~~قديم تخصيصه. ولما علم الحق سبحانه تقاصر علومهم عن معرفة أسماء المخلوقات ~~ثم كلفهم الإنباء عنها صار فيه أوضح دلالة على أن الأمر أمره، والحكم حكمه، ~~فله تكليف المستطيع، ردا على من توهم أن أحكام الحق سبحانه معللة باستحسان ~~أرباب الغفلة بما يدعونه من قضايا العقول، لا بل له أن يلزم ما يشاء لمن ~~يشاء، الحسن ما حكم بتحسينه والقبيح ما حكم بتقبيحه «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 32] # قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) # قدموا الثناء على ذكر ما اعتذروا به، ونزهوا حقيقة حكمه عن أن يكون يعرض ~~وهم المعترضون «3» ، يعنى لا علم لنا بما سألتنا عنه، ولا يتوجه عليك لوم ~~فى تكليف العاجز PageV01P077 # بما علمت أنه غير مستطيع له، إنك أنت العليم الحكيم أي ما تفعله فهو حق ~~صدق ليس لأحد عليك حكم، ولا منك سفه وقبح. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 33] # قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني ~~أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) # من آثار العناية بآدم عليه السلام أنه لما قال للملائكة: «أنبئوني» ~~داخلهم من هيبة الخطاب ما أخذهم عنهم، لا سيما حين طالبهم بإنبائهم إياه ما ~~لم تحط به علومهم. ولما كان حديث آدم عليه ms0063 السلام رده فى الإنباء إليهم ~~فقال: «أنبئهم بأسمائهم» ومخاطبة آدم عليه السلام الملائكة لم يوجب له ~~الاستغراق فى الهيبة. فلما أخبرهم آدم عليه السلام بأسماء ما تقاصرت عنها ~~علومهم ظهرت فضيلته عليهم فقال: «ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات ~~والأرض» يعنى ما تقاصرت عنه علوم الخلق، وأعلم ما تبدون من الطاعات، ~~وتكتمون من اعتقاد الخيرية على آدم عليه السلام والصلاة. # [فصل] ولما أراد الحق سبحانه أن ينجى «1» آدم عصمه، وعلمه، وأظهر عليه ~~آثار الرعاية حتى أخبر بما أخبر به، وحين أراد إمضاء حكمه فيه أدخل عليه ~~النسيان حتى نسى فى الحضرة عهده، وجاوز حده، فقال الله تعالى: «ولقد عهدنا ~~إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما» فالوقت الذي ساعدته العناية تقدم على ~~الجملة بالعلم والإحسان، والوقت الذي أمضى عليه الحكم رده إلى حال النسيان ~~والعصيان، كذا أحكام الحق سبحانه فيما تجرى وتمضى، ذل بحكمه العبيد، وهو ~~فعال لما يريد. # [فصل] ولما توهموا حصول تفضيلهم بتسبيحهم وتقديسهم عرفهم أن بساط العز ~~مقدس عن التجمل بطاعة مطيع أو التدنس بزلة جاحد عنيد، فردهم إلى السجود ~~لآدم أظهر الغناء عن كل وفاق وخلاف «2» . PageV01P078 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 34] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من ~~الكافرين (34) # السجود لا يكون عبادة لعينه «1» ولكن لموافقة أمره سبحانه، فكأن سجودهم ~~لآدم عبادة لله لأنه كان بأمره، وتعظيما لآدم لأنه أمرهم به تشريفا لشأنه، ~~فكأن ذلك النوع خضوع له ولكن لا يسمى عبادة، لأن حقيقة العبادة نهاية ~~الخضوع وذلك لا يصح لغيره سبحانه. # ويقال بين أن تقدسه- سبحانه- بجلاله لا بأفعالهم، وأن التجمل بتقديسهم ~~وتسبيحهم عائد إليهم، فهو الذي يجل من أجله بإجلاله لا بأفعالهم، ويعز من ~~أعز قدره سبحانه بإعزازه، جل عن إجلال الخلق قدره، وعز عن إعزاز الخلق ~~ذكره. # قوله تعالى: «فسجدوا إلا إبليس» أبى بقلبه، واستكبر عن السجود بنفسه، ~~وكان من الكافرين فى سابق حكمه وعلمه. ولقد كان إبليس مدة فى دلال طاعته ~~يختال فى صدار ms0064 موافقته، سلموا له رتبة التقدم، واعتقدوا فيه استحقاق ~~التخصيص، فصار أمره كما قيل: # وكان سراج الوصل أزهر بيننا ... فهبت به ريح من البين فانطفا # كان يحسب لنفسه استيجاب الخيرية، ويحسب استحقاق الزلفة والخصوصية: # فبات بخير والدنى «2» مطمئنة ... وأصبح يوما والزمان تقلبا # فلا سالف طاعة نفعه، ولا آنف رجعة رفعه، ولا شفاعة شفيع أدركته، ولا سابق ~~عناية أمسكته. ومن غلبه القضاء لا ينفعه العناء. # ولقد حصلت من آدم هفوة بشرية، فتداركته رحمة أحدية، وأما إبليس فأدركته ~~شقوة أزلية، وغلبته قسمة وقضية. خاب رجاؤه، وضل عناؤه. PageV01P079 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 35] # وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) # «1» أسكنه الجنة ولكن أثبت مع دخوله شجرة المحنة، ولولا سابق التقدير ~~لكان يبدل تلك الشجرة بالنضارة ذبولا، وبالخضرة يبسا، وبالوجود فقدا، وكانت ~~لا تصل يد آدم إلى الأوراق ليخصفها على نفسه- ويقع منه ما يقع. # ولو تطاولت تلك الشجرة حتى كانت لا تصل إليها يده حين مدها لم يقع فى ~~شأنه كل ذلك التشويش ولكن بدا من التقدير ما سبق به الحكم. # ولا مكان أفضل من الجنة ولا بشر أكيس من آدم، ولا ناصح يقابل قولة إشارة ~~الحق عليه، ولا غريبة (منه) قبل ارتكابه ما ارتكب، ولا عزيمة أشد من ~~عزيمته- ولكن القدرة لا تكابر، والحكم لا يعارض. # ويقال لما قال له: «اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا» كان فيه إشارة ~~إلى أن الذي يليق بالخلق السكون إلى الخلق، والقيام باستجلاب الحظ، وآدم ~~عليه السلام وحده كان بكل خير وكل عافية، فلما جاء الشكل والزوج ظهرت أنياب ~~الفتنة، وانفتح باب المحنة فحين ساكن حواء أطاعها فيما أشارت عليه بالأكل، ~~فوقع فيما وقع، ولقد قيل: # داء قديم فى بنى آدم ... صبوة إنسان بإنسان # [فصل] وكل ما منع «2» منه ابن آدم توفرت دواعيه إلى الاقتراب منه. # فهذا آدم عليه السلام أبيحت له الجنة بجملتها ونهى عن شجرة واحدة، فليس ~~فى المنقول أنه مد ms0065 يده إلى شىء من جملة ما أبيح، وكان عيل صبره حتى واقع ما ~~نهى عنه- هكذا صفة الخلق. # [فصل] وإنما نبه على عاقبة دخول آدم الجنة من ارتكابه ما يوجب خروجه منها ~~حين قال: «إني جاعل في الأرض خليفة» فإذا أخبر أنه جاعله خليفته فى الأرض ~~كيف يمكن بقاؤه فى الجنة؟ PageV01P080 # ويقال أصبح آدم عليه السلام محمود الملائكة، مسجود الكافة، على رأسه تاج ~~الوصلة، وعلى وسطه نطاق القربة، وفى جيده ( ### | .... # ) «1» الزلفة، لا أحد فوقه فى الرتبة، ولا شخص مثله فى الرفعة، يتوالى ~~عليه النداء فى كل لحظة يا آدم يا آدم. فلم يمس حتى نزع عنه لباسه، وسلب ~~استئناسه، والملائكة يدفعونه بعنف أن اخرج بغير مكث: # وأمنته فأتاح لى من مأمنى ... مكرا، كذا من يأمن الأحبابا # ولما تاه آدم عليه السلام فى مشيته لم يلبث إلا ساعة حتى خرج بألف ألف ~~عتاب، وكان كما قيل: # لله درهم من فتية بكروا ... مثل الملوك وراحوا كالمساكين # [فصل] نهاه عن قرب الشجرة بأمره، وألقاه فيما نهاه عنه بقهره، ولبس عليه ~~ما أخفاه فيه من سره. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 36] # فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ~~ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (36) # أزلهما أي حملها على الزلة، وفى التحقيق: ما صرفتهما إلا القدرة «2» ، ~~وما كان تقلبهما إلا فى القضية، أخرجهما عما كانا فيه من الرتبة والدرجة ~~جهرا، ولكن ما ازداد- فى حكم الحق سبحانه- شأنهما إلا رفعة وقدرا. # قوله جل ذكره: وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو. # أوقع العداوة بينهما وبين الشيطان، ولكن كان سبحانه مع آدم (وحرب وهو ~~معهم محالهم بالظفر «3» ) . # [فصل] لم يكن للشيطان من الخطر ما يكون لعداوته إثبات، فإن خصوصية الحق ~~سبحانه عزيزه قال تعالى: «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان» . # [فصل] لو كان لإبليس سلطان على غواية غيره لكان له إمكان فى هداية نفسه، ~~PageV01P081 # وكيف يكون ذلك؟ والتفرد بالإبداع لكل شىء من خصائص نعته سبحانه. # قوله جل ذكره: ولكم في الأرض مستقر ومتاع ms0066 إلى حين. # مشهد الأشباح ومألفها أقطار الأرض، ومعهد الأرواح ومرتعها رداء العرش، ~~ولفظ الرداء استعارة وتوسع فكيف يكون للهمم بالحدثان تعلق، ولصعود القصود ~~إلى الحقائق على الأغيار وقوع. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 37] # فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم (37) # جرت على لسان آدم مع الحق- سبحانه- كلمات، وأسمع الحق- سبحانه- آدم ~~كلمات، وأنشدوا: # وإذا خفنا من الرقباء عينا ... تكلمت السرائر فى القلوب # وأجمل الحق سبحانه القول فى ذلك إجمالا ليبقى القصة مستورة، أو ليكون ~~للاحتمال والظنون مساغ، ولما يحتمله الحال من التأويل مطرح «1» . # ويحتمل أن تكون كلمات آدم عليه السلام اعتذارا وتنصلا، وكلمات الحق ~~سبحانه قبولا وتفضلا. وعلى لسان التفسير أن قوله تعالى له: أفرارا منا يا ~~آدم؟ كذلك قوله عليه السلام: ربنا ظلمنا أنفسنا. وقوله: أمخرجى أنت من ~~الجنة؟ فقال: نعم، فقال أتردني إليها؟ فقال: نعم. # ويقال حين أمر بخروجه من الجنة جعل ما أسمعه إياه من عزيز خطابه زادا، ~~ليكون له تذكرة وعتادا: # وأذكر أيام الحمى ثم انثني على ... على كبدى «2» من خشية أن تقطعا # ومخاطبات الأحباب لا تحتمل الشرح، ولا يحيط الأجانب بها علما، وعلى طريق ~~الإشارة لا على معنى التفسير والتأويل، والحكم على الغيب بأنه كان كذلك ~~وأراد به الحق سبحانه PageV01P082 # ذلك يحتمل فى حال الأحباب عند المفارقة، وأوقات الوداع أن بقال إذا خرجت ~~من عندى فلا تنس عهدى، وإن تقاصر عنك يوما خبرى فإياك أن تؤثر على غيرى، ~~ومن المحتمل أيضا أن يقال إن فاتنى وصولك فلا يتأخرن عنى رسولك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 38] # قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون (38) # سوء الأدب على البساط يوجب الرد إلى الباب، فلما أساء آدم عليه السلام ~~الأدب فى عين القربة قال الله تعالى: «اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر، بعد أن كان لكم فى محل القربة قرار ومتاع إلى حين، يستمتعون يسيرا ~~ولكن (فى) آخرهم يعودون إلى الفقر، وأنشدوا: ms0067 # إذا افتقروا عادوا إلى الفقر حسبة «1» ... وإن أيسروا عادوا سراعا إلى ~~الفقر # وحين أخرجه من الجنة وأنزله إلى الأرض بشره بأنه يرده إلى حاله لو جنح ~~بقلبه إلى الرجوع فقال: «فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 39] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39) # والذين قابلوا النعمة بغير الشكر، وغفلوا عن التصديق والتحقيق فلهم عذاب ~~أليم مؤجل، وفراق معجل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 40] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ~~وإياي فارهبون (40) # حقيقة النعمة على لسان العلماء «2» لذة خالصة عن الشوائب، وما يوجب مثلها ~~فهى أيضا عندهم نعمة، وعند أهل الحقيقة النعمة ما أشهدك المنعم أو ما ذكرك ~~بالمنعم أو ما أوصلك إلى إلى المنعم أو ما لم يحجبك عن المنعم. PageV01P083 # وتنقسم إلى نعمة أبشار وظواهر، ونعمة أرواح وسرائر، فالأولى وجوه الراحات ~~والثانية صنوف المشاهدات والمكاشفات. فمن النعم الباطنة عرفان القلوب ومحاب ~~الأرواح ومشاهدات السرائر «1» . # [فصل] ويقال أمر بنى إسرائيل بذكر النعم وأمر أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم بذكر المنعم، وفرق بين من يقال له اذكر نعمتى وبين من يقال له: ~~فاذكرونى أذكركم. # قوله جل ذكره: وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون. # عهده- سبحانه- حفظ المعرفة وعهدنا اتصال المغفرة، عهده حفظ محابه وعهدنا ~~لطف ثوابه، عهده حضور الباب وعهدنا جزيل المآب. # أوفوا بعهدي بحفظ السر أوف بعهدكم بجميل البر، أوفوا بعهدي الذي قبلتم ~~يوم الميثاق أوف بعهدكم الذي ضمنت لكم يوم التلاق، أوفوا بعهدي فى ألا ~~تؤثروا على غيرى أوف بعهدكم فى ألا أمنع عنكم لطفى وخيرى، أوفوا بعهدي ~~برعاية ما أثبت فيكم من الودائع أوف بعهدكم بما أديم لكم من شوارق اللوامع ~~وزواهر الطوالع «2» ، أوفوا بعهدي بحفظ أسرارى أوف بعهدكم بجميل مبارى، ~~أوفوا بعهدي باستدامة عرفانى أوف بعهدكم فى إدامة إحسانى، أوفوا بعهدي فى ~~القيام بخدمتي أوف بعهدكم فى المنة عليكم بقبولها منكم، أوفوا بعهدي فى ~~القيام بحسن ms0068 المجاهدة والمعاملة أوف بعهدكم بدوام المواصلة والمشاهدة، ~~أوفوا بعهدي بالتبري عن الحول والمنة أوف بعهدكم بالإكرام بالطول والمنة، ~~أوفوا بعهدي بالتفضيل والتوكل أوف بعهدكم بالكفاية والتفضل، أوفوا بعهدي ~~بصدق المحبة أوف بعهدكم بكمال القربة، أوفوا بعهدي اكتفوا منى بي أوف ~~بعهدكم أرضى بكم عنكم، أوفوا بعهدي فى دار الغيبة على بساط الخدمة بشد نطاق ~~الطاعة، وبذل الوسع والاستطاعة أوف بعهدكم فى دار القربة على بساط الوصلة ~~بإدامة الأنس والرؤية وسماع الخطاب وتمام الزلفة، أوفوا بعهدي فى المطالبات ~~بترك PageV01P084 # الشهوات أوف بعهدكم بكفايتكم تلك المطالبات، أوفوا بعهدي بأن تقولوا ~~أبدا: ربى ربى أوف بعهدكم بأن أقول لكم عبدى عبدى. وإياى فارهبون، أي ~~أفردونى بالخشية لانفرادى بالقدرة على الإيجاد فلا تصح الخشية ممن ليس له ~~ذرة ولا منة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 41] # وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) # الإشارة أن يقرن (العبد) إيمانه من حيث البيان بإيمانه من حيث البرهان، ~~وجمهور المؤمنين لهم إيمان برهان بشرط الاستدلال، وخواص المؤمنين لهم إيمان ~~من حيث البيان بحق الإقبال، وأقبل الحق سبحانه عليهم فآمنوا بالله، وآخر ~~أحوالهم الإيمان من حيث العيان، وذلك لخواص الخواص. # ولا تكونوا أول كافر به، ولا تسنوا «1» الكفر سنة فإن وزر المبتدئ فيما ~~يسن أعظم من وزر المقتدى فيما يتابع. # «ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا» لا تؤثروا على عظيم حقى خسيس حظكم. ~~«وإياي فاتقون» كثير «2» من يتقى عقوبته وعزيز من يهاب اطلاعه ورؤيته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 42] # ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) # «3» لا تتوهموا أن يلتئم لكم جمع الضدين، والكون فى حالة واحدة فى محلين ~~«4» ، (فالعبد) إما مبسوط بحق أو مربوط بحظ، وأما حصول الأمرين فمحال من ~~الظن. # «ولا تلبسوا الحق بالباطل» تدنيس، «وتكتموا الحق» تلبيس، «وأنتم تعلمون» ~~أن حق الحق تقديس، وأنشدوا: # أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله، كيف يلتقيان؟! # هى شامية إذا ما استهلت ... وسهيل إذا استهل يمانى! PageV01P085 # قوله ms0069 جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 43] # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (43) # احفظوا آداب الحضرة فحفظ الآداب أتم فى الخدمة من الخدمة، والإشارة فى ~~إيتاء الزكاة إلى زكاة الهمم كما تؤدى زكاة النعم، قال قائلهم: # كل شىء له زكاة تؤدى ... وزكاة الجمال رحمة مثلى # فيفيض من زوائد هممه ولطائف نظره على المتبعين والمربين بما ينتعشون به و ~~( ... ) «1» ، # «واركعوا مع الراكعين» : تقتدى بآثار السلف فى الأحوال، وتجتنب سنن ~~الانفراد فإن الكون فى غمار الجمع أسلم من الامتياز من الكافة «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 44] # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (44) # أتحرضون الناس على البدار «3» وترضون بالتخلف؟ ويقال أتدعون الخلق إلينا ~~وتقعدون عنا؟ أتسرحون الوفود وتقصرون فى الورود «4» ؟ أتنافسون الخلق «5» ~~وتنافرونهم بدقائق الأحوال وترضون بإفلاسكم عن ظواهرها؟ # ويقال أتبصرون من الحق مثقال الذر ومقياس الحب وتساهمون لأنفسكم أمثال ~~الرمال والجبال؟ قال قائلهم: # وتبصر فى العين منى القذى ... وفى عينك الجذع لا تبصر؟! # ويقال أتسقون بالنجب «6» ولا تشربون بالنوب؟ PageV01P086 # «وأنتم تتلون الكتاب» ثم تعاندون بخفايا الدعاوى وتجحدون بما شام قلوبكم ~~من فضيحات الخواطر وصريحات الزواجر. # «أفلا تعقلون» إن ذلك ذميم من الخصال وقبيح من الفعال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 45] # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45) # الصبر فطم النفس عن المألوفات، والصلاة التعرض لحصول المواصلات، فالصبر ~~يشير إلى هجران الغير، والصلاة تشير إلى دوام الوقوف بحضرة الغيب، وإن ~~الاستعانة بهما لخصلة شديدة إلا على من تجلى الحق لسره فإن فى الخبر ~~المنقول: «إن الله تعالى إذا تجلى لشىء «1» خشع له» . وإذا تجلى الحق، خف ~~وسهل ما توقى الخلق لأن التوالي للطاعات يوجب التكليف بموجب مقاساة الكلفة، ~~والتجلي بالمشاهدات- بحكم التحقيق- يوجب تمام الوصلة ودوام الزلفة. # ويقال استعينوا بي على الصبر معى، واستعينوا بحفظي لكم على صلاتكم لى، ~~حتى لا تستغرقكم واردات الكشف والهيبة، فلا تقدرون على إقامة الخدمة. # وإن تخفيف سطوات الوجود على القلب فى أوان الكشف حتى يقوى «2» العبد على ~~القيام بأحكام الفرق لمنة ms0070 عظيمة من الحق «3» . # وأقسام الصبر كلها محمودة الصبر فى الله، والصبر لله، والصبر بالله ~~والصبر مع الله إلا صبرا واحدا وهو الصبر عن «4» الله: # والصبر يخسن فى المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم «5» # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 46] # الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون (46) . PageV01P087 # الظن يذكر، ويقال المراد به اليقين، وهو الأظهر هاهنا. # ويذكر ويراد به الحسبان فمن ظن ظن يقين فصاحب وصلة. # ومن ظن ظن تخمين فصاحب فرقة. وملاقو ربهم، صيغة تصلح لماضى الزمان ~~والحاضر وهم ملاقون ربهم فى المستقبل. ولكن القوم «1» لتحققهم بما يكون من ~~أحكام الغيب صاروا كأن الوعد لهم تقرر، والغيب لهم حضور. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 47] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ~~(47) # أشهد بنى إسرائيل فضل أنفسهم فقال: «وأني فضلتكم على العالمين» . # وأشهد المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فضل نفسه فقال: «قل بفضل ~~الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا» «2» . # فشتان بين من مشهوده فضل نفسه، وبين من مشهوده فضل ربه فشهود العبد فضل ~~نفسه يوجب له الشكر وهو خطر الإعجاب، وشهود العبد فضل الحق- الذي هو جلاله ~~فى وصفه وجماله فى استحقاق نعته- يقتضى الثناء وهو يوجب الإيجاب «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 48] # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها ~~عدل ولا هم ينصرون (48) # العوام خوفهم بأفعاله فقال: «واتقوا يوما» «واتقوا النار» . # والخواص خوفهم بصفاته فقال: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله» وقال: # «وما تكون في شأن ... إلى قوله إلا كنا عليكم شهودا» «4» . # وخاص الخاص خوفهم بنفسه فقال: «ويحذركم الله نفسه» . PageV01P088 # والعدل الفداء. # ويوم القيامة لا تسمع الشفاعة إلا لمن أمر الحق بالشفاعة له، وأذن فيه، ~~فهو الشفيع الأكبر- على التحقيق- وإن كان لا يطلق عليه لفظ الشفيع لعدم ~~التوقيف «1» . # وفى معناه قيل: # الحمد لله شكرا ... فكل خير لديه # صار الحبيب شفيعا ... إلى شفيع إليه # والذين أصابتهم نكبة القسمة لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وما لهم من ~~ناصرين، ms0071 فلا يقبل منهم فداء، ولو افتدوا بملء السموات وملء الأرضين. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 49] # وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (49) # من صبر فى الله على بلاء أعدائه عوضه الله صحبة أوليائه، وأتاح «2» له ~~جميل عطائه فهؤلاء بنو إسرائيل صبروا على مقاساة الضر من فرعون وقومه فجعل ~~منهم أنبياءهم، وجعلهم ملوكا، وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين. «وفي ~~ذلكم بلاء من ربكم عظيم» : قيل نعمة عظيمة وقيل محنة شديدة. وفى الحقيقة ما ~~كان من الله- فى الظاهر- محنة فهو- فى الحقيقة لمن عرفه- نعمة ومنة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 50] # وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (50) # تقاصرت بصائر بنى إسرائيل فأراهم المعجزات عيانا، ونفذت بصائر هذه الأمة ~~فكاشفهم بآياته سرا، وبذلك جرت سنته سبحانه، وكل من كان أشحذ بصيرة كان ~~الأمر عليه أغمض، PageV01P089 # والإشارات معه أوفر، قال صلى الله عليه وسلم» : أوتيت جوامع الكلم واختصر ~~لى الكلام اختصارا» «1» . # وحين شاهدوا ظاهر تلك الآيات من فلق البحر وإغراق آل فرعون- داخلهم ريب ~~فقالوا: إنه لم يغرق «2» حتى قذفهم البحر، فنظر بنو إسرائيل إليهم وهم ~~مغرقون. وهذه الأمة لفظ تصديقهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله، ~~وقوة بصائرهم (أن) قال واحد من أفتاء «3» الناس: «كأنى بأهل الجنة يتزاورون ~~وكأنى بأهل النار يتعاوون وكأنى أنظر عرش ربى بارزا» «4» فشتان بين من ~~يعاين فيرتاب مع عيانه، وبين من يسمع فكالعيان حاله من قوة إيمانه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 51] # وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (51) # شتان بين أمة وأمة فأمة موسى عليه السلام- غاب نبيهم عليه السلام أربعين ~~يوما فاتخذوا العجل معبودهم، ورضوا بأن يكون لهم بمثل العجل معبودا، ~~فقالوا: # «هذا إلهكم وإله موسى فنسي» «5» وأمة محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم ~~مضى من وقت نبيهم سنون كثيرة فلو سمعوا واحدا يذكر فى وصف معبودهم ما يوجب ~~تشبيها لما أبقوا ms0072 على حشاشتهم ولو كان فى ذلك ذهاب أرواحهم «6» . ~~PageV01P090 # ويقال إن موسى- صلوات الله عليه- سلم أمته إلى أخيه فقال: اخلفني فى ~~قومى، وحين رجع وجدهم وقعوا فى الفتنة، ونبينا- صلوات الله عليه- توكل على ~~الله فلم يشر على أحد فى أمر الأمة وكان يقول فى آخر حاله: الرفيق الأعلى. ~~فانظر كيف تولى الحق رعاية أمته فى حفظ التوحيد عليهم. لعمرى يضيعون حدودهم ~~ولكن لا ينقضون «1» توحيدهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 52] # ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (52) # سرعة العفو على عظيم الجرم تدل على حقارة قدر المعفو عنه، يشهد لذلك قوله ~~تعالى (مخاطبا أمهات المسلمين) : «من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها ~~العذاب ضعفين» ، هؤلاء بنو إسرائيل عبدوا العجل فقال الله تعالى: «ثم عفونا ~~عنكم من بعد ذلك» ، وقال لهذه الأمة (يقصد أمة محمد صلى الله عليه وسلم) : ~~«ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره» قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 53] # وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون (53) # فرقان هذه الأمة الذي اختصوا به نور فى قلوبهم، به يفرقون بين الحق ~~والباطل، قال النبي صلى الله عليه وسلم لوابصة: «استفت قلبك» «2» . # وقال: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» «3» . # وقال الله تعالى: «إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا» وذلك الفرقان ميراث ما ~~قدموه من الإحسان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 54] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى ~~بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب ~~الرحيم (54) # أي ما أضررتم إلا بأنفسكم فيما ارتكبتم من ذنوبكم، فأما الحق سبحانه ~~فعزيز الوصف، لا يعود إلى عزه من ظلم الظالمين شىء، ومن وافق هواه واتبع ~~مناه فعجله ما علق به همه، وأفرد له قصده. PageV01P091 # قوله جل ذكره: فتوبوا إلى بارئكم. # الإشارة إلى حقيقة التوبة بالخروج إلى الله بالكلية. # قوله جل ذكره: فاقتلوا أنفسكم. # التوبة بقتل النفوس غير ( ... ) «1» إلا أن بنى إسرائيل كان لهم قتل ~~أنفسهم جهرا، وهذه الأمة توبتهم بقتل أنفسهم في ms0073 أنفسهم سرا، فأول قدم فى ~~القصد إلى الله الخروج عن النفس. # [فصل] ولقد توهم الناس أن توبة بنى إسرائيل كانت أشق، ولا كما توهموا فإن ~~ذلك كان مقاساة القتل مرة واحدة، وأما أهل الخصوص من هذه (الأمة) «2» ففى ~~كل لحظة قتل، ولهذا: # ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء # وقتل النفس فى الحقيقة التبري عن حولها وقوتها أو شهود شىء منها، ورد ~~دعواها إليها، وتشويش تدبيرها عليها، وتسليم الأمور إلى الحق- سبحانه- ~~بجملتها، وانسلاخها من اختيارها وإرادتها، وانمحاء آثار البشرية عنها، فأما ~~بقاء الرسوم والهياكل فلا خطر له ولا عبرة به. # قوله جل ذكره: ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم. # كونه لكم عنكم أتم من كونكم لأنفسكم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 55] # وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم ~~تنظرون (55) # التعرض بمطالعة الذات على غير نعمة إلهية إفصاح بترك الحرمة، وذلك من ~~أمارات البعد والشقوة. PageV01P092 # وإثبات نعت التولي بمكاشفات العزة مقرونا بملاطفات القربة من علامات ~~الوصلة دلالات السعادة. # فلا جرم لما أطلقوا لسان الجهل بتقوية ترك الحشمة أخذتهم الرجفة والصعقة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 56] # ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56) # أعادهم إلى حال الإحساس بعد ما استوفتهم سطوات العذاب إملاء لهم بمقتضى ~~الحكم، وإجراء للسنة فى الصفح عن الجرم، ومن قضايا الكرم إسبال الستر على ~~هنات الخدم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 57] # وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57) # لما طرحهم فى متاهات الغربة لم يرض إلا بأن ظللهم، وبلبسة الكفايات ~~جللهم، وعن تكلف التكسب أغناهم، وبجميل صنعه فيما احتاجوا إليه تولاهم فلا ~~شعورهم كانت تطول، ولا أظفارهم كانت تنبت، ولا ثيابهم كانت تتسخ، ولا شعاع ~~الشمس عليهم كان ينبسط. وكذلك سنته لمن حال بينه وبين اختياره، يكون ما ~~يختاره سبحانه له خيرا مما يختاره لنفسه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ms0074 البقرة (2) : آية 58] # وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) # () «1» بنو إسرائيل على تضييع ما كانوا يؤمرون، حتى قالة أوصوا بحفظها ~~فبدلوها، وحالة من السجود أمروا بأن يدخلوا عليها فحولوها، وعرضوا أنفسهم ~~لهام الغيب، ثم لم يطيقوا الإصابة بقرعها «2» ، وتعرضوا لمفاجات العقوبة ~~فلم يثبتوا عند صدمات وقعها. PageV01P093 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 59] # فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من ~~السماء بما كانوا يفسقون (59) # لم يمكنهم أن يردوا باب السماء باحتيالهم، أو يصدوا من دونهم أسباب ~~البلاء بما ركنوا إليه من أحوالهم، فزعوا من الندم لما عضهم ناب» # الألم، وهيهات أن ينفعهم ذلك لأنه محال من الحسبان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 60] # وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين (60) # إن الذي قدر عل إخراج الماء من الصخرة الصماء كان قادرا على إروائهم بغير ~~ماء ولكن لإظهار أثر المعجزة فيه، وإيصال محل الاستغاثة إليه، وليكون على ~~موسى عليه السلام- أيضا فى نقل الحجر- مع نفسه شغل، ولتكليفه أن يضرب ~~بالعصا مقاساة نوع من معالجة ما أمضى حكمه عند استسقائه لقومه «2» . # ثم أراد الحق سبحانه أن يكون كل قوم جاريا على سنة، ملازما لحده، غير ~~مزاحم لصاحبه فأفرد لكل سبطة علامة يعرفون بها مشربهم، فهؤلاء لا يردون ~~مشرب الآخرين، والآخرون لا يردون مشرب الأولين. # وحين كفاهم ما طلبوا أمرهم بالشكر، وحفظ الأمر، وترك اختيار الوزر، فقال: # ولا تعثوا فى الأرض مفسدين. # والمناهل مختلفة، والمشارب متفاوتة، وكل يرد مشربه فمشرب عذب فرات، ومشرب ~~ملح أجاج، ومشرب صاف زلال، ومشرب رتق أوشال «3» . وسائق كل قوم PageV01P094 # يقودهم، ورائد كل طائفة يسوقهم فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات، ~~والقلوب ترد مشارب التقوى والطاعات، والأرواح ترد مناهل الكشف والمشاهدات، ~~والأسرار ترد مناهل الحقائق بالاختطاف عن الكون والمرسومات، ثم ms0075 عن الإحساس ~~والصفات ثم بالاستهلاك فى حقيقة الوجود والذات. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 61] # وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~وباؤ بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير ~~الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61) # لم يرضوا بحسن اختياره لهم، ولم يصبروا على قيامه بتولي ما كان يهمهم من ~~كفاية مأكولهم وملبوسهم، فنزلوا فى التحير إلى ما جرت «1» عليه عاداتهم من ~~أكل الخسيس من الطعام، والرضا بالدون من الحال، فردهم إلى مقاساة الهوان، ~~وربطهم بإدامة الخذلان، حتى سفكوا دماء الأنبياء وهتكوا حرمة الأمر بقلة ~~الاستحياء، وترك الاروعاء، فعاقبهم على قبيح فعالهم، وردهم إلى ما اختاره ~~لأنفسهم من خسائس أحوالهم، وحين لم تنجح فيهم «2» النصيحة، أدركتهم النقمة ~~والفضيحة. ويقال كان بنو إسرائيل متفرقى الهموم مشتتي القصود لم يرضوا ~~لأنفسهم بطعام واحد، ولم يكتفوا فى تدينهم بمعبود واحد، حتى قالوا لموسى ~~عليه السلام- لما رأوا قوما يعبدون الصنم «3» - يا موسى: اجعل لنا إلها كما ~~لهم إله، PageV01P095 # وهكذا صفة أرباب التفرقة. والصبر مع الواحد شديد، قال تعالى: «وإذا ذكرت ~~ربك فى القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 62] # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) # اختلاف الطريق مع اتحاد الأصل لا يمنع من حسن القبول، فمن صدق الحق ~~سبحانه فى آياته، وآمن بما أخبر من حقه وصفاته، فتباين الشرع واختلاف وقوع ~~الاسم غير قادح فى استحقاق الرضوان، لذلك «1» قال: «إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا» ثم قال: «من آمن منهم، أي إذا اتفقوا فى المعارف فالكل لهم حسن ~~المآب، وجزيل الثواب. والمؤمن من كان فى أمان الحق سبحانه، ومن كان فى ms0076 ~~أمانه- سبحانه وتعالى- فبالحرى ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 63 الى 64] # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما ~~فيه لعلكم تتقون (63) ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لكنتم من الخاسرين (64) # أخذ سبحانه ميثاق جميع المكلفين، ولكن قوما أجابوا طوعا لأنه تعرف إليهم ~~فوحدوه وقوما أجابوه كرها لأنه ستر عليهم فجحدوه، ولا حجة أقوى من عيان ما ~~رفع فوقهم من الطور- وهو الجبل- ولكن عدموا نور البصيرة، فلا ينفعهم عيان ~~البصر. قال الله تعالى «ثم توليتم من بعد ذلك» ، أي رجعتم إلى العصيان بعد ~~ما شاهدتم تلك الآيات بالعيان، ولولا حكمه بإمهاله، وحلمه بأفضاله لعاجلكم ~~بالعقوبة، وأحل عليكم عظيم المصيبة ولخسرت صفقتكم بالكلية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 65] # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (65) ~~. PageV01P096 # مسخ هذه الأمة حصل على القلوب، فكما أنهم لما تركوا الأمر واستهانوا بما ~~ألزموا به من الشرع- عجلت عقوبتهم بالخسف والمسخ وغير ذلك من ضروب ما ورد ~~به النص، فهذه الأمة من نقض العهد ورفض الحد عوقبت بمسخ القلوب، وتبديل ~~الأحوال، قال تعالى: «ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة «1» ~~» وعقوبات القلوب أنكى من عقوبات النفوس، وفى معناه أنشدوا: # يا سائلى: كيف كنت بعده؟ ... لقيت ما ساءنى وسره # ما زلت أختال فى وصالى حتى ... أمنت من الزمان مكره «2» # طال على الصدود حتى ... لم يبق مما شهدت ذرة # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 66] # فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين (66) # هكذا من منى بالهجران، ووسم بالخذلان صارت أحواله عبرة، وتجرع- من ~~ملاحظته لحاله- عليه الحسرة، وصار المسكين- بعد عزه لكل خسيس سخرة. هكذا ~~آثار سخط الملوك وإعراض السادة عن الأصاغر: # وقد أحدق الصبيان بي وتجمعوا ... على وأشلوا بالكلاب ورائيا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 67 الى # 68] # وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا ~~قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ms0077 (67) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ~~قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون ~~(68) # كان الواجب عليهم استقبال الأمر بالاعتناق ولكنهم تعللوا ببقاء الأشكال ~~توهما بأن يكون لهم ( ... ) «3» تفضى بالإخلاد إلى الاعتدال «4» عن عهدة ~~الإلزام فتضاعفت عليهم المشقة وحل بهم «5» ما حذروه من الافتضاح. # [فصل] ولما قال إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك، أي ليست بفتية ~~ولا مسنة بل هى بين السنين. حصلت الإشارة أن الذي يصلح لهذه الطريقة من لا ~~يستهويه PageV01P097 # نزق الشباب وسكره، ولم يعطله عجز المشيب وضعفه، بل هو صاح استفاق عن ~~سكره، وبقيت له- بعد «1» - نضارة من عمره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 69 الى 70] # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع ~~لونها تسر الناظرين (69) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه ~~علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون (70) # كما كان يأخذ لونها الأبصار فالإشارة منها أن من كان من أهل القصة «2» ~~يستغرق شاهده القلوب لما ألبس من رداء الجبروت، وأقيم به من شاهد الغيب «3» ~~حتى أن من لاحظه تناسى أحوال البشرية، واستولى عليه ذكر الحق، كذا فى الخبر ~~المنقول: أولياء الله الذين إذا رأوا ذكر الله ( ### | .... # ) «4» # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 71] # قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية ~~فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون (71) # «5» كما أن تلك البقرة لم يذللها العمل، ولم تبتذل فى المكاسب، لا لون ~~فيها يخالف عظم لونها فالإشارة منه أن أهل الولاية «6» الذين لم يتبذلوا ~~بالأغيار لتحصيل ما طلبوا من الأسباب، ولم يركنوا بقلوبهم إلى الأشكال ~~والأمثال، ولم يتكلوا على الاختيار والاحتيال، وليسوا نهبا لمطالبات المنى، ~~ولا صيدا فى مخلب الدنيا، ولا حكم للشهوات عليهم، ولا سلطان للبشرية ~~تملكهم، ولم يسعوا قط فى تحصيل مرادهم، ولم يشقوا لدرك بغيتهم، وليس عليهم ~~رقم الأغيار، ولا سمة ms0078 الأسباب- فهم قائمون بالله، فانون عما سوى الله، بل ~~هم محو، مصرفهم الله. والغالب- على قلوبهم- الله. # وكما أن معبودهم الله كذلك مقصودهم الله. PageV01P098 # وكما أن مقصودهم الله كذلك مشهودهم الله، وموجودهم الله، بل هم محو بالله ~~و ( ### | .... # ) «1» # عنهم الله، وأنشد قائلهم. # إذا شئت أن أرضى وترضى وتملكى ... زمامى- ما عشنا معا- وعنانى # إذن فارمقى الدنيا بعيني واسمعي ... بأذنى وانطقى بلساني # قوله جل ذكره: قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون. # طلبوا الحيلة ما أمكنهم فلما ضاقت بهم الحيل استسلموا للحكم فتخلصوا من ~~شدائد المطالبات، ولو أنهم فعلوا ما أمروا به لما تضاعفت عليهم المشاق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 72] # وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) # الخائن خائف، ولخشية أن يظهر سره يركن إلى التلبيس والتدليس، والإنكار ~~والجحود ولا محالة ينكشف عواره، وتتضح أسراره، وتهتك عن شين فعله أستاره. ~~قال الله تعالى: # «والله مخرج ما كنتم تكتمون» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 73] # فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ~~(73) # أراد الله سبحانه أن يحيى ميتهم ليفضح بالشهادة على قاتله فأمر بقتل ~~حيوان لهم فجعل سبب حياة مقتولهم قتل حيوان لهم، صارت الإشارة منه: # أن من أراد حياة قلبه لا يصل إليه إلا بذبح نفسه فمن ذبح نفسه بالمجاهدات ~~حيى قلبه بأنوار المشاهدات، وكذلك من أراد الله حياة ذكره فى الأبدال «2» ~~أمات فى الدنيا ذكره بالخمول «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 74] # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (74) . PageV01P099 # بين أنهم- وإن شاهدوا عظيم الآيات وطالعوا واضح البينات- فحين لم تساعدهم ~~العناية ولم يخلق الله (لهم) الهداية، لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة، ولم ~~تبرز لهم من مكامن التقدير إلا شقوة (على شقوة، وشبه قلوبهم بالحجارة لأنها ~~لا تنبت ولا تزكو، وكذلك قلوبهم لا تفهم «1» ، ولا تغنى ms0079 «2» . ثم بين أنها ~~أشد ( ### | ...... # ) «3» من الحجارة، فإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، ومنها ما تظهر ~~عليه آثار خشية الله «4» ، وأما قلوبهم فخالية عن كل خير، وكيف لا وفد منيت ~~بإعراض الحق عنها، وخصت بانتزاع الخيرات منها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 75 الى 76] # أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ~~من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا ~~خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ~~ربكم أفلا تعقلون (76) # أنبأهم عن إيمانهم، وذكر أنهم بعد سماع الخطاب من الله- سبحانه- حرفوا ~~وبدلوا فكيف يؤمنون لكم وإنما يسمعون بواسطة الرسالة، ومن لم يبق على ~~الإيمان بعد العيان فكيف يؤمن بالبرهان، والذي لم يصلح للحق لا يصلح لكم، ~~ومن لم (يحتشم من الحق) فكيف يحتشم منكم؟. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 77] # أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (77) # تواصوا فيما بينهم بإنكار الحق، وإخفاء الحال على المسلمين، ولم يعلموا ~~أن الله يطلع رسوله عليه السلام على أسرارهم، وأن نورا أظهره الغيب لا ~~ينطفئ بمزاولة الأغيار. وموافقة اللسان مع مخالفة العقيدة لا يزيد إلا ~~زيادة الفرقة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 78 الى 79] # ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78) فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) . PageV01P100 # أخبر أنهم متفاوتون فى نقائص كفرهم، فقوم منهم أخس درجة وأكثر جهلا ركنوا ~~إلى التقليد، ولم يملكهم استيلاء شبهة بل اغتروا بظن وتخمين، فهم الذين لا ~~نصيب لهم من كتبهم إلا قراءتها، دون معرفة معانيها. ومنهم من أكثر شأنه ما ~~يتمناه فى نفسه، ولا يساعده إمكان، ولا لظنونه قط تحقيق. ثم أخبر عن سوء ~~عاقبتهم بقوله جل ذكره: # «فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون» . # أي خسروا فى الحال والمآل، والإشارة فى ms0080 هذه الآية لمن عدم الإخلاص فى ~~الصحبة فى طريق الحق ينضم إلى الأولياء ظاهرا ثم لا تصدق له إرادة فهو مع ~~أهل الغفلة مصاحب، وله مع هذه الطريقة جانب، كلما دعته هواتف الحظوظ تسارع ~~إلى الإجابة طوعا، وإذا قادته دواعى الحق- سبحانه- يتكلف شيئا، فبئست ~~الحالة حين لم يخلص، وما أشد ندمه فيما ادخر عن الله! ثم لا يفلح. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 80] # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن ~~يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) # الإشارة فى هذه الآية لمن مرت على قلبه دعاواه العريضة، وغلب عليه ~~حسبانه، فحكم لنفسه- لفرط غفلته- بأنه من أهل القصة «1» ، ويخلد إلى هواجس ~~مناه، فيحكم على الغيب بأنه يتجاوز عنه نسى قبائح ما أسلفه، ويذكر مغاليط ~~ما ظنه، فهو عبد نفسه، يغلب عليه حسن ظنه، وفى الحقيقة تعتريه نتائج غفلته ~~ومكره، قال تعالى: «وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من ~~الخاسرين» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 81] # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(81) # الذي أحاطت به خطيئته هو الكافر- على لسان العلم «2» . PageV01P101 # ولكن الإشارة منه إلى من سكن قلبه على استغاثاته على وجه الدوام، فإن ~~أصحاب الحقائق كالحب «1» على المقلى- فى أوقات صحوهم، فمن سكن فلفرط عزته- ~~لا يفترون «2» . # ومن استند إلى طاعة يتوسل بها ويظن أنه يقرب بها ينبغى أن يتباعد عن ~~السكون إليها ومن تحقق بالتوحيد علم ألا وسيلة إليه إلا به. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 82] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82) # فى الحال جنان الوصل ### | ......... ### | .......... ### | .......... ### | ......... # ) «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 85] # ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم ~~بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة ~~الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما ms0081 تعملون (85) # ... أضرابكم وقرنائكم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، الإشارة فيه أن ~~نصرتكم لإخوانكم على ما فيه بلاؤهم نصرة عليهم بما فيه شقاؤهم، فالأخلاء ~~يومئذ بعضهم لبعض عدو. # قوله جل ذكره: وإن يأتوكم أسارى «4» تفادوهم، وهو محرم عليكم إخراجهم، ~~أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض. # أي كما تراعون- بالفداء عنهم- حقوقهم، فكذلك يفترض عليكم كف أيديكم عنهم، ~~وترك إزعاجهم عن أوطانهم، فإذا قمتم ببعض ما يجب عليكم فما الذي يقعدكم ~~PageV01P102 # عن الباقي، حتى تقوموا به كما أمرتم؟ أما علمتم أن من فرق بين ما أمر به ~~فآمن ببعض وكفر ببعض فقد حبط- بما ضيعه- أجر ما عمله. # قوله جل ذكره: فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا، ويوم ~~القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون. # أي ظنوا أن ما فعلوه نفعهم، فانكشف لهم فى الآخرة أن جميع ما فعلوه- لما ~~مزجوه بالآفات وجردوه عن الصدق والإخلاص- غير مقبول منهم. # والأسراء أصناف: فمن أسير غرق فى بحار الهوى فإنقاذه بأن تدله على الهدى. # ومن أسير بقي فى أيدى الوساوس فافتداؤه أن ترشده إلى اليقين بلوائح ~~البراهين لتنقذه من الشك والتخمين، وتخرجه عن ظلمات التقليد فيما تقوده إلى ~~اليقين. ومن أسير تجده فى أسر هواجسه استأسرته غاغة نفسه، ففك أسره بأن ~~تدله على شهود المنن، بتبريه عن حسبان كل حول يخلق وغير. ومن أسير تجده فى ~~ربيطة ذاته ففك أسره إنشاده «1» إلى إقلاعه، وإنجاده على ارتداعه. ومن أسير ~~تجده فى أسر صفاته ففك أسره أن تدله على الحق بما يحل عليه من وثائق الكون» # ، ومن أسير تجده فى قبضة الحق فتخبره أنه ليس لأسرائهم فداء، ولا لقتلاهم ~~عود، ولا لربيطهم خلاص، ولا عنهم بد، ولا إليهم سبيل، ولا من دونهم حيلة، ~~ولا مع سواهم راحة، ولا لحكمهم رد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 86] # أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون (86) # إن الذين آثروا عليه شيئا خسروا فى الدنيا والآخرة كما قالوا: ~~PageV01P103 # أناس أعرضوا عنا ... بلا جرم ms0082 ولا معنى # فإن كانوا «1» قد استغنوا ... فإنا عنهم أغنى # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 87] # ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ~~ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) # الإشارة: أوصلنا لهم الخطاب، وأردفنا رسولا بعد رسول، والجميع دعوا إلى ~~واحد. # ولكنهم أصغوا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس قبلوه، ~~وما استثقلته «2» أهواؤهم جحدوه «3» ، فإذا كان الهوى «4» صفتهم ثم عبدوه، ~~صارت للمعبود «5» صفات العابد، فلا جرم الويل لهم ثم الويل! قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 88] # وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88) # لو كان منهم شىء بمجرد الدعوى لهان وجود المعاني، ولكن عند مطالبات ~~التحقيق تفتر أنياب المتلبسين عن أسنان شاحذة بل ( ### | ..... # ) «6» وقيل: # إذا انسكبت دموع فى خدود ... تبين من بكى ممن تباكى PageV01P104 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 89] # ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89) # الإشارة فيه لمن عزم على الصفاء، ووعد من نفسه تحقيق الوفاء، ونشر أعلام ~~النشاط عند البروز «1» إلى القتال، تنادى بالنزال وصدق القتال- انهدم عند ~~التفات «2» الصفوف، وانجزل عن الجملة خشية هجوم المحذور، قال تعالى: «فإذا ~~عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 90] # بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من ~~فضله على من يشاء من عباده فباؤ بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90) # أنزلهم التحاسد عن مقر العز «3» إلى حضيض الخزي، وسامهم ذل الصغر حين لم ~~يرضوا بمقتضى الحكم، فأضافوا استيجاب مقت آنف إلى استحقاق مقت سالف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 91] # وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما ~~وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن ms0083 كنتم ~~مؤمنين (91) . PageV01P105 # الإشارة فيه: إذا قيل لهم حققوا ما أظهرتم من حكم الوفاق بتحقيق الحال ~~وإقامة البرهان سمحت نفوسهم ببعض ما التبس عندهم لما يوافق أهواءهم، ثم ~~يكفرون بما وراء حظوظهم، ( ### | .... # ) «1» بعدا عن زمرة الخواص، غير معدودين فى جملة أرباب الاختصاص. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 92] # ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (92) # «2» أي دعاكم إلى التوحيد، وإفراد المعبود عن كل معبود ومحدود، ولكنكم لم ~~تجنحوا إلا إلى عبادة ما يليق بكم من عجل اتخذتموه، وصنم تمنيتموه. فرفع ~~ذلك من بين أيديهم، لكن بقيت آثاره فى قلوبهم وقلوب أعقابهم، ولذلك يقول ~~أكثر اليهود بالتشبيه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 93] # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا ~~قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به ~~إيمانكم إن كنتم مؤمنين (93) # كرر الإخبار عن غلوهم فى حب العجل، ونبوهم عن قبول الحق، و ( ### | ......... # ) «3» # وتعريفهم معاجلتهم بالعقوبة على ما يسيئون من العمل، فلا النصح نجع فيهم، ~~ولا العقوبة أوجبت إقلاعهم عن معاصيهم، ولا بالذم فيهم احتفلوا «4» ، ولا ~~بموجب الأمر عملوا. PageV01P106 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 94 الى # 95] # قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت ~~إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ~~(95) # من علامات الاشتياق تمنى الموت على بساط العوافي فمن وثق بأن له الجنة ~~قطعا- فلا محالة- يشتاق إليها، ولما لم يتمنوا الموت «1» - وأخبر الله ~~سبحانه أنهم لن يتمنوه أبدا- صار هذا التعريف معجزة للرسول صلوات الله عليه ~~وعلى آله إذ كان كما قال. # وفى هذا بشارة «2» للمؤمنين الذين يشتاقون إلى الموت أنهم مغفور لهم، ولا ~~يرزقهم الاشتياق إلا وتحقق لهم الوصول إلى الجنة، وقديما قيل: كفى للمقصر ~~الحياء يوم اللقاء. # قال الله تعالى: «ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 96] # ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف ms0084 ~~سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون (96) # «3» حب الحياة فى الدنيا نتيجة الغفلة عن الله، وأشد منه غفلة أحبهم ~~للبقاء فى الدنيا. وحال المؤمن من هذا على الضد. وأما أهل الغفلة وأصحاب ~~التهتك فإنما حرصهم على الحياة لعلمهم بما فقدوا فيها من طاعتهم فالعبد ~~الآبق لا يريد رجوعا إلى سيده. والانقلاب إلى من هو خيره مرجو خير للمؤمنين ~~من البقاء مع من شره غير مأمون، ثم إن امتداد العمر مع يقين PageV01P107 # الموت (لا قيمة له) إذا فاجأ الأمر وانقطع العمر. وكل ما هو آت فقريب، ~~وإذا انقضت المدة فلا مرد لهجوم الأجل على أكتاف الأمل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 97 الى 98] # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ~~وهدى وبشرى للمؤمنين (97) من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ~~فإن الله عدو للكافرين (98) # زعمت اليهود أن جبريل لا يأتى بالخير، وأنهم لا يحبونه، ولو كان ميكائيل ~~لكانوا آمنوا به، فأكذبهم الحق سبحانه فقال: من كان عدوا لجبريل لأنه لا ~~يأتى بالخير فأى خير أعظم مما نزل به من القرآن؟! ثم قال إن من عادى «1» ~~جبريل وميكائيل فإن الله عدو له فإن رسول الحبيب إلى الحبيب العزيز المورد- ~~كريم المنزلة، عظيم الشرف. وما ضرت جبريل- عليه السلام- عداوة الكفار، ~~والحق سبحانه وتعالى وليه، ومن عادى جبريل فالحق عدوه، وما أعزز «2» بهذا ~~الشرف وما أجله! وما أكبر علوه! قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 99 الى 100] # ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون (99) أوكلما ~~عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100) # لم يكفر بواضح آياته إلا من سدت عن الإدراك بصائره، وسبقت من الله ~~بالشقاوة PageV01P108 # قسمته، ولا عقل لمن يجحد أن النهار نهار، وكذلك لا وصل لمن لم تساعده من ~~الحق أنوار واستبصار. أو كلما عاهدوا عهدا سابق التقدير لهم كان يشوش ~~عليهم، وينقض عهدهم لا حق التدبير منهم، والله غالب على أمره. # قوله جل ms0085 ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 101] # ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا ~~الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) # «1» جحدوا رسل الحق إلى قلوبهم من حيث الخواطر، وكذبوا رسلهم الذين أتوهم ~~فى الظاهر، فيا جهلا ما فيه شظية من العرفان! ويا حرمانا قارنه خذلان! قوله ~~جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 102] # واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما ~~يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون ~~به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما ~~يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) # من فرقته الأهواء وقع فى كل مطرح من مطارح الغفلة، فيستقبله كل جنس من ~~قضايا PageV01P109 # الجهالة، ثم إن من طالت به الغيبة صار للناس عبرة، ولمن سلك طريقه فتنة، ~~فمن اقتدى به فى غيه انخرط فى سلكه، والتحقق بجنسه، هكذا صفة هاروت وماروت ~~فيما استقبلهما، صارا للخلق فتنة بل عبرة، فمن أصغى إلى قيلهما، ولم يعتبر ~~بجهلهما تعلق به بلاؤهما، وأصابه فى الآخرة عناؤهما. # والإشارة من قصتهما إلى من مال فى هذه الطريقة إلى تمويه وتلبيس، وإظهار ~~دعوى بتدليس، فهو يستهوى من اتبعه «1» ، ويلقيه فى جهنم بباطله، ( ### | ............ # ) «2» # ومن تهتك بالجنوح إلى أباطيله تهتكت أستاره، وظهر لذوى البصائر عواره. # وإن هاروت وماروت لما اغترا بحاصل ما اعتاداه من المعصية بسطا لسان ~~الملامة فى عصاة بنى آدم، فلما ركب فيهما من نوازع الشهوات، ودواعى الفتن ~~والآفات، اقتحما فى العصيان، وظهر منهما ما انتشر ذكره على ألسنة القصاص، ~~وهما منكسان إلى يوم القيامة ولولا الرفق بهما وبشأنهما لما انتهى فى ~~القيامة عذابهما، ولكن لطف الله مع الكافة كثير. ولما قال الله تعالى: ~~«ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم» علم أهل التحصيل أن ms0086 العلم بكل معلوم- وإن ~~كان صفة مدح- ففيه غير مرغوب فيه، بل هو مستعاذ منه قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: أعوذ بك من علم لا ينفع. # قوله جل ذكره: ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون. # لو علم المغبون ماذا أبقى وماذا أبلى لتقطعت أحشاؤه حسرات، ولكن سيعلم- ~~يوم تبلى السرائر- الذي فاته من الكرائم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 103] # ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون (103) # ولو آثروا الإقبال على الله على اشتغالهم عن الله، لحصلوا ذخر الدارين، ~~ووصلوا إلى PageV01P110 # عز الكونين، ولكن كبستهم سطوات القهر، فأثبتهم فى مواطن الهجر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 104] # يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين ~~عذاب أليم (104) # قصود الأعداء فى جميع أحوالهم- من أعمالهم وأقوالهم- قصود خبيثة فهم- على ~~مناهجهم- يبنون فيما يأتون ويذرون. فسبيل الأولياء التحرز عن مشابهتهم، ~~والأخذ فى طريق غير طريقهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 105] # ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ~~ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (105) # كراهية الأعداء لانتظام صلاح الأولياء متصلة مستدامة، ولكن الحسود لا ~~يسود، ولا يحصل له مقصود وخصائص الرحمة للأولياء كافية- وإن زعم من الأعداء ~~أفاك أنه انهدمت من أوطان فرحهم أكناف وأطراف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 106] # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل ~~شيء قدير (106) # النسخ الإزالة أي ما ينقلك من حال إلى ما هى فوقها وأعلى منها، فغصن وصلك ~~أبدا ناضر، ونجم عزك أبدا ظاهر، فلا ننسخ من آثار العبادة شيئا إلا وأبدلنا ~~عنه أشياء من أنوار العبودية، ولا نسخنا من أنوار العبودية أشياء إلا أقمنا ~~مكانها أشياء من أقمار العبودة «1» . PageV01P111 # فأبدا «1» سرك فى الترقي، وقدرك فى الزيادة بحسن التولي وقيل ما رقاك عن ~~محل العبودية إلا سلكك بساحات الحرية، وما رفع عنك شيئا من صفات «2» ~~البشرية إلا أقامك ms0087 بشاهد من شواهد الألوهية. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 107] # ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير (107) # سنته- سبحانه- أن يجذب أولياءه عن شهود ملكه إلى رؤية ملكه «3» ، ثم ~~يأخذهم من مطالعة ملكه إلى شهود حقه، فيأخذهم من رؤية آياته إلى رؤية ~~صفاته، ومن رؤية صفاته إلى شهود ذاته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 108] # أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) # إن بنى إسرائيل آذوا موسى عليه السلام، فنهى المسلمون عن فعل ما أسلفوه، ~~وأمروا PageV01P112 # بمراعاة أن حشمة الرسول صلى الله عليه وسلم بغاية ما يتسع فى الإمكان. ~~فكانوا بحضرته كأن على رءوسهم الطير. قال تعالى: «تعزروه وتوقروه» وحسن ~~الأدب- فى الظاهر- عنوان حسن الأدب مع الله فى الباطن. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 109] # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن ~~الله على كل شيء قدير (109) # من لحقه خسران الفهم من أصحاب الغفلة ود ألا يطلع لأحد بالسلامة نجم، ومن ~~اعتراه الحسد أراد ألا تنبسط على محسوده شمس. # وكذلك كانت صفات الكفار، فأرغم الله أنفهم، وكبهم على «1» وجوههم. # والإشارة من هذا إلى حال أصحاب الإرادة فى البداية إذا رغبوا فى السلوك، ~~فمن لم يساعده التوفيق (فى الصحبة، وعاشر أناسا مترسمين بالظواهر) «2» ~~فإنهم يمنعون هؤلاء من السلوك ولا يزالون يخاطبونهم بلسان النصح، والتخويف ~~بالعجز والتهديد بالفقر حتى ينقلوهم إلى سبيل الغفلة، ويقطعوا عليهم طريق ~~الإرادة، أولئك أعداء الله حقا، أدركهم مقت الوقت. # وعقوبتهم حرمانهم من أن يشموا شيئا من روائح الصدق. # «فاعفوا واصفحوا ... » فسبيل المريد أن يحفظ عن الأغيار سره، ويستعمل مع ~~كل أحد ضلة «3» ، ويبذل فى الطلب رفعة «4» ، فعن قريب يفتح الحق عليه ~~طريقه. PageV01P113 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 110] # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم ms0088 من خير تجدوه عند الله ~~إن الله بما تعملون بصير (110) # الواجب على المريد إقامة المواصلات، وإدامة التوسل بفنون «1» القربات، ~~واثقا بأن ما يقدمه من صدق المجاهدات تدرك «2» ثمرته فى أواخر الحالات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 111] # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين (111) # «3» كل حزب يمهد الأمل لنفسه، ويظن النجاة لحاله، ويدعى الوسل «4» من ~~سهمه. # ولكن مجرد الحسبان دون تحقق البرهان لا يأتى بحاصل، ولا يحوز بطائل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 112] # بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (112) # «5» أسلم وجهه أي أخلص لله قصده، وأفرد لله وجهه، وطهر عن الشوائب عقله. # «وهو محسن» . عالم بحقيقة ما يفعله وحقيقة ما يستعمله، وهو محسن فى المآل ~~كما أنه مسلم فى الحال. # ويقال الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فتكون مستسلما بظاهرك، مشاهدا ~~بسرائرك، فى الظاهر جهد وسجود وفى الباطن كشف ووجود. PageV01P114 # ويقال «أسلم وجهه» بالتزام الطاعات، «وهو محسن» قائم بآداب الخدمة بحسن ~~آداب الحضور، فهؤلاء ليس عليهم خوف الهجر، ولا يلحقهم خفى المكر، فلا ~~الدنيا تشغلهم عن المشاهدة ولا الآخرة تشغلهم غدا عن الرؤية. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 113] # وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ~~وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (113) # الإشارة فى هذه الآية على العكس من حكم الظاهر فالأعداء يتبرأ بعضهم من ~~بعض اليوم، والأولياء من وجه كذلك، ولذا قالوا: لا زالت الصوفية بخير ما ~~تنافروا، ولا يقبل بعضهم بعضا لأنه لو قبل بعضهم بعضا بقي بعضهم مع بعض. # لكن الأعداء كلهم على الباطل. عند تبرى بعضهم من بعض أما الأولياء فكلهم ~~على الحق- وهذه ما ذكرنا من حكم العكس. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 114] # ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ms0089 وسعى في خرابها أولئك ما ~~كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ~~(114) # الإشارة فيه أن الظالم من خرب أوطان العبادة بالشهوات، وأوطان العبادة ~~نفوس العابدين. وخرب أوطان المعرفة بالمنى والعلاقات، وأوطان المعرفة قلوب ~~العارفين. # وخرب أوطان المحبة بالحظوظ والمساكنات، وهى أرواح الواجدين. وخرب أوطان # PageV01P115 # المشاهدات بالالتفات إلى القربات وهى أسرار الموحدين «1» . # قوله جل ذكره: لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم. # لأهل الإشارة خزى الدنيا بذل الحجاب، وعذاب الآخرة الامتناع بالدرجات. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 115] # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (115) # الإشارة منها إلى مشارق القلوب ومغاربها. وللقلوب شوارق وطوارق. وطوارقها ~~هواجس النفوس تطرق فى ظلمات المنى والشهوات. # وشوارقها نجوم العلوم وأقمار الحضور وشموس المعارف. # فما دامت الشوارق طالعة فقبلة القلوب، واضحة ظاهرة، فإذا استولت «2» ~~الحقائق خفى سلطان الشوارق، كالنجوم تستتر عند طلوع الشمس، كذلك عند ظهور ~~الحق يحصل اصطلام وقهر، فلا شهود رسم، ولا بقاء حس وفهم، ولا سلطان عقل ~~وعلم، ولا ضياء عرفان. # فإن وجدان «3» هذه الجملة صفات لائقة ببقاء البشرية، وإذا صار الموصوف ~~محوا فأنى لهم ببقاء الصفة! قال تعالى: «فأينما تولوا فثم وجه الله» مادام ~~يبقى من الإحساس والتمييز بقية- ولو شظية- فالقبلة مقصودة، فإن لم تكن ~~معلومة تكون مطلوبة. وعلى لسان العلم إذا اشتبهت الدلائل بكل وجهة، ولا ~~معرفة بالقبلة تساوت الجهات فى جواز الصلاة إلى كل واحد منها إذا لم يكن ~~للنية ترجيح. PageV01P116 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 116] # وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون ~~(116) # مكر بهم لم يفنهم- من الإفناء- فى الحال، بل جعل موجب اغترارهم طول ~~الإمهال، فنطقوا بعظيم الفرية على الله، واستنبطوا عجيب المرية فى وصف ~~الله، فوصفوه بالولد! وأني بالولد وهو أحدى الذات؟! لا حد لذاته، ولا تجوز ~~الشهوة فى صفاته. # قوله جل ذكره: بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون. # أي ليس فى ms0090 الكون شىء من الآثار المفتقرة أو الأعيان المستقلة إلا وتنادى ~~عليه آثار الخلقة، وتفصح منه شواهد الفطرة، وكل صامت منها ناطق، وعلى ~~وحدانيته- سبحانه- دليل وشاهد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 117] # بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (117) # البديع عند العلماء موجد العين لا على مثل، وعند أهل الإشارة الذي ليس له ~~شىء مثله. فهذا الاسم يشير إلى نفى المثل عن ذاته، ونفى المثال عن أفعاله، ~~فهو الأحد الذي لا عدد يجمعه، والصمد الذي لا أمد يقطعه، والحق الذي لا وهم ~~يصوره، والموجود الذي لا فهم يقدره. وإذا قضى أمرا فلا يعارض «1» عليه ~~مقدور، ولا ينفك من حكمه محظور. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 118] # وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من ~~قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (118) # «2» «3» PageV01P117 # كلام الله سبحانه متعلق بجميع المخلوقات بأعيانها وآثارها، وأمر التكوين ~~(يتناول المكلفين وأفعال المكلفين) «1» ، لكن من عدم سمع الفهم تصامم «2» ~~عن استماع الحق، فإنه- سبحانه- خاطب قوما من أهل الكتاب، وأسمعهم خطابه «3» ~~، فلم يطيقوا سماعه، وبعد ما رأوا من عظيم الآيات حرفوا وبدلوا. وفى الآيات ~~التي أظهرها ما يزيح العلة من الأغيار، ويشفى الغلة من الأخيار، ولكن ما ~~تغني الدلائل- وإن وضحت- عمن حقت لهم الشقاوة وسبقت؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 119] # إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم (119) # أفردناك بخصائص لم نظهرها على غيرك فالجمهور والكافة تحت لوائك، والمقبول ~~من وافقك، والمردود من خالفك، وليس عليك من أحوال الأغيار سؤال، ولا عنك ~~لأحد ( ... ) «4» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 120] # ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ~~ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير ~~(120) # لا تبال برضاء الأعداء بعد ما حصل لك رضانا، فإنهم لا يرضون عنك إلا ~~بمتابعة أديانهم، ودون ذلك لهم حظ القتال فأعلن «5» التبري منهم، وأظهر ~~الخلاف ms0091 معهم، وانصب العداوة PageV01P118 # لهم، وأعلم أن مساكنتهم إلى ما يرضون سبب الشقاوة المؤبدة، فاحرص ألا ~~يخطر ذلك ببالك «1» ، وادع- إلى البراءة عنهم وعن طريقتهم- أمتك، وكن بنا ~~لنا، متبريا عمن سوانا، واثقا بنصرتنا، فإنك بنا ولنا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 121] # الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به ~~فأولئك هم الخاسرون (121) # الذين فتحنا أبصارهم بشهود حقنا وكلنا أسماع قلوبهم بسماع خطابنا، ~~وخصصناهم بإسبال نور العناية عليهم، وأيدناهم بتحقيق التعريف فى أسرارهم، ~~يقومون بحق التلاوة، ويتصفون بخصائص الإيمان والمعرفة فهم أهل التخصيص، ومن ~~سواهم أصحاب الرد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 122] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ~~(122) # جرت سنته- سبحانه- فى الخطاب مع قوم موسى عليه السلام أن يناديهم بنداء ~~العلامة فيقول: يا بنى إسرائيل اذكروا، أي يا بنى يعقوب، ومع هذه الأمة «2» ~~أن يخاطبهم بنداء الكرامة فيقول: «يا أيها الذين آمنوا» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 123] # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ~~ولا هم ينصرون (123) # أما الأعداء فلا يقبل منهم شيئا، وأما الأولياء فقال صلى الله عليه وسلم: ~~«اتقوا النار ولو بشق تمرة» ، والكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين فهذا حكم ~~كل أمة مع نبيها، وأما المؤمنون- فعلى التخصيص- تنفعهم شفاعة نبيهم صلى ~~الله عليه وسلم. PageV01P119 # وكل أحد يقول يومئذ نفسى نفسى ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: أمتى أمتى ~~«1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 124] # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ~~ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (124) # البلاء تحقيق الولاء، فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء. # ولقد ابتلى الحق- سبحانه- خليله عليه السلام بما فرض عليه وشرع له، فقام ~~بشرط وجوبها، ووفى بحكم مقتضاها، فأثنى عليه سبحانه بقوله: «وإبراهيم الذي ~~وفى» - من التوقية- أي لم يقصر بوجه البتة. # يقال حمله أعباء النبوة، وطالبه بأحكام الخلة، وأشد بلاء له كان قيامه ~~بشرائط الخلة، والانفراد له بالتجافي عن كل واحد وكل شىء، ms0092 فقام بتصحيح ذلك ~~مختليا عن جميع ما سواه، سرا وعلنا. «2» # كذلك لم يلاحظ جبريل عليه السلام حين تعرض له وهو يقذف فى لجة الهلاك، ~~فقال: # هل من حاجة؟ فقال: أما إليك ### | .... # فلا. # ومن كمال بلائه تعرض جبريل عليه السلام فى تلك الحالة، وأي بقية كانت ~~بقيت له منه حتى يكون لمخلوق فيه مساغ كائنا من كان؟! PageV01P120 # وفى هذا إشارة دقيقة إلى الفرق بين حال نبينا صلى الله عليه وسلم وحال ~~إبراهيم عليه السلام، لأنه تعرض جبريل للخليل وعرض عليه نفسه: # فقال: أما إليك.. فلا. ولم يطق جبريل صحبة النبي صلى الله عليه وسلم فنطق ~~بلسان العجز وقال: # لو دنوت أنملة لاحترقت «1» . # وشتان بين حالة يكون فيها جبريل عليه السلام من قوته بحيث يعرض للخليل ~~عليه السلام نفسه، وبين حالة يعترف للحبيب- صلوات الله عليه- فيها بعجزه. # قوله جل ذكره: إني جاعلك للناس إماما، قال ومن ذريتي قال: لا ينال عهدي ~~الظالمين. وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا. # الإمام من يقتدى به، وقد حقق له هذا حتى خاطب جميع الخلائق إلى يوم ~~القيامة بالاقتداء به فقال: «ملة أبيكم إبراهيم» أي اتبعوا ملة إبراهيم ~~يعنى التوحيد، وقال: # «واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى» . # هذا هو تحقيق الإمامة. ورتبة الإمامة أن يفهم عن الحق ثم يفهم الخلق ~~فيكون واسطة بين الحق والخلق، يكون بظاهره مع الخلق لا يفتر عن تبليغ ~~الرسالة، وبباطنه مشاهدا للحق، لا يتغير له صفاء الحالة، ويقول للخلق ما ~~يقوله له الحق. # قوله جل ذكره: ومن ذريتي. # نطق بمقتضى الشفقة عليهم، فطلب لهم ما أكرم به. فأخبره أن ذلك ليس ~~باستحقاق نسب، أو باستيجاب سبب، وإنما هى أقسام مضت بها أحكام فقال له: «لا ~~ينال عهدي الظالمين» PageV01P121 # وليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها، فهى لا ادخار لها عن أحد وإن ~~كان كافرا، ولذلك: # قال جل ذكره: وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر. # فقال الله تعالى: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 125 الى 126] # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من ms0093 مقام إبراهيم مصلى وعهدنا ~~إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) ~~وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم ~~بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس ~~المصير (126) # يعنى ليس للدنيا من الخطر ما يمنعها عن الكفار، ولكن عهدى لا يناله إلا ~~من اخترته من خواص عبادى. # أما الطعام والشراب فغير ممنوع من أحد. # أما الإسلام والمحاب فغير مبذول لكل أحد. # قوله جل ذكره: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا. # واذكر يا محمد حين جعلنا البيت- يعنى الكعبة- مثابة للناس إليه يثوبون، ~~ومأمنا لهم إليه يرجعون، وإياه من كل نحو يقصدون. # هو بيت خلقته من الحجر ولكن أضفته إلى الأزل فمن نظر إلى البيت بعين ~~الخلقة انفصل، ومن نظر إليه بعين الإضافة وصل واتصل «1» ، وكل من التجأ إلى ~~ذلك البيت أمن من عقوبة الآخرة إذا كان التجاؤه على جهة الإعظام والاحترام، ~~والتوبة عن الآثام. # ويقال بنى البيت من الحجر لكنه حجر يجذب القلوب كحجر المغناطيس يجذب ~~الحديد. # بيت من وقع عليه ظله أناخ بعقوة «2» الأمن. PageV01P122 # بيت من وقع عليه طرفه بشر بتحقيق الغفران. # بيت من طاف حوله طافت اللطائف بقلبه، فطوفة بطوفة، وشوطة بشوطة وهل جزاء ~~الإحسان إلا الإحسان. # بيت ما خسر من أنفق على الوصول «1» إليه ماله. # بيت ما ربح من ضن عليه بشىء من زاره نسى مزاره، وهجر دياره. # بيت لا تستبعد إليه المسافة، بيت لا تترك زيارته لحصول مخافة، أو هجوم ~~آفة، بيت ليس له بمهجة الفقراء آفة. # بيت من قعد عن زيارته فلعدم فتوته، أو لقلة محبته. # بيت من صبر عنه فقلبه أقسى من الحجارة. بيت من وقع عليه شعاع أنواره تسلى ~~عن شموسه وأقماره. # بيت ليس العجب ممن بقي (عنه) «2» كيف يصبر، إنما العجب ممن حضره كيف ~~يرجع! قوله جل ذكره: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. # عبد رفع لله سبحانه قدما فإلى القيامة جعل أثر قدمه قبلة لجميع المسلمين ~~إكراما لا ms0094 مدى له. # قوله جل ذكره: وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين ~~والعاكفين والركع السجود. وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق ~~أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه ~~PageV01P123 # قليلا، ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير. # الأمر فى الظاهر بتطهير البيت، والإشارة من الآية إلى تطهير القلب. # وتطهير البيت بصونه عن الأدناس والأوضار، وتطهير القلب بحفظه عن ملاحظة ~~الأجناس والأغيار. # وطواف الحجاج حول البيت معلوم بلسان الشرع، وطواف المعاني معلوم لأهل ~~الحق فقلوب العارفين المعاني فيها طائفة، وقلوب الموحدين الحقائق فيها ~~عاكفة، فهؤلاء أصحاب التلوين «1» وهؤلاء أرباب التمكين. # وقلوب القاصدين بملازمة الخضوع على باب الجود أبدا واقفة. # وقلوب الموحدين على بساط الوصل أبدا راكعة. # وقلوب الواجدين على بساط القرب أبدا ساجدة. # ويقال صواعد نوازع الطالبين بباب الكرم أبدا واقفة، وسوامى قصود المريدين ~~بمشهد الجود أبدا طائفة، ووفود همم العارفين بحضرة العز أبدا عاكفة. # قوله جل ذكره: وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا. # السؤال إذا لم يكن مشوبا بحظ العبد كان مستجابا، ولم يكن سؤال إبراهيم ~~هذا لحظ نفسه، وإنما كان لحق ربه عز وجل. # ولما حفظ شرط الأدب طلب الرزق لمن آمن منهم على الخصوص أجيب فيهم ~~PageV01P124 # وفى الذين لم يؤمنوا. ولما قال فى حديث الإمامة: «ومن ذريتى» من غير إذن ~~منع وقيل له: # «لا ينال عهدي الظالمين» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 127] # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم (127) # نجح السؤال فى صدق الابتهال فلما فزعا إلى الخضوع فى الدعاء أتاهما ~~المدد، وتحقيق السؤال. # «إنك أنت السميع» لأقوالنا «العليم» بأحوالنا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 128] # ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا ~~إنك أنت التواب الرحيم (128) # «مسلمين» : منقادين لحكمك حتى لا يتحرك منا عرق بغير رضاك، واجعل من ~~ذريتنا أمة مسلمة لك لتقوم بعدنا مقامنا فى القيام بحقوقك، وشتان بين من ms0095 ~~يطلب وارثا لماله، وبين من يطلب نائبا بعده يقوم بطاعته فى أحواله. # «وأرنا مناسكنا» إذ لا سبيل إلى معرفة الموافقات إلا بطريق التوفيق ~~والإعلام. # «وتب علينا» : بعد قيامنا بجميع ما أمرتنا حتى لا نلاحظ حركاتنا ~~وسكناتنا، ونرجع إليك عن شهود أفعالنا لئلا يكون خطر الشرك الخفى فى توهم ~~شىء منا بنا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 129] # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم (129) # PageV01P125 # إن الواجبات لما كانت من قبل الرسل دون مجرد المعقول سأل ألا يتركهم سدى، ~~وألا يخليهم عن رسول وشرع. وطلب فى ذلك الموقف أن يكون الرسول «منهم» ~~ليكونوا أسكن إليه وأسهل عليهم، ويصح أن يكون معناه أنه لما عرفه- سبحانه- ~~حال نبينا صلى الله عليه وسلم سأل إنجاز ما وعده على الوجه الذي به (أمره ~~«1» ) . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 130] # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين (130) # أخبر أنه آثر الخليل صلوات الله عليه على البرية، فجعل الدين دينه، ~~والتوحيد شعاره والمعرفة صفته فمن رغب عن دينه أو حاد عن سنته فالباطل ~~مطرحه، والكفر مهواه إذ ليست الأنوار بجملتها إلا مقتبسة من نوره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 131] # إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين (131) # الإسلام هو الإخلاص وهو الاستسلام، وحقيقته الخروج عن أحوال البشرية ~~بالكلية من منازعات الاختيار ومعارضات النفس، قال: «أسلمت لرب العالمين» : ~~قابلت الأمر بالسمع والطاعة، واعتنقت الحكم على حسب الاستطاعة. ولم يدخر ~~شيئا من ماله وبدنه وولده، وحين أمر بذبح الولد قصد الذبح، وحين قال له خله ~~من الأسر (عمل) «2» ما أمر به، فلم يكن له فى الحالين «اختيار» ولا تدبير. # ويقال إن قوله: «أسلمت» : ليس بدعوى من قبله لأن حقيقة الإسلام إنما هو ~~التبرى من الحول والقوة، فإذا قال: «أسلمت» فكأنه قال أقمنى فيما كلفتنى، ~~وحقق منى ما به أمرتنى. فهو أحال الأمر عليه، لا لإظهار معنى أو ms0096 ضمان شىء ~~من قبل نفسه. # ويقال أمره بأن يستأثر بمطالبات القدرة فإن من حل فى الخلة محله يحل به- ~~لا محالة- ما حل به. PageV01P126 # ويسأل هاهنا سؤال فيقال: كيف قال إبراهيم صلوات الله عليه: «أسلمت» ولم ~~يقل نبينا صلى الله عليه وسلم حينما قيل له اعلم «علمت» ؟. # والجواب عن ذلك من وجوه: منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أنا ~~أعلمكم بالله «1» » ولكن لم يرد بعده شرع فكان يخبر عنه بأنه قال علمت. # ويقال: إن الله سبحانه أخبر عن الرسول عليه السلام بقوله: «آمن الرسول» ~~لأن الإيمان هو العلم بالله سبحانه وتعالى، وقول الحق وإخباره عنه أتم من ~~إخباره- عليه السلام- عن نفسه. # والآخر أن إبراهيم لما أخبر بقوله: «أسلمت» اقترنت به البلوى، ونبينا- ~~صلى الله عليه وسلم- يتحرز عما هو صورة الدعوى فحفظ وكفى. # والآخر أن إبراهيم عليه السلام أمر بما يجرى مجرى الأفعال، فإن الاستسلام ~~به إليه يشير. ونبينا صلى الله عليه وسلم أمر بالعلم، (ولطائف العلم أقسام) ~~«2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 132] # ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون (132) # أخبر أن إبراهيم عليه السلام وصى بنيه، وكذلك يعقوب عليه السلام قال ~~لبنيه لا يصيبنكم الموت إلا وأنتم يوصف الإسلام. فشرائعهم- وإن اختلفت فى ~~الأفعال- فالأصل واحد، ومشرب التوحيد لا ثانى- له فى التقسيم- وقوله تعالى: ~~«إن الله اصطفى لكم الدين» PageV01P127 # بشارة بما تقوى به دواعيهم على الرغبة فيما يكلفهم من الإسلام، لأنهم إذا ~~تحققوا أن الله سبحانه اصطفى لهم ذلك علموا أنه لا محالة يعينهم فيسهل ~~عليهم القيام بحق الإسلام. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 133] # أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا ~~نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ~~(133) # جروا كلهم- صلوات الله عليهم- على منهاج واحد فى التوحيد والإسلام، ~~وتوارثوا ذلك خلفا عن سلف، فهم أهل بيت الزلفة، ومستحقو القربة، والمطهرون ~~من قبل الله- على الحقيقة. # قوله جل ذكره: وإله آبائك ms0097 إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له ~~مسلمون. # لم يقولوا إلهنا مراعاة لخصوصية قدره، حيث سلموا له المزية، ورأوا أنفسهم ~~ملحقين بمقامه، ثم أخبروا عن أنفسهم أنهم طيع له «1» بقولهم «ونحن له ~~مسلمون» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 134] # تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ~~(134) # أنزل الحق- سبحانه- كلا بمحله، وأفرد لكل واحد قدرا بموجب حكمه، فلا ~~لهؤلاء عن أشكالهم خبر، ولا بما خص به كل طائفة إلى آخرين أثر، وكل فى ~~إقليمه ملك، ولكل يدور بالسعادة فلك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 135] # وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين (135) . PageV01P128 # معناه إذا تجاذبتك الفرق، واختلفت عليك المطالبات بالموافقة، فاحكم ~~بتقابل دعاواهم، وأزد من توجهك إلينا، جاريا على منهاج الخليل عليه السلام ~~فى اعتزال الجملة، سواء كان أباه، أو كان ممن لا يوافق مولاه، ولذا قال ~~«وأعتزلكم وما تدعون من دون الله» للحق بالحق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 136] # قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون (136) # لما آمن نبينا صلى الله عليه وسلم بجميع ما أنزل من قبله أكرم بجميع ما ~~أكرمه من قبله، فلما أظهر موافقة الجميع أمر الكل بالكون تحت لوائه فقال: ~~«آدم ومن دونه تحت لوائى يوم القيامة» » . # ولما آمنت أمته بجميع ما أنزل الله على رسله «2» ، ولم يفرقوا بين أحد ~~فهم ضربوا فى التكريم بالسهم الأعلى فتقدموا على كافة الأمم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 137] # فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق ~~فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) # إن سلكوا طريقتكم، وأخذوا بسبيلكم، أكرموا بما أكرمتم، ووصلوا إلى ما ~~وصلتم، وإن أبوا إلا امتيازا أبينا إلا هوانهم. فإن نظرنا لمن خدمك يا محمد ~~بالوصلة، PageV01P129 # وإعراضنا عمن باينك وخالفك ms0098 ( ... ) «1» ، من خالفك فهو فى شق الأعداء، ~~ومن خدمك فهو فى شق «2» الأولياء. # «فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم» : كفاية الله متحققة لأن عناية الله ~~بكم متعلقة، فمن نابذكم قصمته أيادى النصرة، ومن خالفكم قهرته قضايا ~~القسمة، وهو السميع لمناجاة أسراركم معنا على وصف الدوام، العليم ~~باستحقاقكم (منا) «3» خصائص اللطف والإكرام. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 138] # صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (138) # معناه الزموا صبغة الله، فهو نصب بإضمار فعل. # والإشارة أن العبرة بما وضع الحق لا بما جمع العبد، فما يتكلفه الخلق ~~فإلى الزوال مآله، وما أثبت الحق عليه الفطرة فبإثباته العبرة. # وللقلوب صبغة وللأرواح صبغة وللأسرار صبغة وللظواهر صبغة. صبغة الأشباح ~~والظواهر بآثار التوفيق، وصبغة الأرواح والسرائر بأنوار التحقيق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 139] # قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له ~~مخلصون (139) # «4» كيف تصح محاجة الأجانب «5» وهم تحت غطاء الغيبة، وفى ظلال الحجبة. ~~والأولياء فى ضياء الكشف وظهر الشهود؟ PageV01P130 # ومتى يستوى حال من هو بنعت الإفلاس بغيبته مع حال من هو فى حكم الاختصاص ~~والإخلاص لانغراقه فى قربته؟ هيهات لا سواء! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 140] # أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو ~~نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله ~~بغافل عما تعملون (140) # من نظر من نفسه إلى الخلق يتخيل كلا برقمه، ويحسب الجميع بنعت مثله فلما ~~كانوا بحكم الأجنبية حكم الأنبياء- عليهم السلام- بمثل حالتهم، فرد الحق- ~~سبحانه- عليهم ظنهم و ( ... ) «1» فيهم رأيهم. وهل يكون المجدوب عن شاهده ~~كالمحجوب فى شاهده؟ # وهل يتساوى المختطف «2» عن كله بالمردود إلى مثله؟ # ذلك ظن الذين كفروا فتعسا «3» لهم! قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 141] # تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ~~(141) # حالت بينكم وبينهم حواجز من القسمة فهم على الفرقة والغفلة أسسوا ~~بنيانهم، وأنتم على الزلفة والوصلة ضربتم خيامكم. وعتيق ms0099 فضلنا لا يشبه طريد ~~قهرنا «4» . PageV01P131 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 142] # سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله ~~المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) # سقمت بصائر الكفار فلم يلح لهم وجه الصواب فى جميع أحوال المؤمنين، ~~فطالعوها بعين الاستقباح، وانطلقت ألسنتهم بالاعتراض «1» فى كل ما كان ~~ويكون منهم، فلم يروا شيئا جديدا إلا أتوا عليه باعتراض جديد. # فمن ذلك تغير أمر القبلة حينما حولت إلى الكعبة قالوا إن كانت قبلتهم حقا ~~فما الذي ولاهم «2» عنها؟ فقال جل ذكره: # قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. # يتعبد العباد إلى أي قطر و ( ... ) ونحو شاءوا، وكذلك أصحاب الغيبة ~~والحجبة- عن شهود تصريف الحق لأوليائه- يطلبون وجوها من الأمر، يحملون ~~عليها أحوالهم، ولو طالعوا الجميع من عين واحدة لتخلصوا عن ألم توزع الفكر، ~~وشغل ترجم الخاطر، ومطالبات تقسم الظنون، ولكن الله يهدى لنوره من شاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 143] # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب ~~على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم (143) # الوسط الخيار، فجعل هذه الأمة خيار الأمم، وجعل هذه الطائفة «3» خيار هذه ~~الأمة فهم خيار الخيار. فكما أن هذه الأمة شهداء على الأمم فى القيامة فهذه ~~الطائفة هم الأصول، وعليهم المدار، وهم القطب، وبهم يحفظ الله جميع الأمة، ~~وكل من قبلته قلوبهم فهو المقبول، ومن ردته «4» قلوبهم فهو المردود. فالحكم ~~الصادق لفراستهم، والصحيح حكمهم، والصائب نظرهم PageV01P132 # عصم جميع الأمة (عن) «1» الاجتماع على الخطأ، وعصم هذه الطائفة عن الخطأ ~~فى النظر والحكم، والقبول والرد، ثم إن بناء أمرهم مستند إلى سنة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم. وكل ما لا يكون فيه اقتداء بالرسول «2» عليه السلام ~~فهو عليه رد «3» ، وصاحبه على لا شىء. # قوله جل ذكره: وما جعلنا القبلة ms0100 التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ~~ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله، وما كان ~~الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم. # بين أن الحكم فى تقرير أمر القبلة إلى وقت التحويل، وتحويلها من وقت ~~التبديل كان اختبارا لهم من الحق ليتميز الصادق من المارق «4» ، ومن نظر ~~إلى الأمر بعين التفرقة لكبر عليه أمر التحويل، ومن نظر بعين الحقيقة ظهرت ~~لبصيرته وجوه الصواب. ثم قال: # «وما كان الله ليضيع إيمانكم» أي من كان مع الله فى جميع الأحوال على قلب ~~واحد فالمختلفات من الأحوال له واحدة، فسواء غير أو قرر، وأثبت أو بدل، ~~وحقق أو حول فهم به له فى جميع الأحوال، قال قائلهم: # كيفما دارت الزجاجة درنا ... يحسب الجاهلون أنا جننا # فإن قابلوا شرقا أو واجهوا غربا، وإن استقبلوا حجرا أو قاربوا مدرا، ~~فمقصود قلوبهم واحد، وما كان للواحد فحكم الجميع فيه واحد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 144] # قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه ~~الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144) . PageV01P133 # حفظ- صلوات الله عليه- الآداب حيث سكت بلسانه عن سؤال ما تمناه من أمر ~~القبلة بقلبه، فلاحظ السماء لأنها طريق جبريل عليه السلام، فأنزل الله عز ~~وجل: «قد نرى تقلب وجهك في السماء» أي علمنا سؤلك عما لم تفصح عنه بلسان ~~الدعاء، فلقد غيرنا القبلة لأجلك، وهذه غاية ما يفعل الحبيب لأجل الحبيب. # كل العبيد يجتهدون فى طلب رضائى وأنا أطلب رضاك: فلنولينك قبلة ترضاها» . # «فول وجهك شطر المسجد الحرام» : ولكن لا تعلق قلبك بالأحجار والآثار، ~~وأفرد قلبك لى، ولتكن القبلة مقصود نفسك، والحق مشهود قلبك، وحيثما كنتم ~~أيها المؤمنون فولوا وجوهكم شطره، ولكن أخلصوا قلوبكم لى وأفردوا شهودكم ~~بي. # قوله جل ذكره: وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله ~~بغافل عما يعملون. # ولكنه علم ms0101 لا يكون عليهم حجة، ولا تكون لهم فيه راحة أو منه زيادة، «وما ~~الله بغافل عما يعملون» تهويلا على الأعداء، وتأميلا على الأولياء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 145] # ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع ~~قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من ~~العلم إنك إذا لمن الظالمين (145) # «1» سبق لكم من قديم الحكم ( ... ) «2» انفراد بطريق الحق، ووقوع أعدائكم ~~فى شق PageV01P134 # البعد، فبينكما برزخ لا يبغيان، فما هم بتابعى قبلتكم وإن أريتهم من ~~الآثار ما هو أظهر من الشموس والأقمار، ولا أنت- بتابع قبلتهم وإن أتوا بكل ~~احتيال، حكما من الله- سبحانه- بذلك فى سابق الأزل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 146] # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون ~~الحق وهم يعلمون (146) # حملتهم مستكنات الحسد على مكابرة ما علموه بالاضطرار، فكذلك المغلوب فى ~~ظلمات نفسه، ألقى «1» جلباب الحياء فلم ينجع فيه ملام، ولم يردعه عن ~~انهماكه كلام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 147] # الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) # أي بعد ما طلعت لك شموس اليقين فلا تذعن «2» إلى مجوزات التخمين «3» . ~~والخطاب له والمراد به الأمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 148] # ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ~~إن الله على كل شيء قدير (148) # الإشارة منه: أن كل قوم اشتغلوا عنا بشىء حال بينهم وبيننا، فكونوا أنتم ~~أيها المؤمنون لنا وبنا، وأنشد بعضهم: # إذا الأشغال ألهونى عنك بشغلهم ... جعلتك أشغالى فأنسيتنى شغلى ~~PageV01P135 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 149] # ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله ~~بغافل عما تعملون (149) # كما تستقبلون أينما كنتم القبلة- قربتم منها أم بعدتم- فكذلك أقبلوا ~~علينا بقلوبكم كيفما كنتم حظيتم منا أو منيتم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 150] # ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ~~لئلا يكون للناس عليكم ms0102 حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم ~~نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) # إذا أردت ألا يكون لأحد عليك سبيل، ولا يقع لمخلوق عليك ظل، ولا تصل إليك ~~بالسوء يد، فحيثما كنت وأينما كنت وكيفما كنت كن لنا وكن منا، فإن من انقطع ~~إلينا لا يتطرق إليه حدثان. # قوله جل ذكره: فلا تخشوهم واخشوني. # إذا كانوا محوا عن كونهم رسوما تجرى عليهم أحكامنا- فأنى بالخشية منهم!؟ # قوله جل ذكره: ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون. # إتمام النعمة إضافة الكشف إلى اللطف، فإن من كفاه بمقتضى جوده دون من ~~أغناه بحق وجوده، وفى معناه أنشدوا: # نحن فى أكمل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور # عيب ما نحن فيه- يا أهل ودى- ... أنكم غيب ونحن الحضور # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 151] # كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب ~~والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) # «1» PageV01P136 # إرسال الرسول مفاتحة لأبواب الوصول، فكان فى سابق علمه- سبحانه- أن قلوب ~~أوليائه متعطشة إلى لقائه. ولا سبيل لأحد إليه إلا بواسطة الرسل فأقوام ~~ألزمهم- بإرسال الرسل إليهم الكلف، وآخرون أكرمهم- بإرسال الرسل إليهم- ~~بفنون القرب والزلف، وشتان بين قوم وقوم! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 152] # فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152) # الذكر استغراق الذاكر فى شهود المذكور، ثم استهلاكه فى وجود المذكور، حتى ~~لا يبقى منك أثر يذكر، فيقال قد كان مرة فلان. # «فاذكروني أذكركم» أي كونوا مستهلكين فى وجودنا، نذكركم بعد فنائكم عنكم، ~~قال الله تعالى: «إنهم كانوا قبل ذلك محسنين» كانوا وقتا ولكنهم بانوا ~~دائما «1» : # أناس حديث حسن ... فكن حديثا حسنا لمن وعنى «2» # وطريقة أهل العبارة «3» (فاذكروني) بالموافقات (أذكركم) بالكرامات، ~~وطريقة أهل الإشارة (فاذكروني) بترك كل حظ (أذكركم) بأن أقيمكم بحقي بعد ~~فنائكم عنكم. # (فاذكروني) مكتفين بي «4» عن عطائى وأفضالى (أذكركم) راضيا بكم دون ~~أفعالكم. # (فاذكروني) بذكرى لكم ما تذكرون، ولولا سابق ذكرى لما كان لاحق ذكركم. # (فاذكروني) بقطع العلائق (أذكركم) بنعوت الحقائق. # ويقال اذكرني لكل من لقيته أذكرك لمن خاطبته، فمن ذكرنى فى ملأ ذكرته ms0103 فى ~~ملأ خير منهم. PageV01P137 # ويقال (واشكروا لي) على عظيم المنة عليكم بأن قلت: (فاذكروني أذكركم) . # ويقال الشكر من قبيل الذكر، وقوله (ولا تكفرون) النهى عن الكفران أمر ~~بالشكر، الشكر ذكر، فكرر عليك الأمر بالذكر، والثلاث أول حد الكثرة، والأمر ~~بالذكر الكثير أمر بالمحبة لأن فى الخبر: «من أحب شيئا أكثر ذكره» فهذا- فى ~~الحقيقة- أمر بالمحبة أي أحببني أحبك «فاذكروني أذكركم» أي أحبونى أحببكم. # ويقال: (فاذكروني) بالتذلل (أذكركم) بالتفضل. # (فاذكروني) بالانكسار (أذكركم) بالمبار. # (فاذكروني) باللسان (أذكركم) بالجنان. # (فاذكروني) بقلوبكم (أذكركم) بتحقيق مطلوبكم. # (فاذكروني) على الباب من حيث الخدمة (أذكركم) بالإيجاب على بساط القربة ~~بإكمال النعمة. # (فاذكروني) بتصفية السر (أذكركم) بتوفية البر. # (فاذكروني) بالجهد والعناء (أذكركم) بالجود والعطاء. # (فاذكروني) بوصف السلامة (أذكركم) يوم القيامة يوم لا تنفع الندامة. # (فاذكروني) بالرهبة (أذكركم) بتحقيق الرغبة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 153] # يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (153) # استعينوا بالصبر على الصلاة أي بصبركم- عند جريان أحكام الحق عليكم- ~~استحقاقكم صلاة ربكم عليكم، ولذا فإنه تعالى بعد «وبشر الصابرين» يقول: ~~«أولئك عليهم صلوات من ربهم» . # ويقال استوجب الصابرون نهاية الذخر، وعلو القدر حيث نالوا معية الله قال ~~تعالى: # «إن الله مع الصابرين» . # PageV01P138 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 154] # ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (154) # فاتتهم الحياة فى الدنيا ولكن وصلوا إلى الحياة الأبدية فى العقبى، فهم ~~فى الحقيقة أحياء، يجدون من الله فنون الكرامات. # ويقال هم أحياء لأن الخلف عنهم الله ومن كان الخلف عنه الله لا يكون ~~ميتا، قال قائلهم فى مخلوق: # إن يكن عنا مضى بسبيله فما ... مات من يبقى له مثل خالد # ويقال هم أحياء بذكر الله لهم، والذي هو مذكور الحق بالجميل يذكره ~~السرمدي ليس بميت. # ويقال إن أشباحهم وإن كانت متفرقة، فإن أرواحهم- بالحق سبحانه- متحققة. # ولئن فنيت بالله أشباحهم فلقد بقيت بالله أرواحهم لأن من كان فناؤه بالله ~~كان بقاؤه بالله. # ويقال هم أحياء بشواهد التعظيم، عليهم رداء الهيبة وهم ms0104 فى ظلال الأنس، ~~يبسطهم جماله مرة، ويستغرقهم جلاله أخرى «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 155] # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر ~~الصابرين (155) # ابتلاهم بالنعمة ليظهر شكرهم، وابتلاهم بالمحنة ليظهر صبرهم، فلما أدخل ~~المعلوم من حالهم فى الوجود، ورسمهم بالرقم الذي قسمه، وأثبتهم على الوصف ~~الذي علمه، ابتلاهم PageV01P139 # بالخوف وفيه تصفية لصدورهم، وبالجوع وفيه تنقية لأبدانهم، وبنقص من ~~الأموال تزكو به نفوسهم، وبمصائب النفوس يعظم بها عند الله أجرهم، وبآفة ~~الثمرات يتضاعف من الله خلفهم. # «وبشر الصابرين» يعنى الذين لا اعتراض لهم على تقديره فيما أمضاه. # ويقال طالبهم بالخوف (ابتعادا) عن عقوبته ثم بمقاساة الجوع ابتغاء قربته ~~وكرامته، ونقص من الأموال بتصدق الأموال والخروج عنها طلبا للخير منه بحصول ~~معرفته. # «والأنفس» تسليما لها إلى عبادته. «والثمرات» القول بترك ما يأملونه من ~~الزوائد فى نعمته «وبشر الصابرين» على استحسان قضيته، والانقياد لجريان ~~قدرته. # ومطالبات الغيب إما أن تكون بالمال أو بالنفس أو بالأقارب فمن أوقف المال ~~لله فله النجاة «1» ، ومن بذل لحكمه النفس فله الدرجات، ومن صبر عند مصائب ~~الأقارب فله الخلف والقربات، ومن لم يدخر عنه الروح فله دوام المواصلات. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 156] # الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) # ... الآية. # قابلوا الأمر بالصبر لا بل بالشكر لا بل بالفرح والفخر. # ومن طالع الأشياء ملكا للحق رأى نفسه أجنبيا بينه وبين حكمه فمنشىء الخلق ~~أولى بالخلق من الخلق. # ويقال من شهد المصائب شهد نفسه لله وإلى الله، ومن شاهد المبلى علم أن ما ~~يكون من الله فهو عبد بالله، وشتان بين من كان لله وبين من كان بالله الذي ~~كان لله فصابر واقف، والذي هو بالله فساقط الاختيار والحكم، إن أثبته ثبت، ~~وإن محاه انمحى، وإن حركه تحرك، وإن سكنه سكن، فهو عن اختياراته فان، وفى ~~القبضة مصرف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 157] # أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) . PageV01P140 # بصلواته «1» عليهم ابتداء وصلوا إلى صبرهم ms0105 ووقوفهم عند مطالبات التقدير، ~~لا بصبرهم ووقوفهم وصلوا إلى صلواته، فلولا رحمته الأزلية لما حصلت طاعتهم ~~بشرط العبودية، فعنايته السابقة أوجبت لهم هداية خالصة «2» . # قال تعالى: «وأولئك هم المهتدون» لما رحمهم فى البداية اهتدوا فى ~~النهاية. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 158] # إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) # تلك المشاهد والرسوم، وتلك الأطلال والرقوم، تعظم «3» وتزار، وتشد إليها ~~الرحال «4» لأنها أطلال الأحباب، وهنالك تلوح الآثار: # أهوى الديار لمن قد كان ساكنها ... وليس فى الدار هم ولا طرب «5» # وإن لتراب طريقهم بل لغبار آثارهم- عند حاجة الأحباب- أقدارا عظيمة، وكل ~~غبرة تقع على (حافظات طريقهم) «6» لأعز من المسك الأذفر: # وما ذاك إلا أن مشت عليه أميمة ... فى تربها وجرت به بردا # قوله جل ذكره: فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن ~~تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم. # حظى الصفا والمروة بجوار البيت فشرع السعى بينهما كما شرع للبيت الطواف، ~~فكما أن الطواف ركن فى النسك فالسعى أيضا ركن، والجار يكرم لأجل الجار. ~~PageV01P141 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 159] # إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ~~الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) # الإشارة فى هذه الآية لمن كاشفه الحق سبحانه بعلم من آداب السلوك ثم ضن ~~«1» بإظهاره للمريدين على وجه النصيحة والإرشاد استوجب المقت فى الوقت، ~~ويخشى عليه نزع البركة عن علمه متى قصر فيه لما أخر من تعليم المستحق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 160] # إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ~~(160) # تداركوا ما سلف من تقصيرهم بحسن الرجعى، والقيام للمريدين على وجه ~~النصيحة، وبينوا لهم- بجميل البيان وإقامة البرهان على ما يقولون- حسن ~~قيامهم بمعاملاتهم. # فإن أظهر الحجج لبيان أفعالك وأصدق الشهادة لتصحيح ما تدعو به الخلق إلى ~~الله- ألا يخالف بمعاملتك ما تشير إليه بمقالتك، قال الله تعالى: ms0106 «وما أريد ~~أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 161 الى 162] # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين (161) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (162) # الإشارة فيه أن الذين بدا لهم بعد ما سلكوا طريق الإرادة (أن) يرجعوا إلى ~~أحوال العادة، ثم فى تلك الوحشة قبضوا، وعلى تلك الحالة من الدنيا خرجوا، ~~أولئك أصحاب الفرقة، PageV01P142 # فلا على أرواحهم إقبال ولا لمصيبتهم جبران، ولا لأحد عليهم ترحم، خسروا ~~فى الدنيا والآخرة، يلعنهم البق فى الهواء والنقع على الماء. # خالدين أي مقيمين أبدا فى هوانهم وصغرهم، لا تخفيف ولا إسعاف، ولا رفق ~~ولا ألطاف. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 163] # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) # شرفهم غاية التشريف بقوله وإلهكم. وإن شيوخ هذه الطائفة قالوا: علامة من ~~يعده من خاص الخواص أن يقول له: عبدى، وذلك أتم من هذا بكثير لأن قوله: # «وإلهكم» : وإضافة نعته أتم من إضافته إياك إلى نفسه لأن إلهيته لك بلا ~~علة، وكونك له عبد يعوض كل نقصك وآفتك. ومتى قال لكم «وإلهكم» ؟ # حين كانت طاعتك وحركاتك وسكناتك أو ذاتك وصفاتك لا بل قبل ذلك أزل الأزل ~~حين لا حين ولا أوان، ولا رسم ولا حدثان. # و «الواحد» من لا مثل له يدانيه، ولا شكل يلاقيه. لا قسيم يجانسه ولا ~~قديم يؤانسه. # لا شريك يعاضده ولا معين يساعده ولا منازع يعانده. # أحدى الحق صمدى العين ديمومى البقاء أبدى العز أزلى الذات. # واحد فى عز سنائه فرد فى جلال بهائه، وتر فى جبروت كبريائه، قديم فى ~~سلطان عزه، مجيد فى جمال ملكوته. وكل من أطنب فى وصفه أصبح منسوبا إلى ~~العمى «1» (ف) لولا أنه الرحمن الرحيم لتلاشى العبد إذا تعرض لعرفانه عند ~~أول ساطع من باديات عزه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 164] # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس وما أنزل ms0107 الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لآيات لقوم يعقلون (164) PageV01P143 # تعرف إلى قلوب الطالبين من أصحاب الاستدلال وأرباب العقول بدلالات قدرته، ~~وأمارات وجوده، وسمات ربوبيته التي هى أقسام أفعاله. ونبههم على وجود ~~الحكمة ودلالات الوحدانية بما أثبت فيها من براهين تلطف عن العبارة، ووجوه ~~من الدلالات تدق عن الإشارة، فما من عين من العدم محصولة- من شخص أو طلل، ~~أو رسم أو أثر، أو سماء أو فضاء «1» ، أو هواء أو ماء، أو شمس أو قمر، أو ~~قطر أو مطر، أو رمل أو حجر، أو نجم أو شجر- إلا وهو على الوحدانية دليل، ~~ولمن يقصد وجوده سبيل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 165] # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله ~~شديد العذاب (165) # هؤلاء قوم لم يجعلهم الحق سبحانه أهل المحبة، فشغلهم بمحبة الأغيار حتى ~~رضوا لأنفسهم أن يحبوا كل ما هوته أنفسهم، فرضوا بمعمول لهم أن يعبدوه، ~~ومنحوت- من دونه- أن يحبوه. # قوله جل ذكره: والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون ~~العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب. # ليس المقصود من هذا ذكر محبة الأغيار للأصنام، ولكن المراد منه مدح ~~المؤمنين على محبتهم، ولا تحتاج إلى كثير محبة حتى تزيد على محبة الكفار ~~للأصنام، ولكن من أحب حبيبا استكثر ذكره، بل استحسن كل شىء منه. # ويقال وجه رجحان محبة المؤمنين لله على محبة الكفار لأصنامهم أن (هذه) ~~محبة الجنس PageV01P144 # للجنس، وقد يميل الجنس إلى الجنس، وتلك محبة من ليس بجنس لهم فذلك أعز ~~وأحق. # ويقال إنهم أحبوا ما شاهدوه، وليس بعجيب محبة ما هو لك مشهود، وأما ~~المؤمنون فإنهم أحبوا من حال بينهم وبين (شهوده) رداء الكبرياء على وجهه. # ويقال الذين آمنوا أشد حبا لله لأنهم لا يتبرأون من الله ms0108 سبحانه وإن ~~عذبهم. والكافر تبرأ من الصنم والصنم من الكافر كما قال تعالى: «إذ تبرأ ~~الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ... » الآية. # ويقال محبة المؤمنين حاصلة من محبة الله لهم فهى أتم، قال تعالى: «يحبهم ~~ويحبونه» . # ومحبتهم للأصنام من قضايا هواهم. # ويقال محبة المؤمنين أتم وأشد لأنها على موافقة الأمر، ومحبة الكفار على ~~موافقة الهوى والطبع، ويقال إنهم كانوا إذا صلحت أحوالهم، واتسعت ذات يدهم ~~اتخذوا أصناما أحسن من التي كانوا يعبدونها قبل ذلك فى حال فقرهم فكانوا ~~يتخذون من الفضة- عند غناهم- أصناما ويهجرون ما كان من الحديد ... وعلى هذا ~~القياس! وأما المؤمنون فأشد حبا لله لأنهم عبدوا إلها واحدا فى السراء ~~والضراء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 166] # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ~~(166) # إذا بدت لهم أوائل العذاب اتضح أنهم لم يقفوا من الصدق على قدم، وأما ~~المؤمنون فيسلبهم أرواحهم وأملاكهم وأزواجهم وأولادهم، ويسكن (أولئك) «1» ~~فى القبور سنين ثم يبتليهم فى القيامة بطول الآجال «2» وسوء الأعمال ثم ~~يلقيهم فى النار. PageV01P145 # (أما المؤمنون) «1» فيأتى عليهم طول الأيام والأعمال فلا يزدادون إلا ~~محبة (على محبة) «2» ولذلك قال: والذين آمنوا أشد حبا لله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 167] # وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك يريهم ~~الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (167) # عند «3» ذلك يعرفون مرارة طعم صحبة المخلوقين ولكن لا يحصلون إلا على ~~حسرات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 168] # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (168) # الحرام- وإن استلذ فى الحال- فهو وبيء فى المآل، والحلال- وإن استكره فى ~~الحال- فهو مرىء فى المآل. # والحلال الصافي ما لم ينس مكتسبه الحق فى حال اكتسابه «4» . # ويقال الحلال ما حصله الجامع له والمكتسب على شهود الحق فى كل حال. # وكل ما يحملك على نسيان الحق أو عصيان الحق فهو من خطوات الشيطان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 169] # إنما ms0109 يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (169) # لاجترائه على الله يدعوك به إلى افترائك على الله. PageV01P146 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 170] # وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ~~أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) # لا ترفع أبصارهم عن أشكالهم وأصنافهم، من أضرابهم وأسلافهم، فبنوا على ~~منهاجهم، فلا جرم انخرطوا فى النار، وانسلكوا فى سلكهم، ولو علموا أن ~~أسلافهم لا عقل يردعهم، ولا رشد يجمعهم لنابذوهم مناصبين، وعاندوهم ~~مخالفين، ولكن سلبوا أنوار البصيرة، وحرموا دلائل اليقين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 171] # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي ~~فهم لا يعقلون (171) # عدموا سمع الفهم والقبول، فلم ينفعهم سمع الظاهر، فنزلوا منزلة البهائم ~~فى الخلو عن التحصيل، ومن رضى أن يكون كالبهيمة لم يقع عليه كثير قيمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 172] # يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون (172) # الحلال ما لا تبعة عليه، والطيب الذي ليس لمخلوق فيه منة، وإذا وجد العبد ~~(طعاما) يجتمع فيه الوصفان فهو الحلال الطيب. # وحقيقة الشكر عليه ألا تتنفس فى غير رضاء الحق ما دام تبقى فيك القوة ~~لذلك الطعام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 173] # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) # PageV01P147 # حرم على الظواهر هذه المعدودات وهى ما أهل به لغير الله، وحرم على ~~السرائر صحبة. # غير الله بل شهود غير الله، فمن اضطر- أي لم يجد إلى الاستهلاك فى حقائق ~~الحق وصولا- فلا يسلكن غير سبيل الشرع سبيلا، فإما أن يكون محوا فى الله، ~~أو يكون قائما بالله، أو عاملا لله، والرابع همج لا خطر له. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 174] # إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا ms0110 أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم (174) # العلماء مطالبون بنشر دلائل العلم، والأولياء مأمورون بحفظ ودائع السر ~~فإن كتم هؤلاء براهين العلوم ألجموا بلجام من النار، وإن أظهر هؤلاء شظية ~~من السر عوجلوا ببعاد الأسرار، وسلب ما أوتوا «1» من الأنوار. ولكل حد، ~~وعلى كل أمر قطيعة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 175 الى 176] # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على ~~النار (175) ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب ~~لفي شقاق بعيد (176) # إن الذين آثروا الغير على الغيب، والخلق على الحق، والنفس على الأنس، ما ~~أقسى قلوبهم، وما أوقح محبوبهم ومطلوبهم، وما أخس «2» قدرهم، وما أفضح «3» ~~لذوى الأبصار أمرهم! ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق، وأمضى القضاء والحكم ~~فيه بالصدق، وأوصلهم إلى ما له أهلهم، وأثبتهم على الوجه الذي عليه جبلهم. ~~PageV01P148 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 177] # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) # «1» والإشارة أن الظواهر ليس لها كثير اعتبار إنما الخبر عن الله عزيز. # وكثرة الأوراد- وإن جلت- فحرفة العجائز، وإخلاص الطاعات- وإن عز- فصفة ~~العوام، ووصل الليل بالنهار فى وظائف كثيرة ومجاهدات غزيرة عظيم الخطر فى ~~استحقاق الثواب، ولكن معرفة الحق عزيزة. # وما ذكر فى هذه الآية من فنون الإحسان، ووجوه قضايا الإيمان، وإيتاء ~~المال، وتصفية الأعمال، وصلة الرحم، والتمسك بفنون الذمم والعصم، والوفاء ~~بالعهود، ومراعاة الحدود- عظيم الأثر، كثير الخطر، محبوب الحق شرعا، ~~ومطلوبه أمرا لكن قيام الحق عنك بعد فنائك، وامتحانك من شاهدك، واستهلاكك ~~فى وجود القدم، وتعطل رسومك عن مساكنات إحساسك- أتم وأعلى فى المعنى لأن ~~التوحيد لا يبقى رسما ولا أثرا، ولا يغادر غيرا ولا غبرا «2» PageV01P149 # قوله ms0111 جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 178] # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178) # حق القصاص مشروع، والعفو خير، فمن جنح إلى استيفاء حقه فمسلم له، ومن نزل ~~عن ابتغاء حقه فمحسن، فالأول صاحب عبادة بل عبودية، والثاني صاحب فتوة بل ~~حرية والدم المراق يجرى فيه القصاص على لسان أهل العلم، وأما على لسان ~~الإشارة لأهل القصة «1» فدماؤهم مطلولة وأرواحهم هدرة قال: # وإن فؤدا رعته لك حامد ... وإن دما أجريته بك فاخر # وسفك دماء الأحباب (فوق) «2» بساط «3» القرب خلوف أهل الوصال، قال النبي # صلى الله عليه وسلم: «اللون لون الدم ... والريح ريح المسك» # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 179] # ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179) # فى استيفاء القصاص حياة لأنه إذا علم أنه إذا قتل قتل أمسك عن القتل وفى ~~ذلك حياة القاتل والمقتول. # ولكن ترك القصاص- على بيان الإشارة- فيه أعظم الحياة لأنه إذا تلف فيه ~~(سبحانه) PageV01P150 # فهو الخلف عنه، وحياته عنه أتم له من بقائه بنفسه، وإذا كان الوارث عنهم ~~الله والخلف عنهم الله فبقاء الخلف «1» أعز من حياة من ورد عليه التلف. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 180] # كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ~~بالمعروف حقا على المتقين (180) # من ترك مالا فالوصية له فى ماله مستحبة، ومن لم يترك شيئا فأنى بالوصية!! ~~فى حالة الأغنياء يوصون فى آخر أعمارهم بالثلث، أما الأولياء فيخرجون فى ~~حياتهم عن الكل، فلا تبقى منهم إلا همة انفصلت عنهم ولم تتصل بشىء لأن الحق ~~لا سبيل للهمة إليه، والهمة لا تعلق لها بمخلوق، فبقيت وحيدة منفصلة غير ~~متصلة، وأنشدوا: # أحبكم ما دمت حيا فإن أمت ... يحبكم عظمى فى التراب رميم # هذه وصيتهم: وقال بعضهم: ### | .............. # ) «2» # لا بل كما قال قائلهم: # وأتى الرسول فأخبر أنهم رحلوا ms0112 قريبا ... رجعوا إلى أوطانهم فجرى له دمعى ~~صبيبا # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 181] # فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ~~(181) # من حرف نطقا جرى بحقه لحقه شؤم ذلك ووباله. # وعقوبته أن يحرم رائحة الصدق أن يشمه. فمن أعان الدين أعانه الله، ومن ~~أعان على الدين خذله الله. PageV01P151 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 182] # فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ~~(182) # الإشارة فيه: أن من تفرس «1» فى بعض المريدين ضعفا، أو رأى فى بعض «2» ~~أهل البداية رخاوة قصد أو وجد بعض الناصحين يتكلم بالصدق المحض على من لم ~~يحتمله- فرأى أن يرفق بذلك المريد بما يكون ترخيصا له أو استمالة له أو ~~مداراة أو رضا بتعاطى مباح- فلا بأس به فإن حمل الناس على الصدق المحض مما ~~لم يثبت له كثير أجر. فالرفق بأهل البداية- إذا لم يكن لهم صارم عزم، ولا ~~صادق جهد- ركن فى ابتغاء الصلاح عظيم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 183] # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون (183) # الصوم على ضربين: صوم ظاهر وهو الإمساك عن المفطرات مصحوبا بالنية، وصوم ~~باطن وهو صون القلب عن الآفات، ثم صون الروح عن المساكنات، ثم صون السر عن ~~الملاحظات. # ويقال صوم العابدين شرطه- حتى يكمل- صون اللسان عن الغيبة، وصون الطرف عن ~~النظر بالريبة كما فى الخبر: (من صام فليصم سمعه وبصره ... ) ... الخبر «3» ~~، وأما صوم العارفين فهو حفظ السر عن شهود كل غيره. # وإن من أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل، ومن أمسك عن الأغيار ~~فنهاية صومه أن يشهد الحق، قال صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا ~~لرؤيته» : الهاء فى قوله PageV01P152 # عليه السلام- لرؤيته- عائدة عند أهل التحقيق إلى الحق سبحانه، فالعلماء ~~يقولون معناه عندهم صوموا إذا رأيتم هلال رمضان وأفطروا لرؤية هلال شوال، ~~وأما الخواص فصومهم لله لأن شهودهم الله وفطرهم بالله وإقبالهم على الله ~~والغالب عليهم الله، ms0113 والذي «1» هم به محو- الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 184] # أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير ~~لكم إن كنتم تعلمون (184) # من شهد الشهر صام لله، ومن شهد خالق الشهر صام بالله، فالصوم لله يوجب ~~المثوبة، والصوم بالله يوجب القربة. الصوم لله تحقيق العبادة والصوم بالله ~~تصحيح الإرادة. الصوم لله صفة كل عابد والصوم بالله نعت كل قاصد. الصوم لله ~~قيام بالظواهر والصوم بالله قيام بالضمائر. الصوم لله إمساك من حيث عبادات ~~الشريعة والصوم بالله إمساك بإشارات الحقيقة. # من شهد الشهر أمسك عن المفطرات ومن شهد الحق أمسك فى جميع أوقاته عن شهود ~~المخلوقات. # من صام بنفسه سقى شراب السلسبيل والزنجبيل، ومن صام بقلبه سقى شراب ~~المحاب بنعمة الإيجاب. # ومن صام بسره فهم الذين قال فيهم الله تعالى: «وسقاهم ربهم شرابا طهورا» ~~. # شراب يا له من شراب!! شراب لا يدار على الكف لكنه يبدو له من اللطف. # شراب استئناس لا شراب كاس. # قوله تعالى: «فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر» أي من ~~أفطر لهذه الأعذار فعليه صوم عدة أيام بعدد ما أفطر قضاء لذلك. الإشارة لمن ~~سقمت إرادته عن الصحة فيرجع إلى غيره إما لرخصة تأويل أو لقلة قوة واحتمال، ~~أو عجز للقيام بأعباء أحكام الحقيقة PageV01P153 # فليمهل حتى تقوى عزيمته وتشتد إرادته، فعند ذلك يستدرك منه ما رخص له ~~بالأخذ بالتأويل، وتلك سنة الله سبحانه وتعالى فى التسهيل على أهل البداية، ~~ثم استيفاء ذلك منهم واجب فى آخر الحال. # قوله جل ذكره: وعلى الذين يطيقونه فدية «1» ### | ............ # طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون. # الإشارة منه أن من فيه بقية من القوة للوقوف لمطالبات الحقيقة ويرجع إلى ~~تسهيل الشريعة وينحط إلى رخصة التأويل فعليه الغرامة بواجب الحال وهو ~~الخروج عما بقي له من معلوم مال أو ms0114 مرسوم حال ويبقى مجردا للواحد. # [فصل] ويقال إنه لما علم أن التكليف يقتضى المشقة خففه عليك ذلك بأن قلل ~~أيام الصوم فى قلبك فقال: «أياما معدودات» أي مدة هذا الصوم أيام قليلة فلا ~~يهولنكم سماع ذكره، وهذا كقوله تعالى: وجاهدوا فى الله حق جهاده. ثم قال: ~~«وما جعل عليكم في الدين من حرج أي لا يلحقكم كثير مشقة فى القيام بحق ~~جهاده. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 185] # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم ولعلكم تشكرون (185) # رمضان يرمض ذنوب قوم ويرمض رسوم قوم، وشتان بين من تحرق ذنوبه رحمته وبين ~~من تحرق رسومه حقيقته. PageV01P154 # شهر رمضان شهر مفاتحة الخطاب، شهر إنزال الكتاب، شهر حصول الثواب، شهر ~~التقريب والإيجاب. شهر تخفيف الكلفة، شهر تحقيق الزلفة. شهر نزول الرحمة، ~~شهر وفور النعمة. # شهر النجاة، شهر المناجاة. # قوله جل ذكره: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر. # أراد بك اليسر (وأنت تظن) أنه أراد بك العسر. # ومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه (أقامه) «1» بطلب اليسر ولو لم يرد ~~به اليسر لما جعله راغبا فى اليسر، قال قائلهم: # لو لم ترد نيل ما أرجوا وأطلبه ... من فيض جودك ما علمتنى الطلبا # حقق الرجاء وأكد الطمع وأوجب التحقيق حيث قال: «ولا يريد بكم العسر» ~~لينفى عن حقيقة التخصيص مجوزات الظنون. # قوله جل ذكره: ولتكملوا العدة. # على لسان العلم تكملوا مدة الصوم. # وعلى لسان الإشارة لتقرنوا بصفاء الحال (وفاء) «2» (المآل) «3» ولتكبروا ~~الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون» فى النفس الأخير، وتخرجوا من مدة عمركم ~~بسلامة إيمانكم. والتوفيق فى أن تكمل صوم شهرك عظيم لكن تحقيق أنه يختم ~~عمرك بالسعادة- أعظم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 186] # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ms0115 فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) PageV01P155 # سؤال كل أحد يدل على حاله لم يسألوا عن حكم ولا عن مخلوق ولا عن دين «1» ~~ولا عن دنيا ولا عن عقبى بل سألوا عنه فقال تعالى: «وإذا سألك عبادي عني» . ~~وليس هؤلاء من جملة من قال: «ويسئلونك عن الجبال» ، ولا من جملة من قال: ~~«ويسئلونك عن اليتامى» ، ولا من جملة من قال: «ويسئلونك عن المحيض» ، ولا ~~من جملة من قال: «ويسئلونك عن الروح» ، ولا من جملة من قال: «يسئلونك عن ~~الخمر والميسر» ، و «يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه» . # هؤلاء قوم مخصوصون: «وإذا سألك «2» ### | .... # عبادي عني» . # أي إذا سألك عبادى عنى فبماذا تجيبهم؟ ليس هذا الجواب بلسانك يا محمد، ~~فأنت وإن كنت السفير بيننا وبين الخلق فهذا الجواب أنا أتولاه «فإني قريب» ~~(رفع الواسطة من الأغيار عن القربة فلم يقل قل لهم إنى قريب بل قال جل ~~شأنه: فإنى قريب) «3» . # ثم بين أن تلك القربة ما هى: حيث تقدس الحق سبحانه عن كل اقتراب بجهة أو ~~ابتعاد بجهة أو اختصاص ببقعة فقال: «أجيب دعوة الداع» وإن الحق سبحانه ~~قريب- من الجملة والكافة- بالعلم والقدرة والسماع والرؤية، وهو قريب من ~~المؤمنين على وجه التبرية والنصرة وإجابة الدعوة، وجل وتقدس عن أن يكون ~~قريبا من أحد بالذات والبقعة فإنه أحدى لا يتجه فى الأقطار، وعزيز لا يتصف ~~بالكنه والمقدار. # قوله جل ذكره: أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم ~~يرشدون. # لم يعد إجابة من كان باستحقاق زهد أو فى زمان عبادة بل قال دعوة الداعي ~~متى دعانى وكيفما دعانى وحيثما دعانى ثم قال: «فليستجيبوا لي» هذا تكليف، ~~وقوله: PageV01P156 # «أجيب دعوة الداع» تعريف وتخفيف، قدم التخفيف على التكليف، وكأنه قال: ~~إذا دعوتنى- عبدى- أجبتك، فأجبنى أيضا إذا دعوتك، أنا لا أرضى برد دعائك ~~فلا ترض- عبدى- بردى من نفسك. إجابتى لك بالخير تحملك- عبدى- على دعائى، ~~ولا دعاؤك يحملنى على إجابتك. «فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي» : وليثقوا فى، ~~فإنى أجيب من دعانى، قال قائلهم: # يا عز أقسم بالذي أنا عبده ... وله الحجيج ms0116 وما حوت عرفات «1» # لا أبتغى بدلا سواك خليلة ... فثقى بقولي والكرام ثقات # ثم قال فى آخر الآية: «لعلهم يرشدون» أي ليس القصد من تكليفك ودعائك إلا ~~وصولك إلى إرشادك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 187] # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ~~ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) # أخبر أنه- فى الحقيقة- لا يعود إليه عائد من أوصاف الخلق إن كنت فى ~~العبادة التي هى حق الحق أو فى أحكام العادة من صحبة جنسك التي هى غاية ~~النفس والحظ، فسيان فى حالك إذا أورد فيه الإذن. PageV01P157 # نزلت الآية فى زلة بدرت من الفاروق «1» ، فجعل ذلك سبب رخصة لجميع «2» ~~المسلمين إلى القيامة. وهكذا أحكام العناية. # ويقال علم أنه لا بد للعبد عن الحظوظ فقسم الليل والنهار فى هذا الشهر ~~بين حقه وحظك، فقال أما حقى ف «أتموا الصيام إلى الليل» ، وأما حظك ف «كلوا ~~واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر» . # قوله جل ذكره: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا ~~تقربوها، كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون. # أخبر أن محل القدرة مقدس عن اجتلاب الحظوظ، وقال إذا كنتم مشاغيل بنفوسكم ~~كنتم محجوبين بكم فيكم، وإذا كنتم قائمين بنا فلا تعودوا منا إليكم. # ويقال غيرة الحق سبحانه على الأوقات أن يمزج الجد بالهزل، قالت عائشة رضى ~~الله عنها: يا رسول الله إنى أحبك وأحب قربك فقال عليه السلام: ذريتى يا ~~ابنة أبى أبكر أتعبد ربى. وقال صلى الله عليه وسلم لى وقت لا يسعنى غير ربى ~~«3» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 188] # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ms0117 لتأكلوا فريقا ~~من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188) . PageV01P158 # إذا تحاكم إلى المخلوقين فاعلموا أن الله مطلع عليكم، وعلمه محيط بكم، ~~فراقبوا موضع الاستحياء من الحق سبحانه، ولئن كان المخلوقون «1» عالمين ~~بالظواهر فالحق- سبحانه وتعالى- متولى السرائر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 189] # يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت ~~من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (189) # الأهلة- جمع هلال- مواقيت للناس لأشغالهم ومحاسباتهم. # وهى مواقيت لأهل القصة فى تفاوت أحوالهم فللزاهدين مواقيت أورادهم، وأما ~~أقوام مخصوصون فهى لهم مواقيت لحالاتهم، قال قائلهم. # أعد الليالى ليلة بعد ليلة ... وقد كنت قدما لا أعد اللبالبا # وقال آخر: # ثمان قد مضين بلا تلاق ... وما فى الصبر فضل عن ثمان # وقال آخر: # شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار «2» # قوله جل ذكره: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى ~~وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون. # يعنى ليس البر مراعاة الأمور الظاهرة، بل البر تصفية السرائر وتنقية ~~الضمائر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 190] # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين (190) # لتكن نفوسكم عندكم ودائع الحق إن أمر بإمساكها أمسكوها وصونوها، وإن أمر ~~PageV01P159 # بتسليمها إلى القتل فلا تدخروها عن أمره، وهذا معنى قوله: «ولا تعتدوا» ~~وهو أن تقف حيثما أوقفت، وتفعل ما به أمرت. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 191] # واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك ~~جزاء الكافرين (191) # يعنى عليكم بنصب العداوة مع أعدائى- كما أن عليكم إثبات الولاية ~~والموالاة مع أوليائى- فلا تشفقوا «1» عليهم وإن كان بينكم واصد «2» الرحم ~~ووشائج القرابة. # «وأخرجوهم من حيث أخرجوكم» . أولا أخرجوا حبهم وموالاتهم من قلوبكم، ثم ( ### | .... # ) «3» عن أوطان الإسلام ليكون الصغار جاريا عليهم. # قوله جل ذكره: والفتنة أشد من القتل. # والإشارة: أن المحنة التي ترد على القلوب من طوارق ms0118 الحجب أشد من المحنة ~~التي ترد على النفوس من بذل الروح، لأن فوات حياة القلب أشد من فوات حياة ~~النفس، إذ النفوس حياتها بمألوفاتها، ولكن حياة القلب لا تكون إلا بالله. # ويقال الفتنة أشد من القتل: أن «4» تنأى عن الله أعظم من أن تنأى عن روحك ~~وحياتك. # قوله جل ذكره: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن ~~قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين. # الإشارة منه: لا تشوش وقتك «5» مع الله إذا كان بوصف الصفات بما تدخله ~~على نفسك PageV01P160 # وإن كانت نوافل من الطاعات، فإن زاحمك مزاحم يشغلك عن الله فاقطع مادة ~~ذلك عن نفسك بكل ما أمكنك لئلا تبقى لك علاقة تصدك «1» عن الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 192] # فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) # الإشارة منه: إذا انقطعت عنك غاغة خواطرك وأعداء نفسك، مما يخرجك عنه ~~ويزاحمك، فلم حديث النفس ودع مجاهداتها فإن من طولب بحفظ الأسرار لا يتفرغ ~~إلى مجاهدات النفوس بفنون المخالفات «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 193] # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على ~~الظالمين (193) # الإشارة من الآية إلى مجاهدات النفوس فإن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك. # أي استوف أحكام الرياضات حتى لا يبقى للآثار البشرية شىء، وتسلم النفس ~~والقلب لله، فلا يكون معارض ولا منازع منك لا بالتوقي ولا بالتلقى، لا ~~بالتدبير ولا بالاختيار- بحال من الأحوال تجرى عليك صروفه «3» كما يريد، ~~وتكون «4» محوا عن الاختيارات، بخلاف ما يرد به الحكم، فاذا استسلمت النفس ~~فلا عدوان إلا على أرباب التقصير، فأما من قام بحق الأمر تقصى عن عهدة ~~الإلزام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 194] # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) . ~~PageV01P161 # الإشارة فيه: إذا تقابل حقان كلاهما لله فسلم الوقت بحكم الوقت، ودل مع ~~إشارات الوقت، وإياك أن ترجح أحدهما على الآخر بمالك من حظ- وإن قل- فتحجب ~~عن شهود الحق، ms0119 وتعمى بصيرة قلبك. وكل ما كان إلى خلاف هواك أقرب، وعن ~~استجلابك وسكونك إليه أبعد- كان ذلك فى نفسه أصوب. # «واعلموا أن الله مع المتقين» : الذين اتقوا إيثار هواهم على ما فيه ~~رضاه، فإذا قاموا لله- فيما يأتون- لا لهم فإن الله تعالى بالنصرة معهم، ~~قال تعالى: «إن تنصروا الله ينصركم» # - قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 195] # وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين (195) # إنفاق الأغنياء من أموالهم، وإنفاق العابدين بنفوسهم لا يدخرونها عن ~~العبادات والوظائف، وإنفاق العارفين بقلوبهم لا يدخرونها عن أحكامه، وإنفاق ~~المحبين بأرواحهم لا يدخرونها عن حبه. # إنفاق الأغنياء من النعم وإنفاق الفقراء من الهمم. # إنفاق الأغنياء إخراج المال من الكيس، وإنفاق الفقراء إخراج الروح عن ~~أنفس النفيس، وإنفاق الموحدين إخراج الخلق من السر. # قوله تعالى: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» الإشارة فيه إلى إمساك يدك ~~عن البذل فمن أمسك يده وادخر شيئا لنفسه فقد ألقى بيده إلى التهلكة. ويقال: ~~إلى إيثار هواك على رضاه. # ويقال «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» أي الغفلة عنه بالاختيار. # ويقال توهم أنك تعيش من دون لطفه وإقباله لحظة. # ويقال الرضا بما أنت فيه من الفترة والحجاب. # ويقال إمساك اللسان عن دوام الاستغاثة فى كل نفس. # قوله تعالى: «وأحسنوا إن الله يحب المحسنين» الإحسان أن ترفق مع كل أحد # PageV01P162 # إلا معك فإحسانك إلى نفسك فى صورة إساءتك إليها فى ظن الاعتماد، وذلك ~~لارتكابك كل شديدة، ومقاساتك فيه كل عظيمة. والإحسان أيضا ترك جميع حظوظك ~~من غير بقية، والإحسان أيضا تفرغك الى قضاء حق كل أحد علق عليك حديثه. ~~والإحسان أن تعبده على غير غفلة. والإحسان أن تعبده وأنت بوصف المشاهدة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 196] # وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا ~~رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ms0120 فما استيسر من ~~الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ~~ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد ~~العقاب (196) # إتمام الحج على لسان العلم القيام بأركانه وسننه وهيئته، وإراقة الدماء ~~التي تجب فيها (دون) التقصير فى بعض أحوالها. # وفى التفسير أن تحرم بهما من دويرة أهلك «1» . # وعلى لسان الإشارة الحج هو القصد فقصد إلى بيت الحق وقصد إلى الحق، ~~فالأول حج العوام والثاني حج الخواص. # وكما أن الذي يحج بنفسه يحرم ويقف ثم يطوف بالبيت ويسعى ثم يحلق، فكذلك ~~من يحج بقلبه فإحرامه بعقد صحيح على قصد صريح، ثم يتجرد عن لباس مخالفاته ~~وشهواته، ثم باشتماله بثوبي صبره وفقره، وإمساكه عن متابعة حظوظه من اتباع ~~الهوى، وإطلاق خواطر المنى، وما فى هذا المعنى. ثم الحاج أشعث أغبر تظهر ~~عليه آثار الخشوع والخضوع، ثم تلبية الأسرار باستجابة كل جزء منك. # وأفضل الحج الشج والعج الشج صب الدم والعج رفع الصوت بالتلبية، فكذلك سفك ~~دم النفس بسكاكين الخلاف «2» ، ورفع أصوات السر بدوام الاستغاثة، وحسن ~~الاستجابة ثم الوقوف بساحات القربة باستكمال أوصاف الهيبة. وموقف النفوس ~~عرفات وموقف PageV01P163 # القلوب الأسامى والصفات لعز الذات (عند) «1» المواصلات. ثم طواف القلوب ~~حول (مشاهدة) «2» العز، والسعى بالأسرار بين صفى كشف الجلال ولطف الجمال. # ثم التحلل بقطع أسباب الرغائب والاختيارات، والمنى والمعارضات.. بكل وجه. # قوله جل ذكره: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي. # الحصر بأمرين بعدو أو مرض. # والإشارة فيه إن استولى عدو النفس فلم تجد بدا من الإناخة بعقوة الرخص ~~وتأويلات العلم فعند ذلك تتحلل بموجب العذر والاضطرار إذ لا مزاحمة مع ~~الحكم. «والهدى» الذي يهدى به عند التحلل بالعذر، والخروج عن المعلوم، ~~وتسليمه للفقراء، وانتظار أن يزول الحصر فيستأنف الأمر. وإن مرضت الواردات ~~وسقمت القصود وآل الأمر إلى التكليف فليجتهد ألا ينصرف كما أنه فى الحج ~~الظاهر يجتهد بألا ينصرف لكل مرض أو إن احتاج إلى اللبس والحلق وغير ذلك- ~~بشرط الفدية. # ثم إن ms0121 عجز، اشترط أن محله حيث حسبه فكذلك يقوم ويقعد فى أوصاف القصد ~~وأحكام الإرادة، فإن رجع- والعياذ بالله- لم يقابل إلا بالرد والصد، وقيل: # فلا عن قلى كان التقرب بيننا ... ولكنه دهر يشت ويجمع # وقال الآخر: # ولست- وإن أحببت من يسكن الفضا ... بأول راج حاجة لا ينالها # قوله جل ذكره: ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا ~~أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك. PageV01P164 # يبذل ما أمكنه، ويخرج عن جميع ما يملكه، وعليه آثار الحسرة، واستشعار ~~أحزان الحجبة. # «فمن كان منكم مريضا ... » إلخ: الإشارة منه أن يبتهل ويجتهد بالطواف على ~~الأولياء، والخدمة للفقراء، والتقرب بما أمكنه من وجود الاحتيال والدعاء. # قوله جل ذكره: فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة ~~كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. واتقوا الله واعلموا أن ~~الله شديد العقاب. # فإذا تجلت أقمار القصود عن كشوف التعزز، وانجلت غيابة الحجبة عن شموس ~~الوصلة وأشرق نور الإقبال فى تضاعيف أيام الوقفة، فليستأنف للوصلة وقتا، ~~وليفرش للقربة بساطا، وليجدد للقيام بحق السرور نشاطا، وليقل: حى على ~~البهجة! فقد مضت أيام المحنة. # وليكمل الحج والعمرة، وليستدم القيام بأحكام الصحبة والخدمة. # «واعلموا أن الله شديد العقاب» بالحجاب لمن لم يره أهلة الوصلة ~~والاقتراب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 197] # الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ~~وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي ~~الألباب (197) # كما أن الحج بالنفوس أشهر معلومات لا ينعقد الإحرام به إلا فيها، ولا ~~يجوز فعل الحج فى جميع السنة إلا فى وقت مخصوص، من فاته ذلك الوقت فاته ~~الحج- فكذلك حج القلوب له أوقات معلومة لا يصح إلا فيها، وهى أيام الشباب ~~فمن لم تكن له إرادة فى حال شبابه فليست له وصلة فى حال مشيبه، ms0122 وكذلك من ~~فاته وقت قصده وحال إرادته فلا يصلح إلا للعبادة التي آخرها الجنة، فأما ~~الإرادة التي آخرها الوصلة.. فلا. # قوله جل ذكره: فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج. # PageV01P165 # كذلك الإشارة لمن سلك طريق الإرادة ألا يعرج على شىء فى الطريق، ولا يمزج ~~إرادته بشىء. فمن نازعه أو عارضه أو زاحمه- سلم الكل للكل، فلا لأجل الدنيا ~~مع أحد يخاصم، ولا لشىء من حظوظ النفس والجاه مع أحد يزاحم، قال تعالى: ~~«وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما» . # قوله جل ذكره: وما تفعلوا من خير يعلمه الله. # تكتفى بعلمه وحكمه عن شهود خلقه وحكم خلقه وعلم خلقه. # قوله جل ذكره: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب. # تقوى العامة مجانبة الزلات، وتقوى الخواص مجانبة الأغيار بالسرائر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 198] # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله ~~عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) # الإشارة فيه أن ما تبتغى من فضل الله مما يعنيك على قضاء حقه، ويكون فيه ~~نصيب للمسلمين أو قوة للدين- فهو محمود. وما تطلبه لاستيفاء حظك أو لما فيه ~~نصيب لنفسك- فهو معلول. # قوله جل ذكره: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ~~واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين. # الإشارة فيه إذا وقفت حتى قمت بحق طلبه فاذكر فضله معك فلولا أنه أرادك ~~لما أردته، ولولا أنه اختارك لما آثرت رضاه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 199] # ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) # الإشارة فيه ألا تعلم نفسك بما تمتاز عن أشكالك فى الظاهر لا بلبسة ولا ~~بخرقة ولا بصفة، # PageV01P166 # بل تكون كواحد من الناس، وإذا خطر ببالك أنك فعلت شيئا، أو بك أو لك أو ~~معك شىء فاستغفر الله، وجدد إيمانك فإنه شرك خفى خامر قلبك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 200] # فإذا قضيتم مناسككم ms0123 فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من ~~يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) # «قضيتم مناسككم» إشارة إلى القيام بحق العبودية. # «فاذكروا الله كذكركم آباءكم» إشارة إلى القيام بحق المحبة. # قضاء المناسك قيام بالنفس. # «فاذكروا الله كذكركم آباءكم» قيام له بالقلب على استدامة الوقت واستغراق ~~العمر. # ويقال كما أن الأغيار يفتخرون بآبائهم، ويستبشرون بأسلافهم فليكن ~~افتخاركم بنا واستبشاركم بنا. # ويقال إن كان لآبائكم عليكم حق التربية فحقنا عليكم أوجب، وأفضالنا عليكم ~~أتم. # ويقال إن كان لأسلافكم مآثر ومناقب «1» ، فاستحقاقنا لنعوت الجلال فوق ما ~~لآبائكم من حسن الحال. # ويقال إنك لا تمل ذكر أبيك ولا تنساه على غالب أحوالك، فاستدم ذكرنا، ولا ~~تعترضنك ملالة أو سآمة «2» أو نسيان. # ويقال إن طعن فى نسبك طاعن لم ترض فكذلك ما تسمع من أقاويل أهل الضلال ~~والبدع فذب عنا. # ويقال الأب يذكر بالحرمة والحشمة فكذلك اذكرنا بالهيبة مع ذكر لطيف ~~القربة بحسن التربية. # وقال «كذكركم آباءكم» ولم يقل أمهاتكم لأن الأب يذكر احتراما والأم تذكر ~~شفقة عليها، والله يرحم ولا يرحم. PageV01P167 # «أو أشد ذكرا» لأن الحق أحق، ولأنك قد تستوحش كثيرا عن أبيك، والحق ~~سبحانه منزه عن أن يخطر ببال من يعرفه أنه بخلاف ما يقتضى الواجب حتى إن ~~كان ذرة. # وقوله «كذكركم آباءكم» الأب على ما يستحقه والرب على ما يستحقه. # قوله جل ذكره: فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا «1» وما له في ~~الآخرة من خلاق. # خطاب لوقاله مخلوق لك كان شاكرا «2» ، ولو أنه شكا منك كما شكا إليك ~~لساءت الحالة، ولكن بفضله أحلك محل أن يشكو إليك فقال: من الناس من لا يجنح ~~قلبه إلينا، ويرضى بدوننا عنا، فلا يبصر غير نفسه وحظه، ولا يمكن إيمان له ~~بربه وحقه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 201] # ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ~~(201) # إنما أراد بها حسنة تنتظم بوجودها جميع الحسنات، والحسنة التي بها تحصل ~~جميع ms0124 الحسنات فى الدنيا- حفظ الإيمان عليهم فى المآل فإن من خرج من الدنيا ~~مؤمنا لا يخلد فى النار، وبفوات هذا لا يحصل شىء. والحسنة التي تنتظم بها ~~حسنات الآخرة- المغفرة، فإذا غفر فبعدها ليس إلا كل خير. # ويقال الحسنة فى الدنيا العروف عنها، والحسنة فى الآخرة الصون عن ~~مساكنتها. # والوقاية من النار ونيران الفرقة إذ اللام فى قوله «النار» لام جنس فتحصل ~~الاستعاذة عن نيران الحرقة ونيران الفرقة جميعا. # ويقال الحسنة فى الدنيا شهود بالأسرار وفى الآخرة رؤية بالأبصار. # ويقال حسنة الدنيا ألا يغنيك عنك وحسنة الآخرة ألا يردك إليك. ~~PageV01P168 # ويقال حسنة الدنيا توفيق الخدمة وحسنة الآخرة تحقيق الوصلة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 202] # أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) # إن كان خيرا فخير وإن كان غير فغير. «والله سريع الحساب» للعوام فى ~~الفرصة، وللخواص فى كل نفس. # ويقال ذكر فريقين: منهم من يقول ربنا آتنا فى الدنيا، والثاني يقول فى ~~الدنيا والعقبى، وثالث لم يذكرهم وهم الراضون بقضائه، المستسلمون لأمره، ~~الساكنون عن كل دعاء واقتضاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 203] # واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر ~~فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (203) # هذه صفة أواخر النسك، وهو الرمي فى أيام مني لما قدموا بأركان الحج خفف ~~عنهم بأن خيرهم فى المقام والإفاضة والتعجيل فى التفريق. # والإشارة منه أن من خمدت نفسه، وحبى قلبه، واستدام بحقائق الشهود (سره) ~~«1» - فإن سقط عنه شىء من فروع الأوراد ففيما هو له مستديم من آداب الحضور ~~عوض عن الذي يفوت. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 204] # ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ~~ألد الخصام (204) # أخبر أن قوما أعرض الحق سبحانه وتعالى عن قلوبهم فأعطاهم فى الظاهر بسطة ~~فى اللسان ولكن ربط على قلوبهم أسباب الحرمان فهم فى غطاء جهلهم، ليس ~~وراءهم معنى، ولا على قولهم اعتماد، ولا على إيمانهم ms0125 اتكال، ولا بهم ثقة ~~بوجه. PageV01P169 # والإشارة إلى أهل الظاهر الذين لم تساعدهم أنوار البصيرة فهم مربوطون ~~بأحكام الظاهر لا لهم بهذا الحديث إيمان، ولا بهذه الجملة استبصار، فالواجب ~~صون الأسرار عنهم فإنهم لا يقابلون هذا الحديث إلا بالإنكار «1» ، وإن أهل ~~الوداعة «2» من العوام الذين فى قلوبهم تعظيم لهذه الطريقة، ولهم إيمان على ~~الجملة بهذا الحديث لأقرب إلى هذه الطريقة من كثير ممن عد نفسه من الخواص ~~وهو بمعزل عن الإيمان بهذا الأمر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 205] # وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب ~~الفساد (205) # الإشارة لمن سعيه مقصور على استجلاب حظوظه، فهو لا يبالى بما ينحل من عرى ~~الدين، ويهى من أسباب الإسلام، بعد ما تشتد حبال دنياهم، وتنتظم أسباب ~~مناهم، من حرام جمعوه، وحطام حصلوه. فإذا خلوا لوساوسهم وقصودهم الردية ~~سعوا بالفساد بأحكام أسباب الدنيا، واستعمالهم من يستعينون بهم فى تمشية ~~أمورهم من القوم الذين نزع الله البصيرة من قلوبهم. # «والله لا يحب الفساد» : ما كان فيه خراب الأمور الدينية ونظام الأحوال ~~الدنيوية فهو الفساد الظاهر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 206] # وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) # هؤلاء أقوام استولى عليهم التكبر، وزال عنهم خضوع الإنصاف فشمخت آنافهم ~~عن قبول الحق فإذا أمرته بمعروف قال: ألمثلي يقال هذا؟! PageV01P170 # وأنا كذا وكذا! ثم يكبر عليك ( ... ) «1» فيقول: وأنت أولى بأن تؤمر ~~بالمعروف وتنهى عن المنكر فإن من حالك وقصتك كذا وكذا. # أو لو ساعده التوفيق وأدركته الرحمة، وتقلد المنة بمن هداه إلى رؤية ~~خطئه، ونبهه على سوء «2» وصفه، لم يطو على نصيحة جنبيه وتبقى فى القلب- إلى ~~سنين- آثارها. # قال تعالى «فحسبه جهنم» يعنى ما هو فيه فى الحال من الوحشة وظلمات النفس ~~وضيق الاختيار حتى لا يسعى فى شىء غير مراده، فيقع فى كل لحظة غير مرة فى ~~العقوبة والمحنة، ثم إنه منقول من هذا العذاب إلى العذاب الأكبر، قال الله ~~تعالى: «ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ms0126 دون العذاب الأكبر» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 207] # ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد (207) # أولئك الذين أدركتهم خصائص الرحمة، ونعتتهم سوابق القسمة، فآثروا رضاء ~~الحق على أنفسهم، واستسلموا بالكلية لمولاهم، والله رءوف بالعباد: ولرأفته ~~بهم وصلوا إلى هذه الأحوال، لا بهذه الأحوال استوجبوا رأفته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 208] # يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين (208) # كلف المؤمن بأن يسالم كل أحد إلا نفسه فإنها لا تتحرك إلا بمخالفة سيده ~~فإن من سالم نفسه فتر عن مجاهداته، وذلك سبب انقطاع كل قاصد، وموجب فترة كل ~~مريد. # و «خطوات الشيطان» ما يوسوسه إليك من عجزك عن القيام باستيفاء أحكام ~~المعاملة، وترك نزعات لا عبرة بها، ولا ينبغى أن يلتفت إليها، بل كما قال ~~الله تعالى: «فإذا خفت عليه فألقيه في اليم» ثم أبصر ما الذي فعل به حين ~~ألقته، وكيف مده إليها بعد ما نجاه. PageV01P171 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 209] # فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم (209) # الزلة الواحدة بعد كشف البرهان أقبح من كثير منها قبل ذلك، ومن عرف فى ~~الخيانة لا يعتمد عليه فى الأمانة. ومحنة الأكابر «1» إذا حلت كان فيها ~~استئصالهم بالكلية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 210] # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر ~~وإلى الله ترجع الأمور (210) # استبطأ القوم قيام الساعة فأخبروا عن شدة الأمر إذا قامت الساعة بتفصيل ~~ما ذكر. # وتلك أفعال فى معنى الأحوال، يظهرها الله سبحانه بما يزيل عنهم الإشكال ~~فى علو شأنه سبحانه وتعالى، ونفاذ قدرته فيما يريد. «وقضي الأمر وإلى الله ~~ترجع الأمور» أي انهتك ستر الغيب عن صريح التقدير السابق. ولقد استغنت قلوب ~~الموحدين لما فيها من أنوار البصائر عن طلب التأويل لهذه الآية وأمثالها إذ ~~الحق سبحانه منزه عن كل انتقال وزوال، واختصاص بمكان أو زمان، تقدس عن كل ms0127 ~~حركة وإتيان «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 211] # سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما ~~جاءته فإن الله شديد العقاب (211) # فائدة السؤال ليقرر عليهم بالسؤال الحجة، لا ليقرر للرسول صلى الله عليه ~~وسلم بسؤالهم ما أشكل عليهم من واضح المحبة. # «ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب» بزوال تلك ~~النعمة. وعند ذلك يعرفون قدرها، ثم يندبونها ولا يصلون إليها قط، قال ~~قائلهم: # ستهجرنى وتتركنى ... فتطلبنى فلا تجد PageV01P172 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 212] # زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا ~~فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) # مكروا «1» فلم يشعروا، وحملهم اشتداد الظلمة على بصائرهم على الوقيعة فى ~~أوليائه سبحانه، والسخرية منهم، وحين تقشعت غواية الجهل عن قلوبهم ( ### | ..... # ) «2» علموا من الخاسر منهم من الذي كان فى ضلال بعيد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 213] # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من ~~بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213) # يعنى الغيبة عن الحق جمعتهم، فلما أتتهم الرسل تباينوا على حسب ما رزقوا ~~من أنوار البصيرة وحرموها. ويقال كانوا على ما سبق لهم من الاختيار القديم، ~~وبمجىء الرسل تهود قوم وتنصر قوم، ثم فى العاقبة يرد كل واحد إلى ما سبق له ~~من التقدير، وإن الناس اجتمعوا كلهم فى علمه سبحانه ثم تفرقوا فى حكمه، ~~فقوم هداهم وقوم أغواهم، وقوم حجهم وقوم PageV01P173 # جذبهم، وقوم ربطهم بالخذلان وقوم بسطهم بالإحسان، فلا من المقبولين أمر ~~مكتسب، ولا لرد المردودين سبب، بل هو حكم بت وقضاء جزم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 214] # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا ms0128 حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ~~ألا إن نصر الله قريب (214) # خلق الله الجنة وحفها بالمصائب، وخلق النار وحفها بالشهوات والرغائب، فمن ~~احتشم ركوب الأهوال بقي عن إدراك الآمال. ثم إن الحق سبحانه ابتلى الأولين ~~بفنون من مقاساة الشدائد، وكل من ألحق بهم من خلف الأولياء أدخلهم فى ~~سلكهم، وأدرجهم فى غمارهم، فمن ظن غير ذلك فسراب ظنه ماء، وحكم لم يحصل على ~~ما ظنه تأويلا. ولقد مضت سنة الله سبحانه مع الأولياء أنهم لا ينيخون بعقوة ~~الظفر إلا بعد إشرافهم على عرصات اليأس، فحين طال بهم الترقب صادفهم اللطف ~~بغتة وتحقق لهم المبتغى فجأة. قال تعالى «ألا إن نصر الله قريب» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 215] # يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215) # علموا أن العبد غير منفرد بالفاعلية أن يفعل، فإن العبد ليس له فعل شىء ~~إلا بإذن مولاه فتوقفوا فى الإنفاق على ما يشير إليه تفصيل الإذن، لأن ~~العبودية الوقوف حيثما أوقفك الأمر. # PageV01P174 # ويقال لم ينفقوا على إشارات الهوى. وإن ما طالعوه تفاصيل الأمر وإشارات ~~الشرع والواو فى هذه الآية فى قوله: «والأقربين واليتامى» تشير إلى نوع من ~~الترتيب فالأولى بمعروفك والداك ثم أقاربك ثم على الترتيب الذي قاله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 216] # كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) # صعبت على النفوس مباشرة القتال، فبين أن راحات النفوس مؤجلة لأنها فى حكم ~~التأديب، وبالعكس من هذا راحات القلوب فإنها معجلة إذ هى فى وصف التقريب، ~~فالسادة فى مخالفة النفوس فمن وافقها حاد عن المحبة المثلى، كما أن السعادة ~~فى موافقة القلوب فمن خالفها زاغ عن السنة العليا. # وبشرى ضمان الحق باليسر أولى أن تقبل من محذرات هواجس النفوس فى حلول ~~العسر وحصول الضر. # قوله جل ذكره: ms0129 ### | [سورة البقرة (2) : آية 217] # يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من ~~القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (217) # من المعاصي ما يكون أشد من غيره وأصعب فى المعنى، فسوء الأدب على الباب ~~لا يوجب ما يوجبه على البساط فإذا حصلت الزلة بالنفس فأثرها بالعقوبة ~~المؤجلة وهى الاحتراق، وإذا زل «1» القلب فالعقوبة معجلة وهى بالفراق، وأثر ~~الغفلة على القلوب أعظم من ضرر الزلة PageV01P175 # على النفوس، فإن النفس عن الحظ تبقى، والقلب عن الحق يبقى قوله جل ذكره: ~~ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا، ومن يرتدد منكم عن ~~دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون. # الإشارة من هذا أن أهل الغفلة إذا راودوك أرادوا صرفك إلى ما هم عليه من ~~الغفلة، فلا يرضون إلا بأن تفسخ عقد إرادتك بما تعود إليه من سابق حالتك، ~~ومن فسخ مع الله عهده مسخ قلبه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 218] # إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت ~~الله والله غفور رحيم (218) # إن الذين صدقوا فى قصدهم، وأخلصوا فى عهدهم، ولم يرتدوا فى الإرادة على ~~أعقابهم، أولئك الذين عاشوا فى روح الرجاء إلى أن يصلوا إلى كمال البقاء ~~ودار اللقاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 219] # يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر ~~من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون (219) # الخمر ما خامر العقول، وكما أن الخمر حرام بعينها فالسكر حرام بقوله صلى ~~الله عليه وسلم: # «حرمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب» ، فمن سكر من شراب الغفلة استحق ~~ما يستحق شارب الخمر من ms0130 حيث الإشارات، فكما أن السكران ممنوع من الصلاة ~~فصاحب السكر بالغفلة محجوب عن المواصلات وأوضح شواهد الوجود، فمن لم يصدق ~~فليجرب. # PageV01P176 # ومعنى القمار موجود فى أكثر معاملات أهل الغفلة إذا سلكوا طريق الحيل ~~والخداع والكذب فى المقال. وبذل الصدق والإنصاف عزيز. # قوله جل ذكره: ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات ~~لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة. # قيل العفو ما فضل عن حاجتك، وهذا للخواص يخرجون من فاضل أموالهم عن قدر ~~كفاياتهم، فأما خواص الخواص فطريقهم الإيثار وهو أن يؤثر به غيره على نفسه ~~وبه فاقة إلى ما يخرج وإن كان صاحبه الذي يؤثر به غيبا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 220] # في الدنيا والآخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز ~~حكيم (220) # إصلاح حالهم بما يكون فيه تأديبهم أتم من إصلاح مالهم، ثم الصبر على ~~الاحتمال عنهم مع بذل النصح، و (مفارقة المال من من إرشادهم خير من الترخص ~~بأن يقول إنه لا يتوجه على فرضيهم) «1» . # قوله جل ذكره: والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله ~~عزيز حكيم. # فيعامل كلا على سواكن قلبه من القصود لا على ظواهر كسبه من جميع الفنون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 221] # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون ~~إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم ~~يتذكرون (221) PageV01P177 # صلة حبل الدين والتمسك بعصمة المسلمين أتم من الرضا بأن تنتهى إلى أحد ~~يسلك إلى الكفر، ولئن كانت رخصة الشريعة حاصلة فى فعله فإشارة الحقيقة ~~مانعة من حيث التبرئة عن اختياره، هذا فى الكتابيات اللاتي يجوز مواصلتهن، ~~فأما أهل الشرك فحرام مواصلتهم قطعا، وأوجه مباينتهم فى هذا الباب حكم جزم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 222] # ويسئلونك عن المحيض ms0131 قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين (222) # ليس كل ما يكون موجب الاستحياء والنفور مما هو باختيار العبد، فقد يكون ~~من النقائص ما ليس للعبد فيه كسب، وهو ابتداء حكم الحق، فمن ذلك ما كتب ~~الله على بنات آدم من تلك الحالة، ثم أمرن باعتزال المصلى فى أوان تلك ~~الحالة، فالمصلى مناج ربه، فنحين عن محل المناجاة حكما من الله لا جرما ~~لهن. وفى هذا إشارة فيقال: إنهن- وإن منعن عن الصلاة التي هى حضور بالبدن ~~فلم يحجبن عن استدامة الذكر بالقلب واللسان، وذلك تعرض بساط القرب، قال صلى ~~الله عليه وسلم مخبرا عنه تعالى: «أنا جليس من ذكرنى» . # قوله جل ذكره: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. # يقال يحب التوابين من الذنوب، والمتطهرين من العيوب. # ويقال التوابين من الزلة، والمتطهرين من التوهم أن نجاتهم بالتوبة. # ويقال التوابين من ارتكاب المحظورات، والمتطهرين من المساكنات ~~والملاحظات. # ويقال التوابين بماء الاستغفار والمتطهرين بصوب ماء الخجل بنعت الانكسار. # PageV01P178 # ويقال التوابين من الزلة، والمتطهرين من الغفلة. # ويقال التوابين من شهود التوبة، والمتطهرين من توهم أن شيئا بالزلة بل ~~الحكم ابتداء من الله تعالى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 223] # نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا ~~أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223) # لما كانت النفوس بوصف الغيبة عن الحقيقة أباح لها السكون إلى أشكالها إذا ~~كان على وصف الإذن، فلما كانت القلوب فى محل الحضور حرم عليها المساكنة إلى ~~جميع الأغيار والمخلوقات. # «وقدموا لأنفسكم» من الأعمال الصالحة ما ينفعكم يوم إفلاسكم، لذلك قال: # «واعلموا أنكم ملاقوه» فانظروا لأنفسكم بتقديم ما يسركم وجدانه عند ربكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 224] # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله ~~سميع عليم (224) # نزهوا ذكر ربكم عن ابتذاله بأى حظ من الحظوظ. # ويقال لا تجعلوا ذكر الله شركا يصطاد به حطام الدنيا. # قوله ms0132 جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 225] # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله ~~غفور حليم (225) # ما جرى به اللسان على مقتضى السهو فليس له كثير خطر فى الخير والشر، ولكن ~~ما انطوت عليه الضمائر، واحتوت عليه السرائر، من قصود صحيحة، وعزائم قوية ~~فذلك الذي يؤخذ به إن كان خيرا فجزاء جميل، وإن كان شرا فعناء طويل. # PageV01P179 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 226] # للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم (226) # إذا كان حق صحبة الأشكال محفوظا عليك- حتى لو أخللت به- وأخذك بحكمه: # فحق الحق أحق بأن تجب مراعاته. «فإن فاؤ» أي رجعوا إلى إحياء ما أماتوا، ~~واستدراك ما ضيعوا «فإن الله غفور رحيم» فلما تقاصر لسان الزوجة- لكونها ~~أسيرا فى يد الزوج- تولى الله- سبحانه- الأمر بمراعاة حقها فأمر الزوج ~~بالرجوع إليها أو تسريحها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 227] # وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (227) # إن مل حق صحبتها، وأكد العزم على مفارقتها فإن الله مطلع على حاله وسره، ~~فإن بدا له باد من ندم فلا يلبس بأركان الطلاق فإن الله سبحانه عليم أنه ~~طلقها. # ولما كان الفراق شديدا عزى المرأة بأن قال إنه «سميع» أي سمعنا موحش تلك ~~القالة، فهذا تعزية لها من الحق سبحانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 228] # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز ~~حكيم (228) # أمر المطلقات بالعدة احتراما لصحبة الأزواج، يعنى إن انقطعت العلاقة ~~بينكما فأقيموا على شرط الوفاء لما سلف من الصحبة، ولا تقيموا غيره مقامه ~~بهذه السرعة فاصبروا حتى يمضى مقدار من المدة. ألا ترى أن غير المدخول بها ~~لم تؤمر بالعدة حيث لم تقم بينهما صحبة؟ # ثم قال جل ذكره: ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن ms0133 يؤمن ~~بالله واليوم الآخر. # يعنى إن انقطع بينكما السبب فلا تقطعوا ما أثبت الله من النسب. # ثم قال جل ذكره: وبعولتهن أحق بردهن. # PageV01P180 # يعنى من سبق له الصحبة فهو أحق بالرجعة لما وقع فى النكاح من الثلمة في ~~ذلك إن أرادوا إصلاحا. # يعنى أن يكون القصد بالرجعة استدراك ما حصل من الجفاء لا تطويل العدة ~~عليها بأن يعزم على طلاقها بعد ما أرجعها. # ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف. # يعنى إن كان له عليها حق ما أنفق من المال فلها حق الخدمة لما سلف من ~~الحال. # وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم. # فى الفضيلة، ولهن مزية فى الضعف وعجز البشرية. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 229] # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد ~~حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) # ندب إلى تفريق الطلاق لئلا تسارع إلى إتمام الفراق، وقيل فى معناه: # إن تبينت أن عزمك قتلى ... فذرينى أضنى قليلا قليلا # ثم قال جل ذكره: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. # إما صحبة جميلة أو فرقة جميلة. فأما سوء العشرة وإذهاب لذة العيش ~~بالأخلاق الذميمة فغير مرضى فى الطريقة، ولا محمود فى الشريعة. # قوله جل ذكره: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا. # فإن فى الخبر «العائد فى هبته كالعائد فى قيئه» والرجوع فيما خرجت عنه ~~خسة. # ثم قال جل ذكره: إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما ~~حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به. # PageV01P181 # يعنى إن أرادت المرأة أن تتخلص من زوجها فلا جناح عليها فيما تبذل من ~~مال، فإن النفس تساوى لصاحبها كل شىء، والرجل إذا فاتته صحبة المرأة فلو ~~اعتاض عنها شيئا فلا أقل من ذلك، حتى إذا فاتته راحة الحال يصل إلى يده شىء ~~من المال. # قوله جل ذكره: ms0134 تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظالمون. # هذه آداب يعلمكمها الله ويسنها لكم، فحافظوا على حدوده، وداوموا على ~~معرفة حقوقه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 230] # فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح ~~عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم ~~يعلمون (230) # الرجل يشق عليه أن ينكح زوجته غيره فمنعه عن اختيار الفراق بغاية الفراق ~~بغية المنع «1» لما بين أنها لا تحل له إن فارقها إلا بأن تفعل «2» غاية ما ~~يشق عليه وهو الزواج الثاني ليحذر الطلاق ما أمكنه. ثم قال «فإن طلقها» ~~يعنى الزوج «فلا جناح عليهما أن يتراجعا» يعنى تتزوج بالزوج الأول. # والإشارة فيه أن استيلاء المحبة على القلب يهون مقاساة كل شديدة فلو ~~انطوى الزوجان بعد الفرقة على التحسر على ما فاتهما من الوصلة، وندما على ~~ذلك غاية الندامة فلا جناح عليهما أن يتراجعا، والمرأة فى هذه الحالة كأنها ~~( ... ) «3» من الزوج الأول بمكان الزوج الثاني والزوج كالآتى على نفسه فى ~~احتمال ذلك. # ثم قال جل ذكره: إن ظنا أن يقيما حدود الله، وتلك حدود الله يبينها لقوم ~~يعلمون. # يعنى لا يعودان بعد ذلك إلى الفراق ثانيا إذا علما حاجة أحدهما إلى ~~صاحبه، قال قائلهم: # ولقد حلفت لئن لقيتك مرة ... ألا أعود إلى فراقك ثانية PageV01P182 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 231] # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله ~~هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ~~واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم (231) # تضمنت الآية الأمر بحسن العشرة، وترك المغايظة مع الزوجة، والمحك على وجه ~~اللجاج فإما تخلية سبيل من غير جفاء أو قيام بحق الصحبة على شرط الوفاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 232] # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن ms0135 أزواجهن إذا تراضوا ~~بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى ~~لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) # تضمنت الآية نهى الأولياء «1» عن مضارتهن، وترك حمية الجاهلية، والانقياد ~~لحكم الله فى تزويج النساء إن أردن النكاح من دون استشعار الأنفة والحمية. # بل إذا رضيت بكفو يخطبها فحرام عليكم ظلمها. والتذويب عن أوصاف البشرية ~~بقهر النفس أشد مجاهدة وأصدق معاملة لله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 233] # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة ~~بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض ~~منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح ~~عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون ~~بصير (233) . PageV01P183 # غاية الرحمة التي يضرب بها المثل رحمة الأمهات فأمر الله سبحانه الأمهات ~~بإكمال الرحمة بإرضاع المولود حولين كاملين، وقطع الرضاعة عنه قبل الحولين ~~إشارة إلى أن رحمة الله بالعبد أتم من رحمة الأمهات. # ثم قال جل ذكره: وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف. # يعنى الأب عليه رزقهن وكسوتهن- أي المرضعات- بالمعروف. لما ينبن عنك وجب ~~حقهن عليك، فإن من لك كله فعليك كله. # ثم قال جل ذكره: لا تكلف نفس إلا وسعها. # ادخار المستطاع بخل، والوقوف- عند العجز- عذر. # ثم قال جل ذكره: لا تضار والدة بولدها. # فى الإرضاع وما يجب عليه. # ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك. # يعنى الوالد «1» بولده يعنى فيما يلزم من النفقة والشفقة. فكما يجب حق ~~المولود على الوالدين يجب حق الوالدين على المولود. # ثم قوله جل ذكره: فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما ~~وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم ~~بالمعروف، واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير. # يعنى فطاما قبل الحولين، فلا جناح بعد ما كان القصد الصلاح. اشتملت الآية ms0136 ~~على تمهيد طريق الصحبة، وتعليم محاسن الأخلاق فى أحكام العسرة وإن من لا ~~يرحم لا يرحم. # وقال صلى الله عليه وسلم لمن ذكر أنه لم يقبل أولاده: «إن الله لا ينزع ~~الرحمة إلا من قلب شقى» . PageV01P184 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 234] # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا ~~بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون ~~خبير (234) # لما كان حق الميت أعظم لأن فراقه لم يكن بالاختيار كانت مدة الوفاء له ~~أطول. وكانت عدة الوفاة فى ابتداء الإسلام سنة، ثم ردت إلى أربعة أشهر ~~وعشرة أيام لتتحق براءة الرحم عن ماء الزوج، ثم إذا انقضت العدة أبيح لها ~~التزوج بزوج آخر. والميت لا يستديم وفاءه إلى آخر العمر أحد كما قيل: # وكما تبلى وجوه فى الثرى ... فكذا يبلى عليهن الحزن # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 235] # ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم ~~الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) # أبيح من ذلك ما كان فيه استجلاب للمودة، وتأسيس لحال الوصلة. وحرم منه ما ~~فيه ارتكاب المحظورات من إلمام بذنب أو عدة بجرم «1» . # قوله جل ذكره: ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله، واعلموا أن ~~الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم. PageV01P185 # أي تنقضى عدة الأول فإن حرمة الماضي لا تضيع. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 236] # لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن ~~على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين (236) # إن ابتلاء تم بوصيلة «1» أشكالكم ثم بدا لكم فلا جناح «2» عليكم فى ~~اختيار الفرقة- إذا أردتم- فإن الذي لا يجوز اختيار فرقته- واحد فأما صحبة ~~الخلق بعضهم مع بعض فليس بواجب، ms0137 بل غاية وصفه أنه جائز. # ولما وقع عليهن اسمكم فنصف المسمى يجب لهن، فإن الفراق- كيفما كان- فهو ~~شديد، فجعل ما يستحق من العوض كالخلف لها عند تجرع كأس الفرقة. # فإن لم يكن مسمى فلا يخلو العقد من متعة فإن تجرع الفرقة- مجردا عن ~~الراحة- بلاء عظيم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 237] # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن ~~يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا ~~الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (237) # ثم ذكر أن العفو أتم وأحسن، إما من جهة المرأة فى النصف المستحق لها، أو ~~من قبل الزوج فى النصف العائد إليه. PageV01P186 # ثم قال جل ذكره: ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير. # يقال من أخذ بالفضل واقتصر على الفرض فعن قريب يخل «1» بالفرض. # ويقال نسيان الفضل يقرب صاحبه من البخل، وإن من سنة الكرام إذا خفيت ~~عليهم مواضع الكرم أن يشحذوا بصائر الجود لتطالع لطائف الكرم فتتوفر ~~دواعيهم فى اقتناء أسباب الفضل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 238] # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) # المحافظة على الصلاة أن يدخلها بالهيبة، ويخرج بالتعظيم، ويستديم بدوام ~~الشهود بنعت الأدب، والصلاة الوسطى (أيهم ذكرها على البيت) «2» لتراعى ~~الجميع اعتقادا منك لكل واحدة أنها هى لئلا يقع منك تقصير فى شىء منها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 239] # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون (239) # أي لا تخلوا بمناجاتي لأوقاتها على الوصف الذي أمكنكم فان ما تحسونه «3» ~~من أعدائكم أنا سلطتهم عليكم، فاذا خلوتم بي بقلوبكم قصرت أيديهم عنكم، ~~وجعلت لكم الظفر عليهم، ثم إذا زال عنكم الخوف وأمنتم فعودوا إلى استقراركم ~~باستفراغ أوقاتكم فى الاعتكاف بحضرتي سرا وجهرا. PageV01P187 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 240] # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن ms0138 في أنفسهن من معروف والله عزيز ~~حكيم (240) # كانت عدة الوفاة فى ابتداء الإسلام سنة مستديمة كقول العرب وفعلهم ذلك ~~حيث يقول قائلهم: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكم ... ومن لباك حولا كاملا فقد اعتذر # ثم نسخ ذلك إلى أربعة أشهر وعشرة أيام إذ لا بد من انتهاء مدة الحداد ~~ولقد قال قائلهم: # قال: لو مت لم أعش ... قلت: نافقت فاسكت # أي حى رأيته ... مات وجدا بميت؟! «1» # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 241 الى 242] # وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) كذلك يبين الله لكم آياته ~~لعلكم تعقلون (242) # الإشارة ألا تجمعوا عليهن الفراق والحرمان فيتضاعف عليهن البلاء. # كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون الدلائل، فتتأدبوا بما أشير ~~عليكم، وتفلحوا بما تعقلون من إشارات حكمى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 243] # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله ~~موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ~~(243) . PageV01P188 # لما استبعدوا قدرة الله فى الإعادة أراهم فى أنفسهم عيانا، ثم لم ينفع ~~إظهار ذلك لمن لم يشحذ بصيرته فى التوحيد. ومن قويت بصيرته لم يضره عدم تلك ~~المشاهدات فإنهم تحققوا بما أخبروا، لما آمنوا به بالغيب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 244] # وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (244) # يعنى إن مسكم ألم فتصاعد «1» منكم أنين فاعلموا أن الله سميع لأنينكم، ~~عليم بأحوالكم، بصير بأموركم. والآية توجب تسهيل ما يقاسونه من الألم، ~~وقالوا: # إذا ما تمنى الناس روحا وراحة ... تمنيت أن أشكو إليك فتسمع # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 245] # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ~~ويبصط وإليه ترجعون (245) # سمى القرض قرضا لأنه يقطع «2» من ماله شيئا ليعطيه للمقترض، والمتصدق لما ~~يقطع الصدقة من ماله سميت صدقته قرضا، فالقرض القطع، ولكن هذه التسمية لحفظ ~~قلوب الأحباب حيث خاطبك فى باب الصدقة باسم القرض ولفظه. # ويقال دلت الآية على عظم رتبة الغني ms0139 حيث سأل منه القرض، ولكن رتبة الفقير ~~فى هذا أعظم لأنه سأل لأجله القرض، وقد يسأل القرض من «3» كل أحد ولكن لا ~~يسأل لأجل كل أحد. وفى الخبر «مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه ~~مرهونة عند أبى شحمة اليهودي على شعير أخذه لقوت عياله «4» أبصر ممن اقترض ~~ولأجل من اقترض! ويقال القرض الحسن ما لا تتطلع عليه لجزاء ولا تطلب بسببه ~~العوض. PageV01P189 # ويقال القرض الحسن ألا يعطى على الغفلة، وإنما يعطى عن شهود. # ويقال القرض الحسن من العلماء «1» إذا كان عند ظهر الغنى، ومن الأكابر ~~إذا كان بشرط الإيثار يعطى ما لا بد منه. # ويقال القرض الحسن من العلماء عن مائتين خمسة «2» ، وعلى لسان القوم بذل ~~الكل، وزيادة الروح على ما يبذل. # قوله جل ذكره: والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون. # يقبض الصدقة من الأغنياء قبض قبوله، ويبسط عليهم بسط خلفه. # ويقال يقبض الرزق أي يضيق، يبسط الرزق أي يوسع يقبض على الفقراء ليمتحنهم ~~بالصبر، ويبسط على الأغنياء ليطالبهم بالشكر. # ويقال يقبض تسلية للفقراء ليطالبهم حتى لا يروا من الأغنياء، ويبسط لئلا ~~يتقلدوا المنة من الأغنياء. # ويقال قال للأغنياء: إذا أنا قبضت الرزق على الفقراء فلا تذروهم، وإذا ~~أنا بسطت عليكم فلا تروا ذلك لفضيلة لكم. # ويقال قبض القلوب بإعراضه وبسطها بإقباله. # ويقال القبض لما غلب القلوب من الخوف، والبسط لما يغلب عليها من الرجاء. # ويقال القبض لقهره والبسط لبره. # ويقال القبض لسره والبسط لكشفه. # ويقال القبض للمريدين والبسط للمرادين. # ويقال القبض للمتسابقين «3» والبسط للعارفين. # ويقال يقبضك عنك ثم يبسطك به. PageV01P190 # ويقال القبض حقه، والبسط حظك. # ويقال القبض لمن تولى عن الحق، والبسط لمن تجلى له الحق. # ويقال يقبض إذا أشهدك فعلك، ويبسط إذا أشهدك فضله. # ويقال يقبض بذكر العذاب ويبسط بذكر الإيجاب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 246] # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ~~ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا ms0140 تقاتلوا ~~قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما ~~كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (246) # استقبلوا الأمر بالاختيار، واقترحوا على نبيهم بسؤال الإذن لهم فى ~~القتال، فلما أجيبوا إلى ما ضمنوه من أنفسهم ركنوا إلى التكاسل، وعرجوا في ~~أوطان التجادل والتغافل. ويقال إنهم أظهروا التصلب والجد فى القتال ذبا عن ~~أموالهم ومنازلهم حيث: # قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ~~فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين. # فلذلك لم يتم قصدهم لأنه لم يخلص- لحق الله- عزمهم، ولو أنهم قالوا وما ~~لنا ألا نقاتل فى سبيل الله لأنه قد أمرنا، وأوجب علينا، فإنه سيدنا ~~ومولانا، ويجب علينا أمره- لعلهم وفقوا لإتمام ما قصدوه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 247] # وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك ~~علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم ~~وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) # PageV01P191 # نسوا حق الاختيار فنظروا إلى الحال بعين الظاهر فاستبعدوا أن يكون طالوت ~~ملكا لأنه «1» كان فقيرا لا مال له، فبين لهم أن الفضيلة باختيار الحق، ~~وأنه وإن عدم المال فقد زاده الله علما ففضلكم بعلمه وجسمه، وقيل أراد أنه ~~محمود خصال النفس ولم يرد عظيم البنية فإن فى المثل: «فلان اسم بلا جسم» أي ~~ذكر بلا معنى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 248] # وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية ~~مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين (248) # إن الله سبحانه إذا أظهر نورا أمده بتأييد من قبله، فلما ملك طالوت عليهم ~~أزال الإشكال عن صفته بما أظهر من آياته الدالة على صدق قول نبيهم فى ~~اختياره، فرد عليهم التابوت الذي فيه السكينة، فاتضحت لهم ms0141 آية ملكه، وأن ~~نبيهم عليه السلام صدقهم فيما أخبرهم. # ويقال إن الله تعالى جعل سكينة بنى إسرائيل فى التابوت الذي رضوا عن ~~الألواح، وعصا موسى عليه السلام، وآثار صاحب نبوتهم. وجعل سكينة هذه الأمة ~~«2» فى قلوبهم، فقال: «هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين» ثم إن ~~التابوت كان تتداوله أيدى الأعداء وغيرهم فمرة كان يدفن ومرة كان يغلب عليه ~~فيحمل، ومرة يرد ومرة ومرة ... # وأما قلوب المؤمنين فحال بين أربابها وبينها، ولم يستودعها ملكا ولا ~~نبيا، ولا سماء ولا هواء، ولا مكانا ولا شخصا، وقال صلى الله عليه وسلم: ~~PageV01P192 # «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» يعنى فى قبضة الحق سبحانه، وتحت ~~تغليبه وتصريفه، والمراد منه «القدرة» ، وشتان بين أمة سكينتهم فيما ~~للأعداء عليه تسلط وأمة سكينتهم فيما ليس لمخلوق عليه سلطان. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 249] # فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ~~ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم ~~فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين (249) # الإشارة من هذه الآية أن الله سبحانه ابتلى الخلق بصحبة الخلق وبالدنيا ~~وبالنفس، ومن كانت صحبته مع هذه الأشياء على حد الاضطرار بمقدار القوام، ~~وما لا بد منه نجا وسلم «1» ، ومن جاوز حد الاضطرار وانبسط فى صحبته مع شىء ~~من ذلك من الدنيا والنفس والخلق بموجب الشهادة «2» والاختيار- فليس من الله ~~فى شىء إن كان ارتكاب محظور، وليس من هذه الطريقة فى شىء إن كان على جهة ~~الفضيلة وماله منه بد. # ثم قال جل ذكره: فشربوا منه إلا قليلا منهم. # كذلك الخواص فى كل وقت يقل عددهم ولكن يجل قدرهم. # قوله جل ذكره: فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم ~~بجالوت وجنوده. # فنظروا إلى الحال بعين الظاهر فداخلهم ms0142 شىء من رعب البشرية، فربط الله على ~~قلوبهم بما ذكرهم من نصرة الحق سبحانه لأوليائه إذا شاء. PageV01P193 # قوله جل ذكره: قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت ~~فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين. # لا بهم ولكن بإذن الله، بمشيئته وعونه ونصرته، والله مع الصابرين بالنصرة ~~والتأييد والقوة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 250] # ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين (250) # كان أهم أمورهم الصبر والوقوف للعدو، ثم بعده النصرة عليهم، فإن الصبر حق ~~الحق، والنصرة نصيبهم، فقدموا تحقيق حقه- سبحانه- وتوفيقه لهم، ثم وجود ~~حظهم من النصرة، ثم أشاروا إلى أنهم يطلبون النصرة عليهم- لا للانتقام منهم ~~لأجل ما فاتهم من نصيبهم- ولكن لكونهم كافرين، أعداء الله. # فقاموا بكل وجه لله بالله فلذلك نصروا ووجدوا الظفر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 251] # فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما ~~يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين (251) # هيب الله الأعداء بطالوت لما زاده من البسطة فى الجسم ولكن عند القتال ~~جعل الظفر على يدى داود. وكان كما فى القصة ربع القامة غير عظيم الجثة، ~~مختصر الشخص، ولم يكن معه من السلاح إلا مقلاع، ولكن الظفر كان له لأن نصرة ~~الله سبحانه كانت معه. # قوله جل ذكره: فهزموهم بإذن الله. # فلم يبق منهم أثر ولا عين، وقتل داود جالوت. وداود بالإضافة إلى جالوت فى ~~الضخامة والجسامة كان بحيث لا تتوهم غلبته إياه ولكن كما قال قائلهم. # PageV01P194 # استقبلني وسيفه مسلول ... وقال لى واحدنا معذول «1» # قوله جل ذكره: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو ~~فضل على العالمين. # لو تظاهر الخلق وتوافقوا بأجمعهم لهلك المستضعفون لغلبة الأقوياء ولكن ~~شغل بعضهم ببعض ليدفع بتشاغلهم شرهم عن قوم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 252] # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252) # لم يكن فى علمك ولا ms0143 فى وسع احتيالك الوقوف على هذه الغائبات من الكائنات ~~التي سلفت، وإنما وقفت عليها بتعريف من قبل الله سبحانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 253] # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من ~~بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ~~ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) # جمعتهم الرسالة ولكن تباينوا فى خصائص التفضيل، لكل واحد منهم أنوار، ~~ولأنوارهم مطارح، فمنهم من هو أعلى نورا، وأتم من الرفعة وفورا. فلم تكن ~~فضائلهم استحقاقهم على أفعالهم وأحوالهم، بل حكم بالحسنى أدركهم، وعاقبة ~~بالجميل تداركتهم. # قوله جل ذكره: ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم ~~البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا، ~~ولكن الله يفعل ما يريد. PageV01P195 # ولكنهم مصرفون بالمشيئة الأزلية، ومسلوبون من الاختيار الذي عليه المدار ~~وبه الاعتبار. والعبودية شد نطاق الخدمة وشهود سابق القسمة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 254] # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون (254) # يعنى اغتنموا مساعدة الإمكان فى تقديم الإحسان قبل فتور الجلد وانقضاء ~~الأمل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 255] # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات ~~وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده ~~حفظهما وهو العلي العظيم (255) # «الله» اسم تفرد به الحق- سبحانه فلا سمى له فيه. قال الله تعالى: «هل ~~تعلم له سميا» أي هل تعرف أحدا غيره تسمى «الله» ؟ # من اعتبر فى هذا الاسم الاشتقاق فهو كالمتعارض، فهذا اسم يدل على استحقاق ~~صفات ms0144 الجلال لا على اشتقاق الألفاظ، فلا يعارض ما لا يعارض فيه من الأقوال. # قوله «لا إله إلا هو» : إخبار عن نفى النظير والشبيه، بما استوجب من ~~التقديس والتنزيه. ومن تحقق بهذه القالة لا يرى ذرة من الإثبات بغيره أو من ~~غيره فلا يرفع إلى غيره حاجته، ولا يشهد من غيره ذرة، فيصدق إليه انقطاعه، ~~ويديم لوجوده انفراده، فلا يسمع إلا من الله وبالله، ولا يشهد إلا بالله، ~~ولا يقبل إلا على الله، ولا يشتغل إلا بالله، فهو محو عما سوى الله، فما له ~~شكوى ولا دعوى، ولا يتحرك منه لغيره عرق، فاذا استوفى الحق عبدا لم يبق ~~للحظوظ- البتة- مساغ. # ثم إن هذه القالة تقتضى التحقق بها، والفناء عن الموسومات بجملتها، ~~والتحقق بأنه لا سبيل لمخلوق إلى وجود الحق- سبحانه، فلا وصل ولا فصل ولا ~~قرب ولا بعد، فإن ذلك أجمع آفات لا تليق بالقدم. # وقوله «الحي القيوم» : المتولى لأمور عباده، القائم بكل حركة، و (المحوى) ~~«1» ، لكل عين وأثر. PageV01P196 # «لا تأخذه سنة ولا نوم» لأنه أحدى لا ترهقه غفلة، وصمد لا تمسه علة، ~~وعزيز لا تقاربه قلة، وجبار لا تميزه عزلة، وفرد لا تضمه جثة، ووتر لا تحده ~~جهة، وقديم لا تلحقه آفة، وعظيم لا تدركه مسافة. # تقدس من جماله جلاله، وجلاله جماله، وسناؤه بهاؤه، وبهاؤه سناؤه، وأزله ~~أبده، وأبده سرمده، وسرمده قدمه، وقدمه وجوده قوله جل ذكره: له ما في ~~السماوات وما في الأرض. # ملكا وإبداعا، وخلقا واختراعا. # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه. # من ذا الذي يتنفس بنفس ( ... ) «1» إلا بإجرائه، أو يتوسل إليه من دون ~~إذنه وإبدائه. ومن ظن أنه يتوسل إليه باستحقاق أو عمل، أو تذلل أو أمل، أو ~~قربة أو نسب، أو علة أو سبب- فالظن وطنه والجهل مألفه والغلط غايته والبعد ~~قصاراه. # قوله جل ذكره: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم. # لأنه لا يخرج عن علمه معلوم، ولا يلتبس عليه موجود ولا معدوم. # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. # يعنى من معلوماته، أي تقاصرت العلوم عن ms0145 الإحاطة بمعلوماته إلا باذنه. # فأى طمع لها فى الإحاطة بذاته وحقه؟ وأنى تجوز الإحاطة عليه وهو لا يقطعه ~~فى عزه أمد، ولا يدركه حد؟! قوله جل ذكره: وسع كرسيه السماوات والأرض. # خطاب لهم على قدر فهمهم. وإلا فأى خطر للأكوان عند صفاته؟ # جل قدره عن التعزز بعرش أو كرسى، والتجمل بجن أو إنسى. PageV01P197 # قوله جل ذكره: ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم. # كيف تتعب المخلوقات من خلق الذرة والكون بجملته- له سواء فلا من القليل ~~له نيسر، ولا من الكثير عليه تعسر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 256] # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم (256) # فإن الحجج لائحة، والبراهين ظاهرة واضحة. # قد تبين الرشد من الغي. # وامتاز الليل بظلامه عن النهار بضيائه، والحقوق الأزلية معلومة، والحدود ~~الأولية معلولة فهذا بنعت القدم وهذا بوصف العدم. # فمن يكفر بالطاغوت وطاغوت كل واحد ما يشغله عن ربه ويؤمن بالله والإيمان ~~حياة القلب بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى الاستمساك بالعروة الوثقى ~~الوقوف عند الأمر والنهى، وهو سلوك طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى ~~آله. # لا انفصام لها والله سميع عليم. # فمن تحقق بها سرا، وتعلق بها جهرا فاز فى الدارين وسعد فى الكونين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 257] # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(257) # الولي بمعنى المتولى لأمورهم، والمتفرد بإصلاح شئونهم، ويصح أن يكون ~~الولي على وزن فعيل فى معنى المفعول فالمؤمنون يقولون «1» طاعته. وكلاهما ~~حق: فالأول جمع والثاني فرق، PageV01P198 # وكل جمع لا يكون مقيدا بفرق وكل فرق لا يكون مؤيدا بجمع فذلك خطأ وصاحبه ~~مبطل «1» والآية تحمل عليهما جميعا. # يخرجهم من الظلمات إلى النور يعنى بحكمه الأزلى صانهم عن الظلمات التي هى ~~الضلال والبدع، لأنهم «2» ما كانوا فى الظلمات فط فى سابق علمه. # والذين كفروا أولياؤهم ms0146 الطاغوت ما استهواهم من دواعى الكفر يخرجونهم من ~~النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. # باستيلاء الشبه على قلوبهم، فيجحدون الربوبية، أولئك الذين بقوا عن الحق ~~بقاء أبديا. # ويقال يخرجهم من ظلمات تدبيرهم إلى سمة شهود تقديره. # ويقال يخرجهم من ظلمات ظنونهم أنهم يتوسلون أو يصلون إليه بشىء من ~~سكناتهم وحركاتهم. # ويقال يخرجهم من ظلماتهم بأن يرفع عنهم ظل أنفسهم ويدخلهم في ظل عنايته. # ويقال يخلصهم عن حسبان النجاة بهم. # ويقال يحول بينهم وبين الاعتماد على أعمالهم والاستناد إلى أحوالهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 258] # ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ~~ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ~~(258) PageV01P199 # عجل الحق سبحانه لاعدائه عقوبة الفرقة قبل أن يعاقبهم بالحرقة، وهذه ~~العقوبة أشد أثرا فى التحقيق- لو كانت لهم عين البصيرة. وإن الحق سبحانه ~~أخبر أن إبراهيم عليه السلام انتقل مع العدو اللعين من الحجة الصحيحة إلى ~~أخرى، أوضح منها- لا لخلل فى الحجة- ولكن لقصور فى فهم الكافر، ومحك من سدت ~~بصائره عن التحقيق تضييع الوقت بلا فائدة تجدى، لا بمقدار ما يكون من ~~الحاجة لأمر لا بد منه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 259] # أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد ~~موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم ~~قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ~~ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين ~~له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير (259) # لم يكن ذلك سؤال جحد، ولا قضية جهل، ولا دلالة شك فى القدرة، فإن هذا ~~الخبر عن عزير النبي عليه السلام، والأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم ms0147 ~~الشك والجهل، ولكنه كان سؤال تعجب، وأراد بهذه المقالة زيادة اليقين، فأراه ~~الله ذلك فى نفسه، بأن أماته # PageV01P200 # ثم أحياه ثم بعث حماره وهو ينظر إليه، فازداد يقينا على يقين. وسؤال ~~اليقين من الله، والحيلة فى رد الخواطر المشكلة، ديدن المتعرفين، ولذلك ( ### | ..... # ) «1» الله سبحانه عزيرا فى هذه المقالة حتى قدر عليه ما طلب من زيادة ~~اليقين فيه. ثم قال «واعلم أن الله على كل شىء قدير» من الإحياء والإماتة ~~أي ازددت معرفة بذلك، وأرانى من عظيم الآيات ما ازداد به يقينا فإن طعامه ~~وشرابه لم يتغيرا فى طول تلك المدة، وحماره مات بلا عظام. # والطعام والشراب بالتغيير أولى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 260] # وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم (260) # قيل كان فى طلب فى زيادة اليقين، فأراد أن يقرن حق اليقين بما كان له ~~حاصلا من عين اليقين «2» . # وقيل استجلب خطابه بهذه المقالة إلى قوله سبحانه: «أولم تؤمن قال بلى» ~~كنت أومن ولكنى اشتقت إلى قولك لى أو لم تؤمن، فإن بقولك لى «أولم تؤمن» ~~تطمينا لقلبى. # والمحب أبدا يجتهد فى أن يجد خطاب حبيبه على أي وجه أمكنه. PageV01P201 # وقيل إنه طلب رؤية الحق سبحانه ولكن بالرمز والإشارة فمنع منها بالإشارة ~~بقوله «واعلم أن الله عزيز حكيم» . وإن موسى- عليه السلام- لما سأل الرؤية ~~جهرا وقال: # «رب أرني أنظر إليك» فرد بالجهر صريحا وقيل له «لن ترانى» . # وقيل إنما طلب حياة قلبه فأشير إليه بأن ذلك بذبح هذه الطيور، وفى الطيور ~~الأربعة طاووس، والإشارة إلى ذبحه تعنى زينة الدنيا، وزهرتها، والغراب ~~لحرصه، والديك لمشيته، والبط لطلبه لرزقه. # ولما قال إبراهيم عليه السلام: أرنى كيف تحيى الموتى؟ قيل له: وأرنى كيف ~~تذبح الحي؟ # يعنى إسماعيل، مطالبة بمطالبة. فلما وفى بما طولب به وفى الحق سبحانه ~~بحكم ما طلب. ms0148 # وقيل كان تحت ميعاد من الحق- سبحانه- أن يتخذه خليلا، وأمارة ذلك إحياء ~~الموتى على يده، فجرى ما جرى. # ووصل بين «1» قصة الخليل صلى الله عليه وسلم فيما أراه وأظهره على يده من ~~إحياء الموتى وبين عزير إذ أراه فى نفسه لأن الخليل يرجح على عزير فى ~~السؤال وفى الحال، فإن إبراهيم- عليه السلام- لم يرد عليه فى شىء ولكنه ~~تلطف فى السؤال، وعزير كلمه كلام من يشبه قوله قول المستبعد، فأراد الحق أن ~~يظهر له أقوى معجزة وأتم دلالة حيث أظهر إحياء الموتى على يده حين التبس ~~على نمرود ما قال إبراهيم- عليه السلام- ربى الذي يحيى ويميت، فقال «أنا ~~أحيى وأميت» أراد إبراهيم أن يريه الله سبحانه إحياء الموتى ليعلم أنه ليس ~~هو الذي ادعى. # وفى هاتين الآيتين رخصة لمن طلب زيادة اليقين من الله سبحانه وتعالى فى ~~حال النظر «2» . # ويقال إن إبراهيم أراد إحياء القلب بنور الوصلة بحكم التمام، فقيل له: ~~«أولم تؤمن» يعنى أما تذكر حال طلبك إيانا حين كنت تقول لكل شىء رأيته «هذا ~~ربى» فلم تدر كيف بلغناك إلى هذه الغاية، فكذلك يوصلك إلى ما سمعت إليه ~~همتك. PageV01P202 # والإشارة من هذا أن حياة القلب لا تكون إلا بذبح هذه الأشياء يعنى النفس ~~فمن لم يذبح نفسه بالمجاهدات لم يحى قلبه بالله. # وفيه إشارة أيضا وهو أنه قال قطع بيدك هذه الطيور، وفرق أجزاءها، ثم ~~ادعهن يأتينك سعيا، فما كان مذبوحا بيد صاحب الخلة، مقطعا مفرقا بيده- فإذا ~~ناداه استجاب له كل جزء مفرق.. كذلك الذي فرقه الحق وشتته فإذا ناداه ~~استجاب: # ولو أن فوقى تربة ودعوتني ... لأجبت صوتك، والعظام رفات # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 261] # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) # فالخلف لهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم فى سبيل الله فالخلف عنهم الحق ~~سبحانه، وشتان بين خلف من أنفق ماله فوجد مثوبته، ومن أنفق حاله فوجد قربته ~~فإنفاق المال فى سبيله ms0149 بالصدقة، وإنفاق الأحوال فى سبيله بملازمة الصدق، ~~وبنفي كل حظ ونصيب، فترضى لجريان حكمه عليك من غير تعبيس القلب، قال ~~قائلهم: # أريد وصاله ويريد هجرى ... فأترك ما أريد لما يريد # والإنفاق على ضربين: إنفاق العابدين وإنفاق الواجدين. أما العابدون فاذا ~~أنفقوا حبة ضاعف لهم سبعين إلى ما ليس فيه حساب، وأما الواجدون فكما قيل: # فلا حسن نأتى به يقبلونه ... ولا إن أسأنا كان عندهم محو # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 262] # الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ~~لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) # المن شهود ما تفعله، والأذى تذكيرك- لمن أحسنت إليه- إحسانك. # PageV01P203 # ويقال ينفقون ما ينفقون ثم لا يشهدون البتة أفعالهم ولا أعمالهم. # ويقال كيف يمنون بشىء تستعذرونه وتستحقونه. # ويقال لا يمنون بفعلهم بل يشهدون المنة لله بتوفيق ذلك عليهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 263] # قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263) # يعنى قول- للفقير المجرد- يرد به من تعرض له بإظهار العذر خير وأتم من ~~صدقة المعجب بفعله، وما يتبع من إلزام المنة فيه. # ويقال إقرار منك مع الله بعجزك وجرمك، وغفران الله لك على تلك القالة- ~~خير من صدقة بالمن مشوبة، وبالأذى مصحوبة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 264] # يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله ~~رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه ~~وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ~~(264) # إنما يحمل جميل المنة من الحق سبحانه، فأما من الخلق فليس لأحد على غيره ~~منة فإن تحمل المنن من المخلوقين أعظم محنة، وشهود المنة من الله أعظم ~~نعمة، قال قائلهم: # ليس إجلالك الكبار بذل ... إنما الذل أن تجل الصغارا # ويقال أفقر الخلق من ظن نفسه موسرا فيبين له إفلاسه، كذلك أقل الخلق قدرا ~~من ظن أنه على شىء فيبدو له من الله ما لم يكن يحتسبه. # PageV01P204 # قوله ms0150 جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 265 الى 266] # ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة ~~بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما ~~تعملون بصير (265) أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها ~~الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار ~~فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) # هذه آيات كثيرة ذكرها الله تعالى على جهة ضرب المثل للمخلص والمنافق: لمن ~~أنفق فى سبيل الله، ولمن أنفق ماله فى الباطل فهؤلاء يحصل لهم الشرف ~~والخلف، وهؤلاء لا يحصل لهم فى الحال إلا الرد، وفى المآل «1» إلا التلف. ~~وهؤلاء ظل سعيهم مشكورا، وهؤلاء يدعون ثبورا ويصلون سعيرا هؤلاء تزكو ~~أعمالهم وتنمو أموالهم وتعلو عند الله أحوالهم وتكون الوصلة مآلهم، وهؤلاء ~~حبطت أعمالهم وخسرت أحوالهم وختم بالسوء آمالهم ويضاعف عليهم وبالهم. # ويقال مثل هؤلاء كالذى أنبت زرعا فزكا أصله ونما «2» فصله، وعلا فرعه ~~وكثر نفعه. ومثل هؤلاء كالذى خسرت صفقته وسرقت بضاعته وضاعت- على كبره «3» ~~- PageV01P205 # حيلته وتواترت من كل وجه وفى كل وقت محنته ### | .... # هل يستويان مثلا؟ وهل يتقاربان شبها؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 267] # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ~~ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن ~~الله غني حميد (267) # لينظر كل واحد ما الذي ينفقه لأجل نفسه، وما الذي يخرجه بأمر ربه. والذي ~~يخرج عليك من ديوانك: فما كان لحظك فنفائس ملكك، وما كان لربك فخصائص مالك ~~الذي لله (فاللقمة لقمته) «1» ، والذي لأجلك فأكثرها قيمة وأكملها نعمة. # ثم أبصر كيف يستر عليك بل كيف يقبله منك بل أبصر كيف يعوضك عليه، بل أبصر ~~كيف يقبله منك، بل أبصر كيف بمدحك بل أبصر كيف ينسبه إليك الكل منه فضلا ~~لكنه ينسبه إليك فعلا «2» ، ثم يونى عليك عطاءه ويسمى العطاء جزاء، يوسعك ~~بتوفيقه برا، ثم يملأ ms0151 العالم منك شكرا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 268] # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله ~~واسع عليم (268) # يعد الشيطان الفقر لفقره، والله يعد المغفرة لكرمه. PageV01P206 # الشيطان يعدكم الفقر فيشير عليكم بإحراز المعلوم، ويقال يشير عليكم- ~~بطاعته- بالحرص ولا فقر فوقه. # يعدكم الفقر بالإحالة على تدبيركم واختياركم. # يعدكم الفقر بنسيان ما تعودتموه من فضله- سبحانه «1» . # ويقال يعدكم الفقر بأنه لا يزيد شكايتك. # ويقال يعدكم الفقر بتعليق قلبك بما لا تحتاج إليه. # ويقال بالتلبيس عليك رؤية كفايته. # «ويأمركم بالفحشاء» أي الرغبة فى الدنيا، ويقال بالأسباب التي تقوى ~~الحرص، ويقال بكثرة الأمل ونسيان القناعة، ويقال بمتابعة الشهوات، ويقال ~~بإيثار الحظوظ، ويقال بالنظر إلى غيره، ويقال بإخطار شىء سواه ببالك. # ويقال بالانحطاط إلى أوطان الرخص والتأويلات بعد وضوح الحق. # ويقال بالرجوع إلى ما تركته لله. # «والله يعدكم مغفرة منه وفضلا» : الفضل الموعود- فى العاجل- القناعة، وفى ~~الآجل الثواب والجنان والرؤية والرضوان و ( ### | .... # ) «2» والغفران. # ويقال فى العاجل الظفر بالنفس، ويقال فتح باب العرفان، ونشر بساط القرب، ~~والتلقي لمكاشفات الأنس. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 269] # يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا ~~أولوا الألباب (269) . PageV01P207 # الحكمة: يحكم عليكم خاطر الحق لا داعى النفس، وتحكم عليكم قواهر الحق لا ~~زواجر الشيطان. # ويقال الحكمة صواب الأمور. # ويقال هى ألا تحكم عليك رعونات البشرية. # (ومن لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره) «1» . # ويقال الحكمة موافقة أمر الله تعالى، والسفه مخالفة أمره. # ويقال الحكمة شهود الحق والسفه شهود الغير قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 270] # وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من ~~أنصار (270) # قوم توعدهم بعقوبته، وآخرون توعدهم بمثوبته.. وآخرون توعدهم بعلمه فهؤلاء ~~العوام «2» وهؤلاء الخواص. قال تعالى: «واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا» فلا ~~شىء يوجب سقوط العبد من عين الله كمخالفته لعهوده معه بقلبه، فليحذر المريد ~~من إزلال «3» نفسه فى ذلك غاية الحذر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 271] # إن ms0152 تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر ~~عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) . PageV01P208 # إن أظهرت صحبتك معنا وأعلنت فلقد جودت وأحسنت، وإن حفظت سرنا عن دخول ~~الوسائط بيننا صنت شروط الوداد، وشيدت من بناء الوصلة العماد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 272] # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما ~~تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ~~(272) # لك المقام المحمود، واللواء المعقود، والرتب الشريفة، والمنازل العلية، ~~والسنن المرضية. # وأنت سيد الأولين والآخرين، ولا يدانيك أحد- فضلا عن أن يساميك، ولكن ليس ~~عليك هداهم فالهداية من خصائص حقنا، وليس للأغيار منه شظية. يا محمد: أنت ~~تدعوهم ولكن نحن نهديهم «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 273] # للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا وما تنفقوا ~~من خير فإن الله به عليم (273) # أخذ عليهم سلطان الحقيقة كل طريق، فلا لهم فى الشرق مذهب، ولا لهم فى ~~الغرب مضرب. كيفما نظروا رأوا سرادقات التوحيد محدقة بهم: # كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها ... عليهم فما تزداد طولا ولا عرضا ~~PageV01P209 # ولا يسلم لهم نفس مع الخلق، وأنى بذلك ولا خلق!! وإذا لم يكن فإثبات ما ~~ليس شرك (سقها) «1» فى التوحيد. # والفقير الصادق واقف مع الله بالله، لا إشراف للأجانب عليه، ولا سبيل ~~لمخلوق إليه تنظره عين الأغيار فى لبسة سوى ما هو به قال تعالى: «يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف» ، فأما من كان ذا بصيرة فلا إشكال عليه في شىء من ~~أحوالهم. تعرفهم يا محمد- أنت- بسيماهم، فليست تلك السيماء مما يلوح للبصر ~~ولكنها سيماء تدركها البصيرة. لا إشراف عليهم إلا بنور الأحدية. # ويقال «تعرفهم بسيماهم» : استبشار قلوبهم عند انكسار نفوسهم، وصياح ~~أسرارهم إلى العرش (نشاطا عنه) عند ذبول ظاهرهم عن الانتعاش «2» . # ويقال تكسر الظاهر عند تكسر الباطن وبالعكس من هذه لا يسألون الناس ~~إلحافا، ms0153 فإن جرى منهم من الخلق بدون الإلحاف سؤال- لما يشير إليه دليل ~~الخطاب- فذلك صيانة لهم ولسر قصتهم، لئلا يلاحظهم الخلق بعين السؤال، وليس ~~على سرهم ذرة من الإثبات للأغيار «3» . # ويقال: «أحصروا فى سبيل الله» : وقفوا على حكم الله، وأحصروا نفوسهم على ~~طاعته وقلوبهم على معرفته، وأرواحهم على محبته، وأسرارهم على رؤيته. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 274] # الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274) # ما دام لهم مال لا يفترون ساعة عن إنفاقه ليلا ونهارا، فإذا تفد المال لا ~~يفترون عن شهوده لحظة ليلا ونهارا. PageV01P210 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 275] # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ~~ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه ~~موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون (275) # من أعرض عن الأمر، ورخص لنفسه بما يسوله له خاطره من التأويل فلا استقلال ~~لهم فى الحال ولا انتعاش فى المآل خسروا فى عاجلهم ولم يربحوا فى آجلهم. # ومن انتبه بزواجر الوعظ، وكبح لجام الهوى، ولم يطلق عنان الإصرار فله ~~الإمهال فى الحال، فإن عاد إلى مذموم تلك الأحوال فلينتظروا أوشك الاستئصال ~~وفجاءة النكال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 276] # يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) # ما كان بإذن منه- سبحانه- من التصرفات فمقرون بالخيرات، ومصحوب بالبركات. # وما كان بمتابعة الهوى يسلط عليه المحق، وكانت عاقبة أمره الخسران قوله ~~جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 277] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277) # إن الذين كانوا لنا يكفيهم ما يجدون منا، لا نضيع أجر من أحسن عملا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 278] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ~~(278) # PageV01P211 # الاكتفاء بموعود الرب ms0154 خير للمسلم من تعليق قلبه بمقصود نفسه. # ومقصودك من تسويلات النفس، وموعودك مما ضمنه الحق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 279] # فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا ~~تظلمون ولا تظلمون (279) # إن صاحب الإصرار ليس له عندنا وزن ولا مقدار، ولا قدر ولا أخطار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 280 الى 281] # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ~~(280) واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون (281) # إذا تقرر عند القاضي إفلاس المحبوس فلا تحل له استدامة حبسه، وإن ظهرت ~~لذى الحق حجة المفلس فذلك مرتهن بحق خصمه، ولكنه فى إمهال وإنظار. والرب لا ~~يحكم بهذا علينا فمع علمه بإعسارنا وعجزنا، وصدق افتقارنا إليه وانقطاعنا ~~له- يرحمنا. # قوله «إلى ميسرة» : ليس للفقير المفلس وجه يحصل له منه شىء إلا من حيث ما ~~جعل الله سبحانه من سهم الغارمين، فأما من جهة الغلات فالغلة تدخل من رقاب ~~الأموال والعقد.. # وأنى للمفلس به؟! وأما الربح فى التجارة من تقليب رأس المال والتصرف ~~فيه.. فأنى للمفلس به؟! ما بقي للمفلس إلا قول من قال من الفقهاء ( ### | .......... # ) «1» وإن كان ضعيفا، فذلك لمن بقيت له منة الحراك أما المفلس عن قوته- ~~كما هو مفلس عن ماله- ما بقي له وجه إلا ما يسبب له مولاه. # قوله جل ذكره: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون. PageV01P212 # الرجوع على ضربين: بالأبشار والنفوس غدا عند التوفى، وبالأسرار والقلوب ~~فى كل نفس محاسبة نقد ووعد، فنقد مطالبته أحق مما سيكون فى القيامة من ~~وعده. # وقال للعوام: «واتقوا يوما» وقال للخواص: «وإياى فاتقون» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 282] # يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم ~~كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه ~~الحق وليتق الله ربه ولا يبخس ms0155 منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن ~~تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ~~ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (282) # PageV01P213 # أمر الله سبحانه الخلق بالقيام بالصدق، وعلمهم كيفية معاملاتهم فيما ~~بينهم، والأخذ بالاحتياط والاستشهاد لئلا يجرى- بعضهم على بعض- حيفا، وذلك ~~من مقتضى رحمته سبحانه عليهم، وموجب رفقه بهم كيلا يتخاصموا. فأمر بتحصين ~~الحقوق بالكتابة والإشهاد، وأمر الشهود بالتحمل ثم بالإقامة. # ومن شرع اليوم ما يقطع الخصومة بينهم فبالحرى أن يجرى ما يرفع فى الآخرة ~~آثار الخصومة «1» بينهم، وفى الخبر المنقول: تواهبوا فيما بينكم فقد وهبت ~~منكم مالى عليكم، فإن الكريم إذا قدر غفر. # وفيما شرع من الدين «2» رفق بأرباب الحاجات، لأن الحاجة تمس فيحمله الحال ~~على الاحتيال، ويضيق به الصدر عن الاحتمال، ويمنعه حفظ التجمل عن الكدية ~~والسؤال، فأذن له فى الاستدانة ليجبر أمره فى الحال، وينتظر فضل الله فى ~~المآل، وقد وعد على الإدانة الثواب الكثير، وذلك من لطفه تعالى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 284] # لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (284) ~~PageV01P214 # من المعاني والدعاوى، ويقال من القصود والرغائب، وفنون الحوائج والمطالب. # ويقال ما «تبديه» : العبادة، «وما تخفيه» الإرادة. # ويقال ما «تخفيه» : الخطرات و «ما تبديه» : «العبارات» . # ويقال ما «تخفيه» : السكنات والحركات «1» ويقال الإشارة فيه إلى استدامة ~~المراقبة واستصحاب المحاسبة، فلا تغفل «2» خطرة ولا تحمل وقتك نفسا «3» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ms0156 البقرة (2) : آية # 285] # آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير (285) # هذه شهادة الحق- سبحانه- لنبيه- صلى الله عليه وسلم وعلى آله- بالإيمان، ~~وذلك أتم له من إخباره عن نفسه بشهادته. # ويقال آمن الخلق كلهم من حيث البرهان وآمن الرسول- عليه السلام- من حيث ~~العيان. # ويقال آمن الخلق بالوسائط وآمن محمد- صلى الله عليه وسلم- بغير واسطة. ~~PageV01P215 # ويقال هذا خطاب الحق معه ليلة المعراج على جهة تعظيم القدر فقال «آمن ~~الرسول» ، ولم يقل آمنت، كما تقول لعظيم الشأن من الناس: قال الشيخ، وأنت ~~تريد قلت. # ويقال آمن الرسول والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولكن ~~شتان بين إيمان وإيمان، الكل آمنوا استدلالا، وأنت يا محمد آمنت وصالا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البقرة (2) : آية 286] # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين ~~من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ~~أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286) # لكمال رحمته بهم وقفهم على حد وسعهم ودون ذلك بكثير، كل ذلك رفق منه ~~وفضل. # لها ما كسبت من الخيرات. # وعليها ما اكتسبت ما تكسبه من التوبة التي تنجى من كسب «1» . # قوله جل ذكره: ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ~~ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به كان إذا وقعت حاجة كلموه بلسان الواسطة. ~~قالوا «يا موسى ادع لنا ربك» وهذه الأمة قال لهم: «وقال ربكم ادعوني أستجب ~~لكم» . # وكانت الأمم (السالفة) «2» إذا أذنبوا احتاجوا إلى مضى مدة لقبول التوبة، ~~وفى هذه الأمة قال صلى الله عليه وسلم: «الندم توبة» . # وكانت الأمم السالفة منهم من قال اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وهذه الأمة ~~اختصت بإشراق أنوار توحيدهم، وخصائصهم أكثر من أن يأتى عليه الشرح. ~~PageV01P216 # قوله جل ذكره: واعف عنا ms0157 فى الحال واغفر لنا فى المآل وارحمنا، أنت مولانا ~~فانصرنا على القوم الكافرين. # فى جميع الأحوال إذ ليس لنا أحد سواك، فأنت مولانا فاجعل النصرة لنا على ~~ما يشغلنا عنك. # ولما قالوا «ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا» خسف الله ~~ذنوبهم بدل خسف المتقدمين، فأبدل ذنوبهم حسنات بدل مسخهم، وأمطر عليهم ~~الرحمة بدل ما أمطر على المتقدمين من الحجارة. # والحمد الله رب العالمين. ### | السورة التي يذكر فيها آل عمران # «بسم الله الرحمن الرحيم» اختلف أهل التحقيق فى اسم «الله» هل هو مشتق من ~~معنى أم لا؟ فكثير منهم قالوا إنه ليس بمشتق من مغني، وهو له سبحانه على ~~جهة الاختصاص «1» ، يجرى فى وضعه مجرى أسماء الأعلام فى صفة غيره، فاذا قرع ~~بهذا اللفظ أسماء أهل المعرفة لم تذهب فهومهم ولا علومهم إلى معنى غير ~~وجوده سبحانه وحقه. وحق هذه القالة أن تكون مقرونة بشهود القلب فاذا قال ~~بلسانه «الله» أو سمع بآذانه شهد بقلبه «الله» . # وكما لا تدل هذه الكلمة على معنى سوى «الله» لا يكون مشهود قائلها إلا ~~«الله» فيقول بلسانه «الله» ، ويعلم بفؤاده «الله» ، ويعرف بقلبه «الله» ، ~~ويحب بروحه «الله» ، PageV01P217 # ويشهد بسره «الله» ، ويتملق «1» بظاهره بين يدى الله، ويتحقق بسره الله، ~~ويخلو بأحواله لله وفى الله فلا يكون فيه نصيب لغير الله، وإذا أشرف على أن ~~يصير محوا فى الله لله بالله تداركه الحق سبحانه برحمته فيكاشفه بقوله «2» ~~الرحمن الرحيم استبقاء لمهجتهم أن تتلف، وإرادة فى قلوبهم أن تنقى فالتلطف ~~سنة منه سبحانه لئلا يفنى أولياؤه بالكلية. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى # 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) # أشار بقوله ألف إلى قيامه بكفايتك على عموم أحوالك، فأنت فى أسر الغفلة ~~لا تهتدى إلى صلاحك ورشدك، وهو مجر ما يجبرك، وكاف بما ينصرك، فبغير سؤالك- ~~بل بغير علمك بحالك- يكفيك من حيث لا تشعر، ويعطيك من غير أن تطلب. # والإشارة من اللام إلى لطفه بك ms0158 فى خفى السر حتى أنه لا يظهر عليك محل ~~المنة فيما يثبتك فيه. والإشارة من الميم لموافقة جريان التقدير بمتعلقات ~~الطلبة من الأولياء، فلا يتحرك فى العالم شىء، ولا تظهر ذرة إلا وهو بمحل ~~الرضا منهم حتى أن قائلا لو قال فى قوله: «كل يوم هو في شأن» إن ذلك الشأن ~~تحقيق مراد الأولياء- لم يكن ذلك ببعيد. # ويقال تفرق عن القلوب- باستماع هذه الحروف المقطعة التي هى خلاف عادة ~~الناس فى التخاطب- كل معلوم ومرسوم، ومعتاد وموهوم، من ضرورة أو حس أو ~~اجتهاد، حتى إذا خلت القلوب عن الموهومات والمعلومات، وصفى الأسرار عن ~~المعتادات والمعهودات يرد هذا الاسم وهو قوله: «الله» على قلب مقدس من كل ~~غير، وسر مصفى عن كل كيف فقال «الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم» . # فهو الذي لا يلهو فيشتغل عنك، ولا يسهو فتبقى عنه، فهو على عموم أحوالك ~~رقيب سرك إن خلوت فهو رقيبك، وإن توسطت الخلق فهو رقيبك «3» ، وفى الجملة- ~~كيفما دارت بك الأحوال- فهو حبيبك. PageV01P218 # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 3 الى 4] # نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من ~~قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ~~والله عزيز ذو انتقام (4) # وما كنت يا محمد تدرى ما الكتاب، ولا قصة الأحباب، ولكنما صادفك اختيار ~~أزلى فألقاك فى أمر عجيب شانه، جلى برهانه، عزيز محله ومكانه. # مصدقا لما بين يديه. # أي محققا لموعوده لك فى الكتاب على ألسنة الرسل عليهم السلام. # وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان. # أي إنا وإن أنزلنا قبلك كتبنا على المرسلين فما أخلينا كتابا من ذكرك، ~~قال قائلهم: # وعندى لأحبابنا الغائبين ... صحائف ذكرك عنوانها # وكما أتممنا بك أنوار الأنبياء زينا بذكرك جميع ما أنزلنا من الأذكار. # قوله جل ذكره: إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد. # وهو ذل الحجاب، ولكنهم لا يشعرون. # «والله عزيز» على أوليائه «ذو انتقام» من أعدائه، عزيز يطلبه كل أحد، ~~ولكن لا ms0159 يجده- كثيرا- أحد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 5] # إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) # لا يتنفس عبد نفسا إلا والله سبحانه وتعالى محصيه «1» ، ولا تحصل فى ~~السماء والأرض ذرة لا وهو سبحانه محدثه ومبديه، ولا يكون أحد بوصف ولا نعت ~~إلا هو متوليه. # هذا على العموم، فأما على الخصوص: فلا رفع أحد إليه حاجة إلا وهو قاضيها، ~~ولا رجع أحد إليه فى نازلة إلا وهو كافيها. PageV01P219 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 6] # هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) # هذا فيما لا يزال من حيث الخلقة، وهو الذي قدر أحوالكم فى الأزل كيف شاء، ~~وهذا فيما لم يزل من حيث القضاء والقسمة. # لا إله إلا هو العزيز الحكيم. # فلا يعقب حكمه بالنقض، أو يعارض تقديره بالإهمال والرفض. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 7] # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب (7) # جنس عليهم الخطاب فمن ظاهر واضح تنزيله، ومن غامض مشكل تأويله. القسم ~~الأول لبسط الشرع واهتداء أهل الظاهر، والقسم الثاني لصيانة الأسرار عن ~~اطلاع الأجانب عليها، فسبيل العلماء الرسوخ فى طلب معناه على ما يوافق ~~الأصول، فما حصل عليه الموقوف فمقابل بالقبول، وما امتنع من التأثر فيه ~~بمعلول الفكر سلموه إلى عالم الغيب. # وسبيل أهل الإشارة والفهم إلقاء السمع بحضور القلب، فما سنح لفهومهم من ~~لائح التعريفات بنوا (عليه) «1» إشارات الكشف. PageV01P220 # إن (طولبوا) «1» باستدامة الستر وطى السر تخارسوا عن النطق، وإن أمروا ~~بالإظهار والنشر أطلقوا بيان الحق، ونطقوا عن تعريفات الغيبة، فأما الذين ~~أيدوا بأنوار البصائر فمستضيئون بشعاع شموس الفهم، وأما الذين ألبسوا غطاء ~~الريب، وحرموا لطائف التحقيق، فتنقسم بهم الأحوال وتترجم بهم الظنون، ~~ويطيحون فى ms0160 أودية الريب والتلبيس، فلا يزدادون إلا جهلا على جهل، ونفورا ~~على شك. # قوله جل ذكره: وما يعلم تأويله إلا الله. # ومن وجد علمه من الله فيكون إيمانهم بلا احتمال جولان خواطر التجويز بل ~~عن صريحات الظهور، وصافيات اليقين. وأما أصحاب العقول الصاحية ففى صحبة ~~التذكر، لظهور البراهين و ( ### | .... # ) «2» أحكام التحصيل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 8] # ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ~~(8) # ما ازدادوا قربا إلا ازدادوا أدبا، واللياذ إلى التباعد أقوى أسباب رعاية ~~الأدب «3» . # ويقال حين صدقوا فى حسن الاستغاثة أمدوا بأنوار الكفاية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 9] # ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (9) # اليوم جمع الأحباب على بساط الاقتراب، وغدا جمع الكافة لمحل الثواب ~~والعقاب، PageV01P221 # اليوم جمع الأسرار لكشف الجلال والجمال، وغدا جمع الأبشار لشهود الأحوال، ~~ومقاساة ما أخبر عنه من تلك الأحوال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 10] # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم ~~وقود النار (10) # فلا فداء ينفعهم، ولا غناء يدفعهم، ولا مال يقبل منهم، ولا حجاب يرفع ~~عنهم، ولا مقال يسمع فيهم، بهم يسعر الجحيم، ولهم الطرد الأليم، والبعد ~~والحميم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 11] # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله ~~شديد العقاب (11) # أصروا فى العتو على سننهم، وأدمنا لهم فى الانتقام سنننا، فلا عن الإصرار ~~أقلعوا، ولا فى المبار طمعوا، ولعمرى إنهم هم الذين ندموا وتحسروا على ما ~~قدموا- ولكن حينما وجدوا الباب مسدودا، والندم عليهم مردودا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 12] # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) # أخبرهم أنهم يفوتهم حديث الحق فى الآجل «1» ، ولا تكون لهم لذة عيش فى ~~العاجل، والذي يلقونه فى الآخرة من شدة العقوبة بالحرقة فوق ما يصيبهم فى ~~الدنيا من الغيبة عن الله والفرقة «2» ، ولكن سقمت ms0161 البصائر فلم يحسوا بأليم ~~العقاب. PageV01P222 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 13] # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ~~يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار (13) # إذا أراد الله إمضاء أمر قلل الكثير فى أعين قوم، وكثر القليل فى أعين ~~قوم، وإذا لبس على بصيرة قوم لم ينفعهم نفاذ أبصارهم، وإذا فتح أسرار آخرين ~~فلا يضرهم انسداد بصائرهم «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 14] # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده ~~حسن المآب (14) # يذكر بعض الشهوات على ما سواها مما هو فى معناها، وفى الجملة ما يحجبك عن ~~الشهود فهو من جملتها. وأصعب العوائق فى هذه الطريق الشهوة الخفية. وأداء ~~الطاعات على وجه الاستحلاء معدود عندهم فى جملة الشهوة الخفية. ومن المقاطع ~~المشكلة السكون إلى ما يلقاك به من فنون تقريبك، وكأنه فى حال ما يناجيك ~~يناغيك، فإنه بكل لطيفة يصفك (فيطريك) «2» وتحتها خدع خافية. ومن أدركته ~~السعادة كاشفه بشهود جلاله وجماله (لا) «3» بإثباته فى لطيف أحواله وما ~~يخصه به من أفضاله وإقباله. PageV01P223 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 15] # قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (15) # بين فضيلة أهل التقوى على أرباب الدنيا، فقال: هؤلاء لهم متابعة المنى ~~وموافقة الهوى وأولئك لهم الدرجات العلى، والله بصير بالعباد أنزل كل قوم ~~منزله، وأوصله إلى ما له أهله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 16] # الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16) # أي ينقطعون إلينا بالكلية، ويتضرعون بين أيدينا بذكر المحن والرزية، ~~أولئك ينالون منا القربة والخصوصية، والدرجات العلية، والقسم المرضية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 17] # الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار (17) # الصبر حبس النفس، ms0162 وذلك على ثلاث مراتب: # صبر على ما أمر به العبد، وصبر عما نهى عنه وصبر هو الوقوف تحت جريان ~~حكمه على ما يريد إما فى فوات محبوبك أو هجوم ما لا تستطيعه «1» . # فإذا ترقيت عن هذه الصفة- بألا تصيبك مشقة أو تنال راحة- فذلك رضا لا صبر ~~«2» . # ويقال الصابرين على أمر الله، والصادقين، فيما عاهدوا الله. # و «القانتين» ، بنفوسهم بالاستقامة فى محبة الله. PageV01P224 # و «المستغفرين» عن جميع ما فعلوه لرؤية تقصيرهم فى الله «1» ويقال: ~~«الصابرين» بقلوبهم و «الصادقين» بأرواحهم و «القانتين» بنفوسهم، و ~~«المستغفرين» بألسنتهم. # ويقال «الصابرين» على صدق القصود و «الصادقين» فى العهود و «القانتين» ~~بحفظ الحدود و «المستغفرين» عن أعمالهم وأحوالهم عند استيلاء سلطان ~~التوحيد. # ويقال «الصابرين» الذين صبروا على الطلب ولم يتعللوا بالهرب ولم يحتشموا ~~من التعب، وهجروا كل راحة وطلب. وصبروا على البلوى، ورفضوا الشكوى، حتى ~~وصلوا إلى المولى، ولم يقطعهم «2» شىء من الدنيا والعقبى. # و «الصادقين» الذين صدقوا فى الطلب فقصدوا، ثم صدقوا حتى وردوا، ثم صدقوا ~~حتى شهدوا، ثم صدقوا حتى وجدوا، ثم صدقوا حتى فقدوا ... فترتيبهم قصود ثم ~~ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود «3» . # و «القانتين» الذين لازموا الباب، وداوموا على تجرع الاكتئاب، وتركوا ~~المحاب، ورفضوا الأصحاب إلى أن تحققوا بالاقتراب. # و «المنفقين» الذين جادوا بنفوسهم من حيث الأعمال، (ثم جادوا بميسورهم من ~~الأموال) «4» ، ثم جادوا بقلوبهم بصدق الأحوال، ثم جادوا بترك كل حظ لهم فى ~~العاجل الآجل، استهلاكا عند القرب والوصال بما لقوا من الاصطلام والاستئصال ~~«5» . # و «المستغفرين» عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصحو عند الاسحار يعنى ظهور ~~الإسفار، وهو فجر القلوب لا فجر يظهر فى الأقطار. PageV01P225 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 18] # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم (18) # أي علم الله وأخبر الله وحكم الله بأنه لا إله إلا هو، فهو شهادة الحق ~~للحق بأنه الحق، وأول من شهد بأنه الله- الله، فشهد فى آزاله بقوله وكلامه ~~وخطابه ms0163 الأزلى، وأخبر عن وجوده الأحدى، وكونه الصمدى، وعونه القيومى، وذاته ~~الدعومى، وجلاله السرمدي، وجماله الأبدى. فقال: «شهد الله» ثم فى آباده، ~~«شهد الله» أي بين الله بما نصب من البراهين، وأثبت من دلائل اليقين، وأوضح ~~من الآيات، وأبدى من البينات. فكل جزء من جميع ما خلق وفطر، ومن كتم العدم ~~أظهر، وعلى ما شاء من الصفة الذاتية حصل، من أعيان مستقلة، وآثار فى (ثانى) ~~«1» وجودها مضمحلة، وذوات للملاقاة قابلة، وصفات فى المحال متعاقبة- فهو ~~لوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدمه شاهد، وللعقول مخبر بأنه واحد، ~~عزيز ماجد، شهد سبحانه بجلال قدره، وكمال عزه، حين لا جحد ولا جهود «2» ولا ~~عرفان لمخلوق ولا عقل، ولا وفاق، ولا كفر، ولا حدثان، ولا غير، ولا إلحاد، ~~ولا شرك، ولا فهم ولا فكر، ولا سماء ولا فضاء، ولا ظلام ولا ضياء، ولا وصول ~~للمزدوجات «3» ، ولا فضول باختلاف الآفات. # قوله جل ذكره: والملائكة لم يؤيد شهادته بوحدانيته بشهادة الملائكة بل ~~أسعدهم وأيدهم، حين وفقهم بشهادته وسددهم، وإلى معرفة وجدانيته أرشدهم. # قوله جل ذكره: وأولوا العلم وهم أولياء بنى آدم إذ علموا جلال قدرته، ~~وعرفوا نعت عزته فأكرمهم حيث قرن شهادته بشهادتهم، فشهدوا عن شهود وتعيين، ~~لا عن ظن وتخمين، إن لم يدركوه- اليوم- PageV01P226 # ضرورة وحسا، لم يعتقدوه ظنا وحدسا تعرف إليهم فعرفوه، وأشهدهم فلذلك ~~شهدوا، ولو لم يقل لهم إنه من هو لما عرفوا من هو. # ولكن العلماء يشهدون بصحو عقولهم، والموحدون يشهدون بعد خمودهم فهم كما ~~قيل: # مستهلكون بقهر الحق قد همدوا ... واستنطقوا بعد افتنائهم بتوحيد # فالمجرى عليهم ما يبدو منهم- سواهم، والقائم عنهم بما هم عليه وبه- ~~غيرهم، ولقد كانوا لكنهم بانوا، قال قائلهم: # كتابى إليكم بعد موتى بليلة ... ولم أدر أنى بعد موتى أكتب # وأولو العلم على مراتب: فمن عالم نعته وفاق ورهبانية، ومن عالم وصفه فناء ~~وربانية، وعالم يعرف أحكام حلاله وحرامه، وعالم يعلم أخباره وسننه وآثاره، ~~وعالم يعلم كتابه ويعرف تفسيره وتأويله، ومحكمه وتنزيله، وعالم يعلم صفاته ~~ونعوته ويستقوى حججه وتوحيده بحديث يخرجه ( ### | .... # ) «1» ، وعالم لاطفه ms0164 حتى أحضره ثم كاشفه فقهره، فالاسم باق، والعين محو، ~~والحكم طارق والعبد محق، قال قائلهم. # بنو حق غدوا بالحق صرفا ... فنعت الخلق فيهمو مستور # وليست الإشارة من هذا إلا إلى فنائهم عن إحساسهم، وعند علمهم بأنفسهم، ~~فأما أعمالهم «2» أعيانهم فمخلوقة، وما يفهم بذواتهم من أحوالهم فمسبوقة، ~~وذات الحق لا توصف بقبول حدثان، وصفات ذاته لا تقبل اتصالا بالغير ولا ~~انفصالا عن الذات، تقدس الحق عن كل ضد وند، ووصل وفصل، وجمع وفرق، وعين ~~وخلق، وملك وفلك، ورسم وأثر، وعبد وبشر، وشمس وقمر، وشخص وغبر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 19] # إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) . ~~PageV01P227 # الدين الذي يرتضيه، والذي حكم لصاحبه بأنه يجازيه ويعليه، وبالفضل يلقيه- ~~هو الإسلام. # والإسلام هو الإخلاص والاستسلام، وما سواه فمردود، وطريق النجاة على ~~صاحبه مسدود. # قوله جل ذكره: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم، ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب. # جاءهم العلم الذي عليهم حجة، لا المعرفة التي لها بيان ومحجة، فأصروا على ~~الجحود، لأنهم حجبوا عن محل الشهود. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 20] # فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير ~~بالعباد (20) # طالعهم بعين التصريف كيلا يفترق بك الحال فى شهود اختلافهم وتباين ~~أطوارهم فإن من طالع الكائنات بعين القدرة علم أن المثبت للكل- على ما اختص ~~به كل واحد من الكل- واحد. # فادعهم جهرا بجهر، واشهد تصريفنا إياهم سرا بسر، واشغل لسانك بنصحهم، ~~وفرغ قلبك عن حديثهم، وأفرد سرك عن شهودهم، فليس الذي كلفناك من أمورهم إلا ~~البلاغ، والمجرى للأمور والمبدى- نحن. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 21] # إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم ms0165 بعذاب أليم (21) # PageV01P228 # إن الذين ربطناهم بالخذلان ووسمناهم بوصف الحرمان- أخبرهم بأن إعراضنا ~~عنهم مؤبد، وأن حكمنا سبق بنقلهم عن دار الجنان إلى دار الهوان، من الخذلان ~~والحرمان إلى العقوبة والنيران. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 22] # أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (22) # أولئك الذين ليس لهم- اليوم- توفيق بأعمالهم، ولا غدا تحقيق لآمالهم، وما ~~ذلك إلا لأنهم فقدوا فى الدارين نصرتنا، ولم يشهدوا عزنا وقدرتنا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 23] # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ~~ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (23) # امتحناك بدعوة من سبق علمنا بأنهم لا يستجيبون، فاصبر على ما أمرت فيهم، ~~واعلم سوء أحوالهم، فإنهم أهل التولى عن الإجابة، لأنهم فقدوا منا حسن ~~التجلي بسابق الإرادة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 24] # ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما ~~كانوا يفترون (24) # عاقبناهم فى الدنيا بالاستدراج حتى حكموا لأنفسهم بالنجاة وتخفيف العقاب، ~~وسوف يعلمون تضاعف البلاء عليهم، ويحسبون أنهم على شىء ألا إنهم هم ~~الكاذبون. # ظن المخطئون حكما ... # PageV01P229 ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 25] # فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ~~(25) # هذه كلمة تعجب لما أخبر به عن تعظيم الأمر، وتفخيم الشأن عند بهتة عقولهم ~~ودهشة أسرارهم، وانقطاع دواعيهم، وانخلاع قلوبهم من مكامنها، وتراقيها إلى ~~تراقيهم، ثم ما يلقونه من الحساب والعتاب، والعذاب والعقاب، وعدم الإكرام ~~والإيجاب، وما فى هذا الباب. # وقيامة الكفار يوم الحشر، وقيامة الأحباب فى الوقت، ولشرح هذا تفسير طويل ~~«1» قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 26] # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من ~~تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26) # «اللهم» معناها يا الله والميم فى آخرها بدل عن حرف النداء وهو يا. فهذا ~~تعليم الحق كيفية الثناء على الحق، أي صفنى بما أستحقه ms0166 من جلال القدر فقل: ~~يا مالك الملك لا شريك لك ولا معين، ولا ظهير ولا قرين، ولا مقاسم لك فى ~~الذات، ولا مساهم فى الملك، ولا معارض فى الإبداع. # تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء. # حتى نعلم أن الملك لك، والملك من المخلوقين من تذلل له، ومنزوع الملك ممن ~~تكبر عليه فتجمل الخلق فى تذللهم للحق، وعزهم فى محوهم فيه، وبقاؤهم فى ~~فنائهم به وتعز من تشاء بعز ذاتك. # وتذل من تشاء. # بخذلانك. # وتعز من تشاء بأن تهديه ليشهدك ويوحدك، وتذل من تشاء بأن يجحدك ويفقدك. ~~وتعز PageV01P230 # من تشاء بيمن إقبالك، وتذل من تشاء بوحشة إعراضك. وتعز من تشاء بأن تؤنسه ~~بك، وتذل من تشاء بأن توحشه عنك. وتعز من تشاء بأن تشغله بك، وتذل من تشاء ~~بأن تشغله عنك. وتعز من تشاء بسقوط أحكام نفسه، وتذل من تشاء بغلبة غاغة ~~نفسه. وتعز من تشاء بطوالع أنسه وتذل من تشاء بطوارق «1» نفسه. وتعز من ~~تشاء ببسطه بك، وتذل من تشاء بقبضه عنك. # وتؤتى الملك من تشاء بشد نطاق خدمتك، وتنزع الملك ممن تشاء بنفيه عن بساط ~~عبادتك «2» . تؤتى الملك من تشاء بإفراد سره لك وتنزع الملك ممن تشاء بأن ~~تربط قلبه بمخلوق، وتعز من تشاء بإقامته بالإرادة، وتذل من تشاء برده إلى ~~ما عليه أهل العادة. # بيدك الخير. # ولم يذكر الشر حفظا لآداب الخطاب، وتفاؤلا بذكر الجميل، وتطيرا من ذكر ~~السوء. # إنك على كل شيء قدير. # من الحجب والجذب، (والنصرة) «3» والخذلان، والأخذ والرد، والفرق والجمع، ~~والقبض والبسط. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 27] # تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج ~~الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27) . PageV01P231 # تولج الليل فى النهار حتى يغلب سلطان ضياء التوحيد فلا يبقى من آثار ~~النفس وظلماتها شىء، وتولج النهار فى الليل حتى كأن شموس القلوب كسفت، أو ~~كأن الليل دام، وكأن الصبح فقد. # وتخرج الحي من الميت حتى كأن الفترة لم تكن، وعهد ms0167 الوصال رجع فتيا، وعود ~~القلوب صار غضا طريا. # وتخرج الميت من الحي حتى كأن شجرة البرم أو رقت شوكا وأزهرت شوكا، وكأن ~~اليائس لم يجد خيرا، ولم يشم ريحا، وتقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة. # وترزق من تشاء بغير حساب. # حتى لا (كدر) «1» ولا جهد ولا عرق جبين. ولا تعب يمين. ليله روح وراحة، ~~ونهاره طرب وبهجة، وساعاته كرامات، ولحظاته قربات، وأجناس أفعاله على ~~التفصيل لا يحصرها لسان، ولا يأتى على استقصاء كنهها عبارة ولا بيان. # وفيما لوحنا من ذلك تنبيه على طريق كيفية الإفصاح عنه. # ويقال لما قال: «وتنزع الملك ممن تشاء انكسر خمار كل ظان أنه ملك لأنه ~~شاهد ملكه يعرض للزوال فعلم أن التذلل إليه فى استبقاء ملكه أولى به من ~~الإعجاب والإدلال. # ويقال الملك فى الحقيقة- من لا يشغله شىء بالالتفات إليه عن شهود من هو ~~الملك على الحقيقة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 28] # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من ~~الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ~~(28) # من حقائق الإيمان الموالاة فى الله والمعاداة فى الله. # وأولى من تسومه الهجران والإعراض عن الكفار- نفسك فإنها مجبولة على ~~PageV01P232 # المجوسية حيث تقول: لى ومنى وبي «1» ، وقال الله تعالى: «يا أيها الذين ~~آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار» «2» . # وإن الإيمان فى هذه الطريقة عزيز، ومن لا إيمان له بهذه الطريقة من ~~العوام- وإن كانوا قد بلغوا من الزهد والجهد مبلغا عظيما- فليسوا بأهل ~~لموالاتك، والشكل بالشكل أليق. # قوله جل ذكره: ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ~~ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير صحبة الحق سبحانه وقربته لا تكون ~~مقرونة بصحبة الأضداد وقربتهم- البتة. # «ويحذركم الله نفسه» : هذا خطاب للخواص من أهل المعرفة، فأما الذين نزلت ~~رتبتهم عن هذا فقال لهم: «واتقوا النار التي ... » وقال: «واتقوا يوما ~~ترجعون ... » إلى غير ذلك من الآيات. # ويقال: «يحذركم الله نفسه» أن ms0168 يكون عندكم أنكم وصلتم فإن خفايا المكر ~~تعترى الأكابر، قال قائلهم: # وأمنته فأتاح لى من مأمنى ... مكرا، كذا من يأمن الأحبابا # ويقال: «يحذركم الله نفسه» لأن يجرى فى وهم أحد أنه يصل إليه مخلوق، أو ~~يطأ بساط العز قدم همة بشر، جلت الأحدية وعزت! وإن من ظن أنه أقربهم إليه ~~ففى الحقيقة أنه أبعدهم عنه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 29] # قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما ~~في الأرض والله على كل شيء قدير (29) PageV01P233 # لا يعزب معلوم عن علمه، فلا تحتشم من نازلة بك تسوءك، فعن قريب سيأتيك ~~الغوث والإجابة، وعن قريب سيزول البلاء والمحنة، ويعجل المدد والكفاية. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 30] # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها ~~وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد (30) # ود أهل الطاعات أن لو استكثروا منها، وود أهل المخالفات أن لو كبحوا ~~لجامهم عن الركض فى ميادينهم، قال قائلهم: # ولو اننى أعطيت من دهرى المني ... وما كل من يعطى المنى بمسدد # لقلت لأيام مضين: ألا ارجعي ... وقلت لأيام أتين ألا ابعدي # قوله جل ذكره: ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد. # الإشارة من قوله: «ويحذركم الله نفسه» للعارفين، ومن قوله «والله رؤف ~~بالعباد» للمستأنفين، فهؤلاء أصحاب العنف والعنوة، وهؤلاء أصحاب التخفيف ~~والسهولة. # ويقال لما قال: «ويحذركم الله نفسه» اقتضى أسماع هذا الخطاب تحويلهم «1» ~~فقال مقرونا به «والله رؤف بالعباد» لتحقيق تأميلهم، وكذلك سنته يطمعهم «2» ~~فى عين ما يروعهم. # ويقال أفناهم بقوله «ويحذركم الله نفسه» ثم أحياهم وأبقاهم بقوله «والله ~~رؤف بالعباد» PageV01P234 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 31] # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور ~~رحيم (31) # «تحبون الله» فرق، و «يحببكم الله» جمع. # «تحبون الله» مشوب بالعلة، و «يحببكم الله» بلا علة، بل هو حقيقة الوصلة. # ومحبة العبد لله حالة ms0169 لطيفة يجدها من نفسه، وتحمله تلك الحالة على موافقة ~~أمره على الرضا دون الكراهية، وتقتضى منه تلك الحالة إيثاره- سبحانه- على ~~كل شىء وعلى كل أحد. # وشرط المحبة ألا يكون فيها حظ بحال، فمن لم يفن عن حظوظه بالكلية فليس له ~~من المحبة شظية. # ومحبة الحق للعبد إرادته إحسانه إليه ولطفه به، وهى إرادة فضل مخصوص، ~~وتكون بمعنى ثنائه سبحانه عليه ومدحه له، وتكون بمعنى فضله المخصوص معه، ~~فعلى هذا تكون من صفات فعله. # ويقال شرط المحبة امتحاء كليتك عنك لاستهلاكك فى محبوبك، قال قائلهم. # وما الحب حتى تنزف العين بالبكا ... وتخرس حتى لا تجيب المناديا # وهذا فرق «1» بين الحبيب والخليل قال الخليل: «فمن تبعني فإنه منى» . # وقال الحبيب: «فاتبعوني يحببكم الله» . # فإن كان متبع الخليل «منه» إفضالا فإن متابع الحبيب محبوب الحق سبحانه، ~~وكفى بذلك قربة وحالا. # ويقال قطع أطماع الكافة أن يسلم لأحد نفس إلا ومقتداهم وإمامهم سيد ~~الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم. # ويقال فى هذه الآية إشارة إلى أن المحبة غير معلولة وليست باجتلاب طاعة، ~~أو التجرد PageV01P235 # عن آفة لأنه قال يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم، بين أنه يجوز أن يكون عبد ~~له فنون كثيرة ثم يحب الله ويحبه الله. # ويقال قال أولا: «يحببكم الله» ثم قال: «ويغفر لكم ذنوبكم» والواو تقتضى ~~الترتيب ليعلم أن المحبة سابقة على الغفران أولا يحبهم ويحبونه (وبعده) ~~يغفر لهم ويستغفرونه، فالمحبة توجب الغفران لأن العفو يوجب المحبة. # والمحبة تشير إلى صفاء الأحوال ومنه حبب الأسنان «1» وهو صفاؤها. # والمحبة توجب الاعتكاف بحضرة المحبوب فى السر. # ويقال أحب البعير إذا استناخ فلا يبرح بالضرب. # والحب حرفان حاء وباء، والإشارة من الحاء إلى الروح ومن الباء إلى البدن، ~~فالمحب لا يدخر عن محبوبه لا قلبه ولا بدنه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 32] # قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (32) # أمرهم بالطاعة ثم قال: «فإن تولوا» أي قصروا فى الطاعة بأن خالفوا، ثم ~~قال: «فإن الله لا يحب الكافرين» ms0170 لم يقل العاصين بل قال الكافرين، ودليل ~~الخطاب أنه يحب المؤمنين وإن كانوا عصاة «2» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 33 الى # 34] # إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (33) ذرية ~~بعضها من بعض والله سميع عليم (34) # اتفق آدم وذريته فى الطينة، وإنما الخصوصية بالاصطفاء الذي هو من قبله، ~~لا بالنسب ولا بالسبب. PageV01P236 # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 35 الى 36] # إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت ~~السميع العليم (35) فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما ~~وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من ~~الشيطان الرجيم (36) # المحرر الذي ليس فى رق شىء من المخلوقات، حرره الحق سبحانه فى سابق حكمه ~~عن رق الاشتغال بجميع الوجوه والأحوال. فلما نذرت أم مريم ذلك، ووضعتها ~~أنثى خجلت، فلما رأتها قالت «رب إني وضعتها أنثى» وهى لا تصلح أن تكون ~~محررا فقال تعالى: # «والله أعلم بما وضعت» ولعمرى ليس الذكر كالأنثى في الظاهر، ولكن إذا ~~تقبلها الحق- سبحانه وتعالى- طلع عنها كل أعجوبة. # ولما قالت «إني نذرت لك ما في بطني محررا» قالت «فتقبل مني» فاستجاب، ~~وظهرت آثار القبول عليها وعلى ابنها، ونجا بحديثها عالم وهلك بسببها عالم، ~~ووقعت الفتنة لأجلهما فى عالم. # قالت: «وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم» ~~استجارت بالله من أن يكون للشيطان فى حديثها شىء بما هو الأسهل، لتمام ما ~~هم به من أحكام القلوب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 37] # فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ~~إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) # حيث بلغها فوق ما تمنت أمها، ويقال تقبلها بقبول حس حتى أفردها لطاعته، ~~وتولاها بما تولى به أولياءه، حتى أفضى جميع من فى عصرها العجب من حسن ms0171 ~~توليه أمرها، وإن كانت بنتا. # PageV01P237 # ويقال القبول الحسن حسن تربيته لها مع علمه- سبحانه- بأنه يقال فيه ~~بسببها ما يقال، فلم يبال بقبح مقال الأعداء. # أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمنى اللوم # وكما قيل: # ليقل من شاء ما ... شاء فإنى لا أبالى # ويقال القبول الحسن أن رباها على نعت العصمة حتى كانت تقول: «إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا» . # «وأنبتها نباتا حسنا» حتى استقامت على الطاعة، وآثرت رضاه- سبحانه- فى ~~جميع الأوقات، وحتى كانت الثمرة منها مثل عيسى عليه السلام، وهذا هو النبات ~~الحسن، وكفلها زكريا. ومن القبول الحسن والنبات الحسن أن جعل كافلها والقيم ~~بأمرها وحفظها نبيا من الأنبياء مثل زكريا عليه السلام، وقد أوحى الله إلى ~~داود عليه السلام: إن رأيت لى طالبا فكن له خادما. # قوله جل ذكره: كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال: يا ~~مريم أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. # من أمارات القبول الحسن أنها لم تكن توجد إلا فى المحراب، ومن كان مسكنه ~~وموضعه الذي يتعبد فيه وهناك يوجد المحراب- فذلك عبد عزيز. # ويقال من القبول الحسن أنه لم يطرح أمرها كله وشغلها على زكريا عليه ~~السلام فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعهدها بطعام وجد عندها رزقا ليعلم ~~العاملون أن الله- سبحانه- لا يلقى شغل أوليائه على غير «1» ، ومن خدم وليا ~~من أوليائه كان هو فى رفق الولي لا إنه PageV01P238 # تكون عليه مشقة لأجل الأولياء. وفى هذا إشارة لمن يخدم الفقراء أن يعلم ~~أنه فى رفق الفقراء. # ثم كان زكريا عليه السلام يقول: أنى لك هذا؟ لأنه لم يكن يعتقد فيها ~~استحقاق تلك المنزلة، وكان يخاف أن غيره يغلبه وينتهز فرصة تعهدها ويسبقه ~~بكفاية شغلها، فكان يسأل ويقول: أنى لك هذا؟ ومن أتاك به؟ # وكانت مريم تقول: هو من عند الله لا من عند مخلوق، فيكون لزكريا فيه ~~راحتان: # إحداهما شهود مقامها وكرامتها عند الله تعالى، والثانية أنه لم يغلبه أحد ~~على تعهدها، ولم يسبق به. ms0172 قوله «كلما دخل عليها زكريا المحراب» فلفظة كلما ~~للتكرار «1» وفى هذا إشارة: وهو أن زكريا عليه السلام لم يذر تعهدها- وإن ~~وجد عندها رزقا- بل كل يوم وكل وقت كان يتفقد حالها لأن كرامات الأولياء ~~ليست مما يجب أن يدوم ذلك قطعا فيجوز أن يظهر الله ذلك عليهم دائما، ويجوز ~~ألا يظهر، فما كان زكريا عليه السلام يعتمد على ذلك فيترك تفقد حالها، ثم ~~كان يجدد السؤال عنها بقوله: «يا مريم أنى لك هذا؟» لجواز أن يكون الذي هو ~~اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمس، فإنه لا واجب على الله سبحانه «2» ~~وقوله: «إن الله يرزق من يشاء بغير حساب» إيضاح عن عين التوحيد، وأن رزقه ~~للعباد، وإحسانه إليهم بمقتضى مشيئته، دون أن يكون معللا بطاعاتهم ووسيلة ~~عباداتهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 38] # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ~~(38) # أي لما رأى كرامة الله سبحانه معها ازداد يقينا على يقين، ورجاء على رجاء ~~فسأل الولد على كبر سنه، وإجابته إلى ذلك كانت نقضا للعادة. PageV01P239 # ويقال إن زكريا عليه السلام سأل الولد ليكون عونا له على الطاعة، ووارثا ~~من نسله فى النبوة، ليكون قائما بحق الله، فلذلك استحق الإجابة فإن السؤال ~~إذا كان لحق الحق- لا لحظ النفس- لا يكون له الرد «1» . # وكان زكريا عليه السلام يرى الفاكهة الصيفية عند مريم فى الشتاء، وفاكهة ~~الشتاء عندها فى الصيف، فسأل الولد فى حال الكبر ليكون آية ومعجزة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 39] # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا ~~بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) # لما سأل السؤال، ولازم الباب أتته الإجابة. # وفيه إشارة إلى أن من له إلى الملوك حاجة فعليه بملازمة الباب إلى وقت ~~الإجابة. # ويقال حكم الله- سبحانه- أنه إنما يقبل بالإجابة على من هو معانق لخدمته، ~~فأما من أعرض عن الطاعة ألقاه فى ذل الوحشة. # قوله جل ذكره: أن الله يبشرك بيحيى ms0173 مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ~~ونبيا من الصالحين. # قيل سماه يحيى لحياة قلبه بالله، ولسان التفسير أنه حيى به عقر أمه. # ويقال إنه سبب حياة من آمن به بقلبه. # قوله: مصدقا بكلمة من الله: أن تصديقه بكلمة «الله» فيما تعبده به أو هو ~~مكون بكلمة الله. # وقوله «وسيدا» : السيد من ليس فى رق مخلوق، تحرر عن أسر هواه وعن كل ~~مخلوق، ويقال السيد من تحقق بعلويته سبحانه، ويقال السيد من فاق أهل عصره، ~~وكذلك كان يحيى عليه السلام. PageV01P240 # ويقال سيد لأنه لم يطلب لنفسه مقاما، ولا شاهد لنفسه قدرا. ولما أخلص فى ~~تواضعه لله بكل وجه رقاه على الجملة، وجعله سيدا للجميع. # وقوله «وحصورا» أي معتقا من الشهوات، مكفيا أحكام البشرية مع كونه من ~~جملة البشر. ويقال متوقيا عن المطالبات، مانعا نفسه عن ذلك تعززا وتقربا، ~~وقيل منعته استئصالات بواده الحقائق عليه فلم يبق فيه فضل لحظ. # «ونبيا من الصالحين» أي مستحقا لبلوغ رتبتهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 40] # قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله ~~يفعل ما يشاء (40) # قيل كان بين سؤاله وبين الإجابة مدة طويلة ولذلك قال: أنى يكون لى غلام؟ # ويحتمل أنه قال: بأى استحقاق منى تكون لى هذه الإجابة لولا فضلك؟ # ويحتمل أنه قال أنى يكون هذا: أعلى وجه التبني أم على وجه التناسل؟ # ويحتمل أنه يكون من امرأة أخرى سوى هذه التي طعنت فى السن أو من جهة ~~التسرى بمملوكة؟ أم من هذه؟ # فقيل له: لا بل من هذه فإنكما قاسيتما وحشة الانفراد معا، فكذلك تكون ~~بشارة الولد لكما جميعا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 41] # قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ~~ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار (41) # طلب الآية ليعلم الوقت الذي هو وقت الإجابة على التعيين لا لشك له فى أصل ~~الإجابة. # وجعل آية ولايته «1» فى إمساك لسانه عن المخلوقين مع انطلاقها مع ms0174 الله ~~بالتسبيح، أي لا تمتنع عن خطابى فإنى لا أمنع أوليائى من مناجاتى. ~~PageV01P241 # قوله جل ذكره: واذكر ربك كثيرا. # بقلبك ولسانك فى جميع أوقاتك. # وسبح بالعشي والإبكار. # فى الصلاة الدائبة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 42] # وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء ~~العالمين (42) # يجوز أن يكون هذا ابتداء خطاب من الملائكة على مريم من قبلهم رفعا ~~بشأنها، ويجوز أن تكون قد سمعت كلامهم وشاهدتهم، ويجوز أنها لم تشاهدهم ~~وأنهم هتفوا بها: إن الله اصطفاك بتفضيلك، وإفرادك من أشكالك وأندادك، ~~وطهرك من الفحشاء والمعاصي بجميل العصمة، وعن مباشرة الخلق «1» ، واصطفاك ~~على نساء العالمين فى وقتك. # وفائدة تكرار «2» ذكر الاصطفاء: الأول اصطفاك بالكرامة والمنزلة وعلو ~~الحالة والثاني اصطفاك بأن حملت بعيسى عليه السلام من غير أب، ولم تشبهك ~~امرأة- ولن تشبهك- إلى يوم القيامة، ولذلك قال «على نساء العالمين» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 43] # يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) # لازمى بساط العبادة، وداومى على الطاعة، ولا تقصرى فى استدامة الخدمة، ~~فكما أفردك الحق بمقامك، كونى فى عبادته أو حد زمانك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 44] # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) PageV01P242 # أي هذه القصص نحن عرفنا كهاو (خا) طبناك بمعانيها، وإن قصصنا نحن عليك ~~هذا- فعزيز خطابنا، وأعز وأتم من أن لو كنت مشاهدا لها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 45 الى 46] # إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن ~~مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45) ويكلم الناس في المهد ~~وكهلا ومن الصالحين (46) # لم يبشرها بنصيب لها فى الدنيا ولا فى الآخرة من حيث الحظوظ، ولكن بشرها ~~بما أثبت فى ذلك من عظيم الآية، وكونه نبيا لله مؤيدا بالمعجزة. # ويقال عرفها أن من وقع فى تغليب القدرة، وانتهى عند حكمه يلقى من عجائب ~~القدرة ما لا عهد به ms0175 لأحد. ولقد عاشت مريم مدة بجميل الصيت، والاشتهار ~~بالعفة، فشوش عليها ظاهر تلك الحال بما كان عند الناس بسبب استحقاق ملام، ~~ولكن- فى التحقيق- ليس كما ظنه الأغبياء «1» الذين سكرت أبصارهم من شهود ~~جريان التقدير. # وقيل إنه ( ### | ........ # ) «2» عرفها ذلك بالتدريج والتفصيل، فأخبرها أن ذلك الولد يعيش حتى يكلم ~~الناس صبيا وكهلا، وأن كيد الأعداء لا يؤثر فيه. # وقيل كهلا بعد نزوله من السماء. # ويقال ربط على قلبها بما عرفها أنه إذا لم ينطق لسانها بذكر براءة ساحتها ~~ينطق الله عيسى عليه السلام بما يكون دلالة على صدقها وجلالتها. ~~PageV01P243 # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 47] # قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47) # كما شاهدت ظهور أشياء ناقضة للعادة فى رزقنا فكذلك ننقض العادة فى خلق ~~ولد من غير مسيس بشر. # قوله جل ذكره: إذا قضى أمرا. # أي أراد إمضاء حكم. # فإنما يقول له كن فيكون. # فلا يتعسر عليه إبداء ولا إنشاء. # ولما بسطوا فيها لسان الملامة أنطق الله عيسى عليه السلام وهو ابن يوم ~~حتى قال: # أني قد جئتكم بآية من ربكم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 48 الى # 49] # ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (48) ورسولا إلى بني إسرائيل ~~أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه ~~فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وأنبئكم ~~بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (49) # وتلك آياته الظاهرة، ودلالاته القاهرة الباهرة من إحياء الموتى، وإبراء ~~الأكمه والأبرص، والإخبار عما عملوه مسرين به، إلى غير ذلك من معجزاته. ~~وأخبر أنه # PageV01P244 # مصدق لما تقدمه من الشرائع، ومختص بشريعة تنسخ بعض ما تقدمه، وأقرهم على ~~البعض- على ما نطق به تفصيل القرآن. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 52 الى 53] # فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون ms0176 نحن ~~أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا ~~الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) # الآية. # حين بلغهم الرسالة واختلفوا- فمنهم من صدقه ومنهم من كذبه وهم الأكثرون- ~~علم أن النبوة لا تنفك عن البلاء وتسليط الأعداء، فقطع عنهم قلبه، وصدق إلى ~~الله قصده، وقال لقومه: من أنصارى إلى الله ليساعدونى على التجرد لحقه ~~والخلوص فى قصده؟ فقال من انبسطت عليهم آثار العناية، واستخلصوا بآثار ~~التخصيص: نحن أنصار الله، آمنا بالله، واشهد علينا بالصدق، وليس يشكل عليك ~~«1» شىء مما نحن فيه. # ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين وأما الباقون ~~فجدوا فى الشقاق، وبالغوا فى العداوة، ودسوا له المكائد، ومكروا ولكن ~~أذاقهم الله وبال مكرهم، فتوهموا أنهم صلبوا عيسى عليه السلام وقتلوه، وذلك ~~جهل منهم، ولبس عليهم. فالله- سبحانه- رفع عيسى عليه السلام نبيه ووليه، ~~وحق الطرد واللعن على أعدائه، وهذا مكره بهم: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 55] # إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون (55) # قوله جل ذكره: إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك. # الإشارة «2» فيه إنى متوفيك عنك، وقابضك منك، ورافعك من نعوت البشرية، ~~ومطهرك من إرادتك بالكلية، حتى تكون مصرفا بنا لنا، ولا يكون عليك من ~~PageV01P245 # اختيارك شىء، ويكون إسبال التولي عليك قائما عليك. وبهذا الوصف كان يظهر ~~على يده إحياء الموتى، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة- جلت. # ويقال طهر قلبه عن مطالعة الأغيار، ومشاهدة الأمثال والآثار، فى جميع ~~الأحوال والأطوار. # وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. # بالنصرة والقهر والحجة. # ومتبعوه من لم يبدل دينه ومن هو على عقيدته فى التوحيد- وهم المؤمنون، ~~فهم على الحق، إلى يوم القيامة لهم النصرة، ثم إن الله سبحانه يحكم- يوم ~~القيامة- بينه وبين أعدائه. فأما الكفار ففى الجحيم وأما المؤمنون ففى ~~النعيم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 58] # ذلك نتلوه عليك من الآيات ms0177 والذكر الحكيم (58) # ذلك نتلوه عليك يا محمد، نعرفك معانيه بما نوحى إليك، لا بتكلفك ما تصل ~~إلى علمه، أو بتعلمك من الأمثال، أو استنباطك ما تنزع من الاستدلال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 59] # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) # الآية خصهما «1» بتطهير الروح عن التناسخ فى الأصلاب وأفرد آدم بصفة ~~البدء وعيسى عليه السلام بتخصيص نفخ الروح فيه على وجه الإعزاز، وهما وإن ~~كانا كبيرى الشأن فنقص الحدثان والمخلوقية لازم لهما: # ثم قال له كن فيكون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 60] # الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60) # الآية PageV01P246 # الحق من ربك يا محمد، فلا تشكن فى أنه- سبحانه- لا يماثله فى الإيجاد ~~أحد، ولا على إثبات بينه لمخلوق قدرة. والموجودات التي ( ### | ..... # ) «1» وجودها عن كتم العدم- من الله مبدؤها وإليه عودها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 61] # فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ~~ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين ~~(61) # الآية يعنى بعد ما ظهرت على صدق ما يقال لك، وتحققت بقلبك معرفة ما ~~خاطبناك، فلا تحتشم من حملهم على المباهلة، وثق بأن لك القهر والنصرة، وأنا ~~توليناك، وفى كنف قربنا آويناك، ولو أنهم رغبوا فى هذه المباهلة لأحرقت ~~الأودية عليهم نيرانا مؤججة، ولكن أخر الله- سبحانه- ذلك عنهم لعلمه بمن فى ~~أصلابهم من المؤمنين «2» . # والإشارة فى هذه الآية لمن نزلت حالته عن أحوال الصديقين، فإنه إذا ظهرت ~~أنوارهم انخنست آثار هؤلاء فلا إقرار، ولا عنهم آثار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 62 الى 63] # إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم ~~(62) فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (63) # لا يتسلط على شواهد التوحيد غبار شبهة، ولا يدرك سر حكمه وهم «3» مخلوق، ~~ولا يدانيه معلوم يحصره الوجود، أو موهوم يصوره التقدير «4» . # فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين فإن تولوا- يا محمد- فإنه ms0178 لا ثبات عند ~~شعاع أنوارك لشبهة مبطل. # «فإن الله عليم بالمفسدين» إما يجتاحهم «5» ، أو يحلم «6» حتى إذا ~~استمكنت ظنونهم يأخذهم بغتة وهم لا ينصرون. PageV01P247 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 64] # قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ~~ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون (64) # الآية هى كلمة التوحيد وإفراد الحق سبحانه فى إنشاء الأشياء بالشهود. # وقوله: «ألا نعبد إلا الله» : لا تطالع بسرك مخلوقا. وكما لا يكون غيره ~~معبودك فينبغى ألا يكون غيره مقصودك ولا مشهودك، وهذا هو اتقاء الشرك، وأنت ~~أول الأغيار الذين يجب ألا تشهدهم. # «ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا» ويظهر صدق هذا بترك المدح والذم لهم. # ونفى الشكوى والشك عنهم، وتنظيف السر عن حسبان ذرة من المحو والإثبات ~~منهم قال صلى الله عليه وسلم «أصدق كلمة قالتها العرب قول لبيد» . # ألا كل شىء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل «1» # فإن الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأما أهل البداية فالأمر مضيق عليهم ~~فى الوظائف والأوراد، فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب، لفراغهم بقلوبهم ~~من المعاني «2» ، فمن ظن بخلاف هذا فقد غلط. # والإشارة من هذه الآية أيضا فى قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 65] # يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده أفلا تعقلون (65) # ... الآية. # ضرب على خليله- صلوات الله- نقاب الضنة وحجاب الغيرة، فقطع سببه عن ~~جميعهم بعد ادعاء الكل فيه، وحكم بتعارض شبهاتهم، وكيف يكون إبراهيم- عليه ~~السلام- على دين من أتى بعده؟! إن هذا تناقض من الظن. # ثم قال: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 66] # ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) PageV01P248 # يعنى ما كان فى كتابكم له بيان، ويصح أن يكون لكم عليه برهان، فخصهم فى ~~ذلك إما بحق وإما بباطل، فالذى ليس لكم البتة عليه دليل ms0179 ولا لكم إلى معرفته ~~سبيل فكيف تصديتم للحكم فيه، وادعاء الإحاطة به؟! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 67] # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين (67) # الحنيف المستقيم على الحق، والأحنف هو المستقيم فى حلقة الرجل، ويسمى ~~مائل القدم بذلك على التفاؤل «1» . وإبراهيم عليه السلام كان حنيفا لا ~~مائلا عن الحق، ولا زائغا عن الشرع، ولا معرجا على شىء فيه نصيب للنفس، فقد ~~سلم ماله ونفسه وولده، وما كان له به جملة- إلى حكم الله وانتظار أمره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 68] # إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي ~~المؤمنين (68) # لما تفرقت الأهواء والبدع وصار كل حزب إلى خطأ آخر، بقي أهل الحق فى كل ~~عصر وكل حين ووقت على الحجة المثلى، فكانوا حزبا واحدا، فبعضهم أولى ببعض. ~~وإبراهيم صاحب الحق، ومن دان بدينه- كمثل رسولنا صلى الله عليه وسلم وأمته- ~~على الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام وهو توحيد الله سبحانه ~~وتعالى. # «والله ولي المؤمنين» لأنهم تولوا دينه، ووافقوا توحيده، وولاية الله ~~إنما تكون بالعون والنصرة والتخصيص والقربة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 69] # ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون ~~(69) # من حلت به فتنة، وأصابته محنة، واستهوته غواية- رضى لجميع الناس ما حل ~~به، PageV01P249 # فأهل الكتاب يريدون بالمؤمنين أن يزيغوا عن الحق، ولكن أبى الله إلا أن ~~يتم نوره، وأن يعود إليهم وبال فعلهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 70] # يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) # قبل «1» بعثه- صلى الله عليه وسلم- على صحة نبوته «2» ، فما الذي يحملكم ~~على غيكم حتى جحدتم ما علمتم؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 71] # يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71) # تكتمون الحق فى شأن محمد عليه السلام وأنتم تعلمون أنه النبي الصادق، وهل ~~هذا إلا حكم الخذلان وقضية الحرمان، ثم أخبر أن منهم من ms0180 ينافق فى حالته، ~~فيريد أن يدفع عنه أذى المسلمين، ولا يخالف إخوانه من الكافرين، فتواصوا ~~فيما بينهم بموافقة الرسول عليه السلام والمسلمين جهرا، والخلوص فى عقائدهم ~~الفاسدة بعضهم مع بعض سرا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 72 الى 73] # وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى ~~هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد ~~الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (73) # فبين الله سبحانه أن نفاقهم كشف للمسلمين، وأن ذلك لا ينفعهم أما فى ~~الدنيا فلإطلاع الله نبيه عليه السلام والمؤمنين- عليه، وأما فى الآخرة ~~فلفقد إخلاصهم فيه. # قوله جل ذكره: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم الآية. PageV01P250 # يحتمل أن يكون هذا ابتداء أمر من الله سبحانه للمسلمين، والإشارة فيه ألا ~~تعاشروا الأضداد، ولا تفشوا أسراركم للأجانب. # قل إن الفضل بيد الله. # فهو الذي يختص من يشاء بأنوار التعريف، ويختص من يشاء بالخذلان والحرمان. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 74] # يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (74) # يختص من يشاء بفنون إنعامه، فالرحمة على هذا سبب لتخصيص النعمة لمن ~~أراده. ولا بد من إضمار فيحتمل أن يختص بالرحمة من يشاء فلا تجرى الرحمة ~~مجرى السبب فالرحمة على هذا التأويل تكون بمعنى النبوة وتكون بمعنى ~~الولاية. # وبمعنى العصمة وجميع أقسام الخيرات التي يختص- بشىء منها- عبدا من عباده، ~~فيدخل تحت قوله: يختص برحمته، أي بنعمته. # فقوم اختصهم بنعمة الأخلاق وقوم اختصهم بنعمة الأرزاق، وقوم اختصهم بنعمة ~~العبادة وآخرين بنعمة الإرادة، وآخرين بتوفيق الظواهر وآخرين بعطاء ~~الأبشار، وآخرين بلقاء الأسرار، قال تعالى: «وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها» . # ويقال لما سمعوا قوله: «يختص برحمته من يشاء» ، علموا أن الوسائل ليست ~~بهادية «1» ، وإنما الأمر بالابتداء والمشيئة. # ويقال يختص برحمته من يشاء بالفهم عنه فيما يكاشفه به من الأسرار ويلقيه ~~إليه من فنون التعريفات. # قوله جل ms0181 ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 75] # ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار ~~لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين ~~سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75) # ... الآية PageV01P251 # أخبر أنهم- مع ضلالتهم وكفرهم- متفاوتون فى أخلاقهم، فكلهم خونة فى أمانة ~~الدين، ولكن منهم من يرجع إلى سداد المعاملة ثم وإن كانت معاملتهم بالصدق ~~فلا ينفعهم ذلك فى إيجاب الثواب ولكن ينفعهم من حيث تخفيف العذاب إذ الكفار ~~مطالبون بتفصيل الشرائع، فإذا كانوا فى كفرهم أقل ذنبا كانوا بالإضافة إلى ~~الأخسرين أقل عذابا، وإن كانت عقوبتهم أيضا مؤبدة. # ثم بين أنه ليس الحكم إليهم حتى إذا: # قالوا ليس علينا في الأميين سبيل. # فلا تجرى عليهم هذه الحالة، أو تنفعهم هذه القالة، بل الحكم لله تعالى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 77] # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في ~~الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~أليم (77) # الذين آثروا هواهم على عقباهم، وقدموا مناهم على موافقة مولاهم أولئك لا ~~نصيب لهم فى الآخرة فللاستماع بما اختاروا من العاجل خسروا فى الدارين. # بقوا عن الحق، وما استمتعوا بحظ، جمع عليهم فنون المحن ولكنهم لا يدرون ~~ما أصابهم: لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ثم مع ~~هذا يخلدهم فى العقوبة الأبدية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 78] # وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من ~~الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب ~~وهم يعلمون (78) # PageV01P252 # الإشارة من هذه الآية إلى المبطلين فى الدعاوى فى هذه الطريقة. # يزينون العبارات، ويطلقون ألسنتهم بما لا خبر فى قلوبهم منه، ولا لهم ~~بذلك تحقيق، تلبيسا على الأغبياء والعوام وأهل البداية يوهمون أن لهم تحقيق ~~ما يقولونه بألسنتهم. # قال تعالى فى صفة هؤلاء «لتحسبوه من الكتاب وما ms0182 هو من الكتاب» ، كذلك ~~أرباب التلبيس والتدليس، يروجون قالتهم على المستضعفين، فأما أهل الحقائق ~~فأسرارهم عندهم مكشوفة. # قال الله تعالى «ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون» ، أي يعلمون أنهم ~~كاذبون، كذلك أهل الباطل والتلبيس فى هذه الطريقة يتكلمون عن قلوب خربة، ~~وأسرار محجوبة، نعوذ بالله من استحقاق المقت! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 79] # ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون (79) # أي ليس من صفة من اخترناه للنبوة واصطفيناه للولاية أن يدعو الخلق إلى ~~نفسه، أو يقول بإثبات نفسه وحظه، لأن اختياره- سبحانه- إياهم للنبوة يتضمن ~~عصمتهم عما لا يجوز، فتجويز ذلك فى وصفهم مناف لحالهم، وإنما دعاء الرسل ~~والأولياء- للخلق- إلى الله سبحانه وتعالى، وهو معنى قوله تعالى: «ولكن ~~كونوا ربانيين» أي إنما أشار بهم على الخلق بأن يكونوا ربانيين، والربانى ~~منسوب إلى الرب كما يقال فلان دقيانى ولحيانى ... وبابه. # وهم العلماء بالله الحلماء فى الله القائمون بفنائهم عن غير الله، ~~المستهلكة حظوظهم، المستغرقون فى حقائق وجوده عن إحساسهم بأحوال أنفسهم، ~~ينطقون بالله ويسمعون بالله، وينظرون بالله، فهم بالله محو عما سوى الله. # PageV01P253 # ويقال الرباني من ارتفع عنه ظل نفسه، وعاش فى كنف ظله- سبحانه. # ويقال الرباني الذي لا يثبت غير ربه موحدا، ولا يشهد ذرة من المحو ~~والإثبات لغيره أو من غيره. # ويقال الرباني من هو محق فى وجوده- سبحانه- ومحو عن شهوده، فالقائم عنه ~~غيره، والمجرى لما عليه سواه. # ويقال الربانى الذي لا تؤثر فيه تصاريف الأقدار على اختلافها. # ويقال الرباني الذي لا تغيره محنة ولا تضره نعمة- فهو على حالة واحدة فى ~~اختلاف الطوارق. # ويقال الربانى الذي لا يتأثر بورود وارد عليه، فمن استنطقته رقة قلب، أو ~~استماله هجوم أمر، أو تفاوتت عنده أخطار حادث- فليس بربانى. # ويقال إن الرباني هو الذي لا يبالى بشىء من الحوادث بقلبه وسره، ومن كان ~~لا يقصر فى شىء من الشرع بفعله. # «بما كنتم تعلمون الكتاب ms0183 وبما كنتم تدرسون» من توالى إحسانى إليكم، ~~وتضاعف نعمتى لديكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 80] # ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون (80) # أي لا تنسبون إليهم ذرة من الإثبات فى الخير والشر. # ويقال يعرفكم حد البشرية وحق الربوبية. # ويقال يأمركم بتوقيرهم من حيث الأمر والشريعة، وتحقير قدر الخلق- ~~بالإضافة «1» إلى الربوبية. «أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون» أيأمركم ~~بإثبات الخلق بعد شهود الحق؟ PageV01P254 # ويقال «أيأمركم بمطالعة الأشكال، ونسبة الحدثان إلى الأمثال، بعد أن لاحت ~~فى أسراركم أنوار التوحيد، وطلعت فى قلوبكم شموس التفريد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 81 الى 82] # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا ~~أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم ~~الفاسقون (82) # الآية أخذ الله ميثاق محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء عليهم ~~السلام، كما أخذ ميثاقهم فى الإقرار بربوبيته- سبحانه، وهذا غاية التشريف ~~للرسول عليه السلام، فقد قرن اسمه باسم نفسه، وأثبت قدوه كما أثبت قدر ~~نفسه، فهو أوحد الكافة فى الرتبة، ثم سهل سبيل الكافة فى معرفة جلاله بما ~~أظهر عليه من المعجزات. # فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون الإشارة فيه: فمن حاد عن سنته، أو ~~زاغ عن اتباع طريقته بعد ظهور دليله، ووضوح معجزته فأولئك هم الذين خبثت ~~درجتهم، ووجب المقت عليهم لجحدهم، وسقوطهم عن تعلق العناية بهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 83] # أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه ~~يرجعون (83) # من لاحظه على غير الحقيقة، أو طالع سواه فى توهم الأهلية «1» كراء السراب ~~ظنه ماء فلما أتاه وجده هباء. ومغاليط الحسبانات مقطعة مشكلة فمن حل بها ~~نزل بواد قفر. # «وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها» لإجراء حكم الإلهية على وجه ~~القهر عليهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ms0184 آل عمران (3) : آية 84] # قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون (84) PageV01P255 # آمنا بالله لا بنفوسنا أو حولنا أو قوتنا. # وآمنا بما أنزل علينا بالله، وأنا لا نفرق بين أحد منهم- بالله سبحانه- ~~لا بحولنا واختيارنا، وجهدنا «1» واكتسابنا، ولولا أنه عرفنا أنه من هو ما ~~عرفنا وإلا فمتى علمنا ذلك؟! «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 85] # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85) # من سلك غير الخمود تحت جريان حكمه سبيلا زلت قدمه فى وهدة «3» من ~~المغاليط لا مدى لقعرها. # ويقال من توسل إليه بشىء دون الاعتصام به فخسرانه أكثر من ربحه. # ويقال من لم يفن عن شهود الكل لم يصل إلى من به الكل. # ويقال من لم يمش تحت راية المصطفى صلى الله عليه وسلم المعظم فى قدره، ~~المعلى فى وصفه، لم يقبل منه شىء ولا ذرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 86] # كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم ~~البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) PageV01P256 # من أبعده عن استحقاق الوصلة فى سابق حكمه فمتى يقربه من بساط الخدمة ~~بفعله فى وقته؟ # ويقال: الذي أقصاه «1» حكم (الأول) «2» متى أدناه صدق العمل؟ والله غالب ~~على أمره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 87 الى 89] # أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) خالدين ~~فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (88) إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) # أولئك قصارى حالهم ما سبق لهم من حكمه فى ابتداء أمرهم، ابتداؤهم رد ~~القسمة، ووسائطهم الصد عن الخدمة، ونهايتهم المصير إلى الطرد والمذلة. # خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون خالدين فى تلك المذلة لا ~~يفتر عنهم العذاب لحظة، ولا يخفف دونهم الفراق ساعة. # إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله ms0185 غفور رحيم أولئك هم الذين ~~تداركتهم الرحمة، ولم يكونوا فى شق السبق من تلك الجملة، وإن كانوا فى توهم ~~الخلق من تلك الزمرة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 90] # إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم ~~الضالون (90) # الإشارة منه: أن الذين رجعوا إلى أحوال أهل العادة بعد سلوكهم طريق ~~الإرادة، PageV01P257 # وآثروا الدنيا ومطاوعة الهوى على طلب الحق سبحانه وتعالى، ثم أنكروا على ~~أهل الطريقة، وازدادوا فى وحشة ظلماتهم- لن تقبل توبتهم، «وأولئك هم ~~الضالون» عن طريق الحق فإنه لا يقبل الأمانة بعد ظهور الخيانة. وعقوبتهم ~~أنهم على ممر الأيام لا يزدادون إلا نفرة قلب عن الطريقة، ولا يتحسرون على ~~ما فاتهم من صفاء الحالة. ولو أنهم رجعوا عن إصرارهم لها لقبلت توبتهم، ~~ولكن الحق سبحانه أجرى سنته مع أصحاب الفترة فى هذه الطريقة إذا رجعوا إلى ~~أصول العادة ألا يتأسفوا على ما مضى من أوقاتهم. # قال تعالى: «ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة» وإن ~~المرتد عن الإسلام لأشد عداوة للمسلمين من الكافر الأصلى، فكذلك الراجع عن ~~هذه الطريقة لأشد إنكارا لها وأكثر إعراضا عن أهلها من الأجنبى عنها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 91] # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين (91) # الإشارة منه: لمن مات بعد فترته- وإن كانت له بداية حسنة- فلا يحشر فى ~~الآخرة مع أهل هذه القصة، ولو تشفع له ألف عارف، بل من كمال المكر به أنه ~~يلقى شبهه فى الآخرة على غيره حتى يتوهم معارفه من أهل المعرفة أنه هو- فلا ~~يخطر ببال أحد أنه ينبغى أن يشفع له. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 92] # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ~~(92) # لما كان وجود البر مطلوبا ذكر فيه «من» التي للتبعيض فقال: «مما تحبون» ~~فمن أراد البر فلينفق مما يحبه ms0186 أي البعض، ومن أراد البار فلينفق جميع ما ~~يحبه. ومن أنفق محبوبه من الدنيا وجد مطلوبه من الحق تعالى، ومن كان مربوطا ~~بحظوظ نفسه لم يحظ بقرب ربه. # ويقال إذا كنت لا تصل إلى البر إلا بإنفاق محبوبك فمتى تصل إلى البار ~~وأنت تؤثر عليه حظوظك. «وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم» منهم من ينفق ~~على ملاحظة الجزاء # PageV01P258 # والعوض، ومنهم من ينفق على مراقبة دفع البلاء والحزن، ومنهم من ينفق ~~اكتفاء بعلمه، قال قائلهم: # ويهتز للمعروف فى طلب العلى ... لتذكر يوما- عند سلمى- شمائله # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 93 الى 94] # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن ~~تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) فمن افترى على ~~الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) # الأصل فى الأشياء ألا يشرع فيها بالتحليل والتحريم، فما لا يوجد فيه حد ~~فذلك من الحق- سبحانه- توسعة ورفقة إلى أن يحصل فيه أمر وشرع فإن الله- ~~سبحانه- وسع أحكام التكليف على أهل النهاية «1» ، فسبيلهم الأخذ بما هو ~~الأسهل لتمام ما هم به من أحكام القلوب، فإن الذي على قلوبهم من المشاق ~~أشد. وأما أهل البداية فالأمر مضيق عليهم فى الوظائف والأوراد فسبيلهم ~~الأخذ بما هو الأشق والأصعب لفراغهم بقلوبهم من المعاني، فمن ظن بخلاف هذا ~~فقد غلط. # والإشارة من هذه الآية أيضا فى قوله: «فمن افترى على الله الكذب» # إلى أحوال أهل الدعاوى والمغاليط فإنهم يخلون بنفوسهم فينسبون إلى الله- ~~سبحانه- هواجسها، والله برئ عنها. وعزيز عبد يفرق بين الخواطر والهواجس. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 95] # قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (95) # ملة إبراهيم الخروج إلى الله بالكلية، والتسليم لحكمه من غير أن تبقى ~~بقية فإثبات ذرة فى الحسبان من الحدثان شرك- فى التحقيق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 96] # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) PageV01P259 # البيت حجرة والعبد مدرة، فربط المدرة بالحجرة، فالمدر مع ms0187 الحجر. # وتعزز وتقدس من لم يزل. # ويقال البيت مطاف النفوس، والحق سبحانه مقصود القلوب! البيت أطلال وآثار ~~وإنما هى رسوم وأحجار ولكن: # تلك آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار # ويقال البيت حجر، ولكن ليس كل حجر كالذى يجانسه من الحجر. # حجر ولكن لقلوب الأحباب مزعج بل لأكباد الفقراء منفج «1» ، لا بل لقلوب ~~قوم مثلج مبهج، ولقلوب الآخرين منفج مزعج. # وهم على أصناف: بيت هو مقصد الأحباب ومزارهم، وعنده يسمع أخبارهم ويشهد ~~آثارهم. # بيت من طالعه بعين التفرقة عاد بسر خراب، ومن لاحظه بعين الإضافة حظى بكل ~~تقريب وإيجاب، كما قيل: # إن الديار- وإن صمتت- فإن لها ... عهدا بأحبابنا إذ عندها نزلوا # بيت من زاره بنفسه وجد ألطافه، ومن شهده بقلبه نال كشوفاته. PageV01P260 # ويقال قال سبحانه: «وطهر بيتي» وأضافه إلى نفسه، وقال هاهنا: «إن أول بيت ~~وضع للناس» وفى هذا طرف من الإشارة إلى عين الجمع «1» . # وسميت (بكة) لازدحام الناس، فالكل يتناجزون على البدار إليه، ويزدحمون فى ~~الطواف حواليه، ويبذلون المهج فى الطريق ليصلوا إليه. # والبيت لم يخاطب أحدا منذ بنى بمنية، ولم يستقبل أحدا بحظوة، ولا راسل ~~أحدا بسطر فى رسالة، فإذا كان البيت الذي خلقه من حجر- هذا وصفه فى التعزز ~~«2» فما ظنك بمن البيت له. قال صلى الله عليه وسلم مخبرا عنه سبحانه: ~~«الكبرياء ردائى والعظمة إزارى» . # ويقال إذا كان البيت المنسوب إليه لا تصل إليه من ناحية من نواحيه إلا ~~بقطع المفاوز والمتاهات فكيف تطمع أن تصل إلى رب البيت بالهوينى دون تحمل ~~المشقات ومفارقة الراحات؟! ويقال لا تعلق قلبك بأول بيت وضع لك ولكن أفرد ~~سرك لأول حبيب آثرك. # ويقال شتان بين عبد اعتكف عند أول بيت وضع له وبين عبد لازم حضرة أول ~~عزيز كان له. # ويقال ازدحام الفقراء بهممهم حول البيت ليس بأقل من ازدحام الطائفين ~~بقدمهم، فالأغنياء يزورون البيت، ويطوفون بقدمهم، والفقراء يبقون عنه ~~فيطوفون حوله بهممهم. # ويقال الكعبة بيت الحق سبحانه فى الحجر، والقلب بيت الحق سبحانه فى السر، ~~قال قائلهم: # لست من جملة ms0188 المحبين إن لم ... أجعل القلب بيته والمقاما # وطوافى إجالة السر فيه ... وهو ركنى إذا أردت استلاما # فاللطائف تطوف بقلوب العارفين، والحقائق تعتكف فى قلوب الموحدين، والكعبة ~~مقصود العبد بالحج، والقلب مقصود الحق بإفراده إياه بالتوحيد والوجد. ~~PageV01P261 # قوله جل ذكره: مباركا وهدى للعالمين. # بركاته اتصال الألطاف والكشوفات، فمن قصده بهمته، ونزل عليه بقصده هداه ~~إلى طريق رشده. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 97] # فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97) # ولكن لا تدرك تلك الآيات بأبصار الرءوس ولكن ببصائر القلوب، ومقام ~~إبراهيم- فى الظاهر- ما تأثر بقدمه، وفى الإشارة: ما وقف الخليل عليه ~~السلام بهممه. # ويقال إن شرف مقام إبراهيم لأنه أثر الخليل، ولأثر الخليل خطر عظيم. # قوله جل ذكره: ومن دخله كان آمنا. # يقال من دخل مقام إبراهيم كان آمنا، ومقام إبراهيم التسليم، ومن كان ~~مسلما أموره إلى الله لم يبق له اختيار، وكان آمنا فالأمن ضده الخوف، ~~والخوف إنما يكون على ألا يحصل مرادك على ما تريد، فإذا لم تكن للعبد إرادة ~~واختيار فأى مساغ للخوف فى وصفه؟ # ويقال إن الكناية «1» بقوله (دخله) راجعة إلى البيت، فمن دخل بيته- على ~~الحقيقة- كان آمنا، وذلك بأن يكون دخوله على وصف الأدب، ولا محالة أدب دخول ~~البيت تسليم الأمور إلى رب البيت، فإن من لم يكن صاحب تسليم فهو معارض ~~للتقدير. ودخول البيت إنما الأدب فيه أن يكون دخولا على التسليم دون ~~المعارضة والنزاع فيؤول إلى المعنى المتقدم. # وإن جعلت الإشارة من البيت إلى القلب فمن دخل قلبه سلطان الحقيقة أمن من ~~نوازع البشرية وهواجس غاغة النفس، فإن من التجأ إلى ظل الملك لم يمتط إليه ~~محذورا. # ويقال لا يكون دخول البيت- على الحقيقة- إلا بخروجك عنك، فإذا خرجت عنك ~~صح دخولك فى البيت، وإذا خرجت عنك أمنت. # ويقال دخول بيته لا يصح مع تعريجك فى أوطانك ومعاهدك، فإن الشخص الواحد ~~PageV01P262 # لا يكون فى حالة واحدة فى ms0189 مكانين فمن دخل بيت ربه فبالحرى أن يخرج عن ~~معاهد «1» نفسه. # قوله جل ذكره: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا. # شرط الغنى ألا يدخر عن البيت شيئا من ماله، وشرط الفقير ألا يدخر عن ~~الوصول إلى بيته نفسا من روحه. # ويقال الاستطاعة فنون فمستطيع بنفسه وماله وهو الصحيح السليم، ومستطيع ~~بغيره وهو الزمن المعصوب، وثالث غفل الكثيرون عنه وهو مستطيع بربه وهذا نعت ~~كل مخلص مستحق فإن بلاياه لا تحملها إلا مطايانا. # ويقال حج البيت فرض على أصحاب الأموال، ورب البيت فرض على الفقراء فرض ~~حتم فقد ينسد الطريق إلى البيت ولكن لا ينسد الطريق إلى رب البيت، ولا يمنع ~~الفقير عن رب البيت. # ويقال الحج هو القصد إلى من تعظمه: فقاصد بنفسه إلى زيارة البيت، وقاصد ~~بقلبه إلى شهود رب البيت، فشتان بين حج وحج، هؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند ~~قضاء منسكهم وأداء فرضهم، وهؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند «2» شهود ربهم، ~~فأما القاصدون بنفوسهم فأحرموا عن المعهودات من محرمات الإحرام، وأما ~~القاصدون بقلوبهم فإنهم أحرموا عن المساكنات وشهود الغير وجميع الأنام. # قوله جل ذكره: ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ضرب رقم الكفر على من ~~ترك حج البيت، ووقعت بسبب هذا القول قلوب العلماء فى كد التأويل، ثم قال: ~~«فإن الله غني عن العالمين» وهذا زيادة تهديد تدل على زيادة تخصيص. # ويقال إن سبيل من حج البيت أن يقوم بآداب الحج، فإذا عقد بقلبه الإحرام ~~يجب أن PageV01P263 # يفسخ كل عقد يصده عن هذا الطريق، وينقض كل عزم يرده عن هذا التحقيق، وإذا ~~طهر تطهر عن كل دنس من آثار الأغيار بماء الخجل ثم بماء الحياء ثم بماء ~~الوفاء ثم بماء الصفاء، فإذا تجرد عن ثيابه تجرد عن كل ملبوس له من الأخلاق ~~الذميمة، وإذا لبي بلسانه وجب ألا تبقى شعرة من بدنه إلا وقد استجابت لله. ~~فإذا بلغ الموقف وقف بقلبه وسره حيث وقفه الحق بلا اختيار مقام، ولا تعرض ~~لتخصيص فإذا وقف بعرفات عرف ms0190 الحق سبحانه، وعرف له تعالى حقه على نفسه، ~~ويتعرف إلى الله تعالى بتبريه عن منته «1» وحوله، والحق سبحانه يتعرف إليه ~~بمنته وطوله، فإذا بلغ المشعر الحرام يذكر مولاه بنسيان نفسه، ولا يصح ذكره ~~لربه مع ذكره لنفسه، فإذا بلغ مني نفى عن قلبه كل طلب ومنى، وكل شهوة وهوى. # وإذا رمى الجمار رمى عن قلبه وقذف عن سره كل علاقة فى الدنيا والعقبى. # وإذا ذبح ذبح هواه بالكلية، وتقرب به إلى الحق سبحانه، فإذا دخل الحرم ~~عزم على التباعد عن كل محرم على لسان الشريعة وإشارة الحقيقة. # وإذا وقع طرفه على البيت شهد بقلبه رب البيت، فإذا طاف بالبيت أخذ سره ~~بالجولان فى الملكوت. # فإذا سعى بين الصفا والمروة صفى عنه كل كدورة بشرية وكل آفة إنسانية. # فإذا حلق قطع كل علاقة بقيت له. # وإذا تحلل من إحرام نفسه وقصده إلى بيت ربه استأنف إحراما جديدا بقلبه، ~~فكما خرج من بيت نفسه إلى بيت ربه يخرج من بيت ربه إلى ربه تعالى. # فمن أكمل نسكه فإنما عمل لنفسه، ومن تكاسل فإن الله غنى عن العالمين وقال ~~صلى الله عليه وسلم: «الحاج أشعث أغبر» ، فمن لم يتحقق بكمال الخضوع ~~والذوبان عن كليته فليس بأشعث ولا أغبر. PageV01P264 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 98] # قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون (98) # الخطاب بهذه الآية لتأكيد الحجة عليهم، ومن حيث الحقيقة والقهر يسد الحجة ~~عليهم، فهم مدعوون- شرعا وأمرا، مطرودون- حكما وقهرا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 99] # قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء ~~وما الله بغافل عما تعملون (99) # كيف يصد غيره من هو مصدود فى نفسه؟ إن فى هذا لسرا للربوبية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 100] # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ~~إيمانكم كافرين (100) # الوحشة ليست بلازمة لأصحابها، بل هى متعدية إلى كل من يحوم حول أهلها، ~~فمن ms0191 أطاع عدو الله إلى شؤم صحبة (الأعداء) «1» ألقاه فى وهدته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 101] # وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد ~~هدي إلى صراط مستقيم (101) # لا ينبغى لمن أشرقت فى قلبه شموس العرفان أن يوقع الكفر عليه ظله، فإنه ~~إذا أقبل النهار من هاهنا أدبر الليل من هاهنا. # وقوله: «ومن يعتصم ... » الآية إنما يعتصم بالله من وجد العصمة من الله، ~~فأما PageV01P265 # من لم يهده الله فمتى يعتصم بالله؟ فالهداية منه فى البداية توجب اعتصامك ~~فى النهاية، لا الاعتصام منك يوجب الهداية. # وحقيقة الاعتصام صدق اللجوء إليه، ودوام الفرار إليه، واستصحاب الاستغاثة ~~إليه. # ومن كشف عن سره غطاء التفرقة تحقق بأنه لا لغير الله ذرة أو منه سينة، ~~فهذا الإنسان يعتصم به ممن يعتصم به قال سيد الأولين والآخرين صلوات الله ~~عليه وعلى آله: # «أعوذ بك منك» . # ومن اعتصم بنفسه دون أن يكون محوا عن حوله وقوته فى اعتصامه- فالشرك وطنه ~~وليس يشعر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 102] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~(102) # حق التقوى أن يكون على وفق الأمر لا يزيد من قبل نفسه ولا ينقص. # هذا هو المعتمد من الأقاويل فيه، وأمره على وجهين: على وجه الحتم وعلى ~~وجه الندب وكذلك القول فى النهى على قسمين: تحريم وتنزيه، فيدخل فى جملة ~~هذا أن يكون حق تقاته أولا اجتناب الزلة ثم اجتناب الغفلة ثم التوقي عن كل ~~خلة ثم التنقى من كل علة، فإذا تقيت عن شهود تقواك بعد اتصافك بتقواك فقد ~~اتقيت حق تقواك. # وحق التقوى رفض العصيان ونفى النسيان، وصون العهود، وحفظ الحدود، وشهود ~~الإلهية، والانسلاخ عن أحكام البشرية، والخمود تحت جريان الحكم بعد اجتناب ~~كل جرم وظلم، واستشعار الآنفة عن التوسل إليه بشىء من طاعتك دون صرف كرمه، ~~والتحقق بأنه لا يقبل أحدا بعلة ولا يرد أحدا بعلة. # قوله جل ذكره: ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. # لا تصادفنكم ms0192 الوفاة إلا وأنتم بشرط الوفاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 103] # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103) # PageV01P266 # الاعتصام بحبله- سبحانه- التمسك بآثار الواسطة- العزيز صلوات الله عليه- ~~وذلك بالتحقق والتعلق بالكتاب والسنة. # ويصح أن يقال: الخواص يقال لهم «اعتصموا بحبل الله» ، وخاص الخاص قيل لهم ~~«واعتصموا بحبل الله» ، ولمن رجع عند سوانحه إلى اختياره واحتياله، أو ~~فكرته واستدلاله، أو معارفه وأشكاله، والتجأ إلى ظل تدبيره، واستضاء بنور ~~عقله وتفكيره «1» - فمرفوع عنه ظل العناية، وموكول إلى سوء حاله. # وقوله: «ولا تفرقوا» : التفرقة أشد العقوبات وهى قرينة الشرك. # وقوله: «واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء» . وكانوا أعداء حين ~~كانوا قائمين بحظوظهم، معرجين على ضيق البشرية، متزاحمين بمقتضى شح النفوس. # «فألف بين قلوبكم» : بالخلاص من أسر المكونات، ودفع الأخطار عن أسرارهم، ~~فصار مقصودهم جميعا واحدا فلو ألف ألف شخص فى طلب واحد- فهم فى الحقيقة ~~واحد. # «فأصبحتم بنعمته إخوانا» نعمته التي هى عصمته إياكم، إخوانا متفقى القصد ~~والهمة، متفانين عن حظوظ النفس وخفايا البخل والشح. # «وكنتم على شفا حفرة من النار» : بكونكم تحت أسر مناكم، ورباط حظوظكم ~~وهواكم. PageV01P267 # «فأنقذكم منها» : بنور الرضاء، والخمود عند جريان القضاء، وتلك حقا هى ~~المكانة العظمى والدرجة الكبرى، ويدخل فى هذه الجملة ترك السكون إلى ما منك ~~من المناقب والتقى، ولعقل والحجا، والتحصيل والنهى، والفرار إلى الله- عز ~~وجل- عن كل غير وسوى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 104] # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون (104) # هذه إشارة إلى أقوام قاموا بالله لله، لا تأخذهم لومة لائم، ولا تقطعهم ~~عن الله استنامة إلى علة، وقفوا جملتهم على دلالات أمره، وقصروا أنفاسهم ~~واستغرقوا أعمارهم على تحصيل رضاه، عملوا لله، ونصحوا الدين لله، ودعوا خلق ~~الله إلى الله، فربحت تجارتهم، وما خسرت صفقتهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران ms0193 (3) : آية 105] # ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم ~~عذاب عظيم (105) # هؤلاء أقوام أظهر عليهم فى الابتداء رقوم الطلب، ثم وسمهم «1» فى ~~الانتهاء بكى الفرقة، فباتوا فى شق الأحباب، وأصبحوا فى زمرة الأجانب «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 106 الى # 107] # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمت ~~الله هم فيها خالدون (107) . PageV01P268 # أرباب الدعاوى تسود وجوههم، وأصحاب المعاني تبيض وجوههم، وأهل الكشوفات ~~غدا تبيض بالإشراق وجوههم، وأصحاب الحجاب تسود بالحجبة وجوههم، فتعلوها ~~غبرة، وترهقها قترة. # ويقال من ابيض- اليوم- قلبه ابيض- غدا- وجهه، ومن كان بالضد فحاله العكس. # ويقال من أعرض عن الخلق- عند سوانحه- ابيض وجهه بروح التفويض، ومن علق ~~بالأغيار قلبه عند الحوائج اسود محياه بغبار الطمع فأما الذين ابيضت وجوههم ~~ففى أنس وروح، وأما الذين اسودت وجوههم ففى محن ونوح. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 108 الى 109] # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين (108) ولله ~~ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور (109) # نديم مخاطبتنا معك على دوام الأوقات فى كل قليل وكثير، عمارة لسبيل ~~الوداد: # وما الله يريد ظلما للعالمين وأنى يجوز الظلم فى وصفه تقديرا ووجودا- ~~والخلق كلهم خلقه- والحكم عليهم حكمه؟ # ولله ما فى السموات وما فى الأرض ملكا، وإلى الله ترجع الأمور حكما. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 110] # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ~~(110) # لما كان المصطفى صلوات الله عليه أشرف الأنبياء كانت أمته- عليه السلام- ~~خير الأمم. ولما كانوا خير الأمم كانوا أشرف الأمم، ولما كانوا أشرف الأمم ~~كانوا أشوق الأمم، فلما كانوا أشوق الأمم كانت أعمارهم أقصر الأعمار، ~~وخلقهم آخر الخلائق لئلا يطول مكثهم تحت الأرض. وما حصلت خيريتهم بكثرة ~~صلواتهم # PageV01P269 # وعباداتهم، ولكن بزيادة إقبالهم، وتخصيصه إياهم. ولقد طال وقوف المتقدمين ms0194 ~~بالباب ولكن لما خرج الإذن بالدخول تقدم المتأخرون. # وكم باسطين إلى وصلنا ... أكفهم لم ينالوا نصيبا # قوله جل ذكره: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر المعروف خدمه الحق، ~~والمنكر صحبة النفس. # المعروف إيثار حق الحق، والمنكر اختيار حظ النفس. # المعروف ما يزلفك إليه، والمنكر ما يحجبك عنه. # وشرط الآمر بالمعروف أن يكون متصفا بالمعروف، وحق الناهى عن المنكر أن ~~يكون منصرفا عن المنكر. # ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم، منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لو ~~دخل الكافة تحت أمرنا لوصلوا إلى حقيقة العز فى الدنيا والعقبى، ولكن بعدوا ~~عن القبول فى سابق الاختيار فصار أكثرهم موسوما بالشرك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 111] # لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) # إن الحق سبحانه وتعالى لا يسلط على أوليائه إلا بمقدار ما يصدق إلى الله ~~فرارهم، فإذا حق فرارهم أكرم لديه قرارهم، وإن استطالوا على الأولياء بموجب ~~حسبانهم انعكس الحال عليهم بالصغار والهوان. # قال جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 112] # ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤ بغضب ~~من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) # PageV01P270 # علم الهجران لا ينكتم، وسمة البعد لا تخفى، ودليل القطيعة لا يستتر فهم ~~فى صغار الطرد، وذل الرد، يعتبر بهم أولوا الأبصار، ويغتر بهم أضرابهم من ~~الكفار الفجار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 113 الى 114] # ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم ~~يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) # كما غاير بين النور والظلام مغايرة تضاد فكذلك أثبت منافاة بين أحوال ~~الأولياء وأحوال الأعداء، ومتى يستوى الضياء والظلمة، واليقين والتهمة، ~~والوصلة والفرقة، والبعاد والألفة، والمعتكف على البساط والمنصرف عن الباب، ~~والمتصف بالولاء والمنحرف عن الوفاء؟ هيهات يلتقيان! فكيف يتفقان أو ~~يستويان؟! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ms0195 آل عمران (3) : آية # 115] # وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (115) # لن يخيب عن بابه قاصد، ولم يخسر عليه (تاجر) «1» ، ولم يستوحش معه مصاحب، ~~ولم يذل له طالب. PageV01P271 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 116] # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (116) # لا فى الحال لهم بدل ولا فى المآل عنهم خلف. فى عاجلهم خسروا، وفى آجلهم ~~فى قطع وهجر، وبلاء وخسر، وعذاب ونكر: # تبدلت وتبدلنا وا حسرة ... لمن ابتغى عوضا لسلمى فلم يجد # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 117] # مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ~~ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117) # ما وجدوا ميراث ما بذلوا لغير الله إلا حسرات متتابعة، وما حصلوا من ~~حسباناتهم إلا على محن مترادفة، وذلك جزاء من أعرض وتولى قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 118] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما ~~عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ~~إن كنتم تعقلون (118) # الركون إلى الضد- بعد تبين المشاق- إعانة على الحال بما لا يبلغه كيد ~~العدو، فأشار الحق- سبحانه- على المسلمين بالتحرز عن الاعتراض، وإظهار ~~البراءة عن كل غير، ودوام الخلوص للحق- سبحانه- بالقلب والسر. وأخبر أن ~~مضادات القوم للرسول # PageV01P272 # صلى الله عليه وسلم أصلية غير طارئة عليهم، وكيف لا؟ وهو صلوات الله عليه ~~محل الإقبال وهم محل الإعراض. ومتى يجتمع الليل والنهار؟! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 119] # ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا ~~آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم ~~بذات الصدور (119) # أنتم بقضية كرمكم تصفو- عن الكدورات- قلوبكم فتغلبكم الشفقة عليهم، وهم- ~~لعتوهم وخلفهم- يكيدون لكم ما استطاعوا، ولفرط وحشتهم لا تترشح منهم إلا ~~قطرات غيظهم. ففرغ- يا محمد- قلبك منهم. # قل موتوا بغيظكم إن الله عليم ms0196 بذات الصدور دعهم يتفردوا بمقاساة ما ~~نداخلهم من الغيظ، واستريحوا بقلوبكم عما يحل بهم، فإن الله أولى بعباده ~~يوصل إلى من يشاء ما يشاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 120] # إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (120) # الإشارة من هذه الآية إلى المنصرفين عن طريق الإرادة، الراجعين إلى أحوال ~~أهل العادة لا يعجبهم «1» أن يكون لمريد نفاذ، وإذا رأوا فترة لقاصد ~~استراحوا إلى ذلك. وإن الله- بفضله ومنته- يتم نوره على أهل عنايته، ويذر ~~الظالمين الزائغين «2» عن سبيله فى عقوبة بعادهم، لا يبالى بما يستقبلهم. ~~PageV01P273 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 121] # وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (121) # أقامه- صلى الله عليه وسلم- بتبوئه الأماكن للقتال، فانتدب لذلك بأمره ثم ~~أظهر فى ذلك الباب مكنونات سره، فالمدار على قضائه وقدره، والاعتبار ~~بإجرائه واختياره. # قوله جلت قدرته: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 122] # إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~(122) # يبرز الجميع فى صدار الاختيار كأن الأمر إليهم فى نفيهم وإثباتهم، وفعلهم ~~وتركهم، وفى الحقيقة لا يتقلبون إلا بتصريف القبضة، وتقليب القدرة «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 123] # ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (123) # تذكير ما سلف من الإنعام فتح لباب التملق فى اقتضاء أمثاله فى المستأنف ~~«2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 124 الى 125] # إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ~~منزلين (124) بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة ~~آلاف من الملائكة مسومين (125) # كان تسكين الحق سبحانه لقلب المصطفى- صلى الله عليه وسلم- بلا واسطة من ~~الله PageV01P274 # - سبحانه، والربط على قلوب المؤمنين بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم- ~~فلولا بقية بقيت عليهم ما ردهم فى حديث النصرة إلى إنزال الملك، وأنى بحديث ~~الملك- والأمر كله بيد الملك؟!. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 126] # وما جعله الله إلا بشرى ms0197 لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله ~~العزيز الحكيم (126) # أجرى الله- سبحانه- سنته مع أوليائه أنه إذا ضعفت نياتهم، أو تناقصت «1» ~~إرادتهم أو أشرفت «2» قلوبهم على بعض فترة- أراهم من الألطاف، وفنون ~~الكرامات ما يقوى به أسباب عرفانهم، وتتأكد به حقائق يقينهم. # فعلى هذه السنة أنزل هذا الخطاب. ثم قطع قلوبهم وأسرارهم عن الأغيار ~~بالكلية فقال: # «وما النصر إلا من عند الله» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 127 الى # 129] # ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (127) ليس لك من ~~الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (128) ولله ما في السماوات ~~وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم (129) # إن الله لا يشمت بأوليائه عدوا فالمؤمن وإن أصابته نكبة، فعدوه لا محالة ~~يكبه «3» الله فى الفتنة والعقوبة. # قوله جل ذكره: ليس لك من الأمر شيء، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، فإنهم ~~ظالمون ولله ما في السماوات وما في الأرض، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ~~والله غفور رحيم. PageV01P275 # الإله من له الأمر والنهى، فلما لم يكن له فى الإلهية نظير لم يكن له- ~~(صلى الله عليه وسلم) «1» - من الأمر والنهى شىء. # ويقال جرده- بما عرفه وخاطبه- عن كل غير ونصيب ودعوى، حيث أخبر أنه ليس ~~له من الأمر شىء، فإذا لم يجز أن يكون لسيد الأولين والآخرين شىء من الأمر ~~فمن نزلت رتبته عن منزلته فمتى يكون له شىء من الأمر؟ # ويقال استأثر (بستر عباده فى حكمه «2» ) فقال أنا الذي أتوب على من أشاء ~~من عبادى وأعذب من أشاء، والعواقب عليك مستورة، وإنك- يا محمد- لا تدرى سرى ~~فيهم. # ويقال أقامه فى وقت مقاما فقال: «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» رمى ~~بقبضة من التراب فأصاب جميع الوجوه، وقال له فى وقت آخر: «ليس لك من الأمر ~~شىء» ثم زاد فى البيان فقال: «ولله ما فى السموات وما فى الأرض» . فإذا كان ~~الملك ملكه، والأمر أمره، والحكم حكمه- فمن شاء عذبه، ومن شاء قربه، ومن ms0198 ~~شاء هداه، ومن شاء أغواه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 130 الى 131] # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (130) واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) # حرم الربا على العباد ومنه إقراض الواحد باثنين تستردهما، وسأل منك القرض ~~الواحد بسبعمائة إلى ما لا نهاية له، والإشارة فيه أن الكرم لا يليق بالخلق ~~وإنما هو صفة الحق سبحانه. # واتقوا النار التي أعدت للكافرين: دليل الخطاب أن المؤمن لا يعذب بها، ~~وإن عذب بها مدة فلا يخلد فيها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 132] # وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (132) PageV01P276 # قرن طاعة الرسول صلوات الله عليه بطاعة نفسه تشريفا لقدره، وتخفيفا على ~~الأمة حيث ردهم إلى صحبة شخص من أنفسهم، فإن الجنس إلى الجنس أسكن. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 133] # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ~~(133) # معناه سارعوا إلى عمل يوجب لكم المغفرة، فتقسمت القلوب وتوهمت أن ذلك أمر ~~شديد فقال صلى الله عليه وسلم: «الندم توبة» وإنما توجب المغفرة التوبة لأن ~~العاصي هو الذي يحتاج إلى الغفران. # والناس فى المسارعة على أقسام: فالعابدون يسارعون بقدمهم فى الطاعات، ~~والعارفون يسارعون بهممهم فى القربات، والعاصون يسارعون بندمهم بتجرع ~~الحسرات. فمن سارع بقدمه وجد مثوبته، ومن سارع بهممه وجد قربته، ومن سارع ~~بندمه وجد رحمته. # ولما ذكر الجنة وصفها بسعة العرض، وفيه تنبيه على طولها لأن الطول فى ~~مقابلة العرض، وحين ذكر المغفرة لم يذكر الطول والعرض، فقوم قالوا: المغفرة ~~من صفات الذات وهى بمعنى الرحمة فعلى هذا فمغفرته حكمه بالتجاوز عن العبد ~~وهو كلامه، وصفة الذات تتقدس عن الطول والعرض. # ومن قال: مغفرته من صفات فعله قال لكثرة الذنوب لم يصف الغفران بالنهاية، ~~إشارة إلى استغراقه جميع الذنوب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 134] # الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين (134) # لا يدخرون عن الله شيئا، ويؤثرونه على جميع الأشياء، ينفقون أبدانهم ms0199 على ~~الطاعات وفنون الأوراد والاجتهاد، وأموالهم فى إفشاء الخيرات وابتغاء ~~القربات بوجوه الصدقات، # PageV01P277 # وقلوبهم فى الطلب ثم دوام المراعاة، وأرواحهم على صفاء المحبات والوفاء ~~على عموم الحالات، وينفقون أسرارهم على المشاهدات فى جميع الأوقات «1» ~~ينتظرون إشارات المطالبات، متشمرين للبدار إلى دقيق المطالعات «2» قوله: ~~«والكاظمين الغيظ» : يتجاوزون عن الخلق لملاحظاتهم إياهم بعين النسبة، ~~وأقوام يحملون على الخلق علما بأن ذلك بسبب جرمهم فيشهدونهم بعين التسلط، ~~وآخرون يكظمون الغيظ تحققا بأن الحق سبحانه يعلم ما يقاسون فيهون عليهم ~~التحمل، وآخرون فنوا عن أحكام البشرية فوجدوا صافى الدرجات فى الذل لأن ~~نفوسهم ساقطة فانية، وآخرون لم يشهدوا ذرة من الأغيار فى الإنشاء والإجراء ~~فعلموا أن المنشئ الله فزالت خصوماتهم ومنازعاتهم مع غير الله لأنهم لما ~~أفردوه بالإبداع انقادوا لحكمه فلم يروا معه وجها غير التسليم لحكمه، ~~فأكرمهم الحق سبحانه ببرد الرضاء، فقاموا له بشرط الموافقة. # قوله «والعافين عن الناس» فرضا «3» رأوه على أنفسهم لا فضلا منهم على ~~الناس، قال قائلهم: # رب رام لى بأحجار الأذى ... لم أجد بدا من العطف عليه # «والله يحب المحسنين» والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.. هذا فى معاملة ~~الحق، وأما فى معاملة الخلق فالإحسان أن تدع جميع حقك بالكلية كم كان على ~~من كان، وتقبل ( ### | .... # ) «4» منه ولا تقلده فى ذلك منة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 135 الى # 136] # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ~~ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) أولئك ~~جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر ~~العاملين (136) PageV01P278 # أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام «قل للظلمة حتى لا يذكرونى فإنى ~~أوجبت أن أذكر من ذكرنى، وذكرى للظلمة باللعنة» . وقال لظلمة هذه الأمة: # «أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله» ثم قال فى آخر الآية: «ومن يغفر الذنوب إلا ~~الله» . # ويقال فاحشة كل أحد على حسب حاله ومقامه، وكذلك ظلمهم. وإن خطور ~~المخالفات ببال الأكابر كفعلها من الأغيار، قال ms0200 قائلهم: # أنت عينى وليس من حق عينى ... غض أجفانها على الأقذاء «1» # فليس الجرم على البساط كالذنب على الباب. # ويقال فعلوا فاحشة بركونهم إلى أفعالهم، أو ظلموا أنفسهم بملاحظة ~~أحوالهم، فاستغفروا لذنوبهم بالتبري عن حركاتهم وسكناتهم علما منهم بأنه لا ~~وسيلة إليه إلا به، فخلصهم من ظلمات نفوسهم. وإن رؤية الأحوال والأفعال ~~لظلمات عند ظهور الحقائق، ومن طهره الله بنور العناية صانه عن التورط فى ~~المغاليط البشرية «2» . # أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم بردهم إلى شهود الربوبية، وما سبق لهم من ~~الحسنى فى سابق القسمة. # «وجنات تجري من تحتها الأنهار» مؤجلا من الفراديس، ومعجلا فى روح ~~المباحات وتمام الأنس. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 137 الى 138] # قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ~~(137) هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (138) PageV01P279 # يعنى اعتبروا بمن سلف، وانظروا كيف فعلنا بمن والى وكيف انتقمنا ممن ~~عادى، وقوله تعالى هذا بيان للناس: بيان لقوم من حيث أدلة العقول، ولآخرين ~~من حيث مكاشفات القلوب، ولآخرين من حيث تجلى الحق فى الأسرار. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 139] # ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) # يعنى إذا قلتم بالله (ووصلتم «1» ) بالله فلا ينبغى أن تخافوا من غير ~~الله، ولا تهنوا ولا تضعفوا فإن النصرة من عند الله، والغالب الله، وما سوى ~~الله فليس منهم ذرة لا منهم سينة. # قوله: «إن كنتم مؤمنين» أي ينبغى للمؤمن ألا تظله مهابة من غير الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 140] # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ~~وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) # إن نالكم فينا مشقة فالذين تقدموكم لقوا مثل ما لقيتم، ومنوا بمثل ما به ~~منيتم، فمن صبر منهم ظفر، ومن ضجر من حمل ما لقى خسر، والأيام نوب والحالات ~~دول، ولا يخفى على الحق شىء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 141] # وليمحص الله الذين ms0201 آمنوا ويمحق الكافرين (141) . PageV01P280 # اختبارات الغيب سبك «1» للعبد فباختلاف الأطوار يخلصه من المشائب فيصير ~~كالذهب الخالص لا خبث فيه، كذلك يصفو عن العلل فيتخلص لله. # «ويمحق الكافرين» فى أودية التفرقة. (وأما الزبد فيذهب جفاء) «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 142] # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين (142) # من ظن أنه يصل إلى محل عظيم من دون مقاساة الشدائد ألقته أمانيه فى مهواة ~~الهلاك، وإن من عرف قدر مطلوبه سهل عليه بذل مجهوده: ( ### | ...... # ) وهو بلذاته على من يظن يخلع العذار) «3» وقال قائلهم: # إذا شام الفتى برق المعاني ... فأهون فائت طيب الرقاد # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 143] # ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون (143) # طوارق التمني بعد الصبر على احتمال المشاق ولكن: # إذا انسكبت دموع فى خدود ... تبين من بكى «4» ممن تباكى # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 144] # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (144) ~~PageV01P281 # إن الرسل موقوفون حيثما وقفوا، ومخبرون عما عرفوا بمقدار ما عرفوا فإذا ~~أيدوا بأنوار البصائر اطلعوا على مكنونات السرائر بلطائف التلويح بمقدار ما ~~أعطوا من الإشراق بوظائف البلوغ. # «أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم» لما توفى المصطفى- صلى الله عليه ~~وسلم- سقمت البصائر إلا بصيرة الصديق رضى الله عنه فأمده الله بقوة ~~السكينة، وأفرغ عليه قوة التولي فقال. «من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد ~~مات» فصار الكل مقهورين تحت سلطان قالته لما انبسط عليهم من نور حالته، ~~كالشمس بطلوعها تندرج فى شعاعها أنوار الكواكب فيستتر فيها مقادير مطارح ~~شعاع كل نجم. # وإنما قال: «أفإن مات أو قتل» لأنه صلى الله عليه وسلم مات. وقيل أيضا ~~لأنه قال: # «ما زالت أكلة خيبر تعاودنى فهذا أوان قطعت أبهرى» «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 145] # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ms0202 كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا ~~نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) # «2» الأنفاس محصورة لا زيادة فيها، ولا نقصان منها. # «ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها» : للصالحين العاقبة وللآخرين الغفلة. # «ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها» : وثواب الآخرة أو له الغفران ثم الجنان ~~ثم الرضوان. PageV01P282 # «وسيجزي الله الشاكرين» : وجزاء الشكر الشكر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 146] # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ~~ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) # إن الذين درجوا على الوفاء، وقاموا بحق الصفاء، ولم يرجعوا عن الطريق، ~~وطالبوا نفوسهم بالتحقيق، وأخذوا عليها بالتضييق والتدقيق- وجدوا محبة الحق ~~سبحانه ميراث صبرهم، وكان الخلف عنهم الحق عند نهاية أمرهم، فما «1» زاغوا ~~عن شرط الجهد، ولا زاغوا فى حفظ العهد، وسلموا تسليما، وخرجوا عن الدنيا ~~وكان كل منهم للعهد مقيما مستديما، وعلى شرط الخدمة والوداد مستقيما. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 147] # وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) # تحققوا بحقائق المعنى فخرسوا «2» عن إظهار الدعوى، ثم نطقوا بلسان ~~الاستغفار، ووقفوا فى موقف الاستحياء، كما قيل: # يتجنب الآثام ثم يخافها ... فكأنما حسناته آثام # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 148] # فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (148) # وأقل ذلك القناعة ثم الرضا ثم العيش معه ثم الأنس فى الجلوس بين يديه ثم ~~كمال الفرح بلقائه، ثم استقلال السر بوجوده. PageV01P283 # وحسن ثواب الآخرة، والله يحب المحسنين. # يعنى دخولهم الجنة وهم محررون عنها، غير داخلين فى أسرها. # ويقال ثواب الدنيا والآخرة الغيبة عن الدارين برؤية خالفهما «1» . # ولما قال «ثواب الدنيا» قال فى الآخرة «وحسن ثواب الآخرة» فوجب أن يكون ~~لثواب الآخرة مزية على ثواب الدنيا حيث خصه بوصف الحسن، وتلك المزية دوامها ~~وتمامها وثمارها، وأنها لا يشوبها ما ينافيها، ويوقع آفة فيها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 149 الى 150] # يا ms0203 أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين (149) بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) # يعنى إن طاوعتم الأضداد جروكم إلى أحوالهم «2» ، فألقوكم فى ظلماتهم، بل ~~الله مولاكم: # ناصركم ومعينكم وسيدكم ومصلح أموركم، «وهو خير الناصرين» : لأنه يعينكم ~~على أنفسكم ليكفيكم شرها، ومن سواه يزيد فى بلائكم إذا ناصروكم لأنهم ~~يعينون أنفسكم عليكم. # «وهو خير الناصرين» لأن من سواه يمن عليك بنصرته إياك، وهو يجازيك على ~~استنصارك به. # ويقال كل من استنصرت به احتجت إلى أن تعطيه شيئا من كرائمك ثم قد ينصرك ~~وقد لا ينصرك، فإذا استنصرته- سبحانه- يعطيك كل لطيفة، ولا يرضى بألا ~~ينصرك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 151] # سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين (151) PageV01P284 # إن الله سبحانه خص نبينا- صلى الله عليه وسلم- بإلقاء الرعب منه فى قلوب ~~أعدائه، قال عليه السلام: «نصرت بالرعب» . فكذلك أجرى هذه السنة مع أوليائه ~~يطرح الهيبة منهم فى القلوب، فلا يكاد يكون محق إلا ومنه- على المبطلين ~~وأصحاب الدعوى والتمويه- هيبة فى القلوب وقهر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 152] # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ~~وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ~~ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين (152) # (إنه سبحانه يجازيك على استنصارك به، ويقال كل من استنصرت به احتجت إلى ~~أن يعطيه شيئا من كرائمك ثم قد ينصرك وقد لا ينصرك، فاذا استنصرته- سبحانه- ~~يعطيك كل لطيفة، ولا يرضى بألا ينصرك) . «1» # الإشارة من هذه الآية إلى أن الحق سبحانه أقام أولياءه بحق حقه، وأقعدهم ~~عن تحصيل حظوظهم، وقام سبحانه بكفايتهم بكل وجه، فمن لازم طريق الاستقامة، ~~ولم يزغ عن حده ولم يزغ فى عهده، فإنه سبحانه يصدق وعده له بجميل الكفاية ~~ودوامها، ومن ضل عن الاستقامة- ولو خطوة- عثر فى مشيته، واضطربت عليه- ~~بمقدار جرمه- حاله وكفايته، فمن زاد زيد ms0204 له، ومن نقص نقص له. # قوله جل ذكره: منكم من يريد الدنيا ومنكم من PageV01P285 # يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم، والله ذو فضل على ~~المؤمنين. # قيمة كل أحد إرادته فمن كانت همته الدنيا فقيمته خسيسة حقيرة كالدنيا، ~~ومن كانت همته الآخرة فشريف خطره، ومن كانت هممه ربانية فهو سيد وقته. # ويقال من صفا عن إرادته وصل إليه، ومن وصل إليه أقبل- بلطفه- عليه، ~~وأزلفه بمحل الخصوصية لديه. # قوله: «ثم صرفكم عنهم» : الإشارة منه أنه صرف قوما عنه فشغلهم بغيره عنه، ~~وآخرون صرفهم عن كل غير فأفردهم له فالزاهدون صرفهم عن الدنيا، والعابدون ~~صرفهم عن اتباع الهوى، والمريدون صرفهم عن المنى، والموحدون صرفهم عما هو ~~غير وسوى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 153 الى 154] # إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (153) ثم ~~أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم ~~أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل ~~إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من ~~الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ~~إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم ~~بذات الصدور (154) # PageV01P286 # قوله: «إذ تصعدون» الإشارة من هذه الآية لأقوام تقع لهم فترة، ودواعى ~~الحق سبحانه- من أنفسهم، ومن جميع الأقطار حتى كأن الأحجار من الشوارع ~~واللبن من الجدران- تناديه: لا تفعل يا عبد الله! وهو مصر فى ليه، مقيم على ~~غيه، جاحد لما يعلم أنه هو الأحق والأولى من حاله، فإذا قضى وطره واستوفى ~~بهمته، فلا محالة يمسك من إرسال عنانه، ويقف عن ركضه فى ميدانه، فلا يحصل ~~إلا على أنفاس متصاعدة، وحسرات متواترة فأورثه الحق- سبحانه- وحشة على ~~وحشة. حتى إذا طال فى التحسر مقامه تداركه الحق- سبحانه- بجميل لطفه، ms0205 وأقبل ~~عليه بحسن عطفه، وأنقذه من ضيق أسره، ونقله إلى سعة عفوه وفضله، وكثير من ~~هؤلاء يصلون إلى محل الأكابر ثم يقفون بالله لله ( ### | ...... # ) «1» ويقومون بالله لله بلا انتظار تقريب ولا ملاحظة ترحيب. # قال تعالى: ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة ~~قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية فأهل التحقيق والتوحيد ~~يصلون بعد فتراتهم «2» إلى القول بترك أنفسهم، وغسل أيديهم منهم، ورفع ~~قلوبهم عنهم فيعيشون بالله لله، بلا ملاحظة طمع وطلبة، بل على عقيدة اليأس ~~عن كل شىء. عليه أكدوا العهد، وبدلوا اللحظ «3» ، وتركوا كل نصيب وحظ، وهذه ~~صفة من أنزل عليه الأمنة. # فأما الطائفة التي أهمتهم أنفسهم- فبقوا فى وحشة نفوسهم، ومن عاجل ~~عقوبتهم سوء PageV01P287 # عقيدتهم فى الطريقة بعد إيمانهم بها قال تعالى: «ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ~~كما لم يؤمنوا به أول مرة» . # والإشارة فى قوله تعالى: «هل لنا من الأمر من شيء» لهؤلاء أنهم يتحيرون ~~فى أمرهم فلا إقبال لهم على الصواب بالحقيقة، ولا إعراض بالكلية، يحيلون ~~فترتهم على سوء اختيارهم، ويضيفون صفوة- لو كانت لقلوبهم- إلى اجتهادهم، ~~وينسون ربهم فى الحالين، فلا يبصرون تقدير الحق سبحانه. قال تعالى: # «قل إن الأمر كله لله» : فمن عرف أن المنشئ الله انسلخ عن اختياره ~~وأحواله كانسلاخ الشعر عن العجين، وسلم أموره إلى الله بالكلية. وأمارة من ~~تحقق بذلك أن يستريح من كد تدبيره، ويعيش فى سعة شهود تقديره. # وقوله: «يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك» : لم يخلصوا فى عقائدهم، ~~وأضمروا خلاف ما أظهروا، وأعلنوا غير ما ستروا، وأحالوا الكائنات على أسباب ~~توهموها. # قال تعالى: «قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم» : # أخبر أن التقدير لا يزاحم «1» ، والقدر لا يكابر، وأن الكائنات محتومة، ~~وأن الله غالب على أمره. # وقوله: «وليبتلي الله ما في صدوركم» : فأما أهل الحقائق فإنه تعالى ينتزع ~~من قلوبهم كل آفة وحجبة، ويستخلص أسرارهم بالإقبال والزلفة، فتصبح قلوبهم ~~خالصة من الشوائب، صافية عن العلائق، منفردة للحق، مجردة عن ms0206 الخلق، محررة ~~عن الحظ والنفس، ظاهرة عليها آثار الإقبال، غالبا عليها حسن التولى، بادية ~~فيها أنوار التجلي. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 155] # إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (155) . PageV01P288 # الإشارة من هذه الآية إلى أحوال من سقمت إرادتهم، وضعفت نياتهم، وقادهم ~~الهوى، وملكتهم الفترة. # قابلهم نصح الناصحين، ودعوة المنى، ووساوس الشياطين فركنوا إلى الغيبة، ~~وآثروا الهوى على التقى فبقوا عنه، ولم يتهنوا بما آثروه عليه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 156] # يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا ~~في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك ~~حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (156) # من تعود أن يتلهف على ماضيه وسالفه، أو يتدبر فى مستقبله وآنفه، فأقل ~~عقوبة له ضيق قلبه فى تفرقة الهموم، وامتحاء نعت الحياة «1» عن قلبه لغفلته ~~وقالته ليت كذا ولعل كذا، وثمرة الفكرة فى ليت ولعل- الوحشة والحسرة وضيق ~~القلب والتفرقة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 157 الى 158] # ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ~~(157) ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) # بذل الروح فى الله خير من الحياة بغير الله، والرجوع إلى الله خير لمن ~~عرف الله من البقاء مع غير الله، وما يؤثره العبد على الله فغير مبارك، إن ~~شئت: والدنيا، وإن شئت: والعقبى. # قوله ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون: إذا كان المصير إلى الله طاب ~~المسير PageV01P289 # إلى الله: وإن سفرة إليه بعدها نحط رحالنا لمقاساتها أحلى من العسل! قوله ~~جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 159] # فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف ~~عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب ~~المتوكلين (159) # جرده عن أوصاف البشرية، ms0207 وأفرده بما ألبسه من نعت الربوبية، وأخبر أن ما ~~يلوح إليه فمن أنوار التولي، لا من آثار الوفاق والتبري، ولولا أنه استخلصه ~~بما ألبسه وإلا متى كان بتلك الصفة؟! ويقال إن من خصائص رحمته- سبحانه- ~~عليه أن قواه حتى صحبهم، وصبر على تبليغ الرسالة إليهم، وعلى ما كان يقاسيه ~~من اختلافهم- مع سلطان ما كان مستغرقا له ولجميع أوقاته من استيلاء الحق ~~عليه، فلولا قوة إلهية استأثره الحق بها وإلا متى أطاق صحبتهم؟! ألا ترى ~~إلى موسى عليه السلام لما كان قريب العهد بسماع كلامه كيف لم يصبر على ~~مخاطبة أخيه فأخذ برأس أخيه يجره إليه؟ # ويقال لولا أنه صلى الله عليه وسلم شاهدهم محوا فيما كان يجرى عليهم من ~~أحكام التصريف، وتحقق أن منشئها الله- لما أطاق صحبتهم. # قوله تعالى: «ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك» : لو سقيتهم صرف ~~شراب التوحيد غير ممزوج بما فيه لهم حظ لتفرقوا عنك، هائمين على وجوههم، ~~غير مطيقين للوقوف لحظة، «فاعف عنهم» فيما يكون تقصيرا منهم فى حقك ~~وتوقيرك، وما عثرت عليه من تفريطهم فى خدمتنا وطاعتنا- فانتصب لهم شفيعا ~~إلينا. # ويقال «فاعف عنهم» فاعف- أنت- عنهم فإن حكمك حكمنا، فأنت لا تعفو إلا وقد ~~عفونا. ثم رده عن هذه الصفة بما أثبته فى مقام العبودية، ونقله إلى وصف ~~التفرقة # PageV01P290 # فقال: ثم قف فى محل التذلل مبتهلا إلينا فى استغفارهم. وكذا سنته- ~~سبحانه- مع أنبيائه عليهم السلام وأوليائه، يردهم من جمع إلى فرق ومن فرق ~~إلى جمع، فقوله: «فاعف عنهم» جمع، وقوله: «واستغفر لهم» فرق. # ويقال «فاعف عنهم» وتجاوز عنهم فى حقوقك، ولا تكتف بذلك ما لم تستغفر لهم ~~إكمالا للكرم ولهذا كان يقول: «اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون» . # ويقال ما يقصرون فى حقك تعلق به حقان: حقك وحقى، فاذا عفوت أنت فلا يكفى ~~هذا القدر بل إن لم أتجاوز عنهم فى حقى كانوا مستوجبين للعقوبة فمن أرضى ~~خصمه لا ينجبر حاله ما لم يغفر الله له فيما ترك من أمره. # وقوله «واستغفر لهم وشاورهم في الأمر» أي أثبت ms0208 لهم محلا فإن المعفو عنه ~~فى صدار الخجلة لا يرى لنفسه مقام الكرامة، فإذا شاورتهم أزلت عنهم ~~انكسارهم، وطيبت لهم قلوبهم. # ويقال تجنسوا فى أحوالهم: فمن مقصر فى حقه أمر بالعفو عنه، ومن مرتكب ~~لذنوبه أمر بالاستغفار له، ومن مطيع غير مقصر أمر بمشاورته. # ثم قال: «فإذا عزمت فتوكل على الله» أي لا «1» تتكل على رأى مخلوق وكل ~~الأمور إلى، فإنا لا نخليك عن تصريف القبضة بحال. # وحقيقة التوكل شهود التقدير، واستراحة القلوب عن كد التدبير. # «إن الله يحب المتوكلين» يذيقهم برد الكفاية ليزول عنهم كل لغب «2» ونصب، ~~وإنه يعامل كلا بما يستوجبه فقوم يغنيهم- عند توكلهم- بعطائه، وآخرون ~~يكفيهم- عند توكلهم- بلقائه، وقوم يرضيهم فى عموم أحوالهم حتى يكتفون ~~ببقائه، ويقفون معه به له- على تلوينات «3» قدره وقضائه. PageV01P291 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 160] # إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون (160) # المؤمنون نصرته لهم بالتوفيق للأشباح ثم بالتحقيق للأرواح. # ويقال ينصركم الله بتأييد الظواهر وتسديد «1» السرائر. # ويقال للنصرة إنما تكون على العدو، وأعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك. # والنصرة على النفس بأن تهزم دواعى منتها بعواصم رحمته حتى تنفض جنود ~~الشهوات بهجوم وفود المنازلات فتبقى الولاية لله خالصة من شبهات الدواعي ~~التي هى أوصاف البشرية، وشهوات النفوس وأمانيها، التي هى آثار الحجبة ~~وموانع القربة. # «إن يخذلكم» الخذلان التخلية مع المعاصي، فمن نصره قبض على يديه عن تعاطى ~~المكروه، ومن خذله ألقى حبله على غاربه، ووكله إلى سوء اختياره، فيفترق ~~عليه الحال فى أودية الشهوات، فمرة يشرق غير محتشم، وتارة يغرب غير محترم، ~~ألا ومن سيبه الحق فلا آخذ بيده، ومن أسلمه «2» فلا مجير له. # «وعلى الله فليتوكل المؤمنون» : فى وجدان الأمان عند صدق الابتهال، ~~وإسبال ثوب «3» العفو على هناة الجرم عند خلوص الالتجاء، بالتبري من المنة ~~والحول. # ويقال لما كان حديث النصرة قال: «فلا غالب لكم» ، ولما كان حديث الخذلان ~~لم يقل «فلا ناصر لكم» بل قال بالتلويح والرمز: «فمن ذا ms0209 الذي ينصركم من ~~بعده» : # وفى هذا لطيفة فى مراعاة دقائق أحكام الخطاب. PageV01P292 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 161] # وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون (161) # نزه «1» أحوال الأنبياء عن الدنس بالخيانات، فمن حملناه من الرسالة إلى ~~عبادنا يوصلها إلى مستحقيها واجبا، ولا يعتنى بشأن حميم له من دون أمرنا، ~~ولا يمنع نصيب أحد أمرناه بإيصاله إليه، بحقد ينطوى عليه. ألا ترى كيف قال: ~~«اذهب فواره» لأبى طالب لما قال له أمير المؤمنين على رضى الله عنه: مات ~~عمك «2» الضال. وكيف قبل الوحشى قاتل حمزة لما أسلم؟ # ويقال ما كان لنبى من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يضع أسرارنا فى غير ~~أهلها، بل ينزلون كل أحد عند ما يستوجبه، وفى الأثر «أمرنا أن ننزل الناس ~~منازلهم» قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 162 الى 163] # أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ~~(162) هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (163) # لا يستوى من رضى عنه فى آزاله ومن سخط عليه فخذله فى أحواله، وجعله متكلا ~~على أعماله، ناسيا لشهود أفضاله، واتباع الرضوان بمفارقة ما زجر عنه، ~~ومعانقة ما أمر به، فمن تجرد عن المزجور، وتجلد فى اعتناق المأمور فقد اتبع ~~الرضوان، واستوجب الجنان. PageV01P293 # هم درجات عند الله: أي هم أصحاب درجات فى حكم الله، فمن سعيد مقرب، ومن ~~شقى مبعد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 164] # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164) # أجزل لديهم العارفة، وأحسن إليهم النعم حيث أرسل إليهم مثل المصطفى سيد ~~الورى صلوات الله عليه وعلى آله، وعرفهم دينهم، وأوضح لهم براهينهم، وكان ~~لهم بكل وجه فلا نعمه شكروا، ولا حقه وقروا، ولا بما أرشدهم استبصروا، ولا ~~عن ضلالتهم أقصروا.. # هذا وصف أعدائه الذين جحدوا ms0210 واستكبروا. وأما المؤمنون فتقلدوا المنة فى ~~الاختيار، وقابلوا الأمر بالسمع والطاعة عن كنه الاقتدار، فسعدوا فى الدنيا ~~والعقبي، واستوجبوا من الله الكرامة والزلفى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 165] # أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ~~إن الله على كل شيء قدير (165) # عادة الخلق نسيان ما منهم من الخطأ والعصيان، والرجوع إلى الله بالتهمة ~~فيما يتصل بهم من المحن والخسران، وفنون المكاره والافتتان، وإن من تعاطى ( ~~... ) «1» الإجرام فحقيق بألا ينسى حلول الانتقام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 166 الى 167] # وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم ~~الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم ~~قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس ~~في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) PageV01P294 # هون على المؤمنين وأصحاب البصائر ما لقوا من عظيم الفتنة يوم أحد، بأن ~~قال إن ذلك أجمع كان بإذن الله، وإن بلاء يصيب بإذن الله لمن العسل أحلى، ~~ومن كل نعيم أشهى. # ثم أخبر أن الذين لم يكن لهم فى الصحبة خلوص كيف تعللوا وكيف تكاسلوا: # وكذا الملول إذا أراد قطيعة ... مل الوصال وقال كان وكانا # قوله تعالى: «يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم» فلا جرم (سقوا العسل ~~ودسوا له فيه الحنظل) «1» ، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 168] # الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم ~~الموت إن كنتم صادقين (168) # الذين ركنوا إلى ما سولت لهم نفوسهم من إيثار الهوى، ثم اعترضوا على من ~~يصرف أحكام القضاء وقالوا لو تحرزا عن البروز للقتال لم يسقطوا عن درجة ~~السلامة.. لمذمومة تلك الظنون، ولذاهبة عن شهود التحقيق تلك القلوب. ~~PageV01P295 # قل لهم- يا محمد- استديموا لأنفسكم الحياة، وادفعوا عنها هجوم الوفاة! ~~ومتى تقدرون على ذلك؟! هيهات هيهات! قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 169 الى 170] # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ms0211 أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ~~(169) فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من ~~خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) # الحياة بذكر الحق بعد ما تتلف النفوس فى رضاء الحق أتم من البقاء بنعمة ~~الخلق مع الحجبة عن الحق. # ويقال إن الذي وارثه الحي الذي لم يزل فليس بميت- وإن قتل: # وإن كانت العبدان للموت أنشئت ... فقتل امرئ فى الله- لا شك- أفضل # قوله: ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم: من علم أن أحباءه ~~ينتظرونه وهم فى الرفة والنعمة لا يهنأ بعيش دون التأهب والإلمام بهم ~~والنزول عليهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 171] # يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171) # علة استبشارهم وموجبه فضل من الله ونعمة منه، أي لولا فضله ونعمته بهم ~~وإلا متى استبشروا؟ فليس استبشارهم بالنعمة إنما استبشارهم بأنهم عباده ~~وأنه مولاهم «1» ، ولولا فضله ونعمته عليهم لما كانت لهم هذه الحالة. ~~PageV01P296 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 172] # الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم ~~واتقوا أجر عظيم (172) # للاستجابة مزية وفضيلة على الإجابة من حيث الإشارة لا من مقتضى العربية ~~«1» وهو أنه يستجيب طوعا لا كرها، فهم استجابوا لله من غير انطواء على تحمل ~~مشقة بل بإشارة القلب ومحبة الفؤاد واختيار الروح واستحلاء «2» تحمل الحكم. ~~فالاستجابة للحق بوجوده، والاستجابة للرسول- عليه السلام- بالتخلق بما شرع ~~من حدوده. # استجابة الحق بالتحقق بالصفاء فى حق الربوبية، واستجابة الرسول عليه ~~السلام بالوفاء فى إقامة العبودية. # «من بعد ما أصابهم القرح» : فى ابتداء معاملاتهم قبل ظهور أنوار التجلي ~~على قلوبهم، وابتسام الحقائق فى أسرارهم. # «للذين أحسنوا منهم» : «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ... - وهو ~~المشاهدة والتقوى- ... فإن لم تكن تراه فإنه يراك «3» - وهو المراقبة فى ~~حال المجاهدة. # «أجر عظيم» لأهل البداية مؤجلا، ولأهل النهاية معجلا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 173] # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا ~~حسبنا الله ونعم ms0212 الوكيل (173) # لم يلتبس على ظواهرهم شىء من أحوال الدنيا إلا انفتحت لهم- فى أسرارهم- ~~طوالع من الكشوفات، فازدادوا يقينا على يقين. PageV01P297 # ومن أمارات اليقين استقلال القلوب بالله عند انقطاع المني من الخلق فى ~~توهم الإنجاد والإعانة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 174] # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو ~~فضل عظيم (174) # كذا سنة الحق- سبحانه- مع من صدق فى التجائه إليه أن يمهد مقيله فى ظل ~~كفايته فلا البلاء يمسه، ولا العناء يصيبه، ولا النصب «1» يظله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 175] # إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175) # «2» الإشارة فى تسليط دواعى الشيطان على قلوب الأولياء صدق فرارهم إلى ~~الله كالصبى الذي يخوف بشىء يفزع الصبيان، فإذا خاف لم يهتد إلى غير أمه، ~~فإذا أتى إليها آوته إلى نفسها، وضمته إلى نحرها، وألصقت بخده خدها. # كذلك العبد إذا صدق فى ابتهاله إلى الله، ورجوعه إليه عن مخالفته، آواه ~~إلى كنف قربته، وتداركه بحسن لطفه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 176] # ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا ~~يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) # زاد فى قوة قلبه بما جدد له من تأكيد العهد، بأنه لا يشمت به عدوا، ولا ى ~~وصل إليه من قبلهم سوءا. PageV01P298 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 177] # إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177) # إن أضروا فما أضروا إلا بأنفسهم، وإن أصروا فما أصروا إلا على خسرانهم: # فما نحن عذبنا ببعد ديارهم ... ولا نحن ساقتنا إليهم نوازع # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 178] # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما ولهم عذاب مهين (178) # من تمام المكر بهم، والمبالغة فى عقوبتهم أنا نعذبهم وهم لا يشعرون، ~~نستدرجهم من حيث لا يعلمون نملى لهم فيظنون ذلك إنعاما، ولا يحسبونه ~~انتقاما، فإذا برزت لهم ms0213 كوامن التقدير عند مغاراتها علموا أنهم لفى خسران، ~~وقد اتضح لكل ذى بصيرة أن ما يكون سبب العصيان وموجب النسيان غير معدود من ~~جملة الإنعام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 179] # ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ~~وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا ~~بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (179) # جمعهم اليوم من حيث الأشخاص والمبانى، ولكنه فرقهم فى الحقائق والمعاني ~~فمن طيبة سجيته، ومن خبيئة طينته. وهم وإن كانوا مشائب «1» ففى بصيرة ~~الخواص هم ممتازون «2» . PageV01P299 # «وما كان الله ليطلعكم على الغيب» : فإن أسرار الغيب لا تظهر للمتلوثين ~~بأدناس البشرية، وإن الحق سبحانه مستأثر بعلم ما جل وقل، فيختص من يشاء من ~~أنبيائه بمعرفة بعض أسراره: # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 180] # ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم ~~سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما ~~تعملون خبير (180) # من آثر شيئا على الله لم يبارك له فيه فلا يدوم له- فى الدنيا- بذلك ~~استمتاع، ولا للعقوبة عليه- فى الآخرة- عنه دفاع. # والبخل- على لسان العلماء- منع الواجب، وعلى مقتضى الإشارة إبقاء شىء ولو ~~ذرة من المال أو نفسا من الأحوال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 181 الى 182] # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) ذلك بما قدمت ~~أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (182) # هذا الخطاب لو كان بين المخلوقين لكان شكوى. والشكوى إلى الأولياء من ~~الأعداء سنة الأحباب. # ويقال علم أن فى المؤمنين من يغتاب الناس، وذلك قبيح من قالتهم، فأظهر ~~قبحا فوق ذلك ليتصاغر قبح قول المؤمنين بالإضافة إلى قبح قول الكفار، فكأنه ~~قال: لئن قبحت قالتهم فى الاغتياب فأقبح من قولهم قول الكفار حيث قالوا فى ~~وصفنا ما لا يليق بنعمتنا. # PageV01P300 # وفيه أيضا ms0214 إشارة إلى الدعاء إلى الخلق، والتجاوز عن الخصم، فإن الله- ~~سبحانه- لم يسلبهم ما أولاهم مع قبيح ما ارتكبوه من التقصير فى حقوقه. # قوله: «سنكتب ما قالوا» : هذه الكلمة من موجبات الخجلة لأهل التقصير بأدق ~~إشارة يعنى أنهم وإن نسوا أحوالهم وأقوالهم فإنا ننشر لهم ما كتبنا عليهم ~~قال قائلهم: # صحائف عندى للعتاب طويتها ... ستنشر يوما والعتاب يطول # سأصبر حتى يجمع الله بيننا ... فإن نلتق يوما فسوف أقول # قوله: ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد هذا لو كان من ~~مخلوق مع مخلوق لأشبه العذر مما عمله به، فكأنه- سبحانه- يقول: «عبدى: هذا ~~الذي تلقاه- اليوم- من العقوبة لأن الذنب لك، ولو لم تفعله لما عذبنك» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 183] # الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله ~~النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم ~~صادقين (183) # تقولوا على الله- سبحانه- فيما تعللوا به من ترك الإيمان، فقالوا: لقد ~~أمرنا ألا نصدق أحدا إلا لو أتانا بقربان يتقرب به إلى السماء، وتنزل نار ~~من السماء، فتأخذ القربان عيانا ببصر، فقال تعالى: قل لهم إن من تقدمنى من ~~الأنبياء عليهم السلام أتوكم بما اقترحتم على من القربان، ثم لم تؤمنوا، ~~فلو أجبتكم إليه لن تؤمنوا بي أيضا فإن من أقصته السوابق- فلو خاطبته الشمس ~~بلسان فصيح، أو سجدت له الجبال فرآها بلحظ صحيح- لم يلج العرفان فى قلبه، ~~وما ازداد إلا شكا على شك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 184] # فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤ بالبينات والزبر والكتاب المنير (184) # PageV01P301 # أي عادة الكفار تكذيب الرسل: وعلى هذا النحو درج سلفهم، ويهديهم اقتدى ~~خلفهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 185] # كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار ~~وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185) # أي كأس الموت توضع على كف كل حى فمن تحلاها طيبة نفسه أورثته سكر الوجد، ~~ومن تجرعها ms0215 على وجه التعبس، وقع فى وهدة الرد، ووسم بكى الصد، ثم يوم ~~القيامة: # فمن أجير من النار وصل إلى الراحة الكبرى، ومن صلى بالسعير وقع فى المحنة ~~الكبرى. # «وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور» : لأن ما هو آت فقريب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 186] # لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن ~~الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (186) # كفاهم أكثر أسباب الضر بما أخبرهم عن حلولها بهم قبل الهجوم، وعرفهم أن ~~خير الأمرين لهم إيثار الصبر واختيار السكون تحت مجارى الأقدار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 187] # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ~~وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187) # PageV01P302 # أخبر أنهم أبرموا عهودهم أن لا يزولوا «1» عن وفائه، ولكنهم نقضوا أسباب ~~الذمام بما صاروا إليه من الكفران، ثم تبين أن ما اعتاضوا من ذهاب الدين من ~~أعراض يسيرة لم يبارك لهم فيه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 188] # لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (188) # إن من باشر رؤية الخلق قلبه، ولاحظهم بسره فلا تظنن أن عقوبتهم مؤخرة إلى ~~يوم القيامة، بل ليسوا من العذاب- فى الحال- بمفازة، وأى عذاب أشد من الرد ~~إلى الخلق والحجاب عن الحق؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 189] # ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير (189) # الإشارة من هذه الآية هاهنا إلى غناه- سبحانه- عما فى الكون، وكيف يحتاج ~~إليهم؟! ولكنهم لا يجدون عنه خلفا، ولا عليه بدلا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 190 الى 191] # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ~~(190) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق ~~السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) # الآيات التي تعرف الحق سبحانه وتعالى بها إلى العوام هى ms0216 التي فى الأقطار ~~من العبر والآثار، والآيات التي تعرف بها إلى الخواص فالتى فى أنفسهم. قال ~~سبحانه: PageV01P303 # «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم» فالآيات الظاهرة توجب علم اليقين، ~~والآيات الباطنة توجب عين اليقين. # والإشارة من اختلاف الليل والنهار إلى اختلاف ليالى العباد فليالى أهل ~~الوصلة قصيرة، وليالى أهل الفراق طويلة فهذا يقول: # شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار # ويقول: # صباحك سكر والمساء خمار ... فنمت وأيام السرور قصار # والثاني يقول: # ليالى أقر الظاعنين ( ### | .... # ) ... شكوت وليل العاشقين طويل # وثالث ليس له خبر عن طول الليل ولا عن قصره فهو لما غلب عليه يقول: # لست أدرى أطال ليلى أم لا؟ ... كيف يدرى بذاك من يتقلى؟! # لو تفرغت لاستطالة ليلى ... ورعيت النجوم كنت محلا # قوله تعالى: «لأولي الألباب» : أولو الألباب هم الذين صحت عقولهم عن سكر ~~الغفلة. # وأمارة من كان كذلك أن يكون نظره بالحق فإذا نظر من الحق إلى الحق استقام ~~نظره، وإذا نظر من الخلق إلى الحق انتكست نعمته، وانقلبت أفكاره مورثة ~~للشبهة. # قوله تعالى: الذين يذكرون الله قياما وقعودا ... الآية: # استغرق الذكر جميع أوقاتهم فإن قاموا فبذكره، وإن قعدوا أو ناموا أو ~~سجدوا فجملة أحوالهم مستهلكة فى حقائق الذكر، فيقومون بحق ذكره ويقعدون عن ~~إخلاف أمره، ويقومون بصفاء الأحوال ويقعدون عن ملاحظتها والدعوى فيها «1» . # ويذكرون الله قياما على بساط الخدمة ثم يقعدون على بساط القربة. # ومن لم يسلم فى بداية قيامه عن التقصير لم يسلم له قعود فى نهايته بوصف ~~الحضور. PageV01P304 # والذكر طريق الحق- سبحانه- فما سلك المريدون طريقا أصح وأوضح من طريق ~~الذكر، وإن لم يكن فيه سوى قوله: «أنا جليس من ذكرنى» لكان ذلك كافيا. # والذاكرون على أقسام، وذلك لتباين أحوالهم: فذكر يوجب قبض الذاكر لما ~~يذكره من نقص سلف له، أو قبح حصل منه، فيمنعه خجله عن ذكره، فذلك ذكر قبض. # وذكر يوجب بسط الذاكر لما يجد من لذائذ الذكر ثم من تقريب الحق إياه ~~بجميل إقباله عليه. # وذاكر هو محو فى شهود مذكوره فالذكر يجرى على لسانه ms0217 عادة، وقلبه مصطلم ~~فيما بدا له. # وذاكر هو محل الإجلال يأنف من ذكره ويستقذر وصفه «1» ، فكأنه لتصاغره عنه ~~لا يريد أن يكون له فى الدنيا والآخرة (ثناء) «2» ولا بقاء، ولا كون ولا ~~بهاء، قال قائلهم: # ما إن ذكرتك إلا هم يلعننى ... قلبى وروحى وسرى عند ذاكراكا # حتى كأن رقيبا منك يهتف بي ... إياك ويحك والتذكار إياكا # والذكر عنوان الولاية، وبيان الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة ~~البداية، ودلالة صفاء النهاية، فليس وراء الذكر شىء، وجميع الخصال المحمودة ~~راجعة إلى الذكر، ومنشأة عن الذكر. # قوله جل ذكره: ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا. # التفكر نعمة كل طالب، وثمرته الوصال بشرط العلم، فإذا سلم الذكر عن ~~الشوائب PageV01P305 # ورد صاحبه على مناهل التحقيق، وإذا حصل الشهود والحضور سما صاحبه عن ~~الفكر إلى حدود الذكر، فالذكر سرمد «1» . # ثم فكر الزاهدين فى فناء الدنيا وقلة وفائها لطلابها فيزدادون بالفكرة ~~زهدا فيها. # وفكر العابدين فى جميل الثواب فيزدادون نشاطا عليه ورغبة فيه. # وفكر العارفين فى الآلاء والنعم فيزدادون محبة للحق سبحانه. # قوله جل ذكره: سبحانك فقنا عذاب النار. # التسبيح يشير إلى سبح الأسرار فى بحار التعظيم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 192] # ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) # من ابتليته فى الآجل بالحرقة فقد أخزيته، ومن ابتليته بالفرقة فى العاجل ~~فقد أشقيته، ومن أوليته بيمن الوصلة فقد آويته وأدنيته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 193] # ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) # يعنى أجبنا الداعي ولكن أنت الهادي، فلا تكلنا إلينا، ولا ترفع ظل عنايتك ~~عنا. # والإيمان الدخول فى موجبات الأمان، وإنما يؤمن بالحق من أمنه الحق، فأمان ~~الحق للعبد- الذي هو إجارته- يوجب إيمان العبد بالحق الذي هو تصديقه ~~ومعرفته. PageV01P306 # «وتوفنا مع الأبرار» : وهم المختصون بحقائق التوحيد، القائمون لله بشرائط ~~التفريد، الواقفون مع الله بخصائص التجريد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية ms0218 194] # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف ~~الميعاد (194) # حقق لنا ما وعدتنا على ألسنة الوسائط «1» من إكمال النعمى ( ### | ..... # ) «2» وغفران كل ما سبق منا من متابعات الهوى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 195] # فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ~~فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن ~~عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله ~~والله عنده حسن الثواب (195) # كيف لا يستجيب لهم وهو الذي لقنهم الدعاء، وهو الذي ضمن لهم الإجابة، ~~ووعده جميل الثواب على الدعاء زائد على ما يدعون لأجل الحوائج. # «فالذين هاجروا» : يعنى الديار والمزار، وجميع المخالفين والموافقين من ~~الأغيار. # «وأخرجوا من ديارهم» : إلى مفارقة معاهدهم من مألوفاتهم. # «وأوذوا في سبيلي» : عيروا بالفقر والملام، وفتنوا بفنون المحن والآلام. ~~PageV01P307 # «وقاتلوا وقتلوا» : ذاقوا من اختلاف الأطوار الحلو والمر. # «لأكفرن عنهم سيئاتهم» : يعنى لنعطينهم فوق آمالهم وأكثر، مما استوجبوه ~~بأعمالهم وأحوالهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 196 الى 197] # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم ~~وبئس المهاد (197) # لا تتداخلنك تهمة بأن لهم عندنا قدرا وقيمة إنما هى أيام قلائل وأنفاس ~~معدودة، ثم بعدها حسرات مترادفة، وأحزان متضاعفة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 198] # لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا ~~من عند الله وما عند الله خير للأبرار (198) # الذين وسمناهم بذل الفرقة بئست حالتهم، والذين رفعوا قدما لأجلنا فنعمت ~~الحالة والزلفة وصلوا إلى الثواب المقيم، وبقوا فى الوصلة والنعيم، وما عند ~~الله مما ادخرنا لهم خير مما أملوه باختيارهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 199] # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين ~~لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله ~~سريع الحساب (199) # يريد من ساعدتهم القسمة بالحسنى فهم مع ms0219 أولياء الله نعمة كما كانوا معهم ~~قسمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة آل عمران (3) : آية 200] # يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ~~(200) # PageV01P308 # الصبر فيما تفرد به العبد، والمصابرة مع العدو. # والرباط نوع من الصبر ولكن على وجه مخصوص. # ويقال أول الصبر التصبر، ثم الصبر ثم المصابرة ثم الاصطبار وهو نهاية «1» ~~. # ويقال اصبروا على الطاعات وعن المخالفات، وتصابروا فى ترك الهوى ~~والشهوات، وقطع المنى والعلاقات، ورابطوا بالاستقامة فى الصحبة فى عموم ~~الأوقات والحالات. # ويقال اصبروا بنفوسكم وصابروا بقلوبكم، ورابطوا بأسراركم. # ويقال اصبروا على ملاحظة الثواب، وصابروا على ابتغاء القربة، ورابطوا فى ~~محل الدنو والزلفة- على شهود الجمال والعزة. # والصبر مر مذاقه إذا كان العبد يتحساه على الغيبة، وهو لذيذ طعمه إذا ~~شربه على الشهود والرؤية. # «واتقوا الله لعلكم تفلحون» : الفلاح الظفر بالبغية، وهمتهم اليوم الظفر ~~بنفوسهم، فعند ذلك يتم خلاصهم، وإذا ظفروا بنفوسهم ذبحوها بسيوف المجاهدة، ~~وصلبوها على عيدان المكابدة، وبعد فنائهم عنها يحصل بقاؤهم بالله. ~~PageV01P309 ### | السورة التي يذكر فيها النساء # بسم الله الرحمن الرحيم اختلفوا فى الاسم عن ماذا اشتق فمنهم من قال إنه ~~مشتق من السمو وهو العلو. ومنهم من قال إنه مشتق من السمة وهى الكية. # وكلاهما فى الإشارة: فمن قال إنه مشتق من السمو فهو اسم من ذكره سمت ~~رتبته، ومن عرفه سمت حالته، ومن صحبه سمت همته فسمو الرتبة يوجب وفور ~~المثوبات والمبار، وسمو الحالة يوجب ظهور الأنوار فى الأسرار، وسمو الهمة ~~يوجب التحرز عن رق الأغبار. # ومن قال أصله من السمة فهو اسم من قصده وسم بسمة العبادة «1» ، ومن صحبه ~~وسم بسمة الإرادة، ومن أحبه وسم بسمة الخواص، ومن عرفه وسم بسمة الاختصاص. ~~فسمة العبادة توجب هيبة النار أن ترمى صاحبها بشررها، وسمة الإرادة توجب ~~حشمة الجنان أن تطمع فى استرقاق صاحبها- مع شرف خطرها، وسمة الخواص توجب ~~سقوط العجب من استحقاق القربة للماء والطينة على الجملة «2» ، وسمة ~~الاختصاص توجب امتحاء الحكم عند استيلاء سلطان الحقيقة. # ويقال اسم من واصله سما عنده (عن) الأوهام ms0220 قدره (سبحانه) «3» . ومن فاصله ~~وسم بكى الفرقة قلبه. PageV01P310 # وعلى هذه الجملة يدل اسمه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان ~~عليكم رقيبا (1) # الناس اسم جنس، والاشتقاق فيه غير قوى. وقيل سمى الإنس إنسا لظهوره «1» ~~فعلى هذه الإشارة: يا من ظهرتم عن كتم العدم بحكم تكليفى، ثم خصصت من شئت ~~منكم بتشريفى، وحرمت من شئت منكم هدايتى وتعريفى. ونقلتكم إلى ما شئت بل ~~أوصلتكم إلى ما شئت بحكم تصريفى. # ويقال لم أظهر من العدم أمثالكم، ولم أظهر على أحد ما أظهرت عليكم من ~~أحوالكم. # ويقال سميت إنسانا لنسيانك، فإن نسيتنى فلا شىء أخس «2» منك، وإن نسيت ~~ذكرى فلا أحد أحط «3» منك. # ويقال من نسى الحق فلا غاية لمحنته، ومن نسى الخلق فلا نهاية لعلو حالته. # ويقال يقول للمذنبين: يا من أنسيت عهدى، ورفضت ودى، وتجاوزت حدى حان لك ~~أن ترجع إلى بابى، لتستحق لطفى وإيجابى. ويقول للعارفين، يا من نسيت فينا ~~حظك، وصت عن غيرنا لحظك ولفظك- لقد عظم علينا حقك، ووجب لدينا نصرك «4» ، ~~وجل عندنا قدرك.. PageV01P311 # ويقال يا من أنست «1» بنسيم قربى، واستروحت إلى شهود وجهى، واعتززت بجلال ~~قدرى- فأنت أجل عبادى عندى. # قوله: «اتقوا ربكم» : التقوى جماع الطاعات، وأوله ترك الشرك وآخره اتقاء ~~كل غير، وأول الأغيار لك نفسك، ومن اتقى نفسه وقف مع الله بلا مقام ولا ~~شهود حال، و (وقف) لله ... لا لشهود حظ فى الدنيا والعقبى. # قوله: «الذي خلقكم من نفس واحدة» : وهو آدم عليه السلام، وإذا كنا ~~مخلوقين منه وهو مخلوق باليد فنحن أيضا كذلك، لما ظهرت مزية آدم عليه ~~السلام به على جميع المخلوقين والمخلوقات فكذلك وصفنا، قال تعالى: «أولئك ~~هم خير البرية» . # ولفظ «النفس» للعموم والعموم يوجب الاستغراق. # قوله: «وخلق منها زوجها» : حكم الحق- سبحانه- بمساكنة الخلق مع الخلق ~~لبقاء النسل، ولرد المثل إلى المثل فربط ms0221 الشكل بالشكل. # قوله: «وبث منهما رجالا كثيرا ونساء» : تعرف إلى العقلاء على كمال القدرة ~~بما ألاح من براهين الربوبية ودلالات الحكمة حيث خلق جميع هذا الخلق من نسل ~~شخص واحد، على اختلاف هيئتهم، وتفاوت صورهم، وتباين أخلاقهم، وإن اثنين ~~منهم لا يتشابهان، فلكل وجه فى الصورة والخلق، والهمة والحالة، فسبحان من ~~لا حد لمقدوراته ولا غاية لمعلوماته. # ثم قال: «واتقوا الله» تكرير الأمر بالتقوى يدل على تأكيد حكمه. # وقوله: «تسائلون به والأرحام» : أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها، فمن قطع ~~الرحم قطع، ومن وصلها وصل. # «إن الله كان عليكم رقيبا» : مطلعا شهيدا، يعد عليك أنفاسك، ويرى حواسك، ~~وهو متول خطراتك، ومنشىء حركاتك وسكناتك. ومن علم أنه رقيب عليه فبالحرى أن ~~يستحيى منه. PageV01P312 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 2] # وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) # من أقيم بمحل الرعاية فجاء على رعيته فخصمه ربه فإنه- سبحانه- ينتقم ~~لعباده ما لا ينتقم لنفسه. فولى اليتيم إن أنصف وأحسن فحقه على الله، وإن ~~أساء وتعدى فخصمه الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 3] # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ~~(3) # أباح الله للرجال الأحرار التزوج بأربع فى حالة واحدة، وأوجب العدل ~~بينهن، فيجب على العبد أن يراعى الواجب فإن علم أنه يقوم بحق هذا الواجب ~~آثر هذا المباح، وإن علم أنه يقصر فى الواجب فلا يتعرض لهذا المباح، فإن ~~الواجب مسئول عنه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 4] # وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا (4) # دل هذا على أن طعام الفتيان «1» والأسخياء مرىء لأنهم لا يطعمون إلا عن ~~طيب نفس، وطعام البخلاء ردىء «2» لأنهم يرون أنفسهم، وإنما يطعمون عن تكلف ~~لا عن طيب نفس. # قال صلى الله عليه وسلم: «طعام السخى دواء وطعام البخيل داء» . ~~PageV01P313 # قوله جل ms0222 ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 5] # ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها ~~واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5) # السفيه من يمنعك عن الحق، ويشغلك عن الرب. # والسفيه من العيال والأولاد من تؤثر حظوظهم على حقوق الله تعالى. # قوله: «التي جعل الله لكم قياما» : حفظ التجمل فى الحال أجدى عليكم من ~~التعرض للتبذل والسؤال، والكدية والاحتيال. وإنما يكون البذل خيرا من ~~الإمساك عند تحرر القلب والثقة بالصبر. فأما على نية الكدية وأن تجعل نفسك ~~وعيالك كلا على الناس فحفظك ما جعله الله كفاية لنفسك أولى، ثم الجود بفاضل ~~كفايتك. # قوله: «وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا» : إذا كان ذات يدك ~~يتسع لكفاية يومهم ويفضل «1» فلا تدخره عما تدعو إليه حاجتهم معلومك خشية ~~فقر فى الغد، فإن ضاقت يدك عن الإنفاق فلا يتسعن «2» لسانك بالقبيح من ~~المقال. # ويقال إذا دعتك نفسك إلى الإنفاق فى الباطل فأنت أسفه السفهاء فلا تطع ~~نفسك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 6] # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن ~~كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى ~~بالله حسيبا (6) . PageV01P314 # إيناس الرشد العفة والديانة، والسخاء والصيانة، وصحبة الشيوخ، والحرص على ~~مشاهدة الخير، وأداء العبادات على قضية الأمر. # ويقال الرشيد من اهتدى إلى ربه، وعند ما تسنح له (حاجة) من حوائجه لا ~~يتكل على حوله وقوته، وتدبيره واختياره. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 7] # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (7) # حكم الميراث لا يختلف بالفضل والمنقبة، ولا يتفاوت بالعيب والنقص والذنب ~~فلو مات رجل وخلف ابنين تساويا فى الاستحقاق وإن كان أحدهما برا تقيا ~~والآخر فاجرا عصيا، فلا للتقى زيادة لتقواه، ولا للفاجر بخس لفجوره، ~~والمعنى فيه أن الميراث ابتداء عطية من قبل الله، فيتساوى فيه البر ~~والفاجر. كذلك حكم الإيمان ms0223 ابتداء عطية للمسلمين: # قال الله تعالى: «ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا» ، ثم قال: ~~«فمنهم ظالم لنفسه ومنهم ... » الآية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 8] # وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا ~~لهم قولا معروفا (8) # يريد إذا حضر قسمة الميراث ذوو السهمان «1» والمستحقون، وحضر من لا نصيب ~~لهم فى الميراث من المساكين فلا تحرموهم من ذلك. فإن كان المستحق مولى ~~عليه، فعدوهم وعدا جميلا وقولوا: «إذا بلغ الصبى قلنا له حتى يعطيك شيئا» ~~وهذا معنى قوله: «وقولوا لهم قولا معروفا» . وفى هذا إشارة لطيفة للمذنبين ~~إذا حضروا لعرصته غدا، والحق سبحانه يغفر للمطيعين ويعطيهم ثواب أعمالهم، ~~فمن كان منكم من فقراء المسلمين لا يحرمهم الغفران PageV01P315 # إن شاء الله بعد ما كانوا من أهل الإيمان، وكذلك يوم القسمة لم تكن ~~حاضرا، ولا لك استحقاق سابق فبفضله ما أهلك لمعرفته مع علمه بما يحصل منك ~~فى مستأنف أحوالك من زلتك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 9] # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا (9) # بين فى هذه الآية أن الذي ينبغى للمسلم أن يدخره لعياله «1» التقوى ~~والصلاح لا المال لأنه لم يقل فليجمعوا المال وليكثروا لهم العقار وليخلفوا ~~الأثاث بل قال: «فليتقوا الله» فانه يتولى الصالحين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 10] # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون ~~سعيرا (10) # إنما تولى الحق سبحانه خصمية اليتيم، لأنه لا أحد لليتيم غيره، وكل من ~~وكل أمره إليه فتبرأ من حوله وقوته فالحق سبحانه ينتقم له بما لا ينتقم ~~لنفسه «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 11] # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس ~~مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان ~~له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية ms0224 يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (11) . ~~PageV01P316 # الوصية هاهنا بمعنى الأمر، فانه سبحانه جعل الميراث بين الورثة مستحقا ~~بوجهين: ### | 1- # الفرض 2- التعصيب، والتعصيب أقوى من الفرض لأن العصبة قد تستغرق جميع ~~المال أما أكثر الفروض فلا يزيد على الثلثين، ثم إن القسمة تبدأ بأصحاب ~~الفروض وهم أضعف استحقاقا، ثم العصبة وهم أقوى استحقاقا. قال صلى الله عليه ~~وسلم: # «ما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر» «1» كذلك أبدا سنته، كما فى قوله ~~تعالى: # «ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا» أعطاهم الكتاب بلفظ الميراث ~~ثم قدم الظالم على السابق، وهو أضعف استحقاقا إظهارا للكرم مع الظالم لأنه ~~منكسر القلب ولا يحتمل وقته طول المدافعة. # وقوله «للذكر مثل حظ الأنثيين» . لو كان الأمر بالقياس لكانت الأنثى ~~بالتفضيل أولى لضعفها، ولعجزها عن الحراك، ولكن حكمه- سبحانه- غير معلل «2» ~~. # قوله جل ذكره: آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من ~~الله إن الله كان عليما حكيما. # الأبناء ينفعونكم بالخدمة، والآباء بالرحمة الآباء فى حال ضعفك فى بداية ~~عمرك، والأبناء فى حال ضعفك فى نهاية عمرك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 12] # ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ~~ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ~~وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن ~~كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير ~~مضار وصية من الله والله عليم حليم (12) PageV01P317 # الإشارة فى ثبوت الميراث للأقربين من الورثة بالنسب والسبب أن الميت إذا ~~مات تحمل القريب أحزانه فعوض الله الوارث على ما يقاسيه ويخامر قلبه من ~~التوجع مال الموروث.. # وكذا سنته- سبحانه- التعويض على مقاساة الأذى- جودا ms0225 منه لا وجوبا عليه ~~«1» - كما توهم قوم. وكل من كان أقرب نسبا أو أقوى سببا من الميت كان أكثر ~~استحقاقا لميراثه، وفى معناه أنشدوا: # وما بات مطويا على أريحية ( ### | .... # ... ...) عقب النوى موت الفتى ظل مغرما «2» # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 13] # تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) PageV01P318 # حدوده: أوامره ونواهيه، وما تعبد به عباده. # وأصل العبودية حفظ الحدود، وصون العهود، ومن حفظ حده لم يصبه مكروه ولا ~~آفة، وأصل كل بلاء مجاوزة الحدود. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 14] # ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ~~(14) # وإنما هما عقوبتان: معجلة ومؤجلة، ويقترن بهما جميعا الذل فلو اجتهد ~~الخلائق على إذلال المعاصي بمثل الذل الذي يلحقهم بارتكاب المعصية لم ~~يقدموا «1» عليها: لذلك قال قائلهم: # من بات «2» مسلما «3» بذنب أصبح وعليه مذلته، فقلت ومن أصبح مبرا ببر ظل ~~وعليه مهابته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 15] # واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا ~~فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (15) # إنما اعتبر فى ثبوت الفاحشة- التي هى الزنا- زيادة الشهود إسبالا لستر ~~الكرم PageV01P319 # على إجرام العباد، فإن إقامة الشهود- على الوجه الذي فى الشرع لإثبات تلك ~~الحالة- كالمتعذر «1» . # وفى قوله- صلى الله عليه وسلم- لما عز لما قال له: يا رسول الله- صلوات ~~الله عليك- إنى زنيت فطهرنى. فقال: لعلك قبلت.. ثم قال فى بعض المرات: ~~«استنكهوه» «2» . # ففى هذا أقوى دليل لما ذكرت من إسباله الستر على الأعمال القبيحة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 16] # والذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان ~~توابا رحيما (16) # الأمر بفنون العقوبات لهم على فعل ذلك أبلغ «3» شىء فى الردع والمنع منه ~~بالرفع، لعل العبد يحذر ذلك فلا يستحق التعذيب الأعظم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 17] # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ~~فأولئك يتوب ms0226 الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) # . «4» # لا استغفار مع الإصرار «5» فإن التوبة مع غير إقلاع سمه الكذابين. # وقوله: «السوء بجهالة» : يعنى عمل عمل الجهال. PageV01P320 # وذنب كل أحد يليق بحاله، فالخواص ذنوبهم حسبانهم أنهم بطاعاتهم يستوجبون ~~محلا وكرامة، وهذا وهن فى المكانة إذ لا وسيلة إليه إلا به. # قوله «ثم يتوبون من قريب» : على لسان أهل العلم: قبل الموت، وعلى لسان ~~المعاملة: # قبل أن تتعود النفس ذلك فيصير لها عادة، قال قائلهم: # قلت للنفس إن أردت رجوعا ... فارجعى قبل أن يسد الطريق # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 18] # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18) # يعنى إذا كشف الغطاء وصارت المعارف ضروريه «1» أغلق باب التوبة فإن من ~~شرط التكليف أن يكون الإيمان غيبيا. ثم إن فى هذه الطريقة إذا عرف بالخيانة ~~لا يشم بعده حقيقة الصدق. قال داوود- عليه السلام- فى آخر بكائه لما قال ~~الله تعالى لم تبكى يا داوود، وقد غفرت لك وأرضيت خصمك «2» وقبلت توبتك؟ # فقال: إلهى، الوقت الذي كان بي رده إلى فقال: هيهات يا داوود، ذاك ود قد ~~مصى!! وفى معناه أنشدوا: # فخل سبيل العين بعدك للبكا ... فليس لأيام الصفاء رجوع # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 19] # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن ~~كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) PageV01P321 # التلبيس على المستضعفين، والتدليس على أهل السلامة والوداعة من المسلمين- ~~غير محمودين عند الله. فمن تعاط ذلك انتقم الله منه، ولم يبارك له فيما ~~يختزل من أموال الناس بالباطل والاحتيال. ومن استصغر خصمه فى الله فأهون ما ~~يعاقبه الله به أن يحرمه الوصول إلى ما يأمل من محبوبه. # وقوله: «وعاشروهن بالمعروف» : أي بتعاليم الدين والتأدب بأخلاق المسلمين ~~وحسن الصحبة على كراهة النفس، وأن تحتمل أذاهن ولا تحملهن كلف خدمتك، ~~وتتعامى ms0227 عن مواضع خجلتهن. # قوله: «فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ... » كل ما كان على نفسك أشق ~~كانت عاقبته أهنأ وأمرأ. # واعلم أن الحق سبحانه لم يطلع أحدا على غيبه، فأكثر ما يعافه الإنسان قد ~~تكون الخيرة فيه أتم. وقد حكم الله- سبحانه- بأن مخالفة النفس توصل صاحبها ~~إلى أعلى المنازل، وبعكس ذلك موافقتها، كما أن مخالفة القلوب توجب عمى ~~البصيرة، وبعكس ذلك موافقتها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 20 الى 21] # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى ~~بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) # PageV01P322 # يعلمهم حسن العهد ونعت الكرم فى العشرة، فيقول لا تجمع الفرقة واسترداد ~~المال عليها، فإن ذلك ترك الكرم فإن خولت واحدة مالا كثيرا ثم جفوتها ~~بالفراق فما آتيتها يسير فى جنب ما أذقتها من الفراق. # قوله: وكيف تأخذونه ... : يعنى أن للصحبة السالفة حرمة أكيدة، فقفوا عند ~~مراعاة الذمام، وأوفوا بموجب الميثاق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 22] # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا ~~وساء سبيلا (22) # تشير الآية إلى حفظ الذمام، والوقوف على حد الاحترام، فإن السجية ~~تتداخلها الأنفة من أن ينكح فراشه غيره، فنهى الأبناء عن تخطى حقوق الآباء ~~فى استفراش منكوحة الأب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 23] # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات ~~الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ~~قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23) # PageV01P323 # تكلف انتزاع المعاني التي لأجلها حصل هذا التحريم محال من الأمر لأن ~~الشرع غير معلل «1» ، بل الحق تعالى حرم ما شاء على من شاء، وكذلك الإباحة، ~~ولا علة للشرائع بحال، ولو كانت المحرمات من هؤلاء محللات [محرمات] «2» ~~لكان ذلك سائغا. ms0228 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 24] # والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن ~~الله كان عليما حكيما (24) # إذا حافظت الحدود، وراعيت العهود، وحصل التراضي بين النساء بحكم الشرع ~~فما لا يكون فيه للخلق خصيمة، ولا من الحق سبحانه منه تبعة، فذلك مباح طلق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 25] # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم ~~من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن ~~وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم ~~وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25) PageV01P324 # الرخص جعلت للمستضعفين، فأما الأقوياء فأمرهم الجد، والأخذ بالاحتياط ~~والتضييق إذ لا شغل لهم سوى القيام بحق الحق، فإن كان أمر الظاهر يشغلهم عن ~~مراعاة القلوب فالآخذ فى الأمور الظاهرة بالسهولة والأخف أولى من الاستقصاء ~~فيما يمنع من مراعاة السر، لأنه ترك بعض الأمور لما هو الأهم والأجل، فمن ~~نزلت درجته عن الأخذ بالأوثق والأحوط فمباح له الانحدار إلى وصف الترخص «1» ~~. # ثم قال فى آخر الآية: «وأن تصبروا خير لكم» : يعنى على مقاساة ما فيه ~~الشدة، وفى هذا نوع استمالة للعبيد حيث لم يقل اصبروا بل قال: «وأن تصبروا ~~خير لكم» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 26] # يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم ~~حكيم (26) # لما عرف النبي- صلى الله عليه وسلم- وأمته أخبار من مضى من الأمم، وما ~~عملوا، وما عاملهم به انتظروا ما الذي يفعل بهم فإن فيهم أيضا من ارتكب ما ~~لا يجوز، فقالوا: ليت شعرنا بأي نوع يعاملنا ... أبا لخسف أو بالمسخ أو ~~بالعذاب أو بماذا؟ # فقال تعالى: «ويهديكم سنن الذين من قبلكم» ms0229 نعرفكم ما الذي عملنا بهم. ~~PageV01P325 # «ويتوب عليكم» أما أنتم فأتوب عليكم، أما من تقدم فلقد دمرت عليهم. # ويقال «يريد الله ليبين لكم» : أي يكاشفكم بأسراره فيظهر لكم ما خفى على ~~غيركم. # ويقال يريد الله ليبين لكم انفراده- سبحانه- بالإيجاد والإبداع، وأنه ليس ~~لأحد شىء. # «ويهديكم سنن الذين من قبلكم» طريقة الأنبياء والأولياء وهو التفويض ~~والرضاء، والاستسلام للحكم والقضاء. # وقيل «ويتوب عليكم» أي يتقبل توبتكم بعد ما خلق توبتكم، ثم يثيبكم على ما ~~خلق لكم من توبتكم «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : الآيات 27 الى # 28] # والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا ~~عظيما (27) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28) # عزل بهذا الحديث حديث الأولين والآخرين. # ومن أراد الله توبته فلا يشمت به عدوا، ولا يناله فى الدارين سوء. # «ويريد الذين يتبعون الشهوات ... » : إرادتهم منكوسة، وهى عند إرادة ~~الحق- سبحانه- ضائعة مردودة. # ويريد الله أن يخفف عنكم: يعنى ثقل الأوزار بمواترة الأوراد إلى قلوبكم، ~~ويقال يريد الله أن يخفف عنكم مقاساة المجاهدات بما يلج لقلوبكم من أنوار ~~المشاهدات. # ويقال يريد الله أن يخفف عنكم أتعاب الخدمة بحلاوة الطاعات. # ويقال يخفف عنكم كلف الأمانة بحملها عنكم. PageV01P326 # ويقال يخفف عنكم أتعاب الطلب بروح الوصول. # «وخلق الإنسان ضعيفا» : وصف بهذا فقرهم وضرهم، و ( ... ) «1» بها عذرهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 29 الى 30] # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) ومن يفعل ذلك ~~عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30) # كل نفقة كانت لغير الله فهى أكل مال بالباطل. # ويقال القبض إذا كان على غفلة، والبذل إذا لم يكن بمشهد الحقيقة «2» ، ~~فكل ذلك باطل، «ولا تقتلوا أنفسكم» : يعنى بارتكاب الذنوب، ويقال تعريضها ~~لمساخطته سبحانه. # ويقال بنظركم إليها وملاحظتكم إياها. # ويقال باستحسانكم شيئا منها بإيثارها دون رضاء الحق. # ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فإنا لا نخليه من عقوبة شديدة، وهو أن نكلها ms0230 ~~إلى صاحبها، ونلقى حبلها على غاربها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 31] # إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ~~(31) # الكبائر- على لسان العلم- هاهنا الشرك بالله، وعلى بيان الإشارة أيضا ~~الشرك PageV01P327 # الخفى. ومن جملة ذلك ملاحظة الخلق، واستحلاء قبولهم، والتودد إليهم، ~~والإغماض على حق الله بسببهم «1» . # ويقال إذا سلم العهد فما حصل من مجاوزة «2» الحد فهو بعيد عن التكفير. # ويقال أكبر الكبائر إثباتك نفسك فإذا شاهدت نفيها «3» تخلصت «4» من أسر ~~المحن. «وندخلكم» فى أموركم «مدخلا كريما» إدخالا حسنا لا ترون منكم دخولكم ~~ولا خروجكم وإنما ترون المصرف لكم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 32] # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا ~~وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما ~~(32) # لسان المعاملة أن الأمر بالتعنى لا بالتمني، ولسان التوحيد أن الأمر ~~بالحكم والقضاء لا بالإرادة والمنى. ويقال اسلكوا سبيل من تقدمكم فى قيامكم ~~بحق الله، ولا تتعرضوا لنيل ما خصوا به من فضل الله. قوموا بحق مولاكم ولا ~~تقوموا بمتابعة هواكم واختيار مناكم. # ويقال لا تتمنوا «5» مقام السادة دون أن تسلكوا سبلهم، وتلازموا سيرهم، ~~وتعملوا عملهم.. فإن ذلك جور من الظن. # ويقال كن طالب حقوقه لا طالب نصيبك على أي وجه شئت: دنيا وآخرة (وإلا) ~~«6» أشركت فى توحيدك من حيث لم تشعر. PageV01P328 # ويقال لا تتمن مقامات الرجال فإن لكل مقام أهلا عند الله، وهم معدودون ~~فما لم يمت واحد منهم لا يورث مكانه غيره، قال تعالى: «جعلكم خلائف» ~~والخليفة من يخلف من تقدمه، فإذا تمنيت مقام ولى من الأولياء فكأنك استعجلت ~~وفاته على الجملة تمنيت أو على التفصيل، وذلك غير مسلم. # ويقال خمودك تحت جريان حكمه- على ما سبق به اختياره- أحظى لك من تعرضك ~~لوجود مناك، إذ قد يكون حتفك فى منيتك. # ويقال من لم يؤدب ظاهره بفنون المعاملات، ولم يهذب باطنه بوجوه «1» ~~المنازلات فلا ينبغى أن يتصدى لنيل المواصلات، وهيهات هيهات متى يكون ذلك! ms0231 ~~«وسئلوا الله من فضله» : الفرق «2» بين التمني وبين السؤال من فضله من ~~وجوه: # يكون التمني للشىء مع غفلتك عن ربك فتتمنى بقلبك وجود ذلك الشيء من غير ~~توقعه من الله، فإذا سألت الله فلا محالة تذكره، والآخر أن السائل لا يرى ~~استحقاق نفسه فيحمله صدق الإرادة على التملق والتضرع، والمتمنى يخلو عن هذه ~~الجملة. # والآخر أن الله نهى عن تمنى ما فضل الله به غيرك إذ معناه أن يسلب صاحبك ~~ما أعطاه ويعطيك إياه، وأباح السؤال من فضله بأن يعطيك مثل ما أعطى صاحبك. # ويقال لا تتمن العطاء وسل الله أن يعطيك من فضله الرضا بفقد العطاء وذلك ~~أتم من العطاء، فإن التحرر من رق الأشياء أتم من تملكها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 33] # ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا (33) # جعل المعاقدة فى ابتداء الإسلام نظيرة النسب فى ثبوت الميراث بها فنسخ ~~حكم الميراث PageV01P329 # وبقي حكم الاحترام، فإذا كانت المعاقدة بين الناس بهذه المثابة فما ظنك ~~بالمعاهدة مع الله؟. # قال الله تعالى: «رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه» وأنشدوا: # إن الألى ماتوا على دين الهوى ... وجدوا المنية منهلا معسولا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 34] # الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من ~~أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن ~~فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن ~~الله كان عليا كبيرا (34) # خص «1» الرجال بالقوة فزيد بالحمل عليهم فالحمل على حسب القوة. والعبرة ~~بالقلوب والهمم لا بالنفوس والجثث. # قوله: «واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن» : أي ~~ارتقوا فى تهذيبهن بالتدريج والرفق، وإن صلح الأمر بالوعظ فلا تستعمل العصا ~~بالضرب، فالآية تتضمن آداب العشرة. # ثم قال: «فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا» : يعنى إن وقفت فى الحال عن ~~سوء العشرة ( ### | ........ # ) «2» ورجعت إلى الطاعة فلا تنتقم منها عما سلف، ولا تمتنع ms0232 من قبول عذرها ~~والتأبى عليها. # يقال: «فلا تبغوا عليهن سبيلا» بمجاوزتك عن مقدار ما تستوجب «3» من ~~نقمتك. PageV01P330 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 35] # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35) # يقال لك عليها الطاعة بالبدن، فأما المحبة والميل إليك بالقلب فذلك إلى ~~الله، فلا تكلفها مالا يرزقك الله منها فإن القلوب بقدرة الله، يحبب إليها ~~من يشاء، ويبغض إليها من يشاء. # ويقال «فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا» أي لا تنس وفاءها فى الماضي ~~بنادر «1» جفاء يبدو فى الحال فربما يعود الأمر إلى الجميل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 36] # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ~~ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) # قوله ### | [سورة النساء (4) : آية 37] # الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (37) # : العبودية معانقة الأمر ومفارقة الزجر «2» . # «ولا تشركوا» الشرك مجليه اعتقاد معبود سواه، وخفيه: ملاحظة موجود سواه، ~~PageV01P331 # والتوحيد أن تعرف أن الحادثات كلها حاصلة بالله، قائمة به فهو مجريها ~~ومنشيها ومبقيها، وليس لأحد ذرة ولا شظية ولا سينة ولا شمة من الإيجاد ~~والإبداع. # ودقائق الرياء وخفايا المصانعات وكوامن الإعجاب والعمل على رؤية الخلق، ~~واستحلاء مدحهم والذبول تحت ردهم وذمهم- كل ذلك من الشرك الخفى. # قوله: «وبالوالدين» الإحسان إلى الوالدين على وجه التدريج إلى صحبة فإنك ~~أمرت أولا بحقوقهما لأنهما من جنسك ومنهما تربيتك، ومنهما تصل إلى استحقاق ~~زيادتك وتتحقق بمعرفتك. وإذا صلحت للصحبة والعشرة مع ذوى القربى والفقراء ~~والمساكين واليتامى ومن فى طبقتهم- رقيت عن ذلك إلى استيجاب صحبته- سبحانه. # قوله: «والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ... » الآية من ~~جيرانك ( ### | .... # ) «1» فلا تؤذهما بعصيانك، وراع حقهما بما تولى عليهما من إحسانك. # فإذا كان جار دارك مستوجبا للإحسان إليه ومراعاة حقه فجار نفسك- وهو ~~قلبك- أولى بألا تضيعه ولا تغفل ms0233 عنه، ولا تمكن حلول الخواطر الرديئة به. # وإذا كان جار نفسك هذا حكمه فجار قلبك- وهو روحك- أولى أن تحامى على ~~حقها، ولا تمكن لما يخالفها من مساكنتها ومجاورتها. وجار روحك- وهو سرك- ~~أولى أن ترعى حقه، فلا تمكنه من الغيبة عن أوطان الشهود على دوام الساعات. # قوله: «وهو معكم أين ما كنتم» الإشارة منه غير ملتبسة على قلوب ذوى ~~التحقيق. # قوله: الذين يبخلون ... الآية: البخل على لسان العلم منع الواجب، وعلى ~~بيان الإشارة ترك الإيثار فى زمان الاضطرار. وأمر الناس بالبخل معناه منعهم ~~عن مطالبات الحقائق فى معرض الشفقة عليهم بموجب الشرع، وبيان هذا أن يقع ~~بلسانك الانسلاخ عن العلائق وحذف فضولات الحالة فمن نصحه بأن يقول: «ربما ~~لا تقوى على هذا، ولأن تكون مع معلومك الحلال أولى بأن تصير مكديا، وربما ~~تخرج إلى سؤال الناس وأن تكون كلا على PageV01P332 # المسلمين- ويروى له فى هذا الباب الأخبار والآثار أمثال هذا ### | .... # » فلولا بخله «1» المستكن فى قلبه لأعانه بهمته فيما يسنح لقلبه «2» بدل ~~أن يمنع عنه ما (يجب ان) يقول فى معرض النصح. ومن كانت هذه صفته أدركه عاجل ~~المقت حيث أطفأ شرر إرادة ذلك المستضعف بما هو عند نفسه أنه نصيحة وشفقة فى ~~الشرع. # وقوله: «ويكتمون ما آتاهم الله من فضله» : إن كان الله أغناهم عن طلب ~~الفضيلة بما خولهم وآتاهم كتموا ذلك طمعا فى الزيادة على غير وجه الإذن. # ويقال يكتمون ما آتاهم الله من فضله إذا سألهم مريد شيئا عندهم فيه ~~نجاته، وضنوا عليه بإرشاده. # ويقال بخل الأغنياء بمنع النعمة، وبخل الفقراء بمنع الهمة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 38] # والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن ~~يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (38) # أدخل هؤلاء أيضا تحت قوله: «إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا» ~~فعقوبتهم فى العاجل أنهم ليسوا من جملة محبيه، وكفى بذلك محنة. # والمختال الذي ينظر إلى نفسه والمرائى الذي ينظر إلى أبناء جنسه، وكلاهما ~~مسومان بالشرك الخفى والله لا يحب المشركين. والفخور ms0234 من الإبل كالمصراة من ~~الغنم وهو الذي سدت أخلافه ليجتمع فيها الدر «3» فيتوهم المشترى أن جميع ~~ذلك معتاد لها وليس كذلك، فكذلك الذي يرى من نفسه حالا ورتبة وهو فى ذلك ~~مدع وهو الفخور، والله لا يحبه، وكذلك المرائى الذي ينفق ماله رئاء الناس. ~~PageV01P333 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 39] # وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان ~~الله بهم عليما (39) # ليس فى إيمانهم بالله عليهم مشقة، بل لو آمنوا لوصلوا إلى عز الدنيا ~~والآخرة، ولا يحملهم على الإعراض عنه إلا قلة الوفاء والحرمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 40] # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ~~(40) # لا ينقص من ثوابهم شيئا بل يبتدئهم- من غير استحقاقهم- بفضله، ويضاعف ~~أجورهم على أعمالهم فأما الظلم فمحال تقديره فى وصفه لأن الخلق خلقه، ~~والملك ملكه. # والظالم من يعتدى حدا رسم له- وهو فى وصفه محال لعزه فى جلال قدره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 41 الى 42] # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) يومئذ يود ~~الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا (42) # إذا كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- الشهيد على أمته، وهو الشفيع لهم، ~~فإنما يشهد بما يبقى للشفاعة موضعها. # قوله تعالى: يومئذ يود الذين كفروا ... الآية: يحصلون على ندم ثم لا ~~ينفعهم، ويعضون على أناملهم ثم لا يسكن عنهم جزعهم، فيتقنعون بخمار الذل، ~~وينقلبون إلى أوطان المحن «1» والضر. PageV01P334 # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 43] # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ~~ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (43) # النهى عن موجب السكر من الشراب لا من الصلاة، أي لا تصادفنكم الصلاة ~~وأنتم بصفة السكر، أي امتنعوا ms0235 عن شرب ما يسكر فإنكم إن شربتم سكرتم، ثم إذا ~~صادفكم الصلاة على تلك الحالة لا تقبل منكم صلاتكم. # والسكر ذهاب العقل والاستشعار، ولا تصح معه المناجاة مع الحق. # المصلى يناجى ربه فكل ما أوجب للقلب الذهول عن الله فهو ملحق بهذا من حيث ~~الإشارة ولأجل هذه الجملة حصل، والسكر على أقسام: # فسكر من الخمر وسكر من الغفلة لاستيلاء حب الدنيا. # وأصعب السكر سكرك من نفسك فهو الذي يلقيك فى الفرقة عنه، فإن من سكر من ~~الخمر فقصاراه الحرقة- إن لم يغفر له. ومن سكر من نفسه فحاله الفرقة- فى ~~الوقت- عن الحقيقة. # فأما السكر الذي يشير إليه القوم «1» فصاحبه محفوظ عليه وقته حتى يصلى ~~والأمر مخفف عليه: (فإذا خرج عن الصلاة هجم عليه غالبه فاختطفه عنه ومن لم ~~يكن محفوظا) «2» عليه أحكام الشرع (فمشوب بحظ) «3» . PageV01P335 # وقوله تعالى: «ولا جنبا إلا عابري سبيل ... » الآية: أذن للمضطر أن يترخص ~~فى عبور المسجد وهو على وصف الجنابة، فإذا عرج زائدا على قدر الضرورة ~~فمعاتب غير معذور، وكذلك فيما يحصل من معاذير الوقت فى القيام بشرائط الوقت ~~فمرفوعة عن صاحبه المطالبة به. # ثم إنه- سبحانه- بفضله جعل التيمم بدلا من الطهارة بالماء عند عوز الماء ~~كذلك النزول إلى ساحات الفرق عن ارتقاء ذرة «1» الجمع- بقدر ما يحصل من ~~الضعف- بدل لأهل الحقائق. # ثم إن التيمم- الذي هو بدل الماء- أعم وجودا من الماء، وأقل استعمالا من ~~الأصل، فإن كل من كان أقرب كانت المطالبات عليه أصعب. # ثم فى الظاهر أمرنا باستعمال التراب وفى الباطن باستشعار الخضوع واستدامة ~~الذبول «2» . # ورد التيمم إلى التقليل، وراعى فيه صيانة لرأسك عن التراب ولقدمك فإن ~~العز بالمؤمن- ومولاه باستحقاق الجلال- أولى من الذل لما هو مفلس فيه من ~~الحال، ولئن كان إفلاسه عن أعماله يوجب له التذلل فعرفانه بجلال سيده يوجب ~~كل تعزز وتجمل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 44 الى 46] # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا ~~السبيل (44) والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) من ~~الذين هادوا يحرفون ms0236 الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع ~~وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع ~~وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ~~(46) PageV01P336 # ومكروا مكرا ولم يشعروا وجهة مكرهم أن أعطوا الكتاب ثم حرموا بركات الفهم ~~حتى حرفوا وأصروا. # قوله: من الذين هادوا ... الآية: تركوا حشمة الرسول- صلى الله عليه وسلم- ~~ورفضوا حرمته، فعوقبوا بالشك فى أمره، ولذلك لم يترك أحد حشمته (محتشم) «1» ~~إلا حيل بينه وبين نيل بركات صحبته وزوائد خدمته. ولو أنهم عاجلوا فى نفى ~~ما داخلهم من الحسد وقابلوا حاله بالتبجيل والإعظام لوجدوا بركات متابعته، ~~فأسعدوا به فى الدارين، وكيف لم يكونوا كذلك وقد أقصتهم السوابق فأقعدتهم ~~القسمة عن بساط الخدمة؟ وإن من قعدت به الأقدار لم ينهض به الاحتيال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 47] # يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن ~~نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر ~~الله مفعولا (47) # صرف القلوب عن الإرادة إلى أحوال أهل العادة حتى كانت دواعيه يتوفر فى ~~رفض الدنيا فعاد لا يصبر عن جمعها «2» ومنعها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 48] # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله ~~فقد افترى إثما عظيما (48) PageV01P337 # العوام طولبوا بترك الشرك الجلى، والخواص طولبوا بترك الشرك الخفى، فمن ~~توسل إليه بعمله ويظنه منه، أو توهم أن أحكامه- سبحانه- معلولة بحركاته ~~وسكناته، أو راعى خلقا أو لاحظ نفسا فوطنه الشرك عند أهل الحقائق «1» . # والله لا يغفر أن يشرك به وكذلك من توهم أن مخالفته حصلت من غير تقديره ~~فهو ملتحق بهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : الآيات 49 الى # 50] # ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ~~(49) انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا (50) # من ركن إلى تزكية الناس له، واستحلى قبول الخواص له- فضلا عن العوام- فهو ms0237 ~~من زكى نفسه، ورؤية النفس أعظم حجاب، ومن توهم أنه بتكلفه يزكى نفسه: ~~بأوراده أو اجتهاده، بحركاته أو سكناته- فهو فى غطاء جهله. # قوله: انظر كيف يفترون ... الآية: الإشارة إلى من أطلق لسان الدعوى من ~~غير تحقيق، والمفترى- فى قالته فى هذا الأمر- لا ينطق بشىء إلا أجبته ~~الآذان وانزجرت له القلوب، فإذا سكت عاد إلى قلب خراب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 51 الى 52] # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون ~~للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) أولئك الذين لعنهم الله ~~ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (52) PageV01P338 # طاغوت كل أحد نفسه وهواه وجبته و ( ### | ..... # ) «1» مقصوده من الأغيار، فمن لاحظ شخصا أو طالع سببا أو عرج على علة أو ~~أطاع هوى، فذلك جبته وطاغوته. وأصحاب الجبت والطاغوت يستوجبون اللعن وهو ~~الطرد عن بساط العبودية، والحجاب عن شهود الربوبية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 53 الى 54] # أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53) أم يحسدون الناس ~~على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ~~ملكا عظيما (54) # من جبل على الشح لا يزداد بسعة يده إلا تأسفا على راحة ينالها الخلق، كأن ~~من شرب قطرة ماء قد تحسى بل رشف من ماء حياته! قوله: أم يحسدون الناس ... : ~~بل ينكرون تخصيص الحق سبحانه لأوليائه بما يشاء حسدا من عند أنفسهم فلا ~~يقابلونهم بالإجلال، وسنة الله سبحانه مع أوليائه مضت بالتعزيز والتوقير ~~لهم. ودأب الكافرين جرى بالارتياب فى القدرة فمنهم من آمن بهم، ومنهم من رد ~~ذلك وجحد، وكفى بعقوبة الله منتقما عنهم. # قوله: «وآتيناهم ملكا عظيما» : الملك العظيم معرفة الملك، ويقال هو الملك ~~على النفس. PageV01P339 # ويقال الإشراف على أسرار المملكة حتى لا يخفى عليه شىء. # ويقال الاطلاع على أسرار الخلق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 56] # إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56) # الإشارة ms0238 منه إلى الجاحدين لآيات الأولياء يقيمهم بوصف الصغار ويبقيهم فى ~~وحشة الإنكار «1» كلما لاح لقلوبهم شىء من هذه القصة «2» جرهم إنكارهم إلى ~~ترك الإيمان بها والإزراء بأهلها على وجه الاستبعاد، فهم مؤبدة عقوبتهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 57] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (57) # هم اليوم فى ظل الرعاية، وغدا فى ظل الحماية والكفاية، بل هم فى الدنيا ~~والعقبى فى ظل العناية. # والناس فى هذه الدنيا متفاوتون: فمنهم من هو فى ظل رحمته، ومنهم من هو فى ~~ظل رعايته، ومنهم من هو فى ظل كرامته، ومنهم من هو فى ظل عنايته، ومنهم من ~~هو فى ظل قربته. PageV01P340 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 58] # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (58) # رد الأمانات إلى أهلها تسليم أموال «1» الخلق لهم بعد إشرافك عليها بحيث ~~لا تفسد عليهم. # ويقال لله- سبحانه وتعالى- أمانات وضعها عندك فرد الأمانة إلى أهلها ~~تسليمها إلى الله- سبحانه- سالمة من خيانتك فيها فالخيانة فى أمانة القلب ~~ادعاؤك فيها، والخيانة فى أمانة السر ملاحظتك إياها. # والحكم بين الناس بالعدل تسوية القريب والبعيد فى العطاء والبذل، وألا ~~تحملك مخامرة حقد على انتقام لنفس. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 59] # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا (59) # قرن طاعته بطاعة الرسول- صلى الله عليه وسلم- تفخيما لشأنه ورفعا لقدره. # وأما أولوا الأمر- فعلى لسان العلم- السلطان، وعلى بيان المعرفة العارف ~~ذو الأمر على المستأنف، والشيخ أولو الأمر على المريد، وإمام كل طائفة ذو ~~الأمر عليهم. PageV01P341 # ويقال الولي أولى بالمريد (من المريد) «1» للمريد. # قوله: «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله» على لسان العلم- إلى الكتاب ~~والسنة، وعلى بيان التوحيد فوض ذلك ووكل علمه إلى ms0239 الله سبحانه، وإذا اختلف ~~الخاطران فى قلب المؤمن فإن كان له اجتهاد العلماء تأمل ما يسنح لخاطره ~~بإشارة فهمه، ومن كان صاحب قلب وكل ذلك إلى الحق- سبحانه- وراعى ما خوطب به ~~فى سرائره، وألقى- بلا واسطة «2» - فى قلبه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 60] # ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا (60) # أظهروا الإخلاص، ونافقوا فى السر، ففضحهم- سبحانه- على لسان جبريل عليه ~~السلام بقوله: «يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به» أي ~~يرفضوه. # فمن حاد عن طريقه ورجع إلى غير أستاذه استوجب الحرمان والذم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 61] # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون ~~عنك صدودا (61) # كل شىء سوى كلمة الحق فهو خفيف على المنافقين، فأما التوحيد فلا يسمع ~~كلمته إلا مخلص، وأهل الفترة فى الله وأصحاب النفرة لا يسمعون ما هو الحق ~~لأن خلاف الهوى يشق على غير الصديقين. وكما أن ناظر الخلق «3» لا يقوى على ~~مقابلة الشمس فكذلك PageV01P342 # المنافقون لم يطيقوا الثبات له- صلى الله عليه وسلم- فلذلك كان صدودهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 62] # فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا ~~إلا إحسانا وتوفيقا (62) # تضرع غير المخلص عند هجوم الضر «1» لا أصل له، فلا ينبغى أن يكون به ~~اعتبار لأن بقاءه إلى زوال المحنة، والمصيبة العظمى ترك المبالاة (بما يحصل ~~من التقصير) «2» . # ويقال من المصيبة أن يمحقك وقتك فيما لا يجدى عليك «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 63] # أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم ~~قولا بليغا (63) # أبسط لهم لسان الوعظ بمقتضى الشفقة عليهم، ولكن انقبض بقلبك عن المبالاة ~~بهم والسكون إليهم، واعلم «4» أن من لا نكون نحن له لا يغنى عنه أن تعينه ~~«5» شيئا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 64] # وما ms0240 أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64) # ما أمرنا الرسل إلا بدعوة الخلق إلينا. PageV01P343 # وقوله: «ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك» . لو جعلوك ذريعتهم لوصلوا ~~إلينا، ويقال لو لازموا التذلل والافتقار وركبوا مطية الاستغفار لأناخوا ~~بعقوة المبار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 65] # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) # سد الطريق- إلى نفسه- على الكافة إلا بعد الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، فمن لم يمش تحت رايته فليس له من الله نفس. # ثم جعل من شرط الإيمان زوال المعارضات بالكلية بقلبك. # قوله: «ثم لا يجدوا ... » : فلا بد لك من ( ... ) «1» تلك المهالك بوجه ~~ضاحك، كما قال بعضهم: # وحبيب إن لم يكن منصفا كنت منصفا ... أتحسى له الأمر وأسقيه ماصفا # إن يقل لى انشق ... اخترت رضا لا تكلفا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : الآيات 66 الى # 68] # ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا ~~قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) ~~وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما (68) # أخبر عن سقم إخلاصهم وقوة إفلاسهم، ثم أخبر الله بعلمه بتقصيرهم. # خلاهم عن كثير من الامتحانات ثم قال ولو أنهم جنحوا إلى الخدمة، وشدوا ~~نطاق الطاعة PageV01P344 # لكان ذلك خيرا لهم من إصرارهم على كفرهم واستكبارهم. ولو أنهم فعلوا ذلك ~~لآتيناهم من عندنا ثوابا عظيما، ولأرشدناهم صراطا مستقيما ولأوليناهم عطاء ~~مقيما. # والأمر- على بيان الإشارة- يرجع إلى مخالفة الهوى وذبح النفوس بمنعها عن ~~المألوفات، والخروج من ديار (تقبل النفس) «1» ، ومفارقة أوطان (إرادة) «2» ~~الدنيا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 69 الى 70] # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ذلك الفضل من الله ~~وكفى بالله عليما (70) # جعل طاعة المصطفى- صلى الله عليه وسلم- مفتاح الوصول إلى مقامات ms0241 النبيين ~~والصديقين والشهداء على الوجه الذي يصح للأمة وكفى له عليه السلام بذلك ~~شرفا. # ثم قال: «ذلك الفضل من الله» : جرد عليهم محلهم عن كل علة واستحقاق وسبب ~~فإن ما لاح لهم وأصابهم صرف فضله وابتداء كرمه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 71 الى 73] # يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71) وإن ~~منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم ~~شهيدا (72) ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ~~ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73) . PageV01P345 # الفرار إلى الله من صفات القاصدين، والفرار مع الله من صفات الواصلين فلا ~~يجد القرار مع الله إلا من صدق فى الفرار إلى الله. والفرار من كل غير شأن ~~كل موحد. # قوله تعالى: وإن منكم لمن ليبطئن ... الآية: أي لم تستقر عقائدهم على وصف ~~واحد، فكانوا مرتبطين بالحظوظ فإذا رأوا مكروها يظل المسلمين شكروا وقالوا: ~~الحمد الله الذي حفظنا من متابعتهم فكان يصيبنا ما أصابهم، وإن كانت لكم ~~نعمة وخير سكنوا إليكم، وتمنوا أن لو كانوا معكم، خسروا فى الدنيا والآخرة: ~~فهم لا كافر قبيح ولا مؤمن مخلص. # قوله: «كأن لم تكن بينكم وبينه مودة» : يعنى طرحوا حشمة الحياة فلم ~~يراعوا حرمتكم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 74] # فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في ~~سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74) # من لم يقتل نفسه فى نفسه لا يصح جهاده بنفسه فأولا (إخراج خطر الروح) «1» ~~من القلب ثم تسليم النفس للقتل. # وقوله «فسوف نؤتيه أجرا عظيما» يعنى بقاؤنا بعده خير له من حياته بنفسه ~~لنفسه، قال قائلهم: # ألست لى عوضا منى؟ كفى شرفا ... فما وراءك لى قصد ومطلوب # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 75] # وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ms0242 ~~وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) . PageV01P346 # أي شىء يمنعكم عن القتال فى سبيل الله؟ وما الذي لا يرغبكم فى بذل المهجة ~~«1» لله؟ # وماذا عليكم لو بذلتم أرواحكم فى الله ولله؟ أتخافون أن تخسروا على الله؟ ~~أم لا تعلمون أنكم تحشرون إلى الله؟ فلم لا تكتفون ببقائه بعد فنائكم فى ~~الله؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 76] # الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ~~فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا (76) # المخلصون لله لا يؤثرون شيئا على الله، ولا يضنون بشىء عن الله، فهم أبدا ~~على نفوسهم لأجل الله، والذين كفروا على العكس من أحوال المؤمنين. ثم قواهم ~~وشجعهم بقوله: # «فقاتلوا أولياء الشيطان» أي لا تضمروا لهم مخافة، فإنى متوليكم وكافيكم ~~على أعدائكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 77] # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما ~~كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ~~ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل ~~والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) # أخرجوا أيديكم عن أموركم، وكلوها إلى معبودكم. # ويقال اقصروها عن أخذ الحرام والتصرف فيه. # ويقال امتنعوا عن الشهوات. # ويقال «كفوا أيديكم» إلا عن رفعها إلى الله فى السؤال بوصف الابتهال. ~~PageV01P347 # فلما كتب عليهم القتال استثقلوا أمره، واستعجلوا لطفه. والعبودية فى ترك ~~الاستثقال، ونفى الاستعجال، والتباعد عن التبرم والاستثقال. # قوله جل ذكره: قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون ~~فتيلا. # مكنك من الدنيا ثم قال: «قل متاع الدنيا قليل» ، فلم يعدها شيئا لك ثم لو ~~تصدقت منها بشق تمرة لتخلصت من النار، وحظيت بالجنة، وهذا غاية الكرم. # واستقلال الكثير من نفسك- لأجل حبيبك- أقوى أمارات صحبتك. # ويقال لما زهدهم فى الدنيا قللها فى أعينهم ليهون (عليها «1» ) تركها. # ويقال قل متاع الدنيا بجملتها قليل، والذي هو نصيبك منها أقل من القليل، ~~فمتى يناقشك لأجلها (بالتخليل) «2» ، لو سلم عهدك ms0243 من التبديل؟ # وإذا كانت قيمة الدنيا قليلة فأخس من الخسيس من رضى بالخسيس بدلا عن ~~النفيس. # وقد اختلع المؤمن من الكون بالتدريج. فقال أولا: «قل متاع الدنيا قليل ~~والآخرة خير» (فأحفظهم) «3» عن الدنيا بالعقبى، ثم سلبهم عن الكونين بقوله: ~~«والله خير وأبقى» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 78] # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا ~~هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال ~~هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) . PageV01P348 # الموت فرح للمؤمن، فالخبر عن قربه بشارة له، لأنه سبب يوصله إلى الحق، ~~ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. # ويقال إذا كان الموت لا بد منه فالاستسلام لحكمه طوعا خير من أن يحمل ~~كرها. # ثم أخبر أنهم- لضعف بصائرهم ومرض عقائدهم- إذا أصابتهم حسنة فرحوا بها، ~~وأظهروا الشكر، وإن أصابتهم سيئة لم يهتدوا إلى الله فجرى فيهم العرق ~~المجوسى «1» فأضافوه «2» إلى المخلوق، فرد عليهم وقال: قل لهم يا محمد كل ~~من عند الله خلقا وإبداعا، وإنشاء واختراعا، وتقديرا وتيسيرا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 79] # ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس ~~رسولا وكفى بالله شهيدا (79) # ما أصابك من حسنة فمن الله فضلا، وما أصابك من سيئة فمن نفسك كسبا ~~وكلاهما من الله سبحانه خلقا «3» قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 80] # من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (80) # هذه الآية تشير إلى الجمع لحال الرسول- صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه ~~طاعته طاعتنا، فمن تقرب منه تقرب منا، ومقبوله مقبولنا، ومردوده مردودنا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 81] # ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله ~~يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (81) ~~PageV01P349 # يعنى إذا حضروك «1» استسلموا فى مشاهدتك، فإذا خرجوا انقطع عنهم نور ~~إقبالك، فعادوا إلى ظلمات، كما قالوا: # إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذى ms0244 الضنى عاد إلى نكسة # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 82 الى 83] # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~(82) وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (83) # تدبر إشارة المعاني بغوص الأفكار، واستخراج جواهر المعاني بدقائق ~~الاستنباط. # قوله: وإذا جاءهم أمر ... : لما كانوا غافلين عن الحق لم يكن لهم من ينقل ~~إليه أسرارهم فأظهروا السر بعضهم لبعض. فأما المؤمنون فعالم أسرارهم ~~مولاهم، وما يسنح لهم خاطبوه فيه فلم يحتاجوا إلى إذاعة السر لمخلوق فسامع ~~نجواهم الله، وعالم خطابهم الله. # قوله تعالى: «ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ... » أي لو بثوا ~~«2» PageV01P350 # أسرارهم عند من هو ( ### | .... # ) «1» ومن هو من أهل القصد لأزالوا عنهم الإشكال، وأمدوهم بنور الهداية ~~والإرشاد «2» . # «ولولا فضل الله» مع أوليائه لهاموا فى كل واد من التفرقة كأشكالهم فى ~~الوقت. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 84] # فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس ~~الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) # استقم معنا بتسليم الكل منك إلى أمرنا فإنك- كما لا يقارنك أحد فى رتبتك ~~لعلوك على الكل- فنحن لا نكلف غيرك بمثل ما تكلفت، ولا نحمل غيرك ما تحملت ~~لانفرادك عن أشكالك فى القدوة «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 85] # من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل ~~منها وكان الله على كل شيء مقيتا (85) # الشفيع يخلص للمشفوع له حاله. ويستوجب الشفيع- من الله سبحانه على ~~شفاعته- عظيم الرتبة، ومن سعى فى أمرنا بالفساد تحمل الوزر واحتقب الإثم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 86] # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء ~~حسيبا (86) PageV01P351 # تعليم لهم حسن العشرة وآداب الصحبة. وإن من حملك فضلا صار ذلك- فى ذمتك- ~~له قرضا، فإما زدت على فعله وإلا ms0245 فلا تنقص عن مثله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 87] # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من ~~الله حديثا (87) # هذا الخطاب يتضمن نفيا وإثباتا فالنفى يعود إلى الأغيار ويستحيل لغيره ما ~~نفاه، والإثبات له بالإلهية ويستحيل له النفي فيما أثبته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 88] # فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من ~~أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) ### | .... # ) «1» العهد فيهم أنهم أعدائى، لا ينالون منى فى الدنيا والعقبى رضائى، ~~وإنكم لا تنقذون بهممكم من أقمته بقسمتي «2» فإن المدار على القسم دون ( ### | .... # ) «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 89 الى 90] # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا (89) إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو ~~جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم ~~فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم ~~عليهم سبيلا (90) PageV01P352 # الإشارة إلى أرباب التخليط والأحوال السقيمة يتمنون أن يكون الصديقون ~~منهم، وهيهات أن يكون لمناهم تحقيق! ومادام المخالفون لكم غير موافقين ~~فبائنوهم وخالفوهم ولا تطابقوهم بحال، ولا تعاشروهم، ولا تتخذوا منهم وليا ~~ولا نصيرا وموافق لك فى قصدك خير لك من مخالف على الكره تعاشره. # قوله: إلا الذين يصلون إلى قوم ... الإشارة من هذه الآية أن عند الاعذار ~~أذن فى معاشرة فى الظاهر «1» رفقا بالمستضعفين. # «فإن اعتزلوكم ... » الإشارة منه أنه إذا عاشركم من ليس من أهل القصة ~~معرجين فى أوطان نصيبهم فلا تدعوهم إلى طريقتكم وسلموا لهم أحوالهم. فإن ~~أمكنكم أن تلاحظوهم بعين الرحمة بحيث تؤثر فيهم همتكم «2» وإلا فسلموا لهم ~~أحوالهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 91] # ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة ~~أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ms0246 ويكفوا أيديهم فخذوهم ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (91) ~~PageV01P353 # إن من رام الجمع بين الضدين خاب سعيه، ولم يرتفع عزمه، فكما لا يكون شخص ~~واحد منافقا ومسلما لا يكون شخص واحد مريدا للحق ومقيما على أحكام أهل ~~العادة. فإن الإرادة والعادة ضدان «1» ، والواجب مباينة الأضداد، ومجانبة ~~الأجانب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 92] # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله ~~عليما حكيما (92) # خفف أمر الخطأ على فاعله حتى حمل موجب قتل الخطأ على العاقلة فالخواص ~~عاقلة المستضعفين من الأمة، وأهل المعرفة عاقلة المريدين، والشيوخ عاقلة ~~الفقراء فسبيلهم أن يحملوا أثقال المستضعفين فيما ينوبهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 93] # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد ~~له عذابا عظيما (93) # كما يحرم قتل غيرك عليك يحرم قتل نفسك عليك، ومن اتبع هواه سعى فى دم ~~نفسه، ومن لم ينصح مريدا بحسن وعظه ولم يعنه بهمته فقد سعى فى دمه، وهو ~~مأخوذ بحاله PageV01P354 # وخليق «1» بأن تكون له عقوبة الأذية بألا يتمتع بما ضن به على المريدين ~~من أحواله: ولقد قال- سبحانه-: يا داود إذا رأيت لى طالبا فكن له (خادما) ~~«2» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 94] # يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ~~كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ~~(94) # «3» عاشروا الناس على ما يظهرون من أحوالهم، ولا تتفرسوا فيهم بالبطلان ~~فإن متولى الأسرار الله «4» . هذا إذا كان غرض فاسد يحملكم عليه من أحكام ~~النفس، ms0247 فأما من كان نظره بالله ولم ينستر عليه شىء فليحفظ سر الله فيما ~~كوشف به، ولا يظهر لصاحبه ما أراد الله فيه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 95 الى 96] # لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ~~وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) ~~درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96) PageV01P355 # الحق سبحانه جمع جميع أوليائه فى أفضاله لكنه غابر بينهم فى الدرجات، فمن ~~غني ومن عبد هو أغنى منه «1» ، ومن كبير ومن هو أكبر منه، هذه الكواكب درية ~~ولكن القمر فوقها، وإذا طلعت الشمس بهرت الجميع بنورها! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 97] # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) # الإشارة منه إلى من أدركه الأجل وهو فى أسر نفسه وفى رق شهواته- ليس له ~~عذر حيث لم يهاجر إلى ظل قربته ليتخلص من هوى نفسه «2» إذ لا حجاب بينك ~~وبين هذا الحديث إلا هواك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 98 الى 99] # إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون ~~سبيلا (98) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (99) # الإشارة منه إلى الذين ملكتهم المعاني فأفنتهم عنهم، فبقوا مصرفين له، لا ~~لهم حول ولا قوة، يبدو عليهم ما يجريه- سبحانه- عليهم، فهم بعد عود نفوسهم ~~بحق الحق محو عنهم، فلا يهتدون إلى غيره سبيلا، ولا يتنفسون لغيره نفسا. ~~PageV01P356 # ويقال على موجب ظاهر الآية إن الذين أقعدتهم الأعذار عن الاختيار فعسى أن ~~يتفضل الحق- سبحانه- عليهم بالعفو. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 100] # ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله ~~غفورا رحيما (100) # من هاجر فى ms0248 الله عما سوى الله، وصحح قصده إلى الله وجد فسحة فى عفوة ~~الكرم، ومقيلا فى ذرى القبول، وحياة وسعة فى كنف القرب. # والمهاجر- فى الحقيقة- من هجر نفسه وهواه، ولا يصح ذلك إلا بانسلاخه عن ~~جميع مراداته، ومن قصده ثم أدركه الأجل قبل وصوله فلا ينزل إلا بساحات ~~وصله، ولا يكون محط روحه إلا أوطان قربه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 101] # وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) # القصر فى الصلاة سنة فى السفر، وكان فى ابتداء الشرع عند الخوف «1» ، ~~فأقر ذلك مع زوال الخوف رفقا بالعباد، فلما دخل الفرض القصر لأجل السفر ~~عوضوا بإباحة النفل فى السفر على الراحلة أينما توجهت به دابته من غير ~~استقبال، فكذلك الماشي ليعلم أن الإذن PageV01P357 # فى المناجاة مستديم فى كل وقت فإن أردت الدخول فمتى شئت، وإن أردت ~~التباعد مترخصا فلك ما شئت، وهذا غاية الكرم، وحفظ سنة الوفاء، وتحقق معنى ~~الولاء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 102] # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102) # تدل هذه الآية على أن الصلاة لا ترتفع عن العبد مادام فيه نفس من ~~الاختيار لا فى الخوف ولا فى الأمن، ولا عند غلبات أحكام الشرع إذا كنت ~~بوصف التفرقة، ولا عند استيلاء سلطان الحقيقة إذا كنت بعين الجمع: # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 103] # فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103) # الوظائف الظاهرة موقته «1» ، وحضور القلب بالذكر مسرمد غير منقطع أما ~~بالرسوم PageV01P358 # فوقتا ms0249 دون وقت، وأما بالقلوب فإياكم والغيبة عن الحقيقة لحظة كيفما ~~اختلفت بكم الأحوال.. # الذكر كيفما كنتم وكما كنتم، وأما الصلاة فإذا اطمأننتم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 104] # ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104) # : قوموا بالله وليكن «1» استنادكم فى جهادكم إلى الله. # «إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون» : القوم شاركوكم فى إحساس الألم، ولكن ~~خالفوكم فى شهود القلب، وأنتم تشهدون ما لا يشهدون، وتجدون لقلوبكم ما لا ~~يجدون، فلا ينبغى أن تستأخروا عنهم فى الجد والجهد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : الآيات 105 الى # 106] # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن ~~للخائنين خصيما (105) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) # «2» لم يأمرك «3» بالحكم بينهم على عمى ولكن بما أراك الله «4» أي كاشفك ~~به من أنوار البصيرة حتى وقفت عليه بتعريفنا إياك وتسديدنا لك، وكذلك من ~~يحكم بالحق من أمتك. # قوله: «ولا تكن للخائنين خصيما» : أي لا تناضل عن أرباب الحظوظ ولكن مع ~~PageV01P359 # أبناء الحقوق، ومن جنح إلى الهوى خان فيما أودع نفسه من التقوى، ومن ركن ~~إلى أنواع نوزاع المنى خان فيما طولب به من الحياء لاطلاع المولى «1» . # واستغفر الله لأمتك فإنا قد كفيناك حديثك بقولنا: ليغفر لك الله نما تقدم ~~من ذنبك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 107 الى 108] # ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ~~(107) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى ~~من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) # هم المؤثرون حظوظهم على حقوقه، والراضون بالتعريج فى أوطان هواهم دون ~~النقلة إلى منازل الرضا، إن الله لا يحب أهل الخيانة فيذلهم- لا جرم- ولا ~~يكرمهم. # قوله: يستخفون من الناس # الغالب على قلوبهم رؤية الخلق ولا يشعرون أن الحق مطلع على قلوبهم أولئك ~~الذين وسم الله قلوبهم بوسم الفرقة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء ms0250 (4) : آية # 109] # ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم ~~القيامة أم من يكون عليهم وكيلا (109) # أي ندفع عنهم- بحرمتك- لأنك فيهم، فكيف حالهم يوم القيامة إذ زالت عنهم ~~بركاتكم أيها المؤمنون؟! PageV01P360 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 110] # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (110) # «ثم» # : حرف يدل على التراخي أي يزجون «1» عمرهم فى البطالات والمخالفات ثم فى ~~آخر أعمارهم يستغفرون الله. # وقوله «يجد الله» # : الوجود غاية الحديث «2» ، والعاصي لا يطلب غير الغفران، ولكن الله- ~~سبحانه يوصله إلى النهاية بفضله- إذا شاء، فسنته تحقيق ما فوق المأمول لمن ~~رجاه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 111] # ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (111) # الحق غني عن طاعة المطيعين، وزلة «3» العاصين، فمن أطاع فحظه حصل، ومن ~~عصى فحظه أخذ. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 112] # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ~~(112) # من نسب إلى برىء ما هو صفته من المخازي عكس الله عليه الحال، وألبس ذلك ~~البريء ثواب محاسن راميه، وسحب ذيل العفو على مساويه، وقلب الحال على ~~المتعدى بما يفضحه بين أشكاله، فى عامة أحواله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 113] # ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا ~~أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن ~~تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (113) PageV01P361 # الفضل إحسان غير مستحق «1» ، والإشارة هاهنا- من الفضل- إلى عصمته إياه، ~~فالحق- سبحانه- عصمه تخصيصا له بتلك العصمة، وكما عصمه عن ترك حقه- سبحانه- ~~عصمه بأن كف عنه كيد خلقه فقال: «ولولا فضل الله عليك ورحمته..» # الآية. # كلا، لن يكون لأحد سبيل إلى إضلالك فأنت فى قبضة العزة، وما يضلون إلا ~~أنفسهم، وما يضرونك بشىء، إذ المحفوظ منا محروس عن كل غير، وإن الله سبحانه ~~قد اختصك بإنزال الكتاب، واستخلصك بوجوه الاختصاص والإيجاب، وعلمك ما لم ~~تكن تعلم، ولم يمن عليك بشىء بمثل ms0251 ما من به على من خصه به من العلم. ويحتمل ~~أنه أراد به علمه- صلى الله عليه- بالله بجلاله، وعلمه بعبودية نفسه، ~~ومقدار حاله فى استحقاق عزه وجماله. # ويقال علمك ما لم تكن تعلم من آداب الخدمة إذ لم تكن ملتبسا عليك معرفة ~~الحقيقة. # ويقال أغناك عن تعليم الأغيار حتى لا يكون لأحد نور إلا مقتبسا من نورك، ~~ومن لم يمش تحت رايتك لا يصل إلى جميع برنا، ولا يحظى بقربنا ووصلنا. # «وكان فضل الله عليك عظيما» # : فى الآباد أنك كنت- لنا بشرف العز وكرم الربوبية فى الآزال- معلوما. ~~ويقال وعلمك ما لم تكن تعلم من علو رتبتك على الكافة. # ويقال «علمك ما لم تكن تعلم» # أن أحدا لا يقدر قدرنا إلا بمقدار موافقته لأمرنا قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 114] # لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ~~ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114) PageV01P362 # أفضل الأعمال ما كانت بركاته تتعدى صاحبه إلى غيره ففضيلة الصدقة يتعدى ~~نفعها إلى من تصل إليه، والفتوة أن يكون سعيك لغيرك، ففى الخبر: «شر الناس ~~من أكل وحده» وكل أصناف الإحسان ينطبق عليها لفظ الصدقة. # قال صلى الله عليه وسلم فى قصر الصلاة فى السفر: «هذه صدقة تصدقها الله ~~عليكم فاقبلوا صدقته» «1» والصدقة على أقسام: صدقتك على نفسك، وصدقتك على ~~غيرك فأما صدقتك (على نفسك فحملها على أداء حقوقه تعالى، ومنعها عن مخالفة ~~أمره، وقصر يدها عن أذية الخلق، وصون خواطرها وعقائدها عن السوء. وأما ~~صدقتك) «2» على الغير فصدقة بالمال وصدقة بالقلب وصدقة بالبدن. # فصدقة بالمال بإنفاق النعمة، وصدقة بالبدن بالقيام بالخدمة، وصدقة بالقلب ~~بحسن النية وتوكيد الهمة. # والصدقة على الفقراء ظاهرة لا إشكال فيها، أما الصدقة على الأغنياء فتكون ~~بأن تجود عليهم بهم، فتقطع رجاءك عنهم فلا تطمع فيهم. # وأما المعروف: فكل حسن فى الشرع فهو معروف، ومن ذلك إنجاد المسلمين ~~وإسعادهم فيما لهم فيه قربة إلى الله، وزلفى عنده، وإعلاء النواصي بالطاعة. ~~PageV01P363 # ومن ms0252 تصدق بنفسه على طاعة ربه، وتصدق بقلبه على الرضا بحكمه، ولم يخرج ~~بالانتقام لنفسه، وحث الناس على ما فيه نجاتهم بالهداية إلى ربه، وأصلح بين ~~الناس بصدقه فى حاله- فإن لسان فعله أبلغ فى الوعظ من لسان نطقه، فهو ~~الصديق فى وقته. ومن لم يؤدب نفسه لم يتأدب به غيره، وكذلك من لم يهذب حاله ~~لم يتهذب به غيره. # «ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله» غير سائل به مالا أو حائز لنفسه به ~~حالا فعن قريب يبلغ رتبة الإمامة فى طريق الله، وهذا هو الأجر الموعود فى ~~هذه الآية «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 115] # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) # خواطر الحق سفراؤه تعالى إلى العبد، فمن خالف إشارات ما طولب به من طريق ~~الباطن استوجب عقوبات القلوب، ومنها أن يعمى عن إبصار رشده. وكما أن مخالف ~~الإجماع عن الدين خارج فمخالف ما عرف من الحقيقة بعد ما تبين له الطريق- ~~ساقط. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 116] # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله ~~فقد ضل ضلالا بعيدا (116) PageV01P364 # قوله ### | [سورة النساء (4) : الآيات 117 الى 120] # إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا (117) لعنه الله ~~وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (118) ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم ~~فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من ~~دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (119) يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا (120) # : إثبات الغير فى توهم ذرة من الإبداع عين الشرك، فلا للعفو فيه مساغ. ~~وما دون الشرك فللعفو فيه مساغ، ومن توسل إليه سبحانه بما توهم من نفسه فقد ~~أشرك من حيث لم يعلم. كلا، بل هو الله الواحد. # قوله: وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله: أوقعوا على الجمادات تسميات ~~«1» ، وانخرطوا فى سلك التوهم، وركنوا إلى مغاليط الحسبان، فضلوا عن ~~الحقيقة. # «وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ms0253 لعنه الله» ، أي ما يدعون إلا إبليس الذي ~~أبعده الحق عن رحمته، وأسحقه «2» ببعده، وما إبليس إلا مقلب فى القبضة على ~~ما يريده المنشئ، ولو كان به ذرة من الإثبات لكان به شريكا فى الإلهية. ~~كلا، إنما يجرى الحق- سبحانه- على الخلق أحوالا، ويخلق «3» عقيب وساوسه ~~للخلق ضلالا، فهو الهادي والمضل، وهو- سبحانه- المصرف للكل، فيخلق ( ### | .... # ) «4» فى قلوبهم عقيب وساوسه إليهم طول الآمال، ويحسن فى أعينهم قبيح ~~الأعمال، ثم لا يجعل لأمانيهم تحقيقا، ولا يعقب لما أملوه تصديقا، فهو ~~تعالى موجد تلك الآثار جملة، ويضيفها إلى الشيطان مرة، وإلى الكافر مرة، ~~وهذا معنى قوله: «ولأضلنهم ولأمنينهم» ... الآية ومعنى قوله تعالى «يعدهم ~~ويمنيهم» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 121] # أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا (121) . PageV01P365 # الذين قسم لهم الضلالة فى الحال حكم عليهم بالعقوبة فى المآل «1» ، ولولا ~~أنه أظهر ما أظهر بقدرته وإلا متى كانت شظية من الضلالة والهداية ~~لأربابها؟! والوقوف على صدق التوحيد عزيز، وأرباب التوحيد قليل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 122] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (122) # الذين أسعدناهم حكما وقولا، أنجدناهم حين أوجدناهم كرما وطولا، ثم إنا ~~نحقق لهم الموعود من الثواب، بما نكرمهم به من حسن المآب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 123 الى 124] # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من ~~دون الله وليا ولا نصيرا (123) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (124) # من زرع الحنظل لم يجتن الورد والعبهر «2» ، ومن شرب السم الزعاف لم يجد ~~طعم العسل، كذلك من ضيع حق الخدمة لم يستمكن على بساط القربة، ومن وسم ~~بالشقوة لم يرزق الصفوة، ومن نفته القضية «3» فلا ناصر له من البرية. # قوله: ومن يعمل من الصالحات ### | .... # الآية. من تعني فى خدمتنا لم يبق عن نيل PageV01P366 # نعمتنا، بل من أغنيناه «1» فى طلبنا أكرمناه بوجودنا، ms0254 بل من جرعناه كأس ~~اشتياقنا أنلناه أنس لقائنا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 125] # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ ~~الله إبراهيم خليلا (125) # لا أحد أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله يعنى أفرد قصده إلى الله، وأخلص عقده ~~لله عما سوى الله، ثم استسلم فى عموم أحواله لله بالله، ولم يدخر شيئا عن ~~الله لا من ماله ولا من جسده، ولا من روحه ولا من جلده، ولا من أهله ولا من ~~ولده، وكذلك كان حال إبراهيم عليه السلام. # وقوله «وهو محسن» : الإحسان- بشهادة الشرع- أن تعبد الله كأنك تراه، ولا ~~بد للعبد من بقية «2» من عين الفرق حتى يصح قيامه بحقوقه- سبحانه- لأنه إذا ~~حصل (مستوفى) «3» بالحقيقة لم يصح إسلامه ولا إحسانه، وهذا اتباع إبراهيم ~~عليه السلام الحنيف الذي لم يبق منه شىء على وصف الدوام. # وقوله «واتخذ الله إبراهيم خليلا» : جرد الحديث عن كل سعى وكد وطلب وجهد ~~حيث قال: «واتخذ الله إبراهيم خليلا» فعلم أن الخلة لبسة يلبسها الحق لا ~~صفة يكتسبها العبد. PageV01P367 # ويقال الخليل المحتاج «1» بالكلية إلى الحق فى كل نفس ليس له شىء منه بل ~~هو بالله لله فى جميع أنفاسه وأحواله، اشتقاقا من الخلة (التي هى الخصاصة ~~وهى الحاجة) «2» . # ويقال إنه من الخلة التي هى المحبة، والخلة أن تباشر المحبة جميع أجزائه، ~~وتتخلل سره حتى لا يكون فيه مساغ للغير. # فلما صفاه الله- سبحانه- (عليه السلام) عنه، وأخلاه منه نصبه للقيام بحقه ~~بعد امتحائه «3» عن كل شىء ليس الله سبحانه. # ثم قال: «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ### | .... # » «4» : لا يلبى الحاج إلا لله، وهذه إشارة إلى جمع الجمع «5» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 127] # ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين ~~من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به ~~عليما (127) # نهاهم عن الطمع الذي يحملهم على الحيف ms0255 والظلم على المستضعفين من النسوان ~~واليتامى، وبين أن المنتقم به لهم الله، فمن راقب الله فيهم لم يخسر على ~~الله بل يجد جميل الجزاء، ومن تجاسر عليهم قاسى لذلك أليم البلاء. ~~PageV01P368 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 128] # وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا ~~بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا (128) # صحبة الخلق بعضهم مع بعض إن تجردت عن حديث الحق فإنها تتعرض للوحشة ~~والملامة، وممازجة النفرة والسآمة. فمن أعرض عن الله بقلبه أعرض الخلق عن ~~مراعاة حقه، وخرج الكافة عليه باستصغار أمره واستحقار قدره. ومن رجع إلى ~~الله بقلبه، استوى له- فى الجملة والتفصيل- أمره، واتسع «1» لاحتمال ما ~~يستقبل من سوء خلق الخلق صدره فهو يسحب «2» ذيل العفو على هنات جميعهم، ~~ويؤثر الصلح بترك نصيبه وتسليم نصيبهم قال الله تعالى: «والصلح خير» . # واتضاعك فى نفسك عن منافرة من يخاصمك أجدى عليك، وأخرى لك من تطاولك على ~~خصمك باغيا الانتقام، وشهود مالك فى مزية المقام. وأكثر المنافقين فى أسر ~~هذه المحنة. # قوله تعالى: «وأحضرت الأنفس الشح ... » : وشح النفس قيام العبد بحظه. # فلا محالة من حجب عن شهود الحق رد إلى شهود النفس. # قوله تعالى: «وإن تحسنوا» : يعنى يكن ذلك خيرا لكم. والإحسان أن تعبد ~~الله كأنك تراه. # «وتتقوا» : يعنى عن رؤيتكم مقام أنفسكم، وشهود قدركم، يعنى وأن تروا ~~ربكم، وتفنوا برؤيته عن رؤية قدركم. PageV01P369 # «فإن الله كان بما تعملون خبيرا» : يعنى إذا فنيتم عنكم وعن عملكم، فكفى ~~بالله عليما بعد فنائكم، وكفى به موجدا عقب امتحائكم «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 129] # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما (129) # «2» يعنى أنكم إذا ( ### | .... # ) «3» فى أموركم انعكس الحال عليكم، وانعكس صلاح ذات بينكم فسادا لكم، ~~فإذا قمتم بالله فى أموركم استوى العيش لكم، وصفا عن الكدر وقتكم. # ويقال من حكم الله بنقصان ms0256 عقله فى حاله «4» فلا تقتدرون أن تجبروا ~~نقصانهم بكفايتكم. # قوله تعالى «فلا تميلوا كل الميل» : يعنى لا تزيغوا عن نهج الأمر. قفوا ~~حيثما وقفتم، وأنفذوا فيما أمرتم. # وقوله: «فتذروها كالمعلقة» يعنى أنكم إذا منعتموهن عن صحبة أغياركم ثم ~~قطعتم عنهن ما هو حظوظهن منكم أضررتم بهن من الوجهين لا منكم نصيب، ولا إلى ~~غيركم سبيل، وإن هذا الحيف عظيم. والإشارة «5» من هذا أنه إذا انسد عليك ~~طريق حظوظك فتح- سبحانه- عليك شهود حقه، ووجود لطفه فإن من كان فى الله ~~تلفه فالحق- سبحانه- خلفه، وإن تصلحوا ما بينكم وبين الخلق، وتثقوا فيما ~~بينكم وبين الحق فإن الله غفور لعيوبكم، رحيم بالعفو عن ذنوبكم. ~~PageV01P370 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 130] # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما (130) # الصحبة التي لا بد منها صحبة القلب مع دوام افتقار إلى الله إذ الحق لا ~~بد منه. فأما الأغيار فلا حاجة لبعضهم إلى بعض إلا من حيث الظاهر، وذلك فى ~~ظنون أصحاب التفرقة، فأما أهل التحقيق فلا تجرية لهم أن حاجة الخلق بجملتها ~~إلى الله سبحانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 131] # ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكان الله غنيا حميدا (131) # كلف الكافة بالرجوع إليه، ومجانبة من سواه، والوقوف على أمره، ولكن فريقا ~~وفق وفريقا خذل. ثم عرف أهل التحقيق أنه غنى عن طاعة كل ولى، وبرىء عن «1» ~~زلة «2» كل غوى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 132] # ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (132) # قطع الأسرار عن التعلق بالأغيار بأن عرفهم انفراده بملك ما فى السموات ~~والأرض، ثم أطمعهم فى حسن توليه، وقيامه بما يحتاجون إليه بجميل اللطف وحسن ~~الكفاية بقوله: # «وكفى بالله وكيلا» يصلح يملك حالك ولا يختزل مالك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 133] # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك ms0257 قديرا (133) . ~~PageV01P371 # من استغنى عنه فى آزاله فلا حاجة له إليه فى آباده. ويقال لا يحتاج إلى ~~أحد والعبد لا يستغنى عنه فى نفس. # ويقال لا نهاية للمقدورات فإن لم يكن عمرو فزيد، وإن لم يكن عبد فعبيد، ~~والذي لا بدل عنه ولا خلف فهو الواحد الأحد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 134] # من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا ~~بصيرا (134) # لما علقوا قلوبهم بالعاجل من الدنيا ذكرهم حديث الآخرة، فقال «فعند الله ~~ثواب الدنيا والآخرة» تعريفا لهم أن فوق هممهم من هذه الخسيسة «1» ما هو ~~أعلى منها من نعيم الآخرة، فلما سمت إلى الآخرة قصودهم قطعهم عن كل مرسوم ~~«2» ومخلوق بقوله: «والله خير وأبقى» «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 135] # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ~~أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (135) . ~~PageV01P372 # القسط العدل، والقيام بالله العدل بإيفاء حقوقه من نفسك، واستيفاء حقوقه ~~من كل من هو لك عليه أمر، وإلى تحصيل ذلك الحق سبيل إما أمر بمعروف أو زجر ~~عن مكروه أو وعظ بنصح أو إرشاد إلى شرع أو هداية إلى حق. # ومن بقي لله عليه حق لم يباشر خلاصة التحقيق سره لله. # وأصل الدين «1» إيثار حق الحق على حق الخلق، فمن آثر على الله- سبحانه ~~أحدا إما والدا أو أما أو ولدا أو قريبا أو نسيبا، أو ادخر عنه نصيبا فهو ~~بمعزل عن القيام بالقسط. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 136] # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ~~والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا (136) # يا أيها الذين آمنوا من حيث البرهان آمنوا من حيث البيان إلى أن تؤمنوا ~~من حيث الكشف والعيان. # ويقال يا أيها الذين آمنوا تصديقا آمنوا تحقيقا ms0258 بأن نجاتكم بفضله لا ~~بإيمانكم. # ويقال يا أيها الذين آمنوا فى الحال آمنوا باستدامة الإيمان إلى المآل ~~«2» ويقال يا أيها الذين آمنوا آمنوا وراء كل وصل وفصل «3» ووجد وفقد. ~~PageV01P373 # ويقال يا أيها الذين آمنوا باستعمال أدلة العقول آمنوا إذا أنختم بعقوة ~~الوصول، واستمكنت منكم حيره البديهة «1» وغلبات الذهول «2» ثم أفقتم عن تلك ~~الغيبة فآمنوا أن الذي كان غالبا عليكم كان شاهد الحق لا حقيقة الذات «3» ~~فإن الصمدية منزهة متقدسة عن كل قرب وبعد، ووصل وفصل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 137 الى 138] # إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ~~ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (137) بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ~~(138) # الذين تبدلت بهم الأحوال فقاموا وسقطوا ثم انتعشوا ثم ختم بالسوء ~~أحوالهم، أولئك الذين قصمتهم «4» سطوة العزة حكما، وأدركتهم شقاوة القسمة ~~خاتمة وحالا- فالحق سبحانه لا يهديهم لقصد، ولا يدلهم على رشد، فبشرهم ~~بالفرقة الأبدية، وأخبرهم بالعقوبة السرمدية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 139 الى 140] # الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن ~~العزة لله جميعا (139) وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله ~~يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا ~~مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (140) PageV01P374 # من اعتصم بمخلوق فقد التجأ إلى غير مجير، واستند إلى غير كهف، وسقط فى ~~مهواة من الغلط بعيد قعرها، شديد مكرها. أيبتغون العز عند الذي أصابه ذل ~~التكوين؟! متى يكون له عز على التحقيق؟ ومن لا عز له يلزمه فكيف يكون له عز ~~يتعدى إلى غيره؟ # ويقال لا ندرى أي حالتهم أقبح: طلب العز وهم فى ذل القهر وأسر القبضة أم ~~حسبان ذلك وتوهمه من غير الله؟ # ويقال من طلب الشيء من غير وجهه فالإخفاق «1» غاية جهده، ومن رام الغنى ~~«2» فى مواطن الفاقة فالإملاق قصارى كده. # ويقال لو هدوا بوجدان العز لما صرفت قصودهم إلى من ليس بيده شىء ms0259 من ~~الأمر. # قوله: «فإن العزة لله جميعا» العز على قسمين: عز قديم فهو لله وصفا، وعز ~~حادث يختص به سبحانه من يشاء فهو له- تعالى- ملكا ومنه لطفا «3» . # قوله وقد نزل عليكم في الكتاب ### | .... # الآية: لا تجاوروا أرباب الوحشة فإن ظلمات أنفسهم تتعدى إلى قلوبكم عند ~~استنشاقكم ما يردون من أنفاسهم، فمن كان بوصف ما متحققا شاركه حاضروه فيه ~~فجليس من هو فى أنس مستأنس «4» ، وجليس من هو فى ظلمة مستوحش. # ويقال هجران أعداء الحق فرض، ومخالفة الأضداد ومفارقتهم دين، والركون إلى ~~أصحاب الغفلة قرع باب الفرقة. PageV01P375 # قوله: «إنكم إذا مثلهم» : أوضح برهان على سريرة ( ### | .... # ) «1» صحبة من يقارنه «2» وعشرة من يخادنه فالشكل مقيد بشكله، والفرع ~~منتشر عن أصله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 141] # الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان ~~للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم ~~بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) # لما عدموا الإخلاص فى الحقيقة، وما ذقوا فيما استشعروا من العقيدة، ~~امتازوا «3» عن المسلمين فى الحكم، وباينوا الكافرين فى الاسم، وواجب على ~~أهل الحق التحرز عنهم والتحفظ منهم، ثم ضمن لهم- سبحانه- جميل الكفاية ~~بقوله: «ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا» «4» وهذا على العموم ~~فإن وبال كيدهم إليهم مصروف، وجزاء مكرهم عليهم موقوف، والحق- من قبل الحق ~~سبحانه- منصور أهله، والباطل- بنصر الحق سبحانه- مجتث أصله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 142 الى 143] # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ~~ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (143) PageV01P376 # خداع المنافقين: إظهار الوفاق فى الطريقة واستشعار الشرك فى العقيدة. # وخداع الحق إياهم: ما توهموه من الخلاص، وحكموا به لأنفسهم من استحقاق ~~الاختصاص، فإذا كشف الغطاء أيقنوا أن الذي ظنوه شرابا كان سرابا، قال ~~تعالى: «وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون» «1» وقوله: «وإذا قاموا ~~إلى ms0260 الصلاة قاموا ### | .... # الآية: علامة النفاق وجود النشاط عند شهود الخلق، وفتور العزم عند فوات ~~رؤية الخلق. # وقوله: «مذبذبين بين ذلك ... » الآية: أخس الخلق من يدع «2» صدار ~~العبودية، ولم يجد سبيلا إلى حقيقة الحرية «3» ، فلا له من العز شظية، ولا ~~فى الغفلة عيشة هنية. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 144] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون ~~أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا (144) . PageV01P377 # كرر «1» عليهم الوعظ، وأكد بمباينة الأعداء عليهم الأمر، إبلاغا فى ~~الإنذار، وتغليظا فى الزجر، وإلزاما للحجة ( ### | .... # ) «2» موضع العذر. # قوله: «أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا» : توعدهم على موالاتهم ~~للكفار بما لم يتوعد على غيره من المخالفات، لما فيه من إيثار الغير على ~~المعبود وإيثار الغير على المحبوب من أعظم الكبائر فى أحكام الوداد. فإذا ~~شغل من قلبه محلا- كان للمؤمنين- بالأغيار استوجب ذلك العقوبة فكيف إذا شغل ~~محلا من قلبه- هو للحق- بالغير؟! والعقوبة التي توعدهم بها أن يكلهم وما ~~اختاروه من موالاة الكفار، وبئس البدل! كذلك من بقي (عن) «3» الحق تركه مع ~~الخلق فيتضاعف عليه البلاء للبقاء عن الحق والبقاء مع الخلق، وكلاهما شديد ~~من العقوبة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 145] # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) # دلت الآية على أن المنافق ليس بمستأمن لأن الإيمان ما يوجب الأمان، ~~فالمؤمن يتخلص بإيمانه من النار، فما يكون سبب وقوعه فى الدرك الأسفل من ~~النار لا يكون إيمانا، ويقال هذا تحقيق قوله: «والله خير الماكرين» أي مكره ~~فوق كل مكر. لما أظهر المنافق ما هو مكر مع المؤمنين كانت عقوبتهم أشد من ~~عقوبة من جاهر «4» بكفره. # ويقال نقلهم «5» فى آجلهم «6» إلى أشد ما هم عليه فى عاجلهم، لما فى ~~الخبر: «من كان PageV01P378 # بحالة لقى الله بها» فالمنافق- اليوم- فى الدرك الأسفل من الحجر «1» ~~فكذلك ينقلون إلى الدرك الأسفل من النار. والدرك الأسفل من الحجر- اليوم- ~~لهم ما عليهم من اسم الإيمان وليس لهم من الله شظية وهذا هو البلاء الأكبر. # ويقال استوجبوا الدرك ms0261 الأسفل من النار لأنهم صحبوا اليوم اسم الله الأعظم ~~لا على طريقة الحرمة. ويقال استوجبوا ذلك لأنهم أساءوا الأدب فى حال حضورهم ~~بألسنتهم، وسوء الأدب يوجب الطرد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 146] # إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع ~~المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146) # لم يشترط كل هذه الشرائط فى رجوع أحد عن جرمه ما اشترط فى رجوع المنافقين ~~عن نفاقهم لصعوبة حالهم فى كفرهم. وبعد تحصيلهم هذه الشروط قال لهم: ~~«فأولئك مع المؤمنين» ولم يقل من المؤمنين، وفى هذا إشارة أيضا إلى نقصان ~~رتبتهم وإن تداركوا بإخلاصهم ما سبق من آفتهم، وفى معناه أنشدوا: # والعذر مبسوط ولكنما ... شتان بين العذر والشكر # ويقال إن حرف (مع) للمصاحبة، فإذا كانوا مع المؤمنين استوجبوا ما يستوجب ~~جماعة المؤمنين، فالتوبة هاهنا أي رجعوا عن نفاقهم، وأصلحوا- بصدقهم فى ~~إيمانهم، واعتصموا بالله بالتبرؤ من حولهم وقوتهم، وشاهدوا المنة لله عليهم ~~حيث هداهم، وعن نفاقهم نجاهم. # قوله: «وأخلصوا دينهم لله» : ونجاتهم بفضل ربهم لا بإيمانهم فى الحال، ~~ورجوعهم عن نفاقهم فيما مضى عليهم من الأحوال. # ويقال أخلصوا دينهم لله وهو دوام الاستعانة بالله فى أن يثبتهم على ~~الإيمان، ويعصمهم عن الرجوع إلى ما كانوا عليه من النفاق. PageV01P379 # ويقال تابوا عن النفاق، وأصلحوا بالإخلاص فى الاعتقاد، واعتصموا بالله ~~باستدعاء التوفيق وأخلصوا دينهم لله فى أن نجاتهم بفضل الله ولطفه لا ~~بإتيانهم بهذه الأشياء- فى التحقيق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 147] # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (147) # هذه الآية من الآيات التي توجب حسن الرجاء وقوة الأمل، لأنه جعل من ~~أمارات الأمان من العقوبات شيئين اثنين: الشكر والإيمان، وهما خصلتان ~~يسيرتان خفيفتان فإن الشكر قالة، والإيمان حالة، ولقد هون السبيل على العبد ~~حين «1» رضى منه بقالته وحالته. والشكر لا يصح إلا من المؤمنين فأما الكافر ~~فلا يصح منه الشكر لأن الشكر طاعة والطاعة لا تصح من غير المؤمن. # وقوله: «وآمنتم» يعنى فى المآل فكأنه ms0262 بين أن النجاة إنما تكون لمن كانت ~~عاقبته على الإيمان، فمعنى الآية لا يعذبكم الله عذاب التخليد «2» إن شكرتم ~~فى الحال وآمنتم فى المآل. # ويقال إن شكرتم وآمنتم صدقتم بأن نجاتكم بالله لا بشكركم وبإيمانكم. # ويقال الشكر شهود النعمة من الله والإيمان رؤية الله فى النعمة، فكأنه ~~قال: إن شاهدتم النعمة من الله فلا يقطعنكم شهودها عن شهود المنعم. # وقوله: «وكان الله شاكرا عليما» أي والله شاكر عليم، ومعنى كونه شاكرا ~~أنه مادح للعبد ومشهد عليه فيما يفعله لأن حقيقة الشكر وحده الثناء على ~~المحسن بذكر إحسانه فالعبد بشكر الله أي يثنى عليه بذكر إحسانه إليه الذي ~~هو نعمته عليه، والرب يشكر للعبد أن يثنى عليه بذكر إحسانه الذي هو طاعته ~~له، فإن الله يثنى عليه بما يفعله من الطاعة مع علمه بأن له ذنوبا كثيرة. # ويقال يشكره- وإن علم أنه سيرجع فى المستأنف إلى قبيح أعماله. ~~PageV01P380 # ويقال يشكره لأنه يعلم ضعفه، ويقال يشكره لأنه يعلم أنه لا يعصى وقصده ~~مخالفة ربه ولكنه يذنب لاستيلاء أحوال البشرية عليه من شهوات غالبة. # ويقال يشكره لأن العبد يعلم فى حالة ذنوبه أن له ربا يغفر له. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 148] # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما ~~(148) # قول المظلوم فى ظالمه- على وجه الإذن له- ليس بسوء فى الحقيقة، لكنه يصح ~~وقوع لفظة السوء عليه كقوله تعالى: «وجزاء سيئة سيئة مثلها» «1» والجزاء ~~ليس بسيئة. # ويقال من علم أن مولاه يسمع استحيا من النطق بكثير مما تدعو نفسه إليه. # ويقال الجهر بالسوء هو ما تسمعه نفسك منك فيما تحدث فى نفسك من مساءة ~~الخلق فإن الخواص يحاسبون على ما يتحدثون فى أنفسهم «2» بما (يعد) «3» لا ~~يطالب به كثير من العوام فيما يسمع منهم الناس. # قوله: «إلا من ظلم» : قيل ولا من ظلم. وقيل معناه ولكن من ظلم فله أن ~~يذكر ظالمه بالسوء «4» . # ويقال من لم يؤثر مدح الحق على القنح فى الخلق فهو المغبون فى الحال. ms0263 # ويقال من طالع الخلق بعين الإضافة إلى الحق بأنهم عبيد الله لم ينبسط ~~فيهم لسان اللوم PageV01P381 # يقول الرجل لصاحبه: «أنا أحتمل من ( ### | .... # ) «1» خدمتك حرمة لك ما لا أحتمله من ولدي» ، فإذا كان مثل هذا معهودا ~~بين الخلق فالعبد بمراعاة هذا الأدب- بينه وبين مولاه- أولى. # ويقال لا يحب الله الجهر بالسوء من القول من العوام، ولا يحب ذلك بخطوره ~~«2» من الخواص. # ويقال الجهر بالسوء من القول من العوام أن يقول فى صفة الله ما لم يرد به ~~الإذن والتوفيق. # والجهر بالسوء من القول فى صفة الخلق أن تقول ما ورد الشرع بالمنع منه، ~~وتقول فى صفة الحق ما لا يتصف به فإنك تكون فيه كاذبا، وفى صفة الخلق عن ~~الخواص ما اتصفوا به من النقصان- وإن كنت فيه صادقا. # قوله «وكان الله سميعا عليما» : سميعا لأقوالكم، عليما بعيوبكم، يعنى لا ~~تقولوا للأغيار ما تعلمون أنكم بمثابتهم. # ويقال سميعا لأقوالكم عليما ببراءة ساحة من تقولتم عليه، فيكون فيه تهديد ~~للقائل- لبرىء الساحة- بما يتقول عليه. # ويقال سميعا: أيها الظالم، عليما: أيها المظلوم تهديد لهؤلاء وتبشير ~~لهؤلاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 149] # إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا (149) # «إن تبدوا خيرا» تخلقا بآداب الشريعة، وتخفوه تحققا بأحكام الحقيقة. # «أو تعفوا عن سوء» أخذا من الله ما ندبكم إليه من محاسن الخلق. # «فإن الله كان عفوا» لعيوبكم «قديرا» على تحصيل محبوبكم وتحقيق مطلوبكم. # ويقال إن تبدوا خيرا لتكونوا للناس قدوة فيما تسنون وما تعينون غيركم على ~~ما يهدون به من سلوك سنتكم، وإن تخفوه اكتفاء بعلمه، وصيانة لنفوسكم عن ~~آفات التصنع، وثقة PageV01P382 # بأن «1» من تعملون «2» له يرى ذلك ويعلمه منكم، وإن تعفوا عن سوء أي ~~تتركوا ما تدعوكم إليه نفوسكم «3» فالله يجازيكم بعفوه على ما تفعلون، وهو ~~قادر على أن يبتليكم بما ابتلى به الظالم، فيكون تحذيرا لهم من أن يغفلوا ~~عن شهود المنة، وتنبيها على أن يستعيذوا أن يسلبوا العصمة، وأن يخذلوا حتى ~~يقعوا فى الفتنة والمحنة. # ويقال ms0264 إن تبدوا خيرا فتحسنوا إلى الناس، أو تخفوه بأن تدعوا لهم فى السر، ~~أو تعفوا عن سوء إن ظلمتم. # ويقال من أحسن إليك فأبد معه خيرا جهرا، ومن كفاك شره فأخلص بالولاء ~~والدعاء له سرا، ومن أساء إليك فاعف عنه كرما وفضلا تجد من الله عفوه عنك ~~عما ارتكبت، فإن ذنوبك أكثر، وهو قادر على أن يعطيك من الفضل والإنعام ما ~~لا تصل إليه بالانتصاف من خصمك، وما تجده بالانتقام «4» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 150 الى 151] # إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون ~~نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) أولئك هم ~~الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) # أخبر عنهم أنهم أضافوا إلى قبيح كفرهم ما عد من ذميم فعلهم، ثم بين أنه ~~PageV01P383 # ضاعف «1» من عذابهم ما كان جزاء جرمهم، لتعلم أنه لأهل الفساد بالمرصاد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 152] # والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم ~~أجورهم وكان الله غفورا رحيما (152) # لما آمنوا بجميع الرسل، وصدقوا فى جميع ما أمروا به استوجبوا القبول وحسن ~~الجزاء. # وتقاصر الإيمان عن بعض الأعيان كتقاصره عن بعض الأزمان، فكما أنه لا يقبل ~~إيمان من لم يستغرق إيمانه جميع ( ### | .... # ) «2» إلى آخر ما له- كذلك لا يقبل إيمان من لم يستغرق إيمانه جميع (من) ~~«3» أمر بالإيمان به إذ جعل ذلك شرط تحقيقه وكماله. فالإشارة فى هذا أن من ~~لم يخرج عن عهدة الإلزام بالكلية فليس له من حقيقة الوصل شظية، قال صلى ~~الله عليه وسلم: «الحج عرفة» «4» فمن قطع المسافة- وإن كان من فج عميق- ثم ~~بقي عن عرفات بأدنى بقية لم يدرك الحج. # وقال صلى الله عليه وسلم: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» «5» قوله جل ~~ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 153] # يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ~~ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ~~ما جاءتهم البينات ms0265 فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا (153) ~~PageV01P384 # اشتملت الآية على جنسين من قبيح ما فعلوه: أحدهما سؤالهم الرؤية والثاني ~~عبادة العجل بعد ما ظهرت لهم الآيات الباهرة. # فأما سؤالهم الرؤية فذموا عليه لأنهم اقترحوا عليه ذلك بعد ما قطع عذرهم ~~بإقامة المعجزات، ثم طلبوا الرؤية لا على وجه التعليم، أو على موجب التصديق ~~به، أو على ما تحملهم عليه شدة الاشتياق، وكل ذلك سوء أدب. # الإشارة فيه أيضا أن من يكتفى بأن يكون العجل معبوده- متى- يسلم له أن ~~يكون الحق مشهوده؟ # ويقال القوم لم يباشر العرفان أسرارهم فلذلك عكفوا بعقولهم «1» على ما ~~يليق بهم من محدود جوزوا أن يكون معبودهم. # قوله جل ذكره: وآتينا موسى سلطانا مبينا. # حجة ظاهرة، بل تفردا صانه من التمثيل والتعطيل. # والسلطان المبين التحصيل والتنزيه المانع من التعطيل والتشبيه. # ويقال السلطان المبين القوة بسماع الخطاب من غير واسطة. PageV01P385 # ويقال السلطان المبين لهذه الأمة غدا، وهو بقاؤهم فى حال لقائهم- قال صلى ~~الله عليه وسلم: «لا تضامون فى رؤيته» «1» - فى خبر الرؤية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 154] # ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا ~~تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (154) # ما زادهم فى الظاهر آية إلا زادوا فى قلوبهم جحدا ونكرا، فلم تنفعهم ~~زيادة نصيب الإعلام لما لم تنفتح لشهودها بصائر قلوبهم، قال تعالى: «وما ~~تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون» «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 155] # فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم ~~قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) # معناه لارتكابهم هذه المناهي، ولا تصافهم بهذه المخازي، أحللناهم منازل ~~الهوان، وأنزلنا بهم من العقوبة فنون الألوان. # ويقال لحقهم شؤم المخالفات حالة بعد حالة، لأن من عقوبات المعاصي الخذلان ~~لغيرها من ارتكاب المناهي فبنقضهم الميثاق، ثم لم يتوبوا، جرهم إلى كفرهم ~~بالآيات، ثم لشؤم كفرهم خذلوا حتى قتلوا أنبياءهم- عليهم السلام- بغير حق، ~~ثم لشؤم ذلك تجاسروا حتى ادعوا شدة التفهم، وقالوا: قلوبنا أوعية ms0266 العلوم، ~~فرد الله عليهم وقال: «بل طبع الله عليها بكفرهم» فحجبهم عن محل العرفان، ~~فعمهوا فى ضلالتهم. PageV01P386 # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 156 الى 158] # وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) وقولهم إنا قتلنا المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين ~~اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا ~~(157) بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) # مجاوزة الحد ضلال، كما أن النقصان والتقاصر عن الحق ضلال، فقوم «1» ~~تقولوا على مريم ورموها بالزنا، وآخرون جاوزوا الحد فى تعظيمها فقالوا: ~~ابنها ابن الله، وكلا الطائفتين وقعوا فى الضلال. # ويقال مريم- رضى الله عنها- كانت ولية الله، فشقى بها فرقتان: أهل ~~الإفراط وأهل التفريط. وكذلك كان أولياؤه- سبحانه- فمنكرهم يشقى بترك ~~احترامهم، والذين يعتقدون فيهم ما لا يستوجبونه يشقون بالزيادة فى إعظامهم، ~~وعلى هذه الجملة درج الأكثرون من الأكابر. # قوله تعالى: وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه ~~... يقينا بل رفعه الله. # قوله تعالى: «وما صلبوه ولكن شبه لهم ### | .... # عزيزا حكيما» قيل أوقع الله شبهه «2» على الساعي به فقتل وصلب مكانه، وقد ~~قيل: من حفر بئرا لأخيه وقع فيها «3» PageV01P387 # وقيل إن عيسى عليه السلام قال: من رضى بأن يلقى عليه شبهى فيقتل دونى فله ~~الجنة، فرضى به بعض أصحابه «1» ، فيقال لما صبر على مقاساة التلف لم يعدم ~~من الله الخلف «2» ، قال الله تعالى: «إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا» «3» . # ويقال لما صحت صحبة الرجل مع عيسى- عليه السلام- بنفسه صحبه بروحه، فلما ~~رفع عيسى- عليه السلام- إلى محل الزلفة، رفع روح هذا الذي فداه بنفسه إلى ~~محل القربة «4» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 159] # وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ~~(159) # لما حكم بأن لا أمان لهم فى وقت اليأس لم ينفعهم الإيمان فى تلك الحالة، ~~فعلم أن العبرة بأمان الحق لا بإيمان العبد. # قال جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 160 ms0267 الى 161] # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله ~~كثيرا (160) وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ~~وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما (161) . PageV01P388 # يقال ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات. # فمن ركب محظورا بظاهره حرم «1» ما كان يجده من الأحوال المباحة، والألطاف ~~الحاصلة فى سرائره. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 162] # لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك ~~سنؤتيهم أجرا عظيما (162) # الراسخ فى العلم هو ألا يكون فى الدليل مقلدا، كما لا يكون فى الحكم ~~مقلدا، بل يضع النظر موضعه إلى أن ينتهى إلى حد لا يكون للشك فى عقله مساغ. # ويقال الراسخ فى العلم من يرتقى عن حد تأمل البرهان «2» ويصل إلى حقائق ~~البيان. # ويقال الراسخ فى العلم أن يكون بعلمه عاملا حتى يفيد عمله علم ما خفى على ~~غيره، ففى الخبر: # «من عمل بما علمه ورثه الله علم ما لم يعلم» «3» . # وخص «المقيمين الصلاة» فى الإعراب فنصب اللفظ بإضمار أعنى على المدح لما ~~للصلاة من التخصيص من بين العبادات لأنها تالية الإيمان فى أكثر المواضع فى ~~القرآن، ولأن الله PageV01P389 # - سبحانه- أمر الرسول صلى الله عليه وسلم (بها) «1» ليلة المعراج بغير ~~واسطة جبريل عليه السلام ... وغير هذا من الوجوه. # قوله تعالى «أجرا عظيما» : الأجر العظيم هو الذي يزيد على قدر الاستحقاق ~~بالعمل. # قال جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 163] # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان ~~وآتينا داود زبورا (163) # إفراد النبي صلى الله عليه وسلم من الأنبياء بالإيمان لإفرادهم بالتخصيص ~~والفضيلة فأفرد نوحا على ما استحقه من المقام وأفرد رسولنا عليه السلام على ~~ما استحقه هو، فاشتركا فى الإفراد لكنهما تباينا فى الفضيلة على حسب ~~المقام، فتفرد واحد من بين أشكاله بغير فضائل، وتفرد آخر من بين أضرابه «2» ~~بألف فضيلة. # قوله جل ذكره: ms0268 ### | [سورة النساء (4) : آية 164] # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى ~~تكليما (164) # سنة الله فى أوليائه ستر قوم، وشهر قوم، وبذلك جرت سنته أيضا فى ~~الأنبياء- عليهم السلام- أظهر أسماء قوم وأجمل تفصيل آخرين. والإيمان واجب ~~بجميع الأنبياء جملة وتفصيلا، كما أن الاحترام واجب لجميع الأولياء جملة ~~وتفصيلا، وكذلك أحوال العباد ستر عليهم بعضا وأظهر لهم بعضها، فما أظهرها ~~لهم- طالبهم بالإخلاص فيها، وما سترها PageV01P390 # عليهم- فلأنه غار «1» على قلوبهم من ملاحظة أحوالهم تأهيلا لهم للاختصاص ~~بحقائق أفردهم بمعانيها. # «وكلم الله موسى تكليما» : إخبار عن تخصيصه إياه باستماع كلامه بلا ~~واسطة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 165] # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله ~~عزيزا حكيما (165) # وقف الخلق عند مقاديرهم وبين أنه أرسل إليهم الرسل فتفردوا عليهم إلى ~~اجتباء ثوابهم، واجتناب ما فيه استحقاق عذابهم، وأنه ليس للخلق سبيل إلى ~~راحة يطلبونها ولا إلى آفة يجتنبونها إما فى الحال أو فى المآل. # قوله جل ذكره: لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا ~~حكيما. # أنى يكون لمن له إلى الله حاجة على الله حجة؟! ولكن الله خاطبهم على حسب ~~عقولهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 166] # لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله ~~شهيدا (166) # سلاه الله عن تكذيب الخلق إياه بما ذكره من علم الله بصدقه، ولذلك قال: ~~«وكفى بالله شهيدا» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : الآيات 167 الى 169] # إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا (167) إن الذين ~~كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (168) إلا طريق جهنم ~~خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (169) . PageV01P391 # جعل صدهم المؤمنين (من) «1» اتباع الحق نظير كفرهم بالله، والله تعالى ~~عظم حقوق أوليائه كتعظيم حق نفسه، ثم قال: «إن الذين كفروا وظلموا» جعل ~~ظلمهم سبيل كفرهم، فعلق استحقاق العقوبة المؤبدة عليها جميعا. والظلم- وإن ~~لم يكن كالكفر فى استحقاق وعيد الأبد- فلشؤم ms0269 الظلم لا يبعد أن يخذله الله ~~حتى يوافى ربه على الكفر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 170] # يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا ~~فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (170) # «يا أهل الكتاب» : أخبر أنه سبحانه غنى عنهم، فإن آمنوا فحظوظ أنفسهم ~~اكتسبوها وإن كفروا «2» فبلاياهم لأنفسهم اجتلبوها. والحق- تعالى- منزه ~~الوصف عن (الجهل) «3» لوفاق أحد، والنقص لخلاف أحد. # قوله: «وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض» يعنى إن خرجوا عن ~~استعمال العبودية- فعلا، لم يخرجوا عن حقيقة كونهم عبيده- خلقا، قال تعالى: ~~«إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا» «4» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 171] # يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا ~~بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه ~~أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (171) ~~PageV01P392 # غلوهم فى دينهم جريهم على مقتضى حسبانهم حيث وصفوا- بمشابهة الخلق- ~~معبودهم، ثم مناقضتهم حيث قالوا الواحد ثلاثة والثلاثة واحد «1» ، والتمادي ~~فى الباطل لا يزيد غير الباطل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 172] # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن ~~عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) # كيف يستنكف عن عبوديته وبالعبودية شرفه، وكيف يستكبر عن التذلل وفى ~~استكباره تلفه، ولهذا الشأن نطق المسيح أول ما نطق بقوله: إنى عبد الله، ~~وتجمل العبيد فى التذلل للسادة، هذا معلوم لا تدخله ريبة» . # وقوله: لا الملائكة المقربون» # لا يدل على أنهم أفضل من المسيح، لأنه إنما خاطبهم على حسب عقائدهم، ~~والقوم اعتقدوا تفضيل الملائكة على بنى آدم. PageV01P393 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 173] # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما ~~الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله ms0270 ~~وليا ولا نصيرا (173) # العذاب الأليم ألا يصلوا إليه «1» أبدا بعد ما عرفوا جلاله، فإذا صارت ~~معارفهم ضرورية «2» فإنهم يعرفون أنهم عنه بقوا «3» ، فحسراتهم حينئذ على ~~ما فاتهم أشد عقوبة لهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 174] # يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) # البرهان مالاح فى سرائرهم من شواهد الحق. # قوله جل ذكره: وأنزلنا إليكم نورا مبينا. # وهو خطابه الذي فى تأملهم معانيه حصول استبصارهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 175] # فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم ~~إليه صراطا مستقيما (175) # «4» «سيدخلهم الله في رحمته» : والسين للاستقبال أي يحفظ عليهم إيمانهم ~~فى المآل «5» عند التوفى، كما أكرمهم بالعرفان والإيمان فى الحال. # قوله جل ذكره: ويهديهم إليه صراطا مستقيما. PageV01P394 # هذه الهداية هى إكرامهم بأن عرفوا أن هذه الهداية من الله لهم فضل لا ~~لأنهم استوجبوها بطلبهم وجهدهم، ولا بتعبهم وكدهم «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النساء (4) : آية 176] # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ~~مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم ~~أن تضلوا والله بكل شيء عليم (176) # قطع الخصومة بينهم فى قسمة «2» الميراث فيما أظهر لهم من النص على الحكم، ~~فإن المال محبب إلى الإنسان، وجبلت النفوس على الشح فلو لم ينص على مقادير ~~الاستحقاق (لقابلة الأشباه) «3» فى الاجتهاد، فكان يؤدى ذلك إلى التجاذب ~~والتواثب فحسم تلك الجملة بما نص على المقادير فى الميراث قطعا للخصام. ~~ولتوريثه للنسوان- وإن لم يوجد منهن الذب عن العشيرة- دلالة على النظر ~~لضعفهن. وفى تفضيل الذكور عليهن لما عليهم من حمل «4» المؤن وكذا السعى فى ~~تحصيل المال، والقيام عليهن. PageV01P395 ### | السورة التي تذكر فيها المائدة # بسم الله الرحمن الرحيم سماع اسم الله يوجب الهيبة، (والهيبة) «1» تتضمن ~~الفناء والغيبة، وسماع الرحمن الرحيم يوجب الحضور والأوبة، والحضور يتضمن ~~البقاء والقربة. # فمن ms0271 أسمعه «بسم الله» أدهشه فى كشف جلاله، ومن أسمعه «الرحمن الرحيم» ~~عيشه بلطف أفضاله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) # «يا» حرف نداء، و «أي» اسم منادى، «ها» تنبيه، و «الذين آمنوا» صلة ~~المنادى. ناداهم قبل أن بداهم، وسماهم قبل أن براهم، وأهلهم فى آزاله لما ~~أوصلهم إليه فى آباده. # شرفهم بقوله: «يا أيها الذين آمنوا» ، وكلفهم بقوله «أوفوا» ، ولما علم ~~أن التكليف يوجب المشقة قدم التشريف بالثناء على التكليف الموجب للعناء. # ويقال الإيمان صنفان: أحدهما يشير إلى عين الجود، والثاني إلى بذل ~~المجهود. # فبذل المجهود خدمتك، وعين الجود قسمته فبخدمتك عناء الأشباح، وبقسمته ~~ضياء الأرواح. # وحقيقة الإيمان تحقق القلب بما أخبر من الغيب. # ويقال «يا أيها الذين آمنوا» : يا من دخلوا فى إيمانى، ما وصلتم إلى ~~أمانى إلا بسابق إحسانى. # ويقال يا من فتحت بصيرتهم لشهود حقى حتى لا يكونوا كمن أعرضت عنهم من ~~خلقى. PageV01P396 # قوله جل ذكره: أوفوا بالعقود. # كل مكلف مطالب بالوفاء بعقده، والعقد ما ألزمك بسابق إيجابه، ثم وفقك- ~~بعد ما أظهرك عند خطابه- بجوابه «1» ، فانبرم العقد بحصول الخطاب، والقبول ~~بالجواب. # ويدخل فى ذلك- بل يلتحق به- ما عقد القلب معه سرا بسر من خلوص له أضمره، ~~أو شىء تبينه، أو معنى كوشف به أو طولب به فقبله. # ويقال الوفاء بالعهد بصفاء القصد، ولا يكون ذلك إلا بالتبرى من المنة، ~~والتحقق بتولي الحق- سبحانه- بلطائف المنة «2» . # قوله جل ذكره: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد ~~وأنتم حرم. # تحليل بعض الحيوانات وإباحتها من غير جرم سبق منها، وتحريم بعضها والمنع ~~من ذبحها من غير طاعة حصلت منها- دليل على ألا علة لصنعه. # وحرم الصيد على المحرم خصوصا لأن المحرم متجرد عن نصيب نفسه بقصده إليه، ~~فالأليق بصفاته كف الأذى عن كل حيوان. # قوله جل ذكره: إن الله يحكم ما يريد. ms0272 # لا حجر عليه فى أفعاله، فيخص من يشاء بالنعماء، ويفرد من يشاء باليلوى ~~فهو يمضى الأمور فى آباده على حسب ما أراد وأخبر وقضى فى آزاله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 2] # يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا ~~القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم ~~فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب (2) # الشعائر معالم الدين وتعظيم ذلك وإجلاله خلاصة الدين، ولا يكون ذلك إلا ~~بالاستسلام عند هجوم التقدير، والتزام الأمر بجميل الاعتناق، وإخلال ~~الشعائر (يكون) بالإخلال بالأوامر. # قوله جل ذكره: ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد. PageV01P397 # تعظيم المكان الذي عظمه الله، وإكرام الزمان الذي أكرمه الله. وتشريف ~~الإعلام على ما أمر به الله- هو المطلوب من العبيد أمرا، والمحبوب منه ~~حالا. # قوله جل ذكره: ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا. # وبالحرى لمن يقصد البيت ألا يخالف رب البيت. # والابتغاء للفضل والرضوان بتوقى موجبات السخط، ومجانبة العصيان. # قوله جل ذكره: وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن ~~المسجد الحرام أن تعتدوا. # وإذا خرجتم عن أمر حقوقنا فارجعوا إلى استجلاب حظوظكم، فأما ما دمتم تحت ~~قهر بطشنا فلا نصيب لكم منكم، وإنكم لنا. # قوله «ولا يجرمنكم شنآن قوم ... » أي لا يحملكم بغض قوم لأنهم صدوكم عن ~~المسجد الحرام على ألا تجاوزوا حد الإذن فى الانتقام، أي كونوا قائمين بنا، ~~متجردين عن كل نصيب وحظ لكم. # قوله جل ذكره: وتعاونوا على البر والتقوى. # البر فعل ما أمرت به، والتقوى ترك ما زجرت عنه. # ويقال البر إيثار حقه- سبحانه، والتقوى ترك حظك. # ويقال البر موافقة الشرع، والتقوى مخالفة النفس. # ويقال المعاونة على البر بحسن النصيحة وجميل الإشارة للمؤمنين، والمعاونة ~~على التقوى بالقبض على أيدى الخطائين بما يقتضيه الحال من جميل الوعظ، ~~وبليغ الزجر، وتمام المنع ms0273 على ما يقتضيه شرط العلم. # والمعاونة على الإثم والعدوان بأن تعمل شيئا مما يقتدى بك لا يرضاه ~~الدين، فيكون قولك الذي تفعله ويقتدى بك (فيه) سنة تظهرها و (عليك) نبو ~~وزرها. وكذلك المعاونة # PageV01P398 # على البر والتقوى أي الاتصاف بجميل الخصال على الوجه الذي يقتدى بك فيه. # قوله جل ذكره: واتقوا الله إن الله شديد العقاب. # العقوبة ما تعقب الجرم بما يسوء صاحبه. وأشد العقوبة حجاب المعاقب عن ~~شهود المعاقب فإن تجرع كاسات البلاء بشهود المبلى أحلى من العسل والشهد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 3] # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على ~~النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3) # وأكل الميتة أن تتناول من عرض أخيك على وجه الغيبة «1» ، وليس ذلك مما ~~فيه رخصة بحال لا بالاضطرار ولا بالاختيار، وغير هذا من الميتة مباح فى حال ~~الضرورة. # ويقال كما أن فى الحيوان ما يكون المزكى منه مباحا والميتة منه حراما ~~فكذلك من ذبح نفسه بسكاكين المجاهدات وطهر نفسه- مباح قربه، حلال صحبته. ~~ومن ماتت نفسه فى ظلمة غفلته حتى لا إحساس له بالأمور الدينية فخبيثة نفسه، ~~محظور قربه، حرام معاشرته، غير مباركة صحبته. # وإن السلف سموا الدنيا خنزيرة، ورأوا أن ما يلهى قربه، وينسى المعبود ~~ركونه، ويحمل على العصيان جنوحه- فهو محرم على القلوب ففى طريقة القوم حب ~~الدنيا حرام على القلوب، وإن كان إمساك بعضها حلالا على الأبدان والنفوس. # قوله جل ذكره: وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة. # كما أن المذبوح على غير اسمه ليس بطيب فمن بذل روحه فيه وجد روحه منه، ~~ومن تهارشته كلاب الدنيا، وقلته مخالب الأطماع، وأسرته مطالب الأغراض ~~والأعراض- فحرام ماله على أهل الحقائق فى مذهب ms0274 التعزز، فللشريعة الظرف ~~والتقدير. # وأما المنخنقة فالإشارة منه إلى الذي ارتبك فى حبال المنى والرغائب، ~~وأخذه خناق PageV01P399 # الطمع، وخنقته سلاسل (الحرص) «1» فحرام على السالكين سلوك خطتهم، ومحظور ~~على المريدين متابعة مذهبهم. # وأما الموقوذة فالإشارة منها إلى نفوس جبلت على طلب الخسائس حتى ~~استملكتها كلها فهى التي ذهبت بلا عوض حصل منها، وأمثال ذلك حرام على أهل ~~هذه القصة. # والإشارة من المتردية إلى من هلك فى أودية التفرقة، وعمى عن استبصار رشد ~~الحقيقة فهو يهيم فى مفاوز الظنون، وينهك فى متاهات المنى. # والإشارة من النطيحة إلى من صارع الأمثال، وقارع الأشكال، وناطح كلاب ~~الدنيا فحطموه بكلب حرصهم، وهزموه بزيادة تكلبهم، وكذلك الإشارة من: # قوله جل ذكره: وما أكل السبع إلا ما ذكيتم. # وأكيلة السبع ما ولغت فيه كلاب الدنيا، فإن الدنيا جيفة، وأكلة الجيف ~~الكلاب ويستثنى منه المزكى وهو ما تقرر من متاع الدنيا لله لأن زاد المؤمن ~~من الدنيا: ما كان لله فهو محمود، وما كان للنفس فهو مذموم. # قوله جل ذكره: وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام. # فهو ما أرصد لغير الله، ومقصود كل حريص- بموجب شرعه- معبوده من حيث هواه ~~قال الله تعالى: «أفرأيت من اتخذ إلهه هواه» يعنى اتخذ هواه إلهه. # «وأن تستقسموا بالأزلام» ، الإشارة منه إلى كل معاملة ومصاحبة بنيت على ~~استجلاب الحظوظ الدنيوية- لا على وجه الإذن- إذ القمار ذلك معناه. وقلت ~~المعاملات المجردة عن هذه الصفة فيما نحن فيه من الوقت. # قوله جل ذكره: ذلكم فسق. # أي إيثار هذه الأشياء انسلاخ عن الدين. PageV01P400 # قوله جل ذكره: اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون. # أي بعد ما أزحتم عن قلوبكم آثار الحسبان، وتحققتم بأن المتفرد بالإبداع ~~نحن، فلا تلاحظوا سواى، ولا يظللن قلوبكم إشفاق من غيرى. # ويقال إذا كانت البصائر متحققة بأن النفع والضر، والخير والشر لا تحصل ~~شظية منها إلا بقدرة الحق- سبحانه، فمن المحال أن تنطوى- من مخلوق- على رغب ~~أو رهب. # قوله جل ذكره: اليوم أكملت لكم دينكم. # إكماله الدين- وقد أضافه إلى نفسه- صونه العقيدة عن النقصان ms0275 وهو أنه لما ~~أزعج قلوب المتعرفين لطلب توحيده أملها بأنوار تأييده وتسديده، حتى وضعوا ~~النظر موضعه من غير تقصير، وحتى وصلوا إلى كمال العرفان من غير قصور. # ويقال إكمال الدين تحقيق القبول فى المآل، كما أن ابتداء الدين توفيق ~~الحصول فى الحال فلولا توفيقه لم يكن للدين حصول، ولولا تحقيقه لم يكن ~~للدين قبول. # ويقال إكمال الدين أنه لم يبق شىء يعلمه الحق- سبحانه- من أوصافه وقد ~~علمك. # ويقال إكمال الدين أن ما تقاصر عنه عقلك من تعيين صفاته- على التفصيل- ~~أكرمك بأن عرفك ذلك من جهة الإخبار. # وإنما أراد بذكر «اليوم» وقت نزول الآية. وتقييد الوقت فى الخطاب بقوله ~~«اليوم» لا يعود إلى عين إكمال الدين، ولكن إلى تعريفنا ذلك الوقت. # والدين موهوب ومطلوب فالمطلوب ما أمكن تحصيله، والموهوب ما سبق منه ~~حصوله. # قوله جل ذكره: وأتممت عليكم نعمتي. # النعمة- على الحقيقة- ما لا يقطعك عن المنعم بل يوصلك إليه، والنعمة ~~المذكورة # PageV01P401 # هاهنا نعمة الدين، وإتمامها وفاء المآل، واقتران الغفران وحصوله. فإكمال ~~الدين تحقيق المعرفة، وإتمام النعمة تحصيل المغفرة. وهذا خطاب لجماعة ~~المسلمين، ولا شك فى مغفرة جميع المؤمنين، وإنما الشك يعترى فى الآحاد ~~والأفراد هل يبقى على الإيمان؟ # قوله جل ذكره: ورضيت لكم الإسلام دينا. # وذلك لما قسم للخلق أديانهم فخص قوما باليهودية، وقوما بالنصرانية، إلى ~~غير ذلك من النحل والملل، وأفرد المسلمين بالتوحيد والغفران. # وقدم قوم الإكمال على الإتمام، فقالوا: الإتمام يقبل الزيادة، فلذلك وصف ~~به النعمة لقبول النعم للزيادة، ولا رتبة بعد الكمال فلذلك وصف به الدين. # ويقال لا فرق بين الدين والنعمة المذكورة هاهنا، وإنما ذكر بلفظين على ~~جهة التأكيد، ثم أضافه إلى نفسه فقال: «نعمتي» وإلى العبد فقال: «دينكم» . ~~فوجه إضافته إلى العبد من حيث الاكتساب، ووجه إضافته إلى نفسه من حيث ~~الخلق. فالدين من الله عطاء، ومن العبد عناء «1» ، وحقيقة الإسلام الإخلاص ~~والانقياد والخضوع لجريان الحكم بلا نزاع فى السر. # قوله جل ذكره: فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم. # الإشارة من هذه الآية أنه ms0276 لو وقع لسالك فترة، أو لمريد فى السلوك وقفة، ~~ثم تنبه لعظيم واقعه فبادر إلى جميع الرجعة باستشعار التحسر على ما جرى ~~تداركته الرحمة، ونظر الله- سبحانه- إليه بقبول الرجعة. # والإشارة من قوله «غير متجانف لإثم» أي غير معرج على الفترة، ولا مستديم ~~لعقدة الإصرار، ويحتمل أن يكون معناه من نزل عن مطالبات الحقائق إلى رخص ~~العلم لضعف وجده فى الحال فربما تجرى معه مساهلة إذا لم يفسخ عقد الإرادة. ~~PageV01P402 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 4] # يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ~~واتقوا الله إن الله سريع الحساب (4) # لما علموا أن الحسن من أفعالهم ما ورد به الأمر وحصل فيه الإذن تعرفوا ~~ذلك من تفصيل الشرع، فقال: «يسئلونك ماذا أحل لهم» ثم قال: # «قل أحل لكم الطيبات» وهو الحلال الذي تحصل من تناوله طيبة القلوب فإن ~~أكل الحرام يوجب قسوة القلب، والوحشة مقرونة بقسوة القلب، وضياء القلوب ~~وطيب الأوقات متصل بصون الخلق عن تناول الحرام والشبهات. # وقوله: «وما علمتم من الجوارح مكلبين» : ولما كان الكلب المعلم ترك حظه، ~~وأمسك ما اصطاده على صاحبه حلت فريسته، وجاز اقتناؤه، واستغرق فى ذلك حكم ~~خساسته فكذلك من كانت أعماله وأحواله لله- سبحانه- مختصة، ولا يشوبها حظ ~~تجل رتبته وتعلو حالته. # ويقال حسن الأدب يلحق الأخسة برتبة الأكابر، وسوء الأدب يرد الأعزة إلى ~~حالة الأصاغر. # ثم قال: «واذكروا اسم الله عليه» : بين أن الأكل- على الغفلة- غير مرضى ~~عنه (فى القيمة) «1» «واتقوا الله إن الله سريع الحساب» بحيث لا يشغله شأن ~~عن شأن، وسريع الحساب- اليوم- مع الأحباب والأولياء، فهم لا يسامحون فى ~~(الخطوة) «2» ولا فى اللحظة، معجل حسابهم، مضاعف- فى الوقت- ثوابهم ~~وعقابهم. PageV01P403 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 5] # اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ~~آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن ms0277 يكفر بالإيمان فقد ~~حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (5) # ليس الطيب ما تستطيبه النفوس، ولكن الطيب ما يوجد فيه رضاء الحق- سبحانه- ~~فتوجد عند ذلك راحة القلوب. # «وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم» : القدر الذي بيننا وبينهم من الوفاق ~~فى إثبات الربوبية لم يعر من أثر فى القربة فقال الله تعالى: «ولتجدن ~~أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى» «1» وكذلك الأمر فى ~~المحصنات من نسائهم. وأحل الطعام والذبيحة بيننا وبينهم من الوجهين فيحل ~~لنا أكل ذبائحهم، ويجوز لنا أن نطعمهم من ذبائحنا، ولكن التزوج بنسائهم ~~يجوز لنا، ولا يجوز تزوجهم بنسائنا لأن الإسلام يعلو ولا يعلى. # ثم قال «محصنين غير مسافحين» يعنى إنهم وإن كانوا كفارا فلا تجب صحبتهن ~~بغير نكاح تعظيما «2» لأمر السفاح، وتنبيها على وجوب مراعاة الأمر من الحق. ~~وكذلك «ولا متخذي أخدان» لأنه إذا لم يجز تعلق قلبك بالمؤمنين على وجه ~~المخادنة فمتى يسلم ذلك مع الكفار الذين هم الأعداء؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 6] # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) ~~PageV01P404 # كما أن فى الشريعة لا تصح الصلاة بغير الطهور فلا تصح- فى الحقيقة- بغير ~~طهور. # وكما أن للظاهر طهارة فللسرائر أيضا طهارة، وطهارة الأبدان بماء السماء ~~أي المطر، وطهارة القلوب بماء الندم والخجل، ثم بماء الحياء والوجل. # وكما يجب غسل الوجه عند القيام إلى الصلاة يجب- فى بيان الإشارة- صيانة ~~الوجه عن التبذل للأشكال عن طلب خسائس الأعراض. # وكما يجب غسل اليدين فى اليدين فى الطهارة يجب قصرهما عن الحرام والشبهة. # وكما يجب مسح الرأس يجب صونه عن التواضع والخفض لكل أحد. # وكما يجب غسل الرجلين فى الطهارة يجب صونهما فى الطهارة الباطنة ms0278 عن ~~التنقل فيما لا يجوز قوله جل ذكره: وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو ~~على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه. # كما يقتضى غسل جميع البدن فى الطهارة، كذلك فى الطهارة الباطنة ما يوجب ~~الاستقصاء وذلك عند ما تقع للمريد فترة فيقوم بتجديد عقد، وتأكيد عهد، ~~والتزام عزامة، وتسليم وقت، واستدامة ندامة، واستشعار خجل. # وكما أنه إذا لم يجد المتطهر الماء ففرضه التيمم فكذلك إذا لم يجد المريد ~~من يفيض عليه صوب همته، ويغسله ببركات إشارته، ويعينه بما يئوب به من زيادة ~~حالته- اشتغل بما تيسر له من اقتفاء آثارهم، والاستراحة إلى ما يجد من سالف ~~سيرهم، وما ورد من حكاياتهم # PageV01P405 # وكما أن فرض التيمم على الشطر والنقصان فكذلك المطالبات على إصفاء هذه ~~الحالة تكون أخف لأنه وقت الفترة وزمان الضعف. # قوله جل ذكره: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج. # وتلوح من هذه الجملة الإشارة إلى أنه إذا بقي المريد عن أحكام الإرادة ~~فليحطط رجله بساحات العبادة، فإذا عدم اللطائف فى سرائره فليستدم الوظائف ~~على ظاهره، وإذا لم يتحقق بأحكام الحقيقة فليتخلق بآداب الشريعة، وإن لم ~~يتحرج عن تركه الفضيلة فلا يدنس تصرفه بالحرام والشبهة. # قوله جل ذكره: ولكن يريد ليطهركم. # أي يطهر ظواهركم عن الزلة بعصمته، ويطهر قلوبكم عن الغفلة برحمته. # ويقال يطهر سرائركم عن ملاحظة الأشكال، ويطهر ظواهركم عن الوقوع فى شباك ~~الأشغال. # ويقال يطهر عقائدكم عن أن تتوهموا تدنس المقادير بالأعلال. # قوله جل ذكره: وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون. # إتمام النعمة على قوم بنجاة نفوسهم، وعلى آخرين بنجاتهم عن نفوسهم، وشتان ~~بين قوم وقوم!. # ويقال إتمام النعمة فى وفاء العاقبة فإذا خرج من الدنيا على وصف العرفان ~~والإيمان فقد تمت سعادته، وصفت نعمته. # ويقال إتمام النعمة فى شهود المنعم فإن وجود النعمة لكل أحد ولكن إتمامها ~~فى شهود المنعم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 7] # واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه ms0279 الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ~~واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7) # الإشارة منه إلى التعريف السابق الذي لولاه ما علمت أنه من هو. # ويقال أمرهم بتذكر ما سبق لهم من القسم وهم فى كتم العدم، فلا للأغيار ~~عنهم خبر، # PageV01P406 # ولا لهم عين ولا أثر، ولا وقع عليهم بصيرة، وقد (سماهم) «1» بالإيمان، ~~وحكم لهم بالغفران قبل حصول العصيان، ثم لما أظهرهم وأحياهم عرفهم التوحيد ~~قبل أن كلفهم الحدود، وعرض عليهم بعد ذلك الأمانة وحذرهم الخيانة، فقابلوا ~~قوله بالتصديق، ووعدوا من أنفسهم الوفاء بشرط التحقيق، فأمدهم بحسن ~~التوفيق، وثبتهم على الطريق، ثم شكرهم حيث أخبر عنهم بقوله جل ذكره: «إذ ~~قلتم سمعنا وأطعنا» . # ثم قال: «واتقوا الله» : يعنى فى نقض ما أبرمتم من العقود، والرجوع عما ~~قدمتم من العهود، «إن الله عليم بذات الصدور» لا يخفى عليه من خطرات قلوبكم ~~ونيات صدوركم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 8] # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم ~~على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ~~(8) # لا يعوقنكم حصول نصيب لكم فى شىء عن الوفاء لنا، والقيام بما يتوجب عليكم ~~من حقنا. # ويقال من لم يقسط عند مواعد رغائبه، ولم يمح عنه نواجم شهواته ومطالبه لم ~~يقم لله بحق ولم يف لواجباته بشرط. # قوله جل ذكره: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون. # أي لا تحملكم ضغائن صدوركم على الحلول بجنبات الحيف فإن مرتع الظلم وبيء، ~~ومواضع الزيغ مهلكة. # ثم صرح بالأمر بالعدل فقال: «اعدلوا» ولا تكون حقيقة العدل إلا (بالعدول) ~~«2» عن كل حظ ونصيب. PageV01P407 # والعدل أقرب إلى التقوى، والجور أقرب من الردى، ويوقع عن قريب فى عظيم ~~البلوى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 9] # وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (9) # والمغفرة لا تكون إلا للذنب، فوصفهم بالأعمال الصالحات، ثم وعدهم المغفرة ~~ليعلم ms0280 أن العبد تكون له أعمال صالحة وإن كانت له ذنوب تحتاج إلى غفرانها، ~~بخلاف ما توهم من قال إن المعاصي تحبط الطاعات. # ويقال بين أن العبد وإن كانت له أعمال صالحة فإنه يحتاج إلى عفوه ~~وغفرانه، ولولا ذلك لهلك، خلافا لمن قال إنه لا يجوز أن يعذب البريء ويجب ~~أن يثيب المحسنين «1» . # ويقال لو كان ثواب المحسنين واجبا، وعقوبة البريء غير حسنة لكان التجاوز ~~عنه واجبا عليه، ولم يكن حينئذ فضل يمن به عليهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 10] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10) # لهم عقوبتان: معجلة وهى الفراق، ومؤجلة وهى الاحتراق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 11] # يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) # يذكرهم ما سلف لهم من نعم الدفع «2» وهو ما قصر عنهم أيدى الأعداء، وذلك ~~من أمارات PageV01P408 # العناية. ولقد بالغ فى الإحسان إليك من كان يظهر لك الغيب من غير التماس ~~أو سبق شفاعة فيك، أو رجاء نفع من المستأنف «1» منك، أو حصول ربح فى الحال ~~عليك، أو وجود حق فى المستأنف لك. # ثم قال: «وعلى الله فليتوكل المؤمنون» يعنى كما أحسنت إليكم فى السالف من ~~غير استحقاق فانتظروا جميل إحسانى فى (الغابر) «2» من غير (استيجاب) «3» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 12] # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله ~~إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم ~~الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) # يذكرهم حسن أفضاله معهم، وقبح (فعلهم) «4» فى مقابلة إحسانه بنقضهم ~~عهدهم. # وعرف المؤمنين- تحذيرا لهم- ألا ينزلوا منزلتهم فيستوجبوا مثل ما ~~استوجبوه من عقوبتهم. # قوله جل ذكره: لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم. # أي لئن قمتم بحقي لأوصلن إليكم حظوظكم، ولئن أجللتم أمرى فى العاجل لأجلن ~~قدركم فى ms0281 الآجل. # وإقامة الصلاة أن تشهد من تعبده، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«اعبد الله كأنك تراه» . # ويقال إقامة الصلاة شرطها أن تقبل على من تناجيه بأن تستقبل القطر الذي ~~الكعبة فيه. # وأما إيتاء الزكاة فحقه أن تكسب المال من وجهه، وتصرفه فى حقه، ولا تمنع ~~الحق PageV01P409 # الواجب فيه عن أهله، ولا تؤخر الإيتاء عن وقته، ولا تحوج الفقير إلى طلبه ~~فإن الواجب عليك أن توصل ذلك إلى مستحقه. # وتعزير «1» الرسل الإيمان بهم على وجه الإجلال، واعتناق أمرهم بتمام الجد ~~والاستقلال، وإيثارهم عليك فى جميع الأحوال. # قوله جل ذكره: وأقرضتم الله قرضا حسنا. # الأغنياء ينفقون أموالهم فى سبيل الله، والفقراء يبدلون مهجتهم وأرواحهم ~~فى طلب الله، (فأولئك) «2» عن مائتى درهم يخرجون خمسة، وهؤلاء لا يدخرون عن ~~أمره نفسا ولا ذرة. # قوله جل ذكره: لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار. # التكفير هو الستر والتغطية، وإنه يستر الذنوب حتى عن (العاصي) «3» فيمحو ~~من ديوانه، وينسى الحفظة سوالف عصيانه. وينفى عن قلبه تذكر ما أسلفه، ولا ~~يوقفه فى العرصة على ما قدم من ذنبه، ثم بعد ذلك يدخله الجنة بفضله كما ~~قال: «ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار» ، كما قيل: # ولما رضوا بالعفو عن ذى زلة ... حتى أنالوا كفه وازدادوا # قوله جل ذكره: فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل. # فمن جحد هذه الأيادى بعد اتضاحها فقد عدل عن نهج أهل الوفاء، وحاد عن سنن ~~أصحاب الولاء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 13] # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف ~~عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) # جعل جزاء العصيان الخذلان للزيادة فى العصيان. PageV01P410 # قوله جل ذكره: وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه. # وتحريفهم الكلم عن مواضعه نوع عصيان منهم، وإنما حرفوا لقساوة قلوبهم. ~~وقسوة القلب عقوبة لهم من قبل الله تعالى على ما نقضوه من العهود، ms0282 ونقض ~~العهد أعظم وزر يلم به العبد، والعقوبة عليه أشد عقوبة يعاقب بها العبد، ~~وقسوة القلب عدم التوجع مما يمتحن به من الصد، وعن قريب يمتحن بمحنة الرد ~~بعد الصد «1» ، وذلك غاية الفراق، ونهاية البعد. # ويقال قسوة القلب أولها فقد الصفوة ثم استيلاء الشهوة ثم جريان الهفوة ثم ~~استحكام القسوة، فإن لم يتفق إقلاع عن هذه الجملة فهو تمام الشقوة. # ومن تحريف الكلم- على بيان الإشارة- حمل الكلم على وجوه من التأويل مما ~~تسول لصاحبه نفسه، ولا تشهد له دلائل العلم ولا أصله «2» . # قوله جل ذكره: ونسوا حظا مما ذكروا به. # أول آفاتهم نسيانهم، وما عصوا ربهم إلا بعد ما نسوا، فالنسيان أول ~~العصيان، والنسيان حاصل من الخذلان. # قوله جل ذكره: ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم. # الخيانة أمرها شديد وهى من الكبار أبعد، وعليهم أشد وأصعب. ومن تعود ~~اتباع الشهوات، وأشرب فى قلبه حب الخيانة فلا يزال يعيش بذلك الخلق إلى آخر ~~عمره، اللهم إلا أن يجود الحق- سبحانه- عليه بجميل اللطف. # قوله جل ذكره: فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين. # قد يكون موجب العفو حقارة قدر المعفو عنه إذ ليس كل أحد أهلا للعقاب. ~~وللصفح PageV01P411 # على العفو مزية وهى أن فى العفو رفع الجناح، وفى الصفح إخراج ذكر الإثارة ~~من القلب، فمن تجاوز عن الجاني، ولم يلاحظه- بعد التجاوز- بعين الاستحقار ~~والازدراء فهو صاحب الصفح. # والإحسان تعميم- للجمهور- بإسداء الفضل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 14] # ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ~~(14) # الإشارة فى هذه الآية أن النصارى أثبت لهم الاسم بدعواهم فقال: «قالوا ~~إنا نصارى» . # وسموا نصارى لتناصرهم، وبدعواهم حرفوا وبدلوا، وأما المسلمون فقال: «هو ~~سماكم المسلمين» «1» . # كما قال: «ورضيت لكم الإسلام دينا» «2» فلا جرم ألا يسموا بالتناصر. ولما ~~سماهم الحق بالإسلام ورضى لهم به صانهم عن التبديل فعصموا. # ولما استمكن منهم النسيان أبدلوا بالعداوة فيما بينهم، وفساد ذات البين ~~فأرباب الغفلة ms0283 لا ألفة بينهم. وأهل الوفاء لا مباينة لبعضهم من بعض، قال ~~صلى الله عليه وسلم: # «المؤمنون كنفس واحدة» «3» ، وقال تعالى فى صفة أهل الجنة: «إخوانا على ~~سرر متقابلين» «4» . PageV01P412 # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 15 الى 16] # يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ~~ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم (16) # وصف الرسول- صلى الله عليه وسلم- بإظهار بعض ما أخفوه، وذلك علامة على ~~صدقه إذ لولا صدقه لما عرف ذلك. ووصفه بالعفو عن كثير من أفعالهم، وذلك من ~~أمارات خلقه إذ لولا خلقه لما فعل ذلك فإظهار ما أبداه دليل علمه، والعفو ~~عما أخفى برهان حلمه. # قوله جل ذكره: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم. # أنوار التوحيد ظاهرة لكنها لا تغنى عند فقد البصيرة، فمن استخلصه بقديم ~~العناية أخرجه من ظلمات التفرقة إلى ساحات الجمع فامتحى عن سره شواهد ~~الأغيار، وذلك نعت كل من وقف على الحجة المثلى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 17] # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله ~~شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير (17) # من اشتملت عليه أرحام الطوامث متى يفارقه نقص الخلقة؟ # ومن لاحت عليه شواهد التغير أنى يليق به نعت الربوبية؟ # PageV01P413 # ولو قطع البقاء عن جميع ما أوجد فأى نقص يعود إلى الصمد؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 18] # وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل ~~أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما وإليه المصير ms0284 (18) # البنوة «1» تقتضى المجانسة، والحق عنها منزه، والمحبة بين المتجانسين ~~تقتضى الاحتظاظ والمؤانسة، والحق سبحانه عن ذلك مقدس. # فرد الله- سبحانه- عليهم فقال تعالى: «بل أنتم بشر ممن خلق» . # والمخلوق لا يصلح أن يكون بعضا للقديم فالقديم لا بعض له لأن الأحدية ~~حقه، فإذا لم يكن له عدد لم يجز أن يكون له ولد. وإذا لم يجز له ولد لم ~~تجز- على الوجه الذي اعتقدوه- بينهم وبينه محبة. # ويقال فى الآية بشارة لأهل المحبة بالأمان من العذاب والعقوبة به لأنه ~~قال: «قل فلم يعذبكم بذنوبكم» . # ويقال بين فى هذه الآية أن قصارى الخلق إما عذاب وإما غفران ولا سبيل إلى ~~شىء وراء ذلك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 19] # يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير (19) . ~~PageV01P414 # يقال فى: كل زمان تقع فترة فى سبيل الله ثم تتجدد الحال، ويعم الطريق ~~بإبداء السالكين من كتم العدم، ولقد كان زمان الرسول- صلى الله عليه وسلم- ~~أكثر الأزمنة بركة، فأحيا بظهوره ما اندرس من السبيل، وأضاء بنوره ما انطمس ~~من الدليل، وبذلك من عليهم، وذكرهم عظيم نعمته فيهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 20] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ~~وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) # كان الأمر لبنى إسرائيل- على لسان نبيهم- بأن يتذكروا نعمة الله عليهم، ~~وكان الأمر لهذه الأمة «1» - بخطاب الله لا على لسان مخلوق- بأن يذكروه ~~فقال: «فاذكروني أذكركم» «2» وشتان بين من أمره بذكره- سبحانه- وبين من ~~أمره بذكر نعمته! ثم جعل جزاءهم ثوابه الذي هو فضله، وجعل جزاء هذه الأمة ~~خطابه الذي هو قوله تعالى: # «فاذكروني أذكركم» . # قوله جل ذكره: وجعلكم ملوكا. # الملك من المخلوقين من عبد الملك الحقيقي. # ويقال الملك من ملك هواه، والعبد من هو فى رق شهواته. # ويقال «جعلكم ملوكا» : لم يخرجكم إلى أمثالكم، ولم يحجبكم عن نفسه ~~بأشغالكم، وسهل إليه سبيلكم فى ms0285 عموم أحوالكم. # قوله جل ذكره: وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين. # لئن آتى بنى إسرائيل بمقتضى جوده فقد أغنى عن الإيتاء هذه الأمة فاستقلوا ~~بوجوده، والاستقلال بوجوده أتم من الاستغناء بمقتضى جوده. PageV01P415 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 21] # يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين (21) # من الفرق بين هذه الأمة وبين بنى إسرائيل أنه أباح لهم دخول الأرض ~~المقدسة على الخصوص فقال: «يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم» ~~ثم إنهم لم يدخلوها إلا بعد مدة، وبعد جهد وشدة، وقال فى شأن هذه الأمة ~~«ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون» «1» ~~فأولئك كتب لهم دخول الأرض كتابة تكليف ثم قصروا، وهذه الأمة كتب لهم جميع ~~الأرض على جهة التشريف، ثم وصلوا إلى ما كتب لهم وما قصروا. # وقال: «ادخلوا الأرض المقدسة ### | ..... # » وقال لهذه الأمة: «هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها ~~وكلوا من رزقه» «2» فهؤلاء ذلل لهم وسهل عليهم، وأولئك صعب عليهم الوصول ~~إلى ما أمرهم فيما أنزل الله عليهم. # قوله جل ذكره: ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين. # الارتداد على قسمين: عن الشريعة وإقامة العبودية وذلك يوجب عقوبة النفوس ~~بالقتل، وعن الإرادة وذلك يوجب الشقوة- التي هى الفراق- على القلوب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 22] # قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن ~~يخرجوا منها فإنا داخلون (22) # لاحظوا الأغيار بعين الحسبان فتوهموا أن شيئا من الحدثان، وداخلتهم هواجم ~~الرعب فأصروا على ترك الأمر. ومن طالع الأغيار بأنوار البصائر شاهدهم فى ~~أسر التقدير قوالب متعرية عن إمكان الإيجاد، ولم يقع على قلبه ظل التوهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 23] # قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا ~~دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) PageV01P416 # أنعم الله (عليهما) «1» بأنوار العرفان فلم يحتشما من المخلوقين، وعلما ~~أن من رجع إليه بنعت ms0286 الاستكفاء تداركته عواجل الكفاية ثم قال: # (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) . # أي من شأن المؤمنين أن يتوكلوا، وينبغى للمؤمن أن يتوكل. # ويحتمل أن يقال التوكل من شرط الإيمان. وظاهر التوكل الذي لعوام المؤمنين ~~العلم بأن قضاءه لا راد له، وحقائق التوكل ولطائفه التي لخواص المؤمنين ~~شهود الحادثات بالله ومن الله ولله، فإن من فقد ذلك انتفى عنه اسم الإيمان. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 24] # قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا ~~إنا هاهنا قاعدون (24) # من أقصته سوابق التقدير لم يزده تواتر (العظة) «2» إلا نفورا وجحودا. # قوله جل ذكره: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. # تركوا آداب الخطاب فصرحوا ببيان الجحد ولم يحتشموا من مجاهرة الرد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 25] # قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25) # لما ادعى أنه يملك نفسه عرف عجزه عن ملكه لنفسه حيث أخذ برأس أخيه يجره ~~إليه. # ويقال لا أملك إلا نفسى أي لا أدخرها عن البذل فى أمرك. لا أملك إلا أخى ~~فإنه لا يؤثر نفسه عن الذي أكلفه من قبلك. PageV01P417 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 26] # قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم ~~الفاسقين (26) # مجاهرة الرد تعجل العقوبة فإن من ماكر الحقيقة أبدت الحقيقة له من مكامن ~~التقدير ما يلجئه إلى التطوح فى أوطان الذل. # ويقال حيرهم فى مفاوزهم حتى عموا عن القصد فصاروا يبيتون حيث يصبحون، بعد ~~طول التعب وإدامة السير، وكذلك من حيره الله فى مفاوز القلب يتقلب ليلا ~~ونهارا فى مطارح الظنون ثم لا يحصل إلا على مناهل الحيرة، فيحطون بحيث ~~يرحلون عنها، فلا وجه للرأى الصائب يلوح لهم، ولا خلاص من بعده للتجويز ~~يساعدهم، والذي التجأ إلى شهود الصمدية استراح عن نقلة فكره، ووقع فى روح ~~الاستبصار بعد أتعاب التوهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 27] # واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ ms0287 قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل ~~من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) # كانت الدنيا بحذافيرها فى أيديهما فحسد أحدهما صاحبه، فلم يصبر حتى أسرع ~~فى شىء بإتلافه، وحين لم يقبل قربانه اشتد حسده على صاحبه، ورأى ذلك منه ~~فهدده بالقتل. # فأجابه بنطق التوحيد. # قوله جل ذكره: قال إنما يتقبل الله من المتقين. # يعنى إنما يتقبل القربان ممن «1» طالع فى القربان مساعدة القدرة، وألقى ~~توهم كونه باستحقاقه واستيجابه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 28] # لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العالمين (28) . PageV01P418 # لئن بدأتنى بالإثارة «1» لم أقابلك كأوصاف أهل الجهل بل أكل أمرى إلى من ~~بيده مقاليد الأمور. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 29] # إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ~~(29) # تحقق بأن العقوبة لاحقة به على ما يسلفه من الذنب فرضى بانتقام الله دون ~~انتقامه لنفسه. # وقوله: «أن تبوء بإثمي وإثمك» الذي تستوجبه بسبب قتلك إياى، فأضافه إلى ~~نفسه، وإذا رأى المظلوم ما يحل بالظالم من أليم البلاء يهون عليه ما يقاسيه ~~ويطيب قلبه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 30] # فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) # لا تستولى هواجس النفوس على صاحبها إلا بعد استتار مواعظ الحق، فإذا ~~توالت العزائم الرديئة، واستحكمت القصود الفاسدة من العبد صارت دواعى الحق ~~خفية مغمورة. # والنفس لا تدعو إلا (إلى) «2» اتباع الشهوات ومتابعة المعصية «3» ، وهى ~~مجبولة على الأخلاق المجوسية. فمن تابع الشهوات لا يلبث أن ينزل بساحات ~~الندم ثم لا ينفعه ذلك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 31] # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين (31) . ~~PageV01P419 # إرادة الحق- سبحانه- وصول الخلق إلى لطف الاحتياط فى أسباب التعيش، فإذا ~~أشكل عليهم وجه من لطائف الحيلة سبب الله شيئا يعرفهم ذلك به. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة ms0288 (5) : آية # 32] # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد ~~جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (32) # هذا قريب مما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # «من سن حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سيئة ~~فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة «1» » . # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 33] # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) # السعى فى الفساد على ضربين: بالظاهر وعقوبته معلومة فى مسائل الفقه بلسان ~~العلم، وفى الباطن وعقوبته واردة على الأسرار، وذلك بقطع ما كان متصلا من ~~واردات الحق، وكسوف شمس العرفان، والستر بعد الكشف، والحجاب بعد البسط. ~~والحجاب استشعار PageV01P420 # الوحشة بعد الأنس، وتبديل توالى التوفيق بصنوف الخذلان، والنفي على بساط ~~العبادة «1» . # والإخراج إلى متابعة النفوس، وذلك- والله- خزى عظيم وعذاب أليم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 34] # إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34) # من أقلع عن معاصيه، وارتدع عن ارتكاب مساويه، قبل أن يهتك عنه ستر السداد ~~لا تقام عليه- في الظاهر- حدود الشريعة لاشتباهها على الإمام، ولا يؤاخذه ~~الحق سبحانه بقضايا إجرامه أخذا بظاهر ما يثبت من حاله ماله فى استيجاب ~~السداد، فإذا بدا للإمام «2» جرمه أقيم عليه الحد وإن تقنع بنقاب التقوى. # وكذلك إذا سقط العبد عن عين الله لم يصل بعده إلى ما كان عليه من معاودة ~~تقريب الحق- سبحانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 35] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله ~~لعلكم تفلحون (35) # ابتغاء الوسيلة التبري عن الحول والقوة، والتحقق بشهود الطول والمنة. # ويقال ابتغاء الوسيلة هو التقريب إليه بما سبق لك من ms0289 إحسانه. # ويقال الوسيلة ما سبق لك من العناية القديمة. # ويقال الوسيلة اختياره لك بالجميل. # ويقال الوسيلة خلوص (العقد) «3» عن الشك. # ويقال ابتغاء الوسيلة استدامة الصدق فى الولاء إلى آخر العمر. # ويقال ابتغاء الوسيلة تجريد الأعمال عن الرياء، وتجريد الأحوال عن ~~الإعجاب، وتخليص النفس عن الحظوظ. PageV01P421 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 36] # إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من ~~عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36) # اليوم- يقبل من الأحباب مثقال ذرة، وغدا- لا يقبل من الأعداء ملء الأرض ~~ذهبا، كذا يكون الأمر. # ويقال إفراط العدو فى التقرب موجب للمقت، وتستر الولي «1» فى التودد ~~إحكام لأسباب الحب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 37] # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم (37) # كما أن الأعداء لا محيص لهم من النار كذلك المبعدون عن التوفيق كلما ~~أرادوا إقلاعا عن التهتك أدركهم- من فجأة الخذلان- ما يركسهم فى وهدة ~~العناء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 38] # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله ~~عزيز حكيم (38) # لو أن وليا من الأولياء سرق نصابا من جرد، ووجد فيه استحقاق القطع، أقيم ~~عليه الحد كما يقام على المتهتك، ولا يسقط الحد لصلاحه. والإشارة فيه أن ~~أمر الملك مقابل بالتعظيم، بل كل من كان أعلى رتبة فخطره أتم وأخفى، ~~والمطالبة عليه أشد «2» . فلا يستخفن أحد الإلمام بزلة «وتحسبونه هينا وهو ~~عند الله عظيم» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 39] # فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39) ~~PageV01P422 # من استوفى أحكام التوبة فتدارك ما ضيعه، وندم على ما صنعه، وأصلح من أمره ~~ما أفسده- أقبل الله عليه بفضله فغفره «1» ، وعاد إليه باللطف فجبره. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 40] # ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ~~والله على كل شيء قدير (40) # بين أنه لا يعذب من يعذب بعلة، ولا يرحم من ms0290 يرحم بعلة، وإنما يتصرف فى ~~عبده بحق ملكه، وأن الحكم حكمه، والأمر أمره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 41] # يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين ~~لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم ~~يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (41) # من أقصاه الحق عن محل التقريب، وأرخى له عنان الإمهال وكله إلى مكره، ~~ولبس عليه حاله وسره، فهو ينهمك فى أودية حسبانه، وإنما يسعى فى أمر نفسه ~~فيعمل بما يعود إليه وباله، فأمر نبيه- صلى الله عليه وسلم- بترك المبالاة ~~بأمثالهم، وقلة الاهتمام بأحوالهم، وعرفه أنهم بمعزل عن رحمته وإن من ردته ~~القسمة الأزلية لا تنفعه الأعلال PageV01P423 # فى الاستقبال، فقال: «ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا» يعنى ~~إن أهله الله للحرمان، وقيده بشباك الخذلان فشفاعة الأغيار فيه غير مقبولة، ~~ولطائف القبول إليه غير موصولة. # قوله جل ذكره: أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم. # أولئك الذين لم تعجن طينتهم بماء السعادة فجبلوا على نجاسة الشرك فإن عدم ~~الطهارة الأصلية لا يتنقى بفنون المعاملات. # ويقال: «من يرد الله فتنته» : من أرسل عليه غاغة الهوى، وسلط عليه نوازع ~~المنى، وأذله ( ... ) «1» القضاء، فليس يلقى عليه غير الشقاء. # قوله جل ذكره: لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم. # وردوا من الهوان إلى الهوان، ووعدوا بالفراق، وردوا إلى الاحتراق، فلا ~~تدرى أي حاليهم أقرب من استيجاب الذل؟ بدايتهم فى الرد أم نهايتهم فى الشرك ~~والجحد؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 42] # سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ~~(42) # يعنى إنهم طرحوا حشمة الدين، ms0291 وقنعوا بالحظوظ الخسيسة واكتفوا (بالأعواض) ~~«2» (النذرة) «3» ، فإذا تحاكموا إليك فأحللهم من حلمك على ما يستحق ~~أمثالهم من (الآزال) «4» ، PageV01P424 # وأنت مخير فيما تريد فسواء أقبلت عليهم فحكمت أو أعرضت فرددت فالاختيار ~~لك. # قوله: «إن الله يحب المقسطين» : الإقساط الوقوف على حد الأمر من غير ~~(حنف) «1» إلى الحظ. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 43] # وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (43) # يعنى أنهم قارفوا الجحد، وأصروا على الغى، وتعودوا الإعراض عن الإيمان، ~~فمتى تؤثر فيهم دعوتك، وقد سدت مسامعهم عن القبول، وطبع على قلوبهم سابق ~~الحكم؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 44] # إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ~~فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون (44) # يخبر أنه استحفظ بنى إسرائيل التوراة فحرفوها، فلما وكل إليهم حفظها ~~ضيعوها. # وأما هذه الأمة فخصهم بالقرآن، وتولى- سبحانه- حفظه عليهم فقال: «إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» «2» فلا جرم لو غير واحد حركة أو سكونا من ~~القرآن لنادى الصبيان بتخطيئه. # قوله جل ذكره: فلا تخشوا الناس واخشون. # إن الخلق تجرى عليهم أحكام القدرة وأقسام التصريف فالخشية منهم فرع من ~~المحال، فإن من ليس له شظية من الإيجاد فأنى تصح منه الخشية؟! PageV01P425 # قوله جل ذكره: ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون. # لا تأخذوا على جحد «1» أوليائى والركون إلى ما فيه رضاء أعدائى عوضا ~~يسيرا فتبقوا بذلك عنى، ولا يبارك لكم فيما تأخذون من العوض. # «ومن لم يحكم بما أنزل الله ... » فمن اتخذ بغيره حكما، ولم يجد- تحت ~~جريان حكمه- رضى واستسلاما» # ففى شرك خامر قلبه، وكفر قارن سره. وهيهات أن يكون على سواء! قوله جل ~~ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 45] # وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن والجروح ms0292 قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الظالمون (45) # بين أن اعتبار العدالة كان حتما فى شرعهم، ولما جنحوا إلى التضييع ~~استوجبوا الملام. # «فمن تصدق به فهو كفارة له» ، يعنى فمن آثر ترك ماله باعتناق العفو لم ~~يخسر علينا باستيجاب الشكر، ومن أبى إلا تماديا فى إجابة دواعى الهوى فهم ~~الذين وضعوا الشيء فى غير موضعه أي استبدلوا بلزوم الحقائق متابعة الحظوظ، ~~وبإيثار الفتوة موافقة البشرية «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 46] # وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه ~~الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين ~~(46) PageV01P426 # يعنى أتبعناهم بعيسى ابن مريم، وخصصناه بالإنجيل، وفى الإنجيل تصديق لما ~~تقدمه، وتحقيق لما أوجب الله وألزمه، فلا الدين قضوا حقه، ولا الإنجيل ~~عرفوا فرضه، ولا الرسول حفظوا أمره ففسقوا وضلوا، وظلموا وزلوا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 47] # وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الفاسقون (47) # قال الله تعالى فى هذه السورة «1» : «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الكافرون» . # وقال فى موضع آخر « ... فأولئك هم الظالمون» وقال فى هذه الآية « ... ~~فأولئك هم الفاسقون» أما فى الأول فقال: «ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ... ~~فأولئك هم الكافرون» لأن من لم يحكم بما أنزل الله فهو جاحد والجاحد كافر. # وفى الثاني قال: «وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ... فأولئك هم ~~الظالمون» لأن من جاوز حد القصاص واعتبار المماثلة، وتعدى على خصمه فهو ~~ظالم لأنه ظلم بعضهم على بعض. # وأما هاهنا فقال: «وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله ... فأولئك هم ~~الفاسقون» أراد به معصية دون الكفر والجحد «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 48] # وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة ms0293 واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ~~فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (48) ~~. PageV01P427 # قدم تعريفه- صلى الله عليه وسلم- قصص الأولين على تكليفه باتباع ما أنزل ~~الله عليه لئلا يسلك سبيل من تقدمه فيستوجب ما استوجبوه. # قوله جل ذكره: فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من ~~الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ~~ليبلوكم في ما آتاكم. # لا تتملكك مودة قريب أو حميم، واعتنق ملازمة أمر الله- تبارك وتعالى- ~~بترك كل نصيب لك. # ثم قال: «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا» يعنى طريقة وسنة أي أفردنا كل ~~واحد منكم- معاشر الأنبياء- بطريقة، (وأما «1» ) أنت فلا يدانيك فى طريقتك ~~أحد، وأنت المقدم على الكافة، والمفضل على الجملة، ولو شاء الله لسوى ~~مراتبكم، ولكن غاير بينكم ابتلاء، وفضل بعضكم على بعض امتحانا. # قوله جل ذكره: فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم ~~فيه تختلفون. # مسارعة كل أحد على ما يليق بوقته فالعابدون تقدمهم من حيث الأوراد، ~~والعارفون همتهم من حيث المواجد «2» . # ويقال استباق الزاهدين برفض الدنيا، واستباق العابدين بقطع الهوى، ~~واستباق العارفين بنفي المنى، واستباق الموحدين بترك الورى، ونسيان الدنيا ~~والعقبى. PageV01P428 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 49] # وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ~~ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ~~وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) # قم بالله فيما تحكم بينهم، وأقم حقوقه فيما تؤخر وتقدم، ولا تلاحظ ~~الأغيار فيما (تؤثر) «1» أو تذر، فإن الكل محو فى التحقيق. # قوله جل ذكره: فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، ~~وإن كثيرا من الناس لفاسقون. # يعنى (عظهم) «2» بلسان العلم فإن أبوا قبولا فشاهدهم بعين الحكم. ويقال: ~~أشدد عليهم باعتناق لوازم التكليف، فإن أعرضوا فعاينهم بعين التصريف فان ~~الحق- سبحانه- بشرط التكليف يلزمهم وبحكم التصريف يؤخرهم ويقدمهم، فالتكليف ~~فيما أوجب، والتصريف فيما أوجد، والعبرة بالإيجاد والإيجاب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ms0294 المائدة (5) : آية 50] # أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (50) # أيعودون فى ظلمة الحجاب ووحشة الالتباس بعد ما سطع فجر العرفان، وطلعت ~~شموس التحقيق، وانهتكت أستار الريب؟ # ويقال أيطلبون منك أن تحيد عن المحبة المثلى، وقد اتضحت لك البراهين ~~وتجلى اليقين؟ # ويقال أيطمعون فى استتار الحقائق فى السرائر وقد تجلت شموس اليقين؟ ~~PageV01P429 # ويقال أتحسبون أن ( ### | .... # ) «1» ظلمة الشك لها سلطان، وقد متتع نهار الحقائق «2» ... كلا، فإن ذلك ~~محال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 51] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51) # لا تجنحوا إلى الموالاة مع أعدائه- سبحانه- إيثارا للسكون إلى الحظ، أو ~~احتشاما من القيام للحق، أو ركونا إلى قرابة نسب، أو استحقاقا لمودة حميم، ~~أو تهيبا من استيحاش صديق. بل صمموا عقودكم على التبرى منهم بكل وجه فهم ~~بعضهم أولياء بعض، والضدية بينكم وبينهم قائمة إلى الدين «3» . «ومن يتولهم ~~منكم» التحق بهم، وانخرط فى سلكهم، وعد فى جملتهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 52 الى 53] # فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى ~~الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ~~(52) ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ~~حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) . PageV01P430 # يعنى إن الذين سقمت ضمائرهم، وضعفت فى التحقيق بصائرهم تسبق إلى قلوبهم ~~مداراة «1» الأعداء خوفا من معاداتهم، وطمعا فى المأمول من صحبتهم، ولو ~~استيقنوا أنهم فى أسر العجز وذل الإعراض ونفى الطرد لأملوا الموعود من ~~كفاية الحق، والمعهود من جميل رعايته، ولكنهم حجبوا عن محل التوحيد فتفرقوا ~~فى أودية الحسبان والظنون، وعن قريب يأتيكم الفرج- أيها المؤمنون، وترزقون ~~الفتح بحسن الإقبال، والظفر بالمسئول لسابق الاختيار، فيشعرون الندم، ~~ويقاسون الألم، وأنتم (تعلون) «2» رءوسكم بعد الإطراق، وتصفو لكم مشارب ~~الإكرام، وتضىء بزواهر القرب مشارق القلوب. حينئذ يقول الذين آمنوا هؤلاء ~~الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم يعاينون ms0295 بأبصارهم ما تحققوه بالغيب فى ~~أسرارهم، ويصلون من موعودهم إلى ما يوفى ويربو على مقصودهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 54] # يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (54) # جعل صفة من لا يرتد عن الدين أن الله يحبه ويحب الله، وفى ذلك بشارة ~~عظيمة للمؤمنين لأنه يجب أن يعلم أن من كان غير مرتد فإن الله يحبه. وفيه ~~إشارة دقيقة فإن من كان مؤمنا يجب أن يكون لله محبا، فإذا لم تكن له محبة ~~فالخطر بصحة إيمانه. وفى الآية دليل على جواز محبة العبد لله وجواز محبة ~~الله للعبد. # ومحبة الحق للعبد لا تخرج عن وجوه: إما أن تكون بمعنى الرحمة عليه أو ~~بمعنى اللطف والإحسان إليه، والمدح والثناء عليه. # أو يقال إنها بمعنى إرادته لتقريبه وتخصيص محله. # وكما أن رحمته إرادته لإنعامه فمحبته إرادته لإكرامه، والفرق بين المحبة ~~والرحمة على هذا القول أن المحبة إرادة إنعام مخصوص، والرحمة إرادة كل نعمة ~~فتكون المحبة أخص من الرحمة، PageV01P431 # واللفظان يعودان إلى معنى واحد فإن إرادة الله تعالى واحدة وبها يريد ~~سائر مراداته، وتختلف أسماء الإرادة باختلاف أوصاف المتعلق. # وأما محبة العبد لله- سبحانه- فهى حالة لطيفة يجدها فى قلبه، وتحمله تلك ~~الحالة على إيثار «1» موافقة أمره، وترك حظوظ نفسه، وإيثار حقوقه- سبحانه- ~~بكل وجه. # وتحصل العبارة عن تلك الحالة على قدر ما تكون صفة العبد فى الوقت الذي ~~يعبر عنه فيقال المحبة ارتياح القلب لوجود المحبوب، ويقال المحبة ذهاب ~~المحب بالكلية فى ذكر المحبوب، ويقال المحبة خلوص المحب لمحبوبه بكل وجه، ~~والمحبة بلاء كل كريم، والمحبة نتيجة الهمة فمن كانت همته أعلى فمحبته أصفى ~~بل أوفى بل أعلى. # ويقال المحبة سكر لا صحو فيه ودهش فى لقاء المحبوب يوجب التعطل عن ~~التمييز، ويقال المحبة بلاء لا يرجى شفاؤه، وسقام لا يعرف دواؤه. ويقال ms0296 ~~المحبة غريم يلازمك لا يبرح، ورقيب من المحبوب يستوفى له منك دقائق الحقوق ~~فى دوام الأحوال، ويقال المحبة قضية توجب المحبة فمحبة الحق أوجبت محبة ~~العبد «2» . # قوله جل ذكره: يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله واسع عليم. # لولا أنه يحبهم لما أحبوه، ولولا أنه أخبر عن المحبة فأنى تكون للطينة ~~ذكر المحبة؟ # ثم بين الله تعالى صفة المحبين فقال «أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين» . يبذلون المهج فى المحبوب من غير كراهة، ويبذلون الأرواح فى ~~الذب عن المحبوب من غير ادخار شظية من الميسور. PageV01P432 # ثم قال تعالى فى صفتهم: «يجاهدون في سبيل الله» أي يجاهدون بنفوسهم من ~~حيث استدامة الطاعة، ويجاهدون بقلوبهم بقطع المنى والمطالبات، ويجاهدون ~~بأرواحهم بحذف العلاقات، ويجاهدون بأسرارهم بالاستقامة على الشهود فى دوام ~~الأوقات. # ثم قال: «لا يخافون لومة لائم» أي لا يلاحظون نصح حميم، ولا يركنون إلى ~~استقلال حكم، ولا يجنحون إلى حظ ونصيب، ولا يزيغون عن سنن الوفاء بحال. # ثم بين- سبحانه- أن جميع ذلك إليه لا منهم فقال: و «ذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء والله واسع عليم» متفضل عليم بمن يخص بذلك من عبيده. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 55] # إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون (55) # الولي أي الناصر، ولا موالاة بين المؤمنين وبين أعداء الحق- سبحانه- ~~فأعداء الحق هم أعداء الدين. # و «إنما» حرف يقتضى أن ما عداه بخلافه، وأعدى عدوك نفسك- كما فى الخبر- ~~ومن عادى نفسه لم يخرج بالمخاصمة عنها مع الخلق وبالمعارضة فيها مع الحق ~~«1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 56] # ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (56) # الفائزون على حظوظهم الذين هم خصم للحق على أنفسهم لا خصم لأنفسهم على ~~مولاهم، والغلبة بالحجة والبرهان دون اليد. # ويقال من قام لله بصدق انخنس دونه كل مبطل. ويقال إذا طلعت أنوار الحق ~~أدبر ليل أهل الباطل. PageV01P433 # قوله ms0297 جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 57] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (57) # نبههم على وجوب التحيز عنهم والتميز منهم، فإن المخالف فى العقيدة لا ~~يكون موافقا فى الحقيقة. # ويقال أمرهم بأن يلاحظوهم بعين الاستصغار كما لاحظوا دين المسلمين بعين ~~الاستحقار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 58] # وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (58) # الأذان دعاء إلى محل النجوى، فمن تحقق بعلو المحل فسماع الأذان يوجب له ~~روح القلب واسترواح الروح، ومن كان محجوبا عن حقيقة الحال لاحظ ذلك بعين ~~اللعب وأدركه بسمع الاستهزاء، وذلك حكم الله: غاير بين عباده على ما يشاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 59] # قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) # ما لنا عندكم عيب إلا أننا تحققنا أننا محو فى الله، (وأن الكائنات حاصلة ~~بالله ولا نتقفى أثرا سوى لله فى الله) «1» ، وهذا- والله- عيب زائل، ونقص ~~ليس له- فى التحقيق- حاصل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 60] # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل ~~منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل ~~(60) PageV01P434 # يعنى أخس من المذكورين قدرا، وأقل منهم خطرا من سقط عن عين الله فأذله، ~~وأبعده عن نعت التخصيص فأضله، ومنعه عن وصف التقريب وأبعده، وحجبه عن شهود ~~الحقيقة وطرده. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 61] # وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما ~~كانوا يكتمون (61) # أظهروا الصدق، وفى التحقيق نافقوا، وافتضحوا من حيث أوهموا ولبسوا فلا ~~حالهم بقيت مستورة، ولا أسرارهم كانت عند الله مكبوتة «1» ، وهذا نعت كل ~~مبطل. وعند أرباب الحقائق أحوالهم ظاهرة فى أنوار فراستهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 62] # وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان ms0298 وأكلهم السحت لبئس ما كانوا ~~يعملون (62) # تملكتهم الأطماع فاستهوتهم فى متاهات العناء، وذلك نعت كل (طالع) «2» فى ~~غير مطمع ذل حاضر، وصغار مستول. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 63] # لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما ~~كانوا يصنعون (63) . PageV01P435 # الربانى من كان لله وبالله لم تبق منه بقية لغير الله. # ويقال الربانى الذي ارتقى عن الحدود. # والربانى من توقى الآفات ثم ترقى إلى الساحات، ثم تلقى ما كوشف به من ~~زوائد القربات، فخلا عن نفسه، وصفا عن وصفه، وقام لربه وبربه. # وقد جعل الله الربانيين تالين للأنبياء الذين هم أولو الدين، فهم خلفاء ~~ينهون الخلق بممارسة أحوالهم أكثر مما ينهونهم بأقوالهم، فإنهم إذا أشاروا ~~إلى الله حقق الله ما يؤمئون إليه، وتحقق ما علقوا هممهم به. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 64] # وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا ~~للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (64) # صغر سوء قالة الموحدين- فى اغتياب بعضهم لبعض بعد ما كانوا بالتوحيد ~~قائلين وبالشهادة ناطقين- بالإضافة إلى ما قاله الكفار من سوء القول فى ~~الله يعنى أنهم وإن أساءوا قولا فلقد كان أسوأ قولا منهم من نسبنا إلى ما ~~نحن عنه منزه، وأطلق فى وصفنا ما نحن عنه مقدس. # ثم إن الحق- سبحانه قال: «غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا» فلا ريح الصدق ~~يشمون، ولا نفسا من الحق يجدون. # PageV01P436 # ثم أثنى على نفسه فقال: «بل يداه مبسوطتان» «1» أي بل قدرته بالغة ~~ومشيئته نافذة، ونعمته سابغة وإرادته ماضية. # ويقال «بل يداه مبسوطتان» أي يرفع ويضع، وينفع ويدفع، ولا يخلو أحد عن ~~نعم النفع وإن خلا عن نعم الدفع. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 65] # ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات ~~النعيم (65) # إنما وعدهم الغفران بشرط التقوى ms0299 ودليل الخطاب يقتضى أنه لا يغفر لمن لم ~~يتق منهم. # وقال لظالمى هذه الأمة: «ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ~~ظالم لنفسه» «2» ثم قال فى آخر الآية: «جنات عدن يدخلونها» أي أهل التقوى ~~لأنه هو أهل المغفرة، فإن تركتم التقوى فهو أهل لأن يغفر ويقال لو أنهم ~~راعوا أمرنا أصلحنا لهم أمرهم، ولكنهم وقفوا فوقفوا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 66] # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (66) # أي لو سلكوا سبيل الطاعة لوسعنا عليهم أسباب المعيشة وسهلنا لهم الحال ~~حتى إن ضربوا بيمين ما لقوا غير اليمن، وإن ذهبوا يسرة ما وجدوا إلا اليسر. # قوله جل ذكره: منهم أمة مقتصدة، وكثير منهم ساء ما يعملون. # المقتصد الواقف على حد الأمر لا يقصر فينقص، ولا يجاوز فيزيد. ~~PageV01P437 # ويقال المقتصد الذي تساوى فى همته الفقد والوجود فى الحادثات. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 67] # يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67) # لا تكتم شيئا مما أوحينا إليك ملاحظة لغير، إذ لا غير- فى التحقيق- إلا ~~رسوم موضعة، وأحكام القدرة عليها جارية. # ويقال بين للكافة أنك سيد ولد آدم، وأن آدم دون لوائك. # ويقال بلغ ما أنزل إليك أنى أغفر للعصاة ولا أبالى، وأرد من المطيعين من ~~شئت ولا أبالى. «1» # قوله جل ذكره: والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين. # يحفظ ظاهرك من أن يمسك أذاهم، فلا يتسلط بعد هذا عليك عدو، أو يصون سرك ~~عنهم حتى لا يقع عليه احتشام منهم. # ويقال يعصمك من الناس حتى لا تغرق فى بحر التوهم بل تشاهدهم كما هم وجودا ~~بين طرفى العدم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 68] # قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليكم من ربكم وليزيدن ms0300 كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا ~~تأس على القوم الكافرين (68) . PageV01P438 # أي ليس انتعاشكم ولا نظام معاشكم، ولا قدركم فى الدنيا والعقبى، ولا ~~مقداركم ولا منزلكم فى حال من حالاتكم إلا بمراعاة الأمر والنهى، والمحافظة ~~على أحكام الشرع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 69] # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69) # بين أنهم- وإن نجنست أحوالهم- فبعدما تجمعهم أصول التوحيد فلهم الأمان من ~~الوعيد، والفوز بالمزيد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 70 الى # 71] # لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا ~~تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا ~~وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون ~~(71) # داروا مع الهوى فوقعوا فى البلاء. ومن أمارات الشقاء الإصرار على متابعة ~~الهوى، وحسبوا ألا تكون فتنة، فعموا وصموا. واغتروا بطول الإمهال فأصروا ~~على قبيح الأعمال، فلما أخذتهم فجاءة الانتقام لم ينفعهم الندم، وبرح بهم ~~الألم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 72] # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني ~~إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) # PageV01P439 # سقمت بصائرهم والتبست عليهم أمارات الحدوث، فخلطوا فى عقائدهم استحقاق ~~أوصاف القدم بنعوت الحدوث! قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 73 الى 74] # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ~~ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) أفلا يتوبون إلى ~~الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) # بلغ الخذلان بهم حدا أن كابروا الضرورة فحكموا للواحد بأنه ثلاثة، ولا ~~يخفى فساد هذا على مجنون.. فكيف على عاقل؟! قوله: أفلا يتوبون إلى الله ~~ويستغفرونه والله غفور رحيم لم يغلق باب التوبة عليهم- مع قبيح أقوالهم، ~~وفساد عقائدهم- تضعيفا «1» لآمال المؤمنين بخصائص رحمته. ms0301 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 75] # ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا ~~يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (75) # من اشتملت عليه الأرحام، وتناوبته الآثار المتعاقبة أنى يليق بوصف ~~الإلهية؟ # ثم من مسته الحاجة حتى اتصف بالأكل وأصابته الضرورة إلى أن يخلص من بقايا ~~الطعام فأنى يليق به استيجاب العبادة والتسمية بالإلهية؟ # انظر- يا محمد- كيف نزيد فى إيضاح الحجة وكيف تلبس عليهم سلوك المحجة؟ ~~PageV01P440 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 76] # قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع ~~العليم (76) # تعليق القلوب- بدون الرب- فى استدفاع الشر واستجلاب الخير بمحيق للوقت ~~فيما لا يجدى، وإذهاب للعمر فيما لا يغنى إذ المتفرد بالإيجاد برىء عن ~~الأنداد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 77] # قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ~~ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77) # التعمق فى الباطل قطع لآمال الرجوع فكلما كان بعد المسافة من الحق أتم ~~كان اليأس من الرجعة أوجب، ومتبع الضلالة شر من مبتدعها لأن المبتدع يبنى ~~والمتبع يتم البناء، ومن به كمال الشر شر ممن منه ابتداء الشر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 78] # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما ~~عصوا وكانوا يعتدون (78) # أمر الأنبياء- عليهم السلام- حتى ذكروا الكفار بالسوء، وأما الأولياء ~~فخصهم بذكر نفسه فقال: «هو الذي يصلي عليكم» «1» فلعنة الكفار بلسان ~~الأنبياء، وذكر المؤمنين بالجميل بلسان الحق- سبحانه، ولو كان ذلك ذكرا ~~بالسوء لكان فيه استحقاق فضيلة، فكيف وهو ذكر بالجميل!؟ ولقد قال قائلهم: # لئن ساءنى أن تلقني بمساءة ... فقد سرنى أني خطرت ببالكا # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 79] # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79) PageV01P441 # «1» الرضاء بمخالفة أمر الحبيب موافقة للمخالف، ولا أنفة بعد تميز ~~الخلاف. والسكوت عن جفاء تعامل به كرم، والإغضاء عما يقال ms0302 فى محبوبك دناءة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 80] # ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله ~~عليهم وفي العذاب هم خالدون (80) # شر خصال اللئام مطابقة من يضاد الصديق، فإذا كان سخط الله فى موالاة ~~أعدائه، فرحمته- سبحانه فى معاداة أعدائه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 81] # ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن ~~كثيرا منهم فاسقون (81) # صرح بأن موافق من ناوءك «2» آثر التباعد عنك إذ لو كانت بينكما شهرة غير ~~منقطعة لأخلصت «3» فى موالاته، وأخلص فى مصافاتك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 82] # لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم ~~لا يستكبرون (82) # بين أن صفة العداوة وإن كانت تجمعهم فمعاداة بعضهم تزيد على بعض، وبقدر ~~PageV01P442 # ما للنصارى من الترهب أثر فيهم (بالمقاربة) «1» من أهل الحق فإنهم وإن لم ~~ينتفعوا بهم من حيث الخلاص فقد ذكرهم الله سبحانه- بمقاربة أهل الاختصاص. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 83] # وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من ~~الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) # هذه صفة من نظر إليه الحق نظر القبول، فإذا قرعت سمعهم دعوة الحق ابتسمت ~~البصيرة فى قلوبهم، فسكنوا إلى المسموع لما وجدوا من التحقيق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 84] # وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم ~~الصالحين (84) # وأي عذر لنا فى التعريج فى أوطان الارتياب، وقد تجلت لقلوبنا الحجج؟ ثم ~~ما نؤمله من حسن العاقبة. متى بدونه يمكن أن نطلبه؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 85] # فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك ~~جزاء المحسنين (85) # لما صدقت آمالهم قابلها بالتحقيق، سنة منه- سبحانه- ألا يخيب راجيه، ولا ~~يرد مؤمليه «2» ، وإنما علق الثواب على قول القلب الذي هو شهادة عن شهوده، ~~فأما النظر ms0303 المنفرد عن البصيرة فلا ثواب عليه ولا إيجاب «3» . PageV01P443 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 86] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (86) # (هذا) أثر الإعراض عن الأعداء فى مقابلة أثر الإقبال على الأولياء معجلا ~~ومؤجلا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 87] # يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين (87) # من أمارات السعادة الوقوف على حد الأمر إن أباح الحق شيئا قبله، وقابله ~~بالخشوع، وإن حظر شيئا وقف ولم يتعرض للجحود. # ومما أباحه من الطيبات الاسترواح إلى نسيم القرب فى أوطان الخلوة، وتحريم ~~ذلك: إن استبدل تلك الحالة بالخلطة دون العزلة والعشرة دون الخلوة، وذلك هو ~~العدوان العظيم والخسران المبين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 88] # وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (88) # الحلال الصافى بأن يأكل العبد ما يأكل على شهوده- سبحانه- فإن نزلت ~~الحالة عن هذا فعلى ذكره- سبحانه- فإن الأكل على الغفلة حرام فى شريعة ~~الإرادة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 89] # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا ~~أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (89) # PageV01P444 # الإشارة منه إلى وقت يغلب على قلبك التعطش إلى شىء من إقباله أو وصاله، ~~فتقسم عليه بجماله أو جلاله أن يرزقك شظية من إقباله، فكذلك فى شريعة الرضا ~~نوع من اليمين، فيعفو عنك رحمة عليك لضعف حالك. والأولى الذوبان والخمود ~~بحسن الرضا تحت ما يجرى عليك من أحكامه فى الرد والصد، وأن تؤثر استقامتك ~~فى أداء حقوقه على إكرامك بحسن تقريبه وإقباله، كما قال قائلهم: # أريد وصاله ويريد هجرى ... فأترك ما أريد لما يريد # ومن اللغو فى اليمين- عندهم- ما يجرى على لسانهم فى حال غلبات الوجد من ~~تجريد العهد وتأكيد العقد، فيقول: # وحقك ما نظرت إلى سواكا، ولا قلت بغيرك.. ولا ms0304 حلت عن عهدك، وأمثال هذا ~~... # وكله فى حكم التوحيد لغو، وعن شهود عهد الأحدية سهو ... ومن أنت فى ~~الرفعة حتى تعدم نفسك؟ وأين فى الدار ديار حتى تقول بتركه أو تتحقق بوصله ~~أو هجره؟ كلا ... بل هو الله الواحد القهار «1» . # وكما أن الكفارة الشرعية إما عتق أو إطعام وإما كسوة فإن لم تستطع فصيام ~~ثلاثة أيام: فكفارتهم- على موجب الإشارة- إما بذل الروح بحكم الوجد، أو بذل ~~القلب بصحة القصد، أو بذل النفس بدوام الجهد، فإن عجزت فإمساك وصيام عن ~~المناهي والزواجر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 90] # يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) PageV01P445 # الخمر ما خامر العقول، والخمر حرام. # والإشارة فيه أنه يزيد نفاد العقل بما يوجب عليه من الالتباس. # ومن شرب من خمر الغفلة فسكره أصعب فشراب الغفلة يوجب البعد عن الحقيقة. # وكما أن من سكر من خمر الدنيا ممنوع عن الصلاة فمن سكر من خمر الغفلة فهو ~~محجوب عن المواصلات. # وكما أن من شرب من خمر الدنيا وجب عليه الحد فكذلك من شرب شراب الغفلة ~~فعليه الحد إذ يضرب بسياط الخوف. # وكما أن السكران لا يقام عليه الحد ما لم يفق فالغافل لا ينجح فيه الوعظ ~~ما لم ينته. # وكما أن مفتاح الكبائر شرب الخمر (فالغفلة) «1» أصل كل زلة، وسبب كل ذلة ~~وبدء كل بعد وحجبة عن الله تعالى. # ويقال لم يحرم عليه الشراب فى الدنيا إلا وأباح له شراب القلوب فشراب ~~الكبائر محظور (وشراب الاستئناس مبذول، وعلى حسب المواجد حظى القوم ~~بالشراب) » # ، وحيثما كان الشراب كان السكر، وفى معناه أنشدوا: # فما مل ساقيها وما مل شارب ... عقار لحاظ كأسه يسكر اللبا # فصحوك من لفظى هو الوصل كله ... وسكرك من لحظى يبيح لك الشربا # وحرم الميسر فى الشرع، وفى شريعة الحب القوم مقهورون فمن حيث الإشارة ~~أبدانهم مطروحة فى شوارع التقدير، يطؤها كل عابر سبيل من الصادرين من عين ~~المقادير، وأرواحهم مستباحة بحكم القهر، عليها خرجت القرعة من ms0305 ( ... ) «3» ~~الحكم، قال تعالى «فساهم فكان من المدحضين» # «4» . PageV01P446 # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 91] # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (91) # طال بعدهم عن الحقيقة فقاسوا الهوان فى مطارح الغربة، وصاروا سخرة ~~للشيطان فبقوا الصلاة التي هى محل النجوى وكمال الراحة، وفسدت ذات بينهم ~~بما تولد من الشحناء والبغضاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 92] # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا ~~البلاغ المبين (92) # كلما كان العبد أعرف بربه كان أخوف من ربه، وإنما ينتفى الحذر عن العبد ~~عند تحقيق الموعد بقوله: «أولئك لهم الأمن» «1» وذلك عند دخول الجنة. ~~وحقيقة الحذر نهوض القلب بدوام الاستغاثة مع مجارى الأنفاس. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 93] # ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا ~~وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين (93) # من حافظ على الأمر والنهى فليس للقمة يتناولها من الخطر ما يضايق فيها، ~~وإنما المقصود من العبد التأدب بصحبة طريقه سبحانه، فإذا اتقى الشرك تعرف، ~~ثم اتقى الحرام فما تصرف، ثم اتقى الشح فآثر وما أسرف. PageV01P447 # وقوله «ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا ... » يعنى اتقوا المنع «1» وأحسنوا ~~للخلق- وهذا للعموم. ثم اتقوا شهود الخلق فأحسن الشهود الحق، والإحسان أن ~~تعبد الله كأنك تراه- وهذا للخواص. # والله يحب المحسنين أعمالا والمحسنين (آمالا) «2» والمحسنين أحوالا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 94 الى 95] # يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ~~ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (94) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما ~~قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين ~~أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله ~~منه والله عزيز ذو انتقام (95) # أباح الصيد لمن ms0306 كان حلالا «3» ، وحرم الصيد على المحرم الذي قصده زيارة ~~البيت. # والإشارة فيه أن من قصد بيتنا فينبغى أن يكون الصيد منه فى الأمان، لا ~~يتأذى منه حيوان بحال، لذا قالوا: البر من لا يؤذى الذر ولا يضمر الشر. # ويقال الإشارة فى هذا أن من قصدنا فعليه نبذ الأطماع جملة، ولا ينبغى أن ~~تكون له مطالبة بحال من الأحوال. PageV01P448 # وكما أن الصيد على المحرم حرام إلى أن يتحلل فكذلك الطلب والطمع ~~والاختيار- على الواجد- حرام ما دام محرما بقلبه. # ويقال العارف صيد الحق، ولا يكون للصيد صيد. # وإذا قتل المحرم الصيد فعليه الكفارة، وإذا لاحظ العارف الأغيار، أو طمع ~~أو رغب فى شىء أو اختار لزمته الكفارة، ولكن لا يكتفى منه بجزاء المثل، ولا ~~بأضعاف أمثال ما تصرف فيه أو طمع، ولكن كفارته تجرده- على الحقيقة- عن كل ~~غير، قليل أو كثير، صغير أو كبير. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 96] # أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) # حكم البحر خلاف حكم البر. وإذا غرق العبد فى بحار الحقائق سقط حكمه، فصيد ~~البحر مباح له لأنه إذا غرق صار محوا، فما إليه ليس به ولا منه إذ هو محو، ~~والله غالب على أمره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 97] # جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ~~ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء ~~عليم (97) # حكم الله سبحانه- بأن يكون بيته- اليوم ملجأ يلوذ به كل مؤمل، ويستقيم ~~ببركات زيارته كل مائل عن نهج الاستقامة، ويستنجح بابتهاله هنا لك كل ذى ~~أرب. # والبيت حجر والعبد مدر، والحق سبحانه ربط المدر بالحجر ليعلم أنه الذي لم ~~يزل لا سبيل إليه للحدثان والغير. # PageV01P449 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 98] # اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (98) # شديد العقاب للأعداء، غفور رحيم للأولياء. # ويقال شديد العقاب للخواص بتعجيل الحجاب إن زاغوا عن ms0307 الشهود لحظة، غفور ~~رحيم للعوام إن رجعوا إليه بتوبة وحسرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 99 الى 100] # ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (99) قل لا ~~يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب ~~لعلكم تفلحون (100) # المتفرد بالإلهية الله. والرسول- وإن جل قدره- فليس عليه إلا البلاغ وهو ~~أيضا (بتسييره) «1» . # قوله: قل لا يستوي الخبيث والطيب: الخبيث ما اكتسبه الغافل عن الله تعالى ~~فى حالة اكتسابه، والطيب ما اكتسبه على شهود الحق. # ويقال الخبيث ما لم يخرج منه حق الله تعالى، والطيب ما أخرج منه حقه- ~~سبحانه. # ويقال الخبيث ما ادخرته لنفسك، والطيب ما قدمته لأمره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 101] # يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا ~~عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (101) . ~~PageV01P450 # إذا أسبل عليكم ستر اللطف فلا تتعرضوا لعلم أخفى عنكم، فيتنغص (بالتج ... ~~) «1» # - عليكم- عيشكم. # ويقال لا تتعرضوا للوقوف على محل الأكابر- حيث لا تستوجبون ذلك- فيسوءكم ~~تقاصر رتبتكم. # ويقال إذا بدا من الإعراض علم فاطلبوا له عندكم وجها من (التفال) «2» ولا ~~تطلبوا أسرار الباري، واركنوا إلى روح المنى فى استدفاع ما (ظلكم) «3» ولا ~~تبحثوا عن سر ذلك، وراعوا الأمر مجملا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 102] # قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (102) # يعنى توهم قوم أنهم محررون عن التأثر فيما يصادفهم من فجاءة التقدير، ~~وذلك منهم ظن، كما يقول بعضهم: # تبين يوم البين أن اعتزامه ... على الصبر من إحدى الظنون الكواذب # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 103] # ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا ~~يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (103) # هذه أحكام ابتدعوها، فردهم الحق- سبحانه- عن الابتداع، وأمرهم بحسن ~~الاتباع، وأخبر أن ما صدر من عاداتهم لا يعد من جملة عباداتهم. # قوله جل ذكره ### | [سورة المائدة (5) : آية 104] # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا ms0308 حسبنا ما وجدنا ~~عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (104) # : PageV01P451 # إذا هتفت بهم دواعى الحق بالجنوح إلى وصف الصدق صدهم عن الإجابة ما مرنوا ~~عليه من سهولة (التقليد) «1» ، وإن أسلافهم الذين وافقوهم لم يكونوا إلا فى ~~ضلال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 105] # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله ~~مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (105) # يكفى للفقير أن يمشى وقد جبر بعض (كسره) «2» ، فأما إذا ادعى التقدم أو ~~الطمع فى إنجاد من سواه فمحال من (الحدث) «3» والظن. # ويقال من يفرغ إلى غيره يتشاغل عن نفسه، ومن اشتغل بنفسه لم يتفرغ إلى ~~غيره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 106 الى 108] # يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ~~ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة ~~الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ~~ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين (106) فإن عثر ~~على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ~~الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن ~~الظالمين (107) ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد ~~أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين (108) ~~PageV01P452 # حكم هذه الآية كان ثابتا فى الشرع ونسخ، وفى بيان التفسير تفصيله. # والنسخ هو الإزالة، وذلك جائز فى العبادات. # ومعنى النسخ يوجد فى سلوك المريدين فهم فى الابتداء فرضهم القيام ~~بالظواهر من حيث المجاهدات. فإذا لاح لهم من أحوال القلوب شىء آلت أحوالهم ~~إلى مراعاة القلوب فتسقط عنهم أوراد الظاهر، فهو كالنسخ من حيث الصورة. # قال تعالى: «ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها» «1» . ~~واتصافهم بمراعاة الثلوب أتم بتأديبهم بأحكام المعاملات «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 109] # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا ms0309 أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام ~~الغيوب (109) # يكاشفهم بنعت الجلال فتنخنس فهومهم وعلومهم حتى ينطقوا بالبراءة عن ~~التحقيق PageV01P453 # ويقولون: «لا علم لنا» ، وهكذا تكون الحالة غدا: من قال لشىء، أو مال ~~لشىء مما يكون نعتا بمخلوق فعند ظهور وابل التعزز تتلاشى الجملة، فالملائكة ~~يقولون: «ما عبدناك حق عبادتك» والأنبياء يقولون: «لا علم لنا» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 110] # إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح ~~القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني ~~وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل ~~عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين (110) # التذكير بوجوه النعم يستخرج خلاصة الحب والهيمان فى المذكور «1» ، وكل ~~وقت للأحباب يمضى يصير لهم حديثا يتلى من بعدهم: إما عليهم وإما عنهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 111] # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا ~~مسلمون (111) . PageV01P454 # وإنما خصهم بالوحى إليهم إلهاما وإكراما لانبساط ضياء عيسى عليهم «1» ، ~~وفى الأثر: # «هم القوم لا يشقى بهم جليس» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 112 الى 113] # إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من ~~السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) قالوا نريد أن نأكل منها ~~وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين (113) # طلبوا المائدة لتسكن قلوبهم بما يشاهدونه من عظيم الآية وعجيب المعجزة، ~~فعذروا وأجيبوا إليها إذ كان مرادهم حصول اليقين وزيادة البصيرة. # ويقال كل يطلب سؤله على حسب ضرورته وحالته، فمنهم من كان سكونه فى مائدة ~~من الطعام يجدها، ومنهم من يكون سكونه فى (فائدة) «2» من الموارد يردها، ~~وعزيز منهم من يجد الفناء «3» عن برهان يتأمله، أو بيان دليل يطلبه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 114] # قال عيسى ابن مريم ms0310 اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا ~~لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) # شتان بين أمة طلب لهم نبيهم سكونا بإنزال المائدة عليهم، وبين إمة بدأهم- ~~سبحانه- PageV01P455 # بإنزال السكينة عليهم، من غير سؤال أحد، قال الله تعالى: «هو الذي أنزل ~~السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم» «1» وقال فى صفتهم ~~«وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا» «2» وفرق بين من زيادة إيمانه ~~بآياته التي تتلى عليهم وبين من يكون سكونهم إلى كرامات وعطايا تباح لهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 115] # قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه ~~أحدا من العالمين (115) # أجابه إلى سؤاله لهم، ولكن توعدهم «3» بأليم العقاب لو خالفوا بعده ليعلم ~~السالكون أن المراد إذا حصل، وأن الكرامة إذا تحققت- فالخطر أشد والحال من ~~الآفة أقرب، وكلما كانت الرتبة أعلى كانت الآفة أخفى، ومحن الأكابر إذا حلت ~~جلت. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 116] # وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) # المراد من هذا السؤال إظهار براءة ساحته عما نسب إليه من الدعاء إلى ~~القول بالتثليث، فهذا ليس خطاب تعنيف بل هو سؤال تشريف. PageV01P456 # ثم إن عيسى- عليه السلام- حفظ أدب الخطاب فلم يزك نفسه، بل بدأ بالثناء ~~على الحق- سبحانه- فقال: تنزيها لك! إننى أنزهك عما لا يليق بوصفك. # ثم قال: «ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق» أي إنى إن كنت مخصوصا من ~~قبلك بالرسالة- وشرط النبوة العصمة- فكيف يجوز أن أفعل ما لا يجوز لى؟. # ثم إنى «إن كنت قلته فقد علمته» . كان واثقا بأن الحق- سبحانه- عليم ~~بنزاهته من تلك القالة. # «تعلم ما في نفسي» : أي علمك محيط بكل معلوم. # «ولا أعلم ما في نفسك» أي لا أطلع على غيبك إلا بقدر ms0311 ما تعرفني بإعلامك. ~~«إنك أنت علام الغيوب» الذي لا يخرج معلوم عن علمك، ولا مقدور عن حكمك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 117] # ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ~~ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117) # ما دعوتهم إلا لعبادتك، وما أمرتهم إلا بتوحيدك وتقديسك، وما دمت حيا ~~فيهم كنت ( ### | .... # ) «1» على هذه الجملة، فلما فارقتهم كان تصرفهم فى قبضتك على مقتضى ~~مشيئتك، فأنت أعلم بما كانوا عليه من وصفي وفاقهم وخلافهم، ونعمتى اقتصادهم ~~«2» وإسرافهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المائدة (5) : آية 118] # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) . ~~PageV01P457 # بين أن حكم المولى فى عبيده نافذ بحكم إطلاق ملكه، فقال إن تعذبهم يحسن ~~منك تعذيبهم وكان ذلك لأنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم أي ~~المعز لهم بمغفرتك لهم. # ويقال أنت العزيز الحكيم الذي لا يضرك كفرهم. # ويقال «العزيز» القادر على الانتقام منهم فالعفو (عند) «1» القدرة سمة ~~الكرم، وعند العجز أمارة الذل. # ويقال إن تغفر لهم فإنك أعز من أن (تتجمل) «2» بطاعة مطيع أو تنتقص «3» ~~بزلة عاص. وقوله «الحكيم» رد على من قال: غفران الشرك ليس بصحيح فى الحكمة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 119] # قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) # من تعجل ميراث صدقه فى دنياه من قبول حصل له من الناس، أو رياسة عقدت له، ~~أو نفع وصل إليه من جاه «4» أو مال. فلا شىء له فى آجله من صواب صدقه، لأن ~~الحق- سبحانه- نص بأن يوم القيامة ينفع فيه الصادقين صدقهم. # قوله جل ذكره: رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم. # ورضاء الحق- سبحانه- إثبات محل لهم، وثناؤه عليهم ومدحه لهم، وتخصيصهم ~~بأفضاله وفنون نواله. ورضاؤهم عن الحق- سبحانه- فى الآخرة وصولهم إلى مناهم ~~فهو الفوز العظيم والنجاة الكبرى. PageV01P458 # قوله جل ذكره: ms0312 ### | [سورة المائدة (5) : آية 120] # لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير (120) # تمدح الحق- سبحانه- بقدرته القديمة الشاملة لجميع المقدورات، الصالحة ~~لإيجاد المصنوعات، ولم يتجمل بإضافة غير إلى نفسه من اسم أو أثر، أو عين أو ~~طلل. # قوله جل ذكره: وهو على كل شيء قدير. # من الإبعاد والإسعاد، والصد والرد، والدفع والنفع، والقمع والمنع. ### | السورة التي تذكر فيها الأنعام # «بسم الله الرحمن الرحيم» باسمه استنارت القلوب واستقلت، وباسمه زالت ~~الكروب واضمحلت، وبرحمته عرفت الأرواح وارتاحت، وبا ( ... ) «1» انخنست ~~العقول فطاحت. # ويقال باسم الله نال كل مؤمل مأموله، وبرحمة الله وجد كل واجد وصوله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون (1) # بدأ الله- سبحانه- بالثناء على نفسه، فحمد نفسه بثنائه الأزلى وأخبر عن ~~سنائه الصمدى، وعلائه الأحدى فقال: «الحمد لله» . # وقوله عز وجل: «الذي خلق السماوات والأرض» : ف «الذي» إشارة و «خلق ~~السماوات والأرض» عبارة. استقلت الأسرار بسماع «الذي» لتحققها بوجوده، ~~ودوامها لشهوده، واحتاجت القلوب عند سماع «الذي» إلى سماع الصلة لأن «الذي» ~~من الأسماء الموصولة بكون القلوب تحت ستر الغيب فقال: «خلق السماوات ~~والأرض» . PageV01P459 # قوله جل ذكره وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. # خلق ظلمة الليل وضياء النهار، ووحشة الكفر والشرك، ونور العرفان ~~والاستبصار. # ويقال جعل الظلمات نصيب قوم لا لجرم سلف، والنور نصيب قوم لا لاستحقاق ~~سبق، ولكنه حكم به جرى قضاؤه. # ويقال جعل ظلمات العصيان محنة قوم، ونور العرفان نزهة قوم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 2] # هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2) # أثبت الأصل من الطين وأودعها عجائب (السير) «1» ، وأظهر عليها ما لم يظهر ~~على مخلوق، فالعبرة بالوصل لا بالأصل فالوصل قربة والأصل تربة، الأصل من ~~حيث النطفة والقطرة، والوصل من حيث القربة والنصرة. # قوله «ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده» : جعل للامتحان أجلا، ثم جعل للامتنان ~~أجلا، فأجل الامتحان فى ms0313 الدنيا، وأجل الامتنان فى العقبى. # ويقال ضرب للطلب أجلا وهو وقت المهلة، ثم عقبه بأجل بعده وهو وقت الوصلة ~~فالمهلة لها مدى ومنتهى، والوصلة بلا مدى ولا منتهى فوقت الوجود له ابتداء ~~وهو حين تطلع شموس التوحيد ثم يتسرمد «2» فلا غروب لها بعد الطلوع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 3] # وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3) . ~~PageV01P460 # وهو الذي هو معبود من فى السماء، مقصود من فى الأرض، وهو الموجود قبل كل ~~سماء وفضاء، وظلام وضياء، وشمس وقمر، وعين وأثر، وغير وغبر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 4] # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) # أي لا يزيدهم كشفا ولطفا إلا قابلوه جحدا وكفرا، ولا يوليهم إقبالا إلا ~~قابلوه بإعراض، ولا يلقاهم بسطا إلا ( ### | .... # ) «1» بانقباض. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 5] # فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن (5) # إنهم أصروا على الخلاف مستكبرين، وعن قريب يقاسون وبال أمرهم، ويذوقون غب ~~جحدهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 6] # ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ~~وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (6) # يعنى من تقدمهم كانوا أشد تمكنا فى إمهالنا، وأكثر نصيبا- فى الظاهر- من ~~أقوالنا سهلنا لهم أسباب المعاش، ووسعنا عليهم أبواب الانتعاش، فحين وطنوا ~~على كواذب المنى قلوبهم، وأدركوا من الدنيا محبوبهم ومطلوبهم فتحنا عليهم ~~من مكامن التقدير، وأبرزنا لهم من غوامض الأمور ما فزعوا عليه من الندم، ~~وذاقوا دونه طعم الألم. ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين، وأورثناهم مساكنهم، ~~وأسكناهم أماكنهم، فلما انخرطوا- في الغى- عن PageV01P461 # سلكهم، ألحقناهم فى الإهلاك بهم، سنة منا فى الانتقام قضيناها على ~~أعدائنا، وعادة فى الإكرام أجريناها لأوليائنا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 7] # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا ~~إلا سحر مبين (7) # يخبر عن كمال قدرته ms0314 فى إبداء ما يريده بعد ما قضى لهم الضلال، فلو أشهدهم ~~كل دليل، وأوضح لهم كل سبيل ما ازدادوا إلا تماديا فى الضلال والنفرة، ~~وانهماكا فى الجهل والغى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 8] # وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) # بين أن العبرة بالقسمة دون الاعتبار بالحجة، وما يغنى السراج عند من فقد ~~البصر؟ # كذلك ما تغنى الحجج عند من عدم عناية الأزل؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 9] # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) # من لم يقدس سره لبس عليه أمره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 10] # ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ~~(10) # أي سبقك- يا محمد- من كذب به كما كذبت، فحق لهم نصرنا، فانتقمنا ممن ~~ناوءهم، فعاد إليهم وبال كيدهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 11] # قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) # PageV01P462 # قل دوخوا فى الأرض، وسيحوا فى سيركم فيها من الطول والعرض، ثم انظروا هل ~~أفلت من حكمنا أحد، وهل وجد من دون أمرنا ملتحدا «1» ؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 12] # قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) # سلهم هل فى الدار ديار؟ وهل للكون- فى التحقيق- عند الحق مقدار؟ فإن بقوا ~~عن جواب يشفى، فقل: الله فى الربوبية يكفى. # قوله: «كتب على نفسه الرحمة» : أخبر وحكم وأراد على حسب ما علم، فمن تعلق ~~بنجاته علمه سبق بدرجاته حكمه، ومن علمه فى آزاله أنه يشقى فبقدر شقائه فى ~~البلاء يبقى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 13] # وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) # الحادثات لله ملكا، وبالله ظهورا، ومن الله بدءا، وإلى الله رجوعا. وهو ~~«السميع» لأنين المشتاقين، «العليم» بحنين الواجدين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 14] # قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا ms0315 يطعم قل إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) # أبعد ما أكرمنى بجميل ولايته أتولى غيره؟ وبعد ما وقع على ضيا عنايته ~~أنظر فى الدارين إلى أحد؟ إن هذا محال فى الظن والتقدير. # قوله جل ذكره: وهو يطعم ولا يطعم. # له نعت الكرم فلذلك يطعم، وله حق القدم فلذلك لا يطعم. PageV01P463 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 15] # قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) # أي إنى بعجزي متحقق، ومن عذاب ربى مشفق، وبمتابعة أمره متخلق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 16] # من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (16) # من أدركه سابق عنايته صرف عنه لاحق عقوبته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 17] # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء ~~قدير (17) # إنه من ينجيك من البلاء، ومن يلقيك فى العناء. وإذ المتفرد بالإبلاغ واحد ~~فالأغيار كلهم أفعاله وإن الإيجاد لا يصلح من الأفعال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 18] # وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) # علت رتبة الأحدية صفة البشرية، فهذا لم يزل وهذا لم يكن فحصل «1» . ومتى ~~يكون بقاء للحدثان مع وضوح سلطان التوحيد؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 19] # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما ~~هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19) . PageV01P464 # غلبت شهادة الحق- سبحانه- كل شهادة، فهم إذا أقبلوا يشهدون فلا تحيط ~~بحقائق الشيء علومهم، والحق- سبحانه- هو الذي لا يخفى عليه شىء، ثم أخبره- ~~صلى الله عليه وسلم أنه مبعوث إلى الكافة ومن سيوجد إلى يوم القيامة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 20] # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم ~~لا يؤمنون (20) # أحاط علمهم بصدق المصطفى- صلى الله عليه وسلم- فى نبوته، ولكن أدركتهم ~~الشقاوة الأزلية فعقدت ألسنتهم عن الإقرار به فجحدوه جهرا، وعلموا صدقه ms0316 ~~سرا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 21] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون ~~(21) # شؤم الخذلان بلغ بالنكاية فيهم ما جرهم إلى الإصرار على الكذب على الله ~~تعالى، ثم لم يستحيوا من اطلاعه، ولم يخشوا من عذابه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 22] # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ~~(22) # يجمعهم ليوم الحشر والنشر، لكنه يفرقهم فى الحكم والأمر، فالبعث يجمعهم ~~ولكن الحكم يفرقهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 23] # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) # «1» هذا الذي أخبر عنهم غاية التمرد حيث جحدوا ما كذبوا فيه وأقسموا ~~عليه، ولو كان لهم بالله علم لتحققوا بأنه يعلم سرهم ونجواهم، ولا يخفى ~~عليه شىء من أولاهم وعقباهم، لكن الجهل الغالب عليهم استنطقهم بما فيه ~~فضائحهم. PageV01P465 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 24] # انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) # هذه كلمة تعجب يعنى إن قصتهم منها ما هو محل التعجب لأمثالكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 25] # ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ~~وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن ~~هذا إلا أساطير الأولين (25) # بين أن السمع- فى الحقيقة- سمع القبول، وذلك عن عين اليقين يصدر، فأما ~~سمع الظاهر فلا عبرة به. # ويقال من ابتلاه الحق بقلب مطبق، ووضع فوق بصيرته غطاء التلبيس لم يزده ~~ذلك إلا نفرة على نفرة. # قوله جل ذكره: وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول ~~الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين. # يعنى من أقصته القسمة الأزلية لم تنعشه الحيلة الأبدية «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 26] # وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون (26) # «2» فى هذه الآية إشارة صعبة (لمن) «3» يدعو إلى الحق جهرا ثم لا يأتى ~~بذلك سرا. # ويقال خالفت أحوالهم قضايا ms0317 أقوالهم، وجرى إجرامهم مجرى من ألقوا حبالهم ~~على غاربهم، وكذلك من أبعده عن القسمة لم يقربه فعله. PageV01P466 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 27] # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ~~ونكون من المؤمنين (27) # يعنى حين ينجز للعبد ما وعده له من القربة يشغل من شاء بنوع من العلة حتى ~~لا يطلع أحد على محل الأسرار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 28] # بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون (28) # غدا يوم تنهتك الأستار، وتظهر الأسرار- فكم من مجلل بثوب تقواه، ويحكم له ~~معارفه بانه زاهد فى دنياه، راغب فى عقباه، محب لمولاه، مفارق لهواه، فيكشف ~~الأمر عن خلاف ما فهموه، ويفتضح عندهم بغير ما ظنوه. # وكم من متهتك ستر بما أظهر عليه! ظن الكل أنه خليع العذار هين الأعلال، ~~مشوش الأسرار، فظهر لذوى البصائر جوهره، وبدت عن خفايا الستر حقيقته «1» . # ثم قال: «ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه» أخبر عما علم أنه لا يكون أنه لو ~~كان كيف كان يكون فقال لو رد أهل العقوبة إلى دنياهم لعادوا إلى جحدهم ~~وإنكارهم، وكذلك لو رد أهل الصفاء والوفاء إلى دنياهم لعادوا إلى أحسن ~~أعمالهم: # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 30] # ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (30) PageV01P467 # يا حسرة عليهم من موقف الخجل، ومحل مقاساة الوجل، وتذكر تقصير العمل! فهم ~~واقفون على أقدام الحسرة، يقرعون أسنان الندم حين لا ندم ينفعهم، ولا شكوى ~~تسمع منهم، ولا رحمة تنزل عليهم. # وحين يقول لهم: أليس هذا بالحق؟ يقرون كارهين، ويصرخون بالتبري عن كل غير ~~قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 31 الى 33] # قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا ~~حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ~~(31) وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة ms0318 خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون (32) قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون (33) # خسران وأي خسران! لم يخسروا مالا، ولا مقاما ولا حالا، ولكن كما قيل: # لعمرى لئن أنزفت دمعى فإنه ... لفرقة من أفنيت فى ذكره عمرى # المصيبة لهم والحسرة على غيرهم، ومن لم يعرف جلال قدره متى تأسف على ما ~~يفوته من حديثه وأمره؟! وقوله: «وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو» : ما كان ~~للنفس فيه حظ ونصيب اليوم فهو من الدنيا، وما كان من الدنيا فإنه- لا ~~محالة- يلهيك عن مولاك، وما يشغلك عن الحق ركونه فغير مبارك قربه. # قوله: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين ~~بآيات الله يجحدون: هذه تعزية للرسول- صلى الله عليه وسلم # PageV01P468 # وتسلية. أي قد نعلم ما قالوا فيك وهم إنما قالوا ذلك بسببنا ولأجلنا. ~~ولقد كنت عظيم الجاه فيهم قبل أن أوقعنا عليك هذا الرقم وكانوا يسمونك ~~محمدا الأمين، فإن أصابك ما يصيبك فلأجل حديثنا، وغير ضائع لك هذا عندنا، ~~وحالك فينا كما قيل: # أشاعوا لنا فى الحى أشنع قصة ... وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 34] # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا ~~مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين (34) # يعنى إن من سلك سبيلنا صبر على ما أصابه من حديثنا، فلا خسرت فينا صفقته، ~~ولا خفيت علينا حالته، وما قابل حكمنا من عرفنا إلا بالمهج، وما حملوا ~~مالقوا فينا إلا على الحدق: # إن الألى ماتوا على دين الهوى ... وجدوا المنية منهلا معسولا # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 35] # وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في ~~السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ~~(35) # لفرط شفقته- صلى الله عليه وسلم- استقصى فى التماس الرحمة من الله لهم، ~~وحمل على قلبه العزيز بسبب ما علم من سوء أحوالهم ما أثر فيه ms0319 من فنون ~~الأحزان. فعرفه أنهم مبعدون عن التقريب، منكوبون بسالف القسمة. # ولو أراد الحق- سبحانه- لخفف عنهم، ولو شاء أن يهديهم لكان لهم مقيل فى ~~الصدور، ومثوى على النشاط، ولكن من كبسته العزة لم تنعشه الحيلة. # PageV01P469 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 36] # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) # من فقد الاستماع فى سرائره عدم توفيق الاتباع بظاهره، والاختيار السابق ~~فى معلومه- سبحانه- غالب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 37] # وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (37) # استزادوا من المعجزات وقد حصل من ذلك ما يذبح العذر، ولم يعلموا أن الله ~~المانع لهم فلولا ما ( ... ) «1» من بصائرهم لما تواهموا من عدم دلائلهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 38] # وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون (38) # يعنى تساوت المخلوقات، وتماثلت المصنوعات فى الحاجة إلى المنشئ: فى حال ~~الإبداع ثم فى حال البقاء، وكذلك جميع الصفات النفسية والنعوت الذاتية ~~توقفت عن الإيجاد والاختيار، فما من شىء من عين وأثر، ورسم وطلل.. إلا وهو ~~على وحدانيته شاهد، وعلى كون أنه مخلوق.. دليل ظاهر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 39] # والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم (39) # الذين فاتتهم العناية الأزلية سد الحرمان أسماعهم، وغشى الخذلان أبصارهم. ~~PageV01P470 # والإرادة لا تعارض، والمشيئة لا تزاحم «1» ، والحق- سبحانه- فى جميع ~~الأحوال غالب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 40 الى # 41] # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ~~(41) # إذا مسكم الضر، ونابكم أمر فممن ترومون كشفه؟ ومن الذي تؤملون لطفه؟ # أمخلوقا شرقيا أم شخصا غربيا؟ أم ملكا سماويا أم عبدا أرضيا؟ # ثم قال: «بل إياه تدعون» : أي إنكم- إن تذللتم بنفوسكم أو فكرتم طويلا ms0320 ~~بقلوبكم- لن تجدوا من دونه أحدا، ولا عن حكمه ملتحدا، فتعودون إليه فى ~~استكشاف الضر، واستلطاف الخير والبر، كما قيل: # ويرجعنى إليك- وإن تناءت ... ديارى عنك- معرفة الرجال # وقد تركناك للذى تريد ... فعسى إن خبرته أن تعودا # فإذا جربت الكل، وذقت الحلو والمر، أفضى بك الضر إلى بابه، فإذا رجعت ~~بنعت الانكسار، وشواهد الذل والاضطرار، فإنه يفعل ما يريد: إن شاء أتاح ~~اليسر وأزال العسر، وإن شاء ضاعف الضر وعوض الأجر، وإن شاء ترك الحال على ~~ما (قبل) «2» السؤال والابتهال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 42] # ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ~~(42) . PageV01P471 # يخبر عن سالف سنته فى أبداء الأمم وما أوجب لمن أطاعه منهم من النعم ~~والكرم، وما أحل بمن خالفه من الألم وفنون النقم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 43 الى 44] # فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا ~~يعملون (43) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا ~~بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) # يعنى أنهم لما أظلهم البلاء، فلو رجعوا بجميل التضرع وحسن الابتهال ~~والتملق لكشفنا عنهم المحن، ولأتحنا لهم المنن، ولكن صدهم الخذلان عن ~~العقبى فأصروا على تمردهم، فقست قلوبهم وتضاعفت أسباب شقوتهم. # قوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به يخبر عن خفى مكره بهم، وكيف أنه ~~استدرجهم، ثم أذاقهم وبال أمرهم فقال: لما طالت عن الحضرة غيبتهم، ولم تنجح ~~مواعظنا فيهم سهلنا لهم أسباب العوافي وصببنا عليهم عزالى «1» النعم، ~~وفتحنا لهم أبواب الرفاهية، فلما استمكن الرجاء من قلوبهم أخذناهم بغتة ~~وعذبناهم فجأة، وأذقناهم حسرة فإذا هم من الرحمة قانطون، ولما خامر قلوبهم- ~~من أسباب الوحشة عن الاستراحة بدوام المناجاة- آيسون. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 45] # فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (45) # فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى لم يبق منهم عين ولا أثر، ولم يرد حديث منهم أو ~~خبر، PageV01P472 # والله- سبحانه وتعالى- بنعت العز واستحقاق الجلال لا عن فقدهم له ~~استيحاش، ولا ms0321 بوجودهم استرواح أو استبشار «1» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 46] # قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله ~~يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) # عرفهم محل عجزهم، وحقيقة حاجتهم إلى القدرة القديمة لدوام فقرهم. # وحذرهم فقال: إن لم يدم عليهم نعمة أسماعهم وأبصارهم، ولم يوجب لهم ما ~~ألبسهم من العوافي- بكل وجه فى كل لحظة- فمن الذي يهب ما سلبه، أو يضع ما ~~منعه، أو يعيد ما نفاه، أو يرد ما أبداه؟ كلا ... بل هو الله تعالى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 47 الى 49] # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ~~(47) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون (48) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ~~(49) # «2» يقول إن عجل موعوده لكم من العقاب أفترون أن غير المستوجب يبتلى؟ أو ~~أن المستحق له يجد من دونه مهربا ومنجى؟ إن هذا محال من الظن. # قوله جل ذكره: وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا ~~يفسقون. PageV01P473 # يعنى ليس أمرنا لهم إلا بالتزام ما فيه تجاتهم، ثم بجميل الوعد لهم، ~~ومفارقة ما فيه هلاكهم، ثم بأليم العقوبة فى الآجل ما يحصل من خلافهم. # فمن آمن وصدق أنجزنا له الوعد، ومن كفر وجحد عارضنا عليه الأمر، وأدخلنا ~~عليه الضر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 50] # قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) # يعنى قل لهم إنى لا أتخطى خطى، ولا أتعدى حدى، ولا أثبت من ذات نفسى ~~شيئا، وإنما يقال لى أبلغت؟ وأقول: أجل، أوصلت. # ثم قال: «قل هل يستوي الأعمى والبصير» : هل يتشاكل الضوء والظلام؟ وهل ~~يتماثل الجحد والتوحيد؟ كلا ... لا يكون ذلك. ms0322 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 51] # وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ~~لعلهم يتقون (51) # الإنذار إعلام بمواضع الخوف، وإنما خص الخائفين بالإنذار كما خص المتقين ~~بإضافة الهدى إليهم حيث قال: «هدى للمتقين» لأن الانتفاع والاتباع بالتقوى، ~~والإنذار اختص بهم. # ويقال: الخوف هاهنا العلم، وإنما يخاف من علم، فأما القلوب التي هى تحت ~~غطاء الجهل فلا تباشرها طوارق الخوف. # قوله: «من دونه من ولي ولا شفيع» يعنى كما أنه لا ناصر لهم من الأغيار ~~فلا معتمد لهم من أفعالهم، ولا مستند من أحوالهم، ولا (يؤمنون) «1» شيئا ~~سوى صرف العناية وخصائص الرحمة. PageV01P474 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 52] # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم ~~من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (52) # هذه وصية له- صلى الله عليه وسلم- فى باب الفقراء والمستضعفين، وذلك لما ~~قصروا لسان المعارضة عن استدفاع ما كانوا بصدده من أمر إخلاء الرسول- صلوات ~~الله عليه وسلامه- مجلسه منهم، وسكنوا متضرعين بقلوبهم بين يدى الله أراد ~~أن يبين له أثر حسن الابتهال فتولى- سبحانه- خصيمتهم. # وقال: «ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه» : لا تنظر ~~يا محمد إلى خرقتهم على ظاهرهم وانظر إلى حرقتهم فى سرائرهم «1» ويقال ~~كانوا مستورين بحالتهم فشهرهم بأن أظهر قصتهم، ولولا أنه- سبحانه- قال ~~«يريدون وجهه» فشهد لهم بالإرادة وإلا فمن يتجاسر أن يقول إن شخصا مخلوقا ~~يريد الحق سبحانه؟ # ويقال إذا كانت الإرادة لا تتعلق- فى التحقيق- إلا بالحدوث، وحقيقة ~~الصمدية متقدسة عن الاتصاف بالحدثان، فمن المعلوم أن هذه الإرادة ليست ~~بمعنى المشيئة، ولا كاشتقاق أهل اللغة لها «2» . # فيقال تكلم الناس فى الإرادة: وأكثر تحقيقها أنها احتياج يحصل فى القلوب ~~يسلب PageV01P475 # القرار من العبد حتى يصل إلى الله فصاحب الإرادة لا يهدأ «1» ليلا ولا ~~نهارا، ولا يجد من دون وصوله إليه- سبحانه- سكونا ولا قرارا، كما قال ~~قائلهم: # ثم قطعت الليل فى مهمه ... لا أسدا أخشى ولا ذيبا # يغلبنى شوقى فأطوى السرى ms0323 ... ولم يزل ذو الشوق مغلوبا # ويقال تقيدت دعوتهم بالغداة والعشى لأنها من الأعمال الظاهرة، والأعمال ~~الظاهرة مؤقتة، ودامت إرادتهم فاستغرقت جميع أوقاتهم لأنها من الأحوال ~~الباطنة، والأحوال الباطنة مسرمدة غير مؤقتة، فقال: «يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي» ثم قال: «يريدون وجهه» أي مريدين وجهه فهى فى موضع الحال «2» . # ويقال أصبحوا ولا سؤال لهم من دنياهم، ولا مطالبة من عقباهم، ولا هم سوى ~~حديث مولاهم، فلما تجردوا لله تمحضت عناية الحق لهم، فتولى حديثهم وقال: ~~ولا تطردهم- يا محمد- ثم قال: ما عليك من حسابهم من شىء فالفقير خفيف الظهر ~~لا يكون منه على أحد كثير مئونة قال تعالى: «ما عليك من حسابهم من شيء وما ~~من حسابك عليهم من شيء» . # لا تطالب بحسابهم ولا يطالبون بحسابك، بل كل يتولى الحق- سبحانه- حسابه ~~فإن كان أمره خيرا فهو ملاقيه، وإن كان شرا فهو مقاسيه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 53] # وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين (53) # أما الفاضل فليشكر، وأما المفضول فليصبر. # ويقال سبيل المفضول على لسان المحبة الشكر، ولا يتقاصر شكره عن شكر ~~الفاضل، قال قائلهم فى معناه: # أتانى منك سبك لى فسبي ... أليس جرى بفيك اسمى؟ فحسبي PageV01P476 # وقال آخر: # وإن فؤادا بعته- لك شاكر ... وإن دما أجريته- لك حامد # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 54] # وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ~~أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (54) # أحله محل الأكابر والسادة، فإن السلام من شأن الجائى إلا فى صفة الأكابر ~~فإن الجائى أو الآتي يسكت لهيبة المأتى حتى يبتدئ ذلك المقصود بالسؤال فعند ~~ذلك يجيب الآتي. # ويقال إذا قاسوا تعب المجيء فأزل عنهم المشقة بأن قل: «سلام عليكم» . # ويقال السلام هو السلامة أي فقل لهم سلام عليكم سلمتم فى الحال عن الفرقة ~~وفى المآل عن الحرقة «1» . # قوله جل ذكره: كتب ربكم على نفسه الرحمة. # إن وكل بك من كتب عليك ms0324 الزلة فقد تولى بنفسه لك كتابة الرحمة. # ويقال كتب بمعنى حكم، وإنه ما حكم إلا بما علم. # ويقال كتابته لك أزلية، وكتابته عليك وقتية، والوقتية لا تبطل الأزلية. # قوله جل ذكره: أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه ~~غفور رحيم. # يعنى من تعاطى شيئا من أعمال الجهال ثم سوف فى الرجوع والأوبة قابلناه، ~~يعنى من تعاطى شيئا بحسن الإمهال وجميل الأفضال، فإذا عاد بتوبة وحسرة ~~أقبلنا عليه بكل لطف وقبول. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 55] # وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) . PageV01P477 # نزيل الإشكال، ونفصح «1» طريق الاستدلال، ونطلع شموس التوحيد، ونمد أهله ~~بحسن التأييد، ونسم قلوب الأعداء بوسم الخذلان، ونذيقهم شؤم الحرمان لئلا ~~يبقى لأحد عذر، ولا فى الطريق إشكال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 56] # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت ~~إذا وما أنا من المهتدين (56) # يعنى صرح بالاعتراف بجميل ما خصصناك به من وجوه العصمة والنعمة، وأخبرهم ~~أنك فى كنف الإيواء متقلب، وفى قبضة (الصون) مصرف فلا للهوى عليك سلطان، ~~ولا لك من محل التحقيق تباعد أو عن الحضور غيبة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 57] # قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا ~~لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) # قل إن الله- سبحانه- لم يغادرنى فى قطر الطلب والتباس التحير، وأغنانى عن ~~(كد) «2» الاستدلال، وروحنى بشموس الحقيقة. ولئن بقيتم فى ظلمة الالتباس ~~فليس لى قدرة على إزالة ما مننيتم به من التحير، ونفى ما امتحنتم به من ~~الجهالة والتردد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 58 الى 59] # قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم ~~بالظالمين (58) وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر ~~والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين (59) PageV01P478 # لو قدرت على ms0325 إبداء ما طلبتم من إقامة البراهين لأجبتكم إلى كل ما اقترحتم ~~على- شفقة عليكم، لكن المتفرد بالحكم لا يعارض فيما يريد. # وعنده مفاتح الغيب: المفتاح ما به يرتفع الغلق، والذي يحصل مقصود كل أحد، ~~وهو قدرة الحق- سبحانه فإن التأثير لها فى الإيجاد، والموصوف بقدرة الإيجاد ~~هو الله: # ويقال أراد بهذا شمول علمه، أي هو المتفرد بالإحاطة بكل معلوم، وقطعا لا ~~يسأل عن شىء، ولا يخفى عليه شىء. # ويقال عندك مفاتح «1» الغيب وعنده مفاتح الغيب فان آمنت بغيبه مد الشمس ~~على غيبك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 60] # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل ~~مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) # إنه يتوفى الأنفس فى حال النوم وفى حال الوفاة، وكما أنه لا يعاقبك ~~بالليل فإنه لا يعذبك- إذا توفاك- على ما جرحت بالنهار مع علمه بأفعالك، ~~فبالحرى ألا يعذبك غدا- إذا توفاك- على ما علمه من قبيح أحوالك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 61] # وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا وهم لا يفرطون (61) PageV01P479 # فوق عباده بالقهر والرفعة، وفوقهم بالقدرة على أن يعذبهم من فوقهم بإنزال ~~العقوبة عليهم والسخطة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 62] # ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين (62) # ردهم إلى نفسه. وما غابوا عن القبضة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 63] # قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه ~~لنكونن من الشاكرين (63) # تذكير النعمة يوجب الزيادة فى المحبة، فإنه إذا عرف جميلا أسداه تمكن من ~~قلبه الحب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 64] # قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64) # المتفرد بالقدرة على إيجادكم الله، والذي هو (الخلف) «1» عما يفوتكم ~~الله، والذي حكم بنجاتكم الله، والذي يأخذ بأيديكم كلما عثرتم الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 65] # قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ms0326 أرجلكم أو ~~يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (65) # إذا أراد الله هلاك قوم أمر البلاء حتى يحيط بهم سرادقه كما يحيط بالكفار ~~غدا إذا PageV01P480 # أدركتهم العقوبة، وخرج بعضهم على بعض حتى يتبرأ التابع من المتبوع، ~~والمتبوع من التابع. # قوله جل ذكره: ويذيق بعضكم بأس بعض، انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون. # لا طعم أردأ للإنسان من طعم الإنسان: إن شئت من الولاية والمحبة، وإن شئت ~~فى العداوة والبغضة فمن مني بالبغضة مع أشكاله تنغص عليه عيشه فى الدنيا، ~~ومن منى بمحبة أمثاله تكدر عليه حاله مع المولى، ومن صانه عن الخلق فهو ~~المحفوظ (المعاني) «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 66 الى 67] # وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبإ مستقر وسوف ~~تعلمون (67) # يعنى قل لهم إنما على تبليغ الرسالة، فأما تحقيق الوصلة بالوجود والحال ~~فمن خصائص القدرة وأحكام المشيئة الأزلية. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 68] # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ~~وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) # لا توافقهم فى الحالة، ولا ترد عليهم ببسط القالة. ذرهم ووحشتهم بحسن ~~الإعراض عنهم، والبعد عن الإصغاء إلى تهاويشهم بحسن الانقباض. # قوله جل ذكره: وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين. PageV01P481 # أي إن بدر منك تغافل فتداركته بحسن التذكر وجميل التنبه، فاجتهد ألا (تزل ~~«1» ) فى تلك الغلطة قدمك ثانية لئلا تقاسى أليم العقوبة منا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 69] # وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) # أي من كان نقى (الثوب) «2» عن ارتكاب الإجرام يعزل يوم نشره عن ملاقاة ~~تلك الآلام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 70] # وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل ~~نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ ~~منها أولئك الذين ms0327 أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون (70) # أي كلهم وما اختاروه فإنا أعتدنا لهم (من خفى المكر ما إذا أحللناه بهم ~~كسرنا عليهم) «3» خمار الوهم والغلظة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 71] # قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ ~~هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى ~~الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين (71) ~~PageV01P482 # أي كان الكفار يدعون المسلمين إلى الرجوع عن الدين والعود إلى الشرك، ~~فقال لهم الله: قل لهم- يا محمد-: أنؤثر الضلال على الهدى بعد طلوع شمس ~~البرهان؟ # وندع الطريقة المثلى بعد ظهور البيان؟ ونترك عقوة الجنة وقد نزلناها؟ ~~ونطلب الجحيم مثوى بعد ما كفيناها؟ إن هذا بعيد من المعقول، محال من ~~الظنون. # وكيف يساعد أتباع الشيطان من وجد الخلاص من صحبتهم، وأبصر الغى من صفتهم؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 72] # وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) # أي أمرنا بملازمة محل المناجاة لأن اللسان إن تعود نجوى السلطان متى ينطق ~~(بمكالمة) «1» الأخس؟! قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 73] # وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله ~~الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (73) # يعنى أنه لا يعترض على قدرته- سبحانه- حدوث مقصود، ولا يتقاصر حكمه عن ~~تصريف موجود. PageV01P483 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 74] # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال ~~مبين (74) # الأصل متهم فى الجحود، والنسل متصف بالتوحيد، والحق- سبحانه- يفعل ما ~~يريد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 75] # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (75) # لاطفه بسابق العناية، ثم كاشفه بلاحق الهداية فأراه من دلالات توحيده ما ~~لم يبق فى (قضاء) «1» سره شظية من غبار العيب، فلما صحا من غيم التجوز «2» ~~سما سره فقال بنفي الأغيار جملة، وتبرأ عن الجميع ولم يغادر منها تهمة. # قوله جل ms0328 ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 76 الى 78] # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ~~(76) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر ~~فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78) . PageV01P484 # يعنى أحاطت به (سجوف) «1» الطلب، ولم يتجل له بعد صباح الوجود، فطلع نجم ~~العقول فشاهد الحق بسره بنور البرهان، فقال: هذا ربى ثم يزيد فى ضيائه فطلع ~~له قمر العلم فطالعه بشرط البيان، «قال هذا ربي» . # ثم (أسفر) «2» الصبح ومتع النهار فطلعت شموس (العرفان) «3» من برج شرفها ~~فلم يبق للطلب مكان، ولا للتجويز حكم، ولا للتهمة قرار فقال: «يا قوم إني ~~بريء مما تشركون» إذ ليس بعد العيان ريب، ولا عقب الظهور ستر. # ويقال قوله- عند شهود الكواكب والشمس والقمر- «هذا ربي» إنه كان يلاحظ ~~الآثار والأغيار بالله، ثم كان يرى الأشياء لله ومن الله، ثم طالع الأغيار ~~محوا فى الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 79] # إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79) # أفردت قصدى لله، (وطهرت) «4» عقدى عن غير الله، وحفظت عهدى فى الله لله، ~~وخلصت وجدي بالله، فإنى لله بالله، بل (محو) «5» فى الله والله الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 80] # وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن ~~يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) # يعنى قال لهم أترومون ستر الشموس بإسبال أكمامكم عليها أو تريدون أن ~~تجروا ذيولكم وأن تسدلوا سجوفكم على ضياء النهار وقد تعالى سلطانه وتوالى ~~بيانه؟ PageV01P485 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 81] # وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) # «1» يعنى وأي خوف يقع على قلبى ظله ولم ألم بشرك ولم أجنح قط إلى جحد؟ ~~وأنتم ms0329 ما شممتم رائحة التوحيد فى طول عمركم، ولا ذقتم طعم الإيمان فى سالف ~~دهركم! ثم بسوء ظنكم تجاسرتم وما ارعويتم، وخسرتم وما باليتم. فأينا أولى ~~أن يعلن بسره ما هو بصدده من سوء مكره وعاقبة أمره؟ # قوله جلت قدرته: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 82] # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (82) # أي الذين أشاروا إلى الله ثم لم يرجعوا إلى غير الله فإن من قال «الله» ~~ثم رجع بالتفضيل- عند حاجاته أو مطالباته أو شىء من حالاته إلى غير الله ~~فخصمه- فى الدنيا والعقبى- الله. # والظلم- فى التحقيق- وضع الشيء في غير موضعه، وأصعبه حسبان أن من الحدثان ~~ما لم يكن وكان فإن المنشئ الله، والمجرى الله، ولا إله إلا الله، وسقط ما ~~سوى الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 83] # وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم ~~عليم (83) # أشار إلى ترقيه من شهود آياته إلى إثبات ذاته، وذلك ترتيب أهل السلوك فى ~~وصولهم إلى الله، فالتحقق بالآيات التي هى أفعاله ومراعاة ذلك وهى الأولى ~~ثم إثبات صفاته وهى الثانية، ثم التحقق بوجوده وذاته وهو غاية الوصول، ~~فبرسومه يعرف العبد نعوته، وبنعوته يعرف ثبوته «2» . PageV01P486 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 84 الى 88] # ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود ~~وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحيى ~~وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا ~~على العالمين (86) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى ~~صراط مستقيم (87) ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط ~~عنهم ما كانوا يعملون (88) # ذكر عظيم المنة على كافتهم- صلوات الله عليهم، وبين أنه لولا تخصيصه ~~إياهم بالتعريف، وتفضيله لهم على سواهم بغاية التشريف، وإلا لم يكن لهم ~~استيجاب ولا استحقاق. # ثم قال: «ذلك هدى الله ### | ....... # يعملون» يعنى لولا حظوا غيرا، أو شاهدوا- من دوننا- شيئا، أو نسبوا شظية ~~من الحدثان- إلى غير قدرتنا- فى الظهور لتلاشى ما أسلفوه من عرفانهم ~~وإحسانهم، فإن ms0330 الله- سبحانه- لا يغفر الشرك بحال، وإن كان (يغفر) «1» ما ~~دونه لمن أراد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 89] # أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا ~~بها قوما ليسوا بها بكافرين (89) . PageV01P487 # يعنى إن أعرض قومك- يا محمد- فليس كل من ( ### | ..... # ) «1» على الجحود أظهرناهم، بل كثير من عبادنا نزهنا- عن الجحود- قلوبهم، ~~وعجنا بماء السعادة طينتهم وهم لا يحيدون عن التوحيد لحظة، ولا يزيغون عن ~~التحصيل شمة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 90] # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ~~ذكرى للعالمين (90) # أولئك الذين طهر الله عن الجحد أسرارهم، ورفع على الكافة أقدارهم، فاقتف- ~~يا محمد- هداهم، فإن من سلك الجادة أمن من العناء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 91] # وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون ~~كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم ~~يلعبون (91) # من توهم أن العلوم «2» تحيط بجلاله فالإحاطة غير سائغة فى نعته، كما أن ~~الإدراك غير جائز فى وصفه، وكما أن الإشراف محال على ذاته. # ثم قال: «قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا» أي سلهم عن الأحوال، ~~وخاطبهم فى معانى أحكام الرسوم والأطلال، فإن بقوا فى ظلمة (الحيرة) «3» ~~فقل: الله تعالى، ثم ذرهم. يعنى صرح بالإخبار عن التوحيد، ولا يهولنك ~~نماديهم فى الباطل، فإن تمويهات الباطل لا تأثير لها فى الحقائق. ~~PageV01P488 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 92] # وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها ~~والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92) # كتاب الأحباب عزيز الخطر جليل الأثر، فيه سلوة «1» عند غلبات الوجد، ومن ~~بقي عن الوصول تذلل للرسول، وقيل: # وكتبك حولى لا تفارق مضجعى ... وفيها شفاء للذى أنا كاتم # كأنى ملحوظ من الجن نظرة ... ومن حوالى الرقى والتمائم # قوله جل ms0331 ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 93] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن ~~قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة ~~باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون (93) # يعنى إن الذين ينزلون منزلة المحدثين، ولم تلق إلى أسرارهم خصائص الخطاب- ~~فالحق- سبحانه عنهم برىء. والمتبع بما لم ينل كلابس ثوبى زور، وفى معناه ~~أنشدوا. # إذا اشتبكت دموع فى خدود ... تبين من بكى ممن تباكى PageV01P489 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 94] # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ~~وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ~~ما كنتم تزعمون (94) # دخلت الدنيا بخرقة، وخرجت منها بخرقة، ألا وتلك الخرقة أيضا ( ### | ..... # ) «1» ، # وما دخلت إلا بوصف التجرد، ولا خرجت إلا بحكم التفرد. ثم الأثقال ~~والأوزار، والأحمال والأوضار لا يأتى عليها حصر ولا مقدار فلا مالكم أغنى ~~عنكم ولا حالكم يرفع منكم، ولا لكم شفيع يخاطبنا فيكم فقد تقطع بينكم، ~~وتفرق وصلكم، وتبدد شملكم، وتلاشى ظنكم، وخانكم- فى التحقيق- وسعكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 95] # إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم ~~الله فأنى تؤفكون (95) # موجد ما فى العالم من الأعيان والآثار والرسوم والأطلال يسلط العدم على ~~ما يريد من مصنوعاته، ويحكم بالبقاء لما يريد من مخلوقاته، فلا لحكمه رد، ~~ولا لحقه جحد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 96] # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز ~~العليم (96) # وكما فلق صبح الكون فأشرقت الأنوار كذلك فلق صبح القلوب فاستنارت به ~~الأسرار، وكما جعل الليل سكنا لتسكن فيه النفوس من كد التصرف عن أسباب ~~المعاش PageV01P490 # كذلك جعل الليل سكنا للأحباب يسكنون فيه إلى روح المناجاة إذا هدأت ~~العيون من الأغيار. # وجعل الشمس والقمر يجريان بحسبان «1» معلوم على حد معلوم، فالشمس بوصفها ~~مذ ms0332 خلقت لم تنقص ولم تزد، والقمر لا يبقى ليلة واحدة على حالة واحدة فأبدا ~~فى الزيادة والنقصان، ولا يزال ينمو حتى يصير بدرا، ثم يتناقص حتى لا يرى، ~~ثم يأخذ فى الظهور، وكذلك دأبه دائما إلى أن تنقض عليه العادة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 97] # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا ~~الآيات لقوم يعلمون (97) # كما أن نجوم السماء يهتدى بها فى الفلوات فكذلك نجوم القلوب يهتدى بها فى ~~معرفة رب الأرضين والسموات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 98] # وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم ~~يفقهون (98) # ذكرهم وصفهم حين خلقهم من آدم عليه السلام. وكما أن للنفوس والأبشار ~~مستقرا ومستودعا فللأسرار والضمائر مستقر ومستودع، فمن عبد مستقر قلبه ~~أوطان الشهوات والمنى، ومن عبد مستقره موقع الزهد والتقى، ومن عبد مستقره- ~~حيث لا مسكن ولا مأوى- وراء الورى «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 99] # وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا ~~نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب ~~والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ~~ذلكم لآيات لقوم يؤمنون (99) PageV01P491 # تجانست أجزاء الأرض وتوافقت أقطار الكون، وتباين النبات فى اللون والطعم ~~واختلفت الأشياء، ودل كل مخلوق بلسان فصيح، وبيان صريح أنه بنفسه غير ~~مستقل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 100] # وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه ~~وتعالى عما يصفون (100) # «1» سدت بصائرهم فاكتفوا بكل منقوص أن يعبدوه، وتلك عقوبة لأرباب الغفلة ~~عن الله تعالى عجلت. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 101] # بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو ~~بكل شيء عليم (101) # البديع الذي لا مثل له، أو هو المنشئ لا على مثال، وكلاهما فى وصفه ~~مستحق. # والواحد يستحيل له الولد لاقتضائه البعضية، والتوحيد ينافيه. # قوله جل ذكره: ms0333 ### | [سورة الأنعام (6) : آية 102] # ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ~~(102) PageV01P492 # تعرف إليهم بآياته، ثم تعرف إليهم بصفاته، ثم كاشفهم بحقائق ذاته. # فقوله: «لا إله إلا هو» تعريف للسادات والأكابر، وقوله: «خالق كل شيء» ~~تعريف للعوام والأصاغر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 103] # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) # قدس الصمدية عن كل لحوق ودرك، فأنى بالإدراك ولا حد له ولا طرف؟! «وهو ~~اللطيف» الذي لا يخفى عليه شىء، «الخبير» الذي أحاط علمه بكل معلوم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 104] # قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم ~~بحفيظ (104) # أوضح البيان وألاح الدليل، وأزاح العلل وأنار السبيل، ولكن قيل: # وما انتفاع أخى الدنيا بمقلته ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 105] # وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (105) # أوقع الفتنة فى قلوبهم فخنست عليهم الأحوال: فمن شبهة داخلتهم ومن حيرة ~~ملكتهم. # ومن تحقيق أدركه قوم، وتعريف توقف على آخرين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 107] # ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ~~(107) # العجب ممن أقر بقصور حاله عن استحقاق المدح ببقائه عن مراده، وكيف يصف ~~معبوده بجواز ألا يرتفع فى ملكه مراده؟! # PageV01P493 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 108] # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا ~~لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) # يعنى خاطبهم بلسان الحجة والتزام الدلائل ونفى الشبهة، ولا تكلمهم على ~~موجب نوازع النفس والعادة، فيحملهم ذلك على ترك الإجلال لذكر الله. # ويقال لا تطابقهم على قبيح ما يفعلون فيزدادوا جرأة فى غيهم، فسيكون فعلك ~~سببا وعلة لزيادة كفرهم وفسقهم. # قوله جل ذكره: كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما ~~كانوا يعملون لبسنا عليهم حقائق الأشياء حتى ظنوا القبيح جميلا، ولم يروا ms0334 ~~لسوء حالتهم تبديلا، فركنوا إلى الهوى، ولم يميزوا بين العوافي والبلا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 109] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند ~~الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) # وعدوا من أنفسهم الإيمان لو شاهدوا البرهان، ولم يعلموا أنهم تحت قهر ~~الحكم، وما يغنى وضوح الأدلة لمن لا تساعده سوابق الرحمة، ولواحق الحفظ ~~بموجبات القسمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 110] # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون (110) # العجب ممن تبقى على قلبه شبهة فى مسألة القدر «1» ، والحق- سبحانه- يقول: ~~PageV01P494 # «ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به» ، لا بل من حقائق التقليب ~~بقاء إشكال هذا الأمر- مع وضوحه- على قلوب من هو من جملة العقلاء، فسبحان ~~من يخفى هذا الأمر مع وضوحه! هذا هو قهر القادر وحكم الواحد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 111] # ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ~~ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) # لأن الآيات وإن توالت، وشموس البرهان وإن تعالت فمن قصمته العزة وكبسته ~~القسمة لم يزده ذلك إلا حيرة وضلالا، ولم يستنجز إلا للشقوة حالا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 112] # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) # كلما كان المحل أعلى كانت البلايا أوفى، والمطالبات أقوى، فلما كانت رتب ~~الأنبياء- عليهم السلام- أشرف كانت العداوة معهم أشد وأصعب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 113] # ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون (113) # وكلت أسماع الكفار باللغو وقلوبهم بالسوء فرضوا لأنفسهم أخس الأنصباء «1» ~~. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 114] # أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) ~~PageV01P495 # قل لهم أترون أنى- بعد ظهور البيان ووضوح البرهان- أذر اليقين، وأوتر ~~التخمين وأفارق الحق، ms0335 وأقارن «1» الحظ؟ إن هذا محال من الظن. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 115] # وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) # تقدست عن التغيير ذاته، وتنزهت عن التبديل صفاته. والتمام ينفى النقصان. ~~وكل نقصان فمن الحدث أصله، وأنى بالنقص- والقدم وصفه؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 116] # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم ~~إلا يخرصون (116) # أهل الله قليلون عددا وإن كانوا كثيرين وزنا وخطرا، وأما الأعداء ففيهم ~~كثرة. # فإن لاحظتهم- يا محمد- فتنوك، وإن صاحبتهم منعوك عن الحق وقلبوك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 117] # إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) # تقاصرت علوم الخلق عن إدراك غيبه إلا بقدر ما عرفهم من أمره، والذي لا ~~يخفى عليه شىء فهو الواحد- سبحانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 118] # فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) # هذا فى حكم التفسير مختص بالذبيحة، وفى معنى الإشارة منع الأكل على ~~الغفلة، فإن من PageV01P496 # أكل على الغفلة فما دامت تلك القوة باقية فيه فخواطره إما هواجس النفس أو ~~وساوس الشيطان. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 119] # وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ~~ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين (119) # يعنى أي شىء عليكم لو تركتم الغفلة؟ وما الذي يضركم لو استدمتم الذكر؟ # وقد تبين لكم الفرق بين أنس الذكر ووحشة الغفلة فى الحال والوقت، (ألا) ~~«1» تعرفوا حكم الثواب والعقاب فى المآل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 120] # وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ~~(120) # ظاهر الإثم ما للأغيار عليه اطلاع، وباطن الإثم هو سر بينك وبين الله، لا ~~وقوف لمخلوق عليه. # ويقال باطن الإثم خفى العقائد و ( ### | .... # ) «2» الألحاظ. # ويقال باطن الإثم ما تمليه عليك نفسك بنوع تأويل. # ويقال باطن الإثم- على لسان أهل المعرفة- الإغماض عما ms0336 لك فيه حظ، ويقال ~~باطن الإثم- على لسان أهل المحبة- دوام التغاضي عن مطالبات الحب وإن بناء ~~مطالبات الحب على التجني والقهر «3» ، قال قائلهم: PageV01P497 # إذا قلت: ما أذنبت؟ قالت مجيبة: # حياتك ذنب لا يقاس به ذنب ويقال أسبغت عليكم النعم ظاهرا وباطنا، فذروا ~~الإثم ظاهرا وباطنا، فإن من شرط الشكر ترك استعمال النعمة فيما يكون إثما ~~ومخالفة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 121] # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) # ما كانت ( ### | .... # ) «1» من الأحوال عاصيا ولربه ناسيا فتوقيه شرط عند أصحاب ( ... ) «2» . # ثم قال: «وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم» فهذا يدل على أن من توقى ذلك ~~اتحدت لله خواطره، وانقطعت عنه خواطر الشيطان. وأصل كل قسوة متابعة ~~الشهوات، ومن تعود متابعتها فليودع صفوة القلب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 122] # أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122) # الإيمان عند هؤلاء القوم حياة القلب بالله. وأهل الغفلة إذ لهم الذكر فقد ~~صاروا أحياء بعد ما كانوا أمواتا، وأرباب الذكر لو اعتراهم نسيان فقد ماتوا ~~بعد الحياة. والذي هو فى أنوار القرب وتحت شعاع العرفان وفى روح الاستبصار ~~لا يدانيه من هو فى (أسر) «3» الظلمات، ولا يساويه من هو رهين الآفات. ~~PageV01P498 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 123] # وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا ~~بأنفسهم وما يشعرون (123) # لبسنا عليهم حقائق التوحيد، وسولت لهم ظنونهم أن بهم شظية من المحو ~~والإثبات فانهمكوا ظانين أنهم يمكرون، وهم فى التحقيق مخادعون، وسيعلمون ~~حين لا ينفعهم علم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 124] # وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا ~~يمكرون (124) # بعد إزاحة العلة، وبيان الحجة، وزوال الشبهة (فالتعلل) «1» باستزادة ~~البصيرة ms0337 (إعلام) «2» عن سوء الأدب، وذلك منهم من التعدي لمساواة من جاء ~~بالاستحقاق بمن جاء بنوع من تسويلات النفس يوجب مقاساة الهوان. وملازمة ~~الحدود، وترك التعدي على الحق قضية التوفيق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 125] # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125) # المسلم لا يتحرك فى باطنه عرق للمنازعة مع التقدير، فإن الإسلام يقتضى ~~تسليم الكل بلا استئثار، ومن استثقل شيئا من التكليف أو بقي منه نفس ~~لكراهية شىء فيعد غير مستسلم لحكمه. # ويقال نور فى البداية هو نور العقل، ونور فى الوسائط هو نور العلم ونور ~~فى النهاية هو PageV01P499 # نور العرفان فصاحب العقل مع البرهان، وصاحب العلم مع البيان، وصاحب ~~المعرفة فى حكم العيان. # ويقال من وجد أنوار الغيب ظهرت له خفايا الأمور فلا يشكل عليه شىء من ~~ذوات الصدور عند ظهور النور، وقال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن ~~فإنه ينظر بنور الله تعالى» . # ويقال أول أثر لأنوار الغيب فى العبد ينبهه إلى نقائص قدره ومساوئ غيه، ~~ثم يشغله عن شهود نفسه مما يلوح لقلبه من شهود ربه، ثم غلبات الأنوار على ~~سره حتى لا يشهد السر بعد ما كان يشهد كالناظر فى قرص الشمس تستهلك أنوار ~~بصره فى شعاع الشمس كذلك تستهلك أنوار البصيرة فى حقائق الشهود، فيكون ~~العبد صاحب الوجود دون الشهود ثم بعده خمود العبد بالكلية، وبقاء الأحدية ~~بنعت السرمدية. # قوله جل ذكره: ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ~~كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون. # وذلك حتى لا يسعى فى غير مراد الحق سبحانه «1» ، وحد البشرية ضيق القلب، ~~وصاحبه فى أسر الحدثان والأعلال، ولا عقوبة أشد من عقوبة الغفلة عن الحق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 126] # وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126) # الصراط المستقيم إقامة العبودية عند تحقق الربوبية فهو ms0338 فرق مؤيد بجمع، ~~وجمع مقيد بشرع، وإثبات للعرفان بغاية الوسع، ونبو عن المخالفات بغاية ~~الجهد، والتحقق بأن المجرى PageV01P500 # واحد لا شريك له، ثم ترك الاعتماد ونفى الاستناد، لا على (حركاته) «1» ~~يعتمد، ولا إلى سكناته يستند، (بل) «2» ينتظر ما يفتح به التقدير، فإن زاغ ~~صاحب الاستقامة لحظة، والتفت يمنة أو يسرة سقط سقوطا لا ينتعش. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 127] # لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) # دار السلام أي دار السلامة، ومن كان في رق شىء من (الأغراض) «3» ~~والمخلوقات لم يجد السلامة، وإنما يجد السلامة من تحرر عن رق المكونات، ~~والآية تشير إلى أن القوم فى الجنة لكنهم ليسوا فى أسر الجنة، بل تحرروا من ~~رق كل مكون. # ويقال من لم يسلم- اليوم- على نفسه وروحه وكل ماله من كل كريمة وعظيمة ~~تسليم وداع لا يجد- غدا- ذلك الفضل، فمن أراد أن يسلم عليه ربه- غدا- ~~فليسلم على (الكون) «4» بجملته، وأولا على نفسه وروحه. # ويقال دار السلام غدا لمن سلم- اليوم- لسانه عن الغيبة، وجنانه عن ~~الغيبة، وأبشاره وظواهره من الزلة، وأسراره وضمائره من الغفلة، وعقله من ~~البدعة، ومعاملته من الحرام والشبهة، وأعماله من الرياء والمصانعة، وأحواله ~~من الإعجاب. # ويقال شرف قدر تلك الدار لكونها فى محل الكرامة، واختصاصها بعندية ~~الزلفة، وإلا فالأقطار كلها ديار، ولكن قيمة الدار بالجار، قال قائلهم: # إنى لأحسد دارا فى جواركم ... طوبى لمن أضحى لدارك جارا # يا ليت جارك يعطينى من داره شبرا ... إذا لأعطيه بشبر دارا» # ويقال: وإن كانت الدار منزهة عن قبول الجار، وليس القرب منه بتدانى ~~الأقطار، فإطلاق هذا اللفظ لقلوب الأحباب مؤنس بل لو جاز القرب فى وصفه من ~~حيث المسافة لم يكن لهذا PageV01P501 # كبير أثر، وإنما حياة القلوب بهذا، لأن حقيقته مقدسة عن هذه الصفات فهو ~~لأجل قلوب الأحباب يطلق هذا ويقع العلماء فى كد التأويل، وهذا هو أمارة ~~الحب، قال قائلهم: # أنا من أجلك حملت الأ ... ذى الذي لا أستطيع # قوله جل ذكره: وهو وليهم بما كانوا يعملون «1» . # هذا شرف قدر تلك ms0339 المنازل حيث قال: «وهو وليهم» لأنه إذا كان- سبحانه- هو ~~وليهم فإن المنازل بأسرها طابت كيفما كانت، قال قائلهم: # أهوى هواها لمن قد كان ساكنها ... وليس فى الدار لى هم ولا وطر # هو وليهم فى دنياهم، ووليهم فى عقباهم، هو وليهم فى أولاهم وفى أخراهم ~~وليهم الذي استولى حديثه على قلوبهم، فلم يدع فيها لغيره نصيبا ولا سوى ~~وليهم الذي هو أولى بهم منهم وليهم الذي آثرهم على أضرابهم وأشكالهم فآثروه ~~فى جميع أحوالهم وليهم الذي تطلب رضاهم، وليهم الذي لم (يكلهم) «2» إلى ~~هواهم، ولا إلى دنياهم، ولا إلى عقباهم. # وليهم الذي بأفضاله يلاطفهم، وبجماله وجلاله يكاشفهم. # وليهم الذي اختطفهم عن كل حظ ونصيب، وحال بينهم وبين كل حميم وقريب، ~~فحررهم عن كل موصوف ومطلوب ومحبوب، وليهم الذي هو مؤنس أسرارهم. # مشاهده معتكف أبصارهم، وحضرته مرتع أرواحهم. # وليهم الذي ليس لهم سواه، وليهم الذي لا يشهدون إلا إياه، ولا يجدون إلا ~~إياه، لا فى بدايتهم يقصدون غيره، ولا فى نهايتهم يجدون غيره، ولا فى ~~وسائلهم يشهدون غيره «3» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 128] # ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من ~~الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم ~~خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) PageV01P502 # يعتذرون فلا يسمع، ويحتجون بما لا ينفع، ولقد كانوا من قبل لو أتوا بأقل ~~منه قبل منهم، لكن سبقت القسمة فحقت لهم الشقوة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 129] # وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) # يعنى نجمع بين الأشكال، فالأولياء مجموعون يستمتع بعضهم ببعض، والأعداء ~~مجموعون يفر بعضهم من بعض. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 130] # يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم ~~لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130) # عرفهم أنه أزاح لهم العلل من حيث التزام الحجة، لكنه حكم لهم بالشقوة فى ~~الأزل، ms0340 (فلبس) «1» عليهم المحجة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 131] # ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (131) # متى يصح فى وصفه توهم الظلم والملك ملكه والخلق خلقه؟ # ومتى يقبح منه تصرف فى شخص بما أراد، والعبد عبده والحكم حكمه؟ ~~PageV01P503 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 132] # ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132) # المحسن فى روح الثواب متنعم، والمذنب فى نوح العذاب متألم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 133] # وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم ~~من ذرية قوم آخرين (133) # «الغني» يشير إلى كشفه، و «ذو الرحمة» يشير إلى لطفه. # أخبرهم بقوله «الغني» عن جلاله، وبقوله: «ذو الرحمة» عن أفضاله فبجلاله ~~يكاشفهم فيفتيهم، وبأفضاله يلاطفهم فيحييهم. # ويقال سماع غناه يوجب محوهم، وسماع رحمته يوجب صحوهم، فهم فى سماع هذه ~~الآية مترددون بين بقاء وبين فناء، وبين إكرام وبين اصطلام، وبين تقريب ~~وبين تذويب، وبين اجتياح وبين ارتياح. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 134] # إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين (134) # الإشارة من هذه الآية إلى قصر الأمل، ومن قصر أمله حسن عمله، وكل ما هو ~~آت فقريب أجله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 135] # قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة ~~الدار إنه لا يفلح الظالمون (135) # هذا غاية الزجر لأنه تهديد وإن كان فى صيغة الأمر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 136] # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم ساء ما يحكمون (136) # PageV01P504 # لما بنوا قاعدة أمرهم على موجب الهوى صارت فروعهم لائقة بأصولهم فهو كما ~~قيل. # إذا كان القضاء إلى ابن آوى ... فتعويل الشهود إلى القرود # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 137] # وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم ~~دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم ms0341 وما يفترون (137) # وسوست إليهم شياطينهم بالباطل فقبلت نفوسهم ذلك إذ الأشكال يتناصرون، ~~فالنفس لا تدعو إلا إلى الأجنبية، لأنها مدعية تتوهم أن منها شيئا، وأصل كل ~~شرك الدعوى، والشيطان لا يوسوس إلا بالباطل والكفر، فهم أعوان يتناصرون. # ثم قال: «ولو شاء الله ما فعلوه» صرح بأن المراد على المشيئة، والاعتبار ~~(بسابق) «1» القضية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 138 الى 139] # وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ~~ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون (138) وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) . ~~PageV01P505 # أخبر عن أشياء ابتدعوها على ما أرادوا، وأمور شرعوها على الوجه الذي ~~اعتادوا، ثم أضافوا ذلك إلى الحق بغير دليل، وشرعوها بلا حجة من إذن رسول، ~~والاشارة فيه أن من (نحانحوهم) «1» فى زيادة شىء فى الدين، أو نقصان شىء من ~~شرع المسلمين فمضاه لهم فى البطلان، ينخرط فى سلكهم فى الطغيان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 140] # قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء ~~على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (140) # فسدت عليهم طريقة الثقة بالله فحملتهم خشية الفقر على قتل الأولاد، ولذلك ~~قال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 141] # وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله ~~والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) # يعنى كما أنشأ فى الظاهر جنات وبساتين كذلك أنشأ فى السر جنات وبساتين، ~~ونزهة القلوب أثم من جنات الظاهر فأزهار القلوب مونقة، وشموس الأسرار ~~مشرقة، وأنهار المعارف زاخرة. # ويقال كما تتشابه الثمار كذلك تتماثل الأحوال، وكما تختلف طعومها ~~وروائحها مع تشاكلها من وجه، فكذلك الأحوال مختلفة القضايا، وإن اشتركت فى ~~كونها أحوالا. # قوله جل ms0342 ذكره: وآتوا حقه يوم حصاده. PageV01P506 # حق الواجب يوم الحصاد إقامة الشكر، فأما إخراج البعض فبيانه على لسان ~~العلم «1» ، وشهود المنعم فى عين النعمة أتم من الشكر على وجود النعمة. # قوله جل ذكره: ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين. # الإسراف- على لسان العلم- مجاوزة الحد. # وعلى بيان الإشارة فالإسراف كل ما أنفقته فى حظ نفسك- ولو كانت سمسمة، ~~وما أنفقته فى سبيله- سبحانه- فليس بإسراف، ولو أربى على الآلاف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 142 الى 144] # ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (142) ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ~~آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن ~~كنتم صادقين (143) ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم ~~الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ~~فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين (144) # يعنى تسخير الحيوانات للإنسان آية مزية فى الفضيلة على المخلوقات. وكما ~~سخر الأعيان للإنسان كذلك سخر الأزمان فى تصريف الحدثان لخواص الإنسان «2» ~~. # قوله جل ذكره: كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ### | ...... # إلى قوله: إن الله لا يهدي القوم الظالمين. # الرزق لا يتخصص بالمأكولات بل هو شائع فى جميع ما يحصل به الانتفاع. # وينقسم الرزق إلى رزق الظواهر ورزق السرائر، ذلك وجود النعم وهذا شهود ~~الكرم بل الخمود فى وجود القدم. # وللقلب رزق وهو التحقيق من حيث العرفان، وللروح رزق وهو المحبة بصدق ~~التحرر عن الأكوان، وللسر رزق وهو الشهود الذي يكون للعبد وهو قرين العيان. ~~PageV01P507 # قوله ثمانية أزواج من الضأن اثنين الإشارة من ذكر الضأن أن يتأدب العبد ~~باستدامة السكون والتزام حسن الخلق، فإن الضانية مستسلمة لمن يلى عليها، ~~فلا بصياحها تؤذى «1» ولا (ب ... وها) «2» ، يعنى كذلك سبيل من وطئ هذا ~~البساط. # وكذلك «فى الإبل آيات» ms0343 منها انقيادها لمن جر زمامها، واستناختها حيثما ~~تناخ بلا نزاع ولا اختيار. ومنها ركوبها عند الحمل، ومنها صبرها على مقاساة ~~العطش، وذوبانها فى السير. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 145] # قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ~~ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) # بين أن الشارع الله، والمانع عن الخلق هو الله، وما كان من غير الله ~~فضائع باطل عند الله. بين أنه إذا جاء الاضطرار زال حكم الاختيار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 146] # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ~~إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا ~~لصادقون (146) . PageV01P508 # بين أن ما حرم عليهم ضيعوه إذ لما لم يعاقبهم عليه لم يشهدوا مكره العظيم ~~فيما ابتدعوه من قبل نفوسهم- فأهملوه ولم يحافظوا عليه، فاستوجبوا عظيم ~~الوزر وأليم الهجر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 147] # فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين (147) # الإشارة منه بيان تخصيص الأولياء بالرحمة، وتخصيص الأعداء بالطرد ~~واللعنة. والصورة الإنسانية جامعة (لهم) «1» ولكن القسمة الأزلية فاصلة ~~بينهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 148] # سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ~~كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ~~إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) # كذبت قالتهم لأنها لم تصدر عن تصديق، فذموا على جهالتهم وإن كانت ( ### | .... # ) «2» # فى التحقيق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 149] # قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) # صرح بأن إرادته- سبحانه- لا تتقاصر عن مراد، وليس عليه اعتراض. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 150] # قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ~~ولا تتبع أهواء الذين ms0344 كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم ~~يعدلون (150) PageV01P509 # أشار إلى أن من تجرد عن برهان يصرحه وبيان (يوضحه) «1» فغير مقبول من ~~فاعله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 151 الى 153] # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ~~ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تعقلون (151) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ~~وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ~~ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تتقون (153) . PageV01P510 # هذه أشياء عشرة تضمنتها هذه الآية أولها الشرك فإنه رأس المحرمات، والذي ~~لا يقبل معه شىء من الطاعات، وينقسم ذلك إلى شرك جلى وشرك خفى فالجلى عبادة ~~الأصنام، والخفى ملاحظة الأنام، بعين استحقاق الإعظام. # والثاني من هذه الخصال ترك العقوق، وتوقير الوالدين بحفظ ما يجب من ~~أكيدات الحقوق. # وبعد ذلك قتل الأولاد خشية الإملاق، وإراقة دمائهم بغير استحقاق. # ثم ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما بدا وما استتر، ويدخل فى ذلك ~~جميع أقسام الآثام. # ثم قتل النفس بغير الحق، وذلك إنما يكون لفقد شفقة الخلق. # ثم مجانبة مال اليتيم والنظر إليه بعين التكريم. # ثم بذل الإنصاف فى المعاملات والتوقي من جميع التبعات «1» ثم الصدق فى ~~القول والعدل فى الفعل. # ثم متابعة السبيل بما تشير إليه لوائح الدليل. # فمن قابل هذه الأوامر بجميل الاعتناق سعد فى داريه وحظى بعظائم منزلته. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 154] # ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة ~~لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) # يهون عليهم مشقة مقاساة التكليف بما ذكر من التعريف بأن الذين كانوا ~~قبلنا كانوا فى الضعف والعجز مثلنا، ثم صبروا ms0345 فظفروا، وأخلصوا فخلصوا. ~~PageV01P511 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 155] # وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155) # إنزال الكتاب عليهم تحقيق للإيجاب، وإذا بقي العبد عن سماع الخطاب تسلى ~~بقراءة الكتاب، ومن لم يجد فى قراءة القرآن كمال العيش والأنس فلأنه يقرأ ~~ترسما لا تحققا «1» قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 156 الى 157] # أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم ~~لغافلين (156) أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد ~~جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ~~سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157) # أزاح كل علة، وأبدى كل وصلة، فلم يبق لك تعللا، ولا فى آثار الالتجاء إلى ~~العذر موضعا. # قوله جل ذكره: فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون ~~عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون. # عقوبة كل جرم مؤجلة، وعقوبة التكذيب معجلة، وهى ما يوجب بقاءهم فى أسر ~~الشك حتى لا يستقر قلبهم على شىء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 158] # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم ~~يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (158) PageV01P512 # أخبر أنه بعد ما (أزاح) «1» لهم العلل اقترحوا ما ليس لهم، و (اغتروا) ~~«2» بطول السلامة لهم، ثم بين أنه إذا أمضى عقوبة عبد حكما فلا معارض ~~لتقديره، ولا مناقض لتدبيره. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 159] # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ~~ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (159) # اتفقوا بأبدانهم وافترقوا بقلوبهم، (فكانوا) «3» مجتمعين جهرا بجهر ~~متفرقين- فى التحقيق- سرا بسر. # قوله: «لست منهم في شيء» . لا نجمعك وإياهم، يعنى شقك شق الحقائق، وشقهم ~~شق الباطل، و (لا اجتماع) «4» للضدين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 160] # من جاء بالحسنة فله ms0346 عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم ~~لا يظلمون (160) # هذه الحسنات للظاهر وأما حسنات القلوب فللواحد مائة إلى أضعاف مضاعفة. # ويقال الحسنة من فضله تعالى تصدر، وبلطفه تحصل، فهو يجرى، ثم يقبل ويثنى، ~~ثم يجازى ويعطى. # ويقال إحسانه- الذي هو التوفيق- يوجب إحسانك الذي هو الوفاق، وإحسانه- ~~الذي هو خلق الطاعة- يوجب لك نعت الإحسان الذي هو الطاعة فالعناء منك فعله ~~والجزاء لك فضله «5» . PageV01P513 # ويقال إحسان النفوس توفية الخدمة، وإحسان القلوب حفظ الحرمة، وإحسان ~~الأرواح مراعاة آداب الحشمة. # ويقال إحسان الظاهر يوجب إحسانه فى السرائر، فالذى منك مجاهدتك، والذي ~~إليك مشاهدتك. # ويقال إحسان الزاهدين ترك الدنيا، وإحسان المريدين رفض الهوى، وإحسان ~~العارفين قطع المنى، وإحسان الموحدين التخلي عن الدنيا والعقبى، والاكتفاء ~~بوجود المولى. # ويقال إحسان المبتدئين الصدق فى الطلب، وإحسان أصحاب النهاية حفظ الأدب، ~~فشرط الطلب ألا يبقى ميسور إلا بذلته، وشرط الأدب ألا تسمو لك همة إلى شىء ~~إلا قطعته وتركته. # ويقال للزهاد والعباد، وأصحاب الأوراد وأرباب الاجتهاد جزاء محصور معدود، ~~ولأهل المواجيد لقاء غير مقطوع ولا ممنوع. # قوله جل ذكره: ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون. # يعنى (يكال) «1» عليه بالكيل الذي يكيل، ويوقف حيث يرضى لنفسه بأن يكون ~~له موقفا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 161] # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان ~~من المشركين (161) # أرشده إلى الطريق الصحيح. ولا يكون الإرشاد إليه إلا بانسداد الطرق أجمع ~~إلى ما سواه. # ومن وجد سبيلا إلى مخلوق عرج في أوطان الحسبان لأن الأغيار ليس لها من ~~الإبداع شظية، ومن سلك إلى مخلوق سبيلا وأبرم فيهم تأميلا أو قدم عليهم ~~تعويلا، فقد استشعر تسويلا، وجرع تضليلا. PageV01P514 # و «الصراط المستقيم» ألا ترى من دونه مثبتا لذرة ولا سنة. # و «الدين القيم» ما لا تمثيل فيه ولا تعطيل، ولا نفى للفرق الذي يشير إلى ~~العبودية، ولا رد للجمع الذي هو شهود الربوبية «1» . # والحنيف المائل إلى الحق، الزائغ عن الباطل، الحائل عن ضد الحقيقة. ms0347 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 162 الى 163] # قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162) لا شريك له وبذلك ~~أمرت وأنا أول المسلمين (163) # من كوشف بحقائق التوحيد شهد أن القائم عليه والمجرى عليه والممسك له ~~والمنقل إياه من وصف إلى وصف، و ( ### | .... # ) «2» عليه فنون الحدثان- واحد لا يشاركه قسيم، وماجد لا يضارعه نديم. # ويقال من علم أنه بالله علم أنه لله، فإذا علم أنه لله لم يبق فيه نصيب ~~لغير الله فهو مستسلم لحكم الله، لا معترض على تقدير الله، ولا معارض ~~لاختيار الله، ولا معرض عن اعتناق أمر الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 164] # قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164) . ~~PageV01P515 # كيف أوثر عليه بدلا وإنى لا أجد عن حكمه حولا، وكيف أقول بغير أو ضد أو ~~شريك؟ أو أقول يدونه معبود أو مقصود؟ وإن لاحظت يمنة ما شاهدت إلا ملكه، ~~وإن طالعت يسرة ما عاينت إلا ملكه! بل إنى إن نظرت يمنة شهدت يمنه، وإن ~~نظرت يسرة وجدت نحوى يسره «1» ! قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنعام (6) : آية 165] # وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما ~~آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (165) # صير التوبة إليكم، وقصر حكم عصركم عليكم، فأنتم المقصودون اليوم دون من ~~هو سواكم. ثم إنه جعلكم أصنافا، وخلقكم أخيافا «2» فمن مسخر له، مرفه، ~~مروح، يتعب لأجله كثير. ومن معني، وذى مشقة أدير عليه رأسه. وجاء البلاء ~~ليختبركم فيما آتاكم، ويمتحنكم فيما أعطاكم. إن حسابه لكم لاحق، وحكمه فيكم ~~سابق. والله أعلم. ### | السورة التي يذكر فيها الأعراف # «بسم الله الرحمن الرحيم» الباء مكسورة فى نفسها وعملها الخفض لأنها من ~~الحروف الجارة للأسماء، وهى صغيرة القامة فى الخط، ونقطها الذي تتميز به عن ~~غيرها واحد وهو نهاية القلة، ثم موضع هذه النقطة أسفل الحرف، فهى تشير إلى ms0348 ~~التواضع والخضوع بكل وجه. # والسين «من بسم الله» حرف ساكن فالإشارة من الباء ألا تذر- فى الخضوع ~~والتذلل، والجهد والتوسل- ميسورا، ثم تسكن منتظرا للتقدير، فإن من القبول ~~بفضله PageV01P516 # فذلك المأمول، وإن رد بحكم فله الحكم، فتوافق تقديره بالموافقة فى الرضا ~~به، إذا الميم تشبر إلى منته إن شاء، ثم إلى موافقتك لتقديره بالرضا به إن ~~لم يمن. # ويقال الباء تشير إلى بيان قلوب أهل الحقائق بلطائف المكاشفات بما يختصهم ~~الحق- سبحانه- بذلك من دون الخلق، فهم على بيان مما يخفى على الخلق، فالغيب ~~لهم كشف، والخبر لهم عيان، وما للناس علم فلهم وجود. # والسين تشير إلى سرور قلوبهم عند تقريبات البسط بما ( ### | .... # ) «1» فيه من وجوه المراعاة! وصنوف لطائف المناجاة، فهم فى جنات النعيم، ~~وعيش بسط وتكريم، ودوام روح مقيم. # والميم تشير إلى محبة الحق- سبحانه- لهم بدءا فإنها هى الموجبة لمحابهم، ~~إذ عنها صدر كل حب فبمحبته لهم أحبوه، وبقصده إليهم طلبوه، وبإرادته لهم ~~أرادوه. # ويقال نزهة أسرار الموحدين فى الإناخة بعقوة بسم الله، فمن حل تلك الساحة ~~رتع فى حدائق القدس، واستروح إلى نسيم الأنس. # ويقال بسم الله موقف الفقراء بقلوبهم فللأغنياء موقفهم عرفات، وللفقراء ~~موقفهم المكاشفات والمشاهدات. # ويقال قالة «بسم الله» ربيع الأحباب أزهارها لطائف الوصلة، ونورها زوائد ~~القربة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # المص (1) # هذه الحروف من المتشابه فى القرآن على طريقة قوم من السلف، والحق- ~~سبحانه- مستأثر بعلمها دون خلقه. وعلى طريقة قوم فلها معان تعرف، وفيها ~~إشارات إلى أشياء توصف: فالألف تشير إلى ألفة الأرواح العطرة أصابت الشكلية ~~مع بعض الأرواح العطرة، فهى- فى التحقيق- فى ذلك المعنى كالمتحدة فمنه تقع ~~الألفة بين المتشاكلين، ولأجل اتحاد المقصود يتفق القاصدون. # ويقال ألف القلب حديثه فلم يحتشم من بذل روحه. PageV01P517 # ويقال الألف تجرد من قصده عن كل غير فلم يتصل بشىء، وحين استغنى عن كل ~~شىء اتصل به كل شىء على جهة الاحتياج إليه. # ويقال صورة اللام كصورة الألف ولكن لما اتصلت بالحروف تعاقبتها الحركات ~~كسائر الحروف فمرة أصبحت مفتوحة، ms0349 ومرة (مسكونة) «1» ، ومرة مرفوعة، وأما ~~الألف التي هى بعيدة عن الاتصال بالعلاقات (فباقية على وصف التجرد عن تعاقب ~~الحركات عليها فهى على سكونها الأصلى) «2» . # وأما الصاد فتشير إلى صدق أحوال المشتاقين فى القصد، وصدق أحوال العارفين ~~فى الوجد، وتشير إلى صدق قلوب المريدين وأرباب الطلب، إذ العطش نعت كل ~~قاصد، كما أن الدهشة وصف كل واجد. # ويقال الصاد تبدى محبة للصدور وهو بلاء الأحباب. # ويقال الصاد تطالبك بالصدق فى الود، وأمارة الصدق فى الود بلوغ النهاية ~~والكمال، حتى لا يزيد بالبر، ولا ينقص بالمنع. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 2] # كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين (2) # كتاب الأحباب تحفة الوقت، وشفاء لمقاساة ألم البعد، وهو لداء الضنى مزيل، ~~ولشفاء الشك مقيل، وقال تعالى: «فلا يكن في صدرك حرج منه» ولم يقل: فى قلبك ~~فإن قلبه- عليه السلام- فى محل الشهود، ولذلك قال: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك ~~بما يقولون» «3» وكذلك قال موسى عليه السلام: «رب اشرح لي صدري» «4» . وقال ~~للمصطفى صلوات الله PageV01P518 # عليه: «ألم نشرح لك صدرك» «1» . فإن القلب فى محل الشهود، وهو أبدا بدوام ~~أنس القرب، قال صلى الله عليه وسلم: «تنام عينى ولا ينام قلبى» » # وقال: «أسألك لذة النظر» «3» وصاحب اللذة لا يكون له حرج. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 3] # اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ~~(3) # استسلموا لمطالبات التقدير، قفوا حيثما وقفتم، وتحققوا بما عرفتم، ~~وطالعوا بما كوشفتم، ولا تلاحظوا غيرا، ولا تركنوا إلى علة، ولا تظنوا أن ~~لكم من دونه وسيلة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 4 الى 5] # وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4) فما كان ~~دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5) # يعنى كم من قرية ركنوا إلى الغفلة، واغتروا بطول المهلة باتوا فى (خفض) ~~«4» الدعة وأصبحوا وقد صادفتهم البلايا بغتة، وأدركتهم القضية فجأة، فلا ~~بلاء كشف عنهم، ولا دعاء سمع لهم، ms0350 ولا فرار نفعهم، ولا صريخ أنقذهم. فما ~~زالوا يفزعون إلى الابتهال، ويصيحون: # الويل! ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون من مس السوء؟! بادوا وكأنه لا عين ~~ولا أثر، ولا لأحد منهم (خبر) «5» . تلك سنة الله فى الذين خلوا من ~~الكافرين، وعادته فى الماضين من الماردين. PageV01P519 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 6] # فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين (6) # «فلنسئلن الذين أرسل إليهم» : سؤال تعنيف وتعذيب. # «ولنسئلن المرسلين» : سؤال تشريف وتقريب. # «فلنسئلن الذين أرسل إليهم» عن القبول فيتقنعون بذل الخجل. # «ولنسئلن المرسلين» عن البلاغ فيتكلمون ببيان الهيبة، فالكل بسمة ~~العبودية والتوقير، والحق بنعت الكبرياء والتقدير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 7] # فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين (7) # فلنخبرنهم يوم الفصل ما هم عليه اليوم، ونوقفهم على ما أسلفوه، ونقيمنهم ~~فى مقام الصغار ومحل الخزي، وسيعلمون أنه لم يغب عن علمنا صغير ولا كبير. # ويقال أجرى الحق- سبحانه- سنته بتخويف العباد بعلمه مرة كما خوفهم ~~بعقوبته تارة فقال تعالى: «واتقوا يوما» «1» يعنى العذاب الواقع فى ذلك ~~اليوم، وقال فى موضع آخر: # «ويحذركم الله نفسه» «2» وهذا أبلغ فى التخويف، وقال «ألم يعلم بأن الله ~~يرى» «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 8 الى 9] # والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8) ومن خفت ~~موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (9) # يزن أعمالهم بميزان الإخلاص، وأحوالهم بميزان الصدق. فمن كانت أعمالهم ~~بالرياء PageV01P520 # مصحوبة لم يقبل أعمالهم، ومن كانت أحوالهم بالاعجاب مشوبة لم يرفع ~~أحوالهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 10] # ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون (10) # سهلنا عليكم أسباب المعيشة، ويسرنا لكم أحوال التصرف، ثم أراد منكم أن ~~تتخذوا إليه سبيلا، ولم يعتص عليه مراد. # «قليلا ما تشكرون» لاستعمالكم- فى الخلاف- أبدانكم، ولإنفاقكم- بالإسراف- ~~أحوالكم، ولاستغراقكم- فى الحظوظ- أوقاتكم. فلا نعمة الفراغ شكرتم، ولا من ~~مس العقوبة شكوتم ... خسرتم وما شعرتم! قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 11] # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ~~لم يكن من الساجدين (11) # ثبتناكم ms0351 على النعت الذي أردناكم، وأقمناكم فى الشواهد التي اخترنا لكم ~~فمن قبيح صورته خلقا ومن مليح، ومن سقيم حالته خلقا «1» ، ومن صحيح. ثم إنا ~~نعرفكم سابق أيادينا إلى أبيكم، ثم لاحق خلافه بما بقي عرق منه فيكم، ثم ما ~~علمنا به (من مكان يحسدكم) «2» ويعاديكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 12] # قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين (12) # أي لولا قهر الربوبية جرى عليك وإلا فما موجب امتناعك عن السجود لآدم لو ~~كنت تعظم أمرى؟ فيتحقق الموحدون أن موجب امتناعه عن السجود الخذلان الحاصل، ~~ولو ساعده التوفيق لم يبرح بعد من السجود. PageV01P521 # قال: «أنا خير منه» ادعى الخيرية، وكان الواجب عليه- لولا الشقوة- أن ~~يؤثر التذلل على التكبر، لا سيما والخطاب الوارد عليه من الحق. # ثم إنه وإن سلك طريق القياس فلا وجه له مع النفس لأنه بحظ، فلم يزده ~~قياسه إلا فى استحقاق نفيه إذ ادعى الخيرية بجوهره «1» ، ولم يعلم أن ~~الخيرية بحكمه- سبحانه- وقسمته. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 13] # قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) # فارق بساط القربة فإن التكبر والترفع على البساط ترك للأدب، وترك الأدب ~~يوجب الطرد. # ويقال من رأى لنفسه محلا أو قيمة فهو متكبر، والمتكبر بعيد عن الحق ~~سبحانه، ورؤية المقام قدح فى الربوبية إذ لا قدر لغيره تعالى، فمن ادعى ~~لنفسه محلا فقد نازع الربوبية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 14 الى 15] # قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) قال إنك من المنظرين (15) # أجاب دعاءه فى الحال ولكن كان ذلك مكرا به لأنه مكنه من مخالفة أمره إلى ~~يوم القيامة، فلم يزده بذلك التمكين إلا شقوة. ليعلم الكافة أنه ليس كل ~~إجابة للدعاء نعمة ولطفا بل قد تكون بلاء ومكرا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 16] # قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) # جاهر الحقيقة بالخلاف بعد ما أظهر من نفسه غاية الخلوص فى العبودية، فعلم ~~أن جميع ما ms0352 كان منه فى (سالف) «2» حاله لم يصدر عن الإخلاص والصدق. ~~PageV01P522 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 17] # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد ~~أكثرهم شاكرين (17) # أخبر أنه يأخذ عليهم جوانبهم، ويتسلط عليهم من جميع جهاتهم، ولم يعلم أن ~~الحق سبحانه قادر على حفظهم عنه، فإن ما يكيد بهم من القدرة حصل، وبالمشيئة ~~يوجد، ولو كان الأمر به أو إليه لكان أولى الخلق بأن يؤثر فيه كدحه نفسه، ~~وحيث لم ينفعه جهده فى سالف أحواله لم يضرهم كيده بما توعدهم به من سوء ~~أفعاله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 18] # قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين (18) # أخرجه من درجته، ومن حالته ورتبته، ونقله إلى ما استوجبه من طرده ولعنته، ~~ثم تخليده أبدا فى عقوبته، ولا يذيقه ذرة من برد رحمته، فأصبح وهو مقدم على ~~الجملة، وأمسى وهو أبعد الزمرة، وهذه آثار قهر العزة. فأى كبد يسمع هذه ~~القصة ثم لا يتفتت؟!. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 19] # ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين (19) # لما أسكن آدم الجنة خلق معه سبب الفتنة، وهو ما أكرمه به من الزوجة. وأي ~~نقص يكون فى الجنة لو لم يخلق فيها تلك الشجرة التي هى شجرة المحنة لولا ما ~~أخفى من سر القسمة؟. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 20] # فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20) # نسبته ما حصل منهما إلى الشيطان من أمارات العناية، كانت الخطيئة منهما ~~لكنه تعالى قال: «فوسوس لهما الشيطان» . # PageV01P523 # ويقال التقى آدم بإبليس بعد ذلك فقال له: يا شقى! وسوست إلى وفعلت!، فقال ~~إبليس لآدم. يا آدم! هب أنى كنت إبليسك فمن كان إبليسى!؟. # قوله جل ذكره: ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما. # وفى ذلك دلالة على عناية زائدة ms0353 حيث قال: «ليبدي لهما» فلم يطلع على ~~سوأتهما غيرهما. # قوله جل ذكره: وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو ~~تكونا من الخالدين. # تاقت أنفسهما إلى أن يكونا ملكين- لا لأن رتبة الملائكة كانت أعلى من ~~رتبة آدم عليه السلام- ولكن لانقطاع الشهوات والمنى عنهما. # ويقال لما طمعا فى الخلود وقعا فى الخمود، ووقعا فى البلاء والخوف وأصل ~~كل محنة الطمع. # ويقال إذا كان الطمع فى الجنة- وهى دار الخلود- أوجب كل تلك المحن فالطمع ~~فى الدنيا- التي هى دار الفناء- متى يسلم صاحبه من ذلك؟ ويقال إن يكونا ~~إنما ركنا إلى الخلود فلا لنصيب أنفسهما، ولكن لأجل البقاء مع الله تعالى، ~~وهذا أولى لأنه يوجب تنزيه محل النبوة. وقيل ساعات الوصال قصيرة وأيام ~~الفراق طويلة، فما لبثا فى دار الوصلة إلا بعضا من النهار دخلا ضحوة النهار ~~وخرجا نصف النهار! ويقال إن الفراق عين تصيب أهل الوصلة، وفى معناه قال ~~قائلهم: # إن تكن عين أصابتك فما ... إلا لأن العين تصيب الحسنا # ويقال حين تمت لهما أسباب الوصلة، ووطنا نفوسهما على دوام القربة بدا ~~الفراق من مكامنه فأباد من شملهما (ما) «1» انتظم، كما قيل: PageV01P524 # حين تم الهوى وقلنا سررنا ... وحسبنا من الفراق أمنا # بعث البين رسله فى خفاء ... فأبادوا من شملنا ما جمعنا # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 21 الى 22] # وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت ~~لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما ~~عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (22) # (حسن ظن آدم- عليه السلام- حمله على سكون قلبه إلى يمين العدو لأنه لم ~~يخطر بباله أن يكذب فى يمينه بالله، ثم لما بان له أنه دلاهما بغرور تاب ~~إلى الله بصدق الندم، واعترف بأنه أساء وأجرم، فعلم- سبحانه- صدقه فيما ~~ندم، فتداركه بجميل العفو والكرم) «1» قوله جل ذكره: فلما ذاقا الشجرة بدت ~~لهما سوآتهما. # لم يحصل استيفاء من الأكل والاستمتاع به للنفس حتى ظهرت تباشير العقاب، ~~وتنغص الحال، وكذا صفة من ms0354 آثر على الحق- سبحانه- شيئا يبقيه عنه، فلا يكون ~~له بما آثر استمتاع. وكذلك من ادخر عن الله- سبحانه- نفسه أو ماله أو شيئا ~~بوجه من الوجوه- لا يبارك الله فيه، قال تعالى فى صفة الأعداء: «خسر الدنيا ~~والآخرة» . # ويقال لما بدت سوأتهما احتالا فى الستر، وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة فبعدما كانت كسوتهما حلل الجنة ظلا يستتران بورق الجنة، كما قيل: # لله درهم من فتية بكروا ... مثل الملوك، وراحوا كالمساكين # وأنشدوا: لا تعجبوا لمذلتى فأنا الذي ... عبث الزمان بمهجتي فأذلها # ثم إن آدم عليه السلام لم يساعده الإمكان فى الاستتار بالورق إذ كانت ~~الأشجار أجمع كلها تتطاول وتأبى أن يأخذ آدم- عليه السلام- شيئا من ~~أوراقها. وقبل ذلك كان لا يلاحظ الجنة فكان يتيه على الكون بأسره ولكنه صار ~~كما يقال: # وكانت- على الأيام- نفسى عزيزة ... فلما رأت صبرى على الذل ذلت ~~PageV01P525 # ولما أخرج آدم من الجنة وأسكن الأرض كلف العمل والسعى والزرع والغرس، ~~وكان لا يتجدد له حال إلا تجدد بكاؤه، وجبريل- عليه السلام- يأتيه ويقول: ~~«أهذا الذي قيل لك: «إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى» ؟ # فلم تعرف قدره. «فذق جزايا خلافك» فكان يسكن عن الجزع. ويقال بل الحكم ~~بالخنوع كما قيل: # وجاشت إلى النفس أول مرة ... وزيدت على مكروهها فاستقرت # قوله جل ذكره: وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم ~~أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين. # كانت لا تصل يده إلى الأوراق حين أراد قطافها ليخصفها على نفسه، فلو لم ~~تصل يده إلى تلك الشجرة- التي هى شجرة المحنة- لكان ذلك عناية بشأنه، ولكن ~~وصلت يده إلى شجرة المحنة، تتمة للبلاء والفتنة، ولو لم تصل يده إلى شجرة ~~الستر- إبلاغا فى القهر- لما خالف الأمر، ولما حصل ما حصل. # «وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة» : فكان ما داخلهما من الخجل ~~أشد من كل عقوبة لأنهما لو كانا فى الغيبة عند سماع النداء فإن الحضور يوجب ~~الهيبة، فلما ناداهما بالعتاب حل بهما من الخجل ما حل، وفى معناه أنشدوا: # واخجلتا من وقوفي وسط ms0355 دارهم ... إذ قال لى مغضبا: من أنت يا رجل؟. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 23] # قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) # اعترفا بالظلم جهرا، وعرفا الحكم فى ذلك سرا فقولهما: «ربنا ظلمنا ~~أنفسنا» اعتراف بالظلم من حيث الشريعة، وعرفان بأن المدار على الحكم من حيث ~~الحقيقة، فمن لم يعترف بظلم الخلق طوى الشريعة «1» ، ومن لم يعرف جريان حكم ~~الحق فقد جحد الحقيقة، PageV01P526 # فلما أقرا بالظلم قالا: «وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين» ~~نطقا على عين التوحيد حيث لم يقولا بظلمنا خسرنا، بل قالا: فعلنا فإن لم ~~تغفر لنا خسرنا، فبترك غفرانك تخسر لارتكاب ظلمنا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 24] # قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24) # أهبطهم، ولكنه أهبط إبليس عن رتبته فوقع فى اللعنة، وأهبط آدم عن بقعته ~~فتداركته الرحمة. # ويقال لم يخرج آدم عليه السلام من رتبة الفضيلة وإن أخرج عن دار الكرامة، ~~فلذلك قال الله تعالى: «ثم اجتباه ربه» وأما إبليس- لعنة الله عليه- فإنه ~~أخرج من الحالة والرتبة فلم ينتعش قط عن تلك السقطة. # قوله جل ذكره: ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين. # «ولكم في الأرض مستقر» هذا عام «ومتاع إلى حين» : أراد به إبليس على ~~الخصوص. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 25] # قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (25) # أخبر أنه يستقبلهم اختلاف الأحوال فى الدنيا، ويتعاقب عليهم تفاوت ~~الأطوار، فمن عسر ومن يسر، ومن خير ومن شر، ومن حياة ومن موت، ومن ظفر ومن ~~فوت ... # إلى غير ذلك من الأحوال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 26] # يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك ~~خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26) # سترناكم عن الأسباب الظاهرة، ويسرنا لكم ما تدفعون به صنوف المضار عنكم ~~بما مكنا لكم من وجوه المنافع. # PageV01P527 # ثم قال: «ولباس التقوى ذلك خير» فإن اللباس الظاهر بقي آفات الدنيا، ~~ولباس التقوى يصون ms0356 عن الآفات التي توجب سخط المولى، ولباس التقوى بجميع ~~أجزاء العبد وأعضائه. وللنفس لباس من التقوى وهو بذل الجهد والروح والقلب، ~~لباس من التقوى وهو صدق القصد بنفي الطمع. وللروح لباس من التقوى وهو ترك ~~العلائق وحذف العوائق. # وللسر لباس من التقوى وهو نفى المساكنات والتصاون من الملاحظات. # ويقال تقوى العباد ترك الحرام، وتقوى العارفين نفى مساكنة الأنام. ويقال ~~للعوام التقوى، وللخواص لباس التقوى عن شهود التقوى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 27] # يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (27) # من أصغى إلى وساوس نفسه بأسماع الهوى وجد الشك بين وسواس الشيطان وهاجس ~~النفس، ويتناصر الوسواس والهاجس وتصير خواطر القلب وزواجر العلم مغمورة ~~مقهورة- فعن قريب تشمل تلك الهواجس والوساوس صاحبها، وينخرط فى سلك موافقة ~~الهوى فيسقط فى مهواة الزلة، فإذا لم يحصل تدارك بوشيك التوبة صارت الحالة ~~قسوة فى القلب، وإذا قسا القلب فارقته الحياة وتم له البلاء. # قوله جل ذكره: إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين ~~أولياء للذين لا يؤمنون. # لا يحصل للعبد احتراس من رؤية الشيطان إياه وهو عنه غائب إلا برؤية العبد ~~للحق- سبحانه- بقلبه، فيستغيث إليه من كيده، فيدخله- سبحانه- فى كنف عنايته ~~فيجد الخلاص من مكر الشيطان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 28] # وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله ~~لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (28) # PageV01P528 # استروحوا فى التعلل إلى سلوكهم نهج أسلافهم، فاستمسكوا بحبل واه فزلت بهم ~~أقدام الغرور، وقعوا فى وهدة المحنة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 29 الى 30] # قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ~~كما بدأكم تعودون (29) فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا ~~الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون (30) # القسط العدل، ويقع ذلك فى حق الله ms0357 تعالى، وفى حق الخلق، وفى حق نفسك ~~فالعدل فى حق الله الوقوف على حد الأمر من غير تقصير فى المأمور به أو ~~إقدام على المنهى عنه، ثم ألا تدخر عنه شيئا مما خولك، ثم لا تؤثر عليه ~~شيئا فيما أحل لك. وأما العدل مع الخلق- فعلى لسان العلم- بذل الإنصاف، ~~وعلى موجب الفتوة ترك الانتصاف. وأما العدل فى حق نفسك فإدخال العتق عليها، ~~وسد أبواب الراحة بكل وجه عليها، والنهوض بخلافها على عموم الأحوال فى كل ~~نفس. # قوله جل ذكره: وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين. # الإشارة منه إلى استدامة (شهوده فى كل حالة، وألا تنساه لحظة فى كل ما ~~تأتيه وتذره وتقدمه) «1» وتؤخره. # قوله جل ذكره: كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم ~~اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون. # من كانت قسمته- سبحانه- له بالسعادة كانت فطرته على السعادة، وكانت حالته ~~بنعت السعادة، ومن كانت حالته بنعت السعادة كانت عاقبته إلى السعادة، ومن ~~كانت القسمة له بالعكس فالحالة بالضد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«من كان بحالة لقى الله بها» . PageV01P529 # وجملة العلم بالقضاء والقدر أن يتحقق أنه علم ما يكون أنه كيف يكون، ~~وأراد أن يكون كما علم. وما علم ألا يكون- مما جاز أن يكون أراده ألا يكون- ~~أخبر أنه لا يكون. # وهو على وجه الذي أخبر، وقضى على العبد وقدر أجرى عليه ما سبق به الحكم، ~~وعلى ما قضى عليه حصل العبد على ذلك الوصف.. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 31] # يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين (31) # على لسان العلم: يجب ستر العورة فى الصلاة، وعلى موجب الإشارة: زينة ~~العبد بحضور الحضرة، ولزوم السدة، واستدامة شهود الحقيقة. # ويقال زينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود ~~فالعابد على الباب بنعت العبودية، والعارف على البساط بحكم الحرية. وشتان ~~بين عبد وعبد! قوله جل ذكره: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا ms0358 يحب ~~المسرفين. # الإسراف ما تناولته لك ولو بقدر سمسمة. # ويقال الإسراف هو التعدي عن حد الاضطرار فيما يتضمن نصيبا لك أو حظا بأى ~~وجه كان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 32] # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ~~(32) # الإشارة منها إلى زينة السرائر فزينة العابدين آثار التوفيق، وزينة ~~الواجدين أنوار التحقيق، وزينة القاصدين ترك العادة، وزينة العابدين حسن ~~العبادة. # PageV01P530 # ويقال زينة النفوس صدار الخدمة، وزينة القلوب حفظ الحرمة، وزينة الأرواح ~~الإطراق بالحضرة باستدامة الهيبة والحشمة. # ويقال زينة اللسان الذكر وزينة القلب الشكر. # ويقال زينة الظاهر السجود وزينة الباطن الشهود. # ويقال زينة النفوس حسن المعاملة من حيث المجاهدات، وزينة القلوب دوام ~~المواصلة من حيث المشاهدات. # ومعنى قوله: «قل من حرم زينة الله التي ### | .... # » يعنى إن الله لم يمنع هذه الزينة عمن تعرض لوجدانها، فمن تصدى لطلبها ~~فهى مباحة له من غير تأخير قصود. # قوله جل ذكره: والطيبات من الرزق. # أرزاق النفوس بحكم أفضاله سبحانه، وأرزاق القلوب بموجب إقباله تعالى. # ويقال أرزاق المريدين إلهام ذكر الله، وأرزاق العارفين الإكرام بنسيان ما ~~سوى الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 33] # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ~~وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ~~(33) # ما ظهر منها الزلة، وما بطن منها الغفلة. # ويقال ما ظهر منها كان بنسيان الشريعة، وما بطن بإشارة الحقيقة. # ويقال لقوم ترك الرخص يكون علة، والأولى بهم والأفضل لهم الأخذ به. وقوم ~~لو ركنوا إلى الرخص لقامت عليهم القيامة. # ويقال فاحشة الخواص تتبع ما لأنفسهم فيه نصيب ولو بذرة أو سنة. # ويقال فاحشة الأحباب الصبر على المحبوب «1» PageV01P531 # ويقال فاحشة الأحباب أن تبقى حيا وقد منيت بالفراق، قال قائلهم: # لا عيش بعد فراقهم ... هدا هو الخطب الأجل # ويقال فاحشة قوم أن يلاحظوا غيرا بعين الاستحقاق، ms0359 قال قائلهم: # يا قرة العين سل عينى هل اكتحلت ... بمنظر حسن مذغبت عن عينى؟ # ويقال فاحشة قوم أن تبقى لهم قطرة من الدمع ولم يسكبوها للفرقة، أو يبقى ~~لهم نفس لم يتنفسوا به فى حسرة، وفى معناه أنشدوا: # لئن بقيت فى العين منى دمعة ... فإنى إذا فى العاشقين دخيل # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 34] # ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (34) # لكل قوم مدة مضروبة، فإذا تناهت تلك المدة زالت تلك الحالة فلنعمة ~~المترفين مدة، فإذا زالت فليس بعدها إلا الشدة، ولمحنة المستضعفين مدة فإذا ~~انقضت تلك المدة زالت تلك الشدة. # ويقال إذا سقط قرص الشمس زال سلطان النهار فلا يزداد بعده إلا تراكم ~~الظلمة، فإذا ارتحلت عساكر الظلام بطلوع الفجر فبعد ذلك لا تبقى فيه للنهار ~~تهمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 35] # يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون (35) # إذا أتاكم الرسل فلا تركنوا إلى مجوزات الظنون، واحملوا الأمر على الجد ~~فإنا- مع استغنائنا عن الأغيار، وتقدسنا عن المنافع والمضار- نطالب بالقليل ~~والكثير، ونحاسب على النقير والقطمير. # PageV01P532 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 36] # والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(36) # من قابل ربوبيتنا بالجحد، وحكمنا بالرد، لقى الهوان، وقاسى الآلام ~~والأحزان، ثم العجز يلجئه إلى الخنوع، ولكن بعد ألا ينفع ولا يسمع «1» قوله ~~جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 37] # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من ~~الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله ~~قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (37) # يصيبهم من الكتاب ما سبق لهم به الحكم، فمن جرى بسعادته الحكم وقع عليه ~~رقم السعادة، ومن سبق بشقاوته الحكم حق عليه علم الشقاوة. # ويقال من سبقت له قسمة السعادة فلو وقع فى قعر اللظى تداركته العناية ~~وأخرجته الرحمة، ومن سبقت له ms0360 قسمة الشقاوة.. فلو نزل الفراديس تداركته ~~السخطة وأخرجته اللعنة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 38 الى 39] # قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت ~~أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء ~~أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون (38) وقالت ~~أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ~~(39) PageV01P533 # آثار إعراض الحق عنهم أورثت لهم وحشة الوقت تبرم بعضهم ببعض، وضاق كل ~~واحد منهم عن كل شىء حتى عن نفسه، فدعا بعضهم على بعض، وتبرأ بعضهم من بعض، ~~وكذلك صفة المطرودين. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 40] # إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (40) # فلا دعاؤهم يسمع، ولا بكاؤهم ينفع، ولا بلاؤهم يكشف، ولا عناؤهم يرفع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 41] # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين (41) # كما أحاطت العقوبات بهم فى الدنيا فتدنس بالغفلة باطنهم، وتلوث بالزلة ~~ظاهرهم «1» ، فكذلك أحاطت العقوبات بجوانبهم فمن فوقهم عذاب ومن تحتهم ~~عذاب، وكذلك من جوانبهم فى القلب من ضيق العيش واستيلاء الوحشة ما يفى ~~ويزيد على الكل. PageV01P534 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 42] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون (42) # رفعنا عن ظاهرهم وباطنهم كلفة العمل فيسرنا عليهم الطاعات بحسن التوفيق، ~~وخففنا عنهم العبادات بتقليل التكليف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 43] # ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ~~ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون (43) # طهرنا قلوبهم من كل غش، واستخلصنا أسرارهم عن كل آفة. وطهر قلوب العارفين ~~من كل حظ وعلاقة، كما طهر قلوب الزاهدين عن كل ms0361 رغبة ومنية، وطهر قلوب ~~العابدين عن كل تهمة وشهوة، وطهر قلوب المحبين عن محبة كل مخلوق وعن غل ~~الصدر- كل واحد على قدر رتبته. # ويقال لما خلق الجنة وكل ترتيبها إلى رضوان، والعرش ولى حفظه إلى الجملة ~~«1» ، والكعبة سلم مفتاحها إلى بنى شيبة، وأما تطهير صدور المؤمنين فتولاه ~~بنفسه. # وقال: «ونزعنا ما في صدورهم من غل» . # ويقال إذا كان نزع الغل من الصدور من قبله فلا محل للغرم الذي لزمهم بسبب ~~الخصوم حيث كان منه سبحانه وجه أدائه. # قوله جل ذكره: وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن ~~هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق. # فى قولهم اعتراف منهم وإقرار بأنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من جزيل ~~تلك العطيات، PageV01P535 # وعظيم تلك الرتب والمقامات بجهدهم واستحقاق فعلهم، وإنما ذلك أجمع ابتداء ~~فضل منه ولطف. # قوله جل ذكره: ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون. # تسكين لقلوبهم، وتطييب لهم، وإلا فإذا رأوا تلك الدرجات علموا أن أعمالهم ~~المشوبة بالتقصير لم توجب لهم كل تلك الدرجات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 44 الى 45] # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) ~~الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45) # اعترف أهل النار بحقيقة الدين، وأقروا بسوء ما عملوا، ولكن حين لم ينفعهم ~~إقرار بحال من الأحوال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 46] # وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة ~~أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) # ذلك الحجاب الذي بينهما حصل من الحجاب السابق لما حجبوا فى الابتداء «1» ~~فى سابق القسمة عما خص به المؤمنون من القربة والزلفة حجبوا فى الانتهاء ~~عما خص به السعداء من المغفرة والرحمة. # ويقال حجاب وأي حجاب! لا يرفع بحيلة ولا تنفع معه وسيلة. # حجاب سبق به الحكم قبل الطاعة والجرم. PageV01P536 # قوله جل ذكره: ms0362 وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم. # هؤلاء الأشراف خصوا بأنوار البصائر اليوم فأشرفوا على مقادير الخلق ~~بأسرارهم، ويشرفون غدا على مقامات الكل وطبقات الجميع بأبصارهم. # ويقال يعرفونهم غدا بسيماهم التي وجدوهم عليها فى دنياهم فأقوام موسومون ~~بأنوار القرب، وآخرون موسومون «1» بأنوار الرد والحجب. # قوله جل ذكره: ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون. # سلموا اليوم عن النكرة والجحود، وأكرموا بالعرفان والتوحيد. # وسلموا غدا من فنون الوعيد، وسعدوا بلطائف المزيد. وتحققوا أنهم بلغوا من ~~الرتب ما لم يسم إليه طرف تأميلهم، ولم يحط بتفصيله كنه عقولهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 47] # وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين (47) # إنما يصرف أبصارهم اليوم تقديرا عليهم عظيم المنة التي بها نجاتهم، ~~فيزيدون فى الاستغاثة وصدق الابتهال، فتكمل بهم العارفة «2» بإدامة ما ~~لاطفهم به من الإيواء والحفظ. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 48 الى 49] # ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم ~~وما كنتم تستكبرون (48) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا ~~الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (49) . PageV01P537 # ذلك ما يرون عليهم من غبار الرد وأمارات البعد، وهى مما لا يخفى على ذى ~~عينين، فيقولون لهم: هل يغني عنكم ما ركنتم إليه من أباطيلكم، وسكنتم إليه ~~من فاسد ظنونكم، وباطل تأويلكم؟ فشاهدوا- اليوم- تخصيص الحق لمن ظننتم أنهم ~~ضعفاؤكم، وانظروا هل يغنى عنكم الذين زعمتم أنهم أولياؤكم وشركاؤكم؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 50] # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم ~~الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) # دلت الآية على أن من أواخر ما يبقى على الإنسان الأكل والشرب فإنهم فى ~~تلك العقوبات الشديدة يقع عليهم الجوع والعطش حتى يتضرعون كل ذلك التضرع ~~فيطلبون شربة ماء أو لقمة طعام وهم فى غاية الآلام، والعادة- اليوم- أن من ~~كان فى ألم شديد لا يأكل ولا يشرب، وهذا شديد. # ثم أبصر كيف لا يسقيهم قطرة- مع ms0363 استغنائه عن تعذيبهم، وقدرته على أن ~~يعطيهم ما يريدون! ولكنه قهر الربوبية وعز الأحدية، وأنه فعال لما يريد. ~~فكما لم يرزقهم- اليوم- من عرفانه ذرة، لا يسقيهم غدا فى تلك الأحوال قطرة، ~~وفى معناه أنشدوا: # وأقسمن لا يسقيننا- الدهر- قطرة ... ولو فجرت من أرضهن بحور # ويقال إنما يطلبون الماء ليبكوا به بعد ما نفدت دموعهم، وفى هذا المعنى ~~قيل: # يا نازحا نزفت دمعى قطيعته ... هب لى من الدمع ما أبكى عليك به. # وفى هذا المعنى أنشدوا. # جرف البكاء دموع عينك فاستعر ... عينا لغيرك دمعها مدرار # PageV01P538 # من ذا يعيرك عينه تبكى بها ... أرأيت عينا للبكاء تعار؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 51] # الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما ~~نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) # كما تركوا أمره وضيعوه تركهم فى العقوبة، ولا ( ... ) «1» فيما يشكون، ~~فتأتى عليهم الأحقاب، فلا كشف عذاب، ولا برد شراب، ولا حسن جواب، ولا إكرام ~~بخطاب ذلك جزاء لمن لم يعرف قدر الوصلة فى أوقات المهلة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 52] # ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) # أنزلنا عليهم من الكتاب وأوحينا إليهم من الخطاب ما لو قابلوه بالتصديق ~~وصاحبوه بالتحقيق لوجدوا الشفاء من محنة البعاد، ونالوا الضياء بقرب ~~الوداد، ووصلوا فى الدنيا والعقبى إلى جميل المراد، ولكنه- سبحانه- أبى ~~القسمة فى نصيبهم إلا الشقوة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 53] # هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت ~~رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) # إذا كشف جلال الغيب، وانتفت عن قلوبهم أغطية الريب، فلا بكاء لهم ينفع، ~~ولا دعاء منهم يسمع، ولا شكوى عنهم ترفع، ولا بلوى من دونهم تقطع ~~PageV01P539 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 54] # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ms0364 والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54) # تعرف إلى الخلق بآياته الظاهرة الدالة على قدرته وهى أفعاله، وتعرف إلى ~~الخواص منهم باياته الدالة على نصرته التي هى أفضاله وإقباله، وظهر لأسرار ~~خواص الخواص بنعوته الذاتية «1» التي هى جماله وجلاله، فشتان بين قوم وقوم! ~~ثم كما يدخل فى الظاهر الليل على النهار والنهار على الليل فكذلك يدخل ~~القبض على البسط والبسط على القبض. ومنه الإشارة إلى ليل القلوب ونهار ~~القلوب: فمن عبد أحواله أجمع قبض، ومن عبد أحواله أجمع بسط، ومن عبيد يكون ~~مرة بعين القبض ومرة بعين البسط كما أن بعض أقطار العالم فيها نهار بلا ~~ليل، وفى بعضها ليل بلا نهار، وفى بعضها ليل يدخل على نهار ونهار يدخل على ~~ليل. # «ألا له الخلق والأمر» : فمنه الخير والشر، والنفع والضر، فإن له الخلق ~~والأمر. # «تبارك الله رب العالمين» هذه الكلمة مجمع الدعاء لاشتمالها على إفادة ~~معنى قدمه ودوام ثبوته من حيث يقال برك الطير على الماء. # وأفادت معنى جلاله الذي هو استحقاقه لنعوت العز لأنه قد تبارك أي تعظم. ~~وأشارت إلى إسداد النعم وإتاحة الإحسان من حيث إن البركة هى الزيادة فهى ~~مجمع الثناء والمدح للحق سبحانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 55] # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) PageV01P540 # الأمر بالدعاء إذن- فى التسلى- لأرباب المحنة، فإنهم إلى أن يصلوا إلى ~~كشف المحنة ووجود المأمول استروحوا إلى روح المناجاة فى حال الدعاء والدعاء ~~نزهة لأرباب الحوائج، وراحة. # لأصحاب المطالبات، ومعجل من الأنس بما ( ### | .... # ) «1» إلى القلب عاجل التقريب. # وما أخلص عبد فى دعائه إلا روح- سبحانه- فى الوقت قلبه. # ويقال علمهم آداب الدعاء حيث قال: «تضرعا وخفية» وهذا أدب الدعاء أن ~~يدعوا بوصف الافتقار والانكسار ونشر الاضطرار. ومن غاية ما تقرر لديك نعت ~~كرمه بك أنه جعل إمساكك عن دعائه- الذي لا بد منه- اعتداء منك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 56] # ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين ms0365 (56) # من الإفساد بعد الإصلاح إحمال النفس عن المجاهدات بخلع عذارها حتى تتبع ~~هواها بعد ما كبحت لجامها مدة عن العدو فى ميدان الخلاف، ومن ذلك إرسال ~~القلب فى أودية المنى بعد إمساكه على أوصاف الإرادة، ومن ذلك الرجوع إلى ~~الحظوظ بعد القيام بالحقوق، ومن ذلك استشعار محبة المخلوق بعد تأكيد العقد ~~معه بألا تحب سواه، ومن ذلك الجنوح إلى تتبع الرخص فى طريق الطلب بعد حمل ~~النفس على ملازمة الأولى والأشق، ومن ذلك الانحطاط بحظ إلى طلب مقام منه أو ~~إكرام، بعد القيام معه بترك كل نصيب وفى الجملة: الرجوع من الأعلى إلى ~~الأدنى إفساد فى الأرض بعد الإصلاح. # قوله جل ذكره: إن رحمت الله قريب من المحسنين. # يقال المحسنين عملا والمحسنين أملا، فالأول العابدون والثاني العاصون «2» ~~ويقال المحسن من كان حاضرا بقلبه غير لاه عن ربه ولا ناسيا لحقه. # ويقال المحسن القائم بما يلزم من الحقوق. PageV01P541 # ويقال المحسن الذي لم يخرج ( ### | .... # ) «1» عن إحسانه بقدر الإمكان ولو بشطر كلمة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 57] # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه ~~لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون (57) # تباشير القرب تتقدم فيتأدى نسيمه إلى مشام الأسزار، وكذلك آثار الإعراض ~~تتقدم فتوجد ظلمة القبض فى الباطن، فظل الوحشة يتقدمها، ونسيم الوصلة ~~بعدها، وفى قريب منه قال قائلهم: # ولقد تشممت القضاء لحاجتى ... فإذا له من راحتيك نسيم # قوله جل ذكره: حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء ~~فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون. # الإشارة منه أنه يحصل بالمهجور ما يتأذى به الصدر ويبرح به الوجد وينحل ~~به الجسم، بل يبطل كله البعد، فيأتيه القرب فيعود عود وصاله بعد الذبول ~~طريا، ويصير دارس حاله عقيب السقوط نديا، كما قال بعضهم: # كنا كمن ألبس أكفانه ... وقرب النعش من اللحد # فجالت الروح فى جسمه ... ورده الوصل إلى المولد # قوله جل ms0366 ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 58] # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف ~~الآيات لقوم يشكرون (58) # إذا زكا الأصل نما الفرع، وإن خبث الجوهر لم يطب ما تحلل منه، وإن طاب ~~العنصر PageV01P542 # فالجزء يحاكى أصله، والأسرة تدل على السريرة، فمن صفا باطن قلبه زكا ظاهر ~~فعله، ومن كان بالعكس فحاله بالضد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 59] # لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) # بلغ الرسالة فلم ينجع فيهم ما أظهر من الآلاء، لأن محزوم القسمة لا ينفعه ~~مجهود الحيلة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 60 الى 61] # قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين (60) قال يا قوم ليس بي ضلالة ~~ولكني رسول من رب العالمين (61) # قوله ليس بي ضلالة: نسبوا نوحا- عليه السلام- إلى الضلالة، فتولى إجابتهم ~~بنفسه فقال «يا قوم ليس بي ضلالة» ، ونبينا- صلى الله عليه وسلم- نسب إليه ~~فتولى الحق- سبحانه- الرد عنه فقال: «ما ضل صاحبكم وما غوى» «1» فشتان بين ~~من دافع عن نفسه، وبين من دافع عنه ونفى عنه ربه «2» ! قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 62] # أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون (62) # إنى أعلم أنى وإن بالغت فى تبليغ الرسالة فمن سبقت له القسمة بالشقاوة لا ~~ينفعه نصحى، ولا يؤثر فيه قولى، فمن أسقطته القسمة لم تنعشه النصيحة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 63] # أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ~~ترحمون (63) PageV01P543 # عجبوا من كون شخص رسول الله، ولم يتعجبوا من كون الصنم شريكا لله، هذا ~~فرط الجهالة وغاية الغباء! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 64] # فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم ~~كانوا قوما عمين (64) # تسر بلوا غب التكذيب لما ذاقوا طعم العقوبة، فلم يسعدوا بما حملوه ولم ~~يصلوا إلى ما أملوه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 65 الى 69] # وإلى عاد ms0367 أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون (65) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك ~~من الكاذبين (66) قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين (67) ~~أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (68) أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم ~~على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في ~~الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون (69) # أخبر أنهم سلكوا طريق أسلافهم وإخوانهم، فوقعوا فى وهدتهم، ومنوا بمثل ~~حالتهم. # فلا خير فيمن آثر هواه على رضاء الله، ولا ربح من قدم هواه على حق الله. # قوله جل ذكره: واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح # PageV01P544 # جعل الله الخلق بعضهم خلفا عن بعض، فلا يفنى فوجا منهم من جنس إلا أقام ~~فوجا منهم من ذلك الجنس. فأهل الغفلة إذا انقرضوا خلف عنهم قوم، وأهل ~~الوصلة إذا درجوا خلف عنهم قوم، ولا ينبغى للعبد أن يسمو طرف «1» تأميله ~~إلى محل الأكابر فإن ذلك المقام مشغول بأهله، فما لم تنته نوبة أولئك لا ~~تنتهى النوبة إلى هؤلاء. # قوله جل ذكره: وزادكم في الخلق بصطة. # كما زاد قوما على من تقدمهم فى بسطة الخلق زاد قوما على من تقدمهم فى ~~بسطة الخلق، وكما أوقع التفاوت بين شخص وشخص فيما يعود إلى المبانى أوقع ~~التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني. # قوله جل ذكره: فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون. # النعماء عام، والآلاء خاص، فتلك تتضمن ترويح الظواهر، وهذه تتضمن التلويح ~~فى السرائر، تلك بالترويح بوجود المبار، وهذه بالتلويح بشهود الأسرار. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 70] # قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا ~~إن كنت من الصادقين (70) # طاحوا فى أودية التفرقة فلم يجدوا قرارا فى ساحات التوحيد، فشق عليهم ~~الإعراض عن الأغيار، وفى معناه قال قائلهم: # أراك بقية من قوم موسى ... فهم لا يبصرون على طعام # ويقال شخص لا يخرجه ms0368 من غش التفرقة، وشخص لا يحيد لحظة عن سنن التوحيد ~~[فهو لا يعبد إلا واحدا، وكما لا يعبد إلا واحدا لا يشهد إلا واحدا، قال ~~قائلهم: # لا يهتدى قلبى إلى غيركم ... لأنه سد عليه الطريق # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 71] # قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) ~~PageV01P545 # إذا أراد الله هوان عبد طرحه فى مفازات التفرقة وإن من علامات غضبه ~~وإعراضه رد العبد إلى شهود الأغيار، وتغريقه إياه فى بحار الظنون، إذ لا ~~تحصيل للأغيار فى معنى الإثبات. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 72] # فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما ~~كانوا مؤمنين (72) # لا رتبة فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة. # وأخبر- سبحانه- أنه نجى هودا برحمته، وكذلك نجى الذين آمنوا معه برحمته، ~~ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون بابتداء فضل من الله ~~ورحمته فما نجا من نجا إلا بفضل الحق سبحانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 73] # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) # غاير الحق- سبحانه- بين الرسل من حيث الشرائع، وجمع بينهم فى التوحيد ~~فالشرائع «1» ] التي هى العبادات مختلفة، ولكن الكل مأمورون بالتوحيد على ~~وجه واحد. PageV01P546 # ثم أخبر عن إمضاء سنته تعالى بإرسال الرسل عليهم السلام، وإمهال أممهم ~~ريثما ينظرون فى معجزات الرسل. # ثم أخبر عما درجوا عليه فى مقابلتهم الرسل بالتكذيب تسلية للمصطفى صلى ~~الله عليه وسلم وعلى آله- فيما كان يقاسى من بلاء قومه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 74] # واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها ~~قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ~~(74) # أزاح علتهم فى بسط الدلالة، ووسع عليهم ms0369 حالتهم بتمكينهم من العطايا على ~~ما دعت إليه حالتهم ... فلا الدليل تأملوه، ولا السبيل لازموه، ولا النعمة ~~عرفوا قدرها، ولا المنة قدموا شكرها، فصادفهم من البلاء ما أدرك أشكالهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 75 الى # 79] # قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون ~~أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) قال الذين ~~استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76) فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ~~وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين (77) فأخذتهم الرجفة ~~فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ~~ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين (79) # PageV01P547 # أجرى الله- سبحانه- سنته ألا يخص بأفضاله، وجميل صنعه وإقباله- فى الغالب ~~من عباده- إلا من يسمو إليه طرفه بالإجلال، وألا يوضح له قدره بين الأضراب ~~والأشكال فأنصار كل نبى إنما هم ضعفاء وقته، ويلاحظهم أهل الغفلة بعين ~~الاحتقار، ولكن ليس الأمر كما تذهب إليه الأوهام، ولا كما يعتقد فيهم ~~الأنام، بل الجواهر مستورة فى معادتها، وقيمة المحال بساكنيها، قال قائلهم: # وما ضر نصل السيف إخلاق غمده ... إذا كان عضبا حيث وجهته وترا # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كم من أشعث أغبر لو أقسم على الله ~~لأبره» «1» قوله تعالى: «ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين» الحيلة تدعو ~~إلى وفاق الهوى فتستثقل النفس قول الناصحين، فيخرجون عليهم وكأن الناصحين ~~هم العائبون، قال قائلهم: # وكم سقت فى آثاركم من نصيحة ... وقد يستفيد البغضة المتنصح # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 80 الى 84] # ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (80) ~~إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون (81) وما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (82) فأنجيناه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (83) وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان ~~عاقبة المجرمين (84) . PageV01P548 # أباح الحق- سبحانه- فى الشرع ما أزاح به العذر، فمن تخط هذا الأمر وجرى ~~على مقتضى ms0370 الهوى استقبل هوانه، واستوجب إذلاله، واستجلب- باختياره- صغره. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 85] # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) # خست همم قوم شعيب فقنعوا بالتطفيف فى المكيال والميزان عند معاملاتهم، ثم ~~إن الحق- سبحانه- لم يساهلهم فى ذلك ليعلم أن الأقدار ليست من حيث الأخطار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 86 الى 87] # ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا ~~واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86) وإن كان ~~طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله ~~بيننا وهو خير الحاكمين (87) # من المعاصي ما لا يكون لازما لصاحبه وحده بل يكون متعديا عنه إلى غيره. ~~ثم بقدر الأثر فى التعدى يحصل الضر للمبتدىء «1» قوله جل ذكره: واذكروا إذ ~~كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين وإن كان طائفة منكم ~~آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا PageV01P549 # فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. # من عليهم بتكثير العدد لأن بالتناصر والتعاون تمشى الأمور ويحصل المراد. # ويقال كما أن كل أمر بالأعوان والأنصار (خيرا أو شرا، فلا نعمة فوق اتفاق ~~الأنصار فى الخير، ولا محنة فوق اتفاق الأعوان) «1» فى الشر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 88] # قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من ~~قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين (88) # كما أن (أهل) «2» الخير لا يميلون إلا إلى أشكالهم فأهل الشر لا ينصرون ~~إلا من رأوا بأنه يساعدهم على ما هم عليه من أحوالهم، والأوحد فى بابه من ~~باين نهج أضرابه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 89] # قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما ~~يكون لنا أن نعود فيها ms0371 إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على ~~الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (89) # نطقوا عن صحة عزائمهم حيث قالوا: «قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ~~ملتكم» ، ثم أقروا بالشكر حيث قالوا: «بعد إذ نجانا الله منها» ، ثم تبرأوا ~~عن حولهم وقوتهم حيث قالوا: «وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ~~ربنا» يعنى إن يلبسنا لباس الخذلان نرد إلى الصغر والهوان. # ثم اشتاقوا إلى جميل التوكل فقالوا: «على الله توكلنا» أي به وثقنا، ومنه ~~الخير أملنا. PageV01P550 # ثم فوضوا أمورهم إلى الله فقالوا: «ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق» ~~فتداركهم الحق- سبحانه- عند ذلك بجميل العصمة وحسن الكفاية «1» قوله جل ~~ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 90 الى # 92] # وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (90) ~~فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) الذين كذبوا شعيبا كأن لم ~~يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (92) # تواصوا فيما بينهم بتكذيب نبيهم، وأشار بعضهم باستشعار وقوع الفتنة ~~بمتابعته، وكانوا مخطئين فى حكمهم، مبطلين فى ظنهم، فعلم أن كل نصيحة لا ~~يجب قبولها، وكل إشارة «2» لا يحسن اتباعها. # قوله تعالى: الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها كانت لهم غلبتهم فى ~~وقتهم، ولكن لما اندرست أيامهم سقط صيتهم، و (خمد) «3» ذكرهم، وانقشع سحاب ~~من توهم أن منهم شيئا. # قوله جل ذكره: الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين. # الحق غالب فى كل أمر، والباطل زاهق بكل وصف، وإذا كانت العزة نعت من هو ~~أزلى الوجود، وكان الجلال حق من هو الملك فأى أثر للكثرة مع القدرة؟ وأي ~~خطر للعلل مع الأزل؟ ولقد أنشدوا فى قريب من هذا: # استقبلني وسيفه مسلول ... وقال لى واحدنا معذول # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 93] # فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على ~~قوم كافرين (93) PageV01P551 # «1» بين أنه راعى حد الأمر فإذا خرج عن عهدة التكليف فى التبليغ فما عليه ~~من ms0372 إقرارهم أو إنكارهم، من توحيدهم أو جحودهم إن أحسنوا فالميراث الجميل ~~لهم، وإن أساءوا فالضرر بالتألم عائد عليهم، ومالك الأعيان أولى بها من ~~الأغيار، فالخلق خلقه والملك ملكه إن شاء هداهم، وإن شاء أغواهم، فلا تأسف ~~على نفى وفقد، ولا أثر من كون ووجود «2» قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 94 الى 95] # وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم ~~يضرعون (94) ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا ~~الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (95) # حركهم بالبلاء الأهون تحذيرا من البلاء الأصعب، فإذا تمادوا فى غيهم، ولم ~~ينتبهوا من غفلتهم مد عليهم ظلال الاستدراج، ووسع عليهم أسباب التفرقة مكرا ~~بهم فى الحال، فإذا وطنوا- على مساعدة الدنيا- قلوبهم، وركنوا إلى ما سولت ~~لهم من امتدادها، أبرز لهم من مكامن التقدير ما نغص عليهم طيب الحياة، ~~واندق بغتة عنق السرور، وشرفوا بما كانوا ينهلون من كاسات المنى، فتبدل ~~ضياء نهارهم بسدفة الوحشة، وتكدر صافى مشربهم بيد النوائب، كما سبقت به ~~القسمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 96 الى 97] # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن ~~كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96) أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ~~بياتا وهم نائمون (97) PageV01P552 # لو آمنوا بالله، واتقوا الشرك لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ~~بأسباب العطاء- ولكن «1» سبق بخلافه القضاء- وأبواب الرضاء، والرضاء أتم من ~~العطاء. # ويقال ليست العبرة بالنعمة إنما العبرة بالبركة فى النعمة، ولذا لم يقل ~~أضعفنا لهم النعمة ولكنه قال: باركنا لهم فيما خولنا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 98] # أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) # أكثر ما ينزل البلاء ينزل فجأة على غفلة من أهله، ويقال من حذر البيات لم ~~يجد روح الرقاد. # ويقال رب ليلة مفتتحة بالفرح مختتمة (بالترح) «2» . ويقال رب يوم تطلع ~~شمسه من أوج السعادة قامت ظهيرته على قيام الفتنة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 99] # أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله ms0373 إلا القوم الخاسرون (99) # يقال من عرف علو قدره- سبحانه- خشى خفى مكره، ومن أمن خفى مكره نسى عظيم ~~قدره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 100] # أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ~~ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (100) PageV01P553 # أو لا يعلم المغترون بطول سترنا أن لو أردنا لعجلنا لهم الانتقام، أو ~~بلغنا فيهم الاصطلام، ثم لا ينفعهم ندم، ولا يشكى عنهم ألم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 101] # تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين (101) # سلكوا طريقا واحدا فى التمرد، واجتمعوا فى خط واحد فى الجحد والتبلد فلا ~~للإيمان جنحوا، ولا عن العدوان رجعوا، وكذلك صفة من سبقت بالشقاء قسمته، ~~وحقت بالعذاب عليه كلمته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 102] # وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (102) # نجم فى الغدر طارقهم، وأفل من سماء الوفاء شارقهم، فعدم أكثرهم رعاية ~~العهد، وحقت من الحق لهم قسمة الرد والصد. # ويقال: شكا من أكثرهم إلى أقلهم، فالأكثرون من ردتهم القسمة، والأقلون من ~~قبلتهم الوصلة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 103] # ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف ~~كان عاقبة المفسدين (103) # لما انقرضت أيامهم، وتقاصر عن بساط الإجابة إقدامهم «1» بعث موسى نبيه، ~~وضم PageV01P554 # إليه هارون صفيه، فقوبلا بالتكذيب والجحود، فسلك بهم مسلك إخوانهم فى ~~التعذيب والتبعيد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 104 الى 106] # وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين (104) حقيق على أن لا أقول ~~على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل (105) قال ~~إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين (106) # الرجوع إلى دعاء فرعون إلى الله بعد سماع كلام الله بلا واسطة صعب شديد، ~~ولكنه لما ورد الأمر قابله بحسن القبول، فلما ترك اختيار نفسه أيده الحق- ~~سبحانه- بنور التأييد حتى شاهد فرعون محوا فى التقدير ms0374 فقال: «حقيق على أن ~~لا أقول على الله إلا الحق» . # فإذا لم يصح له أن يقول على الخلق فالخلق محو فيما هو الوجود الأزلى فأى ~~سلطان لآثار التفرقة فى حقائق الجمع؟ # قوله: قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين: من المعلوم أن ~~مجرد الدعوى لا حجة فيه، ولكن إذا ظهر برهان لم يبق غير الانقياد لما هو ~~الحق، فمن استسلم ( ... ) «1» ، ومن جحد الحقائق بعد لوح البيان سقط سقوطا ~~لا ينتعش. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 107] # فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) # إنما أظهر له المعجزة من عصاه لطول (مقارنته) «2» إياها، فالإنسان إلى ما ~~ألفه أسكن بقلبه. فلما رأى ما ظهر فى العصا من الانقلاب أخذ موسى عليه ~~السلام فى الفرار لتحققه بأن ذلك من قهر الحقائق، وفى هذا إشارة إلى أن ~~السكون إلى شىء غرة وغفلة (ايش) «3» PageV01P555 # ما كان، فإن تقلب العبد فى قبض القدرة، وهو فى أسر التقلب، وليس للطمع فى ~~الكون مساغ بحال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 108] # ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (108) # العصا- وإن كانت معه من زمن- فيده أخص به لأنها عضو له، فكاشفه أولا «1» ~~برسم من رسمه ثم أشهده من ذاته فى ذاته ما عرف أنه أولى به منه، فلما رأى ~~انقلاب وصف فى يده علم أنه ليس بشىء من أمره بيده. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 109 الى # 110] # قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم (109) يريد أن يخرجكم من أرضكم ~~فماذا تأمرون (110) # إذا أراد الله هوان عبد لا يزيد الحق حجة إلا ويزيد لذلك المبطل فيه شبهة ~~فكلما زاد موسى- عليه السلام- فى إظهار المعجزات ازدادوا حيرة فى ~~التأويلات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 111 الى 112] # قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين (111) يأتوك بكل ساحر عليم ~~(112) # توهم الناس أنهم بالتأخير، وتقديم التدبير، وبذل الجهد والتشمير يغيرون ~~شيئا من التقدير بالتقديم أو بالتأخير، ولم يعلموا أن القضاء غالب، وأن ~~الحكم سابق، وعند حلول الحكم فلا ms0375 سلطان للعلم والفهم، والتسرع «2» والحلم.. ~~كلا، بل هو الله الواحد القهار العلام. PageV01P556 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 113 الى # 116] # وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (113) قال نعم ~~وإنكم لمن المقربين (114) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن ~~الملقين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤ بسحر ~~عظيم (116) # ظنوا أنهم يغلبون بما يسحرون، ولم يعلموا أن تأثير القدرة فيهم أغلب من ~~تأثير سحرهم، وأنه لا يرد عنهم ما زوروه فى أنفسهم من فنون مكرهم فكادوا ~~وكيد لهم، فهو كما قيل: # ورمانى بأسهم صائبات ... وتعمدته بسهم فطاشا # فبيناهم فى توهم أن الغلبة لهم فتح عليهم- من مكامن القدرة- جيش، فوجدوا ~~أنفسهم- فى فتح القدرة- مقهورين بسيف المشيئة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 117 الى 122] # وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) فوقع الحق ~~وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين (119) وألقي ~~السحرة ساجدين (120) قالوا آمنا برب العالمين (121) # رب موسى وهارون (122) # موهوا بسحرهم أنهم غلبوا، فأدخل الله- سبحانه- على تمويهاتهم قهر الحق ~~وطاشت تلك الحيل، وخاب منهم الأمل، وجذب الحق- سبحانه- أسرارهم على الوهله ~~فأصبحوا فى صدر العداوة، وكانوا- فى التحقيق- من أهل الود. فسبحان من يبرز # PageV01P557 # العدو فى نعت الولي ثم يقلب الكتاب ويظهر الولى فى نعت العدو، ثم يأبى ~~الحال إلا حصول المقضى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 123 الى 124] # قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ~~لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم ~~لأصلبنكم أجمعين (124) # «1» خاطبهم معتقدا أنهم هم الذين كانوا «2» ، وهم يعلمون أن تلك الأسرار ~~قد خرجت عن رق الأشكال، وأن قلوبهم طهرت عن تو التفرقة، وأن شمس العرفان ~~طلعت فى سماء أسرارهم، فأشهدوا الحق بنظر صحيح، ولم يبق لتخويفات النفس ~~فيهم سلطان، ولا لشىء من العلل بينهم مساغ. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 125] # قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) # لما كان مصيرهم إلى الله سهل عليهم ما ms0376 لقوا فى مسيرهم إلى الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 126] # وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين (126) # لما عملوا لله، وأوذوا فى الله، صدقوا القصد إلى الله، وطلبوا المعونة من ~~قبل الله، كذا سنة من كان لله أن يكون كله على الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 127] # وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ~~قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (127) PageV01P558 # لما استزادوا من فرعون فى التمكين من موسى وقومه استنكف أن يقر بعجزه، ~~ويعترف بقصور قدرته، فتوعد موسى وقومه بما عكس الله عليه تدبيره، وغلب عليه ~~تقديره. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 128] # قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من ~~عباده والعاقبة للمتقين (128) # أحالهم على الله فإن رجوعه إليه، فقال لهم: إن رجوعى- عند تحيري فى ~~أمورى- إلى ربى، فليكن رجوعكم إليه، وتوكلكم عليه، وتعرضوا لنفحات يسره، ~~فإنه حكم لأهل الصبر بجميل العقبى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 129] # قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون (129) # خفى عليهم شهود الحقيقة، وغشى على أبصارهم حتى قالوا توالت علينا البلايا ~~ففى حالك بلاء، وقبلك شقاء ... فما الفضل؟ فأجابهم موسى- عليه السلام- بما ~~علق رجاءهم بكشف البلاء فقال: «عسى ربكم أن يهلك عدوكم» فوقفهم على ~~الانتظار. ومن شهد ببصر الأسرار شهد تصاريف الأقدار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 130] # ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (130) # شدد عليهم وطأة القدرة بعد ما ضاعف لديهم أسباب النعمة، فلا الوطأة ~~أصلحتهم شدتها ولا النعمة نبهتهم كثرتها، لا بل إن مسهم يسر لاحظوه بعين ~~الاستحقاق، وإن مسهم عسر حملوه على التطير بموسى- عليه السلام- بمقتضى ~~الاغترار. # PageV01P559 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 131] # فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ~~ألا إنما ms0377 طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون (131) # الكفور لا يرى فضل المنعم فيلاحظ الإحسان بعين الاستحقاق، ثم إذا اتصل به ~~شىء مما يكرهه تجني وحمل الأمر على ما يتمني: # وكذا الملول إذا أراد قطيعة ... مل الوصال وقال كان وكانا # إن الكريم إذا حباك بوده ... ستر القبيح وأظهر الإحسانا # قوله جل ذكره: ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون. # المتفرد بالإيجاد هو الواحد ولكن بصائرهم مسدودة، وعقولهم عن شهود ~~الحقيقة مصدودة، وأفهامهم عن إدراك المعاني مردودة قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 132] # وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132) # «1» جعلوا الإصرار على الاستكبار شعارهم، وهتكوا بألسنتهم- فى العتو- ~~أستارهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 133] # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (133) # جنس عليهم العقوبات لما نوعوا وجنسوا فنون المخالفات، فلا إلى التكفير ~~عادوا، ولا إلى التطهير تصدوا، وعوقبوا بصرف قلوبهم عن شهود الحقائق ~~PageV01P560 # وذلك أبلغ مما اتصل بظواهرهم من فنون البلايا ### | .... # ونعوذ بالله من السقوط عن عين الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 134] # ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت ~~عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) # لم يقولوا ادع لنا ربنا، بل قالوا يا موسى ادع لنا ربك، فهم ما ازدادوا ~~بزيادة تلك المحن إلا بعدا وأجنبية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 135 الى 136] # فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (135) فانتقمنا ~~منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (136) # أبرموا العهد ثم نقضوه، وقدموا العهد ثم رفضوه، وكما قيل: # إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذى الضنى عاد إلى نكسه # والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى فى ثرى رمسه # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 137] # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا ~~فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون ms0378 وقومه وما كانوا يعرشون (137) # من صبر على مقاساة الذل فى الله وضع الله على رأسه قلنسوة العرفان، فهو ~~العزيز سبحانه، لا يشمت بأوليائه أعداءهم، ولا يضيع من جميل عهده جزاءهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 138 الى 139] # وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا ~~موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون (138) إن هؤلاء متبر ~~ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون (139) # PageV01P561 # لم تخلص فى قلوبهم حقائق التوحيد فتاقت نفوسهم إلى عبادة غير الله، حتى ~~قالو لنبيهم موسى- عليه السلام-: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. وكذا صفة من ~~لم يتحرر قلبه من إثبات الأشغال والأعلال، ومن المساكنة إلى الأشكال ~~والأمثال. # ويقال من ابتغى بالصنم أن يكون معبوده متى يتوهم فى وصفه أن يخلص إلى ~~الله قصوده؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 140] # قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين (140) # ذكرهم انفراده- سبحانه- بإنشائهم وإبداعهم، وأنه هو الإله المتفرد ~~بالإيجاد، ونبههم أيضا على عظيم نعمته عليهم، وأنه ليس حق إتمام النعمة ~~عليهم مقابلتهم إياها بالتولى لغيره والعبادة لمن سواه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 141] # وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (141) # ما ازداد موسى- عليه السلام- فى تعديد إنعام الله عليهم، وتنبيهم على ~~عظيم آلائه إلا ازدادوا جحدا على جحد، وبعدا بالقلوب- عن محل العرفان- على ~~بعد، وهذه أمارة من بلاه- سبحانه- فى السابق بالقطع والرد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 142] # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال ~~موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (142) # PageV01P562 # عدة الأحباب عزيزة، فإذا حصلت المواعدة بين الأحباب، فهى عذبة حلوة كيفما ~~كانت، وفى هذا المعنى أنشدوا: # أمطلينا وسوفى ... وعدينا ولا تفى # ويقال علل الحق- سبحانه- موسى بالوعد الذي وعده بأن يسمعه مرة أخرى ~~كلامه، وذلك أنه فى المرة الأولى ابتلاه بالإسماع من غير وعد، فلا انتظار ~~ولا توقع ولا أمل، ms0379 فأخذ سماع الخطاب بمجامع قلب موسى- عليه السلام- فعلق ~~قلبه بالميقات المعلوم ليكون تأميله تعليلا له، ثم إن وعد الحق لا يكون إلا ~~صدقا، فاطمأن قلب موسى- عليه السلام- للميعاد، ثم لما مضت ثلاثون ليلة أتى ~~كما سلف الوعد فزاد له عشرا فى الموعد. والمطل فى الإنجاز غير محبوب إلا فى ~~سنة الأحباب، فإن المطل عندهم أشهى من الإنجاز، وفى قريب من هذا المعنى ~~أنشدوا: # أقيمى لعمرك لا تهجرينا ... ومنينا المنى، ثم امطلينا # عدينا موعدا ما شئت إنا ... نحب وإن مطلت تواعدينا # فإما تنجزى وعدك أو فإنا ... نعيش نؤمل فيك حينا # قوله جل ذكره: وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين. # كان هارون- عليه السلام- حمولا بحسن الخلق لما كان المرور إلى فرعون ~~استصحب موسى- عليه السلام- هارون، فقال الله- سبحانه-: «أشركه في أمري» بعد ~~ما قال: «أخي هارون هو أفصح مني لسانا» . ولما كان المرور إلى سماع الخطاب ~~أفرده عن نفسه، فقال: «اخلفني في قومي» وهذا غاية لحمل من هارون ونهاية ~~التصبر والرضاء، فلم يقل: لا أقيم فى قومك. ولم يقل: هلا تحملني مع نفسك ~~كما # PageV01P563 # استصحبتنى حال المرور إلى فرعون؟ بل صبر ورضى بما لزم، وهذه من شديدات ~~بلاء الأحباب، وفى قريب منه أنشدوا: # قال لى من أحب والبين قد ... حل وفاقا لزفرتى وشهيقى # ما ترى فى الطريق تصنع بعدي ... قلت: أبكى عليك طول الطريق # ثم إن موسى لما رجع من سماع الخطاب، فرأى من قومه ما رأى من عبادة العجل ~~أخذ برأس أخيه يجره إليه حتى استلطفه هارون- عليه السلام- فى الخطاب، فقال: # «يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسى» . # ويقال لو قال هارون- عليه السلام: إن لم تعوضنى عما فاننى من الصحبة فلا ~~تعاتبنى فيما لم أذنب فيه بحال ذرة ولا حبة ... لكان موضع هذه القالة. # ويقال الذنب كان من بنى إسرائيل، والعتاب جرى مع هارون، وكذا الحديث ~~والقصة، فما كل من عصى وجنى استوجب العتاب، فالعتاب ممنوع عن الأجانب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 143] # ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ms0380 ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ~~ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله ~~دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143) # جاء موسى مجىء المشتاقين مجىء المهيمين، جاء موسى بلا موسى، جاء موسى ولم ~~يبق من موسى شىء لموسى. آلاف الرجال قطعوا مسافات طويلة فلم يذكرهم أحد، ~~وهذا موسى خطا خطوات فإلى القيامة يقرأ الصبيان: «ولما جاء موسى» . # ويقال لما جاء موسى لميقات بأسطر الحق- سبحانه- سقط بسماع الخطاب، فلم ~~يتمالك حتى قال: «أرني أنظر إليك» ، فإن غلبات الوجد عليه استنطقته بطلب ~~كمال الوصلة من الشهود، وكذا قالوا: # PageV01P564 # وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام # ويقال صار موسى- عليه السلام- عند سماع الخطاب بعين السكر فنطق ما نطق، ~~والسكران لا يؤخذ بقوله، ألا ترى أنه ليس فى نص الكتاب معه عتاب بحرف؟ # ويقال أخذته عزة السماع فخرج لسانه «1» عن طاعته جريا على مقتضى ما صحبه ~~من الأريحية وبسط الوصلة. # ويقال جمع موسى- عليه السلام- كلمات كثيرة يتكلم بها فى تلك الحالة فإن ~~فى القصص أنه كان يتحمل فى أيام الوعد كلمات الحق، ويقول لمعارفه: ألكم ~~حاجة إلى الله؟ # ألكم كلام معه؟ فإنى أريد أن أمضى إلى مناجاته. # ثم إنه لما جاء وسمع الخطاب لم يذكر- مما دبره فى نفسه، وتحمله من قومه، ~~وجمعه فى قلبه- شيئا ولا حرفا، بل نطق بما صار فى الوقت غالبا على قلبه، ~~فقال: رب: # أرنى أنظر إليك، وفى معناه أنشدوا: # فيا ليل كم من حاجة لى مهمة ... إذا جئتكم ليلى فلم أدر ماهيا # ويقال أشد الخلق شوقا إلى الحبيب أقربهم من الحبيب هذا موسى عليه السلام، ~~وكان عريق الوصلة، واقفا فى محل المناجاة، محدقة به سجوف التولي، غالبة ~~عليه بواده الوجود، ثم فى عين ذلك كان يقول: «رب أرني أنظر إليك» كأنه غائب ~~عن الحقيقة. # ولكن ما ازداد القوم شربا إلا ازدادوا عطشا، ولا ازدادوا تيما إلا ~~ازدادوا شوقا، لأنه لا سبيل إلى الوصلة إلا ms0381 بالكمال، والحق- سبحانه- يصون ~~أسرار أصفيائه عن مداخلة الملال «2» . # ويقال نطق موسى عليه السلام بلسان الافتقار فقال: «رب أرني أنظر إليك» ~~ولا أقل PageV01P565 # من نظرة- والعبد قتيل هذه القصة- فقوبل بالرد، وقيل له: «لن تراني» وكذا ~~قهر الأحباب ولذا قال قائلهم: # جور الهوى أحسن من عدله ... وبخله أظرف من بذله # ويقال لما صرح بسؤال الرؤية، وجهر صريحا رد صريحا فقيل له: «لن تراني» ، ~~ولما قال نبينا- صلى الله عليه وسلم- بسره فى هذا الباب، وأشار إلى السماء ~~منتظرا الرد والجواب من حيث الرمز نزل قوله تعالى: «قد نرى تقلب وجهك في ~~السماء فلنولينك قبلة ترضاها» «1» فرده إلى شهود الجهات والأطلال إشارة إلى ~~أنه أعز من أن يطمح إلى شهوده- اليوم- طرف، بل الألحاظ مصروفة موقوفة- ~~اليوم- على الأغيار «2» . # ويقال لما سمت همته إلى أسنى المطالب- وهى الرؤية- قوبل «بلن، ولما رجع ~~إلى الخلق وقال للخضر «هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا» ، قال الخضر: ~~«إنك لن تستطيع معي صبرا» «3» فقابله بلن، فصار الرد موقوفا على موسى- عليه ~~السلام من الحق ومن الخلق، ليكون موسى بلا موسى، ويكون موسى صافيا عن كل ~~نصيب لموسى من موسى، وفى قريب منه أنشدوا: ### | ....... # ) «4» نحن أهل منازل ... أبدا غراب البين فينا ينعق # ويقال طلب موسى الرؤية وهو بوصف التفرقة فقال: «رب أرني أنظر إليك» فأجيب ~~بلن لأن عين الجمع أتم من عين الفرق. فزع موسى حتى خر صعقا، والجبل صار ~~دكا. # ثم الروح بعد وقوع الصعقة على القالب مكاشفته بما هو حقائق الأحدية، ~~ويكون الحق- بعد امتحاء معالم موسى- خيرا لموسى من بقاء موسى لموسى، فعلى ~~الحقيقة: شهود الحقائق بالحق أتم من بقاء الخلق بالخلق، كذا قال قائلهم: ~~PageV01P566 # ولوجهها من وجهها قمر ... ولعينها من عينها كحل # ويقال البلاء الذي ورد على موسى بقوله: «فإن استقر مكانه فسوف تراني» ~~«فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا» أتم وأعظم منه قوله: «لن تراني» لأن ذلك ~~صريح فى الرد، وفى اليأس راحة. لكنه لما قال فسوف أطمعه فيما منعه فلما ~~اشتد موقفه جعل الجبل دكا، وكان قادرا على إمساك الجبل، لكنه قهر الأحباب ms0382 ~~الذي به جرت سنتهم. # ويقال فى قوله: «انظر إلى الجبل» بلاء شديد لموسى لأنه نفي عن رؤية ~~مقصوده ومني برؤية الجبل، ولو أذن له أن يغمض جفنه فلا ينظر إلى شىء بعد ما ~~بقي عن مراده من رؤيته لكان الأمر أسهل عليه، ولكنه قال له: «لن تراني ولكن ~~انظر إلى الجبل» . # ثم أشد من ذلك أنه أعطى الجبل التجلى فالجبل رآه وموسى لم يره، ثم أمر ~~موسى بالنظر إلى الجبل الذي قدم عليه فى هذا السؤال، وهذا- والله- لصعب ~~شديد!! ولكن موسى لم ينازع، ولم يقل أنا أريد النظر إليك فإذا لم أرك لا ~~أنظر إلى غيرك بل قال: لا أرفع بصرى عما أمرتنى بأن أنظر إليه، وفى معناه ~~أنشدوا: # أريد وصاله ويريد هجرى ... فأترك ما أريد لما يريد # ويقال بل الحق سبحانه أراد بقوله: «ولكن انظر إلى الجبل» تداركه قلب ~~موسى- عليه السلام- حيث لم يترك على صريح الرد بل علله برفق كما قيل: # فذرينى أفنى قليلا قليلا ويقال لما رد موسى إلى حال الصحو وأفاق رجع إلى ~~رأس الأمر فقال: «تبت إليك» . # يعنى إن لم تكن الرؤية هى غاية المرتبة فلا أقل من التوبة، فقبله- تعالى- ~~لسمو همته إلى الرتبة العلية. # قوله جل ذكره: تبت إليك. # هذه إناخة بعقوة العبودية، وشرط الإنصاف ألا تبرح محل الخدمة وإن حيل ~~بينك وبين وجود القربة لأن القربة حظ نفسك، والخدمة حق ربك، وهى تتم بألا ~~تكون بحظ نفسك. # PageV01P567 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 144] # قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من ~~الشاكرين (144) # هذا الخطاب لتدارك قلب موسى- عليه السلام- بكل هذا الرفق، كأنه قال: # يا موسى، إنى منعتك عن شىء واحد وهو الرؤية، ولكنى خصصتك بكثير من ~~الفضائل اصطفيتك بالرسالة، وأكرمتك بشرف الحالة، فاشكر هذه الجملة، واعرف ~~هذه النعمة، وكن من الشاكرين، ولا تتعرض لمقام الشكوى، وفى معناه أنشدوا: # إن أعرضوا فهم الذين تعطفوا ... وإن جنوا فاصبر لهم إن أخلفوا # وفى قوله سبحانه: «وكن من الشاكرين» إشارة لطيفة كأنه قال: لا تكن ms0383 من ~~الشاكين، أي إن منعتك عن سؤلك، ولم أعطك مطلوبك فلا تشكى إذا انصرفت. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 145] # وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر ~~قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145) # وفى الأثر: أن موسى عليه السلام كان يسمع صرير القلم، وفى هذا نوع لطف ~~لأنه إن منع منه النظر أو منعه من النظر فقد علله بالأثر «1» . # قوله جل ذكره: فخذها بقوة. # فيه إشارة إلى أن الأخذ يشير إلى غاية القرب، والمراد هاهنا صفاء الحال، ~~لأن قرب المكان لا يصح على الله سبحانه. # قوله جل ذكره: وأمر قومك يأخذوا بأحسنها. # فرق بين ما أمر به موسى من الأخذ وبين ما أمره أن يأمر به قومه من الأخذ، ~~أخذ موسى عليه السلام من الحق على وجه من تحقيق الزلفة وتأكيد الوصلة، ~~وأخذهم أخذ قبول من حيث التزام الطاعة، وشتان ما هما!. PageV01P568 # قوله: «بأحسنها» بمعنى بحسنها، ويحتمل أن تكون الهمزة للمبالغة يعنى: ~~بأحسنها ألا تعرج على تأويل وارجع إلى الأولى «1» . # قوله جل ذكره: سأريكم دار الفاسقين. # يعنى عليها غبرة العقوبة، خاوية على عروشها، ساقطة على سقوفها، منهد ~~بنيانها، عليها قترة العقاب. # والإشارة من دار الفاسقين إلى النفوس المتابعة للشهوات، والقلوب التي هى ~~معادن المنى وفاسد الخطرات، فإن الفسق يوجب خراب المحل الذي يجرى فيه فمن ~~جرى على نفسه فسق خربت نفسه. وآية خراب النفوس انتفاء ما كان عليها وفيها ~~من سكان الطاعات، فكما تتعطل المنازل عن قطانها إذا تداعت للخراب فكذلك إذا ~~خربت النفوس بعمل المعاصي فتنتفى عنها لوازم الطاعات ومعتادها، فبعد ما كان ~~العبد يتيسر عليه فعل الطاعات لو ارتكب شيئا من المحظورات يشق عليه فعل ~~العبادة، حتى لو خير بين ركعتى صلاة وبين مقاساة كثير من المشاق آثر تحمل ~~المشاق على الطاعة.. وعلى هذا النحو ظلم القلوب وفسادها فى إيجاب خراب ~~محالها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 146 الى 147] # سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا ms0384 كل آية لا ~~يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه ~~سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) والذين كذبوا ~~بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (147) # سأحرم المتكبرين بركات الاتباع حتى لا يقابلوا الآيات التي يكاشفون بها ~~بالقبول، ولا يسمعوا ما يخاطبون به بسمع الإيمان. # والتكبر جحد الحق- على لسان العلم، فمن جحد حقائق الحق فجحوده تكبره ~~واعتراضه على التقدير مما يتحقق جحوده فى القلب. PageV01P569 # ويقال التكبر توهم استحقاق الحق لك. # ويقال من رأى لنفسه قيمة فى الدنيا والآخرة فهو متكبر. # ويقال من ظن أن شيئا منه أو له أو إليه- من النفي والإثبات- إلا على وجه ~~الاكتساب فهو متكبر. # قوله جل ذكره: وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي ~~يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين والذين كذبوا ~~بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون. # تبين بهذا أنه لا يكفى شهود الحق حقا وشهود الباطل باطلا بل لا بد من ~~شهود الحق من وجود التوفيق للحق، ومنع شهود الباطل من وجود العصمة من اتباع ~~الباطل. # ويقال إن الجاحد للحق- مع تحققه به- أقبح حالة من الجاهل به المقصر فى ~~تعريفه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 148] # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) # لم يطهر قلوبهم- فى ابتداء أحوالهم- عن توهم الظنون، ولم يتحققوا بخصائص ~~القدم وشروط الحدوث، فعثرت أقدام فكرهم فى وهاد المغاليط لما سلكوا المسير. # ويقال إن أقواما رضوا بالعجل أن يكون معبودهم متى تشم أسرارهم نسيم «1» ~~التوحيد؟ # هيهات لا! لا ولا من لاحظ جبريل وميكائيل والعرش أو الثرى، أو الجن أو ~~الورى. # وإن من لحقه ذلك أو وجد من قبيل ما يقبل نعوت الحدثان، أو صح فى التجويز ~~أن ترتقى إليه صواعد التقدير وشرائط الكيفية فغير صالح لاستحقاق الإلهية. ~~PageV01P570 # ويقال شتان بين أمة وأمة! أمة ms0385 خرج نبيهم عليه السلام من بينهم أربعين ~~يوما فعبدوا العجل، وأمة خرج نبيهم- عليه السلام- من بينهم وأتى نيف ~~وأربعمائة سنة فمن ذكر بين أيديهم أن الشموس والأقمار أو شيئا من الرسوم ~~والأطلال تستحق الإلهية أحرقوه بهممهم ويقال لا فصل بين الجسم والجسد، فكما ~~لا يصلح أن يكون المعبود جسما لا يصلح أن يكون متصفا بما فى معناه، ولا أن ~~يكون له صوت فإن حقيقة الأصوات مصاكة الأجرام الصلبة، والتوحيد الأزلى ~~ينافى هذه الجملة. # ويقال أجهل بقوم آمنوا بأن يكون مصنوعهم معبودهم! ولولا قهر الربوبية ~~وأنه تعالى يفعل ما يشاء- فأى عقل يقر مثل هذا التلبيس؟! قوله جل ذكره: ألم ~~يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين. # جعل من استحقاقه «1» نعوت الإلهية صحة الخطاب وأن تكون منه الهداية، وهذا ~~يدل على استحقاق الحق بالنعوت «2» بأنه متكلم فى حقائق آزاله، وأنه متفرد ~~بهداية العبد لا هادى سواه. وفيه إشارة إلى مخاطبة الحق- سبحانه- وتكليمه ~~مع العبد، وإن الملوك إذا جلت رتبتهم استنكفوا أن يخاطبوا أحدا بلسانهم حتى ~~قال قائلهم: # وما عجب تناسى ذكر عبد ... على المولى إذا كثر العبيد # وبخلاف هذا أجرى الحق- سبحانه- سنته مع عباده المؤمنين، أما الأعداء ~~فيقول لهم: «اخسؤا فيها ولا تكلمون» «3» وأما المؤمنون فقال صلى الله عليه ~~وسلم: «ما منكم إلا يكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان» «4» ، وأنشدوا فى ~~معناه. # وما تزدهينا الكبرياء عليهم ... إذا كلمونا أن نكلمهم مردا PageV01P571 # قال تعالى: «قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا» «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 149] # ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر ~~لنا لنكونن من الخاسرين (149) # حين تحققوا بقبح صنيعهم تجرعوا كاسات الأسف ندما، واعترفوا بأنهم خسروا ~~إن لم يتداركهم من الله جميل لطفه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 150 الى 151] # ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم ~~أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه ms0386 يجره إليه قال ابن أم إن القوم ~~استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم ~~الظالمين (150) قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ~~(151) # لو وجد موسى قومه بألف ألف وفاق لكان متنغص العيش لما منى به من حرمان ~~سماع الخطاب والرد إلى شهود الأغيار.. فكيف وقد وجد قومه قد ضلوا وعبدوا ~~العجل؟! ولا يدرى أى المحن كانت أشد على موسى: # أفقدان سماع الخطاب؟ أو بقاؤه عن سؤال الرؤية؟ أو ما شاهد من افتنان بنى ~~إسرائيل، واستيلاء الشهوة على قلوبهم فى عبادة العجل؟ سبحان الله! ما أشد ~~بلاءه على أوليائه! قوله جل ذكره: وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ~~قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا ~~تجعلني مع القوم الظالمين قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم ~~الراحمين. PageV01P572 # إن موسى عليه السلام وإن كان سمع من الله فتن قومه فإنه لما شاهدهم أثرت ~~فيه المشاهدة بما لم يؤثر فيه السماع، وإن علم قطعا أنه تأثر بالسماع إلا ~~أن للمعاينة تأثيرا آخر. # ثم إن موسى لما أخذ برأس أخيه يجره إليه استلطفه هارون فى الخطاب. # فقال: يا «ابن أم» فذكر الأم هنا للاسترفاق والاسترحام. # وكذلك قوله: تأخذ بلحيتي ولا برأسي» # يريد بهذا أنه قد توالت المحن على فذرنى وما أنا فيه، ولا تزد فى بلائي، ~~خلفتنى فيهم فلم يستنصحونى. وتلك على شديدة. ولقيت فى عتابى وجر رأسى وقصدت ~~ضربى، وكنت أود منك تسليتى وتعزيتى. فرفقا بي ولا تشمت بي الأعداء، ولا ~~تضاعف على البلاء. # وعند ذلك رق له موسى- عليه السلام، ورجع إلى الابتهال إلى الله والسؤال ~~بنشر الافتقار فقال: «رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك» وفى هذا إشارة ~~إلى وجوب الاستغفار على العبد فى عموم الأحوال، والتحقق بأن له- سبحانه- ~~تعذيب البريء إذ الخلق كلهم ملكه، وتصرف المالك فى ملكه نافذ. # ويقال: ارتكاب الذنب كان من بنى إسرائيل، والاعتذار كان من موسى وهارون ~~عليهما السلام، وكذا ms0387 الشرط فى باب خلوص العبودية. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 152] # إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك ~~نجزي المفترين (152) # يعنى إن الذين اتخذوا العجل معبودا سينالهم فى مستقبل أحوالهم جزاء ~~أعمالهم. والسين فى قوله «سينالهم» للاستقبال، ومن لا يضره عصيان العاصين ~~لا يبالى بتأخير العقوبة عن الحال، وفرق بين الإمهال والإهمال، والحق- ~~سبحانه- يمهل ولكنه لا يهمل، ولا ينبغى لمن يذنب ثم لا يؤاخذ فى الحال أن ~~يغتر بالإمهال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 153] # والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم (153) # PageV01P573 # وصفهم بالتوبة بعد عمل السيئات ثم بالإيمان بعدها، ثم قال: «من بعدها ~~لغفور رحيم» . # والإيمان الذي هو بعد التوبة يحتمل آمنوا بأنه يقبل التوبة، أو آمنوا بأن ~~الحق سبحانه لم يضره عصيان، أو آمنوا بأنهم لا ينجون بتوبتهم من دون فضل ~~الله، أو آمنوا أي عدوا ما سبق منهم من نقض العهد شركا. # ويقال استداموا للإيمان فكان موافاتهم على الإيمان. # أو آمنوا بأنهم لو عادوا إلى ترك العهد وتضييع الأمر سقطوا من عين الله، ~~إذ ليس كل مرة تسلم الجرة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 154] # ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم ~~يرهبون (154) # تشير إلى حسن إمهاله- سبحانه- للعبد إذا تغير عن حد التمييز، وغلب عليه ~~ما لا يطيق رده من بواده الغيب. # وإذا كانت حالة الأنبياء- عليهم السلام- أنه يغلبهم ما يعطلهم عن ~~الاختيار فكيف الظن بمن دونهم «1» ؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 155] # واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها ~~من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ~~(155) . PageV01P574 # شتان بين أمة وأمة أمة يختارهم نبيهم- عليه السلام، وبين أمة اختارها ~~الحق- سبحانه، فقال: «ولقد اخترناهم على علم على العالمين» «1» . # الذين اختارهم موسى قالوا: «أرنا ms0388 الله جهرة فأخذتهم الصاعقة» والذين ~~اختارهم الحق- سبحانه- قال الله تعالى فيهم: «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ~~ناظرة» «2» . # ويقال إن موسى- عليه السلام- جاهر الحق- سبحانه- بنعت التحقيق وفارق ~~الحشمة وقال صريحا: «إن هي إلا فتنتك» ثم وكل «3» الحكم إليه فقال: «تضل ~~بها من تشاء وتهدي من تشاء» ثم عقبها ببيان التضرع فقال: «فاغفر لنا ~~وارحمنا» ، ولقد قدم الثناء على هذا الدعاء فقال: «أنت ولينا فاغفر لنا ~~وارحمنا» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 156] # واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب ~~به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين ~~هم بآياتنا يؤمنون (156) # نطق بلسان التضرع والابتهال حيث صفى إليه الحاجة، وأخلص له فى السؤال ~~فقال: # «واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة» أي اهدنا إليك. # وفى هذه إشارة إلى تخصيص نبينا- صلى الله عليه وسلم- فى التبري من الحول ~~والقوة والرجوع إلى الحق لأن موسى- عليه السلام قال: «واكتب لنا في ### | .... # » ونبينا صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكلنى إلى نفسى طرفة عين» ولا أقل ~~من ذلك، وقال: # «واكفلنى كفالة الوليد» ثم زاد فى ذلك حيث قال: «لا أحصى ثناء عليك» «4» ~~. PageV01P575 # قوله جل ذكره: إنا هدنا إليك أي ملنا إلى دينك، وصرنا لك بالكلية، من غير ~~أن نترك لأنفسنا بقية. # قوله جل ذكره: قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء وفى هذا ~~لطيفة حيث لم يقل: عذابى لا أخلى منه أحدا، بل علقه على المشيئة. # وفيه أيضا إشارة أن أفعاله- سبحانه- غير معللة بأكساب الخلق لأنه لم يقل: # عذابى أصيب به العصاة بل قال: «من أشاء» وفى ذلك إشارة إلى جواز الغفران ~~لمن أراد لأنه قال: «أصيب به من أشاء» فإذا شاء ألا يصيب به أحدا كان له ~~ذلك، وإلا لم يكن حينئذ مختارا. # ثم لما انتهى إلى الرحمة قال: «ورحمتي وسعت كل شيء» لم يعلقها بالمشيئة ~~لأنها نفس المشيئة ولأنها قديمة، والإرادة لا تتعلق بالقديم. فلما كان ~~العذاب من صفات الفعل علقه بالمشيئة، ms0389 بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات. # ويقال فى قوله تعالى: «وسعت كل شيء» مجال لآمال العصاة لأنهم وإن لم ~~يكونوا من جملة المطيعين والعابدين والعارفين فهم «شيء» «1» . # قوله جل ذكره: فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون. # أي سأوجبها لهم، فيجب الثواب للمؤمنين من الله ولا يجب لأحد شىء على الله ~~إذ لا يجب عليه شىء لعزة فى ذاته «2» . # قوله هاهنا: «للذين يتقون» أي يجتنبون أن يروا الرحمة باستحقاقهم، فإذا ~~اتقوا هذه الظنون، وتيقنوا أن أحكامه ليست معللة بأكسابهم- استوجبوا ~~الرحمة، ويحكم بها لهم. PageV01P576 # «والذين هم بآياتنا يؤمنون» أي بما يكاشفهم به فى الأنظار مما يقفون عليه ~~بوجوه الاستدلال، وبما يلاطفهم به فى الأسرار مما يجدونه فى أنفسهم من فنون ~~الأحوال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 157] # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ~~ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (157) # أظهر شرف المصطفى- صلى الله عليه وسلم- بقوله: «النبي الأمي» أي أنه لم ~~يكن شىء من فضائله وكمال علمه وتهيؤه إلى تفصيل شرعه من قبل نفسه، أو من ~~تعلمه وتكلفه، أو من اجتهاده وتصرفه.. بل ظهر عليه كل ما ظهر من قبله- ~~سبحانه- فقد كان هو أميا غير قارئ للكتب، ولا متتبع للسير. # ثم قال: «يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر» : والمعروف هو القيام بحق ~~الله، والمنكر هو البقاء بوصف الحظوظ وأحكام الهوى، والتعريج فى أوطان ~~المني، وما تصوره للعبد تزويرات الدعوى «1» . والفاصل بين الجسمين، والمميز ~~بين القسمين- الشريعة، فالحسن من أفعال العباد ما كان بنعت الإذن من مالك ~~الأعيان فلهم ذلك، والقبيح ما كان موافقا للنهى «2» والزجر فليس لهم فعل ~~ذلك. # قوله جل ذكره: ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. # الإصر الثقل، ولا شىء أثقل من كد التدبير، فمن ترك كد التدبير إلى روح ~~شهود التقدير، فقد وضع عنه كل إصر، وكفى ms0390 كل وزر وأمر. # والأغلال التي كانت عليهم هى ما ابتدعوه من قبل أنفسهم باختيارهم فى ~~التزام طاعات PageV01P577 # الله ما لم يفترض عليهم، فوكلوا إلى حولهم ومنتهم فيها فأهملوها، ونقضوا ~~عهودهم. # ومن لقى- بخصائص الرضا- ما تجرى به المقادير، وشهد الحق فى أجناس ~~الأحداث- فقد خص بكل نعمة وفضل. # قوله جل ذكره: فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون. # اعترف لهم «1» بنصرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- وإلا فالنبى صلى الله ~~عليه وسلم كان الله حسيبه، ومن كان استقلاله بالحق لم يقف انتعاشه على نصرة ~~الخلق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 158] # قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض ~~لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله ~~وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) # صرح بما رقيناك إليه من المقام، وأفصح عما لقيناك به من الإكرام، قل إنى ~~إلى جماعتكم مرسل، وعلى كافتكم مفضل، ودينى- لمن نظر واعتبر، وفكر وسبر- ~~مفصل. فإلهى الذي لا شريك له ينازعه، ولا شبيه يضارعه له حق التصرف فى ملكه ~~بما يريد من حكمه. ومن جملة ما حكم وقضى، ونفذ به التقدير وأمضى- إرسالى ~~إليكم لتطيعوه فيما يأمركم، وتحذروا من ارتكاب ما يزجركم. # وإن مما أمركم به أنه قال لكم: آمنوا بالنبي الأمى، واتبعوه لتفلحوا فى ~~الدنيا والعقبى، وتستوجبوا الزلفى والحسنى، وتتخلصوا من البلوى والهوى. ~~PageV01P578 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 159] # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (159) # هم الذين سبقت لهم العناية، وصدقت فيهم الولاية فبقوا على الحق من غير ~~تحريف ولا تحويل، وأدركتهم الرحمة السابقة، فلم تتطرق إليهم مفاجأة تغيير، ~~ولا خفى تبديل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 160] # وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن ~~اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم ~~وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) # فرقهم ms0391 أصنافا، وجعلهم فى التحزب أخيافا، ثم كفاهم ما أهمهم، وأعطاهم ما ~~لم يكن لهم بد منه فيما نابهم فظللنا عليهم ما وقاهم أذى الحر والبرد، ~~وأنزلنا عليهم المن والسلوى مما نفى عنهم تعب الجوع والجهد والسعى والكد، ~~وفجرنا لهم العيون عند النزول حتى كانوا يشاهدونهم عيانا، وألقينا بقلوبهم ~~من البراهين ما أوجب لهم قوة اليقين، ولكن ليست العبرة بأفعال الخلق ولا ~~بأعمالهم إنما المدار على مشيئة الحق، سبحانه وتعالى فيما يمضى عليهم من ~~فنون أحوالهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 161] # وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا ~~الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين (161) # PageV01P579 # يخبر عما ألزمهم من مراعاة الحدود، وما حصل منهم من نقض العهود. وعما ~~ألزمهم من التكليف، ولقاهم به من صنوف التعريف، وإكرامه من (شاء) «1» منهم ~~بالتوفيق والتصديق، وإذلاله من شاء منهم بالخذلان وحرمان التحقيق، ثم ما ~~عاقبهم به من فنون البلاء فما لقوا تعريفا، وأذاقهم من سوء الجزاء، حكما- ~~من الله- حتما، وقضاء جزما. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 162] # فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من ~~السماء بما كانوا يظلمون (162) # «2» جاء فى التفسير أنهم زادوا حرفا فى الكلمة التي قيلت لهم فقالوا: ~~حنطة بدل «حطة» فلقوا من البلاء ما لقوا تعريفا أن الزيادة فى الدين، ~~والابتداع فى الشرع عظيم الخطر، ومجاوزة حد الأمر شديد الضرر. # ويقال إذا كان تغيير كلمة هى عبارة عن التوبة يوجب كل ذلك العذاب- فما ~~الظن بتغيير ما هو خبر عن صفات المعبود؟ # ويقال إن القول أنقص من العمل بكل وجه- فإذا كان التغيير فى القول يوجب ~~كل هذا.. فكيف بالتبديل والتغيير فى الفعل؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 163] # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون (163) # كان دينهم الأخذ بالتأويل، وذلك روغان- فى التحقيق «3» ، وإن الحقائق ~~تأبى PageV01P580 # إلا الصدق، وإن التعريج ms0392 فى أوطان الحظوظ والجنوح إلى محتملات الرخص فسخ ~~لأكيد مواثيق الحقيقة، ومن شاب شوب له، ومن صفى صفى له. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 164] # وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ~~قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) # الحقائق- وإن كانت لازمة- فليست للعبد عند لوازم الشرع عاذرة «1» بل ~~الوجوب يفترض شرعا، وإن كان التقدير غالبا بكل وجه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 165] # فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (165) # إذا تمادى العبد فى تهتكه، ولم يبال بطول الإمهال والستر لم تهمل يد ~~التقدير عن استئصال العين، ومحو الأثر، وسرعة الحساب، وتعجيل العذاب الأدنى ~~قبل هجوم الأكبر. # ثم البريء فى فضاء السلامة، وتحت ظل الحفظ، ودوام روح التخصيص وبرد عيش ~~التقريب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 166] # فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين (166) # إذا انتهت مدة الإمهال فليس بعده إلا حقيقة الاستئصال، وإذا سقط العبد من ~~عين الله لم ينتعش بعده أبدا، فمن أسقطه حكم الملوك فلا قبول له بعد الرد، ~~وفى معناه أنشدوا: # إذا انصرفت نفسى عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 167] # وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك ~~لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) PageV01P581 # إذا الحق- سبحانه- أمضى سنته بالإنذار وتقديم التعريف بما يستحقه كل أحد ~~على ما يحصل منه من الآثار إبداء للعذر- وإن جلت «1» رتبته عن كل عذر- فإن ~~ينجع فيهم القول وإلا دمر عليهم بالعذاب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 168] # وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات لعلهم يرجعون (168) # «2» أجراهم على ما علم أنهم يكونون عليه من صلاح وسداد، ومعاص وفساد. ثم ~~ابتلاهم بفنون الأفعال من محن أزاحها، ومن منن أتاحها، وطالبهم بالشكر على ~~ما أسدى، والصبر على ما أبلى، ليظهر للملائكة والخلائق أجمعين جواهرهم ms0393 فى ~~الخلاف والوفاق، والإخلاص والنفاق فأما الحسنات فهى ما يشهدهم المجرى، ولا ~~يلهيهم عن المبدى، وأما السيئات فالتردد بين الإنجاز والتأخير، والإباحة ~~والتقصير. # ويقال الحسنة أن ينسيك نفسك، والسيئة أن يشهدك نفسك. # ويقال الحسنات بتيسير وقت عن الغفلات خال، وتسهيل يوم عن الآفات بائن. ~~والسيئات التي ابتلاهم بها خذلان حاصل وحرمان متواصل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 169] # فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ~~وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على ~~الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ~~(169) # استوجبوا الذم بقوله- سبحانه: «فخلف من بعدهم خلف» لأنهم آثروا العرض «3» ~~PageV01P582 # الأدنى، وركنوا إلى عاجل الدنيا، وجعلوا نصيبهم من الآخرة المنى فقالوا: ~~«سيغفر لنا» . # ويقال من أمارات الاستدراج ارتكاب الزلة، والاغترار بزمان المهلة، وحمل ~~تأخير العقوبة على استحقاق الوصلة. # قوله جل ذكره: وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه. # أخبر عن إصرارهم على الاغترار بالمنى، وإيثار متابعة الهوى. # قوله جل ذكره: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا ~~الحق. # استفهام فى معنى التقرير «1» ، أي أمروا ألا يصفوا الحق إلا بنعت الجلال، ~~واستحقاق صفات الكمال، وألا يتحاكموا عليه بما لم يأت منه خبر، ولم يشهد ~~بصحته برهان ولا نظر. # قوله جل ذكره: ودرسوا ما فيه، والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون. # يعنى تحققوا بمضمون الكتاب ثم جحدوا بعد لوح البيان وظهور البرهان. يعنى ~~التعرض لنفحات فصله- سبحانه- خير لمن أمل جوده من مقاساة التعب ممن بذل- فى ~~تحصيل هواه- مجهوده. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 170] # والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (170) # يمسكون بالكتاب إيمانا، وأقاموا الصلاة إحسانا، فبالإيمان وجدوا الأمان، ~~وبالإحسان وجدوا الرضوان فالأمان معجل والرضوان مؤجل. ويقال «يمسكون ~~بالكتاب» سبب النجاة، وإقامة الصلاة تحقق المناجاة. فالنجاة فى المآل ~~والمناجاة فى الحال. # ويقال أفرد الصلاة هاهنا بالذكر عن جملة الطاعات ليعلم أنها أفضل ~~العبادات بعد معرفة الذات والصفات. PageV01P583 # قوله ms0394 جل ذكره: إنا لا نضيع أجر المصلحين. # من أمل سبب إنعامنا لم تخسر له صفقة، ولم تخفق «1» له فى الرجاء رفقة، ~~ويقال من نقل ( ### | .... # ) «2» إلى بابه قدمه لم يعدم فى الآجل نعمه، ومن رفع إلى ساحات جوده هممه ~~نال فى الحال كرمه. # ويقال من توصل إليه بجوده نال فى الدارين شرفه. ومن اكتفى بجوده «3» كان ~~الله عنه خلفه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 171] # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171) # ليس من يأتى طوعا كمن يأتى جبرا، فإن الذي يأتى قهرا لا يعرف للحق- ~~سبحانه- قدرا، وفى معناه أنشدوا: # إذا كان لا يرضيك إلا شفاعة ... فلا خير فى ود يكون لشافع # وأنشدوا: # إذا أنا عاتبت الملول فإنما ... أخط بأقلامى على الماء أحرفا # وهبه ارعوى بعد العتاب ... ألم يكن تودده طبعا، فصار تكلفا؟ # ويقال قصارى من أتى خيرا أن ينكص على عقبيه طوعا، كذلك لما قابلوا الكتاب ~~بالإجبار ما لبثوا حتى قابلوه بالتحريف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 172 الى 173] # وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) أو ~~تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون (173) PageV01P584 # أخبر بهذه الآية عن سابق عهده، وصادق وعده، وتأكيد عناج «1» وده، بتعريف ~~عبده، وفى معناه أنشدوا: # سقيا لليلى والليالى التي ... كنا بليلى نلتقى فيها # أفديك بل أيام دهرى كلها ... يفدين أياما عرفتك فيها # ويقال فأجابهم بتحقيق العرفان قبل أن يقع لمخلوق عليهم بصر، أو ظهر فى ~~قلوبهم لمصنوع أثر، أو كان لهم من حميم أو قريب أو صديق أو شفيق خبر، وفى ~~معناه أنشدوا: # أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... وصادف قلبى فارغا فتمكنا # ويقال جمعهم فى الخطاب ولكنه فرقهم فى الحال. وطائفة خاطبهم بوصف القربة ~~فعرفهم فى نفس ما خاطبهم، وفرقة أبقاهم فى أوطان الغيبة فأقصاهم ms0395 عن نعت ~~العرفان وحجبهم. # ويقال أقوام لاطفهم فى عين ما كاشفهم فأقروا بنعت التوحيد، وآخرون أبعدهم ~~فى نفس ما أشهدهم فأقروا عن رأس الجحود. # ويقال وسم بالجهل قوما فألزمهم بالإشهاد ببيان الحجة فأكرمهم بالتوحيد، ~~وآخرين أشهدهم واضح الحجة ( ### | ...... # ) «2» . PageV01P585 # ويقال تجلى لقوم فتولى تعريفهم فقالوا: «بلى» عن حاصل يقين، وتعزز عن ~~آخرين فأثبتهم فى أوطان الجحد فقالوا: «بلى» عن ظن وتخمين. # ويقال جمع المؤمنين فى الأسماء ولكن غاير بينهم فى الرتب فجدب قلوب قوم ~~إلى الإقرار بما أطمعها فيه من المبار، وأنطق آخرين بصدق الإقرار بما ~~أشهدهم من العيان وكاشفهم به من الأسرار. # ويقال فرقة ردهم إلى الهيبة فهاموا، وفرقة لاطفهم بالقربة فاستقاموا. # ويقال عرف الأولياء أنه من هو فتحققوا بتخليصهم، ولبس على الأعداء ~~فتوقفوا لحيرة عقولهم. # ويقال أسمعهم وفى نفس ما أسمعهم أحضرهم، ثم أخذهم عنهم فيما أحضرهم، وقام ~~عنهم فأنطقهم بحكم التعريف، وحفظ عليهم- بحسن التولي- أحكام التكليف «1» ~~وكان- سبحانه- لهم مكلفا، وعلى ما أراده مصرفا، وبما استخلصهم له معرفا، ~~وبما رقاهم إليه مشرفا. # ويقال كاشف قوما- فى حال الخطاب- بجماله فطوحهم فى هيمان حبه، فاستمكنت ~~محابهم فى كوامن أسرارهم فإذا سمعوا- اليوم- سماعا تجددت (تلك الأحوال، ~~فالانزعاج الذي يظهر فيهم لتذكر ما سلف لهم) «2» من العهد المتقدم «3» . # ويقال أسمع قوما بشاهد الربوبية فأصحاهم عن عين الاستشهاد فأجابوا عن عين ~~التحقيق، وأسمع آخرين بشاهد الربوبية فمحاهم عن التحصيل فأجابوا بوصف ~~الجحود. # ويقال أظهر آثار العناية بدءا حين اختص بالأنوار التي رشت عليهم قوما، ~~فمن حرمه تلك الأنوار لم يجعله أهلا للوصلة، ومن أصابته تلك الأنوار أفصح ~~بما خص به من غير مقاساة كلفة. PageV01P586 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 174] # وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174) # إذا سدت «1» عيون البصائر فما ينفع وضوح الحجة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 175] # واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من ~~الغاوين (175) # الحق- سبحانه- يظهر الأعداء فى صدار الخلة ثم يردهم إلى سابق القسمة، ~~ويبرز الأولياء بنعت الخلاف والزلة، ثم يغلب عليهم مقسومات الوصلة. # ويقال أقامه فى محل القربة، ms0396 ثم أبرز له من مكامن المكر ما أعد له من سابق ~~التقدير فأصبح والكل دونه رتبة، وأمسى والكلب فوقه- مع خساسته: وفى معناه ~~أنشدوا: # فبينا بخير والدنى مطمئنة ... وأصبح يوما- والزمان تقلبا # ويقال ليست العبرة بما يلوح فى الحال، إنما العبرة بما يئول إليه فى ~~المآل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 176] # ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ~~إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص ~~القصص لعلهم يتفكرون (176) # لو ساعدته المشيئة بالسعادة الأزلية لم تلحقه الشقاوة الأبدية، ولكن من ~~قصمته السوابق لم تنعشه اللواحق. # قوله جل ذكره: ولكنه أخلد إلى الأرض. # إذا كانت مساكنة آدم للجنة وطمعه فى الخلود فيها أوجبا خروجه عنها، ~~فالركون إلى الدنيا- متى يوجب البقاء فيها؟ # قوله جل ذكره: واتبع هواه. # موافقة الهوى تنزل صاحبها من سماء العز إلى تراب الذل، وتلقيه فى وهدة ~~الهوان ومن لم يصدق علما فعن قريب يقاسيه وجودا. PageV01P587 # قوله جل ذكره: فمثله كمثل الكلب. # من أخلاق الكلب التعرض لمن لم يخفه على جهة الابتداء، ثم الرضاء عنه ~~بلقمة.. # كذلك الذي ارتد عن طريق الإرادة يصير ضيق الصدر، سيىء الخلق، يبدأ ~~بالجفاء كل برىء، ثم يهدأ طياشه بنيل كل عرض خسيس. # قوله جل ذكره: إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين ~~كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون. # المحجوب عن الحقيقة عنده الإساءة والإحسان (سيان) «1» ، فهو فى الحالين: ~~إما صاحب ضجر أو صاحب بطر لا يحمل المحنة إلا على زوال الدولة، ولا يقابل ~~«2» النعمة إلا بالنهمة، فهو فى الحالين محجوب عن الحقيقة. # ويقال الكلب نجاسته أصلية، وخساسته كلية، كذلك المردود فى الصفة له نقصان ~~القيمة وحرمان القسمة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 177] # ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) # «3» أي صفته أدنى من نعت من بلى بالإعراض الأزلى، وأى نعت أعلى من وصف من ~~أكرم بالقبول الأيدى؟ وأى حيلة تنفع مع من يخلق الحيلة؟» ms0397 # وكيف تصح الوسيلة إلا لمن منه الوسيلة؟ PageV01P588 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 178] # من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) # ليست الهداية من حيث السعاية، إنما الهداية من حيث البداية، وليست ~~الهداية بفكر العبد ونظره، إنما الهداية بفضل الحق وجميل ذكره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 179] # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين ~~لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون (179) # من خلقه لجهنم- متى يستوجب الجنات؟ # ومن أهله للسخطة- أنى يستحق الرضوان؟ # ولولا انسداد البصائر وإلا فأى إشكال بقي بعد هذا الإيضاح؟ «1» ويقال هم- ~~اليوم- فى جحيم الجحود، مقرنين فى أصفاد الخذلان، ملبسين ثياب الحرمان، ~~طعامهم ضريع الوحشة، وشرابهم حميم الفرقة، وغدا هم فى جحيم الحرقة «2» .. # كما فصل فى الكتاب شرع تلك الحالة. # قوله جل ذكره: لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان ~~لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون. # أي لا يفقهون معانى الخطاب كما يفهم المحدثون «3» ، وليس لهم تمييز بين ~~خواطر الحق PageV01P589 # وبين هواجس النفس ووساوس الشيطان، ولهم أعين لا يبصرون بها شواهد التوحيد ~~وعلامات اليقين فلا ينظرون إلا من حيث الغفلة، ولا يسمعون إلا دواعى ~~الفتنة، ولا ينخرطون إلا مع سلك ركوب الشهوة. # «أولئك كالأنعام بل هم أضل» : لأن الأنعام قد رفع عنها التكليف، وإن لم ~~يكن لها وفاق الشرع فليس منها أيضا خلاف الأمر. # والأنعام لا يهمها إلا الاعتلاف، وما تدعو الحيلة من مباشرة الجنس، فكذلك ~~من أقيم بشواهد نفسه وكان من المربوطين بأحكام النفس، وفى معناه أنشدوا: # نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم # وسعيك فيها سوف تكره غبه ... كذلك فى الدنيا تعيش البهائم # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 180] # ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما ~~كانوا يعملون (180) # «1» سبحان من تعرف إلى أوليائه بنعوته وأسمائه فعرفهم أنه من هو، ms0398 وبأى ~~وصف هو، وما الواجب فى وصفه، وما الجائز فى نعته، وما الممتنع فى حقه وحكمه ~~فتجلى لقلوبهم بما يكاشفهم به من أسمائه وصفاته، فإن العقول محجوبة عن ~~الهجوم بذواتها لما يصح إطلاقه فى وصفه، وإن كانت واقفة على الواجب والجائز ~~والممتنع فى ذاته، فللعقل العرفان بالجملة، وبالشرع الإطلاق والبيان فى ~~الإخبار، والقول فيما ورد به التوفيق يطلق، وما سكت عنه التوفيق يمنع. ~~ويقال من كان الغالب عليه وصف من صفاته ذكره بما يقتضى هذا الوصف فمن كان ~~مكاشفا بعطائه «2» ، مربوط القلب بأفضاله فالغالب على قالته الثناء عليه ~~بأنه الوهاب والبار والمعطى وما جرى مجراه. ومن كان مجذوبا عن شهود ~~الإنعام، مكاشفا بنعت الرحمة PageV01P590 # فالذى يغلب على ذكره وصفه بأنه الرحمن والرحيم والكريم وما فى معناه. ومن ~~سمت همته عن شهود وجوده، واستهلك فى حقائق وجوده فالغالب على لسانه الحق. ~~ولذلك فأكثر أقوال العلماء فى الإخبار عنه: «البارئ» لأنهم فى الترقي فى ~~شهود الفعل إلى شهود الفاعل. # وأما أهل المعرفة فالغالب على لسانهم «الحق» لأنهم «1» مختطفون عن شهود ~~الآثار، متحققون بحقائق الوجود. # ويقال إن الله- سبحانه- وقف الخلق بأسمائه فهم يذكرونها قالة، وتعزز ~~بذاته، والعقول- وإن صفت- لا تهجم على حقائق الإشراف، إذ الإدراك لا يجوز ~~على الحق فالعقول عند بواده الحقائق متقنعة بنقاب الحيرة عند التعرض ~~للإحاطة، والمعارف تائهة عند قصد الإشراف على حقيقة الذات، والأبصار حسيرة ~~عند طلب الإدراك فى أحوال الرؤية، والحق سبحانه عزيز، وباستحقاق نعوت ~~التعالي متفرد «2» . # قوله «وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون» : الإلحاد ~~هو الميل عن القصد، وذلك على وجهين بالزيادة والنقصان فأهل التمثيل زادوا ~~فألحدوا، وأهل التعطيل نقصوا فألحدوا «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 181] # وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) # أجرى الحق- سبحانه- سنته بألا يخلى البسيطة من أهل لها هم الغياث وبهم ~~دوام الحق فى الظهور، وفى معناه قالوا: # إذا لم يكن قطب ... فمن ذا يديرها؟ # فهدايتهم بالحق أنهم يدعون إلى الحق، ويدلون على الحق، ويتحركون بالحق، ~~ويسكنون PageV01P591 # للحق بالحق، وهم قائمون بالحق ms0399 يصرفهم الحق بالحق أولئك هم غياث الخلق بهم ~~يسقون إذا قحطوا، ويمطرون إذا أجدبوا، ويجابون إذا دعوا «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 182 الى 183] # والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) وأملي لهم إن ~~كيدي متين (183) # الاستدراج أن يلقى فى أوهامهم أنهم من أهل الوصلة، وفى الحقيقة: السابق ~~لهم من القسمة حقائق الفرقة. # ويقال الاستدراج انتشار الصيت بالخير فى الخلق، والانطواء على الشر- فى ~~السر- مع الحق. # ويقال الاستدراج ألا يزداد فى المستقبل صحبة إلا ازداد فى الاستحقاق ~~نقصان رتبة. # ويقال الاستدراج الرجوع من توهم صفاء الحال إلى ركوب قبيح الأعمال، ولو ~~كان صادقا فى حاله لكان معصوما فى أعماله. # ويقال الاستدراج دعاوى عريضة صدرت عن معان مريضة. # ويقال الاستدراج إفاضة البر مع ( ### | .... # ) «2» الشكر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 184] # أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) # أو لم يتأملوا بأنوار البصائر ليشهدوا أخلاق آثار التقريب بجملة أحواله- ~~عليه السلام- ليعلموا أن ذلك الشاهد ليس بشاهد متخرص. # ويقال إن برود «3» الواسطة- صلوات الله عليه وعلى آله- كانت بنسيم القربة ~~PageV01P592 # معطرة «1» ، ولكن لا يدرك ذلك النشر إلا بشم العرفان، فمن فقد ذلك- فأى ~~خبر «2» له عن حقيقة حاله- صلوات الله عليه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 185] # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) # أطلع الله- سبحانه- أقمار الآيات، وأماط عن ضيائها سحاب الشبهات فمن ~~استضاء بها ترقى إلى شهود القدرة. # ويقال ألاح الله تعالى- لقلوب الناظرين بعيون الفكر- حقائق التحصيل فمن ~~لم يعرج فى أوطان التقصير أنزلته مراكب السر بساحات التحقق. # قوله جل ذكره: وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون. # الناس فى مغاليط آمالهم ناسون لو شيك آجالهم، فكم من ناسج لأكفانه! وكم ~~من بان لأعدائه! وكم من زارع لم يحصد زرعه! هيهات! الكبش يعتلف والقصاب ~~مستعد له! ويقال سرعة الأجل تنغص لذة الأمل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 186] # من يضلل الله فلا ms0400 هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186) # من حرمه أنوار التحقيق فهو فى ضباب الجهل، فهو يزل يمينا ويسقط شمالا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 187] # يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها ~~إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك كأنك حفي عنها ~~قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187) PageV01P593 # السائل عن الساعة رجلان منكر يتعجب لفرط جهله، وعارف مشتاق يستعجل لفرط ~~شوقه، والمتحقق بوجوده ساكن فى حاله فسيان عنده قيام القيامة ودوام ~~السلامة. # ويقال الحق- سبحانه- استأثر بعلم الساعة فلم يطلع على وقتها نبيا ولا ~~صفيا، فالإيمان بها غيبى، ويقين أهل التوحيد صادق «1» عن شوائب الريب. ثم ~~معجل قيامتهم يوجب الإيمان بمؤجلها «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 188] # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) # أمره بتصريح الإقرار بالتبري عن حوله ومنته، وأن قيامه وأمره ونظامه بطول ~~ربه ومنته ولذلك تتجنس على الأحوال، وتختلف الأطوار فمن عسر «3» يمسني، ومن ~~يسر «4» يخصنى، ولو كان الأمر بمرادى، ولم يكن بيد غيرى قيادى لتشابهت ~~أحوالى فى اليسر، ولتشاكلت أوقاتى فى البعد من العسر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 189] # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها ~~حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ~~لنكونن من الشاكرين (189) # أخرج النسمة من نفس واحدة وأخلاقهم مختلفة، وهممهم متباينة، كما أن الشخص ~~من PageV01P594 # نطفة واحدة وأعضاؤه وأجزاؤه مختلفة. فمن قدر على تنويع النطفة المتشاكلة ~~أجزاؤها فهو القادر على تنويع أخلاق الخلق الذين أخرجهم من نفس واحدة. # قوله جل ذكره: ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما ~~أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين. # رد المثل إلى المثل، وربط الشكل بالشكل، ليعلم العالمون أن سكون الخلق مع ms0401 ~~الحق لا إلى الحق، وكذلك أنسل الخلق من الخلق لا من الحق، فالحق تعالى قدوس ~~منه كل حظ للخلق خلقا، منزه عن رجوع شىء إلى حقيقته حقا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 190] # فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون ~~(190) # شر الناس من يبتهل إلى الله عند هجوم البلاء بخلوص الدعاء، وشدة التضرع ~~والبكاء، فإذا أزيلت شكاته، ودفعت- بمنته- آفاته ضيع الوفاء، ونسى البلاء، ~~وقابل الرفد «1» بنقض العهد، وأبدل العقد برفض الود، أولئك الذين أبعدهم ~~الله فى سابق الحكم، وخرطهم فى سلك أهل الرد «2» قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 191] # أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) # كما لا يجوز أن يكون الرب مخلوقا لا يجوز أن يكون غير الرب خالقا، فمن ~~وصف الحق بخصائص وصف الخلق فقد ألحد، ومن نعت الخلق بما هو من خصائص حق ~~الحق فقد جحد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 192] # ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192) # من حكم بأنه ليس فى مقدور الحق شىء (لو فعله اسم الجاهل طوعا إلا فعله ~~«3» فقد PageV01P595 # وصف بأنه لا يقدر على نصره فمضاه الذي يعبد الجماد، ونعوذ بالله من ~~الضلالة عن الرشاد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 193] # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ~~(193) # المعبود هو القادر على هداية داعيه، وعلم العبد بقدرة معبوده يوجب تبريه ~~عن حوله وقوته، وإفراد الحق- سبحانه- بالقدرة على قضاء حاجته، وإزالة ~~ضرورته فتتقاصر عن قصد الخلق خطاه «1» ، وتنقطع آماله عن غير مولاه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 194] # إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم ~~صادقين (194) # إذا قرنت الضرورة بالضرورة تضاعف البلاء، وترادف العناء فالمخلوق إذا ~~استعان بمخلوق مثله ازداد بعد مراده عن النجح. وكيف تشكو لمن هو ذو شكاية؟! ~~هيهات! إن ذلك خطأ من الظن، وباطل من الحسبان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 195] # ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين ms0402 يبصرون بها أم ~~لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (195) # بين بهذه الآيات أن الأصنام التي عبدوها دونهم فيما اعتقدوا فيه صفة ~~المدح، ثم لم يعبد بعضهم بعضا فكيف استجازوا عبادة ما فاقهم «2» فى النقص؟ # قوله جل ذكره: قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون. PageV01P596 # صدق التوكل على الله يوجب ترك المبالاة بغير الله، كيف لا ... والمتفرد ~~بالقدرة- على النفع والضرر، والخير والشر- الله؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 196 الى 197] # إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) والذين تدعون من ~~دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197) # من قام بحق الله تولى أموره على وجه الكفاية، فلا يخرجه إلى أمثاله، ولا ~~يدع شيئا من أحواله إلا أجراه على ما يريده بحسن أفضاله، فإن لم يفعل ما ~~يريده جعل العبد راضيا بما يفعل، وروح الرضا على الأسرار أتم من راحة ~~العطاء على القلوب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 198] # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198) # شاهدوه بأبصارهم لكنهم حجبوا عن رؤيته ببصائر أسرارهم وقلوبهم فلم يعتد ~~برؤيتهم. # ويقال رؤية الأكابر ليست بشهود أشخاصهم، لكن بما يحصل للقلوب من مكاشفات ~~الغيب، وذلك على مقادير الاحترام وحصول الإيمان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 199] # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199) # من خصائص سنة الله فى الكرم أنه أمر نبيه- صلوات الله عليه وعلى آله- ~~بالأخذ به، إذ الخبر ورد بأن المؤمن أخذ من الله خلقا حسنا. وكلما كان ~~الجرم أكبر كان العفو عنه أجل وأكمل، وعلى قدر عظم رتبة العبد فى الكرم ~~يتوقف العفو # PageV01P597 # عن الأصاغر والخدم، قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الجراحات «1» التي ~~أصابته فى حرب أحد: # «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» . # قوله «وأمر بالعرف» : أفضل العرف أن يكون أكمل العطاء لأكثر أهل الجفاء، ~~وبذلك عامل الرسول- صلى الله عليه وعلى آله- الناس. # قوله: «وأعرض عن الجاهلين» : الإعراض عن الأغيار بالإقبال على من «2» لم ~~يزل ولا يزال، وفى ذلك ms0403 النجاة من الحجاب، والتحقق بما يتقاصر عن شرحه ~~الخطاب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 200] # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) # إن سنح فى باطنك من الوساوس أثر فاستعذ بالله يدركك بحسن التوفيق، وإن ~~هجس فى صدرك من الحظوظ خاطر فاستعذ بالله يدركك بإزالة كل نصيب، وإن لحقتك ~~فى بذل الجهد فترة فاستعذ بالله يدركك بإدامة آلائه، وإن اعترتك فى الترقي ~~إلى محل الوصول وقفة فاستعذ بالله يدركك بإدامة التحقيق، وإن تقاصر عنك شىء ~~من خصائص القرب- صيانة لك عن شهود المحل- فاستعذ بالله يثبتك له بدلا من لك ~~بك «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 201] # إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) # إنما يمس المتقين طيف الشيطان فى ساعات غفلتهم عن ذكر الله، ولو أنهم ~~استداموا PageV01P598 # ذكر الله بقلوبهم لما مسهم طائف الشيطان، فإن الشيطان لا يقرب قلبا فى ~~حال شهوده الله لأنه ينخنس عند ذلك. ولكن لكل صارم نبوة، ولكل عالم هفوة، ~~ولكل عابد شدة، ولكل قاصد فترة، ولكل سائر وقفة، ولكل عارف حجبة، قال صلى ~~الله عليه وسلم: «إنه ليغان على قلبى ### | .... # » «1» أخبر أنه يعتريه ما يعترى غيره، وقال صلى الله عليه وسلم: «الحدة ~~تعترى خيار أمتى» «2» ، فأخبر أن خيار الأمة- وإن جلت رتبتهم لا يتخلصون عن ~~حدة تعتريهم فى بعض أحوالهم، فتخرجهم عن دوام الحلم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 202] # وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202) # إخوان الشيطان أرباب دوام الغيبة فهم فى كمال الغفلة تدوم بهم الحجبة ~~فمنهم بالزلة من لم يلم، أو ألم ولكن لم يصر فهم خياره «3» ، ومنهم من غفل ~~واغتر، وعلى دوام الغيبة أصر- فهم المحجوبون قطعا، والمبعدون «4» - عن محل ~~القرب- صدا «5» وردا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 203] # وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي ~~هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (203) PageV01P599 # من شاهد الحق من حيث الخلق سقط فى مهواة المغاليط، فهو فى ms0404 متاهات الشك ~~يجوب منازل الريب، ولا يزداد إلا عمى على عمى. ومن طالع الخلق بعين تصريف ~~القدرة إياهم تحقق بأنهم لا يظهرون إلا فى معرض اختيار الحق لهم، فهو ينظر ~~بنور البصيرة، ويستديم شهود التصريف بوصف السكينة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 204] # وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) # استمعوا بسمع الإيمان والتصديق، وأنصتوا (بصون) الخواطر عن معارضات ~~الاعتراض، ومطالبات الاستكشاف. ومن باشر التحقيق سره لازم التصديق قلبه. # والإنصات- فى الظاهر- من آداب أهل الباب، والإنصات- بالسرائر- من آداب ~~أهل البساط، قال الله تعالى فى نعت تواصى الجن بعضهم لبعض عند شهود الرسول ~~صلى الله عليه وسلم «فلما حضروه قالوا أنصتوا» «1» فإذا كان الحضور إلى ~~الواسطة عليه السلام يوجب هذه الهيبة فلزوم الهيبة وحفظ الأدب عند حضور ~~القلب بشهود الرب أولى وأحق، قال تعالى: «وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع ~~إلا همسا» «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 205] # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا ~~تكن من الغافلين (205) # «3» التضرع إذا كوشف العبد بوصف الجمال فى أوان البسط، والخيفة إذا كوشف ~~بنعت الجلال فى أحوال الهيبة، وهذا للأكابر. PageV01P600 # فأما من دونهم فتنوع أحوالهم من حيث الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة. ومن ~~فوق الجميع فأصحاب البقاء والفناء، والصحو والمحو ووراءهم أرباب الحقائق ~~مثبتون فى أوطان التمكين، فلا تلون لهم ولا تجنس لقيامهم بالحق، وامتحائهم ~~عن شواهدهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأعراف (7) : آية 206] # إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (206) # أثبت لهم عندية الكرامة، وحفظ عليهم أحكام العبودية لئلا ينفك حال جمعهم ~~عن نعت فرقهم «1» ، وهذه سنة الله تعالى مع خواص عباده يلقاهم بخصائص عين ~~الجمع ويحفظ عليهم حقائق عين الفرق لئلا يخلوا بآداب العبودية فى أوان وجود ~~الحقيقة «2» . ### | السورة التي تذكر فيها الأنفال # قال الله تعالى: # بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله إخبار عن قدرته على الإبداع والاختراع، ~~الرحمن الرحيم إخبار عن تصرفه بالإقناع وحسن الدفاع فبقدرته أوجد ما أوجد ~~من مراده، وبنصرته وحد من ms0405 وحد قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) # الأنفال هاهنا ما آل إلى المسلمين من أموال المشركين، وكان سؤالهم عن ~~حكمها، فقال الله تعالى: قل لهم إنها لله ملكا، ولرسوله- عليه السلام- ~~الحكم فيها بما يقضى به أمرا وشرعا. PageV01P601 # قوله جل ذكره: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم. # أي أجيبوا لأمر الله، ولا تطيعوا دواعى مناكم والحكم بمقتضى أحوالكم، ~~وابتغوا إيثار رضاء الحق على مراد النفس، وأصلحوا ذات بينكم، وذلك ~~بالانسلاخ عن شح النفس، وإيثار حق الغير على ما لكم من النصيب والحظ، ~~وتنقية القلوب عن خفايا الحسد والحقد. # قوله جل ذكره: وأطيعوا الله ورسوله: # أي فى الإجابة إلى ما يأتيكم من الإرشاد. # قوله جل ذكره: إن كنتم مؤمنين. # أي سبيل المؤمن ألا يخالف هذه الجملة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 2] # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) # الوجل شدة الخوف، ومعناه هاهنا أن يخرجهم الوجل عن أوطان الغفلة، ويزعجهم ~~عن مساكن الغيبة. فإذا انفصلوا عن أودية التفرقة وفاءوا إلى مشاهد الذكر ~~نالوا السكون إلى الله- عز وجل فيزيدهم ما يتلى عليهم من آياته تصديقا على ~~تصديق، وتحقيقا على تحقيق. # فإذا طالعوا جلال قدره، وأيقنوا قصورهم عن إدراكه، توكلوا عليه فى ~~إمدادهم بالرعاية فى نهايتهم، كما استخلصهم بالعناية فى بدايتهم. # ويقال سنة الحق- سبحانه- مع أهل العرفان أن يرددهم بين كشف جلال ولطف ~~جمال، فإذا كاشفهم بجلاله وجلت قلوبهم، (وإذا لاطفهم بجماله سكنت قلوبهم، ~~قال الله تعالى: «ولتطمئن قلوبكم بذكر الله» . ويقال وجلت قلوبهم) «1» بخوف ~~فراقه، ثم تطمئن وتسكن أسرارهم بروح وصاله. وذكر الفراق يفنيهم وذكر الوصال ~~يصحيهم ويحييهم. PageV01P602 # ويقال الطالبون فى نوح رهبتهم، والواصلون فى روح قربتهم، والموحدون فى ~~محو غيبتهم استولت عليهم الحقائق فلا لهم تطلع لوقت مستأنف فيستفزهم خوف أو ~~يجرفهم طمع، ولا لهم إحساس فتملكهم لذة إذ لما «1» اصطلموا ms0406 ببواده ما ملكهم ~~فهم عنهم محو، والغالب عليهم سواهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 3 الى 4] # الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم ~~درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) # لا يرضون فى أعمالهم بإخلال، ولا يتصفون بجمع مال من غير حلال، ولا ~~يعرجون فى أوطان التقصير بحال، أولئك الذين صفتهم ألا يكون للشريعة عليهم ~~نكير، ولا لهم عن أحكام الحقيقة مقيل. # ف «هم المؤمنون حقا» أي حققوا حقا وصدقوا صدقا. ويقال حق لهم ذلك حقا. # قوله: «لهم درجات عند ربهم» على حسب ما أهلهم له من الرتب فبسابق قسمته ~~لهم استوجبوها، ثم بصادق خدمتهم- حين وفقهم لها- بلغوها. # ولهم مغفرة فى المآل، والستر فى الحال لأكابرهم فالمغفرة الستر، والحق ~~سبحانه يستر مثالب العاصين ولا يفضحهم لئلا يحجبوا عن مأمول أفضالهم، ويستر ~~مناقب العارفين عليهم لئلا يعجبوا بأعمالهم وأحوالهم، وفرق بين ستر وستر، ~~وشتان ما هما! وأما الرزق الكريم فيحتمل أنه الذي يعطيه من حيث لا يحتسب، ~~ويحتمل أنه الذي لا ينقص بإجرامهم، ويحتمل أنه ما لا يشغلهم بوجوده عن شهود ~~الرزاق، ويحتمل أنه رزق الأسرار بما يكون استقلالها به من المكاشفات. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 5] # كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) . ~~PageV01P603 # بين- سبحانه- أن الجدال منهم عادة وسجية، ففى كل شىء لهم جدال واختيار ~~فكرهوا خروجه إلى بدر، كما جادلوا فى حديث الغنيمة، قال تعالى: «يسئلونك عن ~~الأنفال» . # وما يكون من خصال العبد غير متكرر ويكون على وجه الندرة كان أقرب إلى ~~الصفح عنه والتجاوز، فأما إذا صار ذلك عادة فهو أصعب. # ويقال ما لم تباشر خلاصة الإيمان القلب لا يوجد كمال التسليم وترك ~~الاختيار، ومادام يتحرك من العبد عرق فى الاختيار فهو بعيد عن راحة ~~الإيمان. # ولقد أجرى الله سنته مع أوليائه، وكذلك كانت سنته مع أنبيائه ألا يفتح ~~لهم كمال النعمى إلا بعد مفارقة مألوفات الأوطان، والتجرد عن مساكنة ما فيه ~~«1» حظ ونصيب من كل معهود ويقال إن فى ms0407 هجرة الأنبياء- عليهم السلام- عن ~~أوطانهم أمانا لهم من عادية الأعادى، وإحياء لقلوب قوم تقاصرت أقدامهم عن ~~المسير «2» إليهم. # وكذلك هجرة الأولياء من خواصه فيها لهم خلاص من البلايا، واستخلاص ~~للكثيرين من البلايا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 6] # يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) # جحود الحق بعد وضوح برهانه علم «3» لاستكبار صاحبه، وهو- فى الحال- فى ~~وحشة غيه، معاقب بالصد وتنغص العيش، يمل حياته ويتمنى وفاته «كأنما يساقون ~~إلى الموت وهم ينظرون» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 7] # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) PageV01P604 # التعريج فى أوطان الكسل، ومساكنة مألوفات الراحة من خصائص أحكام النفس. # فهى بطبعها تؤثر فى كل حال نصيبها، وتتمجل لذة حظها. ولا يصل أحد إلى ~~جلائل النعم إلا بتجرع كاسات الشدائد، والانسلاخ عن معهودات النصيب. «ويريد ~~الله أن يحق الحق بكلماته» أي إذا أراد الله- سبحانه- تخصيص عبد بولايته ~~قضى على طوارق نفسه بالأفول، وحكم لبعض شهواته بالذبول، وإلى طوالع الحقائق ~~بإشراقها، ولجوامع الموانع باستحقاقها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 8] # ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) # ليحق الحق بالتوفيق فيما يحصل ببذل المجهود، والتحقيق لما يظهر من عين ~~الجود. # ويقال ليحق الحق بنشر أعلام الوصل، ويبطل الباطل بقهر أقسام الهزل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 9 الى 10] # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (9) وما ~~جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله ~~عزيز حكيم (10) # الاستغاثة على حسب شهود الفاقة وعدم المنة والطاقة، والتحقق بانفراد الحق ~~بالقدرة على إزالة الشكاة تيسير للمسئول وتحقيق للمأمول. فإذا صدقت ~~الاستغاثة بتعجل الإجابة حصلت الآمال وقضيت الحاجة.. بذلك جرت سنته ~~الكريمة. # ويقال بشرهم بالإمداد بالملك، ثم رقاهم عن هذه الحالة بإشهادهم أن ~~الإنجاز من الملك، ولم يذرهم فى المساكنة إلى الإمداد بالملك فقال: «وما ~~النصر إلا ms0408 من عند الله» ثم قال: # «إن الله عزيز» فالنجاة من البلاء حاصلة، وفنون الإنجاز والإمداد بالطاقة ~~متواصلة، والدعوات مسموعة، والإجابة غير ممنوعة، وزوائد الإحسان متاحة، ~~ولكن الله عزير # PageV01P605 # الطالب واجد ولكن بعطائه، والراغب واصل ولكن إلى مباره. والسبيل سهل ولكن ~~إلى وجدان لطفه، فأما الحق فهو عزيز وراء كل وصل وفصل، وقرب وبعد، وما وصل ~~أحد إلا إلى نصيبه، وما بقي أحد إلا عن حظه، وفى معناه أنشدوا: # وقلن لنا نحن الأهلة إنما ... نضىء لمن يسرى بليل ولا نقرى # فلا بذل إلا ما تزود ناظر ... ولا وصل إلا بالجمال الذي يسرى # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 11] # إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب ~~عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (11) # غشيهم النعاس تلك الليلة فأزال عن ظواهرهم «1» ونفوسهم كد الأغيار ~~والكلال، وأنزل على قلوبهم روح الأمن، وأمطرت السماء فاغتسلوا بعد ما ~~لزمتهم الطهارة الكبرى بسبب الاحتلام، واشتدت الأرض بالمطر فلم ترسب ~~الأقدام فى رملها، وانتفى عن قلوبهم ما كانت الشياطين توسوس به إليهم أنه ~~سيصيبهم العناء بسلوك رملها وبالانتفاء عن الغسل، فلما ( ### | .... # ) «2» الإحساس، واستمكن منهم النعاس، وتداركتهم الكفاية والنصرة استيقنوا ~~بأن الإعانة من قبل الله لا بسكونهم وحركتهم، وأشهدهم صرف التأييد وإتمام ~~الكفاية وكما طهر ظواهرهم بماء السماء طهر سرائرهم بماء التحقيق عن شهود كل ~~غير وكل غير وكل علة، وصان أسرارهم عن الإصغاء إلى الوساوس، وربط على ~~قلوبهم بشهودهم جريان التقدير على حسب ما يجرى الحق من فنون التصريف. # قوله جل ذكره: ويثبت به الأقدام. PageV01P606 # أقدام الظاهر فى مشاهد القتال، وأقدام السرائر على نهج الاستقامة بشهود ~~مجارى التقدير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 12 الى 13] # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) ذلك ~~بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب (13) # «1» عرفنا أن الملائكة محتاجون إلى تعريف الحق إياهم ms0409 قضايا التوحيد ~~وتثبيت الملائكة للمؤمنين: قيل كانوا يظهرون للمسلمين فى صور الرجال ~~يخاطبونهم بالإخبار عن قلة عدد المشركين واستيلاء المسلمين عليهم، وهم لا ~~يعرفون أنهم ملائكة. # وقيل تثبيتهم إياهم بأن كانوا يلقون فى قلوبهم ذلك من جهة الخواطر، ثم إن ~~الله يخلق لهم فيها ذلك، فكما يوصل الحق سبحانه- وساوس الشيطان إلى القلوب ~~يوصل خواطر الملك، وأيدهم بإلقاء الخوف والرعب فى قلوب الكفار. # قوله جل ذكره: فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا ~~الله ورسوله. # وذلك بأمر الله وتعريفه من جهة الوحى والكتاب، ويكون معناه إباحة ضربهم ~~ونيلهم على أي وجه كان كيفما أصابوا أسافلهم وأعاليهم. ويحتمل فاضربوا فوق ~~الأعناق ضربا يوجب قتلهم لأنه لا حياة بعد ضرب العنق، ولفظ فوق يكون صلة. # «واضربوا منهم كل بنان» أي ضربا يعجزهم عن الضرب ومقاتلة المسلمين لأنه ~~لا مقاتلة تحصل بعد فوات الأطراف. # ك بأنهم شاقوا الله ورسوله # بين أنهم فى مغاليط حسبانهم وأكاذيب ظنونهم. # والمنشئ- بكل وجه- الله لانفراده بقدرة الإيجاد PageV01P607 # قوله جل ذكره: من يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب. # يمهل المجرم «1» أياما ثم لا يهمله، بل يذيقه بأس فعله، ويزيل عنه شبهة ~~ظنه قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 14] # ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) # «2» ذلكم العذاب فذوقوه- أيها المشركون- معجلا، واعلموا أن للكافرين ~~عذابا مؤجلا، فللعاصين عقوبتان محصل بنقد ومؤخر بوعد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 15 الى 16] # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) ~~ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من ~~الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) # «3» يقول إذا لقيتم الكفار فى المعركة زحفا مجتمعين فاثبتوا لقتالهم، ولا ~~تنهزموا فالشجاعة ثبات القلوب، وكما قيل الشجاعة صبر على الطاعة وفى الجهاد ~~مع العدو، فالواجب الثبات عند الصولة- هذا فى الظاهر، وفى الباطن جهاد مع ~~الشيطان، والواجب فيه الوقوف عن دواعيه إلى الزلة فمن وقف على حد الإمساك ~~عن إجابته، بلا إنجاز لما يدعوه بوساوسه فقد وفى ms0410 الجهاد حقه. # وكذلك فى مجاهدة النفس، فإذا وقف العبد عن إجابة النفس فيما تدعوه ~~بهواجسها، PageV01P608 # ولم يطع «1» شهوته فيما تحمله النفس عليه من البلاء إلى ابتغاء حظه فقد ~~وفى الجهاد حقه. # والإشارة فى قوله: «إلا متحرفا لقتال» بإيثار بعض الرخص ليتقوى على ما هو ~~أشد كأكله مثلا ما يقيم صلبه ليقوى على السهر، وكترفقه بنفسه بإيثار بعض ~~الراحة من إزالة عطش، أو نفى مقاساة جوع أو برد أو غيره لئلا يبقى عن ~~مراعاة قلبه، ولاستدامة اتصال قلبه به، فإن ترك بعض أوراد الظاهر لئلا يبقى ~~به عن الاستقامة فى أحكام واردات السرائر أخذ فى حق الجهاد بحزم. # والإشارة فى قوله: «أو متحيزا إلى فئة» إلى اعتضاد المريد بصحبة أقرانه ~~فيما يساعدونه فى المجاهدة، ويبقى شهود ما هم فيه من المكابدة من إقامته ~~على مجاهدته. ثم باستمداده من همم الشيوخ فإن المريد ربيب همة شيخه، ~~فالأقوياء من الأغنياء ينفقون على خدمهم من نعمهم، والأصفياء من الأولياء ~~ينفقون على مريديهم من هممهم يجبرون «2» كسرهم، ويتوبون منهم، ويساعدونهم ~~بحسن إرشادهم. ومن أهمل مريدا وهو يعرف صدقه، أو خالف شيخا وهو يعرف فضله ~~وحقه فقد باء من الله بسخط، والله تعالى حسيبه فى مكافأته على ما حصل من ~~قبيح وصفه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 17] # فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي ~~المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17) # الذي نفى عنهم من القتل هو إماتة الروح وإثبات الموت، وهو من خصائص ~~قدرته- سبحانه، والذي يوصف به الخلق من القتل هو ما يفعلونه فى أنفسهم، ~~ويحصل ذهاب الروح عقيبه. # وفائدة الآية قطع دعاواهم فى قول كل واحد على جهة التفاخر قتلت فلانا، ~~فقال: # «فلم تقتلوهم» أي لم تكن أفعالكم مما انفردتم بإيجادها بل المنشئ والمبدئ ~~«3» هو الله عز وجل. وصانهم بهذه الآية وصان نبيه- عليه السلام- عن ملاحظة ~~أفعالهم وأحوالهم. PageV01P609 # وكذلك قال جل ذكره: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى. # أي ما رميت بنفسك ولكنك رميت بنا، ms0411 فكان منه (صلوات الله عليه) «1» قبض ~~التراب وإرساله من يده ولكن من حيث الكسب، وكسبه موجد من الله بقدرته، وكان ~~التبليغ والإصابة من قبل الله خلقا وإبداعا، وليس الذي أثبت ما نفى ولا نفى ~~ما أثبت إلا هو، والفعل فعل واحد ولكن التغاير فى جهة الفعل لا فى عينه. # فقوله: «إذ رميت» فرق، وقوله: «ولكن الله رمى» جمع. والفرق صفة العبودية، ~~والجمع نعت الربوبية، وكل فرق لم يكن مضمنا بجمع وكل جمع لم يكن- فى صفة ~~العبد- مؤيدا بفرق فصاحبه غير سديد الوتيرة. # وإن الحق- سبحانه- يكل الأغيار إلى ظنونهم، فيتيهون فى أودية الحسبان، ~~ويتوهمون أنهم منفردون بإجراء ما منهم، وذلك منه مكر بهم. # قال الله تعالى: «وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» «2» وأما أرباب التوحيد ~~فيشهدهم مطالع التقدير، ويعرفهم جريان الحكم، ويريهم أنفسهم فى أسر ~~التصريف، وقهر الحكم. # وأما الخواص من الأولياء وأصحاب العرفان فيجرى عليهم ما يجرى و (ما) «3» ~~لهم إحساس بذلك، مأخوذون يثبتهم بشواهد النظر والتقدير، ويتولى حفظهم عن ~~مخالفة الشرع. # قوله جل ذكره: وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا. # البلاء الاختبار «4» ، فيختبرهم مرة «5» بالنعم ليظهر شكرهم أو كفرانهم، ~~ويختبرهم أخرى بالمحن ليظهر صبرهم، أو ذكرهم أو نسيانهم. PageV01P610 # «البلاء الحسن» : توفيق الشكر فى المنحة، وتحقيق الصبر فى المحنة، وكل ما ~~يفعله الحق فهو حسن من الحق لأن له أن يفعله. وهذه حقيقة الحسن: وهو ما ~~للفاعل أن يفعله «1» ويقال حسن البلاء لأنه منه و ( ... ) «2» البلاء لأنه ~~فيه. # ويقال البلاء الحسن أن تشهد المبلى فى عين البلاء. # ويقال البلاء الحسن ما لا دعوى لصاحبه إن كان نعمة، ولا شكوى إن كان ~~محنة. # ويقال البلاء الحسن ما ليس فيه ضجر إن كان عسرا، ولا بطر إن كان يسرا. # ويقال بلاء كل أحد على حسب حاله ومقامه فأصفاهم ولاء أوفاهم بلاء، قال ~~عليه السلام: # «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» «3» قوله جل ~~ذكره: إن الله سميع عليم. # تنفيس لقوم وتهديد لقوم أصحاب الرفق يقول لهم إن الله «سميع» لأنينكم ~~فيروح عليهم بهذا وقتهم، ms0412 ويحمل عنهم ولاءهم «4» ، وأنشدوا: # إذا ما تمنى الناس روحا وراحة ... تمنيت أن أشكو إليك فتسمعا # وقالوا: # قل لى بألسنة التنفس ... كيف أنت وكيف حالك؟ # وأما الأكابر فلا يؤذن لهم فى التنفس، وتكون المطالبة متوجهة عليهم ~~بالصبر، والوقوف تحت جريان التقدير من غير إظهار ولا شكوى، فيقول: لو ترشح ~~منك ما كلفت بشربه توجهت عليك الملامة، فإن لم يكن منك بيان فإنى سميع ~~لقالتك، عليم بحالتك. PageV01P611 # ويقال فى قوله «عليم» تسلية لأرباب البلاء لأن من علم أن مقصودة يعلم ~~حاله سهل عليه ما يقاسيه فيه، قال- سبحانه- لنبيه صلى الله عليه وسلم: ~~«ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون» «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 18] # ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (18) # موهن كيدهم: بتقوية قلوب المؤمنين بنور اليقين، والثبات على انتظار الفضل ~~من قبل الله، وموهن كيدهم: بأن يأخذ الكافرين من حيث لا يشعرون، ويظفر جند ~~المسلمين عليهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 19] # إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن ~~تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) # قال المشركون- يوم بدر- اللهم انصر أحب الفئتين إليك، فاستجاب دعاءهم ~~ونصر أحب الفئتين إليه. وهم المسلمون، فسألوا بألسنتهم هلاك أنفسهم، وذلك ~~لانجرارهم فى مغاليط ما يعلقون من ظنونهم، فهم توهموا استحقاق القربة، ~~وكانوا فى عين الفرقة وحكم الشقوة، موسومين باستيجاب اللعنة بدعائهم، ~~والوقوع فى شقائهم فباختيارهم منوا ببوارهم. # ويقال ظنوا أنهم من أهل الرحمة فزلوا، فلما كشف الستر خابوا وذلوا، فعند ~~ذلك علموا أنهم زاغوا فى ظنهم وضلوا. # قوله جل ذكره: وإن تنتهوا فهو خير لكم «2» . # فيغفر لكم ما قد سلف من خلاف محمد صلى الله عليه وسلم. # «فهو خير لكم» ليس المراد منه المبالغة لأنه يقال هذا خير لك من هذا إذا ~~كان الثاني ليس فيه شر، وترك موافقتهم للرسول صلى الله عليه وسلم- بكل وجه- ~~هو شر لهم، ولكنه أراد به فى الأحوال الدنيوية، وعلى موجب ظنهم. ~~PageV01P612 # قوله جل ذكره: وإن تعودوا نعد. # يعنى إن ms0413 عدتم إلى الجميل من السيرة عدنا عليكم بجميل المنة، وإن عاودتم ~~الإقدام على الشر أعدنا عليكم ما أذقناكم من الضر. # قوله جل ذكره: ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين. # من غلبته قدرة الأحد لم تغن عنه كثرة العدد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 20] # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) # الناس فى طاعة الله على أقسام: فمطيع لخوف عقوبته، ومطيع طمعا فى مثوبته، ~~وآخر تحققا بعبوديته، وآخر تشرفا بربوبيته. # وكم بين مطيع ومطيع! وأنشدوا: # أحبك يا شمس النهار وبدره ... وإن لامنى فيك السها والفراقد # وذاك لأن الفضل عندك زاخر ... وذاك لأن العيش عندك بارد # قال تعالى: «أطيعوا الله ورسوله» ولم يقل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، ~~وفى ذلك نوع تخصيص، وحزب تفضيل يلطف عن العبارة ويبعد عن الإشارة «1» قوله ~~جل ذكره: ولا «2» تولوا عنه وأنتم تسمعون. # أي تسمعون دعاءه إياكم، وتسمعون ما أنزل عليه من دعائى إياكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 21] # ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) # لا تكونوا ممن يشهد جهرا، ويجحد سرا. PageV01P613 # ويقال لا تقروا بلسانكم، وتصروا على كفرانكم. # ويقال من نطق بتلبيسه تشهد الخبرة بتكذيبه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 22] # إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) # دواعى الحق بحسن البيان ناطقة، وألسنة البرهان فيما ورد به التكليف ~~صادقة، وخواطر الغيب بكشف ظلم الريب مفصحة، وزواجر التحقيق عن متابعة ~~التموية للقلوب ملازمة. # فمن صم عن إدراك ما خوطب به سره، وعمى عن شهود ما كوشف به قلبه، وخرس- عن ~~إجابة ما أرشد إليه من حجة- فهمه وعقله فدون رتبة البهائم قدره، وفوق كل ( ### | .... # ) «1» من حكم الله ذله وصغره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 23] # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) # من أقصته سوابق القسمة لم تدنه لواحق الخدمة، ومن علمه الله بنعت الشقوة ~~حرمه ما يوجب عفوه. # ويقال لو كانوا فى متناولات الرحمة لألبسهم ms0414 صدار العصمة، ولكن سبق ~~بالحرمان حكمهم، فختم بالضلالة أمرهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 24] # يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ~~أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) # أجاب واستجاب بمعنى مثل أوقد واستوقد، وقيل للاستجابة مزية وخصوصية «2» ~~بأنها تكون طوعا لا كرها، وفرق بين من يجيب لخوف أو طمع وبين من يستجيب لا ~~بعوض ولا على ملاحظة غرض. وحق الاستجابة أن تجيب بالكلية من غير أن تذر من ~~المستطاع بقية. PageV01P614 # والمستجيب لربه محو عن كله باستيلاء الحقيقة، والمستجيب للرسول- صلى الله ~~عليه وسلم وعلى آله- قائم بشريعته من غير إخلال بشىء من أحكامها. وقد أمر ~~الله سبحانه وتعالى بالاستجابة له- سبحانه، وبالاستجابة للرسول فالعبد ~~المستجيب- على الحقيقة- من قام بالله سرا، واتصف بالشرع جهرا، فيفرده الحق- ~~سبحانه- بحقائق الجمع و ( ### | .... # ) «1» فى مشاهدة الفرق، فلا يكون للحدثان فى مشرب حقائقه تكدير، ولا ~~لمطالبات الشرع على أحواله نكير. # قوله جل ذكره: لما يحييكم. # إذ لما أفناهم عنهم أحياهم به. # ويقال العابدون أحياهم بطاعته بعد ما أفناهم عن مخالفته، وأما العالمون ~~فأحياهم بدلائل ربوبيته، بعد ما أفناهم عن الجهل وظلمته. وأما المؤمنون ~~فأحياهم بنور موافقته بعد ما أفناهم بسيوف مجاهدتهم. وأما الموحدون فأحياهم ~~بنور توحيده بعد ما أفناهم عن الإحساس بكل غير، والملاحظة لكل حدثان. # قوله جل ذكره: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون. # يصون القلوب عن تقليب أربابها فيقلبها كما يشاء هو، من بيان هداية وضلال، ~~وغيبة ووصال، وحجبة وقربة، ويقين ومرية، وأنس ووحشة. # ويقال صان قلوب العباد عن الجنوح إلى الكسل، فجدوا فى معاملاتهم، وصان ~~قلوب المريدين عن التعريج فى أوطان الفشل فصدقوا فى منازلاتهم، وصان قلوب ~~العارفين- على حد الاستقامة- عن الميل فتحققوا بدوام مواصلاتهم. # ويقال حال بينهم وبين قلوبهم لئلا يكون لهم رجوع إلا إلى الله، فإذا سنح ~~لهم أمر فليس لهم إلى الأغيار سبيل، ولا على قلوبهم تعويل. وكم بين من يرجع ~~عند سوانحه إلى قلبه وبين من لا يهتدى إلى شىء إلا إلى ms0415 ربه! كما قيل: ~~PageV01P615 # لا يهتدى قلبى إلى غيركم ... لأنه سد عليه الطريق # ويقال العلماء هم الذين وجدوا قلوبهم، قال تعالى: «إن في ذلك لذكرى لمن ~~كان له قلب» . # والعارفون هم الذين فقدوا قلوبهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 25] # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ~~(25) # احذروا أن ترتكبوا زلة توجب لكم عقوبة لا تخص مرتكبها، بل يعم شؤمها من ~~تعاطاها ومن لم يتعاطها. # وغير المجرم لا يؤخذ بجرم من أذنب، ولكن قد ينفرد أحد بجرم فيحمل أقوام ~~من المختصين بفاعل هذا الجرم، كأن يتعصبوا له إذا أخذ بحكم ذلك الجرم فبعد ~~أن لم يكونوا ظالمين يصيرون ظالمين بمعاونتهم وتعصبهم لهذا الظالم فتكون ~~فتنة لا تختص بمن كان ظالما فى الحال بل إنها تصيب أيضا ظالما فى المستقبل ~~بسبب تعصبه لهذا الظالم ومطابقته معه، ورضاه به، وهذا معنى التفسير من حيث ~~الظاهر. فأما من جهة الإشارة: فإن العبد إذا باشر رلة بنفسه عادت إلى القلب ~~منها الفتنة وهى العقوبة المعجلة، وتصيب النفس منها العقوبة المؤجلة، ~~والقلب إذا حصلت منه فتنة الزلة- عند ما يهم بما لا يجوز- تعدت فتنته إلى ~~السر وهى الحجبة. # والمقدم فى شأنه إذا فعل ما لا يجوز انقطعت البركات التي كانت تتعدى منه ~~إلى متبعيه وتلامذته، وكان لهم نصيبهم من الفتنة وهم لم يعلموا ذنبا. ويقال ~~إن الأكابر إذا سكتوا عن التنكير على الأصاغر عند تركهم الأذكار أصابتهم ~~فتنة ما فعلوه فلقد قيل إن السفيه «1» إذا لم ينه مأمور. فعلى هذا تصيب ~~فتنة الزلة مرتكبها ومن ترك النهى عن المنكر- مثل من ترك الأمر بالمعروف- ~~يؤخذ بجرمه. «2» PageV01P616 # ويقال إن الزاهد إذا انحط إلى رخص الشرع فى أخذ الزيادة من الدنيا مما ~~فوق الكفاية- وإن كان من وجه حلال- تؤدى فتنته إلى من يخرج به من ~~المبتدئين، فبجملة ما أبدى من الرغبة فى الدنيا، وترك التقلل يؤدى إلى ~~الانهماك فى أودية الغفلة والأشغال الدنيوية. # والعابد إذا جنح عن الأشق وترك الأولى «1» تعدى ذلك إلى من كان ms0416 ينشط فى ~~المجاهدة فيستوطنون الكسل، ثم يحملهم الفراغ وترك المجاهدة على متابعة ~~الشهوات فيصيرون كما قيل: # إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة # وهكذا يكون نصيبهم من الفتنة. # والعارف إذا رجع إلى ما فيه حظ له، نظر إليه المريد، فتتداخله فترة فيما ~~هو به من صدق المنازلة، ويكون ذلك نصيبه من فتنة العارف. # وفى الجملة إذا غفل الملك، وتشاغل عن سياسة رعيته تعطل الجند والرعية، ~~وعظم فيهم الخلل والبلية، وفى معناه أنشدوا: # رعاتك ضيعوا- بالجهل منهم- ... غنيمات فساستها ذئاب # و «الله شديد العقاب» بتعجيله ذلك، ومن شدة عقوبته أنه إذا أخذ عبدا ~~ليعاقبه لا يمكنه من تلافى موجب تلك العقوبة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 26] # واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم ~~وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26) # يذكرهم ما كانوا فيه من القلة والذلة وصنوف ( ... ) «2» ثم ما نقلهم إليه ~~من الإمكان والبسطة، ووجوه الأمان والحيطة، وقربهم إلى إقامة الشكر على ~~جزيل تلك القسم، PageV01P617 # وإدامة الحمد على جميل تلك النعم، فمهد لهم فى ظل أبوابه مقيلا، ولم يجعل ~~للعدو إليهم- بيمن رعايته- سبيلا. # قوله جل ذكره: ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون. # رزق الأشباح والظواهر من طيبات الغذاء، ورزق الأرواح والسرائر من صنوف ~~الضياء. وحقيقة الشكر على هذه النعم الغيبة عنها بالاستغراق فى شهود ~~المنعم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 27] # يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم ~~تعلمون (27) # الخيانة الاستبطان بخلاف ما يؤمل منك بحق التعويل، فخيانة الله بتضييع ما ~~ائتمنك عليه، وذلك بمخالفة النصح فى دينه، وخيانة الرسول بالاتصاف بمخالفة ~~ما تبدى من مشايعته. # والخيانة فى الأمانات بترك الإنصاف، والاتصاف بغير الصدق. # وخيانة كل أحد على حسب ما وضع عنده من الأمانة، فمن اؤتمن فى مال فتصرف ~~فيه بغير إذن صاحبه- خيانة، ومن اؤتمن على الحرم فملاحظته إياهن- خيانة. ~~فعلى هذا: # الخيانة فى الأعمال الدعوى فيها بأنها من قبلك دون التحقيق بأن منشئها ~~الله. # والخيانة فى الأحوال ملاحظتك لها دون غيبتك ms0417 عن شهودها باستغراقك فى شهود ~~الحق، إن لم يكن استهلاكك فى وجود الحق. وإذا أخللت بسنة من السنن أو أدب ~~من آداب الشرع فتلك خيانة الرسول صلى الله عليه وسلم. # والخيانة فى الأمانات- بينك وبين الخلق- تكون بإيثار نصيب نفسك على نصيب ~~المسلمين، بإرادة القلب فضلا عن المعاملة بالفعل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 28] # واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (28) # PageV01P618 # أموالكم وأولادكم سبب فتنتكم لأن المرء- لأجل جمع ماله ولأجل أولاده- ~~يرتكب ما هو خلاف الأمر، فيورثه فتنة العقوبة. # ويقال الفتنة الاختبار فيختبرك بالأموال.. هل تؤثرها على حق الله؟ # وبالأولاد.. هل تترك لأجلهم ما فيه رضاء الله؟ # فإن آثرتم حقه على حقكم ظهرت به فضيلتكم، وإن اتصفتم بضده عوملتم بما ~~يوجبه العكس من محبوبكم. # ويقال المال فتنة إذا كان عن الله يشغلكم، والأولاد فتنة إذا لأجلهم ~~قصرتم فى حق الله أو فرطتم. # ويقال المال- ما للكفاف والعفاف «1» - نعمة، وما للتقاصر والتفاخر فتنة، ~~وفى الجملة ما يشغلك عن الله فهو فتنة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 29] # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ~~ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (29) # «2» الفرقان ما به يفرق بين الحق والباطل من علم وافر وإلهام قاهر، ~~فالعلماء فرقانهم مجلوب برهانهم، والعارفون فرقانهم موهوب «3» عرفانهم ~~فأولئك مع مجهود أنفسهم، وهؤلاء بمقتضى جود ربهم. # العرفان تعريف من الله، والتكفير «4» تخفيف من الله، والغفران تشريف ~~للعبد من الله. PageV01P619 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 30] # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين (30) # ذكره عظيم منته عليه حيث خلصه من أعدائه حين خرج من مكة مهاجرا إلى ~~المدينة، وهموا بقتله، وحاولوا أن يمكروا به فى السر، فأعلمه الله ذلك. # والمكر إظهار الإحسان مع قصد الإساءة فى السر، والمكر من الله الجزاء على ~~المكر، ويكون المكر بهم أن يلقى فى قلوبهم أنه محسن إليهم ثم- فى التحقيق- ~~يعذبهم، وإذا شغل قوما بالدنيا صرف همومهم إليها حتى ms0418 ينسوا أمر الآخرة، ~~وذلك مكر بهم، إذ يوطنون نفوسهم عليها، فيتيح لهم من مأمنهم سوءا، ويأخذهم ~~بغتة. # ومن جملة مكره اغترار قوم بما يرزقهم من الصيت الجميل بين الناس، وإجراء ~~كثير من الطاعات عليهم، فأسرارهم تكون بالأغيار منوطة، وهم عن الله غافلون، ~~وعند الناس أنهم مكرمون، وفى معناه قيل: # وقد حسدونى فى قرب دارى منكم ... وكم من قريب الدار وهو بعيد # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 31] # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا ~~أساطير الأولين (31) # فرط جهلهم، وشؤم جحدهم ستر على عقولهم قبح دعاويهم فى القدرة على معارضة ~~القرآن فافتضحوا عند الامتحان بعدم البرهان، والعجز عما وصفوا به أنفسهم من ~~الفصاحة والبيان، وقديما قيل: # من تحلى بغير ما هو فيه ... فضح الامتحان «1» ما يدعيه PageV01P620 # ويقال لما لاحظوا القرآن بعين الاستصغار حرموا بركات الفهم فعدوه من جملة ~~أساطير الأولين، وكذلك من لا يراعى حرمة الأولياء، يعاقب بأن تستر عليه ~~أحوالهم، فيظنهم مثله فى استحقاق مثالبه، فيطلق فيهم لسان الوقيعة، وهو ~~بذلك أحق، كما قيل: # «رمتني بدائها وانسلت» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 32] # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ~~أو ائتنا بعذاب أليم (32) # دل سؤالهم العذاب على تصميم عقدهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~واستيقنوا عند أنفسهم بأنه لا يستجاب فيهم ما يدعونه على أنفسهم. # وفى هذا أظهر دليل على أن سكون النفس إلى الشيء ليس بعلم لأنه كما يوجد ~~مع العلم يوجد مع الجهل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 33] # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) # ما كان الله معذبهم وأنت فيهم، وما كان الله ليعذب أسلافهم وأنت فى ~~أصلابهم، وليس يعذبهم اليوم وأنت فيما بينهم إجلالا لقدرك، وإكراما لمحلك، ~~وإذا خرجت من بينهم فلا يعذبهم وفيهم خدمك الذين يستغفرون، فالآية تدل على ~~تشريف قدر الرسول- صلى الله عليه وسلم. # ويقال للجوار حرمة، فجار ms0419 الكرام فى ظل إنعامهم فالكفار إن لم ينعموا «1» ~~بقرب الرسول- صلى الله عليه وسلم- منهم فقد اندفع العذاب- بمجاورته- عنهم: # وأحبها وأحب منزلها الذي ... نزلت به وأحب أهل المنزل PageV01P621 # ويقال إذا كان كون الرسول- صلى الله عليه وسلم- فى الكفار يمنع العذاب ~~عنهم فكون المعرفة فى القلوب أولى بدفع العذاب عنها. # ويقال إن العذاب- وإن تأخر عنهم مدة مقامهم فى الدنيا مادام هو عليه ~~السلام فيهم- فلا محالة يصيبهم العذاب فى الآخرة، إذ الاعتبار بالعواقب لا ~~بالأوقات والطوارق. # قوله جل ذكره: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. # علم أنه- عليه السلام- لا يتأبد مكثه فى أمته إذ قال له: «وما جعلنا لبشر ~~من قبلك الخلد» «1» ، فقال إنى لا أضيع أمته وإن قضى فيهم مدته، فما دامت ~~ألسنتهم بالاستغفار متطلعة فصنوف العذاب عنهم مرتفعة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 34] # وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه ~~إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (34) # نفى العذاب عنهم فى آية، وأثبته فى آية، فالمنفى فى الدنيا والمثبت فى ~~الآخرة. # ثم بين إيصال العذاب إليهم فى الآخرة بقوله تعالى: «وهم يصدون عن المسجد ~~الحرام» دليل الخطاب أن إعانة المسلمين على ما فيه قيام بحق الدين يوجب ~~استحقاق القربة والثواب وفى الآية دليل على أنه لا يعذب أولياءه بقوله: ~~«وما كانوا أولياءه» فاذا عذب من لم يكونوا أولياءه دل على أنه لا يعذب من ~~كان من جملة أوليائه. والمؤمنون كلهم أولياء الله لأنه قال: «الله ولي ~~الذين آمنوا» «2» . والمؤمن- وإن عذب بمقدار جرمه زمانا فإنه لا يخلد فى ~~دار العقوبة، فما يقاسون بالإضافة إلى تأبيد الخلاص جلل، وقيل: # إذا سلم العهد الذي كان بيننا ... فودى وإن شط المزار سليم # قوله جل ذكره: إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون. ~~PageV01P622 # وليس أولياؤه إلا المتقون، وهم الذين اتقوا الشرك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 35] # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ~~(35) # تجردت أعمالهم بظواهرهم عن خلوص عقائدهم، فلم يوجد- سبحانه وتعالى- لها ms0420 ~~احتسابا فزكاء القالة لا يكون إلا مع صفاء الحالة، وعناء الظاهر لا يقبل ~~إلا مع ضياء السرائر. # قوله جل ذكره: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. # كان العذاب معجلا وهو حسبانهم أنهم على شىء، قال الله تعالى: # «وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» ، ومؤجلا وهو كما قال الله تعالى: ولعذاب ~~الآخرة أشق # «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 36] # إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون ~~عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) # يرومون بإنفاقهم صنوف أموالهم صلاحا ونظاما لأحوالهم، ثم لا يحظون إلا ~~بخسران، ولا يحصلون إلا على نقصان. خسروا وهم لا يشعرون، وخابوا وسوف ~~يعلمون: # سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار؟ # قوله: «والذين كفروا إلى جهنم يحشرون» إنهم وإن ألهتهم أموالهم فإلى ~~الهوان والذلة مآلهم، لم تغن عنهم أموالهم، ولم تنفعهم أعمالهم، بل ختمت ~~بالشقاوة أحوالهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 37] # ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ~~فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (37) . PageV01P623 # الخبيث ما لا يصلح لله، والطيب ما يصلح لله. # الخبيث ما حكم الشرع بقبحه وفساده، والطيب ما شهد العلم بحسنه وصلاحه. # ويقال الخبيث الكافر، والطيب المؤمن. # الخبيث ما شغل صاحبه عن الله، والطيب ما أوصل صاحبه إلى الله. # الخبيث ما يأخذه المرء وينفقه لحظ نفسه، والطيب ما ينفقه بأمر ربه. # الخبيث عمل الكافر يصور له ويعذب بإلقائه عليه، والطيب عمل المؤمن يصور ~~له فى صورة جميلة فيحمل المؤمن عليه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 38] # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت ~~الأولين (38) # إن كبحوا لجام التمرد، وأقلعوا عن الركض فى ميدان العناد والتجبر أزلنا ~~عنهم صغار الهوان، وأوجبنا لهم روح الأمان. # ويقال إن حلوا نطاق العناد أطلقنا عنهم عقال البعاد. # ويقال إن أبصروا قبح فعالهم جدنا عليهم بإصلاح أحوالهم. # ويقال إن جنحوا للاعتذار ألقينا عليهم حالة الاغتفار. # ويقال إن عادوا إلى التنصل ms0421 «1» أبحنا لهم حسن التفضل: # أناس أعرضوا عنا ... بلا جرم ولا معنى # أساءوا ظنهم فينا ... فهلا أحسنوا الظنا # فإن كانوا لنا- كنا، ... وإن عادوا لنا عدنا # وإن كانوا قد استغنوا ... فإنا عنهم أغنى # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 39] # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما ~~يعملون بصير (39) PageV01P624 # أمرهم بمقاتلة الكفار والإبلاغ فيها حتى تستأصل شأفتهم بحيث يأمن ~~المسلمون مضرتهم، ويكفون بالكلية فتنتهم.. وحية الوادي لا تؤمن ما دامت ~~تبقى فيها حركة كذلك العدو إذا قهر فحقه أن تقتلع جميع عروقه، وتنقى زباع ~~الإسلام من كل شكيرة «1» تنبت من الشرك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 40 الى 41] # وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير (40) واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم ~~التقى الجمعان والله على كل شيء قدير (41) # فإن أبوا إلا عتوا، وعن الإيمان إلا نبوأ، فلا على قلوبكم ظل مخافة منهم ~~فإن الله- سبحانه- ولى نصرتكم، ومتولى كفايتكم إن لم تكونوا بحيث نعم ~~العبيد فهو نعم المولى لكم ونعم الناصر لكم. # ويقال نعم المولى لكم يوم قسمة العرفان، ونعم الناصر لكم يوم نعمة ~~الغفران. # ويقال نعم المولى لك حين لم تكن، ونعم الناصر لك حين كنت. # ويقال نعم المولى بالتعريف قبل التكليف، ونعم الناصر لكم بالتخفيف ~~والتضعيف يخفف عنكم السيئات ويضاعف الحسنات: # وهواك أول ما عرفت من الهوى ... والقلب لا ينسى الحبيب الأولا # قوله جل ذكره: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على ~~عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، والله على كل شيء قدير. PageV01P625 # الغنيمة ما أخذه المؤمنون من أموال الكفار إذا ظفروا عند المجاهدة ~~والقتال معهم. # فإذا لم يكن قتال- أو ما فى معناه- فهو فىء. # والجهاد قسمان: جهاد الظاهر مع الكفار، وجهاد الباطن مع النفس والشيطان ~~وهو الجهاد ms0422 الأكبر- كما فى الخبر «1» وكما أن فى الجهاد الأصغر غنيمة عند ~~الظفر، ففى الجهاد الأكبر غنيمة، وهو أن يملك العبد نفسه التي كانت فى يد ~~العدو: الهوى والشيطان. فبعد ما كانت ظواهره مقرا للأعمال الذميمة، وباطنه ~~مستقرا للأحوال الدنية يصير محل الهوى مسكن الرضا، ومقر الشهوات والمني ~~مسلما لما يرد عليه من مطالبات المولى وتصير النفس مستلبة من أسر «2» ~~الشهوات، والقلب مختطفا من وصف الغفلات، والروح منتزعة من أيدى العلاقات، ~~والسر مصونا عن الملاحظات. وتصبح غاغة النفس منهزمة، ورياسة الحقوق ~~بالاستجابة لله خافقة. # وكما أن من جملة الغنيمة سهما لله وللرسول، وهو الخمس فمما هو غنيمة- على ~~لسان الإشارة- سهم خالص لله وهو ما لا يكون للعبد فيه نصيب، لا من كرائم ~~العقبى، ولا من ثمرات التقريب، ولا من خصائص الإقبال، فيكون العبد عند ذلك ~~محررا عن رق كل نصيب، خالصا لله بالله، يمحو ما سوى الله، كما قيل: # من لم يكن بك فانيا عن حظه ... وعن الهوى والإنس والأحباب # فكأنه- بين المراتب- واقف ... لمنال حظ أو لحسن ثواب # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 42] # إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم ~~لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ~~ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) PageV01P626 # يخبر- سبحانه- أن ما جرى يوم بدر من القتال، وما حصل من فنون الأحوال كان ~~بحكم التقدير، لا بما يحصل من الخلق من التدبير، أو بحكم تقتضيه روية ~~التفكير. بل لو كان ذلك على اختيار وتواعد، كنتم عن تلك الجملة على استكراه ~~وتباعد، فجرى على ما جرى ليقضى الله أمرا كان مقضيا، وحصل من الأمور ما سبق ~~به التقدير. # قوله جل ذكره: ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع ~~عليم. # أي ليضل من زاغ عن الحق بعد لزومه الحجبة، ويهتدى من أقام على الحق بعد ~~وضوح الحجة. # ويقال الحق أوضح السبيل ونصب الدليل، ولكن سد بصائر قوم عن شهود الرشد، ~~وفتح ms0423 بصائر آخرين لإدراك طرق الحق. # الهالك من وقع فى أودية التفرقة، والحى من حيى بنور التعريف. # ويقال الهالك من كان بحظه مربوطا، والحى من كان من أسر كل نصيب مستلبا ~~مجذوبا «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 43 الى 44] # إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في ~~الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) وإذ يريكموهم إذ التقيتم في ~~أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع ~~الأمور (44) PageV01P627 # قيل أراه إياهم فى نومه- صلى الله عليه وسلم- بوصف القلة، وأخبر أصحابه ~~بذلك فازدادوا جسارة عليهم. # وقيل أراه فى منامه أي فى محل نومه أي فى عينيه، فمعناه قللهم فى عينيه ~~لأنهم لو استكثروهم لفشلوا فى قتالهم، ولانكسرت بذلك قلوب المسلمين. # وفى الجملة أراد الله جريان ما حصل بينهم من القتال يوم بدر، وإن الله ~~إذا أراد أمرا هيأ أسبابه فقلل الكفار فى أعين المسلمين فزادوا جسارة، وقلل ~~المسلمين فى أعين الكفار فازدادوا- عند نشاطهم إلى القتال- صغرا فى حكم ~~الله وخسارة. # والله «عليم بذات الصدور» : وكيف لا؟ ومنه تصدر المقادير، وإليه ترجع ~~الأمور. # ويقال إذا أراد الله نصرة عبد فلو كاد له جميع البشر، وأراده الكافة بكل ~~ضرر، لا ينفع من شاء مضرته كد، ويحصل بينه «1» وبين متاح لطفه به سد. # وإذا أراد بعبد سوءا فليس له رد، ولا ينفعه كد، ولا ينعشه بعد ما سقط فى ~~حكمه جهد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 45] # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون (45) # أراد إذا لقيتم فئة من المشركين فاثبتوا. والثبات إنما يكون بقوة القلب ~~وشدة اليقين، ولا يكون ذلك إلا لنفاذ البصيرة، والتحقق بالله، وشهود ~~الحادثات كلها منه، فعند ذلك يستسلم لله، ويرضى بحكمه، ويتوقع منه حسن ~~الإعانة، ولهذا أحالهم على الذكر فقال: # «واذكروا الله كثيرا» . # ويقال إن جميع الخيرات فى ثبات القلب، وبه تبين أقدار الرجال، فإذا ورد ~~على الإنسان خاطر يزعجه أو هاجس فى نفسه ms0424 يهيجه.. فمن كان صاحب بصيرة توقف ~~ريثما PageV01P628 # تتبين له حقيقة الوارد، فيثبت لكونه رابط الجأش، ساكن القلب، صافى اللب.. # وهذا نعت الأكابر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 46] # وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع ~~الصابرين (46) # الموافقة بين المسلمين أصل الدين. وأول الفساد ورأس الزلل الاختلاف. وكما ~~تجب الموافقة فى الدين والعقيدة تجب الموافقة فى الرأى والعزيمة «1» . # قال تعالى فى صفة الكفار: «تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى» ، وإنما تتحد عزائم ~~المسلمين لأنهم كلهم يجمعهم التبرى من حولهم وقوتهم، ويتمحضون فى رجوعهم ~~إلى الله، وشهودهم التقدير، فيتحدون فى هذه الحالة الواحدة. # وأما الذين توهموا الحادثات من أنفسهم فضلوا فى ساحات حسبانهم، وأجروا ~~الأمور على ما يسنح لرأيهم، فكل يبنى على ما يقع له ويختار، فإذا تنازعوا ~~تشعبت بهم الآراء، وافترقت بهم الطرق، فيضعفون، وتختلف طرقهم. وكما تجب فى ~~الدين طاعة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تجب طاعة أولى الأمر، ولهذا يجب ~~فى كل وقت نصب إمام للمسلمين، ثم لا تجوز مخالفته، قال النبي- صلى الله ~~عليه وسلم-: «أطيعوه ولو كان عبدا مجدعا» «2» وكان الرسول- صلى الله عليه ~~وسلم- إذا بعث سرية أمر «3» عليهم أميرا وقال: «عليكم بالسواد الأعظم» . # وإجماع المسلمين حجة، وصلاة الجماعة سنة مؤكدة، والاتباع محمود والابتداع ~~ضلالة. # قوله «واصبروا» الصبر حبس النفس على الشيء، والمأمور به من الصبر ما يكون ~~على خلاف هواك. PageV01P629 # «إن الله مع الصابرين» يتولى بالكفاية إذا حصل منهم الثبات وحسن التفويض. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 47] # ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ~~والله بما يعملون محيط (47) # يريد أن أهل مكة لما خرجوا من مكة عام بدر لنصرة العير ملكتهم العزة، ~~واستمكن منهم البطر، وداخلهم رياء الناس، فارتكبوا فى شباك غلطهم، وحصلوا ~~على ما لم يحتسبوه. # وأما المؤمنون فنصرهم نصرا عزيزا، وأزال عن نبيه- عليه السلام- ما أظله ~~من الخوف وبصدق تبريه عن حوله ومنته- حين قال: (لا تكلنى إلى نفسى) «1» - ~~كفاه بحسن التولى فقال (وما رميت إذ رميت ms0425 ولكن الله رمى) . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 48] # وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار ~~لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ~~ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48) # الشيطان إذا زين للانسان بوساوسه أمرا، والنفس إذا سولت له شيئا عميت ~~بصائر أرباب الغفلة عن شهود صواب الرشد، فيبقى الغافل «2» فى قياد وساوسه، ~~ثم تلحقه هواجم PageV01P630 # التقدير من كوامن المكر «1» من حيث لا يرتقب، فلا الشيطان يفى «2» بما ~~يعده، ولا النفس شيئا مما تتمناه تجده، وكما قال القائل: # أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتى به القدر # وسالمتك الليالى فاغتررت بها ... وعند صفو الليالى يحدث الكدر # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 49] # إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على ~~الله فإن الله عزيز حكيم (49) # إن أصحاب الغفلة وأرباب الغرة إذا هبت رياح صولتهم فى زمان غفلتهم ~~يلاحظون أهل الحقيقة بعين الاستحقار، ويحكمون عليهم بضعف الحال، وينسبونهم ~~إلى الضلال، ويعدونهم من جملة الجهال، وذلك فى زمان الفترة ومدة مهلة أهل ~~الغيبة. # والذين لهم قوة اليقين ونور البصيرة ساكنون تحت جريان الحكم، يرون ~~الغائبات عن الحواس بعيون البصيرة من وراء ستر رقيق فلا الطوارق تهزمهم، ~~ولا هواجم «3» الوقت تستفزهم «4» ، وعن قريب يلوح علم اليسر، وتنجلى سحائب ~~العسر، ويمحق الله كيد الكائدين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 50] # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا ~~عذاب الحريق (50) # يسليهم «5» عند ما يقاسون من اختبارات التقدير بما يذكرهم زوال المحنة، ~~ووشك روح PageV01P631 # اليسر، وسرعة حصول النصر، وحلول النقم بمرتكبى الظلم. والمؤمن كثير الظفر ~~فإذا شاهد بأرباب الجرائم حلول الانتقام رق قلبه لهم، فلا ينخرط فى سلك ~~الشماتة إذ يخلو قلبه من شهوة الانتقام، بل يجب أن يكون كل أحد بحسن الصفة، ~~وكما قيل. # قوم إذا ظفروا بنا ... جادوا بعتق رقابنا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال ms0426 (8) : آية # 51] # ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51) # يعرفهم أن ما أصابهم من شدة الوطأة جزاء لهم على ما أسلفوه من قبيح ~~الزلة، كما قيل: # سننت فينا سننا ... قذف البلايا عقبه # يصبر على أهوالها ... من بر يوما ربه «1» # «وأن الله ليس بظلام للعبيد» أي كيفما يعاملهم فى السراء والضراء فذلك ~~منه حسن وعدل، إذ الملك ملكه، والخلق خلقه، والحكم حكمه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 52] # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن ~~الله قوي شديد العقاب (52) # لما سلكوا مسلك أهل فرعون فى الضلال، سلكنا بهم مسلكهم فيما أذقناهم من ~~العذاب وسوء الحال، وسنة الله ألا تغيير فى الإنعام، وعادته ألا تبديل فى ~~الانتقام، ومن لم يعتبر بما يشهد «2» اعتبر بما يصنعه به. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 53] # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن ~~الله سميع عليم (53) . PageV01P632 # إذا أنعم الحق- سبحانه- على قوم نعمة وأراد إمهالهم أكرمهم بتوفيق الشكر، ~~فإذا شكروا نعمته فبقدر الشكر دامت فيهم. # وإذا أراد- سبحانه- إزالة نعمة عن عبد أذلة بخذلان الكفر، فإذا حال «1» ~~عن طريق الشكر عرض النعمة للزوال. فما دام العبد يشكر النعمة مقيما كان ~~الحق فى إنعامه عليه مديما، فإذا قابل النعمة بالكفران انتثر سلك نظامه، ~~فبقدر ما يزيد فى إصراره يزول الأمر عن قراره. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 54] # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم ~~وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54) # تنوعت من آل فرعون الذنوب فنوع لهم العقوبة، وكذلك هؤلاء: عوقبوا بأنواع ~~من العقوبة لما ارتكبوا أنواعا من الزلة. # وفائدة تكرار ذكرهم تأكيد فى التعريف أنه لا يهمل المكلف أصلا، وإن أهمله ~~حينا ودهرا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 55] # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) # «عند الله» : فى سابق علمه وصادق حكمه فإذا كانوا فى علمه شر الخلائق ~~فكيف يسعدون باختلاف السعايات وصنوف الطوارق؟ ms0427 # هيهات أن تتبدل الحقائق! وإذا قال: «فهم لا يؤمنون» - وكلامه صدق وقوله ~~حق- فلم يبق للرجاء فيهم مساغ، ولا ينجع فيهم نصح وإبلاغ. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 56] # الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) . ~~PageV01P633 # أي الذين صار نقض العهد لهم سجية فلم يذروا من استفراغ الوسع فى جهلهم ~~بقية. # وإن من الكبائر التي لا غفران لها فى هذه الطريق أن ينقض العبد عهدا، أو ~~يترك عقدا التزمه بقلبه مع الله. أولئك الذين سقطوا عن ( ### | .... # ) «1» الله، فرفع عنهم ظل العناية والعصمة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 57] # فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) # يريد إن صادفت واحدا من هؤلاء الذين دأبهم نقض العهد فاجعلهم عبرة لمن ~~يأتى بعدهم لئلا يسلكوا طريقهم فيستوجبوا عقوبتهم. # كذلك من فسخ عقده مع «2» الله بقلبه برجوعه إلى رخص التأويلات، ونزوله ~~إلى السكون مع العادات «3» يجعله الله نكالا لمن بعده، بحرمانه ما كان ~~خوله، وتنغيصه عليه ما من حظوظه أمله، فيفوته حق الله، ولا يكون له امتناع ~~عما آثره على حق الله: # تبدلت وتبدلنا وا حسرتا لمن ... ابتغى عوضا لليلى فلم يجد # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 58] # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ~~(58) # يريد إذا تحققت بخيانة قوم منهم فصرح بأنه لا عهد بينك وبينهم، فإذا حصلت ~~الخيانة زال سمت الأمانة، وخيانة كل أحد على ما يليق بحاله، ومن ضن «4» ~~بميسور له فقد خان فى عهده، وزاغ عن جده، وعقوبته معجلة، فهو لا يحبه الله، ~~وتكون عقوبته بإذلاله وإهانته. PageV01P634 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 59] # ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) # كيف يعارض الحق أو ينازعه من فى قبضته تقلبه، وبقدرته تصرفه، وبتصريفه ~~إياه عدمه وثبوته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 60] # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ~~وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا ms0428 من شيء في سبيل الله ~~يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) # أعدوا لقتال الأعداء ما يبلغ وسعكم ذلك من قوة، وأتمها قوة القلب بالله، ~~والناس فيها مختلفون: فواحد يقوى قلبه بموعود نصره، وآخر يقوى قلبه بأن ~~الحق عالم بحاله، وآخر يقوى قلبه لتحققه بأن يشهد من ربه، قال تعالى: ~~«واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا» «1» ، وآخر يقوى قلبه بإيثار رضاء الله ~~تعالى على مراد نفسه، وآخر يقوى قلبه برضاه بما يفعله مولاه به. # ويقال أقوى محبة للعبد فى مجاهدة العبد وتبريه عن حوله وقوته. # قوله جل ذكره: ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، ~~الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون. # الإشارة فيه أنه لا يجاهد على رجاء غنيمة ينالها، أو لاشتفاء صدره من ~~قضية حقد، بل قصده أن تكون كلمة الله هى العليا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 61] # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61) . ~~PageV01P635 # بعث الله نبيه- صلى الله عليه وسلم- بالرحمة والشفقة على الخلق، وبمسالمة ~~«1» الكفار رجاء أن يؤمنوا فى المستأنف فإن أبوا فليس يخرج أحد عن قبضة ~~العزة. # ويقال العبودية الوقوف حيثما وقفت إن أمرت بالقتال فلا تقصر، وإن أمرت ~~بالمواعدة فمرحبا بالمسالمة، «وتوكل على الله» فى الحالين فإنه يختار لك ما ~~فيه الخيرة، فيوفقك لما فيه الأولى، ويختار لك ما فيه من قسمى الأمر- فى ~~الحرب وفى الصلح- ما هو الأعلى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 62 الى 63] # وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) ~~وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ~~ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) # أي إن لبسوا عليك، وراموا خداعك بطلب الصلح منك- وهم يستبطنون لك بخلاف ~~ما يظهرونه- فإن الله كافيك، فلا تشغل قلبك بغفلتك عن شر ما يكيدونك فإنى ~~أعلم ما لا تعلم، وأقدر على ما لا تقدر. # هو الذي بنصره أفردك، وبلطفه أيدك، وعن كل سوء ونصيب ms0429 طهرك، وعن رق ~~الأشياء جردك «2» ، وفى جميع الأحوال كان لك. # هو الذي أيدك بمن آمن بك من المؤمنين، وهو الذي ألف بين قلوبهم المختلفة ~~فجمعها على الدين، وإيثار رضاء الحق. ولو كان ذلك بحيل «3» الخلق ما انتظمت ~~هذه الجملة، ولو أبلغت بكل ميسور من الأفعال، وبذلت كل مستطاع من المال- ~~لما وصلت إليه. PageV01P636 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 64] # يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) # أحسن التأويلات فى هذه الآية أن تكون «من» فى محل النصب أي ومن اتبعك من ~~المؤمنين يكفيهم الله. # ومن التأويلات فى العربية أن تكون «من» فى محل الرفع أي حسبك من اتبعك من ~~المؤمنين. # وقد علم أن استقلال الرسول- صلى الله عليه وسلم- كان بالله لا بمن سوى ~~الله، وكل من هو سوى الله فمحتاج إلى نصرة الله، كما أن رسول الله محتاج ~~إلى نصرة الله «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 65 الى 66] # يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ~~(65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66) # المؤمن لا يزداد بنفسه ضعفا إلا ازداد بقلبه قوة، لأن الاستقلال بقوة ~~النفس نتيجة الغفلة، وقوة القلب بالله- سبحانه- على الحقيقة. # قوله جل ذكره: إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة ~~يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون الآن خفف الله عنكم وعلم ~~أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين بإذن الله، والله مع الصابرين. # هذا لهم، فأما النبي- صلى الله عليه وسلم- فهو بتوحيده كان مؤملا بأن ~~يثبت لجميع الكفار لكمال قوته بالله تعالى، قال عليه السلام: «بك أصول» «2» ~~، وفى تحريضه للمؤمنين PageV01P637 # على القتال كانت لهم قوة، وبأمر الله كانت لهم قوة فقوة الصحابة كانت ms0430 ~~بالنبي- عليه الصلاة والسلام، وتحريضه إياهم وقوتهم بذلك كانت بالله وبأمره ~~إياه.. وشتان ما هما! قوله: الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا: والضعف ~~الذي علم فيهم كان ضعف الأشباح فخفف عنهم، أما القلوب فلم يتداخلها الضعف ~~فحمل من ممارسة القتال بالعذر المذكور فى الكتاب. # والعوام يحملون المشاق بنفوسهم وجسومهم، والخواص بقلوبهم وهممهم، وقالوا: # «والقلب يحمل ما لا يحمل البدن» وقال آخر. # وإن ترونى أعاديها فلا عجب ... على النفوس جنايات من الهمم # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 67] # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) # أي لا ينبغى لنبى من الأنبياء- عليهم السلام- أن يأخذ أسارى من أعدائه ثم ~~يرضى بأن يأخذ منهم الفداء، بل الواجب عليه أن يثخن فى الأرض أي يبالغ فى ~~قتل أعدائه- إذ يقال أثخنه المرض إذا اشتد عليه. وقد أخذ النبي- صلى الله ~~عليه وسلم يوم بدر منهم الفداء، وكان ذلك جائزا لوجوب القول بعصمته، ولكن ~~لو قاتلتم كان أولى. وأراد ب «عرض الدنيا» أخذ الفداء، والله جعل الفداء، ~~والله جعل رضاه فى أن يقاتلوهم، وحرمة «1» الشرع خلاف رحمة الطبع فشرط ~~العبودية أن يؤثر العبد الله، وإذا كان الأمر بالغلظة فكما قال تعالى: «ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله» «2» . PageV01P638 # «والله عزيز» : بالانتقام من أعدائه، «حكيم» : فى جميع ما يصنع من ~~التمليك والإملاك، والتيسير والتدبير. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 68] # لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) # لولا أن الله حكم فى آزاله بإحلال الغنيمة لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وأمته لمسكم- لأجل ما أخذتم من الفداء منهم يوم بدر- عذاب عظيم، ولكن الله ~~أباح لكم الغنيمة فأزال عنكم العقوبة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 69] # فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69) # الحلال ما كان مأذونا فيه، والحلال الطيب أن تعلم أن ذلك من قبل الله ~~فضلا، وليس لك من قبلك استحقاقا. # ويقال الحلال الصافي ما لم ms0431 ينس صاحبه فيه معبوده. # ويقال هو الذي لا يكون صاحبه عن شهود ربه- عند أخذه- غافلا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 70] # يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ~~يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) # الذي يعطونه خير مما أخذ منهم. ويحتمل أن يكون ما فى الآخرة من حسن ~~الثواب، ويحتمل أن يكون ما فى الدنيا من جميل العوض. ويقال هو ما بوصلهم ~~إليه من توفيق الطاعات، وحلاوة الإيمان، وهو خير مما أخذ منهم. # ويقال ما أعطاهم من الرضاء بما هم فيه من الفقر، بعد ما كانوا أغنياء فى ~~حال الشرك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 71] # وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم ~~(71) # PageV01P639 # يريد إن عادوا إلى قتالك بعد ما مننت عليهم بالإطلاق وخانوا عهدك، ~~فالخيانة لهم دأب وطريقة، ثم إنا نمكنك منهم ثانيا كما أمكناك من أسرهم ~~أولا، وقيل: # إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النعل لها حاضرة # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 72] # إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ~~آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72) # ذكر صفة المهاجرين مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- وصفتهم أنهم آمنوا ثم ~~هاجروا مع الرسول صلوات الله عليه وسلامه، ثم «جاهدوا بأموالهم وأنفسهم» ~~هؤلاء هم المهاجرون. # أما الذين آووا فهم الأنصار آووا الرسول- عليه السلام- والمؤمنين. # فهذان الفريقان بعضهم أولياء بعض فى النصرة والدين. # وأما الذين آمنوا ولكن لم يهاجروا فليست لهم هذه الموالاة إلى أن ~~يهاجروا، وإن استعانوا بكم فعليكم نصرهم. # «إلا على قوم» وهم المعاهدون معكم. # وكمال الهجرة مفارقة الأخلاق الذميمة، وهجران النفس فى ترك إجابتها إلى ~~ما تدعو # PageV01P640 # إليه من شهواتها. ومن ذلك هجران إخوان السوء، والتباعد عن الأوطان التي ~~باشر العبد فيها ms0432 الزلة، ثم الهجرة من أوطان الحظوظ إلى أوطان رضاء الحق «1» ~~. # وأما قوله «والذين آووا ونصروا» فهم الذين يؤثرون إخوانهم على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة، عوام هؤلاء فى الأمور الدنيوية، وخواصهم فى الكرائم فى ~~الآخرة، وخاص الخاص فى كل ما يصح به الإثبات من سنى الأحوال إلى ما لا يدرك ~~الوهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 73 الى 74] # والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ~~(73) والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك ~~هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) # قطع العصمة بينهم وبين المؤمنين، فالمؤمن للأجانب مجانب، وللأقارب مقارب. # والكفار بعضهم لبعضهم، كما قيل: «طير السماء على ألافها تقع» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنفال (8) : آية 75] # والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (75) # يريد من سلك مسلكهم فى الحال، ومن سيلحق بهم فى الاستقبال وآتى الأحوال ~~فالالفة تجمعهم، والولاية تشملهم، فلهم من الله فى العقبى جزيل الثواب، ~~والنجاة من العذاب. # ولهم فى الدنيا الولاية والتناصر، والمودة والتقارب، والله أعلم. ~~PageV01P641 ### | «تنبيه» # ذكر السيد المحقق فى الصحيفة 20 موقفه من أخطاء الناسخ بأنه اتخذ منها ~~ثلاثة مواقف (ا) موقفا نجد فيه الخطأ مؤكدا» ويتجلى ذلك عند كتابة بعض ~~الآيات الكريمة حيث تسقط كلمة أو حرف أو تزيد كلمة أو حرف، فنصلح هذا ~~الخطأ. # ولما كانت الطبعة الأولى كثيرة الأخطاء خاصة فى الآيات القرآنية، فقد قمت ~~بتصويبها وتصحيحها قبل هذه الطبعة الثانية (أفست) .. # أما ما ورد فى ب. ج، فقد تركته كما هو حسب منهج السيد المحقق وسأقوم ~~بمشيئة الله تعالى بتصويب المجلدين: الثاني، الثالث، على هذا النحو، وأرجوا ~~الله التوفيق والعون. # متولى خليل عوض الله الباحث الأول- مركز تحقيق التراث # PageV01P643 ### | فهرس # الصفحة مدخل/ 3 صورة لورقة من المخطوطة السوفيتية/ 39 سورة فاتحة الكتاب/ ~~42 سورة البقرة/ 52 سورة آل عمران/ 217 سورة النساء/ 310 سورة المائدة/ 396 ~~سورة ms0433 الأنعام/ 459 سورة الأعراف/ 516 سورة الأنفال/ 601 # PageV01P645 # تم المجلد الأول ويليه المجلد الثاني وأوله سورة التوبة # PageV01P646 # [الجزء الثاني] # بسم الله الرحمن الرحيم « ... أهل الجنة طابت لهم حدائقها، وأهل النار ~~أحاط بهم سرادقها، والحق- سبحانه- منزه عن أن تعود إليه من تعذيب هؤلاء ~~عائدة، ولا من تنعيم هؤلاء فائدة.. # جلت الأحدية، وتقدست الصمدية. # ومن وقعت عليه غبرة فى طريقنا لم تقع عليه قترة فراقنا، ومن خطا خطوة ~~إلينا وجد حظوة لدنيا، ومن نقل قدمه نحونا غفرنا له ما قدمه، ومن رفع إلينا ~~يدا أجز لنا له رغدا، ومن التجأ إلى سدة كرمنا آويناه فى ظل نعمنا، ومن ~~شكافينا غليلا، مهدنا له فى دار فضلنا مقيلا» عبد الكريم القشيري عند سورة ~~الكهف # PageV02P003 # بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر تبرأنا مما منا من الحول والمنة، وتحققنا ~~بما منك من الطول والمنة، فلا تجعلنا عرضة لسهام أحكامك، وارحمنا بلطفك ~~وإكرامك، ونجنا ممن غضبت عليهم فأذللتهم، وبكى فراقك وسمتهم. # عبد الكريم القشيري عند سورة اليونس # PageV02P004 ### | السورة التي تذكر فيها التوبة # جرد الله- سبحانه- هذه السورة عن ذكر «بسم الله الرحمن الرحيم» ليعلم أنه ~~يخص من يشاء وما يشاء بما يشاء، ويفرد من يشاء وما يشاء بما يشاء، ليس ~~لصنعه سبب، وليس له فى أفعاله غرض ولا أرب، واتضح للكافة أن هذه الآية ~~أثبتت فى الكتاب لأنها منزلة، وبالأمر هنا لك محصلة. # ومن قال: إنه لم يذكر التسمية فى هذه السورة لأنها مفتتحة بالبراءة عن ~~الكفار فهو- وإن كان وجها فى الإشارة- فضعيف، وفى التحقيق كالبعيد لأنه ~~افتتح سورا من القرآن بذكر الكفار مثل: «لم يكن الذين كفروا» «1» وقوله: ~~«ويل لكل همزة لمزة» «2» وقوله: «تبت يدا أبي لهب وتب» «3» وقوله: «قل يا ~~أيها الكافرون» «4» ... # هذه كلها مفاتح للسور ... وبسم الله الرحمن الرحيم مثبتة فى أوائلها- وإن ~~كانت متضمنة ذكر الكفار. على أنه يحتمل أن يقال إنها وإن كانت فى ذكر ~~الكفار فليس ذكر البراءة فيها صريحا وإن تضمنته تلويحا، وهذه السورة أو لها ~~ذكر البراءة منهم قطعا، فلم تصدر بذكر الرحمة. # ويقال ms0434 إذا كان تجرد السورة عن هذه الآية يشير إلى أنها لذكر الفراق ~~فبالحرى أن يخشى أن تجرد الصلاة عنها يمنع عن كمال الوصلة والاستحقاق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 1] # براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) PageV02P005 # الفراق شديد، وأشده ألا يعقبه وصال، وفراق المشركين كذلك لأنه قال: «إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» «1» ويقال من منى ~~بفراق أحبائه فبئست صحبته. وقد كان بين الرسول عليه السلام وبين أولئك ~~المشركين عهد، ولا شك أنهم كانوا قد وطنوا نفوسهم عليه، فنزل الخبر من ~~الغيب بغتة، وأتاهم الإعلام بالفرقة فجأة، فقال: «براءة من الله ورسوله» ، ~~أي هذه براءة من الله ورسوله، كما قيل: # فبت بخير- والدنى مطمئنة ... وأصبحت يوما والزمان تقلبا # وما أشد الفرقة- لا سيما إذا كانت بغتة على غير ترقب- قال تعالى: ~~«وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة» «2» وأنشدوا: # وكان سراج الوصل أزهر بيننا ... فهبت به ريح من البين فانطفا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 2] # فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي ~~الكافرين (2) # إن قطع عنهم الوصلة فقد ضرب لهم مدة على وجه المهلة، فأمنهم فى الحال ~~ليتأهبوا لتحمل مقاساة البراءة فيما يستقبلونه فى المآل. # والإشارة فيه: أنهم إن أقلعوا فى هذه المهلة عن الغى والضلال وجدوا فى ~~المآل ما فقدوا من الوصال، وإن أبوا إلا التمادي فى ترك الخدمة والحرمة ~~انقطع ما بينه وبينهم من العصمة. # ثم قال: واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين» والإشارة ~~فيه: إن أصررتم على قبيح آثاركم سعيتم إلى هلاككم بقدمكم. وندمتم فى عاجلكم ~~على سعيكم، وحصلتم فى آجلكم على خسرانكم وما خسرتم إلا فى صفقتكم، وما ضر ~~جزمكم سواكم وأنشدوا: # تبدلت وتبدلنا وا حسرتا ... من ابتغى عوضا لليلى فلم يجد PageV02P006 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 3] # وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من ~~المشركين ورسوله فإن ms0435 تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي ~~الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) # أي ليكن إعلام من الله ورسوله للناس بنقض عهدهم، وإعلان عنهم بأنهم ما ~~انقطعوا عن مألوفهم من الإهمال «1» ومعهودهم، وقد برح الخفاء من اليوم ~~بأنهم ليس لهم ولاء، ولم يكن منهم بما عقدوا وفاء، فليعلم الكافة أنهم ~~أعداء، وأنشدوا: # أشاعوا لنا فى الحى أشنع قصة ... وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا # قوله جل ذكره: أن الله بريء من المشركين ورسوله. # من رأى من الأغيار- شظية من الآثار، ولم ير حصولها بتصريف الأقدار فقد ~~أشرك- فى التحقيق- واستوجب هذه البراءة. # ومن لاحظ الخلق تصنعا، أو طالع نفسه إعجابا فقد جعل ما لله لغير الله، ~~وظن ما لله لغير الله، فهو على خطر من الشرك بالله. # قوله جل ذكره: فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي ~~الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم. # إن عادوا إلى الباب لم يقطع رجاءهم، ومد إلى حد وضوح العذر إرجاءهم. وبين ~~أنهم إن أصروا على عتوهم فإلى مالا يطيقون من العذاب منقلبهم، وفى النار ~~مثواهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 4] # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4) # : PageV02P007 # من وفى الحق فى عقده فزده على حفظ عهده إذ لا يستوى من وفاه ومن جفاه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 5] # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ~~إن الله غفور رحيم (5) # يريد إذا انسلخ الحرم فاقتلوا من لا عهد له من المشركين، فإنهم- وإن لم ~~يكن لهم عهد وكانوا حرما- جعل لهم الأمان فى مدة هذه المهلة، ( ### | .... # ) «1» فكرتم أن يأمر بترك قتال من أبى كيف يرضى بقطع وصال من أتى؟!. # قوله جل ذكره: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا ~~لهم كل مرصد. # أمرهم بمعالجة جميع أنواع القتال مع الأعداء. # وأعدى ms0436 عدوك نفسك التي بين جنبيك فسبيل العهد فى مباشرة الجهاد الأكبر مع ~~النفس بالتضييق عليها بالمبالغة فى جميع أنواع الرياضات، واستفراغ الوسع ~~«2» فى القيام بصدق المعاملات. ومن تلك الجملة ألا ينزل بساحات الرخص ~~والتأويلات، ويأخذ بالأشق فى جميع الحالات قوله جل ذكره: فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم. # حقيقة التوبة الرجوع بالكلية من غير أن تترك بقية. فإذا أسلم الكافر بعد ~~شركه، ولم يقصر فى واجب عليه من قسمى فعله وتركه، حصل الإذن فى تخلية سبيله ~~وفكه: # إن وجدنا لما ادعيت شهودا ... لم نجد عندنا لحق حدودا # وكذلك النفس إذا انخنست، وآثار البشرية إذا اندرست، فلا حرج- فى التحقيق- ~~فى المعاملات فى أوان مراعاة الخطرات مع الله عند حصول المكاشفات. والجلوس ~~مع الله PageV02P008 # أولى من القيام بباب الله تعالى، قال تعالى فيما ورد به الخبر: «أنا جليس ~~من ذكرنى» «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 6] # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ~~ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) # إذا استجار المشرك- اليوم- فلا يرد حتى يسمع كلام الله، فإذا استجار ~~المؤمن طول عمره من الفراق- متى يمنع من سماع كلام الله؟ ومتى يكون فى زمرة ~~من يقال لهم: # «اخسؤا فيها ولا تكلمون «2» » . # وإذ قال- اليوم- عن أعدائه: «فأجره حتى يسمع كلام الله» فإن لم يؤمن بعد ~~سماع كلامه نهى عن تعرضه حيث قال: «ثم أبلغه مأمنه» - أترى أنه لا يؤمن ~~أولياءه- غدا- من فراقه، وقد عاشوا اليوم على إيمانه ووفائه؟! كلا.. إنه ~~يمتحنهم بذلك، قال تعالى: «لا يحزنهم الفزع الأكبر» «3» . # ثم قال: «ذلك بأنهم قوم لا يعلمون» فإذا كان هذا بره بمن لا يعلم فكيف ~~بره بمن يعلم؟ # ومتى نضيع من ينيخ ببابنا ... والمعرضون لهم نعيم وافر؟! # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 7] # كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد ~~الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) . ~~PageV02P009 # كيف يكون المفلس من عرفانه كالمخلص فى إيمانه؟ # وكيف يكون المحجوب ms0437 عن شهوده كالمستهلك فى وجوده؟ # كيف يكون من يقول «أنا» كمن يقول «أنت» ؟ وأنشدوا: # وأحبابنا شتان: واف وناقص ... ولا يستوى قط محب وباغض # قوله: «فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم» ، إن تمسكوا بحبل «1» وفائنا ~~أحللناهم ولاءنا، وإن زاغوا عن عهدنا أبليناهم بصدنا، ثم لم يربحوا فى ~~بعدنا. # «إن الله يحب المتقين» : المتقى الذي يستحق محبة من يتقى وذلك حين يتقى ~~محبة نفسه، وذلك بترك حظه والقيام بحق ربه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 8] # كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى ~~قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) # وصفهم بلؤم الطبع فقال: كيف يكونون محافظين على عهودهم مع ما أضمروه لكم ~~من سوء الرضاء؟ فلو ظفروا بكم واستولوا عليكم لم يراعوا لكم حرمة، ولم ~~يحفظوا لكم قرابة أو ذمة. # وفى هذا إشارة إلى أن الكريم إذا ظفر غفر، وإذا قدر ما غدر، فيما أسر ~~وجهر. # قوله «يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم» أي لا عجب من طبعهم فإنهم فى حقنا ~~كذلك يفعلون: يظهرون لباس الإيمان ويضمرون الكفر. وإنهم لذلك يعيشون معكم ~~فى زى الوفاق، ويستبطنون عين الشقاق وسوء النفاق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 9] # اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون ~~(9) PageV02P010 # من رضى من الله بغير الله أرخص فى صفقته ثم إنه خسر فى تجارته فلا له- ~~وهو عن الله- أثر استمتاع، ولا له- فى دونه سبحانه- اقتناع بقي عن الله، ~~ولم يستمتع عن الله. وهذا هو الخسران المبين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 10] # لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) # كيف يراعى حق المؤمنين من لا يراعى حق الله فى الله؟ أخلاقهم تشابهت فى ~~ترك الحرمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 11] # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات ~~لقوم يعلمون (11) # معناه: وإن قبلناهم وصلحوا لولائنا فلحمة النسب فى الدين بينكم وبينهم ~~وشيجة «1» ، وإلا فليكن الأجانب منا على جانب منكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 12] # وإن نكثوا ms0438 أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم ~~لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12) # إذا جنحوا إلى الغدر، ونكثوا ما قدموه من ضمان الوفاء بالعهد، وبسطوا ~~ألسنتهم فيكم باللوم فاقصدوا من رحى الفتنة عليه تدور، وغصن الشر من أصله ~~يتشعب، وهم سادة الكفار وقادتهم. # وحق القتال إعداد القوة جهرا، والتبرى عن الحول والقوة سرا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 13] # ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة ~~أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13) PageV02P011 # حرضهم على القتال- على ملاحظة أمر الله بذلك- لا على مقتضى الانطواء على ~~الحقد لأحد، فإن من غضب لنفسه فمذموم الوصف، ومن غضب لله فإن نصر الله ~~قريب. # وقال «أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه» : فالخشية من الله بشير الوصلة، ~~والخشية من غير الله نذير الفرقة. وحقيقة الخشية نفض السر عن ارتكاب الزجر ~~ومخالفة الأمر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 14 الى 15] # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ~~(14) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم (15) # هون عليهم كلفة المخاطرة بالمهجة بما وعدهم من الظفر والنصرة، فإن شهود ~~خزى العدو مما يهون عليهم مقاساة السوء. والظفر بالأرب يذهب تعب الطلب. # وشفاء صدور المؤمنين على حسب مراتبهم فى المقام والدرجات فمنهم من شفاء ~~صدره فى قهر عدوه، ومنهم من شفاء صدره فى نيل مرجوه. ومنهم من شفاء صدره فى ~~الظفر بمطلوبه، ومنهم من شفاء صدره فى لقاء محبوبه. ومنهم من شفاء صدره فى ~~درك مقصوده، ومنهم من شفاء صدره فى البقاء بمعبوده. # وكذلك ذهاب غيظ قلوبهم تختلف أسبابه، وتتنوع أبوابه، وفيما ذكرنا تلويح ~~لما تركنا «1» . # «ويتوب الله على من يشاء» حتى يكون استقلاله بمحول الأحوال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 16] # أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون ~~الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16) PageV02P012 # من ظن أنه يقنع منه بالدعوى- دون التحقق ms0439 بالمعنى- فهو على غلط فى حسبانه. # والذي طالبهم به من حيث الأمر صدق المجاهدة فى الله، وترك الركون إلى غير ~~الله، والتباعد عن مساكنة أعداء الله.. ثقة بالله، واكتفاء بالله، وتبريا ~~من غير الله. # وهذا الذي أمرهم به ألا يتخذوا من دون المؤمنين وليجة فالمعنى فيه: ألا ~~يفشوا فى الكفار أسرار المؤمنين. # وأول من يهجره المسلم- لئلا تطلع على الأسرار- نفسه التي هى أعدى عدوه، ~~وفى هذا المعنى قال قائلهم: # كتابى إليكم بعد موتى بليلة ... ولم أدر أنى بعد موتى أكتب # ويقال: إن أبا يزيد «1» - فيما أخبر عنه- أنه قال للحق فى بعض أوقات ~~مكاشفاته: # كيف أطلبك؟ فقال له: فارق نفسك. # ويقال إن ذلك لا يتم، بل لا تحصل منه شظية إلا بكى عروق الأطماع ~~والمطالبات لما فى الدنيا ولما فى العقبى ولما فى رؤية الحال والمقام- ولو ~~بذرة. والحرية عزيزة «2» .. # قال قائلهم: # أتمنى على الزمان محالا ... أن ترى مقلتاى طلعة حر # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 17] # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك ~~حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) PageV02P013 # «1» # عمارة المساجد بإقامة العبادة فيها، والعبادة لا تقبل إلا بالإخلاص، ~~والمشرك فاقد الإخلاص، وشهادتهم على أنفسهم بالكفر دعواهم حصول بعض الحدثان ~~بتأثير الأسباب، فمن أثبت فى عقده جواز ذرة فى العالم من غير تقديره- ~~سبحانه- شارك أرباب الشرك فى المعنى الذي لزمتهم به هذه السمة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 18] # إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (18) # لا تكون عمارة المساجد إلا بتخريب أوطان البشرية، فالعابد يعمرها بتخريب ~~أوطان شهوته، والزاهد يعمرها بتخريب أوطان منيته، والعارف يعمرها بتخريب ~~أوطان علاقته، والموحد يعمرها بتخريب أوطان ملاحظته ومساكنته. وكل واحد ~~منهم واقف فى صفته فلصاحب كل موقف منهم وصف مخصوص. # وكذلك رتبتهم فى الإيمان مختلفة فإيمان من حيث البرهان، وإيمان من حيث ~~البيان، وإيمان من حيث العيان، وشتان ما هم! قال قائلهم: # لا تعرضن ms0440 بذكرنا فى ذكرهم ... ليس الصحيح- إذا مشى- كالمقعد # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 19] # أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ~~وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (19) ~~PageV02P014 # ليس من قام بمعاملة ظاهره كمن استقام فى مواصلة سرائره، ولا من اقتبس من ~~سراج علومه كمن استبصر بشموس معارفه، ولا من نصب بالباب من حيث الخدمة كمن ~~مكن من البساط من حيث القربة «1» ، وليس نعت من تكلف نفاقا كوصف من تحقق ~~وفاقا، بينهما بون بعيد! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 20] # الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة ~~عند الله وأولئك هم الفائزون (20) # «آمنوا» أي شاهدوا بأنوار بصائرهم حتى لم يبق فى سماء يقينهم سحاب ريب، ~~ولا فى هواء «2» معارفهم ضباب شك. # «وهاجروا» : فلم يعرجوا فى أوطان التفرقة فتمحضت «3» حركاتهم وسكناتهم ~~بالله لله. # «وجاهدوا» : لا على ملاحظة عوض أو مطالعة عوض فلم يدخروا لأنفسهم- من ~~ميسورهم- شيئا إلا آثروا الحق عليه فظفروا بالنعمة فى قيامهم بالحق بعد ~~فنائهم عن الخلق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 21 الى 22] # يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (21) خالدين فيها ~~أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22) PageV02P015 # البشارة من الله تعالى على قسمين: بشارة بواسطة الملك، عند التوفى: # «تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة» «1» . # وبشارة بلا واسطة بقول الملك، إذ يبشرهم ربهم برحمة منه، وذلك عند ~~الحساب. # يبشرهم بلا واسطة بحسن التولى فعاجل بشارتهم بنعمة الله، وآجل بشارتهم ~~برحمة الله، وشتان ما هما! ويقال البشارة بالنعمة والجنة لأصحاب الإحسان، ~~والبشارة بالرحمة لأرباب العصيان، فأصحاب الإحسان صلح أمرهم للشهرة فأظهر ~~أمرهم للملك حتى بشروهم جهرا، وأهل العصيان صلح حالهم للستر فتولى بشارتهم- ~~من غير واسطة- سرا. # ويقال إن كانت للمطيع بشارة بالاختصاص فإن للعاصى بشارة بالخلاص. وإن كان ~~للمطيع بشارة بالدرجات فإن للعاصى بشارة بالنجاة. # ويقال إن القلوب مجبولة على محبة من يبشر بالخير فأراد الحق- سبحانه- أن ~~تكون محبة العبد له- سبحانه- على الخصوص ms0441 فتولى بشارته بعزيز خطابه من غير ~~واسطة، فقال: يبشرهم ربهم برحمة منه» وفى معناه أنشدوا: # لولا تمتع مقلتى بلقائه ... لوهبتها بشرى بقرب إيابه # ويقال بشر العاصي بالرحمة، والمطيع بالرضوان، ثم الكافة بالجنة فقدم ~~العاصي فى الذكر، وقدم المطيع بالبر، فالذكر قوله وهو قديم والبر طوله وهو ~~عميم. وقوله الذي لم يزل أعز من طوله الذي حصل. قدم العصاة على المطيعين ~~لأن ضعف الضعيف أولى بالرفق من القوى. # ويقال (قدم أمر العاصي بالرحمة حتى إذا كان يوم العرض وحضور الجمع لا ~~يفتضح العاصي) «2» . # ويقال «يبشرهم ربهم برحمته» يعرفهم أنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من ~~تلك الدرجات PageV02P016 # بسعيهم وطاعتهم، ولكن برحمته- سبحانه- وصلوا إلى نعمته، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد ينجيه عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول ~~الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدنى الله برحمته» «1» . # قوله: «لهم فيها نعيم مقيم» : قوم نعيمهم عطاء ربهم على وصف التمام، وقوم ~~نعيمهم لقاء ربهم على نعت الدوام فالعابدون لهم تمام عطائه، والعارفون لهم ~~دوام لقائه. # ثم قال: «خالدين فيها أبدا» والكناية فى قوله «فيها» كما ترجع إلى الجنة ~~تصلح أن ترجع إلى الحالة، سيما وقد ذكر الأجر بعدها فكما لا يقطع عطاءه ~~عنهم فى الجنة لا يمنع عنهم لقاءه متى شاءوا فى الجنة، قال تعالى: «لا ~~مقطوعة ولا ممنوعة» «2» أي لا مقطوعة عنهم نعمته، ولا ممنوعة منهم رؤيته. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 23] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر ~~على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) # من لم يصلح بطاعته لربه لا تستخلصه لصحبة نفسك. # ويقال من آثر على الله شيئا يبارك له فيه فيبقى بذلك عن الله، ثم لا يبقى ~~ذلك معه، فإن استبقاه بجهده- كيف يستبقى حياته إذا أذن الله فى ذهاب أجله؟ ~~وفى معناه أنشدوا: # من لم تزل نعمته قبله ... زال مع النعمة بالموت # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 24] # قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ms0442 وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24) ~~PageV02P017 # ليس هذا تخييرا لهم، ولا إذنا فى إيثار الحظوظ على الحقوق، ولكنه غاية ~~التحذير والزجر عن إيثار شىء من الحظوظ على الدين، ومرور الأيام حكم عدل ~~يكشف فى العاقبة عن أسرار التقدير، قال قائلهم: # سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار؟ # ويقال علامة الصدق فى التوحيد قطع العلاقات، ومفارقة العادات، وهجران ~~المعهودات والاكتفاء بالله فى دوام الحالات. # ويقال من كسدت سوق دينه كسدت أسواق حظوظه، وما لم تخل منك منازل الحظوظ ~~لا تعمر بك مشاهد الحقوق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 25] # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) # النصرة من الله تعالى فى شهود القدرة، والمنصور من عصمه الله عز وجل عن ~~التوهم والحسبان، ولم يكله إلى تدبيره فى الأمور، وأثبته الحق- سبحانه- فى ~~مقام الافتقار متبريا عن الحول والمنة، متحققا بشهود تصاريف القدرة، يأخذ ~~الحق- سبحانه- بيده فيخرجه عن مهواة تدبيره، ويوقفه على وصف التصبر لقضاء ~~تقديره. # قوله جل ذكره: ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين. # يعنى نصركم يوم حنين حين تفرق أكثر الأصحاب، وافترت أنياب الكرة عن نقاب ~~القهر فاضطربت القلوب، وخانت القوى أصحابها، ولم تغن عنكم كثرتكم، فاستخلص ~~الله أسراركم- عند صدق الرجوع إليه- بحسن السكينة النازلة عليكم، فقلب الله ~~الأمر على # PageV02P018 # الأعداء، وخفقت رايات النصرة، ووقعت الدائرة على الكفار، وارتدت الهزيمة ~~عليهم فرجعوا صاغرين. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 26] # ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب ~~الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) # السكينة ثلج القلب عند جريان حكم الرب بنعت الطمأنينة، وخمود آثار ~~البشرية بالكلية، والرضاء بالبادى من الغيب من غير معارضة اختيار. # ويقال السكينة القرار على بساط ms0443 الشهود بشواهد الصحو، والتأدب بإقامة صفات ~~العبودية من غير لحوق مشقة، وبلا تحرك عرق لمعارضة حكم. والسكينة «1» ~~المنزلة على «المؤمنين» خمودهم تحت جريان ما ورد من الغيب من غير كراهة ~~بنوازع البشرية، واختطاف الحق إياهم عنهم حتى لم تستفزهم رهية من مخلوق ~~فسكنت عنهم كل إرادة واختيار. # «وأنزل جنودا لم تروها» من وفور اليقين وزوائد الاستبصار. # «وعذب الذين كفروا» بالتطوح «2» فى متاهات التفرقة، والسقوط فى وهدة «3» ~~ضيق التدبير، ومحنة الغفلة، والغيبة عن شهود التقدير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 27] # ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (27) # ردهم من الجهل إلى حقائق العلم، ثم نقلهم من تلك المنازل إلى مشاهد ~~اليقين، ثم رقاهم عن تلك الجملة بما لقاهم به من عين الجمع. PageV02P019 # قوله جل ذكره ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 28] # يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم ~~حكيم (28) # فقدوا طهارة الأسرار بماء التوحيد فبقوا فى قذورات الظنون والأوهام، ~~فمنعوا قربان المساجد التي هى مشاهد القرب. وأما المؤمنون فطهرهم عن التدنس ~~بشهود الأغيار، فطالعوا الحق فردا فيما يبينه من الأمر ويمضيه من الحكم. # قوله جل ذكره: وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله ~~عليم حكيم توقع الأرزاق من الأسباب من قضايا انغلاق باب التوحيد، فمن لم ~~يفرد معبوده بالقسمة بقي فى فقر مسرمد. # ويقال من أناخ بعقوة كرم مولاه، واستمطر سحاب جوده أغناه عن كل سبب، ~~وكفاه كل تعب، وقضى له كل سؤل وأرب، وأعطاه من غير طلب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 29] # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون (29) # من استوجب الهوان لا ينجيك من شره غير ما يستحقه من الإذلال على صغره، ~~ومن داهن عدوه فبالحرى أن ms0444 يلقى سوءه. # ومن أشد الناس لك عداوة، وأبعدهم عن الإيمان- نفسك المجبولة على الشر فلا ~~تقلع إلا بذبحها بمدية المجاهدات. وهى لا تؤمن بالتقدير، ولا يزول شكها قط، ~~وكذلك تخلد إلى التدبير «1» ، PageV02P020 # ولا تسكن إلا بوجود المعلوم «1» ، ولا تقبل منك إلا كاذب المواعيد، ولذلك ~~قالوا وأكذب النفس إذا حدثتها فإن صدق القول يذرى بالأمل قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 30] # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم ~~بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30) # لو كان هذا فى تخاطب المخلوقين لكان عين الشكوى والشكوى إلى الأحباب تشير ~~إلى تحقق الوصلة. # شكا إليهم ما حصل من قبيح أعمالهم، وكم بين من تشكو منه وبين من تشكو ~~إليه!! قوله جل ذكره: يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون الكفار قبلهم جحدوا الربوبية، وهؤلاء أقروا بالله، ثم لما أثبتوا له ~~الولد نقضوا ما أقروا به من التوحيد، فصاروا كالكفار قبلهم. # ويحتمل أن تكون مضاهاة قولهم فى وصف المعبود بأن عيسى ابنه وعزيرا ابنه ~~كقول الكفار قبلهم إن الملائكة بنات الله. # ويقال لما وصفوا المعبود بما يتعالى عن قولهم لم ينفعهم صدقهم فى الإقرار ~~بربوبيته مما أضافوا إليه من سوء القالة. وكل من أطلق فى وصفه ما يتقدس- ~~سبحانه- عنه فهو للأعداء مشاكل فى استحقاق الندم والتوبيخ. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 31] # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) PageV02P021 # كما لا تجوز مجاوزة الحد فى وضع القدر لا تجوز مجاوزة الحد فى رفع القدر، ~~وفى الخبر: # «أمرنا أن ننزل الناس منازلهم» فمن رأى من المخلوقين شظية من الإبداع ~~أنزلهم منزلة الأرباب، وذلك- فى التحقيق- شرك، وما أخلص فى التوحيد من لم ~~ير جميع الحادثات بصفاتها ( ### | .... # ) «1» من الله. # «وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا: فمن رفع فى عقده مخلوقا فوق قدره فقد ~~أشرك بربه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية ms0445 # 32] # يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون (32) # من رام أن يستر شعاع الشمس بدخان يوجهه من نيرانه، أو عالج أن يمنع حكم ~~السماء بحيلته وتدبيره، أو يسقط نجوم الفلك بسهام قوسه- أظهر رعونته ثم لم ~~يحظ بمراده. # كذلك من توهم أن سنة التوحيد يعلوها وهج الشبه فقد خاب فى ظنه، وافتضح فى ~~وهمه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 33] # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (33) # أزاح العلل بما ألاح من الحجج، وأزال الشبه بما أفصح من النهج فشموس الحق ~~طالعة، وأدلة الشرع لامعة، كما قالوا: # هى الشمس إلا أن للشمس غيبة وهذا الذي نعنيه ليس يغيب قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 34] # يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) PageV02P022 # العالم إذا ارتفق بأموال الناس عوضا عما يعلمهم زالت بركات علمه، ولم يطب ~~فى طريق الزهد مطعمه. # والعارف إذا انتفع بخدمة المريد، أو ارتفق بشىء من أحواله وأعماله زالت ~~آثار همته، ولم تجد فى حكم التوحيد حالته. # قوله جل ذكره: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ~~فبشرهم بعذاب أليم. # لهم فى الآجل عقوبة. والذين لا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة فلهم ~~فى العاجل حجبة. وقليل من عباده من سلم من الحجاب فى محتضره والعقاب فى ~~منتظره «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 35] # يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) # لما طلبوا الجاه عند الخلق بمالهم، وبخلوا بإخراج حق الله عنه شان ~~وجوههم. # ولما أسندوا ظهورهم إلى أموالهم. قال تعالى: «فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم» . # ويقال: لما (عبسوا) فى وجوه العفاة «2» وعقدوا حواجبهم وضعت الكية على ~~تلك الجباه المقبوضة عند رؤية الفقراء، ولما طووا كشحهم دون ms0446 الفقراء- إذا ~~جالسوهم- وضع المكواة على جنوبهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 36] # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات ~~والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا ~~المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) ~~PageV02P023 # لما علم أنهم لا يداومون على ملازمة القرب أفرد بعض الشهور بالتفضيل، ~~ليخصوها باستكثار الطاعة فيها. فأما الخواص من عباده فجميع الشهور لهم ~~شعبان ورمضان، وكذلك جميع الأيام لهم جمعة، وجميع البقاع «1» لهم مسجد ### | .... # وفى معناه أنشد بعضهم. # يا رب إن جهادى غير منقطع وكل أرض لى ثغر طرسوس قوله جل ذكره: فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع ~~المتقين # قال للعوام: لا تظلموا فى بعض الشهور أنفسكم، يعنى بارتكاب الزلة. وأما ~~الخواص فمأمورون ألا يظلموا فى جميع الشهور قلوبهم باحتقاب الغفلة «2» . # ويقال: الظلم على النفس أن يجعل العبد زمامه بيد شهواته، فتورده مواطن ~~الهلاك. # ويقال: الظلم على النفس بخدمة المخلوقين بدل طاعة الحق. # ويقال: من ظلم على قلبه بالمضاجعات امتحن بعدم الصفوة فى مرور الأوقات. # «وقاتلوا المشركين كافة» : ولا سلاح أمضى على العدو من تبريك عن حولك ~~وقوتك. PageV02P024 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 37] # إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه ~~عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم ~~والله لا يهدي القوم الكافرين (37) # «1» الدين ملاحظة الأمر ومجانبة الوزر وترك التقدم «2» بين يدى الله ~~سبحانه- في جميع أحكام الشرع، فالآجال فى الطاعات مضروبة، والتوفيق فى ~~عرفانه متبع، والصلاح فى الأمور بالإقامة على نعت العبودية فالشهر ما سماه ~~الله شهرا، والعام والحول ما أعلم الخلق أنه قدر ما بينه شرعا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 38] # يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ~~إلا قليل ms0447 (38) # عاتبهم على ترك البدار عند توجيه الأمر، وانتهاز فرصة الرخصة. # وأمرهم بالجد فى العزم، والقصد فى الفعل فالجنوح إلى التكاسل، والاسترواح ~~إلى التثاقل أمارات ضعف الإيمان إذ الايمان غريم ملازم لا يرضى من العبد ~~بغير ممارسة الأشق، وملابسة الأحق. # قوله «أرضيتم بالحياة الدنيا» : وهل يجمل بالعابد أن يختار دنياه على ~~عقباه؟ # وهل يحسن بالعارف أن يؤثر هواه على رضا مولاه؟ وأنشدوا PageV02P025 # أيجمل بالأحباب ما قد فعلوا ... مضوا وانصرفوا يا ليتهم قفلوا # إن غيبة يوم للزاهد عن الباب تعدل شهورا، وغيبة لحظة للعارف عن البساط ~~تعدل دهورا، وأنشدوا: # الإلف لا يصبر عن إلفه ... أكثر من طرفة عين # وقد صبرنا عنكم ساعة ... ما هكذا فعل محبين # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 39] # إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله ~~على كل شيء قدير (39) # العذاب الأليم إذا أعرض العبد عن الطاعة ألا يبعث وراءه من جنود التوفيق ~~ما يرده إلى الباب. # العذاب الأليم أن يسلبه حلاوة النجوى إذا آب. # العذاب الأليم الصدود يوم الورود، وقيل: # واعدونى بالوصال- والوصال عذب- ورمونى بالصدود والصد صعب العذاب الأليم ~~الوعيد بالفراق، فأما نفس الفراق فهو تمام التلف، وأنشدوا: # وزعمت أن البين منك غدا ... هدد بذلك من يعيش غدا # قوله: «ويستبدل قوما غيركم» يصرف ما كان من إقباله عليه إلى غيره من ~~أشكاله، وليس كل من حفر بئرا يشرب من معينها، وأنشدوا: # تسقى رياحين الحفاظ مدامعى ... وسواى فى روض التواصل يرتع # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 40] # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده ~~بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله ~~عزيز حكيم (40) # PageV02P026 # من عزيز تلك النصرة أنه لم يستأنس بثانيه الذي كان معه بل رد الصديق إلى ~~الله، ونهاه عن مساكنته إياه، فقال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ # قال تعالى: «إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن ms0448 الله معنا» . # ويقال من تلك النصرة إبقاؤه إياه فى كشوفاته فى تلك الحالة، ولولا نصرته ~~لتلاشى تحت سطوات كشفه. # ويقال كان- عليه السلام- أمان أهل الأرض على الحقيقة، قال تعالى: # «وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم» «1» ، وجعله- فى الظاهر- فى أمان ~~العنكبوت حين نسج خيطه على باب الغار فخلصه من كيدهم. # ويقال لو دخل هذا الغار لا نشق نسيج العنكبوت.. فيا عجبا كيف ستر قصة ~~حبيبه- صلوات الله عليه وعلى آله وسلم؟! ويقال صحيح ما قالوا: للبقاع دول، ~~فما خطر ببال أحد أن تلك الغار تصير مأوى ذلك السيد- صلى الله عليه وسلم! ~~ولكنه يختص بقسمته ما يشاء كما يختص برحمته من يشاء. # ويقال ليست الغيران «2» كلها مأوى الحيات، فمنها ما هو مأوى الأحباب. ~~ويقال علقت قلوب قوم بالعرش فطلبوا الحق منه، وهو تعالى يقول: # «إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا» فهو سبحانه- وإن تقدس عن كل مكان- ~~ولكن فى هذا الخطاب حياة لأسرار أرباب المواجيد، وأنشدوا: # يا طالب الله فى العرش الرفيع به ... لا تطلب العرش إن المجد فى الغار # وفى الآية دليل على تحقيق صحبة الصديق- رضى الله عنه- حيث سماه الله ~~سبحانه صاحبه، وعده ثانيه، فى الايمان ثانيه، وفى الغار ثانيه ثم فى القبر ~~ضجيعه، وفى الجنة يكون رفيقه. PageV02P027 # قوله جل ذكره: فأنزل الله سكينته عليه الكناية فى الهاء من «عليه» تعود ~~إلى الرسول عليه السلام، ويحتمل أن تكون عائدة إلى الصديق رضى الله عنه، ~~فإن حملت على الصديق تكون خصوصية له من بين المؤمنين على الانفراد، فقد قال ~~عز وجل لجميع المؤمنين: «هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين» «1» . # وقال للصديق- على التخصيص- فأنزل الله سكينته عليه، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الله يتجلى للناس عامة ويتجلى لأبى بكر خاصة» «2» . # وإنما كان حزن الصديق ذلك اليوم لأجل الرسول- صلى الله عليه وسلم- إشفاقا ~~عليه.. لا لأجل نفسه. ثم إنه- عليه السلام- نفى حزنه وسلاه بأن قال: «لا ~~تحزن إن الله معنا» ، وحزن لا يذهب إلا لمعية الحق لا يكون إلا «لحق الحق» ~~«3» . # قوله جل ذكره: وأيده بجنود ms0449 لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة ~~الله هي العليا والله عزيز حكيم يريد به النبي صلى الله عليه وسلم. وتلك ~~الجنود وفود زوائد اليقين على أسراره بتجلى الكشوفات. # «وجعل كلمة الذين كفروا السفلى» بإظهار حجج دينه، وتمهيد سبل حقه ويقينه ~~فرايات الحق إلى الأبد عالية، وتمويهات الباطل واهية، وحزب الحق منصورون، ~~ووفد الباطل مقهورون. PageV02P028 # ويقال لما خلا الصديق بالرسول عليه السلام فى الغار، وأشرقت على سره ~~أنوار صحبة الرسول عليه السلام، ووقع عليه شعاع أنواره، واشتاق إلى الله ~~تعالى لفقد قراره- أزال عنه لواعجه بما أخبره من قربه- سبحانه- فاستبدل ~~بالقلق سكونا، وبالشوق أنسا، وأنزل عليه من السكينة ما كاشفه به من شهود ~~الهيبة. # ويقال كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- ثانى اثنين فى الظاهر بشبهه «1» ~~ولكن كان مستهلك الشاهد فى الواحد بسره. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 41] # انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون (41) # أمرهم بالقيام بحقه، والبدار إلى أداء أمره فى جميع أحوالهم. # «خفافا» يعنى فى حال حضور قلوبكم، فلا يمسكم نصب المجاهدات. # «وثقالا» إذا رددتم إليكم فى مقاساة تعب المكابدات. فإن البيعة أخذت ~~عليكم فى ( ... ) «2» و ( ... ) «3» . # ويقال «خفافا» إذا تحررتم من رق المطالبات والاختيار، «وثقالا» إذا كان ~~على قلوبكم ثقل الحاجات، وأنتم تؤملون قضاء الحق ماربكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 42] # لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون ~~بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42) ~~PageV02P029 # يريد به المتخلفين عنه فى غزوة «تبوك» ، بين سبحانه أنه لو كانت المسافة ~~قريبة، والأمر هينا لما تخلفوا عنك لأن من كان غير متحقق فى قصده كان غير ~~بالغ فى جهده، يعيش على حرف، ويتصرف بحرف، فإن أصابه خير اطمأن به وإن ~~أصابته فتنة انقلب على وجهه. وقال تعالى: «فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله ~~لكان خيرا لهم» «1» . # فإذا رأيت المريد يتبع الرخص ويجنح إلى الكسل، ويتعلل بالتأويلات.. فاعلم ~~أنه منصرف عن الطريق، متخلف عن ms0450 السلوك، وأنشدوا: # وكذا الملول إذا أراد قطيعة ... مل الوصال وقال: كان وكانا # ومن جد فى الطلب لم يعرج فى أوطان الفشل، ويواصل السير والسرى، ولا يحتشم ~~من مقاساة الكد والعناء، وأنشدوا: # ثم قطعت الليل فى مهمة ... لا أسدا أخشى ولا ذيبا # يغلبنى شوقى فأطوى السرى ... ولم يزل ذو الشوق مغلوبا # قوله: «وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم» : يمين ~~المتعلل والمتأول يمين فاجرة تشهد بكذبها عيون الفراسة، وتنفر منها القلوب، ~~فلا تجد من القلوب محلا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 43] # عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43) # لم يكن منه صلى الله عليه وسلم خرق حد أو تعاطى محظور، وإنما (تذر) «2» ~~منه ترك ما هو الأولى. قدم الله ذكر العفو على الخطاب الذي هو فى صورة ~~العتاب بقوله: «لم أذنت لهم» . # أو من جواز الزلة على الأنبياء- عليهم السلام- إذ لم يكن ذلك فى تبليغ ~~أمر PageV02P030 # أو تمهيد شرع (بقول قائله أنشدوا بالعفو قبل أن وقف للعذر) «1» وكذا سنة ~~الأحباب مع الأحباب، قال قائلهم: # ما حطك الواشون عن رتبة ... عندى ولا ضرك مغتاب # كأنهم أثنوا- ولم يعلموا- ... عليك عندى بالذي عابوا # ويقال حسنات الأعداء- وإن كانت حسنات- فكالمردودة، وسيئات الأحباب- وإن ~~كانت سيئات- فكالمغفورة: # من ذا يؤاخذ من يحب بذنبه ... وله شفيع فى الفؤاد مشفع # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 44] # لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~والله عليم بالمتقين (44) # المخلص فى عقده غير مؤثر شيئا على أمره، ولا يدخر مستطاعا فى استفراغ ~~وسعه، وبذل جهده، ومقاساة كده، واستعمال جده. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 45] # إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ~~ريبهم يترددون (45) # من رام عن عهدة الإلزام خروجا انتهز للتأخير والتخلف فرصة لعدم إيمانه ~~وتصديقه، ولاستمكان الريبة من قلبه وسره. أولئك الذين يتقلبون فى ريبهم، ~~ويترددون فى شكهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 46] # ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ms0451 وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين (46) # أي لو صدقوا فى الطاعة لاستجابوا ببذل الوسع والطاقة، ولكن سقمت إرادتهم، ~~فحصلت دون الخروج بلادتهم، وكذلك قيل: # لو صح منك الهوى أرشدت للحيل PageV02P031 # قوله جل ذكره: ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ~~ألزمهم الخروج من حيث التكليف، ولكن ثبتهم فى بيوتهم بالخذلان فبالإلزام ~~دعاهم، وبأمر التكوين أقصاهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 47] # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم ~~سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) # أخبر عن سابق علمه بهم، وذكر ما علم أنه لا يكون أن لو كان كيف يكون ~~فقال: # ولو ساعدوكم فى الخروج لكان ما يلحقكم من سوء سيرتهم فى الفتنة بينكم، ~~والنميمة فيكم، والسعى فيما يسوؤكم أكثر مما نالكم بتخلفهم من نقصان عددكم. ~~ومن ضرره أكثر من نفعه فعدمه خير من وجوده، ومن لا يحصل منه شىء غير شروره ~~فتخلفه أنفع من حضوره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 48] # لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله ~~وهم كارهون (48) # إنهم وإن أظهروا وفاقكم فقد استبطنوا نفاقكم أعلنوا أنهم يؤازرونكم ولكن ~~راموا بكيدهم تشويش أموركم، حتى كشف الله عوراتهم، وفضحهم، حتى تحذرتم منهم ~~بما تحققتم من أسرارهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 49] # ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين (49) # PageV02P032 # أبرزوا قبيح فعالهم فى معرض التخرج، وراموا أن يلبسوا على الرسول- صلى ~~الله وسلم وعلى آله- وعلى المسلمين خبث «1» سيرتهم وسريرتهم، فبين الله أن ~~الذين ( ... ) » # بزعمهم سقطوا فيه بفعلهم، وكذلك المتجلة بما يهواه متطوح فى وادي بلواه، ~~وسيلقى فى الآخرة من الهوان ما يغني عن الحاجة إلى البرهان. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 50] # إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا ~~وهم فرحون (50) # هكذا صفة الحسود، يتصاعد أنين قلبه عند شهود الحسنى، ولا يسر قلبه غير ~~حلول البلوى، ولا دواء، لجروح الحسود فإنه ms0452 لا يرضى بغير زوال النعمة ولذا ~~قالوا: # كل العداوة قد ترجى إماتتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد # وإن الله تعالى عجل عقوبة الحاسد، وذلك: حزن قلبه بسلامة محسوده فالنعمة ~~للمحسود نقد والوحشة للحاسد نقد «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 51] # قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~(51) # المؤمن لا تلحقه شماتة عدوه لأنه ليس يرى إلا مراد وليه، فهو يتحقق أن ما ~~يناله مراد مولاه فيسقط عن قلبه ما يهواه، ويستقبله بروح رضاه فيعذب عنده ~~ما كان يصعب من بلواه، وفى معناه أنشدوا: # إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح- إذا أرضاكم- ألم PageV02P033 # ويقال شهود جريان التقدير يخفف على العبد تعب كل عسير. # قوله: «هو مولانا» : تعريف للعبد أن له- سبحانه- أن يفعل ما يريد، لأنه ~~تصرف مالك الأعيان فى ملكه، فهو يبدى ويجرى ما يريد بحق حكمه. # ثم قال: «وعلى الله فليتوكل المؤمنون» : وأول التوكل الثقة بوعده، ثم ~~الرضا باختياره، ثم نسيان أمورك بما يغلب على قلبك من أذكاره. # ويقال التوكل سكون السر عند حلول الأمر ونهاية التفويض، وفيها يتساوى ~~الحلو والمر، والنعمة والمحنة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 52] # قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب ~~من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون (52) # بين الله فى هذه الآية الفرق بين المؤمنين وبين الكفار، فقال قل للذين ~~ينتظرون: # أيها الكفار (إن كان «1» ) من شأن المؤمنين وقوع الدائرة عليهم فى ~~القتال، أو أن القتل ينالهم فأى واحد من الأمرين ينالهم فهو لهم من الله ~~نعمة لأنا إن ظفرنا بكم فنصر وغنيمة، وعز للدين ورفعة، وإن قتلنا فشهادة ~~ورحمة، ورضوان من الله وزلفى. وإن كان الذي يصيبنا فى الدنيا هزيمة ونكبة، ~~فذلك موجب للأجر والمثوبة، فإذا لن يستقبلنا إلا ما هو حسني ونعمة. # وأما أنتم، فإن ظفرنا بكم فتعجيل لذلكم ومحنة، وإن قتلتم فعقوبة من الله ~~وسخطة، وإن كانت اليد لكم فى الحال فخذلان من الله، وسبب ms0453 عذاب وزيادة نقمة. # ويقال «هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين» إما قيام بحق الله فى الحال ~~فنكون بوصف الرضاء وهو- فى التحقيق- الجنة الكبرى، وإما وصول إلى الله ~~تعالى فى المآل بوصف الشهادة، ووجدان الزلفى فى العقبى وهى الكرامة العظمى. ~~PageV02P034 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 53] # قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (53) # المردود لا يقبل منه توصل «1» ، ولا يغير حكم شقاوته بتكثير التكلف ~~والتعمل. # ويقال تقرب العدو يوجب زيادة المقت له، وتحبب الحبيب يقتضى زيادة العطف ~~عليه، قال تعالى: «فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات» «2» قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 54] # وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون ~~الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) # فقدوا الإخلاص فى أموالهم فعدموا الاختصاص فى أحوالهم، وحرموا الخلاص فى ~~عاجلهم وفى مآلهم. # قوله: «ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى» : من أطاع من حيث العادة- من غير ~~أن تحمله عليها لوعة الإرادة- لم يجد لطاعته راحة وزيادة. # ويقال من لاحظ الخلق فى الجهر من أعماله، وركن إلى الكسل فى السر من ~~أحواله فقد وسم بالخذلان، وختم بالحرمان، وهذه هى أمارة الفرقة والقطيعة، ~~قال تعالى: «ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين» «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 55] # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55) . PageV02P035 # بين أن ما حسبوه نعمة واعتدوه من الله منة فهو- فى التحقيق- محنة، وسبب ~~شقاء وفرقة، وإنما دس التقدير لهم سموم الصاب، فيما استلذوه من الشراب ~~«أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون» ~~«1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 56] # ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) # التقرب بالأيمان الفاجرة لا يوجب للقلوب إلا بعدا عن القبول. # ويقال إن إظهار التلبيس لا ( ... ) «2» الأسرار برد السكون، ولا يشفى ~~البصائر برد الثقة واليقين.. فما لا يكون فلا يكون بحيلة أبدا، وما هو كائن ~~سيكون. # قوله ms0454 جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 57] # لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57) # إن المماذق «3» فى الخلة ينسل عن سلكها بأضعف خلة، وإن وجد مهربا آوى ~~إليه، ويأمل أن ينال فرصة ما يتعلل بها عند ذلك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 58] # ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم ~~يسخطون (58) # أولئك أصحاب الأطماع يتملقون فى الظاهر ما دامت الأرفاق واصلة إليهم، فإن ~~انقطعت انقلبوا كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة. # ويقال من كان رضاؤه يوجدان سبب، وسخطه فى عدم ما يوصله إلى نصيبه فهو ليس ~~من أهل الولاء، إنما هو قائم بحظه، غير صالح للصحبة، وأما المتحقق فكما ~~قيل: # فسرت إليك فى طلب المعالي ... وسار سواى فى طلب المعاش # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 59] # ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) PageV02P036 # لو وقفوا مع الله بسر الرضا لأتتهم فنون العطاء وتحقيقات المنى، ولحفظوا ~~مع الله- عند الوجدان «1» - ما لهم من الأدب، من غير معاناة تعب، ولا ~~مقاساة نصب.. ولكنهم عرجوا فى أوطان الطمع فوقعوا فى الذل والحرب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 60] # إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي ~~الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ~~(60) # «2» تكلم الفقهاء فى صفة الفقير، والفرق بينه وبين المسكين لما احتاجوا ~~إليه فى قسمة الزكاة المفروضة.. فأبو حنيفة رحمة الله عليه- يقول: المسكين ~~الذي لا شىء له. والفقير الذي له بلغة من العيش. # ويقول الشافعي رحمة الله عليه: الفقير الذي لا شىء له، والمسكين الذي له ~~بلغة من العيش- أي بالعكس. # وأهل المعرفة اختلفوا فيه فمنهم من قال بالأول، ومنهم من قال بالقول ~~الثاني، واختلافهم ليس كاختلاف الفقهاء وذلك لأن كل واحد منهم أشار إلى ما ~~هو حاله ووقته ووجوده وشربه ومقامه. فمن أهل المعرفة من رأى أن أخذ الزكاة ~~المفروضة أولى، قالوا ms0455 إن الله تعالى جعل ذلك ملكا للفقير، فهو أحل له مما ~~يتطوع به عليه. # ومنهم من قال: الزكاة المفروضة مستحقة لأقوام، ورأوا الإيثار على الإخوان ~~أولى من أن يزاحموا أرباب السهمان- مع احتياجهم أخذ الزكاة- وقالوا: نحن ~~آثرنا الفقر اختيارا. # فلم نأخذ الزكاة المفروضة؟ PageV02P037 # ثم على مقتضى أصولهم فى الجملة- لا فى أخذ الزكاة- للفقر مراتب: # أولها الحاجة ثم الفقر ثم المسكنة فذو الحاجة من يرضى بدنياه وتسد الدنيا ~~فقره، والفقير من يكتفى بعقباه وتجبر الجنة فقره، والمسكين من لا يرضى بغير ~~مولاه لا إلى الدنيا يلتفت، ولا بالآخرة يشتغل، ولا بغير مولاه يكتفى قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا، واحشرنى ~~فى زمرة المساكين» «1» وقال صلى الله عليه وسلم «أعوذ بك من الفقر» لأن ~~عليه بقية «2» فهو ببقيته محجوب عن ربه. # ويحسن أن يقال إن الفقر الذي استعاذ منه ألا يكون له منه شىء، والمسكنة ~~المطلوبة أن تكون له بلغة ليتفرغ بوجود تلك البلغة إلى العبادة لأنه إذا لم ~~تكن له بلغة شغله فقره عن أداء حقه، ولذلك استعاذ منه. # وقوم سمت همهم عن هذا الاعتبار- وهذا أولى بأصولهم- فالفقير الصادق عندهم ~~من لاسماء تظله ولا أرض تقله ولا معلوم يشغله، فهو عبد بالله لله، يرده إلى ~~التمييز فى أوان العبودية، وفى غير هذا الوقت فهو مصطلم عن شواهده، واقف ~~بربه، منشق عن جملته. # ويقال الفقير من كسرت فقاره- هذا فى العربية. # والفقير- عندهم «3» - من سقط اختياره، وتعطلت عنه دياره، واندرست- ~~لاستيلاء من اصطلمه- آثاره، فكأنه لم تبق منه إلا أخباره، وأنشدوا: # أما الرسوم فخبرت أنهم رحلوا قريبا ويقال المسكين هو الذي أسكنه حاله ~~بباب مقصوده، لا يبرح عن سدته، فهو معتكف بقلبه، لا يغفل لحظة عن ربه. ~~PageV02P038 # وأما «العاملون عليها» فعلى لسان العلم: من يتولى جمع الزكاة على شرائطها ~~المعلومة. # وعلى لسان الإشارة: أولى الناس بالتصاون عن أخذ الزكاة من صدق فى أعماله ~~لله، فإنهم لا يرجون على أعمالهم عوضا، ولا يتطلبون فى مقابلة أحوالهم ~~عرضا، وأنشدوا: # وما أنا بالباغى على الحب رشوة ms0456 ... قبيح هوى يرجى عليه ثواب «1» # وأما المؤلفة قلوبهم- على لسان العلم- فمن يستمال قلبه بنوع إرفاق معه، ~~ليتوفر فى الدين نشاطه فلهم من الزكاة سهم استعطافا لهم، وبيان ذلك مشهور ~~فى مسائل الفقه. # وحاشا أن يكون فى القوم «2» من يكون حضوره بسبب طمع أو لنيل ثواب أو ~~لرؤية مقام أو لاطلاع حال.. فذلك فى صفة العوام، فأما الخواص فكما قالوا. # من لم يكن بك فانيا عن حظه ... وعن الهوى والإنس والأحباب # أو تيمته صبابة جمعت له ... ما كان مفترقا من الأسباب. # فلأنه بين المراتب واقف ... لمنال حظ أو لحسن مآب «3» # قوله جل ذكره: وفي الرقاب وهم على لسان العلم: المكاتبون، وشرحه فى مسائل ~~الفقه معلوم. # وهؤلاء «4» لا يتحررون ولهم تعريج على سبب، أو لهم فى الدنيا والعقبى ~~أرب، فهم لا يستفزهم طلب، فمن كان به بقية من هذه الجملة فهو عبد لم يتحرر، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله: «المكاتب عبد ما بقي عليه ~~درهم، وأنشد بعضهم: # أتمنى على الزمان محالا ... أن ترى مقلتاى طلعة حر # قوله جل ذكره: والغارمين وهم على لسان العلم: من عليهم دين فى غير معصية. ~~PageV02P039 # وهؤلاء القوم لا يقضى عنهم ما لزمهم امتلاك الحق «1» ، ولهذا قيل المعرفة ~~غريم لا يقضى دينه. # قوله جل ذكره: وفي سبيل الله. # وعلى لسان العلم: من سلك سبيل الله وجب له فى الزكاة سهم على ما جاء ~~بيانه فى مسائل الفقه. # وفى هذه الطريقة: من سلك سبيل الله تتوجب عليه المطالبات فيبذل أولا ماله ~~ثم جاهه ثم نفسه ثم روحه.. وهذه أول قدم فى الطريق. # قوله جل ذكره: وابن السبيل وهو على لسان العلم: من وقع فى الغربة، وفارق ~~وطنه على أوصاف مخصوصة. # وعند القوم: إذا تغرب العبد عن مألوفات أوطانه فهو فى قرى «2» الحق ~~فالجوع طعامه، والخلوة مجلسه، والمحبة شرابه، والأنس شهوده، والحق- تعالى- ~~مشهوده. # قال تعالى: «وسقاهم ربهم شرابا طهورا» «3» : لقوم وعد فى الجنة، ولآخرين ~~نقد فى الوقت اليوم شراب المحاب وغدا شراب الثواب، وفى معناه أنشدوا: # ومقعد قوم ms0457 قد مشى من شرابنا ... وأعمى سقيناه ثلاثا فأبصرا # وأخرس لم ينطق ثلاثين حجة ... أدرنا عليه الكأس يوما فأخبرا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 61] # ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ~~(61) # عين العداوة بالمساوئ موكلة، وعين الرضا عن المعايب كليلة. # بسطوا اللائمة فى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعابوه بما هو أمارة ~~كرمه، ودلالة فضله، PageV02P040 # فقالوا: إنه بحسن خلقه يسمع ما يقال له، فقال عليه السلام: «المؤمن غر ~~كريم والمنافق خب لئيم» «1» قوله جل ذكره: قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ~~وقيل: من العاقل؟ قالوا: الفطن المتغافل. وفى معناه أنشدوا: # وإذا الكريم أتيته بخديعة ... ولقيته فيما تروم يسارع # فاعلم بأنك لم تخادع جاهلا ... إن الكريم- بفضله- يتخادع # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 62] # يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ~~(62) # أخبر أن من تزين للخلق، وتقرب إليهم وأدام رضاهم، واتبع فى ذلك هواهم، ~~فإن الله سبحانه يسقط به عن الخلق جاههم، ويشينهم فيما توهموا أنه يزينهم، ~~والذي لا يضيع ما كان لله، فأما ما كان لغير الله فوبال لمن أصابه، ومحال ~~ما طلبه. # ويقال إن الخلق لا يصدقونك وإن حلفت لهم، والحق يقبلك وإن تخلفت عنه ~~فالاشتغال بالخلق محنة أنت غير مأجور عليها، والإقبال على الحق نعمة أنت ~~مشكور عليها. # والمغبون من ترك ما يشكر عليه ويؤثر ما لا يؤجر عليه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 63] # ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك ~~الخزي العظيم (63) PageV02P041 # من كفر بالله وأشرك فى توحيده بإثبات موهوم استحق ما هو حق لله: تعجل ~~عقوبته فى الحال بالفرقة، وفى المال بالخلود فى الحرقة. # فليس كل من مني «1» بمصيبة يعلم ما ناله من المحنة، وأنشدوا: # غدا يتفرق أهل الهوى ... ويكثر ms0458 باك ومسترجع # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 64] # يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن ~~الله مخرج ما تحذرون (64) # ظنوا أن الحق- سبحانه- لا يفضحهم، فدلوا عليكم، وأنكروا ما انطوت عليه ~~سرائرهم، فأرخى «2» الله- سبحانه- عنان إمهالهم، ثم هتك الستر عن نفاقهم ~~ففضحهم عند أهل التحقيق، فتقنعوا بخمار الخجل، وكشف لأهل التحقيق مكامن ~~الاعتبار. ونعوذ بالله من عقوبة أهل الاغترار! «ومكروا ومكر الله والله خير ~~الماكرين» «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 65] # ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزؤن (65) # من استهان بالدين، ولم يحتشم من ترك حرمة الإسلام جعله الله فى الحال ~~نكالا، وسامه فى الآخرة صغرا وإذلالا، والحق- سبحانه- لا يرضى دون أن يذيق ~~العتاة بأسه، ويسقى كلا- على ما يستوجبه- كأسه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 66] # لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم ~~كانوا مجرمين (66) # لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم PageV02P042 # «1» # جرد العفو والعذاب من علة الجرم، وسبب الفعل من حجة العبد حيث أحال الأمر ~~على المشيئة.. إذ لو كان الموجب لعفوه أو تعذيبه صفة العبد لسوى بينهم عند ~~تساويهم فى الوصف، فلما اشتركوا فى الكفر بعد الإيمان، وعفا عن بعضهم وعذب ~~بعضهم دل على أنه يفعل ما يشاء، ويختص من يشاء بما يشاء «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 67] # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ~~ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (67) # المؤمن بالمؤمن يتقوى، والمنافق بالمنافق يتعاضد، وطيور السماء على ~~ألافها تقع. # فالمنافق لصاحبه أس «3» به قوامه، وأصل به قيامه بعينه على فساده، ويعمى ~~عليه طريق رشاده. # والمؤمن ينصر المؤمن ويبصره عيوبه، ويبغض لديه ويقبح- فى عينه- ذنوبه، ~~وهو على السداد ينجده، وعن الفساد يبعده. # قوله جل ذكره: ويقبضون أيديهم. # عن طلب الحوائج من الله تعالى قوله جل ذكره: نسوا الله فنسيهم. # جازاهم على نسيانهم، فسمى جزاء النسيان نسيانا.. تركوا طاعته، وآثروا ~~مخالفته، فتركهم وما اختاروه لأنفسهم، قال ms0459 تعالى: «وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون» . PageV02P043 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 68] # وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ~~ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) # وعدهم النار فى الآخرة، ولهم العذاب المقيم فى الحاضرة، فمؤجل عذابهم ~~الحرقة، ومعجله الفرقة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 69] # كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا ~~بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي ~~خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون (69) # يقال: سلكتم طريق من قبلكم من الكفار وأهل النفاق وقد كافأناهم. ويقال ~~الذين تقدموكم زادوا عليكم فكافأناهم كما نكافئ أهل الشقاق والنفاق فى كثرة ~~المدة وقوة العدة، والاستمتاع فى الدنيا، والاغترار بالانخراط فى سلك ~~الهوى.. ولكن لم تدم فى الراحة مدتهم، ولم تغن عنهم يوم الشدة عدتهم، وعما ~~قريب يلحق بكم ما لحق بالذين هم قبلكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 70] # ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب ~~مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (70) # PageV02P044 # ألم ينته إليهم خبر القرون الماضية، ونبأ الأمم الخالية كيف دمرنا عليهم ~~جمعهم، وكيف بددنا شملهم؟ قضينا فيهم بالعدل، وحكمنا باستئصال الكل، فلم ~~يبق منهم نافخ نار، ولم يحصلوا إلا على عار وشنار. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 71] # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن ~~الله عزيز حكيم (71) # يعين «1» بعضهم بعضا على الطاعات، ويتواصون بينهم بترك المحظورات فتحابهم ~~فى الله، وقيامهم بحق الله، وصحبتهم لله، وعداوتهم لأجل الله تركوا حظوظهم ~~لحق الله، وآثروا على هواهم رضاء الله. أولئك الذين عصمهم الله فى الحال، ~~وسيرحمهم فى المال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 72] # وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز ms0460 العظيم (72) # وعدهم جميعا الجنة، ومساكن طيبة، ولا يطيب المسكن إلا برؤية المحبوب، وكل ~~محب يطيب مسكنه برؤية محبوبه، ولكنهم مختلفون فى الهمم فمن مربوط بحظ مردود ~~إلى الخلق، ومن مجذوب بحق موصول بالحق، وفى الجملة الأمر كما يقال: ~~PageV02P045 # أجيراننا ما أوحش الدار بعدكم ... إذا غبتم عنها ونحن حضور! # ويقال قوم يطيب مسكنهم بوجود عطائه، وقوم يطيب مسكنهم بشهود لقائه، ~~وأنشدوا: # وإنى لأهوى الدار لا يستقر لى ... بها الود إلا أنها من دياركا # ثم قال: «ورضوان من الله أكبر» : وأمارة أهل الرضوان وجدان طعمه فهم فى ~~روح الأنس، وروح الأنس لا يتقاصر عن راحة دار القدس بل هو أتم وأعظم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 73] # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (73) # دعا نبينا- صلى الله عليه وسلم- كافة الخلق إلى حسن الخلق. # قال لموسى عليه السلام: «فقولا له قولا لينا» «1» . # وقال لنبينا- صلى الله عليه وسلم-: «واغلظ عليهم» «2» ويقال إنما قال هذا ~~بعد إظهار الحجج، وبعد ما أزاح عذرهم بأيام المهلة ففى الأول أمره بالرفق ~~حيث قال: «إنما أعظكم بواحدة» # «3» ، فلما أصروا واستكبروا أمره بالغلظة عليهم. والمجاهدة أولها اللسان ~~لشرح البرهان، وإيضاح الحجج والبيان، ثم إن حصل من العدو جحد بعد إزاحة ~~العذر، فبالوعيد والزجر، ثم إن لم ينجع الكلام ولم ينفع الملام فالقتال ~~والحرب وبذل الوسع فى الجهاد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 74] # يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا ~~بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك ~~خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في ~~الأرض من ولي ولا نصير (74) PageV02P046 # تستروا بأيمانهم فهتك الله أستارهم وكشف أسرارهم. # قوله: «ولقد قالوا كلمة الكفر» : وهى طعنهم فى نبوة رسول الله- صلى الله ~~عليه وسلم. وكل من وصف المعبود بصفات الخلق أو أضاف إلى الخلق ما هو من ~~خصائص نعت الحق فقد قال كلمة الكفر. # قوله جل ذكره: وهموا بما ms0461 لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله ~~من فضله أي أظهروا من شعار الكفر ما دل على جحدهم بقلوبهم بعد ما كانوا ~~يظهرون الموافقة والاستسلام وهموا بما لم ينالوا من قتل لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وما سولت أنفسهم أنه يخرج الأعز منها الأذل، وغير ذلك. # يقال تمنوا زوال دولة الإسلام فأبى الله إلا إعلاء أمرها. # ثم قال: «وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله» : أي ما عابوه إلا بما هو ~~أجل خصاله، فلم يحصلوا من ذلك إلا على ظهور شأنهم للكافة بما لا عذر لهم ~~فيه. # قوله جل ذكره: فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا ~~أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير وأقوى أركان ~~التوبة حل عقدة الإصرار عن القلب، ثم القيام بجميع حق الأمر على وجه ~~الاستقصاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 75 الى 76] # ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) ~~فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) # PageV02P047 # منهم من أكد العقد مع الله، ثم نقضه، فلحقه شؤم ذلك فبقى خالدا فى نفاقه. # ويقال تطلب إحسان ربه، وتقرب إليه بإبرام عهده فلما حقق الله مسئوله ~~واستجاب مأموله، فسخ ما أبرمه، وانسلخ عما التزمه، واستولى عليه البخل، فضن ~~بإخراج حقه، فلحقه شؤم نفاقه، بأن بقي إلى الأبد فى أسره. # وحد البخل- على لسان العلم- منع الواجب. وبخل كل أحد على ما يليق بحاله، ~~وكل من آثر شيئا من دون رضاء ربه فقد اتصف ببخله، فمن يبخل بماله تزل عنه ~~البركة حتى يئول إلى وارث أو يزول بحارث. ومن يبخل بنفسه ويتقاعس عن طاعته ~~تفارقه الصحة حتى لا يستمتع بحياته. والذي يبخل بروحه عنه يعاقب بالخذلان ~~حتى تكون حياته سببا لشقائه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 77] # فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون (77) # أعقبهم ببخلهم نفاقا فى قلوبهم، ويصح أعقبهم الله نفاقا ms0462 فى قلوبهم، وفى ~~الجملة: من نقض عهده فى نفسه رفض الود من أصله، وكل من أظهر فى الجملة خيرا ~~واستبطن شرا فقد نافق بقسطه. والمنافق فى الصف الأخير فى دنياه، وفى الدرك ~~الأسفل من النار فى عقباه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 78] # ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب (78) # خوفهم بعلمه كما خوفهم بفعله فى أكثر من موضع من كتابه. # و «سرهم» مالا يطلع عليه غير الله. # و «نجواهم» ما يتسارون بعضهم مع بعض. ويحتمل أن يكون ما لنفوسهم عليه ~~إشراف من خواطرهم» PageV02P048 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 79] # الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم ~~فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) # عابوا الذين قصرت أيديهم عن الإكثار فى الصدقة وجادوا بما وصلت إليه ~~أيديهم، فشكر الله سعى من أخلص فى صدقته بعد ما علم صدقه فيها. وقليل أهل ~~الإخلاص أفضل من كثير أهل النفاق. # ولما أوجدوا «1» المسلمين بسخريتهم وصف الله- سبحانه وتعالى- نفسه بما ~~يستحيل فى وصفه- على التحقيق- وهو السخرية بأحد.. تطبيبا لقلوب أوليائه، ~~فقد تقدس عن ذلك لعزة ربوبيته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 80] # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ~~ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80) # ختم القضايا بأنه لا يغفر لأهل الشرك والنفاق، فلا تنفعهم الوسائل، ولا ~~ينتعش منهم الساقط. # ويقال من غلبته شقوتنا لم ينفعه (تضرعه) «2» ودعوته. # ويقال صريع القدرة لا ينعشه الجهد والحيلة. PageV02P049 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 81] # فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا ~~يفقهون (81) # استحوذ عليهم سرورهم بتخلفهم، ولم يعلموا أن ثبورهم فى تأخرهم وما آثروه ~~من راحة نفوسهم على أداء حق الله، والخروج فى صحبة رسول الله- صلى الله ~~عليه وسلم، فنزع الله الراحة بما عاقبهم، وسيصلون سعيرا ms0463 فى الآخرة بما ~~قدموه من نفاقهم، وسوف يتحسرون ولات حين تحسر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 82] # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) # بدل الله مسرتهم بحسرة، وفرحتهم بترحة، وراحتهم بعبرة، حتى يكثر بكاؤهم ~~فى العقبى كما كثر ضحكهم فى الدنيا، وذلك جزاء من كفر بربه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 83] # فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) # يقول: بعد ما ظهرت خيانتهم، وتقرر كذبهم ونفاقهم، لا تنخذع بتملقهم، ولا ~~تثق بقولهم، ولا تمكنهم من صحبتك فيما يظهرونه من وفاقك «1» . فإذا وهن سلك ~~العهد فلا يحتمل بعده الشد، وإذا اتسع الخرق لا ينفع بعده الرقع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 84] # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا وهم فاسقون (84) PageV02P050 # «1» # ليس بعد التبرى التولي، ولا بعد الفراق الوفاق، ولا بعد الحجبة قربة. مضى ~~لهم من الزمان ما كان لأملهم فيه فسحة، أو لرجائهم مساغ، أو لظنهم تحقيق، ~~ولكن سبق لهم القضاء بالشقاوة، ونعوذ بالله من سوء الخاتمة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 85] # ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) # يقول لا تحسبن تمكين أهل النفاق من تنفيذ مرادهم، وتكثير أموالهم إسداء ~~معروف منا إليهم، أو إسباغ إنعام من لدنا عليهم، إنما ذلك مكر بهم، ~~واستدراج لهم، وإمهال لا إهمال. وسيلقون غبه «2» عن قريب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 86] # وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول ~~منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (86) # إذا توجه عليهم الأمر بالجهاد، واشتد عليهم حكم الإلزام، تعللوا إلى ~~السعة «3» ، وركنوا إلى اختيار الدعة واحتالوا فى موجبات التخلف، أولئك ~~الذين خصهم «4» بخذلانه، وصرف قلوبهم عن ابتغاء رضوانه. PageV02P051 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 87] # رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع ms0464 على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) # بعدوا عن بساط العبادة فاستطابوا الدعة، ورضوا بالتعريج فى منازل الفرقة، ~~ولو أنهم رجعوا إلى الله تعالى بصدق الندم لقابلهم بالفضل والكرم، ولكن ~~القضاء غالب، والتكلف ساقط. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 88] # لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات ~~وأولئك هم المفلحون (88) # ليس من أقبل كمن أعرض وصد «1» ، ولا من قبل أمره كمن رد، ولا من وحد كمن ~~جحد، ولا من عبد كمن عند، ولا من أتى كمن أبى ... فلا جرم ربحت تجارتهم، ~~وجلت رتبتهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 89] # أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم ~~(89) # تشير الآية إلى أن راحاتهم موعودة، وإن كانت الأتعاب «2» فى الحال موجودة ~~مشهودة. # ويقال صادق يقينهم بالثواب يهون عليهم مقاساة ما يلقونه- فى الوقت- من ~~الأتعاب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 90] # وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب ~~الذين كفروا منهم عذاب أليم (90) PageV02P052 # وهم أصحاب الأعذار- فى قول أهل التفسير- طلبوا الإذن فى التأخر عن رسول ~~الله- صلى الله عليه وسلم- فى غزوة تبوك فسقط عنهم اللوم. # أما الذين تأخروا بغير عذر فقد توجه عليهم اللوم، وهو لهم فى المستقبل ~~الوعيد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 91] # ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ~~إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) # قيمة الفقر تظهر عند سقوط الأمر، ولو لم يكن فى القلة خير إلا هذا لكفى ~~لهذا بهذا فضيلة بقوا فى أوطانهم ولم يتوجه عليهم بالجهاد أمر، ولا بمفارقة ~~المنزل امتحان. واكتفى منهم بنصيحة القلب، واعتقاد أن لو قدروا لخرجوا. # وأصحاب الأموال امتحنوا- اليوم- يجمعها ثم بحفظها، ثم ملكتهم محنتها حتى ~~شقت عليهم الغيبة عنها، ثم توجه اللوم عليهم فى ترك إنفاقها، ثم ما يعقبه- ~~غدا- من الحساب والعذاب يربو على الجميع. # وإنما رفع الحرج عن أولئك «1» بشرط وهو قوله: «إذا نصحوا لله ورسوله» ~~فإذا لم يوجد ms0465 هذا الشرط فالحرج غير مرتفع عنهم. # قوله: «ما على المحسنين من سبيل» : المحسن الذي لا تكون للشرع منه مطالبة ~~لا فى حق الله ولا فى حق الخلق «2» . PageV02P053 # ويقال هو الذي يعلم أن الحادثات كلها من الله تعالى. # ويقال هو الذي يقوم بحقوق ما نيط به أمره فلو كان طير فى حكمه وقصر فى ~~علفه- لم يكن محسنا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 92] # ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) # منعهم الفقر عن الحراك فالتمسوا من الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن ~~يحملهم معه ويهبىء أسبابهم، ولم يكن فى الحال للرسول عليه السلام سعة ~~ليوافق سؤلهم، وفى حالة ضيق صدره- صلى الله عليه وسلم- حلف إنه لا يحملهم، ~~ثم رآهم صلى الله عليه وسلم يتأهبون للخروج، وقالوا فى ذلك، فقال عليه ~~السلام: إنما يحملكم الله. # فلما ردهم الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن الإجابة فى أن يحملهم رجعوا ~~عنه بوصف الخيبة كما قال تعالى: «تولوا وأعينهم تفيض من الدمع» كما قال ~~قائلهم: # قال لى من أحب والبين قد ... حل ودمعى مرافق لشهيقى # ما ترى فى الطريق تصنع بعدي؟ قلت: أبكى عليك طول الطريق قوله: «حزنا ألا ~~يجدوا ما ينفقون» شق عليهم أن يكون على قلب الرسول- صلى الله عليه وسلم- ~~بسببهم شغل فتمنوا أن لو أزيح هذا الشغل، لا ميلا إلى الدنيا ولكن لئلا ~~تعود إلى قلبه- عليه السلام- من قبلهم كراهة، ولهذا قيل: # من عف خف على الصديق لقاؤه ... وأخو الحوائج ممجج مملول # ثم إن الحق- سبحانه- لما علم ذلك منهم، وتمحضت قلوبهم للتعلق بالله، وخلت ~~عقائدهم عن مساكنة مخلوق تدارك الله أحوالهم فأمر الله رسوله عليه السلام ~~أن يحملهم.. بذلك جرت سنته، فقال: «وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا» ~~«1» PageV02P054 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 93] # إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ~~وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93) # يريد السبيل بالعقوبة والملامة على الذين يتأخرون ms0466 عنك فى الخروج إلى ~~الجهاد ولهم الأهبة والمكنة، وتساعدهم على الخروج الاستطاعة والقدرة فإذا ~~استأذنوك للخروج وأظهروا «1» لم يصدقوا، فهم مستوجبون للنكير عليهم، لأن من ~~صدق فى الولاء لا يحتشم من مقاساة العناء، والذي هو فى الولاء مماذق وللصدق ~~مفارق يتعلل بما لا أصل له، لأنه حرم الخلوص فيما هو أهل له، وكذا قيل: # إن الملول إذا أراد قطيعة ... مل الوصال وقال كان وكانا # قوله جل ذكره: رضوا بأن يكونوا مع الخوالف قيل فى التفسير: مع النساء فى ~~البيوت. # والإسلام يثنى على الشجاعة، وفى الخبر: إن الله تعالى يحب الشجاعة، ولو ~~على قتل حية، وفى معناه أنشدوا. # كتب القتل والقتال «2» علينا وعلى المحصنات جر الذيول ومن استوطن مركب ~~الكسل، واكتسى لباس الفشل، وركن إلى مخاريق الحيل حرم استحقاق القربة. ومن ~~أراد الله- تعالى- هو انه، وأذاقه خذلانه، فليس له عن حكم الله مناص. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 94] # يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله ~~من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون (94) PageV02P055 # أراد إذا تقولوا بما هم فيه كاذبون، وضللوا عما كانوا فى تخلفهم به ~~يتصفون- فأخبروهم أنا عرفنا الله كذبكم فيما تقولون، واتضحت لنا فضائحكم، ~~وتميز- بما أظهره الله لنا- سيئكم وصالحكم، فإن الله تعالى لا يخفى عليه ~~شىء من أحوالكم، وستلقون غب أعمالكم فى آجلكم «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 95] # سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ~~ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) # يريد أنهم فى حلفهم بالله لكم أن يدفع السوء من قبلكم، وليس قصدهم بذلك ~~خلوصا فى اعتذارهم، ولا ندامة على ما احتقبوه من أوزارهم، إنما ذلك لتعرضوا ~~عنهم ... # فأعرضوا عنهم فإن ذلك ليس بمنجيهم مما سيلقونه غدا من عقوبة الله لهم، ~~فإن الله يمهل العاصي حتى يتوهم أنه قد تجاوز عنه، وما ذلك إلا مكر عومل ~~به، فإذا أذاقه ما يستوجبه علم أن الأمر بخلاف ما ms0467 ظنه، وما ينفع ظاهر ~~مغبوط، والحال- فى الحقيقة- يأس من الرحمة وقنوط، وفى معناه قالوا: # وقد حسدونى فى قرب دارى منهم ... وكم من قريب الدار وهو بعيد! # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 96] # يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين (96) # من كان مسخوط الحق لا ينفعه أن يكون مرضى الخلق، وليست العبرة بقول غير ~~الله إنما المدار على ما سبق من السعادة فى حكم الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 97] # الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ~~والله عليم حكيم (97) PageV02P056 # جبلت قلوبهم على القسوة فلم تقرعها هواجم الصفوة، وكانوا عن أشكالهم فى ~~الخلقة مستأخرين بما ( ... ) «1» من سوء الخلق فهم من استبانة الحقائق ~~أبعد، ومن استيجاب الهوان أقرب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 98] # ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء ~~والله سميع عليم (98) # خبثت عقائدهم فانتظروا للمسلمين ما تعلقت به مناهم من حلول المحن بهم، ~~فأبى الله إلا أن يحيق بهم مكرهم، ولهذا قيل فى المثل: إذا حفرت لأخيك فوسع ~~فربما يكون ذلك مقيلك! ويقال من نظر إلى ورائه يوفق فى كثير من تدبيره ~~ورأيه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 99] # ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ~~وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم ~~(99) # تنوعوا فمنهم من غش ولم يربح، ومنهم من نصح فلم ليخسر، فأما الذين مذقوا ~~فهم فى مهواة هوانهم، وأما الذين صدقوا ففى روح إحسانهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 100] # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك ~~الفوز العظيم (100) PageV02P057 # السابقون مختلفون فمن سابق بصدق قدمه، ومن سابق بصدق هممه. # ويقال السابق من ساعدته القسمة بالتوفيق، وأسعدته القضية بالتحقيق، فسبقت ~~له من الله رحمته. # ويقال سبقهم بعنايته ثم ms0468 سبقوا بطاعتهم له. # ويقال جمع الرضاء صفيهم: السابق منهم واللاحق بهم قال تعالى: «والسابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار ... رضي الله عنهم ورضوا عنه» . # ويقال ليس اللاحق كالسابق، فالسابق فى روح الطلب، واللاحق فى مقاساة ~~التعب، ومعاناة النصب، وأنشدوا: # السباق السباق قولا وفعلا ... حذروا النفس حسرة المسبوق # ويقال رضاهم عن الله قضية رضاء الله عنهم فلولا أنه رضى عنهم فى آزاله ~~... # فمتى وصلوا إلى رضاهم عنه؟! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 101] # وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) # تشاكل المخلص والمنافق فى الصورة فلم يتميز بالمباني، وإن تنافيا فى ~~الحقائق والمعاني وتقاصر علمهم عن العرفان فهتك الله لنبيه أستارهم.. ~~فعرفهم، وهم بإشرافه عليهم جاهلون، وعلى الإقامة فى أوطان نفاقهم مصروفون، ~~فلم ينفعهم طول إمهاله لهم. # PageV02P058 # «سنعذبهم مرتين» : الأولى فى الدنيا بالفضيحة فيما ينالهم من المحن ~~والفتن والأمراض، ولا يحصل لهم عليها فى الآخرة عوض ولا أجر ولا مسرة، ~~والثانية عذاب القبر. # وقيل المرة الأولى بقبض أرواحهم، والثانية عذاب القبر ثم يوم القيامة ~~يمتحنون بالعذاب الأكبر. # ويقال المرة الأولى ظنهم نهم على شىء، والمرة الثانية بخيبة آمالهم وظهور ~~ما لم يحتسبوه لهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 102] # وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم إن الله غفور رحيم (102) # إن اتصفوا بعيوبهم فلقد اعترفوا بذنوبهم. والإقرار توكيد الحقوق فيما بين ~~الخلق فى مشاهد الحكم، ولكن الإقرار بحق الله- سبحانه- يوجب إسقاط الجرم فى ~~مقتضى سنة كرم الحق- سبحانه، وفى معناه أنشدوا: # قيل لى: قد أساء فيك فلان ... وسكوت الفتى على الضيم عار # قلت: قد جاءنى فأحسن عذرا ... دية الذنب عندنا الاعتذار # «خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا» : ففى قوله «وآخر سيئا» بعد قوله «صالحا» ~~دليل على أن الزلة لا تحبط ثواب الطاعة إذ لو أحبطته لم يكن العمل صالحا. # وكذلك قوله: «عسى الله أن يتوب عليهم» : وعسى تفيد أنه لا يجب على ms0469 الله ~~شىء فقد يتوب وقد لا يتوب. ولأن قوله صدق.. فإذا أخبر أنه يجيب فإنه يفعل، ~~فيجب منه لا يجب عليه «1» . # ويقال قوله: «خلطوا عملا صالحا» : يحتمل معناه أنهم يتوبون فالتوبة عمل ~~صالح. # وقوله: «وآخر سيئا» : يحتمل أنه نقضهم التوبة، فتكون الإشارة فى قوله: ~~«عسى الله أن يتوب عليهم» أنهم إن نقضوا توبتهم وعادوا إلى ما تركوه من ~~زلتهم فواجب منا أن PageV02P059 # نتوب عليهم، ولئن بطلت- بنقضهم- توبتهم.. لما اختلت- بفضلنا- توبتنا ~~عليهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 103] # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله ~~سميع عليم (103) # : تطهرهم من طلب الأعواض عليها، وتزكيهم عن ملاحظتهم إياها. # تطهرهم بها عن شح نفوسهم، وتزكيهم بها بألا يتكاثروا بأموالهم فيروا عظيم ~~منة الله عليهم بوجدان التجرد منها. # «وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم» : إن تعاشرهم بهمتك معهم أثمن لهم من ~~استقلالهم بأموالهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 104] # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو ~~التواب الرحيم (104) # تمدح- سبحانه- بقبول توبة العاصين إذ بها يظهر كرمه، كما تمدح بجلال عزه ~~ونبههم على أن يعرفوا به جلاله وقدمه. # وكما توحد باستحقاق كبريائه وعظمته تفرد بقبول توبة العبد عن جرمه وزلته. # فكما لا شبيه له فى جماله وجلاله لا شريك له فى أفضاله وإقباله يأخذ ~~الصدقات- قلت أو كثرت، فقدر الصدقة وخطرها بأخذه لها لا بكثرتها وقلتها قلت ~~فى الصورة صدقتهم ولكن لما أخذها وقبلها جلت بقبوله لها، كما قيل: # يكون أجاجا- دونكم، فإذا انتهى ... إليكم تلقى طيبكم فيطيب # قوله تعالى: ### | [سورة التوبة (9) : آية 105] # وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) # PageV02P060 # خوفهم برؤيته- سبحانه- لأعمالهم، فلما علم أن فيهم من تتقاصر حالته عن ~~الاحتشام لأطلاع الحق قال: «ورسوله» ، ثم قال لمن نزلت رتبته: «والمؤمنون» ~~. # وقد خسر من لا يمنعه الحياء، ولا يردعه الاحتشام، وسقط من عين الله من ~~هتك جلباب الحياء، كما قيل: # إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ... ولا ms0470 خير فى وجه إذا قل ماؤه # ومن لم يمنعه الحياء عن تعاطى المكروهات فى العاجل سيلقى غب ذلك، وخسرانه ~~عن قريب فى الآجل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 106] # وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم ~~(106) # لم يصرح بقبول توبتهم، ولم يسمهم باليأس من غفرانه، فوقفوا على قدم ~~الخجل، متميلين بين الرهبة والرغبة، مترددين بين الخوف والرجاء. أخبر الله- ~~سبحانه- أنه إن عذبهم فلا اعتراض يتوجه عليه، وإن رحمهم فلا سبيل لأحد ~~إليه، قال بعضهم: # ويشبعنى من الآمال وعد ... ومن علمى بتقصيري وعيد # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 107] # والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب ~~الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون ~~(107) # من لم يكن مخلصا فى ولائه لم يأنس القلب بكده وعنائه، فتودده فى الظاهر ~~ينادى عليه بالتوائه، وبقوله بالتكلف شهادة صدق على عدم صفائه: # PageV02P061 # من لم يكن للوصال أهلا ... فكل إحسانه ذنوب # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 108] # لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) # المقام فى أماكن العصيان، والتعزيج فى أوطان أهل الجحود والطغيان- من ~~علامات الممالأة مع أربابها، وسكانها وقطانها. # والتباعد عن مساكنهم، وهجران من جنح إلى مسالكهم علم لمن أشرب قلبه ~~مخالفتهم، وباشرت سره عداوتهم. # «فيه رجال يحبون أن يتطهروا» : يتطهرون عن المعاصي وهذه سمة العابدين، ~~ويتطهرون عن الشهوات والأمانى وتلك صفة الزاهدين، ويتطهرون عن محبة ~~المخلوقين، ثم عن شهود أنفسهم بما يتصفون وتلك صفة العارفين. # قوله «والله يحب المطهرين» : أسرارهم «1» عن المساكنة إلى كل مخلوق، أو ~~ملاحظة كل محدث مسبوق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 109] # أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا ~~جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (109) # المريد يجب أن يؤسس بنيانه على يقين صادق فيما يعتقده، ms0471 ثم على خلوص فى ~~العزيمة ألا ينصرف قبل الوصول عن الطريق الذي يسلكه، ثم على انسلاخه عن ~~جميع مناه وشهواته، وماربه ومطالبه، ثم يبنى أمره على دوام ذكره بحيث لا ~~يعترضه نسيان، ثم على ملازمة حق المسلمين وتقديم مصالحهم ... بالإيثار على ~~نفسه. والذي ضيع الأصول PageV02P062 # فى ابتدائه حرم الوصول فى انتهائه، والذي لم يحكم الأساس فى بنائه سقط ~~السقف على جدرانه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 110] # لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم ~~حكيم (110) # عروق النفاق لا تقتلع من عرصات اليقين إلا بمنجل التحقق بصحيح البرهان ~~فمن أيد لإدامة المسير، ووفق لتأمل البرهان وصل إلى ثلج الصدر وروح ~~العرفان. # ومن أقام على معتاد التقليد لم يسترح قلبه من كد التردد، وظلمة التجويز، ~~وجولان الخواطر المشكلة فى القلب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 111] # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في ~~سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن ~~أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ~~(111) # لما كان من المؤمنين تسليم أنفسهم وأموالهم لحكم الله، وكان من الله ~~الجزاء والثواب أي هناك عوض ومعوض، فلما بين ذلك وبين التجارة من مشابهة ~~أطلق لفظ الاشتراء، وقد قال تعالى: «هل أدلكم على تجارة ... » «1» ، وقال: ~~«فما ربحت تجارتهم» «2» . # وفى الحقيقة لا يصح فى وصف الحق- سبحانه- الاشتراء لأنه مالك سواه، وهو ~~مالك الأعيان كلها. كما أن من لم يستحدث ملكا لا يقال إنه- فى الحقيقة- ~~باع. PageV02P063 # وللمقال فى هذه الآية مجال ... فيقال: البائع لا يستحق الثمن إذا امتنع ~~عن تسليم المبيع، فكذلك لا يستحق العبد الجزاء الموعود إلا بعد تسليم النفس ~~والمال على موجب أوامر الشرع، فمن قعد أو فرط فغير مستحق للجزاء. # ويقال لا يجوز فى الشرع أن يبيع الشخص ويشترى شيئا واحدا فيكون بائعا ~~ومشتريا إلا إذا كان أبا وجدا! ولكن ذلك هنا بلفظ الشفقة فالحق بإذنه كانت ~~رحمته بالعبد أتم، ونظره ms0472 له أبلغ، وكان للمؤمن فيه من الغبطة ما لا يخفى، ~~فصح ذلك وإن كان حكمه لا يقاس على حكم غيره. # ويقال إنما قال: «اشترى من المؤمنين أنفسهم» ولم يقل «قلوبهم» لأن النفس ~~محل الآفات فجعل الجنة فى مقابلتها، وجعل ثمن القلب أجل من الجنة، وهو ما ~~يخص به أولياء فى الجنة من عزيز رؤيته «1» . # ويقال النفس محل العيب، والكريم يرغب فى شراء ما يزهد فيه غيره. # ويقال من اشترى شيئا لينتفع به اشترى خير ما يجده، ومن اشترى شيئا لينتفع ~~به غيره يشترى ما رد على صاحبه لينفعه بثمنه. # وفى بعض الكتب المنزلة على بعض الأنبياء- عليهم السلام-: يا بنى آدم، ما ~~خلقتكم لأربح عليكم ولكن خلقتكم لتربحوا على. # ويقال اشترى منهم نفوسهم فرهبوا على قلوبهم شكرا له حيث اشترى نفوسهم، ~~وأما القلب فاستأثره قهرا، والقهر فى سنة الأحباب أعز من الفضل، وفى معناه ~~أنشدوا: # بني الحب على القهر فلو ... عدل المحبوب يوما لسمج # ليس يستحسن فى حكم الهوى ... عاشق يطلب تأليف الحجج # وكان الشيخ أو على الدقاق «2» رحمه الله يقول: «لم يقل اشترى قلوبهم لأن ~~القلوب وقف على محبته، والوقف لا يشترى» . PageV02P064 # ويقال الطير فى الهواء، والسمك فى الماء لا يصح شراؤهما لأنه غير ممكن ~~تسليمهما، كذلك القلب ... صاحبه لا يمكنه تسليمه، قال تعالى: # «واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه» «1» وفى التوراة: «الجنة جنتى ~~والمال مالى فاشتروا جنتى بمالى فإن ربحتم فلكم وإن خسرتم فعلى» ويقال علم ~~سوء خلقك فاشتراك قبل أن أوجدك، وغالى بثمنك لئلا يكون لك حق الاعتراض عند ~~بلوغك. # ويقال ليس للمؤمن أن يتعصب لنفسه بحال لأنها ليست له، والذي اشتراها أولى ~~بها من صاحبها الذي هو أجنبي عنها. # ويقال أخبر أنه اشتراها لئلا يدعى العبد فيها فلا يساكنها ولا يلاحظها ~~ولا يعجب بها «2» . # قوله: «فيقتلون ويقتلون» سيان «3» عندهم أن يقتلوا أو يقتلوا، قال ~~قائلهم: # وإن دما أجريته لك شاكر ... وإن فؤادا خرته لك حامد # ويقال قال: «فاستبشروا ببيعكم» ولم يقل بثمن مبيعكم لأنه لم يكن ms0473 منا بيع، ~~وإنما أخبر عن نفسه بقوله «إن الله اشترى من المؤمنين» فجعل بيعه بيعنا، ~~وهذا مثلما قال فى صفة نبيه- صلى الله عليه وسلم-: «وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى» وهذا عين الجمع الذي أشار إليه القوم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 112] # التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112) # مدحهم بعد ما أوقع عليهم سمة الاشتراء بقوله «التائبون العابدون ... » ~~ومن رضى بما اشتراه فإن له حق الرد إذا لم يعلم العيب وقت الشراء، فأما إذا ~~كان عالما به PageV02P065 # فليس له حق الرد قال تعالى: «ولقد اخترناهم على علم على العالمين» «1» . # ويقال من اشترى شيئا فوجد به عيبا رده على من منه اشتراه ولكنه- سبحانه- ~~اشترى نفوسنا منه، فإذا أراد الرد فلا يرد إلا على نفسه قال تعالى: «ثم ~~ردوا إلى الله مولاهم الحق» وكما أن الرد إليه فلو ردنا كان الرد عليه. # قوله تعالى: «التائبون» أي الراجعون إلى الله، فمن راجع يرجع عن زلته إلى ~~طاعته، ومن راجع يرجع عن متابعة هواه إلى موافقة رضاه، ومن راجع يرجع عن ~~شهود نفسه إلى شهود لطفه، ومن راجع يرجع عن الإحساس بنفسه وأبناء جنسه إلى ~~الاستغراق فى حقائق حقه. # ويقال تائب يرجع عن أفعاله إلى تبديل أحواله فيجد غدا فنون أفضاله، وصنوف ~~لطفه ونواله، وتائب يرجع عن كل غير وضد إلى ربه بربه لربه بمحو كل أرب، ~~وعدم الإحساس بكل طلب. # وتائب يرجع لحظ نفسه من جزيل ثوابه أو حذرا- على نفسه- من أليم عذابه، ~~وتائب يرجع لأمره برجوعه وإيابه، وتائب يرجع طلبا لفرح نفسه حين ينجو من ~~أوضاره، ويخلص من شؤم أوزاره، وتائب يرجع لما سمع أنه قال: إن الله أفرح ~~بتوبة عبده من الأعرابى الذي وجد ضالته- كما فى الخبر، وشتان ما هما! ~~وأنشدوا: # أيا قادما من سفرة الهجر مرحبا ... أناديك لا أنساك ما هبت الصبا # وأما قوله «العابدون» : فهم الخاضعون بكل وجه، الذين لا تسترقهم كرائم ~~الدنيا، ولا تستعبدهم عظائم العقبي. ولا ms0474 يكون العبد عبد الله- على الحقيقة- ~~إلا بعد تجرده عن كل شىء حادث. وكل أحد فهو له عبد من حيث الخلقة قال ~~تعالى: «إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا» «2» . ولكن صاحب ~~العبودية خاص، وهو عزيز. PageV02P066 # قوله جل ذكره: الحامدون هم الشاكرون له على وجود أفضاله، المثنون عليه ~~عند شهود جلاله وجماله. # ويقال الحامدون بلا اعتراض على ما يحصل بقدرته، وبلا انقباض عما يجب من ~~طاعته. # ويقال الحامدون له على منعه وبلائه كما يحمدونه على نفعه وعطائه. # ويقال الحامدون إذا اشتكى من لا فتوة «1» له المادحون إذا بكى من لا ~~مروءة له. # ويقال الشاكرون له إن أدناهم، الحامدون له إن أقصاهم. # قوله جل ذكره: السائحون الصائمون ولكن عن شهود غير الله، الممتنعون عن ~~خدمة غير الله، المكتفون من الله بالله. # ويقال السائحون الذين يسيحون فى الأرض على جهة الاعتبار طلبا للاستبصار، ~~ويسيحون بقلوبهم فى مشارق الأرض ومغاربها بالتفكر فى جوانبها ومناكبها، ~~والاستدلال بتغيرها على منشئها، والتحقق بحكمة خالقها بما يرون من الآيات ~~فيها، ويسيحون بأسرارهم فى الملكوت فيجدون روح الوصال، ويعيشون بنسيم الانس ~~بالتحقق بشهود الحق. # قوله جل ذكره: الراكعون الخاضعون لله فى جميع الأحوال بخمودهم تحت سلطان ~~التجلى، وفى الخبر. «إن الله ما تجلى لشىء إلا خشع له» . # وكما يكون- فى الظاهر- راكعا يكون فى الباطن خاشعا، ففى الظاهر بإحسان ~~الحق إليه يحسن توليه، وفى الباطن كالعيان للعيان للحق بأنوار تجليه. # قوله جل ذكره الساجدون فى الظاهر بنفوسهم على بساط العبودية، وفى الباطن ~~بقلوبهم عند شهود الربوبية. PageV02P067 # والسجود على أقسام: سجود عند صحة القصود فيسجد بنعت التذلل على بساط ~~الافتقار، ولا يرفع رأسه عن السجود إلا عند تباشير الوصال. وسجود عند ~~الشهود إذا تجلى الحق لقلبه سجد بقلبه، فلم ينظر بعده إلى غيره، وسجود فى ~~حال الوجود وذلك بخموده عن كليته، وفنائه عن الإحساس بجميع أوصافه وجملته. # قوله جل ذكره: الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله ~~وبشر المؤمنين هم الذين يدعون الخلق إلى الله، ويحذرونهم عن غير الله. ms0475 ~~يتواصون بالإقبال على الله وترك الاشتغال بغير الله. يأمرون أنفسهم بالتزام ~~الطاعات بحملهم إياها على سنن الاستقامة، وينهون أنفسهم عن اتباع المنى ~~والشهوات بترك التعريج فى أوطان الغفلة، وما تعودوه من المساكنة ~~والاستنامة. # والحافظون لحدود الله، هم الواقفون حيث وقفهم «1» الله، الذين لا يتحركون ~~إلا إذا حركهم ولا يسكنون إلا إذا سكنهم، ويحفطون مع الله أنفاسهم «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 113] # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) # أصل الدين التبرى من الأعداء، والتولى للأولياء، والولى لا قريب له ولا ~~حميم، ولا نسيب له ولا صديق إن والى فبأمر، وإن عادى فلزجر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 114] # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه ~~عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114) PageV02P068 # لما أمر المسلمين بالتبرى عن المشركين والإعراض عنهم والانقباض عن ~~الاستغفار لهم بين أن هذا سبيل الأولياء، وطريق الأنبياء عليهم السلام، وأن ~~ابراهيم- عليه السلام- وإن استغفر لأبيه فإنما كان من قبل تحققه بأنه لا ~~يؤمن، فلما علم أنه عدو لله أظهر البراءة منه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 115] # وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل ~~شيء عليم (115) # إن الله لا يحكم بضلالكم وذهابكم عن طريق الحق باستغفاركم للمشركين إلا ~~بعد ما تبين لكم أنكم منهيون عنه، فإذا علمتم أنكم نهيتم عن استغفاركم لهم ~~فإن أقدمتم على ذلك فحينئذ ضللتم عن الحق بفعلكم بعد ما نهيتم عنه ... هذا ~~بيان التفسير للآية، والإشارة فيها أنه لا سلب لعطائه إلا بترك أدب منكم. # ويقال من أحله بساط الوصلة ما منى بعده بعذاب الفرقة، إلا لمن سلف منه ~~ترك حرمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 116] # إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير (116) # الحق لا يتجمل بوجود مملوكاته، ولا ms0476 يلحقه نقص بعدم «1» مخلوقاته، فقبل أن ~~أوجد شيئا من الحادثات كان ملكا- والملك أكثر مبالغة من المالك- وملكه ~~قدرته PageV02P069 # على الإبداع والمعدوم مقدوره ومملوكه، فإذا أوجده فهو فى حال حدوثه ~~مقدوره ومملوكه، فإذا أعدمه خرج عن الوجود ولم يخرج عن كونه مقدورا له. # «يحيي ويميت» يحيى من يشاء بعرفانه وتوحيده، ويميت من يشاء بكفرانه ~~وجحوده. # ويقال يحيى قلوب العارفين بأنوار المواصلات، ويميت نفوس العابدين بآثار ~~المنازلات. # ويقال يحيى من أقبل عليه بتفضله، ويميت من أعرض عنه بتكبره. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 117] # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ~~من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم (117) # قبل توبتهم، وتاب على نبيه- صلى الله عليه وسلم- فى إذنه للمنافقين فى ~~التخلف عنه فى غزوة تبوك، وأما على المهاجرين والأنصار الذين قد خرجوا معه ~~حين هموا بالانصراف «1» لما أصابهم من العسرة من الجوع والعطش والإعياء «2» ~~فى غزوة تبوك، كما قال: «من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم» : وتوبته ~~عليهم أنه تدارك قلوبهم حتى لم تزغ، وكذا سنة الحق- سبحانه- مع أوليائه إذا ~~أشرفوا على العطب، وقاربوا من التلف، واستمكن اليأس فى قلوبهم من النصر، ~~ووطنوا أنفسهم على أن يذوقوا البأس- يمطر عليهم سحائب الجود، فيعود عود ~~الحياة بعد يبسه طريا، ويرد ورد الأنس عقب ذبوله غضا جنيا، وتصير أحوالهم ~~كما قال بعضهم: # كنا كمن ألبس أكفانه ... وقرب النعش من اللحد # فجال ماء الروح فى وحشة ... ورده الوصل إلى الورد PageV02P070 # تبارك الله سبحانه ما ( ... ) «1» هو بالسرمد قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 118] # وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم ~~أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو ~~التواب الرحيم (118) # لما صدق منهم اللجاء تداركهم بالشفاء وأسقط عنهم البلاء، وكذلك الحق يكور ~~نهار اليسر على ليالى العسر، ويطلع شموس المحنة على نحوس الفتنة، ويدير فلك ~~السعادة «2» فيمحق تأثير طوارق النكاية ms0477 سنة منه- تعالى- لا يبدلها، وعادة ~~منه فى الكرم يجريها ولا يحولها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 119] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (119) # يا أيها الذين آمنوا برسل الله، يا أيها الذين آمنوا من أهل الكتاب ... ~~كونوا مع الصادقين المسلمين، يا أيها الذين آمنوا فى الحال كونوا فى آخر ~~أحوالكم مع الصادقين أي استديموا الإيمان. استديموا فى الدنيا الصدق تكونوا ~~غدا مع الصادقين فى الجنة. # ويقال الصادقون هم السابقون الأولون وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضى ~~الله عنهم وغيرهم. # ويقال الصدق نهاية الأحوال، وهو استواء السر والعلانية، وذلك عزيز. وفى ~~الزبور: # «كذب من ادعى محبتى وإذا حبه الليل نام عني» . PageV02P071 # والصدق- كما يكون فى الأقوال يكون فى الأحوال، وهو أتم أقسامه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 120] # ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا ~~يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل ~~الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به ~~عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) # لا يجوز لهم أن يؤثروا على النبى- صلى الله عليه وسلم- شيئا من نفس وروح، ~~ومال وولد وأهل، وليسوا يخسرون على الله وأنى ذلك..؟ وإنهم لا يرفعون لأجله ~~خطوة إلا قابلهم بألف خطوة، ولا ينقلون إليه قدما إلا لقاهم لطفا وكرما، ~~ولا يقاسون فيه عطشا إلا سقاهم من شراب محابه كاسا، ولا يتحملون لأجله مشقة ~~إلا لقاهم لطفا وإيناسا، ولا ينالون من الأعداء أذى إلا شكر الله سعيهم بما ~~يوجب لهم سعادة الدارين! قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 122] # وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا ~~في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) # PageV02P072 # لو اشتغل الكل بالتفقه فى الدين لتعطل عليهم المعاش، ولبقى الكافة عن درك ~~ذلك المطلوب، فجعل ذلك فرضا على الكفاية. # ويقال جعل المسلمين على مراتب: فعوامهم كالرعية للملك «1» ، وكتبة ms0478 الحديث ~~كخزان الملك، وأهل القرآن كحفاظ الدفاتر ونفائس الأموال، والفقهاء بمنزلة ~~الوكلاء للملك إذ الفقيه ( ... ) «2» عن الله، وعلماء الأصول كالقواد ~~وأمراء الجيوش، والأولياء كأركان الباب، وأرباب القلوب وأصحاب الصفاء كخواص ~~الملك وجلسائه. # فيشتغل قوم يحفظ أركان الشرع، وآخرون بإمضاء الأحكام، وآخرون بالرد على ~~المخالفين، وآخرون بالأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وقوم مفردون بحضور ~~القلب وهم أصحاب الشهود، وليس لهم شغل، يراعون مع الله أنفاسهم وهم أصحاب ~~الفراغ، لا يستفزهم طلب ولا يهزهم أرب، فهم بالله لله، وهم محو عما سوى ~~الله «3» . # وأما الذين يتفقهون فى الدين فهم الداعون إلى الله، وإنما يفهم الخلق عن ~~الله من كان يفهم عن الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 123] # يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ~~واعلموا أن الله مع المتقين (123) # اقرب الأعداء إلى المسلم من الكفار، الذي يجب عليه منازعته هو أعدى عدوه ~~PageV02P073 # أي نفسه. فيجب أن يبدأ بمقاتلة «1» نفسه ثم بمجاهدة الكفار، قال عليه ~~السلام: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» «2» . # قوله: «وليجدوا فيكم غلظة» من حابى عدوه قهره، وكذلك المريد الذي ينزل عن ~~مطالبات الحقيقة إلى ما يتطلبه من التأويلات فيفسخ عهده، وينقض عقده، وذلك ~~كالردة «3» لأهل الظاهر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 124 الى 125] # وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم ~~رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) # «4» جعل الله- سبحانه- إنزال القرآن لقوم شفاء. ولقوم شقاء فإذا أنزلت ~~سورة جديدة زاد شكهم وتحيرهم، فاستعلم بعضهم حال بعض، ثم لم يزدادوا إلا ~~تحسرا قال تعالى: «وهو عليهم عمى» «5» وأما المؤمنون فزادتهم السورة إيمانا ~~فارتقوا من حد تأمل البرهان إلى روح البيان، ثم من روح البيان إلى العيان، ~~فالتجويز والتردد و ( ### | .... # ) «6» والتحير منتفى بأجمعه عن قلوبهم، وشموس العرفان طالعة على أسرارهم، ~~وأنوار التحقيق مالكة أسرارهم، فلا لهم تعب الطلب، ولا لهم حاجة إلى ~~التدبير، PageV02P074 # ولا عليهم سلطان الفكر. وأشعة ms0479 شموس العرفان مستغرقة لأنوار نجوم العلم، ~~يقول قائلهم: # ولما استبان الصبح أدرك ضوءه ... بإسفاره أنوار ضوء الكواكب # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 126] # أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم ~~يذكرون (126) # لم يخل الحق- سبحانه- أرباب التكليف من دلائل التعريف، التعريف لهم فى كل ~~وقت بنوع من البيان، والتكليف فى كل أوان بضرب من الامتحان فما لم يزد لهم ~~فى إيضاح البرهان لم يتجدد لهم من الله إلا زيادة الخذلان والحجبة عن ~~البيان. # وأما أصحاب الحقائق فما للأغيار فى كل عام مرة أو مرتين فلهم فى كل نفس ~~مرة، لا يخليهم الحق- سبحانه- من زواجر توجب بصائر، وخواطر تتضمن تكليفات ~~وأوامر «2» قال قائلهم: # كأن رقيبا منك حل بمهجتي ... إذا رمت تسهيلا على تصعبا # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 127] # وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف ~~الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) # تقنعوا بخمار التلبيس ظانين أنهم يبقون فى سر بتكلفهم والحق أبى إلا أن ~~فضحهم، وكما وسمهم برقم النكرة «1» أطلع أسرار الموحدين على أحوالهم ~~فعرفوهم على ما هم عليه من أوصافهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 128] # لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف ~~رحيم (128) PageV02P075 # جاءكم رسول يشاكلكم فى البشرية، فلما أفردناه به من الخصوصية ألبسناه ~~لباس الرحمة عليكم، وأقمناه بشواهد العطف والشفقة على جملتكم، قد وكل هممه ~~بشأنكم، وأكبر همه إيمانكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التوبة (9) : آية 129] # فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ~~(129) # أمره أن يدعو الخلق إلى التوحيد، ثم قال: فإن أعرضوا عن الإجابة فكن بنا ~~بنعت التجريد. # ويقال قال له: يا أيها النبي حسبك الله، ثم أمره بأن يقول حسبى الله ### | .... # وهذا عين الجمع، وقوله «فقل حسبي الله» فرق ... بل هو جمع الجمع أي: قل، ~~ولكنك بنا تقول، ونحن المتولى عنك وأنت مستهلك فى عين التوحيد فأنت بنا، ms0480 ~~ومحو عن غيرنا. ### | سورة يونس عليه السلام # بسم الله الرحمن الرحيم كلمة سماعها يوجب شفاء كل عابد، وضياء كل قاصد، ~~وعزاء كل فاقد، وبلاء كل واجد، وهدو كل خائف، وسلو كل عارف. وأمان كل تائب، ~~وبيان كل طالب. # قلوب العارفين لا تفرح إلا بسماع بسم الله، وكروب الخائفين لا تبرح إلا ~~عند سماع بسم الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) # الألف مفتاح اسم «الله» ، واللام مفتاح اسم «اللطيف» والراء مفتاح اسم ~~«الرحيم» . # PageV02P076 # أقسم بهذه الأسماء إن هذا الكتاب هو الموعود لكم يوم الميثاق. والإشارة ~~فيه أنا حققنا لكم الميعاد، وأطلنا لكم عنان الوداد ... وانقضى زمان ~~الميعاد، فالعصاة ملقاة، والأيام بالسرور متلقاة، فبادروا إلى شرب كاسات ~~المحاب، واستقيموا على نهج الأحباب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 2] # أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا ~~أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين (2) # تعجبوا من ثلاثة أشياء: من جواز البعث بعد الموت، ومن إرسال الرسل إلى ~~الخلق، ثم من تخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة من بين الخلق. ولو ~~عرفوا كمال ملكه لم ينكروا جواز البعث، ولو علموا كمال ملكه لم يجحدوا ~~إرسال الرسل إلى الخلق، ولو عرفوا أن له أن يفعل ما يريد لم يتعجبوا من ~~تخصيص محمد- صلى الله عليه وسلم- بالنبوة من بين الخلق، ولكن سدت بصائرهم ~~فتاهوا فى أودية الحيرة، وعثروا- من الضلالة- فى كل وهدة. وكان الأستاذ أبو ~~على الدقاق- رحمه الله-. يقول: # جوزوا أن يكون المنحوت من الخشب والمعمول من الصخر «1» إلها معبودا، ~~وتعجبوا أن يكون مثل محمد- صلى الله عليه وسلم- فى جلالة قدره رسولا..!! ~~هذا هو الضلال البعيد. # قوله جل ذكره: وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم. # وهو ما قدموه لأنفسهم من طاعات أخلصوا فيها، وفنون عبادات صدقوا فى ~~القيام بقضائها. # ويقال هو ما قدم الحق لهم يوم القيامة من مقتضى العناية بشأنهم، وما ms0481 حكم ~~لهم من فنون إحسانه بهم، وصنوف ما أفردهم به من امتنانهم. # ويقال: «قدم صدق عند ربهم» : هو ما رفعوه من أقدامهم فى بدايتهم فى زمان ~~PageV02P077 # إرادتهم، فإن لأقدام المريدين المرفوعة لأجل الله حرمة عند الله، ~~ولأيامهم الخالية فى حال ترددهم، ولياليهم الماضية فى طلبه وهم فى حرقة ~~تحيرهم.. مقادير عند الله. وقيل: # من ينس دارا قد تخونها ... ريب الزمان فإنى لست أنساكا # وقيل: # تلك العهود تشدها لتحلها ... عندى كما هى عقدها لم يحلل # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 3] # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون ~~(3) # لا يحتاج فعله إلى مدة، وكيف ذلك ومن جملة أفعاله الزمان والمدة؟ فخلق ~~السماوات والأرض فى ستة أيام، وتلك الأيام أيضا من جملة ما خلق الله سبحانه ~~وتعالى. # «ثم استوى على العرش» أي توحد بجلال الكبرياء بوصف الملكوت. وملوكنا إذا ~~أرادوا التجلى والظهور للحشم والرعية برزوا لهم على سرير ملكهم فى ألوان ~~مشاهدهم. # فأخبر الحق- سبحانه- بما يقرب من فهم الخلق ما ألقى إليهم من هذه الجملة: ~~استوى على العرش، ومعناه اتصافه بعز «1» الصمدية وجلال الأحدية، وانفراده ~~بنعت الجبروت وعلاء الربوبية، تقدس الجبار عن الأقطار، والمعبود عن الحدود. # «يدبر الأمر» : أي الحادثات صادرة عن تقديره، وحاصلة بتدبيره، فلا شريك ~~يعضده، وما قضى فلا أحد يرده. «ما من شفيع إلا من بعد إذنه» : هو الذي ينطق ~~من يخاطبه، وهو الذي يخلق ما يشاء على من يشاء إذا التمس يطالبه. # «ذلكم الله ربكم» : تعريف وقوله: «فاعبدوه» : تكليف فحصول التعريف ~~بتحقيقه، والوصول إلى ما ورد به التكليف بتوفيقه. PageV02P078 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 4] # إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون (4) # الرجوع يقتضى ابتداء الأرواح قبل حصولها فى الأشباح، فإن لها فى مواطن ms0482 ~~التسبيح والتقديس إقامة، والغائب إذا رجع إلى وطنه من سفره فلقدومه أثر عند ~~محبيه وذويه، كما قيل: # أيا قادما من سفرة الهجر مرحبا ... أناديك لا أنساك ما هبت الصبا # ويقال المطيع إذا رجع إلى الله فله الزلفى، والثواب والحسنى. والعاصي إذا ~~رجع إلى ربه فبنعت الإفلاس وخسران الطريق فيتلقى لباس الغفران، وحلة الصفح ~~والأمان، فرحمة مولاه خير له من نسكه وتقواه. # قوله: «وعد الله حقا» : موعود المطيع الفراديس العلى، وموعود العاصي ~~الرحمة والرضى. والجنة لطف الحق والرحمة وصف الحق فاللطف فعل لم يكن ثم ~~حصل، والنعت لم يزل «1» . # قوله: «إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده» : من كان له فى جميع عمره نفس على وصف ~~ما ابتدأ الحق سبحانه به ففى الإشارة: تكون لذلك إعادة، وأنشدوا: # كل نهر فيه ماء قد جرى فإليه الماء يوما سيعود قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 5] # هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) ~~PageV02P079 # أنوار العقول نجوم وهى للشياطين رجوم، وللعلوم «1» أقمار وهى أنوار ~~واستبصار، وللمعارف شموس ولها على أسرار العارفين طلوع، كما قيل: # إن شمس النهار تغرب بالليل ... وشمس القلوب ليست تغيب # وكما أن فى السماء كوكبين شمسا وقمرا الشمس أبدا بضيائها، والقمر فى ~~الزيادة والنقصان يستر بمحاقه ثم يكمل حتى يصير بدرا بنعت إشراقه، ثم يأخذ ~~فى النقص إلى أن لا يبقى شىء منه لتمام امتحاقه، ثم يعود جديدا، وكل ليلة ~~يجد مزيدا، فإذا صار بدرا تماما، لم يجد أكثر من ليلة لكماله مقاما، ثم ~~يأخذ فى النقصان إلى أن يخفى شخصه ويتم نقصه. # كذلك من الناس من هو متردد بين قبضه وبسطه، وصحوه ومحوه، وذهابه وإيابه ~~لا فناء فيستريح، ولا بقاء له دوام صحيح، وقيل: # كلما قلت قد دنا حل قيدى ... كبلونى فأوثقوا المسمارا # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 6] # إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم ~~يتقون (6) # اختص النهار بضيائه، وانفرد ms0483 الليل بظلمائه، من غير استيجاب لذلك، ومن غير ~~استحقاق عقاب لهذا، وفى هذا دليل على أن الرد والقبول، والمنع والوصول، ~~ليست معلولة بسبب، ولا حاصلة بأمر مكتسب كلا.. إنها إرادة ومشيئة، وحكم ~~وقضية. # النهار وقت حضور أهل الغفلة فى أوطان كسبهم، ووقت أرباب القربة والوصلة ~~لانفرادهم بشهود ربهم، قال قائلهم: # هو الشمس، إلا أن للشمس غيبة ... وهذا الذي نعنيه ليس يغيب # والليل لأحد شخصين: أما للمحب قوقت النجوى، وأما للعاصى فبث الشكوى. ~~PageV02P080 # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : الآيات 7 الى 8] # إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم ~~عن آياتنا غافلون (7) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون (8) # أنكروا جواز الرؤية فلم يرجوها، والمؤمنون آمنوا «1» بجواز الرؤية ~~فأملوها. # ويقال: لا يرجون لقاءه لأنهم لم يشتاقوا إليه، ولم يشتاقوا إليه لأنهم لم ~~يحبوه لأنهم لم يعرفوه، ولم يعرفوه لأنهم لم يطلبوه ولن يطلبوه لأنه أراد ~~ألا يطلبوه، قال تعالى: «وأن إلى ربك المنتهى» «2» . # ويقال لو أراد أن يطلبوه لطلبوه، ولو طلبوا لعرفوا، ولو عرفوا لأحبوا، ~~ولو أحبوا لاشتاقوا، ولو اشتاقوا لرجوا، ولو رجوا لأملوا لقاءه، قال تعالى: ~~«ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها» «3» قوله تعالى: «ورضوا بالحياة الدنيا ~~واطمأنوا بها» : أصحاب الدنيا رضوا بالحياة الدنيا فحرموا الجنة، والزهاد ~~والعباد ركنوا إلى الجنة ورضوا بها فبقوا عن الوصلة، وقد علم كل أناس ~~مشربهم، ولكل أحد مقام. # ويقال إذا كانوا لا يرجون لقاءه فمأواهم العذاب والفرقة، فدليل الخطاب أن ~~الذي يرجو لقاءه رآه، ومآله ومنتهاه الوصلة واللقاء والزلفة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 9] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم ~~الأنهار في جنات النعيم (9) # كما هداهم اليوم إلى معرفته من غير ذريعة يهديهم غدا إلى جنته ومثوبته من ~~غير نصير من المخلوقين ولا وسيلة. PageV02P081 # ويقال أما المطيعون فنورهم يسعى بين أيديهم وهم على مراكب طاعاتهم، ~~والملائكة تتلقاهم والحق، قال تعالى: «يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا» ~~«1» نحشرهم، والعاصون يبقون منفردين متفرقين، لا يقف لهم ms0484 العابدون، ~~ويتطوحون فى مطاحات «2» القيامة. # والحق- سبحانه- يقول لهم: عبادى، إن أصحاب الجنة- اليوم- فى شغل عنكم، ~~إنهم فى الثواب لا يتفرغون إليكم، وأصحاب النار من شدة العذاب لا يرقبون ~~لكم معاشر المساكين. # كيف أنتم إن كان أشكالكم وأصحابكم سبقوكم؟ وواحد منهم لأيهديكم فأنا ~~أهديكم. # لأنى إن عاملتكم بما تستوجبون ... فأين الكرم بحقنا إذا كنا فى الجفاء ~~مثلهم وهجرناكم كما هجروكم؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 10] # دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين (10) # قالتهم الثناء على الله، وذلك فى حال لقائهم. وتحيتهم فى تلك الحالة من ~~الله: # «سلام» عليكم «وآخر دعواهم أن الحمد لله» : والحمد هاهنا بمعنى المدح ~~والثناء، فيثنون عليه ويحمدونه بحمد أبدى سرمدى، والحق- سبحانه- يحييهم ~~بسلام أزلى وكلام أبدى، وهو عزيز صمدى ومجيد أحدى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 11] # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين ~~لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) # أي لو أجبناهم إذا دعوا على أنفسهم عند غيظهم وضجرهم لعجلنا إهلاكهم، ~~ولكن PageV02P082 # تحملنا ألا نجيبهم، وبرحمتنا عليهم لا نسمع منهم دعاءهم. وربما يشكو ~~العبد بأن الرب لا يجيب دعاءه، ولو علم أنه ترك إجابته لطفا منه وأن فى ذلك ~~بلاء لو أجابه، كما قيل: # أناس أعرضوا عنا ... بلا جرم ولا معنى # أساءوا ظنهم فينا ... فهلا أحسنوا الظنا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 12] # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره ~~مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (12) # إذا امتحن العبد وأصابه الضر أزعجته الحال إلى أن يروم التخلص مما ناله، ~~فيعلم أن غير الله لا ينجيه، فتحمله الضرورة على صدق الالتجاء إلى الله، ~~فإذا كشف الله عنه ما يدعو لأجله شغلته راحة الخلاص عن تلك الحالة، وزايله ~~ذلك الالتياع، وصار كأنه لم يكن فى بلاء قط: # كأن الفتى لم يعر يوما إذ اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا # ويقال بلاء ms0485 يلجئك إلى الانتصاب بين يدى معبودك أجدى لك من عطاء ينسيك ~~ويكفيك عنه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 13] # ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) # أخبر الحق سبحانه بإهلاك الظالمين، كما فى الخبر: «لو كان الظلم بيتا فى ~~الجنة لسلط الله عليه الخراب» . والظلم وضع الشيء فى غير موضعه، فإذا وضع ~~العبد قصده- عند حوائجه- فى المخلوقين، وتعلق قلبه بهم فى الاستعانة، وطلب ~~المأمول فقد وضع الشيء فى غير موضعه، # PageV02P083 # وهو ظلم فعقوبة هذا الظلم خراب القلب، وهو انسداد طريق رجوع ذلك القلب ~~إلى الله لأنه لو رجع إلى الله لأعانة وكفاه، ولكنه يصر على تعليق قلبه ~~بالمخلوق فيبقى عن الله، ولا ترتفع حاجته من غيره، وكان من فقره وحاجته فى ~~مصرة. فإن صار إلى مضرة المذلة والحاجة إلى اللئيم فتلك محنة عظيمة. # وعلى هذا القياس إذا أحب مخلوقا فقد وضع محبته فى غير موضعها، وهذا ظلم ~~وعقوبته خراب روحه لعدم صفاء وده ومحبته لله، وذهاب ما كان يجده من الأنس ~~بالله، إذا بقي عن الله يذيقه الحق طعم المخلوقين، فلا له مع الخلق سلوة، ~~ولا من الحق إلا الجفوة، وعدم الصفوة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 14] # ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون (14) # عرفناكم بسر من قبلكم، وما أصابهم بسبب ذنوبهم، فإذا اعتبرتم بهم نجوتم، ~~ومن لم يعتبر بما سمعه اعتبر به من تبعه. # ويقال أحللنا بهم من العقوبة ما يعتريكم، ومن لم يعتبر بمن سبقه اعتبر به ~~من لحقه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 15] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير ~~هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) # إذا اقترحوا عليك بأن تأتيهم بما لم نأمرك به، أو تريهم ما لم نظهر عليك ~~من الآيات.. # فأخبرهم أنك غير ms0486 مستقل بك، ولا موكول إليك فنحن القائم عليك، المصرف لك، ~~وأنت المتبع لما نجريه عليك غير مبتدع لما يحصل منك. # PageV02P084 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 16] # قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ~~أفلا تعقلون (16) # قد عشت فيكم زمانا، وعرفتم أحوالى فيما تطلبون منى عليه برهانا «1» ، فما ~~ألفيتمونى ( ... ) «2» بل وجدتمونى فى السداد مستقيما، وللرشاد مستديما، ~~فلولا أن الله تعالى أرسلنى، ولما حملني من تكليفه أهلني لما كنت بهذا ~~الشرع آتيا ولا لهذا الكتاب تاليا. # «أفلا تعقلون» ما لكم تعترضون؟ ولا لأنفسكم تنظرون؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 17] # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون ~~(17) # الكذب فى الشرع قبيح، وإذا كان على الله فهو أقبح. # ومن المفترين على الله: الذين يظهرون من الأحوال ما ليسوا فيه صادقين، ~~وجزاؤهم أن يحرموا ذلك أبدا، فلا يصلون إلى شىء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 18] # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى ~~عما يشركون (18) # ذمهم على عبادة ما ليس منه ضر ولا نفع. # فدليل الخطاب يقتضى أن يكون المعبود منه الضر والنفع، ومن فرط غباوتهم ~~أنهم PageV02P085 # انتظروا فى المآل الشفاعة ممن لا يوجد منه الضر والنفع فى الحال. ثم أخبر ~~أنهم يخبرون عما ليس على الوجه الذي قالوا معلوما، ولو كان كما قالوا ~~لعلموا أنه سبحانه لا يعزب عن علمه «1» معلوم. # ومعنى قوله: «لا يعلم» : خلافه. ومن تعلق قلبه بالمخلوقين فى استدفاع ~~المضار واستجلاب المسار فكالسالك سبيل من عبد الأصنام إذ المنشئ والموجد ~~للشىء من العدم هو الله- سبحانه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 19] # وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~فيما فيه يختلفون (19) # وذلك من زمان آدم عليه السلام إلى أن تحاربوا، والحق- سبحانه- سبق قضاؤه ~~بتأخير حسابهم إلى ms0487 الآخرة، ولذلك لا يجيبهم إلى ما يستعجلونه من قيام ~~القيامة. # وإنما اختلفوا لأن الله خص قوما بعنايته وقبوله، وآخرين بإهانته وإبعاده، ~~ولولا ذلك لما كانت بينهم هذه المخالفة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 20] # ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم ~~من المنتظرين (20) # أخبر أنه- عليه السلام- فى ستر الغيبة وخفاء الأمر عليه فى الجملة لتقاصر ~~علمه عما سيحدث، فهو فى ذلك بمنزلتهم، إلا فى مواطن التخصيص بأنوار ~~التعريف، فكما أنهم فى الانتظار لما يحدث فى المستأنف فهو أيضا فى انتظار ~~ما يوجد- سبحانه- من المقادير. # والفرق بينه- عليه السلام- وبينهم أنه يشهد ما يحصل به- سبحانه- ومنه، ~~وهم متطوحون فى أودية الجهالة يحيلون الأمر مرة على الدهر، ومرة على النجم ~~«2» ، ومرة على الطبع.. # وكل ذلك حيرة وعمى. PageV02P086 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 21] # وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله ~~أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21) # يعنى إذا أصابهم ضر ومحنة فرحمناهم وكشفنا عنهم، أحالوا الأمر على غيرنا، ~~وتوهموه مما هو سوانا مثل قولهم: مطرنا بنوء كذا، ومثل قولهم إن هذه سعادة ~~نجم أو مساعدة دولة أو تأثير فلك أو خيرات دهر. # فهذا كان مكرهم أما مكر الله- سبحانه- بهم فهو جزاؤهم على مكرهم. ~~والإشارة فى هذا أنه ربما يكون للمريد أو للطالب حجبة أو فترة.. فإذا جاء ~~الحق بكشف أو تجل أو إقبال فمن حقهم ألا يلاحظوها فضلا عن أن يساكنوها «1» ~~، لأنهم إذا لم يرتقوا عن ملاحظة أحوالهم إلى الغيبة بشهود الحق مكر الله ~~بهم بأن شتتهم فى تلك الأحوال من غير ترق عنها أو وجود زيادة عليها، وهذا ~~مكره بخواصهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 22] # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط ~~بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (22) # يريد أنهم يصبحون ms0488 فى النعم يجرون أذيالهم، ثم يمسون يبكون لياليهم. وقد ~~يبيتون والبهجة ملكتهم ثم يصبحون وخفايا التقدير أهلكتهم، وأنشدوا: ~~PageV02P087 # أقمت زمانا والعيون قريرة ... وأصبحت يوما والجفون سوافك # فإذا رجعوا إلى الله بإخلاص الدعاء يجود عليهم بكشف البلاء. # فلما أنجاهم بالإجابة لدعائهم إذا هم إلى غيره «1» يرجعون، وعلى مناهجهم- ~~فى تمردهم يسلكون. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 23] # فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم ~~على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ~~(23) # «يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم» معناه: نمتعكم أياما قلائل، ثم ~~تلقون «2» غب ذلك وتبدأون تقاسون عذابا طويلا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 24] # إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما ~~يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم ~~قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) # شبه الحياة الدنيا بالماء المنزل من السماء ينبت به النبات وتخضر الأرض ~~وتظهر الثمار، ويوطن أربابها عليها نفوسهم، فتصيبهم جائحة سماوية بغتة، ~~وتصير كأن لم تكن. # كذلك الإنسان بعد كمال سنه وتمام قوته واستجماع الخصال المحمودة فيه ~~تخترمه المنية، وكذلك أموره المنتظمة تبطل وتختل بوفاته، كما قيل: ~~PageV02P088 # فقدناه لما تم واختم بالعلى ... كذاك كسوف البدر عند تمامه # ومن وجوه تشبيه الأحوال الدنيوية بالماء المنزل من السماء أن المطر لا ~~ينزل بالحيلة، كذلك الدنيا لا تساعدها إلا القسمة. # ثم إن المطر إن كان لا يجىء إلا بالتقدير فقد يستسقى.. كذلك الرزق- وإن ~~كان بالقسمة- فقد يلتمس من الله ويستعطى. # ومنها أن الماء فى موضعه سبب حياة الناس، وفى غير موضعه سبب خراب الموضع، ~~كذلك المال لمستحقه سبب سلامته، وانتفاع المتصلين به، وعند من لا يستحقه ~~سبب طغيانه، وسبب بلاء من هو متصل به، كما قيل: نعم الله لا تعاب ولكنه ~~ربما استعجم على إنسان، وكما قيل: # يا دولة ليس فيها من المعالي شظية ms0489 ... زولى فما أنت إلا على الكرام بلية # ومنها أن الماء إذا كان بمقدار كان سبب الصلاح، وإذا جاوز الحد كان سبب ~~الخراب.. # كذلك المال إذا كان بقدر الكفاية والكفاف فصاحبه منعم، وإذا زاد وجاوز ~~الحد أوجب الكفران والطغيان. # ومنها أن الماء ما دام جاريا كان طيبا، فإذا طال مكثه تغير.. كذلك المال ~~إذا أنفقه صاحبه كان محمودا، فإذا ادخره وأمسكه كان معلولا مذموما. # ومنها أن الماء إذا كان طاهرا كان حلالا يصلح للشرب ويصلح للطهور ولإزالة ~~الأذى، وإذا كان غير طاهر فبالعكس.. كذلك المال إذا كان حلالا، وبعكسه لو ~~كان حراما. # ويقال كما أن الربيع تنورد أشجاره، وتظهر أنواره، وتخضر رباعه، وتتزين ~~بالنبات وهاده وتلاعه، لا يؤمن أن تصيبه آفة من غير ارتقاب، وينقلب الحال ~~بما لم يكن فى الحساب. كذلك من الناس من تكون له أحوال صافية، وأعمال بشرط ~~الخلوص زاكية غصون أنسه متدليه، ورياض قربه مونقه.. ثم تصيبه عين فيذبل عود ~~وصاله، وتنسد أبواب عوائد إقباله، كما قيل: # عين أصابتك إن العين صائبة ... والعين تسرع أحيانا إلى الحسد # PageV02P089 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 25] # والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (25) # دعاهم إلى دار السلام، وفى الحقيقة دعاهم إلى ما يوجب لهم الوصول إلى دار ~~السلام وهو اعتناق أوامره والانتهاء عن زواجره. والدعاء من حيث التكليف، ~~وتخصيص الهداية لأهلها من حيث التشريف. # ويقال الدعاء تكليف والهداية تعريف فالتكليف على العموم والتعريف على ~~الخصوص. # ويقال التكلف بحق سلطانه، والتعريف بحكم إحسانه. # ويقال الدعاء قوله والهداية طوله دخل الكل تحت قوله، وانفرد الأولياء ~~بتخصيص طوله. دار السلام دار السلام لأن السلام اسم من أسمائه. # ويكون السلام بمعنى السلامة فهى دار السلامة أي أهلها سالمون فيها سالمون ~~من الحرقة وسالمون من الفرقة سلموا من الحرقة فحصلوا على لذة عطائه، وسلموا ~~من الفرقة فوصلوا إلى عزيز لقائه. # ويقال لا يصل إلى دار السلام إلا من سلمت نفسه عن السجود للصنم، وسلم ~~قلبه عن الشرك والظلم. # ويقال تلك ms0490 الدار درجات والذي سلم قلبه عن محبة الأغيار درجته أعلى من ~~درجة من سلمت نفسه من الذنوب والأوضار. # ويقال قوم سلمت صدورهم من الغل والحسد والحقد وسلم الخلق منهم فليس بينهم ~~وبين أحد محاسبة، وليس لهم على أحد شىء فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ~~ويده، والمحسن من سلم الخلق بأجمعهم من قلبه. # «الصراط المستقيم» : طريق المسلمين، فهذا للعوام بشرط علم اليقين، ثم ~~طريق المؤمنين وهو طريق الخواص بشرط عين اليقين، ثم طريق المحسنين وهو طريق ~~خاص الخاص بشرط حق اليقين فهؤلاء بنور العقل أصحاب البرهان، وهؤلاء بكشف ~~العلم أصحاب # PageV02P090 # البيان، وهؤلاء بضياء المعرفة بالوصف «1» كالعيان، وهم الذين قال صلى ~~الله عليه وسلم فيهم: # «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 26] # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون (26) # «أحسنوا» : أي عملوا وأحسنوا إذ كانت أفعالهم على مقتضى الإذن. # ويقال «أحسنوا» : لم يقصروا فى الواجبات، ولم يخلوا بالمندوبات. # ويقال «أحسنوا» : أي لم يبق عليهم حق إلا قاموا به إن كان حق الحق فمن ~~غير تقصير و، إن كان من حق الخلق فاذا من غير تأخير. # ويقال «أحسنوا» : فى المال كما أحسنوا فى الحال فاستداموا بما فيه ~~واستقاموا، والحسنى التي لهم هى الجنة وما فيها من صنوف النعم. # ويقال الحسنى فى الدنيا توفيق بدوام «2» ، وتحقيق بتمام، وفى الآخرة ~~غفران معجل، وعيان على التأبيد «3» محصل. # قوله: «وزيادة» : فعلى موجب الخبر وإجماع السلف النظر إلى الله. ويحتمل ~~أن تكون «الحسنى» : الرؤية، «والزيادة» . دوامها. ويحتمل أن تكون «الحسنى» ~~: اللقاء، «والزيادة» : البقاء فى حال اللقاء. # ويقال الحسنى عنهم لا مقطوعة ولا ممنوعة، والزيادة لهم لا عنهم محجوبة ~~ولا مسلوبة. # قوله جل ذكره: ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون. # لا يقع عليهم غبار الحجاب، وبعكسه حديث الكفار حيث قال: «ووجوه يومئذ ~~عليها غبرة» . PageV02P091 # «والذلة» التي لا تصيبهم أي لا يردوا من غير شهود إلى رؤية غيره، ms0491 فهم ~~فيها خالدون فى فنون أفضالهم، وفى جميع أحوالهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 27] # والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من ~~عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (27) # والذين كسبوا السيئات وعملوا الزلات لهم جزاء سيئة مثلها، والباء فى ~~«بمثلها» : # صلة أي للواحد واحد. # «وترهقهم ذلة» : هو تأبيد العقوبة. # «ما لهم من الله من عاصم» أي ما لهم من عذابه من عاصم، سيموا ذل الحجاب، ~~ومنوا بتأبيد العذاب، وأصابهم هو ان البعاد. وآثار الحجاب على وجوههم لائحة ~~فإن الأسرة تدل على السريرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : الآيات 28 الى 29] # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا ~~بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) فكفى بالله شهيدا بيننا ~~وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) # يجمع بين الكفار والأصنام التي عبدوها من دون الله، فتقول الأصنام: ما ~~أمرناكم بعبادتنا. فيدعون على الشياطين التي أطاعوها، وعلى الأصنام التي ~~أمرتهم أن يعبدوها، وتقول الأصنام: كفى بالله شهيدا، على أنا لم نأمركم ~~بذلك إذ كنا جمادا. وذلك لأن الله يحييها يوم القيامة وينطقها. # PageV02P092 # وفى الجملة ... يتبرأ بعضهم من بعض، ويذوق كل وبال فعله. # وفائدة هذا التعريف أنه ما ليس لله فهو وبال عليهم فاشتغالهم- اليوم- ~~بذلك محال «1» ، ولهم فى المآل- من ذلك- وبال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 30] # هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون (30) # إنما يقفون على خسرانهم إذا ذاقوا طعم هوانهم فإذا ردوا إلى الله لم ~~يجدوا إلا البعد عن الله، والطرد من قبل الله، وذلك جزاء من آثر على الله ~~غير الله. قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 31] # قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من ~~الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ~~(31) # كما توحد الحق- سبحانه- بكونه خالقا تفرد بكونه رازقا، وكما لا خالق ms0492 سواه ~~فلا رازق سواه. # ثم الرزق على أقسام: فللأشباح رزق: وهو لقوم توفيق الطاعات، ولآخرين ~~خذلان الزلات. وللأرواح رزق: وهو لقوم حقائق الوصلة، ولآخرين- فى الدنيا- ~~الغفلة وفى الآخرة العذاب والمهلة. # «أمن يملك السمع والأبصار» : فيكمل بعض الأبصار بالتوحيد، وبعضها يعميها ~~عن التحقيق. PageV02P093 # «ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي» : يخرج المؤمن من الكافر، ~~والكافر من المؤمن. # «فسيقولون الله» : ولكن ظنا ... لا عن بصيرة، ونطقا ... لا عن تصديق ~~سريرة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 32] # فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (32) # ما يكون من موضوعات الحق، ومتعلقات الإرادة، ومتناولات المشيئة، ومجنسات ~~التقدير، ومصرفات القدرة- فهى أشباح خاوية، وأحكام التقدير عليها جارية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 33] # كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) # سبق لهم الحكم، وصدق فيهم القول فلا لحكمه تحويل ولا لقوله تبديل، فإن ~~العلل «1» لا تغير الأزل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 34] # قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ~~فأنى تؤفكون (34) # كشف قبيح ما انطوت عليه عقائدهم من عبادتهم ما لا يصح منه الخلق ~~والإعادة، وأثبت أن المعبود من منه الخلق والإعادة. # قوم جعلوا له فى الإيجاد شركاء بدعوى القدر، وقوم منعوا جواز قدرته على ~~الإعادة. # وكل هذا جنوح إلى الكفر وذهاب عن الدين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 35] # قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق ~~أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) PageV02P094 # الحق اسم من أسمائه سبحانه، ومعناه أنه موجود، وأنه ذو الحق، وأنه محق ~~الحق. # والحق من أوصاف الخلق ما حسن فعله وصح اعتقاده وجاز النطق به. # «والله يهدى للحق» : أي إلى الحق هدايته. وهداه له وهداه إليه بمعني فمن ~~هداه الحق للحق وقفه على الحق، وعزيز من هداه الحق إلى الحق للحق، فماله ~~نصيب وما له حظ. # قوله جل ذكره: ms0493 ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 36] # وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما ~~يفعلون (36) # الظن ينافى اليقين، فإنه ترجيح أحد طرفى الحكم على الآخر من غير قطع. # وأرباب الحقائق على بصيرة وقطع فالظن فى أوصاف الحق معلول، والقطع- فى ~~أوصاف النفس- لكل أحد معلول. والعبد يجب أن يكون فى الحال خاليا عن الظن إذ ~~لا يعرف أحد غيب نفسه فى مآله. # وفى صفة الحق يجب أن يكون العبد على قطع وبصيرة فالظن فى الله معلول، ~~والظن فيما من الله غير محمود. ولا يجوز بوجه من الوجوه أن يكون أهل ~~المعرفة به سبحانه- فيما يعود إلى صفته- على الظن، كيف وقد قال الله تعالى ~~فيما أمر نبيه- عليه السلام- أن يقول: «أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني» «1» ؟ وكما قلنا «2» : # طلع الصباح فلات حين سراج ... وأتى اليقين فلات حين حجاج # حصل الذي كنا نؤمل نيله ... من عقد ألوية وحل رتاج PageV02P095 # والبعد قوض بالدنو خيامه ... والوصل وكد سجله بعناج «1» # قد حان عهد للسرور فحيهلا ... لهواجم الأحزان بالإزعاج # قوله جل ذكره. ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 37] # وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) # انسدت بصائرهم فلا يزدادون بكثرة سماع القرآن إلا عمى على عمى، كما أن ~~أهل الحقيقة ما ازدادوا إلا هدى على هدى، فسبحان من جعل سماع خطابه لقوم ~~سبب تحيرهم، ولآخرين موجب تبصرهم قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 38] # أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين (38) # كلت القرائح، وخمدت نيران الفصاحة، واعترف كل خطيب مصقع بالعجز عن معارضة ~~هذا الكتاب، فلم يتعرض لمعارضته إلا من افتضح فى قالته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 39] # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) # قابلوا الحق بالتكذيب لتقاصر علومهم عن التحقيق، فالتحقيق من شرط ~~التصديق، وإنما يؤمن ms0494 بالغيب من لوح- سبحانه- لقلبه حقائق البرهان، وصرف عنه ~~دواعى الريب. PageV02P096 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 40] # ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (40) # فأما الذين آمنوا فهم الذين كحل الحق أبصار قلوبهم بنور اليقين، والذين ~~لم يؤمنوا فهم الذين وسم قلوبهم بالعمى فزلوا- بالضلالة- عن الهدى.. تلك ~~سنة الله فى الطائفتين، ولن تجد لسنة الله تحويلا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 41] # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون (41) # برح الخفاء، واستبانت الحقائق، وامتاز «1» الطريقان، فلا المحسن بجرم ~~المسيء معاقب، ولا المسيء بجرم المحسن معاتب، كل على حدة بما يعمله وعلى ما ~~يفعله محاسب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 42] # ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) # من استمع بتكلفه ازداد فى تخلفه بزيادة تصرفه، ومن استمع الحق بتفضله- ~~سبحانه- استغنى فى إدراكه عن تعمله. والحق- سبحانه- يسمع أولياءه ما ~~يناجيهم به فى أسرارهم، فإذا سمعوا دعاء الواسطة «2» قابلوه بالقبول لما ~~سبق لهم من استماع الحق. # ومن عدم استماع الحق إياه من حيث التفهيم لم يزده سماع الخلق إلا جحدا ~~على جحد، ولم يحظ به إلا بعدا على بعد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 43] # ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43) # من سدت بصيرته بالغفلة والغيبة لم يزده إدراك البصر إلا حجبة على حجية، ~~ومن PageV02P097 # لم ينظر إلى الله بالله، ولم يسمع من الله بالله، فقصاراه العمى والصمم، ~~«فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» «1» وقال عليه ~~السلام فيما أخبر عن الله: «فى يسمع وبى يبصر» «2» . # وأنشد قائلهم: # تأمل بعين الحق إن كنت ناظرا ... إلى منظر منه إليه يعود # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 44] # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) # نفى عن نفسه ما يستحيل تقديره فى نعته، وكيف يوصف بالظلم وكل ما يتوهم أن ~~لو فعله كان له ذلك؟ إذ الحق حقه والملك ملكه. ms0495 ومن لا يصح تقدير قبيح منه- ~~أنى يوصف بالظلم جوازا أو وجوبا؟! قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 45] # ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر ~~الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (45) # الأيام والشهور، والأعوام والدهور بعد مضيها فى حكم اللحظة لمن تفكر ~~فيها، ومتى يكون لها أثر بعد تقضيها؟ والآتي من الوقت قريب، وكأن قدر ~~الماضي من الدهر لم يعهد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 46] # وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما ~~يفعلون (46) . PageV02P098 # معناه أن خبره صدق، ووعده ووعيده حق و، بعد النشرح حشر، وفى ذلك الوقت ~~مطالبة وحساب، ثم على الأعمال ثواب وعقاب، وما أسرع ما يكون المعلوم مشاهدا ~~موجودا! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 47] # ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (47) # لم يخل زمانا من شرع، ولم يخل شرعا من حكم، ولم يخل حكما مما يعقبه من ~~ثواب وعقاب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 48] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) # الاستعجال بهجوم الموعود من أمارات أصحاب التكذيب، فأما أهل التحقيق فليس ~~لهم لوارد يرد عليهم اشتغال قبل وجوده، أو استعجال على حين كونه، ولا إذا ~~ورد استقبال لما تضمنه حكمه فهم مطروحون فى أسر الحكم، لا يتحرك منهم- ~~باختيارهم- عرق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 49] # قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء ~~أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (49) # المملوك متى يكون له ملك؟! وإذا كان سيد البرايا- عليه الصلاة والسلام- ~~لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا.. # فمن نزلت رتبته، وتقاصرت حالته متى يملك ذرة أو تكون باختياره وإيثاره ~~شمة؟ # طاح الذي لم يكن «1» - فى التحقيق، وتفرد الجبار بنعت الملكوت. ~~PageV02P099 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 50] # قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون (50) # من عرف كمال القدرة لم يأمن فجأة الأخذ بالشدة، ومن خاف ms0496 البيات لم يستلذ ~~السبات. # ويقال من توسد الغفلة أيقظته فجاءة العقوبة، ومن استوطن مركب الزله عثر ~~فى وهدة المحنة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 51] # أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون (51) # بعد انتهاك ستر الغيب لا يقبل تضرع المعاذير. # ويقال لا حجة بعد إزاحة العلة، ولا عذر بعد وضوح الحجة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 52] # ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52) # لا تكلف نفس إلا تجرع ما منه سقت، ولا يحصد زارع غلة إلا ما منه زرع، وفى ~~معناه قالوا: # سننت فينا سننا ... قذف البلايا عقبه # يصبر على أهوالها ... من بر يوما ربه «1» # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 53] # ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) # صرح بالإخبار عند استخبارهم، وأعلم بما يزيل الشبهة عما التبس على ~~جهالهم، وأكد إخبارك بما تذكره من القسم واليمين، مضافا ذلك إلى ما تسلفه ~~من التبيين. على أنه لا ينفعهم PageV02P100 # نصحك، ولا يؤثر فيهم وعظك.. كيف لا؟ وقد جرعوا شراب الحجبة، ووسموا بكى ~~الفرقة فلا بصيرة لهم ولا ( ... ) «1» ولا فهم ولا حصافة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 54] # ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا ~~العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (54) # لا يقبل منهم عدل ولا سرف «2» ، ولا يحصل فيما سبق لهم من الوعيد خلف. # ولا ندامة تنفعهم وإن صدقوها، ولا كرامة تنالهم وإن طلبوها، ولا ظلم يجرى ~~عليهم ولا حيف، كلا ... بل هو الله العدل فى قضائه، الفرد فى علائه بنعت ~~كبريائه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 55] # ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون (55) # الحادثات بأسرها لله ملكا، وبه ظهورا، ومنه ابتداء، وإليه انتهاء فقوله ~~حق، ووعده صدق، وأمره حتم، وقضاؤه بات. وهو العلى، وعلى ما يشاء قوى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 56] # هو يحيي ويميت ms0497 وإليه ترجعون (56) # يحيى القلوب بأنوار المشاهدة، ويميت النفوس بأنواع المجاهدة، فنفوس ~~العابدين تلفها فنون المجاهدات، وقلوب العارفين شرفها عيون المشاهدات. # ويقال يحيى من أقبل عليه، ويميت من أعرض عنه. # ويقال يحيى قلوب قوم بجميل الرجاء، ويميت قلوب قوم بوسم القنوط. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 57] # يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ~~للمؤمنين (57) PageV02P101 # الموعظة للكافة.. ولكنها لا تنجع في أقوام، وتنفع فى آخرين فمن أصغى ~~إليها بسمع سره اتضح نور التحقيق فى قلبه، ومن استمع إليها بنعت غيبته ما ~~اتصف إلا بدوام حجبته. # ويقال الموعظة لأرباب الغيبة ليئوبوا، والشفاء لأصحاب الحضور ليطيبوا. # ويقال «الموعظة» : للعوام، «والشفاء» : للخواص، «والهدى» لخاص الخاص، ~~«والرحمة» لجميعهم، وبرحمته وصلوا إلى ذلك. # ويقال شفاء كل أحد على حسب دائه، فشفاء المذنبين بوجود الرحمة، وشفاء ~~المطيعين بوجود النعمة «1» ، وشفاء العارفين بوجود القربة، وشفاء الواجدين ~~بشهود الحقيقة. # ويقال شفاء العاصين بوجود النجاة، وشفاء المطيعين بوجود الدرجات، وشفاء ~~العارفين بالقرب والمناجاة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 58] # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) # «الفضل» : الإحسان الذي ليس بواجب على فاعله، «والرحمة» إرادة النعمة ~~وقيل هى النعمة. # والإحسان على أقسام وكذلك النعمة، ونعم الله أكثر من أن تحصى. # ويقال الفضل ما أتاح لهم من الخيرات، والرحمة ما أزاح عنهم من الآفات. # ويقال فضل الله ما أكرمهم من إجراء الطاعات، ورحمته ما عصمهم به من ~~ارتكاب الزلات. ويقال فضل الله دوام التوفيق ورحمته تمام التحقيق. ~~PageV02P102 # ويقال فضل الله ما يخص به أهل الطاعات من صنوف إحسانه، ورحمته ما يخص به ~~أهل الزلات من وجوه غفرانه. # ويقال فضل الله الرؤية، ورحمته إبقاؤهم فى حالة الرؤية. # ويقال فضل الله المعرفة فى البداية، ورحمته المغفرة فى النهاية. # ويقال فضل الله أن أقامك بشهود الطلب، ورحمته أن أشهدك حقه بحكم البيان ~~إلى أن تراه غدا بكشف العيان. # قوله: «فبذلك فليفرحوا» أي بما أهلهم له، لا بما يتكلفون من حركاتهم ~~وسكناتهم، أو يصلون ms0498 إليه بنوع من تكلفهم وتعملهم. «هو خير مما يجمعون» : أي ~~ما تتحفون به من الأحوال الزاكية خير مما تجمعون من الأموال الوافية. # ويقال الذي لك منه- فى سابق القسمة- خير مما تتكلفه من صنوف الطاعة ~~والخدمة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 59] # قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن ~~لكم أم على الله تفترون (59) # يعنفهم ويقرعهم «1» على ما ابتدعوه من التحليل والتحريم، ويظهر كذبهم ~~فيما تقولوه من نسبتهم ذلك إلى إذن وشرع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 60] # وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) # هذا على جهة التهويل والتعظيم لما أسلفوه من الكذب. PageV02P103 # ثم قال: «إن الله لذو فضل على الناس» فى إمهال من أجرم، والعصمة لمن لم ~~يجرم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 61] # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم ~~شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (61) # خوفهم بما عرفهم من اطلاعه عليهم فى جميع أحوالهم، ورؤية ما سيفعلونه من ~~فنون أعمالهم. والعلم بأنه يراهم يوجب استحياءهم منه، وهذه حال المراقبة، ~~والعبد إذا علم أن مولاه يراه استحيى منه، وترك متابعة هواه، ولا يحوم حول ~~ما نهاه، وفى معناه أنشدوا: # كأن رقيبا منك حال بمهجتي ... إذا رمت تسهيلا على تصعبا # وأنشدوا: # أعاتب عنك النفس فى كل خصلة ... تعاتبنى فيها وأنت مقيم # «وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة» : وكيف يخفى ذلك عليه، أو يتقاصر علمه ~~عنه، وهو منشئه وموجده؟ وبعض أحكامه الجائزة مخصصة، وإنما قال: «إلا في ~~كتاب مبين» : # ردهم إلى كتابته ذلك عليهم- لعدم اكتفائهم فى الامتناع عما نهوا عنه- ~~برؤيته وعلمه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 62] # ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) # الولى على ms0499 وزن فعيل مبالغة من الفاعل، وهو من توالت طاعاته، من غير أن ~~يتخللها عصيان. # ويجوز أن يكون فعيل بمعنى مفعول كجريح وقتيل بمعنى مجروح ومقتول فيكون ~~الولى من يتوالى عليه إحسان الله وأفضاله، ويكون بمعنى كونه محفوظا فى عامة ~~أحواله من المحن. # PageV02P104 # وأشد المحن ارتكاب المعاصي فيعصمه الحق- سبحانه- على دوام أوقاته من ~~الزلات. # وكما أن النبي لا يكون إلا معصوما فالولى لا يكون إلا محفوظا. # والفرق بين المحفوظ والمعصوم أن المعصوم لا يلم بذنب البتة، والمحفوظ قد ~~تحصل منه هنات، وقد يكون له- فى الندرة- زلات، ولكن لا يكون له إصرار: ~~«أولئك الذين يتوبون من قريب» «1» . # قوله جل ذكره: لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. # حسن ما قيل إنه «لا خوف عليهم» : فى الدنيا، «ولا هم يحزنون» : فى ~~العاقبة. # ولكن الأولى أن يقال إن الخواص منهم لا خوف عليهم فى الحال- لأن حقيقة ~~الخوف توقع محذور فى المستقبل، أو ترقب محبوب يزول فى المستأنف.. وهم بحكم ~~الوقت ليس لهم تطلع إلى المستقبل. والحزن هو أن تنالهم حزونة فى الحال، وهم ~~فى روح الرضا بكل ما يجرى فلا تكون لهم حزونة الوقت. فالولى لا خوف عليه فى ~~الوقت، ولا له حزن بحال، فهو بحكم الوقت. # ولا يكون وليا إلا إذا كان موفقا لجميع ما يلزمه من الطاعات، معصوما بكل ~~وجه عن جميع الزلات. وكل خصلة حميدة يمكن أن يعتبر بها فيقال هى صفة ~~الأولياء. ويقال الولى من فيه هذه الخصلة. # ويقال الولى من لا يقصر فى حق الحق، ولا يؤخر القيام بحق الخلق يطيع لا ~~لخوف عقاب، ولا على ملاحظة حسن مآب، أو تطلع لعاجل اقتراب، ويقضى لكل أحد ~~حقا يراه واجبا، ولا يقتضى من أحد حقا له، ولا ينتقم، ولا ينتصف «2» ولا ~~يشمت ولا يحقد، ولا يقلد أحدا منة، ولا يرى لنفسه ولا لما يعمله قدرا ولا ~~قيمة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 63] # الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) # هذه صفة الأولياء آمنوا فى الحال، واتقوا الشرك فى المآل. ويقال «آمنوا» ~~أي قاموا PageV02P105 # بقلوبهم ms0500 من حيث المعارف. «وكانوا يتقون» : استقاموا بنفوسهم بأداء ~~الوظائف. # ويقال «آمنوا» بتلقى التعريف. «واتقوا» : بالتقوى عن المحرمات بالتكليف. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 64] # لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو ~~الفوز العظيم (64) # القيام بالأمر يدل على الصحة فإذا قاموا بما أمروا به، واستقاموا بترك ما ~~زجروا عنه بشرتهم الشريعة بالخروج عن عهدة الإلزام، وبشرتهم الحقيقة ~~باستيجاب الإكرام، بما كوشفوا به من الإعلام.. وهذه هى البشرى فى عاجلهم. ~~وأما البشرى فى آجلهم: فالحق- سبحانه- يتولى ذلك التعريف، قال تعالى: ~~«يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان» «1» ويقال البشارة العظمى ما يجدون فى ~~قلوبهم من ظفرهم بنفوسهم بسقوط مآربهم، وأى ملك أتم من سقوط المآرب، والرضا ~~بالكائن «2» ؟ هذه هى النعمة العظمى، ووجدان هذه الحالة هو البشرى الكبرى. # ويقال الفرق بين هذه البشارة التي لهم وبين البشارة التي لخلق أن التي ~~للخلق عدة «3» بالجميل، والذي لهم نقد ومحصول. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 65] # ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (65) # العبد ما دام متفرقا يضيق صدره ويستوحش قلبه بما يسمع ويشهد من الأغيار ~~والكفار ما تتقدس عنه صفة الحق، فإن صار عارفا زالت عنه تلك الصفة لتحققه ~~بأن الحق سبحانه وراء كل طاعة وزلة، فلا له- سبحانه- من هذا استيحاش، ولا ~~بذلك استئناس. PageV02P106 # ثم يتحقق العارف بأن المجرى لطاعة أرباب الوفاق- الله، والمنشئ لأحوال ~~أهل الشقاق- الله. لا يبالى الحق بما يجرى ولا يبالى العبد بشهود ما يجرى، ~~كما قيل: # بنو حق قضوا بالحق صرفا ... فنعت الخلق فيهم مستعار # قوله جل ذكره ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 66] # ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون ~~الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) # لله من فى السماوات ومن فى الأرض ملكا، ويبدى عليهم ما يريد حكما جزما ~~فلا لقبوله علة، ولا موجب لرده زلة، كلا ... إنها أحكام سابقة، لم توجبها ~~أجرام لاحقة، ولا طاعات وعبادت صادقة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس ms0501 (10) : آية 67] # هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون (67) # الليل لأهل الغفلة بعد وغيبة، ولأهل الندم «1» توبة وأوبة، وللمحبين زلفة ~~وقربة فالليل بصورته غير مؤنس، لكنه وقت القربة لأهل الوصلة كما قيل: # وكم لظلام الليل عندى من يد «2» تخبر أن المانوية تكذب قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : الآيات 68 الى 69] # قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن ~~عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) قل إن الذين ~~يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) PageV02P107 # الولد بعض الوالد، والصمدية تجل عن البعضية، فنزه الله نفسه عن ذلك بقوله ~~«سبحانه» . # ثم إنه لم يعجل لهم العقوبة- مع قبيح قالتهم ومع قدرته على ذلك- تنبيها ~~على طريق الحكمة لعباده. # ولا تجوز فى وصفه الولادة لتوحده، فلا قسيم له، ولا يجوز فى نعته التبني ~~أيضا لتفرده وأنه لا شبيه له. # قوله: «هو الغني» : الغني نفى الحاجة، وشهوة المباشرة حاجة، ويتعالى عنها ~~سبحانه. # قوله جل ذكره ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 70] # متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا ~~يكفرون (70) # ليس لهم بما هم فيه استمتاع، إنما هى أيام قليلة ثم تتبعها آلام طويلة، ~~فلا قدم لهم بعد ذلك ترفع، ولا ندم ينفع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 71] # واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري ~~بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم ~~غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71) # أنزل الله هذه الآية على وجه التسلية لنبيه- صلى الله عليه وسلم- لما كان ~~يمسه من مقاساة الشدة من قومه، فإن أيام نوح- وإن طالت- فما لبثت كثيرا إلا ~~وقد زالت، كما قيل: # وأحسن شىء في النوائب أنها ... إذا هى نابت لم تكن خلدا # ثم بين أنه كان يتوكل على ربه مهما فعلوا. ولم يحتشم عبد- ما وثق بربه- ~~من كل ما نزل به ثم إن نوحا- عليه السلام- قال: إنى توكلت ms0502 على الله، وهذا ~~عين التفرقة، # PageV02P108 # وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: «يا أيها النبي حسبك الله» «1» وهذا عين ~~الجمع فبانت المزية وظهرت الخصوصية. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 72] # فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من ~~المسلمين (72) # إذا كان عمله لله لم يطلب الأجر عليه من غير الله، وهكذا سنته فى جميع ~~أولياء الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 73] # فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) # أغرق قومه بأمواج القطرة، وفى الحقيقة أغرقهم بأمواج الأحكام والقدرة، ~~وحفظ نوحا- عليه السلام- وقومه فى السفينة، وفى الحقيقة نجاهم فى سفينة ~~السلامة. كان نوح فى سابق حكمه من المحروسين، وكان قومه فى قديم قضائه من ~~جملة المغرقين، فجرت الأحوال على ما جرت به القسمة فى الأزل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : الآيات 74 الى 75] # ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) ثم بعثنا من بعدهم موسى ~~وهارون إلى فرعون وملائه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (75) ~~PageV02P109 # قص عليه- صلوات الله عليه وسلامه- أنباء الأولين، وشرح له جميع أحوال ~~الغابرين، ثم فضله على كافتهم أجمعين، فكانوا نجوما وهو البدر، وكانوا ~~أنهارا وهو البحر، ثم به انتظم عقدهم، وبنوره أشرق نهارهم، وبظهوره ختم ~~عددهم «1» ، كما قيل: # يوم وحسب الدهر من أجله ... حيا غد والتفت الأمس # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 76] # فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين (76) # ما زادهم الحق سبحانه بيانا إلا ازدادوا طغيانا، وذلك أنه تعالى أجرى ~~سنته فى المردودين عن معرفته أنه لا يزيد فى الحجج هدى إلا ويزيد فى قلوبهم ~~عمى، ثم خفى عليهم قصود النبيين صلوات الله عليهم أجمعين. # «يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون» : نظروا من حيث كانوا لم ~~يعرفوا طعما غير ما ذاقوا، وكذا صفة من أقصته السوابق، وردته المشيئة. # قوله جل ms0503 ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 78] # قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في ~~الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) # ركنوا إلى تقليد آبائهم فيما عليه كانوا، واستحبوا استدامة ما عليه كانوا ~~... فلحقهم شؤم العقيدة وسوء الطريقة حتى توهموا أن الأنبياء عليهم السلام ~~إنما دعوهم إلى الله لتكون لهم الكبرياء على عباد الله، ولم يعلموا أنهم ~~إنما دعوهم إلى الله بأمر الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 79] # وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم (79) # لما استعان فى استدفاع ما استقبله بغير الله لم يلبث إلا يسيرا حتى تبرأ ~~منهم وتوعدهم PageV02P110 # بقوله: لأفعلن ولأصنعن، وكذلك قصارى كل حجة وولاية إذا كانت فى غير الله ~~فإنها تئول إلى العداوة والبغضة، قال تعالى: «الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض ~~عدو» «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : الآيات 80 الى 81] # فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (80) فلما ألقوا قال ~~موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين (81) # أمرهم أمرا يظهر به بطلانهم ليدخل الحق على ما أتوا به من التمويه، فلذلك ~~قال موسى عليه السلام: «إن الله سيبطله» فلما التقمت عصا موسى- جميع ما ~~جاءوا به من حبالهم وعصيهم- حين قلبها الله حية.. علموا أن الله أبطل تلك ~~الأعيان وأفناها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 82] # ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون (82) # من جملة ما أحقه أن السحرة كان عندهم أنهم ينصرون فرعون ويجيبونه فكانوا ~~يقسمون بعزته حيث قالوا «بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون» وقال الحق اغض ~~سبحانه. # بعزتي إنكم لمغلوبون، فكان على ما قال تعالى دون ما قالوه، وفى معناه ~~قالوا: # كم رمتني بأسهم صائبات ... وتعمدتها بسهم فطاشا # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 83] # فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم وإن ~~فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) # أهل الحقيقة فى كل وقت قليل عددهم، كبير عند الله خطرهم. PageV02P111 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 84] # وقال موسى ms0504 يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) # بين أن الإيمان ليس من حيث الأقوال.. بل لا بد فيه من صدق الأحوال قصدا. # وحقيقة التوكل توسل تقديمه متصل، ثم يعلم أنه بفضله- سبحانه- تحصل نجاته، ~~لا بما يأتى به من التكلف- هذه هى حقيقة التوكل «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : الآيات 85 الى 86] # فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (85) ونجنا ~~برحمتك من القوم الكافرين (86) # تبرأنا مما منا من الحول والمنة، وتحققنا بما منك من الطول والمنة. # فلا تجعلنا عرضة لسهام أحكامك فى عقوبتك بانتقامك، وارحمنا بلطفك ~~وإكرامك، ونجنا ممن غضبت عليهم فأذللتهم، وبكى فراقك وسمتهم قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 87] # وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة ~~وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين (87) # مهد إليهم لعبادتنا محال وهى نفوسهم، ولمعارفنا منازل وهى قلوبهم، ~~ولمحبتنا مواضع وهى أرواحهم، ولمشاهدتنا معاهد وهى أسرارهم فنفوس العابدين ~~بيوت الخدمة، وقلوب العارفين أوطان الحشمة، وأرواح المهيمين مشاهد المحبة، ~~وأسرار الموحدين منازل الهيبة «2» قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 88] # وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ~~ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم (88) PageV02P112 # لما يئس من إجابتهم حين دعاهم إلى الله دعا عليهم بإنزال السخطة وإذاقة ~~الفرقة. ومن المعلوم أن الأنبياء- عليهم السلام- من حقهم العصمة، فإذا دعا ~~موسى عليهم بمثل هذه الجملة لم يكن ذلك إلا بإذن من قبل الله تعالى فى ~~الحقيقة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 89] # قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون (89) # الاستقامة فى الدعاء ترك الاستعجال فى حصول المقصود، ولا يسقط الاستعجال ~~من القلب إلا بوجدان السكينة فيه، ولا تكون تلك السكينة إلا بحسن الرضاء ~~بجميع ما يبدو من الغيب ويقال ينبغى للعبد أن يسقل بالله «1» ما أمكنه، ~~فعند هذا يقل دعاؤه. ثم إذا دعاه بإشارة من الغيب- فى جوازه- فالواجب ألا ~~يستعجل، وأن يكون ساكن ms0505 الجأش. # ويقال من شرط الدعاء صدق الافتقار فى الابتداء، ثم حسن الانتظار فى ~~الانتهاء، وكمال هذا الرضاء بجريان الأقدار بما يبدو من المسار والمضار. # ويقال الاستقامة فى الدعاء سقوط التقاضي «2» على الغيب، والخمود عن ~~الاستعجال بحسن الثقة، وجميل الظن. # ويقال فى الآية تنبيه على أن للأمور آجالا معلومة، فإذا جاء الوقت فلا ~~تأخير للمقسوم فى الوقت المعلوم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 90] # وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا ~~أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين (90) PageV02P113 # حملت العزة فرعون على تقحم البحر على إثرهم، فلما تحقق الهلاك حملته ~~ضرورة الحيلة على الاستعاذة، فلم ينفعه ذلك لفوات وقت الاختيار. # ويقال لما شهد صولة التقدير أفاق من سكر الغلطة «1» ، لكن: «بعد شهود ~~البأس لا ينفع التخاشع والابتئاس» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 91] # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) # ... أبعد طول الإمهال، والإصرار على ذميم الأفعال، والركض فى ميدان ~~الاغترار، وانقضاء وقت الاعتذار؟! هيهات! لقد استوجبت أن ترد فى وجهك، فلا ~~لعذرك قبول، ولا لك إلى ما ترومه وصول. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 92] # فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا ~~لغافلون (92) # لنشهرن تعذيبك، ونظهرن- لمن استبصر- تأديبك، لتكون لمن خلفك عبرة، وتزداد ~~حين أفقت أسفا وحسرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 93] # ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى ~~جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (93) ~~PageV02P114 # أذللنا لهم الأيام، وأكثرنا لديهم الإنعام، وأكرمنا لهم المقام، وأتحنا ~~لهم فنون الحسنات، وأدمنا لهم جميع الخيرات ... فلما قابلوا النعمة ~~بالكفران، وأصروا على البغي والعدوان أذقناهم سوء العذاب، وسددنا عليهم ~~أبواب ما فتحنا لهم من التكريم والإيجاب، وذلك جزاء من حاد عن طريق الوفاق، ~~وجنح إلى جانب الشقاق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 94] # فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن ms0506 الكتاب من قبلك لقد جاءك ~~الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) # ما شك- صلى الله عليه وسلم- فيما عليه أنزل، ولا عن أحد منهم ساءل، وإنما ~~هذا الخطاب على جهة التهويل، والمقصود منه تنبيه القوم على ملازمة نهج ~~السبيل. # ويقال صفة أهل الخصوص ملاحظة أنفسهم وأحوالهم بعين الاستصغار. # ويقال فإن تنزلت منزلة أهل الأدب فى ترك الملاحظات فسل عمن أرسلنا قبلك ~~فهل بلغنا أحدا منزلتك؟ وهل خصصنا أحدا بمثل تخصيصك؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 95] # ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) # ما كان منهيا عنه، وكان قبيحا فبالشرع كان قبيحا، فلا بد من ورود الأمر ~~به حتى تكون منه طاعة وعبادة. وإنما لم يجز فى صفته- صلى الله عليه وسلم- ~~التكذيب بآيات الله لأنه نهى عنه لا لكونه قبيحا بالعقل «1» حتى يقال كيف ~~نهى عنه وكان ذلك بعيدا منه؟ PageV02P115 # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : الآيات 96 الى 97] # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل آية حتى يروا ~~العذاب الأليم (97) # فالأعداء حقت عليهم كلمة بالعقاب، والأولياء حقت عليهم كلمة بالثواب ~~فالكلمة أزلية، والأحكام سابقة، والأفعال فى المستأنف على ممر الأوقات على ~~موجب القضية لاحقة، فالذين نصيبهم من القسمة الشقوة لا يؤمنون وإن شاهدوا ~~كل دلالة، وعاينوا كل معجزة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 98] # فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم ~~عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) # قوم يونس تداركتهم الرحمة الأزلية فيما أجرى عليهم من توفيق التضرع، فكشف ~~عنهم العذاب، وصرف عنهم ما أظل عليهم من العقوبة بعد ما عاينوا من تلك ~~الأبواب فبرحمته وصلوا إلى تضرعهم، لا بتضرعهم وصلوا إلى رحمته «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 99] # ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين (99) # كيف يتعصى عليه سبحانه مراد- والذي يبقى شىء عن مراده ساه أو مغلوب؟ ~~والذي يستحق جلال العزة لا يفوته مطلوب. # قوله جل ذكره: ms0507 ### | [سورة يونس (10) : آية 100] # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ~~(100) . PageV02P116 # لا يمكن حمل «1» الإذن فى هذه الآية إلا على معنى المشيئة لأنه للكافة ~~بالإيمان، والذي هو مأمور بالشيء لا يقال إنه غير مأذون فيه. ولا يجوز حمل ~~هذه الآية على معنى أنه لا يؤمن أحد إلا إذا ألجأه الحق إلى الإيمان ~~واضطره- لأن موجب ذلك ألا يكون أحد فى العالم مؤمنا بالاختبار، وذلك خطأ، ~~فدل على أنه أراد به إلا أن يشاء الله أن يؤمن هو طوعا. ولا يجوز بمقتضى ~~هذا أنه يريد من أحد أن يؤمن طوعا ثم لا يؤمن لأنه يبطل فائدة الآية، فصح ~~قول أهل السنة بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 101] # قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا ~~يؤمنون (101) # الأدلة- وإن كانت ظاهرة- فما تغنى إذا كانت البصائر مسدودة، كما أن ~~الشموس- وإن كانت طالعة- فما تغنى إذا كانت الأبصار عن الإدراك بالعمى ~~مردودة، كما قيل: # وما انتفاع أخى الدنيا بمقلته ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 102] # فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين (102) # تمني ألطاف أنوار الحقيقة تعن فى تسويل، واستناد إلى غير تحصيل، وتماد فى ~~تضليل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 103] # ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين (103) # حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض فقوله تعالى: «علينا» هاهنا معناها ~~«منا» ، PageV02P117 # فلا شىء يجب على الله لكونه إلها ملكا، فيجب الشيء من الله- لصدقه- ولا ~~يجب عليه- لعزته «1» . # وكما لا يجوز أن يدخل نبى من الأنبياء- عليهم السلام- فى النار لا يجوز ~~أن يخلد واحد من المؤمنين فى النار لأنه أخبر أنه ينجى الرسل والمؤمنين ~~جميعا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 104] # قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون ~~الله ولكن أعبد الله الذي ms0508 يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين (104) # إن كنتم فى غطاء الريب فأنا فى ضياء من الغيب، إن كنتم فى ظلمة الجهل ~~فأنا فى شموس الوصل، إن كنتم فى سدفة الضلالة فأنا فى خلعة الرسالة وعلى ~~أنوار الدلالة. # ويقال قد تميزنا على مفرق الطريق: فأنتم وقعتم فى وهدة العوج، وأنا ثابت ~~على سواء «2» النهج. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 105] # وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) # أي أخلص قلبك للدين، وجرد قلبك عن إثبات كل ما لحقه قهر التكوين، وكن ~~مائلا عن الزيغ والبدع، داخلا فى جملة من أخلص فى الحقيقة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 106] # ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين ~~(106) PageV02P118 # لا تعبد ما لا تنفعك عبادته ولا تضرك عبادته، وتلك صفة كل ما يعبد من دون ~~الله. # واستعانة الخلق بالخلق تمحيق للوقت بلا طائل فمن لا يملك لنفسه ضرا ولا ~~نفعا كيف يستعين به من هو فى مثل حاله؟ وإذا انضاف الضعيف إلى الضعيف ازداد ~~الضعف. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 107] # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب ~~به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107) # كما تفرد بإبداع الضر واختراعه فلا شريك يعضده.. كذلك توحد بكشف الضر ~~وصرفه فلا نصير ينجده. # ويقال هون على المؤمن الضر بقوله: «وإن يمسسك الله بضر» حيث أضافه إلى ~~نفسه، والحنظل يستلذ من كف من تحبه. # وفرق بين الضر والخير بإضافة الضر إليه فقال: وإن يمسسك الله بضر، ولم ~~يقل: # وإن يردك بضر- وإن كان ذلك الضر صادرا عن إرادته- وفى ذلك من حيث اللفظ ~~دقة. # ويقال: عذب الضر حيث كان نفعه فلما أوجب مقاساة الضر من الحرب أبدل مكانه ~~السرور والطرب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 108] # قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ~~ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم ms0509 بوكيل (108) # من استبصر ربح رشد نفسه، ومن ضل فقد زاغ عن قصده فهذا بلاء اكتسب، وذلك ~~ضياء وشفاء اجتلب. # PageV02P119 # قوله جل ذكره: ### | [سورة يونس (10) : آية 109] # واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين (109) # قف عند جريان أحكامنا، وانسلخ عن مرادك بالكلية، ليجرى عليك ما يريد، ~~والله أعلم بالصواب. ### | السورة التي يذكر فيها هود عليه السلام # بسم الله الرحمن الرحيم هذه كلمة استولت على عقول قوم فبصرتها، وعلى قلوب ~~آخرين فجردتها، فالتى بصرتها فبنور برهانه، والتي جردتها فبقهر سلطانه.. ~~فعالم سلك سبيل بحثه واستدلاله فسكن لما طلعت نجوم عقله تحت ظلال إقباله، ~~وعارف تعرض إلى وصاله فطاح لما لاحت لمعة ممن تقدس بالإعلام باستحقاق ~~جلاله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) # الألف إشارة إلى انفراده بالربوبية. # واللام إشارة إلى لطفه بأهل التوحيد. # والراء إشارة إلى رحمته بكافة البرية. # وهى فى معنى القسم: أي أقسم بانفرادى بالربوبية ولطفى بمن عرفنى ~~بالأحدية، ورحمتى على كافة البرية- إن هذا الكتاب أحكمت آياته. # ومعنى «أحكمت آياته» : أي حفظت عن التبديل والتغيير، ثم فصلت ببيان نعوت ~~الحق فيما يتصف به من جلال الصمدية، وتعبد به الخلق من أحكام العبودية، ثم ~~مالاح لقلوب الموحدين والمحبين من لطائف القربة، فى عاجلهم البشرى بما ~~وعدهم به من عزيز لقائه فى آجلهم، وخصائصهم التي امتازوا بها عمن سواهم. # PageV02P120 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 2] # ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) # أي فصلت آياته بألا تعبدوا إلا الله. # ويقال معناه فى هذا الكتاب ألا تعبدوا إلا الله، إنى لكم منه «نذير» مبين ~~بالفرقة، «وبشير» بدوام الوصلة، (فالفرقة بل فى عاجله واحدا) «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 3] # وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ~~ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) # استغفروا ربكم أولا ثم توبوا إليه بعده. # والاستغفار ms0510 طلب المغفرة، يعنى قبل أن تتوبوا اطلبوا منه المغفرة بحسن ~~النظرة، وحمل الرجاء والثقة بأنه لا يخلد العاصي فى النار، فلا محالة يخرجه ~~منها.. فابتدئوا باستغفاركم، ثم توبوا بترك أوزاركم، والتنقى عن إصراركم. # ويقال استغفروا فى الحال مما سلف، ثم إن الممتم بزلة أخرى فتوبوا. # ويقال استغفروا فى الحال ثم لا تعودوا إلى ارتكاب الزلة فاستديموا ~~التوبة- إلى مآلكم- مما أسلفتم من قبيح أعمالكم. # ويقال «استغفروا» : الاستغفار هو التوبة، والتنقى من جميع الذنوب، ثم ~~«توبوا» من توهم أنكم تجابون بتوبتكم، بل اعلموا أنه يجيبكم بكرمه لا ~~بأعمالكم. # ويقال «الاستغفار» : طلب حظوظكم من عفونا.. فإذا فعلتم هذا فتوبوا عن طلب ~~كل حظ ونصيب، وارجعوا إلينا، واكتفوا بنا، راضين بما تحوزونه من التجاوز ~~عنكم أو غير ذلك مما يخرجكم به. # قوله جل ذكره: يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى أي نعيشكم عيشا طيبا حسنا ~~مباركا. # ويقال هو إعطاء الكفاية مع زوال الحرص. # ويقال هو القناعة بالموجود. PageV02P121 # ويقال هو ألا يخرجه إلى مخلوق، ولا يجعل لأحد عليه منة (لا سيما للئيم ~~«1» ) . # ويقال هو أن يوفقه (لاصطناع المعروف إلى المستحقين. # ويقال هو أن تقضى على يديه) «2» حوائج الناس. # ويقال هو ألا يلم فى حال شبابه بزلة، وألا يتصف بأنه عن الله فى غفلة. # ويقال هو أن يكون راضيا بما يجرى عليه من نوعى العسر و، اليسر. # قوله جل ذكره: ويؤت كل ذي فضل فضله، وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~كبير من زادت حسناته على سيئاته أعطاه جزاء ما فضل له من الطاعات، ومن زادت ~~سيئاته على حسناته كافأه بما يستوجبه من زيادة السيئات ... هذا بيان ~~التفسير. # ويقال من فضله بحسن توفيقه أوصله إلى ما يستوجبه من لطفه ويزيده.. # ويقال هو أن يستر عليه فضله حتى لا يلاحظ حاله ومقامه، بل ينظر إلى نفسه، ~~وما منه وما له.. بعين الاستحقار والاستصغار. # ويقال هو أن يرقيه عن التعريج فى أوطان البشرية إلى طاعات شهود الأحدية، ~~وينقيه عن ( ### | .... # ) «3» البشرية، والتكدر بما يبدو من مفاجآت التقدير. # ويقال هو ms0511 ألا يوحشه شىء بما يجرى فى الوقت. # ويقال هو أن يحقق له ما تسموا إليه همته، ويبلغه فوق ما يستوجبه محله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 4] # إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير (4) PageV02P122 # تنقطع الدعاوى عند الرجوع إلى الله، وتنتفى الظنون، ويحصل اليأس من غير ~~الله بكل وجه، ويبقى العبد بنعت الاضطرار، والحق يجرى عليه ما سبقت به ~~القسمة من أنواع الأقدار. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 5] # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5) # أي يسترون ما تنطوى عليه عقائدهم، ويضمرون للرسول- عليه السلام- ~~وللمؤمنين خلاف ما يظهرون، والحق- سبحانه- مطلع على قلوبهم، ويعلم خفايا ~~صدورهم، فتلبيسهم لا يغني عنهم من الله شيئا، وكان الله- سبحانه- يطلع ~~رسوله- عليه السلام- على ما أخفوه إما بتعريف الوحى، أو بإشهاد لقوة نور، ~~وكذلك المؤمنون كانوا مخصوصين بالفراسة، فكل مؤمن له بقدر حاله من الله ~~هداية، قال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور ~~الله» «1» ولقد قال قائلهم. # أبعيني أراك أم بفؤادى؟ ... كل ما فى الفؤاد للعين باد # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 6] # وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في ~~كتاب مبين (6) # أراح القلوب من حيرة التقسيم، والأفكار من نصب التفكير فى باب الرزق حيث ~~قال: # «إلا على الله رزقها» فسكنت القلوب لما تحققت أن الرزق على الله. # ويقال إذا كان الرزق على الله فصاحب الحانوت فى غلط من حسبانه. ثم إن ~~الله سبحانه PageV02P123 # بين أن الرزق الذي «عليه» ما حاله فقال: «وفي السماء رزقكم» ، وما كان فى ~~السماء لا يوجد فى السوق، ولا فى التطواف فى الغرب والشرق «1» . # ويقال الأرزاق مختلفة فرزق كل حيوان على ما يليق بصفته. # ويقال للنفوس رزق هو غذاء طريقه الخلق، وللقلوب رزق وهو ضياء موجده الحق. # ويقال لم يقل ما يشتهيه أو مقدار ما يكفيه بل هو موكول إلى مشيئته فمن ~~موسع عليه ومن مقتر. # قوله ms0512 جل ذكره: ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين قيل أراد به ~~أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، أو الدنيا والآخرة. ويقال مستقر المريد بباب ~~شيخه كمستقر الصبي بباب والديه. ويقال مستقر العابدين المساجد، ومستقر ~~العارفين المشاهد، فالمساجد مستقر نفوس العابدين، والمشاهد مستقر قلوب ~~العارفين. # ويقال مستقر المحب رأس سكة محبوبه لعله يشهده عند عبوره. # ويقال المساجد للعابدين مستقر القدم، والمشاهد للعارفين مستقر الهمم، ~~والفقراء مستقرهم سدة الكرم. # ويقال الكل له مثوى ومستقر، أما الموحد فإنه لا مأوى له ولا مستقر ولا ~~مثوى ولا منزل. # ويقال النفوس مستودع التوفيق من الله، والقلوب مستودع التحقيق من قبل ~~الله. # ويقال القلوب مستودع المعرفة فالمعرفة وديعة فيها. والأرواح مستودع ~~المحبة فالمحاب ودائع فيها. والأسرار مستودع المشاهدات فالمشاهدات ودائع ~~فيها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 7] # وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن ~~هذا إلا سحر مبين (7) PageV02P124 # وأحسن الأعمال موافقة الأمر، ولم يقل أكثر عملا. # ويقال أحسن الأعمال ما كان صاحبه أشد إخلاصا فيه. # ويقال أحسنهم عملا أبعدهم عن ملاحظة أعماله. # ويقال أحسن الأعمال ما ينظر إليه صاحبه بعين الاستصغار. # ويقال أحسن الأعمال ما لا يطلب صاحبه عليه عوضا. # ويقال أحسن الأعمال ما غاب عنه صاحبه لاستغراقه فى شهود المعبود. # قوله: «ليبلوكم» الابتلاء من قبله تعريف الملائكة حال من يبتليه فى الشكر ~~عند اليسر والصبر عند العسر. # قوله جل ذكره: ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن ~~هذا إلا سحر مبين استبعدوا النشر لتقاصر علومهم عن التحقق بكمال قدرة الحق، ~~ولو عرفوا ذلك لأيقنوا أن البعث ليس بمعتاص فى الإيجاد ولا بمستحيل فى ~~التقدير. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 8] # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ~~ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (8) # يقول: إن أمهلنا، وأخرنا عليهم العذاب لا يرعوون، ms0513 بل يستعجلون العقوبة. ~~ولئن عجلنا لهم العقوبة لا يتوبون ولا يستغفرون ... استولى عليهم الجهل فى ~~الحالين، وعميت بصائرهم عن شهود التقدير والإيمان بالغيب فى النوعين. ويوم ~~يأتيهم العذاب فلا مناص ولا منجاة ولا مراح لهم منه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 9] # ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور (9) # PageV02P125 # تكدر ما صفا من النعم، وتغير ما أتيح من الإحسان والمنن حال معهودة وخطة ~~عامة، فلا أحد إلا وله منها خطة «1» فمن لم يرجع بالتأسف قلبه، ولم يتضاعف ~~فى كل نفس تلهفه وكربه ففى ديوان النسيان، وأثبت اسمه فى جملة أهل الهجران. ~~ومن استمسك بعروة التضرع، واعتكف بعقوة التذلل، احتسى كاسات الحسرة عللا ~~بعد نهل طاعته للحق بنعت الرحمة، وجدد له ما اندرس من أحوال القربة، وأطلع ~~عليه شمس الإقبال بعد الأفول والغيبة، كما قيل # تقشع غيم الهجر عن قمر الحب ... وأشرق نور الصبح فى ظلمة الغيب # وليس للأحوال الدنيوية خطر فى التحقيق، ولا يعد زوالها وتكدرها من جملة ~~المحن عند أرباب التحصيل، لكن المحنة الكبرى والرزية العظمى ذبول غصن ~~الوصال وتكدر مشرب القرب، وأفول شوارق الأنس، ورمد بصائر أرباب الشهود ... ~~فعند ذلك تقوم قيامتهم، وهناك تسكب العبرات. ويقال إذا نعق فى ساحات هؤلاء ~~غراب البين ارتفع إلى السماء نواح أسرارهم بالويل، ومن جملة ما يبثون من ~~نحييهم ما قلت. # قولا لمن سلب الفؤاد فراقه ... ولقد عهدنا أن يباح عتاقه # بعد الفراق ... فبالذى هو بينا ... هلا رحمتم من دنا إزهاقه؟ # عهدى بمن جحد الهوى أزمان ك ... نا بالصبابة- لا يضيق نطاقه. # والآن مذ بخل الزمان بوصلنا ... ضاق البسيطة. حين دام فراقه. # هل ترتجى من وصل عزك رجعة ... تحنو على قمر يذوم محاقه؟ # إن كان ذاك كما تروم فأخبروا ... أنى له أن يعود شروقه «2» ؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 10] # ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ~~(10) PageV02P126 # إذا كشفنا الضر عنهم رحمة منا عادوا إلى تهتكهم بدلا من أن يتقربوا ~~إلينا، وأساءوا ms0514 يخلع عذارهم بدل أن يقوموا بشكرنا، وكلما أتحنا لهم من ~~إمهالنا أمنوا لمكرنا، ولم يخافوا أن نأخذهم فجأة بقهرنا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 11] # إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) # الإنسان فى الآية السابقة اسم جنس. # وإلا للاستثناء منه، وقيل بمعنى «لكن» ، يريد إذا أذقناهم نعمة بعد الشدة ~~بطروا، إلا المؤمنين فإنهم بخلاف ذلك، أي لكن الذين آمنوا بخلاف ذلك، فإنهم ~~لصبرهم على على ما به أمروا، وعما عنه زجروا، ولمعانقتهم للطاعات ومفارقتهم ~~الزلات.. فلهم مغفرة وأجر، مغفرة لعصيانهم، وأجر على إحسانهم. والفريقان لا ~~يستويان، قال قائلهم. # أحبابنا شتان واف وناقص ... ولا يستوى قط محب وباغض # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 12] # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ~~أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل (12) # اقترحوا عليه أن يأتى بكتاب ليس فيه سب آلهتهم، وبين الله- سبحانه- له ~~ألا يترك تبليغ ما أنزل عليه لأجل كراهتهم، ولا يبدل ما يوحى إليه. # قوله جل ذكره: وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ~~ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل. # وهذا على وجه الاستبعاد أي لا يكون منك ترك ما أوحى إليك، ولا يضيق صدرك # PageV02P127 # بما يبدو من الغيب.. ومن شرح الله بالتوحيد صدره، ونور بشهود التقدير ~~سره- متى يلحقه ضيق صدر أو استكراه أمر؟ ثم قال: «إنما أنت نذير والله على ~~كل شيء وكيل» : # أي أنت بالإرسال منصوب، وأحكام التقدير عليك مجراة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 13] # أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين (13) # فى الآية بيان أن المكلف مزاح العلة لما أقيم له من البرهان وأهل له من ~~التحقيق. # وأن الإيمان بالواسطة- صلى الله عليه وسلم وآله- واجب لما خص به من ~~المعجزات التي أوضحها الكتاب المنزل والقرآن المفصل الذي عجز الكفار عن ~~معارضته. # قوله ms0515 جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 14] # فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل ~~أنتم مسلمون (14) # يعنى فإن لم يستجيبوا لكم يعنى إلى الإتيان بمثله- وهم أهل بلاغة- ~~فتحققوا أنه من قبل الله، وليس على سنة التحقيق ( ### | .... # ) «1» إنما العمى فى بصائر من ضلوا عن الحق، وتاهوا فى صدفة الحيرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 15] # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا ~~يبخسون (15) # من قنع منهم بدنيا الدناءة صفتها وسعنا عليه فى الاستمتاع بأيام فيها، ~~ولكن عقب اكتمالها سيرى زوالها، ويذوق بعد غسلها حنظلها. PageV02P128 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 16] # أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما ~~كانوا يعملون (16) # أولئك الذين خابت آمالهم، وظهرت لهم- بخلاف ما احتسبوا- آلامهم، حبطت ~~أعمالهم، وحاق بهم سوء حالهم. # قوله جل ذكره ### | [سورة هود (11) : آية 17] # أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ~~ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية ~~منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) # فيه إضمار «1» ومعناه أفمن كان على بينة كمن ليس على بينة.. لا يستويان. # والبينة لأقوام برهان العلم، ولآخرين بيان الأمر بالقطع والجزم يشهدهم ~~الحق مالا يطلع عليه غيرهم، كما قلت: # ليلى من وجهك شمس الضحى ... ... فالناس فى الظلمة من ليلهم # ونحن من وجهك فى الضوء والشاهد # فالذى يتولاه فهو مشاهد، وفى الخبر «أولياء الله الذين إذا أرادوا ذكر ~~الله ### | .... # » «2» . # قال تعالى: «ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 18] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) PageV02P129 # من ادعى على الله حالا لم يكن متحققا بها فقد افترى على الله كذبا، ~~واستوجب المقت، وعقوبته ألا يرزق بركة فى أحواله، ثم إنه يكشف للشهداء ~~عيوبه، فيفضحه بين الخلق، ms0516 والشهداء قلوب الأولياء، ومن شهدت القلوب عليه ~~بالرد فهو غير مقبول عند الحق قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 19] # الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (19) # الآية. # هذا من جملة صفات المفترين على الله الكذب، ومن صدهم عن السبيل أن يظهروا ~~من أنفسهم أحوالا تخل بأحكام الشريعة، ولا يرون ذلك كبيرة فى الطريقة، ~~ويوهمون المستضعفين من أهل الاعتراض عليهم أن لهم فى ذلك رخصة، فيضلون ~~ويضلون. ومن جملة صدهم عن السبيل تغريرهم بالناس، وإيقاعهم فى الغلط، ~~ويرتفقون بشىء مما فى أيديهم من حطام الدنيا، ولا يستحيون من أخذ شىء لا ~~يستوجبونه بأى وجه حق، ويداهنون فى دين الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : الآيات 20 الى 21] # أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء ~~يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) أولئك ~~الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) # الآية. # من هذه صفتهم لا يربحون فى تجارتهم، ولا يلحقون غاية طلبوها فيبقون عن ~~الحق، ولا يبارك لهم فيما اعتاضوا من صحبة الخلق.. خسرت صفقتهم، وبارت ~~بضاعتهم، لقوا الهوان، وذاقوا اليأس والحرمان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 22] # لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون (22) # لا محالة أنهم فى الآخرة أشد خسرانا، وأوفر- من الخيرات- نقصانا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 23] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون (23) # الإخبات التخشع لله بالقلب بدوام الانكسار، ومن علامته الذبول تحت جريان ~~المقادير بدوام الاستغاثة بالسر. # PageV02P130 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 24] # مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا ~~تذكرون (24) # الآية مثل الكافر فى كفره كالأعمى والأصم، ومثل المؤمن فى إيمانه كالسميع ~~والبصير- هذا بيان التفسير. # والإشارة فيه أن الأعمى من عمى عن الإبصار بسره، والأصم الذي طرش بسمع ~~قلبه فلا باستدلاله شهد سر تقديره فى أفعاله، ولا بنور فراسة توهم ما وقف ~~عليه من مكاشفات الغيب لقلبه، ولا بسمع ms0517 القبول استجاب لدواعى الشريعة، ولا ~~بحكم الإنصاف انقاد لما يتوجب عليه من مطالبات الوقت مما يلوح لسره من ~~تلويحات الحقيقة. # وأما البصير فهو الذي يشهد من الحق أفعاله بعلم اليقين، ويشهد صفاته بعين ~~اليقين، ويشهد ذاته بحق اليقين، والغائبات له حضور، والمستورات له كشف. ~~فالذى يسمع فصفته ألا يسمع هواجس النفس ولا وساوس الشيطان فيسمع من دواعى ~~العلم شرعا، ثم من خواطر التعريف قدرا، ثم يكاشف بخطاب من الحق سرا «1» ~~فهؤلاء لا يستويان، ولا فى طريق يلتقيان: # راحت مشرقة ورحت مغربا ... فمتى التقاء مشرق ومغرب؟! # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : الآيات 25 الى 26] # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) أن لا تعبدوا إلا الله ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) # كان نوح عليه السلام أطول الأنبياء عمرا وأشدهم بلاء، وسمى نوحا لكثرة ~~نوحه على نفسه.. وسبب ذلك أنه مر بكلب فقال: ما أقبحه! فأوحى الله إليه أن ~~اخلق أنت أحسن من هذا. فأخذ يبكى وينوح على نفسه كل ذلك النوح. فكيف بحال ~~من لم يذكر يوما مما مضى من عمره فى مدة تكليفه- ولم يحصل منه لله كثير من ~~ولاية!؟ PageV02P131 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 27] # فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك ~~إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ~~(27) # أنكروا صحة كونه نبيا لمشاكلته إياهم فى الصورة، ولم يعلموا أن المباينة ~~بالسريرة لا بالصورة. # ثم قال: «وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي» : نظروا إلى ~~أتباعه نظرة استصغار، ونسبوهم إلى قلة التحصيل.. وما استصغر أحد أحدا من ~~حيث رؤية الفضل عليه إلا سلط الله عليه، وأذاقه ذل صغاره، فبالمعانى يحصل ~~الامتياز لا بالمباني: # ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفى أثوابه أسد هصور # فإن أك فى شراركم قليلا ... فإنى فى خياركم كثير # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 28] # قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من ms0518 عنده فعميت ~~عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28) # الصبح لا خلل فى ضيائه لكون الناظرين عميانا، والسيف لا خلل فى مضائه ~~لكون الضاربين صبيانا ... وكيف لبشر من قدرة على هداية من أضله الله- ولو ~~كان نبيا؟ «1» . # هيهات لا ينفع مع الجاهل نصح، ولا ينحح فى المصر وعظ! PageV02P132 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 29] # ويا قوم لا أسئلكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين ~~آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29) # سنة الأنبياء- عليهم السلام- ألا يطلبوا على رسالتهم أجرا، وألا يؤملوا ~~لأنفسهم عند الخلق قدرا، وعملهم لله لا يطلبون شيئا من غير الله. فمن سلك ~~من العلماء سبيلهم حشر فى زمرتهم، ومن أخذ على صلاحه من أحد عوضا، أو اكتسب ~~بسداده جاها لم ير من الله إلا هوانا وصغارا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 30] # ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) # مجالسة الفقراء اليوم- وهم جلساء الحق غدا- أجدى من مجالسة قوم من ~~الأغنياء هم من أهل الرد. # ومن طرد من قربه الله وأدناه استوجب الخزي فى دنياه، والصغار فى عقباه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 31] # ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول ~~للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا ~~لمن الظالمين (31) # لا أتخطى خطى عما أبلغت مما حملت من رسالتى، ولا أتعدى ما كلفت به، ولا ~~أزيد عما أمرت، ولن أخرج عن الذي أنبئوني، بل أنتصب بشاهدى فيما أقامونى. # قوله جل ذكره: ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا، الله ~~أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين إن أولياء الله سبحانه فى أثوابهم ~~ولا يراهم إلا من قاربهم فى معناهم. الله أعلم بأحوالهم، وفى الجملة: طير ~~السماء على ألافها تقع. # PageV02P133 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 32] # قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين (32) # أوضح لهم من البراهين ms0519 مالوا أمعنوا النظر فيه لتم لهم اليقين، ولكنهم ~~أصروا على الجحود، ولم يقنعوا من الموعود بغير المشهود. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 33] # قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) # أقر بالعبودية، وتبرأ عن الحول والقوة، وأحال الأمر على المشيئة. ولقد ~~أنصف من لم يجاوز حده فى الدعوى. والأنبياء عليهم السلام- وإن كانوا أصحاب ~~التحدي للناس بمعجزاتهم فهم معترفون بأنهم موقوفون عند حدودهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 34] # ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم ~~وإليه ترجعون (34) # من لم يساعده تعريف الحق- بما له بحكم العناية- لم ينفعه نصح الخلق فى ~~النهاية. # ويقال من لم يوصله الحق للوصال فى آزاله «1» لم ينفعه نصح الخلق فى حاله ~~ويقال من سبق الحكم له بالضلالة أنى ينفعه النصح وبسط الدلالة؟ # ويقال من لم تساعده قسمة السوابق لم ينفعه نصح الخلائق. # قوله: «إن كان الله يريد أن يغويكم» : من المحال اجتماع الهداية والغواية ~~فإذا أراد الله بقوم الغواية لم يصح أن يقال إنهم من أهل الهداية. # ثم بين المعنى فى ذلك بأن قال «هو ربكم» ليعلم العالمون أن الرب تعالى له ~~أن يفعل بعباده ما شاء بحكم الربوبية. PageV02P134 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 35] # أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون (35) # ومهما وصفتمونى فإنى أجيب الله.. وكل مطالب بفعله دون فعل صاحبه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 36] # وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون (36) # عرفه الحق أنه غني عن إيمانهم، فكشف له أحكامهم، وأن من لم يؤمن منهم قد ~~سبق الحكم بشقائهم، فعند ذلك دعا عليهم نوح- عليه السلام- بالإهلاك. # ويقال لم يدع عليهم ما دام للمطمع فى إيمانهم مساغ، فلما حصل العكس نطق ~~بالتماس هلاكهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 37] # واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (37) # أي قم- بشرط العبودية- بصنع السفينة بأمرنا، وتحقق ms0520 بشهودنا، وأنك بمرأى ~~منا. ومن علم اطلاعه عليه لم يلاحظ نفسه ولا غيره، لا سيما وقد تحقق بأن ~~المجرى هو سبحانه. # وقال له: راع حد الأدب، فما لم يكن لك إذن منا فى الشفاعة لأحد فلا ~~تخاطبنا فيهم. # ويقال سبق لهم الحكم بالغرق- وأمواج بحر التقدير تتلاطم- فكل فى بحار ~~القدرة مغرقون إلا من أهله الحق بحكمه فحمله فى سفينة العناية. # ويقال كان قوم نوح من الغرقى فى بحار القطرة، ومن قبل كانوا غرقى فى بحار ~~القدرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 38] # ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا ~~نسخر منكم كما تسخرون (38) # PageV02P135 # لما تحقق بما أمر الله به لم يأبه عند إمضاء ما كلف به بما سمع من القيل، ~~ونظر إلى الموعود بطرف التصديق فكان كالمشاهد له قبل الوجود. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 39] # فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) # لا طاعة لمخلوق فى مقاساة تقديره- سبحانه- إلا من تحمل عنه بفضله ما ~~يحمله بحكمه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 40] # حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك ~~إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) # طال انتظارهم لما كان يتوعدهم به نوح عليه السلام على وجه الاستبعاد، ولم ~~يزدهم تطاول الأيام إلا كفرا، وصمموا على عقد تكذيبهم. # ثم لما أتاهم الموعود إياهم بغتة، وظهر من الوضع الذي لم يحبوه فار الماء ~~من التنور المسجور، وجادت السماء بالمطر المعبور «1» . # «قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين» : استبقاء للتناسل. # ويقال: قد يؤتى الحذر من مأمنه فإن إبليس جاء إلى نوح- عليه السلام-. # وقال: احملني فى السفينة فأبى نوح عليه السلام، فقال له إبليس: أما علمت ~~أنى من المنظرين إلى يوم معلوم، ولا مكان لى اليوم إلا فى سفينتك؟ # فأوحى الله إلى نوح أن يحمله معه. # ويقال لم يكن لابن نوح معه مكان، وأمر بحمل إبليس وهو أصعب الأعداء! وفى ms0521 ~~هذا إشارة إلى أن أسرار التقدير لا تجرى على قياس الخلق كأنه قيل له: يا ~~نوح.. # ابنك لا تحمله، وعدوك فأدخله، فالله سبحانه فعال لما يريد «2» . ~~PageV02P136 # قوله جل ذكره: إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل «إلا ~~من سبق عليه القول» بالشقاوة. وفيه تعريف بأن حكم الأزل لا يرد، والحق- ~~سبحانه- لا ينازع، والجبار لا يخاصم، وأن من أقصاه ربه لم يدنه تنبيه ولا ~~بر ولا وعظ. # «وما آمن معه إلا قليل» ولكن بارك الحق- سبحانه- فى الذين نجاهم من نسله، ~~ولم يدخل خلل فى الكون بعد هلاك من أهلك من قومه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 41] # وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) # عرف أن نجاته من القطرة لما تقاطرت ليست بالحيل- وإن تنوعت وكثرت، فباسم ~~الله سلامته، وبتوكله على الله نجاته وراحته، وبتفضله- سبحانه- صلاحه ~~وعافيته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 42] # وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب ~~معنا ولا تكن مع الكافرين (42) # وكان فى معزل بظاهره، وكان فى سر تقديره أيضا بمعزل عما سبق لنوح وقومه ~~من سابق فضله. فحينما نطق بلسان الشفقة وقال: «يا بني اركب معنا ولا تكن مع ~~الكافرين» - لم يقل له: ولا تكن من الكافرين لأن حالته كانت ملتبسة على نوح ~~إذ كان ابنه ينافقه- فقيل له: يا نوح إنه مع الكافرين لأنه فى سابق حكمنا ~~من الكافرين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 43] # قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من ~~رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43) # PageV02P137 # أخطأ من وجهين: رأى الهلاك من الماء وكان من الله، ورأى النجاة والعصمة ~~من الجبل وهما من الله، فقال له نوح: لا عاصم اليوم من أمر الله، قيل أراد ~~لا معصوم اليوم من الله. # وقيل لا أحد يعصم أحدا من أمر الله، لكن من رحمه ربه فهو معصوم من ذلك، ~~وله عاصم وهو الله. ms0522 # ولقد كان نوح- عليه السلام- مع ابنه فى هذه المخاطبات فجاءت أمواج الماء ~~وحالت بينهما وصار من المغرقين، فلا وعظه ونصحه نفعاه، ولا قوله وتذكيره ~~نجياه وخلصاه. # ويقال احتمل أن لو قيل له يا نوح عرفنا العالم بدعائك ولا عليك إن عرف. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 44] # وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على ~~الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) # فلما غرق ابن نوح سكن الموج ونضب «1» الماء وأقلعت السماء، وكأنه كان ~~المقصود من الطوفان أن يغرق ابن نوح- عليه السلام- وقيل: # عجبت لسعى الدهر بينى وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : الآيات 45 الى 46] # ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ~~(45) قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به ~~علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46) PageV02P138 # خاطب الحق- سبحانه- فى باب ابنه، واستعطف فى السؤال فقال: # «إن ابني من أهلي» : فقال له: إنه ليست من أهل الوصلة قسمته- وإن كان من ~~أهلك نسبا ولحمة، وإن خطابك فى بابه عمل غير صالح، أو إنه أيضا عمل غير ~~صالح «1» . # «فلا تسئلن ما ليس لك به علم» : أي سترت غيبى فى حال أوليائى وأعدائى، ~~فلا يعلم سر تقديرى. # قوله: «إني أعظك» : وذلك لحرمة شيخوخته وكبره، ولأنه لم يستجب له فى ~~ولده، فتدارك بحسن الخطاب قلبه. # وقيل إن ابن نوح بنى من الزجاج بيتا وقت اشتغال أبيه باتخاذ السفينة، ~~فلما ركب نوح السفينة دخل ابنه فى البيت الذي اتخذه من الزجاج، ثم إن الله ~~تعالى سلط عليه البول حتى امتلأ بيت الزجاج من بوله فغرق الكل فى ماء ~~البحر، وغرق ابن نوح فى بوله! ليعلم أنه لا مفر من القدر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 47] # قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن ~~من الخاسرين (47) # نسى نوح- عليه السلام- حديث ms0523 ابنه فى حديث نفسه، فاستعاذ بفضله واستجار ~~بلطفه، فوجد السلامة من ربه فى قوله جل ذكره ### | [سورة هود (11) : آية 48] # قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم ~~يمسهم منا عذاب أليم (48) # طهر وجه الأرض من أعدائه، وحفظ نوحا عليه السلام من بلائه، هو ومن معه من ~~أصدقائه وأقربائه. PageV02P139 # والأمم التي أخبر أنه سيمتعهم ثم يمسهم العذاب هم الذين ليسوا من أهل ~~السعادة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 49] # تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ~~فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) # أعلمناك بهذه الجملة، وأنبأناك بهذه القصص لما خصصناك من غير أن تتعلمه ~~من شخص، أو من قراءة كتاب فإن قابلك قومك بالتكذيب فاصبر، فعن قريب تنقلب ~~هذه الأمور. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 50] # وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم ~~إلا مفترون (50) # كلف الأنبياء- عليهم السلام- بالذهاب إلى الخلق لا سيما وقد عاينوا- ~~بالحق- من تقدمهم من فترة الملأ، ولكنهم تحملوا ذلك حين أمرهم الحق بالتوجه ~~إليهم فرضوا، وأظهروا الدلالة، وأدوا الرسالة، ولكن ما زاد الناس إلا نفرة ~~على نفرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : الآيات 51 الى 52] # يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51) ~~ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة ~~إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52) # لم يأت نبى من الأنبياء- عليهم السلام- إلا وأخبر أنه ليس له أن يطلب فى ~~الجملة أجرا إلا من الله لا من غير الله. # قوله جل ذكره: ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم ~~مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين. # PageV02P140 # استغفروا ربكم ثم توبوا إليه بعد الاستغفار، من توهمكم أن نجاتكم ~~باستغفاركم. # بل تحققوا بأنكم لا تجدون نجاتكم إلا بفضل ربكم فبفضله وبتوفيقه توصلتم ~~إلى استغفاركم لا باستغفاركم، وصلتم إلى نجاتكم، وبرحمته أهلكم إلى ~~استغفاركم، وإلا ms0524 لما وصلتم إلى توبتكم ولا إلى استغفاركم. # والاستغفار قرع باب الرزق، فإذا رجع العبد إلى الله بحسن تضرعه، فتح عليه ~~أبواب رحمته، ويسر له أسباب نعمته. # ويقال ينزل على ظواهركم أمطار النعمة، وعلى ضمائركم وسرائركم ينزل أنواع ~~المنة، ويزيدكم قوة على قوة قوة تحصلون بها توسعة أنواع الرزق، وقوة تحصلون ~~بها تحسبن أصناف الخلق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 53] # قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك ~~بمؤمنين (53) # ما زادهم هود عليه السلام بسطا فى الآية وإيضاحا فى المعجزة إلا زادهم ~~الله تعالى عمى على عمى، ولم يرزقهم بصيرة ولا هدى، ولم يزيدوا فى خطابهم ~~إلا بما دلوا على فرط جهالتهم، وشدة ضلالتهم بعد إطنابهم وانتهابهم «1» ، ~~وقالوا: ### | [سورة هود (11) : آية 54] # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء ~~مما تشركون (54) # وكيف ظنوا أن آلهتهم تمس أعداءهم بسوء وهى لا تضر أعداءها ولا تنفع ~~أولياءها؟ # فهؤلاء الغواية عليهم مستولية. ثم إن هودا عليه السلام أفصح عن فضل ربه ~~عليه وصرح بإخلاصه وحسن يقينه فقال: إنى برىء مما تشركون، ثم قال: ### | [سورة هود (11) : آية 55] # من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) . PageV02P141 # فلم يحتج معهم إلى تضرع واستخذاء، ولا راودهم فى سلم واستمهال، ولم يتصف ~~فى ذلك بركون إلى حوله وملته، ولم يستند إلى جده وقوته بل قال: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 56] # إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على ~~صراط مستقيم (56) # أخبر أنه بموعود الله له بنصرته واثق، وأنه فى خلوص طاعته لربه وفى صفاء ~~معرفته (غير مفارق) «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 57] # فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا ~~تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57) # أوحينا إليه أن قل لهم: إن تولوا ولم تؤمنوا بي فقد بلغت ما حملت من ~~رسالتى، وإنى واثق بأن الله إذا أهلككم يأت بأقوام ms0525 آخرين سواكم أطوع له ~~منكم، وإن أفناكم ما اختل ملكه إذ الحق- سبحانه- بوجود الأغيار لا يلحقه ~~زين- وإن وحدوا، وبفقدهم لا يمسه شين- وإن جحدوا وألحدوا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 58] # ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب ~~غليظ (58) # ولما جاء أمرنا بإهلاكهم نجينا هودا والذين آمنوا برحمتنا، ولم يقل ~~باستحقاقه النجاة بوسيلة نبوته، أو لجسامة طاعته ورسالته بل قال: «برحمة ~~منا» ليعلم الكافة أن PageV02P142 # الأنبياء- عليهم السلام- ومن دونهم عتيق رحمته، وغريق منته، لا لاستحقاق ~~أحد ولا لواجب على الله فى شىء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 59] # وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) # فى إنزال قصصهم تسلية للرسول- صلى الله عليه وسلم وآله- فيما كان يقاسى ~~من العناء، وللمؤمنين فيما بذلوا من حسن البلاء، والعدة بتبديل- ما كانوا ~~يلقونه من الشدة- بالرجاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 60] # وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا ~~بعدا لعاد قوم هود (60) # أخبر أنهم خسروا الدنيا والآخرة، أما فى هذه الدنيا فبالاستئصال بأليم ~~الشدة وما تبعه من اللعنة، ثم ما يلقونه فى الآخرة من تأبيد العقوبة. ~~وبقاؤهم عن رحمة الله أصعب من صنوف كل تلك المحنة «1» ، وكما قيل: # تبدلت وتبدلنا وا حسرتا ... لمن ابتغى عوضا لسلمى فلم يجد # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : الآيات 61 الى # 68] # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو ~~أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ~~(61) قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد ~~آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) قال يا قوم أرأيتم إن كنت ~~على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني ~~غير تخسير (63) ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب (64) فعقروها فقال تمتعوا ms0526 في داركم ثلاثة ~~أيام ذلك وعد غير مكذوب (65) # فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ~~ربك هو القوي العزيز (66) وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم ~~جاثمين (67) كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود (68) ~~PageV02P143 # عقيب ما مضى من قصة عاد ذكر قصة ثمود، وثمودهم قوم صالح، وقد انخرطوا فى ~~الغى فى سلك من سبقهم، فلحقت العقوبة بجميعهم. ثم أخبر أنهم قابلوا نبيهم- ~~عليه السلام- بالتكذيب، ولم يقفوا على ما نبههم عليه من التوبة والتصديق، ~~وأصروا على الإقرار أنهم فى شأنه لفى شك مريب. # ثم بين أن صالحا لم يعرج- فى التبليغ- على تقصير. # وبعد تمردهم وامتناعهم عن الإنابة، وإصرارهم على ترك الإجابة حق عليهم # PageV02P144 # ما توعدهم به من عذاب غير مكذوب، ونجى نبيهم- عليه السلام-، ونجى من ~~اتبعه من كل عقوبة.. سنة منه- سبحانه- فى إنجاء أوليائه أمضاها، وعادة فى ~~تلطفه ورحمته بالمستحقين أجراها. # قوله جل ذكره ### | ### | [سورة هود (11) : الآيات 69 الى # 70] # ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء ~~بعجل حنيذ (69) فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا ~~لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط (70) # أخبر أن الملائكة أتوا إبراهيم- عليه السلام- بالبشارة، وأخبر أن ~~إبراهيم- عليه السلام- أنكرهم، ولم يعرف أنهم ملائكة. فيحتمل أنه- سبحانه- ~~أراد أن تكون تلك البشارة فجأة من غير تنبيه لتكون أتم وأبلغ فى إيجاد ~~السرور، ولا سيما وقد كانت بعد خوف لأنه قال: فأوجس منهم خيفة. # ويقال إن إبراهيم- عليه السلام- كان صاحب النبوة والخلة والرسالة فلا بد ~~أن تكون فراسته أعلى من فراسة كل أحد، ولكنه فى هذه الحالة لم يعرف ~~الملائكة ليعلم أن الحق- سبحانه وتعالى- إذا أراد إمضاء حكم يد على من أراد ~~عيون الفراسة، وإن كان صاحب الفراسة هو (خليل) «1» الله، كما سد الفراسة ~~على نبينا- صلى الله عليه وسلم- فى قصة الإفك إلى الوقت الذي نزل فيه ~~الوحى، وكذلك التبس على لوط- عليه السلام- إلى أن تبين له الأمر. # وتكلموا في هذه «البشرى» ما كانت فقيل كانت ms0527 البشارة بإسحاق، وبأنه سيولد ~~له ولد من نسله وسلالته قال تعالى: «ومن وراء إسحاق يعقوب» . # ويقال بعلامة قومه- حيث كانوا مرسلين بإهلاك قوم لوط- عليه السلام. ~~PageV02P145 # ويقال بشارة بالخلة وتمام الوصلة. # ويقال إن الخلة والمحبة بناؤهما كتمان السر فيعلم أنهم أرسلوا ببشارة ما ~~ولم يكن للغير اطلاع، قال قائلهم: # بين المحبين قول لست أفهمه # ويقال إن تلك البشارة هى قولهم: «سلاما» وأن ذلك كان من الله، وأى بشارة ~~أتم من سلام الحبيب؟ وأى صباح يكون مفتتحا بسلام الحبيب فصباح مبارك، وكذلك ~~المبيت بسلام الحبيب فهو مبارك. # قوله: «فما لبث أن جاء بعجل حنيذ» : لما توهمهم أضيافا قام بحق الضيافة، ~~فقدم خير ما عنده ما شكره الحق عليه حيث قال فى موضع آخر: جاء بعجل سمين ~~«1» . والمحبة توجب استكثار القليل من الحبيب واستقلال ما منك للحبيب، وفى ~~هذا إشارة إلى أنه إذا نزل الضيف فالواجب المبادرة إلى تقديم السفرة «2» ~~مما حضر فى الوقت. # قوله: فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم تمام إحسان الضيف أن تتناول يده ~~ما يقدم إليه من الطعام، والامتناع عن أكل ما يقدم إليه معدود فى جملة ~~الجفاء فى مذهب أهل الظرف «3» . والأكل فى الدعوة واجب على أحد الوجهين. # «وأوجس منهم خيفة» : أي خاف أنه وقع له خلل فى حاله حيث امتنع الضيفان عن ~~أكل طعامه فأوجس الخيفة لهم لا منهم. # وقيل إن الملائكة فى ذلك الوقت ما كانوا ينزلون جهرا إلا لعقوبة فلما ~~امتنعوا عن الأكل، وعلم أنهم ملائكة خلف أن يكونوا قد أرسلوا لعقوبة قومه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : الآيات 71 الى 73] # وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب (71) قالت يا ~~ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (72) قالوا أتعجبين ~~من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (73) ~~PageV02P146 # كانت امرأته قائمة يخدمة الأضياف، فضحكت تعجبا من أن يكون لمثلها فى هذه ~~السن ولد. # وقيل كان سرورها بالسلامة. ويحتمل أنها ضحكت تعجبا من امتناع الضيفان عن ~~الأكل. ms0528 أو تعجبت من كون الملائكة فى صورة البشر لما علمت أنهم ملائكة. ~~ويحتمل أنها ضحكت لاستبشارها بالولد وقد بشرت باستحقاقه ومن ورائه يعقوب، ~~ثم أفصحت عما ينطوى عليه قلبها من التعجب فقالت: «أألد وأنا عجوز وهذا بعلي ~~شيخا؟ إن هذا لشيء عجيب» ! فأحال الملائكة خلق الولد على التقدير: «قالوا ~~أتعجبين من أمر الله؟» فزال موضع التعجب، وقالوا: «رحمت الله وبركاته عليكم ~~أهل البيت» فبقى الدعاء فى شريعتنا بآخر الآية حيث يقول الداعي: كما صليت ~~وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. # والبركة الزيادة فقد اتصل النسل من الخليل، وبنو إسرائيل منهم- وهم خلق ~~كثير، والعرب من أولاد إسماعيل- وهم الجم الغفير. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 74] # فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) # لما كانت مراجعته مع الله فى أمر قوم لوط بحق الله لا لحظ نفسه سلم له ~~الجدال، وهذا يدل على علو شأنه حيث تجاوز عنه ذلك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : الآيات 75 الى 76] # إن إبراهيم لحليم أواه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ~~ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76) # PageV02P147 # والإشارة فيه أنه كان يقابل ما ورد على ماله ونفسه وولده بالاحتمال، ولما ~~كان حق الحق فى حديث قوم لوط أخذ فى الجدال إلى أن أبان له سلامة لوط- عليه ~~السلام- وقال الله سبحانه: - يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك ~~وإنهم آتيهم عذاب غير مردود يا إبراهيم أعرض عن هذا فإن الحكم بعذابهم قد ~~نزل، ووقت الانتقام منهم قد حصل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 77] # ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) # أي أنه حزن بسبب خوفه عليهم أن يجرى عليهم من قومه ما لا يجوز فى دين ~~الله فذلك الحزن كان لحق الله لا لنصيب له أو حظ لنفسه، ولذلك حمد عليه لأن ~~مقاساة الحزن لحق الله محمودة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 78] # وجاءه قومه ms0529 يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء ~~بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) # قوله «هؤلاء بناتي هن أطهر لكم» : قيل إنه أراد به نساء أمته، فنبى كل ~~أمة مثل الوالد لأولاده فى الشفقة والنصيحة. # ويقال إنه أراد بناته من صلبه. # PageV02P148 # «أليس منكم رجل رشيد» يرتدى جلبات الحشمة، ويؤثر حق الله على ما هو مقتضى ~~البشرية، ويرعى حق الضيافة، ويترك معصية الله؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 79] # قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) # أصروا على عصيانهم، وزهدوا فى المأذون لهم شرعا، وانجروا إلى ما قادهم ~~إليه الهوى طبعا، وهذه صفة البهائم لا يردعها عقل، قال تعالى: «أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل» # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 80] # قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) # لو أن لى قوة فأمنعكم عن ارتكاب المعصية فإن أهم «1» الأشياء على ~~الأولياء ألا يجرى من العصاة ما ليس لله فيه رضاء. # ويقال: لو كان لى قدرة لإيصال الرحمة إليكم- مع ارتكابكم المعاصي- ~~لرحمتكم وتجاوزت عنكم. # ويقال لو أن لى قوة لهديتكم إلى الدين، ولعصمتكم عن ارتكاب المخالفات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 81] # قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا ~~يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس ~~الصبح بقريب (81) # «2» لما ضاق به الأمر كشف الله عنه الضر فعرف إليه الملائكة وقالوا: لا ~~عليك فإنهم لا يصلون إليك بسوء، وإنا رسل ربك جئنا لإهلاكهم، فاخرج أنت ~~وقومك من بينهم، واعلم أن من شاركهم فى عملهم بنوع فله من العذاب حصة. ومن ~~جملتهم امرأتك التي كانت تدل القوم على الملك لفعلة الفاحشة، وإن العقوبة ~~لاحقة بها، مدركة لها. # والإشارة منه أن الجسارة على الزلة وخيمة العاقبة- ولو بعد حين، ولا ينفع ~~المرء اتصاله بالأنبياء والأولياء إذا كان فى الحكم والقضاء من جملة ms0530 ~~الأشقياء. PageV02P149 # قوله جل ذكره: إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب. # ما هو كائن فقريب، والبعيد ما لا يكون. وإن من أقدم على محظور ثم حوسب ~~عليه- ولو بعد دهور خالية وأعوام غير محصورة ماضية- تصور له الحال كأنه وقت ~~مباشرته لتلك الزلة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 82] # فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ~~(82) # سنة الله فى عباده قلب الأحوال عليهم، والانقلاب من سمات الحدوث، أما ~~الذي لا يزول، ولا يحول فهو الذي لم يزل ولا يزال بنعوته الصمدية. # وإن من عاش فى السرور دهرا ثم تبدل يسره عسرا فكمن لم ير قط خيرا، والذي ~~قاسى طول عمره ثم أعطى يسرا فكمن لم ير عسرا. # قال تعالى: «ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة» «1» . # قوله جل ذكره ### | [سورة هود (11) : آية 83] # مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (83) # ذكر سبحانه ما نالهم من العقوبة على عصيانهم، ثم أخبر أن تلك العقوبة ~~لاحقة بمن سلك سبيلهم تحذيرا لمن لم يعتبر بهم إذا عرف طريقهم، كما قيل: # ومن يرنى ولم يعتبر بعدي ... فإن لكل معصية عقابا # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : الآيات 84 الى 85] # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا ~~تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ~~(84) ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين (85) PageV02P150 # أخبر سبحانه عن قصتهم، وما أصابهم من العذاب الأليم، وما نالهم من البلاء ~~العظيم. # وفى الظاهر لهم كانت أجرامهم كاليسيرة، ولعدم الفهم يعدون أمثالها صغيرة، ~~ولا يقولون إنها كبيرة، وإن ذلك تطفيف فى المكيال. # وليس قدر الأجرام «1» لأعيانها، ولكن لمخالفة الجبار عظم شأنها، قال ~~تعالى: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 86] # بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (86) # «2» ولما أن قال لهم شعيب: # «بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ» . # يعنى القليل من ms0531 الحلال أجدى من الكثير المعقب للوبال لم يقابلوا نصيحته ~~لهم إلا بالعناد والتمادي فيما هو دائم من الجحد والكنود. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 87] # قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في ~~أموالنا ما نشؤا إنك لأنت الحليم الرشيد (87) # استوطئوا مركب الجهل، واستحلبوا مشرب التقليد، وأعفوا قلوبهم من استعمال ~~الفكر، واستبصار طريق الرشد. PageV02P151 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 88] # قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد ~~أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي ~~إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (88) # البينة نور تستبصر به ما خفى عليك تحت غطاء الغفلة. # والرزق الحسن ما به دوام الاستقلال، وما ذلك إلا مقتضى عنايته الأزلية، ~~وحسن توليه لشأنك- فى جميع ما فيه صلاحك- من إتمام النعمة ودوام العصمة. # وقيل الرزق الحسن ما تعني صاحبه لطلبه، ولم يصبه نصب بسببه. # وقيل الرزق الحسن ما يستوفيه بشهود الرزق ويحفظه عند التنعم بوجود ~~الرزاق. # ويقال الرزق الحسن ما لا ينسى الرزاق، ويحمل صاحبه على التوسعة والإنفاق. # قوله جل ذكره: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. # يمكن للواعظ أو الناصح أن يساهل المأمور فى كل ما يأمره به، ولكن يجب ألا ~~يجيز له ما ينهاه عنه فإن الإتيان بجميع الطاعات غير ممكن، ولكن التجرد عن ~~جميع المحرمات واجب. # ويقال من لم يكن له حكم على نفسه فى المنع عن الهوى لم يكن له حكم على ~~غيره فيما يرشده إليه من الهدى. # قوله جل ذكره: إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت. # مدار الأمر على الأغراض المقضية حسن القصد بالإصلاح فيقرن الله به حسن ~~التيسير، ومن انطوى على قصد بالسوء وكل الحق بشأنه التعويق. # قوله جل ذكره: وما توفيقي إلا بالله. # حقيقة التوفيق ما ينفق به الشيء، وفى الشريعة التوفيق ما تنفق به الطاعة، ~~وهو قدرة الطاعة، ثم كل ما تقرب العبد به من الطاعة من ms0532 توفير الدواعي وفنون ~~المنهيات يعد من جملة التوفيق- على التوسع. # PageV02P152 # والتوفيق بالله ومن الله، وهو- سبحانه- بإعطائه متفضل. # قوله جل ذكره: عليه توكلت وإليه أنيب. # التوكل تفويض الأمر إلى الله، وأمارته ترك التدبير بشهود التقدير، والثقة ~~بالموعود عند عدم الموجود. ويتبين ذلك بانتفاء الاضطراب عند عدم الأسباب. # ويقال التوكل السكون، والثقة بالمضمون. # ويقال التوكل سكون القلب بمضمون الرب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 89] # ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو ~~قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) # تورثكم مخالفتكم إياى فيما أدعوكم إليه من طاعة الله أن يلحقكم من أليم ~~العقوبة ما أصاب من تقدمكم من الذين سرتم على منهاجهم، وما عهدكم ببعيد بمن ~~تحققتم كيف حلت بهم العقوبة، وكيف أنهم ما زادتهم كثرة النصيحة إلا غلوا فى ~~ضلالتهم، وعتوا في جهالتهم، وكما قيل. # وكم صغت فى آثاركم من نصيحة ... وقد يستفيد البغضة المتنصح # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 90] # واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود (90) # الاستغفار هو التوبة. # ومعنى قوله «ثم توبوا إليه» أي توبوا ثم لا تنقضوا توبتكم فهو أمر ~~باستدامة التوبة فإذا لم يتصل وفاء المآل بصفاء الحال لم يحصل قبول، وكأن ~~لم يكن لما سلف حصول. # «إن ربي رحيم ودود» : يرحم العصاة ويودهم. # ويقال يرحمهم ولذلك يودونه فالودود يكون بمعنى المودود كحلوب بمعنى ~~محلوب. والرحمة # PageV02P153 # تكون للعاصى لأن المطيع بوصف استحقاقه للثواب على طاعاته، ثم ليس كل من ~~يحب السلطان فى محل الأكابر، فالأصاغر من الجند قد يحبون الملك، وأنشدوا: # ألا رب من يدنو ويزعم أنه ... يودك، والنائى أود وأقرب # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : الآيات 91 الى # 92] # قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك ~~لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله ~~واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (92) # لاحظوا شعيبا بعين الاستصغار فحرموا فهم معانى الخطاب، وأقروا على أنفسهم ~~بالجهل، ms0533 وأحالوا إعفاءهم إياه من الأذى على حشمتهم من رهطه وعشيرته، ~~فعاتبهم عليه: - قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ~~ظهريا إن ربي بما تعملون محيط أترون من حق رهطى مالا ترون من حق ربى وإن ~~ربى يكافئكم على أعمالكم بما تستوجبون فى جميع أحوالكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : الآيات 93 الى 95] # ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن ~~هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب (93) ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ~~(94) كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود (95) # PageV02P154 # أرخى لهم ستر الإمهال فلما أصروا على تماديهم فى الغواية حلت بهم ~~العقوبة، وصاروا وكأن لم يكن بينهم نافخ نار، ولا فى ديار الظالمين ديار، ~~قال تعالى: «فاعتبروا يا أولي الأبصار» قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : الآيات 96 الى 98] # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (96) إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر ~~فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس ~~الورد المورود (98) # كرر قصة موسى عليه السلام تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمره، وتنبيها على علو ~~قدره عند الله وعلى مكانة الآيات التي أرسله بها، ومعجزاته الباهرة، ~~وبراهينه القاهرة.. # ويقال أصعب عدو قهره أولا نفسه، وقد دله- سبحانه- على ذلك لما قال: إلهى! ~~كيف أطلبك؟ # فقال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلى. # فنبهه إلى استصغاره لنفسه، وانكساره لله بقلبه، فزادت صولته لما صار ~~معصوما عن شهود فضل لنفسه والسلطان الذي خصه به استولى على قلوب من رآه، ~~كما قال: «وألقيت عليك محبة مني» «1» فما رآه أحد إلا أحبه، ثم إنه لم ~~يأخذه فى الله ضعف، مثلما لطم وجه فرعون- وهو رضيع- كما فى القصة، ولطم وجه ~~ملك الموت لما طالبه بقبض روحه.. # كما فى الخبر، وأخذ برأس أخيه يجره إليه لما رجع من سماع الخطاب عند ~~المعاتبة، وأقدم بالجسارة على سؤال الرؤية، وقتل القبطى لما استعان به من ~~وافقه فى العقيدة، وقال ms0534 لله «إن هي إلا فتنتك» «2» لما أخبره الحق بما عمله ~~قومه من عبادة العجل بحكم الضلالة ... ففى جميع هذا تجاوز الله عنه لما ~~أعطاه من السلطان والقوة. # قوله جل ذكره: فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم ~~القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود PageV02P155 # رضوا بمتابعة فرعون، فاستحقوا ما استحقه. لم يشعروا بخطئهم، وكانوا ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وإذا ما أوردهم النار فهو إمامهم، وسيعلمون ما ~~أصابهم من الخسران حين لا ينفع تضرعهم وبكاؤهم ولا ينقطع عذابهم وعناؤهم، ~~وتغلب خسارتهم وشقاؤهم- وذلك جزاء من كفر بمعبوده، وأسرف فى مجاوزة حدوده. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 99] # وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود (99) # بعدوا فى عاجلهم من الإيمان، وفى آجلهم من الغفران والجنان. والذي لهم فى ~~الحال من الفرقة أعظم- فى التحقيق- من الذي لهم فى المآل من الحرقة، وهذه ~~صفة من امتحنه الله باللعنة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 100] # ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) # لم يكن فى جملة من قص عليه من الأنبياء- عليهم السلام- من أكثر منه ~~تبجيلا، ولا فيمن ذكره من الأمم أعظم من أمته تفضيلا، فكما تقدم على ~~الأنبياء- عليهم السلام تقدمت أمته على الأمم، قال تعالى: «كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس» «1» قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 101] # وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) # لا يجوز الظلم فى وصفه فتصرفه فى ملكه بحق إلهيته- مطلق يحكم بحسب إرادته ~~ومشيئته، ولا يتوجه حق عليه، فكيف يجوز الظلم فى وصفه؟ # ويقال هذا الخطاب لو كان من مخلوق مع مخلوق لأشبه العذر، ولكن فى صفته لا ~~يجوز العذر إذ الخلق خلقه، والملك ملكه، والحكم حكمه. PageV02P156 # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 102] # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (102) # إن الحق- سبحانه- يمهل ولكن لا يهمل، ويحكم ولكن لا يعجل، وهو لا يسأل ~~عما يفعل. # وقيل ms0535 إذا أخذ النفوس بالتوفيق فلا سبيل للخذلان إليها، وإذا أخذ القلوب ~~بالتحقيق فلا طريق للحرمان عليها. قال تعالى: «إن بطش ربك لشديد» «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 103] # إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم ~~مشهود (103) # مشهود يشهده من حشر من جميع الخلائق فى ذلك اليوم. # ويقال الأيام ثلاثة: يوم مفقود وهو أمس ليس بيدك منه شىء، ويوم مقصود وهو ~~غد لا تدرى أتدركه أم لا، ويوم مشهود وهو اليوم الذي أنت فيه فالمفقود لا ~~يرجع، والمقصود ربما لا تبلغ، والمشهود وقتك وهو معرض للزوال ... فاستغله ~~فيما ينفع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 104] # وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) # الأجل لا يتقدم ولا يتأخر لكل ( ... ) «2» ، والآجال على ما علمها الحق- ~~سبحانه- وأرادها جارية فلا طلب يقدم أو يؤخر وقتا إذا جاء أجله، وكذلك ~~للوصول وقت، فلا طلب مع رجاء الوصول، ولا طلب مع خوف الزوال، ولقد قيل: # عيب السلامة أن صاحبها ... متوقع لقواصم الظهر # وفضيلة البلوى ترقب أهلها ... عقب البلاء- مسرة الدهر # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 105] # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105) PageV02P157 # الشقى من قسم له الحرمان فى حاله، والسعيد من رزق الإيمان فى مآله. # ويقال الشقاء على قسمين: قوم شقاؤهم غير مؤيد، وقوم شقاؤهم على التأبيد، ~~وكذلك القول فى السعادة. الشقى من هو فى أسر التدبير ونسيان جريان التقدير، ~~والسعيد من رجع من ظلمات التدبير، وحصل على وصف شهود التقدير. # ويقال الشقى من كان فى رق العبودية ظانا أن منه طاعاته، والسعيد من تحرر ~~عن رق البشرية وعلم أن الحادثات كلها لله سبحانه. # وأما الأشقياء- على التأبيد- فهم أهل الخلود فى مقتضى الوعيد، والسعداء- ~~على التأبيد- من قال الله تعالى فى صفتهم: «لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد» ~~. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : الآيات 106 الى 107] # فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) خالدين فيها ما ~~دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (107) # «إلا ما ms0536 شاء ربك» أن يزيد على مدة السماوات والأرض. # «إلا ما شاء ربك» أن ينقلهم إلى نوع آخر من العذاب غير الزفير والشهيق. # «إلا ما شاء ربك» ألا تلحقهم تلك العقوبة قبل أن يدخلهم النار فلا ~~استثناء لبعض أوقاتهم من العقوبة لا قبل إدخالهم فيها ولا بعده. # «إلا ما شاء ربك» من إخراج أهل التوحيد من النار فيكون شقاؤهم غير مؤبد. # قوله جل ذكره: إن ربك فعال لما يريد فيه إشارة إلى أن الذي يحصل لهم يحصل ~~بمشيئته لا باستحقاق عمل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 108] # وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) # لهم اليوم جنات القربة، ولهم غدا جنات المثوبة. # والكفار اليوم فى عقوبة الفرقة، وغدا فى عقوبة الحرقة. # PageV02P158 # «فعال لما يريد» فلا استثناء لبعض أوقات أهل الجنة من أول أمرهم قبل ~~دخولهم الجنة أو بعده. أو يحتمل أنه يزيد على مدة السماوات والأرض. # وفى قوله «عطاء غير مجذوذ» - أي عطاء غير مقطوع- دليل على أن تلك النعم ~~غير مقطوعة ولا ممنوعة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 109] # فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل ~~وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) # لا يريد أنه عليه السلام فى شك، ولكنه أراد به تحقيق كونهم مضاهين ~~لآبائهم، كما تقول: لا شك أن هذا نهار. # ويقال الخطاب له والمراد به لأمته. # «وإنا لموفوهم نصيبهم» : نجازيهم على الخير بخير وعلى الشر بضر «1» قوله ~~جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 110] # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~وإنهم لفي شك منه مريب (110) # اختلفوا فى الكتاب الذي أوتى، وهو التوراة. # واختلفوا فى كونه رسولا، فمن مصدق ومن مكذب. # ثم أخبر أنه- سبحانه- حكم بتأخير العقوبة، ولولا حكمته لعجل لهم العقوبة. # وفائدة الآية من هذا التعريف التخفيف على المصطفى- صلى الله عليه وسلم- ~~فيما كان PageV02P159 # يلقاه من قومه من التكذيب، ففى سماع قصة الأشكال- وبعضهم من بعض- سلوة، ms0537 ~~ولقد قيل: # أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 111] # وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير (111) # أعاد ذكر الجزاء على الأعمال بالثواب والعقاب، وكرر ذلك فى القرآن فى ~~كثير من المواضع إبلاغا فى التحذير، وتنبيها على طريق الاعتبار بحسن ~~التفكير. # ثم إن الجزاء على الأعمال معجل ومؤجل، وكل من أعرض عن الغفلة وجنح إلى ~~وصف التيقظ وجد فى معاملاته- عاجلا- الربح لا الخسران، وآجلا الزيادة لا ~~النقصان، وما يجده المرء فى نفسه أتم مما يدركه بعلمه بشواهد برهانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 112] # فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (112) # يحتمل أن تكون السين فى الاستقامة سين الطلب أي سل من الله الإقامة لك ~~على الحق. # ويحتمل أن تكون الإقامة فى الأمر بمعنى أقام عليه. # وحقيقة الاستقامة على الطاعة المداومة على القيام بحقها من غير إخلال ~~بها، فلا يكون فى سلوك نهج الوفاق انحراف عنه. # ويقال المستقيم من لا ينصرف عن طريقه، يواصل سيره بمسراه، وورعه بتقواه، ~~ويتابع فى ترك هواه. # ويقال استقامة النفوس فى نفى الزلة، واستقامة القلوب فى نفى الغفلة، ~~واستقامة الأرواح بنفي العلاقة، واستقامة الأسرار بنفي الملاحظة «1» . # استقامة العابدين ألا يدخروا نفوسهم عن العبادة وألا يخلوا بأدائها، ~~ويقضون عسيرها ويسيرها. واستقامة الزاهدين ألا يرجوا من دنياهم قليلها ولا ~~كثيرها. واستقامة التائبين PageV02P160 # ألا يلموا بعقوبة زلة فيدعون صغيرها وكبيرها ... وعلى هذا النحو استقامة ~~كل أحد. # قوله «ومن تاب معك» : أي فليستقم أيضا من معك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 113] # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ~~ثم لا تنصرون (113) # لا تعملوا أعمالهم، ولا ترضوا بأعمالهم، ولا تمدحوهم على أعمالهم، ولا ~~تتركوا الأمر بالمعروف لهم، ولا تأخذوا شيئا من حرام أموالهم، ولا تساكنوهم ~~بقلوبكم، ولا تخالطوهم، ولا تعاشروهم ... كل هذا يحتمله الأمر، ويدخل تحت ~~الخطاب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 114] # وأقم الصلاة طرفي النهار ms0538 وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ~~ذكرى للذاكرين (114) # أي استغرق جميع الأوقات بالعبادات، فإن إخلالك لحظة من الزمان بفرض ~~تؤديه، أو نفل تأتيه حسرة عظيمة وخسران مبين. # قوله «إن الحسنات يذهبن السيئات» الحسنات ما يجود بها الحق، والسيئات ما ~~يذنبها العبد، فإذا دخلت حسناته على قبائح العبد محتها وأبطلتها. # ويقال حسنات القربة تذهب بسيئات الزلة. # ويقال حسنات الندم تذهب بسيئات الجرم. # ويقال (انسكاب) «1» العبرة تذهب العثرة «2» . # ويقال حسنات العرفان تذهب سيئات العصيان. # ويقال حسنات الاستغفار تذهب سيئات الإصرار. # ويقال حسنات العناية تذهب سيئات الجناية. # ويقال حسنات العفو عن الإخوان تذهب الحقد عليهم. # ويقال حسنات الكرم تذهب سيئات الخدم. PageV02P161 # ويقال حسن الظن بالناس يذهب سوأتهم بكم «1» . # ويقال حسنات الفضل من الله تذهب سيئات حسبان الطاعة من أنفسكم. # ويقال حسنات الصدق تذهب بسيئات الإعجاب. # ويقال حسنات الإخلاص تذهب بسيئات الرياء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 115] # واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (115) # الصبر تجرع كاسات التقدير من غير تعبيس. # ويقال الصبر حسن الإقبال على معانقة الأمر ومفارقة الزجر. # «فإن الله لا يضيع أجر المحسنين» المحسن: العامل الذي يعلم أن الأجر على ~~الصبر والطاعة بفضله- سبحانه- لا باستحقاق عمل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 116] # فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ~~(116) # معناه لم يكن فيكم من هؤلاء الذين كانوا ينهون عن القبائح إلا قليل. # وقيل معناه لم يكن فيمن قبلكم من الأمم من ينهى عن الفساد، ويحفظ الدين، ~~ويطيعون أنبياءهم- إلا قليل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 117] # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) # أي لم يهلك الله أحدا كان مصلحا وإنما أهلك من كان ظالما. PageV02P162 # ويقال معناه: لو أهلك الله أهل القرى وهم مصلحون لم يكن ذلك ظلما من الله ~~لأن الملك ملكه، والخلق عبيده. # ويقال «المصلح» من قام بحق ربه دون طلب حظه. # ويقال: «المصلح» من آثر نجاته على ms0539 هلاكه. # ويقال مصلح تصلح نفسه طاعته، ومصلح تصلح قلبه معرفة سيده، ومصلح تصلح سره ~~مشاهدة سيده. # قوله جل ذكره ### | ### | [سورة هود (11) : الآيات 118 الى # 119] # ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ~~ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) # لو شاء لجعلهم أرباب الوفاق ثم لا يوجبون لملكه زينا، ولو شاء لجعلهم ~~أرباب الخلاف ثم لا يوجبون لملكه شينا. # ثم قال: «ولا يزالون مختلفين» لأنه كذلك أراد بهم. # إلا من رحم ربك فى سابق حكمه فعصمهم عن الخلاف فى حاصل أمورهم، وأقامهم ~~به، ونصبهم له، وأثبتهم فى الوفاق والمحبة والتوحيد. # قوله جل ذكره وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين أي لا ~~تبديل لقوله، ولا تحويل لحكمه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 120] # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة ~~وذكرى للمؤمنين (120) # سكن قلبه بما قص عليه من أنباء المرسلين، وعرفه أنه لم يرق أحدا إلى ~~المحل الذي رقاه إليه، ولم ينعم على أحد بمثل ما أنعم عليه. # ويقال قص عليه قصص الجميع، ولم يذكر قصته لأحد تعريفا له وتخصيصا. ويقال ~~لم يكن ثبات قلبه بما قص عليه ولكن لاستقلال قلبه بمن كان يقص عليه، وفرق ~~بين من يعقل بما يسمع وبين من يستقل بمن منه يسمع، وأنشدوا: # PageV02P163 # وحدثتنى يا سعد عنها فزدتنى ... حنينا فزدنى من حديثك يا سعد # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : الآيات 121 الى 122] # وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون (121) وانتظروا إنا ~~منتظرون (122) # إن الذين يجحدون التوحيد، ويؤثرون على الحق غير الحق، ولم يصدقوا الوعيد، ~~يوشك أن ينصب عليهم الانتقام فيغرقون فى بحار العقوبة، ويسقطون فى وهاد ~~الهوان، فلا لويلهم انتهاء، ولا لذلهم انقضاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة هود (11) : آية 123] # ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ~~ربك بغافل عما تعملون (123) # عمى عن قلوبهم العواقب، وأخفى دونهم السوابق، ms0540 وألزمهم القيام بما كلفهم ~~فى الحال، فقال: «فاعبده» فإن تقسم القلب وترجم الظن وخيف سوء العاقبة.. ~~فتوكل عليه أي استدفع البلاء عنك بحسن الظن، وجميل الأمل، ودوام الرجاء. # «وما ربك بغافل عما تعملون» : أحاط بكل شىء علما، وأمضى فى كل أمر حكما. ### | السورة التي يذكر فيها يوسف عليه السلام # بسم الله الرحمن الرحيم الاسم «1» من وسم فمن وسم ظاهره بالعبودية، ~~وسرائره بمشاهدة الربوبية فقد سمت همته إلى المراتب العلية، وأزلفت رتبته ~~من المنازل السنية. # أو أن الاسم مشتق من السمة أو من السمو PageV02P164 # وقدم الله- سبحانه- اسم الله فى هذا المحل على اسميه الرحمن والرحيم على ~~وجه البيان والحكم، فبرحمته الدنيوية وصل العبد إلى معرفته الإلهية. # والإشارة من الباء- التي هى حرف التضمين والإلصاق- إلى أن «به» عرف من ~~عرف، وبه وقف من وقف فالواصل إليه محمول بإحسانه، والواقف دونه مربوط ~~بخذلانه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب المبين (1) # التخاطب بالحروف المتفرقة غير المنظومة سنة الأحباب فى ستر المحاب ~~فالقرآن- وإن كان المقصود منه الإيضاح والبيان- ففيه تلويح وتصريح، ومفصل ~~ومجمل، قال قائلهم: # أبكى إلى الشرق إن كانت منازلكم ... مما يلى الغرب خوف القيل والقال # ويقال وقفت فهوم الخلق عن الوقوف على أسراره فيما خاطب به حبيبه- صلى ~~الله عليه وسلم، فهم تعبدوا به وآمنوا به على الجملة ولكنه أفرد الحبيب ~~بفهمه، فهو سر الحبيب عليه السلام بحيث لا يطلع عليه الرقيب، يقول قائلهم: # بين المحبين سر ليس يفشيه ... قول، ولا قلم للخلق يحكيه # وفى إنزال هذه الحروف المقطعة إشارة: وهى أن من كان بالعقل والصحو استنبط ~~من اللفظ اليسير كثيرا من المعاني، ومن كان بالغيبة والمحو يسمع الكثير فلا ~~يفهم منه اليسير ذاك لكمال عقله وهذا لتمام وصله فأنزل الله هذه الحروف ~~التي لا سبيل إلى الوقوف على معانيها، ليكون للأحباب فرجة حينما لا يقفون ~~على معانيها بعدم السبيل إليها فلا تتوجه عليهم مطالبة بالفهم، وكان ذلك ~~لائقا بأحوالهم إذا كانوا مستغرقين فى عين الجمع، ولذا قيل: ms0541 # استراح من العقل له «1» . # وقوله تعالى: «تلك» يحتمل أن يكون إشارة إلى أن هذا خبر الوعد الذي ~~وعدناك. PageV02P165 # وقيل هذا تعريفنا: إليك بالتخصيص، وإفرادنا لك بالتقريب- قد حققناه لك ~~فهذه الحروف بيان للإنجاز ولتحقيق الموعود. # والإشارة من «الكتاب المبين» هاهنا إلى حكمه السابق له بأن يرقيه إلى ~~الرتبة التي لا يبلغها غيره، وقد قال تعالى: «وما كنت بجانب الطور إذ ~~نادينا..» «1» أي حين كلمنا موسى عليه السلام، وأخبرناه بعلو قدرك، ولم تكن ~~حاضرا، وأخبرناه بأننا نبلغك هذا المقام الذي أنت فيه الآن. وكذلك كل من ~~أوحينا إليه ذكرنا له قصتك، وشرحنا له خلقتك، فالآن وقت تحقيق ما أخبرنا ~~به، وفى معناه أنشدوا: # سقيا لمعهدك الذي لو لم يكن ... ما كان قلبى للصبابة معهدا # قال الله تعالى: «ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر» يعنى بعد التوراة ~~«أن الأرض يرثها عبادي الصالحون» «2» يعنى أمة محمد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 2] # إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (2) # فى إنزال الكتاب عليه، وإرسال الرسول «3» إليه- تحقيق لأحكام المحبة، ~~وتأكيد لأسباب الوصلة فإن من عدم حقيقة الوصول استأنس بالرسول، ومن بقي عن ~~شهود الأحباب تسلى بوجود الكتاب، قال قائلهم: # وكتبك حولى لا تفارق مضجعى ... ففيها شفاء للذى أنا كاتم # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 3] # نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن ~~الغافلين (3) # «أحسن القصص» : لخلوه عن الأمر والنهى الذي سماعه يوجب اشتغال القلب بما ~~هو يعرض لوقوع التقصير. # «أحسن القصص» : ففيه ذكر الأحباب. PageV02P166 # «أحسن القصص» : لأن فيه عفو يوسف عن جنايات إخوته. # «أحسن القصص» : لما فيه من ذكر ترك يوسف لامرأة العزيز وإعراضه عنها عند ~~ما راودته عن نفسه. # «أحسن القصص» : بالإضافة إلى ما سألوه أن يقص عليهم من أحوال الناس. # «أحسن القصص» : لأنه غير مخلوق «1» . # ويقال لما أخبره الله- سبحانه- أن هذه القصة أحسن القصص وجد رسول الله- ~~صلى الله عليه وسلم- لنفسه مزايا وزوائد لتخصيصه فعلم أن الله تعالى لم يرق ~~أحدا إلى مثل مارقاه. # قوله جل ms0542 ذكره: وإن كنت من قبله لمن الغافلين أي الذاهبين عن فهم هذه ~~القصة. أي ما كنت إلا من جملة الغافلين عنها قبل أن أوحينا إليك بها، أي ~~إنك لم تصل إلى معرفتها بكدك وجهدك، ولا بطلبك وجدك ... # بل هذه مواهب لا مكاسب فبعطائنا وجدتها لا بعنائك، وبتفضلنا لا بتعلمك، ~~وبتلطفنا لا بتكلفك، وبنا لا بك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 4] # إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم ~~لي ساجدين (4) # لما ذكر يوسف- عليه السلام- رؤياه لأبيه علم يعقوب- عليه السلام صدق ~~تعبيرها، ولذلك كان دائم التذكر ليوسف مدة غيبته، وحين تطاولت كان يذكره ~~حتى قالوا: # «تالله تفتؤا تذكر يوسف» فقال: «إني أعلم من الله ما لا تعلمون» فهو كان ~~على ثقة من صدق رؤياه فإن قيل: فإذا كان الصبى لا حكم لفعله فكيف يكون حكم ~~لرؤياه؟ وما الفرق؟ PageV02P167 # فيقال: إن الفعل بتعمد يحصل فيكون معرضا لتقصير فاعله، أما الرؤيا فلا ~~تكون بتعمد منه فتنسب إلى نقصان. # ويقال إن حق السر الكتمان ولو كان على من هو قريب منك فإن يوسف لما أظهر ~~سر رؤياه على أبيه اتصل به البلاء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 5] # قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان ~~عدو مبين (5) # إذا جاء القضاء لا ينفع الوعظ والحذر فإن النصيحة والحذر لا يزيدان على ~~ما نصح يعقوب ليوسف عليهما السلام، ولكن لما سبق التقدير فى أمر يوسف- عليه ~~السلام- حصل ما حصل. # ويقال إن يوسف خالف وصية أبيه فى إظهار رؤياه إذ لو لم يظهرها لما كادوا ~~له، فلا جرم بسبب مخالفته لأبيه- وإن كان صبيا صغيرا- لم يعر من البلايا. # ويقال لما رأى يوسف فى منامه ما كان تأويله سجود الإخوة له رأى ما ~~تعبيره: وسجود أبيه وخالته حيث قال تعالى: «والشمس والقمر رأيتهم لي ~~ساجدين» فدخل الإخوة الحسد «1» أما الأب فلم يدخله إلا بنفسه لفرط شفقة ~~الأبوة. # ويقال صدق تعبيره فى الإخوة فسجدوا له حيث ms0543 قال: «و، خروا له سجدا» ولم ~~يسجد الأب ولا خالته حيث قال: «ورفع أبويه على العرش» فإن يوسف صانهما عن ~~ذلك مراعاة لحشمة الأبوة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 6] # وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل ~~يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم (6) # أي كما أكرمك بهذه الرؤيا التي أراكها يجتبيك ويحسن إليك بتحقيق هذه ~~الرؤيا، وكما أكرمك بوعد النعمة أكرمك بتحقيقها. # ويقال الاجتباء ما ليس للمخلوق فيه أثر، فما يحصل للعبد من الخيرات- لا ~~بتكلفه ولا بتعمده- فهو قضية الاجتباء. PageV02P168 # ويقال من الاجتباء المذكور أن عصمه عن ارتكاب ما راودته امرأة العزيز عن ~~نفسه. # ويقال من قضية الاجتباء إسباله الستر على فعل إخوته حيث قال: «وقد أحسن ~~بي إذ أخرجني من السجن» ، ولم يذكر خلاصه من البئر. ومن قضية الاجتباء ~~توفيقه لسرعة العفو عن إخوته حيث قال: «لا تثريب عليكم اليوم» قوله جل ~~ذكره: ويعلمك من تأويل الأحاديث أي لتعرف قدر كل أحد، وتقف على مقدار كل ~~قائل بما تسمع من حديثه.. لا من قوله بل لحدة كياستك وفرط فراستك. # قوله جل ذكره: ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل ~~إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم من إتمام النعمة توفيق الشكر على النعمة، ~~ومن إتمام النعمة صونها عن السلب والتغيير، ومن إتمام النعمة التحرز «1» ~~منها حتى تسهل عليك السماحة بها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 7] # لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) # يعنى لكل ذى محنة حتى يعلم كيف يصبر، ولكل ذى نعمة حتى يعلم كيف يشكر. # ويقال فى قصتهم كيفية العفو عن الزلة، وكيفية الخجلة لأهل الجفاء عند ~~اللقاء. # ويقال فى قصتهم دلالات لطف الله سبحانه بأوليائه بالعصمة، وآيات على أن ~~المحبة ( ... ) «2» من المحنة. # ويقال فيها آيات على أن من صدق فى رجائه يختص- يوما- ببلائه. PageV02P169 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 8] # إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ms0544 إن أبانا لفي ضلال ~~مبين (8) # عرفوا على ما ستروه من الحسد، ولم يحتالوا فى إخراج ذلك من قلوبهم ~~بالوقيعة فى أبيهم حتى قالوا: «إن أبانا لفي ضلال مبين» . # ويقال لما اعترضوا بقلوبهم على أبيهم فى تقديم يوسف فى المحبة عاقبهم بأن ~~أمهلهم «1» حتى بسطوا فى أبيهم لسان الوقيعة فوصفوه بلفظ الضلال، وإن كان ~~المراد منه الذهاب فى حديث يوسف عليه السلام. ولما حسدوا يوسف على تقديم ~~أبيهم له لم يرض- سبحانه- حتى أقامهم بين يدى يوسف عليه السلام، وخروا له ~~سجدا ليعلموا أن الحسود لا يسود. # ويقال أطول الناس حزنا من لاقى الناس عن مرارة، وأراد تأخير من قدمه الله ~~أو تقديم من أخره الله فإخوة يوسف- عليه السلام- أرادوا أن يجعلوه فى أسفل ~~الجب فرفعه الله فوق السرير! قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 9] # اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما ~~صالحين (9) # أي يخلص لكم إقبال أبيكم عليكم، وقديما قيل: من طلب الكل فاته الكل فلما ~~أرادوا أن يكون إقبال يعقوب- عليه السلام- بالكلية- عليهم قال تعالى: # «فتولى عنهم» . # ويقال كان قصدهم ألا يكون يوسف أمام عينه فقالوا: إما القتل وإما النفى، ~~ولا بأس بما يكون بعد ألا يكون يوسف عليه السلام. # قوله جل ذكره: وتكونوا من بعده قوما صالحين عجلوا بالحرام، وعلقوا التوبة ~~بالتسويف والعزم، فلم يمح ما أجلوا من التوبة ما عجلوا من الحوبة. ~~PageV02P170 # ويقال لم تطب نفوسهم بأن يذهبوا عن باب الله بالكلية فدبروا لحسن الرجوع ~~قبل ارتكاب مادعته إليه نفوسهم، وهذه صفة أهل العرفان بالله «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 10] # قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة ~~إن كنتم فاعلين (10) # إخوة يوسف- وإن قابلوه بالجفاء- منعتهم شفقة النسب وحرمة القرابة من ~~الإقدام على قتله فقالوا لا تقتلوه وغيبوا شخصه. # ويقال إنما حملهم على إلقائه مرادهم أن يخلو لهم وجه أبيهم، فلما أرادوا ~~حصول مرادهم فى تغييبه لم يبالغوا فى تعذيبه. # ويقال لما كان المعلوم له- سبحانه- فى أمر يوسف تبليغه إياه تلك ms0545 القربة ~~ألقى الله فى قلب قائلهم حتى قال: «لا تقتلوا يوسف» . # ثم إنه- وإن أبلاه فى الحال- سهل عليه ذلك فى جنب ما رقاه إليه فى المآل ~~«2» ، قال قائلهم: # كم مرة حفت بك المكاره ... خار لك الله- وأنت كاره # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 11] # قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون (11) # كلام الحسود لا يسمع، ووعده لا يقبل- وإن كانا فى معرض النصح فإنه يطعم ~~الشهد ويسقى الصاب. # ويقال العجب من قبول يعقوب- عليه السلام- ما أبدى بنوه له من حفظ يوسف ~~عليه السلام وقد تفرس فيهم قلبه فقال ليوسف: «فيكيدوا لك كيدا» ولكن إذا ~~جاء القضاء فالبصبرة تصير مسدودة. PageV02P171 # ويقال من قبل على محبوبه حديث أعدائه لقى ما لقى يعقوب فى يوسف. # عليهما السلام- من بلائه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 12] # أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) # يقال أطمعوا يعقوب عليه السلام فى تمكينهم من يوسف بما فيه راحة نفس فى ~~اللعب، فطابت نفس يعقوب لإذهابهم إياه من بين يديه- وإن كان يشق عليه ~~فراقه، ولكن المحب يؤثر راحة محبوبه على محبة نفسه. # ويقال لما ركن إلى قولهم: «وإنا له لحافظون» - أي من قبلهم «1» - حتى ~~قالوا: # «وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب» فمن أسلم حبيبه إلى أعدائه غص ~~بتحسى بلائه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 13] # قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ~~(13) # يحزننى أن تذهبوا به لأنى لا أصبر عن رؤيته، ولا أطيق على فرقته ... هذا ~~إذا كان الحال سلامته.. فكيف ومع هذا أخاف أن يأكله الذئب؟! ويقال لما خاف ~~عليه من الذئب امتحن بحديث الذئب، ففى الخبر ما معناه: إنما يسلط على ابن ~~آدم ما يخافه. وكان من حقه أن يقول أخاف الله لا الذئب، وإن كانت محال ~~الأنبياء عليهم السلام- محروسة من الاعتراض عليها. # ويقال لما جرى على لسان يعقوب- عليه السلام- من حديث الذئب صار كالتلقين ~~لهم، ولو لم يسمعوه ما اهتدوا إلى الذئب «2» . PageV02P172 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية ms0546 # 14] # قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (14) # لحق إخوة يوسف عليه السلام ما وصفوا به أنفسهم من الخسران حيث قالوا: # «إنا إذا لخاسرون» : لأن من باع أخا مثل يوسف بمثل ذلك الثمن حقيق بأن ~~يقال قد خسرت صفقته. # ويقال لما عدوا القوة فى أنفسهم حين قالوا: «ونحن عصبة» خذلوا حتى فعلوا ~~«1» . # ويقال لما ركن يعقوب- عليه السلام- إلى قولهم: «ونحن عصبة» لقى ما لقى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 15] # فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم ~~بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) # الجواب فيه مقدر ومعناه فلما ذهبوا بيوسف وعزموا على أن يلقوه فى البئر ~~فعلوا ما عزموا عليه. أو فلما ذهبوا به وألقوه فى غيابة الجب أوحينا إليه ~~فتكون الواو صلة. # والإشارة فيه أنه لما حلت به البلوى عجلنا له التعريف بما ذكرنا من ~~البشرى ليكون محمولا بالتعريف فما هو متحمل له من البلاء العنيف. # ويقال حين انقطعت على يوسف عليه السلام مراعاة أبيه حصل له الوحى من قبل ~~مولاه، وكذا سنته تعالى أنه لا يفتح على نفوس أوليائه بابا من البلاء إلا ~~فتح على قلوبهم أبواب الصفاء، وفنون لطائف الولاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 16 الى 17] # وجاؤ أباهم عشاء يبكون (16) قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف ~~عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) # تمكين الكذاب من البكاء سمة خذلان الله تعالى إياه، وفى الخبر: إذا كمل ~~نفاق المرء ملك عينه حتى يبكى ما شاء. # ويقال: لا يبعد أن يقال إنهم وإن جنوا على يوسف عليه السلام فقد ندموا ~~على ما فعلوا، فعلاهم البكاء لندمهم- وإن لم يظهروا لأبيهم- وتقولوا على ~~الذئب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 18] # وجاؤ على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله ~~المستعان على ما تصفون (18) . PageV02P173 # لم يؤثر تزوير قاليهم فى إيجاب تصديق يعقوب- عليه السلام لكذبهم بل أخبره ~~قلبه أن الأمر بخلاف ما يقولونه فقال: # بل سولت ms0547 لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. # فعلم على الجملة وإن لم يعلم على التفصيل.. وهكذا تقرع قلوب الصديقين ~~عواقب الأمور على وجه الإجمال، إلى أن تتضح لهم تفاصيلها فى المستأنف. # ويقال عوقبوا على ما فعلوه بأن أغفلوا عن تمزيق قميصه حتى علم يعقوب ~~تقولهم فيما وصفوا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 19] # وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه ~~بضاعة والله عليم بما يعملون (19) # ليس كل من طلب شيئا يعطى مراده فقط بل ربما يعطى فوق مأموله كالسيارة ~~كانوا يقنعون بوجود الماء فوجدوا يوسف عليه السلام. # ويقال ليس كل من وجد شيئا كان كما وجده السيارة توهموا أنهم وجدوا عبدا ~~مملوكأ وكان يوسف- فى الحقيقة- حرا «1» . # ويقال لما أراد الله تعالى خلاص يوسف- عليه السلام- من الجب أزعج خواطر ~~السيارة فى قصد السفر، وأعدمهم الماء حتى احتاجوا إلى الاستقاء ليصل يوسف ~~عليه السلام إلى الخلاص، ولهذا قيل: ألا رب تشويش يقع فى العالم والمقصود ~~منه سكون واحد. # كما قيل: رب ساع له قاعد. # قوله جل ذكره ### | [سورة يوسف (12) : آية 20] # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20) # لم يعرفوا خسرانهم فى الحال ولكنهم وقفوا عليه فى المآل. PageV02P174 # ويقال قد يباع مثل يوسف عليه السلام بثمن بخس، ولكن إذا وقعت الحاجة إليه ~~فعند ذلك يعلم ما يلحق من الغبن. # ويقال لم يحتشموا من يوسف- عليه السلام- يوم باعوه بثمن بخس، ولكن لما ~~قال لهم: أنا يوسف- وقع عليهم الخجل. ولهذا قيل: كفى للمقصر الحياء يوم ~~اللقاء. # ويقال لما خروا له سجدا علموا أن ذلك جزاء من باع أخاه بثمن بخس. # ويقال لما وصل الناس إلى رفق يوسف عاشوا فى نعمته، واحتاجوا إلى أن يقفوا ~~بين يديه فى مقام الذل قائلين «مسنا وأهلنا الضر» ، وفى معناه أنشدوا: # ستسمع بي وتذكرنى ... وتطلبنى فلا تجد # ويقال ليس العجب ممن يبيع مثل يوسف- عليه السلام- بثمن بخس إنما العجب ~~ممن ( ... ) «1» مثل يوسف- عليه السلام- بثمن بخس، لا سيما «وكانوا فيه من ~~الزاهدين» (الخرق لا غاية ms0548 له، وكذا العجب لا نباته له) «2» . # ويقال ليس العجب ممن يبيع يوسف- عليه السلام- بثمن بخس، إنما العجب ممن ~~يبيع وقته الذي أعز من الكبريت الأحمر بعرض حقير من أعراض الدنيا. # ويقال إن السيارة لم يعرفوا قيمته فزهدوا فى شرائه بدراهم، والذين وقفوا ~~على جماله وشىء من أحواله غالوا- بمصر- فى ثمنه حتى اشتروه بزنته دراهم ~~ودنانير مرات- كما فى القصة «3» ، وفى معناه أنشدوا: # إن كنت عندك يا مولاى مطرحا ... فعند غيرك محمول على الحدق «4» # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 21] # وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ~~ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على ~~أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) PageV02P175 # لما نودى على يوسف فى مصر بالبيع لم يرض الحق- سبحانه- حتى أصابتهم ~~الضرورة ومستهم الفاقة حتى باعوا من يوسف- عليه السلام- جميع أملاكهم، ثم ~~باعوا كلهم منه أنفسهم- كما فى القصة- وفى آخر أمرهم طلبوا الطعام، فصاروا ~~بأجمعهم عبيده، ثم إنه عليه السلام لما ملكهم من عليهم فأعتقهم «1» فلئن مر ~~عليه بمصر يوم نودى فيه عليه بالبيع فقد أصبح بمصر يوما آخر وقد ملك جميع ~~أملاكهم، وملك رقاب جميعهم فيوم بيوم، قال تعالى: «فإن مع العسر يسرا» ~~يومان شتان بينهما! ثم إنه أعتقهم جميعا ... وكذا الكريم إذا قدر غفر. # قوله جل ذكره: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض، ولنعلمه من تأويل الأحاديث ~~أراد من حسده ألا تكون له فضيلة على إخوته وذويه، وأراد الله أن يكون له ~~ملك الأرض، وكان ما أراد الله لا ما أراد أعداؤه. # قوله جل ذكره: والله غالب على أمره أرادوا أن يكون يوسف عليه السلام فى ~~الجب، وأراد الله- سبحانه- أن يكون يوسف على سرير الملك فكان ما أراد الله، ~~والله غالب على أمره. PageV02P176 # وأرادوا أن يكون يوسف عبدا لمن ابتاعوه من السيارة، وأراد الله أن يكون ~~عزيز مصر- وكان ما أراد الله. # ويقال العبرة لا ترى من الحق فى الحال، وإنما الاعتبار بما يظهر فى سر ~~تقديره فى المآل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف ms0549 (12) : آية # 22] # ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22) # من جملة الحكم الذي آتاه الله نفوذ حكمه على نفسه حتى غلب شهوته، وامتنع ~~عما راودته تلك المرأة عن نفسه ومن لا حكم له على نفسه فلا حكم له على ~~غيره. # ويقال إنما قال: «ولما بلغ أشده» أي حين استوى شبابه واكتملت قوته، وكان ~~وقت استيلاء الشهوة، وتوفر دواعى مطالبات البشرية- آتاه الله الحكم الذي ~~حبسه على الحق وصرفه عن الباطل، وعلم أن ما يعقب اتباع اللذات من هواجم ~~الندم أشد مقاساة من كلفة الصبر فى حال الامتناع عن دواعى الشهوة ... فآثر ~~مشقة الامتناع على لذة الاتباع. # وذلك الذي أشار إليه الحق- سبحانه- من جميل الجزاء الذي أعطاه هو إمداده ~~بالتوفيق حتى استقام فى التقوى والورع على سواء الطريق، قال تعالى «والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا» «1» : أي الذين جاهدوا بسلوك طريق المعاملة ~~لنهدينهم سبل الصبر على الاستقامة حتى تتبين لهم حقائق المواصلة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 23] # وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ ~~الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) # لما غلقت عليه أبواب المسكن فتح الله عليه باب العصمة «2» ، فلم يضره ما ~~أغلق بعد إكرامه بما فتح. PageV02P177 # وفى التفسير أنه حفظ حرمة الرجل الذي اشتراه، وهو العزيز. # وفى الحقيقة أشار بقوله: «إنه ربي» إلى ربه الحق تعالى: هو مولاى الحق ~~تعالى، وهو الذي خلصنى من الجب، وهو الذي جعل فى قلب العزيز لى محلا كبيرا ~~فأكرم مثواى فلا ينبغى أن أقدم على عصيانه- سبحانه- وقد غمرنى بجميل ~~إحسانه. # ويقال إن يوسف عليه السلام قال لها: إن العزيز أمرنى أن أنفعه. «عسى أن ~~ينفعنا» فلا أخونه فى حرمته بظهر الغيب. # ويقال لما حفظ حرمة المخلوق بظهر الغيب أكرمه الحق سبحانه بالإمداد ~~بالعصمة فى الحال ومكنه من مواصلتها فى المآل على وجه الحلال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 24] # ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء ms0550 ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) # ما ليس بفعل الإنسان مما يعتريه- بغير اختياره ولا بكسبه- كان مرفوعا ~~لأنه لا يدخل تحت التكليف، فلم يكن «الهم» «1» منه ولا منها زلة، وإنما ~~الزلة من المرأة كانت من حيث عزمت على ما همت، فأما نفس الهم فليس مما ~~يكسبه العبد. # ويقال اشتركا فى الهم وأفرد- يوسف عليه السلام- بإشهاده البرهان. # وفى تعيين ذلك البرهان- ما الذي كان؟ - تكلف غير محمود إذ لا سبيل إليه ~~إلا بالخبر المقطوع به. # وفى الجملة كان البرهان تعريفا من الحق إياه بآية من آيات صنعه، قال ~~تعالى: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق» «2» . ~~PageV02P178 # وقوله: «كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء» صرف عنه السوء حتى لم يوجد منه ~~العزم على ذلك الفعل- وإن كان منه هم- إلا أن ذلك لم يكن جرما كما ذكرنا. # والصرف عن الطريق بعد حصول الهم- كشف، والسوء المصروف عنه هو العزم على ~~الزنا والفحشاء أو نفس الزنا، وقد صرفهما الله تعالى عنه. # قوله «إنه من عبادنا المخلصين» : لم تكن نجاته فى خلاصه، ولكن فى صرف ~~السوء عنه واستخلاصه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 25] # واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من ~~أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) # استبقا، هذا ليهرب، وهذه للفعلة التي كانت تطلب. # ولم يضر يوسف- عليه السلام- أن قدت قميصه وهو لباس دنياه بعد ما صح عليه ~~قميص تقواه. # ويقال «1» لم تقصد قد القميص وإنما تعلقت به لتحبسه على نفسها، وكان ~~قصدها بقاء يوسف- عليه السلام- معها، ولكن صار فعلها وبالا على نفسها، فكان ~~بلاؤها من حيث طلبت راحتها وشفاءها. # ويقال تولد انخراق القميص من قبضها عليه وكان فى ذلك افتضاح أمرها لأن ~~قبضها على قميصه كان مزجورا عنه.. ليعلم أن الفاسد شجه فاسد. # ويقال لشدة استيلاء الهوى عليها لم تعلم فى الحال أنها تقد قميصه من ~~ورائه أو من قدامه.. # كذلك صاحب البلاء فى الهوى مسلوب التمييز. # ويقال لما لم تصل ولم تتمكن من مرادها من يوسف خرقت ms0551 قميصه ليكون لها فى ~~إلقائها الذنب على يوسف- عليه السلام- حجة، فقلب الله الأمر حتى صار ذلك ~~عليها حجة، وليوسف دلالة صدق، قال تعالى: «ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله» ~~«2» PageV02P179 # قوله تعالى: «وألفيا سيدها لدى الباب» : لما فتحا الباب وجدا سيدها لدى ~~الباب، والإشارة فيه إلى أن ربك بالمرصاد إذا خرج العبد عن الذي هو عليه من ~~التكليف فى الحال وقع فى ضيق السؤال. # ويقال قال: «ألفيا سيدها» ولم يقل سيدهما لأن يوسف فى الحقيقة كان حرا ~~ولم يكن العزيز له سيدا. # قوله جل ذكره: قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ~~شغلته بإغرائها إياه بيوسف عن نفسها بأن سبقت إلى هذا الكلام. # ويقال لقنته حديث السجن أو العذاب الأليم لئلا يقصد قتله ففى عين ما سعت ~~به نظرت له وأبقت عليه. # ويقال قالت ما جزاء من فعل هذا إلا السجن فإن لم ترض بذلك، وستزيد ~~فالعذاب الأليم يعنى الضرب المبرح.. كأنما ذكرت حديث العقوبة بالتدريج. # ويقال أوقعت السجن الذي يبقى مؤجلا فى مقابلة الضرب الأليم المعجل ليعلم ~~أن السجن الطويل- وإن لم يكن فيه فى الظاهر ألم- فهو فى مقابلة الضرب ~~الشديد الموجع لأنه- وإن اشتد فلا يقابله. # ويقال قالت: «ما جزاء من أراد بأهلك سوءا؟» فذكر الأهل هاهنا غاية تهييج ~~الحمية وتذكير بالأنفة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 26 الى 28] # قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت ~~وهو من الكاذبين (26) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) ~~فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28) # PageV02P180 # أفصح يوسف عليه السلام بجرمها إذ ليس للفاسق حرمة يجب حفظها، فلم يبال أن ~~هتك سترها فقال. «هي راودتني عن نفسي» فلما كان يوسف صادقا فى قوله، ولم ~~يكن له شاهد أنطق الله الصبي الصغير الذي لم يبلغ أوان النطق «1» . ولهذا ~~قيل إذا كان العبد صادقا فى نفسه لم يبال الله أن ينطق الحجر ms0552 لأجله. # قوله: فلما رأى قميصه قد من دبر لما اتضح الأمر واستبان الحال وظهرت ~~براءة ساحة يوسف عليه السلام قال العزيز: «إنه من كيدكن» : دلت الآية على ~~أن الزنا كان محرما فى شرعهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 29] # يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29) # لم يرد أن يهتك ستر امرأته فقال ليوسف: أعرض عن هذا الحديث، ثم قال لها: # «واستغفري لذنبك» : دل على أنه لم يكن فى شرعهم على الزنا حد- وإن كان ~~محرما حيث عده ذنبا. # ويقال ليس كل أحد أهلا للبلاء لأن البلاء من صفة أرباب الولاء، فأما ~~الأجانب فيتجاوز عنهم ويخلى سبيلهم- لا لكرامة محلهم- ولكن لحقارة قدرهم، ~~فهذا يوسف عليه السلام كان بريء الساحة، وظهرت للكل سلامة جانبه وابتلى ~~بالسجن. وامرأة العزيز فى سوء فعلها حيث قال: «إنه من كيدكن» ، وقال لها: ~~«واستغفري لذنبك» .. # ثم لم تنزل بها شظية من البلاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 30] # وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا ~~لنراها في ضلال مبين (30) PageV02P181 # إن الهوى لا ينكتم، ولا تكون المحبة إلا وأبيح لها لسان عذول، فلما تحققت ~~محبتها ليوسف بسطت النسوة فيها لسان الملامة. # ولما كانت أحسن منهن قيمة- فقد كن من جملة خدمها- كانت أسرع إلى الملامة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 31 الى 32] # فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا ~~وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا ~~إن هذا إلا ملك كريم (31) قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه ~~فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) # أرادت أن يغلب عليهن استحقاق الملامة، وتنفى عن نفسها أن تكون لها «1» ~~أهلا، ففعلت بهن ما عملت، فلما رأينه تغيرن وتحيرن ونطقن بخلاف التمييز، ~~فقلن: «ما هذا بشرا» : وقد كان بشرا، وقلن «إن هذا إلا ملك كريم» : ولم يكن ~~ملكا. # قوله: «فذلكن الذي لمتنني فيه» : أثرت رؤيتهن ms0553 له فيهن فقطعن أيديهن بدل ~~الثمار، ولم يشعرن، وضعفن بذلك عندها فقالت: ألم أقل لكن؟ أنتن لم تتمالكن ~~حتى قطعتن أيديكن! فكيف أصبر وهو فى منزلى؟! وفى معناه أنشدوا: PageV02P182 # (أنت عند الخصام عدوى ... ... ### | ............... ### | ........... # ) «1» # ويقال «2» إن امرأة العزيز كانت أتم فى حديث يوسف- عليه السلام- من ~~النسوة فأثرت رؤيته فيهن ولم تؤثر فيها، والتغير صفة أهل الابتداء فى ~~الأمر، فاذا دام المعنى زال التغير قال أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- لمن ~~رآه يبكى وهو قريب العهد فى الإسلام: # هكذا كنا حتى قست القلوب. أي وقرت «3» وصلبت. وكذا الحريق أول ما يطرح ~~فيها الماء يسمع له صوت فإذا تعود شرب الماء سكن فلا يسمع له صوت. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 33] # قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ~~وأكن من الجاهلين (33) # الاختبار مقرون بالاختيار ولو تمني العافية بدل ما كان يدعى إليه لعله ~~كان يعافى، ولكنه لما قال: «السجن أحب إلي مما يدعونني إليه» طولب بصدق ما ~~قال. # ويقال إن يوسف عليه السلام نطق من عين التوحيد حيث قال: «وإلا تصرف عني ~~كيدهن أصب إليهن» فقد علم أن نجاته فى أن يصرف- سبحانه- البلاء عنه لا ~~بتكلفه ولا بتجنبه. # ويقال لما آثر يوسف- عليه السلام- لحوق المشقة فى الله على لذة نفسه آثره ~~عصره حتى قيل له: «تالله لقد آثرك الله علينا» «4» قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 34] # فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34) PageV02P183 # لما رجع إلى الله بصدق الاستغاثة تداركه الله سبحانه بوشيك الإغاثة ... ~~كذلك ما اغير. لأحد- فى الله تعالى- قدم إلا روحه بكرمه وتولاه بنعمه- إنه ~~هو «السميع» لأقوال السائلين، «العليم» بأحوالهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 35] # ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35) # لما سجن يوسف- عليه السلام- مع ظهور براءة ساحته اتقاء على امرأته أن ~~يهتك سترها حول الله ملكه إليه، ثم فى آخر الأمر حكم الله بأن صارت امرأته ~~بعد مقاساتها الضر ... وهذا جزاء من صبر. # ويقال لما ظلم ms0554 يوسف عليه السلام بما نسب إليه أنطق الله تلك المرأة حتى ~~قالت فى آخر أمرها بما كان فيه هتك سترها، فقالت: «الآن حصحص الحق أنا ~~راودته عن نفسه» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 36] # ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني ~~أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من ~~المحسنين (36) # لصحبة السجن أثر يظهر ولو بعد حين فإن يوسف عليه السلام لما قال لصاحبه ~~اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فبقى يوسف فى السجن زمانا، ثم إن ~~خلاصه كان على لسانه حيث قال: فأرسلوا إلى يوسف وقيل له: «يوسف أيها الصديق ~~أفتنا ... # الآية» فالصحبة تعطى بركاتها وإن كانت تبطئ. # قوله: «إنا نراك من المحسنين» : الشهادة بالإحسان للمحسن ذريعة، بها ~~يتوسل إلى استجلاب إحسانه. # PageV02P184 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 37] # قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما ~~مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ~~(37) # التثبت فى الجواب دون التسرع من أمارات أهل المكارم، كيوسف عليه السلام ~~وعدهما أن يجيبهما ولم يسرع الإجابة فى الوقت. # ويقال لما أخر الإجابة علق قلوبهما بالوعد وإذا لم يكن نقد فليكن وعد. # ويقال لما فاتحوه بسؤالهم قدم على الجواب ما اقترحه عليهما من كلمة ~~التوحيد فقال: # «ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم ... » ثم قال: ### | [سورة يوسف (12) : آية 38] # واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ~~ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) # ولما فرغ من تفسير التوحيد، والدعاء إلى الحق سبحانه أجابهما فقال: ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 39 الى 40] # يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) ما تعبدون ~~من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن ~~الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس ms0555 لا ~~يعلمون (40) # PageV02P185 # هكذا كاد يوسف عليه السلام ألا يسكت حين أخذ فى شرح التوحيد وذكر ~~المعبود، وفى الخبر: من أحب شيئا أكثر من ذكره. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 41] # يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير ~~من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41) # اشتركا فى السؤال واشتركا فى الحكم وفى دخول السجن، ولكن تباينا في المآل ~~واحد صلب، وواحد قرب ووهب.. وكذا قضايا التوحيد واختيار الحق فمن مرفوع: # فوق السماك مطلعه، ومن مدفون: تحت التراب مضجعه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 42] # وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث ~~في السجن بضع سنين (42) # يتبين أن تعبير الرؤيا- وإن كان حقا- فهو بطريق غلبة الظن دون القطع. # ثم إنه عاتب يوسف عليه السلام لأنه نسى فى حديثه من يستعين به حين قال: ~~«اذكرني عند ربك» . # ويقال إنه طلب من بشر عوضا على ما علمه، وفى بعض الكتب المنزلة: يا ابن ~~آدم، علم مجانا كما علمت مجانا. # ولما استعان بالمخلوق طال مكثه فى السجن، كذلك يجازى الحق- سبحانه- من ~~يعلق قلبه بمخلوق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 43] # وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رءياي إن كنتم للرءيا تعبرون (43) # PageV02P186 # كان ابتداء بلاء يوسف- عليه السلام- بسبب رؤيا رآها فنشرها وأظهرها، وكان ~~سبب نجاته أيضا رؤيا رآها الملك فأظهرها، ليعلم أن الله يفعل ما يريد فكما ~~جعل بلاءه فى إظهار رؤيا جعل نجاته فى إظهار رؤيا «1» ليعلم الكافة أن ~~الأمر بيد الله يفعل ما يشاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 44] # قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) # حال الرؤيا لا يختلف بالخطأ فى التعبير، فإن القوم حكموا بأن رؤياه أضغاث ~~أحلام فلم يضره ذلك، ولم يؤثر فى صحة تأويلها. # قوله: «وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين» : من طلب الشيء من غير موضعه لم ~~ينل مطلوبه، ولم يسعد بمقصوده. # قوله ms0556 جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 45] # وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) # لما كان المعلوم لله والمحكوم أن يوسف عليه السلام يكون فى ذلك الوقت هو ~~من يعبر الرؤيا- قبض القلوب حتى خفى عليها تعبير تلك الرؤيا، ولم يحصل ~~للملك ثلج الصدر إلا بتعبير يوسف «2» ، ليعلم أن الله- سبحانه- إذا أراد ~~أمرا سهل أسبابه. # ويقال: إن الله تعالى أفرد يوسف عليه السلام من بين أشكاله بشيئين: بحسن ~~الخلقة وبزيادة العلم فكان جماله سبب بلائه، وصار علمه سبب نجاته، لتعلم ~~مزية العلم على غيره، لهذا قيل: العلم يعطى وإن كان يبطى. PageV02P187 # ويقال إذا كان العلم بالرؤيا يوجب الدنيا فالعلم بالمولى أولى أن يوجب ~~العقبى، قال تعالى: # «وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا» «1» قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 47 الى 49] # قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ~~(47) ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ~~(48) ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49) # لم يقدم الدعاء إلى الله تعالى على تعبير هذه الرؤيا كما فعل فى المرة ~~الأولى، لأن هذا السائل هو الذي دعاه فى المرة الأولى. فإما أنه قد قبل فى ~~المرة الثانية، وإما أنه لم يقبل فيئس منه فأهمله. # وصاحب الرؤيا الثانية كان الملك وكان غائبا، والوعظ والدعاء لا يكونا إلا ~~فى المشاهدة دون المغايبة. # ويقال يحتمل أن يكون قد تفرس فى الفتيان قبول التوحيد فإن الشباب ألين ~~قلبا، أما فى هذا الموضع فقد كان الملك أصلب قلبا وأفظ جانبا فلذلك لم يدعه ~~إلى التوحيد لما تفرس فيه من الغلظة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 50] # وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50) # أراد عليه السلام ألا يلاحظه الملك بعين الخيانة فيسقطه عيبه من قلبه فلا ~~يؤثر فيه قوله، فلذلك توقف حتى يظهر أمره ms0557 للملك وتنكشف براءة ساحته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 51] # قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ~~قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ~~(51) PageV02P188 # الحقائق لا تنكتم أصلا ولا بد من أن تبين ... ولو بعد حين. # نسب يوسف إلى ما كان منه بريئا، وأنب على ذلك مدة، وكان أمره فى ذلك ~~خفيا. # ثم إن الله تعالى دفع عنه التهمة ورفع عنه المظنة، وأنطق عذاله، وأظهر ~~حاله، عما فرق به سرباله «1» فقلن: «حاش لله ما علمنا عليه من سوء» . # قوله جل ذكره: قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصادقين لما كانت امرأة العزيز غير تامة فى محبة يوسف تركت ذنبها عليه ~~وقالت لزوجها: # «ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم» ولم يكن ليوسف ~~عليه السلام ذنب. ثم لما تناهت فى محبتة أقرت بالذنب على نفسها فقالت: ~~«الآن حصحص الحق ... » # فالتناهى فى الحب يوجب هتك الستر، وقلة المبالاة بظهور الأمر والسر «2» ، ~~وقيل: # ليقل من شاء ما ... شاء فإنى لا أبالى # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 52] # ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52) # إنما أراد الله أن يظهر براءة ساحة يوسف، لأنه علم أنهم يستحقون العقوبة ~~على ما يبسطون فيه من لسان الملامة وذكر القبيح، ولم يرد يوسف أن يصيبهم ~~بسببه- من قبل الله- عذاب PageV02P189 # شفقة منه عليهم، وهذه صفة الأولياء: أن يكونوا خصم أنفسهم، ولهذا قيل: ~~الصوفي دمه هدر وملكه مباح «1» - ولذلك قال: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 53] # وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم ~~(53) # لما تمدح بقوله: «ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب» كأنه نودى فى سره: ولا ~~حين هممت؟ # فقال: «وما أبرئ نفسي!» «2» ويقال: قوله «ليعلم أني لم أخنه بالغيب» بيان ~~الشكر على ما عصمه الله، وقوله: # «وما أبرئ نفسي» بيان العذر ms0558 لما قصر فى أمر الله، فاستوجب شكره زيادة ~~الإحسان، واستحق بعذره العفو. # والعفو باد من قوله: ### | [سورة يوسف (12) : آية 54] # وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين (54) # لما اتضحت للملك طهارة فعله ونزاهة حاله استحضره لاستصفائه لنفسه، فلما ~~كلمه وسمع بيانه رفع محله ومكانه، وضمنه بره وإحسانه، فقال: «إنك اليوم ~~لدينا مكين أمين» قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 55] # قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) # إنما سأل ذلك ليضع الحق موضعه، وليصل نصيب الفقراء إليهم، فطلب حق الله ~~تعالى فى ذلك، ولم يطلب نصيبا لنفسه. # ويقال لم يقل إنى حسن جميل بل قال: إنى حفيظ عليم أي كاتب حاسب، ليعلم أن ~~الفضل فى المعاني لا فى الصورة. PageV02P190 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 56] # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا ~~نضيع أجر المحسنين (56) # لما لم تكن له دواعى الشهوات من نفسه مكنه الله من ملكه- قال تعالى: «ومن ~~يقترف حسنة نزد له فيها» «1» - فقال: «ولا نضيع أجر المحسنين» . # ثم أخبر عن حقيقة التوحيد، وبين أنه إنما يوفى عباده من ألطافه بفضله لا ~~بفعلهم، وبرحمته لا بخدمتهم فقال: «نصيب برحمتنا من نشاء» ثم يرقى همهم عما ~~أولاهم من النعم فقال: ### | [سورة يوسف (12) : آية 57] # ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57) # ليعلم أنه لا بد من التقوى ومخالفة الهوى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 58] # وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) # عرف يوسف- عليه السلام- إخوته وأنكروه، لأنهم اعتقدوا أنه فى رق العبودية ~~لما باعوه، بينما يوسف- فى ذلك الوقت- كان قاعدا بمكان الملك. فمن طلب ~~الملك فى صفة العبيد متى يعرفه؟ # وكذلك من يعتقد فى صفات المعبود ما هو من صفات الخلق ... متى يكون عارفا؟ # هيهات هيهات لما يحسبون! ويقال لما أخفوه صار خفاؤه حجابا بينهم وبين ~~معرفتهم إياه، كذلك العاصي ... بخطاياه وزلاته تقع غبرة على وجه معرفته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 59] # ولما جهزهم بجهازهم ms0559 قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل ~~وأنا خير المنزلين (59) PageV02P191 # المحب غيور فلما كان يعقوب عليه السلام قد تسلى عن يوسف برؤية ابنه ~~بنيامين غار يوسف أن ينظر إليه يعقوب «1» . # ويقال تلطف يوسف فى استحضار بنيامين بالترغيب والترهيب، وأما الترغيب ففى ~~ماله الذي أوصله إليهم وهو يقول: «ألا ترون أني أوفي الكيل» وفى إقباله ~~عليهم وفى إكرامه لهم وهو يقول: «وأنا خير المنزلين» . # وأما الترهيب فبمنع المال وهو يقول: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 60] # فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) # أي فإن لم تؤامنونى عليه فلا كيل لكم عندى، وأمنع الإكرام والإقبال عنكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 61] # قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61) # لما علم يوسف من حالهم أنهم باعوه بثمن بخس علم أنهم يأتونه بأخيهم طمعا ~~فى إيفاء الكيل، فلن يصعب عليهم الإتيان به. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 62] # وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى ~~أهلهم لعلهم يرجعون (62) # جعل بضاعتهم فى رحالهم- فى باب الكرم- أتم من أن لو وهبها لهم جهرا لأنه ~~يكون حينئذ فيه تقليد منه بالمواجهة، وفى تمليكها لهم بإشارة تجرد من تكلف ~~تقليد منه بالمحاضرة «2» . # ويقال علم أنهم لا يستحلون مال الغير فدس بضاعتهم فى رحالهم، لكن إذا ~~رأوها قالوا: هذا وقع فى رحالنا منهم بغلط، فالواجب علينا ردها عليهم. ~~وكانوا يرجعون بسبب ذلك شاءوا أم أبوا. PageV02P192 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 63] # فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا ~~نكتل وإنا له لحافظون (63) # لم يمنع يوسف منهم الكيل، وكيف منع وقد قال: «ألا ترون أني أوفي الكيل» ؟ # ولكنهم تجوزوا فى ذلك تفخيما للأمر حتى تسمح نفس يعقوب عليه السلام ~~بإرسال بنيامين معهم. # ويقال أرادوا بقولهم: «منع منا الكيل» فى المستقبل إذا لم نحمله إليه. # ويقال إنهم تلطفوا فى القول ليعقوب- عليه السلام- حيث قالوا: «أخانا» ~~إظهارا لشفقتهم عليه، ثم أكدوا ذلك بقولهم: «وإنا له لحافظون» . # قوله ms0560 جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 64] # قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو ~~أرحم الراحمين (64) # من عرف الخيانة لا يلاحظ الأمانة، ولذا لم تسكن نفس يعقوب بضمانهم لما ~~سبق إليه من شأنهم. # قوله جل ذكره: فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين «فالله خير حافظا» : ~~يحفظ بنيامين فلا يصيبه شىء من قبلهم. # ولم يقل يعقوب فالله خير من يرده إلى، ولو قال ذلك لعله كان يرده إليه ~~سريعا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 65] # ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه ~~بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ~~(65) # بين يوسف- عليه السلام- أنه حين عاملهم لم يحتج إلى عوض يأخذه منهم، # PageV02P193 # فلما باعهم وجمع لهم الكيل ما أخذ منهم ثمنا، والإشارة من هذا إلى قوله ~~تعالى: «إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم» . # وكل من خطا للدين خطوة كافأه الله تعالى وجازاه، فجمع له بين روح الطاعة ~~ولذة العيش من حيث الخدمة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 66] # قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ~~فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) # إن الحذر لا يغنى من القدر. وقد عمل يعقوب- عليه السلام- معهم فى باب ~~بنيامين ما أمكنه من الاحتياط، وأخذ الميثاق ولكن لم يغن عنه اجتهاده، وحصل ~~ما حكم به الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 67] # وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني ~~عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ~~(67) # يحتمل أن يكون أراد تفريقهم فى الدخول لعل واحدا منهم يقع بصره على يوسف، ~~فإن. # لم يره أحدهم قد يراه الآخر «1» . # ويقال ظن يعقوب أنهم فى أمر يوسف كانوا فى شدة العناية بشأنه، ولم يعلم ~~أنهم كارهون لمكانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 68] # ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما ms0561 كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة ~~في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~(68) PageV02P194 # إن لم يحصل مقصود يعقوب عليه السلام فى المآل حصل مراده فى الحال، وفى ~~ذلك القدر لأرباب القلوب استقلال. # ويقال على الأصاغر حفظ إشارات الأكابر، والقول فيما يأمرون به هل فيه ~~فائدة أم لا- ترك للأدب. # ويقال إذا كان مثل يعقوب عليه السلام يشير على أولاده، ويتمني به حصول ~~مراده.. # ثم لا يحصل مراده علم أنه لا ينبغى أن يعتقد فى الشيوخ أن جميع ما يريدون ~~يتفق كونه على ما أرادوا لأن الذي لا يكون إلا ما يريده واجبا وما أراده ~~فهو كائن ... هو الله الواحد القهار قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 69] # ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا ~~يعملون (69) # حديث المحبة وأحكامها أقسام: اشتاق يعقوب إلى لقاء يوسف عليهما السلام ~~فبقى سنين كثيرة، واشتاق يوسف إلى بنيامين فرزق رؤيته فى أوجز مدة. # وهكذا الأمر فمنهم موقوف به، ومنهم صاحب بلاء. # ويقال لئن سخنت «1» عين يعقوب عليه السلام بمفارقة بنيامين فلقد قرت عين ~~يوسف بلقائه. كذا الأمر: لا تغرب الشمس على قوم إلا وتطلع على آخرين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 70] # فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير ~~إنكم لسارقون (70) PageV02P195 # احتمل بنيامين ما قيل فيه من السرقة بعد ما التقى مع يوسف. # ويقال: ما نسب إليه من سوء الفعال هان عليه فى جنب ما وجد من الوصال. # ويقال لئن نسب يوسف أخاه للسرقة فقد تعرف إليه بقوله: إنى أنا أخوك- سرا، ~~فكان متحملا لأعباء الملامة فى ظاهره، محمولا بوجدان الكرامة فى سره، وفى ~~معناه أنشدوا: # أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمنى اللوم # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 73] # قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) # يعنى حسن سيرتنا فى سير المعاملة يدلكم على حسن ms0562 سريرتنا فى الحالة. # ويقال لو كنا نسرق متاعكم لما رددناه عليكم ولما وجدتموه فى رحالنا بعد ~~أن غبنا عنكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 74 الى 76] # قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو ~~جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75) فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من ~~وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء ~~الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76) # تجاسر إخوة يوسف بجريان جزاء السرقة عليهم ثقة بأنفسهم أنهم لم يباشروا ~~الزلة، وكان بنيامين شريكهم فى براءة الساحة، فلما استخرج الصاع من وعائه ~~بسط الإخوة فيه لسان الملامة، وبقي بنيامين «1» فلم يكن له جواب كأنه أقر ~~بالسرقة، ولم يكن ذلك صدقا إذ أنه لم يسرق، ولو قال: لم أفعل لأفشى سر يوسف ~~عليه السلام الذي احتال معهم ذلك لأجله حتى يبقيه معه، فسكت لسان بنيامين، ~~وتحقق بالحال قلبه. # ويقال لم يستصعب الملامة- وإن كان بريئا- مما قرن به، ولا يضر سوء ~~المقالة بالمكاشفين بعد حسن الحالة مع الأحباب. # ويقال شىء بما أظهرت عليه المقالة، ولكن حصل له بذلك صفاء الحالة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 77] # قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ~~قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) PageV02P196 # كان بنيامين بريئا مما رمى به من السرقة، فأنطقهم الله تعالى حتى رموا ~~يوسف عليه السلام بالسرقة، واحد بواحد ليعلم العالمون أن الجزاء واجب. # ويقال كان القرح بالقدح أوجع ما سمعه يوسف منهم «1» حيث قالوا: # «إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل» فقد كان ذلك أشد تأثيرا فى قلبه من ~~الجفاء الأول. # ويقال إذا حنق عليك الملك فلا تأمن غبه- وإن طالت المدة- فإن يوسف عليه ~~السلام حنق عليهم فلقوا فى المستأنف منه ما ساءهم من حبس أخيه، وما صاحبهم ~~من الخجل من أبيهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 78] # قالوا يا أيها العزيز ms0563 إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من ~~المحسنين (78) # لم تنفعهم كثرة التنصل، وما راموا به من ذكر أبيهم ابتغاء التوسل، ولم ~~ينفعهم ما قيل منهم حين عرضوا عليه أن يأخذ أحدهم فى البدل.. كذلك فكل ~~مطالب بفعل نفسه: # لا تزر وازرة وزر أخرى فلا الأب يؤخذ بدل الولد، ولا القريب يرضى به عوضا ~~عن أحد لذلك قال يوسف عليه السلام: ### | [سورة يوسف (12) : آية 79] # قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون (79) # توهموا أن الحديث معهم من حيث معاملة الأموال، فعرضوا أنفسهم كى يؤخذ ~~واحد منهم بدل أخيهم، ولم يعلموا أن يوسف عليه السلام كادهم فى ذلك، وأن ~~مقصوده من PageV02P197 # ذلك ما استكن فى قلبه من حب لأخيه، وكلا.. أن يكون عن المحبوب بدل أو ~~لقوم مقام أحد.. وفى معناه أنشدوا: # إذا أوصلتنا الخلد كيما تذيقنا ... أبينا وقلنا: أنت أولى إلى القلب # وقيل: # أحب ليلى وبغضت إلى ... نساء ما لهن ذنوب # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 80] # فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ ~~عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي ~~أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين (80) # لما علموا أن يوسف عليه السلام ليس يبرح عن أخيه خلا بعضهم ببعض فعملت ~~فيهم الخجلة، وعلموا أن يعقوب فى هذه الكرة يتجدد له مثلما أسلفوه من تلك ~~الفعلة، فلم يرجع، أكبرهم إلى أبيهم، وتناهى إلى يعقوب خبرهم، فاتهمهم وما ~~صدقهم، واستخونهم وما استوثقهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 81] # ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا ~~وما كنا للغيب حافظين (81) # كان لهم فى هذه الكرة حجة على ما قالوا، ولكن لم يسكن قلب يعقوب عليه ~~السلام إليها، فإن تعين الجرم فى المرة الأولى أوجب التهمة فى الكرة ~~الأخرى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 82] # وسئل القرية التي كنا فيها ms0564 والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (82) # ما ازدادوا إقامة حجة إلا ازداد يعقوب- عليه السلام- فى قولهم شبهة. # PageV02P198 # ويقال: فى مساءلة الأطلال أخذ لقلوب الأحباب، وسلوة لأسرارهم.. وهذا ~~الباب مما للشرح فيه مجال. # قوله جل ذكره ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 83] # قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه ~~هو العليم الحكيم (83) # لجأ إلى قرب خلاصه من الضر بالصبر. # ويقال لما وعد من نفسه الصبر فلم يمس حتى قال: «يا أسفى على يوسف» ليعلم ~~أن عزم الأحباب على الصبر منقوض غير محفوظ «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 84] # وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (84) # تولى عن الجميع- وإن كانوا أولاده- ليعلم أن المحبة لا تبقى ولا تذر. # ويقال أراد إخوة يوسف أن يكون إقبال يعقوب عليهم بالكلية فأعرض، وتولى ~~عنهم، وفاتهم ما كان لهم، ولهذا قيل: من طلب الكل فاته الكل. # ويقال لم يجد يعقوب مساعدا لنفسه على تأسفه على يوسف فتولى عن الجميع، ~~وانفرد بإظهار أسفه، وفى معناه أنشدوا: # فريد عن الخلان فى كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد # ويقال كان بكاء داود عليه السلام أكثر من بكاء يعقوب عليه السلام، فلم ~~يذهب بصر داود وذهب بصر يعقوب لأن يعقوب عليه السلام بكى لأجل يوسف ولم يكن ~~فى قدرة PageV02P199 # يوسف أن يحفظ بصره من البكاء لأجله، وأما داود فقد كان يبكى لله، وفى ~~قدرة الله- سبحانه- ما يحفظ بصر الباكي لأجله. # سمعت الأستاذ أبا على الدقاق- رحمه الله- يقول ذلك، وقال رحمه الله: إن ~~يعقوب بكى لأجل مخلوق فذهب بصره، وداود بكى لأجل الله فبقى بصره. # وسمعته- رحمه الله- يقول: لم يقل الله: «عمى يعقوب» ولكن قال: «وابيضت ~~عيناه» ، لأنه لم يكن فى الحقيقة عمى، وإنما كان حجابا عن رؤية غير يوسف ~~«1» . # ويقال كان ذهاب بصر يعقوب حتى لا يحتاج إلى أن يرى غير يوسف، لأنه لا شىء ~~أشد على الأحباب من رؤية غير المحبوب فى حال فراقه، وفى معناه أنشدوا: # لما تيقنت أنى لست ms0565 أبصركم ... أغمضت عينى فلم أنظر إلى أحد # وسمعت الأستاذ أبا على الدقاق رحمه الله يقول: كان يعقوب عليه السلام ~~يتسلى برؤية بنيامين فى حال غيبة يوسف، فلما بقي عن رؤيته قال: «يا أسفى ~~على يوسف» أي أنه لما منع من النظر كان يتسلى بالأثر، فلما بقي عن النظر ~~قال: يا أسفا على يوسف. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 85] # قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) # هددوه بأن يصير حرضا- أي مريضا مشرفا على الهلاك- وقد كان، وخوفوه مما لم ~~يبال أن يصيبه حيث قالوا «أو تكون من الهالكين» . # ويقال أطيب الأشياء فى الهلاك ما كان فى حكم الهوى- فكيف يخوف بالهلاك من ~~كان أحب الأشياء إليه الهلاك؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 86] # قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86) # شكا إلى الله ولم يشك من الله، ومن شكا إلى الله وصل، ومن شكا من الله ~~انفصل. PageV02P200 # ويقال لما شكا إلى الله وجد الخلف من الله. # ويقال كان يعقوب- عليه السلام- متحملا بنفسه وقلبه، ومستريحا محمولا بسره ~~وروحه لأنه علم من الله- سبحانه- صدق حاله فقال: أعلم من الله ما لا ~~تعلمون» # ، وفى معناه أنشدوا: # إذا ما تمنى الناس روحا وراحة ... تمنيت أن أشكوا إليك فتسمعا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 87] # يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس ~~من روح الله إلا القوم الكافرون (87) # كان يعقوب عليه السلام يبعث بنيه فى طلب يوسف، وكان الإخوة يخرجون بطلب ~~المسيرة وفى اعتقادهم هلاك يوسف.. وكل إنسان وهمه. # ويقال قوله «فتحسسوا من يوسف وأخيه» أمر بطلب يوسف بجميع حواسهم بالبصر ~~لعلهم تقع عليه أعينهم، وبالسمع لعلهم يسمعون ذكره، وبالشم لعلهم يجدون ~~ريحه وقد توهم يعقوب أنهم مثله فى إرادة الوقوف على شأنه. ثم أحالهم على ~~فضل الله حيث قال: «لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون» . # ويقال لم يكن ليعقوب أحد من الأولاد بمكان يوسف، فظهر ms0566 من قلة الصبر عليه ~~ما ظهر، وآثر غيبة الباقين من الأولاد فى طلب يوسف على حضورهم عنده.. فشتان ~~بين حاله معهم وبين حاله مع يوسف! واحد لم يره فابيضت عيناه من الحزن ~~بفرقته، وآخرون أمرهم- باختياره- بغيبتهم عنه «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 88] # فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة ~~مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين (88) PageV02P201 # لما دخلوا على يوسف خاطبوه بذكر الضر، ومقاساة الجوع والفقر، ولم يذكروا ~~حديث يوسف عليه السلام، وما لأجله وجههم أبوهم. # ويقال استلطفوه بقولهم: «مسنا وأهلنا الضر» ثم ذكروا بعد ذلك حديث قلة ~~بضاعتهم. # ويقال لما طالعوا فقرهم نطفوا بقدرهم فقالوا: وجئنا ببضاعة مزجاة- أي ~~رديئة- ولما شاهدوا قدر يوسف سألوا على قدره فقالوا: أوف لنا الكيل. # ويقال قالوا كلنا كيلا يليق بفضلك لا بفقرنا، وبكرمك لا بعدمنا، ثم تركوا ~~هذا اللسان وقالوا: «وتصدق علينا» : نزلوا أوضع منزل كأنهم قالوا: إن لم ~~نستوجب معاملة البيع والشراء فقد استحققنا بذل العطاء، على وجه المكافأة ~~والجزاء. # فإن قيل كيف قالوا وتصدق علينا وكانوا أنبياء- والأنبياء لا تحل لهم ~~الصدقة؟ # فيقال لم يكونوا بعد أنبياء، أو لعله فى شرعهم كانت الصدقة غير محرمة على ~~الأنبياء. # ويقال إنما أرادوا أن من ورائنا من تحل له الصدقة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 89] # قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) # افتضحوا بحضرة يوسف عليه السلام وقالوا: «فأوف لنا الكيل» فعرفهم فعلمهم ~~ووقفهم عند أحدهم فقال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟ يعنى إن من عامل ~~يوسف وأخا، بمثل معاملتكم فلا ينبغى له أن يتجاسر فى الخطاب كتجاسركم. # ويقال إن يوسف عليه السلام قال لهم: أنهيتم كلامكم، وأكثرتم خطابكم، فما ~~كان فى حديثكم إلا ذكر ضرورتكم.. أفلا يخطر ببالكم حديث أخيكم يوسف؟! وذلك ~~فى باب العتاب أعظم من كل عقوبة # PageV02P202 # ولما أخجلهم حديث العتاب لم يرض يوسف حتى بسط عندهم فقال: «إذ أنتم ~~جاهلون» «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 90] # قالوا ms0567 أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ~~ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) # فى الابتداء حين جهلوه كانوا يقولون له فى الخطاب: «يا أيها العزيز» فلما ~~عرفوه قالوا: # «إنك لأنت يوسف» لأنه لما ارتفعت الأجنبية سقط التكلف فى المخاطبة، وفى ~~معناه أنشدوا: # إذا صفت المودة بين قوم ... ودام ودادهم قبح الثناء # ويقال إن التفاصل والتفارق بين يوسف وإخوته سبقا التواصل بينه وبين يعقوب ~~عليهما السلام فالإخوة خبره وعرفوه قبل أن عرفه أبوه ليعلم أن الحديث بلا ~~شك. # ويقال لم يتقدموا على أبيهم فى استحقاق الخبر عن يوسف ومعرفته، بل إنهم- ~~وإن عرفوه- فلم يلاحظوه بعين المحبة والخلة، وإنما كان غرضهم حديث الميرة ~~والطعام فقط، فقال: «أنا يوسف وهذا أخي» : يعنى إنى لأخ لمثل هذا لا لمثلكم ~~ولذا قال: # «أنا يوسف وهذا أخي» ، ولم يقل وأنتم إخوتى، كأنه أشار إلى طرف من ~~العتاب، يعنى ليس ما عاملتمونى به فعل الإخوة. # ويقال هون عليهم حال بداهة «2» الخجلة حيث قال «أنا يوسف» بقوله: «وهذا ~~أخي» ، وكأنه شغلهم بقوله: «وهذا أخي» كما قيل فى قوله تعالى: «وما تلك ~~بيمينك يا موسى» إنه سبحانه شغل موسى عليه السلام باستماع: «وما تلك بيمينك ~~يا موسى» بمطالعة العصا فى عين ما كوشف به من قوله: «إني أنا الله» . ~~PageV02P203 # ثم اعترف بوجدان الجزاء على الصبر فى مقاساة الجهد والعناء فقال: «إنه من ~~يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين» . # وسمعت الأستاذ أبا على الدقاق- رحمه الله- يقول لما قال يوسف: «إنه من ~~يتق ويصبر» أحال فى استحقاق الأجر على ما عمل من الصبر ... فأنطقهم الله ~~حتى أجابوه بلسان التوحيد فقالوا: «تالله لقد آثرك الله علينا» يعنى ليس ~~بصبرك يا يوسف ولا بتقواك، وإنما هو بإيثار الله إياك علينا فبه تقدمت ~~علينا بحمدك وتقواك. فقال يوسف- على جهة الانقياد للحق: «لا تثريب عليكم ~~اليوم» فأسقط عنهم اللوم، لأنه لما لم يرتقواه من نفسه حيث نبهوه عليه نطق ~~عن التوحيد، وأخبر عن شهود التقدير «1» . # قوله ms0568 جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 91] # قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين (91) # اعترفوا بالفضل ليوسف- عليه السلام- حيث قالوا: لقد آثرك الله علينا، ~~وأكدوا إقرارهم بالقسم بقولهم «تالله» وذلك بعد ما جحدوا فضله بقولهم: ~~«ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين» ، وهكذا ~~من جحد فلأنه ما شهد، ومن شهد فما جحد. # ويقال لما اعترفوا بفضله وأقروا بما اتصفوا به من جرمهم بقولهم: «وإن كنا ~~لخاطئين وجدوا التجاوز عنهم حين قال يوسف: ### | [سورة يوسف (12) : آية 92] # قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92) # أسرع يوسف فى التجاوز عنهم، ووعد يعقوب لهم بالاستغفار بقوله: «سوف ~~أستغفر لكم ربي» لأنه كان أشد حبا لهم فعاتبهم، وأما يوسف فلم يرهم أهلا ~~للعتاب فتجاوز عنهم على الوهلة، وفى معناه أنشدوا: # ترك العتاب إذا استحق أخ ... منك العتاب ذريعة الهجر PageV02P204 # ويقال أصابهم- فى الحال- من الخجلة ما قام مقام كل عقوبة، ولهذا قيل: # كفى للمقصر الحياء يوم اللقاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 93] # اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ~~(93) # البلاء إذا هجم هجم مرة، وإذا زال زال بالتدريج حل البلاء بيعقوب مرة ~~واحدة حيث قالوا: «فأكله الذئب» ولما زال البلاء.. فأولا وجد ريح يوسف عليه ~~السلام، ثم قميص يوسف، ثم يوم الوصول بين يدى يوسف، ثم رؤية يوسف. # ويقال لما كان سبب البلاء، والعمى قميص يوسف أراد الله أن يكون به سبب ~~الخلاص من البلاء «1» . # ويقال علم أن يعقوب عليه السلام- لما يلحقه من فرط السرور- لا يطيقه عند ~~أخذ القميص فقال: «فألقوه على وجه أبي» . # ويقال القميص لا يصلح إلا للباس إلا قميص الأحباب فإنه لا يصلح إلا ~~لوجدان ريح الأحباب. # ويقال كان العمى فى العين فأمر بإلقاء القميص على الوجه ليجد الشفاء من ~~العمى. # ويقال لما كان البكاء بالعين التي فى الوجه كان الشفاء فى الإلقاء على ~~العين التي فى الوجه، وفى معناه أنشدوا: # وما بات مطويا على أريحبة ... عقيب النوى ms0569 إلا فتى ظل مغرما # وقوله «وأتوني بأهلكم أجمعين» : لما علم حزن جميع الأهل عليه أراد أن ~~يشترك فى الفرح جميع من أصابهم الحزن. PageV02P205 # ويقال علم يوسف أن يعقوب لن يطيق على القيام بكفاية أمور يوسف فاستحضره، ~~إبقاء على حاله لا إخلالا لقدره وما وجب عليه من إجلاله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 94 الى 95] # ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون (94) قالوا ~~تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) # ما دام البلاء مقبلا كان أمر يوسف وحديثه- على يعقوب- مشكلا، فلما زالت ~~المحنة بعثرت بكل وجه حاله. # ويقال لم يكن يوسف بعيدا عن يعقوب حين ألقوه فى الجب ولكن اشتبه عليه ~~خبره وحاله، فلما زال البلاء وجد ريحه وبينهما مسافة ثمانين فرسخا- من مصر ~~إلى كنعان. # ويقال إنما انفرد يعقوب عليه السلام بوجدان ريح يوسف لانفرداه بالأسف عند ~~فقدان يوسف. وإنما يجد ريح يوسف من وجد على فراق يوسف «1» فلا يعرف ريح ~~الأحباب إلا الأحباب، وأما على الأجانب فهذا حديث مشكل.. إذ أنى يكون ~~للإنسان ريح!؟. # ويقال لفظ الريح هاهنا توسع «2» ، فيقال هبت رياح فلان، ويقال إنى لأجد ~~ريح الفتنة.. # وغير ذلك. # قوله جل ذكره: لولا أن تفندون تفرس فيهم أنهم يبسطون لسان الملامة فلم ~~ينجع فيهم قوله، فزادوا في الملامة فقالوا: - قالوا تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم قرنوا كلامهم بالشتم، ولم يحتشموا أباهم، ولم يراعوا حقه فى ~~المخاطبة، فوضفوه بالضلال فى المحبة. # ويقال إن يعقوب عليه السلام قد تعرف من الريح نسيم يوسف عليه السلام، ~~وخبر يوسف كثر حتى جاء الإذن للرياح، وهذه سنه الأحباب: مساءلة الديار ~~ومخاطبة الأطلال، وفى معناه أنشدوا: PageV02P206 # وإنى لأستهدى الرياح نسيمكم ... إذا هى أقبلت نحوكم بهبوب # واسألها حمل السلام إليكم ... فإن هى يوما بلغت فأجيبوا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 96] # فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم ~~من الله ما لا تعلمون (96) # لو ألقى قميص يوسف على وجه من فى الأرض من العميان ms0570 لم يرتد بصرهم، وإنما ~~رجع بصر يعقوب بقميص يوسف على الخصوص فإن بصر يعقوب ذهب لفراق يوسف، ولما ~~جاءوا بقميصه أنطق لسانه، وأوضح برهانه، فقال لهم: «ألم أقل لكم إني أعلم ~~من الله ما لا تعلمون» عن حياة يوسف، وفى معناه أنشدوا: # وجهك المأمول حجتنا ... يوم يأتى الناس بالحجج # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 97] # قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (97) # كل إنسان وهمه وقع يعقوب ويوسف عليها السلام فى السرور والاستبشار، وأخذ ~~إخوة يوسف فى الاعتذار وطلب الاستغفار. # ويقال إخوة يوسف- وإن سلفت منهم الجفوة كلموا أباهم بلسان الانبساط ~~لتقديم شفقة الأبوة على ما سبق منهم من الخطيئة. # ويقال يوم بيوم اليوم الذي كان يعقوب محزونا بغيبة يوسف فلا جرم اليوم ~~كان يعقوب مسرورا بقميص يوسف، وكان الإخوة فى الخجلة مما عملوا بيوسف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 98] # قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (98) # وعدهم الاستغفار لأنه لم يفرغ من استبشاره إلى الاستغفار. # ويقال لم يجبهم على الوهلة ليدلهم على ما قدموا من سوء الفعلة لأن يوسف ~~كان غائبا # PageV02P207 # وقتئذ، فوعدهم الاستغفار فى المستأنف- إذا رضى عنهم يوسف حيث كان الحق ~~أكثره له، ولو كان كله ليعقوب لوهبهم على الفور. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 99] # فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ~~(99) # اشتركوا فى الدخول ولكن تباينوا فى الإيواء، فانفرد الأبوان به لبعدهما ~~عن الجفاء، كذلك غدا إذا وصلوا إلى الغفران يشتركون فى وجود الجنان، ولكنهم ~~يتباينون فى بساط القربة فيختص به أهل الصفاء دون من اتصف اليوم بالاستواء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 100] # ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل ~~قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد ~~أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم ~~(100) # أوقف كلا بمحله ms0571 فرفع أبويه على السرير، وترك الإخوة نازلين بأماكنهم. # قوله: «وخروا له سجدا» : كان ذلك سجود تحية، فكذلك كانت عادتهم. ودخل ~~الأبوان فى السجود- فى حق الظاهر- لأن قوله «خروا» إخبار عن الجميع، ولأنه ~~كان عن رؤياه قد قال: إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ~~ساجدين» وقال هاهنا: «هذا تأويل رءياي من قبل قد جعلها ربي حقا» . # قوله جل ذكره: وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد ~~أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم # PageV02P208 # شهد إحسانه فشكره.. كذلك من شهد النعمة شكر، ومن شهد المنعم حمده «1» ~~وذكر حديث السجن- دون البئر- لطول مدة السجن وقلة مدة البئر. # وقيل لأن فيه تذكيرا بجرم الإخوة وكانوا يخجلون. وقيل لأن «السجن أحب إلي ~~مما يدعونني إليه» . وقيل لأنه كان فى البئر مرفوقا به والمبتدئ يرفق به ~~وفى السجن فقد ذلك الرفق لقوة حاله فالضعيف مرفوق به والقوى مشدد عليه فى ~~الحال، وفى معناه أنشدوا: # وأسررتنى حتى إذا ما سببتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح # تجافيت عني حين لا لى حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح # وفى قوله: «وجاء بكم من البدو» إشارة إلى أنه كما سر برؤية أبويه سر ~~بإخوته- وإن كانوا أهل الجفاء، لأن الأخوة سبقت الجفوة «2» . # قوله: «من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي» أظهر لهم أمرهم بما يشبه ~~العذر، فقال كان الذي جرى منهم من نزغات الشيطان، ثم لم يرض بهذا حتى قال: ~~«بيني وبين إخوتي» . # يعنى إن وجد الشيطان سبيلا إليهم، فقد وجد أيضا إلى حيث قال: «بيني وبين ~~إخوتي» . # ثم نطق عن عين التوحيد فقال: «إن ربي لطيف لما يشاء» فبلطفه عصمهم حتى لم ~~يقتلونى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 101] # رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض ~~أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (101) # من حرف تبعيض لأن الملك- بالكمال- لله وحده. # ويقال الملك الذي أشار إليه قسمان: ملكه ms0572 فى الظاهر من حيث الولاية، وملك ~~على نفسه حتى لم يعمل ما هم به من الزلة. PageV02P209 # ويقال ليس كل ملك المخلوقين الاستيلاء على الخلق، إنما الملك- على ~~الحقيقة- صفاء الخلق. # قوله: «وعلمتني من تأويل الأحاديث» : التأويل للخواص، وتفسير التنزيل ~~للعوام «1» . # قوله جل ذكره: فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني ~~مسلما وألحقني بالصالحين «فاطر السماوات والأرض» - هذا ثناء، وقوله: ~~«توفني» - هذا دعاء. # فقدم الثناء على الدعاء، كذلك صفة أهل الولاء. # ثم قال: «أنت وليي فى الدنيا والآخرة، هذا إقرار بقطع الأسرار عن ~~الأغيار. # ويقال معناه: الذي يتولى فى الدنيا والآخرة بعرفانه أنت فليس لى غيرك فى ~~الدارين. # قوله: «توفني مسلما» : قيل علم أنه ليس بعد الكمال إلا الزوال فسأل ~~الوفاة. # وقيل من أمارات الاشتياق تمني الموت على بساط العوافي «2» مثل يوسف عليه ~~السلام ألقى فى الجب فلم يقل توفنى مسلما، وأقيم فيمن يزيد «3» فلم يقل ~~توفنى مسلما، وحبس فى السجن سنين فلم يقل توفنى مسلما، ثم لما تم له الملك، ~~واستقام الأمر، ولقى الإخوة سجدا، وألفى أبويه معه على العرش قال: # «توفني مسلما» ، فعلم أنه كان يشتاق للقائه (سبحانه) . # وسمعت الأستاذ أبا على الدقاق- رحمه الله يقول. قال يوسف ليعقوب: علمت ~~أنا نلتقى فيما بعد الموت.. فلم بكيت كل هذا البكاء؟ PageV02P210 # فقال يعقوب، يا بنى إن هناك طرقا، خفت أن اسلك طريقا وأنت تسلك طريقا، ~~فقال يوسف عند ذلك: «توفني مسلما» . # ويقال إن يوسف- عليه السلام- لما قال: توفنى مسلما، فلا يبعد من حال ~~يعقوب أن لو قال: يا بنى دعني أشتفى بلقائك من الذي منيت به فى طول فراقك، ~~فلا تسعنى- بهذه السرعة- قولك: توفني مسلما. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 102] # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ~~(102) # تبين للكافة أن مثل هذا البيان لهذه القصة على لسان رجل أمي لا يكون إلا ~~بتعريف سماوى ويقال كون الرسول- صلى الله عليه وسلم- أميا فى أول أحواله ~~علامة شرفه وعلو قدره فى آخر أحواله، لأن صدقه فى أن ms0573 هذا من قبل الله إنما ~~عرف بكونه أميا، ثم أتى بمثل هذه القصة من غير مدارسة كتاب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 103] # وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) # أخبر عن سابق علمه بهم، وصادق حكمه حكمته فيهم. # ويقال معناه: أقمتك شاهدا لإرادة إيمانهم، وشدة الحرص على تحققهم بالدين، ~~وإيقانهم. ثم إنى أعلم أنهم لا يؤمن أكثرهم، وأخبرتك بذلك، وفرض عليك ~~تصديقى بذلك، وفرضت عليك إرادتى كون ما علمت أنه لا يكون من إيمانهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 104] # وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين (104) # هذه سنة الله- سبحانه- مع أنبيائه حيث أمرهم بألا يأخذوا على تبليغ ~~الرسالة # PageV02P211 # عوضا ولا أجرا، وكذلك أمره للعلماء- الذين هم ورثة الأنبياء عليهم ~~السلام- بألا يأخذوا من الخلق عوضا على دعائهم إلى الله، فمن أخذ منهم حظا ~~من الناس لم يبارك للمستمع فيما يسمع منه فلا له أيضا بركة فيما يأخذ منهم ~~فتنقطع به. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 105] # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (105) # الآيات ظاهرة، والبراهين باهرة، وكل جزء من المخلوقات شاهد على أنه واحد، ~~ولكن كما أن من أغمض عينه لم يستمتع بضوء نهاره فكذلك من قصر فى نظره ~~واعتباره لم يحظ بعرفانه واستبصاره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 106] # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) # الشرك الجلى أن يتخذ من دونه- سبحانه- معبودا- والشرك الخفى أن يتخذ ~~بقلبه عند حوائجه من دونه- سبحانه- مقصودا. # ويقال شرك العارفين أن يتخذوا من دونه مشهودا، أو يطالعوا سواه موجودا ~~«1» . # ويقال من الشرك الخفى الإحالة على الأشكال فى تجنيس الأحوال، والإخلاد ~~إلى الاختيار والاحتيال «2» عند تزاحم الأشغال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 107] # أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا ~~يشعرون (107) # أفأمن الذي اغتر بطول الإمهال ألا يبتلى بالاستئصال، أفأمن من اغتر بطول ~~السلامة ألا يقوم البلاء عليه يوم القيامة. PageV02P212 # ويقال الغاشية حجاب من القسوة يحصل فى القلب، لا يزول بالتضرع ولا ينقشع ~~بالتخشع ms0574 ويقال الغاشية من العذاب أن تزول من القلب سرعة الانقلاب إلى الله ~~تعالى، حتى إذا تمادى صاحب الغفلة استقبله فى الطريق ما يوجب قنوطه من ~~زواله، وفى معناه أنشدوا: # قلت للنفس إن أردت رجوعا ... فارجعى قبل أن يسد الطريق # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 108] # قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما ~~أنا من المشركين (108) # «البصيرة» : اليقين الذي لا مرية فيه، والبيان الذي لا شك فيه. البصيرة ~~يكون صاحبها ملاطفا بالتوفيق جهرا، ومكاشفا بالتحقيق سرا. # ويقال البصيرة أن تطلع شموس العرفان فتندرج فيها أنوار نجوم العقل. # قوله «أنا ومن اتبعني» أي ذلك سبيلى، وسبيل من اقتدى بهداي فهو أيضا على ~~بصيرة قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 109] # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ~~أفلا تعقلون (109) # تعجبوا أن يبعث الله إلى الخلق بشرا رسولا، فبين أنه أجرى سنته- فيمن ~~تقدم من الأمم- ألا يكون الرسول إليهم إلا بشرا، فإما أن جحدوا جواز بعثة ~~الرسول أصلا، أو أنهم استنكروا أن يبعث بشرا رسولا. # ثم أمرهم بالاستدلال والتفكر والاعتبار والنظر فقال: «أفلم يسيروا في ~~الأرض..؟» # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 110] # حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا ~~يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) # PageV02P213 # حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وتيقنوا أنهم كذبوهم- والظن هاهنا ~~بمعنى اليقين- فعند ذلك جاءهم نصرنا للرسل بالنجاة ولأقوامهم بالهلاك، ولا ~~مرد «1» لبأسنا ويقال حكم الله بأنه لا يفتح للمريدين «2» شيئا من الأحوال ~~إلا بعد يأسهم منها، قال تعالى: «وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ~~وينشر رحمته» «3» فكما أنه ينزل المطر بعد اليأس فكذلك يفتح الأحوال بعد ~~اليأس منها والرضا بالإفلاس عنها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يوسف (12) : آية 111] # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي ~~بين يديه ms0575 وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111) # عبرة منها للملوك فى بسط العدل كما بسط يوسف عليه السلام، وتأمينهم أحوال ~~الرعية كما فعل يوسف حين أحسن إليهم، وأعتقهم حين ملكهم. # وعبرة فى قصصهم لأرباب التقوى فإن يوسف لما ترك هواه رقاه الله إلى ما ~~رقاه. # وعبرة لأهل الهوى فيما فى اتباع الهوى من شدة البلاء، كامرأة العزيز لما ~~تبعت هواها لقيت الضر والفقر. # وعبرة للمماليك فى حضرة السادة، كيوسف لما حفظ حرمة زليخا ملك ملك ~~العزيز، وصارت زليخا امرأته حلالا. PageV02P214 # وعبرة فى العفو عند المقدرة، كيوسف عليه السلام حين تجاوز عن إخوته. # وعبرة فى ثمرة الصبر، فيعقوب لما صبر على مقاساة حزنه ظفر يوما بلقاء ~~يوسف عليه السلام «1» . ### | السورة التي يذكر فيها «الرعد» # بسم الله الرحمن الرحيم «بسم الله» كلمة سماعها يورث لقوم طلبا ثم طربا، ~~ولقوم. حزنا ثم هربا، فمن سمع بشاهد الرجاء طلب وجود رحمته فأذنه لها طرب، ~~ومن سمع بشاهد الرهبة حزن من خوف عقوبته ثم إليه هرب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون (1) الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ~~ربكم توقنون (2) # أقسم بما تدل عليه هذه الحروف من أسمائه إن هذه آيات الكتاب الذي أخبرت ~~أنى أنزل عليك فالألف تشير إلى اسم «الله» ، واللام تشير إلى اسم «اللطيف» ~~، والميم تشير إلى اسم «المجيد» ، والراء تشير إلى اسم «الرحيم» . فقال بسم ~~الله اللطيف المجيد الرحيم إن هذه آيات الكتاب الذي أخبرت أنى أنزله على ~~محمد- صلى الله عليه وسلم. ثم عطف عليه بالواو قوله تعالى: «والذي أنزل ~~إليك من ربك الحق» هو حق وصدق، لأنه أنزله على نبيه- صلى الله عليه وسلم. # قوله جل ذكره: ولكن أكثر الناس لا يؤمنون أي ولكن الأكثر من الناس من ~~أصناف الكفار لا يؤمنون ms0576 به، فهم الأكثرون عددا، والأقلون قدرا وخطرا قوله ~~جل ذكره: الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ~~PageV02P215 # دل على صفاته وذاته بما أخبر به من آياته، ومن جملتها رفع السماوات وليس ~~تحتها عماد يشدها، ولا أوتاد تمسكها. وأخبر فى غير هذه المواضع أنه زين ~~السماء بكواكبها، وخص الأرض بجوانبها ومناكبها. # «ثم استوى على العرش» : أي احتوى على ملكه احتواء قدرة وتدبير. والعرش هو ~~الملك حيث يقال: اندك عرش فلان إذا زال ملكه. # قوله جل ذكره: وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ... # كل يجرى فى فلك. ويدل كل جزء من ذلك على أنه فعل ملك فى ملكه غير مشترك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 3] # وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها ~~زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3) # بسط الأرض ودحاها، والجبال أرساها، وفجر عيونها، وأجرى أنهارها، وجنس ~~بحارها، ونوع من الحيوانات ما جعل البحر قرارها، وأنبت أشجارها، وصنف ~~أزهارها وثمارها، وكور عليها ليلها ونهارها.. ذلك تقدير العزيز العليم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 4] # وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى ~~بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4) # PageV02P216 # فمن سبخ «1» ومن حجر ومن رمل.. أنواع مختلفة، وأزواج متفقة. وزروع ونبات ~~وأشجار أشتات، وأصل الكل واحد، فأجزاؤها متماثلة، وأبعاضها متشاكلة، ولكن ~~جعل بعضها غدقا «2» ، وبعضها قشرا، وبعضها غصنا، وبعضها جذعا، وبعضها ~~أزهارا، وبعضها أوراقا.. ثم الكل واحد، وإن كان لكل واحد طبع مخصوص وشكل ~~مخصوص، ولون مخصوص وقشر مخصوص مع أنها تسقى بماء واحد إذ يصل إلى كل جزء من ~~الشجر من الماء مقدار ما يحتاج إليه، «ونفضل بعضها على بعض في الأكل» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 5] # وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا ~~بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب ms0577 النار هم فيها خالدون (5) # وإن تعجب- يا محمد- لقولهم فهذا موضع يتعجب منه الخلق، فالعجب لا يجوز فى ~~صفة الحق «3» ، إذ أن التعجب الاستبعاد والحق لا يستبعد شيئا، وإنما أثبت ~~موضع التعجب للخلق، وحسن ما قالوا: «إنما تعجب من حجب» لأن من ينل عيون ~~البصيرة لا يتعجب من شىء. # وقوم أطلقوا اللفظ بأن هذا من باب الموافقة أي إنك إن تعجب فهذا عجب ~~موافقتك له. # وإطلاق هذا- وإن كان فيه إشارة إلى حالة لطيفة- لا يجوز، والأدب السكوت ~~عن أمثال هذا. والقوم عبروا عن ذلك فقالوا: أعجب العجب قول ما لا يجوز فى ~~وصفه العجم.. وإن تعجب. # وقوله تعالى: «أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد» : استبعادهم النشأة ~~الثانية- مع إقرارهم بالخلق الأول وهما فى معنى واحد- موضع التعجب، إذ هو ~~صريح PageV02P217 # فى المناقضة، وكان القوم أصحاب تمييز وتحصيل، فقياس مثل هذا يدعو إلى ~~العجب. ولكن لولا أن الله- سبحانه- لبس عليهم كما قال: «فأغشيناهم فهم لا ~~يبصرون» «1» - وإلا ما كان ينبغى أن يخفى عليهم جواز هذا مع وضوحه «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 11] # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما ~~بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم ~~من دونه من وال (11) # الكناية فى: «له معقبات» راجعة إلى العبد، أي أن الله وكل بكل واحد منهم ~~معقبات وهم الملائكة الذين يعقب بعضهم بعضا بالليل والنهار يحفظون هذا ~~المكلف وذاك «3» من أمر الله، أي من البلاء الذي بقدرة الله. يحفظونهم بأمر ~~الله من أمر الله، وذلك أن الله- سبحانه- وكل لكل واحد من الخلق ملائكة ~~يدفعون عنهم البلاء إذا ناموا وغفلو، أو إذا انتبهوا وقاموا ومشوا ... وفى ~~جميع أحوالهم. # قوله جل ذكره: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد ~~الله بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال إذا غيروا ما بهم إلى ~~الطاعات غير الله ما بهم منه من الإحسان والنعمة، وإذا كانوا ms0578 فى نعمة ~~فغيروا ما بهم من الشكر لله تغير عليهم ما من به من الإنعام فيسلبهم ما ~~وهبهم من ذلك، وإذا كانوا فى شدة لا يغير ما بهم من البلاء حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم، وإذا أخذوا فى التضرع، وأظهروا العجر غير ما بهم من المحنة ~~بالتبديل والتحويل. # ويقال إذا غيروا ما بألسنتهم من الذكر غير الله ما بقلوبهم من الحظوظ ~~فأبدلهم به النسيان PageV02P218 # والغفلة، فإذا كان العبد فى بسطة وتقريب، وكشف بالقلب وترقب.. فالله لا ~~يغير ما بأنفسهم بترك أدب، أو إخلال بحق، أو إلمام بذنب. # ويقال لا يكف ما أتاحه للعبد من النعمة الظاهرة أو الباطنة حتى يترك ~~ويغير ما هو به من الشكر والحمد. فإذا قابل النعمة بالكفران، وأبدل حضور ~~«1» القلب بالنسيان وما يطيح به من العصيان. أبدل الله تعالى ما به من ~~النعمة بالحرمان والخذلان، وسلبه ما كان يعطيه من الإحسان. # ويقال إذا توالت المحن وأراد العبد زوالها فلا يصل إليه النفض «2» منها ~~إلا بأن يغير ما هو به فيأخذ فى السؤال بعد السكوت، وفى إظهار الجزع بعد ~~السكون، فإذا أخذ فى التضرع غير ما به من الصبر «3» . # قوله: «وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له» : يقال إذا أراد الله بقوم ~~بلاء وفتنة فما تعلقت به المشيئة لا محالة يجرى. # ويقال إذا أراد الله بقوم سوءا ( ... ) «4» أعينهم حتى يعملوا ويختاروا ~~ما فيه بلاؤهم، فهم يمشون إلى هلاكهم بأقدامهم، ويسعون- فى الحقيقة- فى ~~دمهم كما قال قائلهم: # إلى حتفى مشى قدمى ... إذا قدمى أراق دمى # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 12] # هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) # كما يريهم البرق- فى الظاهر- فيكونون بين خوف وطمع خوف من إحباس المطر ~~وطمع فى مجيئه. أو خوف للمسافر من ضرر مجىء المطر، وطمع للمقيم فى نفعه.. # كذلك يريهم البرق فى أسرارهم بما يبدو فيها من اللوائح ثم اللوامع ثم ~~كالبرق فى الصفاء، وهذه أنوار المحاضرة ثم أنوار المكاشفة. PageV02P219 # «خوفا» : من أن ينقطع ولا يبقى، «وطمعا» : فى أن يدوم فيه ms0579 نقل صاحبه من ~~المحاضرة إلى المكاشفة، ثم من المكاشفة إلى المشاهدة، ثم إلى الوجود ثم ~~دوام الوجود ثم إلى كمال الخمود. # ويقال «يريكم البرق» : من حيث البرهان، ثم يزيد فيصير كأقمار البيان، ثم ~~بصير إلى نهار العرفان. فإذا طلعت شموس التوحيد فلا خفاء بعدها ولا استتار ~~ولا غروب لتلك الشموس، كما قيل: # هى الشمس إلا أن للشمس غيبة ... وهذا الذي نعنيه ليس يغيب # ويقال تبدو لهم أنوار الوصال فيخافون أن تجن «1» عليهم ليالى الفرقة، ~~فقلما تخلو فرحة الوصال من أن تعقبها موجة الفراق «2» ، كما قيل: # أي يوم سررتنى بوصال ... لم «3» تدعنى ثلاثة بصدود؟! # قوله جل ذكره: وينشئ السحاب «4» الثقال إذا انتاب السحابة فى السماء ظلام ~~فى وقت فإنه يعقبه بعد ذلك ضحك الرياض، فما لم تبك السماء لا يضحك الروض، ~~كما قيل: # ومأتم فيه السماء تبكى ... والأرض من تحتها عروس # كذلك تنشأ فى القلب سحابة الطلب، فيحصل للقلب تردد الخاطر، ثم يلوح وجه ~~الحقيقة، فتضحك الروح لفنون راحات الأنس، وصنوف أزهار القرب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 13] # ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ~~وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (13) # أي الملائكة أيضا تسبح من خوفه تعالى. # قوله جل ذكره: ويرسل الصواعق فيصيب بها من PageV02P220 # يشاء، وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال قد يكون فى القلب حنين وأنين، ~~وزفير وشهيق. والملائكة إذا حصل لهم على قلوب المريدين- خصوصا- اطلاع يبكون ~~دما لأجلهم، لا سيما إذا وقعت لواحد منهم فترة، والفترة فى هذه الطريقة ~~الصواعق التي يصيب بها من يشاء، وكما قيل: # ما كان ما أوليت من وصلنا ... إلا سراجا لاح «1» ثم انطفا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 14] # له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه ~~إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14) # دواعى الحق تصير لائحة فى القلوب من حيث البرهان فمن استمع إليها بسمع ~~الفهم، استجاب لبيان العلم. ms0580 وفى مقابلتها دواعى الشيطان «2» التي تهتف ~~بالعبد بتزيين المعاصي، فمن أصغى إليها بسمع الغفلة استجاب لصوت «3» الغى، ~~ومعها دواعى النفس وهى قائدة للعبد بزمام الحظوظ، فمن ركن إليها ولاحظها ~~وقع فى هوان الحجاب. # ودواعى الحق تكون بلا واسطة ملك، ولا بدلالة عقل، ولا بإشارة علم، فمن ~~أسمعه الحق ذلك استجاب لا محالة لله بالله. # قوله جل ذكره: وما دعاء الكافرين إلا في ضلال هواجس النفس ودواعيها تدعو- ~~فى الطريقة- إلى الشرك، وذلك بشهود شىء منك، وحسبان أمر لك، وتعريح فى ~~أوطان الفرق، والعمى عن حقائق الجمع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 15] # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (15) ~~PageV02P221 # المؤمن يسجد لله طوعا، وإذا نزل به ضر ألجأه إلى أن يتواضع ويسجد، وذلك ~~معنى سجوده كرها- وهذا قول أهل التفسير. والكافر يسجد طائعا مختارا، ولكن ~~لما كان سجوده لطلب كشف الضر قال تعالى: إنه يسجد كرها وعلى مقتضى هذا كل ~~من يسجد لابتغاء عوض أو لكشف محنة. # ويقال السجود على قسمين: ساجد بنفسه وساجد بقلبه فسجود النفس معهود «1» ، ~~وسجود القلب من حيث الوجود.. وفرق بين من يكون بنفسه، وواجد بقلبه. # ويقال الكل يسجدون لله إما من حيث الأفعال بالاختيار، أو من حيث الأحوال ~~بنعت الافتقار والاستبشار: سجود من حيث الدلالة على الوحدانية فكل جزء من ~~عين أو أثر فعلى الوحدانية شاهد، وعلى هذا المعنى لله ساجد. وسجود من حيث ~~الشهادة على قدرة الصانع واستحقاقه لصفات الجلال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 16] # قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات ~~والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل ~~شيء وهو الواحد القهار (16) # سلهم- يا محمد- من موجد السماوات والأرض ومقدرها، ومخترع ما يحدث فيها ~~ومدبرها؟ فإن أسكتهم عن الجواب ما استكن فى قلوبهم من الجهل فقل الله ~~منشيها ومجريها. # ثم قال: «أفاتخذتم من دونه أولياء» ms0581 : يعنى الأصنام، وهى جمادات لا تملك ~~لنفسها نفعا ولا ضرا، ويلتحق فى المعنى بها كل من هو موسوم برقم الحدوث، ~~فمن علق قلبه بالحدثان ساوى- من وجه- من عبد الأصنام، قال تعالى: «وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون» «2» . PageV02P222 # قوله جل ذكره: قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ~~الأعمى من على بصيرته غشاوة وحجبة، والبصير من كحل الحق بصيرة سره بنور ~~التوحيد.. لا يستويان! ثم هل تستوى ظلمات الشرك وأنوار التوحيد؟ ومن جملة ~~النور الخروج إلى ضياء شهود التقدير. # قوله جل ذكره: أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل ~~الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار أي لو كان له شريك لوجب أن يكون له ند ~~مضاه، وفى جميع الأحكام له مواز، ولم يجد حينئذ التمييز بين فعليهما. # وكذلك لو كان له ند.. فإن إثباتهما شيئين اثنين يوجب اشتراكهما فى ~~استحقاق كل وصف، وأن يكون أحدهما كصاحبه أيضا مستحقا له، وهذا يؤدى إلى ألا ~~يعرف المحل.. وذلك محال. # قوله جل ذكره: قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار «كل شيء» تدخل فيه ~~المخلوقات بصفاتها وأفعالها، والمخاطب لا يدخل فى الخطاب. # «وهو الواحد» : الذي لا خلف عنه ولا بدل «1» ، الواحد الذي فى فضله منزه ~~عن فضل كل أحد، فهو الكافي لكل أحد، ويستعين به كل أحد. # و «القهار» : الذي لا يجرى يخلاف حكمه- فى ملكه- نفس. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 17] # أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما ~~يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله الأمثال (17) PageV02P223 # هذه الآية تشتمل على أمثال ضربها الله لتشبيه القرآن المنزل بالماء ~~المنزل من السماء، وشبه القلوب بالأودية، وشبه وساوس الشيطان وهواجس النفس ~~بالزبد الذي يعلو الماء، وشبه الخلق «1» بالجواهر الصافية من الخبث كالذهب ~~والفضة والنحاس وغيرها، وشبه الباطل بخبث هذه الجواهر. وكما ms0582 أن الأودية ~~مختلفة فى صغرها وكبرها وأن بقدرها تحتمل الماء فى القلة والكثرة- كذلك ~~القلوب تختلف فى الاحتمال على حسب الضعف والقوة. وكما أن السيل إذا حصل فى ~~الوادي يطهر الوادي فكذلك القرآن إذا حصل حفظه فى القلوب نفى الوساوس ~~والهوى عنها، وكما أن الماء، قد يصحبه ما يكدره، ويخلص بعضه مما يشوبه- ~~فكذلك الإيمان وفهم القرآن فى قلوب المؤمنين حين تخلص من نزغات الشيطان ومن ~~الخواطر الردية، فالقلوب بين صاف وكدر. # وكما أن الجواهر التي تتخذ منها الأوانى إذا أذيبت خلصت من الخبث كذلك ~~الحق يتميز من الباطل، ويبقى الحق ويضمحل الباطل. # ويقال إن الأنوار إذا تلألأت فى القلوب نفت آثار الكلفة، ونور «2» اليقين ~~ينفى ظلمة الشك، والعلم ينفى تهمة الجهل، ونور المعرفة ينفى أثر النكرة، ~~ونور المشاهدة ينفى آثار البشرية، PageV02P224 # وأنوار الجمع تنفى آثار التفرقة. وعند أنوار الحقائق تتلاشى آثار الحظوظ، ~~وأنوار طلوع الشمس من حيث العرفان تنفى صدفة الليل من حيث حسبان أثر ~~الأغيار. # ثم الجواهر التي تتخذ منها الأوانى مختلفة فمن إناء يتخذ من الذهب وآخر ~~من الرصاص، إلى غيره- كذلك القلوب تختلف، وفى الخبر: إن لله تعالى أوانى ~~وهى القلوب» فزاهد قاصد ومحب واجد، وعابد خائف وموحد عارف، ومتعبد متعفف ~~ومتهجد متصوف، وأنشدوا: # ألوانها شتي الفنون وإنما ... تسقى بماء واحد من منهل # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 18] # للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في ~~الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس ~~المهاد (18) # «الحسنى» «1» : الوعد بقبول استجابتهم، وذلك من أجل الأشياء عندهم فلا ~~شىء أعز على المحب من قبول محبوبه منه شيئا. # أما الذين لم يستجيبوا له فلو أن لهم جميع ما فى الأرض وأنفقوه عمدا لا ~~يقبل منهم، ولهم سوء الحساب، وهو المناقشة فى الحساب، ثم مأواهم جهنم ودوام ~~العذاب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 19] # أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا ~~الألباب (19) # «2» استفهام فى معنى ms0583 النفي، أي لا يستوى البصير والضرير، ولا المقبول ~~بالمردود بالحجبة، ولا المؤمل بالتقريب بالمعرض للتعذيب، ولا الذي أقصيناه ~~عن شهودنا بالذي هديناه PageV02P225 # بوجودنا. إنما يتعظ من عقله له تشريف، دون من عقله له سبب إقصاء وتعنيف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 20] # الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (20) # «1» الوفاء بالعهد باستدامة العرفان، والوفاء بشرط الإحسان، والتوقى من ~~ارتكاب العصيان بذلك أبرم العقد يوم الميثاق والضمان. # وميثاق قوم ألا يعبدوا شيئا سواه، وميثاق قوم ألا يسألوا سواه قوله جل ~~ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 21] # والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ~~(21) # «2» الذين يصلون الإيمان به بالإيمان بالأنبياء والرسل. # ويقال الذين يصلون أنفاسهم بعضا ببعض فلا يتخللها نفس لغير الله، ولا ~~بغير الله، ولا فى شهود غير الله. # ويقال يصلون سيرهم بسراهم فى إقامة العبودية، والتبرى من الحول والقوة. # وقوله: «ويخشون ربهم» : الخشية لجام يوقف المؤمن عن الركض فى ميادين ~~الهوى، وزمام يجر إلى استدامة حكم التقى. # وقوله: «ويخافون سوء الحساب» هو أن يبدو من الله ما لم يكونوا يحتسبون ~~قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 22] # والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) # الصبر يختلف باختلاف الأغراض التي لأجلها يصبر الصابر، فالعباد يصبرون ~~لخوف العقوبة، والزهاد يصبرون طمعا فى المثوبة، وأصحاب الإرادة هم الذين ~~صبروا ابتغاء وجه ربهم، وشرط هذا النوع من الصبر رفض ما يمنع من الوصول، ~~واستدامة التوقي منه، PageV02P226 # فيدخل فيه ترك الشهوات، والتجرد عن جميع الشواغل والعلاقات، فيصبر عن ~~العلة والزلة. # وعن كل شىء يشغل عن الله. # ومما يجب عليه الصبر الوقوف على حكم تعزز الحق، فإنه- سبحانه- يتفضل على ~~الكافة من المجتهدين، ويتعزز- خصوصا- على المريدين، فيمنحهم الصبر فى أيام ~~إرادتهم، فإذا صدقوا فى صبرهم جاد عليهم بتحقيق ما طلبوا. # قوله جل ذكره: وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية. # الأغنياء ينفقون أموالهم. والعباد ينفقون نفوسهم ويتحملون صنوف الاجتهاد، ~~ويصبرون على أداء الفرائض والأوراد. والمريدون ينفقون ms0584 قلوبهم فيسرعون إلى ~~أداء الفرائض والأوراد ويصبرون إلى أن يبوح علم من الإقبال عليهم. وأما ~~المحبون فينفقون أرواحهم.. # وهى كما قيل: # ألست لى خلفا؟ كفى شرفا ... فما وراءك لى قصد ومطلوب. # قوله جل ذكره: ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار يعاشرون الناس ~~بحسن الخلق فيبدأون بالإنصاف ولا يطلبون الانتصاف، وإن عاملهم أحد بالجفاء ~~قابلوه بالوفاء، وإن أذنب إليهم قوم اعتذروا عنهم، وإن مرضوا عادوهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : الآيات 23 الى 24] # جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) # PageV02P227 # يتم النعمة عليهم بأن يجمع بينهم وبين من يحبون صحبتهم من أقاربهم ~~وأزواجهم، وقد ورد فى الخبر: «المرء مع من أحب» فمن كان محبوبه أمثاله ~~وأقاربه حشر معهم، ومن كان اليوم بقلبه مع الله، فهو غدا مع الله، وفى ~~الخبر: «أنا جليس من ذكرنى» ، وهذا فى العاجل، وأما فى الآجل، ففى الخبر: ~~«الفقراء الصابرون جلساء الله يوم القيامة» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 25] # والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) # من كفر بعد إيمانه نقض عهد الإسلام فى الظاهر، ومن رجع إلى أحكام العادة ~~بعد سلوكه طريق الإرادة، فقد نقض عهده فى السراء ... فهذا مرتد جهرا، وهذا ~~مرتد سرا، والمرتد جهرا عقوبته قطع رأسه، والمرتد سرا عقوبته قطع سره. # وقوله: «ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل» ، هو نقض قوله: «يصلون ما أمر ~~الله به أن يوصل» . # ويقال نقض العهد هو الاستعانة بالأغيار، وترك الاكتفاء بالله الجبار. # ويقال نقض العهد الرجوع إلى الاختبار والتدبير بعد شهود الأقدار، وملاحظة ~~التقدير. # ويقال نقض العهد بترك نفسه، ثم يعود إلى ما قال بتركه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 26] # الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا متاع (26) # يبسط الرزق للأغنياء ويطالبهم بالشكر ms0585 ويضيق على الفقراء ويطالبهم بالصبر # PageV02P228 # وعد الزيادة للشاكرين، ووعد المعية للصابرين. للأغنياء الأموال بمزيدها، ~~وللفقراء التجرد فى الدارين عن طريقها وتليدها. # قوله جل ذكره: وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا ~~متاع فرح الأغنياء بزكاء أموالهم، وفرح الفقراء بصفاء أحوالهم. # «وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع» قليل بالإضافة إلى ما وعدهم الله ~~فأموال الأغنياء- وإن كثرت- قليلة بالإضافة إلى ما وعدهم من وجود أفضاله، ~~وأحوال الفقراء- وإن صفت- قليلة بالإضافة إلى ما وعدهم من شهود جماله ~~وجلاله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 27] # ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ~~ويهدي إليه من أناب (27) # «يضل من يشاء» : وهم الذين لم يشهدوا ما أعطى نبينا- صلى الله عليه وسلم- ~~من الشواهد والبرهان حتى ( ... ) «1» الزيادة. # «ويهدي من يشاء» : وهم الذين أبصروا بعيون أسرارهم ما خص به من الأنوار ~~فسكنوا بنور استبصارهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 28] # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) # قوم اطمأنت قلوبهم بذكرهم الله، وفى الذكر وجدوا سلوتهم، وبالذكر وصلوا ~~إلى صفوتهم. وقوم اطمأنت قلوبهم بذكر الله فذكرهم الله- سبحانه- بلطفه، ~~وأثبت الطمأنينة فى قلوبهم على وجه التخصيص لهم. PageV02P229 # ويقال إذا ذكروا أن الله ذكرهم استروحت قلوبهم، واستبشرت أرواحهم، ~~واستأنست أسرارهم، قال تعالى: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب» لما نالت بذكره ~~من الحياة، وإذا كان العبد لا يطمئن قلبه بذكر الله، فذلك لخلل فى قلبه، ~~فليس قلبه بين القلوب الصحيحة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 29] # الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (29) # طابت أوقاتهم وطابت نفوسهم. # ويقال طوبى لمن قال له الحق: طوبى. # طوبى لهم فى الحال، وحسن المآب فى المآل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 30] # كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك ~~وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (30) # لئن أرسلناك بالنبوة إليهم فلقد أرسلنا قبلك كثيرا من الرسل، ولئن ms0586 أصابك ~~منهم بلاء فلقد أصاب من قبلك كثير من البلاء، فاصبر كما صبروا تؤجر كما ~~أجروا. # قوله جل ذكره: وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت ~~وإليه متاب لئن كفروا بنا فآمن أنت، وإذا آمنت فلا تبال بمن جحد، فإنك أنت ~~المقصود من البرية، والمخصوص بالرسالة والمحبة. # لو كان يجوز فى وصفنا أن يكون لنا غرض فى أفعالنا. # ولو كان الغرض فى الخلقة فأنت سيد البشر، وأنت المخصوص من بين البشرية ~~بحسن الإقبال «1» ، فهذا مخلوق يقول فى مخلوق: PageV02P230 # وكنت أخرت أو طارى لوقت ... فكان الوقت وقتك والسلام # وكنت أطالب الدنيا بحب ... فكنت الحب.. وانقطع الكلام # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 31] # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله ~~الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا ~~يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي ~~وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31) # لو كان شىء من المخلوقات يظهر بغيرنا فى الإيجاد لكان يحصل بهذا القرآن، ~~ولكن المنشئ الله، والخير والشر جملة من الله، والأمر كله لله. فإذا لم يكن ~~شىء من الحدثان بالقرآن- والقرآن كلام الله العزيز- فلا تكون ذرة من النفي ~~والإثبات لمخلوق.. فإن ذلك محال. # قوله جل ذكره: أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ~~معناه أفلم يعلم الذين آمنوا، ويقال أفلم ييأسوا من إيمانهم وقد علموا أنه ~~من يهديه الحق فهو المهتدى؟ # قوله جل ذكره: ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا ~~من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد يعنى شؤم كفرهم لا ~~يزال واصلا إليهم، ومقتص «1» فعلهم لاحق بهم أبدا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 32] # ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب ~~(32) PageV02P231 # أنزل هذه الآية على جهة التسلية للرسول- صلى الله عليه وسلم- عما كان ms0587 ~~يلاقيه منهم. # وكما أن هؤلاء فى التكذيب جروا على نهجهم فنحن أدمنا سنتنا فى التعذيب ~~معهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 33] # أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه ~~بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن ~~السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (33) # الجواب فيه مضمر أي أفمن هو مجرى ومنشئ الخلق والمطلع عليهم، لا يخفى ~~عليه منهم شىء كمن ليس كذلك؟ لا يستويان غدا أبدا. # قوله جل ذكره: وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في ~~الأرض أم بظاهر من القول قل لهم أرونى أي تأثير منهم، وأي نفع لكم فيهم، ~~وأي ضرر لكم منهم؟ أتقولون ما يعلم الله بخلافه؟ وهذا معنى قوله: «بما لا ~~يعلم» . # قوله جل ذكره: بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل، ومن يضلل الله ~~فما له من هاد. # أي قد تبين لكم أن ذلك من كيد الشيطان، وزين للذين كفروا مكرهم، وصاروا ~~مصدودين عن الحق، مسدودة عليهم الطرق، فإن من أضله حكمه- سبحانه- لا يهديه ~~أحد قطعا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 35] # مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك ~~عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (35) # المثل أي الصفة، فصفة الجنة التي وعد المتقون هى أنها جنة تجرى من تحتها ~~الأنهار، وأكلها دائم وظلها دائم، أي أن اللذات فيها متصلة. وإنما لهم جنات ~~معجلة ومؤجلة، فالمؤجلة # PageV02P232 # ما ذكره الله- سبحانه- فى نص القرآن، والمعجلة جنة الوقت «1» .. ~~والدرجات- من حيث البسط- فيها متصلة، ونفحات الأنس لأربابها لا مقطوعة ولا ~~ممنوعة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 36] # والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل ~~إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب (36) # يريد بهم مؤمنى أهل الكتاب الذين كانوا يفرحون بما ينزل من القرآن لصدق ~~يقينهم. # ومن الأحزاب من ينكر بعضه أي ms0588 الأحزاب الذين قالوا كان محمد يدعو إلى إله ~~واحد، فالآن هو ذا يدعو إلى إلهين لما نزل: «قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن» «2» . # قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به، إليه أدعوا وإليه مآب. # قل يا محمد: «إنما أمرت أن أعبد الله» . والعبودية المبادرة إلى ما أمرت ~~به، والمحاذرة «3» مما زجرت عنه، ثم التبرى عن الحول والمنة، والاعتراف ~~بالطول والمنة. # وأصل العبودية القيام بالوظائف، ثم الاستقامة عند روح اللطائف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 37] # وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك ~~من الله من ولي ولا واق (37) # أي حكما ببيان العرب لأن الله تعالى أرسل الرسل فى كل وقت كلا بلسان قومه ~~ليهتدوا إليه. # ويقال من صفات العرب الشجاعة والسخاء ومراعاة الذمام وهذه الأشياء مندوب ~~إليها فى الشريعة. PageV02P233 # «ولئن اتبعت أهواءهم» : أي ولئن وافقتهم، ولم تعتصم بالله، ووقعت على ~~قلبك حشمة من غير الله- فمالك من واق من الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 38] # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) # أي أرسلنا رسلا من قبلك إلى قومهم، فلم يكونوا إلا من جنسك، وكما لكم ~~أزواج وذرية كانت لهم أزواج وذرية، ولم يكن ذلك قادحا فى صحة رسالتهم، ولا ~~تلك العلاقات كانت شاغلة لهم. # ويقال إن من اشتغل بالله فكثرة العيال وتراكم الأشغال لا تؤثر فى حاله ~~ولا يضره ذلك. # قوله جل ذكره: لكل أجل كتاب. # أي لكل شىء أجل مثبت فى كتاب الله وهو المحفوظ، وله وقت قسم له، وأنه لا ~~اطلاع لأحد على علمه، ولا اعتراض لأحد على حكمه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 39] # يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39) # المشيئة لا تتعلق بالحدوث، والمحو والإثبات متصلان بالحدوث. # فصفات ذات الحق- سبحانه- من كلامه وعلمه، وقوله وحكمه لا تدخل تحت المحو ~~والإثبات، وإنما يكون المحو والإثبات من صفات فعله المحو يرجع إلى ms0589 العدم، ~~والإثبات إلى الإحداث، فهو يمحو من قلوب الزهاد حب الدنيا ويثبت بدله الزهد ~~فيها، كما فى خبر حارثة: «عزفت نفسى عن الدنيا فاستوى عندى حجرها وذهبها» ~~«1» . PageV02P234 # ويمحو عن قلوب العارفين الحظوظ، ويثبت بدلها حقوقه تعالى، ويمحو عن قلوب ~~الموحدين شهود غير الحق ويثبت بدله شهود الحق، ويمحو آثار البشرية ويثبت ~~أنوار شهود الأحدية. # ويقال يمحو العارفين عن شواهدهم، ويثبتهم بشاهد الحق. # ويقال يمحو العبد عن أوصافه ويثبته بالحق فيكون محوا عن الخلق مثبتا ~~بالحق للحق. # ويقال يمحو العبد فلا يجرى عليه حكم التدبير، ويكون محوا بحسب جريان ~~أحكام التقدير، ويثبت سلطان التصديق والتقليب بإدخال ما لا يكون فيه اختيار ~~عليه على ما يشاء. # ويقال يمحو عن قلوب الأجانب ذكر الحق، ويثبت بدله غلبات الغفلة وهواجم ~~النسيان. # ويقال يمحو عن قلوب أهل الفترة ما كان يلوح فيها من لوامع الإرادة، ويثبت ~~بدلها الرجوع إلى ما خرجوا عنه من أحكام العادة. # ويقال يمحو أو ضار الزلة عن نفوس العاصين، وآثار العصيان عن ديوان ~~المذنبين (ويثبت) «1» يدل ذلك لوعة الندم، وانكسار الحسرة، والخمود عن ~~متابعة الشهوة. # ويقال يمحو عن ذنوبهم السيئة، ويثبت بدلها الحسنة، قال تعالى: «فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات» . # ويقال يمحو الله نضارة الشباب ويثبت ضعف المشيب. # ويقال يمحو عن قلوب الراغبين فى مودة أهل الدنيا ما كان يحملهم على إيثار ~~صحبتهم، ويثبت بدلا منه الزهد فى صحبتهم والاشتتغال بعشرتهم. # ويقال يمحو الله ما يشاء من أيام صفت من الغيب «2» ، وليال كانت مضاءة ~~بالزلفة والقربة ويثبت بدلا من ذلك أياما هى أشد ظلاما من الليالى الحنادس ~~«3» ، وزمانا يجعل سعة الدنيا عليهم محابس. PageV02P235 # ويقال يمحو العارفين بكشف جلاله، ويثبتهم فى وقت آخر بلطف جماله. # ويقال يمحوهم إذا تجلى لهم، ويثبتهم إذا تعزز عليهم. # ويقال يمحوهم إذا ردهم إلى أسباب التفرقة لأنهم يبصرون بنعت الافتقار ~~والانكسار، ويثبتهم إذا تجلى لقلوبهم فيبصرون بنعت الاستبشار، ويشهدون بحكم ~~الافتخار. # قوله جل ذكره: وعنده أم الكتاب قيل اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما سبق ~~به علمه ms0590 وحكمه مما لا تبديل ولا تغيير فيه. # ويقال إنه إشارة إلى علمه الشامل لكل معلوم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 40] # وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ~~(40) # نفى عنه الاستعجال أمرا، و ( ### | .... # ) «1» فى قلوبهم أنه يوشك أن يجعل الموعود جهرا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 41] # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه ~~وهو سريع الحساب (41) # فى التفاسير: بموت العلماء، وفى كلام أهل المعرفة بموت الأولياء، الذين ~~إذا أصاب الناس بلاء ومحنة فزعوا إليهم فيدعون الله ليكشف البلاء عنهم. # ويقال هو ذهاب أهل المعرفة حتى إذا جاء مسترشد فى طريق الله لم يجد من ~~يهديه إلى الله. # ويقال: فى كل زمان لسان ينطق عن الحق سبحانه «2» ، فإذا وقعت فترة سكن ~~ذلك اللسان- وهذا هو النقصان فى الأطراف الذي تشير إليه الآية، وأنشد ~~بعضهم: # طوى العصران ما نشراه منى ... وأبلى جدتى نشر وطي PageV02P236 # أرانى كل يوم فى انتقاص ... ولا يبقى مع النقصان شى # ويقال ينقصها من أطرافها أي بفتح المدائن وأطراف ديار الكفار، وانتشار ~~الإسلام، قال تعالى: «ليظهره على الدين كله» «1» . # ويقال ينقصها من أطرافها بخراب البلدان، قال تعالى: «كل شيء هالك إلا ~~وجهه» «2» وقال: «كل من عليها فان» «3» فموعود الحق خراب العالم وفناء ~~أهله، ووعده حق لأن كلامه صدق، والله يحكم لا معقب لحكمه، ولا ناقض لما ~~أبرمه، ولا مبرم لما نقضه، ولا قابل لمن رده، ولا راد لمن قبله، ولا معز ~~لمن أهانه، ولا مذل لمن أعزه. # «وهو سريع الحساب» : لأن ما هو آت فقريب. # ويقال «سريع الحساب» فى الدنيا لأن الأولياء إذا ألموا بشىء، أو هموا ~~لمزجور عوتبوا فى الوقت، وطولبوا بحسن الرجعى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 42] # وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم ~~الكفار لمن عقبى الدار (42) # مكرهم إظهار الموافقة مع إسرارهم الكفر، ومكر الله بهم توهمهم أنهم ~~محسنون فى أعمالهم، وحسبانهم «4» أنهم سنأ من ms0591 أحوالهم، وظنهم أنه لا يحيق ~~بهم مكرهم، وتخليته إياهم- مع مكرهم- من أعظم مكره بهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرعد (13) : آية 43] # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتاب (43) PageV02P237 # وبال تكذيبهم عائد إليهم، فإن الله شهيد لك بصدقك. «ومن عنده علم الكتاب» ~~هو الله سبحانه وتعالى عنده علم جميع المؤمنين. فالمعنى كفى بالله شهيدا ~~فعنده علم الكتاب وكفى بالمؤمنين شهيدا إذ المؤمنون يعلمون ذلك. ### | السورة التي يذكر فيها إبراهيم عليه السلام # قوله جل ذكره: بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله معناه بالله فقلوب ~~العارفين بالله إشراقها، وقلوب الوالهين بالله احتراقها، لهؤلاء فا ( ... ) ~~«1» محبته، ولهؤلاء شوقا إلى عزيز رؤيته. # وأصحاب الوصول قالوا: بالله.. فوصل من الطالبين من وصل قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى ~~صراط العزيز الحميد (1) # أقسم بهذه الحروف: إنه لكتاب أنزل إليك لتخرج الناس به من ظلمات الجهل ~~إلى نور العلم، ومن ظلمات الشك إلى نور اليقين، ومن ظلمات التدبير إلى فضاء ~~شهود التقدير، ومن ظلمات الابتداع «2» إلى نور الاتباع، ومن ظلمات دعاوى ~~النفس إلى نور معارف القلب، ومن ظلمات التفرقة إلى نور الجمع- بإذن ربهم، ~~وبإرادته ومشيئته، وسابق حكمه وقضائه إلى صراط رحمته، وهو نهج التوحيد ~~وشواهد التفريد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 2] # الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد ~~(2) # عرف الخلق أن الله هو الذي له ما فى السماوات وما فى الأرض. PageV02P238 # فمن عرف فله المآب الحميد، ومن جحد فله العذاب الشديد وذلك العذاب هو ~~جهله بأنه- سبحانه- من هو. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : آية # 3] # الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها ~~عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) # ثم ذكر ذميم أخلاقهم، فقال: هم الذين يؤثرون اليسير من حطام الدنيا على ~~الخطير من نعم الآخرة، وذلك من شدة جحدهم، ويبغون للدين عوجا بكثرة جمعهم، ms0592 ~~أولئك لهم فى الدنيا الفراق وهو أشد عقوبة، وفى الآخرة الاحتراق وهو أجل ~~محنة ومصيبة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 4] # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من ~~يشاء وهو العزيز الحكيم (4) # إنما كان كذلك ليكون آكد فى إلزام الحجة، وأنى ينفع ذلك إذا لم يوفقوا ~~لسلوك المحجة؟ فأهل الهداية فازوا بالعناية السابقة، وأصحاب الغواية وقعوا ~~فى ذل العداوة، فلا اعتراض عليه فيما يصنع، ولا يسأل عما يفعل أو لم يفعل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 5] # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم ~~بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) # أخرج قومك بدعوتك من ظلمات شكهم إلى نور اليقين، ومن إشكال الجهل إلى روح ~~العلم. وذكرهم بأيام الله ما سلف لهم من وقت الميثاق، وما رفع عنهم من ~~البلاء فى سابق أحوالهم. # PageV02P239 # ويقال ذكرهم بأيام الله وهى ما سبق لأهواحهم من الصفوة وتعريف التوحيد ~~قبل حلولها فى الأشباح: # سقيا لها ولطيبها ولحسنها وبهائها أيام لم ( ### | ...... # ) «1» # ويقال ذكرهم بأيام الله وهى التي كان العبد فيها فى كتم العدم، والحق ~~يتولى عباده قبل أن يكون للعباد فعل فلا جهد للسابقين، ولا عناء ولا ترك ~~للمقتصدين، ولا وقع من الظالم لنفسه ظلم «2» . # إذ كان متعلق العلم متناول القدرة، والحكم على الإرادة.. ولم يكن للعبد ~~اختيار فى تلك الأيام. # قوله: « ... إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور» . # «صبار» : راض بحكمه واقف عند كون لذيذ العيش يسره. # «شكور» : محجوب «3» بشهود النعم عن استغراقه فى ظهور حقه.. هذا واقف مع ~~صبره وهذا واقف مع شكره، وكل ملزم بحده وقدره ... والله غالب على أمره، ~~مقدس فى نفسه متعزز بجلال قدسه. # قوله جل ذكره ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : آية # 6] # وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ~~ربكم عظيم (6) PageV02P240 # تذكر ما سلف من النعم يوجب تجديد ما ms0593 سبق من المحبة، وفى الخبر: # «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها» فالحق أمر موسى عليه السلام. # بتذكير قومه ما سبق إليهم من فنون إنعامه، ولطائف إكرامه.. وفى بعض الكتب ~~المنزلة على الأنبياء- عليهم السلام: «عبدى، أنا لك محب فبحقى عليك كن لى ~~محبا» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : آية # 7] # وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (7) # إن شكرتم لأزيدنكم من إنعامى وإكرامى، وإن كفرتم بإحسانى لأعذبنكم اليوم ~~بامتحانى، وغدا بفراقى وهجرانى. # لئن عرفتم وصالى لأزيدنكم من وجود نوالى إلى شهود جمالى وجلالى «1» . # ويقال لئن شكرتم وجوه توفيق العبادة لأزيدنكم بتحقيق الإرادة. # ويقال لئن شكرتم شهود المكافي لأزيدنكم بشهود أوصافى. # ويقال لئن شكرتم صنوف إنعامى لأزيدنكم بشهود إكرامى ثم إلى شهود إقدامى. # ويقال لئن شكرتم مختص نعمائى لأزيدنكم منتظر آلائي. # ويقال لئن شكرتم مخصوص نعمى لأزيدنكم مأمول كرمى. # ويقال لئن شكرتم ما خولناكم من عطائى لأزيدنكم ما وعدناكم من لقائى. # ويقال لئن شكرتم ما لوحت فى سرائركم زدناكم ما ألبسنا من العصمة ~~لظواهركم. # ويقال لئن كفرتم نعمتى بأن توهمتم استحقاقها «2» لجرعناكم ما تستمرون ~~مذاقها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 8] # وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8) ~~PageV02P241 # إن اجتمعتم أنتم ومن عاضدكم، وكل من غاب عنكم وحضركم، والذين يقتفون ~~أثركم- على أن تكفروا بالله جميعا، وأخذتم كل يوم شركاء قطيعا- ما أوجهتم ~~لعزنا شينا، كما لو شكرتم ما جعلتم بملكنا زينا. والحق بنعوته ووصف جبروته ~~على، وعن العالم بأسره غنى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : آية # 9] # ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا ~~يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا ~~كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) # استفهام فى معنى التقرير. أخبره أنه لما جاءتهم الرسل قابلوهم بالكنود، ~~وعاملوهم بالجحود وردوا أيديهم فى أفواههم، وحذوا سبيل أمثالهم فى الكفر، ~~وبنوا على الشك والريبة قواعدهم، وأسسوا ms0594 على الشرك والغى مذاهبهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 10] # قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما ~~كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) # استفهام والمراد منه توبيخ ونفى. سبحانه لا يتحرك نفس إلا بتصريفه. # وكيف يبصر جلال قدره إلا من كحله بنور بره؟ # ثم قال: «يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم» : ليس العجب ممن تكلف لسيده المشاق ~~وتحمل ما لا يطاق، وألا يهرب من خدمة أو يجنح إلى راحة.. إنما العجب من سيد ~~عزيز كريم يدعو عبده ليغفر له وقد أخطأ، ويعامله بالإحسان وقد جفا. # PageV02P242 # والذي لا يكف عن العناد، ولا يؤثر رضاء سيده على راحة نفسه فلا يحمل هذا ~~إلا على قسمة بالشقاء سابقة.. وإن أحكام الله برده صادقة. ثم أخبر أنهم ~~قالوا لرسلهم: # قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا ~~فأتونا بسلطان مبين نظروا إلى الرسل من ظواهرهم ولم يعرفوا سرائرهم، ومالوا ~~إلى تقليد أسلافهم، وأصروا على ما اعتادوه من شقاقهم وخلافهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : آية # 11] # قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ~~وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~(11) # قالت لهم الرسل ما نحن إلا أمثالكم، والفرق بيننا أنه- سبحانه- من علينا ~~بتعريفه، واستخلصنا بما أفردنا به من تشريفه. والذي اقترحتم علينا من ظهور ~~الآيات فليس لنا إلى الإتيان به سبيل إلا أن يظهره الله علينا إذا شاء بما ~~شاء- وهو عليه قدير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 12] # وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا ~~وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) # «ما لنا ألا نتوكل على الله» : وقد رقانا من حد التكليف بالبرهان إلى ~~وجود روح البيان بكثرة ما أفاض علينا من جميل الإحسان، فكفانا من مهان ~~الشان. «وما لنا ألا نتوكل ms0595 على الله» : وقد حقق لنا ما سبق به الضمان من ~~وجود الإحسان، وكفاية ما أظلنا من الامتنان. «ما لنا ألا نتوكل على الله» ~~ولم نخرج إلى التقاضي على الله فيما وعدنا الله. # PageV02P243 # قوله: «ولنصبرن على ما آذيتمونا» : والصبر على البلاء يهون إذا كان على ~~رؤية المبلى، وفى معناه أنشدوا: # يستقدمون بلاياهم كأنهم ... لا ييأسون من الدنيا إذا قبلوا # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 13] # وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى ~~إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) # لما عجز الأعداء عن معارضة الأنبياء عليهم السلام فى الإتيان بمثل آياتهم ~~أخذوا فى الجفاء معهم بأنواع الإنذار، والتهديد بفنون البلاء من الإخراج عن ~~الأوطان، والتشريد فى البلدان. # وبسط الله على قلوبهم بوعد نصره ولقائه ما أظلهم من الأمر، ومكن لهم من ~~مساكن أعدائهم بما قوى قلوبهم على الصبر على مقاساة بلائهم فقال: # «لنهلكن الظالمين» ، وقال: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 14] # ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) # «وخاف وعيد» : أي خاف مقامه فى محل الحساب غدا فأناب إلى نفسه على وجه ~~التخصيص. # ويقال خاف مقامى أي هاب اطلاعى عليه، فالأول تذكير المحاسبة فى الآجل، ~~والثاني تحقيق المراقبة فى العاجل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 15] # واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) # الاستفتاح طلب الفتح، والفتح القضاء، واستعجلوا حلول القضاء مثل قولهم: ~~«إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء» «1» وغيره فلما ~~نزل بهم البلاء، وتحقق لهم PageV02P244 # الأمر لم ينفعهم تضرعهم وبكاؤهم، ولم تقبل منهم صدقتهم وفداؤهم، وندموا ~~حين لا ندامة، وجزعوا بعد ما عدموا السلامة. # ويقال: «واستفتحوا» : بغير الرسل، ولما وجد الرسل إصرار قومهم سألوا ~~النصرة عليهم من الله كقول نوح- عليه السلام: «رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا» ، وقول موسى عليه السلام: «ربنا اطمس على أموالهم واشدد ~~على قلوبهم» «1» فأجابهم الله بإهلاكهم. # ويقال إذا اشتد البلاء وصدق الدعاء قرب النجاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 16 الى 17] # من ورائه جهنم ويسقى من ms0596 ماء صديد (16) يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه ~~الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ (17) # لفظ «وراء» يقع على ما بين يديه وعلى ما خلف، والوراء ما توارى عليك أي ~~استتر يريد هذا الكافر يأتيه العذاب فيما بين يديه من الزمان، وعلى ما خلفه ~~أي لأجل ما سلف من الماضي من قبيح أفعاله، ويسقى من النار ما يشربه جرعة ~~بعد جرعة، فلصعوبته ومرارته لا يشربه مرة واحدة. # قوله جل ذكره: ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ ~~يرى العذاب- من شدته- فى كل عضو، وفى كل وقت، وفى كل مكان. وليس ذلك الموت ~~لأن أهل النار لا يموتون، ولكنه فى الشدة كالموت. ثم «من ورائه عذاب غليظ» ~~: وهو الخلود فى النار، وهذا جزاء من اغتر بأيام قلائل ساعدته المشيئة ~~فيها، وانخدع فلم يشعر بما يليها. PageV02P245 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : آية # 18] # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا ~~يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) # أي وفيما يتلى عليك- يا محمد- مثل لأعمال الكفار فى تلاشيها، وكيف أنه لا ~~يقبل شىء منها كرماد فى يوم عاصف، فإنه لا يبقى منه شىء- كذلك أعمالهم. # ومن كان كذلك فقد خاب فى الدارين، وحل عليه الويل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 19 الى 20] # ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ~~(19) وما ذلك على الله بعزيز (20) # خلق السماوات والأرض بالحكم الحق، أي له ذلك بحق ملكه، وخلقهما بقوله ~~الحق فجعل كل جزء منهما على وحدانيته دليلا، ولمن أراد الوصول إلى ربه ~~سبيلا. # ثم قال: إن يشأ يذهبكم بالإفناء، ويأت بخلق جديد فى الإنشاء، وليس ذلك ~~عليه بعزيز ... وأنى ذلك وهو على كل شىء قدير؟! قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 21 الى 22] # وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم ~~مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو ms0597 هدانا الله لهديناكم سواء علينا ~~أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله ~~وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني ~~كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم (22) # لم يكونوا عن الحق- سبحانه- مستترين حتى يظهروا له، ولكن معناه صارت ~~معارفهم ضرورية فحصلوا فى مواطن لم يكن لغير الله فيها حكم، فصاروا كأنهم ~~ظهروا لله. # فقال الضعفاء للذين استكبروا: «إنا كنا لكم تبعا» توهما أن يرفعوا عنهم ~~شيئا من العناء، فأجابهم المتكبرون: إنا جميعا فى العذاب مشتركون، ولو ~~أمكننا أن نرفع عنكم من # PageV02P246 # العذاب، وقدرنا على أن نهديكم إلى طريق النجاة لنجيناكم مما شكوتم، ~~وأجبناكم إلى ما سألتم، ولكنكم لستم اليوم لنا بمصرخين، ولا نحن لكم ~~بمغيثين، ولا لما تدعونا إليه بمستجيبين ... # فلا تلومونا ولوموا أنفسكم، ولات حين ملام! إنما ينفع لوم النفس فيما ~~تتعاطاه من الإساءة فى زمان المهلة وأوقات التكليف فإن أبواب التوبة ~~مفتوحة، ولكن لمن لم ينزع روحه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : آية # 23] # وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) # ذلك الذي مضى ذكره صفة الكفار والأعداء. وأما المؤمنون والأولياء، فقال: # «وأدخل الذين آمنوا ... » والإيمان هو التصديق، «وعملوا الصالحات» تحقيق ~~التصديق. # ويدخل فى جملة الأعمال الصالحة ما قل أو كثر من وجوه الخيرات حتى القذر ~~تميطه «1» عن الطريق. # و «تحيتهم فيها سلام» - وكذلك قال تعالى: «لهم دار السلام» ، فالوصف ~~العام والتحية لهم من الله السلام. # ويقال إن أحوالهم متفاوتة فى الرتبة فقوم سلموا من الاحتراق ثم من الفراق ~~ثم من العذاب ثم من الحجاب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 24 الى 26] # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم ~~يتذكرون ms0598 (25) ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من ~~قرار (26) PageV02P247 # هذا مثل ضربه الله للإيمان والمعرفة به سبحانه، فشبهه بشجرة طيبة، وأصل ~~تلك الشجرة ثابت فى الأرض وفروعها باسقة وثمراتها وافية. تؤتى أكلها كل ~~وقت، وينتفع بها أهلها كل حين. # وأصل تلك الشجرة المعرفة، والإيمان مصححا بالأدلة والبراهين، وفروعها ~~الأعمال الصالحة التي هى الفرائض ومجانبة المعاصي. # والواجب صيانة الشجرة مما يضر بها مثل كشف القشر وقطع العرق وإملاق الغصن ~~«1» وما جرى مجراه. # وأوراق تلك الشجرة القيام بآداب العبودية، وأزهارها الأخلاق الجميلة، ~~وثمارها حلاوة الطاعة ولذة الخدمة. # وكما أن الثمار تختلف فى الطعم والطبع والرائحة والصورة.. كذلك ثمرات ~~الطاعات، ومعانى الأشياء التي يجدها العبد فى قلبه تختلف من حلاوة الطاعة ~~وهى صفة العابدين، والبسط الذي يجده العبد فى وقته وهو صفة العارفين، وراحة ~~فى الضمير وهو صفة المريدين، وأنس يناله فى سره وهو صفة المحبين. وقلق ~~واهتياج يجدهما ولا يعرف سببهما، ولا يجد سبيلا إلى سكونه وهو صفة ~~المشتاقين. إلى ما لا يفى بشرحه نطق، ولا يستوفيه تكلف قول. وذكر من لوائح ~~ولوامع، وطوارق وشوارق، كما قيل. # طوارق أنوار تلوح إذا بدت ... فتظهر كتمانا وتخبر عن جمع # ثم إن ثمرات الأشجار فى السنة مرة، وثمرات هذه الشجرة فى كل لحظة كذا كذا ~~مرة. # وكما قال الله تعالى فى ثواب الجنة: «لا مقطوعة ولا ممنوعة» كذا لطائف ~~هذه الشجرة PageV02P248 # لا مقطوعة ولا ممنوعة، وقلوب أهل الحقائق عنها لا مصروفة ولا محجوبة، وهى ~~فى كل وقت ونفس تبدو لهم غير محجوبة. # وثمرات الشجرة أشرف الثمار، وأنوارها ألطف وأظرف الأنوار، وإشارات أهل ~~هذه القصة وألفاظهم فى مراتبهم ومعانيهم كالرياحين والنور. # ويقال الكلمة الطيبة هى الشهادة بالإلهية، وللرسول- صلى الله عليه وسلم- ~~بالنبوة. # وإنما تكون طيبة إذا صدرت عن سر مخلص. # والشجرة الطيبة المعرفة، وأصلها ثابت فى أرض غير سبخة، والأرض السبخة قلب ~~الكافر والمنافق، فالإيمان لا ينبت فى قلبيهما كما أن الشجرة فى الأرض ~~السبخة لا تنبت. # ثم لا بد للشجرة من الماء، ms0599 وماء هذه الشجرة دوام العناية، وإنما تورق ~~بالكفاية، وتتورد بالهداية. # ويقال ماء هذه الشجرة ماء الندم والحياء والتلهف والحسرة والأمانة ~~والخشوع وإسبال «1» الدموع. # ويقال ثمرات هذه الشجرة مختلفة بحسب اختلاف أحوالهم فمنها التوكل ~~والتفويض والتسليم، والمحبة والشوق، والرضا، والأحوال الصافية الوافية، ~~والأخلاق العالية الزكية. # ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هى كلمة الكفر، وخبثها ما صحبها من نجاسة ~~الشرك، فخبث الكلمة لصدورها عن قلب هو مستقر الشرك ومنبعه. # والشجرة الخبيثة هى الشرك اجتث من فوق الأرض لأن الكفر متناقض متضاد، ليس ~~له أصل صحيح، ولا برهان موجب، ولا دليل كاشف، ولا علة مقتضية، إنما هو شبه ~~وأباطيل وضلال، تقتضى وساوس وتسويلات ما لها من قرار، لأنها حاصلة من شبه ~~واهية وأصول فاسدة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : آية # 27] # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل ~~الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27) PageV02P249 # بالقول الثابت وهو البقاء على الاستقامة، وترك العوج. # ويقال القول الثابت هو الشهادة الضرورية عن صفاء العقيدة وخلوص السريرة. # ويقال القول الثابت هو بنطق القلوب لا بذكر اللسان. # ويقال القول الثابت هو قول الله العزيز القديم الذي لا يجوز عليه الفناء ~~والبطول «1» فهو بالثبوت أولى من قول العبد لأن قول العبد أثر، والآثار لا ~~يجوز عليها الثبوت والبقاء وإنما يكون باقيا حكما ثبات العبد لقول الله وهو ~~حكمه بالإيمان وإخباره أنه مؤمن وتسميته بالإيمان. وقول الله لا يزول ففى ~~الدنيا يثبته حتى لا بدعة تعتريه، وفى الآخرة يثبته برسله من الملائكة، وفى ~~القيامة يثبته عند السؤال والمحاسبة وفى الجنة يثبته لأنه لا يزول حمد ~~العبد لله، ومعرفته به. وإذا تنوعت عليه الخواطر ورفع إليه- سبحانه- دعاءه ~~ثبته حتى لا يحيد عن النهج المستقيم والدين القويم. # ويقال إذا دعته الوساوس إلى متابعة الشيطان، وصيرته الهواجس إلى موافقة ~~النفس فالحق يثبته على موافقة رضاه. # ويقال إذا دعته دواعى المحبة من كل جنس كمحبة الدنيا، أو محبة الأولاد ~~والأقارب والأموال والأحباب أعانه الحق على اختيار النجاة منها، فيترك ~~الجميع، ms0600 ولا يتحسس إلا دواعى الحق- سبحانه كما قيل: # إذا ما دعتنا حاجة كى تردنا ... أبينا وقلنا: مطلب الحق أولا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : آية # 28] # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) ~~PageV02P250 # وضعوا الكفران محل الشكر، فاستعملوا النعمة للكفر، بدلا من استعمالها ~~فيما كان ينبغى لها من الشكر. واستعمال النعمة فى المعصية من هذه الجملة، ~~فأعضاء العبد كلها نعم من الله على العبد، فإذا استعمل العاصي بدنه فى ~~الزلة بدلا من أن يستعملها فى الطاعة فقد بدل النعمة كفرا، وكذلك إذا أودع ~~الغفلة قلبه مكان المعرفة، والعلاقة فيه مكان الانقطاع إليه، وعلق قلبه ~~بالأغيار بدل الثقة به، ولطخ لسانه بذكر المخلوقين ومدحهم بدل ذكر الله ~~واشتغل بغير الله دون العناء فى ذكره ... كل هذا تبديل نعم الله كفرا. وإذا ~~كان العبد منقطعا إلى الله، مكفيا من قبل الله.. وجد فى فراغه مع الله راحة ~~عن الخلق، ومن إقباله عليه- سبحانه- كفاية، فإذا رجع إلى أسباب التفرقة، ~~ووقع فى بحار الاشتغال ومعاملة الخلق ومدحهم وذمهم فقد أحل قومه دار البوار ~~على معنى إيقاعه قلبه ونفسه وجوارحه فى المذلة من الخلق، والمضرة فى الحال، ~~وشأنه كما قيل: # ولم أر قبلى من يفارق جنة ... ويقرع بالتطفيل باب جهنم # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 29] # جهنم يصلونها وبئس القرار (29) # وهى الجحيم المعجل.. وعذابها الفرقة لا الحرقة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 30] # وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) # رضوا بأن يكون معمولهم معبودهم، ومنحوتهم مقصودهم، فضلوا عن نهج ~~الاستقامة، ونأوا عن مقر الكرامة، وسيلقون غب «1» ما صنعوا يوم القيامة كما ~~قيل: # قد تركناك والذي تريد ... فعسى أن تملهم فتعودا # قل تمتعوا أياما قليلة فأيام السرور قصار، ومتع الغفلة سريعة الانقضاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 31] # قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (31) PageV02P251 # جعل الله راحة العبد- اليوم- بكمالها فى الصلاة فإنها محل ms0601 المناجاة، قال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم: «أرحنا يا بلال بالصلاة» «1» والصلاة استفتاح ~~باب الرزق، قال تعالى: # «وأمر أهلك بالصلاة، واصطبر عليها لا نسئلك رزقا» «2» وفى الصلاة يبث «3» ~~العبد أسراره مع الحق فإذا كان لقاء الإخوان- كما قالوا- مسلاة لهم فكيف ~~بمناجاتك مع الله، ونشر قصتك بين يديه؟ كما قيل: # قل لى بألسنة التنفس ... كيف أنت وكيف حالك؟ # «وينفقوا مما رزقناهم» : أمرهم بإنفاق اللسان على ذكره، وإنفاق البدن على ~~طاعته، والوقت «4» على شكره، والقلب على عرفانه، والروح على حبه، والسر على ~~مشاهدته.. # ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، وإنما يطالب بأن تحضر إلى الباب، وتقف ~~على البساط بالشاهد الذي آتاك ... يقول العبد المسكين: لو كان لى نفس أطوع ~~من هذه لأتيت بها، ولو كان لى قلب أشد وفاء من هذا لجدت به، وكذلك بروحى ~~وسرى، وقيل: # يفديك بالروح صب لو ان له ... أعز من روحه شيئا فداك به # «من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال» : وفى هذا المعنى أنشدوا: # قلت للنفس إن أردت رجوعا ... فارجعى قبل أن يسد الطريق # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 32 الى 33] # الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) وسخر ~~لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (33) PageV02P252 # فى الظاهر رفع السماء فأعلاها، والأرض من تحتها دحاها، وخلق فيها بحارا، ~~وأجرى أنهارا، وأنبت أشجارا، وأثبت لها أنوارا وأزهارا، وأمطر من السماء ~~ماء مدرارا. وأخرج من الثمرات أصنافا، ونوع لها أوصافا، وأفرد لكل منها ~~طعما مخصوصا، ولإدراكه وقتا معلوما. # وأما فى الباطن فسماء القلوب زينها بمصابيح العقول، وأطلع فيها شمس ~~التوحيد، وقمر العرفان. ومرج فى القلوب بحرى الخوف والرجاء، وجعل بينهما ~~برزخا لا يبغيان فلا الخوف يقلب الرجاء ولا الرجاء يقلب الخوف، كما جاء فى ~~الخبر: «لو وزنا لاعتدلا» «1» - هذا لعوام المؤمنين، فأما الخواص فالقبض ~~والبسط، ولخاص الخاص فالهيبة والأنس والبقاء والفناء. # وسخر لهم الفلك فى ms0602 هذه البحار ليعبروها بالسلامة، وهى فلك التوفيق ~~والعصمة، وسفينة الأنوار والحفظ. وكذلك ليالى الطلب للمريدين، وليالى الطرب ~~لأهل الأنس من المحبين، وليالى الحرب «2» للتائبين، وكذلك نهار العارفين ~~باستغنائهم عن سراج العلم عند متوع نهار اليقين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 34] # وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم ~~كفار (34) # ما سمت إليه هممكم، وتعلق به سؤالكم، وخطر تحقيق ذلك ببالكم، أنلناكم ~~PageV02P253 # فوق ما تؤملون «1» ، وأعطيناكم أكثر مما ترجون «2» ، قال تعالى: «ادعوني ~~أستجب لكم» . # وقرأ بعض القراء «3» : «من كل ما سألتموه» فينون قوله: كل، ويجعل ما ~~سألتموه (ما) للنفى أي كل شىء مما لم تسألوه. # كذلك جاز أن يكون المعنى، قل يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألونى- وهذا ~~لأرباب الطاعات، وغفرت لكم قبل أن تستغفرونى- وهذا لأصحاب الزلات. علم قصور ~~لسان العاصي وما يمنعه من الخجل وما يقبض على لسانه إذا تذكر ما عمله من ~~الزلات، فأعطاه غفرانه، وكفاه حشمة السؤال، والتفضل فقال: غفرت لكم قبل أن ~~تستغفرونى. # ولكن متى يخطر على قلب العبد ما أهله الحق- سبحانه- من العرفان؟ وكيف ~~يكون ذلك الحديث؟ .. قبل أن كان له إمكان، أو معرفة وإحسان، أو طاعة أو ~~عصيان، أو عبادة وعرفان، أو كان له أعضاء وأركان، أو كان العبد شيخا أو ~~عينا أو أثرا.. # لا بل: # أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا # قوله جل ذكره: وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار كيف ~~يكون شكركم كفاء نعمه..؟ وشكركم نزر يسير، وإنعامه وافر غزير. # وكيف تكون قطرة الشكر بجوار بحار الإنعام؟ # إن نعمه علومكم عن تفصيلها متقاصرة، وفهومكم عن تحصيلها متأخرة. ~~PageV02P254 # وإذا كان ما يدفع عن العبد من وجوه المحن «1» وفنون البلايا من مقدوراته ~~لا نهاية له. # فكيف يأتى الحصر والإحصاء على مالا يتناهى؟ # وكما أن النفع من نعمه فالدفع أيضا من نعمه. # ويقال إن التوفيق للشكر من جملة ما ينعم به الحق على العبد فإذا أراد أن ~~يشكره لم يمكنه إلا بتوفيق ms0603 آخر فلا يبقى من النعم إلا ما يشكر عليه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 35 الى 36] # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ~~(35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم (36) # «2» كما سأل أن يجعل مكة بلدا آمنا طلب أن يجعل قلبه محلا آمنا أي لا ~~يكون فيه شىء إلا بالله. «واجنبني وبني أن نعبد الأصنام» : والصنم ما يعبد ~~من دونه، قال تعالى: # «أفرأيت من اتخذ إلهه هواه» «3» فصنم كل أحد ما يشغله عن الله تعالى من ~~مال وولد وجاه وطاعة وعبادة. # ويقال إنه لما بنى البيت استعان بالله أن يجرده من ملاحظة نفسه وفعله. # ويقال إنه- صلى الله عليه وسلم- كان مترددا بين شهود فضل الله وشهود رفق ~~نفسه، فلما لقى من فضله وجوده قال من كمال بسطه: «واغفر لأبي إنه كان من ~~الضالين» . # ولما نظر من حيث فقر نفسه قال: «واجنبني وبني أن نعبد الأصنام» . # ويقال شاهد غيره فقال: «واجنبني وبني أن نعبد الأصنام» ، وشاهد فضله ~~ورحمته ولطفه فقال: «واغفر لأبي إنه كان من الضالين» . PageV02P255 # قوله جل ذكره: فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم «فإنه مني» : ~~أي موافق لى ومن أهل ملتى، ومن عصانى خالفنى وعصاك. # قوله: «فإنك «1» غفور رحيم» : طلب للرحمة بالإشارة، أي فارحمهم. # وقال: «ومن عصاني» .. ولم يقل: من عصاك، وإن كان من عصاه فقد عصى الله، ~~ولكن اللفظ إنما لطلب الرحمة فيما كان نصيب من ترك حقه، ولم ينتصر لنفسه بل ~~قابلهم بالرحمة. # ويقال إن قول نبينا صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب أتم فى معنى العفو ~~حيث قال: # «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» ، وإبراهيم- عليه السلام- عرض وقال: ~~«فإنك غفور رحيم» . # ويقال لم يجزم السؤال لأنه بدعاء الأدب «2» فقال: «ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : آية # 37] # ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا ~~الصلاة فاجعل أفئدة من ms0604 الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ~~(37) # أخبر عن صدق توكله وصدق تفويضه بقوله: «إني أسكنت ... » وإنما رأى الرفق ~~بهم فى الجوار لا فى المبار فقال: «عند بيتك المحرم» ثم قال: «ليقيموا ~~الصلاة» : # أي أسكنتهم لإقامة حقك لا لطلب حظوظهم. # ويقال اكتفى أن يكونوا فى ظلال عنايته عن أن يكونوا فى ظلال نعمته. ~~PageV02P256 # ثم قال: «فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم» أي ليشتغلوا بعبادتك، وأقم ~~قومى- ما بقوا- بكفايتك، «وارزقهم من الثمرات» : فإن من قام بحق الله أقام ~~الله بحقه قومه، واستجاب الله، دعاءه فيهم، وصارت القلوب من كل بر وبحر ~~كالمجبولة على محبة تلك النسبة، وأولئك المتصلين به، وسكان ذلك البيت. # ويقال قوله: «بواد غير ذي زرع» : أي أسكنتهم بهذا الوادي حتى لا تتعلق ~~بالأغيار قلوبهم، ولا تشتغل بشىء أفكارهم وأسرارهم فهم مطروحون ببابك، ~~مصونون بحضرتك، مرتبطون بحكمك إن راعيتهم كفيتهم وكانوا أعز خلق الله، وإن ~~أقصيتهم ونفيتهم كانوا أضعف وأذل خلق الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 38] # ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا ~~في السماء (38) # استأثرت بعلم الغيب فلا يعزب عن علمك معلوم، وحالى لا تخفى عليك، فهى كما ~~عرفت، أنت تعلم سرى وعلني ... ومن عرف هذه الجملة استراح من طوارق الأغيار، ~~واستروح قلبه عن ترجم الأفكار، والتقسم في كون الحوادث من الأغيار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 39] # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء ~~(39) # أسعده بمنحه الولد على الكبر، ويلتحق ذلك بوجه من المعجزات فحمد عليه. # ولما كان هذا القول عقيب سؤاله ما قدم من ذكر نعمته- سبحانه- عليه، ~~وإكرامه بأنواره، وهذا يكون بمعنى الملق «1» ، ويكون استدعاء نعمة بنعمة، ~~فكأنه قال: كما أكرمتنى بهبة الولد على الكبر فأكرمنى بهذه الأشياء التي ~~سألتها. # ويقال الإشارة فى هذا أنه قال: كما مننت على فوهبتنى على الكبر هذه ~~الأولاد PageV02P257 # فأجنبنا أن نعبد الأصنام لتكون النعمة كاملة. وفى قوله: «إن ربي لسميع ~~الدعاء» .. # إشارة إلى هذه ms0605 الجملة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 40 الى 41] # رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) ربنا اغفر لي ~~ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) # فى قوله: «رب اجعلني مقيم الصلاة..» إشارة إلى أن أفعال العباد مخلوقة، ~~فمعناه اجعل صلاتى، والجعل والخلق بمعنى، فإذا جعله مقيم الصلاة فمعناه أن ~~يجعل له صلاة. # وقوله: «ومن ذريتي» : أي اجعل منهم قوما يصلون، لأنه أخبره فى موضع آخر ~~بقوله: «لا ينال عهدي الظالمين» «1» ثم قال: «ربنا اغفر لي ولوالدي» وهذ ~~قبل أن يعلم أنه لا يؤمن. # ويقال إن إجابة الدعاء ابتداء فضل منه. ولا ينبغى للعبد أن يتكل على دعاء ~~أحد وإن كان على الشأن، بل يجب أن يعلق العبد قلبه بالله فلا دعاء أتم من ~~دعاء إبراهيم عليه السلام، ولا عناية أتم من عنايته بشأن أبيه، ثم لم ينفعه ~~ولا شفع الله له. # ويقال لا ينبغى للعبد أن يترك دعاءه أو يقطع رجاءه فى ألا يستجيب الله ~~دعاءه، فإن إبراهيم الخليل عليه السلام دعا لأبويه فلم يستجب له، ثم إنه لم ~~يترك الدعاء، وسأل حينما لم يجب فيه. # فلا غضاضة على العبد ولا تناله مذلة إن لم يجبه مولاه فى شىء فإن الدعاء ~~عبادة لا بد للعبد من فعلها، والإجابة من الحق فضل، وله أن يفعل وله ألا ~~يفعل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 42 الى 43] # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه ~~الأبصار (42) مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) # هذا وعيد للظالمين وتسلية للمظومين فالمظلوم إذا تحقق بأنه- سبحانه- عالم ~~بما يلاقيه من البلاء هانت على قلبه مقاساته، وحق عليه تحمله. PageV02P258 # والظلم على وجوه ظلم على النفس بوضع الزلة مكان الطاعة، وظلم على القلب ~~بتمكين الخواطر الردية منه، وظلم على الروح بجعلها لمحبة المخلوقين. # ويقال من جملة الظالمين الشيطان، فالعبد المؤمن مظلوم من جهته، والحق- ~~سبحانه- ينتصف له منه غدا، وذلك إن لم يتبعه اليوم، ودفعه عن نفسه ~~بالمجاهدة وترك وساوسه. # قوله جل ذكره: إنما ms0606 يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي ... الآية ~~وهذا للعوام من المؤمنين، علق قلوبهم بالانتقام منهم فى المستأنف، وأما ~~الخواص فإذ علموا أنه- سبحانه- عالم بهم وبحالهم فإنهم يعفون ويكتفون بذلك، ~~وأما خواص الخواص فإذ علموا أنهم عبيده فإنهم لا يرضون بالعفو عن ظلمهم حتى ~~يستغفرلهم، كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «اللهم اغفر لقومى فإنهم ~~لا يعلمون» ، وفى معناه أنشدوا: # وما رضوا بالعفو عن ذى زلة ... حتى أنالوا كفه وازدادوا # وأما أصحاب التوحيد فإذ علموا أنه المنشئ، وألا مخترع سواه فليس بينهم ~~وبين أحد محاسبة، ولا مع أحد معاتبة، ولا منه مطالبة، لأنه يعدون إثبات ~~الغير فى الظن والحسبان شركا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : آية # 44] # وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل ~~قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44) # أفسدوا فى أول أمورهم، وقصروا فى الواجب عليهم، ولم يكن للخلل فى أحوالهم ~~جبران، ولا لعذرهم قبول لتصح الحجة عليهم، فافتضح المجرم منهم، وخاب ~~الكافر، وحق الحكم عليهم. # PageV02P259 # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 45] # وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم ~~الأمثال (45) # أحللنا بهم العقوبة، وأشهدناكم ذلك مما اعتبرتم، وجريتم على منهاجهم، ~~وفعلتم مثل فعلهم، وبإمهالنا لكم اغتررتم.. فانتظروا منا ما عاملناكم به ~~جزاء لكم على ما أسلفتم. # ويقال إن معاشرة أهل الهوى والفسق ومجاورتهم مشاركة لهم فى فعلهم، ~~فيستقبل فاعل ذلك استقبالهم، ومن سلكهم ينخرط فى التردى نحو وهدة هلاكه ~~مثلهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 47] # فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) # أي لا تحسبنه يخلف رسله وعده لأنه لا يخلف الوعد لصدقه فى قوله، وله أن ~~يعذبهم بما وعدهم لحقه فى ملكه، وهو «عزيز» لا يصل إليه أحد، وإن كان وليا. ~~«ذو انتقام» لا يفوته أحد وإن كان ( ### | ...... # ) «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 48] # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ms0607 (48) # لا يختلف عينها وإنما تختلف صورتها، وكذلك إذا انكدرت النجوم، وانشقت ~~السماء يقال ما بدل عينها وإنما بدل الأزمان والمكان على الناس باختلاف ~~أحوالهم فى السرور والمحن كمن صار من الرخاء إلى البلاء يقول: تغير الزمان ~~والوقت.. وكذلك من صار من البلاء إلى الرخاء. # ويقال إن آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر قال: # تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح # وفى هذه القصة «2» من كان صاحب بسط فرد إلى حال القبض، ومن كان صاحب أنس ~~PageV02P260 # فصار صاحب حجاب- يصح أن يقال بدل له الأرض، قال بعضهم: # ما الناس بالناس الذي عهدى بهم ... ولا البلاد بتلك التي كنت أعرفها # وكذلك العبد المريد إذا وقعت له وقفة أو فترة كانت الشمس له كاشفة، وكانت ~~الأرض به راجفة، وكان النهار له ليلا، وكان الليل له ويلا، وكما قيل: # فما كانت الدنيا بسهل ولا الضحى ... يطلق ولا ماء الحياة ببارد # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 49 الى 51] # وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) سرابيلهم من قطران وتغشى ~~وجوههم النار (50) ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) # الأصفاد الأغلال. الأصفاد تجمعهم، والسلاسل تقيدهم، والقطران سرابيلهم، ~~والحميم شربهم، والنار محيطة بهم.. وذلك جزاء من خالف إلهه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 52] # هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا ~~الألباب (52) # الحجج ظاهرة، والأمارات لائحة، والدواعي واضحة، والمهلة متسعة، والرسول ~~عليه السلام مبلغ، والتمكين من القيام بحق التكليف مساعد. ولكن القسمة ~~سابقة، والتوفيق عن القيام ممنوع، والرب- سبحانه- فعال لما بريد، فمن اعتبر ~~نجا، ومن غفل تردى. ولله الأمر من قبل ومن بعد، والله أعلم. # PageV02P261 ### | السورة التي يذكر فيها الحجر # بسم الله الرحمن الرحيم سقطت ألف الوصل من كتابة بسم الله وليس لإسقاطها ~~علة، وزيد فى شكل الباء من بسم الله وليس لزيادتها علة، ليعلم أن الإثبات ~~والإسقاط بلا علة فلم يقبل من قبل لاستحقاق علة، ولا رد من رد لاستيجاب ~~علة. فإن قيل العلة فى إسقاط الألف من بسم ms0608 الله كثرة الاستعمال فى كتابتها ~~أشكل بأن الباء من بسم الله زيد فى كتابتها وكثرة الاستعمال موجودة. # فإن قيل العلة فى زيادة شكل الباء بركة أفضالها باسم الله أشكل بحذف ألف ~~الوصل لأن الاتصال بها موجود، فلم يبق إلا أن الإثبات والنفي ليس لهما علة ~~يرفع من يشاء ويمنع من يشاء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجر (15) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) # أسمعهم هذه الحروف مقطعة على خلاف ما كانوا يسمعون الحروف المنظومة فى ~~الخطاب، فأعرضوا عن كل شىء وسمعوا لها. ونبههم القرآن إلى أن هذه التي ~~يسمعونها آيات الكتاب، فقال لهم لما حضرت ألبابهم، واستعدت لسماع ما يقول ~~آذانهم: «تلك آيات الكتاب وقرآن مبين» . # ووصف القرآن بأنه مبين لأنه يبين للمؤمنين ما يسكن قلوبهم، وللمريدين ما ~~يقوى رجاءهم، وللمحسنين ما يهيج اشتياقهم، وللمشتاقين ما يثير لواعج ~~أسرارهم، ويبين للمصطفى- صلى الله عليه وسلم- تحقيق ما منع غيره بعد ~~سؤاله.. ألم تر إلى ربك قال لموسى عليه السلام: «لن تراني» بعد سؤاله: «رب ~~أرني أنظر إليك» «1» PageV02P262 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 2] # ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (2) # إذا عرفوا حالهم وحال المسلمين يوم القيامة لعلموا كيف شقوا، وأي كأس ~~رشفوا. # ويقال إذا صارت المعارف ضرورية أحرقت نفوس أقوام العقوبة، وقطعت قلوبهم ~~الحسرة. # ويقال لو عرفوا حالهم وحال المؤمنين لعلموا أن العقوبة بإهلاكهم حاصلة ~~لقوله تعالى بعدئذ: ### | [سورة الحجر (15) : آية 3] # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) # قيمة كل امرئ على حسب همته فإذا كانت الهمة مقصورة على الأكل والتمتع ~~بالصفة البهيمية لا يحاسب، وعلى العقل لا يطالب فالتكليف يتبعه التشريف! ~~وغدا سوف يعلمون. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 4 الى # 5] # وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون (5) # الآجال معلومة، والأحوال مقسومة والمشيئة فى الكائنات ماضية، ولا تخفى ~~على الحق خافية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 6] # وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك ms0609 لمجنون (6) # الجنون معني يوجب إسناد ما ينكشف للعقلاء من التحصيل على صاحبه، فلما ~~كانوا بوصف التباس الحقائق عليهم فهم أولى بما وصفوه به «1» ، فهم كما فى ~~المثل: رمتني بدائها وانسلت. PageV02P263 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 7 الى # 8] # لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) ما ننزل الملائكة إلا ~~بالحق وما كانوا إذا منظرين (8) # اقترحوا عليه الإتيان بالملائكة بعد ما أزيحت العلة عليهم بما أيد به ~~معجزاته، فيتوجب اللوم عليهم لسوء أدبهم. وأخبر الحق- سبحانه- أنه أجرى ~~عادته أنه إذا أظهر الملائكة لأبصار بنى آدم فيكون ذلك عند استبصارهم لأنه ~~تصير المعرفة ضرورية. وفى المعلوم أنه لم يكن ذلك الوقت أوان هلاكهم لعلمه ~~أن فى أصلابهم من يؤمن بالله سبحانه فى المستأنف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 9] # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) # أنزل التوراة وقد وكل حفظها إلى بنى إسرائيل بما استحفظوا من كتاب الله، ~~فحرفوا وبدلوا، وأنزل الفرقان وأخبر أنه حافظه، وإنما يحفظه بقرائة فقلوب ~~القراء خزائن كتابه، وهو لا يضيع كتابه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 10 الى 13] # ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) وما يأتيهم من رسول إلا كانوا ~~به يستهزؤن (11) كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12) لا يؤمنون به وقد خلت ~~سنة الأولين (13) # أخبر أنه كانت عادتهم التكذيب، وأنه أدام سنته معهم فى التعذيب. ثم قال: # «كذلك نسلكه في قلوب المجرمين» : وهم لا يؤمنون به لأنه أزاح قلوبهم عن ~~شهود الحقيقة، وسد- بالحرمان- عليهم سلوك الطريقة، وبين أنه لو أراهم ~~الآيات عيانا ما ازدادوا # PageV02P264 # إلا عتوا وطغيانا، وأن من سبق له الحكم بالشقاء فلا يزداد على ممر الأيام ~~إلا ما سبق به القضاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 14 الى 15] # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) لقالوا إنما سكرت ~~أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) # من عليه التقدير كان بأمر التكليف مدعوا، وبأمر التكوين مقضيا.. فمتى ~~ينفع فيه النصح؟ ومتى يكون للوعظ فيه مساغ؟ كلا.. إن البصيرة له مسدودة، و ~~( ### | .... # ) «1» # الخذلان ms0610 بقدمه مشدودة، فهو يحمل النصيحة له على الوقيعة، والحقيقة على ~~الخديعة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 16 الى 18] # ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16) وحفظناها من كل شيطان ~~رجيم (17) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) # بروجا أي نجوما هى لها زينة، ثم تلك النجوم للشياطين رجوم. # وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين إذا رام ~~الشياطين أن يسترقوا السمع كانت النجوم لها رجوما كذلك للقلوب نجوم وهى ~~المعارف وهى فى الوقت ذاته رجوم على الشياطين فلو دنا إبليس وجنوده من قلب ~~ولى من الأولياء أحرقته بل محقته نجوم عقله وأقمار علمه وشموس توحيده. # وكما أن نجوم السماء زينة للناظرين إذا لاحظوها فقلوب العارفين إذا نظر ~~إليها ملائكة السماء لهى زينة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 19 الى 20] # والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19) ~~وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) PageV02P265 # النفوس أرض عبادة العابدين، وقلوب العارفين أرض المعرفة وأرواح المشتاقين ~~أرض المحبة، والخوف والرجاء لها رواس. وكذلك الرغبة والرهبة. # ويقال من الرواسي التي أثبتها فى الأرض الأولياء فبهم يثبت الناس إذا وقع ~~بهم الفزع. # ومن الرواسي العلماء الذين بهم قوام الشريعة فعلماء الأصول هم قوام أصل ~~الدين، والفقهاء بهم نظام الشرع، قال بعضهم: # وا حسرتا من فراق قوم ... هم المصابيح والأمن والمزن. # قوله جل ذكره: وأنبتنا فيها من كل شيء موزون كما أنبت فنونا من النبات ~~ذات أنوار «1» أنبت فى القلوب صنوفا من الأنوار «2» ، منها نور اليقين ونور ~~العرفان، ونور الحضور ونور الشهود، ونور التوحيد.. إلى غير ذلك من الأنوار. # وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين سبب عيش كل واحد مختلف فعيش ~~المريدين من إقباله، وعيش العارفين التجمل بأفضاله «3» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجر (15) : آية # 21] # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) # خزائنه فى الحقيقة مقدوراته، وهو- سبحانه- قادر على كل ما هو مرسوم ~~بالحدوث. # ويقال خزائنه فى الأرض قلوب ms0611 العارفين بالله، وفى الخزانة جواهر من كل صنف ~~فحقائق العقل جواهر وضعها فى قلوب قوم، ولطائف العلم جواهر بدائع المعرفة، ~~وأسرار العارفين PageV02P266 # مواضع سره، والنفوس خزائن توفيقه، والقلوب خزائن تحقيقه، واللسان خزانة ~~ذكره. # ويقال من عرف أن خزائن الأشياء عند الله تقاصرت خطاه عن التردد على منازل ~~الناس فى طلب الإرفاق منهم، وسعى فى الآفاق فى طلب الأرزاق منها، قاطعا ~~أمله عن الخلق، مفردا قلبه لله متجردا عن التعلق بغير الله. # قوله: «وما ننزله إلا بقدر معلوم» : عرف القسمة من استراح عن كد الطلب ~~فإن المعلوم لا يتغير، والمقسوم لا يزيد ولا ينقص، وإذا لم يجب عليه شىء ~~لأحد فبقدرته على إجابة العبد إلى طلبته لا يتوجب عليه شىء. # ويقال أراح قلوب الفقراء من تحمل المنة من الأغنياء مما يعطونهم، وأراح ~~الأغنياء من مطالبة الفقراء منهم شيئا، فليس للفقير صرف القلب عن الله ~~سبحانه إلى مخلوق واعتقاد منة لأحد، إذ الملك كله لله، والأمر بيد الله، ~~ولا قادر على الإبداع إلا الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجر (15) : آية # 22] # وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له ~~بخازنين (22) # كما أن الرياح فى الآفاق مقدمات المطر كذلك الآمال فى القلوب، وما يقرب ~~العبد مما يتوارد على قلبه من مبشرات الخواطر، ونسيم النجاة فى الطلب يحصل، ~~فيستروح القلب إليه قبل حصول المأمول من الكفاية واللطف. # قوله جل ذكره: فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين أسقاه إذا جعل له السقيا ~~كذلك يجعل الحق- سبحانه- لأوليائه ألطافا معلومة فى أوقات محدودة! كما قال ~~فى وصف أهل الجنة: «ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا» . # كذلك يجعل من شراب القلوب لكل وردا معلوما، ثم قضايا ذلك تختلف: # فمن شراب يسكر، ومن شراب يحضر، ومن شراب يزيل الإحساس، كما قيل: # فصحوك من لفظى هو الصحو كله ... وسكرك من لحظى يبيح لك الشربا # ويقال إذا هبت رياح التوحيد على الأسرار كنست آثار البشرية، فلا للأغيار ~~فيها أثر، ولا عن الخلائق لهم خبر. # PageV02P267 # ويقال إذا هبت رياح القرب على قلوب ms0612 العارفين عطرتها بنفحات الأنس، فيسقون ~~فى نسيمها على الدوام، وفى معناه أنشدوا: # وهبت شمال آخر الليل قرة «1» ... ولا ثوب إلا بردة وردائيا # وما زال بردى لينا من ردائها ... إلى الحول حتى أصبح البرد باليا # ويقال إذا هبت رياح العناية على أحوال عبد عادت مساويه مناقبه ومثالبه ~~محاسنه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجر (15) : آية # 23] # وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23) # نحيى قلوبهم بالمشاهدة، ونميت نفوسهم بالمجاهدة. # ويقال نحييهم بأن نفنيهم بالمشاهدة، ونميتهم بأن نأخذهم عن شواهدهم. # ويقال يحيى المريدين بذكره، ويميت الغافلين بهجره. # ويقال يحيى قوما بموافقة الأمر فى الطاعات، ويميت قوما بمتابعة الشهوات. # ويقال يحيى قوما بأن يلاطفهم بلطف جماله، ويميت قوما بأن يحجبهم عن ~~أفضاله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 24] # ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) # العارفون مستقدمون بهممهم، والعابدون مستقدمون بقدمهم، والتائبون بندمهم. # وأقوام مستأخرون بقدمهم وهم العصاة، وآخرون مستأخرون بهمومهم وهم الراضون ~~بخسائس الحالات. # ويقال المستقدمون الذين يسارعون فى الخيرات، والمستأخرون المتكاسلون عن ~~الخيرات. # ويقال المستقدمون الذين يستجيبون خواطر الحق- من غير تعريج إلى تفكر، ~~والمستأخرون الذين يرجعون «2» إلى الرخص والتأويلات. # ويقال المستقدمون الذين يأتون على مراكب التوفيق، والمستأخرون الذين ~~تثبطهم مشقة الخذلان. PageV02P268 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 25] # وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25) # يبعث كلا على الوصف الذي خرجوا من الدنيا عليه: فمن منفرد القلب بربه، ~~ومن متطوح فى أودية التفرقة، ثم يحاسبهم على ما يستوجبونه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 26 الى # 27] # ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (26) والجان خلقناه من قبل من ~~نار السموم (27) # ذكرهم بخستهم لئلا يعجبوا بحالتهم. # ويقال القيمة فى القربة لا بالتربة والنسب تربة ولكن النعت قربة. # والجان خلقناه من قبل من نار السموم. وإذا انطفأت النار صارت رمادا لا ~~يجىء منها شىء، والطين إذا انكسر عاد به الماء إلى ما كان عليه، كذلك العدو ~~«1» لما انطفأ ما كان يلوح عليه من سراج الطاعة لم ينجبر بعده، وأما آدم- ~~عليه السلام فلما اغتر جبره ms0613 ماء العناية، قال تعالى: «ثم اجتباه ربه ... » ~~«2» # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 28 الى 31] # وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون (28) فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29) فسجد الملائكة كلهم أجمعون ~~(30) إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) # أظهرهم بهذا القول، وفى عين ما أظهرهم سترهم. # ويقال ليست العبرة بقوالبهم، إنما الاعتبار بالمعاني التي أودعها فيهم. ~~PageV02P269 # ويقال الملائكة لا حظوه بعين الخلقة فاستصغروا قدره وحاله، ولهذا عجبوا ~~من أمر الله- سبحانه- لهم بالسجود له، فكشف لهم شظية مما اختصه به فسجدوا ~~له. # قوله: إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين: وكذا أمر من حجب عن أحواله ~~ادعى الخيرة وبقي فى ظلمة الحيرة. # ويقال بخل بسجدة واحدة، وقال: أستنكف أن أسجد لغير الله. ثم من شقاوته لا ~~يبالى بكثرة معاصيه، فإنه لا يعصى أحد إلا وهو سبب وسواسه، وداعيه إلى ~~الزلة. # وذلك هو عين الشقوة وقضية الخذلان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 32 الى 35] # قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين (32) قال لم أكن لأسجد لبشر ~~خلقته من صلصال من حمإ مسنون (33) قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) وإن عليك ~~اللعنة إلى يوم الدين (35) # سأله ومعلوم له حاله، ولو ساعدته المعرفة لقال: قل لى مالك؟ وما منعك؟ ~~ومن منعك حتى أقول. أنت ... حيث أشقيتني، وبقهرك أغويتني، ولو رحمتني، ~~لهديتنى وفى كنف عصمتك آويتنى ... ولكن الحرمان أدركه حتى قال: «لم أكن ~~لأسجد لبشر» قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 36 الى 38] # قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من المنظرين (37) إلى يوم ~~الوقت المعلوم (38) # ولما أبعده الحق- سبحانه- عن معرفته، وأفرده باللعنة استنظره إلى يوم ~~القيامة والبعث، فأجابه. وظن اللعين أنه حصل فى الخبر مقصوده، ولم يعلم أنه ~~أراد بذلك تعذيبه عذابا شديدا، فكأنه كان فى الحقيقة مكرا- وإن كان فى ~~الحال فى صورة إجابة السؤال بما يشبه اللطف والبر. # وبعض أهل الرجاء يقول: إن الحق- سبحانه- حينما يهين عدوه لا يرد دعاءه # PageV02P270 # فى الإمهال ولا يمنعه ms0614 من الاستنظار فالمؤمن- إذ أمره الاستغفار والسؤال ~~بوصف الافتقار- أولى ألا يقنط من رحمته، لأن إنظار اللعين زيادة شقاء له لا ~~تحقيق عطاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 39] # قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) # الباء فى: «بما أغويتني» باء القسم، ولم يكن إغواؤه إياه مما يجب أن يقسم ~~به لولا فرط جهله. ثم هو فى المعنى صحيح، لأن الإغواء مما يتفرد الحق ~~بالقدرة عليه، ولا يشاركه فيه أحد، ولكن اللعين لا يعرف الله على الحقيقة، ~~إذ لو عرفه لم يدع إلى الضلال، لأنه لو قدر على إضلال غيره لا ستبقى على ~~الهداية نفسه. وعند أهل التحقيق إنه يقول جميع ذلك حدسا وهو لم يعرف الله- ~~على الحقيقة- قط. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 40 الى # 41] # إلا عبادك منهم المخلصين (40) قال هذا صراط علي مستقيم (41) # الإخلاص هو تصفية الأعمال عن الغين وعن الآفات المانعة من صالح الأعمال ~~وقد علم اللعين أنه لا سبيل له إليهم بالإغواء لما تحقق من عناية الحق ~~بشأنهم. # «قال هذا صراط علي مستقيم» تهديد، كما تقول: افعل ما شئت.. وهذا طريقى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 42] # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42) # السلطان الحجة، وهى لله على خلقه، وليس للعدو حجة على مخلوق، إذ لا تتعدى ~~مقدرته محله، فلا تسلط- فى الحقيقة «1» - لمخلوق على مخلوق بالتأثير فيه. # «إن عبادي ... » : إذا سمى الله واحدا عبدا فهو من جملة الخواص، فإذا ~~أضافه إلى نفسه فهو خاص الخاص، وهم الذين محاهم عن شواهدهم، وحفظهم وصانهم ~~عن أسباب التفرقة PageV02P271 # وجردهم عن حولهم وقوتهم، وكان النائب عنهم فى جميع تصرفاتهم وحالاتهم، ~~وحفظ عليهم آداب الشرع، وألبسهم صدار الاختيار فى أوان أداء التكليف، ~~وأخذهم عنهم باستهلاكهم فى شهوده، واستغراقهم فى وجوده ... فأى سبيل ~~للشيطان إليهم؟ وأي يد للعدو عليهم؟ # ومن أشهده الحق حقائق التوحيد، ورأى العالم مصرفا فى قبضة التقدير، ولم ~~يكن نهبا للأغيار ... فمنى يكون للعين عليه تسلط، وفى معناه قالوا: # جحودى فيك تقديس ms0615 ... وعقلى فيك تهويس # فمن آدم إلاك ... ومن فى البيت إبليس «1» # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 43 الى 44] # وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ~~(44) # اجتمعوا اليوم فى أصل الضلالة، ثم الكفر ملل مختلفة، ثم يجتمعون غدا فى ~~العقوبة وهم زمر مختلفون، لكل دركة من دركات جهنم قوم مخصون. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجر (15) : آية # 45] # إن المتقين في جنات وعيون (45) # المتقى من وقاه الله بفضله لا من اتقى بتكلفه، بل إنه ما اتقى بتكلفه إلا ~~بعد أن وقاه الحق- سبحانه- بفضله. هم اليوم فى جنات ولها درجات بعضها أرفع ~~من بعض، كما أنهم غدا فى جنات ولها درجات بعضها فوق بعض. # اليوم لقوم درجة حلاوة الخدمة وتوفيق الطاعة، ولقوم درجة البسط والراحة، ~~ولآخرين درجة الرجاء والرغبة، ولآخرين درجة الأنس والقربة، قد علم كل أناس ~~مشربهم ولزم كل قوم مذهبهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 46] # ادخلوها بسلام آمنين (46) . PageV02P272 # معناه: يقال لهم: «ادخلوها» ، وأجمل ذلك ولم يقل من الذي يقول لهم. ويرى ~~قوم أن الملك يقول لهم: أدخلوها. # ويقال إذا وافوا الجنة وقد قطعوا المسافة البعيدة، وقاسوا الأمور الشديدة ~~فمن حقهم أن يدخلوا الجنة، خاصة وقد علموا أن الجنة مباحة لهم، ولعلهم لا ~~يفقهون حتى يقال لهم ويقال يحتمل أنهم لا يدخلونها بقول الملك حتى يقول ~~الحق: أدخلوها، كما قالوا: # ولا ألبس النعمى وغيرك ملبس ... ولا أقبل الدنيا وغيرك واهب # قوله: «بسلام آمنين» : بمعنى السلامة، وهى الأمان، فيأمنون أنهم لا ~~يخرجون منها ويقال كما لا يخرجون من الجنة لا يخرجون عما هم عليه من الحال ~~فالرؤية لهم وما هم فيه من الأحوال الوافية- مديدة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجر (15) : آية # 47] # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) # أمر الخليل عليه السلام ببناء الكعبة وتطهيرها فقال: «وطهر بيتي» «1» ، ~~وأمر جبريل عليه السلام حتى غسل قلب المصطفى- صلى الله عليه وسلم- فطهره ~~«2» . وتولى هو- سبحانه- بنفسه تطهير قلوب العاصين، فقال: «ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل» «3» وذلك رفقا بهم، فقد ms0616 يصنع الله بالضعيف ما يتعجب منه ~~القوى، ولو وكل تطهير قلوبهم إلى الملائكة لاشتهرت عيوبهم، فتولى ذلك بنفسه ~~رفقا بهم. # ويقال قال: «ما في صدورهم» ولم يقل ما فى قلوبهم لأن القلوب فى قبضته ~~يقلبها، وفى الخبر: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» : يريد بذلك ~~قدرته، فاستعمل لفظ الإصبع لذلك توسعا. وقيل بين إصبعين أي نعمتين. # قوله جل ذكره: إخوانا على سرر متقابلين قابل بعضهم بعضا بالوجه، وحفظ كل ~~واحد عن صاحبه سره وقلبه، فالنفوس متقابلة PageV02P273 # ولكن القلوب غير متقابلة إذ لا يشتغل بعضهم ببعض، قال تعالى: «واعلموا أن ~~الله يحول بين المرء وقلبه» «1» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجر (15) : آية # 48] # لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين (48) # أي لا يلحقهم تعب لا بنفوسهم ولا بقلوبهم. وإذا أرادوا أمرا لا يحتاجون ~~إلى أن ينتقلوا من مكان إلى مكان، ولا تحار أبصارهم، ولا يلحقهم دهش، ولا ~~يتغير عليهم حال عما هم عليه من الأمر، ولا تشكل عليه صفة من صفات الحق. # «وما هم منها بمخرجين» أي لا يلحقهم «2» ذل الإخراج بل هم بدوام الوصال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 49] # نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) # لما ذكر حديث المتقين وما لهم من علو المنزلة انكسرت قلوب العاصين، ~~فتدارك الله قلوبهم، وقال لنبيه- صلى الله عليه وسلم- أخبر عبادى العاصين ~~أنى غفور رحيم، وأنى إن كنت الشكور الكريم بالمطيعين فأنا الغفور الرحيم ~~بالعاصين. # ويقال من سمع قوله: «أني أنا» بسمع التحقيق لا يبقى فيه مساغ لسماع ~~المغفرة والرحمة لأنه يكون عندئذ مختطفا عن شاهده، مستهلكا فى إنيته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 50] # وأن عذابي هو العذاب الأليم (50) # العذاب الأليم هنا هو الفراق، ولا عذاب فوق الفراق فى الصعوبة والألم «3» ~~. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 51 الى 52] # ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم ~~وجلون (52) # ألا عرفهم كيف كانت فتوة الخليل فى الضيافة، وقيامه بحق الضيفان، وكان ~~الخليل PageV02P274 # عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلما ms0617 سلموا من جانبهم ورد عليهم ~~وانفضوا عن تناول طعامه: # قال إنا منكم وجلون. # وجلون أي خائفون، فإن الإمساك عن تناول طعام الكرام موضع للريبة. ولما ~~علم أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين. ولكن ~~سكن روعه عند ما قالوا له: ### | [سورة الحجر (15) : آية 53] # قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (53) # فليس لك موضع للوجل لكن موضع للفرج فإنا جئناك مبشرين، وإن كنا لغيرك ~~معذبين. # نحن «نبشرك بغلام عليم» : أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل العلم، ~~وكانت بشارتهم بالولد وببقاء الولد هى العجب فقال: ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 54 الى # 56] # قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون (54) قالوا بشرناك بالحق فلا ~~تكن من القانطين (55) قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) # قال أبشرتموني وقد مسنى الكبر؟ وإن الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه ~~من الدنيا بشىء. بماذا تبشروني وقد طعنت فى السن، وعن قريب أرتحل إلى ~~الآخرة؟ قالوا: # بشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة ~~ربه إلا من كان ضالا. # قال: كيف أخطأ ظنكم فى فتوهمتم أنى أقنط من رحمة ربى؟ # فلما فرغ قلبه من هذا الحديث، وعرف أنه لن يصيبه ضرر منهم سألهم عن ~~حالهم: # PageV02P275 ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 57 الى 60] # قال فما خطبكم أيها المرسلون (57) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) ~~إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ~~(60) # قال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟ # قالوا: أرسلنا لعذاب قوم لوط، ولننجى أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم فى ~~الفساد، وكانت تدل قومه على أضافه، فاستوجبت العقوبة. # فلما وافى المرسلون من آل لوط أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر، ~~وتفرس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمر عظيم، قالوا: بل جئناك بما كان قومك ~~يشكون فيه من تعديبنا إياهم، وآتيناك بالحق، أي بالحكم الحق: ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 65 الى 66] # فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد ms0618 وامضوا حيث ~~تؤمرون (65) وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) # فأسر بأهلك بعد ما يمضى شىء من الليل، وامش خلفهم، وقدمهم عليك، واتبع ~~أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب، وإنا ~~ننقذك وأهلك إلا امرأتك، فإنا نعذبها لمشاركتها مع قومك فى العصيان. ~~«وامضوا حيث تؤمرون» : # فلكم السلامة ولقومكم العقوبة. ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 67 الى 71] # وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) ~~واتقوا الله ولا تخزون (69) قالوا أولم ننهك عن العالمين (70) قال هؤلاء ~~بناتي إن كنتم فاعلين (71) # أي علمناه وعرفناه: «أن دابر هؤلاء مقطوع» أي أنهم مهلكون ومستأصلون ~~بالعقوبة. # ثم لما نزل الملائكة بلوط عليه السلام قال لقومه إن هؤلاء أضيافى، فلا ~~تتعرضوا لهم فتفضحونى، واتقوا الله، وذروا مخالفة أمره ولا تخجلوني. فقال ~~قومه: ألم ننهك عن أن تحيى أحدا، وأمرناك ألا تمنع منا أحدا؟ فقال: هؤلاء ~~بناتي يعنى نساء أمتى. وقال قوم: # PageV02P276 # أراد بناته من صلبه، عرضهن عليهم لئلا يلموا بتلك الغلطة الفحشاء، فلم ~~تنجع فيهم نصيحة، ولم يقلعوا عن خبيث قصدهم. # فأخبره الملائكة ألا يخاف عليهم، وسكنوا من روعه حين أخبروه بحقيقة ~~أمرهم، وأنهم إنما أرسلوا للعقوبة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 72] # لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) # أقسم بحياته تخصيصا له فى شرفه، وتفضيلا له على سائر البرية، فقال ~~وحياتك- يا محمد- إنهم لفى ضلالتهم وسكرة غفلتهم يتردون، وإنهم عن شركهم لا ~~يقلعون. # ويقال أقسم بحياته لأنه لم يكن فى وقته حياة أشرف من حياته- إنهم فى خمار ~~سكرهم، وغفلة ضلالتهم لا يترقبون عقوبة، ولا يخافون سوءا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 73 الى # 75] # فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من ~~سجيل (74) إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) # باتوا فى حبور وسرور، وأصبحوا فى محنة وثبور، وخرت عليهم سقوفهم، وجعلنا ~~مدنهم ومنازلهم عاليها سافلها، وأمطرنا عليهم من العقوبة مالم يبق عينا ولا ~~أثرا، إن فى ذلك لعبرة لمن اعتبر، ودلالة ظاهرة لمن استبصر، «وإنها لبسبيل ~~مقيم» لمن ms0619 شاء أن يعتبر قوله جل ذكره: إن في ذلك لآيات للمتوسمين «1» جاء ~~فى التفسير «المتفرسين» ، والفراسة خاطر يحصل من غير أن يعارضه ما يخالفه ~~عند ظهور برهان عليه، فيخرج من القلب عين ما يقع لصاحب الفراسة. مشتق من ~~فريسة PageV02P277 # الأسد إذ لفريسته يقهر. والحق- سبحانه- يطلع أولياءه على ما خفى على ~~غيرهم. # وصاحب الفراسة لا يكون بشرط التفرس فى جميع الأشياء وفى جميع الأوقات بل ~~يجوز أن تسد عليه عيون الفراسة فى بعض الأوقات كالأنبياء عليهم السلام ~~فنبينا- صلى الله عليه وسلم- كان يقول لعائشة- رضى الله عنها- فى زمان ~~الإفك: «إن كنت فعلت فتوبى إلى الله» . وكابراهيم ولوط- عليهما السلام- لم ~~يعرفا الرسل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 78 الى 84] # وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين ~~(79) ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين (80) وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها ~~معرضين (81) وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) # فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) # أصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وكان شعيب- عليه السلام- مبعوثا لهم فكذبوه، ~~فانتقمنا منهم. # قوله: «وإنهما» يعنى مدين والأيكة ... «لبإمام مبين» : أي بطريق واضح من ~~قصده ( ... ) «1» # وكذلك أخبر أن أصحاب الحجر «2» - وهم ثمود- كذبوا المرسلين إليهم، وأنهم ~~أعرضوا عن الآيات التي هى المعجزات كناقة صالح وغيرها، وأنهم كانوا أخلدوا ~~إلى الأرضين وكانوا مغترين بطول إمهال الله إياهم من تأخير العقوبة عنهم، ~~وكانوا يتخذون من الجبال بيوتا، ويظنون أنهم على أنفسهم آمنون من الموت ~~والعذاب. PageV02P278 # ثم أخبر أنهم أخذتهم الصيحة على بغتة، ولم تغن عنهم حيلتهم لما حل حينهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجر (15) : آية # 85] # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح ~~الصفح الجميل (85) # دلت الآية على أن أكساب العباد مخلوقة لله لأنها بين السماوات والأرض. # إلا بالحق وإن الساعة لآتية «إلا بالحق» : أي وأنا محق فيه ويقال «بالحق» ~~: بالأمر العظيم الكائن إن الساعة لآتية يعنى القيامة. # فاصفح الصفح الجميل يقال الصفح الجميل الذي تذكر الزلة فيه. # ويقال الصفح الجميل سحب ذيل الكرم على ما كان من غير عقد ms0620 الزلة، بلا ذكر ~~لما سلف من الذنب، كما قيل: # تعالوا نصطلح ويكون منا ( ### | ..... # ) «1» # ويقال الصفح الجميل الاعتذار عن الجرم بلا عد الذنوب من المجرم، والإقرار ~~بأن الذنب كان منك لا من العاصي، قال قائلهم: # (وتذنبون فننسى ونعتذر) قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 86] # إن ربك هو الخلاق العليم (86) # «هو الخلاق العليم» إذ لا يصح الفعل بوصف الانتظام والاتساق من غير عالم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 87] # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (87) # أكثر المفسرين على أنها سورة الفاتحة، وسميت مثانى لأنها نزلت مرتين: مرة ~~بمكة PageV02P279 # ومرة بالمدينة، ولأنها شىء فى كل صلاة يتكرر، من «التثنية» وهى التكرير، ~~أو لأن بعضها يضاف إلى الحق وبعضها يضاف إلى الخلق ... ومعنى هذا مذكور فى ~~كتب التفاسير «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجر (15) : آية # 88] # لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك ~~للمؤمنين (88) # لم يسلم له إشباع النظر إلى زهرة الدنيا وزينتها. # ويقال غار على عينيه- صلى الله عليه وسلم- أن يستعملها فى النظر إلى ~~المخلوقات. # ويقال أدبه الله- سبحانه- بهذا التأديب حتى لا يعير طرفه من حيث ~~الاستئناس به. # ويقال أمره بحفظ الوفاء لأنه لما لم يكن اليوم سبيل لأحد إلى رؤيته «2» ، ~~فلا تمدن عينيك إلى ملاحظة شىء من جملة ما خولناهم، كما قال بعضهم: # لما تيقنت أنى لست أبصركم ... أغمضت عينى فلم أنظر إلى أحد # ويقال شتان بينه وبين موسى- عليه السلام! قال له: لن تراني ولكن انظر إلى ~~الجبل» ، ونبينا- صلى الله عليه وسلم- منعه من النظر إلى المخلوقات بوصف هو ~~تمام النظر فقال: «ولا تمدن عينيك» . # ويقال إذا لم يلم له إشباع النظر بظاهره إلى الدنيا فكيف يسلم له السكون ~~بقلبه إلى غير الله؟! ويقال لما أمر بغض بصره عما يتمتع به الكفار فى ~~الدنيا تأدب- عليه السلام- فلم ينظر ليلة المعراج إلى شىء مما رأى فى ~~الآخرة، فأثنى عليه الحق بقوله: «ما زاغ البصر. وما طغى» وكان يقول لكل شىء ~~رآه: «التحيات لله» أي الملك لله. PageV02P280 # قوله جل ذكره: ولا ms0621 تحزن عليهم أدبه حتى لا يتغير بصفة أحد، وهذه حال ~~التمكين. # قوله جل ذكره: واخفض جناحك للمؤمنين أي ألن لهم جانبك. وكان عليه السلام ~~إذا استعانت به الوليدة «1» فى الشفاعة إلى مواليها يمضى معها.. إلى غير ~~ذلك من حسن خلقه- صلوات الله عليه- وكان فى الخبر: إنه كان يخدم بيته وكان ~~فى (مهنة) أهله «2» . وتولى خدمة الوفد، وكان يقول: سيد القوم خادمهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 89] # وقل إني أنا النذير المبين (89) # لما لم يكن بنفسه وكان قائما بحقه- سبحانه وتعالى- سلم له أن يقول: إنى ~~وأنا. # وفى الخبر: أن جابرا دق عليه الباب، فقال: من؟ قال: أنا ... فقال النبي ~~عليه السلام: # «أنا أنا» .. كأنه كرهها «3» ويقال: قل لاحد لاستهلا كك فينا، سلمنا أن ~~تقول: إنى أنا، لما كنت بنا ولنا. # قوله جل ذكره ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 90 الى # 91] # كما أنزلنا على المقتسمين (90) الذين جعلوا القرآن عضين (91) # أي قل إنى أنا لكم منذر بعذاب كالعذاب الذي عذبنا به المقتسمين وهم الذين ~~تقاسموا بالله لنبيه فى قصه صالح عليه السلام. وقيل هم من أهل الكتاب الذين ~~اقتسموا كتاب الله فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. # ويقال إنى لكم نذير أخوفكم عقوبة المقتسمين الذين اقتسموا الجبال والطرق ~~بمكة فى الموسم، وصدوا الناس. وكان الواحد منهم يقول لمن مر به: لا تؤمن ~~بمحمد فإنه ساحر، ويقول الآخر: إنه كاهن ويقول ثالث: إنه مجنون، فهم ~~بأقسامهم: # الذين جعلوا القرآن عضين «4» PageV02P281 # ففرقوا القول فيه، فقال بعضهم إنه شعر، وقال بعضهم إنه سحر، وقال بعضهم ~~إنه كهانه ... إلى غير ذلك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 92 الى # 93] # فو ربك لنسئلنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) # العوام يسألهم عن تصحيح أعمالهم، والخواص يسألهم عن تصحيح أحوالهم. # ويقال يسأل قوما عن حركات ظواهرهم، ويسأل آخرين عن خطرات سرائرهم. ويسأل ~~الصديقين عن تصحيح المعاني بفعالهم، ويسأل المدعين عن تصحيح الدعاوى تعنيفا ~~لهم. # ويقال سماع هذه الآية يوجب لقوم أنسا وسرورا حيث علموا أنه يكلمهم ~~ويسمعهم خطابه لاشتياقهم إليه، ولا عجب فى ذلك ms0622 فالمخلوق يقول فى مخلوق: # من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انتهت أحدوثة لو تعيدها # فلا أسعد من بشر يعرف أن مولاه غدا سيكلمه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 94] # فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) # كن بنا وقل بنا، وإذا كنت بنا ولنا فلا تجعل حسابا لغيرنا، وصرح بما ~~خاطبناك به، وأفصح عما نحن خصصناك به، وأعلن محبتنا لك: # فسبح «1» باسم من تهوى ودعنا من الكني ... فلا خير في اللذات من بعدها ~~ستر # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 95 الى 96] # إنا كفيناك المستهزئين (95) الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ~~(96) # الذين دفعنا عنك عادية «2» شرهم، ودرأنا عنك سوء مكرهم، ونصرناك بموجب ~~PageV02P282 # عنايتنا بشأنك.. فلا عليك فيما يقولون أو يفعلون، فما العقبى إلا لك ~~بالنصر والظفر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 97 الى 98] # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين ~~(98) # وقال: «يضيق صدرك» ولم يقل يضيق قلبك لأنه كان فى محل الشهود، ولا راحة ~~للمؤمن دون لقاء الله، ولا تكون مع اللقاء وحشة. # ويقال هون عليه ضيق الصدر بقوله: «ولقد نعلم» ويقال إن ضاق صدرك بسماع ما ~~يقولون فيك من ذمك فارتفع «1» بلسانك فى رياض تسبيحنا، والثناء علينا، ~~فيكون ذلك سببا لزوال ضيق صدرك وسلوة لك بما تتذكر من جلال قدرنا وتقديسنا، ~~واستحقاق عزنا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجر (15) : آية 99] # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99) # قف على بساط العبودية معتنقا للخدمة، إلى أن تجلس على بساط القربة، ~~وتطالب بآداب الوصلة. # ويقال التزم شرائط العبودية إلى أن ترقى بل تكفى بصفات الحرية. # ويقال فى «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» «2» : إن أشرف خصالك قيامك بحق ~~العبودية. PageV02P283 ### | السورة التي يذكر فيها النحل # قوله جل ذكره: بسم الله الرحمن الرحيم ألف الوصل فى «بسم الله» لم يكن ~~لها فى التحقيق أصل، جلبت للحاجة إليها للتوصل بها إلى النطق بالساكن، وإذ ~~وقع ذلك أنفا عنها أسقطت فى الإدراج، ولكن كان لها بقاء فى الخط وإن لم ms0623 يكن ~~لها ظهور فى اللفظ، فلما صارت إلى «بسم الله» أسقطت من الخط كذلك.. # وكذلك من ازداد صحبة استأخر «1» رتبة. # ويقال أي استحقاق لواو عمرو حتى ثبتت فى الخط؟ وأي استحقاق إلى الألف فى ~~قولهم قتلوا وفعلوا؟ وأى موجب لحذف الألف من السماوات؟ # طاحت العلل فى الفروق، وليس إلا اتفاق الوضع ... كذلك الإشارة فى أرباب ~~الرد والقبول، قال تعالى «إن ربك فعال لما يريد» «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) # صيغة أتى للماضى، والمراد منه الاستقبال لأنه بشأن ما كانوا يستعجلونه من ~~أمر الساعة، والمعنى «سيأتى» أمر القيامة، والكائنات كلها والحادثات بأسرها ~~من جملة أمره أي حصل أمر تكوينه وهو أمر من أموره لأنه حاصل بتقديره ~~وتيسيره، وقضائه وتدبيره فما يحصل من خير وشر، ونفع وضر، وحلو ومر.. فذلك ~~من جملة أمره تعالى. # «فلا تستعجلوه» وأصحاب التوحيد لا يستعجلون شيئا باختيارهم لأنهم قد سقطت ~~عنهم الإرادات والمطالبات، وهم خامدون تحت جريان تصريف الأقدار فليس لهم ~~إيثار ولا اختيار فلا يستعجلون أمرا، وإذا أملوا شيئا، أو أخبروا بحصول شىء ~~فلا استعجال لهم، بل شأنهم PageV02P284 # التأنى والثبات والسكون. وإذا بدا من التقدير حكم فلا استعجال لهم لما ~~يرد عليهم، بل يتقبلون مفاجأة التقدير بوجه ضاحك، ويستقبلون ما يبدو من ~~الغيب من الرد والقبول، والمنع والفتوح بوصف الرضاء، ويحمدون الحق- سبحانه ~~وتعالى- على ذلك. # «سبحانه وتعالى عما يشركون» : تعالى عما يشركون بربهم، والكفار لم ييسر ~~لهم حتى أنه لا سكن لقلوبهم من حديثه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 2] # ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله ~~إلا أنا فاتقون (2) # ينزل الملائكة على الأنبياء- عليهم السلام- بالوحى والرسالة، وبالتعريف ~~والإلهام على أسرار أرباب التوحيد وهم المحدثون. وإنزال الملائكة على ~~قلوبهم غير مردود لكنهم لا يؤمرون أن يتكلموا بذلك، ولا يحملون رسالة إلى ~~الخلق. # ويراد بالروح الوحى والقرآن، وفى الجملة الروح ما هو سبب الحياة إما ms0624 حياة ~~القلب أو حياة الدنيا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 3] # خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) # خلقها بالحق، ويحكم فيها بالحق، فهو محق فى خلقها لأن له ذلك، ويدخل فى ~~ذلك أمره بتكليف الخلق، وما يعقب ذلك التكليف من الحشر والنشر، والثواب ~~والعقاب. # «تعالى عما يشركون» : تقديسا وتشريفا له عن أن يكون له شريك أو معهم ليك ~~قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 4] # خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) # تعرف إلى العقلاء بكمال قدرته حيث أخبر أنه قدر على تصوير الإنسان على ما ~~فيه من التركيب العجيب، والتأليف اللطيف من نطفة متماثلة الأجزاء، متشاكلة ~~فى وقت الإنشاء، مختلفة الأعضاء وقت الإظهار والإبداء، والخروج من الخفاء. ~~ثم ما ركب فيه من تمييز وعقل، # PageV02P285 # ويسر له النطق والفعل، والتدبير فى الأمور، والاستيلاء على الحيوانات على ~~وجه التسخير. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 5] # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) # ذكرهم بما تفضل عليهم، وأخبرهم بما للحيوانات من النعم، وما لهم فيها من ~~وجوه الانتفاع فى جميع الأحوال، كالحمل وكالسفر عليها وقطع المسافات، ~~والتوصل على ظهورها إلى مآربهم، وما لنسلها ولدرها من المنافع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : الآيات 6 الى 7] # ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم ~~تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم (7) # الغني له جمال بماله، والفقير له استقلال بحاله.. وشتان ماهما! فالأغنياء ~~يتجملون بأنعامهم حين يريحون وحين يسرحون، والفقراء يستقلون بمولاهم حين ~~يصبحون وحين يمسون. أولئك تحمل أثقالهم جمالهم، وهؤلاء يحمل الحق عن قلوبهم ~~أثقالهم. # «لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس» : قوم أحوالهم مقاساة الشدائد يصلون ~~سيرهم بسراهم، وقوم فى حمل مولاهم بعيدون عن كد التدبير، مستريحون بشهود ~~التقدير، راضون باختيار الحق فى العسير واليسير «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 8] # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) # فالنفوس فى حملها كالدواب، والقلوب معتقة عن التعنى فى الأسباب. «ويخلق ~~ما لا تعلمون» : كما ms0625 أن أهل الجنة من المؤمنين يجدون فى الآخرة ما لا عين ~~رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر فكذلك أرباب الحقائق يجدون- اليوم- ~~ما لم يخطر قط على بال، ولا قرأوا فى كتاب، ولا تلقنوه من أستاذ، ولا إحاطة ~~بما أخبر الحق أنه PageV02P286 # لا يعلم تفصيله «1» سواه.. وكيف يعلم من أخبر الحق- سبحانه- أنه لا يعلم؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 9] # وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) # قوم هداهم السبيل، وعرفهم الدليل، فصرف عن قلوبهم خواطر الشك، وعصمهم عن ~~الجحد والشرك، وأطلع فى قلوبهم شمس العرفان، وأفردهم بنور البيان. وآخرون ~~أضلهم وأغواهم، وعن شهود الحجج أعماهم، وفى سابق حكمه من غير سبب أذلهم ~~وقمعهم «2» ، ولو شاء لعرفهم وهداهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : الآيات 10 الى 11] # هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت ~~لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية ~~لقوم يتفكرون (11) # أنزل المطر وجعل به سقيا النبات، وأجرى العادة بأن يديم به الحياة، وينبت ~~به الأشجار، ويخرج الثمار، ويجرى الأنهار. # ثم قال: «إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون» ثم قال بعده بآيات: «لقوم يعقلون» ~~، ثم قال بعده: «لقوم يذكرون» . وعلى هذا الترتيب تحصل المعرفة «3» ، فأولا ~~التفكر ثم العلم ثم التذكر، أولا يضع النظر موضعه فإذا لم يكن فى نظره خلل ~~وجب له العلم لا محالة، ولا فرق بين العلم والعقل فى الحقيقة، ثم بعده ~~استدامة النظر وهو التذكر. # ويقال إنما قال: «لآيات لقوم يعقلون» : على الجمع لأنه يحصل له كثير من ~~العلوم حتى يصير PageV02P287 # عارفا، وكل جزء من العلم تحصل له آية ودليل، فللعالم حتى يكون عارفا بربه ~~آيات ودلائل، لأن دليل هذه المسألة خلاف دليل تلك المسألة فبدليل واحد يعلم ~~وجه النظر، وبأدلة كثيرة يصير عارفا بربه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 12] # وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون (12) # الليل والنهار ms0626 ظرفا الفعل، والناس فى الأفعال مختلفون: فموفق ومخذول ~~فالموفق يجرى وقته فى طاعة ربه، والمخذول يجرى وقته فى متابعة هواه. # العابد يكون فى فرض يقيمه أو نفل يديمه، والعارف فى ذكره وتحصيل أوراده ~~بما يعود على قلبه فيؤنسه، وأما أرباب التوحيد فهم مختطفون عن الأحيان ~~والأوقات بغلبة ما يرد عليهم من الأحوال كما قيل: # لست أدرى أطال ليلى أم لا ... كيف يدرى بذاك من يتقلى؟ # لو تفرغت لاستطالة ليلى ... ورعيت النجوم كنت مخلا # قوله جل ذكره: والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون. # هذا فى الظاهر، وفى الباطن نجوم العلم وأقمار المعرفة وشموس التوحيد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 13] # وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13) # أقوام خلق لهم فى الأرض الرياض والغياض «1» ، والدور والقصور، والمساكن ~~والمواطن، وفنون النعم وصنوف القسم.. وآخرون لا يقع لهم طير على وكر، ولا ~~لهم فى الأرض شبر لا ديار تملكهم، ولا علاقة تمسكهم- أولئك سادات الناس ~~وضياء الحق. PageV02P288 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 14] # وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ~~وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) # سخر البحر فى الظاهر، وسهل ركوبه فى الفلك، ويسر الانتفاع بما يستخرج منه ~~من الحلى كاللؤلؤ والدر، وما يقتات به من السمك وحيوان البحر. # ومن وجوه المعاني خلق صنوفا من البحر، فقوم غرقى فى بحار الشغل وآخرون فى ~~بحار الحزن، وآخرون فى بحار اللهو.. فالسلامة من بحر الشغل فى ركوب سفينة ~~التوكل، والنجاة من بحر الحزن فى ركوب سفينة الرضا، والسلامة من بحر اللهو ~~من ركوب سفينة الذكر، وأنشد بعضهم «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 15] # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15) # الرواسي فى الظاهر الجبال، وفى الإشارة الأولياء الذين هم غياث الخلق، ~~بهم يرحمهم، وبهم يغيثهم.. ومنهم أبدال ومنهم أوتاد ومنهم القطب. وفى ~~الخبر: «الشيخ فى قومه كالنبى فى أمته» وقال تعالى: ms0627 «وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم» «2» ، كما قال تعالى: «ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم ~~تعلموهم أن تطؤهم» «3» ، وأنشد بعضهم: # وا حسرتا من فراق قوم ... هم المصابيح والأمن والمزن # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 16] # وعلامات وبالنجم هم يهتدون (16) # الكواكب نجوم السماء ومنها رجوم للشياطين، والأولياء نجوم فى الأرض. ~~وكذلك العلماء وهم أئمة فى التوحيد وهم رجوم للكفار والملحدين. PageV02P289 # ويقال فرق بين نجوم يهتدى بها فى فجاج الدنيا، ونجوم يهتدى بهم إلى الله ~~تعالى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 17] # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) # تدل هذه الآية على نفى التشبيه بينه- سبحانه- وبين خلقه. وصفات القدم لله ~~مستحقة، وما هو من خصائص الحدثان وسمات الخلق يتقدس الحق- سبحانه- عن جميع ~~ذلك. ولا تشبه ذات القديم بذوات المخلوقين، ولا صفاته بصفاتهم، ولا حكمه ~~بحكمهم، وأصل كل ضلالة التشبيه، ومن قبح ذلك وفساده أن كل أحد يتبرأ منه ~~ويستنكف من انتحاله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 18] # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (18) # الموجودات لا تحصوها لتقاصر علومكم عنها، وما هو من نعم الدفع «1» فلا ~~نهاية له. وهو غفور رحيم حيث يتجاوز عنكم إذا عجزتم عن شكره، ويرضى ~~بمعرفتكم ( ... ) «2» لكم عن شكره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 19] # والله يعلم ما تسرون وما تعلنون (19) # ما تسرون من الإخلاص وملاحظة الأشخاص.. فلا يخفى عليه حسان، وما تعلنون ~~من الوفاق والشقاق، والإحسان والعصيان. والآية توجب تخويف أرباب الزلات، ~~وتشريف أصحاب الطاعات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 20] # والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) # أخبر أن الأصنام لا يصح منها الخلق لكونها مخلوقة، ودلت الآية على أن من ~~وجدت له سمة الخلق لا يصح منه الخلق، والخلق هو الإيجاد ففى الآية دليل على ~~خلق الأعمال. PageV02P290 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 21] # أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) # لأن من لحقه وصف التكوين لا يصح منه الإيجاد. وفى التحقيق كل من علق قلبه ~~بشىء، وتوهم منه ms0628 خيرا أو شرا فقد أشرك بالله بظنه، وإنما التوحيد تجريد ~~القلب عن حسبان شظية من النفي والإثبات من جميع المخلوقين والمخلوقات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 22] # إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) # لا قسيم لذاته جوازا أو وجوبا، ولا شبيه له ولا شريك. ومن لم يتحقق بهذه ~~الجملة قطعا، وبشهادة البراهين له تفصيلا فهو فى دركات الشرك واقع، وعن ~~حقائق التوحيد بمعزل، قال تعالى فى صفة الكفار: «قلوبهم منكرة وهم ~~مستكبرون» أي فى أسر الشرك وغطاء الكفر، ثم ليس فيه اتصاف لطلب العرفان لأن ~~العلة- لمن أراد المعرفة- متاحة، وأدلة الخلق لائحة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 23] # لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (23) # فيفضحهم ويبين نفاقهم، ويعلن للمؤمنين كفرهم وشقاقهم. # قوله جل ذكره: إنه لا يحب المستكبرين. # دليل الخطاب أنه يحب المتواضعين المتخاشعين، ويكفيهم فضلا بشارة الحق لهم ~~بمحبته لهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 24] # وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) # لحقهم شؤم تكذيبهم، فأصروا على إعراضهم عن النظر، وقست قلوبهم ولم تجنح # PageV02P291 # إلى الإقرار بالحق، فلبسوا على من يسائلهم، وقالوا: هذا الذي جاء به محمد ~~من أكاذيب العجم، فضلوا وأضلوا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 25] # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ~~ساء ما يزرون (25) # لما سعوا فى الدنيا لغير الله لم تصف أعمالهم، وفى الآخرة حملوا معهم ~~أوزارهم. أولئك الذين خسروا فى الدنيا والآخرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 26] # قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من ~~فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) # اتصفوا بالمكر فحاق بهم مكرهم، ووقعوا فيما حفروه لغيرهم، واغتروا بطول ~~الإمهال، فأخذهم العذاب من مأمنهم، واشتغلوا بلهوهم فنغص عليهم أطيب عيشهم: # فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون. # الذي وصف نفسه به فى كتابه من ms0629 الإتيان فمنعاه العقوبة، وذلك على عادة ~~العرب فى التوسع فى الخطاب. # وهو سبحانه يكشف الليل ببدره ثم يأخذ الماكر بما يليق بمكره، وفى معناه ~~قالوا: # وأمته فأتاح لى من مأمنى ... مكرا، كذا من يأمن الأياما # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 27] # ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال ~~الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين (27) # PageV02P292 # فى الدنيا عاجل بلائهم، وبين أيديهم آجله. وحسرة «1» المفلس تتضاعف إذا ~~ما حوسب، وشاهد حاصله. # «قال الذين أوتوا العلم..» : يسمع الكافرين قول المؤمنين، ويبين للكافة ~~صدقهم. # ويقع الندم على جاهلهم «2» . وأما اليوم فعليهم بالصبر والتحمل، وعن قريب ~~ينكشف الغطاء، وأنشد بعضهم: # خليلى لو دارت على رأسى الرحى ... من الذل لم أجزع ولم أتكلم # وأطرقت حتى قيل لا أعرف الجفا ... ولكننى أفصحت يوم التكلم # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : الآيات 28 الى 29] # الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ~~بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~فلبئس مثوى المتكبرين (29) # «ظالمي أنفسهم» : بارتكاب المعاصي وهم الكفار. # «فألقوا السلم» : انقادوا واستسلموا لحكم الله. # «ما كنا نعمل من سوء» : جحدوا وأنكروا ما عملوا من المخالفات. # «بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون» : هكذا قالت لهم الملائكة، ثم يقولون ~~لهم: # «فادخلوا أبواب..» : وكذلك الذين تقسو نفوسهم بإعراضهم عن الطاعات إذا ~~نزلت بهم الوفاة يأخذون فى الجزع وفى التضرع، ثم لا تطيب نفوسهم بأن يقروا ~~بتفاصيل أعمالهم عند الناس، فيما يتعلق بإرضاء خصومهم لما أخلوا من ~~معاملاتهم، ثم الله يؤاخذهم بالكبير والصغير، والنقير والقطمير، ثم يبقون ~~أبدا فى وبال ما أحقبوه، لأن شؤم ذلك يلحقهم فى أخراهم. PageV02P293 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 30] # وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) # أما المسلمون فإذا وردوا عليهم، وسألوهم عن أحوال محمد- صلى الله عليه ~~وسلم، وعما أنزل الله عليه، قالوا: دينه حق، والله ms0630 أنزل عليه الحق.. والذين ~~أحسنوا فى الدنيا يجدون الخير فى الآخرة. # ويقال فى هذه الدنيا حسنة، وهى ما لهم من حلاوة الطاعة بصفاء الوقت ويصح ~~أن تكون تلك الحسنة زيادة التوفيق لهم فى الأعمال، وزيادة التوفيق لهم فى ~~الأحوال. # ويصح أن يقال تلك الحسنة أن يوفقهم بالاستقامة على ما هم عليه من ~~الإحسان. # ويصح أن يقال تلك الحسنة أن يبلغهم منازل الأكابر والسادة، قال تعالى: ~~«وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا» «1» ويصح أن تكون تلك الحسنة ما ~~يتعدى منهم إلى غيرهم من بركات إرشادهم للمريدين، وما يجرى على من اتبعهم ~~مما أخذوه وتعلموه منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لأن يهتدى بهداك ~~رجل خير لك من حمر النعم» «2» . # ثم قال: «ولدار الآخرة خير» ، لأن ما فيها يبقى، وليس فيها خطر الزوال. ~~ولأن فى الدنيا مشاهدة وفى الآخرة معاينة «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 31] # جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤن كذلك يجزي ~~الله المتقين (31) PageV02P294 # كما أن الإرادات والهمم تختلف فى الدنيا فكذلك فى الآخرة، وفى الخبر: «من ~~كان بحالة لقى الله بها» فمن مريد يكتفى من الجنة بورودها، ومن مريد لا ~~يكتفى من الجنة دون شهود رب الجنة. # ويقال إذا شاءوا أن يعودوا إلى ما فاتهم من قصورهم، وما وجدوا فى ذلك من ~~صحبة اللعين «1» فى سائر أحوالهم وأمورهم يسلم لهم ذلك، ومن شاء أن تدوم ~~رؤيته، ويتأبد سماع خطابه فلهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد، وهو ما لم يخطر ~~ببال أحد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 32] # الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم ~~تعملون (32) # يقبض أرواحهم طيبة. أو يقال «طيبين» حال. # والأسباب التي تطيب بها قلوبهم وأرواحهم مختلفة، فمنهم من طاب وقته لأنه ~~قد غفرت ذنوبه، وسترت عيوبه، ومنهم من طاب قلبه لأنه سلم عليه محبوبه، ~~ومنهم من طاب قلبه لأنه لم يفته مطلوبه. # ومنهم من طاب وقته لأنه يعود إلى ثوابه، ويصل إلى حسن مآبه. # ومنهم ms0631 من يطيب قلبه لأنه أمن من زوال حاله، وحظى بسلامة مآله «2» ، ومنهم ~~من يطيب قلبه لأنه وصل إلى أفضاله، وآخر لأنه وصل إلى لطف جماله، وثالث ~~لأنه خص بكشف جلاله- قد علم كل أناس مشربهم. # ويقال «تتوفاهم الملائكة» طيبة نفوسهم أي طاهرة من التدنس بالمخالفات، ~~وطاهرة قلوبهم عن العلاقات، وأسرارهم عن الالتفات إلى شىء من المخلوقات. ~~PageV02P295 # قوله تعالى: «سلام عليكم» احظوا بالجنة، منهم من يخاطبه بذلك الملك، ~~ومنهم من يكاشفه بذلك الملك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : الآيات 33 الى 34] # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من ~~قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) فأصابهم سيئات ما ~~عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (34) # القوم ينتظرون مجىء الملك لأنهم لم يعرفوه ولم يعتقدوا كونه. ولكن لما ~~كانوا يستعجلون معتقدين أن الرسل غير صادقين، ولما سلكوا «1» مسلك أضرابهم ~~من المتقدمين- عوملوا بمثل ما لقى أسلافهم، وما كان ذلك من الله ظلما، لأنه ~~يتصرف فى ملكه من غير حكم حاكم عليه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 35] # وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا ~~البلاغ المبين (35) # خبثت قصودهم فيما قالوا على وجه التكذيب والاستهزاء، وغلبت على نطقهم ~~ظلمات جهلهم وجحدهم، وانكشف عدم صدقهم فى أحوالهم. # وقولهم: «لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء..» يشبه قولهم: «أنطعم من ~~لو يشاء الله أطعمه» «2» . ولا خلاف أن الله لو شاء أن يطعمهم لكان ذلك. ~~PageV02P296 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 36] # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من ~~هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين (36) # لم يخل زمانا من الشرع توضيحا لحجته، ولكن فرقهم فى سابق حكمه ففريقا ~~هداهم، وفريقا حجبهم «1» وأعماهم «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 37] # إن ms0632 تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين (37) # ألزمهم الوقوف على حد العبودية فى إرادة هدايتهم ومعرفتهم حقائق الربوبية ~~فقال: # إنك وإن كنت بأمرنا لك حريصا على هدايتهم فإن من قسمت له الضلال لا يجرى ~~عليه غير ما قسمت له. # ويقال من ألبسته صدار الضلال لا تنزعه وسيلة ولا شفاعة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 38] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون (38) # القسم يؤكد الخبر، ولكن يمين الكاذب توجب ضعف قوله لأنه كلما زاد فى جحد ~~الله ازداد القلب نفرة من قوله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 39] # ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (39) ~~PageV02P297 # إذا بين الله صدق ما ورد به الشرع فى الآخرة بكشف الغيب زاد افتضاح أهل ~~التكذيب فيكون فى ذلك زيادة لهم فى التعذيب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 40] # إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40) # فيكون بالسمع علم تعلق قوله بما يفعله. وحمله قوم على أن معناه أنه لا ~~يتعسر عليه فعل شىء أراده، فالآية على القولين جميعا. # والذي لا يحتاج فى فعله إلى مادة يخلق منها لا يفتقر إلى مدة يقع الفعل ~~فيها. # وتدل الآية على أن قوله ليس بمخلوق إذ لو كان مخلوقا لكان مقولا له: كن، ~~وذلك القول يجب أن يكون مقولا له بقول آخر ... وهذا يؤدى إلى أن يتسلسل ما ~~يحصل إلى ما لا نهاية له «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 41] # والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) # من هاجر عن أوطان السوء- فى الله- أبدل له الله فى جوار أوليائه ما يكون ~~له فى جوارهم معونة على الزيادة فى صفاء وقته. ومن هجر أوطان الغفلة مكنه ~~الله من مشاهد الوصلة. ومن فارق مجالسة المخلوقين، وانقطع بقلبه إليه- ~~سبحانه- باستدامة ذكره- فكما فى الخبر: «أنا جليس من ذكرنى» ms0633 . وبداية هؤلاء ~~القوم نهاية أهل الجنة ففى الخير «الفقراء الصابرون جلساء الله يوم ~~القيامة» . ويقال القلب مظلوم من جهة النفس لما تدعوه إليه من شهواتها، ~~فإذا هجرها أورث الله القلب أؤطان النفس حتى تنقاد لما يطالب به القلب ~~PageV02P298 # من الطاعة فبعد ما تكون أوطان الزلة بدواعى الشهوة تصير أوطان الطاعة ~~لسهولة أدائها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 42] # الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) # الصبر الوقوف بحسب جريان القضاء، والتوكل التوقي بالله بحسن الرجاء. # ويقال صبروا فى الحال، وتوكلوا على الله فى تحقيق الآمال. # ويقال الصبر تحسى كاسات المقدور، والتوكل الثقة فى الله فى استدفاع ~~المحذور. # ويقال الصبر تجرع ما يسقى، والتوكل الثقة بما يرجو. # ويقال إنما يقوون على الصبر بما حققوا من التوكل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 43] # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون (43) # تعجبوا أن يكون من البشر رسلا، فأخبر أن الرسل كلهم كانوا من البشر، وأن ~~فيمن سبق من أقر بذلك. و «أهل الذكر» هم العلماء والعلماء مختلفون: ~~فالعلماء بالأحكام إليهم الرجوع فى الاستفتاء من قبل العوام فمن أشكل عليه ~~شىء من أحكام الأمر والنهى يرجع إلى الفقهاء فى أحكام الله، ومن اشتبه عليه ~~شىء من علم السلوك في طريق الله يرجع إلى العارفين بالله، فالفقيه يوقع عن ~~الله، والعارف ينطق- فى آداب الطلب وأحكام الإرادة وشرائط صحتها- عن الله، ~~فهو كما قيل: (أليس حقا نطقت بين الورى فاشتهرت، كاشفها يعلم ما من عليها ~~فجرت، فهى عناء به عينيه قد طهرت) «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 44] # بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون (44) # أي إن البيان إليك، فأنت الواسطة بيننا وبينهم، وأنت الأمين على وحينا. ~~PageV02P299 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 45 الى # 47] # أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون (45) أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (46) أو يأخذهم على ~~تخوف فإن ربكم لرؤف ms0634 رحيم (47) # العبد فى جميع أحواله عرضة لسهام التقدير، فينبغى أن يستشعر الخوف فى كل ~~نفس من الإصابة بها، وألا يأمن مكر الله فى أي وقت، وأكثر الأسنة تعمل فى ~~الموطأة نفوسهم وقلوبهم على ما عودهم الحق من عوائد المنة، ولكن كما قيل: # يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا «1» # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 48] # أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا ~~لله وهم داخرون (48) # كل مخلوق من عين أو أثر، من حجر أو مدر أو غبر فلله- من حيث البرهان- ~~ساجد، ومن حيث البيان على الوحدانية شاهد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 49] # ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا ~~يستكبرون (49) # ذلك سجود شهادة لا سجود عبادة، فإذا امتنعت عن إقامة الشهادة لقوم قالة، ~~فقد شهد كل جزء منهم من حيث البرهان والدلالة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 50] # يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (50) # يخافون الله أن ينزل عليهم عذابا من فوق رءوسهم. PageV02P300 # «ويفعلون ما يؤمرون» لا يعصونه ولا يحيدون عن طاعته. # ويقال خير شىء للعبد فى الدنيا والآخرة الخوف إذ يمنعه من الزلة ويحمله ~~على الطاعة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : الآيات 51 الى 52] # وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون (51) ~~وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (52) # الحاجة إلى إثبات صانع واحد داعية، وما زاد على الواحد (قالا ... ) «1» ~~فيه متساوية. # ويقال إثبات الواحد ضرورة، وقدرة الاثنين محصورة. # قوله جل ذكره: وله الدين واصبا أفغير الله تتقون له الدين خالصا وله ~~الدين دائما، وله الدين ثابتا، فالطاعة له واجبة. فلا تتقوا غيره، وأطيعوا ~~شرعه بخلاف هواكم، واعبدوه وحده، واستجيبوا له فى المسرة والمضرة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 53] # وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون (53) # النعمة ما يقرب العبد من الحق، فأما مالا يوجب النسيان والطغيان، ms0635 والغفلة ~~والعصيان فأولى أن يكون محبة. # ويقال ما للعبد فيه نفع، أو يحصل به للشر منع فهو على أصح القولين نعمة ~~سواء كان دينيا أو دنيويا، فالعبد مأمور بالشكر على كل حال. وأكثر الناس ~~يشكرون على نعم الإحسان، «وقليل من عبادي الشكور» «2» على كل حال. # وفائدة الآية قطع الأسرار عن الأغيار فى حالتى اليسر والعسر، والثقة بأن ~~الخير والشر، والنفع والضر كلاهما من الله تعالى. # قوله جل ذكره ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون إذ ليس لكم سواه فإذا أظلت ~~العبد هواجم الاضطرار التجأ إلى الله فى استدفاع PageV02P301 # ما مسه من البلاء ثم إذا من الحق عليه، وجاد عليه بكشف بلائه صار كأن لم ~~يمسه سوء أو أصابه هم كما قيل: # كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا «1» # وقال: ### | [سورة النحل (16) : آية 54] # ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) # الخطاب عام، وقوله «منكم» : لأن القوم منهم ### | [سورة النحل (16) : آية 55] # ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (55) # فى هذا تهديد أي أنهم سوف يندمون حين لا تنفع لهم ندامة، ويعتذرون حين لا ~~يقبل لهم عذر.. ومن زرع شرا فلن يحصد إلا جزاء عمله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 56] # ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ~~(56) # أي يجعلون لما لا يعلمون- وهى أصنامهم التي ليس لها استحقاق العلم- نصيبا ~~من أرزاقهم فيقولون هذا لهم وهذا لشركائنا. # «تالله» أقسم إنهم سيلقون عقوبة فعلهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 57] # ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57) # من فرط جهلهم وصفوا المعبود بالولد، ثم زاد الله فى خذلانهم حتى قالوا: ~~الملائكة بنات الله. وكانوا يكرهون البنات، فرضوا لله بما لم يرضوا ~~لأنفسهم. ويلتحق بهؤلاء فى استحقاق PageV02P302 # الذم كل من آثر حظ نفسه على حق مولاه، فإذا فعل ماله فيه نصيب وغرض كان ~~مذموم الوصف، ملوما على ما اختاره من الفعل. # ثم إنه عابهم على قبيح ما كانوا يفعلونه ويتصفون به من كراهة ms0636 أن تولد لهم ~~الإناث فقال: ### | [سورة النحل (16) : الآيات 58 الى 59] # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى من القوم من ~~سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59) # استولت عليهم رؤية الخلق «1» ، وملكتهم الحيرة، فحنقوا على البنات مما ~~يلحقهم عند تزويجهن وتمكين البعل فيهن.. وهذه نتائج الإقامة فى أوطان ~~التفرقة، والغيبة عن شهود الحقيقة. # ثم قال: «أيمسكه على هون» أي يحبس المولود إذا كان أنثى على مذلة، «أم ~~يدسه في التراب» ليموت؟ وتلك الجفوة فى أحوالهم جعلت- من قساوة قلوبهم فى ~~أحوالهم- العقوبة أشد مما كانت بتعجيلها لهم. وجعلهم فرط غيظهم، وفقد ~~رضائهم، وشدة حنقهم على من لا ذنب له من أولادهم- من أهل النار فى دركات ~~جهنم، وتكدر عليهم الوقت، واستولت الوحشة.. ونعوذ بالله من المثل السوء! ~~قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : الآيات 60 الى 61] # للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ~~(60) ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى ~~أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) PageV02P303 # مثل السوء للكفار الذين جحدوا توحيده فلهم صفة السوء. # ولله صفات الجلال ونعوت العز، ومن عرفه بنعت الإلهية تمت سعادته فى ~~الدارين، وتعجلت راحته، وتنزه سره على الدوام فى رياض عرفانه، وطربت روحه ~~أبدا فى هيجان وجده. # أما الذين وسموا بالشرك ففى عقوبة معجلة وهموم محصلة. «ولو يؤاخذ الله ~~... » # أي لو عاملهم بما استحقوا عاجلا لحل الاستئصال بهم، ولكن الحكم سبق ~~بإمهالهم، وسيلقون غب أعمالهم فى مآلهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 62] # ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم ~~النار وأنهم مفرطون (62) # انخدعوا لما لان لهم العيش، فظنوا أنهم ينجون، وبما يؤملونه يحيطون فحسنت ~~فى أعينهم مقابح صفاتهم، ويوم يكشف الغطاء عنهم يعضون بنواجذ الحسرة على ~~أنامل الخيبة، فلا تسمع منهم دعوة، ولا تتعلق بأحدهم رحمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 63] # تالله ms0637 لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم ~~اليوم ولهم عذاب أليم (63) # أنزل هذه الآية على جهة التسلية للنبى- صلى الله عليه وسلم وذلك أنه أخبر ~~أن من تقدمه من الأمم كانوا فى سلوك الضلالة، والانخراط فى سلك الجهالة كما ~~كان من قومه، ولكن الله- سبحانه- لم يعجز عنهم. وكما سول الشيطان لأمته، ~~وكان وليا لهم، فهو ولى هؤلاء وأما المؤمنون فالله وليهم، والكافرون لا ~~مولى لهم. # PageV02P304 # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 64] # وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون (64) # أنت «1» الواسطة بيننا وبين أوليائنا، ولك البرهان الأعلى والنور الأوفى ~~تبلغ عنا وتؤدى منا، فأنت رحمة أرسلناك لأوليائنا.. فمن تبعك اهتدى، ومن ~~عصاك ففى هلاكه سعى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 65] # والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم ~~يسمعون (65) # أحيا بماء التوفيق قلوب العابدين فجنحت إلى جانب الوفاق، وأحيا بماء ~~التحقيق أرواح العارفين فاستروحت على بساط الوصال، وأحيا بماء التجريد ~~أسرار الموحدين فتحررت من رق الآثار، وانفردت بحقائق الاتصال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 66] # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا ~~سائغا للشاربين (66) # سخرها لكم، وهيأها للانتفاع بلحمها وشحمها، وجلدها وشعرها ودرها، وأصلها ~~ونسلها. ثم عجيب ما أظهر من قدرته من إخراج اللبن- مع صفائه، وطعمه ونفعه- ~~من بين الروث «2» والدم، وذلك تقدير العزيز العليم. والذي يقدر على حفظ ~~اللبن بين الروث والدم يقدر على حفظ المعرفة بين وحشة الزلة من وجوهها ~~المختلفة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 67] # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية ~~لقوم يعقلون (67) PageV02P305 # من على العباد بما خلق لهم من فنون الانتفاع بثمرات النخيل كالتمر والرطب ~~واليابس.. # وغير ذلك. # والرزق الحسن ما كان حلالا. ويقال هو ما أتاك من حيث لا تحتسب، ويقال هو ~~الذي لا منة لمخلوق فيه ولا تبعة عليه. # ويقال هو ما ms0638 لا يعصى الله مكتسبه فى حال اكتسابه. # ويقال هو ما لا ينسى الله فيه مكتسبه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : الآيات 68 الى 69] # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ~~(68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ~~ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69) # أوحى إلى النحل: أراد به وحي إلهام.. ولما حفظ الأمر وأكل حلالا، طاب ~~مأكله وجعل ما يخرج منه شفاء للناس. # ثم إن الله- سبحانه- عرف الخلق أن التفضيل ليس من جهة القياس والاستحقاق ~~إذ أن النحل ليس له خصوصية فى القامة أو الصورة أو الزينة، ومع ذلك جعل منه ~~العسل الذي هو شفاء للناس. # والإنسان مع كمال صورته، وتمام عقله وفطنته، وما اختص به الأنبياء عليهم ~~السلام والأولياء من الخصائص جعل فيهم من الوحشة ما لا يخفى.. فأى فضيلة ~~للنحل؟ وأى ذنب للإنسان؟ ليس ذلك إلا اختياره- سبحانه. # ويقال إن الله- سبحانه- أجرى سنته أن يخفى كل شىء عزيز فى شىء حقير # PageV02P306 # فجعل الإبريسم «1» فى الدود وهو أضعف الحيوانات، وجعل العسل فى النحل وهو ~~أضعف الطيور، وجعل الدر فى الصدف وهو أوحش «2» حيوان من حيوانات البحر، ~~وكذلك أودع الذهب والفضة والفيروزج فى الحجر ... كذلك أودع المعرفة به ~~والمحبة له فى قلوب المؤمنين وفيهم من يعصى وفيهم من يخطىء «3» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 70] # والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم ~~شيئا إن الله عليم قدير (70) # خلق الإنسان فى أحسن تركيب، وأملح ترتيب، فى الأعضاء الظاهرة والأجزاء ~~الباطنة، والنور والضياء، والفهم والذكاء. ورزقه من العقل والتفكر، والعلم ~~والتبصر، وفنون المناقب التي خص بها من الرأى والتدبير، ثم فى آخر عمره ~~يجعله إلى أرذل العمر مردودا، ويرى فى كل يوم ألما جديدا. # ويقال «منكم من يرد إلى أرذل العمر» : وهو أن يرد إلى الخذلان بعد ~~التوفيق فهو يكون فى أول أحوال عمره مطيعا ثم يصير فى آخر ms0639 عمره عاصيا. # ويقال أرذل العمر أن يرغب فى عنفوان شبابه فى الإرادة، ويسلك طريق الله ~~مدة، ثم تقع له فترة، فيفسخ عقد إرادته، ويرجع إلى طلب الدنيا. وعند القوم ~~هذه ردة فى هذا الطريق. # ويقال أرذل العمر رغبة الشيخ فى طلب. # ويقال أرذل العمر حب المرء للرياسة. PageV02P307 # ويقال أرذل العمر اجتماع المظالم على الرجل وألا يرضى خصومه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 71] # والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ~~ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) # أرزاق المخلوقات مختلفة فمن مضيق عليه رزقه، ومن موسع عليه رزقه، ومن ~~أرزاق هى أرزاق النفوس، وأرزاق للقلوب وأرزاق للأرواح، وأرزاق للأسرار ~~فأرزاق النفوس لقوم بتوفيق الطاعات، ولآخرين بخذلان المعاصي. وأرزاق القلوب ~~لقوم حضور القلب باستدامة الفكر، ولآخرين باستيلاء الغفلة ودوام القسوة. ~~وأرزاق الأرواح لقوم صفاء المحبة، ولآخرين اشتغال أرواحهم بالعلاقة بينهم ~~وبين أشكالهم، فيكون بلاؤهم فى محبتهم لأمثالهم. وأرزاق الأسرار لا تكون ~~إلا بمشاهدة الحق، فأما من لم يكن من هذه الجملة فليس من أصحاب الأسرار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 72] # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم ~~من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) # شغل الخلق بالخلق لأن الجنس أولى بالجنس. ولما أراد الحق- سبحانه- بقاء ~~الجنس هيأ سبب التناسب والتناسل لاستيفاء مثل الأصل. ثم من على البعض بخلق ~~البنين، وابتلى قوما بالبنات- كل بتقديره على ما يشاء. # قوله جل ذكره: ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون ~~والرزق الطيب لعبد ما تستطيبه نفسه، ولآخر ما يستطيبه سره. # فمنهم من يستطيب مأكولا ومشروبا، ومنهم من يستطيب خلوة وصفوة ... إلى غير ~~ذلك من الأرزاق. # PageV02P308 # «أفبالباطل يؤمنون» ، وهو حسبان حصول شىء من الأغيار، وتعلق القلب بهم ~~استكفاء منهم أو استدفاعا لمحذور أو استجلابا لمحبوب. # «وبنعمت الله هم يكفرون» والنعمة التي كفروا بها هى الثقة بالله، وانتظار ~~الفرج منه، وحسن التوكل عليه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية ms0640 # 73] # ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا ~~يستطيعون (73) # ومن يتعلق بشخص أو بسبب مضاه «1» لعباد الأصنام من حيث إنه يضيع وقته ~~فيما لا يعينه، فالرزق، من الله- فى التحقيق- مقدر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 74] # فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74) # كيف تضرب الأمثال لمن (لا) «2» يساويه أحد فى الذات والصفات وأحكام ~~الأفعال؟ # ومن نظر إلى الحق من حيث الخلق «3» وقع فى ظلمات التشبيه، وبقي عن معرفة ~~المعبود. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 75] # ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) # شبه الكافر بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شىء ولا ملك له فى الشرع، ~~والمؤمن المخلص بمن رزقه الخيرات ووفقه إلى الطاعات ثم وعده الثواب وحسن ~~المآب على ما أنفقه. PageV02P309 # ثم نفى عنهما المساواة إذ ليس من كان بنفسه، ملاحظا لأبناء جنسه، متماديا ~~فى حسبان مغاليطه كمن كان مدركا بربه مصطلما «1» عن شاهده، غائبا عن غيره، ~~والمجرى عليه ربه ولا حول له إلا به. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 76] # وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه ~~أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ~~(76) # هذا المثل أيضا للمؤمن والكافر فالكافر كالجاهل الأبكم الذي لا يجىء منه ~~شىء، ولا يحصل منه نفع، والمؤمن على الصراط المستقيم يتبرأ عن حوله وقوته، ~~ولا يعترف إلا بطوله- سبحانه- ومنته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 77] # ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن ~~الله على كل شيء قدير (77) # استأثر الحق- سبحانه- بعلم الغيبيات، وسترها على الخلق فيخرج قوما فى ~~الضلالة ثم ينقلهم إلى صفة الولاية، ويقيم قوما برقم العداوة ثم يردهم إلى ~~وصف الولاية.. فالعواقب مستورة، والخواتيم مبهمة، والخلق فى غفلة عما يراد ~~بهم. ms0641 # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 78] # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة لعلكم تشكرون (78) PageV02P310 # خلقهم من غير أن شاورهم، وأثبتهم- على الوصف الذي أراده- دون أن خيرهم، ~~ولم يعلموا بماذا سبق حكمهم.. أبا لسعادة خلقهم أم على الشقاوة من العدم ~~أخرجهم من من بطون أمهاتهم؟ فلا صلاح أنفسهم علموا، ولا صفة ربهم عرفوا ثم ~~بحكم الإلهام هداهم حتى قبل الصبي ثدى أمه وإن لم يكن قد تقدمه تعريف أو ~~تخويف أو تكليف أو تعنيف. # «وجعل لكم السمع» : لتسمعوا خطابه، «والأبصار» لتبصروا أفعاله، ~~«والأفئدة» لتعرفوا حقه، ثم لتشكروا عظيم إنعامه عليكم بهذه الحواس. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 79] # ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون (79) # الطائر إذا حلق فى الهواء يبقى كالواقف ولا يسقط، وقد قامت الدلالة على ~~أن الحق- سبحانه- متفرد بالإيجاد، ولا يخرج حادث عن قدرته، وفى ذلك دلالة ~~على كمال قدرته سبحانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 80] # والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ~~يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى ~~حين (80) # للنفوس وطن، وللقلوب وطن. والناس على قسمين مستوطن ومسافر: فكما أن الناس ~~بنفوسهم مختلفون فكذلك بقلوبهم فالمريد أو الطالب مسافر بقلبه لأنه يتلون، ~~ويرتقى من درجة إلى درجة، والعارف مقيم ومستوطن لأنه واصل متمكن والطريق ~~منازل ومراحل، ولا تقطع تلك المنازل بالنفوس وإنما تقطع بالقلوب، والمريد ~~سالك والعارف واصل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 81] # والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل ~~تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) # PageV02P311 # فى الظاهر جعل لكم من الأشجار والسقوف ونحوها ظلالا.. كذلك جعل فى ظل ~~عنايته لأوليائه مثوى وقرارا. # وكما ستر ظواهركم بسرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأس عدوكم- كذلك ألبس ~~سرائركم لباسا يلفكم به فى السراء والضراء، ولباس العصمة يحميكم من ms0642 ~~مخالفته، وأظلكم بظلال التوفيق مما يحملكم على ملازمة عبادته، وكساكم بحلل ~~الوصل مما يؤهلكم لقربته، وصحبته. # قوله: «كذلك يتم نعمته عليكم..» ، إتمام النعمة بأن تكون عاقبتهم مختومة ~~بالخير، ويكفيهم أمور الدين والدنيا، ويصونهم عن اتباع الهوى، ويسددهم حتى ~~يؤثروا ما يوجب من الله الرضاء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 82] # فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) # إذا بلغت الرسالة فما جعلنا إليك «1» حكم الهداية والضلالة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 83] # يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون (83) # يستوفقون إلى الطاعة، فإذا فعلوا أعجبوا بها «2» . PageV02P312 # ويقال يستغيثون، فإذا أجابهم مقصروا فى شكره. # ويقال إذا وقعت لهم محنة استجاروا بربهم، فإذا أزال عنهم تلك المحن نسوا ~~ما كانوا فيه من الشدة، وعادوا إلى قبيح ما أسلفوه من أعمالهم التي أوجبت ~~لهم تلك الحالة. # ويقال يعرفون فى حال توبتهم قبح ما كانوا فيه فى حال زلتهم، فإذا نقضوا ~~توبتهم صاروا كأنهم لم يعرفوا تلك الحالة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 84] # ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون (84) # إذا كان يوم الحشر سأل الرسل عن أحوال أممهم، فمن نطق بحجة أكرم، ومن لم ~~يدل بحجة لا تراعى له حرمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 85] # وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85) # أي يشدد عليهم الأمر ولا يسهل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 86] # وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ~~من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) # تمنوا أن ينقموا من إخوانهم الذين عاشروهم، وحملوهم على الزلة، فيتبرأون ~~من شركائهم، ويلعن بعضهم بعضا، وتضيق صدورهم من بعض. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 87] # وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون (87) # استسلموا لأمر الله وحكمه، ويومئذ لا تضرع منهم يرى، ولا محنة- يصرخون من ~~ويلها- عنهم تكشف # PageV02P313 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 89] # ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ms0643 وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ~~ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89) # تأتى- يوم القيامة- كل أمة مع رسولها، فلا أمة كهذه الأمة فضلا، ولا رسول ~~كرسولنا صلى الله عليه وسلم رتبة وقدرا. # «ونزلنا عليك الكتاب» أي القرآن تبيانا لكل شىء، فيه للمؤمنين شفاء، وهو ~~لهم ضياء، وعلى الكافرين بلاء، وهو لهم سبب محنة وشقاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 90] # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90) # العدل ما هو صواب وحسن، وهو نقيض الجور والظلم. # أمر الله الإنسان بالعدل فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين ربه، ~~وفيما بينه وبين الخلق فالعدل الذي بينه وبين نفسه منعها عما فيه هلاكها، ~~قال تعالى: «ونهى النفس عن الهوى» «1» ، وكمال عدله مع نفسه كى عروق طمعه. # والعدل الذي بينه وبين ربه إيثار حقه تعالى على حظ نفسه، وتقديم رضا ~~مولاه على ما سواه، والتجرد عن جميع المزاجر، وملازمة جميع الأوامر. # والعدل الذي بينه وبين الخلق يكون ببذل النصيحة وترك الخيانة فيما قل «2» ~~أو كثر، والإنصاف بكل وجه وألا تشى إلى أحد بالقول أو بالفعل، ولا بالهم أو ~~العزم. PageV02P314 # وإذا كان نصيب العوام بذل الإنصاف وكف الأذى فإن صفة الخواص ترك ~~الانتصاف، وإسداء الإنعام، وترك الانتقام، والصبر على تحمل ما يصيبك من ~~البلوى. # وأما الإحسان فيكون بمعنى العلم- والعلم مأمور به- أي العلم بحدوث نفسه، ~~وإثبات محدثه بصفات جلاله، ثم العلم بالأمور الدينية على حسب مراتبها. وأما ~~الإحسان فى الفعل فالحسن منه ما أمر الله به، وأذن لنا فيه، وحكم بمدح ~~فاعله. # ويقال الإحسان أن تقوم بكل حق وجب عليك حتى لو كان لطير فى ملكك، فلا ~~تقصر فى شأنه. # ويقال أن تقضى ما عليك من الحقوق وألا تقتضى لك حقا من أحد. # ويقال الإحسان أن تترك كل مالك عند أحد، فأما غير ذلك فلا يكون إحسانا. ~~وجاء فى الخبر: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه» وهذه حال المشاهدة التي ~~أشار إليها القوم. # قوله: ms0644 «وإيتاء ذي القربى» إعطاء ذى القرابة، وهو صلة الرحم، مع مقاساة ما ~~منهم من الجور والجفاء والحسد. # ينهى عن الفحشاء والمنكر» : وذلك كل قبيح مزجور عنه فى الشريعة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 91] # وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم ~~الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91) # يفرض على كافة المسلمين الوفاء بعهد الله فى قبول الإسلام والإيمان، فتجب ~~عليهم استدامة الإيمان. ثم لكل قوم منهم عهد مخصوص عاهدوا الله عليه، فهم ~~مطالبون بالوفاء به فالزاهد عهده ألا يرجع إلى الدنيا، فإذا رجع إلى ما ~~تركه منها فقد نقض عهده ولم يف به. والعابد عاهده فى ترك الهوى. والمريد ~~عاهده فى ترك العادة، وآثره بكل وجه. # والعارف عهده التجرد له، وإنكار ما سواه. والمحب عهده ترك نفسه معه بكل ~~وجه «1» . PageV02P315 # والموحد عهده الامتحاء «1» عنه، وإفراده إياه بجميع الوجوه والعبد منهى ~~عن تقصير عهده، مأمور بالوفاء به. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 92] # ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا ~~بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم ~~القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92) # من نقض عهده أفسد بآخر أمره أوله، وهدم بفعله ما أسسه، وقلع بيده ما ~~غرسه، وكان كمن نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا «2» ، أي من بعد ما أبرمت ~~فتله. # وإن السالك إذا وقعت له فترة، والمريد إذا حصلت له فى الطريق وقفة، ~~والعارف إذا حصلت له حجبة «3» ، والمحب إذا استقبلته فرقة- فهذه محن عظيمة ~~ومصائب فجيعة، فكما قيل: # فلأبكين على الهلال تأسفا ... خوف الكسوف عليه قبل تمامه # فما هو إلا أن تكسف شمسهم، وينطفىء- فى الليلة الظلماء- سراجهم، ويتشتت ~~من السماء ضياء نجومهم، ويصيب أزهار أنسهم وربيع وصلهم إعصار فيه بلاء ~~شديد، وعذاب أليم. فإن الحق- سبحانه إذا أراد بقوم بلاء فكما يقول: «ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة «4» » فإن آثار سخط الملوك ~~موجعة، وقصة إعراض السلطان موحشة ms0645 وكما قيل: # والصبر يحسن فى المواطن كلها ... إلا عليك- فإنه مذموم PageV02P316 # هنالك تنسكب العبرات، وتشق الجيوب، وتلطم الخدود، وتعطل العشار، وتخرب ~~المنازل، وتسود الأبواب، وينوح النائح: # وأتى الرسول فأخ ... بر أنهم رحلوا قريبا # رجعوا إلى أوطانهم ... فجرى لهم دمعى صبيبا # وتركن نارا فى الضلوع ... وزر عن فى رأسى مشيبا # قوله جل ذكره: إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه ~~تختلفون بلاء كل واحد على ما يليق بحاله فمن كان بلاؤه بحديث النفس أو ~~ببقائه عن هواه، وبحرمانه لكرائمه فى عقباه فاسم البلاء فى صفته مجاز، ~~وإنما هذا بلاء العوام. ولكن بلاء الكرام غير هذا فهو كما قيل: # من لم يبت- والحب ملء فؤاده ... لم يدر كيف تفتت الأكباد # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 93] # ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن ~~عما كنتم تعملون (93) # ليست واقعة القوم بخسران يصيبهم فى أموالهم، أو من جهة تقصيرهم فى ~~أعمالهم ولما ضيعوه من أحوالهم.. فهذه- لعمرى- وجوه وأسباب، ولكن سر القصة ~~كما قيل: # أنا صب لمن هويت ولكن ... ما احتيالى بسوء رأى الموالي؟ # قوله: «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة» : لو شاء الله سعادتهم لرحمهم، ~~وعن المعاصي عصمهم، وبدوام الذكر- بدل الغفلة- ألهمهم.. ولكن سبقت القسمة ~~فى ذلك، وما أحسن ما قالوا: # شكا إليك ما وجد ... من خانه فيك الجلد # حيران.. لو شئت اهتدى ... ظمآن ... نو شئت ورد # PageV02P317 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 94] # ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما ~~صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) # أبعدكم عدم صدقكم فى إيمانكم عن تحققكم ببرهانكم، لأنكم وقفتم على حد ~~التردد دون القطع والتعيين، فأفضى بكم ترددكم إلى أوطان شرككم، إذ الشك فى ~~الله والشرك به قرينان فى الحكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 95] # ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (95) # لا تختاروا على القيام بحق الله والوفاء بعهده عوضا يسيرا مما ms0646 تنتفعون به ~~من حطام دنياكم من حلالكم وحرامكم، فإن ما أعد الله لكم فى جناته- بشرط ~~وفائكم لإيمانكم- يوفى ويربو على ما تتعجلون به من حظوظكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 96] # ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون (96) # الذي عندكم عرض حادت فان، والذي عند الله من ثوابكم فى مآلكم نعم مجموعة، ~~لا مقطوعة ولا ممنوعة. # ويقال ما عندكم أو ما منكم أو ما لكم أفعال معلولة وأحوال مدخولة «1» ، ~~وما عند الله فثواب مقيم ونعيم عظيم ويقال ما منكم من معارفكم ومحابكم آثار ~~متعاقبة، وأصناف متناوبة، أعيانها غير باقية وإن كانت أحكامها غير باطلة ~~«2» ، والذي يتصف الحق به من رحمته بكم ومحبته لكم وثباته عليكم فصفات ~~أزلية ونعوت سرمدية. PageV02P318 # ويقال ما عندكم من اشتياقكم إلى لقائنا فمعرض للزوال، وقابل للانقضاء، ~~وما وصفنا به أنفسا من الإقبال لا يتناهى وأفضال لا تفنى، كما قيل: # ألا طال شوق الأبرار إلى لقائى ... وإنى للقائهم لأشد شوقا # قوله: «ولنجزين الذين صبروا ... » : جزاء الصبر الفوز بالطلبة، والظفر ~~بالبغية. # ومآلهم فى الطلبات يختلف: فمن صبر على مقاساة مشقة فى الله. فعوضه وثوابه ~~عظيم من قبل الله، قال تعالى: «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» «1» . # ومن صبر عن اتباع شهوة لأجل الله، وعن ارتكاب هفوة مخافة لله فجزاؤه كما ~~قال تعالى: أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما» «2» . # ومن صبر تحت جريان حكم الله، متحققا بأنه بمرآة من الله فقد قال تعالى: ~~«إن الله مع الصابرين» «3» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 97] # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) # الصالح ما يصلح للقبول، والذي يصلح للقبول ما كان على الوجه الذي أمر ~~الله به. وقوله «من عمل صالحا» : فى الحال، «فلنحيينه حياة طيبة» : فى ~~المآل فصفاء الحال يستوجب وفاء المآل، والعمل الصالح لا يكون من غير إيمان، ~~ولذا قال: «وهو مؤمن» . # ويقال «وهو مؤمن» أي مصدق ms0647 بأن إيمانه من فضل الله لا بعمله الصالح. ويقال ~~«وهو مؤمن» أي مصدق بأن عمله بتوفيق الله وإنشائه وإبدائه. قوله «فلنحيينه ~~حياة طيبة» : PageV02P319 # الفاء للتعقيب، «ولنجزينهم ... » الواو للعطف ففى الأولى معجل، وفى ~~الثانية مؤجل، ثم ما تلك الحياة الطيبة فإنه لا يعرف بالنطق، وإنما يعرف ~~ذلك بالذوق فقوم قالوا إنه حلاوة الطاعة، وقوم قالوا إنه القناعة، وقوم ~~قالوا إنه الرضا، وقوم قالوا إنه النجوى، وقوم قالوا إنه نسيم القرب ... ~~والكل صحيح ولكل واحد أهل. # ويقال الحياة الطيبة ما يكون مع المحبوب، وفى معناه قالوا: # نحن فى أكمل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور # عيب ما نحن فيه يا أهل ودى ... أنكم غيب ونحن حضور # ويقال الحياة الطيبة للأولياء ألا تكون لهم حاجة ولا سؤال ولا أرب ولا ~~مطالبة وفرق بين من له إرادة فترفع وبين من لا إرادة له فلا يريد شيئا «1» ~~، الأولون قائمون بشرط العبودية، والآخرون معتقون بشرط الحرية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 98] # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) # شيطان كل واحد ما يشغله عن ربه، فمن تسلطت عليه نفسه حتى شغلته عن ربه ~~ولو بشهود طاعة أو استحلاء عبادة أو ملاحظة حال- فذلك شيطانه. والواجب عليه ~~أن يستعيذ بالله من شر نفسه، وشر كل ذى شر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 99] # إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) # أنى يكون للشيطان سلطان على العبد والحق- سبحانه- متفرد بالإبداع، متوحد ~~بالاختراع؟. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 100] # إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (100) . PageV02P320 # إنما سلطانه على الذين هم فى غطاء غفلهم، وسر ظنونهم ومشتبهاتهم فأما ~~أصحاب التوحيد فإنهم يرون الحادثات بالله ظهورها، ومن الله ابتداؤها، وإلى ~~الله مآلها وانتهاؤها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : الآيات 101 الى 102] # وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل ~~أكثرهم لا يعلمون (101) قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا ~~وهدى وبشرى للمسلمين (102) # ما ازدادوا فى ms0648 طول مدتهم إلا شكا على شك، وجحدا على جحد، وجروا على ~~منهاجهم فى التكذيب، فلم يصدقوه صلى الله عليه وسلم، وما زادوا فى ولايته ~~إلا شكا ومرية: # وكذا الملول إذا أراد قطيعة ... مل الوصال وقال كان وكانا # قوله: قل نزله روح القدس من ربك بالحق: رد على فرط جهلهم بربهم، وبعد ~~رتبتهم عن التحصيل، فلما كانوا متفرقين فى شهود الملك ردوا فى حين التعريف ~~إليهم بذكر الملك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 103] # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين (103) # لم يستوحش الرسول- صلى الله عليه وسلم- من تكذيبهم، وخفاء حاله وقدره ~~عليهم.. وأى ضرر يلحق من كانت مع السلطان مجالسته إذا خفيت على الأخس من ~~الرعية حالته؟ # ثم إنه أقام الحجة فى الرد عليهم حيث قال: «لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ~~وهذا لسان عربي مبين» : فمن فرط جهلهم توهموا أن هذا القرآن- الذي عجز كافة ~~الخلق # PageV02P321 # عن معارضته فى فصاحته وبلاغته- مقول وحاصل باتصاله بمن هو أعجمى النطق ~~«1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 104] # إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104) # إن من سبقت بالشقاوة قسمته لم تتعلق من الحق- سبحانه- به رحمته، ومن لم ~~يهده الله فى عاجله إلى معرفته لا يهديه الله فى آجله إلى جنته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 105] # إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون (105) # هذا من لطائف المعاريض إذ لما وصفوه- عليه السلام- بالافتراء أنار الحق- ~~سبحانه- فى الجواب، فقال: لست أنت المفترى إنما المفترى من كذب معبوده وجهل ~~توحيده. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 106] # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من ~~شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) # إذا علم الله صدق عبده بقلبه، وإخلاصه فى عقده، ولحقته ضرورة فى حاله خفف ~~عنه حكمه، ودفع عنه عناءه فلا يلفظ بكلمة الكفر إلا مكرها- وهو موحد، وهو ~~مستحق العذر فيما بينه وبين ms0649 الله تعالى «2» ... وكذلك الذين عقدوا بقلوبهم، ~~PageV02P322 # وتجردوا لسلوك طريق الله ثم عرضت لهم أسباب، واتفقت لهم أعذار كأن يكون ~~لهم ببعض الأسباب اشتغال أو إلى شىء من العلوم رجوع.. لم يكن ذلك قادحا فى ~~صحة إرادتهم، ولا يعد ذلك فسخا لعهودهم، ولا ينفى بذلك عنهم سمة القصد إلى ~~الله تعالى. # أما «من شرح بالكفر صدرا» : فرجع باختياره، ووضع قدما- كان قد رفعه فى ~~طريق الله- بحكم هواه فقد نقض عهد إرادته، وفسخ عقده، وهو مستوجب ( ... ) ~~«1» # إلى ( ... ) «2» تتداركه الرحمة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 107] # ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين (107) # السالك إذا اثر (الحظوظ) «3» على الحقوق بقي عن الله، ولم يبارك له فيما ~~آثره على حق الله، ولقد قالوا: # قد تركناك والذي تريد ... فعسى أن تملهم فتعود # قوله جل ذكره ### | [سورة النحل (16) : آية 108] # أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون ~~(108) # إذا تمادى فى غفلته، ولم يتدارك حاله بملازمة حسرته، ازداد قسوة على ~~قسوة، ولم يستمتع بما هو فيه من قوة، وكما قال جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 109] # لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109) # هم فى الآخرة محجوبون، وبذل البعد موسومون. PageV02P323 # قوله جل ذكره ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 110] # ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم (110) # ومن صبر حين عزم الأمر، ولم يجنح إلى جانب الرخص، وأخذ فى الأمور بالأشق ~~أكرم الله حقه، وقرب مكانه، ولقاه فى كل حالة بالزيادة، وربحت صفقته حين ~~خسر أشكاله، وتقدم على الجملة وإن قل احتياله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 111] # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ~~(111) # غدا كل مشغول بنفسه، ليس له فراغ إلى غيره. وعزيز عبد لا يشتغل بنفسه، ~~قال صلى الله عليه وسلم: «من كان بحال لقى الله بها» . إنما يكون الفارغ ~~غدا من كان اليوم فارغا، ويجادل عن نفسه من كان ms0650 له اليوم اهتمام بنفسه. ~~والمؤمن لا نفس له قال تعالى: «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم» «1» ~~اشتراها الحق منهم، وأودعها عندهم، فليس لهم فيها حق، وإنما يراعون فيها ~~أمر الحق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 112] # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (112) # فراغ القلب من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر عبد بهذه النعمة بأن فتح على ~~نفسه باب الهوى، وانجرف فى فساد الشهوة، شوش الله عليه قلبه، وسلبه ما كان ~~يجده من صفاء وقته لأن طوارق النفس توجب عزوب شوارق القلب، وفى الخبر: إذا ~~أقبل الليل من PageV02P324 # هاهنا أدبر النهار من هاهنا» . وكذلك القلب إذا انقطع عنه معهود ما كان ~~الحق أتاحه له أصابه عطش شديد ولهب عظيم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 113] # ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113) # كما جاءهم الرسول جهرا فإنه تتأدى إليهم من قبل خواطرهم إشارات تترى «1» ~~، فمن لم يستجب لتلك الإشارات بالوفاق والإعتاق «2» أخذه العذاب من حيث لا ~~يشعر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 114] # فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون ~~(114) # الحلال الطيب ما يتناوله العبد على شريطة الإذن بشاهد الذكر على قضية ~~الأدب فى ترك الشبهة «3» ، وحقيقة الشكر على النعمة الغيبة عن شهود النعمة ~~بالاستغراق فى شهود المنعم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 115] # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) # يباح تناول المحرمات عند هجوم الضرورات حسب بيان الشرع، ولا يرخص فى ذلك ~~إلا على أوصاف مخصوصة، وبقدر ما يسد الرمق، كذلك عند استهلاك العبد بغلبات ~~الحقيقة لا بد من رجوعه إلى حال الصحو بقدر ما يؤدى الفرض الواجب عليه، ثم ~~لا يمكن من التعريج فى أوطان التفرقة والتمييز بعد مضى أوقات الصحو من أجل ~~أداء الشرع «4» ، كما قيل: ms0651 PageV02P325 # فإن تك منه غيبة بعد غيبة ... فإن إليه بالوجود إيابي # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : الآيات 116 الى 117] # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله ~~الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) متاع قليل ولهم عذاب ~~أليم (117) # الصدق فى كل شىء أولى «1» من الكذب، وكثير من أقوالهم فى الاعتراض عينات ~~«2» من الكذب. # والصديق لا يكذب صريحا، ولا يتداول أقوال كاذب مهين. وصاحب الكذب تظهر ~~عليه المذلة لما هو فيه من الزلة، وله فى الآخرة عذاب أليم «3» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 118] # وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (118) # بين أنه أوضح لمن تقدم الحلال والحرام، فمنهم من أتى بما أمر به ومنهم من ~~خالف.. # وكل عومل بما استوجبه فمن أطاع قلبه قربه، ومن عصى رده وحجبه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 119] # ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك ~~من بعدها لغفور رحيم (119) . PageV02P326 # إذا ندموا على قبيح ما قدموا، وأسفوا على كثير مما أسلفوا وفيه أسرفوا، ~~ومحا صدق عبرتهم آثار عثرتهم- نظر الله إليهم بالرحمة، فتاب عليهم إذا ~~أصلحوا، ونجاهم إذا تضرعوا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 120] # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) # قيل آمن بالله وحده فقام مقام الأمة، وفى التفسير: كان معلما- للخير- ~~لأمة. # ويقال اجتمع فيه من الخصال المحمودة ما يكون فى أمة متفرقا. # ويقال لما قال إبراهيم لكل ما رآه: «هذا ربي» ولم ينظر إلى المخلوقات من ~~حيث هى بل كان مستهلكا فى شهود الحق، ورأى الكون كله بالله، وما ذكر حين ~~ذكر غير الله.. كذلك كان جزاء الحق فقال: أنت الذي تقوم مقام الكل، ففى ~~القيام بحق الله منك على الدوام غنية عن الجميع. # و «الحنيف» : المستقيم فى الدين، أو المائل إلى الحق بالكلية «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 121] # شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى ms0652 صراط مستقيم (121) # الشاكر فى الحقيقة- من يرى عجزه عن شكره، ويرى شكره من الله عز وجل، ~~لتحققه أنه هو الذي خلقه، وهو الذي وفقه لشكره، وهو الذي رزقه الشكر، وهو ~~الذي اجتباه حتى كان بالكلية له- سبحانه. # «وهداه إلى صراط مستقيم» أي تحقق بأنه عبده، وأنه رقاه إلى محل الأكابر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 122] # وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (122) # الحسنة التي آتاه الله هى دوام ما أتاه حتى لم تنقطع عنه. PageV02P327 # ويقال هى الخلة. ويقال هى النبوة والرسالة. # ويقال آتيناه فى الدنيا حسنة حتى كان لنا بالكلية، ولم تكن فيه لغير ~~بقية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 123] # ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123) # «ملة إبراهيم» أي الكون بالحق، والامتحاء «1» عن شاهد نفسه فكان نبينا- ~~صلى الله عليه وسلم- فى اتباعه ابراهيم مؤتمرا بأمر الله. وكانت ملة ~~إبراهيم- عليه السلام- الخلق والسخاء والإيثار والوفاء، فاتبعه الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وزاد عليه، فقد زاد على الكافة شأنه، وبانت مزيته. # قوله جل ذكره ### | [سورة النحل (16) : آية 124] # إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون (124) # قوم حرموا العمل فيه وقوم حللوه معصية منهم، وقيل جعل الجمعة لهم فقالوا: ~~لا نريد إلا يوم السبت.. فهذا اختلافهم فيه. # والإشارة من ذلك أنهم حادوا «2» عن موجب الأمر، ومالوا إلى جانب هواهم. ~~ثم أنهم لم يراعوها حق رعايتها فصار سبب عصيانهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 125] # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) . PageV02P328 # الدعاء إلى سبيل الله بحث «1» الناس على طاعة الله، وزجرهم عن مخالفة أمر ~~الله. # والدعاء بالحكمة ألا يخالف بالفعل ما يأمر به الناس بالنطق. # والموعظة الحسنة ما يكون صادرا عن علم وصواب، ولا يكون فيها تعنيف. # «وجادلهم بالتي هي أحسن» : بالحجة الأقوى، والطريقة الأوضح. قال تعالى: ~~«وما أريد أن أخالفكم إلى ما ms0653 أنهاكم عنه» «2» : فشرط الأمر بالمعروف ~~استعمال ما تأمر به، والانتهاء عما تنهى عنه «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : الآيات 126 الى 127] # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126) ~~واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (127) # إذا جرى عليكم ظلم من غيركم وأردتم الانتقام.. فلا تتجاوزوا حد الإذن بما ~~هو فى حكم الشرع. # «ولئن صبرتم» : فتركتم الانتصاف لأجل مولاكم فهو خير لكم إن فعلتم ذلك. # والأسباب التي قد يترك لأجلها المرء الانتصاف مختلفة فمنهم من يترك ذلك ~~طمعا فى الثواب غدا فإنه أوفر وأكثر، ومنهم من يترك ذلك طمعا فى أن يتكفل ~~الله بخصومه، ومنهم من يترك ذلك لأنه مكتف بعلم الله تعالى بما يجرى عليه، ~~ومنهم من يترك ذلك لكرم نفسه، وتحرره عن الأخطار ولاستحبابه العفو عند ~~الظفر، ومنهم من لا يرى لنفسه حقا، ولا يعتقد أن لأحد هذا الحق فهو على عقد ~~إرادته بترك نفسه فملكه مباح ودمه هدر. ومنهم من ينظر إلى خصمه- أي المتسلط ~~عليه- على أن فعله جزاء على ما عمله هو من مخالفة أمر الله، قال تعالى: ~~«وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير» «4» . فاشتغاله ~~باستغفاره عن جرمه يمنعه عن انتصافه من خصمه. # قوله جل ذكره: واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق ~~مما يمكرون PageV02P329 # «واصبر» تكليف، «وما صبرك إلا بالله» : تعريف. «واصبر» تحقق بالعبودية ~~«وما صبرك إلا بالله» إخبار عن الربوبية. # «ولا تحزن عليهم..» أي طالع التقدير، فما لا نجعل له خطرا عندنا لا ينبغى ~~أن يوجب أثرا فيك فمن أسقطنا قدره فاستصغر أمره. وإذا عرفت انفرادنا ~~بالإيجاد فلا يضيق قلبك بشدة عداوتهم، فإنا ضمنا كفايتك، وألا نشمتهم بك، ~~وألا نجعل لهم سبيلا إليك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النحل (16) : آية 128] # إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128) # إن الله معهم بالنصرة، ويحيطهم بالإحسان والبسطة. # «الذين اتقوا» رؤية النصرة من غيره، والذين هم أصحاب التبري من ms0654 الحول ~~والقوة. # والمحسن الذي يعبد الله كأنه يراه، وهذه حال المشاهدة. # PageV02P330 # بسم الله الرحمن الرحيم « ... أهل الجنة طابت لهم حدائقها، وأهل النار ~~أحاط بهم سرادقها، والحق- سبحانه- منزه عن أن تعود إليه من تعذيب هؤلاء ~~عائدة، ولا من تنعيم هؤلاء فائدة.. # جلت الأحدية، وتقدست الصمدية. # ومن وقعت عليه غبرة فى طريقنا لم تقع عليه قترة فراقنا، ومن خطا خطوة ~~إلينا وجد حظوة لدينا، ومن نقل قدمه نحونا غفرنا له ما قدمه، ومن رفع إلينا ~~يدا أجزلنا له رغدا، ومن التجأ إلى سدة كرمنا آويناه فى ظل نعمنا، ومن شكا ~~فينا غليلا، مهدنا له فى دار فضلنا مقيلا» عبد الكريم القشيري عند سورة ~~الكهف # PageV02P331 ### | السورة التي يذكر فيها بنو إسرائيل # «1» # قوله تعالى وتقدس: بسم الله الرحمن الرحيم كلمة ما سمعها عابد إلا شكر ~~عصمته، وما سمعها مالك إلا وجد رحمته، وما تحققها عارف إلا تعطر قلبه بنسيم ~~قربته، وما شهدها موحد إلا تقطر دمه لخوف فرقته. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي ~~باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (1) # افتتح السورة بذكر الثناء على نفسه فقال: «سبحان الذي..» : الحق سبح نفسه ~~بعزيز خطابه، وأخبر عن استحقاقه لجلال قدره، وعن توحده بعلو نعوته. # ولما أراد أن يعرف العباد ما خص به رسوله- صلى الله عليه وسلم- ليلة ~~المعراج من علو ما رقاه إليه، وعظم ما لقاه به أزال الأعجوبة بقوله: «أسرى» ~~، ونفى عن نبيه خطر الإعجاب بقوله: «بعبده» لأن من عرف ألوهيته، واستحقاقه ~~لكمال العز فلا يتعجب منه أن يفعل ما يفعل. ومن عرف عبودية نفسه، وأنه لا ~~يملك شيئا من أمره فلا يعجب بحاله. فالآية أوضحت شيئين اثنين: نفى التعجب ~~من إظهار فعل الله عز وجل، ونفى الإعجاب فى وصف رسول الله عليه السلام. # ويقال أخبر عن موسى عليه السلام- حين أكرمه بإسماعه كلامه من غير واسطة- ~~PageV02P333 # فقال: «ولما جاء موسى لميقاتنا» «1» ، وأخبر عن نبينا صلى الله عليه ms0655 وسلم ~~بأنه «أسرى بعبده» وليس من جاء بنفسه كمن أسرى به ربه، فهذا متحمل وهذا ~~محمول، هذا بنعت الفرق وهذا بوصف الجمع، هذا مريد وهذا مراد. # ويقال جعل المعراج بالليل عند غفلة الرقباء وغيبة الأجانب، ومن غير ~~ميعاد، ومن غير تقديم أهبة واستعداد، كما قيل: «2» ويقال جعل المعراج ~~بالليل ليظهر تصديق من صدق، وتكذيب من تعجب وكذب أو أنكر وجحد. # ويقال لما كان تعبده صلى الله عليه وسلم وتهجده بالليل جعل الحق سبحانه ~~المعراج بالليل ويقال: # ليلة الوصل أصفى ... من شهور ودهور سواها # ويقال أرسله الحق- سبحانه- ليتعلم أهل الأرض منه العبادة، ثم رقاه إلى ~~السماء ليتعلم الملائكة منه آداب العبادة، قال تعالى في وصفه- صلى الله ~~عليه وسلم-: «ما زاغ البصر وما طغى» «3» ، فما التفت يمينا ولا شمالا، وما ~~طمع فى مقام ولا فى إكرام تجرد عن كل طلب وأرب. # قوله: «لنريه من آياتنا» : كان تعريفه بالآيات ثم بالصفات ثم كشف بالذات. # ويقال من الآيات التي أراها له تلك الليلة أنه ليس كمثله- سبحانه- شىء فى ~~جلاله وجماله، وعزه وكبريائه، ومجده وسنائه ثم أراه من آياته تلك الليلة ما ~~عرف به صلوات الله عليه- أنه ليس أحد من الخلائق مثله فى نبوته ورسالته ~~وعلو حالته وجلال رتبته. PageV02P334 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 2] # وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ~~(2) # أرسل موسى عليه السلام بالكتاب كما أرسل نبينا صلى الله عليه وسلم، ولكن ~~نبينا- صلوات الله عليه- كان أوفى- سماعا، فإن الشمس فى طلوعها وإشراقها ~~تكون أقرب ممن طلعت له من حقائقها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 3] # ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) # أي يا ذرية من حملنا مع نوح- على النداء.. إنه كان عبدا شكورا. # والشكور الكثير الشكر وكان نوح قد لبث فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، ~~وكان يضرب فى كل ( ... ) «1» كما فى القصة- سبعين مرة، وكان يشكر. كما أنه ~~كان يشكر الله ويصبر على قومه إلى أن أوحى الله إليه: أنه لن يؤمن إلا من ~~قد ms0656 آمن، وأمر حين دعا عليهم فقال: «رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ~~«2» . # ويقال الشكور هو الذي يكون شكره على توفيق الله له لشكره، ولا يتقاصر عن ~~شكره لنعمه. # ويقال الشكور الذي يشكر بماله، ينفقه فى سبيل الله ولا يدخره، ويشكر ~~بنفسه فيستعملها فى طاعة الله، ولا يبقى شيئا من الخدمة يدخره، ويشكر بقلبه ~~ربه فلا تأتى عليه ساعة إلا وهو يذكره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 4] # وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا ~~كبيرا (4) PageV02P335 # القضاء هاهنا بمعنى الإعلام، والإشارة فى تعريفهم بما سيكون فى المستأنف ~~منهم وما يستقبلهم، ليزدادوا يقينا إذا لقوا ما أخبروا به، وليكون أبلغ فى ~~إلزام الحجة عليهم، وليحترزوا من مخالفة الأمر بجحدهم، وليعلموا أن ما سبق ~~به القضاء فلا محالة يحصل وإن ظن التباعد عنه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 5] # فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال ~~الديار وكان وعدا مفعولا (5) # إن الله سبحانه يعد أقواما لأحوال مخصوصة حتى إذا كان وقت إرادته فيهم ~~كان هؤلاء موجودين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 6] # ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ~~(6) # يدل على أنه مقدر أعمال العباد، ومدبر أفعالهم فإن انتصارهم على أعدائهم ~~من جملة أكسابهم، وقد أخبر الحق أنه هو الذي تولاه بقوله: «رددنا لكم الكرة ~~عليهم ... » # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 7] # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا ~~وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا (7) # PageV02P336 # إن أحسنتم فثوابكم كسبتم، وإن أسأتم فعداءكم جلبتم- والحق أعز من أن يعود ~~إليه من أفعال عباده زين أو يلحقه شين. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 8] # عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (8) # كلمة «عسى» فيها ترجية وإطماع، فهو- سبحانه- وقفهم على حد الرجاء والأمل، ~~والخوف والوجل. # وقوله «عسى» : ليس فيه تصريح بغفرانهم ورحمتهم، وإنما فيه للرجاء ms0657 موجب ~~قوى فبلطفه وعد أن يرحمكم. # قوله جل ذكره: وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا أي إن عدتم إلى ~~الزلة عدنا إلى العقوبة، وإن استقمتم فى التوبة عدنا إلى إدامة الفضل عليكم ~~والمثوبة. # ويقال إن عدتم إلى نقض العهد عدنا إلى تشديد العذاب. # ويقال إن عدتم للاستجارة عدنا للإجارة. # ويقال إن عدتم إلى الصفاء عدنا إلى الوفاء. # ويقال إن عدتم إلى ما يليق بكم عدنا إلى ما يليق بكرمنا. # «وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا» ، لأنهم ( ### | .... # ) «1» وهم ناس كثير فهذه جهنم ومن يسكنها من الكافرين. # و «حصيرا» أي محبسا ومصيرا. فالمؤمن- وإن كان صاحب ذنوب وإن كانت كبيرة- ~~فإن من خرج من دنياه على إيمانه فلا محالة يصل يوما إلى غفرانه. ~~PageV02P337 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 9] # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ~~أن لهم أجرا كبيرا (9) # القرآن يدل على الحق والصواب. و «أقوم» : هنا بمعنى المستقيم الصحيح ~~كأكبر بمعنى الكبير فالقرآن يدل على الحق والصواب، ولكن الخلل من جهة ~~المستدل لا الدليل، إذ قد يكون الدليل ظاهرا ولكن المستدل معرض، وبآداب ~~النظر مخل، فيكون العيب فى تقصيره لا فى قصور الدليل «1» . # القرآن نور من استضاء به خلص من ظلمات جهله، وخرج من غمار شكه. ومن رمدت ~~عيون نظره التبس رشده. # ويقال الحول ضرره أشد من العمى لأن الأعمى يعلم أنه ليس يبصر فيتبع ~~قائده، ولكن الأحوال يتوهم الشيء شيئين، فهو بتخيله وحسبانه يمارى من كان ~~سليما.. كذلك المبتدع إذا سلك طريق الجدل، ولم يضع النظر موضعه بقي فى ~~ظلمات جهله، وصال بباطل دعواه على خصمه، كما قيل: # بأطراف المسائل كيف يأتى ... - ولا أدرى لعمرك- مبطلوها؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 11] # ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا (11) # من الأدب فى الدعاء ألا يسأل العبد إلا عند الحاجة «2» ، ثم ينظر فإن كان ~~شىء لا يعنيه ألا يتعرض له فإن فى الخبر «3» : «من حسن إسلام المرء تركه ~~مالا يعنيه» . ثم من آداب الداعي إذا سأل من ms0658 الله حاجته ورأى تأخيرا فى ~~الإجابة ألا يتهم الحق- سبحانه- ويجب أن يعلم PageV02P338 # أن الخير فى ألا يجيبه، والاستعجال- فيما يختاره العبد- غير محمود، وأولى ~~الأشياء السكون والرضا بحكمه سبحانه، إن لم يساعده الصبر وسأل فالواجب ترك ~~الاستعجال، والثقة بأن المقسوم لا يفوته، وأن اختيار الحق للعبد خير له من ~~اختياره لنفسه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 12] # وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ~~(12) # جعل الليل والنهار علامة على كمال قدرته، ودلالة على وجوب وحدانيته فى ~~تعاقبهما وتناوبهما، وفى زيادتهما ونقصانهما. # ثم جعلهما وقتا صالحا لإقامة العبادة، والاستقامة على معرفة جلال إلهيته ~~فالعبادة شرطها الدوام والاتصال، والوظائف حقها التوفيق والاختصاص ولو وقع ~~فى بعض العبادات تقصير أو حصل فى أداء بعضها تأخير تداركه بالقضاء حتى ~~يتلافى التقصير. # ويقال من وجوه الآيات فى الليل والنهار إفراد النهار بالضياء من غير سبب، ~~وتخصيص الليل بالظلام بغير أمر مكتسب «1» ، ومن ذلك قوله تعالى: «فمحونا ~~آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة» : وهو اختلاف أحوال القمر فى إشراقه ~~ومحاقه، فلا يبقى ليلتين على حال واحدة، بل هو فى كل ليلة فى منزل آخر، إما ~~بزيادة أو بنقصان. # وأما الشمس فحالها الدوام.. والناس كذلك أوصافهم فأرباب التمكين الدوام ~~شرطهم، وأصحاب التلوين التنقل «2» حقهم، قال قائلهم: # ما زلت أنزل من ودادك منزلا ... تتحير الألباب دون نزوله PageV02P339 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 13] # وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا (13) # ألزم كل أحد ما لبس بجيده. فالذين هم أهل السعادة أسرج لهم مركب التوفيق، ~~فيسير بهم إلى ساحات النجاة، والذين هم أهل الشقاوة أركبهم مطية الخذلان ~~فأقعدتهم عن النهوض نحو منهج الخلاص، فوقعوا فى وهدة الهلاك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 14] # اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) # من ساعدته العناية الأزلية حفظ عند معاملاته مما يكون وبالا عليه يوم ~~حسابه، ومن أبلاه بحكمه رده وأمهله، ms0659 ثم تركه وعمله، فإذا استوفى أجله عرف ~~ما ضيعه وأهمله، ويومئذ يحكمه فى حال نفسه، وهو لا محالة يحكم بنفسه ~~باستحقاقه لعذابه عند ما يتحقق من قبيح أعماله.. # فكم من حسرة يتجرعها، وكم من خيبة يتلقاها! ويقال من حاسبه بكتابه فكتابه ~~ملازمه فى حسابه فيقول: رب: لا تحاسبنى بكتابي.. # ولكن حاسبني بما قلت: إنك غافر الذنب وقابل التوب.. لا تعاملنى بمقتضى ~~كتابى ففيه بواري وهلاكى قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 15] # من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15) # قضايا أعمال العبد مقصورة عليه إن كانت طاعة فضياؤها لأصحابها، وإن كانت ~~زلة فبلاؤها لأربابها. والحق غنى مقدس، أحدى منزه. # قوله جل ذكره: ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا كل ~~مطالب بجريرته. وكل نفس تحمل أوزارها لا وزر نفس أخرى.. «وما كنا # PageV02P340 # معذبين حتى نبعث رسولا» # : دل ذلك على أن الواجبات إنما تتوجه من حيث السمع «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 16] # وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ~~فدمرناها تدميرا (16) # إذا كثر أهل الفساد غلبوا، وقل أهل الصلاح وفقدوا فعند ذلك (يغمر) «2» ~~الله الخلق ببلائه، ولا يكون للناس ملجأ من أوليائه ليتكلموا فى بابهم، ولا ~~فيهم من يبتهل إلى الله فيسمع دعاؤه، فيخترم «3» أولياءه، ويبقى أرباب ~~الفساد، وعند ذلك يشتد البلاء وتعظم المحن إلى أن ينظر الله تعالى إلى ~~الخلق نظر الرحمة والمنة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 17] # وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (17) # فى الآية تسلية للمظلومين إذا استبطأوا هلاك الظالمين، و ( ... ) «4» قصر ~~أيديهم عنهم. فإذا فكروا فيما مضى من الأمم أمثالهم وكيف بنوا مشيدا، ~~وأملوا بعيدا.. # فبادوا جميعا، يعلمون أن الآخرين- عن قريب- سينخرطون فى سلكهم، ويمتحلون ~~بمثل شأنهم. وإذا أظلتهم سحب الوحشة فاءوا إلى ظل شهود التقدير، فتزول عنهم ~~الوحشة، وتطيب لهم الحياة، وتحصل الهيبة. # قوله جل ms0660 ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 18] # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصلاها مذموما مدحورا (18) PageV02P341 # من رضى بالحظ الخسيس من عاجل الدنيا بقي عن نفيس الآخرة، ثم لا يحظى إلا ~~بقدر ما اشتمه، ثم يكون آنس ما به قلبا وأشد ما يكون به سكونا.. ثم يختطف ~~عن نعمته، ولا يخصه بشىء مما جمع من كرائمه، ويمنعه من قربه فى الآخرة.. ~~ولقد قيل: # يا غافلا عن سماع الصوت ... إن لم تبادر فهو الفوت # من لم تزل نعمته عاجلا ... أزاله عن نعمته الموت # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 19] # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) # علامة من أراد الآخرة- على الحقيقة- أن يسعى لها سعيها فإرادة الآخرة إذا ~~تجردت عن العمل لها كانت مجرد إرادة، ولا يكون السعى مشكورا. قوله: «وهو ~~مؤمن» : أي فى المآل كما أنه مؤمن فى الحال. ويقال وهو مؤمن أن نجاته بفضله ~~لا بسببه. # «فأولئك كان سعيهم مشكورا» أي مقبولا، ومع القبول يكون التضعيف والتكثير ~~فكما أن الصدقة يربيها كذلك طاعة العبد يكثرها وينميها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 20] # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20) # يجازى كلا بقدرة فلقوم نحاة ولقوم درجات، ولقوم سلامة ولقوم كرامة، ولقوم ~~مثوبته، ولقوم قربته. # قوله جل ذكره ### | [سورة الإسراء (17) : آية 21] # انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (21) # التفضيل على أقسام، فالعباد فضل بعضهم على بعض ولكن فى زكاء أعمالهم، ~~والعارفون فضل بعضهم على بعض ولكن فى صفاء أحوالهم، وزكاء الأعمال ~~بالإخلاص، وصفاء الأحوال # PageV02P342 # بالاستخلاص فقوم تفاضلوا بصدق القدم، وقوم تفاضلوا بعلو الهمم والتفضيل ~~فى الآخرة أكبر: فالعباد تفاضلهم بالدرجات، قال صلى الله عليه وسلم: «إنكم ~~لترون أهل عليين كما ترون الكوكب الدرى فى أفق السماء وإن أبا بكر وعمر ~~منهم» وأهل الحضرة تفاضلهم بلطائفهم من الأنس بنسيم القربة بما لا بيان ~~يصفه ولا عبارة، ولا رمز يدركه ولا إشارة. ms0661 منهم من يشهده ويراه مرة فى ~~الأسبوع، ومنهم من لا يغيب من الحضرة لحظة، فهم يجتمعون فى الرؤية ~~ويتفاوتون فى نصيب كل أحد، وليس كل من يراه يراه بالعين التي بها يراه ~~صاحبه، وأنشد بعضهم «1» : # لو يسمعون- كما سمعت حديثها ... خروا لعزة ركعا وسجودا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 22] # لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22) # الذي أشرك بالله أصبح مذموما من قبل الله، ومخذولا من قبل (من) «2» عبده ~~من دون الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 23] # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) # أمر بإفراده- سبحانه- بالعبادة، وذلك بالإخلاص فيما يستعمله العبد منها، ~~وأن يكون مغلوبا باستيلاء سلطان الحقيقة عليه بما يحفظه عن شهود عبادته «3» ~~وأمر بالإحسان إلى الوالدين ومراعاة حقهما، والوقوف عند إشارتهما، والقيام ~~بخدمتهما، PageV02P343 # وملازمة ما كان يعود إلى رضاهما وحسن عشرتهما ورعاية حرمتهما، وألا يبدى ~~شواهد الكسل عند أوامرهما، وأن يبذل المكنة فيما يعود إلى حفظ قلوبهما ... ~~هذا فى حال حياتهما، فأما بعد وفاتهما فبصدق الدعاء لهما، وأداء الصدقة ~~عنهما، وحفظ وصيتهما على الوجه الذي فعلاه، والإحسان إلى من كان من أهل ~~ودهما ومعارفهما. # ويقال إن الحق أمر العباد بمراعاة حق الوالدين وهما من جنس العبد.. فمن ~~عجز عن القيام بحق جنسه أنى له أن يقوم بحق ربه؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 24] # واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (24) # اخفض لهما جناح الذل بحسن المداراة ولين المنطق، والبدار إلى الخدمة، ~~وسرعة الإجابة، وترك البرم بمطالبهما، والصبر على أمرهما، وألا تدخر عنهما ~~ميسورا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 25] # ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا (25) # إذا علم الله صدق قلب عبد أمده بحسن الأمجاد، وأكرمه بجميل الامتداد «1» ~~، ويسر عليه العسير من الأمور، وحفظه عن الشرور، وعطف عليه قلوب الجمهور. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ms0662 الإسراء (17) : آية 26] # وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) # إيتاء الحق يكون من المال ومن النفس ومن القول ومن الفعل، ومن نزل على ~~اقتضاء حقه، وبذل الكل لأجل ما طالبه به من حقوق. فهو القائم بما ألزمه ~~الحق سبحانه بأمره. PageV02P344 # والتبذير مجاوزة الحد عما قدره الأمر والإذن. وما يكون لحظ النفس- وإن ~~كان سمسمة- فهو تبذير، وما كان له- وإن كان الوفاء بالنفس- فهو تقصير. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 27] # إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) # إنما كانوا إخوان الشياطين لأنهم أنفقوا على هواهم، وجروا فى طريقهم على ~~دواعى الشياطين ووساوسهم، ولما أفضى بهم ذلك إلى المعاصي فقد دعاهم إخوان ~~الشياطين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 28] # وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28) # إن لم يساعدك الإمكان على ما طالبوك من الإحسان فاصرفهم عنك بوعد جميل إن ~~لم تسعفهم بنقد جزيل. وإن وعد الكرام أهنأ من نقد اللئام «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 29] # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ~~(29) # لا تمسك عن الإعطاء فتكدى «2» ، ولا تسرف فى البذل بكثرة ما تسدى، واسلك ~~بين الأمرين طريقا وسطا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 30] # إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) # إذا بسط لا تبقى فاقة، وإذا قبض استنفد كل طاقة «3» . PageV02P345 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 31] # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا ~~(31) # من عرف أن الرازق هو الله خف عن قلبه هم العيال «1» - وإن كثروا، ومن خفى ~~عليه أنه قسم- قبل الخلق- أرزاقهم تطوح فى متاهات مغاليطه، فيقع فيها ~~بالقلب والبدن ثم لا يكون غير ما سبق به التقدير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 32] # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) # ترجح «2» الزنا على غيره من الفواحش لأن فيه تضييع حرمة الحق، وهتك حرمة ~~الخلق، ثم لما فيه من الإخلال ms0663 بالنسب، وإفساد ذات البين «3» من مقتضى ~~الأنفة والغضب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 33] # ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (33) # لا يجوز قتل نفس الغير بغير الحق، ولا للمرء أن يقتل نفسه أيضا بغير ~~الحق. وكما أن قتل النفس بالحديد وما يقوم مقامه من الآلات محرم فكذلك ~~القصد إلى هلاك المرء محرم. # ومن انهمك فى مخالفة ربه فقد سعى فى هلاك نفسه. «ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا» : أي تسلطا على القاتل فى الاقتصاص منه، وعلى معنى ~~الإشارة: إن النصرة من قبل الله ومنصور الحق لا تنكسر سنانه، ولا تطيش ~~سهامه «4» . PageV02P346 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 34] # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن ~~العهد كان مسؤلا (34) # لما لم يكن لليتيم من يهتم بشأنه أمر- سبحانه- الأجنبي الذي ليس بينه ~~وبين اليتيم سبب أن يتولى أمره، ويقوم بشأنه، وأوصاه فى بابه فالصبي قاعد ~~بصفة الفراغ والهوينى «1» ، والولى ساع بمقاساة العنا.. # فأمر الحق- سبحانه- للولى أحظى للصبي من شفقة آله عليه فى حال حياتهم «2» ~~. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 35] # وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ~~(35) # كما تدين تدان، وكما تعامل تجازى، وكما تكيل يكال لك، وكما تكونون يكون ~~عليكم، ومن وفى وفوا له، ومن خان خانوا معه، وأنشدوا: # أسأنا فساءوا.. عدل بلا حيف ... ولو عدلنا لخلصنا من المحن # قوله جل ذكره ### | [سورة الإسراء (17) : آية 36] # ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسؤلا (36) # إذا غلبت عليك مجوزات الظنون، ولم يطلعك الحق على اليقين فلا تتكلف ~~الوقوف عليه من غير برهان، وإذا أشكل عليك شىء من أحكام الوقت فارجع إلى ~~الله فإن لاح لقلبك وجه من الدليل على حد الالتباس فكل علمه إلى الله، وقف ~~حيثما وقفت. PageV02P347 # ويقال الفرق بين من قام بالعلم وبين من قام بالحق أن ms0664 العلماء يعرفون ~~الشيء أولا ثم يعلمون بعلمهم، وأصحاب الحق يجرى عليهم بحكم التصريف شىء لا ~~علم لهم به على التفصيل، وبعد ذلك يكشف لهم وجهه، وربما يجرى على ألسنتهم ~~شىء لا يدرون وجهه، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهان ما ~~قالوه، ودليل ما نطقوا به من شواهد العلم «1» . # قوله: «إن السمع والبصر ... » هذه أمانة الحق- سبحانه- عند العبد، وقد ~~تقدم فى بابها بما أوضحته ببراهين الشريعة. # ومن استعمل هذه الجوارح فى الطاعات، وصانها عن استعمالها فى المخالفات ~~فقد سلم الأمانة على وصف السلامة، واستحق المدح والكرامة. ومن دنسها ~~بالمخالفات فقد ظهرت عليه الخيانة، واستوجب الملامة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 37] # ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) # الخيلاء والتجبر، والمدح والتكبر- كل ذلك نتائج الغيبة عن الذكر، والحجبة ~~عن شهود الحق فإن الله إذا تجلى لشىء خشع له- بذلك ورد الخبر. فأما فى حال ~~حضور القلب واستيلاء الذكر وسلطان الشهود. فالقلب مطرق، وحكم الهيبة غالب. ~~ونعت المدح وصفة الزهو وأسباب التفرقة- كل ذلك ساقط. # والناس- فى الخلاص من صفة التكبر- أصناف: فأصحاب الاعتبار إذ عرفوا أنهم ~~مخلوقون من نطفة أمشاج، وما تحمله أبدانهم مما يترشح من مسامهم من بقايا ~~طعامهم وشرابهم.. # تعلو هممهم عن التضييق والتدنيق «2» ، ويبعد عن قلوبهم قيام أخطار ~~للأشياء، ولا يخطر على داخلهم إلا ما يزيل عنهم التكبر، وينزع عنهم لباس ~~التجبر. PageV02P348 # وأما أرباب الحضور فليس فى طلوع الحق إلا انخناس النفس، وفى معناه قالوا: # إذا ما بدا لى تعاظمته ... فأصدر فى حال من لم يرد # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 38 الى 39] # كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ~~ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا (39) # إذا سعدت الأقدام بحضور ساحات الشهود، وعطرت الأسرار بنسيم القرب تجردت ~~الأوقات عن الحجبة، واستولى سلطان الحقيقة، فيحصل التنقي من هذه الأوصاف ~~المذمومة. # وقال تعالى لنبيه: «ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة» : بالوحى والإعلام، ms0665 ~~ولأوليائه تعريف بحكم الإلهام. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 40] # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما ~~(40) # جوزوا أن يكون لله- سبحانه- ولد، وفكروا فى ذلك، ثم لم يرضوا حتى جعلوا ~~له ما استنكفوا منه لأنفسهم، فما زادوا فى تمردهم إلا عتوا، وفى طغيانهم ~~إلا غلوا، وعن قبول الحق إلا نبوا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 42 الى 43] # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (42) ~~سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) # بين أنه لو كان الصانع أكثر من واحد لجرى بينهم تضاد وتمانع، وصح عند ذلك ~~فى صفتهم العجز، وذلك من سمات المحدثات. # ثم قال سبحانه- تنزيها له عن الشريك والظهير، والمعين والنظير: # PageV02P349 ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 44] # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44) # الأحياء من أهل السماوات والأرض يسبحون له تسبيح قالة «1» ، وغير الأحياء ~~يسبح من حيث البرهان والدلالة. وما من جزء من الأعيان والآثار إلا وهو دليل ~~على الربوبية، ولكنهم إذا استمعوا توحيدا للإله تعجبوا- لجهلهم وتعسر ~~إدراكهم- وأنكروا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 45] # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ~~(45) # أي أدخلناك فى إيواء حفظنا، وضربنا عليك سرادقات عصمتنا، ومنعنا الأيدى ~~الخاطئة عنك بلطفنا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 46] # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في ~~القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا (46) # «2» صرح بأنه خالق ضلالتهم، وهو المثبت فى قلوبهم ما استكن فيها من فرط ~~غوايتهم «3» «وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده..» أحبوا أن تذكر آلهتهم، قد ~~ختم الله على قلوبهم، فلا حديث يعجبهم إلا ممن لهم شكل ومثل. PageV02P350 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 47] # نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون ~~إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) # لبسوا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أحوالهم، وأظهروا ms0666 الوفاق من ~~أنفسهم، ففضحهم الله تعالى، وكشف أسرارهم، وبين مقابحهم، وهتك أستارهم، فما ~~تنطوى عليه السريرة لا بد أن يظهر لأهل البصيرة بما يبدو على الأسرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 48] # انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (48) # عابوه بما ليس بنقيصة فى نفسه حيث قالوا: «إن تتبعون إلا رجلا مسحورا» أي ~~ذا سحر. وأى نقيصة كانت له إذا كان- صلى الله عليه وسلم- من جملة البشر؟ # والحق سبحانه وتعالى متول نصرته، ولم يكن تخصيصه ببنية، ولا بصورة، ولا ~~بحرفة، ولم يكن منه شىء بسببه وإنما بان شرفه لجملة ما تعلق به لطفه ~~القديم- سبحانه- ورحمته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 49] # وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) # أقروا بأن الله خلقهم، ثم أنكروا قدرته على إعادتهم بعد عدمهم، ولكن.. ~~كما جاز أن يوجدهم أولا وهم فى كتم العدم ولم يكن لهم عين ولا أثر، ولكنهم ~~كانوا فى متناول القدرة ومتعلق الإرادة، فمن حق صاحب القدرة والإرادة أن ~~يعيدهم إلى الوجود مرة أخرى.. # وهكذا إذا رمدت عين قلب لم يستبصر صاحبه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 50 الى 51] # قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من ~~يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو قل عسى ~~أن يكون قريبا (51) # PageV02P351 # «1» أخبر- سبحانه وتعالى- أنه لا يتعصى عليه مقدور لأنه موصوف بقدرة ~~أزلية، وقدرته عامة التعلق فلا المشقة تجوز فى صفته ولا الرفاهية. فالخلق ~~الأول والإعادة عليه سيان لا من هذا عائد إليه ولا من ذاك، لأن قدمه يمنع ~~تأثير الحدوث فيه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 52] # يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) # يدعوكم فتستجيبونه وأنتم حامدون. فالحمد بمعنى الشكر، وإنما يشكر العبد ~~على النعمة والآية تدل على أنهم- وهم فى قبورهم- فى نعمته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 53] # وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان ~~للإنسان عدوا مبينا (53) # القول الحسن ما ms0667 يكون للقائل أن يقوله. ويجوز أن يكون الأحسن مبالغة من ~~الحسن، فعلى هذا الأحسن من القول ما لا يجوز تركه. ويقال الأحسن من القول ~~ما يخاف قائله من العقوبة على تركه. ويقال الأحسن من القول إقرار المحب ~~بعبودية محبوبه. # ويقال أحسن قول من المذنبين الإقرار بالجرم، وأحسن قول من العارفين ~~الإقرار بالعجز عن المعرفة، قال صلى الله عليه وسلم: سبحانك لا أحصى ثناء ~~عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» . PageV02P352 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 54] # ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا ~~(54) # سد على كل أحد طريق معرفته بنفسه ليتعلق كل قلبه بربه. وجعل العواقب على ~~أربابها مشتبهة، فقال «ربكم أعلم بكم» . ثم قدم حديث الرحمة على حديث ~~العذاب، فقال: # «إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم» وفى ذلك ترج للأمل أن يقوى. # ويوصف العبد بالعلم ويوصف الرب بالعلم، ولكن العبد يعلم ظاهر حاله، وعلم ~~الرب يكون بحاله وبمآله، ولهذا فالواجب على العبد أن يقول: أنا مؤمن إن شاء ~~الله تعالى، وهذا معنى: «إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم» بعد قوله: «أعلم ~~بكم» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 55] # وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا ~~داود زبورا (55) # فضل بعض الأنبياء على بعض فى النبوة والدرجة، وفى الرسالة واللطائف ~~والخصائص. # وجعل نبينا- صلى الله عليه وسلم- أفضلهم فهم كالنجوم وهو بينهم بدر، وهم ~~كالبدور وهو بينهم شمس، وهم شموس وهو شمس الشموس. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 56] # قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) # استعينوا فيما يستقبلكم «1» بالأصنام التي عبدتموها من دون الله حتى ~~تتحققوا أنه لا تنفعكم عبادة شىء من دون الله، ولا يضركم ترك ذلك، ولقد قيل ~~فى الخبر: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» «2» PageV02P353 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 57] # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن ms0668 عذاب ربك كان محذورا (57) # يعنى الذين يعبدونهم ويدعونهم- كالمسيح وعزير والملائكة- لا يملكون نفعا ~~لأنفسهم ولا ضرا، وهم يطلبون الوسيلة إلى الله أي يتقربون إلى الله بطاعتهم ~~رجاء إحسان الله، وطمعا فى رحمته، ويخافون العذاب من الله ... فكيف يرفعون ~~عنكم البلاء وهم يرجون الله ويخافونه فى أحوال أنفسهم؟ # ويقال فى المثل: تعلق الخلق بالخلق تعلق مسجون بمسجون. # ويقال: إذا انضم الفقير إلى الفقير ازدادا فاقة. # ويقال إذا قاد الضرير ضريرا سقطا معا فى البئر، وفى معناه أنشدوا: # إذا التقى فى حدب واحد ... سبعون أعمى بمقادير # وسيروا بعضهم قائدا ... فكلهم يسقط فى البير # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 58] # وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ~~ذلك في الكتاب مسطورا (58) # العذاب على أقسام: فالألم الذي يرد على النفوس والظواهر يتصاغر بالإضافة ~~إلى ما يرد على القلوب والسرائر فعذاب القلوب لأصحاب الحقائق أحد فى الشدة ~~مما يصيب أصحاب الفقر والقلة. # ثم إن الحق سبحانه أجرى سنته بأن من وصلت منه إلى غيره راحة انعكست ~~الراحة إلى موصلها، وبخلاف ذلك من وصلت منه إلى غيره وحشة عادت الوحشة إلى ~~موصلها # PageV02P354 # ومن سام «1» الناس ظلما وخسفا فبقدر ظلمه يعذبه الله- سبحانه وتعالى- فى ~~الوقت بتنغيص العيش، واستيلاء الغضب من كل أحد عليه، وتترجم ظنونه وتتقسم ~~أفكاره فى أحواله وأشغاله. ولو ذاق من راحة الفراغ وحلاوة الخلوة شظية لعلم ~~ما طعم الحياة.. # ولكن حرموا النعم، وما علموا ما منوا به من النقم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 59] # وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) # «2» أجرى الله سنته أنه إذا أظهر آية اقترحتها أمة من الأمم ثم لم تؤمن ~~بها بعد إظهارها أن يعجل لها العقوبة، وكان المعلوم والمحكوم به ألا يجتاح ~~العذاب القوم الذين كانوا فى وقت الرسول- عليه السلام- لأجل من فى أصلابهم ~~من الذين علم أنهم يؤمنون فلذلك أخر عنهم العذاب الذي تعجلوه «3» . # وما نرسل بالآيات ms0669 إلا تخويفا التخويف بالآيات ذلك من مقتضى تجمله فإن لم ~~يخافوا وقع عليهم العذاب. ثم إنه علم أنه لا يفوته شىء بتأخير العقوبة عنهم ~~فأخر العذاب، وله أن يفعل ما يشاء بمقتضى حكمه وعلمه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 60] # وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ~~(60) PageV02P355 # «1» # الإيمان بما خصصناك به امتحان لهم وتكليف، ليتميز الصادق من المنافق، ~~والمؤمن من الجاحد فالذين تداركتهم الحماية وقفوا وثبتوا، وصدقوا بما قيل ~~لهم وحققوا. وأما الذين خامر الشك قلوبهم، ولم تباشر خلاصة التوحيد ~~أسرارهم، فما ازدادوا بما امتحنوا به إلا تحيرا وضلالا وتبلدا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 61] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ~~(61) # امتنع الشقى وقال: لا أسجد لغيرك بوجه سجدت لك به، وكان ذلك جهلا منه، ~~ولو كان بالله عارفا لكان لأمره مؤثرا، ولمحيط نفسه تاركا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 62] # قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته ~~إلا قليلا (62) # لو علقت به ذرة من المعرفة والتوحيد لم يحطب «2» على نفسه بالإضلال ~~والإغواء، لكنه أقامه الحق بذلك المقام، وأنطقه بما هو لقلوب أهل التحقيق ~~متضح. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 63 الى 64] # قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (63) واستفزز من ~~استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد ~~وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) PageV02P356 # هذا غاية التهديد، وفيه إشارة وبيان بألا مراء ولا تفويت، ولو، أخر عقوبة ~~قوم فإن ذلك إمهال لا إهمال، ومكر واستدراج لا إنعام وإكرام. # واستفزز من استطعت منهم بصوتك: أي افعل ما أمكنك، فلا تأثير لفعلك فى ~~أحد، فإن المنشئ والمبدع هو الله.. وهذا غاية التهديد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 65] # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65) # السلطان الحجة، فالآية ms0670 تدل على العموم «1» ، ولا حجة للعذر على أحد، بل ~~الحجة لله وحده. # ويقال السلطان هو التسلط، وليس لإبليس على أحد تسلط إذ المقدور بالقدرة ~~الحادثة لا يخرج عن محل القدرة الإلهية، فالحادثات كلها تحدث بقدرة الله ~~فلا لإبليس ولا لغيره من المخلوقين تسلط من حيث التأثير فى أحد، وعلى هذا ~~أيضا فالآية للعموم. # ويقال أراد بقوله: «عبادي» الخواص من المؤمنين الذين هم أهل الحفظ ~~والرحمة والرعاية من قبل الله فإن وساوس الشيطان لا تضرهم لالتجائهم إلى ~~الله، ودوام استجارتهم بالله، ولهذا فإن الشيطان إذا قرب من قلوب أهل ~~المعرفة احترق بضياء معارفهم. # ويقال إن فرار «2» الشيطان من المؤمنين أشد من فرار المؤمنين، من ~~الشيطان. # والخواص من عباده هم الذين لا يكونون فى أسر غيره، وأما من استعبده هواه، ~~PageV02P357 # واستمكنت منه الأطماع، واسترقته «1» كل خسيسة ونقيصة فلا يكون من جملة ~~خواصه.. # وفى الخبز «تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار» «2» ويقال فى «عبادي» هم ~~المتفيئون فى ظلال عنايته، والمتبرون عن حولهم وقوتهم، المتفردون بالله ~~بحسن التوكل عليه ودوام التعلق به. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 66] # ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما ~~(66) # تعرف إلى عباده بخلقه وإنعامه، فما من حادث من عين أو أثر أو طلل أو غبر ~~إلا وهو شاهد على وحدانيته، دال على ربوبيته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 67] # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) # جبل الإنسان على أنه إذا أصابته نقمة، أو مسته محنة فرع «3» إلى الله ~~لاستدفاعها، وقد يعتقد أنهم لن يعودوا بعدها إلى ما ليس فيه رضاء الله، ~~فإذا أزال الله تلك النقمة «4» وكشف تلك المحنة عادوا إلى ما عنه تابوا، ~~كأنهم لم يكونوا فى ضر مسهم، وفى معناه أنشدوا: # فكم قد جهلتم ثم عدنا بحلمنا ... أحباءنا كم تجهلون! وتحلم! PageV02P358 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 68 الى 69] # أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل ms0671 عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم ~~وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح ~~فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (69) # الخوف ترقب العقوبات مع مجارى الأنفاس- كذلك قال الشيوخ «1» . وأعرفهم ~~بالله أخوفهم من الله. وصنوف العذاب كثيرة فكم من مسرور أول ليله أصبح فى ~~شدة! وكم من مهموم بات يتقلب على فراشه أصبح وقد جاءته البشرى بكمال النعم! ~~وفى معناه قالوا: # إن من خاف البيات لا يأخذه السبات. ووصفوا أهل المعرفة فقالوا: # مستوفزون على رجل كأنهمو ... يريدون أن يمضوا ويرتحلوا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 70] # ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) # المراد من قوله: «بني آدم» هنا المؤمنون لأنه قال فى صفة الكفار: «ومن ~~يهن الله فما له من مكرم» «2» . والتكريم التكثير من الإكرام، فإذا حرم ~~الكافر الإكرام. # فمتى يكون له التكريم؟. # ويقال إنما قال: «كرمنا بني آدم» ولم يقل المؤمنين أو العابدين أو أصحاب ~~الاجتهاد PageV02P359 # توضيحا بأن التكريم لا يكون مقابل فعل، أو معللا بعلة، أو مسببا باستحقاق ~~يوجب ذلك التكريم. # ومن التكريم أنهم متى شاءوا وقفوا معه على بساط المناجاة. # ومن التكريم أنه على أي وصف كان من الطهارة وغيرها إذا أراد أن يخاطبه ~~خاطبه، وإذا أراد أن يسأل شيئا سأله. # ومن التكريم أنه إذا تاب ثم نقض توبته ثم تاب يقبل توبته، فلو تكرر منه ~~جرمه ثم توبته يضاعف له قبوله التوبة وعفوه. # ومن التكريم أنه إذا شرع فى التوبة أخذ بيده، وإذا قال: لا أعود- يقبل ~~قوله وإن علم أنه ينقض توبته. # ومن التكريم أنه زين ظاهرهم بتوفيق المجاهدة، وحسن باطنهم بتحقيق ~~المشاهدة. # ومن التكريم أنه أعطاهم قبل سؤالهم، وغفر لهم قبل استغفارهم، كذا فى ~~الأثر: «أعطيتكم قبل أن تسألونى، وغفرت لكم قبل أن تستغفرونى» . # ومن تكريم جملتهم أنه قال لهم: «فاذكروني أذكركم» «1» ولم يقل ذلك ~~للملائكة ولا للجن. # وكما خص بنى آدم بالتكريم خص أمة ms0672 محمد- صلى الله عليه وسلم- منهم بتكريم ~~مخصوص، فمن ذلك قوله تعالى: «يحبهم ويحبونه» «2» و «رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه» «3» وقوله «والذين آمنوا أشد حبا لله» «4» . # ومن التكريم قوله: «ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله ~~غفورا رحيما» # «5» . PageV02P360 # ومن التكريم ما ألقى عليهم من محبة الخالق حتى أحبوه. # ومن التكريم لقوم توفيق صدق القدم، ولقوم تحقيق علو الهمم. قوله: ~~«وحملناهم في البر والبحر» : سخر البحر لهم حتى ركبوا فى السفن، وسخر البر ~~لهم حتى قال: # «لا تسجدوا للشمس ولا للقمر» . # ويقال محمول الكرام لا يقع، فإن وقع وجد من يأخذ بيده. # ويقال الإشارة فى حملهم فى البر ما أوصل إليهم جهرا «1» ، والإشارة بحديث ~~البحر ما أفردهم به من لطائف الأحوال سرا. # ويقال لما حمل بنو آدم الأمانة «2» حملناهم فى البر، فحمل هو جزاء حمل، ~~حمل هو فعل من لم يكن «3» وحمل هو فضل من لم يزل. # قوله: «ورزقناهم من الطيبات» : الرزق الطيب ما كان على ذكر الرازق فمن لم ~~يكن غائبا بقلبه «4» ولا غافلا عن ربه استطاب كل رزق، وأنشدوا: # يا عاشقى إنى سعدت شرابا ... لو كان حتى علقما أو صابا # قوله: «وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا» : أي الذين فضلناهم على خلق ~~كثير، وليس يريد أن قوما بقوا لم يفضلهم عليهم، ولكن المعنى أنا فضلناهم ~~على كل من خلقنا، وذلك التفضيل فى الخلقة. ثم فاضل بين بنى آدم فى شىء آخر ~~هو الخلق الحسن، فجمعهم فى الخلقة- التي يفضلون بها سائر المخلوقات- ومايز ~~بينهم فى الخلق. # ويقال: «كرمنا بني آدم» : هذا اللفظ للعموم، والمراد منه الخصوص، وهم ~~المؤمنون، وبذلك يفضل قوم على الباقين، ففضل أولياءه على كثير ممن لم ~~يبلغوا استحقاق الولاية. PageV02P361 # ويقال فضلهم بألا ينظروا إلى نفوسهم بعين الاستقرار، وأن ينظروا إلى ~~أعمالهم بعين الاستصغار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 71] # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ~~ولا يظلمون فتيلا (71) # إمام كل أحد من يقتدى به، ولكن.. من إمام يهتدى به مقتديه، ms0673 ومن إمام ~~يتردى به مقتديه. # «فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم» : لكمال صحوهم وقيادة ~~عقلهم، والذين لا يؤتون كتابهم بيمينهم فهم لخوفهم وترددهم لا يقرأون ~~كتابهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 72] # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (72) # فى الآخرة أعمى عن معاينته ببصيرته. # فى الآخرة عذابه الفرقة وتضاف إليها الحرقة- لهذا فهو «أضل سبيلا» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 73] # وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك ~~خليلا (73) # ضربنا عليك سرادقات العصمة، وآويناك فى كنف الرعاية، وحفظناك عن خطر ~~اتباعك هواك، فالزلة منك محال «1» ، والافتراء فى نعتك لا يجوز.. ولو جنحت ~~لحظة إلى الخلاف لتضاعفت عليك تشديدات البلاء، لكمال قدرك وعلو شأنك فإن من ~~كان أعلى درجة فذنبه- لو حصل- أشد تأثيرا. PageV02P362 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 74 الى 75] # ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) إذا لأذقناك ضعف ~~الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) # لو وكلناك ونفسك، ورفعنا عنك «1» ظل العصمة لألممت بشىء مما لا يجوز من ~~مخالفة أمرنا، ولكننا أفردناك بالحفظ، فلا تتقاصر عنك آثاره، ولا تغرب عن ~~ساحتك أنواره. # قوله: «إذا لأذقناك ... الآية» هبوط الأكابر على حسب صعودهم، ومحن الأحبة ~~وإن قلت جلت، وفى معناه أنشدوا: # أنت عينى وليس من حق عينى ... غض أجفانها على الأقذاء # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 76] # وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا ~~قليلا (76) # من ظن (أنه يستمتع بحياته بعد مضى الأعزة) «2» والأكابر غلط فى حسابه، ~~وإن الحسود لا يسود: # وفى تعب من يحسد الشمس ضوءها ... (ويجهد أن يأتى لها) «3» بضريب # والأرض كلها ملك لنا، ونقلب أولياءنا فى ترددهم فى البلاد وتطوافهم فى ~~الأقطار، ترددا على بساطنا، وتقلبا فى ديارنا فالبقاع لهم سواء، وأنشدوا: # (فسر أو أقم) «4» وقف عليك محبتى ... مكانك من قلبى عليك مصون ~~PageV02P363 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 77] # سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا ms0674 تجد لسنتنا تحويلا (77) # الحق أمضى سنته مع الأولياء بالإنعام، ومع أعدائه بالإدغام «1» ، فلا ~~لهذه أو هذه تحويل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 78] # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا (78) # الصلاة قرع باب الرزق. والصلاة الوقوف فى محل المناجاة. # والصلاة اعتكاف القلب فى مشاهد التقدير. # ويقال هى الوقوف على بساط النجوى. وفرق أوقات الصلاة ليكون للعبد عود إلى ~~البساط فى اليوم والليلة مرات. # «إن قرآن الفجر كان مشهودا» : تشهده ملائكة الليل والنهار- على لسان ~~العلم. # وأما على لسان القوم فإن قرآن الصبح- الذي هو وقت إتيانه- يبعد من النوم ~~وكسل النفس فله هذه المزية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 79] # ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (79) # الليل لأحد أقوام: لطالبى النجاة وهم العاصون من جنح «2» منهم إلى ~~التوبة، أو لأصحاب الدرجات وهم الذين يجدون فى الطاعات، ويسارعون فى ~~الخيرات، أو لأصحاب المناجاة مع المحبوب عند ما يكون الناس فيما هم فيه من ~~الغفلة والغيبة. # ويقال الليل لأحد رجلين: للمطيع والعاصي: هذا فى احتيال أعماله، وهذا فى ~~اعتذاره عن قبيح أفعاله. PageV02P364 # والمقام المحمود هو المخاطبة فى حال الشهود، ويقال الشهود. # ويقال هو الشفاعة لأهل الكبائر. ويقال هو انفراده يوم القيامة بما خص به- ~~صلى الله عليه وسلم «1» - بما لا يشاركه فيه أحد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 80] # وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ~~(80) # أي أدخلنى إدخال صدق وأخرجنى إخراج صدق. والصدق أن يكون دخوله فى الأشياء ~~بالله لله لا لغيره، وخروجه عن الأشياء بالله لله لا لغيره. # «واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا» : فلا ألاحظ دخولى ولا خروجى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 81] # وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81) # أراد بالحق هاهنا الإسلام والدين، وأراد بالباطل الكفر والشرك، والحق ~~المطلق هو الموجود الحق، والحق المقيد ما كان حسنا فى الاعتقاد والفعل ~~والنطق، والباطل نقيض الحق. # والله حق: على ms0675 معنى أنه موجود وأنه ذو الحق وأنه محق الحق «2» . # ويقال الحق ما كان الله، والباطل ما كان لغير الله. # ويقال الحق من الخواطر ما دعا إلى الله، والباطل ما دعا إلى غير الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 82] # وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ~~(82) # القرآن شفاء من داء الجهل للعلماء، وشفاء من داء الشرك للمؤمنين، وشفاء ~~من داء PageV02P365 # النكرة للعارفين، وشفاء من لواعج الشوق للمحبين، وشفاء من داء الشطط ~~للمريدين والقاصدين، وأنشدوا: # وكتبك حولى لا تفارق مضجعى ... وفيها شفاء للذى أنا كاتم # قوله: «ولا يزيد الظالمين إلا خسارا» : الخطاب خطاب واحد، والكتاب كتاب ~~واحد، ولكنه لقوم رحمة وشفاء، ولقوم سخط وشقاء. قوم أنار بصائرهم بنور ~~التوحيد فهو لهم شفاء، وقوم أغشى على بصائرهم بستر الجحود فهو لهم شقاء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 83] # وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسا (83) # إذا نزعنا عنه موجبات الخوف، وأرخينا له حبل الإمهال، وهيأنا له أسباب ~~الرفاهية اعترته مغاليط النسيان، واستولت عليه دواعى العصيان، فأعرض عن ~~الشكر، وتباعد عن بساط الوفاق. # ويقال إعراضه فى هذا الموضوع نسيانه، ورؤية الفضل منه لا من الحق، وتوهمه ~~أن ما به من النعم فباستحقاق طاعة أخلصها أو شدة قاساها.. وهذا فى التحقيق ~~شرك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 84] # قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) # كل يترشح بمودع باطنه، فالأسرة تدل على السريرة، وما تكنه الضمائر يلوح ~~على السرائر، فمن صفا من الكدورة جوهره لا يفوح منه إلا نشر مناقبه، ومن ~~طبعت على الكدورة طينته فلا يشم من يحوم حوله إلا ريح مثالبه. # ويقال حركات الظواهر تدل وتخبر عن بواطن السرائر. # ويقال حب ( ... ) «1» لا ينبت غض العود. PageV02P366 # ويقال من عجنت بماء الشقوة طينته، وطبعت على النكرة جبلته لا تسمح ~~بالتوحيد قريحته، ولا تنطق بالتوحيد عبارته. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 85] # ويسئلونك عن الروح قل الروح من ms0676 أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ~~(85) # أرادوا أن يجادلوه ويغلطوه فأمره أن ينطق بلفظ يفصح عن أقسام الروح لأن ~~ما يطلق عليه لفظ «الروح» يدخل تحت قوله تعالى: # قل الروح من أمر ربي ويقال إن روح العبد لطيفة أودعها الله سبحانه فى ~~القالب، وجعلها محل الأحوال اللطيفة والأخلاق المحمودة، (وكما يصح أن يكون ~~البصر محل الرؤية والأذن محل السمع.. إلى آخره، والبصير والسامع إنما هو ~~الجملة- وهو الإنسان- فكذلك محل الأوصاف الحميدة الروح، ومحل الأوصاف ~~المذمومة النفس، والحكم أو الاسم راجع إلى الجملة) «1» وفى الجملة الروح ~~مخلوقة، والحق أجرى العادة بأن يخلق الحياة للعبد ما دام الروح فى جسده. # والروح لطيفة تفررت للكافة طهارتها ولطافتها، وهى مخلوقة قبل الأجساد ~~بألوف من السنين. وقيل إنه أدركها التكليف، وإن لها صفاء التسبيح، وصفاء ~~المواصلات، والتعريف من الحق. # «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا» : لأن أحدا لم يشاهد الروح ببصره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 86] # ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا (86) ~~PageV02P367 # سنة الحق- سبحانه- مع أحبائه وخواص عباده أن يديم لهم افتقارهم إليه، ~~ليكونوا فى جميع الأحوال منقادين لجريان حكمه، وألا يتحرك فيهم عرق بخلاف ~~اختياره، وعلى هذه الجملة خاطب حبيبه- صلوات الله عليه- بقوله: «ولئن شئنا ~~لنذهبن بالذي أوحينا إليك» : (فمن كان استقلاله بالله يقدم) «1» مراد سيده- ~~فى العزل والولاية- على مراد نفسه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 87] # إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87) # والمقصود (من هذا إدامة تفرد سره) «2» صلى الله عليه وسلم به- سبحانه- ~~دون غيره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 88] # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) # (سائر الأنبياء) «3» معجزاتهم باقية حكما، ونبينا- صلى الله عليه وسلم- ~~معجزته باقية عينا، وهى القرآن (الذي نتلوه، والذي لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه) «4» ولا من خلفه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 89] # ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ms0677 ~~(89) # لا شىء أحظى عند الأحباب من كتاب الأحباب، فهو شفاء من داء الضنى، وضياء ~~لأسرارهم عند اشتداد البلاء، وفى معناه أنشدوا: # وكتبك حولى لا تفارق مضجعى ... وفيها شفاء للذى أنا كاتم PageV02P368 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 90 الى 93] # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة من ~~نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) أو تسقط السماء كما زعمت علينا ~~كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (92) أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى ~~في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت ~~إلا بشرا رسولا (93) # اقترحوا الآيات بعد إزاحة العلة وزوال الحاجة، فركضوا فى مضمار سوء ~~الأدب، وحرموا الوصلة والقربة. ولو أجيبوا إلى ما طلبوا ما ازدادوا إلا ~~جحدا، ونكرة، وقد قيل: # إن الكريم إذا حباك بوده ... ستر القبيح وأظهر الإحسانا # وكذا الملول إذا أراد قطيعة ... مل الوصال وقال كان وكانا # «قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا» : قل يا محمد: سبحان ربى! من أين ~~لى الإتيان بما سألتم من جهتى؟ فهل وصفي إلا العبودية؟ وهل أنا إلا بشر؟ ~~قال تعالى: # ن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله» # «1» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 94] # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا ~~رسولا (94) PageV02P369 # تعجبوا «1» مما ليس بمحل شبهة، ولكن حملهم على ذلك فرط جهلهم، ثم أصروا ~~على تكذيبهم وجحدهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 95] # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا ~~رسولا (95) # الجنس إلى الجنس أميل، والشكل بالشكل آنس، فقال سبحانه لو كان سكان الأرض ~~ملائكة لجعلنا الرسول إليهم ملكا، فلما كانوا بشرا فلا ينبغى أن يستبعد ~~إرسال البشر إلى البشر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 96] # قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (96) # الحق- سبحانه- هو الحاكم وهو الشاهد، ولا يقاس حكمه على حكم الخلق، ولا ~~يجوز فى ms0678 صفة المخلوق أن يكون الحاكم هو الشاهد، فكما لا تشبه ذاته ذات ~~الخلق لا تشبه صفته صفة الخلق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 97] # ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم ~~يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ~~(97) # من أراده بالسعادة فى آزاله استخلصه فى آباده بأفضاله، ومن علمه فى الأزل ~~بالشقاء وسمه فى أبده بسمة الأعداء. فلا لحكمه تحويل، ولا لقوله تبديل. ~~PageV02P370 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 98] # ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا (98) # لما أصروا على تكذيبهم جازاهم الحق بإدامة تعذيبهم، ولو ساعدهم التوفيق ~~لوجد منهم التحقيق، لكنهم عدموا التأييد فحرموا التوحيد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 99] # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل ~~لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا (99) # مهد بهذه الآية طريق إثبات القياس «1» ، فلم يغادر فى الكتاب شيئا من ~~أحكام الدين لم يؤيده بالدليل والبيان «2» ، فعلم الكل أن الركون إلى ~~التقليد عين الخطأ والضلال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 100] # قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان ~~قتورا (100) # إذ البخل غريزة الإنسان، والشح سجيته [ ( ... ) «3» المعروف لا يعرف ~~الخلقة] «4» PageV02P371 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 101 الى # 102] # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون ~~إني لأظنك يا موسى مسحورا (101) قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا (102) # «1» هى أمارات كرامته وعلامات محبته. # قوله جل ذكره: فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا قال لقد علمت ما ~~أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا أنت- ~~يا فرعون- سلكت طريق الاستدلال فعلمت أن مثل هذه الأشياء لا يكون أمرها إلا ~~من قبل الله، ولكنك ركنت إلى الغفلة فى ظلمات الجهل. ms0679 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 103] # فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا (103) # أراد فرعون إهلاك بنى إسرائيل واستئصالهم، وأراد الحق- سبحانه- نصرتهم ~~وبقاءهم، فكان ما أراد الحق لا ما كاد اللعين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 104] # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم ~~لفيفا (104) # أورثهم منازل أعدائهم، ومكنهم من ذخائرهم ومساكنهم، واستوصى بهم شكر ~~نعمته، وعرفهم أنهم إن سلكوا في العصيان مسلك من تقدمهم ذاقوا من العقوبة ~~مثل عقوبتهم. PageV02P372 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 106 الى 105] # القرآن حق، ونزوله بحق، ومنزله حق، والمنزل عليه حق، فالقرآن بحق نزل ومن ~~حق نزل وعلى حق نزل، وقد فرق القرآن ليهون عليه- صلوات الله عليه- حفظه، ~~وليكثر تردد الرسول من ربه عليه، وليكون نزوله فى كل وقت وفى كل حادثة ~~وواقعة دليلا على أنه ليس مما أعان عليه غيره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 108 الى 107] # إن آمنتم حصل النفع لكم، وإن جحدتم ففى إيمان من آمن من أوليائنا عنكم ~~خلف، وإن الضرر عائد عليكم. # وإن من أضأنا عليهم شموس إقبالنا لتشرق أنوار معارفهم فإذا تليت عليهم ~~آياتنا سجدوا بدل جحدهم، واستجابوا بدل تمردهم، وقابلوا بالتصديق ما يقال ~~لهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 109] # ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (109) # تأثيره فى قلوب قوم يختلف فتأثير السماع فى قلوب العلماء بالتبصر، وتأثير ~~السماع # PageV02P373 # فى أنوار الموحدين بالتحير «1» تبصر العلماء بصحة الاستدلال، وتحير ~~الموحدين فى شهود الجمال والجلال. # وبكاء كل واحد على حسب حاله: فالتائب يبكى لخوف عقوبته لما أسلفه من زلته ~~وحوبته، والمطيع يبكى لتقصيره فى طاعته، ولكيلا يفوته ما يأمله من منته. # وقوم يبكون لاستبهام عاقبتهم وسابقتهم عليهم. # وآخرون بكاؤهم بلا سبب متعين. وآخرون يبكون تحسرا على ما يفوتهم من الحق. # والبكاء عند الأكابر معلول «2» ، وهو فى الجملة يدل على ضعف حال الرجل، ~~وفى معناه أنشدوا: # خلقنا رجالا للتجلد والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 110] # قل ادعوا ms0680 الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) # من عظيم نعمته- سبحانه- على أوليائه تنزههم بأسرارهم فى رياض ذكره بتعداد ~~أسمائه الحسنى من روضة إلى روضة، ومن مأنس إلى مأنس. # ويقال الأغنياء ترددهم فى بساتينهم، والأولياء تنزههم فى مشاهد تسبيحهم، ~~يستروحون إلى ما يلوح لأسرارهم من كشوفات جلاله وجماله. # قوله جل ذكره: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا. # لا تجهر بجميعها، ولا تخافت بكلها، وارفع صوتك فى بعضها دون بعض. # ويقال ولا تجهر بها جهرا يسمعه الأعداء، ولا تخافت بها حيث لا يسمع ~~الأولياء. # «وابتغ بين ذلك سبيلا» : يكون للأحباب مسموعا، وعن الأجانب ممنوعا. ~~PageV02P374 # ويقال «ولا تجهر بصلاتك» : بالنهار، «ولا تخافت بها» : بالليل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإسراء (17) : آية 111] # وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ~~ولي من الذل وكبره تكبيرا (111) # احمده يذكر تقدسه عن الولد، وأنه لا شريك له ولا ولى له من الذل إما على ~~أنه لم يذل فيحتاج إلى ولى، أو على أنه لم يوال أحدا من أجل مذلة به ~~فيدفعها بموالاته. ويقال اشكره على نعمته العظيمة حيث عرفك بذلك. # ويقال له الأولياء ولكن لا يعتريهم بذلهم، إذ يصيرون بعبادته أعزة. # «وكبره تكبيرا» بأن تعلم أنك تصل إليه به لا بتكبيرك. ### | السورة التي يذكر فيها الكهف # قوله جل ذكره: بسم الله الرحمن الرحيم ما سعدت القلوب إلا بسماع اسم ~~الله، وما استنارت الأسرار إلا بوجود الله، وما طربت الأرواح إلا بشهود ~~جلال الله. # سماع «بسم الله» راحة القلوب وضياؤها، وشفاء الأرواح ودواؤها. # «بسم الله» قوت العارفين بها يزول كدهم وعناؤهم، وبها استقلالهم وبقاؤهم ~~«1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) PageV02P375 # إذا حمل «الحمد» هنا على معنى الشكر فإنزال الكتاب من أجل نعمه، وكتاب ~~الحبيب لدى الحبيب. أجل موقع وأشرف ms0681 محل، وهو من كمال إنعامه عليه، وإن ~~سماه- عليه السلام- عبده فهو من جلائل نعمه عليه لأن من سماه عبده جعله من ~~جملة خواصه. # وإذا حمل «الحمد» فى هذه الآية على معنى المدح كان الأمر فيه بمعنى ~~الثناء عليه- سبحانه، بأنه الملك الذي له الأمر والنهى والحكم بما يريد، ~~وأنه أعد الأحكام التي فى هذا الكتاب للعبيد، وسماه صلى الله عليه وسلم ~~عبده لما كان فانيا عن حظوظه، خالصا لله بقيامه بحقوقه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 2] # قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا (2) # «قيما» : أي صانه عن التعارض والتناقض، فهو كتاب عزيز من رب عزيز. # «والبأس الشديد» : معجله الفراق، ومؤجله الاحتراق. # ويقال هو البقاء عن الله تعالى، والابتلاء بغضب الله. # ومعنى الآية لينذرهم ببأس شديد. # قوله جل ذكره: ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا. # والعمل الصالح ما يصلح للقبول، وهو ما يؤدى على الوجه الذي أمر به. ويقال ~~العمل الصالح ما كان بنعت الخلوص، وصاحبه صادق فيه. # ويقال هو الذي لا يستعجل عليه صاحبه حظا فى الدنيا من أخذ عوض، أو قبول ~~جاه، أو انعقاد رياسة.. وما فى هذا المعنى. # وحصلت البشارة بأن لهم أجرا حسنا، والأجر الحسن ما لا يجرى مع صاحبه ~~استقصاء فى العمل. # ويقال الأجر الحسن ما يزيد على مقدار العمل. # ويقال الأجر الحسن ما لا يذكر صاحبه تقصيره، ويستر عنه عيوب عمله. # PageV02P376 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 3] # ماكثين فيه أبدا (3) # البشارة منه أن تلك النعم على الدوام غير منقطعة، وأعظم من البشارة بها ~~قوله «1» : ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 4 الى 5] # وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت ~~كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا (5) # قالتهم القبيحة نتيجة جهلهم بوحدانية الله، ولقد توارثوا ذلك الجهل عن ~~أسلافهم والحية لا تلد إلا حية! كبرت كلمتهم فى الإثم لما خست فى المعنى. ~~ومن نطق بما لم يحصل له به ms0682 إذن لحقه هذا الوصف. ومن تكلم فى هذا الشأن قبل ~~أوانه فقد دخل فى غمار هؤلاء «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 6] # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) # من فرط شفقته- صلى الله عليه وسلم- داخله الحزن لامتناعهم عن الإيمان، ~~فهون الله- سبحانه- عليه الحال، بما يشبه العتاب فى الظاهر كأنه قال له: لم ~~كل هذا؟ # ليس فى امتناعهم- فى عدنا- أثر، ولا فى الدين من ذلك ضرر.. فلا عليك من ~~ذلك. # ويقال أشهده جريان التقدير، وعرفه أنه- وإن كان كفرهم منهيا عنه فى ~~الشرع- فهو فى الحقيقة مراد الحق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 7] # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) PageV02P377 # ما على الأرض زينة لها تدرك بالأبصار، وممن على الأرض من هو زينة لها ~~يعرف بالأسرار. وإن قيمة الأوطان لقطانها، وزينة المساكن فى سكانها. # ويقال العباد بهم زينة الدنيا، وأهل المعرفة بهم زينة الجنة. # ويقال الأولياء زينة الأرض وهم أمان من فى الأرض. # ويقال إذا تلألأت أنوار التوحيد فى أسرار الموحدين أشرقت جميع الآفاق ~~بضيائهم. # قوله جل ذكره: لنبلوهم أيهم أحسن عملا أحسنهم عملا أصدقهم نية، وأخلصهم ~~طوية. # ويقال أحسنهم عملا أكثرهم احتسابا إذ لا ثواب لمن لا حسبة له، وأعلى من ~~هذا بل وأولى من هذا فأحسنهم عملا أشدهم استصغار لفعله، وأكثرهم استحقارا ~~لطاعته لشدة رؤيته لتقصيره فيما يعمله، ولانتقاصه أفعاله فى جنب ما يستوجبه ~~الحق بحق أمره. # ويقال أحسن أعمال المرء نظره إلى أعماله بعين الاستحقار والاستصغار، لقول ~~الشاعر: # وأكبر من فعله وأعظمه ... تصغيره فعله الذي فعله # معناه: أكبر من فعله- الذي هو عطاؤه وبذله- تقليله واستصغاره لما يعطيه ~~ويجود به. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 8] # وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8) # كون ما على الأرض زينة لها فى الحال سلب قدره بما أخبر أنه سيفنيه فى ~~المآل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 9] # أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (9) # أزال الأعجوبة عن أوصافهم بما أضافه إلى ربه بقوله: «من ms0683 آياتنا» فقلب ~~العادة من قبل الله غير مستنكر ولا مبتدع. # PageV02P378 # ويقال مكثوا فى الكهف مدة فأضافهم إلى مستقرهم فقال: «أصحاب الكهف» ، ~~وللنفوس محال، وللقلوب مقار، وللهم مجال، وحيثما يعتكف يطلب أبدا صاحبه «1» ~~. # ويقال الإشارة فيه ألا تتعجب من قصتهم فحالك أعجب فى ذهابك إلينا فى شطر ~~من الليل حتى قاب قوسين أو أدنى «2» ، وهم قد بقوا فى الكهف سنين. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 10] # إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من ~~أمرنا رشدا (10) # آواهم إلى الكهف بظاهرهم، وفى الباطن فهو مقيلهم فى ظل إقباله وعنايته، ~~ثم أخذهم عنهم، وقام عنهم فأجرى عليهم الأحوال وهم غائبون عن شواهدهم «3» . # وأخبر عن ابتداء أمرهم بقوله. «ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا ~~رشدا» : # أي أنهم أخذوا فى التبرى من حولهم وقوتهم، ورجعوا إلى الله بصدق فاقتهم، ~~فاستجاب لهم دعوتهم، ودفع عنهم ضرورتهم «4» ، وبوأهم فى كنف الإيواء مقيلا ~~حسنا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 11] # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) # أخذناهم عن إحساسهم بأنفسهم، واختطفناهم عن شواهدهم بما استغرقناهم فيه ~~من حقائق ما كاشفناهم به من شهود الأحدية، وأطلعناهم عليه من دوام نعت ~~الصمدية. PageV02P379 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 12] # ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12) # أي رددناهم إلى حال صحوهم وأوصاف تمييزهم، وأقمناهم بشواهد التفرقة بعد ~~ما محوناهم عن شواهدهم بما أقمناهم بوصف الجمع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 13 الى 14] # نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13) وربطنا ~~على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها ~~لقد قلنا إذا شططا (14) # لما كانوا مأخوذين عنهم تولى الحق- سبحانه- أن قص عنهم، وفرق بين من كان ~~عن نفسه وأوصافه قاصا لبقائه فى شاهده وكونه غير منتف بجملته.. وبين من كان ~~موصوفا بواسطة غيره لفنائه عنه وامتحائه منه وقيام غيره عنه. # ويقال لا تسمع قصة الأحباب أعلى وأجل مما ms0684 تسمع من الأحباب، قال عز من ~~قائل: # «نحن نقص عليك» ، وأنشدوا: # وحدثتني يا سعد عنها فزدتنى ... حنينا فزدنى من حديثك يا سعد # قوله: «إنهم فتية آمنوا بربهم» : يقال إنهم فتية لأنهم آمنوا- على ~~الوهلة- بربهم، آمنوا من غير مهلة، لما أتتهم دواعى الوصلة «1» . # ويقال فتية لأنهم قاموا لله، وما استقروا حتى وصلوا إلى الله. # قوله جل ذكره: وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم لاطفهم بإحضارهم، ثم كاشفهم ~~فى أسرارهم، بما زاد من أنوارهم، فلقاهم أولا التبيين، ثم رقاهم عن ذلك ~~باليقين. PageV02P380 # وربطنا على قلوبهم: بزيادة اليقين حتى متع نهار «1» معارفهم، واستضاءت ~~شموس تقديرهم، ولم يبق للتردد مجال فى خواطرهم، و ( ... ) «2» فى التجريد ~~أسرارهم، وتمت سكينة قلوبهم. # ويقال «ربطنا على قلوبهم» : بأن أفنيناهم عن الأغيار، وأغنيناهم عن ~~التفكر بما أوليناهم من أنوار التبصر. # ويقال ربطنا على قلوبهم بما أسكنا فيها من شواهد الغيب، فلم تسنح فيها ~~هواجس التخمين ولا وساوس الشياطين. # قوله جل ذكره: إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض قاموا لله بالله، ~~ومن قام بالله فقد عما سوى الله. # ويقال من قام لله، لم يقعد حتى يصل إلى الله. # ويقال قعدت عنهم الشهوات فصح قيامهم بالله. # قوله جل ذكره: لن ندعوا من دونه إلها، لقد قلنا إذا شططا. # من أحال الشيء على الحوادث فقد أشرك بالله، ومن قال إن الحوادث من غير ~~الله فقد اتخذ إلها من دون الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 15] # هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا (15) PageV02P381 # لما لم يكن لهم حجة اتضح فيما ادعوه كذبهم، فمن اكتفى بنفي القالة دون ما ~~يشهد لقوله من أدلته فهو معلول فى نحلته. # «فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا؟» فمن ذكر فى الدين قولا لم يؤيد ~~ببرهان عقلى أو نقلى فهو مفتر، ومن أظهر من نفسه حالا لم يوجبه صدق مجاهدته ~~أو منازلته فهو على الله مفتر. والذي يصدق فى قوله- فى هذه الطريقة- فهو ~~الذي يسمع من الحق ms0685 بسره، ثم ينطق بلفظه «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 16] # وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من ~~رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (16) # العزلة عن غير الله توجب الوصلة بالله. بل لا تحصل الوصلة بالله إلا بعد ~~العزلة عن غير الله. # ويقال لما اعتزلوا ما عبد من دون الله آواهم الحق إلى كنف رعايته، ومهد ~~لهم مثوى فى كهف عنايته. # ويقال من تبرأ من اختياره فى احتياله، وصدق رجوعه إلى الله فى أحواله، ~~ولم يستعن- بغير الله- من أشكاله وأمثاله آواه إلى كنف أفضاله، وكفاه جميع ~~أشغاله، وهيأ له محلا يتفيؤ فيه فى برد ضلاله، بكمال إقباله. # قوله جل ذكره: وترى الشمس إذا طلعت تتزاور «2» عن كهفهم ذات اليمين وإذا ~~غربت PageV02P382 ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 17 الى 18] # وترى الشمس إذا طلعت تتزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات ~~الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا (17) وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين ~~وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ~~ولملئت منهم رعبا (18) # «1» كانوا فى متسع من الكهف، ولكن كان شعاع الشمس لا ينبسط عليهم مع هبوب ~~الرياح عليهم. # ويقال أنوار الشمس تتقاصر وتتصاغر بالإضافة إلى أنوارهم «2» . # إن نور الشمس ضياء يستضىء به الخلق، ونور معارفهم أنوار يعرف بها الحق، ~~فهذا نور يظهر فى الصورة، وهذا نور يلوح فى السريرة. وبنور الشمس يدرك ~~الخلق وبنورهم كانوا يعرفون الحق. # وفى قوله- عز اسمه: «ذلك من آيات الله» فيه دلالة على أن فى الأمر شيئا ~~بخلاف العادة، فيكون من جملة كرامات الأولياء ويحتمل أن يكون شعاع الشمس ~~إذا انتهى إليهم ازور عنهم، ومضى دونهم بخلاف «3» ما يقول أصحاب الهبة، ~~ليكون فعلا ناقضا للعادة فلا يبعد أن يقال إن نور الشمس يستهلك فى النور ~~الذي عليهم. # قوله جل ذكره: من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ms0686 ~~فالله يهدى قوما بالأدلة والبراهين، وقوما بكشف اليقين فمعارف الأولين قضية ~~الاستدلال، ومعارف الآخرين حقيقة الوصال، فهؤلاء مع برهان، وهؤلاء على بيان ~~كأنهم أصحاب عيان: # «ومن يضلل الله» : أي من وسمه بسمة الحرمان فلا عرفان ولا علم ولا إيمان. # قوله جل ذكره: وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ~~PageV02P383 # هم مساوبون عنهم، مختطفون منهم، مستهلكون فيما كوشفوا به من وجود الحق ~~فظاهرهم- فى رأى الخلق- أنهم بأنفسهم، وفى التحقيق: القائم عنهم غيرهم. وهم ~~محو فيما كوشفوا به من الحقائق. # ثم قال: «ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال» : وهذا إخبار عن حسن إيوائه ~~لهم فلا كشفقة الأمهات بل أتم، ولا كرحمة الآباء بل أعز ... وبالله ~~التوفيق. # ويقال إن أهل التوحيد صفتهم ما قال الحق- سبحانه- فى صفة أصحاب الكهف: # «وتحسبهم أيقاظا وهم رقود» فهم بشواهد الفرق فى ظاهرهم، لكنهم بعين الجمع ~~بما كوشفوا به فى سرائرهم، يجرى عليهم أحوالهم وهم غير متكلفين، بل هم ~~يثبتون- وهم خمود عما هم به- أن تصرفاتهم القائم بها عنهم سواهم، وكذلك فى ~~نطقهم «1» . # قوله جل ذكره: وكلبهم باسط. ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم ~~فرارا ولملئت منهم رعبا كما ذكرهم ذكر كلبهم، ومن صدق فى محبة أحد أحب من ~~انتسب إليه وما ينسب إليه. # ويقال كلب خطا مع أحبائه خطوات فإلى القيامة يقول الصبيان- بل الحق يقول ~~بقوله العزيز-: «وكلبهم باسط ### | .... # » فهل ترى أن مسلما يصحب أولياءه من وقت شبابه إلى وقت مشيبه يرده يوم ~~القيامة خائبا.؟ إنه لا يفعل ذلك. # ويقال فى التفاسير إنهم قالوا للراعى الذي تبعهم والكلب معه: اصرف هذا ~~الكلب عنا ... فقال الراعي: لا يمكننى، فإنى أنا دينه. # ويقال أنطق الله سبحانه- الكلب فقال لهم: لم تضربوننى؟ # فقالوا: لتنصرف عنا. # فقال: لا يمكننى أن أنصرف.. لأنه ربانى. # ويقال كلب بسط يده على وصيد الأولياء فإلى القيامة يقال «وكلبهم باسط ~~ذراعيه» PageV02P384 # «بالوصيد» ... فهل إذا رفعها مسلم إليه خمسين سنة ترى يردها خائبة؟ هذا ~~لا يكون. # ويقال لما صحبهم الكلب لم تضره نجاسة صفته، ولا خساسة قيمته. # ويقال قال ms0687 فى صفة أصحاب الكهف إن كانوا «سيقولون: ثلاثة رابعهم كلبهم» ، ~~أو خمسة سادسهم كلبهم فقد قال فى صفة هذه الأمة: «ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم» .. # وشتان ما هما! ويقال كل يعامل بما يليق به من حالته ورتبته فالأولياء قال ~~فى صفتهم: «ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال» ، والكلب قال فى صفته: «وكلبهم ~~باسط ذراعيه بالوصيد» . # ويقال كما كرر ذكرهم، كرر ذكر كلبهم. # وجاء فى القصة أن الكلب لما لم ينصرف عنهم قالوا: سبيلنا إذا لم يتصرف ~~عنا أن نحمله حتى لا يستدل علينا بأثر قدمه فحملوه، فكانوا فى الابتداء (بل ~~إياه) «1» وصاروا فى الانتهاء مطاياه.. كذا من اقتفى أثر الأحباب. # ويقال في القصة إن الله أنطق الكلب معهم، وبنطقه ربط على قلوبهم بأن ~~ازدادوا يقينا بسماع نطقه، فقال: لم تضربونى؟ فقالوا: لتنصرف، فقال: أنتم ~~تخافون بلاء يصيبكم فى المستقبل وأنتم بلائي فى الحال: # ثم إن بلاءكم الذي تخافون أن يصيبكم من الأعداء، وبلائي منكم وأنتم ~~الأولياء. # ويقال لما لزم الكلب محله ولم يجاوز حده فوضع يديه على الوصيد بقي مع ~~الأولياء ... # كذا أدب الخدمة يوجب بقاء الوصلة. # قوله جل ذكره: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ~~PageV02P385 # الخطاب له- صلى الله عليه وسلم. والمراد منه غيره. # ويقال لو اطلعت عليهم من حيث أنت لوليت منهم فرارا، ولو شاهدتهم من حيث ~~شهود تولى الحق لهم لبقيت على حالك. # ويقال لو اطلعت عليهم وشاهدتهم لوليت منهم فرارا من أن ترد عن عالى ~~منزلتك إلى منزلتهم والغنى إذا رد إلى منزلة الفقير فر منه، ولم تطب به ~~نفسه. «ولملئت منهم رعبا» بأن يسلب عظيم ما هو حالك، وتقام فى مثل حالهم ~~النازلة عن حالك. # ويقال: «لوليت منهم فرارا» لأنك لا تريد أن تشهد غيرنا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 19] # وكذلك بعثناهم ليتسائلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما ~~أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه ms0688 إلى ~~المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم ~~أحدا (19) # استقلوا مدة لبثهم وقد لبثوا (طويلا) ، ولكنهم كانوا مأخوذين عنهم، ولم ~~يكن لهم علم بتفصيل أحوالهم، قال قائلهم: # لست أدرى أطال ليلى أم لا؟ ... كيف يدرى بذاك من يتقلى؟ # لو تفرغت لاستطالة ليلى ... ورعيت النجوم كنت مخلا # ويقال أيام الوصال عندهم قليلة- وإن كانت طويلة، ولو كان الحال بالضد ~~لكان الأمر بالعكس، وأنشدوا: # صباحك سكر والمساء خمار «1» ... نعمت وأيام السرور قصار # قوله جل ذكره: قالوا ربكم أعلم بما لبثتم لأنه هو الذي خصكم بما به ~~أقامكم. PageV02P386 # قوله جل ذكره: فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى ~~طعاما فليأتكم برزق منه ما داموا مأخوذين عنهم لم يكن لهم طلب لأكل ولا شرب ~~ولا شىء من صفة النفس، فلما ردوا إلى التمييز أخذوا فى تدبير الأكل أول ما ~~أحسوا بحالهم، وفى هذا دلالة على شدة «1» ابتداء الخلق بالأكل. # قوله جل ذكره: وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا تواصوا فيما بينهم بحسن التخلق ~~وجميل الترفق، أي ليتلطف مع من يشترى منه شيئا. # ويقال أوصوا من يشترى لهم الطعام أن يأتيهم بألطف شىء وأطيبه، ومن كان من ~~أهل المعرفة لا يوافقه الخشن من الملبوس ولا المبتذل فى المطعم من المأكول. # ويقال أهل المجاهدات وأصحاب الرياضات طعامهم الخشن ولباسهم كذلك «2» . # والذي بلغ المعرفة لا يوافقه إلا كل لطيف، ولا يستأنس إلا بكل مليح. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 20] # إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا ~~(20) # تواصوا فيما بينهم بكتمان الأسرار عن الأجانب «3» وأخبر أنهم إن اطلعوا ~~عليهم وعلى أحوالهم بالغوا فى مخالفتهم إما بالقتل وإما بالضرب وبما أمكنهم ~~من وجوه الفعل، ولا يرضون PageV02P387 # إلا بردهم إلى ما منه تخلصوا، فمن احترق كدسه فما لم يحترق كدس غيره لا ~~تطيب نفسه. # ويقال من شأن الأبرار حفظ الأسرار عن الأغيار. # ويقال من أظهر لأعدائه سره فقد جلب باختياره ضره، وفقد ما سره «1» . # قوله جل ذكره: ms0689 ### | [سورة الكهف (18) : آية 21] # وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ ~~يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين ~~غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) # جعل أحوالهم عبرة لمن جاء بعدهم حين كشف لأهل الوقت قصتهم، فعاينهم ~~الناس، وازداد يقين من كان يؤمن بالله حين شاهدوا بالعيان ما كان نقضا ~~للعادة المستمرة. # ثم إن الله تعالى ردهم إلى ما كانوا عليه من الحالة، كانوا مأخوذين عن ~~التمييز، متقلبين فى القبضة على ما أراده الحق، مستودعين فيما كوشفوا، ~~مستهلكين عنهم فى وجود الحق- سبحانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 22] # سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ~~ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا ~~تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا (22) # أخبر أن علوم الناس متقاصرة عن عددهم فالأحوال التي لا يطلع عليها إلا ~~الله فى أسرارهم وقلوبهم.. متى يكون للخلق عليها إشراف؟ # أشكل عليهم عددهم، وعددهم يعلم بالضرورة، وهم لا يدركون بالمشاهدة. ~~PageV02P388 # ويقال سعد الكلب حيث كرر الحق- سبحانه- ذكرهم وذكر الكلب معهم على وجه ~~التكرار، ولما ذكرهم عد الكلب فى جملتهم. # قوله جل ذكره: قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل لما كانوا من ~~أوليائه فلا يعلمهم إلا خواص عباده، ومن كان قريبا فى الحال منهم فهم فى ~~كتم الغيرة وإيواء الستر لا يطلع الأجانب عليهم ولا يعلمهم إلا قليل لأن ~~الحق- سبحانه- يستر أولياءه عن الأجانب، فلا يعلمهم إلا أهل الحقيقة ~~فالأجانب لا يعرفون الأقارب، ولا تشكل أحوال الأقارب على الأقارب كذلك قال ~~شيوخ هذه الطائفة: # «الصوفية أهل بيت واحد لا يدخل فيهم غيرهم» «1» . # قوله جل ذكره: ولا تستفت فيهم منهم أحدا كما لا يعرفهم من كان بمعزل عن ~~حالتهم، ولا يهتدى إلى أحكامهم من لا يعرفهم.. # فلا يصح استفتاء من غاب علمهم عنه فى حالهم. ومن لم يكن قلبه محلا لمحبة ~~الأحباب لا يكون لسانه مقرا لذكرهم. # قوله جل ms0690 ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 23 الى 24] # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا ~~نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا (24) # إذا كانت الحوادث صادرة عن مشيئة الله فمن عرف الله لم يعد من نفسه ما ~~علم أنه لا يتم إلا بالله. # ويقال من عرف الله سقط اختياره عند مشيئته، واندرجت أحكامه فى شهوده لحكم ~~الله. # ويقال المؤمن يعزم على اعتناق الطاعة فى مستقبله بقلبه، لكنه يتبرأ عن ~~حوله وقوته PageV02P389 # بسره، والشرع يستدعى منه نهوض قلبه فى طاعته، والحق يقف سره عند شهود ما ~~منه لمحبوبه تحت جريان قسمته «1» . # قوله جل ذكره: واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا ~~رشدا إن طرأت عليك طوارق النسيان- لا بتعهدك- فجرد بذكرك قصدك عن أوطان ~~غفلتك. # ويقال «واذكر ربك إذا نسيت» : فى الحقيقة نفسك تمنعك من استغراقك فى شهود ~~ذكرك. # ويقال واذكر ربك إذا نسيت ذكرك لربك: فإن العبد إذا كان ملاحظا لذكره كان ~~ذلك آفة فى ذكره «2» . # ويقال واذكر ربك إذا نسيت حظك منه. # ويقال واذكر ربك إذا نسيت غير ربك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 25] # ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) # كانوا مأخوذين عنهم فى إحساسهم بأنفسهم فلم يقفوا على تطاول مدتهم، وفى ~~المثل: # «أيام السرور قصار» ، والدهور فى السرور شهور، والشهور فى المحن دهور، ~~وفى معناه: # أعد الليالى ليلة بعد ليلة ... وقد كنت قبلا لا أعد اللياليا # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 26] # قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من ~~دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا (26) PageV02P390 # من لم يعد أيامه لاشتغاله بالله أحصى الله أنفاسه التي لله، قال تعالى: ~~«أحصى كل شيء عددا» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 27] # واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا ~~(27) # تسل- حينما تتنوع عليك الأحوال- بما نطلعك عليه من الأخبار وإن ms0691 كتب ~~الأحباب فيها شفاء لأنها خطاب الأحباب للأحباب. # قوله جل ذكره: لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا أي لا تغيير لحكمه ~~فمن أقصاه فلا قبول له، ومن أدناه فلا وصول له، ومن قبله فلا رد له، ومن قر ~~به فلا صد له. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 28] # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا (28) # قال: «واصبر نفسك» ولم يقل: «قلبك» لأن قلبه كان مع الحق، فأمره بصحته ~~جهرا يجهر، واستخلص قلبه لنفسه سرا بسر. # ويقال «يريدون وجهه» : معناها مريدين وجهه أي فى معنى الحال، وذلك يشير ~~إلى دوام دعائهم ربهم بالغداة والعشى وكون الإرادة على الدوام. # ويقال «يريدون وجهه» : فآويناهم فى دنياهم بعظائمنا، وفي عقباهم ~~بكرائمنا. # ويقال «يريدون وجهه» : فكشف قناعهم، وأظهر صفتهم، وشهرهم بعد ما كان قد ~~سترهم، وأنشدوا: # PageV02P391 # وكشفنا لك القناع وقلنا ... نعم وهتكنا لك المستورا # ويقال لما زالت التهم سلمت لهم هذه الإرادة، وتحرروا عن إرادة كل مخلوق ~~وعن محبة كل مخلوق. # ويقال لما تقاصر لسانهم عن سؤال هذه الجملة مراعاة منهم لهيبة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، وحرمة باب الحق- سبحانه- أمره بقوله: «واصبر نفسك» وبقوله: # ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا أي لا ترفع بصرك عنهم، ولا ~~تقلع «1» عنهم نظرك. # ويقال لما نظروا بقلوبهم إلى الله أمر رسوله- عليه السلام- بألا يرفع ~~بصره عنهم، وهذا جزاء فى العاجل. # والإشارة فيه كأنه قال: جعلنا نظرك اليوم إليهم ذريعة لهم إلينا، وخلفا ~~عما يفوتهم اليوم من نظرهم إلينا، فلا تقطع اليوم عنهم نظرك فإنا لا نمنع ~~غدا نظرهم عنا «2» . # قوله جل ذكره: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره ~~فرطا هم الذين سألوا منه- صلى الله عليه وسلم- أن يخلى لهم مجلسه من ~~الفقراء، وأن يطردهم يوم حضورهم من مجلسه- صلى الله عليه وسلم وعلى آله. # ومعنى قوله: «أغفلنا قلبه عن ذكرنا» ms0692 : أي شغلناهم بما لا يعنيهم. # ويقال «أغفلنا قلبه عن ذكرنا» أي شغلناهم حتى اشتغلوا بالنعمة عن شهود ~~المنعم. # ويقال هم الذين طوح قلوبهم فى التفرقة، فهم فى الخواطر الردية مثبتون، ~~وعن شهود مولاهم محجوبون. PageV02P392 # ويقال أغفلنا عن ذكرنا الذين ابتلوا بنسيان الحقيقة ولا يتأسفون «1» على ~~ما منوا به ولا على ما فاتهم. # ويقال الغفلة تزجبة الوقت فى غير قضاء فرض أو أداء نفل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 29] # وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ~~نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس ~~الشراب وساءت مرتفقا (29) # قل يا محمد: ما يأتيكم من ربكم فهو حق، وقوله صدق.. فمن شاء فليومن، ومن ~~شاء فليكفر.. هذا غاية التهديد، أي إن آمنتم ففوائد إيمانكم عليكم مقصورة، ~~وإن أبيتم فعذاب الجحود موقوف عليكم، والحق- سبحانه- عزيز لا يعود إليه ~~بايمان الكافة- إذا وحدوا- زين، ولا من كفر الجميع- إن جحدوا- شين. # قوله جل ذكره: إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا ~~يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا العقوبة الكبرى ~~لهم أن يشغلهم بالألم حتى لا يتفرغوا عنه إلى الحسرة على مافاتهم من الحق، ~~ولو علموا ذلك لعله كان يرحمهم. والحق- سبحانه- أكرم من أن يعذب أحدا يتهم ~~لأجله. # ويقال لو علموا من الذي يقول: «وساءت مرتفقا» لعله كان لهم تسل ساعة، ~~ولكنهم لا يعرفون قدر من يقول هذا، وإلا فهذا شبه مرتبة لهم، والعبارة عن ~~هذا تدق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 30 الى # 31] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) أولئك ~~لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ~~ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت ~~مرتفقا (31) PageV02P393 # أهل الجنة طابت لهم حدائقها، وأهل النار أحاط بهم سرادقها. # والحق- سبحانه- منزه عن أن يعود إليه من تعذيب هؤلاء عائدة ولا من تنعيم ~~هؤلاء فائدة ... جلت الأحدية، وتقدست الصمدية! ومن وقعت ms0693 عليه غبرة فى ~~طريقنا لم تقع عليه قترة فراقنا، ومن خطا خطوة إلينا وجد حظوة لدينا، ومن ~~نقل قدمه نحونا غفرنا له ما قدمه، ومن رفع إلينا يدا أجزلنا له رغدا، ومن ~~التجأ إلى سدة «1» كرمنا آويناه فى ظل نعمنا، ومن شكا فينا غليلا «2» مهدنا ~~له- فى دار فضلنا- مقيلا. # «أجر من أحسن عملا» : العمل أحسنه ما كان مضبوطا بشرائط الإخلاص. # ويقال «من أحسن عملا» بأن غاب عن رؤية إحسانه. # ويقال من جرد قصده عن كل حظ ونصيب. # ويقال الإحسان فى العمل ألا ترى قضاء حاجتك إلا فى فضله، فإذا أخلصت فى ~~توسلك إليه بفضله، وتوصلك إلى ما مولك من طوله بتبريك عن حولك وقوتك ~~استوجبت حسن إقباله، وجزيل نواله. # قوله أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار أولئك هم أصحاب الجنان، ~~فى رغد العيش وسعادة الجد «3» وكمال الرفد «4» ، يلبسون حلل الوصلة، ~~ويتوجون بتاج القربة، PageV02P394 # ويحملون على المباسط، ويتكئون على الأرائك، ويشمون رياحين الأنس، ويقيمون ~~فى مجال الزلفة، ويسقون شراب المحبة، ويأخذون بيد الزلفة ما يتحفهم الحق به ~~من غير واسطة، ويسقيهم شرابا طهورا يطهر قلوبهم عن محبة كل مخلوق. # «نعم الثواب وحسنت مرتفقا» : نعم الثواب ثوابهم، ونعم الرب ربهم، ونعم ~~الدار دارهم، ونعم الجار جارهم، ونعم الحال حالهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 32 الى # 41] # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل ~~وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا ~~خلالهما نهرا (33) وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا ~~وأعز نفرا (34) ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) ~~وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) # قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك ~~رجلا (37) لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) ولولا إذ دخلت جنتك ~~قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك ms0694 مالا وولدا (39) فعسى ~~ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا ~~(40) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) # PageV02P395 # أخبر أنه خلق رجلين جعل لهما جنتين على الوصف الذي ذكره، فشكر أحدهما ~~لخالقه وكفر الآخر برازقه، فأصبح الكافر وجنته أصابتها جائحة، وندم على ما ~~ضيعه من الشكر، وتوجه عليه اللوم. # وفى الإشارة يخلق عبدين يطيب لهما الوقت، ويمهد لهما بساط اللطف، ويمكن ~~لهما من البسط.. فيستقيم أحدهما فى الترقي إلى النهاية من مقامات البداية ~~بحسن المنازلة وصدق المعاملة، فتميز له المجاهدة ثمرات أحسن الأخلاق ~~فيعالجها بحسن الاستقامة، ثم يتحقق بخصائص الأحوال الصافية، ثم يختطف عنها ~~بما يكاشف به من حقائق التوحيد، ويصبح منتفى عن جملته باستهلاكه فى وجود ما ~~بان له من الحقائق. # والثاني لا يقدر قدر ما أهل له من حسن البداية فيرجع إلى مألوفاته، ~~فينتكس أمره، بانحطاطه إلى ذميم عاداته، وفيرتد عن سلوك الطريقة ويتردى «1» ~~فى ظلمة الغفلة فيصير وقته ليلا مظلما، ويتطوح فى أودية التفرقة، ويوسم ~~الطرد، ويسقى شراب الإهانة، وينخرط فى سلك الهجر.. وذلك جزاء من لم يرهم ~~الحق لوصلته أهلا، ولم يجعل لولائهم فى التحقيق والقبول أصلا: # تبدلت وتبدلنا يا حسرة لمن ... ابتغى عوضا لسلمى فلم يجد # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 42 الى 43] # وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ~~ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله ~~وما كان منتصرا (43) PageV02P396 # إذا ظهر خسران من آثر حظه على حق الله، قرع باب ندامته، ثم لا ينفعه. # ولو قرع باب كرمه فى الدنيا- حين وقعت له الفترة- لأشكاه «1» عند ضرورته، ~~أنجاه من ورطته.. ولكنه ربط بالخذلان، ولبس عليه الأمر بحكم الاستدراج. # قوله: «ولم تكن له فئة ينصرونه» : من اشتهر أمره بسخط السلطان عليه لم ~~ينظر إليه أحد من الجند والرعية، كذلك من وسمه الحق بكى الهجر لم يرث له ~~ملك ولا نبى، ولم يحمه صديق ولا ولى. ms0695 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 44] # هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44) # هو الحق المتفرد بنعت ملكوته، لا يشرك فى جلال سلطانه من الحدثان أحدا، ~~وإذا بدا من سلطان الحقيقة شظية فلا دعوى ولا معنى لبشر، ولا وزن فيما هنا ~~لك لحدثان ولا خطر، كلا.. بل هو الله الخلاق الواحد القهار. # هنا لك الولاية لله أي القدرة- والواو هنا بالكسر، وهنا لك الولاية لله ~~أي النصرة- والواو هنا بالفتح «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 45] # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (45) . ~~PageV02P397 # من وطن النفس على الدنيا وبهجتها غرته بأمانيها، وخدعته بالأطماع فيها. ~~ثم إنها تخفى الصاب فى شرابها، والحنظل فى عسلها، والسراب فى مآربها تعد ~~ولا تفى بعداتها، وتوفى آفاتها على خيراتها.. نعمها مشوبة بنقمها، وبؤسها ~~مصحوب بمأنوسها، وبلاؤها فى ضمن عطائها. المغرور من اغتر بها، والمغبون من ~~انخدع فيها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 46] # المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ~~وخير أملا (46) # من اعتضد بعتاده، واغتر بأولاده، ونسى مولاه فى أوان غفلاته.. خسر فى ~~حاله، وندم على ما فاته فى مآله. # ويقال زينة أهل الغفلة فى الدنيا بالمال والبنين، وزينة أهل الوصلة ~~بالأعمال واليقين.. # فهؤلاء رتبهم لظواهرهم.. وهؤلاء زينتهم لعبوديته، وافتخارهم بمعرفة ~~ربوبيته. # ويقال ما كان للنفس فيه حظ فهو من زينة الحياة الدنيا، ويدخل فى ذلك ~~الجاه وقبول المدح، وكذلك تدخل فيه جميع المألوفات والمعهودات على اختلافها ~~وتفاوتها. # ويقال ما كان للإنسان فيه شرب ونصيب فهو معلول: إن شئت فى عاجله وإن شئت ~~فى آجله. # قوله جل ذكره: والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا. # وهى الأعمال التي بشواهد الإخلاص والصدق. # ويقال «الباقيات الصالحات» : ما كان خالصا لله تعالى غير مشوب بطمع، ولا ~~مصحوب بغرض. # ويقال «الباقيات الصالحات» : ما يلوح فى السرائر من تحلية العبد بالنعوت، ~~ويفوح نشره فى سماء الملكوت. ms0696 # ويقال هى التي سقت من الغيب لهم بالقربة وشريف الزلفة. # PageV02P398 # ويقال هى ضياء شموس التوحيد المستكن (فى السرائر مما لا يتعرض لكسوف ~~الحجبة) «1» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 47] # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (47) # كما تسير جبال الأرض «2» يوم القيامة فإنها تقتلع بموت الأبدال الذين ~~يديم بهم الحق- اليوم- إمساك الأرض، فهؤلاء السادة- فى الحقيقة- أوتاد ~~العالم. # قوله: «فلم نغادر منهم أحدا» : الإشارة منه أنه ما من أحد إلا ويسقى كأس ~~المنية، ولا يغادر الحق أحدا اليوم على البسيطة إلا وينخرط عن نظامه. وإن ~~شرفهم فى الدرجات فى توقيهم عن مساكنة الدنيا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 48] # وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل ~~لكم موعدا (48) # يقيم كل واحد يوم العرض فى شاهد مخصوص، ويلبس كلا ما يؤهله له فمن لباس ~~تقوى، ومن قميص هوى، ومن صدار وجد، ومن صدرة محبة، ومن رداء شوق، ومن حلة ~~وصلة. # ويقال يجردهم عن كل صفة إلا ما عليه نظرهم يوم القيامة. وينادى المنادى ~~على أجسادهم: # هذا الذي أتى ووجد، وهذا الذي أبى وجحد. وهذا الذي خالف فأصر، وهذا الذي ~~أنعمنا عليه فشكر، وهذا الذي أحسنا إليه فذكر. وهذا الذي أسقيناه شرابنا، ~~ورزقناه محابتا، وشوقناه إلى لقائنا، ولقيناه خصائص رعائنا» . # وهذا الذي وسمناه بحجبتنا، وحرمناه وجوه قربتنا. وألبسناه نطاق فراقنا، ~~ومنعناه، توفيق وفاقنا، وهذا، وهذا ... PageV02P399 # وا خجلتي من وقوفي وسط دارهم! وقال لى مغضبا: من أنت يا رجل؟ # وقوله جل ذكره: قد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم ~~موعدا # جئتمونا بلا شفيع ولا ناصر، ولا معين ولا مظاهر. # قوم يقال لهم: سلام عليكم ... كيف أنتم؟ وكيف وجدتم مقيلكم؟ وكم إلى ~~لقائنا اشتقتم! وقوم يقال لهم: ما صنعتم، وما ضيعتم؟ ما قدمتم، وما أخرتم؟ ~~ما أعلنتم، وما أسررتم؟ # قل لى بألسنة التنفس «1» ... كيف أنت وكيف حالك؟ # ويقال يجيب بعضهم عند السؤال فيفصحون عن مكنون قلوبهم، ويشرحون ما هم به ~~من ms0697 أحوال مع محبوبهم وآخرون تملكهم الحيرة وتسكتهم الدهشة، فلا لهم بيان، ~~ولا ينطق عنهم لسان. وآخرون كما قيل: # قالت سكينة من هذا فقلت لها: ... أنا الذي أنت من أعدائه زعموا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 49] # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا ~~الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا (49) # إنما يصيبهم ما كتب فى الكتاب الأول وهو المحفوظ، لا ما فى الكتاب الذي ~~هو كتاب أعمالهم نسخه ما فى اللوح المحفوظ. # ويقال إن عامل عبدا بما فى الكتاب الذي أثبته الملك عليه فكثير من عباده ~~يعاملهم بما فى كتاب الملك- سبحانه، وفرق بين من يعامل بما فى كتاب الحق من ~~الرحمة «2» والشفقة وبين من يحاسبه بما كتب عليه الملك من الزلة «3» ~~PageV02P400 # ويقال إذا حاسبهم فى القيامة يتصور لهم كأنهم فى الحال ما فارقوا الزلة، ~~وإن كانت مباشرة الزلة قد مضت عليها سنون كثيرة. # قوله جل ذكره: ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا يملك الحزن قلبه ~~لأنه يعلم أنه يرى فى عمله سيئة فهو فى موضع الخجل لتقصيره. وإن رأى حسنة ~~فهو فى موضع الخجل أيضا لقلة توقيره فخجلة أهل الصدق عند شهود حسناتهم توفى ~~وتزيد على خجلة أهل الغفلة إذا عثروا على زلاتهم. # ويقال أصحاب الطاعة إذا وجدوا ما قدموا من العبادات فمآلهم السرور ~~والبهجة وحياة القلب والراحة، وأما أصحاب المخالفات فإنما يجدون فيما قدموا ~~مجاوزة الحد ونقض العهد، وما فى هذا الباب من الزلة وسوء القصد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 50] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ~~ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا (50) # أظهر للملائكة شظية مما استخلص به آدم فسجدوا بتيسير من الله- سبحانه، ~~وسكر بصر اللعين فما شهد منه غير العين «1» ففسق ms0698 عن أمر ربه، ولا صدق فى ~~قوله: # «أنا خير منه» لما فسق عن الأمر، ولكن أدركته الشقاوة الأصيلة فلم تنفعه ~~الوسيلة بالحيلة. # قوله جل ذكره: أفتتخذونه وذريته أولياء من PageV02P401 # دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا فى الآية إشارة إلى أن من يفرده ~~بالولاية فلا يقتفى غيره ولا يخاف غيره. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 51] # ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين ~~عضدا (51) # أكذب المنجمين والأطباء الذين يتكلمون فى الهيئات والطبائع بقوله: «ما ~~أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم» : وبين أن ما يقولونه من ~~إيجاب الطبائع لهذه الكائنات لا أصل له فى التحقيق. # «وما كنت متخذ المضلين عضدا» : أي لم أجعل للذين يضلون الناس عن دينهم ~~بشبههم فى القول بالطبائع حجة، ولم أعطهم لتصحيح ما يقولونه برهانا. # ويقال إذا تقاصرت علوم الخلق عن العلم بأنفسهم فكيف تحيط علومهم بحقائق ~~الصمدية، واستحقاقه لنعونه إلا بمقدار ما يخصهم به من التعريف على ما يليق ~~برتبة كل أحد بما جعله له أهلا؟ # ويقال أخبر أن علومهم تتقاصر عن الإحاطة بجميع أوصافهم وجميع أحوالهم وعن ~~كل ما فى الكون، ولا سبيل لهم إلى ذلك ولا حاجة بهم إلى الوقوف على ما قصرت ~~علومهم عنه، إذ لا يتعلق بذلك شىء من الأمور الدينية. فالإشارة فى هذا أن ~~يصرفوا عنايتهم إلى طلب العلم بالله وبصفاته وبأحكامه، فإنه لا بد لهم- ~~بحكم الديانة- من التحقق بها إذ الواجب على العابد معرفة معبوده بما يزيل ~~التردد عن قلبه فى تفاصيل مسائل الصفات والأحكام «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 52] # ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا ~~بينهم موبقا (52) PageV02P402 # علم الحق- سبحانه- أن الأصنام لا تغنى ولا تنفع ولا تضر، ولكن يعرفهم فى ~~العاقبة بما يصير معارفهم ضرورية «1» حسما لأوهام القوم حيث توهموا أن ~~عبادتهم للأصنام فيها نوع تقرب إلى الله على وجه التعظيم له كما قالوا: «ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» «2» . # فإذا تحققوا بذلك صدقوا فى الندم، وكان ms0699 استيلاء الحسرة عليهم، وذلك من ~~أشد العقوبات لهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 53] # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا (53) # إذا صارت الأوهام منقطعة، والمعارف ضرورية، والنار معاينة استيقنوا أنهم ~~واقعون فى النار، فلا يسمع لهم عذر، ولا تنفع لهم حيلة، ولا تقبل فيهم ~~شفاعة، ولا يؤخذ منهم فداء ولا عدل.. لقد استمكنت الخيبة، وغلب اليأس، وحصل ~~القنوط، وهذا هو العذاب الأكبر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 54] # ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ~~(54) # أوضح للكافة الحجج، ولكن لبس على قوم النهج فوقعوا فى العوج. # «وكان الإنسان أكثر شيء جدلا» الجدل فى الله محمود مع أعدائه، والجدل مع ~~الله شرك لأنه صرف إلى مخالفة توهم أن أحدا يعارض التقدير، وتجويز ذلك ~~انسلاخ PageV02P403 # عن الدين. ومن أمارات السعادة للمؤمن فتح باب العمل عليه، وإغلاق باب ~~الجدل دونه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 55] # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم ~~سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55) # لا عذر لهم إذا لجأوا إلى ما تعاطوه من العصيان وترك المبادرة إلى ~~المأمور، ولا توفيق يساعدهم فيخرجهم عن حوار الداعي إلى عزم الفعل، فهم- ~~وإن لم يكونوا بنعت الاستطاعة على ما ليسوا يفعلونه- ليسوا عاجزين عن ذلك ~~ولكنهم بحيث لو أن العبد منهم أراد ما أمر به لتأبى منه ذلك، وتعذر عليه ~~ففى الحال ليس بقادر على ما ليس يفعله ولا هو عاجز عنه، وهذا يسميه القوم ~~حال التخلية وهى واسطة بين القدرة والعجز. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 56] # وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (56) # أرسل الرسل- عليهم السلام- تترى، وأيدهم بالحجج والبراهين، وأمرهم ~~بالإنذار والتخويف، والتشريف فى عين التكليف، وتضمين ذلك بالتحقيق، ولكن ~~سعد قوم باتباعهم، وشقى آخرون بخلافهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 57] # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ms0700 ما قدمت يداه إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا ~~أبدا (57) # PageV02P404 # لا أحد أظلم ممن ذكر ووعظ بما لوح له من الآيات، وبما شاهده وعرفه من أمر ~~أصلح أو شغل كفى أو دعاء أجيب له، أو سوء أدب حصل منه، فأدب بما يكون ~~تنبيها له، أو حصلت منه طاعة وكوفىء فى العاجل إما بمعني وجده فى قلبه من ~~بسط أو حلاوة أو أنس، وإما بكفاية شغل أو إصلاح أمر.. ثم إذا استقبله أمر ~~نسى ما عومل به، أو أعرض عن تذكره، ونسى ما قدمت يداه من خيره وشره، فوجد ~~فى الوقت موجبه.. # ومن كانت هذه صفته جعل على قلبه سترا وغفلة وقسوة حتى تنقطع عنه بركات ما ~~وهبه. # ويقال من أظلم ممن يستقبله أمر مجازاة لما أسلفه من ترك أربه فيتهم ربه، ~~ويشكو مما يلاقيه، وينسى حرمة الذي بسببه أصابه ما أصابه؟ وكما قيل: # وعاجز الرأى مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 58] # وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد ~~لن يجدوا من دونه موئلا (58) # «غفور» : لأنه ذو الرحمة، ورحمته الأزلية أوجبت المغفرة لهم. # ويقال «الغفور» : للعاصين من عباده، و «ذو الرحمة» بجميعهم فيصلح أحوال ~~كافتهم. # «لو يؤاخذهم بما كسبوا» : لعجل لهم العذاب أي عاملهم بما استوجبوه من ~~عصيانهم، فعجل لهم العقوبة، لكنه يؤخرها لمقتضى حكمته، ثم فى العاقبة يفعل ~~ما يفعل على قضية إرادته وحكمه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 59] # وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (59) # لما لم يشكروا النعم ولم يصبروا فى المحن عجلنا لهم العقوبة. # ويقال لما غفلوا عن شهود التقدير، وحرموا روح الرضا وكلناهم إلى ظلمات ~~تدبيرهم، فطاحوا فى أودية غفلاتهم. # PageV02P405 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 60 الى 61] # وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا (60) ~~فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ ms0701 سبيله في البحر سربا (61) # لما صحت صحبة يوشع مع موسى عليهما السلام استحق اسم الفتوة، ولذا قال: # «وإذ قال موسى لفتاه» وهو اسم كرامة لا اسم علامة. # جعل دخول السمك الماء علامة لوجود الخضر هنالك «1» ، ثم أدخل النسيان ~~عليهما ليكون أبلغ فى الآية، وأبعد من اختيار البشر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 62] # فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (62) # كان موسى فى هذا السفر متحملا، فقد كان سفر تأديب واحتمال مشقة، لأنه ذهب ~~لاستكثار العلم. وحال طلب العلم حال تأديب ووقت تحمل المشقة، ولهذا لحقه ~~الجوع، فقال: «لقينا من سفرنا هذا نصبا» . # وحين صام فى مدة انتظار سماع الكلام من الله صبر ثلاثين يوما، ولم يلحقه ~~الجوع ولا المشقة، لأن ذهابه فى هذا السفر كان إلى الله، فكان محمولا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 63 الى 64] # قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان ~~أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا (63) قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على ~~آثارهما قصصا (64) PageV02P406 # «1» # طال عليهما السفر لأنهما احتاجا إلى الانصراف إلى مكانهما، ثم قال يوشع: # «وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره» : الله- سبحانه- أدخل عليه النسيان ~~ليكون الصيد من تكلفه، ثم قال: «ذلك ما كنا نبغ» : يعنى دخول السمك الماء ~~وكان مشويا فصار ذلك معجزة له، فلما انتهيا إلى الموضع الذي دخل السمك فيه ~~الماء لقيا الخضر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 65] # فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما (65) # إذا سمى الله إنسانا بأنه عبده جعله من جملة الخواص فإذا قال: «عبدى» ~~جعله من خاص الخواص. # «آتيناه رحمة من عندنا» : أي صار مرحوما من قبلنا بتلك الرحمة التي ~~خصصناه بها من عندنا، فيكون الخضر بتلك الرحمة مرحوما، ويكون بها راحما على ~~عبادنا. # «وعلمناه من لدنا علما» : قيل العلم من لدن الله «2» ما يتحصل بطريق ~~الإلهام دون التكلف بالتطلب. # ويقال ما يعرف به الحق- سبحانه- الخواص من عباده. ms0702 # ويقال ما يعرف به الحق أولياءه فيما فيه صلاح عباده. PageV02P407 # وقيل هو ما لا يعود منه نفع إلى صاحبه، بل يكون نفعه لعباده مما فيه حق ~~الله- سبحانه. # ويقال هو ما لا يجد صاحبه سبيلا إلى جحده، وكان دليلا على صحة ما يجده ~~قطعا، فلو سألته عن برهانه لم يجد عليه دليلا فأقوى العلوم أبعدها من ~~الدليل «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 66] # قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) # تلطف فى الخطاب حيث سلك طريق الاستئذان، ثم صرح بمقصوده من الصحبة بقوله: ~~«على أن تعلمن مما علمت رشدا» . # ويقال إن الذي خص به الخضر من العلم لم يكن تعلمه من أستاذ ولا من شخص، ~~فما لم يكن بتعليم أحد إياه.. متى كان يعلمه غيره؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 67 الى 69] # قال إنك لن تستطيع معي صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) ~~قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69) # سؤال بذلك العطف وجواب بهذا العطف! ثم تدارك قلبه بقوله: «وكيف تصبر على ~~ما لم تحط به خبرا؟» ، فأجابه موسى: # «قال ستجدني ... » وعد من نفس موسى بشيئين: الصبر، وبأن لا يعصيه فيما ~~يأمر به، فأما الصبر فقرنه بالاستثناء بمشيئة الله فقال: «ستجدني إن شاء ~~الله صابرا» فصبر حتى وجد صابرا، فلم يقبض على يدى الخضر فيما كان منه من ~~الفعل، والثاني قوله: «لا أعصي» PageV02P408 # «لك أمرا» : أطلقه ولم يقرنه بالاستنشاء، فما استنشأ لأجله لم يخالفه ~~فيه، وما أطلقه وقع فيه الخلف «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 70] # قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا (70) # فإنه ليس للمريد أن يقول: «لا» لشيخه، ولا التلميذ لأستاذه، ولا العامى، ~~للعالم المفتى فيما يفتى ويحكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 71] # فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت ~~شيئا إمرا (71) # لما ركبوا الفلك خرقها وكان ذلك إبقاء على صاحبها لئلا يرغب ms0703 فى السفينة ~~المخروقة الملك الطامع فى السفن. # وقوله: «لتغرق أهلها» أي لتؤدى عاقبة هذا الأمر إلى غرق أهلها لأنه علم ~~أنه لم يكن قصد إغراق أهل السفينة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 72] # قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) # أي أنت تنظر إلى هذا من حيث العلم، وإنا نجريه من حيث الحكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 73] # قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا (73) # طالبه بما هو شرط العلم حيث قال: «لا تؤاخذني بما نسيت» لأن الناسي لا ~~يدخل تحت التكليف، وأيد ذلك بما قرن به قوله: «ولا ترهقني من أمري عسرا» ~~فالمتمكن من حقه PageV02P409 # التكليف، ومن لا يصح منه الفعل والترك لا يتوجه () «1» والناسي «2» من ~~جملتهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 74] # فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت ~~شيئا نكرا (74) # كان بخلق العلم واجبا على موسى- عليه السلام- قصره حيث يرى فى الظاهر ~~ظلما، ولكن فيما عرف من حال الخضر من حقه التوقف ريثما يعلم أنه ألم بمحظور ~~أو مباح، ففى ذلك الوقت كان قلب العادة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 75] # قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (75) # كرر قوله: «إنك لن تستطيع ... » لأنه واقف بشرط العلم، وأما فى محل الكشف ~~فشرط عليه موسى عليه السلام فقال: ### | [سورة الكهف (18) : آية 76] # قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا (76) # بلغ عصيانه ثلاثا والثلاثة آخر حد القلة وأول حد الكثرة، فلم يجد ~~المسامحة بعد ذلك «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 77] # فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا ~~فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا (77) . ~~PageV02P410 # كان واجبا فى ملتهم على أهل القرية إطعامهما، ولم يعلم موسى أنه لا جدوى ~~من النكير عليهم ولو كان أغضى على ذلك منهم لكان أحسن. # فلما أقام الخضر جدارهم ولم يطلب عليه أجرا لم يقل ms0704 موسى إنك قمت بمحظور، ~~ولكنه قال له: «لو شئت لاتخذت عليه أجرا» أي إن لم تأخذ بسببك فلو أخذت ~~بسببنا لكان أخذك خيرا لنا من تركك ذلك، ولئن وجب حقهم فلم أخللت بحقنا؟ # ويقال إن سفره ذلك كان سفر تأديب فرد إلى تحمل المشقة، وإلا فهو حين سقى ~~لبنات شعيب فإن ما أصابه من التعب وما كان فيه من الجوع كان أكثر «1» ، ~~ولكنه كان فى ذلك الوقت محمولا وفى هذا الوقت متحملا. فلما قال موسى هذا ~~قال له الخضر: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 78] # قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا (78) # أي بعد هذا فلا صحبة بيننا. # ويقال قال الخضر إنك نبي.. وإنما أؤاخذك بما قلت، فأنت شرطت هذا الشرط ~~وقلت: إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى وإنما أعاملك بقولك. # ويقال لما لم يصبر موسى معه فى ترك السؤال لم يصبر الخضر أيضا معه فى ~~إدامة الصحبة فاختار الفراق. # ويقال ما دام موسى عليه السلام سأله لأجل الغير- فى أمر السفينة التي ~~كانت للمساكين، وقتل النفس بغير حق- لم يفارقه الخضر، فلما صار فى الثالثة ~~إلى القول فيما كان فيه حظ لنفسه من طلب الطعام ابتلى بالفرقة، فقال الخضر: ~~«هذا فراق بيني وبينك» . # ويقال كما أن موسى- عليه السلام- كان يحب صحبة الخضر لما له فى ذلك من ~~غرض الاستزادة من العلم فإن الخضر كان يحب ترك صحبة موسى عليه السلام ~~إيثارا للخلوة بالله عن المخلوقين. PageV02P411 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 79] # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ~~ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79) # لما فارق الخضر موسى عليه السلام لم يرد أن يبقى فى قلب موسى شبه اعتراض ~~فأزال عن قلبه ذلك بما أوضح له من الحال، وكشف له أن السر فى قصده من خرق ~~السفينة سلامتها وبقاؤها لأهلها حيث لن يطمع فيها الملك الغاصب، فبقاء ~~السفينة لأهلها- وهى مصيبة- كان خيرا لهم من سلامتها وهى مغضوبة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 80 الى ms0705 # 81] # وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا (80) ~~فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما (81) # بين له أن قتل الغلام لما سبق به العلم مضى من الله الحكم أن فى بقائه ~~فتنة لوالديه، وفى إبدال الخلف عنه سعادة لهما. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 82] # وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ~~أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما ~~فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا (82) # أما تسوية الجدار فلاستبقاء كنز الغلامين وترك طلب الرفق من الخلق. # PageV02P412 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 90 الى 92] # حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا ~~(90) كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) ثم أتبع سببا (92) # أقوام هم أهل مطلع الشمس الغالب عليهم طول نهارهم، وآخرون كانوا من أهل ~~مغرب الشمس الغالب عليهم استتار شمسهم.. كذلك الناس فى طلوع شمس التوحيد: ~~منهم الغالب عليهم طلوع شموسهم، والحضور نعتهم والشهود وصفهم والتوحيد ~~حقهم، وآخرون لهم من شموس التوحيد النصيب الأقل والقسط الأرذل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 93 الى 95] # حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا (93) ~~قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على ~~أن تجعل بيننا وبينهم سدا (94) قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل ~~بينكم وبينهم ردما (95) # أي ما كانوا يهتدون إلا إلى لسان أنفسهم، وما كانوا يفقهون فقه غيرهم ~~فلجئوا إلى عبراتهم فى شرح قصتهم، ورفعوا إليه- فى باب يأجوج وماجوج- ~~مظلمتهم، وضمنوا له خراجا يدفعونه إليه، فأجابهم إلى سؤلهم، وحقق لهم ~~بغيتهم، ولم يأخذ منهم ما ضمنوا له من الجباية، لما رأى أن من الواجب عليه ~~حق الحماية على حسب المكنة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 96] # آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله ms0706 نارا ~~قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96) # PageV02P413 # استعان بهم فى الذي احتاج إليه منهم من الإمداد بما قال: «آتوني زبر ~~الحديد» فلما فعلوا ما أمرهم به، ونفخوا فيه النار جعل السد بين الصدفين أي ~~جانبى الجبل. ثم أخبر أنه إنما يبقى ذلك إلى أن يأذن الله له فى الخروج، ~~وتندفع عن الناس عادية ( ### | .... # ) «1» إلى الوقت المضروب لهم فى التقدير. # وبعد ذلك يكون من شأنهم ما يريد الله. وبين- سبحانه- أن خروجهم من وراء ~~سدهم من أشراط الساعة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 101] # الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) # نظروا بأعين رءوسهم لأنهم فقدوا نظر القلب من حيث الاعتبار والاستدلال، ~~ولم يكن لهم سمع الإجابة لما فقدوا من التوفيق، فتوجه عليهم التكليف ولم ~~يساعدهم التعريف. # قوله: «وكانوا لا يستطيعون سمعا» : لأنهم فقدوا من قبله- سبحانه- الإسماع ~~فلم يستطيعوا لهم القبول. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 102] # أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا (102) # أي توهموا أنه ينفعهم ما فعلوه حسب ظنهم، واعتقدوا فى أصنامهم استحقاق ~~التعظيم، وكانوا يقولون: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» «2» ، وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا» وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. ~~PageV02P414 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 103 الى 104] # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ~~وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) # ضل سعيهم لأنهم عملوا لغير الله.. وما كان لغير الله فلا ينفع. # ويقال الذين ضل سعيهم هم الذين قرنوا أعمالهم بالرياء، ووصفوا أحوالهم ~~بالإعجاب، وأبطلوا إحسانهم بالملاحظات أو بالمن. # ويقال هم الذين يلاحظون أعمالهم وما منهم بعين الاستكثار «1» . # قوله جل ذكره: وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا لم يكونوا أصحاب التحقيق، ~~فعملوا من غير علم، ولم يكونوا على وثيقة «2» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 105] # أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا (105) # عموا عن شهود الحقيقة فبقوا فى ظلمة الجحد، فتفرقت بهم الأوهام والظنون، ms0707 ~~ولم يكونوا على بصيرة، ولم تستقر قلوبهم على عقيدة مقطوع بها فليس لهم فى ~~الآخرة وزن ولا خطر، اليوم هم كالأنعام، وغدا واقعون ساقطون ( ... ) «3» ~~الأقدام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 106] # ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (106) PageV02P415 # هم اليوم فى عقوبة الجحد، وغدا فى عقوبه الرد. اليوم هم فى ذل الفراق، ~~وغدا فى أليم الاحتراق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 107] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا (107) # لهم جنات معجلة سرا، ولهم جنان مؤجلة جهرا. # اليوم جنان الوصل وغدا جنان الفضل. # اليوم جنان العرفان وغدا جنان الرضوان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 108] # خالدين فيها لا يبغون عنها حولا (108) # عرفنا- سبحانه- أن ما يخوله لهم غدا يكون على الدوام، فهم لا ينفكون عن ~~أفضالهم، ولا يخرجون عن أحوالهم فهم أبدا فى الجنة، ولا إخراج لهم منها. ~~وأبدا لهم الرؤية، ولا حجاب لهم عنها «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 109] # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو ~~جئنا بمثله مددا (109) # أي لا تعد معانى كلمات الله لأنه لا نهاية لها فإن متعلقات الصفة القديمة ~~لا نهاية لها كمعلومات الحق- سبحانه- ومقدوراته وسائر متعلقات صفاته. # والذي هو مخلوق «2» لا يستوفى ما هو غير متناه- وإن كثر ذلك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكهف (18) : آية 110] # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ~~ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110) PageV02P416 # أخبر أنك لهم من حيث الصورة والجنسية مشاكل، والفرق بينك وبينهم تخصيص ~~الله- سبحانه- إياك بالرسالة، وتركه إياهم فى الجهالة. # ويقال: قل اختصاصى بما لى من (الاصطفاء) «1» ، وإن كنا- أنا وأنتم- فى ~~الصورة أكفاء. # قوله جل ذكره: فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ~~ربه أحدا حمل الرجاء فى هذه الآية على خوف العقوبة ورجاء المثوبة حسن، ولكن ~~ترك هذا على ظاهره أولى فالمؤمنون قاطبة يرجون لقاء الله. # والعارف بالله- سبحانه- يرجو لقاء الله والنظر إليه والعمل ms0708 الصالح الذي ~~بوجوده يصل إلى لقائه هو صبره على لواعج اشتياقه، وأن يخلص فى عمله. # «ولا يشرك بعبادة ربه» : أي لا يلاحظ عمله، ولا يستكثر طاعته، ويتبرأ من ~~حوله وقوته. # ويقال العمل الصالح هنا اعتقاد (وجود الصراط ورؤيته وانتظار وقته) «2» ~~PageV02P417 # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا ### | سورة مريم عليها السلام # بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله، اسم عزيز من عبده واصل جهاده، ومن طلبه ~~ودع وساده، ومن عرفه أنكر أحبابه. ومن يسر له أوقفه على محبته. # من ذكره نسى اسمه، ومن شهده فقد عقله ولبه «1» . # اسم عزيز جبلت القلوب على محبته، وكل قلب ليس يوقفه على محبته، فليس ~~بحيلة يصل. # اسم ما اتصفت أشباح الأبرار إلا بعبادته، وما اعتكفت أرواح الأحرار إلا ~~بمشاهدته. # اسم عزيز من عرفه اعترف أنه وراء ما وصفه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # كهيعص (1) # تعريف للأحباب بأسرار معانى الخطاب، حروف خص الحق المخاطب بها بفهم ~~معانيها، وإذا كان للأخيار سماعها وذكرها، فللرسول- عليه السلام- فهمها ~~وسرها. # ويقال أشار بالكاف إلى أنه الكافي فى الإنعام والانتقام، والرفع والوضع ~~على ما سبق به القضاء والحكم. PageV02P418 # ويقال فى الكاف تعريف بكونه مع أوليائه، وتخويف بخفي مكره فى بلائه. # ويقال فى الكاف إشارة إلى كتابته الرحمة على نفسه قبل كتابة الملائكة ~~الزلة على عباده. # والهاء تشير إلى هدايته المؤمنين إلى عرفانه، وتعريف خواصه باستحقاق جلال ~~سلطانه، وماله من الحق بحكم إحسانه. # والياء إشارة إلى يسر نعمه بعد عسر محنه. وإلى يده المبسوطة بالرحمة ~~للمؤمنين من عباده. # والعين تشير إلى علمه بأحوال عبده فى سره وجهره، وقله وكثره، وحاله ~~ومآله، وقدر طاقته وحق فاقته. # وفى الصاد إلى أنه الصادق فى وعده. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 2] # ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) # تخصيصه إياه بإجابته فى سؤال ولده، وما أراد أن يتصل بأعقابه من تخصيص ~~القربة له ولجميع أهله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 3] # إذ نادى ربه نداء ms0709 خفيا (3) # وإنما ذلك لئلا يطلع أحد على سر حاله فأخفى نداءه عن الأجانب وقد أمكنه ~~أن يخفيه عن نفسه بالتعامي عن شهود محاسنه، والاعتقاد بالسوء فى نفسه، ثم ~~أخفى سره عن الخلق لئلا يقع لأحد إشراف على حاله، ولئلا يشمت بمقالته ~~أعداؤه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 4] # قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) # أي لقيت بضعفي عن خدمتك ما لا أحبه فطعنت فى السن، ولا قوة بعد المشيب ~~فهب لى ولدا ينوب عنى فى عبادتك. # قوله جل ذكره: ولم أكن بدعائك رب شقيا. # أي إنى أسألك واثقا بإجابتك لعلمى بأنى لا أشقى بدعائك فإنك تحب أن تسأل. # PageV02P419 # ويقال إنك عودتنى إجابة الدعاء، ولم تردنى فى سالف أيامى إذا دعوتك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : الآيات 5 الى 6] # وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) ~~يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) # إنى خفت أن تذهب النبوة من أهل بيتي، وتنتقل إلى بنى أعمامى فهب لى ولدا ~~يعبدك، ويكون من نسلى ومن أهلى. # وهو لم يرد الولد بشهوتة الدنيا وأخذ الحظوظ منها، وإنما طلب الولد ليقوم ~~بحق الله، وفى قوله: «يرثني» دليل على أنه كما سأل الولد سأل بقاء ولده ~~فقال: ولدا يكون وارثا لى أي يبقى بعدي، ويرث من آل يعقوب النبوة وتبليغ ~~الرسالة. # واجعله رب رضيا: رضى فعيل بمعنى مفعول أي ترضى عنه فيكون مرضيا لك. ~~ويحتمل أن يكون مبالغة من الفاعل أي راضيا منك، وراضيا بتقديرك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 7] # يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) # أي استجبنا لدعائك، ونرزقك ولدا ذكرا اسمه يحيى تحيا به عقرة أمه، ويحيا ~~به نسبك، ويحيا به ذكرك، وما سألته من أن يكون نائبا عنك فيحيا به محل ~~العبادة والنبوة فى بيتك. # «لم نجعل له من قبل سميا» : انفراده- عليه السلام- بالتسمية يدل على ~~انفراده بالفضيلة أي لم ms0710 يكن له سمى قبله فلا أحد كفو له فى استجماع أوصاف ~~فضله. # ويقال لم نجعل له من قبل نظيرا لأنه لم يكن أحد لا ذنب له قبل النبوة ولا ~~بعدها غيره «1» PageV02P420 # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 8] # قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) # سأل الولد فلما أجيب قال أنى يكون لى غلام؟ ومعنى ذلك- على ما جاء فى ~~التفسير- أن بين سؤاله الولد وبين الإجابة مدة طويلة فكأنه سأل الولد فى ~~ابتداء حال سنه، واستجيبت دعوته بعد ما تناهى فى سنه، فلذلك قال: «أنى يكون ~~لي غلام؟» . # ويقال أراد أن يعرف ممن يكون هذا الولد.. أمن هذه المرأة وهى عاقر أم من ~~امرأة أخرى أتزوج بها مملوكة أستفزشها؟ فالسؤال إنما كان لتعيين من منها ~~يكون الولد. فقال تعالى: ### | [سورة مريم (19) : آية 9] # قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9) # معناه إجابة الولد لك فيها معجزة ودلالة فى هذا الوقت الذي فيه حسب مستقر ~~العادة ولادة مثل هذه المرأة دلالة ومعجزة لك على قومك، فتكون للإجابة ~~بالولد من وجه معجزة ومن وجه راحة وكرامة. # قوله جل ذكره: وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا دلت الآيه على أن المعدوم ~~ليس بشىء لأنه نفى أن يكون قبل خلقه له كان شيئا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 10] # قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) # أراد علامة على علوق المرأة بالولد ولم يرد علامة يستدل بها على صدق ما ~~يقال له. # فأخبره تعالى: أنبئك علامة وقت إجابتك.. إن لسانك لا ينطق معهم ~~بالمخاطبة- ولو اجتهدت كل الجهد- ثلاثة أيام، وعليك أن تخاطبني، وأن تقرأ ~~الكتب المنزلة التي كانت فى وقتك. فكان لا ينطق لسانه إذا أراد أن يكلمهم، ~~وإذا أراد أن يقرأ الكتب أو يسبح الله انطلق مع الله لسانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 11] # فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ms0711 (11) # PageV02P421 # أي فلما خرج عليهم عرفهم- من طريق الإشارة «1» - أن اللسان الذي كان ~~يخاطبهم به ليس الآن منطلقا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 12 الى # 13] # يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة ~~وكان تقيا (13) # أي قلنا له يا يحيى خذ الكتاب بقوة منا، خصصناك بها.. لا قوة يد ولكن قوة ~~قلب، وذلك خير خصه الله تعالى به وهو النبوة. # ودلت الآية على أنه كان من الله له كتاب. # «وآتيناه الحكم صبيا» أي النبوة، بعثه الله بها إلى قومه، وأوحى إليه وهو ~~صبى. # ويقال الحكم بالصواب والحق بين الناس. # ويقال الحكم هو إحكام الفعل على وجه الأمر. # قوله وحنانا من لدنا أي آتيناه رحمة من عندنا، وطهارة وتوفيقا لمجلوبات ~~التقوى وتحقيقا لموهوباتها فإن التقوى على قسمين: مجموع ومجلوب يتوصل إليه ~~العبد بتكلفه وتعلمه، وموضوع من الله تعالى ومرهوب منه يصل إليه العبد ~~ببذله سبحانه وبفضله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 14] # وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) # «برا بوالديه» # كأمر الله- سبحانه- له بذلك لا لمودة البشر وموجب عادة الإنسانية. # ولم يكن متمردا عن الحق، جاحدا لربوبيته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 15] # وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15) # أي له منا أمان يوم القيامة، ويوم ولادته فى البداية، ويوم وفاته فى ~~النهاية، وهو أن يصونه عن الزيغ والعوج فى العقيدة بما يشهده على الدوام من ~~حقيقة الإلهية. PageV02P422 # وكذلك هو فى القيامة له منه- سبحانه- الأمان فهو فى الدنيا معصوم عن ~~الزلة. # محفوظ عن الآفة. وفى الآخرة معصوم عن البلاء والمحنة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : الآيات 16 الى 17] # واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) فاتخذت من ~~دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) # اعتزلت عنهم لتحصيل يطهرها، فاستترت عن أبصارهم. # فلما أبصرت جبريل فى صورة إنسان لم تتوقعه أحست فى نفسها رعبا، ولم تكن ~~لها حيلة إلا تخويفه بالله، ورجوعها إلى الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 18] # قالت ms0712 إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) # قالت مريم لجبريل- وهى لم تعرفه- إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت ممن يجب أن ~~يخاف ويتقى منه أي إن كنت تقصد السوء. ومعنى قولها «بالرحمن» # ولم تقل: # «بالله» - أي بالذي يرحمنى فيحفظنى منك. # ويقال يحتمل أن يكون معناه: إن كنت تعرف الله وتكون متقيا مخالفة أمره ~~فإنى أعوذ بالله منك وأحذر عقوبته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 19] # قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (19) # تعرف جبريل إليها بما سكن روعها، وقرن مقالته بالتبشير لها بعيسى عليه ~~السلام. ### | [سورة مريم (19) : الآيات 20 الى 21] # قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) قال كذلك قال ربك ~~هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (21) # PageV02P423 # قالت أنى يكون لى ولد ولم ألم بزلة ولا فاحشة؟ فقال جبريل- عليه السلام-: # الأمر كما قلت لك فلا يتعصى ذلك على الله تعالى إذ هو أقدر أن يجعل هذا ~~الولد دلالة على كمال قدرته، ويكون هذا الولد رحمة منه- سبحانه- لمن آمن، ~~وسبب جهل للآخرين. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 22] # فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) # لما ظهر بها الحمل، وعلمت أن الناس يستبعدون ذلك، ولم تثق بأحد تفشى إليه ~~سرها.. مضت إلى مكان بعيد عن الخلق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 23] # فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ~~(23) # ألجأها وجع الولادة إلى الاعتماد إلى جذع النخلة. ولما أخذها الطلق، ~~وداخلها الخجل من قومها نطقت بلسان العجز، وقالت: «يا ليتني مت قبل هذا» . # ويقال يحتمل أنها قالتها إشفاقا من قومها، لأنها علمت أنهم سيبسطون لسان ~~الملامة فيها بلسان الفجر وينسبونها إلى الفحشاء. # ويقال قالتها شفقة على قومها لئلا تصيبهم بسببها عقوبة. # ويقال قالت: «يا ليتني مت قبل هذا» حتى لم أسمع من قال فى الله تعالى ~~بسببى إن عيسى ابن الله وابن مريم، وإن مريم زوجته ... تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا! ويقال «يا ليتني مت ms0713 قبل هذا» : فى الوقت الذي كنت مرفوقا بي، ~~ولم تستقبلنى هذه الخشونة فى الحالة التي لحقتني. # PageV02P424 # ويقال «يا ليتني مت قبل هذا» : فى الوقت الذي لم يكن قلبى متعلقا بسبب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 24] # فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) # «1» فى التفسير أن المعني بقوله «من تحتها» : جبريل عليه السلام، وقيل ~~عيسى عليه السلام. # والمقصود منه تسكين ما كان بها من الوحشة، والبشارة بعيسى عليه السلام، ~~أي يرزقك الله ولدا سريا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 25 الى # 26] # وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25) فكلي واشربي وقري عينا ~~فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ~~(26) # وكان جذعا يابسا أخرج الله تعالى منه فى الوقت الثمرة، وهى الرطب الجنى، ~~وكان فى ذلك آية ودلالة لها فالذى قدر على فعل مثل هذا قادر على خلق عيسى- ~~عليه السلام- من غير أب. # ويقال عند ما كانت مجردة بلا علاقة، فقد كان زكريا- عليه السلام- يجد ~~عندها رزقا من غير أن أمرت بتكلف، فلما جاءت علاقة الولد أمرت بهز النخلة ~~اليابسة- وهى فى أضعف حالها زمان قرب عهدها بوضع الولد، ليعلم أن العلاقة ~~توجب العناء والمشقة. # ويقال بل أمرت بهز النخلة اليابسة، وكان تمكنها من ذلك أوضح دلالة على ~~صدقها فى حالها. # ويقال لما لم يكن لها فى هذه الحالة من يقوم بتعهدها تولى الله تعالى ~~كفايتها ليعلم العالمون أنه لا يضيع خواص عباده فى وقت حاجتهم. # قوله جل ذكره: PageV02P425 # كفاها أسباب ما احتاجت إليه من أكلها وشربها، وسكن من خوفها، وطيب قلبها. # «فإما ترين من البشر أحدا» : فلا تخاطبيهم وعرفيهم- بالإشارة- أنك نذرت ~~للرحمن الصمت مع الخلق، وترك المخاطبة معهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : الآيات 27 الى 28] # فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هارون ~~ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) # بسط قومها فيها لسان الملامة لما رأوها قد ولدت- وظاهر الحال كان معهم- ~~فقالوا ms0714 لها على سبيل الملامة: يا من كنا نعدك فى الصلاح بمنزلة هارون ~~المعروف بالسداد والصلاح.. من أين لك هذه الحالة الشنعاء؟ # ويقال كان أخوها اسمه هارون: ويقال كان هارون رجلا فاسقا فى قومهم، ~~فقالوا: # يا شبيتهه فى الفساد.. ما هذا الولد؟ # ويقال كان هارون رجلا صالحا فيهم فقالوا: يا أخت هارون، ويا من فى حسابنا ~~وظننا ما كان أبواك فيهما سوء ولا فساد.. كيف أتيت بهذه الكبيرة الفظيعة؟! ~~قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 29] # فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) # فى الظاهر أشارت إلى الولد، وفى الباطن أشارت إلى الله، فأخذهم ما قرب ~~وما بعد وقالوا: كيف نكلم من هو أهل بأن ينوم فى المهد؟! # PageV02P426 # ف «كان» هاهنا فى اللفظ صلة.. وحملوا ذلك منها على الاستهانة بفعلتها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 30] # قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) # لما قالوا ذلك أنطق الله عيسى حتى قال: إنى عبد الله، فظهرت براءة ساحتها ~~بكلام عيسى قبل أن يتكلم مثله. وجرى على لسانه حتى قال: إنى عبد الله ليقال ~~للنصارى إن صدق عيسى أنه عبد الله بطل قولكم إنه ثالث ثلاثة، وإن كذب فالذى ~~يكذب لا يكون ابنا لله، وإنما يكون عبدا لله، وإذا لم يكن عبد هواه، ولا فى ~~أسر شىء سواه فمن تحرر من غيره فهو فى الحقيقة عبده. # و «آتاني الكتاب» : أي سيؤتينى الكتاب أو آتاني فى سابق حكمه. # «وجعلني نبيا» بفضله. وفى الآية رد على من يقول إن النبوة تستحق بكثرة ~~الطاعة لأنه قال ذلك فى حال ولادته ولم تكن منه بعد عبادة وأخبر أن الله ~~جعله نبيا «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : الآيات 31 الى 32] # وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا ~~بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) # أي نافعا للخلق يرشدهم إلى أمور دينهم، ويمنعهم من ارتكاب الزلة التي ~~فيها هلاكهم، ومن استضاء بنوره نجا. فهذه بركاته التي كانت تصل إلى الخلق. ~~ومن ms0715 بركاته إغاثة الملهوف، وإعانة الضعيف، ونصرة المظلوم، ومواساة الفقير، ~~وإرشاد الضال، والنصيحة للخلق، وكف الأذى عنهم وحمل الأذى منهم. # وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا أي لم يجعلنى غير قابل للنصيحة. ~~PageV02P427 # ويقال «شقيا» : أي متكبرا متجبرا. ويقال مختوما بكفر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 33] # والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) # قال عيسى عليه السلام: «والسلام علي» ، وقال لنبينا عليه السلام ليلة ~~المعراج: # «السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته» .. فشتان ما هما! والسلام ~~بمعنى السلامة، أي سلامة لى يوم الولادة مما نسبوا إلى من قول النصارى في ~~مجاوزة الحد فى المدح، ومما وصفنى به اليهود من الذم «1» ، فلست كما قالت ~~الطائفتان جميعا. # وسلام على يوم أموت ففى ذلك اليوم تكون لى سلامة حتى تكون بالسعادة ~~وفاتي. # وسلام على يوم أبعث أي سلامة لى فى الأحوال مما يبتلى به غير أهل الوصال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 34] # ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) # أي الذي قال ما أخبر الله عنه هو عيسى ابن مريم ... أيكون بقول إله؟ # وقد شك فيه أكثر الخلق فرده قوم وقبله قوم، والفرق بينهما فى استحقاقه ~~«2» . # وقوله: «قول الحق» أي يكون بقوله الحق وهو: # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : الآيات 35 الى 36] # ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ~~(35) وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) # لا يجوز أن يكون له ولد على الحقيقة لأنه واحد، والولد بعض والده. ~~PageV02P428 # ولأنه لا داعى له إلى صحبة زوجة فيكون له ولد على الحقيقة. ولا يجوز عليه ~~التبني لأحد لعدم الجنسية بينهما. # وقوله: «وإذا قضى أمرا ... » إذا أراد إحداث شىء خلقه بقدرته، وخاطبه ~~بأمر التكوين «1» ، ولا يتعصى عليه- فى التحقيق- مقدور. # «وإن الله ربي وربكم» أي أمرنى بأن تعلموا ذلك وأمرنى بتبليغ رسالتى، ~~واتباع ما شرع الله من العبادات. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 37] # فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا ms0716 من مشهد يوم عظيم (37) # فمن عجنت بماء السعادة طينته أطاع فى عاجله وما ضاع فى آجله، ومن أقصته ~~القسمة السابقة لم تدنه الخدمة اللاحقة، وسيلقون غب هذا الأمر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 38] # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) # صير معارفهم ضرورية، وأحوالهم كلها معكوسة، والحجة تتأكد عليهم، والحاجة ~~لا تسمع منهم، والرحمة لا تتعلق بهم، فلا ترحم شكاتهم، ولا يسمع نداؤهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 39] # وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) # تقوم الساعة بغتة، وتصادفهم القيامة وهم غير مستعدين لها فيتحسرون على ما ~~فانهم. # ويقال يوم الحسرة يوم القسمة حين سبقت لقوم الشقاوة- وهم فى محو العدم، ~~ولآخرين السعادة- وهم بنعت العدم، ولم يكن من أولئك جرم بعد، ولا من هؤلاء ~~وفاق بعد. PageV02P429 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 40] # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40) # يريد به إذا قبض أرواح بنى آدم بجملتهم، ولم يبق على وجه الأرض منهم ~~واحد، وليس يريد به استحداث ملكه، وهو اليوم مالك الأرض ومن عليها، ومالك ~~الكون وما فيه. # ويقال إن زكريا قال- لما سأل الولد: «يرثني ويرث من آل يعقوب» وقال تعالى ~~فى صفة بنى إسرائيل: «كذلك وأورثناها بني إسرائيل» «1» وقال: «إن الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده» «2» ، ولما انتهى إلى هذه الأمة «3» قال: «إنا ~~نحن نرث الأرض ومن عليها» .. فشتان بين من وارثه الولد وبين من وارثه ~~الأحد! ويقال هان على العبد المسلم إذا مات إذا كان الحق وارثه.. وهذا ~~مخلوق يقول فى صفة مخلوق: # فإن يك عتاب مضى لسبيله ... فما مات من يبقى له مثل خالد # وقال تعالى: «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء» «4» ~~لماذا؟ لأن وارثهم الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 41] # واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) # الصديق الكثير الصدق، الذي لا يمازج صدقه شوب. # ويقال هو الصادق فى أقواله وأعماله وأحواله. # ويقال الصديق لا يناقض ms0717 سره علنه. PageV02P430 # ويقال هو الذي لا يشهد غير الله مثبتا ولا نافيا. # ويقال هو المستجيب لما يطالب به جملة وتفصيلا. # ويقال هو الواقف مع الله فى عموم الأوقات على حد الصدق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 42] # إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) # دلت الآية على استحقاق المعبود الوصف بالسمع والبصر على الكمال دون نقصان ~~فيه، وكذلك القول فى القدرة على الضر والنفع. # وإذا رجع العبد إلى التحقيق علم أن كل الخلق لا تصلح قدرة واحد منهم ~~للإبداع والإحداث، فمن علق قلبه بمخلوق، أو توهم شظية منه من النفي ~~والإثبات فقد ضاهى عبدة الأصنام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 43] # يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) # أمره باتباعه لما ترجح عليه جانبه فى كون الحق معه- وإن كان أكبر منه ~~سنا، وبين أن الخلاص فى اتباع أهل الحق، وأن الهلاك فى الابتداع والتطوح فى ~~مغاليط الطرق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 44] # يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) # بين أن العلة فى منعه من عبادة الشيطان عصيانه للرحمن فبان أنه لا ينبغى ~~أن تكون طاعة لمن يعصى الله بحال. # ويقال أساس الدين هجران أرباب العصيان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 45] # يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) # PageV02P431 # لم يغادر الخليل شيئا من الشفقة على أبيه، ولم ينفعه جميل وعظه، ولم تنجع ~~فيه كثرة نصحه فإن من أقصته سوابق التقدير لم تخلصه لواحق التدبير. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 46] # قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا ~~(46) # مناه ابراهيم بجميل العقبي، فقابله بتوعد العقوبة فقال: # لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا. # فأجابه الخليل بمقتضى سكون البصيرة فقال: ### | [سورة مريم (19) : آية 47] # قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) # وهذا قبل أن ييأس من إيمانه، ms0718 إذ كانت لديه بعد بقية من الرجاء فى شانه، ~~فلما تحقق أنه مختوم له بالشقاوة قال له: ### | [سورة مريم (19) : آية 48] # وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ~~(48) # «ما تدعون» : أي ما تعبدون، «وأدعوا ربي» : أي أعبده. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 49] # فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا ~~نبيا (49) # لما أيس من أصله آنسه الله بما أكرمه من نسله، فأنبتهم نباتا حسنا، ~~ورزقهم النبوة، ولسان الصدق بالذكر لهم على الدوام «1» فقال: PageV02P432 # ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 51] # واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) # مخلصا خالصا لله، ولم يكن لغيره بوجه فلم تأخذه فى الله لومة لائم، ولم ~~يستفزه طمع نحو إيثار حظ، ولم يغض فى الله على شىء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 52] # وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) # للنجوى مزية على النداء، فجمع له الوصفين: النداء فى بدايته، والسماع ~~والنجوى فى نهايته فوقفه الحق وناداه، وفى جميع الحالين تولاه. # «من جانب الطور» : ترجع إلى موسى فموسى كان بجانب الطور «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 53] # ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53) # من خصائص موسى أنه وهب له أخاه هارون نبيا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 54 الى # 55] # واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) وكان ~~يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) # كان صادق الوعد إذ وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه «2» ، وصبر على ذلك ~~إلى أن ظهر الفداء. وصدق الوعد لأنه حفظ العهد. وكان يأمر أهله بالصلاة- ~~بأمر الله إياه- وبالزكاة، ويشتمل هذا على ما أمره إياهم بالعيادة البدنية ~~والمالية حينما وكيفما كان. PageV02P433 # «وكان عند ربه مرضيا» وكان هذا أشرف خصاله وأجل صفاته. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 56 الى # 57] # واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعناه مكانا ms0719 عليا (57) # الصديق كثير الصدق، لا يشوب صدقه مذق «1» ، ويكون قائما بالحق للحق، ولا ~~يكون فيه نفس لغير الله. # «ورفعناه مكانا عليا» : درجة عظيمة فى التربية لم يساوه فيها أحد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 58] # أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ~~ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا (58) # أقامهم بشواهد الجمع، وأخبر أن منته كامنة فى تخصيصهم بأحوالهم، وتأهيلهم ~~لما رقاهم إليه من المآل، وأنه بفضله اختارهم واجتباهم ومما أنعم به عليهم ~~من الخصائص رقة قلوبهم فهم إذا تتلى عليهم الآيات سجدوا، وسجود ظواهرهم يدل ~~على سجود سرائرهم بما حقق لهم من شواهد الجمع، وأمارة صحته ما وفقهم إليه ~~من عين الفرق فبوصف التفرقة قاموا بحق آداب العبودية، وبنعت الجمع تحققوا ~~بحقائق الربوبية «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 59] # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) ~~PageV02P434 # الذين حادوا عن طريقهم، وضيعوا حق الشرع، وتخطوا واجب الأمر، وزاغوا عن ~~طريق الرشد، وأخلوا بآداب الشرع، وانخرطوا فى سلك متابعة الشهوات- سيلقون ~~عن قريب ما يستوجبونه، ويعاملون بما يستحقونه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : الآيات 60 الى 63] # إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60) ~~جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) لا يسمعون ~~فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) تلك الجنة التي نورث ~~من عبادنا من كان تقيا (63) # فأولئك الذين تداركتهم الرحمة الأزلية، وسيبقون فى النعم السرمدية. ~~يستنجز الحق لهم عداتهم، ويوصلهم إلى درجاتهم، ويحقق لهم ما وعدهم. # «إنه كان وعده مأتيا» : لأن ما أتيته فقد أتاك أو ما أتاك فقد أتيته «1» ~~. # «لا يسمعون فيها لغوا» : فإن أسماعهم مصونة عن سماع الأغيار، لا يسمعون ~~إلا من الله وبالله، فإن لم يكن ذلك فلا يسمعون إلا الله. # قوله جل ذكره: ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا كانوا يعدون من عنده طعام ~~البكرة والعشية من ms0720 جملة المياسير والأغنياء لكونهم فقراء إن وجدوا غداءهم ~~ففى الغالب يعدمون عشاءهم، وإن وجدوا عشاءهم فقلما كانوا يجدون غداءهم. ~~ويقال فى «لهم ما يشتهون» فيها: بمقدار الغدو والعشى من الزمان فى الجنة أي ~~كالوقت. ثم إن الأرزاق تختلف فى الجنة فللأشباح رزق من مطعوم ومشروب، ~~وللأرواح رزق من سماع وشهود، ولكل- على قدر استحقاقه- قسط معلوم. # قوله جل ذكره: تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا PageV02P435 # فالجنة للأتقياء من هذه الأمة معدة لهم، والرحمة لعصاة المسلمين مدخرة ~~لهم. الجنة لطف من الله تعالى، والرحمة وصف لله تعالى. وقوله: «من عبادنا» ~~: فعبده على الخصوصية من كان اليوم فى قيد أمره. وقوله: «من كان تقيا» : ~~قوم يتقون المعاصي والمخالفات، وقوم يتقون الشهوات، وآخرون يتقون الغفلات، ~~وآخرون يتقون شهود كل غير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 64] # وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ~~ربك نسيا (64) # إن الملائكة- عليهم السلام- أبدا ينزلون بإذن الحق تعالى، فبعضهم بإنجاد ~~المظلومين، وبعضهم بإغاثة الملهوفين، وبعضهم بتدمير الجاحدين، وبعضهم بنصرة ~~المؤمنين، وبعضهم إلى ما لا يخصى من أمور الناس أجمعين. والله- سبحانه- لا ~~يترك جاحدا ولا عابدا من حفظ وإنعام، أو إمهال ونكال ... # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 65] # رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا ~~(65) # بحق الإظهار يجب أن يكون هو ربها، ويكون مالكها، ويكون قادرا عليها. # وإذا وجدت فهو فاعلها، فمعنى كون فعل الشيء لفاعله أنه فى مقدوره وجوده. # ويقال إذا كان رب الأكبر من الأقوياء فهو أيضا رب الأصاغر من الضعفاء، ~~وقيمة العبد بمالكه وقدره «1» ، ولا بثمنه فى نفسه وخطوه. # قوله: «فاعبده» أي قف حيثما أمرك، ودع ما يقع لك، وخل رأيك وتدبيرك. # قوله: «واصطبر لعبادته» : الاصطبار غاية الصبر. # قوله: «هل تعلم له سميا» : أي كفوا ونظيرا. ويقال هل تعرف أحدا يسمى ~~«الله» غير الله؟ ويقال أنى بالنظير ... وهو بالقدم متوحد! والتشبيه يقتضى ~~التسوية بين المتشابهين، ولا مثل له.. لا موجودا ولا موهوما. PageV02P436 # قوله ms0721 جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : الآيات 66 الى 67] # ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر الإنسان أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) # أنكروا حديث البعث غاية الإنكار، فأقام الحجة عليهم بالنشأة الأولى فقال: ~~إن الذي قدر على خلق الخلق فى الابتداء وهم نطف ضعفاء، وقبل كانوا فى أصلاب ~~الآباء وأرحام الأمهات ففطرهم، وعلى ما شاء صورهم، وفى الوقت الذي أراد- عن ~~«1» بطون أمهاتهم أخرجهم. # قوله: «ولم يك شيئا» فيه دليل على صحة أهل البصائر أن المعدوم لم يك شيئا ~~فى حال عدمه «2» . # ويقال أبطل لهم كل دعوى حيث ذكرهم نسبهم وكونهم من العدم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 68] # فو ربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) # نحشرهم جميعا فيجتمعون فى العرصة «3» . ثم يختلف منقلبهم فيصير قوم إلى ~~النار ثم إلى دركات بعضها أسفل من بعض- واسم جهنم يجمع أماكنهم. ويصير قوم ~~إلى الجنة ثم هى درجات بعضها أعلى رتبة ودرجة من بعض- واسم الجنة يشتمل على ~~جميع مساكنهم. # ويقال التفاوت فى الجنة بين الدرجات أكثر من التفاوت بين أهل الدارين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : الآيات 69 الى 70] # ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) ثم لنحن أعلم بالذين ~~هم أولى بها صليا (70) PageV02P437 # من تقدم عليهم فى الإضلال والضلال ضوعف عليه غدا العذاب والأغلال. # ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا ينزل فى كل دركة من دركاتها من هو ~~أهل لها، فمن كان عتوه اليوم أشد غلوا كان فى النار أبعد من الله وأشد ~~عقوبة وإذلالا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 71] # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) # كل يرد النار ولكن لا ضير منها ولا احتباس بها لأحد إلا بمقدار ما عليه ~~من ( ... ) «1» # والزلل فأشدهم انهماكا أشدهم بالنار اشتعالا واحتراقا. وقوم يردونها- كما ~~فى الخبر: # «إن للنار عند مرورهم عليها إذوابة كإذوابة اللبن، فيدخلونها ولا يحسون ~~بها، فإذا عبروها قالوا: أو ليس وعدنا جهنم على طريق؟ فيقال لهم. عبرتم ms0722 وما ~~شعرتم «2» ! قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 72] # ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (72) # ينجى من كان مؤمنا، بعضهم قبل بعض، وبعضهم بعد بعض، ولكن لا يبقى من ~~PageV02P438 # المؤمنين من لا ينجيهم. ويترك الكفار فيها بنعت الخيبة عن الخروج منها، ~~وعند ذلك يشتد عليهم البلاء، وتطبق عليهم أبواب جهنم، وينقطع منهم الرجاء ~~والأمل. # وإنما ينجو القوم بحسب تقواهم فزيادة التقوى توجب لهم التعجيل فى النجاة ~~فمن سابق ومن لاحق، ومن منقطع، ومن محترق.. إلى كثير من الأصناف والألوان. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 73] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين ~~خير مقاما وأحسن نديا (73) # يعنى إذا قرئت عليهم آيات القرآن قابلوها بالرد والجحد والعتو والزيغ، ~~ويدعون أنهم على حق، ولا يعتمدون فى ذلك إلا على الحدس والظن. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 74] # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا (74) # أي إن هؤلاء ينخرطون فى سلك من تقدمهم، كما سلكوا فى الريب منهاجهم، ~~وسيلقون ما يستوجبونه على سوء أعمالهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 75] # قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما ~~العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (75) # «1» إن الله تعالى يمهل الكفار ليركنوا إلى أباطيل ظنونهم، ويغتروا ~~بسلامة أحوالهم، فينسونه فى غفلة الإمهال والاغترار بسلامة أحوالهم، ثم ~~يغشاهم التقدير بما يستوجب حسبانهم قوله «حتى إذا رأوا ما يوعدون ... » أي ~~يحل بهم موعود العقوبة عاجلا أو قيام PageV02P439 # الساعة «1» آجلا، فعند ذلك يتضح لهم ما تعاموا عنه من شدة الانتقام، ~~وسيعلمون عند ذلك ما فاتهم وما أصابهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 76] # ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~مردا (76) # أي يغنيهم بنور البدر عن الاستضاءة بنور النجم، ثم بطلوع الفجر قبل طلوع ~~الشمس، فإذا متع نهار العرفان فلا ظلمة ولا تهمة. # والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا «الباقيات الصالحات» ms0723 : ~~الشهادة بالربوبية خير من غيرها مما لا يوجد فيه صدق الإخلاص. # ويقال «الباقيات الصالحات» : التي تبقى عند الله مقبولة. # قوله تعالى: «خير» لأن فى استحقاق القبول زيادة للهدى فيصير علم اليقين ~~عين اليقين، وعين يقينهم حق اليقين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 77] # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) # أخبر بقصة ذلك الكافر «2» الذي قال بيمين- من غير حجة- لأعطين مالا ~~وولدا، ورأى أن يكون ليمينه تصديق، فهل هو: ### | [سورة مريم (19) : آية 78] # أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) PageV02P440 # هل يقول ما يقول بتعريف منا؟ أم هل اتخذ مع الله عهدا؟ ليس الأمر كذلك. # ودليل الخطاب يقتضى أن المؤمن إذا ظن بالله تعالى ظنا جميلا، أو أمل منه ~~أشياء كثيرة فالله تعالى يحققها له، ويصدق ظنه لأنه على عهد مع الله تعالى، ~~والله تعالى لا يخلف عهده. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : الآيات 79 الى 80] # كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا ~~فردا (80) # كلا.. ليس الأمر على ما يقول، وليس لقولهم تحقيق، بل سنمدلهم من العذاب ~~مدا أي سنطيل فى العذاب مدتهم. # «ونرثه ما يقول ... » لن نمتعه بأولاده وحشمه وخدمه وقومه، ويعود إلينا ~~منفردا عنهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : الآيات 81 الى 82] # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ~~ويكونون عليهم ضدا (82) # حكموا بظنهم الفاسد أن أصنامهم تمنعهم، وأن ما عبدوه من دون الله تعالى ~~توجب عبادتهم لهم عند الله تعالى وسيلة.. وهيهات! هيهات أن تكون لمغاليط ~~حسبانهم تحقيق، بل إذا حشروا وحشرت أصنامهم تبرأت أصنامهم منهم، وما أملوا ~~نفعا منها عاد ضررا عليهم. # ويقال طلبوا العز فى أماكن الذل، فأخفقوا فى الطلب، ونفوا عن المراد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 83] # ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (83) # تؤزهم أي تزعجهم، فخاطر الشيطان يكون بإزعاج وغمة، وخاطر الحق يكون بروح ~~وسكينة، وهذه إحدى الدلائل بينهما. # PageV02P441 # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 84] # فلا تعجل عليهم إنما ms0724 نعد لهم عدا (84) # الأنفاس فى الحكم معدودة فمن لم يستوف فلا انقضاء لها. وإذا انتهى الأجل ~~فلا تنفع بعد ذلك الحيل، وقبل انقضائه لا يزيد ولا ينقص بالعلل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 85] # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) # قيل ركبانا على نجائب طاعاتهم، وهم مختلفون فمن راكب على صدور طاعاته، ~~ومن راكب على مراكب هممه، ومن راكب على نجائب أنواره. ومن محمول يحمله الحق ~~فى عقباه كما يحمله اليوم فى دنياه. وليس محمول الحق كمحمول الخلق! قوله جل ~~ذكره ### | [سورة مريم (19) : آية 86] # ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (86) # فأولئك يساقون بوصف العز، وهؤلاء يساقون بنعت الذل، فيجمعهم فى السوق، ~~ولكن يغابر بينهم فى معانيه.. فشتان ما هما!! قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 87] # لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (87) # وذلك العهد حفظهم فى دنياهم ما أخذ عليهم- يوم الميثاق- من القيام ~~بالشهادة بوحدانية مولاهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 88 الى # 91] # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا (91) # ما أعظم بهتانهم فى مقالتهم! وما أشد جرأتهم فى قبيح حالتهم! لكن الصمدية ~~متقدسة عن عائد يعود إليها من زين بتوحيد موحد، أو شين بإلحاد ملحد.. فما ~~شاهت إلا وجوههم بما خاضوا فيه من مقالهم، وما صاروا إليه من ضلالهم. كما ~~لم يتجمل بما قاله الآخرون إلا القائل، وما عاد إلا على القائل مقابل من ~~عاجل أو آجل. # PageV02P442 # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : الآيات 92 الى 95] # وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي ~~الرحمن عبدا (93) لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ~~(95) # أنى بالولد وهو واحد؟! وأنى بالولادة ولا جنس له وجوبا «1» ولا جوازا؟! ~~«لقد أحصاهم..» : لا يعزب عن علمه معلوم، ولا ينفك عن قدرته- مما يصح أن ~~يقال حدوثه- موهوم. # وكلهم آتيه يوم القيامة فردا: لا خدم يصحبهم، ولا حشم يلحقهم، كل بنفسه ~~مشتغل، وعن غيره ms0725 منفرد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة مريم (19) : آية # 96] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) # يجعل فى قلوبهم ودا لله نتيجة لأعمالهم الخالصة، وفى الخبر: «لا يزال ~~العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى يحبنى وأحبه» «2» . # ويقال يجعل لهم الرحمن ودا فى قلوب عباده، وفى قلوب الملائكة، فأهل الخير ~~والطاعة محبوبون من كل أحد من غير استحقاق بفعل «3» . PageV02P443 # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 97] # فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) # «1» الكلام واحد والخطاب واحد، وهو لقوم تيسير، ولآخرين تخويف وتحذير. ~~فطوبى لمن يسر لما وفق به، والويل لمن خوف بل خذل فيه. والقوم بين موفق ~~ومخذول. # قوله جل ذكره: ### | [سورة مريم (19) : آية 98] # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (98) # أثبتهم وأحياهم، وعلى ما شاء فطرهم وأبقاهم، ثم بعد ذلك- لما شاء- أماتهم ~~وأفناهم، فبادوا بأجمعهم، وهلكوا عن آخرهم، فلا كبير منهم ولا صغير، ولا ~~جليل ولا حقير، وسيطالبون- يوم النشور- بالنقير والقطمير. ### | سورة طه # بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله اسم عزيز من تحقق بجلال عزته تمحض «2» ~~فى خلوص عبوديته، وإذا وصل إلى ضياء صفوته نزل عن سيماء نعوته. # اسم عزيز من عرفه سمت همته، وإذا سمت همته سقطت عن الدارين طلبته. # اسم من عرفه زال كربه وطاب قلبه دينه ربه «3» وجنته حبه. # اسم عزيز من وسمه بعبوديته حرره من رق شهواته، وأعتقه من أسر مطالبه فلا ~~له لمحبوب طلب، ولا يستفزه لمحذور هرب. PageV02P444 # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) # الطاء إشارة إلى قلبه- عليه السلام- من غير الله، والهاء إشارة إلى ~~اهتداء قلبه إلى الله. # وقيل طأ بسرك بساط القربة فأنت لا تهتدى إلى غيرنا. # ويقال طوينا عن سرك ذكر غيرنا، وهديناك إلينا. # ويقال طوبى لمن اهتدى بك. ويقال طاب عيش من اهتدى بك. # «ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» : أي ليس المقصود من إيجابنا إليك تعبدك، ~~وإنما هذا استفتاح الوصلة، والتمهيد لبساط ms0726 القربة. # ويقال إنه لما قال له: «ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم» «1» ~~وقف بفرد قدم تباعدا وتنزها عن أن يقرب من الدنيا استمتاعا بها بوجه فقيل ~~له: طأ الأرض بقدميك. # لم كل هذا التعب الذي تتحمله؟ فزاد فى تعبده، ووقف، حتى تقدمت قدماه «2» ~~وقال: # «أفلا أكون عبدا شكورا» أي لما أهلني من التوفيق حتى أعبده. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 3] # إلا تذكرة لمن يخشى (3) # فالقرآن تبصرة لذوى العقول، تذكرة لذوى الوصول، فهؤلاء به يستبصرون ~~فينالون به راحة النفس فى آجلهم، وهؤلاء به يذكرون فيجدون روح الأنس فى ~~عاجلهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 4] # تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) PageV02P445 # جعل الأرض قرارا لعباده. ونفوس العابدين أرض وقرار لطاعتهم، وقلوب ~~العارفين قرار لمعارفهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 5] # الرحمن على العرش استوى (5) # استواء عرشه فى السماء معلوم، وعرشه فى الأرض قلوب أهل التوحيد. # قال تعالى: «ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية» «1» وعرش القلوب: قال ~~تعالى: # «وحملناهم في البر والبحر» «2» . أما عرش السماء فالرحمن عليه استوى، ~~وعرش القلوب الرحمن عليه استولى. عرش السماء قبلة دعاء الخلق، وعرش القلب ~~محل نظر الحق. # فشتان بين عرش وعرش! قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 6] # له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى (6) # له الأشياء على العموم ملكا، والأولياء تخصيصا وتشريفا. له ما بين ~~السماوات والأرض مما أظهر من العدم فالكل له إثباتا وخلقا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 7] # وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) # النفس لا تقف على ما فى القلب، والقلب لا يقف على أسرار الروح، والروح لا ~~سبيل له إلى حقائق السر والذي هو أخفى من السر فهو ما لا يطلع عليه إلا ~~الحق «3» . # ويقال الذي هو أخفى من السر لا يفسده الشيطان، ولا يكتبه الملكان، ~~ويستأثر بعلمه الجبار، ولا تقف عليه الأغيار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 8] # الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8) PageV02P446 # نفى كل موهوم ms0727 من الحدثان بأن يكون شىء منه صالحا للإبداع، وأثبت كل ما فى ~~الوجود له باستحقاق القدم. # «له الأسماء الحسنى» أي صفاته، على انقسامها إلى صفة ذات وصفة معنى «1» ~~ويقال «له الأسماء الحسنى» : تعريف للخلق بأن استحقاق العلو والتقدس عن ~~النقائص له على وصف التفرد به. # قوله جل ذكره ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 9 الى # 10] # وهل أتاك حديث موسى (9) إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10) # سؤال فى صيغة الاستفهام والمراد منه التقرير «2» والإثبات. وأجرى- تعالى- ~~سنته فى كتابه أن يذكر قصة موسى عليه السلام فى أكثر المواقع التي يذكر ~~فيها حديث نبينا صلى الله عليه وسلم، فيعقبه بذكر موسى عليه السلام. # إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو ~~أجد على النار هدى ألاح له النار حتى أخرجه من أهله يطلبها، وكان المقصود ~~إخراجه من بينهم، فكان موسى عليه السلام يدنو والنار تنأى، وقال لأهله: # «امكثوا إني آنست نارا» فقال أهله: كيف تتركنا والوادي مسبع؟ # فقال: لأجلكم أفارقكم فلعلى آتيكم من هذه النار بقبس. # ويقال استولى على موسى عند رؤيته النار الانزعاج، فلم يتمالك حتى خرج. ~~ففى القصة أنه لما أتاها وجد شجرة تشتعل من أولها إلى آخرها، فجمع موسى- ~~عليه السلام- حشائش ليأخذ من تلك النار، فعرف أن هذه النار لا تسمح نفسها ~~بأن تعطى إلى أحد شعلة: PageV02P447 # وقلن لنا نحن الأهلة إنما ... نضىء لمن يسرى بليل ولا نقرى # يا موسى هذه النار تضىء ولكن لا تعطى لأحد منها شعلة. يا موسى هذه النار ~~تحرق القلوب لا النفوس. # ويقال كان موسى عليه السلام فى مزاولة قبس من النار فكان يحتال كيف يأخذ ~~منها شيئا، فبينما هو فى حالته إذ سمع النداء من الحق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : الآيات 11 الى 12] # فلما أتاها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس ~~طوى (12) # علم موسى أنه كلام الحق- سبحانه- لما سمع فيه الترتيب والتنظيم والتركيب، ~~فعلم ms0728 أنه خطاب الحق. # ويقال إنما عرف موسى- عليه السلام- أنه كلام الله بتعريف خصه الحق- ~~سبحانه- به من حيث الإلهام دون نوع من الاستدلال. # «قوله: «فاخلع نعليك..» فإن بساط حضرة الملوك لا يوطأ بنعل. # ويقال ألق عصاك يا موسى، واخلع نعليك، وأقم عندنا هذه الليلة ولا تبرح. # ويقال الإشارة فى الأمر بخلع النعلين تفريغ القلب من حديث الدارين، ~~والتجرد للحق بنعت الانفراد. # ويقال «فاخلع نعليك» : تبرأ عن نوعى أفعالك «1» ، وامح عن الشهود جنسى ~~أحوالك من قرب وبعد، ووصل وفصل، وارتياح واجتياح، وفناء وبقاء ... وكن ~~بوصفنا فإنما أنت بحقنا. # أثبته فى أحواله حتى كان كالمجرد عن جملته، المصطلم عن شواهده. ~~PageV02P448 # قوله: «إنك بالواد المقدس طوى» : أي إنك بالوادي المقدس عن الأعلال ~~وساحات الصمدية تجل عن كل شين، وإيمان وزين عن زين بإحسان وشين بعصيان لأن ~~للربوبية سطعات عز تقهر كل شىء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 13] # وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) # وعلى علم منى بك اصطفينك، وجردتك ونقيتك عن دنس الأوهام وكل ما يكدر ~~صفوك. # ويقال بعد ما اخترتك فأنت لى وبي، وأنت محو فى فنائك عنك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 14] # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (14) # تقدست عن الأعلال فى أزلى، وتنزهت ( ... ) «1» والأشكال باستحقاقى لجلالى ~~وجمالى. # ويقال «لا إله إلا أنا» : الأغيار فى وجودى فقد، والرسوم والأطلال عند ~~ثبوت حقى محو قوله: «فاعبدني» : أي تذلل لحكمى، وأنفذ أمرى، واخضع لجبروت ~~سلطانى. # قوله جل ذكره: وأقم الصلاة لذكري إقامتها من غير ملاحظة مجريها ومنشيها ~~يورث الإعجاب. وإذا أقام العبد صلاته على نعت. # الشهود والتحقق بأن مجريها غيره «2» كانت الصلاة بهذا فتحا لباب ~~المواصلة، والوقوف على محل النجوى، والتحقق بخصائص القرب والزلفة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 15] # إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (15) # الفائدة فى تعريف العباد بقرب الساعة أن يستفيقوا من غفلات التفرقة، فإذا ~~حضروا PageV02P449 # بقلوبهم- ففى حال استدامة الذكر- فما هو موعود فى الآجل أكثره للحاضرين ~~موجود فى العاجل والحاضرة لهم كالآخرة. ms0729 وكذلك جعلوا من أمارات الاستقامة ~~شهود الوقت قيامة «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 16] # فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16) # إذا أكرمه الله بحسن التنبيه، وأحضره بنعت الشهود فلا ينبغى أن ينزل عن ~~سماء صفاته إلى جحيم أهل الغفلة فى تطوحهم فى أودية التفرقة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 17] # وما تلك بيمينك يا موسى (17) # كرر عليه السؤال فى غير آية عن عصاه لما كان المعلوم له سبحانه فيها من ~~إظهاره فيها عظيم المعجزة. # ويقال إنما قال ذلك لأنه صحبته هيبة المقام عند فجأة سماع الخطاب فليسكن ~~بعض ما به من بواده الإجلال.. رده إلى سماع حديث العصا، وأراه ما فيها من ~~الآيات. # ويقال لو تركه على ما كان عليه من غلبات الهيبة لعله كان لا يعى ولا يطيق ~~ذلك.. # فقال له: وما تلك بيمينك يا موسى؟ ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 18 الى # 21] # قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (18) قال ~~ألقها يا موسى (19) فألقاها فإذا هي حية تسعى (20) قال خذها ولا تخف ~~سنعيدها سيرتها الأولى (21) # قال هى عصاى، وأخذ يعدد ما له فيها من وجوه الانتفاع فقال له: # قال ألقها يا موسى PageV02P450 # فإنك بنعت التوحيد «1» ، واقف على بساط التفريد، ومتى يصح ذلك، ومتى يسلم ~~لك أن يكون لك معتمد تتوكأ عليه، ومستند عليه تستعين، وبه تنتفع؟ # ثم قال: «ولي فيها مآرب أخرى» : أول قدم فى الطريق ترك كل سبب، والتنقى ~~عن كل طلب فكيف كان يسلم له أن يقول: أفعل بها، وأمتنع «2» ، ولى فيها مآرب ~~أخرى. # ويقال ما ازداد موسى- عليه السلام- تفصيلا فى انتفاعه بعصاه إلا كان أقوى ~~وأولى بأن يؤمن بإلقائها، والتنقى عن الانتفاع بها على موجب التفرد لله. # ويقال التوحيد التجريد، وعلامة صحته سقوط الإضافات «3» بأسرها فلا جرم ~~لما ذكر موسى- عليه السلام- ذلك أمر بإلقائها فجعلها الله حية تسعى، وولى ~~موسى هاربا ولم يعقب. وقيل له يا موسى هذه صفة العلاقة إذا كوشف صاحبها ~~بسرها يهرب منها. # ويقال لما ms0730 باسطه الحق بسماع كلامه أخذته أريحية سماع الخطاب، فأجاب عما ~~يسأل وعما لم يسأل فقال: «ولي فيها مآرب أخرى» ، وذكر وجوها من الانتفاع ~~منها أنه قال تؤنسني «4» فى حال وحدتي، وتضىء لى الليل إذا أظلم، وتحملني ~~إذ عييت فى الطريق فأركبها، وأهش بها على غنمى، وتدفع عنى عدوى. وأعظم مأرب ~~لى فيها أنك قلت: «وما تلك بيمينك؟» وأية نعمة أو مأرب أو منفعة تكون أعظم ~~من أن تقول لى: وما تلك؟ ويقال قال الحق- بعد ما عدد موسى وجوه الآيات ~~وصنوف انتفاعه بها- ولك يا موسى فيها أشياء أخرى أنت غافل عنها وهى ~~انقلابها حية، وفى ذلك لك معجزة وبرهان صدق. PageV02P451 # ويقال جميع ما عدد من المنافع فى العصا كان من قبل الله.. فكيف له أن ~~ينسبها ويضيفها إلى نفسه، ولهذا قالوا: # يا جنة الخلد، والهدايا إذا ... تهدى إليك فما منك يهدى # ويقال قال موسى لما رآها حية تهتز: لقد علمت كل وصف بهذه العصا، أما هذه ~~الواحدة فلم أعرفها. # قوله جل ذكره: قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى قال خذها ولا ~~تخف سنعيدها سيرتها الأولى لا عبرة بما يوهم ظاهر الأشياء فقد يوهم الظاهر ~~بشىء ثم يبدو خلافه فى المستقبل فعصا موسى صارت حية. # ثم قال المقصود بذلك أن تكون لك آية ومعجزة لا بلاء وفتنة «1» . # قوله: «قال خذها ولا تخف ... » : أشهده- بانقلاب العصا من حال إلى حال ~~مرة عصا ثم ثعبانا ثم عصا مرة أخرى- أنه يثبت عباده فى حال التلوين مرة ~~ومرة فمن أخذ ومن رد، ومن جمع ومن فرق إلخ «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : الآيات 22 الى 23] # واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى (22) لنريك من ~~آياتنا الكبرى (23) # كما أراه آية من خارج أراه آية من نفسه، وهى قلب يده بيضاء إذ جعلها فى ~~جيبه من غير البرص. قال تعالى: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق» «3» PageV02P452 # وإنما قال: أدخل يدك فى جيبك ولم يقل كمك لانه لم ms0731 يكن لما عليه من اللباس ~~كمان. # قوله: «لنريك «1» من آياتنا الكبرى» : الآية الكبرى هى ما كان يجده فى ~~نفسه من الشهود والوجود، وما لا يكون بتكلف العبد وتصرفه من فنون الأحوال ~~التي يدركها صاحبها ذوقا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 24] # اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) # بعد ما أسمعه كلامه من غير واسطة، وشرف مقامه، وأجزل إكرامه أمره بالذهاب ~~ليدعو فرعون إلى الله- مع علمه بأنه لا يؤمن ولا يجيب ولا يسمع ولا يعرف- ~~فشق على موسى ذهابه إلى فرعون، وسماع جحده منه، بعد ما سمع من الله كلامه ~~سبحانه، ولكنه آثر أمر محنته على مراد نفسه. # ويقال لما أمره بالذهاب إلى فرعون سأل الله أهبة النقل وما به يتم تبليغ ~~ما حمل من الرسالة، ومن ذلك قوله: ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 25 الى # 28] # قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) ~~يفقهوا قولي (28) # ليعلم أن من شرط التكليف التمكن من أداء المأمور به. # ويقال إن موسى لم أخذ فى المخاطبة مع الله كاد لا يسكت من كثرة ما سأله ~~فظل يدعو: # «رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري ... » وهكذا إلى آخر الآيات والأسئلة. # قوله «قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري» : حتى أطيق أن أسمع كلام غيرك ~~بعد ما سمعت منك. «واحلل عقدة من لساني» : حتى ينطلق بمخاطبة غيرك، وقونى ~~حتى أرد ما أرد ... بك لا بي قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : الآيات 29 الى 31] # واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) ~~PageV02P453 # سأل أن يصحب أخاه معه، ولما ذهب لسماع كلام الله حين قال تعالى: «وواعدنا ~~موسى ثلاثين ليلة» «1» كان بمفرده، لأن الذهاب إلى الخلق يوجب الوحشة فطلب ~~من أخيه الصحبة ليخفف عليه كلفة المشقة. # ويقال إن المحبة توجب التجرد والانفراد وألا يكون للغير مع المحب مساغ ~~ففى ذهابه إلى فرعون استصحب أخاه، ولما كان الذهاب إلى الميقات لم يكن ~~للغير سبيل إلى صحبته، إذ كان المقصود من ذهابه أن يكون مخصوصا بحاله. ms0732 # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : الآيات 33 الى 34] # كي نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) # بين أن طلبه مشاركة أخيه له بحق ربه لا بحظ نفسه حيث قال: «كي نسبحك ~~كثيرا ونذكرك كثيرا» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 36] # قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) # أعطيناك ما سألت، وتناسيت ابتداء حالك حين حفظناك فى اليم ونجينا أمك من ~~ذلك الغم، وربيناك فى حجر العدو.. فأين- حينذاك- كان سؤالك واختيارك ودعاؤك ~~«2» ؟ # وأثبتنا فى قلب امرأة فرعون شفقتك، وألقينا عليك المحبة حتى أحبك عدوك، ~~ورباك حتى قتل بسببك ما لا يحصى من الولدان، والذي بدأك بهذه المنن هو الذي ~~آتاك سؤلك، وحقق لك مأمولك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : الآيات 38 الى 39] # إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم ~~فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على ~~عيني (39) PageV02P454 # كان ذلك وحي إلهام، ألقى الله فى قلبها أن تجعله فى تابوت، وتلقيه فى ~~اليم يعنى نهر النيل، ففعلت، فألقاه النهر على الساحل، فحمل إلى فرعون. ~~فلما وقع بصر امرأة فرعون عليه باشر حبه قلبها، وكذلك وقعت محبته فى قلب ~~فرعون، ولكنها كانت أضعف قلبا، فسبقت بقولها «قرت عين لي ولك لا تقتلوه..» ~~«1» ، ولولا أنها علمت أنه أخذ شعبة من قلب فرعون ما أخذ من قلبها لم تقل: ~~«قرت عين لي ولك» . # قوله: «يأخذه عدو لي وعدو له» : رباه فى حجر العدو، وكان قد قتل بسببه ~~ألوفا من الولدان.. ولكن من مأمنه يؤتى الحذر! وبلاء كل أحد كان بعده إلا ~~بلاء موسى عليه السلام فإنه تقدم عليه بسنين ففى اليوم الذي أخذ موسى فى ~~حجره كان قد أمر بقتل كثير من الولدان، ثم إنه رباه ليكون إهلاك ملكه على ~~يده.. ليعلم أن أسرار الأقدار لا يعلمها إلا الجبار. # ويقال كان فرعون يسمى والد موسى وأباه- ولم يكن. وكان يقال لأم موسى ظئر ~~«2» موسى- ولم تكن فمن حيث الدعوى بالأبوة لم يكن لها تحقيق، ومن حيث كان ~~المعنى ms0733 والحقيقة لم يكن عند ذلك خبر ولا عند الآخر من ذلك معرفة.. هكذا ~~الحديث والقصة «3» . # ولقد جاء فى القصة أن موسى لما وضع فى حجر فرعون لطم وجهه فقال: إن هذا ~~من أولاد الأعداء فيجب أن يقتل، فقالت امرأته: إنه صبي لا تمييز له، ويشهد ~~لهذا أنه لا يميز بين النار وبين غيرها من الجواهر والأشياء، وأرادت أن ~~يصدق زوجها قالتها، فاستحضرت شيئا من النار وشيئا من الجواهر، فأراد موسى ~~عليه السلام أن يمد يده إلى الجواهر فأخذ جبريل عليه السلام بيده وصرفها ~~إلى النار فأخذ جمرة بيده، وقربها من فيه فاحترق لسانه- ويقال إن العقدة ~~التي كانت على لسانه كانت من ذلك الاحتراق- فعند ذلك قالت امرأة فرعون: ها ~~قد تبين أن هذا لا تمييز له فقد أخذ الجمرة إلى فيه. # وتخلص موسى بهذا مما حصل منه من لطم فرعون. PageV02P455 # ويقال إنهم شاهدوا ولم يشعروا أنه لم يحترق من أخذ الجمرة وهو صبي رضيع، ~~ثم احترق لسانه، فعلم الكل أن هذا الأمر ليس بالقياس. فإنه سبحانه فعال لما ~~يريد. # قوله جل ذكره: وألقيت عليك محبة مني أي أحببتك. ويقال فى لفظ الناس: فلان ~~ألقى محبته على فلان أي أحبه. ويقال «ألقيت عليك محبة مني» : أي طرحت فى ~~قلوب الناس محبة لك، فالحق إذا أحب عبدا فكل من شاهده أحبه. ويقال لملاحة ~~فى عينيه فكان لا يراه أحد إلا أحبه. # ويقال «ألقيت عليك محبة مني» : أي أثبت فى قلبك محبتى فإن محبه العبد لله ~~لا تكون إلا بإثبات الحق- سبحانه- ذلك فى قلبه، وفى معناه أنشدوا: # إن المحبة أمرها عجب ... تلقى عليك وما لها سبب # قوله جل ذكره: ولتصنع على عيني أي بمرأى منى ويقال لا أمكن غيرى بأن ~~يستبعدك عنى. # ويقال أحفظك من كل غير، ومن كل حديث سوى حديثنا. ويقال ما وكلنا حفظك إلى ~~أحد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 40] # إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ~~ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك ms0734 من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ~~ثم جئت على قدر يا موسى (40) # البلاء على حسب قوة صاحبه وضعفه، فكلما كان المرء أقوى كان بلاؤه أوفى ~~«1» ، وكلما كان أضعف كان بلاؤه أخف. وكانت أم موسى ضعيفة فرد إليها ولدها ~~بعد أيام، وكان يعقوب أقوى فى حاله فلم يعد إليه يوسف إلا بعد سنين طويلة. # قوله جل ذكره: وقتلت نفسا فنجيناك من الغم PageV02P456 # أجرى الله عليه ما هو فى صورة كبيرة من قتل النفس بغير حق، ثم بين الله ~~أنه لا يضره ذلك، فليست العبرة بفعل العبد فى قلته وكثرته إنما العبرة ~~بعناية الحق، بشأن أحد أو عداوته. # ويقال قد لا يموت كثير من الخلق بفنون من العذاب، وكم من أناس لا يموتون ~~وقد ضربوا ألوفا من السياط! وصاحب موسى عليه السلام ومقتوله مات بوكزة! إيش ~~«1» الذي أوجب وفاته لولا أنه أراد به فتنة لموسى؟ وفى بعض الكتب أنه- ~~سبحانه- أقام موسى كذا وكذا مقاما، وأسمعه كلامه كل مرة بإسماع آخر، وفى كل ~~مرة كان يقول له: # «وقتلت نفسا» . # «فنجيناك من الغم» : أريناك عين الجمع حتى زال عنك ما داخلك من الغم بصفة ~~مقتضى التفرقة، فلما أريناك سر جريان التقدير نجيناك من الغم. # قوله جل ذكره: وفتناك فتونا. # استخلصناك لنا حتى لا تكون لغيرنا. ويقال جنسنا عليك البلاء ونوعناه حتى ~~جردناك عن كل اختيار وإرادة، ثم حينئذ رقيناك إلى ما استوجبته من العلم ~~الذي أهلناك له. # قوله جل ذكره: فلبثت سنين في أهل مدين. # وكنت عند الناس أنك أجير لشعيب، ولم يظهر لهم ما أودعنا فيك، وكان يكفى- ~~عندهم- أن تكون ختنا «2» لشعيب. # ثم جئت على قدر يا موسى. # أي عددنا أيام كونك فى مدين شعيب، وكان أهل حضرتنا من الملائكة الذين ~~عرفوا شرفك ومحبتك منتظرين لك فجئت على قدر. PageV02P457 # ويقال إن الأجل إذا جاء للأشياء فلا تأخير فيه ولا تقديم، وأنشدوا فى ~~قريب من هذا المعنى: # بينما خاطر المنى بالتلاقى ... سابح فى فؤاده وفؤادى # جمع الله بيننا فالتقينا ... هكذا بغتة بلا ميعاد ms0735 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 41] # واصطنعتك لنفسي (41) # استخلصتك لى حتى لا تصلح لأحد غيرى، ولا يتأتى شىء منك غير تبليغ رسالتى، ~~وما هو مرادى منك. # ويقال أفردت سرك لى، وجعلت إقبالك على دون غيرى، وحلت بينك وبين كل أحد ~~ممن هو دونى. # ويقال «واصطنعتك لنفسي» : قطعه بهذا عن كل أحد، ثم قال له: «اذهبا إلى ~~فرعون» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : الآيات 42 الى 43] # اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) اذهبا إلى فرعون إنه طغى ~~(43) # تعلل موسى عليه السلام لما أرسله الحق إلى فرعون بوجوه من العلل مثل ~~قوله: # «يضيق صدري ولا ينطلق لساني» «1» ، «إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون» ~~«2» . # إلى غير ذلك من الوجوه، فلم ينفعه ذلك، وقال الله: «إنني معكما أسمع ~~وأرى» ، فاستقل «3» موسى عليه السلام بذلك، وقال: الآن لا أبالى بعد ما أنت ~~معى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 44] # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) . PageV02P458 # إنما أمرهما بالملاينة معه فى الخطاب لأنه كان أول من دعوه إلى الدين، ~~وفى حال الدعوة يجب اللين «1» فإنه وقت المهلة، فلا بد من الإمهال ريثما ~~ينظر «2» قال الله لنبينا صلى الله عليه وسلم: «وجادلهم بالتي هي أحسن «3» ~~» : وهو الإمهال حتى ينظروا ويستدلوا، وكذلك قال: «قل إنما أعظكم بواحدة أن ~~تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة» «4» . # ثم إذا ظهر من الخصم التمرد والإباء فحينئذ يقابل بالغلظة والحتف. # ويقال علمهما خطاب الأكابر ذوى الحشمة ففرعون- وإن كان كافرا- إلا أنه ~~كان سلطان وقته، والمتسلط على عباد الله. # ويقال إذا كان الأمر فى مخاطبة الأعداء بالرفق والملاينة.. فكيف مع ~~المؤمن فى السؤال؟ # ويقال فى هذا إشارة إلى سهولة سؤال الملكين فى القبر للمؤمن. # ويقال إذا كان رفقه بمن جحده فكيف رفقه بمن وحده؟ # ويقال إذا كان رفقه بالكفار فكيف رفقه بالأبرار؟ # ويقال إذا كان رفقه بمن قال: أنا.. فكيف رفقه بمن قال: أنت؟ # ويقال إنه «5» أحسن تربية موسى عليه السلام فأراده أن يرفق به ms0736 اليوم فى ~~الدنيا على جهة المكافأة. # وقيل تفسير هذا ما قال فى آية أخرى «فقل هل لك إلى أن تزكى» «6» . # وقوله: «لعله يتذكر أو يخشى» : أي كونا على رجاء أن يؤمن. ولم يخبرهما ~~أنه لا يؤمن PageV02P459 # لئلا تتداخلهما فترة فى تبليغ الرسالة علما منه «1» بأنه لا يؤمن ولا ~~يقبل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 45] # قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) # فى الآية دليل على أن الخوف «2» الذي تقتضيه جبلة الإنسان غير ملوم صاحبه ~~عليه، حيث قال مثل موسى ومثل هارون عليهما السلام: «إننا نخاف» . # ثم إنه سبحانه سكن ما بهما من الخوف بوعد النصرة لهما. # ويقال لم يخافا على نفسيهما شفقة عليهما، ولكن قالا: إننا نخاف أن تحل ~~بنا مكيدة من جهته، فلا يحصل فيما تأمرنا به قيام بأمرك، فكان ذلك الخوف ~~لأجل حق الله لا لأجل حظوظ أنفسهما. # ويقال لم يخافا من فرعون، ولكن خافا من تسليط الله إياه عليهما، ولكنهما ~~تأدبا فى الخطاب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 46] # قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) # تلطف فى استجلاب هذا القول من الحق سبحانه، وهو قوله: «إنني معكما» ~~بقولهما: # «إننا نخاف» ، وكان المقصود لهما أن يقول الحق لهما: «إنني معكما» وإلا ~~فأنى بالخوف لمن هو مخصوص بالنبوة؟! ويقال سكن فيهما الخوف بقوله: «إنني ~~معكما» ، فقويا على الذهاب إليه إذ من شرط التكليف التمكين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 47] # فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك ~~بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى (47) PageV02P460 # طال البلاء ببني إسرائيل من جهة فرعون، فتدراكهم الحق سبحانه ولو بعد ~~حين، بذلك أجرى سنته أنه يرخى عنان الظالم، ولكن إذا أخذه فإن أخذه أليم. # قوله جل ذكره: قد جئناك بآية من ربك من شرط التكليف التمكين بالبينة ~~والآية للرسول حتى يتضح ما يدل على صدقه فيما يدعو إليه من النبوة. ثم إن ~~تلك الآية وتلك البينة ما نفعتهم، وإنما تأكدت بهما ms0737 عليهم الحجة فإذا عمى ~~بصر القلب فأنى تنفع بصيرة الحجة؟ وفى معناه قالوا: # وفى نظر الصادي إلى الماء حسرة ... إذا كان ممنوعا سبيل الموارد # قوله جل ذكره: والسلام على من اتبع الهدى إنما يتبع الهدى من كحل قلبه ~~بنور العرفان، فأما من كانت على قلبه غشاوة الجهل.. # فمتى يستمع إلى الهدى؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 48 الى # 50] # إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48) قال فمن ربكما يا ~~موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) # ما بعث الله نبيا إلا وقد نذر قومه بالعذاب على ترك الأمر، وبشرهم ~~بالثواب على حفظ الأمر. والعذاب معجل ومؤجل فمؤجله لا يوقف على تفصيله ~~الأعداء، وكذلك مؤجل الثواب، قال تعالى: «فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة ~~أعين» «1» . # وأما معجل العقوبة فأنواع، وعلى حسب مقام المرء تتوجه عليه المطالبات، ~~والزيادة فى العقوبة تدل على زيادة استحقاق الرتبة كالحر والعبد فى الحد. ~~وقسوة القلب نوع عقوبة، وما يتداخل الطاعة نوع عقوبة، وخسران نصيب فى المال ~~والأنفس نوع عقوبة.. # إلى غير ذلك. # قوله جل ذكره: قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى. PageV02P461 # «فمن ربكما» على التثنية، ثم قال: «يا موسى» فأفرده بالخطاب بعد ما قال: ~~«فمن ربكما؟» . فيحتمل أن ذلك لمشاكلة رءوس الآي، ويحتمل أن موسى كان مقدما ~~على هارون فخصه بالنداء. # وإنما أجاب موسى عن هذا السؤال بالاستدلال على فعله- سبحانه فقال: «ربنا ~~الذي أعطى كل شيء خلقه» ليعلم أن الدليل على إثباته- سبحانه- ما دلت عليه ~~أفعاله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : الآيات 51 الى 52] # قال فما بال القرون الأولى (51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ~~ولا ينسى (52) # لا يمكننى أن أخبركم إلا بما أخبرنى به ربى، فما عرفنى عرفت، وما ستره ~~على وقفت. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 53] # الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا ~~به أزواجا ms0738 من نبات شتى (53) # جعل الأرض مستقرا لأبدانهم، وجعل أبدانهم مستقرا لعبادته، وقلوبهم مستقرا ~~لمعرفته «1» ، وأرواحهم مستقرا لمحبته، وأسرارهم مستقرا لمشاهدته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 54] # كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (54) # هيأ لهم أسباب المعيشة، وكما انظر إليهم ورزقهم رزق دوابهم التي ينتفعون ~~بها، PageV02P462 # وأمرهم أن يتقووا بما تصل إليه أيديهم، وأن ينتفعوا- ما أمكنهم- بأنعامهم ~~ليكمل لديهم إنعامهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 55] # منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) # إذ خلقنا آدم من التراب، وإذ أخرجناكم من صلبه.. فقد خلقناكم من التراب ~~أيضا. # والأجساد قوالب والأرواح ودائع، والقوالب نسبتها التربة «1» ، والودائع ~~صفتها القربة «2» ، فالقوالب يزينها بأفضاله، والودائع يحييها بكشف جلاله ~~ولطف جماله. وللقوالب اليوم اعتكاف على بساط عبادته، وللودائع اتصاف بدوام ~~معرفته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 56] # ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) # أمره بجهره، وأعماه عن شهود ذلك بسره، فما نجع فيه كلامه، وما انتفع بما ~~حذره من انتقامه، ويسر له من إنعامه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : الآيات 57 الى 58] # قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله ~~فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) # دعاهم موسى إلى الله، وخاطبهم فى حديث الآخرة من تبشير بثواب، وإنذار ~~بعذاب، فلم يجيبوا إلا من حيث الدنيا، وما زادهم تذكيرا إلا ازدادوا غفلة ~~وجهاله. PageV02P463 # كذلك صفة من وسمه الحق بالإبعاد، لم يكن له عرفان، ولا بمال يقال إيمان، ~~ولا يتأسف على ما يفوته، ولا تصديق له بحقيقة ما هو بصدده. # قوله: «فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه..» تأهبوا لمناصبة الحقيقة ~~وتشمروا للمخالفة، فقصمتهم المشيئة وكبستهم القدرة، وكما قيل: # استقبلني وسيفه مسلول ... وقال لى واحدنا معذول # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 59] # قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) # فكان فى ذلك اليوم افتضاحهم «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 60] # فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) # كان فرعون فكيد له، وأراد فارتد إليه، ودعا للاستعداد فأذل ms0739 وإذ يقال بأس. # ولم يدع موسى شيئا من الوعظ والرفق، ولم يغادر فرعون شيئا من البله ~~والحمق، ولكن: ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 61 الى # 62] # قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من ~~افترى (61) فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) # اعلموا أنه لا طاقة لأحد مع الله- سبحانه- إذا عذبه، فحملوا مقالته على ~~الإفك، ورموا معجزته بالسحر فقالوا: ### | [سورة طه (20) : الآيات 63 الى 65] # قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا ~~بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى ~~(64) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) PageV02P464 # هما فى دعواهما كاذبان يقصدان إلى إخراجكم من بلدكم، والتشويش عليكم فى ~~معتقدكم. # قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى أظهروا من أنفسهم ~~التجلد ظنا بأن النصرة لهم، وإخلادا إلى ما كان السحرة يسولون لهم، فخيروا ~~موسى فى الابتداء بناء على ما توهموا من الإلقاء، فقال لهم موسى: ### | [سورة طه (20) : الآيات 66 الى 71] # قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) ~~فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما في ~~يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) ~~فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) # قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا ~~وأبقى (71) # PageV02P465 # قال لهم موسى بل ألقوا أنتم، وليس ذلك إذنا لهم فى السحر، ولكن أراد الحق ~~إظهار تمويههم، فلما خيلوا للناس بإلقاء الحبال أنها حيات ابتلعت عصا موسى ~~جملة ما صنعوا، وتحقق السحرة أن ذلك أمر سماوى حيث تلاشى عين ما كان معهم ~~من أوقار «1» الحبال، وصار الثعبان عصا كما كان، فسجدوا لله مؤمنين، وانقلب ~~فرعون وقومه خائبين، وتوعدهم بالقتل والصلب، وفنون من العذاب الصعب، وبعد ~~ما كانوا يقسمون بعزة ms0740 فرعون صاروا يحلفون بالله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 72] # قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض ~~إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) # أي بالله الذي فطرنا إنا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات. ولما طلعت فى ~~أسرارهم شموس العرفان، وانبسطت عليهم أنوار العناية أبصروا الحق سبحانه ~~بأسرارهم فنطقوا ببيان التصديق، وسجدوا بقلوبهم لمشهودهم، ولم يحتشموا مما ~~توعدهم به من العقوبة، ورأوا ذلك من الله فاستعذبوا البلاء، وتحملوا ~~اللأواء «2» ، فكانوا فى الغداة كفارا سحرة، وأمسوا أخيارا بررة «3» . # قوله «فاقض ما أنت قاض ... » علموا أن البلاء فى الدنيا ينقضى- وإن ~~تمادى، وينتهى وإن تناهى «4» قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 73] # إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير ~~وأبقى (73) # أهم الأشياء- على من عرفه- مغفرته لخطاياه فهذا آدم- عليه السلام- لما ~~PageV02P466 # استكشف «1» من حاله، وحل به ما حل قال: ب إني ظلمت نفسي ... » # «2» وقال لنبينا- صلى الله عليه وسلم- «واستغفر لذنبك» «3» . وقال صلى ~~الله عليه وسلم: «إنه ليغان على قلبى فأستغفر الله فى اليوم سبعين مرة» «4» ~~. ومن عليه بقوله: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر» «5» قوله جل ~~ذكره: ### | [سورة طه (20) : الآيات 77 الى 79] # ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا ~~تخاف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ~~(78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) # لما عبر موسى ببني إسرائيل البحر، وقرب منه فرعون، ورأى البحر منفلقا ~~والطريق فيه يبسا عير قومه بتلبيسه فقال: «إنه بحشمتي انفلق، فأنا ربكم ~~الأعلى!» وحصل- كما فى القصة- من دخوله بعسكره البحر حتى دخل آخرهم، وهم أن ~~يخرج أولهم، فأمر الله البحر حتى التطمت أمواجه فغرقوا بجملتهم، وآمن فرعون ~~لما ظهر له اليأس «6» ، ولم ينفعه إقراره، وكان ينفعه لو لم يكن إصراره، ~~وقد أدركته الشقاوة التي سبقت له من التقدير. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 80] # يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا ~~عليكم ms0741 المن والسلوى (80) PageV02P467 # يذكرهم آلاءه، ويعد عليهم نعماءه، ويأمرهم بالتزام الطاعة والقيام بالشكر ~~لما أسبغ عليهم من فنون النعم، ثم يذكرهم ما من به على أسلافهم من إنزال ~~المن والسلوى، وضروب المحن وفنون البلوى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 81] # كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه ~~غضبي فقد هوى (81) # الطيب ما كان حلالا. ويقال الطيب من الرزق ما لا يعصى الله مكتسبه. ويقال ~~الطيب من الرزق ما يكون على مشاهدة الرزاق. ويقال الطيب من الرزق ما حصل ~~منه الشكر. ويقال الطيب من الرزق ما يأخذه العبد من الله فما لأهل الجنة ~~مؤجل فى عقباهم جهرا، معجل لأصفيائه فى دنياهم سرا، قال تعالى: «آخذين ما ~~آتاهم ربهم «1» » . # والأرزاق مختلفة فلأقوام حظوظ النفوس ولآخرين حقوق القلوب، ولأقوام شهود ~~الأسرار فرزق النفوس التوفيق، ورزق القلوب التصديق، ورزق الأرواح التحقيق ~~«2» . # قوله: «ولا تطغوا فيه» : بمجاوزة الحلال إلى الحرام. # ويقال «لا تطغوا فيه» : بالزيادة على الكفاف «3» ، وما لا بد منه مما زاد ~~على سد الرمق. # ويقال «لا تطغوا فيه» : بالأكل على الغفلة والنسيان. # قوله جل ذكره: فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى. # فيحل عليكم غضبى بالخذلان لمتابعة الزلة بعد الزلة. # ويقال فيحل عليكم غضبى لفقدكم التأسف على ما فاتكم. # ويقال بالرضا بما أنتم فيه من نقصان الحال. PageV02P468 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 82] # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) # الغفار كثير المغفرة فمنك التوبة عن زلة واحدة ومنه المغفرة لذنوب كثيرة، ~~ومنه السرية التي لا اطلاع لأحد غيره عليها وما للملائكة عليها اطلاع. وهو ~~يغفر لمن عمل مثل عملك، وهو يغفر لمن قلبك مريد له بالخير والنعمة، وكما ~~قالوا. # إنى- على جفواتها- فبربها ... وبكل متصل بها متوسل # وأحبها وأحب منزلها الذي ... نزلت به وأحب أهل المنزل # قوله «وإني لغفار لمن تاب وآمن» : فلا تصح التوبة إلا لمن يكون مؤمنا. # وقوله هنا: «وآمن» : أي آمن فى المآل كما هو مؤمن فى الحال. # ويقال ms0742 آمن بأنه ليست نجاته بتوبته وبإيمانه وطاعته، إنما نجاته برحمته. # ويقال «وإني لغفار لمن تاب» : من الزلة «وآمن» : فلم ير أعماله من نفسه، ~~وآمن بأن جميع الحوادث من الحق- سبحانه- «وعمل صالحا» : فلم يخل بالفرائض ~~ثم اهتدى للسنة والجماعة «1» . # ويقال «ثم» : للتراخى أي آمن فى الحال «ثم» اهتدى فى المآل. # ويقال من سمع منه «وإني» لا يقول بعد ذلك: «إني» «2» ويقال من شغله سماع ~~قوله: «وإني» استهلك فى استيلاء ما غلب عليه من ضياء القربة، فإذا جاءت ~~«لغفار» صار فيه بعين المحو، ولم يتعلق بذنوب أصحابه وأقاربه وكل من يعتنى ~~بشأنه. # ويقال «إني لغفار» كثير المغفرة لمن تاب مرة فيغفر له أنواعا من ذنوبه ~~التي لم يتب منها سرها وجهرها، صغيرها وكبيرها، وما يتذكر منها وما لا ~~يتذكر. ولا ينبغى أن يقول: PageV02P469 # عملت «عملا صالحا» : بل يلاحظ عمله بعين الاستصغار، وحالته بغير ~~الاستقرار. # وقوله «ثم اهتدى» : أي اهتدى إلينا بنا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 83] # وما أعجلك عن قومك يا موسى (83) # أخرجهم مع نفسه لما استصحبهم، ثم تقدمهم «1» بخطوات فتأخروا عنه، فقيل له ~~فى ذلك مراعاة لحق صحبتهم. # ويقال قوم يعاتبون لتأخرهم وآخرون لتقدمهم.. فشتان ماهما! قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 84] # قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (84) # أي عجلت إليك شوقا إليك، فاستخرج منه هذا الخطاب، ولولا أنه استنطقه لما ~~أخبر به موسى «2» . # قوله «هم أولاء على أثري..» أي ما خلفتهم لتصييعى أيامى، ولكنى عجلت إليك ~~لترضى. قال: يا موسى إن رضائى فى أن تكون معهم وألا تسبقهم، فكونك مع ~~الضعفاء الذين استصحبتهم- فى معانى حصول رضائى- أبلغ من تقدمك عليهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 85] # قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) # فتنا قومك فضلوا وعبدوا العجل فأخبر الحق- سبحانه- أن ذلك منه تقدير، وفى ~~هذا تكذيب لمن جحد القول بالقدر. # ويقال طلب موسى- عليه السلام- رضاء الحق، وقدر الحق- سبحانه- فتنة. # قومه فقال: «فإنا قد فتنا قومك من بعدك» ، ثم الحكم لله و، لم يكن بد ~~لموسى عليه السلام ms0743 من الرضاء بقضاء الله- فلا اعتراض على الله- ومن العلم ~~بحق الله فى أن يفعل ما يشاء، وأنشدوا: # أريد وصاله ويريد هجرى ... فأترك ما أريد لما يريد PageV02P470 # قوله جل ذكره: وأضلهم السامري بدعائه إياهم إلى عبادة العجل، وهو نوع من ~~التغرير، وحصل ما حصل، وظهر ما ظهر من ( ... ) «1» # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 86] # فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ~~أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) # ورجع نبينا- صلى الله عليه وسلم- من المعراج بنعت البسط، وجاء بالنجوى ~~«2» لأصحابه فيما أوجب الله عليهم من الصلاة، وأكرمهم به من القربة ~~بالزلفة.. فشتان ماهما! ورجع موسى إلى قومه بوصف الغضب والأسف، وخاطبهم ~~ببيان العتاب: # قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد؟ أم أردتم أن يحل ~~عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي ظنوا بنبيهم ظن السوء فى خلفه الوعد، ~~فلحقهم شؤم ذلك حتى زاغوا عن العهد، وأشركوا فى العقد.. وكذلك يكون الأمر ~~إذا لم يف المرء بعقده، فإنه ينخرط فى هذا السلك قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 87] # قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها ~~فكذلك ألقى السامري (87) # قالوا لم نكن فى ابتداء حالنا قاصدين إلى ما حصل منا، ولا عالمين بما آلت ~~إليه عاقبة PageV02P471 # حالنا، وإن الذي حملنا من حلى القبط صاغ السامرى منه العجل.. وكذلك ~~الحرام من حطام الدنيا لا يخلو من شؤم أثره. فلقد كانت الغنيمة وأموال ~~المشركين حراما عليهم، فاستعاروا الحلى من القبط، وآل إليهم ما كان فى ~~أيديهم من الملك، فكان سبب عبادتهم العجل.. كذلك من انهمك فى طلب الدنيا من ~~غير وجه حلال يكون على خطر من رقة دينه، قال تعالى: «أفرأيت من اتخذ إلهه ~~هواه» «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : الآيات 88 الى 89] # فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي (88) أفلا ~~يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا ms0744 نفعا (89) # يقال إنهم لما مروا على قوم يعبدون أصناما لهم قالوا لموسى: اجعل لنا ~~إلها كما لهم آلهة، وكان ذلك الصنم على صورة العجل فكان ميلهم إلى عبادته ~~مستكنا فى قلوبهم، فصاغ السامرى العجل على تلك الصورة. وفى هذه إشارة إلى ~~أن خفايا الهوى إذا استكنت فى القلب فما لم ينقش ذلك الشرك بمنقاش المنازلة ~~يخشى أن يلقى صاحبه ( ... ) «2» . # ويقال إن موسى- عليه السلام- خرج من بين أمته أربعين يوما فرضى قومه ~~بعبادة العجل، ونبينا- عليه السلام- خرج من بين أمته وأتت سنون كثيرة ولو ~~ذكر واحد عند من أخلص من أمته فى التوحيد حديثا فى التشبيه لعدوا ذلك منه ~~كبيرة ليس له منها مخلص «3» . # كذلك فإنهم استحفظوا كتابهم فبدلوه تبديلا، بينما ضمن الحق- سبحانه- ~~إعزاز هذا الكتاب بقوله: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» «4» . ~~PageV02P472 # وقال: «ليظهره على الدين كله» «1» . # قوله: «أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ... » بين أن من لا قول له لا ~~يتكلم، ومن لا يملك الضر والنفع لا يستحق العبادة، وفيه رد على من لم يثبت ~~له فى الأزل القول، ولم يصفه بالقدرة على الخير والشر: # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 90] # ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) # إنهم لم يحفظوا أمر موسى وهو فوق هارون، والإشارة فى هذا أن من لم يحفظ ~~أمر من هو أعلى رتبة كيف يحفظ أمر من هو أدنى منزلة؟ فمن ترك أمر الحق.. ~~كيف يطمع فيه أن يحترم الشيوخ وأكل الناس؟ لهذا قيل: لا حرمة لفاسق لأنه ~~إذا ترك حق الحق فمتى يحفظ حق الخلق؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 91] # قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (91) # كان ذلك تعللا منهم بالباطل، فقالوا إنهم كانوا عازمين على ترك عبادة ~~العجل إذ به يتحققون أن موسى عليه السلام دعاهم إلى التوحيد وترك عبادة غير ~~الله.. ولكن كل متعلل يستند إلى ما يحتج به من الباطل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : الآيات 92 ms0745 الى 93] # قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) # ضاق قلب موسى- عليه السلام- لما شاهد من قومه بالمعاينة عبادة العجل، ~~ولقد كان سمع من الله أن السامرى أضلهم حين قال: «فإنا قد فتنا قومك» ، ~~ولكن قديما قيل: ليس الخبر كالعيان، فلما عاين ذلك ضاق قلبه، فكان يقول ~~لأخيه ذلك فظهر منه ما ظهر «2» ، PageV02P473 # وقيل: من ضاق قلبه اتسع لسانه. ولما ظهر لموسى- عليه السلام- ما ظهر أخذ ~~هارون يقابله بالرفق واللطف وحسن المداراة.. وكذلك الواجب فى الصحبة لئلا ~~يرتقى الأمر إلى الوحشة، فاستلطفه فى الخطاب واستعطفه بقوله: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 94] # قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل ولم ترقب قولي (94) # أنت أمرتنى ألا أفارقهم. وقد يقال إن هارون لو قال لموسى: فى الوقت الذي ~~احتجت أن تمضى إلى فرعون قلت: «وأخي هارون هو أفصح مني لسانا» ، وقلت: ~~«فأرسله معي» ، وقلت حين مضيت إلى سماع كلام الحق: «اخلفني في قومي» .. فما ~~اكتفيت بأن لم تستصحبنى.. وخلفتنى! وقد علمت أنى برىء الساحة مما فعلوا ~~فأخذت بلحيتي وبرأسى.. ألم ترض بما أنا فيه حتى تزيدنى حريا على حرى «1» ؟! ~~... لو قال ذلك لكان موضعه، ولكن لحلمه، ولعلمه- بأن ذلك كله حكم ربهم- فقد ~~قابل كل شىء بالرضا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 95] # قال فما خطبك يا سامري (95) # سأل موسى كل واحد منهم بنوع آخر، وإن معاتبته مع قومه، ومطالبته لأخيه، ~~وتغيره فى نفسه، واستيلاء الغضب عليه- لم يغير التقدير، ولم يؤخر المحكوم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 96] # قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت ~~لي نفسي (96) # علمت ما لم يعلمه بنو إسرائيل فرأيت جبريل، فقبضت التراب من موضع حافر ~~PageV02P474 # دابته، وألقى فى روعى أن ذلك سبب حياة العجل فطرحتها فى جوفه.. هكذا زينت ~~لى نفسى فاتبعت هواها. # ثم كان هلاكه.. لئلا يأمن أحد حفى مكر التقدير، ولا يركن إلى ما فى ~~الصورة من رفق فلعله- فى الحقيقة- يكون ms0746 مكرا، ولقد أنشدوا: # فأمنته فأتاح لى من مأمني ... مكرا، كذا من يأمن الأحبابا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 97] # قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر ~~إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) # لم يخف على موسى- عليه السلام- تأثير التقدير وانفراد الحق بالإبداع، ~~فلقد قال فى خطابه مع الحق: «إن هي إلا فتنتك» ، ولكنه لم يدع- مع ذلك- ~~بإحلال العقوبة بالسامري والأمر فى بابه بما يستوجبه ليعلم أن الحكم فى ~~الإبداع والإيجاد- وإن كان لله- فالمعاتبة والمطالبة تتوجهان على الخلق فى ~~مقتضى التكليف، وإجراء الحق ما يجريه ليس حجة للعبد ولا عذرا له. # قوله جل ذكره: وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في ~~اليم نسفا كل ما تعلق به القلب من دون الله ينسفه الحق- سبحانه بمحبه «1» ~~ولهذا يلقى الأصنام غدا فى النار مع الكفار، وليس لها جرم، ولا عليها ~~تكليف، ولا لها علم ولا خبر.. وإنما هى جمادات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 98] # إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98) # إي إلهكم الذي تجب عليكم عبادته بحق أمره هو الله الذي لا إله إلا هو، ~~وهو بوصف الجلال، والذي لا يخفى عليه شىء من المعلومات هو الله، وليس مثل ~~الذي هو جماد لا يعلم PageV02P475 # ولا يقدر، ولا يحيا ولا يسمع ولا يبصر. ويمكنه أن يسحق هذا الجماد ~~ويحرقه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 99] # كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (99) # نعرفك أحوال الأولين والآخرين لئلا يلتبس عليك شىء من طرقهم فتتأدب ~~بآدابهم وتجتمع فيك متفرقات مناقبهم.. ولكن اعلم أنا لم نبلغ أحدا مبلغك، ~~ولم يكن لأحد منا مالك آتيناك من عندنا شرفا وفخرا لم يشركك فيهما أحد، ~~وذكرناك ما سلف لك من العهد معنا، وجددنا لك بينهم تخصيصنا إياك، وكريم ~~إقبالنا عليك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 100] # من أعرض عنه فإنه يحمل ms0747 يوم القيامة وزرا (100) # المعرضون عنه شركا يحملون غدا وزرا وثقلا، أولئك بعدوا عن محل الخصوصية، ~~ولم يكن لهم خطر فى التحقيق فعقوبتهم لا تزيد على آلام نفوسهم وإحراق ~~أشباحهم، وأما أهل الخصوصية فلو غفلوا عنه ساعة، ونسوه لحظة لدار- فى ~~الحال- على رؤوسهم البلا بحيث تتلاشى فى جهنم عقوبة كل أحد (بالإضافة إلى ~~هذه العقوبة) «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 102 الى # 103] # يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) يتخافتون بينهم إن ~~لبثتم إلا عشرا (103) # قوم يوم القيامة لهم مؤجل، وهو بعد النفخ فى الصور على ما ورد فى الكتاب ~~وفى الخبر المأثور. PageV02P476 # وللآخرين قيامة معجلة «1» فيها محاسبة وعليهم فيها مطالبة، وهو ان حاضر ~~وعذاب حاصل، فكما ترد على ظواهر قوم فى الآخرة عقوبات، ترد على سرائر آخرين ~~عقوبات فى الحياة الحاضرة، والمعاملة مع كل أحد تخالف المعاملة مع صاحبه. # قوله «يتخافتون بينهم ... » من تفرغ لعد الأوقات والتمييز بين اختلاف ~~الحالات فنوع غير مستوف فى بلائه، وأمره سهل ... ومن كان يراد المعنى من ~~حديثه لا يتفرغ إلى نعت الحال فالأحوال تخبر عنه وهو لا يسأل عن الخبر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : الآيات 105 الى 107] # ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا صفصفا (106) ~~لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) # كما أن فى القيامة الموعودة تغير الجبال عن أحوالها فهى كالعهن المنفوش ~~فكذلك فى القيامة الموجودة ... فلا يخبرك عنها إلا الأكابر الذين هم ~~كالرواسى ثباتا فإنه يدخل عليهم من الأحوال ما يمحقهم عن شواهدهم، ويأخذهم ~~عن أقرانهم ... كذا سنته سبحانه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 108] # يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ~~(108) # تنقطع الأوهام، وتقف الأفهام، وتنخنس العقول، وتندرس العلوم، وتتحير ~~المعارف، ويتلاشى ما هو نعت الخلق، ويستولى سلطان الحقيقة.. فعند ذلك لا ~~عين ولا أثر، ولا رسم ولا طلل ولا غبر، فى الحضور خرس، وعلى البساط فناء، ~~وللرسوم امتحاء، وإنما الصحة على الثبات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية ms0748 109] # «2» # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109) ~~PageV02P477 # دليل الخطاب ان من أذن له فى الشفاعة تنفعه الشفاعة، وإذا قبلت شفاعة أحد ~~بإذن الرحمن فمن المحال ألا تقبل شفاعة الرسول- صلى الله عليه وسلم- وهو ~~أفضل الكافة، وشفاعة الأكابر من صفوته مقبولة فى الأصاغر في المؤجل وفى ~~المعجل. والحق سبحانه يشفع الشيوخ فى مريديهم اليوم «1» ويقال شفاعة الرسول ~~عليه السلام غدا للمطيعين بزيادة الدرجة، وللعاصين بغفران الزلة، كذلك ~~شفاعة الشيوخ- اليوم- للمريدين على قسمين: للذين هم أصحاب السلوك فبزيادة ~~التحقيق والتوفيق، وللذين هم أصحاب التخبط والغرة فبالتجاوز عنهم، وعلى هذا ~~يحمل قول قائلهم: # إذا مرضتم أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر! # وحكايات السلف من الشيوخ مع مريديهم فى أوقات فترتهم معروفة، وهى مشاكلة ~~لهذه الجملة، وإن شفاعتهم لا تكون إلا بتعريف من قبل الله فى الباطن، ويكون ~~ذلك أدبا لهم فى ذلك قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 110] # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) # لا يخفى على الحق شىء مما مضى من أحوالهم ولا من آتيها، ولا يحيطون به ~~علما. # والكناية «2» فى قوله: «به» يحتمل أن يعود إلى ما بين أيديهم وما خلفهم، ~~ويحتمل أن يعود إلى الحق- سبحانه-، وهو طريقة السلف يقولون. يعلم الخلق ولا ~~يحيط به العلم كما قالوا: إنه يرى ولا يدرك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 111] # وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) . PageV02P478 # ذلت له الرقاب واستسلم لحكمه الخلق، وخضعت له الجبابرة، ومن اقترف الظلم ~~بقي فى ظلماته، وعلى حسب ذلك فى الزيادة والنقصان. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 112] # ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) # العمل الصالح ما يصلح للقبول، فاعله هو المتجرد عن الآفات الواقفة لحقيقة ~~الأمر. # ويقال العمل الصالح ما لم يستعجل عليه صاحبه أجرا. # قوله: «وهو مؤمن» : أي فى المآل كما هو مؤمن فى الحال. # ويقال هو مؤمن مصدق لربه أنه لا يعطى المؤمن لأجل إيمانه شيئا، ولكن ~~بفضله، وإيمانه ms0749 أمارة لذلك لا موجب له «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 113] # وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ~~ذكرا (113) # أتبعنا دليلا بعد دليل، وبعثنا رسولا بعد رسول، وحذرناهم بوجوه من ~~التعريفات، وإظهار كثير من الآيات قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 114] # فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ~~رب زدني علما (114) # تعالى الله فى كبريائه وكبرياؤه: سناؤه وعلاه ومجده، ورفعته وعظمته، كل ~~ذلك بمعنى واحد، وهو استحقاقه لأوصاف الجلال والتعظيم. # و «الملك» : مبالغة من المالك، وحقيقة الملك القدرة على الإيجاد، ~~والانفراد بذلك. # و «الحق» : فى وصفه- سبحانه- بمعنى الموجود، ومنه قوله عليه السلام: # «العين حق» «2» أي موجود. PageV02P479 # ويكون الحق بمعنى ذى الحق، ويكون بمعنى محق الحق. كل ذلك صحيح. # قوله جل ذكره: ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني ~~علما. # كان يتعجل بالتلقف من جبريل مخافة النسيان، فأمره بالتثبت فى التلقين، ~~وأمنه من طوارق النسيان، وعرفه أن الذي يحفظ عليه ذلك هو الله. # والآية تشير إلى طرف من الاحتياط فى القضاء بالظواهر قبل عرضها على ~~الأصول، ثم إن لم يوجد ما يوجب بالتحقيق أجراه على مقتضى العموم بحق اللفظ، ~~بخلاف قول أهل التوقف. # فالآية تشير إلى التثبت فى الأمور وضرورة التمكث واللبث قصدا للاحتياط ~~«1» . # قوله: (وقل رب زدنى علما) : فإذا كان أعلم البشر، وسيد العرب والعجم، ومن ~~شهد له الحق بخصائص العلم حين قال «وعلمك ما لم تكن تعلم» # «2» يقال له: «وقل رب زدني علما» - علم أن ما يخص به الحق أولياءه من ~~لطائف العلوم لا حصر له. # ويقال أحاله على نفسه «3» فى استزادة العلم. وموسى عليه السلام أحاله على ~~الخضر حتى قال له: «هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا» فشتان بين عبد ~~أحيل على عبد فى ذلك ثم قيل له: «إنك لن تستطيع معي صبرا» ثم بعد كل ذلك ~~التلطف قال له فى آخر الأمر: # «هذا فراق بيني وبينك» ... وبين عبد ms0750 أمره عند استزادة العلم بأن يطلبه من ~~قبل ربه فقال: قل يا محمد: «وقل رب زدني علما» ! ويقال لما قال عليه ~~السلام: «أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له» «4» ، قال له: «وقل رب زدني علما» ~~ليعلم أن أشرف خصال العبد الوقوف فى محل الافتقار، والاتصاف بنعت الدعاء ~~دون الوقوف فى معرض الدعوى «5» . PageV02P480 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 115] # ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) # لم نجد له قوة بالكمال، وانكماشا فى مراعاة الأمر حتى وقعت عليه سمة ~~العصيان بقوله: # «وعصى آدم ربه» «1» . # ويقال «لم نجد له عزما» : على الإصرار على المخالفة. # ويقال لم نجد له عزما فى القصد على الخلاف «2» ، وإن كان.. فذلك بمقتضى ~~النسيان، قال تعالى «فنسي ولم نجد له عزما» على خلاف الأمر، وإن كان منه ~~اتباع لبعض مطالبات الأمر. # ويقال شرح قصة آدم- عليه السلام- لأولاده على حجة التسكين لقلوبهم حتى لا ~~يقنطوا من رحمة الله فإن آدم عليه السلام وقع عليه هذا الرقم، واستقبلته ~~هذه الخطيئة، وقوله تعالى «فنسي» من النسيان، ولم يكن فى وقته النسيان ~~مرفوعا عن الناس. # ويقال عاتبه بقوله: «فنسي» ثم أظهر عذره فقال: «ولم نجد له عزما» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 116] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) # السجود نوع من التواضع وإكبار القدر، ولم تتقدم «3» [من آدم عليه السلام ~~طاعة- ولا عبادة فخلقه الحق بيده، ورفع شأنه بعد ما علمه، وحمل إلى الجنة، ~~وأمر الملائكة فى كل سماء أن يسجدوا له تكريما له على الابتلاء، واختبارا ~~لهم. فسجدوا بأجمعهم، وامتنع إبليس من بينهم، فلقى من الهوان ما سبق له فى ~~حكم التقدير. والعجب ممن يخفى عليه أن مثل هذا يجرى من دون إرادة الحق ~~ومشيئته وهو عالم بأنه كذلك يجرى، واعتبروا الحكمة فى أفعاله وأحكامه، ~~ويزعمون أنه علم ما سيكون من حال إبليس وذريته، وكثرة مخالفات PageV02P481 # أولاد آدم، وكيف أن الشيطان يوسوس لهم ... ثم يقولون إن الحق سبحانه أراد ~~خلاف ما علم، وأجرى فى سلطانه ما ms0751 يكرهه وهو عالم، وكان عالما بما سيكون! ثم ~~خلق إبليس ومكنه من هذه المعاصي مع إرادته ألا يكون ذلك! ويدعون حسن ذلك فى ~~الفعل اعتبارا انما هو الحكمة ... فسبحان من أعمى بصائرهم، وعمى حقيقة ~~التوحيد عليهم! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 117] # فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) # وما كان ينفعهم النصح وقد أراد بهم ما حذرهم، وعلم أنهم سيلقون ما خوفهم ~~به. # قوله: «فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى» : علم أنهم سيلقون ذلك الشقاء: وأما ~~إنه أضاف الشقاء إلى آدم وحده- وكلاهما لحقه شقاء الدنيا- فذلك لمضارعة ~~رءوس الآي، أو لأن التعب على الرجال دون النساء. ومن أصغى إلى قول عدوه ~~فإنه يتجرع الندم ثم لا ينفعه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : الآيات 118 الى 119] # إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى (119) # لا تصديق أتم من تصديق آدم، ولا وعظ أشد رحمة من الله، ولا يقين أقوى من ~~يقينه.. ولكن ما قاسى آدم الشقاء قبل ذلك، فلما استقبله الأمر وذاق ما خوف ~~به من العناء والكد ندم وأطال البكاء، ولكن بعد إبرام التقدير. # «وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى» أوثر بكل وجه فلم يعرف قدر العافية ~~والسلامة، إلى أن جرى ما هو محكوم به من سابق القسمة. # ويقال تنعم آدم فى الجنة ولم يعرف قدر ذلك إلى حين استولى فى الدنيا عليه ~~الجوع والعطش، والبلاء من كل ( ... ) «1» PageV02P482 # وكان آدم عليه السلام إذا تجدد له نوع من البلاء أخذ فى البكاء، وجبريل ~~عليه السلام يأتى ويقول: «ربك يقرئك السلام ويقول: لم تبكى؟ فكان يذكر ~~جبريل عليه السلام وهو يقول: أهذا الذي قلت: «وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى» ~~..! وغير هذا من وجوه الضمان والأمن؟! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 120] # فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ~~(120) # وسوس إليه الشيطان وكان الحق يعلم ذلك ولم يذكر آدم فى الحال أن هذا ms0752 من ~~نزغات من قال له- سبحانه: «إن هذا عدو لك» . # ويقال: لو عمى على إبليس تلك الشجرة حتى لم يعرفها بعينها، ولو لم يكن ( ~~... ) «1» # حتى دله على تلك الشجرة (إيش) «2» الذي كان يمنعه منه إلا أن الحكم منه ~~بذلك سبق، والإرادة به تعلقت؟ # ويقال إن الشيطان ظهر لآدم عليه السلام بعد ذلك فقال له: يا شقى، فعلت ~~وصنعت..! # فقال إبليس لآدم: إن كنت شيطانك فمن كان شيطانى «3» ؟ # ويقال سمى الشيطان شيطانا لبعده عن طاعة الله، فكل بعيد عن طاعة الله ~~يبعد الناس عن طاعة الله فهو شيطان، ولذلك يقال: شياطين الإنس، وشياطين ~~الإنس شر من شياطين الجن. # ويقال لما طمع آدم فى البقاء خالدا وجد الشيطان سبيلا إليه بوسوسته. # والناس تكلموا فى الشجرة: ما كانت؟ والصحيح أن يقال إنها كانت شجرة ~~المحنة. # ويقال لو لم تخلق فى الجنة تلك الشجرة لما كان فى الجنة نقصان فى رتبتها ~~«4» PageV02P483 # ويقال لولا أنه أراد لآدم ما كان لطالت تلك الشجرة حتى ما كانت لتصل ~~إليها يده، ولكنه- كما فى القصة- كانت لا تصل إلى أوراقها يده- بعد ما أكل ~~منها- حينما أراد أن يأخذ منها ليسترد عورته «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 121] # فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ~~ربه فغوى (121) # لما ارتكبا المنهى عنه ظهر ما يستحي من ظهوره، ولكن الله- سبحانه- ألطف ~~معهما فى هذه الحالة بقوله: فبدت لهما سوآتهما، ولم يقل- مطلقا- فبدت ~~سوءتهما أي أنه لم يطلع على سوءتهما غيرهما. # ويقال لما تجردا عن لباس التقوى تناثر عنهما لباسهما الظاهر. # قوله جل ذكره: وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة أول الحرف والصناعات- ~~على مقتضى هذا- الخياطة، وخياطة الرقاع بعضها على بعض للفقراء ميراث من ~~أبينا آدم- عليه السلام «2» . # ويقال كان آدم- عليه السلام- قد أصبح وعليه من حلل الجنة وفنون اللباس ما ~~الله به أعلم، ثم لم يمس حتى كان يخصف على نفسه من ورق الجنة، وهكذا كان فى ~~الابتداء ما هو موروث فى أولاده من هناء بعده بلاء. # قوله تعالى: «وناداهما ربهما ألم أنهكما ms0753 عن تلكما الشجرة» «3» : عند ذلك ~~وقعت عليهما الخجلة لما ورد عليهما خطاب الحق: «ألم أنهكما عن ... » ولهذا ~~قيل: كفى للمقصر الحياء يوم اللقاء قوله تعالى: «قالا ربنا ظلمنا أنفسنا..» ~~«4» : لم يتكلما بلسان الحجة فقالا: «ربنا ظلمنا أنفسنا» ، ولم يقولا: ~~بظلمنا صرنا من الخاسرين، بل قالا: «وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين» PageV02P484 # ليعلم أن المدار على حكم الرب لا على جرم الخلق. # قوله جل ذكره: وعصى آدم ربه فغوى لما وقعت عليه سمة العصيان- وهو أول ~~البشر- كان فى ذكر هذا تنفيس لأولاده أن تجرى عليهم زلة وهم بوصف الغيبة فى ~~حين الفترة. # ويقال كانت تلك الأكلة شيئا واحدا، ولكن قصتها يحفظها ويرددها الصبيان ~~إلى يوم القيامة. # وعصى آدم ربه ليعلما أن عظم الذنوب لمخالفة الآمر وعظم قدره.. لا لكثرة ~~المخالفة فى نفسها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 122] # ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) # أخبر أنه بعد ما عصى، وبعد كل ما فعله اجتباه ربه فالذى اصطفاه أولا بلا ~~علة «1» اجتباه ثانيا بعد الزلة، فتاب عليه، وغفر ذنبه، «وهدى» : أي هداه ~~إليه حتى اعتذر واستغفر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 123] # قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي ~~فلا يضل ولا يشقى (123) # أوقع العداوة بين آدم وإبليس والحية، وقد توالت المحن على آدم وحواء بعد ~~خروجهما من الجنة بسمة العصيان، ومفارقة الجنة، ودخول الدنيا، وعداوة ~~الشيطان، والابتلاء بالشهوات. ثم قال: # «فمن اتبع هداي ... » وترك هواه، ولم يعمل بوسوسة العدو فله كل خير، ولا ~~يلحقه ضير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : الآيات 124 الى 126] # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) قال ~~رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك ~~اليوم تنسى (126) # الكافر إذا أعرض عن ذكره بالكلية فله المعيشة الضنك فى الدنيا، وفي ~~القبر، PageV02P485 # وفى النار، وبالقلب من حيث وحشة الكفر، وبالوقت من حيث انغلاق الأمور. # ويقال من أعرض عن الانخراط فى ms0754 قصايا الوفاق انثالت عليه فنون الخذلان، ~~ومن أعرض عن استدامة ذكره- سبحانه- بالقلب توالت عليه من تفرقة القلب ما ~~يسلب عنه كل روح. # ومن أعرض عن الاستئناس بذكره انفتحت عليه وساوس الشيطان وهواجس النفس بما ~~يوجب له وحشة الضمير، وانسداد أبواب الراحة والبسط. # ويقال من أعرض عن ذكر الله فى الخلوة قيض الله له فى الظاهر من القرين ~~السوء ما توجب رؤيته له قبض القلوب واستيلاء الوحشة. # قوله جل ذكره: نحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت ~~بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى # فى الخبر: «من كان بحالة لقى الله بها» فمن كان فى الدنيا أعمى القلب ~~يحشر على حالته، ومن يعش على جهل يحشر على جهل، ولذا يقولون: «من بعثنا من ~~مرقدنا؟» «1» إلى أن تصير معارفهم ضرورية. # وكما يتركون- اليوم- التدبر فى آياته يتركون غدا فى العقوبة من غير رحمة ~~على ضعف حالاتهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 127] # وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (127) # جرت سنته بأن يجازى كلا بما يليق بحاله، فما أسلفه لنفسه سيلقى غبه على ~~الخير خيرا، وعلى الشر شرا. PageV02P486 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 128] # أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك ~~لآيات لأولي النهى (128) # أي أفلا ينظرون فيتفكرون «1» ؟ ثم إذا استبصروا أفلا يعتبرون؟ وإذا ~~اعتبروا أفلا يزدجرون؟ أم على وجوههم- فى ميادين غفلاتهم يركضون، وعن سوء ~~معاملاتهم لا يرجعون؟ ألا ساء ما يعملون! قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 129] # ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) # لولا أن كلمة الله سبقت بتأخير العقوبة عن هذه الأمة، وأنه لا يستأصلهم ~~لأن جماعة من الأولياء فى أصلابهم لعجل عقوبتهم، ولكن ... كما ذكر من ~~الأحوال أمهلهم مدة معلومة، ولكنه لم يهملهم أصلا. # وإذا كانت الكلمة بالسعادة لقوم والشقاوة لقوم قد سبقت، والعلم بالمحفوظ ~~بجميع ما هو كائن قد جرى- فالسعى والجهد، والانكماش والجد.. متى تنفع؟ لكنه ~~من القسمة ms0755 أيضا ما ظهر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 130] # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء ~~الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) # سماع الأذى يوجب المشقة، فأزال عنه ما كان لحقه من المشقة عند سماع ما ~~كانوا يقولون، وأمره: إن كان سماع ما يقولون يوحشك فتسبيحنا- الذي تثنى به ~~علينا- يروحك. # «قبل طلوع الشمس» : أي فى صدر النهار ليبارك لك فى نهارك، وينعم صباحك. # «وقبل غروبها» أي عند نقصان النهار ليطيب ليلك، وينعم رواحك. PageV02P487 # «ومن آناء الليل» أي فى ساعات الليل فإن كمال الصفوة فى ذكر الله فى حال ~~الخلوة. # «وأطراف النهار» أي استدم ذكر الله فى جميع أحوالك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 131] # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ~~فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) # فضل «1» الرؤية فيما لا يحتاج إليه معلول كفضل الكلام، والذي له عند الله ~~منزل وقدر فللحق على جميع أحواله غيرة إذ لا يرضى منه أن يبذل شيئا من ~~حركاته، وسكناته وجميع حالاته فيما ليس لله- سبحانه- فيه رضاء، وفى معناه ~~أنشدوا: # فعينى إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدموع بتأديبها # ويقال لما أدبه فى ألا ينظر إلى زينة الدنيا بكمال نظره وقف على وجه ~~الأرض بفرد قدم تصاونا عنها حتى قيل له: «طه» أي طأ الأرض بقدمك.. ولم كل ~~هذه المجاهدة وكل هذا التباعد حتى تقف بفرد قدم؟! طأ الأرض بقدميك. # «زهرة الحياة الدنيا ... » الفتنة ما يشغل به عن الحق، ويستولى حبه على ~~القلب، ويجسر وجوده على العصيان، ويحمل الاستمتاع به على البطر والأشر. # قوله جل ذكره: ورزق ربك خير وأبقى القليل من الحلال- وفيه رضاء الرحمن- ~~خير من الكثير من الحرام والحطام. # ومعه سخطه. ويقال قليل يشهدك ربك خير من كثير ينسيك ربك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 132] # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ~~(132) # الصلاة استفتاح باب الرزق، وعليها أحال فى تيسير الفتوح عند وقوع الحاجة ~~إليه. # ويقال الصلاة ms0756 رزق القلوب، وفيها شفاؤها، وإذا استأخر قوت النفس قوى قوت ~~القلب. # وأمر- الرسول- عليه السلام- بأن يأمر أهله بالصلاة، وأن يصطبر عليها. ~~PageV02P488 # وللاصطبار مزية على الصبر وهو ألا يجد صاحبه الألم بل يكون محمولا مروحا. # قوله جل ذكره: لا نسئلك رزقا أي لا نكلفك برزق أحد فإن الرازق الله- ~~سبحانه- دون تأثير الخلق، فنحن نرزقك ونرزق الجميع. # قوله جل ذكره: نحن نرزقك والعاقبة للتقوى هما شيئان: وجود الأرزاق وشهود ~~الرزاق فوجود الأرزاق يوجب قوة «1» النفوس، وشهود الرزاق يوجب قوة «2» ~~القلوب. # ويقال استقلال «3» العامة بوجود الأرزاق، واستقلال الخواص بشهود الرزاق. # ويقال نفى عن وقته الفرق بين أوصاف الرزق حين قال: «نحن نرزقك» فإن من ~~شهد وتحقق بقوله: «نحن» سقط عنه التمييز بين رزق ورزق. # ويقال خفف على الفقراء مقاساة قلة الرزق وتأخره عن وقت إلى وقت بقوله: # «نحن» «4» قوله: «والعاقبة للتقوى» : أي العاقبة بالحسنى لأهل التقوى. # ويقال المراد بالتقوى المتقى، فقد يسمى الموصوف بما هو المصدر «5» قوله ~~جل ذكره: ### | ### | [سورة طه (20) : آية # 133] # وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ~~(133) # عميت بصائرهم وادعوا أنه لا برهان معه، ولم يكن القصور فى الأدلة بل كان ~~الخلل فى بصائرهم، ولو جمع الله لهم كل آية اقترحت على رسول ثم لم يرد الله ~~أن يؤمنوا لما PageV02P489 # ازدادوا إلا طغيانا وكفرا وخسرانا ... وتلك سنة أسلافهم فى تكذيب ~~أنبيائهم، ولذا قال: # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 134] # ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) # إن أرسلنا إليهم الرسل قابلوهم بفنون من الجحد، ووجوه من العلل مرة ~~يقولون فما بال هذا الرسول بشر؟ هلا أرسله ملكا؟ ولو أرسلنا ملكا لقالوا ~~هلا أرسل إلينا مثلنا بشرا؟ ولو أظهر عليهم آية لقالوا: هذا سحر مفترى! ولو ~~أخليناهم من رسول وعاملناهم بما استوجبوه من نكير لقالوا: # هلا بعث إلينا رسولا حتى كنا نؤمن؟ فليست تنقطع أغلالهم، ولا تنفك- عما ~~لا يرضى- أحوالهم. وكذلك سبيل من لا يجنح إلى الوصال ms0757 ولا يرغب فى الوداد، ~~وفى معناه أنشدوا: # وكذا الملول إذا أراد قطيعة ... سل الوصال وقال كان وكانا # قوله جل ذكره: ### | [سورة طه (20) : آية 135] # قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (135) # الكل واقفون على التجويز غير حاصلين بوثيقة، ينتظرون ما سيبدو فى ~~المستأنف، إلا أن أرباب التفرقة ينتظرون ما سيبدو مما يقتضيه حكم الأفلاك، ~~وما الذي توجبه الطبائع والنجوم. والمسلمون ينتظرون ما يبدو من المقادير ~~فهم فى روح التوحيد، والباقون فى ظلمات الشرك. # PageV02P490 ### | السورة التي يذكر فيها الأنبياء # قوله جل ذكره: بسم الله الرحمن الرحيم. # بسم الله اسم عزيز من توسل إليه بطاعته تفضل عليه بجميل نعمته إن أطاع ~~فضله، وإن أضاع أمهله، ثم إن آب وأقر.. ذكره، وإن عصى وعاب ستره، فإن تنصل ~~رحمه، وإن تكبر قصمه «1» . # اسم عزيز ما استنارت الظواهر إلا بآثار توفيقه، وما استضاءت السرائر إلا ~~بأنوار تحقيقه بتوفيقه وصل العابدون إلى مجاهدتهم، وبتحقيقه وجد العارفون ~~كمال مشاهدتهم، وبتمام مجاهدتهم وجدوا آجل مثوبتهم، وبدوام مشاهدتهم نالوا ~~عاجل قربتهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) # فالمطيعون منهم عظم لدينا ثوابهم، والعاصون منهم حق منا عقابهم. # «في غفلة» يقال الغفلة على قسمين: غافل عن حسابه باستغراقه فى دنياه ~~وهواه، وغافل عن حسابه لاستهلاكه فى مولاه فالغفلة الأولى سمة الهجر ~~والغفلة الثانية صفة الوصل فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا من سكرة ~~الموت، وهؤلاء لا يرجعون عن غيبتهم أبد الأبد لفنائهم فى وجود الحق تعالى ~~«2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 2] # ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) # : PageV02P491 # لم يجدد إليهم رسولا إلا ازدادوا نفورا، ولم ينزل عليهم خطابا إلا ردوه ~~جحدا وتكذيبا، وما زدناهم فصلا إلا عدوه هزلا، وما جددنا لهم نعمة إلا ~~فعلوا ما استوجبوا نقمة، فكان الذي أكرمناهم به محنة بها بلوناهم.. وهذه ~~صفة من أساء مع الله خلقه، وخسر عند الله حقه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ms0758 الأنبياء (21) : آية # 3] # لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون ~~السحر وأنتم تبصرون (3) # عميت بصائرهم وغامت أفهامهم، فهم فى غباوة لا يستبصرون، وفى أكنة عما ~~أقيم لهم من البرهان فهم لا يعلمون. # قوله: «وأسروا النجوى ... » لما عجزوا عن معارضته، وسقطوا عند التحدي، ~~وظهرت عليهم حجته رجموا فيه الفكر، وقسموا فيه الظن فمرة نسبوه إلى السحر، ~~ومرة وصفوه بقول الشعر، ومرة رموه بالجنون وفنون من العيوب. وقبل ذلك كانوا ~~يقولون عنه: # هو محمد الأمين، كما قيل: # أشاعوا لنا فى الحى أشنع قصة ... وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 4] # قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) # الأقاويل التي يسمعها الحق- سبحانه- مختلفة فمن خطاب بعضهم مع بعض، ومن ~~بعضهم مع الحق. والذين يخاطبون الحق: فمن سائل يسأل الدنيا، ومن داع يطلب ~~كرائم العقبي، ومن مثن يثنى على الله لا يقصد شيئا من الدنيا والعقبى. # ويقال يسمع أنين المذنبين سرا عن الخلق حذرا أن يفتضحوا، ويسمع مناجاة ~~العابدين بنعت التسبيح إذا تهجدوا، ويسمع شكوى المحبين إذا مستهم البرحاء ~~«1» فضجوا من شدة الاشتياق. PageV02P492 # ويقال يسمع خطاب من يناجيه سرا بسر، وكذلك تسبيح من يمدحه ويثنى عليه ~~بلسان سره. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 5] # بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل ~~الأولون (5) # نوعوا ما نسبوا إليه- بعد ما نزلنا إليه الأمر- من حيث كانوا، ولم ~~يشاهدوا هممه على الوصف الذي كانوا يصفونه به من صدق فى الحال والمقال، ~~وكما قيل: # رمتنى بدائها وأنسلت. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 6] # ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) # أخبر أن الله تعالى أجرى سنته أن يعذب من كان المعلوم من شأنه أنه لا ~~يؤمن لا فى الحال ولا فى المآل. وإن هؤلاء الذين كفروا فى عصر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أمثالهم فى الكفران، وقد حكم الحق لهم بالحرمان والخذلان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 7] # وما أرسلنا ms0759 قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون (7) # لما قالوا لولا أنزل علينا الملائكة أخبر أنه لم يرسل إلى الناس رسولا ~~فيما سبق من الأزمان الماضية والقرون الخالية إلا بشرا، وذكر أن الخصوصية ~~لهم كانت بإرسال الله إياهم. # ثم قال: «فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» : الخطاب للكل والمراد منه ~~الأمة، وأهل الذكر العلماء من أكابر هذه الأمة والذين آمنوا بنبينا محمد- ~~صلى الله عليه وسلم. # ويقال هم أهل الفهم من الله أصحاب الإلهام الذين فى محل الإعلام من الحق- ~~سبحانه- أو من يحسن الإفهام عن الحق. # PageV02P493 # ويقال العالم يرجع إلى الله فى المعاملات والعبادات، وإذا اشتكلت الواقعة ~~فيخبر عن اجتهاده، وشرطه ألا يكون مقلدا، ويكون من أهل الاجتهاد، فإذا لم ~~يخالف النص وأدى اجتهاده إلى شىء ولم يخالف أصلا مقطوعا بصحته وجب قبول ~~فتواه، وأما الحكيم فإذا تكلم فى المعاملة فإنما يقبل منه إذا سبقت منه ~~المنازلة لما يفتي به فإن لم تتقدم له من قبله المنازلة فتواه فى هذا ~~الطريق كفتوى المقلد فى مسائل الشرع. # فأما العارف فيجب أن يتكلم فى هذا الطريق عن وجده- إن كان- وإلا فلا تقبل ~~فتواه، ولا تسمع «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 8] # وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) # لما عيروا الرسول- عليه السلام- بقولهم: ما لهذا الرسول يأكل الطعام؟. ~~أخبر أن أكل الطعام ليس بقادح فى المعنى الذي يختص به الأكابر، فلا منافاة ~~بين أكل الطعام وما تكنه القلوب والسرائر من وجوه التعريف. # ويقال النفوس لا خبر لها مما به القلوب، والقلب لا خبر له مما تتحقق به ~~الروح وما فوق الروح وألطف منه وهو السر. # قوله: «وما كانوا خالدين» : أي إنهم على ممر ومعبر، ولا سبيل اليوم ~~لمخلوق إلى الخلد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 9] # ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) # الحق- سبحانه- يحقق وعده وإن تباطأ بتحقيقه الوقت فيما أخبر أنه يكون. # والموعود من نصرة الله لأهل الحق إنما هو بإعلاء كلمة الدين، وإرغام من ~~نابذ ms0760 الحق من الجاحدين، وتحقيق ذلك بالبيان والحجة، وإيضاح وجه الدلالة، ~~وبيان خطأ أهل الشبهة. PageV02P494 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 10] # لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) # يريد بالكتاب القرآن، وقوله: «فيه ذكركم» : أي شرفكم ومحلكم، فمن استبصر ~~بما فيه من النور سعد فى دنياه وأخراه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 11] # وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) # إن الله يمهل الظالم حينا لكنه يأخذه أخذ قهر وانتقام، وقد حكم الله ~~بخراب مساكن الظالمين، وقد جاء الخبر: «لو كان الظلم بيتا فى الجنة لسلط ~~عليه الخراب» فإذا ظلم العبد نفسه حرم الله أن يقطنها التوفيق وجعلها موطن ~~الخذلان، فإذا ظلم قلبه بالغفلة سلط عليه الخواطر الردية التي هى وساوس ~~الشيطان ودواعى الفجور. وعلى هذا القياس فى القلة والكثرة إن الروح إذا ~~خربت زايلتها الحقائق والمحاب، واستولت عليها العلائق والمساكنات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 12] # فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) # لما ذاقوا وبال أفعالهم اضطربوا فى أحوالهم فلم ينفعهم ندمهم، ولم تعد ~~إلى محالها أقدامهم، وبعد ظهور الخيانة لا تقبل الأمانة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 13] # لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون (13) # وللخيانة سراية «1» ، فإذا حصلت الخيانة لم تقف السراية، وإذا غرقت ~~السفينة فليس بيد الملاح إلا إظهار الأسف، وهيهات أن يجدى ذلك! قوله جل ~~ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 14] # قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) PageV02P495 # للإقرار زمان فإذا فات وقته فكما فى المثل: يسبق الفريص الحريص. ووضع ~~القوس بعد إرسال السهم لا قيمة له. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 15] # فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15) # إن من البلاء أن يشكو المرء فلا يسمع، ويبكى فلا ينفع، ويدنو فيقصى، ~~ويمرض فلا يعاد، ويعتذر فلا يقبل.. وغاية البلاء التلف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 16] # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) # اللعب نعت من زال عن حد الصواب، واستجلب بفعله الالتذاذ، وانجر فى حبل ms0761 ~~السفه. وحق الحق متقدس عن هذه الجملة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 17] # لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) # يخاطبهم على حسب أفهامهم وإلا.. فالذى لا يعتريه سهو لا يستفزه لهو، ~~والحق لا يعتريه ولا يضاهيه كفو. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 18] # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) # ندخل نهار التحقيق على ليالى الأوهام فينقشع سحاب الغيبة، وينجلى ضباب ~~الأوهام، وتنير شمس اليقين، وتصحو سماء الحقائق عن كل غبار التهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 19] # وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ~~(19) # PageV02P496 # الحادثات له سبحانه ملكا والكائنات له حكما، وتعالى الله عن أن يتجمل ~~بوفاق أو ينقص بخلاف، وبالقدر ظهور الجميع، وعلى حسب الاختيار «1» تنصرف ~~الكلمة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 20] # يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20) # المطيع المختار يسبحه بالقول الصدق، والكل من المخلوقات تسبيحها بدلالة ~~الخلقة، وبرهان البينة «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 21] # أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) # تفرد الحق بالإبداع والإيجاد، وتقدس عن الأمثال «الأنداد، فالذين يعبدون ~~من دونه أموات غير أحياء. وهم «3» بالضرورة يعرفون.. أفلا يعتبرون وألا ~~يزدجرون؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 22] # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) # أخبر أن كل أمر يناط بجماعة لا يجرى على النظام إذ ينشأ بينهم النزاع ~~والخلاف. # ولما كانت أمور العالم فى الترتيب منسقة فقد دل ذلك على أنها حاصلة ~~بتقدير مدبر حكيم فالسماء فى علوها تدور على النظام أفلاكها، وليس لها عمد ~~لإمساكها، والأرض مستقرة بأقطارها على ترتيب تعاقيب ليلها ونهارها. والشمس ~~والقمر والنجوم السائرة تدور فى بروج، ورقعة السماء تتسع من غير فروج.. ذلك ~~لتقدير العزيز العليم علامة، وعلى وحدانيته دلالة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 23] # لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون (23) # لكون الخلق له، وهم يسألون للزوم حقه عليهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ms0762 الأنبياء (21) : آية 24] # أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل ~~أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) PageV02P497 # دلت الآية على فساد القول بالتقليد، ووجوب إقامة الحجة والدليل. # ودلت الآية على توحيد المعبود، ودلت الآية على إثبات الكسب للعبيد إذ ~~لولاه لم يتوجه عليهم اللوم والعتب «1» . وكل من علق قلبه بمخلوق، أو توهم ~~من غير الله حصول شىء فقد دخل فى غمار هؤلاء لأن الإله من يصح منه الإيجاد. # قوله: «هذا ذكر من معي وذكر من قبلي» : الإشارة منه أن الدين توحيد الحق، ~~وإفراد الرب على وصف التفرد ونعت الوحدانية. # ثم قال: «بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون» إنما عدموا العلم ~~لإعراضهم عن النظر، ولو وضعوا النظر موضعه لوجب لهم العلم لا محالة، والأمر ~~يدل على وجوب النظر، وأن العلوم الدينية كلها كسبية «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 25] # وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ~~(25) # التوحيد فى كل شريعة واحد، والتعبد- على من أرسل إليه الرسول- واجب، ولكن ~~الأفعال للنسخ والتبديل معرضة، أما التوحيد وطريق الوصول إليه فلا يجوز فى ~~ذلك النسخ والتبديل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 26] # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) # فى الآية رخصة فى ذكر أقاويل أهل الضلال والبدع على وجه الرد عليهم، وكشف ~~PageV02P498 # عوراتهم، والتنبيه على مواضع خطاياهم، وأنه إن وسوس الشيطان إلى أحد بشئ ~~منه كان فى ذلك حجة للانفصال عنه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 27] # لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) # أخبر أن الملائكة معصومون عن مخالفة أمره- سبحانه، وأنهم لا يقصرون فى ~~واجب عليهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 28] # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون (28) # علمه القديم- سبحانه- لا يختص بمعلوم دون معلوم، وإنما هو شامل لجميع ~~المعلومات، فلا يعزب عن علم الله معلوم. # قوله: «لا يشفعون إلا لمن ارتضى» دل على أنهم يشفعون لقوم، ms0763 وأن الله ~~يتقبل شفاعتهم «1» . # قوله: «وهم من خشيته مشفقون» : ليس لهم ذنب ثم هم خائفون ففى الآية دليل ~~على أنه سبحانه يعذبهم وأن ذلك جائز، فإذا لم يجز أن يعذب البريء لكانوا لا ~~يخافونه لعلمهم أنهم لم يرتكبوا زلة «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 29] # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) # أخبر أنهم معرضون عن الزلة بكل وجه. ثم قال: «ومن يقل منهم إني إله من ~~دونه» PageV02P499 # وقد علم أنهم لا يقولون ذلك، ولكن علم لو كان ذلك كيف كان يكون حكمه، ~~فالحق- سبحانه- يعلم ما لا يكون كيف كان يكون. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 30] # أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) # داخلتهم الشبهة فى إعادة الخلق والقيامة والنشر، فأقام الله الحجة عليهم ~~بأن قال: # أليسوا قد علموا أنه خلق السماوات والأرض سمك السماء وبسط الأرض. فإذا ~~قدر على ذلك فكيف لا يقدر على الإعادة بعد الإبادة؟ # قوله جل ذكره: وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون كل شىء مخلوق حى ~~فمن الماء خلقه، فإن أصل الحيوان الذي حصل بالتناسل النطفة، وهى من جملة ~~الماء. # وحياة النفوس بماء السماء من حيث الغذاء، وحياة القلوب بماء الرحمة، ~~وحياة الأسرار بماء التعظيم. وأقوام حياتهم بماء الحياء.. وعزيز هم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 31] # وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون ~~(31) # الأولياء هم الرواسي فى الأرض وبهم «1» يرزقون، وبهم يدفع عنهم البلاء، ~~وبهم يوفى عليهم العطاء. وكما أنه لولا الجبال الرواسي لم تكن للأرض ~~أوتاد.. فكذلك الشيوخ الذين هم أوتاد الأرض (فلولاهم) لنزلت بهم الشدة. # وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون كما أن فى الأرض سبلا يسلكونها ~~ليصلوا إلى مقاصدهم كذلك جعل السبل إليه PageV02P500 # مسلوكة بما بين على ألسنتهم من هداية المريدين، وقيادة السالكين، كما يسر ~~بهداهم الاقتداء بهم فى سيرهم إلى الله. # قوله جل ذكره: ms0764 ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 32] # وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) # فى ظاهر الكون السماء منيرة، والأرض مسكونة.. كذلك للنفوس أراض هى مساكن ~~الطاعات، وفى سماء القلوب نجوم العقل وأقمار العلم وشموس التوحيد والعرفان. ~~وكما جعلت النجوم رجوما للشياطين جعل من المعارف رجوما للشياطين. وكما أن ~~الناس عن آياتها معرضون لا يتفكرون فالعوام عن آيات القلوب مما فيها من ~~الأنوار غافلون، لا يكاد يعرفها إلا الخواص قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 33] # وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) # كما أن الحق- سبحانه- فى الظاهر يكور الليل على النهار، ويكور النهار على ~~الليل فكذلك يدخل فى نهار البسط ليل القبض. والبسط فى الزيادة والنقصان. ~~فكما أن الشمس أبدا فى برجها لا تزيد ولا تنقص، والقمر مرة فى المحاق، ومرة ~~فى الإشراق.. فصاحب التوحيد بنعت التمكين- يرتقى عن حد تأمل البرهان إلى ~~روح البيان، ثم هو متحقق بما هو كالعيان. وصاحب العلم مرة يرد إلى نجديد ~~نظره وتذكره، ومرة يغشاه غير فى حال غفلته فهو صاحب تلوين «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 34] # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) # إنك فى هذه الدنيا عابر سبيل، لكننا لم نتركك فردا فى الدنيا، ولذلك قال ~~عليه السلام لصاحبه فى الغار: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!» . PageV02P501 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 35] # كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) # الموت به آفة قوم، وفيه راحة قوم لقوم انتهاء مدة الاشتياق، ولآخرين ~~افتتاح باب الفراق، لقوم وقوع فتنتهم ولآخرين خلاص من محنتهم، لقوم بلاء ~~وقيامة ولآخرين شفاء وسلامة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 36] # وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم ~~بذكر الرحمن هم كافرون (36) # لو شهدوا بما هو به من أوصاف التخصيص وما رقاه إليه من المنزلة لظلوا له ~~خاضعين، ولكنهم حجبوا عن معانيه وسريرته، وعاينوا منه جسمه وصورته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 37] # خلق الإنسان من ms0765 عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) # العجلة مذمومة والمسارعة محمودة فالمسارعة البدار إلى الشيء فى أول وقته، ~~والعجلة استقباله قبل وقته، والعجلة نتيجة وسوسة الشيطان، والمسارعة قضية ~~التوفيق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 38] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) # اعتادوا تكذيب الأنبياء عليهم السلام فيما وعدوهم، فاستعجلوا حصول ما ~~توعدوهم به. # ولو علموا ما ينالهم لكان السكون منهم، فالفزع يدل على استعجالهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 39] # لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ~~ينصرون (39) # ... لأمسكوا اليوم عن الانخراط فى عذاب «1» الظنون، والاغترار بمواعيد ~~الشيطان. PageV02P502 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 40] # بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40) # العقوبة إذا أتت فجأة كانت أنكى وأشد. وسنة الله فى الانتقام أن يثير ريح ~~البغتة فى حال الانغماس فى النعمة والمنة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 41] # ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ~~(41) # تسلية له، وتعريف بوشك الانتصار على الذين كانوا يؤذونه من أعداء الذين ~~أي عن قريب ستجدون وبال ما استوجبوه من العقوبة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 42] # قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42) # تقرير عليهم بأن ليس بتداخل المخلوقين نجاتهم، وقد جربوا ذلك فى أحوال ~~محنتهم، فكيف لا يتبرءون ممن ليس لهم شىء، ومما ليس منه نفع ولا ضر؟ وفى ~~ذلك تنبيه للمؤمنين بأن مآربهم إلى الخيرات من نوعى النفع والدفع من الله ~~عز وجل، فالواجب دوام اعتكافهم بقلوبهم بعقوة كرمه وجوده. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 43] # أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون ~~(43) # .. بسط القول وكرره فى تعريفهم استحالة حصول الضر والنفع من الجمادات ~~وأصنامهم التي عبدوها من تلك الجملة، ولم يرد منهم- على تكرار هذه الألفاظ- ~~إلا عجز وانقطاع قول. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 44] # بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم ms0766 العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) # طول الإمتاع إذا لم يكن مقرونا بالتوفيق، مشفوعا بالعصمة كان مكرا ~~واستدراجا، # PageV02P503 # وزيادة فى العقوبة. والحق كما يعاقب بالآلام والأهوال يعاقب بالإملاء ~~والإمهال. # وقال: أفلا يرون أنا نأتى الأرض ... » تتوالى القسوة حتى لا يبقى أثر ~~للصفوة فيتعاقب الخذلان حتى يتواتر العصيان، ويتأدى ذلك إلى الحرمان الذي ~~فيه ذهاب الايمان. # ويقال تنقص بذهاب الأكابر ويبقى الأراذل ويتعرض الأفاضل. وفى هذا أيضا ~~إشارة إلى سقوط قوى العبد بمرور السنين وتطاول العمر، فإن آخر الأمر كما ~~قيل] : «1» # آخر الأمر ما ترى ... القبر واللحد والثرى # وكما قيل: # طوى العصران «2» ما نشراه منى ... وأبلى جدتى نشر وطي # أرانى كل يوم فى انتقاص ... ولا يبقى- مع النقصان- شى # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 45] # قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45) # أي بأمر الله أعلمكم بموضع المخافة، ويوحى إلى فى بابكم أن أخوفكم بأليم ~~عقابه، ولكن الذي عدم سمع التوفيق.. أنى ينفعه تكرار الأمر بالقبول عليه؟! ~~قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 46] # ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) # أي إنهم لا يصبرون على أقل شىء من العقوبة وإن الحق إذا شاء أن يؤلم أحدا ~~فلا يحتاج إلى مدد وعون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 47] # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة ~~من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47) PageV02P504 # توزن الأعمال بميزان الإخلاص فما ليس فيه إخلاص لا يقبل، وتوزن الأحوال ~~بميزان الصدق فما يكون فيه الإعجاب لا يقبل، وتوزن الأنفاس بميزان ( ... ) ~~«1» فما فيه حظوظ ومساكنات لا يقبل. # ويقال ينتصف المظلوم من الظالم، وينتقم الضعيف من القوى. # ويقال ما كان لغير الله لا يصلح للقبول. # ويقال يكافئ كلا بما يليق بعمله فمن لم يرحم عباده فى دنياه لا يرحمه ~~الله، ومن لم يحسن إلى عباده تقاصر عنه إحسانه، ومن ظلم غيره كوفئ بما يليق ~~بسوء فعله. # قوله: «فلا تظلم نفس ms0767 شيئا» : أي يجازى المظلومين وينتقم من الظالمين، ~~وينصف المظلوم من مثقال الذرة ومقياس الحبة، وإن عمل خيرا بذلك المقدار ~~فسيلقى جزاءه، ويجد عوضه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 48] # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) # ما آتاه الحق سبحانه للأنبياء عليهم السلام من الضياء والنور، والحجة ~~والبرهان يشاركهم المستجيبون من أممهم فى الاستبصار به ... # فكذلك الأكابر من هذه الأمة يشاركون نبينا- صلى الله عليه وسلم- فى ~~الاستبصار بنور اليقين. # و «المتقى» هو المجانب لما يشغله ويحجبه عن الله، فيتقى أسباب الحجاب ~~وموجباتها. PageV02P505 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 49] # الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) # صار لهم فى استحقاق هذه البصائر والخشية بالغيب إطراق السريرة، وفى أوان ~~الحضور استشعار الوجل من جريان سوء الأدب، والحذر من أن يبدو من الغيب من ~~خفايا التقدير ما يوجب حجبة العبد. # والإشفاق من الساعة على ضربين: خوف قيام الساعة الموعودة للعامة، وخوف ~~قيام الساعة التي هى قيامة هؤلاء القوم «1» فإن ما يستأهل الكافة فى الحشر ~~معجل لهم فى الوقت من تقريب ومن تبعيد، ومن محو ومن إثبات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 50] # وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50) # وصف القرآن بأنه «مبارك» ، وهو إخبار عن دوامه «2» ، من قولهم: برك ~~الطائر على الماء أي دام. # وإن هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وما لا ابتداء ~~له- وهو كلامه القديم- فلا انتهاء للكتاب الدال عليه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 51] # ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) # أراد به ما تعرف إليه من الهداية حتى لم يقل بما يجوز عليه الزوال ~~والأفول «3» ، لولا أنه خصه فى الابتداء بالتعريف.. وإلا متى اهتدى إلى ~~التمييز بينه وبين خلقه لولا ما أضاء. «4» # عليه من أنوار التوحيد قبلما حصل منه من النظر فى المخلوق؟ # ويقال هو ما كاشف به روحه قبل إبداعها من تجلى الحقيقة. PageV02P506 # قوله جل ذكره ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 52] # إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل ms0768 التي أنتم لها عاكفون (52) # خاطب قومه وأباه «1» ببيان التنبيه طمعا فى استفاقتهم من سكرة الغفلة، ~~ورجوعهم من ظلمة «2» الغلظة، وخروجهم من ضيق الشبهة. # ثم سأل الله إعانتهم بطلب الهداية لهم. فلما تبين له أنهم لا يؤمنون، ~~وعلى كفرهم يصرون تبرأ منهم أجمعين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 53 الى 55] # قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال ~~مبين (54) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (55) # ما استروحوا فى الجواب إلا إلى التقليد، فكان من جوابه الحكم بالتسوية ~~بينهم وبين آبائهم فى الضلال، والحجة المتوجهة على سلفهم لزموها وتوجهت ~~عليهم، فلم يرضوا منه بتخطئة آبائهم حتى قالوا: «أجئتنا بالحق أم أنت من ~~اللاعبين؟» فطالبوه بالبرهان إلى ما دعاهم إليه من الإيمان فقال: ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 56 الى 60] # قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين ~~(56) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) فجعلهم جذاذا إلا ~~كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن ~~الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60) # فأحالهم على النظر والاستدلال والتعرف «3» من حيث أدلة العقول «4» لأن ~~إثبات الصانع PageV02P507 # لا يعرف بالمعجزات، وإنما المعجزات علم بصدق الأنبياء عليهم السلام، وذلك ~~فرع لمعرفة الصانع. # ثم بين لهم أن ما عبدوه من دون الله لا يستحق العبادة، ثم إنه لم يحفل ~~بما يصيبه من البلاء ثقة منه بأن الله هو المتفرد بالإبداع، فلا أحد يملك ~~له «1» ضرا من دون الله، فتساءلوا فيما بينهم وقالوا: # قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال ~~له إبراهيم أي يذكرهم بالسوء. ويحتمل أن يكون من فعله.. فاسألوه، فسألوه ~~«2» فقال: بل فعله كبيرهم. # فقالوا كيف ندرك الذنب عليه؟ وكيف تحيلنا فى السؤال عليه- وهو جماد؟ # فقال: وكيف تستجيزون عبادة ما هو جماد لا يدفع عن نفسه السوء؟! قوله جل ~~ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 65] # ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) # فقال: شر وأمر ms0769 «3» .. كيف تستحق أمثال هذه.. العبادة؟! فلما توجهت الحجة ~~عليهم ولم يكن لهم جواب داخلتهم الأنفة والحمية فقالوا: سبيلنا أن نقتله شر ~~قتلة، وأن نعامله بما يخوفنا به من النار. فقالوا: «ابنوا له بنيانا فألقوه ~~في الجحيم» ، فلما رموه فى النار: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 69] # قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) PageV02P508 # لو عصمه من نار «1» نمرود ولم يمكنه من رميه فى النار من المنجنيق لكان- ~~فى الظاهر- أقرب من النصر، ولكن حفظه فى النار من غير أن يمسه ألم أتم فى ~~باب النصرة والمعجزة والكرامة. # ويقال إن ابراهيم- عليه السلام- كان كثيرا ما يقول: أواه من النار! قال ~~تعالى: «إن إبراهيم لأواه حليم» «2» فلما رمى فى النار، وجعل الله عليه ~~النار بردا قيل له: لا تقل بعد هذا. أواه من النار! فالاستعاذة بالله من ~~الله.. لا من غيره. # قوله: «وسلاما» : أي وسلامة عليه وله، فإنه إذا كان للعبد السلامة فالنار ~~والبرد عنده سيان. # ويقال إن الذي يحرق فى النار من فى النار يقدر على حفظه فى النار. # ولما سلم قلبه من غير الله بكل وجه فى الاستنصار «3» والاستعانة وسلم من ~~طلب شىء بكل وجه.. تعرض له جبريل- عليه السلام- فى الهواء وقد رمى من ~~المنجنيق وقال له: # هل من حاجة؟ # فقال: أما إليك.. فلا! فجعل الله النار عليه بردا وسلاما إذ لما كان سليم ~~القلب من الأغيار وجد سلامة النفس من البلايا والأعلال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 70] # وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) # من حفر لأوليائه وقع فيما حفر، ومن كان مشغولا بالله لم يتول الانتقام ~~منه سوى الله. PageV02P509 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 71] # ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71) # مضت سنة الله فى أنبيائه- عليهم السلام- أنه إذا نجى منهم واحدا أشرك معه ~~من كان مساهما له فى ضره ومقاساة مشقته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 72] # ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) # من عليه بأن أخرج من صلبه من كان عابدا لله، ذاكرا له، فإن مفاخر الأبناء ~~مناقب للآباء، ms0770 كما أن مناقب الآباء شرف للأبناء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 73] # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73) # الإمام مقدم القوم، واستحقاق رتبة الإمامة باستجماع الخصال المحمودة التي ~~فى الأمة فيه، فمن لم تتجمع فيه متفرقات الخصال المحمودة لم يستحق منزلة ~~الإمامة. # قوله جل ذكره ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 74] # ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم ~~كانوا قوم سوء فاسقين (74) # أكمل له الأنعام بعصمته من مثل ما امتحن به قومه، ثم بخلاصه منهم بإخراجه ~~إياه من بينهم، فميزه عنهم ظاهرا وباطنا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 75] # وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (75) # بين أنه أدخله فى رحمته ثم قال: «إنه من الصالحين» فلا محالة من أدخله فى ~~رحمته كان صالحا. # PageV02P510 # وقوله: «وأدخلناه في رحمتنا» إخبار عن عين الجمع، وقوله: «إنه من ~~الصالحين» : # إخبار عن عين الفرق «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 76 الى 77] # ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ~~ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين ~~(77) # كان نوح- عليه السلام- أطولهم عمرا، وأكثرهم بلاء. ففى القصة أنه كان ~~يضرب سبعين مرة، وكان الرجل الهرم يحمل حفيده إليه ويقول. لا تقبل قول هذا ~~الشيخ وكان يوصيه بمخالفته. وكان نوح- عليه السلام- يصبر على مقاساة الأذى، ~~ويدعوهم إلى الله، فلما أيس من إيمانهم، وأوحى إليه: «أنه لن يؤمن من قومك ~~إلا من قد آمن» «2» دعا عليهم فقال: «رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا» «3» فقال تعالى: «ونوحا إذ نادى من قبل ### | .... # » فأزهق الشرك وأغرق أهله. # سورة الكهف ... # سورة مريم ... # سوره طه ... # قوله جل ذكره ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 78 الى 79] # وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال ~~يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) # أشركهم فى حكم النبوة وإن كان بين درجتيهما تفاوت.. ففى مسألة واحدة ms0771 أثبت ~~لسليمان- عليه السلام- بها خصوصية إذ من عليه بقوله: «ففهمناها سليمان» ولم ~~بمن عليه بشىء من الملك الذي أعطاه بمثل ما من عليه بذلك، وفى هذه المسألة ~~دلالة على تصويب المجتهدين- وإن اختلفوا- إذا كان اختلافهم فى فروع الدين ~~حيث قال: «وكلا آتينا PageV02P511 # حكما وعلما» ولمن قال بتصويب أحدهما وتخطئة الآخر فله تعلق بقوله: ~~«ففهمناها سليمان» «1» قوله جل ذكره: وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير ~~وكنا فاعلين أمر الجبال وسخرها لتساعد داود- عليه السلام- فى التسبيح، ففى ~~الأثر: كان داود- عليه السلام- يمر وصفاح «2» الجبال تجاويه، وكذلك الطيور ~~كانت تساعده عند تأويبه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 80] # وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) # سخر الله- سبحانه- لداود الحديد وألانه فى يده، فكان ينسج الدروع، قال ~~تعالى: # «وألنا له الحديد» ليتحصن من السهام فى الحروب، قال تعالى: «وقدر في ~~السرد» وأحكم الصنعة وأوثق المسامير.. ولكن لما قصدته سهام التقدير ما ~~أصابت إلا حدقته حين نظر إلى امرأة أوريا- من غير قصد- فكان ما كان. # ولقد خلا ذلك اليوم، وأغلق على نفسه باب البيت، وأخذ يصلى ساعة، ويقرأ ~~التوراة مرة، والزبور أخرى، حتى يمضى وينتهى ذلك اليوم بالسلامة. وكان قد ~~أوحى إليه أنه يوم فتنة، فأمر الحجاب والبواب ألا يؤذن عليه أحد، فوقع من ~~كوة البيت طير لم ير مثله PageV02P512 # فى الحسن، فهم أن يأخذه، فتباعد ولم يطر كالمطمع له فى أخذه، فلم يزل ~~يستأخر قليلا قليلا حتى طار من كوة البيت، فتبعه داود ينظر إليه من الكوة ~~من ورائه، فوقع بصره على امرأة أوريا، وكانت قد تجردت من ثيابها تغتسل فى ~~بستان خلف البيت الذي به داود، فحصل فى قلبه ما حصل، وأصاب سهم التقدير ~~حدقته، ولم تنفعه صنعة اللبوس التي كان تعلمها لتحصنه من بأسه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 81] # ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل ~~شيء عالمين (81) # سخر الله له الريح غدوها شهر ورواحها شهر، ولو أراد أن يزيد فى قدر ~~مسافتها شبرا لما استطاع، تعريفا بأنه ms0772 موقوف على حكم التقدير، فشهود ~~التقدير كان يمنعه عن الإعجاب بما أكرم به من التسخير، ولقد نبه- سبحانه- ~~من حيث الإشارة أن الذي ملكه سليمان كالريح إذا مر وفات، أو أنه لا يبقى ~~باليد منه شىء «1» . # وفى القصة أنه لا حظ ذلك يوما فمالت الريح ببساطه قليلا، فقال سليمان ~~للريح: استو. # فقالت له الريح: استو أنت. أي إنما ميلى ببساطك لميلك بقلبك بملاحظتك ~~فإذا استويت أنت استويت أنا «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 82] # ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (82) # إنما كان ذلك أياما قلائل فى الحقيقة. ثم إنه أراد يوما أن يعود إلى ~~مكانه فجاءه ملك الموت فطالبه بروحه، فقال: إلى حين أرجع إلى مكانى. # فقال له: ولا وجه للتأخير، وقبضه وهو قائم يتكئ على عصاه وبقي بحالته، ~~ولم تعلم الجن، PageV02P513 # إلى أن أكلت دابة الأرض- كما فى القصة- عصاه، فلما خر سليمان علمت ~~الشياطين بموته، وتحققوا أن الذي بالعصا قيامه فقهر الموت يلحقه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 83 الى 84] # وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) فاستجبنا له ~~فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ~~(84) # أي واذكر أيوب «1» حين نادى ربه. وسمى أيوب لكثرة إيابه إلى الله فى جميع ~~أحواله فى السراء والضراء، والشدة والرخاء. # ولم يقل: ارحمني، بل حفظ أدب الخطاب فقال: «وأنت أرحم الراحمين» . # ومن علامات الولاية أن يكون العبد محفوظا عليه وقته في أوان البلاء. # ويقال إخباره عنه أنه قال: «مسني الضر» لم يسلبه اسم الصبر حيث أخبر عنه ~~سبحانه بقوله: «إنا وجدناه صابرا» لأن الغالب كان من أحواله الصبر، فنادر ~~قالته لم يسلب عنه الغالب من حالته. والإشارة من هذا إلى أن الغالب من حال ~~المؤمن المعرفة، أو الإيمان بالله فهو الذي يستغرق جميع أوقاته، ولا يخلو ~~منه لحظة ونادر زلاته- مع دائم إيمانه- لا يزاحم الوصف الغالب. # ويقال لما لم يكن قوله: مسنى الضر على وجه الاعتراض على التقدير- بل كان ~~على ms0773 وجه إظهار العجز- فلم يكن ذلك منافى الصفة الصبر. # ويقال استخرج منه هذا القول ليكون فيه متنفس للضعفاء فى هذه الأمة حتى ~~إذا ضجوا فى حال البلاء لم يكن ذلك منافى الصفة الصبر. # ويقال لم يكن هذا القول منه على جهة الشكوى، وإنما كان من حيث الشكر «أني ~~مسني الضر» الذي تخص به أولياءك، ولولا أنك أرحم الراحمين لما خصصتنى بهذا، ~~ولكن برحمتك أهلتنى لهذا. PageV02P514 # ويقال لم يكن هذا القول من أيوب ولكنه استغاثة البلاء منه، فلم يطق ~~البلاء صحبته فضج منه البلاء لا أيوب ضج من البلاء.. وفى معناه أنشدوا. # صابر الصبر فاستغاث به الصبر ... فصاح المحب بالصبر صبرا # ويقال همزة الاستفهام فيه مضمرة، ومعناه: أيمسني الضر وأنت أرحم ~~الراحمين؟ كما قال «وتلك نعمة تمنها علي» «1» أي أتلك نعمة تمنها على أن ~~عبدت بنى إسرائيل؟ # ويقال إن جبريل- عليه السلام- أتى أيوب فقال: لم تسكت؟ فقال: ماذا أصنع؟ # فقال: إن الله سببان عنده بلاؤك وشفاؤك ... فاسأل الله العافية فقال ~~أيوب: إنى مسنى الضر، فقال تعالى: «فكشفنا ما به من ضر» والفاء تقتضى ~~التعقيب، فكأنه قال: # فعافيناه فى الوقت. وكأنه قال: يا أيوب، لو طلبت العافية قبل هذا ~~لاستجبنا لك. # ويقال سقطت دودة كانت تأكل من بدنه على الأرض فرفعها أيوب ووضعها على ~~موضعها، فعقرته عقرة عيل صبره فقال: مسنى الضر، فقيل له: يا أيوب: أتصبر ~~معنا؟ # لولا أنى ضربت تحت كل شعرة من شعراتك كذاخيمة من الصبر.. ما صبرت ساعة! ~~ويقال كانت الدودات التي تأكل منه أكلت ما علا بدنه، فلم يبق منه إلا لسانه ~~وقلبه، فصعدت دودة إلى لسانه، وأخرى إلى قلبه فقال: # «مسني الضر» ... فلم يبق لى إلا لسان به أذكرك، أو قلب به أعرفك، وإذ لم ~~يبق لى ذلك فلا يمكننى أن أعيش وأصبر! ويقال استعجمت عليه جهة البلاء فلم ~~يعلم أنه يصيبه بذلك تطهيرا أو تأديبا أو تعذيبا أو تقريبا أو تخصيصا أو ~~تمحيصا ... وكذلك كانت صحبته «2» . # ويقال قيل لأيوب عليه السلام سل العافية فقال: # عشت فى النعم ms0774 سبعين سنة فحتى يأتى على سبعون سنة فى البلاء.. وعندئذ أسأل ~~الله العافية! PageV02P515 # وقيل لما كشف الله عنه البلاء قيل له: ما أشد مالقيت فى أيام البلاء؟ ~~فقال شماتة الأعداء: # وفى القصة أن تلامذة أيوب كسروا أقلامهم، وحرقوا ما كتبوه عنه وقالوا: لو ~~كان لك عند الله منزلة لما ابتلاك بكل هذا البلاء! وقيل لم يبق معه إلا ~~زوجه، وكانت من أولاد يوسف النبي عليه السلام، فهى التي بقيت معه وكانت ~~تخدمه وتتعهده. # ويقال إنما بقيت تلك المرأة معه لأنها كانت من أهل البلاء من آل يعقوب- ~~عليه السلام. # وقيل إنما قال: مسنى الضر لما قال لها الشيطان: إن أردت أن يشفى مريضك ~~فاسجدى لى، ولم تعلم أنه إبليس لأنه ظهر لها فى صورة إنسان، فأخبرت أيوب ~~بذلك فقال عندئذ: # «مسني الضر» . # ويقال لما ظهر به البلاء اجتمع قومه وقالوا لها: أخرجى هذا المريض من ~~قريتنا، فإننا نخاف العدوى وأن يمسنا بلاؤه، وأن نعدى إلينا علته، فأخرجته ~~إلى باب القرية فقالوا: # إنا إذا أصبحنا وقعت أبصارنا عليه، فنتشاءم به، فأبعديه عن أبصارنا، ~~فحملته إلى أرض قفر، وكانت تدخل البلد، وتستأجر للخبز والعمل فى الدور، ~~فتأخذ الأجرة وتحملها إليه، فلما علموا أنها امرأته استقذروها ولم ~~يستعملوها. # ويقال إنها كانت ذات ذوائب وقرون، وكان أيوب يأخذ بذوائبها عند نهوضه، ~~فباعت ذوائبها برغيف أخذته لتحمله إليه، فوسوس له الشيطان بأنها فعلت ~~الفحشاء، وأن شعرها جز فى ذلك فحلف أيوب أن يجلدها إذا صح حدسه، وكانت ~~المحنة على قلب تلك المرأة أشد مما على بدن أيوب من كل المحن. # وقيل إن امرأته غابت ودخلت البلد، فعافى الله أيوب عليه السلام، وعاد ~~شابا طريا كما قال فى قصته قوله: «اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب» «1» . ~~فلما رجعت PageV02P516 # امرأته ولم تره حسبت أنه أكله سبع أو أصابته آفة، فأخذت تبكى وتولول، ~~فقال لها أيوب- وهى لم تعرفه لأنه عاد صحيحا- مالك يا امرأة؟ # قالت: كان لى هاهنا مريض ففقدته. فقال لها أيوب: أنا ذاك الذي تطلبينه! ~~وفى بعض الأخبار ms0775 المروية أنه بقي فى بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام ~~وسبع ساعات. # وقيل تعرض له إبليس فقال: إن أردت العافية فاسجد لى سجدة، فقال: # «مسني الضر» . # ويقال إن أيوب- عليه السلام- كان مكاشفا بالحقيقة، مأخوذا عنه، فكان لا ~~يحس بالبلاء، فستر عليه مرة، ورده إليه، فقال: مسني الضر «1» . # ويقال أدخل على أيوب تلك الحالة، واستخرج منه هذه القالة ليظهر عليه ~~إقامة العبودية. # ويقال أوحى الله إلى أيوب- عليه السلام- أن هذا البلاء اختاره سبعون نبيا ~~قبلك فما اخترته إلا لك، فلما أراد كشفه عنه قال: مسني الضر! وقيل كوشف ~~بمعني من المعاني فلم يجد ألم البلاء فقال: مسنى الصر لفقدى ألم الضر. # وقال جعفر الصادق: حبس عنه الوحى أربعين يوما فقال: مسنى الضر لما لحقه ~~من الضعف بقيام الطاعة فاستجاب إليه بأن رد عليه قوته ليقوم بحق الطاعة. # ويقال طلب الزيادة فى الرضا فاستجيب له بكشف ما كان به من ضعف الرضا. # ويقال إن الضر الذي شكا منه أنه بقيت عليه بقية، وبليته كانت ببقيته، ~~فلما أخذ عنه بالكلية زال البلاء، ولهذا قال «فكشفنا ما به من ضر» وكانت ~~نفسه ضره، ورد عليه السلامة والعافية والأمل- فى الظاهر- لما ضار مأخوذا ~~بالكلية عنه، منقى عن كل بقية، وعند ذلك يستوى البلاء والعافية، والوجود ~~والفقد. PageV02P517 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 85] # وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) # أي واذكر هؤلاء الأنبياء ثم قال: «كل من الصابرين» ، ثم قال: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 86] # وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86) # بين الحكم والمعنى الحكم صبرهم وصلاحهم، والمعنى إدخاله إياهم فى الرحمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 87] # وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) # «مغاضبا» : على ملك وقته حيث اختاره للنبوة، وسأله: لم اخترتني؟ فقال: ~~لقد أوحى الله إلى نبيى: أن قل لفلان الملك حتى يختار واحدا ليرسل إلى ~~نينوى بالرسالة. # فثقل على ذى النون لما اختاره الملك لأنه علم أن ms0776 النبوة مقرونة بالبلاء، ~~فكان غضبه عليه لذلك «1» . # ويقال مغاضبا على قومه لما امتنعوا عن الإيمان وخرج من بينهم. # ويقال مغاضبا على نفسه أي شديد المخالفة لهواه، وشديدا على أعداء الدين ~~من مخالفيه. # «فظن أن لن نقدر عليه» أي أن لن نضيق عليه «2» بطن الحوت، من قوله: # «وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه» «3» أي ضيق. PageV02P518 # ويقال فظن أن لن نقدر عليه من حبسه فى بطن الحوت. # وخرج من بين قومه لما أخبر بأن الله يعذب قومه، وخرج بأهله. # ويقال إن السبع افترس أهله فى الطريق، وأخذ النمر ابنا صغيرا له كان معه، ~~وجاء موج البحر فأغرق ابنه الآخر، وركب السفينة، واضطرب البحر، وتلاطمت ~~أمواجه، وأشرفت السفينة على الغرق، وأخذ الناس فى إلقاء الأمتعة فى البحر ~~تخفيفا عن السفينة، وطلبا لسلامتها من الغرق، فقال لهم يونس: لا تلقوا ~~أمتعتكم فى البحر بل اطرحوني فيه فأنا المجرم فيما بينكم لتخلصوا. فنظروا ~~إليه وقالوا: نرى عليك سيماء الصلاح، وليست تسمح نفوسنا بإلقائك فى البحر، ~~فقال تعالى مخبرا عنه: «فساهم فكان من المدحضين» # «1» أي فقارعهم، فاستهموا، فوقعت القرعة عليه. # وفى القصة أنه أتى حرف السفينة، وكان الحوت فاغزا فاه، فجاء إلى الجانب ~~الآخر فجاء الحوت إليه كذلك، حتى جاز كل جانب. ثم لما علم أنه مراد بالبلاء ~~ألقى نفسه فى الماء فابتلعه الحوت «وهو مليم» : أي أتى بما يلام عليه، قال ~~تعالى: «فالتقمه الحوت وهو مليم» «2» . # وأوحى الله إلى السمك: لا تخدش منه لحما ولا تكسر منه عظما، فهو وديعة ~~عندك وليس بطعمة لك. فبقى فى بطنه- كما فى القصة- أربعين يوما. # وقيل إن السمك الذي ابتلعه أمر بأن يطوف فى البحر، (وخلق الله له إدراك ~~ما فى البحر) «3» ، وكان ينظر إلى ذلك. # ويقال إن يونس عليه السلام صحب الحوت أياما قلائل فإلى القيامة يقال له: ~~ذا النون، ولم تبطل عنه هذه النسبة.. فما ظنك بعبد عبده- سبحانه- سبعين ~~سنة، ولازم قلبه محبته ومعرفته طول عمره.. ترى أيبطل هذا؟ لا يظن بكرمه ~~ذلك! «فنادى في الظلمات ... » يقال ظلمة ms0777 الليل وظلمة البحر وظلمة بطن ~~الحوت- هذا بيان PageV02P519 # التفسير، ويحتمل «1» أن تكون الظلمات ما التبس عليه من وقته واستبهم عليه ~~من حاله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 88] # فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) # استجبنا له ولم يجر منه دعاء لأنه لم يصدر عنه أكثر من قوله: «لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» ، ولم يقر بالظلم إلا وهو يستغفر منه. # ثم قال: «ونجيناه من الغم ... » يعنى: كل من قال من المؤمنين- إذا أصابه ~~غم، أو استقبله مهم- مثلما قال ذو النون نجيناه كما نجينا ذا النون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 89] # وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) # سأل الولد، وإنما سأله ليكون له معينا على عبادة ربه، وليقوم فى النبوة ~~مقامه، ولئلا تنقطع بركة الرسالة من بيته «2» ، ولقد قاسى زكريا من البلاء ~~ما قاسى حتى حاولوا قطعه بالمنشار، ولما التجأ إلى شجرة انشقت له وتوسطها، ~~والتأمت الشجرة، وفطنوا إلى ذلك فقطعوا الشجرة بالمنشار، وصبر لله، وسبحان ~~الله! كان انشقاق الشجرة له معجزة، وفى الظاهر كان حفظا له منهم، ثم لو لم ~~يطلعهم عليه لكان في ذلك سلامته، ولعلهم- وقتلوه- لم يصبه من الألم القدر ~~الذي لحقه من القطع بالمنشار طول إقامته، وإنما المعنى فيه أن انشقاق ~~الشجرة كان له معجزة، فقوى بذلك يقينه لما رأى عجيب الأمر فيه من نقض ~~العادة «3» ، ثم البلاء له بالقتل ليس ببلاء فى التحقيق، ولقد قال قائلهم: ~~«إنما يستعذب الأولياء البلوى للمناجاة مع المولى» . PageV02P520 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 90] # فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) # سمى يحيى لأنه حي به عقر أمه. # وقوله: «وأصلحنا له زوجه» : لتكون الكرامة لهم جميعا بالولد، ولئلا يستبد ~~زكريا بفرح الولد دونها مراعاة لحق صحبتها.. وهذه سنة الله فى باب إكرام ~~أوليائه، وفى معناه أنشدوا: # إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم فى المنزل الخشن # ثم ms0778 قال: «إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا..» وفى هذا بشارة لجميع ~~المؤمنين، لأن المؤمن لا يخلوا من حالة من أحوال الرغبة أو الرهبة إذ لو لم ~~تكن رغبة لكان قنوطا والقنوط كفر «1» ، ولو لم تكن رهبة لكان أمنا والأمن ~~كفر «2» . # قوله: «وكانوا لنا خاشعين» الخشوع قشعريرة القلب عند اطلاع الرب، وكان ~~لهم ذلك على الدوام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 91] # والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين ~~(91) # يعنى مريم، وقد نفى عنها سمة الفحشاء وهجنة الذم. # ويقال فنفخنا فيها من روحنا، وكان النفخ من جبريل عليه السلام، ولكن لما ~~كان بأمره- سبحانه- صحت الإضافة إليه، وفى هذا دليل على تأويل خبر النزول، ~~فإنه يكون بإنزال ملك فتصح الإضافة إلى الله إذ كان بأمره. وإضافة الروح ~~إلى نفسه على جهة التخصيص. # كقوله: (ناقة الله، وبيتي) .. ونحو ذلك. (وجعلنا وابنها آية للعالمين) : ~~ولم يقل آيتين PageV02P521 # لأن أمرهما كان معجزة ودلالة، ويصح أن يراد أن كل واحد منهما آية- على ~~طريقة العرب فى أمثال هذا. # وفيه نفى لتهمة من قال إنها حبلت من الله ... تعالى الله عن قولهم! قوله ~~(آية للعالمين) : وإن لم يهتد بهما جميع الناس.. لكنهما كانا آية. ومن نظر ~~فى أمرهما، ووضع النظر موضعه لاهتدى، وإذا أعرض ولم ينظر فالآية لا تخرج عن ~~كونها حجة ودلالة بتقصير المقصر فى بابها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 92] # إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) # أي كلكم خلقته، وكلكم اتفقتم فى الفقر، وفى الضعف، وفى الحاجة. «وأنا ~~ربكم» : # وخالقكم على وصف التفرد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 93] # وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) # اختلفوا وتنازعوا، واضطربت أمورهم، وتفرقت أحوالهم، فاستأصلتهم البلايا. # قوله: (كل إلينا راجعون) : وكيف لا ... وهم ما يتقلبون إلا فى قبضة ~~التقدير؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 94] # فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94) # من تعنى لله لم يخسر على الله، ومن تحمل لله مشقة وجب حقه (على) «1» ~~الله: ms0779 قوله: وهو مؤمن) بعد قوله: (يعمل من الصالحات) دليل على أن من لا ~~يكون مؤمنا لا يكون عمله صالحا ففائدة قوله هاهنا: (وهو مؤمن) فى المآل ~~والعاقبة، فقد يعمل الأعمال الصالحة من لا يختم له بالسعادة، فيكون فى ~~الحال مؤمنا وعمله يكون على الوجه الذي آمن ثم لا ثواب له، فإذا كانت ~~عاقبته على الإسلام والتوحيد فحينئذ لا يضيع سعيه. PageV02P522 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 95] # وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) # أي لا نهلك قوما وإن تمادوا فى العصيان إلا إذا علمنا أنهم لا يؤمنون، ~~وأنه بالشقاوة تختم أمورهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 96] # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) # أي يحق القول عليهم، ويتم الأجل المضروب لهم، فعند ذلك تظهر أيامهم، وإلى ~~القدر المعلوم فى التقدير لا تحصل نجاة الناس من شرهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 97] # واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في ~~غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97) # تأخذهم القيامة بغتة وتظهر أشراط الساعة فجأة، ويقر الكاذبون بأن الذنب ~~عليهم، ولكن فى وقت لا تقبل فيه معذرتهم، وأوان لا ينفعهم فيه إيمانهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 98] # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) # «وما تعبدون من دون الله» : أي الأصنام التي عبدوها، ولم تدخل فى الخطاب ~~الملائكة التي عبدها قوم، ولا عيسى وإن عبده قوم لأنه قال: # «إنكم وما تعبدون» ولم يقل إنكم ومن تعبدون «1» . فيحشر الكافرون فى ~~النار، وتحشر أصنامهم معهم. والأصنام جمادات فلا جرم لها، ولا احتراقها ~~عقوبة لها، ولكنه على جهة براءة ساحتها، فالذنب للكفار وما الأصنام إلا ~~جمادات. PageV02P523 ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 99] # لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) # القوم قالوا: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» «1» فعلموا أن ~~الأصنام جمادات، ولكن توهموا أن لها عند الله خطرا، وأن من عبدها يقرب ~~بعبادتها من الله، فيبين الله لهم- غدا- بأنها ms0780 لو كانت تستحق العبادة، ولو ~~كان لها عند الله خطر لما ألقيت فى النار، ولما أحرقت. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 100] # لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100) # «لهم» : أي لعبدة الأصنام، «فيها» أي فى النار، «زفير» لحسرتهم على ما ~~فاتهم، «وهم فيها لا يسمعون» من نداء يبشرهم بانقضاء عقوبتهم. # وبعكس أحوالهم عصاة المسلمين «2» فى النار فهم- وإن عذبوا حينا- فإنهم ~~يسمعون قول من يبشرهم يوما بانقضاء عذابهم- وإن كان بعد مدة مديدة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 101] # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) # «سبقت لهم منا الحسنى» : أي الكلمة بالحسنى، والمشيئة والإرادة بالحسنى، ~~لأن الحسنى فعله، وقوله: «سبقت» إخبار عن قدمه، والذي كان لهم فى القدم هو ~~الكلمة التي هى صفة تعلقت بهم فى معنى الإخبار بالسعادة. # ثم قال: «أولئك عنها مبعدون» أي عن النار، ولم يقل متباعدون ليعلم ~~العالمون أن المدار على التقدير، وسابق الحكم من الله، لا على تباعد العبد ~~أو بتقربه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 102] # لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) PageV02P524 # يدل ذلك على أنهم لا يعذبون فيها بكل وجه. والمراد منه العباد من ~~المؤمنين الذين لا جرم لهم. # «وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون» : مقيمين لا يبرحون. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 103] # لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ~~(103) # قيل الفزع الأكبر قول الملك: «لا بشرى يومئذ للمجرمين» «1» ويقال إذا ~~قيل: «وامتازوا اليوم أيها المجرمون» » # ويقال إذا قيل: يا أهل الجنة.. خلودا لا موت فيه، ويا أهل النار. خلودا ~~لا موت فيه! وقيل إذا: «قال اخسؤا فيها ولا تكلمون» «3» وقيل الفزع الأكبر ~~هو الفراق. وقيل هو اليأس من رحمة الله وتعريفهم ذلك. # قوله «وتتلقاهم الملائكة» يقال لهم هذا يومكم الذي كنتم وعدتم فيه ~~بالثواب فمنهم من يتلقاه الملك، ومنهم من يرد عليه الخطاب والتعريف من ~~الملك «4» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 104] # يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق ms0781 نعيده وعدا علينا إنا ~~كنا فاعلين (104) # إنما كانت السماء سقفا مرفوعا حين كان الأولياء تحتها، والأرض كانت فراشا ~~إذ كانوا عليها، فإذا ارتحل الأحباب عنها تخرب ديارهم.. على العادة فيما ~~بين الخلق من خراب الديار بعد مفارقة الأحباب. PageV02P525 # ويقال نطوى السماء التي إليها عرجت دواوين العصاة من المسلمين لئلا تشهد ~~عليهم بالإجرام، وتبدل الأرض التي عصوا عليها غير تلك الأرض حتى لا تشهد ~~عليهم بالإجرام. # أو نطوى السماء لنقرب قطع المسافات على الأحباب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : آية # 105] # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105) # «الذكر» هنا هو التوراة، و «كتب» : أي أخبر وحكم، و «الصالحون» أمة محمد- ~~صلى الله عليه وسلم: أن «الأرض» هم الذين يرثونها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 107] # وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) # أما من أسلم فبك ينجون، وأما من كفر فلا نعذبهم ما دمت فيهم فأنت رحمة ~~منا على الخلائق أجمعين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 108] # قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) # واحد فى ذاته، واحد فى صفاته، واحد فى أفعاله واحد بلا قسيم، واحد بلا ~~شبيه، واحد بلا شريك. # «فهل أنتم مسلمون؟» مخلصون في عقد التوحيد بالتبرى عن كل غير فى حسبان ~~صلاحيته للألوهية؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 109] # فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) # إن أعرضوا ولم يؤمنوا فقل: إنى بالالتزام أعلمتكم، ولكن للإكرام ما ~~ألهتكم، فتوجهت عليكم الحجة واستبهمت عليكم المحجة. # PageV02P526 # قوله: «وإن أدري أقريب أم بعيد..» إن علمى متقاصر عن تفصيل أحوالكم فى ~~مآلكم، ووقت ما توعدون به فى القيامة من تحصيل أهوالكم، ولكن حكم الله غير ~~مستأخر إذا أراد شيئا من تغيير أحوالكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 110] # إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) # لا يخفى عليه سركم ونجواكم، وحالكم ومآلكم، وظاهركم وباطنكم.. فعلى قدر ~~استحقاقكم يجازيكم، وبموجب أفعالكم يحاسبكم ويكافيكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء ms0782 (21) : آية 111] # وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (111) # ليس يحيط علمى (إلا) «1» بما يعلمنى، وإعلامه إياى ليس باختياري، ولا هو ~~مقصود على حسب مرادى وإيثارى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 112] # قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112) # الرحمن كثير الرحمة عامة لكل أحد، ومنه يوجد العون والنصر حين يوجد وكيف ~~يوجد. ### | السورة التي يذكر فيها «الحج» # بسم الله الرحمن الرحيم سماع «بسم الله» يوجب الهيبة والغيبة وذلك وقت ~~محوهم. وسماع «الرحمن الرحيم» يوجب الأنس والقربة، وذلك وقت صحوهم.. فعند ~~سماع هذه الآية انتظم لهم المحو والصحو فى سلك واحد. # سماع «بسم الله» يوجب انزعاج القلوب وعنده يحصل داء جنونهم «2» ، وسماع ~~«الرحمن» PageV02P527 # «الرحيم» يوجب ابتهاج القلوب وبه يحصل شفاء فتونهم، فعودة فتونهم فى لطف ~~جماله كما أن موجب جنونهم فى كشف جلاله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) # «يا أيها الناس» نداء علامة، و «يا أيها الذين آمنوا» نداء كرامة، وبكل ~~واحد من القسمين يفتتح الحق خطابه فى السور وذلك لانقسام خطابه إلى صفة ~~التحذير مرة، وصفة التبصير أخرى. # والتقوى هى التحرز والاتقاء وتجنب المحظورات. وتجنب المحظورات فرض، وتجنب ~~الفضلات والشواغل- وإن كان من جملة المباحات- نفل، فثواب الأول أكثر ولكنه ~~مؤجل، وثواب النفل أقل ولكنه معجل «1» . # ويقال خوفهم بقوله: «اتقوا» . ثم سكن ما بهم من الخوف بقوله: «ربكم» فإن ~~سماع الربوبية يوجب الاستدامة وجميل الكفاية. # قوله: «إن زلزلة الساعة شيء عظيم» : وتسمية المعدوم «شيئا» توسع بدليل ~~أنه ليس فى العدم زلزلة بالاتفاق وإن كان مطلق اللفظ يقتضيه، وكذلك القول ~~فى تسميته «شيئا» هو توسع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 2] # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2) # لكل ذلك اليوم شغل يستوفيه، ويستغرقه، وترى الناس سكارى أي من هول ذلك ~~PageV02P528 # اليوم عقولهم ذاهبة، والأحوال فى القيامة وأهوالها ms0783 غالبة. وكأنهم سكارى ~~وما هم فى الحقيقة بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، ولشدته يحيرهم ولا يبقيهم ~~على أحوالهم. # وهم يتفقون فى تشابههم بأنهم سكارى، ولكن موجب ذلك يختلف فمنهم من سكره ~~لما يصيبه من الأهوال، ومنهم من سكره لاستهلاكه فى عين الوصال. # كذلك فسكرهم اليوم مختلف فمنهم من سكره سكر الشراب، ومنهم من سكره سكر ~~المحاب.. وشتان بين سكر وسكر! سكر هو سكر أهل الغفلة، وسكر هو سكر أهل ~~الوصلة «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 3] # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) # المجادلة لله- مع أعداء الحق وجاحدى الدين- من موجبات القربة، والمجادلة ~~فى الله، والمماراة مع أوليائه، والإصرار على الباطل بعد ظهور الدلائل من ~~أمارات الشقوة، وما كان بوساوس الشيطان ونزغاته فقصاراه النار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 4] # كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) # من وافق الشيطان بمتابعة دواعيه لا يهديه إلا إلى الضلال، ثم إنه فى ~~الآخرة يتبرأ من موافقته، ويلعن جملة متبعيه. فنعوذ بالله من الشيطان ~~ونزغاته، ومن درك الشقاء وشؤم مفاجآته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 5] # يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء ~~إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) PageV02P529 # التبس عليهم جواز (بعثه الخلق) «1» واستبعدوه غاية الاستبعاد، فلم ينكر ~~الحق عليهم إلا بإعراضهم عن تأمل البرهان، واحتج عليهم فى ذلك بما قطع ~~حجتهم، فمن تبع هداه رشد، ومن أصر على غيه تردى فى مهواة هلاكه. # واحتج عليهم فى جواز البعث بما أقروا به فى الابتداء أن الله خلقهم وأنه ~~ينقلهم من حال إلى حال أخرى فبدأهم من ms0784 نطفة إلى علقة ومنها ومنها ... إلى ~~أن نقلهم من حال شبابهم إلى زمان شيبهم، ومن ذلك الزمان إلى حين وفاتهم. # واحتج أيضا عليهم بما أشهدهم كيف أنه يحيى الأرض- فى حال الربيع- بعد ~~موتها، فتعود إلى ما كانت عليه فى الربيع من الخضرة والحياة. والذي يقدر ~~على هذه الأشياء يقدر على خلق الحياة فى الرمة البالية والعظام النخرة. # قوله: «ومنكم من يرد إلى أرذل العمر» : زمان الفترة بعد المجاهدة، وحال ~~الحجبة عقب المشاهدة. # ويقال أرذل العمر السعى للحظوظ بعد القيام بالحقوق. # ويقال أرذل العمر الزلة فى زمان المشيب. # ويقال أرذل العمر الإقامة فى منازل العصيان. # ويقال أرذل العمر التعريج فى (أوطان) «2» المذلة. # ويقال أرذل العمر العشرة مع الأضداد. # ويقال أرذل العمر (عيش) «3» المرء بحيث لا يعرف قدره. # ويقال أرذل العمر بأن يوكل إلى نفسه. # ويقال أرذل العمر التطوح فى أودية الحسبان أن شيئا بغير الله. # ويقال أرذل العمر الإخلاد إلى تدبير النفس، والعمى عن شهود تقدير الحق. ~~PageV02P530 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 6] # ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) # الله هو الحق، والحق المطلق الوجود «1» ، وهو الحق أي ذو الحق. # «وأنه يحي الموتى» أي الأرض التي أصابتها وحشة الشتاء «2» يحييها وقت ~~الربيع. # ويقال يحيى النفوس بتوفيق العبادات، ويحيى القلوب بأنوار المشاهدات. # ويقال يحيى أحوال المريدين بحسن إقباله عليهم. # ويقال حياة الأوقات بموافقة الأمر، ثم بجميل الرضا وسكون الجأش عند جريان ~~التقدير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : الآيات 8 الى 9] # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) ثاني ~~عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ~~(9) # دليل الخطاب يقتضى جواز المجادلة فى الله إذا كان صاحب المجادلة على علم ~~بالدليل والحجة ليستطيع المناضلة عن دينه، قال سبحانه لنبيه: «وجادلهم ~~بالتي هي أحسن» ومن لم يحسن مذهب الخصم وما يتعلق به من الشبه لم يمكنه ~~الانفصال عن شبهته، وإذا لم تكن له قوة الانفصال ms0785 فلا يستحب له أن يجادل ~~الأقوياء «3» منهم، وهذا يدل على وجوب تعلم علم الأصول «4» ، وفى هذا رد ~~على من جحد ذلك. # قوله جل ذكره: ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله PageV02P531 # له فى الدنيا خزى ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق يريد أنه متكبر عن قبول ~~الحق، زاهد فى التحصيل، غير واضع نظره موضعه إذ لو فعل ذلك لهان عليه ~~التخلص من شبهته. # ثم قال: «له في الدنيا خزي» أي مذلة وهوان، وفى الآخرة عذاب الحريق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 11] # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة ~~انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) # يعنى يكون على جانب، غير مخلص ... لا له استجابة توجب الوفاق، ولا جحدا ~~يبين الشقاق فإن أصابه أمن وخير ولين اطمأن به وسكن إليه، وإن أصابته فتنة ~~أو نالته محنة ارتد على عقبيه ناكسا، وصار لما أظهر من وفاقه عاكسا. ومن ~~كانت هذه صفته فقد خسر فى الدارين، وأخفق فى المنزلتين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : الآيات 12 الى 13] # يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) ~~يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13) # أي يعبد من المضرة فى عبادته أكثر من النفع منه، بل ليس فى عبادته النفع ~~بحال، فالضر المتيقن فى عبادتهم الأصنام هو بيان ركاكة عقولهم، ورؤية الناس ~~خطأ فعلهم. # والنفع الذي يتوهمونه فى هذه العبادة ليس له تحصيل ولا حقيقة. # PageV02P532 # ثم قال: «لبئس المولى ولبئس العشير» : أي لبئس الناصر الصنم لهم، ولبئس ~~القوم هم للصنم، ولم لا.؟ ولأجله وقعوا فى عقوبة الأبد. # قوله جل ذكره ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 14] # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن ~~الله يفعل ما يريد (14) # «الذين آمنوا» : أي صدقوا ثم حققوا فالإيمان ظاهره التصديق وباطنه ~~التحقيق، ولا يصل العبد إليهما إلا بالتوفيق. # ويقال الإيمان (انتسام) «1» الحق فى السر. # ويقال الإيمان ms0786 ما يوجب الأمان، ففى الحال يجب الإيمان وفى المآل يوجب ~~الأمان، فمعجل الإيمان من ( ... ) «2» المسلمين، ومؤجله الخلاص من صحبة ~~الكافرين الفاسقين. # وقوله: «وعملوا الصالحات» : العمل الصالح ما يصلح للقبول، ويصلح للثواب، ~~وهو أن يكون على الوجه الذي تعلق به الإيمان. # والجنان التي يدخل المؤمنين فيها مؤجلة ومعجلة فالمؤجله ثواب وتوبة، ~~والمعجلة أحوال وقربة، قال تعالى: «ولمن خاف مقام ربه جنتان» «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 15] # من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ~~ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) # أي أن الحق- سبحانه- يرغم أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن لم ~~تطب PageV02P533 # نفسه بشهود تخصيص الله سبحانه بما أفرده به فليقتل نفسه من الغيظ خنقا، ~~ثم لا ينفعه ذلك، كما قيل: # إن كنت لا ترضى بما قد ترى ... فدونك الحبل به فاخنق # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 16] # وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16) # «آيات بينات» : أي دلالات وعلامات نصبها الحق سبحانه لعباده، فمن الآيات ~~ما هو قضية العقل، ومنها ما هو قضية الخبر والنقل، ومنها ما هو تعريفات فى ~~أوقات المعاملات «1» فما يجده العبد فى حالاته من انغلاق، واشتداد قبض، ~~وحصول خسران، ووجوه امتحان.. # لا شك ولا مرية إذا أخل بواجب أو ألم بمحظور «2» . أو تكون زيادة بسط أو ~~حلاوة طاعة، أو تيسير عسير من الأمور، أو تجدد إنعام عند حصول شىء من ~~طاعاته. # ثم قد يكون آيات فى الأسرار، هى خطاب الحق ومحادثة معه، كما فى الخبر: # «لقد كان فى الأمم محدثون فإن يك فى أمتى فعمر» «3» ثم يقال الآيات ~~ظاهرة، والحجج زاهرة، ولكن الشأن فيمن يستبصر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 17] # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا ~~إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (17) # أصناف الناس على اختلاف مراتبهم: الولى والعدو، والموحد والجاحد يجمعون ~~يوم الحشر، ثم الحق- سبحانه- يعامل كلا بما وعده إما بوصال بلا ms0787 مدى، أو ~~بأحوال PageV02P534 # بلا منتهى. الوقت واحد وكل واحد لما أعد له وافد، وعلى ما خلق له وارد.. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 18] # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن ~~يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) # أهل العرفان يسجدون له سجود عبادة، وأرباب الجحود كل جزء منهم يسجد له ~~سجود دلالة وشهادة. # وفى كل شىء له آية ... تدل على أنه واحد # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 19] # هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من ~~فوق رؤسهم الحميم (19) # أما الذين كفروا فلهم اليوم لباس الشرك وطرازه الحرمان، ثم صدار الإفك ~~وطرازه الخذلان. وفى الآخرة لباسهم القطران وطرازه الهجران، قال تعالى: ~~«اخسؤا فيها ولا تكلمون» . # أما أصحاب الإيمان فلباسهم اليوم التقوى، وتنقسم إلى اجتناب الشرك ثم ~~مجانبة المخالفة، ثم مباينة الغفلة، ثم مجانبة السكون إلى غير الله ~~والاستبشار إلى ما سوى الله. # وفى الآخرة لباسهم فيها حرير، وآخرون لباسهم صدار المحبة، وآخرون لباسهم ~~الانفراد به، وآخرون هم أصحاب التجريد فلا حال ولا مقام ولا منزلة ولا محل ~~وهم الغرباء «1» ، وهم الطبقة العليا، وهم أحرار من رق كل ما لحقه التكوين. ~~PageV02P535 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 23] # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) # التحلية تحصين لهم، وستر لأحوالهم فهم للجنة زينة، وليس لهم بالجنة زينة: # وإذا الدر زان حسن وجوه ... كان للدر حسن وجهك زينا # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 24] # وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) # الطيب من القول ما صدر عن قلب خالص، وسر صاف (مما يرضى به علم التوحيد، ~~فهو الذي لا اعتراض عليه للأصول) «1» ويقال الطيب من القول ما يكون وعظا ~~للمسترشدين، ويقال الطيب من القول ms0788 هو إرشاد المريدين إلى الله. # ويقال الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. # ويقال الدعاء للمسلمين. # ويقال كلمه حق عند من يخاف ويرجى «2» . # ويقال الشهادتان عن قلب مخلص. # ويقال ما كان قائله فيه مغفورا «3» وهو مستنطق. PageV02P536 # ويقال هو بيان الاستغفار والعبد برىء من الذنوب. # ويقال الإقرار بقوله: «ربنا ظلمنا أنفسنا» «1» . # ويقال أن تدعوا للمسلمين بما لا يكون لك فيه نصيب. # وأما «صراط الحميد» : فالإضافة فيه كالإضافة عند قولهم: مسجد الجامع (أي ~~المسجد الجامع) والصراط الحميد: الطريق المرضى وهو ما شهدت له الشريعة ~~بالصحة، وليس للحقيقة عليه نكير. # ويقال الصراط الحميد: ما كان طريق الاتباع دون الابتداع. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 25] # إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس ~~سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) # الصد عن المسجد الحرام بإخافة السبل، وبغصب المال الذي لو بقي فى يد ~~صاحبه لوصل به إلى المسجد الحرام. # قوله: «سواء العاكف فيه والباد «2» » وإنما يعتبر فيه السبق والتقدم. # ومشهد الكرام يستوى فيه الإقدام، فمن وصل إلى تلك العقوة فلا ترتيب ولا ~~رد، وبعد الوصول فلا زجر ولا صد، أما فى الطريق فربما يعتبر التقدم والتأخر ~~قال تعالى: # «ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين» «3» ولكن فى الوصول ~~فلا تفاوت ولا تباين، ثم إذا اجتمعت النفوس فالموضع الواحد يجمعهم، ولكن ~~لكل حال ينفرد بها. PageV02P537 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 26] # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين والركع السجود (26) # أصلحنا له مكان البيت ومسكناه منه وأرشدناه له، وهديناه إليه، وأعناه ~~عليه، وذلك أنه رفع البيت إلى السماء الرابعة فى زمن طوفان نوح عليه ~~السلام، ثم أمر إبراهيم عليه السلام ببناء البيت على أساسه القديم. قوله ~~«أن لا تشرك بي شيئا» ، أي لا تلاحظ البيت ولا بناءك له. # «وطهر بيتي..» يعنى الكعبة- وذلك على لسان العلم، وعلى بيان الإشارة فرغ ~~قلبك عن الأشياء كلها سوى ذكره- سبحانه. # وفى بعض ms0789 الكتب: «أوحى الله إلى بعض الأنبياء فرغ لى بيتا أسكنه، فقال ذلك ~~الرسول: إلهى.. أى بيت تشغل؟ فأوحى الله إليه: ذلك قلب عبدى المؤمن» . ~~والمراد منه ذكر الله تعالى فالإشارة فيه أن يفرغ قلبه لذكر الله. وتفريغ ~~القلب على أقسام: # أوله من الغفلة ثم من توهم شىء من الحدثان من غير الله. # ويقال قد تكون المطالبة على قوم بصون القلب عن ملاحظة العمل، وتكون ~~المطالبة على الآخرين بحراسة القلب عن المساكنة إلى الأحوال. # ويقال «وطهر بيتي» : أي قلبك عن التطلع والاختيار بألا يكون لك عند الله ~~حظ فى الدنيا أو فى الآخرة حتى تكون عبدا له بكمال قيامك بحقائق العبودية. # «ويقال طهر بيتي» : أي بإخراج كل نصيب لك فى الدنيا والآخرة من تطلع ~~إكرام، أو تطلب إنعام، أو إرادة مقام، أو سبب من الاختيار والاستقبال. # ويقال طهر قلبك للطائفين فيه من موارد الأحوال على ما يختاره الحق. ~~«والقائمين» وهى الأشياء المقيمة من مستودعات «1» العرفان فى القلب من ~~الأمور المغيبة عن البرهان، PageV02P538 # ويتطلع بما هو حقائق البيان التي هى كالعيان كما فى الخبر: «كأنك تراه» . ~~«1» # «والركع السجود» : هى أركان الأحوال المتوالية من الرغبة والرهبة، ~~والرجاء والمخافة والقبض والبسط، وفى معناه أنشدوا: # لست من جملة المحبين إن لم ... أجعل القلب بيته والمقاما # وطوافى إجالة السر فيه ... وهو ركنى إذا أردت استلاما # قوله: «لا تشرك بي شيئا» : لا تلاحظ البيت ولا بناءك «2» للبيت. # ويقال هو شهود البيت دون الاستغراق فى شهود رب البيت. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 27] # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) # أذن إبراهيم- عليه السلام- بالحج ونادى، وأسمع الله نداءه جميع الذرية فى ~~أصلاب آبائهم، فاستجاب من المعلوم من حاله أنه يحج. # وقدم الرجالة على الركبان لأن الحمل على المركوب أكثر «3» . # ولتلك الجمال على الجمال خصوصية لأنها مركب الأحباب، وفى قريب من معناه ~~أنشدوا: # وإن جمالا قد علاها جمالكم ... - وإن قطعت أكبادنا- لحبائب # ويقال «يأتين من كل فج عميق» هذا على وجه المدح ms0790 وسبيل الشكر منهم. # وكم قدر مسافة الدنيا بجملتها!؟ ولكن لأجل قدر أفعالهم وتعظيم صنيعهم ~~يقول ذلك إظهارا لفضله وكرمه. PageV02P539 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 28] # ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28) # أرباب الأموال منافعهم أموالهم، وأرباب الأعمال منافعهم حلاوة طاعتهم، ~~وأصحاب الأحوال منافعهم صفاء أنفاسهم، وأهل التوحيد منافعهم رضاهم باختيار ~~الحق ما يبدو من الغيب لهم. # قوله جل ذكره: ويذكروا اسم الله في أيام معلومات «1» على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام لأقوام عند التقرب بقرابينهم وسوق هديهم «2» . وآخرون يذكرون ~~اسمه عند ذبحهم أمانيهم واختيارهم بسكاكين اليأس.. حتى يقوموا بالله لله ~~بمحو ما سوى الله. # قوله جل ذكره: فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. # شاركوا الفقراء فى الأكل من ذبيحتكم- الذي ليس بواجب- لتلحقكم بركات ~~الفقراء. والإشارة فيه أن ينزلوا «3» ساحة الخضوع والتواضع، ومجانبة الزهو ~~والتكبر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 29] # ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) # ليقضوا حوائجهم وليحققوا عهودهم، وليوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله ~~بقلوبهم، فمن كان عقده التوبة فوفاؤه ألا يرجع إلى العصيان. ومن كان عهده ~~اعتناق الطاعة فشرط وفائه ترك تقصيره. ومن كان عهده ألا يرجع إلى طلب مقام ~~وتطلع إكرام فوفاؤه استقامته على الجملة فى هذا الطريق بألا يرجع إلى ~~استعجال نصيب واقتضاء حظ. # قوله جل ذكره: وليطوفوا بالبيت العتيق الإشارة فى الطواف إلى أنه يطوف ~~بنفسه حول البيت، وبقلبه فى ملكوت السماء، وبسره فى ساحات الملكوت. ~~PageV02P540 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 30] # ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) # تعظيم الحرمات «1» بتعظيم أمره وتعظيم أمره بترك مخالفته. # ويقال من طلب الرضا بغير رضى الله لم يبارك له فيما آثره من هواه على رضى ~~مولاه، ولا محالة سيلقى سربعا غبه «2» . # ويقال تعظيم حرماته بالغيرة على إيمانه (وما فجر صاحب حرمة قط «3» ) . # ويقال ms0791 ترك الخدمة يوجب العقوبة، وترك الحرمة يوجب الفرقة. # ويقال كل شىء من المخالفات فللعفو فيه مساغ وللأمل إليه طريق، وترك ~~الحرمة على خطر ألا يغفر.. وذلك بأن يؤدى ثبوته بصاحبه إلى أن يختل دينه ~~وتوحيده. # قوله جل ذكره: وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم. # فالخنزير من جملة المحرمات، وكذلك النطيحة والموقوذة، وما يجىء تفصيله فى ~~نص الشرع. # قوله جل ذكره: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور. # «من» هاهنا للجنس لا للتبعيض، وهوى كل من اتبعه معبوده، وصنم كل أحد ~~نفسه. # «واجتنبوا قول الزور» : ومن جملة ذلك قول اللسان بما لا يساعده قول القلب ~~ونطقه، ومن عاهد الله بقلبه ثم لا يفى بذلك فهو من جملة قول الزور. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 31] # حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه ~~الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) PageV02P541 # الحنيف المائل إلى الحق عن الباطل فى القلب والنفس، فى الجهر وفى السر، ~~فى الأفعال وفى الأحوال وفى الأقوال «غير مشركين به» : الشرك جلى وخفى «1» ~~. # قوله «ومن يشرك بالله فكأنما ... » كيف لا.. وهو يهوى فى جهنم وتتجاذبه ~~ملائكة العذاب؟ أو تهوى به الريح من مكان سحيق.. وكذلك غدا فى صفة قوم يقول ~~الله تعالى: # «نسوا الله فنسيهم» «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 32] # ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) # يقف المؤمن على تعيين شعائر الله وتفصيلها بشهادة العلم جهرا، وبخواطر ~~الإلهام سرا. # وكما لا تجوز مخالفة شهادة الشرع لا تجوز مخالفة شهادة خواطر الحق فإن ~~خاطر الحق لا يكذب، وعزيز من له عليه وقوف. وكما أن النفس لا تصدق فالقلب ~~لا يكذب، وإذا خولف القلب عمى فى المستقبل، وانقطعت عنه تعريفات الحقيقة، ~~والعبارة «3» والشرح يتقاصران عن ذكر هذا على التعيين والتفسير. ويقوى ~~القلب بتحقيق المنازلة فإذا خرست النفوس، وزالت هواجسها، فالقلوب تنطق بما ~~تكاشف به من الأمور. # ومن الفرق بين ما يكون طريقه العلم وما طريقه من الحق أن الذي ms0792 طريقه ~~العلم يعلم صاحبه أولا ثم يعمل مختارا، وما كان من الحق يجرى ويحصل ثم بعده ~~يعلم من جرى عليه PageV02P542 # ذلك معناه، ولا يكون الذي يجرى عليه ما يجرى مضطرا إلى ما يجرى. وليس ~~يمكن أن يقال إنه ليس له اختيار «1» ، بل يكون مختارا ولكن سببه عليه مشكل، ~~والعجب من هذا أن العبارة عنه كالبعيد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 33] # لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) # لكل من تلك الجملة منفعة بقدره وحده «2» فلأقوام بركات فى دفع البلايا عن ~~نفوسهم وعن أموالهم، ولآخرين فى لذاذات بسطهم، ولآخرين فى حلاوة طاعاتهم، ~~ولآخرين فى أنس أنفاسهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 34] # ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ~~فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) # الشرائع مختلفة فيما كان من المعاملات، متفقة فيما كان من جملة المعارف، ~~ثم هم فيها مختلفون: فقوم هم أصحاب التضعيف «3» فيما أوجب عليهم وجعل لهم، ~~وقوم هم أصحاب التخفيف فيما ألزموا وفيما وعد لهم. قوله «ليذكروا اسم الله ~~على..» وذكر اسم الله على ما رزقهم على أقسام: منها معرفتهم إنعام الله ~~بذلك عليهم.. وذلك من حيث الشكر، ثم يذكرون اسمه على ما رفقهم لمعرفته بأنه ~~هو الذي يتقبل منهم وهو الذي يثيبهم. # قوله جل ذكره: فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين. # أي استسلموا لحكمه بلا تعبيس ولا استكراه من داخل القلب. PageV02P543 # والإسلام «1» يكون بمعنى الإخلاص، والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم ~~تصفية الأخلاق من الكدورات، ثم تصفية الأحوال، ثم تصفية الأنفاس. «وبشر ~~المخبتين» : # الإخبات استدامة الطاعة بشرط الاستقامة بقدر الاستطاعة. ومن أمارات ~~الإخبات كمال الخضوع بشرط دوام الخشوع، وذلك بإطراق السريرة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 35] # الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون (35) # الوجل الخوف من المخافة، والوجل عند الذكر على أقسام: إما لخوف عقوبة ~~ستحصل أو لمخافة عاقبة بالسوء تختم، أو ms0793 لخروج من الدنيا على غفلة من غير ~~استعداد للموت، أو إصلاح أهبة، أو حياء من الله سبحانه فى أمور إذا ذكر ~~اطلاعه- سبحانه- عليها لما بدرت منه تلك الأمور التي هى غير محبوبة. # ويقال الوجل على حسب تجلى الحق للقلب فإن القلوب فى حال المطالعة والتجلي ~~تكون بوصف الوجل والهيبة. # ويقال وجل له سبب ووجل بلا سبب فالأول مخافة من تقصير، والثاني معدود فى ~~جملة الهيبة «2» . # ويقال الوجل خوف المكر والاستدراج، وأقربهم من الله قلبا أكثرهم من الله- ~~على هذا الوجه- خوفا. # قوله جل ذكره: والصابرين على ما أصابهم. # أي خامدين تحت جريان الحكم من غير استكراه ولا تمنى خرجة، ولا روم فرجة ~~بل يستسلم طوعا: PageV02P544 # ويقال الصابرين على ما أصابهم. أي الحافظين معه أسرارهم، لا يطلبون ~~السلوة باطلاع الخلق «1» على أحوالهم. # قوله جل ذكره: والمقيمي الصلاة. # أي إذا اشتدت بهم البلوى فزعوا إلى الوقوف فى محل النجوى: # إذا ما تمني الناس روحا وراحة ... تمنيت أن أشكو إليك فتسمعا # قوله جل ذكره: ومما رزقناهم ينفقون عند المعاملة من أموالهم، وفى قضايا ~~المنازلة بالاستسلام، وتسليم النفس وكل ما منك وبك لطوارق التقدير فينفقون ~~أبدانهم على تحمل مطالبات الشريعة، وينفقون قلوبهم على التسليم والخمود تحت ~~جريان الاحكام بمطالبات الحقيقة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 36] # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها ~~صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم ~~لعلكم تشكرون (36) # أقسام الخير فيها كثيرة بالركوب والحمل عليها (وشرب ألبانها وأكل لحومها ~~والانتفاع بوبرها ثم الاعتبار بخلقتها كيف سخرت للناس على قوتها وصورتها، ~~ثم كيف تنقاد للصبيان فى البروك عند الحمل عليها وركوبها والنزول منها ووضع ~~الحمل عنها) «2» وصبرها على العطش فى الأسفار، وعلى قليل العلف، ثم ما فى ~~طبعها من لطف الطبع، وحيث تستريح بالحداء مع كثافة صورتها إلى غير ذلك. ~~PageV02P545 # «فإذا وجبت جنوبها» : أي سقطت على وجه الأرض فى حال النحر فأطعموا القانع ~~الذي ألقى جلباب الحياء وأظهر فقره للناس، والمعتر الذي ms0794 هو فى تحمله متحمل، ~~ولمواضع فاقته كاتم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 37] # لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم ~~لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) # لا عبرة بأعيان الأفعال سواء كانت بدنية محضة، أو مالية صرفة، أو بما له ~~تعلق بالوجهين، ولكن العبرة باقترانها بالإخلاص «1» ، فإذا انضاف إلى أكساب ~~الجوارح إخلاص القصود، وتجردت عن ملاحظة أصحابها للأغيار صلحت للقبول «2» . # ويقال التقوى شهود الحق بنعت التفرد فلا يشاب تقربك بملاحظة أحد، ولا ~~تأخذ عوضا على عمل من بشر. # «لتكبروا الله على ما هداكم» : أي هداكم وأرشدكم إلى القيام بحق العبودية ~~على قضية الشرع. # «وبشر المحسنين» : والإحسان كما فى الخبر: «أن تعبد الله كأنك تراه..» . # وأمارة صحته سقوط التعب بالقلب عن صاحبه، فلا يستثقل شيئا، ولا يتبرم ~~بشىء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 38] # إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) . ~~PageV02P546 # يدفع عن صدورهم نزغات الشيطان، وعن قلوبهم خطرات العصيان، وعن أرواحهم ~~طوارق النسيتان. # والخيانة على أقسام: خيانة فى الأموال تفصيلها فى المسائل الشرعية، ~~وخيانة فى الأعمال، وخيانة فى الأحوال فخيانة الأعمال بالرياء والتصنع، ~~وخيانة الأحوال بالملاحظة والإعجاب والمساكنة، وشرها الإعجاب، ثم المساكنة ~~وأخفاها الملاحظة «1» . # ويقال خيانة الزاهدين عزوفهم عن الدنيا (على) «2» طلب الأعواض ليجدوا فى ~~الآخرة حسن المآل.. وهذا إخلاص الصالحين. ولكنه عند خواص الزهاد خيانة ~~لأنهم تركوا دنياهم لا لله ولكن لوجود العوض على تركهم ذلك من قبل الله. # وخيانة العابدين أن يدعوا شهواتهم ثم يرجعون إلى الرخص، فلو صدقوا فى ~~مرماهم لما انحطوا إلى الرخص بعد ترقيهم عنها. # وخيانة العارفين جنوحهم إلى وجود مقام، وتطلعهم لمنال منزلة وإكرام من ~~الحق ونوع تقريب. # وخيانة المحبين روم فرحة «3» مما يمسهم من برحاء المواجيد، وابتغاء خرجة ~~مما يشتد عليهم «4» من استيلاء صد، أو غلبات شوق، أو تمادى أيام هجر. # وخيانة أرباب التوحيد أن يتحرك لهم للاختيار عرق، ورجوعهم- بعد امتحائهم ~~عنهم- إلى شظية من أحكام الفرق، اللهم إلا أن ms0795 يكون ذلك منهم موجودا، وهم ~~عنه مفقودون «5» . PageV02P547 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 39] # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) # إذا أصابهم ضر أو مسهم- ما هو فى الظاهر- ذل من الأعادى يجرى عليهم ضيم، ~~أو يلحقهم من الأجانب استيلاء وظلم.. فالحق- سبحانه- ينتقم من أعدائهم ~~لأجلهم، فهم بنعت التسليم والسكون فى أغلب الأحوال، وتفاصيل الأقدار جارية ~~باستئصال من يناويهم، وبإحالة الدائرة على أعاديهم. وفى بعض الأحايين ~~ينصبهم الحق سبحانه بنعت الغلبة والتمكين من نزولهم بساحات من يناوئهم بحسن ~~الظفر، وتمام حصول الدائرة على من ناصبهم، وأخزاهم بأيديهم، وكل ذلك يتفق، ~~وأنواع النصرة من الله- سبحانه- حاصلة، والله- فى الجملة- غالب على أمره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 40] # الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ~~ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) # المظلوم منصور ولو بعد حين، ودولة الحق تغلب دولة الباطل، والمظلوم حميد ~~العقبى، والظالم وشيك الانتقام منه بشديد البلوى: «فتلك بيوتهم خاوية بما ~~ظلموا» «1» . # وقد يجرى من النفس وهواجسها على القلوب لبعض الأولياء وأهل القصة- ظلم، ~~ويحصل لسكان القلوب من الأحوال الصافية عنها جلاء، وتستولى غاغة النفس، ~~فتعمل فى القلوب بالفساد بسبب استيطان الغفلة حتى تنداعى القلوب للخراب من ~~«2» طوارق الحقائق وشوارق الأحوال، كما قال قائلهم: # أنى إليك قلوبا طالما هطلت ... سحائب الجود فيها أبحر الحكم # فيهزم الحق- سبحانه- بجنود الإقبال أراذل الهواجس، وينصر عسكر التحقيق ~~بأمداد الكشوفات. ويتجدد دارس العهد، وتطلع شموس السعد فى ليالى الستر، ~~وتكنس القلوب وتتطهر من آثار ظلمة النفس، كما قيل: PageV02P548 # أطلال سعدى باللوى تتجدد فإذا هبت على تلك القلوب رياح العناية، وزال ~~عنها وهج النسيان سقاها الله صوب «1» التجلى، وأنبت فيها أزهار البسط فيتضح ~~فيها نهار الوصل، ثم يوجد فيها نسيم القرب إلى أن تطلع شموس التوحيد. # قوله جل ذكره: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ~~ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن ms0796 الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. # يتجاوز عن الأصاغر لقدر الأكابر، ويعفو عن العوام لاحترام الكرام.. وتلك ~~سنة أجراها الله لاستنقاء «2» منازل العبادة، واستصفاء من اهل العرفان. ولا ~~تحويل لسنته، ولا تبديل لكريم عادته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 41] # الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (41) # إذا طالت بهم المدة، وساعدهم العمر لم يستفرغوا أعمالهم فى استجلاب ~~حظوظهم، ولا فى اقتناء محبوبهم من الدنيا أو مطلوبهم، ولكن قاموا بأداء ~~حقوقنا. # وقوله: «أقاموا الصلاة» : فى الظاهر، واستداموا المواصلات فى الباطن. ~~PageV02P549 # ويقال إقامة الصلاة الوفاء بأدائها فتعلم- بين يدى الله- من أنت، ومن ~~تناجى، ومن الرقيب عليك، ومن القريب منك. # وقوله: «وآتوا الزكاة» : الأغنياء منهم يوفون بزكاة أموالهم، وفقراؤهم ~~يؤتون زكاة أحوالهم فزكاة الأموال عن كل مائتين خمسة للفقراء والباقي لهم، ~~وزكاة الأحوال أن يكون من مائتى نفس تسعة وتسعون ونصف جزء ومائة لله، ونصف ~~جزء من نفس- من المائتين- لك.. وذلك أيضا علة «1» قوله «وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر» : يبتدئون فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بأنفسهم ثم ~~بأغيارهم، فإذا أخذوا فى ذلك لم يتفرغوا من أنفسهم إلى غيرهم. # ويقال «الأمر بالمعروف» حفظ الحواس عن مخالفة أمره، ومراعاة الأنفاس معه ~~إجلالا لقدره. # ويقال الأمر بالمعروف على نفسك، ثم إذا فرغت من ذلك تأخذ فى نهيها عن ~~المنكر ومن وجوه المنكر الرياء والإعجاب والمساكنة والملاحظة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : الآيات 42 الى 44] # وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم ~~لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير ~~(44) # فى الآيات تسلية للنبى- صلى الله عليه وسلم، وأمر حتم عليه بالصبر على ~~مقاساة ما كان يلقاه من قومه من فنون البلاء وصنوف الأسواء «2» . ~~PageV02P550 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 45] # فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر ~~مشيد (45) # الظلم يوجب خراب أوطان الظالم، فتخرب أولا أوطان راحة الظالم وهو قلبه، ~~فالوحشة ms0797 التي هى غالبة على الظلمة من ضيق صدورهم، وسوء أخلاقهم، وفرط غيظ ~~من يظلمون عليهم.. كل ذلك من خراب أوطان راحاتهم، وهو فى الحقيقة من جملة ~~العقوبات التي تلحقهم على ظلمهم. # ويقال خراب منازل الظلمة ربما يتأخر وربما يتعجل. وخراب نفوسهم فى تعطلها ~~عن العبادات لشؤم ظلمهم، وخراب قلوبهم باستيلاء الغفلة عليهم خصوصا فى ~~أوقات صلواتهم وأوان خلواتهم.. نقد «1» غير مستأخر. # قوله جل ذكره: وبئر معطلة وقصر مشيد. # الإشارة فى «بئر معطلة» : إلى العيون المتفجرة التي كانت فى بواطنهم، ~~وكانوا يستقون منها، وفى ذلك الاستقاء حياة أوقاتهم من غلبات الإرادة وقوة ~~المواجيد، فإذا اتصفوا بظلمهم غلب غشاؤها «2» وانقطع ماؤها بانسداد عيونها. # والإشارة فى «قصر مشيد» إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها من الهيبة والأنس، ~~وخلو أرواحهم من أنوار المحاب، وسلطان الاشتياق، وصنوف المواجيد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 46] # أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) PageV02P551 # كانت لهم قلوب من حيث الخلقة، فلما زايلتها صفاتها المحمودة صارت كأنها ~~لم تكن فى الحقيقة. ثم إنه أخير أن العمى عمى القلب وكذلك الصمم، وإذا صح ~~وصف القلب بالسمع والبصر صح وصفه بسائر صفات الحى من وجوه الإدراكات فكما ~~تبصر القلوب بنور اليقين يدرك نسيم الإقبال بمشام السر، وفى الخبر: # «إنى لأجد نفس ربكم من قبل اليمن» وقال تعالى مخبرا عن يعقوب عليه ~~السلام: # «إني لأجد ريح يوسف» «1» وما كان ذلك إلا بإدراك السرائر دون اشتمام ريح ~~فى الظاهر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 47] # ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون (47) # عدم تصديقهم حملهم على استعمال ما توعدهم به، قال تعالى: «يستعجل بها ~~الذين لا يؤمنون بها» «2» ولو آمنوا لصدقوا، ولو صدقوا لسكنوا. «وإن يوما ~~عند ربك كألف سنة» # : أي إن الأيام عنده تتساوى، إذ لا استعجال له فى الأمور فسواء عنده يوم ~~واحد وألف سنة إذ من لا ms0798 يجرى عليه الزمان وهو يجرى الزمان فسواء عليه وجود ~~الزمان، وعدم الزمان وقلة الزمان وكثرة الزمان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 48] # وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) # : الإمهال يكون من الله- سبحانه وتعالى، والإمهال يكون بأن يدع الظالم فى ~~ظلمه حينا، ويوسع له الحبل «3» ، ويطيل به المهل، فيتوهم أنه انفلت من قبضة ~~التقدير، وذلك ظنه الذي PageV02P552 # أراده، ثم يأخذه من حيث لا يرتقب، فيعلوه ندم، ولات حينه، وكيف يستبقى ~~بالحيلة ما حق فى التقدير عدمه؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 49] # قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) # : أشابهكم فى الصورة ولكنى أباينكم من حيث السريرة، وأنا لمحسنكم بشير، ~~ولمسيئكم نذير، وقد أيدت بإقامة البراهين ما جئتكم به من وجوه الأمر ~~بالطاعة والإحسان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 50] # فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (50) # الناس- فى المغفرة- على أقسام: فمنهم من يستر «1» عليه زلته، ومنهم من ~~يستر عليه أعماله الصالحة صيانة له عن الملاحظة، ومنهم من يستر حاله لئلا ~~تصيبه من الشهرة فتنة «2» ، وفى معناه قالوا: # لا تنكرن جحدى هواك فإنما ... ذاك الجحود عليك ستر مسبل # ومنهم من يستره بين أوليائه، لذلك ورد فى الكتب: «أوليائى فى قبائى، لا ~~يشهد أوليائى غيرى» . # «والرزق الكريم» ما يكون من وجه الحلال. ويقال ما يكون من حيث لا يحتسب ~~العبد. # ويقال هو الذي يبدو- من غير ارتقاب- على رفق فى وقت الحاجة إليه. # ويقال هو ما يحمل المرزوق على صرفه فى وجه القربة. ويقال ما فيه البركة. # ويقال الرزق الكريم الذي ينال من غير تعب «3» ، ولا يتقلد منه مخلوق. ~~PageV02P553 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 51] # والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم (51) # فى الحال فى معجله الوحشة وانسداد أبواب الرشد، وتغص العيش، والابتلاء ~~بمن لا يعطف عليه ممن لا يخافون الله. # وفى الآخرة ما سيلقون من أليم العقوبة على حسب الاجرام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : الآيات 52 الى 53] # وما أرسلنا من قبلك من ms0799 رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ~~فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52) ليجعل ~~ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين ~~لفي شقاق بعيد (53) # الشياطين يتعرضون للأنبياء عليهم السلام ولكن لا سلطان ولا تأثير فى ~~أحوالهم منهم، ونبينا- صلى الله عليه وسلم- أفضل الجماعة. # وإنما من الشيطان تخييل وتسويل (من التضليل) «1» . وكان لنبينا- صلى الله ~~عليه وسلم- سكتات فى خلال قراءة القرآن عند انقضاء الآيات، فيتلفظ الشيطان ~~ببعض الألفاظ «2» ، فمن لم يكن له تحصيل توهم أنه كان من ألفاظ الرسول- ~~عليه الصلاة والسلام وصار فتنة لقوم. PageV02P554 # أما- الذين أيدهم بقوة العصمة، وأدركتهم العناية فقد استبصروا ولم يضرهم ~~«1» ذلك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 54] # وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ~~وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) # إذا أراد الله بعبده خيرا أمده بنور التحقيق، وأيده بحسن العصمة، فيميز ~~بحسن البصيرة بين الحق والباطل فلا يظله غمام الريب، وينجلى عنه غطاء ~~الغفلة، فلا تأثير لضباب الغداة فى شعاع الشمس عند متوع النهار، وهذا معنى ~~قوله: # وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ~~وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ولا يزال الذين كفروا في مرية ~~منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 56] # الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم ~~(56) # : لم يتخصص ملكه- سبحانه- بيوم، ولم تتحدد له وقتية أمر، ولا لجلاله قدر ~~«2» ، ولكن الدعاوى فى ذلك اليوم تنقطع، والظنون ترتفع، والتجويزات تتلاشى ~~«3» فللمؤمنين وأهل الوفاق نعم، وللكفار وأصحاب الشقاق نقم. PageV02P555 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : الآيات 57 الى 58] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) والذين هاجروا في ~~سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير ~~الرازقين (58) # هؤلاء لهم عذاب مهين، وهؤلاء لهم فضل مبين. # «والذين هاجروا ... » : للقلوب ms0800 حلاوة العرفان، وللأرواح حلة المحاب، ~~وللأسرار دوام الشهود. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 59] # ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59) # إدخالا فوق ما يتمنونه، وإبقاء على الوصف الذي يهدونه.. ذلك فى أوان ~~صحوهم لينالوا لطائف الأنس على وصف الكمال، ويتمكنوا من قضايا البسط على ~~أعلى أحوال السرور. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 60] # ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو ~~غفور (60) # نصره- سبحانه- للأولياء نصر عزيز، وانتقامه بتمام، واستئصاله بكمال، ~~وإزهاقه أعداءه بتمحيق جملتهم، وألا يحتاج المنصور إلى الاحتيال أو ~~الاعتضاد بأشكال «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 61] # ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع ~~بصير (61) . PageV02P556 # كما فى أفق العالم ليل ونهار فكذلك للسرائر ليل ونهار فعند التجلي نهار ~~وعند الستر ليل، ولليل السر ونهاره زيادة ونقصان، فبمقدار القبض ليل ~~وبمقدار البسط نهار، ويزيد أحدهما على الآخر وينقص.. وهذا للعارفين. فأما ~~المحققون فلهم الأنس والهيبة مكان قبض قوم وبسطهم، وذلك فى حالى صحوهم ~~ومحوهم، ويزيد أحدهما وينقص، ومنهم من يدوم نهاره ولا يدخل عليه ليل.. وذلك ~~لأهل الأنس فقط «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 62] # ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي ~~الكبير (62) # إذا بدا علم من الحقائق حصلت بمقداره شظية من الفناء لمن حصل له التجلي، ~~ثم يزيد ظهور ما يبدو ويغلب، وتتناقص آثار التفرقة وتتلاشى، قال: صلى الله ~~عليه وسلم: # «إذا أقبل النهار من هاهنا أدبر الليل من هاهنا» فإذا نأى العبد بالكلية ~~عن الإحساس بما دون الله فلا يشهد أولا الأشياء إلا للحق، ثم لا يشهدها إلا ~~بالحق، ثم لا يشهد إلا الحق.. # فلا إحساس له بغير الحق، ومن جملة ما ينساه.. نفسه والكون كله «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 63] # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير ~~(63) # ماء السماء يحيى الأرض بعد موتها، ms0801 وماء الرحمة يحيى أحوال أهل الزلة بعد ~~تركها، وماء العناية يحيى أحوال ( ... ) «3» بعد زوال رونقها، وماء الوصلة ~~يحيى أهل القربة بعد لضوبها. PageV02P557 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 64] # له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد (64) # الملك له، وهو عن الجميع غنى، فهو لا يستغنى بملكه، بل ملكه بصير موجودا ~~بخلقه إياه إذ المعدوم له مقدور والمقدور هو المملوك. # ويقال كما أنه «1» غنى عن الأجانب ممن أثبتهم فى شواهد الأعداء فهو غنى ~~عن الأكابر وجميع الأولياء. # ويقال إذا كان الغى حميدا فمعنى ذلك أنه يعطى حتى يشكر. # ويقال الغنى الحميد المستحق للحمد: أعطى أو لم يعط فإن أعطى استحق الحمد ~~الذي هو الشكر، وإن لم يعط استحق الحمد الذي هو المدح «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 65] # ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك ~~السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤف رحيم (65) # أراد به تسخير الانتفاع بها فما للخلق «3» به انتفاع وميسر له فى ~~الاستمتاع به فهو كالمسخر له على معنى تمكينه منه، ثم يراعى فيه الإذن فمن ~~استمتع بشىء على وجه الإباحة والإذن والدعاء إليه والأمر به فذلك إنعام ~~وإكرام، ومن كان بالعكس فمكر واستدراج. # وأما السفينة.. فإلهام العبد بصنعها ووجوه الانتفاع بها بالحمل فيها ~~وركوبها فمن أعظم إحسان الله وإرفاقه بالعبد، ثم ما يحصل بها من قطع ~~المسافات البعيدة، والتوصل بها إلى المضارب PageV02P558 # النائية، والتمكن من وجوه الانتفاع ففى ذلك أعظم نعمة، وأكمل عافية. # وجعل الأرض للخلق قرارا من غير أن تميد، وجعل السماء بناء من غير وقوع، ~~وجعل فيها من الكواكب ما يحصل به الاهتداء فى الظلام، ثم هى زينة السماء- ~~وفى ذلك من الأدلة ما يوجب ثلج الصدر وبرد اليقين. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 66] # وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور (66) # إحياء النفوس وإماتتها مرات محصورة، وإحياء أوقات العباد وإماتتها لا حصر ~~له ولا ms0802 عد، وفى معناه أنشدوا. # أموت إذا ذكرتك ثم أحيا ... فكم أحيا عليك وكم أموت # ويقال يحي الآمال بإشهاد تفضله، ثم يميتها بالاطلاع على تعززه. # ويقال هذه صفة العوام منهم، فأما الأفاضل فحياتهم مسرمدة وانتعاشهم مؤبد. ~~وأنى يحيا غيره وفى وجوده- سبحانه- غنية وخلف عن كل فائت «1» !؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 67] # لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك ~~لعلى هدى مستقيم (67) # جعل لكل فريق شرعة هم واردوها، ولكل جماعة طريقة هم سالكوها. # وجعل لكل مقام سكانه، ولكل محل قطانه، فقد ربط كلا بما هو أهل له، وأوصل ~~كلا إلى ما جعله محلا له فبساط التعبد موطوء بأقدام العابدين، ومشاهد ~~الاجتهاد معمورة بأصحاب التكلف من المجتهدين، ومجالس أصحاب المعارف مأنوسة ~~بلزوم العارفين، ومنازل المحبين مأهوله بحضور الواجدين. PageV02P559 # قوله: «فلا ينازعنك في الأمر ... » الأمر اشهد تصاريف الأقدار، واعمل ~~بموجب التكليف، وانته دون ما أذنت له من المناهل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 68] # وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) # كلهم إلينا عند ما راموا من الجدال، ولا تنكل على ما تختاره من الاحتيال، ~~واحذر جنوح قلبك إلى الاستعانة بالأمثال والأشكال، فإنهم قوالب خاوية، ~~وأشباح عن المعاني خالية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 69] # الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69) # أما الأجانب فيقول لهم: «كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا» «1» ، وأما ~~الأولياء فقوم منهم يحاسبهم حسابا يسيرا، وأقوام مخصوصون يقول لهم: بينى ~~وبينكم حساب فلا جبريل يحكم بينهم ولا ميكائيل، ولا نبي مرسل، ولا ملك ~~مقرب. # «الله يحكم بينكم» يحكم بينهم فيسأل عن أعماله جميع خصمائه، ويأمر بإرضاء ~~جميع غرمائه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 70] # ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على ~~الله يسير (70) # يعلم السر والنجوى، وما تكون حاجة العبد له أمس وأقوى، وبكل وجه هو ~~بالعبد أولى، وله أن يحمل له النعمى، ويزيل عنه البلوى، ولا يسمع منه ~~الشكوى، فله الحكم ms0803 تبارك وتعالى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 71] # ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما ~~للظالمين من نصير (71) PageV02P560 # الآية تشير إلى أن من كان من جملة خواصه أفرده- سبحانه- ببرهان، وأيده ~~ببيان، وأعزه بسلطان. ومن لا سلطان له يمتد إليه قهره، ومن لا برهان له ~~ينبسط عنه- إلى غيره- نوره، فهو بمعزل عن جملته. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 72] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون ~~يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله ~~الذين كفروا وبئس المصير (72) # لسماع الخطاب أثر في القلوب من الاستبشار والبهجة، أو الإنكار «1» ~~والوحشة. # ثم ما تخامره السرائر يلوح على الأسرة فى الظاهر فكانت الآيات عند نزولها ~~إذا تليت على الكفار يلوح على رجوههم دخان ما تنطوى عليه قلوبهم من ظلمات ~~التكذيب، فما كان يقع عليهم طرف إلا نبأ عن جحودهم، وعادت إلى القلوب ~~النبوءة عن إقلاعهم. # ثم أخبر أن الذي هم بصدده فى الآخرة من أليم العقوبة شر بكل وجه لهم مما ~~يعود إلى الرائين لهم عند شهودهم. وإن المناظر الوضيئة للرائين مبهجة، ~~والمناظر المنكرة للناظرين إليها موحشة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 73] # يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ~~ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب ~~والمطلوب (73) . PageV02P561 # نبه الأفكار المشتتة، والخواطر المتفرقة على الاستجماع لسماع ما أراد ~~تضمينه فيها فاستحضرها فقال: «ضرب مثل فاستمعوا له..» # ثم بين المعنى فقال إن الذين تدعون من دون الله، وتدعونها آلهة أي ~~وتسمونها آلهة (وأنها للعبادة مستحقة) «1» لن يخلقوا بأجمعهم ذبابا، ولا ~~دون ذلك. وإن يسلبهم الذباب شيئا بأن يقع على طعام لهم فليس فى وسعهم ~~استنقاذهم ذلك منه، ومن كان بهذه الصفة فساء المثل مثلهم، وضعف وصفهم، وقل ~~خطرهم. # ويقال إن الذي لا يقاوم ذبابا فيصير به مغلوبا فأهون بقدره! قوله جل ~~ذكره: ### | ### | [سورة الحج ms0804 (22) : آية # 74] # ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) # ما عرفوه حق معرفته، ولا وصفوه بجلال ما يستحقه من النعوت. ومن لم يكن فى ~~عقيدته نقص لما يستحيل فى وصفه- سبحانه- لم تباشر خلاصة التوحيد سره، وهو ~~فى ترجم فكر، وتجويز ظن، وخطر تعسف، يقع فى كل وهدة من الضلال. # ويقال العوام اجتهادهم فى رفضهم الأعمال الخبيثة خوفا من الله، والخواص ~~جهدهم فى نقض عقيدتهم للأوصاف التي تجل عنها الصمدية، وبينهما ( ... ) «2» ~~بعيد. # «إن الله لقوي عزيز» قوى أي قادر على أن يخلق من هو فوقهم فى التحصيل ~~وكمال العقول. # «عزيز» : أي لا يقدر أحد قدره- إلا بما يليق بصفة البشر- بقدر من ~~العرفان. # ويقال من وجد السبيل إليه فليس النعت له إلا بوصف القصور، ولكن كل بوجده ~~مربوط، وبحده فى همته موقوف، والحق سبحانه عزيز «3» . PageV02P562 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحج (22) : آية # 75] # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) # الاجتباء والاصطفاء من الحق سبحانه بإثبات القدر، وتخصيص الطول، وتقديمهم ~~على أشكالهم فى المناقب والمواهب. # ثم بعضهم فوق بعض درجات فالفضيلة بحق المرسل، لا لخصوصية فى الخلقة فى ~~المرسل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 76] # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76) # يعلم حالهم ومآلهم، وظاهرهم وباطنهم، ويومهم وغدهم، ويعلم نقضهم عهدهم ~~فإليه منقلبهم، وفى قبضته تقلبهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 77] # يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم ~~تفلحون (77) # الركوع والسجود والعبادة كلها بمعنى الصلاة لأن الصلاة تشتمل على هذه ~~الأفعال جميعها، ولكن فرقها فى الذكر «1» مراعاة لقلبك من الخوف عند الأمر ~~بالصلاة فقسمها ليكون مع كل لفظة ومعنى نوع من التخفيف والترفيه، ولقلوب ~~أهل المعرفة فى كل لفظة راحة جديدة. # ويقال لون عليهم العبادة، وأمرهم بها، ثم جميعها عبادة واحدة، ووعد عليها ~~من الثواب الكثير ما تقصر عن علمه البصائر. # ويقال علم أن الأحباب يحبون سماع كلامه فطول عليهم القول إلى آخر الآية ~~ليزدادوا عند سماع ذلك أنسا على ms0805 أنس، وروحا على روح، ومعاد خطاب الأحباب هو ~~روح روحهم، وكمال راحتهم. PageV02P563 # ثم قال بعد هذا: «وافعلوا الخير» فأدخل فيه جميع أنواع القرب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحج (22) : آية 78] # وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ~~أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو ~~مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78) # ( «حق جهاده» : حق الجهاد ما وافق الأمر فى القدر والوقت والنوع، فإذا ~~حصلت فى شىء منه مخالفة فليس حق جهاده) «1» . # ويقال المجاهدة على أقسام: مجاهدة بالنفس، ومجاهدة بالقلب، ومجاهدة ~~بالمال. # فالمجاهدة بالنفس ألا يدخر العبد ميسورا إلا بذله فى الطاعة بتحمل ~~المشاق، ولا يطلب الرخص والإرفاق «2» . والمجاهدة بالقلب صونه عن الخواطر ~~الرديئة مثل الغفلة، والعزم على المخالفات، وتذكر ما سلف أيام الفترة ~~والبطالات. والمجاهدة بالمال بالبذل والسخاء ثم بالجود والإيثار. # ويقال حق الجهاد الأخذ بالأشق، وتقديم الأشق على الأسهل- وإن كان فى ~~الأخف أيضا حق. # ويقال حق الجهاد ألا يفتر العبد عن مجاهدة النفس لحظة، قال قائلهم. # يا رب إن جهادى غير منقطع ... فكل أرض لى ثغر طرسوس # قوله جل ذكره: هو اجتباكم يحتمل أنه يقول من حق اجتبائه إياكم أن تعظموا ~~أمر مولاكم ويحتمل أن يقال هو الذي اجتباكم، ولولا أنه اجتباكم لما جاهدتم، ~~فلاجتبائه إياك وفقك حتى جاهدت. # ويقال علم ما كنت تفعله قبل أن خلقك ولم يمنعه ذلك من أن يجتبيك، وكذلك ~~إن رأى ما فعلت فلا يمنعه ذلك أن يتجاوز عنك ولا يعاقبك PageV02P564 # قوله جل ذكره: وما جعل عليكم في الدين من حرج. # الشرع مبناه على السهولة، والذي به تصل إلى رضوانه وتستوجب جزيل فضله ~~وإحسانه، وتتخلص به من أليم عقابه وامتحانه- يسير «1» من الأمر لا يستغرق ~~كنه إمكانك بمعنى أنك إن أردت فعله لقدرت عليه، وإن لم توصف فى الحال بأنك ~~مستطيع ما ليس بموجود فيك. # قوله جل ذكره: ملة أبيكم إبراهيم. # أي اتبعوا ms0806 والزموا ملة أبيكم ابراهيم عليه السلام فى البذل والسخاء ~~والجود والخلة والإحسان. # قوله جل ذكره: هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا ~~عليكم. # الله هو الذي اجتباكم، وهو الذي بالإسلام والعرفان سماكم المسلمين. وقيل ~~ابراهيم هو الذي سماكم المسلمين بقوله: «ومن ذريتنا أمة مسلمة لك» «2» . # قوله: «ليكون الرسول شهيدا عليكم، نصب الرسول بالشهادة علينا، وأمره ~~بالشفاعة لأمته، وإنما يشهد علينا بمقدار ما يبقى للشفاعة موضعا ومحلا. # قوله جل ذكره: وتكونوا شهداء على الناس. # وتلك الشهادة إنما نؤديها لله، ومن كانت له شهادة عند أحد- وهو كريم- فلا ~~يجرح شاهده، بل يسعى بما يعود إلى تزكية شهوده. # قوله جل ذكره: فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم ~~فنعم المولى ونعم النصير. PageV02P565 # أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة بحكم الإتمام، ونعت الاستدامة، وجميل ~~الاستقامة. # والاعتصام بالله التبري من الحول والقوة، والنهوض بعبادة الله بالله لله. ~~ويقال الاعتصام بالله التمسك بالكتاب والسنة. ويقال الاعتصام بالله حسن ~~الاستقامة بدوام الاستعانة. # «هو مولاكم» : سيدكم وناصركم والذي لا خلف عنه. # «فنعم المولى ونعم النصير» نعم المولى: إخبار عن عظمته، ونعم النصير: ~~إخبار عن رحمته. # ويقال إن قال لأيوب: «نعم العبد» «1» ولسليمان «نعم العبد» «2» فلقد قال ~~لنا «فنعم المولى ونعم النصير» ، ومدحه لنفسه أعز وأجل من مدحه لك. # ويقال «فنعم المولى» : بدأك بالمحبة قبل أن أحببته، وقبل أن عرفته أو ~~طلبته أو عبدته. # «ونعم النصير» : إذا انصرف عنك جميع من لك فلا يدخل القبر معك أحد كان ~~ناصرك، ولا عند السؤال أو عند الصراط. ### | السورة التي يذكر فيها المؤمنون # قوله جل ذكره: بسم الله الرحمن الرحيم الاسم اشتقاقه من السمو، وللمسمى ~~بهذا الاسم استحقاق العلو، فالاسم اسم لسموه من القدم، والحق حق لعلوه بحق ~~القدم. # ويقال من عرف «بسم الله» سمت همته عن المرسومات، ومن أحب بسم الله صفت ~~حالته عن مساكنة الموهومات.. # اسم من طلبه نسى من الدارين أربه، ومن عرفه وجد بقلبه مالا يعرف سببه. ~~PageV02P566 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 1 الى # 2] # بسم ms0807 الله الرحمن الرحيم # قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) # ظفر بالبغية وفاز بالطلبة من آمن بالله. # و «الفلاح» : الفوز بالمطلوب والظفر بالمقصود. # والإيمان انتسام الحق فى السريرة، ومخامرة التصديق خلاصة القلب، واستمكان ~~التحقيق من تأمور الفؤاد «1» . # والخشوع فى الصلاة إطراق السر على بساط النجوى باستكمال نعت الهيبة، ~~والذوبان تحت سلطان الكشف، والامتحاء عند غلبات التجلي. # ويقال أدرك ثمرات القرب وفاز بكمال الأنس من وقف على بساط النجوى بنعت ~~الهيبة، ومراعاة آداب الحضرة. ولا يكمل الأنس بلقاء المحبوب إلا عند فقد ~~الرقيب. # وأشد الرقباء وأكثرهم تنغيصا لأوان القرب النفس فلا راحة للمصلى مع حضور ~~نفسه، (فإذا خنس عن نفسه) «2» وشاهده عدم إحساسه بآفات نفسه، وطاب له ~~العيش، وتمت له النعمى، وتجلت له البشرى، ووجد لذة الحياة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 3] # والذين هم عن اللغو معرضون (3) # ما يشغل عن الله فهو سهو، وما ليس لله فهو حشو، وما ليس بمسموع من الله ~~أو بمعقول مع الله فهو لغو، (وما هو غير الحق سبحانه فهو كفر، والتعريج على ~~شىء من هذا بعد وهجر) «3» . # ويقال ما ليس بتقريظ الله ومدحه من كلام خلقه فكل ذلك لغو. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 4] # والذين هم للزكاة فاعلون (4) PageV02P567 # الزكاة النماء، ومن عمله للنماء فأمارة ذلك أن يكون بنقصانه فى نفسه عن ~~شواهده ولا يبلغ العبد إلى كمال الوصف فى العبودية إلا بذوبانه عن شاهده. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 5 الى 6] # والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ~~غير ملومين (6) # لفروجهم حافظون ابتغاء نسل يقوم بحق الله، ويقال ذلك إذا كان مقصوده ~~التعفف والتصاون عن مخالفات الإثم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : آية # 7] # فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) # أي من جاوز قصد إيثار الحقوق، وجنح إلى جانب استيفاء الحظوظ.. فقد تعدى ~~محل الأكابر، وخالف طريقتهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 8] # والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (8) # الأمانات مختلفة، وعند كل أحد أمانة أخرى، ms0808 فقوم عندهم الوظائف بظواهرهم، ~~وآخرون عندهم اللطائف فى سرائرهم، ولقوم معاملاتهم، ولآخرين منازلاتهم، ~~ولآخرين مواصلاتهم. # وكذلك عهودهم متفاوتة فمنهم من عاهده ألا يعبد سواه، ومنهم من عاهده ألا ~~يشهد فى الكونين سواه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 9] # والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) # لا تصادفهم الأوقات، وهم غير مستعدين، ولا يدعوهم المنادى وهم ليسوا ~~بالباب، فهم فى الصف الأول بظواهرهم، وكذلك فى الصف الأول بسرائرهم قوله جل ~~ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 10 الى 11] # أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) # PageV02P568 # الإرث على حسب النسب، وفى استحقاق الفردوس بوصف الإرث لنسب الإيمان فى ~~الأصل، ثم الطاعات فى الفضل. # وكما فى استحقاق الإرث تفاوت فى مقدار السهمان: بالفرض أو بالتعصيب- ~~فكذلك فى الطاعات فمنهم من هم فى الفردوس بنفوسهم، وفى الأحوال اللطيفة ~~بقلوبهم، ثم هم خالدون بنفوسهم وقلوبهم جميعا لا يبرحون عن منال نفوسهم ولا ~~( ... ) «1» عن حالات قلوبهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : آية # 12] # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) # عرفهم أصلهم لئلا يعجبوا بفعلهم. # ويقال نسبهم لئلا يخرجوا عن حدهم، ولا يغلطوا فى نفوسهم. # ويقال خلقهم من سلالة سلت من كل بقعه فمنهم من طينته من جردة «2» أو من ~~سبخة «3» أو من سهل، أو من وعر.. ولذلك اختلفت أخلاقهم. # ويقال بسط عذرهم عند الكافة فإن المخلوق من سلالة من طين ... ما الذي ~~ينتظر منه؟! ويقال خلقهم من سلالة من طين، والقدر للتربية لا للتربة. # ويقال خلقهم من سلالة ولكن معدن المعرفة ومرتع المحبة، ومتعلق العناية ~~منه لهم قال تعالى: «يحبهم ويحبونه» . # ويقال خلقهم، ثم من حال إلى حال نقلهم، يغير بهم ما شاء تغييره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 13 الى 14] # ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة ~~مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك ~~الله أحسن الخالقين (14) PageV02P569 # قطرة أجزاؤها متماثلة، ونطفة أبعاضها متشاكلة، ثم جعل بعضها لحما وبعضها ~~عظما، وبعضها شعرا، وبعضها ظفرا، وبعضها عصبا، وبعضها ms0809 جلدا، وبعضها مخا، ~~وبعضها عرقا. ثم خص كل عضو بهيئة مخصوصة، وكل جزء بكيفية معلومة. ثم الصفات ~~التي للإنسان خلقها متفاوتة، من السمع والبصر والفكر والغضب والقدرة والعلم ~~والإرادة والشجاعة والحقد والجود والأوصاف التي يتقاصر عنها الحصر والعد. # قوله جل ذكره: ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين فى ~~التفاسير أنه صورة الوجه، ويحتمل ما تركب فيه من الحياة، واختص به من السمع ~~والبصر والعقل والتمييز، وما تفرد به بعض منهم بمزايا فى الإلهام العام ~~للعقل وسائر الإدراكات. # ويقال «ثم أنشأناه خلقا آخر» : وهو أن هيأهم لأحوال عزيزة يظهرها عليهم ~~بعد بلوغهم، إذا حصل لهم كمال التمييز من فنون الأحوال فلقوم تخصيص بزينة ~~العبودية، ولقوم تحرر من رق البشرية، ولآخرين تحقق بالصفات الصمدية ~~بامتحائهم عن الإحساس بما هم عليه وبه من الأحوال التي هى أوصاف البشرية. # قوله جل ذكره: فتبارك الله أحسن الخالقين خلق السماوات والأرضين بجملتها، ~~والعرش والكرسى، مع المخلوقات من الجنة والنار بكليتها- ثم لما أخبر بذلك ~~لم يعقبه بهذا التمدح الذي ذكره بعد نعت خلقه بنى آدم تخصيصا لهم وتمييزا، ~~وإفرادا لهم من بين المخلوقات. # ويقال إن لم يقل لك إنك أحسن المخلوقات فى هذه الآية فلقد قال فى آية ~~أخرى: # «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم» «1» . PageV02P570 # ويقال إن لم تكن أنت أحسن المخلوقات وأحسن المخلوقين- ولم يثن عليك بذلك ~~فلقد أثنى على نفسه بقوله: «فتبارك الله أحسن الخالقين» ، وثناؤه على نفسه ~~وتمدحه بذلك أعز وأجل من أن يثنى عليك. # ويقال لما ذكر نعتك، وتارات حالك فى ابتداء خلقك، ولم يكن منك لسان شكر ~~ينطق، ولا بيان مدح ينطلق.. ناب عنك فى الثناء على نفسه، فقال: «فتبارك ~~الله أحسن الخالقين» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : آية # 15] # ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) # أنشدوا: # آخر الأمر ما ترى ... القبر واللحد والثرى # وأنشدوا: # حياتنا عندنا قروض ... ونحن بعد الموت فى التقاضي # لا بد من رد ما اقترضنا ... كل غريم بذاك راضى # ويقال نعاك إلى نفسك بقوله: «ثم إنكم بعد ذلك ms0810 لميتون» وكل ما هو آت ~~فقريب. # ويقال كسر على أهل الغفلة سطوة غفلتهم، وفل دونهم سيف صولتهم بقوله: ثم ~~إنكم بعد ذلك لميتون، وللجماد مضاهون، وعن المكنة والمقدرة والاستطاعة ~~والقوة لمبعدون، وفى عداد ما لا خطر له من الأموات معدودون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 16] # ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16) # فعند ذلك يتصل الحساب والعقاب، والسؤال والعقاب، ويتبين المقبول من ~~المردود، والموصول من المهجور. # ويوم القيامة يوم خوف به العالم حتى لو قيل للقيامة: ممن تخافين؟ لقالت ~~من القيامة. # وفى القيامة ترى الناس سكارى حيارى لا يعرفون أحوالهم ولا يتحققون بما ~~تؤول إليه أمورهم، إلى أن يتبين لكل واحد أمره خيره وشره: فيثقل بالخيرات ~~ميزانه، أو يخف # PageV02P571 # عن الطاعات أو يخلو ديوانه. وما بين الموت والقيامة: فإما راحات متصلة، ~~أو آلام وآفات غير منفصلة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : آية # 17] # ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17) # الحق- سبحانه- لا يستتر عن رؤيته مدرك، ولا تخفى عليه- من مخلوقاته- ~~خافية. وإنما الحجب على أبصار الخلق وبصائرهم فالعادة جارية بأنه لا يخلق ~~لنا الإدراك لما وراء الحجب. وكذلك إذا حلت الغفلة القلوب استولى عليها ~~الذهول، وانسدت بصائرها، وانتفت فهومها وفوقنا حجب ظاهرة وباطنة ففى الظاهر ~~السماوات حجب تحول بيننا وبين المنازل العالية، وعلى القلوب أغشية وأغطية ~~كالمنية والشهوة، والإرادات الشاغلة، والغفلات المتراكمة. # أما المريدون فإذا أظلتهم سحائب الفترة، وسكن هيجان إرادتهم فذلك من ~~الطرائق التي عليهم. # وأما الزاهدون فإذا تحرك بهم عرق الرغبة انفلت «1» قوة زهدهم، وضعفت ~~دعائم صبرهم، فيترخصون بالجنوح إلى بعض التأويلات، فتعود رغباتهم قليلا ~~قليلا، وتختل رتبة عزوفهم، وتنهد دعائم زهدهم، وبداية ذلك من الطرائق التي ~~خلق فوقهم. # وأما العارفون فربما تظلهم فى بعض أحايينهم وقفة فى تصاعد سرهم إلى ساحات ~~الحقائق. # فيصيرون موقفين ريثما يتفضل الحق- سبحانه- عليهم بكفاية ذلك فيجدون ~~نفاذا، ويرفع عنهم ما عاقهم من الطرائق. # وفى جميع هذا فإن الحق سبحانه غير غافل عن الخلق، ولا تارك للعباد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 18] # وأنزلنا ms0811 من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ~~(18) . PageV02P572 # أنزل من السماء ماء المطر الذي هو سبب حياة الأرضين، وذلك بقدر معلوم. ~~ثم.. # البلاد مختلفة فى السقى: فبعضها خصب، وبعضها جدب، وسنة يزيد وسنة ينقص، ~~سنة يفيض وسنة يغيض. # كذلك أنزلنا من السماء ماء الرحمة فيحيى القلوب، وهى مختلفة فى الشرب: ~~فمن موسع عليه رزقه منه، ومن مضيق مقتر عليه. ومن وقت هو وقت سح، ومن وقت ~~هو وقت حبس. # ويقال ماء هو صوب الرحمة يزيل به درن العصاة وآثار زلتهم وأوضار عثرتهم، ~~وماء هو سقى قلوبهم يزيل به عطش تحيرهم، ويحيى به موات أحوالهم فتنبت فى ~~رياض قلوبهم فنون أزهار البسط، وصنوف أنوار الروح. وماء هو شراب المحبة ~~فيخص به قلوبا بساحات القرب، فيزيل عنها به حشمة الوصف، ويسكن به قلوبا ~~فيعطلها عن التمييز، ويحملها على التجاسر ببذل الروح فإذا شربوا طربوا، ~~وإذا طربوا لم يبالوا بما وهبوا «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : آية # 19] # فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون ~~(19) # كما يحيى بماء السماء الغياض والرياض، ويصنف فيها الأزهار والأنوار، ~~وتثمر الأشجار وتجرى الأنهار.. فكذلك يسقى القلوب بماء العرفان فتورق وتثمر ~~بعد ما تزهر، وتؤتى أكلها: من طيب عيش، وكمال بسط، ثم وفور هيبة ثم روح ~~أنس، ونتائج تجل، وعوائد قرب.. إلى ما تتقاصر العبارات عن شرحه، ولا تطمع ~~الإشارات فى حصره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 21] # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ~~ومنها تأكلون (21) # الإشارات منه أن الكدورات الهاجمة لا عبرة بها، ولا مبالاة فإن اللبن ~~الخالص السائغ يخرج من أخلاف الأنعام من بين ما تنطوى حواياها عليه من ~~الوحشة، لكنه صاف لم يؤثر PageV02P573 # فيه منها بحكم الجوار، وكذلك الصفاء يوجد أكثره من عين الكدورة إذ ~~الحقيقة لا يتعلق بها حق ولا باطل. ومن أشرف على (سر) «1» التوحيد تحقق بأن ~~ظهور جميع الحدثان من التقدير، فتسقط عنه كلفة التمييز، ms0812 فالأسرار عند ذلك ~~تصفو، والوقت لصاحبه لا يجفو. # «ولكم فيها منافع» : لازمة لكم، ومتعدية منكم إلى كل متصل بكم: # إني- على جفواتها- بربها ... وبكل متصل بها متوسل # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : آية # 22] # وعليها وعلى الفلك تحملون (22) # يحفظهم فى السفينة فى بحار القطرة، ويحفظهم فى سفينة السلامة والعصمة فى ~~بحار القدرة، وإن بحار القدرة تتلاطم أمواجها، والناس فيها غرقى إلا من ~~يحفظه الحق- سبحانه- فى سفينة العناية. # وصفة أهل الفلك إذا مستهم شدة خوف الغرق ما ذكر الله فى قوله: «فإذا ~~ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين «2» » كذلك من شاهد نفسه على شفا ~~الهلاك والغرق، والتجأ إلى صدق الاستعانة ودوام الاستغاثة فعند ذلك يحميه ~~الحق- سبحانه- من مخلوقات التقدير. ويقال إن وجه الأرض بحار الغفلة، وما ~~عليه الناس من أسباب التفرقة بحار مهلكة والناس فيها غرقى، وكما قال بعضهم: # الناس بحر عميق ... والبعد عنهم سفينة # وقد نصحتك فانظر ... لنفسك المسكينة # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 23] # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~أفلا تتقون (23) . PageV02P574 # كرر قصة نوح لما فيها من عظيم الآيات من طول مقامه فى قومه، وشدة مقاساة ~~البلاء منهم، وتمام صبره على ما استقبله فى طول عمره، ثم إهلاك الله جميع ~~من أصر على كفرانه، ثم إهلاك الله جميع من أصر على كفرانه، ثم لم يغادر ~~منهم أحدا، ولم يبال- سبحانه- بأن أهلك جملتهم. ولقد ذكر فى القصص أن امرأة ~~من قومه لما أخذهم الطوفان كان لها مولود، فحملته وقامت حاملة له ترفعه عن ~~الطوفان، فلما بلغ الماء إلى يدها رفعته إلى ما فوق رأسها- قدر ما أمكنها- ~~إبقاء على ولدها، وإشفاقا عليه من الهلاك، إلى أن غلبها الماء وتلفت ~~وولدها. فأوحى الله إلى نوح- عليه السلام- لو أنى كنت أرحم واحدا منهم ~~لرحمت تلك المرأة وولدها. # وفى الخبر أن نوحا كان اسمه يشكر ولكثرة ما كان يبكى أوحى الله إليه: يا ~~نوح.. # إلى كم تنوح؟ فسماه نوحا. ويقال إن ذنبه أنه مر يوما بكلب فقال: ما ~~أوحشه! ms0813 فأوحى الله إليه: اخلق أنت أحسن من هذا! فكان يبكى معتذرا عن قالته ~~تلك. # وكان قومه يلاحظونه بعين الجنون، وما زاد لهم دعوة إلا ازدادوا عن إجابته ~~نبوة، وما زاد لهم صفوة إلا ازدادوا على طول المدة قسوة على قسوة. # ولما عمل السفينة ظهر الطوفان، وأدخل فى السفينة أهله، تعرض له إبليس- ~~كما جاء فى القصة- وقال: احملنى معك فى السفينة، فأبى نوح وقال: يا شقى.. ~~تطمع فى حملى إياك وأنت رأس الكفرة؟! فقال إبليس: أما علمت- يا نوح- أن ~~الله أنظرنى إلى يوم القيامة، وليس ينجو اليوم أحد إلا فى هذه السفينة؟ # فأوحى الله إلى نوح أن احمله فكان إبليس مع نوح فى السفينة، ولم يكن ~~لابنه معه مكان فى السفينة. (وفى هذا ظهور عين التوحيد وأن الحكم من الله ~~غير معلول) «1» لأنه إن كان المعنى فى أن ابنه لم يكن معه له مكان لكفره ~~فبإبليس يشكل.. ولكنها أحكام غير معلولة، وجاز له- سبحانه- أن يفعل ما ~~يريد: يصل «2» من شاء ويرد من شاء PageV02P575 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : آية # 29] # وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) # الإنزال المبارك أن يكون بالله ولله، وعلى شهود الله من غير غفلة عن ~~الله، ولا مخالفا لأمر الله ويقال الإنزال المبارك الاستيعاب بشهود الوصف ~~عنك، ثم الاستغراق باستيلاء سلطان القرب عليك، ثم الاستهلاك بإحداق أنوار ~~التجلى حتى لا تبقى عين ولا أثر، فإذا تم هذا ودام هذا فهو نزول بساحات ~~الحقيقة مبارك لأنك بلا أنت.. بكليتك من غير بقية أو أثر عنك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 31] # ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) # تتابعت القرون على طريقة واحدة فى التكذيب، وغرهم طول الامهال، وما مكنهم ~~من رفه العيش وخفض الدعة، فلم يقيسوا إلا على أنفسهم، ولم يسم لهم طرف إلى ~~من فوقهم فى الحال والمنزلة، فقالوا: أنؤمن بمن يتردد فى الأسواق، وينتفع ~~مثلنا بوجوه الأرفاق؟ # ولئن أطعنا بشرا مثلنا لسلكنا سبيل الغى، وتنكبنا سنة الرشد. فأجراهم ~~الله فى الإهانة وإحلال العقوبة بهم مجرى واحدا، وأذاقهم ms0814 عذاب الخزي. وأعظم ~~ما داخلهم من الشبهة والاستبعاد أمر الحشر والنشر، ولم يرتقوا للعلم بأن ~~الإعادة كالابتداء فى الجواز وعدم الاستحالة، والله يهدى من يشاء ويغوى من ~~يريد. # ثم إن الله فى هذه السورة ذكر قصة موسى عليه السلام، ثم بعده قصة عيسى ~~عليه السلام، وخص كل واحد منهم بآياته الباهرة ومعجزاته الظاهرة «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 51] # يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (51) # كلوا من الطيبات مما أحل لكم وأباح، وما هو محكوم بأنه طيب- على شريطة ~~مطابقة PageV02P576 # رخصة الشريعة- مما كان حلالا فى وقتهم، مطلقا مأذونا لهم فيه. وكذلك ~~أعمالهم الصالحة ما كان موافقا لأمر الله فى زمانهم بفنون طاعاتهم فى ~~أفعالهم وعقائدهم وأحوالهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : آية # 52] # وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) # معبودكم واحد، ونبيكم واحد، وشرعكم واحد فأنتم فى الأصول شرع سواء، فلا ~~تسلكوا ثنيات الطرق «1» فتطيحوا فى أودية الضلالة. وعليكم باتباع سلفكم، ~~واحذروا موافقة ابتداع خلفكم. # «وأنا ربكم فاتقون» خافوا مخالفة أمرى، واعرفوا عظيم قدرى، واحفظوا فى ~~جريان التقدير سرى، واستديموا بقلوبكم ذكرى، تجدوا فى مآلكم غفرى، وتحظوا ~~بجميل برى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 53] # فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53) # فمستقيم على حقه، وتائه فى غيه، ومصر على عصيانه وفسقه، ومقيم على إحسانه ~~وصدقه، كل مربوط بحده، موقوف بما قسم له فى البداية من شأنه، كل ينتحل ~~طريقته ويدعى بحسن طريقته حقيقة، وعند صحو سماء قلوب أرباب التوحيد لا غبار ~~فى الطريق وهم على يقين معارفهم فلا ريب يتخالجهم ولا شبهة. # وأهل الباطل فى عمى جهلهم، وغبار جحدهم، وظلمة تقليدهم، ومحنة شكهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 54] # فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) # إن مدة أخذهم لقريبة، والعقوبة عليهم- إذا أخذوا- لشديدة، ولسوف يتبين ~~لهم خطؤهم من صوابهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 55 الى 56] # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا ~~يشعرون (56) . PageV02P577 # هذا ms0815 فى شأن أصحاب الاستدراج من مكر الحق بهم بتلبيس المنهاج رأو سرابا ~~فظنوه شرابا، ودس لهم فى شهدهم صابا فتوهموه عذابا «1» ، وحين لقوا عذابا ~~علموا أنهم لم يفعلوا صوابا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : آية # 57] # إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) # أمارة الإشفاق من الخشية إطراق السريرة فى حال الوقوف بين يدى الله ~~بشواهد الأدب، ومحاذرة بغتات الطرد، لا يستقر بهم قرار لما داخلهم من ~~الرعب، واستولى عليهم من سلطان الهيبة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 58] # والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58) # تلك الآيات مختلفة فمنها ما يكاشفون به فى الأقطار من اختلاف الأدوار، ~~وما فيه الناس من فنون الهمم وصنوف المنى والإرادات، فإذا آمن العبد بها، ~~واعتبر بها اقتنع بما يرى نفسه مطالبا به. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 59] # والذين هم بربهم لا يشركون (59) # يذرون جلى الشرك وخفيه والشرك الخفى ملاحظة الخلق فى أوان الطاعات، ~~والاستبشار بمدح الخلق وقبولهم، والانكسار والذبول عند انقطاع رؤية الخلق. # ويقال الشرك الخفى إحالة النادر من الحالات- فى المسار والمضار- على ~~الأسباب كقول القائل. «لولا دعاء أبيك لهلكت» و «لولا همة فلان لما أفلحت» ~~... وأمثال هذا قال الله تعالى «وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون» «2» ~~. # وكذلك توهم حصول الشفاء من شرب الدواء. # فاذا أيقن العبد بسره ألا شىء من الحدثان، ولم يتوهم ذلك، وأيقن ألا شىء ~~إلا من التقدير فعند ذلك يبقى عن الشرك «3» . PageV02P578 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : آية # 60] # والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) # يخلصون فى الطاعات من غير إلمام بتقصير، أو تعريح فى أوطان الكسل، أو ~~جنوح إلى الاسترواح بالرخص. ثم يخافون كأنهم ألموا بالفواحش، ويلاحظون ~~أحوالهم بعين الاستصغار، والاستحقار، ويخافون بغتات التقدير، وقضايا السخط، ~~وكما قيل: # يتجنب الآثام ثم يخافها ... فكأنما حسناته آثام # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 61] # أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) # «1» مسارع بقدمه من حيث الطاعات، ومسارع بهممه من حيث المواصلات، ومسارع ~~بندمه من حيث تجرع الحسرات، والكل ms0816 مصيب، وللكل من إقباله- على ما يليق ~~بحاله- نصيب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 62] # ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62) # المطالبات فى الشريعة مضمنة بالسهولة، وأما مطالبات الحقيقة فكما قالوا: ~~ليس إلا بذل الروح، ولهذا فهم لا تشغلهم الترهات «2» . قال لأهل الرخص ~~والمستضعفين فى الحال: # «وما جعل عليكم في الدين من حرج» «3» ، وأما أرباب الحقائق فقال: «وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله» «4» وقال: «وتحسبونه هينا ~~وهو عند الله عظيم» «5» ، وقال: «وجاهدوا في الله حق جهاده «6» » . ~~PageV02P579 # قوله: «ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون» : لولا غفلتهم عن مواضع ~~الحقيقة لما خوفهم بكتابة الملك، ولكن غفلوا عن شهود الحق فخوفهم باطلاع ~~الملائكة، وكتابتهم عليهم أعمالهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 63] # بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون (63) # لا يصلح لهذا الشأن «1» إلا من كان فارغا من جميع الأعمال، لا شغل له فى ~~الدنيا والآخرة، فأما من له شغل بدنياه، أو على قلبه حديث عقباه، فليس له ~~نصيب من حديث مولاه، وفى الخبر «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة ~~والفراغ» . # ويقال أصحاب الدنيا مشغولون بدنياهم، وأرباب العقبى مشغولون بعقباهم، ~~وأهل النار مشغولون بما ينالهم من بلواهم وإن الذي له فى الدنيا والآخرة ~~غير مولاه- حين الفراغ- عزيز قال تعالى: «إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ~~فاكهون» «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 64] # حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64) # إنه- سبحانه- يمهل ولكنه لا يهمل فإذا أخذ فبطشه شديد، قال تعالى: # «إن بطش ربك لشديد» «3» ... فإذا أخذ أصحاب الكبائر- حين يحل بهم ~~الانتقام- فى الجواب ردوا في الهوان، ويقال لهم: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 65] # لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون (65) # فإذا انفصل من الغيب حكم فلا مرد لتقديره. PageV02P580 # ويقال للجنابة سراية فإذا أمسك الجاني عن الجناية فلا ينفعه ذلك ما لم ~~يمض حكم السراية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 66 الى 67] # قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم ms0817 تنكصون (66) مستكبرين به ~~سامرا تهجرون (67) # ذكر هذا من باب إملاء العذر، وإلزام الحجة، والقطع بألا ينفع- الآن- ~~الجزع ولا يسمع العذر والملوك إذا أبرموا حكما، فالاستغاثة غير مؤثرة فى ~~الحاصل منهم، قال قائلهم: # إذا انصرفت نفسى عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه- آخر الدهر- تقبل # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : آية # 68] # أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) # يعنى أنهم لو أنعموا النظر، وسلطوا على أحوالهم صائب الفكر لاستبصروا فى ~~الحال، ولا نتفى عن قلوبهم الاستعجام والإشكال، ولكنهم استوطنوا مركب ~~الكسل، وعرجوا فى أوطان التغافل، فتعودوا الجهل، وأيسوا من الاستبصار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 69] # أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) # ذهلوا عن التحقيق فتطوحوا فى أودية المغاليط، وترجمت بهم الظنون الخاطئة، ~~وملكتهم كواذب التقديرات «1» ، فأخبر الله (الرسول) «2» عن أحوالهم فمرة ~~قابلوه بالتكذيب، ومرة رموه بالسحر، ومرة عابوه بتعاطيه أفعال العادة بما ~~عليه الناس من المآكل والمشارب، ومرة قدحوا فيه بما هو فيه من الفقر وقلة ~~ذات اليد ... فأخبر الله عن تشتت أحوالهم، وتقسم أفكارهم PageV02P581 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : آية # 71] # ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم ~~فهم عن ذكرهم معرضون (71) # وذلك لتضاد مناهم وأهوائهم إذ هم متشاكسون فى السؤال والمراد، وتحصيل ذلك ~~محال تقديره فى الوجود. فبين الله- سبحانه- أنه لو أجرى حكمه على وفق ~~مرادهم لاختل أمر السماوات والأرض، ولخرج عن حد الإحكام والإتقان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 72] # أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72) # أي إنك لا تطالبهم على تبليغ الرسالة بأجر، ولا بإعطاء عوض حتى تكون ~~بموضع التهمة فيما تأتيهم به من الشريعة. أم لعلك تريد أن يعقدوا لك ~~الرياسة. ثم قال: والذي لك من الله سبحانه من جزيل الثواب وحسن المآب يغنيك ~~عن التصدى لنيل ما يكون فى حصوله منهم مطمع. وهذا كان سنة الأنبياء ~~والمرسلين عملوا لله ولم يطلبوا أجرا من غير الله. # والعلماء ورثة الأنبياء فسبيلهم التوقى عن التدنس بالأطماع، والأكل ~~بالدين ms0818 فإنه رياء مضر بالإيمان فإذا كان العمل لله فالأجر منتظر من الله، ~~وهو موعود من قبل الله «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 73 الى 74] # وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن ~~الصراط لناكبون (74) # الصراط المستقيم شهود الرب بنعت الانفراد فى جميع الأشياء، وفى الإيجاد، ~~والاستسلام لقضايا الإلزام بمواطأة القلب من غير استكراه الحكم. # قوله جل ذكره: وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون. ~~PageV02P582 # زاغوا عن الحجة المثلى بقلوبهم فوقعوا فى جحيم الفرقة، وستميل وتزل ~~أقدامهم غدا عن الصراط، فيقعون فى نار الحرقة فهم ناكبون فى دنياهم ~~وعقباهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : آية # 75] # ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75) # أخبر عن صادق علمه بهم، وذلك صادر عن سابق حكمه فيهم، فقال: لو كشفنا ~~عنهم فى الحال لم يفوا بما يعدون من أنفسهم من الإيمان فى المآل، ولقد علم ~~أنهم سيكفرون، وحكم عليهم بأنهم يكفرون إذ لا يجوز أن يكون حكمه فيهم بخلاف ~~علمه بهم «1» قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 76] # ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) # أذقناهم مقدمات العذاب دون شدائده.. تنبيها لهم، فما انتبهوا وما ~~انزجروا، ولو أنهم إذ رأوا العذاب فزعوا إلى التضرع والابتهال لأسرع الله ~~زواله عنهم، ولكنهم أصروا على باطلهم، ليقضى الله أمرا كان مفعولا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 77] # حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77) # لما أجللنا بهم أشد العقوبات ضعفوا عن تحملها، وأخذوا بغتة، ولم ينفعهم ~~ما قدموا من الابتهال، فيئسوا عن الإجابة، وعرجوا فى أوطان القنوط. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 78] # وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (78) # ذكر عظيم منته عليهم بأن خلق لهم هذه الأعضاء، وطالبهم بالشكر عليها. # وشكرهم عليها استعمالها فى طاعته فشكر السمع ألا تسمع إلا بالله ولله، ~~وشكر البصر ألا تنظر إلا بالله لله، وشكر القلب ألا تشهد غير الله، وألا ~~تحب به ms0819 غير الله. PageV02P583 # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 79] # وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79) # الابتداء للحادثات من الله بدعا، والانتهاء إليه عودا، والتوحيد ينتظم ~~هذه المعاني فتعرف أن الحادثات بالله ظهورا، ولله ملكا، ومن الله ابتداء، ~~وإلى الله انتهاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 80] # وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون (80) # يحيى النفوس ويميتها والمعنى فى ذلك معلوم، وكذلك يحيى القلوب ويميتها ~~فموت القلب بالكفر والجحد، وحياة القلب بالإيمان والتوحيد، وكما أن للقلوب ~~حياة وموتا فكذلك للأوقات موت وحياة، فحياة الأوقات بيمن إقباله، وموت ~~الأوقات بمحنة إعراضه، وفى معناه أنشدوا: # أموت إذا ذكرتك ثم أحيا ... فكم أحيا عليك وكم أموت # قوله: «وله اختلاف الليل والنهار» فليس كل اختلافها فى ضيائها وظلمتها، ~~وطولها وقصرها، بل ليالى المحبين تختلف فى الطول والقصر، وفى الروح والنوح ~~فمن الليالى ما هو أضوأ من اللآلى، ومن النهار ما هو أشد من الحنادس، يقول ~~قائلهم: ليالى بعد الظاعنين شكول. # ويقول قائلهم: # وكم لظلام الليل عندى من ... تخبر أن المانوية تكذب # وقريب من هذا المعنى قالوا: # ليالى وصال قد مضين كأنها ... لآلى عقود فى نحور الكواعب # وأيام هجر أعقبتها كأنها ... بياض مشيب فى سواد الذوائب # PageV02P584 # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 81 الى 83] # بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أإنا لمبعوثون (82) لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير ~~الأولين (83) # سلكوا فى التكذيب مسلك سلفهم، وأسرفوا فى العناد مثل سرفهم، فأصابهم ما ~~أصاب الأولين من هلاكهم وتلفهم. # قوله: «لقد وعدنا ... » لما طال عليهم وقت الحشر، وما توعدهم به من ~~العذاب بعد البعث والنشر زاد ذلك فى ارتيابهم، وجعلوا ذلك حجة فى لبسهم ~~واضطرابهم، فقالوا: لقد وعدنا مثل هذا نحن وآباؤنا، ثم لم يكن لذلك تحقيق، ~~فما نحن إلا أمثالهم. # فاحتج الله عليهم فى جواز الحشر بما أقروا به من ابتداء الخلق: # فقال جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 84 الى 89] # قل لمن الأرض ومن ms0820 فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون ~~(85) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ~~(88) # سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) # أمره- عليه السلام- أن يلون عليهم الأسئلة، وعقب كل واحد من ذلك- مخبرا ~~عنهم- أنهم سيقولون: لله، ثم لم يكتف منهم بقالتهم تلك، بل عاتبهم على # PageV02P585 # تجرد قولهم عن التذكر والفهم والعلم وتنبيها على أن القول- وإن كان فى ~~نفسه صدقا- فلم تكن فيه غنية إذ لم يصدر عن علم ويقين. # ثم نبههم على كمال قدرته، وأن القدرة القديمة إذا تعلقت بمقدور له ضد ~~تعلقت بضده، ويتعلق بمثل متعلقه. # والعجب من اعترافهم بكمال أوصاف جلاله، ثم تجويزهم عبادة الأصنام التي هى ~~جمادات لا تحيا، ولا تضر ولا تنفع. # ويقال أولا قال: «أفلا تذكرون» ، ثم قال بعده: «أفلا تتقون» ، فقدم ~~التذكر على التقوى لأنهم بتذكرهم يصلون إلى المغفرة، ثم بعد أن يعرفوه ~~فإنهم يجب عليهم اتقاء مخالفته. # ثم بعد ذلك قال: «فأنى تسحرون» أي بعد وضوح الحجة فأى شك بقي حتى تنسبوه ~~إلى السحر؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : آية # 90] # بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90) # بين أنهم أصروا على جحودهم، وأقاموا على عتوهم ونبوهم، وبعد أن أزيحت ~~العلل فلات حين عذر، وليس لتجويز المساهلة موجب بتا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 91 الى 92] # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا ~~بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (91) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما ~~يشركون (92) # اتخاذ الأولاد لا يصح كاتخاذ الشريك، والأمران جميعا داخلان فى حد ~~الاستحالة، لأن الولد أو الشريك يوجب المساواة فى القدر، والصمدية تتقدس عن ~~جواز أن يكون له مثل أو جنس. # قوله جل ذكره: إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله ~~عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون # PageV02P586 # كل أمر نيط باثنين فقد انتفى عنه النظام ms0821 وصحة الترتيب، وأدلة التمانع ~~مذكور فى مسائل الأصول. # «سبحان الله» تقديسا له، وتنزيها عما وصفوه به. «عالم الغيب والشهادة» : ~~تنزه عن أوهام من أشرك، وظنون من أفك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 93] # قل رب إما تريني ما يوعدون (93) # يقول إن عجلت لهم ما تتوعدهم به فلا تجعلنى فى جملتهم، ولا توصل إلى سوءا ~~مثلما توصل إليهم من عقوبتهم. وفى هذا دليل على أن للحق أن يفعل ما يريد، ~~ولو عذب البريء لم يكن ذلك منه ظلما ولا قبيحا «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 95] # وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (95) # تدل على صحة قدرته على خلاف ما علم فإنه أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم ~~ثم لم يفعل ذلك، فصحت القدرة على خلاف المعلوم «2» قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 96] # ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) # الهمزة فى «أحسن» يجوز ألا تكون للمبالغة ويكون المعنى ادفع بالحسن ~~السيئة. # أو أن تكون للمبالغة فتكون المكافأة جائزة والعفو عنها- فى الحسن- أشد ~~مبالغة. # ويقال ادفع الجفاء بالوفاء، وجرم أهل العصيان بحكم الإحسان. # ويقال ادفع ما هو حظك إذا حصل ما هو حق له. # ويقال اسلك مسلك الكرم، ولا تجنح إلى طريق المكافأة. PageV02P587 # ويقال الأحسن ما أشار إليه القلب، والسيئة ما تدعو إليه النفس. # ويقال الأحسن ما كان بإشارة الحقيقة، والسيئة ما كان بوساوس الشيطان. # ويقال الأحسن نور الحقائق، والسيئة ظلمة الخلائق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 97 الى 98] # وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (97) وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) # الاستعاذة- على الحقيقة- تكون بالله من الله كما قال صلى الله عليه وسلم: # «أعوذ بك منك» «1» ، ولكنه- سبحانه- أراد أن نعبده بالاستعاذة به من ~~الشيطان، بل من كل ما هو مسلط علينا، والحق عندئذ يوصل إلينا مضرتنا يجرى ~~العادة. # وإلا.. فلو كان بالشيطان من إغواء الخلق شىء لكان يمسك على الهداية نفسه! ~~فمن عجز عن أن يحفظ نفسه كان عن إغواء غيره أشد عجزا، وأنشدوا: # جحودى فيك تلبيس ... وعقلى فيك تهويس # فمن ms0822 آدم إلاك ... ومن فى ( ... ) «2» إبليس # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 99 الى 100] # حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) لعلي أعمل صالحا فيما تركت ~~كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (100) . ~~PageV02P588 # إذا أخذ البلاء بخناقهم، واستمكن الضر من أحوالهم، وعلموا ألا محيص ولا ~~محيد أخذوا فى التضرع والاستكانة، ودون ما يرومون خرط القتاد! ويقال لهم ~~هلا كان عشر عشر هذا قبل هذا؟ ولقد قيل: # قلت للنفس: إن أردت رجوعا ... فارجعى قبل أن يسد الطريق # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 101] # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) # يومئذ لا تنفع الأنساب وتنقطع الأسباب، ولا ينفع الندم، وسيلقى كل غب ما ~~اجترم فمن ثقلت بالخيرات موازينه لاح عليه تزيينه. ومن ظهر ما يشينه فله من ~~البلاء فنونه تلفح وجوههم النار، وتلمح من شواهدهم الآثار، ويتوجه عليهم ~~الحجاج، فلا جواب لهم يسمع، ولا عذر منهم يقبل، ولا عذاب عنهم يرفع، ولا ~~عقاب عنهم يقطع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 106] # قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) # نطقوا بالحق ... ولكن فى يوم لا ينفع فيه الإقرار، ولا يقبل الاعتذار، ثم ~~يقولون: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 107] # ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (107) # والحق يقول: لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. علم أن ردهم إلى الدنيا لا ~~يكون، ولكنه علم أنه لو كان فكيف كان يكون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 108] # قال اخسؤا فيها ولا تكلمون (108) # عند ذلك يتم عليهم البلاء، ويشتد عليهم العناء، لأنهم ما داموا يذكرون ~~الله لم يحصل الفراق بالكلية، فإذا حيل بينهم وبين ذكره تتم لهم المحنة، ~~وهو أحد ما قيل فى قوله. # «لا يحزنهم الفزع الأكبر» «1» . PageV02P589 # وفى الخبر: أنهم ينصرفون بعد ذلك فإذا لهم عواء كعواء الذئب. وبعض الناس ~~تغار من أحوالهم لأن الحق يقول لهم: «اخسؤا فيها» ، فيقولون: يا ليتنا يقول ~~لنا! أليس هو يخاطبنا بذلك؟! وهؤلاء يقولون: قدح الأحباب ألذ من مدح ~~الأجانب، وينشدون فى هذا ms0823 المعنى: # أتانى عنك سبك لى.. فسبى ... أليس جرى بفيك اسمى؟ فحسبى # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 109 الى 111] # إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الراحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110) ~~إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) # الحق- سبحانه- ينتقم من أعدائه بما يطيب به قلوب أوليائه، وتلك خصومة ~~الحق، فيقول: قد كان قوم من أوليائى يفصحون بمدحى وثنائى، ويتصفون بمدحى ~~واطرائى، فاتخذتموهم سخريا ... فأنا اليوم أجازيهم، وأنتقم ممن كان ~~يناويهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 112 الى 114] # قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل ~~العادين (113) قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (114) # عدد سنين الأشياء- وإن كانت كثيرة- فقد تقصر أو تقل بالإضافة إلى ما يوفى ~~ويربى عليها، كذلك مدة مقامهم تحت الأرض إن كانوا فى الراحة فقد تقل ~~بالإضافة إلى الراحات التي يلقونها فى القيامة، وإن كانت شدائد فتتلاشى في ~~جنب ما يرونه ذلك اليوم من أليم تلك العقوبات المتوالية. # PageV02P590 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : آية # 115] # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) # العبث اللهو، واللعب والاشتغال بما يلهى عن الحق، والله لم يأمر العباد ~~بذلك، ولم يدعهم إلى ذلك، ولم يندبهم إليه. # والعابث فى فعله من فعله على غير حد الاستقامة، ويكون هازلا مستجلبا ~~بفعله أحكام اللهو إلى نفسه، متماديا فى سهوه، مستلذ التفرقة فى قصده. وكل ~~هذا من صفات ذوى البشرية، والحق- سبحانه- منزه النعت عن هذه الجملة، فلا هو ~~بفعل شىء عابث، ولا بشىء من العبث آمر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 116] # فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) # الحق- بنعوت جلاله- متوحد، وفى عز آزاله وعلو أوصافه متفرد، فذاته حق، ~~وصفاته حق، وقوله صدق، ولا يتوجه لمخلوق عليه حق، وما يفعله من إحسان ~~بعباده فليس شىء منها بمستحق «1» . # «لا إله إلا هو رب العرش الكريم» : ما تجمل بالعرش، ولكن تعزز العرش بأنه ~~أضافه ms0824 إلى نفسه إضافة خصوصية. # والكريم الحسن، والكرم نفى الدناءة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 117] # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا ~~يفلح الكافرون (117) # حسابه على الله فى آجله. وعذابه من الله له فى عاجله، وهو الجهل الذي ~~أودع قلبه حتى رضى بأن يعبد معه غيره. وقولهم: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى» كلام PageV02P591 # حاصل من غير دليل عقل، ولا شهادة خبر أو نقل، فما هو إلا إفك وبهتان، ~~وقول ليس يساعده برهان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 118] # وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118) # اغفر الذنوب، واستر العيوب، وأجزل الموهوب. وارحم حتى لا تستولى علينا ~~هواجم التفرقة ونوازل الخطوب. والرحمة المطلوبة بالدعاء من صنوف النعمة، ~~ويسمى الحاصل بالرحمة باسم الرحمة على وجه التوسع وحكم المجاز «1» . ### | السورة التي يذكر فيها النور # قوله جل ذكره: بسم الله الرحمن الرحيم. # بسم الله اسم نذير الوفاة فرقته، اسم بشير الحياة وصلته، اسم سبب الروح ~~عرفانه، اسم راحة الروح إحسانه، اسم كمال الأنس إقباله، اسم، فتنة قلوب ~~المهيمين جماله، اسم من شهده دامت سلامته، اسم من وجده قامت قيامته، اسم لا ~~إليه حظوة، ولا بدونه سلوة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1) # سورة هى شرف لك- يا محمد- أنزلناها لأن أقل ما ورد به التحدي سورة «2» ~~فكل سورة شرف له عليه السلام لأنها له معجزة، بيناها وشرعنا فيها من الحلال ~~والحرام، وبينا (فيها من الأحكام ما) «3» لكم به اهتداء، وللقلوب من غمرة ~~الاستعجام شفاء. # أنزلنا فيها آيات بينات، ودلائل واضحات، وحججا لائحات لتتذكروا تلك ~~الآيات، وتعتبروا بما فيها من البراهين والبينات. PageV02P592 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 2] # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة ~~في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين (2) # والعقوبة على الزنا شديدة أكيدة، ولكن جعل ms0825 إثبات أمره وتقرير حكمه والقطع ~~بكونه على أكثر الناس خصلة عسيرة بعيدة إذ لا تقبل الشهادة عليه حتى يقول: ~~رأيت ذلك منه فى ذلك منها! وذلك أمر ليس بالهين، فسبحان من أعظم العقوبة ~~على تلك الفعلة الفحشاء، ثم جعل الأمر فى إثباتها بغاية الكد والعناء! وحين ~~اعترف واحد له بذلك قال له صلى الله عليه وسلم: لعلك قبلت.. لعلك لا مست، ~~وقال لبعض أصحابه: «استنكهوه» «1» وكل ذلك روما لدرء الحد عنه، إلى أن ألح ~~وأصر على الاعتراف. # قوله جل ذكره: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ما يأمر به الحق فالواجب مقابلته بالسمع والطوع. # والرحمة من موجب الشرع وهو المحمود، فأما ما يقتضيه الطبع والعادة والسوء ~~فمذموم غير محمود. ونهى عن الرحمة على من خرق الشرع، وترك الأمر، وأساء ~~الأدب، وانتصب فى مواطن المخالفة. # ويقال نهانا عن الرحمة بهم، وهو يرحمهم بحيث لا يمحو عنهم- بتلك الفعلة ~~الفحشاء- رقم الإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزنى الزانى ~~حين يزنى وهو مؤمن» «2» ولولا رحمته لما استبقى عليه حلة إيمانه مع قبيح ~~جرمه وعصيانه. PageV02P593 # قوله جل ذكره: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين أي ليكون عليهم أشد، ~~وليكون تخويفا لمتعاطى ذلك الفعل، ثم من حق الذين يشهدون ذلك الموضع أن ~~يتذكروا عظيم نعمة الله عليهم أنهم لم يفعلوا مثله، وكيف عصمهم من ذلك. وإن ~~جرى منهم شىء من ذلك يذكروا عظيم نعمة الله عليهم كيف ستر عليهم ولم ~~يفضحهم، ولم يقمهم فى الموضع الذي أقام فيه هذا المبتلى به. وسبيل من يشهد ~~ذلك الموضع ألا يعير صاحبه بذلك، وألا ينسى حكم الله تعالى فى إقدامه على ~~جرمه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 3] # الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم ذلك على المؤمنين (3) # الناس أشكال فكل نظير «1» مع شكله، وكل يساكن شكله، وأنشدوا: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدى # فأهل الفساد ms0826 الفساد يجمعهم- وإن تباعد مزارهم (وأهل السداد السداد ~~يجمعهم- وإن تناءت ديارهم) «2» قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 4] # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) # لئلا يستبيحوا أعراض المسلمين، ولئلا يهتكوا أستار الناس أمر بتأديبهم، ~~وإقامة الحد عليهم إذا لم يأتوا بالشهداء. PageV02P594 # ثم بالغ فى عدد الشهود، وألا تقبل تلك الشهادة إلا بالتضرع التام، ثم ~~أكمله بقوله «ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا» . وفى الخبر المسند قوله عليه ~~السلام: «من أتى منكم بشىء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإن من ~~أبدى لنا صفحته، أقمنا عليه حد الله» «1» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 5] # إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5) # جعل من شرط قبول شهادته صحة توبته، وجعل علامة صحة توبته إصلاحه، فقال: # «وأصلحوا» ، وهو أن تأتى على توبته مدة تنشر فيها بالصلاح صفته، كما ~~اشتهرت بهتك أعراض المسلمين قالته.. كل هذا تشديدا لمن يحفظ على المسلمين ~~ظاهر صلاحه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 6] # والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) # لما ضاق الأمر على من رأى أهله على فاحشة، إذ أن فى ذلك قبول نسب غير ~~صحيح- فقد نهى الشرع عن استلحاقه ولدا من غيره. وكان أمرا محظورا هتك عرض ~~المرأة والشهادة عليها بالفحشاء، إذ يجوز أن يكون الأمر فى المعيب أي بخلاف ~~ما يدعيه الزوج. # ولأن ذلك أمر ذو خطر شرع الله حكم اللعان «2» ليكون للخصومة قاطعا، ~~وللمقدم على PageV02P595 # الفاحشة زاجرا، ففى مثل هذه الأحوال عنها خرجة «1» . ولولا أن الله على ~~كل شىء قدير وإلا ففى عادة الناس. من الذي يهتدى لمثل هذا الحكم لولا تعريف ~~سماوى وأمر نبوى، من الوحى متلقاه «2» ، ومن الله مبتداه وإليه منتهاه؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 10] # ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10) # ... لبقيتم فى هذه الواقعة المعضلة، ولم تهتدوا للخروج من هذه ms0827 الحالة ~~المشكلة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 11] # إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ ~~منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) # هذا قصة عائشة رضى الله عنها، وما كان من حديث الإفك. # بين الله- سبحانه- أنه لا يخلى أحدا من المحنة والبلاء، فى المحبة ~~والولاء فالامتحان من أقوى أركانه وأعظم برهانه وأصدق بيانه، كذلك قال صلى ~~الله عليه وسلم «يمتحن الرجل على قدر دينه» ، وقال: «أشد الناس بلاء ~~الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» «3» . # ويقال إن الله- سبحانه- غيور على قلوب خواص عباده، فإذا حصلت مساكنة بعض ~~إلى بعض يجرى الله ما يرد كل واحد منهم عن صاحبه، ويرده إلى نفسه، وأنشدوا: # إذا علقت روحى بشىء، تعلقت ... به غير الأيام كى تسلبنيا # وإن النبي- صلى الله عليه وسلم- لما قيل له: أي الناس أحب إليك؟ ~~PageV02P596 # قال: عائشة. فساكنها. # وفى بعض الأخبار أن عائشة قالت: «يا رسول الله إنى أحبك وأحب قربك» .. # فأجرى الله حديث الافك حتى رد قلب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عنها ~~إلى الله، ورد قلب عائشة عنه إلى الله حيث قال- لما ظهرت براءة ساحتها: ~~بحمد الله لا بحمدك كشف الله عنها به تلك المحقة، وأزال الشك، وأظهر صدقها ~~وبراءة ساحتها. # ويقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا فراسة المؤمن فإن المؤمن ~~ينظر بنور الله» «1» ، فإذا كانت الفراسة صفة المؤمن فأولى الناس بالفراسة ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم تظهر له بحكم الفراسة براءة ~~ساحتها، حتى كان يقول: «إن فعلت فتوبى» . # والسبب فيه أنه فى أوقات البلاء يسد الله على أوليائه عيون الفراسة ~~إكمالا للبلاء. # وكذلك إبراهيم- عليه السلام- لم يميز ولم يعرف الملائكة حيث قدم إليهم ~~العجل الحنيذ، وتوهمهم أضيافا. ولوط عليه السلام لم يعرف أنهم ملائكة إلى ~~أن أخبروه أنهم ملائكة. # ويقال إنه كان- صلى الله عليه وسلم- يقول لعائشة: «يا حميراء» . # فلما كان زمان الإفك، وأرسلها إلى بيت أبويها، واستوحش الأبوان معها، ~~ومرضت عائشة- رضى الله عنها- من الحزن والوجد، ms0828 كان رسول الله- صلى الله ~~عليه وسلم- إذا رأى واحدا من دار أبى بكر يقول: # كيف بيتكم؟ لا عائشة ولا حميراء! فما كان يطيب بالتغافل عنها، فتعبيره- ~~إن لم يفهم بالتصريح- فيفقه بالتلويح. # ثم إنه- سبحانه- قال: «لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم، لكل امرئ منهم ~~ما اكتسب من الإثم» : فبمقدار جرمهم احتمل كل واحد ما يخصه من الوزر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 12] # لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ~~(12) PageV02P597 # عاتبهم على المبادرة إلى الاعتراض وبسط ألسنتهم بالسوء عنها، وتركهم ~~الإعراض عن حرم النبي صلى الله عليه. ثم قال: وهلا جاءوا على ما قالوا ~~بالشهداء؟ وإذا لم يجدوا ذلك فهلا سكتوا عن بسط اللسان؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 14] # ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه ~~عذاب عظيم (14) # لأنه أخبر أن جرمهم- وإن كان عظيما- فإنه فى علم الله عنهم غير مؤثر، ~~ولولا أن الله- سبحانه- ينتقم لأوليائه ما لا ينتقم لنفسه فلعله لم يذكر ~~هذه المبالغة فى أمرهم فإن الذي يقوله الأجانب والكفار فى وصف الحق- ~~سبحانه- بما يستحيل وجوده وكونه يوفى ويربى على كل سوء- ثم لا يقطع عنهم ~~أرزاقهم، ولا يمنع عنهم أرفاقهم، ولكن ما تتعلق به حقوق أوليائه- لا سيما ~~حق الرسول صلى الله عليه وسلم- فذاك عظيم عند الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 15] # إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا ~~وهو عند الله عظيم (15) # بالغ فى الشكاية منهم لما أقدموا عليه بما تأذى به قلب الرسول- صلى الله ~~عليه وسلم- وقلوب جميع المخلصين من المسلمين. # ثم قال: «وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم» : وسبيل المؤمن ألا يستصغر فى ~~الوفاق طاعة، ولا يستصغر فى الخلاف زلة فإن تعظيم الأمر تعظيم للآمر. وأهل ~~التحقيق لا ينظرون ما ذلك الفعل ولكن ينظرون من الآمر به. # ويقال: يسير الزلة- يلاحظها العبد بعين الاستحقار- فتحبط كثيرا من ~~الأحوال، وتكدر كثيرا من صافى المشارب. # PageV02P598 # واليسير من الطاعة- ربما يستقلها العبد- ثم فيها نجاته ونجاة عالم معه. # قوله جل ms0829 ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 16] # ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ~~(16) # استماع الغيبة نوع من الغيبة، بل مستمع الغيبة شر المغتابين إذ بسماعة ~~يتم قصد صاحبه. وإذا سمع المؤمن ما هو سوء قالة فى المسلمين- مما لا صحة له ~~فى التحقيق- فالواجب الرد على قائله، ولا يكفى فى ذلك السكوت دون النكير، ~~ويجب رد قائله بأحسن نصيحة، وأدق موعظة، ونوع تشاغل عن إظهار المشاركة له ~~فيما يستطيب من نشره من إخجال لقائله موحش، فإن أبى إلا انهما كا فيما يقول ~~فيرد عليه بما أمكن لأنه إن لم يستح فائله من قوله فلا ينبغى أن يستحى ~~المستمع من الرد عليه «1» . # قوله جل ذكره ### | [سورة النور (24) : آية 17] # يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) # يتعلق هذا بأن من بسط لسانه فى عائشة- رضى الله عنها- بعد ذلك لم يكن ~~مؤمنا لظاهر هذه الآية، (ولعمرى قائل ذلك مرتكب كبيرة ولكن لا يخرج عن ~~الإيمان بذلك) «2» أي ينبغى للمؤمن ألا يتكلم فى هذا، وهذا كما يقول ~~القائل: «إذا كنت أخى فواسنى عند شدتى فإن لم تواسنى لم تخرج عن الأخوة ~~بذلك» .. ومعنى هذا القول أنه ينبغى للأخ أن يواسى أخاه فى حال عثرته، وترك ~~ذلك لا يبطل النسب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 19] # إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا ~~والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) PageV02P599 # هؤلاء فى استحقاق الذم أقبح منزلة، وأشد وزرا حيث أحبوا افتضاح المسلمين، ~~ومن أركان الدين مظاهرة المسلمين، وإعانة أولى الدين، وإرادة الخير لكافة ~~المؤمنين. # والذي يود فتنة للمسلمين فهو شر الخلق، والله لا يرضى منه بحاله، ولا ~~يؤهله لمنال خلاصة التوحيد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 20] # ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم (20) # كرر قوله: «ولولا فضل الله عليكم ورحمته..» ليبين للجميع أن حسن الدفع ~~عنهم كان بفضله ورحمته وجميل المنح لهم، وكل يشهد حسن المنح ويشكر عليه، ~~وعزيز عبد ms0830 يشهد حسن الدفع عنه فيحمده على ذلك «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 21] # يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان ~~فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من ~~أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) # إذا تنقى القلب عن الوساوس، وصفا عن الهواجس بدت فيه أنوار الخواطر، فإذا ~~سما وقت العبد عن ذلك سقطت الخواطر، وبدت فيه أحاديث الحق- سبحانه- كما قال ~~فى الخبر: «لقد كان فى الأمم محدثون فإن يكن فى أمتى فعمر» . وإذا كان ~~الحديث منه فذلك يكون تعريفا يبقى مع العبد، ولا يكون فيه احتمال ولا إشكال ~~ولا إزعاج، وصاحبه يجب أن يكون أمينا، غير مظهر لسر ما كوشف به «2» قوله جل ~~ذكره: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي ~~من يشاء والله سميع عليم PageV02P600 # ردهم فى جميع أحوالهم إلى مشاهدة ما من الحق في قسمى النفع والدفع، ~~وحالتى العسر واليسر، والزكى «1» من الله، والنعمى من الله، والآلاء من ~~الله، قال تعالى: «وما بكم من نعمة فمن الله» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 22] # ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~والله غفور رحيم (22) # تحرك فى أبى بكر عرق من البشرية فى وصف الانتقام من مسطح «2» حين شرع ~~وخاض فى ذلك الحديث، وكان فى رفق أبى بكر فقطع عنه ذلك، وأخبر به الرسول- ~~صلى الله عليه وسلم- وانتظر الأمر من الله فى ذلك، فأنزل الله تعالى: «ولا ~~يأتل أولوا الفضل منكم..» فلم يرض من الصديق رضى الله عنه أن يتحرك فيه عرق ~~من الأحكام النفسية والمطالبات البشرية، فأعاد أبو بكر له ما كان يفعله فى ~~ماضى أيامه. والإحسان إلى المحسن مكافأة، وإلى من لا يسىء ولا يحسن فضل، ~~وإلى الجاني فتوة وكرم «3» ، وفى معناه أنشدوا: # وما رضوا بالعفو عن كل زلة ... حتى أنالوا كفه ms0831 وأفادوا # قوله: «وليعفوا وليصفحوا» : العفو والصفح بمعنى، فكررهما تأكيدا. # ويقال العفو فى الأفعال، والصفح فى جنايات القلوب «4» . PageV02P601 # قوله جل ذكره: ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم هذا من كمال ~~تلطفه- سبحانه. وفى الخبر: أن الله لما أنزل هذه الآية قال أبو بكر- رضى ~~الله عنه: «بلى، أحب يا رب» ، وعفا عن مسطح. وإن الله لا يغادر فى قلوب ~~أوليائه كراهة من غيرهم، وأنى بالكراهة من الخلق والمتفرد بالإيجاد الله؟! ~~وفى معناه أنشدوا: # رب رام لى بأحجار الأذى ... لم أجد بدا من العطف عليه # فعسى أن يطلع الله على ... قدح القوم فيدنينى إليه # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 23] # إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم ~~عذاب عظيم (23) # بالغ فى توعده لهم حيث ذكر لفظ اللعنة فى شأنهم. # ووصف المحصنات بالغفلة: أي بالغفلة عما ينسبن إليه فليس الوصف على جهة ~~الذم، ولكن لبيان تباعدهن عما قيل فيهن. # واستحقاق القذفة للعنة- فى الدنيا والآخرة- يدل على أنه لشؤم زلتهم تتغير ~~عواقبهم، فيخرجون من الدنيا لا على الإسلام «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 24] # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (24) # تشهد عليهم أعضاؤهم بما عملوا من غير اختيار منهم، ثم كما تشهد بعض ~~أعضائهم عليهم تشهد بعض أعضائهم لهم، فالعين كما تشهد: أنه نظر بي، تشهد ~~بأنه بكى بي.. وكذلك سائر الأعضاء. PageV02P602 # ويقال شهادة الأعضاء فى القيامة مؤجلة، وشهادتها فى المحبة اليوم معجلة ~~من صفرة الوجه إذا بدا المحبوب، وشحوب اللون، ونحافة الجسم، وانسكاب ~~الدموع، وخفقان القلب، وغير ذلك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 25] # يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25) # يجازيهم على قدر استحقاقهم للعابدين بالجنان والمثوبة على توفية أعمالهم، ~~وللعارفين بالوصلة والقربة على تصفية أحوالهم فهؤلاء لهم علو الدرجات، ~~وهؤلاء لهم الأنس بعزيز المشاهدات ودوام المناجاة. # «ويعلمون أن الله هو الحق المبين» : فتصير المعرفة ضرورية فيجدون ~~المعافاة من النظر وتذكره، ويستريح القلب من وصفي تردده وتغيره: (لاستغنائه ~~ببصائره ms0832 عن تبصره) «1» . # ويقال لا يشهدون غدا إلا الحق فهم قائمون بالحق للحق مع الحق، يبين لهم ~~أسرار التوحيد وحقائقه، ويكون القائم عنهم، والآخذ لهم منهم من غير أن ~~يردهم إليهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 26] # الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ~~أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) # «الخبيثات» : من الأعمال وهى المحظورات «للخبيثين» : من الرجال المؤثرين ~~لها طوعا، والذين يجنحون إلى مثل تلك الأعمال فهم لها، كل مربوط بما يليق ~~به فالفعل لائق بفاعله، والفاعل بفعله فى الطهارة والقذارة، والنفاسة ~~والخساسة، والشرف والسرف. # ويقال «الخبيثات» : من الأحوال وهى الحظوظ والمني والشهوات لأصحابها ~~والساعين لها. والساعون لمثلها لها، غير ممنوع أحدهما من صاحبه، فالصفة ~~للموصوف ملازمة، والموصوف لصفته ملازم. PageV02P603 # ويقال «الخبيثات» : من الأشياء للخبيثين من الأشخاص، وهم الراضون ~~بالمنازل السحيقة ... وإن طعام الكلاب الجيف. # ويقال «الخبيثات» : من الأموال- وهى التي ليست بحلال- لمن بها رتبته، ~~وعليها تعتكف همته فالخبيثون من الرجال لا يميلون إلا لمثل تلك الأموال، ~~وتلك الأموال لا تساعد إلا مثل أولئك الرجال. # قوله جل ذكره: والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات. # «الطيبات» : من الأعمال هى الطاعات والقرب للطيبين، والطيبون هم المؤثرون ~~لها والساعون فى تحصيلها. # «والطيبات» : من الأحوال- وهى تحقيق المواصلات بما هو حق الحق، مجردا عن ~~الحظوظ- «للطيبين» من الرجال، وهم الذين سمت همتهم عن كل مبتذل خسيس، ولهم ~~نفوس تسمو إلى المعالي، وهى التجمل بالتذلل لمن له العزة. # ويقال الطيبات من الأموال- وهى التي لا نكير للشرع عليها، ولا منة لمخلوق ~~فيها- للطيبين من الرجال، وهم الأحرار الذين تخلصوا من رق الكون. # ويقال «الطيبات» من الأشخاص وهن المبرات من وهج الخطر، المتنقيات عن ~~سفساف أخلاق البشرية، وعن التعريج فى أوطان الشهوات- «للطيبين» من الرجال ~~الذين هم قائمون بحق الحق لا يصحبون الخلق إلا للتعفف، دون استجلاب ~~الشهوات. # لهم مغفرة ورزق كريم لهم مغفرة فى المآل، ورزق. كريم فى الحال وهو ما ~~ينالون من غير استشراف، ولا تطلب طمع، ولا ذل منة «1» ، ولا تقديم تعب «2» ~~. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية ms0833 # 27] # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) PageV02P604 # الخواص لا يرون لأنفسهم ملكا يتفردون به لا من الأموال المنقولة ولا من ~~المساكن التي تصلح لأن تكون مدخولة، فمن فاتحهم بشىء منها فلا يكون منهم ~~منع ولا زجر، ولا حجب لأحد ولا حظر.. هذا فيما نيط بهم. أما فيما ارتبط ~~بغيرهم فلا يتعرضون لمن هى فى أيديهم لا باستشراف طمع، ولا بطريق سؤال، ولا ~~على وجه انبساط «1» . فإن كان حكم الوقت يقتضى شيئا من ذلك فالحق يلجىء من ~~فى يده الشيء ليحمله إليه بحكم التواضع والتقرب، والولى يأخذ ذلك بنعت ~~التعزز، ولا يليق معنى ذلك إلا بأحوال تلك القصة «2» ، وأنشد بعضهم فى هذا ~~المعنى: # وإنى لأستحى من الله أن أرى ... أسير بخيل ليس منه بعير # وأن أسأل المرء اللئيم بعيره ... وبعران ربى فى البلاد كثير # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 28] # فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا ~~فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (28) # فى هذا حفظ أمر الله وحفظ حرمة صاحب الدار لأن من دخلها بغير إذن صاحبها ~~ربما تكون فيها عورة منكشفة، وربما يكون لصاحب الدار أمر لا يريد أن يطلع ~~عليه غيره، فلا ينبغى أن يدخل عليه من غير استئذان. # وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم. ~~PageV02P605 # إن قيل لكم: ارجعوا.. فارجعوا فقد تكون الأعذار قائمة، وصاحب الملك بملكه ~~أولى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 29] # ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما ~~تبدون وما تكتمون (29) # رفع الله الجناح والحرج فى الانتفاع بما لا يستضر به صاحبه بغير إذنه ~~كدخول أرض للداخل فيها أغراض لقضاء حاجته- ولا يجد طريقا غير ذلك- إذا لم ~~يكن فى دخوله ضرر على صاحبها، وجرى هذا مجرى الاستظلال بظل حائط إذا لم يكن ~~قاعدا فى ملكه، وكالنظر فى المرآة المنصوبة ms0834 فى جدار غيره.. وكل هذا إنما ~~يستباح بالشرع دون قضية العقل- على ما توهمه قوم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 30] # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير ~~بما يصنعون (30) # : «يغضوا» : من أبصار الظواهر عن المحرمات، ومن أبصار القلوب عن الفكر ~~الردية، ومن تصور الغائبات عن المعاينة» # ، ولقد قالوا: إن العين سبب الحين، وفى معناه أنشدوا: # وأنت إذا أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك- يوما- أتعبتك المناظر # وقالوا: من أرسل طرفه اقتضى حتفه. # وإن النظر إلى الأشياء بالبصر يوجب تفرقة القلوب. # ويقال إن العدو إبليس يقول: قوسى القديم وسهمى الذي لا يخطىء النظر. ~~وأرباب PageV02P606 # المجاهدات إذا أرادوا صون قلوبهم عن الخواطر الردية لم ينظروا إلى ~~المحسات- وهذا أصل كبير لهم فى المجاهدة فى أحوال الرياضة «1» . # ويقال قرن الله النهى عن النظر إلى المحارم بذكر حفظ الفرج فقال: ~~«ويحفظوا فروجهم» تنبيها على عظم خطر النظر فإنه يدعو إلى الإقدام على ~~الفعل. # ويقال قوم لا ينظرون إلى الدنيا وهم الزهاد، وقوم لا ينظرون إلى الكون ~~وهم أهل العرفان، وقوم هم أهل الحفاظ والهيبة كما لا ينظرون بقلوبهم إلى ~~الأغيار لا يرون نفوسهم أهلا للشهود، ثم الحق- سبحانه- يكاشفهم من غير ~~اختيار منهم أو تعرض أو تكلف. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 31] # وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ~~ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ~~آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني ~~إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي ~~الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون (31) # المطالبة عليهن كالمطالبة على الرجال لشمول التكليف للجنسين، فالواجب ~~عليهن ترك المحظورات، والندب والنفل لهن صون القلب عن الشواغل والخواطر ~~الردية، ثم إن ارتقين عن هذه الحالة فالتعامى بقلوبهن عن غير المعبود، ~~والله ms0835 يختص برحمته من يشاء. # قوله: «ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها» : ما أباح الله- سبحانه- على ~~بيان مسائل الفقه فمستثنى من الحظر، وما وراء ذلك فالواجب عليهن حفظ أنفسهن ~~عن العقوبات فى الآجل، والتصاون عن أن يكون سببا لفتنة قلوب عباده. والله ~~سبحانه كما يحفظ أولياءه عما يضرهم فى الدين يصونهم عما يكون سببا لفتنة ~~غيرهم، فإن لم يتصل منهم نفع بالخلق فلا تصيب أحدا بهم فتتة. # وفى الجملة ما فيه زينة العبد لا يجوز إظهاره فكما أن للنساء عورة ولا ~~يجوز لهن إبداء زينتهن فكذلك من أظهر للخلق ما هو زينة سرائره «2» من صفاء ~~أحواله، وزكاء أعماله PageV02P607 # انقلب زينه شينا، إلا إذا ظهر على أحد شىء- لا بتعمله ولا بتكلفه- فذلك ~~مستثنى لأنه غير مؤاخذ بما لم يكن بتصرفه وتكلفه، فذوات المحارم على تفصيل ~~بيان الشريعة يستثنى حكمهن عن الحظر «1» . # قوله جل ذكره: أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم ~~يظهروا على عورات النساء تراعى فى جميع ذلك آداب الشرع فى الإباحة والحظر. # قوله جل ذكره وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون التوبة ~~الرجوع عن المذمومات من الأفعال إلى أضدادها المحمودة، وجميع المؤمنين ~~مأمورون بالتوبة، فتوبة عن الزلة وهى توبة العوام، وتوبة عن الغفلة وهى ~~توبة الخواص. # وتوبة على محاذرة العقوبة، وتوبة على ملاحظة الأمر. # ويقال أمر الكافة بالتوبة العاصين بالرجوع إلى الطاعة من المعصية، ~~والمطيعين من رؤية الطاعة إلى رؤية التوفيق، وخاص الخاص من رؤية التوفيق ~~إلى مشاهدة الموفق. # ويقال أمر الكل بالتوبة لئلا يخجل العاصي من الرجوع بانفراده. # ويقال مساعدة الأقوياء مع الضعفاء- رفقا بهم- من أمارات الكرم. # ويقال فى قوله: «لعلكم تفلحون» يتبين أنه أمرهم بالتوبة لينتفعوا هم ~~بذلك، لا ليكون للحق- سبحانه- بتوبتهم وطاعتهم تجمل. # ويقال أحوج الناس إلى التوبة من توهم أنه ليس يحتاج إلى التوبة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 32] # وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم ~~الله من فضله والله واسع عليم (32) PageV02P608 # إذا كان القصد فى المناكحة ms0836 التأدب بآداب الشرع يكفى الله ببركاته مطالبات ~~النفس والطبع، وإنما يجب أن يكون القصد إلى التعفف ثم رجاء نسل يقوم بحق ~~الله «1» . # قوله: «إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله: يغنيهم الله فى الحال، أولا ~~بالنفس ثم غنى القلب وغنى القلب غني عن الشيء، فالغني عن الدنيا أتم من ~~الغنى بالدنيا. # ويقال إن يكونوا فقراء فى الحال يغنهم الله فى المستأنف والمآل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 33] # وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون ~~الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله ~~الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (33) # من تقاصر وسعه عن الإنفاق على العيال فليصبر على مقاساة التحمل فى الحال، ~~فعن قريب تجيبه نفسه إلى سقوط الأرب، أو الحق- سبحانه- يجود عليه بتسهيل ~~السبب من حيث لا يحتسب، ولا تخلو حال المتعفف عن هذه الوجوه. # قوله جل ذكره: والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم ~~فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم أي إن سمحت نفوسكم بإزالة الرق عن ~~المماليك- الذين هم فى الدين إخوانكم- من غير عوض تلاحظون منهم فلن تخسروا ~~على الله فى صفقتكم. وإن أبيتم إلا العوض ودعوا إلى الكتابة، وعلمتم بغالب ~~ظنكم صحة الوفاء بمال الكتابة من قبلهم فكاتبوهم «2» ، PageV02P609 # ثم تعاونوا على تحصيل المقصود بكل وجه من قدر يحط من مال الكتابة، وإعانة ~~لهم من فروض الزكاة «1» ، وإمهال بقدر ما يحتمل المكاتب ليكون ترفيها له. # وإذا كنا فى الشرع مأمورين بكل هذا الرفق حتى يصل المملوك المسكين إلى ~~عتقه فبالحرى أن يسمو الرجاء إلى الله بجميل الظن أن يعتق العبد من النار ~~بكثرة تضرعه، وقديم سعيه- بقدر وسعه- من عناء قاساه، وفضل من الله- عن ~~قديم- رجاه «2» . # ثم فى الخبر: «إن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم» : والعبد يسعى بجهده ~~ليصل إلى تحرر قلبه، وما دام تبقى عليه بقية من قيام ms0837 الأخطار وبقية من ~~الاختيار وإرادة شىء من الأغيار فهو بكمال رقه وليس فى الحقيقة بحر.. ~~فالمكاتب عبد ما بقي عليه درهم. # قوله جل ذكره: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا، ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم. # حامل العاصي على زلته، والداعي له إلى عثرته، والمعين له على مخالفته ~~تتضاعف عليه العقوبة، وله من الوزر أكثر من غيره، وبعكسه لو كان الأمر فى ~~الطاعة والإعانة على العبادة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 34] # ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة ~~للمتقين (34) PageV02P610 # لم يغادر على وجه الدليل غبرة «1» ، ولم يترك الحق- سبحانه- للإشكال محلا ~~بل أوضح المنهاج وأضاء السراج، وأنار السبيل وألاح الدليل، فمن أراد أن ~~يستبصر فلا يلحقه نصب، ولا يمسه تعب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 35] # الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35) # أي هادى أهل السماوات والأرض، ومنه نورهما. والذي منه الشيء يسمى باسمه ~~الشيء. # ومنه نور السماوات والأرض خلقا فنظام السماوات والأرض وإحكامها وترتيبها ~~بوصف إتقانها حاصل بالله تعالى. # ويقال نور السماوات والأرض أي منورها وخالق ما فيها من الضياء والزينة، ~~وموجد ما أودعها من الأدلة اللائحة. # ويقال نور الله السماء بنجومها فقال: «وزينا السماء الدنيا بمصابيح» «2» ~~فكذلك زين القلوب بأنوار هى نور العقل ونور الفهم ونور العلم ونور اليقين ~~ونور المعرفة ونور التوحيد «3» ، فلكل شىء من هذه الأنوار مطرح شعاع بقدره ~~فى الزيادة والنقصان. # قوله جل ذكره: مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة ~~كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من ms0838 يشاء ويضرب الله ~~الأمثال للناس والله بكل شيء عليم. # قوله «مثل نوره كمشكاة..» : أراد بهذا نور قلب المؤمن وهو معرفته، فشبه ~~صدره PageV02P611 # بالمشكاة، وشبه قلبه فى صدره بالقنديل فى المشكاة، وشبه القنديل- الذي هو ~~قلبه- بالكوكب الدرى، وشبه إمداده بالمعرفة بالزيت الصافي الذي يمد السراج ~~فى الاشتعال. # ثم وصف الزيت بأنه على كمال إدراك زيتونه من غير نقصان أصابه، أو خلل ~~مسه. ثم وصف ذلك الزيت- فى صفوته- بأنه بحيث يكاد يضىء من غير أن تمسه نار. # ويقال إن ضرب المثل لمعرفة المؤمن بالزيت أراد به شريعة المصطفى- صلى ~~الله عليه وسلم- ودينه الحنيفي، فما كان يهوديا- وهم الذين قبلتهم إلى جانب ~~المغرب، ولا نصرانيا- وهم الذين قبلتهم فى ناحية المشرق. # وقوله: «نور على نور» : نور اكتسبوه بجهدهم بنظرهم واستدلالهم، ونور ~~وجدوه بفضل الله فهو بيان أضافه إلى برهانهم، أو عيان أضافه إلى بيانهم، ~~فهو نور على نور. # ويقال أراد به قلب محمد- صلى الله عليه وسلم- ونور معرفته موقد من شجرة ~~هى إبراهيم عليه السلام، فهو صلى الله عليه وسلم على دين إبراهيم. # قوله: «لا شرقية» بحيث تصيبه الشمس بالعشي دون الغداة، ولا غربية بحيث ~~تصيبه الشمس بالغداة دون العشى، بل تصيبه الشمس طول النهار ليتم نضج ~~زيتونه، ويكمل صفاء زيته. والإشارة فيه أنه لا ينفرد خوف قلوبهم عن الرجاء ~~فيقرب من اليأس، ولا ينفرد رجاؤهم عن الخوف فيقرب من الأمن، بل هما يعتدلان ~~فلا يغلب أحدهما الآخر تقابل هيبتهم أنسهم، وقبضهم بسطهم، وصحوهم محوهم، ~~وبقاؤهم فناءهم، وقيامهم بآداب الشريعة تحققهم بجوامع الحقيقة «1» . # ويقال «لا شرقية ولا غربية» : أي أن هممهم لا تسكن شرقيا ولا غربيا، ولا ~~علويا ولا سفليا، ولا جنيا ولا إنسيا، ولا عرشا ولا كرسيا، سطعت «2» عن ~~الأكوان، ولم تجد سبيلا إلى الحقيقة لأن الحق منزه عن اللحوق والدرك، فبقيت ~~عن الحق منفصلة، وبالحق غير PageV02P612 # متصلة «1» وهذه صفة الغرباء.. وإن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما ~~بدأ. # ويقال نور القلب: ثم موجبه هو دوام الانزعاج فلا يذره يعرج فى أقطار ~~الكسل، فيصل سيره بسراه فى استعمال ms0839 فكره، والحق يمده: بنور التوفيق حتى لا ~~يصده عن عوارض الاجتهاد شىء من حب رياسة، أو ميل لسوء، أو هوادة. فإذا أسفر ~~صبح غفلته، واستمكن النظر من موضعه حصل العلم لا محالة. ثم لا يزال يزداد ~~يقينا على يقين مما يراه فى معاملته من القبض والبسط، والمكافأة والمجازاة ~~فى زيادة الكشف عند زيادة الجهد، وحصول الوجد عند أداء الورد. # ثم بعده نور المعاملة، ثم نور المنازلة، ثم متوع نهار المواصلة. وشموس ~~التوحيد مشرقة، وليس فى سماء أسرارهم سحاب ولا فى هوائها ضباب، قال تعالى: ~~«نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء» . # ويقال نور المطالبة يحصل فى القلب فيحمل صاحبه على المحاسبة، فإذا نظر فى ~~ديوانه، وما أسلفه من عصيانه يحصل له نور المعاينة، فيعود على نفسه ~~باللائمة، ويتجرع كاسات ندمه، فيرتقى عن هذا باستدامة قصده، والتنقى عما ~~كان عليه فى أوقات فترته. فإذا استقام فى ذلك كوشف بنور المراقبة فيعلم ~~أنه- سبحانه- مطلع عليه. وبعد هذا نور المحاضرة وهى لوائح تبدو فى السرائر. ~~ثم بعد ذلك نور المكاشفة وذلك بتجلى الصفات. # ثم بعده نور المشاهدة فيصير ليله نهارا، ونجومه أقمارا، وأقماره بدورا، ~~وبدوره شموسا. # ثم بعد هذا أنوار التوحيد، وعند ذلك يتحقق التجريد بخصائص التفريد، ثم ~~مالا تتناوله عبارة ولا تدركه إشارة، فالعبارات- عند ذلك- خرس، والشواهد ~~طمس، وشهود الغير عند ذلك محال «2» . عند ذلك: «إذا الشمس كورت، وإذا ~~النجوم انكدرت، وإذا الجبال سيرت، وإذا العشار عطلت» «3» ، و «إذا السماء ~~انشقت، وانفطرت..» PageV02P613 # فهذه كلها أقسام الكون. وما من العدم لهم صار إلى العدم. القائم عنهم ~~غيرهم، والكائن عنهم سواهم. وجلت الأحدية وعزت الصمدية، وتقدست الديمومية، ~~وتنزهت الإلهية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : الآيات 36 الى 37] # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ~~(36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) # المساجد بيوته- سبحانه- وإن الله أذن أن ترفع الحوائج فيها إليه فيقضيها، ~~ورفع أقدار تلك البيوت على ms0840 غيرها من الأبنية والآثار. المساجد بيوت العبادة ~~والقلوب بيوت الإرادة فالعابد يصل بعبادته إلى ثواب الله، والقاصد يصل ~~بإرادته إلى الله. # ويقال القلوب بيوت المعرفة، والأرواح مشاهد المحبة، والأسرار محال ~~المشاهدة. # قوله: «يسبح له فيها بالغدو ... » لم يقل: لا يتجرون ولا يشترون ولا ~~يبيعون، بل قال: لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فإن أمكن الجمع ~~بينهما فلا بأس- ولكنه كالمتعذر- إلا على الأكابر الذين تجرى عليهم الأمور ~~وهم عنها مأخوذون «1» . # ويقال هم الذين يؤثرون حقوق الحق على حظوظ النفس. # ويقال إذا سمعوا صوت المؤذن: حى على الصلاة تركوا ما هم فيه من التجارة ~~والبيع، وقاموا لأداء حقه. # ويقال هم الخواص والأكابر الذين لا يشغلهم قوله: «هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم» عن التحقق يذكره من غير ملاحظة عوض أو مطالعة سبب. # قوله جل ذكره: يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار PageV02P614 # أقوام ذلك اليوم مؤجل لهم، وآخرون: ذلك لهم معجل وهو بحسب ما هم فيه من ~~الوقت فان حقيقة الخوف ترقب العقوبات مع مجارى الأنفاس. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 38] # ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير ~~حساب (38) # من رفع الحساب من الوسط يرفع معه الحساب «1» ، ومن هو فى أسر مطالباته ~~فالوزن يومئذ الحق. # والرزق بغير حساب فى أرزاق الأرواح، فأما أرزاق الأشباح فمحصورة معدودة ~~لأن أرزاق الأشباح حظوظ وهى وجود أفضال وفنون نوال. وما حصره الوجود من ~~الحوادث فلا بد أن يأتى عليه العدد، وأما مكاشفة الأرواح بشهود الجمال ~~والجلال فذلك على الدوام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 39] # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) # وقال تعالى: «وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» «2» ، وقال: «ويحسبون أنهم ~~على شيء» «3» . ومن أمل السراب شرابا فلا يلبث إلا قليلا حتى يعلم أنه كان ~~تخييلا فالعطش يزداد، والروح تدعو للخروج. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 40] # أو كظلمات في ms0841 بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها ~~فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ~~(40) PageV02P615 # ظلمات الحسبان، وغيوم التفرقة، وليالى الجحد، وحنادس الشك إذا اجتمعت فلا ~~سراج لصاحبها، ولا نجوم، ولا أقمار ولا شموس.. فالويل ثم الويل! قوله: «ومن ~~لم يجعل الله له نورا فما له من نور» : إذا لم يسبق لعبد نور القسمة، ولم ~~يساعده تعلق فجهده وكده، وسعيه وجده عقيم من ثمراته، موئس من نيل بركاته. # والبدايات غالبة للنهايات فالقبول لأهله غير مجتلب، والرد لأهله غير ~~مكتسب. # وسعيد من سعد بالسعادة فى علمه فى آزاله، وأراد كون ما علم من أفعاله ~~يكون، وأخبر أن ذلك كذلك يكون، ثم أجرى ذلك على ما أخبر وأراد وعلم «1» . # وهكذا القول فى الشقاوة فليس لأفعاله علة، ولا تتوجه عليه لأحد حجة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 41] # ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) # التسبيح على قسمين: تسبيح قول ونطق، وتسبيح دلالة وخلق فتسبيح الخلق عام ~~من كل مخلوق وعين وأثر، منه تسبيح خاص بالحيوانات، وتسبيح خاص بالعقلاء ~~وهذا منقسم إلى قسمين: تسبيح صادر عن بصيرة، وتسبيح حاصل من غير بصيرة ~~فالذى قرينته البصيرة مقبول، والذي تجرد عن العرفان مردود. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 42] # ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير (42) PageV02P616 # الملك مبالغة من الملك، والملك القدرة على الإيجاد فالمقدورات- قبل ~~وجودها- للخالق مملوكة، كذلك فى أحوال حدوثها بعد عدمها عائدة إلى ما كانت ~~عليه، فملكه لا يحدث ولا يزول ولا يئول شىء منه إلى البطول. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : الآيات 43 الى 44] # ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج ~~من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن ~~من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) يقلب ms0842 الله الليل والنهار إن في ~~ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) # تعرف إلى قلوب العلماء بدلالات صنعه فى بديع حكمته، وبما يدل منها على ~~كمال قدرته، وشمول علمه وحكمته، ونفوذ إرادته ومشيئته. فمن أنعم النظر وصل ~~إلى برد اليقين، ومن أعرض بقي فى وهدة الجحد وظلمات الجهل. # ترتفع بقدرته بخارات البحر، وتصعد بتسيره «1» وتقديره إلى الهواء وهو ~~السحاب، ثم يديرها إلى سمت يريد أن ينزل به المطر، ثم ينزل ما فى السحاب من ~~ماء البحر قطرة قطرة ويكون الماء قبل حصول بخارات البحر غير عذب فيقلبه ~~عذبا، ويسحه السحاب سكبا، فيوصل إلى كل موضع قدرا يكون له مرادا معلوما، لا ~~بالجهد من المخلوقين يمسك أو ينزل، ولا بالحيلة يستنزل على المكان الذي لا ~~يمطره «2» . # «يقلب الله الليل والنهار» : وكذلك جميع الأغيار من الرسوم والآثار.. ذلك ~~تقدير العزيز العليم. PageV02P617 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 45] # والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ~~(45) # يريد خلق كل حيوان من ماء، يخرج من صلب الأب وتريبة «1» الأم. ثم أجزاء ~~الماء متساوية متماثلة، ثم ينقسم إلى جوارح فى الظاهر وجوارح فى الباطن، ~~فيختص كل عضو وينفرد كل شلو «2» بنوع من الهيئة والصورة، وضرب من الشكل ~~والبنية. ثم اختلاف هيئات الحيوانات فى الريش والصوف والوبر والظفر والحافر ~~والمخلب، ثم فى القامة والمنظر، ثم انقسام ذلك إلى لحم وشحم وجلد وعظم وسن ~~ومخ وعصب وعرق وشعر. # فالنظر فى هذا- مع العبرة به- يوجب سجود البصيرة وقوة التحصيل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 46] # لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (46) # الآيات بينة ولكن الله يهدى إليها قوما ويلبس على آخرين، والذي سد بصره ~~أنى ينفعه طلوع الشمس والنجوم؟ وكذلك الذي سدت بصيرته أنى تنفعه شواهد ~~العلوم ودلائل الفهوم؟ وقالوا فى معناه: # وما انتفاع أخى الدنيا بمقلته ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم # قوله ms0843 جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 47] # ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (47) . PageV02P618 # يستسلمون فى الظاهر ويقرون باللسان، ثم المخلص يبقى على صدقه. # والذي قال لخوف سيف المسلمين، أو لغرض له آخر فاسد يتولى بعد ذلك، وينحاز ~~إلى جانب الكفرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 48] # وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون (48) # علموا أن افتضاحهم فى حكم نيتهم، فمن علم أنه قاسط فى خصومته لم يطب نفسا ~~بحكمه. # وكذلك المريب يهرب من الحق، ويجتهد فى الفرار «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 49] # وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) # منقادين يميلون مع الهوى، ولا يقبلون حكمه إيمانا. وكذلك شأن المريض الذي ~~يميل بين الصحة والسقم فأرباب النفاق مترددون بين الشك والعلم، فليس منهم ~~نفى بالقطع ولا إثبات بالعلم، فهم متطوحون فى أودية الشك، وهذا معنى قوله: ### | [سورة النور (24) : آية 50] # أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك ~~هم الظالمون (50) # فلما انخرطوا فى سلك التجويز ما حصلوا إلا فى ظلم الشك، ولما لم يكن لهم ~~يقين فى القلب لم يكن معهم لأهل القلوب ذكر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 51] # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (51) . PageV02P619 # الذين إيمانهم حقيقة بحكم التصديق شأنهم قيامهم بإظهار ما ضمنوه من ~~التحقيق. # ومن يقابل أمر الله بالطاعة، ويستقبل حكمه بالاستخذاء.. فأولئك هم ~~الصادقون فى الحقيقة، السالكون فى الطريقة، الآخذون بالوثيقة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : الآيات 53 الى 54] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة ~~إن الله خبير بما تعملون (53) قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا ~~فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين (54) # أقسموا بالله غاية اليمين، ووعدوا من أنفسهم الطاعة لو أمرهم بالخروج فى ~~المستقبل، فقال: لا تعدوا بما ms0844 هو معلوم منكم ألا تفوا به فطاعة فى الوقت ~~أولى من تسويف بالوعد. # ثم قال: قل يا محمد أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.. فإن أجابوا سعدوا فى ~~الدارين، وأحسنوا إلى أنفسهم. وإن تولوا عن الإجابة فما أضروا إلا بأنفسهم ~~ويكون الندم فى المستقبل عليهم، وسوف يلقون سوء عواقبهم، وليس على الرسل ~~إلا حسن البلاغ. ويوم الحشر يعطى كل أحد كتابه، ويعامل بمقتضى حساب نفسه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 55] # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ~~(55) # وعد الله حق وكلامه صدق، والآية تدل على صحة الخلفاء الأربعة لأنه- ~~بالإجماع- # PageV02P620 # لم يتقدمهم فى الفضيلة- إلى يومنا- أحد «1» فأولئك مقطوع بإمامتهم، وصدق ~~وعد الله فيهم، وهم على الدين المرضى من قبل الله، ولقد أمنوا بعد خوفهم، ~~وقاموا بسياسة المسلمين، والذب عن حوزة الإسلام أحسن قيام. # وفى الآية إشارة إلى أئمة الدين الذين هم أركان الملة ودعائم الإسلام، ~~الناصحون لعباده، الهادون من يسترشد فى الله إذ الخلل فى أمر المسلمين من ~~الولاة الظلمة ضرره مقصور على ما يتعلق بأحكام الدنيا، فأما حفاظ الدين فهم ~~الأئمة من العلماء وهم أصناف: # قوم هم حفاظ أخبار الرسول عليه السلام وحفاظ القرآن وهم بمنزلة الخزنة، ~~وقوم هم علماء الأصول الرادون على أهل العناد وأصحاب البدع بواضح الأدلة، ~~وهم بطارقة الإسلام وشجعانه. # وقوم هم الفقهاء المرجوع إليهم فى علوم الشريعة من العبادات وكيفية ~~المعاملات وما يتعلق بأحكام المصاهرات وحكم الجراحات والديات، وما فى معانى ~~الأيمان والنذور والدعاوى، وفصل الحكم فى المنازعات وهم فى الدين بمنزلة ~~الوكلاء والمتصرفين فى الملك. # وقوم هم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وهم فى الدين كخواص الملك وأعيان ~~مجلس السلطان فالدين معمور بهؤلاء- على اختلافهم إلى يوم القيامة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 57] # لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (57) # إن الباطل ms0845 قد تكون له دولة ولكنها تخييل- وما لذلك بقاء- وأقل لبثا من ~~عارض ينشأ عن الغيظ. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 58] # يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا ~~الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن ~~بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون ~~عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (58) ~~PageV02P621 # «1» ضيق الأمر من وجه ووسعه من وجه، وأمر بمراعاة الاحتياط وحسن السياسة ~~لأحكام الدين ومراعاة أمر الحرم، والتحرر من مخاوف الفتنة، وإذا كانت ~~الجوانب محروسة صارت المخاوف مأمونة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 60] # والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ~~ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (60) # يحدث تأثير بالمضرة لبنات الصدور «2» من دواعى الفتنة واستيلاء سلطان ~~الشهوة فإذا سكنت تلك الثائرة سهل الباب، وأبيحت الرخص وأمنت الفتنة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 61] # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61) # إذا جاءت الأعذار سهل الامتحان والاختيار، وإذا حصلت القرابة سقطت ~~الحشمة، وإذا صدقت القرابة انتفت التفرقة والأجنبية فبشهادة هذه الآية إذا ~~انتفت هذه الشروط صحت المباسطة فى الارتفاق. PageV02P622 # ثم قال: «أو صديقكم» : وعزيز من يصدق فى الصداقة فيكون فى الباطن كما يرى ~~فى الظاهر، ولا يكون فى الوجه كالمرآة ومن ورائك كالمقراض، وفى معناه ما ~~قلت: # من لى بمن يثق الفؤاد بوده ... فإذا ترحل لم يزغ عن عهده # يا ms0846 بؤس نفسى من أخ لى باذل ... حسن الوفاء بوعده لا نقده # يولى الصفاء بنطقه لا خلقه ... ويدس صابا فى حلاوة شهده # فلسانه يبدى جواهر عقده ... وجنانه تغلى مراجل حقده # لاهم إنى لا أطيق مراسه ... بك أستعيذ من الحسود وكيده # (وقوله: «أو صديقكم» من تؤمن منه هذه الخصال وأمثالها) «1» . # قوله جل ذكره: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون السلام الأمان، وسبيل ~~المؤمن إذا دخل بيتا أن يسلم من الله على نفسه أي يطلب الأمان والسلامة من ~~الله لتسلم نفسه من الإقدام على ما لا يرضاه الله، إذ لا يحل لمسلم أن يفتر ~~لحظة عن الاستجارة بالله حتى لا يرفع عنه- سبحانه- ظل عصمته بإدامة حفظه عن ~~الاتصاف بمكروه فى الشرع «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 62] # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور ~~رحيم (62) PageV02P623 # شرط الاتباع موافقة المتبوع، وألا يتفرقوا فيصيروا أحزابا كما قال: ~~«تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى» «1» والعلماء ورثة الأنبياء، والمريدون لشيوخهم ~~كالأمة لنبيهم فشرط المريد ألا يتنفس ينفس إلا بإذن شيخه، ومن خالف شيخه فى ~~نفس- سرا أو جهرا- فإنه يرى غبه سريعا فى غير ما يحبه. ومن خالفة الشيوخ ~~فيما يستسرونه «2» عنهم أشد مما يظهر بالجهر بكثير لأن هذا يلتحق بالخيانة. ~~ومن خالف شيخه لا يشم رائحة الصدق، فإن بدر منه شىء من ذلك فعليه بسرعة ~~الاعتذار والإفصاح عما حصل منه من المخالفة والخيانة، ليهديه شيخه إلى ما ~~فيه كفارة جرمه، ويلتزم فى الغرامة بما يحكم به عليه. وإذا رجع المريد إلى ~~شيخه بالصدق وجب على شيخه جبران تقصيره بهمته فإن المريدين عيال على الشيوخ ~~فرض عليهم أن ينفقوا عليهم من قوة أحوالهم بما يكون جبرانا لتقصيرهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 63] # لا تجعلوا دعاء ms0847 الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين ~~يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم (63) # أي عظموه فى الخطاب، واحفظوا فى خدمته الأدب، وعانقوا طاعته على مراعاة ~~الهيبة والتوقير. # قوله جل ذكره: فليحذر الذين يخالفون عن أمره «3» أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم PageV02P624 # سعادة الدارين فى متابعة السنة، وشقاوة المنزلين فى مخالفة السنة. ومن ~~أيسر ما يصيب من خالف سنته حرمان الموافقة، وتعذر المتابعة بعده، وسقوط ~~حشمة الدارين عن قلبه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النور (24) : آية 64] # ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه ~~فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم (64) # «1» «2» إن لليوم غدا، ولما يفعل العبد حسابا، وسيطالب المكلف بالصغير ~~والكبير، والنقير والقطمير. ### | سورة الفرقان # قوله جل ذكره: بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله اسم جليل شهدت بجلاله ~~أفعاله، ونطقت بجماله أفضاله. دلت على إثباته آياته، وأخبرت عن صفاته ~~مفعولاته. # بسم الله اسم عزيز عرفت بفعله قدرته، اسم كريم شهدت بفضله نصرته. # بسم الله اسم عزيز عرفه العقلاء بدلالات أفعاله، وعرفه الأصفياء ~~باستحقاقه لجلاله وجماله فبلطف جماله عرفوا جوده، وبكشف جلاله عرفوا وجوده. # بسم الله اسمه عزيز من دعاه لباه، ومن توكل عليه كفاه، ومن توسل إليه ~~أكرمه وآواه، ومن تنصل إليه «3» رحمه وأدناه، ومن شكا إليه أشكاه «4» ، ومن ~~سأله خوله وأعطاه. PageV02P625 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1) # يقال برك الطير على الماء إذا دام وقوفه على ظهر الماء. ومبارك الإبل ~~مواضع إقامتها بالليل. وتبارك على وزن تفاعل تفيد دوام بقائه، واستحقاقه ~~لقدم ثبوته وبقاء وجوده لا عن استفتاح ولا إلى انقطاع. # وفى التفاسير «تبارك» أي تعظم وتكبر. وعند قوم أنه من البركة وهى الزيادة ~~والنفع، فداومه وجوده، وتكبره ستحقاق ذاته لصفاته العلية، والبركة أو ~~الزيادة تشير إلى فضله وإحسانه ولطفه. # فوجوه الثناء عليه تنحصر بهذه الأوجه الثلاثة: ثناء ms0848 عليه بذكر ذاته وحقه، ~~وثناء بذكر وصفه وعزه، وثناء بذكر إحسانه وفضله فكلمة «تبارك» مجمع الثناء ~~عليه- سبحانه. # «الذي نزل الفرقان» وهو القرآن «على عبده» : فأكرمه بأن نباه وفضله، وإلى ~~الخلق أرسله، وبين معجزته وأمارة صدقه بالقرآن الذي عليه أنزله، وجعله ~~بشيرا ونذيرا، وسراجا منيرا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 2] # الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ~~وخلق كل شيء فقدره تقديرا (2) # تفرد بالملك فلا شريك يساهمه، وتوحد بالجلال فلا نظير يقاسمه فهو الواحد ~~بلا قسيم فى ذاته، ولا شريك فى مخلوقاته، ولا شبيه فى حقه ولا فى صفاته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 3] # واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ~~ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا (3) # اتخذوا من دون الله آلهة لا يملكون قطميرا، ولا يخلقون نقيرا، ولا يدفعون ~~عنهم # PageV02P626 # كثيرا ولا يسيرا، ولا ينفعونهم ولا يسهلون عليهم عسيرا، ولا يملكون لأحد ~~موتا «1» ولا نشورا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 4 الى 6] # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤ ~~ظلما وزورا (4) وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ~~(5) قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما (6) # ظنوه كما كانوا، ولما كانوا بأمثالهم قد استعانوا فيما عجزوا عنه من ~~أمورهم، واستحدثوا لأمثالهم واستكانوا- فقد قالوا من غير حجة وتقولوا، ولم ~~يكن لقولهم تحصيل، ولأساطير الأولين ترهاتهم «2» التي لا يدرى هل كانت؟ وإن ~~كانت فلا يعرف كيف كانت ومتى كانت؟ # ثم قال: يا محمد، إن هذا الكتاب- الذي أنزله الذي يعلم السر فى السماوات ~~والأرض- لا يقدر أحد على الإتيان بمثله ولو تشاغلوا «3» من الوقت الذي أتى ~~به أعداء الدين، وهم على كثرتهم مجتهدون فى معارضته بما يوجب مساواته ~~فادعوا تكذيبه. وانقطعت الأعصار وانقضت الأعمار، ولم يأت أحد بسورة مثله، ~~فانتفى الريب عن صدقه، ووجب الإقرار بحقه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات ms0849 7 الى 10] # وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال ~~الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (8) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا ~~فلا يستطيعون سبيلا (9) تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا (10) PageV02P627 # «1» # لما عجزوا عن معارضته أخذوا يعيبونه بكونه بشرا من جنسهم يمشى فى ~~الأسواق، ويأكل الطعام، وعابوه بالفقر وقالوا: هلا نزل عليه الملائكة فيرون ~~عيانا؟ وهلا جعل له الكنوز فاستكثر مالا؟ وهلا خص بآيات- اقترحوها- فتقطع ~~العذر وتزيل عنا إشكالا؟! وما هذا الرجل إلا بشر تعتريه من دواعى الشهوات ~~ما يعترى غيره! فأى خصوصية له حتى تلزمنا متابعته ولن يظهر لنا حجة؟ فأجاب ~~الله عنهم وقال: إن الحق قادر على تمليك ما قالوا وأضعاف ذلك، وفى قدرته ~~إظهار ما اقترحوه وأضعاف ذلك، ولكن ليس لهم هذا التخير «2» بعد ما أزيح ~~العذر بإظهار معجزة واحدة، واقتراح ما يهوون تحكم على التقدير، وليس لهم ~~ذلك. ثم أخبر أنه لو أظهر تفصيل ما قالوه وأضعافه لم يؤمنوا لأن حكم الله ~~بالشقاوة سابق لهم، وقال: PageV02P628 ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 11] # بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) # فهم فى حكم الله من جملة الكفار، والله أعد لهم ولأمثالهم من الكفار وعيد ~~الأبد.. # فلا محالة يمتحنون به. # قوله: «انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا» : دليل على ~~جواز التكليف بما لا يقدر عليه العبد فى الحال لأنه أخبر أنهم لا يستطيعون ~~سبيلا، وهم معاتبون مكلفون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 12] # إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) # فوحشة النار توجد من مسافة بعيدة قبل شهودها والامتحان بها، ونسيم الجنة ~~يوجد قبل شهودها والدخول فيها، والنار تسجر منذ سنين قبل المحترقين بها، ~~والجنة تزين منذ سنين قبل المستمتعين بها. وكذب من أحال «1» وجودهما قبل ~~كون سكانهما وقطانهما من المنتفعين أو المعاقبين، لأن الصادق ms0850 أخبر عن ~~صفاتهما التي لا تكون إلا بموجود حيث قال: ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 13 الى 14] # وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) لا تدعوا اليوم ~~ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) # راحة الجنة مقرونة بسعتها، ووحشة النار مقرونة بضيقها، فيضيق عليهم ~~مكانهم، ويضيق عليهم قلوبهم، ويضيق عليهم أوقاتهم. ولو كانت حياتهم تبطل ~~وكانوا يتخلصون PageV02P629 # منها لم يكن البلاء كاملا، ولكنها آلام لا تتناهى، ومحن لا تنقضى كلما ~~راموا فرجة قيل لهم: # فلن تريدكم إلا عذابا. # قوله جل ذكره ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 15] # قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) # المتقون أبدا فى النعيم المقيم حور وسرور وحبور، وروح وريحان، وبهجة ~~وإحسان، ولطف جديد وفضل مزيد، وألذ شراب وكاسات محاب، وبسط قلب وطيب حال، ~~وكمال أنس ودوام طرب وتمام جذل، لباسهم فيها حرير وفراشهم سندس وإستبرق. ~~والأسماء أسماء فى الدنيا والأعيان بخلاف المعهودات فيها «1» . ثم فيها ما ~~يشاءون، وهم أبدا مقيمون لا يبرحون، ولا هم عنها يخرجون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 16] # لهم فيها ما يشاؤن خالدين كان على ربك وعدا مسؤلا (16) # ولكن لا يخلق فى قلوبهم إلا إرادة ما علم أنه سيفعله، فما هو المعلوم لله ~~أنه لا يفعله لا تتعلق به إرادتهم، ويمنع من قلوبهم مشيئته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 17] # ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم ~~هم ضلوا السبيل (17) # الله يحشر الكفار ويحشر الأصنام التي عبدوها من دون الله، فيحييها ويقول ~~لها: # هل أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ فيتبرأون.. كله تهويل وتعظيم للشأن، وإلا فهو ~~عليم بما كان وما لم يكن. فالأصنام تتبرأ منهم، وتقابلهم بالتكذيب، وهم ~~ينادون على أنفسهم بالخطأ والضلال، فيلقون فى النار، ويبقون فى الوعيد إلى ~~الأبد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 20] # وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ~~وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20) # : PageV02P630 # أخبر أن الذين تقدموه من الرسل كانوا بشرا، ms0851 ولم تكن الخصوصية لهم إلا ~~ظهور المعجزات عليهم. وفى الجملة الفضائل بالمعاني لا بالصورة، ثم قال: # «وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا» . # (فضل بعضا على بعض، وأمر المفضول بالصبر والرضاء، والفاضل بالشكر على ~~العطاء) «1» وخص قوما بالبلاء وجعلهم فتنة لأهل البلاء، وخص قوما بالعوافي، ~~وآخرين بالأسقام والآلام، فلا لمن نعمه مناقب، ولا لمن امتحنه معايب.. ~~فبحكمه لا يجرمهم، وبفضله لا بفعلهم، وبإرادته لا بعبادتهم، وباختياره لا ~~بأوضارهم، وبأقداره لا بأوزارهم، وبه لا بهم. # قوله: «أتصبرون؟» استفهام فى معنى الأمر، فمن ساعده التوفيق صبر وشكر، ~~ومن قارنه الخذلان أبى وكفر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 21] # وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد ~~استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (21) # «لا يرجون لقاءنا» : لا يؤمنون بالحشر والنشر والرجوع إلى الله فى ~~القيامة من الدنيا. # وكما كانوا لا يخافون العذاب، ولا ينتظرون الحشر كذلك كانوا لا يؤمنون ~~لقاء الله. # فمنكر الرؤية من أهل القبلة- ممن يؤمن بالقيامة والحشر- مشارك لهؤلاء فى ~~جحد ما ورد به الخبر والنقل لأن النقل كما ورد بكون الحشر ورد بكون الرؤية ~~لأهل الإيمان «2» . # فالذين لم يؤمنوا قالوه على جهة رؤية المقام لأنفسهم، وأنه مسلم لهم ما ~~اقترحوه من نزول PageV02P631 # الملائكة عليهم ورؤية ربهم. وذلك وإن كان فى القدرة جائزا- إلا أنه لم ~~يكن واجبا بعد إزاحة عذرهم بظهور معجزات الرسول عليه السلام، فلم يكن ~~اقتراح ما قالوه جائزا لهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 22] # يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) # اقترحوا شيئين: رؤية الملائكة ورؤية الله، فأخبر أنهم يرون الملائكة عند ~~التوفى، ولكن تقول الملائكة لهم: «لا بشرى لكم!» . # «حجرا محجورا» : أي حراما ممنوعا يعنى رؤية الله عنهم، فهذا يعود إلى ما ~~جرى ذكره، وحمله على ذلك أولى من حمله على الجنة، ولم يجر لها هنا ذكر. ثم ~~فيه بشارة للمؤمنين بالرؤية لأنهم يرون الملائكة ويبشرونهم بالجنة، قال ~~تعالى: «تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ms0852 وأبشروا بالجنة» «1» ~~فكما لا تكون للكفار بشارة بالجنة وتكون للمؤمنين لا تكون الرؤية للكفار ~~وتكون للمؤمنين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 23] # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) # هذه آفة الكفار ضاع سعيهم وخاب جهدهم، وضاع عمرهم وخسرت صفقتهم وانقطع ~~رجاؤهم، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا. # وأما أصحاب الحقائق وأرباب التوحيد فى لوح لقلوبهم من سماع هذه الآية ما ~~يحصل به كمال روحهم، وتتأدى إلى قلوبهم من الراحات ما يضيق عن وصفه شرحهم: ~~ويتقاصر عن ثنائه نطقهم، حيث يسمعون قوله: «وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هباء منثورا» ولقد ظهرت قيمة أعمالهم حيث قال الحق لأجله: «وقدمنا ~~إلى ... » فهم إذا سمعوا ذلك وجب لهم من الأريحية ما يشغلهم عن الاهتمام ~~لقوله: «فجعلناه هباء منثورا» ويقولون: يا ليت PageV02P632 # لنا أعمال أهل الدارين ثم لا تقبل منها ذرة وهو يقول بسببها: وقدمنا إلى ~~ما عملوا من عمل ... » ! لأنهم إذا تخلصوا من مواضع الخلل وموجبات الخجل من ~~أعمالهم عدوا ذلك من أجل ما ينالون من الإحسان إليهم «1» ، وفى معناه ~~أنشدوا: # سأرجع من حج عامى مخجلا ... لأن الذي قد كان لا يتقبل «2» # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 24] # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) # أصحاب الجنة هم الراضون بها، الواصلون إليها، والمكتفون بوجدانها، فحسنت ~~لهم أوطانهم، وطاب لهم مستقرهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 25 الى # 26] # ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (25) الملك يومئذ الحق ~~للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (26) # يريد يوم القيامة إذا بدت أهوالها، وظهرت للمبعوثين أحوالها عملوا ~~وتحققوا- ذلك اليوم- أن الملك للرحمن، ولم يتخصص ملكه بذلك اليوم، وإنما ~~علمهم ويقينهم حصل لهم ذلك الوقت. # ويقال تنقطع دواعى الأغيار، وتنتفى أوهام الخلق فلا يتجدد له- سبحانه- ~~وصف ولكن تتلاشى للخلق أوصاف، وذلك يوم على الكافرين عسير، ودليل الخطاب ~~يقتضى أن ذلك اليوم على المؤمنين يسير وإلا بطل الفرق فيجب ألا يكون مؤمن ~~إلا وذلك اليوم يكون عليه هينا. # قوله ms0853 جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 27 الى 28] # ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) يا ~~ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) # «3» PageV02P633 # يندم الكافر على صحبة الكفار. ودليل الخطاب يقتضى سرور المؤمنين بمصاحبة ~~أخدانهم وأحبائهم فى الله، وأما الكافر فيضل صاحبه فيقع معه فى الثبور، ~~ولكن المؤمن يهدى صاحبه إلى الرشد فيصل به إلى السرور. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 30 الى 31] # وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30) وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (31) # شكا إلى الله منهم، وتلك سنة المرسلين أخبر الله عن يعقوب- عليه السلام- ~~أنه قال: نما أشكوا بثي وحزني إلى الله» # فمن شكا من الله فهو جاحد، ومن شكا إلى الله فهو عارف واجد. # ثم إنه أخبر أنه لم يخل نبيا من أنبيائه صلوات الله عليهم إلا سلط عليه ~~عدوا فى وقته، إلا أنه لم يغادر من أعدائهم أحدا، وأذاقهم وبال ما استوجبوه ~~على كفرهم وغيهم. # قوله جل ذكره: وكفى بربك هاديا ونصيرا. # كفى بربك اليوم هاديا إلى معرفته، وغدا نصيرا على رؤيته. # ويقال آخر فتنة للمؤمنين ما ورد فى الخبر: أن كل أمة ترى فى القيامة ~~الصنم الذي عبدوه يتبعونه فيحشرون إلى النار، فيلقون فيها ويبقى المؤمنون، ~~فيقال لهم: ما وقفكم؟ فيقولون: # إنهم رأوا معبودهم فتبعوه ونحن لم نر معبودنا! فيقال لهم: ولو رأيتموه.. ~~فهل تعرفونه؟ # فيقولون: نعم. فيقال لهم: بم تعرفونه؟ # فيقولون: بيننا وبينه علامة. فيريهم شيئا فى صورة شخص فيقول لهم: أنا ~~معبودكم فيقولون: معاذ الله.. نعوذ بالله منك! ما عبدناك. فيتجلى الحق لهم ~~فيسجدون له. # PageV02P634 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 32] # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ~~ورتلناه ترتيلا (32) # أي إنما أنزلناه متفرقا ليسهل عليك حفظه فإنه كان أميا لا يقرأ الكتب، ~~ولأنه لو كان دفعة واحدة لم يتكرر نزول جبريل عليه السلام بالرسالة إليه فى ~~كل وقت وكل حين.. # وكثرة نزوله ms0854 كانت أوجب لسكون قلبه وكمال روحه ودوام أنسه «1» ، فجبريل ~~كان يأتى فى كل وقت بما كان يقتضيه ذلك الوقت من الكوائن والأمور الحادثة، ~~وذلك أبلغ فى كونه معجزة، وأبعد عن التهمة من أن يكون من جهة غيره، أو أن ~~يكون بالاستعانة بمن سواه حاصلا «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 33] # ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33) # كان الجواب لما يوردونه على جهة الاحتجاج لهم مفحما، ولفساد ما يقولونه ~~موضحا، ولكن الحق- سبحانه- أجرى السنة بأنه لم يزد ذلك للمسلمين إلا شفاء ~~وبصيرة، ولهم إلا عمى وشبهة. # ثم أخبر عن حالهم فى مآلهم فقال: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 34] # الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (34) # يحشرون على وجوههم وذلك أمارة لإهانتهم، وإن فى الخبر: «الذين أمشاهم ~~اليوم» PageV02P635 # «على أقدامهم يمشيهم غدا على وجوههم» «1» ، وهو على ذلك قادر، وذلك منه ~~غير مستحيل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 35] # ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (35) # قلما يجرى فى القرآن لنبينا- صلى الله عليه وسلم- ذكر إلا ويذكر الله ~~عقيبه موسى عليه السلام. وتكررت قصته فى القرآن فى غير موضع تنبيها على علو ~~شأنه، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور فالتكرير فى الذكر ~~يوجب التفصيل فى الوصف لأن القصة الواحدة إذا أعيدت مرات كثيرة كانت فى باب ~~البلاغة أتم لا سيما إذا كانت فى كل مرة فائدة زائدة «2» . # ثم بين أنه قال لهما: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 36] # فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) # أي فذهبا فجحد القوم فدمرناهم تدميرا «3» أي أهلكناهم إهلاكا، وفى ذلك ~~تسلية للنبى- صلى الله عليه وسلم- فيما كان يقاسيه من قومه من فنون البلاء، ~~ووعد له بالجميل فى أنه سيهلك أعداءه كلهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 37 الى 40] # وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين ~~عذابا أليما (37) وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) وكلا ~~ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا (39) ولقد أتوا على القرية ms0855 التي أمطرت ~~مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا (40) # أحللنا بهم العقوبة كما أحللنا بأمثالهم، وعاملناهم بمثل معاملتنا ~~لقرنائهم. ثم عقب هذه الآيات بذكر عاد وثمود وأصحاب الرس، ومن ذكرهم على ~~الجملة من غير تفصيل، وما أهلك PageV02P636 # به قوم لوط حيث عملوا الخبائث ... كل ذلك تطييبا لقلبه صلى الله عليه ~~وسلم، وتسكينا لسره، وإعلاما وتعريفا بأنه سيهلك من يعاديه، ويدمر من ~~يناويه، وقد فعل من ذلك الكثير فى حال حياته، والباقي بعد مضيه- عليه ~~السلام- من الدنيا وذهابه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 41] # وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (41) # كانت تكون له سلوة لو ذكر حالته وشكا إليه قصته، فإذا أخبر الله وقص عليه ~~ما كان يلاقيه كان أوجب للسلوة وأقرب من الأنس، وغاية سلوة أرباب المحن أن ~~يذكروا لأحبائهم ما لقوا فى أيام امتحانهم كما قال قائلهم: # يود بأن يمشى سقيما لعلها ... إذا سمعت منه بشكوى تراسله # ويهتز للمعروف فى طلب العلى ... لتذكر يوما عند سلمى شمائله # وأخبر أنهم كانوا ينظرون إليه- عليه السلام- بعين الإزدراء والتصغير ~~لشأنه لأنهم كانوا لا يعرفون قدره، قال تعالى: «وتراهم ينظرون إليك وهم لا ~~يبصرون» «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 43] # أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) # كانوا يعبدون من الأصنام ما يهوون يستبدلون صنما بصنم، وكانوا يجرون على ~~مقتضى ما يقع لهم. والمؤمن بحكم الله لا بحكم نفسه، وبهذا يتضح الفرقان «2» ~~بين رجل وبين رجل. # والذي يعيش على ما يقع له فعابد هواه، وملتحق بالذين ذكرهم الحق بالسوء ~~فى هذه الآية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 44] # أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ~~(44) PageV02P637 # كالأنعام التي ليس لها هم إلا فى أكلة وشربة، ومن استجلب حظوظ نفسه ~~فكالبهائم. وإن الله- سبحانه- خلق الملائكة وعلى العقل جبلهم، والبهائم ~~وعلى الهوى فطرهم، وبنى آدم وركب فيهم الأمرين فمن غلب هواه عقله فهو شر من ~~البهائم، ومن غلب عقله هواه فهو ms0856 خير من الملائكة.. كذلك قال المشايخ. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 45 الى 46] # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا (45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) # قيل نزل الرسول- صلى الله عليه وسلم- فى بعض أسفاره وقت القيلولة فى ظل ~~شجرة وكانوا خلقا كثيرا فمد الله ظل تلك الشجرة حتى وسع جميعهم وكانوا ~~كثيرين، فأنزل الله هذه الآية، وكان ذلك من جملة معجزاته عليه السلام. # وقيل إن الله فى ابتداء النهار قبل طلوع الشمس يجعل الأرض كلها ظلا، ثم ~~إذا طلعت الشمس، وانبسط على وجه الأرض شعاعها فكل شخص يبسط له ظل، ولا يصيب ~~ذلك الموضع شعاع الشمس، ثم يتناقص إلى وقت الزوال، ثم يأخذ فى الزيادة وقت ~~الزوال. # وذلك من أمارات قدرة الله تعالى لأنه أجرى العادة بخلق الظل والضوء ~~والفيء. # قوله: «ولو شاء لجعله ساكنا» : أي دائما. «ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا» ~~أي حال ارتفاع الشمس ونقصان الظل. # ويقال: ألم تر إلى ربك كيف مد ظل العناية على أحوال أوليائه فقوم هم فى ~~ظل الحماية، وآخرون فى ظل الرعاية، وآخرون فى ظل العناية، والفقراء فى ظل ~~الكفاية، والأغنياء فى ظل الراحة من الشكاية. # ظل هو ظل العصمة، وظل هو ظل الرحمة فالعصمة للأنبياء عليهم السلام ثم ~~للأولياء، والرحمة للمؤمنين، ثم فى الدنيا لكافة الخلائق أجمعين. ويقال ~~قوله للنبى صلى الله عليه وسلم: # «ألم تر إلى ربك» ثم قوله: «كيف مد الظل» سترا لما كان كاشفة به أولا، ~~إجراء للسنة # PageV02P638 # فى إخفاء الحال عن الرقيب. قال لموسى عليه السلام: «لن تراني» . وقال ~~لنبينا عليه السلام: # «ألم تر إلى ربك» وشتان ما هما! ويقال أحيا قلبه بقوله: «ألم تر إلى ربك» ~~إلى أن قال: «كيف مد الظل» فجعل استقلاله بقوله: «ألم تر إلى ربك» إلى أن ~~سمع ذكر الظل. ويقال أحياه بقوله: # «ألم تر إلى ربك» ثم أفناه بقوله: «كيف مد الظل» وكذا سنته مع عباده ~~يرددهم بين إفناء وإبقاء. # قوله جل ذكره: ms0857 ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 47] # وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47) # «1» جعل الليل وقتا لسكون قوم ووقتا لانزعاج آخرين فأرباب الغفلة يسكنون ~~فى ليلهم، والمحبون يسهرون فى ليلهم إن كانوا فى روح الوصال، فلا يأخذهم ~~النوم لكمال أنسهم، وإن كانوا فى ألم الفراق فلا يأخذهم النوم لكمال قلقهم، ~~فالسهر للأحباب صفة: إما لكمال السرور أو لهجوم الهموم. ويقال جعل النوم ~~للأحباب وقت التجلى بما لا سبيل إليه فى اليقظة، فإذا رأوا ربهم فى المنام ~~يؤثرون النوم على السهر «2» ، قال قائلهم: # وإنى لأستغفى وما بي نعسة ... لعل خيالا منك يلقى خياليا # وقال قائلهم: # رأيت سرور قلبى فى منامى ... فأحببت التنعس والمناما # ويقال النوم لأهل الغفلة عقوبة ولأهل الاجتهاد رحمة فإن الحق- سبحانه- ~~يدخل عليهم النوم ضرورة رحمة منه بنفوسهم ليستريحوا من كد المجاهدة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 48 الى 49] # وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا ~~(48) لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) ~~PageV02P639 # يرسل رياح الكرم فتهب على قلوب ذوى الحاجات فتزعجها إلى طلب مباره، ويرسل ~~رياح الولاية فتهب على قلوب الخواص فتطهرها من جميع الإرادات فتكفى بالله ~~لله، ويرسل رياح الخوف على قلوب العصاة فتحملهم على الندم، وتطهرها من ~~الإصرار فترجع إلى التوبة، ويرسل رياح الاشتياق على قلوب الأحباب فتزعجها ~~عن المساكنات، وتطهرها عن كل شىء إلا عن اللواعج فلا تستقر إلا بالكشف ~~والتجلى. # ويقال إذا تنسم القلب نسيم القرب هام فى ملكوت الجلال، وامتحى عن كل ~~مرسوم ومعهود. # قوله جل ذكره: وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه ~~مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس ~~إلا كفورا. # أنزل من السماء ماء المطر فأحيا به الغياض والرياض، وأنبت به الأزهار ~~والأنوار، وأنزل من السماء ماء الرحمة فغسل العصاة ما تلطخوا به من ~~الأوضار، وما تدنسوا به من الأوزار. # و «الطهور» هو الطاهر المطهر، وماء الحياء يطهر قلوب العارفين عن ms0858 الجنوح ~~إلى المساكنات، وما يتداخلها فى بعض الأحيان من الغفلات. وماء الرعاية يحيي ~~به قلوب المشتاقين بما يتداركها من أنوار التجلى حتى يزول عنها عطش ~~الاشتياق ويحصل فيها من سكينة الاستقلال، ويحيى به نفوسا ميتة باتباع «1» ~~الشهوات فيردها إلى القيام بالعبادات. # قوله جل ذكره ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 51] # ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) PageV02P640 # إن الله- سبحانه- خص نبينا صلى الله عليه وسلم بأن فضله على الكافة، ~~وأرسله إلى الجملة، وبالا ينسخ شرعه إلى الأبد. وبهذه الآية أدبه بأدق ~~إشارة، حيث قال: # «ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا» وهذا كما قال: «ولئن شئنا لنذهبن ~~بالذي أوحينا إليك» «1» . # وقصد الحق أن يكون خواص عباده أبدا معصومين عن شواهدهم. # وفى القصة أن موسى عليه السلام تبرم وقتا بكثرة ما كان يسأل، فأوحى الله ~~فى ليلة واحدة إلى ألف نبى من بنى إسرائيل فأصبحوا رسلا، وتفرق الناس عن ~~موسى عليه السلام إليهم عليهم السلام، فضاق قلب موسى وقال: يا رب، إنى لا ~~أطيق ذلك! فقبض الله أرواحهم فى ذلك اليوم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 52] # فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا (52) # أي كن قائما بحقنا من غير أن يكون منك جنوح إلى غيرنا أو مبالاة بمن ~~سوانا، فإنا نعصمك بكل، وجه، ولا نرفع عنك ظل عنايتنا بحال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 53] # وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا ~~وحجرا محجورا (53) # البحر الملح لا عذوبة فيه، والعذب لا ملوحة فيه، وهما فى الجوهرية واحد، ~~ولكنه سبحانه- بقدرته- غاير بينهما فى الصفة، كذلك خلق القلوب بعضها معدن ~~اليقين والعرفان وبعضها محل الشك والكفران. # ويقال أثبت فى قلوب المؤمنين الخوف والرجاء، فلا الخوف يغلب الرجاء، ولا ~~الرجاء يغلب الخوف. PageV02P641 # ويقال خلق القلوب على وصفين: قلب المؤمن مضيئا (مشرقا «1» ) وقلب الكافر ~~أسود مظلما، هذا بنور الإيمان مزين، وهذا بظلمة الجحود معلم. # ويقال قلوب العوام فى أسر المطالب ورغائب الحظوظ، وقلوب الخواص معتقة عن ~~المطالب، مجردة عن رق الحظوظ. ms0859 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 54] # وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (54) # الخلق متشاكلون فى أصل الخلقة، متماثلون فى الجوهرية، متباينون فى الصفة، ~~مختلفون فى الصورة فنفوس الأعداء مطاياهم تسوقهم إلى النار، ونفوس المؤمنين ~~مطاياهم تحملهم إلى الجنة. والخلق بشر.. ولكن ليس كل بشر كبشر واحد عدو لا ~~يسعى إلا فى مخالفته، ولا يعيش إلا بنصيبه وحظه، ولا يحتمل الرياضة ولا ~~يرتقى عن حد الوقاحة والخساسة، وواحد ولى لا يفتر عن طاعته، ولا ينزل عن ~~همته، فهو فى سماء تعززه بمعبوده. # وبينهما للناس مناهل ومشارب فواحد يكون كما قال: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 55] # ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا ~~(55) # يكتفى بالمنحوت من الخشب، والمصنوع من الصخر، والمتخذ من النحاس، وكلها ~~جمادات لا تعقل ولا تسمع، ولا تضر ولا تنفع. # أما المؤمن فإن من صفاته أنه لا يلتفت إلى العرش- وإن علا، ولا ينقاد ~~بقلبه لمخلوق- وإن اتصف بمناقب لا تحصى PageV02P642 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 56] # وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) # رسولا منا، مأمورا بالإنذار والتبشير، واقفا حيث وقفناك على نعت التبليغ، ~~غير طالب منهم أجرا، وغير طامع فى أن تجد منهم حظا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 57] # قل ما أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) # «إلا» أداة استثناء منقطع إذ ابتغاؤهم السبيل إلى ربهم ليس بأجر يأخذه ~~منهم، فهو لمن أقبل بشير، ولمن أعرض نذير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 58] # وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (58) # التوكل تفويض الأمور إلى الله. وحقه وأصله علم العبد بأن الحادثات كلها ~~حاصلة من الله تعالى، وأنه لا يقدر أحد على الإيجاد غيره. # فإذا عرف هذا فهو فيما يحتاج إليه- إذا علم أن مراده لا يرتفع إلا من قبل ~~الله- حصل له أصل التوكل. وهذا القدر فرض، وهو من شرائط الايمان، فإن الله ~~تعالى يقول: # «وعلى الله ms0860 فتوكلوا إن كنتم مؤمنين» » # وما زاد على هذا القدر- وهو سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطرار- فهى ~~أحوال تلحق بالتوكل على وجه كماله. # فإن تقرر هذا فالناس فى الاكتفاء والسكون على أقسام، ولكل درجة من هذه ~~الأقسام اسم: إما من حيث الاشتقاق، أو من حيث الاصطلاح. # فأول رتبة فيه أن يكتفى بما فى يده، ولا يطلب زيادة عليه، ويستريح قلبه ~~من طلب الزيادة.. وتسمى هذه الحالة القناعة، وفيها يقف صاحيها حيث وقف، ~~ويقنع بالحاصل له PageV02P643 # فلا يستزيد. ثم اكتفاء كل أحد يختلف فى القلة والكثرة، وراحة قلوب هؤلاء ~~فى التخلص من الحرص وإرادة الزيادة. # ثم بعد هذا سكون القلب فى حالة عدم وجود الأسباب، فيكون مجردا عن الشيء، ~~ويكون فى إرادته متوكلا على الله. وهؤلاء متباينون فى الرتبة، فواحد يكتفى ~~بوعده لأنه صدقه فى ضمانه، فيسكن- عند فقد الأسباب- بقلبه ثقة منه بوعد ~~ربه.. ويسمى هذا توكلا، ويقال على هذا: إن التوكل سكون القلب بضمان الرب، ~~أو سكون الجأش فى طلب المعاش، أو الاكتفاء بوعده عند عدم نقده، أو الاكتفاء ~~بالوعد عند فقد النقد. # وألطف من هذا أن يكتفى بعلم أنه يعلم حاله فيشتغل بما أمره الله ويعمل ~~على طاعته ولا يراعى إنجاز ما وعده بل يكل أمره إلى الله.. وهذا هو ~~التسليم. # وفوق هذا التفويض «1» ، وهو أن يكل أمره إلى الله، ولا يقترح على مولاه ~~بحال، ولا يختار ويستوى عنده وجود الأسباب وعدمها فيشتغل بأداء ما ألزمه ~~الله ولا يفكر فى حال نفسه ويعلم أنه مملوك لمولاه والسيد أولى بعبده من ~~العبد بنفسه «2» . # فإذا ارتقى عن هذه الحالة، وجد راحة فى المنع واستعذب ما يستقبله من ~~الرد.. وتلك هى مرتبة الرضا «3» ويحصل له فى هذه الحالة من فوائد الرضا ~~ولطائفه مالا يحصل لمن دونه من الحلاوة فى وجود المقصود. PageV02P644 # وبعد هذا الموافقة وهى ألا يجد الراحة فى المنع، بل يجد بدل هذا عند نسيم ~~القرب زوائد الأنس بنسيان كل أرب، ونسيان وجود سبب أو عدم وجود سبب فكما أن ~~حلاوة الطاعة تتصاغر عند برد ms0861 الرضا- وأصحاب الرضا يعدون ذلك حجابا- فكذلك ~~أهل الأنس بالله.. بنسيان كل فقد ووجد، وبالتغافل عن أحوالهم فى الوجود ~~والعدم يعدون النزول إلى استلذاذ المنع، والاستقلال بلطائف الرضا نقصانا فى ~~الحال. # ثم بعد هذا استيلاء سلطان الحقيقة فيؤخذ العبد عن جملته بالكلية، ~~والعبارة عن هذه الحالة أنه يحدث الخمود والاستهلاك والوجود والاصطلام ~~والفناء.. وأمثال هذا، وذلك هو عين التوحيد، فعند ذلك لا أنس ولا هيبة، ولا ~~لذة ولا راحة، ولا وحشة ولا آفة. # هذا بيان ترتيبهم «1» . فأما ما دون ذلك فالخبر عن أحوال المتوكلين- على ~~تباين شربهم- يختلف على حسب اختلاف محالهم. # فيقال شرط التوكل أن يكون كالطفل فى المهد لا شىء من قبله إلا أن يرضعه ~~من هو فى حضانته «2» . # ويقال التوكل زوال الاستشراف، وسقوط الطمع، وفراغ القلب من تعب الانتظار. # ويقال التوكل السكون عند مجارى الأقدار على اختلافها. # ويقال إذا وثق القلب يجريان القسمة لا يضره الكسب، ولا يقدح فى توكله «3» ~~. # ويقال عوام المتوكلين إذا أعطوا شكروا، وإذا منعوا صبروا. وخواصهم إذا ~~أعطوا آثروا، وإذا منعوا شكروا. PageV02P645 # ويقال الحق يجود على الأولياء- إذا توكلوا- بتيسير السبب من حيث يحتسب ~~ولا يحتسب، ويجود على الأصفياء بسقوط الأرب ... وإذا لم يكن الأرب فمتى ~~يكون الطلب؟ # ويقال التوكل فى الأسباب الدنيوية إلى حد، فأما التوكل على الله فى ~~إصلاحه- سبحانه- أمور آخرة العبد فهذا أشد غموضا، وأكثر خفاء. فالواجب فى ~~الأسباب الدنيوية أن يكون الشكون عن طلبها غالبا، والحركة تكون ضرورة أفأما ~~فى أمور الآخرة وما يتعلق بالطاعة فالواجب البدار والجد والانكماش، والخروج ~~عن أوطان الكسل والجنوح إلى الفشل. # والذي يتصف بالتواني فى العبادات، ويتباطؤ فى تلافى ما ضيعه من إرضاء ~~الخصوم والقيام بحق الواجبات، ثم يعتقد فى نفسه أنه متوكل على الله وأنه- ~~سبحانه- يعفو عنه فهو متهم معلول الحال، ممكور مستدرج، بل يجب أن يبذل ~~جهده، ويستفرغ وسعه. # ثم بعد ذلك لا يعتمد على طاعته، ولا يستند إلى سكونه وحركته، ويتبرأ بسره ~~من حوله وقوته. ثم يكون حسن الظن بربه، ومع حسن ظنه بربه لا ينبغى أن يخلو ~~من ms0862 مخافته، اللهم إلا أن يغلب على قلبهما يشغله فى الحال من كشوفات الحقائق ~~عن الفكرة فى العواقب فإن ذلك- إذا حصل- فالوقت غالب، وهو أحد ما قيل فى ~~معانى قولهم: الوقت سيف «1» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 59] # الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~الرحمن فسئل به خبيرا (59) # انتظم به الكون- والعرش من جملة الكون- ولم يتجمل الحق- سبحانه- بشىء ~~PageV02P646 # من إظهار بريته فعلوه على العرش بقهره وقدرته، واستواؤه بفعل خص به العرش ~~بتسوية أجزائه وصورته «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 60] # وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم ~~نفورا (60) # أقبل الحق- سبحانه- بلطفه وبفضله على أقوام فلذلك وجدوه، وأعرض عن آخرين ~~بتكبره وتعززه فلذلك جحدوه فطرهم على سمة البعد، وعجن طينتهم بماء الشقاوة ~~والصد، فلما أظهرهم ألبسهم صدار الجهل والجحد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 61] # تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (61) # زين السماء الدنيا بمصابيح، وخلق فيها البروج، وبث فيها الكواكب، وصان عن ~~الفطور والتشويش أقطارها ومناكبها، وأدار بقدرته أفلاكها، وأدام على ما ~~أراد إمساكها. # وكما أثبت فى السماء بروجا (أثبت فى سماء قلوب أوليائه وأصفيائه بروجا) ~~«2» فبروج السماء معدودة وبروج القلب مشهودة. # وبروج السماء (بيوت) «3» شمسها وقمرها ونجومها، وبروج القلوب مطالع ~~أنوارها ومشارق شموسها ونجومها. وتلك النجوم التي هى نجوم القلوب كالعقل، ~~والفهم والبصيرة والعلم، وقمر القلوب المعرفة. PageV02P647 # قمر السماء له نقصان ومحاق، وفى بعض الأحايين هو بدر بوصف الكمال، وقمر ~~المعرفة أبدا له إشراق وليس له نقصان أو محاق، ولذا قال قائلهم: # دع الأقمار تخبو أو تنير ... لها بدر تذل له البدور # فأما شمس القلوب فهى التوحيد، وشمس السماء تغرب ولكن شمس القلوب لا تغيب ~~ولا تغرب، وفى معناه قالوا: # إن شمس النهار تغرب بالليل ... وشمس القلوب ليست تغيب # ويصح أن يقال إن شمس النهار تغرب بالليل، وشمس القلوب سلطانها فى الضوء ~~والطلوع بالليل أتم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 62] # وهو الذي جعل ms0863 الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62) # الأوقات متجانسة، وتفضيلها بعضها على بعض على معنى أن الطاعة فى البعض ~~أفضل والثواب عليها أكثر. والليل خلف النهار والنهار خلف الليل، فمن وقع له ~~فى طاعة الليل خلل فإذا حضر بالنهار فذلك وجود جبرانه، وإن حصل فى طاعة ~~النهار خلل فإذا حضر بالليل ففى ذلك إتمام لنقصانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 63] # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما (63) # الذين استوجبوا رحمة الرحمن هم الذين وفقوا للطاعات، فبرحمته وصلوا إلى ~~التوفيق للطاعة. وعباد الرحمن الذين يستحقون غدا رحمته هم القائمون برحمته ~~فبرحمته وصلوا إلى طاعته.. هكذا بيان الحقيقة، وبطاعتهم وصلوا إلى جنته.. ~~هكذا لسان الشريعة. # ومعنى «هونا» متواضعين متخاشعين # PageV02P648 # ويقال شرط التواضع وحده ألا يستحسن شيئا من أحواله، حتى قالوا «1» : إذا ~~نظر إلى رجله لا يستحسن شسع نعله، وعلى هذا القياس لا يساكن أعماله، ولا ~~يلاحظ أحواله. # قوله: «وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما» : قيل سداد المنطق ويقال من ~~خاطبهم بالقدح فهم يجاوبونه بالمدح له. # ويقال إذا خاطبهم الجاهلون بأحوالهم، الطاعنون فيهم، العائبون لهم قابلوا ~~ذلك بالرفق، وحسن الخلق، والقول الحسن والكلام الطيب. # ويقال يخبرون من جفاهم أنهم فى أمان من المجافاة «2» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 64] # والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) # يبيتون لربهم ساجدين، ويصبحون واجدين فوجد صباحهم ثمرات سجود أرواحهم، ~~كذا فى الخبر: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» أي عظم ماء، وجهه ~~عند الله، وأحسن الأشياء ظاهر بالسجود محسن وباطن بالوجود مزين. # ويقال متصفين بالسجود قياما بآداب الوجود. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 65 الى 66] # والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) إنها ~~ساءت مستقرا ومقاما (66) # يجتهدون غاية الاجتهاد، ويستفرغون نهاية الوسع، وعند السؤال ينزلون منزلة ~~العصاة، ويقفون موقف أهل الاعتذار، ويخاطبون بلسان التنصل «3» كما قيل: # وما رمت الدخول عليه حتى ... حللت محلة العبد الذليل PageV02P649 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 67] # والذين ms0864 إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) # الإسراف أن تنفق فى الهوى وفى نصيب النفس، فأما ما كان لله فليس فيه ~~إسراف، والإقتار ما كان ادخارا عن الله. فأما التضييق على النفس منعا لها ~~عن اتباع الشهوات ولتتعود الاجتزاء باليسير فليس بالإقتار المذموم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 68] # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) # «1» «إلها آخر» : فى الظاهر عبادة الأصنام المعمولة من الأحجار، المنحوتة ~~من الأشجار. # وكما تتصف بهذا النفوس والأبشار فكذلك توهم المبار والمضار من الأغيار ~~شرك. # «ولا يقتلون النفس ... » من النفوس المحرم قتلها على العبد نفسه ~~المسكينة، قال تعالى: «ولا تقتلوا أنفسكم» «2» . وقتل النفس من غير حق ~~تمكينك لها من اتباع ما فيه هلاكها فى الآخرة فإن العبد إذا لم ينه مأمور. ~~PageV02P650 # ثم دليل الخطاب أن تقتلها بالحق «1» ، وذلك بذبحها بسكين المخالفات، فما ~~فلاحك إلا بقتل نفسك التي بين جنبيك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 69] # يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) # يضاعف لهم العذاب يوم القيامة بحسرات الفرقة وزفرات الحرقة. وآخرون يضاعف ~~لهم العذاب اليوم بتراكم الخذلان ووشك الهجران ودوام الحرمان. بل من كان ~~مضاعف العذاب فى عقباه فهو الذي يكون مضاعف العذاب فى دنياه جاء فى الخبر: ~~من كان بحالة لقى الله بها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 70] # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان ~~الله غفورا رحيما (70) # إلا من تاب من الذنب فى الحال وآمن فى المآل. # ويقال «وآمن» أن نجاته بفضل الله لا بتوبته، «وعمل عملا صالحا» لا ينقض ~~توبته. # ويقال إن نقض توبته عمل صالحا أي جدد توبته «فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات» . ويخلق لهم التوفيق بدلا من الخذلان «2» . # ويقال يبدل الله سيئاتهم محسنات فيغفر لهم ويثيبهم على توبتهم. # ويقال يمحو ذلة زلاتهم، ويثبت بدلها الخيرات والحسنات، وفى معناه أنشدوا: # ولما رضوا بالعفو ms0865 عن ذى زلة ... حتى أنالوا كفه وأفادوا # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 72 الى 73] # والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ~~ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) PageV02P651 # يستمكنون فى مواطن الصدق لا يبرحون عنها ليلا ونهارا، وقولا وفعلا. وإذا ~~مروا بأصحاب الزلات ومساكن المخالفات مروا متمكنين معرضين لا بساكنون أهل ~~تلك الحالة. # ويقال نزلت الآية فى أقوام مروا- لما دخلوا مكة بأبواب البيوت التي كانوا ~~يعبدون فيها الأصنام مرة- متكرمين دون أن يلاحظوها أو يلتفتوا إليها فشكر ~~الله لهم ذلك. # ثم قال فى صفتهم: «والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما ~~وعميانا» : # بل قابلوها بالتفكير والتأمل، واستعمال النظر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 74] # والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين ~~إماما (74) # قرة العين من به حياة الروح، وإنما يكون كذلك إذا كان بحق الله قائما. # ويقال قرة العين من كان لطاعة ربه معانقا، ولمخالفة أمره مفارقا. # «واجعلنا للمتقين إماما» الإمام من يقتدى به ولا يبتدع. # ويقال إن الله مدح أقواما ذكروا رتبة الإمامة فسألوها بنوع تضرع، ولم ~~يدعوا فيها اختيارهم فالإمامة بالدعاء لا بالدعوى، فقالوا: «واجعلنا ~~للمتقين إماما» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 75] # أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) # يعطى- سبحانه- الكثير من عطائه ويعده قليلا، ويقبل اليسير من طاعة العبد ~~ويعده كثيرا عظيما، يعطيهم الجنة قصورا وحورا ثم يقول: «أولئك يجزون ~~الغرفة» ، ويقبل اليسير من العبد فيقول: «فجاء بعجل سمين» «1» . ~~PageV02P652 # قوله: «ويلقون فيها تحية وسلاما» : يسمعون سلامه عليهم بلا واسطة، ويتجلى ~~لهم ليروه من غير تكلف نقل، ولا تحمل قطع مسافة «1» ويقال «هل جزاء الإحسان ~~إلا الإحسان» «2» : اليوم يحضر العبد بيته لأداء العبادة، وينقل أقدامه إلى ~~المساجد، وغدا يجازيهم بأن يكفيهم قطع المسافة، فهم على أرائكهم- فى مستقر ~~عزهم- يسمعون كلام الله، وينظرون إلى الله. # قوله: «بما صبروا» أي صبروا عما نهوا عنه، وصبروا على الأحكام التي ~~أجراها عليهم بترك اختيارهم، وحسن الرضا بتقديره. # قوله ms0866 جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 76] # خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (76) # مقيمين لا يبرحون منازلهم «3» ، وفى أحوالهم حسن مستقرهم مستقرا، وحسن ~~مقامهم مقاما. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفرقان (25) : آية 77] # قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما (77) # لولا عبادتكم الأصنام ودعاؤكم إياها باستحقاق العبادة وتسميتكم لها ~~آلهة.. متى كان يخلدكم فى النار؟. # ويقال لولا تضرعكم ودعاؤكم بوصف الابتهال لأدام بكم البلاء، ولكن لما ~~أخذتم فى الاستكانة والدعاء، وتضرعتم رحمكم وكشف الضر عنكم. PageV02P653 # تم المجلد الثاني ويلية المجلد الثالث وأوله سورة الشعراء # PageV02P654 ### | فهرس # سورة التوبة 5 سورة يونس 76 سورة هود 120 سورة يوسف 164 سورة الرعد 215 ~~سورة إبراهيم 238 سورة الحجر 262 سورة النحل 284 سورة بنى إسرائيل 333 سورة ~~الكهف 375 سورة مريم 418 سورة طه 444 سورة الأنبياء 491 سورة الحج 527 سورة ~~المؤمنون 566 سورة النور 592 سورة الفرقان 625 # PageV02P655 # [الجزء الثالث] # بسم الله الرحمن الرحيم «طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين» ... تلك دلالات ~~كرمنا، وأمارات فضلنا، وشواهد برنا نبين لأوليائنا صدق وعدنا، ونحقق ~~للأصفياء حفظ عهدنا. # بطهارة قدسى وسناء عزى لا أخيب أمل من أمل لطفى، بوجود برى تطيب قلوب ~~أوليائى، وبشهود وجهى تغيب أسرار أصفيائى. # طلب القاصدين مقابل بلطفي، وسعى العاملين مشكور بعطفى. # هذا الكتاب بيان وشفاء، ونور وضياء، وبشرى ودليل لمن حققنا له الإيمان، ~~وأكدنا له الضمان، وكفلنا له الإحسان» عبد الكريم القشيري عند سورة النمل # PageV03P003 ### | السورة التي يذكر فيها الشعراء # بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله اسم عزيز يرتضى من الزاهد ترك دنياه، ~~ومن العابد مخالفة هواه، ومن القاصد قطع مناه، ولا يرضى من العارف أن يساكن ~~شيئا غير مولاه. إن خرج عن كل مرسوم- بالكلية، وانسلخ عن كل معلوم- من غير ~~أن تبقى له منه بقية فلعله يجد شظية. وإن عرج على شىء، ولم يصف من ~~الكدورات- حتى عن يسيرها- وإن دق- فإنه كما في الخبر: «المكاتب عبد ما بقى ~~عليه درهم» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشعراء (26) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم ms0867 # طسم (1) # ذكرنا فيما مضى اختلاف السلف في الحروف المقطعة فعند قوم: الطاء إشارة ~~إلى طهارة عزه وتقدس علوه، والسين إشارة ودلالة على سناء جبروته، والميم ~~دلالة على مجد جلاله فى آزاله. # ويقال الطاء إشارة إلى شجرة طوبى، والسين إلى سدرة المنتهى، والميم إلى ~~اسم محمد صلى الله عليه وسلم أي ارتقى محمد ليلة الإسراء عن شهوده شجرة ~~طوبى حتى بلغ سدرة المنتهى، فلم يساكن شيئا من المخلوقات في الدنيا والعقبى ~~«1» . PageV03P005 # ويقال الطاء طرب أرباب الوصلة على بساط القرب بوجدان كمال الروح، والسين ~~سرور العارفين بما كوشفوا به من بقاء الأحدية باستقلالهم بوجوده «1» والميم ~~إشارة إلى موافقتهم لله بترك التخير على الله، وحسن الرضا باختيار الحق ~~لهم. # ويقال الطاء إشارة إلى طيب قلوب الفقراء عند فقد الأسباب لكمال العيش ~~بمعرفة وجود الرزاق بدل طيب قلوب العوام بوجود الأرفاق والأرزاق. # ويقال الطاء إشارة إلى طهارة أسرار أهل التوحيد، والسين إشارة إلى سلامة ~~قلوبهم عن مساكنة كل مخلوق، والميم إشارة إلى منة الحق عليهم بذلك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 3] # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (3) # أي لحرصك على إيمانهم ولإشفاقك من امتناعهم عن الإيمان فأنت قريب من أن ~~تقتل نفسك من الأسف على تركهم الإيمان. # فلا عليك- يا محمد- فإنه لا تبديل لحكمنا فمن حكمنا له بالشقاوة لا يؤمن. # ليس عليك إلا البلاغ فإن آمنوا فبها، وإلا فكلهم «2» سيرون يوم الدين ما ~~يستحقون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 4] # إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4) # أخبر عن قدرته على تحصيل مراده من عباده، فهو قادر على أن يؤمنوا كرها ~~لأن التقاصر عن تحصيل المراد يوجب النقص والقصور في الألوهية. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 5 الى # 6] # وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) فقد كذبوا ~~فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزؤن (6) . PageV03P006 # أي ما نجدد لهم شرعا، وما نرسل لهم رسولا.. إلا أعرضوا عن تأمل برهانه، ~~وقابلوه بالتكذيب. فلو أنهم أنعموا النظر في ms0868 آيات الرسل لا تضح لهم صدقهم، ~~ولكن المقسوم لهم من الخذلان في سابق الحكم يمنعهم من الإيملن والتصديق. ~~فقد كذبوا، وعلى تكذيبهم أصروا، فسوف تأتيهم عاقبة أعمالهم بالعقوبة ~~الشديدة، فيذوقون وبال شركهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 7 الى # 9] # أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) إن في ذلك لآية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين (8) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9) # فنون ما ينبت في الأرض وقت الربيع لا يأتى عليه الحصر، ثم اختصاص كل شىء ~~منها بلون وطعم ورائحة مخصوصة، ولكل شكل وهيئة ونور مخصوص، وورق مخصوص ... ~~إلى ما تلطف عنه العبارة، وتدق فيه الإشارة. وفي ذلك آيات لمن استبصر، ونظر ~~وفكر. # «وإن ربك لهو العزيز» : القاهر الذي لا يقهر، القادر الذي لا يقدر، ~~المنيع الذي لا يجبر. # «الرحيم» : المحسن لعباده، المريد لسعادة أوليائه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 10 الى 11] # وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) قوم فرعون ألا يتقون (11) # أخبر أنه لما أمره بالذهاب إلى فرعون لدعوته إلى الله علم أنه شديد ~~الخصومة، قد غرته نفسه فهو لا يبالى بما فعل. وأخذ (موسى) «1» يتعلل- لا ~~على جهة الإباء والمخالفة- ولكن على وجه الاستعفاء والإقالة إلى أن علم أن ~~الأمر به جزم، والحكم به عليه حتم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 12 الى 15] # قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى ~~هارون (13) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (14) قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا ~~معكم مستمعون (15) PageV03P007 # سأل موسى- عليه السلام- أن يشفعه بهارون ويشركه في الرسالة. وأخبر أنه ~~قتل نفسا، وأنه في حكم فرعون عليه دم، فقال: «فأخاف أن يقتلون» إلى أن قال ~~له الحق: - «قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون» «كلا» حرف ردع ~~وتنبيه أي كلا أن يكون ذلك كما توهمت، فارتدع عن تجويز ذلك، وانتبه لغيره. ~~إنى معكما بالنصرة والقوة والكفاية والرحمة، واليد ستكون لكما، والسلطان ~~سيكون لكما دون غيركما، فأنا أسمع ما تقولون وما يقال لكم، ms0869 وأبصر ما يبصرون ~~وما تبصرون أنتم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 16 الى 19] # فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (16) أن أرسل معنا بني إسرائيل ~~(17) قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) وفعلت فعلتك ~~التي فعلت وأنت من الكافرين (19) # ويقال في القصة: إن موسى وهارون كانا يترددان على باب فرعون سنة كاملة ~~ولم يجدا طريقا إليه: ثم بعد سنة عرضا الرسالة عليه، فقابلهما بالتكذيب، ~~وكان من القصة ما كان.. # وقال فرعون لما رأى موسى: ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 20 الى 21] # قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (20) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي ~~حكما وجعلني من المرسلين (21) # فلم يكن لموسى- عليه السلام- جواب إلا الإقرار والاعتراف، فقال: # «قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما ~~وجعلني من المرسلين» قال: كل ذلك قد كان، وفررت منكم لما خفتكم، فأكرمنى ~~الله بالنبوة، وبعثني رسولا إليكم.. # PageV03P008 # ويقال: لم يجحد حق تربيته، والإحسان إليه في الظاهر، ولكن بين أنه إذا ~~أمر الله بشىء وجب اتباع أمره. ولكن إذا كانت تربية المخلوقين توجب حقا ~~فتربية الله أولى بأن يعظم العبد قدرها «1» . # قوله: «ففررت منكم لما خفتكم» : يجوز حمله على ظاهره، وأنه خاف منهم على ~~نفسه. # والفرار- عند عدم الطاقة- غير مذموم عند كل أحد «2» . # ويقال: فررت منكم لما خفت أن تنزل بكم عقوبة من الله لشؤم شرككم، أو من ~~قول فرعون: «ما علمت لكم من إله غيري» «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 22] # وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22) # ذكر فرعون- من جملة ما عد على موسى من وجوه الإحسان إليه- أنه استحياه ~~بين بنى إسرائيل، ودفع عنه القتل، فقال موسى: أو تلك نعمة تمنها علي؟ هل ~~استعبادك لبنى إسرائيل يعد نعمة؟ إن ذلك ليس بنعمة، ولا لك فيها منة» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 23] # قال فرعون وما رب العالمين (23) # نظر اللعين بجهله، وسأل على النحو الذي يليق بغيه فسأل بلفظ «ما» - و ~~«ما» يستخبر بها عما لا يعقل، ms0870 فقال: «وما رب العالمين؟» . # ولكن موسى أعرض عن لفظه ومقتضاه، وأخبر عما يصح في وصفه تعالى فقال: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 24] # قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (24) . PageV03P009 # فذكر صفته- سبحانه وتعالى- بأنه إله ما في السماوات والأرض، فأخذ فى ~~التعجب، وقال: ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 25 الى 26] # قال لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب آبائكم الأولين (26) # قال موسى: «ربكم ورب آبائكم الأولين» فحاد فرعون عن سنن الاستقامة في ~~الخطاب، وأخذ في السفاهة قائلا: ### | ### | [سورة الشعراء (26) : آية # 27] # قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) # لأنه «1» يزعم أن هناك إلها غيره. ولم يكن في شىء مما يجرى من موسى- عليه ~~السلام- أو مما يتعلق به وصف جنون. ولم يشغل بمجاوبته في السفاهة فقال: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 28] # قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) # أي إن كنتم من جملة من له عقل وتمييز. فقال فرعون: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 29] # قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29) # مضى فرعون يقول: لأفعلن، ولأصنعن ... إن اتخذت إلها غيرى. وجرى ما جرى ~~ذكره وشرحه في غير موضع. # ثم إنه أظهر معجزته بإلقاء العصا، وقلبها- سبحانه- ثعبانا كاد يلتقم دار ~~فرعون بمن فيها، ووثب فرعون هاربا، واختفى تحت سريره، وهو ينتفض من الخوف، ~~وتلطخت بزته «2» ، وافتضح في دعواه، واتضحت حالته، فاستغاث بموسى واستجاره، ~~وأخذ موسى الثعبان فرده الله عصا. PageV03P010 # ولما فارقه موسى- عليه السلام- تداركته الشقاوة، وأدركه شؤم الكفر، ~~واستولى عليه الحرمان، فجمع قومه وكلمهم في أمره، وأجمعوا كلهم على أنه ~~سحرهم. وبعد ظهور تلك الآية عاد إلى غيه.. كما قيل: # إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذى الضنى عاد إلى نكسه # ثم إنه جمع السحرة، واستعان بهم، فلما اجتمعوا قالوا: «إن لنا لأجرا» . ~~فنطقوا بخساسة همتهم، فضمن لهم أجرهم. وإن من يعمل لغيره بأجرة ليس كمن ~~يكون عمله لله. # ومن لا يكون له ناصر إلا بضمان الجعالة وبذل الرشا فعن قريب سيخذل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 42] # قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42) # قال فرعون: «وإنكم إذا لمن المقربين» ، ومن ms0871 طلب القربة عند مخلوق فإن ما ~~يصل إليه من الذل يزيد على ما أمله من العز في ذلك التقرب. والمقربون من ~~الله أول من يدخل عليه يوم اللقاء، فهم أول من لهم وصول. والمقربون من الله ~~لهم على الله دخلة، والناس بوصف الغفلة والخلق في أسر الحجبة. # ثم لما اجتمع الناس، وجاء السحرة بما موهوا، التقمت عصا موسى جميع ما ~~أتوا به، وعادت عصا، وتلاشت أعيان حبالهم «1» التي جاءوا بها، وكانت ~~أوقارا، وألقى السحرة سجدا، ولم يختلفوا «2» بتهديد فرعون إياهم بالقتل ~~والصلب والقطع، فأصبحوا وهم يقسمون بعزة فرعون، ولم يمسوا حتى كانوا ~~يقولون: «لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات «3» » . # ثم لما ساعدهم التوفيق، وآمنوا بالله كان أهم أمورهم الاستغفار لما سلف ~~من ذنوبهم، وهذه هي غاية همه الأولياء، أن يستجيروا بالله، وأن يستعيذوا من ~~عقوبة الله، فأعرفهم بالله أخوفهم من الله. PageV03P011 # ولما أمر الله موسى بإخراج بنى إسرائيل، وتبعهم فرعون بجمعه، وقال أصحاب ~~موسى. ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 61 الى 62] # فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) قال كلا إن معي ربي ~~سيهدين (62) # فكان كما قال، إذ هداهم الله وأنجاهم، وأغرق فرعون وقومه وأقصاهم، وقد ~~قال سبحانه: «واعلموا أن الله مع المتقين» «1» : ينجيهم من كل بلاء، ويخصهم ~~بكل نعمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 69 الى 74] # واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (70) قالوا ~~نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ~~ينفعونكم أو يضرون (73) # قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) # عاتب «2» ابراهيم أباه وقومه، وطالبهم بالحجة على ما عابهم به وقال لم ~~تعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر، ولا يحس ولا يشعر؟ فلم ~~يرجعوا في الجواب إلا إلى تقليدهم أسلافهم، وقالوا: # على هذه الجملة وجدنا أسلافنا. فنطق إبراهيم- عليه السلام- بعد إقامة ~~الحجة عليهم والإخبار عن قبيح صنيعهم بمدح مولاه والإغراق في وصفه، وقال: ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 75 الى 77] # قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو ms0872 ~~لي إلا رب العالمين (77) . PageV03P012 # ذكرهم بأقل عبارة فلم يقل: فإنهم أعداء لى، بل وصفهم بالمصدر الذي يصلح ~~أن يوصف به الواحد والجماعة فقال: «فإنهم عدو لي» . # ثم قال: «إلا رب العالمين» ، وهذا استثناء منقطع، وكأنه يضرب بلطف عن ~~ذكرهم صفحا حتى يتوصل إلى ذكر الله، ثم أخذ في شرح وصفه كأنه لا يكاد يسكت، ~~إذ مضى يقول: والذي.. والذي.. والذي..، ومن أمارات المحبة كثرة ذكر محبوبك، ~~والإعراض عن ذكر غيره، فتنزه المحبين بتقلبهم في رياض ذكر محبوبهم، والزهاد ~~يعددون أورادهم، وأرباب الحوائج يعددون مآربهم، فيطنبون في دعائهم، ~~والمحبون يسهبون في الثناء على محبوبهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشعراء (26) : آية # 78] # الذي خلقني فهو يهدين (78) # كان مهتديا، ولكنه يقصد بالهداية التي ذكرها فيما يستقبله من الوقت، أي: ~~يهدينى إليه به، فإنى محق في وجوده وليس لى خبر عنى!. # والقوم حين يكونون مستغرقين في نفوسهم لا يهتدون من نفوسهم إلى معبودهم، ~~فيهديهم عنهم إلى ربهم، ويصيرون في نهايتهم مستهلكين في وجوده، فانين عن ~~أوصافهم، وتصير معارفهم- التي كانت لهم- واهية ضعيفة، فيهديهم إليه «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 79] # والذي هو يطعمني ويسقين (79) # لم يشر إلى طعام معهود أو شراب مألوف ولكن أشار إلى استقلاله به من حيث ~~المعرفة بدل استقلال غيره بطعامهم، وإلى شراب محبته الذي يقوم بدل استقلال ~~غيره بشرابهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 80] # وإذا مرضت فهو يشفين (80) # لم يقل: وإذا أمرضنى لأنه حفظ أدب الخطاب. PageV03P013 # ويقال لم يكن ذلك مرضا معلوما، ولكنه أراد تمارضا، كما يتمارض الأحباب ~~طمعا فى العيادة، قال بعضهم: # إن كان يمنعك الوشاة زيارتى ... فادخل علي بعلة العواد # ويقول آخر: # يود بأن يمشى سقيما لعلها ... إذا سمعت منه بشكوى تراسله # ويقال ذلك الشفاء الذي أشار إليه الخليل هو أن يبعث إليه جبريل ويقول له: ~~يقول لك مولاك ... كيف كنت البارحة؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشعراء (26) : آية # 81] # والذي يميتني ثم يحيين (81) # أضاف الموت إلى الله فالموت فوق المرض لأن الموت لهم غنيمة ونعمة إذ ~~يصلون إليه ms0873 «1» بأرواحهم. # ويقال «يميتني» بإعراضه عنى وقت تعززه، «ثم يحيين» بإقباله علي حين ~~تفضله. ويقال يميتنى عنى ويحيينى به. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 82] # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) # خطيئة الأحباب شهودهم محنتهم، وتعنيهم عند شدة البلاء عليهم، وشكواهم مما ~~يمسهم من برحاء الاشتياق، قال بعضهم: # وإذا محاسنى- اللاتي أدل بها- كانت ذنوبى ... فقل لى: كيف أعتذر؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 83] # رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83) # «هب لي حكما» : على نفسى، فإن من لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره. # «وألحقني بالصالحين» : فأقوم بحقك دون الرجوع إلى طلب الاستقلال بشىء دون ~~حقك. PageV03P014 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 84] # واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84) # فى التفاسير: «لسان صدق» : أي ثناء حسنا على لسان أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # ويقال لا أذكرك إلا بك، ولا أعرفك إلا بك. # ويقال أن أذكرك ببيان آلائك «1» ، وأذكرك بعد قبض روحى إلى الأبد بذكر ~~مسرمد. # ويقال أذكرنى على لسان المخبرين عنك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 86] # واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86) # على لسان العلماء: قاله بعد يأسه من إيمان أبيه، وأما على لسان الإشارة ~~فقد ذكره فى وقت غلبات البسط، ويتجاوز ذلك عنهم «2» . # وليست إجابة العبد واجبا على الله في كل شىء، فإذا لم يجب فإن للعبد سلوة ~~في ذكر أمثال هذا الخطاب، وهذا لا يهتدى إليه كل أحد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 87] # ولا تخزني يوم يبعثون (87) # أي لا تخجلنى بتذكيرى خلتى، فإن شهود ما من العبد- عند أرباب القلوب ~~وأصحاب الخصوص- أشد عقوبة «3» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 88 الى # 89] # يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89) # قيل: «القلب السليم» اللديغ. # وقيل هو الذي سلم من الضلالة ثم من البدعة ثم من الغفلة ثم من الغيبة ثم ~~من الحجبة ثم من المضاجعة ثم من المساكنة ثم من الملاحظة. هذه كلها آفات ~~«4» ، والأكابر سلموا منها، والأصاغر امتحنوا بها. ms0874 PageV03P015 # ويقال: «القلب السليم» الذي سلم من إرادة نفسه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 90 الى # 91] # وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) # «أزلفت» : أي قربت وأدنيت في الوقت، فإن ماهو آت قريب، وبالعين أحضرت. ~~وكما تجر النار إلى المحشر بالسلاسل فلا يبعد إدناء الجنة من المتقين. # «وبرزت الجحيم للغاوين» أظهرت فتؤكد الحجة على أرباب الجحود، ويعرضون على ~~النار، وتعرض عليهم منازل الأشرار، فيكبكبون فيها أجمعين، ويأخذون يقرون ~~بذنوبهم، ومن جملتها ما أخبر أنهم يقولون: - ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 97 الى 98] # تالله إن كنا لفي ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98) # ولا فضيحة أقبح ولا عيب فيهم أشنع مما يعترفون به على أنفسهم بقولهم: «إذ ~~نسويكم برب العالمين» فإن أقبح أبواب الشرك وأشنع أنواع الكفر وأقبح ~~أحوالهم- التشبيه فى صفة المعبود. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 100 الى 101] # فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم (101) # فى بعض الأخبار «1» : يجىء- يوم القيامة- عبد يحاسب فتستوى حسناته ~~وسيئاته ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنها خصومه، فيقول الله- سبحانه: ~~عبدى.. بقيت لك حسنة واحدة، إن كانت أدخلتك الجنة.. أنظر.. وتطلب من الناس ~~لعل واحدا يهب لك حسنة واحدة. فيأتى العبد في الصفين، ويطلب من أبيه ثم من ~~أمه ثم من أصحابه، ويقول لكل واحد في بابه فلا يجيبه أحد، فالكل يقول له: ~~أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق- سبحانه: ~~ماذا جئت به؟ PageV03P016 # فيقول: يا رب.. لم يعطنى أحد حسنة من حسناته. # فيقول الله- سبحانه: عبدى.. ألم يكن لك صديق (في) «1» ؟ # فيتذكر العبد ويقول: فلان كان صديقا لى. # فيدله الحق عليه، فيأتيه ويكلمه في بابه، فيقول: بلى، لى عبادات كثيرة ~~قبلها اليوم فقد وهبتك منها، فيسير هذا العبد ويجىء إلى موضعه، ويخبر ربه ~~بذلك، فيقول الله- سبحانه: قد قبلتها منه، ولن أنقص من حقه شيئا، وقد غفرت ~~لك وله، وهذا معنى قوله: # «فما لنا من شافعين ولا صديق حميم» قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 105 الى 111] # كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ms0875 ألا تتقون (106) إني ~~لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين (109) # فاتقوا الله وأطيعون (110) قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) # ذكر قصة نوح وما لقى من قومه، وأنهم قالوا: - «قالوا أنؤمن لك واتبعك ~~الأرذلون؟» إن أتباع كل رسول إنما هم الأضعفون، لكنهم- فى حكم الله- هم ~~المتقدمون الأكرمون. قال عليه السلام: «نصرت بضعفائكم» . # وإن الله أغرق قومه لما أصروا واستكبروا. # وكذلك فعل بمن ذكرتهم الآيات في هذه السورة من عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب ~~مدين.. كل منهم قابلوا رسلهم بالتكذيب، فدمر الله عليهم أجمعين، ونصر رسوله ~~على مقتضى سنته الحميدة فيهم. وقد ذكر الله قصة كل واحد منهم ثم أعقبها ~~بقوله: - ### | ### | [سورة الشعراء (26) : آية # 122] # وإن ربك لهو العزيز الرحيم (122) # «العزيز» : القادر على استئصالهم، «الرحيم» الذي أخر العقوبة عنهم ~~بإمهالهم، ولم يقطع الرزق مع قبح فعالهم. PageV03P017 # وهو «عزيز» لم يستضر بقبيح أعمالهم، ولو كانوا أجمعوا على طاعته لما تجمل ~~بأفعالهم «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشعراء (26) : آية # 127] # وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (127) # أخبر عن كل واحد من الأنبياء أنه قال: «ما أسئلكم عليه من أجر» ليعلم ~~الكافة أن من عمل لله فلا ينبغى أن يطلب الأجر من غير الله. وفي هذا تنبيه ~~للعلماء- الذين هم ورثة الأنبياء- أن يتأدبوا بأنبيائهم، وألا يطلبوا من ~~الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم أنه من ~~ارتفق في بث ما يذكر به من الدين وما يعظ به المسلمين فلا يبارك الله للناس ~~فيما منه يسمعون، ولا للعلماء أيضا بركة فيما من الناس يأخذون، إنهم يبيعون ~~دينهم بعرض يسير، ثم لا بركة لهم فيه، إذ لا يبتغون به الله، وسيحصلون على ~~سخط الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 192 الى 195] # وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون ~~من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) # كلام الله «2» العزيز منزل على قلب الرسول- صلى الله عليه وسلم- فى ~~الحقيقة بسفارة جبريل عليه ms0876 السلام. والكلام من الله غير منفصل، وبغير الله ~~غير متصل.. وهو- على الحقيقة لا على المجاز- منزل. ومعناه أن جبريل- عليه ~~السلام- كان على السماء. فسمع من الرب، وحفظ، ونزل، وبلغ الرسول. فمرة كان ~~يدخل عليه حالة تأخذه عنه «3» عند PageV03P018 # نزول الوحى عليه. ثم يورد جبريل ذلك على قلبه. ومرة كان يتمثل له الملك ~~فيسمعه. # والرسول- صلوات الله عليه- يحفظه ويؤديه. والله- سبحانه ضمن له أنه ~~سيقرؤه حتى لا ينساه «1» . فكان يجمع الله الحفظ في قلبه. ويسهل له القراءة ~~عند لفظه. ولما عجز الناس بأجمعهم عن معارضته مع تحديه إياهم بالإتيان ~~بمثله.. علم صدقه في أنه من قبل الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشعراء (26) : آية # 196] # وإنه لفي زبر الأولين (196) # جميع ما في هذا الكتاب من الأخبار والقصص، وما في صفة الله من استحقاق ~~جلاله- موافق لما في الكتب المنزلة من قبل الله قبله، فمهما عارضوه فإنه ~~كما قال جل شأنه: ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 198 الى 201] # ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) ~~كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ~~(201) # «2» ثم أخبر أنه لو نزل هذا الكتاب بغير لسانهم وبلغة غير لغتهم لم ~~يهتدوا إلى ذلك، ولقالوا: لو كان بلساننا لعرفناه ولآمنا به، فأزاح عنهم ~~العلة، وأكد عليهم الحجة. # ثم أخبر عن صادق علمه بهم، وسابق حكمه بالشقاوة عليهم، وهو أنهم لا ~~يؤمنون به حتى يروا العذاب في القيامة، حين لا ينفعهم الإيمان ولا الندامة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 205 الى 209] # أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغنى ~~عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى ~~وما كنا ظالمين (209) # إن أرخينا لهم المدة، وأمهلناهم أزمنة كثيرة- وهم بوصف الغفلة- فما الذي ~~كان ينفعهم إذا أخذهم العذاب بغتة؟!. # ثم أخبر أنه لم يهلك أهل قرية إلا بعد أن جاءهم النذير وأظهر لهم ~~البينات، فإذا أصروا على كفرهم عذبهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 212] # إنهم عن السمع لمعزولون (212) . PageV03P019 # وجدوا السمع- الذي هو الإدراك- ولكن ms0877 عدموا الفهم، فلم يستجيبوا لما دعوا ~~إليه. فعند ذلك استوجبوا من الله سوء العاقبة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشعراء (26) : آية # 214] # وأنذر عشيرتك الأقربين (214) # وذلك تعريف له أنهم لا تنفعهم قرابتهم منه، ولا تقبل شفاعته- إن لم ~~يؤمنوا- فيهم. فليس هذا الأمر من حيث النسب، فهذا نوح لما كفر ابنه لم ~~تنفعه بنوته، وهذا الخليل إبراهيم عليه السلام لما كفر أبوه لم تنفعه ~~أبوته، وهذا محمد- عليه الصلاة والسلام- كثير من أقاربه كانوا أشد الناس ~~عليه في العداوة فلم تنفعهم قرابتهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 215] # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) # ألن جانبك وقاربهم في الصحبة، واسحب ذيل التجاوز على ما يبدر منهم من ~~التقصير، واحتمل منهم سوء الأحوال، وعاشرهم بجميل الأخلاق، وتحمل عنهم ~~كلهم، وارحمهم كلهم، فإن مرضوا فعدهم، وإن حرموك فأعطهم، وإن ظلموك فتجاوز ~~عنهم، وإن قصروا في حقى فاعف عنهم، واشفع لهم، واستغفر لهم «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 216] # فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون (216) # لا تفعل مثل فعلهم، وكل حسابهم إلينا إلا فيما أمرناك بأن تقيم فيه عليهم ~~حدا، فعند ذلك لا تأخذك رأفة تمنعك من إقامة حدنا عليهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 217] # وتوكل على العزيز الرحيم (217) # انقطع إلينا، واعتصم بنا، وتوسل إلينا بنا، وكن على الدوام بنا، فإذا قلت ~~فقل بنا، وإذا صلت فصل بنا، واشهد بقلبك- وهو في قبضتنا- تتحقق بأنك بنا ~~ولنا. # توكل على «العزيز» تجد العزة بتوكلك عليه في الدارين، فإن العزيز من وثق ~~بالعزيز. PageV03P020 # «الرحيم» الذي يقرب من تقرب إليه، ويجزل البر لمن توسل به إليه «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 218] # الذي يراك حين تقوم (218) # اقتطعه بهذه الآية عن شهود الخلق، فإن من علم أنه بمشهد من الحق راعى ~~دقائق أحواله، وخفايا أموره مع الحق «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 219] # وتقلبك في الساجدين (219) # هون عليه معاناة مشاق العبادة بإخباره برؤيته. ولا مشقة لمن يعلم أنه ~~بمرأى من مولاه، وإن حمل الجبال الرواسي على شفر «3» جفن العين ليهون عند ~~من ms0878 يشاهد ربه «4» . # ويقال «تقلبك في الساجدين» بين أصحابك، فهم نجوم وأنت بينهم بدر، أو هم ~~بدور وأنت بينهم شمس، أو هم شموس وأنت بينهم شمس الشموس. # ويقال: تقلبك في أصلاب آبائك من المسلمين الذين عرفوا الله، فسجدوا له ~~دون من لم يعرفوه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 220] # إنه هو السميع العليم (220) # «السميع» لأنين المحبين، «العليم» بحنين العارفين. # «السميع» لأنين المذنبين، «العليم» بأحوال المطيعين. PageV03P021 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 221 الى 223] # هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) يلقون ~~السمع وأكثرهم كاذبون (223) # بين أن الشياطين تتنزل على الكفار والكهنة «1» فتوحى إليهم بوساوسهم ~~الباطلة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 224 الى 226] # والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون (226) # لما ذكر الوحى وما يأتى به الملائكة من قبل الله ذكر ما يوسوس به ~~الشياطين إلى أوليائه، وألحق بهم الشعراء الذين في الباطل يهيمون، وفي ~~أعراض الناس يقعون، وفي التشبيهات- عن حد الاستقامة- يخرجون، ويعدون من ~~أنفسهم بما لا يوفون، وسبيل الكذب يسلكون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشعراء (26) : آية 227] # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ~~ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227) # فيكون شعره خاليا من هذه الوجوه المعلولة المذمومة «2» ، وهذا كما قيل: ~~الشعر كلام إنسان فحسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه. # قوله جل ذكره: «وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» . # سيعلم الذين ظلموا سوء ما عملوا، ويندمون على ما أسلفوا، ويصدقون بما ~~كذبوا. PageV03P022 ### | السورة التي يذكر فيها النمل # بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله اسم عزيز قصده العاصي لطلب التخفيف فصار ~~وزره مغفورا، اسم كريم قصده العابد لطلب التضعيف فصار أجره موفورا، اسم ~~جليل أمه الولي لطلب التشريف فصار سعيه مشكورا، اسم عزيز إن تعرض الفقير ~~لوجوده محقته العزة، وطوحته السطوة، فصار كأن لم يكن شيئا مذكورا. # جلت الأحدية.. فأنى بالوصول! وتقدست الصمدية.. فمن ذا الذي عليها يقف «1» ~~؟. # «كلا.. إنها تذكرة. فمن شاء ذكره» «2» : # وكم باسطين ms0879 إلى وصلنا ... أكفهمو.. لم ينالوا نصيبا! # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) # بطهارة قدسى وسناء عزى لا أخيب أمل من أمل لطفى. # بوجود برى تطيب قلوب أوليائى، وبشهود وجهى تغيب أسرار أصفيائى-. # طلب القاصدين مقابل بلطفي، وسعى العاملين مشكور بعطفى «3» . PageV03P023 # «تلك آيات القرآن وكتاب مبين» : هذه دلالات كرمنا، وأمارات فضلنا وشواهد ~~برنا، نبين لأوليائنا صدق وعدنا، وتحقق للأصفياء حفظ عهدنا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 2] # هدى وبشرى للمؤمنين (2) # هذه الآيات وهذا الكتاب بيان وشفاء، ونور وضياء، وبشرى ودليل لمن حققنا ~~لهم الإيمان، وأكدنا لهم الضمان، وكفلنا لهم الإحسان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 3] # الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3) # يديمون المواصلات، ويستقيمون في آداب المناجاة ويؤدون عن أموالهم ~~وأحوالهم وحركاتهم وسكناتهم الزكاة، بما يقومون في حقوق المسلمين أحسن ~~مقام، وينوبون عن ضعفائهم أحسن مناب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 4] # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) # أغشيناهم فهم لا يبصرون، وعمينا عليهم المسالك فهم عن الطريقة المثلى ~~يعدلون، أولئك الذين في ضلالتهم يعمهون، وفي حيرتهم يتردون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 5] # أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) # «سوء العذاب» أن يجد الآلام ولا يجد التسلى بمعرفة المسلى، ويحمل البلاء ~~ولا يحمل عنه ثقله وعذابه شهود المبلى.. وذلك للكفار، فأما المؤمنون فيخفف ~~عنهم العذاب في الآخرة حسن رجائهم في الله، ثم تضرعهم إلى الله، ثم فضل ~~الله معهم بالتخفيف في حال البلاء ثم ما وقع عليهم من الغشي والإفاقة- كما ~~في الخبر- إلى وقت إخراجهم من النار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 6] # وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (6) # PageV03P024 # أي أن الذي أكرمك بإنزال القرآن عليك هو الذي بحفظك عن الأسواء والأعداء ~~وصنوف البلاء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 7] # إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس ~~لعلكم ms0880 تصطلون (7) # سار موسى بأهله من مدين شعيب متوجها إلى مصر، ودجا عليه الليل، وأخذ ~~امرأته الطلق وهبت الرياح الباردة، ولم يور الزند، وضاق على موسى الأمر، ~~واستبهم الوقت، وتشتتت به الهمة، واستولى على قلبه الشغل. ثم رأى نارا من ~~بعيد، فقال لأهله: امكثوا إنى أبصرت نارا. وفي القصة: إنه تشتت أغنامه، ~~وكانت له بقور وثيران تحمل متاعه فشردت، فقالت امرأته: # كيف تتركنا وتمضى والوادي مسبع؟!. # فقال: امكثوا.. فإنى لأجلكم أمضى وأتعرف أمر هذه النار، لعلى آتيكم منها ~~إما بقبس أو شعلة، أو بخبر عن قوم نزول عليها تكون لنا بهم استعانة، ومن ~~جهتهم انتفاع. وبدت لعينه تلك النار قريبة، فكان يمشى نحوها، وهي تتباعد ~~حتى قرب منها، فرأى شجرة رطبة خضراء تشتعل كلها من أولها إلى آخرها، وهي ~~نار مضيئة، فجمع خشيبات وأراد أن يقتبس منها، فعند ذلك سمع النداء من الله ~~لا من الشجرة كما توهم المخالفون من أهل البدع. وحصل الإجماع أن موسى سمع ~~تلك الليلة كلام الله، ولو كان النداء في الشجرة لكان المتكلم به الشجرة، ~~ولأجل الإجماع قلنا: لم يكن النداء في الشجرة «1» . وإلا فنحن نجوز أن يخلق ~~الله نداء فى الشجرة ويكون تعريفا، ولكن حينئذ يكون المتكلم بذلك الشجرة. ~~PageV03P025 # ولا ينكر في الجواز أن يكون الله أسمع موسى كلامه بإسماع خلقه له، وخلق ~~كلاما فى الشجرة أيضا، فموسى سمع كلامه القديم وسمع كلاما مخلوقا في الشجرة ~~... وهذا من طريق العقل جائز. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 8] # فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين ~~(8) # أي بورك من هو في طلب النار ومن هو حول النار «1» . # ومعنى بورك أي لحقته البركة أو أصابته البركة.. والبركة الزيادة والنماء ~~في الخير. # والدعاء من القديم- سبحانه- بهذا يكون تحقيقا له وتيسيرا به. # قوله جل ذكره ### | [سورة النمل (27) : آية 9] # يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) # الذي يخاطبك «أنا الله العزيز» فى استحقاق جلالى، «الحكيم» فى جميع ~~أفعالى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية ms0881 10] # وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف ~~إني لا يخاف لدي المرسلون (10) # في آية أخرى بين أنه سأله، وقال له على وجه التقرير: «وما تلك بيمينك يا ~~موسى؟» وأجابه بقوله: «هي عصاي» وذكر بعض ما له فيها من المآرب والمنافع، ~~فقال الله: «وألق عصاك» ، وذلك لأنه أراد أن يريه فيها من عظيم البرهان ما ~~يجعل له كمال اليقين. # وألقاها موسى فقلبها الله ثعبانا، أولا حية صغيرة ثم صارت حية كبيرة، ~~فأوجس في نفسه موسى خيفة وولى مدبرا هاربا، وكان خوفه من أن يسلطها عليه ~~لما كان عارفا بأن الله يعذب من يشاء بما يشاء، فقال له الحق: # «يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون» . # أي لا ينبغى لهم أن يخافوا. PageV03P026 ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 11] # إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (11) # وهذا يدل على جواز الذنب على الأنبياء عليهم السلام فيما لا يتعلق بتبليغ ~~الرسالة بشرط ترك الإصرار. فأما من لا يجيز عليهم الذنوب فيحمل هذا على ما ~~قبل النبوة «1» . # فلما رأى موسى انقلاب العصا علم أن الحق هو الذي يكاشفه بذلك. # ويقال: كيف علم موسى- عليه السلام- أن الذي سمعه كلام الله؟. # والجواب أنه بتعريف منه إياه، ويجوز أن يكون ذلك العلم ضروريا فيه، ويجوز ~~أن يكون كسبيا، ويكون الدليل له الذي به علم صدقه في قوله: «إنه أنا الله» ~~هو ما ظهر على يده- فى الوقت- من المعجزة، من قلب العصا، وإخراج يده بيضاء ~~«2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 12] # وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه ~~إنهم كانوا قوما فاسقين (12) # من غير سوء أي برص. وفي القصة أن موسى عليه السلام ذكر اشتغال قلبه بحديث ~~امرأته، وما أصابه تلك الليلة من الأحوال التي أوجبت انزعاجه، وقصده في طلب ~~النار، فقال الله تعالى: إنا قد كفيناك ذلك الأمر، ووكلنا بامرأتك وأسبابك، ~~فجمعنا أغنامك وثيرانك، وسلمت لك المرأة. # قوله جل ذكره: ms0882 ### | [سورة النمل (27) : آية 13] # فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) . PageV03P027 # لم يظهر الله- سبحانه- آية على رسول من أنبيائه- عليهم السلام- إلا كانت ~~فى الوضوح بحيث لو وضعوا النظر فيها موضعه لتوصلوا إلى حصول العلم وثلج ~~الصدور، ولكنهم قصروا في بعضها بالإعراض عن النظر فيها، وفي بعضها الآخر ~~عرفوها وقابلوها بالجحد. قال تعالى وقوله صدق: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 14] # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ~~(14) # وكما يحصل من الكافر الجحد «1» تحصل للعاصى عند الإلمام ببعض الذنوب حالة ~~يعلم فيها- بالقطع- أن ما يفعله غير جائز، وتتوالى على قلبه الخواطر ~~الزاجرة الداعية له عن فعلها من غير أن يكون متغافلا عنها أو ناسيا لها، ثم ~~يقدم على ذلك غير محتفل بها موافقة لشهوته. وهذا الجنس من المعاصي أكثرها ~~شؤما، وأشدها في العقوبة، وأبعدها عن الغفران. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 15] # ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين (15) # يقتضى حكم هذا الخطاب أنه أفردهما بجنس من العلم لم يشاركهما فيه أحد ~~لأنه ذكره على وجه تخصيصهما به، ولا شك أنه كان من العلوم الدينية ويحتمل ~~أنه كان بزيادة بيان لهما أغناهما عن إقامة البرهان عليه وتصحيحه ~~بالاستدلال الذي هو معرض للشك فيه «2» . PageV03P028 # ويحتمل أن يكون علمهما بأحوال أمتهما على وجه الإشراف على ما كانوا ~~يستسرون به، فيكون إخبارهما عن ذلك معجزة لهما. # ويحتمل أن يكون قوله: «علمنا منطق الطير» . # ويحتمل أن يكون علمهما بالله على وجه زيادة لهما في البيان. # وفي الآية دليل على أن التفضيل الذي يحصل بالعلم لا يحصل بغيره من ~~الصفات، فأخبر بأنهما شكرا الله على عظيم ما أنعم به عليهما «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 16] # وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ~~إن هذا لهو الفضل المبين (16) # ورث أباه في النبوة، وورثه في أن أقامه مقامه. # قوله: «علمنا منطق الطير» : وكان ذلك معجزة له، أظهرها لقومه ليعلموا بها ~~صدق إخباره ms0883 عن نبوته. ومن كان صاحب بصيرة وحضور قلب بالله يشهد الأشياء ~~كلها بالله ومن الله. ويكون مكاشفا بها من حيث التفهيم، فكأنه يسمع من كل ~~شيء تعريفات الحق- سبحانه- للعبد مما لا نهاية له، وذلك موجود فيهم محكي ~~عنهم. وكما أن ضرب الطبل مثلا دليل يعرف- بالمواضعة- عند سماعه وقت الرحيل ~~والنزول فالحق- سبحانه- يخص أهل الحضور بفنون التعريفات، من سماع الأصوات ~~وشهود أحوال المرئيات في اختلافها، كما قيل: # إذا المرء كانت له فكرة ... ففى كل شىء له عبرة # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 17] # وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) . PageV03P029 # سخر الله لسليمان- عليه السلام- الجن والطير، فكان الجن مكلفين، والطير ~~كانت مسخرة إلا أنه كان عليها شرع، وكذلك الحيوانات التي كانت في وقته، حتى ~~النمل كان سليمان يعرف. خطابهم وينفذ عليهم حكمه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 18] # حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) # قيل إن سليمان استحضر أمير النمل الذي قال لقومه: «ادخلوا مساكنكم» وقال ~~له: # أما علمت أنى معصوم، وأنى لن أمكن عسكرى من أن يطئوكم؟ فأخبره أمير النمل ~~أنه لا يعلم ذلك لأنه ليس بواجب أن يكون النمل عالما بعصمة سليمان. ولو ~~قال: لعلكم أبيح لكم ذلك.. لكان هذا أيضا جائزا. # وقيل إن ذلك النمل قال لسليمان: إنى أحمل قومى على الزهد في الدنيا، ~~وخشيت إن يروكم في ملككم أن يرغبوا فيها «1» ، فأمرتهم بدخول مساكنهم لئلا ~~يتشوش عليهم زهدهم. # ولئن صح هذا ففيه دليل على وجوب سياسة الكبار لمن هو في رعيتهم. وفي ~~الآية دليل على حسن الاحتراز مما يخشى وقوعه، وأن ذلك مما تقتضيه عادة ~~النفس وما فطروا عليه من التمييز. # ويقال إن ذلك النمل قال لسليمان: ما الذي أعطاك الله من الكرامة؟. # فقال: سخر لى الريح. # فقال: أما علمت أن الإشارة فيه أنه ليس بيدك مما أعطيت إلا الريح؟ «2» . # وهكذا بينه الكبير على لسان الصغير!. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 19] # فتبسم ضاحكا ms0884 من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19) . ~~PageV03P030 # التبسم من الملوك يندر لمراعاتهم حكم السياسة، وذلك يدل على رضاهم ~~واستحسانهم لما منه يحصل التبسم، فلقد استحسن سليمان من كبير النمل حسن ~~سياسته لرعيته. # وفي القصة أنه استعرض جنده ليراهم كم هم، فعرضهم عليه، وكانوا يأتون فوجا ~~فوجا، حتى مضى شهر وسليمان واقف ينظر إليهم معتبرا فلم ينتهوا، ومر سليمان ~~عليه السلام. # وفي القصة: أن عظيم النمل كان مثل البغل في عظم الجثة، وله خرطوم. والله ~~أعلم. # قوله جل ذكره: «رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن ~~أعمل صالحا ترضاه» . # في ذلك دليل على أن نظره إليهم كان نظر اعتبار، وأنه رأى تعريف الله إياه ~~ذلك، وتنبيهه عليه من جملة نعمه التي يجب عليها الشكر. # وفي قوله: «وعلى والدي» دليل على أن شكر الشاكر لله لا يختص بما أنعم به ~~عليه على الخصوص، بل يجب على العبد أن يشكر الله على ما خص وعم من نعمه. # قوله جل ذكره: «وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين» . # سأل حسن العاقبة لأن الصالح من عباده من هو مختوم له بالسعادة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 20] # وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) # تطلبه فلما لم يره تعرف ما سبب تأخره وغيبته. # ودل ذلك على تيقظ سليمان في مملكته، وحسن قيامه وتكفله بأمور أمته ~~ورعيته، حيث لم تخف عليه غيبة طير هو من أصغر الطيور لم يحضر ساعة واحدة.. ~~وهذا أحسن ما قيل. # ثم تهدده إن لم يكن له عذر بعذاب شديد، وذلك يدل على كمال سياسته وعدله ~~فى مملكته. # PageV03P031 # وقال قوم إنما عرف أن الهدهد يعرف أعماق الماء بإلهام خص به، وأن سليمان ~~كان قد نزل منزلا ليس به ماء، فطلب الهدهد ليديهم إلى مواضع الماء، وهذا ~~ممكن لأن في الهدهد كثرة. وغيبة واحد منها لا يحصل منها خلل- اللهم إلا ms0885 إن ~~كان ذلك الواحد مخصوصا بمعرفة مواضع وأعماق الماء.. والله أعلم. # وروى أن ابن عباس سئل عن ذلك، وأنه قيل له: إن كان الهدهد يرى الماء تحت ~~التراب ويعرفه فكيف لا يرى الفخ مخفيا تحت التراب؟. # فقال: إذا جاء القضاء عمى البصر. # ويقال: إن الطير كانت تقف فوق رأس سليمان مصطفة، وكانت تستر انبساط الشمس ~~وشعاعها بأجنحتها، فوقع شعاع الشمس على الأرض، فنظر سليمان فرأى موضع ~~الهدهد خاليا منه، فعرف بذلك غيبته.. وهذا أيضا ممكن، ويدل على كمال تفقده، ~~وكمال تيقظه- كما ذكرنا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 21] # لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) # فى هذه الآية دليل على مقدار الجرم، وأنه لا عبرة بصغر الجثة وعظمها. ~~وفيه دليل على أن الطير في زمانه كانت في جملة التكليف، ولا يبعد الآن أن ~~يكون عليها شرع، وأن لهم من الله إلهاما وإعلاما وإن كان لا يعرف ذلك على ~~وجه القطع. # وتعيين «1» ذلك العذاب الشديد غير ممكن قطعا، إلا تجويزا واحتمالا. # وعلى هذه الطريقة يحتمل كل ما قيل فيه. # ويمكن أن يقال فإن وجد في شىء نقل فهو متبع. # وقد قيل هو نتف ريشه وإلقاؤه في الشمس. PageV03P032 # وقيل يفرق بينه وبين أليفه. # وقيل يشتت عليه وقته. # وقيل يلزمه خدمة أقرانه. # والأولى في هذا أن يقال من العذاب الشديد كيت وكيت، وألا يقطع بشىء دون ~~غيره على وجه القطع. # فمن العذاب الشديد أن يمنع حلاوة الخدمة فيجد ألم المشقة. ومن ذلك أن ~~يقطع عنه حسن التولي لشأنه ويوكل إلى حوله ونفسه، ومن ذلك أن يمتحن بالحرص ~~في الطلب ثم يحال بينه وبين مقصوده ومطلوبه. ومن العذاب الشديد الطمع في ~~اسم العذر ثم لا يرتفع «1» . # ومن ذلك سلب القناعة، ومنه عدم الرضا بما يجرى. ومن ذلك توهم الحدثان ~~وحسبان شىء من الخلق. # ومن ذلك الحاجة إلى الأخسة من الناس. ومن ذلك ذل السؤال مع الغفلة عن ~~شهود التقدير ومن ذلك صحبة الأضداد والابتلاء بمعاشرتهم. ومن ذلك ضعف ~~اليقين وقلة الصبر. # ومن ms0886 ذلك التباس طريق الرشد. ومنه حسبان الباطل بصفة الحق، والتباس الحق ~~في صورة الباطل. ومنه أن يطالب بما لا تتسع له ذات يده. ومنه الفقر في ~~الغربة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : الآيات 22 الى 23] # فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22) إني ~~وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) # فلم يلبث الهدهد أن جاء، وعلم أن سليمان قد تهدده، فقال: أحطت علما بما ~~هو عليك خاف، «وجئتك من سبإ بنبإ يقين» ثم ذكر حديث بلقيس، وأنها ملكتهم، ~~وأن لها من المال والملك والسرير العظيم PageV03P033 # ما عده، فلم يتغير سليمان- عليه السلام- لذلك، ولم يستفزه الطمع فيما سمع ~~عن هذا كما يحدث من عادة الملوك في الطمع في ملك غيرهم، فلما قال: ### | [سورة النمل (27) : آية 24] # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم ~~عن السبيل فهم لا يهتدون (24) # فعند ذلك غاظ هذا سليمان، وغضب في الله، و: ### | [سورة النمل (27) : آية 27] # قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) # وفي هذا دلالة على أن خبر الواحد لا يوجب العلم فيجب التوقف فيه على حد ~~التجويز، وفيه دلالة على أنه لا يطرح بل يجب أن بتعرف: هل هو صدق أم كذب؟ ~~«1» ولما عرف سليمان هذا العذر ترك عقوبته وما توعده به.. وكذلك سبيل ~~الوالي فإن عدله يمنعه من الحيف على رعيته، ويقبل عذر من وجده في صورة ~~المجرمين إذا صدق في اعتذاره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 28] # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون (28) # فى الآية إشارة إلى أنه لا ينبغى للإنسان أن يذكر بين يدى الملوك كل ~~كلمة، فإنه يجر العناء بذلك إلى نفسه وقد كان لسليمان من الخدم والحشم ومن ~~يأتمر بأمره الكثير، ولكنه لم يستعمل واحدا في هذا التكليف إلا الهدهد لأنه ~~هو الذي قال ما قال، فلزمه الخروج من عهدة ما قال. # ويقال لما صدق فيما أخبر لملكه عوض عليه فأهل للسفارة ms0887 والرسالة- على ضعف ~~صورته «2» . PageV03P034 # فمضى الهدهد، وألقى الكتاب إليها كما أمر، وانتحى إلى جانب ينتظر ماذا ~~يفعلون وبماذا يجاب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : الآيات 29 الى 31] # قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) إنه من سليمان وإنه بسم ~~الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين (31) # «كتاب كريم» الكرم نفى الدناءة، وقيل لأنه كان مختوما «1» ، وقيل لأن ~~الرسول كان طيرا فعلمت أن من تكون الطير مسخرة له لا بد أنه عظيم الشأن. ~~وقيل: # لأنه كان مصدرا ببسم الله الرحمن الرحيم. وقيل لأنه كتب فيه اسم نفسه ~~أولا ولم يقل: # إنه من سليمان إلى فلانة. ويقال لم يكن في الكتاب ذكر الطمع في الملك بل ~~كان دعاء إلى الله: «ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين» . # ويقال أخذ الكتاب بمجامع قلبها، وقهرها فلم يكن لها جواب، فقالت: «إني ~~ألقي إلي كتاب كريم» فلما عرفت قدر الكتاب وصلت باحترامها إلى بقاء ملكها، ~~ورزقت الإسلام وصحبة سليمان. # ويقال إذا كان الكتاب كريما لما فيه من آية التسمية فالكريم من الصلاة ما ~~لا يتجرد عن التسمية، وإذا تجردت كان الأمر فيها بالعكس. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 32] # قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) # «2» . PageV03P035 # أخذت في المشاورة كما تقتضيه الحال في الأمور العظام فإن الملك «1» لا ~~ينبغى أن يكون مستبدا برأيه، ويجب أن يكون له قوم من أهل الرأى والبصيرة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 33] # قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ~~(33) # أجابوا على شرط الأدب، وقالوا: ليس منا إلا بذل الوسع، وليس لنا إلا ~~إظهار النصح، وما علينا إلا متابعة الأمر- وتمشية الأمر وإمضاؤه.. إليك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 34] # قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك ~~يفعلون (34) # ويقال إن: «وكذلك يفعلون» من قولها. # ويقال: تغيير الملوك «2» إذا دخلوا قرية- عن صفتها- معلوم، ثم ينظر.. فإن ~~كان الداخل عادلا أزال سنة الجور، وأثبت سنة العدل، ms0888 وإن كان الداخل جائرا ~~أزال الحسن وأثبت الباطل. هذا معلوم فإن خراب البلاد بولاة السوء، حيث ~~يستولى أسافل الناس وأسقاطهم على الأعزة منهم، وكما قيل: # يا دولة ليس فيها ... من المعالي شظيه # زولى فما أنت إلا ... على الكرام بليه # وعمارة الدنيا بولاة الرشد، يكسرون رقاب الغاغة، ويخلصون الكرام من أسر ~~السفلة، (ويأخذ القوس باريها) «3» ، وتطلع شمس العدل من برج شرفها.. كذلك ~~المعرفة PageV03P036 # والخصال المحمودة إذا باشرت قلب عبد أخرجت عنه الشهوات والمنى، وسفاسف ~~الأخلاق من الحقد والحسد والشح وصغر الهمة.. وغير ذلك من الأوصاف الذميمة ~~وتثبت بدلها من الأحوال العلية والأوصاف المرضية ما به نظام العبد وتمام ~~سعادته. ومتى استولت على قلب غاغة النفس والخصال المذمومة أزالت عنه ~~عمارته، وأبطلت نضارته، فتخرب أوطان الحقائق، وتتداعى مساكن الأوصاف ~~الحميدة للأفول، وعند ذلك، يعظم البلاء وتتراكم المحن. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 35] # وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) # جاء في القصة أنها بعثت إلى سليمان بهدايا، ومن جملتها لبنة مصنوعة من ~~الفضة وأخرى من الذهب. وأن الله أخبر سليمان بذلك، وأوحى إليه في معناه. ~~وأمر سليمان الشياطين حتى بنوا بساحة منزله ميدانا، وأمرهم أن يفرشوا ~~الميدان بهيئة اللبن المصنوع من الذهب والفضة من أوله إلى آخره. وأمر بأن ~~توقف الدواب على ذلك وألا تنظف آثارها من روث وغيره، وأن يترك موضعان ~~للبنتين خاليين في ممر الدخول. وأقبل رسلها، وكانت معهم اللبنتان ملفوفتين، ~~فلما رأوا الأمر، ووقعت أبصارهم على طريقهم، صغر في أعينهم ما كان معهم، ~~وخجلوا من تقديم ذلك إلى سليمان ووقعوا في الفكرة.. كيف يتخلصون مما معهم؟. # فلما رأوا موضع اللبنتين فارغا ظنوا أن ذلك سرق من بينها، فقالوا لو ~~أظهرنا هذا نسبنا إلى أنا سرقناهما من هذا الموضع، فطرحاهما في الموضع ~~الخالي، ودخلا على سليمان: # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 36] # فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم ~~بهديتكم تفرحون (36) # أتهدوننى مالا؟! وهل مثلى يستمال بمثل هذه الأفعال؟ إنكم ms0889 وأمثالكم ~~تعاملون بمثل ما عوملتم «1» ! إرجع إليهم: - PageV03P037 ### | [سورة النمل (27) : آية 37] # ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم ~~صاغرون (37) # فلما رجعوا إلى بلقيس، وأخبروها بما شاهدوا وسمعوا علمت أنه لا وجه لها ~~سوى الاستسلام والطاعة، فعزمت على المسير إلى خدمته، وأوحى الله إلى سليمان ~~بذلك، وأنها خرجت مستسلمة، فقال: أيكم يأتينى بعرشها؟. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : الآيات 38 الى # 40] # قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (38) قال ~~عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين (39) ~~قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه ~~مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40) # بسط الله- سبحانه- ملك سليمان، وكان في ملكه الجن والإنس والشياطين الجن ~~على جهة التسخير، والإنس على حكم الطوع، والشياطين وكانوا على أقسام. # ولما قال: «أيكم يأتيني بعرشها؟» قال عفريت من الجن- وكان أقواهم- «أنا ~~آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين» ، فلم يرغب سليمان في ~~قوله لأنه بنى القول فيه على دعوى قوته «1» . # قوله جل ذكره: «قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد ~~إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ~~ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم» . PageV03P038 # «الذي عنده علم من الكتاب» (قيل هو آصف) «1» وكان صاحب كرامة. وكرامات ~~الأولياء ملتحقة بمعجزات الأنبياء، إذ لو لم يكن النبي صادقا في نبوته لم ~~تكن الكرامة تظهر على من يصدقه ويكون من جملة أمته. # ومعلوم أنه لا يكون في وسع البشر الإتيان بالعرش بهذه السرعة، وأن ذلك لا ~~يحصل إلا بخصائص قدرة الله تعالى. وقطع المسافة البعيدة في لحظة لا يصح ~~تقديره في الجواز إلا بأحد وجهين: إما بأن يقدم «2» الله المسافة بين ~~(العرش ms0890 وبين منزل سليمان) «3» ، وإما بأن يعدم العرش ثم يعيده في الوقت ~~الثاني بحضرة سليمان. وأي واحد من القسمين كان- لم يكن إلا من قبل الله، ~~فالذى كان عنده علم من الكتاب دعا الله- سبحانه- واستجاب له في ذلك، وأحضر ~~العرش، وأمر سليمان حتى غير صورته فجعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه، وأثبته ~~على تركيب آخر غير ما كان عليه. # ولما رأى سليمان ذلك أخذ في الشكر لله- سبحانه- والاعتراف بعظم نعمه، ~~والاستحياء، والتواضع له، وقال: «هذا من فضل ربي» لا باستحقاق منى، ولا ~~باستطاعة من غيرى، بل أحمد النعمة لربى حيث جعل في قومى ومن أمتى من له ~~الجاه عنده فاستجاب دعاءه. # وحقيقة الشكر- على لسان العلماء- الاعتراف بنعمة المنعم على جهة الخضوع ~~والأحسن أن يقال الشكر هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه، فيدخل في هذا شكر ~~الله للعبد لأنه ثناء منه على العبد بذكر إحسان العبد، وشكر العبد ثناء على ~~الله بذكر إحسانه.. # إلا إن إحسان الحق هو إنعامه، وإحسان العبد طاعته وخدمته لله، وما هو ~~الحميد من أفعاله. # فأما على طريق أهل المعاملة وبيان الإشارة: فالشكر صرف النعمة في وجه ~~الخدمة. PageV03P039 # ويقال الشكر ألا تستعين بنعمته على معاصيه. # ويقال الشكر شهود المنعم من غير مساكنة إلى النعمة. # ويقال الشكر رؤية العجز عن الشكر. # ويقال أعظم الشكر الشكر على توفيق الشكر. # ويقال الشكر على قسمين: شكر العوام على شهود المزيد، قال تعالى: «لئن ~~شكرتم لأزيدنكم «1» » ، وشكر الخواص يكون مجردا عن طلب المزيد، غير متعرض ~~لمنال العوض. # ويقال حقيقة الشكر قيد النعم وارتباطها لأن بالشكر بقاءها ودوامها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : الآيات 41 الى 44] # قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) فلما ~~جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) ~~وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) قيل لها ~~ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من ~~قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان ms0891 لله رب العالمين (44) # أراد سليمان أن يمتحنها وأن يختبر عقلها، فأمر بتغيير عرشها، فلما رأته: ~~- «قيل أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو» فاستدل بذلك على كمال عقلها، وكان ذلك ~~أمرا ناقضا للعادة، فصار لها آية وعلامة على صحة نبوة سليمان- عليه السلام- ~~وأسلمت: - «وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين قيل ~~لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من ~~قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين» كان ذلك ~~امتحانا آخر لها. فقد أمر سليمان الشياطين أن يصنعوا من الزجاج شبه ~~PageV03P040 # طبق كبير صاف مضىء، ووضعه فوق بركة بها ماء كثير عميق، يرى الماء من أسفل ~~الزجاج ولا يميز بين الزجاج والماء، وأمرت أن تخوض تلك البركة، فكشفت عن ~~ساقيها لأنها وصفت لسليمان بأنها جنية النسب، وأن رجليها كحوافر الدواب، ~~فتقولوا عليها. # ولما توهمت أنها تخوض الماء كشفت عن ساقيها، فرأى سليمان رجليها صحيحين. ~~وقيل لها: نه صرح ممرد من قوارير» # : فصار ذلك أيضا سببا وموجبا ليقينها. وآمنت وتزوج بها سليمان عليه ~~السلام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 45] # ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون ~~(45) # ذكر قصة ثمود، وقصة نبيهم صالح عليه السلام، وما جرى بينه وبينهم من ~~التكذيب، وطلبهم منه معجزة، وحديث الناقة وعقرها، وتبرمهم بالناقة بعد أن ~~رأوا فيها من الفعل الذي كانت لهم فيه أعظم آية.. إلى قوله: ### | [سورة النمل (27) : آية 50] # ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) # ومكرهم ما أظهروا في الظاهر من موافقة صالح، وعقرهم الناقة خفية، وتوريك ~~الذنب على غير جارمه «1» ، والتبرى من اختيارهم ذلك. # وأما مكر الله فهو جزاؤهم على مكرهم بإخفاء ما أراد بهم من العقوبة عنهم، ~~ثم إحلالها بهم بغتة. فالمكر من الله تخليته إياهم مع مكرهم بحيث لا ~~يعصمهم، وتزيين ذلك في أعينهم، وتحبيب ذلك إليهم.. ولو شاء لعصمهم. ومن ~~أليم مكره انتشار الصيت بالصلاح، والعمل في السر بخلاف ما ms0892 يتوهم بهم من ~~الصلاح، وفي الآخرة لا يجوز في سوقها هذا النقد! «2» . PageV03P041 # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : الآيات 51 الى 52] # فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51) فتلك بيوتهم ~~خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون (52) # أهلكهم ولم يغادر منهم أحدا: - «فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك ~~لآية لقوم يعلمون» وفي الخبر: «لو كان الظلم بيتا في الجنة لسلط الله عليه ~~الخراب» فالنفوس إذا ظلمت بزلاتها خربت بلحوقها شؤم الذلة حتى يتعود صاحبها ~~الكسل، ويستوطن مركب الفشل، ويحرم التوفيق، ويتوالى عليه الخذلان وقسوة ~~القلب وجحود العين «1» وانتفاء تعظيم الشريعة من القلب. وأصحاب القلوب إذا ~~ظلموها بالغفلة ولم يحاولوا طردها عن قلوبهم.. خربت قلوبهم حتى تقسو بعد ~~الرأفة، وتجف بعد الصفوة. # فخراب النفوس باستيلاء الشهوة والهفوة، وخراب القلوب باستيلاء الغفلة ~~والقسوة، وخراب الأرواح باستيلاء الحجبة والوقفة، وخراب الأسرار باستيلاء ~~الغيبة والوحشة «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : الآيات 54 الى 55] # ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) أإنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) # ذكر قصة لوط وأمته، وما أصروا عليه من الفاحشة، وما أحل الله بهم من ~~العقوبة، وإحلال العقوبة بامرأته التي كانت تطابق القوم، وتخليص الحق لوطا ~~من بينهم، وما كان من أمر الملائكة الذين بعثوا لإهلاكهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 59] # قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون (59) . ~~PageV03P042 # هم الذين سلم عليهم في آزاله وهم في كتم العدم، وفي متناول علمه ومتعلق ~~قدرته، ولم يكونوا أعيانا في العدم ولا أفادوا «1» ، فلما أظهرهم في الوجود ~~سلم عليهم بذلك السلام، ويسمعهم في الآخرة ذلك السلام. والذين سلم عليهم هم ~~الذين سلموا اليوم من الشكوك والشبه، ومن فنون البدع، ومن وجوه الألم، ثم ~~من فنون الزلل وصنوف الخلل، ثم من الغيبة والحجبة وما ينافى دوام القربة. # ويقال اصطفاهم، ثم هداهم، ثم آواهم، وسلم عليهم قبل أن خلقهم وأبداهم، ~~وبعد أن سلم عليهم بوده لقاهم. ms0893 # ويقال: اصطفاهم بنور اليقين وحلة الوصل وكمال العيش. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 60] # أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات ~~بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) # فثمرات الظاهر غذاء النفوس، وثمرات الباطن والأسرار ضياء القلوب، وكما لا ~~تبقى في وقت الربيع من وحشة الشتاء بقية فلا يبقى في قلوبهم وأوقاتهم من ~~الغيبة والحجبة والنفرة والتهمة شظية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 61] # أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين ~~حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) # نفوس العابدين قرار طاعتهم، وقلوب العارفين قرار معرفتهم، وأرواح ~~الواجدين قرار PageV03P043 # محبتهم، وأسرار الموحدين قرار مشاهدتهم «1» ، فى أسرارهم أنوار الوصلة ~~وعيون القربة، وبها يسكن ظلما اشتياقهم وهيجان قلقهم واحتراقهم. # «وجعل لها رواسي» من الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة. # ويقال «جعل لها رواسي» اليقين والتوكل. # ويقال الرواسي في الأرض الأبدال والأولياء والأوتاد «2» بهم يديم إمساك ~~الأرض، وببركاتهم يدفع عن أهلها البلاء. # ويقال الرواسي هم الأئمة الذين يهدون المسترشدين إلى الله. # قوله جل ذكره: «وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا ~~يعلمون» . # «جعل بين البحرين حاجزا» بين القلب والنفس لئلا يغلب أحدهما صاحبه. # ويقال بين العبودية وأحكامها، والحقيقة وأحكامها، فلو غلبت العبودية كانت ~~جحدا للحقيقة، ولو غلبت الحقيقة العبودية كانت طيا للشريعة. # ويقال: ألسنة المريدين مقر ذكره، وأسماعهم محل الإدراك الموصل إلى الفهم، ~~والعيون مقر الاعتبار. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 62] # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله ~~قليلا ما تذكرون (62) # فصل بين الإجابة وبين كشف السوء فالإجابة بالقول والكشف بالطول، الإجابة ~~بالكلام والكشف بالإنعام. ودعاء المضطر لا حجاب له، وكذلك دعاء المظلوم» ~~ولكن لكل أجل كتاب» . PageV03P044 # ويقال للجناية: سراية فمن كان في الجناية مختارا فليس تسلم له دعوى ~~الاضطرار عند سراية جرمه الذي سلف منه وهو مختار فيه، فأكثر الناس يتوهمون ~~أنهم ms0894 مضطرون، وذلك الاضطرار سراية ما بدر منهم في حال اختيارهم. # ومادام العبد يتوهم من نفسه شيئا من الحول والحيلة، ويرى لنفسه شيئا من ~~الأسباب يعتمد عليه أو يستند إليه- فليس بمضطر، فالمضطر يرى نفسه كالغريق ~~في البحر، أو الضال فى المتاهة، وهو يرى عنانه بيد سيده، وزمامه في قبضته، ~~فهو كالميت بين يدى غاسله، وهو لا يرى لنفسه استحقاقا للنجاة لاعتقاده في ~~نفسه أنه من أهل السخط، ولا يقرأ اسمه إلا من ديوان الشقاوة «1» . # ولا ينبغى للمضطر أن يستعين بأحد في أن يدعو له لأن الله وعد الإجابة ~~له.. # لا لمن يدعو له. # ثم كما وعد المضطر الإجابة وكشف السوء وعده بقوله: - « ... ويجعلكم خلفاء ~~الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون» . # فإن مع العسر يسرا، ولم يقل: للعسر إزالة، ولكن قال: مع العسر يسر فنهار ~~اليسر حاصل بعد ظلام العسر. # ثم قال: «أإله مع الله قليلا ما تذكرون» لأن العبد إذا زال عسره، وكشف ~~عنه ضره نسى ما كان فيه، وكما قال القائل: # كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا ~~PageV03P045 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 63] # أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~أإله مع الله تعالى الله عما يشركون (63) # إذا أظلم الوقت على صاحبه في متعارض الخواطر عند استبهام وجه الصواب، ~~وضاق الأمر بسبب وحشة التدبير وظلمات أحوال التجويز، والتحير عند طلب ترجيح ~~بعض الخواطر على بعض بشواهد العقل.. فمن الذي يرشدكم لوجه الصواب بترك ~~التدبير، وللاستسلام لحكم التقدير، وللخروج من ظلمات مجوزات العقول إلى ~~قضايا شهود التقدير، وتفويض الأمر إلى اختيار الحق، والاستسلام لما جرت به ~~الأقسام، وسبقت به الأقدار؟. # «.. ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما ~~يشركون» . # من الذي يرسل رياح فضله بين يدى أنوار اختياره فيمحو آثار اختيار نفسك، ~~ويعجل بحسن الكفاية لك؟. # ويقال: يرسل رياح التوكل فيطهر القلوب من آثار الاختيار وأوضار التدبير، ~~ثم يطلع شموس الرضا ms0895 فيحصل برد الكفاية فوق المأمول في حال سكينة القلب.. ~~أإله مع الله؟ # «تعالى الله عما يشركون» : من إحالة المقادير على الأسباب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 64] # أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64) # يظهر ما يظهر بقدرته على مقتضى سابق حكمه، ويخصص ما تعلقت به مشيئته وحق ~~فيه قوله، وسبق به قضاؤه وقدره. فإذا زال وانتفى وانعدم بعض ما يظهر ~~ويخصص.. فمن الذي يعيده مثلما بدأه؟ ومن الذي يضيق الرزق ويوسعه؟ ومن الذي ~~يقبض في بعض الأوقات على # PageV03P046 # بعض الأشخاص؟ وفي وقت آخر من الذي يبسط على قوم آخرين؟. # هل في قدرة أحد غير الله ذلك؟. # إن توهمتم شيئا من ذلك فأوضحوا عنه حجتكم. وإذ قد عجزتم.. فهلا صدقتم؟ # وبالتوحيد أقررتم؟. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 65] # قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون ~~(65) # «الغيب» : ما لا يطلع عليه أحد، وليس عليه للخلق دليل، وهو الذي يستأثر ~~بعلمه الحق «1» ، وعلوم الخلق عنه متقاصرة، ثم ما يريد الله أن يخص قوما ~~بعلمه أفردهم به. # «وما يشعرون أيان يبعثون» : فإنه أخفى علم الساعة عن كل أحد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : الآيات 68 الى 66] # «2» فهم في الجملة يشكون فيه فلا ينفونه ولا بالقطع يجحدونه.. وهكذا حكم ~~كل مريض القلب، فلا حياة له في الحقيقة، ولا راحة له من يأسه إذ هو من ~~البعث في شك، ومن الحياة الثانية في استبعاد: - «وقال الذين كفروا أإذا كنا ~~ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا ~~أساطير الأولين» . PageV03P047 # وعد آباؤنا بذلك من قبل، ثم لم يكن لهم تحقيق، وما نحن إلا مثلهم، وكانوا ~~يسألون متى الساعة؟: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 71] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) # فقال الحق: إنه عن قريب سيحل بهم ميقاته: - «قل عسى أن يكون ردف «1» لكم ~~بعض الذي تستعجلون» . # ثم قال جل ذكره: ms0896 ### | [سورة النمل (27) : آية 73] # وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (73) # لأنهم لا يميزون بين محنهم ومنحهم. وعزيز من يعرف الفرق بين ما هو نعمة ~~من الله له وبين ما هو محنة فإذا تقاصر علم العبد عما فيه صلاحه، فعسى أن ~~يحب شيئا ويظنه خيرا وبلاؤه فيه، ورب شىء يظنه العبد نعمة فيشكر عليها ~~ويستديمها، وهي محنة له يجب الصبر عليها والتضرع إلى الله في صرفها! وبعكس ~~هذا كم من شىء يظنه الإنسان بخلاف ما هو به!. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 74] # وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (74) # لا تلتبس على الله أحوالهم فصادق يستوى ظاهره وباطنه يعلمه، ومنافق يخالف ~~باطنه ظاهره يلبس على الناس حاله.. وهو- سبحانه- يعلمه، وكافر يستوى في ~~الجحد سره وعلنه يعلمه، وهو يجازى كلا على ما علمه.. كيف لا.. وهو قدره، ~~وعلى ما عليه قضاه وقسمه؟:. PageV03P048 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النمل (27) : آية # 75] # وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين (75) # ما من شىء إلا مثبت في اللوح المحفوظ حكمه، ماضية فيه مشيئته، متعلق به ~~علمه قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : الآيات 76 الى 78] # إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (76) وإنه ~~لهدى ورحمة للمؤمنين (77) إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم (78) # وهم يخفون بعضا، وبعضا يظهرون، ومع ما يهوون يدورون. # وفي هذه الآية تخصيص لهذه الأمة بأن حفظ الله كتابهم، وعصم من التغيير ~~والتبديل ما به يدينون. وهذه نعمة عظيمة قليل منهم من عليهم يشكرون فالقرآن ~~هدى ورحمة للمؤمنين، وليس ككتابهم الذي أخبر الصادق أنهم له محرفون مبدلون. # «إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم» هو «العزيز» المعز ~~للمؤمنين، «العليم» بما يستحقه كل أحد من الثواب العظيم والعذاب الأليم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : الآيات 79 الى 81] # فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79) إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع ~~الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80) وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن ms0897 تسمع ~~إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81) # أي اجتهد في أداء فرضه، وثق بصدق وعده في نصره ورزقه، وكفايته وعونه. # ولا يهولنك ما يجرى على ظواهرهم من أذى يتصل منهم بك، فإنما ذلك كله ~~بتسليطنا إن كان محذورا، وبتقييضنا وتسهيلنا إن كان محبوبا. وإنك لعلى حق ~~وضياء صدق، وهم على شك وظلمة شرك. # قوله جل ذكره: «إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا ~~مدبرين» . # PageV03P049 # الذين أمات الله قلوبهم بالشرك، وأصمهم عن سماع الحق- فليس في قدرتك أن ~~تهديهم للرشد أو تنقذهم من أسر الشك. # «وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم ~~مسلمون» أنت تهديهم من حيث الدعاء والدلالة، ولكنك لا تهدى أحدا من حيث ~~إزالة الباطل من القلب وإمالته إلى العرفان، إذ ليست بقدرتك الإزالة أو ~~الإمالة. # أنت لا تسمع إلا من يؤمن بآياتنا، فلا يسمع منك إلا من أسعدناه من حيث ~~التوفيق والإرشاد إلى الطريق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 82] # وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون (82) # إذا حق الوعد بإقامة القيامة أوضحنا أشراطها في كلام الدابة المخرجة من ~~الأرض «1» . # وغير ذلك من الآيات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 83] # ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (83) # وعند ذلك لا ينفع الإيمان ولا يقبل العذر: - PageV03P050 ### | ### | [سورة النمل (27) : الآيات 85 الى # 86] # ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون (85) ألم يروا أنا جعلنا الليل ~~ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (86) # ثم كرر ذكر الليل والنهار واختلافهما: - «ألم يروا أنا جعلنا الليل ~~ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون» أي ليكون الليل ~~وقت سكونهم، والنهار وقت طلب معاشهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 87] # ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ~~وكل أتوه داخرين (87) # أخبر أن اليوم الذي ينفخ فيه في الصور هو ms0898 يوم إزهاق الأرواح، وإخراجها عن ~~الأجساد فمن روح ترقى إلى عليين، ومن روح تذهب إلى سجين. أولئك في حواصل ~~طير تسرح فى الجنة تأوى بالليل إلى قناديل معلقة من تحت العرش صفتها ~~التسبيح والروح والراحة، ولبعضها الشهود والرؤية ... على مقادير استحقاقهم ~~لما كانوا عليه في دنياهم. # وأما أرواح الكفار ففى النار تعذب على مقادير أجرامهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 88] # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء ~~إنه خبير بما تفعلون (88) # وكثير من الناس اليوم من أصحاب التمكين، هم ساكنون بنفوسهم «1» سائحون في ~~الملكوت بأسرارهم.. قيل: إن الإشارة اليوم إليهم. كما قالوا: العارف كائن ~~بائن كائن مع الناس بظاهره، بائن عن جميع الخلق بسرائره. PageV03P051 # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : الآيات 89 الى 90] # من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون (89) ومن جاء ~~بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون (90) # يحتمل أن يكون «خير» هاهنا للمبالغة لأن الذي له في الآخرة من الثواب خير ~~مما منه من القرب: ويحتمل فله نصيب خير أو عاقبة خير أو ثواب خير منها. وهم ~~آمنون من فزع القيامة. ومن جاء بالسيئة: فكما أن حالهم اليوم من المطيعين ~~بالعكس فحكمهم غدا فى الآخرة بالضد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : الآيات 91 الى 92] # إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من ~~المسلمين (91) وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل ~~إنما أنا من المنذرين (92) # أخبر أنه أمره بالدين الحنيفى، والتبرى من الشرك الجلى منه والخفى، ~~وبملازمة الطريق السوي. وأخبر أن من اتبعه وصدقه أوجب الحق ذمامه وحقه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النمل (27) : آية 93] # وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون (93) # سيريكم- عن قريب- آياته، فطوبى لمن رجع قبل وفاته، والويل على من رجع بعد ~~ذهاب الوقت وفواته!. # PageV03P052 ### | سورة القصص # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» بسم الله اسم ms0899 عزيز من تعرض ~~لجدواه يسر له في دنياه وعقباه، اسم عزيز من اشتاق إلى لقياه استعذب فيه ما ~~يلقاه من بلواه. ومن طلب غيره مؤنسا في دنياه أو عقباه «ضل من تدعون إلا ~~إياه» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # طسم (1) # «الطاء» تشير إلى طهارة نفوس العابدين عن عبادة غير الله، وطهارة قلوب ~~العارفين عن تعظيم غير الله، وطهارة أرواح الواجدين عن محبة غير الله، ~~وطهارة أسرار الموحدين عن شهود غير الله. «والسين» تشير إلى سر الله مع ~~العاصين بالنجاة، ومع المطيعين بالدرجات، ومع المحبين بدوام المناجاة. ~~«والميم» تشير إلى منته على كافة المؤمنين بكفاية الأوقات والثبات فى سبيل ~~الخيرات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 3] # نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) # سماع قصة الحبيب من الحبيب يوجب سلوة القلب، وذهاب الكرب، وبهجة السر، ~~وثلج الفؤاد. وقد كرر الحق ذكر قصة موسى تفخيما لشأنه وتعظيما لقدره، ثم ~~زيادة في البيان لبلاغة القرآن، ثم إفادة لزوائد في المذكور قوله في كل ~~موضع يتكرر فيه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 4] # إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ~~ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4) # PageV03P053 # تكبر فرعون بغير حق فأقماه بحق، وتجبر بغير استحقاق فأذله الله باستحقاق ~~واستيجاب، وجعل أهلها شيعا يذبح أبناءهم «1» بعد ما استضعفهم، ويستحى ~~نساءهم، وأفنى منهم من كان ( ... ) «2» ، وبالفساد حكم فيهم، والله لم يرض ~~بترك إتلافهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 5 الى # 6] # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ~~(5) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ~~(6) # نريد أن نمن على المستضعفين بالخلاص من أيديهم، وأن نجعلهم أئمة، بهم ~~يهتدى الخلق، ومنهم يتعلم الناس سلوك طريق الصدق، ونبارك في أعمارهم، ~~فيصيرون وارثين لأعمار من يناويهم، وتصير إليهم مساكنهم ومنازلهم فهم هداة ~~وأعلام، وسادة وقادة بهم يقتدى وبنورهم يهتدى. # «ونمكن لهم في الأرض» : نزيل عنهم ms0900 الخوف، ونرزقهم البسطة والاقتدار، ونمد ~~لهم فى الأجل. ونرى فرعون وهامان وقومهما ما كانوا يحذرون من زوال ملكهم ~~على أيديهم وأن الحق يعطى- وإن كان عند الخلق أنه يبطى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 7] # وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ~~ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) . PageV03P054 # أي ألقينا في قلبها، وأوحينا إليها وحي إلهام، فاتخذت خاطرها في ذلك، ~~وجرى منها ذلك وهي مختارة باختيار أدخل عليها. # لما وضعت أم موسى موسى كانت تخاف قتله، فإن فرعون قتل في ذلك اليوم كثيرا ~~من الولدان المولودة لبنى إسرائيل، رجاء أن يقتل من رأى في النوم ما عبر له ~~أن ذهاب ملكه على يدى إسرائيلى.. فألقى الله في قلبها أن تفعل ذلك. # ثم إنه رباه في حجره ذلك اليوم- ليعلم أن الأقدار لا تغالب. # جعلت أم موسى موسى في تابوت، وألقته في نيل مصر، فجاء الماء به إلى بركة ~~كان فرعون جالسا على حافتها، فأخذوه وحملوه إليه، وفتحوا رأس التابوت. فلما ~~رآه فرعون أخذت رؤيته بمجامع قلبه، وكذلك تمكن حبه من قلب امرأة فرعون قال ~~تعالى: # «وألقيت عليك محبة مني» : «1» حيث خلق الله ملاحة في عينى موسى فكان من ~~يقع عليه بصره لا يتمالك من حبه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : الآيات 8 الى 10] # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا ~~خاطئين (8) وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9) وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به ~~لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين (10) # أخبر الله تعالى أنه كان عدوا لهم، وقالت امرأة فرعون: # «قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون» . # فلم يكن لهما ولد، وهم لا يشعرون إلى ماذا يئول أمره. # «وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ~~لتكون من ms0901 المؤمنين» . PageV03P055 # لما ألقته في الماء سكن الله قلبها، وربط عليه، وألهمها الصبر، وأصبح ~~فؤادها فارغا إن كادت لتبدى به من حيث ضعف «1» البشرية، ولكن الله ربط على ~~قلبها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 11] # وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون (11) # أمرت أم موسى أخته أن تتبع أثره، وتنظر إلى ماذا يئول أمره، فلما وجدوه ~~واستمكن حبه من قلوبهم طلبوا من يرضعه: ### | [سورة القصص (28) : الآيات 12 الى 13] # وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم ~~له ناصحون (12) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله ~~حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) # أبى موسى قبول ثدى واحدة ممن عرض عليهن.. فمن بالغداة كانوا في اهتمام ~~كيف يقتلونه أمسوا- وهم في جهدهم- كيف يغذونه «2» ! فلما أعياهم أمره، قالت ~~لهم أخته: «هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم؟» فقبلوا نصيحتها شفقة منهم ~~عليه، وقالوا: نعم، فردوه إلى أمه «3» ، فلما وضعت ثديها في فمه ارتضعها ~~موسى فسروا بذلك، وكانوا يدعون أمه حاضنة ومرضعة.. ولم يضرها، وكانوا ~~يقولون عن فوعون: إنه أبوه.. ولم ينفعه ذلك «4» ! PageV03P056 # ولما أخذته أمه علمت بتصديق الله ظنها، وسكن عن الانزعاج قلبها، وجرى من ~~قصة فرعون ما جرى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 14] # ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (14) # لما كملت سنة وتم عقله، واستوى كمال خصاله «آتيناه حكما» : أي أتممنا له ~~التحصيل، ووفرنا له العلم، وبذلك جرت سنتنا مع الأكابر والأنبياء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 15] # ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى ~~فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) # الآية. # قيل: دخل المدينة في وقت الهاجرة، وتفرق الناس، فوجد فيها رجلين ~~يتخاصمان: أحدهما إسرائيلي من شيعة موسى وعلى دينه، والآخر قبطي مخالف ~~لهما، فاستغاث الإسرائيلي بموسى على ms0902 القبطي، فوكزه موسى ليدفعه عن ~~الإسرائيلى، فمات الرجل بذلك الوكز، ولم يكن موسى يقصد قتله، فقال موسى: - ~~«هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين» . # فقد تمنى موسى أن لو دفعه عنه بأيسر مما دفعه، ولم ينسب القتل إلى ~~الشيطان «1» ، ولكن دفعه عنه بالغلظة نسبه إلى الشيطان بأن حمله على تلك ~~الحدة. # وهكذا.. إذا أراد الله أمرا أجرى أسبابا ليحصل بها مراده، ولولا أنه أراد ~~فتنة موسى لما قبض روح الرجل بمثل تلك الوكزة، فقد يضرب الرجل الكثير من ~~الضرب والسياط ثم لا يموت فموت القبطي بوكزة اجراء لما قضاه وأراده. ~~PageV03P057 # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 16] # قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) # تاب موسى عما جرى على يده، واستغفر ربه، وأخبر الله أنه غفر له، ولا عتاب ~~«1» بعد المغفرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 17] # قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) # قال موسى رب بما أنعمت علي من توفيقك لى بالتوبة «2» فلن أعود بعد ذلك ~~إلى مثل ما سلف منى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 18 الى # 19] # فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له ~~موسى إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا ~~موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في ~~الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) # أصبح في المدينة خائفا على نفسه من فرعون لأنه كان يدعى أنه يحكم بالعدل، ~~وخاف موسى أن ينسبه في قتل القبطي إلى العمد والقصد. فهو «يترقب» علم فرعون ~~وأن يخبر بذلك في وقته. PageV03P058 # وقيل «خائفا» من الله مما جرى منه. ويقال «خائفا» على قومه حلول العذاب ~~بهم. # وقيل «يترقب» نصرة الله إياه. ويقال «يترقب» مؤنسا يأنس به. # فإذا الذي استنصره بالأمس يخاصم إنسانا آخر، ويستعين به ليعينه، فهم موسى ~~بأن يعين صاحبه، فقال الذي يخاصمه: «يا موسى، أتريد أن تقتلني كما ms0903 قتلت ~~نفسا بالأمس؟» : # قيل لم يعلم ذلك الرجل أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس، ولكن لما قصد ~~منعه عن صاحبه استدل على أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس، فلما ذكر ذلك ~~شاع في أفواه الناس أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس، فأمسك موسى عن هذا ~~الرجل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 20 الى # 21] # وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ~~فاخرج إني لك من الناصحين (20) فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم ~~الظالمين (21) # جاء اسرائيلي من معارف موسى يسعى، وقال إن القوم يريدون قتلك، وأنا واقف ~~على تدبيرهم وقد أرادوا إعلام فرعون.. فاخرج من هذا البلد، إنى لك من ~~الناصحين. # «فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين» خرج «1» من مصر ~~«خائفا» أن يقتفوا أثره، «يترقب» أن يدركه الطلب، وقيل «يترقب» الكفاية ~~والنصرة من الله، ودعا الله فقال: «نجني من القوم الظالمين» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 22] # ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل (22) . ~~PageV03P059 # توجه بنفسه تلقاء مدين من غير قصد إلى مدين أو غيره، بل خرج على الفتوح ~~«1» ، وتوجه بقلبه إلى ربه ينتظر أن يهديه ربه إلى النحو الذي هو خير له، ~~فقال: عسى ربى أن يهدينى إلى أرشد سبيل لى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : الآيات 23 الى 25] # ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) ~~فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24) ~~فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ~~فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين (25) # لما وافى مدين شعيب كان وقت الهاجرة، وكانت لهم بئر يستقون منها، فيصبون ~~الماء فى الحياض، ويسقون أغنامهم، وكانوا أهل ماشية. ms0904 # وكان شعيب النبي عليه السلام قد كف بصره لكثرة بكائه ففى القصة أنه بكى ~~فذهب بصره، ثم رد الله عليه بصره فبكى، فرد الله بصره فبكى حتى ذهب بصره، ~~فأوحى الله إليه: # لم تبكى يا شعيب..؟ إن كان بكاؤك لخوف النار فقد أمنتك، وإن كان لأجل ~~الجنة فقد أتحتها لك. # فقال: رب.. إنما أبكى شوقا إليك. فأوحى الله إليه لأجل ذلك أخدمتك نبيى ~~وكليمى عشر حجج. # وكانت لشعيب أغنام، ولم يكن لديه أجير، فكانت بنتاه تسوقان الغنم مكان ~~الرعاة، ولم يكن لهما قدرة «2» على استقاء الماء من البئر، وكان الرعاة ~~يستقون، فإذا انقضوا «3» فإن بقيت في الحوض بقية من الماء استقت بنات شعيب. ~~PageV03P060 # فلما وافى موسى ذلك اليوم وشاهد ذلك ورآهما يمنعان غنمهما عن الماء رق ~~قلبه لهما وقال: # ما خطبكما؟ فقالتا: «لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير» وليس ~~لدينا أجير. # فلما انصرف الرعاة سقى لهما، ثم تولى إلى ظل جدار بعد ذلك. كان الجوع قد ~~أصابه خلال سفره، ولم يكن قد تعود قط الرحلة والغربة، ولم يكن معه مال، ~~فدعا الله: # «فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير» . # قيل طلب قوة تزيل جوعه، وقيل طلب حالا يستقل بها. والأحسن أن يقال جاع ~~فطلب كسرة يسد بها رمقه- والمعرفة توجب سؤال ما تحتاج إليه من الله قليلا ~~أو كثيرا «1» . فلما انصرفت ابنتا شعيب خرج شعيب إلى ظاهر الصحراء على طريق ~~الماشية لميسها بيديه فوجد أثر الزيادة في تلك الكرة، فسألهما فذكرتا له ~~القصة، وما سمعتا منه حين قال: «رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير، فقال ~~شعيب: إذا هو جائع. وبعث إحداهما لتدعوه: - «فجاءته إحداهما تمشى على ~~استحياء قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا. فلما جاءه وقص عليه ~~القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين» قيل إنما استحيت لأنها كانت ~~تخاطب من لم يكن لها محرما «2» . # وقيل لما دعته للضيافة تكلمت مستحيية- فالكريم يستحى من الضيافة. # ويقال لم تطب نفس شعيب لما أحسن ms0905 موسى إليه وأنه «3» لم يكافئه- وإن كان ~~موسى PageV03P061 # لم يرد مكافأة منهم «فلما جاءه وقص عليه القصص» : لم يقل: فلما جاءه قدم ~~السفرة «1» بل قال: وقص عليه القصص.. وهذا طرف من قصته. # ويقال: ورد بظاهره ماء مدين، وورد بقلبه موارد الأنس والروح. والموارد ~~مختلفة فموارد القلب رياض البسط بكشوفات المحاضرة فيطربون بأنواع الملاطفة، ~~وموارد الأرواح مشاهد الأرواح فيكاشفون بأنوار المشاهدة، فيغيبون عن كل ~~إحساس بالنفس، وموارد الأسرار ساحات التوحيد.. وعند ذلك الولاية لله فلا ~~نفس ولا حس، ولا قلب ولا أنس.. # استهلاك في الصمدية وفناء بالكلية!. # ويقال كانت الأجنبية والبعد عن المحرمية يوجبان إمساكه عن مخاطبتهما، ~~والإعراض والسكون عن سؤالهما.. ولكن الذي بينهما من المشاكلة والموافقة ~~بالسر استنطقه حتى سألهما عن قصتهما، كما قيل: # أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب # ويقال: لما سألهما وأخبرتا عن ضعفهما لزمه القيام بأمرهما ليعلم أن من ~~تفقد أمر الضعفاء ووقف على موضع فاقتهم لزمه إشكاؤهم. # ويقال من كمال البلاء على موسى أنه وافى الناس وكان جائعا، وكان مقتضى ~~الرفق أن يطعموه، ولكنه قبض القلوب عنه، واستقبله من موجبات حكم الوقت أن ~~يعمل عمل أربعين رجلا لأن الصخرة التي نحاها عن رأس البئر- وحده- كان ~~ينقلها أربعون رجلا، فلما عمل عمل أربعين رجلا، تولى إلى الظل، وقال: إن ~~رأيت أن تطعمنى بعد مقاساة اللتيا والتي.. فذلك فضلك!. # قال ذلك بلسان الانبساط، ولا لسان أحلى من ذلك. وسنة الشكوى أن تكون إليه ~~لا منك.. بل منه إليه «2» . PageV03P062 # ويقال: تولى إلى ظل الأنس وروح البسط واستقلال السر بحقيقة الوجود. # ويقال قال: «رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير» : فزدنى فقرا فإن فقرى ~~إليك يوجب استعانتى بك «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 26] # قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) # كان شعيب عليه السلام يحتاج إلى أجير، ولكن لا يسكن قلبه إلى أحد، فلما ~~رأى موسى، وسمع من ابنته وصفه بالقوة والأمانة سأل: # عرفت قوته.. فكيف عرفت أمانته؟ # فقالت: كنت أمشى قدامه فأخرنى ms0906 عنه في الطريق قائلا: سيرى ورائي واهدينى، ~~لئلا يقع بصره علي.. فقال شعيب: ### | [سورة القصص (28) : آية 27] # قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن ~~أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ~~(27) # فرغب موسى وتزوجها على صداق أن يعمل عشر حجج لشعيب. # وفي القصة أن شعيبا قال لموسى: ادخل هذا البيت وأخرج مما فيه من العصي ~~عصا، وكان البيت مظلما، فدخل وأخرج العصا، تلك التي أظهر الله فيها ~~معجزاته، ويقال: إنها كانت لآدم عليه السلام، ووقعت لشعيب من نبي إلى نبي. ~~إذ يقال: إنه لما هبط آدم إلى الأرض صال عليه ما على وجهها من السباع، ~~فأنزل عليه الله عصا، وأمره جبريل أن يرد السباع عن نفسه بتلك العصا. ~~PageV03P063 # وتوارث الأنبياء واحدا بعد الآخر تلك العصا، فلما أخرج موسى تلك العصا، ~~قال شعيب: # ردها إلى البيت، واطرحها فيه، وأخرج عصا أخرى، ففعل غير مرة، ولم تحصل كل ~~مرة فى يده إلا تلك العصا، فلما تكرر ذلك علم شعيب أن له شأنا فأعطاه ~~إياها، وفي القصة: أنه في اليوم الأول ساق غنمه، وقال له شعيب: إن طريقك ~~يتشعب شعبين: # على أحدهما كلا كثير.. فلا تسلكه في الرعي فإن فيه ثعبانا، واسلك الشعب ~~الآخر. # فلما بلغ موسى مفرق الطريقين، تفرقت أغنامه ولم تطاوعه، وسامت في الشعب ~~الكثير الكلأ، فتبعها، ووقع عليه النوم، فلما انتبه رأى الثعبان مقتولا، ~~فإن العصا قتلته، ولما انصرف أخبر شعيبا بذلك فسر به. وهكذا كان يرى موسى ~~في عصاه آيات كثيرة، ولذا قال: «ولي فيها مآرب أخرى» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 29] # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا ~~إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون (29) # مضت عشر حجج، وأراد موسى الخروج إلى مصر، فحمل ابنه شعيب، وسار بأهله ~~متوجها إلى مصر. فكان أهله في تسييره وكان هو في تسيير ms0907 الحق، ولما ظهر ما ~~ظهر بامرأته من أمر الطلق استصعب عليه الوقت، وبينا هو كذلك إذ آنس من جانب ~~الطور نارا- أي أبصر ورأى- فكأنه يشير إلى رؤية فيها نوع أنس: وإن الله إذا ~~أراد أمرا أجرى ما يليق به، ولو لم تقع تلك الحالة لم يخرج موسى عندها ~~بإيناس النار، وقد توهم- أول الأمر- أن ما يستقبله في ذلك الوقت من جملة ~~البلايا، ولكنه كان في الحقيقة سبب تحقيق النبوة. فلولا أسرار التقدير- ~~التي لا يهتدى إليها الخلق- لما قال لأهله: # «امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر» . # PageV03P064 # ويقال: ألاح له نارا ثم لوح له نورا، ثم بدا ما بدا، ولا كان المقصود ~~النار ولا النور وإنما سماع نداء: «إني أنا الله رب العالمين» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 30] # فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن ~~يا موسى إني أنا الله رب العالمين (30) # الآية أخفى تعيين قدم موسى على الظنون بهذا الخطاب حيث قال: «من شاطئ ~~الواد الأيمن» ، ثم قال: «في البقعة المباركة» ثم قال «من الشجرة» . # وأخلق بأن تكون تلك البقعة مباركة، فعندها سمع خطاب مولاه بلا واسطة وأعز ~~الأماكن في العالم مشهد الأحباب: # وإنى لأهوى الدار ما يستعزنى ... لها الود إلا أنها من دياركا # ويقال: كم قدم وطئت لك البقعة، ولكن لم يسمع أصحابها بها شيئا!. وكم ليلة ~~جنت تلك البقعة ولم يظهر من تلك النار فيها شعلة!. # ويقال: شتان بين شجرة وشجرة شجرة آدم عندها ظهور محنته وفتنته، وشجرة ~~موسى وعندها افتتاح نبوته ورسالته!. # ويقال: لم يأت بالتفصيل نوع تلك الشجرة «1» ، ولا يدرى ما الذي كانت ~~تثمره، بل هي شجرة الوصلة وثمرتها القربة، وأصلها في أرض المحبة وفرعها ~~باسق في سماء الصفوة، وأوراقها الزلفة، وأزهارها تنفتق عن نسيم الروح ~~والبهجة: # فلما سمع «2» موسى تغير عليه الحال ففى القصة: أنه غشى عليه، وأرسل الله ~~إليه الملائكة ليروحوه بمراوح الأنس، وهذا كان في ابتداء الأمر، والمبتدئ ~~مرفوق به. وفي المرة الأخرى خر موسى صعقا، وكان ms0908 يفيق والملائكة تقول له: يا ~~ابن الحيض. أمثلك من يسأل الرؤية؟! PageV03P065 # وكذا الحديث والقصة «1» فى البداية لطف وفي النهاية عنف، فى الأول ختل ~~وفي الآخر قتل، كما قيل: # فلما دارت الصهباء «2» ... دعا بالنطع والسيف # كذا من يشرب الراح ... مع التنين في الصيف «3» # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 31] # وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ~~ولا تخف إنك من الآمنين (31) # يا موسى.. اخلع نعليك والق عصاك، وأقم عندنا هذه الليلة، فلقد تعبت في ~~الطريق- وذلك إن لم يكن في النقل والآثار فهو مما يليق بتلك الحال. # يا موسى.. كيف كنت في الطريق؟ كيف صعدت وكيف صوبت «4» وكيف شرقت وكيف ~~غربت؟ ما كنت في الطريق وحدك يا موسى! أحصينا خطاك- فقد أحصينا كل شىء ~~عددا. يا موسى.. تعبت فاسترح، وبعد ما جئت فلا تبرح- كذلك العبد غدا إذا ~~قطع المسافة في القيامة، وتبوأ منزله من الجنة فأقوام إذا دخلوها رجعوا إلى ~~منازلهم تم يوم اللقاء يستحضرون، وآخرون يمضون من الطريق إلى بساط الزلفة، ~~وكذا العبد أو الخادم إذا دخل بلد سلطانه. يبتدئ أولا بخدمة السدة العلية ~~ثم بعدها ينصرف إلى منزله. # وكذلك اليوم أمرنا «5» إذا أصبحنا كل يوم: ألا نشتغل بشىء حتى نفتتح ~~النهار بالخطاب مع الحق قبل أن نخاطب المخلوق، نحضر بساط الخدمة- أي ~~الصلاة- بل نحضر بساط الدنو والقربة، قال تعالى: «واسجد واقترب» «6» : ~~فالمصلى مناج ربه. ولو علم المصلى من PageV03P066 # يناجى ما التفت أي لم يخرج عن صلاته ولم يلتفت يمينا وشمالا في التسليم ~~الذي هو التحليل «1» . # قوله جل ذكره: «فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى ~~أقبل ولا تخف إنك من الآمنين» . # عند ما انقلبت العصا حية ولى موسى مدبرا ولم يعقب، وكان موضع ذلك أن ~~يقول: # حديث أوله تسليط ثعبان! من ذا يطيق أوله؟!. # فقيل له: لا تخف يا موسى إن الذي يقدر أن يقلب العصا حية يقدر أن يخلق لك ~~منها السلامة: «يا موسى أقبل ولا تخف إنك ms0909 من الآمنين» : ليس المقصود من هذا ~~أنت، إنما أثبت هذا لأسلطه على عدوك، فهذه معجزتك إلى قومك، وآيتك على ~~عدوك. # ويقال: شتان بين نبينا- صلى الله عليه وسلم- وبين موسى عليه السلام رجع ~~من سماع الخطاب وأتى بثعبان سلطه على عدوه، ونبينا- صلى الله عليه وسلم- ~~رجع بعد ما أسرى به إلى السماء، وأوحى إليه ما أوحى- ليوافى أمته بالصلاة ~~التي هي المناجاة، وقيل له: # السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال: السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 32] # اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك ~~برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) # قيل له: اسلك يدك في جيبك لأن المدرعة التي كانت عليه لم يكن لها كم. # وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغى على المرء للوصول إلى مراده ومقصوده أن ~~يتشمر، وأن يجد، PageV03P067 # وأن يخرج يده من كمه. وإنه قال لموسى: أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء، وألق ~~عصاك نجعلها ثعبانا، بلا ضربك بها، وبلا استعمالك لها يا موسى: الأمر بنا ~~لا بك، وأنا لا أنت. # «واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك» : يا موسى، فى وصف ~~خضوعك تجدنى، وبتبريك عن حولك وقوتك تصل إلي. # قوله جل ذكره ### | [سورة القصص (28) : الآيات 33 الى 37] # قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) وأخي هارون هو أفصح مني ~~لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون (34) قال سنشد عضدك بأخيك ~~ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ~~(35) فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين (36) وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ~~ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) # : تعلل بكل وجه رجاء أن يعافى من مشقة التبليغ ومقاساة البلاء لأنه علم ~~أن النبوة فيها مشقة، فلم يجد الرخصة والإعفاء مما كلف، وأجاب سؤله في أخيه ~~حيث سأله ms0910 أن يجعل له ردءا، وضمن لهما النصرة. # ثم إنهما لما أتيا فرعون قابلهما بالتكذيب والجحد «1» ، ورماهما بالخطأ ~~والكذب والسحر «2» ، وجاوباه «3» بالحجة، ودعواه إلى سواء المحجة، فأبى إلا ~~الجحد. # قوله جل ذكره ### | [سورة القصص (28) : الآيات 38 الى 40] # وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على ~~الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38) ~~واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) ~~فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (40) # ادعى الانفراد بالإلهية فزاد في ضلاله على عبدة الأصنام الذين جعلوا ~~أصنامهم شركاء، ثم قال لهامان: «فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى» ~~وكان هذا من زيادة ضلاله، PageV03P068 # حيث توهم أن المعبود من جهة فوق، وأنه يمكن الوصول إليه. ولعمرى لو كان ~~في جهة لأمكن تقدير الوصول إليه وتجويزه!. # «واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ~~فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين» أبى إلا أن ~~يدوم جحوده، وعنوده، فأغرقه الله في البحر، كما أغرق قلبه في بحر الكفر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 41] # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (41) # لا لشرفهم جعلهم أئمة ولكن لسبب تلفهم قدمهم في الخزي والهوان على كل ~~أمة، ولكن لم يرشدوا إلا إلى الضلال. ولم يدلوا الخلق إلا على المحال، وما ~~حصلوا إلا على سوء الحال، وما ذاقوا إلا خزى الوبال. أفاضوا على متبعيهم من ~~ظلمات قلوبهم فافتضحوا فى خسة «1» مطلوبهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 42] # وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين (42) # كانوا في الدنيا مبعدين عن معرفته، وفي الآخرة مبعدين عن مغفرته، ~~فانقلبوا من طرد إلى طرد، ومن هجر إلى بعد، ومن فراق إلى احتراق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 43] # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ~~ورحمة لعلهم يتذكرون ms0911 (43) PageV03P069 # إنما تطيب المنازل إذا خلت من الأجانب، وأطيب المساكن ما كانت زينتها ~~بفقد الرقباء وغيبتهم، فلما أهلك الله فرعون وقومه، وأورث بنى إسرائيل ~~أموالهم وديارهم، ومحا عن جميعها آثارهم- طاب لهم العيش وطلعت عليهم شموس ~~السعادة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 44] # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين (44) # لم تكن حاضرا فتعرف ذلك مشاهدة، ولكنهم رأوا أن إخبارك عنهم بحيث لا ~~يكذبك كتابهم. وبالضرورة عرفوا حالك، وكيف أنك لم تعلم هذا من أحد، ولا ~~قرأته من كتاب، لأنك أمي لا تحسن القراءة، وإذا فليس إخبارك إلا بتعريفنا ~~إياك، واطلاعنا لك على ذلك. # ويقال: «وما كنت بجانب الغربي» : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا موسى، ~~وكلمناه، وخاطبناه في بابك وباب أمتك، ولم تقدح غيبتكم في الحال، وكونى لكم ~~خير من كونكم لكم. # ويقال: لما خاطب موسى وكلمه سأله موسى: إنى أرى في التوراة أمة صفتهم كذا ~~وكذا.. من هم؟ وسأل عن أوصاف كثيرة، وعن الجميع كان يجاب بأنها أمة أحمد ~~«1» ، فاشتاق موسى إلى لقائنا، فقال له: إنه ليس اليوم وقت ظهورهم، فإن شئت ~~أسمعتك كلامهم، فأراد أن يسمع كلامنا، فنادانا وقال: يا أمة أحمد..، فأجاب ~~الكل من أصلاب آبائهم، فسمع موسى كلامهم ولم يدركهم «2» . والغني إذا سأله ~~فقير وأجابه لا يرضى بأن PageV03P070 # يرده من غير إحسان إليه. (وفي رواية عن ابن عباس) «1» أن الله قال: «يا ~~أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعونى وأعطيتكم قبل أن تسألونى، وغفرت لكم قبل ~~أن تستغفرونى، ورحمتكم قبل أن تسترحمونى» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 45] # ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا ~~عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) # «2» ومما كان موسى عليه السلام يتلوه عليهم من الآيات ذكر نبينا صلى الله ~~عليه وسلم بالجميل. # وذكر أمته بحسن الثناء عليهم، فنحن في الوجود محدث مخلوق وفي ذكره متعلق ~~لا باستفتاح. # ولم نكن في العدم أعيانا، ولا أشياء، ولكنا كنا في متعلق القدرة ms0912 ومتناول ~~العلم والمشيئة. # وذكرنا في الخطاب الأزلي والكلام الصمدي والقول الأبدي. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 46] # وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من ~~نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) # ما طلبه موسى لأمته جعلناه لأمتك، وكما نادينا موسى- وهو في الوجود ~~والظهور- ناديناكم وأنتم في كتم العدم، أنشدوا: # كن لى كما كنت ... فى حال لم أكن # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : الآيات 47 الى 48] # ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا ~~لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران ~~تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) PageV03P071 # تمنوا في زمان الفترة أن يبعث الله إليهم رسولا ليهتدوا به، ووعدوا من ~~أنفسهم الإيمان والإجابة، فلما أتاهم الرسول كذبوه، وقالوا: هلا خص بمثل ~~معجزات موسى في الظهور، وكان ذلك منهم خطأ، واقتراحا في غير موضع الحاجة، ~~وتحكما بعد إزاحة العلة: # وكذا الملول إذا أراد قطيعة ... مل الوصال وقال كان وكانا # ثم قال: أفلا تذكرون كيف كفروا بموسى وأخيه ورموهما بالسحر؟. # وقال: إن ارتبتم أن هذا الكتاب من عند الله فأتوا بكتاب مثله، واستعينوا ~~بشركائكم. ومن وقته إلى يومنا هذا لم يأت أحد بسورة مثله، وإلى القيامة لا ~~يأتون بكتاب مثله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 51] # ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) # أتبعنا رسولا بعد رسول، وأردفنا كتابا بعد كتاب، فما ازدادوا إلا كفرا ~~وثبورا، وجحدا وعتوا.. فلا إلى الحق رجعوا، ولا إلى الاستقامة جنحوا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 52] # الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) # من أكحلنا بصيرتهم بنور الهداية صدقوا بمقتضى مساعدة العناية، ومن ~~أعميناه عن شهود التحقيق ولم تساعده لطائف التوفيق انتكس في غوايته، وانهمك ~~في ضلالته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : الآيات 53 الى 54] # وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من ms0913 قبله مسلمين ~~(53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما ~~رزقناهم ينفقون (54) # PageV03P072 # إذا سمعوا دعوتنا قابلوها بالتصديق، وانقادوا بحسن الاستسلام، فلا جرم ~~يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا على الأوامر وصبروا على المحارم في عاجلهم ~~وآجلهم، مرة في الآخرة وهي المثوبة وأخرى في الدنيا وهي لطائف القربة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 55] # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ~~لا نبتغي الجاهلين (55) # «اللغو» : ما يلهى عن الله. ويقال «اللغو» ما لا يوجب وسيلة عند الله، ~~ويقال ما لا يكون بالحق للحق، ويقال هو ما صدر عن قلب غافل، ويقال هو ما ~~يوجب سماعه السهو. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 56] # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) # «1» الهداية في الحقيقة إمالة القلب من الباطل إلى الحق، وذلك من خصائص ~~قدرة الحق- سبحانه- وتطلق الهداية بمعنى الدعاء إلى الحق- توسعا، وذلك جائز ~~بل واجب فى صفته صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: «وإنك تهدى إلى صراط ~~مستقيم» . # ويقال: لك شرف النبوة، ومنزلة الرسالة، وجمال السفارة، والمقام المحمود، ~~والحوض المورود، (وأنت سيد ولد آدم.. ولكنك لا تهدى من أحببت فخصائص ~~الربوبية لا تصلح) «2» لمن وصفه البشرية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 57] # وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) PageV03P073 # قالوا نخاف الأعراب على أنفسنا إن صدقناك، وآمنا بك، (لإجماعهم على ~~خلافنا ولا طاقة لنا بهم) «1» فقال الله تعالى: وكيف تخافونهم وترون الله ~~أظفركم على عدوكم، وحكمنا بتعظيم بيتكم، وجعلنا مكة تجبى إليها ثمرات كل ~~شىء من أقطار الدنيا؟ # ويقال من قام بحق الله- سبحانه- سخر له الكون بجملته، ومن اشتغل برعاية ~~سره لله، وقام بحق الله، واستفرغ أوقاته في عبادة الله مكن من التصرف بهمته ~~في مملكة الله فالخلق مسخر له، والوقت طوع أمره، والحق- سبحانه- متول «2» ~~أيامه وأعماله يحقق ظنه، ولا يضيع حقه. # أما الذي لا ms0914 يطيعه فيهلك في أودية ضلاله، ويتيه «3» فى مفازات خزيه، ~~ويبوء بوزر هواه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 58] # وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا ~~قليلا وكنا نحن الوارثين (58) # لم يعرفوا قدر نعمتهم، ولم يشكروا سلامة أحوالهم، وانتظام أمورهم، فهاموا ~~في أودية الكفران على وجوههم، فخروا في أودية الصغار على أذقانهم، وأذاقهم ~~الله من كاسات الهوان ما كسر خمار بطرهم فأماكنهم منهم خالية، وسقوفها ~~عليهم خاوية، وغربان الدمار فيها ناعية. PageV03P074 # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 59] # وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما ~~كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) # «وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا» : بالتكليف يأمرهم. ~~ويأمر التكوين- على ما يريد- يقفهم. وهو- سبحانه- يبعث الرسل إنذارا ويعمى ~~السبل عليهم اقتدارا يوضح الحجة بحيث لا شبهة، ولكنه لا يهدى إلا من سبقت ~~له السعادة بحكم القسمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 60] # وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى ~~أفلا تعقلون (60) # الدنيا حلوة خضرة، ولكنها في التحقيق مرة مذرة «1» ، فبشرها يوهم أنها ~~صفو ولكن من وراء صفوها حسو «2» ، وما عند الله خير وأبقى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 61] # أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو ~~يوم القيامة من المحضرين (61) # «3» الدنيا سموم حنظلها تتلو طعوم عسلها، وتلف ما يحصل من شربها يغلب لطف ~~ما يظهر PageV03P075 # من أربها، وليس من أكرم بوجدان نعيم عقباه كمن منى بالوقوع في جحيم دنياه ~~قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : الآيات 62 الى 63] # ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (62) قال الذين حق ~~عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما ~~كانوا إيانا يعبدون (63) # إنما يكون ذلك على جهة التهويل وإبطال كيد أهل التضليل.. وإلا فمن أين ~~لهم الجواب فضلا عن الصواب! والذي يسألهم هو الذي على ما شاء جعلهم فما ورد ~~فعل إلا ms0915 على فعله، وما صدر ما صدر إلا من أصله. وإذ تبرأ بعضهم من بعض بين ~~أنه لم يكن للأصنام استحقاق العبودية، ولا لأحد من النفي والإثبات بالإيجاد ~~والإحداث ذرة أو منه شظية.. # كلا بل هو الواحد القهار. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 65] # ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين (65) # يسألهم سؤال هيبة فلا يبقى لهم تمييز، ولا قوة عقل، ولا مكنة جواب، قال ~~جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 66] # فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) # إذ استولت عليهم الحيرة، واستمكن منهم الدهش فلا نطق ولا عقل ولا تمييز ~~ولا فهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : الآيات 67 الى 68] # فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) وربك يخلق ما ~~يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون (68) # PageV03P076 # يختار ما يشاء ومن يشاء من جملة ما يخلق. ومن ليس إليه شىء من الخلق. # فما له والاختيار؟! الاختيار للحق استحقاق عز يوجب أن يكون ذلك له، لأنه ~~لو لم ينفذ مشيئته واختياره لم يكن بوصف العز، فمن بقي عن مراده لا يكون ~~إلا ذليلا فالاختيار للحق نعت عز، والاختيار للخلق صفة نقص ونعت بلاء وقصور ~~فاختيار العبد غير مبارك عليه لأنه صفة هو غير مستحق لها، ومن اتصف بما لا ~~يليق به افتضح في نفسه، قال قائلهم: # ومعال إذا ادعاها سواه ... لزمته جناية السراق # والطينة إذا ادعت ما هو صفة الحق أظهرت رعونتها، فما للإنسان والاختيار؟! ~~وما للمملوك والملك؟! وما للعبيد والتصدر في دست «1» الملوك؟! قال تعالى: ~~«ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون» «2» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 69] # وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (69) # ولم لا وقد قال: «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير» ؟ فالعلم- الذي لا ~~يعزب عنه معلوم- نعت من لم يزل، والإبداع من العدم إلى الوجود يتفرد ~~بالقدرة عليه لم يزل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 70] # وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى ms0916 والآخرة وله الحكم وإليه ~~ترجعون (70) # «لا إله إلا هو» : توحد بعز هيبته، وتفرد بجلال ربوبيته، لا شبيه يساويه، ~~PageV03P077 # ولا نظير يضاهيه. «له الحمد» استحقاقا على عطيته، وله الشكر استيجابا على ~~نعمته ففى الدنيا المحمود الله، وفي العقبى المشكور الله فالإحسان من الله ~~لأن السلطان لله، والنعمة من الله لأن الرحمة لله، والنصرة من الله لأن ~~القدرة لله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 71] # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير ~~الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) # إن دامت ليالى الفترة فمن الذي يأتى بنهار التوبة غير الله؟ # وإن دامت ليالى الطلب فمن الذي يأتى بصبح الوجود غير الله؟ # وإن دامت ليالى القبض فمن الذي يأتى بصبح البسط غير الله؟ # وإن دام ليل الفراق فمن الذي يأتى بصبح الوصال غير الله؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 72] # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير ~~الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون (72) # إن دام في الوصلة نهاركم فأي سبيل للواشين إلى تنغيص سروركم؟ # وإن دام نهار معاشكم ووقت اشتغالكم بحظوظكم فمن إله غير الله يأتيكم بليل ~~تسكنون فيه إلى الله إلا الله، وتستريحون من أشغالكم بالخلوة مع الله إلا ~~الله «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 73] # ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون (73) PageV03P078 # الأوقات ظروف لما يحصل فيها من الأفعال والأحوال فالظروف من الزمان ~~متجانسة، وإنما الاختلاف راجع إلى أعيان ما يحصل فيها فليالى أهل الوصال ~~سادات الليالى، وليالى أهل الفراق أسوأ الليالى فأهل القرب لياليهم قصار ~~وكذلك أيامهم، وأرباب الفراق لياليهم طوال وكذلك جميع أوقاتهم في ليلهم ~~ونهارهم، يقول قائلهم: # والليالى إذا نأيت طوال ... وأراها إذا دنوت قصار # وقال آخر: # والليل أطول وقت حين أفقدها ... والليل أقصر وقت حين ألقاها # وقال ثالث: # يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقى فيه- قصير # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : الآيات 74 الى 75] # ويوم يناديهم فيقول أين ms0917 شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ونزعنا من كل أمة ~~شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون ~~(75) # كلا.. لا حجة لهم، ولا جواب يعذرهم، ولا شفيع يرحمهم، ولا ناصر يعينهم. # اشتهرت ضلالتهم، واتضحت للكافة جهالتهم فدام بهم عذاب الأبد، وحاق بهم ~~وبال السرمد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 76] # إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه ~~لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ~~(76) # جاء في القصص أنه كان ابن عم موسى، وكان من أعبد بنى إسرائيل، وكان قد ~~اعتزل الناس، وانفرد في صومعته يتعبد، فتصور له إبليس في صورة بشر، وأخذ في ~~الظاهر يتعبد معه في صومعته حتى تعجب قارون من كثرة عبادته، فقال له يوما: ~~لسنا في شىء عيوننا # PageV03P079 # على أيدى الناس حتى يدفعوا إلينا شيئا هو ضرورتنا، ولا بد لنا من أخذه، ~~فقال له قارون: # وكيف يجب أن نفعله؟ # فقال له: أن ندخل في الأسبوع يوما السوق، ونكتسب، وننفق ذلك القدر في ~~الأسبوع، فأجابه إليه. فكانا يحضران السوق في الأسبوع يوما، ثم قال له: لست ~~أنا وأنت فى شىء، فقال: وما الذي يجب أن نعمله؟ # فقال له: نكتسب في الأسبوع يوما لأنفسنا، ويوما نكتسب ونتصدق به، فأجابه ~~إليه. # ثم قال له يوما آخر: لسنا في شىء، فقال: وما ذاك؟ # قال: إن مرضنا أو وقع لنا شغل لا نملك قوت يوم، فقال: وما نفعل؟ # قال: نكتسب في الأسبوع ثلاثة أيام يوما للنفقة ويوما للصدقة ويوما ~~للادخار، فأجابه إليه.. فلما علم أن حب الدنيا استمكن من قلبه ودعه، وقال: # إنى مفارقك.. فدم على ما أنت عليه، فصار من أمره وماله ما صار، وحمله حب ~~الدنيا على جمعها، وحمله جمعها على حبها، وحمله حبها على البنى عليهم، ~~وصارت كثرة ماله سبب هلاكه، وكم وعظ بترك الفرح بوجود الدنيا، وبترك ~~الاستمتاع بها! وكان لا يأبى إلا ضلالا. # ويقال خسف الله به الأرض ms0918 بدعاء موسى عليه السلام، فقد كان موسى يقول: # يا أرض خذيه.. وبينما كانت الأرض تخسف به كان يستعين بموسى بحق القرابة، ~~ولكن موسى كان يقول: يا أرض خذيه. # وفيما أوحى الله إلى موسى: لقد ناداك بحق القرابة وأنت تقول: يا أرض ~~خذيه! وأنا أقول: يا عبد، نادنى فأنا أقرب منه إليك، ولكنه لم يقل. # وفي القصة أنه كان يخسف به كل يوم بزيادة معلومة، فلما حبس الله يونس في ~~بطن الحوت أمر الحوت أن يطوف به في البحار لئلا يضيق قلب يونس، حتى انتهى ~~إلى قارون، فسأله قارون عن موسى وحاله، فأوحى الله إلى الملك: # PageV03P080 # لا تزد في خسفه لحرمة أنه سأل عن ابن عمه، ووصل به رحمه «1» قوله جل ~~ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 77] # وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما ~~أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77) # وعظ من حرم القبول كمثل البذر في الأرض السبخة ولذا لم ينفعه نصحهم إياه، ~~ولم يكن للقبول فيه مساغ. # «ولا تنس نصيبك من الدنيا» : ليس النصيب من الدنيا جمعها ولا منعها، إنما ~~النصيب منها ما تكون فيه فائدة بحيث لا يعقب ندما، ولا يوجب في الآخرة ~~عقوبة ويقال النصيب من الدنيا ما يحمل على طاعته بالنفس، وعلى معرفته ~~بالقلب، وعلى ذكره باللسان، وعلى مشاهدته بالسر. # «وأحسن كما أحسن الله إليك» : إنما كان يكون منه حسنة لو آمن بالله لأن ~~الكافر لا حسنة له. والآية تدل على أن لله على الكافر نعما دنيوية. # والإحسان الذي أمر به إنفاق النعمة في وجوه الطاعة والخدمة، ومقابلته ~~بالشكران لا بالكفران. # ويقال الإحسان رؤية الفضل دون توهم الاستحقاق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 78] # قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من ~~القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون (78) # ما لا حظ أحد نفسه إلا هلك بإعجابه. # ويقال السم القاتل، والذي يطفئ ms0919 السراج المضيء النظر إلى النفس بعين ~~الإثبات، PageV03P081 # وتوهم أن منك شيئا من النفي أو الإثبات «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : الآيات 79 الى 82] # فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ~~ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب ~~الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80) فخسفنا به ~~وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين ~~(81) وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن ~~يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح ~~الكافرون (82) # تمنى من رآه ممن كان في حب الدنيا ساواه أن يعطيه الله مثل ما أعطاه. # أما من كان صاحيا عن خمار غفلته، متيقظا بنور بصيرته فكان موقفهم: - ~~«وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا ~~يلقاها إلا الصابرون» وبعد أن كان ما كان، وخسفنا به وبداره الأرض قال ~~هؤلاء: # «لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون» من الله علينا ~~فلم ننجرف في نهجه، ولم ننخرط في سلكه، وإذا لوقع بنا الهلاك. # أما المتمنون مكانه فقد ندموا، وأما الراضون بقسمته- سبحانه- فقد سلموا ~~سلموا في العاجل إلى أن تظهر سعادتهم في الآجل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 83] # تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين (83) # قيل «العلو في الدنيا» أن تتوهم أن على البسيطة أحدا هو شر منك. # و «الفساد» أن تتحرك لحظ نفسك ونصيبك ولو بنفس أو خطوة.. وهذا للأكابر، ~~PageV03P082 # فأما للأصاغر والعوام فتلك الدار الآخرة «نجعلها للذين لا يريدون علوا في ~~الأرض» كعلو فرعون «ولا فسادا» كفساد قارون «1» . # ويقال الزهاد لا يريدون في الأرض علوا، والعارفون لا يريدون في الآخرة ~~والجنة علوا. # ويقال «تلك الدار الآخرة» للعباد والزهاد، وهذه الرحمة الحاضرة لأرباب ~~الافتقار والانكسار. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القصص (28) : آية # 84] ms0920 # من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا ~~السيئات إلا ما كانوا يعملون (84) # ثواب الحسنة في التضعيف، وأمر السيئة بناؤه على التخفيف. # والمؤمن- وإن كان صاحب كبائر- فسيئاته تقصر في جنب حسناته التي هي إيمانه ~~ومعرفته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 85] # إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن ~~هو في ضلال مبين (85) # «لرادك إلى معاد» : فى الظاهر إلى مكة.. وكان يقول كثيرا: «الوطن الوطن» ~~«2» ، فحقق الله سؤله. وأما في السر والإشارة فإنه «فرض عليك القرآن» أي ~~يسر لك قراءة القرآن، والمعاد هو الوصف الذي كانت عليه روحك قبل حلول شجك ~~«3» من ملادغات القرب ومطالعات الحق. PageV03P083 # وقيل الذي ينصبك بأوصاف التفرقة بالتبليغ وبسط الشريعة لرادك إلى عين ~~الجمع بالتحقق بالحق والفناء عن الخلق. # ويقال إن الذي أقامك بشواهد العبودية فيما أثبتك به لرادك إلى الفناء عنك ~~بمحقك في وجود الحقيقة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 86] # وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا ~~للكافرين (86) # ما كنت تؤمل محل النبوة وشرف الرسالة وتأهيل مخاطبتنا إليك، ولا ما ~~أظهرنا عليك من أحوال الوجد وحقائق التوحيد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 87] # ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من ~~المشركين (87) # لا يصدنك بعد إذ أنزلت إليك الآيات ما وجدته بحكم الذوب والشهود، ~~والإدراك والوجود. لا تتداخلنك تهمة التجويز وسؤالات العلماء بما يدعون من ~~أحكام العقول فما يدرك في شعاع الشمس لا يحكم ببطلانه خفاؤه في نور السراج. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القصص (28) : آية 88] # ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم ~~وإليه ترجعون (88) # كل عمل باطل إلا ما كان لوجه الله وللتقرب به إلى الله. # كل حي ميت إلا هو، قال تعالى: «إن امرؤ هلك» : أي مات فكل شىء معد لجواز ~~الهلاك والعدم، ولا يبقى إلا «وجهه» : ووجهه ms0921 صفة من صفاته لا تستقل إلا به، # PageV03P084 # فإذا يقى وجهه فمن شرط بقاء وجهه بقاء ذاته لأن الصفة لا تقوم إلا ~~بموجود، ولا يكون هو باقيا إلا بوجود أوصافه الذاتية الواجبة له ففى بقاء ~~وجهه بقاء ذاته وبقاء صفاته. # وفائدة تخصيص الوجه بالذكر هنا أنه لا يعرف وجوب وجهه إلا بالخبر والنقل ~~دون «1» العقل فخص الوجه بالذكر لأن في بقاء الوجه بقاء الحق بصفاته. ~~PageV03P085 ### | السورة التي يذكر فيها العنكبوت # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» بسم الله اسم يوجب حظوة العابدين ~~وعدا، وسماعه يوجب سلوة الواجدين نقدا «1» . # اسم من ذكره وصل إلى مثوبته في آجله، ومن سمعه «2» حظى بقربته في عاجله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) # «الألف» إشارة إلى تفرده عن كل غير بوجه الغنى، وباحتياج كل شىء إليه ~~كالألف تتصل بها كل الحروف ولكنها لا تتصل بحرف. # «واللام» تشير إلى معنى أنه ما من حرف إلا وفي آخره صورة تعويج ما، ~~واللام أقرب الحروف شبها بالألف- فهى منتصبة القامة مثلها، والفرق بينهما ~~أن الألف لا يتصل بها شىء ولكن اللام تتصل بغيرها- فلا جرم لا يكون في ~~الحروف حرف واحد متكون من حرفين إلا اللام والألف ويسمى لام ألف ويكتب على ~~شكل الاقتناع مثل صورة لام. # أما «الميم» فالإشارة فيه إلى الحرف «من» فمن الرب الخلق، ومن العبد خدمة ~~الحق، ومن الرب الطول والفضل ... # «أحسب الناس أن يتركوا..» بمجرد الدعوى في الإيمان دون المطالبة بالبلوى، ~~وهذا لا يكون، فقيمة كل أحد ببلواه، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه فعلى ~~النفوس بلاء وهو PageV03P086 # المطالبة عليها بإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في أحسن العمل. وعلى ~~القلوب بلاء وهو مطالبتها بالطلب والفكر الصادق بتطلع البرهان على التوحيد ~~والتحقق بالعلم. وعلى الأرواح بلاء وهو التجرد عن محبة كل أحد والتفرد عن ~~كل سبب، والتباعد عن كل المساكنة لشىء من المخلوقات. وعلى الأسرار بلاء وهو ~~الاعتكاف ms0922 بمشاهد الكشف بالصبر على آثار التجلى إلى أن تصير مستهلكا فيه. # ويقال فتنة العوام في أيام النظر والاستدلال، وفتنة الخواص في حفظ آداب ~~الوصول فى أوان المشاهدات. وأشد الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجرى عليك مكر ~~في أوقات غلبات شاهد الحق فيظن أنه الحق، ولا يدرى أنه من الحق، وأنه لا ~~يقال إنه الحق- وعزيز من يهتدى إلى ذلك «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : آية # 3] # ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3) # لم يخلهم من البلاء والمحن ليظهر صبرهم في البلاء أو ضده من الضجر، ~~وشكرهم فى الرخاء أو ضدة من الكفر والبطر. وهم في البلاء ضروب: فمنهم من ~~يصبر في حال البلاء، ويشكر في حال النعماء.. وهذة صفة الصادقين. ومنهم من ~~يضج ولا يصبر في البلاء، ولا يشكر في النعماء.. فهو من الكاذبين. ومنهم من ~~يؤثر في حال الرخاء ألا يستمتع بالعطاء، وبستروح إلى البلاء فيستعذب مقاساة ~~الضر والعناء.. وهذا أجلهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 4] # أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) # يرتكبون المخالفات ثم يحكمون لأنفسهم بالنجاة.. ساء حكمهم! فمتى ينجو من ~~العذاب من ألقى جلباب التقى؟! ويقال توهموا أنه لا حشر ولا نشر، ولا محاسبة ~~ولا مطالبة. # ويقال اغتروا بإمهالنا اليوم، وتوهموا أنهم منا قد أفتلوا، وظنوا أنهم قد ~~أمنوا. PageV03P087 # ويقال ظنوا أنهم باجتراحهم السيئات أن جرى التقدير لهم بالسعادة، وأن ذلك ~~يؤخر حكمنا.. كلا، فلا يشقى من جرت قستنا له بالسعادة، وهيهات أن يتحول من ~~سبق له الحكم بالشقاوة! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : آية # 5] # من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) # من خاف عذابه يوم الحساب فسيلقى يوم الحشر الأمان الموعود منا لأهل الخوف ~~اليوم. ومن أمل الثواب يوم البعث فسوف يرى ثواب ما أسلفه من العمل. ومن زجى ~~عمره في رجاء لقائنا فسوف نبيح له النظر إلينا، وسوف يتخلص من الغيبة ~~والفرقة. # «وهو السميع» لأنين المشتاقين، «العليم» بحنين المحبين ms0923 الوالهين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 6] # ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين (6) # من أحسن فنجاة نفسه طلبها، وسعادة حالة حصلها. ومن أساء فعقوبة نفسه ~~جلبها، وشقاوة جده اكتسبها. # ويقال ثواب المطيعين إليهم مصروف، وعذاب العاصين عليهم موقوف.. والحق ~~عزيز لا يلحقه بالوفاق زين، ولا يمسه من الشقاق شين.. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 7 الى 8] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي ~~كانوا يعملون (7) ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس ~~لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) # من رفع إلينا خطوة نال منا خطوة، ومن ترك فينا شهوة وجد منا صفوة، ~~فنصيبهم من الخيرات موفور، وعملهم في الزلات مغفور.. بذلك أجرينا سنتنا، ~~وهو متناول حكمنا وقضيتنا. # قوله جل ذكره: «ووصينا الإنسان بوالديه حسنا» . # PageV03P088 # أمر الله العباد برعاية حق الوالدين تنبيها على عظم حق التربية. وإذا ~~كانت تربية الوالدين- وهي إن حسنت- فالى حد يوجب رعايتهما فما الظن برعاية ~~حق الله تعالى، والإحسان العميم بالعبد والامتنان القديم الذي خصه به من ~~قبل ومن بعد؟! قوله جل ذكره: «وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون» . # إن جاهداك على أن تشرك بالله فإياك أن تطيعهما، ولكن رد بلطف، وخالف ~~برفق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : آية # 9] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) # أي لنلحقنهم بالذين أصلحوا من قبلهم، فإن المعهود من سنتنا إلحاق الشكل ~~بشكله، وإجراء المثل على حكم مثله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 10] # ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في ~~صدور العالمين (10) # ... # المحن تظهر جواهر الرجال، وهي تدل على قيمهم وأقدارهم فقدر كل أحد وقيمته ~~يظهر عند محنته فمن كانت محنته من فوات الدنيا ونقصان نصيبه منها، أو كانت ~~محنته بموت ms0924 قريب من الناس، أو فقد حبيب من الخلق فحقير قدره، وكثير في ~~الناس مثله. ومن كانت محنته في الله ولله فعزيز قدره، وقليل من كان مثله، ~~فهم في العدد قليل ولكن في القدر والخطر جليل: وبقدر الوقوف في البلاء تظهر ~~جواهر الرجال، وتصفو عن الخبث نفوسهم. # والمؤمن من يكف الأذى، ويتحمل من الخلق الأذى، ويتشرب ولا يترشح بغير # PageV03P089 # شكوى ولا إظهار كالأرض يلقى عليها كل خبيث فتنبت كل خضرة وكل نزهة «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 11] # وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (11) # إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 12] # وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم ~~بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون (12) # ضمنوا بما لم يفوا به، وأخلفوا فيما وعدوا فما حملوا من خطاياهم عنهم ~~شيئا، بل زادوا على حمل نفوسهم فاحتقبوا وزر ما عملوا، وطولبوا بوزر ما به ~~أمروا «2» ، فضاعف عليهم العقوبة، ولم يصل أحد من جهتهم إلى راحة، وما ~~مواعيدهم للمسلمين إلا مواعيد عرقوب أخاه بيثرب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 13] # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما كانوا ~~يفترون (13) # وسيلحق بهؤلاء أصحاب الدعاوى والمتشبهون بأهل الحقائق: # من تحلى بغير ما هو فيه ... فضح الامتحان ما يدعيه # وقال تعالى: «قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين» «3» .. وهيهات هيهات! ~~PageV03P090 # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 14 الى 15] # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم ~~الطوفان وهم ظالمون (14) فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين ~~(15) # الآية ما زادهم طول مقامه فيهم إلا شكا في أمره، وجهلا بحاله، ومرية في ~~صدقه، ولم يزدد نوح- عليه السلام- لهم إلا نصحا، وفي الله إلا صبرا. ولقد ~~عرفه الله أنه لن يؤمن منهم إلا الشر ذمة اليسيرة الذين كانوا قد آمنوا، ~~وأمره باتخاذ السفينة، وأغرق الكفار ولم يغادر منهم أحدا، وصدق وعده، ونصر ~~عبده.. فلا تبديل لسنته في نصرة دينه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ms0925 العنكبوت (29) : آية # 16] # وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ~~(16) # كرر ذكر ابراهيم في هذا الموضع، وكيف أقام على قومه الحجة، وأرشدهم إلى ~~سواء المحجة، ولكنهم أصروا على ما جحدوا، وتعصبوا لما من الأصنام عبدوا، ~~وكادوا لابراهيم كيدا.. ولكن انقلب ذلك عليهم من الله مكرا بهم واستدراجا. ~~ولم ينجع فيهم نصحه، ولا وجد منهم مساغا وعظه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 17] # إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون ~~الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ~~ترجعون (17) # لا يدرى أيهما أقبح.. هل أعمالكم في عبادة هذه الجمادات أم أقوالكم- فيما ~~تزعمون كذبا- عن هذه الجمادات؟ وهي لا تملك لكم نفعا ولا تدفع عنكم ضرا، ~~ولا تملك لكم خيرا ولا شرا، ولا تقدر أن تصيبكم بهذا أو ذاك. # PageV03P091 # وبين أنهم في هذا لم يكونوا خالين عن ملاحظة الحظوظ وطلب الأرزاق «1» ~~فقال: # «فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه» لتصلوا إلى خير الدارين. # وابتغاء الرزق من الله إدامة الصلاة فإن الصلاة استفتاح باب الرزق، قال ~~تعالى: # «وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا» «2» ويقال ابتغاء الرزق ~~بشهود موضع الفاقة فعند ذلك تتوجه الرغبة إلى الله تعالى فى استجلاب الرزق. # وفي الآية تقديم لابتغاء الرزق على الأمر بالعبادة لأنه لا يمكنه القيام ~~بالعبادة إلا بعد كفاية الأمر فبالقوة يمكنه أداء العبادة، وبالرزق يجد ~~القوة، قالوا: # إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه ... فمكروه ما يلقى يكون جزاؤه # «واشكروا له» : حيث كفاكم أمر الرزق حتى تفرغتم لعبادته «3» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : آية # 18] # وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين (18) # وبال التكذيب عائد على المكذب، وليس على الرسول- بعد تبليغه الرسالة بحيث ~~لا يكون فيه تقصير كى يكون مبينا- شىء آخر. وإلا يكون قد خرج عن عهدة ~~الإلزام. # وفيما حل بالمكذبين من العقوبة ما ينبغى أن يكون عبرة لمن بعدهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت ms0926 (29) : آية 19] # أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) ~~PageV03P092 # الذي داخلهم فيه الشك كان بعث الخلق، فاحتج عليهم بما أراهم من إعادة ~~فصول السنة بعد تقضيها على الوجه الذي كان في العام الماضي. وبين أن جمع ~~أجزاء المكلفين بعد انقضاض البنية كإعادة فصول السنة فكما أن ذلك سائغ في ~~قدرته غير مستنكر فكذلك بعث الخلق. # وكما في فصول السنة تتكرر أحوال العبادة في الأحوال العامة المشتركة بين ~~الكافة، وفي خواص أحوال المؤمنين من استيلاء شهوات النفوس، ثم زوالها، إلى ~~موالاة الطاعات، ثم حصول الفترة، والعود إلى مثل الحالة الأولى، ثم بعد ذلك ~~الانتباه بالتوبة.. كذلك تتكرر عليهم الأحوال. # وأرباب القلوب تتعاقب أحوالهم في القبض والبسط ثم في الهيبة والأنس، ثم ~~في التجلي والستر، ثم في البقاء والفناء، ثم في السكر «1» والصحو.. وأمثال ~~هذا كثير. وفي هذا المعنى قوله: ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : آية # 20] # قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن ~~الله على كل شيء قدير (20) # وفي معنى تكرير الأحوال ما أنشدوا: # كل نهر فيه ماء قد جرى ... فإليه الماء يوما سيعود # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 21] # يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) # أجناس ما يعذب به عباده وأنواع ما يرجم به عباده.. لا نهاية لها ولا حصر ~~فمن ذلك أنه يعذب من يشاء بالخذلان، ويرحم من يشاء بالإيمان. يعذب من يشاء ~~بالجحود والعنود، PageV03P093 # ويرحم من يشاء بالتوحيد والوجود. يعذب من يشاء بالحرص ويرحم من يشاء ~~بالقناعة. # يعذب من يشاء بتفرقة الهم ويرحم من يشاء بجمع الهمة. يعذب من يشاء ~~بإلقائه في ظلمة التدبير، ويرحم من يشاء بإشهاده جريان التقدير. يعذب من ~~يشاء بالاختيار من نفسه، ويرحم من يشاء برضاه بحكم ربه. يعذب من يشاء ~~بإعراضه عنه، ويرحم من يشاء بإقباله عليه. يعذب من يشاء بأن يكله ونفسه، ~~ويرحم من يشاء بأن يقوم بحسن توليه. # يعذب من يشاء بحب الدنيا ويمنعها عنه، ويرحم من يشاء بتزهيده فيها ms0927 وبسطها ~~عليه. # يعذب من يشاء بأن يثبته في أوطان العادة، ويرحم من يشاء بأن يقيمه بأداء ~~العبادة ... # وأمثال هذا كثير. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : آية # 22] # وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير (22) # نقلب الجملة في القبضة، ونجرى عليهم أحكام التقدير: جحدوا أم وحدوا، ~~أقبلوا أم أعرضوا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 23] # والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب ~~أليم (23) # تعجلت عقوبتهم بأن يئسوا من رحمته.. ولا عقوبة أشد من هذا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 24] # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن ~~في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) # لما عجزوا عن جوابه ولم يساعدهم التوفيق بالإجابة أخذوا في معارضته ~~بالتهديد والوعيد، والسفاهة والتوبيخ، والله تعالى صرف عنه كيدهم، وكفاه ~~مكرهم، وأفلج عليهم عليهم حجته «1» ، PageV03P094 # وأظهر للكافة عجزهم، وأخبر عما يلحقهم في مآلهم من استحقاق اللعن والطرد، ~~وفنون الهوان والخزي. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 26] # فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26) # لا تصح الهجرة إلى الله إلا بالتبرى- بالكمال- بالقلب عن غير الله. ~~والهجرة بالنفس يسيرة بالإضافة إلى الهجرة بالقلب- وهي هجرة الخواص وهي ~~الخروج عن أوطان التفرقة إلى ساحات الجمع. والجمع بين التعريج في أوطان ~~التفرقة والكون في مشاهد الجمع متناف «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 27] # ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (27) # لما لم يجب قومه، وبذل لهم النصح «2» ، ولم يدخر عنهم شيئا من الشفقة- ~~حقق الله مراده في نسله، فوهب له أولاده، وبارك فيهم، وجعل في ذريته الكتاب ~~والنبوة، واستخلصهم للخيرات حتى صلحت أعمالهم للقبول، وأحوالهم للإقبال ~~عليها، ونفوسهم للقيام بعبادته، وأسرارهم لمشاهدته، وقلوبهم لمعرفته. # «وإنه في الآخرة لمن الصالحين» للدنو والزلفة والتخصيص بالقربة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 28 الى # 29] # ولوطا إذ قال لقومه ms0928 إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ~~(28) أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين (29) . ~~PageV03P095 # لامهم على خصلتهم الشنعاء، وما كانوا يتعاطونه على الله من الاجتراء، وما ~~يضيعونه من المعروف ويأتون من المنكر الذي جملته تخليته الفساق مع فسقهم، ~~وترك القبض على أيديهم، وقلة الاحتشام من اطلاع الناس على قبائح أعمالهم. ~~ومن ذلك قلة احترام الشيوخ والأكابر، ومنها التسويف في التوبة، ومنها ~~التفاخر بالزلة. # فما كان جوابهم إلا استعجال العقوبة، فحل بهم من ذلك ما أهلكهم وأهلك من ~~شاركهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 31 الى 32] # ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين (31) قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (32) # التبس على إبراهيم أمرهم فظنهم أضيافا فتكلف لهم تقديم العجل الحنيذ جريا ~~على سنته فى إكرام الضيف. فلما أخبروه مقصودهم من إهلاك قوم لوط تكلم في ~~باب لوط ... إلى أن قالوا: إنا منجوه. وكان ذلك دليلا على أن الله تعالى لو ~~أراد إهلاك لوط- وإن كان بريئا- لم يكن ظلما إذ لو كان قبيحا لما كان ~~إبراهيم عليه السلام- مع وفرة علمه- يشكل عليه حتى كان يجادل عنه. بل لله ~~أن يعذب من يعذب، ويعافى من يعافى «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : آية # 33] # ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن ~~إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين (33) # لما أن رآهم لوط ضاق بهم قلبه لأنه لم يعلم أنهم ملائكة، فخاف عليهم من ~~فساد قومه فكان ضيق قلبه لأجل الله- سبحانه، فأخبروه بأنهم ملائكة، وأن ~~قومه لن يصلوا إليهم، فعند ذلك سكن قلبه، وزال ضيق صدره. PageV03P096 # ويقال أقرب ما يكون العبد في البلاء من الفرج إذا اشتد عليه البلاء فعند ~~ذلك يكون زوال البلاء، لأنه يصير مضطرا، والله سبحانه وعد ms0929 المضطرين وشيك ~~الاجابة «1» . كذلك كان لوط في تلك الليلة، فقد ضاق بهم ذرعا ثم لم يلبث أن ~~وجد الخلاص من ضيقه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : آية # 35] # ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (35) # فمن أراد الاعتبار فله في قصتها عبرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 36 الى 40] # وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ~~(37) وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم ~~عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى ~~بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين (39) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم ~~من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم ~~من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40) # الآيات. # ذكر قصة شعيب وقصة عاد وثمود وقصة فرعون، وقصة قارون.. وكلهم نسج بعضهم ~~على منوال بعض، وسلك مسلكهم، ولم يقبلوا النصح، ولم يبالوا بمخالفة رسلهم، ~~ثم إن الله تعالى أهلكهم بأجمعهم، إمضاء لسنته في نصرة الضعفاء وقهر ~~الظالمين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 41] # مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) # العنكبوت يتخذ لنفسه بيتا، ولكن كلما زاد نسجا في بيته ازداد بعدا في ~~الخروج منه فهو بينى ولكن على نفسه بينى.. كذلك الكافر يسعى ولكن على نفسه ~~يجنى. # وبيت العنكبوت أكثره في الزوايا من الجدران، كذلك الكافر أمره على التقية ~~«2» والكتمان، وأما المؤمن فظاهر المعاملة، لا يستر ولا يدخمس «3» . ~~PageV03P097 # وبيت العنكبوت أوهن البيوت لأنه بلا أساس ولا جدران ولا سقف ولا يمسك على ~~أدون «1» دفع.. كذلك الكافر لا أصل لشأنه، ولا أساس لبنيانه، يرى شيئا ولكن ~~بالتخييل، فأما في التحقيق.. فلا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : آية # 43] # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43) # الكل يشتركون في سماع الأمثال، ولكن لا يصغى إليها ms0930 من كان نفور القلب، ~~كنود الحال، متعودا الكسل، معرجا في أوطان الفشل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 44] # خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44) # «بالحق» : أي بالقول الحق والأمر الحق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 45] # اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45) # أي من شأن المؤمن وسبيله أن ينتهى عن الفحشاء والمنكر، أي على معنى ينبغى ~~للمؤمن أن ينتهى عن الفحشاء والمنكر، كقوله: «وعلى الله فتوكلوا إن كنتم ~~مؤمنين» أي ينبغى للمؤمن أن يتوكل على الله، فإن قدر أن واحدا منهم لا ~~يتوكل فلا يخرج به ذلك عن الايمان- كذلك من لم ينته عن الفحشاء والمنكر ~~فليست تخرج صلاته عن كونها صلاة. # ويقال بل الصلاة الحقيقة ما تكون ناهية لصاحبها عن الفحشاء والمنكر فإن ~~لم يكن من العبد انتهاء فالصلاة ناهية على معنى ورود الزواجر على قلبه بألا ~~يفعل، ولكنه يصر ولا يطيع تلك الخواطر. PageV03P098 # ويقال بل الصلاة الحقيقية ما تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر. فإن كان- ~~وإلا فصورة الصلاة لا حقيقتها ويقال الفحشاء هي الدنيا، والمنكر هو النفس. # ويقال الفحشاء هي المعاصي، والمنكر هو الحظوظ. # ويقال الفحشاء الأعمال، والمنكر حسبان النجاة بها، وقيل ملاحظته الأعواض ~~عليها، والسرور والفرح بمدح الناس لها. # ويقال الفحشاء رؤيتها، والمنكر طلب العوض عليها. # «ولذكر الله أكبر» «1» : ذكر الله أكبر من ذكر المخلوقين لأن ذكره قديم ~~وذكر الخلق محدث. # ويقال ذكر العبد لله أكبر من ذكره للأشياء الأخرى لأن ذكره لله طاعة، ~~وذكره لغيره لا يكون طاعة. # ويقال ولذكر الله لك أكبر من ذكرك له. # ويقال ذكره لك بالسعادة أكبر من ذكرك له بالعبادة. # ويقال ذكر الله أكبر من أن تبقى معه وحشة. # ويقال ذكر الله أكبر من أن يبقى للذاكر معه ذكر مخلوق. # ويقال ذكر الله أكبر من أن يبقى للزلة معلوما أو مرسوما. # ويقال ذكر الله أكبر من أن يعيش أحد من المخلوقين بغيره. # ويقال ولذكر ms0931 الله أكبر من أن يبقى معه للفحشاء والمنكر سلطانا فلحرمة ~~ذكره زلات الذاكر مغفورة، وعيوبه مستورة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : آية # 46] # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا ~~آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) ~~PageV03P099 # ينبغى أن يكون منك للخصم تبيين، وفي خطابك تليين، وفي قبول الحق إنصاف، ~~واعتقاد النصرة- لما رآه صحيحا- بالحجة، وترك الميل إلى الشيء بالهوى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 47] # وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من ~~يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) # يعنى أنهم على أنواع: فمرحوم نظرنا إليه بالعناية، ومحروم وسمناه ~~بالشقاوة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 48] # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) # أي تجرد قلبك عن المعلومات، وتقدس سرك عن المرسومات، فصادفك من غير ~~ممازجة طبع ومشاركة كسب وتكلف بشرية «1» ، فلما خلا قلبك وسرك عن كل معلوم ~~ومرسوم ورد عليك خطابنا وتفهيمنا غير مقرون بهما ما ليس منا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 49] # بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا ~~الظالمون (49) # قلوب الخواص من العلماء بالله خزائن الغيب، فيها أودع براهين حقه، وبينات ~~سره، ودلائل توحيده، وشواهد ربوبيته فقانون «2» الحقائق قلوبهم، وكل شىء ~~يطلب من موطنه PageV03P100 # ومحله فالدر يطلب من الصدف لأن ذلك مسكنه، والشمس تطلب من البروج لأنها ~~مطلعها، والشهد يطلب من النحل لأنه عشه. كذلك المعرفة «1» تطلب من قلوب ~~خواصه لأن ذلك قانون معرفته، ومنها ( ... ) «2» # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 50 الى 51] # وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا ~~نذير مبين (50) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك ~~لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) # خفيت عليهم حالتك- يا محمد- فطالبوك بإقامة الشواهد، وقالوا: «لولا أنزل ~~عليه آيات ... » أولم يكفهم ما أوضحنا عليك من السبيل، وألحنا لك من الدليل ~~يتلى عليهم ms0932 ذلك، ولا يمكنهم معارضته ولا الإتيان بشىء من مثله؟! هذا هو ~~الجحود وغاية الكنود! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : آية # 52] # قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا ~~بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52) # أنا على حق والله- سبحانه- يعلمه، وأنتم لستم على حق والله يعلمه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 53] # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون (53) # لولا أنى ضربت لكل شىء أجلا لعجلت لهم ذلك، وليأتينهم العذاب- حين ~~يأتيهم- بغتة وفجأة. PageV03P101 # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 55] # يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ~~(55) # وإذا أحاطت بهم في جهم سرادقات العذاب فلا صريخ لهم، كذلك- اليوم- من ~~أحاط به العذاب من فوقه اللعن ومن تحته الخسف، ومن حوله الخزي، ويلبس لباس ~~الخذلان، ويوسم بكي الحرمان، ويسقى شراب القنوط، ويتوج بتاج الخيبة، ويقيد ~~بقيد السخط، ويغل بغل العداوة، فهم يسحبون في جهنم الفراق حكما، إلى أن ~~يلقوا في جحيم الاحتراق عينا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 56] # يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) # الدنيا أوسع رقعة من أن يضيق بمريد مكان، فإذا نبا به منزل- لوجه من ~~الوجوه- إما لمعلوم حصل، أو لقبول من الناس، أو جاه، أو لعلاقة أو لقريب أو ~~لبلاء ضد، أو لوجه من الوجوه الضارة ... فسبيله أن يرتحل عن ذلك الموضع ~~وينتقل إلى غيره، كما قالوا «1» : # وإذا ما جفيت كنت حريا ... أن أرى غير مصبح حيث أمسى # وكذلك العارف إذا لم يوافق وقته مكان انتقل إلى غيره من الأماكن «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 57] # كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) # إذا كان الأمر كذلك فالراحة معطوفة على تهوين الأمور فسبيل المؤمن أن ~~يوطن نفسه PageV03P102 # على الخروج مستعدا له، ثم إذا لم يحصل الأجل فلا يستعجل، وإذا حضر فلا ~~يستثقل، ويكون بحكم الوقت، كما قالوا: # لو قال لى مت مت سمعا وطاعة ... وقلت لداعى الموت: أهلا ومرحبا # قوله جل ذكره: ### | [سورة ms0933 العنكبوت (29) : الآيات 58 الى 60] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ~~(59) وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم ~~(60) # هم- اليوم- فى غرف معارفهم على أسرة وصلهم، متوجون بتيجان سيادتهم، يسقون ~~كاسات الوجد، ويجبرون في جنان القرب، وعدا كما قال: - «الذين صبروا وعلى ~~ربهم يتوكلون» والصبر الوقوف مع الله بشرط سقوط الفكرة. # الصبر العكوف في أوطان الوفاء، الصبر حبس النفس على فطامها. # الصبر تجرع كاسات التقدير من غير تعبيس. # الصبر صفة توجب معية الحق.. وأعزز بها! وأول الصبر تصبر بتكلف، ثم صبر ~~بسهولة، ثم اصطبار وهو ممزوج بالراحة، ثم تحقق بوصف الرضا فيصير العبد فيه ~~محمولا بعد أن كان متحملا. # والتوكل انتظار مع استبشار، والتوكل سكون السر إلى الله، التوكل استقلال ~~بحقيقة التوكل فلا تتبرم في الخلوة بانقطاع الأغيار عنك. التوكل إعراض ~~القلب عن غير الرب. # قوله جل ذكره: «وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو ~~السميع العليم» . # PageV03P103 # «لا تحمل رزقها» أي لا تدخره، فمن لم يدخر رزقه في كيسه أو خزائنه فالله ~~يرزقه من غير مقاساة تعب منه. # ويقال «لا تحمل رزقها» المقصود بها الطيور والسباع إذ ليس لها معلوم، ~~وليس لها بيت تجمع فيه القوت، وليس لها خازن ولا وكيل.. الله يرزقها ~~وإياكم. # ويقال إرادة الله في أن يستبقيك ولا يقبض روحك أقوى وأتم وأكبر من تعنيك ~~لأجل بقائك.. فلا ينبغى أن يكون اهتمامك بسبب عيشك أتم وأكبر من تدبير ~~صانعك لأجل بقائك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : آية # 61] # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون (61) # إذا سئلوا عن الخالق أقروا بالله، وإذا سئلوا عن الرزاق لم يستقروا مع ~~الله.. هذه مناقضة ظاهرة! قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 62] # الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم (62) # الرزق على قسمين: رزق الظواهر ومنه الطعام والشراب، ms0934 ورزق السرائر ومنه ~~الاستقلال بالمعاني بحيث لا يحصره تكلف الكلام، والناس فيهم مرزوق ومرفه ~~عليه، وفيهم مرزوق ولكن مضيق عليه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 63] # ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن ~~الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) # PageV03P104 # كما علموا أن حياة الأرض بعد موتها بالمطر من قبل الله فليعلموا أن حياة ~~النفوس بعد موتها- عند النشر والبعث- بقدرة الله. وكما علموا ذلك فليعلموا ~~أن حياة الأوقات بعد نفرتها، وحياة القلوب بعد فترتها ... بماء الرحمة ~~بالله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : آية # 64] # وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو ~~كانوا يعلمون (64) # الدنيا كالأحلام، وعند الخروج منها انتباه من النوم. والآخرة هنالك العيش ~~بكماله، والتخلص- من الوحشة- بتمامه ودوامه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 65] # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا ~~هم يشركون (65) # الإخلاص تفريغ القلب عن الكل، والثقة بأن الإخلاص ليس إلا به- سبحانه، ~~والتحقق بأنه لا يستكبر حالا في المحمودات ولا في المذمومات، فعند ذلك ~~يعبدونه مخلصين له الدين. وإذا توالت عليهم الضرورات، وانقطع عنه الرجاء ~~أذعنوا الله متضرعين (فإذا كشف الضر عنهم عادوا إلى الغفلة، ونسوا ما كانوا ~~فيه من الحال كما قيل) «1» : # إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذى الضنى عاد إلى نكسه # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 67] # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون ~~وبنعمة الله يكفرون (67) # من عليهم بدفع المحن عنهم وكون الحرم آمنا. وذكرهم عظيم إحسانه عليهم، ثم ~~إعراضهم عن شكر ذلك. PageV03P105 # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 68] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم ~~مثوى للكافرين (68) # أي لا أحد أشد ظلما ممن افترى على الله الكذب، وعدل عن الصدق، وآثر ~~البهتان ولم يتصرف بالتحقق، أولئك هم السقاط في الدنيا والآخرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 69] # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ms0935 سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69) # الذين زينوا ظواهرهم بالمجاهدات حسنت سرائرهم بالمشاهدات. الذين شغلوا ~~ظواهرهم بالوظائف أوصلنا إلى سرائرهم اللطائف. الذين قاسوا فينا التعب من ~~حيث الصلوات جازيناهم بالطرب من حيث المواصلات. # ويقال الجهاد فيه: أولا بترك المحرمات، ثم بترك الشبهات، ثم بترك ~~الفضلات، ثم بقطع العلاقات، والتنقى من الشواغل في جميع الأوقات. # ويقال بحفظ الحواس لله، وبعد الأنفاس مع الله. # PageV03P106 ### | السورة التي يذكر فيها الروم # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # بسم الله اسم عزيز شفيع المذنبين جوده، بلاء المتهمين قصوده، ضياء ~~الموحدين عهوده. # وسلوة المحزونين ذكره، وحرفة «1» الممتحنين شكره. # اسم عزيز رداؤه كبرياؤه، وجبار سناؤه بهاؤه، وبهاؤه علاؤه. # العابدون حسبهم عطاؤه، والواجدون حسبهم بقاؤه «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في ~~بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) # بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) # الإشارة فى «الألف» إلى أنه ألف صحبتنا من عرف عظمتنا، وأنه ألف بلاءنا ~~من عرف كبرياءنا. # والإشارة فى «اللام» إلى أنه لزم بابنا من ذاق محابنا، ولزم بساطنا من ~~شهد جمالنا. # والإشارة فى «الميم» إلى أنه مكن من قربنا من قام على خدمتنا، ومات على ~~وفاتنا من تحقق بولائنا. # قوله: «غلبت الروم» : سر المسلمون بظفر الروم على العجم- وإن كان الكفر ~~يجمعهم- إلا أن الروم اختصوا بالإيمان ببعض الأنبياء، فشكر الله لهم، وأنزل ~~فيهم الآية.. # فكيف بمن يكون سروره لدين الله، وحزنه واهتمامه لدين الله؟ PageV03P107 # قوله جل ذكره: «لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ~~ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم» . # «قبل» إذا أطلق انتظم الأزل، و «بعد» إذا أطلق دل على الأبد فالمعنى ~~الأمر الأزلي لله، والأمر الأبدي لله لأن الرب الأزلي والسيد الأبدي الله. # لله الأمر يوم العرفان «1» ، ولله الأمر يوم الغفران. # لله الأمر حين القسمة ولا حين، ولله الأمر عند النعمة وليس أي معين «2» . # ويقال: ms0936 لى الأمر «من قبل» وقد علمت ما تفعلون، فلا يمنعنى أحد من تحقيق ~~عرفانكم، ولى الأمر «من بعد» وقد رأيت ما فعلتم، فلا يمنعنى أحد من ~~غفرانكم. # وقيل «لله الأمر من قبل» بتحقيق ودكم، ولله الأمر من بعد بحفظ عهدكم: # إنى- على جفواتها- وبربها ... وبكل متصل بها متوسل «3» # «ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله» : # اليوم إرجاف السرور وإنما ... يوم اللقاء حقيقة الإرجاف # اليوم ترح وغدا فرح، اليوم عبرة وغدا حبرة، اليوم أسف وغدا لطف، اليوم ~~بكاء وغدا لقاء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 6] # وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) PageV03P108 # الكريم لا يخلف وعده لا سيما والصدق نعته. # يقول المؤمنون: منا يوم الميثاق وعد بالطاعة، ومنه ذلك اليوم وعد بالجنة، ~~فإن وقع في وعدنا تقصير لا يقع في وعده قصور. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 7] # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) # استغراقهم في الاشتغال بالدنيا، وانهما كهم في تعليق القلب بها.. منعهم ~~عن العلم بالآخرة. وقيمة كل امرئ علمه بالله ففى الأثر عن علي- رضى الله ~~عنه- أنه قال: أهل الدنيا على غفلة من الآخرة، والمشتغلون بعلم الآخرة كذلك ~~بوجودها فى غفلة عن الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 8] # أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) # إن من نظر حق النظر، ووضع النظر موضعه أثمر له العلم واجبا، فإذا استبصر ~~بنور اليقين أحكام الغائبات، وعلم موعوده الصادق في المستأنف- نجا عن كد ~~التردد والتجويز «1» . # فسبيل من صحا عقله ألا يجنح إلى التقصير فيما به كمال سكونه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 9] # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد ~~منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات ~~فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) PageV03P109 # سير النفوس في أقطار الأرض ومنا كها لأداء العبادات، وسير القلوب بجولان ~~الفكر فى ms0937 جميع المخلوقات، وغايته الظفر بحقائق العلوم التي توجب ثلج الصدر- ~~ثم تلك العلوم على درجات. وسير الأرواح في ميادين الغيب بنعت خرق سرادقات ~~الملكوت، وقصاراه الوصول إلى محل الشهود واستيلاء سلطان الحقيقة. وسير ~~الأسرار بالترقي عن الحدثان «1» بأسرها، والتحقق أولا بالصفات، ثم بالخمود ~~بالكلية عما سوى الحق» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 10] # ثم كان عاقبة الذين أساؤا السواى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن ~~(10) # من زرع الشوك لم يحصد الورد، ومن استنبت الحشيش لم يقطف الثمار، ومن سلك ~~طريق الغي لم يحلل بساحة الرشد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 11] # الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) # يبدأ الخلق على ما يشاء، ثم يعيده إذا ما شاء على ما يشاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 12] # ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (12) # شهودهم ما جحدوه في الدنيا عيانا، ثم ما ينضاف إلى ذلك من اليأس بعد ما ~~يعرفون قطعا «3» هو الذي يفتت أكبادهم، وبه تتم محنتهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 13] # ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين (13) . PageV03P110 # تغلب العداوة من بعض على بعض. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 14] # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) # فريق منهم أهل الوصلة، وفريق هم أهل الفرقة. فريق للجنة والمنة، وفريق ~~للعذاب والمحنة. فريق في السعير، وفريق في السرور. فريق في الثواب، وفريق ~~في العذاب. # فريق في الفراق، وفريق في التلاقي. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 15] # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) # فهم في رياض وغياض ### | [سورة الروم (30) : آية 16] # وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون ~~(16) # فهم في بوار وهلاك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : الآيات 17 الى 18] # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السماوات والأرض ~~وعشيا وحين تظهرون (18) # من كان صباحه لله بورك له في يومه، ومن كان مساؤه بالله بورك له في ليله: # وإن صباحا نلتقى في مسائه ... صباح على قلب الغريب حبيب # شتان بين ms0938 عبد صباحه مفتتح بعبادته ومساؤه مختتم بطاعته، وبين عبد صباحه ~~مفتتح بمشاهدته ورواحه مفتتح بعزيز قربته! ويقال الآية تتضمن الأمر بتسبيحه ~~في هذه الأوقات، والآية تتضمن الصلوات الخمس «1» ، PageV03P111 # وإرادة الحق من أوليائه بأن يجددوا العهد في اليوم والليلة خمس مرات فتقف ~~على بساط المناجاة، وتستدرك ما فاتك فيما بين الصلاتين من طوارق الزلات. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 19] # يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك ~~تخرجون (19) # «يخرج الحي من الميت» : الطير من البيض، والحيوان من النطفة. # و «يخرج الميت من الحي» : البيض من الطير، والنطفة من الحيوان. # والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. # ويظهر أوقاتا من بين أوقات كالقبض من بين أوقات البسط، والبسط من بين ~~أوقات القبض. # «ويحي الأرض بعد موتها» : يحييها بالمطر، ويأتى بالربيع بعد وحشة الشتاء ~~كذلك يوم النشور يحيى الخلق بعد الموت. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 20] # ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) # خلق آدم من التراب، ثم من آدم الذرية. فذكرهم نسبتهم لئلا يعجبوا ~~بأحوالهم. # ويقال الأصل تربة ولكن العبرة بالتربية لا بالتربة، القيمة لما منه لا ~~لأعيان المخلوقات. # اصطفى واختار الكعبة فهى أفضل من الجنة الجنة جواهر ويواقيت، والبيت حجر! ~~ولكن البيت مختاره وهذا المختار حجر! واختار الإنسان، وهذا المختار مدر! ~~والغني غني لذاته، غني عن كل غير من رسم وأثر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 21] # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ~~ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21) # PageV03P112 # رد المثل إلى المثل، وربط الشكل بالشكل، وجعل سكون البعض إلى البعض، ولكن ~~ذلك للأشباح والصور، أما الأرواح فصحبتها للأشباح كره لا طوع «1» . # وأما الأسرار فمعتقة لا تساكن الأطلال ولا تتدنس بالأعلال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 22] # ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات ~~للعالمين (22) # خلق السماوات في علوها والأرض في دنوها هذه بنجومها وكواكبها، وهذه ms0939 ~~بأقطارها ومناكبها. وهذه بشمسها وقمرها، وهذه بمائها ومدرها. # ومن آياته اختلاف لغات أهل الأرض، واختلاف تسبيحات الملائكة الذين هم ~~سكان السماء. وإن اختصاص كل شىء منها بحكم- شاهد عدل، ودليل صدق على أنها ~~تناجى أفكار المتيقظين، وتنادى على أنفسها.. أنها جميعها من تقدير العزيز ~~العليم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 23] # ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون (23) # غلبة النوم بغير اختيار صاحبه ثم انتباهه من غير اكتساب له بوسعه يدل على ~~موته وبعثه بعد ذلك وقت نشوره. ثم في حال منامه يرى ما يسره وما يضره، وعلى ~~أوصاف كثيرة أمره.. كذلك الميت في قبره.. الله أعلم كيف حاله في أمره، وما ~~يلقاه من خيره وشره، ونفعه وضره؟ PageV03P113 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 24] # ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض ~~بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) # يلقى في القلوب من الرجاء والتوقع في الأمور، ثم يختلف بهم الحال فمن عبد ~~يحصل مقصوده، ومن آخر لا يتفق مراده. # والأحوال اللطيفة كالبروق، وقالوا: إنها لوائح ثم لوامع ثم طوالع ثم ~~شوارق ثم متوع النهار «1» ، فاللوائح في أوائل العلوم، واللوامع من حيث ~~الفهوم، والطوالع من حيث المعارف «2» ، والشوارق من حيث التوحيد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 25] # ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا ~~أنتم تخرجون (25) # يفنى هذه الأدوار، ويغير هذه الأطوار، ويبدل أحوالا غير هذه الأحوال ~~إماتة ثم إحياء، وإعادة وقبلها إبداء، وقبر ثم نشر، ومعاتبة في القبر ثم ~~محاسبة بعد النشر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : الآيات 26 الى 27] # وله من في السماوات والأرض كل له قانتون (26) وهو الذي يبدؤا الخلق ثم ~~يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم (27) # له ذلك ملكا، ومنه تلك الأشياء بدءا، وبه إيجادا، وإليه رجوعا. # قوله جل ذكره: «وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ms0940 وله المثل ~~الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم» . PageV03P114 # «وهو أهون عليه» أي في ظنكم وتقديركم «1» . # وفي الحقيقة السهولة والوعورة على الحق لا تجوز. # «وله المثل الأعلى» : له الصفة العليا في الوجود بحق القدم، وفي الجود ~~بنعت الكرم، وفي القدرة بوصف الشمول، وفي النصرة بوصف الكمال، وفي العلم ~~بعموم التعلق، وفي الحكم بوجوب التحقق، وفي المشيئة بوصف البلوغ، وفي ~~القضية «2» بحكم النفوذ، وفي الجبروت بعين العز والجلال، وفي الملكوت بنعت ~~المجد والجمال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 28] # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما ~~رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعقلون (28) # أي إذا كان لكم مماليك لا ترضون بالمساواة بينكم وبينهم، وأنتم متشاكلون ~~«3» بكل وجه- إلا أنكم بحكم الشرع مالكوهم- فما تقولون في الذي لم يزل، ولا ~~يزال كما لم يزل؟. # هل يجوز أن يقدر في وصفه أن يساويه عبيده؟ وهل يجوز أن يكون مملوكه ~~شريكه؟ # تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا!. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 29] # بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ~~ناصرين (29) . PageV03P115 # أشد الظلم متابعة الهوى لأنه قريب من الشرك، قال تعالى: «أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه» «1» . فمن اتبع هواه خالف رضا مولاه فهو بوضعه الشيء غير موضعه ~~صار ظالما، كما أن العاصي بوضعه المعصية موضع الطاعة ظالم.. كذلك هذا ~~بمتابعة هواه بدلا عن موافقة ومتابعة رضا مولاه صار في الظلم متماديا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 30] # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) # أخلص قصدك إلى الله، واحفظ عهدك مع الله، وأفرد عملك في سكناتك وحركاتك ~~وجميع تصرفاتك لله. # «حنيفا» : أي مستقيما في دينه، مائلا إليه، معرضا عن غيره «2» . والزم ~~«فطرت الله التي فطر الناس عليها» أي أثبتهم عليها قبل أن يوجد منهم فعل ~~ولا كسب، ولا ms0941 شرك ولا كفر، وكما ليس منهم إيمان وإحسان فليس منهم كفران ولا ~~عصيان. فاعرف بهذه الجملة، ثم افعل ما أمرت به، واحذر ما نهيت عنه. # فعلى هذا التأويل فإن معنى قوله: «فطرت الله التي فطر الناس عليها» أي ~~اعرف واعلم أن فطرة الله التي فطر الناس عليها: تجردهم عن أفعالهم، ثم ~~اتصافهم بما يكسبون- وإن كان هذا أيضا بتقدير الله «3» . # وعلى هذا تكون «فطرت» الله منصوبة بإضمار اعلم- كما قلنا. PageV03P116 # سبحانه فطر كل أحد على ما علم أنه يكون في السعادة أو الشقاوة، ولا تبديل ~~لحكمه، ولا تحويل لما عليه فطره. فمن علم أنه يكون سعيدا أراد سعادته وأخبر ~~عن سعادته، وخلقه في حكمه سعيدا. ومن علم شقاوته أراد أن يكون شقيا وأخبر ~~عن شقاوته وخلقه فى حكمه شقيا.. ولا تبديل لحكمه، هذا هو الدين المستقيم ~~والحق الصحيح «1» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 31] # منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) # أي راجعين إلى الله بالكلية من غير أن تبقى بقية، متصفين بوفاقه، منحرفين ~~بكل وجه عن خلافه، متقين صغير الإثم وكبيره، قليله وكثيره، مؤثرين يسير ~~وفاقه وعسيره، مقيمين الصلاة بأركانها وسننها وآدابها جهرا، متحققين ~~بمراعاة فضائلها سرا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 32] # من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) # أقاموا في دنياهم في خمار الغفلة، وعناد الجهل والفترة فركنوا إلى ~~ظنونهم، واستوطنوا مركب أوهامهم، وتمولوا من كيس غيرهم، وظنوا أنهم على ~~شىء. # فإذا انكشف ضباب وقتهم، وانقشع سحاب جحدهم.. انقلب فرحهم ترحا، واستيقنوا ~~أنهم كانوا في ضلالة، ولم يعرجوا إلا في أوطان الجهالة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 33] # وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق ~~منهم بربهم يشركون (33) . PageV03P117 # إذا أظلتهم المحنة ونالتهم الفتنة ومستهم البلية رجعوا إلى الله بأجمعهم ~~مستعينين، وبلطفه مستجيرين، وعن محنتهم مستكشفين «1» . # فإذا جاد عليهم بكشف ما نالهم، ونظر إليهم باللطف فيما أصابهم: إذا فريق ~~منهم- لا كلهم- بل فريق منهم بربهم يشركون ms0942 يعودون إلى عاداتهم المذمومة فى ~~الكفران، ويقابلون إحسانه بالنسيان، هؤلاء ليس لهم عهد ولا وفاء، ولا فى ~~مودتهم صفاء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 34] # ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) # أي عن قريب سيحدث بهم مثلما أصابهم، ثم إنهم يعودون إلى التضرع، ويأخذون ~~فيما كانوا عليه بدءا من التخشع، فإذا أشكاهم وعافاهم رجعوا إلى رأس ~~خطاياهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 35] # أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) # بين أنهم بنوا على غير أصل طريقهم، واتبعوا فيما ابتدعوه أهواءهم، وعلى ~~غير شرع من الله أو حجة أو بيان أسسوا مذاهبهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 36] # وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم ~~يقنطون (36) # تستميلهم طوارق أحوالهم فإن كانت نعمة فإلى فرح، وإن كانت شدة فإلى قنوط ~~وترح.. وليس وصف الأكابر كذلك قال تعالى: «لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا ~~تفرحوا بما آتاكم» «2» . PageV03P118 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 37] # أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون (37) # الإشارة فيها إلى أن العبد لا يعلق قلبه إلا بالله لأن ما يسوءهم ليس ~~زواله إلا بالله، وما يسرهم ليس وجوده إلا من الله، فالبسط الذي يسرهم ~~ويؤنسهم منه وجوده، والقبض الذي يسوءهم ويوحشهم منه حصوله، فالواجب لزوم ~~عقوة «1» الأسرار، وقطع الأفكار عن الأغيار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 38] # فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله ~~وأولئك هم المفلحون (38) # القرابة على قسمين: قرابة النسب وقرابة الدين، وقرابة الدين أمس، ~~وبالمواساة أحق وإذا كان الرجل مشتغلا بالعبادة، غير متفرغ لطلب المعيشة ~~فالذين لهم إيمان بحاله، وإشراف على وقته يجب عليهم القيام بشأنه بقدر ما ~~يمكنهم، مما يكون له عون على الطاعة وفراغ القلب من كل علة فاشتغال الرجل ~~بمراعاة القلب يجعل حقه آكد، وتفقده أوجب. # «ذلك خير للذين يريدون وجه الله» : المريد هو الذي يؤثر حق ms0943 الله على حظ ~~نفسه فإيثار المريد وجه الله أتم من مراعاته حال نفسه، فهمته في الإحسان ~~إلى ذوى القربى والمساكين تتقدم على نظره لنفسه وعياله وما يهمه من خاصته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 39] # وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من ~~زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) # إيتاء الزكاة بأن تريد بها وجه الله، وألا تستخدم الفقير لما تبره به من ~~رافقة «2» ، PageV03P119 # بل أفضل الصدقة على ذى رحم كاشح «1» حتى يكون إعطاؤه لله مجردا عن كل ~~نصيب لك فيه، فهؤلاء هم الذين يضاعف أجرهم: قهرهم لأنفسهم حيث يخالفونها، ~~وفوزهم بالعوض من قبل الله. # ثم الزكاة هي التطهير، وتطهير المال معلوم ببيان الشريعة في كيفية إخراج ~~الزكاة، وأصناف المال وأوصافه. # وزكاة البدن وزكاة القلب وزكاة السر.. كل ذلك يجب القيام به. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 40] # الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ~~ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون (40) # «ثم» حرف يقتضى التراخي وفي ذلك إشارة إلى أنه ليس من ضرورة خلقه إياك أن ~~يرزقك كنت في ضعف أحوالك ابتداء ما خلقك، فأنبتك وأحياك من غير حاجة لك إلى ~~رزق فإلى أن خرجت من بطن أمك: إما أن كان يغنيك عن الرزق وأنت جنين فى بطن ~~الأم ولم يكن لك أكل ولا شرب، وإما أن كان يعطيك ما يكفيك من الرزق- إن حق ~~ما قالوا: إن الجنين يتغذى بدم الطمث. وإذا أخرجك من بطن أمك رزقك على ~~الوجه المعهود في الوقت المعلوم، فيسر لك أسباب الأكل والشرب من لبن الأم، ~~ثم من فنون الطعام، ثم أرزاق القلوب والسرائر من الإيمان والعرفان وأرزاق ~~التوفيق من الطاعات والعبادات، وأرزاق اللسان من الأذكار وغير ذلك مما جرى ~~ذكره «ثم يميتكم» بسقوط شهواتكم، ويميتكم عن شواهدكم. # «ثم يحييكم» بحياة قلوبكم ثم بأن يحييكم بربكم. PageV03P120 # ويقال: من الأرزاق ما هو وجود الأرزاق ومنها ما هو شهود الرزاق. ms0944 # ويقال: لا مكنة لك في تبديل خلقك، وكذلك لا قدرة لك على تعسر رزقك، ~~فالموسع عليه رزقه- بفضله سبحانه.. لا بمناقب نفسه، والمقتر عليه رزقه ~~بحكمه سبحانه.. لا بمعايب نفسه. # «هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء هل من شركائكم الذين أثبتموهم أى ~~من الأصنام أو توهمتموهم من جملة الأنام.. من يفعل شيئا من ذلك؟ «سبحانه ~~وتعالى» تنزيها له وتقديسا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : الآيات 41 الى 42] # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا ~~لعلهم يرجعون (41) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ~~كان أكثرهم مشركين (42) # الإشارة من البر إلى النفس، ومن البحر إلى القلب. # وفساد البر بأكل الحرام وارتكاب المحظورات، وفساد البحر من الغفلة ~~والأوصاف الذميمة مثل سوء العزم والحسد والحقد وإرادة الشر والفسق.. وغير ~~ذلك. وعقد الإصرار على المخالفات من أعظم فساد القلب، كما أن العزم على ~~الخيرات قبل فعلها من أعظم الخيرات. # ومن جملة الفساد التأويلات بغير حق، والانحطاط إلى الرخص في غير قيام ~~بجد، والإغراق في الدعاوى من غير استحياء من الله تعالى. # «ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون» : بعض الذي عملوا من سقوط تعظيم ~~الشرع من القلب، وعدم التأسف على مافاته من الحق. # قوله جل ذكره: «قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ~~كان أكثرهم مشركين» . # PageV03P121 # «سيروا» بالاعتبار، واطلبوا الحق بنعت الأفكار. # «فانظروا» كيف كانت حال من تقدمكم من الأشكال والأمثال، وقيسوا عليها ~~حكمكم في جميع الأحوال. «كان أكثرهم مشركين» كانوا أكثرهم عددا، ولكن كانوا ~~في التحقيق أقلهم وزنا وقدرا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 43] # فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ ~~يصدعون (43) # أخلص قصدك وصدق عزمك للدين القيم بالموافقة والاتباع دون الاستبداد ~~بالأمر على وجه الابتداع. فمن لم يتأدب بمن هو لسان وقته ولم يتلقف الأذكار ~~ممن هو لسان وقته كان خسرانه أتم من ربحه، ونقصانه أعم من ms0945 نفعه «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 46] # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) # يرسل رياح الرجاء على قلوب العباد فتكنس عن قلوبهم غبار الخوف وغثاء ~~اليأس، ثم يرسل عليها أمطار التوفيق فتحملهم إلى بساط الجهد، وتكرمهم بقوى ~~النشاط. # ويرسل رياح البسط على أرواح الأولياء فيطهرها من وحشة القبض، وينشر فيها ~~إرادة الوصال. # ويرسل رياح التوحيد فتهب على أسرار الأصفياء فيطهرها من آثار العناء، ~~ويبشرها بدوام الوصال.. فذلك ارتياح به ولكن بعد اجتياح عنك. PageV03P122 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 47] # ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين ~~أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47) # أرسلنا من قبلك رسلا إلى عبادنا، فمن قابلهم بالتصديق وصل إلى خلاصة ~~التحقيق، ومن عارضهم بالجحود أذقناهم عذاب الخلود، فانتقمنا من الذين ~~أجرموا، وأخذناهم من حيث لم يحتسبوا، وشوشنا عليهم ما أملوا، ونقضنا عليهم ~~ما استطابوا وتنعموا، وأخذنا بخناقهم فحاق بهم ما مكروا. # كان حقا علينا نصر المؤمنين» # بتوطئتهم بأعقاب أعدائهم، ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى رقيناهم فوق رقابهم، ~~وخربنا أوطان أعدائهم، وهدمنا بنيانهم، وأخمدنا نيرانهم، وعطلنا عنهم ~~ديارهم، ومحونا بقهر التدمير آثارهم، فظلت شموسهم كاسفة، ومكيدة قهرنا لهم ~~بأجمعهم خاسفة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 48] # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله ~~كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم ~~يستبشرون (48) # يرسل رياح عطفه وجوده مبشرات بوصله وجوده، ثم يمطر جود غيبه على على ~~أسرارهم بلطفه، ويطوى بساط الحشمة عن ساحات قربه، ويضرب قباب الهيبة بمشاهد ~~كشفه، وينشر عليهم أزهار أنسه، ثم يتجلى لهم بحقائق قدسه، ويسقيهم بيده ~~شراب حبه، وبعد ما محاهم عن أوصافهم أصحاهم- لا بهم- ولكن بنفسه، فالعبارات ~~عن ذلك خرس، والإشارات دونها طمس # PageV03P123 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 50] # فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى ~~وهو ms0946 على كل شيء قدير (50) # يحيى الأرض بأزهارها وأنوارها عند مجىء الأمطار ليخرج زرعها وثمارها، ~~ويحيى النفوس بعد نفرتها، ويوفقها للخيرات بعد فترتها، فتعمر أوطان الرفاق ~~بصادق إقدامهم، وتندفع البلايا عن الأنام ببركات أيامهم، ويحيى القلوب بعد ~~غفلتها بأنوار المحاضرات، فتعود إلى استدامة الذكر بحسن المراعاة، ويهتدى ~~بأنوار أهلها أهل العسر من أصحاب الإرادات، ويحيى الأرواح بعد حجبتها- ~~بأنوار المشاهدات، فتطلع شموسها عن برج السعادة، ويتصل بمشام أسرار الكافة ~~نسيم ما يفيض عليهم من الزيادات، فلا يبقى صاحب نفس إلا حظى منه بنصيب، ~~ويحيى الأسرار- وقد تكون لها وقفة في بعض الحالات- فتنتفى بالكلية آثار ~~الغيرية، ولا يبقى في الدار ديار ولا من سكانها آثار فسطوات الحقائق لا ~~تثبت لها ذرة من صفات الخلائق، هنالك الولاية لله.. سقط الماء والقطرة، ~~وطاحت الرسوم والجملة «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 51] # ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) # إذا انسدت البصيرة عن الإدراك دام العمى على عموم الأوقات.. كذلك من حقت ~~عليهم الشقاوة جرته إلى نفسها- وإن تبوأ الجنة منزلا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : الآيات 52 الى 53] # فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) وما أنت ~~بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (53) # من فقد الحياة الأصلية لم يعش بالرقى والتمائم، وإذا كان في السريرة طرش ~~عن سماع الحقيقة فسمع الظاهر لا يفيده آكد الحجة. وكما لا يسمع «2» الصم ~~الدعاء فكذلك لا يمكنه أن يهدى العمى عن ضلالتهم. PageV03P124 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : آية 54] # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا ~~وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) # أظهرهم على ضعف الصغر والطفولية «1» ثم بعده قوة الشباب ثم ضعف الشيب ثم: # آخر الأمر ما ترى ... القبر واللحد والثرى # كذلك في ابتداء أمرهم يظهرهم على وصف ضعف البداية في نعت التردد والحيرة ~~في الطلب، ثم بعد قوة الوصل في ضعف التوحيد. # ويقال أولا ضعف العقل لأنه ms0947 بشرط البرهان وتأمله، ثم قوة البيان في حال ~~العرفان لأنه بسطوة الوجود ثم بعده ضعف الخمود لأن الخمود يتلو الوجود ولا ~~يبقى معه أثر. # ويقال «خلقكم من ضعف» : أي حال ضعف من حيث الحاجة ثم بعده قوة الوجود ثم ~~بعده ضعف المسكنة، قال صلى الله عليه وسلم: «أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا ~~واحشرنى فى زمرة المساكين» «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الروم (30) : الآيات 55 الى 60] # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون ~~(55) وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم ~~البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) فيومئذ لا ينفع الذين ~~ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل ~~مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) كذلك يطبع ~~الله على قلوب الذين لا يعلمون (59) # فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60) # إنما كان ذلك لأحد أمرين: إما لأنهم كانوا أمواتا.. والميت لا إحساس له، ~~أو لأنهم عدوا ما لقوا من عذاب القبر بالإضافة إلى ما يرون ذلك اليوم ~~يسيرا. وإن أهل التحقيق يخبرونهم عن طول لبثهم تحت الأرض. وإن ذلك الذي ~~يقولونه من جملة ما كانوا يظهرون من جحدهم على موجب جهلهم، ثم لا يسمع ~~عذرهم، ولا يدفع ضرهم. PageV03P125 # وأخبر بعد هذا في آخر السورة عن إصرارهم وانهما كهم في غيهم، وأن ذلك ~~نصيبهم من القسمة إلى آخر أعمارهم. # ثم ختم السورة بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام باصطباره على مقاساة ~~مسارهم ومضارهم. # «فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون» . # PageV03P126 ### | السورة التي يذكر فيها لقمان # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» كلمة من سمعها أقر ~~أنه لا يسمع مثلها، ومن عرفها أنف أن يسمع غيرها. كلمة من سمعها طابت قصته، ~~وزالت بكل وجه غصته، وتمت من النعم في الدنيا والعقبى حصته، وزهد في دنياه ~~من غير رغبة في عقباه لأنها- وإن جلت- غير مولاه «1» كلمة من سمعها ms0948 لم يرغب ~~في عمارة فنائه، ولم يتحشم «2» سرعة وفائه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) # الألف تشير إلى آلائه، واللام تشير إلى لطفه وعطائه، والميم تشير إلى ~~مجده وسنائه فبآلائه يرفع الجحد عن قلوب أوليائه، وبلطفه وعطائه يثبت ~~المحبة في أسرار أصفيائه، وبمجده وسنائه مستغن عن جميع خلقه بوصف كبريائه. # «تلك آيات الكتاب الحكيم» : المحروس عن التغيير والتبديل. ### | [سورة لقمان (31) : الآيات 3 الى 4] # هدى ورحمة للمحسنين (3) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة ~~هم يوقنون (4) # هو هدى وبيان، ورحمة وبرهان للمحسنين العارفين بالله، والمقيمين عبادة ~~الله كأنهم PageV03P127 # ينظرون إلى الله. وشرط المحسن أن يكون محسنا إلى عباد الله: دانيهم ~~وقاصيهم، ومطيعهم وعاصيهم. # «الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة» : يأتون بشرائطها في الظاهر من ستر ~~العورة، وتقديم الطهارة، واستقبال القبلة، والعلم بدخول الوقت، والوقوف في ~~مكان طاهر. # وفي الباطن يأتون بشرائطها من طهارة السر عن العلائق، وستر عورة الباطن ~~بتنقيته عن العيوب، لأنها مهما تكن فالله يراها فإذا أردت ألا يرى الله ~~عيوبك فاحذرها حتى لا تكون. والوقوف في مكان طاهر، وهو وقوف القلب على الحد ~~الذي أذنت في الوقوف فيه مما لا تكون دعوى بلا تحقيق، ورحم الله من وقف عند ~~حده. والمعرفة بدخول الوقت فتعلم وقت التذلل والاستكانة، وتميز بينه وبين ~~وقت السرور والبسط، وتستقبل القبلة بنفسك، وتعلق قلبك بالله من غير تخصيص ~~بقطر أو مكان. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة لقمان (31) : آية # 5] # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) # الذين يقومون بشرط صلاتهم وحق آداب عبادتهم هم الذين اهتدوا فى الدنيا ~~والعقبى فسلموا ونجوا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : آية 6] # ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا ~~أولئك لهم عذاب مهين (6) # «لهو الحديث» : ما يشغل عن ذكر الله «1» ، ويحجب عن الله سماعه. ويقال: ~~هو لغو الظاهر الموجب سهو الضمائر، وهو ما يكون خوضا في الباطل، وأخذا بما ~~لا يعنيك. PageV03P128 # قوله ms0949 جل ذكره: ### | ### | [سورة لقمان (31) : آية # 7] # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا ~~فبشره بعذاب أليم (7) # المفترق بهمه، والمتشتت بقلبه لا تزيده كثرة الوعظ إلا نفورا ونبوا ~~فسماعه كلا سماع، ووعظه هباء وضياع، كما قيل: # إذا أنا عاتبت الملول فإنما ... أخط بأقلامى على الماء أحرفا # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : الآيات 8 الى 9] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) خالدين فيها وعد ~~الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) # «آمنوا» : صدقوا «وعملوا الصالحات» : تحققوا فاتصاف تحقيقهم راجع إلى ~~تصديقهم، فنجوا وسلموا فهم في راحاتهم مقيمون، دائمون لا يبرحون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : آية 10] # خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها ~~من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10) # أمسك السماوات بقدرته بغير عماد، وحفظها لا إلى سناد أو مشدودة إلى ~~أوتاد، بل بحكم الله وبتقديره، ومشيئته وتدبيره. # «وألقى في الأرض رواسي..» فى الظاهر الجبال، وفي الحقيقة الأبدال ~~والأوتاد الذين هم غياث الخلق، بهم يقيهم، وبهم يصرف البلاء عن قريبهم ~~وقاصيهم. # «وأنزلنا من السماء ماء..» المطر من سماء الظاهر في رياض الخضرة ومن سماء ~~الباطن فى رياض أهل الدنو والحضرة. # PageV03P129 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة لقمان (31) : آية # 11] # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين ~~(11) # هذا خلق الله العزيز في كبريائه، فأرونى ماذا خلق الذين عبدتم من دونه في ~~أرضه وسمائه؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : آية 12] # ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر ~~فإن الله غني حميد (12) # «الحكمة» الإصابة في العقل والعقد والنطق. ويقال «الحكمة» متابعة الطريق ~~من حيث توفيق الحق لا من حيث همة النفس. ويقال «الحكمة» ألا تكون تحت سلطان ~~الهوى. # ويقال «الحكمة» الكون بحكم من له الحكم. ويقال «الحكمة» معرفة قدر نفسك ~~حتى لا تمد رجليك خارجا عن كسائك. ويقال «الحكمة» ألا تستعصى على من ms0950 تعلم ~~أنك لا تقاومه. # «أن اشكر لله» : حقيقة الشكر انفراج عين القلب بشهود ملاطفات الرب. فهو ~~مقلوب قولهم: كشرت عن أنيابها الداية فيقال شكر وكشر مثل جذب وجبذ. # ويقال الشكر تحققك بعجزك عن شكره. ويقال الشكر ما به يحصل كمال استلذاذ ~~النعمة. # ويقال الشكر فضلة تظهر على اللسان من امتلاء القلب بالسرور فينطلق بمدح ~~المشكور. # ويقال الشكر نعت كل غنى كما أن الكفران وصف كل لئيم. ويقال الشكر قرع باب ~~الزيادة «1» . ويقال الشكر قيد الإنعام. ويقال الشكر قصة يميلها صميم ~~الفؤاد بنشر صحيفة الأفضال. # «ومن شكر فإنما يشكر لنفسه» «2» : لأنه في صلاحها ونصيبها يسعى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : آية 13] # وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ~~(13) . PageV03P130 # الشرك على ضربين: جلى وخفي فالجلى عبادة الأصنام، والخفى حسبان شىء من ~~الحدثان من الأنام. ويقال الشرك إثبات غير مع شهود الغيب. ويقال الشرك ظلم ~~على القلب، والمعاصي ظلم على النفس، وظلم النفوس معرض للغفران، ولكن ظلم ~~القلوب لا سبيل إليه للغفران. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة لقمان (31) : آية # 14] # ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر ~~لي ولوالديك إلي المصير (14) # أوجب الله شكر نفسه وشكر الوالدين. ولما حصل الإجماع على أن شكر الوالدين ~~بدوام طاعتهما، وألا يكتفى فيه بمجرد النطق بالثناء عليهما علم أن شكر الحق ~~لا يكفى فيه مجرد القول ما لم تكن فيه موافقه العقل وذلك بالتزام الطاعة، ~~واستعمال النعمة في وجه الطاعة دون صرفها في الزلة فشكر الحق بالتعظيم ~~والتكبير، وشكر الوالدين بالإنفاق والتوفير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : آية 15] # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم ~~تعملون (15) # إن جاهداك على أن تشرك بالله، أو تسعى بما هو زلة في أمر الله- فلا ~~تطعهما، ولكن عاشرهما بالجميل تخشين في تليين، فاجعل لهما ظاهرك فيما ليس ~~فيه ms0951 حرج، وانفرد بسرك لله، «واتبع سبيل من أناب إلي» : وهو المنيب إليه حقا ~~من غير أن تبقى بقية في النفس. # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : آية 16] # يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في ~~الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) # PageV03P131 # إذا كانت ذرة أو أقل من ذلك وسبقت بها القسمة فلا محالة تصل إلى المقسوم ~~له بغير مرية.. «إن الله لطيف خبير» : عالم بدقائق الأمور وخفاياها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة لقمان (31) : آية # 17] # يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ~~ذلك من عزم الأمور (17) # الأمر بالمعروف يكون بالقول، وأبلغه أن يكون بامتناعك بنفسك عما تنهى ~~عنه، واشتغالك واتصافك بنفسك بما تأمر به غيرك، ومن لا حكم له على نفسه لا ~~ينفذ حكمه على غيره. # والمعروف الذي يجب الأمر به هو ما يوصل العبد إلى الله، والمنكر الذي يجب ~~النهى عنه هو ما يشغل العبد عن الله. # «واصبر على ما أصابك» تنبيه على أن من قام لله بحق امتحن في الله فسبيله ~~أن يصبر لله- فإن من صبر لله لا يخسر على الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : آية 18] # ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور ~~(18) # يعنى لا تتكبر على الناس، وطالعهم من حيث النسبة والتحقق بأنك بمشهد من ~~مولاك. # ومن علم أن مولاه ينظر إليه لا يتكبر ولا يتطاول بل يتخاضع ويتضاءل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : آية 19] # واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (19) # كن فانيا عن شواهدك، مصطلما عن صولتك، مأخوذا عن حولك وقوتك، منتشقا «1» ~~مما استولى عليك من كشوفات سرك. PageV03P132 # وانظر من الذي يسمع صوتك حتى تستفيق من خمار غفلتك «إن أنكر الأصوات لصوت ~~الحمير» : فى الإشارة هو الذي يتكلم في لسان المعرفة من غير إذن من الحق. ~~وقالوا: # إنه الصوفي يتكلم قبل أوانه. # ويقال إنما ينهق ms0952 الحمار عند رؤية الشيطان فلذلك كان صوته أنكر الأصوات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : آية 20] # ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ~~ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ~~(20) # أثبت في كل شىء منها نفعا لكم، فالسماء لتكون لكم سقفا، والأرض لتكون لكم ~~فراشا، والشمس لتكون لكم سراجا، والقمر لتعلموا به عدد السنين والحساب، ~~والنجوم لتهتدوا بها. # «وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة» : الإسباغ ما يفضل عن قدرة الحاجة ولا ~~تحتاج معه إلى الزيادة. # قوله: «نعمه ظاهرة وباطنة» : تكلموا فيه فأكثروا. فالظاهرة وجود النعمة، ~~والباطنة شهود المنعم. والظاهرة الدنيوية، والباطنة الدينية. والظاهرة حسن ~~الخلق، والباطنة حسن الخلق. الظاهرة نفس بلا زلة، والباطنة قلب بلا غفلة. ~~الظاهرة العطاء، والباطنة الرضاء. الظاهرة في الأموال ونمائها، والباطنة في ~~الأحوال وصفائها. الظاهرة النعمة، والباطنة العصمة. الظاهرة توفيق الطاعات، ~~والباطنة قبولها. الظاهرة تسوية الخلق، والباطنة تصفية الخلق. الظاهرة صحبة ~~الصالحين، والباطنة حفظ حرمتهم. الظاهرة الزهد في الدنيا، والباطنة ~~الاكتفاء بالمولى من الدنيا والعقبى «1» . الظاهرة الزهد، والباطنة الوجد. ~~الظاهرة توفيق PageV03P133 # المجاهدة والباطنة تحقيق المشاهدة. الظاهرة وظائف النفس، والباطنة لطائف ~~القلب. الظاهرة اشتغالك بنفسك عن الخلق، والباطنة اشتغالك بربك عن نفسك. ~~الظاهرة طلبه، الباطنة وجوده «1» . الظاهرة أن تصل إليه، الباطنة أن تبقى ~~معه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : الآيات 21 الى 23] # وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ~~أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) ومن يسلم وجهه إلى الله وهو ~~محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور (22) ومن كفر فلا ~~يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (23) # لم يتخطوا منهم ولا من أمثالهم، ولم يهتدوا إلى محول أحوالهم. فأما من ~~سمت نفسه، وخلص في الله قصده فقد استمسك بالعروة الوثقى، وسلك المحجة ~~المثلى: - «ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ~~وإلى الله عاقبة ms0953 الأمور» وعلى العكس: - «ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا ~~مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور» . # إلينا إيابهم، ومنا عذابهم، وعلينا حسابهم. ولئن سألتهم عن خالقهم ~~لأقروا، ولكن إذا عادوا إلى غيهم نقضوا وأصروا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة لقمان (31) : آية # 26] # لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (26) # لله ما في السماوات والأرض ملكا، ويحرى فيهم حكمه حقا، وإليه مرجعهم ~~حتما. PageV03P134 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة لقمان (31) : آية # 27] # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) # لو أن ما في الأرض من الأشجار أقلام والبحار كانت مدادا، وبمقدار ما ~~يقابله تنفق القراطيس، ويتكلف الكتاب حتى تتكسر الأقلام، وتفنى البحار، ~~وتستوفى القراطيس، وتفنى أعمار الكتاب.. ما نفدت معانى مالنا معك من ~~الكلام، والذي نسمعك فيما نخاطبك به لأنك معنا أبد الأبد، والأبدي من الوصف ~~لا يتناهى. # ويقال إن كان لك معكم كلام كثير فما عندكم ينفذ وما عند الله باق: # صحائف عندى للعتاب طويتها ستنشر يوما والعتاب يطول قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : آية 28] # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28) # إيجاد القليل أو الكثير عليه وعنده سيان فلا من الكثير مشقة وعسر، ولا من ~~القليل راحة ويسر، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: «كن فيكون» «1» ~~يقوله بكلمته ولكنه يكونه بقدرته، لا بمزاولة جهد، ولا باستفراغ وسع، ولا ~~بدعاء خاطر، ولا بطروء غرض. # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : آية 30] # ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي ~~الكبير (30) # «الله هو الحق» : الكائن الموجود، محق الحق «2» ، وما يدعون من دونه ~~الباطل: # من العدم ظهر ومعه جواز العدم «3» . PageV03P135 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة لقمان (31) : آية # 31] # ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن في ذلك ~~لآيات لكل صبار شكور (31) # فى الظاهر سلامتهم في السفينة، وفي الباطن سلامتهم ms0954 من حدثان الكون، ~~ونجاتهم في سفائن العصمة في بحار القدرة. # «إن في ذلك لآيات لكل صبار» وقوف لا ينهزم من البلايا، شكور على ما يصيبه ~~من تصاريف التقدير من جنسى البلايا والعطايا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : آية 32] # وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر ~~فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور (32) # إذا تلاطمت عليهم أمواج بحار التقدير تمنوا أن تلفظهم تلك البحار إلى ~~سواحل السلامة، فإذا جاد الحق بتحقيق مناهم عادوا إلى رأس خطاياهم: # وكم قد جهلتم ثم عدنا بحلمنا ... أحباءنا: كم تجهلون ونحلم! # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : آية 33] # يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو ~~جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور (33) # يخوفهم مرة بأفعاله فيقول: «اتقوا يوما» ، ومرة بصفاته فيقول: «ألم يعلم ~~بأن الله يرى» ومرة بذاته فيقول: «ويحذركم الله نفسه» . # PageV03P136 # قوله جل ذكره: ### | [سورة لقمان (31) : آية 34] # إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ~~ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (34) # يتفرد بعلم القيامة، ويعلم ما في الأرحام ذكورها وإناثها، شقيها وسعيدها، ~~وحسنها وقبيحها ويعلم متى ينزل الغيث، وكم قطرة ينزلها، وبأى بقعة يمطرها. # «وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم ~~خبير» «1» . # ما تدرى نفس ماذا تكسب غدا من خير وشر، ووفاق وشقاق، وما تدرى نفس بأى ~~أرض تموت أتدرك مرادها أم يفوت؟. PageV03P137 ### | سورة السجدة # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» كلمة سماعها ربيع الجميع، من ~~العاصي والمطيع، والشريف والوضيع. من أصغى إليها بسمع الخضوع ترك طيب ~~الهجوع، ومن أصغى إليها بسمع المحاب ترك لذيذ الطعام والشراب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة السجده (32) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (2) # الإشارة ms0955 من الألف إلى أنه ألف المحبون قربتى فلا يصبرون عنى، وألف ~~العارفون تمجيدى فلا يستأنسون بغيري. # والإشارة في اللام إلى لقائى المدخر لأحبائى، فلا أبالى أقاموا على ولائى ~~أم قصروا فى وفائى. # والإشارة في الميم: أي ترك أوليائى مرادهم لمرادى.. فلذلك آثرتهم على ~~جميع عبادى. # «تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين» : إذا تعذر لقاء الأحباب فأعز ~~شىء على الأحباب كتاب الأحباب أنزلت على أحبابى كتابى، وحملت إليهم الرسالة ~~خطابى، ولا عليهم إن قرع أسماعهم عتابى، فهم في أمان من عذابى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة السجده (32) : آية # 3] # أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ~~لعلهم يهتدون (3) # الذي لكم منا حقيقة، وإن التبس على الأعداء فليس يضيركم، ولا عليكم، فإن # PageV03P138 # صحبة الجيب مع الحبيب ألذها ما كان مقرونا بفقد الرقيب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة السجده (32) : آية 4] # الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) # وتلك الأيام خلقها من خلق غير الأيام، فليس من شرط المخلوق ولا من ضرورته ~~أن يخلقه في وقت إذ الوقت مخلوق في غير الوقت «1» . وكما يستغنى في كونه ~~مخلوقا عن الوقت استغنى الوقت عن الوقت. # «ثم استوى على العرش» ليس للعرش من هذا الحديث إلا هذا الخبر استوى على ~~العرش ولكن القديم ليس له حد، استوى على العرش لكن لا يجوز عليه القرب ~~بالذات ولا البعد، واستوى على العرش ولكنه أشد الأشياء تعطشا إلى شظية من ~~الوصال لو كان للعرش حياة؟، ولكن العرش جماد.. وأنى يكون للجماد مراد؟! ~~استوى على العرش لكنه صمد بلا ند، أحد بلا حد. # «ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع» : إذا لم يرد بكم خيرا فلا سماء عنه ~~تظلكم، ولا أرض بغير رضاه تقلكم، ولا بالجواهر أحد يناصركم، ولا أحد- إذا ~~لم يعن بشأنكم في الدنيا والآخرة- ينظر إليكم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة السجده (32) : الآيات 5 ms0956 الى # 6] # يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون (5) ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) # خاطب الخلق- على مقدار أفهامهم ويجوز لهم- عن الحقائق التي اعتادوا في ~~تخاطبهم. # «ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم» «العزيز» مع المطيعين «الرحيم» ~~على العاصين. # «العزيز» للمطيعين ليكسر صولتهم «الرحيم» للعاصين ليرفع زلتهم. ~~PageV03P139 # قوله جل ذكره: ### | [سورة السجده (32) : الآيات 7 الى 8] # الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة ~~من ماء مهين (8) # أحسن صورة كل أحد فالعرش ياقوتة حمراء، والملائكة أولو أجنحة مثنى وثلاث ~~ورباع، وجبريل طاووس الملائكة، والحور العين- كما في الخبر- فى جمالها ~~وأشكالها، والجنان- كما في الأخبار ونص القرآن. فإذا انتهى إلى الإنسان ~~قال: «خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين» «1» .. كل ~~هذا ولكن: # وكم أبصرت من حسن ولكن ... عليك من الورى وقع اختياري # خلق الإنسان من طين ولكن «يحبهم ويحبونه» «2» ، وخلق الإنسان من طين ~~ولكن: «فاذكروني أذكركم» «3» ، وخلق الإنسان من طين ولكن «رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه» ! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة السجده (32) : آية # 10] # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون ~~(10) # لو كانت لهم ذرة من العرفان، وشمة من الاشتياق، ونسمة من المحبة لما ~~تعصبوا كل هذا التعصب في إنكار جواز الرجوع إلى الله ولكن قال: «بل هم ~~بلقاء ربهم كافرون» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة السجده (32) : آية 11] # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) # لولا غفلة قلوبهم وإلا لما أحال قبض أرواحهم على ملك الموت فإن ملك الموت ~~لا أثر منه في أحد، ولا له تصرفات في نفسه، وما يحصل من التوفى فمن خصائص ~~قدرة PageV03P140 # الحق. ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الرب فخاطبهم على مقدار فهمهم، وعلق ~~بالأغيار قلوبهم، وكل يخاطب بما يحتمل على قدر قوته وضعفه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة السجده (32) : آية # 12] # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا ms0957 أبصرنا وسمعنا فارجعنا ~~نعمل صالحا إنا موقنون (12) # ملكتهم الدهشة وغلبتهم الخجلة، فاعتذروا حين لا عذر، واعترفوا ولا حين ~~اعتراف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة السجده (32) : آية 13] # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين (13) # لو «1» شئنا لسهلنا سبيل الاستدلال، وأدمنا التوفيق لكل أحد، ولكن تعلقت ~~المشيئة بإغواء قوم، كما تعلقت بإدناء قوم، وأردنا أن يكون للنار قطان، كما ~~أردنا أن يكون للجنة سكان، ولأنا علمنا يوم خلقنا الجنة أنه يسكنها قوم، ~~ويوم خلقنا النار أنه ينزلها قوم، فمن المحال أن نريد ألا يقع معلومنا، ولو ~~لم يحصل لم يكن علما، ولو لم يكن ذلك علما لم نكن إلها ... ومن المحال أن ~~نريد ألا نكون إلها. # ويقال: من لم يتسلط عليه من يحبه لم يجر في ملكه ما يكرهه. # ويقال: يا مسكين أفنيت عمرك في الكد والعناء، وأمضيت أيامك في الجهد ~~والرجاء، غيرت صفتك، وأكثرت مجاهدتك.. فما تفعل في قضائى كيف تبدله؟ وما ~~تصنع في مشيئتى بأي وسع تردها؟ وفي معناه أنشدوا: # شكا إليك ما وجد ... من خانه فيك الجلد # حيران لو شئت اهتدى ... ظمان لو شئت ورد PageV03P141 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة السجده (32) : آية # 14] # فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم ~~تعملون (14) # قاس من الهوان ما استوجبته بعصيانك، واخلد في دار الخزي لما أسلفته من ~~كفرانك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة السجده (32) : آية 15] # إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم ~~لا يستكبرون (15) # التصديق والتكذيب ضدان- والضدان لا يجتمعان التكذيب هو جحود واستكبار، ~~والتصديق هو سجود وتحقيق، فمن اتصف بأحد القسمين امحى عنه الثاني. # «خروا سجدا» : سجدوا بظواهرهم في المحراب، وفي سرائرهم على تراب الخضوع ~~وبساط الخشوع بنعت الذبول وحكم الخمود. # ويقال: كيف يستكبر من لا يجد كمال راحته ولا حقيقة أنسه إلا في تذلله بين ~~يدى معبوده، ولا يؤثر آجل جحيمه على نعيمه، ولا شقاءه على شفائه؟! قوله جل ~~ذكره: ### | [سورة السجده (32) : آية ms0958 16] # تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون ~~(16) # فى الظاهر: عن الفراش قياما بحق العبادة والجهد والتهجد، وفي الباطن: ~~تتباعد قلوبهم عن مضاجعات الأحوال، ورؤية قدر النفس، وتوهم المقام- فإن ذلك ~~بجملته حجاب عن الحقيقة، وهو للعبد سم قاتل- فلا يساكنون أعمالهم ولا ~~يلاحظون أحوالهم. ويفارقون مالفهم، ويهجرون في الله معارفهم. # والليل زمان الأحباب، قال تعالى: «لتسكنوا فيه» : يعنى عن كل شغل وحديث ~~سوى حديث محبوبكم. والنهار زمان أهل الدنيا، قال تعالى: «وجعلنا النهار ~~معاشا» ، أولئك قال لهم: «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض» : # PageV03P142 # إذا ناجيتمونا في ركعتين في الجمعة فعودوا إلى متجركم، واشتغلوا بحرفتكم. # وأما الأحباب فالليل لهم إما في طرب التلاقي وإما في حرب الفراق، فإن ~~كانوا في أنس القربة فليلهم أقصر من لحظة، كما قالوا: # زارنى من هويت بعد بعاد ... بوصال مجدد ووداد # ليلة كاد يلتقى طرفاها ... قصرا وهى ليلة الميعاد # وكما قالوا: # وليلة زين ليالى الدهر ... قابلت فيها بدرها ببدر # لم تستبن عن شقق وفجر ... حتى تولت وهي بكر الدهر # وأما إن كان الوقت وقت مقاساة فرقة وانفراد بكربة فليلهم طويل، كما ~~قالوا: # كم ليلة فيك لا صباح لها ... أفنيتها قابضا على كبدى # قد غصت العين بالدموع وقد ... وضعت خدى على بنان يدى # قوله: «يدعون ربهم خوفا وطمعا» : قوم خوفا من العذاب وطمعا في الثواب، ~~وآخرون خوفا من الفراق وطمعا في التلاقي، وآخرون خوفا من المكر وطمعا في ~~الوصل. # «ومما رزقناهم ينفقون» : يأتون بالشاهد الذي خصصناهم به فإن طهرنا ~~أحوالهم عن الكدورات حضروا بأحوال مقدسة، وإن دنسنا أوقاتهم بالآفات شهدوا ~~بحالات مدنسة، «ومما رزقناهم ينفقون» فالعبد إنما يتجر في البضاعة التي ~~يودعها لديه سيده: # يفديك بالروح صب لو يكون له ... أعز من روحه شىء فداك به # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة السجده (32) : آية # 17] # فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) # PageV03P143 # إنما تقر عينك برؤية من تحبه، أو ما تحبه فطالب قلبك وراع حالك: فيحصل ~~اليوم سرورك، وكذلك غدا.. وعلى ms0959 ذلك تحشر ففى الخبر: # «من كان بحالة لقى الله بها» . # ثم إن وصف ما قال الله سبحانه إنه لا يعلمه أحد- محال، اللهم أن يقال: ~~إنها حال عزيزة، وصفة جليلة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة السجده (32) : آية # 18] # أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) # «1» أفمن كان في حال الوصال يجر أذياله كمن هو في مذلة الفراق يقاسى ~~وباله؟ # أفمن كان في روح القربة ونسيم الزلفة كمن هو في هول العقوبة يعانى مشقة ~~الكلفة؟ # أفمن هو في روح إقبالنا عليه كمن هو في محنة إعراضنا عنه؟ # أفمن بقي معنا كمن بقي عنا؟ # أفمن هو في نهار العرفان وضياء الإحسان كمن هو في ليالى الكفران ووحشة ~~العصيان؟ # أفمن أيد بنور البرهان وطلعت عليه شموس العرفان كمن ربط بالخذلان ووسم ~~بالحرمان؟ لا يستويان ولا يلتقيان! قوله جل ذكره: ### | [سورة السجده (32) : الآيات 19 الى 20] # أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون ~~(19) وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا ~~فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (20) # «الذين آمنوا» : صدقوا، «وعملوا الصالحات» : بما حققوا- فلهم حسن الحال، ~~وحميد المآل وجزيل المنال، وأما الذين كدوا وجحدوا، وفي معاملاتهم أساءوا ~~PageV03P144 # وأفسدوا، فقصاراهم الخزي والهوان، وفنون من المحن وألوان ... كلما راموا ~~من محنتهم خلاصا ازدادوا فيها انتكاسا، وكلما أملوا نجاة جرعوا وزيدوا ~~يأسا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة السجده (32) : آية # 21] # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (21) # قوم عذابهم الأدنى محن الدنيا، والعذاب الأكبر لهم عقوبة العنبي. # وقوم العذاب الأدنى لهم فترة تتداخلهم في عبادتهم، والعذاب الأكبر لهم ~~قسوة في قلوبهم تصيبهم. # وقوم العذاب الأدنى لهم وقفة في سلوكهم تنيبهم، والعذاب الأكبر لهم حجبة ~~عن مشاهدهم تنالهم، قال قائلهم: # أدبتنى بانصراف قلبك عنى ... فانظر إلي فقد أحسنت تأديبى «1» # ويقال العذاب الأدنى الخذلان في الزلة، والأكبر الهجران في الوصلة. # ويقال العذاب الأدنى تكدر مشاربهم بعد صفوها، كما قالوا: # لقد كان ما بينى زمانا وبينه ... كما بين ريح ms0960 المسك والعنبر الورد # ويقال العذاب الأكبر لهم تطاول أيام الغياب من غير تبين آخر لها، كما ~~قيل: # تطاول نأينا يا نور حتى ... كأن نسجت عليه العنكبوت # قوله جل ذكره: ### | [سورة السجده (32) : آية 22] # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22) # إذا نبه العبد بأنواع الزجر، وحرك- لتركه حدود الوقاق- بصنوف من التأديب ~~PageV03P145 # ثم لم يرتدع عن فعله، واغتر بطول سلامته، وأمن من هواجم مكره، وخفايا ~~سره.. # أخذه بغتة بحيث لا يجد خرجة من أخذته، قال تعالى: «لا تجأروا اليوم إنكم ~~منا لا تنصرون» «1» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة السجده (32) : آية # 23] # ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل (23) # فلا تكن في مرية من لقائه غدا لنا ورؤيته لنا «2» . # «وجعلناه هدى لبني إسرائيل» : # وهذا محمد صلى الله عليه وسلم جعل رحمة للعالمين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة السجده (32) : آية 24] # وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (24) # لما صبروا على طلبنا سعدوا بوجودنا، وتعدى مانالوا من أفضالنا إلى ~~متبعيهم، وانبسط شعاع شموسهم على جميع أهلهم فهم للخلق هداة، وفي الدين ~~عيون، وللمسترشدين نجوم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة السجده (32) : آية 25] # إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) # يحكم بينهم، وعند ذلك يتبين المردود من المقبول، والمهجور من الموصول، ~~والرضى من PageV03P146 # الغوي، والعدو من الولي ... فكم من بهجة دامت هنالك! وكم من مهجة ذابت ~~عند ذلك! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة السجده (32) : آية # 26] # أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك ~~لآيات أفلا يسمعون (26) # أو لم يعتبروا بمنازل أقوام كانوا في حبرة فصاروا عبرة، كانوا في سرور ~~فآلوا إلى ثبور فجميع ديارهم ومزارهم صارت لأغيارهم، وصنوف أموالهم عادت ~~إلى أشكالهم، سكنوا فى ظلالهم ولم يعتبروا بمن مضى من أمثالهم، وكما قيل: # نعمة كانت على قو ... م زمانا تم بانت # هكذا النعمة والإح ... سان مذ كان وكانت # قوله جل ذكره: ### | [سورة السجده (32) : آية ms0961 27] # أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه ~~أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) # «1» الإشارة فيه: تسقى حدائق وصلهم بعد جفاف عودها، وزوال المأنوس من ~~معهودها، فيعود عودها مورقا بعد ذبوله، حاكيا بحاله حال حصوله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة السجده (32) : الآيات 28 الى 29] # ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين ~~كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) . PageV03P147 # استبعدوا يوم التلاقي وجحدوه، فأخبرهم أنه ليس لهم إلا الحسرة والمحنة ~~إذا شهدوه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة السجده (32) : آية 30] # فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) # أعرض عنهم باشتغالك بنا، وإقبالك علينا، وانقطاعك إلينا. # «وانتظر» زوائد وصلنا، وعوائد لطفنا. # «إنهم منتظرون» هواجم مقتنا وخفايا مكرنا.. وعن قريب يجد كل منتظره ~~محتضرا. # PageV03P148 ### | سورة الأحزاب # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» بسم الله شهود وجوده يوجب لك ~~تلفا في تلف، ووجود جوده يوجب لك شرفا فى شرف، ففى تلفك يكون (هو) «1» عنك ~~الخلف، وفي شرفك تصل إلى كل لطف. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما ~~حكيما (1) # يا أيها المشرف حالا، المفخم قدرا منا، المعلى رتبة من قبلنا.. يا أيها ~~المرقى إلى أعلى الرتب بأسنى القرب.. يا أيها المخبر عنا، المأمون على ~~أسرارنا، المبلغ خطابنا إلى أحبابنا ... # اتق الله أن تلاحظ غيرا معنا، أو تساكن شيئا من دوننا، أو تثبت أحدا ~~سوانا، أو تتوهم شظية من الحدثان من سوانا. «ولا تطع الكافرين» إشفاقا منك ~~عليهم، وطمعا في إيمانهم بنا لو وافقتهم في شىء أرادوه منك «2» . # والتقوى رقيب على قلوب أوليائه يمنعهم في أنفاسهم، وسكناتهم، وحركاتهم أن ~~ينظروا إلى غيره- أو يثبتوا معه غيره- إلا منصوبا لقدرته، مصرفا بمشيئته، ~~نافذا فيه حكم قضيته. PageV03P149 # التقوى لجام يكبحك عما لا يجوز، زمام يقودك إلى ما تحب، سوط يسوقك إلى ما ~~أمرت به، شاخص يحملك على القيام بحق الله، حرز يعصمك من توصل أعدائك إليك، ~~عوذة تشفيك من ms0962 داء الخطأ. # التقوى وسيلة إلى ساحات كرمه، ذريعة تتوسل بها إلى عقوة جوده. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 2] # واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا (2) # اتبع ولا تبتدع، واقتد بما نأمرك به، ولا تهتد باختيارك غير ما نختار لك، ~~ولا تعرج في أوطان الكسل، ولا تجنح إلى ناحية التواني، وكن لنا لا لك، وقم ~~بنا لا بك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 3] # وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) # انسلخ عن إمابك، واصدق في إيابك إلينا، وتشاغل عن حسبانك معنا، واحذر ~~ذهابك عنا، ولا تقصر في خطابك معنا. # ويقال التوكل تحقق ثم تخلق ثم توثق ثم تملق تحقق في العقيدة، وتخلق ~~بإقامة الشريعة، وتوثق بالمقسوم من القضية، وتملق بين يديه بحسن العبودية. # ويقال التوكل تحقق وتعلق وتخلق: تحقق بالله وتعلق بالله ثم تخلق بأوامر ~~الله. # ويقال التوكل استواء القلب في العدم والوجود. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 4] # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن ~~أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو ~~يهدي السبيل (4) # القلب إذا اشتغل بشىء شغل عما سواه، فالمشتغل بما من العدم منفصل عمن له ~~القدم، وللتصل بقلبه بمن نعته القدم مشتغل عما من العدم.. والليل والنهار ~~لا يجتمعان، والغيب والغير لا يلتقيان. # «وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون # PageV03P150 # منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم» . # اللائي تظاهرتم «1» منهن لسن أمهاتكم، والذين تبنيتم ليسوا بأبنائكم، وإن ~~الذي صرتم إليه من افترائكم، وما نسبتم إلينا من آرائكم فذلك مردود عليكم، ~~غير مقبول منكم، وإن أمسكتم عنه بعد البيان نجوتم، وإن تماديتم بعد ما ~~أعلمتم أطلت المحنة عليكم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 5] # ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله ~~غفورا رحيما (5) # راعوا أنسابهم، فإن أردتم غير النسبة ms0963 فالأخوة في الدين تجمعكم، وقرابة ~~الدين والشكلية أولى من قرابة النسب، كما قالوا: # وقالوا قريب من أب وعمومة ... فقلت: وإخوان الصفاء الأقارب # نناسبهم شكلا وعلما وألفة ... وإن باعدتهم في الأصول المناسب # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 6] # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (6) PageV03P151 # الإشارة من هذا: تقديم سنته على هواك، والوقوف عند إشارته دون ما يتعلق ~~به مناك، وإيثار من تتوسل به سببا ونسبا على أعزتك ومن والاك. # «وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض» : # ليكن الأجانب منك على جانب، ولتكن صلتك بالأقارب. وصلة الرحم ليست ~~بمقاربة الديار وتعاقب المزار، ولكن بموافقة القلوب، والمساعدة في حالتى ~~المكروه والمحبوب: # أرواحنا في مكان واحد وغدت ... أشباحنا بشام «1» أو خراسان # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 7] # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن ~~مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) # أخذ ميثاق النبيين وقت استخراج الذرية من صلب آدم- فهو الميثاق الأول، ~~وكذلك ميثاق الكل. ثم عند بعث كل رسول ونبوة كل نبي أخذ ميثاقه، وذلك على ~~لسان جبريل عليه السلام، وقد استخلص الله سبحانه نبينا عليه السلام، فأسمعه ~~كلامه- بلا واسطة- ليلة المعراج. وكذلك موسى عليه السلام- أخذ الميثاق منه ~~بلا واسطة ولكن كان لنبينا- صلى الله عليه وسلم- زيادة حال فقد كان له مع ~~سماع الخطاب كشف الرؤية «2» . # ثم أخذ المواثيق من العباد بقلوبهم وأسرارهم بما يخصهم من خطابه، فلكل من ~~الأنبياء والأولياء والأكابر على ما يؤهلهم له، قال صلى الله عليه وسلم ~~«لقد كان في الأمم PageV03P152 # محدثون فإن يكن في أمتى فعمر» وغير عمر مشارك لعمر في خواص كثيرة، وذلك ~~شىء يتم بينهم وبين ربهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 8] # ليسئل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما (8) # يسألهم سؤال تشريف لا سؤال تعنيف، وسؤال إيجاب لا سؤال عتاب. والصدق ألا ~~يكون في أحوالك شوب ولا في اعتقادك ريب، ms0964 ولا في أعمالك عيب. ويقال من ~~أمارات الصدق في المعاملة وجود الإخلاص من غير ملاحظة مخلوق. والصدق في ~~الأحوال تصفيتها من غير مداخلة إعجاب. # والصدق في الأقوال سلامتها من المعاريض فيما بينك وبين نفسك، وفيما بينك ~~وبين الناس التباعد عن التلبيس، وفيما بينك وبين الله بإدامة التبرى من ~~الحول والقوة، ومواصلة الاستعانة «1» ، وحفظ العهود معه على الدوام. # والصدق في التوكل عدم الانزعاج عند الفقد، وزوال الاستبشار بالوجود «2» . # والصدق في الأمر بالمعروف التحرز من قليل المداهنة وكثيرها، وألا تترك ~~ذلك لفزع أو لطمع، وأن تشرب مما تسفى، وتتصف بما تأمر، وتنهى (نفسك) «3» ~~عما تزجر. # ويقال الصدق أن يهتدى إليك كل أحد، ويكون عليك فيما تقول وتظهر اعتماد. ~~ويقال الصدق ألا تجنح إلى التأويلات «4» . PageV03P153 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 9] # يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا ~~عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) # ذكر نعمة الله مقابلتها بالشكر، ولو تذكرت ما دفع عنك فيما سلف لهانت ~~عليك مقاساة البلاء في الحال، ولو تذكرت ما أولاك في الماضي لقربت من قلبك ~~الثقة في إيصال ما تؤمله في المستقبل. # ومن جملة ما ذكرهم به: «1» «إذ جاءتكم جنود ... » كم بلاء صرفه عن العبد ~~وهو لم يشعر! وكم شغل كان يقصده فصده عنه ولم يعلم! وكم أمر عوقه والعبد ~~يضج وهو-- (سبحانه) - يعلم أن في تيسيره له هلاك العبد فمنعه منه رحمة به، ~~والعبد يتهم ويضيق صدره بذلك! قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 10 الى 11] # إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) # أحاط بهم سرادق البلاء، وأحدق بهم عسكر العدو، واستسلموا للاجتياح، وبلغت ~~القلوب الحناجر، وتقسمت الظنون، وداخلتهم كوامن الارتياب، وبدا في سويدائهم ~~جولان الشك. # «هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا» ثم أزال عنهم جملتها، وقشع ~~عنهم شدتها، فانجاب عنهم سحابها، وتفرقت عن قلوبهم همومها، وتفجرت ينابيع ~~سكينتهم. PageV03P154 # قوله جل ذكره: ms0965 ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 12] # وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ~~(12) # صرحوا بالتكذيب- لما انطوت عليه قلوبهم- حين وجدوا للمقال مجالا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 13] # وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم ~~النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) # تواصوا فيما بينهم بالفرار عند ما سولت لهم شياطينهم من وشك ظفر الأعداء. ~~قوله: # «ويستأذن فريق ... » : يتعللون «1» بانكشاف بيوتهم وضياع مخلفاتهم، ~~ويكذبون فيما أظهروه عذرا، وهم لم يحملهم على فعلهم غير جبنهم وقلة يقينهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 15] # ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤلا ~~(15) # ولكن لما عزم الأمر، وظهر الجد لم يساعدهم الصدق، ولم يذكروا أنهم ~~سيسألون عن عهدهم، ويعاقبون على ما أسلفوه من ذنبهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 16] # قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا ~~قليلا (16) # لأن الآجال لا تأخير لها ولا تقديم عليها، وكما قالوا: «إن الهارب عما هو ~~كائن في كف الطالب يتقلب» . # «وإذا لا تمتعون إلا قليلا» : فإن ما يدخره العبد عن الله من مال أو جاه ~~أو نفيس أو قريب لا يبارك له فيه، ولا يجد به منعة، ولا يرزق منة غبطة. ~~PageV03P155 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 17] # قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا ~~يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) # من الذي يحقق لكم من دونه مرجوا؟ ومن الذي يصرف عنكم دونه عدوا؟. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 18 الى 19] # قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون ~~البأس إلا قليلا (18) أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة ~~على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك ms0966 على الله يسيرا ~~(19) # هم الذين كانوا يمتنعون بأنفسهم عن نصرة النبي عليه السلام، ويمنعون ~~غيرهم ليكون جمعهم أكثر وكيدهم أخفى، وهم لا يعلمون أن الله يطلع رسوله ~~عليه السلام عليهم ثم ذكر وصفهم فقال: - «أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ~~ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم ~~بألسنة حداد» إذا جاء الخوف طاشت من الرعب عقولهم، وطاحت بصائرهم، وتعطلت ~~عن النصرة جميع أعضائهم. وإذا ذهب الخوف زينوا كلامهم، وقدموا خداعهم، ~~واحتالوا في أحقاد خستهم ... أولئك هذه صفاتهم لم يباشر الإيمان قلوبهم، ~~ولا صدقوا فيما أظهروا من ادعائهم واستسلامهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 20] # يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (20) # يحسبون الأحزاب لم يذهبوا، ويخافون من عودهم، ويفزعون من ظل أنفسهم # PageV03P156 # إذا وقعوا على آثارهم، ولو اتفق هجوم الأعداء عليكم ما كانوا إلا في حرز ~~سيوفهم ودرية «1» رماحهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 21] # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ~~وذكر الله كثيرا (21) # «كان» صلة ومعناها: لكم في رسول الله أسوة حسنة، به قدوتكم، ويجب عليكم ~~متابعته فيما يرسمه لكم. وأقوال الرسول (ض) وأفعاله على الوجوب إلى أن يقوم ~~دليل التخصيص، فأما أحواله فلا سبيل لأحد إلى الإشراف عليها، فإن ظهر شىء ~~من ذلك بإخباره أو بدلالة أقواله وأفعاله عليه فإن كان ذلك مكتسبا من قبله ~~فيلحق في الظاهر بالوجوب بأفعاله وأقواله، وإن كان غير مكتسب له فهى خصوصية ~~له لا ينبغى لأحد أن يتعرض لمقابلته لاختصاصه- صلى الله عليه وسلم- بعلو ~~رتبته «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 22] # ولما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) # كما أن المنافقين اضطربت عقائدهم عند رؤية الأعداء، فالمؤمنون وأهل ~~اليقين ازدادوا ثقة، وعلى الأعداء جرأة، ولحكم الله استسلاما، ومن الله ~~قوة. # قوله ms0967 جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 23] # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ~~ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) # شكر صنيعهم في المراس، ومدح يقينهم عند شهود البأس، وسماهم رجالا إثباتا ~~PageV03P157 # لخصوصية رتبتهم «1» ، وتمييزا لهم من بين أشكالهم بعلو الحالة والمنزلة، ~~فمنهم من خرج من دنياه على صدقه «2» ، ومنهم من ينتظر حكم الله في الحياة ~~والممات، ولم يزيغوا عن عهدهم، ولم يراوغوا في مراعاة حدهم فحقيقة الصدق ~~حفظ العهد وترك مجاوزة الحد. # ويقال: الصدق استواء الجهر والسر. # ويقال: هو الثبات عند ما يكون الأمر جدا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 24] # ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن ~~الله كان غفورا رحيما (24) # فى الدنيا يجزى الصادقين بالتمكين والنصرة على العدو وإعلاء الراية، وفي ~~الآخرة بجميل الثواب وجزيل المآب والخلود في النعيم المقيم والتقديم على ~~الأمثال بالتكريم والتعظيم.. # «ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم» على الوجه الذي سبق به العلم، ~~وتعلقت به المشيئة. # ويقال: إذا لم يجزم بعقوبة المنافق وعلق القول فيه بالرجاء فبالحري ألا ~~يخيب المؤمن فى رجائه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 25] # ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال ~~وكان الله قويا عزيزا (25) # لم يشمت بالمسلمين عدوا، ولم يوصل إليهم من كيدهم سوءا، ووضع كيدهم في ~~نحورهم، واجتثهم من أصولهم، وبين بذلك جواهر صدقهم وغير صدقهم، وشكر من ~~استوجب شكره من جملتهم، وفضح من استحق الذم من المدلسين منهم. PageV03P158 ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 26 الى 27] # وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب ~~فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم ~~تطؤها وكان الله على كل شيء قديرا (27) # إن الحق- سبحانه- إذا أجمل أكمل، وإذا شفى كفى، وإذا وفي أوفى.. # فأظفر المسلمين عليهم، وأورثهم معاقلهم، وأذل متعززهم، وكفاهم بكل وجه ~~أمرهم، ومكنهم من قتلهم وأسرهم ونهب أموالهم، وسبى ذراربهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 28 الى 29] # يا أيها النبي ms0968 قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين ~~أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة ~~فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (29) # لم يرد أن يكون قلب أحد من المؤمنين والمؤمنات منه في شغل، أو يعود إلى ~~أحد منه أذى أو تعب، فخير- صلى الله عليه وسلم- نساءه «1» ، ووفق الله ~~سبحانه عائشة أم المؤمنين- رضى الله عنها- حتى أخبرت عن صدق «2» قلبها، ~~وكمال دينها ويقينها، (وبما هو المنتظر من أصلها وتربيتها) «3» ، والباقي ~~جرين على منهاجها، ونسجن على منوالها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 30 الى 31] # يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك ~~على الله يسيرا (30) ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها ~~مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31) PageV03P159 # زيادة العقوبة على الجرم من أمارات الفضيلة، ولذا فضل حد الأحرار على ~~العبيد وتقليل ذلك من أمارات النقص فلما كانت منزلتهن في الشرف تزيد على ~~منزلة جميع النساء ضاعف عقوبتهن على أجرامهن، وضاعف ثوابهن على طاعاتهن. ~~وقال: # «ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها ~~رزقا كريما» . # ثم قال: ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 32] # يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع ~~الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) # نهاهن عن التبذل، وأمرهن بمراعاة حرمة الرسول (ص) ، والتصاون عن تطمع ~~المنافقين في ملاينتهن. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 33] # وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين ~~الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا (33) # «الرجس» : الأفعال الخبيثة والأخلاق الدنيئة فالأفعال الخبيثة الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن، وما قل وما جل. والأخلاق الدنيئة الأهواء والبدع كالبخل ~~والشح # PageV03P160 # وقطع الرحم، ويريد بهم الأخلاق الكريمة كالجود والإيثار والسخاء وصلة ~~الرحم، ويديم لهم التوفيق والعصمة والتسديد، ويطهرهم من الذنوب والعيوب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 34] # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن ms0969 الله كان لطيفا خبيرا ~~(34) # إذ كرن عظيم النعمة وجليل الحالة التي تجرى في بيوتكن من نزول الوحى ~~ومجىء الملائكة، وحرمة الرسول- صلى الله عليه وسلم- والنور الذي يقتبس في ~~الآفاق، ونور الشمس الذي ينبسط على العالم، فاعرفن «1» هذه النعمة، وارعين ~~هذه الحرمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 35] # إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات ~~والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين ~~والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله ~~كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (35) # الإسلام هو الاستسلام، والإخلاص، والمبالغة في المجاهدة والمكابدة. # «والمؤمنين والمؤمنات ... » # الإيمان هو التصديق وهو مجمع الطاعات، ويقال هو التصديق والتحقيق، ويقال ~~هو انتسام الحقيقة في القلب. ويقال هو حياة القلب أولا بالعقل، ولقوم ~~بالعلم، ولآخرين، بالفهم عن الله، ولآخرين بالتوحيد، ولآخرين بالمعرفة، ~~ولآخرين إيمانهم حياة قلوبهم بالله. # «والقانتين والقانتات ... » # القنوت طول العبادة. # «والصادقين والصادقات ... » # فى عهودهم وعقودهم ورعاية حدودهم. PageV03P161 # «والصابرين والصابرات..» # على الخصال الحميدة، وعن الصفات الذميمة، وعند جريان مفاجآت القضية. # «والخاشعين والخاشعات..» . # الخشوع إطراق السريرة عند بواده الحقيقة. # «والمتصدقين والمتصدقات..» # بأموالهم وأنفسهم حتى لا يكون لهم مع أحد خصومة فيما نالوا منهم، أو ~~قالوا فيهم «1» «والصائمين والصائمات..» # المسكين عما لا يجوز في الشريعة والطريقة. # «والحافظين فروجهم والحافظات..» # فى الظاهر عن الحرام، وفي الإشارة عن جميع الآثام. # «والذاكرين الله كثيرا والذاكرات..» # بألسنتهم وقلوبهم وفي عموم أحوالهم لا يفترون، ولا يتداخلهم نسيان. # «أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما» . # فهؤلاء لهم جميل الحسنى، وجزيل العقبى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 36] # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36) # الافتيات عليه في أمره والاعتراض عليه في حكمه وترك الانقياد لإشارته.. ~~قرع لباب الشرك فمن لم يمسك عنه سريعا وقع في وهدته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 37] # وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله ~~وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله ms0970 أحق أن تخشاه فلما قضى زيد ~~منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا ~~قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (37) PageV03P162 # أنعم الله عليه بأن ذكره وأفرده من بين الصحابة باسمه. # ويقال: أنعم الله عليه بإقبالك عليه وتبنيك له. ويقال: بأن أعتقته، ~~ويقال: بالإيمان والمعرفة. وأنعمت عليه بالعتق وبأن تبنيته. «أمسك عليك ~~زوجك» إقامة للشريعة مع علمك بأن الأمر في العاقبة إلى ماذا يئول فإن الله ~~أطلعك عليه، وقلت له: «اتق..» . # قوله: «وتخفي في نفسك ما الله مبديه» : أي لم تظهر لهم أن الله عرفك ما ~~يكون من الأمر فى المستأنف. # «وتخفي في نفسك..» من ميلك ومحبتك لها لا على وجه لا يحل. «وتخشى ~~الناس..» # أي وتخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة من قصة زيد، وكانت تلك الخشية إشفاقا ~~منك عليهم، ورحمة بهم. # ويقال: وتستحى من الناس- والله أحق أن تستحى منه. # ويقال: تخشى الناس ألا يطيقوا سماع هذه الحالة ولا يقووا على تحملها، ~~فربما يخطر ببالهم ما ينفى عنهم وسعهم.. # «فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها..» لكى لا يكون عليك حرج، ولكى لا يكون ~~على المؤمنين حرج في الزواج بزوجات أدعيائهم، فإنما ذلك يحرم في الابن إذا ~~كان من الصلب. # PageV03P163 ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 38] # ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل ~~وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) # لا يعارض ولا يناقض، ولا يرد ولا يجحد. وما كان على النبي من حرج بوجه ~~لكونه معصوما. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 39] # الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله ~~حسيبا (39) # «ويخشونه» : علما منهم بأنه لا يصيب أحدا ضرر ولا محذور ولا مكروه إلا ~~بتقديره فيفردونه بالخشية إذ علموا أنه لا شىء لأحد من دونه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 40] # ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله ~~بكل شيء عليما (40) # لم يكن مضافا إلى ولد فله ms0971 عليكم شفقة الآباء.. ولكن ليس بأبيكم. # ويقال نسبه ظاهر.. ولكن إنما يعرف بي لا بنسبه فقلما يقال: محمد بن عبد ~~الله، ولكن إلى أبد الأبد يقال: محمد رسول الله. وشعار الإيمان وكلمة ~~التوحيد- بعد لا إله إلا الله- محمد رسول الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 41 الى 42] # يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا ~~(42) # الإشارة فيه أحبوا الله لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «من أحب ~~شيئا. # أكثر من ذكره» فيجب أن تقول: الله، ثم لا تنس الله بعد ذكرك الله. # ويقال: اذكروا الله بقلوبكم فإن الذكر الذي تمكن استدامته ذكر القلب فأما ~~ذكر اللسان فإدامته مسرمدا كالمتعذر. # PageV03P164 # «وسبحوه بكرة وأصيلا» : التسبيح من قبيل الذكر، ولكنه ذكره بلفظين لئلا ~~تعتريك سآمة «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 43] # هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان ~~بالمؤمنين رحيما (43) # الصلاة في الأصل الدعاء «2» فصلاته- سبحانه- دعاؤه لنا بالتقريب، وصلاة ~~الملائكة دعاؤهم إليه لنا: بالغفران للعاصى، وبالإحسان للمطيع. # ويقال الصلاة من الله بمعنى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى الشفاعة. # «ليخرجكم من الظلمات إلى النور» : من الظلمات الكفر إلى نور الإيمان. # ويقال ليخرجكم من الظلمات إلى النور أي يعصمكم من الضلال بروح الوصال. # ويقال ليخرجكم من ظلمات التدبير إلى فضاء شهود التقدير. # ويقال ليخرجكم من ظلمات نفوسكم إلى أنوار البصائر في قلوبكم. # ويقال ليخرجكم من أسباب التفرقة إلى شهود عين التوفيق، والتحقق بأوصاف ~~الجمع. # ويقال يصونكم من الشرك، ويثبتكم بشواهد الإيمان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 44] # تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44) # التحية إذا قرنت بالرؤية، واللقاء إذا قرن بالتحية فلا يكون ذلك إلا ~~بمعنى رؤية البصر. # والسلام خطاب يفاتح به الملوك إخبارا عن علو شأنهم ورتبتهم، فإلقاؤه حاصل ~~وخطابه PageV03P165 # مسموع، ولا يكون ذلك إلا برؤية البصر «1» . # «أجرا كريما» : الكرم نفى الدناءة، وكريما أي حسنا. # وفي الإشارة أجرهم موفور على عمل يسير فإن الكريم لا يستقصى عند البيع ~~والشراء فى الأعداد، وذلك تعريف بالإحسان السابق في وقت غيبتك ms0972 «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 45 الى # 47] # يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا (46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) # يا أيها المشرف من قبلنا إنا أرسلناك شاهدا بوحدانيتنا، وشاهدا تبشر ~~بمتابعتنا، وتحذر من مخالفة أمرنا، وتعلم الناس مواضع الخوف منا، وداعيا ~~إلينا بنا، وسراجا يستضيئون به، وشمسا بنبسط شعاعها على جميع من صدقك، وآمن ~~بك، فلا يصل إلينا إلا من اتبعك وخدمك، وصدقك وقدمك. # «وبشر المؤمنين» بفضلنا معهم، ونيلهم طولنا عليهم، وإحساننا إليهم. ومن ~~لم تؤثر فيه بركة إيمانه بك فلا قدر له عندنا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 48] # ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ~~(48) # لا توافق من أعرضنا عنه، وأضللنا به من أهل الكفر والنفاق، وأهل البدع ~~والشقاق. # وتوكل على الله بدوام الانقطاع إليه، وكفى بالله وكيلا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 49] # يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49) ~~PageV03P166 # إذا آثرتم فراقهن فتمتعوهن ليكون لهن عنكم تذكرة في أيام الفرقة في ~~أوائلها إلى أن تتوطن نفوسهن على الفرقة. # «وسرحوهن سراحا جميلا» : لا تذكروهن بعد الفراق إلا بخير، ولا تستردوا ~~منهن شيئا تخلفتم به معهن، فلا تجمعوا عليهن الفراق بالحال والإضرار من جهة ~~المال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 50 الى 51] # يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ~~مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت ~~أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) ترجي من تشاء منهن ~~وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر ~~أعينهن ms0973 ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله ~~عليما حليما (51) # وسعنا الأمر عليك في باب النكاح بكم شئت فإنك مأمون من عيب عدم التسوية ~~بينهن وعدم مراعاة حقوقهن، ومن الحيف عليهن. والتوسعة في باب النكاح تدل ~~على الفضيلة كالحر والعبد. # «ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح ~~عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ~~... » # «من تشاء» : على ما تتعلق به إرادتك، ويقع عليه اختيارك، فلا حرج عليك ~~ولا جناح. # PageV03P167 ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 52] # لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ~~ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا (52) # لما اخترتهن أثبت الله لهن حرمة، فقال: «لا يحل لك النساء من بعد» فكما ~~اخترنك فلا تختر عليهن امرأة أخرى تطبيبا لقلوبهن، ونوعا للمعادلة بينه ~~وبينهن، وهذا يدل على كرمه- والحفاظ كرم ودين «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 53] # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين ~~لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا ~~سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان ~~لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند ~~الله عظيما (53) # الآية. # أمرهم بحفظ الأدب في الاستئذان، ومراعاة الوقت، ووجوب الاحترام فإذا أذن ~~لكم فادخلوا على وجه الأدب، وحفظ أحكام تلك الحضرة، وإذا انتهت حوائجكم ~~فاخرجوا، ولا تتغافلوا عنكم، ولا يمنعنكم حسن خلقه من حفظ الأدب، ولا ~~يحملنكم فرط احتشامه على إبرامه «2» . # «فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي ~~منكم» : # حسن خلقه- صلى الله عليه وسلم- جرهم إلى المباسطة معه، حتى أنزل الله هذه ~~الآية. # «وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم ms0974 أطهر لقلوبكم وقلوبهن» : ~~نقلهم عن مألوف العادة إلى معروف الشريعة ومفروض العبادة، وبين أن البشر ~~بشر- وإن كانوا من الصحابة، فقال: # «ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن» PageV03P168 # فلا ينبغى لأحد أن يأمن نفسه- ولهذا يشدد الأمر في الشريعة بألا يخلو رجل ~~بامرأة ليس بينهما محرمة. # «وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ~~ذلكم كان عند الله عظيما» «1» . # وهذا من خصائصه- صلى الله عليه وسلم، وفي هذا شبه رخصة لمن يلاحظ شيئا من ~~هذا، فيهتم بالاتصال من له ميل إليهن بغيرهن بعد وفاته- وإن كان التحرز ~~عنه- وعن أمثال هذا من ترك الحظوظ- أتم وأعلى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 54] # إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما (54) # حفظ القلب مع الله، ومراعاة الأمر- بينه وبين الله- على الصحة في دوام ~~الأوقات لا يقوى عليه إلا الخواص من أهل الحضور. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 55] # لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا ~~أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على ~~كل شيء شهيدا (55) # الآية. # لما نزلت آية الحجاب شق عليهن وعلى النسوان وعلى الرجال في الاستتار، ~~فأنزل الله عز وجل هذه الآية للرخصة في نظر هؤلاء إلى النساء، ورؤية النساء ~~لهم على تفصيل الشريعة. PageV03P169 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 56] # إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما (56) # أراد الله- سبحانه- أن تكون للأمة عنده- صلى الله عليه وسلم- يد خدمة كما ~~له بالشفاعة عليهم يد نعمة، فأمرهم بالصلاة عليه، ثم كافأ- سبحانه عنه فقال ~~صلى الله عليه وسلم: من صلى علي مرة صلى الله عليه عشر مرات. وفي هذا إشارة ~~إلى أن العبد لا يستغنى عن الزيادة من الله في وقت من الأوقات إذ لا رتبة ~~فوق رتبة الرسول، وقد احتاج إلى زيادة صلوات الأمة عليه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 57 الى 58] # إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في ms0975 الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا ~~مهينا (57) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا ~~بهتانا وإثما مبينا (58) # يؤذون الله ورسوله بعمل المعاصي التي يستحقون بها العقوبة، ويؤذون ~~أولياءه. ولما قال: # من يطع الرسول فقد أطاع الله، فكذلك من آذى رسوله وأنبياءه عليهم السلام ~~والمؤمنين فقد آذاه، ومعناه تخصيص حالتهم وإثبات رتبتهم. # ثم ذكر قوله: «والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات..» وذكر عقوبتهم، فجعل ~~إيذاء الرسول مقرونا بما ذكر من إيذاء الله، ثم ذكر إيذاء المؤمنين، ويدل ~~ذلك على أن رتبة المؤمنين دون رتبة الرسول صلى الله عليه وسلم «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 59 الى 62] # يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ~~ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا قليلا (60) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ~~(61) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62) ~~PageV03P170 # هذا تنبيه لهن على حفظ الحرمة وإثبات الرتبة، وصيانة لهن، وأمر لهن ~~بالتصاون والتعفف. وقرن بذلك تهديده للمنافقين في تعاطيهم ما كان يشغل قلب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من الإرجاف في المدينة: - «لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله ~~في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا» . # إنهم لم يمتنعوا عن الإرجاف وأمثال ذلك لأجرينا معهم سنتنا في التدمير ~~على من سلف من الكفار «1» . # ثم ذكر مسألة القوم عن قيام الساعة وتكذيبهم ذلك، ثم استعجالهم قيامها من ~~غير استعداد لها، ثم أخبر بصعوبة العقوبة التي علم أنه يعذبهم بها، وما يقع ~~عليهم من الندامة على ما فرطوا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 69] # يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ~~وكان عند الله وجيها (69) # نسبوه إلى الأدرة ms0976 «2» ، وأن به عيبا في الخلقة، ولكنه كان رجلا حييا، ~~وكان إذا اغتسل لا يتجرد (من ثوبه) «3» ، فتوهموا به ذلك. وذات يوم خلا ~~ليفسله، ووضع ثيابه PageV03P171 # على حجر فأمشى الله الحجر بثيابه، وموسى يعدو خلفه حتى توسط بنى إسرائيل، ~~وشاهدو خلقته سليمة، فوقف الحجر، وأخذ موسى ثيابه ولبسها «1» ، وهذا معنى ~~قوله: «فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها» فى القدر والمنزلة. ~~والوجاهة النافعة ما كان عند الله لا عند الناس، فقبول الناس لا عبرة به ~~ولا خطر له، ولا سيما العوام فإنهم يقبلون بلا شىء، ويردون بلا شىء قال ~~قائلهم: # إن كنت عندك يا مولاى مطرحا ... فعند غيرك محمول على الحدق # وقالوا: فإن أك في شراركم قليلا ... فإنى في خياركم كثير # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 70 الى 71] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح لكم أعمالكم ~~ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (71) # القول السديد كلمة الإخلاص، وهي الشهادتان عن ضمير صادق. # ويقال سداد أقوالكم سداد أعمالكم، ولقد هون عليكم الأمر فمن رضى بالقالة- ~~وهي الشهادة بأن ترك الشرك- وقالها بصدق أصلح الله له أعماله الدنيوية من ~~الخلل، وغفر له في الآخرة الزلل أي حصلت له سعادة الدارين. # ويقال ذكر «أعمالكم» بالجمع «2» ، وقدمها على الغفران لأنه ما لم يصلح لك ~~في حالك أعمالك وإن لم يكفك ما أهمك من أشغالك.. لم تتفرغ إلى حديث آخرتك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : آية # 72] # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72) PageV03P172 # هنا إضمار أي: أهل السماوات والأرض والجبال. # وقيل أحياها وأعقلها، وهو كقوله: «ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين» «1» . # «فأبين أن يحملنها» : أي أبين أن تخن فيها، «وحملها الإنسان» : أي خان ~~فيها. # وهم مراتب: فالكفار خانوا في الأصل الأمانة- وهي المعرفة- فكفروا. ومن ~~دونهم خانوا بالمعاصي، وبعضهم أشد وبعضهم أهون، وكل احتقب من الوزر مقداره. # ويقال «فأبين» إباء إشفاق لا إباء استكبار، واستعفين ... فعفا عنهن، ms0977 ~~وأعفاهن من حملها. # «وحملها الإنسان» : قبلها ثم ما رعوها حق رعايتها.. كل بقدره. # «إنه كان ظلوما جهولا» بصعوبة حمل الأمانة في الحال، والعقوبة التي عليها ~~في المآل. وقوم قالوا عرض الأمانة على السماوات والأرض وعرضها على الإنسان، ~~فهن استعفين وهؤلاء «2» لم يستعفوا ولم يراعوا. # ويقال: الأمانة القيام بالواجبات أصولها وفروعها. # ويقال: الأمانة التوحيد عقدا وحفظ الحدود جهدا. # ويقال: لما حمل آدم الأمانة وأولاده قال تعالى: «وحملناهم في البر ~~والبحر» «3» .. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ # ويقال حمل الإنسان بالله لا بنفسه. ويقال ظلم نفسه حيث لم يشفق مما أشفقت ~~منه السماوات والأرضون. والظلم وضع الشيء في غير موضعه. # ويقال كاشف السماوات والأرض بوصف الربوبية والعظمة فأشفقوا، وكاشف آدم ~~PageV03P173 # وذريته بوصف اللطف فقبلوا وحملوا، وفي حال بقاء العبد بالله يحمل ~~السماوات والأرض بشعرة من جفنه. ويقال كانت السماوات والأرض أصحاب الجثت ~~والمبانى فأشفقوا من حمل الأمانة. # والحمل إنما تحمله القلوب. وآدم كان صاحب معنى فحمل، وأنشدوا: # حملت جبال الحكم فوقى وإننى ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف # ويقال لما عرض الحق الأمانة على الخلق علق آدم بها همته، فصرف بهمته جميع ~~المخلوقات عنها، فلما أبوا وأشفقوا حملها الإنسان طوعا لا كرها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 73] # ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما (73) # اللام فى «ليعذب» للصيرورة والعاقبة أي صارت عاقبة هذا الأمر عذاب ~~المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات بالمغفرة والتجاوز (تمت السورة) «1» قد يقال: المنافقون ~~والمنافقات والمشركون والمشركات والعاصون من المؤمنين والمؤمنات ورد ~~ذكرهم.. فأين العابدون وذكرهم؟ # ولكنهم في جملة من مضى ذكرهم، وليسوا في المشركين ولا في المنافقين، فلا ~~محالة فى جملة العاصين الذين تاب عليهم. # فيا أيها العاصي، كنت تحذر أن يخرجك العابدون من جملتهم، فاشهد الجبار- ~~فى هذا الخطاب- كيف أدرجك في جملتهم «2» ؟! PageV03P174 ### | سورة سبأ # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله كلمة سلابة غلابة، نهابة وهابة تسلب القلوب.. ولكن لا كل قلب، ~~وتغلب الألباب ولكن ms0978 ليس كل لب، وتنهب الأرواح ولكن من الأحباب، وتهب ~~الارتياح.. ولكن لقوم مخصوصين من الطلاب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة سبإ (34) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو ~~الحكيم الخبير (1) # افتتح السورة بذكر الثناء على نفسه، ومدحه لنفسه إخبار عن جلاله، ~~واستحقاقه لنعوت عزه وجماله، فهو في الأزل حامد لنفسه محمود، وواحد موجود، ~~فى الآزال معبود، وبالطلبات مقصود. # «الذي له ما في السماوات وما في الأرض» : الملك لا يكون بالشركة فلا ملك ~~إلا الله. # وإن أجرى هذا الاسم على مخلوق فالزنجي لا يتغير لونه وإن سمى كافورا! ~~«وله الحمد في الآخرة» من الذين أعتقهم، وفي النعمة أغرقهم. # «وهو الحكيم» بتخليد قوم في الجنة، وتأبيد قوم في النار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 2] # يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ~~وهو الرحيم الغفور (2) # «يعلم ما يلج في الأرض» من الحب تحت الأرض، والماء يرسب فيها، # PageV03P175 # والأشياء التي تلقى عليها، والناس يقبرون في الأرض. # «وما يخرج منها» من النبات والأزهار، والموتى يبعثون. # «وما ينزل من السماء» من القطر والملك، والبركة والرزق، والحكم «وما يعرج ~~فيها» من الصحف، وحوائج الناس: وهمم الأولياء. # «وهو الرحيم» بعباده، «الغفور» لجميع المذنبين من المسلمين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 3] # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا ~~في كتاب مبين (3) # كرر في القرآن تكذيبهم بالساعة، واستبعادهم لذلك، والرد عليهم. وأخبر عن ~~سابق علمه بهم، وأنه لا يخرج شىء من معلوماته عن علمه، فأثبت علمه بكل شىء ~~وشموله لكل شىء.. لأنه لو لم يكن له علم لكان نقصا، ولأنه لو خرج معلوم ~~واحد عن علمه لكان بقدرته نقص، والنقص- بأى وصف كان- لا يجوز في صفته بحال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 4 الى # 9] ms0979 # ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم (4) والذين ~~سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم (5) ويرى الذين أوتوا ~~العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد (6) ~~وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق ~~جديد (7) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في ~~العذاب والضلال البعيد (8) # أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم ~~الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب (9) # الآيات.. # المحسنون منهم يجازيهم بالخيرات المتصلة، والكافرون منهم يكافئهم على ~~كفرهم بالعقوبات غير منفصلة. # ويرى الذين أوتوا العلم كتابك الذي أتيت به حقا وصدقا. والذين كفروا قال ~~بعضهم لبعض: إنهم يرون أن هذا الذي تقول به من النشر والحساب والبعث كذب، ~~أو أن بك جنة، ثم أقام عليهم حجة التجويز بما أجرى به سنته في الخلق ~~والإبداع.. فما زادهم ذلك إلا جحودا، وما قابلوه إلا عنودا. # PageV03P176 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 10 الى # 11] # ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد (10) ~~أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير (11) # «داود» اسم أعجمى، وقيل سمى داود لأنه داوى (جرحه، ورد في القصة أنه قال ~~في إحدى مناجاته: يا رب، إنى أرى في التوراة ما أعطيت لأوليائك وأنبيائك من ~~الرتب فأعطنيها) «1» فقال: إنى ابتليتهم فصبروا، فقال: إنى أصبر على بلائك، ~~فأعطنى ما أعطيتهم، فأبلاه، فوقف، فأعطاه ما أعطاهم. # «ولقد آتينا داود منا فضلا» : تكلموا في هذا الفضل فمنهم من أراد ما ذكره ~~بعده وهو قوله للطير: «أوبي معه» ، وكذلك الجبال، وكان في ذلك تنفيس في وقت ~~حزنه وبكائه. وقيل ذلك الفضل رجوعه إلى الله- فى حال ما وقع له «2» - ~~بالتنصل والاعتذار. ويقال هو شهوده موضع ضرورته وأنه لا يصلح أمره غيره. ~~ويقال طيب صوته ms0980 عند قراءة الزبور حتى كان ليرغب في متابعته من يسمع إليه ~~«3» . ويقال حلاوة صوته فى المناجاة. ويقال حسن خلقه مع أمته الذين اتبعوه، ~~ويقال توفيقه للحكم بين أمته بالعدل ... # قوله: «يا جبال أوبي معه والطير» أمر الجبال والطير بمجاوبته حتى خرج إلى ~~الجبال والصحارى ينوح على نفسه. # ويقال أوحى الله له: يا داود، كانت تلك الزلة مباركة عليك! فقال. يا رب، ~~وكيف؟ فقال: كنت تجىء قبلها (كما يجىء المطيعون والآن) «4» تجىء كما يجىء ~~أهل الذنوب! PageV03P177 # يا داود، إن أنين المذنبين أحب إلى من صراخ العابدين! ويقال، كان داود ~~يقول. اللهم لا تغفر للخاطئين، غيرة منه وصلابة في الدين ... # فلما وقع له ما وقع كان يقول. اللهم اغفر للمذنبين، فعسى أن تغفر لداود ~~فيما بينهم. # ويقال لما تاب الله عليه، واجتمع الإنس والجن والطير بمجلسه، ورفع صوته، ~~وأداره فى حنكه على حسب ما كان من عادته تفرقت الطيور وقالوا: الصوت صوت ~~داود والحال ليست تلك! فأوحى الله إليه هذه وحشة الزلة، وتلك كانت أنس ~~الطاعة.. فكان داود يبكى وينوح ويصيح والطير والجبال معه. # ويقال ليس كل من صاح وراءه معنى «1» ، فالمعنى كان مع داود لا مع الجبال ~~والطير ... # «أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا» . ألان له الحديد، وجعل ~~ذلك معجزة له، وجعل فيه توسعة رزقه، ليجد في ذلك مكسبا، ليقطع طمعه عن أمته ~~في ارتفاقه بهم ليبارك لهم في اتباعه «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 12 الى 14] # ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من ~~يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) ~~يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل ~~داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على ~~موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون ~~الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14) # أي آتينا سليمان الريح أي سخر ناها له، ms0981 فكانت تحمل بساطة بالغدو مسيرة ~~شهر وبالرواح مسيرة شهر. # وفي القصة أنه لا حظ يوما ملكه، فمال الريح ببساطه، فقال سليمان للريح: ~~استو، فقالت الريح: استو أنت، فما دمت مستويا بقلبك كنت مستويا بك، فلما ~~ملت ملت. # «وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم ~~عن أمرنا نذقه من عذاب السعير» PageV03P178 # أي وآتيناه ذلك، فكانت الشياطين مسخرة له، يعملون ما يشاء من الأشياء ~~التي ذكرها سبحانه. # قوله جل ذكره: «اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور» «1» . # أي اعملوا يا آل داود للشكر، فقوله: «شكرا» منصوب لأنه مفعول له. # ويقال شكرا منصوب لأنه مفعول به مثل قوله تعالى: «والذين هم للزكاة ~~فاعلون» «2» . # وقد مضى طرف من القول في الشكر. والشكور كثير الشكر، والأصل في الشكر ~~الزيادة، والشكيرة اسم لما ينبت تحت الأشجار منها، ودابة شكور إذا أظهرت من ~~السمن فوق ما تعطى من العلف فالشكور الذي يشكر على النعمة فوق ما يشكر ~~أمثاله وأضرابه. وإذا كان الناس يشكرونه على الرخاء فالشكور يشكره في ~~البلاء. # والشاكر يشكر على البذل، والشكور على المنع «3» ... فكيف بالبذل؟ # والشكور يشكر بقلبه ولسانه وجوارحه وماله، والشاكر ببعض هذه. # ويقال فى «وقليل من عبادي الشكور» قليل من يأخذ النعمة منى ولا يحملها ~~على الأسباب فلا يشكر الوسائط ويشكرنى. والأكثرون يأخذون النعمة من الله، ~~ويجدون الخير من قبله ثم يتقلدون المنة من غير الله، ويشكرون غير الله. # قوله جل ذكره: «فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض ~~تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في ~~العذاب المهين» . PageV03P179 # كان سليمان- عليه السلام- يتكىء على عصاه وقتما قبض، وبقي على ذلك الوصف ~~مدة، والشياطين كانوا مسخرين يعملون ما أمرهم به، ويتصرفون على الوجه الذي ~~رسم لهم، وينتهون عما زجرهم، فقد كانوا يتوهمون أنه حي. ثم إن الأرضة «1» ~~أكلت عصاه فخر سليمان فعلم الشياطين عندئذ أنه مات، فرجعوا إلى أعمالهم ~~الخبيثة، وانفك عنهم ما كانوا عليه ms0982 من التسخير وهكذا الملك الذي يقوم ملكه ~~بغيره، ويكون استمساكه بعصا.. فإنه إذا سقط سقط بسقوطه، ومن قام بغيره زال ~~بزواله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 15] # لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم ~~واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) # كانوا في رغد من العيش وسلامة الحال ورفاهته، فأمروا بالصبر على العافية ~~والشكر على النعمة، وهذا أمر سهل يسير، ولكنهم أعرضوا عن الوفاق، وكفروا ~~بالنعمة، وضيعوا الشكر، فبدلوا وبدل بهم الحال، كما قالوا: # تبدلت وتبدلنا يا حسرة لمن ... ابتغى عوضا لسلمى فلم يجد # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 16] # فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ~~وأثل وشيء من سدر قليل (16) # كذلك من الناس من يكون في رغد من الحال، واتصال من التوفيق، وطرب من ~~القلب، ومساعدة من الوقت، فيرتكب زلة أو يسىء أدبا أو يتبع شهوة، ولا يعرف ~~قدر ما هو به، فيتغير عليه الحال فلا وقت ولا حال، ولا طرب ولا وصال يظلم ~~عليه النهار وقد كانت لياليه مضيئة، كما قلنا «2» : PageV03P180 # ما زلت أختال في زمان وحال ... حتى أمنت الزمان مكره # حال علي الصدود حتى ... لم تبق مما شهدت ذرة # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 17 الى 19] # ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) وجعلنا بينهم وبين ~~القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي ~~وأياما آمنين (18) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم ~~أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) # ما عوملوا إلا بما استوجبوا، ولا سقوا إلا مما ثبطوا «1» ، وما وقعوا إلا ~~في الوهدة التي حفروا، وما قتلوا إلا بالسيف الذي صنعوا! «وجعلنا بينهم ~~وبين القرى..» : ما كان من شأنهم إلا التمادي في عصيانهم، والإصرار على ~~غيهم وطغيانهم. # «فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور» ~~فرقناهم تفريقا حتى اتخذهم الناس مثلا مضروبا يقولون. ذهبوا أيدى سبأ، ~~وتفرقوا أيادى سبأ. ms0983 وفي قصتهم آيات لكل صبار على العاقبة، شكور على النعمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 20 الى 21] # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له ~~عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل ~~شيء حفيظ (21) # . صدق عليهم إبليس ظنه- وإن كان لا يملك لنفسه أمرا، فإبليس مسلط على ~~أتباعه PageV03P181 # من الجن والإنس، وليس به من الإضلال شىء، ولو أمكنه أن يضر غيره لأمكنه ~~أن يمسك على الهداية نفسه، قال تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان «1» » . # «وربك على كل شيء حفيظ» : يهدى من يشاء ويضل من يشاء. ثم أخبر- سبحانه ~~وتعالى- أنه بملكه متفرد، وفي الألوهية متوحد، وعن الأضداد والأنداد متعزز، ~~وأنهم لا يملكون مثقال ذرة، ولا مقياس حبة، وليس منهم نصير، ولا شريك ولا ~~ظهير، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأن الملائكة في السماء بوصف الهيبة ~~فزعون، وفي الموقف الذي أثبتهم الحق واقفون، لا يفترون عن عبادته ولا ~~يعضون. # ثم قال جل ذكره: ### | ### | [سورة سبإ (34) : آية # 24] # قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ~~ضلال مبين (24) # لم يقل أحد- مع شركه- إنه يحيل في الرزق على أحد غيره، فكما لا شريك له ~~فى الرزق ولا شريك له في الخلق فلا شريك له في استحقاق العبادة والتعظيم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 25 الى 26] # قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون (25) قل يجمع بيننا ربنا ثم ~~يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26) # ولا تسألون عما أجرمنا ولا نحن نسأل عن إجرامكم.. ويوم الجمع يحاسب الله ~~كلا على أعماله، ويطالب كلا بشأنه، لا يؤاخذ أحدا بعمل غيره، وكل يعطى ~~كتابه، ويطلب الله من كل واحد حسابه. # وقد أجرى الله سنته بأن يجمع بين عباده، ثم يعاملهم في حال اجتماعهم بغير ~~ما يعاملهم فى حال افتراقهم. فللاجتماع أثر كبير في الشريعة، وللصلاة ~~بالجماعة أثر مخصوص. وقد عاتب الله- سبحانه- الذين يتفرقون عن النبي ms0984 صلى ~~الله عليه وسلم، ومدح من لا يتفرق إلا عن استئذان. PageV03P182 # والشيوخ ينتظرون في الاجتماع زوائد، ويستروحون إلى هذه الآية: # «قل يجمع ... » # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 27] # قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (27) # كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، هو لك، تملكه وما ملك «1» ، ~~لانهما كهم فى ضلالتهم. وبعد تحققهم بأنها جمادات لا تفقه ولا تقدر، ولا ~~تسمع ولا تبصر، وقعت لهم شهة استحقاقها العبادة، فإذا طولبوا بالحجة لم ~~يذكروا غير أنهم يقلدون أسلافهم ... # وهذا هو الضلال البعيد والخسران المبين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 28] # وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28) # أرسلناك مؤيدا بالمعجزات، مشرفا بجميع الصفات، سيدا في الأرضين ~~والسماوات، ظاهرا لأهل الإيمان، مستورا عن بصائر أهل الكفران- وإن كنت ~~ظاهرا لهم من حيث العيان، قال تعالى: «وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون» ~~«2» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 29 الى # 30] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون ~~عنه ساعة ولا تستقدمون (30) # لكثرة ما يقولون هذا كرره الله في كتابه خبرا عنهم، والجواب إن لكم ميعاد ~~يوم، وفي هذا الميعاد لا تستأخرون ساعة ولا تستقدمون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 31] # وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ ~~الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا ~~للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31) PageV03P183 # لو رأيتهم يومذاك لرأيت منظرا فظيعا يرجع بعضهم إلى بعض القول، ويحيل ~~بعضهم على بعض الجرم يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا: أنتم أضللتمونا، ~~وينكر الذين استكبروا ويقولون: بل أنتم اتبعتمونا.. وهكذا أصحاب الزلات ~~الأخلاء في الفساد، قال تعالى: «بعضهم لبعض عدو» «1» . # وكذلك الجوارح والأعضاء غدا يشهد بعضها على بعض فاليد تقول للجملة أخذت، ~~والعين تقول أبصرت، والاختلاف في الجملة عقوبة، ومن عمل بالمعاصي أخرج الله ~~عليه كل من هو أطوع له، ولكنهم لا يعلمون ms0985 ذلك، ولو علموا لا عتبروا، ولو ~~اعتبروا لتابوا ووفقوا.. ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 34 الى 35] # وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ~~(34) وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35) # أي قابلوا رسلنا بالتكذيب، وصبر رسلنا.. وماذا على هؤلاء الكفار لو آمنوا ~~بهم؟ # فهم لنجاتهم أرسلوا، ولصلاحهم دعوا وبلغوا، ولو وافقوهم لسعدوا.. ولكن ~~أقساما سبقت، وأحكاما حقت، والله غالب على أمره. # «وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين» ليس هذا بكثرة الأموال ~~والأولاد، وإنما هي بصائر مفتوحة لقوم، وأخرى مسدودة لقوم. PageV03P184 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة سبإ (34) : آية # 37] # وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا ~~فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) # لا تستحق الزلفى عند الله بالمال والأولاد، ولكن بالأعمال الصالحة ~~والأحوال الصافية والأنفاس الزاكية، بل بالعناية السابقة، والهداية ~~اللاحقة، والرعاية الصادقة، فأولئك لهم جزاء الضعف: يضاعف على ما كان لمن ~~تقدمهم من الأمم «وهم في الغرفات آمنون» من تكدر الصفوة والإخراج من الجنة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 38] # والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) # هم الذين لا يحترمون الأولياء، ولا يراعون حق الله في السر، فهم في عذاب ~~الاعتراض على أولياء الله، وعذاب الوقوع بشؤم ذلك في ارتكاب محارم الله، ثم ~~في عذاب السقوط من عين الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 39] # قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو ~~يخلفه وهو خير الرازقين (39) # من الخلف في الدنيا الرضا بالعدم والفقد، وهو أتم من السرور بالموجود «1» ~~ومن ذلك الأنس بالله في الخلوة ولا يكون ذلك إلا مع التجريد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 40] # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) # قوم كانوا يعبدون الملائكة فيختبرهم عنهم فيتبرأون منهم وينزهون الله ~~ويسبحونه، PageV03P185 # فيفتضح هؤلاء- والافتضاح عند السؤال من ms0986 شديد العقوبة، وفي بعض الأخبار: # أن غدا من يسألهم الحق فيقع عليهم من الخجل ما يجعلهم يقولون: عذبنا ربنا ~~بما شئت من ألوان العقوبة ولا تعذبنا بهذا السؤال! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة سبإ (34) : آية # 42] # فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب ~~النار التي كنتم بها تكذبون (42) # الإشارة في هذا أن من علق قلبه بالأغيار وظن صلاح حاله بالاحتيال «1» ~~والاستعانة بالأمثال والأشكال ينزع الله الرحمة من قلوبهم ويتركهم، ويشوش ~~أحوالهم، فلا لهم من الأمثال والأشكال معونة. ولا لهم من عقولهم في أمورهم ~~استبصار، ولا إلى الله رجوع، وإن رجعوا لا يرحمهم ولا يجيبهم، ويقول لهم: ~~ذوقوا وبال ما به استوجبتم هذه العقوبة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 43] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما ~~كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما ~~جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) # الحكماء، والأولياء- الذين هم الأئمة في هذه الطريقة- إذا دلوا الناس على ~~الله. # قال بعض إخوان السوء- مثل بعض المتنصحين من أهل الغفلة وأبناء الدنيا «2» ~~لمريد: # ما هذا؟ من الذي يطيق كل هذا؟ ربما لا تتمم الطريق! لا بد من الدنيا ما ~~دمت تعيش! ... وأمثال ذلك، حتى يميل هذا المسكين عند قبول النصح، وربما كان ~~له هذا من خواطره الدنية ... فيهلك ويضل. PageV03P186 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة سبإ (34) : آية # 44] # وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) # الإشارة من هذا إلى أهل الغفلة يعارضون أصحاب القلوب فيما يجرى من ~~الأمور، بما تشوش إليهم نفوسهم، ويخطر ببالهم من هواجسهم عن مقتضى تفرقة ~~قلوبهم- على قياس ما يقع لهم- من غير استناد إلى إلهام، أو اعتماد على ~~تقدير من الله وإفهام. # وأهل الحقائق- الذين هم لسان الوقت- إذا قالوا شيئا أو أطلقوا حديثا، فلو ~~طولبوا بإقامة البرهان عليه لم يمكنهم لأن الذي يتكلم عن الفراسة أو عن ~~الإلهام، أو كان مستنطقا فليس يمكن لهؤلاء إقامة الحجة على أقوالهم ms0987 «1» . ~~وأصحاب الغفلة ليس لهم إيمان بذلك، فإذا سمعوا شيئا منه عارضوهم فيهلكون، ~~فسبيل هؤلاء الأكابر عند ذلك أن يسكتوا، ثم الأيام «2» تجيب أولئك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 46] # قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم ~~من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) # يقول: إذا سولت لكم أنفسكم تكذيب الرسول فأنعموا النظر.. هل ترون فيه ~~آثار ما رميتوه به؟ هذا محمد صلى الله عليه وسلم.. قلتم إنه ساحر- فأين ~~آثار السحر PageV03P187 # على أحواله وأفعاله وأقواله؟ قلتم إنه شاعر- فمن أي قسم من أقسام الشعر ~~كلامه؟ قلتم إنه مجنون- فأى جنون ظهر منه؟ # وإذ قد عجزتم عن ذلك ... فهلا عرفتم أنه صادق؟! قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 48] # قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (48) # يقذف بالحق على باطل أهل الغفلة فتزول حيلهم، ويظهر عجزهم. ويقذف بالحق ~~على أحوال أهل الخلاف فيضمحل اجتراؤهم، ويحيق بهم شؤم معاصيهم. # ويقذف بالحق- إذا حضر أصحاب المعاني- على ظلمات أصحاب الدعاوى فيخمد ~~ثائرتهم، ويفضحهم في الحال، ويفضح عوارهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 49] # قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) # الباطل على ممر الأيام لا يزيد إلا زهوقا، والحق على ممر الأيام لا يزداد ~~إلا قوة وظهورا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 50] # قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع ~~قريب (50) # إن كنت مهتديا فبربى لا بجهدي. وإن كنت عندكم من أهل الضلال فوبال ضلالتى ~~عائد علي، ولن يضركم ذلك. فانظروا أنتم إلى أنفسكم.. أين وقعتم؟ وأي ضرر ~~يعود عليكم لو أطعتمونى؟ لا في الحال تخسرون، ولا في أنفسكم تتعبون، ولا في ~~جاهكم تنقصون. # وما أخبركم به عن نقص أصنامكم فبالضرورة «1» أنتم تعلمون! فما لكم لا ~~تبصرون؟ # ولا لأنفسكم تنظرون؟ PageV03P188 # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 51 الى 52] # ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) وقالوا آمنا به وأنى ~~لهم التناوش من مكان بعيد (52) # أي لو رأيت ms0988 ذلك لرأيت منظرا فظيعا، وأمرا عظيما إذا أخذهم بعد الإمهال ~~فليس إلا الاستئصال. # «وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد» إذا تابوا- وقد أغلقت ~~الأبواب، وندموا- وقد تقطعت الأسباب.. فليس إلا الحسرات والندم، ولات حين ~~ندامة! كذلك من استهان بتفاصيل فترته، ولم يستفق من غفلته يتجاوز عنه مرة، ~~ويعفى عنه كرة، فإذا استمكنت منه القسوة وتجاوز سوء الأدب حد الغفلة، وزاد ~~على مقدار الكثيرة «1» .. يحصل له من الحق رد، ويستقبله حجاب، وبعد ذلك لا ~~يسمع له دعاء، ولا يرحم له بكاء، كما قيل: # فخل سبيل العين بعدك للبكا ... فليس لأيام الصفاء رجوع # قوله جل ذكره: ### | [سورة سبإ (34) : آية 54] # وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك ~~مريب (54) # التوبة يشتهونها في آخر الأمر وقد فات الوقت، والخصم يريد إرضاءه فيستحيى ~~أن يذكر فى ذلك الوقت، وينسد لسانه ويعتقل فلا يمكنه أن يفصح بما في قلبه، ~~ويود أن لو كان بينه وبين ما أسلفه بعد بعيد، ويتمنى أن يطيع فلا تساعده ~~القوة، ويتمنى أن يكون له- قبل خروجه من الدنيا- نفس.. ثم لا يتفق. ~~PageV03P189 ### | سورة فاطر # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» كلمة سماعها يوجب ~~روحا لمن كان يشاهد الإتقان، ويوجب لوحا لمن كان بوصف البيان فالروح من ~~وجود الإحسان، واللوح من شهود السلطان، وكل مصيب، ولكل من الحق نصيب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فاطر (35) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى ~~وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) # استحق المدح والثناء على انفراده «1» بالقدرة على خلق السماوات والأرض. # «جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء» ~~: # تعرف إلى العباد بأفعاله، وندبهم إلى الاعتبار بها، فمنها ما نعلم منه ~~ذلك معاينة كالسموات والأرض وغيرها، ومنها ما سبيل الإيمان به الخبر ~~والنقل- لا بدليل العقل- والملائكة من ذلك فلا نتحقق كيفية صورهم وأجنحتهم، ~~وكيف يطيرون بأجنحتهم الثلاثة ms0989 أو الأربعة، ولكن على الجملة نعلم كمال ~~قدرته، وصدق كلمته. # قوله: «يزيد في الخلق ما يشاء» : قيل الخلق الحسن، وقيل الصوت الحسن، ~~وقيل الصوت الحسن وقيل ملاحة العينين، وقيل الكياسة في الخيرة «2» ، وقيل ~~الفصاحة في المنطق، وقيل الفهم عن الله، ويقال السخاء والجود، ويقال الرضا ~~بالتقدير، ويقال علو الهمة، ويقال التواضع، ويقال العفة عند الفقر، ويقال ~~الظرف في الشمائل، ويقال أن تكون محببا إلى القلوب، ويقال خفة الروح، ويقال ~~سلامة الصدر من الشرور، ويقال المعرفة بالله بلا تأمل PageV03P190 # برهان «1» ، ويقال الشوق إلى الله، ويقال التعطف على الخلق بجملتهم، ~~ويقال تحرر القلوب من رق الحدثان بجملته، ويقال ألا يطلب لنفسه منزلة في ~~الدارين «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فاطر (35) : آية # 2] # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ~~وهو العزيز الحكيم (2) # الموسع عليه رزقه لا يضيق عليه غير الله، والمحروم لا يوسع عليه غير ~~الله. # ويقال: ما يلج في قلوب العارفين من أنوار التحقيق لا سحاب يستره، ولا ~~ضياء يقهره. # ويقال: ما يلزم قلوب أوليائه من اليقين فلا مزيل له، وما يغلق على قلوب ~~الأعداء من أبواب الذكر فلا فاتح له غيره- سبحانه. # ويقال الذي يقرنه بقلوب أوليائه وأحوالهم من التيسير فلا ممسك له، والذي ~~يمنعه عن أعدائه- بما يلقيهم فيه من انغلاق الأمور واستصعابها- فلا ميسر له ~~من دونه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : آية 3] # يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من ~~السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) # من ذكر النعمة فصاحب عبادة، ونائل زيادة، ومن ذكر المنعم فصاحب إرادة، ~~ونائل زيادة.. ولكن فرق بين زيادة وزيادة ذلك زيادته في الدارين عطاؤه، ~~وهذا زيادته لقاؤه: # اليوم سرا بسر من حيث المشاهدة، وغدا جهرا بجهر من حيث المعاينة. # والنعمة على قسمين «3» : ما دفع عنه من المحن، وما نفع به من المنن فذكره ~~لما دفع عنه يوجب دوام العصمة، وذكره لما نفعه به يوجب تمام النعمة. ~~PageV03P191 # «هل من ms0990 خالق غير الله..؟» وفائدة هذا التعريف أنه إذا عرف أنه لا رازق ~~غيره لم يعلق قلبه بأحد في طلب شىء، ولم يتذلل في ارتفاق لمخلوق، وكما لا ~~يرى رزقه من مخلوق لا يراه من نفسه أيضا فيتخلص من ظلمات تدبيره واحتياله ~~«1» ، ومن توهم شىء من أمثاله وأشكاله، ويستريح لشهود تقديره، ولا محالة ~~يخلص في توكله وتفويضه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فاطر (35) : آية # 4] # وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) # هذه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم، وتسهيل للصبر عليه فإذا علم أن ~~الأنبياء عليهم السلام استقبلهم مثلما استقبله، وأنهم صبروا وأن الله ~~كفاهم، فهو يسلك سبيلهم ويقتدى بهم، وكما كفاهم علم أنه أيضا يكفيه. وفي ~~هذا إشارة للحكماء وأرباب القلوب في موقفهم من العوام والأجانب عن هذه ~~الطريقة، فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل، بينما أهل الحقائق أبدا منهم في ~~مقاساة الأذى إلا بستر حالهم عنهم «2» . # والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القراء «3» المتقشفين، ومن العلماء ~~الذين هم لهذه الأصول ينكرون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : آية 5] # يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله ~~الغرور (5) PageV03P192 # وعد الله حق في كل ما أخبر به أنه يكون، فوعده في القيامة حق، ووعده لمن ~~أطاعه بكفاية الأمور والسلامة حق، ووعده للمطيعين في الآخرة بوجود الكرامة ~~حق، وللعاصين بالندامة حق، فإذا علم العبد ذلك استعد للموت، ولم يهتم ~~بالرزق، فيكفيه الله شغله، فينشط العبد في استكثار الطاعة ثقة بالوعد، ولا ~~يلم بالمخالفات خوفا من الوعيد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فاطر (35) : آية # 6] # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب ~~السعير (6) # عداوة الشيطان بدوام مخالفته فإن من الناس من يعاونه بالقول ولكن يوافقه ~~بالفعل، ولن تقوى على عداوته إلا بدوام الاستغاثة بالرب، وتلك الاستغاثة ~~تكون بصدق الاستعانة، والشيطان لا يفتر في عداوتك، فلا تغفل أنت عن مولاك ~~لحظة فيبرز لك عدوك فإنه أبدا متمكن لك. # «إنما يدعوا حزبه» ms0991 وحزبه هم المعرضون عن الله، المشتغلون بغير الله، ~~الغافلون عن لله. ودليل هذا الخطاب: إن الشيطان عدوكم فأبغضوه واتخذوه ~~عدوا، وأنا وليكم وحبيبكم فأحبونى وارضوا بي حبيبا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : آية 7] # الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر ~~كبير (7) # الذين كفروا لهم عذاب معجل وعذاب مؤجل، فمعجله تفرقة قلوبهم وانسداد ~~بصائرهم ووقاحة همتهم حتى أنهم يرضون بأن يكون الصنم معبودهم. وأما عذاب ~~الآخرة فهو ما لا تخفى على مسلم- على الجملة- صعوبته. # PageV03P193 # وأما «الذين آمنوا وعملوا الصالحات» فلهم مغفرة أي ستر لذنوبهم اليوم، ~~ولولا ذلك لا فتضحوا، ولولا ذلك لهلكوا. # «وأجر كبير» : والأجر الكبير اليوم سهولة العبادة ودوام المعرفة، وما ~~يناله في القلب من زوائد اليقين وخصائص الأحوال. وفي الآخرة: تحقيق السؤل ~~ونيل ما فوق المأمول. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فاطر (35) : آية # 8] # أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا ~~تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) # معنى الآية: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا كمن ليس كذلك؟ لا يستويان! ~~ومعنى «زين له سوء عمله» أن الكافر يتوهم أن عمله حسن، قال تعالى: «وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا» «1» . # ثم الراغب في الدنيا يجمع حلالها وحرامها، ويحوش «2» حطامها، ولا يفكر في ~~زوالها، ولا في ارتحاله عنها قبل كما لها فلقد زين له سوء عمله (والذي يتبع ~~شهواته ويبيع مؤبد راحاته فى الجنة بساعة فلقد زين له سوء عمله) «3» . وإن ~~الذي يؤثر على ربه شيئا من المخلوقات لهو من جملتهم. والذي يتوهم أنه إذا ~~وجد نجاته ودرجاته في الجنة- وأن هذا يكفيه ... فقد زين له سوء عمله حيث ~~يتغافل عن حلاوة المناجاة. والذي هو في صحبة حظوظه ولا يؤثر حقوق الله فلقد ~~زين له سوء عمله فرآه حسنا. # «فلا تذهب نفسك عليهم حسرات» : يعنى إذا عرفت حق «4» التقدير، وعلمت أنهم ~~سقطوا من عين الله، ودعوتهم جهرا، وبذلت لهم نصحا، فاستجابتهم ليست لك، فلا ~~تجعل على قلبك ms0992 من ذلك مشقة ولا عناء. PageV03P194 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فاطر (35) : آية # 9] # والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض ~~بعد موتها كذلك النشور (9) # أجرى سنته بأنه يظهر فضله في إحياء الأرض بالتدريج فأولا يرسل الرياح ثم ~~يأتى بالسحاب، ثم يوجه ذلك السحاب إلى الموضع الذي يريد له تخصيصا كيف ~~يشاء، ويمطر هناك كيف يشاء. كذلك إذا أراد إحياء قلب عبد بما يسقيه وينزل ~~عليه من أمطار عنايته، فيرسل أولا رياح الرجاء، ويزعج بها كوامن الإرادة، ~~ثم ينشىء فيها سحب الاهتياج، ولوعة الانزعاج، ثم يجود بمطر ينبت في القلب ~~أزهار البسط، وأنوار «1» الروح، فيطيب لصاحبه العيش إلى أن تتم لطائف ~~الأنس. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : آية 10] # من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (10) # من كان يريد العزة بنفسه فليعلم أن العزة بجملتها لله، فليس للمخلوق شىء ~~من العزة. # ويقال من كان يريد العزة لنفسه فلله العزة جميعا، أي فليطلبها من الله، ~~وفي آية أخرى أثبت العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وقال هاهنا «فلله العزة ~~جميعا» ووجه الجمع بينهما أن عز الربوبية لله وصفا، وعز الرسول، وعز ~~المؤمنين لهم فضلا من الله ولطفا فإذا العزة لله جميعا. # وعزه سبحانه- قدرته. أو ويقال العزيز هو القاهر الذي لا يقهر فيكون من ~~صفات فعله على أول القولين.. ومن صفات ذاته على القول الآخر. ويقال العزيز ~~هو الذي لا يوصل إليه من قولهم: أرض عزاز إذا لم تستقر عليها الأقدام، ~~فيرجع معناه إلى جلال سلطانه. # ويقال العزيز الذي لا مثل له من قولهم: عز الطعام في اليد، فيرجع إلى ~~استحقاقه لصفات المجد والعلو. PageV03P195 # قوله: «إليه يصعد الكلم الطيب» : الكلم الطيب هو الصادر عن عقيدة طيبة- ~~يعنى الشهادتين- عن إخلاص. وأراد به صعود قبول لأن حقيقة الصعود في اللغة ~~بمعنى الخروج- ولا يجوز في صفة الكلام «1» . # «والعمل الصالح يرفعه» : أي يقبله. ويقال العمل الصالح يرفع الكلم الطيب. ms0993 ~~ويقال الكلم الطيب ما يكون موافقا للسنة، ويقال هو ما يشهد بصحته الإذن ~~والتوقيف. ويقال هو نطق القلب بالثناء على ما يستوجبه الرب. ويقال هو ما ~~يكون دعاء للمسلمين. ويقال ما يتجرد حقا للحق ولا يكون فيه حظ للعبد. ويقال ~~ما هو مستخرج من العبد وهو فيه مفقود «2» . ويقال هو بيان التنصل وكلمة ~~الاستغفار. # ويقال العمل الصالح ما يصلح للقبول، ويقال الذي ليس فيه آفة ولا يطلب ~~عليه عوض قوله جل ذكره: «والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك ~~هو يبور» . # أي يقلب عليهم مكرهم فما يتوهمونه من خير لهم يقلبه محنة عليهم. ويقال: ~~تخليته إياهم ومكرهم «3» - مع قدرته على عصمتهم، وكونه لا يعصمهم هي عذابهم ~~الشديد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فاطر (35) : آية # 11] # والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على ~~الله يسير (11) # ذكرهم نسبتهم لئلا يعجبوا بحالتهم، ثم إن ما يتخذ من الطين سريع التغير، ~~قليل PageV03P196 # القوة في المكث، لكنه يقبل الانجبار بالماء إذ تنجبر به طينته فإذا جاد ~~الحق عليه بماء الجود أعاده بعد انكساره بالذنوب «1» . # وإذا كان لا يخفى عليه- سبحانه- شىء من أحوالهم في ابتداء خلقتهم، فمن ~~يبال أن يخلق من يعلم أنه يعصى فلا يبالى أن يغفر لمن رآه يعصى «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فاطر (35) : آية # 12] # وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون ~~لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون (12) # لا تستوى الحالتان: هذه إقبال على الله، واشتغال بطاعته، واستقلال ~~بمعرفته.. وهذه إعراض عن الله، وانقباض عن عبادته، واعتراض- على الله- فى ~~قسمته وقبضته. هذه سبب وصاله، وهذه سبب هجره وانفصاله، وفي كل واحدة من ~~الحالتين يعيش أهلها، ويزجى أصحابها وقتها. ولا يستوى الوقتان: هذا بسط ~~وصاحبه في روح، وهذا قبض وصاحبه في نوح. هذا خوف وصاحبه في ms0994 اجتياح، وهذا ~~رجاء وصاحبه في ارتياح. هذا فرق وصاحبه بوصف العبودية، وهذا جمع وصاحبه في ~~شهود الربوبية. # «ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها» : كذلك كل يتقرب فى ~~حالته لربه ويتزين على بابه، وهو حليته التي بها يتحلى من طرب أو حرب، من ~~شرف أو تلف. PageV03P197 # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : آية 13] # يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري ~~لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من ~~قطمير (13) # تغلب النفس مرة على القلب، ويغلب القلب مرة على النفس. وكذلك القبض ~~والبسط فقد يستويان، ومرة يغلب القبض على البسط، ومرة يغلب البسط على ~~القبض، وكذلك الصحو والسكر، وكذلك الفناء والبقاء. # وسخر شموس التوحيد وأقمار المعرفة على ما يريد من إظهاره على القلوب. # «ذلكم الله ربكم له الملك» : فأرونى شظية من النفي أو الإثبات لما تدعونه ~~من دونه! وإذ لم يمكنكم ذلك.. فهلا أقررتم، وفي عبادته أخلصتم، وعن الأصنام ~~تبرأتم؟. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : آية 14] # إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة ~~يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14) # إن استعنتم بأصنامكم لا يعينوكم، وإن دعوتموهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو ~~سمعوا- على جهة ضرب المثل- لا يستجببون لكم لأنهم لا يملكون نفع أنفسهم.. ~~فكيف يملكون نفع غيرهم؟! «ويوم القيامة يكفرون بشرككم» : لا يؤمنون إلا في ~~ذلك الوقت، ولكن لا ينفعهم الإيمان بعد زوال التكليف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : آية 15] # يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (15) # الفقر على ضربين: فقر الخلقة وفقر الصفة فأما فقر الخلقة فهو عام لكل أحد ~~فكل مخلوق مفتقر إلى خالقه، فهو قد حصل من العدم، فهو مفتقر إليه ليبديه ~~وينشيه، ثم بعد # PageV03P198 # ذلك مفتقر- فى حال بقائه إليه- ليديمه ويقيه. فالله- سبحانه- غني، والعبد ~~فقير العبد فقير بعينه والله غني بعينه «1» . # وأما فقر الصفة فهو التجرد ففقر العوام التجرد من المال، وفقر الخواص ~~التجرد من الأعلال ليسلم لهم الفقر. # والفقر ms0995 على أقسام: فقر إلى الله، وفقر إلى شىء هو من الله معلوم أو مرسوم ~~وغير ذلك. # ومن افتقر إلى شىء استغنى بوجود ذلك الشيء فالفقير إلى الله هو الغني ~~بالله، والافتقار إلى الله لا يخلو من الاستغناء بالله، فالمفتقر إلى الله ~~مستغن بالله، والمستغنى بالله مفتقر إلى الله «2» . # ومن شرف الفقر اقترانه بالتواضع والخضوع، ومن آفات الغنى امتزاجه ~~بالتكبر. # وشرف العبد في فقره، وكذلك ذله في توهمه أنه غني: - # وإذا تذللت الرقاب تقربا ... منا إليك فعزها في ذلها «3» # ومن الفقر المذموم، أن يستر الحق على صاحبه مواضع فقره إلى ربه، ومن ~~الفقر المحمود أن يشهده الحق مواضع فقره إليه. # ومن شرط الفقير المخلص ألا يملك شيئا ويملك كل شىء. # ويقال: الفقير الصادق الذي لا يملكه شىء «4» . # ومن آداب الفقير الصادق إظهار التشكر عند كمال التكسر. ومن آداب الفقر ~~كمال المعنى وزوال الدعوى. ويقال الشكر على البلوى والبعد عن الشكوى. ~~PageV03P199 # وحقيقة الفقر المحمود تجرد السر عن المعلولات وإفراد القلب بالله. # ويقال: الفقر المحمود العيش مع الله براحة الفراغ على سرمد الوقت من غير ~~استكراه شىء منه بكل وجه. # قوله: «والله هو الغني الحميد» : الإشارة منه أن يعطى حتى يحمد. # ويقال الغنى إذا أظهر غناه لأحد فإما للمفاخرة أو للمكاثرة- وجل قدر الحق ~~عن ذلك- وإما ليجود ويتفضل على أحد. # ويقال: لا يقول لنا أنتم الفقراء للإزراء بنا- فإن كرمه يتقدس عن ذلك- ~~وإنما المقصود أنه إذا قال: والله الغنى، وأنتم الفقراء أنه يجود علينا. # ويقال إذا لم تدع ما هو صفته- من استحقاق الغنى- أولاك ما يغنيك، وأعطاك ~~فوق ما يكفيك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 16 الى # 17] # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17) # عرفك أنه غني عنك، وأشهدك موضع فقرك إليه، وأنه لا بد لك منه، فما القصد ~~من هذا إلا إرادته لإكرامك وإيوائك في كنف إنعامه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : آية 18] # ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ms0996 ~~ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما ~~يتزكى لنفسه وإلى الله المصير (18) # كل مطالب بعمله، وكل محاسب عن ديوانه، ولكل معه شأن، وله مع كل أحد شأن. ~~ومن العبادات ما تجرى فيه النيابة ولكن في المعارف لا تجرى النيابة فلو أن ~~عبدا عاصيا منهمكا في غوايته فاتته صلاة مفروضة، فلو قضى عنه ألف ولى وألف ~~صفي تلك الصلاة الواحدة عن كل ركعة ألف ركعة لم تقبل منه إلا أن يجىء هو: ~~معاذ الله أن نأخذ إلا ممن وجدنا متاعنا عنده! فعتابك لا يحرى مع غيرك، ~~والخطاب الذي معك لا يسمعه غيرك: # فسر أو أقم وقف عليك محبتى ... مكانك من قلبى عليك مصون # «إنما تنذر الذين يخشون ربهم # PageV03P200 # بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير» . # الإنذار هو الإعلام بموضع المخافة، والخشية هي المخافة فمعنى الآية، لا ~~ينفع التخويف إلا لمن صاحب الخوف- وطير السماء على أشكالها تقع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 19 الى 22] # وما يستوي الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ولا ~~الحرور (21) وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت ~~بمسمع من في القبور (22) # كما لا يستوى الأعمى والبصير لا تستوى الظلمات والنور، ولا يستوى الظل ~~والحرور، ولا الأحياء والأموات.. وكذلك لا يستوى الموصول بنا والمشغول عنا، ~~والمجذوب إلينا، والمحجوب عنا، ولا يستوى من اصطفيناه في الأزل ومن أشقيناه ~~بحكم الأزل، ولا يستوى من أشهدناه حقنا ومن أغفلنا قلبه عن ذكرنا: # أحبابنا شتان: واف وناقض ولا يستوى قط محب وباغض قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 23 الى 24] # إن أنت إلا نذير (23) إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا ~~فيها نذير (24) # أي وما من أمة ممن كانوا من قبلك إلا بعثنا فيهم نذيرا، وفي وقتك أرسلناك ~~إلى جميع الأمم كافة بالحق. # «بشيرا ونذيرا» : تضمنت الآية بيان أنه لم يخل زمانا ولا قوما من شرع. # وفي وقته صلى الله عليه وسلم ms0997 أفرده بأن أرسله إلى كافة الخلائق، ثم قال ~~على جهة التسلية والتعزية له: # PageV03P201 ### | ### | [سورة فاطر (35) : آية # 25] # وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ~~وبالكتاب المنير (25) # أي لو قابلوك بالتكذيب فتلك سنتهم مع كل نبى، وإن أصروا على سنتهم في ~~الغي فلن تجد لسنة الله تبديلا في الانتقام والخزي. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 27 الى 28] # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) ومن الناس والدواب ~~والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز ~~غفور (28) # بين في هذه الآية وأمثالها أن تخصيص الفعل بهيئاته وألوانه من أدلة قصد ~~الفاعل وبرهانه، وفي إتقان الفعل وإحكامه شهادة على علم الصانع وإعلامه. # وكذلك أيضا «من الناس والدواب والأنعام» : بل جميع المخلوقات متجانس ~~الأعيان مختلف، وهو دليل ثبوت منشها بنعت الجلال. # قوله جل ذكره: «إنما يخشى الله من عباده العلماء» . # «إنما» كلمة تحقيق تجرى من وجه مجرى التحديد أي التخصيص والقصر، فمن فقد ~~العلم بالله فلا خشية له من الله. # والفرق بين الخشية والرهبة أن الرهبة خوف يوجب هرب صاحبه فيجرى في هربه، ~~والخشية إذا حصلت كبحت جماح صاحبها فيبقى مع الله، فقدمت الخشية على الرهبة ~~في الجملة «1» . # والخوف قضية الإيمان، قال تعالى: «وخافون إن كنتم مؤمنين» «2» فالخشية ~~قضية العلم، والهيبة توجب المعرفة. PageV03P202 # ويقال خشية العلماء من تقصيرهم في أداء حقه. ويقال من استحيائهم من اطلاع ~~الحق. # ويقال حذرا من أن يحصل لهم سوء أدب وترك احترام، وانبساط في غير وقته ~~بإطلاق لفظ، أو ترخص بترك الأولى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فاطر (35) : آية # 29] # إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) # الذين يستغرق جميع أوقاتهم قيامهم بذكر الله وبحقه، وإتيانهم بأنواع ~~العبادات وصنوف القرب فلهم القدر الأجل من التقريب، والنصيب الأوفر من ~~الترحيب. وأما الذين أحوالهم بالضد فمنالهم على العكس. ms0998 أولئك هم الأولياء ~~الأعزة، وهؤلاء هم الأعداء الأذلة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : آية 31] # والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده ~~لخبير بصير (31) # ما عرفناك- من اختيارنا لك وتخصيصنا إياك، وتقديمنا لك على الكافة- فعلى ~~ما أخبرناك، وأنشدوا: # لا أبتغى بدلا سواك خليلة ... فثقى بقولي والكرام ثقات # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : آية 32] # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) # «أورثنا» : أي أعطينا الكتاب- أي القرآن- الذين اصطفينا من عبادنا، وذكر ~~الإعطاء بلفظ الإرث توسعا. # «اصطفينا» : أي اخترنا. ثم ذكر أقسامهم، وفي الخبر أنه لما نزلت هذه ~~الآية قال عليه السلام: «أمتى ورب الكعبة» ثلاث مرات. # PageV03P203 # وفي الآية وجوه من الإشارة: فمنها أنه لما ذكر هذا بلفظ الميراث فالميراث ~~يقتضى صحة النسب على وجه مخصوص، فمن لا سبب له فلا نسب له، ولا ميراث له. # ومحل النسب هاهنا المعرفة، ومحل السبب الطاعة. وإن قيل محل النسب فضله، ~~ومحل السبب فعلك «1» .. فهو وجه. ويصح أن يقال محل النسب اختياره لك بدءا ~~ومحل السبب إحسانه لك تاليا. # ويقال أهل النسب على أقسام: - الأقوى، والأدنى كذلك في الاستحقاق. # ويقال جميع وجوه التملك لا بد فيها من فعل للعبد كالبيع، أما ما يملك ~~بالهبة فلا يحصل إلا بالقبول والقسمة، ولا يحصل الاستحقاق إلا بالحضور ~~والمجاهدة وغير ذلك: والوصية لا تستحق إلا بالقبول، وفي الزكاة لا بد من ~~قبول أهل السهمان، والميراث لا يكون فيه شىء من جهة الوارث وفعله، والنسب ~~ليس من جملة أفعاله. # ويقال الميراث يستحق بوجهين: بالفرض والتعصيب، والتعصيب أقوى من الفرض ~~لأنه قد يستحق به جميع المال، ثم الميراث يبدأ بذوي الفروض ثم ما يتبقى ~~فللعصبة «2» . # «فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله» : تكلموا ~~في الظالم، فمنهم من قال هو الأفضل، وأرادوا به من ظلم نفسه لكثرة ما حملها ~~من الطاعة. # والأكثرون: إن السابق هو الأفضل، وقالوا: التقديم في الذكر لا ms0999 يقتضى ~~التقديم في الرتبة، ولهذا نظائر كثيرة «3» . # ويقال قرن باسم الظالم قرينة وهي قوله: «لنفسه» ، وقرن باسم السابق قرينة ~~وهي قوله: PageV03P204 # «بإذن الله» فالظالم كانت له زلة، والسابق كانت له صولة، فالظالم رفع ~~زلته بقوله: # لنفسه، والسابق كسر صولته بقوله: بإذن الله. # كأنه قال: يا ظالم ارفع رأسك، ظلمت ولكن على نفسك، ويا سابق اخفض «1» ~~رأسك سبقت- ولكن بإذن الله. # ويقال إن العزيز إذا رأى ظالما قصمه، والكريم إذا رأى مظلوما أخذ بيده، ~~كأنه قال: # يا ظالم، إن كان كونك ظالما يوجب قهرك، فكونك مظلوما يوجب الأخذ بيدك «2» ~~. # ويقال الظالم من غلبت زلاته، والمقتصد من استوت حالاته، والسابق من زادت ~~حسناته. # ويقال الظالم من زهد في دنياه، والمقتصد من رغب في عقباه، والسابق من آثر ~~على الدارين مولاه. # ويقال الظالم من نجم كوكب عقله، والمقتصد من طلع بدر علمه، والسابق من ~~ذرت «3» شمس معرفته. # ويقال الظالم من طلبه، والمقتصد من وجده، والسابق من بقي معه. # ويقال الظالم من ترك المعصية، والمقتصد من ترك الغفلة، والسابق من ترك ~~العلاقة «4» . # ويقال الظالم من جاد بماله، والمقتصد من لم يبخل بنفسه، والسابق من جاد ~~بروحه. # ويقال الظالم من له علم اليقين، والمقتصد من له عين اليقين، والسابق من ~~له حق اليقين. # ويقال الظالم صاحب المودة، والمقتصد صاحب الخلة، والسابق صاحب المحبة. # ويقال الظالم يترك الحرام، والمقتصد يترك الشبهة، والسابق يترك الفضل «5» ~~فى الجملة. PageV03P205 # ويقال الظالم صاحب سخاء، والمقتصد صاحب جود، والسابق صاحب إيثار «1» . # ويقال الظالم صاحب رجاء، والمقتصد صاحب بسط، والسابق صاحب أنس. # ويقال الظالم صاحب خوف، والمقتصد صاحب خشية، والسابق صاحب هيبة. # ويقال الظالم له المغفرة، والمقتصد له الرحمة والرضوان، والسابق له ~~القربة والمحبة. # ويقال الظالم صاحب الدنيا، والمقتصد طالب العقبى، والسابق طالب المولى. # ويقال الظالم طالب النجاة، والمقتصد طالب الدرجات، والسابق صاحب ~~المناجاة. # ويقال الظالم أمن من العقوبة، والمقتصد فاز بالمثوبة، والسابق متحقق ~~بالقربة. # ويقال الظالم مضروب بسوط الحرص، مقتول بسيف الرغبة، مضطجع على باب ~~الحسرة. # والمقتصد مضروب بسوط الندامة، مقتول بسيف ms1000 الأسف، مضطجع على باب الجود. # والسابق مضروب بسوط التواجد، مقتول بسيف المحبة، مضطجع على باب الاشتياق. # ويقال الظالم صاحب التوكل، والمقتصد صاحب التسليم، والسابق صاحب التفويض. # ويقال الظالم صاحب تواجد، والمقتصد صاحب وجد، والسابق صاحب وجود. # ويقال الظالم صاحب المحاضرة، والمقتصد صاحب المكاشفة، والسابق صاحب ~~المشاهدة. # ويقال الظالم يراه في الآخرة بمقدار أيام الدنيا في كل جمعة مرة، ~~والمقتصد يراه في كل يوم مرة، والسابق غير محجوب عنه البتة. # ويقال الظالم مجذوب إلى فعله الذي هو فضله، والمقتصد مكاشف بوصفه الذي هو ~~عزه، والسابق المستهلك في حقه الذي هو وجوده. # قوله: «ذلك هو الفضل الكبير» لأنه ذكر الظالم مع السابق «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فاطر (35) : آية # 33] # جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ~~(33) PageV03P206 # نبه على أن دخولهم الجنة لا باستحقاق بل بفضله، وليس في الفضل تمييز. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فاطر (35) : آية # 34] # وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) # تحققوا بحقائق الرضا، والحزن سمى حزنا لخزونة «1» الوقت على صاحبه وليس ~~في الجنة حزونة وإنما هو رضا واستبشار. # ويقال ذلك الحزن حزن خوف العاقبة. ويقال هو دوام المراعاة خشية أن يحصل ~~سوء الأدب. ويقال هو سياسة النفس. # «إن ربنا لغفور» للعصاة، «شكور» للمطيعين. قدم ما للعاصين رفقا بهم لضعف ~~أحوالهم «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : آية 35] # الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ~~(35) # «دار المقامة» : أي دار الإقامة، لا يبغون عنها حولا، ولا يتمنون منها ~~خروجا. # «لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب» : إذا أرادوا أن يروا «3» ~~مولاهم لا يحتاجون إلى قطع مسافة، بل في غرفهم يلقون فيها تحية وسلاما، ~~فإذا رأوه لم يحتاجوا إلى تقليب حدقة أو تحديق مقلة في جهة «4» يرونه كماهم ~~بلا كيفية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 36 الى 37] # والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها كذلك نجزي كل ms1001 كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا ~~غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا ~~فما للظالمين من نصير (37) PageV03P207 # لا حياة يتمتعون بها، ولا موت يستريحون به، وهم مقيمون في العذاب ~~والحجاب، لا يفتر عنهم العذاب، ولا ترفع عنهم العقوبة. # «وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ~~ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير» يقولون: ~~«ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل» ، فيقال لهم أو لم نعمركم ... ~~؟ # أما جاءكم النذير قبل أن تبلغوا زمان المشيب؟ # ويقال: ألم تستوفوا مدة الإمهال في النظر؟ # «وجاءكم النذير» : الرسل، ويقال ضعف الشيخوخة، ويقال سقوط السن، ويقال ~~تقوس الظهر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فاطر (35) : آية # 38] # إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور (38) # أي عالم بإخلاص المخلصين، وصدق الصادقين، ونفاق المنافقين، وجحد ~~الكافرين. # عالم بمن يريد بالناس السوء وبمن يحسن بالله الظن. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : آية 39] # هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين ~~كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) # أهل كل عصر خليف عمن تقدمهم فمن قوم هم لسلفهم حمال «1» ، ومن قوم هم ~~أراذل وأنذال فالأفاضل زمانهم لهم محنة، والأراذل هم لزمانهم محنة. وقد ~~قالوا: PageV03P208 # يوم وحسب الدهر من أجله ... حيا غد والتفت الأمس # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فاطر (35) : آية # 40] # قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم ~~لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون ~~بعضهم بعضا إلا غرورا (40) # كرر إشهادهم عجز أصنامهم، ونقص من اتخذوهم آلهة من أوثانهم ليسفه بذلك ~~آراءهم، ولينبههم إلى ذميم أحوالهم وأفعالهم، وخسة هممهم، ونقصان عقولهم. # ثم أخبر أنهم لا يأتون بشىء مما به يطالبون، وليس لهم صواب عما يسألون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : آية 41] # إن الله يمسك السماوات ms1002 والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من ~~بعده إنه كان حليما غفورا (41) # أمسكها بقدرته، وأتقنهما بحكمته، ورتبهما بمشيئته، وخلق أهلهما على موجب ~~قضيته، فلا شبيه في إبقائهما وإفنائهما يساهمه، ولا شريك في وجودهما ~~ونظامهما يقاسمه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 42 الى 43] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ~~فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا ~~يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله ~~تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) # ليس لقولهم تحقيق، ولا لعهدهم وضمانهم توثيق، وما يعدون من أنفسهم فصريح ~~زور، وما يوهمون من وفائهم فصرف تغرير.. وكذلك المريد في أوان نشاطه تمنيه ~~نفسه م (14) لطائف الإشارات- ج 3- # PageV03P209 # فتظاهر أمام من تقدمه حالا بانه عاهد الله، وأنه أكد عقده مع الله.. فإذا ~~عضته شهوته، وأراد الشيطان أن يكذبه صرعه بكيده، وأركسه في هوة غيه، ومنية ~~نفسه فيسود وجهه، وتذهب عند الله وجاهته «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : آية 44] # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد ~~منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان ~~عليما قديرا (44) # فى الجملة ما خاب له ولي، وما ربح له عدو، ولا ينال الحقيقة من انعكس ~~قصده، بل يرتد عليه كيده وهو سبحانه يدمر على أعدائه تدميرا، ويوسع ~~لأوليائه فضلا كبيرا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فاطر (35) : آية 45] # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم ~~إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (45) # لو عجل لهم ما يستوجبونه من الثواب والعقاب لم تف أعمارهم القليلة به، ~~وما اتسعت أيامهم القصيرة له، فأخر ذلك ليوم الحشر.. فإنه طويل. والله على ~~كل شىء قدير، وبأمور عباده خبير بصير. PageV03P210 ### | سورة يس # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» آية افتتح بها خطابه ~~فمن ms1003 علمها أجزل ثوابه، ومن عرفها أكثر إيجابه، ومن أكبر قدرها أكرم مآبه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 1 الى # 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # يس (1) والقرآن الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3) على صراط مستقيم (4) # تنزيل العزيز الرحيم (5) # يقال معناه: يا سيد. ويقال: الياء تشير إلى يوم الميثاق، والسين تشير إلى ~~سره مع الأحباب فيقال بحق يوم الميثاق وسرى مع الأحباب، وبالقرآن الحكيم: - ~~«إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم» أي إنك- يا محمد لمن المرسلين، وإنك ~~لعلى صراط مستقيم. # «تنزيل العزيز الرحيم» أي هذا الكتاب تنزيل (العزيز) : المتكبر الغنى عن ~~طاعة المطيعين، (الرحيم) : # المتفضل على عباده المؤمنين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : آية 6] # لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) # أي خصصناك بهذا القرآن، وأنزلنا عليك هذا الفرقان لتنذر به قوما حصلوا في ~~أيام الفترة، وانقرض أسلافهم على هذه الصفة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : آية 7] # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) # PageV03P211 # أي حق القول بالعقوبة على أكثرهم لأنهم أصروا على جحدهم، وانهمكوا في ~~جهلهم، فالمعلوم منهم والمحكوم عليهم أنهم لا يؤمنون «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : الآيات 8 الى 9] # إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) وجعلنا من ~~بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) # سنجرهم إلى هوانهم وصغرهم، وسنذيقهم وبال أمرهم. # «وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون» ~~أغرقناهم اليوم في بحار الضلالة، وأحطنا بهم سرادقات الجهالة. وفي الآخرة ~~سنغرقهم فى النار والأنكال، ونضيق عليهم الحال، بالسلاسل والأغلال. # «فأغشيناهم» : أعميناهم اليوم عن شهود الحجة، ونلبس عليهم في الآخرة سبيل ~~المحجة، فيتعثرون في وهدات جهنم داخرين، ويبقون في حرقاتها مهجورين، ~~مطرودين ملعونين، لا نقطع عنهم ما به يعذبون «2» ، ولا نرحمهم مما منه ~~يشكون تمادى بهم حرمان الكفر، وأحاطت بهم سرادقات الشقاء، ووقعت عليهم ~~السمة بالفراق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يس (36) : آية # 10] # وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10) # مهجور الحق لا يصله أحد، ومردود الحق لا ms1004 يقبله أحد. والذي قصمته المشيئة ~~وأقمته القضية لا تنجع فيه النصيحة. PageV03P212 ### | [سورة يس (36) : آية 11] # إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11) # أي إنما ينتفع بإنذارك من اتبع الذكر فإن إنذارك- وإن كان عاما في الكل ~~وللكل- فإن الذين كفروا على غيهم يصرون.. ألا ساء ما يحكمون، وإن كانوا لا ~~يعلمون قبح ما يفعلون. أما الذين اتبعوا الذكر، واستبصروا، وانتفعوا بالذي ~~سمعوه منك، وبه عملوا- فقد استوجبوا أن تبشرهم فبشرهم، وأخبرهم على وجه ~~يظهر السرور بمضمون خبرك عليهم. # «وأجر كريم» : كبير وافر على أعمالهم- وإن كان فيها خلل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : آية 12] # إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ~~(12) # نحيى قلوبا ماتت بالقسوة بما نمطر عليها من صوب الإقبال والزلفة، ونكتب ~~ما قدموا. # «وآثارهم» : خطاهم إلى المساجد «1» ، ووقوفهم على بساط المناجاة معنا، ~~وترقرق دموعهم على عرصات خدودهم، وتصاعد أنفاسهم. # «وكل شيء أحصيناه في إمام مبين» أثبتنا تفصيله في اللوح المحفوظ.. لا ~~لتناسينا لها- وكيف وقد أحصينا كل شىء عددا؟ - ولكننا أحببنا إثبات آثار ~~أحبائنا في المكنون من كتابنا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : آية 13] # واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) # انقرض زمانهم، ونسى أوانهم وشأنهم! ولكننا نتذكر أحوالهم بعد فوات ~~أوقاتهم، ولا نرضى بألا يجرى بين أحبائنا وعلى ألسنة أوليائنا ذكر الغائبين ~~والماضين، وهذا مخلوق يقول في صفة مخلوق: PageV03P213 # إذا نسى الناس إخوانهم ... وخان المودة خلانها # فعندى لإخوانى الغائبين ... صحائف ذكرك عنوانها # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 16 الى # 18] # قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ المبين ~~(17) قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ~~(18) # قال الرسل: «ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون» وليس علمنا إلا بما أمرنا به ~~من التبليغ والإنذار. # «قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم» ~~لنرجمنكم، ولنصنعن، ولنفعلن ... فأجابهم الرسل: إنكم لجهلكم ولجحدكم سوف ~~تلقون ما توعدون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : الآيات ms1005 20 الى 21] # وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا ~~من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون (21) # فى القصة أنه جاء من قرية فسماها مدينة، وقال من أقصى المدينة، ولم يكن ~~أقصاها وأدناها ليتفاوتا بكثير، ولكنه- سبحانه- أجرى سنته في استكثار ~~القليل من فعل عبده إذا كان يرضاه، ويستنزر الكثير من فضله إذا بذله ~~وأعطاه. # «اتبعوا من لا يسئلكم أجرا..» فأبلغ الوعظ وصدق النصح.. ولكن كما قالوا: # وكم سقت في آثاركم من نصيحة ... وقد يستفيد البغضة المتنصح # فلما صدق في حاله، وصبر على ما لقى من قومه، ورجع إلى التوبة، لقاه حسن ~~أفضاله، وآواه إلى كنف إقباله، ووجد ما وعده ربه من لطف أفضاله. # PageV03P214 ### | [سورة يس (36) : الآيات 26 الى 27] # قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) بما غفر لي ربي وجعلني من ~~المكرمين (27) # تمنى أن يعلم قومه حاله، فحقق الله مناه، وأخبر عن حاله، وأنزل به خطابه، ~~وعرف قومه ذلك. وإنما تمنى وأراد ذلك إشفاقا عليهم، ليعملوا مثلما عمل ~~ليجدوا مثلما وجد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : الآيات 28 الى 29] # وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (28) إن ~~كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) # ما كانت إلا قضية منا بعقوبتهم، وتغييرا لما كانوا به من السلامة إلى وصف ~~البلاء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يس (36) : آية # 30] # يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (30) # إن لم يتحسروا هم اليوم فلهم موضع التحسر وذلك لانخراطهم في سلك واحد من ~~التكذيب ومخالفة الرسل، ومناوءة أوليائه- سبحانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : الآيات 31 الى 32] # ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) وإن كل ~~لما جميع لدينا محضرون (32) # ألم يروا ما فعلنا بمن قبلهم من القرون الماضية، وما عاملنا به الأمم ~~الخالية، فلم يرجع إليهم أحد، فكلهم في قبضة القدرة، ولم يفتنا أحد، ولم ~~يكن لواحد منهم علينا عون ولا مدد، ولا عن حكمنا ملتحد قوله جل ms1006 ذكره: ### | [سورة يس (36) : آية 33] # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون (33) # لما كان أمر البعث أعظم شبههم، وكثر فيه إنكارهم كان تكرار الله سبحانه ~~لحديث # PageV03P215 # البعث، وقد ضرب- سبحانه- المثل له بإحياء الأرض بالنبات في الكثير من ~~الآيات. # والعجب ممن ينكر علوم الأصول ويقول ليس في الكتاب عليها دليل! وكيف يشكل ~~ذلك وأكثر ما في القرآن من الآيات يحت على سبيل الاستدلال، وتحكيم أدلة ~~العقول «1» ؟ # ولكن يهدى الله لنوره من يشاء. ولو أنهم أنصفوا من أنفسهم، واشتغلوا بأهم ~~شىء عندهم لما ضيعوا أصول الدين، ولكنهم رضوا فيها بالتقليد، وادعوا في ~~الفروع رتبة الإمامة والتصدر.. ويقال في معناه: # يا من تصدر في دست الإمامة فى ... مسائل الفقه إملاء وتدريسا # غفلت عن حجج التوحيد تحكمها ... شيدت فرعا وما مهدت تأسيسا! # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يس (36) : آية # 36] # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ~~(36) # تنبه هذه الاية على التفكر في بديع صنعه فقال: تنزيها لمن خلق الأشياء ~~المتشاكلة فى الأجزاء والأعضاء، من النبات، ومن أنفسهم، ومن الأشياء الأخرى ~~التي لا يعلمون تفصيلها، كيف جعل أوصافها في الطعوم والروائح، فى الشكل ~~والهيئة، فى اختلاف الأشجار فى أوراقها وفنون أغصانها وجذوعها وأصناف ~~أنوارها وأزهارها، واختلاف أشكال تمارها فى تفرقها واجتماعها، ثم ما نيط ~~بها من الانتفاع على مجرى العادة مما يسميه قوم: الطبائع فى الحرارة ~~والبرودة، والرطوبة واليبوسة، واختلاف الأحداث التي يخلقها الله عقيب شراب ~~هذه الأدوية وتناول هذه الأطعمة على مجرى العادة من التأثيرات التي تحصل في ~~الأبدان. ثم اختلاف صور هذه الأعضاء الظاهرة والأجزاء الباطنة، فالأوقات ~~متجانسة، والأزمان متماثلة، والجواهر متشاكلة.. وهذه الأحكام مختلفة، ولولا ~~تخصيص حكم لكل شىء بما اختص به لم يكن تخصيص بغير ذلك أولى منه. وإن من كحل ~~الله عيون بصيرته بيمن التعريف، وقرن أوقاته بالتوفيق، وأتم نظره، ولم يصده ~~مانع.. فما أقوى في المسائل حجته! وما أوضح فى السلوك نهجه!. PageV03P216 # إنها لأقسام سبقت على من شاءه الحق بما شاء. # قوله ms1007 جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : آية 37] # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) # نبطل ضوء النهار بهجوم الليل عليه، وتزيل ظلام الليل بهجوم النهار عليه، ~~كذلك نهار الوجود يدخل على ليالى التوقف، ويقود بيد كرمه عصا من عمى عن ~~سلوك رشده فيهديه إلى سواء الطريق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 38 الى # 40] # والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه ~~منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا ~~الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (40) # على ترتيب معلوم لا يتفاوت في فصول السنة، وكل يوم لها مشرق جديد ولها ~~مغرب جديد.. وكل هذا بتقدير العزيز العليم. # «والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن ~~تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون» الإشارة منه أن العبد ~~في أوان الطلب رقيق الحال، ضعيف، مختصر الفهم.. ثم يفكر حتى تزداد بصيرته ~~... إنه كالقمر يصير كاملا، ثم يتناقص، ويدنو من الشمس قليلا قليلا، وكلما ~~ازداد من الشمس دنوا ازداد في نفسه نقصانا حتى يتلاشى ويختفى ولا يرى ... # ثم يبعد عن الشمس فلا يزال يتباعد ويتباعد حتى يعود بدرا- من الذي يصرفه ~~في ذلك إلا أنه تقدير العزيز العليم؟ وشبيه الشمس عارف أبدا في ضياء ~~معرفته، صاحب تمكين غير متلون «1» ، يشرق من برج سعادته دائما، لا يأخذه ~~كسوف، ولا يستره سحاب. # وشبيه القمر عبد تتلون أحواله في تنقله فهو في حال من البسط يترقى إلى حد ~~الوصال، ثم يرد إلى الفترة، ويقع في القبض مما كان به من صفاء الحال، ~~فيتناقص، ويرجع إلى نقصان أمره إلى أن يرفع قلبه عن وقته، ثم يجود الحق- ~~سبحانه- فيوفقه لرجوعه عن فترته، PageV03P217 # وإفاقته عن سكرته، فلا يزال يصفو حاله إلى أن يقرب من الوصال، ويرزق صفة ~~الكمال، ثم بعد ذلك يأخذ في النقص والزوال.. كذلك حاله إلى أن يحق له ~~بالمقسوم ارتحاله، كما قالوا: # ما كنت أشكو ما على بدني ... من كثرة التلوين من ms1008 بدته «1» # وأنشدوا: كل يوم تتلون ... غير هذا بك أجمل # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 41 الى # 42] # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون (42) # الإشارة فيه إلى حمل الخلق في سفينة السلامة في بحار التقدير عند تلاطم ~~أمواجها بفنون من التغيير والتأثير. فكم من عبد غرق في اشتغاله في ليله ~~ونهاره، لا يستريح لحظة من كد أفعاله ومقاساة التعب في أعماله، وجمع ماله. # فجره ذلك إلى نسيان عاقبته ومآله، واستيلاء شغله بولده وعياله على فكره ~~وباله- وما سعيه إلا في وباله! وكم من عبد غرق في لجة هواه، فجرته مناه إلى ~~تحمل بلواه، وخسيس من أمر مطلوبه ومبتغاه.. ثم لا يصل قط إلى منتهاه، خسر ~~دنياه وعقباه، وبقي عن مولاه! ومن أمثال هذا وذاك ما لا يحصى، وعلى عقل من ~~فكر واعتبر لا يخفى. # أما إذا حفظ عبدا في سفينة العناية أفرده- سبحانة- بالتحرر من رق خسائس ~~الأمور، وشغله بظاهره بالقيام بحقه، وأكرمه في سرائره بفراغ القلب مع ربه، ~~ورقاه إلى ما قال: «أنا جليس من ذكرنى» .. وقل في علو شأن من هذه صفته.. ~~ولا حرج! قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : الآيات 43 الى 44] # وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا ومتاعا إلى ~~حين (44) . PageV03P218 # لولا جوده وفضله لحل بهم من البلاء ما حل بأمثالهم، لكنه بحسن الأفضال، ~~يحفظهم فى جميع الأحوال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 45 الى # 47] # وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون (45) وما ~~تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) وإذا قيل لهم ~~أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله ~~أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) # الآيات هذه صفات من سيبهم «1» فى أودية الخذلان، ووسمهم بسمة الحرمان، ~~وأصمهم عن سماع الرشد، وصدهم بالخذلان عن سلوك القصد، فلا تأتيهم آية في ~~الزجر إلا قابلوها بإعراضهم، وتجافوا عن الاعتبار بها على دوام ms1009 انقباضهم، ~~وإذا أمروا بالإنفاق والإطعام عارضوا بأن الله رازق الأنام، وإن يشأ نظر ~~إليهم بالإنعام: - «وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا ~~للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه» ثم قال جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : الآيات 48 الى 50] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) ما ينظرون إلا صيحة واحدة ~~تأخذهم وهم يخصمون (49) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (50) # يستعجلون هجوم الساعة، ويستبطئون قيام القيامة- لا عن تصديق يريحهم من ~~شكهم، أو عن خوف يمنعهم عن غيهم، ولكن تكذيبا لدعوة الرسل، وإنكارا لصحة ~~النبوة، واستبعادا للنشر والحشر. # ويوم القيامة هم في العذاب محضرون، ولا يكشف عنهم، ولا ينصرون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : الآيات 51 الى 54] # ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) قالوا يا ويلنا ~~من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) إن كانت إلا صيحة ~~واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون (54) PageV03P219 # يموتون قهرا، ويحشرون جبرا، ويلقون أمرا، ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ~~ضرا. # «قالوا يا ويلنا من بعثنا «1» من مرقدنا؟» يموتون على جهل، لا يعرفون ~~ربهم، ويبعثون على مثل حالهم، لا يعرفون من بعثهم، ويعدون ما كانوا فيه في ~~قبورهم من العقوبة الشديدة- بالإضافة إلى ما سيلقون من الآلام الجديدة- ~~نوما ورقادا، وسيطئون من الفراق المبرح والاحتراق العظيم الضخم مهادا، لا ~~يذوقون بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا، ولقد عوملوا بذلك استحقاقا: فقد ~~قال جل ذكره: - «فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : الآيات 55 الى 57] # إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) هم وأزواجهم في ظلال على ~~الأرائك متكؤن (56) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57) # إنما يضاف العبد إلى ما كان الغالب عليه ذكره والآخذ بمجامع قلبه، فصاحب ~~الدنيا من فى أسرها، وأصحاب الجنة من هم طلابها والساعون لها والعاملون ~~لنيلها قال تعالى مخبرا عن أقوالهم وأخوالهم: «لمثل هذا ms1010 فليعمل العاملون» ~~«2» . وهذه الأحوال- وإن جلت منهم ولهم- فهى بالإضافة إلى أحوال السادة ~~والأكابر تتقاصر، قال صلى الله عليه وسلم: «أكثر أهل الجنة البله» «3» ومن ~~كان في الدنيا عن الدنيا حرا فلا يبعد أن يكون في الجنة عن الجنة حرا، ~~والله يختص برحمته من يشاء. # وقيل إنما يقول هذا الخطاب لأقوام فارغين، فيقول لهم: «إن أصحاب الجنة ~~اليوم في شغل فاكهون» PageV03P220 # وهم أهل الحضرة والدنو، لا تشغلهم الجنة عن أنس القربة، وراحات الوصلة، ~~والفراغ للرؤية «1» ويقال: لو علموا عمن شغلوا لما تهنأوا بما شغلوا. # ويقال بل إنما يقول لأهل الجنة: «إن أصحاب الجنة..» كأنه يخاطبهم مخاطبة ~~المعاينة إجلالا لهم كما يقال: الشيخ يفعل كذا، ويراد به: أنت تفعل كذا. # ويقال: إنما يقول هذا لأقوام في العرصة أصحاب ذنوب لم يدخلوا النار، ولم ~~يدخلوا الجنة بعد لعصيانهم فيقول الحق: عبدى.. أهل النار لا يتفرغون إليك ~~لأهوالهم، وما هم فيه من صعوبة أحوالهم، وأهل الجنة وأصحابها اليوم في شغل ~~عنك لأنهم في لذاتهم، وما وجدوا من أفضالهم مع أهلهم وأشكالهم فليس لك ~~اليوم إلا نحن! وقيل شغلهم تأهبهم لرؤية مولاهم، وذلك من أتم الأشغال، وهي ~~أشغال مؤنسة مريحة لا متعبة موحشة. # ويقال: الحق لا يتعلق به حق ولا باطل فلا تنافى بين اشتغالهم بأبدانهم مع ~~أهلهم، وشهودهم مولاهم، كما أنهم اليوم مشغولون مستديمون لمعرفته بأى حالة ~~هم، ولا يقدح اشتغالهم- باستيفاء حظوظهم- فى معارفهم. # ويقال شغل نفوسهم بشهواتها «2» حتى يخلص الشهود لأسرارهم على غيبة من ~~إحساس النفس الذي هو أصعب الرقباء، ولا شىء أعلى من رؤية الحبيب مع فقد ~~الرقيب. # قوله جل ذكره: «هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤن» . PageV03P221 # «أزواجهم» : قيل أشكالهم في الحال والمنزلة، كقوله: «احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم» «1» وقيل حظاياهم «2» من زوجاتهم. # «لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون» «لهم فيها فاكهة» : أي نصيب أنفسهم. ~~ويقال الإشارة فيها إلى راحات الوقت دون حظوظ النفس. # «لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون» : ما يريدون، ويقال تسلم لهم دواعيهم، ~~والدعوى- إذا كانت بغير حق- معلولة. # قوله تعالى: ### | [سورة يس ms1011 (36) : آية 58] # سلام قولا من رب رحيم (58) # يسمعون كلامه وسلامه بلا واسطة، وأكد ذلك بقوله: «قولا» . # وبقوله: «من رب» ليعلم أنه ليس سلاما على لسان سفير. # «من رب رحيم» . والرحمة في تلك الحالة أن يرزقهم الرؤية في حال ما يسلم ~~عليهم لتكمل لهم النعمة. ويقال الرحمة في ذلك الوقت أن ينقيهم في حال سماع ~~السلام وحال اللقاء لئلا يصحبهم دهش، ولا تلحقهم حيرة. # ويقال إنما قال: «من رب رحيم» ليكون للعصاة من المؤمنين فيه نفس، ~~ولرجائهم مساغ فإن الذي يحتاج إلى الرحمة العاصي. # ويقال: قال ذلك ليعلم العبد أنه لم يصل إليه بفعله واستحقاقه، وإنما وصل ~~إليه برحمة ربه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : آية 59] # وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) # غيبة الرقيب أتم نعمة، وإبعاد العدو «3» من أجل العوارف «4» فالأولياء في ~~إيجاب القربة، والأعداء في العذاب والحجبة. PageV03P222 # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : الآيات 60 الى 61] # ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) ~~وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) # لو كان هذا القول من مخلوق إلى مخلوق لكان شبه اعتذار أي لقد نصحتكم ~~ووعظتكم، ومن هذا حذرتكم، وكم أوصلت لكم القول، وذكرتكم فلم تقبلوا وعظي، ~~ولم تعملوا بأمرى، فأنتم خالفتم، وعلى أنفسكم ظلمتم، وبذلك سبقت القضية منا ~~لكم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يس (36) : آية # 65] # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ~~(65) # اليوم سخر الله أعضاء بدن الإنسان بعضها لبعض، وغدا ينقض هذه العادة، ~~فتخرج بمض الأعضاء على بعض، وتجرى بينها الخصومة والنزاع فأما الكفار ~~فشهادة أعضائهم عليهم مبيدة، وأما العصاة من المؤمنين فقد تشهد عليهم بعض ~~أعضائهم بالعصيان، ولكن تشهد لهم بعض أعضائهم أيضا بالإحسان، وكما قيل: # بينى وبينك يا ظلوم الموقف ... والحاكم العدل الجواد المنصف # وفي بعض الأخبار المروية المسندة أن عبدا تشهد عليه أعضاؤه بالزلة ~~فيتطاير شعره من جفن عينيه، فيستأذن بالشهادة له فيقول الحق: تكلمى يا شعرة ~~جفن عبدى واحتجى عن عبدى، فتشهد له بالبكاء من خوفه، فيغفر له، ms1012 وينادى ~~مناد: هذا عتيق الله بشعرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : آية 68] # ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (68) # ؟ يرده إذا استوى شبابه وقوته إلى العكس، فكما كان يزداد في القوة يأخذ ~~في النقصان إلى أن يبلغ أرذل العمر في السن فيصير إلى مثل حال الطفولية في ~~الضعف، ثم لا يبقى بعد النقصان شىء، كما قيل: # طوى العصران ما نشراه منى ... وأبلى جدنى نشر وطي # PageV03P223 # أرانى كل يوم في انتقاص ... ولا يبقى مع النقصان شي # هذا في الجثث والمبانى دون الأحوال والمعاني فإن الأحوال في الزيادة إلى ~~أن يبلغ حد الخرف «1» فيختل رأيه وعقله. وأهل الحقائق تشيب ذوائبهم ولكن ~~محابهم ومعانيهم فى عنفوان شبابها، وطراوة جدتها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يس (36) : آية # 69] # وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) # كلامه صلى الله عليه وسلم كان خارجا عن أوزان الشعر، والذي أتاهم به من ~~القرآن لم يكن من أنواع الشعر، ولا من طرق الخطباء. # تحير القوم في بابه ولم تكتحل بصائرهم بكحل التوحيد فعموا عن شهود ~~الحقائق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : الآيات 71 الى 75] # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) ~~وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) ولهم فيها منافع ومشارب أفلا ~~يشكرون (73) واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (74) لا يستطيعون نصرهم ~~وهم لهم جند محضرون (75) # ذكر عظيم منته عليهم، وجميل نعمته لديهم بما سخر لهم من الأنعام التي ~~ينتفعون بها بوجوه الانتفاع. # ولفظ «أيدينا» توسع. أي مما عملنا وخلقنا، وذلك أنهم ينتفعون بركوبها ~~وبأكل لحومها وشحومها، وبشرب ألبانها، وبالحمل عليها، وقطع المسافات بها، ~~ثم بأصوافها وأوبارها وشعرها ثم بعظم بعضها.. فطالبهم بالشكر عليها، ووصفهم ~~بالتقصير في شكرهم. # ثم أظهر- ما إذا كان في صفة المخلوقين لكان شكاية- أنهم مع كل هذه الوجوه ~~من الإحسان: - ### | [سورة يس (36) : آية 76] # فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76) PageV03P224 # اكتفوا بأمثالهم «1» معبودات لهم، ثم سلى نبيه- صلى الله عليه وسلم بأن ~~قال له: ms1013 - «فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون» وإذا علم العبد ~~أنه بمرأى من الحق هان عليه ما يقاسيه، ولا سيما إذا كان في الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة يس (36) : آية # 77] # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) # أي شددنا أسرهم، وجمعنا نشرهم، وسوينا أعضاءهم، وركببنا أجزاءهم، ~~وأودعناهم العقل والتمييز.. ثم إنه «خصيم مبين» : ينازعنا في خطابه، ويعترض ~~علينا في أحكامنا بزعمه واستصوابه، وكما قيل: # أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رمانى # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : الآيات 78 الى 81] # «2» # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم (78) قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ~~فإذا أنتم منه توقدون (80) أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن ~~يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (81) # مهد لهم سبيل الاستدلال، وقال إن الإعادة في معنى الإبداء، فأى إشكال بقي ~~في جواز الإعادة في الانتهاء؟ وإن الذي قدر على خلق النار في الأغصان ~~الرطبة من المرخ والعفار «3» قادر على خلق الحياة في الرمة البالية، ثم زاد ~~في البيان بأن قال: إن القدرة على مثل الشيء PageV03P225 # كالقدرة عليه لاستوائهما بكل وجه، وإنه يحيى النفوس بعد موتها في العرصة ~~كما يحى الإنسان من النطفة، والطير «1» من البيضة، ويحيى القلوب بالعرفان ~~لأهل الإيمان كما يميت نفوس أهل الكفر بالهوى والطغيان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : آية 82] # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) # «إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون» بخلقه وقدرته. وأخبرنا أنه تتعلق ~~بالمكون كلمته على ما يجب في صفته، وسيان عنده خلق الكثير في كثرته والقليل ~~في قلته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة يس (36) : آية 83] # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون (83) # أي بقدرته ظهور كل شىء: فلا يحدث شىء- قل أو كثر- إلا بإبداعه وإنشائه، ~~ولا يبقى منها شىء إلا بإبقائه، فمنه ظهور ما يحدث، وإليه مصير ما يخلق ~~PageV03P226 # سورة الصافات ms1014 # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» كلمة إذا استولت على ~~قلب أزالت عنه أولا من الدارين أربه، ثم ألزمت على وجه التبعية حربه، ثم ~~شرفت من حيث الهمة طلبه. # قوله جل ذكره: ### | سورة الصافات # (37) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا (3) إن إلهكم لواحد ~~(4) # افتتح الله هذه السورة بالقسم بالصافات، وهم الملائكة المصطفة في السماء ~~وفي الهواء، وفي أماكنهم على ما أمرهم الحق- سبحانه- من المكان يلازموته، ~~والأمر يعانقون يسبحونه ويقدسونه، وبما يأمرهم به يطيعونه. # «فالزاجرات زجرا» عطفهم على ما تقدم بحرف الفاء وهم الملائكة الذين ~~يزجرون السحاب. ويقال يزجرون الناس عن المعاصي. ويقال هي الخواطر الزاجرة ~~عن المناهي. # «فالتاليات ذكرا» يقال «الصافات» الطيور المصطفة في السماء، «فالتاليات ~~ذكرا» الملائكة يتلون كتاب الله، ويتلون الوحى على الأنبياء عليهم السلام. # «إن إلهكم لواحد» هذا هو المقسوم عليه. # أخبر أنه سبحانه واحد في ملكه، وذلك لأنهم تعجبوا أن يقوم الواحد بجميع ~~أحوال العالم. ومعنى كونه واحدا تفرده في حقه عن القسمة، وتقدسه في وجوده ~~عن الشبيه، وتنزهه فى # PageV03P227 # ملكه عن الشريك واحد في جلاله، واحد في استحقاق جماله، واحد في أفعاله، ~~واحد في كبريائه بنعت علائه، ووصف سنائه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الصافات (37) : آية # 5] # رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق (5) # مالك السماوات والأرض وما بينهما، وخالقهما، وأكساب العباد داخلة في هذا ~~«1» . # «ورب المشارق» مشارق النجوم والشمس والقمر، ومشارق القلوب بشموسها ~~وأقمارها ونجومها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 6 الى 7] # إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطان مارد (7) # زين السماء الدنيا بالنجوم، وقلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال، وحفظ ~~السماوات بأن جعل النجوم للشياطين رجوما، وكذلك زين القلوب بأنوار التوحيد، ~~فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : آية 10] # إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10) # كذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقى إليهم شيئا من وساوسه ~~تذكروا، فإذا هم مبصرون، ورجعوا.. قال تعالى: «إن الذين ms1015 اتقوا إذا مسهم ~~طائف من الشيطان تذكروا «2» » . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : آية 11] # فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (11) ~~PageV03P228 # عرفهم عجزهم عن الإثبات، وضعفهم في كل حال، ثم ذكرهم نسبتهم أنها إلى ~~الطين اللازب «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : آية 12] # بل عجبت ويسخرون (12) # حقيقة التعجب تغير النفس مما لم تجر العادة بحدوث مثله. وتقرأ «2» «عجبت» ~~بالفتح خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم- وبالضم فكأن الحق يقول ذلك من قبل ~~نفسه بل عجبت، ويقال ذلك بمعنى إكبار ذلك الشيء، إما في القدر، أو الإكثار ~~في الذم أو في المدح. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : آية 13] # وإذا ذكروا لا يذكرون (13) # إذا ذكروا بآياته يعرضون عن الإيمان بها والتفكر فيها، ويقولون: ليس هذا ~~الذي أتى به محمد إلا سحرا ظاهرا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 16 الى # 19] # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (16) أوآباؤنا الأولون (17) ~~قل نعم وأنتم داخرون (18) فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) # قالوا: أئذا متنا، تفرقت أجزاؤنا، وصرنا رميما.. أإنا لمبعوثون؟ أو ~~آباؤنا الأولون يبعثون كذلك؟ قالوه على جهة الاستبعاد فالمعرفة لهم مفقودة، ~~والبصائر لهم مسدودة، وقلوبهم عن التوحيد مصدودة. # «قل نعم وأنتم داخرون فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون» قل لهم يا ~~محمد نعم، وعلى وصف الصغر ما يبعثكم، وبزجرة واحدة يحشركم، بعد أن يقيم ~~القيامة على جميعكم. PageV03P229 ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 20 الى # 21] # وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين (20) هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ~~(21) # دعوا بالويل على أنفسهم! ويقال لهم: هذا يوم الفصل الذي كنتم تكذبون به، ~~وقد عاينتموه اليوم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 22 الى 27] # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون الله فاهدوهم ~~إلى صراط الجحيم (23) وقفوهم إنهم مسؤلون (24) ما لكم لا تناصرون (25) بل ~~هم اليوم مستسلمون (26) # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) # أراد بأزواجهم قرناءهم وأشكالهم ومن عمل مثل أعمالهم، ومن أعانهم على ~~ظلمهم بقليل أو كثير.. وكذلك في هذه ms1016 الطريقة: من أعان صاحب فترة في فترته، ~~أو صاحب زلة على زلته- كان مشاركا له في عقوبته، واستحقاق طرده وإهانته. # قوله: «وقفوهم إنهم مسؤلون» : مقام السؤال مقام صعب قوم يسألهم الملك ~~وقوم يسألهم الملك فالذين تسألهم الملائكة أقوام لهم أعمال صالحة تصلح ~~للعرض والكشف، وأقوام لهم أعمال لا تصلح للكشف، وهم قسمان: الخواص يسترهم ~~الحق عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة، وأقوام هم أرباب الزلات ~~يرحمهم الله فلا يفضحهم، ثم إنهم يكونون في بعض أحوالهم بنعت الهيبة، وفي ~~بعض أحوالهم بنعت البسط والقربة، وفي الخبر: «أن قوما يسترهم بيده ويقول ~~تذكر غدا ربك» وهؤلاء أصحاب الخصوص في التحقيق: فأما الأغيار والأجانب ~~والكفار فيقال لهم: «كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا» «1» ، فإذا قرءوا كتابهم ~~يقال لهم. من عمل هذا؟ وما جزاؤه؟ # فيقولون: جزاؤه النار. فيقال لهم: أدخلوها بحكمكم. # ثم يقال لهم في بعض أحوال استيلاء الفزع عليهم: PageV03P230 # ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ~~يورك بعضهم الذنب على بعض فهذا يتبرأ من صاحبه، وصاحبه يتبرأ منه، إلى أن ~~يحكم الله عليهم بالخزي والهوان، ويجمعهم في اللعن والإبعاد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 33 الى # 34] # فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (33) إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) # يشتركون في العذاب ولكن تتفاوت أنصباؤهم، كما أنهم يشتركون في الزلة ولكن ~~تختلف مقادير زلاتهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : آية 35] # إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) # احتجابهم بقلوبهم أوقعهم في وهدة عذابهم ذلك لأنهم استكبروا عن الإقرار ~~بربوبيته. # ولو عرفوه لافتخروا بعبوديته قال تعالى: «إن الذين عند ربك لا يستكبرون ~~عن عبادته» «1» ، وقال: ن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون» # «2» فإن من عرف الله فلا لذة له إلا في طاعته، قال قائلهم. # ويظهر في الهوى عز الموالي ... فيلزمنى له ذل العبيد # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 36 الى 38] # ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون (36) بل جاء بالحق وصدق ~~المرسلين (37) إنكم لذائقوا العذاب ms1017 الأليم (38) . PageV03P231 # لما لم يحتشموا من وصفه- سبحانه- بما لا يليق بحلاله لم يبالوا بما ~~أطلقوه من المثالب في وصف أنبيائه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 39 الى # 42] # وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) إلا عباد الله المخلصين (40) أولئك ~~لهم رزق معلوم (41) فواكه وهم مكرمون (42) # الاستثناء راجع إلى قوله: إنكم لذائقوا العذاب الأليم ويقال الإخلاص ~~إفراد الحق- سبحانه- بالعبودية، والذي يشوب عمله رياء فليس بمخلص. # ويقال: الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين، وفي الخبر: يا معاذ، ~~أخلص العمل يكفيك القليل منه. # ويقال: الإخلاص فقد رؤية الأشخاص «1» . # ويقال: هو أن يلاحظ محل الاختصاص. # ويقال: هو أن تنظر إلى نفسك بعين الانتقاص. # قوله جل ذكره: أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون لهم رزق معلوم ~~لأوقات معينة، وفي وقت الرسول عليه السلام من كان له رزق معلوم كان من جملة ~~المياسير، وهذه صفة أهل الجنة فلهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم ~~ولأسرارهم، فالأغنياء لهم رزق معلوم لأنفسهم «2» ، والفقراء «3» لهم رزق ~~معلوم لقلوبهم وأسرارهم. # فواكه وهم مكرمون: من ذلك ورود الرسول عليهم من قبل الله في كل وقت، ~~وكذلك اليوم الخطاب وارد من الله على قلوب الخواص في كل وقت بكل أمر. ~~PageV03P232 ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 43 الى # 46] # في جنات النعيم (43) على سرر متقابلين (44) يطاف عليهم بكأس من معين (45) ~~بيضاء لذة للشاربين (46) # يستأنس بعضهم برؤية بعض، ويستروح بعضهم إلى لقاء بعض. # «يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين» شراب يوجب لهم الطرب ولا ~~وحشة هناك، شرابا يحضرهم ولا يسكرهم، لأنه قال: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 47 الى 49] # لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (47) وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن ~~بيض مكنون (49) # فلا تغتال عقولهم، ولا تزيل حشمتهم، ولا ترفع عنهم هيبتهم فقوم يشربون ~~وهم بوصف الستر، وآخرون يسقون في الحضور- وهم على نعت القرب. # «وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون» لا ينظرن إلى غير الولي «1» ، ~~ثم الولي قد ينظر إليهن، وفيهم من لا ينظر إليهن: # جننا بليلى وهي جنت بغيرنا ... وأخرى بنا مجنونة لا نريدها # قوله ms1018 جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 50 الى 55] # فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) ~~يقول أإنك لمن المصدقين (52) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون ~~(53) قال هل أنتم مطلعون (54) # فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) # يتذاكرون فيما بينهم، ويذكرون من معارفهم من لا يؤمن بالله، وما آمن به ~~المؤمنون فيخلق الله لهم إطلاعا عليه وهم في النار يحترقون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 56 الى 57] # قال تالله إن كدت لتردين (56) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) ~~PageV03P233 # نطق الولي بالحق ولكنه لم يصرح يعين التوحيد إذ جعل الفضل واسطة، والأولى ~~أن يقول: ولولا ربى لكنت من المحضرين «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 60 الى 61] # إن هذا لهو الفوز العظيم (60) لمثل هذا فليعمل العاملون (61) # يقال: بل الملائكة يقولون لهم هذا، ويقال: الحق- سبحانه- إذا أراهم ~~مقامهم في الجنة يقول لهم: «لمثل هذا فليعمل العاملون» . # ويقال إن كان العابد يقول هذا، أو يقال له هذا إذا ظهرت الجنة فإنه إذا ~~بدت شظية من الحقائق وتباشير الوصلة، أو ذرة من نسيم القربة فبالحري أن ~~يقول القائلون: لمثل هذه الحالة تبذل الأرواح. # على مثل سلمى يقتل المرء نفسه ... وإن بات من سلمى على اليأس طاويا # وهاهنا تضيق العبارات، وتتقاصر الإشارات. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الصافات (37) : آية # 62] # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) # ذكر صفة هوان الأعداء، وما هم به من صفة المذلة والعذاب في النار من أكل ~~الضريع، ومن شراب الزقوم التي هي في قبح صورة الشياطين، ثم إن مرجعهم لإلى ~~الجحيم ... # إلى آخر القصة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 75 الى 76] # ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ~~PageV03P234 # لما أصابه من الأذى من قومه حين كذبوه، ولم يسمعوا منه ما كان يقول من ~~حديثنا.. # رجع إلينا، فخاطبنا وخاطبناه، وكلمنا وكلمناه، ونادانا فناديناه، وكان ~~لنا فكنا له، وأجابنا فأجبناه.. فلنعم المجيب كان لنا ولنعم المجيبون كنا ~~له! «من الكرب العظيم» : شتان بين كرب نوح وبين كرب ms1019 أهله! # وما يبكون مثل أخى ولكن ... أعزى النفس عنه بالتأسى # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : آية 77] # وجعلنا ذريته هم الباقين (77) # لأن الناس كلهم من أولاد نوح، فإن من كان معه في السفينة لم يتناسلوا «1» ### | [سورة الصافات (37) : آية 78] # وتركنا عليه في الآخرين (78) # يريد به قول الناس عنه إلى يوم القيامة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 83 الى # 84] # وإن من شيعته لإبراهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84) # يعنى أن إبراهيم من شيعة نوح عليه السلام في التوحيد- وإن اختلفا في فروع ~~شرعيهما. # «بقلب سليم» : لا آفة فيه. ويقال لديغ من المحبة. ويقال: سليم من محبة ~~الأغيار. ويقال سليم من حظوظ نفسه وإرادته. ويقال: مستسلم لله في قضائه ~~واختياره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 85 الى 87] # إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون (85) أإفكا آلهة دون الله تريدون (86) ~~فما ظنكم برب العالمين (87) # سألهم على جهة الإنكار عليهم، والتنبيه لهم على موضع غلطتهم. # «فما ظنكم برب العالمين؟» PageV03P235 # إذا لقيتموه- وقد عبدتم غيره.. فما الذي تقولون له؟ وكيف بكم في مقام ~~الخجلة مما بين أيديكم وإن كنتم اليوم- غافلين عنه؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 88 الى 89] # فنظر نظرة في النجوم (88) فقال إني سقيم (89) # قيل أراد «إلى» النجوم فأقام «في» مقام «إلى» «1» . # «إني سقيم» : كانت تأتيه الحمى في وقت معلوم، فقال: قرب الوقت الذي أسقم ~~فيه من أخذ الحمى إياى، فكأنه تعلل بذلك ليتأخر عنهم عند ذهابهم إلى عيدهم ~~لتمشية ما كان في نفسه من كسر الأصنام. # ويقال كان ذلك من جملة المعاريض. وقيل أرى من نفسه موافقة قولهم في القول ~~بالنجوم لأنهم كانوا يقولون بالنجوم، فتأخر بهذا السبب عنهم «2» . # وكان إبراهيم في زمان النبوة فلا يبعد أن الله- عز وجل- قد عرفه بطريق ~~الوحى أنه يخلق- سبحانه- باختياره أفعالا عند حركات الكواكب. # ثم لما ذهبوا إلى عيدهم كسر أصنامهم، فلما رجعوا قالوا ما قالوا، وأجابهم ~~بما أجابهم به إلى قوله: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 97 الى 98] # قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم (97) فأرادوا به كيدا فجعلناهم ~~الأسفلين (98) # رد ms1020 الله كيدهم إلى نحورهم. وقد تعرض له جبريل- عليه السلام- وهو في ~~PageV03P236 # الهواء وقد رمى من المنجنيق فعرض عليه نفسه قائلا: هل من حاجة؟ # فأجاب: أما إليك.. فلا! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الصافات (37) : آية # 99] # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) # يقال إنه طلب هداية مخصوصة لأنه كان صاحب هداية، إذ لو لم تكن له هداية ~~لما ذهب إلى ربه. ويحتمل أنه كان صاحب هداية في الحال وطلب الهداية في ~~الاستقبال أي زيادة في الهداية، ويقال طلب الهداية على كيفية مراعاة الأدب ~~في الحضور، ويقال طلب الهداية إلى نفسه لأنه فقد فيه قلبه ونفسه فقال ~~سيهدينى إلى لأقوم بحق عبوديته فإن المستهلك في حقائق الجمع لا يصح منه ~~أداء العبادة إلا بأن يرد إلى حالة التفرقة والتمييز. # ومعنى «إلى ربي» أي إلى المكان الذي يعبد فيه ربى. # ويقال أخبر عن إبراهيم أنه قال: «إني ذاهب إلى ربي» : فأخبر عن قوله. # وأخبر عن موسى فقال: «ولما جاء موسى لميقاتنا» ، فأخبر عن صفته لا عن ~~قوله.. # وقال في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم: «سبحان الذي أسرى بعبده ... » # [فأخبر عن ذاته سبحانه «1» ] وفصل بين هذه المقامات فإبراهيم كان بعين ~~الفرق، وموسى بعين الجمع ونبينا كان بعين جمع الجمع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 100 الى 101] # رب هب لي من الصالحين (100) فبشرناه بغلام حليم (101) # لما قال «حليم» نبه على أنه سيلقى من البلاء ما يحتاج إلى الحلم في ~~تحمله.. PageV03P237 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : آية 102] # فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ~~ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102) # «فلما بلغ معه السعي» إشارة إلى وقت توطين القلب على الولد، رأى إبراهيم- ~~عليه السلام- أنه يؤمر بذبح ابنه إسماعيل «1» ليلة التروية، وسميت كذلك ~~لأنه كان يروى فى ذلك طول يومه. هل هو حق أم لا «2» ؟. ثم إنه رأى في ~~الليلة التالية مثل ذلك فعرف أن رؤياه حق، فسمى يوم عرفة. # وكان إسماعيل ms1021 ابن ثلاث عشرة سنة، ويقال إنه رأى ذلك في النوم ثلاث مرات ~~«3» : # أن اذبح ابنك، فقال لإسماعيل: «يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ~~ماذا ترى؟» فقال إسماعيل: «يا أبت افعل ما تؤمر» : أي لا تحكم فيه بحكم ~~الرؤيا، فإنها قد تصيب وقد يكون لها تأويل، فإن كان هذا أمرا فافعل ~~بمقتضاه، وإن كان لها تأويل فتثبت «4» ، فقد يمكنك ذبح ابنك كل وقت ولكن لا ~~يمكنك تلافيه. # ويقال بل قال: أترك حديث الرؤيا واحمله على الأمر، واحمل الأمر على ~~الوجوب، ثم احمله على الفور ولا تقصر. # ويقال قال له: إن كان يطيب قلبك بأن تذبح ابنك لأجل الله فأنا يطيب قلبى ~~أن يذبحنى أبى لأجل الله. PageV03P238 # ويقال قال إسماعيل لأبيه: أنت خليل الله وتنام.. ألم تعلم أن الخليل إذا ~~نام عن خليله يؤمر بذبح ابنه؟ مالك يا أبت والنوم؟ # ويقال في القصة: إنه رآه ذات يوم راكبا على فرس أشهب فاستحسنه، ونظر إليه ~~قلبه، فأمر بذبحه، فلما أخرجه عن قلبه، واستسلم لذبحه ظهر الفداء، وقيل له ~~كان المقصود من هذا فراغ قلبك عنه. # ويقال في القصة: أمر إسماعيل أباه أن يشد يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسه ~~ألم الذبح فيعاتب، ثم لما هم بذبحه قال: افتح القيد عنى حتى لا يقال لى: ~~أمشدود اليد جئتنى؟ # وإنى لن أتحرك: # ولو بيد الحبيب سقيت سما ... لكان السم من يده يطيب # ويقال أيهما كان أشد بلاء؟ قيل: إسماعيل لأنه وجد الذبح من يد أبيه، ولم ~~يتعود من يده إلا التربية بالجميل، وكان البلاء عليه أشد لأنه لم يتوقع منه ~~ذلك. # ويقال بل كان إبراهيم أشد بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده ويعيش ~~بعده. # «ستجدني إن شاء الله من الصابرين» فلم يأت إسماعيل بالدعوى «1» بل تأدب ~~بلفظ الاستنشاء. # ويقال لو قال إسماعيل إما لا تقل: «يا بني» بهذه اللطافة، وإما لا تقل: ~~«أني أذبحك» فإن الجمع بينهما عجيب! قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 103 الى 107] # فلما أسلما وتله للجبين ms1022 (103) وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت ~~الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (105) إن هذا لهو البلاء المبين (106) ~~وفديناه بذبح عظيم (107) # قيل في التفاسير إنه كان يمر بالسكين على حلقه والسكين لا يقطع، فتعجب ~~ابراهيم، فنودى: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما. # ويقال إن الله ستر عليهما علم ما أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف ~~عنهما بعد مضى وقت المحنة لئلا يبطل معنى الابتلاء ... وهكذا يكون الأمر ~~عند البلاء تنسد الوجوه PageV03P239 # فى الحال وكذلك كانت حالة النبي صلى الله عليه وسلم في حال حديث الإفك، ~~وكذلك حالة أيوب عليه السلام وإنما يتبين الأمر بعد ظهور آخر المحنة ~~وزوالها، وإلا لم تكن حينئذ محنة [إلا أنه يكون في حال البلاء إسبال يولى ~~مع مخامرة المحنة] » # ولكن مع استعجام الحال واستبهامه، إذ لو كشف الأمر على صاحبه لم يكن ~~حينئذ بلاء قال تعالى: - «إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم» قيل ~~كان فداء الذبيح يربى في الجنة قبله بأربعين خريفا. # والناس فى «البلاء» على أقسام: فبلاء مستعصب وذلك صفة العوام، وبلاء ~~مستعذب وذلك صفة من يستعذبون بلاياهم، كأنهم لا ييأسون حتى إذا قتلوا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الصافات (37) : آية # 112] # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (112) # وكل هذا بعد البلاء قال تعالى: «إن مع العسر يسرا» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 114 الى 118] # ولقد مننا على موسى وهارون (114) ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ~~(115) ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (116) وآتيناهما الكتاب المستبين (117) ~~وهديناهما الصراط المستقيم (118) # من عليهما بالنبوة، وبالنجاة من فرعون وقومه، وبنصرته عليهم. # «وآتيناهما الكتاب المستبين» يعنى التوراة. # «وهديناهما الصراط المستقيم» بالتبري عن الحول والقوة، وشهود عين ~~التوحيد. # «وتركنا عليهما في الآخرين سلام على موسى وهارون» . # ثم قال جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : آية 123] # وإن إلياس لمن المرسلين (123) # «إلياس» : قيل هو إدريس، وقيل غيره، وكان بالشام، واسم صنمهم «بعل» ، ~~PageV03P240 # ومدينتهم بعلبك.. أنذر قومه فكذبوه، ووعظهم فما صدقوه، فأهلك قومه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الصافات (37) : آية # 133] # وإن لوطا لمن المرسلين (133) # مضت قصته وكيف ms1023 نجى أهله إلا امرأته التي شاركتهم في عصيانهم، فحق العذاب ~~عليها مثلما عليهم «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 139 الى 146] # وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) فساهم فكان ~~من المدحضين (141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فلولا أنه كان من المسبحين ~~(143) # للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) ~~وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) # فكان في أول أمره يطلب الاستعفاء من النبوة، ولكن لم يعف، ثم استقبله ما ~~استقبله، فلم يلبث حتى رأى نفسه في بطن الحوت في الظلمة: - «فالتقمه الحوت ~~وهو مليم» أي بما يلام عليه، والحق- سبحانه- منزه عن الحيف في حكمه إذ ~~الخلق خلقه، ثم الله راعى حق تعبده، وحفظ ذمام ما سلف له في أداء حقه فقال: ~~- «فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون» فإن كرم العهد ~~فينا من الإيمان، وهو منا من جملة الإحسان، «فالمؤمن قد أخذ من الله خلقا ~~حسنا» - بذلك ورد الخبر. # «فنبذناه بالعراء وهو سقيم» «سقيم» : فى ضعف من الحال لما أثر من كونه ~~قضى وقتا في بطن الحوت. # «وأنبتنا عليه شجرة من يقطين» لتظله، فإنه كان في الصحراء وشماع الشمس ~~كان يضره، وقيض له الله ظبية ذات ولد كانت تجيء فيرضع من لبنها، فكأن الحق ~~أعاده إلى حال الطفولية. ثم إنه رحمه، ورجع إلى قومه، فأكرموه وآمنوا به، ~~وكان الله قد كشف عنهم العذاب، لأنهم حينما خرج يونس من بينهم ندموا ~~وتضرعوا إلى الله لما رأوا أوائل العذاب قد أظلتهم، PageV03P241 # فكشف الله عنهم العذاب، وآمنوا بالله، وكانوا يقولون: لو رأينا يونس لو ~~قرناه، وعظمناه، فرجع يونس إليهم بعد نجاته من بطن الحوت، فاستقبله قومه، ~~وأدخلوه بلدهم مسكرما. # ويقال: الذنب والجرم كانا من قومه، فهم قد توعدوا بالعذاب. وأما يونس فلم ~~يكن قد أذنب ولا ألم بمحظور، وخرج من بينهم، وكشف الله العذاب عنهم، ~~وسلموا.. واستقبل يونس ما استقبله بل أنه قاسى اللتيا والتي بعد نجاته ويا ~~عجبا من سر تقديره! فقد جاء في القصة أن ms1024 الله سبحانه- أوحى إلى يونس بعد ~~نجاته أن قل لفلان الفخار حتى يكسر الجرار التي عملها في هذه السنة كلها! ~~فقال يونس: يا رب، إنه قطع مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمره بأن يكسرها كلها؟ # فقال له: يا يونس، يرق قلبك لخزاف يتلف عمل سنة.. وتريدنى أن أهلك مائة ~~ألف من عبادى؟! يا يونس، إنك لم تخلقهم، ولو خلقتهم لرحمتهم «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الصافات (37) : آية # 149] # فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) # لما قالوا في صفة الملائكة إنهم بنات الله بين الله قبح قولهم، فقال: ~~سلهم من أين قالوا؟ وبأى حجة حكموا بما زعموا؟ وأي شبهة داخلتهم. ثم إنهم ~~كانوا يستنكفون من البنات، ويؤثرون البنين عليهن.. ومع كفرهم وقبيح قولهم ~~وصفوا القديم- سبحانه- بما استنكفوا منه لأنفسهم! قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 161 الى 163] # فإنكم وما تعبدون (161) ما أنتم عليه بفاتنين (162) إلا من هو صال الجحيم ~~(163) . PageV03P242 # [أي ما أنتم بفاتنين من الناس إلا من أغويته بحكمي، فبه ضلوا لا بإضلالكم ~~«1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : آية 164] # وما منا إلا له مقام معلوم (164) # الملائكة لهم مقام معلوم لا يتخطون مقامهم، ولا يتعدون حدهم، والأولياء ~~لهم مقام] «2» مستور بينهم وبين الله لا يطلع عليه أحدا، والأنبياء لهم ~~مقام مشهور مؤيد بالمعجزات الظاهرة لأنهم للخلق قدوة فأمرهم على الشهر، ~~وأمر الأولياء على الستر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 171 الى # 173] # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن ~~جندنا لهم الغالبون (173) # أي سبقت كلمتنا لهم بالسعادة، وتقدم حكمنا لهم بالولاية والرعاية، فهم من ~~قبلنا منصورون: - «إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون» من نصره لا ~~يغلب، ومن قهره لا يغلب. # وجنده الذين نصبهم لنشر دينه، وأقامهم لنصر الحق وتبيينه ... من أراد ~~إذلالهم فعلى أذقانه يخر، وفي حبل هلاكه ينجر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 174 الى 177] # فتول عنهم حتى حين (174) وأبصرهم فسوف يبصرون (175) أفبعذابنا يستعجلون ~~(176) فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (177) # تول عنهم- يا محمد- إلى أن تنقضى آجالهم، وتنتهى أحوالهم. وانتظر انقضاء ms1025 ~~أيامهم، فإنه سينصرم حديثهم وشيكا: - «أفبعذابنا يستعجلون» . PageV03P243 # وإنما قال ذلك فيما كانوا يتمنون قيام الساعة، وكانوا يستعجلون ذلك لفرط ~~جهلهم، ثم لقلة تصديقهم. فإذا نزل العذاب بساحتهم، وأناخ البلاء بعقوتهم ~~فساء صباحهم. فتول عنهم فعن قريب سيحصل ما منه يحذرون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 180 الى 182] # سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على المرسلين (181) والحمد لله ~~رب العالمين (182) # «سبحان ربك» : تقديسا له، وسلام على أنبيائنا، «والحمد لله» : أي هو ~~المحمود على ما ساء أم سر، نفع أم ضر. # PageV03P244 ### | سورة ص # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # اسم عزيز اعترفت المعارف بالقصور عن إدراكه، اسم جليل تقنعت العلوم خجلا ~~من الطمع في إحاطته، اسم كريم صغرت الحوائج عند ساحات جوده، اسم رحيم تلاشت ~~قطرات زلات عباده في تلاطم أمواج رحمته. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ص (38) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # ص والقرآن ذي الذكر (1) # الصاد مفتاح اسمه الصادق والصبور والصمد والصانع.. أقسم بهذه الأشياء ~~وبالقرآن. # وجواب القسم: «إن ذلك لحق تخاصم أهل النار» . # ويقال: أقسم بصفاء مودة أحبابه والقرآن ذى الذكر أي: ذى الشرف.. وشرفه ~~أنه ليس بمخلوق «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 2] # بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) # فى صلابة ظاهرة، وعداوة بينة، وإعراض عن البحث للأدلة، والسر للشواهد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 3] # كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) # بادوا حين هجم البلاء مستغيثين، وقد فات وقت الإشكاء والإجابة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 4] # وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) # عجبوا أن جاءهم منذر منهم، ولم يعجبوا أن تكون المنحوتات آلهة، وهذه ~~مناقضة ظاهرة. فلما تحيروا في شأن أنبيائهم رموهم بالسحر، وقسموا فيهم ~~القول. PageV03P245 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ص (38) : آية # 5] # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (5) # لم تباشر خلاصة التوحيد قلوبهم، وبعدوا عن ذلك تجويزا، فضلا عن أن يكون ~~إثباتا وحكما، فلا عرفوا الإله ولا معنى الإلهية فإن الإلهية هي ms1026 القدرة على ~~الاختراع. وتقدير قادرين على الاختراع غير صحيح لما يجب من وجود التمانع ~~بينهما وجوازه، ثم إن ذلك يمنع من كمالهما، ولو لم يكونا كاملى الوصف لم ~~يكونا إلهين، وكل أمر جرى ثبوت سقوطه فهو مطروح باطل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 6] # وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد (6) # إذا تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمنون أولى بالصبر ~~على عبادة معبودهم والاستقامة في دينهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 7] # ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (7) # ركنوا إلى السوء والعادة، وما وجدوا عليه أسلافهم من الضلالة، واستناموا ~~إلى التقليد والهوادة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 8] # أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب (8) # أي لو استبصروا في دينهم لما أقدموا على ما أسرفوا فيه من جحودهم، ولولا ~~أنا أدمنا لهم العوافي لما تفرغوا إلى طغيانهم «1» . PageV03P246 ### | ### | [سورة ص (38) : آية # 9] # أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) # أي: هؤلاء الكفار الذين عارضوا أو نازعوا، وكذبوا واحتجوا.. أعندهم شىء ~~من هذه الأشياء؟ أم هل هم يقدرون على شىء من هذه الأشياء فيفعلوا ما ~~أرادوا، ويعطوا من شاءوا، أو يرتقوا إلى السماء فيأتوا بالوحى على من ~~أرادوا؟ ### | [سورة ص (38) : آية 11] # جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) # بل هم جند من الأحزاب المتحزبين. كلهم عجزة لا يقدرون على ذلك، مهزومون. # شبههم في بقائهم عن مرادهم بالمهزومين فإن هؤلاء الكفار ليس معهم حجة، ~~ولا لهم قوة، ولا لأصنامهم أيضا من النفع والضر مكنة، ولا في الرد والدفع ~~عن أنفسهم قدرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : الآيات 12 الى 13] # كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) وثمود وقوم لوط وأصحاب ~~الأيكة أولئك الأحزاب (13) # الآيات. # ذكر هؤلاء الأقوام في هذا الموضع على الجمع، وفي غير هذا الموضع على ~~الإفراد «1» ، وفي كل موضع فائدة زائدة في الفصاحة والإفادة بكل وجه. ثم ~~قال: ### | [سورة ص (38) : آية 14] # إن ms1027 كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) # أي ما كان منهم أحد إلا كذب الرسل فحقت العقوبة عليه، واستوجب العذاب. # ثم قال: ### | [سورة ص (38) : آية 15] # وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (15) # أي ليسوا ينتظرون إلا القيامة، وما هي إلا صيحة واحدة، وإذا قامت فإنها ~~لا تسكن. PageV03P247 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ص (38) : آية # 16] # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16) # اصبر- يا محمد- على ما يقولون، فإنه لن تطول مدتهم، ولن نمد- فى مقاساتك ~~أذاهم- لبثك ومكثك، وعن قريب سينزل الله نصره، ويصدق لك بالتحقيق وعده. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 17] # اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب (17) # «ذا الأيد» أي ذا القوة، ولم تكن قوته قوة نفس، وإنما كانت قوته قوة فعل ~~كان يصوم يوما ويفطر يوما- وهو أشد الصوم، وكان قويا في دين الله بنفسه ~~وقلبه وهمته. # «أواب» رجاع «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : الآيات 18 الى 19] # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير محشورة كل له ~~أواب (19) # «2» كان داود يسبح، والجبال تسبح، وكان داود يفهم تسبيح الجبال على وجه ~~تخصيص له بالكرامة والمعجزة. # وكذلك الطير كانت تجتمع له فتسبح الله، وداود كان يعرف تسبيح الطير وكل ~~من تحقق بحاله ساعده كل شىء كان بقربه، ويصير غير جنسه بحكمه، وفي معناه ~~أنشدوا: # رب ورقاء هتوف بالضحى ... ذات شجو صرخت في فنن # ذكرت إلفا ودهرا صالحا ... وبكت شوقا فهاجت حزنى # فبكائى ربما أرقها ... وبكاها ربما أرقنى # ولقد تشكو فما أفهمها ... ولقد أشكو فما تفهمنى # غير أنى بالجوى أعرفها ... وهي أيضا بالجوى تعرفنى PageV03P248 # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 20] # وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب (20) # أي قوينا ملكه بأنصاره، وفي التفسير: كان يحفظ ملكه كل ليلة ثلاثة ~~وثلاثون ألف رجل. # قوله جل ذكره: «وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب» . # أي شددنا ملكه بنصرنا له «1» ودفعنا البلاء عنه. # ويقال شددنا ملكه بالعدل في القضية، وحسن السيرة في الرعية. # ويقال شددنا ملكه بقبض أيدى الظلمة. # ويقال شددنا ms1028 ملكه بدعاء المستضعفين. # ويقال شددنا ملكه بأن رأى النصرة منا، وتبرأ من حوله وقوته. # ويقال بوزراء ناصحين كانوا يدلونه على ما فيه صلاح ملكه. # ويقال بتيقظه وحسن سياسته. ويقال بقبوله الحق من كل أحد. # ويقال برجوعه إلينا في عموم الأوقات. # «وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب» : أي أعطيناه الرشد والصواب، والفهم ~~والإصابة. # ويقال العلم بنفسه وكيفية سياسة أمته. # ويقال الثبات في الأمور والحكمة، وإحكام الرأى والتدبر. # ويقال صحبة الأبرار، ومجانبة الأشرار. # وأما «فصل الخطاب» فهو الحكم بالحق، وقيل: البينة على من ادعى واليمين ~~على من أنكر. ويقال: القضاء بين الخصوم. PageV03P249 # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : الآيات 21 الى 22] # وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم ~~قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا ~~إلى سواء الصراط (22) # .. الآيات أرسل الله إلى داود عليه السلام ملكين من السماء على صورة ~~رجلين فتحا كما إليه تنبيها له على ما كان منه من تزوجه بامرأة أوريا، وكان ~~ترك ذلك أولى- هذا على طريق من رأى تنزيه الأنبياء عليهم السلام من جميع ~~الذنوب. # وأما من جوز عليهم الصغائر فقال: هذا من جملته. وكنى الخصمان باسم النعجة ~~عن النساء. # وكان داود عليه السلام قال لله سبحانه وتعالى: إنى لأجد في التوراة أنك ~~أعطيت الأنبياء الرتب فأعطنيها، فقال: إنهم صبروا فيما ابتليتهم به، فوعد ~~داود من نفسه الصبر إذا ابتلاه طمعا في نيل الدرجات، فأخبر الله تعالى أنه ~~يبتليه يوم كذا، فجعل داود ذلك اليوم يوم عبادة، واختلى في بيته، وأمر ~~حراسه ألا يؤذيه أحد بالدخول عليه، وأغلق على نفسه الباب، وأخذ يصلى زمانا، ~~ويقرأ التوراة زمانا يتعبد. أغلق على نفسه الباب ولكن لم يمكنه غلق باب ~~السماء. وأمر حرسه أن يدفعوا عنه الناس وكانوا ثلاثين ألف رجل- ويقال أربعة ~~آلاف- ولكن لم يمكنهم أن يدفعوا عنه حكم القضاء، ولقد قال الحكماء: الهارب ~~مما هو كائن في كف الطالب يتقلب. # وكانت في البيت كوة يدخل منها الضوء، فدخل طير صغير ms1029 من الذهب، ووقع قريبا ~~منه، وكان لداود ابن صغير فهم أن يأخذه ليدفعه إلى ابنه «1» ، فتباعد عنه. ~~وجاء في التفاسير: # أنه كان إبليس، قد تصور له في صورة طير، فتبعه داود، ولم يزل الطائر ~~يتباعد قليلا قليلا، وداود يتبعه حتى خرج من الكوة، ونظر داود في إثره فوقع ~~بصره على امرأة أوريا وهي تغتسل متجردة، فعاد إلى قلبه منها شىء، فكان هذا ~~السبب. # ويقال لم يرع الاهتمام بسبب ولده حتى فعل به ما فعل، وفي ذلك لأولى ~~الأبصار عبرة «2» . PageV03P250 # ويقال لم يكن أوريا قد تزوج بها بعد، وقد كان خطبها، وأجابته في التزوج ~~به، فخطب داود على خطبته. وقيل بل كانت امرأته وسأله أن ينزل عنها، فنزل ~~على أمره وتزوجها. وقيل بل أرسل أوريا إلى قتال الأعداء فقتل وتزوج بها. ~~فلما تسور الخصمان عليه، وقيل دخلا من سور المحراب أي أعلاه ولذلك: - «ففزع ~~منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ~~واهدنا إلى سواء الصراط» نحن خصمان ظلم بعضنا بعضا، فاحكم بيننا بالعدل: ### | ### | [سورة ص (38) : آية # 23] # إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في ~~الخطاب (23) # «أكفلنيها» أي انزل عنها حتى أكفلها أنا، «وعزني في الخطاب» . أي غلبنى، ~~فقال داود: ### | [سورة ص (38) : آية 24] # قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم ~~على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) # فضحك أحدهما في وجه صاحبه، وصعد إلى السماء بين يديه، فعلم داود عند ذلك ~~أنه تنبيه له وعتاب فيما سلف منه، وظن واستيقن أنه جاءته الفتنة الموعودة: # أخذ في التضرع، وجاء في التفسير أنه سجد أربعين يوما لا يرفع رأسه من ~~السجود إلا (للصلاة) «1» المكتوبة عليه، وأخذ يبكى حتى نبت العشب من دموعه، ~~ولم يأكل ولم PageV03P251 # يشرب في تلك المدة، حتى أوحى الله إليه بالمغفرة، فقال: يا رب، فكيف ~~بحديث الخصم؟ # فقال: إنى ms1030 استوهبتك «1» منه، وقال تعالى: ### | ### | [سورة ص (38) : آية # 25] # فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (25) # إن له عندنا لقربة وحسن رجوع، وقيل: كان لا يشرب الماء إلا ممزوجا ~~بدموعه. # ويقال لما التجأ داود عليه السلام في أوائل البلاء إلى التوبة والبكاء ~~والتضرع والاستخذاء وجد المغفرة والتجاوز.. وهكذا من رجع في أوائل الشدائد ~~إلى الله فالله يكفيه مما ينوبه، وكذلك من صبر إلى حين طالت عليه المحنة. ~~ويقال إن زلة أسفك عليها يوصلك إلى ربك أجدى عليك من طاعة إعجابك بها يقصيك ~~عن ربك «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 26] # يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا ~~يوم الحساب (26) # «جعلناك خليفة» أي بعد من تقدمك من الأنبياء عليهم السلام. وقيل حاكما من ~~قبلى لتحكم بين عبادى بالحق، وأوصاه بألا يتبع في الحكم هواه تنبيها على أن ~~أعظم جنايات العبد وأقبح خطاياه متابعة الهوى. # ولما ذكر الله هذه القصة أعقبها بقوله: ### | [سورة ص (38) : آية 27] # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين ~~كفروا من النار (27) PageV03P252 # «باطلا» أي وأنا مبطل في خلقهما، بل كان لى ما فعلت وأنا فيه محق. # ويقال ما خلقتهما للبطلان بل لأمرهما بالحق. # ثم أخبر أنه لا يجعل المفسدين كالمحسنين قط، ثم قال: ### | [سورة ص (38) : آية 29] # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب (29) # «1» «مبارك» وهو القرآن، ومبارك أي كبير النفع، ويقال مبارك أي دائم باق ~~لا ينسخه كتاب من قولهم برك الطير على الماء. ويقال مبارك لمن آمن به وصدق. ~~ثم إنه بين أن البركة في تدبره والتفكر في معانيه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 30] # ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) # «نعم العبد» لأنه كان أوابا إلى الله، راجعا إليه في جميع الأحوال فى ~~النعمة بالشكر، وفي المحنة بالصبر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 31] # إذ ms1031 عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد (31) # «الصافنات» جمع صافنة وهي القائمة، وفي التفاسير هي التي تقوم على ثلاث ~~قوائم إذ ترفع إحدى اليدين على سنبكها «2» . وجاء في التفاسير أن سليمان ~~كان قد غزا أهل PageV03P253 # دمشق، وأصابها منهم «1» ، وقيل ورثها عن أبيه داود وكان قد أصابها من ~~العمالقة «2» ، وقيل كانت خيلا لها أجنحة خرجت من البحر «3» . # وفي بعض التفاسير عرض عليه عشرون ألف فرص فشغلته عن بعض أذكاره لله. # «بالعشي» : فى آخر النهار، وقيل كان ذلك صلاة العصر «4» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : الآيات 32 الى 33] # فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب (32) ردوها علي ~~فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) # قيل أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراما منه لها بعد أن فرغ من صلاته. # وقيل عرقبها (ليذبحها فحبسها بالعرقبة عن النفار) «5» ، وقيل وضع عليها ~~الكى فسبلها «6» . وإيش ما كان فكل ذلك كان جائزا في شرعه. # قوله جل ذكره: «فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب» ~~«7» . # أي لصقت بالأرض لحب المال. ويقال لما سبل هذه الأفراس عوضه «8» الله- ~~سبحانه- بأن سخر له الريح، وهذا أبلغ، وكل من ترك شيئا لله لم يخسر على ~~الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ص (38) : آية # 34] # ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) . PageV03P254 # اختلف الناس في هذه الفتنة ومنها أنه كانت له مائة امرأة فقال: لأطوفن ~~على هؤلاء فيولد من كل واحدة منهن غلام يقاتل في سبيل الله» «1» ولم يقل إن ~~شاء الله، ولم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق مولود، فألقته على كرسيه، ~~فاستغفر ربه من ترك الاستنشاء، وكان ذلك ترك ما هو الأولى. # وقيل كان له ابن، وخافت الشياطين أن يبقى بعد موت أبيه فيرثه، فهموا ~~بقتله، فاستودعه الريح في الهواء لئلا تصل إليه الشياطين، فمات الولد، ~~وألقته الريح على كرسيه ميتا. # فالفتنة كانت في خوفه من الشياطين وتسليمه إلى الهواء، وكان الأولى به ~~التوكل وترك الاستعانة بالريح. # وقيل في التفاسير: إنه تزوج بامرأة «2» كانت زوجة ملك قهره سليمان، ms1032 ~~وسباها، فقالت له: إن أذنت لى أن اتخذ تمثالا على صورة لأبى لأتسلى بنظري ~~إليه؟ فأذن لها، فكانت (تعظمه وتسجد له مع جواريها أربعين يوما) ، وكانت ~~تعبده سرا، فعوقب عليه «3» . # وقيل كان سبب بلائه أن امرأة كانت من أحب نسائه إليه، وكان إذا أراد دخول ~~الخلاء نزع خاتمه ودفعه إليها، وهي على باب الخلاء، فإذا خرج استرده. وجاء ~~يوما شيطان يقال له «صخر» على صورة سليمان وقال لامرأته: ادفعي إلي الخاتم ~~فدفعته، ولبسه، وقعد على كرسيه، يمشى أموره- إلا التصرف في نسائه- فقد منعه ~~الله عن ذلك. فلما خرج سليمان طالب المرأة بالخاتم، فقالت: الساعة دفعته ~~إليك. فظن أنه فتن، وكان إذا أخبر الناس أنه سليمان لا يصدقونه، فخرج ~~(هاربا إلى ساحل البحر) ، وأصابته شدائد، وحمل سمك الصيادين بأجرة حتى يجد ~~قوتا. # ولما اتهم (بنو إسرائيل) الشيطان (واستنكروا حكمه) نشروا التوراة بين ~~يديه، PageV03P255 # ففر ورمى بالخاتم في البحر، وطار في الهواء. ولما أذن الله رد ملك سليمان ~~إليه، ابتلعت سمكة خاتمه، ووقعت في حبال الصيادين، ودفعوها إلى سليمان في ~~أجرته، فلما شق بطنها ورأى خاتمه لبسه، وسجد له الملاحون، وعاد إلى سرير ~~ملكه «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ص (38) : آية # 35] # قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) # أي ملكا لا يسلبه أحد منى بعد هذا كما سلب منى في هذه المرة. # وقيل أراد انفراده به ليكون معجزة له على قومه. # وقيل أراد أنه لا ينبغى لأحد من بعدي أن يسأل الملك، بل يجب أن يكل أمره ~~إلى الله فى اختياره له. # ويقال لم يقصد الأنبياء، ولكن قال لا ينبغى من بعدي لأحد من الملوك. # وإنما سأل الملك لسياسة الناس، وإنصاف بعضهم من بعض، والقيام بحق الله، ~~ولم يسأله لأجل ميله إلى الدنيا.. وهو كقول يوسف: «اجعلني على خزائن الأرض ~~إني حفيظ عليم» «2» . # ويقال لم يطلب الملك الظاهر، وإنما أراد به أن يملك نفسه، فإن الملك- على ~~الحقيقة- من يملك نفسه، ومن ملك نفسه لم يتبع هواه. ms1033 # ويقال أراد به كل حاله في شهود ربه حتى لا يرى معه غيره. # ويقال سأل القناعة التي لا يبقى معها اختيار. # ويقال علم أن سر نبينا- صلى الله عليه وسلم- ألا يلاحظ الدنيا ولا ملكها ~~PageV03P256 # فقال: «لا ينبغي لأحد من بعدي» لا لأنه بخل به على نبينا صلى الله عليه ~~وسلم ولكن لعلمه أنه لا ينظر إلى ذلك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ص (38) : آية # 36] # فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) # شكر الله سعيه، وسخر له الريح بدلا من الأفراس فلا يحتاج في إمساكها إلى ~~العلف والمؤن. ### | [سورة ص (38) : الآيات 37 الى 39] # والشياطين كل بناء وغواص (37) وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) هذا عطاؤنا ~~فامنن أو أمسك بغير حساب (39) # كما سخرنا له الشياطين. # ثم قال: «هذا عطاؤنا..» أي فأعط أو أمسك، واحفظ وليس عليك حساب. # والمشي في الهواء للأولياء، وقطع المسافات البعيدة في مدة يسيرة مما يعلم ~~وجوده قطعا في هذه الأمة- وإن لم يعلمه الأفراد والآحاد على التعيين. ~~وإظهاره على خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لشرفه يدل على أن مقامه- صلى ~~الله عليه وسلم- أشرف «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 41] # واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب (41) # أي بما كان يوسوس إليه بتذكيره إياه ما كان به من البلية، وقيل لما كان ~~قال (أي الشيطان) لامرأته: اسجدي لى حتى أرد عليكم ما سلبتكم. # ويقال إن سبب ابتلائه أنه استعان به مظلوم فلم ينصره.. فابتلى. # ويقال استضاف الناس يوما فلما جاءه ابن فقير منعه من الدخول. PageV03P257 # ويقال كان يغزو ملكا كافرا، وكان لأيوب غنم في ولايته، فداهنه لأجل غنمه ~~فى القتال. # ويقال حسده إبليس، فقال: لئن سلطتنى عليه لم يشكر لك. # ويقال كان له سبع بنات وثلاثة بنين في مكتب واحد، فجر الشيطان الاسطوانة ~~فانهدم البيت عليهم. # ويقال لبث أيوب في البلاء ثمانى عشرة سنة، وقيل أربعين سنة، وقيل «1» سبع ~~سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 42] # اركض برجلك هذا مغتسل بارد ms1034 وشراب (42) # «2» لما أراد الله كشف البلاء عنه قال له: «اركض برجلك» ، فركض، فظهرت ~~عين ماء بارد فاغتسل به، فعاد إليه جماله وكماله. وقيل الأولى كانت عينا ~~حارة والثانية باردة، واغتسل، ورد الله لحمه وشعره وبشره، وأحيا أولاده ~~وأهله، وقيل بل يردهم إليه في الجنة فى الآخرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 44] # وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب ~~(44) # الضغث الحزمة من القضبان، وقيل كانت مائة، وأمر بأن يضرب بها دفعة على ~~امرأته لئلا يحنث في يمينه، فإنه كان قد حلف أن يضربها مائة خشبة إن صح ~~(أنها أخطأت) . فشكر PageV03P258 # الله لها لبراءة ساحتها، وصبرها على خدمته. وسبب يمينه أنه لما قال لها ~~إبليس: اسجدي لى أخبرت أيوب بذلك، فغاظه حيث سمعت من إبليس ذلك وظنت أنه ~~صادق. وقيل باعث ذوائبها برغيفين حملتهما إليه فتوهم في ذلك ريبة، وكان ~~أيوب يتعلق بذوائبها (إذا أراد القيام) . وقيل رابه شىء منها فحلف (أن ~~يضربها بعد شفائه) . # «إنا وجدناه صابرا..» : والصبر ألا تعترض على التقدير. # ويقال الصبر الوقوف تحت الحكم. ويقال التلذذ بالبلاء، واستعذابه دون ~~استصعابه. # ويقال الصبر الوقوف مع الله بحسن الأدب. # ولم ينف قوله «مسني الضر» اسم الصبر عنه لأن ذلك لم يكن على وجه الشكوى، ~~ولأنه كان مرة واحدة، وقد وقف الكثير من الوقت ولم يقل مسنى الضر فكان ~~الحكم للغالب. # «نعم العبد إنه أواب» لم يشغله البلاء عن المبلى. ونعم العبد لأنه خرج من ~~البلاء على الوجه الذي دخل فيه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : الآيات 45 الى 47] # واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (45) إنا ~~أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (47) # «أولي الأيدي» : أي القوة «1» . «والأبصار» أي البصائر. # «إنا أخلصناهم بخالصة» : أي بفضيلة خالصة وهي ذكر الجنة والنار، أو بدعاء ~~الناس إلى الجنة والهرب من النار. ويقال بسلامة القلب من ذكر الدارين فلا ~~يكون العمل على ملاحظة جزاء. ويقال تجردوا لنا بقلوبهم عن ذكرى الدار، ~~«وإنهم عندنا ms1035 لمن المصطفين الأخيار» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ص (38) : آية # 48] # واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48) PageV03P259 # «وذا الكفل» : قيل كان تكفل لله بعمل رجل صالح مات في وقته، وقيل كفل ~~مائة من بنى إسرائيل هربوا من أمير لهم ظالم، فكان ينفق عليهم. # ويقال كان اليسع وذو الكفل أخوين. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ص (38) : آية # 49] # هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب (49) # أي هذا القرآن فيه ذكر ما كان، وذكر الأنبياء والقصص. # ويقال إنه شرف لك لأنه معجزة تدل على صدقك، وإن للذين يتقون المعاصي لحسن ~~المنقلب. ### | [سورة ص (38) : الآيات 50 الى 52] # جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة ~~وشراب (51) وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) # أي إذا جاءوها لا يلحقهم ذل الحجاب، ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم ~~الملائكة بالترحاب «1» والتبجيل. متكئين فيها على أرائكهم، يدعون فيها ~~بفاكهة كثيرة وشراب على ما يشتهون، وعندهم حور عين قاصرات الطرف عن غير ~~أزواجهن، «أتراب» : لدات مستويات في الحسن والجمال والشكل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 53] # هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) # لشر مرجع ومنقلب وهي جهنم يدخلونها فيبقون معذبين فيها، وبئس المكان ذلك! ### | [سورة ص (38) : آية 57] # هذا فليذوقوه حميم وغساق (57) # «حميم» : هو الماء الحار، و «غساق» هو عصارة أهل النار «2» ، ويقال هو ~~زمهرير جهنم «3» . PageV03P260 ### | ### | [سورة ص (38) : آية # 58] # وآخر من شكله أزواج (58) # أي فنون أخرى من مثل ذلك العذاب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : الآيات 59 الى 61] # هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار (59) قالوا بل أنتم لا ~~مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60) قالوا ربنا من قدم لنا هذا ~~فزده عذابا ضعفا في النار (61) # هؤلاء قوم يقتحمون النار معكم وهم أتباعكم، ويقول الأتباع للمتبوعين: # لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا بأمركم فوافقناكم، ويقولون: ربنا من قدم ~~لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار فيقال لهم كلكم فيها، ولن يفتر العذاب ~~عنكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : الآيات 62 الى 63] # وقالوا ما لنا لا نرى رجالا ms1036 كنا نعدهم من الأشرار (62) أتخذناهم سخريا أم ~~زاغت عنهم الأبصار (63) # ؟. يقول الكفار عند ما يدخلون النار: ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم في ~~الدنيا من الأشرار والمستضعفين.. فلسنا نراهم هاهنا؟ أهم ليسوا هنا أم زاغت ~~عنهم أبصارنا؟ يقوله أبو جهل وأصحابه يعنون بلالا والمستضعفين، فيعرفون ~~بأنهم في الفردوس، فتزداد حسراتهم. ### | [سورة ص (38) : آية 64] # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) # أي إن مخاصمة أهل النار في النار لحق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 65] # قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (65) # قل يا محمد: إنما أنا منذر مخوف، مبلغ رسالة ربى، وما من إله إلا الله ~~الواحد الذي لا شريك له. ### | [سورة ص (38) : الآيات 67 الى 70] # قل هو نبأ عظيم (67) أنتم عنه معرضون (68) ما كان لي من علم بالملإ ~~الأعلى إذ يختصمون (69) إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين (70) # PageV03P261 # أي الذي أتيتكم به من الأخبار عن القيامة والحشر، والجنة والنار، وما ~~أخبرتكم به عن نبوتى وصدقى هو نبأ عظيم، وأنتم أعرضتم عنه. # وما كان لى من علم بالملأ الأعلى واختصامهم فيه لولا أن الله عرفنى، وإلا ~~ما كنت علمته. والملأ الأعلى قوم من الملائكة في السماء العليا، واختصامهم ~~كان في شأن آدم حيث قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها؟ # وقد ورد في الخبر: «أن جبريل سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا ~~الاختصام فقال: لا أدرى. فقال جبريل: فى الكفارات والدرجات فالكفارات إسباغ ~~الوضوء فى السبرات «1» ، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وأما الدرجات فإفشاء ~~السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام» «2» . وإنما اختلفوا ~~في بيان الأجر وكمية الفضيلة فيها- فيجتهدون ويقولون إن هذا أفضل من هذا، ~~ولكنهم في الأصل لا يجحدون. # .. وهذا إنما يوحى إلي وأنا منذر مبين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : آية 71] # إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) # إخباره الملائكة بذلك إنما يدل على تفخيم شأن آدم لأنه خلق ما خلق من ~~الكونين «3» ، PageV03P262 # والجنة والنار، والعرش والكرسي، والملائكة، ولم يقل في ms1037 صفة شىء منها ما ~~قال في صفة آدم وأولاده. ولم يأمر بالسجود لأحد ولا لشىء إلا لآدم، وسبحان ~~الله! خلق أعز خلقه من أذل شىء وأخسه وهو التراب والطين. ### | ### | [سورة ص (38) : الآيات 72 الى # 74] # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (72) فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون (73) إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (74) # روح آدم- وإن كانت مخلوقة- فلها شرف على الأرواح لإفرادها بالذكر، فلما ~~سوى خلق آدم، وركب فيه الروح جلله بأنوار التخصيص، فوقعت هيبته على ~~الملائكة، فسجدوا لأمره، وظهرت لإبليس شقاوته، ووقع- بامتناعه- فى اللعنة. ### | [سورة ص (38) : الآيات 75 الى 76] # قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين ~~(75) قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (76) # من هنا وقع في الغلط توهم أن التفضيل من حيث البنية والجوهرية، ولم يعلم ~~أن التفضيل من حيث القسمة دون الخلقة. # ويقال ما أودع الله- سبحانه- عند آدم لم يوجد عند غيره، ففيه ظهرت ~~الخصوصية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : الآيات 77 الى 78] # قال فاخرج منها فإنك رجيم (77) وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) # قال فاخرج من الجنة، ومن الصورة التي كنت فيها، ومن الحالة التي كنت ~~عليها، «فإنك رجيم» مرمي باللعن منى، وبالشهب من السماء، وبالرجوم من قلوب ~~الأولياء إن تعرضت لهم. # PageV03P263 # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : الآيات 79 الى 81] # قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) قال فإنك من المنظرين (80) إلى يوم ~~الوقت المعلوم (81) # من كمال شقاوته أنه جرى على لسانه «1» ، وتعلقت إرادته بسؤال إنظاره، ~~فازداد إلى القيامة في سبب عقوبته، فأنظره الله، وأجابه، لأنه بلسانه سأل ~~تمام شقاوته. ### | [سورة ص (38) : الآيات 82 الى 83] # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين (83) # ولو عرف عزته لما أقسم بها على مخالفته. # ويقال تجاسره في مخاطبة الحق- حيث أصر على الخلاف وأقسم عليه- أقبح وأولى ~~فى استحقاق اللعنة من امتناعه للسجود لآدم «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة ص (38) : الآيات 84 الى 86] # قال فالحق والحق أقول (84) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ms1038 (85) ~~قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (86) # وختم الله سبحانه السورة بخطابه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: ### | [سورة ص (38) : الآيات 87 الى 88] # إن هو إلا ذكر للعالمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين (88) PageV03P264 # ما جئتكم من حيث أنا «1» ، ولا باختياري، وإنما أرسلت إليكم. # «إن هو إلا ذكر للعالمين» يعنى القرآن، عظة لكم. # «ولتعلمن نبأه بعد حين» وعلم صدقه بعد ما استمرت شريعته، فإن مثل ذلك إذا ~~كان باطلا لا يدوم «2» . PageV03P265 ### | سورة الزمر # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» بسم الله كلمة سماعها يوجب ~~للقلوب شفاءها، وللأرواح ضياءها، وللأسرار سناءها وعلاءها. # كلمة من سمعها بسمع العلم ازداد بصيرة على بصيرة، ثم بلطائف من التعريف ~~غير محصورة. # ومن سمعها بسمع الوجد ظلت ألبابه مبهورة، وأسراره بقهر الكشوفات منشورة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) # أي هذا كتاب عزيز نزل من رب عزيز على عبد عزيز بلسان ملك عزيز في شأن أمة ~~عزيزة بأمر عزيز. وفي ورود الرسول به من الحبيب الأول نزهة لقلوب الأحباب ~~بعد ذبول غصن سرورها، وارتياح عند قراءة فصولها. # وكتاب موسى في الألواح التي كان منها يقرأ موسى، وكتاب نبينا صلى الله ~~عليه وسلم نزل به الروح الأمين على قلب المصطفى صلوات الله عليه.. وفصل بين ~~من يكون كتاب ربه مكتوبا في ألواحه، وبين من يكون خطاب ربه محفوظا في قلبه، ~~وكذلك أمته، قال تعالى: # «بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم «1» » . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 2] # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2) # أي أنزلنا عليك القرآن بالدين الحق والشرع الحق، وأنا محق في إنزاله. ~~PageV03P266 # والعبادة الخالصة معانقة الأمر على غاية الخشوع. وتكون بالنفس والقلب ~~والروح فالتى بالنفس فالإخلاص فيها التباعد عن الانتقاص، والتي بالقلب ~~فالإخلاص فيها العمى عن رؤية الأشخاص، والتي بالروح فالإخلاص فيها التنقى ~~عن طلب الاختصاص «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 3] # ألا لله ms1039 الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله ~~لا يهدي من هو كاذب كفار (3) # الدين الخالص ما تكون جملته لله فما للعبد فيه نصيب فهو من الإخلاص بعيد، ~~اللهم أن يكون بأمره فإنه إذا أمر العبد أن يحتسب الأجر على طاعته فإطاعته ~~لا تخرجه عن الإخلاص باحتسابه ما أمره به، ولولا هذا لما صح أن يكون في ~~العالم مخلص. # «والذين اتخذوا من دونه أولياء ... » أي الذين عبدوا الأصنام قالوا: «ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» ، ولم يقولوا هذا من قبل الله ولا ~~بأمره ولا بإذنه، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم، فرد الله عليهم. وفي هذا ~~إشارة إلى أن ما يفعله العبد من القرب بنشاط نفسه من غير أن يقتضيه حكم ~~الوقت، وما يعقد بينه وبين الله من عقود ثم لا يفى بها.. فكل ذلك اتباع ~~هوى، قال تعالى: «ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان ~~الله فما رعوها حق رعايتها «2» » . # قوله جل ذكره: إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار لا تهديهم اليوم لدينه، ~~ولا في الآخرة إلى ثوابه. والإشارة فيه إلى تهديد من يتعرض لغير مقامه، ~~ويدعى شيئا ليس بصادق فيه، فالله لا يهديه قط إلى ما فيه سداده ورشده. # وعقوبته أن يحرمه ذلك الشيء الذي تصدى له بدعواه قبل تحققه بوجوده وذوقه. ~~PageV03P267 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 4] # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله ~~الواحد القهار (4) # خاطبهم على قدر عقولهم وعقائدهم حيث قالوا: المسيح ابن الله، وعزيز ولد ~~الله فقال: # لو أراد أن يتخذ ولدا للتبنى والكرامة لاختار من الملائكة الذين هم ~~منزهون عن الأكل والشرب وأوصاف الخلق. # ثم أخبر عن تقدسه عن ذلك فقال: «سبحانه هو الله الواحد القهار» تنزيها له ~~عن اتخاذ الأولاد.. لا في الحقيقة لاستحالة معناه في نعته، ولا بالتبنى ~~لتقدسه عن الجنسية والمحالات، ms1040 وإنما يذكر ذلك على جهة استبعاد إذ لو كان ~~ذلك فكيف كان يكون حكمه؟ كقوله تعالى: «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ~~«1» » . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 5] # خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار (5) # أي خلقهما وهو محق في خلقهما. # يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري ~~لأجل مسمى يدخل الليل على النهار، ويدخل النهار على الليل في الزيادة ~~والنقصان، وسخر الشمس والقمر. وقد مضى فيما تقدم اختلاف أحوال العبد في ~~القبض والبسط، والجمع والفرق، والأخذ والرد، والصحو والسكر، ونجوم العقل ~~وأقمار العلم، وشموس المعرفة ونهار التوحيد، وليالى الشك والجحد ونهار ~~الوصل، وليالى الهجر والفراق وكيفية اختلافها، وزيادتها ونقصانها. # ألا هو العزيز الغفار «العزيز» المتعزز على المحبين، «الغفار» للمذنبين. ~~PageV03P268 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 6] # خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ~~يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له ~~الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) # «من نفس واحدة وخلق منها زوجها» يعنى آدم وحواء. # «وأنزل لكم من الأنعام» أي خلق لكم، «ثمانية أزواج» فمن الإبل اثنين، ومن ~~البقر اثنين، ومن الضأن اثنين، ومن المواشي اثنين. # «يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق» : أي يصوركم، ويركب أحوالكم. # «في ظلمات ثلاث» : ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة «1» . ذكرهم ~~نسبتهم لئلا يعجبوا بأحوالهم. # ويقال بين آثار أفعاله الحكيمة في كيفية خلقتك- من قطرتين- أمشاجا ~~متشاكلة الأجزاء، مختلفة الصور في الأعضاء، سخر بعضها محال للصفات الحميدة ~~كالعلم والقدرة والحياة.. وغير ذلك من أحوال القلوب، وسخر بعضها محال ~~للحواس كالسمع والبصر والشم وغيرها. # ويقال هذه كلها نعم أنعم الله بها علينا فذكرنا بها- والنفوس مجبولة، ~~وكذلك القلوب على حب من أحسن إليها- استجلابا لمحبتنا له. # «ذلكم الله ربكم ... » «2» أي إن الذي أحسن إليكم بجميع هذه الوجوه هو ms1041 ~~ربكم. PageV03P269 # أي: أنا خلقتكم وأنا رزقتكم وأنا صورتكم فأحسنت صوركم، وأنا الذي أسبغت ~~عليكم إنعامى، وخصعتكم بجميل إكرامى، وأغرقتكم في بحار أفضالى، وعرفتكم ~~استحقاق جمالى وجلالى، وهديتم إلى توحيدى، وألزمتكم رعاية حدودى ... فما ~~لكم لا تنقطعون بالكلية إلي؟ ولا ترجون ما وعدتكم لدي؟ وما لكم في الوقت ~~بقلوبكم لا تنظرون إلي؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 7] # إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه ~~عليم بذات الصدور (7) # إن أعرضتم وأبيتم، وفي جحودكم تماديتم.. فما نفتقر إليكم إذ نحن أغنياء ~~عنكم، ولكنى لا أرضى لكم أن تبقوا عنى! يا مسكين ... أنت إن لم تكن لى فأنا ~~عنك غني، وأنا إن لم أكن لك فمن تكون أنت؟ ومن يكون لك؟ من الذي يحسن إليك؟ ~~من الذي ينظر إليك؟ من الذي يرحمك؟ # من الذي ينثر التراب على جراحك؟ # من الذي يهتم بشأنك؟ بمن تسلو إذا بقيت عنى؟ من الذي يبيعك رغيفا بمثاقيل ~~ذهب؟!. # عبدى.. أنا لا أرضى ألا تكون لى وأنت ترضى بألا تكون لى! يا قليل الوفاء، ~~يا كثير التجنى! إن أطعتنى شكرتك، وإن ذكرتنى ذكرتك، وإن خطوت لأجلى خطوة ~~ملأت السماوات والأرضين من شكرك: # لو علمنا أن الزيارة حق ... لفرشنا الخدود أرضا لترضى # PageV03P270 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 8] # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان ~~يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك ~~من أصحاب النار (8) # إذا مسه ضر خشع وخضع، وإلى قربه فزع، وتملق بين يديه وتضرع. فإذا أزال ~~عنه ضره، وكفاه أمره، وأصلح شغله نسى ما كان يدعو إليه من قبل، وجعل لله ~~أندادا، فيعود إلى رأس كفرانه، وينهمك في كبائر عصيانه، ويشرك بمعبوده. هذه ~~صفته ... فسحقا له وبعدا، ولسوف يلقى عذابا وخزيا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية ms1042 9] # أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب (9) # «1» «قانتا» : القنوت هو القيام، وقيل طول القيام. والمراد هو الذي يقوم ~~بحقوق الطاعة أوقات الليل والنهار أي في جميع الأوقات. # والهمزة للاستفهام أي أمن هو قانت كمن ليس بقانت؟ أمن هو قانت كالكافر ~~الذي جرى ذكره؟ أي ليس كذلك. # ويقال القنوت القيام بآداب الخدمة ظاهرا وباطنا من غير فتور ولا تقصير. ~~«يحذر» العذاب الموعود في الآخرة، «ويرجوا» الثواب الموعود. وأراد بالحذر ~~الخوف. # قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ~~PageV03P271 # أي هل يستويان؟ هذا في أعلى الفضائل وهذا في سوء الرذائل! «الذين يعلمون» ~~: العلم فى وصف المخلوق على ضربين: مجلوب مكتسب للعبد، وموهوب من قبل الرب. ~~ويقال مصنوع وموضوع. ويقال علم برهان وعلم بيان فالعلوم الدينية كلها ~~برهانية إلا ما يحصل بشرط الإلهام. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 10] # قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض ~~الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10) # أطيعوه واحذروا مخالفة أمره. «للذين أحسنوا في هذه الدنيا» بأداء ~~الطاعات، (والإحسان هو الإتيان بجميع وجوه الإمكان) «1» . # «وأرض الله واسعة» : أي لا تتعللوا بأذى الأعداء إن نبا بكم منزل فتعللكم ~~بمعاداة قوم ومنعهم إياكم- لا يسمع، فأرض الله واسعة، فاخرجوا منها إلى ~~موضع آخر تتم لكم فيه عبادتكم «2» . # «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» . والصبر حبس النفس على ما تكرهه. # ويقال هو تجرع كاسات التقدير من غير استكراه ولا تعبيس. # ويقال هو التهدف «3» لسهام البلاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 11 الى 12] # قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين (12) PageV03P272 # مضى القول في معنى الإخلاص. وفي الخبر: إن الله يقول: «الإخلاص سر بين ~~الله وعبده» «1» . # ويقال الإخلاص لا يفسده الشيطان، ولا يطلع علية الملكان. # «أمرت أن أعبد الله..» أمرت لأن أكون أول المسلمين في ms1043 وقتى وفي شرعى. ~~والإسلام الانقياد لله بكل وجه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 13] # قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13) # أخاف أصناف العذاب التي تحصل في ذلك اليوم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 14 الى 15] # قل الله أعبد مخلصا له ديني (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين ~~الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) # هذا غاية الزجر والتهديد، ثم بين أن ذلك غاية الخسران، وهو الخزي ~~والهوان. والخاسر- على الحقيقة- من خسر دنياه بمتابعة الهوى، وخسر عقباه ~~بارتكابه ما الرب عنه نهى، وخسر مولاه فلم يستح منه فيما رأى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 16] # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد ~~فاتقون (16) # أحاط بهم سرادقها فهم لا يخرجون منها، ولا يفترون عنها. كما أنهم اليوم ~~في جهنم PageV03P273 # عقائدهم يستديم حجابهم، ولا ينقطع عنهم عقابهم «1» . # «ذلك يخوف الله به عباده ... » إن خفت اليوم كفيت خوف ذلك اليوم وإلا ~~فبين يديك عقبة كوود. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 17] # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر ~~عباد (17) # «2» طاغوت كل إنسان نفسه وإنما يجتنب الطاغوت من خالف هواه، وعانق رضا ~~مولاه. # وعبادة النفس بموافقة الهوى- وقليل من لا يعبد هواه، ويجتنب حديث النفس. # «وأنابوا إلى الله» : أي رجعوا إليه في كل شىء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 18] # الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم ~~أولوا الألباب (18) # «3» «يستمعون القول» يقتضى أن يكون الاستماع لكل شىء، ولكن الاتباع يكون ~~للأحسن. «أحسنه» : وفيه قولان أحدهما أن يكون بمعنى الحسن ولا تكون الهمزة ~~للمبالغة، كما يقال ملك أعز أي عزيز. والثاني: والأحسن على المبالغة، ~~والحسن ما كان مأذونا فيه في صفة الخلق ويعلم ذلك بشهادة العلم «4» ، ~~والأحسن هو الأولى والأصوب. ويقال الأحسن ما كان لله دون غيره، ويقال ~~الأحسن هو ذكر الله خالصا له. ويقال من عرف الله لا ms1044 يسمع إلا بالله. ~~PageV03P274 # ويقال إن للعبد دواعى من باطنه هي هواجس النفس ووساوس الشيطان وخواطر ~~الملك وخطاب الحق يلقى في الروع فوساوس الشيطان تدعو إلى المعاصي، وهواجس ~~النفس تدعو إلى ثبوت الأشياء من النفس وأن لها في شىء نصيبا، وخواطر الملك ~~تدعو إلى الطاعات والقرب، وخطاب الحق في حقائق التوحيد. # «أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب» : - أولئك الذين هداهم ~~الله لتوحيده، وأولئك الذين عقولهم غير معقولة «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 19] # أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار (19) # ؟ الذين حقت عليهم كلمة العذاب فريقان: فريق حقت عليهم كلمة بعذابهم في ~~النار، وفريق حقت عليهم كلمة العذاب بالحجاب اليوم، فهم اليوم لا يخرجون عن ~~حجاب قلوبهم، ولا يكون لهم بهذه الطريقة إيمان- وإن كانوا من أهل الإيمان» ~~. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 20] # لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار ~~وعد الله لا يخلف الله الميعاد (20) # وعد المطيعين بالجنة- ولا محالة لا يخلف، ووعد التائبين بالمغفرة- ولا ~~محالة يغفر لهم، ووعد المريدين بالوجود والوصول- وإذا لم تقع لهم فترة فلا ~~محالة مصدق وعده. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 21] # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به ~~زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى ~~لأولي الألباب (21) PageV03P275 # أخبر أنه ينزل من السماء المطر فيخرج به الزرع فيخضر، ثم يأخذ في الجفاف، ~~ثم يصير هشيما ... والإشارة من هذا إلى الإنسان، يكون طفلا ثم شابا ثم كهلا ~~ثم شيخا ثم يصير إلى أرذل العمر ثم في آخره يخترم. # ويقال إن الزرع ما لم يأخذ في الجفاف لا يؤخذ منه الحب، فالحب هو المقصود ~~منه.. # كذلك الإنسان ما لم يحصل من نفسه وصول لا يكون له قدر ولا قيمة. # ويقال إن كون المؤمن بقوة عقله يوجب استفادة له بعلمه إلى أن يبدو منه ~~كمال يمكن من أنوار بصيرته، ثم إذا بدت ms1045 لائحة من سلطان المعارف تصير تلك ~~الأنوار مغمورة. فإذا بدت أنوار التوحيد استهلكت تلك الجملة، قالوا: # فلما استبان الصبح أدرج «1» ضوءه ... بأنواره أنوار تلك الكواكب # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 22] # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ~~ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22) # جواب هذا الخطاب محذوف ... أي أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن ليس كذلك؟ # لما نزلت هذه الآية سئل الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن الشرح المذكور ~~فيها، فقال: «ذلك نور يقذف فى القلب، فقيل: وهل لذلك أمارة؟ PageV03P276 # قال: نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد ~~للموت قبل نزوله «1» » . # والنور الذي من قبله- سبحانه- نور اللوائح بنجوم العلم، ثم نور اللوامع ~~ببيان الفهم، ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين، ثم نور المكاشفة بتجلى ~~الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور الذات، ثم أنوار الصمدية بحقائق التوحيد.. ~~وعند ذلك فلا وجد ولا فقد «2» ، ولا قرب «3» ولا بعد ... كلا بل هو الله ~~الواحد القهار «4» . # «فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين» «5» : أي الصلبة ~~قلوبهم، لم تقرعها خواطر التعريف فبقيت على نكرة الجحد.. أولئك في الضلالة ~~الباقية، والجهالة الدائمة.. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 23] # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ~~ومن يضلل الله فما له من هاد (23) # «6» PageV03P277 # «أحسن الحديث» لأنه غير مخلوق «1» «كتابا متشابها» فى الإعجاز والبلاغة. # «مثاني» : يثنى فيها الحكم ولا يمل بتكرار القراءة، ويشتمل على نوعين: # الثناء عليه بذكر سلطانه وإحسانه، وصفات الجنة والنار والوعد والوعيد. # «تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم» إذا سمعوا آيات الوعيد. # «ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله» إذا سمعوا آيات الوعد. # ويقال: تقشعر وتلين بالخوف والرجاء، ويقال بالقبض والبسط، ويقال بالهيبة ~~والأنس، ويقال بالتجلى والاستتار «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 24] # أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما ms1046 كنتم ~~تكسبون (24) # أي فمن يتقى بوجهه سوء العذاب كمن ليس كذلك؟ وقيل إن الكافر يلقى النار ~~أول ما يلقاها بوجهه لأنه يرمى فيها منكوسا. فأما المؤمن فيوقى ذلك وإنما ~~يلقى النضرة والسرور والكرامة فوجهه ضاحك مستبشر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 25] # كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) . PageV03P278 # أشد العذاب ما يكون بغتة، كما أن أتم السرور ما يكون فلتة. # ومن الهجران والفراق ما يكون بغتة غير متوقع، وهو أنكى للفؤاد وأشد وأوجع ~~تأثيرا في القلب، وفي معناه قلنا: # فبت بخير والدنى مطمئنة ... وأصبحت يوما والزمان تقلبا # وأتم السرور وأعظمه تأثيرا ما يكون فجأة، قال قائلهم: # بينما خاطر المنى بالتلاقى ... سابح في فؤاده وفؤادى # جمع الله بيننا فالتقينا هكذا صدفة بلا ميعاد قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 27 الى # 28] # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرآنا ~~عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28) # أي أوضحنا لهم الآيات، ووقفناهم على حقائق الأشياء. # «غير ذي عوج» : فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 29] # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) # مثل الكافر ومعبوديه يعبد اشترك فيه متنازعون. # «فيه شركاء متشاكسون» : فالصنم يدعى فيه قوم وقوم آخرون فهذا يقول: # أنا صنعته، وذلك يقول: أنا استعملته، وثالث يقول: أنا عبدته. # PageV03P279 # أما المؤمن فهو خالص لله عز وجل، يشبه «عبدا سلما لرجل» أي ذا سلامة من ~~التنازع والاختلاف. # ويقال «رجلا فيه شركاء متشاكسون» تتجاذبه أشغال الدنيا، شغل الولد وشغل ~~العيال، وغير ذلك من الأشغال المختلفة والخواطر المشتتة. # أما المؤمن فهو خالص لله ليس لأحد فيه نصيب ولا للدنيا معه سبب إذ ليس ~~منها شىء، ولا للرضوان معه شغل «1» ، إذ ليس له طاعات يدل بها، وعلى الجملة ~~فهو خالص لله، قال تعالى لموسى: «واصطنعتك لنفسي» «2» أي أبقيتك لى حتى لا ~~تصلح لغيرى. # «الحمد لله بل أكثرهم ms1047 لا يعلمون» : الثناء له، وهو مستحق لصفات الجلال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 30 الى 31] # إنك ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون (31) # نعاه- عليه السلام- إليه. ونعى المسلمين إليهم ففزعوا بأجمعهم من ماثمهم ~~«3» ، ولا تعزية في العادة بعد ثلاث. ومن لم يتفرغ من مآثم نفسه وأنواع ~~همومه، فليس له من هذا الحديث «4» شمة، فإذا فرغ قلبه من حديث نفسه، وعن ~~الكون بجملته فحينئذ يجد الخير من ربه، وليس هذا الحديث إلا بعد فنائهم ~~عنهم، وأنشد بعضهم: PageV03P280 # كتابى إليكم بعد موتى بليلة ... ولم أدر أنى بعد موتى أكتب # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 32] # فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين (32) # الإشارة فيه إلى من أشار إلى أشياء لم يبلغها، وادعى وجود أشياء لم يذق ~~شيئا منها، قال تعالى: «ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم ~~مسودة «1» » . # ويقال: لا بل هؤلاء هم الكفار، وأما المدعى الذي لم يبلغ ما يدعيه فليس ~~يكذب على ربه إنما يكذب على نفسه حيث ادعى لها أحوالا لم يذقها ولم يجدها، ~~فأما غير المتحقق الذي يكذب على الله فهو الجاحد والمبتدع الذي يقول في صفة ~~الحق- سبحانه- ما يتقدس ويتعالى عنه «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 33 الى 34] # والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) لهم ما يشاؤن عند ربهم ~~ذلك جزاء المحسنين (34) # الذي جاء بالصدق في أفعاله من حيث الإخلاص، وفي أحواله من حيث الصدق، وفي ~~أسراره من حيث الحقيقة. # «ذلك جزاء المحسنين» : الإحسان- كما جاء في الخبر- أن تعبد الله كأنك ~~تراه. # فمن كانت- اليوم- مشاهدته على الدوام كانت رؤيته غدا على الدوام، ومن لا ~~فلا «3» . PageV03P281 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 35] # ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون ~~(35) # من لا يكون مؤمنا فليس من أهل هذه الجملة. ومن كان معه إيمان: فإذا كفر ~~عنه أسوأ ما عمله فأسوأ أعماله كبائره فإن غفرت يجزهم بأحسن أعمالهم. وأحسن ~~أعمال المؤمن الإيمان ms1048 والمعرفة، فإن كان الإيمان مؤقتا كان ثوابه مؤقتا، ~~وإن كان الإيمان على الدوام فثوابه على الدوام. ثم أحسن الأعمال عليها أحسن ~~الثواب، وأحسن الثواب الرؤية فيجب أن تكون على الدوام «1» - وهذا استدلال ~~قوى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 36 الى # 37] # أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من ~~هاد (36) ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37) # استفهام والمراد منه التقرير فالله كاف عبده اليوم في عرفانه بتصحيح ~~إيمانه ومنع الشرك عنه، وغدا في غفرانه بتأخير العذاب عنه، وما بينهما ~~فكفايته تامة وسلامته عامة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 38] # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من ~~دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ~~ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) # قرر عليهم علو صفاته، وما هو عليه من استحقاق جلاله فأقروا بذلك، ثم ~~طالبهم بذكر صفات الأصنام التي عبدوها من دونه، فلم يمكنهم في وصفها إلا ~~بالجمادية، والبعد عن الحياة والعلم والقدرة والتمكن من الخلق، فيقول: كيف ~~أشركتم به هذه الأشياء؟ وهلا استحييتم من إطلاق أمثال ذلك في صفته؟. ~~PageV03P282 # قل- يا محمد- حسبى الله، عليه يتوكل المتوكلون كافي الله المتفرد ~~بالجلال، القادر على ما يشاء، المتفضل علي بما يشاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 39 الى 40] # قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون (39) من يأتيه عذاب ~~يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40) # سوف ينكشف ربحنا وخسرانكم، وسوف تظهر زيادتنا ونقصانكم، وسوف نطالبكم فلا ~~جواب لكم، ونعذبكم فلا شفيع لكم، وندمر عليكم فلا صريخ لكم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 41] # إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) # من أحسن فإحسانه إلى نفسه اكتسبه «1» ، ومن أساء فبلاؤه على نفسه جلبه- ~~والحق غني عن التجمل بطاعة من أقبل والتنقص بزلة من أعرض. ms1049 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 42] # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى ~~عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (42) # يقبض الأرواح «2» حين موتها، والتي لم تمت من النفوس في حال نومها، فإذا ~~نامت PageV03P283 # فيقبض أرواحها «1» . وقبض الأرواح في حال الموت بإخراج اللطيفة التي في ~~البدن وهي الروح، ويخلق بدل الاستشعار والعلم الغفلة والغيبة في محال ~~الإحساس والإدراك. ثم إذا قبض الأرواح عند الموت خلق في الأجزاء الموت بدل ~~الحياة، والموت ينافى الإحساس والعلم. وإذا رد الأرواح بعد النوم إلى ~~الأجساد خلق الإدراك في محل الاستشعار فيصير الإنسان متيقظا، وقبض الله ~~الأرواح في حال النوم وردت به الأخبار، وذلك على مراتب فإن روحا تقبض على ~~الطهارة ترفع إلى العرش وتسجد لله تعالى، وتكون لها تعريفات، ومعها مخاطبات ~~«والله أعلم» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 43] # أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ~~(43) # أي أنهم- وإن اتخذوا على زعمهم من دون الله شفعاء بحكمهم لا بتعريف من ~~قبل الله أو إخبار- فإن الله تعالى لا يقبل الشفاعة من أحد إلا إذا أذن ~~بها، وإن الذي يقولونه إنما هو افتراء على الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 45] # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين ~~من دونه إذا هم يستبشرون (45) PageV03P284 # اشمأزت قلوب الذين جحدوا ولم تسكن نفوسهم إلى التوحيد، وإذا ذكر الذين من ~~دونه استأنسوا إلى سماعه: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 46] # قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك ~~في ما كانوا فيه يختلفون (46) # - علمه- صلى الله عليه وسلم- كيف يثنى عليه- سبحانه «1» . # وتشتمل الآية على الإشارة إلى بيان ما ينبغى من التنصل والتذلل، وابتغاء ~~العفو والتفضل، وتحقيق الالتجاء بحسن التوكل. ثم أخبر عن أحوالهم في الآخرة ~~فقال: ### | [سورة الزمر (39) : آية 47] # ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء ~~العذاب يوم ms1050 القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) # لا فتدوا به.. ولكن لا يقبل منهم، واليوم لو تصدقوا بمثقال ذرة لقبل ~~منهم. كما أنهم لو بكوا في الآخرة بالدماء لا يرحم بكاؤهم، ولكنهم بدمعة ~~واحدة- اليوم- يمحى الكثير من دواوينهم. # قوله جل ذكره: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون فى سماع هذه الآية ~~حرات لأصحاب الانتباه. PageV03P285 # وفي بعض الأخبار أن قوما من المسلمين من أصحاب الذنوب يؤمر بهم إلى النار ~~[فإذا وافوها يقول لهم مالك: من أنتم؟ إن الذين جاءوا قبلكم من أهل النار ~~وجوهم كانت مسودة، وعيونهم «1» ] كانت مزرقة.. وأنتم لستم بتلك الصفة، ~~فيقولون: ونحن لم نتوقع أن نلقاك، وإنما انتظرنا شيئا آخر! قال تعالى «وبدا ~~لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون» # «2» . ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 48] # وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (48) # حاق بهم وبال استهزائهم وجزاء مكرهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 49 الى 51] # فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على ~~علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49) قد قالها الذين من قبلهم فما ~~أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من ~~هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين (51) # فى حال الضر يتبرءون من الاستحقاق والحول والقوة، فإذا كشف عنهم البلاء ~~وقعوا فى مغاليطهم، وقالوا: إنما أوتينا هذا باستحقاق منا، قال تعالى: «بل ~~هي فتنة» ولكنهم لم يعلموا، ثم أخبر أن الذين من قبلهم مثل هذا قالوا ~~وحسبوا، ولم يحصلوا إلا على مغاليطهم، فأصابهم شؤم ما قالوا، وهؤلاء ~~سيصيبهم أيضا مثل ما أصاب أولئك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 52] # أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون (52) . PageV03P286 # أو لم يروا كيف خالف بين أحوال الناس في الرزق: فمن موسع عليه رزقه، ومن ~~مضيق عليه، وليس لواحد منهم شىء مما خص به من التقليل أو التكثير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ms1051 الزمر (39) : آية 53] # قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) # «1» التسمية ب «يا عبادي» مدح «2» ، والوصف بأنهم «أسرفوا» ذم. فلما قال: # «يا عبادي» طمع المطيعون في أن يكونوا هم المقصودين بالآية، فرفعوا ~~رءوسهم، ونكس العصاة رءوسهم وقالوا: من نحن.. حتى يقول لنا هذا؟! فقال ~~تعالى: «الذين أسرفوا» فانقلب الحال فهؤلاء الذين نكسوا رءوسهم انتعشوا ~~وزالت ذلتهم، والذين رفعوا رءوسهم أطرقوا وزالت صولتهم «3» . # ثم أزال الأعجوبة عن القسمة بما قوى رجاءهم بقوله: «على أنفسهم» يعنى إن ~~أسرفت فعلى نفسك أسرفت. # «لا تقنطوا من رحمة الله» : بعد ما قطعت اختلافك إلى بابنا فلا ترفع قلبك ~~عنا. # «إن الله يغفر الذنوب جميعا» الألف واللام فى «الذنوب» للاستغراق ~~والعموم، والذنوب جمع ذنب، وجاءت «جميعا» للتأكيد فكأنه قال: أغفر ولا ~~أترك، وأعفو ولا أبقى. PageV03P287 # ويقال إن كانت لكم جناية كثيرة عميمة فلى بشأنكم عناية قديمة «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 54 الى 55] # وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) ~~واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا ~~تشعرون (55) # الإنابة الرجوع بالكلية. وقيل الفرق بين الإنابة وبين التوبة أن التائب ~~يرجع من خوف العقوبة، وصاحب الإنابة يرجع استحياء لكرمه «2» . # «وأسلموا له» : وأخلصوا في طاعتكم، والإسلام- الذي هو بعد الإنابة- أن ~~يعلم أن نجاته بفضله لا بإنابته فبفضله يصل إلى إنابته.. لا بإنابته يصل ~~إلى فضله. # «من قبل أن يأتيكم العذاب» قبل الفراق. ويقال هو أن يفوته وقت الرجوع ~~بشهود الناس ثم لا ينصرف عن ذلك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 56 الى 58] # أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) ~~أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ترى العذاب لو ~~أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) # يقال هذا في أقوام يرون أمثالهم تقدموا عليهم في أحوالهم، فيتذكرون ما ms1052 ~~سلف من تقصيرهم، ويرون ما وفق إليه أولئك من المراتب فيعضون بنواجذ الحسرة ~~على أنامل الخيبة. PageV03P288 # أو يقول: لو أن الله هدانى لكنت كذا، ويقول آخر: لو أن لى كرة فأكون كذا، ~~فيقول الحق- سبحانه: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 59] # بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين (59) # فذق من العذاب ما على جرمك استوجبت. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 60] # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى ~~للمتكبرين (60) # هؤلاء الذين ادعوا أحوالا ولم يصدقوا فيها، وأظهروا المحبة لله ولم ~~يتحققوا بها، وكفاهم افتضاحا بذلك! وأنشدوا: # ولما ادعيت الحب قالت كذبتنى ... فمالى أرى الأعضاء منك كواسيا؟! # فما الحب حتى تنزف العين بالبكا ... وتخرس حتى لا تجيب المناديا «1» # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 61] # وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (61) # كما وقاهم- اليوم- عن المخالفات، حماهم- غدا- من العقوبات، فالمتقون ~~فازوا بسعادة الدارين اليوم عصمة، وغدا نعمة. اليوم عناية وغدا حماية ~~وكفاية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 62] # الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) . PageV03P289 # تدخل أكساب العباد في هذه الجملة، ولا يدخل كلامه فيه لأن المخاطب لا ~~يدخل تحت الخطاب ولا صفاته «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 63] # له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ~~(63) # «مقاليد» أي مفاتيح، والمراد منه أنه قادر على جميع المقدورات، فما يريد ~~أن يوجده أوجده. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 64] # قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64) # أي متى يكون لكم طمع في أن أعبد غيره.. وبتوحيده ربانى، وبتفريده غذانى، ~~وبشراب حبه سقانى؟! «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 65 الى 66] # ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخاسرين (65) بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66) # لئن لا حظت غيرى، وأثبت معى في الإبداع سواى أحبطت عملك، وأبطلت سعيك، بل ~~الله- يا محمد- فاعبد، وكن من جملة عبادى الشاكرين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 67] # وما قدروا ms1053 الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) . PageV03P290 # ما عرفوه حق معرفته «1» ، وما وصفوه حق وصفه، وما عظموه حق تعظيمه فمن ~~اتصف بتمثيل، أو جنح إلى تعطيل «2» حاد عن السنة المثلى وانحرف عن الطريقة ~~الحسنى. وصفوا الحق بالأعضاء، وتوهموا في نعته الأجزاء، فما قدروه حق قدره ~~فالخلق في قبضة قدرته، والسماوات مطويات بيمينه، ويمينه قدرته «3» . ولأنه ~~أقسم أن يفنى السماوات ويطويها فهو قادر على ذلك. # «سبحانه وتعالى» تنزيها له عما أشركوا في وصفه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 68] # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ ~~فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) # فى النفخة الأولى تموتون، ثم في النفخة الثانية تحشرون، والنفختان ~~متجانستان ولكنه يخلق عند إحداهما إزهاق الأرواح، وفي الأخرى حياة النفوس ~~ليعلم أن النفخة لا تعمل شيئا لعينها «4» ، وإنما الجبار بقدرته يخلق ما ~~يشاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 69] # وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم ~~بالحق وهم لا يظلمون (69) PageV03P291 # نور يخلقه في القيامة فتشرق القيامة به، وذلك عند تكوير الشمس وانكدار ~~النجوم، ويستضىء بذلك النور والإشراق قوم دون قوم. الكفار يبقون في ~~الظلمات، والمؤمنون نورهم يسعى بين أيديهم. # ويقال اليوم إشراق، وغدا إشراق، اليوم إشراق القلب بحضوره، وغدا إشراق ~~الأرض بنور ربها. ويقال غدا أنوار التولى للمؤمنين، واليوم أنوار التجلى ~~للعارفين. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 70] # ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون (70) # إن كان خيرا فخير، وإن كان غير خير فغير خير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 71] # وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71) # الكفار يساقون إلى النار عنفا، والمؤمنون يساقون إلى الجنة لطفا فالسوق ~~يجمع الجنسين.. ولكن شتان بين سوق وسوق!. ms1054 # فإذا جاء الكفار قابلهم خزنة النار بالتوبيخ والعتاب والتأنيب فلا تكريم ~~ولا تعظيم، ولا سؤال ولا استقبال.. بل خزى وهوان، ومن كل جنس من العذاب ~~ألوان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 73] # وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال ~~لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73) # PageV03P292 # سوق ولكن بغير تعب ولا نصب، سوق ولكن بروح وطرب. # «زمرا» جماعات، وهؤلاء هم عوام أهل الجنة، وفوق هؤلاء: «يوم نحشر المتقين ~~إلى الرحمن وفدا» «1» وفوقهم من قال فيهم: «وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد» ~~«2» وفرق بين من يساق إلى الجنة، وبين من تقرب منه الجنة.. هؤلاء الظالمون، ~~والآخرون المقتصدون، والآخرون السابقون «3» . # «حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها ... » وإذا وافوا الجنة تكون الأبواب مفتحة ~~لئلا يصيبهم نصب الانتظار. # ويقال إذا كان حديث الجنة فالواجب أن يبادر إليها ولا يحتاج أن يساق، ~~ولعل هؤلاء لا رغبة لهم في الجنة بكثير فلهم معه في الطريق قول «طبتم» أي ~~أنهم يساقون إلى الجنة بلطف دون عنف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 74] # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ~~فنعم أجر العاملين (74) # صدقنا وعده بإدخالنا الجنة، وإكمال المنة. # «وأورثنا الأرض» أي أرض الجنة نتبوأ منها حيث نشاء. وهؤلاء قوم مخصوصون، ~~والذين هم قوم «الغرف» أقوام آخرون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزمر (39) : آية 75] # وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق ~~وقيل الحمد لله رب العالمين (75) # يسبحون بحمد ربهم في عموم الأوقات.. هذا هو عمل الملائكة الذين من حول ~~العرش. # وقضى بين أهل الجنة وأهل النار بالحق، لهؤلاء دركات ولأولئك درجات.. إلى ~~غير ذلك من فنون الحالات. وقضى بين الملائكة أيضا في مقاماتهم على ما أراده ~~الحق في عباداتهم. PageV03P293 ### | سورة المؤمن # «1» قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» كلمة من تحقق بها ~~شرف من الحق مناله، وصفت عنده أحواله، وخلع على نفسه رداء الأفضال، وألبس ~~قلبه جلال الإقبال، وأفرد روحه بروح لطف ms1055 الجمال، واستخلص سره بكشف وصف ~~الجلال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) # أي حم أمر كائن «2» . # ويقال «الحاء» إشارة إلى حلمه، «والميم» إشارة إلى مجده أي: بحلمي ومجدى ~~لا أخلد في النار من آمن بي. # ويقال هذه الحروف (مفاتح أسمائه) «3» . ### | [سورة غافر (40) : آية 2] # تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) PageV03P294 # «العزيز» : المعز لأوليائه، «العليم» بما كان ويكون منهم، فلا يمنعه علمه ~~بما سلف منهم عن قضائه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 3] # غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ~~(3) # كتاب معنون بقبول توبته لعباده علم أن العاصي منكسر القلب فأزال عنه ~~الانكسار بأن قدم نصيبه، فقدم اسمه على قبول التوبة. فسكن نفوسهم وقلوبهم ~~باسمين يوجبان الرجاء وهما قوله: «غافر الذنب وقابل التوب» . # ثم عقبهما بقوله: «شديد العقاب» ثم لم يرض حتى قال بعدئذ «ذي الطول» . # فيقابل قوله: «شديد العقاب» قوله: «ذي الطول» . # (ويقال: غافر الذنب لمن أصر واجترم، وقابل التوب لمن أقر وندم، شديد ~~العقاب لمن جحد وعند، ذى الطول لمن عرف ووحد) «1» . # ويقال غافر الذنب للظالمين، وقابل التوب للمقتصدين، شديد العقاب ~~للمشركين، ذى الطول للسابقين. # ويقال: سنة الله أنه إذا خوف العباد باسم أو لفظ تدارك قلوبهم بأن يبشرهم ~~باسمين أو بوصفين «2» . # «إليه المصير» : وإذا كان إليه المصير فقد طاب إليه المسير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 4] # ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) . ~~PageV03P295 # إذا ظهر البرهان واتضح البيان استسلمت الألباب الصاحية للاستجابة ~~والإيمان. # فأما أهل الكفر فلهم على الجمود إصرار، وشؤم شركهم يحول بينهم وبين ~~الإنصاف ... وكذلك من لا يحترمون أولياء الله، ويصرون على إنكارهم، ~~ويعترضون عليهم بقلوبهم، ويجادلون في جحد الكرامات، وما يخص الله به عباده ~~من الآيات ... فهؤلاء لا يميزون بين رجحانهم ونقصانهم، وسيفتضحون كثيرا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 5] # كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ~~وجادلوا بالباطل ms1056 ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) # كذلك من انقرض من الكفار كان تكذيب الرسل دأبهم، ولكن الله- سبحانه- ~~انتقم منهم، وعلى كفرهم اخترمهم. # والمنكر لهذا الطريق «1» يدين بإنكاره، ويتقرب إلى الله به، ويعد وقيعته ~~في أولياء الله من جملة إحسانه وخيراته، ولكن الله- سبحانه- يعذبهم في ~~العاجل بتخليتهم فيما هم فيه، وصد قلوبهم عن هذه المعاني، وحرمانهم منها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 6] # وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار (6) # إذا انختم على عبد حكم الله بشقاوته فلا تنفعه كثرة ما يورد عليه من ~~النصح.. # والله على أمره غالب.. ومن أسرته يد الشقاوة فلا يخلصه من مخالها جهد ولا ~~سعاية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 7] # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون ~~للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم عذاب الجحيم (7) PageV03P296 # حملة العرش من حول العرش من خواص الملائكة «1» ، مأمورون بالتسبيح لله، ~~ثم بالاستغفار للعاصين- لأن الاستغفار للذنب والتوبة إنما تحصل من الذنب- ~~ويجتهدون في الدعاء لهم على نحو ما في هذه الآية وما بعدها فيدعون لهم ~~بالنجاة، ثم برفع الدرجات، ويحيلون الأمر في كل ذلك على رحمة الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 9] # وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم (9) # «ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته» : فلئن سلط عليك أراذل من خلقه- وهم ~~الشياطين- فلقد قيض بالشفاعة أفاضل من خلقه ومن الملائكة المقربين قوله جل ~~ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 10] # إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى ~~الإيمان فتكفرون (10) # أشد العقوبات التي يوصلها الحق إليهم آثار سخطه وغضبه، وأجل النعم ~~PageV03P297 # التي يغروهم بها آثار رضاه عنهم. فإذا عرف الكافر في الآخرة أن ربه عليه ~~غضبان فلا شىء أصعب على قلبه من ذلك لأنه علم أنه لا بكاء ينفعه، ولا عناء ~~يزيل عنه ما هو فيه ويدفعه، ولا يسمع له تضرع، ولا ترجى له حيلة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ms1057 غافر (40) : آية # 11] # قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج ~~من سبيل (11) # الإماتة الأولى إماتتهم في الدنيا ثم في القبر يحييهم، ثم يميتهم فهى ~~الإماتة الثانية. # والإحياء الأول في القبر والثاني عند النشر «1» . # «فاعترفنا بذنوبنا» : أقروا بذنوبهم- ولكن في وقت لا ينفعهم الإقرار. # «فهل إلى خروج من سبيل» مما نحن فيه من العقوبة، وإنما يقولون ذلك حين لا ~~ينفعهم الندم والإقرار. فيقال لهم: ### | [سورة غافر (40) : آية 12] # ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي ~~الكبير (12) # - أي تصدقوا المشركين لكفرهم. [وهؤلاء إماتتهم محصورة، فأما أهل المحبة ~~فلهم في كل وقت حياة وموت، قال قائلهم: # أموت إذا فقدتك ثم أحيا ... فكم أحيا عليك وكم أموت! # فإن الحق- سبحانه- يردد أبدا الخواص من عباده بين الفناء والبقاء، ~~PageV03P298 # والحياة والموت، والمحو والإثبات] «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 13] # هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب ~~(13) # يريهم آيات فضله فيما يلاطفهم، ويريهم آيات قهره فيما يكاشفهم، ويريهم ~~آيات عفوه إذا تنصلوا «2» ، وآيات جوده إذا توسلوا، وآيات جلاله إذا هابوا ~~فغابوا، وآيات جماله إذا آبوا واستجابوا. «وينزل لكم من السماء رزقا» ~~لأبدانكم وهو توفيق المجاهدات، ولقلوبكم وهو تحقيق المشاهدات، (ولأسراركم ~~وهو فنون المواصلات والزيادات) «3» . # «وما يتذكر إلا من ينيب» : يرجع من العادة إلى العبادة، ومن الشك إلى ~~اليقين، ومن الخلق إلى الحق، ومن الجهل إلى العلم، ومن النكرة إلى العرفان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 14] # فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) # شرط الدعاء تقديم المعرفة لتعرف من الذي تدعوه، ثم تدعو بما تحتاج إليه ~~مما لا بد لك منه، ثم تنظر هل أعطاك ما تطلب وأنت لا تدرى؟ والواجب ألا ~~تطلب شيئا تكون فيه مخالفة لأمره، وأن تتباعد عن سؤالك الأشياء الدنية ~~والدنيوية، وأن ترضى بما يختاره لك مولاك. ومن الإخلاص في الدعاء ألا ترى ~~الإجابة إلا منه، وألا ترى لنفسك استحقاقا إلا بفضله، وأن تعلم أنه إن ms1058 بقيت ~~في سؤالك عن مطلوبك- الذي هو حظك- لا تبق عن عبادة ربك- التي هي حقه فإن ~~الدعاء مخ العبادة، ومن الإخلاص في الدعاء أن PageV03P299 # تكون في حال الاضطرار لما لا يكون ابتداؤه جرما لك، وتكون ضرورتك لسراية ~~جنايتك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 15] # رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر ~~يوم التلاق (15) # رافع الدرجات للعصاة بالنجاة «1» ، وللمطيعين بالمثوبات، وللأصفياء ~~والأولياء بالكرامات، ولذوى الحاجات بالكفايات، وللعارفين بتنقيبهم عن جميع ~~أنواع الإرادات. # ويقال درجات المطيعين بظواهرهم في الجنة، ودرجات العارفين بقلوبهم في ~~الدنيا فيرفع درجاتهم عن النظر إلى الكونين دون المساكنة إلهما. وأما ~~المحبون فيرفع درجاتهم عن أن يطلبوا في الدنيا والعقبى شيئا غير رضاء ~~محبوبهم «2» . # «ذو العرش» : ذو الملك الرفيع. ويقال العرش الذي هو قبلة الدعاء، خلقه ~~أرفع المخلوقات وأعظمها جثة «3» . # «يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده» روح بها ضياء أبدانهم- وهو ~~سلطان عقولهم، وروح بهاء ضياء قلوبهم- وهو شفاء علومهم، وروح بها ضياء ~~أرواحهم PageV03P300 # - والذي هو للروح روح- بقاؤهم بالله. # ويقال: روح هو روح إلهام، وروح هو روح إعلام، وروح هو روح إكرام. # ويقال: روح النبوة، وروح الرسالة، وروح الولاية، وروح المعرفة. # ويقال: روح بها بقاء الخلق، وروح بها ضياء الحق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 16] # يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد ~~القهار (16) # يعلم الحاصل الموجود، ويعلم المعدوم المفقود، والذي كان والذي يكون، ~~والذي لا يكون مما علم أنه لا يجوز أن يكون، والذي جاز أن يكون أن لو كان ~~كيف كان يكون. # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار لا يتقيد ملكه بيوم، ولا يختص ملكه ~~بوقت، ولكن دعاوى الخلق- اليوم- لا أصل لها إذ غدا تنقطع تلك الدعاوى ~~وترتفع تلك الأوهام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 17] # اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب (17) # يجازيهم على أعمالهم بالجنان، وعلى أحوالهم بالرضوان، وعلى أنفاسهم ~~بالقربة، وعلى محبتهم بالرؤية. # ويجازى ms1059 المذنبين على توبتهم بالغفران، وعلى بكائهم بالضياء والشفاء. # «لا ظلم اليوم» : أي أنه يستحيل تقدير الظلم منه، وكل ما يفعل فله أن ~~يفعله. «وهو سريع الحساب» مع عباده لا يشغله شأن عن شأن، وسريع الحساب مع ~~أوليائه في الحال يطالبهم بالصغير والكبير، والنقير والقطمير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 18] # وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ~~ولا شفيع يطاع (18) # PageV03P301 # قيامه الكل مؤجلة، وقيامة المحبين معجلة فلهم في كل نفس قيامة من العقاب ~~والعذاب والثواب، والبعاد والاقتراب، وما لم يكن لهم في حساب «1» ، وتشهد ~~عليهم الأعضاء فالدمع يشهد، وخفقان القلب ينطق، والنحول يخبر، واللون يفصح ~~... والعبد يستر ولكن البلاء يظهر: # يا من تغير صورتى لما بدا ... لجميع ما ظنوا بنا تصديقا «2» # وأنشدوا: # لى في محبته شهود أربع ... وشهود كل قضية اثنان # ذوبان جسمى وارتعاد مفاصلى ... وخفوق قلبى واعتقال لسانى # وقلوبهم- إذا أزف الرحيل بلغت الحناجر، وعيونهم شرقت بدموعها إذا نودى ~~بالرحيل وشدت الرواحل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 19] # يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (19) # فحائنة أعين المحبين استحسانهم شيئا، ولهذا قالوا: # يا قرة العين: سل عينى هل اكتحلت ... بمنظر حسن مذ غبت عن بصرى؟ # ولذلك قالوا: # فعينى إذا استحسنت غيركم ... أمرت السهاد بتعذيبها PageV03P302 # ومن خائنة أعينهم أن تأخذهم السنة والسبات في أوقات المناجاة وقد جاء في ~~قصة داود عليه السلام: كذب من ادعى محبتى، فإذا جنة الليل نام عنى! ومن ~~خائنة أعين العارفين أن يكون لهم خبر بقلوبهم عما تقع عليه عيونهم. # ومن خائنة أعين الموحدين أن تخرج منها قطرة دمع تأسفا على مخلوق يفوت في ~~الدنيا والآخرة، ولا على أنفسهم. # ومن خائنة أعين المحبين النظر إلى غير المحبوب بأى وجه كان، ففى الخبر: ~~«حبك الشىء يعمى ويضم» . # «وما تخفي الصدور» : فالحق به خبير «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 20] # والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع ~~البصير (20) # يقضى للأجانب بالبعاد، ولأهل الوصال بالوداد، ويقضى يوم ms1060 القدوم بعزل عمال ~~الصدود، وإذا ذبح الموت غدا بين الجنة والنار على صورة كبش أملح فلا غرابة ~~أن يذبح الفراق على رأس سكة «2» الأحباب في صورة شخص منكر ويصلب على جذوع ~~العبرة لينظر إليه أهل الحضرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 21] # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا ~~هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله ~~من واق (21) PageV03P303 # أو لم يسيروا في أقطار الأرض بنفوسهم، ويطوفوا مشارقها ومغاربها ليعتبروا ~~بها فيزهدوا فيها؟ أو لم يسيروا بقلوبهم في الملكوت بجولان الفكر ليشهدوا ~~أنوار التجلى فيستبصروا بها؟ # أو لم يسيروا بأسرارهم في ساحات الصمدية ليستهلكوا في سلطان الحقائق، ~~وليتخلصوا من جميع المخلوقات قاصيها ودانيها؟. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 22] # ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد ~~العقاب (22) # إن بنى من أهل السلوك قاصد لم يصل إلى مقصوده فليعلم أن موجب حجبه اعتراض ~~خامر قلبه على بعض شيوخه في بعض أوقاته فإن الشيوخ بمحل السفراء للمريدين. ~~وفي الخبر: # «الشيخ في قومه كالنبى في أمته» «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : الآيات 23 الى 24] # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (23) إلى فرعون وهامان وقارون ~~فقالوا ساحر كذاب (24) # أكرم خلقه في وقته كان موسى عليه السلام، وأخس خلقه وأذلهم في حكمه ~~وأشدهم كفرا كان فرعون فما قال أحد غيره: «ما علمت لكم من إله غيري» «2» . # فبعث الله- أخص عباده إلى أخس عباده، فقابله بالتكذيب، ونسبه إلى السحر، ~~PageV03P304 # وأنبه بكل أنواع التأنيب. ثم لم يعجل الله عقوبته، وأمهله إلى أن أوصل ~~إليه شقوته- إنه سبحانه حليم بعباده. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 25] # فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا ~~نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال (25) # عزم على إهلاكه وإهلاك قومه، واستعان على ذلك بجنده وخيله ورجله، ولكن ~~كان كما قال الله: «وما كيد الكافرين إلا في ضلال» ، لأنه إذا حفر ms1061 أحد لولي ~~من أولياء الله تعالى حفرة ما وقع فيها غير حافرها ... بذلك أجرى الحق ~~سنته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : الآيات 26 الى 27] # وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر ~~في الأرض الفساد (26) وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن ~~بيوم الحساب (27) # «وليدع ربه» أي ليستعن بربه، وإنى أخاف أن يبدل دينكم، وأخاف أن يفسد فى ~~الأرض، وكان المفسد هو فرعون، وهو كما قيل في المثل: «رمتنى بدائها وانسلت» ~~. # ولكن كادله له الكيد، والكائد لا يتخلص من كيده. # فاستعاذ موسى بربه، وانتدب في الرد عليهم مؤمن بالله وبموسى كان يكتم ~~إيمانه عن فرعون وقومه: ### | [سورة غافر (40) : آية 28] # وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ~~وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم ~~بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) # - م (20) لطائف الإشارات- ج 3- # PageV03P305 # نصحهم واحتج عليهم فلم ينجع فيهم نصح ولا قول. وكم كرر ذلك المؤمن من آل ~~فرعون القول وأعاد لهم النصح! فلم يستمعوا له، وكان كما قيل: # وكم سقت في آثاركم من نصيحة ... وقد يستفيد البغضة المتنصح # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 34] # ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا ~~هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) # بين أن تكذيبهم كتكذيب آبائهم وأسلافهم من قبل، وكما أهلك أولئك قديما ~~كذلك يفعل بهؤلاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : الآيات 36 الى 37] # وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36) أسباب السماوات ~~فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن ~~السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (37) # السبب ما يتوصل به إلى الشيء أي لعلى أصل إلى السماء فأطلع إلى إله موسى. ~~ولو لم يكن من ms1062 المضاهاة بين من قال إن المعبود في السماء وبين الكافر إلا ~~هذا لكفى به خزيا لمذهبهم «1» . # وقد غلط فرعون حين توهم أن المعبود في السماء، ولو كان في السماء لكان ~~فرعون مصيبا فى طلبه من السماء. # قوله جل ذكره: «وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون ~~إلا في تباب» . # أخبر أن اعتقاده بأن المعبود في السماء خطأ، وأنه بذلك مصدود عن سبيل ~~الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : الآيات 38 الى 39] # وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38) يا قوم إنما هذه ~~الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (39) PageV03P306 # أصر على دعائه لهم وأصروا على جحودهم وعنودهم. ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 40] # من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب (40) # «فلا يجزى إلا مثلها» : فى المقدار لا في الصفة لأن الأولى سيئة، ~~والمكافأة من الله عليها حسنة وليست بسئة. # «وهو مؤمن» يعنى في الحال «1» ، لأن من لا يكون مؤمنا في الحال لا يكون ~~منه العمل الصالح، «فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب» : أي رزقا ~~مؤبدا مخلدا، لا يخرجون من الجنة ولا مما هم عليه من المآل. ### | [سورة غافر (40) : آية 41] # ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41) # وهذا كله من قول مؤمن آل فرعون، يقوله على جهة الاحتجاج لقومه، ويلزمهم ~~الحجة به. ### | [سورة غافر (40) : آية 42] # تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز ~~الغفار (42) # تدعوننى لأكفر بالله وأشرك به من غير علم لى بصحة قولكم، وأنا أدعوكم إلى ~~الله وإلى ما أوضحه بالبرهان، وأقيم عليه البيان. PageV03P307 ### | [سورة غافر (40) : آية 43] # لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا ~~إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (43) # لا جرم أن ما تدعوننى إليه باطل فليس لتلك الأصنام حياة ولا علم ولا ~~قدرة، وهي لا تنفع ولا ms1063 تضر. ولقد علمنا- بقول الذين ظهر صدقهم بالمعجزات- ~~كذبكم فيما تقولون. ### | [سورة غافر (40) : آية 44] # فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد (44) # أفوض أمرى إلى الله، وأتوكل عليه، ولا أخاف منكم، ولا من كيدكم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : الآيات 45 الى # 46] # فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب (45) النار يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (46) # والآية تدل على عذاب القبر «1» . # ويقال إن أرواح الكفار في حواصل طير سود تعرض على النار غدوا وعشيا إلى ~~يوم القيامة حيث تدخل النار «2» . # «أدخلوا آل فرعون أشد العذاب» : أي يا آل فرعون أدخلوا أشد العذاب، فنصبه ~~على النداء المضاف. ويقرأ «أدخلوا» على الأمر «3» . PageV03P308 # «أشد العذاب» : أي أصعبه، وأصعب عذاب للكفار في النار يأسهم من الخروج ~~عنها. # أما العصاة من المؤمنين فأشد عذابهم في النار إذا علموا أن هذا يوم لقاء ~~المؤمنين، فإذا عرفوا ذلك فذلك اليوم أشد أيام عذابهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : الآيات 47 الى 48] # وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل ~~أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن ~~الله قد حكم بين العباد (48) # يقول الضعفاء للذين استكبروا: أنتم أضللتمونا، ويقول لهم المستكبرون: ~~أنتم وافقتمونا باختياركم «1» فمحاجة بعضهم لبعض تزيد في غيظ قلوبهم، فكما ~~يعذبون بنفوسهم يعذبون بضيق صدورهم وببغض بعضهم لبعض. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : الآيات 49 الى 50] # وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49) ~~قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء ~~الكافرين إلا في ضلال (50) # وهذه أيضا من أمارات الأجنبية، فهم يدخلون واسطة بينهم وبين ربهم «2» . ~~ثم إن الله ينزع الرحمة عن قلوب الملائكة كى لا يستشفعوا لهم. PageV03P309 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 51] # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) # ننصرهم بالآيات وفنون التعريفات حتى يعرفوا ويشهدوا ms1064 أن الظفر وضده من ~~الله، والخير والشر من الله. # ويقال ننصرهم على أعدائهم بكيد خفى ولطف غير مرئي، من حيث يحتسبون ومن ~~حيث لا يحتسبون ننصرهم في الدنيا بالمعرفة «1» وباليقين بأن الكائنات من ~~الله، وننصرهم فى الآخرة بأن يشهدوا ذلك، ويعرفوا- بالاضطرار «2» - أن ~~التأثير من الله، وغاية النصرة أن يقتل الناصر عدو من ينصره، فإذا أراد ~~حتفه «3» تحقق بأن لا عدو على الحقيقة، وأن الخلق أشباح تجرى عليهم أحكام ~~القدرة فالولي لا عدو له، ولا صديق له إلا الله، قال تعالى: «الله ولي ~~الذين آمنوا» «4» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 52] # يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) # دليل الخطاب أن المؤمنين ينفعهم تنصلهم، ولهم من الله الرحمة، ولهم حسن ~~الدار، وما بقي من هذه الدنيا إلا اليسير قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : الآيات 53 الى 54] # ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) هدى وذكرى لأولي ~~الألباب (54) # مضى طرف من البيان في قصة موسى. PageV03P310 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 55] # فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار (55) # الصبر في انتظار الموعود من الحق على حسب الإيمان والتصديق فمن كان ~~تصديقه ويقينه أتم وأقوى كان صبره أتم وأوفى. # «إن وعد الله حق» : وهو- سبحانه- يعطى وإن توهم العبد أنه يبطى. # ويقال الصبر على قسمين: صبر على العافية، وصبر على البلاء، والصبر على ~~العافية أشد من الصبر على البلاء، فصبر الرجال على العافية وهو أتم الصبر ~~«1» . # «واستغفر لذنبك» . وفي هذا دليل على أنه كانت له ذنوب، ولم يكن جميع ~~استغفاره لأمته لأنه قال في موضع آخر «وللمؤمنين والمؤمنات» «2» وهنا لم ~~يذكر ذلك. ويمكن حمل الذنب على ما كان قبل النبوة إذ يجوز أن يكون العبد قد ~~تاب من الزلة ثم يجب عليه الاستغفار منها كلما ذكرها، فإن تجديد التوبة يجب ~~كما يجب أصل التوبة «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 56] # إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما ms1065 ~~هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) # «بغير سلطان» : أي بغير حجة. # «إن في صدورهم إلا كبر» أي ليس في صدورهم إلا كبر يمنعهم عن الانقياد ~~للحق، ويبقون به عن الله، ولا يصلون إلى مرادهم. PageV03P311 # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 57] # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) # أي خلق السماوات والأرض أكبر من بعثهم وخلقهم مرة أخرى بعد أن صاروا ~~رميما فالقوم كانوا يقرون بخلق السماوات والأرض، وينكرون أمر البعث. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 58] # وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ~~ما تتذكرون (58) # أراد به: ما يستوى المؤمن والكافر، ولا المربوط بشهوته كالمبسوط بصفوته، ~~ولا المجذوب بقربته كالمحجوب بعقوبته، ولا المرقى إلى مشاهدته كالمبقى في ~~شاهده، ولا المجدود «1» بسعادته كالمردود لشقاوته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 59] # إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (59) # إن ميقات الحساب لكائن وإن وقعت المدة في أوانه «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 60] # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين (60) # معناه: أدعونى أستجب لكم إن شئت لأنه قال في آية أخرى: «فيكشف ما تدعون ~~إليه إن شاء» «3» . PageV03P312 # ويقال ادعوني بشرط الدعاء، وشرط الدعاء الأكل من الحلال إذ يقال الدعاء ~~مفتاحه الحاجة، وأسبابه اللقمة الحلال. # ويقال كل من دعاه استجاب له إما بما يشاء له، أو بشىء آخر هو خير له منه. # ويقال الكافر ليس يدعوه لأنه إنما يدعو من له شريك، وهو لا شريك له. # ويقال: إذا ثبت أن هذا الخطاب للمؤمنين فما من مؤمن يدعو الله ويسأله ~~شيئا. # إلا أعطاه في الدنيا، فأما في الآخرة فيقول له: هذا ما طلبته في الدنيا، ~~وقد ادخرته لك لهذا اليوم حتى ليتمنى العبد أنه ليته لم يعط شيئا في الدنيا ~~قط. # ويقال أدعونى بالطاعات استجب لكم بالثواب والدرجات. # ويقال أدعونى بلا غفلة أستجب لكم بلا مهلة. ويقال ادعوني بالتنصل أستجب ~~لكم بالتفضل. ويقال ms1066 ادعوني بحسب الطاقة أستحب لكم بكشف الفاقة ويقال ادعوني ~~بالسؤال أستجب لكم بالنوال والأفضال. # «إن الذين يستكبرون عن عبادتي..» أي يستكبرون عن دعائى، سيدخلون جهنم ~~صاغرين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : الآيات 61 الى 62] # الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله ~~إلا هو فأنى تؤفكون (62) # ... الآيات سكون الناس في الليل على أقسام: أهل الغفلة يسكنون إلى ~~غفلتهم، وأهل المحة يسكنون بحكم وصلتهم، وشتان بين سكون غفلة وسكون وصلة! ~~قوم يسكنون إلى أمثالهم وأشكالهم، وقوم يسكنون إلى حلاوة أعمالهم لبسطهم ~~واستقلالهم، وقوم يعدمون القرار في ليلهم ونهارهم وأولئك أصحاب الاشقاق ... # أبدا في الاحتراق. # PageV03P313 # «ذلكم الله ربكم» الذي جعل سكونكم معه، وانزعاجكم له، واشتياقكم إليه، ~~ومحبتكم فيه، وانقطاعكم إليه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : آية # 64] # الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم ~~من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (64) # «صوركم فأحسن صوركم» : خلق العرش والكرسي والسماوات والأرضين وجميع ~~المخلوقات ولم يقل هذا الخطاب، وإنما قال لنا: «وصوركم فأحسن صوركم» وليس ~~الحسن ما يستحسنه الناس بل الحسن ما يستحسنه الحبيب: # ما حطك الواشون عن رتبة ... عندى ولا ضرك مغتاب # كأنهم أثنوا- ولم يعلموا- عليك عندى بالذي عابوا لم يقل للشموس في ~~علائها، ولا للأقمار في ضيائها: «وصوركم فأحسن صوركم» . # ولما انتهى إلينا قال ذلك، وقال: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم» «1» ~~ويقال إن الواشين قبحوا صورتكم عندنا «2» ، بل الملائكة كتبوا في صحائفكم ~~قبيح ما ارتكبتم.. ومولاكم أحسن صوركم، بأن محا من ديوانكم الزلات، وأثبت ~~بدلا منها الحسنات، قال تعالى: «يمحوا الله ما يشاء ويثبت» «3» ، وقال: # «فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات» «4» . # قوله جل ذكره: «ورزقكم من الطيبات» . # ليس الطيب ما تستطيبه النفس إنما الطيب ما يستطيبه القلب، فالخبز ~~PageV03P314 # القفار أطيب للفقير الشاكر من الحلواء للغنى المتسخط. # ورزق النفوس الطعام والشراب، ورزق القلوب لذاذات الطاعات. # قوله جل ذكره: ms1067 ### | [سورة غافر (40) : آية 65] # هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين ~~(65) # «هو الحي» : الذي لا يموت، ولا فضله يفوت، فادعوه بلسان القوت، وذلك عليه ~~لا يفوت. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 66] # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي ~~وأمرت أن أسلم لرب العالمين (66) # قل- يا محمد- إنى نهيت عن عبادة ما تدعون من دون الله أي أمرت بالتبرى ~~عما عبدتم، والإعراض عما به اشتغلتم، والاستسلام للذى خلقنى، وبالنبوة ~~استخصني. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة غافر (40) : الآيات 67 الى # 68] # هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا ~~أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم ~~تعقلون (67) هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (68) # فمن تربة إلى قطرة ومن قطرة إلى علقة.. ثم من بطون أمهاتكم إلى ظهوركم في ~~دنياكم.. ثم من حال كونكم طفلا ثم شابا ثم شيخا.. # وهو الذي يحيى ويميت، ثم يبعث في أخرى الدارين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : آية 69] # ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) # PageV03P315 # فى آيات الله يتبلدون فلا حجة يوردون، ولا عذاب عن أنفسهم يردون، سيعلمون ~~حين لا ينفعهم علمهم، ويعتذرون حين لا يسمع عذرهم، وذلك عند ما: ### | ### | [سورة غافر (40) : الآيات 71 الى # 76] # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار ~~يسجرون (72) ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (73) من دون الله قالوا ضلوا ~~عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين (74) ذلكم بما ~~كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (75) # ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76) # .. الآيات. # يسحبون في النار والأغلال في أعناقهم، ثم يذاقون ألوان العذاب.. فإذا ~~أقروا بكفرهم وذنوبهم يقال لهم: أدخلوا أبواب جهم خالدين فيها، فبئس مثواهم ~~ومصيرهم، وساء ذهابهم ومسيرهم. # قوله جل ذكره: ms1068 ### | [سورة غافر (40) : آية 77] # فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا ~~يرجعون (77) # كن بقلبك فارغا عنهم، وانظر من بعد إلى ما يفعل بهم، واستيقن بأنه لا ~~بقاء لجولة باطلهم.. فإن لقيت بعض ما نتوعدهم به وإلا فلا تك في ريب من ~~مقاساتهم ذلك بعد. ثم أكد تسليته إياه وتجديد تصبيره وتعريفه بقوله: ### | [سورة غافر (40) : آية 78] # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما ~~كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر ~~هنالك المبطلون (78) # PageV03P316 # قصصنا عليك قصص بعضهم، ولم نخبرك عن قصص الآخرين. # ولم يكن في وسع أحد الإتيان بمعجزة إلا إذا أظهرنا نحن عليه ما أردنا إذا ~~ما أردنا. فكذلك إن طالبوك بآية فقد أظهرنا عليك من الآيات ما أزحنا به ~~العذر، وأوضحنا صحة الأمر.. وما اقترحوه ... فإن شئنا أظهرنا، وإن شئنا ~~تركنا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : الآيات 79 الى 81] # الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) ولكم فيها ~~منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون (80) ويريكم ~~آياته فأي آيات الله تنكرون (81) # ذكرهم عظيم إنعامه بتسخير الأنعام فقال جعلها لكم لتنتفعوا بها بالركوب ~~والحمل والعمل، ولتستقوا ألبانها، ولتأكلوا لحومها وشحومها، ولتنتفعوا ~~بأصوافها وأوبارها وأشعارها، ولتقطعوا مسافة بعيدة عليها ... فعلى الأنعام ~~وفي الفلك تنتقلون من صقع إلى صقع.. وأنا الذي يسرت لكم هذا، وأنا الذي ~~ألهمتكم الانتفاع به فثقوا في ذلك واعرفوه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة غافر (40) : الآيات 82 الى 85] # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر ~~منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (82) فلما ~~جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزؤن (83) فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في ~~عباده ms1069 وخسر هنالك الكافرون (85) # .. الآيات أمرهم بالاعتبار بمن كانوا قبلهم كانوا أشد قوة وأكثر أموالا ~~وأطول أعمارا، فانجروا في حبال آمالهم، فوقعوا في وهدة غرورهم، وما بقي ~~الحق # PageV03P317 # عن مراده فيهم، واغتروا بسلامتهم في مدة ما أرخينا لهم عنان إمهالهم، ثم ~~فاجأناهم بالعقوبة، فلم يعجزوا لله في مراده منهم. # فلما رأوا شدة البأس، ووقعوا في مذلة الخيبة واليأس تمنوا أن لو أعيدوا ~~إلى الدنيا من الرأس.. فقابلهم الله بالخيبة «1» # وخرطهم في سلك من أبادهم من أهل الشرك والسخط. PageV03P318 ### | سورة فصلت # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» أفلج من عرف «بسم الله» ، وما ~~ربح من بقي عن «بسم الله» . # من صحب لسانه «بسم الله» وصحب جنانه «بسم الله» كفى له شفيعا «بسم الله» ~~إلى من يعيذنا بذكر «بسم الله» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) # بحقي وحياتى، ومجدى في صفاتى وذاتى.. هذا تنزيل من الرحمن الرحيم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فصلت (41) : آية # 3] # كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون (3) # بينت آياته ودلالاته. # «قرآنا عربيا لقوم يعلمون» : الدليل منصوب للكافة ولكن الاستبصار به ~~للعالمين- دون المعرضين الجاحدين. ### | [سورة فصلت (41) : آية 4] # بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4) # «بشيرا» : لمن اخترناهم واصطفيناهم. # «ونذيرا» : لمن أقميناهم، وعن شهود آياتنا أعميناهم. # «فأعرض أكثرهم..» عند دعائنا إياهم، فهم مثبتون فيما أردناهم، وعلى ذلك # PageV03P319 # (الوصف) «1» # علمناهم «2» # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فصلت (41) : آية # 5] # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك ~~حجاب فاعمل إننا عاملون (5) # قالوا ذلك على الاستهانة والاستهزاء، ولو قالوه عن بصيرة لكان ذلك منهم ~~توحيدا «3» # ، فمنوا بالمقت لما فقدوا من تحقيق القلب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 6 الى 7] # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه ~~واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ~~(7) # إنما أنا بشر مثلكم في الصورة والبنية، والذات والخلقة. والفرقان بينى ~~وبينكم أنه يوحى ms1070 إلي أنما إلهكم إله واحد فالخصوصية من قبله لا من قبلى، ~~ولقد بقيت فيكم عمرا، ولقيتمونى دهرا.. فما عثرتم منى على غير صواب، ولا ~~وجدتم في قولى شوب كذاب. وأمرى إليكم أن استقيموا في طاعته، واستسلموا ~~لأمره.. وطوبى لمن أجاب، والويل لمن أصر وعاب!. PageV03P320 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فصلت (41) : آية # 8] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (8) # «آمنوا» : شاهدوا، «وعملوا الصالحات» : لازموا بساط العبودية. # «آمنوا» : شهدوا الحضرة، «وعملوا الصالحات» : وقفوا بالباب. # «آمنوا» : حضروا، «وعملوا الصالحات» : بعد ما حضروا لم ينصرفوا. # «لهم أجر غير ممنون» : غير منقوص «1» # فأجر النفوس الجنة، وأجر القلوب الرضا بالله، وأجر الأرواح الاستئناس ~~بالله، وأجر الأسرار دوام المشاهدة لله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : آية 9] # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب ~~العالمين (9) # خلق الزمان ولم يكن قبله زمان، وخلق المكان، ولم يكن قبله مكان فالحق- ~~سبحانه- كان ولا مكان ولا زمان فهو عزيز لا يدركه المكان، ولا يملكه ~~الزمان. # «وتجعلون له أندادا» .. وكيف يكون الذي لم يكن ثم حصل «2» # ندا للذى لم يزل.. # ولا يزال كما لم يزل؟ ذلك رب العالمين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : آية 10] # وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ~~سواء للسائلين (10) # الجبال أوتاد الأرض في الصورة، والأولياء أوتاد ورواس للأرض في الحقيقة. ~~PageV03P321 # «وبارك فيها» : البركة الزيادة.. فيأتيهم المطر ببركات الأولياء، ويندفع ~~عنهم البلاء ببركات الأولياء. # «وقدر فيها أقواتها» : وجعلها مختلفة في الطعم والصورة والمقدار. وأرزاق ~~القلوب والسرائر كما مضى ذكره فيما تقدم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فصلت (41) : آية # 11] # ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين (11) # «استوى» أي قصد، وقيل فعل فعلا هو الذي يعلم تعيينه «1» . # ويقال رتب أقطارها، وركب فيها نجومها وأزهارها. # «فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين» : هذا على ضرب ~~المثل أي لا يتعسر عليه شىء مما خلقه، فله من خلقه ما أراده. ms1071 وقيل بل ~~أحياهما وأعقلهما وأنطقهما فقالتا ذلك. وجعل نفوس العابدين أرضا لطاعته ~~وعبادته، وجعل قلوبهم فلكا لنجوم علمه وشموس معرفته. # وأوتاد النفوس الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة. وفي القلوب ضياء العرفان، ~~وشموس التوحيد، ونجوم العلوم والعقول والنفوس. والقلوب بيده يصرفها على ما ~~أراد من أحكامه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : آية 12] # فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا ~~بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (12) . PageV03P322 # زين السماء الدنيا بمصابيح، وزين وجه الأرض بمصابيح هي قلوب الأحباب فأهل ~~السماء إذا نظروا إلى قلوب الأولياء بالليل فذلك متنزههم كما أن أهل الأرض ~~إذا نظروا إلى السماء استأنسوا برؤية الكواكب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : آية 13] # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) # أي أخبر المكذبين لك أن لكم سلفا.. فإن سلكتم طريقهم في العناد، وأبيتم ~~إلا الإصرار ألحقناكم بأمثالكم. ### | [سورة فصلت (41) : آية 15] # فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا ~~أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15) # ركنوا إلى قوة نفوسهم فخانتهم قواهم، واستمكنت منهم بلواهم. ### | [سورة فصلت (41) : آية 16] # فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) # «1» # فلم يغادر منهم أحدا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 17 الى # 18] # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ~~بما كانوا يكسبون (17) ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (18) . PageV03P323 # قيل إنهم في الابتداء آمنوا وصدقوا، ثم ارتدوا وكذبوا، فأجراهم مجرى ~~إخوانهم فى الاستئصال. # «ونجينا الذين آمنوا..» : منهم من نجاهم من غير أن رأوا النار فعبروا ~~القنطرة ولم يعلموا، وقوم كالبرق الخاطف وهم أعلاهم، وقوم كالراكض.. وهم ~~أيضا من الأكابر، وقوم على الصراط يسقطون ويردهم الملائكة على الصراط. فبعد ~~وبعد.. قوم بعد ما دخلوا النار فمنهم من تأخذه إلى كعبيه ثم إلى ركبتيه ثم ~~إلى حقويه «1» # ، فإذا ما بلغت النار القلب قال الحق لها: (لا تحرقى ms1072 قلبه) «2» # فإنه محترق في. وقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا «3» # فصاروا حمما «4» # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 19 الى 23] # ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) حتى إذا ما جاؤها شهد ~~عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) وقالوا لجلودهم لم ~~شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ~~ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ~~ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) وذلكم ظنكم الذي ظننتم ~~بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) PageV03P324 # شهدت عليهم أجزاؤهم، ولم يكن في حسابهم أن الله سينطقها وهو الذي أنطق كل ~~شىء، ولم يدر بخلدهم ما استقبلهم من المصير الأليم. # «ذلكم ظنكم ... » : وكذا من قعد في وصف الأقوال، ووسم موضعه، وحكم لنفسه ~~أنه مقدم بلده. فلا يسمع منه إلا ببرهان ودليل من حاله، فإن خالف الحال ~~قوله فلا يعتمد عليه بعد ذلك «1» . # والظن بالله إذا كان جميلا فلعمرى يقابل بالتحقيق، أما إذا كان نتيجة ~~الغرور وغير مأذون به في الشرع فإنه يردى صاحبه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فصلت (41) : آية # 24] # فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (24) # فإن يصبروا على موضع الخسف فسينقلبون إلى النار. وإن يستعتبوا- فعلى ما ~~قال- فما هم بمعتبين «2» . ### | [سورة فصلت (41) : آية 25] # وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في ~~أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) # إذا أراد الله بعبد خيرا قيض له قرناء خير يعينونه على الطاعات، ويحملونه ~~عليها، ويدعونه إليها. وإذا كانوا إخوان سوء حملوه على المخالفات، ودعوه ~~إليها.. ومن ذلك الشيطان فإنه مقيض مسلط على الإنسان يوسوس إليه ~~بالمخالفات.. وشر من ذلك النفس. # فإنها بئس القرين!! فهى تدعو العبد- اليوم- إلى ما فيه هلاكه، وتشهد عليه ~~غدا بفعل الزلة. فالنفس- وشر قرين للمرء نفسه- والشياطين وشياطين الإنس.. ~~كلها تزين لهم PageV03P325 # «ما بين أيديهم» من طول الأمل، «وما خلفهم» من نسيان الزلل، والتسويف في ms1073 ~~التوبة، والتقصير في الطاعة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فصلت (41) : آية # 26] # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) # استولى على قلوبهم الجحد والإنكار، ودام على العداوة فيهم الإصرار ~~فاحتالوا بكل وجه، وتواصوا فيما بينهم بألا يستمعوا لهذا القرآن لأنه يغلب ~~القلوب، ويسلب العقول، وكل من استمع إليه صبا إليه. # وقالوا: إذا أخذ محمد في القرآن فأكثروا عند قراءته اللغو واللغط حتى يقع ~~في السهو والغلط. # ولم يعلموا أن الذي نور قلبه بالإيمان، وأيد بالفهم، وأمد بالنصرة، وكوشف ~~بسماع السر من الغيب هو الذي يسمع ويؤمن. والذي هو في ظلمات جهله لا يدخل ~~الإيمان قلبه، ولا يباشر السماع سره «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : آية 27] # فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (27) # اليوم بإدامة الحرمان الذي هو الفراق، وغدا بالتخليد في النار التي هي ~~الاحتراق. ### | [سورة فصلت (41) : آية 28] # ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا ~~يجحدون (28) # لهم فيها الخزي والهوان بلا انقطاع ولا انصرام. ### | [سورة فصلت (41) : آية 29] # وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت ~~أقدامنا ليكونا من الأسفلين (29) PageV03P326 # من الجن إبليس. ومن الإنس قابيل بن آدم فهو أول من سن المعصية (حين قتل ~~أخاه) «1» . # «نجعلهما تحت أقدامنا» هذه الإرادة وهذا التمني زيادة في عقوبتهم أيضا ~~لأنهم يتأذون بتلك الإرادة وهذا التمني فهم يجدون أنه لا نفع لهم من ذلك إذ ~~لن يجابوا في شىء، ولن يمنع عنهم العذاب. # ويفيد هذا الإخبار عنهم عن وقوع التبرى فيما بينهم، فبعضهم يتبرأ من بعض، ~~كما يفيد بأن الندم في غير وقته لا جدوى منه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : آية 30] # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ~~ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (30) # «ثم» استقاموا: ثم حرف يقتضى التراخي، فهو لا يدل على أنهم في الحال لا ~~يكونون مستقيمين، ولكن معناه استقاموا في الحال، ثم استقاموا في المآل بأن ~~استداموا ms1074 إيمانهم إلى وقت خروجهم من الدنيا، وهو آخر أحوال كونهم مكلفين. # ويقال: قالوا بشرط الاستجابة أولا، ثم استبصروا بموجب الحجة، ولم يثبتوا ~~على وصف التقليد، ولم يكتفوا بالقالة دون صفاء الحالة. # «استقاموا» : الاستقامة هي الثبات على شرائط الإيمان بجملتها من غير ~~إخلال بشىء من أقسامها. ويقال: هم على قسمين: PageV03P327 # مستقيم (فى أصول) «1» # التوحيد والمعرفة.. وهذه صفة جميع المؤمنين «2» . # ومستقيم في الفروع من غير عصيان.. وهؤلاء مختلفون فمنهم.. ومنهم، ومنهم. # «وأبشروا بالجنة» : الذين لهم البشارة هم كل من استقام في التوحيد، ولم ~~يشرك.. فله الأمان من الخلود «3» # . ويقال: من كان له أصل الاستقامة أمن «4» # من الخلود في النار، ومن له كمال الاستقامة أمن من الوعيد من غير أن ~~يلحقة سوء بحال.. ثم الاستقامة لهم على حسب أحوالهم فمستقيم في عهده. ~~ومستقيم في عقده، ومستقيم في جهده ومراعاة حده، ومستقيم فى عقده وجهده وحده ~~وحبه ووده.. وهذا أتمهم. # ويقال: استقاموا على دوام الشهود وعلى انفراد القلب بالله. # ويقال: استقاموا في تصفية العقد ثم في توفية العهد ثم في صحة القصد بدوام ~~الوجد. # ويقال: استقاموا بأقوالهم ثم بأعمالهم، ثم بصفاء أحوالهم في وقتهم وفي ~~مآلهم. # ويقال: أقاموا على طاعته، واستقاموا في معرفته، وهاموا في محبته، وقاموا ~~بشرائط خدمته. # ويقال: استقامة الزاهد ألا يرجع إلى الدنيا، وألا يمنعه الجاه بين الناس ~~عن الله. واستقامة العارف ألا يشوب معرفته حظ في الدارين فيحجبه عن مولاه. ~~واستقامة العابد ألا يعود إلى فترته واتباع شهوته، ولا يتداخله رياء وتصنع. ~~واستقامة «5» # المحب ألا يكون له أرب من محبوبه، بل يكتفى من عطائه ببقائه، ومن مقتضى ~~جوده بدوام عزه ووجوده. # «ألا تخافوا ولا تحزنوا» : إنما يكون الخوف في المستقبل من الوقت، من ~~حلول مكروه أو فوات محبوب، فالملائكة يبشرونهم بأن كل مطلوب لهم سيكون، وكل ~~محذور لهم لا يكون. PageV03P328 # والحزن من حزونة الوقت، ومن كان راضيا بما يجرى فلا حزن له في عيشه. ~~والملائكة يبشرونهم بأنهم لا حزونة في أحوالهم، وإنما هم في الروح والراحة. # «وأبشروا بالجنة» : أي بحسن ms1075 المآب، وبما وعد الله من جميل الثواب. # والذي هو موعود للأولياء بسفارة الملك موجود اليوم لخواص عباده بعطاء ~~الملك فلا يكون لأحدهم مطالعة في المستقبل من حاله بل يكون بحكم الوقت فلا ~~يكون له خوف لأن الخوف- كما قلنا من قبل- ينشأ من تطلع إلى المستقبل إما من ~~زوال محبوب أو حصول مكروه، وإن الذي بصفة الرضا «1» # لا حزونة في حاله ووقته. # ويمكن القول: «ألا تخافوا» من العذاب، «ولا تحزنوا» على ما خلفتم من ~~الأسباب، «وأبشروا» بحسن الثواب في المآب. # ويقال: «ألا تخافوا» من عزل الولاية، «ولا تحزنوا» على ما أسفلتم من ~~الجناية، «وأبشروا» بحسن العناية في البداية. # ويقال: «ألا تخافوا» مما أسلفتم، «ولا تحزنوا» على ما خلفتم، «وأبشروا» ~~بالجنة التي لها تكلفتم. # ويقال: «ألا تخافوا» المذلة، «ولا تحزنوا» على ما أسلفتم من الزلة، ~~«وأبشروا» بدوام الوصلة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 31 الى 32] # نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ~~ولكم فيها ما تدعون (31) نزلا من غفور رحيم (32) # الولاية من الله بمعنى المحبة، وتكون بمعنى النصرة. PageV03P329 # وهذا الخطاب يحتمل أن يكون من قبل الملائكة الذين تنزلوا عليهم، ويحتمل ~~أن يكون ابتداء خطاب من الله. # والنصرة تصدر من المحبة فلو لم تكن المحبة الأزلية لم تحصل النصرة في ~~الحال. # ويقال: «نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا» # بتحقيق المعرفة، «وفي الآخرة» # بتحصيل المغفرة. # ويقال «نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا» # بالعناية، «وفي الآخرة» # بحسن الكفاية وجميل الرعاية. # «في الحياة الدنيا» # بالمشاهدة، «وفي الآخرة» # بالمعاينة. # فى الدنيا بالرضاء بالقضاء، وفي الآخرة باللقاء في دار البقاء. # فى الدنيا بالإيمان، وفي الآخرة بالغفران. # فى الدنيا بالمحبة، وفي الآخرة بالقربة. # «ولكم فيها» # أي في الجنة «ما تشتهي أنفسكم» # : الولاية نقد، وتحصيل الشهوات وعد، فمن يشتغل بنقده قلما يشتغل بوعده ~~«1» . # «ولكم فيها ما تدعون» # : أي ما تريدون، وتدعون الله ليعطيكم. # «نزلا» : أي فضلا وعطاء، وتقدمة لما يستديم إلى الأبد من فنون الأفضال ~~ووجوه المبار «2» . PageV03P330 # «من غفور رحيم» : وفي ذلك مساغ لآمال المذنبين لأنهم هم ms1076 الذين يحتاجون ~~إلى المغفرة، ولولا رحمته لما وصلوا إلى مغفرته. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فصلت (41) : آية # 33] # ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين (33) # أي لا أحد أحسن قولا منه، ويكون المراد منه النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ويحتمل أن يكون جميع الأنبياء عليهم السلام. # ويقال هم المؤمنون. ويقال هم الأئمة الذين يدعون الناس إلى الله. # وقيل هم المؤذنون. ويقال الداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى ~~الاكتفاء بالله وترك طلب العوض من الله، ويكل أمره إلى الله، ويرضى من الله ~~بقسمة الله. # «وعمل صالحا» : أي كما يدعو الخلق إلى الله يأتى بما يدعوهم إليه. # ويقال هم الذين عرفوا طريق الله، ثم سلكوا طريق الله، ثم دعوا الناس إلى ~~الله. # ويقال بل سلكوا طريق الله فبسلوكهم وبمنازلاتهم عرفوا الطريق إلى الله، ~~ثم دعوا الخلق إليه بعد ما عرفوا الطريق إليه. # «وقال إنني من المسلمين» : المسلمون لحكمه هم الراضون بقضائه وتقديره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : آية 34] # ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم (34) # ادفع بالخصلة التي هي أحسن السيئة يعنى بالعفو عن المكافأة، وبالتجاوز ~~والصفح عن الزلة، وترك الانتصاف «1» . # «فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم» يشبه الولي الحميم- ولم يصر ~~وليا مخلصا.. وهذا من جملة حسن الأدب في الخدمة في حق صحبتك مع الله تحلم ~~مع عباده لأجله. PageV03P331 # ومن جملة حسن الخلق في الصحبة مع الخلق ألا تنتقم لنفسك، وأن تعفو عن ~~خصمك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فصلت (41) : آية # 35] # وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) # لا يقوم بحق هذه الأخلاق إلا من أكرم بتوفيق الصبر، ورقى عن سفساف الشيم ~~إلى معالى الأخلاق. ولا يصل أحسن الدرجات إلا من صبر على مقاساة الشدائد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : آية 36] # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (36) # إذا اتصلت بقلبك نزغات الشيطان فبادر بذكر ms1077 ربك، وارجع إليه قبل أية خطوة ~~«1» # .. # فإنك إن لم تخالف أول هاجس من هواجس الشيطان صار فكرة، ثم بعد ذلك يحصل ~~العزم على ما يدعو إليه الشيطان.. فإذا لم تتدارك ذلك تجرى الزلة، وإذا لم ~~تتدارك ذلك بحسن الرجعى صار فسقا.. وبتمادي الوقت تصبح في خطر كل آفة. # ولا يتخلص العبد من نزغات الشيطان إلا بصدق الاستعانة وصدق الاستغاثة ~~وبذلك ينجو من الشيطان، وقد قال تعالى: «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان» «2» # فكلما ازداد العبد في تبريه من حوله وقوته «3» # ، وأخلص بين يدى الله بتضرعه واستعانته واستعاذته زاد الله في حفظه، ودفع ~~الشيطان عنه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : آية 37] # ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ~~واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) . PageV03P332 # أوضح الآيات، وألاح البينات، وأزاح علة من رام الوصول. واختلاف الليل ~~والنهار، ودوران الشمس والقمر من جملة أمارات قدرته، ودلالات توحيده. # «لا تسجدوا للشمس» فى علائها، «ولا للقمر» فى ضيائه، «واسجدوا لله» فقد ~~غار «1» # عليك أن تسجد لغيره. # والشمس- وإن علت، والقمر- وإن حسن.. فلأجلك خلقناهما، فلا تسجد لهما، ~~واسجد لنا. # ويقال: خلق الملائكة- ومع كثرة عبادتهم، ومع تقدمهم في الطاعة- قال لهم: # اسجدوا لآدم، وحين امتنع واحد منهم لعن إلى الأبد. وقال لأولاد آدم ~~العصاة المذنبين: «لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ... » فشتان ما هما!! والحق- ~~سبحانه وتعالى- يأمرك بصيانة وجهك عن الشمس والقمر.. وأنت لأجل كل حظ خسيس ~~تنقل قدمك إلى كل أحد وتدخل بمحياك على كل أحد!! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فصلت (41) : آية # 38] # فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ~~(38) # «2» # أي إن ترفع الكفار فلا خلل لأن الحق غنى عن كل أحد، ثم إن الملائكة- ~~الذين هم سكان الآخرة- يسجدون له بالليل والنهار، وهم لا يسأمون من عبادته. ~~PageV03P333 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فصلت (41) : آية # 39] # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن ~~الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير (39) # الأرض تكون جدبة يابسة ms1078 في الشتاء، فإذا نزل عليها المطر اهتزت بالنبات ~~واخضرت وكذلك القلوب إذا خشعت لاستشعارها بما ألمت به من الذنوب أقبل عليها ~~الحق سبحانه، فظهرت فيها بركات الندم، وعفا عن أربابها ما قصروا في صدق ~~القدم. وكذلك إذا وقعت للعبد فترة في معاملاته، أو غيبة عن بساط طاعاته، ثم ~~تغمده الحق- سبحانه- بما يدخل عليه من التذكر تظهر في القلب أنوار الوفاق، ~~فيعود إلى مألوف مقامه، ويرجع عود سداده غضا طريا، ويصير شجر وفاقه- بعد ما ~~أصابته الجدوبة- بماء العناية مستقيا. # وكذلك إذا بدت لأهل العرفان وقفة، أو حدثت لهم من جراء سوء أدب بدر منهم ~~حجبة ثم نظر الحق- سبحانه- إليهم بالرعاية.. اهتزت رياض أنسهم، واخضرت ~~مشاهد قربهم، وانهزمت وفود وقفتهم. # «إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير» : إن الذي أحيا الأرض ~~بعد موتها قادر على إحياء النفوس بالحشر والنشر. وكذلك هو قادر على إحياء ~~القلوب بنور العناية بعد الفترة والحجبة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : آية 40] # إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من ~~يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40) # سيلقون من العذاب ما يستوجبونه.. فليعملوا ما شاءوا.. فليسوا يسعون إلا ~~في ذمهم، وليسوا يمشون إلا إلى هلاكهم بأقدامهم. # PageV03P334 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فصلت (41) : آية # 41] # إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز (41) # الجواب محذوف ومعناه: بقوا عنا، ووقعوا في هوانهم وشقوا إلى الأبد. # «وإنه لكتاب عزيز» : كتاب عزيز لا مثل له حيث قد عجزوا عن الإتيان بمثله. # كتاب عزيز غالب لشبه المبتدعين والكفار. # عزيز لا يقدر على معارضته أحد.. من قولهم أرض عزاز «1» . # كتاب عزيز لأنه كلام رب عزيز إلى رسول عزيز بسفارة ملك عزيز إلى أمة ~~عزيزة. # كتاب عزيز على المؤمنين لأنه كتاب حبيبهم.. وكتاب الحبيب إلى الحبيب ~~عزيز. ### | [سورة فصلت (41) : آية 42] # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) # أي لا ينقضه كتاب آخر لا مما تقدمه من الكتب، ولا ms1079 مما يأتى من بعده.. أي ~~لا كتاب بعده، ولا نسخ له. # ويقال لا يدفع «2» معناه لفظه، ولا يخالف لفظه معناه.. # ويقال لا يقدر أحد أن يأتى بمثله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : آية 43] # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم ~~(43) # أصول التوحيد لا تختلف بالشرائع فجوهرها في الأحكام واحد: هو أنه تجب ~~موافقة أوامره، واجتناب مزاجره. ثم إن الله تعالى قال في كل كتاب، وشرع لكل ~~أمة أن يعرفوا PageV03P335 # أنه للمطيعين مثيب، وللكافرين ذو عذاب شديد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فصلت (41) : آية # 44] # ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياتهء أعجمي وعربي قل هو ~~للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ~~ينادون من مكان بعيد (44) # أخبر أنه أزاح العلة لمن أراد أن يعرف صدق الدعوة، وصحة الشريعة. # ثم وصف الكتاب بأنه شفاء للمؤمنين، وسبب شقاء للكافرين. # وهو شفاء للعلماء حيث استراحوا به عن كد الفكر وتحير الخواطر. # وهو شفاء لضيق صدور المريدين لما فيه من التنعم بقراءته، والتلذد بالتفكر ~~فيه. # وهو شفاء لقلوب المحبين من لواعج الاشتياق لما به من لطف المواجيد. # وهو شفاء لقلوب العارفين بما يتوالى عليها من أنوار التحقيق، وآثار خطاب ~~الرب العزيز. # «والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى» : هم لا يسمعون بقلوبهم ~~من الحق، ولا يستجيبون.. بقوا في ظلمات الجحد والجهل. # «وهو عليهم عمى» : لا يزدادون على مر الأيام إلا ضلالا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : آية 45] # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~وإنهم لفي شك منه مريب (45) # آتينا موسى التوراة، وأرسلناه إلى قومه، فاختلفوا في أمره.. فمن كحلنا ~~سره بنور التوحيد صدقه، ومن أعميناه عن مواقع البيان قابله بالتكذيب وجحده. # «ولولا كلمة سبقت من ربك» وهي أن عقوبتهم في النار بعد قيام القيامة ~~لعجلنا # PageV03P336 # استئصالهم، ولأذقناهم في الحال وبالهم «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فصلت (41) : آية # 46] # من ms1080 عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد (46) # «فلنفسه» لأن النفع عائد إليه. ومن عمل عملا سيئا فإنما ظلم نفسه، وأساء ~~إليها لأنه هو الذي يقاسى ضره ويلاقى شره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : آية 47] # إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد (47) # لما استعجلوا وقالوا: متى تقوم هذه القيامة التي يتوعدنا بها؟ قال الله ~~تعالى: إن علم القيامة ينفرد به الحق فلا يعلمه غيره، فكما لا يعلم أحد ما ~~الذي يخرج من الأشجار من الثمار، وما الذي تنطوى عليه أرحام النساء من ~~أولادها ذكورا وإناثا، وما هم عليه من أوصاف الخلقة، وما يحصل من الحيوانات ~~من نتاجها- فلا يعلم هذه الأشياء إلا الله- فكذلك لا يعلم أحد متى تقوم ~~القيامة. # «ويوم يناديهم أين شركائي..» : يتبرءون من شركائهم، ولكن في وقت لا ~~تنفعهم كثرة ندمهم وبكائهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : آية 49] # لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط (49) . ~~PageV03P337 # لا يمل الإنسان من إرادة النفع والسلامة، وإن مسه الشر فيئوس لا يرجو ~~زواله لعدم علمه بربه، وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إليه. ### | [سورة فصلت (41) : آية 50] # ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة ~~قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ~~ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50) # لئن كشفنا عنه البلاء، وأوجبنا له الرجاء لادعاه استحقاقا أو اتفاقا، وما ~~اعتقد أن ذلك منا فضل وإيجاب. # ويقول: لو كان لى حشر ونشر لكان لى من الله لطف وخير، وغدا يعلم الأمر، ~~وأنه بخلاف ما توهم.. وذلك عند ما نذيقه ما يستوجبه من عذاب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 51 الى # 52] # وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ~~(51) قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من ms1081 أضل ممن هو في شقاق بعيد ~~(52) # هو لا يميز بين البلاء والعطاء فكثير مما يتوهمه عطاء هو مكر واستدراج.. ~~وهو يستديمه. وكثير مما هو فضل وصرف «1» وعطاء يظنه من البلاء فيعافه «2» ~~ويكرهه. # ويقال إذا أنعمنا عليه صاحبه بالبطر، وإذا أبليناه قابله بالضجر. # ويقال إذا أنعمنا عليه أعجب بنفسه، وتكبر مختالا في زهوه، لا يشكر ربه، ~~ولا يذكر فضله، ويتباعد عن بساط طاعته. PageV03P338 # والمستغنى عنا يهيم على وجهه، وإذا مسه الشر فذو دعاء كثير، وتضرع عريض، ~~وابتهال شديد، واستكشاف «1» دائم. # ثم إذا كشفنا عنه ذلك فله إلى عتوه ونبوه عود، ولسوء طريقته في الجحود ~~إعادة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 53 الى 54] # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف ~~بربك أنه على كل شيء شهيد (53) ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل ~~شيء محيط (54) # «سنريهم» : السين للاستقبال أي سيظهر لهم من الآيات، ومن الأحداث التي ~~تجرى فى أحوال العالم، وما سيحل بهم من اختلاف الأمور ما يتبين لهم من ~~خلاله أن هذا الدين حق، وأن هذا الكتاب حق، وأن محمدا- صلى الله عليه وسلم- ~~حق، وأن المجرى لهذه الآيات والأحداث والأمور والمنشئ له هو الحق- سبحانه. # ومن تلك الآيات ما كان من قهر الكفار، وعلو الإسلام، وتلاشى أعداء الدين. # ويقال من تلك الآيات في الأفاق اختلاف أحكام الأعين مع اتفاق جواهرها في ~~التجانس.. # وهذه آيات حدوث العالم، واقتضاء المحدث لصفاته. # «وفي أنفسهم» : من أمارات الحدوث واختلاف الأوصاف ما يمكنهم إدراكه. # ويقال: «في الآفاق» للعلماء، «وفي أنفسهم» لأهل المعرفة مما يجدونه من ~~العقاب إذا ألموا بذنب، ومن الثواب إذا أخلصوا في طاعة. # وكذلك ما يحصل لهم من اختلاف الأحوال من قبض وبسط، وجمع وفرق، وحجب ~~PageV03P339 # وجذب.. وما يجدونه بالضرورة فى معاملاتهم ومنازلاتهم «1» . # «أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد» : هو الكافي، ولكنهم- أي الكفار- فى ~~مرية من لقاء ربهم في القيامة. والإشارة فيه: أن العوام لفى شك من تجويز ما ~~يكاشف به أهل الحضور من تعريفات ms1082 السر. # «ألا إنه بكل شيء محيط» : عالم لا يخفى عليه شىء. PageV03P340 # سورة الشورى # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» سلوة العاصين في سماع رحمة الله، ~~وحظوة العابدين في رجائهم نعمة الله، وراحة الفقراء فى رضاهم بقسمة الله.. ~~لكل من حاله نصيب، وكل في متنفسه مصيب. # قوله جل ذكره: ### | سورة الشورى # (42) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) عسق (2) # الحاء مفتاح اسمه: حليم وحافظ وحكيم، والميم مفتاح اسمه: ملك وماجد ومجيد ~~ومنان ومؤمن ومهيمن، والعين مفتاح اسمه: عالم وعدل وعال، والعين مفتاح ~~اسمه: سيد وسميع وسريع الحساب، والقاف مفتاح اسمه قادر وقاهر وقريب وقدير ~~وقدوس «1» . ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 3] # كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم (3) # أقسم بهذه الأسماء وهذه الحروف إنه كما أوحى إلى الذين من قبلك كذلك يوحى ~~إليك العزيز الحكيم، كما أوحى إليهم العزيز الحكيم. ### | [سورة الشورى (42) : آية 4] # له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم (4) # له ما في السماوات وما في الأرض ملكا. # «وهو العلي العظيم» : علوه وعظمته استحقاقه لأوصاف المجد أي وجوب أن يكون ~~بصفات المجد والجلال. PageV03P341 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 5] # تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن ~~في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) # أي تكاد السماوات تتشقق من عظمة من فوقهن وهو الله تعالى، والفوقية هنا ~~فوقية رتبة «1» وذلك من شدة هيبتهن من الله. # ويقال من ثقل الملائكة الذين هم فوق السماوات لكثرتهم. وفي الخبر: «أطت ~~«2» السماء أطا وحق لها أن تئط ما من موضع قدم في السماوات إلا وعليه قائم ~~أو راكع أو ساجد» . # ويقال إنه على عادة العرب إذا أخبروا عن شىء قالوا كادت السماوات تنشق ~~له.. وهنا لقبح قول المشركين ولجرأتهم على الله تعالى، ولعظم قولهم كادت ~~السماوات تنشق.. قال تعالى: «لقد جئتم شيئا إدا. تكاد السماوات يتفطرن منه ~~وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ولدا» «3» وعلى هذا التأويل: ~~«يتفطرن من فوقهن» أي إلى ms1083 أسفلهن، أي تتفطر جملتها «4» . # ومع أن أولاد آدم بهذه الصفة إلا أن الملائكة يسبحون بحمد ربهم لا ~~يفترون، ويستغفرون لمن في الأرض.. ثم قال: «ألا إن الله هو الغفور الرحيم» ~~: أي يغفر لهم مع كثرة عصيانهم. وفي الوقت الذي يرتكب فيه الكفار هذا الجرم ~~العظيم بسبب شركهم فإنه- سبحانه- لا يقطع رزقه ونفعه عنهم- وإن كان يريد أن ~~يعذبهم في الآخرة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : آية 6] # والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل (6) ~~PageV03P342 # المشركون اتخذوا الشياطين أولياء من دونه، وذلك بموافقتهم لها فيما توسوس ~~به إليهم. # وليس يخفى على الله أمرهم، وسيعذبهم بما يستوجبونه. ولست- يا محمد- بمسلط ~~عليهم. # وفي الإشارة: كل من يعمل بمتابعة هواه ويترك لله حدا أو ينقض له عهدا فهو ~~يتخذ الشياطين أولياء، والله يعلمه، ولا يخفى عليه أمره، وعلى الله حسابه.. ~~ثم إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 7] # وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع ~~لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (7) # أنزلنا عليك قرآنا يتلى بلغة العرب لتخوف به أهل مكة والذين حولها. وجميع ~~العالم محدق بالكعبة ومكة لأنها سرة الأرض. # «وتنذر يوم الجمع» : تنذرهم بيوم القيامة. والإنذار الإعلام بموضع ~~المخافة. ويوم الجمع- وهو اليوم الذي يجمع فيه الخلق كلهم، ويجمع بين المرء ~~وعمله، وبين الجسد وروحه «1» ، وبين المرء وشكله في الخير والشر- لا شك في ~~كونه. وفي ذلك اليوم فريق يبعث إلى الجنة وفريق يحصل في السعير. وكما أنهم ~~اليوم فريقان فريق في راحة الطاعات وحلاوة العبادات، وفريق في ظلمة الشرك ~~وعقوبة الجحد.. فكذلك غدا فريق هم أهل اللقاء، وفريق هم أهل الشقاء ~~والبلاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 8 الى 9] # ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما ~~لهم من ولي ولا نصير (8) أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي ~~الموتى وهو على كل شيء قدير (9) # إن ms1084 أراد أن يجمعهم كلهم على الهدى والرشاد لم يكن مانع.. وإذا لا زين ~~لهم. ولو شاء PageV03P343 # أن يجمعهم كلهم على الفساد والعناد لم يكن دافع- وإذا لاشين منه. وحيث ~~خلقهم مختلفين- على ما أراد- فلا مبالاة بهم.. إنه إله واحد جبار غير ~~مأمور، متول جميع الأمور من الخير والشر، والنفع والضر. هو الذي يحيى ~~النفوس والقلوب اليوم وغدا، ويميت النفوس والقلوب اليوم وغدا «1» .. وهو ~~على كل شىء قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 10] # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه ~~أنيب (10) # «فحكمه إلى الله» : أي إلى كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ~~وإجماع الأئمة، وشواهد القياس. والعبرة بهذه الأشياء فهى قانون الشريعة، ~~وجملتها من كتاب الله فإن الكتاب هو الذي يدل على صحة هذه الجملة «2» . # ويقال: إذا لم تهتدوا إلى شىء وتعارضت منكم الخواطر فدعوا تدبيركم، ~~والتجئوا إلى ظل شهود تقديره، وانتظروا ما ينبغى لكم أن تفعلوه بحكم تيسيره ~~«3» . # ويقال إذا اشتغلت قلوبكم بحديث أنفسكم لا تدرون أبا لسعادة جرى حكمكم أم ~~بالشقاوة مضى اسمكم؟ فكلوا الأمر فيه إلى الله، واشتغلوا في الوقت بأمر ~~الله دون التفكر فيما ليس لكم سبيل إلى علمه عن عواقبكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : آية 11] # فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا ~~يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11) # خلق لكم من أنفسكم «أزواجا: أي أشكالا فخلق حواء من آدم وخلق PageV03P344 # - بسبب بقاء التناسل- جميع الحيوانات أجناسا. # «يذرؤكم» : يكثر خلقكم. «فيه» الهاء تعود إلى البطن أي في البطن، وقيل: # فى الرحم، وقيل: فى التزويج «1» . # «ليس كمثله شيء» : لأنه فاطر السماوات والأرض، ولأنه لا مثل يضارعه، ولا ~~شكل يشاكله. والكاف في ليس «كمثله» صلة أي ليس مثله شىء. ويقال: لفظ «مثل» ~~صلة ومعناه ليس كهو شىء. ويقال معناه ليس له مثل إذ لو كان له مثل لكان ~~كمثله شىء وهو هو، فلما قال: «ليس كمثله شيء» فمعناه ليس له مثل، والحق لا ~~شيبه له ms1085 في ذاته ولا في صفاته ولا في أحكامه. # وقد وقع قوم في تشبيه ذاته بذات المخلوقين فوصفوه بالحد والنهاية والكون ~~في المكان، وأقبح قولا منهم من وصفوه بالجوارح والآلات فظنوا أن بصره في ~~حدقة، وسمعه في عضو، وقدرته في يد.. إلى غير ذلك. # وقوم قاسوا حكمه على حكم عباده فقالوا: ما يكون من الخلق قبيحا فمنه ~~قبيح، وما يكون من الخلق حسنا فمنه حسن!! وهؤلاء كلهم أصحاب التشبيه- والحق ~~مستحق للتنزيه دون التشبيه، مستحق للتوحيد دون التحديد، مستحق للتحصيل دون ~~التعطيل والتمثيل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 12] # له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم ~~(12) # «مقاليد» أي مفاتيح، والمفاتيح للخزائن، وخزائنه مقدوراته. وكما أن في ~~الموجودات معادن مختلفة فكذلك القلوب معادن جواهر الأحوال فبعض القلوب ~~معادن المعرفة، وبعضها معادن المحبة، وبعضها للشوق، ويعضها للأنس.. وغير ~~ذلك من الأحوال كالتوحيد والتفريد والهيبة والرضا. وفائدة التعريف بأن ~~المقاليد له: أن يقطع العبد أفكاره عن الخلق، ويتوجه PageV03P345 # فى طلب ما يريد من الله الذي «يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر» ، والذي هو ~~«بكل شيء عليم» : # يوسع ويضيق أرزاق النفوس وأرزاق القلوب حسبما شاء وحكم وعلم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 13] # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم ~~إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) # «شرع» : أي بين وأظهر. «من الدين» أراد به أصول الدين فإنها لا تختلف في ~~جميع الشرائع، وأما الفروع فمختلفة، فالآية تدل على مسائل أحكامها في جميع ~~الشرائع واحدة. # ثم بين ذلك بقوله: «أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه» .. وفي القصة أن ~~تحريم البنات والأخوات إنما شرع في زمان نوح عليه السلام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : آية 14] # وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك ~~إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن ms1086 الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب ~~(14) # يعنى أنهم أصروا على باطلهم بعد وضوح البيان وظهور البرهان حين لا عذر ~~ولا شك «ولولا كلمة سبقت من ربك» .. وهو أنه حكم بتأخير العقوبة إلى يوم ~~القيامة لعجل لهم ما يتمنونه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : آية 15] # فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من ~~كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة ~~بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) # PageV03P346 # أي ادع إلى هذا القرآن، وإلى الدين الحنيفي، واستقم في الدعاء، وفي ~~الطاعة. أمر الكل من الخلق بالاستقامة، وأفرده بذكر التزام الاستقامة. # ويقال: الألف والسين والتاء في الاستقامة للسؤال والرغبة أي سل منى أن ~~أقيمك، «ولا تتبع أهواءهم، وقل: آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل ~~بينكم» : أمرت بالعدل في القضية، وبأن أعلم أن الله إله الجميع، وأنه يحاسب ~~غدا كلا بعمله، وبأن الحجة لله على خلقه، وبأن الحاجة لهم إلى مولاهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 16] # والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم ~~غضب ولهم عذاب شديد (16) # يجادلون في الله من بعد ما استجيب لدعاء محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر ~~على المشركين. # حجة هؤلاء الكفار داحضة عند ربهم لأنهم يحتجون بالباطل، وهم من الله ~~مستوجبون للعنة والعقاب «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : آية 17] # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17) # أنزل الكتاب، وأنزل الحكم بالميزان أي بالحق. # ويقال ألهمهم وزن الأشياء بالميزان، ومراعاة العدل في الأحوال. # «وما يدريك لعل الساعة قريب» : يزجرهم عن طول الأمل، وينبههم إلى انتظار ~~هجوم الأجل. PageV03P347 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 18] # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها ~~الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) # المؤمنون يؤمنون بالبعث وما بعده من أحكام الآخرة، ويكلون أمورهم إلى ~~الله فلا ms1087 يتمنون الموت حذر الابتلاء، ولكن إذا ورد الموت لم يكرهوه، وكانوا ~~مستعدين له «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : آية 19] # الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19) # «لطيف» «2» أي عالم بدقائق الأمور وغوامضها. واللطيف هو الملطف المحسن.. # وكلاهما في وصفه صحيح. واللطف في الحقيقة قدرة الطاعة، وما يكون سبب ~~إحسانه للعبد اليوم هو لطف منه به. # وأكثر ما يستعمل اللطف- فى وصفه- فى الإحسان بالأمور الدينية. # ويقال: خاطب العابدين بقوله: «لطيف بعباده» : أي يعلم غوامض أحوالهم من ~~دقيق الرياء والتصنع لئلا يعجبوا بأحوالهم وأعمالهم. وخاطب العصاة بقوله: ~~«لطيف» : لئلا ييأسوا من إحسانه. # ويقال: خاطب الأغنياء بقوله: «لطيف» : ليعلموا أنه يعلم دقائق معاملاتهم ~~في جمع المال من غير وجهه بنوع تأويل، وخاطب الفقراء. بقوله: «لطيف» أي أنه ~~محسن يرزق من يشاء. # ويقال: سماع قوله: «الله» يوجب الهيبة والفزع، وسماع «لطيف» يوجب السكون ~~PageV03P348 # والطمأنينة. فسماع قوله: «الله» أوجب لهم تهويلا، وسماع قوله: «لطيف» ~~أوجب لهم تأميلا. # ويقال: اللطيف من يعطى قدر الكفاية وفوق ما يحتاج العبد إليه. # ويقال: من لطفه بالعبد علمه بأنه لطيف، ولولا لطفه لما عرف أنه لطيف. # ويقال: من لطفه أنه أعطاه فوق الكفاية، وكلفه دون الطاقة. # ويقال: من لطفه بالعبد إبهام عاقبته عليه لأنه لو علم سعادته لاتكل عليه، ~~وأقل عمله. # ولو علم شقاوته لأيس ولترك عمله.. فأراده أن يستكثر في الوقت من الطاعة. # ويقال: من لطفه بالعبد إخفاء أجله عنه لئلا يستوحش إن كان قد دنا أجله. # ويقال: من لطفه بالعبد أنه ينسيه ما عمله في الدنيا من الزلة لئلا يتنغص ~~عليه العيش فى الجنة. # ويقال: اللطيف من نور الأسرار «1» ، وحفظ على عبده ما أودع قلبه من ~~الأسرار «2» ، وغفر له ما عمل من ذنوب في الإعلان والإسرار. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 20] # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته ~~منها وما له في الآخرة من نصيب (20) # «من كان يريد حرث الآخرة» : نزده- اليوم- فى الطاعات توفيقا، وفي المعارف ~~وصفاء الحالات ms1088 تحقيقا. ونزده في الآخرة ثوابا واقترابا وفنون نجاة وصنوف ~~درجات. # «ومن كان يريد حرث الدنيا» : مكتفيا به نؤته منها ما يريد، وليس له في ~~الآخرة نصيب. PageV03P349 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 21] # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل ~~لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21) # «ما لم يأذن به الله» : أي ليس ذلك مما أمر به، وإنما هو افتراء منهم. # «ولولا كلمة الفصل» .. أي ما سبق به الحكم بتأخير العقوبة إلى القيامة.. ### | [سورة الشورى (42) : آية 22] # ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22) # إذا حصل الإجرام فإلى وقت ما لا يعذبهم الله في الغالب، ولكنه لا محالة ~~يعذبهم وربما يثبت ذلك لبعض أصحاب القلوب فيتأسفون، ويعلمون أن ذلك من الله ~~لهم معجل قد أصابهم، أما الكفار.. # فغدا يشفقون مما يقع بهم عند ما يقرءونه في كتابهم، لأن العذاب- لا ~~محالة- واقع بهم. # «والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات» : فى الدنيا جنان ~~الوصلة، ولذاذة الطاعة والعبادة، وطيب الأنس في أوقات الخلوة. وفي الآخرة ~~في روضات الجنة: «لهم ما يشاؤن عند ربهم» : إن أرادوا دوام اللطف دام لهم، ~~وإن أرادوا تمام الكشف كان لهم.. ذلك هو الفضل الكبير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : آية 23] # ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسئلكم عليه ~~أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور ~~شكور (23) # ذلك الذي يبشر الله عباده قد مضى ذكره في القرآن متفرقا من أوصاف الجنة ~~وأطايبها، وما وعد الله من المثوبة.. ونحو ذلك. # «قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى» . # قل- يا محمد- لا أسألكم عليه أجرا. من بشر أحدا بالخير طلب عليه أجرا، ~~ولكن الله- وقد بشر المؤمنين على لسان نبيه بما لهم من الكرامات الأبدية- ~~لم يطلب عليه أجرا # PageV03P350 # فالله- سبحانه- لا يطلب عوضا، وكذلك نبيه- صلى الله ms1089 عليه وسلم- لا يسأل ~~أجرا فإن المؤمن قد أخذ من الله خلقا حسنا.. فمتى يطلب الرسول منهم أجرا؟! ~~وهو- صلوات الله عليه- يشفع لكل من آمن به، والله- سبحانه- يعطى الثواب لكل ~~من آمن به. # «إلا المودة في القربى» : أراد أن تثبت مودتك في القربى فتود من يتقرب ~~إلى الله فى طاعته «1» . # «ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور» . # تضعيف الثواب في الآخرة للواحد من عشرة إلى سبعمائة.. هذه هي الزيادة. # ويقال: الزيادة هي زيادة التوفيق في الدنيا. # ويقال: إذا أتى زيادة في المجاهدة تفضلنا بزيادة.. وهي تحقيق المشاهدة. # ويقال من يقترف حسنة الوظائف «2» نزد له فيها حسن اللطائف. # ويقال: تلك الزيادة لا يصل إليها العبد بوسعه فهى مما لا يدخل تحت طوق ~~«3» البشر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 24] # أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله ~~الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24) # أي أنك إن افتريته ختم الله على قلبك، ولكنك لم تكذب على ربك. # ومعنى الآية أن الله يتصرف في عباده بما يشاء: من إبعاد وتقريب، وإدناء ~~وتبعيد «4» . PageV03P351 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 25] # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25) # «ويعفوا عن السيئات» الألف واللام للجنس مطلقا، وهي هنا للعهد أي تلك ~~السيئات التي تكفى التوبة المذكورة في الشريعة لقبولها فإنه يعفو عنها إذا ~~شاء «1» . «ويعلم ما تفعلون» : # من الأعمال على اختلافها «2» . # وهو «الذي» ..: الذي من الأسماء الموصولة التي لا يتم معناها إلا بصلة، ~~فهو قد تعرف إلى عباده على جهة المدح لنفسه بأنه يقبل توبة العبد فالزلة- ~~وإن كانت توجب للعبد ذميم الصفة- فإن قبولها يوجب للحق حميد الاسم. # ويقال: قوله: «عباده» اسم يقتضى الخصوصية (لأنه أضافه إلى نفسه) «3» حتى ~~تمنى كثير من الشيوخ أن يحاسبه حساب الأولين والآخرين لعله يقول له: عبدى. ~~ولكن ما طلبوه فيما قالوه موجود فى «التوبة عن عباده» وإذا فلا ينبغى لهم ~~أن يتمنوا كذلك، وعليهم أن أن ms1090 يتوبوا لكى يصلوا إلى ذلك. # ويقال لما كان حديث العفو عن السيئات ذكرها على الجمع والتصريح «4» فقال: ~~«ويعفوا عن السيئات» . ثم لما كان حديث التهديد قال: «ويعلم ما تفعلون» ~~فذكره على التلويح فلم يقل: ويعلم زلتك- بل قال ويعلم «ما» تفعلون، وتدخل ~~في ذلك الطاعة والزلة جميعا «5» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : آية 26] # ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب ~~شديد (26) PageV03P352 # (أي إذا دعوه استجاب لهم) «1» بعظيم الثواب في الآخرة. # «ويزيدهم من فضله» : يقول المفسرون من أهل السنة في هذه الزيادة إنها ~~الرؤية. # ذكر التوبة وأهلها، وذكر العاصين بوصفهم، ثم ذكر المطيعين الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات.. فلما وصل إلى الزيادة- التي هي الرؤية- قال: «ويزيدهم» ~~على الجمع والكناية «2» إذا تلمت مذكورات رجعت إليها جميعا فيكون المعنى أن ~~الطاعات في مقابلها الدرجات، وتكون بمقدارها في الزيادة والنقصان، وأما ~~الرؤية فسبيلها الزيادة والفضل.. # والفضل ليس فيه تمييز. # ويقال: لما ذكر أن التائبين تقبل توبتهم، ومن لم يتب غفر زلته «3» ، وأن ~~المطيعين لهم الجنة.. فلربما خطر ببال أحد: وإذا فهذه النار لمن هى؟! فقال ~~جل ذكره: # «والكافرون لهم عذاب شديد» . # فالعصاة من المؤمنين لهم عذاب.. أما الكافرون فلهم عذاب شديد لأن دليل ~~الخطاب يقتضى هذا وذاك يقتضى أن المؤمنين لهم عذاب.. ولكن ليس بشديد، وأما ~~عذاب الكافرين فشديد. # ويقال: إن لم يتب العبد خوفا من النار، ولا طمعا في الجنة لكان من حقه أن ~~يتوب ليقبل الحق- سبحانه. # ويقال إن العاصي يكون أبدا منكسر القلب، فإذا علم أن الله يقبل الطاعة من ~~المطيعين يتمنى أن ليت له طاعة ميسرة ليقبلها، فيقول الحق: عبدى، إن لم تكن ~~لك طاعة تصلح للقبول فلك توبة إن أتيت بها تصلح لقبولها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 27] # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه ~~بعباده خبير بصير (27) PageV03P353 # هذا الخطاب في الظاهر يشبه الاعتذار في تخاطب الآدميين. والمعنى: أننى لم ~~أبسط عليك أيها الفقير في الدنيا لما كان لى من ms1091 العلم أننى لو قسمت عليك ~~الدنيا لطغيت، ولسعيت فى الأرض بالفساد. # ويقال: قوله: «ولكن..» : لكن كلمة استدراك، فالمعنى: لم أوسع عليك الرزق ~~بمقدار ما تريد ولم أمنع عنك (الكل) «1» لأن أنزل بقدر ما أشاء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 28] # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28) # الله- سبحانه محيى القلوب فكما أنه «هو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ~~وينشر رحمته» ، فبعدما أصابت الأرض جدوبة، وأبطأ نزول الغيث، وقنط الناس من ~~مجىء المطر، وأشرف الوقت على حد الفوات ينزل الله بفضله الغيث، ويحيى الأرض ~~بعد قنوط أهلها.. فكذلك العبد إذا ذبل غصن وقته، وتكدر صفو وده، (وكسفت) ~~«2» شمس أنسه، (وبعد) «3» عن الحضرة وساحات القرب عهده فلربما ينظر إليه ~~الحق برحمته فينزل على سره أمطار الرحمة، ويعود عوده طريا، وينبت في مشاهد ~~أنسه وردا جنيا.. # وأنشدوا: # إن راعنى منك الصدود ... فلعل أيامى تعود # ولعل عهدك باللوى ... يحيا فقد تحيا العهود # والغصن ييبس تارة ... وتراه مخضرا يميد # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : آية 29] # ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا ~~يشاء قدير (29) PageV03P354 # جعل الله في كل شىء من المخلوقات دلالة على توحده في جلاله، وتفرده بنعت ~~كبريائه وجماله «1» . # «وهو على جمعهم إذا يشاء قدير» : والإشارة منها أن الحق- سبحانه- يغار ~~على أوليائه أن يسكن بعضهم بقلبه إلى بعض فأبدا يبدد شملهم، ولا تكاد ~~الجماعة من أهل القلوب تتفق في موضع واحد إلا نادرا، وذلك لمدة يسيرة.. كما ~~قالوا: # رمى الدهر بالفتيان حتى كأنهم ... بأكناف أطراف السماء نجوم # وفي بعض الأحايين قد يتفضل الحق عليهم فتدنو بهم الديار، ويحصل بينهم- فى ~~الظاهر- اجتماع والتقاء، فيكون في ذلك الوقت قد نظر الحق- سبحانه- بفضله ~~إلى أن في اجتماعهم بركات لحياة العالم. # وهذا- وإن كان نادرا- فإنه على جمعهم- إذا يشاء- قدير. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 30] # وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير (30) # إذا تحقق العبد بهذه الآية فإنه إذا أصابته شظية أو حالة ms1092 مما يسوءه، وعلم ~~أن ذلك جزاء له، وعقاب على ما بدر منه من سوء الأدب لاستحيى بخجلته من ~~فعله، ولشغله ذلك عن رؤية الناس، فلا يحاول أن ينتقم منهم أو يكافئهم أو ~~يدعو عليهم، وإنما يشغله تلافى ما بدر منه من سوء الفعل عن محاولة الانتصاف ~~لنفسه ممن يتسلط عليه من الخلق.. تاركا الأمر كله لربه. # ويقال: إذا كثرت الأسباب من البلايا على العبد، وتوالى عليه ذلك.. فليفكر ~~فى أفعاله للذمومة.. كم يحصل منه حتى يبلغ جزاء ما يفعله- مع العفو الكثير- ~~هذا المبلغ؟! فعند ذلك يزداد حزنه وتأسفه لعلمه بكثرة ذنوبه ومعاصيه. ~~PageV03P355 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 32] # ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (32) # يريد بها السفن التي تجرى في البحار يرسل الله الريح فتسيرها مرة، ~~ويسكنها أخرى، وما يريهم خلال ذلك من الهلاك أو السلامة.. وهو بهذا يحثهم ~~على التفكر والتنبه دائما. # والإشارة في هذا إلى إمساك الناس «1» فى خلال فترة الوقت عن الأنواء ~~المختلفة، وحفظهم في إيواء السلامة، فالواجب الشكر في كل حالة، وإذا خلص ~~الشكر استوجب جزيل المزيد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : آية 36] # فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36) # يعنى أن الراحات في الدنيا لا تصفو، ومن المشائب لا تخلو. وإن اتفق وجود ~~البعض منها في أحايين فإنها سريعة (الزوال) «2» ، (وشيكة) «3» الارتحال. # «وما عند الله» من الثواب الموعود «خير» من هذا القليل الموجود. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : آية 37] # والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37) # «كبائر الإثم» : الشرك. و «الفواحش» : ما دون ذلك من الزلات. فإذا تركوها ~~لا يتجرعون كاسات الغضب بل تسكن لديهم سورة النفس لأنهم يتوكلون على ربهم ~~فى عموم الأحوال. ### | [سورة الشورى (42) : آية 38] # والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ~~ينفقون (38) PageV03P356 # «استجابوا لربهم» : فيما دعاهم إليه وما أمرهم به من فنون الطاعات فهؤلاء ~~هم الذين لهم حسن الثواب وحميد المآب. # والمستجيب لربه هو الذي لا ms1093 يبقى له نفس إلا على موافقة رضاه «1» ، ولا ~~تبقى منه لنفسه بقية. # «وأمرهم شورى بينهم» : لا يستبد أحدهم برأيه لأنه يتهم أمره ورأيه أبدا ~~«2» . # ثم إذا أراد القطع بشىء يتوكل على الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 39] # والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) # «البغي» : الظلم، فيعلم أحدهم أن الظلم الذي أصابه هو من قبل نفسه، ~~فينتصر على الظالم وهو نفسه بأن يكبح عنانها عن الركض في ميدان المخالفات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : آية 40] # وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ~~(40) # (يعنى لا تجاوزوا حد ما جنى الجاني عليكم في المكافأة أو الانتقام) «3» . # «فمن عفا وأصلح فأجره على الله» : من عفا عن الجاني، وأصلح ما بينه وبين ~~الله- أصلح الله ما بينه وبين الناس. «فأجره على الله» : فالذى للعبد من ~~الله وعلى الله، وعند الله خير مما يعمله باختياره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 41 الى 42] # ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على الذين ~~يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) . ~~PageV03P357 # علم الله أن الكل من عباده لا يجد التحرر من أحكام النفس، ولا يتمكن من ~~محاسن الخلق فرخص لهم في المكافأة على سبيل العدل والقسط- وإن كان الأولى ~~بهم الصفح والعفو. # «إنما السبيل على الذين يظلمون الناس..» : السبيل بالملامة لمن جاوز ~~الحد، (وعدا الطور) «1» ، وأتى غير المأذون له من الفعل.. فهؤلاء لهم عذاب ~~أليم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 43] # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (43) # صبر على البلاء من غير شكوى، وغفر- بالتجاوز عن الخصم- ولم تبق لنفسه ~~عليه دعوى، بل يبرىء خصمه من كل دعوى، فى الدنيا والعقبى.. فذلك من عزم ~~الأمور. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 44 الى 46] # ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب ~~يقولون هل إلى مرد من سبيل (44) وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون ~~من طرف ms1094 خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم (45) وما كان لهم من أولياء ينصرونهم ~~من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل (46) # إن الذين أضلهم الله، وأعمى أبصارهم وبصائرهم، وأوقعهم في كد عقوبتهم، ~~وحرمهم برد الرضا لحكم ربهم ليس لهم ولي من دون الله، ولا مانع لهم من ~~عذابه. وتراهم إذا رأوا العذاب يطلبون منه النجاة فلا ينالونها. # وتراهم يعرضون على النار وهم خاشعون من الذل لا تنفعهم ندامة، ولا تسمع ~~منهم دعوة، ويعيرهم المؤمنون بما ذكروهم به فلا يسمعون، فاليوم لا ناصر ~~ينصرهم، ولا راحم يرحمهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : آية 47] # استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجإ ~~يومئذ وما لكم من نكير (47) # الاستجابة لله الوفاء بعهده، والقيام بحقه، والرجوع عن مخالفته إلى ~~موافقته، والاستسلام PageV03P358 # فى كل وقت لحكمه. والطريق اليوم إلى الاستجابة مفتوح. وعن قريب سيغلق ~~الباب على القلب بغتة، ويؤخذ فلتة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : آية 48] # فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا ~~الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور ~~(48) # فإن أعرضوا عن الإجابة فليس عليك إلا تبليغ الرسالة، ثم نحن أعلم بما ~~نعاملهم به. # «وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها، وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم فإن الإنسان كفور» . # إذا أذقنا الإنسان منا رفاهية ونعمة فرح بتلك الحالة، وقابلها بالبطر، ~~وتوصل بتمام عافيته إلى المخالفة، وجعل السلامة ذريعة للمخالفة. وإن أصابته ~~فتنة وبلية، ومسته مصيبة ورزية فإنه كفور بنعمائنا، جحود لآياتنا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 49 الى # 50] # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ~~الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير ~~(50) # «1» ... # يهب لمن يشاء الذكور، ولمن يشاء الإناث، ولمن يشاء الجنين، ويجعل من ms1095 يشاء ~~عقيما، فلا اعتراض عليه في تقديره، ولا افتيات في اختياره، فهو أولى بعباده ~~من عباده. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : آية 51] # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) # لله بحق ملكه أن يفعل ما يشاء، ويعطى من يشاء من عباده ما يشاء، ولكن ~~أجرى PageV03P359 # العادة وحكم بأنه لا يفعل إلا ما ورد في هذه الآية فلم يكلم أحدا إلا ~~بالوحى، أو من وراء حجاب يعنى وهو لا يرى الحق، فالمحجوب هو العبد لا الرب، ~~والحجاب أن يخلق فى محل الرؤية ضد الرؤية.. تعالى الله عن أن يكون من وراء ~~حجاب لأن ذلك صفة الأجسام المحدودة التي يسبل عليها ستر. إنه «علي» : فى ~~شأنه وقدره، «حكيم» : فى أفعاله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 52 الى 53] # وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) ~~صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ~~(53) # أي ذلك مثلما أوحينا إليك «روحا» من أمرنا يعنى القرآن سماه روحا لأنه من ~~آمن به صار به قلبه حيا. # ويقال «روحا من أمرنا» : أي جبريل عليه السلام، ويسمى جبريل روح القدس. # «ما كنت تدري ما الكتاب..» : ما كنت تدرى قبل هذا ما القرآن، «ولا ~~الإيمان» : # أي تفصيل هذه الشرائع. # «ولكن جعلناه» : أي القرآن «نورا» نهدى به من نشاء من عبادنا المؤمنين. # «ألا إلى الله تصير الأمور» : لأن منه ابتداء الأمور. # PageV03P360 # سورة الزخرف # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» بسم «الله: اسم عزيز من وثق ~~بجوده وكرمه لم يعلق بغيره صواعد هممه، ولم يقف على سدة مخلوق بقدمه في ~~ابتغاء كرمه. اسم عزيز من عوده خفايا لطفه «1» لم يتذلل «2» فى طلب شىء من ~~غيره، ولم يرجع إلى غيره في شره وخيره. # قوله جل ذكره: ### | سورة الزخرف ms1096 # (43) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (3) # الحاء تدل على حياته والميم على مجده.. وهذا قسم ومعناه: وحياتى ومجدى ~~وهذا القرآن إن الذي أخبرت عن رحمتى بعبادي المؤمنين حق وصدق. وجعلناه ~~قرآنا عربيا ليتيسر عليكم فهم معناه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 4] # وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) # «في أم الكتاب لدينا» : أي أنه مكتوب في اللوح المحفوظ. # «لعلي حكيم» لعلي القدر، حكيم الوصف لا تبديل له ولا تحويل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 5] # أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (5) # أي أننا لا نفعل ذلك (فيكون معنى الاستفهام) «3» أفنقطع عنكم خطابنا ~~وتعريفنا PageV03P361 # إن أسرفتم في خلافكم؟ لا ... إننا لا نرفع التكليف بأن خالفتم، ولا ~~نهجركم- بقطع الكلام عنكم- إن أسرقتم. # وفي هذا إشارة لطيفة وهو أنه لا يقطع الكلام- اليوم- عمن تمادى في ~~عصيانه، وأسرف في أكثر شانه. فأحرى أن من لم يقصر في إيمانه- وإن تلطخ ~~بعصيانه، ولم يدخل خلل في عرفانه- ألا يمنع عنه لطائف غفرانه «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 6 الى 7] # وكم أرسلنا من نبي في الأولين (6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به ~~يستهزؤن (7) # ما أتاهم من رسول فقابلوه بالتصديق، بل كذب به الأكثرون وجحدوا، وعلى ~~غيهم أصروا ... ### | ### | [سورة الزخرف (43) : آية # 8] # فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين (8) # أي لم يعجزنا أحد منهم، ولم نغادر منهم أحدا، وانتقمنا من الذين أساءوا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 9] # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (9) # كانوا يقرون بأن الله خالقهم، وأنه خلق السماوات والأرض، وإنما جحدوا ~~حديث الأنبياء، وحديث البعث وجوازه. ### | [سورة الزخرف (43) : آية 10] # الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (10) # كما جعل الأرض قرارا لأشباحهم جعل الأشباح قرارا لأرواحهم فالخلق سكان ~~الأرض، فإذا انتهت المدة- مدة كون النفوس على الأرض- حكم الله بخرابها.. # كذلك إذا فارقت الأرواح الأشباح بالكلية قضى الله بخرابها. PageV03P362 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزخرف (43) : آية # 11] # والذي ms1097 نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) # يعنى كما يحيى الأرض بالمطر يحيى القلوب بحسن النظر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 12] # والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (12) # أي الأصناف من الخلق «وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون» كذلك جنس ~~عليكم الأحوال كلها فمن رغبة في الخيرات إلى رهبة مما توعدكم به من ~~العقوبات. ومن خوف يحملكم على ترك الزلات إلى رجاء يبعثكم على فعل الطاعات ~~طمعا فى المثوبات.. وغير ذلك من فنون الصفات ### | [سورة الزخرف (43) : آية 13] # لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان ~~الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) # يعنى الفلك والأنعام.. # «ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا ~~وما كنا له مقرنين» مطيعين، وكما سخر لهم الفلك في البحر، والدواب للركوب، ~~وأعظم عليهم المنة بذلك فكذلك (سهل للمؤمنين مركب التوفيق فحملهم عليه إلى ~~بساط الطاعة) «1» ، وسهل للمريدين مركب الإرادة فحملهم عليه إلى عرصات ~~الجود، وسهل للعارفين مركب الهمم فأناخوا بعقوة العزة. وعند ذلك محط الكافة ~~إذ لم تخرق سرادقات العزة همة مخلوق: سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا أو ~~وليا مكرما، فعند سطوات العزة يتلاشى كل مخلوق، ويقف وراءها كل محدث مسبوق ~~«2» . PageV03P363 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزخرف (43) : آية # 15] # وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين (15) # هم الذين قالوا: الملائكة بنات الله فجعلوا البنات لله جزءا على التخصيص ~~من جملة مخلوقاته.. تعسا لهم في قولهم ذلك وخزيا «1» !! فرد عليهم ذلك ~~قائلا: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 16] # أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين (16) # قال لهم على جهة التوبيخ، وعابهم بما قالوا إذ- على حد قولهم- كيف يؤثرهم ~~بالبنين ويجعل لنفسه البنات؟! ففى قولهم ضلال إذ حكموا للقديم بالولد. وفيه ~~جهل إذ حكموا له بالبنات ولهم بالبنين- وهم يستنكفون من البنات.. ثم.. أي ~~عيب في البنات؟ # ثم.. كيف يحكمون بأن الملائكة إناث- وهم لم يشاهدوا خلقتهم؟ # كل ذلك كان ms1098 منهم خطأ محظورا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 20] # وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ~~(20) # إنما قالوا ذلك استهزاء واستبعادا لا إيمانا وإخلاصا، فقال تعالى: «ما ~~لهم بذلك من علم» ولو علموا ذلك وقالوه على وجه التصديق لم يكن ذلك منهم ~~معلولا. # ثم قال: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 21] # أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) # أي ليس كذلك، حتى أخبر أنهم ركنوا إلى تقليد لا يفضى إلى العلم، فقال: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 22] # بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) ~~PageV03P364 # فنحن نقتدى بهم، ثم قال: ### | ### | [سورة الزخرف (43) : آية # 23] # وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (23) # سلكوا طريق هؤلاء في التقليد لأسلافهم، ولاستنامة إلى ما اعتادوه من ~~السيرة والعادة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 24 الى 25] # قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به ~~كافرون (24) فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (25) # فلم ينجع فيهم قوله، ولم ينفعهم وعظه، وأصروا على تكذيبهم، فانتقم الحق- ~~سبحانه- منهم كما فعل بالذين من قبلهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 26 الى 28] # وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (26) إلا الذي فطرني ~~فإنه سيهدين (27) وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (28) # أخبر أن إبراهيم لما دعا أباه وقومه إلى الله وتوحيده أبوا إلا تكذيبه ~~فتبرأ منهم بأجمعهم، وجعل الله كلمة التوحيد باقية في عقبه وقومه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 29] # بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (29) # أرخينا عنان إمهالهم مدة، ثم كان أمرهم «1» أن انتصرنا منهم، ودمرناهم ~~أجمعين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 31] # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (31) PageV03P365 # إما أبى مسعود الثقفي «1» أو أبى جهل، وهذا أيضا من فرط جهلهم. ### | ### | [سورة الزخرف (43) : آية # 32] # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ms1099 معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا ~~بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) # أهم يقسمون- يا محمد- رحمة ربك في التخصيص بالنبوة؟ أيكون اختيار الله- ~~سبحانه- على مقتضى هواهم؟ بئس ما يحكمون! «نحن قسمنا بينهم ### | ..... # » فلم نجعل القسمة في الحياة الدنيا لهم ### | .... # فكيف نجعل قسمة النبوة إلى هؤلاء؟! ### | ..... # والإشارة من هذا: أن الحق- سبحانه- لم يجعل قسمة السعادة والشقاوة إلى ~~أحد، وإنما المردود من رده بحكمه وقضائه وقدره، والمقبول- من جملة عباده- ~~من أراده وقبله ... لا لعلة أو سبب، وليس الرد أو القبول لأمر مكتسب «2» ~~... # ثم إنه قسم لبعض عباده النعمة والغنى، وللبعض القلة والفقر، وجعل لكل ~~واحد منهم سكنا يسكنون إليه يستقلون به فللأغنياء وجود الإنعام وجزيل ~~الأقسام.. فشكروا واستبشروا، وللفقراء شهود المنعم والقسام.. فحمدوا ~~وافتخروا. # الأغنياء وحدوا النعمة فاستغنوا وانشغلوا، والفقراء سمعوا قوله: «نحن» ~~فاشتغلوا «3» . PageV03P366 # وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: أما ترضون أن يرجع ~~الناس بالغنى وأنتم ترجعون بالنبي إلى أهليكم؟ # «ليتخذ بعضهم بعضا سخريا..» : لو كانت المقادير متساوية لتعطلت المعايش، ~~ولبقى كل عند حاله فجعل بعضهم مخصوصين بالرفه والمال، وآخرين مخصوصين ~~بالفقر ورقة الحال.. حتى احتاج الفقير في جبر حاجته إلى أن يعمل للغني كى ~~يرتفق من جهته بأجرته فيصلح بذلك أمر الغني والفقير جميعا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزخرف (43) : آية # 33] # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من ~~فضة ومعارج عليها يظهرون (33) # معنى الآية أنه ليس للدنيا عندنا خطر فالذى يبقى عنا لو صببنا عليه ~~الدنيا بحذافيرها لم يكن ذلك جبرانا لمصيبته. ولولا فتنة قلوب المؤمنين ~~لجعلنا لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج من فضة، وكذلك ما يكون شبيها بهذا. # ولو فعلنا.. لم يكن لما أعطيناه خطر لأن الدنيا بأسرها ليس لها عندنا ~~خطر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 36] # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) # من لم يعرف قدر الخلوة مع الله فحاد عن ذكره، وأخلد إلى الخواطر الردية ~~قيض الله له من ms1100 يشغله عن الله- وهذا جزاء من ترك الأدب في الخلوة. وإذا ~~اشتغل العبد في خلوته بربه.. فلو تعرض له من يشغله عن ربه صرفه الحق عنه ~~بأى وجه كان، وصرف دواعيه عن مفاتحته بما يشغله عن الله. # ويقال: أصعب الشياطين نفسك والعبد إذا لم يعرف خطر فراغ قلبه، واتبع ~~شهوته، وفتح ذلك الباب على نفسه بقي في يد هواه أسيرا لا يكاد يتخلص عنه ~~إلا بعد مدة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 37 الى 39] # وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) حتى إذا جاءنا قال يا ~~ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم ~~أنكم في العذاب مشتركون (39) # PageV03P367 # الذي سولت له نفسه أمرا يتوهم أنه على صواب، ثم يحمل صاحبه على موافقته ~~في باطله، ويدعى أنه على حق. وهو بهذا يضر بنفسه ويضر بغيره. ثم إذا ما ~~انكشف- غدا- الغطاء تبين صاحبه خيانته، وندم على صحبته، ويقول: «يا ويلتى ~~ليتني لم أتخذ فلانا خليلا» «1» و «يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين» . ولكن ~~هذه الندامة لا تنفع حينئذ لأن الوقت يكون قد فات، لهذا قال تعالى: # ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزخرف (43) : آية # 40] # أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40) # هذا الاستفهام فيه معنى النفي أي أنه ليس يمكنك هداية من سددنا بصيرته، ~~ولبسنا عليه رشده، ومن صببنا في مسامع فهمه رصاص الشقاء والحرمان.. فكيف ~~يمكنك إسماعه؟! قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 41] # فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41) # يعنى: إن انقضى أجلك ولم يتفق لك شهود ما نتوعدهم به فلا تتوهم أن صدق ~~كلامنا يشوبه مين «2» ، فإن ما أخبرناك عنه- لا محالة- سيكون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 42] # أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42) # أثبته على حد الخوف «3» والرجاء، ووقفه على وصف التجويز لاستبداده «4» - ~~سبحانه PageV03P368 # بعلم الغيب. والمقصود كذلك أن يكون كل أحد بالنسبة لأمر الله من جملة ~~نظارة التقدير- فالله يفعل ما يريد. # قوله جل ms1101 ذكره: ### | ### | [سورة الزخرف (43) : آية # 43] # فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) # اجتهد من غير تقصير وتوكل على الله من غير فتور، وقف حيثما أمرت، وثق ~~بأنك على صراط مستقيم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 44] # وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون (44) # أي إن هذا القرآن لذكر لك أي شرف لك، وحسن صيت، واستحقاق منزلة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 45] # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (45) # حشر أرواح الأنبياء- عليهم السلام- ليلة الإسراء، وقيل له- صلى الله عليه ~~وسلم: # سلهم: هل أمرنا أحدا بعبادة غيرنا؟ فلم يشك النبي- صلى الله عليه وسلم- ~~ولم يسأل «1» ويقال: الخطاب له، والمراد به غيره.. فمن يرتاب في ذلك؟ ~~(ويقال: المراد منه سل أقوامهم، لكى إذا قالوا إن الله لم يأمر بذلك كان ~~هذا أبلغ في إبرام الحجة عليهم) «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 46 الى 50] # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب العالمين ~~(46) فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47) وما نريهم من آية إلا هي ~~أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48) وقالوا يا أيها الساحر ~~ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ~~ينكثون (50) # كرر قصة موسى غير مرة في القرآن، وأعادها هنا مجملة أرسلناه بدلائلنا، ~~أرسلناه بحجة ظاهرة قاهرة، أرسلناه بالمعجزات إلى فرعون وقومه من القبط، ~~فقوبل بالهزء والضحك PageV03P369 # والتكذيب. ومع أن الله سبحانه لم يجر عليه من البينات شيئا إلا كان أوضح ~~مما قبله إلا أنهم لم يقابلوه إلا بجفاء أوحش مما قبله. فلما عضهم الأمر ~~قالوا: يا أيها الساحر، ادع لنا ربك ليكشف عنا البلية لنؤمن بك، فدعا ~~موسى.. فكشف الله عنهم، فعادوا إلى كفرهم، ونقضوا عهدهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزخرف (43) : آية # 51] # ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي أفلا تبصرون (51) # تعزز بملك مصر، وجرى النيل بأمره! وكان في ذلك هلاكه ليعلم أن ms1102 من تعزز ~~بشىء من دون الله فحتفه وهلاكه في ذلك الشيء. ### | [سورة الزخرف (43) : آية 52] # أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) # استصغر موسى وحديثه، وعابه بالفقر.. فسلطه الله عليه، وكان هلاكه بيديه، ~~فما استصغر أحد أحدا إلا سلطه الله عليه «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 54] # فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) # أطاعوه طاعة الرهبة، وطاعة الرهبة لا تكون مخلصة، وإنما تكون الطاعة ~~صادقة إذا صدرت عن الرغبة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 55] # فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين (55) # «آسفونا» أغضبونا، وإنما أراد أغضبوا أولياءنا، فانتقمنا منهم. وهذا له ~~أصل في باب PageV03P370 # الجمع «1» حيث أضاف إيسافهم لأوليائه إلى نفسه.. وفي الخبر: أنه يقول: ~~«مرضت فلم تعدنى «2» . # وقال في قصة ابراهيم عليه: «يأتوك رجالا..» «3» # وقال في قصة نبينا- صلى الله عليه وسلم: «من يطع الرسول فقد أطاع الله» ~~«4» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 57] # ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) # وضرب المثل بعيسى هو قوله: «إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم» «5» خلق عيسى ~~بلا أب كما خلق آدم بلا أبوين. فجحدوا بهذه الآية. # وقيل هو قوله: «إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم» «6» ، فقالوا: ~~رضينا بأن نكون في النار مع عيسى وعزيز والملائكة، وليس لهم في الآية موضع ~~ذكر لأنه سبحانه قال: «وما» تعبدون، ولم يقل «ومن» تعبدون «7» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 58] # وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) # ما ضربوه لك إلا جدلا: وذلك أنهم قالوا: إن قال آلهتكم خير فقد أقر بأنها ~~معبودة، وإن قال: عيسى خير من آلهتكم فقد أقر بأن عيسى يصلح لأن يعبد، وإن ~~قال: ليس واحد منهم PageV03P371 # خيرا فقد نفى ذلك عن عيسى عليه السلام. هم راموا بهذا الكلام أن يجادلوه، ~~ولم يكن سؤالهم للاستفادة. فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم عليهم: أن ~~عيسى عليه السلام خير من آلهتكم ولكنه لا يستحق أن يعبد إذ ms1103 ليس كل ما هو ~~خير من الأصنام بمستحق أن يكون معبودا من دون الله. وهكذا بين الله- ~~سبحانه- لنبيه أنهم قوم جدلون «1» ، وأن حجتهم داحضة عند ربهم قوله جل ~~ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 59 الى 60] # إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) ولو نشاء ~~لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (60) # فليس عيسى إلا عبد أنعمنا عليه بالنبوة. # «ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون» ولو شئنا لأنزلنا ملائكة ~~من السماء حتى يكونوا سكان الأرض بدلكم. # ثم قال: ### | ### | [سورة الزخرف (43) : آية # 61] # وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) # «وإنه لعلم للساعة» : يعنى به عيسى عليه السلام إذا أنزله من السماء فهو ~~علامة للساعة، «فلا تمترن» بنزوله بين يدي القيامة «2» . ### | [سورة الزخرف (43) : آية 62] # ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62) # ولا يصدنكم الشيطان عن الإيمان بالساعة، وعن اتباع الإيمان بهداى. ~~PageV03P372 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزخرف (43) : آية # 63] # ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي ~~تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (63) # ذكر مجىء عيسى عليه السلام أول مرة حيث أتى قومه بالشرائع الواضحة، ~~ودعاهم إلى دين الله، ولكنهم تحزبوا عليه «1» ، وإن الذين كفروا به ~~لمستحقون للعقوبة. ### | [سورة الزخرف (43) : آية 67] # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) # ما كان لغير الله فمآله إلى الضياع. والأخلاء الذين اصطحبوا على مقتضى ~~الهوى بعضهم لبعض عدو يتبرأ بعضهم من بعض، فلا ينفع أحد أحدا. # وأما الأخلاء في الله فيشفع بعضهم في بعض، ويتكلم بعضهم في شأن بعض، ~~أولئك هم المتقون الذين استثناهم الله بقوله: «إلا المتقين» . # وشرط الخلة «2» فى الله ألا يستعمل بعضهم بعضا في الأمور الدنيوية، ولا ~~يرتفق بعضهم ببعض حتى تكون الصحبة خالصة لله لا لنصيب في الدنيا، ويكون ~~قبول بعضهم بعض لأجل الله، ولا تجرى بينهم مداهنة، وبقدر ما يرى أحدهم في ~~صاحبه من قبول لطريق الله يقبله، فإن علم منه شيئا لا يرضاه الله لا يرضى ~~ذلك من صاحبه، فإذا عاد إلى تركه ms1104 غاد هذا إلى مودته، وإلا فلا ينبغى أن ~~يساعده على معصيته، كما ينبغى أن يتقيه بقلبه، وألا يسكن إليه لغرض دنيوى ~~أو لطمع أو لعوض. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 68] # يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (68) # يقال لهم غدا: «يا عباد «3» لا خوف عليكم اليوم» مما يلقاه أهل ~~PageV03P373 # الجمع «1» من الأهوال، ولا أنتم تحزنون فيما قصرتم من الأعمال ... # أما الذنوب.. فقد غفرناها، وأما الأهوال ... فكفيناها، وأما المظالم.. ~~فقضيناها. # فإذا قال المنادى: هذا الخطاب يطمع الكل قالوا: نحن عباده، فإذا قال: ### | ### | [سورة الزخرف (43) : آية # 69] # الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69) # أيس الكفار، وقوى رجاء المسلمين «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 70] # ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (70) # «3» فى رياض الجنة، وترتعون. # ويقال: «تحبرون» من لذة السماع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 71] # يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ~~وأنتم فيها خالدون (71) # العباد لهم فيها ما تشتهى أنفسهم لأنهم قاسوا في الدنيا- بحكم المجاهدات- ~~الجوع والعطش، وتحملوا وجوه المشاق، فيجازون في الجنة بوجوه من الثواب. # وأما أهل المعرفة والمحبون فلهم ما يلذ أعينهم من النظر إلى الله «4» ~~لطول ما قاسوه من فرط الاشتياق بقلوبهم وما عالجوه من الاحتراق لشدة ~~غليلهم. PageV03P374 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزخرف (43) : آية # 72] # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) # أي يقال لهم- والخطاب للمطيعين غدا-: أنتم يا أصحاب الإخلاص في أعمالكم ~~والصدق في أحوالكم: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 73] # لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون (73) # من الفاكهة الكثيرة تأكلون، وفي الأنس تتقبلون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 74 الى 75] # إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون (74) لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون (75) # هؤلاء هم الكفار المشركون، فهم أهل الخلود «1» ، لا يفتر عنهم العذاب ولا ~~يخفف. # وأما أهل التوحيد: فقد يكون منهم قوم في النار. ولكن لا يخلدون فيها. # ودليل الخطاب يقتضى أنه يفتر عنهم العذاب. ورد فى الخبر الصحيح: أنه ~~يميتهم الحق- سبحانه- إماتة إلى أن يخرجهم من النار- والميت لا يحس ولا ~~يتألم «2» . # «لا يفتر ms1105 عنهم وهم فيه مبلسون» الإبلاس «3» من الخيبة، ويدل ذلك على أن ~~المؤمنين لا يأس لهم فيها، وإن كانوا في بلائهم فهم على وصف رجائهم يعدون ~~أيامهم إلى أن ينتهى حسابهم. # ولقد قال الشيوخ: إن حال المؤمن في النار- من وجه- أروح لقلبه من حاله في ~~الدنيا فاليوم- خوف الهلاك، وغدا- يقين النجاة، وأنشدوا: # عيب السلامة أن صاحبها ... متوقع لقواصم الظهر # وفضيلة البلوى ترقب أهلها ... - عقب الرجاء- مودة الدهر PageV03P375 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزخرف (43) : آية # 76] # وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) # هذا الخطاب يشبه كلمة العذر- وإن جل قدره- سبحانه- عن ذلك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 77 الى 78] # ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (77) لقد جئناكم بالحق ~~ولكن أكثركم للحق كارهون (78) # لو قالوا: «يا مالك» لعل أقوالهم «1» كانت أقرب إلى الإجابة، ولكن ~~الأجنبية حالت بينهم وبين ذلك «2» ، فكان الجواب عليهم: # «إنكم ماكثون» فيها.. نصحتم فلم تنتصحوا، ولم تقبلوا القول في حينه، وكان ~~أكثرهم للحق كارهين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 79] # أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79) # «3» بل أمورهم منتقضة عليهم فلا يتمشى لهم شىء مما دبروه، ولا يرتفع لهم ~~أمر على نحو ما قدروه- وهذه الحال أوضح دليل على إثبات الصانع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 80] # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون (80) # إنما خوفهم بسماع الملك، وبكتابتهم أعمالهم عليهم لغفلتهم عن الله- ~~سبحانه، ولو كان لهم خير عن الله لما خوفهم بغير الله، ومن علم أن أعماله ~~تكتب عليه، وأنه يطالب بمقتضى ذلك- قل إلمامه بما يخاف أن يسأل عنه.. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 81] # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81) . PageV03P376 # أي إن كان في ضميركم وفي حكمكم وفي اعتقادكم أن للرحمن ولدا فأنا أول من ~~يستنكف من هذه القالة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الزخرف (43) : آية # 82] # سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون (82) # تنزه الله تنزيها، وتقدس تقديسا عما قالوه. وفي هذه الآيات وأمثالها دليل ~~على جواز حكاية قول المبتدعة- فيما أخطأوا فيه من وصف المعبود- قصدا ms1106 للرد ~~عليهم، وإخبارا بتقبيح أقوالهم، وبطلان مزاعمهم. # ثم قال جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 83] # فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (83) # إذ ليس يفوت أمرهم، وهم لا محالة سيلقون صغرهم. # وفي هذا دليل على أنه لا ينبغى للعبد أن يغتر بطول السلامة فإن العواقب ~~غير مأمونة. # قوله جل ذكره ### | [سورة الزخرف (43) : آية 84] # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم (84) # المعبود- فى السماء- الله، والمقصود- فى طلب الحوائج في الأرض- الله. # أهل السماء لا يعبدون غير الله، وأهل الأرض لا يقضى حوائجهم غير الله. # «وهو الحكيم» فى إمهاله للعصاة، «العليم» بأحوال العباد. ### | [سورة الزخرف (43) : آية 85] # وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ~~ترجعون (85) # تعالى وتقدس وتنزه وتكبر الذي له ملك السماوات والأرض. # السماوات والأرض بقدرته تظهر.. لا هو بظهورها يتعزز «1» . PageV03P377 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : آية 86] # ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (86) # أي شهد- اليوم- بالتوحيد، فيثبت له الحق حق الشفاعة. وفي الآية دليل على ~~أن جميع المسلمين شفاعتهم تكون غدا مقبولة «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 87 الى 89] # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) وقيله يا رب إن هؤلاء ~~قوم لا يؤمنون (88) فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (89) # فكيف لا يعتبرون؟ وكيف يتكبرون عن طاعة الله. # «وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون» ~~أي يعلم علم الساعة ويعلم «2» «قيله يا رب» «فاصفح عنهم.. أي أمهلهم، وقل ~~لكم منى سلام.. ولكن سوف تعلمون عقوبة ما تستوجبون. PageV03P378 # سورة الدخان # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» كلمة من ذكرها نال في ~~الدنيا والعقبى بهجته، ومن عرفها بذل فى طلبها مهجته. # كلمة إذا استولت على قلب عطلته عن كل شغل، كلمة إذا واظب على ذكرها عبد ~~أمنته من كل هول. # قوله جل ذكره: ### | سورة الدخان # (44) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) والكتاب المبين (2) # الحاء تشير إلى حقه والميم ms1107 تشير إلى محبته. ومعناه: بحقي وبمحبتى لعبادى، ~~وبكتابي العزيز إليهم: إنى لا أعذب أهل معرفتى بفرقتى «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 3 الى # 4] # إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين (3) فيها يفرق كل أمر حكيم ~~(4) # «في ليلة مباركة» : قيل هي ليلة القدر، وقيل هي النصف من شعبان وهي ليلة ~~الصك «2» . # أنزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا كل سنة بمقدار ما كان ~~جبريل ينزل به على الرسول صلى الله عليه وسلم «3» . # وسماها: «ليلة مباركة» لأنها ليلة افتتاح الوصلة. وأشد الليالى بركة ليلة ~~يكون العبد فيها حاضرا بقلبه، مشاهدا لربه، يتنعم فيها بأنوار الوصلة، ويجد ~~فيها نسيم القربة. PageV03P379 # وأحوال هذه الطائفة «1» فى لياليهم مختلفة، كما قالوا: # لا أظلم الليل ولا ادعى ... أن نجوم الليل ليست تزول # ليلى كما شاءت: قصير إذا ... جادت، وإن ضنت فليلى طويل # «فيها يفرق كل أمر حكيم» يكتب من أم الكتاب في هذه الليلة ما يحصل في ~~السنة كلها من أقسام الحوادث في الخير والشر، فى المحن والمنن، فى النصر ~~والهزيمة، فى الخصب والقحط. # ولهؤلاء القوم (يعنى الصوفية) أحوال من الخصب والجدب، والوصل والفصل، ~~والوفاق والخلاف، والتوفيق والخذلان، والقبض والبسط.. فكم من عبد ينزل له ~~الحكم والقضاء بالبعد والشقاء، وآخر ينزل حكمه بالرفد والوفاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 5 الى 6] # أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) # «رحمة من ربك» : وهي الرسول- صلى الله عليه وسلم، قال صلوات الله عليه: # «أنا رحمة مهداة» ويقال: «إنا كنا مرسلين» رحمة لنفوس أوليائنا بالتوفيق، ~~ولقلوبهم بالتحقيق. # «إنه هو السميع العليم» : «السميع» لأنين المشتاقين، «العليم» بحنين ~~المحبين. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الدخان (44) : آية # 7] # رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7) # مالك السماوات والأرضين، ومالك ما بينهما- وتدخل في ذلك أكساب العباد. # وتملكها بمعنى القدرة عليها، وإذا حصل مقدور في الوجود دل على أنه مفعوله ~~لأن معنى الفعل مقدور وجد «2» . PageV03P380 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الدخان (44) : آية # 8] # لا إله إلا ms1108 هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8) # هذه الكلمة فيها نفى ما أثبتوه بجهلهم، وإثبات ما نفوه بجحدهم. # «ربكم ورب آبائكم الأولين» : مربى «1» أصلكم ونسلكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : آية 9] # بل هم في شك يلعبون (9) # اللعب فعل يجرى على غير ترتيب تشبيها باللعاب الذي يسيل لا «2» على نظام ~~مخصوص فوصف المنافق باللعب وذلك لتردده وتحيره نتيجة شكه في عقيدته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : آية 10] # فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10) # هذا من أشراط الساعة إذ يتقدم عليها «3» . # وقيامة هؤلاء (يقصد الصوفية) معجلة (أي تتم هنا في هذه الدنيا) فيومهم ~~الذي تأتى السماء فيه بدخان مبين هو يوم غيبة الأحباب، وانسداد ما كان ~~مفتوحا من الأبواب، أبواب الأنس بالأحباب وفي معناه قالوا: # فما جانب الدنيا بسهل ولا الضحى ... يطلق ولا ماء الحياة ببارد # قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : آية 11] # يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) . PageV03P381 # وعذاب هؤلاء (يقصد الصوفية) مقيم في الغالب، وهو عذاب مستعذب، أولئك ~~يقولون: ### | [سورة الدخان (44) : آية 12] # ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) # وهؤلاء يستزيدون- على العكس من الخلق- العذاب، وفي ذلك يقول قائلهم: # فكل مآربى قد نلت منها ... سوى ملذوذ وجدي بالعذاب «1» # فهم يسألون البلاء والخلق يستكشفونه، ويقولون: # أنت البلاء فكيف أرجو كشفه ... إن البلاء إذا فقدت بلائي # قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : آية 13] # أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13) # إن خالفوا دواعى قلوبهم من الخواطر «2» التي ترد من الحق عليهم عوقبوا- ~~فى الوقت بما لا يتسع لهم ويسعفهم، فاذا أخذوا في الاستغاثة «3» يقال لهم: ~~أنى لكم الذكرى وقد جاءكم الرسول «4» على قلوبكم فخالفتم؟! قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : آية 15] # إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون (15) . PageV03P382 # حيث نورثكم حزنا طويلا، ولا تجدون في ظلال انتقامنا مقيلا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 17 الى # 24] # ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17) أن أدوا إلي عباد الله ~~إني لكم رسول أمين (18) وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين (19) ~~وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20) وإن ms1109 لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) # فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22) فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23) ~~واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) # فتنهم «1» بعد ما أصروا على جحودهم ولم يرجعوا إلى طريق الرشد من نفرة ~~عنودهم «2» . # «وجاءهم رسول كريم» : يطالبهم بازالة الظلم عن بنى إسرائيل، وأن ~~يستبصروا، واستنفرهم لله، وأظهر الحجة من قبل الله. # «فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون» أمره بأن يسرى بعباده المؤمنين، وعرفهم ~~أنهم سينقذون، وأن عدوهم «جند مغرقون» قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 25 الى 28] # كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26) ونعمة كانوا فيها ~~فاكهين (27) كذلك وأورثناها قوما آخرين (28) # ما خلفوه من أحوالهم ومن رياشهم، وما تركوه من أسباب معاشهم استلبناه ~~عنهم. # «كذلك وأورثناها قوما آخرين» وأسكنا قوما آخرين في منازلهم ودورهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : آية 29] # فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29) # لم يكن لهم من القدر والخطر ما يتحرك في العالم بسببهم ساكن، أو يسكن ~~متحرك PageV03P383 # فلا الخضراء بسببهم اغبرت، ولا الغبراء لغيبتهم اخضرت. لم يبق منهم عين ~~ولا أثر، ولم يظهر من قبلهم على قلب أحد من عبادنا أثر. وكيف تبكى السماء ~~لفقد من لم تستبشر به من قبل؟ بعكس المؤمن الذي تسر السماء بصعود عمله ~~إليها، فإنها تبكى عند غيابه وفقده «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 30 الى 32] # ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) من فرعون إنه كان عاليا من ~~المسرفين (31) ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) # نجاهم، وأقمى عدوهم، وأهلكه. # «ولقد اخترناهم ... » أي علمنا ما يحتقبون من أوزارهم «2» ، فرفعنا- ~~باختيارنا- من أقدارهم ما وضعه فعلهم وتدنسهم بأوضارهم. # ويقال: «على علم» منا بأحوالهم أنهم يؤثرون أمرنا على كل شىء. # ويقال: «على علم» منا بمحبة قلوبهم لنا مع كثرة ذنوبهم فينا. # ويقال: «على علم» منا بما نودع عندهم من أسرارنا، وما نكاشفهم به من ~~حقائق حقنا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الدخان (44) : آية # 33] # وآتيناهم من الآيات ما فيه بلؤا مبين (33) # من مطالبته بالشكر عند الرخاء، والصبر عند الكدر والعناء ms1110 «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 34 الى 36] # إن هؤلاء ليقولون (34) إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين (35) ~~فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (36) PageV03P384 # اقترح أبو جهل على النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يحيى لهم نفسا «1» : # «لتخبرنا: هل أنت صادق أم لا؟» فأخبر الله- سبحانه- أنهم اقترحوا هذا بعد ~~قيام الحجة عليهم، وإظهار ما أزاح لهم من العذر: ثم قال جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : آية 37] # أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (37) # «تبع» هو ملك لليمن، وكان مسلما، وكان في قومه كثرة، وأهلك الله سبحانه ~~قومه على كثرة عددهم، وكمال قوتهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 38 الى # 39] # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما إلا بالحق ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون (39) # ما خلقناهما إلا بالحق، بالحكم الحق وبالأمر الحق ... «فأنا محق في ~~خلقهما» : أي كان لى خلقهما. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 40 الى 42] # إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40) يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ~~ينصرون (41) إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42) PageV03P385 # يومئذ لا يغنى ناصر عن ناصر ولا حميم عن حميم، ولا نسيب عن نسيب ... ~~شيئا. # ولا ينالهم نصر إلا من رحمه الله وبفضله ونعمته. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 43 الى # 46] # إن شجرة الزقوم (43) طعام الأثيم (44) كالمهل يغلي في البطون (45) كغلي ~~الحميم (46) # «الأثيم» مرتكب الذنوب. «المهل» : النحاس المذاب. «الحميم» : الماء ~~الحار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 47 الى 50] # خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم (47) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) ~~ذق إنك أنت العزيز الكريم (49) إن هذا ما كنتم به تمترون (50) # ادفعوا به إلى وسط الحميم. ويقال له: # «ذق إنك أنت العزيز الكريم» : # أنت كذلك عند قومك، ولكنك عندنا ذليل مهين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 51 الى 53] # إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات وعيون (52) يلبسون من سندس وإستبرق ~~متقابلين (53) # آمنين من المجن من جميع الوجوه، لباسهم من حرير، وفراشهم من ms1111 سندس ~~وإستبرق، «متقابلين» : لا يبرحون ولا يبغون عنها حولا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : آية 54] # كذلك وزوجناهم بحور عين (54) # تباح لهم صحبتهن، ولا يكون في الجنة عقد تزويج ولا طلاق، ويمكن الولي ~~بهذه الأوصاف من هذه الألطاف. ثم قد يختطف قوم من بين هذه الأسباب، ~~فيتحررون عن هذه الجملة فكما أنهم في الدنيا مختطفون عن كل العلائق فإنهم ~~في الآخرة تطمع الحور العين فى صحبتهم فيستلبهم الحق عن كل شىء. «1» ~~PageV03P386 # الزاهد في الدنيا يحميه منها، والعارف في الجنة يحميه من الجنة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 56 الى 57] # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم (56) فضلا من ~~ربك ذلك هو الفوز العظيم (57) # الموتة الأولى هي بقبض أرواحهم في الدنيا، ويقيهم الله في الآخرة العذاب ~~بفضله، وذلك هو الظفر بالبغية، ونجاح السؤل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 58 الى 59] # فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58) فارتقب إنهم مرتقبون (59) # يا محمد، ليتذكر به أهلك، فارتقب العواقب تر العجائب. إنهم يرتقبون، ولكن ~~لا يرون إلا ما يكرهون. # PageV03P387 ### | سورة الجاثية # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» باسم ملك لا يستظهر ~~بجيشه، أحد لا يستمسك بعيشه «1» ، جبار ارتدى بكبريائه، قهار اتصف بعز ~~سنائه. # «بسم الله» باسم كريم صمد، لا يستغرق وجوده أمد، أبدى عظيم أحد، لا يوجد ~~من دونه مفر ولا ملتحد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الجاثية (45) : آية # 2] # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) # «العزيز» : فى جلاله، «الحكيم» : فى أفعاله. # «العزيز» : فى آزاله، «الحكيم» : فى لطفه بالعبد بوصف إقباله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجاثية (45) : آية 3] # إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (3) # شواهد الربوبية لائحة، وأدلة الإلهية واضحة فمن صحا من سكرة الغفلة، ووضع ~~سره في محال العبرة «2» حظى- لا محالة- بحقائق الوصلة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجاثية (45) : آية 4] # وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4) . PageV03P388 # إذا أنعم العبد نظره في استواء قده وقامته، واستكمال عقله وتمام تمييزه، ~~وما هو مخصوص به في جوارحه وحوائجه، ثم فكر فيما ms1112 عداه من الدواب فى أجزائها ~~وأعضائها.. ثم وقف على اختصاص وامتياز بنى آدم من بين البرية من الحيوانات ~~في الفهم والعقل والتمييز والعلم، ثم في الإيمان والعرفان ووجوه خصائص أهل ~~الصفوة من هذه الطائفة في فنون الإحسان- عرف تخصصهم بمناقبهم، وانفرادهم ~~بفضائلهم، فاستيقن أن الله كرمهم، وعلى كثير من المخلوقات قدمهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الجاثية (45) : آية # 5] # واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض ~~بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) # جعل الله العلوم الدينية كسبية مصححة بالدلائل، محققة بالشواهد. فمن لم ~~يستبصر بها زلت قدمه عن الصراط المستقيم «1» ، ووقع في عذاب الجحيم فاليوم ~~في ظلمة الحيرة والتقليد، وفي الآخرة في التخليد في الوعيد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجاثية (45) : آية 6] # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6) # فمن لا يؤمن بها فبأى حديث يؤمن؟ ومن أي أصل يستمد بعده؟ ومن أي بحر فى ~~التحقيق يغترف؟ هيهات! ما بقي للإشكال في هذا مجال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجاثية (45) : الآيات 7 الى 8] # ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم ~~يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) . PageV03P389 # كل صامت ناطق يصمت عن الكلام والقول وينطق بالبرهان في الحكم «1» . # فمن استمع بسمع الفهم، واستبصر بنور التوحيد فاز بذخر الدارين، وتصدى لعز ~~المنزلين. ومن تصامم بحكم الغفلة وقع في وهدة الجهل، ووسم بكي الهجر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الجاثية (45) : آية # 9] # وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) # قابله بالعناد، وتأوله على ما يقع له من وجوه المراد من دون تصحيح بإسناد ~~... # فهؤلاء «لهم عذاب مهين» : مذل. # وقد يكاشف العبد من بواطن القلب بتعريفات لا يتداخله فيها ريب، ولا ~~يتخالجه منها شك فيما هو به من حاله ... فإذا استهان بها وقع في ذل الحجبة ~~وهوان الفرقة «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجاثية (45) : آية 10] # من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون ms1113 الله ~~أولياء ولهم عذاب عظيم (10) # فعند هذه الفترة، وفي وقت هذه المحنة فلا عذر يقبل منهم، ولا خطاب يسمع ~~عنهم، ولهم عذاب متصل، ولا يردون إلى ما كانوا عليه من الكشف: # فخل سبيل العين بعدك للبكا ... فليس لأيام الصفاء رجوع # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجاثية (45) : آية 12] # الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون (12) # عند ما يركبون البحر فلربما تسلم السفينة ولربما تغرق. PageV03P390 # وكذلك العبد في فلك الاعتصام في بحار التقدير، تمشى به رياح العناية، ~~وأشرعة التوكل مرفوعة، والسبل في بحر اليقين واضحة. وطالما تهب رياح ~~السلامة فالسفينة ناجية. أما إن هبت نكبات الفتنة فعندئذ لا يبقى بيد ~~الملاح شىء، والمقادير غالبة، وسرعان ما تبلغ قلوب أهل السفينة الحناجر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الجاثية (45) : آية # 13] # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون (13) # «جميعا منه» : كل ما خلق من وجوه الانتفاع بها- كله منه سبحانه فما من ~~شىء من الأعيان الظاهرة إلا- ومن وجه- للانسان به انتفاع.. وكلها منه ~~سبحانه فالسماء لهم بناء، والأرض لهم مهاد.. إلى غير ذلك. ومن الغبن أن ~~يستسخرك ما هو مسخر لك! «1» وليتأمل العبد كل شىء.. كيف إن كان خلل في شىء ~~منها ماذا يمكن أن يكون؟! فلولا الشمس.. كيف كان يمكن أن يتصرف في النهار؟ ~~«2» ولو لم يكن الليل كيف كان يسكن بالليل؟ ولو لم يكن القمر ... كيف كان ~~يهتدى إلى الحساب والآجال؟ ... # إلى غير ذلك من جميع المخلوقات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجاثية (45) : آية 14] # قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا ~~يكسبون (14) # «3» ندبهم إلى حسن الخلق، وجميل العشرة، والتجاوز عن الجهل، والتنقى من ~~كدورات البشرية. ومقتضيات الشح. PageV03P391 # وبين أن الله- سبحانه- لا يفوته أحد. فمن أراد أن يعرف كيف يحفظ أولياءه، ~~وكيف يدمر أعداءه. فليصبر أياما قلائل ليعلم كيف صارت عواقبهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الجاثية (45) : آية # 15] # من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ms1114 ربكم ترجعون (15) # من عمل صالحا فله مهناه، ومن ارتكب سيئة قاسى بلواه ... ثم مرجعه إلى ~~مولاه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجاثية (45) : الآيات 16 الى 18] # ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على العالمين (16) وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون (17) ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء ~~الذين لا يعلمون (18) # كرر في غير موضع ذكر موسى وذكر بنى إسرائيل.. بعضه على الجملة وبعضه على ~~التفصيل. وهنا أجمل في هذا الموضع، ثم عقبه حديث نبينا صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: # «ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون» ~~أفردناك بلطائف فاعرفها، وسننا لك طرائق فاسلكها، وأثبتنا لك حقائق فلا ~~تتجاوزها، ولا تجنح إلى متابعة غيرك: ### | [سورة الجاثية (45) : آية 19] # إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي ~~المتقين (19) # إن أراد بك نعمة فلا يمنعها أحد، وإن أراد بك فتنة فلا يصرفها عنك أحد. # فلا تعلق بمخلوق فكرك، ولا تتوجه بضميرك إلى شىء وثق بربك، وتوكل عليه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجاثية (45) : آية 20] # هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20) # أنوار البصيرة إذا تلألأت انكشفت دونها تهمة التجويز. # ونظر الناس على مراتب «1» : فمن ناظر بنور نجومه «2» - وهو صاحب عقل، ~~PageV03P392 # ومن ناظر بنور فراسته وهو صاحب ظن يقويه لوح- ولكنه من وراء السر «1» ، ~~ومن ناظر بيقين علم بحكم برهان وشرط فكر، ومن ناظر بعين إيمان بوصف اتباع، ~~ومن ناظر بنور بصيرة هو على نهار، وشمسه طالعة وسماؤه من السحاب «2» مصحية ~~«3» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الجاثية (45) : آية # 21] # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (21) # أمن خفضناه في حضيض الضعة كمن رفعناه إلى أعالى المنعة؟ # أمن أخذنا بيده ورحمناه كمن داسه الخذلان فرجمناه؟ # أمن وهبناه بسط وقت وأنس حال وروح لطف ms1115 حتى خصصناه ورقيناه، ثم قربناه ~~وأدنيناه كمن ترك جهده واستفراغ وسعه وإسبال دمعه واحتراق قلبه.. فما ~~أنعشناه؟. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجاثية (45) : آية 23] # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) # من لم يسلك سبيل الاتباع، ولم يستوف أحكام الرياضة، ولم ينسلخ عن هواه ~~بالكليه، ولم يؤدبه إمام مقتدى فهو ينجرف في كل وهدة، ويهيم في كل ضلالة، ~~ويضل فى كل فج، خسرانه أكثر من ربحه!! أولئك في ضلال بعيد يعملون القرب على ~~ما يقع لهم من نشاط نفوسهم «4» ، زمامهم بيد هواهم، أولئك أهل «5» المكر.. ~~استدرجوا وما يشعرون!. PageV03P393 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجاثية (45) : آية 24] # وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم ~~بذلك من علم إن هم إلا يظنون (24) # لم يعتبروا بما وجدوا عليه خلفهم وسلفهم، وأزجوا في البهيمية عيشهم ~~وعمرهم، وأعفوا عن كد الفكرة قلوبهم ... فلا بالعلم استبصروا، ولا من ~~التحقيق استمدوا. رأس مالهم الظن- وهم غافلون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجاثية (45) : الآيات 25 الى 28] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا ~~إن كنتم صادقين (25) قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة ~~لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (26) ولله ملك السماوات والأرض ويوم ~~تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27) وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى ~~كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون (28) # طلبوا إحياء موتاهم، وسوف يرون ما استبعدوا. # ثم أخبر أن ملك السماوات والأرض لله، وإذا أقام القيامة يحشر أصحاب ~~البطلان، فإذا جاءهم يوم الخصام: ### | [سورة الجاثية (45) : الآيات 30 الى 34] # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز ~~المبين (30) وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم ~~قوما مجرمين (31) وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ~~ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن ms1116 بمستيقنين (32) وبدا لهم سيئات ما ~~عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (33) وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء ~~يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (34) # كل بحسابه «1» مطالب ... فأما الذين آمنوا فلقد فازوا وسادوا، وأما الذين ~~كفروا فهلكوا وبادوا «2» .. ويقال لهم: أأنتم الذين إذا قيل لكم حديث ~~عقباكم كذبتم مولاكم؟ # فاليوم- كما نسيتمونا- ننساكم، والنار مأواكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجاثية (45) : الآيات 36 الى 37] # فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين (36) وله الكبرياء في ~~السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (37) # لله الحمد على ما يبدى وينشى، ويحيى ويفنى، ويجرى ويمضى.. إذ الحكم لله، ~~والكبرياء لله، والعظمة والسناء لله، والرفعة والبهاء لله. PageV03P394 ### | سورة الأحقاف # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» كلمة للقلوب سالبة، للعقول غالبة، للمطيعين واهبة، للعارفين ~~ناهبة.. فالذين يهبهم فلهم لطفه، والذين ينهبهم فمن محقه فهو عنه خلفه «1» ~~. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحقاف (46) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) # حميت قلوب أهل عنايتى فصرفت عنها خواطر التجويز، وثبتها في مشاهد اليقين ~~بنور التحقيق فلاحت فيها شواهد البرهان فأضفنا إليها لطائف الإحسان فكمل ~~منالها من عين الوصلة، وغذيناهم بنسيم الأنس في ساحات القربة. # «العزيز» : المعز للمؤمنين بإنزال الكتاب عليهم. # «الحكيم» ، المحكم لكتابه عن التبديل والتحويل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحقاف (46) : آية # 3] # ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا ~~عما أنذروا معرضون (3) # الكافرون معرضون عن موضع الإنذار، مقيمون على حد الإصرار PageV03P395 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحقاف (46) : آية 4] # قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4) # أرونى.. أي أثر فيهم في الملك، أو القدرة على النفع والضر؟ إن كانت لكم ~~حجة فأظهروها، أو دلالة فبينوها.. وإذ قد عجزتم عن ذلك فهلا رجعتم عن غيكم ~~وأقلعتم؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحقاف (46) : آية 5] # ومن أضل ممن يدعوا ms1117 من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن ~~دعائهم غافلون (5) # من أشد ضلالا ممن عبد الجماد الذي ليس له حياة ولا له في النفع أو الضر ~~إثبات؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحقاف (46) : آية 6] # وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين (6) # إذا حشر الناس للحساب وقعت العداوة بين الأصنام وعابديها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحقاف (46) : آية 7] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر ~~مبين (7) # رموا رسلنا بالسحر ثم بالافتراء والمكر.. قل- يا محمد- كفى بالله بينى ~~وبينكم شهيدا أنتم أشركتم به، وأنا أخلصت له توحيدا. وما كنت بدعا من الرسل ~~فلست بأول رسول أرسل، ولا بغير ما جاءوا به من أصول التوحيد جئت، إنما ~~أمرتكم بالإخلاص في التوحيد، والصدق في العبودية، والدعاء إلى محاسن ~~الأخلاق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحقاف (46) : آية 9] # قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) # PageV03P396 # وهذا قبل أن نزل قوله تعالى: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر» ~~«1» . # وفي الآية دليل على فساد قول أهل القدر والبدع حيث قالوا: «إيلام البرىء ~~قبيح في العقل» . لأنه لو لم يجز ذلك لكان يقول: أعلم- قطعا- أنى رسول ~~الله، وأنى معصوم.. # فلا محالة يغفر لى، ولكنه قال: وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم ليعلم أن ~~الأمر أمره، والحكم حكمه، وله أن يفعل بعباده ما يريد «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحقاف (46) : الآيات 10 الى 11] # قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على ~~مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (10) وقال الذين كفروا ~~للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك ~~قديم (11) # «3» تبين له أنه لا عذر لهم بحال، ولا أمان لهم من عقوبة الله. وما ~~يستروحون إليه من حججهم عند أنفسهم كلها- في التحقيق- باطل. وأخبر أن ~~الكفار قالوا: لو ms1118 كان هذا الذي يقوله PageV03P397 # من الحشر والنشر حقا لم تتقاصر رتبتنا عند الله عن رتبة أحد، ولتقدمنا- ~~فى الاستحقاق- على الكل. ولما لم يجدوا لهذا القول دليلا صرحوا: # «فسيقولون هذا إفك قديم» . # ولقد بعث الله أنبياءه- عليهم السلام- وأنزل عليهم الكتب، وبين في كل ~~كتاب، وعلى لسان كل رسول بأنه يبعث محمدا رسولا، ولكن القوم الذين في عصر ~~نبينا- صلى الله عليه وسلم- كتموه، وحسدوه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحقاف (46) : آية # 13] # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (13) # مضى تفسير الاستقامة. وإن من خرج على الإيمان والاستقامة حظى بكل كرامة، ~~ووصل إلى جزيل السلامة. # وقيل: السين فى «الاستقامة» سين الطلب وإن المستقيم هو الذي يبتهل إلى ~~الله تعالى فى أن يقيمه على الحق، ويثبته على الصدق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحقاف (46) : آية 15] # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ~~التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت ~~إليك وإني من المسلمين (15) # .. أمر الإنسان برعاية حق والديه على جهة الاحترام، لما لهما عليه من حق ~~التربية والإنعام، وإذا لم يحسن الإنسان حرمة من هو من جنسه فهو عن حسن ~~مراعاة سيده أبعد. ولو لم يكن فى هذا الباب إلا قوله- صلى الله عليه وسلم: ~~«رضا الرب من رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما» لكان ذلك كافيا. ورعاية حق ~~الوالد من حيث الاحترام، ورعاية حق الأم من حيث الشفقة والإكرام. ووعد الله ~~على بر الوالدين قبول الطاعة بقوله جل ذكره: ### | [سورة الأحقاف (46) : آية 16] # أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ~~وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16) # فقبول الطاعة وغفران الزلة مشروطان ببر الوالدين. وقد ذم الله- سبحانه- ~~الذي # PageV03P398 # يتصف في حقهما بالتأفف، وفي ذلك تنبيه على ما وراء ذلك من أي تعنف، وعلى ~~أن الذي يسلك ذلك يكون من أهل الخسران، وبالتالى يكون ناقص ms1119 الإيمان. # وسبيل العبد في رعاية حق الوالدين أن يصلح ما بينه وبين الله، فحينئذ ~~يصلح ما بينه وبين غيره- على العموم، وأهله- على الخصوص. # وشر خصال الولد في رعاية حق والديه أن يتبرم بطول حياتهما، ويتأذى بما ~~يحفظ من حقهما. وعن قريب يموت الأصل ويبقى النسل، ولا بد من أن يتبع النسل ~~الأصل «1» ، وقد قالوا في هذا المعنى. # رويدك إن الدهر فيه كفاية ... لتفريق ذات البين.. فانتظر الدهرا «2» # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحقاف (46) : آية # 20] # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير ~~الحق وبما كنتم تفسقون (20) # سبيل العبد ألا ينسى في كل حال معبوده، وأن يتذكر أنه معه في همه وسروره، ~~وفي مناجاته عند رخائه وبلائه. فإن اتفق أن حصل له أنس، وغلب عليه رجاء ~~وبسط ثم هجم على قلبه قبض أو مسه خوف.. فليخاطب ربه حتى لا يكون من جملة من ~~قيل له: «أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ... » # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحقاف (46) : آية 21] # واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ~~ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) # «3» PageV03P399 # أخبر بالشرح عن قصة هود وقومه عاد وما جرى بينهم من الخطاب، وتوجه عليهم ~~من العتاب، وأخذهم بأليم العذاب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأحقاف (46) : آية # 26] # ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (26) # فلم يغن عنهم ما آتيناهم ... وانظروا كيف أهلكناهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحقاف (46) : آية 29] # وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ~~فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29) # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الجن كما كان مبعوثا إلى ~~الإنس. وإن قوما أتوه ليلة الجن «1» وآمنوا به، ورجعوا إلى قومهم فأخبروهم، ms1120 ~~وآمن قوم منهم فاليوم في الجن مؤمنون، وفيهم كافرون. # «فلما حضروه قالوا أنصتوا ... » الصيحة على الباب وفوق البساط غيبة ولهذا ~~لما حضر الجن بساط خدمته- صلى الله عليه وسلم- تواصوا فيما بينهم بحفظ ~~الأدب، وقالوا لما حضروا بساطه: «أنصتوا» ، فأهل الحضور صفتهم الذبول ~~والسكون، والهيبة والوقار. والثوران أو الانزعاج يدل على غيبة أو قلة تيقظ ~~أو نقصان اطلاع «2» . «فلما قضي..» يعنى الوحى «ولوا إلى قومهم منذرين» ~~وأخبروهم بما رأوه وسمعوه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحقاف (46) : آية 31] # يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب ~~أليم (31) PageV03P400 # يقال الإجابة على ضربين: إجابة لله، وإجابة للداعى فإجابة الداعي بشهود ~~الواسطة- وهو الرسول صلى الله عليه وسلم. وإجابة الله بالجهر إذا بلغته ~~الرسالة على لسان السفير، وبالسر إذا حصلت التعريفات من الواردات على القلب ~~فمستجيب بنفسه ومستجيب بقلبه ومستجيب بروحه ومستجيب بسره. ومن توقف عن دعاء ~~الداعي إياه، ولم يبادر بالاستجابة هجر فيما كان يخاطب به «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحقاف (46) : آية 33] # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن ~~يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير (33) # الرؤية هنا بمعنى العلم. # «ولم يعي» أي ولم يعجز ولم يضعف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحقاف (46) : آية 34] # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (34) # ثم يقال لهم على سبيل تأكيد إلزام الحجة: # «أليس هذا بالحق؟ قالوا: بلى وربنا. قال: فذوقوا العذاب ... » # جزاء لكم على كفركم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الأحقاف (46) : آية 35] # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون (35) ~~PageV03P401 # أو لو الجد والصبر والحزم. وجاء في التفسير أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، ~~وعيسى، ومحمد صلى الله عليهم وسلم. وقيل: هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم ~~السلام. وقيل: منهم يعقوب وأيوب ويونس. # والصبر هو الوقوف لحكم الله، والثبات من غير ms1121 بث ولا استكراه. # قوله جل ذكره: «كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار» . # ويقال مدة الخلق: من مبتدأ وقتهم إلى منتهى آجالهم بالإضافة إلى الأزلية ~~«1» كلحظة بل هي أقل إذ الأزل لا ابتداء له ولا انتهاء.. وأي خطر لما حصل ~~في لحظة.. خيرا كان أو شرا؟! PageV03P402 ### | سورة محمد «صلى الله عليه وسلم» # «1» # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» من ذكر «بسم الله» جلت رتبته، ~~ومن عرف «بسم الله» صفت حالته، ومن أحب «بسم الله» أشكلت قصته «2» ، ومن ~~صحب «بسم الله» امتحقت إنيته «3» ، وتلاشت- بالكلية- جملته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح ~~بالهم (2) # «الذين كفروا» : امتنعوا، وصدوا فمنعوا فلأنهم امتنعوا عن سبيل الله ~~استوجبوا الحجبة والغيبة. # «أضل أعمالهم» : أي أحبطها. # «والذين آمنوا ... » بما نزل على محمد، «وهو الحق من ربهم ... » ~~PageV03P403 # أصلح حالهم، فالكفر للأعمال محبط، والإيمان للتخليد «1» مسقط. # ويقال: الذين اشتغلوا بطاعة الله، ولم يعملوا «2» شيئا مما خالف الله- ~~فلا محالة- نقوم بكفاية اشتغالهم بالله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة محمد (47) : آية # 3] # ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ~~كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3) # أي يضرب أمثال هؤلاء لحسناتهم، وأمثال هؤلاء لسيئاتهم. # ويكون اتباع الحق بموافقة السنة، ورعاية حقوق الله، وإيثار رضاه، والقيام ~~بطاعته. # ويكون اتباع الباطل بالابتداع، والعمل بالهوى، وإيثار الحظوظ، وارتكاب ~~المعصية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : الآيات 4 الى 6] # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما ~~منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ~~ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4) ~~سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) # إذا حصل الظفر بالعدو فالعفو عنهم وترك المبالغة في التشديد عليهم- للندم ~~موجب، وللفرصة تضييع بل الواجب ms1122 إزهاق نفوسهم، واستئصال أصولهم، واقتلاع ~~شجرهم من أصله. # وكذلك العبد إذا ظفر بنفسه فلا ينبغى أن يبقى بعد انتفاش شوكها بقية من ~~الحياة، فمن وضع عليها إصبعا بثت سمها فيه «3» . # «فإما منا بعد وإما فداء» ذلك إذا رجا المسلمون في ذلك غبطة أو فائدة مثل ~~إفراج PageV03P404 # الكفار عن قوم من المسلمين، أو بسبب ما يؤخذ من الفداء.. وأمثال هذا، ~~فحينئذ ذلك مسلم على ما يراه الإمام «1» . # كذلك حال المجاهدة مع النفس: حيث يكون في إغفاء ساعة أو في إفطار يوم ~~ترويح للنفس من الكد، وتقوية على الجهد فيما يستقبل من الأمر- فذلك مطلوب ~~حسبما يحصل به الاستصواب من شيخ المريد، أو فتوى لسان الوقت، أو فراسة صاحب ~~المجاهدة «2» . # قوله جل ذكره: والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح ~~بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم إذا قتل أحد في سبيل الحق تولى ورثة المقتول ~~بأحسن من تولية المقتول. # وكذلك يرفع درجاته فيعظم ثوابه، ويكرم مآبه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة محمد (47) : آية # 7] # يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) # نصرة الله من العبد نصرة دينه بإيضاح الدليل وتبيينه. # ونصرة الله للعبد بإعلاء كلمته، وقمع أعداء الدين ببركات سعيه وهمته. # «ويثبت أقدامكم» بإدامة التوفيق لئلا ينهزم من صولة أعداء الدين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : آية 8] # والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) . PageV03P405 # تعسا لهم: لعنا وطردا، وقمعا وبعدا! «أضل أعمالهم» : هتك أستارهم، وأظهر ~~للمؤمنين أسرارهم، وأخمد نارهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة محمد (47) : آية # 10] # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله ~~عليهم وللكافرين أمثالها (10) # وكيف أهلكهم وأبادهم وأقماهم؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : آية 11] # ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم (11) # المولى «1» هنا بمعنى الناصر «2» فالله ناصر للذين آمنوا، وأما الكافرون ~~فلا ناصر لهم. # أو المولى من الموالاة وهي ضد المعاداة، فيكون بمعنى المحب فهو مولى ~~الذين آمنوا أي محبهم، وأما الكافرون فلا يحبهم الله. # ويقول تعالى في ms1123 آية أخرى: «والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت» «3» . # ويصح أن يقال إن هذه أرجى «4» آية في القرآن ذلك بأنه سبحانه يقول: «بأن ~~الله مولى الذين آمنوا» ولم يقل: مولى الزهاد والعباد وأصحاب الأوراد ~~والاجتهاد فالمؤمن- وإن كان عاصيا- من جملة الذين آمنوا، (لا سيما و ~~«آمنوا» فعل، والفعل لا عموم له) «5» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : آية 12] # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (12) ~~PageV03P406 # مضى الكلام في هذه الآية. # والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم الأنعام ~~تأكل من أي موضع بلا تمييز، وكذلك الكافر لا تمييز له بين الحلال والحرام. # [كذلك الأنعام ليس لها وقت لأكلها بل في كل وقت تقتات وتأكل، وكذلك ~~الكافر، وفي الخبر: «إنه يأكل في سبعة أمعاء» . أما المؤمن فيكتفى بالقليل ~~كما في الخبر: «إن كان ولا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس» و «ما ~~ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه» ] «1» . # ويقال: الأنعام تأكل على الغفلة فمن كان في حال أكله ناسيا ربه فأكله ~~كأكل الأنعام. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة محمد (47) : آية # 13] # وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ~~(13) # «2» . # «أهلكناهم» : يعنى بها من أهلكهم من القرون الماضية في الأعصر الخالية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : آية 14] # أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم (14) # «البينة» : الضياء والحجة، والاستبصار بواضح المحجة: فالعلماء في ضياء ~~برهانهم، والعارفون في ضياء بيانهم «3» فهؤلاء بأحكام أدلة الأصول يبصرون، ~~وهؤلاء بحكم الإلهام والوصول يستبصرون. PageV03P407 # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : آية 15] # مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل ~~الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ~~(15) # كذلك اليوم شأن الأولياء، فلهم شراب الوفاء، ثم ms1124 شراب الصفاء، ثم شراب ~~الولاء، ثم شراب حال اللقاء. # ولكل من هذه الأشربة عمل، ولصاحبه سكر وصحو فمن تحسى شراب الوفاء لم ينظر ~~إلى أحد في أيام غيبته عن أحبابه: # وما سر صدرى منذ شط بك النوى ... أنيس ولا كأس ولا متصرف # ومن شرب كأس الصفاء خلص له عن كل شوب، فلا كدورة في عهده، وهو في كل وقت ~~صاف عن نفسه، خال من مطالباته «1» ، قائم بلا شغل- فى الدنيا والآخرة- ولا ~~أرب. # ومن شرب كأس الولاء عدم فيه القرار، ولم يغب بسره لحظة في ليل أو نهار. # ومن شرب في حال اللقاء أنس على الدوام ببقائه فلم يطلب- مع بقائه- شيئا ~~آخر من عطائه لاستهلاكه في علائه عند سطوات كبريائه «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة محمد (47) : الآيات 16 الى # 17] # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا ~~قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (16) والذين ~~اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) PageV03P408 # هم المنافقون الذين كرهوا ما أنزل الله لما فيه من افتضاحهم. # «والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم» «اهتدوا» : بأنواع المجاهدات، ف ~~«زادهم هدى» : بأنوار المشاهدات. # «اهتدوا» : بتأمل البرهان، ف «زادهم هدى» بروح البيان. # «اهتدوا» : بعلم اليقين، ف «زادهم هدى» : بحق اليقين. # [ «اهتدوا» : بآداب المناجاة، ف «زادهم هدى» : بالنجاة ورفع الدرجات. # «اهتدوا» : إلى ما فيه من الحق ولم يختلفوا في أنه الحق، ف «زادهم هدى» ~~بالاستقامة على طريق الحق] «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : الآيات 18 الى 19] # فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا ~~جاءتهم ذكراهم (18) فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم (19) # كان عالما بأنه: «لا إله إلا الله» فأمره بالثبات عليها قال (ص) : «أنا ~~أعلمكم بالله، وأخشاكم له «2» » . # ويقال: كيف قيل له: «فاعلم ... » ولم يقل: علمت، وإبراهيم قيل له: «أسلم ~~«3» ..» # فقال: «أسلمت ... » ؟ فيجاب بأن إبراهيم لما قال: «أسلمت» ابتلى، ونبينا ~~صلى الله عليه وسلم لم يقل: علمت فعوفى. PageV03P409 # وإبراهيم عليه ms1125 السلام أتى بعده شرع كشف سره، ونبينا صلى الله عليه وسلم ~~لم يأت بعده شرع. # ويقال: نبينا صلى الله عليه وسلم أخبر الحق عنه بقوله: «آمن الرسول «1» ~~... » والإيمان هو العلم- وإخبار الحق سبحانه عنه أتم من إخباره بنفسه عن ~~نفسه: «علمت» . # ويقال: فرق بين موسى عليه السلام لما احتاج إلى زيادة العلم فأحيل على ~~الخضر، ونبينا صلى الله عليه وسلم قال له: «وقل رب زدني علما «2» » ... فكم ~~بين من أحيل في استزادة العلم على عبد وبين من أمر باستزادة العلم من ~~الحق!!. # ويقال لما قال له «فاعلم أنه لا إله إلا الله «3» » كان يأمره بالانقطاع ~~إليه عن الخلق، ثم بالانقطاع منه- أي من الرسول- إليه.. أي إلى الحق ~~سبحانه. والعبد إذا قال هذه الكلمة على سبيل العادة والغفلة عن الحقيقة- أي ~~كان بصفة النسيان- فليس لقوله كثير قيمة كأن تقال عند التعجب من شىء.. فليس ~~لهذا قدر. أما إذا قالها مخلصا فيها، ذاكرا لمعناها، متحققا بحقيقتها.. فإن ~~كان بنفسه فهو في وطن التفرقة.. وعندهم «4» هذا من الشرك الخفي، وإن قالها ~~بحق فهو الإخلاص. فالعبد يعلم أولا ربه بدليل وحجة فعلمه بنفسه كسبي.. وهو ~~أصل الأصول، وعليه ينبنى كل علم استدلالى «5» ! ثم تزداد قوة علمه بزيادة ~~البيان وزيادة الحجج، ويتناقص علمه بنفسه لغلبات ذكر الله على القلب. فإذا ~~انتهى إلى حال المشاهدة، واستيلاء سلطان الحقيقة عليه صار علمه في تلك ~~الحالة ضروريا. ويقل إحساسه بنفسه حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلالي وكأنه ~~غافل «6» عن نفسه أو ناس لنفسه. PageV03P410 # ويقال: الذي على البحر يغلب عليه ما يأخذه من رؤية البحر، فإذا ركب البحر ~~قويت هذه الحالة، حتى إذا غرق في البحر فلا إحساس له بشىء سوى ما هو مستغرق ~~فيه ومستهلك «1» . # «واستغفر لذنبك» : اى إذا علمت أنك علمت فاستغفر لذنبك من هذا فإن الحق- ~~على جلال قدره- لا يعلمه غيره «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة محمد (47) : آية # 20] # ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها ~~القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه ms1126 من الموت ~~فأولى لهم (20) # كان المسلمون تضيق قلوبهم بتباطؤ الوحى، وكانوا يتمنون أن ينزل الوحى ~~بسرعة فقال تعالى: «فإذا أنزلت سورة محكمة «3» وذكر فيها القتال» رأيت ~~المنافقين يكرهون ذلك لما كان يشق عليهم من القتال، فكانوا يفتضحون عندئذ، ~~وكانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم- بغاية الكراهة. # ... فأولى لهم» . PageV03P411 # تهديد «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة محمد (47) : آية # 21] # طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم (21) # وهو قولهم: «لولا نزلت سورة ... » . # ويقال: فأولى لهم طاعة منهم لله ولرسوله. «وقول معروف» بالإجابة لما ~~أمروا به من الجهاد. # ويقال: طاعة وقول معروف أمثل بهم. # قوله جل ذكره «فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم» . # إذا عزم الأمر- أي جد وفرض القتال- فالصدق والإجابة خير لهم من كذبهم ~~ونفاقهم وتقاعدهم عن الجهاد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : آية 22] # فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) # أي فلعلكم إن أعرضتم عن الإيمان- بمحمد صلى الله عليه وسلم- ورجعتم إلى ~~ما كنتم عليه أن تفسدوا في الأرض، وتسفكوا الدماء الحرام، وتقطعوا أرحامكم، ~~وتعودوا إلى جاهليتكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : آية 23] # أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) # أصمهم عن سماع الحق وقبوله بقلوبهم، وأعمى بصائرهم. PageV03P412 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة محمد (47) : آية # 24] # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) # أي إن تدبروا القرآن أفضى بهم إلى العرفان، وأراحهم من ظلمة التحير. # «أم على قلوب أقفالها» : أقفل الحق عل قلوب الكفار فلا يداخلها زاجر ~~التنبيه، ولا ينبسط عليها شعاع العلم، فلا يحصل لهم فهم الخطاب فالباب إذا ~~كان مقفلا ... فكما لا ينخل فيه شىء لا يخرج منه شىء كذلك قلوب الكفار ~~مقفلة، فلا الكفر الذي فيها يخرج، ولا الإيمان الذي هم يدعون إليه يدخل في ~~قلوبهم. # وأهل الشرك والكفر قد سدت بصائرهم وغطيت أسرارهم، ولبس عليهم وجه ~~التحقيق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : آية 25] # إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم ~~وأملى لهم (25) # الذي ms1127 يطلع فجر قلبه، ويتلألأ نور التوحيد فيه، ثم قبل متوع نهار إيمانه ~~انكسفت شمس يومه، وأظلم نهار عرفانه، ودجا ليل شكه، وغابت هجوم عقله ... ~~فحدث عن ظلماته ... ! ولاحرج! «1» [ذلك جزاؤهم على مما لأئهم مع المنافقين، ~~وتظاهرهم ... فإذا توفتهم الملائكة تتصل آلامهم، ولا تنقطع بعد ذلك ~~عقوباتهم.] «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : آية 29] # أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) # . ليس الأمر كما توهمموه، بل الله يفضحهم ويكشف تلبيسهم، ولقد أخبر ~~الرسول عنهم، وعرفه أعيانهم. PageV03P413 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة محمد (47) : آية # 30] # ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم ~~أعمالكم (30) # أي في معنى الخطاب، فالأسرة تدل على السريرة، وما يخامر القلوب فعلى ~~الوجوه يلوح أثره: # لست ممن ليس يدرى ... ما هوان من كرامة # إن للحب ... وللبغض على الوجه علامة # والمؤمن ينظر بنور الفراسة «1» ، والعارف ينظر بنور التحقيق، والموحد ~~ينظر بالله فلا يستتر عليه شىء «2» . # ويقال: بصائر الصديقين غير مغطاة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«سدوا كل خوخة غير خوخة أبى بكر» «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : آية 31] # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم (31) # بالابتلاء والامتحان تتبين جواهر الرجال، فيظهر المخلص، ويفتضح المماذق، ~~وينكشف المنافق، فالذين آمنوا وأخلصوا نجوا وتخلصوا، والذين كفروا ونافقوا ~~وقعوا «4» فى الهوان وأذلوا، ووسموا بالشقاوة وقطعوا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : آية 33] # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم (33) ~~PageV03P414 # «لا تبطلوا أعمالكم» : بالرياء والإعجاب والملاحظة. # «لا تبطلوا أعمالكم» : بالمساكنة إليها. «ولا تبطلوا أعمالكم» بطلب ~~الأعواض عليها. # «لا تبطلوا أعمالكم» : بتوهمكم أنه يجب بها شىء دون فضل الله «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة محمد (47) : آية # 35] # فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ~~(35) # أي لا تميلوا إلى الصلح مع الكفار وأنتم الأعلون بالحجة «2» . # أنتم الأعلون بالنصرة. قوله «والله معكم» . أي بالنصرة ويقال: لا تضعفوا ~~بقلوبكم، وقوموا بالله لأنكم- والله معكم- لا يخفى عليه شىء منكم، فهو على ~~الدوام يراكم. # ومن علم ms1128 أن سيده يراه يتحمل كل مشقة مشتغلا برؤيته: # «ولن يتركم أعمالكم» أي لا ينقصكم أجر أعمالكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : آية 36] # إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم ~~أموالكم (36) # تجنبوا الشرك والمعاصي حتى يفيكم أجوركم. # والله لا يسألكم من أموالكم إلا اليسير منها وهو مقدار الزكاة «3» . ### | [سورة محمد (47) : آية 37] # إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) PageV03P415 # «الإحفاء» الإلحاح في المسألة ... وهذا إنما يقوله لمن لم يوق شح نفسه، ~~فأما الإخوان ومن علت رتبتهم في باب حرية القلب فلا يسامحون في استيفاء ~~ذرة، ويطالبون ببذل الروح، والتزام الغرامات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة محمد (47) : آية 38] # ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما ~~يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم ~~لا يكونوا أمثالكم (38) # البخل منع الواجب، وإذا بخل فإنما يبخل عن نفسه لأنه لو لم يفعل ذلك لحصل ~~له الثراء- هكذا يظن. # قوله جل ذكره: «والله الغني وأنتم الفقراء» . # «غنى» بنفسه على قول، وغني بوصفه على القول الثاني «1» . وغناه كونه لا ~~تتقيد مراداته. أما العبد فهو فقير بنفسه لأنه لا يستغنى عن مولاه فى ~~الابتداء منذ خلقه إلى الانتهاء، وهو في دوام الأوقات مفتقر إلى مولاه. # والفقير الصادق من يشهد افتقاره إلى الله. وصدق الفقير في شهود فقره إلى ~~الله. ومن افتقر إلى الله استغنى بالله، ومن افتقر إلى غير الله وقع في ~~الذل والهوان. # ويقال: الله غني عن طاعتكم، وأنتم الفقراء إلى رحمته. # ويقال: الله غني لا يحتاج إليكم، وأنتم الفقراء لأنكم لا بديل لكم عنه. # قوله جل ذكره: «وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم» . # يستبدل قوما غيركم يكونون أشد منكم طاعة، وأصدق منكم وفاء فهو قادر على ~~خلق أمثالكم ثم لا يكونون أمثالكم في العصيان والإعراض وترك الشكر والوفاء ~~... # بل سيكونون خيرا منكم. PageV03P416 ### | سورة الفتح # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» تشير إلى سموه في ~~أزله، وعلوه في ms1129 أبده وسموه في أزله نفى البداية عنه بحق القدم، وعلوه في ~~أبده نفى الانتهاء عنه باستحالة العدم فمعرفة سموه توجب للعبد سموا، ومعرفة ~~علوه توجب للعبد علوا «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفتح (48) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) # قضينا لك قضاء بينا، وحكمنا لك بتقوية دين الإسلام، والنصرة على عدوك، ~~وأكرمناك بفتح ما انغلق على قلب من هو غيرك- من قبلك- بتفصيل شرائع ~~الإسلام، وغير ذلك من فتوحات قلبه صلوات الله عليه. # نزلت الآية في فتح مكة، ويقال في فتح الحديبية «2» . # ويقال: هديناك إلى شرائع الإسلام، ويسرنا لك أمور الدين. ### | [سورة الفتح (48) : آية 2] # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا ~~مستقيما (2) PageV03P417 # كلا القسمين- المتقدم والمتأخر- كان قبل النبوة «1» . # ويقال «ما تقدم» من ذنب آدم بحرمتك، «وما تأخر» : من ذنوب أمتك «2» . # وإذا حمل على ترك الأولى «3» فقد غفر له جميع ما فعل من قبيل ذلك، قبل ~~النبوة وبعدها «4» . # ولما نزلت هذه الآية قالوا: هنيئا لك! فأنزل الله تعالى: # «ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها» .. ~~ويقال: # حسنات الأبرار سيئات المقربين. # ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما يتم نعمته عليك بالنبوة، وبوفاء ~~العاقبة، وببسط الشريعة، وبشفاعته لأمته، وبرؤية الله غدا، [وبإظهار دينه ~~على الأديان، وبأنه سيد ولد آدم، وبأنه أقسم بحياته، وخصه بالعيان] «5» . # وبسماع كلامه سبحانه ليلة المعراج، وبأن بعثه إلى سائر الأمم.. وغير ذلك ~~من مناقبه. # «ويهديك صراطا مستقيما» يثبتك على الصراط المستقيم، ويزيدك هداية على ~~هداية، ويهدى بك الخلق إلى الحق. # ويقال: يهديك صراطا مستقيما بترك حظك. ### | ### | [سورة الفتح (48) : آية # 3] # وينصرك الله نصرا عزيزا (3) PageV03P418 # لا ذل فيه، وتكون غالبا لا يغلبك أحد. # ويقال: ينصرك على هواك ونفسك، وينصرك بحسن خلقك ومقاساة الأذى من قومك. # ويقال نصرا عزيزا: معزا لك ولمن آمن بك. # وهكذا اشتملت هذه الآية على وجوه من الأفضال أكرم بها نبيه- صلى الله ~~عليه وسلم- وخصه بها من الفتح والظفر على النفس والعدو، وتيسير ما انغلق ~~على غيره، ms1130 والمغفرة، وإتمام النعمة والهداية والنصرة.. ولكل من هذه الأشياء ~~خصائص عظيمة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفتح (48) : آية # 4] # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله ~~جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (4) # .. السكينة ما يسكن إليه القلب من البصائر والحجج، فيرتقى القلب بوجودها ~~عن حد الفكرة إلى روح اليقين وثلج الفؤاد، فتصير العلوم ضرورية «1» .. وهذا ~~للخواص. # فأما عوام المسلمين فالمراد منها: السكون والطمأنينة واليقين. # ويقال: من أوصاف القلب في اليقين المعارف والبصائر والسكينة. # وفي التفاسير: السكينة ريح هفافة. وقالوا: لها وجه كوجه الإنسان. وقيل ~~لها جناحان. # «ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم» أي يقينا مع يقينهم وسكونا مع سكونهم. تطلع ~~أقمار عين اليقين على نجوم علم اليقين. # ثم تطلع شمس حق اليقين على بدر عين اليقين. # «ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما» . # «جنود السماوات والأرض» : قيل: هى جميع القلوب الدالة على وحدانية الله. # ويقال: ملك السماوات والأرض وما به من قوى تقهر أعداء الله. PageV03P419 # ويقال: هم أنصار دينه. # ويقال: ما سلطه الحق علي شىء فهو من جنوده، سواء سلطه على وليه في الشدة ~~والرخاء، أو سلطه على عدوه في الراحة والبلاء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفتح (48) : آية # 5] # ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر ~~عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (5) # يستر ذنوبهم ويحطها عنهم.. وذلك فوز عظيم، وهو الظفر بالبغية «1» . # وسؤل كل أحد ومأموله، ومبتغاه ومقصوده مختلف.. وقد وعد الجميع ظفرا به. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفتح (48) : آية 6] # ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء ~~عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6) # يعذبهم في الآجل بعذابهم وسوء عقابهم. # و «ظن السوء» : هو ما كان بغير الإذن ظنوا أن الله لا ينصر دينه ونبيه ~~عليه السلام. # «عليهم دائرة السوء» : عاقبته تدور عليهم وتحيق بهم. # «ولعنهم» : أبعدهم عن فضله، وحقت فيهم كلمته، وما سبقت لهم- من الله ~~سبحانه- قسمته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفتح (48) : آية ms1131 8] # إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) # «أرسلناك شاهدا» : على أمتك يوم القيامة. ويقال: شاهدا على الرسل والكتب. # ويقال: شاهدا بوحدانيتنا وربوبيتنا. ويقال: شاهدا لأمتك بتوحيدنا. ~~«ومبشرا» : # لهم منا بالثواب،. «ونذيرا» للخلق زاجرا ومحذرا من المعاصي والمخالفات. ~~PageV03P420 # ويقال: شاهدا من قبلنا، ومبشرا بأمرنا، ونذيرا من لدنا ولنا ومنا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفتح (48) : آية # 9] # لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9) # قرىء «1» : «ليؤمنوا» بالياء لأن ذكر المؤمنين جرى، أي ليؤمن المؤمنون ~~بالله ورسوله ويعزروه وينصروه أي الرسول، ويؤقروه: أي يعظموا الرسول. ~~وتسبحوه: أي تسبحوا الله وتنزهوه بكرة وأصيلا «2» . # وقرىء: «لتؤمنوا» - بالتاء- أيها المؤمنون بالله ورسوله وتعزروه- على ~~المخاطبة. # وتعزيره يكون بإيثاره بكل وجه على نفسك، وتقديم حكمه على حكمك. وتوقيره ~~يكون باتباع سنته، والعلم بأنه سيد بريته «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفتح (48) : آية 10] # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ~~ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (10) # وهذه البيعة هي بيعة الرضوان بالحديبية تحت سمرة «4» . # وذلك أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعث عثمان رضى الله عنه إلى قريش ~~ليكلمهم فأرجفوا بقتله. وأتى عروة بن مسعود «5» إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال: # جئت بأوشاب الناس لتفض بيضتك بيدك، وقد استعدت قريش لقتالك، وكأنى ~~بأصحابك PageV03P421 # قد انكشفوا عنك إذا مسهم حر السلاح! فقال أبو بكر: أتظن أنا نسلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ # فبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم على أن يقاتلوا وألا يهربوا «1» ، ~~فأنزل الله تعالى: # «إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله» : أي عقدك عليهم هو عقد الله. # قوله جل ذكره: «يد الله فوق أيديهم» . # أي «يد الله» : فى المنة عليهم بالتوفيق والهداية «2» : «فوق أيديهم» ~~بالوفاء حين بايعوك. # ويقال: قدرة الله وقوته في نصرة دينه ونصرة نبيه صلى الله عليه وسلم فوق ~~نصرهم لدين الله ولرسوله. # وفي هذه الآية تصريح بعين الجمع «3» كما قال: «وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى» قوله جل ذكره: «فمن نكث فإنما ينكث على نفسه» ms1132 أي عذاب النكث عائد ~~عليه. # «ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما» . # أي من قام بما عاهد الله عليه على التمام فسيؤتيه أجرا عظيما. # وإذا كان العبد بوصف إخلاصه، بعامل الله في شىء هو به متحقق، وله بقلبه ~~شاهد فإن الوسائط التي تظهرها أمارات التعريفات تجعله محوا في أسراره ... ~~والحكم عندئذ راجع إلى الواحد- جل شأنه «4» . PageV03P422 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفتح (48) : آية # 11] # سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ~~أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) # لما قصد رسول الله عليه وسلم التوجه إلى الحديبية تخلف قوم من الأعراب ~~عنه. قيل: هم أسلم وجهينة وغفار ومزينة وأشجع، وقالوا: «شغلتنا أموالنا ~~وأهلونا» وليس لنا من يقوم بشأننا وقالوا: انتظروا ماذا يكون فماهم في قريش ~~إلا أكلة رأس «1» . فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءوه معتذرين ~~بأنه لم يكن لهم أحد يقوم بأمورهم! وقالوا: استغفر لنا. # فأطلعه الله- سبحانه- على كذبهم ونفاقهم وأنهم لا يقولون ذلك إخلاصا، ~~وعندهم سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، فإنهم يقولون بأفواههم ما ~~ليس في قلوبهم. # «قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان ~~الله بما تعملون خبيرا» فضحهم. ويقال: ما شغل العبد عن الله شؤم عليه. # ويقال: عذر المماذق وتوبة المنافق كلاهما ليس حقائق. # قوله جل ذكره ### | [سورة الفتح (48) : آية 12] # بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في ~~قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (12) # حسبتم أن لن يرجع الرسول والمؤمنون من هذه السفرة إلى أهليهم أبدا، وزينت ~~لكم الأمانى ألا يعودوا، وأن الله لن ينصرهم. «وكنتم قوما بورا» أي هالكين ~~فاسدين. PageV03P423 # ويقال: إن العدو إذا لم يقدر أن يكيد بيده يتمنى ما تتقاصر عنه مكنته، ~~وتلك صفة كل عاجز، ونعت كل لئيم. ثم إن ms1133 الله- سبحانه- بعكس ذلك عليه حتى لا ~~يرتفع مراده «ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله «1» » . # ويقال: من العقوبات الشديدة التي يعاقب الله بها المبطل أن يتصور شيئا ~~يتمناه ويوطن نفسه عليه لفرط جهله. ويلقى الحق في قلبه ذلك التمني حتى تسول ~~له نفسه أن ذلك كالكائن.. # ثم يعذبه الله بامتناعه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفتح (48) : آية # 13] # ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا (13) # وما هو آت فقريب.. وإن الله ليرخى عنان الظلمة ثم لا يفلتون من عقابه.. ~~وكيف- وفي الحقيقة- ما يحصل منهم هو الذي يجريه «2» عليهم؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفتح (48) : آية 14] # ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا ~~رحيما (14) # يغفر- وليس له شريك يقول له: لا تفعل، ويعذب من يشاء- وليس هناك مانع عن ~~فعله يقول له: لا تفعل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفتح (48) : آية 15] # سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل ~~تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لما رجعوا من الحديبية وعدهم ~~الله خيبر، PageV03P424 # وأن فيها سيظفر بأعدائه، فلما هم بالخروج أراد هؤلاء المخلفون أن يتبعوه ~~لما علموا في ذلك من الغنيمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما يخرج ~~معى إلى خيبر من خرج إلى الحديبية، والله بذلك حكم ألا يخرجوا معنا» فقال ~~المتخلفون: إنما يقول المؤمنون ذلك حسدا لنا وليس هذا من قول الله! فأنزل ~~الله تعالى ذلك لتكذيبهم، ولبيان حكمه ألا يستصحبهم فهم أهل طمع، وكانت ~~عاقبتهم أنهم لم يجدوا مرادهم، وردوا بالمذلة وافتضح أمرهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفتح (48) : آية 16] # قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو ~~يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما (16) # جاء في التفاسير أنهم أهل اليمامة أصحاب مسيلمة- وقد دعاهم أبوبكر ~~وحاربهم، فالآية تدل على إمامته ... وقيل ms1134 هم أهل فارس- وقد دعاهم عمر بن ~~الخطاب وحاربهم فالآية تدل على صحة إمامته. وصحة إمامته تدل على صحة إمامة ~~أبى بكر. «1» «أولي بأس شديد» أولى شدة. # فإن أطعتم استوجبتم الثواب، وإن تخلفتم استحققتم العقاب. ودلت الآية على ~~أنه يجوز أن تكون للعبد بداية غير مرضية ثم يتغير بعدها إلى الصلاح- كما ~~كان لهؤلاء وأنشدوا: # إذا فسد الإنسان بعد صلاحه ... فرج له عود الصلاح.. لعله # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفتح (48) : آية 17] # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما (17) ~~PageV03P425 # هؤلاء أصحاب الأعذار.. رفع عنهم الحرج في تخلفهم عن الوقعة في قتال ~~المشركين. # وكذلك من كان له عذر في المجاهدة مع النفس.. فإن الله يحب أن تؤتى رخصه ~~كما كما يحب أن تؤتى عزائمه «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفتح (48) : الآيات 18 الى 20] # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم ~~فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) ومغانم كثيرة يأخذونها وكان ~~الله عزيزا حكيما (19) وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف ~~أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما (20) # هذه بيعة الرضوان، وهي البيعة تحت الشجرة بالحديبية، وسميت بيعة الرضوان ~~لقوله تعالى «لقد رضي الله عن المؤمنين ... » . # وكانوا ألفا وخمسمائة وقيل وثلاثمائة وقيل وأربعمائة. وكانوا قصدوا دخول ~~مكة، فلما بلغ ذلك المشركين قابلوهم صادين لهم عن المسجد الحرام مع أنه لم ~~يكن خارجا لحرب، فقصده المشركون، ثم صالحوه على أن ينصرف هذا العام، ويقيم ~~بها ثلاثا ثم يخرج، (وأن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام بتداخل فيها ~~الناس ويأمن بعضهم بعضا) «2» وكان النبي قد رأى في منامه أنهم يدخلون ~~المسجد الحرام آمنين، فبشر بذلك أصحابه، فلما صدهم المشركون خامر قلوبهم ~~شىء، وعادت إلى قلوب بعضهم تهمة حتى قال الصديق: لم يقل العام! فسكنت ~~قلوبهم بنزول الآية لأن الله سبحانه علم ما في قلوبهم من الاضطراب والتشكك. ~~فأنزل ms1135 السكينة في قلوبهم، PageV03P426 # وثبتهم باليقين. «وأثابهم فتحا قريبا» هو فتح خيبر بعد مدة يسيرة، وما ~~حصلوا عليه من مغانم كثيرة من خيبر. وقيل ما يأخذونه إلى يوم القيامة «1» . # وفي الآية دليل على أنه قد تخطر ببال الإنسان خواطر مشككة، وفي الريب ~~موقعة، ولكن لا عبرة بها فإن الله سبحانه إذا أراد بعبد خيرا لازم التوحيد ~~قلبه، وقارن التحقيق سره فلا يضره كيد الشيطان، قال تعالى: إن الذين اتقوا ~~إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون» «2» . # وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ويدخل في ذلك جميع ما يغنمه المسلمون ~~إلى القيامة فعجل لكم هذه- يعنى خيبر «3» ، وقيل: الحديبية. # «وكف أيدي الناس عنكم» لما خرجوا من المدينة حرسهم الله، وحفظ عيالهم، ~~وحمى بيضتهم حين هب اليهود «4» فى المدينة بعد خروج المسلمين، فمنعهم الله ~~عنهم. # أو يقال: كف أيدى الناس من أهل الحديبية. # «ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما» لتكون هذه آية للمؤمنين ~~وعلامة يستدلون بها على حراسة الله لهم. # «ويهديكم صراطا مستقيما» : فى التوكل على الله والثقة به. # ويقال: كف أيدى الناس عن العبد هو أن يرزقه من حيث لا يحتسب، لئلا يحتاج ~~إلى أن يتكفف الناس. # ويقال: أن يرفع عنه أيدى الظلمة. PageV03P427 # ويقال: ألا تحمله المطالبة بسبب كثرة العيال ونفقتهم الكبيرة على الخطر ~~بدينه فيأخذ من الأشياء- برخصة التأويل- ما ليس بطيب «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفتح (48) : آية # 21] # وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا (21) # قيل: فتح الروم وفارس «2» . وقيل: فتح مكة «3» . # وكان الله على كل شىء قديرا: فلا تعلقوا بغيره قلوبكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفتح (48) : آية 22] # ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) # يعنى: خيبر وأسد وغطفان وغيرهم- لو قاتلوكم لانهزموا، ولا يجدون من دون ~~الله ناصرا قوله جل ذكره: ### | [سورة الفتح (48) : آية 23] # سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) # أي سنة الله خذلانهم ولن تجد لسنة الله تحويلا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفتح ms1136 (48) : آية 24] # وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ~~وكان الله بما تعملون بصيرا (24) # قيل إن سبعين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~جبل التنعيم متسلحين يريدون قتله (فأخذناهم سلما فاستحييناهم) فأنزل الله ~~هذه الآية في شأنهم «4» . PageV03P428 # وقيل أخذ اثنى عشر رجلا من المشركين- بلا عهد- فمن عليهم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم «1» وقيل: هم أهل الحديبية كانوا قد خرجوا لمنع المسلمين، وحصل ~~ترامى الأحجار بينهم فاضطرهم المسلمون إلى بيوتهم، فأنزل الله هذه الآية ~~يمن عليهم حيث كف أيدى بعضهم عن بعض عن قدرة من المسلمين لا عن عجز فأما ~~الكفار فكفوا أيديهم رعبا وخوفا وأما المسلمون فنهيا من قبل الله، لما في ~~أصلابهم من المؤمنين- أراد الله أن يخرجوا، أو لما علم أن قوما منهم ~~يؤمنون. # والإشارة فيه: أن من الغنيمة الباردة والنعم السنية أن يسلم الناس منك، ~~وتسلم منهم. # وإن الله يفعل بأوليائه ذلك، فلا من أحد عليهم حيف، ولا منهم على أحد حيف ~~ولا حساب ولا مطالبة ولا صلح ولا معاتبة، ولا صداقة ولا عداوة.. وكذا من ~~كان بالحق- وأنشدوا: # فلم يبق لى وقت لذكر مخالف ... ولم يبق لى قلب لذكر موافق. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفتح (48) : آية # 25] # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ~~ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما (25) # «كفروا» وجحدوا، «وصدوكم» ومنعوكم عن المسجد الحرام سنة الحديبية. # «والهدي معكوفا «2» » : أي منعوا الهدى أن يبلغ منحره، فمعكوفا حال من ~~الهدى أي محبوسا. PageV03P429 # وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ساق تلك السنة سبعين بدنة. # قوله جل ذكره: «ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم «1» ~~فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء» لو تسلطتم عليهم ~~لأصابتهم معرة ومضرة منكم بغير علم لسلطناكم عليهم ms1137 ولأظفرناكم بهم. # وفي هذا تعريف للعبد بأن أمورا قد تنغلق وتتعسر فيضيق قلب الإنسان.. ولله ~~في ذلك سر، ولا يعدم ما يجرى من الأمر أن يكون خيرا للعبد وهو لا يدرى.. ~~كما قالوا: # كم مرة حفت بك المكاره ... خير لك الله.. وأنت كاره # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفتح (48) : آية # 26] # إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان ~~الله بكل شيء عليما (26) # يعنى الأنفة «2» أي دفعتهم أنفة الجاهلية أن يمنعوكم عن المسجد الحرام ~~سنة الحديبية، فأنزل الله سكينته في قلوب المؤمنين حيث لم يقابلوهم بالخلاف ~~والمحاربة، ووقفوا واستقبلوا الأمر بالحلم. # «وألزمهم كلمة التقوى» وهي كلمة التوحيد تصدر عن قلب صادق: فكلمة التقوى ~~يكون معها الاتقاء من الشرك. PageV03P430 # «وكانوا أحق بها» حسب سابق حكمه وقديم «1» علمه.. «وكان الله بكل شيء ~~عليما» ويقال: الإلزام في الآية هو إلزام إكرام ولطف، لا إلزام إكراه وعنف ~~وإلزام بر لا إلزام جبر.. # وكم باسطين إلى وصلنا ... أكفهمو ... لم ينالوا نصيبا! # ويقال كلمة التقوى: التواصي بينهم بحفظ حق الله. # ويقال: هى أن تكون لك حاجة فتسأل الله ولا تبديها للناس. # ويقال: هى سؤالك من الله أن يحرسك من المطامع. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الفتح (48) : آية # 27] # لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ~~محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا ~~قريبا (27) # أي صدقه «2» فى رؤياه ولم يكذبه صدقه فيما أراه «3» من دخول مكة «آمنين ~~محلقين رؤسكم ومقصرين» كذلك أراه لما خرج إلى الحديبية وأخبر أصحابه. فوطن ~~أصحابه نفوسهم على دخول مكة في تلك السنة. فلما كان من أمر الحديبية عاد ~~إلى قلوب بعض المسلمين شىء، حتى قيل لهم لم يكن في الرؤيا دخولهم في هذا ~~العام، ثم أذن الله في العام القابل، فأنزل الله: # «لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق» فكان ذلك تحقيقا لما أراه، فرؤياه ~~صلوات ms1138 الله عليه حق لأن رؤيا الأنبياء حق PageV03P431 # وكان في ذلك نوع امتحان لهم: «فعلم ما لم تعلموا» أنتم من الحكمة في ~~التأخير «1» . # وقوله: «إن شاء الله» معناه إذ شاء الله كقوله: «إن كنتم مؤمنين» وقيل. ~~قالها على جهة تنبيههم إلى التأدب بتقديم المشيئة في خطابهم «2» وقيل يرجع ~~تقديم المشيئة إلى: إن شاء الله آمنين أو غير آمنين. # وقيل. يرجع تقديم المشيئة إلى دخول كلهم أو دخول بعضهم فإن الدخول كان ~~بعد سنة، ومات منهم قوم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفتح (48) : آية 28] # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله ~~شهيدا (28) # أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالدين الحنفي، وشريعة الإسلام ~~ليظهره على كل ما هو دين «3» فما من دين لقوم إلا ومنه في أيدى المسلمين سر ~~وللإسلام العزة والغلبة عليه بالحجج والآيات. # وقيل: ليظهره وقت نزول عيسى عليه السلام «4» . # وقيل: فى القيامة حيث يظهر الإسلام على كل الأديان. # وقيل: ليظهره على الدين كله بالحجة والدليل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفتح (48) : آية 29] # محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في ~~التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ~~يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ~~مغفرة وأجرا عظيما (29) PageV03P432 # «أشداء» . جمع شديد، أي فيهم صلابة مع الكفار. # «رحماء» . جمع رحيم، وصفهم بالرحمة والتواد فيما بينهم. # « ... تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا» تراهم راكعين ساجدين ~~يطلبون من الله الفضل والرضوان. # « ... سيماهم في وجوههم من أثر السجود» أي علامة التخشع التي على ~~الصالحين. # ويقال: هى في القيامة يوم تبيض وجوه، وأنهم يكونون غدا محجلين. # وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» ~~«1» ويقال في التفسير: «معه» أبوبكر، و «أشداء على الكفار» عمر و «رحماء ~~بينهم» : # عثمان، و «تراهم ركعا سجدا» علي رضى الله ms1139 عنهم «2» وقيل: الآية عامة في ~~المؤمنين. # «ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ ~~فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار» . # هذا مثلهم في التوراة، وأما مثلهم في الإنجيل فكزرع «3» أخرج شطأه أي: ~~فراخه. PageV03P433 # يقال: أشطأ الزرع إذا أخرج صغاره على جوانبه. «فآزره» أي عاونه. ~~«فاستغلظ» أي غلظ واستوى على سوقه وآزرت الصغار الكبار حتى استوى بعضه مع ~~بعض. يعجب هذا الزرع الزراع ليغيظ بالمسلمين الكفار شبه النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) بالزرع حين تخرج طاقة واحدة ما ينبت حولها فتشتد، كذلك كان وحده ~~في تقوية دينه بمن حوله من المسلمين. # فمن حمل الآية على الصحابة: فمن أبغضهم دخل في الكفر، لأنه قال: «ليغيظ ~~بهم الكفار» أي بأصحابه الكفار. ومن حمله على المسلمين ففيه حجة على ~~الإجماع، لأن من خالف الإجماع- فالله يغايظ به الكفار- فمخالف الإجماع كافر ~~قوله جل ذكره: «وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا ~~عظيما» وعد المؤمنين والمؤمنات مغفرة للذنوب، وأجرا عظيما في الجنة فقوله: ~~«منهم» للجنس أو للذين ختم لهم منهم بالإيمان. # PageV03P434 # بسم الله الرحمن الرحيم [ «بسم الله» : إخبار عن وجود الحق بنعت القدم. # «الرحمن الرحيم» : إخبار عن بقائه بوصف العلاء والكرم. # كاشف الأرواح بقوله: «بسم الله» فهيمها. # وكاشف النفوس بقوله: «الرحمن الرحيم» فتيمها فالأرواح دهشى في كشف جلاله، ~~والنفوس عطشى إلى لطف جماله] . # عبد الكريم القشيري فى بسملة «الشمس» # PageV03P435 ### | سورة الحجرات # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» اسم كريم من تنصل ~~إليه من زلاته تفضل عليه بنجاته، ومن توسل إليه بطاعاته تطول عليه بدرجاته. # «بسم الله» اسم عزيز من تقرب إليه بمناجاته قابله بلطف أفضاله، ومن تحبب ~~إليه بإيمانه أقبل عليه بكشف جلاله وجماله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجرات (49) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله ~~سميع عليم (1) # «يا أيها الذين آمنوا» : شهادة للمنادى بالشرف. # «لا تقدموا» أمر بتحمل الكلف. قدم الإكرام بالشرف ms1140 على الإلزام بالكلف أي ~~لا تقدموا بحكمكم «بين يدي الله ورسوله» : أي لا تقضوا أمرا من دون الله ~~ورسوله، أي لا تعملوا من ذات أنفسكم شيئا. # ويقال: قفوا حيثما وقفتم، وافعلوا ما به أمرتم، وكونوا أصحاب الاقتداء ~~والاتباع ... # لا أرباب الابتداء والابتداع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجرات (49) : آية 2] # يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) # PageV03P437 # أمرهم بحفظ حرمته، ومراعاة الأدب في خدمته وصحبته، وألا ينظروا إليه ~~بالعين التي ينظرون بها إلى أمثالهم. وأنه إذا كان بخلقه يلاينهم فينبغى ~~ألا يتبسطوا معه متجاسرين، ولا يكونوا مع ما يعاشرهم به من تخلقه عن حدودهم ~~زائدين. # ويقال: لا تبدأوه بحديث حتى يفاتحكم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجرات (49) : آية # 3] # إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) # هم الذين تقع السكينة عليهم من هيبة حضرته، أولئك هم الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى بانتزاع حب الشهوات منها، فاتقوا سوء الأخلاق، وراعوا الأدب. # ويقال: هم الذين انسلخوا من عادات البشرية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجرات (49) : الآيات 4 الى 5] # إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) ولو أنهم صبروا ~~حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5) # أي لو عرفوا قدرك لما تركوا حرمتك، والتزموا هيبتك. # ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ولم يستعجلوا، ولم يوقظوك وقت القيلولة ~~بمناداتهم لكان خيرا لهم «1» . # أما أصحابه- صلوات الله عليه وسلامه- الذين يعرفون قدره فإن أحدهم- كما ~~في الخبر: # «كأنه يقرع بابه بالأظافر» . PageV03P438 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجرات (49) : آية # 6] # يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) # دلت الآية «1» على ترك السكون إلى خبر الفاسق إلى أن يظهر صدقه. # وفي الآية إشارة إلى ترك الاستماع إلى كلام الساعي والنمام والمغتاب ~~للناس. # والآية تدل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا. # والفاسق هو الخارج ms1141 عن الطاعة «2» . ويقال هو الخارج عن حد المروءة. # ويقال: هو الذي ألقى جلباب الحياء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجرات (49) : الآيات 7 الى 8] # واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8) # أي لو وافقكم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير مما تطلبون منه ~~لوقعتم في العنت- وهو الفساد «3» . ولو قبل قول واحد (قبل وضوح الأمر) ~~لأصابتكم من ذلك شدة. # والرسول صلوات الله عليه لا يطيعكم في أكثر الأمور إذا لم ير في ذلك ~~مصلحة لكم وللدين. PageV03P439 # «ولكن الله حبب إليكم الإيمان» : الإسلام والطاعة والتوحيد، وزينها في ~~قلوبكم. # «وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان..» : هذا من تلوين الخطاب. # وفي الآية دليل على صحة قول أهل الحق في القدر «1» ، وتخصيص المؤمنين ~~بألطاف لا يشترك فيها الكفار. ولولا أنه يوفر الدواعي للطاعات لحصل التفريط ~~والتقصير فى العبادات. # فضلا من الله ونعمة: أي فعل هذا بكم فضلا منه ورحمة. والله عليم حكيم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجرات (49) : آية # 9] # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) # «2» تدل الآية على أن المؤمن بفسقه- والفسق دون الكفر- لا يخرج عن ~~الإيمان لأن إحدى الطائفتين- لا محالة- فاسقة إذا اقتتلا. # وتدل الآية على وجوب نصرة المظلوم حيث قال: «فإن بغت إحداهما على الأخرى ~~... » . # والإشارة فيه: أن النفس إذا ظلمت القلب بدعائه إلى شهواتها، واشتغالها في ~~فسادها فيجب PageV03P440 # أن يقاتلها حتى تثخن بالجراحة بسيوف المجاهدة. فإن استجابت إلى الطاعة ~~يعفى عنها لأنها هي المطية إلى باب الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجرات (49) : آية # 10] # إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10) # إيقاع الصلح بين المتخاصمين من أوكد عزائم الدين. # وإذا كان ذلك واجبا فإنه يدل على عظم وزر الواشي ms1142 والنمام والمصدر في ~~إفساد ذات البين. # (ويقال إنما يتم ذلك بتسوية القلب مع الله فإن الله إذا علم صدق همة عبد ~~في إصلاح ذات البين) «1» فإنه يرفع عنهم تلك العصبية «2» . # فأما شرط الأخوة: فمن حق الأخوة في الدين ألا تحوج أخاك إلى الاستعانة بك ~~أو التماس النصرة عنك، وألا تقصر في تفقد أحواله بحيث يشكل عليك موضع حاجته ~~فيحتاج إلى مساءلتك. # ومن حقه ألا تلجئه إلى الاعتذار لك بل تبسط عذره فإن أشكل عليك وجهه عدت ~~باللائمة على نفسك في خفاء عذره عليك ومن حقه أن تتوب عنه إذا أذنب، وتعوده ~~إذا مرض. وإذا أشار عليك بشىء فلا تطالبه بالدليل عليه وإبراز الحجة- كما ~~قالوا: # إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأية حرب أم لأى مكان # ومن حقه أن تحفظ عهده القديم، وأن تراعى حقه في أهله المتصلين به في ~~المشهد والمغيب، وفي حال الحياة وبعد الممات «3» - كما قيل: # وخليل إن لم يكن ... منصفا كنت منصفا PageV03P441 # تتحسى له الأمر ... ين وكن ملاطفا # إن يقل لك استو احترف ... ت رضى لا تكلفا # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجرات (49) : آية # 11] # يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا ~~نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ~~بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) # نهى الله- سبحانه وتعالى- عن ازدراء الناس، وعن الغيبة، وعن الاستهانة ~~بالحقوق، وعن ترك الاحترام. # «ولا تلمزوا أنفسكم» : أي لا يعيبن بعضكم بعضا، كقوله: «ولا تقتلوا ~~أنفسكم» «1» . # ويقال: ما استصغر أحد أحدا إلا سلط عليه. ولا ينبغى أن يعتبر بظاهر أحوال ~~الناس فإن في الزوايا خبايا. والحق يستر أولياءه في حجاب الضعة «2» وقد جاء ~~في الخبر: # «رب أشعث أغبر ذى طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره» «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجرات (49) : آية 12] # يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ~~ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم ms1143 أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا ~~الله إن الله تواب رحيم (12) PageV03P442 # النفس لا تصدق، والقلب لا يكذب. والتمييز بين النفس والقلب مشكل ومن بقيت ~~عليه من حظوظه بقية- وإن قلت- فليس له أن يدعى بيان القلب بل هو بنفسه ~~مادام عليه شىء من نفسه، ويجب أن يتهم نفسه في كل ما يقع له من نقصان ~~غيره.. هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال وهو يخطب. «كل ~~الناس أفقه من عمر.. # امرأة أفقه من عمر» . # «ولا تجسسوا» . والعارف لا يتفرغ من شهود الحق إلى شهود الخلق.. فكيف ~~يتفرغ إلى تجسس أحوالهم؟ وهو لا يتفرغ إلى نفسه فكيف إلى غيره؟ «ولا يغتب ~~بعضكم بعضا» : لا تحصل الغيبة للخلق إلا من الغيبة عن الحق. # «أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ... » جاء في التفسير أن المقصود بذلك ~~الغيبة، وعلى ذلك يدل ظاهر الآية.. وأخس الكفار وأقلهم قدرا من يأكل ~~الميتة.. وعزيز رؤية من لا يغتاب أحدا بين يديك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجرات (49) : آية # 13] # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) # إنا خلقناكم أجمعكم من آدم وحواء، ثم جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا لا ~~لتكاثروا ولا لتنافسوا. فإذا كانت الأصول تربة ونطفة وعلقة ... فالتفاخر ~~بماذا؟ أبا لحمأ المسنون؟ أم بالنطفة في قرار مكين؟ أم بما ينطوى عليه ~~ظاهرك مما تعرفه؟! «1» وقد قيل: PageV03P443 # إن آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار # أم بأفعالك التي هي بالرياء مشوبة؟ أم بأحوالك التي هي بالإعجاب مصحوبة؟ ~~أم بمعاملاتك التي هي ملأى بالخيانة؟ # «إن أكرمكم عند الله أتقاكم؟ أتقاكم أي أبعدكم عن نفسه، فالتقوى هي ~~التحرر من النفس وأطماعها وحظوظها. فأكرم العباد عند الله من كان أبعد عن ~~نفسه وأقرب إلى الله تعالى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحجرات (49) : آية # 14] # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم ms1144 شيئا إن الله غفور رحيم ~~(14) # الإيمان هو حياة القلب، والقلب لا يحيا إلا بعد ذبح النفس، والنفوس لا ~~تموت ولكنها تغيب، ومع حضورها لا يتم خير، والاستسلام في الظاهر إسلام. ~~وليس كل من استسلم ظاهرا مخلص في سره. # «ولما يدخل الإيمان في قلوبكم» فى هذا دليل على أن محل الإيمان القلب. ~~كما أنه في وصف المنافقين قال تعالى: # «في قلوبهم مرض» ومرض القلب والإيمان ضدان. ### | [سورة الحجرات (49) : آية 15] # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) # جعل الله الإيمان مشروطا بخصال ذكرها، ونص عليها بلفظ «إنما» وهي للتحقيق ~~الذي يقتضى طرد العكس فمن خرج عن هذه الشرائط التي جعلها للإيمان فمردود ~~عليه قوله. # والإيمان يوجب للعبد الأمان، فما لم يكن الإيمان موجبا للأمان فصاحبه ~~بغيره أولى. # PageV03P444 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجرات (49) : آية 16] # قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله ~~بكل شيء عليم (16) # تدل الآية على أن الوقوف «1» فى المسائل الدينية يعتبر واجبا فالأسامى ~~منه تؤخذ، والأحكام منه تطلب، وأوامره متيعة «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجرات (49) : آية 17] # يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن ~~هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (17) # من لاحظ شيئا من أعماله وأحواله فإن رآها من نفسه كان شركا، وإن رآها ~~لنفسه كان مكرا فكيف يمن العبد بما هو شرك أو بما هو مكر؟! والذي يجب عليه ~~قبول المنة ... كيف يرى لنفسه على غيره منة؟! هذا لعمرى فضيحة! بل المنة ~~لله فهو ولي النعمة. ولا تكون المنة منة إلا إذا كان العبد صادقا في حاله، ~~فأما إذا كان معلو لا في صفة من صفاته فهى محنة لصاحبها لا منة. # والمنة تكدر الصنيع إذا كانت من المخلوقين، ولكن بالمنة تطيب النعمة إذا ~~كانت من قبل الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحجرات (49) : آية 18] # إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون (18) . ~~PageV03P445 # ومن وقف هاهنا تكدر عليه ms1145 عيشه إذ ليس يدرى ما غيبه فيه، وفي معنى هذا قول ~~القائل: # أبكى.. وهل تدرين ما يبكينى؟ # أبكى حذارا أن تفارقينى وتقطعى وصلي وتهجرينى «1» PageV03P446 ### | سورة ق # «بسم الله» اسم جبر أحوال من رحمه، متجبر بكبريائه على من أقماه فقهره ~~وحرمه. # «بسم الله» لطيف يعلم خفايا تصنع العابدين، غافر لجلائل ذنوب العاصين. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ق (50) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # ق والقرآن المجيد (1) # ق مفتاح أسمائه: «قوى وقادر وقدير وقريب» .. أقسم بهذه الأسماء وبالقرآن ~~المجيد. # وجواب القسم محذوف ومعناه لتبعثن في القيامة. # ويقال جوابه: «قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ» أي لقد ~~علمنا. # وحذفت اللام لما تطاول الخطاب. # ويقال: جوابه قوله: «ما يبدل القول لدي» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : آية 2] # بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب (2) # «منذر منهم» : هو محمد صلى الله عليه وسلم والتعجب نوع من تعبير النفس عن ~~استبعادها لأمر خارج العادة لم يقع به علم من قبل. # وقد مضى القول في إنكارهم للبعث واستبعادهم ذلك: ### | [سورة ق (50) : آية 3] # أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) # أي يبعد عندنا أن نبعث بعد ما متنا. فقال جل ذكره: # PageV03P447 ### | ### | [سورة ق (50) : آية # 4] # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) # فى هذا تسلية للعبد فإنه إذا وسد التراب، وانصرف عنه الأصحاب، واضطرب ~~لوفاته الأحباب. فمن يتفقده ومن يتعهده ... وهو في شفير قبره، وليس لهم منه ~~شىء سوى ذكره، ولا أحد منهم يدرى ما الذي يقاسيه المسكين في حفرته؟ فيقول ~~الحق- سبحانه: # «قد علمنا ... » ولعله يخبر الملائكة قائلا: عبدى الذي أخرجته من دنياه- ~~ماذا بقي بينه من يهواه؟ هذه أجزاؤه قد تفرقت، وهذه عظامه بليت، وهذه ~~أعضاؤه قد تفتتت! «وعندنا كتاب حفيظ» : وهو اللوح المحفوظ أثبتنا فيه تفصيل ~~أحوال الخلق من غير نسيان، وبينا فيه كل ما يحتاج العبد إلى تذكره. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : آية 5] # بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج (5) # «مريج» أي مختلط وملتبس ms1146 فهم يترددون في ظلمات تحيرهم، ويضطربون في شكهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : آية 6] # أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (6) # أولم يعتبروا؟ أولم يستدلوا بما رفعنا فوقهم من السماء، رفعنا سمكها ~~فسويناها، وأثبتنا فيها الكواكب وبها زيناها، وأدرنا فيها شمسها وقمرها؟ ~~أولم يروا كيف جلسنا عينها ونوعنا أثرها؟ ### | [سورة ق (50) : آية 7] # والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7) # والأرض مددناها فجعلناها لهم مهادا، وجعلنا لها الجبال أوتادا، وأنبتنا ~~فيها أشجارا وأزهارا وأنوارا.. كل ذلك: # PageV03P448 ### | ### | [سورة ق (50) : آية # 8] # تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (8) # علامة ودلالة لكل من أناب إلينا، ورجع من شهود أفعالنا إلى رؤية صفاتنا، ~~ومن شهود صفاتنا إلى شهود حقنا وذاتنا «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : آية 9] # ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد (9) # أنزلنا من السماء ماء مباركا كثير النفع والزيادة، فأنبتنا به «جنات وحب ~~الحصيد» : # أي الذي يحصد- كما تقول: مسجد الجامع. # الأجزاء متجانسة. ولكن أوصافها في الطعوم والروائح والألوان والهيئات ~~والمقادير مختلفة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : الآيات 10 الى 11] # والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك ~~الخروج (11) # والنخل باسقات: طويلات، لها طلع منضود بعضه فوق بعض لكثرة الطلع أو لما ~~فيها من الثمار. وكيف جعلنا بعض الثمار متفرقة كالتفاح والكمثرى وغيرهما، ~~وكيف جعلنا بعضها مجتمعة كالعنب والرطب وغيرهما.. كل ذلك جعلناه رزقا ~~للعباد ولكى ينتفعوا به. # « ... وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج» . # وكما سقنا هذا الماء إلى بلدة جف نباتها، وكما فعلنا كل هذه الأشياء ونحن ~~قادرون على ذلك- كذلك نجمعكم في الحشر والنشر، فليس بعثكم بأبعد من هذا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : الآيات 12 الى 14] # كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون وإخوان لوط (13) ~~وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) PageV03P449 # إنا لم نعجز عن هؤلاء- الذين ذكر أسماءهم- وفيه تهديد لهم وتسلية للرسول. ### | ### | [سورة ق (50) : آية # 15] # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في ms1147 لبس من خلق جديد (15) # أي إنا لم نعجز عن الخلق الأول.. فكيف نعجز عن الخلق الثاني- وهو ~~الإعادة؟ لم يعتص علينا فعل شىء، ولم نتعب من شىء.. فكيف يشق علينا أمر ~~البعث؟ أي ليس كذلك «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : آية 16] # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ~~(16) # نعلم ما توسوس به نفسه من شهوات تطلب استنفاذها، مثل التصنع مع الخلق، ~~وسوء الخلق، والحقد.. وغير ذلك من آفات النفس التي تشوش على القلب والوقت. # «ونحن أقرب إليه من حبل الوريد» فحبل الوريد أقرب أجزاء نفسه إلى نفسه، ~~والمراد من ذلك العلم والقدرة، وأنه يسمع قولهم، ولا يشكل عليه شىء من ~~أمرهم. # وفي هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم، وروح وسكون وأنس قلب لقوم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : آية 17] # إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) # خوفهم بشهود الملائكة وحضور الحفظة، وبكتابتهم عليهم أعمالهم، فهما قعيدا ~~«2» كل PageV03P450 # أحد: ويقال: إذا كان العبد قاعدا فواحد عن يمينه يكتب خيراته، وواحد على ~~يساره يكتب معاصيه، وإذا قام فواحد عند رأسه وواحد عند قدمه، وإذا كان ~~ماشيا فواحد قائم بين يديه وآخر خلفه. # ويقال: هما اثنان بالليل لكل واحد، واثنان بالنهار. # ويقال: بل الذي يكتب الخيرات اليوم يكون غيره غدا، وأما الذي يكتب الشر ~~والمعصية بالأمس فإنه يكون كاتبا للطاعة غدا حتى يشهد طاعتك. # ويقال: بل الذي يكتب المعصية اثنان كل يوم اثنان آخران وكل ليلة اثنان ~~آخران لئلا يعلم من مساويك إلا القليل منها، ويكون علم المعاصي متفرقا فيهم ~~«1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ق (50) : آية # 19] # وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) # إذا أشرفت النفس على الخروج من الدنيا فأحوالهم مختلفة فمنهم من يزداد في ~~ذلك الوقت خوفه ولا يتبين إلا عند ذهاب الروح حاله. ومنهم من يكاشف قبل ~~خروجه فيسكن روعه، ويحفظ عليه عقله «2» ، ويتم له حضوره وتمييزه، فيسلم ~~الروح على مهل من غير استكراه ولا عبوس.. ومنهم، ومنهم.. وفي معناه ms1148 يقول ~~بعضهم: # أنا إن مت- والهوى حشو قلبى- فبداء الهوى يموت الكرام ثم قال جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : الآيات 20 الى 21] # ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (20) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) # سائق يسوقها إما إلى الجنة أو إلى النار، وشهيد يشهد عليها بما فعلت من ~~الخير والشر. PageV03P451 # ويقال له: ### | [سورة ق (50) : آية 22] # لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) # المؤمنون- اليوم بصرهم حديد يبصرون رشدهم ويحذرون شرهم. # والكافر يقال له غدا: «فبصرك اليوم حديد» أي: ها أنت علمت ما كنت فيه من ~~التكذيب فاليوم لا يسمع منك خطاب، ولا يرفع عنك عذاب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : آية 23] # وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (23) # لا يخفى من أحوالهم شىء إلا ذكر، إن كان خيرا يجازون عليه، وإن كان غير ~~خير يحاسبون عليه: إما برحمة منه فيغفر لهم وينجون، وإما على مقدار جرمهم ~~يعذبون. ### | [سورة ق (50) : آية 25] # مناع للخير معتد مريب (25) # مناع للزكاة المفروضة. # ويقال: يمنع فضل مائه وفضل كلئه عن المسلمين. # ويقال: يمنع الناس من الخير والإحسان، ويسىء القول فيهما حتى يزهد الناس ~~فيهما. # ويقال: المناع للخير هو المعوان على الشر. # ويقال: هو الذي قيل فيه: «ويمنعون الماعون» «1» . # «مريب» : أي يشكك الناس في أمره لأنه غير مخلص، ويلبس على الناس حاله ~~لأنه منافق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : آية 27] # قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) # يقول الملك من الحفظة الموكل به: ما أعجلته على الزلة. PageV03P452 # وإنما «1» كتبتها بعد ما فعلها- وذلك حين يقول الكافر: لم أفعل هذا، ~~وإنما أعجلنى بالكتابة على، فيقول الملك: ربنا ما أعجلته.. # ويقال: هو الشيطان المقرون به، وحين يلتقيان في جهنم يقول الشيطان: ما ~~أكرهته على كفره، ولكنه فعل- باختياره- ما وسوست به إليه. # فيقول جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : الآيات 28 الى 30] # قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد (28) ما يبدل القول لدي وما ~~أنا بظلام للعبيد (29) يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30) # لا تختصموا لدي اليوم ms1149 وقد أمرتكم بالرشد ونهيتكم عن الغي. # قوله جل ذكره: «يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد» «2» «نقول ~~لجهنم» ، «وتقول» : القول هنا على التوسع لأنه لو كانت جهنم ممن يجيب لقالت ~~ذلك بل يحييها حتى تقول ذلك. # «هل من مزيد» : على جهة التغليظ، والاستزادة من الكفار. # ويقال: بل تقول «هل من مزيد» : أي ليس في زيادة كقوله عليه السلام لما ~~قيل له: # يوم فتح مكة: هل ترجع إلى دارك؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل دارا؟! «3» أي لم ~~يترك، فإن الله- تعالى- يملأ جهنم من الكفار والعصاة، فإذا ما أخرج العصاة ~~من المؤمنين ازداد غيظ الكفار حتى تمتلئ بهم جهنم. PageV03P453 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ق (50) : آية # 31] # وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد (31) # يقال: إن الجنة تقرب من المتقين، كما أن النار تجر بالسلاسل إلى المحشر ~~نحو المجرمين. # ويقال: بل تقرب الجنة بأن يسهل على المتقين حشرهم إليها.. وهم خواص ~~الخواص. # ويقال: هم ثلاثة أصناف: قوم يحشرون إلى الجنة مشاة وهم الذين قال فيهم: ~~«وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا «1» » - وهم عوام المؤمنين «2» وقوم ~~يحشرون إلى الجنة ركبانا على طاعاتهم المصورة لهم بصورة حيوان، وهم الذين ~~قال فيهم جل وعلا: «يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا» «3» - وهؤلاء هم ~~الخواص وأما خاص الخاص فهم الذين قال عنهم: # «وأزلفت الجنة للمتقين» أي تقرب الجنة منهم وقوله: «غير بعيد» تأكيد ~~لقوله: «وأزلفت» . # ويقال: «غير بعيد» : من العاصين تطييبا لقلوبهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : آية 32] # هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) # الأواب: الراجع إلى الله في جميع أحواله. # «حفيظ» : أي محافظ على أوقاته، (ويقال محافظ على حواسه في الله حافظ ~~لأنفاسه مع الله) «4» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : آية 33] # من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) # الخشية من الرحمن هي الخشية من الفراق. (والخشية من الرحمن تكون مقرونة ~~بالأنس ولذلك لم يقل: من خشى الجبار ولا من خشى القهار) «5» . PageV03P454 # ويقال: الخشية من الله تقتضى العلم بأنه يفعل ما يشاء وأنه لا يسأل عما ~~يفعل. # ويقال: ms1150 الخشية ألطف من الخوف، وكأنها قريبة من الهيبة «1» . # «وجاء بقلب منيب» : لم يقل بنفس مطيعة بل قال: بقلب منيب ليكون للعصاة في ~~هذا أمل لأنهم- وإن قصروا بنفوسهم وليس لهم صدق القدم- فلهم الأسف بقلوبهم ~~وصدق الندم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ق (50) : آية # 34] # ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (34) # أي يقال لهم: ادخلوها بسلامة من كل آفة، ووجود رضوان ولا يسخط عليكم الحق ~~أبدا. # ومنهم من يقول له الملك: ادخلوها بسلام، ومنهم من يقول له: لكم ما تشاءون ~~فيها قال تعالى: ### | [سورة ق (50) : آية 35] # لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد (35) # لم يقل: «لهم ما يسئلون» بل قال: «لهم ما يشاؤن» : فكل ما يخطر ببالهم ~~فإن سؤلهم يتحقق لهم في الوهلة، وإذا كانوا اليوم يقولون: ما يشاء الله فإن ~~لهم غدا منه الإحسان.. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ # «ولدينا مزيد» : اتفق أهل التفسير على أنه الرؤية، والنظر إلى الله ~~سبحانه «2» . وقوم يقولون: المزيد على الثواب في الجنة- ولا منافاة بينهما. ~~PageV03P455 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ق (50) : آية # 36] # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص ~~(36) # أي اعتبروا بالذين تقدموكم انهمكوا في ضلالتهم، وأصروا، ولم يقلعوا.. ~~فأهلكناهم وما أبقينا منهم أحدا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : آية 37] # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37) # قيل: «لمن كان له قلب» : أي من كان له عقل. وقيل: قلب حاضر. ويقال قلب ~~على الإحسان مقبل. ويقال: قلب غير قلب. # «أو ألقى السمع» : استمع إلى ما ينادى به ظاهره من الخلق وإلى ما يعود ~~إلى سره من الحق «1» . ويقال: لمن كان له قلب صاح لم يسكر «2» من الغفلة. ~~ويقال: قلب يعد أنفاسه مع الله. ويقال: قلب حي بنور الموافقة. ويقال: قلب ~~غير معرض عن الاعتبار والاستبصار. # ويقال: «القلب- كما في الخبر- بين إصبعين من أصابع الرحمن» : أي بين ~~نعمتين وهما ما يدفعه عنه من البلاء، وما ينفعه به من النعماء، فكل قلب منع ~~الحق عنه الأوصاف الذميمة وألزمه ms1151 النعوت الحميدة فهو الذي قال فيه: «إن في ~~ذلك لذكرى لمن كان له قلب» . # وفي الخبر: «إن لله أوانى ألا وهي القلوب، وأقربها من الله ما رق وصفا» ~~شبه القلوب بالأوانى فقلب الكافر منكوس لا يدخل فيه شىء، وقلب المنافق إناء ~~مكسور، ما يلقى فيه من أوله يخرج من أسفله، وقلب المؤمن إناء صحيح غير ~~منكوس يدخل فيه الإيمان ويبقى. PageV03P456 # ولكن هذه القلوب مختلفة فقلب ملطخ بالانفعالات وفنون الآفات فالشراب الذي ~~يلقى فيه يصحبه أثر، ويتلطخ به. # وقلب صفا من الكدورات وهو أعلاها قدرا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة ق (50) : آية # 38] # ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ~~(38) # وأنى يمسه اللغوب. وهو صمد لا يحدث في ذاته حادث؟! قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : آية 39] # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (39) # إن تأذ سمعك بما يقولون في من الأشياء التي يتقدس عنها نعتى فاصبر على ما ~~يقولون، واستروح عن ذلك بتسبيحك لنا. ### | [سورة ق (50) : آية 40] # ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (40) # فالليل وقت الخلوة- والصفاء في الخلوة أتم وأصفى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : الآيات 41 الى 42] # واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب (41) يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك ~~يوم الخروج (42) # النداء من الحق- سبحانه- وارد عليهم، كما أن النجوى تحصل دائما بينهم. ~~والنداء الذي يرد عليهم يكون بغتة ولا يكون للعبد في فعله اختيار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : آية 43] # إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير (43) # إلينا مرجع الكل ومصيرهم. # PageV03P457 # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : آية 44] # يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44) # هذا يسير علينا: سواء خلقناهم جملة أو فرادى «1» قال تعالى: «ما خلقكم ~~ولا بعثكم إلا كنفس واحدة» » . # قوله جل ذكره: ### | [سورة ق (50) : آية 45] # نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد (45) # ما أنت عليهم بمتسلط تكرههم. # وإنما يؤثر التخويف والإنذار والتذكير في الخائفين، فأما من لا يخاف فلا ~~ينجح فيه التخويف- وطير السماء ms1152 على ألافها تقع. PageV03P458 # سورة الذاريات # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» بسم الله كلمة عزيزة من ذكرها عز ~~لسانه، ومن عرفها اهتز بصحبتها جنانه «بسم الله» كلمة للألباب غلابة، كلمة ~~لأرواح المحبين سلابة. # قوله جل ذكره: ### | سورة الذاريات # (51) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا (2) فالجاريات يسرا (3) فالمقسمات ~~أمرا (4) # إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) # والذاريات: أي الرياح الحاملات «وقرا» أي السحاب «فالجاريات» أي السفن. # «فالمقسمات أمرا» أي الملائكة.. أقسم برب هذه الأشياء وبقدرته عليها. ~~وجواب القسم: # «إنما توعدون لصادق..» والإشارة في هذه الأشياء أن من جملة الرياح. ~~الرياح الصيحية «1» تحمل أنين المشتاقين إلى ساحات العزة فيأتى نسيم القربة ~~إلى مشام أسرار أهل المحبة.. # فعندئذ يجدون راحة من غلبات اللوعة، وفي معناه أنشدوا: # وإنى لأستهدى الرياح نسيمكم ... إذا أقبلت من أرضكم بهبوب # وأسألها حمل السلام إليكمو ... فإن هي يوما بلغت.. فأجيبى # ومن السحاب ما يمطر بعتاب الغيبة، ويؤذن بهواجم النوى والفرقة. فإذا عن ~~لهم من ذلك شىء أبصروا ذلك بنور بصائرهم، فيأخذون في الابتهال، والتضرع في ~~السؤال استعاذة منها.. كما قالوا: PageV03P459 # أقول- وقد رأيت لها سحابا ... من الهجران مقبلة إلينا # وقد سحت عزاليها «1» ببين ... حوالينا الصدود ولا علينا # وكما قد يحمل الملاح بعض الفقراء بلا أجرة طمعا في سلامة السفينة- فهؤلاء ~~«2» يرجون أن يحملوا في فلك العناية «3» فى بحار «4» القدرة عند تلاطم ~~الأمواج حول السفينة. # ومن الملائكة من يتنزل لتفقد أهل الوصلة، أو لتعزية أهل المصيبة، أو ~~لأنواع من الأمور تتصل بأهل هذه القصة، فهؤلاء القوم يسألونهم عن أحوالهم: ~~هل عندهم خير عن فراقهم ووصالهم- كما قالوا: # بربكما يا صاحبي قفا بيا ... أسائلكم عن حالهم واسألانيا # «إنما توعدون لصادق. وإن الدين لواقع» : الحق- سبحانه- وعد المطيعين ~~بالجنة، والتائبين بالرحمة، والأولياء بالقربة، والعارفين بالوصلة، ووعد ~~أرباب المصائب بقوله: # «أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة «5» » وهم يتصدون لاستبطاء حسن ~~الميعاد- والله رءوف بالعباد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الذاريات (51) : الآيات 7 الى 8] # والسماء ذات الحبك (7) إنكم لفي قول مختلف (8) # «ذات الحبك» أي ذات الطرائق ms1153 الحسنة- وهذا قسم ثان، وجوابه: «إنكم لفي قول ~~مختلف» يعنى في أمر محمد صلى الله عليه وسلم فأحدهم يقول: إنه ساحر، وآخر ~~يقول: # مجنون، وثالث يقول: شاعر.. وغير ذلك. PageV03P460 # والإشارة فيه إلى القسم بسماء التوحيد ذات الزينة بشمس العرفان، وقمر ~~المحبة، ونجوم القرب.. إنكم في باب هذه الطريقة لفى قول مختلف فمن منكر ~~يجحد الطريقة، ومن معترض يعترض على أهلها يتوهم نقصانهم في القيام بحق ~~الشريعة «1» ، ومن متعسف «2» لا يخرج من ضيق حدود العبودية ولا يعرف خبرا ~~عن تخصيص الحق أولياءه بالأحوال السنية، قال قائلهم: # قد سحب الناس أذيال الظنون بنا ... وفرق الناس فينا قولهم فرقا # فكاذب قد رمى بالظن غيرتكم ... وصادق ليس يدرى. أنه صدقا # قوله جل ذكره: ### | [سورة الذاريات (51) : آية 9] # يؤفك عنه من أفك (9) # أي يصرف عنه من صرف، وذلك أنهم كانوا يصدون الناس عنه «3» ويقولون: # إنه لمجنون. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الذاريات (51) : الآيات 10 الى # 11] # قتل الخراصون (10) الذين هم في غمرة ساهون (11) # لعن الكذابون الذين هم في غمرة الضلالة وظلمة الجهالة ساهون لاهون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الذاريات (51) : الآيات 12 الى 14] # يسئلون أيان يوم الدين (12) يوم هم على النار يفتنون (13) ذوقوا فتنتكم ~~هذا الذي كنتم به تستعجلون (14) # يسألون أيان يوم القيامة؟ يستعجلون بها، فلأجل تكذيبهم بها كانت نفوسهم ~~لا تسكن PageV03P461 # إليها. ويوم هم على النار يحرقون ويعذبون يقال لهم: قاسوا عقوبتكم، هذا ~~الذي كنتم به تستعجلون. # والإشارة فيه إلى الذين يكذبون في أعمالهم لما يتداخلهم من الرياء، ~~ويكذبون في أحوالهم لما يتداخلهم من الإعجاب، ويكذبون على الله فيما يدعونه ~~من الأحوال.. قتلوا ولعنوا.. وسيلقون غب تلبيسهم بما يحرمون من اشتمام ~~رائحة الصدق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الذاريات (51) : الآيات 15 الى 16] # إن المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك ~~محسنين (16) # فى عاجلهم في جنات وصلهم وفي آجلهم في جنات فضلهم فغدا درجات ونجاة، ~~واليوم قربات ومناجاة، فما هو مؤجل حظ أنفسهم، وما هو معجل حق ربهم. هم ~~آخذين اليوم ما آتاهم ربهم يأخذون ms1154 نصيبهم منه بيد الشكر والحمد، وغدا ~~يأخذون ما يعطيهم ربهم في الجنة من فنون العطاء والرفد. # ومن كان اليوم آخذه بلا واسطة من حيث الإيمان والإتقان، وملاحظة القسمة ~~في العطاء والحرمان. كان غدا آخذه بلا واسطة في الجنان عند اللقاء والعيان. ~~«إنهم كانوا قبل ذلك محسنين» كانوا ولكنهم اليوم بانوا «1» ولكنهم بعد ما ~~أعدناهم حصلوا واستبانوا.. فهم كما في الخبر: «أعبد الله كأنك تراه ... » ~~«2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الذاريات (51) : الآيات 17 الى 18] # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالأسحار هم يستغفرون (18) . ~~PageV03P462 # المعنى إما: كانوا قليلا وكانوا لا ينامون إلا بالليل (كقوله تعالى: ~~«وقليل من عبادي الشكور» «1» أو: كان نومهم بالليل قليلا، أو:) «2» كانوا ~~لا ينامون بالليل قليلا «3» . # «وبالأسحار هم يستغفرون» : أخبر عنهم أنهم- مع تهجدهم ودعائهم- ينزلون ~~أنفسهم في الأسحار منزلة العاصين، فيستغفرون استصغارا لقدرهم، واستحقارا ~~لفعلهم. # والليل.. للأحباب في أنس المناجاة، وللعصاة في طلب النجاة. والسهر لهم في ~~لياليهم دائما إما لفرط أسف أو لشدة لهف، وإما لاشتياق أو لفراق- كما ~~قالوا: # كم ليلة فيك لاصباح لها ... أفنيتها قابضا على كبدى # قد غصت العين بالدموع وقد ... وضعت خدى على بنان يدى # وإما لكمال أنس وطيب روح- كما قالوا: # سقى الله عيشا قصيرا مضى ... زمان الهوى في الصبا والمجون # لياليه تحكى انسداد لحاظ ... لعينى عند ارتداد الجفون # قوله جل ذكره: ### | [سورة الذاريات (51) : آية 19] # وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (19) # السائل هو المتكفف، والمحروم هو المتعفف- ويقال هو الذي يحرم نفسه بترك ~~السؤال.. # هؤلاء هم الذين يعطون بشرط العلم «4» ، فأما أصحاب المروءة: فغير المستحق ~~لمالهم أولى من المستحق «5» . وأما أهل الفترة فليس لهم مال حتى تتوجه ~~عليهم مطالبة لأنهم أهل الإيثار- فى الوقت- لكل ما يفتح عليهم به. ~~PageV03P463 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الذاريات (51) : الآيات 20 الى 22] # وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفي السماء ~~رزقكم وما توعدون (22) # كما أن الأرض تحمل كل شىء فكذلك العارف يتحمل كل أحد. # ومن استثقل أحدا أو تبرم برؤية أحد فلغيبته عن الحقيقة، ولمطالعته الخلق ~~بعين التفرقة- وأهل الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة. ms1155 # ومن الآيات التي في الأرض أنها يلقى عليها كل قذارة وقمامة- ومع ذلك تنبت ~~كل زهر ونور.. كذلك العارف يتشرب كل ما يسقى من الجفاء، ولا يترشح إلا بكل ~~خلق على وشيمة زكية «1» . # ومن الآيات التي في الأرض (أن ما كان منها سبخا يترك ولا يعمر لأنه لا ~~يحتمل العمارة- كذلك الذي لا إيمان له بهذه الطريقة يهمل، فمقابلته بهذه ~~الصفة) «2» كإلقاء البذر في الأرض السبخة. # «وفي أنفسكم أفلا تبصرون» : أي وفي أنفسكم أيضا آيات، فمنها وقاحتها في ~~همتها «3» ، ووقاحتها في صفتها، ومنها دعاواها العريضة فيما ترى منها وبها، ~~ومنها أحوالها المريضة حين تزعم أن ذرة أو ( ... ) «4» بها أو منها. # «وفي السماء رزقكم وما توعدون» : أي قسمة أرزاقكم في السماء، فالملائكة ~~الموكلون بالأرزاق ينزلون من السماء. # ويقال: السماء هاهنا المطر، فبالمطر ينبت الحب والمرعى. PageV03P464 # ويقال: على رب السماء أرزاقكم لأنه ضمنها. # ويقال: قوله: «وفي السماء رزقكم» وهاهنا وقف ثم تبتدئ: «وما توعدون» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الذاريات (51) : آية # 23] # فو رب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (23) # أي: إن البعث والنشر لحق. # ويقال: إن نصرى لمحمد ولدينى، وللذى أتاكم به من الأحكام- لحق مثل ما ~~أنكم تنطقون. # كما يقال: هذا حق مثل ما أنك هاهنا. # ويقال: معناه: «أن الله رازقكم» - هذا القول حق مثلما أنكم إذا سئلتم: # من ربكم؟ ومن خالقكم؟ قلتم: الله.. فكما أنكم تقولون: إن الله خالق- وهذا ~~حق.. # كذلك القول بأن الله رازق- هو أيضا حق. # ويقال: كما أن نطقك لا يتكلم به غيرك فرزقك لا يأكله غيرك. # ويقال: الفائدة والإشارة في هذه الآية أنه حال برزقك على السماء، ولا ~~سبيل لك إلى العروج إلى السماء لتشتغل بما كلفك ولا تتعنى في طلب مالا تصل ~~إليه. # ويقال: فى السماء رزقكم، وإلى السماء يرفع عملكم.. فإن أردت أن ينزل عليك ~~رزقك فأصعد إلى السماء عملك- ولهذا قالوا: الصلاة قرع باب الرزق، وقال ~~تعالى: «وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا» «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الذاريات (51) : آية 24] # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم ms1156 المكرمين (24) PageV03P465 # قيل في التفاسير: لم يكن قد أتاه خبرهم قبل نزول هذه الاية. # وقيل: كان عددهم اثنى عشر ملكا. وقيل: جبريل وكان معه سبعة. وقيل: # كانوا ثلاثة. # وقوله: «المكرمين» قيل لقيامه- عليه السلام- بخدمتهم. وقيل: أكرم الضيف ~~بطلاقة وجهه، والاستبشار بوفودهم. # وقيل: لم يتكلف إبراهيم لهم، وما اعتذر إليهم- وهذا هو إكرام الضيف- حتى ~~لا تكون من المضيف عليه منة فيحتاج الضيف إلى تحملها. # ويقال: سماهم مكرمين لأن غير المدعو عند الكرام كريم. # ويقال: ضيف الكرام لا يكون إلا كريما. # ويقال: المكرمين عند الله. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الذاريات (51) : آية # 25] # إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون (25) # أي سلمنا عليك (سلاما) فقال إبراهيم: لكم منى (سلام) . # وقولهم: «سلاما» أي لك منا سلام، لأن السلام: الأمان. # «قوم منكرون» : أي أنتم قوم منكرون لأنه لم يكن يعرف مثلهم في الأضياف. # ويقال: غرباء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الذاريات (51) : الآيات 26 الى 28] # فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) فقربه إليهم قال ألا تأكلون (27) ~~فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم (28) # أي عدل إليهم من حيث لا يعلمون «1» ، وكذلك يكون الروغان «2» . ~~PageV03P466 # «فجاء بعجل سمين» فشواه، وقربه منهم وقال: «ألا تأكلون؟» وحين امتنعوا عن ~~الأكل: # فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم توهم أنهم لصوص فقالوا ~~له: «لا تخف» . # «وبشروه بغلام عليم» : أي بشروه بالولد، وببقاء هذا الولد إلى أن يصير ~~عليما والعليم مبالغة من العلم، وإنما يصير عليما بعد كبره. ### | ### | [سورة الذاريات (51) : آية # 29] # فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) # «في صرة» أي في صيحة شديدة، «فصكت وجهها» أي فضربت وجهها بيدها كفعل ~~النساء «وقالت عجوز عقيم» : أي أنا عجوز عقيم. وقيل: إنها يومها كانت ابنة ~~ثمان وتسعين سنة، وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة. ### | [سورة الذاريات (51) : آية 30] # قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم (30) # أي قلنا لك كما قال ربك لنا، وأن نخبرك أن الله هو المحكم لأفعاله، ~~«العليم» الذي لا يخفى عليه شىء «1» ### | [سورة الذاريات (51) : آية ms1157 31] # قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) # سألهم: ما شأنكم؟ وما أمركم؟ وبماذا أرسلتم؟ ### | [سورة الذاريات (51) : الآيات 32 الى 36] # قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من طين (33) ~~مسومة عند ربك للمسرفين (34) فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما ~~وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (36) PageV03P467 # هم قوم لوط، ولم نجد فيها غير لوط ومن آمن به. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الذاريات (51) : آية # 37] # وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم (37) # تركنا فيها علامة يعتبر بها الخائفون- دون القاسية قلوبهم «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الذاريات (51) : الآيات 38 الى 47] # وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38) فتولى بركنه وقال ساحر ~~أو مجنون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم (40) وفي عاد إذ ~~أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ~~(42) # وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم ~~الصاعقة وهم ينظرون (44) فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) وقوم ~~نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين (46) والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ~~(47) # أي بحجة ظاهرة باهرة «2» . ### | .... # إلى قوله: والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون: أي جعلنا بينها وبين الأرض ~~سعة، و «إنا لقادرون» : على أن نزيد في تلك «3» السعة. ### | [سورة الذاريات (51) : آية 48] # والأرض فرشناها فنعم الماهدون (48) # أي جعلناها مهادا لكم. ثم أثنى على نفسه قائلا: «فنعم الماهدون» . # دل بهذا كله على كمال قدرته، وعلى تمام فضله ورحمته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الذاريات (51) : آية 49] # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) # أي صنفين في الحيوان كالذكر والأنثى، وفي غير الحيوان كالحركة والسكون، ~~والسواد والبياض، وأصناف المتضادات. PageV03P468 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الذاريات (51) : آية 50] # ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) # أي فارجعوا إلى الله- والإنسان بإحدى حالتين إما حالة رغبة في شىء، أو ~~حالة رهبة من شىء، أو حال رجاء، أو حال خوف، أو حال جلب نفع أو رفع ضر.. ~~وفي الحالتين ينبغى أن يكون فراره إلى الله فإن النافع والضار هو الله. # ويقال: من صح ms1158 فراره إلى الله صح قراره مع الله. # ويقال: يجب على العبد أن يفر من الجهل إلى العلم، ومن الهوى إلى التقى، ~~ومن الشك إلى اليقين، ومن الشيطان إلى الله. # ويقال: يجب على العبد أن يفر من فعله- الذي هو بلاؤه إلى فعله الذي هو ~~كفايته، ومن وصفه الذي هو سخطه إلى وصفه الذي هو رحمته، ومن نفسه- حيث قال: ~~«ويحذركم الله نفسه» إلى نفسه حيث قال: «ففروا إلى الله» «1» : # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الذاريات (51) : الآيات 51 الى # 53] # ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين (51) كذلك ما أتى ~~الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون (52) أتواصوا به بل هم قوم ~~طاغون (53) # أخوفكم أليم عقوبته إن أشركتم به- فإنه لا يغفر أن يشرك به. # ثم بين أنه على ذلك جرت عادتهم في تكذيب الرسل، كأنهم قد توصوا فيما ~~بينهم بذلك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الذاريات (51) : آية 54] # فتول عنهم فما أنت بملوم (54) # فأعرض عنهم فليست تلحقك- بسوء صنيعهم- ملامة «2» قوله جل ذكره: ### | [سورة الذاريات (51) : آية 55] # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (55) # ذكر العاصين عقوبتى ليرجعوا عن مخالفة أمرى، وذكر المطيعين جزيل ثوابى ~~ليزدادوا PageV03P469 # طاعة وعبادة، وذكر العارفين ما صرفت عنهم من بلائي، وذكر الأغنياء ما ~~أتحت «1» لهم من إحسانى وعطائى، وذكر الفقراء ما أوجبت لهم من صرف الدنيا ~~عنهم وأعددت لهم من لقائى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الذاريات (51) : الآيات 56 الى 58] # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن ~~يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58) # الذين اصطفيتهم في آزالى، وخصصتهم- اليوم- بحسن إقبالى، ووعدتهم جزيل ~~أفضالى- ما خلقتهم إلا ليعبدون. # والذين سخطت عليهم في آزالى، وربطتهم- اليوم- بالخذلان فيما كلفتهم من ~~أعمالى، وخلقت النار لهم- بحكم إلهيتى ووجوب حكمى في سلطانى- ما خلقتهم إلا ~~لعذابى وأنكالى، وما أعددت لهم من سلاسلى وأغلالى. # ما أريد منهم أن يطعموا أو يرزقوا أحدا من عبادى فإن الرزاق أنا. # وما أريد أن يطعمون فإننى أنا الله «ذو القوة» : المتين القوى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ms1159 الذاريات (51) : آية 59] # فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (59) # لهم نصيب من العذاب مثل نصيب من سلف من أصحابهم من الكفار فلم استعجال ~~العذاب- والعذاب لن يفوتهم؟. ### | [سورة الذاريات (51) : آية 60] # فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون (60) # وهو يوم القيامة. PageV03P470 # سورة الطور # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» كلمة ما استولت على قلب عارف إلا تيمته بكشف جلاله، وما ~~استولت على قلب متأفف إلا أكرمته بلطف أفضاله.. فهى كلمة قهارة للقلوب.. ~~ولكن لا لكل قلب، مذهبة للكروب.. ولكن لا لكل كرب. # قوله جل ذكره: ### | سورة الطور # (52) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3) # أقسم الله بهذه الأشياء (التي في مطلع السورة) ، وجواب القسم قوله: «إن ~~عذاب ربك لواقع» . والطور هو الجبل الذي كلم عليه موسى عليه السلام لأنه ~~محل قدم الأحباب وقت سماع الخطاب. ولأنه الموضع الذي سمع فيه موسى ذكر محمد ~~صلى الله عليه وسلم وذكر أمته حتى نادانا ونحن في أصلاب آبائنا فقال: ~~أعطيتكم قبل أن تسألونى «وكتاب مسطور» : # مكتوب في المصاحف، وفي اللوح المحفوظ. # وقيل: كتاب الملائكة في السماء يقرءون منه ما كان وما يكون. # ويقال: ما كتب على نفسه من الرحمة لعباده. # ويقال ما كتب من قوله: سبقت رحمتى غضبى «1» . # ويقال: هو قوله: «ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها ~~عبادي الصالحون» «2» . PageV03P471 # ويقال: الكتاب المسطور فيه أعمال العباد يعطى لعباده بأيمانهم وشمائلهم ~~يوم القيامة. # «في رق منشور» «1» : يرجع إلى ما ذكرنا من الكتاب. ### | [سورة الطور (52) : آية 4] # والبيت المعمور (4) # فى السماء الرابعة «2» . ويقال: هو قلوب العابدين العارفين المعمورة ~~بمحبته ومعرفته. ويقال: # هى مواضع عباداتهم ومجالس خلواتهم. وقيل: الكعبة. ### | [سورة الطور (52) : آية 5] # والسقف المرفوع (5) # هى السماء. وقيل سماء هممهم في الملكوت. ### | ### | [سورة الطور (52) : الآيات 6 الى # 7] # والبحر المسجور (6) إن عذاب ربك لواقع (7) # البحار المملوءة. # أقسم بهذه الأشياء: إن عذابه لواقع. وعذابه في الظاهر ما توعد به عباده ~~العاصين، وفي الباطن الحجاب بعد الحضور، والستر ms1160 بعد الكشف، والرد بعد ~~القبول. ### | [سورة الطور (52) : آية 8] # ما له من دافع (8) # إذا رد عبدا أبرم القضاء برده: # إذا انصرفت نفسى عن الشيء لم تكن ... إليه بوجه آخر- الدهر- تقبل # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطور (52) : الآيات 9 الى 10] # يوم تمور السماء مورا (9) وتسير الجبال سيرا (10) # «تمور» : أي تدور بما فيها، وتسير الجبال عن أماكنها، فتسير سيرا. ### | [سورة الطور (52) : الآيات 11 الى 12] # فويل يومئذ للمكذبين (11) الذين هم في خوض يلعبون (12) PageV03P472 # الويل كلمة تقولها العرب لمن وقع في الهلاك. # «في خوض يلعبون» : فى باطل التكذيب يخوضون. ### | [سورة الطور (52) : الآيات 13 الى 15] # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (13) هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14) ~~أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون (15) # يوم يدفعون إلى النار دفعا، ويقال لهم: هذه هي النار التي كنتم بها ~~تكذبون.. # ثم يسألون: أهذا من قبيل السحر على ما قلتم أم غطى على أبصاركم؟! قوله جل ~~ذكره: ### | ### | [سورة الطور (52) : آية # 16] # اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون (16) # والصبر على الجزاء في العاقبة لا قيمة له، لأن عذابهم عقوبة لهم: # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطور (52) : الآيات 17 الى 18] # إن المتقين في جنات ونعيم (17) فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب ~~الجحيم (18) # المتقون في جنات ونعيم عاجلا وآجلا «1» . «فاكهين» أي معجبين بما آتاهم ~~ربهم وما أعطاهم. # ويقال: «فاكهون» : أي ذوو فاكهة: كقولهم رجل تامر أي ذو تمر، ولابن أي ذو ~~لبن. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطور (52) : آية 19] # كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (19) # قوم يصير لهم ذلك هنيئا بطعمه ولذته، وقوم يصير هنيئا لهم سماع قولهم ~~PageV03P473 # عنه- سبحانه- هنيئا، وقوم يصير لهم ذلك هنيا لينا وهم بمشهد منه: # فاشرب على وجهها كغرتها ... مدامة في الكئوس كالشرر ### | [سورة الطور (52) : آية 20] # متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) # يظلون في سرور وحبور، ونصيب من الأنس موفور. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطور (52) : آية 21] # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (21) # يكمل ms1161 عليهم سرورهم بأن يلحق بهم ذرياتهم فإن الانفراد بالنعمة عمن القلب ~~مشتغل به من الأهل والولد والذرية يوجب تنغص العيش. # وكذلك كل من قلب الولى يلاحظه من صديق وقريب، وولي وخادم، قال تعالى فى ~~قصة يوسف: «وأتوني بأهلكم أجمعين» وفي هذا المعنى قالوا: # إنى على جفواتها- فبربها ... وبكل متصل بها متوسل # لأحبها، وأحب منزلها الذي ... نزلت به وأحب أهل المنزل # «وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين» أي ما أنقصنا من ~~أجورهم من شىء بل وفينا ووفرنا. وفي الابتداء نحن أولينا وزدنا على ما ~~أعطينا. # PageV03P474 # «كل امرئ بما كسب رهين» مطالب بعمله، يوفي عليه أجره بلا تأخير، وإن كان ~~ذنبا فالكثير منه مغفور، كما أنه اليوم مستور. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الطور (52) : الآيات 22 الى # 23] # وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون (22) يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ~~ولا تأثيم (23) # أي لا يجرى بينهم باطل ولا يؤثمهم كما يجرى بين الشرب «1» فى الدنيا، ولا ~~يذهب الشرب بعقولهم فيجرى بينهم ما يخرجهم عن حد الأدب والاستقامة. # وكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة ومن المعلوم من يسقيهم، وهم بمشهد منه ~~وعلى رؤية منه؟. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطور (52) : آية 24] # ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24) # والقوم عن الدار وعمن في الدار مختطفون لاستيلاء ما يستغرقهم فالشراب ~~يؤنسهم ولكن لا بمن يجانسهم «2» وإذا كان- اليوم- للعبد وهو في السجن في ~~طول عمره ساعة «3» امتناع عن سماع خطاب الأغيار، وشهود واحد من المخلوقين- ~~وإن كان ولدا عزيزا، أو أخا شفيقا- فمن المحال أن يظن أنه يرد من الأعلى ~~إلى الأدنى.. إن كان من أهل القبول والجنة، ومن المحال أن يظن أنه يكون غدا ~~موسوما بالشقاوة. # وإذا كان العبد في الدنيا يقاسى في غربته من مقاساة اللتيا والتي- فماذا ~~يجب أن يقال إذا PageV03P475 # رجع إلى منزله؟ أيبقى على ما كان عليه في سفرته؟ أم يلقى غير ما كان ~~يقاسى في سفرته، ويتجرع غير ما كان يسقى من كاسات كربته؟. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطور (52) : الآيات 25 الى ms1162 28] # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (25) قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ~~(26) فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو ~~البر الرحيم (28) # لولا أنهم قالوا: «فمن الله علينا» لكانوا قد لا حظوا إشفاقهم، ولكن ~~الحق- سبحانه- اختطفهم عن شهود إشفاقهم حيث أشهدهم منته عليهم حتى قالوا: ~~«فمن الله علينا، ووقانا عذاب السموم، إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر ~~الرحيم» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الطور (52) : آية # 29] # فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (29) # أي أنهم يعلمون أنك ليست بك كهانة ولا جنون، وإنما قالوا ذلك على جهة ~~التسفيه فالسفيه يبسط لسانه فيمن يسبه بما يعلم أنه منه برىء. ### | [سورة الطور (52) : الآيات 30 الى 31] # أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون (30) قل تربصوا فإني معكم من ~~المتربصين (31) # نتربص به حوادث الأيام فإن مثل هذا لايدوم، وسيموت كما مات من قبله كهان ~~وشعراء. # ويقال: قالوا: إن أباه مات شابا، ورجوا أن يموت كما مات أبوه، فقال ~~تعالى: # «قل تربصوا ... » فإننا منتظرون، وجاء في التفسير أن جميعهم ماتوا. فلا ~~ينبغى لأحد أن يؤمل موت أحد. فقل من تكون هذه صنعته إلا سبقته المنية- دون ~~أن يدرك ما يتمناه من الأمنية. # PageV03P476 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الطور (52) : آية # 32] # أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) # أتأمرهم عقولهم «1» بهذا؟ أم تحملهم مجاوزة الحد في ضلالهم وطغيانهم على ~~هذا؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطور (52) : الآيات 33 الى 34] # أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ~~(34) # إذا كانوا يزعمون أنك تقول هذا القول «2» من ذات نفسك فليأتوا بحديث مثله ~~إن كانوا صادقين فيما رموك به! قوله جل ذكره: ### | [سورة الطور (52) : الآيات 35 الى 38] # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السماوات والأرض بل لا ~~يوقنون (36) أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون (37) أم لهم سلم يستمعون ~~فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38) # كلا ليس الأمر كذلك، بل الله هو الخالق وهم المخلوقون. # أم هم الذين ms1163 خلقوا السماوات والأرض؟ أم عندهم خزائن ربك. # - أي خزائن أرزاقه ومقدوراته؟ أم هم المسيطرون المتسلطون على الناس؟. # أم لهم سلم يرتقون فيه فيستمعون ما يجرى في السماوات؟ فليأت مستمعهم ~~بسلطان مبين. # ثم إنه سفه أحلامهم فقال: ### | [سورة الطور (52) : الآيات 39 الى 43] # أم له البنات ولكم البنون (39) أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) ~~أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون ~~(42) أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون (43) # أم تسألهم على تبليغ الرسالة أجرا فهم مثقلون من الغرم والإلزام في المال ~~(بحيث يزهدهم ذلك في اتباعك؟. PageV03P477 # أم عندهم علم الغيب فهم يكتبون ذلك؟ # أم يريدون كيدا «1» أي أن يمكروا بك مكرا فالذين كفروا هم المكيدون. # أم لهم إله غير الله يفعل شيئا مما يفعل الله؟ تنزيها له عن ذلك!. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الطور (52) : آية # 44] # وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (44) # أي إن رأوا قطعة من السماء ساقطة عليهم قالوا: إنه سحاب مركوم «2» ركم ~~بعضه على بعض والمقصود أنهم مهما رأوا من الآيات لا يؤمنون. ولو فتحنا ~~عليهم بابا من السماء حتى شاهدوا بالعين لقالوا: إنما سكرت أبصارنا، وليس ~~هذا عيانا ولا مشاهدة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطور (52) : الآيات 45 الى 46] # فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون (45) يوم لا يغني عنهم كيدهم ~~شيئا ولا هم ينصرون (46) # أي فأعرض عنهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يموتون، يوم لا يغنى عنهم كيدهم ~~شيئا، ولا يمنعون من عذابنا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطور (52) : آية 47] # وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) # دون يوم القيامة لهم عذاب القتل والسبى، وما نزل بهم من الهوان والخزي ~~يوم بدر وغيره «3» . # «ولكن أكثرهم لا يعلمون» : أن الله ناصر لدينه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطور (52) : آية 48] # واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) . PageV03P478 # أنت بمرأى منا، وفي نصرة منا. # «فإنك بأعيننا» «1» : فى هذا تخفيف عليه وهو يقاسى الصبر. # «وسبح بحمد ربك ms1164 حين تقوم» . # أي تقوم للصلاة المفروضة عليك. ### | [سورة الطور (52) : آية 49] # ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم (49) # قيل: المغرب والعشاء وركعتا الفجر. # وفي الآية دليل وإشارة إلى أنه أمره أن يذكره في كل وقت، وألا يخلو وقت ~~من ذكره. # والصبر لحكم الله شديد، ولكن إذا عرف اطلاع الرب عليه سهل عليه ذلك وهان. ~~PageV03P479 # سورة النجم # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» اسم حليم رحيم، يحلم «1» فيما يعلم، ويستر ما يبصر ويغفر «2» ~~، وعلى العقوبة يقدر، يرى ويخفى، ويعلم ولا يبدى. # قوله جل ذكره: ### | سورة النجم # (53) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) # والثريا إذا سقط وغرب. ويقال: هو جنس النجوم أقسم بها. # (ويقال: هى الكواكب) «3» . ويقال: أقسم بنجوم القرآن على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويقال هي الكواكب التي ترمى بها الشياطين. # ويقال أقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم عند منصرفه من المعراج. # ويقال: أقسم بضياء قلوب العارفين ونجوم عقول الطالبين. # وجواب القسم قوله: «ما ضل صاحبكم وما غوى» : أي ما ضل عن التوحيد قط، ~~«وما غوى» : الغى: نقيض الرشد.. وفي هذا تخصيص للنبى صلى الله عليه وسلم ~~حيث تولي- سبحانه- الذب عنه فيما رمى به، بخلاف ما قال لنوح عليه السلام ~~وأذن له حتى قال: «ليس بي ضلالة «4» » ، وهود قال: «ليس بي سفاهة «5» » .. ~~وغير ذلك، وموسى PageV03P480 # قال لفرعون: «وإني لأظنك يا فرعون مثبورا» «1» . وقال لنبينا صلى الله ~~عليه وسلم: # «ما ضل صاحبكم وما غوى» : معناه ما ضل صاحبكم، ولا غفل عن الشهود طرفة ~~عين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : الآيات 3 الى 4] # وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) # أي ما ينطق بالهوى، وما هذا القرآن إلا وحي يوحى. وفي هذا أيضا تخصيص له ~~بالشهادة إذ قال لداود: «فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى» «2» . # وقال في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم: «وما ينطق عن الهوى» . # (ومتى ينطق عن الهوى وهو في محل النجوى؟ فى الظاهر مزموم بزمام التقوى، ~~وفي ms1165 السرائر في إيواء المولى، مصفى عن كدورات البشرية، مرقى إلى شهود ~~الأحدية، مكاشف بجلال الصمدية، مختطف عنه بالكلية، لم تبق منه إلا للحق ~~بالحق بقية.. ومن كان بهذا النعت.. متى ينطق عن الهوى؟) «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : الآيات 5 الى 7] # علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) # أي جبريل عليه السلام. و «ذو مرة» : أي ذو قوة وهو جبريل. «وهو بالأفق ~~الأعلى» أي جبريل. ### | [سورة النجم (53) : الآيات 8 الى 9] # ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) # دنا جبريل من محمد عليه السلام، فتدلى جبريل: أي نزل من العلو إلى محمد. # وقيل: «فتدلى» تفيد الزيادة في القرب، وأن محمدا عليه السلام هو الذي دنا ~~من ربه دنو كرامة، وأن التدلى هنا معناها السجود. PageV03P481 # ويقال: دنا محمد من ربه بما أودع من لطائف المعرفة وزوائدها، فتدلى بسكون ~~قلبه إلى ما أدناه. # «فكان قاب قوسين أو أدنى» : فكان جبريل- وهو في صورته التي هو عليها- من ~~محمد صلى الله عليه وسلم بحيث كان بينهما قدر قوسين أو أدنى. # ويقال: كان بينه- صلى الله عليه وسلم- وبين الله قدر قوسين: أراد به دنو ~~كرامة لا دنو مسافة. # ويقال: كان من عادتهم إذا أرادوا تحقيق الألفة بينهم إلصاق أحدهم قوسه ~~بقوس صاحبه عبارة عن «1» عقد الموالاة بينهما، وأنزل الله- سبحانه- هذا ~~الخطاب على مقتضى معهودهم. ثم رفع الله هذا فقال: «أو أدنى» أي بل أدنى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النجم (53) : آية # 10] # فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) # أي أوحى الله إلى محمد ما أوحى. ويقال: أحمله أحمالا «2» لم يطلع عليها ~~أحد. # ويقال: قال له: ألم أجدك يتيما فآويتك؟ ألم أجدك ضالا فهديتك؟ # ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ ألم أشرح لك صدرك؟ # ويقال: بشره بالحوض والكوثر. # ويقال: أوحى إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم ~~حتى تدخلها أمتك. والأولى أن يقال: هذا الذي قالوه كله حسن، وغيره مما لم ~~يطلع أحد.. كله أيضا كان له في تلك الليلة وحده إذ رقاه إلى ما رقاه، ولقاه ~~بما ms1166 لقاه، وأدناه حيث لا دنو قبله ولا بعده، وأخذه عنه حيث لا غير، وأصحاه ~~له في عين ما محاه عنه، وقال له ما قال.. دون أن يطلع أحد على ما كان ~~بينهما من السر «3» . PageV03P482 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النجم (53) : آية # 11] # ما كذب الفؤاد ما رأى (11) # ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه ببصره من الآيات. وكذلك ~~يقال: رأى ربه تلك الليلة على الوصف الذي علمه قبل أن يراه «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : آية 12] # أفتمارونه على ما يرى (12) # أفتجادلونه على ما يرى؟ # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : الآيات 13 الى 15] # ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15) # أي جبريل رأى الله مرة أخرى حين كان محمد عند سدرة المنتهى وهي شجرة في ~~الجنة، وهي منتهى الملائكة، وقيل: تنتهى إليها أرواح الشهداء. ويقال: تنتهى ~~إليها أرواح الخلق، ولا يعلم ما وراءها إلا الله تعالى- وعندها «جنة ~~المأوى» وهي جنة من الجنان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : آية 16] # إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) # يغشاها ما يغشاها من الملائكة ما الله أعلم به. # وفي خبر: يغشاها رفرف طير خضر. # ويقال: يغشاها فراش من ذهب. PageV03P483 # ويقال: أعطى رسول الله (ص) عندها خواتيم البقرة، وغفر لمن مات من أمته لا ~~يشرك بالله شيئا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النجم (53) : آية # 17] # ما زاغ البصر وما طغى (17) # ما مال- صلوات الله عليه وسلامه- ببصره عما أبيح له من النظر إلى الآيات، ~~والاعتبار بدلائلها. # فما جاوز حده، بل راعى شروط الأدب في الحضرة «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : آية 18] # لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18) # أي «الآية» الكبرى، وحذف الآية.. وهي تلك التي رآها في هذه الليلة. ~~ويقال: # هى بقاؤه في حال لقائه ربه بوصف الصحو، وحفظه حتى رآه «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : الآيات 19 الى 22] # أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى (20) ألكم الذكر وله ~~الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22) # هذه أصنام كانت العرب تعبدها فاللات صنم لثقيف، والعزى شجرة لغطفان، ~~ومناة صخرة ms1167 لهذيل وخزاعة «3» . # ومعنى الآية: أخبرونا.. هل لهذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله من ~~القدرة أن تفعل بعائذ بها ما فعلنا نحن لمحمد صلى الله عليه وسلم من الرتب ~~والتخصيص؟. PageV03P484 # ثم وبخهم فقال: أرأيتم كيف تختارون لأنفسكم البنين وتنسبون البنات إلى ~~الله؟ تلك إذا قسمة ناقصة! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النجم (53) : آية # 23] # إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23) # أنتم ابتدعتم هذه الأسماء من غير أن يكون الله أمركم بهذا، أو أذن لكم ~~به. # فأنتم تتبعون الظن، «وإن الظن لا يغني من الحق شيئا» «1» «ولقد جاءهم من ~~ربهم الهدى» : فأعرضوا عنه، وكما أن ظن الكفار أوجب لهم الجهل والحيرة ~~والحكم بالخطأ- فكذلك في هذه الطريقة «2» : من عرج على أوصاف الظن لا يحظى ~~«3» بشىء من الحقيقة فليس في هذا الحديث إلا القطع والتحقق، فنهارهم قد متع ~~«4» ، وشمسهم قد طلعت، وعلومهم أكثرها صارت ضرورية. # أما الظن الجميل بالله فليس من هذا الباب، والتباس عاقبة الرجل عليه ليس ~~«5» أيضا من هذه الجملة ذات الظن المعلول في الله، وفي صفاته وأحكامه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : آية 24] # أم للإنسان ما تمنى (24) # أي ليس «6» للإنسان ما يتمناه فإنه يتمنى طول الحياة والرفاهية وخصب ~~العيش.. # وما لا نهاية له، ولكن أحدا لا يبلغ ذلك بتمامه. PageV03P485 # ويقال: ما يتمناه الإنسان أن يرتفع مراده واجبا في كل شىء- وأن يرتفع ~~مراد عبد واجبا في كل شىء ليس من صفات الخلق بل هو لله، الذي له ما يشاء: ### | ### | [سورة النجم (53) : آية # 25] # فلله الآخرة والأولى (25) # له الآخرة والأولى خلقا وملكا، فهو الملك المالك صاحب الملك التام. فأما ~~المخلوق فالنقص لازم للكل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : آية 26] # وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله ~~لمن يشاء ويرضى (26) # وهذا رد عليهم حيث قالوا: إن الملائكة شفعاؤنا عند الله «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : الآيات 27 ms1168 الى 28] # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) وما لهم ~~به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) # هذه التسمية من عندهم، وهم لا يتبعون فيها علما أو تحقيقا.. بل ظنا- ~~والظن لا يفيد شيئا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : الآيات 29 الى 30] # فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ذلك مبلغهم من ~~العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (30) # أي أعرض عمن أعرض عن القرآن والإيمان به وتدبر معانيه، ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا. PageV03P486 # ذلك مبلغهم من العلم وإنما رضوا بالدنيا لأنهم لم يعلموا حديث الآخرة، ~~وإن ربك عليم بالضال، عليم بالمهتدي ... وهو يجازى كلا بما يستحق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : آية 31] # ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي ~~الذين أحسنوا بالحسنى (31) # يجزى الذين أساءوا بالعقوبات، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : آية 32] # الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو ~~أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا ~~أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) # الذنوب كلها كبائر لأنها مخالفة لأمر الله، ولكن بعضها أكبر من بعض. ولا ~~شىء أعظم من الشرك. «والفواحش» المعاصي. # «إلا اللمم» : تكلموا فيه، وقالوا: إنه استثناء منقطع، واللمم ليس بإثم ~~ولا من جملة الفواحش. # ويقال: اللمم من جملة الفواحش ولكن فيها اشتباها- فأخبر أنه يغفرها. # ويقال: اللمم هو أن يأتى المرء ذلك ثم يقلع عنه بالتوبة. # وقال بعض السلف: هو الوقعة من الزنا تحصل مرة ثم لا يعود إليها، وكذلك ~~شرب الخمر، والسرقة.. وغير ذلك، ثم لا يعود إليها. # ويقال: هو أن يهم بالزلة ثم لا يفعلها. # ويقال: هو النظر. ويقال: ما لا حد عليه من المعاصي، وتكفر عنه الصلوات. # (والأصح أنه استثناء منقطع وأن اللمم ليس من جملة المعاصي) «1» . # قوله جل ذكره: إن ربك واسع المغفرة هو أعلم ms1169 بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ ~~أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى PageV03P487 # «إذ أنشأكم من الأرض» : يعنى خلق آدم. # ويقال: تزكية النفس من علامات كون المرء محجوبا عن الله لأن المجذوب إلى ~~الغاية والمستغرق في شهود ربه لا يزكى نفسه «1» . # «هو أعلم بمن اتقى» : لأنه أعلم بكم منكم. # ويقال: من اعتقد أن على البسيطة أحدا شر منه فهو متكبر. # ويقال: المسلم يجب أن يكون بحيث يرى كل مسلم خيرا منه فإن رأى شيخا، قال: # هو أكثر منى طاعة وهو أفضل منى، وإن رأى شابا قال: هو أفضل منى لأنه أقل ~~منى ذنبا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النجم (53) : الآيات 33 الى # 34] # أفرأيت الذي تولى (33) وأعطى قليلا وأكدى (34) # أعرض عن الحق، وتصدق بالقليل. «وأكدى» أي قطع عطاءه. ### | [سورة النجم (53) : آية 35] # أعنده علم الغيب فهو يرى (35) # «فهو يرى» : فهو يعلم صحة ذلك. يقال: هو المنافق الذي يعين على الجهاد ~~قليلا ثم يقطع ذلك: # «أعنده علم الغيب» : فهو يرى حاله في الآخرة؟ ### | [سورة النجم (53) : الآيات 36 الى 37] # أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) . PageV03P488 # أم لم ينبأ هذا الكافر بما في صحف موسى، وصحف إبراهيم الذي وفى أي أتم ما ~~طولب به في نفسه وماله وولده. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : الآيات 38 الى 41] # ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن سعيه ~~سوف يرى (40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) # الناس في سعيهم مختلفون فمن كان سعيه في طلب الدنيا خسرت صفقته، ومن كان ~~سعيه في طلب الجنة ربحت صفقته، ومن كان سعيه في رياضة نفسه وصل إلى رضوان ~~الله، ومن كان سعيه في الإرادة شكر الله سعيه ثم هداه إلى نفسه. # وأما المذنب- فإذا كان سعيه في طلب غفرانه، وندم القلب على ما اسود من ~~ديوانه، فسوف يجد من الله الثواب والقربة والكرامة والزلفة. # ومن كان سعيه في عد أنفاسه مع الله لا يعرج على تقصير، ولا يفرط في مأمور ~~فسيرى ms1170 جزاء سعيه مشكورا في الدنيا والآخرة، ثم يشكره بأن يخاطبه في ذلك ~~المعنى بإسماعه كلامه من غير واسطة: عبدى، سعيك مشكور، عبدى، ذنبك مغفور. # «ثم يجزاه الجزاء الأوفى» : هو الجزاء الأكبر والأجل، جزاء غير مقطوع ولا ~~ممنوع. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النجم (53) : آية # 42] # وأن إلى ربك المنتهى (42) # إليه المرجع والمصير، فابتداء الأشياء من الله خلقا، وانتهاء الأشياء إلى ~~الله مصيرا. # ويقال: إذا انتهى الكلام إلى الله تعالى فاسكتوا. # ويقال: إذا وصل العبد إلى معرفة الله فليس بعده شىء إلا ألطافا من مال أو ~~منال أو تحقيق آمال أو أحوال.. يجريها على مراده- وهي حظوظ للعباد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : آية 43] # وأنه هو أضحك وأبكى (43) # أراد به الضحك والبكاء المتعارف عليهما بين الناس فهو الذي يجريه ويخلقه. # PageV03P489 # ويقال: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر. # ويقال: أضحك أهل الجنة بالجنة، وأبكى أهل النار بالنار. # ويقال: أضحك المؤمن في الآخرة وأبكاه في الدنيا، وأضحك الكافر في الدنيا ~~وأبكاه في الآخرة. # ويقال: أضحكهم في الظاهر، وأبكاهم بقلوبهم. # ويقال: أضحك المؤمن في الآخرة بغفرانه، وأبكى الكافر بهوانه. # ويقال: أضحك قلوب العارفين بالرضا، وأبكى عيونهم بخوف الفراق. # ويقال: أضحكهم برحمته، وأبكى الأعداء بسخطه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النجم (53) : آية # 44] # وأنه هو أمات وأحيا (44) # أماته في الدنيا، وأحياه في القبر فالقبر إما للراحة وإما للإحساس ~~بالعقوبة. # ويقال: أماته في الدنيا، وأحياه في الحشر. # ويقال: أمات نفوس الزاهدين بالمجاهدة، وأحيا قلوب العارفين بالمشاهدة. # ويقال: أمات نفوسهم بالمعاملات، وأحيا قلوبهم بالمواصلات. # ويقال: أماتها بالهيبة، وأحياها بالأنس. # ويقال: بالاستتار، والتجلى. # ويقال: بالإعراض عنه، والإقبال عليه. # ويقال: بالطاعة، والمعصية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : آية 45] # وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) # سماهما زوجين لازدواجهما عند خلقهما من النطفة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : آية 48] # وأنه هو أغنى وأقنى (48) # «أغنى» : أعطى الغنى، «أقنى» : أكثر القنية أي المال. وقيل «أقنى» : # أي أحوجه إلى المال- فعلى هذا يكون المعنى: أنه خلق الغنى والفقر. # PageV03P490 # ويقال: «أقنى» أي أرضاه بما أعطاه «1» . # ويقال: «أغنى» أي أقنع، «وأقنى» ms1171 : أي أرضى. ### | [سورة النجم (53) : آية 49] # وأنه هو رب الشعرى (49) # (الشعرى: كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها فأعلم ~~الله أنه رب معبودهم هذا) «2» . ### | ### | [سورة النجم (53) : الآيات 50 الى # 52] # وأنه أهلك عادا الأولى (50) وثمود فما أبقى (51) وقوم نوح من قبل إنهم ~~كانوا هم أظلم وأطغى (52) # عاد الأولى هم قوم هود، وعاد الأخرى هي إرم ذات العماد، كما أهلك ثمودا ~~فما أبقى منهم أحدا. وأهلك من قبلهم قوم نوح الذين كانوا أظلم من غيرهم ~~وأغوى لطول أعمارهم، وقوة أجسادهم. ### | [سورة النجم (53) : الآيات 53 الى 54] # والمؤتفكة أهوى (53) فغشاها ما غشى (54) # أي المخسوف بها، وهي قرى قوم لوط، قلبها جبريل عليهم، فهى مقلوبة معكوسة. # وقوله: «أهوى» أي: أسقطها الله إلى الأرض بعد ما اقتلعها من أصلها، ثم ~~عكسها وألقاها في الأرض، فغشاها ما غشاها من العذاب. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : آية 55] # فبأي آلاء ربك تتمارى (55) # فبأى آلاء ربك- أيها الإنسان- تتشكك؟ وقد ذكر هذا بعد ما عد إنعامه عليهم ~~وإحسانه إليهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : آية 56] # هذا نذير من النذر الأولى (56) . PageV03P491 # هو محمد صلى الله عليه وسلم، أرسلناه نذيرا كما أرسلنا الرسل الآخرين. ### | [سورة النجم (53) : الآيات 57 الى 58] # أزفت الآزفة (57) ليس لها من دون الله كاشفة (58) # أي قربت القيامة. ولا يقدر أحد على إقامتها إلا الله، وإذا أقامها فلا ~~يقدر أحد على ردها وكشفها إلا الله. # ويقال: إذا قامت قيامة هذه الطائفة- اليوم- فليس لها كاشف غيره. وقيامتهم ~~تقوم فى اليوم غير مرة. نقوم بالهجر والنوى والفراق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النجم (53) : الآيات 59 الى 61] # أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ولا تبكون (60) وأنتم سامدون (61) # أفمن هذا القرآن تعجبون، وتكونون في شك، وتستهزئون؟ ### | [سورة النجم (53) : آية 62] # فاسجدوا لله واعبدوا (62) # : أي لاهون.. # فاسجدوا لله واعبدوا: فاسجدوا لله ولا تعبدوا سواه «1» . PageV03P492 ### | سورة القمر # «1» قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» : كلمة بها نور ~~القلوب والأبصار، وبعرفانها يحصل سرور الأرواح والأسرار. # كلمة تدل على جلاله- الذي هو استحقاقه لأوصافه. كلمة تدل على نعته الذي ~~هو ms1172 غاية أفضاله وألطافه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القمر (54) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقتربت الساعة وانشق القمر (1) # أجمع أهل التفسير على أن القمر قد انشق على عهد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. # قال ابن مسعود «2» : «رأيت حراء بين فلقتى القمر» ولم يوجد لابن مسعود ~~مخالف في ذلك فقد روى أيضا عن أنس وابن عمر وحذيفة وابن عباس وجبير بن ~~مطعم.. كلهم رووا هذا الخبر. # وفيه إعجاز من وجهين: أحدهما رؤية من رأى ذلك، والثاني خفاء مثل ذلك على ~~من لم يره لأنه لا ينكتم مثله في العادة فإذا خفى كان نقض العادة. # وأهل مكة رأوا ذلك، وقالوا: إن محمدا قد سحر القمر. # ومعنى «اقتربت الساعة» : أي ما بقي من الزمان إلى القيامة إلا قليل ~~بالإضافة إلى ما مضى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القمر (54) : الآيات 2 الى # 3] # وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل ~~أمر مستقر (3) PageV03P493 # يعنى أن أهل مكة إذا رأوا آية من الآيات أعرضوا عن النظر فيها، ولو نظروا ~~لحصل لهم العلم واجبا. # «سحر مستمر» : أي دائم قوي شديد.. (ويقال إنهم قالوا: هذا ذاهب لا تبقى ~~مدته) «1» فاستمر: أي ذهب. # «وكذبوا واتبعوا أهواءهم» : التكذيب واتباع الهوى قريبان فإذا حصل اتباع ~~الهوى فمن شؤمه يحصل التكذيب لأن الله يلبس على قلب صاحبه حتى لا يستبصر ~~«2» الرشد. # أما اتباع الرضا فمقرون بالتصديق لأن الله ببركات اتباع الحق يفتح عين ~~البصيرة فيحصل التصديق. # وكل امرئ جرت له القسمة والتقدير فلا محالة يستقر له حصول ما قسم وقدر ~~له. # «وكل أمر مستقر» : يستقر عمل المؤمن فتوجب له الجنة، ويستقر عمل الكافر ~~فيجازى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القمر (54) : الآيات 4 الى # 5] # ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر (4) حكمة بالغة فما تغن النذر (5) # جاءهم من أخبار الأنبياء والأمم الذين من قبلهم والأزمنة الماضية ما يجب ~~أن يحصل به الارتداع، ولكن الحق- سبحانه- أسبل على بصائرهم سجوف الجهل ~~فعموا عن مواضع الرشد. # «حكمة بالغة..» : بدل من (ما) فيما سبق: (ما فيه ms1173 مزدجر) . # والحكمة البالغة هي الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن تفكر فيها. # «فما تغن النذر» : وأي شىء يغنى إنذار النذير وقد سبق التقدير لهم ~~بالشقاء؟ PageV03P494 # قوله جل ذكره: ### | [سورة القمر (54) : الآيات 6 الى 7] # فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر (6) خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث ~~كأنهم جراد منتشر (7) # «فتول عنهم» : هاهنا تمام الكلام- أي فأعرض عنهم، وهذا قبل الأمر ~~بالقتال. # ثم استأنف الكلام: «يوم يدع الداع ... » والجواب: «يخرجون من الأجداث» - ~~أراد به يوم القيامة. # ومعنى «نكر» : أي شىء ينكرونه (بهوله وفظاعته) «1» وهو يوم البعث والحشر. # وقوله: «خشعا» منصوب على الحال، أي يخرجون من الأجداث- وهي القبور- خاشعى ~~الأبصار. ### | ### | [سورة القمر (54) : آية # 8] # مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) # كأنهم كالجراد لكثرتهم وتفرقهم، «مهطعين» : أي مديمى النظر إلى الداعي- ~~وهو إسرافيل. # «يقول الكافرون هذا يوم عسر» : لتوالى الشدائد التي فيه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القمر (54) : الآيات 9 الى 11] # كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) فدعا ربه أني ~~مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) # كذب قوم نوح نبيهم، وقالوا: إنه مجنون، وزجروه وشتموه. # وقيل: «ازدجر» : أي استطار عقله، أي قوم نوح قالوا له ذلك. # فدعا ربه فقال: إنى مغلوب أي بتسلط قومى علي فلم يكن مغلوبا بالحجة لأن ~~الحجة كانت عليهم، فقال نوح لله: اللهم فانتصر منهم أي انتقم. PageV03P495 # ففتحنا أبواب السماء بماء منصب، وشققنا عيونا بالماء، فالتقى ماء السماء ~~وماء الأرض على أمر قد قدر في اللوح المحفوظ، وقدر عليه بإهلاكهم! وفي ~~التفاسير: أن الماء الذي نبع من الأرض نضب. والماء الذي نزل من السماء هو ~~البخار اليوم. ### | ### | [سورة القمر (54) : آية # 13] # وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) # وحملنا نوحا على «ذات ألواح» أي سفينة، «ودسر» يعنى المسامير وهي جمع ~~دسار أي مسمار. ### | [سورة القمر (54) : آية 14] # تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) # «بأعيننا» : أي بمرأى منا. وقيل: تجرى بأوليائنا. # ويقال: بأعين ملائكتنا الذين وكلناهم لحفظهم. # ويقال: بأعين الماء الذي أنبعناه من أوجه الأرض. # «جزاء لمن كان كفر» : أي الذين كفروا بنوح ms1174 «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة القمر (54) : آية 15] # ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) # جعلنا أمر السفينة علامة بينة لمن يعتبر بها. # «فهل من مدكر» : فهل منكم من يعتبر؟. أمرهم بالاعتبار بها «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة القمر (54) : آية 16] # فكيف كان عذابي ونذر (16) # قالها على جهة التعظيم لأمره. # وقد ذكر قصة نوح هنا على أفصح بيان وأقصر كلام وأتم معنى «3» . ~~PageV03P496 # وكان نوح- عليه السلام- أطول الأنبياء عمرا، وأشدهم للبلاء مقاساة ثم إن ~~الله- سبحانه- لما نجى نوحا متعه بعد هلاك قومه ومتع أولاده، فكل من على ~~وجه الأرض من أولاد نوح عليه السلام. وفي هذا قوة لرجاء أهل الدين، إذا ~~لقوا في دين الله محنة فإن الله يهلك- عن قريب- عدوهم، ويمكنهم من ديارهم ~~وبلادهم، ويورثهم ما كان إليهم. # وكذلك كانت قصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومه، وسنة الله في جميع أهل ~~الضلال أن يعز أولياءه بعد أن يزهق أعداءه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القمر (54) : آية # 17] # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) # يسرنا قراءته على ألسنة الناس، ويسرنا علمه على قلوب قوم، ويسرنا فهمه ~~على قلوب قوم، ويسرنا حفظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن، وكلهم أهل الله ~~وخاصته. # ويقال: كاشف الأرواح من قوم- بالقرآن- قبل إدخالها في الأجساد. # «فهل من مدكر» لهذا العهد الذي جرى لنا معه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القمر (54) : الآيات 18 الى 20] # كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم ~~نحس مستمر (19) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) # كذبوا هودا، فأرسلنا عليهم «ريحا صرصرا» أي: باردة شديدة الهبوب، يسمع ~~لها صوت. # «في يوم نحس مستمر» أي: فى يوم شؤم استمر فيه العذاب بهم، ودام ذلك فيهم ~~ثمانية أيام وسبع ليال. وقيل: دائم الشؤم تنزع رياحه الناس عن حفرهم التي ~~حفروها م (32) لطائف الإشارات- ج 3- # PageV03P497 # حتى صاروا كأنهم أسافل نخل منقطع. وقيل: كانت الريح تقتلع رءوسهم عن ~~مناكبهم ثم تلقى بهم كأنهم أصول نخل قطعت رءوسها. ### | ### | [سورة القمر (54) : آية # 22] # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) # هونا قراءته وحفظه فليس ms1175 كتاب من كتب الله تعالى يقرأ ظاهرا إلا القرآن. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القمر (54) : الآيات 23 الى 24] # كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال ~~وسعر (24) # هم قوم صالح. وقد مضى القول فيه، وما كان من عقرهم للناقة.. إلى أن أرسل ~~الله عليهم صيحة واحدة أوجبت هذا الهلاك، فصيرهم كالهشيم، وهو اليابس من ~~النبات، «المحتظر» : أي: المجعول في الحظيرة، أو الحاصل في الخطيرة «1» .. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القمر (54) : الآيات 34 الى 37] # إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر (34) نعمة من عندنا كذلك ~~نجزي من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (36) ولقد راودوه عن ~~ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) # فأرسلنا عليهم «حاصبا» : أي: حجارة رموا بها. # «كذلك نجزي من شكر» : أي: جعلنا إنجاءهم في إهلاك أعدائهم. # وهكذا نجزى من شكر فمثل هذا نعامل به من شكر نعمتنا. # والشكر على نعم الدفع أتم من الشكر على نعم النفع- ولا يعرف ذلك إلا كل ~~موفق كيس. # «فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر» PageV03P498 # جاء جبريل ومسح بجناحه على وجوههم فعموا، ولم يهتدوا «1» للخروج- وكذلك ~~أجرى سنته في أوليائه أن يطمس على قلوب أعدائهم حتى يلبس عليهم كيف يؤذون ~~أولياءه ثم يخلصهم من كيدهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القمر (54) : آية # 45] # سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) # أخبر أنه يفعل هذا بأعداء الرسول صلى الله عليه وسلم، وحقق ذلك يوم بدر، ~~فصار ذلك من معجزاته صلوات الله عليه وسلامه «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة القمر (54) : آية 48] # يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (48) # سحبهم على الوجوه أمارة لإذلالهم، ولو كان ذلك مرة واحدة لكانت عظيمة- ~~فكيف وهو التأبيد والتخليد؟!. # وكما أن أمارة الذل تظهر على وجوههم فعلامة إعزاز المؤمنين وإكرامهم تظهر ~~على وجوههم، قال تعالى: «وجوه يومئذ ناضرة» «3» . وقال: «تعرف في وجوههم ~~نضرة النعيم «4» » . # قوله جل ذكره: ### | [سورة القمر (54) : آية 49] # إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) # أي بقدر مكتوب في اللوح المحفوظ. # ويقال: خلقناه بقدر ما علمنا وأردنا وأخبرنا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القمر ms1176 (54) : آية 50] # وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) # أي إذا أردنا خلق شىء لا يتعسر ولا يتعذر علينا، نقول له: كن- فيكون ~~PageV03P499 # بقدرتنا. ولا يقتضى هذا استئناف «1» قول في ذلك الوقت ولكن استحقاق أن ~~يقال لقوله القديم أن يكون أمرا لذلك المكون إنما يحصل في ذلك الوقت. # «كلمح بالبصر» : أي كما أن هذا القدر عندكم (أي قدر ما يلمح أحدكم ببصره) ~~لا تلحقكم به مشقة- كذلك عندنا: إذا أردنا نخلق شيئا- قل أو كثر، صغر أو ~~كبر- لا تلحقنا فيه مشقة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القمر (54) : آية 51] # ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر (51) # أي أهلكنا القرون التي كانت قبلكم فكلهم أمثالكم من بنى آدم ... ### | [سورة القمر (54) : آية 52] # وكل شيء فعلوه في الزبر (52) # فى اللوح المحفوظ مكتوب قبل أن يعمله «2» . وفي صحيفة الملائكة مكتوب. لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.. ### | [سورة القمر (54) : آية 53] # وكل صغير وكبير مستطر (53) # كل صغير من الخلق، وكل كبير من الخلق- تخترمه المنية. # ويقال: كل صغير من الأعمال وكبير مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي ديوان ~~الملائكة. # وتعريف الناس عما يكتبه الملائكة هو على جهة التخويف لئلا يتجاسر العبد ~~على الزلة إذا عرف المحاسبة عليها والمطالبة بها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القمر (54) : الآيات 54 الى 55] # إن المتقين في جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55) . ~~PageV03P500 # لهم بساتين وأنهار، والجمع إذا قوبل بالجمع فالآحاد تقابل بالآحاد. # فظاهر هذا الخطاب يقتضى أن يكون لكل واحد من المتقين جنة ونهر. # «في مقعد صدق» : أي في مجلس صدق. # «عند مليك مقتدر» : أراد به عندية القربة والزلفة. # ويقال: مقعد الصدق أي مكان الصدق، والصادق في عبادته من لا يتعبد على ~~ملاحظة الأطماع ومطالعة الأعواض. # ويقال: من طلب الأعواض هتكته الأطماع، ومن صدق في العبودية تحرر عن ~~المقاصد الدنية. # ويقال: من اشتغل بالدنيا حجبته الدنيا عن الآخرة، ومن أسره نعيم الجنة ~~حجب عن القيام بالحقيقة، ومن قام بالحقيقة شغل عن الكون بجملته «1» . ~~PageV03P501 # سورة الرحمن # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» : إخبار عن عزه ~~وعظمته. # «الرحمن ms1177 الرحيم» : إخبار عن فضله ورحمته. # فبشهود عظمته يكمل سرور الأرواح، وبوجود رحمته يحصل نعيم الأشباح. ولولا ~~عظمته لما عبد الرحمن عابد ولولا رحمته لما أحب الرحمن واحد. # قوله جل ذكره: ### | سورة الرحمن # (55) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الرحمن (1) علم القرآن (2) # أي الرحمن الذي عرفه الموحدون وجحده الكافرون هو الذي علم القرآن. ويقال: # الرحمن الذي رحمهم، وعن الشرك عصمهم، وبالإيمان أكرمهم، وكلمة التقوى ~~ألزمهم- هو الذي عرفهم بالقرآن وعلمهم. # ويقال: انفرد الحق بتعليم القرآن لعباده. # ويقال: أجرى الله تعالى سنته أنه إذا أعطى نبينا صلى الله عليه وسلم شيئا ~~«1» أشرك أمته فيه «2» على ما يليق بصفاتهم فلما قال له - صلى الله عليه ~~وسلم -: «وعلمك ما لم تكن تعلم» # «3» . # قال لأمته: «الرحمن علم القرآن» . # ويقال: علم الله آدم الأسماء كلها ثم أمره بعرضها على الملائكة وذكر آدم ~~ذلك لهم- قال تعالى: «أنبئهم بأسمائهم» يا آدم، وعلم (نبينا صلى الله عليه ~~وسلم) «4» PageV03P502 # المسلمين «1» القرآن فقال صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب، والمصلى مناج ربه» قال لآدم: أذكر ما علمتك للملائكة. وقال لنا: ~~ناجنى يا عبدى بما علمتك «2» . وقد يلاطف مع أولاد الخدم بما لا يلاطف به ~~آباؤهم. # ويقال: لما علم آدم أسماء المخلوقات قال له: أخبر الملائكة بذلك، وعلمنا ~~كلامه وأسماءه فقال: اقرؤوا على وخاطبوا به معى. # ويقال: علم الأرواح القرآن- قبل تركيبها في الأجساد بلا واسطة «3» ، ~~والصبيان إنما يعلمون القرآن- فى حال صغرهم- قبل أن عرفت أرواحنا أحدا، أو ~~سمعنا من أحد شيئا.. علمنا أسماءه: # أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبى فارغا فتمكنا # ويقال: سقيا لأيام مضت- وهو يعلمنا القرآن. # ويقال: برحمته علمهم القرآن فبرحمته وصلوا إلى القرآن- لا بقراءة القرآن ~~يصلون إلى رحمته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 3 الى 4] # خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) # «الإنسان» : هاهنا جنس الناس علمهم البيان حتى صاروا مميزين «4» - ~~فانفصلوا بالبيان عن جميع الحيوان. وعلم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون ~~ويتخاطبون به. # والبيان ما به تبين المعاني- وشرحه في مسائل الأصول. # ويقال: لما قال أهل مكة إنما ms1178 يعلمه بشر رد الله- سبحانه- عليهم وقال: بل ~~علمه الله فالإنسان على هذا القول هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل هو آدم ~~عليه السلام. # ويقال: البيان الذي خص به الإنسان (عموما) يعرف به كيفية مخاطبة الأغيار ~~من الأمثال والأشكال. وأما أهل الإيمان والمعرفة فبيانهم هو علمهم كيفية ~~مخاطبة مولاهم- وبيان PageV03P503 # العبيد مع الحق مختلف: فقوم يخاطبونه بلسانهم، وقوم بأنفاسهم، وقوم ~~بدموعهم: # دموع الفتى عما يحس تترجم ... وأشواقه تبدين ما هو يكتم # وقوم بأنينهم وحنينهم: # قل لى بألسنة التنفس كيف أنت وكيف حالك؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرحمن (55) : آية # 5] # الشمس والقمر بحسبان (5) # يعنى يجرى أمرهما على حد معلوم من الحساب في زيادة الليل والنهار، وزيادة ~~القمر ونقصانه، وتعرف بجريانهما الشهور والأيام والسنون والأعوام. وكذلك ~~لهما حساب إذا انتهى ذلك الأجل.. فالشمس تكور والقمر ينكدر. # وكذلك لشمس «1» المعارف وأقمار العلوم- فى طلوعها في أوج «2» القلوب ~~والأسرار- فى حكمة الله حساب معلوم، يجريها على ما سبق به الحكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : آية 6] # والنجم والشجر يسجدان (6) # ويقال: النجم من الأشجار: ما ليس له ساق «3» ، والشجر: ماله ساق. # ويقال: النجوم الطالعة والأشجار الثابتة «يسجدان» سجود دلالة على إثبات ~~الصانع بنعت استحقاقه للجلال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : آية 7] # والسماء رفعها ووضع الميزان (7) # سمك السماء وأعلاها، وعلى وصف الإتقان والإحكام بناها، والنجوم فيها ~~أجراها، وبث فيها كواكبها، وحفظ عن الاختلال مناكبها، وأثبت على ما شاء ~~مشارقها ومغاربها.. # وخلق الميزان بين الناس ليعتبروا الإنصاف في المعاملات بينهم. # ويقال: الميزان العدل. ### | [سورة الرحمن (55) : آية 8] # ألا تطغوا في الميزان (8) PageV03P504 # احفظوا العدل في جميع الأمور فى حقوق الآدميين وفي حقوق الله، فيعتبر ~~العدل، وترك الحيف ومجاوزة الحد في كل شىء ففى الأعمال يعتبر الإخلاص، وفي ~~الأحوال الصدق، وفي الأنفاس الحقائق ومساواة الظاهر والباطن وترك المداهنة ~~والخداع والمكر ودقائق الشرك وخفايا النفاق وغوامض الجنايات. ### | ### | [سورة الرحمن (55) : آية # 9] # وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (9) # (وأقيموا الوزن بالمكيال الذي تحبون أن تكالوا به، وعلى الوصف الذي ترجون ~~أن تنالوا به مطعمكم ومشربكم دون ms1179 تطفيف) «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 10 الى 12] # والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11) والحب ذو ~~العصف والريحان (12) # خلق الأرض وجعلها مهادا ومثوى للأنام. # ويقال: وضعها على الماء وبسط أقطارها، وأنبت أشجارها وأزهارها، وأجرى ~~أنهارها وأغطش ليلها وأوضح نهارها. # «فيها فاكهة ... » يعنى ألوان الفاكهة المختلفة في ألوانها وطعومها ~~وروائحها ونفعها وضررها، وحرارتها وبرودتها.. وغير ذلك من اختلاف في حبها ~~وشجرها، وورقها ونورها. # «والنخل ذات الأكمام» وأكمام النخل ليفها وما يغطيها من السعف. # «والحب» : حب الحنطة والشعير والعدس وغير ذلك من الحبوب. # «ذو العصف» : والعصف ورق الزرع «2» PageV03P505 # «والريحان» الذي يشم.. ويقال: الرزق لأن العرب تقول: «خرجنا نطلب ريحان ~~الله» ذكرهم عظم منته عليهم مما خلق من هذه الأشياء التي ينتفعون بها من ~~مأكولات ومشمومات وغير ذلك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : آية 13] # فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) # فبأى آلاء ربكما تجحدان؟ والآلاء النعماء. # والتثنية في الخطاب للمكلفين من الجن والإنس. # ويقال: هى على عادة العرب في قولهم: خليلي، وقفا، وأرخلاها باغلام، ~~وأزجراها باغلام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : آية 14] # خلق الإنسان من صلصال كالفخار (14) # «الإنسان» : يعنى آدم، والصلصال الطين اليابس الذي إذا حرك صوت كالفخار. # ويقال: طين مخلوط بالرمل. # ويقال: منتن من قولهم صل وأصل إذا تغير. ### | [سورة الرحمن (55) : آية 15] # وخلق الجان من مارج من نار (15) # المارج: هو اللهب المختلط بواد النار ### | [سورة الرحمن (55) : آية 16] # فبأي آلاء ربكما تكذبان (16) # يذكر الخلق من الجن والإنس كما سبق- وكرر الله سبحانه هذه الآية في غير ~~موضع على جهة التقرير بالنعمة على التفصيل، أي نعمة بعد نعمة. # ووجه النعمة في خلق آدم من طين أنه رقاه إلى رتبته بعد أن خلقه من طين. # ويقال ذكر آدم نسبته وذكرنا نسبتنا لئلا نعجب بأحوالنا. # ويقال عرفه قدره لئلا يتعدى «1» طوره. PageV03P506 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 17 الى # 18] # رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأي آلاء ربكما تكذبان (18) # «المشرقين» : مشرق الصيف ومشرق الشتاء وكذلك مغربيهما. # ووجه النعمة في ذلك جريانهما على ترتيب واحد حتى يكمل انتفاع ms1180 الخلق بهما. # ويقال: مشرق القلب ومغربه، وشوارق القلب وغواربه إنما هي الأنوار ~~والبصائر التي جرى ذكر بعضها فيما مضى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 19 الى 20] # مرج البحرين يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان (20) # «برزخ» أي حاجز بقدرته لئلا يغلب أحدهما الآخر، أراد به البحر العذب ~~والبحر الملح. ويقال: لا يبغيان على الناس ولا يغرقانهم. ### | [سورة الرحمن (55) : آية 22] # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) # اللؤلؤ: كبار الدر، والمرجان: صغار الدر. ويقال: المرجان النسل. # وفي الإشارة: خلق في القلوب بحرين: بحر الخوف وبحر الرجاء. ويقال القبض ~~والبسط وقيل الهيبة «1» والأنس. يخرج منها اللؤلؤ والجواهر وهي الأحوال ~~الصافية واللطائف المتوالية. # ويقال: البحران. إشارة إلى النفس والقلب، فالقلب هو البحر العذب والنفس ~~هي البحر الملح. فمن بحر القلب كل جوهر ثمين، وكل حالة لطيفة.. ومن النفس ~~كل خلق ذميم «2» . والدر من أحد البحرين يخرج، ومن الثاني لا يكون إلا ~~التمساح مما لا قدر له من سواكن القلب. «بينهما برزخ لا يبغيان» : يصون ~~الحق هذا عن هذا، فلا يبغى هذا على هذا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : آية 24] # وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام (24) # «الجوارى» : واحدها جارية، وهي السفينة. PageV03P507 # «كالأعلام» : الجبال (له هذه السفن التي أنشئت وخلقت في البحر كأنها ~~الجبال العالية) «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 26 الى 27] # كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (27) # كل من على وجه الأرض في حكم الفناء من حيث الجواز. ومن حيث الخبر: ستفنى ~~الدنيا ومن عليها ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. و «الوجه» : صفة لله- ~~سبحانه- لم يدل عليه العقل قطعا ودل عليه جوازا، وورد الخبر بكونه قطعا. # ويقال: فى بقاء الوجه بقاء الذات، لأن الصفة لا تقوم بنفسها، ولا محالة ~~شرطها قيامها بنفسه وذاته. وفائدة تخصيص الوجه «2» بالذكر أن ما عداه يعرف ~~بالعقل، والوجه لا يعلم بالعقل، وإنما يعرف بالنقل والأخبار. و «يبقى» : ~~وفي بقائه. سبحانه خلف عن كل تلف «3» ، وتسلية للمسلمين عما يصيبهم من ~~المصائب، ويفوتهم من المواهب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرحمن ms1181 (55) : آية # 29] # يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) # أهل السماوات يسألون أبدا المغفرة، وأهل الأرض يسألونه الرزق والمغفرة، ~~أي لا بد لأحد منه (سبحانه) . # وفي السماوات والأرض من لا يسأله: وهم من قيل فيهم: من شغله ذكرى عن ~~مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين «4» . # ويقال: ليس كل من في السماوات والأرض يسألونه مما في السماوات والأرض ~~ولكن: # بين المحبين سر ليس يغشيه ... قول ولا قلم للخلق يحكيه PageV03P508 # «كل يوم هو في شأن» من إحياء وإماتة، وقبض قوم وبسط قوم.. وغير ذلك من ~~فنون أقسام المخلوقات، وما يجريه عليها من اختلاف الصفات. # وفي الآية رد على اليهود حيث قالوا: إن الله يستريح يوم السبت لا يفعل ~~شيئا، فأخبر أنه كل يوم هو في شأن، ولو أخلى العالم لحظة من حفظه لتلاشى ~~وبطل. # (ومن شأنه أن يغفر ذنبا، ويستر عيبا، ويذهب كربا) «1» ، ويطيب قلبا، ~~ويقصى عبدا ويدنى عبدا ... إلى غير ذلك من فنون الأفعال. وله مع عباده كل ~~ساعة بر جديد، وسر «2» بينه وبين عبده- عن الرقباء- بعيد. # ويقال: كل يوم هو في شأن سوق المقادير إلى أوقاتها. # ويقال: كل يوم هو في شأن إظهار مستور وستر ظاهر، وإحضار غائب وتغييب ~~حاضر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرحمن (55) : آية # 31] # سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) # «3» أي للحساب يوم القيامة- وليس به اشتغال ... تعالى الله عن ذلك. # ومعنى الآية: سنقصد لحسابكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : آية 33] # يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ~~فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (33) # أقطار السماوات والأرض نواحيها. أي إن قدرتم أن تخرجوا من ملكه فاخرجوا. ~~PageV03P509 # ثم قال: «لا تنفذون إلا بسلطان» . أي لا تصلون إلى موضع إلا وهناك سلطانى ~~وملكى ولا تنفذون في قطر إلا وهناك عليكم حجة «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرحمن (55) : آية # 35] # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران (35) # أي فلا تنتقمان. والشواظ: اللهب من النار لا دخان معه. والنحاس: الصفر ~~«2» المذاب قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : آية 37] # فإذا ms1182 انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (37) # ينفك بعضها عن بعض وتصير في لون الورد الأحمر. ويقال: بها الفرش الموردة ~~كالدهان وهو جمع دهن. أي كدهن الزيت وهو دردى الزيت. # ويقال: كما أن الوردة يتلون لونها إذ تكون في الربيع إلى الصفرة، فإذا ~~اشتدت الوردة كانت حمراء، وبعد ذلك إلى الغبرة- فكذلك حال السماء تتلون من ~~وصف إلى وصف فى القيامة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : آية 39] # فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان (39) # أراد في بعض أحوال «3» القيامة لا يسألون، ويسألون في البعض ... فيوم ~~القيامة طويل. # ويقال: لما كانت لهم يومئذ علامات: فللكفار سواد الوجه وزرقة العين، ~~وللمسلمين بياض الوجه وغير ذلك من العلامات- فالملائكة لا يحتاجون إلى ~~سؤالهم: من أنتم؟ لأنهم يعرفون كلا بسيماهم. PageV03P510 # ويقال: لا يسألون سؤالا يكون لهم ويسألون «1» سؤالا يكون عليهم «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الرحمن (55) : آية # 41] # يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام (41) # المؤمنون غر محجلون، والكفار سود الوجوه زرق العيون، فيعرف الملائكة ~~هؤلاء فيأخذون بنواصيهم، ويجرونهم مرة بها ومرة بأقدامهم ثم يلقونهم في ~~النار، ويطرحونهم فى جهنم: ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 43 الى 44] # هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون (43) يطوفون بينها وبين حميم آن (44) # يقال لهم: هذه جهنم التي كنتم بها تكذبون! «حميم» : ماء حار. «آن» تناهى ~~في النضج قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : آية 46] # ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) # يقال: لمن خاف قرب ربه منه واطلاعه عليه. # ويقال: لمن خاف وقوفه غدا بين يدى الله- جنتان، ولفظة التثنية هنا على ~~العادة في قولهم: # خليلي ونحوه. # وقيل: بل جنتان على الحقيقة، معجلة في الدنيا من حلاوة الطاعة وروح «3» ~~الوقت، ومؤجلة في الآخرة وهي جنة الثواب. ثم هم مختلفون في جنات الدنيا على ~~مقادير أحوالهم كما يختلفون في الآخرة على حسب درجاتهم. ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 48 الى 50] # ذواتا أفنان (48) فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) فيهما عينان تجريان (50) # دل على أن الجنتين في الآخرة. والأفنان الأغصان. وهي جمع فنن. ~~PageV03P511 # ويقال: ذواتا ألوان من كل صنف ولون تشتهيه النفس والعين- وتكون جمع فن. ms1183 # «فيهما عينان تجريان» إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل. # ويقال: عينان تجريان غدا لمن كان له- اليوم- عينان تجريان بالدموع. ### | ### | [سورة الرحمن (55) : آية # 52] # فيهما من كل فاكهة زوجان (52) # زوجان أي صنفان وضربان كالرطب واليابس، والعنب والزبيب. # ويقال: إنها في نهاية الحسن والجودة. ### | [سورة الرحمن (55) : آية 54] # متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان (54) # بطائنها من إستبرق فكيف بظهائرها؟. «والبطائن» : مايلى الأرض. ~~«والاستبرق» : # الديباج الغليظ. وإنما خاطبهم على قدر فهمهم إذ يقال إنه ليس في الجنة ~~شىء مما يشبه ما في الدنيا، وإنما الخطاب مع الناس على قدر أفهامهم «1» . # «وجنى الجنتين دان» : أي ما يجتنى من ثمرها- إذا أرادوه- دنا إلى أفواههم ~~فتناولوه من غير مشقة تنالهم. وفي الخبر المسند: «من قال سبحان الله والحمد ~~لله ولا إله إلا الله والله أكبر غرس الله له شجرة في الجنة أصلها الذهب ~~وفرعها الدر وطلعها كثدى الأبكار ألين من الزبد وأحلى من العسل، كلما أخذ ~~منها شيئا عاد كما كان» - وذلك قوله: ودنا الجنتين دان. # ويقال: ينالها القائم والقاعد والنائم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : آية 56] # فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (56) # أي في الجنان حور قصرن عيونهن عن غير أزواجهن. # وإذا كانت الزوجات قاصرات الطرف عن غير أزواجهن فأولى بالعبد إذ رجا ~~لقاءه- سبحانه- أن يقصر طرفه ويغضه عن غير مباح. PageV03P512 # بل عن الكل ... إلى أن يلقاه. # ويقال: من الأولياء من لا ينظر إليهن- وإن أبيح له ذلك لتحرره عن ~~الشهوات، ولعلو همته عن المخلوقات «1» - وأنشدوا: # جننا بليلى وهي جنت بغيرنا ... وأخرى بنا مجنونة لا نريدها # ويقال: هن لمن قصرت يده عن الحرام والشبهة، وطرفه عن الريب. # «لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان» : لم يصحبهن غير الولي ولم يحزن غيره، وفي ~~الخبر. # اشتاقت الجنة لثلاثة «2» . ### | [سورة الرحمن (55) : آية 58] # كأنهن الياقوت والمرجان (58) # أي: فى صفاء الياقوت ولون المرجان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : آية 60] # هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (60) # يقال: الإحسان الأول من الله والثاني من العبد أي: هل جزاء من أحسنا إليه ~~بالنصرة إلا أن يحسن ms1184 لنا بالخدمة؟ وهل جزاء من أحسنا إليه بالولاء إلا أن ~~يحسن لنا بالوفاء؟. # ويصح أن يكون الإحسان الأول من العبد والثاني من الله أي: هل جزاء من ~~أحسن من حيث الطاعة إلا أن يحسن إليه من حيث القبول والثواب؟. # وهل جزاء من أحسن من حيث الخدمة إلا أن يحسن إليه من حيث النعمة؟ # ويصح أن يكون الإحسانان من الحق أي: هل جزاء من أحسنا إليه في الابتداء ~~إلا أن نحسن إليه في الانتهاء؟ وهل جزاء من فاتحناه باللطف إلا أن نربى له ~~في الفضل والعطف؟. PageV03P513 # ويصح أن يكون كلاهما من العبد أي: هل جزاء من آمن بنا إلا أن يثبت في ~~المستقبل على إيمانه؟ وهل جزاء من عقد معنا عقد الوفاء إلا أن يقوم بما ~~يقتضيه بالتفصيل؟. # ويقال: هل جزاء من بعد عن نفسه إلا أن نقربه منا؟ # وهل جزاء من فنى عن نفسه إلا أن يبقى بنا؟. # وهل جزاء من رفع لنا خطوة إلا أن نكافئه بكل خطوة ألف حظوة، وهل جزاء من ~~حفظ لنا طرفه إلا أن نكرمه بلقائنا؟. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 62 الى 64] # ومن دونهما جنتان (62) فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) مدهامتان (64) # هما جنتان غير هاتين اللتين ذكرتا جنتان أخريان. وليس يريد دونهما في ~~الفضل، ولكن يريد «جنتان» سواهما «1» . # «مدهامتان» أي: خضراوان خضرة تضرب إلى السواد. فالدهمة السواد» # والفعل منه ادهام والاسم منه مدهام، وللمؤنث مدهامة، ولتثنية المؤنث ~~مدهامتان. ### | ### | [سورة الرحمن (55) : آية # 66] # فيهما عينان نضاختان (66) # والنضخ فوران العين بالماء. ### | [سورة الرحمن (55) : آية 68] # فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) # الأسماء متشابهة ... والعيون «3» فلا. ### | [سورة الرحمن (55) : آية 70] # فيهن خيرات حسان (70) PageV03P514 # أي: حور خيرات الأخلاق حسان الوجوه. واحدها خيرة والجمع خيرات وهذا هو ~~الأصل ثم خفف فصارت خيرات. ### | [سورة الرحمن (55) : آية 72] # حور مقصورات في الخيام (72) # محبوسات على أزواجهن. وهن لمن هو مقصور الجوارح عن الزلات، مقصور القلب ~~عن الغفلات، مقصور السر عن مساكنة الأشكال والأعلال والأشباه والأمثال. # وفي بعض التفاسير: أن الخيمة من درة مجوفة فرسخ في فرسخ لها ms1185 ألف باب «1» ~~. # ويقال: قصرت أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. وفي الخبر: أنهن يقلن: ~~نحن الناعمات «2» . فلا نبؤس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط. # وفي خبر عن عائشة رضى الله عنها: أن المؤمنات أجبنهن: نحن المصليات وما ~~صليتن، ونحن الصائمات وما صمتن، ونحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة ~~يغلبهن قوله. # لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان «3» قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : آية 76] # متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (76) # قيل: رياض الجنة، وقيل: المجالس، وقيل: الزرابي والوسائد- وهي خضر ~~«وعبقري حسان» : العبقري عند العرب كل ثوب موشى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الرحمن (55) : آية 78] # تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام (78) # مضى تفسيره. PageV03P515 ### | سورة الواقعة # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» : اسم جبار من اعتنى بشأنه أحضره بإحسانه، فإن أبى إلا تماديا ~~في عصيانه حال بينه وبين اختياره «1» بقهر سلطانه، وإن لم يلازم هذه «2» ~~الطاعة ألجأه بالبلاء فيأتيها باضطراره. # اسم عزيز أزلي، جبار صمدي، قهار أحدي، للمؤمنين ولي، وبالعاصين حفي، ليس ~~لجماله كفي، ولا في جلاله سمي، لكنه «3» للعصاة من المؤمنين ولي. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) # إذا قامت القيامة لا يردها شىء. # «كاذبة» هاهنا مصدر: كالعافية، والعاقبة، أي: هى حقة لا يردها شىء، وليس ~~فى وقوعها كذب. # ويقال: إذا وقعت الواقعة فمن سلك منهاج الصحة والاستقامة وصل إلى السلامة ~~ولقى الكرامة، ومن حاد عن نهج الاستقامة وقع في الندامة والغرامة، وعند ~~وقوعها يتبين الصادق من المماذق: # إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى ### | ### | [سورة الواقعة (56) : آية # 3] # خافضة رافعة (3) PageV03P516 # «خافضة» : لأهل الشقاوة، «رافعة» : لأهل الوفاق. # «خافضة» : لأصحاب الدعاوى، «رافعة» : لأرباب المعاني. # «خافضة» : للنفوس، «رافعة» : للقلوب. # «خافضة» : لأهل الشهوة، «رافعة» : لأهل الصفوة. # «خافضة» : لمن جحد، «رافعة» : لمن وحد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الواقعة (56) : آية # 4] # إذا رجت الأرض رجا (4) # حركت حركة شديدة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 5 الى 6] # وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء منبثا ms1186 (6) # فتتت فكانت كالهباء الذي يقع في الكوة عند شعاع الشمس. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 8 الى 10] # فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة ~~(9) والسابقون السابقون (10) # «ما أصحاب الميمنة» ؟ على جهة التفخيم لشأنهم والتعظيم لقدرهم، (وهم ~~أصحاب اليمن والبركة والثواب) «1» . # «ما أصحاب المشئمة» : على جهة التعظيم والمبالغة في ذمهم، وهم أصحاب ~~الشؤم على أنفسهم ويقال: # أصحاب الميمنة هم الذين كانوا في جانب اليمين من آدم عليه السلام يوم ~~الذر، وأصحاب المشأمة هم الذين كانوا على شماله. PageV03P517 # ويقال: الذين يعطون الكتاب بأيمانهم، والذين يعطون الكتاب بشمائلهم. # (ويقال: هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين.. إلى الجنة، والذين يؤخذ بهم ذات ~~الشمال.. # إلى النار) «1» . # «والسابقون السابقون» : وهم الصف الثالث. وهم السابقون إلى الخصال ~~الحميدة، (والأفضال الجميلة) «2» . # ويقال: السابقون إلى الهجرة. ويقال: إلى الإسلام. ويقال: إلى الصلوات ~~الخمس. # ويقال: السابقون بصدق القدم. ويقال: السابقون بعلو الهمم. ويقال: ~~السابقون إلى كل خير. ويقال السابقون المتسارعون إلى التوبة من الذنوب ~~فيتسارعون إلى الندم إن لم يتسارعوا بصدق القدم. # ويقال: الذين سبقت لهم من الله الحسنى فسبقوا إلى ما سبق إليه: ### | [سورة الواقعة (56) : آية 11] # أولئك المقربون (11) # ولم يقل: المتقربون، بل قال: أولئك المقربون- وهذا عين الجمع، فعلم ~~الكافة أنهم بتقريب ربهم سبقوا- لا بتقربهم «3» . ### | [سورة الواقعة (56) : آية 12] # في جنات النعيم (12) # أي: فى الجنة «4» . ويقال: مقربون إلا من الجنة فمحال أن يكونوا في الجنة ~~ثم يقربون من الجنة، وإنما يقربون إلى غير الجنة: يقربون من بساط القربة ~~... # وأنى بالبساط ولا بساط؟! مقربون.. ولكن من حيث الكرامة لا من حيث المسافة ~~مقربة نفوسهم من الجنة وقلوبهم إلى الحق. # مقربة قلوبهم من بساط المعرفة، وأرواحهم من ساحات الشهود- فالحق عزيز.. # لا قرب ولا بعد، ولا فصل ولا وصل. PageV03P518 # ويقال: مقربون ولكن من حظوظهم ونصيبهم. وأحوالهم- وإن صفت- فالحق وراء ~~الوراء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 13 الى # 14] # ثلة من الأولين (13) وقليل من الآخرين (14) # الثلة: الجماعة. ويقال: ثلة من الأولين الذين شاهدوا أنبياءهم وقليل من ~~الآخرين الذين شاهدوا نبينا صلى ms1187 الله عليه وسلم. # ويقال: ثلة من الأولين: من السلف وقليل من المتأخرين: من الأمة. ### | [سورة الواقعة (56) : آية 15] # «1» # على سرر موضونة (15) # أي منسوجة نسيج الدرع من الذهب. جاء في التفسير: طول كل سرير ثلاثمائة ~~ذراع، إن أراد الجلوس عليه تواضع، وإن استوى عليه ارتفع. ### | [سورة الواقعة (56) : آية 16] # متكئين عليها متقابلين (16) # أي لا يرى بعضهم قفا بعض. وصفهم بصفاء المودة وتهذب الأخلاق. ### | [سورة الواقعة (56) : آية 17] # يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) # يطوف عليهم وهم مقيمون لا يبرحون ولدان في سن واحدة ... لا يهرمون. # وقيل: مقرطون (الخلدة. القرط) ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 18 الى 20] # بأكواب وأباريق وكأس من معين (18) لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) وفاكهة ~~مما يتخيرون (20) # «بأكواب» جمع كوب وهي آنية بلا عروة ولا خرطوم، «وأباريق» : جمع إبريق ~~وهو عكس الكوب (أي له خرطوم وعروة) . # ولا صداع لهم في شربهم إياها، كما لا تذهب عقولهم بسببها. # ولهم كذلك فاكهة مما يتخيرون، ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 21 الى 24] # ولحم طير مما يشتهون (21) وحور عين (22) كأمثال اللؤلؤ المكنون (23) جزاء ~~بما كانوا يعملون (24) # ولحم طير مما يشتهون، وحور عين، كأمثال اللؤلؤ المكنون، أي: المصون، جزاء ~~بما كانوا يعملون. PageV03P519 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 25 الى # 26] # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (25) إلا قيلا سلاما سلاما (26) # اللغو: الباطل من القول، والتأثيم: الإثم والهذيان ولا يسمعون إلا قيلا ~~سلاما، وسلاما: نعت للقيل. ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 27 الى 29] # وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (27) في سدر مخضود (28) وطلح منضود (29) # «وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود» : لا شوك فيه، ### | [سورة الواقعة (56) : آية 30] # وظل ممدود (30) # : والطلح شجر الموز، متراكم نضيد بعضه على بعض. # «وظل ممدود» كما بين الإسفار «1» إلى طلوع الشمس «2» . وقيل: ممدود أي ~~دائم. ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 31 الى 37] # وماء مسكوب (31) وفاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ولا ممنوعة (33) وفرش ~~مرفوعة (34) إنا أنشأناهن إنشاء (35) # فجعلناهن أبكارا (36) عربا أترابا (37) # «وماء مسكوب» : جار لا يتعبون فيه. # «وفاكهة كثيرة» : لا مقطوعة عنهم ولا ممنوعة منهم. # «وفرش مرفوعة» لهم. وقيل: أراد بها النساء «3» . # «إنا أنشأناهن إنشاء ms1188 فجعلناهن أبكارا أي الحور العين. # «عربا» : جمع عروب «4» وهي الغنجة المتحببة إلى زوجها. ويقال عربا: أي ~~متشهيات إلى أزواجهن. # «أترابا» : جمع ترب، أي: هن على سن واحدة. ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 38 الى 40] # لأصحاب اليمين (38) ثلة من الأولين (39) وثلة من الآخرين (40) # «لأصحاب اليمين» : أي خلقناهن لأصحاب اليمين. # «ثلة من الأولين وثلة من الآخرين» : أي: ثلة من أولى هذه الأمة، وثلة من ~~أخراها. ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 41 الى 43] # وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) في سموم وحميم (42) وظل من يحموم ~~(43) # : والسموم فيح جهنم وحرها. # والحميم: الماء الحار. PageV03P520 ### | ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 44 الى # 47] # لا بارد ولا كريم (44) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) وكانوا يصرون على ~~الحنث العظيم (46) وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون (47) # «وظل من يحموم» ، وهو الدخان الأسود. # «لا بارد ولا كريم» : لا بارد: أي لا راحة فيه. ولا كريم: ولا حسن لهم ~~(حيث لا نفع فيه) . # «إنهم كانوا قبل ذلك مترفين» : أي: كانوا في الدنيا ممتعين. # «وكانوا يصرون على الحنث العظيم» أي الذنب العظيم. # «وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون؟» أي: أنهم ~~يكذبون بالبعث. ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 51 الى 52] # ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (51) لآكلون من شجر من زقوم (52) # ثم يقال لهم: «إنكم أيها الضالون المكذبون» اليوم «لآكلون من شجر من ~~زقوم» وجاء في التفسير: أن الزقوم شجرة في أسفل جهنم إذا طرح الكافر في ~~جهنم لا يصل إليها إلا بعد أربعين خريفا. ### | [سورة الواقعة (56) : آية 53] # فمالؤن منها البطون (53) ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 54 الى 55] # فشاربون عليه من الحميم (54) فشاربون شرب الهيم (55) # «فمالؤن منها البطون فشاربون عليه من الحميم» شراب لا تهنأون به «فشاربون ~~شرب الهيم» : وهي الإبل العطاش. ويقال: الهيم أي الرمل ينضب فيه كل ما يصب ~~عليه. ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 56 الى 57] # هذا نزلهم يوم الدين (56) نحن خلقناكم فلولا تصدقون (57) # «هذا نزلهم يوم الدين» : يوم القيامة. # قوله جل ذكره: «نحن خلقناكم فلولا تصدقون» نحن خلقناكم: يا أهل مكة- فهلا ~~آمنتم لتتخلصوا؟ توبخون وتعاتبون ... واليوم تعتذرون! ms1189 ولكن لا ينفعكم ذلك ~~ولا يسمع منكم شىء. # وإن أشد العقوبات عليهم يومئذ أنهم لا يتفرغون من آلام نفوسهم وأوجاع ~~أعضائهم إلى التحسر على مافاتهم في حق الله. # ويقال: أشد البلاء- اليوم- على قلوب هذه الطائفة «1» خوفهم من أن يشغلهم- ~~غدا- بمقاساة آلامهم عن التحسر على ما تكدر عليهم من المشارب في هذا ~~الطريق. وهذه محنة لا شىء أعظم على الأصحاب منها. وإن أصحاب القلوب- اليوم- ~~يبتهلون إليه ويقولون: إن PageV03P521 # حرمتنا مشاهد الأنس فلا تشغلنا بلذات تشغلنا عن التحسر على ما فاتنا، ولا ~~بآلام تشغلنا عن التأسف على ما عدمنا منك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 58 الى 59] # أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (59) # يقال: منى الرجل وأمنى. والمعنى: هل إذا باشرتم وأنزلتم وانعقد الولد ... ~~أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟ والخلق هاهنا: التصوير أي: أأنتم تجمعون ~~صور المولود وتركبون أعضاءه.. أم نحن؟ # وهم كانوا يقرون بالنشأة الأولى فاحتج بهذا (على جواز النشأة الأخرى عند ~~البعث الذي كانوا ينكرونه. وهذه الآية أصل فى) «1» إثبات الصانع فإن أصل ~~خلقة الإنسان من قطرتين: قطرة من صلب الأب وهو المنى وقطرة من تريبة الأم ~~«2» ، وتجتمع القطرتان في الرحم فيصير الولد. وينقسم الماء ان المختلطان ~~إلى هذه الأجزاء التي هي أجزاء الإنسان من العظم والعصب والعرق والجلد ~~والشعر.. ثم يركبها على هذه الصور في الأعضاء الظاهرة وفي الأجزاء الباطنة ~~حيث يشكل كل عضو بشكل خاص، والعظام بكيفية خاصة.. إلى غير ذلك. # وليس يخلو: إما أن يكون الأبوان يصنعانه- وذلك التقدير محال لتقاصر ~~علمهما وقدرتهما عن ذلك وتمنيهما الولد ثم لا يكون، وكراهتهما الولد ثم ~~يكون! والنطفة أو القطرة محال تقدير فعلها في نفسها على هذه الصورة لكونها ~~من الأموات بعد، ولا علم لها ولا قدرة. # أو من غير صانع.. وبالضرورة يعلم أنه لا يجوز. # فلم يبق إلا أن الصانع القديم الملك العليم هو الخالق «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 60 الى 61] # نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60) على أن نبدل أمثالكم ~~وننشئكم في ما لا تعلمون (61) . PageV03P522 # يكون ms1190 الموت في الوقت الذي يريده منكم من يموت طفلا ومنكم من يموت شابا، ~~ومنكم من يموت كهلا، وبعلل مختلفه وبأسباب متفاوتة وفي أوقات مختلفة. # «وما نحن بمسبوقين» فى تقديرنا فيقوتنا شىء ولسنا بعاجزين عن أن نخلق ~~أمثالكم، ولا بعاجزين عن تبديل صوركم التي تعلمون إن أردنا مسخكم وتبديل ~~صوركم فلا يمنعنا عن ذلك أحد. # ويقال: وننشئكم فيما لا تعلمون من حكم السعادة والشقاوة «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الواقعة (56) : آية 62] # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون (62) # أي: أنتم أقررتم بالنشأة الأولى.. فهلا تذكرون لتعلموا جواز الإعادة إذ ~~هي في معناها «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 63 الى # 64] # أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) # أي: إذا ألقيتم الحب في الأرض.. أأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون؟ وكذلك ~~وجوه الحكمة في إنبات الزرع، وانقسام الحبة الواحدة على الشجرة النابتة ~~منها (فى قشرها ولحائها وجذعها وأغصانها وأوراقها وثمارها) «3» - كل هذا: ### | [سورة الواقعة (56) : آية 65] # لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (65) # لو نشاء لجعلناه حطاما يابسا بعد خضرته، فصرتم تتعجبون وتندمون على تعبكم ~~فيه، وإنفاقكم عليه، ثم تقولون: ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 66 الى 67] # إنا لمغرمون (66) بل نحن محرومون (67) # أي: لملزمون غرامة ما أنفقنا في الزرع، وقد صار ذلك غرما علينا- فالمغرم ~~من ذهب إنفاقه بغير عوض. PageV03P523 # «بل نحن محرومون» بل نحن محرومون بعد أن ضاع منا الرزق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 68 الى 70] # أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ~~(69) لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون (70) # أأنتم أنزلتموه من السحاب.. أم نحن ننزله متى نشاء أنى نشاء كما نشاء على ~~من نشاء وعلى ما نشاء؟ ونحن الذين نجعله مختلفا في الوقت وفي المقدار وفي ~~الكيفية، فى القلة وفي الكثرة. # ولو نشاء لجعلناه ملحا.. أفلا تشكرون عظيم نعمة الله- سبحانه- عليكم في ~~تمكينكم من الانتفاع بهذه الأشياء التي خلقها لكم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 71 الى 73] # أفرأيتم النار التي تورون (71) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن (72) ~~نحن جعلناها تذكرة ms1191 ومتاعا للمقوين (73) # ورى الزند يرى فهو وار ... وأوراه يوريه أي يقدحه. # يعنى: إذا قدحتم الزند.. أرأيتم كيف تظهر النار- فهل أنتم تخلقون ذلك؟ # أأنتم أنشأتم شجرتها- يعنى المرخ والعفار «1» - أم نحن المنشئون؟ # «نحن جعلناها تذكرة» : أي يمكن الاستدلال بها. # «ومتاعا للمقوين» : يقال: أقوى الرجل إذا نزل بالقواء أي: الأرض الخالية. # فالمعنى: أن هذه النار «تذكرة» يتذكر بها الإنسان ما توعده به في الآخرة ~~من نار جهنم، و «متاعا» : يستمتع بها المسافر في سفره في وجوه الانتفاع ~~المختلفة. PageV03P524 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الواقعة (56) : آية 74] # فسبح باسم ربك العظيم (74) # أي: اسبح بفكرك في بحار عقلك، وغص بقوة التوحيد فيها تظفر بجواهر العلم، ~~وإياك أن تقصر في الغوص لسبب أو لآخر، وإياك أن تتداخلك الشبه فيتلف رأس ~~مالك ويخرج من يدك وهو دينك واعتقادك ... وإلا غرقت في بحار الشبه، وضللت. # وهذه الآيات «1» التي عدها الله- سبحانه- تمهد لسلوك طريق الاستدلال، ~~فكما فى الخبر «فكر ساعة خير من عبادة سنة» - وقد نبه الله سبحانه بهذا إلى ~~ضرورة التفكير. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 75 الى # 80] # فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) إنه لقرآن ~~كريم (77) في كتاب مكنون (78) لا يمسه إلا المطهرون (79) # تنزيل من رب العالمين (80) # قيل: هى مواقع نجوم السماء. ويقال: مواقع نجوم القرآن على قلب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. # «إنه لقرآن كريم» : والكرم نفى الدناءة- أي: أنه غير مخلوق «2» ويقال: هو ~~«قرآن كريم» : لأنه يدل على مكارم الأخلاق. # ويقال هو قرآن كريم لأنه من عند رب كريم على رسول كريم، على لسان ملك ~~كريم. «في كتاب مكنون» : يقال: فى اللوح المحفوظ. ويقال: فى المصاحف. وهو ~~محفوظ عن التبديل. «لا يمسه إلا المطهرون» عن الأدناس والعيوب والمعاصي. ~~PageV03P525 # ويقال: هو خبر فيه معنى الأمر: أي لا ينبغى أن يمس المصحف إلا من كان ~~متطهرا من الشرك ومن الأحداث «1» . # ويقال: لا يجد طعمه وبركته إلا من آمن به. # ويقال: لا يقربه إلا الموحدون، فأما الكفار فيكرهون سماعه فلا يقربونه. # وقرئ المطهرون: أي الذين يطهرون نفوسهم ms1192 عن الذنوب والخلق الدني. # ويقال: لا يمس خيره إلا من طهر يوم القسمة عن الشقاوة. # ويقال: لا يفهم لطائفة إلا من طهر سره عن الكون «2» . # ويقال: المطهرون سرائرهم عن غيره. # ويقال: إلا المحترمون له القائمون بحقه. # ويقال: إلا من طهر بماء السعادة ثم بماء الرحمة «تنزيل من رب العالمين» : ~~أي منزل من قبله- سبحانه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 81 الى # 82] # أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (82) # أبهذا القرآن أنتم تنافقون، وبه تكذبون. # «وتجعلون رزقكم ... » : كانوا إذ أمطروا يقولون: أمطرنا بنوء كذا. # يقول: أتجعلون بدل إنعام الله عليكم بالمطر الكفران به، وتتوهمون أن ~~المطر- الذي هو نعمة من الله- من الأنواء والكواكب؟!. # ويقال: أتجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن التكذيب؟. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 83 الى 85] # فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) ونحن أقرب إليه ~~منكم ولكن لا تبصرون (85) . PageV03P526 # يخاطب أولياء الميت «1» فيقول: هلا إذا بلغت روحه الحلقوم، وأنتم تنظرون ~~إلى هذا المريض، رجعتم إلى الله تعالى، وتحققتم به؟ فنحن أقرب إليه منكم ~~بالعلم والرؤية والقدرة ... # ولكن لا تبصرون! ويقال: أقرب ما يكون العبد من الحق عند ما يتم استيلاء ~~ذكره وشهوده عليه، فينتفى إحساس العبد بغيره، وعلى حسب انتفاء العلم ~~والإحساس بالأغيار- حتى عن نفسه- يكون تحقق العبد في سره حتى لا يرى غير ~~الحق. # فالقرب والبعد معناهما: أن العبد في أوان صحوه وأنه لم يؤخذ- بعد- عن ~~نفسه فإذا أخذ عنه فلا يكون إلا الحق ... لأنه حينئذ لا قرب ولا بعد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 86 الى # 87] # فلولا إن كنتم غير مدينين (86) ترجعونها إن كنتم صادقين (87) # ليس لكم من أمر الموت شىء. # «ترجعونها» أي: تردون الروح إلى الجسد. # «إن كنتم صادقين» : فى أنه لا بعث «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 88 الى 89] # فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنة نعيم (89) # المقربون هم الذين قربهم الله بفضله، فلهم «فروح وريحان» . # ويقال: الروح الاستراحة، والريحان الرزق. # وقيل: الروح في القبر، والريحان: فى الجنة. PageV03P527 # ويقال: لا يخرج ms1193 مؤمن من الدنيا حتى يؤتى بريحان من رياحين الجنة فيشمه ~~قبل خروج روحه، فالروح راحة عند الموت، والريحان في الآخرة. # وقيل: كانت قراءة النبي (ص) «الروح» بضم الراء أي لهم فيها حياة دائمة. # ويقال: الروح لقلوبهم، والريحان لنفوسهم، والجنة لأبدانهم. # ويقال: روح في الدنيا، وريحان في الجنة، وجنة نعيم في الآخرة. # ويقال: روح وريحان معجلان، وجنة نعيم مؤجلة. # ويقال: روح للعابدين، وريحان للعارفين، وجنة نعيم لعوام المؤمنين. # ويقال: روح نسيم القرب، وريحان كمال البسط، وجنة نعيم في محل المناحاة. # ويقال: روح رؤية الله، وريحان سماع كلامه بلا واسطة، وجنة نعيم أن يدوم ~~هذا ولا ينقطع. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 90 الى # 91] # وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91) # أن نخبرك بسلامة أحوالهم. # ويقال: سترى فيهم ما تحب من السلامة. # ويقال: أمان لك في بابهم فلهم السلامة. ولا تشغل قلبك بهم ويقال: فسلام ~~لك- أيها الإنسان- إنك من أصحاب اليمين، أو أيها الإنسان الذي من أصحاب ~~اليمين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 92 الى 94] # وأما إن كان من المكذبين الضالين (92) فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم ~~(94) # إن كان من المكذبين لله، الضالين عن دين الله فله إقامة في الجحيم. # PageV03P528 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 95 الى 96] # إن هذا لهو حق اليقين (95) فسبح باسم ربك العظيم (96) # هذا هو الحق اليقين الذي لا محالة حاصل. # «فسبح باسم ربك العظيم» أي قدس الله عما لا يجوز في وصفه. # ويقال: صل لله. ويقال: اشكر الله على عصمة أمتك من الضلال، وعلى توفيقهم ~~فى اتباع سنتك. # PageV03P529 ### | سورة الحديد # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # سماع بسم الله الرحمن الرحيم شراب يسقى به الحق- سبحانه وتعالى- قلوب ~~أحبائه، فإذا شربوا طربوا، وإذا طربوا انبسطوا «1» ، ثم لشهود حقه «2» ~~تعرضوا، وبنسيم قربه استأنسوا «3» ، وعند الإحساس بهم غابوا.. فعقولهم ~~تستغرق «4» فى لطفه، وقلوبهم تستهلك فى كشفه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز ms1194 الحكيم (1) # التسبيح التقديس والتنزيه، ويكون بمعنى سباحة الأسرار في بحار الإجلال، ~~فيظفرون بجواهر التوحيد وينظمونها في عقود الإيمان، ويرصعونها في أطواق ~~الوصلة: # وقوله «ما» في السماوات والأرض المراد به «من» فى السماوات والأرض، ~~يسجدون لله طوعا وكرها طوعا تسبيح طاعة وعبادة، وكرها تسبيح علامة ودلالة. # وتحمل «ما» على ظاهرها فيكون المعنى: ما من مخلوق من عين أو أثر إلا ويدل ~~على الصانع، وعلى إثبات جلاله، وعلى استحقاقه لنعوت كبريائه. PageV03P530 # ويقال: يسبح لله ما في السماوات والأرض، كل واقف على الباب بشاهد الطلب ~~... # ولكنه- سبحانه عزيز «1» . # ويقال: ما تقلب أحد من جاحد أو ساجد إلا في قبضة العزيز الواحد، فما ~~يصرفهم إلا من خلقهم فمن مطيع ألبسه نطاق وفاقه- وذلك فضله، ومن عاص ربطه ~~بمثقلة الخذلان- وذلك عدله. # «وهو العزيز الحكيم» : العزيز: المعز لمن طلب الوصول، بل العزيز: المتقدس ~~عن كل وصول ... فما وصل من وصل إلا حظه ونصيبه وصفته على ما يليق به. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 2] # له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2) # الملك مبالغة من الملك، وهو القدرة على الإبداع، ولا مالك إلا الله. وإذا ~~قيل لغيره: # مالك فعلى سبيل المجاز فالأحكام المتعلقة في الشريعة على ملك الناس صحيحة ~~في الشرع، ولكن لفظ الملك فيها توسع كما أن لفظ التيمم في استعمال التراب- ~~عند عدم الماء- فى السفر مجاز، فالمسائل الشرعية في التيمم صحيحة، ولكن لفظ ~~التيمم في ذلك مجاز. # «يحيي ويميت» : يحيى النفوس ويميتها. ويحيى القلوب بإقباله عليها، ~~ويميتها بإعراضه عنها. # ويقال: يحييها بنظره وتفضله، ويميتها بقهره وتعززه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحديد (57) : آية 3] # هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم (3) # «الأول» : لاستحقاقه صفة القدم، و «الآخر» لاستحالة نعت العدم. # و «الظاهر» بالعلو والرفعة، و «الباطن» : بالعلم والحكمة. # ويقال: «الأول» فلا افتتاح لوجوده و «الآخر» فلا انقطاع لثبوته. # «الظاهر» فلا خفاء في جلال عزه، «الباطن» فلا سبيل إلى إدراك حقه. # ويقال «الأول» بلا ابتداء، و «الآخر» بلا انتهاء، و «الظاهر» بلا خفاء، و ms1195 ~~«الباطن» بنعت العلاء وعز الكبرياء. PageV03P531 # ويقال «الأول» بالعناية، و «الآخر» بالهداية، و «الظاهر» بالرعاية، و ~~«الباطن» بالولاية. # ويقال: «الأول» بالخلق، و «الآخر» بالرزق، و «الظاهر» بالإحياء، و ~~«الباطن» بالإماتة والإفناء. # قال تعالى: «الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم» «1» . # ويقال: «الأول» لا بزمان، و «الآخر» لا بأوان، و «الظاهر» بلا اقتراب، و ~~«الباطن» بلا احتجاب. # ويقال: «الأول» بالوصلة، و «الآخر» بالخلة، و «الظاهر» بالأدلة، و ~~«الباطن» بالبعد «2» عن مشابهة الجملة «3» . # ويقال: «الأول» بالتعريف، «والآخر» بالتكليف، «والظاهر» بالتشريف ~~«والباطن» بالتخفيف «4» ويقال: «الأول» بالإعلام، «والآخر» بالإلزام، ~~«والظاهر» بالإنعام «والباطن» بالإكرام. # ويقال: «الأول» بأن اصطفاك «والآخر» بأن هداك، «والظاهر» بأن رعاك، ~~«والباطن» بأن كفاك. # ويقال «5» : من كان الغالب عليه اسمه «الأول» كانت فكرته في حديث سابقته: ~~بماذا سماه مولاه؟ وما الذي أجرى له في سابق حكمه؟ أبسعادته أم بشقائه؟. ~~PageV03P532 # ومن كان الغالب على قلبه اسمه «الآخر» كانت فكرته فى: بماذا يختم له ~~حاله؟ وإلام يصير ما له؟ أعلى التوحيد يخرج من دنياه أو- والعياذ بالله- فى ~~النار غدا- مثواه؟ # ومن كان الغالب على قلبه اسمه «الظاهر» فاشتغاله بشكر ما يجرى في الحال ~~من توفيق الإحسان وتحقيق الإيمان وجميل الكفاية وحسن الرعاية. # ومن كان الغالب على قلبه اسمه «الباطن» كانت فكرته في استبهام أمره عليه ~~فيتعثر ولا يدرى.. أفضل ما يعامله به ربه أم مكر ما يستدرجه به ربه؟ # ويقال: «الأول» علم ما يفعله عباده ولم يمنعه علمه من تعريفهم، «والآخر» ~~رأى ما عملوا ولم يمنعه ذلك من غفرانهم «والظاهر» ليس يخفى عليه شىء من ~~شأنهم، وليس يدع شيئا من إحسانهم «والباطن» يعلم ما ليس لهم به علم من ~~خسرانهم ونقصانهم فيدفع «1» عنهم فنون محنهم وأحزانهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 4] # هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج ~~في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما ~~كنتم والله بما تعملون بصير (4) # مضى الكلام في ذلك. # «يعلم ما ms1196 يلج في الأرض وما يخرج» أي ما يدخل فيها من القطر، والكنوز، ~~والبذور، والأموات الذين يدفنون فيها، «وما يخرج منها» من النبات وانفجار ~~العيون وما يستخرج من المعادن. # «وما ينزل من السماء» . # من المطر والأرزاق. أو ما يأتى به الملائكة من القضاء والوحى. # «وما يعرج فيها» . # أي وما يصعد إليها من الملائكة، وطاعات العباد، ودعوات الخلق، وصحف ~~المكلفين، وأرواح المؤمنين. PageV03P533 # «وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير» . # «وهو معكم» بالعلم والقدرة. # ويقال «1» : «يعلم ما يلج في الأرض» إذا دفن العبد فالله سبحانه يعلم ما ~~الذي كان فى قلبه من إخلاص في توحيده، ووجوه أحزانه خسرانه، وشكه وجحوده، ~~وأوصافه المحمودة والمذمومة.. ونحو ذلك مما يخفى عليكم. # «وما ينزل من السماء» على قلوب أوليائه من الألطاف والكشوفات وفنون ~~الأحوال العزيزة. # «وما يعرج فيها» من أنفاس الأولياء إذا تصاعدت، وحسراتهم إذا علت. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 6] # يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور (6) # مضى معناه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحديد (57) : آية 7] # آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم ~~وأنفقوا لهم أجر كبير (7) # صدقوا بالله ورسوله، وتصدقوا «مما جعلكم مستخلفين فيه» بتمليككم ذلك ~~وتصييره إليكم. والذين آمنوا منكم وتصدقوا على الوجه الذي أمروا به لهم ~~ثواب عظيم فإن ما تحويه الأيدى معرض للزوال، فالسعيد من قدم في دنياه ماله ~~في الآخرة عمارة حاله، والشقي من سار فيما له في الآخرة وبال مآله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحديد (57) : آية 8] # وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم ~~إن كنتم مؤمنين (8) . PageV03P534 # أي شىء لكم في ترككم الإيمان بالله وبرسوله، وما أتاكم به من الحشر ~~والنشر، وقد أزاح العلة بأن ألاح لكم الحجة، وقد أخذ ميثاقكم وقت الذر، ~~وأوجب عليكم ذلك بحكم الشرع. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 9] # هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله ~~بكم لرؤف رحيم (9) # ليخرجكم من ms1197 ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات الشك إلى نور اليقين. # وكذلك يريهم في أنفسهم من الآيات بكشوفات السر وما يحصل به التعريف مما ~~يجدون فيه النفع والخير فيخرجهم من ظلمات التدبير «1» إلى سعة فضاء ~~التفويض، وملاحظة فنون جريان المقادير. # وكذلك إذا أرادت النفس الجنوح إلى الرخص والأخذ بالتخفيف «2» وما تكون ~~عليه المطالبة بالأشق- فإن بادر إلى ما تدعوه الحقيقة إليه وجد في قلبه من ~~النور ما يعلم به ظلمة هواجس النفس «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحديد (57) : آية 10] # وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (10) # ما في أيديكم ميراثه لله، وعن قريب سينقل إلى غيركم ولا تبقون بتطاول ~~أحمالكم. وهو بهذا يحثهم على الصدقة والبدار إلى الطاعة وترك الإخلاد إلى ~~الأمل.. ثم قال: # «لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة PageV03P535 # من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون ~~خبير» . # لا يستوى منكم من أنفق قبل فتح مكة والحديبية والذين أنفقوا من بعد ذلك. ~~بل أولئك أعظم ثوابا وأعلى درجة من هؤلاء لأن حاجة الناس كانت أكثر إلى ذلك ~~وكان ذلك أشق على أصحابه «1» . # ثم قال: «وكلا وعد الله الحسنى» إلا أن فضيلة السبق لهم، ولهذا قالوا: # السباق السباق قولا وفعلا ... حذر النفس حسرة المسبوق # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 11] # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (11) # المراد بالقرض الصدقة، وإنما ذكرها سبحانه كذلك تطييبا لقلوبهم، فكأن ~~المتصدق وهو يقرض شيئا كالذى يقطع شيئا من ماله ليدفعه إلى المستقرض. # ويقال «يقرض» أي يفعل فعلا حسنا، وأراد بالقرض الحسن هاهنا ما يكون من ~~وجه حلال ثم عن طيب قلب، وصاحبه مخلص فيه، بلا رياء يشوبه، وبلا من على ~~الفقير، ولا يكدره تطويل الوعد، ولا ينتظر عليه ms1198 كثرة الأعواض. # ويقال: أن تقرضه وتقطع عن قلبك حب الدارين «2» ، ففى الخبر: «خير الصدقة ~~ما كان عن ظهر غنى» «3» ومن لم يتحرر من شىء فخروجه عنه تكلف «4» . ~~PageV03P536 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 12] # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم ~~اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (12) # وهو نور يعطى للمؤمنين والمؤمنات بقدر أعمالهم الصالحة، ويكون لذلك النور ~~مطارح شعاع يمشون فيها والنور يسعى بين أيديهم، ويحيط جميع جهاتهم. # ويقال: «وبأيمانهم» كتبهم. # «بشراكم اليوم جنات» أي بشارتكم اليوم- من الله جنات. وكما أن لهم في ~~العرضة هذا النور فاليوم لهم في قلوبهم وبواطنهم نور يمشون فيه، ويهتدون به ~~في جميع أحوالهم، قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن ينظر بنور الله» وقال ~~تعالى: «فهو على نور من ربه «1» . # وربما ينبسط ذلك النور على من يقرب منهم. وربما يقع من ذلك على القلوب ~~قهرا- ولأوليائه- لا محالة- هذه الخصوصية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحديد (57) : آية 13] # يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ~~ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب (13) # انتظرونا فنلحق بكم لنقتبس من نوركم. وذلك لأن المؤمنين والمنافقين يعطون ~~كتبهم وهم في النور، فإذا مروا ... انطفأ النور أمام المنافقين وسبق ~~المؤمنون، فيقول المنافقون للمؤمنين: انتظرونا حتى نقتبس من نوركم. فيقول ~~المؤمنون: # «قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا» أي إلى الدنيا وأخلصوا! - تعريفا لهم ~~أنهم كانوا منافقين في الدنيا. # ويقال: ارجعوا إلى حكم الأزل فاطلبوا «2» هذا من القسمة! - وهذا على جهة ~~ضرب المثل والاستبعاد. PageV03P537 # «فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب» . # «بسور: وهو جبل أصحاب الأعراف، يستر بينهم وبين المنافقين، فالوجه الذي ~~يلى المؤمن فيه الرحمة وفي الوجه الآخر العذاب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 14] # ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم ~~وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور (14) # ألم نكن معكم ms1199 في الدنيا في أحكام الإيمان في المناكحة والمعاشرة؟. # قالوا: بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم ... # «وتربصتم، وارتبتم، وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور» ~~. # تربصتم عن الإخلاص، وشككتم، وغركم الشيطان، وركنتم إلى الدنيا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحديد (57) : آية 15] # فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم ~~وبئس المصير (15) # النار مأواكم ومصيركم ومتقلبكم. # وهى «مولاكم» أي هي أولى بكم، وبئس المصير! ويقال: مخالفة الضمائر ~~والسرائر لا تنكتم بموافقة الظاهر «1» ، والأسرار لا تنكتم عند الاختبار ~~قوله جل ذكره: ### | [سورة الحديد (57) : آية 16] # ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا ~~يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير ~~منهم فاسقون (16) PageV03P538 # ألم يحن للذين آمنوا أن تتواضع قلوبهم وتلين لذكر الله وللقرآن وما فيه ~~من العبر؟ # وألا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل؟ وأراد بهم اليهود، وكثير من ~~اليهود فاسقون كافرون. # وأراد بطول الأمد الفترة التي كانت بين موسى ونبينا صلى الله عليه وسلم، ~~وفي الخبر: # أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم ملالة فقالوا: لو حدثتنا. # فأنزل الله تعالى: «الله نزل أحسن الحديث ... » فبعد مدة قالوا: # لو قصصت علينا! فأنزل الله تعالى: «نحن نقص عليك نبأهم بالحق ... » فبعد ~~مدة قالوا: لو ذكرتنا ووعظتنا! فأنزل الله تعالى هذه السورة. # وفي هذه الآية ما يشبه الاستبطاء. # وإن قسوة القلب تحصل من اتباع الشهوة، والشهوة والصفوة لا تجتمعان فإذا ~~حصلت الشهوة رحلت الصفوة. وموجب القسوة هو انحراف القلب عن مراقبة الرب. ~~ويقال: موجب القسوة أوله خطرة فإن لم تتدارك صارت فكرة وإن لم تتدارك صارت ~~عزيمة، فإن لم تتدارك جرت المخالفة، فإن لم تتدارك بالتلافى صارت قسوة ~~وبعدئذ تصير طبعا ورينا «1» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 17] # اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ~~(17) # يحيى الأرض بعد موتها بإنزال المطر عليها وإخراج النبت منها. PageV03P539 # ويحيى القلوب الميتة- بعد إعراض الحق عنها- بحسن إقباله ms1200 عليها «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 18] # إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم ~~(18) # أي المتصدقين والمتصدقات. # «وأقرضوا الله قرضا حسنا» : يعنى في النوافل. # «يضاعف لهم» فى الحسنات، الحسنة بعشر أمثالها.. إلى ما شاء الله «ولهم ~~أجر كريم» : ثواب كبير حسن. والثواب الكريم أنه لا يضن بأقصى الأجر على ~~الطاعة- وإن قلت. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحديد (57) : آية 19] # والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ~~ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (19) # الصديقون: مبالغة في الصدق، والشهداء: الذين استشهدوا في سبيل الله، ~~فالمؤمنون بمنزلة الصديقين والشهداء- لهم أجرهم في الجنة ونورهم في ~~القيامة. # «والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم» . # والصديق من استوى ظاهره وباطنه. # ويقال: هو الذي يحمل الأمر على الأشق، ولا ينزل إلى الرخص، ولا يجنح ~~للتأويلات. # والشهداء: الذين يشهدون بقلوبهم مواطن الوصلة، ويعتكفون بأسرارهم في ~~أوطان القربة، «ونورهم» : ما كحل الحق به بصائرهم من أنوار التوحيد. ~~PageV03P540 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 20] # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا ~~متاع الغرور (20) # الحياة الدنيا معرضة للزوال، غير لابثة ولا ماكثة، وهي في الحال شاغلة عن ~~الله، مطمعة «1» وغير مشبعة، وتجرى على غير سنن الاستقامة كجريان لعب «2» ~~الصبيان، فهى تلهى عن الصواب واستبصار الحق، وهي تفاخر وتكاثر في الأموال ~~والأولاد. # «كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما» . # الكفار: الزراع. # هو في غاية الحسن ثم يهيج فتراه يأخذ في الجفاف، ثم ينتهى إلى أن يتحطم ~~ويتكسر. # «وفي الآخرة عذاب شديد» . # لأهله من الكفار. # «ومغفرة من الله ورضوان» . # لأهله من المؤمنين. # «وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور» . # الدنيا حقيرة- وأحقر منها قدرا طالبها وأقل منه خطرا المزاحم فيها، فما ~~هي إلا جيفة وطالب الجيفة ليس له ms1201 خطر. وأخس أهل الدنيا من بخل بها. # وهذه الدنيا المذمومة هي التي تشغل العبد عن الآخرة! PageV03P541 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 21] # سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ~~آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (21) # أي سارعوا إلى عمل يوجب لكم مغفرة من ربكم، وذلك العمل هو التوبة. # «وجنة عرضها ... » ذكر عرضها ولم يذكر طولها فالطول على ما يوافيه العرض. # «أعدت للذين آمنوا بالله ورسله» : وفي هذا دليل على أن الجنة مخلوقة «1» ~~. # «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم» . # وفي ذلك رد على من يقول: «إن الجنة مستحقة على الطاعات، ويجب على الله ~~إيصال العبد إليها» «2» .. لأن الفضل لا يكون واجبا. # ويقال: لما سمعت أسرار المؤمنين «3» هذا الخطاب «4» ابتدرت الأرواح ~~مقتضية المسارعة من الجوارح، وصارت الجوارح مستجيبة للمطالبة، مستبشرة ~~برعاية حقوق الله لأنها علمت أن هذا الاستدعاء من جانب الحق سبحانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحديد (57) : آية 22] # ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ~~إن ذلك على الله يسير (22) # المصيبة حصلة «5» تقع وتحصل. فيقول تعالى: لا يحصل في الأرض ولا في ~~أنفسكم شىء PageV03P542 # إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ على الوجه الذي سبق به العلم، وحق فيه ~~الحكم فقبل أن نخلق ذلك أثبتناه في اللوح المحفوظ. # فكل ما حصل في الأرض من خصب أو جدب، من سعة أو ضيق، من فتنة أو استقامة ~~وما حصل في النفوس من حزن أو سرور، من حياة أو موت كل ذلك مثبت في اللوح ~~المحفوظ قبل وقوعه بزمان طويل. # وفي قوله: «من قبل أن نبرأها» دليل على أن أكساب العباد مخلوقة لله ~~سبحانه. وللعبد فى العلم بأن ما يصيبه: من بسط وراحة وغير ذلك من واردات ~~القلوب من الله- أشد السرور وأتم الأنس حيث علم أنه أفرد بذلك بظهر غيب ~~منه، بل وهو في كنز العدم، ولهذا قالوا: # سقيا لمعهدك ms1202 الذي لو لم يكن ... ما كان قلبى للصبابة معهدا «1» # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 23] # لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال ~~فخور (23) # عدم الفرحة بما آتاهم هو من صفات المتحررين من رق النفس، فقيمة الرجال ~~تتبين بتغيرهم- فمن لم يتغير بما يرد عليه- مما لا يريده- من جفاء أو مكروه ~~أو محنة فهو كامل، ومن لم يتغير بالمسار كما لا يتغير بالمضار، ولا يسره ~~الوجود كما لا يحزنه العدم- فهو سيد وقته «2» . # ويقال: إذا أردت أن تعرف الرجل فاطلبه عند الموارد فالتغير علامة بقاء ~~النفس بأي وجه كان: # «والله لا يحب كل مختال فخور» . PageV03P543 # فالاختيال من علامات بقاء النفس ورؤيتها «1» ، والفخر (ناتج) «2» عن رؤية ~~ما به يفتخر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 24] # الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ~~(24) # بخلوا بكتمان صفة نبينا صلى الله عليه وسلم وأمروا أتباعهم بذلك، وذلك ~~لما خافوا من كساد سوقهم وبطلان رياستهم. # «ومن يتول.. عن الإيمان، أو إعطاء الصدقة «فإن الله هو الغني الحميد» . # والبخل- على لسان العلم- منع الواجب «3» ، فأما على بيان هذه الطائفة «4» ~~فقد قالوا: # البخل رؤية قدر للأشياء، والبخيل الذي يعطى عند السؤال «5» ، وقيل: من ~~كتب على خاتمه اسمه فهو بخيل «6» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحديد (57) : آية 25] # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (25) # أي أرسلناهم مؤيدين بالحجج اللائحة والبراهين الواضحة، وأزحنا العلة لمن ~~أراد سلوك الحجة المثلى، ويسرنا السبيل على من آثر اتباع الهدى. وأنزلنا ~~معهم الكتب المنزلة، و «الميزان» : أي الحكم بالقرآن، واعتبار العدل ~~والتسوية بين الناس. # «ليقوم الناس بالقسط» : فلا يظلم أحد أحدا. PageV03P544 # قوله جل ذكره: «وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ~~ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز» . # «أنزلنا الحديد» : أي خلقنا الحديد. # ونصرة الله هي نصرة دينه، ونصرة الرسول باتباع سنته. ms1203 # «إن الله قوي عزيز» : أقوى من أن ينازعه شريك، أو يضارعه في الملك مليك، ~~وأعز من أن يحتاج إلى ناصر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 26] # ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد ~~وكثير منهم فاسقون (26) # أي: أرسلنا نوحا، ومن بعده إبراهيم، وجعلنا من نسلهما النبوة والكتاب. # «فمنهم مهتد» . # أي: مستجيب. # «وكثير منهم فاسقون» . # خرجوا عن الطاعة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحديد (57) : آية 27] # ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل ~~وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها ~~عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم ~~أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) # أي: أرسلنا بعدهم عيسى ابن مريم. # «ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» . # بين أنه لم يأمرهم بالرهبانية «1» بل هم الذين ابتدعوها PageV03P545 # ثم قال: # «إلا ابتغاء رضوان الله» . # هم الذين انفردوا بما عقدوه معنا (أن يقوموا بحقنا) «1» «فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحديد (57) : آية 28] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ~~ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) # نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا. # «كفلين» : أي نصيبين نصيبا على الإيمان بالله، وآخر على تصديقهم وإيمانهم ~~بالرسل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحديد (57) : آية 29] # لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (29) # ومعناه: يعلم أهل الكتاب، و «لا» صلة. أي: ليعلم أهل الكتاب أنهم لا ~~يقدرون على شىء من فضل الله «2» ، فإن الفضل بيد الله. و «اليد» هنا بمعنى: ~~القدرة، فالفضل بقدرة الله. PageV03P546 # والإشارة في هذا: اتقوا الله بحفظ الأدب معه، ولا تأمنوا مكره أن يسلبكم ~~ما وهبكم من أوقاتكم. وكونوا على حذر من بغتات تقديره في تغيير ما أذاقكم ~~من أنس محبته. # واتبعوا السفراء والرسل، وحافظوا عل اتباعهم حتى يؤتيكم نصيبين من فضله: # عصمة ونعمة فالعصمة ms1204 من البقاء عنه، والنعمة هي البقاء به. # ويقال: يؤتكم نصيبين: نصيبا من التوفيق في طلبه، ونصيبا من التحقيق في ~~وجوده «1» PageV03P547 ### | سورة المجادلة # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» كلمة من عرفها بذل ~~الروح في طلبها- وإن لم يحظ بوصولها، كلمة من طلبها اكتفى بالطلب من «1» ~~قبولها. # كلمة جبارة لا تنظر إلى كل أحد، كلمة قهارة لا يوجد من دونها ملتحد. # كلمة منها بلاء الأحباب- لكن بها شفاء الأحباب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المجادلة (58) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع ~~تحاوركما إن الله سميع بصير (1) # لما صدقت «2» فى شكواها إلى الله وأيست من استكشاف ضرها من غير الله أنزل ~~الله في شأنها: «قد سمع الله..» . # تضرعت إلى الله، ورفعت قصتها إلى الله، ونشرت غصتها «3» بين يدى الله- ~~فنظر إليها الله، وقال: «قد سمع الله» . # ويقال: صارت فرجة «4» ورخصة للمسلمين إلى القيامة في مسألة الظهار «5» ، ~~وليعلم العالمون أن أحدا لا يخسر على الله. # وفي الخبر: أنها قالت: يا رسول الله، إن أوسا تزوجنى شابة غنية ذات أهل، ~~PageV03P548 # ومال كثير، فلما كبرت سنى «1» ، وذهب مالى، وتفرق أهلى جعلنى عليه كظهر ~~أمه، وقد ندم وندمت، وإن لى منه صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ~~ضممتهم إلي جاعوا. # فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم- فى رواية-: ما أمرت بشىء في شأنك. # وفي رواية أخرى أنه قال لها: بنت عنه (أي حرمت عليه) . # فترددت إلى رسول الله (ص) فى ذلك، وشكت.. إلى أن أنزل الله حكم الظهار. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المجادلة (58) : آية # 2] # الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور (2) # قول الذين يقولون لنسائهم- جريا على عادة أهل الشرك- أنت علي كظهر أمي ~~... # هذا شىء لم يحكم الله به ولا هذا الكلام في نفسه صدق، ولم يثبت فيه شرع، ~~وإنما هو زور محض وكذب صرف. # فعلم الكافة ms1205 أن الحقائق بالتلبيس لا تتعزز «2» والسبب إذا لم يكن صحيحا ~~فبالمعاودة لا يثبت فالمرأة لما سمعت من رسول الله (ص) قوله: بنت عنه- كان ~~واجبا عليها السكون والصبر ولكن الضرورة أنطقتها وحملتها على المعاودة، ~~وحصلت من ذلك مسألة: وهي أن كثيرا من الأشياء يحكم فيها ظاهر العلم بشىء ثم ~~تغير الضرورة ذلك الحكم لصاحبها «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة المجادلة (58) : آية 3] # والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) PageV03P549 # الظهار- وإن لم يكن له في الحقيقة أصل، ولا بتصحيحه نطق أو دلالة شرع، ~~فإنه بعد ما رفع أمره إلى الرسول (ص) ولوح بشىء ما، وقال فيه حكمه، لم يخل ~~الله ذلك من بيان ساق به شرعه فقضى فيه بما انتظم جوانب الأمر كله. # فارتفاع الأمر حتى وصوله إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، والتحاكم ~~لديه حمل المتعدى عناء فعلته، وأعاد للمرأة حقها، وكان سبيلا لتحديد ~~المسألة برمتها.. وهكذا فإن كل صعب إلى زوال.. وكل ليلة- وإن طالت- فإلى ~~إسفار «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المجادلة (58) : آية # 5] # إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا ~~آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) # الذين يخالفون أمر الله ويتركون طاعة رسول الله أذلوا وخذلوا، كما أذل ~~الذين من قبلهم من الكفار والعصاة. # وقد أجرى الله سنته بالانتقام من أهل الإجرام فمن ضيع للرسول سنة، وأحدث ~~فى دينه بدعة انخرط في هذا السلك، ووقع في هذا الذل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المجادلة (58) : آية 6] # يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل ~~شيء شهيد (6) # يقال: إذا حوسب أحد في القيامة على عمله تصور له ما فعله وتذكره، حتى ~~كأنه قائم فى تلك الحالة عن بساط الزلة، فيقع عليه من الخجل والندم ما ينسى ~~في جنبه كل عقوبة. PageV03P550 # فسبيل المسلم ألا يحوم حول مخالفة أمر مولاه، فإن جرى المقدور ووقع في ~~هجنة التقصير فلتكن زلته على بال، وليتضرع إلى ms1206 الله بحسن الابتهال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المجادلة (58) : آية # 7] # ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو ~~معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ~~(7) # معية الحق- سبحانه- وإن كانت على العموم بالعلم والرواية، وعلى الخصوص ~~بالفضل والنصرة- فلهذا الخطاب في قلوب أهل المعرفة أثر عظيم، ولهم إلى أن ~~ينتهى الأمر بهم إلى التوله «1» فالوله فالهيمان في غمار سماع هذا عيش ~~راغد. # ويقال: أصحاب الكهف- وإن جلت رتبتهم واختصت من بين الناس مرتبتهم- فالحق ~~سبحانه يقول: «سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم» «2» ولما انتهى إلى هذه الآية ~~قال: «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة ... » فشتان بين من ~~رابعه كلبه وبين من رابعه ربه!! ويقال: أهل التوحيد، وأصحاب العقول من أهل ~~الأصول يقولون: الله واحد لا من طريق العدد «3» ، والحق يقول: «ما يكون من ~~نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ... » ويقال: حيثما كنت فأنا معك إن كنت في ~~المسجد فأنا معك، وإن كنت في المصطبة فأنا معك، إن طلب العلماء PageV03P551 # التأويل «1» وشوشوا قلوب أولى المواجيد فلا بأس- فأنا معهم. # إن حضرت المسجد فأنا معك بإسباغ النعمة ولكن وعدا، وإن أتيت المصطبة فأنا ~~معك بالرحمة وإسبال ستر المغفرة ولكن نقدا. # هبك تباعدت وخالفتنى ... تقدر أن تخرج عن لطفى؟! # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المجادلة (58) : آية # 8] # ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم ~~والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في ~~أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8) # آذوا قلوب المسلمين بما كانوا يتناجون به فيما بينهم «2» ، ولم تكن في ~~تناجيهم فائدة إلا قصدهم بذلك شغل قلوب المؤمنين، ولم ينتهوا عنه لما نهوا ~~عنه، وأصروا على ذلك ولم ينزجروا، فتوعدهم الله على ذلك، وتكون عقوبتهم بأن ~~تتغامز الملائكة في بابهم ms1207 فيما بينهم، وحين يشاهدون ذلك تترجم ظنونهم، ~~ويتعذبون بتقسم قلوبهم، ثم لا ينكشف الحال لهم إلا بما يزيدهم حزنا على ~~حزن، وأسفا على أسف. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المجادلة (58) : آية 9] # يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) # إنما قبح ذلك منهم وعظم الخطر لأنه تضمن إفساد ذات البين، وخير الأمور ما ~~عاد بإصلاح ذات البين، وبعكسه إذا كان الأمر بضده. PageV03P552 # قوله جل ذكره: ### | [سورة المجادلة (58) : آية 10] # إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن ~~الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (10) # النجوى من تزيين الشيطان ليحزن الذين آمنوا. وإذا كانت المشاهدة غالبة، ~~والقلوب حاضرة، والتوكل صحيحا والنظر من موضعه صائبا فلا تأثير لمثل هذه ~~الحالات، وإنما هذا للضعفاء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المجادلة (58) : آية 11] # يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله ~~لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات والله بما تعملون خبير (11) # «1» لكمال رحمته بهم وتمام رأفته عليهم، علمهم مراعاة حسن الأدب بينهم ~~فيما كان من أمور العادة (دون أحكام العبادة) «2» فى التفسح في المجالس ~~والنظام في حال الزحمة والكثرة ... # وأعزز بأقوام أمرهم بدقائق الأشياء بعد قيامهم بأصول الدين وتحققهم ~~بأركانه! قوله جل ذكره: ### | [سورة المجادلة (58) : آية 12] # يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك ~~خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (12) # «3» لما كان الإذن في النجوى مقرونا ببذل المال امتنعوا وتركوا، وبذلك ~~ظهرت جواهر PageV03P553 # الأخلاق ونقاوة الرجال- ولقد قال تعالى: «ولا يسئلكم أموالكم إن ~~يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم» «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة المجادلة (58) : الآيات 14 الى 17] # ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون ~~على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا ~~يعملون (15) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم ms1208 عذاب مهين (16) لن ~~تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (17) # من وافق مغضوبا عليه أشرك نفسه في استحقاق غضب من هو الغضبان فمن تول ~~مغضوبا عليه من قبل الله استوجب غضب الله وكفى بذلك هوانا وخسرانا. # «ويحلفون على الكذب وهم يعلمون أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما ~~كانوا يعملون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين» هذا ~~وصف للمنافقين «اتخذوا أيمانهم جنة» أي وقاية وسترا ومن استتر بجنة طاعته ~~لتسلم له دنياه فإن سهام التقدير من ورائه تكشفه من حيث لا يشعر.. فلا دينه ~~يبقى، ولا دنياه تسلم، ولقد قال تعالى: «لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ~~من الله شيئا» «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المجادلة (58) : آية # 18] # يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ~~ألا إنهم هم الكاذبون (18) # عقوبتهم الكبرى ظنهم أن ما عملوا مع الخلق يتمشى أيضا في معاملة الحق، ~~ففرط الأجنبية وغاية الجهل أكبتهم على مناخرهم في وهدة ندمهم. PageV03P554 # قوله جل ذكره: ### | [سورة المجادلة (58) : آية 19] # استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب ~~الشيطان هم الخاسرون (19) # إذا استحوذ الشيطان على عبد أنساه ذكر الله. # والنفس إذا استولت على إنسان أنسته الله. # ولقد خسر حزب الشيطان، وأخسر منه من أعان نفسه- التي هي أعدى عدوه، إلا ~~بأن يسعى في قهرها لعله ينجو من شرها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المجادلة (58) : آية 20] # إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين (20) # من أرمته شقوته لم تنعشه قوته، ومن قصمه التقدير لم يعصمه التدبير، ومن ~~استهان بالدين انخرط في سلك الأذلين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المجادلة (58) : آية 21] # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (21) # الذي ليس له إلا التدبير ... كيف تكون له مقاومة مع التقدير؟ «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة المجادلة (58) : آية 22] # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم ms1209 أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (22) # من جنح إلى منحرف عن دينه، أو داهن مبتدعا في عهده نزع الله نور التوحيد ~~من قلبه فهو في خيانته جائر على عقيدته، وسيذوق قريبا وبال أمره. # «أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه» . # خلق الله الإيمان في قلوب أوليائه وأثبته، ويقال: جعل قلوبهم مطرزة باسمه ~~... وأعزز بحلة لأسرار قوم طرازها اسم «الله» !! PageV03P555 ### | سورة الحشر # «1» قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» اسم عزيز- الكون بجملته في طلبه.. وهو عزيز. # الشموس والأقمار والنجوم، والليل والنهار، وجميع ما خلق الله من الأعيان ~~والآثار متنادية على أنفسها: نحن عبيده ... نحن عبيد من لم يزل.. نريد من ~~لم يزل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحشر (59) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) # قدس الله ونزهه كل شىء خلقه فكل ما خلقه جعله على وحدانيته دليلا، ولمن ~~أراد أن يعرف إلهيته طريقا وسبيلا. # أتقن «2» كل شىء وذلك دليل علمه وحكمته، ورتب كل شىء، وذلك شاهد على ~~مشيئته وإرادته. # «وهو العزيز» فلا شبيه يساويه، ولا شريك له في الملك ينازعه ويضاهيه. # «الحكيم» الحاكم الذي لا يوجد في حكمه عيب، ولا يتوجه عليه عتب «3» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحشر (59) : آية 2] # هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم ~~أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) # هم أهل النضير، وكانوا قد عاهدوا النبي (ص) ألا يكونوا عليه، ثم بعد أحد ~~نقضوا PageV03P556 # العهد، وبايعوا أبا سفيان وأهل مكة، فأخبر الله تعالى رسوله بذلك، فبعث ~~صلوات الله عليه إليهم محمد بن مسلمة، فأوهم أنه يشكو من الرسول في أخذ ~~الصدقة. ms1210 وكان رئيسهم كعب ابن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة (غيلة) ، وغزاهم ~~«1» رسول الله (ص) وأجلاهم عن حصونهم المنيعة وأخرجهم إلى الشام، وما كان ~~المسلمون يتوقعون الظفر عليهم لكثرتهم، ولمنعة حصونهم. # وظلوا يهدمون دورهم بأيديهم ينقبون ليخرجوا، ويقطعون أشجارهم ليسدوا ~~النقب، فسموا أول الحشر، لأنهم أول من أخرج من جزيرة العرب وحشر إلى الشام. # قال جل ذكره: «فاعتبروا يا أولي الأبصار» . # كيف نصر المسلمين- مع قلتهم- عليهم- مع كثرتهم. وكيف لم تمنعهم حصونهم ~~إذا كانت الدائرة عليهم. وإذا أراد الله قهر عدو استنوق «2» أسده. # ومن مواضع العبرة في ذلك ما قاله: «ما ظننتم أن يخرجوا» بحيث داخلتكم ~~الريبة فى ذلك لفرط قوتهم- فصانهم بذلك عن الإعجاب. # ومن مواضع العبرة في ذلك أيضا ما قاله «وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من ~~الله» فلم يكن كما ظنوه- ومن تقو بمخلوق أسلمه ذلك إلى صغاره «3» ومذلته. # ومن الدلائل الناطقة ما ألقى في قلوبهم من الخوف والرعب، ثم تخريبهم ~~بيوتهم بأيديهم علامة ضعف أحوالهم، وبأيدى المؤمنين لقوة أحوالهم، فتمت لهم ~~الغلبة عليهم والاستيلاء على ديارهم وإجلاؤهم. # هذا كله لا بد أن يحصل به الاعتبار- والاعتبار أحد قوانين الشرع. # ومن لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره. PageV03P557 # ويقال: يخربون بيوتهم بأيديهم، وقلوبهم باتباع شهوات نفوسهم، ودينهم بما ~~يمزجونه به من البدع. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحشر (59) : آية 3] # ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب ~~النار (3) # لولا أن قضى الله عليهم أن يخرجوا لعذبهم الله بالقتل والاستئصال «1» ، ~~ثم في الآخرة لهم عذاب النار. ### | [سورة الحشر (59) : آية 4] # ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب (4) # ذلك بأنهم خالفوا أمر الله. والمشاقة أن يتحول المرء إلى شق آخر. # فالعاصى إذا انتقل من المطيعين إلى العاصين فقد شاق الله، ولمن شاق الله ~~عذاب النار. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحشر (59) : آية 5] # ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي ~~الفاسقين (5) # اللينة: كل نوع من النخيل ما عدا العجوة والبرني «2» . # لما أمر رسول الله صلى الله ms1211 عليه وسلم بقطع بعض نخيل بنى النضير قالت ~~اليهود: # ما فائدة هذا؟!. # فبقى المسلمون عن الجواب، فأنزل الله تعالى هذه الآية ليوضح أن ذلك بإذن ~~الله. # فانقطع الكلام. # وفي هذا دليل على أن الشريعة غير معللة، وأن الأمر الشرعي إذا جاء بطل ~~التعليل، PageV03P558 # وسكتت الألسنة عن المطالبة ب «لم؟» وخطور الاعتراض أو الاستقباح خروج عن ~~حد العرفان. والشيوخ. # قالوا: من قال لأستاذه وشيخه «1» : «لم؟» لا يفلح. وكل مريد يكون لأمثال ~~هذه الخواطر في قلبه جولان لا يجىء منه شىء. ومن لم يتجرد قلبه من طلب ~~التعليل، ولم يباشر حسن الرضا بكل ما يجرى واستحسان ما يبدو من الغيب لسره ~~وقلبه- فليس من الله فى شىء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحشر (59) : الآيات 6 الى 7] # وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله ~~يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (6) ما أفاء الله على رسوله ~~من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي ~~لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (7) # يريد بذلك أموال بنى النضير «2» ، فقد كانت من جملة الفيء لا من الغنيمة ~~فالفىء ما صار إلى المسلمين من أموال الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ~~وركاب، وتدخل في جملته أموالهم إذا ماتوا وصارت إلى بيت المال. والغنيمة ما ~~كانت بقتال وإيجاف خيل وركاب. # وقد خص رسول الله (ص) بأموال هؤلاء فقراء المهاجرين، واستأثر لنفسه بما ~~شاء، فطابت نفوس الأنصار بذلك، وشكر الله لهم. ذلك لأن تحرر القلب من ~~الأعواض والأملاك صفة السادة «3» والأكابر. ومن أسرته الأخطار وبقي في شح ~~نفسه فهو في تضييقه وتدنيقه، وهو فى مصادقته ومعاملته ومطالبته مع الناس ~~دائما يبحث في استيفاء حظوظه- وهذا ليس له من مذاقات هذه الطريقة «4» شىء. ~~PageV03P559 # وأهل الصفاء لم تبق عليهم من هذه الأشياء بقية، وأما من بقي عليه منها ~~شىء فمترسم «1» سوقي.. لا متحقق صوفي. # قوله ms1212 جل ذكره: «وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا ~~الله إن الله شديد العقاب» هذا أصل من أصول وجوب متابعته، ولزوم طريقته ~~وسيرته- وفي العلم تفصيله. # والواجب على العبد عرض ما وقع له من الخواطر وما يكاشف به من الأحوال على ~~العلم- فما لا يقبله الكتاب والسنة فهو في ضلال «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحشر (59) : آية # 8] # للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8) # يريد أن هذا الفيء لهؤلاء الفقراء الذين كانوا مقدار مائة رجل. # «يبتغون فضلا من الله» وهو الرزق «ورضوانا» بالثواب في الآخرة. # وينصرون دين الله، «أولئك هم الصادقون» : والفقير الصادق هو الذي يترك كل ~~سبب وعلاقة، ويفرغ أوقاته لعبادة الله، ولا يعطف «3» بقلبه على شىء سوى ~~الله، ويقف مع الحق راضيا بجريان حكمه فيه. PageV03P560 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحشر (59) : آية # 9] # والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون (9) # نزلت هذه الآية في الأنصار. «تبوؤا الدار» أي سكنوا المدينة قبل ~~المهاجرين.. # «يحبون من هاجر إليهم» من أهل مكة. # «ولا يجدون في صدورهم حاجة» مما خصص به المهاجرون من الفيء، ولا يحسدونهم ~~على ذلك، ولا يعترضون بقلوبهم على حكم الله بتخصيص المهاجرين، حتى لو كانت ~~بهم حاجة أو اختلال أحوال. # «ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون» . # قيل نزلت الآية «1» فى رجل منهم أهديت له رأس شاة فطاف على سبعة أبيات ~~حتى انتهى إلى الأول. # وقيل نزلت في رجل منهم نزل به ضيف فقرب منه الطعام وأطفأ السراج ليوهم ~~ضيفه أنه يأكل، حتى يؤثر به الضيف على نفسه وعلى عياله، فأنزل الله الآية ~~في شأنه «2» . # ويقال: الكريم من بنى الدار لضيفانه وإخوانه (واللئيم من بناها لنفسه) ~~«3» . # وقيل: لم يقل الله: ومن يتق شح نفسه بل قال: ومن يوق شح نفسه «4» . # ويقال: صاحب الإيثار يؤثر ms1213 الشبعان على نفسه- وهو جائع. PageV03P561 # ويقال: من ميز بين شخص وشخص فليس بصاحب إيثار حتى يؤثر الجميع دون تمييز. # ويقال: الإيثار أن ترى أن ما بأيدى الناس لهم، وأن ما يحصل في يدك ليس ~~إلا كالوديعة والأمانة عندك تنتظر الإذن فيها. # ويقال: من رأى لنفسه ملكا فليس من أهل الإيثار. # ويقال: العابد يؤثر بدنياه غيره، والعارف يؤثر بالجنة غيره «1» . # وعزيز من لا يطلب من الحق لنفسه شيئا: لا في الدنيا من جاه أو مال، ولا ~~في الجنة من الأفضال، ولا منه أيضا ذرة من الإقبال والوصال وغير ذلك من ~~الأحوال «2» . # ... وهكذا وصف الفقير يكون بسقوط كل أرب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحشر (59) : آية # 10] # والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم (10) # أي والذين هاجروا من بعدهم، ثم أجيال المؤمنين من بعد هؤلاء إلى يوم ~~القيامة.. # كلهم يترحمون على السلف من المؤمنين الذين سبقوهم، ويسلكون طريق الشفقة ~~على جميع المسلمين، ويستغفرون لهم، ويستجيرون من الله أن يجعل لأحد من ~~المسلمين في قلوبهم غلا أي حقدا. ومن «3» لا شفقة له على جميع المسلمين ~~فليس له نصيب من الدين. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحشر (59) : آية 11] # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن ~~أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله ~~يشهد إنهم لكاذبون (11) PageV03P562 # يريد بهم منافقى المدينة ظاهروا بنى النضير وقريظة، وعاهدوهم على ~~الموافقة بكل وجه، فأخبر الله- سبحانه- أنهم ليسوا كما قالوا وعاهدوا عليه، ~~وأخبر أنهم لا يتناصرون، وأنهم يتخاذلون، ولئن ساعدوهم في بعض الحروب فإنهم ~~يتخاذلون إن رأوهم ينهزمون أمام من يجاهدونهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحشر (59) : آية # 13] # لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون (13) # أخبر- سبحانه- أن المسلمين أشد رهبة في صدورهم من الله «1» ، وذلك لقلة ~~يقينهم، وإعراض قلوبهم عن الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحشر (59) : آية 14] # لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى ms1214 محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد ~~تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (14) # أخبر أنهم لا يجسرون على مقاتلة المسلمين إلا مخاتلة، أو من وراء جدران. # وإنما يشتد بأسهم فيما بينهم، أي إذا حارب بعضهم بعضا، فأما معكم ... ~~فلا. # «تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون» . # اجتماع النفوس- مع تنافر القلوب واختلافها- أصل كل فساد، وموجب كل تخاذل، ~~ومقتضى تجاسر العدو. PageV03P563 # واتفاق القلوب والاشتراك في الهمة والتساوي في القصد يوجب كل ظفر وكل ~~سعادة.. ولا يكون ذلك للأعداء قط فليس فيهم إلا اختلال كل حال، وانتقاض كل ~~شمل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحشر (59) : آية # 15] # كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (15) # مثل بنى قريظة كمثل بنى النضير «1» ذاق النضير وبال أمرهم قبل قريظة بسنة ~~«2» وذاق قريظة بعدهم وبال أمرهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحشر (59) : آية 16] # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف ~~الله رب العالمين (16) # أي مثل هؤلاء المنافقين مع النضير- فى وعدهم بعضهم لبعض بالتناصر- كمثل ~~الشيطان «إذ قال للإنسان ... » . # وكذلك أرباب الفترة وأصحاب الزلة وأصحاب الدعاوى.. هؤلاء كلهم في درجة ~~واحدة فى هذا الباب- وإن كان بينهم تفاوت- لا تنفع صحبتهم في الله قال ~~تعالى: «الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين» «3» وكل أحد- اليوم- ~~يألف شكله فصاحب الدعوى إلى صاحب الدعوى، وصاحب المعنى إلى صاحب المعنى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحشر (59) : آية 18] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون (18) . PageV03P564 # التقوى الأولى على ذكر العقوبة في الحال والفكر في العمل خيره وشره «1» . # والتقوى الثانية تقوى المراقبة والمحاسبة، ومن لا محاسبة له في أعماله ~~ولا مراقبة له في أحواله.. فعن قريب سيفتضح «2» . # وعلامة من نظر لغده أن يحسن مراعاة يومه ولا يكون كذلك إلا إذا فكر فيما ~~عمله فى أمسه والناس في هذا على أقسام: مفكر في أمسه: ما الذي قسم له في ~~الأزل؟ وآخر مفكر فى غده: ms1215 ما الذي يلقاه؟؟ وثالث مستقل بوقته فيما يلزمه في ~~هذا الوقت فهو مصطلم عن شاهده موصول بربه، مندرج في مذكوره «3» لا يتطلع ~~لماضيه ولا لمستقبله، فتوقيت الوقت يشغله عن وقته «4» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحشر (59) : آية # 19] # ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19) # تركوا طاعته فتركهم في العذاب وهو الخذلال حتى لم يتوبوا.. أولئك هم ~~الفاسقون» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحشر (59) : آية 20] # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (20) # لا يستوى أهل الغفلة مع أهل الوصلة. # وأصل كل آفة نسيان الرب، ولولا النسيان لما حصل العصيان، والذي نسى أمر ~~نفسه فهو الذي لا يجتهد في تحصيل توبته، ويسوف فيما يلزمه به الوقت من ~~طاعته. PageV03P565 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحشر (59) : آية # 21] # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك ~~الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21) # أي لو كان للجبل عقل وصلاح فكر وسر، وأنزلنا عليه هذا القرآن لخضع وخشع. # ويجوز أن يكون على جهة ضرب المثل كما قال: «تكاد السماوات يتفطرن منه» ~~«1» ويدل عليه أيضا قوله: # «وتلك الأمثال نضربها للناس» : ليعقلوا ويهتدوا، أي بذلك أمرناهم، ~~والمقصود بيان قسوة قلوبهم عند سماع القرآن. # ويقال: ليس هذا الخطاب على وجه العتاب معهم، بل هو على سبيل المدح وبيان ~~تخصيصه إياهم بالقوة فقال: «لو أنزلنا هذا القرآن على جبل» لم يطق ولخشع- ~~وهؤلاء خصصتهم بهذه القوة حتى أطاقوا سماع خطابى «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحشر (59) : آية 22] # هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم (22) # «الغيب» : ما لا يعرف بالضرورة، ولا يعرف بالقياس من المعلومات «3» . ~~ويقال: هو ما استأثر الحق بعلمه، ولم يجعل لأحد سبيلا إليه. # «والشهادة» : ما يعرفه الخلق. # وفي الجملة: لا يعزب عن علمه معلوم. PageV03P566 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحشر (59) : آية 23] # هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23) # الملك: ذو القدرة على الإيجاد. # القدوس: المنزه ms1216 عن الآفة والنقص. # السلام: ذو السلامة من النقائص، الذي يسلم على أوليائه، والذي سلم ~~المؤمنون من عذابه. # المؤمن: الذي يصدق عبده في توحيده فيقول له: صدقت يا عبدى. # والذي يصدق نفسه في إخباره أي يعلم أنه صادق. # ويكون بمعنى المصدق لوعده. ويكون بمعنى المخبر لعباده بأنه يؤمنهم من ~~عقوبته. # المهيمن: الشاهد، وبمعنى الأمين، ويقال مؤيمن (مفيعل) من الأمن قلبت ~~همزته هاء وهو من الأمان، ويقال بمعنى المؤمن. # العزيز: الغالب الذي لا يغلب، والذي لا مثيل له، والمستحق لأوصاف الجلال، ~~وبمعنى: المعز لعباده. والمنيع الذي لا يقدر عليه أحد. # الجبار: الذي لا تصل إليه الأيدى. أو بمعنى المصلح لأمورهم من: جبر ~~الكسر. أو بمعنى القادر على تحصيل مراده «1» من خلقه على الوجه الذي يريده ~~من: جبرته على الأمر وأجبرته. # المتكبر: المتقدس عن الآفات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحشر (59) : آية 24] # هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم (24) . PageV03P567 # هو المنشئ للأعيان والآثار. # «له الأسماء الحسنى» : المسميات الحسان. # «وهو العزيز الحكيم» : مضى معناهما، وقد استقصينا الكلام في معانى هذه ~~الأسماء (فى كتابنا المسمى: «البيان والأدلة في معانى أسماء الله تعالى» ) ~~«1» . PageV03P568 ### | سورة الممتحنة # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» اسم ملك لا أصل لملكه ~~عند حدث ولا نسل له، فعنه يرث. ملك لا يستظهر بجيش وعدد، ولا يتعزز بقوم ~~وعدد. ملك للخلق «1» بأجمعهم- لكنه اختار قوما- لا لينتفع بهم- بل لنفعهم، ~~ورد آخرين وأذلهم بمنعهم ووضعهم: # قوله جل ذكره: ### | [سورة الممتحنة (60) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ~~وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن ~~كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم ~~بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل (1) # «2» قال صلى الله عليه وسلم: «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك «3» وأوحى ~~الله سبحانه إلى داود عليه السلام: «عاد نفسك ms1217 فليس لى في المملكة منازع ~~غيرها» . فمن عادى نفسه فقد قام بحق الله، ومن لم يعاد نفسه لحقته هذه ~~الوصمة. وأصل الإيمان الموالاة والمعاداة في الله ومن جنح إلى الكفار أو ~~إلى الخارجين عن دائرة الإسلام انحاز إلى جانبهم. PageV03P569 # قوله جل ذكره: «وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل ~~سواء السبيل» . # أنا أعلم «بما أخفيتم» من دقائق التصنع وخفيات الرياء. # «وما أعلنتم» من التزين للناس. # «بما أخفيتم» من الاستسرار بالزلة، «وما أعلنتم» ، من الطاعة والبر. # «بما أخفيتم» من الخيانة «وما أعلنتم» من الأمانة. # «بما أخفيتم» من الغل والغش للناس، «وما أعلنتم» من الفضيحة للناس. # «بما أخفيتم» من ارتكاب المحظورات، «وما أعلنتم» من الأمر بالمعروف. # «بما أخفيتم» من ترك الحشمة منى وقلة المبالاة باطلاعى، وما أعلنتم من ~~تعليم الناس ووعظهم. # «ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل» فقد حاد عن طريق الدين، ووقع فى ~~الكفر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الممتحنة (60) : الآيات 2 الى 3] # إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا ~~لو تكفرون (2) لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله ~~بما تعملون بصير (3) # إن يظفروا بكم وصادفوكم يكونوا لكم أعداء، ولن تسلموا من أيديهم بالسوء ~~ولا من ألسنتهم بالذم وذكر القبيح. # «وودوا لو تكفرون» : ولن ينفعكم توددكم وتقربكم إليهم، ولا ما بينكم ~~وبينهم من الأرحام. ثم عقوبة الآخرة تدرككم «1» . PageV03P570 # وكذلك صفة المخالف، ولا ينبغى للمرء أن يتعطش إلى عشيرته- وإن داهنته في ~~قالة، ولا أن ينخدع بتغريرها- وإن لا ينته في حالة قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الممتحنة (60) : آية # 4] # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا ~~منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ~~وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (4) # أي لكم قدوة حسنة بإبراهيم ومن قبله من الأنبياء حيث تبرءوا من ms1218 الكفار من ~~أقوامهم فاقتدوا بهم.. إلا استغفار إبراهيم لأبيه- وهو كافر- فلا تقتدوا ~~به. # ولا تستغفروا للكفار. وكان إبراهيم قد وعده أبوه أنه يؤمن فلذلك كان ~~يستغفر له، فلما تبين له أنه لن يؤمن تبرأ منه ويقال: كان منافقا.. ولم ~~يعلم إبراهيم ذلك وقت استغفاره له. # ويقال: يجوز أنه لم يعلم في ذلك الوقت أن الله لا يغفر للكفار. # والفائدة في هذه الآية تخفيف الأمر على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين بتعريفهم أن من كانوا قبلهم حين كذبوا بأنبيائهم أهلكهم الله، ~~وأنهم صبروا، وأنه ينبغى لذلك أن يكون بالصبر أمرهم. # قوله جل ذكره: «ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير» . # أخبر أنهم قالوا ذلك. # ويصح أن يكون معناه: قولوا: «ربنا عليك توكلنا» . # وقد مضى القول في معنى التوكل والإنابة. # PageV03P571 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الممتحنة (60) : آية # 5] # ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ~~(5) # ربنا لا تظفرهم بنا، ولا تقوهم علينا. # والإشارة في الآية: إلى الأمر بسنة إبراهيم في السخاء وحسن الخلق ~~والإخلاص والصدق والصبر وكل خصلة له ذكرها لنا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الممتحنة (60) : آية 7] # عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله ~~غفور رحيم (7) # وقفهم في مقتضى قوله تعالى: «عسى الله» عند حد التجويز ... لا حكما ~~بالقطع، ولا دفع قلب باليأس.. ثم أمرهم بالاقتصاد في العداوة والولاية معهم ~~بقلوبهم، وعرفهم بوقوع الأمر حسب تقديره وقدرته، وجريان كل شىء على ما يريد ~~لهم، وصدق هذه الترجية بإيمان من آمن منهم عند فتح مكة، وكيف أسلم كثيرون، ~~وحصل بينهم وبين المسلمين مودة أكيدة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الممتحنة (60) : الآيات 8 الى 9] # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين ~~قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن ~~يتولهم فأولئك هم الظالمون (9) # أمرهم بشدة العداوة مع أعدائهم على الوجه ms1219 الذي يفعلونه، وأما من كان فيهم ~~ذا خلق حسن، # PageV03P572 # أو كان منه للمسلمين وجه نفع أو رفق- فقد أمرهم بالملاينة معه. والمؤلفة ~~قلوبهم شاهد لهذه الجملة، فإن الله يحب الرفق في جميع الأمور «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الممتحنة (60) : آية # 10] # يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم ~~بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم ~~الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) # كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتحنهن باليمين، فيحلفن إنهن لم يخرجن إلا ~~لله، ولم يخرجن مغايظة لأزواجهن، ولم يخرجن طمعا في مال. # وفي الجملة: الامتحان طريق إلى المعرفة، وجواهر «2» الناس تتبين بالتجربة ~~«3» . ومن أقدم على شىء من غير تجربة تحسى كأس الندم. # «ولا تمسكوا بعصم الكوافر» «4» . # لا توافقوا من خالف الحق في قليل أو كثير. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الممتحنة (60) : آية 12] # يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا ~~يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ~~(12) . PageV03P573 # إذا جاءك النساء يبايعنك على الإسلام فطالبهن وشارطهن بهذه الأشياء. # ترك الشرك، وترك السرقة والزنا وقتل الأولاد والافتراء في إلحاق النسب، ~~وألا يعصينك في معروف فلا يخالفنك فيما تأمرهن به، ويدخل في ذلك ترك ~~النياحة وشق الجيوب ونتف الشعر عند المصيبة وتخميش «1» الوجوه والتبرج ~~وإظهار الزينة ... وغير ذلك مما هو من شعائر الدين في الجملة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الممتحنة (60) : آية 13] # يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة ~~كما يئس الكفار من أصحاب القبور (13) # الذين غضب الله عليهم هم الكفار. يئسوا من الآخرة كما يئس أصحاب القبور ~~أن يعودوا إلى الدنيا ويبعثوا (بعد ما تبينوا سوء منقلبهم) ms1220 . # ويقال: كما يئس الكفار حين اعتقدوا أن الخلق لا يبعثون في القيامة «2» . ~~PageV03P574 # سورة الصف # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» كلمة من وقفه الله ~~لعرفانها لم يصبر عن ذكرها بلسانه ثم لا يفتر حتى يصل إلى المسمى بها ~~بجنانه: فى البداية بتأمل برهانه لمعرفة سلطانه، ثم لا يزال يزيده في ~~إحسانه حتى ينتهى في شأنه بالتحقق مما هو كعيانه. # قوله جل ذكره: ### | سورة الصف # (61) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) # من أراد أن يصفو له تسبيحه فليصف قلبه من آثار نفسه، ومن أراد أن يصفو له ~~في الجنة عيشه فليصف من أوضار ذنبه نفسه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصف (61) : الآيات 2 الى 3] # يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون (3) # جاء في التفاسير أنهم قالوا: لو علمنا ما فيه رضا الله لفعلنا ولو فيه كل ~~جهد ... ثم لما كان يوم أحد لم يثبتوا، فنزلت هذه الآية في العتاب «1» . # وفي الجملة: خلف الوعد مع كل أحد قبيح، ومع الله أقبح. # ويقال إظهار التجلد من غير شهود مواضع الفقر إلى الحق في كل نفس يؤذن ~~بالبقاء عما حصل بالدعوى «2» ... والله يحب التبرى من الحول والقوة. ~~PageV03P575 # ويقال: لم يتوعد- سبحانه- زلة بمثل ما على هذا حين قال: «كبر مقتا عند ~~الله أن تقولوا ما لا تفعلون» «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الصف (61) : آية # 4] # إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (4) # المحبة توجب الإثار، وتقديم مراد حبيبك على مراد نفسك، وتقديم محبوب ~~حبيبك على محبوب نفسك. فإذا كان الحق تعالى يحب من العبد أن يقاتل على ~~الوجه الذي ذكره فمن لم يؤثر محبوب الله على محبوب نفسه- أي على سلامته- ~~انسلخ من محبته لربه، ومن خلا من محبة الله وقع في الشق الآخر، فى خسرانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصف (61) : آية 5] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون ms1221 أني رسول الله إليكم ~~فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (5) # لما زاغوا بترك الحد أزاغ الله قلوبهم بنقض العهد. # ويقال: لما زاغوا عن طريق الرشد أزاغ الله قلوبهم بالصد والرد والبعد عن ~~الود. # ويقال: لما زاغوا بظواهرهم أزاغ الله سرائرهم. # ويقال: لما زاغوا عن خدمة الباب أزاغ الله قلوبهم عن التشوق إلى البساط. # ويقال: لما زاغوا عن العبادة أزاغ الله قلوبهم عن الإرادة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصف (61) : آية 6] # وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين ~~يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات ~~قالوا هذا سحر مبين (6) PageV03P576 # بشر كل نبي قومه بنبينا صلى الله عليه وسلم، وأفرد الله- سبحانه- عيسى ~~بالذكر فى هذا الموضع لأنه آخر نبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم: فبين ~~بذلك أن البشارة به عمت جميع الأنبياء واحدا بعد واحد حتى انتهت بعيسى عليه ~~السلام. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصف (61) : آية 8] # يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (8) # «1» فمن احتال لوهنه، أو رام وهيه انعكس عليه كيده، وانتقض عليه تدبيره. # «ويأبى الله إلا أن يتم نوره» : كما قالوا: # ولله سر في علاه وإنما ... كلام العدى ضرب من الهذيان # كأنه قال: من تمنى أن يطفئ نور الإسلام بكيده كمن يحتال ويزاول إطفاء ~~شعاع الشمس بنفثه ونفخه فيه- وذلك من المحال. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصف (61) : آية 9] # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (9) # لما تقاعد قومه عن نصرته، وانبرى أعداؤه لتكذيبه، وجحدوا ما شاهدوه من ~~صدقه قيض الله له أنصارا من أمته هم: نزاع القبائل، والآحاد الأفاضل، ~~والسادات الأماثل، وأفراد المناقب- فبذلوا في إعانته ونصرة دينه مهجهم، ولم ~~يؤثروا عليه شيئا من كرائمهم، ووقوه PageV03P577 # بأرواحهم، (وأمدهم الله سبحانه بتوفيقه كى ينصروا دينه، أولئك أقوام عجن ~~الله بماء السعادة طينتهم، وخلق من نور التوحيد أرواحهم) «1» وأهلهم يوم ~~القيامة للسيادة على أضرابهم. # ولقد أرسل ms1222 الله نبيه لدينه موضحا، وبالحق مفصحا، ولتوحيده معلنا، ولجهده ~~فى الدعاء إليه مستفرغا.. فأقرع بنصحه قلوبا نكرا، وبصر بنور تبليغه عيونا ~~عميا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصف (61) : الآيات 10 الى 11] # يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (11) # سمى الإيمان والجهاد تجارة لما في التجارة من الربح والخسران ونوع تكسب ~~من التاجر- وكذلك: فى الإيمان والجهاد ربح الجنة وفي ذلك يجتهد العبد، ~~وخسرانها إذا كان الأمر بالضد. # وقوله: «تؤمنون بالله ... » أي في ذلك جهادكم وإيمانكم واجتهادكم، وهو ~~خير لكم. # ثم بين الربح على تلك التجارة ما هو فقال: ### | ### | [سورة الصف (61) : آية # 12] # يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات ~~عدن ذلك الفوز العظيم (12) PageV03P578 # قدم ذكر أهم الأشياء- وهو المغفرة. ثم إذا فرغت القلوب عن العقوبة قال: # «ويدخلكم جنات ... » فبعد ما ذكر الجنة ونعيمها قال: «ومساكن طيبة» ، ~~وبماذا تطيب تلك المساكن؟ لا تطيب إلا برؤية الحق سبحانه، ولذلك قالوا: # أجيراننا ما أوحش الدار بعدكم ... إذا غبتمو عنها ونحن حضور! # نحن في أكمل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور # عيب ما نحن فيه يا أهل ودى ... أنكم غيب ونحن حضور # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصف (61) : آية 13] # وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين (13) # أي ولكم نعمة أخرى تحبونها: نصر من الله اليوم حفظ الإيمان وتثبيت ~~الأقدام على صراط الاستقامة، وغدا على صراط القيامة. # «وفتح قريب» : الرؤية والزلفة. ويقال الشهود. ويقال: الوجود «1» أبد ~~الأبد. # «وبشر المؤمنين» : بأنهم لا يبقون عنك في هذا التواصل. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الصف (61) : آية 14] # يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين ~~من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني ~~إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين (14) ~~PageV03P579 # أي كونوا أنصارا لدينه ورسوله كما أن عيسى لما استعان واستنصر الحواريين ms1223 ~~نصروه ... # فانصروا محمدا إذا استنصركم. # ثم أخبر أن طائفة من بنى إسرائيل آمنوا بعيسى فأكرموا، وطائفة كفروا ~~فأذلوا، وأظفر أولياء على أعدائه ... لكى يعرف الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أن الله سبحانه يظفر أولياءه على أعدائه. # PageV03P580 ### | سورة الجمعة # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» اسم عزيز إذا تجلى لقلب عبد بوصف جماله تجمعت أفكاره على بساط ~~جوده فلم يتفرق بسواه «1» . # ومن تجلى لسره بنعت جلاله اندرجت جملته، واستهلك في وجوده فلم يشعر ~~بكرائم دنياه ولا بعظائم عقباه.. # وكم له من إنعام! وكم له من إحسان! وكما في أمثالهم: «جرى الوادي فطم على ~~القري» «2» قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الجمعة (62) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم (1) # تسبح في بحار توحيد الحق أسرار أهل التحقيق، وبحرهم بلا شاطىء فبعد ما ~~حصلوا فيها فلا خروج ولا براح، فحازت أيديهم جواهر التفريد فرصعوها في تاج ~~العرفان كى يلبسوه يوم اللقاء. # «الملك القدوس العزيز الحكيم» . # «الملك» : الملك المتفرد باستحقاق الجبروت. # «القدوس» : المنزه عن الدرك والوصول: فليس بيد الخلق إلا عرفان الحقائق ~~بنعت التعالي، والتأمل في شهود أفعاله، فأما الوقوف على حقيقة إنيته- فقد ~~جلت الصمدية عن PageV03P581 # إشراف عليه، أو طمع إدراك في حال رؤيته، أو جواز إحاطة في العلم به ... ~~فليس إلا قالة بلسان مستنطق، وحالة بشهود حق مستغرق «1» : # وقلن لنا: نحن الأهلة إنما ... نضىء لمن يسرى بليل ولا نقرى «2» # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الجمعة (62) : آية # 2] # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) # جرده عن كل تكلف لتعلم، وعن الاتصاف بتطلب «3» .. ثم بعثه فيهم وأظهر ~~عليه من الأوصاف ما فاق الجميع. # فكما أيتمه في الابتداء عن أبيه وأمه، ثم آواه بلطفه- وكان ذلك أبلغ ~~وأتم- فإنه كذلك أفرده عن تكلفه العلم- ولكن قال: «وعلمك ما لم تكن تعلم» # «4» . # وقال: «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا» «5» ألبسه ms1224 ~~لباس العزة، وتوجه بتاج الكرامة، وخلع عليه حسن التولى ... لتكون آثار ~~البشرية عنه مندرجة «6» ، وأنوار الحقائق عليه لائحة. ### | [سورة الجمعة (62) : آية 3] # وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) PageV03P582 # أي بعثه في الأميين، وفي آخرين منهم وهم العجم، ومن يأتى.. إلى يوم ~~القيامة فهو صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الناس كافة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجمعة (62) : آية 4] # ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (4) # يقصد به هنا النبوة، ويؤتيها «من يشاء» وفي ذلك رد على من قال: إنها ~~تستحق لكثرة طاعة الرسول- ورد على من قال: إنها لتخصيصهم بطينتهم فالفضل ما ~~لا يكون مستحقا، والاستحقاق فرض «1» لا فضل. # ويقال: «فضل الله» هنا هو التوفيق حتى يؤمنوا به. # ويقال: هو الأنس بالله، والعبد ينسى كل شىء إذا وجد الأنس. # ويقال: قطع الأسباب، - بالجملة- فى استحقاق الفضل، إذ أحاله على المشيئة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجمعة (62) : آية 5] # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل ~~القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (5) # «ثم لم يحملوها» : ثم لم يعملوا بها. # ويلحق بهؤلاء «2» فى الوعيد- من حيث الإشارة- الموسومون «3» بالتقليد في ~~أي PageV03P583 # معنى شئت: فى علم الأصول، ومما طريقه أدلة العقول، وفي هذه الطريقة «1» ~~مما طريقه المنازلات. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجمعة (62) : الآيات 6 الى 7] # قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين (6) ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم ~~بالظالمين (7) # «2» هذا من جملة معجزاته صلى الله عليه وسلم، فصرف قلوبهم عن تمنى الموت ~~إلى هذه المدة دل على صدقه صلوات الله عليه «3» . # ويقال: من علامات المحبة الاشتياق إلى المحبوب فإذا كان لا يصل إلى لقائه ~~إلا بالموت فتمنيه- لا محالة- شرط، فأخبر أنهم لا يتنمونه أبدا.. وكان كما ~~أخبر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الجمعة (62) : آية # 8] # قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (8) # الموت حتم ms1225 مقضي. وفي الخبر: «من كره لقاء الله كره الله لقاءه» . والموت ~~جسر والمقصد عند الله.. ومن لم يعش عفيفا فليمت ظريفا «4» . PageV03P584 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجمعة (62) : آية 9] # يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) # أوجب السعى يوم الجمعة إذا نودى لها، وأمر بترك البيع «1» . # ومنهم من يحمله على الظاهر أي ترك المعاملة مع الخلق «2» ، ومنهم من ~~يحمله عليه وعلى معنى آخر: هو ترك الاشتغال بملاحظة الأعراض «3» ، والتناسى ~~عن جميع الأغراض إلا معانقة الأمر فمنهم من يسعى إلى ذكر الله، ومنهم من ~~يسعى إلى الله، بل يسعون إلى ذكر الله جهرا بجهر، ويسعون إلى الله تعالى ~~سرا بسر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجمعة (62) : آية 10] # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون (10) # إنما ينصرف من كان له جمع يرجع إليه، أو شغل يقصده ويشتغل به- ولكن ... # من لا شغل له ولا مأوى.. فإلى أين يرجع؟ وإنما يقال: «وابتغوا من فضل ~~الله» إذا كان له أرب.. فأما من سكن عن المطالبات، وكفى داء الطلب.. فما له ~~وابتغاء ما ليس يريده ولا هو في رقه؟! قوله جل ذكره: ### | [سورة الجمعة (62) : آية 11] # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير ~~من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (11) PageV03P585 # من أسرته أخطار الأشياء استجاب لكل داع جره إليه لهو أو حمله عليه سهو ~~ومن ملكه سلطان الحقيقة لم ينحرف عن الحضور، ولم يلتفت في حال الشهود. «قل ~~ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة» وما عند الله للعباد والزهاد- غدا ~~«1» - خير مما «2» نالوه فى الدنيا نقدا. وما عند الله للعارفين- نقدا- من ~~واردات القلوب وبواده «3» الحقيقة خير مما يؤمل المستأنف «4» فى الدنيا ~~والعقبى. PageV03P586 ### | سورة المنافقون # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» اسم من تحقق به صدق ~~في أقواله، ثم صدق في أعماله، ثم صدق في أخلاقه ثم صدق ms1226 في أحواله، ثم صدق ~~في أنفاسه «1» .. فصدقه في القول ألا يقول إلا عن برهان، وصدقه في العمل ~~ألا يكون للبدعة عليه سلطان، وصدقه في الأخلاق ألا يلاحظ إحسانه مع الكافة ~~بعين النقصان، وصدقه في الأحوال أن يكون على كشف وبيان، وصدقه في الأنفاس ~~ألا يتنفس إلا على وجود كالعيان «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المنافقون (63) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) # كذبهم فيما قالوا وأظهروا، ولكنهم لم يشهدوا عن بصيرة ولم يعتقدوا ~~تصديقك، فهم لم يكذبوا في الشهادة «3» ولكن كذبهم في قولهم: إنهم مخلصون ~~لك، مصدقون لك. # فصدق القالة لا ينفع مع قبح الحالة. PageV03P587 # ويقال: الإيمان ما يوجب الأمان فالإيمان يوجب للمؤمن إذا كان عاصيا خلاصه ~~من العذاب أكثره وأقله ... إلا ما ينقله من (أعلى) «1» جهنم إلى أسفلها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المنافقون (63) : آية # 2] # اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) # تستروا بإقرارهم، وتكشفوا بنفاقهم عن أستارهم فافتضحوا، وذاقوا وبال ~~أحوالهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المنافقون (63) : آية 3] # ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (3) # استضاءوا بنور الإجابة فلم ينبسط عليهم شعاع السعادة، فانطفأ نورهم بقهر ~~الحرمان، وبقوا في ظلمات القسمة السابقة بحكم الشقاوة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المنافقون (63) : آية 4] # وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة ~~يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون (4) # أي هم أشباح وقوالب وليس وراءهم ألباب وحقائق- فالجوز «2» الفارغ مزين ~~ظاهره ولكنه للعب الصبيان «3» . # «يحسبون كل صيحة عليهم ... » وذلك لجبنهم إذ ليس لهم انتعاش بربهم، ولا ~~استقلال بغيرهم. PageV03P588 # «هم العدو فاحذرهم» هم عدو لك- يا محمد- فاحذرهم، ولا يغرنك تبسطهم فى ~~الكلام على وجه التودد والتقرب. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المنافقون (63) : آية # 5] # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم ورأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون (5) # سمعوا إلى ما يقال لهم على وجه التكبر، ms1227 وإظهار الاستغناء عن استغفارك لهم ~~... فخل سبيلهم فليس للنصح فيهم مساغ، ولن يصحيهم من سكرتهم إلا حر ما ~~سيلقونه من العقوبة، فما دام الإصرار من جانبهم فإنهم: ### | [سورة المنافقون (63) : آية 6] # سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا ~~يهدي القوم الفاسقين (6) # فقد سبق العلم بذلك: # قوله جل ذكره: ### | [سورة المنافقون (63) : آية 7] # هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن ~~السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون (7) # «1» كأنهم مربوطون بالأسباب، محجوبون عن شهود التقدير، غير متحققين ~~بتصريف الأيام، فأنطقهم بما خامر قلوبهم من تمنى انطفاء نور رسول الله، ~~وانتكاث شملهم، فتواصوا فيما بينهم بقولهم: «لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله» فقال تعالى «ولله خزائن السماوات ... » . # وليس استقلالك- يا محمد- ولا استقلال أصحابك بالمرزوقين.. بل بالرازق فهو ~~الذي يمسككم. PageV03P589 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المنافقون (63) : آية # 8] # يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (8) # إنما وقع لهم الغلط في تعيين الأعز والأذل فتوهموا أن الأعز هم ~~المنافقون، والأذل هم المسلمون، ولكن الأمر بالعكس، فلا جرم غلب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمون، وأذل المنافقون بقوله: «ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين» : لله عز الإلهية، وللرسول عز النبوة، وللمؤمنين عز الولاية.. ~~وجميع ذلك لله فعزة القديم صفته، وعز الرسول وعز المؤمنين له فعلا ومنة ~~وفضلا، فإذا لله العزة جميعا. # ويقال: كما أن عزة الله- سبحانه- لا زوال لها فعزة الأنبياء بأن لا عزل ~~لهم، وعزة المؤمنين بألا يبقى منهم مخلد في النار. # ويقال: من كان إيمانه حقيقيا فلا زوال له. # ويقال: من تعزز بالله لم يلحقه تغير عن حاله بغير الله. # ويقال: لا عز إلا في طاعة الله، ولا ذل إلا في معصية الله ... وما سوى ~~هذا فلا أصل له. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المنافقون (63) : آية 9] # يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ~~ذلك فأولئك هم الخاسرون (9) # لا تضيعوا أمور ms1228 دينكم بسبب أموالكم وأولادكم بل آثروا حق الله، واشتغلوا ~~به يكفكم أمور دنياكم وأولادكم فإذا كنت لله كان الله لك «1» . PageV03P590 # ويقال: حق الله مما ألزمك القيام به، وحقك ضمن لك القيام به فاشتغل بما ~~كلفت لا بما كفيت. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المنافقون (63) : آية 10] # وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني ~~إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10) # لا تغتروا بسلامة أوقاتكم، وترقبوا بغتات آجالكم، وتأهبوا لما بين أيديكم ~~من الرحيل، ولا تعرجوا في أوطان التسويف. # PageV03P591 # سورة التغابن # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله ... » كلمة عزيزة من ~~ذكرها يحتاج إلى لسان عزيز في الغيبة لا يبتذل، وفي ذكر الأغيار لا يستعمل. ~~ومن عرفها يحتاج إلى قلب عزيز ليس في كل ناحية منه خليط، ولا في كل زاوية ~~زبيط. # قوله جل ذكره: ### | سورة التغابن # (64) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير (1) # المخلوقات كلها بجملتها لله سبحانه مسبحة ... ولكن لا يسمع تسبيحها من به ~~طرش النكرة. # ويقال: الذي طرأ صممه فقد يرجى زواله بنوع معالجة، أما من يولد أصم فلا ~~حيلة فى تحصيل سماعه. قال تعالى: «فإنك لا تسمع الموتى» «1» وقال تعالى: ~~«ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم» «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | ### | [سورة التغابن (64) : آية # 2] # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير (2) # منكم كافر في سابق حكمه سماه كافرا، وعلم أنه يكفرو أراد به الكفر ... ~~وكذلك PageV03P592 # كانوا. ومنكم مؤمن في سابق حكمه سماه مؤمنا، وعلم في آزاله أنه يؤمن ~~وخلقه مؤمنا، وأراده مؤمنا ... والله بما تعملون بصير. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التغابن (64) : آية # 3] # خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير (3) # «خلق السماوات والأرض بالحق» : أي وهو محق في خلقه. # «وصوركم فأحسن صوركم» لم يقل لشىء من المخلوقات هذا الذي قال لنا، صور ~~الظاهر وصور الباطن فالظاهر شاهد على كمال قدرته، ms1229 والباطن شاهد على جلال ~~قربته «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة التغابن (64) : آية 4] # يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات ~~الصدور (4) # قصروا حيلكم عن مطلوبكم، فهو تتقاصر عنه علومكم، وأنا أعلم ذلك دونكم ... # فاطلبوا منى، فأنا بذلك أعلم، وعليه أقدر. # ويقال: «ويعلم ما تسرون» . فاحذروا دقيق الرياء، وخفي ذات الصدور «وما ~~تعلنون» : # فاحذروا أن يخالف ظاهركم باطنكم. # فى قوله «ما تسرون» أمر بالمراقبة بين العبد وربه. # وفي قوله «ما تعلنون» أمر بالصدق في المعاملة والمحاسبة مع الخلق «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة التغابن (64) : الآيات 5 الى 6] # ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (5) ~~ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله والله غني حميد (6) PageV03P593 # المراد من ذلك هو الاعتبار بمن سلف، ومن لم يعتبر عثر في مهواة من الأمل، ~~ثم لا ينتعش إلا بعد فوات الأمر من يده. # «ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم ... » . شاهدوا الأمر من حيث الخلق فتطوحوا ~~فى متاهات الإشكال المختلفة الأحوال. ولو نظروا بعين الحقيقة لتخلصوا من ~~تفرقة الأباطيل، واستراحوا بشهود «1» التقدير من اختلاف الأحوال ذات «2» ~~التغيير. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التغابن (64) : آية # 7] # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ~~وذلك على الله يسير (7) # الموت نوعان: موت نفس، وموت قلب ففى القيامة يبعثون من موت النفس، وأما ~~موت القلب فلا بعث منه- عند كثير من مخلصى هذه الطائفة، قال تعالى مخبرا ~~عنهم: «قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟» «3» فلو عرفوه لما قالوا ذلك ~~فموت قلوبهم مسرمد إلى أن تصير معارفهم ضرورية، فهذا الوقت وقت موت قلوبهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التغابن (64) : آية 8] # فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير (8) # «النور الذي أنزلنا» : القرآن. ويجوز أن يكون ما أنزل في قلوب أوليائه من ~~السكينة وفنون الألطاف. PageV03P594 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التغابن (64) : آية # 9] # يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ms1230 ويعمل صالحا يكفر ~~عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز ~~العظيم (9) # المطيع- يومئذ- فى غبن لأنه لم يستكثر من الطاعة، والعاصي في غبن لأنه ~~استكثر من الزلة «1» . # وليس كل الغبن في تفاوت الدرجات قلة وكثرة، فالغبن في الأحوال أكثر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التغابن (64) : آية 11] # ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء ~~عليم (11) # أي حصلة حصلت فمن قبله خلقا، وبعلمه وإرادته حكما. # ومن يؤمن بالله يهد قلبه حتى يهتدى إلى الله في السراء والضراء- اليوم- ~~وفي الآخرة يهديه إلى الجنة. # ويقال: «يهد قلبه» للأخلاق السنية، والتنقى من شح النفس. # ويقال: «يهد قلبه» لاتباع السنة واجتناب البدعة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التغابن (64) : آية 12] # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين ~~(12) . PageV03P595 # طاعة الله واجبة، وطاعة الرسل- الذين هم سفراء بينه وبين الخلق- واجبة ~~كذلك. والأنوار التي تظهر عليك «1» وتطالب بمقتضياتها كلها حق، ومن الحق.. ~~فتجب طاعتها أيضا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التغابن (64) : آية 14] # يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا ~~وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (14) # إذا دعوك لتجمع لهم الدنيا فهم عدو لك، أما إذا أخذتم منها على وجه ~~العفاف «2» فليسوا لكم أعداء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التغابن (64) : آية 15] # إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (15) # تنة» # : لأنهم يشغلونكم عن أداء حق الله فما تبق عن الله مشغولا بجمعه فهو غير ~~ميمون عليك. # ويقال: إذا جمعتم الدنيا لغير وجهه فإنكم تشغلون بذلك عن أداء حق مولاكم، ~~وتشغلكم أولادكم، فتبقون بهم عن طاعة الله- وتلك فتنة لكم ... ترومون ~~إصلاحهم. # فتفسدون أنتم وهم لا يصلحون!. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التغابن (64) : آية 16] # فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون (16) . PageV03P596 # أي ما دمتم في الجملة مستطيعين ويتوجه عليكم التكليف فاتقوا الله. ~~والتقوى عن شهود التقوى بعد ألا يكون تقصير في التقوى غاية التقوى. # «ومن يوق شح نفسه» حتى ms1231 ترتفع الأخطار «1» عن قلبه، ويتحرر من رق ~~المكونات، فأولئك هم المفلحون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التغابن (64) : الآيات 17 الى 18] # إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) ~~عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم (18) # يتوجه بهذا الخطاب إلى الأغنياء لبذل أموالهم، وللفقراء في إخلاء أيامهم ~~وأوقاتهم من مراداتهم وإيثار مراد الحق على مراد أنفسهم. # فالغنى يقال له: آثر حكمى على مرادك في مالك، والفقير يقال له: آثر حكمى ~~فى نفسك وقلبك ووقتك وزمانك. # «عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم» جل شأنه. PageV03P597 # سورة الطلاق # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» اسم من لا سبيل إلى ~~وصاله، ولا غنية- فى غيره- عن فعاله، اسم من علمه وقع في كل سكون وراحة، ~~اسم من عرفه وقع في كل اضطراب وإطاحة «1» ، العلماء بسراب علمهم استقلوا ~~فاستراحوا، والعارفون بسلطان حكمه اصطلموا عن شواهدهم.. # فبادوا وطاحوا. # قوله جل ذكره: ### | سورة الطلاق # (65) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ~~ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود ~~الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ~~(1) # الطلاق- وإن كان فراقا- فلم يجعله الحق محظورا ... وإن كان من وجه ~~مكروها. # وللطلاق وقتية «2» : سنية وبدعية، ومباحة، لا سنية ولا بدعية فالسنية: أن ~~تطلق في طهر لم تباشر فيه طلقة واحدة، والبدعية: فى حال الحيض وطهر جومعت ~~فيه، والمباحة: # فى طهر بعد حيض ثم يطلقها من قبل أن يجامعها «3» - والطلاق أكثر من ~~واحدة. PageV03P598 # والعدة- وإن كانت في الشريعة لتحصين ماء الزوج (محاماة على الأنساب) «1» ~~لئلا يدخل على ماء الزوج ماء آخر- فالغالب والأقوى في معناها أنها للوفاء ~~للصحبة الماضية في وصلة النكاح «2» . # والإشارة في الآيات التالية إلى أنه بعد أن انتهت الوصلة فلا أقل من ~~الوفاء مدة لهذه الصغيرة التي لم تحض، وهذه الآيسة من الحيض، وتلك التي ~~انقطع حيضها، والحبلى حتى تلد ... كل ذلك مراعاة للحرمة: وعدة الوفاة ms1232 تشهد ~~على هذه الجملة في كونها أطول لأن حرمة الميت أعظم «3» وكذلك الإمداد في ~~أيام العدة ... المعنى فيه ما ذكرنا من مراعاة الوفاء والحرمة. # قوله جل ذكره: «وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه» . # العبودية: الوقوف عند الحد، لا بالنقصان عنه ولا بالزيادة عليه، ومن راعى ~~مع الله حده أخلص الله له عهده ... # «لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا» . # قالوا: أراد ندما، وقيل: ولدا، وقيل: ميلا إليها، أولها إليه فإن القلوب ~~تتقلب: # والإشارة في إباحة الطلاق إلى أنه إذا كان الصبر مع الأشكال حقا للحرمة ~~المتقدمة فالخلاص من مساكنة الأمثال، والتجرد لعبادة الله تعالى أولى وأحق. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطلاق (65) : الآيات 2 الى 3] # فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا (3) PageV03P599 # إذا صدق العبد في تقواه أخرجه من بين أشغاله كالشعرة تخرج من بين العجين ~~لا يعلق بها شىء. ويضرب الله تعالى على المتقى سرادقات عنايته، ويدخله في ~~كنف الإيواء، ويصرف الأشغال عن قلبه، ويخرجه من ظلمات تدبيره، ويجرده من كل ~~أمر، وينقله إلى شهود فضاء تقديره. # قوله جل ذكره: «ومن يتوكل على الله فهو حسبه» . # لم يقل: ومن يتوكل على الله فتوكله حسبه، بل قال: فهو حسبه أي فالله حسبه ~~أي كافيه. # «إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا» . # إذا سبق له شىء من التقدير فلا محالة يكون، وبتوكله لا يتغير المقدور ولا ~~يستأخر، ولكن التوكل بنيانه على أن يكون العبد مروح القلب غير كاره.. وهذا ~~من أجل النعم. # قوله: ### | ### | [سورة الطلاق (65) : آية # 4] # واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي ~~لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله ms1233 يجعل له من أمره ~~يسرا (4) # التوكل: شهود نفسك خارجا عن المنة «1» تجرى عليك أحكام التقدير من غير ~~تدبير منك ولا اطلاع لك على حكمه، وسبيل العبد الخمود والرضا دون استعلام ~~الأمر، وفي الخبر: # «أعوذ بك من علم لا ينفع» : ومن العلم الذي لا ينفع- ويجب أن تستعيذ منه- ~~أن يكون لك شغل أو يستقبلك مهم من الأمر ويشتبه عليك وجه التدبير فيه، ~~وتكون مطالبا بالتفويض- فطلبك العلم وتمنيك أن تعرف متى يصلح هذا الأمر؟ ~~ولأى سبب؟ ومن أي وجه؟ وعلى يد من؟ ... كل هذا تخليط، وغير مسلم شىء منه ~~للأكابر. # فيجب عليك السكون، وحسن الرضا. حتى إذا جاء وقت الكشف فسترى صورة الحال ~~وتعرفه، وربما ينتظر العبد في هذه الحالة تعريفا في المنام أو ينظر فى ( ~~... ) «2» من الجامع، PageV03P600 # أو يرجو بيان حاله بأن يجرى على لسان مستنطق في الوقت.. كل هذا ترك ~~للأدب، والله لا يرضى بذلك من أوليائه، بل الواجب السكون. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطلاق (65) : آية 7] # لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف ~~الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا (7) # إذا اتسع رزق العبد فعلى قدر المكنة يطالب بالإعطاء والنفقة فمن قدر عليه ~~رزقه- أي ضيق- فلينفق مما آتاه الله أي من متاع البيت، ومن رأس المال- إن ~~لم يكن من الربح، ومن ثمن الضيعة- إن لم يكن من الغلة. # ومن ملك ما يكفيه الوقت، ثم اهتم بالزيادة للغد فذلك اهتمام غير مرضي «1» ~~عنه، وصاحبه غير معان. فأما إذا حصل العجز بكل وجه، فإن الله تعالى: لا ~~يكلف نفسا إلا ما آتاها، وسيجعل الله بعد عسر يسرا. هذا من أصحاب المواعيد- ~~وتصديقه على حسب الإيمان، وذاك على قدر اليقين- ويقينه على حسب القسمة. ~~وانتظار اليسر «2» من الله صفة المتوسطين فى الأحوال، الذين انحطوا عن حد ~~«3» الرضا واستواء وجود السبب وفقده، وارتقوا عن حد اليأس والقنوط، وعاشوا ~~في أفياء «4» الرجال يعللون «5» بحسن المواعيد.. وأبدا هذه حالتهم وهي كما ~~قلنا «6» : # إن نابك الدهر بمكروهه ... قعش بتهوين تصانيفه # فعن ms1234 قريب ينجلى غيمه ... وتنقضى كل تصاريفه PageV03P601 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطلاق (65) : الآيات 8 الى 9] # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها ~~عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (9) # من زرع الشوك لم يجن الورد، ومن أضاع حق الله لا يطاع في حظ نفسه «1» . ~~ومن اجترأ «2» بمخالفة أمر الله فليصبر على مقاساة عقوبة الله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطلاق (65) : الآيات 10 الى 11] # أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد ~~أنزل الله إليكم ذكرا (10) رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ~~يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا ~~(11) # إن كتاب الله فيه تبيان لكل شىء.. فمن استضاء بنوره اهتدى، ومن لجأ إلى ~~سعة فنائه وصل من داء الجهل إلى شفائه «3» . # ومن يؤمن بالله، ويعمل صالحا لله، وفي الله، فله دوام النعمى من الله.. ~~قال تعالى: # «قد أحسن الله له رزقا» . # والرزق الحسن ما كان على حد الكفاية لا نقصان فيه تتعطل الأمور بسببه، ~~ولا زيادة فيه تشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه. # كذلك أرزاق القلوب. أحسنها أن يكون له من الأحوال ما يشتغل به في الوقت ~~من غير PageV03P602 # نقصان يجعله يتعذب بتعطشه، ولا تكون فيه زيادة فيكون على خطر من مغاليط ~~لا يخرج منها إلا بتأييد سماوي من الله «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطلاق (65) : آية 12] # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن ~~الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (12) # خلق سبع سموات، وخلق ما خلق وهو محق فيما خلق وأمر، حتى نعلم استحقاق ~~جلاله وكمال صفاته، وأنه أمضى فيما قضى حكما، وأنه أحاط بكل شىء علما. ~~PageV03P603 # سورة التحريم # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» . اسم عزيز يمهل من عصاه، فإذا رجع وناداه.. أجابه ولباه «1» ~~فإن ms1235 لم يتوسل بصدق قدمه في ابتداء أمره ثم تنصل بصدق ندمه في آخر عمره ~~أوسعه غفرا «2» ، وقبل منه عذرا، وأكمل له ذخرا، وأجزل له برا. # قوله جل ذكره: ### | سورة التحريم # (66) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور ~~رحيم (1) # جاء في القصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم على نفسه مارية القبطية، ~~وفي الحال حلف ألا يطأها شهرا مراعاة لقلب حفصة حيث رأت النبي صلى الله ~~عليه وسلم معها في يومها «3» . # وقيل: حرم على نفسه شرب العسل لما قالت له زوجاته، إنا نشم منك ريح ~~المغافير! - والمغافير صمغ في البادية كريه الرائحة، ويقال: بقلة كريهة ~~الرائحة ... فعاتبه الله على ذلك. # وهي صغيرة منه على مذهب من جوز الصغائر عليه، وترك للأولى على مذهب من لم ~~يجوز. PageV03P604 # وقيل: إنه طلق حفصة طلقة واحدة، فأمره الله بمراجعتها، وقال له جبريل: ~~إنها صوامة قوامة وقيل: لم يطلقها ولكن هم بتطليقها فمنعه الله عن ذلك. # وقيل: لما رأته حفصة مع مارية في يومها قال لها: إنى مسر إليك سرا فلا ~~تخبري أحدا: إن هذا الأمر يكون بعدي لأبى بكر ولأبيك. # ولكن حفصة ذكرت هذا لعائشة، وأوحى الله له بذلك، فسأل النبي حفصة: لم ~~أخبرت عائشة بما قلت؟. # فقالت له: ومن أخبرك بذلك؟ قال أخبرنى الله، وعرف حفصة بعض ما قالت، ولم ~~يصرح لها بجميع ما قالت، قال تعالى: «عرف «1» بعضه وأعرض عن بعض» ، فعاتبها ~~على بعض وأعرض عن بعض- على عادة الكرام. # ويقال: إن النبي- صلى الله عليه وسلم- لما نزلت هذه الآية كان كثيرا ما ~~يقول: # «اللهم إنى أعوذ بك من كل قاطع يقطعنى عنك» . # وظاهر هذا الخطاب «2» عتاب على أنه مراعاة لقلب امرأته حرم على نفسه ما ~~أحل الله له. # والإشارة فيه: وجوب تقديم حق الله- سبحانه- على كل شىء في كل وقت. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التحريم (66) : الآيات 2 الى 3] # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم (2) وإذ ~~أسر النبي ms1236 إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه ~~وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير (3) # أنزل الله ذلك عناية بأمره عليه السلام، وتجاوزا عنه. وقيل: إنه كفر بعتق ~~رقبة، وعاود مارية. PageV03P605 # والله- سبحانه- أجرى سنته بأنه إذا ساكن عبد بقلبه إلى أحد شوش على خواصه ~~محل مساكنته غيرة على قلبه إلى أن يعاود ربه، ثم يكفيه ذلك- ولكن بعد تطويل ~~مدة، وأنشدوا في معناه: # إذا علقت روحى حبيبا تعلقت ... به غير الأيام كى تسلبنيه # وقد ألقى الله في قلب رسوله صلى الله عليه وسلم تناسيا بينه وبين زوجاته ~~فاعتزلهن «1» ، وما كان من حديث طلاق حفصة، وما عاد إلى قلب أبيها، وحديث ~~الكفاية، وإمساكه عن وطء مارية تسعا وعشرين ليلة ... كل ذلك غيرة من الحق ~~عليه، وإرادته- سبحانه- تشويش قلوبهم حتى يكون رجوعهم كلهم إلى الله تعالى ~~بقلوبهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التحريم (66) : آية 4] # إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ~~وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) # عاتبهما على السير من خطرات القلب، ثم قال: «وإن تظاهرا عليه ... » . # «صالح المؤمنين» من لم يكن منهم في قلبه نفاق، مثل أبى بكر وعمر رضى الله ~~عنهما. # وجاء: أن عمر بن الخطاب لما سمع شيئا من ذلك قال لرسول الله: # لو أمرتنى لأضربن عنقها! «2» PageV03P606 # والعتاب في الآية مع عائشة وحفصة رضى الله عنهما إذ تكلمتا في أمر مارية. ### | [سورة التحريم (66) : الآيات 5 الى 6] # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات ~~عابدات سائحات ثيبات وأبكارا (5) يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون (6) # ثم قال تعالى زيادة في العتاب وبيان القصة: # قوله جل ذكره: «يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها ~~الناس والحجارة» أي: فقهوهم، وأدبوهم، وادعوهم إلى طاعة الله، وامنعوهم عن ~~استحقاق العقوبة بإرشادهم وتعليمهم. # ودلت الآية: ms1237 على وجوب الأمر بالمعروف في الدين للأقرب فالأقرب. # وقيل: أظهروا من أنفسكم العبادات ليتعلموا منكم، ويعتادوا كعادتكم. # ويقال: دلو هم على السنة والجماعة. # ويقال: علموهم الأخلاق الحسان. # ويقال: مروهم بقبول النصيحة. # «وقودها الناس والحجارة» : الوقود: الحطب. # ويقال: أمر الناس يصلح بحجرة أو مدرة، فإن أصل الإنسان مدرة، ولو أنه ~~أقام حجرة مقام مدرة فلا غرو من فضل الله. # اللهم فألق فيها بدلنا حجرا وخلصنا منها. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التحريم (66) : آية # 7] # يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7) # إذا فات الوقت استفحل الأمر، وانغلق الباب، وسقطت الحيل.. فالواجب البدار ~~والفرار لتصل إلى روح القرار. # PageV03P607 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة التحريم (66) : آية # 8] # يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم ~~سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين ~~آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ~~واغفر لنا إنك على كل شيء قدير (8) # التوبة النصوح: هى التي لا يعقبها نقض. # ويقال: هى التي لا تراها من نفسك، ولا ترى نجاتك بها، وإنما تراها بربك. # ويقال: هى أن تجد المرارة في قلبك عند ذكر الزلة كما كنت تجد الراحة ~~لنفسك عند فعلها. # قوله جل ذكره: «يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين ~~أيديهم وبأيمانهم يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء ~~قدير» . # لا يخزى الله النبي بترك شفاعته، والذين آمنوا معه بافتضاحهم بعد ما قبل ~~فيهم شفاعته. # «نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم» عبر بذلك عن أن الإيمان من جميع ~~جهاتهم. # ويقال: بأيمانهم كتاب نجاتهم: أراد نور توحيدهم ونور معرفتهم ونور ~~إيمانهم، وما يخصهم الله به من الأنوار في ذلك اليوم. # «يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا» : يستديمون التضرع والابتهال في السؤال ~~«1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة التحريم (66) : آية 9] # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (9) # أمره بالملاينة في وقت الدعوة، ms1238 وقال: «وجادلهم بالتي هي أحسن» «2» ثم لما ~~أصروا- بعد بيان الحجة- قال: «واغلظ عليهم» : لأن هذا في حال إصرارهم، ~~وزوال أعذارهم. PageV03P608 # قوله جل ذكره: ### | [سورة التحريم (66) : آية 10] # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع ~~الداخلين (10) # لما سبقت لهما الفرقة يوم القسمة لم تنفعهما القربة يوم العقوبة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة التحريم (66) : آية 11] # وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في ~~الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين (11) # قالوا: صغرت همتها حيث طلبت بيتا في الجنة، وكان من حقها أن تطلب ~~الكثير.. ولا كما توهموا: فإنها قالت: رب ابن لى عندك، فطلبت جوار القربة، ~~ولبيت في الجوار أفضل من ألف قصر في غير الجوار. ومن المعلوم أن العندية ~~هنا عندية القربة والكرامة.. ولكنه على كل حال بيت له مزية على غيره، وله ~~خصوصية. وفي معناه أنشدوا: # إنى لأحسد جاركم لجواركم ... طوبى لمن أضحى لدارك جارا # يا ليت جارك باعني من داره ... شبرا لأعطيه بشبر دارا # قوله جل ذكره: ### | [سورة التحريم (66) : آية 12] # ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ~~ربها وكتبه وكانت من القانتين (12) # ختم السورة بذكرها بعد ما ذكر امرأة فرعون، وهما من جملة النساء، ولما ~~كثر في هذه السورة ذكر النساء أراد الله سبحانه ألا يخلى السورة من ذكرها ~~تخصيصا لقدرها «1» PageV03P609 ### | سورة الملك # «1» قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» اسم من لم تتعطر القلوب إلا بنسيم إقباله، ولم تتقطر الدموع ~~إلا للوعة فراقه أو روح وصاله فدموعهم في كلتا الحالتين منسكبة، وقلوبهم في ~~عموم أحوالهم ملتهبة وعقولهم في غالب أوقاتهم منتهبة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الملك (67) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق الموت والحياة ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) الذي خلق سبع ms1239 سماوات طباقا ~~ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور (3) # تقدس وتعالى، من إحسانه تواتر وتوالى، فهو المتكبر في جلال كبريائه، ~~المتجرد فى علاء بهائه ودوام سنائه. # «بيده الملك» : بقدرته إظهار ما يريد، وهو على كل شىء قدير. # «الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور» خلق ~~الموت والحياة، ابتلاء للخلق، يختبرهم ليظهر له شكرانهم وكفرانهم، كيف ~~يكونان عند المحنة في الصبر وعند النعمة في الشكر- وهو العزيز الغفور. # «الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر ~~هل ترى من فطور؟» PageV03P610 # عرفهم كمال قدرته بدلالات خلقه، فسمك السماء وأمسكها بلا عمد، وركب ~~أجزاءها غير مستعين بأحد في خلقها، وبالنجوم زينها، ومن استراق سمع ~~الشياطين حصنها، وبغير تعليم معلم أحكمها وأتقنها. # «ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، فارجع البصر هل ترى من فطور؟» : لا ترى ~~فيما خلق تفاوتا ينافى آثار الحكمة ولا يدل على كمال القدرة. # ويقال: ما ترى فيها تفاوتا، فى استغنائه عن الجميع.. ما ترى فيها تفاوتا ~~في الخلق فخلق الكثير واليسير عنده سيان، فلا يسهل عنده القليل ولا يشق ~~عليه الكثير لأنه متنزه عن السهولة عليه ولحوق المشقة به. # فأنعم النظر، وكرر السبر والفكر.. فلن تجد فيها عيبا «1» ولا في عزه ~~قصورا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الملك (67) : آية 5] # ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم ~~عذاب السعير (5) # زين السماء بالكواكب والنجوم، وزين قلوب أوليائه بأنواع من الأنوار ~~والنجوم فالمؤمنون قلوبهم مزينة بالتصديق والإيمان ثم بالتحقيق بتأمل ~~البرهان، ثم بالتوفيق لطلب البيان. والعارفون قلوبهم مزينة بشمس التوحيد، ~~وأرواحهم مزينة بأنوار التفريد، وأسرارهم مزينة بآثار التجريد «2» .. وعلى ~~القياس: لكل طائفة أنوار. # «وجعلناها رجوما للشياطين» : فمن النجوم ما هو للشياطين رجوم، ومنها ما ~~هو للاهتداء به معلوم.. فأخبر أن هذا القدر من العقوبة بواسطة الرجوم لا ~~يكفى، وإنما يعذبهم مؤبدين في السعير. PageV03P611 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الملك (67) : الآيات 6 الى # 11] # وللذين كفروا بربهم ms1240 عذاب جهنم وبئس المصير (6) إذا ألقوا فيها سمعوا لها ~~شهيقا وهي تفور (7) تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ~~ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من ~~شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير (10) # فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير (11) # أخبر: أنهم يحتج عليهم بإرسال الرسل، فتقول لهم الملائكة: ألم يأتكم ~~نذير؟ # «قالوا: بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا ~~في ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير» «وقالوا ~~لو كنا نسمع أو نعقل ... » فأخبر أنهم لم يكن لهم سمع قبول، فاستوجبوا ~~العقوبة لأجله «1» ، لم يسمعوا نصيحة الناصحين ولا وعظ الواعظين، ولا ما ~~فيه لقلوبهم حياة. # وفي الآية للمؤمنين بشارة لأنهم يسمعون ويعقلون ما يسمعون فإن من سمع ~~بالحق سمع كل ما يقال عن الحق من كل من يقول عن الحق، فيحصل له الفهم لما ~~يسمع، لأنه إذا كان من أهل الحقائق يكون سمعه من الله وبالله وفي الله. # قوله جل ذكره: «فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير» اعترفوا بذنبهم ~~ولكن في غير وقت الاعتراف.. فلا جرم يقال لهم: «فسحقا لأصحاب السعير» . ~~PageV03P612 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الملك (67) : الآيات 12 الى # 15] # إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير (12) وأسروا قولكم أو ~~اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13) ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ~~(14) هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه ~~النشور (15) # الخشية توجب عدم القرار «1» فيكون العبد أبدا- لانزعاجه- كالحب على ~~المقلى لا يقر ليله أو نهاره، يتوقع العقوبات مع مجارى الأنفاس، وكلما ~~ازداد في الله طاعة ازداد لله خشية. # قوله جل ذكره: «وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور» خوفهم ~~بعلمه، وندبهم إلى مراقبته، لأنه يعلم السر وأخفى، ويسمع الجهر والنجوى ... # ثم قال مبينا: # «ألا يعلم من خلق وهو ms1241 اللطيف الخبير» وفي كل جزء من خلقه- من الأعيان ~~والآثار- أدلة على علمه وحكمه. # قوله جل ذكره: «هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من ~~رزقه وإليه النشور» أي إذا أردتم أن تضربوا في الأرض سهل عليكم ذلك. # كذلك جعل النفس ذلولا فلو طالبتها بالوفاق وجدتها مساعدة موافقة، متابعة ~~مسابقة ... وقد قيل في صفتها: # هى النفس ما عودتها تتعود ... وللدهر أيام تذم وتحمد # قوله جل ذكره: ### | [سورة الملك (67) : الآيات 16 الى 20] # أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) أم أمنتم من في ~~السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) ولقد كذب الذين من ~~قبلهم فكيف كان نكير (18) أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما ~~يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير (19) أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم ~~من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور (20) PageV03P613 # «من في السماء» أراد بهم الملائكة الذين يسكنون السماء، فهم موكلون ~~بالعذاب. # وخوفهم بالملائكة أن ينزلوا عليهم العقوبة من السماء، أو يخسفوا بهم ~~الأرض، وكذلك خوفهم أن يرسلوا عليهم حجارة كما أرسلوا على قوم لوط. وبين أن ~~من كذب قبل هؤلاء رسلهم كيف كانت عقوبتهم، ثم زاد في البيان وقال: # «أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل ~~شيء بصير» أولم يروا كيف خلق الطيور على اختلاف أجناسها، واختصاصها ~~بالطيران لأن لها أجنحة- بخلاف الأجسام «1» الأخر ... من الذي يمسكهن ~~ويحفظهن وهن يقبضن ويبسطن أجنحتهن فى الفضاء؟ وما الذي يوجبه العقل حفظ هذه ~~الطيور أم بقية الأجسام الأخر؟. # «أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور» ~~إن أراد الرحمن بك سوءا.. فمن الذي يوسع عليكم ما قبضه، أو يمحو ما أثبته، ~~أو يقدم ما أخره، أو يؤخر ما قدمه؟. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الملك (67) : الآيات 22 الى 30] # أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22) قل هو ~~الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار ms1242 والأفئدة قليلا ما تشكرون (23) قل هو ~~الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين (26) # فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون (27) ~~قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم ~~(28) قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين (29) ~~قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30) PageV03P614 # وخصكم بالسمع والبصر والأفئدة، وأنتم لا تشكرون عظيم نعمه. # «ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟» وأجاب عنه حيث قال: لا تستعجلوا ~~العذاب، وبين أنهم إذا رأوه كيف يخافون وكيف يندمون. # قوله جل ذكره: «قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير ~~الكافرين من عذاب أليم قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ... » # وإليه أمورنا- جملة- فوضنا. # «قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين» من الذي يأتيكم ~~بالماء إذا صار غائرا في الأرض لا تناله الأيدى. # وهذه الآيات جميعها على وجه الاحتجاج عليهم.. ولم يكن لواحد عن ذلك جواب. # PageV03P615 ### | سورة القلم # «1» قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» اسم كريم من شهد ~~لطفه لم يتذلل بعده لمخلوق، ولم يستعن فيما نابه من ضر أصابه أو خير أراده ~~بمحدث مرزوق. # إن أعطاه قابله بالشكر، وإن منعه استجابه بجميل الحمد «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القلم (68) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن لك لأجرا غير ~~ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4) # «ن» قيل: الحوت الذي على ظهره الكون، ويقال: هى الدواة. # ويقال: مفتاح اسمه ناصر واسمه نور. # ويقال: إنه أقسم بنصرة الله تعالى لعباده المؤمنين. # وأقسم بالقلم- وجواب القسم قوله: # «ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون» ما أوجب لصدره من ~~الوحشة من قول الأعداء عنه: # إنه مجنون، أزاله عنه بنفيه، ومحققا ذلك بالقسم عليه ms1243 ... وهذه سنة الله ~~تعالى مع رسوله صلى الله عليه وسلم فما يقوله الأعداء فيه يرده- سبحانه- ~~عليهم بخطابه وعنه ينفيه. PageV03P616 # «وإن لك لأجرا غير ممنون» : أي غير منقوص.. لما سمت همته صلى الله عليه ~~وسلم عن طلب الأعواض أثبت الله له الأجر، فقال له: إن لك لأجرا غير منقوص- ~~وإن كنت لا تريده. # ومن ذلك الأجر العظيم هذا الخلق، فأنت لست تريد الأجر- وبنا لست تريد ~~فلولا أن خصصناك بهذا التحرر لكنت كأمثالك في أنهم في أسر الأعواض. # قوله جل ذكره: «وإنك لعلى خلق عظيم» كما عرفه الله سبحانه أخبار من قبله ~~من الأنبياء عرفه أنه اجتمعت فيه متفرقات أخلاقهم فقال له: إنك لعلى خلق ~~عظيم. # ويقال: إنه عرض عليه مفاتيح الأرض فلم يقبلها، ورقاه ليلة المعراج، وأراه ~~جميع الملكة والجنة فلم يلتفت إليها، قال تعالى: «ما زاغ البصر وما طغى» ~~فما التفت يمينا ولا شمالا، ولهذا قال تعالى: «وإنك لعلى خلق عظيم» .. ~~ويقال: «لعلى خلق عظيم» : # لا بالبلاء تنحرف، ولا بالعطاء تنصرف احتمل صلوات الله عليه في الأذى شج ~~رأسه وثغره، وكان يقول: # «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» . وغدا كل يقول: نفسى نفسى وهو صلوات ~~الله عليه يقول: أمتى أمتى. # ويقال: علمه محاسن الأخلاق بقوله: «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين» «1» . # سأل صلوات الله عليه جبريل: بماذا يأمرنى ربى؟ قال: يأمرك بمحاسن الأخلاق ~~يقول لك: صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك، فتأدب بهذا فأثنى عليه ~~وقال: «وإنك لعلى خلق عظيم» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القلم (68) : الآيات 6 الى # 16] # بأيكم المفتون (6) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ~~(7) فلا تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين ~~(10) # هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) عتل بعد ذلك زنيم (13) ~~أن كان ذا مال وبنين (14) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (15) # سنسمه على الخرطوم (16) PageV03P617 # المفتون: المجنون لأنه فتن أي محن بالجنون. # «فلا تطع المكذبين» معبودك واحد فليكن مقصودك واحدا ... وإذا شهدت مقصودك ms1244 ~~واحدا فليكن مشهودك واحدا.. # «ودوا لو تدهن فيدهنون» من أصبح عليلا تمنى أن يكون الناس كلهم مرضى.. ~~وكذا من وسم بكي الهجران ود أن يشاركه فيه من عاداه. # «ولا تطع كل حلاف مهين» وهو الذي سقط من عيننا، وأقميناه بالبعد عنا. # «هماز مشاء بنميم» محجوب عنا معذب بخذلان الوقيعة في أوليائنا. # «مناع للخير» «1» مهان بالشح، مسلوب التوفيق. # «معتد أثيم» ممنوع الحياء، مشتت في أودية الحرمان. # «عتل بعد ذلك زنيم» لئيم الأصل، عديم الفضل، شديد الخصومة بباطله، غير ~~راجع في شىء من الخير إلى حاصله. # «أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين» ~~PageV03P618 # (أي: لا تطعه لأن كان ذا مال وبنين ... ثم استأنف الكلام فقال) «1» : إذا ~~تتلى ... قابلها بالتكذيب، وحكم أن القرآن من الأساطير. # «سنسمه على الخرطوم» أي سنجعل له في القيامة على أنفه نشويها لصورته كى ~~يعرف بها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القلم (68) : الآيات 17 الى 30] # إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (17) ولا ~~يستثنون (18) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) فأصبحت كالصريم (20) ~~فتنادوا مصبحين (21) # أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين (22) فانطلقوا وهم يتخافتون (23) أن ~~لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) وغدوا على حرد قادرين (25) فلما رأوها ~~قالوا إنا لضالون (26) # بل نحن محرومون (27) قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون (28) قالوا ~~سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (29) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (30) # أي امتحناهم «2» .. حين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فابتلاهم ~~الله بالجوع، حتى أكلوا الجيف- كما بلونا أصحاب الجنة، قيل: إن رجلا من أهل ~~اليمن كانت له جنة مثمرة وكان له ثلاثة بنين، وكان للمساكين كل ما تعداه ~~المنجل فلم يجذه من الكرم، فإذا طرح على البساط فكل شىء سقط عن البساط فهو ~~أيضا للمساكين، فما أخطأه القطاف من نخله وكرمه يدعه للمساكين. وكان يجتمع ~~منه مال، فلما مات هو قال ورثته: إن هذا المال تفرق فينا، وليس يمكننا أن ~~نفعل ما كان يفعله أبونا، وأقسموا ألا يعطوا للفقراء شيئا، فأهلك ms1245 الله ~~جنتهم فندمو وتابوا. # وقيل: أبدلهم الله جنة حسنة، فأقسموا ليصرمن جنتهم وقت الصبح قبل أن تفطن ~~المساكين، ولم يقولوا: إن شاء الله: # «فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم» أرسل عليها من ~~السماء آفة فأحرقت ثمارهم. وأصبحت «كالصريم» أي كالليل المسود، فنادى بعضهم ~~بعضا وقت الصبح: أن اغدوا على حرثكم إن أردتم الصرام، فانطلقوا PageV03P619 # لا يرفعون أصواتهم فيما بينهم لئلا يسمعهم أحد. وقصدوا إلى الصرام «على ~~حرد» أي: # قادرين عند أنفسهم، ويقال: على غضب منهم على المساكين. # فلما رأوا الجنة وقد استؤصلت قالوا: ليست هذه جنتنا!! ثم قالوا: بل هذه ~~جنتنا ... ولكنا حرمنا خيرها. # قال أوسطهم: أي أعدلهم طريقة وأحسنهم قولا: # «ألم أقل لكم لولا تسبحون؟» أي: تستثنون وتقولون: إن شاء الله «1» . # «قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين» ثم أقبل بعضهم على بعض يتلاومون، ~~ويقولون: ### | [سورة القلم (68) : آية 33] # كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (33) # قال تعالى: «كذلك العذاب» لأهل مكة «ولعذاب الآخرة أكبر» : # وهكذا «2» تكون حال من له بداية حسنة ويجد التوفيق على التوالي، ويجتنب ~~المعاصي، فيعوضه الله في الوقت نشاطا، وتلوح في باطنه الأحوال. فإذا بدر ~~منه سوء دعوى أو ترك أدب من آداب الخدمة تنسد عليه تلك الأحوال ويقع في قره ~~«3» من الأعمال. فإذا حصل منه بالعبادات إخلال، ولبعض الفرائض إهمال- انقلب ~~حاله، ورد من الوصال إلى البعاد، ومن الاقتراب إلى الاغتراب عن الباب، ~~فصارت صفوته قسوة. وإن كان له بعد ذلك توبة، وعلى ما سلف منه ندامة- فقد ~~فات الأمر من يده، وقلما يصل إلى حاله. PageV03P620 # ولا يبعد أن ينظر إليه الحق بأفضاله، فيقبله بعد ذلك رعاية لما سلف في ~~بدايته من أحواله ... فإن الله تعالى رءوف بعباده. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القلم (68) : الآيات 34 الى # 37] # إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم (34) أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ما ~~لكم كيف تحكمون (36) أم لكم كتاب فيه تدرسون (37) # الذين يتقون الشرك والكفر، ثم المعاصي والفسق، لهم عند الله الثواب ~~والأجر. # قوله جل ذكره: «أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟ ما ms1246 لكم كيف تحكمون؟! أم لكم ~~كتاب فيه تدرسون؟» كيف تحكمون؟ هل لديكم حجة؟ أم لكم كتاب فيه تدرسون؟ أم ~~لكم منا عهود فيها تحكمون؟ والمقصود من هذه الأسئلة نفى ذلك. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القلم (68) : الآيات 42 الى 43] # يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) خاشعة أبصارهم ~~ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43) # «عن ساق» : أي عن شدة يوم القيامة. # ويقال في التفسير: عن ساق العرش. # يؤمرون بالسجود فأما المؤمنون فيسجدون، وأما الكفار فتشد أصلابهم فلا ~~تنحنى. # وقيل: يكشف المريض عن ساقه- وقت التوفى- ليبصر ضعفه، ويقول المؤذن: # حي على الصلاة- فلا يستطيع. # وعلى الجملة فقد خوفهم بهذه القالة: إما عند انتهائهم في الدنيا أو ~~ابتدائهم في الآخرة. # « ... وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون» يذكرهم بذلك ليزدادوا ~~حسرة، ولتكون الحجة عليهم أبلغ. # PageV03P621 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القلم (68) : الآيات 44 الى # 47] # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) وأملي لهم ~~إن كيدي متين (45) أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم عندهم الغيب ~~فهم يكتبون (47) # سنقربهم من العقوبة بحيث لا يشعرون. # والاستدراج: أن يريد الشيء ويطوى عن صاحبه وجه القصد فيه، ويدرجه إليه ~~شيئا بعد شىء، حتى يأخذه بغتة. # ويقال: الاستدراج: التمكين من النعم مقرونا بنسيان الشكر «1» . # ويقال: الاستدراج: أنهم كلما ازدادوا معصية زادهم نعمة. # ويقال: ألا يعاقبه في حال الزلة، وإنما يؤخر العقوبة إلى ما بعدها. # ويقال: هو الاشتغال بالنعمة مع نسيان المنعم. # ويقال: الاغترار بطول الإمهال. # ويقال: ظاهر مغبوط وباطن مشوش. # قوله جل ذكره: «وأملي لهم إن كيدي متين» أمهلهم.. ثم إذا أخذتهم فأخذى ~~أليم شديد. # قوله جل ذكره: «أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون» أي: ليس عليهم كلفة ~~مقابل ما تدعوهم إليه، وليست عليهم غرامة إن هم اتبعوك.. فأنت لا تسأل ~~أجرا.. فما موجبات التأخر وترك الاستجابة؟ # «أم عندهم الغيب فهم يكتبون؟» أم عندهم شىء من الغيب انفردوا به وأوجب ~~لهم أن لا يستجيبوا؟» . PageV03P622 # قوله جل ذكره: ### | [سورة القلم (68) : الآيات ms1247 48 الى 52] # فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) لولا أن ~~تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) فاجتباه ربه فجعله من ~~الصالحين (50) وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ~~ويقولون إنه لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين (52) # صاحب الحوت: هو يونس عليه السلام، نادى وهو مكظوم: مملوء بالغيظ على ~~قومه. # فلا تستعجل- يا محمد- بعقوبة قومك كما استعجل يونس فلقى ما لقى، وتثبت ~~عند جريان حكمنا، ولا تعارض تقديرنا. # «لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم» أي: لولا أن الله ~~رحمه بفضله لطرح بالفضاء وهو مذموم ولكن: # «فاجتباه ربه فجعله من الصالحين» فاصطفاه واختاره، وجعله من الصالحين بأن ~~أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون. # قوله جل ذكره: «وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم» كانوا إذا ~~أرادوا أن يصيبوا شيئا بأعينهم جاعوا ثلاثة أيام، ثم جاعوا ونظروا إلى ذلك ~~الشيء قائلين: ما أحسنه من شىء! فكان يسقط المنظور في الوقت. وقد فعلوا ذلك ~~بالنبي صلوات الله عليه، فقالوا: ما أفصحه من رجل! ولكن الله سبحانه حفظه، ~~ومن بذكره عليه «1» . PageV03P623 # سورة الحاقة # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» كلمة عزيزة تحتاج في سماعها إلى سمع عزيز لم يستعمل في سماع ~~الغيبة، وتحتاج فى معرفتها إلى قلب عزيز لم يتبذل في الغفلة والغيبة، لم ~~ينظر صاحبه بعينه إلى ما فيه رتبة، ولم تتبع نفسه اللبس «1» والطبة «2» . # قوله جل ذكره: ### | سورة الحاقة # (69) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة (3) كذبت ثمود وعاد ~~بالقارعة (4) # «الحاقة» : اسم للقيامة لأنها تحق «3» كل إنسان بعمله خيره وشره. # «وما أدراك ما الحاقة؟» : استفهام يفيد التعظيم لأمرها، والتفخيم لشأنها. # قوله جل ذكره: «كذبت ثمود وعاد بالقارعة» ذكر في هذه السورة: الذين كذبوا ~~رسلهم من الأمم، وأصروا على كفرهم، ولم يقبلوا النصيحة من أنبيائهم، ~~فأهلكهم، وانتقم لأنبيائه منهم. # والفائدة في ذكرهم: الاعتبار بهم، والتحرر عما فعلوا لئلا يصيبهم ما ~~أصابهم. # وعقوبة هذه ms1248 الأمة مؤجلة مؤخرة إلى القيامة، ولكن خواصهم عقوبتهم معجلة ~~فقوم PageV03P624 # من هذه الطائفة إذا أشاعوا سرا، أو أضاعوا أدبا يعاقبهم برياح الحجبة «1» ~~، فلا يبقى في قلوبهم أثر من الاحتشام للدين، ولا مما كان لهم من الأوقات، ~~ويصيرون على خطر في أحوالهم بأن يمتحنوا (بالاعتراض على التقدير) «2» ~~والقسمة. # وأما فرعون وقومه فكان عذابهم بالغرق.. كذلك من كان له وقت فارغ وهو ~~بطاعة ربه مشتغل، والحق عليه مقبل- فإذا لم يشكر النعمة، وأساء أدبه، ولم ~~يعرف قدر ما أنعم الله به عليه رده الحق إلى أسباب التفرقة، ثم أغرقه في ~~بحار الاشتغال فيتكدر مشربه، ويصير على خطر بأن يدركه سخط الحق وغضبه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الحاقة (69) : الآيات 11 الى # 13] # إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية (11) لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن ~~واعية (12) فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) # وكذلك تكون منته على خواص أوليائه حين يسلمهم في سفينة العافية، والكون ~~يتلاطم فى أمواج بحار الاشتغال على اختلاف أوصافها، فيكونون بوصف السلامة، ~~لا منازعة ولا محاسبة لهم مع أحد، ولا توقع شىء من أحد سالمون من الناس، ~~والناس منهم سالمون. # قوله جل ذكره: «فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة ### | .... # بدأ في وصف القيامة والحساب.. ### | [سورة الحاقة (69) : الآيات 18 الى 21] # يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (18) فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول ~~هاؤم اقرؤا كتابيه (19) إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) فهو في عيشة راضية ~~(21) # وفي كل نفس مع هؤلاء القوم «3» محاسبة ومطالبة، منهم من يستحق المعاتبة، ~~ومنهم من يستحق المعاقبة. PageV03P625 # قوله جل ذكره: «فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه إني ~~ظننت أني ملاق حسابيه» يسلم له السرور بنعمة الله، ويأخذ في الحمد والمدح. # «فهو في عيشة راضية» القوم- غدا- فى عيشة راضية أي مرضية لهم، وهؤلاء ~~القوم- اليوم- فى عيشة راضية، والفرق بينهما أنهم- غدا- فى عيشة راضية لأنه ~~قد قضيت أوطارهم، وارتفعت مآربهم، وحصلت حاجاتهم، وهم- اليوم- فى عيشة ~~راضية إذ كفوا مآربهم فدفع عن قلوبهم حوائجهم فليس لهم إرادة شىء، ولا ~~تمسهم حاجة. وإنما هم في ms1249 روح الرضا.. # فعيش أولئك في العطاء، وعيش هؤلاء في الرضاء لأنه إذا بدا علم من الحقيقة ~~أو معنى من معانيها فلا يكون ثمة حاجة ولا سؤال. ويقال لأولئك غدا. ### | ### | [سورة الحاقة (69) : الآيات 24 الى # 27] # كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24) وأما من أوتي ~~كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما حسابيه (26) يا ~~ليتها كانت القاضية (27) # ويقال لهؤلاء: اسمعوا واشهدوا ... اسمعوا منا.. وانظروا إلينا، واستأنسوا ~~بقربنا، وطالعوا جمالنا وجلالنا.. فأنتم بنا ولنا. # قوله جل ذكره: «وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول: يا ليتني لم أوت كتابيه ~~ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية» هناك- اليوم- أقوام مهجورون ~~تتصاعد حسراتهم، ويتضاعف أنينهم- ليلهم ونهارهم- فليلهم ويل ونهارهم بعاد ~~تكدرت مشاربهم، وخربت أوطان أنسهم، ولا بكاؤهم يرحم، ولا أنينهم يسمع.. ~~فعندهم أنهم مبعدون ... وهم في الحقيقة من الله مرحومون، أسبل عليهم الستر ~~فصغرهم في أعينهم- وهم أكرم أهل القصة! كما قالوا: # PageV03P626 # لا تنكرن جحدى هواك فإنما ... ذاك الجحود عليك ستر مسبل # قوله جل ذكره: ### | [سورة الحاقة (69) : الآيات 38 الى 46] # فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) إنه لقول رسول كريم (40) ~~وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42) # تنزيل من رب العالمين (43) ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه ~~باليمين (45) ثم لقطعنا منه الوتين (46) # «لا» : صلة والمعنى: أقسم كأنه قال: أقسم بجميع الأشياء، لأنه لا ثالث ~~لما يبصرون وما لا يبصرون. وجواب القسم: # «إنه لقول رسول كريم» أي وجيه عند الله. وقول الرسول الكريم هو القرآن أو ~~قراءة القرآن. # وما هو بقول شاعر ولا بقول كاهن أي أن محمدا ليس شاعرا ولا كاهنا بل هو: # «تنزيل من رب العالمين» . # قوله جل ذكره: «ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم ~~لقطعنا منه الوتين» أي لو كان محمد يكذب علينا لمنعناه منه وعصمناه عنه، ~~ولو تعمد لعذبناه. والقول بعصمة الأنبياء واجب. ثم كان لا ناصر له منكم ولا ~~من غيركم، وهذا القرآن: ### | [سورة الحاقة (69) : الآيات ms1250 48 الى 51] # وإنه لتذكرة للمتقين (48) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) وإنه لحسرة على ~~الكافرين (50) وإنه لحق اليقين (51) # حق اليقين هو اليقين فالإضافة هكذا إلى نفس الشيء «1» . # وعلوم الناس تختلف في الطرق إلى اليقين خفاء وجلاء فما يقال عن الفرق بين ~~علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين يرجع إلى كثرة البراهين، وخفاء الطريق ~~وجلائه، ثم إلى كون بعضه ضروريا وإلى بعضه كسبيا، ثم ما يكون مع الإدراكات ~~«2» . PageV03P627 ### | سورة المعارج # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» كلمة من قالها وجد ~~جمالها، ومن شهدها شهد جلالها. # وليس كل من قالها نالها، ولا كل من احتالها «1» عرف جلالها. # كلمة رفيعة عن إدراك الألباب منيعة، كلمة على الحقيقة الصمدية دالة، كلمة ~~لا بد للعبد من ذكرها في كل حالة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المعارج (70) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # سأل سائل بعذاب واقع (1) للكافرين ليس له دافع (2) من الله ذي المعارج ~~(3) تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (4) # الباء في «بعذاب» بمعنى عن، أي سأل سائل «2» عن هذا العذاب لمن هو؟ # فقال تعالى: # «للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج» هذا العذاب للكافرين ليس له ~~دافع من الله ذى المعارج فهذا العذاب من الله. # ومعنى «ذي المعارج» ذى الفضل ومعالى الدرجات التي يبلغ إليها أولياءه. # قوله جل ذكره: «تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة» . PageV03P628 # «الروح» أي جبريل، فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة من أيام الدنيا يعنى ~~به يوم القيامة. # ويقال: معناه يحاسب الخلق في يوم قصير ووقت يسير ما لو كان الناس يشتغلون ~~به لكان ذلك خمسين ألف سنة، والله يجرى ذلك ويمضيه في يوم واحد. # ويقال: من أسفل المخلوقات إلى أعلاها مسيرة خمسين ألف سنة للناس ~~فالملائكة تعرج فيه من أسفله إلى أعلاه في يوم واحد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المعارج (70) : الآيات 5 الى # 10] # فاصبر صبرا جميلا (5) إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7) يوم تكون ~~السماء ms1251 كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) # ولا يسئل حميم حميما (10) # فاصبر- يا محمد «1» - على مقاساة أذاهم صبرا جميلا. والصبر الجميل ما لا ~~شكوى فيه. # ويقال: الصبر الجميل ألا تستثقل الصبر بل تستعذبه. # ويقال: الصبر الجميل ما لا ينتظر العبد الخروج منه، ويكون ساكنا راضيا. # ويقال: الصبر الجميل أن يكون على شهود المبلى. # ويقال: الصبر الجميل ما تجرد عن الشكوى والدعوى. # قوله جل ذكره: «إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا» إن ما هو آت فقريب، وما ~~استبعد من يستبعد إلا لأنه مرتاب فأما الواثق بالشيء فهو غير مستبعد له. # قوله جل ذكره: «يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن» الإشارة فيه ~~أنه في ذلك اليوم من كان في سمو نخوته ونبو صولته يلين ويستكين ويضعف من ~~كان يشرف، ويذل من كان يذل. # قوله جل ذكره: «ولا يسئل حميم حميما» لا يتفرغ قريب إلى قريب فلكل امرئ ~~منهم يومئذ شأن يغنيه. PageV03P629 # ولا يتعهد المساكين- فى ذلك اليوم- إلا الله. ### | ### | [سورة المعارج (70) : الآيات 11 الى # 19] # يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (11) وصاحبته وأخيه ~~(12) وفصيلته التي تؤويه (13) ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه (14) كلا إنها ~~لظى (15) # نزاعة للشوى (16) تدعوا من أدبر وتولى (17) وجمع فأوعى (18) إن الإنسان ~~خلق هلوعا (19) # «يبصرونهم» أي يعرفون أقاربهم، ولكن لا ترق قلوب بعضهم على بعض. # ويتمنى المجرم يومئذ أن يفتدى من عذاب جهنم بأعز من كان عليه في الدنيا ~~من قريب ونسيب وحميم وولد، وبكل من في الأرض حتى يخلص من العذاب. # «كلا إنها لظى» اسم من أسماء جهنم. # «نزاعة للشوى» «1» قلاعة للأطراف. تكشط الجلد عن الوجه وعن العظم. # قوله جل ذكره: «تدعوا من أدبر وتولى» تقول جهنم للكافر والمنافق: يا فلان ~~... إلي إلي. # والإشارة فيه: أن جهنم الدنيا تعلق بقلب المرء فتدعوه بكلاب الحرص إلى ~~نفسه وتجره إلى جمعها حتى يؤثرها على نفسه وكل أحد له حتى لقد يبخل بدنياه ~~على أولاده وأعزته ... # وقليل من نجا من مكر الدنيا وتسويلاتها. # قوله جل ذكره: «إن الإنسان خلق هلوعا» . PageV03P630 # وتفسيره ما يتلوه: ### | ### | [سورة ms1252 المعارج (70) : الآيات 20 الى # 25] # إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21) إلا المصلين (22) ~~الذين هم على صلاتهم دائمون (23) والذين في أموالهم حق معلوم (24) # للسائل والمحروم (25) # والهلع شدة الحرص مع الجزع. ويقال هلوعا: متقلبا في غمرات الشهوات. # ويقال: يرضيه القليل ويسخطه اليسير. # ويقال: عند المحنة يدعو، وعند النعمة ينسى ويسهو. # «إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون» استثنى منهم المصلين- وهم ~~الذين يلازمون أبدا مواطن الافتقار من صلى بالمكان «1» . # «والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم» وهو المتكفف والمتعفف. # وهم على أقسام: منهم من يؤثر بجميع ماله فأموالهم لكل من قصد، لا يخصون ~~سائلا من عائل. ومنهم من يعطى ويمسك- وهؤلاء «2» منهم- ومنهم من يرى يده يد ~~الأمانة فلا يتكلف باختياره، وإنما ينتظر ما يشار عليه به من الأمر إما ~~بالإمساك فيقف أو ببذل الكل أو البعض فيستجيب على ما يطالب به وما يقتضيه ~~حكم الوقت ... # وهؤلاء أتمهم. PageV03P631 ### | [سورة المعارج (70) : الآيات 26 الى 33] # والذين يصدقون بيوم الدين (26) والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (27) إن ~~عذاب ربهم غير مأمون (28) والذين هم لفروجهم حافظون (29) إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (30) # فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (31) والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون (32) والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) # وأمارتهم الاستعداد للموت قبل نزوله، وأن يكونوا كما قيل: # مستوفزون على رجل كأنهمو ... فقد يريدون أن يمضوا فيرتحلوا # قوله جل ذكره: «والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون» وإنما ~~تكون صحبتهم مع أزواجهم للتعفف وصون النفس، ثم لابتغاء أن يكون له ولد من ~~صلبه يذكر الله. وشرط هذه الصحبة: أن يعيش معها على ما يهون، وألا يجرها ~~إلى هوى نفسه ويحملها على مراده وهواه. # قوله جل ذكره: «والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون» يحفظون الأمانات التي ~~عندهم للخلق ولا يخونون فيها. وأمانات الحق التي عندهم أعضاؤهم الظاهرة- ~~فلا يدنسونها بالخطايا فالمعرفة التي في قلوبهم أمانة عندهم من الحق، ~~والأسرار التي بينهم وبين ms1253 الله أمانات عندهم. والفرائض واللوازم والتوحيد.. ~~كل ذلك أمانات. # ويقال: من الأمانات إقرارهم وقت الذر. ويقال: من الأمانات عند العبد تلك ~~المحبة التي أودعها الله في قلبه. # قوله جل ذكره: «والذين هم بشهاداتهم قائمون» شهادتهم لله بالوحدانية، ~~وفيما بينهم لبعضهم عند بعض- يقومون بحقوق ذلك كله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المعارج (70) : الآيات 36 الى 43] # فمال الذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال عزين (37) أيطمع ~~كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) كلا إنا خلقناهم مما يعلمون (39) فلا ~~أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) # على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى ~~يلاقوا يومهم الذي يوعدون (42) يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب ~~يوفضون (43) # والإهطاع أن يقبل ببصره إلى الشيء فلا يرفعه عنه، وكذلك كانوا يفعلون عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم و «عزين» : أي خلقا خلقا، وجماعة جماعة. # PageV03P632 # «أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم؟» كلا.. إنك لا تدعو عن هذا! وليس ~~هذا بصواب فإنهم- اليوم- كفار، وغدا يعاملون بما يستوجبون. # «فلا أقسم برب المشارق والمغارب..» لا- هنا صلة، والمعنى أقسم. وقد مضى ~~القول فى المشارق والمغارب- «إنا لقادرون» على ذلك. # «فذرهم يخوضوا ويلعبوا» غاية التهديد والتوبيخ لهم. # «يوم يخرجون من الأجداث سراعا» كأنهم يسرعون إلى أصنامهم، شبه إسراعهم ~~حين قاموا من القبور بإسراعهم إلى النصب- اليوم- كى يقوموا بعبادتهم إياها. # PageV03P633 ### | سورة نوح # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» اسم لمن قامت ~~السماوات والأرض بقدرته، واستقامت الأسرار والقلوب بنصرته.. دلت الأفعال ~~على جلال شانه، وذلت الرقاب عند شهود سلطانه. أشرقت الأقطار بنوره في ~~العقبى، وأشرقت الأسرار بظهوره في الدنيا، فهو المقدس بالوصف الأعلى. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة نوح (71) : الآيات 1 الى # 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم (1) ~~قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) # أرسلنا نوحا بالنبوة والرسالة. «أن أنذر قومك» أي بأن أنذرهم وإرسال ~~الرسل من الله فضل «1» ، وله بحق ملكه أن يفعل ms1254 ما أراد، ولم يجب عليه إرسال ~~الرسل لأن حقيقته لا تقبل الوجوب. # وإرسال الرسل إلى من علم أنه لا يقبل جائز «2» ، وتكليفهم من ناحية العقل ~~جائز «3» فنوح- علم منهم أنهم لا يقبلون.. ومع ذلك بلغ الرسالة وقال لهم: ~~إنى لكم نذير مبين: ### | [سورة نوح (71) : الآيات 4 الى 7] # يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو ~~كنتم تعلمون (4) قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا ~~فرارا (6) وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ~~ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا (7) PageV03P634 # يغفر لكم «من» ذنوبكم: من هنا للجنس لا للتبعيض كقوله تعالى: # «فاجتنبوا الرجس من الأوثان» . # ويقال: ما عملوه دون ما هو معلوم أنهم سيفعلونه لأنه لو أخبرهم بأنه غفر ~~لهم ذلك كان إغراء لهم.. وذلك لا يجوز. فأبوا أن يقبلوا منه، فقال: # «قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا» بين أن ~~الهداية ليست إليه، وقال: إن أردت إيمانهم فقلوبهم بقدرتك- سبحانك. # قوله جل ذكره: «وأصروا واستكبروا استكبارا» وإنى ما ازددت لهم دعاء إلا ~~ازدادوا إصرارا واستكبارا. # ويقال: لما دام بينهم إصرارهم تولد من الإصرار استكبارهم، قال تعالى: # «فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم» «1» قوله جل ذكره: ### | [سورة نوح (71) : الآيات 8 الى 11] # ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا (9) فقلت ~~استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ~~PageV03P635 # ليعلم العالمون: أن الاستغفار قرع أبواب النعمة، فمن وقعت له إلى الله ~~حاجة فلن يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار. # ويقال: من أراد التفضل فعليه بالعذر والتنصل. # قوله: «يرسل السماء عليكم ... » : كان نوح عليه السلام كلما ازداد في ~~بيان وجوه الخير والإحسان زادوا هم في الكفر والنسيان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة نوح (71) : آية 13] # ما لكم لا ترجون لله وقارا (13) # ما لكم لا تخافون لله عظمة؟ وما لكم لا ترجون ولا تؤملون على توقيركم ~~للأمر من الله لطفا ونعمة؟. ### | [سورة نوح (71) : الآيات 15 الى 21] # ألم تروا ms1255 كيف خلق الله سبع سماوات طباقا (15) وجعل القمر فيهن نورا وجعل ~~الشمس سراجا (16) والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم ~~إخراجا (18) والله جعل لكم الأرض بساطا (19) # لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20) قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ~~ماله وولده إلا خسارا (21) # ثم نبههم إلى خلق السماوات والأرض وما فيهما من الدلالات على أنها ~~مخلوقة، وعلى أن خالقها يستحق صفات العلو والعزة. # ثم شكا نوح إلى الله وقال: ### | [سورة نوح (71) : آية 22] # ومكروا مكرا كبارا (22) # يعنى كبراءهم وأغنياءهم الذين ضلوا في الدنيا وهلكوا في الآخرة. ### | [سورة نوح (71) : آية 26] # وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) # وذلك بتعريف الله تعالى إياه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. فاستجاب ~~الله فيهم دعاءه وأهلكهم. # PageV03P636 ### | سورة الجن # «1» قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» اسم عزيز به أقر ~~من أقر بربوبيته، وبه أصر من أصر على معرفته، وبه استقر من استقر من ~~خليقته، وبه ظهر ما ظهر من مقدوراته، وبه بطن ما بطن من مخلوقاته «2» فمن ~~جحد فبخذلانه «3» وحرمانه، ومن وحد «4» فبإحسانه وامتنانه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الجن (72) : الآيات 1 الى # 16] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي ~~إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ ~~صاحبة ولا ولدا (3) وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) # وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (6) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن ~~يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) ~~وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9) # وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10) وأنا منا ~~الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) وأنا ظننا أن لن نعجز الله في ms1256 ~~الأرض ولن نعجزه هربا (12) وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا ~~يخاف بخسا ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك ~~تحروا رشدا (14) # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) وأن لو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا (16) # قيل: إن الجن كانوا يأتون السماء فيستمعون إلى قول الملائكة، فيحفظونه، ~~ثم يلقونه إلى الكهنة، فيزيدون فيه وينقصون.. وكذلك كانوا في الفترة التي ~~بين نبينا صلى الله عليه وسلم وبين عيسى عليه السلام. فلما بعث نبينا صلى ~~الله عليه وسلم ورجموا بالشهب علم إبليس أنه وقع شىء «5» ففر جنوده، فأتى ~~تسعة منهم إلى بطن نخلة واستمعوا قراءته صلى الله عليه وسلم فآمنوا، ثم ~~آتوا قومهم وقالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ... # إلى آخر الآيات. # (وجاءه سبعون منهم وأسلموا وذلك قوله تعالى: «وإذ صرفنا إليك نفرا من ~~الجن..» ) «6» PageV03P637 # قوله جل ذكره: «وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا» الجد العظمة، ~~والعظمة استحقاق نعوت الجلال. # «وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا» أراد بالسفيه الجاهل بالله يعنى ~~إبليس. والشطط السرف. # «وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا» فى كفرهم وكلمتهم ~~بالشرك. # «وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا» أي ذلة ~~وصغار فالجن زادوا للانس ذلة ورهقا «1» (فكانوا إذا نزلوا يقولون: نعوذ برب ~~هذا الوادي فيتوهم الجن أنهم على شىء فزادوهم رهقا) «2» حيث استعاذوا بهم. # قوله جل ذكره: «وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا» أي ظنوا كما ~~ظن الكفار من الجن ألا بعث ولا نشور- كما ظننتم أيها الإنس. # «وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا» يعنى حين منعوا عن ~~الاستماع. # «وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا» . ~~PageV03P638 # فالآن قد منعنا. # «وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا» الاستقامة على الطريقة ~~تقتضى إكمال النعمة وإكثار الراحة. والإعراض عن الله يوجب تنغص العيش ودوام ~~العقوبة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الجن ms1257 (72) : الآيات 18 الى # 19] # وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) وأنه لما قام عبد الله ~~يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) # للمسجد فضيلة، ولهذا خصه الله سبحانه وأفرده بالذكر من بين البقاع فهو ~~محل العبادة.. # وكيف يحل العابد عنده إذا حل محل قدمه «1» ؟!. # ويقال: أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها، أخبر أنها لله، فلا ~~تعبدوا بما لله غير الله. # قوله جل ذكره: «وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا» لما ~~قام عبد الله يعنى محمدا عليه السلام يدعو الخلق إلى الله كاد الجن والإنس ~~يكونون مجتمعين عليه، يمنعونه عن التبليغ، قل يا محمد: ### | [سورة الجن (72) : الآيات 21 الى 23] # قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن ~~أجد من دونه ملتحدا (22) إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله ~~فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (23) # لا أقدر أن أدفع عنكم ضرا، أو أسوق لكم خيرا.. فكل شىء من الله. ولن أجد ~~من دونه ملتجأ إلا: PageV03P639 # «إلا بلاغا من الله ورسالاته» فلن ينجينى من الله إلا تبليغى رسالاته ~~بأمره. # «ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الجن (72) : الآيات 25 الى 28] # قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن ~~خلفه رصدا (27) ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل ~~شيء عددا (28) # أي: لا أدرى ما توعدون من العقوبة، ومن قيام الساعة أقريب أم بعيد؟ ~~فكونوا على حذر. ويجب أن يتوقع العبد العقوبات أبدا مع مجارى الأنفاس ليسلم ~~من العقوبة. # قوله جل ذكره: «عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول» ~~فيطلعه بقدر ما يريده. # «ليعلم «1» أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا» ~~أرسل مع الوحى ملائكة قدامه وخلفه.. ms1258 هم ملائكة حفظة، يحفظون الوحى من ~~الكهنة والشياطين، حتى لا يزيدوا أو ينقصوا الرسالات التي يحملها ... والله ~~يعلم ذلك، وأحاط علمه به. PageV03P640 # سورة المزمل # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» : الحادثات بالله حصلت، فقلوب العارفين بالله عرفت ما عرفت ~~وأرواح الصديقين بالله ألفت من ألفت وفهوم الموحدين بساحات جلاله وقفت، ~~ونفوس العابدين بالعجز عن استحقاق عبادته اتصفت وعقول الأولين والآخرين ~~بالعجز عن معرفة جلاله اعترفت. # قوله جل ذكره: ### | سورة المزمل # (73) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه قليلا (3) ~~أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) # أي: المتزمل المتلفف في ثيابه. وفي الخبر: أنه كان عند نزول هذه الآية ~~عليه مرط من شعر ووبر، وقالت عائشة رضى الله عنها: كان نصفه علي وأنا ~~نائمة، ونصفه على رسول الله وهو يصلى، وطول المرط أربعة عشر ذراعا «1» . # «نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا» قم الليل إلا ~~قليلا، نصفه بدل منه أي: قم نصف الليل، وأنقص من النصف إلى الثلث أو زد على ~~الثلث، فكان عليه الصلاة والسلام في وجوب قيام الليل مخيرا ما بين ثلث ~~الليل إلى النصف وما بين النصف إلى الثلث. وكان ذلك قبل فرض الصلوات الخمس، ~~ثم نسخ بعد وجوبها على الأمة- وإن كانت بقيت واجبة على الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. # ويقال: يا أيها المتزمل بأعباء النبوة ... قم الليل. PageV03P641 # ويقال: يا أيها الذي يخفى ما خصصناه به قم فأنذر ... فإنا نصرناك «1» . # ويقال: قم بنا ... يا من جعلنا الليل ليسكن فيه كل الناس ... قم أنت ~~فليسكن الكل ... ولتقم أنت. # ويقال: لما فرض عليه القيام بالليل أخبر عن نفسه لأجل أمته وإكراما لشأنه ~~وقدره. # وفي الخبر: «أنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ... » ولا يدرى التأويل ~~للخبر «2» ، أو أن التأويل معلوم ... وإلى أن ينتهى إلى التأويل فللأحباب ~~راحات كثيرة، ووجوه من الإحسان موفورة. # قوله جل ذكره: «ورتل القرآن ترتيلا» ms1259 ارتع بسرك في فهمه، وتأن بلسانك في ~~قراءته. # «إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا» قيل: هو القرآن. وقيل: كلمة لا إله إلا ~~الله. # ويقال: الوحى وسماه ثقيلا أي خفيفا على اللسان ثقيلا في الميزان. # ويقال: ثقيل أي: له وزن وخطر. وفي الخبر: كان إذا نزل عليه القرآن- وهو ~~على ناقته- وضعت جرانها «3» ، ولا تكاد تتحرك حتى يسرى عنه. # وروى ابن عباس: أن سورة الأنعام نزلت مرة واحدة فبركت ناقة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من ثقل القرآن وهيبته. # ويقال «ثقيلا» سماعه على من جحده PageV03P642 # ويقال: «ثقيلا بعبئه- إلا على من أيد بقوة سماوية، وربى في حجر التقريب» ~~قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المزمل (73) : الآيات 6 الى # 9] # إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا (6) إن لك في النهار سبحا طويلا ~~(7) واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا (9) # أي: ساعات الليل، فكل ساعة تحدث فهى ناشئة «1» ، وهي أشد وطئا أي: موطأة ~~أي: هى أشد موافقة للسان والقلب، وأشد نشاطا. # ويحتمل: هى أشد وأغلظ على الإنسان من القيام بالنهار. # «وأقوم قيلا» أي: أبين قولا. # ويقال: هى أشد مواطأة للقلب وأقوم قيلا لأنها أبعد من الرياء، ويكون فيها ~~حضور القلب وسكون السر أبلغ وأتم. # قوله جل ذكره: «إن لك في النهار سبحا طويلا» أي: سبحا في أعمالك، والسبح: ~~الذهاب والسرعة، ومنه السباحة في الماء. # فالمعنى: مذاهبك في النهار فيما يشغلك كثيرة- والليل أخلى لك. # قوله جل ذكره: «واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا» أي: انقطع إليه انقطاعا ~~تاما. # «رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا» الوكيل من توكل إليه ~~الأمور أي: توكل عليه وكل أمورك إليه، وثق به. # ويقال: إنك إذا اتخذت من المخلوقين وكيلا اختزلوا مالك وطالبوك بالأجرة، ~~وإذا اتخذتني وكيلا أوفر عليك مالك وأعطيك الأجر. PageV03P643 # ويقال: وكيلك ينفق عليك من مالك، وأنا أرزقك وأنفق عليك من مالى. # ويقال: وكيلك من هو في القدر دونك، وأنت تترفع أن تكلمه كثيرا ... وأنا ~~ربك وسيدك وأحب أن تكلمنى ms1260 وأكلمك. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المزمل (73) : الآيات 10 الى # 13] # واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) وذرني والمكذبين أولي ~~النعمة ومهلهم قليلا (11) إن لدينا أنكالا وجحيما (12) وطعاما ذا غصة ~~وعذابا أليما (13) # الهجر الجميل: أن تعاشرهم بظاهرك وتباينهم بسرك وقلبك. # ويقال: الهجر الجميل ما يكون لحق ربك لا لحظ نفسك. # ويقال: الهجر الجميل ألا تكلمهم، وتكلمنى لأجلهم بالدعاء لهم. # وهذه الآية منسوخة بآية القتال «1» . # قوله جل ذكره: «وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا» أي: أولى ~~التنعم «2» ، وأنظرهم قليلا، ولا تهتم بشأنهم، فإنى أكفيك أمرهم. # قوله جل ذكره: «إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما» ثم ~~ذكر وصف القيامة فقال: # «يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا» . PageV03P644 # ثم قال: ### | [سورة المزمل (73) : الآيات 20 الى 15] # يعنى: أرسلنا إليكم محمدا صلى الله عليه وسلم شاهدا عليكم «كما أرسلنا ~~إلى فرعون رسولا» ، «فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا» ثقيلا. # «فكيف تتقون إن كفرتم يوما» من هوله يصير الولدان شيبا- وهذا على ضرب ~~المثل. # «السماء منفطر به» أي بذلك: اليوم لهوله «1» . # ويقال: منفطر بالله أي: بأمره. # «كان وعده مفعولا» : فما وعد الله سيصدقه. # «إن هذه تذكرة» : يعنى: هذه السورة، أو هذه الآيات موعظة فمن اتعظ بها ~~سعد. # «إن ربك» يا محمد «يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة ~~من الذين معك» من المؤمنين. # «والله يقدر الليل والنهار» فهو خالقهما «علم أن لن تحصوه» وتطيعوه. # «فتاب عليكم» أي: خفف عنكم «2» ، «فاقرؤا ما تيسر من القرآن» من خمس آيات ~~إلى مازاد. ويقال: من عشر آيات إلى ما يزيد «3» . PageV03P645 # «علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض» يسافرون، ويعلم أصحاب ~~الأعذار، فنسخ عنهم قيام الليل. # «وأقيموا الصلاة» المفروضة. # «وأقرضوا الله قرضا حسنا» مضى معناه. # «وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه» أي: ما تقدموا من طاعة تجدوها عند ~~الله ثوابا هو خير لكم من كل متاع الدنيا. # PageV03P646 # سورة المدثر # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» كلمة سماعها نزهة قلوب الفقراء، ms1261 كلمة سماعها بهجة أسرار ~~الضعفاء، راحة أرواح الأحباء، قوة قلوب الأولياء، سلوة صدور الأصفياء، قرة ~~عيون أهل البلاء. # قوله جل ذكره: ### | سورة المدثر # (74) : الآيات 7 الى 1] # يا أيها المتدثر بثوبه. # وهذه السورة من أول ما أنزل من القرآن. قيل: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذهب إلى حراء قبل النبوة، فبدا له جبريل في الهواء، فرجع الرسول إلى ~~بيت خديجة وهو يقول «دثرونى دثرونى» فدثر بثوب فنزل عليه جبريل وقال: «يا ~~أيها المدثر، قم فأنذر» «1» . # وقيل: أيها الطالب صرف الأذى عنك بالدثار اطلبه بالإنذار. # ويقال: قم بنا، وأسقط عنك ما سوانا، وأنذر عبادنا فلقد أقمناك بأشرف ~~المواقف، ووقفناك بأعلى المقامات. # ويقال: لما سكن إلى قوله: «قم» وقام قطع سره عن السكون إلى قيامه، ومن ~~الطمأنينة في قيامه. # قوله جل ذكره: «وربك فكبر» . PageV03P647 # كبره عن كل طلب، ووصل وفصل، وعلة وخلق. # «وثيابك فطهر» طهر قلبك عن الخلائق أجمع، وعن كل صفة مذمومة. # وطهر نفسك عن الزلات، وقلبك عن المخالفات، وسرك عن الالتفاتات. # ويقال: أهلك طهرهم بالوعظ قال تعالى: «هن لباس لكم» «1» ، فيعبر عنهن- ~~أحيانا- بالثياب واللباس. # قوله جل ذكره: «والرجز فاهجر» أي: المعاصي. ويقال: الشيطان. ويقال: طهر ~~قلبك من الخطايا وأشغال الدنيا. # ويقال: من لا يصح جسمه لا يجد شهوة الطعام كذلك من لا يصح قلبه لا يجد ~~حلاوة الطاعة. # «ولا تمنن تستكثر» لا تعط عطاء تطلب به زيادة على ما تعطيه. # ويقال: لا تستكثر الطاعة من نفسك. # ويقال: لا تمنن بعملك فتستكثر عملك، وتعجب به. # «ولربك فاصبر» أي: أنت تؤذى في الله. فاصبر على مقاساة أذاهم. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المدثر (74) : الآيات 8 الى # 17] # فإذا نقر في الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) على الكافرين غير يسير ~~(10) ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) # وبنين شهودا (13) ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان ~~لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17) # يعنى: إذا قامت القيامة، فذلك يوم عسير على الكافرين غير هين. # قوله جل ذكره: «ذرني ومن خلقت وحيدا» . PageV03P648 # أي: لا ms1262 تهتم بشأنهم، ولا تحتفل فإنى أكفيك أمرهم. # إنى خلقته وحدي لم يشاركنى في خلقى إياه أحد. # ويحتمل: خلقته وحده لا ناصر له. # قوله جل ذكره: «وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا» حضورا معه لا يحتاجون ~~إلى السفر. # «ومهدت له تمهيدا» أراد: تسهيل التصرف، أي: مكنته من التصرف في الأمور ~~«1» . # «ثم يطمع أن أزيد» يطمع أن أزيده في النعمة: # «كلا، إنه كان لآياتنا عنيدا» جحودا. # «سأرهقه صعودا» سأحمله على مشقة من العذاب. ### | ### | [سورة المدثر (74) : الآيات 18 الى # 20] # إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) # أي: لعن كيف فكر، وكيف قدر، ويعنى به: الوليد بن المغيرة «2» الذي قال في ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ليس بشاعر ولا بمجنون ولا بكذاب، وإنه ليس ~~إلا ساحر، وما يأتى به ليس إلا سحر يروى: PageV03P649 ### | ### | [سورة المدثر (74) : الآيات 28 الى # 30] # لا تبقي ولا تذر (28) لواحة للبشر (29) عليها تسعة عشر (30) # «1» لا تبقى لحما، ولا تذر عظما، تحرق بشرة الوجه وتسودها، من لاحته ~~الشمس ولوحته. # «عليها تسعة عشر» قال المشركون: نحن جمع كثير ... فما يفعل بنا تسعة ~~عشر؟! فأنزل الله سبحانه: ### | [سورة المدثر (74) : الآيات 31 الى 39] # وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين ~~أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا ~~هو وما هي إلا ذكرى للبشر (31) كلا والقمر (32) والليل إذ أدبر (33) والصبح ~~إذا أسفر (34) إنها لإحدى الكبر (35) # نذيرا للبشر (36) لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (37) كل نفس بما كسبت ~~رهينة (38) إلا أصحاب اليمين (39) # فيزداد المؤمنون إيمانا، ويقول هؤلاء: أي فائدة في هذا القدر؟ فقال ~~تعالى: # «كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء» . # ثم قال: # «وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر» . # أي: تقاصرت علوم الخلق فلم تتعلق إلا بمقدار ms1263 دون مقدار، والذي أحاط بكل ~~شىء علما. # هو الله- سبحانه. PageV03P650 # «كلا والقمر» كلا- حرف ردع وتنبيه أي: ارتدعوا عما أنتم عليه، وانتبهوا ~~لغيره وأقسم بهذه الأشياء «كلا والقمر» : أي بالقمر، أو بقدرته على القمر. # وبالليل إذا أدبر ... وقرىء «ودبر» أي: مضى، «والصبح إذا أسفر» أي: تجلى ~~«إنها لإحدى الكبر» . # أي: النار لإحدى الدواهي الكبر. # ويقال في «كلا والقمر» إشارة إلى أقمار العلوم إذا أخذ هلالها في الزيادة ~~بزيادة البراهين، فإنها تزداد، ثم إذا صارت إلى حد التمام في العلم وبلغت ~~الغاية تبدو أعلام المعرفة، فالعلم يأخذ فى النقصان، وتطلع شمس المعرفة، ~~فكما أنه إذا قرب القمر من الشمس يزداد نقصانه حتى إذا قرب من الشمس تماما ~~صار محاقا- كذلك إذا ظهر سلطان العرفان تأخذ أقمار العلوم فى النقصان ~~لزيادة المعارف كالسراج في ضوء الشمس وضياء النهار. «والليل إذ أدبر» أي ~~إذا انكشفت ظلم البواطن، «والصبح إذا أسفر» وتجلت أنوار الحقائق في السرائر ~~... إنها لإحدى العظائم! وذلك من باب التخويف من عودة الظلم إلى القلوب «1» ~~. # «نذيرا للبشر» فى هذا تحذير من الشواغل التي هي قواطع عن الحقيقة، ~~فيحذروا المساكنة والملاحظة إلى الطاعات والموافقات ... فإنها- فى الحقيقة- ~~لا خطر لها «2» . # «لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر» عن الطاعات ... وهذا على جهة التهديد. # قوله جل ذكره: «كل نفس بما كسبت رهينة» أي: مرتهنة بما عملت، ثم استثنى: # «إلا أصحاب اليمين» . PageV03P651 # فقال: إنهم غير مرتهنين بأعمالهم، ويقال: هم الذين قال الله تعالى في ~~شأنهم: «هؤلاء فى الجنة ولا أبالى» !. # وقيل: أطفال للمؤمنين «1» . ### | [سورة المدثر (74) : الآيات 40 الى 56] # في جنات يتساءلون (40) عن المجرمين (41) ما سلككم في سقر (42) قالوا لم ~~نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) # وكنا نخوض مع الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا اليقين ~~(47) فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) فما لهم عن التذكرة معرضين (49) # كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة (51) بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى ~~صحفا منشرة (52) كلا بل لا يخافون الآخرة (53) كلا إنه تذكرة (54) # فمن شاء ذكره (55) وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو ms1264 أهل التقوى وأهل ~~المغفرة (56) # هؤلاء يتساءلون عن المجرمين، ويقولون لأهل النار إذا حصل لهم إشراف ~~عليهم: # ما سلككم في سقر؟ قالوا: ألم نك من المصلين؟ ألم نك نطعم المسكين؟. # وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بتفصيل الشرائع. # «وكنا نخوض مع الخائضين» : نشرع في الباطل، ونكذب بيوم الدين. # «حتى أتانا اليقين» وهو معاينة القيامة. # «فما تنفعهم شفاعة الشافعين» أي: لا تنالهم شفاعة من يشفع. # «فما لهم عن التذكرة معرضين» «2» والتذكرة: القرآن: # «كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة» . PageV03P652 # كأنهم حمر نافرة فرت من أسد «1» «بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة» بل يريد كل منهم أن يعطى كتابا منشورا. # «كلا بل لا يخافون الآخرة» أي: كلا لا يعطون ما يتمنون لأنهم لا يخافون ~~الآخرة. # «كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره» إلا أن يشاء الله- لا أن تشاءوا «هو أهل ~~التقوى» . # أهل لأن يتقى. # «وأهل المغفرة» . # وأهل لأن يغفر لمن يتقى- إن شاء. PageV03P653 ### | سورة القيامة # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» كلمة عزيزة من سمعها ~~بشاهد العلم استبصر، ومن سمعها بشاهد المعرفة تحير.. # فالعلماء في سكون برهانه، والعارفون في دهش سلطانه.. أولئك في نجوم ~~علومهم، فأحوالهم صحو في صحو، وهؤلاء في شموس معارفهم: فأوقاتهم محو في ~~محو.. فشتان ما هما!! قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القيامة (75) : الآيات 4 الى # 1] # أي: أقسم بيوم القيامة «ولا أقسم بالنفس اللوامة» أي: أقسم بالنفس ~~اللوامة، وهي النفس التي تلوم صاحبها، وتعرف نقصان حالها. # ويقال: غدا.. كل نفس تلوم نفسها: إما على كفرها، وإما على تقصيرها- وعلى ~~هذا فالقسم يكون بإضمار «الرب» أي: أقسم برب النفس اللوامة. وليس للوم ~~النفس في القيامة خطر- وإن حمل على الكل «1» ولكن الفائدة فيه بيان أن كل ~~النفوس غدا- ستكون على هذه الجملة. وجواب القسم قوله: بلى ... # قوله جل ذكره: «أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه؟» أيظن أنا لن نبعثه بعد ~~موته؟ # «بلى قادرين على أن نسوي بنانه» «قادرين» نصب على الحال أي بلى، نسوى ~~بنانه في الوقت قادرين، ونقدر أي نجعل PageV03P654 # أصابع ms1265 يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير وظلف الشاة ... فكيف لا نقدر ~~على إعادته؟! ### | ### | [سورة القيامة (75) : الآيات 5 الى # 10] # بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) يسئل أيان يوم القيامة (6) فإذا برق ~~البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) # يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) # يقدم الزلة ويؤخر التوبة. ويقول: سوف أتوب، ثم يموت ولا يتوب. ويقال: ~~يعزم «1» على ألا يستكثر من معاصيه في مستأنف «2» وقته، وبهذا لا تنحل- فى ~~الوقت- عقدة الإصرار من قلبه، وبذلك لا تصح توبته لأن التوبة من شرطها ~~العزم على ألا يعود إلى مثل ما عمل. فإذا كان استحلاء الزلة في قلبه، ويفكر ~~في الرجوع إلى مثلها- فلا تصح ندامته. # قوله جل ذكره: «يسئل أيان يوم القيامة؟» على جهة الاستبعاد، فقال تعالى: # «فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين ~~المفر؟» «برق» بكسر الراء معناها تحير، «وبرق» بفتح الراء شخص (فلا يطرف) ~~من البريق، وذلك حين يقاد إلى جهنم بسبعين ألف سلسلة، كل سلسلة بيد سبعين ~~ألف ملك، لها زفير وشهيق، فلا يبقى ملك ولا رسول إلا وهو يقول: نفسى نفسى! ~~«وخسف القمر وجمع الشمس والقمر» كأنهما ثوران عقيران «3» . # ويقال: يجمع بينهما في ألا نور لهما. PageV03P655 ### | ### | [سورة القيامة (75) : الآيات 11 الى # 15] # كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ المستقر (12) ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم ~~وأخر (13) بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره (15) # والمفر موضع الفرار إليه، فيقال لهم: # «كلا لا وزر» اليوم، ولا مهرب من قضاء الله «1» . # «إلى ربك يومئذ المستقر» # أي: لا محيد عن حكمه. # «ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر» # أي: يعرف ما أسلفه «2» من ذنوب أحصاها الله- وإن كان العبد نسيها. # «بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره» # للإنسان على نفسه دليل علامة وشاهد فأعضاؤه تشهد عليه بما عمله. # ويقال: هو بصيرة وحجة على نفسه في إنكار البعث. # ويقال: إنه يعلم أنه كان جاحدا كافرا، ولو أتى بكل حجة فلن تسمع منه ولن ~~تنفعه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القيامة (75) : الآيات 16 الى 19] # لا تحرك ms1266 به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (19) # لا تستعجل في تلقف القرآن على جبريل، فإن علينا جمعه في قلبك وحفظه، ~~وكذلك علينا تيسير قراءته على لسانك، فإذا قرأناه أي: جمعناه في قلبك وحفظك ~~فاتبع بإقرائك جمعه. # «ثم إن علينا بيانه» نبين لك ما فيه من أحكام الحلال والحرام وغيرها. ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعجل في التلقف مخافة النسيان، فنهى ~~عن ذلك، وضمن الله له التيسير والتسهيل. PageV03P656 # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القيامة (75) : الآيات 20 الى # 23] # كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الآخرة (21) وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ~~ربها ناظرة (23) # أي: إنما يحملهم على التكذيب للقيامة والنشر أنهم يحبون العاجلة في ~~الدنيا، أي: يحبون البقاء في الدنيا. # «وتذرون الآخرة» : أي: تتركون العمل للآخرة. ويقال: تكفرون بها. # قوله جل ذكره: «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة» «ناضرة» : أي مشرقة ~~حسنة، وهي مشرقة لأنها إلى ربها «ناظرة» أي رائية لله. # والنظر المقرون ب «إلى» مضافا إلى الوجه «1» لا يكون إلا الرؤية، فالله ~~تعالى يخلق الرؤية فى وجوههم في الجنة على قلب العادة، فالوجوه ناظرة إلى ~~الله تعالى. # ويقال: العين من جملة الوجه (فاسم الوجه) «2» يتناوله. # ويقال: الوجه لا ينظر ولكن العين في الوجه هي التي تنظر كما أن النهر لا ~~يجرى ولكن الماء في النهر هو الذي يجرى، قال تعالى: «جنات تجري من تحتها ~~الأنهار» . # ويقال: فى قوله: «وجوه يومئذ ناضرة» دليل على أنهم بصفة الصحو، ولا ~~تتداخلهم حيرة ولا دهش فالنضرة من أمارات البسط لأن البقاء في حال اللقاء ~~أتم من اللقاء. # والرؤية عند أهل التحقيق تقتضى بقاء الرائي، وعندهم استهلاك العبد في ~~وجود الحق أتم فالذين أشاروا إلى الوجود رأوا الوجود أعلى من الرؤية. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القيامة (75) : الآيات 24 الى 30] # ووجوه يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة (25) كلا إذا بلغت التراقي ~~(26) وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) # والتفت الساق بالساق (29) إلى ربك يومئذ المساق (30) PageV03P657 # «باسرة» : أي كالحة عابسة. ms1267 «فاقرة» أي: داهية «1» وهي بقاؤهم في النار ~~على التأييد. # (تظن أن يخلق في وجوههم النظر) «2» . # ويحتمل أن يكون معنى «تظن» : أي يخلق ظنا في قلوبهم يظهر أثره على ~~وجوههم. # «كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق وظن أنه الفراق والتفت الساق بالساق ~~إلى ربك يومئذ المساق» أي ليس الأمر على ما يظنون بل إذا بلغت نفوسهم ~~التراقي «3» ، وقيل: من راق؟ # أي يقول من حوله: هل أحد يرقيه؟ هل طبيب يداويه؟ هل دواء يشفيه؟ «4» . # ويقال: من حوله من الملائكة يقولون: من الذي يرقى بروحه أملائكة الرحمة ~~أو ملائكة العذاب؟. # «وظن أنه الفراق» : وعلم الميت أنه الموت!. # «والتفت الساق بالساق» : ساقا الميت. فتقترن شدة آخر الدنيا بشدة أول ~~الآخرة. # «إلى ربك يومئذ المساق» أي الملائكة يسوقون روحه إلى الله حيث يأمرهم بأن ~~يحملوها إليه: إما إلى عليين ثم لها تفاوت درجات، وإما إلى سجين- ولها ~~تفاوت دركات. # ويقال: الناس يكفنون بدن الميت ويغسلونه ويصلون عليه.. والحق سبحانه يلبس ~~روحه ما تستحق من الحلل، ويغسله بماء الرحمة، ويصلى عليه وملائكته. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة القيامة (75) : الآيات 31 الى # 36] # فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) ~~أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) # أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) PageV03P658 # يعنى: الكافر ما صدق الله ولا صلى له، ولكن كذب وتولى عن الإيمان. وتدل ~~الآية على أن الكفار مخاطبون بتفصيل الشرائع. # «ثم ذهب إلى أهله يتمطى» أي: يتبختر ويختال. # «أولى لك فأولى» العرب إذا دعت على أحد بالمكروه قالوا: أولى لك! وهنا ~~أتبع اللفظ اللفظ على سبيل المبالغة. # ويقال: معناه الويل لك يوم تحيا، والويل لك يوم تموت، والويل لك يوم ~~تبعث، والويل لك يوم تدخل النار «1» . # «أيحسب الإنسان أن يترك سدى» مهملا لا يكلف!؟. ليس كذلك. ### | [سورة القيامة (75) : الآيات 37 الى 40] # ألم يك نطفة من مني يمنى (37) ثم كان علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه ~~الزوجين الذكر والأنثى (39) أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى (40) # «من مني يمنى» أي تلقى في ms1268 الرحم، ثم كان علقة أي: دما عبيطا «2» ، فسوى ~~أعضاءه فى بطن أمه، وركب أجزاءه على ما هو عليه في الخلقة، وجعل منه ~~الزوجين: إن شاء خلق الذكر، وإن شاء خلق الأنثى، وإن شاء كليهما. # «أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟» أليس الذي قدر على هذا كله بقادر ~~على إحياء الموتى؟ فهو استفهام في معنى التقرير «3» . PageV03P659 ### | سورة الإنسان # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» اسم جبار توحد في آزاله بوصف جبروته، وتفرد في آباده بنعت ~~ملكوته فأزله أبده، وأبده أزله، وجبروته ملكوته، وملكوته جبروته. # أحدي الوصف، صمدي الذات، مقدس النعت، واحد الجلال، فرد التعالي، دائم ~~العز، قديم البقاء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإنسان (76) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل ~~إما شاكرا وإما كفورا (3) # فى التفسير: قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا له خطر ومقدار. ~~قيل: # كان آدم عليه السلام أربعين سنة مطروحا جسده بين مكة والطائف. ثم من ~~صلصال أربعين سنة، ثم من حمإ مسنون أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين ~~سنة «1» . # ويقال: «هل أتى على الإنسان حين من الدهر ... » : أي لم يأت عليه وقت إلا ~~كان مذكورا إلي. # ويقال: هل غفلت ساعة عن حفظك؟ هل ألقيت- لحظة- حبلك على غاربك؟ # هل أخليتك- ساعة- من رعاية جديدة وحماية مزيدة. # قوله جل ذكره: «إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا ~~بصيرا» . PageV03P660 # «من نطفة» : أي من قطرة ماء، «أمشاج» : أخلاط من بين الرجل والمرأة. # ويقال: طورا نطفة، وطورا علقة، وطورا عظما، وطورا لحما. # «نبتليه» : نمتحنه ونختبره. وقد مضى معناه. «فجعلناه سميعا بصيرا» . # «إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا» أي: عرفناه الطريق أي طريق ~~الخير والشر. # وقيل: إما للشقاوة، وإما للسعادة، إما شاكرا من أوليائنا، وإما أن يكون ~~كافرا من أعدائنا فإن شكر فبالتوفيق، وإن كفر فبالخذلان. # قوله جل ذكره: ms1269 ### | ### | [سورة الإنسان (76) : الآيات 4 الى # 5] # إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (4) إن الأبرار يشربون من كأس ~~كان مزاجها كافورا (5) # أي: هيأنا لهم سلاسل يسحبون فيها، وأغلالا لأعناقهم يهانون بها، «وسعيرا» ~~: # نارا مستعرة. # «إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا» قيل: البر: الذي لايضمر ~~الشر، ولا يؤذى الذر. # وقيل: الأبرار: هم الذين سمت همتهم عن المستحقرات، وظهرت في قلوبهم ~~ينابيع الحكمة فاتقوا عن مساكنة الدنيا. # يشربون «1» من كأس رائحتها كرائحة الكافور، أو ممزوجة بالكافور. # ويقال: اختلفت مشاربهم في الآخرة فكل يسقى ما يليق بحاله ... وكذلك في ~~الدنيا مشاربهم مختلفة فمنهم من يسقى مزجا، ومنهم من يسقى صرفا، ومنهم من ~~يسقى على PageV03P661 # النوب، ومنهم من يسقى بالنجب ومنهم من يسقى وحده ولا يسقى مما يسقى غيره، ~~ومنهم من يسقى هو والقوم شرابا واحدا.. وقالوا: # إن كنت من ندماى فبالأكبر اسقني ... ولا تسقنى بالأصغر المتثلم # وفائدة الشراب- اليوم- أن يشغلهم عن كل شىء فيريحهم عن الإحساس، ويأخذهم ~~عن قضايا العقل.. كذلك قضايا الشراب في الآخرة، فيها زوال الأرب، وسقوط ~~الطلب، ودوام الطرب، وذهاب الحرب، والغفلة عن كل سبب. # ولقد قالوا: # عاقر عقارك واصطبح ... واقدح سرورك بالقدح # واخلع عذارك في الهوى ... وأرح عذولك واسترح # وافرح بوقتك إنما ... عمر الفتى وقت الفرح # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإنسان (76) : الآيات 6 الى # 10] # عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما ~~كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما ~~نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) إنا نخاف من ربنا يوما ~~عبوسا قمطريرا (10) # يشققونها تشقيقا، ومعناه أن تلك العيون تجرى في منازلهم وقصورهم على ما ~~يريدون. # واليوم- لهم عيون في أسرارهم من عين المحبة، وعين الصفاء، وعين الوفاء، ~~وعين البسط، وعين الروح.. وغير ذلك، وغدا لهم عيون. # «يوفون بالنذر» ثم ذكر أحوالهم في الدنيا فقال: يوفون بالعهد القديم الذي ~~بينهم وبين الله على وجه مخصوص. # PageV03P662 # «ويخافون يوما كان شره مستطيرا» . # قاسيا، منتشرا، ممتدا. # «ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا» ms1270 أي: على حبهم للطعام ~~لحاجتهم إليه. ويقال: على حب الله، ولذلك يطعمون. # ويقال: على حب الإطعام. # وجاء في التفسير: أن الأسير كان كافرا- لأن المسلم ما كان يستأسر في ~~عهده- فطاف على بيت فاطمة رضى الله عنها «1» وقال: تأسروننا ولا تطعموننا ~~«2» ! «إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا» إنما نطعمكم ~~ابتغاء مرضاة الله، لا نريد من قبلكم جزاء ولا شكرا. # ويقال: إنهم لم يذكروا هذا بألسنتهم، ولكن كان ذلك بضمائرهم. # «إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا» أي: يوم القيامة ### | ### | [سورة الإنسان (76) : الآيات 11 الى # 17] # فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما صبروا جنة ~~وحريرا (12) متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ~~ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم بآنية من فضة ~~وأكواب كانت قواريرا (15) # قواريرا من فضة قدروها تقديرا (16) ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا ~~(17) PageV03P663 # «ولقاهم» أي: أعطاهم «نضرة وسرورا» . # «وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا» كافأهم على ما صبروا من الجوع ومقاساته ~~جنة وحريرا «متكئين فيها على الأرائك» واحدها أريكة، وهي السرير في الحجال ~~«1» . # «لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا» أي: لا يتأذون فيها بحر ولا برد. # «ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا» يتمكنون من قطافها على الوجه ~~الذي هم فيه من غير مشقة فإن كانوا قعودا تدلى لهم، وإن كانوا قياما- وهي ~~على الأرض- ارتقت إليهم. # «ويطاف عليهم بآنية من فضة» الاسم فضة، والعين لا تشبه العين «2» «وأكواب ~~كانت قواريرا قواريرا من فضة قدروها تقديرا» أي: فى صفاء القوارير وبياض ~~الفضة.. قدر ذلك على مقدار إرادتهم. # «ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا» المقصود منه الطيب، فقد كانوا (أي ~~العرب) يستطيبون الزنجبيل، ويستلذون نكهته، PageV03P664 # وبه يشبهون الفاكهة، ولا يريدون به ما يقرص اللسان «1» . ### | ### | [سورة الإنسان (76) : الآيات 18 الى # 21] # عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم ~~لؤلؤا منثورا (19) وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20) عاليهم ثياب ~~سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا ms1271 (21) # أي: يسقون من عين- أثبت السقي وأجمل من يسقيهم لأن منهم من يسقيه الحق- ~~سبحانه- بلا واسطة. # قوله جل ذكره: «ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا ~~منثورا» أي: يخدمهم ولدان مخلدون (وصفا لا يجوز واحد منهم حد الوصائف) «2» ~~. # وجاء في التفسير: لا يهرمون ولا يموتون. وجاء مقرطون. # إذا رأيتهم حسبتهم من صفاء ألوانهم لؤلؤا منثورا «3» . # وفي التفسير: ما من إنسان من أهل الجنة إلا ويخدمه ألف غلام. # قوله جل ذكره: «وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا» «ثم» : أي في ~~الجنة. # «ملكا كبيرا» : فى التفاسير أن الملائكة تستأذن عليهم بالدخول. # وقيل: هو قوله: «لهم ما يشاؤن فيها» «4» ويقال: أي لا زوال له. ~~PageV03P665 # «عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا ~~طهورا» يحتمل أن يكون هذا الوصف للأبرار. ويصح أن يكون للولدان وهو أولى، ~~والاسم يوافق الاسم دون العين «1» . # «شرابا طهورا» : الشراب الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره. # فالشراب يكون طهورا في الجنة- وإن لم يحصل به التطهير لأن الجنة لا يحتاج ~~فيها إلى التطهير. # ولكنه- سبحانه- لما ذكر الشراب- وهو اليوم في الشاهد نجس- أخبر أن ذلك ~~الشراب غدا طاهر، ومع ذلك مطهر يطهرهم عن محبة الأغيار، فمن يحتس من ذلك ~~الشراب شيئا طهره عن محبة جميع المخلوقين والمخلوقات. # ويقال: يطهر صدورهم من الغل والغش، ولا يبقى لبعضهم مع بعض خصيمة (ولا ~~عداوة) «2» ولا دعوى ولا شىء. # ويقال: يطهر قلوبهم عن محبة الحور العين. # ويقال: إن الملائكة تعرض عليهم الشراب فيأبون قبوله منهم، ويقولون: # لقد طال أخذنا من هؤلاء، فإذا هم بكاسات تلاقى أفواههم بغير أكف من غيب ~~إلى عبد. # ويقال: اليوم شراب وغدا شراب ... اليوم شراب الإيناس «3» وغدا شراب ~~الكأس، اليوم شراب من اللطف وغدا شراب يدار على الكف. PageV03P666 # ويقال: من سقاه اليوم شراب محبته آنسه وشجعه فلا يستوحش في وقته من شىء، ~~ولا يضن بروحه عن بذل. ومن مقتضى شربه بكأس محبته أن يجود على كل أحد ~~بالكونين من غير تمييز، ولا يبقى على قلبه أثر للأخطار. # ومن آثار ms1272 شربه تذلله لكل أحد لأجل محبوبه، فيكون لأصغر الخدم تراب القدم، ~~لا يتحرك فيه للتكبر عرق. # وقد يكون من مقتضى ذلك الشراب أيضا في بعض الأحايين أن يتيه على أهل ~~الدارين. # ومن مقتضى ذلك الشراب أيضا أن يملكه سرور ولا يتمالك معه من خلع العذار ~~وإلقاء قناع الحياء «1» ويظهر ما هو به من المواجيد: # يخلع فيك العذار قوم ... فكيف من ماله عذار؟ # ومن موجبات ذلك الشراب سقوط الحشمة، فيتكلم بمقتضى البسط، أو بموجب لفظ ~~الشكوى، وبما لا يستخرج منه- فى حال صحوه- سفيه بالمناقيش «2» ... وعلى هذا ~~حملوا قول موسى: «رب أرني أنظر إليك» «3» فقالوا: سكر من سماع كلامه «4» ، ~~فنطق بذلك لسانه. وأما من يسقيهم شراب التوحيد فينفى عنهم شهود كل غير ~~فيهيمون في أودية العز، ويتيهون في مفاوز الكبرياء، وتتلاشى PageV03P667 # جملتهم في هواء الفردانية.. فلا عقل ولا تمييز ولا فهم ولا إدراك.. فكل ~~هذه المعاني ساقطة. # فالعبد يكون في ابتداء الكشف مستوعبا ثم يصير مستغرقا ثم يصير مستهلكا.. # «وأن إلى ربك المنتهى» «1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الإنسان (76) : الآيات 22 الى # 27] # إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (22) إنا نحن نزلنا عليك القرآن ~~تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا (24) واذكر اسم ربك ~~بكرة وأصيلا (25) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) # إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) # يقال لهم: هذا جزاء لكم، «مشكورا» : وشكره لسعيهم تكثير الثواب على ~~القليل من العمل- هذا على طريقة العلماء، وعند قوم شكرهم جزاؤهم على شكرهم. # ويقال: شكره لهم ثناؤه عليهم بذكر إحسانهم على وجه الإكرام. # قوله جل ذكره: «إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا» فى مدة «2» سنين. # «فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا» أي: ارض بقضائه، واستسلم ~~لحكمه. # «ولا تطع منهم آثما أو كفورا» : أي: ولا كفورا، وهذا أمر له بإفراد ربه ~~بطاعته. # «واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا» الفرض ~~في الأول، ثم النفل «3» «إن هؤلاء ... » PageV03P668 # أي كفار قريش. # «يحبون العاجلة ms1273 ويذرون وراءهم يوما ثقيلا» . # أي: لا يعملون ليوم القيامة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإنسان (76) : الآيات 28 الى 31] # نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (28) إن هذه ~~تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله ~~كان عليما حكيما (30) يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما ~~(31) # أعدمناهم، وخلقنا غيرهم بدلا عنهم. ويقال: أخذنا عنهم الميثاق «1» . # «إن هذه تذكرة ... » # أي: القرآن تذكرة. # «فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا» . # بطاعته. # «وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في ~~رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما» أي: عذابا أليما موجعا يخلص وجعه إلى ~~قلوبهم. PageV03P669 ### | سورة المرسلات # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» كلمة من سمعها بسمع ~~الوجد وفي له فلم ينظر إلى أحد، ومن سمعها بسمع العلم جادله فلم يبخل بروحه ~~على أحد. # ومن سمعها بسمع التوحيد جرد سره عن إيثار «1» ما سواه في الدنيا والعقبى ~~عينا وأثرا فما كان هذا كله إلا حاصلا به كائنا منه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المرسلات (77) : الآيات 1 الى # 15] # بسم الله الرحمن الرحيم # والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا (2) والناشرات نشرا (3) فالفارقات ~~فرقا (4) # فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون لواقع (7) فإذا النجوم ~~طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) # وإذا الجبال نسفت (10) وإذا الرسل أقتت (11) لأي يوم أجلت (12) ليوم ~~الفصل (13) وما أدراك ما يوم الفصل (14) # ويل يومئذ للمكذبين (15) # «المرسلات» : الملائكة، «عرفا» أي: أرسلوا بالمعروف من الأمر، أو كثيرين ~~كعرف الفرس. # «فالعاصفات عصفا» الرياح الشديدة (العواصف تأتى بالعصف وهو ورق الزرع ~~وحطامه) . # «والناشرات نشرا» الأمطار (لأنها تنشر النبات. فالنشر بمعنى الإحياء) . ~~ويقال: السحب تنشر الغيث. # ويقال: الملائكة. # «فالفارقات فرقا» الملائكة تفرق بين الحلال والحرام. # «فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا» . PageV03P670 # الملائكة: تلقى الوحى على الأنبياء عليهم السلام إعذارا وإنذارا.. # وجواب القسم: # «إنما توعدون لواقع» فأقسم بهذه الأشياء: إن القيامة لحق. # قوله جل ذكره: «فإذا النجوم طمست» إنما تكون هذه القيامة. و «طمست» : ذهب ms1274 ~~ضوؤها. # «وإذا الجبال نسفت» ذهب بها كلها بسرعة، حتى لا يبقى لها أثر. # «وإذا الرسل أقتت لأي يوم أجلت ليوم الفصل» أي: جعل لها وقتا وأجلا لفصل ~~القضاء يوم القيامة. # ويقال: أرسلت لأوقات معلومة. # «وما أدراك ما يوم الفصل» على جهة التعظيم له. # «ويل يومئذ للمكذبين» مضى تفسير معنى الويل. # ويقال في الإشارات: فإذا نجوم المعارف طمست بوقوع الغيبة. # وإذا الجبال نسفت: القلوب الساكنة بيقين الشهود حركت عقوبة على ما همت ~~بالذي لا يجوز. فويل يومئذ لأرباب الدعاوى الباطلة الحاصلة من ذوى القلوب ~~المطبقة الخالية من المعاني. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المرسلات (77) : الآيات 16 الى # 20] # ألم نهلك الأولين (16) ثم نتبعهم الآخرين (17) كذلك نفعل بالمجرمين (18) ~~ويل يومئذ للمكذبين (19) ألم نخلقكم من ماء مهين (20) # الذين كذبوا رسلهم، وجحدوا آياتنا فمثلما أهلكنا الأولين كذلك نفعل ~~بالمجرمين إذا فعلوا مثل فعلهم. # PageV03P671 # «ويل يومئذ للمكذبين» الذين لا يستوى ظاهرهم وباطنهم في التصديق. # وهكذا كان المتقدمون من أهل الزلة والفترة في الطريقة، والخيانة في أحكام ~~المحبة فعذبوا بالحرمان في عاجلهم، ولم يذوقوا من المعاني شيئا. # قوله جل ذكره: «ألم نخلقكم من ماء مهين» ؟. # أي: حقير. وإذ قد علمتم ذلك فلم لم تقيسوا أمر البعث عليه؟ # ويقال: ذكرهم أصل خلقتهم لئلا يعجبوا بأحوالهم فإنه لا جنس من المخلوقين ~~والمخلوقات أشد دعوى من بنى آدم. فمن الواجب أن يتفكر الإنسان في أصله ... ~~كان نطفة وفي انتهائه يكون جيفة، وفي وسائط حاله كنيف في قميص!! فبالحري ~~ألا يدل ولا يفتخر: # كيف يزهو من رجيعه ... أبد الدهر ضجيعه # فهو منه وإليه ... وأخوه ورضيعه # وهو يدعوه إلى الحش «1» ... بصغر فيطيعه؟!! # ويقال: يذكرهم أصلهم.. كيف كان كذلك.. ومع ذلك فقد نقلهم إلى أحسن صورة، ~~قال تعالى: # «وصوركم فأحسن صوركم» ، والذي يفعل ذلك قادر على أن يرقيك من الأحوال ~~الخسيسة إلى تلك المنازل الشريفة. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المرسلات (77) : الآيات 25 الى # 31] # ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأمواتا (26) وجعلنا فيها رواسي شامخات ~~وأسقيناكم ماء فراتا (27) ويل يومئذ للمكذبين (28) انطلقوا إلى ما ms1275 كنتم به ~~تكذبون (29) # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (30) لا ظليل ولا يغني من اللهب (31) # «كفاتا» أي: ذات جمع فالأرض تضمهم وتجمعهم أحياء وأمواتا فهم يعيشون على ~~ظهرها، ويودعون بعد الموت في بطنها.. # «وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا» . PageV03P672 # أي: جبالا مرتفعات، وجعلنا بها الماء سقيا لكم. يذكرهم عظيم منته بذلك ~~عليهم. # والإشارة فيه إلى عظيم منته أنه لم يخسف بكم الأرض- وإن عملتم ما عملتم. # «انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون» يقال لهم: انطلقوا إلى النار التي كذبتم ~~بها. # «انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب» كذلك إذا لم ~~يعرف العبد قدر انفتاح طريقه إلى الله بقلبه، وتعززه بتوكله.. فإذا رجع إلى ~~الخلق عند استيلاء الغفلة نزع الله عن قلبه الرحمة، وانسدت عليه طرق رشده، ~~فيتردد من هذا إلى هذا إلى هذا. # ويقال لهم: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون. والاستقلال بالله جنة المأوى، ~~والرجوع إلى الخلق قرع باب جهنم ... وفي معناه أنشدوا: # ولم أر قبلى من يفارق جنة ... ويقرع بالتطفيل باب جهنم # ثم يقال لهم إذا أخذوا في التنصل والاعتذار: ### | [سورة المرسلات (77) : الآيات 35 الى 38] # هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) ويل يومئذ للمكذبين ~~(37) هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (38) # فإلى أن تنتهى مدة العقوبة فحينئذ: ان استأنفت وقتا استؤنف لك وقت. فأما ~~الآن ... # فصبرا حتى تنقضى أيام العقاب. # «هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين» فعلنا بكم ما فعلنا بهم في الدنيا من ~~الخذلان، كذلك اليوم سنفعل بكم ما نفعل بهم من دخول النيران قوله جل ذكره: ### | [سورة المرسلات (77) : الآيات 41 الى 48] # إن المتقين في ظلال وعيون (41) وفواكه مما يشتهون (42) كلوا واشربوا ~~هنيئا بما كنتم تعملون (43) إنا كذلك نجزي المحسنين (44) ويل يومئذ ~~للمكذبين (45) # كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (46) ويل يومئذ للمكذبين (47) وإذا قيل ~~لهم اركعوا لا يركعون (48) # PageV03P673 # اليوم ... فى ظلال العناية والحماية، وغدا ... هم في ظلال الرحمة ~~والكلاءة. # اليوم.. فى ظلال التوحيد، وغدا.. فى ظلال حسن المزيد. # اليوم.. فى ظلال المعارف، وغدا.. فى ms1276 ظلال اللطائف. # اليوم.. فى ظلال التعريف، وغدا.. فى ظلال التشريف. # «كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون» اليوم تشربون على ذكره.. وغدا ~~تشربون على شهوده، اليوم تشربون بكاسات الصفاء وغدا تشربون بكاسات الولاء. # «إنا كذلك نجزي المحسنين» والإحسان من العبد ترك الكل لأجله! كذلك غدا: ~~يجازيك بترك كل الحاصل عليك لأجلك. # قوله جل ذكره: «كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون» هذا خطاب للكفار، وهذا ~~تهديد ووعيد، والويل يومئذ لكم. # قوله جل ذكره: «وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون» كانوا يصرون على الإباء ~~والاستكبار فسوف يقاسون البلاء العظيم «1» . # [ذكر في التفسير: أن المتقين دائما في ظلال الأشجار، وقصور الدر مع ~~الأبرار، وعيون جارية وأنهار.، وألوان من الفاكهة والثمار ... من كل ما ~~يريدون من الملك الجبار. ويقال لهم في الجنة: كلوا من ثمار الجنات، واشربوا ~~شرابا سليمان من الآفات. «بما كنتم تعملون» من الطاعات. «كذلك نجزي ~~المحسنين» من الكرامات. قيل: كلوا واشربوا «هنيئا» : # لا تبعة عليكم من جهة الخصومات، ولا أذية في المأكولات والمشروبات. # وقيل: الهنيء الذي لا تبعة فيه على صاحبه، ولا أذية فيه من مكروه لغيره.] ~~PageV03P674 # سورة النبإ # «1» قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» اسم ملك تجمل عباده بطاعته، وتزين خدمه بعبادته، وهو سبحانه ~~لا يتجمل بطاعة المطيعين، ولا يتزين بخدمة العابدين فزينة العابدين صدار ~~طاعتهم، وزينة العارفين حلة معرفتهم، وزينة المحبين تاج ولايتهم.. وزينة ~~المذنبين غسل وجوههم بصوب «2» عبرتهم. # قوله جل ذكره: ### | سورة النبإ # (78) : الآيات 1 الى 17] # بسم الله الرحمن الرحيم # عم يتساءلون (1) عن النبإ العظيم (2) الذي هم فيه مختلفون (3) كلا ~~سيعلمون (4) # ثم كلا سيعلمون (5) ألم نجعل الأرض مهادا (6) والجبال أوتادا (7) ~~وخلقناكم أزواجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) # وجعلنا الليل لباسا (10) وجعلنا النهار معاشا (11) وبنينا فوقكم سبعا ~~شدادا (12) وجعلنا سراجا وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) # لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا (16) إن يوم الفصل كان ميقاتا ~~(17) # مختلفون بشدة إنكارهم أمر البعث، ولا لتباس ذلك عليهم، وكثرة مساءلتهم ~~عنه، وكثرة مراجعتهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في معناه. # تكرر ms1277 من الله إنزال أمر البعث، وكم استدل عليهم في جوازه بوجوه من ~~الأمثلة ... # فهذا من ذلك، يقول: «عم يتساءلون. عن النبإ العظيم» : عن الخبر العظيم ~~«الذي هم فيه مختلفون» قال الله تعالى على جهة الاحتجاج عليهم: # «ألم نجعل الأرض مهادا؟» ذللناهم لهم حتى سكنوها «والجبال أوتادا؟» . ~~PageV03P675 # أوتادا للأرض حتى تميد بهم. # «وخلقناكم أزواجا» ذكرا وأنثى، وحسنا وقبيحا.. وغير ذلك «وجعلنا نومكم ~~سباتا» أي راحة لكم، لتنقطعوا عن حركاتكم التي تعبتم بها في نهاركم. # «وجعلنا الليل لباسا» تغطى ظلمته كل شىء فتسكنوا فيه. # «وجعلنا النهار معاشا» أي وقت معاشكم. # «وبنينا فوقكم سبعا شدادا» أي سبع سموات. # «وجعلنا سراجا وهاجا» أي الشمس، جعلناها سراجا وقادا مشتعلا. # «وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا» «المعصرات» الرياح التي تعصر السحاب «1» ~~. # «ماء ثجاجا» مطرا صبابا. # «لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا» «حبا» كالحنطة والشعير، «وجنات ~~ألفافا» بساتين يلتف بعضها ببعض. # وإذا قد علمتم ذلك فهلا علمتم أنى قادر على أن أعيد الخلق وأقيم القيامة؟ ~~PageV03P676 # فبعد أن عد عليهم بعض وجوه إنعامه، وتمكينهم من منافعهم.. قال: ### | ### | [سورة النبإ (78) : الآيات 18 الى # 30] # يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا (18) وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) ~~وسيرت الجبال فكانت سرابا (20) إن جهنم كانت مرصادا (21) للطاغين مآبا (22) # لابثين فيها أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) إلا حميما ~~وغساقا (25) جزاء وفاقا (26) إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27) # وكذبوا بآياتنا كذابا (28) وكل شيء أحصيناه كتابا (29) فذوقوا فلن نزيدكم ~~إلا عذابا (30) # مضى معناه «يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا» أي في ذلك اليوم تأتون زمرا ~~وجماعات. # «وفتحت السماء فكانت أبوابا» أي: تشققت وانفطرت. # «وسيرت الجبال فكانت سرابا» أي كالسراب. # «إن جهنم كانت مرصادا» أي ممرا. ويقال: ذات ارتقاب لأهلها. # «للطاغين مآبا» أي مرجعا. # «لابثين فيها أحقابا» أي دهورا، والمعنى مؤبدين «لا يذوقون فيها بردا ولا ~~شرابا إلا حميما وغساقا» مضى معناه. ثم يعذبون بعد ذلك بأنواع أخر من ~~العذاب. # «جزاء وفاقا» أي: جوزوا على وفق أعمالهم. ويقال: على وفق ما سبق به ~~التقدير، وجرى به الحكم. ms1278 # «إنهم كانوا لا يرجون حسابا» # PageV03P677 # لا يؤمنون فيرجون الثواب ويخافون العقاب. # «وكذبوا بآياتنا كذابا» «1» أي: تكذيبا. # «وكل شيء أحصيناه كتابا» أي: كتبناه كتابا، وعلمناه علما. # والمسبح الزاهد يحصى تسبيحه، والمهجور البائس يحصى أيام هجرانه، والذي هو ~~صاحب وصال لا يتفرغ من وصله إلى تذكر أيامه في العدد، أو الطول والقصر. # والملائكة يحصون زلات العاصين، ويكتبونها في صحائفهم. والحق سبحانه يقول: # «وكل شيء أحصيناه كتابا» فكما أحصى زلات العاصين وطاعات المطيعين فكذلك ~~أحصى أيام هجران المهجورين وأيام محن الممتحنين، وإن لهم في ذلك لسلوة ~~ونفسا: # ثمان قد مضين بلا تلاق ... وما في الصبر فضل عن ثمان # وكم من أقوام جاوزت أيام فترتهم الحد! وأربت أوقات هجرانهم على الحصر! ~~قوله جل ذكره: «فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا» يا أيها المنعمون في الجنة.. ~~افرحوا وتمتعوا فلن نزيدكم إلا ثوابا. # أيها الكافرون.. احترقوا في النار.. ولن نزيدكم إلا عذابا «2» ويا أيها ~~المطيعون.. افرحوا وارتعوا فلن نزيدكم إلا فضلا على فضل. # يا أيها المساكين.. ابكوا واجزعوا فلن نزيدكم إلا عزلا على عزل. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النبإ (78) : الآيات 31 الى # 38] # إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا (32) وكواعب أترابا (33) وكأسا ~~دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) # جزاء من ربك عطاء حسابا (36) رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا ~~يملكون منه خطابا (37) يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن ~~له الرحمن وقال صوابا (38) PageV03P678 # مسلم للمتقين ما وعدناهم به.. فهنيئا لهم ما أعددنا لهم من الفوز بالبغية ~~والظفر بالسؤل والمنية: من حدائق وأعناب، ومن كواعب أتراب وغير ذلك. # فيا أيها المهيمون المتيمون هنيئا لكم ما أنتم فيه اليوم في سبيل مولاكم ~~من تجرد وفقر، وما كلفكم به من توكل وصبر، وما تجرعتم من صد وهجر. # أحرى الملابس ما تلقى الحبيب به ... يوم التزاور «1» فى الثوب الذي خلعا # قوله: «لا يسمعون فيها ... » آذانهم مصونة عن سماع الأغيار، وأبصارهم ~~محفوظة عن ملاحظة الرسوم والآثار. # قوله جل ذكره: «رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه ms1279 ~~خطابا» وكيف تكون للمكون المخلوق الفقير المسكين مكنة أن يملك منه خطابا؟ ~~أو يتنفس بدونه نفسا؟ كلا.. بل هو الله الواحد الجبار. # قوله جل ذكره: «يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له ~~الرحمن وقال صوابا» إنما تظهر الهيبة على العموم لأهل الجمع في ذلك اليوم، ~~وأما الخواص وأصحاب الحضور فهم أبدا بمشهد العز بنعت الهيبة، لا نفس «2» ~~لهم ولا راحة أحاط بهم سرادقها واستولت عليهم حقائقها. PageV03P679 # قوله جل ذكره: ### | [سورة النبإ (78) : الآيات 39 الى 40] # ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) إنا أنذرناكم عذابا قريبا ~~يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا (40) # هم بمشهد الحق، والحكم عليهم الحق، حكم عليهم بالحق، وهم مجذوبون بالحق ~~للحق. # قوله جل ذكره: نا أنذرناكم عذابا قريبا» # وهو عند أهل الغفلة بعيد، ولكنه في التحقيق قريب. # وم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر # «1» اليتني كنت ترابا» . # مضوا في ذل الاختيار والتعنى «2» ، وبعثوا في حسرة التمنى، ولو أنهم رضوا ~~بالتقدير لتخلصوا «3» عن التمنى. PageV03P680 # سورة النازعات # «1» قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» اسم عزيز لرب عزيز، سماعه يحتاج إلى سمع عزيز، وذكره يحتاج ~~إلى وقت عزيز، وفهمه يحتاج إلى قلب عزيز. # وأنى لصاحب سمع بالغيبة مبتذل، ووقت معطل في الخسائس مستغرق، وقلب فى ~~الاشتغال بالأغيار مستعمل.. أنى له أن يصلح لسماع هذا الاسم؟!. # قوله جل ذكره: ### | سورة النازعات # (79) : الآيات 1 الى 12] # بسم الله الرحمن الرحيم # والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) والسابحات سبحا (3) فالسابقات ~~سبقا (4) # فالمدبرات أمرا (5) يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها الرادفة (7) قلوب يومئذ ~~واجفة (8) أبصارها خاشعة (9) # يقولون أإنا لمردودون في الحافرة (10) أإذا كنا عظاما نخرة (11) قالوا ~~تلك إذا كرة خاسرة (12) # أي الملائكة تنزع أرواح الكفار من أبدانهم. # «غرقا» : أي إغراقا كالمغرق في قوسه «2» . # ويقال: هى النجوم تنزع من مكان إلى مكان. # «والناشطات نشطا» هى أنفس المؤمنين تنشط للخروج عند الموت. # ويقال: هى الملائكة تنشط أرواح الكفار، وتنزعها فيشتد عليهم خروجها. # ويقال: هى الوحوش ms1280 تنشط من بلد إلى بلد. # ويقال: هى الأوهاق «3» . PageV03P681 # ويقال: هى النجوم تنشط من المشارق إلى المغارب ومن المغارب إلى المشارق. # «والسابحات سبحا» الملائكة تسبح في نزولها. # ويقال: هى النجوم تسبح في أفلاكها. # ويقال: هى السفن في البحار. # ويقال: هى أرواح المؤمنين تخرج بسهولة لشوقها إلى الله. # «فالسابقات سبقا» الملائكة يسبقون إلى الخير والبركة، أو لأنها تسبق ~~الشياطين عند نزول الوحى، أو لأنها تسبق بأرواح الكفار إلى النار. # ويقال: هى النجوم يسبق بعضها بعضا في الأفول. # «فالمدبرات أمرا» الملائكة تنزل بالحرام والحلال. # ويقال: جبريل بالوحى، وميكائيل بالقطر والنبات، وإسرافيل بالصور، وملك ~~الموت يقبض الأرواح.. عليهم السلام. # وجواب القسم قوله: «إن في ذلك لعبرة لمن يخشى» «1» قوله جل ذكره: «يوم ~~ترجف الراجفة» تتحرك الأرض حركة شديدة. # «تتبعها الرادفة» النفخة الأولى في الصور. وقيل: الراجفة النفخة الأولى ~~والرادفة النفخة الثانية. PageV03P682 # «قلوب يومئذ واجفة» خائفة. # «يقولون أإنا لمردودون في الحافرة» «1» أي إلى أول أمرنا وحالنا، يعنى ~~أئذا متنا نبعث ونرد إلى الدنيا (ونمشى على الأرض بأقدامنا) ؟. قالوه على ~~جهة الاستبعاد. # «أإذا كنا عظاما نخرة» أي بالية. # «تلك إذا كرة خاسرة» رجعة ذات خسران (مادام المصير إلى النار) . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النازعات (79) : الآيات 13 الى # 19] # فإنما هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14) هل أتاك حديث موسى (15) ~~إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) اذهب إلى فرعون إنه طغى (17) # فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19) # «2» جاء في التفسير إنها أرض المحشر، ويقال: إنها أرض بيضاء لم يعص الله ~~فيها «3» ويقال: الساهرة نفخة الصور تذهب بنومهم وتسهرهم. # قوله جل ذكره: «هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى» أي ~~الأرض المطهرة المباركة. «طوى» اسم الوادي هناك. # «اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى» . PageV03P683 # قلنا له: اذهب إلى فرعون إنه طغى، فقل له: هل يقع لك أن تؤمن وتتطهر من ~~ذنوبك. # وفي التفسير: لو قلت لا إله إلا الله فلك ملك لا يزول، وشبابك لا يهرم، ~~وتعيش ms1281 أربعمائة سنة في السرور والنعمة.. ثم لك الجنة في الآخرة. # «وأهديك إلى ربك فتخشى» أقرر لك بالآيات صحة ما أقول، وأعرفك صحة الدين.. ~~فهل لك ذلك؟ فلم يقبل. # ويقال: أظهر له كل هذا التلطف ولكنه في خفي سره وواجب مكره به أنه صرف ~~قلبه عن إرادة هذه الأشياء، وإيثار مراده على مراد ربه، وألقى في قلبه ~~الامتناع، وترك قبول النصح.. وأي قلب يسمع هذا الخطاب فلا ينقطع لعذوبة هذا ~~اللفظ؟ وأي كبد تعرف هذا فلا تتشقق لصعوبة هذا المكر؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة النازعات (79) : الآيات 20 الى # 24] # فأراه الآية الكبرى (20) فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى ~~(23) فقال أنا ربكم الأعلى (24) # جاء في التفسير: هى إخراج يده بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس. فقال فرعون: ~~حتى أشاور هامان «1» ، فشاوره، فقال له هامان: أبعد ما كنت ربا تكون ~~مربوبا؟! وبعد ما كنت ملكا تكون مملوكا؟ # فكذب فرعون عند ذلك، وعصى، وجمع السحرة، ونادى: # «فقال أنا ربكم الأعلى» ويقال: إن إبليس لما سمع هذا الخطاب فر وقال: لا ~~أطيق هذا! ويقال قال: أنا ادعيت الخيرية على آدم فلقيت ما لقيت.. وهذا ~~يقول: # أنا ربكم الأعلى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النازعات (79) : الآيات 26 الى 41] # إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (26) أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع ~~سمكها فسواها (28) وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (29) والأرض بعد ذلك دحاها (30) # أخرج منها ماءها ومرعاها (31) والجبال أرساها (32) متاعا لكم ولأنعامكم ~~(33) فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) يوم يتذكر الإنسان ما سعى (35) # وبرزت الجحيم لمن يرى (36) فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) فإن ~~الجحيم هي المأوى (39) وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) # فإن الجنة هي المأوى (41) PageV03P684 # أي في إهلاكنا فرعون لعبرة لمن يخشى. # قوله جل ذكره: «أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ~~ليلها وأخرج ضحاها» «فسواها» جعلها مستوية. «وأغطش ليلها» أظلم ليلها. ~~«ضحاها» ضوؤها ونهارها. # «دحاها» بسطها ومدها. # «أخرج منها ماءها ومرعاها» أخرج من الأرض العيون المتفجرة بالماء، وأخرج ~~النبات.. # «والجبال أرساها» أثبتها ms1282 أوتادا للأرض. # «متاعا لكم ولأنعامكم» أي أخرجنا النبات ليكون لكم به استمتاع، وكذلك ~~لأنعامكم. # «فإذا جاءت الطامة الكبرى» الداهية العظمى ... وهي القيامة. # «يوم يتذكر الإنسان ما سعى» وبرزت الجحيم لمن يرى، فأما من طغى وكفر وآثر ~~الحياة الدنيا فإن الجحيم له المأوى والمستقر والمثوى. # «وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى» «مقام ~~ربه» : وقوفه غدا في محل الحساب. ويقال: إقبال الله عليه وأنه راء له.. ~~وهذا عين المراقبة، والآخر محل المحاسبة. # PageV03P685 # «ونهى النفس عن الهوى» أي لم يتابع هواه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة النازعات (79) : الآيات 42 الى 46] # يسئلونك عن الساعة أيان مرساها (42) فيم أنت من ذكراها (43) إلى ربك ~~منتهاها (44) إنما أنت منذر من يخشاها (45) كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا ~~عشية أو ضحاها (46) # أي متى تقوم؟ # «فيم أنت من ذكراها» من أين لك علمها ولم نعلمك ذلك «1» . # «إلى ربك منتهاها» أي إنما يعلم ذلك ربك. # «إنما أنت منذر من يخشاها» أي تخوف، فيقبل تخويفك من يخشاها ويؤمن. # «كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها» كأنهم يوم يرون القيامة ~~لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها فلشدة ما يرون تقل عندهم كثرة ما لبثوا تحت ~~الأرض. PageV03P686 ### | سورة عبس # «1» قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» .. اسم كريم بسط للمؤمنين بساط جوده، اسم عزيز انسد على ~~الأولين والآخرين طريق وجوده.. وأنى بذلك ولا حد له؟ من الذي يدركه بالزمان ~~والزمان خلقه؟ # ومن الذي يحسبه في المكان والمكان فعله؟ ومن الذي يعرفه- إلا وبه يعرفه؟ ~~ومن الذي يذكره «2» - إلا وبه يذكره؟ # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة عبس (80) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) وما يدريك لعله يزكى (3) # نزلت في ابن أم مكتوم، وكان ضريرا.. أتى النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~عنده العباس ابن عبد المطلب وأمية بن خلف الجمحى «3» - يرجو الرسول صلى ~~الله عليه وسلم إيمانهما، فكره أن يقطع حديثه معهما، فأعرض عن ابن أم ~~مكتوم، وعبس وجهه، ms1283 فأنزل الله هذه الآية. # وجاء في التفسير: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أثره، وأمر بطلبه، ~~وكان بعد ذلك يبره ويكرمه، فاستخلفه على المدينة مرتين. # وجاء في التفسير: أنه صلى الله عليه وسلم لم يعبس- بعد هذا- فى وجه فقير ~~قط، ولم يعرض عنه. PageV03P687 # ويقال: فى الخطاب لطف.. وهو أنه لم يواجهه بل قاله على الكناية «1» ، ثم ~~بعده قال: # «وما يدريك لعله يزكى» أي يتذكر بما يتعلم منك أو. # «أو يذكر فتنفعه الذكرى» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة عبس (80) : الآيات 5 الى # 8] # أما من استغنى (5) فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا يزكى (7) وأما من جاءك ~~يسعى (8) # أما من استغنى عن نفسه فإنه استغنى عن الله. # ويقال: استغنى بماله فأنت له تصدى، أي تقبل عليه بوجهك. # «وما عليك..» فأنت لا تؤاحذ بألا يتزكى هو فإنما عليك البلاغ. # «وأما من جاءك يسعى» لطلب العلم، ويخشى الله فأنت عنه تتلهى، وتتشاغل ... ~~وهذا كله من قبيل العتاب معه لأجل الفقراء. # قوله جل ذكره: ### | [سورة عبس (80) : الآيات 11 الى 12] # كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) # القرآن تذكرة فمن شاء الله أن يذكره ذكره، ومن شاء الله ألا يذكره لم ~~يذكره أي بذلك جرى القضاء، فلا يكون إلا ما شاء الله. # ويقال: الكلام على جهة التهديد ومعناه: فمن أراد أن يذكره فليذكره، ومن ~~شاء ألا يذكره فلا يذكره! كقوله «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» «2» . # وقال سبحانه: «ذكره» ولم يقل «ذكرها» لأنه أراد به القرآن. # قوله جل ذكره: ### | [سورة عبس (80) : الآيات 13 الى 23] # في صحف مكرمة (13) مرفوعة مطهرة (14) بأيدي سفرة (15) كرام بررة (16) قتل ~~الإنسان ما أكفره (17) # من أي شيء خلقه (18) من نطفة خلقه فقدره (19) ثم السبيل يسره (20) ثم ~~أماته فأقبره (21) ثم إذا شاء أنشره (22) # كلا لما يقض ما أمره (23) PageV03P688 # أي صحف إبراهيم وموسى وما قبل ذلك، وفي اللوح المحفوظ. # «مرفوعة مطهرة» مرفوعة في القدر والرتبة، مطهرة من التناقض والكذب. # «بأيدي سفرة» أي: الملائكة الكتبة. # «كرام بررة» كرام عند الله بررة. # قوله جل ذكره: «قتل الإنسان ما ms1284 أكفره!» لعن الإنسان ما أعظم كفره!. # «من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره» خلقه وصوره وقدره أطوارا: من نطفة، ~~ثم علقة، ثم طورا بعد طور. # قوله جل ذكره: «ثم السبيل يسره» يسر عليه السبيل في الخير والشر، وألهمه ~~كيف التصرف. # ويقال: يسر عليه الخروج من بطن أمه يخرج أولا رأسه منكوسا. # «ثم أماته فأقبره» أي: جعل له قبرا لئلا تفترسه السباع والطيور ولئلا ~~يفتضح. # «ثم إذا شاء أنشره» بعثه من قبره. # «كلا لما يقض ما أمره» أي: عصى وخالف ما أمر به. # PageV03P689 # ويقال: لم يقض الله له ما أمره به، ولو قضى عليه وله ما أمره به لما عصاه ~~«1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة عبس (80) : الآيات 25 الى # 37] # أنا صببنا الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) ~~وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) # وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31) متاعا لكم ولأنعامكم (32) فإذا جاءت ~~الصاخة (33) يوم يفر المرء من أخيه (34) # وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) # فى الإشارة: صببنا ماء الرحمة على القلوب القاسية فلانت للتوبة، وصببنا ~~ماء التعريف على القلوب فنبتت فيها أزهار التوحيد وأنوار التجريد. # «وقضبا» أي القت «2» . # «وحدائق غلبا» متكائفة غلاظا. # «وفاكهة وأبا» الفاكهة: جميع الفواكه، و «أبا» : المرعى. # «متاعا لكم ولأنعامكم ... » # «فإذا جاءت الصاخة» أي: القيامة فيومئذ يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، ~~ثم بين ما سبب ذلك فقال: # «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه» لا يتفرغ إلى ذاك، ولا ذاك إلى هذه. ~~كذلك قالوا: الاستقامة أن تشهد الوقت PageV03P690 # قيامة، فما من ولي ولا عارف إلا وهو- اليوم- بقلبه يفر من أخيه وأمه ~~وأبيه، وصاحبته وبنيه. # فالعارف مع الخلق ولكنه يفارقهم بقلبه- قالوا: # فلقد جعلتك في الفؤاد محدثى ... وأبحت جسمى من أراد جاوسى «1» # قوله جل ذكره: ### | [سورة عبس (80) : الآيات 38 الى 41] # وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة (39) ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ~~ترهقها قترة (41) # وسبب استبشارهم مختلف فمنهم من استبشاره لوصوله إلى جنته، ومنهم لوصوله ~~إلى الحور العين من حظيته.. ومنهم ومنهم، وبعضهم لأنه نظر إلى ربه فرآه. ms1285 # «ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة» وهي غبرة ~~الفساق. «ترهقها قترة» . وهي ذل الحجاب. PageV03P691 # سورة التكوير # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» كلمة أثلجت من قوم قلوبا، وأوهجت من آخرين قلوبا من المطيعين ~~أثلجتها، ومن العاصين أوهجتها، ومن المريدين أبهجتها، ومن العارفين ~~أزعجتها. # قوله جل ذكره: ### | سورة التكوير # (81) : الآيات 1 الى 14] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) وإذا الجبال سيرت (3) وإذا ~~العشار عطلت (4) # وإذا الوحوش حشرت (5) وإذا البحار سجرت (6) وإذا النفوس زوجت (7) وإذا ~~الموؤدة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) # وإذا الصحف نشرت (10) وإذا السماء كشطت (11) وإذا الجحيم سعرت (12) وإذا ~~الجنة أزلفت (13) علمت نفس ما أحضرت (14) # ذهب ضوؤها. # «وإذا النجوم انكدرت» تناثرت وسقطت على الأرض. # قوله جل ذكره: «وإذا الجبال سيرت» «1» أزيلت عنها مناكبها. # «وإذا العشار عطلت» وهي النوق الحوامل التي أتى حملها عشرة أشهر.. أهملت ~~في ذلك اليوم لشدة أهواله، (واشتغال الناس بأنفسهم عنها) . # «وإذا الوحوش حشرت» أحييت، وجمعت في القيامة ليقتص لبعضها من بعض فيقتص ~~للجماء من القرناء «2» - وهذا على جهة ضرب المثل إذ لا تكليف عليها. ~~PageV03P692 # ولا يبعد أن يكون بإيصال منافع إلى ما وصل إليه الألم- اليوم- على ~~العوض.. # جوازا لا وجوبا على ما قاله أهل البدع. # «وإذا البحار سجرت» أو قدت- من سجرت التنور أسجره سجرا، أي: أحميته. # «وإذا النفوس زوجت» «1» بالأزواج. # «وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت وإذا الصحف نشرت» نشرت، أي: بسطت. # «وإذا السماء كشطت» أي: نزعت وطويت. # «وإذا الجحيم سعرت» أوقدت. # «وإذا الجنة أزلفت» أي: قربت من المتقين. # قوله جل ذكره: «علمت نفس ما أحضرت» هو جواب لهذه الأشياء، وهذه الأشياء ~~تحصل عند قيام القيامة. # وفي قيام قيامة هذه الطائفة (يقصد الصوفية) عند استيلاء هذه الأحوال ~~عليهم، وتجلى هذه المعاني لقلوبهم توجد هذه الأشياء. PageV03P693 # فمن اختلاف أحوالهم: أن لشموسهم في بعض الأحيان كسوفا وذلك عند ما يردون ~~«1» . # ونجوم علومهم قد تنكدر لاستيلاء الهوى على المريدين في بعض الأحوال، فعند ~~ذلك «علمت نفس ما أحضرت» . # قوله جل ms1286 ذكره: ### | ### | [سورة التكوير (81) : الآيات 15 الى # 24] # فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس (16) والليل إذا عسعس (17) والصبح إذا ~~تنفس (18) إنه لقول رسول كريم (19) # ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) مطاع ثم أمين (21) وما صاحبكم بمجنون (22) ~~ولقد رآه بالأفق المبين (23) وما هو على الغيب بضنين (24) # أي: أقسم، والخنس والكنس هي النجوم إذا غربت «2» . # ويقال: البقر الوحشي «3» . # قوله جل ذكره: «والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس» عسعس: أي جاء وأقبل. ~~«تنفس» : خرج من جوف الليل. # أقسم بهذه الأشياء، وجواب القسم: # «إنه لقول رسول كريم» . # إن هذا القرآن لقول رسول كريم، يعنى به جبريل عليه السلام. # «ذي قوة عند ذي العرش مكين» «مكين» من المكانة، وقد بلغ من قوته أنه قلع ~~قرية آل لوط وقلبها. # «وما صاحبكم بمجنون» وهذا أيضا من جواب القسم. # «ولقد رآه بالأفق المبين» رأى محمد جبريل عليه السلام بالأفق المبين ليلة ~~المعراج. PageV03P694 # ويقال: رأى ربه وكان صلى الله عليه وسلم بالأفق المبين. # «وما هو على الغيب بضنين» بمتهم «1» قوله جل ذكره: ### | [سورة التكوير (81) : الآيات 26 الى 29] # فأين تذهبون (26) إن هو إلا ذكر للعالمين (27) لمن شاء منكم أن يستقيم ~~(28) وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين (29) # إلى متى تتطوحون في أودية الظنون والحسبان؟ # وإلى أين تذهبون عن شهود مواضع الحقيقة؟ # وهلا رجعتم إلى مولاكم فيما سركم أو أساءكم؟ # «إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم» ما هذا القرآن إلا ذكرى ~~لمن شاء منكم أن يستقيم ... وقد مضى القول فى الاستقامة. # «وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين» أن يشاءوا «2» . PageV03P695 ### | سورة الانفطار # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» كلمة منيعة ليس يسمو ~~إلى فهمها كل خاطر فإذا كان الخاطر غير عاطر فهو عن علم حقيقتها متقاصر. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الانفطار (82) : الآيات 1 الى # 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا البحار فجرت (3) ~~وإذا القبور بعثرت (4) # علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) # أي: ms1287 انشقت. # «وإذا الكواكب انتثرت» تساقطت وتهافتت. # «وإذا البحار فجرت» أي: فتح بعضها على بعض. # «وإذا القبور بعثرت» أي: قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، وأخرج ما ~~فيها من كنوز وموتى. # «علمت نفس ما قدمت وأخرت» جواب لهذه الأمور أي إذا كانت هذه الأشياء: ~~علمت كل نفس ما قدمت من خيرها وشرها. # قوله جل ذكره: «يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم» # PageV03P696 # أي: ما خدعك وما سول لك حتى عملت «1» بمعاصيه؟ # ويقال: سأله وكأنما في نفس السؤال لقنه الجواب يقول: غرنى كرمك بي، ولولا ~~كرمك لما فعلت لأنك رأيت فسترت، وقدرت فأمهلت. # ويقال: إن المؤمن «2» وثق بحسن إفضاله فاغتر بطول إمهاله فلم يرتكب الزلة ~~لاستحلاله، ولكن طول حلمه عنه حمله على سوء خصاله، وكما قلت «3» : # يقول مولاى: أما تستحى ... مما أرى من سوء أفعالك # قلت: يا مولاى رفقا فقد ... جرأنى «4» كثرة أفضالك # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الانفطار (82) : الآيات 7 الى # 12] # الذي خلقك فسواك فعدلك (7) في أي صورة ما شاء ركبك (8) كلا بل تكذبون ~~بالدين (9) وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) # يعلمون ما تفعلون (12) # أي: ركب أعضاءك على الوجوه الحكمية «5» فى أي صورة ماشاء، من الحسن ~~والقبح، والطول والقصر. ويصح أن تكون الصورة هنا بمعنى الصفة، و «في» بمعنى ~~«على» فيكون معناه: على أي صفة شاء ركبك من السعادة أو الشقاوة، والإيمان ~~أو المعصية.. # قوله جل ذكره: «كلا بل تكذبون بالدين» أي: القيامة «6» . # «وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون» هم الملائكة الذين ~~يكتبون الأعمال. وقد خوفهم برؤية الملائكة وكتابتهم الأعمال لتقاصر ~~PageV03P697 # حشمتهم من اطلاع الحق، ولو علموا ذلك حق العلم لكان توقيهم عن المخالفات ~~لرؤيته- سبحانه، واستحياؤهم من اطلاعه- أتم من رؤية الملائكة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الانفطار (82) : الآيات 13 الى 19] # إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) يصلونها يوم الدين ~~(15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما يوم الدين (17) # ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله (19) # «الأبرار» : هم المؤمنون اليوم في نعمة ms1288 العصمة، وغداهم في الكرامة ~~والنعمة «الفجار» : اليوم في جهنم باستحقاق اللعنة والإصرار على الشرك ~~الموجب للفرقة، وغدا فى النار على وجه التخليد والتأييد. # ويقال: «إن الأبرار لفي نعيم» . فى روح الذكر، وفي الأنس في أوان خلوتهم. # «وإن الفجار لفي جحيم» . فى ضيق قلوبهم وتسخطهم على التقدير، وفي ظلمات ~~تدبيرهم، وضيق اختيارهم. # «يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين» «يصلونها» أي النار. «يوم ~~الدين» . يوم القيامة. # «وما هم عنها» عن النار. «وما أدراك ما يوم الدين؟» قالها على جهة ~~التهويل. # «يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله» الأمر لله يومئذ، ولله من ~~قبله ومن بعده، ولكن «يومئذ» تنقطع الدعاوى، إذ يتضح الأمر وتصير المعارف ~~ضرورية. # PageV03P698 # سورة المطففين # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» اسم عزيز رداؤه كبرياؤه، وسناؤه علاؤه، وعلاؤه بهاؤه، وجلاله ~~جماله، وجماله جلاله. الوجود له غير مستفتح، والموجود منه غير مستقبح. ~~المعهود منه لطفه، المأمول منه لطفه.. كيفما قسم للعبد فالعبد عبده إن ~~أقصاه فالحكم حكمه، وإن أدناه فالأمر أمره «1» . # قوله جل ذكره: ### | سورة المطففين # (83) : الآيات 1 الى 9] # بسم الله الرحمن الرحيم # ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) # ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العالمين (6) كلا إن كتاب الفجار لفي ~~سجين (7) وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) # «ويل» : الويل كلمة تذكر عند وقوع البلاء، فيقال: ويل لك، وويل عليك! و ~~«المطفف» . الذي ينقص الكيل والوزن، وأراد بهذا الذين يعاملون الناس فإذا ~~أخذوا لأنفسهم استوفوا، وإذا دفعوا إلى من يعاملهم نقصوا، ويتجلى ذلك فى: ~~الوزن والكيل، وفي إظهار العيب، وفي القضاء والأداء والاقتضاء فمن لم يرض ~~لأخيه المسلم ما لا يرضاه لنفسه PageV03P699 # فليس بمنصف. وأما الصديقون فإنهم كما ينظرون للمسلمين فإنهم ينظرون لكل ~~من لهم معهم معاملة- والصدق عزيز، وكذلك أحوالهم في الصحبة والمعاشرة.. ~~فالذى يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه فهو من هذه الجملة- جملة المطففين- ~~كما قيل: # وتبصر في العين منى القذى ... وفي ms1289 عينك الجذع لا تبصر # ومن اقتضى حق نفسه- دون أن يقضى حقوق غيره مثلما يقتضيها لنفسه- فهو من ~~جملة المطففين. # والفتى من يقضى حقوق الناس ولا يقتضى من أحد لنفسه حقا. # قوله جل ذكره: «ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم؟ يوم يقوم الناس ~~لرب العالمين» أي: ألا يستيقن هؤلاء أنهم محاسبون غدا، وأنهم مطالبون بحقوق ~~الناس؟. # ويقال: من لم يذكر- فى حال معاملة الناس- معاينة القيامة ومحاسبتها فهو ~~فى خسران في معاملته. # ويقال: من كان صاحب مراقبة لله رب العالمين استشعر الهيبة في عاجله، كما ~~يكون حال الناس في المحشر لأن اطلاع الحق اليوم كاطلاعه غدا. # قوله جل ذكره: «كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين؟ كتاب ~~مرقوم» «سجين «1» » قيل: هى الأرض السابعة، وهي الأرض السفلى، يوضع كتاب ~~أعمال الكفار هنالك إذلالا لهم وإهانة، ثم تحمل أرواحهم إلى ما هنالك. ~~PageV03P700 # ويقال: «السجين» جب في جهنم. وقيل: صخرة في الأرض السفلى، وفي اللغة ~~السجين: فعيل من السجن. # «وما أدراك ما سجين» . استفهام على جهة التهويل «كتاب مرقوم» . أي مكتوب ~~كتب الله فيه ما هم عاملون، وما هم إليه صائرون. # وإنما المكتوب على بنى آدم في الخير والشر، والشقاوة والسعادة فهو على ما ~~تعلق به علمه وإرادته، وإنما أخبر على الوجه الذي علم أن يكون أو لا يكون، ~~وكما علم أنه يكون أو لا يكون أراد أن يكون أو لا يكون. ثم إنه سبحانه لم ~~يطلع أحدا على أسرار خلقه إلا من شاء من المقربين بالقدر الذي أراده فإنه ~~يجرى عليهم في دائم أوقاتهم ما سبق لهم به التقدير. # ثم قال: ### | ### | [سورة المطففين (83) : الآيات 10 الى # 21] # ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا ~~كل معتد أثيم (12) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (13) كلا بل ~~ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) ثم ~~يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17) كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين (18) وما ~~أدراك ما ms1290 عليون (19) # كتاب مرقوم (20) يشهده المقربون (21) # ويل للذين لا يصدقون بيوم الدين، وما يكذب به إلا كل مجاوز للحد الذي وضع ~~له إذا يتلى عليه القرآن كفر به. # «كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون» أي: غطى على قلوبهم ما كانوا يكسبون من المعاصي.. وكما أنهم- ~~اليوم- ممنوعون عن معرفته فهم غدا ممنوعون عن رؤيته. ودليل الخطاب يوجب أن ~~يكون المؤمنون يرونه غدا كما يعرفونه اليوم. # قوله جل ذكره: «كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين» «عليين» أعلى الأمكنة، ~~تحمل إليه أرواح الأبرار تشريفا لهم وإجلالا. # PageV03P701 # ويقال: إنها سدرة المنتهى. ويقال: فوق السماء السابعة. كتاب مرقوم فيه ~~أعمالهم مكتوبة يشهده المقربون «1» من الملائكة. ### | ### | [سورة المطففين (83) : الآيات 22 الى # 24] # إن الأبرار لفي نعيم (22) على الأرائك ينظرون (23) تعرف في وجوههم نضرة ~~النعيم (24) # اليوم وغدا: اليوم في روح العرفان، وراحة الطاعة والإحسان، ونعمة الرضا ~~وأنس القربة وبسط الوصلة. وغدا- فى الجنة وما وعدوا به من فنون الزلفة ~~والقربة. # قوله تعالى: «على الأرائك ينظرون» أثبت النظر ولم يبين المنظور إليه ~~لاختلافهم في أحوالهم فمنهم من ينظر إلى قصوره. # ومنهم من ينظر إلى حوره، ومنهم ومنهم.. ومنهم الخواص فهم على دوام ~~الأوقات إلى الله- سبحانه- ينظرون. # قوله جل ذكره: «تعرف في وجوههم نضرة النعيم» من نظر إليهم علم أن أثر ~~نظره إلى مولاه ما يلوح على وجهه من النعيم فأحوال المحب شهود عليه أبدا. ~~فإن كان الوقت وقت وصال فاختياله ودلاله، وسروره وحبوره، ونشاطه وانبساطه. ~~وإن كان الوقت وقت غيبة وفراق فالشهود عليه نحوله وذبوله، وحنينه وأنينه، ~~ودموعه وهجوعه.. وفي معناه قلت «2» . # يا من تغير صورتى لما بدا ... - لجميع ما ظنوا بنا- تحقيق PageV03P702 # وقلت: # ولما أتى الواشين أنى زرتها ... جحدت حذارا أن تشيع السرائر # فقالوا: نرى في وجهك اليوم نضرة ... كست محياك «1» .. وهاذاك ظاهر! # وبردك لا ذاك الذي كان قبله ... به طيب نشر لم تشعه المجامر # فما كان منى من بيان أقيمه ... وهيهات أن يخفى مريب مساتر! # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة المطففين (83) : الآيات 25 الى ms1291 # 28] # يسقون من رحيق مختوم (25) ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (26) ~~ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون (28) # «مختوم» أي رحيق لا غش فيه. # ويقال: عتيق طيب. # ويقال: إنهم يشربون شرابا آخره مسك. # ويقال: بل هو مختوم قبل حضورهم. # ويقال: «ختامه مسك» . ممنوع من كل أحد، معد مدخر لكل أحد باسمه. # «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون» . وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال ~~الصالحة، والسباق إلى القرب، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ عن الأخلاق ~~الدنية، وجولان الهمم فى الملكوت «2» ، واستدامة المناجاة. # قوله جل ذكره: «ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون» «تسنيم» أي: عين ~~تسنم عليهم من علو. # وقيل: ميزاب ينصب عليهم من فوقهم. # ويقال: سمى تسنيما لأن ماءه يجرى في الهواء متسنما فينصب في أوانى أهل ~~الجنة PageV03P703 # فمنهم من يسقى مزجا، ومنهم من يسقى صرفا.. الأولياء يسقون مزجا، والخواص ~~يسقون صرفا «1» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة المطففين (83) : الآيات 29 الى 36] # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29) وإذا مروا بهم ~~يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وإذا رأوهم قالوا ~~إن هؤلاء لضالون (32) وما أرسلوا عليهم حافظين (33) # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) على الأرائك ينظرون (35) هل ~~ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36) # كانوا يضحكون استهزاء بهم.. فاليوم.. الذين آمنوا من الكفار يضحكون! ~~«فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما ~~كانوا يفعلون؟» «هل ... » استفهام يراد منه التقرير. # ويقال: إذا رأوا أهل النار في النار يعذبون لا تأخذهم بهم رأفة، ولا ترق ~~لهم قلوبهم، بل يضحكون ويستهزئون ويعيرونهم. PageV03P704 ### | سورة الانشقاق # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «1» «بسم الله» : اسم جليل جلاله ~~لا بالأشكال، وجماله لا على احتذاء أمثال، وأفعاله لا بأغراض وأعلال، ~~وقدرته لا باجتلاب ولا احتيال، وعلمه لا بضرورة ولا استدلال، فهو الذي لم ~~يزل ولا يزال، ولا يجوز عليه فناء ولا زوال. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الانشقاق (84) : الآيات 1 الى # 18] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الأرض مدت (3) وألقت ما ms1292 ~~فيها وتخلت (4) # وأذنت لربها وحقت (5) يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) ~~فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) وينقلب إلى أهله ~~مسرورا (9) # وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعوا ثبورا (11) ويصلى سعيرا ~~(12) إنه كان في أهله مسرورا (13) إنه ظن أن لن يحور (14) # بلى إن ربه كان به بصيرا (15) فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) ~~والقمر إذا اتسق (18) # «انشقت» : انصدعت. # «وأذنت لربها وحقت» أي قابلت أمر ربها بالسمع والطاعة.. وحق لها أن تفعل ~~ذلك. # «وإذا الأرض مدت» بسطت باندكاك آكامها وجبالها حتى صارت ملساء، وألقت ما ~~فيها من الموتى والكنوز وتخلت عنها.. وقابلت أمر ربها بالسمع والطاعة. # وجواب هذه الأشياء في قوله: «فملاقيه» أي يلقى الإنسان ما يستحقه على ~~أعماله. «2» # قوله جل ذكره: «يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه» . ~~PageV03P705 # «يا أيها الإنسان» : يا أيها المكلف.. إنك ساع بما لك سعيا ستلقى جزاءه ~~بالخير خيرا وبالشر شرا. # «فأما من أوتي كتابه بيمينه» وهو المؤمن المحسن. # «فسوف يحاسب حسابا يسيرا» أي حسابا لا مشقة فيه. ويقال: «حسابا يسيرا» أي ~~يسمعه كلامه- سبحانه- بلا واسطة، فيخفف سماع خطابه ما في الحساب من عناء. # ويقال: «حسابا يسيرا» : لا يذكره ذنوبه. ويقال: يقول: ألم أفعل كذا؟ وألم ~~أفعل كذا؟ يعد عليه إحسانه.. ولا يقول: ألم تفعل كذا؟ لا يذكره عصيانه. # «وينقلب إلى أهله مسرورا» أي بالنجاة والدرجات، وما وجد من المناجاة، ~~وقبول الطاعات، وغفران الزلات. # ويقال: بأن يشفعه فيمن يتعلق به قلبه. ويقال: بألا يفضحه. # ويقال: بأن يلقى ربه ويكلمه قبل أن يدخله الجنة فيلقى حظيته من الحور ~~العين. # قوله جل ذكره: «وأما من أوتي كتابه وراء ظهره» وهو الكافر. # «فسوف يدعوا ثبورا» .. # أي ويلا. # «ويصلى سعيرا» جهنم. # «إنه كان في أهله مسرورا» # PageV03P706 # من البطر «1» والمدح. # «إنه ظن أن لن يحور» أنه لن يرجع إلينا، ولن يبعث. # قوله جل ذكره: «فلا أقسم بالشفق» بالحمرة التي تعقب غروب الشمس. # «والليل وما وسق» وما جمع وضم. # «والقمر إذا اتسق» تم واستوى ms1293 واجتمع. # ويقال: الشفق حين غربت شمس وصالهم، وأذيقوا الفراق في بعض أحوالهم، وذلك ~~زمان قبض بعد بسط، وأوان فرق عقيب جمع «2» . «والليل وما وسق» : ليالى ~~غيبتهم وهم بوصف الاستياق أو ليالى وصالهم وهم في روح التلاقي، أو ليالى ~~طلبهم وهم بنعت القلق والاحتراق. # «والقمر إذا اتسق» : إذا ظهر سلطان العرفان على القلوب فلا بخس ولا ~~نقصان. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الانشقاق (84) : الآيات 19 الى 25] # لتركبن طبقا عن طبق (19) فما لهم لا يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم القرآن ~~لا يسجدون (21) بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) # فبشرهم بعذاب أليم (24) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ~~ممنون (25) # أي حالا بعد حال. وقيل: من أطباق السماء. ويقال: شدة بعد شدة. # ويقال: تارات الإنسان طفلا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا. # ويقال: طالبا ثم واصلا ثم متصلا. # ويقال: حالا بعد حال، من الفقر والغنى، والصحة والسقم. # ويقال: حالا بعد حال في الآخرة. PageV03P707 # قوله جل ذكره: «فما لهم لا يؤمنون؟» أي فما لكفار أمتك لا يصدقون.. وقد ~~ظهرت البراهين؟ # «وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما ~~يوعون» «يوعون» أي تنطوى عليه قلوبهم- من أوعيت المتاع في الظرف أي جعلته ~~فيه. # «فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون» ~~«إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات» فإنهم ليسوا منهم، ولهم أجر غير مقطوع. # PageV03P708 ### | سورة البروج # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» : اسم من لا عقل يكتنهه «1» ، اسم من لا مثل يشبهه، اسم من لا ~~فهم «2» يرتقى إليه بالتصوير، اسم من لا علم ينتهى إليه بالتقدير «3» ، اسم ~~من لم يره بصر إلا واحد- وهو أيضا مختلف فيه «4» ، اسم من لا يجسر أحد أن ~~يتكلم بغير ما إذن فيه، اسم من لا قطر يحويه، ولا سر يخفيه، ولا أحد يصل ~~إلى معرفته إلا من يرتضيه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البروج (85) : الآيات 1 الى # 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) قتل ms1294 أصحاب ~~الأخدود (4) # النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ~~شهود (7) # أراد البروج الاثني عشر «5» . # «واليوم الموعود» يوم القيامة. # وجواب القسم قوله: «إن بطش ربك لشديد» . # قوله جل ذكره: «وشاهد ومشهود» يقال: الشاهد الله، والمشهود الخلق. ~~PageV03P709 # ويقال: الشاهد الخلق، والمشهود الله يشهدونه اليوم بقلوبهم، وغدا ~~بأبصارهم. # ويقال: الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود القيامة، قال تعالى: ~~«وجئنا بك على هؤلاء شهيدا» «1» ، وقال في القيامة: «ذلك يوم مجموع له ~~الناس وذلك يوم مشهود» «2» . # وقيل: الشاهد يوم الجمعة «3» ، والمشهود يوم عرفة. # ويقال: الشاهد الملك الذي يكتب العمل، والشاهد الإنسان يشهد على نفسه، ~~وأعضاؤه تشهد عليه فهو شاهد وهو مشهود. # ويقال: الشاهد يوم القيامة، والمشهود الناس. # ويقال: المشهود هم الأمة لأنه صلى الله عليه وسلم يشهد لهم وعليهم. # ويقال: الشاهد هذه الأمة، والمشهود سائر الأمم. # ويقال: الشاهد الحجر الأسود لأن فيه كتاب العهد. # ويقال: الشاهد جميع الخلق يشهدون لله بالوحدانية، والمشهود الله. # ويقال: الشاهد الله شهد لنفسه بالوحدانية، والمشهود هو لأنه شهد لنفسه. # قوله جل ذكره: «قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود» أي لعنوا. والأخدود: ~~الحفرة في الأرض إذا كانت مستطيلة، وقصتهم في التفسير معلومة «4» و ~~«الوقود» الحطب. # وهم أقوام كتموا إيمانهم فلما علم ملكهم بذلك أضرم عليهم نارا عظيمة، ~~وألقاهم فيها. PageV03P710 # وآخر من دخلها امرأة كان معها رضيع، وهمت أن ترجع، فقال لها الولد: قفى ~~واصبري.. # فأنت على الحق. # وألقوها في النار، واقتحمتها، وبينما كان أصحاب الملك قعودا حوله يشهدون ~~ما يحدث ارتفعت النار من الأخدود وأحرقتهم جميعا، ونجا من كان في النار من ~~المؤمنين وسلموا. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البروج (85) : الآيات 8 الى # 13] # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) الذي له ملك ~~السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9) إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق (10) إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير ~~(11) إن بطش ربك لشديد (12) # إنه ms1295 هو يبدئ ويعيد (13) # ما غضبوا منهم إلا لإيمانهم. # قوله جل ذكره: «إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم ~~عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق» أي أحرقوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا عن ~~كفرهم «فلهم عذاب جهنم» : نوع من العذاب، «ولهم عذاب الحريق» : نوع آخر «1» ~~. # قوله جل ذكره: «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ذلك الفوز الكبير» «ذلك الفوز الكبير» : النجاة العظيمة. # «إن بطش ربك لشديد» البطش الأخذ بالشدة. # «إنه هو يبدئ ويعيد» يبدئ الخلق ثم يعيدهم بعد البعث. PageV03P711 # ويقال: يبدئ بالعذاب ثم يعيد، وبالثواب ثم يعيد. # ويقال: يبدئ على حكم العداوة والشقاوة ثم يعيد عليه، ويبدئ على الضعف ~~ويعيدهم إلى الضعف. # ويقال: يبدى الأحوال السنية فإذا وقعت حجبة يعيد ثانية. # ويقال: يبدى بالخذلان أمورا قبيحة ثم يتوب عليه، فإذا نقض توبته فلأنه ~~أعاد له من مقتضى الخذلان ما أجراه في أول حاله. # ويقال: يبدى لطائف تعريفه ثم يعيد لتبقى تلك الأنوار أبدا لائحة، فلا ~~يزال يبدى ويعيد إلى آخر العمر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البروج (85) : الآيات 14 الى 22] # وهو الغفور الودود (14) ذو العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16) هل أتاك ~~حديث الجنود (17) فرعون وثمود (18) # بل الذين كفروا في تكذيب (19) والله من ورائهم محيط (20) بل هو قرآن مجيد ~~(21) في لوح محفوظ (22) # «الغفور» كثير المغفرة، «الودود» مبالغة من الواد، ويكون بمعنى المودود ~~فهو يغفر لهم كثيرا لأنه يودهم، ويغفر لهم كثيرا لأنهم يودونه. # قوله جل ذكره: «ذو العرش المجيد» ذو الملك الرفيع، والمجد الشريف. # «فعال لما يريد» لأنه مالك على الإطلاق فلا حجر عليه ولا حظر. # قوله جل ذكره: «هل أتاك حديث الجنود» الجموع من الكفار. # «فرعون وثمود» وقد تقدم ذكر شأنهما. # «بل الذين كفروا في تكذيب» «الذين كفروا» يعنى مشركى مكة «في تكذيب» ~~للبعث والنشر. # «والله من ورائهم محيط» # PageV03P712 # عالم بهم. # «بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ» «في لوح محفوظ» مكتوب فيه. وجاء في ~~التفسير: أن اللوح المحفوظ خلق من درة بيضاء، دفتاه من ياقوتة ms1296 حمراء عرضها ~~بين السماء والأرض، وأعلاه متعلق بالعرش، وأسفله فى حجر ملك كريم. # والقرآن كما هو محفوظ في اللوح كذلك محفوظ في قلوب المؤمنين، قال تعالى: ~~«بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم» فهو في اللوح مكتوب، وفي ~~القلوب محفوظ. # PageV03P713 ### | سورة الطارق # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» : اسم عزيز إذا أراد ~~إعزاز عبد وفقه لعرفانه، ثم زينه بإحسانه، ثم استخلصه بامتنانه فعصمه من ~~عصيانه، وقام بحسن التولى- فى جميع أحواله- بشانه، ثم قبضه على إيمانه، ثم ~~بوأه في جنانه، وأكرمه برضوانه، ثم أكمل عليه نعمته برؤيته وعيانه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الطارق (86) : الآيات 1 الى 17] # بسم الله الرحمن الرحيم # والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) النجم الثاقب (3) إن كل نفس ~~لما عليها حافظ (4) # فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب ~~والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) يوم تبلى السرائر (9) # فما له من قوة ولا ناصر (10) والسماء ذات الرجع (11) والأرض ذات الصدع ~~(12) إنه لقول فصل (13) وما هو بالهزل (14) # إنهم يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا (16) فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (17) # أقسم بالسماء، وبالنجم الذي يطرق ليلا. # «وما أدراك ما الطارق؟» استفهام يراد منه تفخيم شأن هذا النجم. # «النجم الثاقب» المضيء العالي. وقيل: الذي ترمى به الشياطين. # ويقال: هى «1» نجوم المعرفة التي تدل على التوحيد يستضىء بنورها ويهتدى ~~بها أولو البصائر. # «إن كل نفس لما عليها حافظ» ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ ~~عليه عمله ورزقه وأجله، ويحمله على دوام التيقظ وجميل التحفظ. # قوله جل ذكره: «فلينظر الإنسان مم خلق خلق PageV03P714 # من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب» يخرج من صلب الأب، وتريبة الأم. # وهو بذلك يحثه على النظر والاستدلال حتى يعرف كمال قدرته وعلمه وإرادته- ~~سبحانه. # «إنه على رجعه لقادر» إنه على بعثه، وخلقه مرة أخرى لقادر لأنه قادر على ~~الكمال- والقدرة على الشيء تقتضى القدرة على مثله، والإعادة في معنى ~~الابتداء. # «يوم تبلى السرائر» يوم تمتحن الضمائر. # «فما له من قوة ولا ناصر» ms1297 أي ما لهذا الإنسان- يومئذ- من معين يدفع عنه ~~حكم الله. # «والسماء ذات الرجع» أي المطر. # «والأرض ذات الصدع» «الصدع» : الانشقاق بالنبات للزرع والشجر. # «إنه لقول فصل» أي: إن القرآن لقول جزم. # «وما هو بالهزل» الهزل ضد الجد، فليس القرآن بباطل ولا لعب. # قوله جل ذكره: «إنهم يكيدون كيدا» # PageV03P715 # أي يحتالون حيلة. # «وأكيد كيدا» هم يحتالون حيلة، ونحن نحكم فعلا ونبرم خلقا، ونجازيهم على ~~كيدهم، بما نعاملهم به من الاستدراج والإمهال. # «فمهل الكافرين أمهلهم رويدا» أي أنظرهم، وأمهلهم قليلا، وأرودهم رويدا. # PageV03P716 ### | سورة الأعلى # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» : اسم عزيز من قصده ~~وجده، ومن استسعفه حمده. من طلبه عرفه، ومن عرفه لاطفه، فإذا وجد لطفه ~~ألفه، وإذا ألفه أنف أن يخالفه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الأعلى (87) : الآيات 1 الى # 9] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) والذي أخرج ~~المرعى (4) # فجعله غثاء أحوى (5) سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر ~~وما يخفى (7) ونيسرك لليسرى (8) فذكر إن نفعت الذكرى (9) # أي سبح ربك بمعرفة أسمائه، واسبح بسرك في بحار علائه، واستخرج من جواهر ~~علوه وسنائه ما ترصع به عقد مدحه وثنائه. # «الذي خلق فسوى» خلق كل ذى روح فسوى أجزاءه، وركب أعضاءه على ما خصه به ~~من النظم العجيب والتركيب البديع. # «والذي قدر فهدى» أي قدر ما خلقه، فجعله على مقدار ما أراده، وهدى كل ~~حيوان إلى ما فيه رشده من المنافع، فيأخذ ما يصلحه ويترك ما يضره- بحكم ~~الإلهام. # ويقال: هدى قلوب الغافلين إلى طلب الدنيا فعمروها، وهدى قلوب العابدين ~~إلى طلب العقبى فآثروها. وهدى قلوب الزاهدين إلى فناء الدنيا فرفضوها، وهدى ~~قلوب العلماء إلى النظر في آياته والاستدلال بمصنوعاته فعرفوا تلك الآيات ~~ولازموها. # (وهدى قلوب المريدين إلى عز وصفه فآثروه، واستفرغوا جهدهم فطلبوه) «1» ، ~~وهدى PageV03P717 # العارفين إلى قدس نعته فراقبوه ثم شاهدوه، وهدى الموحدين إلى علاء سلطانه ~~في توحد كبريائه فتركوا ما سواه وهجروه، وخرجوا عن كل مألوف لهم ومعهود ms1298 «1» ~~حتى قصدوه. # فلما ارتقوا عن حد البرهان ثم عن حد البيان ثم عما كالعيان علموا أنه ~~عزيز، وأنه وراء كل فصل ووصل، فرجعوا إلى موطن العجز فتوسدوه. # «والذي أخرج المرعى» أي النبات. # «فجعله غثاء أحوى» جعله هشيما كالغثاء، وهو الذي يقذفه السيل. و «أحوى» ~~أسود. # «سنقرئك فلا تنسى» «2» سنجمع القرآن في قلبك- يا محمد- حفظا حتى لا تنسى ~~لأنا نحفظه عليك. # «إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى» مما لا يدخل تحت التكليف ~~فتنساه قبل التبليغ ولم يجب عليه أداؤه. # وهو- سبحانه- يعلم السر والعلن. # قوله جل ذكره: «فذكر إن نفعت الذكرى» والذكرى تنفع لا محالة «3» ، ولكن ~~لمن وفقه الله للاتعاظ بها، أما من كان المعلوم من حاله الكفر والإعراض فهو ~~كما قيل: PageV03P718 # وما انتفاع أخى الدنيا بمقلته ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم ### | [سورة الأعلى (87) : الآيات 10 الى 19] # سيذكر من يخشى (10) ويتجنبها الأشقى (11) الذي يصلى النار الكبرى (12) ثم ~~لا يموت فيها ولا يحيى (13) قد أفلح من تزكى (14) # وذكر اسم ربه فصلى (15) بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير وأبقى ~~(17) إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى (19) # الذي يخشى الله ويخشى عقوبته. # «ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى» أي ~~يتجنب الذكر الأشقى الذي يصلى النار الكبرى، ثم لا يموت فيها موتا يريحه، ~~ولا يحيا حياة تلذ له. # قوله جل ذكره: «قد أفلح من تزكى» من تطهر من الذنوب والعيوب، ومشاهدة ~~الخلق وأدى الزكاة- وجد النجاة، والظفر بالبغية، والفوز بالطلبة. # «وذكر اسم ربه فصلى» ذكر اسم ربه في صلاته. ويقال: ذكره بالوحدانية وصلى ~~له. # «بل تؤثرون الحياة الدنيا» تميلون إليها فتقدمون حظوظكم منها على حقوق ~~الله تعالى. # [ «والآخرة خير وأبقى» والآخرة للمؤمنين خير وأبقى- من الدنيا- لطلابها.] ~~«1» # قوله جل ذكره: «إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى» إن هذا الوعظ ~~لفى الصحف المتقدمة، وكذلك في صحف إبراهيم وموسى وغيرهما لأن التوحيد، ~~والوعد والوعيد.. لا تختلف باختلاف الشرائع. PageV03P719 ### | سورة الغاشية # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» : كلمة من ms1299 سمعها وفي قلبه عرفانه تلألأت أنوار قلبه، وتفرقت ~~أنواع كربه، وتضاعفت في جماله طوارق حبه، وتحيرت في جلاله شوارق لبه. # كلمة من عرفها- وفي قلبه إيمانه- أحبها من داخل الفؤاد، وهجر- فى طلبها- ~~الرقاد، وترك- لأجلها- كل هم ومراد. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الغاشية (88) : الآيات 1 الى # 12] # بسم الله الرحمن الرحيم # هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة (3) تصلى ~~نارا حامية (4) # تسقى من عين آنية (5) ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) لا يسمن ولا يغني من ~~جوع (7) وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) # في جنة عالية (10) لا تسمع فيها لاغية (11) فيها عين جارية (12) # «الغاشية» المجللة، يريد بها القيامة تغشى الخلق، تغشى وجوه الكفار. # «وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية» وجوه- إذا جاءت القيامة- ~~خاشعة أي ذليلة. عاملة ناصبة: النصب التعب. # جاء في التفسير: أنهم يجرون على وجوههم. # «تصلى نارا حامية» تلزم نارا شديدة الحر. # ويقال: «عاملة» فى الدنيا بالمعاصي، «ناصبة» فى الآخرة بالعذاب. # ويقال: «ناصبة» فى الدنيا «عاملة» لكن من غير إخلاص كعمل الرهبان «1» ، ~~وفي معناه عمل أهل النفاق. PageV03P720 # «تسقى من عين آنية» تناهى حرها. # يس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع» # نبت ينمو بالحجاز له شوك، وهو سم لا تأكله الدواب، فإذا أكلوا ذلك في ~~النار يغصون، فيسقون الزقوم. # وإن اتصاف الأبدان- اليوم- بصورة الطاعات مع فقد الأرواح وجدان المكاشفات ~~(وفقد) «1» الأسرار أنوار المشاهدات، (وفقد) القلب الإخلاص والصدق في ~~الاعتقادات لا يجدى خيرا، ولا ينفع شيئا- وإنما هي كما قال: «عاملة ناصبة» ~~قوله جل ذكره: «وجوه يومئذ ناعمة» أي: متنعمة، ذات نعمة ونضارة. # «لسعيها راضية» حين وجدت الثواب على سعيها، والقبول لها. # «في جنة عالية» عالية في درجتها ومنزلتها وشرفها. هم بأبدانهم في ~~درجاتهم، ولكن بأرواحهم مع الله فى عزيز مناجاتهم. # «لا تسمع فيها لاغية» لأنهم يسمعون بالله فليس فيها كلمة لغو. # قوم يسمعون بالله، وقوم يسمعون لله، وقوم يسمعون من الله، وفي الخبر: ~~«كنت له سمعا وبصرا فبى يسمع وبى يبصر «2» . PageV03P721 # «فيها عين جارية» أراد عيونا لأن العين اسم جنس، ms1300 والعيون الجارية هنالك ~~كثيرة ومختلفة. # ويقال: تلك العيون الجارية غدا لمن له- اليوم- عيون جارية بالبكاء «1» ، ~~وغدا لهم عيون ناظرة بحكم اللقاء. ### | ### | [سورة الغاشية (88) : الآيات 17 الى # 15] # النمارق المصفوفة في التفسير: الطنافس المبسوطة. # الزرابي المبثوثة في التفسير: البسط المتفرقة. # وإنما خاطبهم على مقادير فهو مهم «2» . # قوله جل ذكره: «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟» لما ذكر وصف تلك السرر ~~المرفوعة المشيدة قالوا: كيف يصعدها المؤمن؟ فقال: # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟ كيف إذا أرادوا الحمل عليها أو ركوبها ~~تنزل؟ # فكذلك تلك السرر تتطامن حتى يركبها الولي. # وإنما أنزلت هذه الآيات على وجه التنبيه، والاستدلال بالمخلوقات على كمال ~~قدرته سبحانه. # فالقوم كانوا أصحاب البوادي لا يرون شيئا إلا السماء والأرض والجبال ~~والجمال ... # فأمرهم بالنظر في هذه الأشياء. PageV03P722 # وفي الإبل خصائص تدل على كمال قدرته وإنعامه جل شأنه منها: ما في إمكانهم ~~من الانتفاع بظهورها للحمل والركوب، ثم بنسلها، ثم بلحمها ولبنها ووبرها ~~... ثم من سهولة تسخيرها لهم، حتى ليستطيع الصبي أن يأخذ بزمامها، فتنجر ~~وراءه. والإبل تصبر على مقاساة العطش في الأسفار الطويلة، وهي تقوى على أن ~~تحمل فوق ظهورها الكثير من الحمولات.. # ثم حرانها إذا حقدت، واسترواحها إلى صوت من يحدوها عند الإعياء والتعب، ~~ثم ما يعلل المرء بما يناط بها من برها «1» . ### | [سورة الغاشية (88) : الآيات 26 الى 21] # «2» لست عليهم بمسلط فذكر- يا محمد- بما أمرناك به، فبذلك أمرناك «3» . # «إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر» إلا من تولى عن الإيمان ~~وكفر فيعذبه الله بالخلود في النار. # «إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم» إن إلينا رجوعهم، ثم نجازيهم على ~~الخير والشر. PageV03P723 ### | سورة الفجر # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # بسم الله كلمة ما استولت على قلب فقير فأقلقته، وما تمكنت من سر متيم ~~فشتته، وما استولت على روح محب فرحمته «1» . كلمة قهارة للقلوب.. ولكن لا ~~لكل قلب، كلمة لا سبيل لها لكل عقل، كلمة تكتفى من العابدين بقراءتهم لها، ~~ولكنها لا ترضى من المحبين إلا ببذل أرواحهم فيها. # قوله ms1301 جل ذكره: ### | ### | [سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى # 13] # بسم الله الرحمن الرحيم # والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر (4) # هل في ذلك قسم لذي حجر (5) ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد ~~(7) التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) # وفرعون ذي الأوتاد (10) الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد ~~(12) فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) # الفجر انفجار الصبح وهو اثنان: مستطيل وقصير «2» ففى التفسير: إنه فجر ~~المحرم لأنه ابتداء السنة كلها، وقيل: فجر ذى الحجة. # ويقال: هو الصخور ينفجر منها الماء. # ويقال: أقسم به لأنه وقت عبادة الأولياء عند افتتاحهم النهار. # «وليال عشر» قيل: هى عشر ذى الحجة، ويقال: عشر المحرم لأن آخرها عاشوراء. # ويقال: العشر الأخيرة من رمضان. # ويقال: هى العشر التي ذكرها الله في قصة موسى عليه السلام تم به ميعاده ~~بقوله: # وأتممناها بعشر» . PageV03P724 # ويقال: هو «فجر» قلوب العارفين إذا ارتقوا عن حد العلم، وأسفر صبح ~~معارفهم، فاستغنوا عن ظلمة طلب البرهان «1» بما تجلى في قلوبهم من البيان. # «والشفع والوتر» جاء في التفاسير: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة «2» ~~. # ويقال: آدم كان وترا فشفع بزوجته حواء. # وفي خبر: إنها الصلوات منها وتر (كصلاة المغرب) ومنها شفع كصلاة الصبح. # ويقال: الشفع الزوج من العدد، والوتر الفرد من العدد. # ويقال: الشفع تضاد أوصاف الخلق: كالعلم والجهل، والقدرة والعجز، والحياة ~~والموت. والوتر انفراد صفات الله سبحانه عما يضادها علم بلا جهل، وقدرة بلا ~~عجز، وحياة بلا موت. # ويقال: الشفع الإرادة والنية، والوتر الهمة لا تكتفى بالمخلوق ولا سبيل ~~لها إلى الله- لتقدسه عن الوصل والفصل. فبقيت الهمة غريبة. # ويقال: الشفع الزاهد والعابد، لأن لكل منهما شكلا وقرينا، والوتر المريد ~~فهو كما قيل: # فريد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد # «والليل إذا يسر» «يسرى» يمضى. # قوله جل ذكره: «هل في ذلك قسم لذي حجر؟» «حجر» . لب. وجواب القسم: «إن ~~ربك لبالمرصاد» . PageV03P725 # «ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد ... » # ذكر قصص هؤلاء ms1302 المتقدمين.. إلى قوله: «فصب عليهم ربك سوط عذاب» أي: شدة ~~العذاب. ### | ### | [سورة الفجر (89) : الآيات 14 الى # 17] # إن ربك لبالمرصاد (14) فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه ~~فيقول ربي أكرمن (15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ~~(16) كلا بل لا تكرمون اليتيم (17) # لا يفوته شىء. # قوله جل ذكره: «فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن» «فيقول ربي ~~أكرمن» : أي: شكره. # «فقدر عليه رزقه» . أي: ضيق، «فيقول ربي أهانن» . أي: أذلنى. كلا.. ليس ~~الإذلال بالفقر إنما الإذلال بالخذلان للعصيان «1» . # قوله جل ذكره: «كلا بل لا تكرمون اليتيم» أي: أنتم تستحقون الإهانة على ~~هذه الخصال المذمومة فلا تكرمون اليتيم. ### | [سورة الفجر (89) : الآيات 19 الى 25] # وتأكلون التراث أكلا لما (19) وتحبون المال حبا جما (20) كلا إذا دكت ~~الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك والملك صفا صفا (22) وجيء يومئذ بجهنم يومئذ ~~يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى (23) # يقول يا ليتني قدمت لحياتي (24) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) # لما. أي شديدا. # «وتحبون المال حبا جما» جما أي كثيرا. PageV03P726 # قوله جل ذكره: «كلا إذا دكت الأرض دكا دكا» أي: قامت القيامة. # «وجاء ربك والملك صفا صفا» «وجاء ربك» أي الملائكة بأمره «1» . # ويقال: يفعل فعلا فيسميه مجيئا. # «وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى؟!» يقال: تقاد ~~جهنم بسبعين ألف زمام» # وفي ذلك اليوم يتذكر الإنسان.. ولا ينفعه التذكر، ولا يقبل منه العذر. # «يقول يا ليتني قدمت لحياتي» أي: أطعت ربى ونظرت لنفسى. # «فيومئذ لا يعذب عذابه أحد» أي: لا يعذب في الدنيا أحد مثلما يعذبه الله ~~في ذلك اليوم.. إذا قرئت الذال بالكسر. # أما إذا قرئت بالفتح «3» «لا يعذب» فالمعنى: لا يعذب أحد مثلما يعذب هذا ~~الكافر «4» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفجر (89) : الآيات 27 الى 30] # يا أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28) فادخلي في ~~عبادي (29) وادخلي جنتي (30) PageV03P727 # الروح المطمئنة إلى النفس. # ويقال: المطمئنة بالمعرفة: ويقال: المطمئنة بذكر الله. ms1303 # ويقال: بالبشارة بالجنة. ويقال: النفس المطمئنة: الروح الساكنة «1» ~~«ارجعي إلى ربك راضية مرضية» راضية «2» عن الله، مرضية من قبل الله. # «فادخلي في عبادي وادخلي جنتي» أي: فى عبادى الصالحين. PageV03P728 ### | سورة البلد # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «1» «بسم الله» كلمة تخبر عن ~~جلال أزلي، وجمال سرمدي، جلال ليس له زوال، وجمال ليس له انتقال، جلال لا ~~بأغيار «2» وأمثال، جمال لا بصورة ومثال، وجلال هو استحقاقه لجبروته وجمال ~~هو استيجابه لملكوته، جلال من كاشفه به فأوصافه فناء في فناء، وجمال من ~~لاطفه به فأحواله بقاء في بقاء. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البلد (90) : الآيات 1 الى # 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) ووالد وما ولد (3) لقد ~~خلقنا الإنسان في كبد (4) # أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول أهلكت مالا لبدا (6) أيحسب أن لم يره ~~أحد (7) ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) # وهديناه النجدين (10) # أي: أقسم بهذا البلد، وهو مكة. # «وأنت حل بهذا البلد» وإنما أحلت له ساعة واحدة «3» . # «ووالد وما ولد» كل والد وكل مولود. وقيل: آدم وأولاده وجواب القسم: «لقد ~~خلقنا الإنسان في كبد» . # ويقال: أقسم بهذا البلد لأنك حل به.. وبلد الحبيب حبيب. # «لقد خلقنا الإنسان في كبد» PageV03P729 # أي: فى مشقة فهو يقاسى شدائد الدنيا والآخرة. # ويقال: خلقه في بطن أمه (منتصبا رأسه) فإذا أذن الله أن يخرج من بطن أمه ~~تنكس رأسه عند خروجه، ثم في القماط وشد الرباط ... ثم إلى الصراط هو في ~~الهياط والمياط «1» . # قوله جل ذكره: «أيحسب أن لن يقدر عليه أحد» أي: لقوته وشجاعته عند نفسه ~~يقول: # «يقول أهلكت مالا لبدا» «لبدا» كثيرا، فى عداوة محمد صلى الله عليه وسلم. ~~«2» # «أيحسب أن لم يره أحد» أليس يعلم أن الله يراه، وأنه مطلع عليه؟ # قوله جل ذكره: «ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين؟» أي: ألم نخلقه سميعا ~~بصيرا متكلما. # «وهديناه النجدين» ألهمناه طريق الخير والشر. ### | [سورة البلد (90) : الآيات 11 الى 20] # فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) فك ms1304 رقبة (13) أو إطعام ~~في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) # أو مسكينا ذا متربة (16) ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة (17) أولئك أصحاب الميمنة (18) والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب ~~المشأمة (19) عليهم نار مؤصدة (20) # أي: فهلا اقتحم العقبة. «وما أدراك ما العقبة؟ استفهام على التفخيم ~~لشأنها. # ويقال: هى عقبة بين الجنة والنار يجاوزها من فعل ما قاله: وهو فك رقبة: ~~أي: إعتاق مملوك، والفك الإزالة. وأطعم في يوم ذى مجاعة وقحط وشدة يتيما ذا ~~قرابة، أو «مسكينا ذا متربة» : لا شىء له حتى كأنه قد التصق بالتراب من ~~الجوع. PageV03P730 # قوله جل ذكره: «ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة» ~~أي: من الذين يرحم بعضهم بعضا. # «أولئك أصحاب الميمنة» أي: أصحاب اليمن والبركة. # «والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة» هم المشائيم ~~على أنفسهم، عليهم نار مطبقة يعنى أبواب النيران (عليهم مغلقة) . # والعقبة التي يجب على الإنسان اقتحامها: نفسه وهواه، وما لم يجز تلك ~~العقبة لا يفلح و «فك رقبة» هو إعتاق نفسه من رق الأغراض والأشخاص. # ويكون فك الرقبة بأن يهدى من يفكه- من رق هواه ونفسه- إلى سلامته من شح ~~نفسه، ويرجعه إليه، ويخرجه من ذله. # ويكون فك الرقبة بالتحرز من التدبير، والخروج من ظلمات الاختيار إلى سعة ~~الرضاء. # ويقال: يطعم من كان في متربة ويكون هو في مسغبة. # «ثم كان من الذين آمنوا ... » أي تكون خاتمته على ذلك «1» . PageV03P731 ### | سورة الشمس # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» إخبار عن وجود الحق بنعت القدم. «الرحمن الرحيم» : إخبار عن ~~بقائه بوصف العلاء والكرم. # كاشف الأرواح بقوله: «بسم الله» فهيمها، وكاشف النفوس بقوله: «الرحمن ~~الرحيم» فتيمها فالأرواح دهشى في كشف جلاله، والنفوس عطشى إلى لطف جماله ~~«1» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة الشمس (91) : الآيات 1 الى # 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار إذا جلاها (3) والليل ~~إذا يغشاها (4) # والسماء وما بناها (5) والأرض وما طحاها (6) ونفس وما سواها (7) فألهمها ~~فجورها وتقواها (8) # ضحا الشمس صدر وقت ms1305 طلوعها. # «والقمر إذا تلاها» أي: تبعها وذل في النصف الأول من الشهر. # «والنهار إذا جلاها» إذا جلى الشمس وكشفها. # «والليل إذا يغشاها» أي: يغشى الشمس (فيذهب بضوئها) . # «والسماء وما بناها» أي وبنائها. ويقال: ومن بناها «2» PageV03P732 # «والأرض وما طحاها» أي: وطحوها. ويقال: ومن طحاها (أي بسطها أو قسمها أو ~~خلقها) . # «ونفس وما سواها» ومن سوى أجزاءها وأعضاءها. # «فألهمها فجورها وتقواها» أي: بأن خذلها ووفقها. # ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها بحكم القدير. # وقيل: طريق الخير والشر. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشمس (91) : الآيات 9 الى 15] # قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10) كذبت ثمود بطغواها (11) إذ ~~انبعث أشقاها (12) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (13) # فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (14) ولا يخاف عقباها ~~(15) # هذا جواب القسم. أي: «لقد أفلح من زكاها» . # ويقال: من زكاها الله عز وجل. # «وقد خاب من دساها» أي: دساها الله. وقيل: دسها «1» فى جملة الصالحين ~~وليس منهم. # وقيل: خاب من دس نفسه بمعصية الله. وقيل دساها: جعلها خسيسة حقيرة. # وأصل الكلمة دسسها «2» قوله جل ذكره: «كذبت ثمود بطغواها» «بطغواها» : ~~لطغيانها، وقيل: إن صالحا قد مات، فكفر قومه، فأحياه الله، فدعاهم إلى ~~الإيمان، فكذبوه، وسألوه علامة وهي الناقة، فأتاهم صالح بما سألوا. # «إذ انبعث أشقاها» . PageV03P733 # «أشقاها» عاقرها. # «فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها» أي: احذروا ناقة الله، واحذروا ~~سقياها: أي: لا تتعرضوا لها. # «فكذبوه فعقروها ... » # أي كذبوا صالحا، فعقروا الناقة. # « ... فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها» . # أي: أهلكهم بجرمهم، «فسواها» : أي أطبق عليهم العذاب «1» . # ويقال: سوى بينهم ربهم في العذاب لأنهم كلهم رضوا بعقر الناقة. # قوله جل ذكره: «ولا يخاف عقباها» أي: أن الله لا يخاف عاقبة ما فعل بهم ~~من العقوبة. # ويقال: قد أفلح «2» من داوم على العبادة، وخاب من قصر فيها. # وفائدة السورة: أنه أفلح من طهر نفسه عن الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع ~~في الأعواض والأغراض، ثم أبعد نفسه عن الاعتراض على الأقسام، وعن ارتكاب ~~الحرام. # وقد خاب من خان نفسه، ms1306 وأهملها عن المراعاة، ودنسها بالمخالفات فلم يرض ~~بعدم المعاني حتى ضم إلى فقرها منها الدعاوى المظلمة ... فغرقت في بحر ~~الشقاء سفينته. PageV03P734 # سورة الليل # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» بسم الله كلمة تخبر عن إلهية ~~الله وهي استحقاقه لنعوت المجد والتوحد، وصفات العز والتفرد فمن تجرد في ~~طلبه عن الكسل، ولم يستوطن مركب العجز والفشل، ووضع النظر موضعه وصل بدليل ~~العقل إلى عرفانه، ومن بذل روحه ونفسه وودع في الطلب راحته وأنسه، ولم يعرج ~~في أوطان الوقفة ظفر بحكم الوصل إلى شهود سلطانه، والناس فيه بين موفق ~~ومخذول، أو مؤيد ومردود. # قوله جل ذكره: ### | سورة الليل # (92) : الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر والأنثى (3) إن ~~سعيكم لشتى (4) # فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل ~~واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) # فسنيسره للعسرى (10) # يغشى الأفق، وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. # والليل لأصحاب التحير يستغرق جميع أقطار أفكارهم فلا يهتدون الرشد. # «والنهار إذا تجلى» أنار وظهر، ووضح وأسفر. # ونهار أهل العرفان بضياء قلوبهم وأسرارهم، حتى لا يخفى عليهم شىء، فسكنوا ~~بطلوع الشمس «1» عن تكلف إيقاد السراج «2» «وما خلق الذكر والأنثى» أي: ~~«من» خلق الذكر والأنثى وهو الله سبحانه: # «إن سعيكم لشتى» هذا جواب القسم، والمعنى: إن عملكم لمختلف فمنكم: من ~~سعيه في طلب دنياه، ومنكم من سعيه في شهوات نفسه واتباع هواه، ومنكم من في ~~طلب جاهه ومناه، وآخر في طلب عقباه، PageV03P735 # وآخر في تصحيح تقواه، وآخر في تصفية ذكراه، وآخر في القيام بحسن رضاه، ~~وآخر في طلب مولاه. # ومنكم: من يجمع بين سعى النفس بالطاعة، وسعى القلب بالإخلاص، وسعى البدن ~~بالقرب، وسعى اللسان بذكر الله، والقول الحسن للناس، ودعاء الخلق إلى الله ~~والنصيحة لهم. # ومنهم من سعيه في هلاك نفسه وما فيه هلاك دنياه ... ومنهم.. ومنهم. # قوله جل ذكره: «فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى» «فأما ~~من أعطى» من ماله، «واتقى» مخالفة ربه ... # ويقال: «أعطى» الإنصاف من ms1307 نفسه، «واتقى» طلب الإنصاف لنفسه «1» ... # ويقال: «اتقى» مساخط الله. «وصدق بالحسنى» : بالجنة، أو بالكرة الآخرة، ~~وبالمغفرة لأهل الكبائر، وبالشفاعة من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~وبالخلف «2» من قبل الله ... فسنيسره لليسرى: أي نسهل عليه الطاعات، ونكره ~~إليه المخالفات، ونشهى إليه القرب، ونحبب إليه الإيمان، ونزين في قلبه ~~الإحسان. # ويقال: الإقامة على طاعته والعود إلى ما عمله من عبادته. # «وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى» أما من منع الواجب، ~~واستغنى في اعتقاده، وكذب بالحسنى: أي بما ذكرنا، فسنيسره للعسرى فيقع في ~~المعصية ولم يدبرها، ونوقف «3» له أسباب المخالفة. # ويقال «أعطى» أعرض عن الدارين، «واتقى» أن يجعل لهما في نفسه مقدارا. «4» ~~PageV03P736 # قوله جل ذكره: ### | [سورة الليل (92) : الآيات 11 الى 21] # وما يغني عنه ماله إذا تردى (11) إن علينا للهدى (12) وإن لنا للآخرة ~~والأولى (13) فأنذرتكم نارا تلظى (14) لا يصلاها إلا الأشقى (15) # الذي كذب وتولى (16) وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما ~~لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) # ولسوف يرضى (21) # يعنى: إذا مات.. فما الذي يغنى عنه ماله بعد موته؟ # قوله جل ذكره: «إن علينا للهدى» لأوليائنا، الذين أرشدناهم. ويقال: «إن ~~علينا للهدى» بنصيب الدلائل. # «وإن لنا للآخرة والأولى» ملكا، نعطيه من نشاء. # «فأنذرتكم نارا تلظى» أي: تتلظى. # «لا يصلاها إلا الأشقى» أي: لا يعذب بها إلا الأشقى، وهو: # «الذي كذب وتولى» يعنى: كفر. # «وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى» يعطى الزكاة المفروضة. # ويقال يتطهر من الذنوب. # ونزلت الآية فى (أبى بكر) «1» رضى الله عنه. والآية عامة. PageV03P737 # «وما لأحد عنده من نعمة تجزى» حتى تكون هذه مكافأة له. ولا يفعل هذا ~~ليتخذ عند أحد يدا، ولا يطلب منه مكافأة: # «إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى» أي: ليتقرب بها إلى الله. # «ولسوف يرضى» يرضى الله عنه، ويرضى هو بما يعطيه. # PageV03P738 # سورة الضحى # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» اسم لا يشبهه كفو «1» ~~فى ذاته وصفاته، ولا يستفزه «2» لهو في إثبات مصنوعاته، ولا يعتريه سهو في ~~علمه وحكمته، ms1308 ولا يعترضه لغو في قوله وكلمته. # فهو حكيم لا يلهو، وعليم لا يسهو، وحليم يثبت ويمحو فالصدق قوله، والحق ~~حكمه، والخلق خلقه والملك ملكه. # قوله جل ذكره: ### | سورة الضحى # (93) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3) وللآخرة خير لك ~~من الأولى (4) # ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) ألم يجدك يتيما فآوى (6) # «والضحى» : ساعة من النهار. أو النهار كله يسمى ضحى. ويقال: أقسم بصلاة ~~الضحى. # ويقال: الضحى الساعة التي كلم فيها موسى عليه السلام. # «والليل إذا سجى» أي: ليلة المعراج، و «سجى» : أي سكن، ويقال: هو عام فى ~~جنس الليل. # ويقال: «الضحى» وقت الشهود. «والليل إذا سجى» الذي قال: إنه ليغان على ~~قلبى «3» ... » PageV03P739 # ويقال: «الليل إذا سجى» حين ينزل الله فيه إلى السماء الدنيا- على ~~التأويل الذي يصح في وصفه «1» . # «ما ودعك ربك وما قلى» ما قطع عنك الوحى وما أبغضك «2» . # وكان ذلك حين تأخر جبريل- عليه السلام- عنه أياما «3» ، فقال أهل مكة: إن ~~محمدا قد قلاه ربه. ثم أنزل الله هذه السورة. # وقيل: احتبس عنه جبريل أربعين يوما، وقيل: اثنى عشر يوما، وقيل: خمسة ~~وعشرين يوما. # ويقال: سبب احتباسه أن يهوديا سأله عن قصة ذى القرنين وأصحاب الكهف، فوعد ~~الجواب ولم يقل: إن شاء الله» . # «وللآخرة خير لك من الأولى» أي: ما يعطيك في الآخرة خير لك مما يعطيك في ~~الدنيا. # ويقال: ما أعطاك من الشفاعة والحوض، وما يلبسك من لباس التوحيد- غدا- خير ~~مما أعطاك اليوم. # «ولسوف يعطيك ربك فترضى» قيل: أفترضى بالعطاء عن المعطى؟ قال: لا. # قوله جل ذكره: «ألم يجدك يتيما فآوى؟» PageV03P740 # قيل: إلى عمه أبى طالب. # ويقال: بل آواه إلى كنف ظله، ورباه بلطف رعايته. # ويقال: فآواك إلى بساط القربة بحيث انفردت بمقامك، فلم يشاركك فيه أحد ### | [سورة الضحى (93) : الآيات 7 الى 11] # ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك عائلا فأغنى (8) فأما اليتيم فلا تقهر (9) ~~وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11) # أي: ضللت في شعاب مكة، فهدى إليك عمك أبا طالب في حال صباك. # ويقال: ms1309 «ضالا» فينا متحيزا ... فهديناك بنا إلينا. # ويقال: «ضالا» عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها بأن عرفناك تفصيلها. # ويقال: فيما بين الأقوام ضلال فهداهم بك. # وقيل: «ضالا» للاستنشاء «1» فهداك لذلك. # ويقال «ضالا» فى محبتنا، فهديناك بنور القربة إلينا. # ويقال: «ضالا» عن محبتى لك فعرفتك أنى أحبك. # ويقال: جاهلا بمحل شرفك، فعرفتك قدرك. # ويقال: مستترا في أهل مكة لا يعرفك أحد فهديناهم إليك حتى عرفوك «2» ~~«ووجدك عائلا فأغنى» فى التفسير: فأغناك بمال خديجة. # ويقال: أغناك عن الإرادة والطلب بأن أرضاك بالفقد «3» ويقال: أغناك ~~بالنبوة والكتاب. ويقال: أغناك بالله. PageV03P741 # ويقال: أغناك عن السؤال حينما أعطاك ابتداء بلا سؤال منك. # قوله جل ذكره: «فأما اليتيم فلا تقهر» فلا تخفه، وارفق به، وقربه. # «وأما السائل فلا تنهر» أي: إما أن تعطيه.. أو ترده برفق، أو وعد. # ويقال: السائل عنا، والسائل المتحير فينا- لا تنهرهم، فإنا نهديهم، ونكشف ~~مواضع سؤالهم عليهم.. فلاطفهم أنت في القول. # «وأما بنعمة ربك فحدث» فاشكر، وصرح بإحسانه إليك، وإنعامه عليك. # PageV03P742 ### | سورة ألم نشرح # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» اسم عزيز عز من التجأ ~~إليه، وجل من توكل عليه، وفاز في الدنيا والعقبى من توسل به إليه فمن تقرب ~~منه قربه ومن شكا إليه حقق له مطلبه، ومن رفع قصته إليه قضى مأربه. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الشرح (94) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ~~ذكرك (4) # فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ~~ربك فارغب (8) # ألم نوسع قلبك للإسلام؟ ألم نلينه للإيمان؟ # ويقال: ألم نوسع صدرك بنور الرسالة؟ ألم نوسع صدرك لقبول ما نورد عليك. # «ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك» أي: إثمك قبل النبوة. # ويقال: عصمناك عن ارتكاب الوزر فوضعه عنه بأنه لم يستوجبه قط. # ويقال: خفضنا عنك أعباء النبوة وجعلناك محمولا لا متحملا «1» . # ويقال: قويناك على التحمل من الخلق، وقويناك لمشاهدتنا، وحفظنا عليك ما ~~استحفظت «2» ، وحرسناك عن ملاحظة الخلق فيما شرفناك ms1310 به. PageV03P743 # «الذي أنقض ظهرك» : أي: أثقله، ولولا حملنا عنك لكسر. # «ورفعنا لك ذكرك» بذكرنا فكما لا تصح كلمة الشهادة إلا بي، فإنها لا تصح ~~إلا بك. «1» # ويقال: رفعنا لك ذكرك بقول الناس: محمد رسول الله! ويقال: أثبتنا لك شرف ~~الرسالة. # «فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا» وفي الخبر: «لن يغلب عسر يسرين» ~~«2» ومعناه: أن العسر بالألف واللام في الموضعين للعهد- فهو واحد، واليسر ~~منكر في الموضعين فهما شيئان. والعسر الواحد: ما كان في الدنيا، واليسران: ~~أحدهما في الدنيا من الخصب، وزوال البلاء، والثاني في الآخرة من الجزاء ~~وإذا فعسر جميع المؤمنين واحد- وهو ما نابهم من شدائد الدنيا، ويسرهم ~~اثنان: اليوم بالكشف والصرف «3» ، وغدا بالجزاء. # قوله جل ذكره: «فإذا فرغت فانصب» فإذا فرغت من الصلاة المفروضة عليك ~~فانصب في الدعاء. # ويقال: فإذا فرغت من العبادة فانصب في الشفاعة. # ويقال: فإذا فرغت من عبادة نفسك فانصب بقلبك. # «وإلى ربك فارغب» فى جميع الأحوال. # ويقال: فإذا فرغت من تبليغ الرسالة فارغب في الشفاعة. PageV03P744 # سورة التين # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» اسم «الله» يدل على جلال من لم ~~يزل، ويخبر عن جمال من لم يزل، ينبه على إقبال من لم يزل، يشير إلى إفضال ~~من لم يزل فالعارف شهد «1» جلاله فطاش، والصفى شهد جماله فعاش، والولي شهد ~~إقباله فارتاش، والمريد يشهد إفضاله فلا يطلب مع كفايته المعاش. # قوله جل ذكره: ### | سورة التين # (95) : الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3) لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم (4) # ثم رددناه أسفل سافلين (5) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ~~ممنون (6) فما يكذبك بعد بالدين (7) # أقسم بالتين لما به من عظيم المنة على الخلق حيث لم يجعل فيه النوى، ~~وخلصه من شائب التنغيص، وجعله على مقدار اللقمة لتكمل به اللذة. وجعل فى ~~«الزيتون» من المنافع مثل الاستصباح والتأدم والاصطباغ به. # «وطور سينين» الجبل الذي كلم الله موسى عليه. ولموضع قدم الأحباب حرمة. # «وهذا البلد الأمين» يعنى: مكة، ms1311 ولهذا البلد شرف كبير، فهى بلد الحبيب، ~~وفيها البيت ولبيت الحبيب وبلد الحبيب قدر ومنزلة. «2» PageV03P745 # قوله جل ذكره: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم» فى اعتدال قامته، وحسن ~~تركيب أعضائه. وهذا يدل على أن الحق- سبحانه- ليس له صورة ولا هيئة لأن كل ~~صفة اشترك فيها الخلق والحق فالمبالغة للحق ... كالعلم، فالأعلم الله، ~~والقدرة: فالأقدر الله فلو اشترك الخلق والخالق في التركيب والصورة لكان ~~الأحسن في الصورة الله ... فلما قال: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم» ~~علم أن الحق- سبحانه- منزه عن التقويم وعن الصورة. «1» # قوله جل ذكره: «ثم رددناه أسفل سافلين» أي: إلى أرذل العمر وهو حال الخرف ~~«2» والهرم. # ويقال: «أسفل سافلين» : إلى النار والهاوية في أقبح صورة فيكون أول الآية ~~عاما وآخرها خاصا بالكفار ... كما أن التأويل الأول- الذي هو حال الهرم- ~~خاص في البعض إذ ليس كل الناس يبلغون حال الهرم. # «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون» أي: غير منقوص. # ويقال: «ثم رددناه أسفل سافلين» أي: إلى حال الشقاوة والكفر إلا ~~المؤمنين. # قوله جل ذكره: «فما يكذبك بعد بالدين» أيها الإنسان.. مع كل هذا البرهان ~~والبيان؟ # «أليس الله بأحكم الحاكمين» ؟ PageV03P746 ### | سورة العلق # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» كلمة سماعها يوجب أحد ~~أمرين: «إما صحوا وإما محوا صحوا لمن سمعها بشاهد العلم فيستبصر بواضح ~~برهانه، أو محوا لمن سمعها بشاهد المعرفة لأنه يتحير في جلال سلطانه. # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة العلق (96) : الآيات 1 الى # 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) ~~الذي علم بالقلم (4) # علم الإنسان ما لم يعلم (5) # هذه السورة من أول ما نزل على المصطفى صلى الله عليه وسلم لما تعرض له ~~جبريل فى الهواء، ونزل عليه فقال: «اقرأ باسم ربك الذي خلق» . فالناس كلهم ~~مريدون وهو صلى الله عليه وسلم كان مرادا. فاستقبل الأمر بقوله: «ما أنا ~~بقارئ، فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فقال له: اقرأ كما أقول لك اقرأ ~~باسم ربك ms1312 الذي خلق. أي خلقهم على ما هم به. # «خلق الإنسان من علق» العلق جمع علقة كشجر وشجرة ... (والعلقة الدم ~~الجامد فاذا جرى فهو المسفوح) . # «اقرأ وربك الأكرم» «الأكرم» : أي الكريم. # ويقال: الأكرم من كل كريم. # «الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم» علمهم ما لم يعلموا: الضروري، ~~والكسبي. # PageV03P747 ### | ### | [سورة العلق (96) : الآيات 6 الى # 16] # كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعى (8) أرأيت ~~الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10) # أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أرأيت إن كذب وتولى ~~(13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (15) # ناصية كاذبة خاطئة (16) # «1» # أي: يتجاوز جده إذا رأى في نفسه أنه استغنى لأنه يعمى عن مواضع افتقاره. # ولم يقل: إن استغنى بل قال: «أن رآه استغنى» فإذا لم يكن معجبا بنفسه، ~~وكان مشاهدا لمحل افتقاره- لم يكن طاغيا «2» . # قوله جل ذكره: «إن إلى ربك الرجعى» # أي: الرجوع يوم القيامة. # قوله جل ذكره: «أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى» أليس لو لم يفعل هذا كان ~~خيرا له؟ ففى الآية هذا الإضمار. # «أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى» لكان خيرا له؟ # «أرأيت إن كذب وتولى» كذب بالدين، وتولى عن الهداية. # قوله جل ذكره: «ألم يعلم بأن الله يرى» ؟ # أي: ما الذي يستحقه من هذه صفته؟ # والتخويف برؤية الله تنبيه على المراقبة- ومن لم يبلغ حال المراقبة لم ~~يرتق منه إلى حال المشاهدة. # قوله جل ذكره: «كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة» ~~PageV03P748 # لنأخذن بناصيته (وهي شعر مقدم الرأس) أخذ إذلال. ومعناه لنسودن وجهه. # وقوله: «ناصية كاذبة خاطئة» بدل من قوله: «لنسفعا بالناصية» «1» ### | [سورة العلق (96) : الآيات 17 الى 19] # فليدع ناديه (17) سندع الزبانية (18) كلا لا تطعه واسجد واقترب (19) # فليدع أهل ناديه وأهل مجلسه، وسندعو الزبانية ونأمرهم بإهلاكه. # قوله جل ذكره: أي: اقترب من شهود الربوبية بقلبك، وقف على بساط العبودية ~~بنفسك. # ويقال: فاسجد بنفسك، واقترب بسرك «2» . PageV03P749 ### | سورة القدر # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» ms1313 كلمة تحضر قلوب ~~العلماء لتأمل الشواهد، وتسكر قلوب العارفين إذا وردوا المشاهد ... فهؤلاء ~~أحضرهم فبصرهم، وعلى استدلالهم نصرهم. # وهؤلاء بشراب محابه أسكرهم، وفي شهود جلاله حيرهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القدر (97) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر ~~خير من ألف شهر (3) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) # سلام هي حتى مطلع الفجر (5) # فى ليلة قدر فيها الرحمة لأوليائه، فى ليلة يجد فيها العابدون قدر ~~نفوسهم، ويشهد فيها # العارفون قدر معبودهم.. وشتان بين وجود قدر ... وشهود قدر! فلهؤلاء وجود ~~قدر # ولكن قدر أنفسهم، ولهؤلاء شهود قدر ولكن قدر معبودهم. # «وما أدراك ما ليلة القدر» ؟ # استفهام على جهة التفخيم لشأن تلك الليلة. # «ليلة القدر خير من ألف شهر» أي: هى خير من ألف شهر ليست فيها ليلة ~~القدر. هى ليلة قصيرة على الأحباب لأنهم فيها فى مسامرة وخطاب.. كما قيل: # يا ليلة من ليالى الدهر ... قابلت فيها بدرها ببدر # ولم تكن عن شفق وفجر ... حتى تولت وهي بكر الدهر # PageV03P750 # قوله جل ذكره: «تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي ~~حتى مطلع الفجر» «الروح فيها» : قيل جبريل. وقيل: ملك عظيم «بإذن ربهم» : ~~أي بأمر ربهم. # «من كل أمر سلام» : أي مع كل مأمور منهم سلامى على أوليائى «1» . # «هي حتى مطلع الفجر» : أي هي باقية إلى أن يطلع الفجر. PageV03P751 ### | سورة لم يكن # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» : اسم عزيز تنصل إليه ~~المذنبون فغفر لهم وجبرهم «1» وتوسل إليه المطيعون فوصلهم ونصرهم. # تعرف إليه العالمون فبصرهم، وتقرب منه العارفون فقربهم ... لكنه- سبحانه- ~~فى جلاله حيرهم «2» . # قوله جل ذكره: ### | ### | [سورة البينة (98) : الآيات 1 الى # 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ~~(1) رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) # وما أمروا إلا ليعبدوا ms1314 الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة (5) # «منفكين» : منتهين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة: وهي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، أي لم يزالوا مجتمعين على تصديقه لما وجدوه في كسب إلى أن بعثه ~~الله تعالى. # فلما بعثه حسدوه وكفروا. # «رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة فيها كتب قيمة» . PageV03P752 # أي حتى يأتيهم رسول من الله يقرأ كتبا مطهرة عن تبديل الكفار. # «فيها كتب قيمة» «1» : مستوية ليس فيها اعوجاج. # قوله جل ذكره: «وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة» يعنى: القرآن. # قوله جل ذكره: «وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة» «مخلصين له الدين» أي ~~موحدين لا يشركون بالله شيئا فالإخلاص ألا يكون شىء من حركاتك وسكناتك إلا ~~لله. # ويقال: الإخلاص تصفية العمل من الخلل. # «حنفاء» : مائلين إلى الحق، عادلين عن الباطل «2» . # «ويقيموا الصلاة.. وذلك دين القيمة» : أي دين الملة القيمة، والأمة ~~القيمة، والشريعة القيمة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة البينة (98) : الآيات 6 الى 8] # إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك ~~هم شر البرية (6) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (7) ~~جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (8) # «خالدين فيها» : مقيمين. «البرية» : الخليقة. # «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية» . PageV03P753 # أي: خير الخلق، وهذا يدل على أنهم أفضل من الملائكة. # قوله جل ذكره: «جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا» «جزاؤهم» : أي ثوابهم في الآخرة على طاعاتهم. # «تجري من تحتها الأنهار» أي: من تحت أشجارها الأنهار. # «رضي الله عنهم ورضوا عنه» . # فلم تبق لهم مطالبة إلا حققها لهم. # «ذلك لمن خشي ربه» . # أي: خافه في الدنيا. # والرضا سرور القلب بمر القضا. # ويقال: هو سكون القلب تحت جريان الحكم. # PageV03P754 # سورة الزلزلة # قوله جل ذكره: «بسم الله ms1315 الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» كلمة من تأملها بمعانيها ووقف على ما أودع فيها رتعت أسراره ~~في رياض من الأنس مونقة، وأينعت أفكاره بلوائح من اليقين مشرقة، فهى على ~~جلال الحق شاهدة، وهي على ما يحيط به الذكر ويأتى عليه الحصر زائدة. # قوله جل ذكره: ### | سورة الزلزلة # (99) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) وأخرجت الأرض أثقالها (2) وقال الإنسان ما ~~لها (3) يومئذ تحدث أخبارها (4) # بأن ربك أوحى لها (5) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8) # أي: أمواتها، وما فيها من الكنوز والدفائن. # «وقال الإنسان ما لها» ؟ # يعنى الكافر الذي لا يؤمن بها أي بالبعث «1» . # «يومئذ تحدث أخبارها» يومئذ تخبر الأرض: # «بأن ربك أوحى لها» أي: إنما تفعل ذلك بأمر الله. PageV03P755 # «يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا «1» أعمالهم» «أشتاتا» : متفرقين. «ليروا ~~أعمالهم» ليحاسبوا. # قوله جل ذكره: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره» ~~فيقاسى عناءه. PageV03P756 ### | سورة العاديات # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» كلمة غيور لا يصلح لذكرها إلا لسان مصون «1» ، عن اللغو ~~والغيبة، ولا يصلح لمعرفتها إلا قلب محروس عن الغفلة والغيبة «2» ، ولا ~~يصلح لمحبتها إلا روح محفوظة عن العلاقة والحجبة. # قوله جل ذكره: ### | [سورة العاديات (100) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # والعاديات ضبحا (1) فالموريات قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) فأثرن به نقعا ~~(4) # فوسطن به جمعا (5) إن الإنسان لربه لكنود (6) وإنه على ذلك لشهيد (7) ~~وإنه لحب الخير لشديد (8) أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) # وحصل ما في الصدور (10) إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11) # «العاديات» : الخيل التي تعدو «3» . # «ضبحا» أي إذا ضبحن ضبحا، والضبح: هو صوت أجوافها إذا عدون. ويقال: # ضبحها هو شدة نفسها عند العدو. # وقيل: «العاديات» الإبل «4» . # وقيل: أقسم الله بأفراس الغزاة «5» . # «فالموريات قدحا» تورى بحوافرها النار إذا عدت وأصابت سنابكها الحجارة ~~بالليل. PageV03P757 # ويقال: الذين يورون النار بعد انصرافهم من الحرب. # ويقال: هى الأسنة. # «فالمغيرات صبحا» تغير على ms1316 العدو صباحا. # «فأثرن به نقعا» أي: هيجن به غبارا. # «فوسطن به جمعا» أي: توسطن المكان، أي: تتوسط الخيل بفوارسها جمع العدو. # «إن الإنسان لربه لكنود» هذا هو جواب القسم. # «لكنود» : أي لكفور بالنعمة «1» . # «وإنه على ذلك لشهيد» أي: وإنه على كنوده لشهيد «وإنه لحب الخير لشديد» ~~أي: وإنه لبخيل لأجل حب المال «2» . # قوله جل ذكره: «أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور» أي: بعث الموتى. # «وحصل ما في الصدور» بين ما في القلوب من الخير والشر. # «إن ربهم بهم يومئذ لخبير» . PageV03P758 # أفلا يعلم أن الله يجازيهم- ذلك اليوم- على ما أسلفوا، ثم قال على ~~الاستئناف: # «إن ربهم بهم يومئذ لخبير» . # ويقال في معنى الكنود «1» : هو الذي يرى ما إليه من البلوى، ولا يرى ما ~~هو به من النعمى. # ويقال: هو الذي رأسه على وسادة النعمة، وقلبه في ميدان الغفلة. # ويقال: الكنود: الذي ينسى النعم ويعد المصائب. # وقوله: «وإنه على ذلك لشهيد» ، يحتمل: وإن الله على حاله لشهيد. ~~PageV03P759 ### | سورة القارعة # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» كلمة إذا سمعها ~~العاصون نسوا زلتهم في جنب رحمته، وإذا سمعها العابدون نسوا صولتهم في جنب ~~إلهيته. # كلمة من سمعها ما غادرت له شغلا إلا كفته، ولا أمرا إلا أصلحته، ولا ذنبا ~~إلا غفرته، ولا أربا إلا قضته. # قوله جل ذكره: ### | [سورة القارعة (101) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة (3) يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث (4) # وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة ~~راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية (9) # وما أدراك ما هيه (10) نار حامية (11) # القارعة: اسم من أسماء القيامة، وهي صيغة «فاعلة» من القرع، وهو الضرب ~~بشدة. # سميت قارعة لأنها تقرعهم. # «وما أدراك ما القارعة» ؟. # تهويلا لها. # «يوم يكون الناس كالفراش المبثوث» أي: المتفرق ... وعند إعادتهم يركب ~~بعضهم بعضا. # «وتكون الجبال كالعهن المنفوش» أي: كالصوف المصبوغ. # والمعنى فيه: أن أصحاب الدعاوى «1» وأرباب القوة في الدنيا يكونون- فى ~~القيامة إذا PageV03P760 # بعثوا- أضعف من كل ضعيف ms1317 لأن القوى هنالك تسقط، والدعاوى تبطل. # قوله جل ذكره: «فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية» من ثقلت موازينه ~~بالخيرات فهو في عيشة راضية أي مرضية. # ووزن الأعمال يومئذ يكون بوزن الصحف. ويقال: يخلق بدل كل جزء من أفعاله ~~جوهرا، وتوزن الجواهر ويكون ذلك وزن الأعمال. # «وأما من خفت موازينه فأمه هاوية» من خفت موازينه من الطاعات- وهم ~~الكفار- فمأواه هاوية. # «وما أدراك ما هيه؟ نار حامية» سؤال على جهة التهويل «1» . ولم يرد الخبر ~~بأن الأحوال توزن، ولكن يجازى كل بحالة مما هو كسب له، أو وصل إلى أسبابها ~~بكسب منه. «2» PageV03P761 ### | سورة التكاثر # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» : اسم عزيز تقدس في ~~آزاله عن كل مكان، ولم يحتج في آباده إلى زمان أو إلى مكان لا يقطعه حد ~~فأنى يجوز في وصفه المكان؟ ولا يقطعه عد فأنى تجوز في وصفه الزيادة ~~والنقصان؟ «1» قوله جل ذكره: ### | [سورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف ~~تعلمون (4) # كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين ~~(7) ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم (8) # أي: شغلكم تفاخركم فيما بينكم إلى آخر أعماركم إلى أن متم. # ويقال: كانوا يفتخرون بآبائهم وأسلافهم فكانوا يشيدون بذكر الأحياء، وبمن ~~مضى من أسلافهم. # فقال لهم: شغلكم تفاخركم فيما بينكم حتى عددتم أمواتكم مع أحيائكم. ~~وأنساكم تكاثركم بالأموال والأولاد طاعة الله. # «كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون» على جهة التهويل. # «كلا لو تعلمون علم اليقين» أي: لو علمتم حق اليقين لارتدعتم عما أنتم ~~فيه من التكذيب. PageV03P762 # «لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم» أراد ~~جميع ما أعطاهم الله من النعمة، وطالبهم بالشكر عليها. # ومن النعيم الذي يسأل عنه العبد تخفيف الشرائع والرخص في العبادات. # ويقال: الماء الحار في الشتاء، والماء البارد في الصيف. # ويقال: منه الصحة في الجسد، والفراغ. «1» # ويقال: الرضاء بالقضاء. ويقال: القناعة في المعيشة. # ويقال: هو المصطفى صلى ms1318 الله عليه وسلم. PageV03P763 ### | سورة العصر # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» كلمة من سمعها لم يدخر عنها «1» ~~ماله لأنه علم أنه- سبحانه- يحسن مآله، ومن عرفها لم يؤثر عليها نفسه لأنه ~~لم يجد بدونها أنسه. # كلمة من صحبها لم يمنع عنها روحه إذ وجد الحياة الأبدية له ممنوحة. «2» # قوله جل ذكره: ### | [سورة العصر (103) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) # «العصر» : الدهر- أقسم به ويقال: أراد به صلاة العصر. ويقال: هو العشي. # «الإنسان» : أراد به جنس الإنسان. و «الخسر» : الخسران. # والمعنى: إن الإنسان لفى عقوبة من ذنوبه. ثم استثنى المؤمنين فقال: # «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر» الذين ~~أخلصوا في العبادة وتواصوا بما هو حق، وتواصوا بما هو حسن وجميل، وتواصوا ~~بالصبر. # وفي بعض التفاسير: قوله: «الذين آمنوا» يعنى أبابكر، «وعملوا الصالحات» : ~~يعنى عمر PageV03P764 # و «وتواصوا بالحق» يعنى عثمان، و «وتواصوا بالصبر» يعنى عليا- رضى الله ~~عنهم أجمعين. «1» # والخسران الذي يلحق الإنسان على قسمين: فى الأعمال ويتبين ذلك في المآل، ~~وفي الأحوال ويتبين ذلك في الوقت والحال وهو القبض بعد البسط، والحجبة بعد ~~القربة، والرجوع إلى الرخص بعد إيثار الأشق والأولى. # «وتواصوا بالحق» : وهو الإيثار مع الخلق، والصدق مع الحق. # «وتواصوا بالصبر» : على العافية ... فلا صبر أتم منه. # ويقال: بالصبر مع الله ... وهو أشد أقسام الصبر «2» PageV03P765 ### | سورة الهمزة # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» : اسم من لا غرض له ~~في أفعاله، اسم من لا عوض عنه في جلاله وجماله. # اسم من لا يصبر العبد عنه مختارا، اسم من لا يجد الفقير «1» من دونه ~~قرارا، اسم من لا يجد أحد من حكمه فرارا. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الهمزة (104) : الآيات 1 الى 9] # بسم الله الرحمن الرحيم # ويل لكل همزة لمزة (1) الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده (3) ~~كلا لينبذن في الحطمة (4) # وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله الموقدة (6) التي تطلع على الأفئدة (7) ~~إنها عليهم ms1319 مؤصدة (8) في عمد ممددة (9) # يقال: رجل همزة لمزة: أي كثير الهمز واللمز للناس وهو العيب والغيبة. # ويقال: الهمزة الذي يقول في الوجه، واللمزة الذي يقول من خلفه. # ويقال: الهمز الإشارة بالرأس والجفن وغيره، واللمز باللسان. # ويقال: الهمزة الذي يقول ما في الإنسان، واللمزة الذي يقول ما ليس فيه. # قوله جل ذكره: «الذي جمع مالا وعدده» «جمع» بالتشديد «2» على التكثير، ~~وبالتخفيف. # «يحسب أن ماله أخلده» أي: يبقيه في الدنيا.. كلا ليس كذلك: PageV03P766 # «كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع ~~على الأفئدة» ليطرحن في جهنم. «وما أدراك ما الحطمة» ؟ على جهة التهويل ~~لها. # فهم في نار الله الموقدة التي يبلغ ألمها الفؤاد. # «إنها عليهم مؤصدة» مطبقة. # «في عمد ممددة» «عمد» : جمع عماد. وقيل: إنها عمد من نار تمدد وتضرب ~~عليهم كقوله: # «أحاط بهم سرادقها» «1» ويقال: الغنى بغير الله فقر، والأنس بغيره وحشة، ~~والعز بغيره ذل. # ويقال: الفقير من استغنى بماله، والحقير: من استغنى بجاهه، والمفلس: من ~~استغنى بطاعته، والذليل: من استغنى بغير الله، والجليل: من استغنى بالله. # ويقال: بين أن المعرفة إذا اتقدت في قلب المؤمن أحرقت كل سؤل وأرب فيه، ~~ولذلك تقول جهنم- غدا- للمؤمن: «جز، يا مؤمن ... فإن نورك قد أطفأ لهبى» ! ~~PageV03P767 ### | سورة الفيل # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» : اسم غني من أطاعه أغناه، ومن خالفه أضله وأعماه. # اسم عزيز من وافقه رقاه إلى الرتبة العليا، ومن خالفه ألقاه في المحنة ~~الكبرى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفيل (105) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) # ألم ينته إليك فيما أنزل عليك علم ما فعل ربك بأصحاب الفيل؟. # وفي قصة أصحاب الفيل دلالة على تخصيص الله البيت العتيق بالحفظ والكلاءة. # وذلك: أن أبرهة- ملك اليمن- كان نصرانيا، وبنى بيعة لهم بصنعاء، وأراد ~~هدم الكعبة ليصرف الحج إلى بيعتهم. # وقيل: نزل جماعة من العرب ببلاد النجاشي، وأوقدوا نارا لحاجة لهم، ثم ~~تغافلوا عنها ولم يطفئوها، فهبت الريح وحملت النار إلى الكنيسة وأحرقتها، ms1320 ~~فقصد أبرهة الكعبة ليهدمها بجيشه. # فلما قرب من مكة أصاب مائتى جمل لعبد المطلب، فلما أخبر بذلك ركب إليهم، ~~فعرفه رجلان، فقالا له: # ارجع.. فإن الملك غضبان. # PageV03P768 # فقال: واللات والعزى لا أرجع إلا بإبلى. # فقيل لأبرهة: هذا سيد قريش ببابك فأذن له، وسأله عن حاجته فأجاب أبرهة: ~~إنها لك غدا، إذا تقدمت إلى البيت «1» . # فعاذ عبد المطلب إلى قريش، وأخبرهم بما حدث، ثم قام وأخذ بحلقة باب ~~الكعبة وهو يقول: # لا هم إن العبد ... يمنع رحله فامنع حلالك # لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عدوا محالك # إن يدخلوا البلد الحرا ... م فأمر ما بدا لك «2» # فأرسل الله عليهم طيرا أخضر «3» من جهة البحر طوال الأعناق، فى منقار كل ~~طائر حجر وفي مخلبه حجران. # قيل: الحجرة منها فوق العدس دون الحمص. # وقيل: فوق الحمص دون الفستق، مكتوب على كل واحدة اسم صاحبها. # وقيل: مخططة بالسواد. فأمطرت عليهم، وماتوا كلهم. # وقيل: كان الفيل ثمانية وقيل: كان فيلا واحدا. # وفي رواية: إنه كان قبل مولده صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة. # وقيل: بثلاثة وعشرين سنة. وفي رواية «ولدت عام الفيل» «4» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الفيل (105) : الآيات 2 الى 5] # ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة ~~من سجيل (4) فجعلهم كعصف مأكول (5) # أي: مكرهم في إبطال. PageV03P769 # «وأرسل عليهم طيرا أبابيل» «أبابيل» : مجتمعة ومتفرقة. # «ترميهم بحجارة من سجيل» قيل بالفارسية: سنگك أو گل- أي طين طبخ بالنار ~~كالآجر «1» . # «فجعلهم كعصف مأكول» «كعصف» : كأطراف الزرع قبل أن يدرك. «مأكول» أي ثمره ~~مأكول. # ويقال: إذا كان عبد المطلب- وهو كافر- أخلص في التجائه إلى الله في ~~استدفاع البلاء عن البيت- فالله لم يخيب رجاءه ... ، وسمع دعاءه ... ~~فالمؤمن المخلص إذا دعا ربه لا يرده خائبا. # ويقال: إنما أجيب لأنه لم يسأل الله لنفسه، وإنما لأجل البيت.. وما كان ~~لله لا يضيع. PageV03P770 ### | سورة قريش # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم» : الباء فى «بسم» تشير إلى براءة سر الموحدين عن حسبان الحدثان، ~~وعن كل شىء مما لم يكن فكان، وتشير إلى ms1321 الانقطاع إلى الله في السراء ~~والضراء، والشدة والرخاء. # والسين تشير إلى سكونهم في جميع أحوالهم تحت جريان ما يبدو من الغيب بشرط ~~مراعاة الأدب. # والميم تشير إلى منة الله عليهم بالتوفيق «1» لما تحققوا به من معرفته، ~~وتخلقوا به من طاعته «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة قريش (106) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # لإيلاف قريش (1) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) فليعبدوا رب هذا البيت ~~(3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (4) # «الإيلاف» : مصدر آلف، إذا جعلته يألف ... وهو ألف إلفا «3» . # والمعنى: جعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، أي ليألفوا رحلتهم في الشتاء ~~والصيف. # وكانت لهم رحلتان للامتيار «4» : رحلة إلى الشام في القيظ، ورحلة إلى ~~اليمن في الشتاء. PageV03P771 # والمعنى: أنعم الله عليهم بإهلاك عدوهم ليؤلفهم رحلتيهم. # وقيل: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش، كأنه أعظم المنة عليهم. وأمرهم ~~بالعبادة: # «فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع» فليعبدوه لما أنعم به عليهم. # وقيل: فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع بعد ما أصابهم من القحط ~~حينما دعا عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم «1» . # «وآمنهم من خوف» . # حين جعل الحرم آمنا، وأجارهم من عدوهم. # ويقال: أنعم عليهم بأن كفاهم الرحلتين بجلب الناس الميرة إليهم من الشام ~~ومن اليمن. # ووجه المنة في الإطعام والأمان هو أن يتفرغوا إلى عبادة الله فإن من لم ~~يكن مكفى الأمور لا يتفرغ إلى الطاعة، ولا تساعده القوة ولا القلب- إلا عند ~~السلامة بكل وجه وقد قال تعالى. # «ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع «2» » فقدم الخوف على جميع أنواع ~~البلاء. PageV03P772 # سورة الدين # «1» قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» كلمة سماعها غذاء أرواح المحبين، ضياء أسرار الواجدين، شفاء ~~قلوب المتيمين بلاء مهج المساكين، دواء كل فقير مسكين «2» . # قوله جل ذكره: ### | [سورة الماعون (107) : الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض على طعام ~~المسكين (3) فويل للمصلين (4) # الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراؤن (6) ويمنعون الماعون (7) # نزلت الآية على جهة التوبيخ، والتعجب ms1322 من شأن تظلم اليتيم من الكفار. # فقال: أرأيت الذي يكذب بالدين، وبالحساب والجزاء؟ # «فذلك الذي يدع اليتيم» يدفعه بجفوة، ويقال: يدفعه عن حقه «3» . # «ولا يحض على طعام المسكين» أي: لا يحث على إطعام المسكين، وإنما يدع ~~اليتيم لأن الله تعالى قد نزع الرحمة من قلبه، ولا تنزع الرحمة إلا من قلب ~~شقي. # وهو لا يحث على طعام المسكين، لأنه في شح نفسه وأمر بخله. # قوله جل ذكره: «فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤن» ~~PageV03P773 # الساهى عن الصبرة الذي لا يصلى. ولم يقل: الذين هم في صلاتهم ساهون.. ولو ~~قال ذلك لكان الأمر عظيما. # «الذين هم يراؤن» : أي يصلون ويفعلون ذلك على رؤية الناس- لا إخلاص لهم ~~«ويمنعون الماعون» الماعون. مثل الماء، والنار، والكلأ، والفأس، والقدر ~~وغير ذلك من آلة البيت، ويدخل في هذا: البخل، والشح بما ينفع الخلق مما هو ~~ممكن ومستطاع. # PageV03P774 ### | سورة الكوثر # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» اسم يجل العبد بإجلاله ولا يجل هو إلا باستحقاق علوه في ~~آزاله. # اسم عزيز أعز من شاء بأفضاله وإقباله وأذل أعداءه بسلاسله وأغلاله، ~~والتخليد فى جحيمه وأنكاله. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكوثر (108) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2) إن شانئك هو الأبتر (3) # «الكوثر» : أي الخير الكثير. ويقال: هو نهر في الجنة. # ويقال: النبوة والكتاب. وقيل: تخفيف الشريعة. # ويقال: كثرة أمته. # ويقال: الأصحاب والأشياع. ويقال: نور في قلبه. # ويقال: معرفته بربوبيته. # «فصل لربك وانحر» أي صل صلاة العيد «وانحر» النسك «1» ويقال: جمع له في ~~الأمر بين: العبادة البدنية، والمالية. # ويقال «وانحر» أي استقبل القبلة بنحرك. أو ارفع يديك في صلاتك إلى نحرك ~~«2» PageV03P775 # ويقال: ضع يمينك على يسارك في الصلاة واجعلها تحت نحرك. # «إن شانئك هو الأبتر» أي: لا يذكر بخير، منقطع عنه كل خير. «1» ~~PageV03P776 ### | سورة الكافرون # «1» قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» كلمة من آمن بها ~~أمن من زوال النعمى، وحظى بنعيم الدنيا والعقبى، وسعد سعادة ms1323 لا يشقى، ووجد ~~ملكا لا يفنى، وبقي في العز والعلى. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الكافرون (109) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد ~~(3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) # ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) لكم دينكم ولي دين (6) # من أصنامكم. # «ولا أنتم عابدون ما أعبد» «ما» أعبد أي «من» أعبد. # «ولا أنا عابد ما عبدتم» فى زمانكم. # «ولا أنتم عابدون ما أعبد» كرر اللفظ على جهة التأكيد. # «لكم دينكم ولي دين» أي: لكم جزاؤكم على دينكم، ولى الجزاء على دينى. ~~PageV03P777 # والعبودية «1» القيام بأمره على الوجه الذي به أمر، وبالقدر الذي به أمر، ~~وفي الوقت الذي فيه أمر. # ويقال: صدق العبودية في ترك الاختيار، ويظهر ذلك في السكون تحت تصاريف ~~الأقدار من غير انكسار. # ويقال: العبودية انتفاء الكراهية بكل وجه من القلب كيفما صرفك مولاك. ~~PageV03P778 # سورة النصر # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» : اسم كريم يبصر ويستر، ويعلم ويحلم «1» ، ويمدح ولا يفضح، ~~ويعفو عن جميع ما يجترم العبد ويصفح يعصى العبد على التوالي، ويغفر الحق ~~ولا يبالى. # قوله جل ذكره: ### | سورة النصر # (110) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2) ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3) # النصر الظفر بالعدو، و «الفتح» فتح مكة. # «ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا» يسلمون جماعات جماعات. # «فسبح بحمد ربك واستغفره» أكثر حمد ربك، وصل له، وقدسه. # ويقال: صل شكرا لهذه النعمة. # «واستغفره» وسل مغفرته. # «إنه كان توابا» . # لمن تاب فإنه يقبل توبته. # ويقال: نصرة الله- سبحانه- له بأن أفناه عن نفسه، وأبعد عنه أحكام ~~البشرية، وصفاه من الكدورات النفسانية. وأما «الفتح» : فهو أن رقاه إلى محل ~~الدنو، واستخلصه بخصائص الزلفة، وألبسه لباس الجمع، واصطلمه عنه، وكان له ~~عنه، ولنفسه- سبحانه- منه، وأظهر عليه ما كان مستورا من قبل من أسرار الحق، ~~وعرفه- من كمال معرفته به- ما كان جميع الخلق متعطشا إليه «2» . ~~PageV03P779 ### | سورة أبى ms1324 لهب # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» كلمة جبارة للمذنبين، تجبر أعمالهم، وتحقق آمالهم، وهي ~~للعارفين تصغر فى أعينهم أحوالهم، وتكمل- عن شواهدهم- امتحاءهم «1» ~~واستئصالهم، وتحقق لهم- بعد فنائهم عنهم- وصالهم. # قوله جل ذكره: ### | [سورة المسد (111) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبت يدا أبي لهب وتب (1) ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) سيصلى نارا ذات ~~لهب (3) وامرأته حمالة الحطب (4) # في جيدها حبل من مسد (5) # أي: خسرت يداه. # «ما أغنى عنه ماله وما كسب» ما أغنى عنه ماله ولا كسبه الخبيث- شيئا. # وقيل: «ما كسب» : ولده «2» . # قوله جل ذكره: «سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة «3» الحطب» يلزمها إذا ~~دخلها فلا براح له منها. وامرأته أيضا ستصلى النار معه. # «في جيدها حبل من مسد» . PageV03P780 # «مسد» شىء مفتول، وكانت تحمل الشوك وتنقله وتبثه في طريق رسول الله عليه ~~الصلاة والسلام. # ويقال: سحقا لمن لا يعرف قدرك- يا محمد. وبعدا لمن لم يشهد ما خصصناك به ~~من رفع محلك، وإكبار شأنك ... ومن ناصبك كيف ينفعه ماله؟ والذي أقميناه ~~لأجلك وقد (أساء) «1» أعماله.. فإن إلى الهوان والخزي مآله، وإن على أقبح ~~حال حال امرأته وحاله. PageV03P781 ### | سورة الإخلاص # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» «بسم الله» كلمة عزيزة عز لسان ~~ذكرها، وأعز منه قلب عرفها، وأعز من هذا روح أحبها، وأعز من هذا سر شهدها. # ليس كل من قصدها وجدها، ولا كل من وجدها بقي معها. # قوله جل ذكره: ### | [سورة الإخلاص (112) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا ~~أحد (4) # لما قال المشركون: أنسب لنا ربك. أنزل الله تعالى: «قل هو الله أحد» «1» ~~فمعنى «هو» أي: الذي سألتم عنه «هو» الله. ومعنى «أحد» أي: هو أحد. # ويقال: «هو» مبتدأ، و «الله» خبره و «أحد» خبر ثان كقولهم: # هذا حلو حامض. # «الله الصمد» «الصمد» : السيد الذي يصمد إليه في الحوائج، ويقصد إليه في ~~المطالب. ويقال: # الكامل في استحقاق صفات المدح. # ويرجح تحقيق قول من ms1325 قال: إنه الذي لا جوف له إلى أنه واحد لا ( ... ) «2» # فى ذاته. PageV03P782 # «لم يلد ولم يولد» ليس بوالد ولا مولود. # «ولم يكن له كفوا أحد» تقديره. لم يكن أحد كفوا له. # و «أحد» أصله وحد، ووحد، وواحد بمعنى، وكونه واحدا: أنه لا قسيم له ولا ~~شبيه له ولا شريك له. # ويقال: السورة بعضها تفسير لبعض من هو الله؟ هو الله. من الله؟ الأحد، من ~~الأحد؟ # الصمد، من الصمد؟ الذي لم يلد ولم يولد، من الذي لم يلد ولم يولد؟ الذي ~~لم يكن له كفوا أحد. # ويقال: كاشف الأسرار بقوله: «هو» . وكاشف الأرواح بقوله: «الله» وكاشف ~~القلوب بقوله: «أحد» : وكاشف نفوس المؤمنين بباقي السورة. # ويقال: كاشف الوالهين بقوله: «هو» ، والموحدين بقوله: «الله» والعارفين ~~بقوله: # «أحد» والعلماء بقوله: «الصمد» والعقلاء بقوله: «لم يلد ولم يولد» ... ~~إلى آخره. # ويقال: لما بسطوا لسان الذم في الله أمر نبينا بأن يرد عليهم فقال: «قل ~~هو الله أحد» : # أي ذب عنى ما قالوا، فأنت أولى بذلك. وحينما بسطوا لسان الذم في النبي ~~صلى الله عليه وسلم تولى الحق الرد عليهم، فقال: «ن. والقلم وما يسطرون. ما ~~أنت بنعمة ربك بمجنون» وقال: # «والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى» أي أنا أذب عنك فأنا أولى بذلك ~~منك. # ويقال: خاطب الذين هم خاص الخواص بقوله: «هو» فاستقلوا، ثم زاد لمن نزل ~~عنهم فقال: «الله» ، ثم زاد في البيان لمن نزل عنهم. # فقال: «أحد» ثم لمن نزل عنهم فقال: «الصمد» . # ويقال: الصمد الذي ليس عند الخلق منه إلا الاسم والصفة # PageV03P783 # ويقال: الصمد الذي تقدس عن إحاطة علم المخلوق به وعن إدراك بصرهم له، وعن ~~إشراف معارفهم عليه. # ويقال: تقدس بصمديته عن وقوف المعارف عليه. # ويقال: تنزه عن وقوف العقول عليه. # PageV03P784 ### | سورة الفلق # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # «بسم الله» : اسم عزيز إذا تجلى لقلب فإن لاطفه بجماله أحياه، وإن كاشفه ~~بجلاله أباده وأفناه فالعبد في حالتى: بقاء وفناء، ومحو وإثبات، ووجد وفقد. # قوله جل ذكره: ### | [سورة ms1326 الفلق (113) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب (3) ومن شر ~~النفاثات في العقد (4) # ومن شر حاسد إذا حسد (5) # أي أمتنع وأعتصم برب الفلق. والفلق الصبح. # ويقال: هو الخلق كلهم «1» . وقيل الفلق واد في جهنم «2» . # «من شر ما خلق» أي من الشرور كلها. # «ومن شر غاسق إذا وقب» قيل: الليل إذا دخل. وفي خبر. أنه صلى الله عليه ~~وسلم أخذ بيد عائشة ونظر إلى القمر فقال: «يا عائشة، تعوذى بالله من شر هذا ~~فإنه الغاسق إذا وقب «3» » . # «ومن شر النفاثات في العقد» وهن السواحر اللواتى ينفخن في عقد الخيط (عند ~~الرقية) ويوهمن إدخال الضرر بذلك. PageV03P785 # «ومن شر حاسد إذا حسد» والحسد شر الأخلاق. # وفي السورة تعليم استدفاع الشرور من الله. ومن صح توكله على الله فهو ~~الذي صح تحققه بالله، فإذا توكل لم يوفقه الله للتوكل إلا والمعلوم من حاله ~~أنه يكفيه ما توكل به عليه وإن العبد به حاجة إلى دفع البلاء عنه- فإن أخذ ~~في التحرز من «1» تدبيره وحوله وقوته، وفهمه وبصيرته في كل وقت استراح من ~~تعب تردد القلب في التدبير، وعن قريب يرقى إلى حالة الرضا.. كفى مراده أم ~~لا. وعند ذلك الملك الأعظم، فهو بظاهره لا يفتر عن الاستعاذة، وبقلبه لا ~~يخلو من التسليم والرضا. «2» PageV03P786 ### | سورة الناس # قوله جل ذكره: «بسم الله الرحمن الرحيم» بسم الله الذي قصرت عنه العقول ~~فوقفت، وعجزت العلوم فتحيرت، وتقاصره المعاوف فخجلت، وانقطعت الفهوم ~~فدهشت.. وهو بنعت علائه ووصف سنائه وبهائه وكبريائه يعلم ولكن الإحاطة في ~~العلم به محال، ويرى ولكن الإدراك في وصفه مستحيل ويعرف ولكن الإشراف في ~~نعته غير صحيح. «1» # قوله جل ذكره: ### | [سورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) من شر الوسواس الخناس ~~(4) # الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة والناس (6) # أعتصم برب الناس خالقهم وسيدهم. # «ملك الناس» أي مالكهم جميعهم. # «إله الناس» القادر على إيجادهم. ms1327 # «من شر الوسواس الخناس» من حديث النفس بما هو كالصوت الخفى. # ويقال: من شر ذى الوسواس. # ويقال: من شر الوسوسة التي تكون بين الجنة والناس. PageV03P787 # و «الخناس» الذي يغيب ويخنس عن ذكر الله. وهو من أوصاف الشيطان. # «الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس» قيل: «الناس» يقع لفظها على ~~الجن والإنس جميعا- كما قال تعالى: # «وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن» «1» فسماهم نفرا، وكما قال: # «يعوذون برجال من الجن» «2» فسماهم رجالا.. فعلى هذا استعاذ من الشيطان ~~الذي يوسوس في صدور الناس، والشيطان الذي له تسلط على الناس كالوسواس ~~فللنفس من قبل العبد هواجس، وهواجس النفس ووساوس الشيطان يتقاربان إذ أن ما ~~يدعو إلى متابعة الشهوة أو الضلالة في الدين أو إلى ارتكاب المعصية، أو إلى ~~الخصال الذميمة- فهو نتيجة الوساوس والهواجس. # وبالعلم يميز «3» بين الإلهام وبين الخواطر الصحيحة وبين الوساوس «4» . # (ومما تجب معرفته) «5» أن الشيطان إذا دعا إلى محظور فإن خالفته يدع ذلك ~~(ثم) يدعوك إلى معصية أخرى إذ لا غرض له إلا الإقامة على دعائك ( ... «6» ) ~~غير مختلفة. PageV03P788 ### | خاتمة الكتاب # بعونه تعالى انتهى تحقيق كتاب «لطائف الإشارات» للإمام القشيري في غرة ~~رجب من عام 1390 ه وقد استغرق هذا العمل نحو خمس سنوات كوامل، قطعنا فيها ~~رحلة أضنت الجسم والبصر والفكر، ولكنها أمتعت القلب، وأيقظت الروح، وأنعشت ~~السر. # ولست أحب- متأثرا الصوفية- أن أحدث القارئ عن مقدار ما لقيت من متاعب.. ~~فهذا ضرب من دعوى النفس. وإنما أترك ذلك للقارئ. وقبل كل شىء أضرع إلى ~~الله- وحده- أن يحتسب هذا العمل لى ذخرا عنده، وأن يمحو- إن شاء- من ديوانى ~~بعض خطاياى. # كما أدعو الله أن ينفع به كافة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بمقدار ~~ما له من قيمة علمية نادرة، وبمقدار ما لصاحبه- رضى الله عنه- من قدر جليل ~~في تراثنا العظيم. # والواقع.. أن أعظم ما يفعمنى بالسعادة من دواع هو هذا الاستقبال الذي حظى ~~به الكتاب، فقد وصلتني رسائل عديدة من أقطار شتى، ومن علماء أجلاء من نواح ~~نائية كلها تحث على المسير، وتغذى العزم، وتلهم الصبر ms1328 على إتمام هذا العمل ~~الشاق. # ولا أحب أن أختم كلمتى قبل أن أعتذر للقارئ عما قد يكون في الكتاب من ~~قصور أو تقصير، ترجع أسباب بعضه لى، وتقع تبعته علي، ويعود بعضه إلى ~~المطبعة- فنحن شريكان فيه كما يرجع الكثير منها إلى النساخ.. # ولا عجب في ذلك فالرحلة طويلة، ودروبها متشعبة. ولكننا نعد- إذا شاء الله ~~وظهرت للكتاب طبعات أخرى- أن نتحاشى قدر الوسع كل هذه الوجوه. وأكون # PageV03P789 # سعيدا لو أشرك القراء أنفسهم معى في ذلك فبعثوا إلي بملاحظهم، فلم يعد ~~الكتاب منذ الآن قاصرا علي وحدي. # كما أعد- إن شاء الله- بتدارك ما جاء في الكتاب من عيوب الشعر التي حالت ~~الظروف القاهرة دون تداركها. # لقد كان رائدنا في هذه المرحلة من التحقيق أن يصل المتن الصوفي للناس، ~~ولكننا فى المراحل التالية سننهض- بحول الله وقوته- بكثير من الأعمال التي ~~تتصل بالشروح، وبالمصطلحات، وبالقضايا الأساسية التي نهض بها الكتاب.. فليس ~~«لطائف الإشارات» بأقل من «الرسالة» التي حظيت باهتمام الأجيال المتعاقبة. # وأخيرا، فإنى أتمنى أن أكون بإخراج هذا الكتاب قد وفيت بعض الذين الذي فى ~~عنقى للإمام الجليل عبد الكريم القشيري- رضى الله عنه وأرضاه. # وفقنا الله جميعا إلى الخير. # دكتور إبراهيم بسيونى أستاذ بكلية الألسن- الزيتون- القاهرة # PageV03P790 ### | الفهرس # اسم السورة الصفحة الشعراء 5 النمل 23 القصص 53 العنكبوت 86 الروم 107 ~~لقمان 127 السجدة 138 الأحزاب 149 سبأ 175 فاطر 190 يس 211 الصافات 227 ص ~~245 الزمر 266 المؤمن (غافر) 294 فصلت 319 الشورى 341 الزخرف 361 الدخان ~~379 الجاثية 388 # PageV03P791 # الأحقاف 395 محمد (صلى الله عليه وسلم) 403 الفتح 417 الحجرات 437 ق 447 ~~الذاريات 459 الطور 471 النجم 480 القمر 493 الرحمن 502 الواقعة 516 الحديد ~~530 المجادلة 548 الحشر 556 الممتحنة 569 الصف 575 الجمعة 581 المنافقون ~~587 التغابن 592 الطلاق 598 التحريم 604 الملك 610 القلم 616 الحاقة 624 ~~المعارج 628 نوح 634 الجن 637 المزمل 641 المدثر 647 القيامة 654 # PageV03P792 # الإنسان 660 المرسلات 670 النبأ 675 النازعات 681 عبث 687 التكوير 692 ~~الإنفطار ms1329 696 المطففين 699 الإنشقاق 705 البروج 709 الطارق 714 الأعلى 717 ~~الغاشية 720 الفجر 724 البلد 729 الشمس 732 الليل 735 الضحى 739 ألم نشرح ~~743 التين 745 العلق 747 القدر 750 لم يكن 752 الزلزلة 755 العاديات 757 ~~القارعة 760 التكاثر 762 العصر 764 # PageV03P793 # الهمزة 766 الفيل 768 قريش 771 الدين 773 الكوثر 775 الكافرون 777 النصر ~~779 أبا لهب 780 الإخلاص 782 الفلق 785 الناس 787 خاتمة الكتاب 789 انتهى ~~PageV03P794 ms1330