######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_001090 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن سنان الخفاجي #META# 010.AuthorNAME :: الأمير أبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي #META# 011.AuthorBORN :: 423هـ 1032م #META# 011.AuthorDIED :: 466 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: سر الفصاحة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: البلاغة والفصاحة :: كتب الأدب #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: سر الفصاحة #META# 030.LibURI :: JK_001090 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1402هـ 1982م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # سر الفصاحة PageV01P001 # | بسم الله الرحمن الرحيم # وبه أثق # الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت ~~رسل ربنا بالحق صلوات الله عليهم وعلى سيدهم محمد والأبرار من عترته الذين ~~أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا # أما بعد فإني لما رأيت الناس مختلفين في مائية الفصاحة وحقيقتها أودعت ~~كتابي هذا طرفا من شأنها وجملة من بيانها وقربت ذلك على الناظر وأوضحته ~~للمتأمل ولم أمل بالاختصار إلى الإخلال ولا مع الإسهاب إلى الإملال ومن ~~الله تعالى أستمد المعونة والتوفيق # إعلم أن الغرض بهذا الكتاب معرفة حقيقة الفصاحة والعلم بسرها فمن الواجب ~~أن نبين ثمرة ذلك وفائدته لتقع الرغبة فيه فنقول # أما العلوم الأدبية فالأمر في تأثير هذا العلم فيها واضح لأن الزبدة منها ~~والنكتة نظم الكلام على اختلاف تأليفه ونقده ومعرفة ما يختار منه مما يكره ~~وكلا الأمرين متعلق بالفصاحة بل هو مقصور على المعرفة PageV01P013 بها فلا ~~غنى للمنتحل الأدب عما نوضحه ونشرحه في هذا الباب # وأما العلوم الشرعية فالمعجز الدال على نبوة محمد نبينا صلى الله عليه ~~وسلم وعلى آله وسلم هو القرآن والخلاف الظاهر فيما به كان معجزا على قولين ~~أحدهما أنه خرق العادة بفصاحته وجرى ذلك مجرى قلب العصا حية وليس للذاهب ~~إلى هذا المذهب مندوحة عن بيان ما الفصاحة التي وقع التزايد فيها موقعا خرج ~~عن مقدور البشر والقول الثاني أن وجه الإعجاز في القرآن صرف العرب عن ~~المعارضة مع أن فصاحة القرآن كانت في مقدورهم لولا الصرف وأمر القائل بهذا ~~يجري مجرى الأول في الحاجة إلى تحقق الفصاحة ما هي ليقطع على أنها كانت في ~~مقدورهم ومن جنس فصاحتهم ونعلم أن مسيلمة وغيره لم يأت بمعارضة على الحقيقه ~~لأن الكلام الذي أورده خال من الفصاحة التي وقع التحدي بها في الأسلوب ~~المخصوص وإذا ثبت بما ذكرناه الغرض بهذا الكتاب وفائدته فالدواعي إلى معرفة ~~ذلك قوية والحاجة ماسة شديدة # ونحن نذكر قبل الكلام في معنى الفصاحة نبذا من أحكام الأصوات والتنبيه ~~على حقيقتها ms001 ثم نذكر تقطعها على وجه يكون حروفا متميزة ونشير إلى طرق من ~~أحوال الحروف في مخارجها ثم ندل على أن الكلام ما انتظم منها ثم نتبع ذلك ~~بحال اللغة العربية وما فيها من الحروف وكيف يقع المهمل فيها والمستعمل وهل ~~اللغة في الأصل مواضعه أو توقيف ثم نبين هذا كله وأشباهه مائية الفصاحة ولا ~~نخلي ذلك الفصل من شعر فصيح وكلام غريب بليغ يتدرب بتأمله على فهم مرادنا ~~فإن الأمثلة توضح وتكشف وتخرج من اللبس إلى البيان ومن جانب PageV01P014 ~~الإبهام إلى الإفصاح فإذا أعان الله تعالى ويسر تمام كتابنا هذا كان مفردا ~~بغير نظير من الكتب في معناه # وذلك أن المتكلمين وإن صنفوا في الأصوات وأحكامها وحقيقة الكلام ما هو ~~فلم يبينوا مخارج الحروف وانقسام أصنافها وأحكام مجهورها ومهموسها وشديدها ~~ورخوها وأصحاب النحو وإن أحكموا بيان ذلك فلم يذكروا ما أوضحه المتكلمون ~~الذي هو الأصل والأس وأهل نقد الكلام فلم يتعرضوا لشيء من جميع ذلك وإن كان ~~كلامهم كالفرع عليه # فإذا جمع كتابنا هذا كله وأخذ بخط مقنع من كل ما يحتاج الناظر في هذا ~~العلم إليه فهو مفرد في بابه غريب في غرضه وفق الله تعالى ذلك ويسره بلطفه ~~ومنه # | فصل في الأصوات # الصوت مصدر صات الشيء يصوت صوتا فهو صائت وصوت تصويتا فهو مصوت وهو عام ~~ولا يختص يقال صوت الإنسان وصوت الحمار وفي الكتاب الكريم @QB@ إن أنكر ~~الأصوات لصوت الحمير @QE@ وقال الراجز # ( كأنما أصواتها في الوادي % أصوات حج من عمان غاد ) # وقال جرير بن عطية # ( لما تذكرت بالديرين أرقني % صوت الدجاج وقرع بالنواقيس ) PageV01P015 # والصوت مذكر لأنه مصدر كالضرب والقتل وقد ورد مؤنثا على ضرب من التأول ~~قال رويشد بن كثير الطائي # ( يأيها الراكب المزجي مطيته % بلغ بني أسد ما هذه الصوت ) # فأراد الاستغاثة كما حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه سمع بعض ~~العرب يقول وذكر إنسانا فقال فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها فقال له أتقول ~~جاءته كتابي قال نعم أليست بصحيفة # وفي كتاب سيبويه # ( إذا ms002 بعض السنين تعرقتنا % كفى الأيتام فقد أبى اليتيم ) # لأن بعض السنين سنة ويقال رجل صات أي شديد الصوت كما يقال رجل نال أي ~~كثير النوال وقولهم لفلان صيت إذا انتشر ذكره من لفظ الصوت إلا أن واوه ~~انقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها كما قالوا قيل من القول # والصوت معقول لأنه يدرك ولا خلاف بين العقلاء في وجود ما يدرك وهو عرض ~~ليس بجسم ولا صفة لجسم والدليل على أنه ليس بجسم أنه مدرك بحاسة السمع ~~والأجسام متماثلة والإدراك إنما يتعلق بأخص صفات الذوات فلو كان جسما لكانت ~~الأجسام جميعها مدركة بحاسة السمع وفي علمنا ببطلان ذلك دليل على أن الصوت ~~ليس بجسم وهذه الجملة تحتاج إلى أن نبين أن الأجسام متماثلة وأن الإدراك ~~إنما يتعلق بأخص صفات الذوات لأن كون الصوت مدركا بالسمع PageV01P016 ~~والأجسام غير مدركة بالسمع مما لا يمكن دخول شبهة فيه ولا منازعة والذي يدل ~~على تماثل الأجسام أنا ندرك الجسمين المتفقي اللون فيلتبس أحدهما علينا ~~بالآخر لأن من أدركهما ثم أعرض عنهما وأدركهما من بعد يجوز أن يكون كل واحد ~~منهما هو الآخر بأن نقل إلى موضعه ولم يلتبسا على الإدراك إلا لاشتراكهما ~~في صفة تناولها الإدراك وقد بينا أن الإدراك إنما يتناول أخص صفات الذات ~~وهو ما يرجع إليها وسندل على ذلك وإذا كان الجسمان مشتركين فيما يرجع إلى ~~ذاتيهما فهما متماثلان لأن هذا هو المستفاد بالتماثل # فإن قيل دلوا على أنهما لم يلتبسا إلا للاشتراك في صفة ثم بينوا أن تلك ~~الصفة مما يتناوله الإدراك قلنا الوجوه التي يقع فيها الالتباس معقولة وهي ~~المجاورة أو الحلول كالتباس خضاب اللحية بالشعر من المجاورة وكما التبس على ~~من ظن أن السواد الحال في الجسم صفة له من حيث الحلول وكذلك من اعتقد أن ~~صفة المحل للحال حتى ذهب إلى أن للسواد حيزا وكلا الأمرين منتف في التباس ~~الجسمين لأنه لا حلول بينهما ولا مجاورة بل يقع الالتباس مع العلم ~~بتغايرهما فدل ذلك على ما ذكرناه # فأما ms003 الدليل على أن الصفة التي اقتضت الالتباس مما يتناوله الإدراك فهو ~~أن الأمر لو كان بخلاف ذلك لما التبسا على الإدراك وفي التباسهما عليه ~~دلالة على أن تعلق الإدراك بما التبسا لأجله ولأن المشاركة فيما لا يتعلق ~~الإدراك به لا يقتضي الاشتباه على المدرك ألا ترى أن السواد لا يشبه البياض ~~ولا يلتبس به عند المدرك وإن اشتركا في الوجود من حيث كان الإدراك لا يتعلق ~~بالوجود # وليس لأحد أن يقول إذا استدللتم على أن الأجسام متماثلة بالتباسها على ~~الإدراك فقولوا إن الأجسام التي لا تلتبس كالأبيض والأسود غير PageV01P017 ~~متماثلة لفقد الالتباس وذلك أن هذا مطالبة بالعكس في الأدلة وليس ذلك ~~بمعتبر وإثبات المدلول مع ارتفاع الدليل جائز غير ممتنع لأن الدليل غير ~~موجب للمدلول وإنما هو كاشف عنه لكن المنكر ثبوت الدليل وارتفاع المدلول ~~على أن الالتباس في الجسمين المذكورين حاصل أيضا لأن المدرك لهما إنما يجوز ~~أن يكون أحدهما الآخر وإنما تغير لونه # وأما الدليل على أن الإدراك يتعلق بأخص صفات الذوات وأن كلامنا كله متعلق ~~به فهو أنه لا يخلو من أن يكون يتعلق بالصفة الراجعة إلى الفاعل أو الراجعة ~~إلى العلة أو الراجعة إلى الذات والذي يرجع إلى الفاعل من الصفات هو الوجود ~~ولو تناوله الإدراك لم يخل من أن يتعداه إلى ما يرجع إلى الذات أو لا ~~يتعداه فإن لم يتعد وجب ألا يحصل الفصل بين المختلفين بالإدراك لاشتراكهما ~~في الوجود الذي لم يتناول الإدراك غيره وإن تعداه إلى الصفة العائدة إلى ~~الذات فيجب أن يفصل بين المختلفين بالإدراك من حيث افترقا في الصفة التي ~~يتعلق بها وأن يلتبس أحدهما بالآخر من حيث اشتركا في الوجود الذي تعلق ~~الإدراك به أيضا وذلك محال فأما ما يرجع إلى العلل من صفات الجسم والذي ~~يمكن أن يدخل شبهة في تناول الإدراك كونه كائنا في جهة والذي يوضح أن ~~الإدراك لا يتناول ذلك أنه لو تناوله لفصل بالإدراك بين كل صفتين ضدين منه ~~وذلك غير مستمر وأحدنا لو ms004 أدرك جوهرا في بعض الجهات ثم أعرض عنه جوز أن ~~يكون انتقل إلى أقرب الأماكن إليه والتبس عليه الأمر فيه ولا يتلبس أمره لو ~~اسود بعد بياض فبان أن الإدراك لا يتناول إلا أخص صفات الذوات دون صفات ~~العلل وما بالفاعل # ويمكن الدلالة على أن الصوت ليس بجسم إذا ثبت أن الأجسام متماثلة من وجه ~~آخر وذلك أنا ندرك الأصوات مختلفة فالراء مخالفة للزاي وكذلك سائر الحروف ~~المختلفة فإذا كانت الأجسام متماثلة والأصوات PageV01P018 تدرك مختلفة ~~فليست بأجسام وإذا كنا دللنا على أن الصوت ليس بجسم فالذي يدل على أنه ليس ~~بصفة لجسم بل هو ذات مخالفة له أن الصوت لو كان صفة لم يخل من أن يكون صفة ~~ذاتية أو غير ذاتية ولا يجوز أن يكون صفة ذاتية لتجدده وأن دوامه غير واجب ~~ولا يجوز أن يكون صفة غير ذاتية لما بيناه من أن الإدراك لا يتناول إلا ~~الصفات الذاتية والصوت مدرك بلا خلاف ومع الدلالة على أن الأصوات أعراض ~~ففيها المتماثل والمختلف وقد ذهب أبو هاشم عبد السلام بن محمد الجبائي إلى ~~أن المختلف منها متضاد وتوقف علم الهدى المرتضى نضر الله وجهه عن القطع على ~~ذلك فأما أبو هاشم فإنه اعتمد في تضادها على طريقين أحدهما أن حمل الصوت ~~على اللون من حيث كان إدراك كل واحد منهما مقصورا على حاسة واحدة فلما قطع ~~على تضاد المختلف من الألوان قال بمثل ذلك في الأصوات والطريق الثاني أن ~~الصوت مدرك فهو هيئة للمحل إذا أوجب مختلفة هيئتين استحال اجتماعهما للمحل ~~في حالة واحدة كما يستحيل ذلك في الألوان وليس بعد امتناع اجتماعهما في ~~المحل الواحد في الوقت الواحد إلا التضاد # ولقائل أن يقول على ما ذكره أولا ما أنكرت من أن تكون الأصوات والألوان ~~وإن اتفقت في إدراك كل واحد منهما بحاسة واحدة تختلف فيكون المختلف من ~~الألوان متضادا دون الأصوات ولا يوجب الاتفاق في قصر الإدراك على حاسة ~~واحدة التساوي في جميع الأحكام كما أنها وإن اتفقت عندك ms005 في ذلك فلم تتفق في ~~أن الأصوات تبقى كما أن الألوان تبقى ولا في أن الأصوات يضادها ما يحدث ~~بعدها كما كان ذلك في الألوان وإذا جاز مع التساوي فيما ذكرته من قصر ~~الإدراك على حاسة واحدة الاختلاف في أحكام كثيرة فأحر أن يكون المختلف من ~~PageV01P019 الأصوات غير متضاد وإن كان المختلف من الألوان متضادا # ويقال له فيما ذكره ثانيا إن الصوتين المختلفين ليس محلهما واحدا فيقطع ~~على تضادهما لامتناع اجتماعهما فيه في ذلك الوقت الواحد بل محال الحروف ~~المتغايرة متغايرة وإذا كان المحلان مختلفين فلا سبيل إلى القطع على التضاد ~~باستحالة اجتماعهما في المحل لأن كل واحد من الصوتين المختلفين لا يصح أن ~~يحل محل الآخر # وقد أشار القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد الهمذاني رحمه الله إلى أن ~~الأصوات غير متضادة لأنها غير باقية والمنافاة إنما تصح في المتضاد الباقي ~~كأنه أراد أن عدم أحد الضدين إذا كان واجبا لأنه مما لا يبقى فليس لوجود ~~ضده حكم يخالف عدمه # فأما الكلام في تماثلها واختلافها فالدلالة على ذلك ما قدمناه من الإدراك ~~لها وبيانه في الحروف فإن الراء تدرك ملتبسه بالراء ومخالفة للزاي وقد بينا ~~أن الإدراك يتناول أخص صفات الذات ولا يجوز وجود الصوت إلا في محل أما من ~~أثبت حاجة جميع الأعراض إلى المحال من حيث كان عرضا وأما من أجاز وجود بعض ~~الأعراض في غير محل بدلالة أنه يتولد عن اعتماد الجسم ومصاكته لغيره ولأنه ~~يختلف باختلاف حال محله فيتولد من الصوت في الطست خلاف ما يتولد في الحجر ~~فيقول قد ثبت وجود بعض الأصوات في غير محل فإذا ثبت ذلك في بعضه ثبت في ~~جميعه لأن الأصوات متفقة في أنها لا توجب حالا لمحل ولا جملة PageV01P020 ~~وقد ذهب أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجباني إلى أن جنس الصوت يحتاج مع ~~المحل إلى هيئة وحركة وقال أبو هاشم أخيرا إنه لا يحتاج إلى المحل وعلى هذا ~~القول أكثر أصحابه وله نصر الشريف المرتضى رضي ms006 الله عنه واستدلوا على نفي ~~حاجته إلى غير المحل بأنه مما لا يوجب حالا لغيره فجرى مجرى اللون في أنه ~~لا يحتاج إلى سوى محله وقالوا إن الصوت من فعلنا إنما احتاج إلى الحركة ~~لأنها كالسبب فيه من حيث كنا لا نفعله إلا متولدا عن الاعتماد على وجه ~~المصاكة والاعتماد يولد الحركة فلهذا جرى مجرى السبب فليس يمتنع أن يفعل ~~الله تعالى الصوت مبتدأ من غير حركة كما يفعله غير متولد عن الاعتماد وكما ~~يفعل ما وقع منا بآلة من غير آلة وجعلوا هذا هو العلة في انقطاع طنين الطست ~~بتسكينه وأجازوا وجود القليل من الصوت مع السكون عند تناهيه وانقطاعه ~~ومنعوا من وجوده من فعلنا مع السكون من فعلنا حالا بعد حال لما ذكرناه # والأصوات تدرك بحاسة السمع في محالها ولا تحتاج إلى انتقال محالها ~~وانتقالها وكونها أعراضها منع من انتقالها وقد استدل على ذلك بأنها لو ~~انتقلت لجاز أن تنتقل إلى بعض الحاضرين دون بعض حتى يكون مع التساوي في ~~القرب والسلامة يسمع الصوت بعضهم دون بعض وأن يجوز اختلاف انتقال الحروف ~~حتى يدرك الكلام مختلفا واستدل على ذلك أيضا بأنه لو احتيج في إدراك ~~الأصوات إلى انتقال المحال لما وقع الفرق مع السلامة بين جهة الصوت والكلام ~~مكانهما كما انه لا يعرف في أي جهة PageV01P021 انتقل إلى محل ما يلاقيها ~~من الأجسام التي يدرك منها الحرارة والبرودة وقد سئل على هذا المذهب عن ~~العلة في مشاهدة القصار من بعد يضرب الثوب على الحجر ثم يسمع الصوت بعد ~~مهلة فيسبق النظر السمع وأجيب عن ذلك بأن الصوت يتولد في الهواء والبعد ~~المخصوص مانع من إدراكه فإذا تولد فيما يقرب أدرك في محله وإن لم يتصل ~~بحاسة السمع والذي يدرك بعد مهلة هو غير الصوت الذي تولد عن الصكة الأولى ~~لأن ذلك إنما لا يدرك لبعده قيل فكذلك يدرك الصوت في جهة الريح أقوى لأنه ~~يتولد فيها حالا بعد حال فيكون إلى إدراكه أقرب وإذا كانت الريح في خلاف ms007 ~~جهة الصوت ضعف إدراكه وربما لم يدرك لأنه يتولد فيما يبعد عنه البعد المانع ~~من إدراكه ولا يجوز البقاء على الأصوات أما من أثبت البقاء معنى ~~كالبغذاديين من المعتزلة فإنه يمتنع من بقاء جميع الأعراض لأن البقاء الذي ~~هو عرض عنده لا يصح أن يحل العرض وأما من لم يثبت البقاء معنى وهو الصحيح ~~ويجوز على بعض الأعراض البقاء ويقطع على بعض فإنه يعتل في المنع من بقاء ~~الأصوات بأنها لو بقيت لاستمر إدراكنا لها مع السلامة وارتفاع الموانع ~~ومعلوم خلاف ذلك ولو كان الصوت مدركا على الاستمرار لم يقع عنده فهم الخطاب ~~لأن الكلمة كانت حروفها تدرك مجتمعة فلا يكون زيد أولى من يزد أو غير ذلك ~~مما ينتظم من حروف زيد ولو كان الكلام أيضا باقيا لكان لا ينتفى لا بفساد ~~محله لأنه لا ضد له من غير نوعه ولا تقع الأصوات من فعل العباد إلا متولدة ~~ويدلك على ذلك أيضا تعذر إيجادها عليهم إلا بتوسط الاعتماد والمصاكة ولأنها ~~تقع بحسب ذلك فيجب أن تكون مما لا يقع إلا متولدا كالآلام # والصوت يحرج مستطيلا ساذجا حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع ~~تثنيه عن امتداده فيسمى المقطع أينما عرض له حرفا وسنبين ذلك PageV01P022 # | فصل في الحروف # الحرف في كلام العرب يراد به حد الشيء وحدته ومن ذلك حرف السيف إنما هو ~~حده وناحيته وطعام حريف يراد به الحدة ورجل محارف أي محدود عن الكسب وقولهم ~~انحرف فلان عن فلان أي جعل بينه وبينه حدا بالبعد # وفسر أبو عبيدة معمر بن المثنى قوله تعالى @QB@ ومن الناس من يعبد الله ~~على حرف @QE@ أي لا يدوم وفسره أبو العباس أحمد بن يحيى أي على شك وكلا ~~التأويلين على ما قدمناه لأن المراد أنه غير ثابت على دينه ولا مستحكم ~~البصيرة فيه فكأنه على حرفه أي غير واسط منه # وسميت الحروف حروفا لأن الحروف حد منقطع الصوت وقد قيل إنها سميت بذلك ~~لأنها جهات للكلام ونواح كحروف الشيء وجهاته # فأما قولهم ms008 في القراءة حرف أبي عمرو من القراء وغيره فقد قيل فيه إن ~~المراد أن الحرف كالحد ما بين القراءتين وقيل أيضا إن الحرف في هذا القول ~~المراد به الحروف كما قال الله تعالى @QB@ والملك على أرجائها @QE@ أي ~~والملائكة وقولهم أهلك الناس الدينار والدرهم أي PageV01P023 الدنانير ~~والدراهم والمعنى أن القارىء يؤدي حروف أبي عمرو بأعيانها من غير زيادة ولا ~~نقصان # وقد اختلفوا في تسمية الناقة الضامر حرفا فقال قوم أي أنها قد حددت ~~أعطافها بالضمر وقال أبو العباس أحمد بن يحيى لأنها انحرفت عن السمن وقال ~~غيره شبهت بحرف الجبل في الشدة والصلابة وزعم بعضهم أنها شبهت بحرف السيف ~~في مضائه وقال آخرون شبهت بالهاء من الحروف لدقتها وتقويسها وكل هذا راجع ~~إلى ما تقدم # ومنه سمي مكسب الرجل حرفة لأنه الجهة التي انحرف إليها وسموا الميل ~~محرافا لدقته وأنشد أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد # ( كما زل عن رأس الشجيج المحارف % ) # والتحريف في الكلام الميل والانحراف قال الله تعالى @QB@ يحرفون الكلم عن ~~مواضعه @QE@ # أما تسمية أهل العربية أدوات المعاني نحو من وقد حروفا فإنهم زعموا أنهم ~~سموها بذلك لأنها تأتي في أول الكلام وآخره فصارت كالحروف والحدود له وقد ~~قال بعضهم إنما سميت حروفا لانحرافها عن الأسماء والأفعال وهي عندنا نحن ~~كلام لأنها منتظمة من حرفين فصاعدا # وأما قولهم للحروف التي في لغة العرب حروف المعجم فليس بصفة للحروف لأن ~~ذلك يفسد من وجهين أحدهما امتناع وصف PageV01P024 النكرة بالمعرفة والثاني ~~إضافة الموصوف إلى صفته والصفة عند النحويين هي الموصوف في المعنى ومحال أن ~~يضاف الشيء إلى نفسه إلا أن أبا العباس المبرد ذهب في ذلك إلى أن المعجم ~~بمنزلة الأعجام كما تقول أدخلته مدخلا أي إدخالا وكما حكى أبو الحسن سعيد ~~ابن مسعدة الأخفش أن بعضهم قرأ @QB@ ومن يهن الله فما له من مكرم @QE@ بفتح ~~الراء أي من إكرام فكأنهم قالوا على هذا الوجه حروف الإعجام ولم يجز أبو ~~الفتح عثمان بن جني أن يكون قولهم حروف المعجم بمنزلة ms009 قولهم صلاة الأولى ~~ومسجد الجامع قال لأن معنى ذلك صلاة الفريضة الأولى ومسجد اليوم الجامع ~~فهما صفتان حذف موصوفاهما وأقيما مقامهما وليس كذلك حروف المعجم لأنه ليس ~~معناه حروف الكلام المعجم ولا حروف اللفظ المعجم وليس يبعد عندي ما أنكره ~~أبو الفتح بل يجوز أن يكون التقدير حروف الخط المعجم لأن الخط العربي فيه ~~أشكال متفقة لحروف مختلفة عجم بعضها دون بعض ليزول اللبس وقد يتفق في غيرها ~~من الخطوط أن تختلف أشكال الحروف فلا يحتاج إلى النقط فوصف الخط العربي ~~بأنه معجم لهذه العلة وقيل حروف المعجم أي حروف الخط المعجم كما يقال حروف ~~العربي أي حروف الخط العربي وليس يمكن أن يعترض على هذا القول بأن يدعي أن ~~وضع كلام العرب قبل خطهم وأن التسمية كانت لحروفه بحروف المعجم من حين تكلم ~~به لأن قائل هذا يحتاج إلى إقامة الدلالة على ذلك وهي متعذرة لبعد العهد ~~وفقد الطرق التي يتوصل بها إلى معرفة ذلك لا سيما إثبات التسمية لهذه ~~الحروف بأنها حروف المعجم PageV01P025 قبل وضع الخط وكل ما يروى من ابتداء ~~وضعه وأنه خرج على ما قيل من الأنبار وما يجري هذا المجرى فليس يثمر إلا ~~الظن # فإذا قيل أعجمت الكتاب فمعناه أزلت إبهامه كما يقال أشكيته إذا أزلت ما ~~يشكوه لأن هذه اللفظة في كلام العرب للإبهام والخفاء ومنه رجل أعجم وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم جرح العجماء جبار يريد البهيمة وعجم الزبيب وغيره ~~أي المستتر فيه وسموا صلاتي الظهر والعصر عجماويين لأنه لا يفصح بالقراءة ~~فيهما # والحروف تختلف باختلاف مقاطع الصوت حتى شبه بعضهم الحلق والفم بالناي لأن ~~الصوت يخرج منه مستطيلا ساذجا فإذا وضعت الأنامل على خروقه ووقعت المزاوجة ~~بينها سمع لكل حرف منها صوت لا يشبه صاحبه فكذلك إذا وقع الصوت في الحلق ~~والفم بالاعتماد على جهات مختلفة سمعت الأصوات المختلفة التي هي حروف ولهذا ~~لا يوجد في صوت الحجر وغيره لأنه لا مقاطع فيه للصوت وليس يحتاج إلى حصر ~~الحروف التي يتعلق ms010 بها وإنما الغرض ذكر ما في اللغة العربية التي كلامنا ~~عليها لأن في غيرها من اللغات حروفا ليست فيها كلغة الأرمن وما جرى مجراها # فحروف العربية تسعة وعشرون حرفا وهي الهمزة والألف والهاء والعين والحاء ~~والغين والخاء والقاف والكاف والضاد والجيم والشين والياء واللام والراء ~~والنون والطاء والدال والتاء والصاد والزاي والسين والظاء والذال والثاء ~~والفاء والباء والميم والواو فهذا ترتيبها في المخارج # وكان أبو العباس محمد بن يزيد المبرد لا يعتد بالهمزة ويجعل PageV01P026 ~~الحروف ثمانية وعشرين حرفا وقوله هذا عند النحويين مرفوض واعتلاله بأن ~~الهمزة لا صورة لها مستكره غير مرضى لأن الاعتبار باللفظ دون الخط وهي ~~ثابتة فيه ولو أن العرب لا خط لها كغيرها من الأمم لم يمنع ذلك من الاعتداد ~~بجميع هذه الحروف المذكورة # فأما الألف التي هي ساكنة أبدا فقد قالوا إن واضع الخط و لا ى أتى ب لا ~~على وزن ما لأن الألف ساكنة لا يصح الابتداء بها فجاء بحرف قبلها ليمكن ~~النطق بها ويقع تمثيل ذلك وليس غرضه أن يبين كيف يتركب بعض هذه الحروف من ~~بعض كما يقول المعلمون لام ألف ولو أراد أن يبين التركيب لبينه في سائر ~~الحروف ولم يقتصر على الألف مع اللام # وقد قال أبو الفتح عثمان بن جنى إنهم إنما اختاروا لها حرف اللام دون ~~غيره من الحروف لأن واضع الخط أجراه في هذا على اللفظ لأنه أصل للخط والخط ~~فرع عليه فلما رآهم وقد توصلوا إلى النطق بلام التعريف بأن قدموا قبلها ~~ألفا نحو الغلام والجارية لما لم يمكن الابتداء باللام الساكنة كذلك أيضا ~~قدم قبل الألف في لا لاما توصلا إلى النطق بالألف الساكنة وكان في ذلك ضرب ~~من المعارضة بين الحرفين # ويمكن عندي أن يعترض على هذا القول بأن يقال إن التي مع اللام ~~PageV01P027 في الرجل والجارية هي الهمزة وليست الألف الساكنة التي جاءت ~~اللام معها في لا فكيف تجعل العلة في ورود اللام هنا مع الألف ورود الهمزة ~~هناك مع اللام وليس ms011 بين الموضعين تناسب ولا معارضة كما ذكرت وهل يصح أن ~~يقال إن الألف الساكنة التي لا يمكن أن يبتدأ بها في النطق بل يحتاج إلى ~~حرف قبلها يتوصل بها إلى النطق بلام التعريف التي هي ساكنة مثلها وكل من ~~الحرفين يحتاج إلى ما يحتاج إليه الآخر # فإن قيل إن الهمزة التي مع اللام في الرجل هي ألف على الحقيقة وهي التي ~~بعد اللام في قولهم لا وإن كانت ساكنة هناك قيل له فما وجه إنكارك وإنكار ~~أصحابك على أبي العباس المبرد أنه لم يعتد بالهمزة في الحروف بل جعلها ~~ثمانية وعشرين حرفا فقط أوليس هذا منكم إنكارا للهمزة رأسا وليس يحظر أن ~~يجاب عن هذا الكلام إلا بأن كافة النحويين يطلقون على الهمزة التي مع لام ~~التعريف أنها ألف ومثل هذا لا يقنع لأن التعليل فيما ذكره أبو الفتح إذا ~~قصر على الشبه في الاسم ضعف جدا واطرح # ثم الكلام عليهم أيضا باق في قولهم إن الهمزة في نحو الرجل ألف على ~~الإطلاق مع اعتقادهم أن الألف هي الحرف الساكن أبدا في نحو كتاب وغيره ~~والهمزة حرف غيره وإنكارهم على أبي العباس المبرد ما ذكرناه # فأما نحن إذا سئلنا عن العلة في إيراد اللام مع الألف للتوصل بحرف متحرك ~~دون غيرها من الحروف فمن جوابنا أن الغرض كان إيراد حرف متحرك للتوصل به ~~والعادة جارية في مثل الموضع بمجيء همزة الوصل كما جاءت في نحو اذهب وغيره ~~فمنع من ذلك ما ذكره أبو الفتح PageV01P028 من أنها تأتي مكسورة ولو جاءت ~~قبل الألف مكسورة لانقلبت الألف ياء لانكسار ما قبلها وانتقض الغرض فلما ~~خرجت الهمزة بهذه العلة التي ذكرها كانوا في غيرها من الحروف بالخيار أي ~~حرف متحرك ورد صح به الغرض فأتوا باللام لغير علة كما خص واضع الخط بعض ~~الحروف بشكل دون بعض لغير سبب وأمثال هذا الذي لا يعلل كثيرة لا تحصى # ويلحق هذه الحروف التي ذكرناها حروف بعضها يحسن استعماله في الفصيح من ~~الكلام وبعضها لا يحسن ms012 فالتي تحسن ستة حروف وهي النون الخفيفة التي تخرج من ~~الخيشوم والهمزة المخففة وألف الإمالة وألف التفخيم وهي التي بها ينحى نحو ~~الواو وذلك كقولهم في الزكاة الزكاوة والصاد التي كالزاي نحو قولهم في مصدر ~~مزدر والشين التي كالجيم نحو قولهم في أشدق أجدق # والحروف التي لا تستحسن ثمانية وهي الكاف التي بين الجيم والكاف نحو كلهم ~~عندك والجير التي كالكاف نحو قولهم للرجل ركل والجيم التي كالشين نحو قولهم ~~خرشت والطاء التي كالتاء كقولهم طلب الضاد الضعيفة كقولهم في أثرد أضرد ~~والصاد التي كالسين في قولهم صدق والظاء التي كالثاء كقولهم ظلم والفاء ~~التي كالباء كقولهم فرند # ومخارج هذه الحروف ستة عشر مخرجا ثلاثة في الحلق فأولها من أقصاه مخرج ~~الهمزة والألف والهاء وهذا على ترتيب سيبويه وزعم أبو الحسن الأخفش أن ~~الهاء مع الألف لا قبلها ولا بعدها ثم يليه من وسط الحلق مخرج العين والحاء ~~ثم من فوق ذلك مع أول الفم مخرج الغين والخاء ثم من أقصى اللسان مخرج القاف ~~ومن أسفل ذلك وأدنى إلى PageV01P029 مقدم الفم مخرج الكاف ومن وسط اللسان ~~بينه وبين الحنك الأعلى مخرج الجيم والشين والياء ومن أول حافة اللسان وما ~~يليها من الأضراس مخرج الضاد ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرفه ~~بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى مخرج اللام ومن طرف اللسان بينه وبين ~~ما فوق الثنايا مخرج النون ومن مخرج النون غير أنه أدخل في ظهر اللسان مخرج ~~الراء ومما بين طرف اللسان وأصول الثنايا مخرج الطاء والتاء والدال ومما ~~بين الثنايا وطرف اللسان مخرج الصاد والزاي والسين ومما بين طرف اللسان ~~وأطراف الثنايا مخرج الظاء والثاء والذال ومن باطن الشفة السفلى وأطراف ~~الثنايا العليا مخرج الفاء ومن بين الشفتين مخرج الباء والميم والواو ومن ~~الخياشيم مخرج النون الخفيفة # ومن هذه الحروف المجهور والمهموس ومعنى الجهر في الحرف أنه أشبع الاعتماد ~~في موضعه ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد ويجري الصوت ومعنى ~~الهمس فيه أن ms013 يضعف الاعتماد في الصوت حتى يجري معه النفس والحروف المهموسة ~~عشرة أحرف وهي الهاء والحاء والخاء والكاف والسين والصاد والتاء والشين ~~والثاء والفاء ويجمعها في اللفظ ستشحثك خصفه وجمعت أيضا سكت فحثه شخص وما ~~سوى هذه الحروف هو المجهور # ومنها أيضا الرخو والشديد والذي بين الشديد والرخو فالشديد الحرف الذي ~~يمنع الصوت أن يجري فيه وهي ثمانية أحرف الهمزة والقاف والكاف والجيم ~~والطاء والدال والتاء والباء ويجمعها في اللفظ أجدك قطبت والتي بين الشديد ~~والرخو ثمانية أحرف وهي الألف والعين والراء واللام والياء والنون والميم ~~والواو ويجمعها في اللفظ لم يروعنا والرخوة الحروف التي لا تمنع الصوت أن ~~يجري فيها وهي ما سوى هذين القسمين المذكورين PageV01P030 # ومنها أيضا المنطبقة والمنفتحة معنى الإطباق أن يرفع المتلفظ بهذه الحروف ~~لسانه ينطبق بها الحنك الأعلى فينحصر الصوت بين اللسان والحنك وهي أربعة ~~أحرف الصاد والضاد والطاء والظاء وما سواها من الحروف مفتوح غير منطبق # ومن الحروف أيضا حروف الاستعلاء وحروف الانخفاض ومعنى الاستعلاء أن تصعد ~~في الحنك الأعلى وهي سبعة أحرف الحاء والغين والقاف والضاد والظاء والصاد ~~والطاء وما سوى ذلك من الحروف منخفض # ومنها حروف الذلاقة ومعنى الذلاقة أن يعتمد عليها بذلق اللسان وهو طرفه ~~وذلق كل شيء وحده وهي ستة أحرف اللام والراء والنون والفاء والباء والميم ~~وما سواها من الحروف فهي المصمتة # وللحروف أيضا انقسام إلى الصحة والاعتلال والزيادة والأصل والسكون ~~والحركة وغير ذلك مما أكثر علقته بالنحو ولو ذكرناه في هذا الكتاب أطلناه ~~وعدلنا عن الغرض في تقريبه وإنما أردنا ذكر ما لا يستغنى عنه طالب معرفة ~~الفصاحة التي لها يقصد وإليها ينحو فأما ما سوى ذلك فاللمحة تقنع منه ~~واللمعة تغني فيه وفيما أوردناه من أقسام الحروف وأحكامها في هذا الفصل ~~مقنع ولا يليق به الزيادة عليه والإسهاب لأنه كالطريق الذي يجتاز فيه إلى ~~مرادنا ونتوصل بسلوكه إلى مقصدنا فاللبث به غير واجب والريث فيه غير محمود ~~PageV01P031 # | فصل في الكلام # الكلام اسم عام يقع على القليل والكثير وذكر ms014 السير في أنه مصدر والصحيح ~~أنه اسم للمصدر والمصدر التكليم قال الله تعالى @QB@ وكلم الله موسى تكليما ~~@QE@ ولعل أبا سعيد تسمح في إيراد ذلك وقاله مجازا فأما الكلم فإنه اسم يدل ~~على الجنس هذا مذهب أهل النحو في الأسماء التي يكون فيها الاسم على صورتين ~~تارة بالهاء وتارة بطرحها نحو تمرة وتمر وبسرة وبسر وما أشبه ذلك على أن ~~بعضهم قد جعل الكلم جمع كلمة لكن الأحرى على مذهبهم ما ذكرناه # والكلمات جمع كلمة وقد حكى كلمة وجمعها كلم وروى أبو زيد أن العرب تقول ~~الرجلان لا يتكالمان يريد لا يتكلمان وقد استدل على أن الكلام ليس بمصدر ~~بأن الفعل المستعمل منه إنما هو كلمت وفعلت يأتي مصدره في القياس على مثال ~~التفعيل نحو كسرت تكسيرا ولا يأتي على لفظ آخر # والكلام عندنا ما انتظم من هذه الحروف التي ذكرناها أو غيرها على ما ~~بيناه من أننا لا نذكر إلا حروف اللغة العربية دون غيرها من اللغات وحده ما ~~انتظم من حرفين فصاعدا من الحروف المعقولة إذا وقع ممن تصح عنه أو من قبيله ~~الإفادة وإنما شرطنا الانتظام لأنه لو أتى بحرف ومضى زمان وأتى بحرف آخر لم ~~يصح وصف فعله بأنه كلام وذكرنا الحروف المعقولة لأن أصوات بعض الجمادات ~~ربما تقطعت على وجه يلتبس بالحروف ولكنها لا تتميز وتتفصل كتفصيل الحروف ~~التي ذكرناها واشترطنا وقوع ذلك ممن يصح منه أو من قبيله الإفادة لئلا يلزم ~~عليه أن يكون ما PageV01P032 يستمع من بعض الطيور كالببغاء وغيرها كلاما ~~وقلنا القبيل دون الشخص لأن ما يسمع من المجنون يوصف بأنه كلام وإن لم تصح ~~منه الفائدة وهو بحاله لكنها تصح من قبيله وليس كذلك الطائر # فأما الدليل على صحة هذا الحد فهو أن الشروط التي ذكرناها فيه متى تكاملت ~~صح الوصف بأنه كلام ومتى اختل بعضها لم يوصف بذلك وفيما ذكرناه تسمح وهو ~~قولنا لو أتى بحرف ومضى زمان وأتى بحرف آخر لم يصح وصف فعله بأنه كلام ~~وكذلك النطق بحرف واحد ms015 متعذر وغير ممكن إذ لا بد من الابتداء بمتحرك ~~والوقوف على ساكن وما يمكن ذلك في أقل من حرفين الأول منهما متحرك والثاني ~~ساكن وهو الذي يسميه العروضيون سببا خفيفا وبهذا أجاب أصحابنا من ألزمهم ~~على هذا الحد الذي ذكرناه أن يكون ق و ع في الأمر ليس بكلام لأنه حرف واحد ~~وقالوا إن المنطوق به في هذا القول حرفان والغنة التي وقف عليها عند السكت ~~هي حرف وإن لم تثبت في الخط وبينوا أن النطق بحرف واحد غير ممكن للعلة التي ~~ذكرناها وبهذا الجواب غنوا عما قاله أبو هاشم من أن الأصل في هاتين ~~اللفظتين عند الأمر أوق و أوع وإنما حذف ذلك لضرب من التصريف والمحذوف مقدر ~~في الكلام مراد فعاد الأمر إلى أن الحرف الواحد لا يفيد وإذا كنا قد بينا ~~التسمح فيما ذكرناه فوجه العذر فيه أنه لو أمكن فرضا وتقديرا أن ينطق بحرف ~~واحد لم يكن كلاما وإن كان الصحيح أن ذاك غير ممكن لما بيناه # وقد ألزمنا على هذا الحد الذي ذكرناه أن يكون الأخرس متكلما لأنه قد يقع ~~منه حرفان والتزم أصحابنا ذلك وقالوا إن الأخرس يمكن PageV01P033 أن يقع ~~منه أقل قليل للكلام وفيهم من احترز من ذلك وقال في أصل الحد ما انتظم من ~~حرفين مختلفين وادعى أن الأخرس لا يقع منه ذلك وطعن على هذا القول بأنه غير ~~ممتنع أن يقع من الأخرس حرفان مختلفان والمعتمد التزام ذلك والقول بجوازه # وليس يجوز أن يشترط في حد الكلام كونه مفيدا على ما يذهب إليه أهل النحو ~~ومضى في بعض كلام أبي هاشم وذلك أنا وجدنا أهل اللغة قد قسموا الكلام إلى ~~مهمل ومستعمل والمهمل ما لم يوضع في اللغة التي أضيف أنه مهمل إليها لشيء ~~من المعاني والفوائد والمستعمل هو الموضوع لمعنى أو فائدة فلو كان الكلام ~~هو المفيد عندهم وما لم يفد ليس بكلام لم يكونوا قسموه إلى قسمين بل كان ~~يجب أن يسلبوا ما لم يفد إسم الكلام رأسا لا ms016 أن يجعلوه أحد قسميه على أن ~~الكلام إنما يفيد بالمواضعة وليس لها تأثير في كونه كلاما كما لا تأثير لها ~~في كونه صوتا وأي دليل على أن اسم الكلام عندهم غير مقصور على المفيد أوكد ~~من تسميتهم للهذيان الواقع من المجنون وغيره كلاما وليس يمكن دفع ذلك عنهم ~~ولا إنكاره وقد وجدت أبا طالب أحمد بن بكر العبدي النحوي ينصر في كتابه ~~الموسوم بالبرهان في شرح الإيضاح ما يذهب إليه النحويون في هذه المسألة ~~فلما تأملته وأنعمت النظر فيه لم أجده معتمدا فيما ادعوه وأنا أحكيه وأتبعه ~~ببيان عدم الدلالة منه قال أبو طالب وهذا اللفظ من الكلام فإنه يكون واقعا ~~على المفيد منه لا على غيره ألا ترى أن سيبويه رحمه الله قال واعلم أن قلت ~~إنما وقعت في كلام العرب على أن يحكي بها ما كان كلاما لا قولا وفسر معنى ~~هذا القول ثم قال فإن قلت ألست تقول لمن نطق وأظهر كلمة واحدة قد تكلم وإن ~~لم يكن ما ذكره جملة قيل قال PageV01P034 أقول تكلم ولا أقول قال كلاما لأن ~~الكلام ما وقع على الجمل من حيث ذكرت أن كلاما إنما وقع على أن يكون إسما ~~للمصدر ونائبا عنه وذلك المصدر موضوع للمبالغة والتكثير ألا ترى أنك تقول ~~فعلت كذا وكذا ولفظ كذا يحتمل أن يكون كثيرا وأن يكون قليلا وبابه القلة ~~وإذا قال فعلت بتشديد العين لم يكن إلا للتكثير وزال عنه معنى القلة من أجل ~~التشديد فإذا كان الأمر على هذا وكان الكلام جاريا على أن لفظ فعل للمبالغة ~~وجب أن يراد به التكثير وأقل أحوال التكثير والتكرير أن يكون واقعا على ~~جملة فإن قيل فإن الفعل المستعمل من هذا اللفظ لا يكون على وجهين إذا أريد ~~التقليل كان خفيفا وإذا أريد التكثير ثقل كما نجد ذلك في ضرب وضرب وذلك أنه ~~لم يجيء فيه إلا كلمت البتة قيل أليس قد تقرر أن لفظ فعل للتكثير والتكرير ~~فينبغي أن توفى حق لفظها وكونها على حالة ms017 واحدة عندي أبلغ في المعنى حتى ~~صارت عندهم لفظة لا تستعمل إلا للمبالغة من حيث كان الكلام أجل ما يوصف به ~~الإنسان حتى قال الشاعر # ( لسان الفتى نصف ونصف فؤاده % فلم يبق إلا صورة اللحم والدم ) # وقال قبل هذا البيت # ( وكائن ترى من ساكت لك معجب % زيادته أو نقصه في التكلم ) # ولآخر # ( ومما كانت الحكماء قالت % لسان المرء من خدم الفؤاد ) # ويقال لأصل الدين والكلام عليه فلان متكلم فلولا أنها شيمة PageV01P035 ~~شريفة وصفة مبالغة لما وصف بذلك ثم يقال للإنسان الذي يورد ما تقل فائدته ~~هذا ليس بكلام فقد بان بما ذكرته موضع المبالغة في قولهم فلان متكلم وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم إن من البيان لسحرا فأما ما ~~جاء من قوله # ( فصبحت والطير لما تكلم % ) # وقوله # ( عجبت لها أنى يكون غناؤها % فصيحا ولم تغفر بمنطقها فما ) # فمجاز لا حقيقة له كما قيل # ( إلى ملك أظلافه لم تشقق % ) # وكما أنشد سيبويه # ( وداهية من دواهي المنون % ترهبها الناس لا فا لها ) # فجعل للداهية فما استعارة وكشف هذا شاعر محدث فقال # ( وسألت من لا يستجيب فكنت في استخباره % كمجيب من لا يسأل ) # ويكشف هذا المعنى للمتأمل أن العرب لشرف الكلام عندهم وأن القليل المفيد ~~منه عندهم كثير يقولون وقال فلان في كلمته يريدون القصيدة وكشف هذا المتأخر ~~ما أريد فقال PageV01P036 # ( ورسائل قطع العداة سحاءها % فرأوا قنا وأسنة وسنورا ) # وهل هو إلا كلام وقد ترى تفصيله إياه بالقنا والسنور وقد قال الأول # ( والقول ينفذ ما لا ينفذ الإبر % ) # وقال آخر # ( فإن القوافي يتلجن موالجا % تضايق عنها أن تولجها الإبر ) # وهذا كله إنما أوردته نصرا لنطقهم بتكلم مثقل العين على لفظ المبالغة ولم ~~يستعملوه على وجهين محففا ومثقلا # فيقال لأبي طالب إن كنت أورت ما ذكرته عن سيبويه على وجه الاستدلال به ~~فلا حجة فيه لأنا لسنا نخالفك في هذه المسألة وحدك وإنما نخالف فيها سيبويه ~~وغيره من النحويين الذين ذهبوا إلى أن الكلام هو المفيد دون غيره وكيف ms018 يكون ~~قول خصومنا علينا حجة من غير أن يعتمدوا إلا على نفس الدعوى فإن ذهب إلى أن ~~قول سيبويه وأمثاله في هذا حجة واستطرف الإفصاح بخلافه قلنا إن كان هذا ~~لحسن الظن به فذلك أليق بالمتكلمين الذين هم أصحاب التحقيق والكشف عن أسرار ~~المعلومات وغوامض الأشياء وعللهم هي الصحيحة المستمرة الجارية على منهج ~~واضح وسبيل مستقيم وإنما غيرهم بالإضافة إليهم خابط عشواء وحاطب ليل فإن ~~جاز الاعتصام بتقليد سيبويه كان الاعتصام بالدخول في شعب هؤلاء أحرى وأولى ~~وإن قيل إن اتباع النحويين في مثل هذا الباب أسوغ لأنهم أهل هذا الشأن ~~وأرباب هذه الصناعة قلنا إنما يجب اتباعهم فيما PageV01P037 يحكونه عن ~~العرب ويروونه وليس هذه المسألة من قبيله بل العرب مجمعون معنا على تسمية ~~الكلام المفيد وغير المفيد بأنه كلام وليس يمكن جحد ذلك عنهم # فأما طريقة التعليل فإن النظر إذا سلط على ما يعلل النحويون به لم يثبت ~~معه إلا الفذ الفرد بل ولا يثبت شيء ألبتة ولذلك كان المصيب منهم المحصل من ~~يقول هكذا قالت العرب من غير زيادة على ذلك فربما اعتذر المعتذر لهم بأن ~~عللهم إنما ذكروها وأوردوها لتصير صناعة ورياضة ويتدرب بها المتعلم ويقوى ~~بتأملها المبتدىء فأما أن يكون ذلك جاريا على قانون التعليل الصحيح والقياس ~~المستقيم فذلك بعيد لا يكاد يذهب إليه محصل على أنه قد يمكن أن يقال إن ~~المتقدمين من أهل النحو تواضعوا في عرفهم على أن سموا الجمل المفيدة كلاما ~~دون ما لم يفد لا أن ذلك على سبيل التحقيق كما أنهم سموا هذه الحوادث ~~الواقعة كضرب وقتل أفعالا ولو عدلنا إلى التحقيق ورفض عرفهم كانت أسماء لما ~~وقع من الحوادث فأما تسليمه أن كل من نطق بكلمة واحدة يقال له تكلم ولا ~~يقال قال كلاما واعتلاله بأن كلاما وقع إسما لمصدر ونائبا وذلك المصدر ~~موضوع للتكثير فيجب أن يوفي حقه فمن طريف ما يعتمد عليه وذلك أن التكثير ~~موجود في لفظ تكلم وقد أجازه مع القلة فكيف لم يجز ذلك ms019 مع المصدر الذي ليس ~~في لفظه التكثير وإنما هو نائب عن ذلك في لفظه فإذا جاز هذا في الأصل فهو ~~فيما ينوب أسوغ وأليق # وأما قوله إنهم لم ينطقوا في الكلام إلا بفعل التي هي للتكثير لشرف ~~الكلام عندهم فذلك هو الحجة في إطلاق لفظ الكلام وتكلم على القليل الذي ليس ~~بمفيد لما ذكره من الشرف والمبالغة # وأما استدلاله على شرف الكلام عندهم بالأبيات التي ذكرها فمما يمكن إيراد ~~مثله إلا أن ذكره PageV01P038 # ( ومما كانت الحكماء قالت % لسان المرء من خدم الفؤاد ) # لا أعلم موقع الدلالة منه على شرف الكلام وهو بالدلالة على تشريف الفؤاد ~~والوضع من اللسان بأنه خادمه أليق # وأما قوله إنهم يقولون للإنسان الذي يورد ما تقل فائدته هذا ليس بكلام ~~قلنا ذلك وأمثاله إنما يورد على سبيل الجواز والإسراف في المبالغة كما يقال ~~للرجل البليد ليس بإنسان وللفرس البطيء ليس بفرس لا أن ذلك على الحقيقة ~~وهذا مما لا تدخل في مثله شبهة # وأما قوله إن العرب لشرف الكلام عندهم وأن القليل المفيد منه كثير يقولون ~~قال فلان في كلمته يريدون القصيدة فذلك كله وأمثاله هو الوجه في اقتصارهم ~~على لفظ التكثير في الكلام أفاد أو لم يفد دون الألفاظ التي لم توضع ~~للتكثير # وقد حد الكلام بحدود غير صحيحة كحد بعض النحويين له بأنه فعل المتكلم ~~وذلك ينتقض بجميع أفعاله الحادثة منه في حال كلامه كالضرب وما أشبهه على أن ~~من عقل كونه متكلما عقل الكلام ولم يحتج إلى حده وكذلك حد بعض المتكلمين له ~~بأنه ما أوجب كون المتكلم متكلما وقول غيره ما يقوم بذات المتكلم لأن هذا ~~كله فرع على عقل المتكلم وتحققه وذلك لا يتم إلا بعد المعرفة بالكلام وما ~~يقوم بذات المتكلم ينتقض بكل ما يقوم به من العلم والقدرة والحياة ثم ~~السؤال فيه باق لأنه إذا قيل فهذا الذي أوجب كون المتكلم متكلما أو قام ~~بذاته ما هو فلا بد من الرجوع إلى ما قدمناه من حده # وإذا كان كلامنا ms020 مبنيا على أن الكلام هو الصوت الواقع على بعض الوجوه ~~وكان أبو علي الجبائي يذهب إلى أن جنس الكلام يخالف جنس الصوت فلا بد من ~~بيان ما ذهبنا إليه وفساد ما عداه والذي يدل على أن PageV01P039 الكلام هو ~~الصوت الواقع على بعض الوجوه أنه لو كان غيره لجاز أن يوجد أحدهما مع عدم ~~الآخر على بعض الوجوه لأن هذه القضية واجبة في كل غيرين لا تعلق بينهما ~~ولما استحال أن توجد الأصوات المقطعة على وجه مخصوص ولا تكون كلاما أو ~~الكلام من غير صوت مقطع دل على أنه الصوت بعينه # فأما من ذهب إلى أن الكلام معنى في النفس من المجبرة فإن الذي حملهم على ~~هذا المذهب الواضح الفساد ظهور أدلة نظار المسلمين على حدوث هذا الكلام ~~المعقول وتقديم بعض حروفه على بعض فلم يتمكنوا من الاعتراف بأنه من جنس ~~الأصوات المتقطعة مع القول بأن كلام الله عز اسمه قديم فادعوا لذلك أن ~~الكلام غير هذا الصوت المسموع وأنه معنى قائم في النفس ليسوغ لهم قدمه على ~~بعض الوجوه فلجأوا من الاعتراف بالحق والانقياد بزمامه إلى محض الجهل وصرف ~~الظلال ولو تجنب خطابهم على هذا القول وعول في إفساده على حكاية مذهبهم ~~لأغنى ذلك عند كافة المحصلين ولم يفتقر إلى استئناف دليل عليهم غير التأمل ~~لما يدعونه والعجب مما يلتزمونه ويصرحون به وحمد الله تعالى على ما أنعم به ~~من الإرشاد ومنحه من الهداية لكن قد جرت عادة أهل العلم معهم بإيضاح الحق ~~وإن كان غير خاف والتنبيه على الصواب وإن كان ليس بمشكل في جميع المذاهب ~~التي تفردوا بها وإن جرت في البعد مجرى هذا المذهب فنحن نستدرك عليهم في ~~هذه المسألة على طريقة أصحابنا ونذكر ما قالوه وإن كنا غير محتاجين إلى ذلك # والذي يدل على أن الكلام ليس بمعنى في النفس أنه لو كان معنى زائدا على ~~المعاني المعقولة الموجودة في القلب كالعلم وغيره لوجب أن يكون إلى معرفته ~~طريق من ضرورة أو دليل ولو كان ضرورة ms021 لوجب اشتراك العقلاء PageV01P040 في ~~المعرفة به ولم يحسن الخلاف بينهم فيه والمعلوم غير ذلك ولو كان عليه دليل ~~لكان من ناحية حكم يظهر له ويتوصل به إلى إثباته كما يتوصل بأحكام الذوات ~~إلى إثباتها ومعلوم أنه لا حكم يمكن أن يشار إليه في هذا الباب # فإن قيل الصوت المسموع طريق إلى إثبات الكلام القائم في النفس قلنا ليس ~~يخلو من أن يكون طريقا إليه بأن يعلم عنده أو يستدل به عليه فإن كان الأول ~~وجب أن يعلم كل من سمع الكلام الذي هو الصوت الواقع على بعض الوجوه شيئا ~~آخر عنده ومعلوم خلاف ذلك وإن كان يستدل به عليه فالكلام المسموع إنما يدل ~~على ما لولاه لما حدث وهو القدرة أو ما لولاه لم يقع على بعض الوجوه وهو ~~العلم والإرادة فأما ما سوى ذلك فلا دلالة عليه لنفي التعلق # فإن قيل كل عاقل يجد في نفسه عند الكلام أمرا يضايقه ويدبر في نفسه ما ~~يريد أن يتكلم به حتى يخطب الخطبة وينشد القصيدة من غير أن يحرك لشيء من ~~ذلك جارحة بحال من الأحوال وذلك يبين أن الكلام معنى قائم في النفس قلنا كل ~~أمر يجده الإنسان من نفسه عند الكلام معقول وهو العلم بكيفية ما يوقعه منه ~~أو الظن له أو إرادة ذلك والداعي إلى فعل الكلام أو الفكر والروية في ~~إيقاعه وكيفية فعله فإن أشير إلى بعض ما ذكرناه بالكلام صح المعنى وعاد ~~الخلاف إلى عبارة وإن أريد غيره فليس بمعقول وههنا جواب آخر وذلك أن ~~الإنسان يفعل كلاما خفيا في داخل صدره ويقطعه بالنفس فيكون كلاما بالحقيقة ~~وإن كان غير مسموع له ثم إن أحدنا قد يحدث نفسه بنسج ثوب أو بناء دار فيظن ~~أن ذلك مصور في نفسه قبل الفعل وليس يجب لذلك أن يكون البناء أو النساجة ~~معنى قائم في النفس بل ذلك علم بكيفية إيقاع كل واحد منهما حسب ما بيناه في ~~الكلام فأما تعلقهم بحسن قول القائل في نفسي PageV01P041 كلام ففاسد لأنه ms022 ~~توصل إلى إثبات المعاني بالعبارات ولا يعول على ذلك محصل على أن من يطلق ~~هذا القول لا يخلو من أن يكون أطلقه عن علم أو عن غير علم فإن كان أطلقه عن ~~غير علم فلا حجة في إطلاقه وإن كان عن علم لم يخل أن يكون ضروريا أو مكتسبا ~~فإن كان ضروريا وجب اشتراك العقلاء فيه ولم يحسن الخلاف بينهم وليس الأمر ~~كذلك وإن كان مستدلا عليه فالواجب إيراد الدليل الذي اقتضى إطلاق هذه ~~العبارة ليقع النظر فيه # وبعد فإن الإنسان قد يطلق أيضا فيقول في نفسي بناء دار ونسج ثوب كما يقول ~~في نفسي كلام فهل يدل ذلك على أن البناء والنساجة معنيان في النفس كما دل ~~عندهم على أن الكلام معنى فيها ثم إن لقول القائل في نفسي كلام وجها صحيحا ~~وذلك أن المعنى أني عازم عليه ومريد له ولهذا لو أبدلوا هذا اللفظ مما ذكر ~~لقام مقامه في الفائدة وأما تعلقهم بأن الساكت يقال فيه إنه متكلم فليس ~~بصحيح لأن المراد بذلك إمكان الكلام منه أو إضافته إليه على طريق الصناعة ~~كما يقال للصائغ في حال هو لا يصوغ فيها إنه صائغ وكذلك سائر الصناع ثم هو ~~مع ذلك استدلال بالمعاني على العبارات وقد بينا فساد ذلك فيما تقدم # والكلام مما لا يوجب حالا للمتكلم إذ لا طريق إلى إثبات ذلك من ضرورة أو ~~استدلال ولا فرق بين من ادعى في الكلام أنه يوجب حالا وبين من ادعى ذلك في ~~جميع الأفعال كالضرب وغيره وأيضا فإن الكلام يوجد في الصدى ونكون نحن ~~المتكلمين به ومن شأن ما ينفصل عن الحي ألا يوجب له حالا ولأن كل ما أوجب ~~للحي حالا لا يصح وجوده في محل لا حياة فيه كالعلم والقدرة والكلام يتعلق ~~بالمعاني والفوائد بالمواضعة لا لشيء من أحواله وهو قبل المواضعة إذ لا ~~اختصاص له ولهذا جاز في الاسم الواحد أن تختلف مسمياته لاختلاف اللغات وهو ~~بعد وقوع التواضع PageV01P042 يحتاج إلى قصد المتكلم له واستعماله فيما ms023 ~~قررته المواضعة ولا يلزم على هذا أن تكون المواضعة لا تأثير لها لأن فائدة ~~المواضعة تمييز الصيغة التي متى أردنا مثلا أن نأمر قصدناها وفائدة القصد ~~أن تتعلق تلك العبارة بالمأمور وتؤثر في كونه أمرا به فالمواضعة تجري مجرى ~~شحذ السكين وتقويم الآلات والقصد يجري مجرى استعمال الآلات بحسب ذلك ~~الإعداد # والكلام على ضربين مهمل ومستعمل فالمهمل هو الذي لم يوضع في اللغة التي ~~قيل له مهمل فيها لشيء من المعاني والفوائد والمستعمل هو الموضوع لمعنى أو ~~فائدة وينقسم إلى قسمين أحدهما ما له معنى صحيح وإن كان لا يفيد فيما سمي ~~به كنحو الألقاب مثل قولنا زيد وعمرو وهذا القسم جعله القوم بدلا من ~~الإشارة والفرق بينه وبين المفيد أن اللقب يجوز تبديله بغيره وتغييره ~~واللغة على ما هي عليه والمفيد لا يجوز ذلك فيه والقسم الثاني هو المفيد ~~وهو على ثلاثة أضرب أحدها أن يبين نوعا من نوع كقولنا كون ولون وثانيهما أن ~~يبين جنسا من جنس كقولنا جوهر وسواد وثالثها أن يبين عينا من عين كقولنا ~~عالم وقادر والمفيد من الكلام ينقسم إلى قسمين حقيقة ومجاز فاللفظ الموصوف ~~بأنه حقيقة هو ما أريد به ما وضع لإفادته والمجاز هو اللفظ الذي أريد به ما ~~لم يوضع لإفادته والكلام المفيد يرجع كله إلى معنى الخبر ومتى اعتبرت ضروبه ~~وجدت لا تخرج عن ذلك في المعنى أما الجحود والتشبيه والقسم والتمني والتعجب ~~فالأمر في كونها أخبارا في المعنى ظاهر وأما الأمر فيفيد كون الآمر مريدا ~~للفعل فمعناه معنى الخبر والنهي يفيد أنه كاره فهو أيضا كذلك والسؤال ~~والطلب والدعاء تجري هذا المجرى والعرض فهو سؤال على الحقيقة فأما النداء ~~فقد اختلف فيه فقيل معنى يا زيد أدعو زيدا وهذا على الحقيقة خبر وقيل ~~PageV01P043 المراد به أقبل يا زيد وعلى هذا المعنى فهو داخل في قسم الأمر ~~وأما التحضيض فهو في معنى الأمر لأنه ينبىء عن إرادة المحضض للفعل # وإذا كنا قد بينا حد الكلام وحقيقته فينبغي أن نذكر حقيقة ms024 المتكلم فنقول ~~إن المتكلم من وقع الكلام الذي بينا حقيقته بحسب أحواله من قصده وإرادته ~~واعتقاده وغير ذلك من الأمور الراجعة إليه حقيقة أو تقديرا والذي يدل على ~~ذلك أن أهل اللغة متى علموا أو اعتقدوا وقوع الكلام بحسب أحوال أحدنا وصفوه ~~بأنه متكلم ومتى لم يعلموا ذلك أو يعتقدوه لم يصفوه فجرى هذا الوصف في ~~معناه مجرى وصفهم لأحدنا بأنه ضارب ومحرك ومسكن وما أشبه ذلك من الأفعال ~~ومن دفع ما ذكرناه في الكلام وإضافته إلى المتكلم تعذر عليه أن يضيف شيئا ~~على سبيل الفعلية لأن الطريقة واحدة ولا يلزم على ما ذكرناه إضافة كلام ~~النائم أو الساهي إليهما وإن لم يقع بحسب المقصود وذلك أننا لم نقتصر على ~~ذكر المقصود والدواعي دون جملة الأحوال والكلام يقع من النائم والساهي بحسب ~~قدرتهما ولغتهما واللثغة العارضة في لسانهما وغير ذلك من أحوالهما على أنا ~~قد احترزنا بذكر التقدير في كلامنا لأن من المعلوم أن كلام النائم لو كان ~~قاصدا لوقع بحسب قصده وإنه مخالف لكلام غيره ويدل على ما ذكرناه أيضا أنهم ~~يضيفون الكلام المسموع من المصروع إلى الجني لما اعتقدوا تعلقه بقصده ~~وإرادته وهذا وإن كان خطأ منهم وجهلا فلا يغير دلالتنا منه لأنا إنما ~~استدللنا باستعمالهم على وجه لا فرق فيه بين الفاسد والصحيح لأن عبارتهم ~~تابعة لاعتقاداتهم ولا فرق بين أن تكون تلك الاعتقادات علما أو جهلا كما ~~يستدل على أن لفظة إله في لغتهم موضوعة لمن يحق له العبادة بوصفهم للأصنام ~~بأنها آلهة لما اعتقدوا أن هذه العبادة تجب لها وإن كان هذا الإعتقاد منهم ~~في الأصنام فاسدا فإن قالوا إنهم إنما أضافوا الكلام المسموع من المصروع ~~إلى الجني لما اعتقدوا أن الجني قد سلكه PageV01P044 وخالطه وأن الكلام حال ~~في الجني دونه فيعود الأمر إلى أن المتكلم بالكلام من حلة قلنا له ليس ~~يعقدون أن آلة المصروع ولسانه قد صارا للجني دونه لأنهم لا يضيفون إلى ~~الجني كل كلام يسمع من المصروع كالتسبيح والقراءة وما يجري ms025 مجراهما مما ~~يعتقدون أن الجني لا يقصده وإنما يضيفون إليه ما يعتقدون أنه لا يكون من ~~مقصود غير الجني فدل هذا على أنهم لا يضيفون الكلام إلا إلى من وقع بحسب ~~أحواله ومقصوده على ما قدمناه ويدل أيضا على ما ذهبنا إليه أن الكلام الذي ~~يوجد في الصدى يستحيل أن يكون كلاما له أو للقديم تعالى لأنه ربما كان كذبا ~~أو عبثا وهو عز اسمه ينزه عن ذلك أو كلاما لا لمتكلم به فيجب أن يكون كلاما ~~لمن فعل أسبابه ووجد بحسب دواعيه وقصوده وليس لهم أن يمتنعوا من وجود ~~الكلام في الصدى لأنه عندهم معنى في النفس لأنا قد بينا أن الكلام هو هذه ~~الأصوات المخصوصة فيما تقدم ولا شبهة في وجودها في الصدى فأما حدهم للمتكلم ~~بأنه من له كلام فإحالة على مبهم والسؤال باق لأنه يقال فكيف صار الكلام له ~~أبأن حله أو بأن فعله فلا بد من التفسير وهذه اللفظة أعني قولهم إن له كذا ~~تحمل أمورا مختلفة المعاني منها إضافة البعض إلى الكل كقولهم له يد ورجل ~~ومعنى الملك كقولهم له دار وغلام ومعنى الفعلية كقولهم له إحسان ونعمة ~~ومعنى الحلول كما يقال له طعم ولون وما يحتمل أمورا مختلفة لا يجوز أن يحد ~~به في الموضع الذي يقصد فيه التمييز وكشف الغرض # ولما كنا قد ذكرنا طرفا من القول في حقيقة الكلام والمتكلم فيحتاج إلى ~~نبذ من الكلام في الحكاية والمحكي ليكون هذا الفصل مقنعا فيما وضع له والذي ~~كان يذهب إليه أبو الهذيل محمد بن الهذيل وأبو علي PageV01P045 محمد بن عبد ~~الوهاب أن الحكاية هي المحكي وأن التالي للقرآن يستمع منه كلام الله على ~~الحقيقة وأن البقاء يجوز على الكلام ويوجد في الحال الواحدة في الأماكن ~~الكثيرة فيوجد مع الصوت مسموعا ومع الكتابة مكتوبا ومع الحفظ محفوظا ويجري ~~في وجوده في الأماكن الكثيرة مجرى الأجسام ويزيد على الأجسام بأنه يوجد في ~~الأماكن الكثيرة في الوقت الواحد والأجسام إنما توجد في الأماكن على البدل ms026 ~~ثم قال أبو علي بعد ذلك إن التالي للقرآن يوجد مع تلاوته كلامان أحدهما من ~~فعله والآخر هو كلام الله تعالى والذي كان يقوله أبو هاشم وقد ذهب إليه ~~قبله جعفر بن حرب وجعفر بن مبشر أن الكلام هو الصوت الواقع على بعض الوجوه ~~ولا يجوز عليه البقاء ولا يوجد إلا في المحل الواحد والحكاية غير المحكي ~~وإن كانت مثله والقارىء لا يسمع منه إلا ما فعله والقراءة غير المقروء ~~والكتابة غير الكلام وإنما هي إمارات للحروف والحفظ هو العلم بكيفية الكلام ~~ونظمه وعلى هذا القول أكثر الشيوخ وهو الصحيح الذي لا شبهة فيه والذي يدل ~~على أننا قد بينا فيما تقدم أن الكلام هو الصوت الواقع على بعض الوجوه بما ~~لا فائدة في إعادته وأما الصوت فلا شبهة في أنه غير باق لما بيناه أيضا ~~وإذا كان الكلام هو الصوت والصوت لا يجوز عليه البقاء فكيف يقال إنه يوجد ~~في قراءة كل قارىء ومع الكتابة وغيرها ويدل أيضا على أن الكتابة لا يوجد ~~معها كلام وإنما هي أمارات للحروف بالمواضعة أن الاستفادة بالكتابة ~~كالإستفادة بعقدة الأصابع والإشارة وغيرهما من الأفعال التي تقع المواضعة ~~عليها PageV01P046 فلو كان لا بد من كلام يوجد مع الكتابة لأجل الفائدة ~~الحاصلة بها لوجب ذلك في جميع ما ذكرناه وذلك محال لا يحسن الخلاف فيه ومما ~~يدل على أن التلاوة للقرآن لا يوجد معها شيء آخر أن القائل @QB@ بسم الله ~~الرحمن الرحيم @QE@ متعوذا بها غير قاصد إلى تلاوة القرآن يوجد الكلام من ~~فعله فلو كان إذا قصد حاكيا لكلام الله تعالى وجد كلام آخر لكان إذا قصد ~~حكاية كلام كل من تلا القرآن يوجد كلامهم أجمع عند قصده فيقوي إدراكنا ~~للكلام من حيث نسمع كلاما كثيرا في هذه الحال وفي غيرها شيئا واحدا وهذا ~~واضح وقد تعلق أبو علي وأبو الهذيل فيما ذهبنا إليه بأنه لو كان القارىء لا ~~يسمع منه إلا ما فعله دون كلام الله تعالى لبطل التحدي وخرج من كونه معجزا ~~لأنه ms027 لو كانت الحكاية غير المحكي وهي مثله لكان كل من فعل القرآن قد أتى ~~مثله على الحقيقة والتحدي يضمن أنهم لا يأتون بمثله على الحقيقة والجواب عن ~~هذا أن التحدي إنما وقع بفعل مثل القرآن على الابتداء دون الاحتذاء والتالي ~~للقرآن قد أتى بمثله محتذيا فلا يكون بذلك معارضا وعلى هذا أيضا كان يقع ~~التحدي من العرب بعضها بعضا بالأشعار على سبيل الابتداء والأمر في هذا واضح # وتعلق أبو علي فيما ذهب إليه ثانيا بأن القرآن ليس يقبح على وجه من ~~الوجوه وقد ثبت أن قراءته تقبح من الجنب والحائض ودل ذلك على أن القراءة ~~شيء والقرآن شيء والجواب عن هذا أن معنى قولنا إن القرآن ليس يقبح بوجه من ~~الوجوه هو أن ما فعله تعالى وأنزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~صفته ولا يمنع أن تكون التلاوة التي هي فعل التالي والحكاية التي هي فعل ~~الحاكي ويسمى بالتعارف قرآنا يقبح في بعض الأحوال ويرجع القبح إلى أفعال ~~العباد دون القرآن على الحقيقة وقد اعتمد أبو الهذيل وأبو علي أيضا على ~~قوله تبارك وتعالى @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك @QE@ PageV01P047 ~~فأجره حتى يسمع كلام الله ) ولا خلاف بين الأمة أن المسموع في المحاريب ~~كلام الله تعالى على الحقيقة والجواب عن هذا أن إضافة الكلام إلى المتكلم ~~إن كان الأصل فيها أن يكون من فعله فقد صار بالتعارف يضاف إليه إذا وردت ~~مثل صورة كلامه ولهذا يقولون فيما نسمعه الآن هذه قصيدة امرىء القيس وإن ~~كان الفاعل لذلك غيره وقد صار هذا بالتعارف حقيقة حتى لا يقدم أحد على أن ~~يقول ما سمعت شعر امرىء القيس على الحقيقة وقد تخطى ذلك إلى أن صاروا ~~يشيرون إلى ما في الدفتر ويقولون هذا علم فلان وهذا كلام فلان لما كان مثل ~~هذه الصورة # | فصل في اللغة # اللغة عبارة عما يتواضع القوم عليه من الكلام أو يكون توقيفا يقال في لغة ~~العرب إن السيف القاطع حسام أي تواضعوا على أن سموه هذا ms028 الاسم وتجمع لغة ~~على لغات ولغين ولغون وقد قيل في اشتقاقها إنها مشتقة من قولهم لغيت بالشيء ~~إذا أولعت به وأغريت به وقيل بل هي مشتقة من اللغو وهو النطق ومنه قولهم ~~سمعت لواغي القوم أي أصواتهم ولغوت أي تكلمت وأصله على هذا لغوة على مثال ~~فعله فأما قولهم في لغة بني تميم كذا وفي لغة أهل الحجاز كذا فراجع إلى ما ~~ذكرناه والمعنى أن بني تميم تواضعوا على ذلك ولم يتواضع أهل الحجاز عليه # والصحيح أن أصل اللغات مواضعه وليس بتوقيف وإنما أوجب PageV01P048 ذلك ~~لأن توقيفه تعالى يفتقر إلى الاضطرار إلى قصده والتكليف يمنع من ذلك وإنما ~~افتقر إلى الاضطرار إلى قصده لأنه إن أحدث كلاما لم يعلم أنه قد أراد بعض ~~المسميات دون بعض ولو اقترن بهذا الكلام إشارة إلى مسمى دون غيره لأنا لا ~~نعلم توجه الكلام إلى ما توجهت الإشارة إليه وإنما يعلم ذلك بعضنا من بعض ~~بالاضطرار إلى قصده وتخصص الإشارة بجهة المشار إليه لا يعلم بها هل الاسم ~~للجسم أو للونه أو لغير ذلك من أحواله وأما إذا تقدمت المواضعة بيننا ~~وخاطبنا القديم تعالى بها علمنا مراده لمطابقة تلك اللغة وقد يجوز فيما يعد ~~أصل اللغات أن يكون توقيفا منه تعالى لتقدم لغة عن التوقيف يفهم بها ~~المقصود وقد حمل أهل العلم قوله تعالى @QB@ وعلم آدم الأسماء كلها @QE@ على ~~مواضعة تقدمت بين آدم عليه السلام وبين الملائكة على لغة سالفة ممن خاطبه ~~الله تعالى على تلك اللغة وعلمه الأسماء ولولا تقدم لغة لم يفهم عنه عز ~~اسمه # وقد ظن قوم أن المواضعة بيننا تحتاج إلى إذن سمعي ولا حاجة لهذا القول إذ ~~الدواعي إلى التخاطب وتعريف بعضنا مراد بعض قوية والانتفاع بذلك ظاهر ولا ~~وجه فيه من وجوه القبح قبحت حسنه كالتنفس في الهواء وكما تحسن من أحدنا ~~الإشارة في بعض الأوقات إلى ما يريده من غير إذن سمعي فكذلك المواضعة على ~~كلام يدل عليه ومن فرق بينهما فمقترح وإنما فزع العقلاء إلى الحروف ms029 في ~~المواضعة لأنها أسهل وأوسع ومع التأمل لا يوجد ما يقوم مقامها # فأما ما نحن بصدده من ذكر اللغة العربية فلا خفاء بميزاتها على سائر ~~اللغات وفضلها أما السعة فالأمر فيها واضح ومن تتبع جميع اللغات لم يجد ~~فيها على ما سمعته لغة تضاهي اللغة العربية في كثره الأسماء للمسمى الواحد ~~على أن اللغة الرومية بالضد فإن الاسم الواحد يوجد فيها PageV01P049 ~~للمسميات المختلفة كثيرا وقد كان بعض اللغويين حصر أسماء السيف والأسد في ~~لغة العرب فكانت أوراقا عدة وهي مع السعة والكثره أخصر اللغات في إيصال ~~المعاني وفي النقل إليها يبين ذلك فليس كلام ينقل إلى لغة العرب إلا ويجيء ~~الثاني أخصر من الأول مع سلامة المعاني وبقائها على حالها وهذه بلا شك ~~فضيلة مشهورة وميزة كبيرة لأن الغرض في الكلام ووضع اللغات بيان المعاني ~~وكشفها فإذا كانت لغة تفصح عن المقصود وتظهره مع الاختصار والاقتصار فهي ~~أولى بالاستعمال وأفضل مما يحتاج فيه إلى الإسهاب والإطالة وقد أخبرني أبو ~~داود المطران وهو عارف باللغتين العربية والسريانية أنه إذا نقل الألفاظ ~~الحسنة إلى السرياني قبحت وخست وإذا نقل الكلام المختار من السرياني إلى ~~العربي ازداد طلاوة وحسنا وهذا الذي ذكره صحيح يخبر به أهل كل لغة عن لغتهم ~~مع العربية وقد حكى أن بعض ملوك الروم وأظنه نقفور سأل عن شعر المتنبي ~~فأنشد له # ( كأن العيس كانت فوق جفني % مناخات فلما ثرن سالا ) # وفسر له معناه بالرومية فلم يعجبه وقال كلاما معناه ما أكذب هذا الرجل ~~كيف يمكن أن يناخ جمل عن عين إنسان وما أحسب أن العلة فيما ذكرته عن النقل ~~إلى غير اللغة العربية منها وتباين ذلك إلا أن لغتنا فيها من الاستعارات ~~والألفاظ الحسنة الموضوعة ما ليس مثله في غيرها من اللغات فإذا نقلت لم يجد ~~الناقل ما يتوصل به إلى نقل تلك الألفاظ المستعارة بعينها وعلى هيئتا لتعذر ~~مثلها في اللغة التي تنقل إليها والمعاني لا تتغير PageV01P050 فنقلها ممكن ~~من غير تبديل فكأن ما ينقل من اللغة ms030 العربية يتغير حسنه لهذه العلة وما ~~ينقل إليها يمكن الزيادة على طلاوته لأن ناقله يجد ما يعبر به في العربية ~~أفضل مما يريد وأبلغ مما يحاول وهذا وجه يمكن ذكر مثله ويجب أن يتأمل وينظر ~~فيه لأني لا أعرف لغة سوى العربية وإنما ذهبت إليه ظنا وحدسا وقد تصرف في ~~هذه اللغة بما لم أظنه تصرف في غيرها من اللغات فلم توجد إلا طيعة عذبة في ~~كل ما ستعمل فيه نظما ونثرا وهي إلى الآن لا تقف على غاية في ذلك ولا تصل ~~إلى نهاية كما قال أبو تمام في هذا المعنى # ( ولكنه صوب العقول إذا انجلت % سحائب منه أعقبت بسحائب ) # وقد بينت فضلها بسعتها وما فيها من الاختصار في العبارة عن المعاني وذكرت ~~وجه التفضيل بالاختصار مما لا شبهة فيه # فأما السعة فالأمر فيها أيضا واضح لأن الناظم أو الناثر إذا حظر عليه ~~موضع إيراد لفظة وكانت اللغة التي ينسج منها ذات ألفاظ كثيرة تقع موقع تلك ~~اللفظة في المعنى أخذ ما يليق بالموضع من غير عنت ولا مشقة وهذا غير ممكن ~~لولا السعة في كثرة الأسماء للمسمى الواحد وتلك فائدة حاصلة بلا خلاف على ~~أنه ربما عرض في وضع الأسماء المشتركة فائدة في بعض المواضع مثل أن يحتاج ~~الناطق إلى كلام يؤثر أن يكنى فيه ولا يصرح فيقول لفظة ويوهم بها معنى قد ~~قصد غيره وهذا وإن قل الداعي إليه إلا في اليسير من المواضع فلم تجعل اللغة ~~العربية خالية منها بل فيها أسماء مشتركة كقولهم عين وما أشبهها # وههنا لها فضيلة أخرى وهي أن الواضع لها إن كانت مواضعة تجنب في الأكثر ~~كل ما يثقل على الناطق تكلفه والتلفظ به كالجمع بين الحروف المتقاربة في ~~المخارج وما أشبه ذلك واعتمد مثل هذا في الحركات أيضا PageV01P051 فلم يأت ~~إلا بالسهل الممكن دون الوعر المتعب ومتى تأملت الألفاظ المهملة لم تجد ~~العلة في إهمالها إلا هذا المعنى وليس غيرها من اللغات كذلك كلفة الأرمن ~~والزنج وغيرهم # ومما يدل على ms031 فضل هذه اللغة العربية أيضا وتقدمها على جميع اللغات أن ~~أربابها وأصحابها هم العرب الذين لا أمة من الأمم تنازعهم فضائلهم ولا ~~تباريهم في مناقبهم ومحاسنهم وإن كانوا تواضعوا على هذه اللغة فلم يكن تنتج ~~أذهانهم الصقيلة وخواطرهم العجيبة إلا شيأ خليقا بالشرف وأمرا جديرا ~~بالتقدم وإن كانت توفيقا من الله تعالى لهم ومنة من بها عليهم فلم يكن ~~بدلهم من العناية بشأنهم والتشييد من ذكرهم حتى ركبهم على حميد الخلال ~~وطبعهم على جميل الأخلاق إلا على غاية لا يتعلق بشأوها ورتبة يقصر الطالبون ~~عن بلوغها ولست في هذه النتيجة ممن يدعي مقدمتها عصبية ولا يذهب إليها حمية ~~بل سأبين في هذا الفصل صحة ما أقوله من تفضيل العرب بحسب ما يليق به ولا ~~يفضل عن قدر الحاجة فيه فإني لو رمت إيضاح ذلك بجملته وإيراده بجميع أدلته ~~خرجت عن المقصود في هذا الكتاب وأخذت في تفضيل العرب على الأمم وهو يحتاج ~~إلى جزء مميز وكتاب مفرد # | وجه تفضيل هؤلاء القوم على غيرهم # إن الخصال المحمودة توجد فيهم أكثر وفي غيرهم أقل وعلى هذا الحد يقع ~~التمييز بين القبيلتين وأهل البلدين ومتى تأمل المنصف حال العرب علم ما ~~ذكرته حقيقة # أما الكرم فالأمر فيه واضح لأننا لم نجد أمة من الأمم ولا شعبا من الشعوب ~~رأى قرى الضيف واجبا ومساواة الجار فريضة إلا هذه PageV01P052 الأمة من ~~العرب حتى صرحوا بذلك في أشعارهم ودونوه في المأثور عنهم وتساوى فيه موسرهم ~~ومعسرهم وغنيهم وفقيرهم هذا وهم في الأكثر أهل جدب وفاقة وضيق وعسر ونصب في ~~انتجاع الرزق وكد التعرض للكسب ثم بلغ من حبهم الجود وصبابتهم إلى جميل ~~الذكر أن سمحوا بنفوسهم ورأوا البخل بها مذموما كالبخل بأموالهم وكان من ~~كعب بن مامة الإيادي في ذلك ما هو مشهور معروف لا تزيد الأيام ذكره إلا ~~بقاء ولا يؤثر فيه بعد العهد إلا جده ووضوحا ولم نر في الهند والزنج والحبش ~~والترك من ادعى مثل هذه السجية ولا انتسب إلى هذه الخلة فأما ms032 الفرس والروم ~~فالبخل عليهم غالب وحب الغنى مركز في طباعهم ليس عندهم في ذلك كبير عار ولا ~~يلحقون أنفسهم به منقصة # وأما الوفاء فمن دينهم الذي كانوا يرونه لازما ومذهبهم الذي كانوا ~~يعتقدونه حتما حتى صار من تمسك بجوارهم أو تعلق ببعض أطنابهم تبذل النفوس ~~دونه وتراق الدماء في المنع منه فكم قتل الرجل منهم في ذلك أقرب الناس إليه ~~نسبا وأمسهم به رحما وكم من وقعة عظيمة وحرب جليلة طويلة جرها ضيم نزيل أو ~~التعرض لسب جار كالحال في حرب البسوس التي ساقها ما علم من قتل كليب لناقة ~~جاره جساس واستفحال ذلك وتماديه حتى شهدته الإجنة شيبا فأما السموءل ورضاه ~~بقتل إبنه دون الدروع التي كانت وديعة عنده وأبو دؤاد الإيادي في قود ولده ~~بجاره فمما هو متداول لإخفاء بتقصير جميع الأمم عنه # وأما البأس والنجدة وطاعة الغضب والحمية وإدراك الثأر وطلب الأوتار ~~فأخبارهم بذلك معروفة وسيرهم فيه بذلك متداولة لا يخص به الرجل دون المرأة ~~ولا الغلام دون الهم المسن بل يوجد عند نسائهم من الصبر والشجاعة والتحريض ~~على الحرب والقساوة ما لا يساويه المذكورون PageV01P053 بالنجدة في غيرهم ~~والمنسوبون إلى البأس من سواهم كأسماء ومن يجري مجراها ممن خبره مشهور ~~معروف هذا وفي طباع النساء اللين وشيمتهن الضعف وإليهن تنسب رقة القلوب ~~وعنهن يؤخذ انتكاس العزائم # ثم هم أصحاب السرى والتأويب وإليهم يعزى جوب القفار وقطع المهامه والحروب ~~عادتهم والغارة صناعتهم وبصيرتهم بها وآراؤهم فيها تدلك على اهتمامهم بهذا ~~الشأن وإرهاف أفكارهم فيه وشحذ خواطرهم لتدبيرهم ولا حجة فيما ذكرناه أبين ~~ولا دليل عليه أوضح من اجتزائهم عن جميع المعايش غيره واقتصارهم من سائر ~~المكاسب عليه إذ لم يرضوا شماسهم بذلة المهن ولا مرنوا نخواتها على معاناة ~~الحرف لا يسأل أحدهم الرزق إلا غرار سيفه ولا يستنجد على نفي الضيم إلا ~~بسنان رمحه # وأما العقول الصحيحة والأذهان الصافية فالأمر في تفضيلهم بها واضح وذلك ~~أنهم لم يكونوا أهل تعليم ودرس ولا أصحاب كتب وصحف ولا يعرفون كيف ms033 التأديب ~~والرياضة ولا يعلمون وجه اقتباس العلم والرواية وفي كلامهم من الحكم ~~العجيبة والأمثال الغريبة والحث على محاسن الأخلاق والأمر بجميل الأفعال ما ~~إذا تأملته غض عندك ما يروى عن حكماء اليونانيين وسهل الأمر عليك فيما حكاه ~~الناس عنهم ووجدت تلك الفصول اليسيرة والفقر القليلة تسند إلى جليل من ~~الحكماء وتضاف إلى رئيس من العلماء وأمثالها وأضعافها في شعر راع جلف ومن ~~كلام عبد غمر ينشئها طبعه بلا تثقيف ويسمح بها خاطره عن غير صقال ~~PageV01P054 # ثم لما صار هؤلاء القوم إلى الدين وتمسكوا بالشريعة وعادوا أصحاب كتاب ~~يدرس ومذهب يروى ظهر لعمري من دقيق أفهامهم وعجيب كلامهم ما هو موجود لا ~~يخفى على أحد جالس العلماء وخالط الكتب سبقهم إليه ومعجزهم فيه وأنهم فرعوا ~~من المذاهب وولدوا من العلوم ما كأن من قبلهم كان ممنوعا منه ومصروفا عنه # وأما حب الذكر وجميل الثناء والفرق من الذم وسوء القول فمما هو معلوم من ~~عادتهم معروف من شيمتهم حتى كانوا إذا أسروا شاعرا شدوا لسانه بنسعة خوفا ~~من أن يسبقهم ببيت يشرد أو يعجلهم بقول يؤثر وقد قال أبو عثمان الجاحظ لأمر ~~ما قال حذيفة ابن بدر لأخيه والرماح شوارع في صدره إياك والكلام المأثور ~~وقال هذا مذهب فرعت فيه العرب جميع الأمم وهو مذهب جامع لأصناف الخير # وأما الغيرة والأنفة والصبر والجلد فمعلوم منهم حتى نسبوا إلى الفظاظة ~~وذكروا بالقساوه وعلل ذلك بإكثارهم أكل لحوم الإبل وإدمانهم التقوت بها ~~وزعموا أن في طباعها قسوة القلوب ومن عادتها غلظ الأكباد هذا وهم متى هب في ~~أحدهم نسيم الصبابة ودبت في مفاصله نشوة الهوى لانت تلك المعاطف ورقت تلك ~~الشمائل وعاد ذلك العز ذلا وفرقا وصارت تلك النخوة توسلا وخضوعا لكنه مع ~~العفاف من الريب والبعد من التهم والمساواة بين الباطن والظاهر والإتفاق ~~بين الغائب والبادي وأشعارهم وأخبارهم بهذا كله مملوءة حتى كان هذا الحي من ~~عذرة قوما إذا نظروا عشقوا وإذا عشقوا ماتوا PageV01P055 # وأما مراعاة الأنساب ولفظها وذكر الأصول والبحث عنها فباب ms034 تفردت به العرب ~~فلم يشاركها فيه مشارك ولا ماثلها فيه مماثل وفوائده في الإنتصار للعشيرة ~~والحمية للأهل وغير ذلك معروفة ليس هذا موضع ذكرها وتقصي الكلام عليها # هذه شيمهم 4 وأخلاقهم وفيهم من بعد كتاب الله خير الكتب ورسوله سيد الرسل ~~ودينه ناسخ الأديان وفي جميع ما ذكرناه من أشعارهم ما يدل على صحته لكن ~~المختار منه يأتي في الكلام على الفصاحة من هذا الكتاب بمشيئة الله تعالى ~~فلذلك لم نورده هنا خوفا من الإعادة وفرارا من التكرار # ونعود إلى الكلام في اللغة قالوا مما اختصت به لغة العرب من الحروف وليس ~~هو في غيرها حرف الظاء وقال آخرون حرف الظاء والضاد ولذلك قال أبو الطيب ~~المتنبي # ( وبهم فخر كل من نطق الضاد % ) # يريد وبهم فخر جميع العرب وقد ذهب قوم إلى أن الحاء من جملة ما تفردت به ~~لغة العرب وليس الأمر كذلك لأني وجدتها في اللغة السريانية كثيرا وحكى أنها ~~في الحبشية والعبرانية وأما العين والصاد والطاء والتاء والقاف فقد تكلم ~~بها غير العرب إلا أنها قليل # وقد خلت اللغة العربية من حروف توجد في غيرها من اللغات لا سيما لغة ~~الأرمن فإنها على ما قيل ستة وثلاثون حرفا إلا أنك إذا تأملتها وجدت بعض ~~الحروف التي فيها ينشابه ببعض كثيرا على حد تشابه الظاء والضاد في لغة ~~العرب فإن هذين الحرفين متقاربان لأجل ذلك احتاج الناس إلى تصنيف الكتب في ~~الفرق بينهما ولم يتكلفوا ذلك في غرهما من الحروف PageV01P056 # فأما الأعراب فقل من رأيت من فصائحهم اليوم من يفرق بينهما في كلامه وهذا ~~يدلك على شدة التشابه وقوة التماثل ولست أقول هذا على وجه الاحتجاج بكلامهم ~~فإنهم الآن محتاجون إلى اقتباس اللغة من الحضر وإصلاح المنطق بأهل المدر ~~إلا أنهم قلما يتفق منهم العدول عن النطق بحرف من الكلام إلى حرف آخر إلا ~~والشبه فيهما قوي على ما قدمت ذكره # ووقوع المهمل من هذه اللغة على ما قدمته لك في الأكثر من إطراح الأبنية ~~التي يصعب النطق ms035 بها لضرب من التقارب في الحروف فلا يكاد يجيء في كلام ~~العرب ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة لحزونة ذلك على ألسنتهم وثقله ~~وقد روى أن الخليل بن أحمد قال سمعنا كلمة شنعاء وهي الهعخع وأنكرنا ~~تأليفها وقيل إن أعرابيا سئل عن ناقته فقال تركتها ترعى الهعخع فلما كشف عن ~~ذلك وسئل الثقات من العلماء عنه أنكروه ودفعوه وقالوا نعرف الخعخع وهذا ~~أقرب إلى تأليفهم لأن الذي فيه حرفان حسب وحروف الحلق خاصة مما قل تأليفهم ~~لها من غير فصل يقع بينهما كل ذلك اعتمادا للخفة وتجنبا للثقل في النطق ~~فأما القاف والكاف والجيم فلم تتجاوز في كلامهم البتة لم يأت عنهم قج ولا ~~جق ولا كج ولا جك ولا قك ولا كق وكل ذلك فرارا مما ذكرناه إلا أن هذه ~~الحروف قد تكررت في بعض الكلام قال رؤبة بن العجاج # ( لو أحق الأقراب فيها كالمقق % ) # ونحو ذلك والعلة فيه على ما ذكر أصحاب هذه الصناعة أن المكرر معرض في ~~أكثر أحواله للإدغام لأنك تقول فرس أمق والحرفان PageV01P057 المتجاوران لا ~~يمكن إدغام أحدهما في الآخر حتى يتكلف قلبه إلى لفظه ثم يدغم فكانت المشقة ~~فيه أغلظ فرفض لذلك وهذا وجه صالح # وقد قسم تأليف الحروف ثلاثة أقسام فالأول تأليف الحروف المتباعدة وهو ~~الأحسن المختار والثاني تضعيف هذا الحرف نفسه وهو يلي هذا القسم في الحسن ~~والثالث تأليف الحروف المتجاورة وهو إما قليل في كلامهم أو منبوذ رأسا لما ~~قدمناه والشاهد على ما ذكرناه الحس فإن الكلفة في تأليف المتجاور ظاهرة ~~يجدها الإنسان من نفسه حال التلفظ ومن الحروف التي لم يتركب في كلامهم ~~بعضها مع بعض الصاد والسين والزاي ليس في كلامهم العرب مثل سص ولا صس ولا ~~سز ولا زس ولا زص ولا صز والعلة في هذا كله واحدة # وهذه جملة مقنعة في هذا الفصل لمن وقف عليها بعون الله تعالى # | الكلام في الفصاحة # الفصاحة الظهور والبيان ومنها أفصح اللبن إذا انجلت رغوته وفصح فهو فصيح ~~قال ms036 الشاعر # ( وتحت الرغوة اللبن الفصيح % ) # ويقال أفصح الصبح إذا بدا ضوءه وأفصح كل شيء إذا وضح وفي الكتاب العزيز ~~@QB@ وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي @QE@ وفصح النصارى عيدهم وقد ~~تكلمت به العرب قال حسان بن ثابت # ( ودنا الفصح فالولائد ينظمن % سراعا أكلة المرجان ) # ويجوز أن يكون ذلك لاعتقادهم أن عيسى عليه السلام ظهر فيه PageV01P058 ~~وسمى الكلام الفصيح فصيحا كما أنهم سموه بيانا لإعرابه عما عبر به عنه ~~وإظهاره له إظهارا جليا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أنا أفصح ~~العرب بيد أني من قريش # والفرق بين الفصاحة والبلاغة أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ والبلاغة ~~لا تكون إلا وصفا للألفاظ مع المعاني لا يقال في كلمة واحدة لا تدل على ~~معنى يفضل عن مثلها بليغة وإن قيل فيها فصيحة وكل كلام بليغ فصيح وليس كل ~~فصيح بليغا كالذي يقع فيه الإسهاب في غير موضعه # وقد حد الناس البلاغة بحدود إذا حققت كانت كالرسوم والعلائم وليست ~~بالحدود الصحيحة فمن ذلك قول بعضهم لمحة دالة وهذا وصف من صفاتها فأما أن ~~يكون حاصرا لها وحدا يحيط بها فليس ذلك بممكن لدخول الإشارة من غير كلام ~~يتلفظ به تحت هذا الحد وكذا قال آخر البلاغة معرفة الفصل من الوصل لأن ~~الإنسان قد يكون عارفا بالفصل والوصل عالما بتمييز مختار الكلام من مطرحه ~~وليس بينه وبين البلاغة سبب ولا نسب ولا يمكنه أن يؤلف ما يختاره من تأليف ~~غيره والحدود لا يحسن فيها التأول وإقامة المعاذير وغرابة ألفاظ لا تدل على ~~المقصود لأنها مبنية على الكشف الواضح موضوعة للبيان الظاهر والغرض بها ~~السلامة من الغامض فكيف يتوقع في غامض بمثله وكذلك قول الآخر البلاغة أن ~~تصيب فلا تخطىء وتسرع فلا تبطىء لأن هذا يصلح لكل الصنائع وليس بمقصور على ~~صناعة البلاغة وحدها ثم إنما سئل عن بيان الصواب في هذه الصناعة من الخطأ ~~فجعل جواب السائل نفس سؤاله وبهذا أيضا يفسد قول من ادعى أن حدها الإيجاز ~~من غير ms037 عجز والإطناب من غير خطل وقول من قال البلاغة اختيار الكلام ~~PageV01P059 وتصحيح الأقسام لأن هذين إنما سئلا عن حد يبين الكلام المرفوض ~~من المختار والخطأ من الصواب ويوضح كيف يكون الإيجاز مختارا ومتى يقع ~~الإطناب مرضيا محمودا فأحال على ما السؤال فيه باق وعدم العلم معه موجود ~~حاصل # وفي البلاغة أقوال كثيرة غير خارجة عن هذا النحو وإذا كانت الفصاحة شطرها ~~وأحد جزءيها فكلامي على المقصود وهو الفصاحة غير متميز إلا في الموضع الذي ~~يجب بيانه من الفرق بينهما على ما قدمت ذكره فأما ما سوى ذلك فعام لا يختص ~~وخليط لا ينقسم وسأذكر بمشيئة الله ما يخطر لي ويسنح بفكري في موضعه # وأقول قبل ذلك إن الناس قد أكثروا من الدلالة على شرف الفصاحة وعظم قدر ~~البيان والبلاغة ونبهوا بطرق كثيرة وألفاظ مختلفة وقد قال عز إسمه @QB@ ~~الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان @QE@ ولم يكن تعالى يذكر البيان ~~ها هنا إلا وهو من عظيم النعم على عبيده وجميل البلاء عندهم لا جرم قد قرن ~~ذلك بذكر خلقهم فجعله مضافا إلى المنة بخروجهم من العدم إلى الوجود ومن ~~جانب النفي إلى الإثبات # وأنا أقول قولا مختصرا كافيا قد ثبت أن الفرق الواضح بين الحيوان الناطق ~~والصامت هو النطق وبه وقع التمييز في الحد المنسوب إلى الحكيم وإن كان ~~يفسره أصحابه بغير هذا الظاهر فالشرف منه يؤخذ والفضل به يقع ولا خلاف في ~~أن الصمت أفضل من مطرح الكلام ومنبوذه وأوفق للسامع من كلف ذلك فقد صار مع ~~هذا PageV01P060 التخريج الفصل المميز والفضل اللائح إنما هو للإفصاح ~~والبيان والبلاغة وحسن النطق دون ما يسمى كلاما فقط ووجب على من أراد أن ~~يخرج من حيز ذلك الصامت الناطق سلوك الطريق الذي به توجد الفضيلة وعنه تدرك ~~الميزة باجتهاده إن كان لا دربة له وتكلفه إن كان لا طبع عنده وليعلم أن من ~~شارك الناطق بالصورة وخالفه بالمعنى الموجب للشرف أسوأ حالا وأقبح صفة من ~~الصامت المخالف في الأمرين معا لأن هذا ms038 غريب في الموضع الذي وجد فيه آهلا ~~ووحيد في المكان الذي خلق به آنسا # وما أحسن ما قال إبراهيم بن محمد المعروف بالإمام يكفي من حظ البلاغة ألا ~~يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق ولا الناطق من سوء فهم السامع وهذا كلام ~~مختار في تفضيل البلاغة # وقال سهل بن هارون الكاتب العقل رائد الروح والعلم رائد العقل والبيان ~~ترجمان العلم # وأولى من هذا بالحجة قول النبي صلى الله عليه وسلم للعباس وقد سأله فيم ~~الجمال فقال في اللسان PageV01P061 # وقالوا لما دخل ضمرة بن ضمرة على النعمان بن المنذر احتقره لما رأى من ~~دمامته وقال تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فقال أبيت اللعن إن الرجال لا ~~تكال بالقفزان وليست تستقى فيها وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه إن صال ~~صال بجنان وإن نطق نطق بلسان # وأنشدوا لأبي الأعور السلمي # ( كائن ترى من صامت لك معجب % زيادته أو نقصه في التكلم ) # ( لسان الفتى نصف ونصف فؤاده % فلم يبق إلا صورة اللحم والدم ) # وهذان البيتان قد ذكرتهما فيما تقدم حكاية عن أبي طالب العبدي لكن هذا ~~موضعهما # وقيل لزيد بن علي عليهما السلام الصمت أفضل أم الكلام فقال أخزى الله ~~المساكتة فما أفسدها للسان وأجلبها للحصر والله إن المماراة على ما فيها ~~لأقل ضررا من السكتة التي تورث أدواء أيسرها العي # وأنت إذا سمعتهم يمدحون الصمت وينظمون القريض في مدحه ويذكرون جنايات ~~اللسان وكلومه ويروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وهل يكب الناس ~~على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ويقولون لو كان الكلام من فضة كان ~~الصمت من ذهب وأشباه هذا ونظائره PageV01P062 فإنما يريدون الكلام الذي ليس ~~بجميل واللفظ الذي لا يستحسن فأما أن يكون الحسن يتواتر حتى يصير قبيحا ~~والقبيح يتضاعف حتى يكون حسنا فهذا شيء خارج عن حد العقل ونظامه وليس هذا ~~المذهب مما يمكن وقوع الخلاف فيه فيحتاج إلى إطالة في بيانه وقد أوردنا ~~لمحة يستدل بها على غيرها وإن المذكور في هذا النحو لا ينحصر ms039 ولا تستوفى ~~غايته # وأقول قبل كلامي في الفصاحة وبيانها إنني لم أر أقل من العارفين بهذه ~~الصناعة والمطبوعين على فهمها ونقدها مع كثرة من يدعي ذلك ويتحلى به وينتسب ~~إلى أهله ويماري أصحابه في المجالس ويجاري أربابه في المحافل وقد كنت أظن ~~أن هذا شيء مقصور على زماننا اليوم ومعروف في بلادنا هذه حتى وجدت هذا ~~الداء قد أعيا أبا القاسم الحسن ابن بشر الآمدي وأبا عثمان عمرو بن بحر ~~الجاحظ قبله وأشكاهما حتى ذكراه في كتبهما فعلمت أن العادة به جارية ~~والرزية فيه قديمة ولما ذكرته رجوت الإنتفاع به من هذا الكتاب وأملت وقوع ~~الفائدة به إذ كان النقص فيما أبنته شاملا والجهل به عاما والعارفون حقيقته ~~قرحة الأدهم بالإضافة إلى غيرهم والنسبة إلى سواهم # ونبتدىء الآن بالكلام فيما أجرينا القول إليه ونقول إن الفصاحة على ما ~~قدمنا نعت للألفاظ إذا وجدت على شروط عدة ومتى تكاملت تلك الشروط فلا مزيد ~~على فصاحة تلك الألفاظ وبحسب الموجود منها تأخذ القسط من الوصف وبوجود ~~أضدادها تستحق الأطراح والدم وتلك الشروط تنقسم قسمين فالأول منها يوجد في ~~اللفظة الواحدة على انفرادها من غير أن ينضم إليها شيء من الألفاظ وتؤلف ~~معه والقسم الثاني يوجد في الألفاظ المنظومة بعضها مع بعض PageV01P063 # فأما الذي يوجد في اللفظة الواحدة فثمانية أشياء # الأول أن يكون تأليف تلك اللفظة من حروف متباعدة المخارج على ما ذكرناه ~~في الفصل الرابع وعلة هذا واضحة وهي أن الحروف التي هي أصوات تجري من السمع ~~مجرى الألوان من البصر ولا شك في أن الألوان المتباينة إذا جمعت كانت في ~~المنظر أحسن من الألوان المتقاربة ولهذا كان البياض مع السواد أحسن منه مع ~~الصفرة لقرب ما بينه وبين الأصفر وبعد ما بينه وبين الأسود وإذا كان هذا ~~موجودا على هذه الصفة لا يحسن النزاع فيه كانت العلة في حسن اللفظة المؤلفة ~~من الحروف المتباعدة في العلة في حسن النقوش إذا مزجت من الألوان المتباعدة ~~وقد قال الشاعر في هذا المعنى # ( فالوجه ms040 مثل الصبح مبيض % والفرع مثل الليل مسود ) # ( ضدان لما استجمعا حسنا % والضد يظهر حسنه الضد ) # وهذه العلة يقع للمتأمل وغير المتأمل فهمها ولا يمكن منازعا أن يجحدها # ومثال التأليف من الحروف المتباعدة كثير جل كلام العرب عليه فلا يحتاج ~~إلى ذكره فأما تأليف الحروف المتقاربة فقد قدمنا في الفصل الرابع مثالا حكى ~~منه وهو الهعخع ولحروف الحلق مزية في القبح إذا كان التأليف منها فقط وأنت ~~تدرك هذا وتستقبحه كما يقبح عندك بعض الأمزجة من الألوان وبعض النغم من ~~الأصوات # والثاني أن تجد لتأليف اللفظة في السمع حسنا ومزية على غيرها وإن تساويا ~~في التأليف من الحروف المتباعدة كما أنك تجد لبعض النغم PageV01P064 ~~والألوان حسنا يتصور في النفس ويدرك بالبصر والسمع دون غيره مما هو من جنسه ~~كل ذلك لوجه يقع التأليف عليه ومثاله في الحروف ع ذب فإن السامع يجد لقولهم ~~العذيب إسم موضع وعذيبة إسم امرأة وعذب وعذاب وعذب وعذبات ما لا يجده فيما ~~يقارب هذه الألفاظ في التأليف وليس سبب ذلك بعد الحروف في المخارج فقط ~~ولكنه تأليف مخصوص مع البعد ولو قدمت الذال أو الباء لم تجد الحسن على ~~الصفة الأولى في تقديم العين على الذال لضرب من التأليف في النغم يفسده ~~التقديم والتأخير وليس يخفى على أحد من السامعين أن تسمية الغصن غصنا أو ~~فننا أحسن من تسميته عسلوجا وأن أغصان البان أحسن من عساليح الشوحط في ~~السمع ويقال لمن عساه ينازعنا في ذلك لو حضرك مغنيان وثوبان منقوشان ~~مختلفان في المزاج هل كان يجوز عليك الطرب على صوت أحد المغنيين دون صاحبه ~~وتفضيل أحد الثوبين في حسن المزاج على الآخر فإن قال لا يصح أن يقع لي ذلك ~~خرج عن جملة العقلاء وأخبر عن نفسه بخلاف ما يجد وإن اعترف بما ذكرناه قيل ~~له فخبرنا ما السبب الذي أوجب عليه ذلك فإنه لا يجد أمرا يشير إليه إلا ما ~~قلناه في تفضيل إحدى اللفظتين على الأخرى وقد يكون هذا التأليف المختار في ~~اللفظة على ms041 جهة الإشتقاق فيحسن أيضا كل ذلك لما قدمته من وقوعه على صفة ~~يسبق العلم بقبحها أو حسنها من غير المعرفة بعلتها أو بسببها ومثل ذلك مما ~~يختار قول أبي القاسم الحسين بن علي المغربي في بعض رسائله ورعوا هشيما ~~تأنفت روضه فإن تأنفت كلمة لا خفاء بحسنها لوقوعها الموقع الذي ذكرته وكذلك ~~قول أبي الطيب المتنبي # ( إذا سارت الأحداج فوق نباته % تفاوح مسك الغانيات ورنده ) PageV01P065 # فإن تفاوح كلمة في غاية من الحسن وقد قيل إن أبا الطيب أول من نطق بها ~~على هذا المثال وإن وزير كافور الأخشيدي سمع شاعرا نظمها بعد أبي الطيب ~~فقال أخذتموها # ومثال ما يكره قول أبي الطيب أيضا # ( مبارك الإسم أغر اللقب % كريم الجرشي شريف النسب ) # فإنك تجد في الجرشي تأليفا يكرهه السمع وينبو عنه # ومثل ذلك قول زهير بن أبي سلمى # ( تقي نقي لم يكثر غنيمة % بنهكة ذي قربى ولا بحقلد ) # الحقلد كلمة توفي على قبح الجرشي وتزيد عليها # والثالث أن تكون الكلمة كما قال أبو عثمان الجاحظ غير متوعرة وحشية كقول ~~أبي تمام # ( لقد طلعت في وجه مصر بوجهه % بلا طالع سد ولا طائر كهل ) # ( فإن كهلا ها هنا من غريب اللغة وقد روي أن الأصمعي لم يعرف هذه الكلمة ~~وليست موجودة إلا في شعر بعض الهذليين وهو قوله # ( فلو كان سلمى جاره أو أجاره % رباح بن سعد رده طائر كهل ) PageV01P066 # وقد قيل إن الكهل الضخم وكهل لفظة ليست بقبيحة التأليف لكنها وحشية غريبة ~~لا يعرفها مثل الأصمعي # ومن ذلك أيضا ما يروى عن أبي علقمة النحوي من قوله ما لكم تتكأكؤون علي ~~تكأكؤكم على ذي جنة إفرنقعوا عني فإن تتكأكؤون وافرنقعوا وحشي وقد جمع ~~لعمري العلتين مع قبح التأليف الذي يمجه السمع والتوعر وما أكثر ما تجتمع ~~العلتان في هذا الجنس ومن الأمثلة قول أبي تمام # ( بنداك يوسى كل جرح يعتلي % رأب الأساة بدردبيس قنطر ) # وكذلك قوله # ( قدك اتئد أربيت في الغلواء % ) # فإن هذه الألفاظ كما ترى وحشية ويوجد هذا الجنس في ms042 شعر العجاج وابنه رؤبة ~~كثيرا ومنه قول بعضهم # ( فشحا جحافله جراف هبلع % ) # وقال الآخر # ( غربا جرورا وجلالا خزخز % ) PageV01P067 # وقال غيره في صفة اللبن # ( وآخذ طعم السقاء سامط % وخاثر عجالط عكالط ) # وقول الآخر # ( يأكلن من قراص % وحمصيص واص ) # وفي هذه الألفاظ ما جمع الصفتين معا على ما ذكرناه وقد روى أي أبا ~~العتاهية قال لمحمد بن مناذر إن كنت أردت بشعرك شعر العجاج ورؤبة فما صنعت ~~شيئا وإن كنت أردت أهل زمانك فما أخذت مأخذنا أرأيت قولك # ( وما عاداك لاقى المرمريسا % ) # أي شيء المرمريس # ولهذا كله اعتمد الحذاق من الشعراء على اختيار أسماء المنازل والنساء في ~~الغزل وتجنبوا ما لا يحسن لفظه للشروط التي ذكرناها وعابوا قول جرير بن ~~عطية # ( وتقول بوزع قد دببت على العصا % هلا هزئت بغيرنا يا بوزع ) # وذكروا أن الوليد بن عبد الملك قال له أفسدت شعرك ببوزع PageV01P068 ~~وهجنوا أتباع الخليل بن أحمد له في هذا الإسم حين قال # ( أم البنين وأسماء % والرباب وبوزع ) # واستقبحوا قول أبي تمام # ( يقول أناس في حبيناء عاينوا % عمارة رحلى من طريف وتالد ) # وقالوا ما الفائدة في ذكر حبيناء وليس أبو تمام مضطرا إلى ذكر الموضع ~~الذي قيل له فيه هذا وقد ذكروا أن الفرزدق أنكر على مالك ابن أسماء بن ~~خارجة وقد أنشده # ( حبذا ليلتي بتل بوني % ) # وقال أفسدت شعرك بذكر بونى قال له ففي بونى كان ذلك قال وإن كان وأما قول ~~أبي عبادة البحتري # ( وأنا الشجاع وقد رأيت مواقفي % بعقرقس والمشرفية شهدى ) # فله في ذكر عقرقس عذر واضح لأنه الموضع الذي شاهد الممدوح به قتاله وليس ~~يحسن أن يذكر موضعا غيره ولم يحمد فيه وهذا ليس بموجب حسن اللفظة ولكنه ~~ببسط عذر ناظمها حسب ومن هذه الألفاظ المذكورة قول عنترة PageV01P069 # ( شربت بماء الدحرضين فأصبحت % زوراء تنفر عن حياض الديلم ) # ولعل عنترة أراد ذكر الماء المشروب على الحقيقة وإلا لو أمكنه أن يذكر ~~إسم مورد من الموارد يجري هذا المجرى كان حسن وأليق وأما قول الكميت # ( وادنين البرود على خدود ms043 % يزين الفداغثم بالأسيل ) # فإن الفداغم كلمة رديئة كما ترى # ومن الوحشي قول امرىء القيس بن حجر # ( وسن كسنيق سناء وسنما % ) # فإن هذا على ما ذكر لم يعرفه الأصمعي ولا أبو عمرو وقال أبو عمرو هو بيت ~~مسجدي يريد من عمل أهل المسجد وقال غيرهما سنيق جبل وسم هي البقرة فأما ~~السن فالثور # ومن هذا أيضا قول العجاج # ( وفاحما ومرسنا مسرجا % ) # فإن المرسن الأنف والمسرج لا يعرف حتى خرج له أنه أراد PageV01P070 ~~بالمسرج المحدد من قولهم للسيوف السريجيات منسوبة إلى قين يعرف بسريج وهذا ~~القصد على ما تراه وحشي غريب # وما زال أهل العلم بالشعر يكرهون قول ذي الرمة # ( عصا عسطوس لينها واعتدالها % ) # وفي عسطوس ضروب من العيوب المذكورة وقيل إنه الخيزران وقد كان يمكن ذا ~~الرمة أن يقول عصا خيزران # وإن كان هؤلاء الشعراء أرادوا الإغراب حتى يتساوى في الجهل بكلامهم ~~العامة وأكثر الخاصة فما أقبح ما وقع لهم وقد رأيت أنا جماعة يتعمدون هذا ~~فقلت لهم إن سررتم بمعرفتكم وحشي اللغة فيجب أن تغتموا بسوء حظكم من ~~البلاغة وجرى بين أصحابنا في بعض الأيام ذكر شيخنا أبي العلاء بن سليمان ~~فوصفه واصف من الجماعة بالفصاحة واستدل على ذلك بأن كلامه غير مفهوم لكثير ~~من الأدباء فعجبنا من دليله وإن كنا لم نخالفه في المذهب وقلت له إن كانت ~~الفصاحة عندك بالألفاظ التي يتعذر فهمها فقد عدلت عن الأصل المقصود أولا ~~بالفصاحة التي هي البيان والظهور ووجب عندك أن يكون الأخرس أفصح من المتكلم ~~لأن الفهم من إشاراته بعيد عسير وأنت تقول كلما كان أغمض وأخفى كان أبلغ ~~وأفصح وعارضه أبو العلاء صاعد بن عيسى الكاتب وقال صدقت إننا لا نفهم عنه ~~كثيرا مما يقول إلا أنه على قياس قولك يجب أن يكون ميمون الزنجي الذي نعرفه ~~أفصح من أبي العلاء لأنه يقول ما لا نفهمه نحن ولا أبو العلاء أيضا فأمسك # وأنا أكره من قول كثير بن عبد الرحمن صاحب عزة PageV01P071 # ( وما روضة بالحزن طيبة الثرى % يمج الندى جثجاثها ms044 وعرارها ) # ذكر الجثجاث لأنه إسم غير مختار ولو أمكنه ذكر غيره كان عندي أليق وأوفق # ولا أحب أيضا تسمية أبي تمام صاحبه علاثة ونداءه بالترخيم في قوله # ( قف بالطلول الدارسات علاثا % أضحت حبال قطينهن رثاثا ) # وإن كان الروي قاده إلى ذلك فليت شعري من حظر عليه القوافي واقتصر به على ~~الثاء دون غيرها من الحروف وليس يؤثر عنه إلا الشعر الحسن على أقرب الوجوه ~~وأسهل السبل دون ما يتكلف المشقة في نظمه والعناء في تأليفه وليس يغفر ~~للشاعر لأجل ما يلزم به نفسه ذنب ولا يغفل له عن خطأ إذ كان حظر المباح ~~وحرم الحلام واعتمد تكلف النصب طوعا واختيارا وهوى وقصدا لكنه لعمري إذا ~~أتانا بالسليم من الزلل البعيد من التكلف والخطل وكان ذلك في مأخذ صعب ~~ومسلك وعر حمدناه الحمد الكامل ووصفناه الوصف التام # ومن الألفاظ التي كرهناها قول أبي عبادة البحتري # ( فلا وصل إلا أن يطيف خيالها % بنا تحت جؤشوش من الليل مظلم ) # فليس بقبح جؤشوش خفاء هذا على ألتي لم أعرف شاعرا قديما ولا حديثا أحسن ~~سبكا من أبي عبادة ولا أحذق في اختيار الألفاظ وتهذيب المعاني PageV01P072 # ومن ذلك أيضا قول أبي تمام # ( صهصلق في الصهيل تحسبه % أشرج حلقومه على جرس ) # وقول القطامي # ( إلى حيزبون توقد النار بعدما % تصوبت الجوزاء قصد المغارب ) # فهل تعرف أوعر من صهصلق أو حيزبون # وعلى كل حال فالبدوي صاحب الطبع في هذا الفن أعذر من القروي المتكلف لأن ~~هذا لا يعرف هذه إلا بعد البحث والطلب وتجشم العناء في التصفح وعلى قدر ذلك ~~يجب لومه والإنكار عليه # والرابع أن تكون الكلمة غير ساقطة عامية كما قال أبو عثمان أيضا ومثال ~~الكلمة العامية قول أبي تمام # ( جليت والموت مبد حسر صفحته % وقد تفرعن في أفعاله الأجل ) # فإن تفرعن مشتق من إسم فرعون وهو من ألفاظ العامة وعادتهم أن يقولوا ~~تفرعن فلان إذا وصفوه بالجبرية # ومنه قول أبي نصر عبد العزيز بن نباتة # ( أقام قوام الدين زيغ قناته % وأنضج كي الجرح وهو فطير ms045 ) # فتأمل لفظة فطير تجدها عامية مبتذلة وإن كانت لعمري قد وقعت PageV01P073 ~~هنا موقعا لو كانت فصيحة هجنها وأذهب طلاوتها كيف وهي على ما تراه فأما قول ~~أبي الطيب المتنبي # ( إني على شغفي بما في خمرها % لأعف عما في سراويلاتها ) # فلا شيء أقبح من ذكر السراويلات وما أعرف كناية أشهد الله أن التصريح ~~أجمل منها ووصف عفة سلوك الريب والتهم أحسن من التلفظ بها إلا كناية أبي ~~الطيب هذه ونعته عفافه هذا النعت # ومن الألفاظ العامية أيضا قوله # ( خلوقية في خلوقيها % سويداء من عنب الثعلب ) # فإن عنب الثعلب مما أقول إن العامة لو نظمت شعرا لترفعت عن ذكره # وليس إيرادي هذه الأمثلة على جهة الطعن على هؤلاء الشعراء الفضلاء والغض ~~منهم وكيف يكون ذلك وسأورد من غرائبهم وبدائع كلامهم ما يعلم معه أننا تحت ~~تقصير عن شأوهم ويقع العجز عن إدراك القريب من غاياتهم لكني إذا احتجت إلى ~~إيراد الأمثلة في المختار والمنبوذ والمحمود والمذموم فلا معدل لي عن ~~أشعارهم وتصفح نظمهم وأخذ ما أريده منها وإيراده عنها في الصنفين معا # ومن الألفاظ العامية أيضا قول أبي تمام في رواية أبي القاسم # ( لو كان كلفها عبيد حاجة % يوما لزنى شدقما وجديلا ) PageV01P074 # فزنى في القبح يوفي على كل قبيح # فأما قول زهير بن أبي سلمى في قصيدته المختارة # ( وأقسمت جهدا بالمنازل من منى % وما سحقت فيه المقادم والقمل ) # فإن القمل من الألفاظ التي تجري هذا المجرى # وقول أبي تمام # ( قد قلت لما لج في صده % إعطف على عبدك يا قابري ) # غاية في السخافة لأن قابري من ألفاظ عوام النساء وأشباههن # وليس لأحد أن يتخيل أن العذر في إيراد هذه الألفاظ وأمثالها تعذر ما يقع ~~موقعها في النظم كما يظن ذلك بعض المتخلفين في هذه الصناعة وذلك أنه ليس ~~يجب على الإنسان أن يكون شاعرا ولا كاتبا ولا صاحب كلام يؤثر ولفظ يروى ولا ~~يجب عليه لو وجب هذا أن ينظم تلك القصيدة التي وردت فيها هذه اللفظة ولا ~~البيت من القصيدة فكيف ms046 نعذره إذا أورد لفظة قبيحة جارية مجرى ما ذكرناه وهو ~~قادر على حذف البيت كله وإطراح ذكر جميعه إن لم يكن قادرا على تبديل كلمة ~~منه # ونعود إلى ذكر الألفاظ العامية ونقول من الأمثلة قول أبي نصر ابن نباتة # ( فقد رفعت أبصارها كل بلدة % من الشوق حتى أوجعتها الأخادع ) # فإن أوجعتها من أشد الألفاظ العامة ابتذالا وإن كانت الأخادع قبيحة ومنها ~~قول أبي تمام PageV01P075 # ( ليزدك وجدا بالسماحة ما ترى % من كيمياء المجد تغن وتغنم ) # وكيمياء من ألفاظ العوام المبتذلة وليست من ألفاظ الخاصة ولا يحسن نظم ~~مثلها وكذلك أيضا قول أبي الطيب المتنبي # ( تستغرق الكف فوديه ومنكبه % وتكتسي منه ريح الجورب الخلق ) # والجورب مما يكره إيراد مثله لما ذكرته # وأمثال هذا كله في الأشعار المطرحة كثير ولو تأملت قصيدة واحدة من شعر من ~~يدعى القريض في هذا العصر وجدت فيها عدة أمثلة لكل ما أكرهه وأنكره إلا أني ~~أعتمد على التمثيل بأشعار هؤلاء الفحول المتقدمين في هذه الصناعة لأمور ~~أولها صيانة هذا الكتاب عن تهجينه بذكر غيرهم وثانيها أن اللفظة التي تكره ~~في نظم هؤلاء الحذاق تقع فريدة وحيدة يظهر مباينتها لكلامهم فالعلم بها ~~واضح وكشفها جلي وقد قال حبيب بن أوس # ( وكذاك لم تفرط كآبة عاطل % حتى يجاورها الزمان بحال ) # وقال غيره قبله # ( الجهل في الجاهل المغمور مغمور % والعيب في الكامل المذكور مذكور ) # ( كفوفة الظفر تخفى من مهانته % وبعضها في سواد العين مشهور ) # وليس مكانها في أشعار غيرهم كذلك بل هي منظومة مع غيرها في القبح ~~وأشكالها وثالثها إيثاري أن أعلمك أن مقدمي الفصاحة سامحوا PageV01P076 ~~نفوسهم وأصبحوا في طاعة أهوائهم ليتحقق أن الزلل في طباع البشر موجود ~~والعصمة عن أكثرهم بائنة هذا على مالي في طلب ذلك من الكلفة والنضب إذ كان ~~قليلا في كلامهم مغمورا بمحاسنهم وكنت أفتقر إلى تأمل الديوان الكامل حتى ~~أظفر منه بالكلمات اليسيرة فأوردها مثالا # فأما اقتصاري في أكثر ما أمثل به على المنظوم دون المنثور مع أن كلامي ~~عليهما واحد فإنما أقصد ذلك ms047 لكثرة المنظوم واشتهاره ورغبتي في أن يسهل ~~الوزن عليك حفظ ما أذكره فإنه داع قوي وسبب وكيد # والخامس أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح غير شاذة ويدخل في ~~هذا القسم كل ما ينكره أهل اللغة ويرده علماء النحو من التصرف الفاسد في ~~الكلمة وقد يكون ذلك لأجل أن اللفظة بعينها غير عربية كما أنكروا على أبي ~~الشيص قوله # ( وجناح مقصوص تحيف ريشه % ريب الزمان تحيف المقراض ) # وقالوا ليس المقراض من كلام العرب # وتبعه أبو عبادة فقال # ( وأبت تركي الغديات والآصال % حتى خضبت بالمقراض ) # فعابوه عليهما معا وقد تكون الكلمة عربية إلا أنها قد عبر بها عن غير ما ~~وضعت له في عرف اللغة كما قال أبو تمام # ( حلت محل البكر من معطى وقد % زفت من المعطى زفاف الأيم ) PageV01P077 # وقال أبو عبادة # ( يشق عليه الريح كل عشية % جيوب الغمام بين بكر وأيم ) # فوضع الأيم مكان الثيب وليس الأمر كذلك ليس الأيم الثيب في كلام العرب ~~إنما الأيم التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا قال الله عز وجل @QB@ ~~وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم @QE@ وليس مراده تعالى ~~نكاح الثيبات من النساء دون الأبكار وإنما يرد النساء اللواتي لا أزواج لهن ~~وقال الشماخ بن ضرار # ( يقر بعيني أن أحدث أنها % وإن لم أنلها أيم لم تزوج ) # وليس يسره أن تكون ثيبا وقد حكي أن بعض كبار الفقهاء وهو محمد بن إدريس ~~الشافعي غلط في ذلك والصحيح ما ذكرناه # ومثال هذا أيضا قول أبي تمام # ( ما مقرب يختال في أشطانه % ملآن من صلف به وتلهوق ) # يريد بالصلف هنا الكبر والتيه وهذا مذهب العامة في استعمال هذه ~~PageV01P078 اللفظة وأما العرب فتقول صلفت المرأة عند زوجها إذا لم تحظ ~~عنده وصلف الرجل أيضا كذلك إذا كرهته قال جرير # ( إني أواصل من أردت وصاله % بحبال لا صلف ولا لوام ) # والصلف الذي لا خير عنده ومن أمثالهم رب صلف تحت الراعدة # ومن ذلك أيضا قول أبي عبادة # ( شرطي الإنصاف إن قيل اشترط % وصديقي ms048 من إذا صافى قسط ) # وأراد بقسط عدل لأن الأمر عليه وليس الأمر كذلك وإنما يقال أقسط إذا عدل ~~وقسط إذا جار قال الله تعالى @QB@ وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا @QE@ # وقد يكون ما ذكرناه على جهة الحذف من الكلمة كما قال رؤبة ابن العجاج # ( قواطنا مكة من ورق الحما % ) # يريد الحمام كقول خفاف بن ندبة # ( كنواح ريش حمامة نجدية % ومسحت باللثتين عصف الإثمد ) # يريد كنواحي وكما قال غيره هو مضرس بن ربعي # ( وطرت بمنصلي في يعملات % دوامي الأيد يخبطن السريحا ) PageV01P079 # والوجه الأيدي # ومن ذلك قول النجاشي # ( فلست بآتيه ولا أستطيعه % ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل ) # أراد ولكن اسقني وقال الآخر # ( أو معبر الظهر ينبي عن وليته % ما حج ربه في الدنيا ولا اعتمرا ) # يريد ما حج ربه وقال مالك بن حريم الهمداني # ( فإن يك غثا أو سمينا فإنني % سأجعل عينيه لنفسه مقنعا ) # يريد لنفسه وقال أبو الطيب المتنبي # ( تعثرت به في الأفواه ألسنها % والبرد في الطرق والأقلام في الكتب ) # وقد يكون على وجه الزيادة في الكلمة مثل أن يشبع الحركة فيها فتصير حرفا ~~كما قال # ( وأنت على الغواية حين ترمى % وعن عيب الرجال بمنتزاح ) # أي بمنتزح وقال غيره PageV01P080 # ( وأنني حيثما يسري الهوى بصري % من حيثما نظروا أدنو فأنظور ) # يريد أدنو فأنظر وقال الآخر # ( تنفي يداها الحصا في كل هاجرة % نفي الدراهيم تنقاد الصياريف ) # يريد الدراهم والصيارف # وقد يكون إيراد الكلمة على الوجه الشاذ القليل وهو أردأ اللغات فيها ~~لشذوذه والكثير أبدا خفيف كما يقول النحويون في خفة الأسماء لكثرتها ومن ~~هذا قول البحتري # ( متحيرين فباهت متعجب % مما يرى أو ناظر متأمل ) # فقوله باهت لغة رديئة شاذة والعربي المستعمل بهت الرجل يبهت فهو مبهوت ~~ومنه قول المتنبي # ( وإذا الفتى طرح الكلام معرضا % في مجلس أخذ الكلام اللذعنا ) # فإن اللذ في الذي لغة شاذة قليلة ومنه قوله أيضا # ( أيفطمه التوراب قبل فطامه % ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل ) # فالتوراب لغة في التراب شاذة غير كثيرة PageV01P081 # وقد يكون لأن الكلمة بخلاف الصيغة في ms049 الجمع أو غيره كما قال الطرماح # ( وأكره أن يعيب علي قومي % هجاي الأرذلين ذوي الحنات ) # فجمع إحنة على غير الجمع الصحيح لأنها إحنة وإحن ولا يقال حنات # وقد روى أبو بصير أن عبد الملك بن قريب الأصمعي قال كنا نظن أن الطرماح ~~شيء حتى سمعنا قوله هذا البيت وكما قال الآخر # ( من نسج داود أبي سلام % ) # يريد أبا سليمان # ومن هذا الفصل أيضا أن يبدل حرف من حروف الكلمة بغيره كما قال الشاعر هو ~~رجل من بني يشكر # ( لها أشارير من لحم متمرة % من الثعالي ووخز من أرانيها ) # يريد من الثعالب وأرانبها وقال الآخر # ( ومنهل ليس به حوازق % ولضفادي جمة نقانق ) # يريد ولضفادع # ومنه أيضا إظهار التضعيف في الكلمة مثل قول الشاعر هو قعنب ابن أم صاحب ~~PageV01P082 # ( مهلا أعاذل قد جربت من خلقي % أني أجود لأقوام وإن ضننوا ) # وأما صرف ما لا ينصرف كقول حسان بن ثابت # ( وجبريل أمين الله فينا % وروح القدس ليس له كفاء ) # ومنع الصرف مما ينصرف كما أنشدوا قول العباس بن مرداس # ( وما كان حصن ولا حابس % يفوقان مرداس في مجمع ) # وكما قال البحتري # ( هزج الصهيل كأن في نعماته % نبرات معبد في الثقيل الأول ) # فمنعا الصرف عن مرداس ومعبد # وقصر الممدود كقول الآخر # ( والقارح العدا وكل طمرة % ما إن تنال يد الطويل قذالها ) # ومد المقصور على ما روى بعضهم # ( سيغنيني الذي أغناك عني % فلا فقر يدوم ولا غناء ) # وحذف الإعراب للضرورة مثل قول امرىء القيس بن حجر # ( فاليوم أشرب غير مستحقب % إثما من الله ولا واغل ) # وتأنيث المذكر على بعض التأويل كقول الشاعر # ( وتشرق بالقول الذي قد أذعته % كما شرقت صدر القناة من الدم ) ~~PageV01P083 # وتذكير المؤنث كما قال الآخر هو عامر بن جوين الطائي # ( فلا مزنة ودقت ودقها % ولا أرض أبقل إبقالها ) # فإن هذا وأشباهه وما يجري مجراه وإن لم يؤثر في فصاحة الكلمة كبير تأثير ~~فإنني أوثر صيانتها عنه لأن الفصاحة تنبىء عن اختيار الكلمة وحسنها ~~وطلاوتها ولها من هذه الأمور صفة نقص فيجب إطراحها ms050 على أن ما ذكرته يختلف ~~قبحه في بعض المواضع دون بعض على قدر التأويل فيه وحكمه # فأما إدخال الألف واللام على الفعل في نحو قول الشاعر # ( يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا % إلى ربنا صوت الحمار اليجدع ) # وتشديد الكلمة المخففة مثل قول الشاعر # ( كأن مهواها على الكلكل % ) # وقول الآخر هو رؤبة # ( ضخم يحب الخلق الأضخما % ) # وتحريك الياء التي تقع قبلها كسرة في الرفع والجر مثل قول الشاعر # ( ما إن رأيت ولا أرى في مدتي % كجواري يلعبن في الصحراء ) # فإن هذا كله داخل في باب الزيادة التي ذكرناها وأشرنا إليها وهي مكروهة ~~على ما تقدم PageV01P084 # والسادس ألا تكون الكلمة قد عبر بها عن أمر آخر يكره ذكره فإذا أوردت وهي ~~غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت وإن كملت فيها الصفات التي بيناها ومثال هذا ~~قول عروة بن الورد العبسي # ( قلت لقوم في الكنيف تروحوا % عشية بتنا عند ماوان رزح ) # والكنيف أصله الساتر ومنه قيل للترس كنيف غير أنه قد استعمل في الآبار ~~التي تستر الحدث وشهر بها فأنا أكرهه في شعر عروة وإن كان ورد موردا صحيحا ~~لموافقة هذا العرف الطارىء على أن لعروة عذرا وهو جواز أن يكون هذا ~~الإستعمال حدث بعده بل لا أشك أنه كذلك لأن العرب أهل الوبر لم يكونوا ~~يعرفون هذه الآبار فهو وإن كان معذورا وغير ملوم فبيته مما يصح التمثيل به # ومنه عندي قول الشريف الرضى رحمه الله # ( أعزز علي بأن أراك وقد خلت % من جانبيك مقاعد العود ) # فإيراد مقاعد في هذا البيت صحيح إلا أنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا ~~الشأن لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليهم وهم العواد ولو انفرد ~~كان الأمر فيه سهلا فأما إضافته إلى ما ذكره ففيها قبح لا خفاء به # ومن هذا النحو قول أبي تمام # ( متفجر نادمته فكأنني % للدلو أو للمرزمين نديم ) PageV01P085 # فالدلو ها هنا أحد البروج ولا أختاره لموافقته إسم الدلو المعروف # وأنت تجد بأقرب تأمل فرق ما بين قول القائل لمن ms051 يمدحه أنت المرزم جودا ~~والجنة لمن تقصده الأيام عزا وبين قوله أنت الدلو كرما والكنيف لطريد الدهر ~~سعة والمعنيان صحيحان وحسن أحدهما وقبح الآخر ظاهر لا خفاء به ولولا ما ~~ذكرته ونبهت عليه لم يكن لذلك وجه ولا علة # ومن هذا أيضا قول أبي صخر الهذلي # ( قد كان صرم في الممات لنا % فعجلت قبل الموت بالصرم ) # وإنما أنكرت هذا لموافقته إيراد العامة هذه اللفظة على هذه الصيغة بالصاد ~~فيما هي بالسين فكان إيثاري تجنبها لذلك # فأما قول عمرو # ( وكم من غائط من دون سلمى % قليل الأنس ليس به كتيع ) # فجار هذا المجرى والغائط البطن من الأرض إلا أنه يستعمل الآن في الحدث ~~على ذلك الأصل فذكره قبيح على ما تقدم لكن عمرو معذور كعروة لأنه على ما ~~ذكر عرف حدث فلعل عمرا قبله # ومما يوضح ما ذكرته لك ويبينه أنك تجد تصرم في قول أبي عبادة PageV01P086 # ( تصرم الدهر لا وصل فيطمعني % فيما لديك ولا يأس فيسليني ) # مختارا مرضيا وكذلك يتصرم في الشعر المنسوب إلى يزيد ابن معاوية وهو # ( خذوا بنصيب من نعيم ولذة % فكل وإن طال المدى يتصرم ) # ولا يقبحان لمخالفتهما الإسم الذي ذكرته في اللفظ وهو قبيح في بيت الهذلي ~~للموافقة لا علة غير ما أعلمتك به # ومنه أيضا قول أبي تمام # ( وعزائما في الروع معتصمية % ميمونة الإدبار والإقبال ) # فالإدبار من الألفاظ المكروهة لما ذكرته # وكذلك قوله # ( يضحكن من أسف الشباب المدبر % يبكين من ضحكات شيب مقمر ) # لأن المدبر ها هنا مثل الإدبار في البيت الأول والكلمة الفصيحة غيرهما ~~على ما بين # ومنه قول الشريف الرضى رحمه الله # ( سلام على الأطلال لا عن جنابة % ولكن يأسا حين لم يبق مطمع ) # فإن جنابة هنا لفظة غير مرضية للوجه الذي ذكرته وإن كانت لولا ذلك فصيحة ~~مختارة لخلوها من العيوب غيره # والسابع مما قدمناه أن تكون الكلمة معتدلة غير كثيرة الحروف PageV01P087 ~~فإنها متى زادت على الأمثلة المعتادة المعروفة قبحت وخرجت عن وجه من وجوه ~~الفصاحة ومن ذلك قول أبي نصر بن ms052 نباتة # ( فإياكم أن تكشفوا عن رؤوسكم % ألا إن مغناطيسهن الذوائب ) # فمغناطيسهن كلمة غير مرضية لما ذكرته وإن كان فيها أيضا عيوب أخر مما ~~قدمناه # ومن هذا النوع أيضا قول أبي تمام # ( فلأذربيجان اختيال بعدما % كانت معرس عبرة ونكال ) # ( سمجتي ونبهنا على استسماجها % ما حولها من نضرة وجمال ) # فقوله فلأذربيجان كلمة رديئة لطولها وكثرة حروفها وهي غير عربية ولكن هذا ~~وجه قبحها وكذلك قوله في البيت الثاني استسماجها رديء لكثرة الحروف وخروج ~~الكلمة بذلك عن المعتاد في الألفاظ إلى الشاذ النادر # ونحو من هذا قول أبي الطيب المتنبي # ( إن الكريم بلا كرام منهم % مثل القلوب بلا سويداواتها ) # فسويداواتها كلمة طويلة جدا فلذلك لا أختارها # ومنه أيضا قول أبي تمام # ( أنله باستماعكه محلا % يفوت علوه الطرف الطموحا ) # فليس بقبح قوله باستماعكه خفاء لكثرة الحروف على ما ذكرناه لا غير ~~PageV01P088 # وكذلك قوله أيضا # ( العيس تعلم أن حوباواتها % ريح إذا بلغتك إن لم تنحر ) # وحوباواتها كلمة طويلة # ومنه قوله أيضا وليس في كل الروايات # ( وإلى محمد ابتعثت قصائدي % ورفعت للمستنشدين لوائي ) # فالمستنشدين كلمة كثيرة الحروف على ما تراه وهذا قد يستدل به على غيره ~~وإن أمثاله كثيرة # والثامن أن تكون الكلمة مصغرة في موضع عبر بها فيه عن شيء لطيف أو خفي أو ~~قليل أو ما يجري مجرى ذلك فإني أراها تحسن به ويجب ذكره في الأقسام المفصلة ~~ولعل ذلك لموقع الإختصار بالتصغير ومثال ذلك قول الشريف الرضي رحمه الله # ( يولع الطل بردينا وقد نسمت % رويحة الفجر بين الضال والسلم ) # فلما كانت الريح المقصودة هناك نسيما مريضا ضعيفا حسنت العبارة عنه ~~بالتصغير وكان للكلمة طلاوة وعذوبة # ومثاله أيضا قول أبي العلاء صاعد بن عيسى الكاتب # ( إذا لاح من برق العقيق وميضة % تدق على لمح العيون الشوائم ) ~~PageV01P089 # أفلا تراه لما أراد أنها خفية تدق على من ينظرها حسن التصغير في العبارة ~~عنها # وكذلك قول شيخنا أبي العلاء بن سليمان # ( إذا شربت رأيت الماء فيها % أزيرق ليس يستره الجران ) # لما كان ماء قليلا يلوح ودونه حائل ms053 من أعناق الإبل وساتر على كل حال حسن ~~وروده مصغرا # وكذلك قول الرضي رحمه الله # ( زال وأبقى عند وراثه % جذيم مال عرقته الحقوق ) # فصغر لما أراد القلة # وأما قول المخزومي # ( وغاب قمير كنت أرجو طلوعه % وروح رعيان ونوم سمر ) # فإنما جعله قميرا لأنه كان هلالا غير كامل ويمكن الدلالة على ذلك بقوله ~~إنه غاب في أول الليل وقت نوم السمر والقمر إذا كان هلالا غاب في ذلك الوقت ~~بلا شك وهذا تصغير مختار في موضعه فأما الأسماء التي لم ينطق بها إلا مصغرة ~~كاللجين والثريا وما أشبههما فليس للتصغير فيهما حسن يذكر لأنه غير مقصود ~~به ما قدمناه ولذلك لا أختار التصغير في قول أبي الطيب PageV01P090 # ( إذا عذلوا فيها أجبت بأنه % حبيبتا قلبي فؤادي هيا جمل ) # لأنه عار من الوجه الذي ذكرته فأما ما يذهب إليه من التصغير بمعنى ~~التعظيم في مثل قول الشاعر # ( وكل أناس سوف يدخل بينهم % دويهية تصفر منها الأنامل ) # فقد حكي أن أبا العباس المبرد كان ينكره ويزعم أن التصغير في كلام العرب ~~لم يدخل إلا لنفي التعظيم ويتأول دويهية وما يجري مجراها بأن يقول أراد ~~خفاءها في الدخول فصغرها لهذا الوجه وهو ضد التعظيم المذكور ويقوي عندي ما ~~ذهب إليه أبو العباس المبرد أنهم إذا وضعوا التصغير أمارة للتحقير والتعظيم ~~معا فقد زالت الفائدة به ولم يكن دليلا على واحد منهما بل يرجع إلى المقصود ~~باللفظة ويلتمس بيان ذلك من جهة المعنى دون اللفظ فليس للتصغير تأثير وعلى ~~كلا القولين فليس التصغير عندي وجها من وجوه الفصاحة إلا في الموضع الذي ~~ذكرته دون ما يسمونه تصغيرا في التعظيم وعلى هذا أحمل قول المتنبي # ( أحاد أم سداس في أحاد % لييلتنا المنوطة بالتناد ) # فلا أختار التصغير في لييلتنا لأنه تصغير تعظيم وليس على الوجه الذي ~~ذكرته # فأما قول أبي نصر بن نباتة يصف الحية # ( ففي الهضبة الحمراء إن كنت ساريا % أغيبر يأوى في صدوع الشواهق ) # فإن تصغيره ها هنا مرضي على ما ذكرته لأن الحية توصف بأنها ms054 لا تغتذي إلا ~~بالتراب فقد جف لحمها وذهبت الرطوبة منها ألا ترى إلى قول النابغة ~~PageV01P091 # ( فبت كأني ساورتني ضئيلة % من الرقش في أنيابها السم ناقع ) # فوصفها بأنها ضئيلة لما ذكرته # وأما قول أبي الطيب # ( ظللت بين أصيحابي أكفكفه % وظل يسفح بين العذر والعذل ) # فالتصغير فيه مختار لأن العادة جارية في قلة عدد من يصحب الإنسان في مثل ~~هذه المواضع ولهذا كانوا في الأكثر ثلاثة وجرى ذكر الصاحبين والخليلين في ~~الشعر كثيرا لهذا السبب كما قال امرؤ القيس # ( خليلي مرا بي على أم جندب % نقض لبانات الفؤاد المعذب ) # وقال أبو نصر بن نباتة # ( قفا فاقضياني لذة من حديثه % علانية إن السرار مريب ) # وأمثال هذا يعرفها كل أحد وهي أكثر من أن يحاط بها أو تحصى # فهذه الأقسام الثمانية هي جملة ما يحتاج إلى معرفته في اللفظة المفردة ~~بغير تأليف فتأملها وقس عليها ما يرد عليك من الألفاظ فإنك تعلم الفصيح ~~منها من غيره إن شاء الله تعالى # | الكلام في الألفاظ المؤلفة # وإذا كنا قد تكلمنا على الكلمة المفردة وقلنا فيها ما يستدل به على غيره ~~فلنذكر الآن ما يحضرنا من القول في الكلام المؤلف وهو القسم الثاني مما ~~ابتدأنا بذكره أولا ونقول قبل ذلك PageV01P092 # إن كل صناعة من الصناعات فكمالها بخمسة أشياء على ما ذكره الحكماء ~~الموضوع وهو الخشب في صناعة النجارة والصانع وهو النجار والصورة وهي ~~كالتربيع المخصوص إن كان المصنوع كرسيا والآلة مثل المنشار والقدوم وما ~~يجري مجراهما والغرض وهو أن يقصد على هذا المثال الجلوس فوق ما يصنعه # وإذا كان الأمر على هذا ولا تمكن المنازعة فيه وكان تأليف الكلام المخصوص ~~صناعة وجب أن نعتبر فيها هذه الأقسام فتقول # إن الموضوع هو الكلام المؤلف من الأصوات على ما قدمته وقد ذكرت فيه ما ~~يقنع طالب هذا العلم وشرحت من حال اللفظة بانفرادها وما يحسن فيها ويقبح ما ~~اعتمدت في تلخيصه وإيضاحه على أنني لم أرجع فيه إلى كتاب مؤلف ولا قول يروى ~~ولا وجدت ما ذكرته مجموعا في ms055 مكان وإنما عرفته بالدربة وتأمل أشعار الناس ~~وما نبه أهل العلم في إثباتها ولهذا لست أدعي السلامة من الخلل ولا العصمة ~~من الزلل وأعترف بالتقصير وأسأل من ينظر في كتابي هذا بسط عذري والصفح عما ~~لعله يثيره علي فإني سلكت فيه مسلكا صعبا وألفت منه تأليفا مقتضبا يجب على ~~المنصف الإعراض عما يجدني أشير فيه إلى التجاوز عنه والتغمد له # فأما الصانع المؤلف فهو الذي ينظم الكلام بعضه مع بعض كالشاعر والكاتب ~~وغيرهما وسأذكر بعون الله في موضع من هذا الكتاب ما يفتقر المؤلف إلى ~~معرفته ويحتاج إلى علمه # وأما الصورة فهي كالفصل للكاتب والبيت وللشاعر وما جرى مجراهما ~~PageV01P093 # وأما الآلة فأقرب ما قيل فيها إنها طبع هذا الناظم والعلوم التي اكتسبها ~~بعد ذلك ولهذا لا يمكن أحدا أن يعلم الشعر من لا طبع له وإن جهد في ذلك لأن ~~الآلة التي يتوصل بها غير مقدورة لمخلوق ويمكن تعلم سائر الصناعات لوجود كل ~~ما يحتاج إليه من آلاتها # وأما الغرض فبحسب الكلام المؤلف فإن كان مدحا كان الغرض به قولا ينبىء عن ~~عظم حال الممدوح وإن كان هجوا فبالضد وعلى هذا القياس كل ما يؤلف وإذا ~~تأملته وجدته كذلك # وقد ذهب أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب إلى أن المعاني في صناعة تعلم ~~الكلام موضوع لها وذكر ذلك في كتابه الموسوم بنقد الشعر وقال في كتابه في ~~الخراج وصناعة الكتابة عند كلامه على البلاغة إن اللغة تجري مجرى الموضوع ~~لصناعة البلاغة وهذان القولان على ما تراه مختلفان والصحيح منهما ما قدمناه ~~وذكره في كتاب الخراج ويجب أن يقال له إذا ذهب إلى أن المعاني هي الموضوع ~~خبرنا عن الألفاظ التي أخذها هذا الصانع المؤلف فألفها إذا لم تكن عندك ~~موضوعا لصناعة فما منزلتها من الأقسام التي اعتبرها الحكماء في كل صناعة ~~والتأمل قاض بصحتها ونحن نرى الألفاظ تأثيرها في هذه الصناعة التي كلامنا ~~عليها تأثير بين في الحسن والقبح ولا يجوز أن تكون مع هذه العلقة الوكيدة ~~غريبة منها فإن ms056 قلت إنها الآلة قلنا لك وأي صناعة من الصناعات تصاحبها ~~الآلة بعد فراغ الصانع منها حتى تصير أصلا والمصنوع تابعا لها فإنا نجد ~~الألفاظ على هذه الصفة فبطل هذا الوجه أن تكون آلة وفساد أن تكون الألفاظ ~~هي الصانع المؤلف أو PageV01P094 الصورة المصنوعة أو الغرض المقصود ظاهر لا ~~يخفى على أحد فمتى أخرجت الألفاظ من أن تكون موضوعا لصناعة التأليف أخرجتها ~~من جملة الأقسام المعتبرة في كل صناعة ونحن نجلد تعلقها ظاهرا فإن قال لنا ~~ما تقولون أنتم في المعاني مع أن علقتها أيضا وكيدة قلنا المعاني وتأليف ~~الألفاظ هي صناعة هذا الصانع التي أظهرها في الموضوع وهي التي تكمل الأقسام ~~المذكورة فأما الألفاظ فليست من عمله وإنما له منها تأليف بعضها من بعض حسب ~~وقد وقفت في بعض المواضع على كلام في هذه الصناعة لا أعلم الآن صاحبه قدامة ~~أو غيره لأني قد أنسيت الكتاب الذي وجدته فيه يدل على أن الألفاظ موضوع كما ~~قلنا إلا أنه يدعي أن الناظم متى ألف لفظة رديئة فليس ذلك بعيب عليه كما أن ~~النجار إذا صنع كرسيا من خشب رديء فليس بعيب في صناعته وقد أحكمتها كون ~~الموضوع الذي هو الخشب رديئا وهذا الذي ذكره هذا القائل فاسد وذلك أن ~~النجار يعاب إذا كان قليل البصيرة بموضوع صناعته ولو تمكن من عمل ذلك ~~الكرسي الذي مثل به من خشب مرضى فعدل عنه إلى خشب رديء جهلا منه بالمختار ~~من هذا الجنس كان معيبا عند أهل صناعته وإنما يتوجه له العذر إذا سلم إليه ~~خشب رديء لتظهر صناعته فيه فإنه عند ذلك لا يعاب لأجل الخشب فأما ناظم ~~الكلام فقادر على اختيار موضوعه غير محظور عليه تأليف ما يؤثره منه فمتى ~~عدل عن ذلك جهلا أو تسمحا توجه الإنكار واللوم عليه وكان أهلا له وجديرا به ~~على أن كلامنا في الصورة نفسها ولا شبهة في قبح صورة الكرسي المصنوع من ~~رديء الخشب وإن كان النجار قد أحكم عمله # ومع هذا البيان كله فالفصاحة ms057 عبارة عن حسن التأليف في الموضوع المختار ~~فإذا كنت قد ذكرت الموضوع والوجه في اختياره وعلى أي PageV01P095 صفة يكون ~~المرضى منه والمكروه بما فيه مقنع أو كفاية ثم شرعت الآن في الكلام على ~~التأليف بحسب ذلك وبينت منه الوجوه التي بها يحسن أو يقبح كان الكلام في ~~معرفة الفصاحة وحقيقتها واضحا جليا وأمكن من لم تكن له بها دربة ولا معرفة ~~الفرق بين فصيح الكلام وغيره باعتبار الصفات التي ذكرتها وكانت منزلة هذا ~~الكتاب لمن لا يعرف البلاغة وطلاوة الكلام منزلة العروض لمن لا ذوق له يميز ~~به بين صحيح النظم وفاسده والنحو لمن لا يعرف طبعا وعادة وإنما يتكلف ~~ويتصنع وليس يمكن إيضاح الفصاحة لمن يجهلها إلا بهذا السبب وعلى هذا النحو ~~لأن من له بها معرفة وسابق علم إنما حصل له ذلك بالمخالطة والمناشدة وتأمل ~~الأشعار الكثيرة والكلام المؤلف على طول الوقت وتراخي الأزمنة وليس يمكنه ~~أن يحضر لمن أراد تعليمه كل بيت سمعه وفصل تأمله ولفظة كرهها ومعنى حكم ~~بفساده أو بصحته لأن هذا يحتاج إلى الزمان الطويل والأيام الكثيرة بل ولا ~~يمكن حصوله البتة فلا طريق إلى العلم بما شرحته إلا من هذا النحو الذي ~~قصدته والطريق الذي سلكت فيه # فأما من يفرق بين الكلام المختار وغيره فإنه وإن كان غير مفتقر إلى كتابي ~~هذا كافتقار العاري من هذه الصناعة الراغب في اقتباسها فهو محتاج إليه من ~~وجه آخر منزلته أيضا منزلة العروض والنحو لصاحبي الذوق والطبع لأن العالم ~~بالفصاحة إذا قطع على فصاحة بيت من قصيدة أو فصل من رسالة أو كلمة أو ما ~~أشبه ذلك وفضله على غيره لم يمكنه أن يبين من أين حكم ولا لأي وجه فضل بل ~~إنما يفزع إلى مجرد دعواه ومحض قوله فإذا عرف ما بينته وفصلته في هذا ~~الكتاب علل واستدل وذكر الوجوه والأسباب كما أن العارف صحيح النظم بذوقه ~~والمعرب بطبعه وعادته إذا وقف على علم العروض والنحو علل PageV01P096 في ~~البيت الموزون والكلمة المعربة وقال هذا إنما ms058 كان صحيح الوزن لأنه من ~~الدائرة الفلانية والبحر الفلاني وضربه كذا وعروضه كذا وعدد أجزائه كذا ~~وذكر ما يحسن فيه من الزحاف ويقبح وفصل ما يفصله العروضيون وقال في الكلمة ~~المعربة إنما كانت مثلا مرفوعة لأنها فاعلة والفاعل في كلام العرب مرفوع ~~وما يجري هذا المجرى وعلى مثل هذا النحو يقول في الفاسد الذي ينفر منه ذوقه ~~أو يكرهه طبعه ويعلله على حد هذا التعليل الذي ذكرته # ونبتدىء الآن بالقول في تأليف الكلام على ما قدمناه من أن القسم الثاني ~~من الفصاحة صفات توجد في التأليف ونعتبر ما يتفق فيه من الأقسام الثمانية ~~المذكورة في اللفظة المفردة فنقول # إن الأول منها أن يكون تأليف اللفظة من حروف متباعدة المخارج وهذا بعينه ~~في التأليف وبيانه أن يجتنب الناظم تكرر الحروف المتقاربة في تأليف الكلام ~~كما أمرناه بتجنب ذلك في اللفظة الواحدة بل هذا في التأليف أقبح وذلك أن ~~اللفظة المفردة لا يستمر فيها من تكرار الحرف الواحد أو تقارب الحرف مثل ما ~~يستمر في الكلام المؤلف إذا طال واتسع # وما زال أصحابنا يعجبون من البيت # ( لو كنت كنت كتمت الحب كنت كما % كنا نكون ولكن ذاك لم يكن ) # وليس يحتاج إلى دليل على قبحه للتكرار أكثر من سماعه # وقد روي أن أبا تمام لما أنشد أحمد بن أبي دؤاد قوله PageV01P097 # ( فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن % يرضى المؤمل منك إلا بالرضى ) # قال له إسحاق بن إبراهيم الموصلي لقد شققت على نفسك يا أبا تمام والشعر ~~أسهل من هذا # وكنت حاضرا عند شيخنا أبي العلاء وقد قرئت عليه قصيدة لأبي الطيب فلما ~~وصل القارىء إلى هذا البيت # ( ولا الضعف حتى يبلغ الضعف ضعفه % ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف ) # قال هذا والله شعر مدبر وكان من العصبية لأبي الطيب على الصفة التي ~~اشتهرت عنه # فأما قول الآخر # ( وقبر حرب بمكان قفر % وليس قرب قبر حرب قبر ) # فمبنى من حروف متقاربة ومكررة ولهذا يثقل النطق به حتى يزعم بعض الناس ~~أنه من ms059 شعر الجن ويختبر المتكلم بإنشاده ثلاث مرات من غير غلط ولا توقف # وكذلك قول الآخر # ( لم يضرها والحمد لله شيء % وانثنت نحو عزف نفس ذهول ) # فإن المصراع الثاني من هذا البيت يثقل التلفظ به وسماعه لما فيه من تكرر ~~حروف الحلق PageV01P098 # وقد ذهب أبو الحسن علي بن عيسى الرماني إلى أن التأليف على ثلاثة أضرب ~~متنافر ومتلائم في الطبقة الوسطى ومتلائم في الطبقة العليا قال والمتلائم ~~في الطبقة الوسطى كقول الشاعر # ( رمتني وستر الله بيني وبينها % عشية آرام الكناس رميم ) # ( ألا رب يوم لو رمتني رميتها % ولكن عهدي بالنضال قديم ) # قال والمتلائم في الطبقة العليا القرآن كله وذلك بين لمن تأمله والفرق ~~بينه وبين غيره من الكلام في تلاؤم الحروف على نحو الفرق بين المتنافر ~~والمتلائم في الطبقة الوسطى وهذا الذي ذكره غير صحيح والقسمة فاسدة وذلك أن ~~التأليف على ضربين متنافر ومتلائم وقد يقع في المتلائم ما بعضه أشد تلاؤما ~~من بعض على حسب ما يقع التأليف عليه ولا يحتاج أن يجعل ذلك قسما ثالثا كما ~~يكون من المتنافر ما بعضه أشد في التنافر وأكثر من بعض ولم يجعل الرماني ~~ذلك قسما رابعا فأما البيتان فليسا في هذا الموضع بأحق من غيرهما وأما قوله ~~إن القرآن من المتلائم في الطبقة العليا وغيره في الطبقة الوسطى وهو يعني ~~بذلك جميع كلام العرب فليس الأمر على ذلك ولا فرق بين القرآن وبين فصيح ~~الكلام المختار في هذه القضية ومتى رجع الإنسان إلى نفسه وكان معه أدنى ~~معرفة بالتأليف المختار وجد في كلام العرب ما يضاهي القرآن في تأليفه ولعل ~~أبا الحسن يتخيل أن الإعجاز في القرآن لا يتم إلا بمثل هذه الدعوى الفاسدة ~~والأمر بحمد الله أظهر PageV01P099 من أن يعضده بمثل هذا القول الذي ينفر ~~عنه كل من شدا من الأدب شيئا أو عرف من نقد الكلام طرفا # وإذا عدنا إلى التحقيق وجدنا وجه إعجاز القرآن صرف العرب عن معارضته بأن ~~سلبوا العلوم التي بها كانوا يتمكنون من المعارضة في وقت ms060 مرامهم ذلك وإذا ~~كان الأمر على هذا فنحن بمعزل عن ادعاء ما ذهب إليه من أن بين تأليف حروف ~~القرآن وبين غيره من كلام العرب كما بين المتنافر والمتلائم ثم لو ذهبنا ~~إلى أن وجه إعجاز القرآن الفصاحة وادعينا أنه أفصح من جميع كلام العرب ~~بدرجة ما بين المعجز والممكن لم يفتقر في ذلك إلى ادعاء ما قاله من مخالفة ~~تأليف حروفه لتأليف الحروف الواقعة في الفصيح من كلام العرب وذلك أنه لم ~~يكن بنفس هذا التأليف فقط فصيحا وإنما الفصاحة لأمور عدة تقع في الكلام من ~~جملتها التلاؤم في الحروف وغيره وقد بينا بعضها وسنذكر الباقي فلم ينكر على ~~هذا أن يكون تأليف الحروف في القرآن وفصيح كلام العرب واحدا ويكون القرآن ~~في الطبقة العليا لما ضام تأليف حروفه من شروط الفصاحة التي التأليف جزء ~~يسير منها فقد بان أن على كلا القولين لا حاجة بنا إلا ادعاء ما ادعاه مع ~~وضوح بطلانه وعد الشبهة فيه ثم يقال له أليس التلاؤم معتبرا في تأليف حروف ~~الكلمة المفردة على ما ذكرناه فيما تقدم فلا بد من نعم فيقال له فما عندك ~~في تأليف كل لفظة من ألفاظ القرآن بانفراده أهو متلائم في الطبقة العليا أم ~~في الطبقة الوسطى فإن قال في الطبقة العليا قيل له أوليس هذه اللفظة قد ~~تكلمت بها العرب قبل القرآن وبعده ولولا ذلك لم يكن القرآن عربيا ولا كانت ~~العرب فهمته فقد أقررت الآن أن في كلام العرب ما هو متلائم في الطبقة ~~العليا وهو الألفاظ المفردة ولم يتوجه عليك في ذلك ما يفسد وجه إعجاز ~~القرآن PageV01P100 فهلا قلت في كلامهم المؤلف من الألفاظ ما هو أيضا كذلك ~~فإن علم الناظر بأحدهما كالعلم بالآخر وإن قال إن كل لفظة من ألفاظ القرآن ~~متلائمة في الطبقة الوسطى قيل له أولا إن مشاركة القرآن لطبقة ألفاظهم على ~~هذا الوجه أيضا باقية ثم ما الفرق بينك وبين من ادعى أن التلاؤم بين ألفاظ ~~القرآن في الطبقة الوسطى فإن أحد ms061 الموضعين كالآخر على أن اللفظة المفردة ~~يظهر فيها التلاؤم ظهورا بينا بقلة عدد حروفها واعتبار المخارج إذا كانت ~~متباعدة كان تأليفها متلائما وإن تقاربت كان متنافرا ويلتمس ذلك بما يذهب ~~إليه من اعتبار التوسط دون البعد الشديد والقرب المفرط فعلى القولين معا ~~اعتبار التلاؤم مفهوم وليس ينازعنا في كلمة من كلم القرآن إذا أوضحنا له ~~تأليفها ويقول ليس هذا في الطبقة العليا إلا وتقول مثله في تأليف الألفاظ ~~بعضها مع بعض لأن الدليل على الموضعين واحد فقد بان أن الذي يجب اعتماده أن ~~التأليف على ضربين متلائم ومتنافر وتأليف القرآن وفصيح كلام العرب من ~~المتلائم ولا يقدح هذا في وجه من وجوه إعجاز القرآن والحمد لله # وقد ذهب علي بن عيسى أيضا إلى أن التنافر أن تتقارب الحروف في المخارج أو ~~تتباعد بعدا شديدا وحكى ذلك عن الخليل بن أحمد ويقال إنه إذا بعد البعد ~~الشديد كان بمنزلة الظفر وإذا قرب القرب الشديد كان بمنزلة مشي المقيد لأنه ~~بمنزلة رفع اللسان ورده إلى مكانه وكلاهما صعب على اللسان والسهولة من ذلك ~~في الاعتدال ولذلك وقع في الكلام الإدغام والإبدال والذي أذهب أنا إليه في ~~هذا ما قدمت ذكره ولا أرى التنافر في بعد ما بين مخارج الحروف وإنما هو في ~~القرب ويدل على صحة ذلك الاعتبار فإن هذه الكلمة ألم غير متنافرة وهي مع ~~ذلك مبنية من حروف متباعدة المخارج لأن الهمزة PageV01P101 من أقصى الحلق ~~والميم من الشفتين واللام متوسطة بينهما وعلى مذهبه كان يجب أن يكون هذا ~~التأليف متنافرا لأنه على غاية ما يمكن من البعد وكذلك أم وأو لأن الواو من ~~أبعد الحروف من الهمزة وليس هذان المثلان مثل عح ولا سز لما يوجد فيهما من ~~التنافر لقرب ما بين الحرفين في كل كلمة ومتى اعتبرت جميع الأمثلة لم تر ~~للبعد الشديد وجها في التنافر على ما ذكره فأما الإدغام والإبدال فشاهدان ~~على أن التنافر في قرب الحروف دون بعدها لأنهما لا يكادان يردان في الكلام ~~إلا فرارا ms062 من تقارب الحروف وهذا الذي يجب عندي اعتماده لأن التتبع والتأمل ~~قاضيان بصحته وإذا ثبت ما ذكرناه فقد بان أن تكرر الحروف والكلام يذهب بشطر ~~من الفصاحة وقد كان بعض العلماء بالشعر يعيب في قول أبي تمام # ( كريم متى أمدحه أمدحه والورى % معي ومتى ما لمته لمته وحدي ) # تكرر حروف الحلق على سلامة المعنى واختيار الألفاظ # فأما قول أبي الطيب # ( العارض الهتن ابن العارض الهتن ابن % العارض الهتن ابن العارض الهتن ) # فمن أقبح ما يكون من التكرار وأشنعه وإذا كان يقبح تكرار الحروف ~~المتقاربة المخارج فتكرار الكلمة بعينها أقبح وأشنع # وأما قوله أيضا # ( وأنت أبو الهيجا بن حمدان يا ابنه % تشابه مولود كريم ووالد ) # ( وحمدان حمدون وحمدون حارث % وحارث لقمان ولقمان راشد ) PageV01P102 # فليس هذا التكرار عندي قبيحا لأن المعنى المقصود لا يتم إلا به وقد اتفق ~~له أن ذكر أجداد الممدوح على نسق واحد من غير حشو ولا تكلف لأن أبا الهيجاء ~~هو عبد الله بن حمدان بن حمدون بن الحارث ابن لقمان بن راشد ولو ورد هذا ~~الكلام نثرا لم يرد إلا على هذه الصفة فلما عرض في هذا التكرار معنى لا يتم ~~إلا به سهل الأمر فيه وكان البيت مرضيا غير مكروه وعلى ذلك يجب أن يحمل كل ~~تكرار يجري هذا المجرى # وقيل أذن أبو مهدية الأعرابي يوما فقال أشهد أن لا إله إلا الله مرة فقيل ~~له خالفت السنة إنما هو أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ~~فقال أوليس المعنى واحدا ونربح التكرار الذي هو عي # وأجار لنا في بعض الأيام شيخنا أبو العلاء بن سليمان قول الشاعر # ( ألآ طرقتنا بعد ما هجعوا هند % وقد سرن خمسا واتلأب بنا نجد ) # ( ألا حبذا هند وأرض بها هند % وهند أتى من دونها النأي والبعد ) # وقال من حبه لهذه المرأة لم ير تكرير اسمها عيبا ولأنه يجد للتلفظ باسمها ~~حلاوة فلم ير من الاعتذار للتكرير إلا هذا العذر # فأما قول أبي الطيب # ( لك الخير ms063 غيري رام من غيرك الغنى % وغيري بغير اللاذقية لاحق ) ~~PageV01P103 # فلا خفاء بقبحه التكرار وكذلك قوله # ( ومن جاهل بي وهو يجهل جهله % ويجهل علمي أنه بي جاهل ) لأنه ذكر الجهل ~~خمس مرات وكرر بي فلم يبق من ألفاظ البيت ما لم يعده إلا اليسير وأما قوله ~~أيضا # ( فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا % قلاقل عيس كلهن قلاقل ) # ( غثاثة عيشي أن تغث كرامتي % وليس بغث أن تغث المآكل ) # فقد اتفق له أن كرر في البيت الأول لفظة مكررة الحروف فجمع القبح بأسره ~~في صيغة اللفظة نفسها ثم في إعادتها وتكرارها وأتبع ذلك بغثاثة في البيت ~~الثاني وتكرار تغث فلست تجد ما تزيد على هذين البيتين في القبح # ولم يزل الناس على وجه الدهر منكرين قول امرىء القيس بن حجر # ( ألا إنني بال على جمل بال % يقود بنا بال ويتبعنا بال ) # وهو لعمري قبيح وإن كان بيت هذا الفن الذي لا غاية وراءه في القبح قول ~~مسلم بن الوليد الأنصاري # ( سلت وسلت ثم سل سليلها % فأتى سليل سليلها مسلولا ) # ولولا أن هذا البيت مروي لمسلم وموجود في ديوانه لكنت أقطع على أن قائله ~~أبعد الناس ذهنا وأقلهم فهما وممن لا يعد في عقلاء العامة فضلا عن عقلاء ~~الخاصة لكني إخال خطرة من الوسواس أو شعبة من البرسام عرضت له وقت نظم هذا ~~البيت فليته لما عاد إلى صحة مزاجه PageV01P104 وسلامة طباعه جحده فلم ~~يعترف به ونفاه فلم ينسب إليه وما أضيف هذا وأمثاله إلا إلى عوز الكمال في ~~الخلقة وعموم النقص لهذه الفطرة # وأما قول أبي الطيب # ( قبيل أنت أنت وأنت منهم % وجدك بشر الملك الهمام ) # فقبيح للتكرار وقد زاده قبحا وقوعه بغير فصل # والحروف التي تربط بعض الكلام ببعض وتدل على معنى في غيرها كما يقول ~~النحويون يقبح تكررها في الكلام وإن اختلفت ألفاظها وذلك لأنها جنس واحد ~~ومشتركة في المعنى وإن تميزت فائدة بعضها من بعض ومما يسهل الأمر فيها ~~قليلا وقوع الفصل بينهما بكلمة من غيرها فإما أن ترد على نحو ms064 ما قال أبو ~~الطيب # ( وتسعدني في غمرة بعد غمرة % سبوح لها منها عليها شواهد ) # فذلك العيب الذي لا يتوجه عذر فيه # وقد أنكر أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب ما ذكرناه من قبح تكرر حروف ~~الرباطات وقال في كتابه في الخراج وصناعة الكتابة فأما له منه أو منه عليه ~~أبو به له أو ما جرى هذا المجرى ففيه قبح وسبيل ذلك إذا وقع أن يحتال في ~~فصل ما بين الحرفين بكلمة مثل أن يأتي ما يحتاج إلى أن يقال فيه أقمت شهيدا ~~به عليه فيقال أقمت عليه شهيدا به ثم قال بعد أوراق يسيرة وبلغني أن ~~المأمون أمر عمرو بن مسعدة يوما أن يكتب لرجل له به عناية فأنسى أبو الفرج ~~ما قدمه وسها عما أنكره وقد كان يمكنه أن يعبر عما قاله أولا فيقول لرجل له ~~عناية به ويجب أن يجعل هذا الزلل عذرنا فيما PageV01P105 لعلنا نأتي به في ~~هذا الكتاب من لفظة قد أنكرناها وأمرنا بتجنبها فإن الإنسان عم عن عيبه ~~ولنا بمن ذكرناه أسوة # وهذا الذي أنكرناه من تكرار الألفاظ فن قد أولع به الشعراء والكتاب من ~~أهل زماننا هذا حتى لا يكاد الواحد منهم يغفل عن كلمة واحدة فلا يعيدها في ~~نظمه أو نثره ومتى اعتبرت كلامهم وجدته على هذه الصفة وما أعرف شيئا يقدح ~~في الفصاحة ويغض من طلاوتها أظهر من التكرار لمن يؤثر تجنبه وصيانة نسجه ~~عنه إذ كان لا يحتاج إلى كبير تأمل ولا دقيق نظر وقلما يخلو واحد من ~~الشعراء المجيدين أو الكتاب من استعمال ألفاظ يديرها في شعره حتى لا يخل في ~~بعض قصائده بها فربما كانت تلك الألفاظ مختارة يسهل الأمر في إعادتها ~~وتكريرها إذا لم تقع إلا موقعها وربما كانت على خلاف ذلك # وقد كان أبو الحسن مهيار بن مرزويه ممن غري بلفظة طين وطينة فما وجدت له ~~قصيدة تخلو من ذلك إلا اليسير حتى وضع هذه اللفظة تارة في غير موضعها ~~ومستعارة لما لا يليق بها وأقرها مقرها ms065 في بعض الأماكن ووافق بينها وبين ما ~~ألفت معها وذلك موجود في شعره لمن يتتبعه فهذا وإن لم يكن محمودا عندي فهو ~~أصلح من التكرار في القصيدة الواحدة أو البيت الواحد # فأما قول بعضهم # ( ولولا دموعي كتمت الهوى % ولولا الهوى لم تكن لي دموع ) PageV01P106 # فليس من التكرار المكروه لما قدمته في بيت أبي الطيب وذلك أن المعنى مبني ~~عليه ومقصور على إعادة اللفظ بعينه وهذا حد يجب أن تراعيه في التكرار فمتى ~~وجدت المعنى عليه ولا يتم إلا به لم تحكم بقبحه وما خالف ذلك قضيت عليه ~~بالإطراح ونسبته إلى سوء الصناعة # وقال أبو الفتح بن جني قلت لأبي الطيب المتنبي إنك تكرر في شعرك ذا وذي ~~كثيرا ففكر ساعة ثم قال إن هذا الشعر لم يعمل كله في وقت واحد فقلت صدقت ~~إلا أن المادة واحدة فأمسك # وأما القسم الثاني من الثمانية المذكورة أولا وهو أن تجد للفظة في السمع ~~حسنا ومزية على غيرها لا من أجل تباعد الحروف فقط بل لأمر يقع في التأليف ~~ويعرض في المزاج كما يتفق في بعض النقوش على ما بيناه فيما تقدم فإن هذا ~~إنما يكون في التأليف إذا ترادفت الكلمات المختارة فيوجد الحسن فيه أكثر ~~وتزيد طلاوته على ما لا يجمع من تلك الكلمات إلا القليل وهذا لعمري إنما ~~يرجع إلى اللفظة بانفرادها وليس للتأليف فيه إلا ما أثاره التواتر والترادف # وكذلك الثالث والرابع من الأقسام وهما أن تكون الكلمة غير وحشية ولا ~~عامية لأن هذين القسمين أيضا لا علقة للتأليف بهما وإنما يقبح إذا كثر فيه ~~الكلام الوحشي أو العامي على حد ما يحسن إذا كثر فيه الكلام المختار فهو ~~يرجع إلى اللفظة المفردة كما قلناه وعلقة التأليف ما قدمناه من حكم الإسهاب ~~في إيراد المحمود والمذموم إلا PageV01P107 أن يتفق لفظة لم تبتذلها العامة ~~بانفرادها وإنما تستعملها مضافة إلى غيرها فيكون التأليف على هذا الغرض ~~عاميا بحكم ما أفادته الإضافة لتلك اللفظة وإذا اتفق هذا وجب تجنبها مضافة ~~والإحتراز من الصيغة ms066 التي تعرض فيها بعض الوجوه المذمومة # وأما الخامس وهو أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح فللتأليف ~~بهذا القسم علقة وكيدة لأن إعراب اللفظة تبع لتأليفها من الكلام وعلى حكم ~~الموضع الذي وردت فيه ولهذه الجملة تفصيل طويل إذا ذكرناه عدلنا عن الغرض ~~المقصود بهذا الكتاب وشرعنا في صريح النحو ومحض علم الإعراب ولذلك كتب ~~موضوعة له ومقصورة عليه تغني الناظر فيها عما تذكره في كتابنا هذا ويجد ما ~~يبتغيه هناك مستوفى مستقصى فإن قال لنا قائل إني إذا أمعنت النظر وأحسنت ~~الفكر واعتبرت قول حسان # ( يغشون حتى ما تهر كلابهم % لا يسألون عن السواد المقبل ) # وغيرت الإعراب عن وجهه فرفعت المخفوض وخفضت المرفوع وأتيت بما لا يسيغه ~~تأويل ولا يتوجه في مثله عذر وجدت فصاحة هذا البيت على ما كانت عليه وهو ~~جار على القانون العربي ومتى اعتبرت باقي الأقسام وجدت الأمر فيه على ما ~~ذكرتموه ومخالفة لحكم هذا النوع لتأثيرها في الفصاحة ورونق الكلام وهذا ~~يوجب عليكم الإمتناع من إيراد هذا القسم في الجملة والإقتصار على ما تشهد ~~النفوس بصحته ويقضي التأمل بتقبله قيل له إننا لا ننكر أن يكون بعض ما ~~ذكرناه من الأقسام أظهر من بعض وتأثيرها في الفصاحة أوضح وأجلى من غيره ~~لكنا على كل حال لا نرضى بالقطع على اختيار الكلام العربي المؤلف والشهادة ~~بحسنه وهو مخالف لما تلفظت به العرب وتواضعت عليه PageV01P108 إن كان ~~مواضعة وفيه وجه آخر من وجوه القبح عندهم ولا يكون حسنا حتى تنتفي عنه وجوه ~~القبح في مثله على أننا نجد في تغير الكنايات وعدول الضمائر عن النسق في ~~إيرادها ما يزيل شطرا من الفصاحة وطرفا من الرونق ومن تأمل قول عبيد الله ~~بن قيس الرقيات # ( فتاتان أما منهما فشبيهة الهلال % وأخرى منهما تشبه الشمسا ) # ( فتاتان بالنجم السعيد ولدتما % ولم تلقيا يوما هوانا ولا نحسا ) # علم أن بين قوله ولدتما وولدتا فرقا واضحا ومزية بينة ووجد الكلام الثاني ~~كالمنقطع من الأول # وكذلك قول المتنبي # ( قوم تفرست المنايا فيكم ms067 % فرأت لكم في الحرب صبر كرام ) # لأن وجه الكلام قوم تفرست المنايا فيهم فرأت لهم # فهذا وما يجري مجراه في جانب التأليف مذكور وفي شعبه معدود واتباع العرف ~~في إيراد الظاهر المعروف دون الشاذ النادر واجب لمن آثر مشاركتهم في فصاحة ~~النظم وسلامة النسج فإنما بهم يقتدي وعلى منارهم يهتدي ثم يقال لمن عساه ~~يمنع أن يكون إعراب الكلام شرطا في فصاحته هل يجوز عندك أن يكون عربيا وإن ~~استعمل كل إسم منه لغير ما وضعته له العرب فإن قال نعم لزمه أن يكون متكلما ~~باللغة العربية إذا سمى الفرس إنسانا والسواد بياضا والموجود معدوما وغير ~~ذلك من الكلام وهذا حد لا يذهب إليه محصل وإن قال لا يكون عربيا حتى يضع كل ~~إسم في موضعه ويلفظ به على حد ما يلفظ به أهله قلنا فقد دخل في هذا إعراب ~~الكلام لأن PageV01P109 معانيه تتعلق به وهو الدليل على المقصود منها وبه ~~يزول اللبس والجواز فيها وإذا ثبت أنه لا يكون عربيا حتى يجري على ما نطفت ~~العرب به وجب أن يشترط في فصاحته تبعهم فيما تكلموا به ولا نجيز العدول عنه ~~لأن كلامنا إنما هو في فصاحة اللغة العربية ومتى خرج الكلام عن كونه عربيا ~~لم يتعلق قولنا به كما لا يتعلق بغيره من اللغات فقد بان أن اشتراطنا ما ~~ذكرناه في الفصاحة صحيح لازم وتفصيل هذه الجملة يوجد في كتب النحو ولا يليق ~~بكتابنا هذا ذكره لأنه علم مفرد وصناعة متميزة # وأما السادس مما ذكرناه وهو أن تكون الكلمة قد عبر بها عن أمر آخر يكره ~~ذكره فللتأليف فيه تعلق بحسب إضافة الكلمة إلى غيرها فإن القبح يختلف بحسب ~~ذلك كما قلنا في قول الشريف الرضى # ( أعزز علي بأن أراك وقد خلت % من جانبيك مقاعد العواد ) # لأن مقاعد لما أضيف إلى العواد زاد قبح الكلام ولو قال قائل مقاعد الجبال ~~على وجه الإستعارة أو غير ذلك لكان الأمر أسهل وأيسر فبهذا ونحوه يتعلق ~~التأليف بهذا القسم # وأما السابع وهو ms068 اجتناب الكلمة الكثيرة الحروف فلا علقة للتأليف بهذا إلا ~~أن ظهور قبحه أجلى إذا ترادفت فيه الكلمات الطوال على حد ما قلناه في ~~الكلمة الوحشية # وأما الثامن وهو التصغير فلا علقة للتأليف به إذ كان لا يتعدى الكلمة ~~بانفرادها لكني أقول إن تكرار التصغير والنداء والترخيم والنعت والعطف ~~والتوكيد وغير ذلك من الأقسام والإسهاب في إيرادها معدود في جملة التكرار ~~ويجب التوسط فيه فإن لكل شيء حدا ومقدارا لا يحسن تجاوزه ولا يحمد تعديه ~~PageV01P110 # فإن قيل كيف تحمدون التصغير في الكلمة على ما قدمتموه فإذا انضاف إليه ~~تصغير آخر قبح وكل واحد منهما حسن في نفسه قلنا إن التصغير المحمود معنى ~~واحد وغير مختلف ولا متباين فنحن نكره تكراره كما نذم تكرار الكلمة الواحدة ~~بعينها وإن كانت مرضية غير ذميمة والعلة في الجميع واحدة # فهذا ما يتعلق بالأقسام المذكورة في الكلمة بانفرادها قد أوضحناه وبيناه ~~ونعود إلى ما يختص بالتأليف وينفرد له ونقول # إن أحد الأصول في حسنه وضع الألفاظ موضعها حقيقة أو مجازا لا ينكره ~~الإستعمال ولا يبعد فهمه وهذه الجملة تحتاج إلى تفصيل نحن نذكره ونشرحه ~~ونبين أمثلته ليقع فهمه والعلم به # فمن وضع الألفاظ موضعها ألا يكون في الكلام تقديم وتأخير حتى يؤدي ذلك ~~إلى فساد معناه وإعرابه في بعض المواضع أو سلوك الضرورات حتى يفصل فيه بين ~~ما يقبح فصله في لغة العرب كالصلة والموصول وما أشبههما ولهذا أمثلة # منها قول الفرزدق يمدح إبراهيم بن إسماعيل خال هشام بن عبد الملك # ( وما مثله في الناس إلا مملكا % أبو أمه حي أبوه يقاربه ) # ففي هذا البيت من التقديم والتأخير ما قد أحال معناه وأفسد إعرابه لأن ~~مقصوده وما مثله في الناس حتى يقاربه إلا مملكا أبو أمه وأبوه يعني هشاما ~~لأن أبا أمه أبو الممدوح # ومن هذا أيضا قول عروة بن الورد العبسي # ( قلت لقوم في الكنيف تروحوا % عشية بتنا عند ماوان رزح ) PageV01P111 # ( تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم % إلى مستراح من حمام مبرح ) # لأن تقديره قلت لقوم ms069 رزح في الكنيف عشية بتنا عند ماوان تروحوا تنالوا ~~الغنى ففصل بين الصفة والموصوف والأمر وجوابه # فأما قول أبي الطيب # ( المجد أخسروالمكارم صفقة % من أن يعيش لها الهمام الأروع ) # فجار هذا المجرى وفيه تقديم وتأخير وفصل بين الصلة والموصول وتقديره ~~المجد والمكارم أخسر صفقة # وأما قول الفرزدق # ( فليست خراسان التي كان خالد % بها أسد إذ كان سيفا أميرها ) # فإن جماعة النحويين قالوا إنه يمدح خالدا ويذم أسدا وكانا واليين بخراسان ~~وخالد قبل أسد وتقدير البيت فليست خراسان بالبلدة التي كان خالد فيها سيفا ~~إذ كان أسد أميرها ويكون رفع أسد بكان الثانية وأميرها نعت له وكان في معنى ~~وقع أو يكون في كان ضمير الشأن ويكون أسد وأميرها مبتدأ وخبرا في موضع خبر ~~الضمير وقال أبو سعيد السيرافي إن تقدير البيت عنده أن يجعل أسدا بدلا من ~~خالد ويجعله هو خالدا على سبيل التشبيه له بالأسد فكأنه قال فليست خراسان ~~التي كان بها أسد إذا كان سيفا أميرها ويجعل سيفا خبرا لكان الثانية ويجعل ~~أميرها الإسم وعلى التأويلين معا فلا خفاء بقبح البيت والتعسف فيه ووضع ~~الألفاظ في غير موضعها والفرزدق أكثر PageV01P112 الشعراء استعمالا لهذا ~~الفن حتى كأنه يعتمده ويقصده ويعتقد حسنه ومن ذلك قوله أيضا # ( وترى عطية ضاربا بفنائه % ربقين بين حظائر الأغنام ) # ( متقلدا لأبيه كانت عنده % أرباق صاحب ثلة وبهام ) # يريد متقلدا أرباق ثلة وبهام كانت لأبيه عنده # ومن التقديم والتأخير أيضا قول الشاعر # ( صددت فأطولت الصدود وقلما % وصال على طول الصدود يدوم ) # يريد وقلما يدوم وصال على طول الصدود # وكذا قول الآخر # ( لما رأت ساتيد ما استعبرت % لله در اليوم من لامها ) # أي لله در من لامها اليوم # وعلى هذا قول المتنبي # ( جفخت وهم لا يجخفون بها بهم % شيم على الحسب الأغر دليل ) # يريد جفخت بهم وهم لا يجفخون بها # وكذلك قوله # ( وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه % بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه ) ~~PageV01P113 # لأن تقديره وفاؤكما بأن تسعدا كالربع أشجاه طاسمه ففصل وقدم وأخر # وكذلك قول أبي عدي القرشي ms070 # ( خير راعي رعية سره الله % هشام وخير مأوى طريد ) # أي خير راعي رعية هشام سره الله # وقول الآخر # ( لعمر أبيها لا تقول خليلتي % ألا فر عني مالك بن أبي كعب ) # يريد لعمر أبي خليلتي # ومن وضع الألفاظ موضعها ألا يكون الكلام مقلوبا فيفسد المعنى ويصرفه عن ~~وجه ولذلك أمثلة مذكورة # منها قول عروة بن الورد العبسي # ( فلو أني شهدت أبا سعاد % غداة غدا لمهجته يفوق ) # ( فديت بنفسه نفسي ومالي % وما آلوك إلا ما أطيق ) # يريد أن يقول فديت نفسه بنفسي # ومنه قول خداش بن زهير # ( وتركب خيل لا هوادة بينها % وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر ) # والضياطرة هي التي تشقى بالرماح # وكذلك قول الفرزدق # ( وأطلس عسال وما كان صاحبا % رفعت لناري موهنا فأتاني ) # وإنما النار هي المرفوعة للذئب # ومن المقلوب أيضا قول الآخر PageV01P114 # ( كانت فريضة ما تقول كما % كان الزناء فريضة الرجم ) # وإنما الرجم فريضة الزناء # وعلى هذا حمل أبو القاسم الآمدي قول الطائي الكبير # ( طلل الجميع لقد عفوت حميدا % وكفى على رزئي بذاك شهيدا ) # قال لأنه يقول مضى حميدا شاهدا على أني رزئت ووجه الكلام أن يقول وكفى ~~برزئي شاهدا على أنه مضى حميدا من الطلل قد مضى وليس بمشاهد معلوم ورزؤه ~~بما أظهره من تفجعه مشاهد معلوم فلأن يكون الحاضر شاهدا على الغائب أولى من ~~أن يكون الغائب شاهدا على الحاضر وهذا الذي ذكره الشيخ أبو القاسم رحمه ~~الله قول مثله ممن يتقدم الناس في هذا العلم ودقيق النظر فيه وكشف سرائره # وقد حمل بعضهم قول أبي الطيب # ( وعذلت أهل العشق حتى ذقته % فعجبت كيف يموت من لا يعشق ) # على المقلوب وتقديره عنده كيف لا يموت من يعشق وقال غيره إن الكلام جار ~~على طريقته والمراد به كيف تكون المنية غير العشق أي أن الأمر الذي يقدر في ~~النفوس أنه في أعلى مراتب الشدة هو الموت ولما ذقت العشق فعرفت شدته عجبت ~~كيف يكون هذا الأمر الصعب المتفق على شدته غير العشق وكيف يجوز ألا تعم ~~علته حتى تكون منايا ms071 الناس كلهم به وكان هذا أشبه بمراد أبي الطيب من حمل ~~الكلام على القلب PageV01P115 # فأما قول الله تعالى @QB@ ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة @QE@ # فليس من هذا بشيء وإنما المراد والله أعلم أن المفاتح تنوء بالعصبة أي ~~تميلها من ثقلها وقد ذكر هذا الفراء وغيره وكذلك قوله عز إسمه @QB@ وإنه ~~لحب الخير لشديد @QE@ ليس على ما يزعم بعضهم المراد به وإن حبه للخير لشديد ~~بل المقصود به أنه لحب المال لبخيل والشدة البخل أي من حبه للمال يبخل # فأما قول الحطيئة # ( فلما خشيت الهون والعير ممسك % على رغمه ما أمسك الحبل حافره ) # فقد قيل فيه إن الحبل إذا أمسك الحافر فالحافر أيضا قد شغل الحبل فعلى ~~هذا ليس بمقلوب # وكذلك قول أبي النجم # ( قبل دنو الأفق من جوازئه % ) # لأن الجوزاء إذا دنت من الأفق فقد دنا منها # وقد حمل أبو الفتح عثمان بن جني قول أبي الطيب # ( نحن ركب ملجن في زي ناس % فوق طير لها شخوص الجمال ) # على المقلوب وقال تقديره نحن ركب من الإنس في زي الجن فوق جمال لها شخوص ~~طير وهذا عندي تعسف من أبي الفتح لا تقود إليه ضرورة ومراد أبي الطيب ~~المبالغة على حسب ما جرت به عادة الشعراء PageV01P116 فيقول نحن قوم من ~~الجن لجوبنا الفلاة والمهامه والقفار التي لا تسلك وقلة قرقنا فيها إلا ~~أننا في زي الإنس وهم على الحقيقة كذلك ونحن فوق طير من سرعة إبلنا إلا أن ~~شخوصها شخوص الجمال ولا شك أيضا في ذلك # فأما قول قطري بن الفجاءة المازني # ( ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب % جذع البصيرة قارح الإقدام ) # فقد حملوه على المقلوب وقالوا يريد قارح البصيرة جذع الإقدام كما يقال ~~إقدام غر ورأي مجرب وقد كان أبو العلاء صاعد بن عيسى الكاتب أجازني في بعض ~~الأيام هذا البيت وقال ما المانع من أن يكون مقصوده لم أصب أي لم ألف على ~~هذه الحال بل وجدت على خلافها جذع الإقدام قارح البصيرة ويكون الكلام على ~~جهته غير ms072 مقلوب وتمكن الدلالة على أن قوله لم أصب في البيت بمعنى لم ألف ~~دون ما يقولون من أن مراده به لم أجرح بقوله قبله # ( لا يركنن أحد إلى الإحجام % يوم الوغى متخوفا لحمام ) # ( فلقد أراني للرماح دريئة % من عن يميني تارة وأمامي ) # ( حتى خضبت بما تحدر من دمي % أكناف سرجي أو عنان لجامي ) # فكيف يكون لم يصب وقد خضب هذا بدمه فأما قولهم إنه أراد من دمي أي من دم ~~قوم وبني عمي فمبالغة منهم في التعسف والعدول عن وجه الكلام ليستمر لهم أن ~~يكون فاسدا غير صحيح وهذا الذي ذكره أبو العلاء وسبق إليه له وجه يجب تقبله ~~واتباعه فيه وفحوى كلام قطري يدل على أنه أراد أنه جرح ولم يمت إعلاما أن ~~الإقدام غير علة في الحمام وحثا على الشجاعة ونهيا عن الفرار PageV01P117 # ومن طريف التفسير للشعر أن يتأول ليقع الفاسد فيه ولو حمل على ظاهره كان ~~صوابا صحيحا وما أعرف أعجب من حمل كافة المفسرين قول الفرزدق # ( إن الذي سمك السماء بنى لنا % بيتا دعائمه أعز وأطول ) # على وجهين أحدهما أن يكون أعز وأطول بمعنى عزيزة طويلة والثاني أعز وأطول ~~من بيتك يا جرير فيتعسفون في التأويل ومراد الشاعر أوضح من أن يخفى وأشهر ~~من أن يجهل وهو أعز وأطول من السماء التي ذكرها في أول البيت وإنما جاء بها ~~لهذا الغرض وهذا مبالغة في الشعر معروفة مستعملة وليست بالمكروهة ولا ~~الغريبة # ومن وضع الألفاظ في موضعها حسن الإستعارة وقد حدها أبو الحسن علي بن عيسى ~~الرماني فقال هي تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة ~~النقل للإبادة وتفسير هذه الجملة أن قوله عز وجل @QB@ واشتعل الرأس شيبا ~~@QE@ استعارة لأن الإشتعال للنار ولم يوضع في أصل اللغة للشيب فلما نقل ~~إليه بأن المعنى لما اكتسبه من التشبيه لأن الشيب لما كان يأخذ في الرأس ~~ويسعى فيه شيئا فشيئا حتى تحيله إلى غير لونه الأول كان بمنزلة النار التي ~~تشتعل في الخشب وتسري ms073 حتى تحيله إلى غير حاله المتقدمة فهذا هو نقل العبارة ~~عن الحقيقة في الوضع للبيان ولا بد من أن تكون أوضح من الحقيقة لأجل ~~التشبيه العارض فيها لأن الحقيقة لو قامت مقامها كانت أولى لأنها الأصل ~~والإستعارة والفرع وليس يخفى على المتأمل أن قوله عز إسمه @QB@ واشتعل @QE@ ~~PageV01P118 الرأس شيبا ) أبلغ من كثر شيب الرأس وهو حقيقة هذا المعنى وقول ~~امرىء القيس قيد الأوابد أبلغ من مانع الأوابد عن جريها والأصل في ذلك ما ~~أفاده التشبيه في الإستعارة من البيان # فإن قال قائل فما الفرق بين الإستعارة والتشبيه إذا كان الأمر على ما ~~ذكرتم قيل الفرق بينهما ما ذكره أبو الحسن وهو أن التشبيه على أصله لم يغير ~~عنه في الإستعمال وليس كذلك الإستعارة لأن مخرج الإستعارة مخرج ما ليست ~~العبارة له في أصل اللغة على أن الرماني قال في كلامه إن التشبيه في الكلام ~~بأداة التشبيه وهو يعني كأن والكاف وما جرى مجراهما وليس يقع الفرق عندي ~~بين التشبيه والإستعارة بأداة التشبيه فقط لأن التشبيه قد يرد بغير الألفاظ ~~الموضوعة له ويكون حسنا مختارا ولا يعده أحد في جملة الإستعارة لخلوه من ~~آلة التشبيه ومن هذا قول الشاعر # ( سفرن بدورا وانتقبن أهلة % ومسن غصونا والتفتن جآذرا ) # وقول الآخر # ( وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت % وردا وعضت على العناب بالبربد ) # وكلاهما تشبيه محض وليس باستعارة وإن لم يكن فيهما لفظ من ألفاظ التشبيه ~~وإنما الفرق بين الإستعارة والتشبيه ما حكيناه أولا PageV01P119 # ولا بد للإستعارة من حقيقة هي أصلها وهي مستعار ومستعار منه ومستعار له ~~فالمستعار لفظ الإشتعال فيما مثلنا به والنار مستعار منه والشيب مستعار له ~~ولها تأثير في الفصاحة ظاهر وعلقة وكيدة والبعيد منها يقضي باطراح الكلام ~~ويذهب طلاوته ورونقه ولأجل هذا أحتاج إلى إيضاحها ووصف ما يحسن منها ويقبح ~~والإكثار من الأمثلة التي تدل على ما أريده # وهي على ضربين قريب مختار وبعيد مطرح فالقريب المختار ما كان بينه وبين ~~ما استعير له تناسب قوي وشبه واضح والبعيد المطرح إما ms074 أن يكون لبعده مما ~~استعير له في الأصل أو لأجل أنه استعارة مبنية على استعارة فتضعف لذلك ~~والقسمان معا يشملهما وصفي بالبعد لكن هذا التفصيل يوضح وإذا ذكرت الأمثلة ~~بأن القريب في الإستعارة من البعيد وعرف المرضي منها والمكروه وتنزلت ~~الوسائط بينهما بحسب النسبة إلى الطرفين # وهذا الفن قد أورده المحدثون كثيرا وإن كان المتقدمون بدوؤا به وممن أكثر ~~استعماله أبو تمام حبيب بن أوس فأورد منه في شعره الجيد المحمود والرديء ~~الذي هو الغاية في القبح وسأذكر في شعره خاصة ما يستدل به على ذلك وقد خرج ~~علي بن عيسى ما ورد في القرآن من الإستعارة فكان من ذلك قوله تعالى @QB@ ~~وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا @QE@ لأن حقيقته عمدنا لكن ~~@QB@ وقدمنا @QE@ أبلغ لأنه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم يقدم من سفر ~~لأنه من أجل إمهاله لهم عاملهم كما يفعل الغائب عنهم إذا قدم فرآهم على ~~خلاف ما أمرهم به وفي هذا تحذير من الإغترار بالإمهال وقوله تعالى @QB@ إنا ~~لما طغى الماء حملناكم في الجارية @QE@ PageV01P120 ) لأن حقيقة @QB@ طغى ~~@QE@ علا والإستعارة أبلغ لأن طغى علا قاهرا وكذلك @QB@ بريح صرصر عاتية ~~@QE@ لأن حقيقة @QB@ عاتية @QE@ شديدة والعتو أبلغ لأنه شدة فيها تمرد ~~وقوله عز إسمه @QB@ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار @QE@ لأن انسلاخ الشيء ~~عن الشيء هو أن يتبرأ منه ويزول عنه حالا فحالا وكذلك انفصال النهار عن ~~الليل والإنسلاخ أبلغ من الإنفصال لما فيه من زيادة البيان وقوله عز وجل ~~@QB@ والصبح إذا تنفس @QE@ لأن تنفسه هنا مستعار وحقيقته بدأ انتشاره و ~~@QB@ تنفس @QE@ أبلغ لما فيه من التروح عن النفس وقوله تعالى @QB@ ولا تجعل ~~يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط @QE@ وحقيقته لا تمنع نائلك كل ~~المنع والإستعارة أبلغ لأنه جعل منع النائل بمنزلة غل اليد إلى العنق وحال ~~المغلول أظهر وأمثال هذا في كتاب الله كثيرة وهو جار على عادة العرب ~~المعروفة في الإستعارة # ومنه قول طفيل الغنوي # ( وجعلت كوري فوق ناجية % يقتات شحم سنامها الرحل ms075 ) # فإن استعارة هذا البيت مرضية عند جماعة العلماء بالشعر لأن الشحم لما كان ~~من الأشياء التي تقتات وكان الرحل يتخونه ويذيبه كان ذلك بمنزلة من يقتاته ~~وحسنت استعارته القوت للقرب والمناسبة والشبه الواضح PageV01P121 # وكذلك قول ذي الرمة في إحدى الروايات # ( أقامت به حتى ذوى العود والثرى % ولف الثريا في ملاءته الفجر ) # لأن الفجر لما غطى الليل ببياضه وشمل الأرض عند طلوعه حسنت استعارة ~~الملاءة له لتضمنها هذا المعنى وعبر بطلوع الثريا وقت طلوع الفجر بأنه لفها ~~في ملاءته وتلك أحسن عبارة وأوضح استعارة # وقد اختار أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي الكاتب من جملة الإستعارة قول ~~امرىء القيس # ( فقلت له لما تمطى بصلبه % وأردف أعجازا وناء بكلكل ) # وقال إن هذه الاستعارة في غاية الحسن والجودة والصحة لأنه إنما قصد وصف ~~أحوال الليل الطويل فذكر امتداد وسطه وتثاقل صدره للذهاب والإنبعاث وترادف ~~أعجازه وأواخره شيئا فشيئا قال وهذا عندي منتظم لجميع نعوت الليل الطويل ~~على هيئاته وذلك أشد ما يكون على من يراعيه ويترقب تصرمه فلما جعل له وسطا ~~يمتد وأعجازا رادفة للوسط استعار له إسم الصلب وجعله متمطيا من أجل امتداده ~~لأن قولهم تمطى وتمدد بمنزلة واحدة وصلح أن يستعير للصدر إسم الكلكل من أجل ~~نهوضه وهذه أقرب الإستعارات من الحقيقة لملاءمة معناها لمعنى ما استعيرت له # وهذا الذي قاله أبو القاسم لا أرضى به غاية الرضى ولو كنت أسكن إلى تقليد ~~أحد من العلماء بهذه الصناعة أو أجنح إلى اتباع مذهبه من غير نظر وتأمل لم ~~أعدل عما يقوله أبو القاسم لصحة فكره وسلامة نظره وصفاء ذهنه وسعة علمه ~~لكنني أغلب الحق عليه ولا PageV01P122 أتبع الهوى فيما يذهب إليه وبيت ~~امرىء القيس عندي ليس من جيد الإستعارة ولا رديئها بل هو من الوسط بينهما ~~وبيتا الغنوي وذي الرمة أحمد في الإستعارة وأشبه بالمذهب الصحيح منها وإنما ~~قلت ذلك لأن أبا القاسم قد أفصح بأن امرأ القيس لما جعل لليل وسطا وعجزا ~~استعار له اسم الصلب وجعله متمطيا من أجل ms076 امتداده وذكر الكلكل من أجل نهوضه ~~فكل هذا إنما يحسن بعضه لأجل بعض فذكر الصلب إنما حسن لأجل العجز والوسط ~~والتمطي لأجل الصلب والكلكل لمجموع ذلك وهذه الإستعارة المبنية على غيرها ~~فلذلك لم أر أن أجعلها من أبلغ الإستعارات وأجدرها بالحمد والوصف وكانت ~~استعارة طفيل وذي الرمة عندي أوفق وأصح لأنها غنية بنفسها غير مفتقرة إلى ~~مقدمة جلبتها # وقد اختار الآمدي أيضا قول زهير # ( صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله % وعري أفراس الصبا ورواحله ) # وقال لما كان من شأن ذي الصبا أن يوصف أبدا بأن يقال ركب هواه وجرى في ~~ميدانه وجمح في عنانه ونحو هذا حسن أن يستعار للصبا اسم الأفراس وأن يجعل ~~النزوع عنه بأن تعرى أفراسه ورواحله وكانت هذه الاستعارة من أليق شيء بما ~~استعيرت له وعندي أن الاستعارة في بيت طفيل أليق منها في هذا البيت والعلة ~~ما ذكرته في بيت امرىء القيس وذلك أن الاستعارة في بيت زهير مبنية على ~~قولهم ركب هواه وجرى في ميدانه على نحو ما قاله أبو القاسم وتلك استعارة ~~بغير شك وقد بنى عليها وبيت طفيل أقرب وأحسن لغناه بنفسه # وقد كنت مثلت في بعض المواضع الاستعارة المحمودة والمذمومة ببيتين ~~PageV01P123 # أحدهما قول أبي نصر بن نباتة # ( حتى إذا بهر الأباطح والربا % نظرت إليك بأعين النوار ) # فنظر أعين النوار من أشبه الاستعارات وأليقها لأن النوار يشبه العيون ~~وإذا كان مقابلا لمن يجتاز فيه ويمر به كان كأنه ناظر إليه وهذه الاستعارة ~~الصحيحة الواضحة التشبيه # والبيت الثاني قول أبي تمام # ( قرت بقران عين الدين وانشترت % بالأشترين عيون الشرك فاصطلما ) # وقرة عين الدين وانشتار عيون الشرك من أقبح الاستعارات لعدم الوجه الذي ~~لأجله جعل للدين والشرك عيونا ومع تأمل هذين البيتين يفهم معنى الاستعارة ~~لأن النوار والشرك لا عيون لهما على الحقيقة وقد قبحت استعارة العيون ~~لأحدهما وحسنت للآخر وبيان العلة فيه أن النوار يشبه العيون والدين والشرك ~~ليس فيهما ما يشبهها ولا يقاربها وهذه طريقة متى سلكت ظهر المحمود في هذا ~~الباب ms077 من المذموم # وأما قول الشريف الرضي # ( والحب داء يضمحل كأنما % ترغو رواحله بغير لغام ) # فقريب من قول زهير أفراس الصبا ورواحله لكنه أبعد منه لأنه بنى عليه أمرا ~~آخر غير قريب وهو قوله إن رواحل الصبا ترغو ولا لغام لها وهذا المذهب ~~الرديء في الاستعارة على ما قدمناه PageV01P124 # وقد أعاد أبو نصر بن نباتة قوله نظرت إليك بأعين النوار في موضع آخر فقال # ( إذا نظرت أرض الخليج بأعين % من النور قامت للصوارم سوق ) # وكلاهما واحد # فأما قول الرضى # ( رسا النسيم بواديكم ولا برحت % حوامل المزن في أجداثكم تضع ) # ( ولا يزال جنين النبت ترضعه % على قبوركم العراضة الهمع ) # فمن أحسن الاستعارات وأليقها لأن المزن تحمل الماء وإذا هملت وضعته ~~فاستعارة الحمل لها والوضع المعروفين من أقرب شيء وأشبهه وكذلك قوله جنين ~~النبت لأن الجنين المستور مأخوذ من الجنة إذا كان النبت مستورا والغيث ~~يسقيه كان ذلك بمنزلة الرضاع وكانت هذه الاستعارات من أقرب ما يقال وأليقه # وأما قول أبي ذؤيب الهذلي # ( وإذا المنية أنشبت أظفارها % ألفيت كل تميمة لا تنفع ) # فليس من أحسن الاستعارات ولا أقبحها ولا أراه نظير ما اخترته من قول طفيل ~~وذي الرمة وابن نباتة والشريف الرضي ولا الأمثلة البعيدة التي ذكرتها بل هو ~~وسط وإن كان إلى الاختيار أقرب لما جرت به العادة من قولهم علقت به المنية ~~ونشبت وما أشبه ذلك ولأجل كثره هذا حسن ولأنه مبني على غيره لم أجعله من ~~أبلغ الاستعارات على ما قدمت ذكره PageV01P125 # وأما قول أبي تمام # ( أيامنا مصقولة أطرافها % بك والليالي كلها أسحار ) # فمن الاستعاره المختاره لأنه لما أراد الأيام المحمودة الصافية من الكدر ~~والقذى جعلها مصقولة على وجه الاستعارة وهذا تشبيه ظاهر # وأما قوله # ( يا دهر قوم من أخدعيك فقد % أصججت هذا الأنام من خرقك ) # وقوله # ( فضربت الشتاء في أخدعيه % ضربة غادرته عودا ركوبا ) # وقوله # ( سأشكر فرجة اللبب الرخى % ولين أخادع الدهر الأبي ) # فإن أخادع الدهر والشتاء من أقبح الاستعارات وأبعدها مما استعيرت له وليس ~~بقبح ذلك خفاء ولا ms078 يعرف أبو تمام الوجه الذي لأجله جعل للشتاء والدهر أخادع ~~إلا سوء التوفيق في بعض المواضع # وأما قول أبي الطيب PageV01P126 # ( مسره في قلوب الطيب مفرقها % وحسرة في قلوب البيض واليلب ) # فمن أبعد ما يكون في هذا الباب ولا عذر يتوجه له في الاستعارة للطيب ~~والبيض واليلب قلوبا تسر وتتحسر # وذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني صاحب كتاب الوساطة بين ~~المتنبي وخصمه أن بعض أصحابه جاراه أبياتا أبعد أبو الطيب فيها الاستعارة ~~وخرج عن حد الاستعمال والعادة وكان منها هذا البيت الذي ذكرناه وقوله أيضا # ( تجمعت في فؤاده همم % ملء فؤاد الزمان إحداها ) # قال فقلت له هذا ابن أحمر يقول # ( ولهت عليه كل معصفة % هوجاء ليس للبها زبر ) # فما الفصل بين من جعل للريح لبا ومن جعل للبيض واليلب قلوبا وهذا الكميت ~~يقول # ( ولما رأيت الدهر يقلب ظهره % على بطنه فعل الممعك بالرمل ) # وهذا ابن رميلة يقول # ( هم ساعد الدهر الذي يتقى به % وما خير كف لا تنوء بساعد ) PageV01P127 # وذكر أبياتا من هذا النحو ثم قال فكيف أنكرت على أبي الطيب أن جعل له ~~فؤادا قال فلم يحر جوابا غير أن قال إذا استبرت نفسي وجدت بين استعارة ابن ~~أحمد للريح لبا واستعارة أبي الطيب للطيب قلوبا بونا بعيدا وربما قصر ~~اللسان عن مجارات الخاطر ولم يبلغ الكلام مبلغ الهاجس ثم قال القاضي أبو ~~الحسن وقد أجد لهذا الفصل الذي تخيل له بعض البيان وذلك أن الريح لما خرجت ~~بعصوفها عن الاستقامة وزالت عن الترتيب شبهت بالأهوج الذي لا مسكة في عقله ~~ولا زبر للبه ولما كان مدار الهوج على الالتياث في العقل حسن من هذا الوجه ~~أن يجعل للريح عقلا فأما الدهر فإنما يراد بذكره أهله فإذا جعل الممدوح ~~للدهر ساعدا وعضدا ومنكبا فقد أقيم أهله مقام هذه الجوارح من الإنسان وليس ~~للطيب والبيض واليلب ما يشبه القلب ولا ما يجري مع هذه الاستعارة في طريق ~~ثم قال ابن عبد العزيز وإنما يحمل ما جاء من ألفاظ ms079 المحدثين وكلام المولدين ~~زائلا عن السنن على وجوه تقربهم من الإصابة وتقيم لهم بعض العذر وتلك ~~الوجوه تختلف بحسب اختلاف مواضعه وتتباين على قدر تباين المعاني المتضمنة ~~له فإذا قال أبو الطيب # ( مسرة في قلوب الطيب مفرقها % ) # فإنما يريد أن مباشرة مفرقها شرف ومجاورته له زين ومفخرة وأن التحاسد يقع ~~فيه والحسرة تعظم عليه فلو كان الطيب ذا قلب لسركما لو كانت البيض ذوات ~~قلوب لأسفت وإذا جعل الزمان فؤادا ملأته هذه الهمة فإنما أورده على مقابلة ~~اللفظ باللفظ فلما افتتح البيت بقوله # ( تجمعت في فؤاده همم % ) PageV01P128 # ثم أراد أن يقول إحداها تشغل الزمان وأهله ترخص بأن جعل له فؤادا وأعانه ~~على ذلك أن الهمة لا تحل إلى الفؤاد وسهله ما تقدم من تسامح الشعراء في ~~نعوت الدهر وتوسعهم في استعارة الأوصاف له وإذا قال أبو تمام # ( يا دهر قوم من أخدعيك % ) # فإنما يريد أعدل ولا تجر وانصف ولا تخف لكنه لما رآهم قد استجازوا أن ~~ينسبوا إليه الجور والميل وأن يقذفوه بالعسف والظلم وبالخرق والعنف وقالوا ~~قد أعرض عنا وأقبل على فلان وقد جفانا وواصل غيرنا وكان الميل والإعراض ~~إنما يكون بانحراف الأخدع وازورار المنكب استحسن أن يجعل له أخدعا وأن ~~يأمره بتقويمه وهذه أمور حتى حملت على التحقيق وطلب فيها محض التقويم أخرجت ~~عن طريقة الشعر ومتى اتبع فيها الرخص وأجريت على المسامحة أدت إلى فساد ~~اللغة واختلاط الكلام وإنما القصد فيها التوسط والاجتزاء بما قرب وعرف ~~والاقتصار على ما ظهر ووضح وهذه حكاية كلام القاضي أبي الحسن # ونحن نذكر ما عندنا في كل فصل منه والانتفاع به في فهم الاستعارة ظاهر # أما الذي أنكر على أبي الطيب استعارته فلم يضع يده إلا على ما تشهد ~~الأفهام له وتقطع العقول على صحته وأما اعتذار القاضي له بالأبيات التي ~~ذكرها فإن كان قصد بذلك التنبيه على أن أبا الطيب غير مبتدع لهذا الزلل ولا ~~مخترع بل هو مشارك فيه مماثل له وقد تقدمه من سلك هذا الطريق ونحا هذا ms080 ~~النحو فإن وجب اطراح شعر أبي الطيب لهذا السبب وجب إطراح الأشعار كلها لأن ~~العلة واحدة فعلى هذا الوجه الكلام PageV01P129 في موضعه وإن كان القصد ~~بذلك إقامة العذر للمتنبي وترك الإنكار عليه إذ كان النهج الذي سلك فيه ~~مطروقا فليس هذا الرأي من معتقده بصواب لأن القول في استعارة أبي الطيب إذا ~~كانت بعيدة غير مرضية كالقول في كل استعارة كذلك سواء كانت لمتقدم أو ~~لمتأخر وليس يتميز قبحها بإضافتها إلى رجل من الرجال ولا زمان من الأزمنة ~~وإنما هذا شيء يقع للعامة وأشباههم من أغمار الأدباء فيتخيلون أن للحسن ~~والقبح حكما يرجع إلى التاريخ ويتعلق بالإضافة ولا بد لنا من الكلام على ~~هذا المذهب الفاسد فيما يأتي من هذا الكتاب في موضع مفرد يليق به وإن كانت ~~الشبهة لا تعترض فيه لمحصل ومن لم يعلم الصواب فيه ابتداء من نفسه فأجدر به ~~ألا يعرف مواقع الأدلة عليه والحجج فيه لكنا نذكره هناك على كل حال مستوفى ~~مستقصى فعلى ما قلناه ليس قول ابن أحمر حجة لأبي الطيب لأنا نقول لهما ~~جميعا أخطأتما منهج الاستعارة وعدلتما عن الغرض المختار فيها # وأما قول القاضي إن الفصل الذي يتخيل بين استعارة أبي الطيب للطيب قلوبا ~~واستعارة ابن أحمر للريح لبا إنما هو أن الريح لما خرجت بعصوفها عن ~~الاستقامة شبهت بالأهوج الذي لا مسكة في عقله ثم لما كان مدار الهوج على ~~الالتياث في العقل حسن من هذا الوجه أن يجعل للريح عقلا فلعمري إن الأمر ~~على ما ذكره وقد سهل بيت ابن أحمر بهذا التخريج الذي جرت به العادة وإن لم ~~يكن حسنا ولا محمودا لكنه أصلح من قلوب الطيب لأن تلك الاستعارة لا وجه لها ~~من عادة ولا غيرها وكذلك ما قاله في ساعد الدهر لأنه تأويل لا يستمر لأبي ~~الطيب مثله # فأما قوله إنما يحمل ما جاء من ألفاظ المحدثين وكلام المولدين زائلا عن ~~السنن على وجوه تقربهم من الإصابة وتقيم لهم بعض العذر فكأنه بهذا القول ~~يخص المحدثين ms081 من المتقدمين وليس بينهم من هذا الوجه فرق PageV01P130 وكما ~~يلتمس من المتأخر الحسن الصحيح كذلك يلتمس من المتقدم ومن عدل منهما كان ~~التأويل له واحدا بحيث يمكن ولا يبعد ولم يقع بينهما تمييز فيما يوجبه ~~النظر ويقتضيه الفحص وما أحسب أن أحدا ممن ينسب إلى العلم ويتميز بصحة ~~الفهم يحتاج في اختيار الاستعارة إلى معرفة صاحبها وزمانه حتى يكون حكمه ~~على من تقدم مولده يخالف حكمه على من قرب عهده فلعل من يجدنا نستدل بكلام ~~العرب المتقدمين على لغتهم ولا نستدل بكلام المتأخرين يتخيل أن هذا شيء ~~يرجع إلى الزمان وليس الأمر كذلك وإنما العرب الأول لما كثر الإسلام واتصلت ~~الدعوة وانتشرت حضر أكثرهم وسكنوا الأرياف وفارقوا البدو وخالطهم الباقي ~~فامتزج كلامهم بمن جاوروه من الأنباط وعاشروه من الأعاجم وعدم منهم الطبع ~~السليم الذي كانوا عليه قبل هذه المخالطة فهم الآن لا يحتج بكلامهم لهذه ~~العلة لا لأن القدم والحدوث سببان في الصواب والخطأ ولهذا كان الأصمعي ينكر ~~أن يقال في لغة العرب ما لح فلما أنشد في ذلك شعر ذي الرمة قال إن ذا الرمة ~~قد بات في حوانيت البقالين بالبصرة زمانا فأراد بذلك أن بمخالطتهم سمعهم ~~يقولون ما لح فقاله فلم يجز أن يحتج بكلامه لهذا السبب ولو فرضنا اليوم أن ~~في بعض الصحاري النائية عن العمارة قوما على عادة المتقدمين في البدو وترك ~~الإلمام بأهل المدر متمسكين بطبعهم وجارين على سجيتهم كان على هذا الفرض ~~قولهم حجة واتباعهم واجبا ولهذه العلة تختلف العرب في كلامهم بحسب تباينهم ~~في المخالطة فتجد اليوم من بعد منهم عن الحضر أكثر من غيره إلى الصواب أميل ~~ومن جانبه أقرب # وأما قوله إن أبا الطيب يريد أن مباشرة مفرقها شرف ومجاورته زين ومفخرة ~~وأن التحاسد يقع فيه والحسرة تعظم عليه فلو كان الطيب PageV01P131 ذا قلب ~~لسر كما لو كانت البيض ذوات قلوب لأسفت فلم يزد على أن فسر مراد أبي الطيب ~~بقوله إن الطيب يسر بمفرق هذه المرأة والبيض تنحسر والمعنى ظاهر ms082 فيه لا ~~خفاء به وقوله إن مراده لو كان الطيب ذا قلب لسر ليس بعذر في قوله قلوب ~~الطيب لأن بين قوله لو كان للطيب قلب وبين قوله للطيب قلب فرقا ظاهرا لا ~~يخفى على أحد لأن أحدهما قد جعله واجبا والآخر ممتنعا ليس فيه أكثر من ~~الفرض الذي يعلم من فحوى اللفظ أنه لم يقع وليس يخفى على متأمل أن بين قول ~~البحتري # ( فلو أن مشتاقا تكلف غير ما % في طبعه لمشى إليه المنبر ) # وبينه لو كان قال إن المنبر مشى إليك ميزة بينة ظاهرة وهذا أمر لا يستمر ~~في مثله شبهة فيحتاج إلى الإسهاب في إيضاحه # وأما قوله إنه جعل للزمان فؤادا ملأته هذه الهمة على مقابلة اللفظ باللفظ ~~لما افتتح البيت بقوله # ( تجمعت في فؤاده همم % ) # فليس بمعتمد لأن مقابلة اللفظ باللفظ على ما أراده مجاز والمجاز لا يقاس ~~عليه وليس يحسن بنا أن نقابل اللفظ باللفظ في كل موضع من الكلام قياسا على ~~مقابلة اللفظ باللفظ في قوله تعالى @QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ كما لا ~~يجوز منا أن نحذف المضاف ونقيم المضاف إليه مقامه أبدا اتباعا لقوله عز ~~اسمه @QB@ واسأل القرية التي كنا فيها @QE@ والمراد أهل القرية حتى نقول ~~ضربت زيدا ونريد غلام زيد والعلة في الجميع PageV01P132 واحدة وهو أن ~~المجاز لا يقاس عليه وإنما يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه في موضع ~~دون موضع بحسب ما يتفق من فهم المقصود وزوال اللبس والإشكال وكذلك نقابل ~~بعض الكلام ببعض بحيث لا يعرض فيه فساد في المعنى ولا خلل في العبارة فإذا ~~اعترضنا في المقابلة مثل هذه الاستعارة لم نجزها كما إذا تطرق إلينا في حذف ~~المضاف وجود اللبس لم نركن إليه ولا نعرج عليه # وأما قوله إنه أراد أن يقول إحداها تشغل الزمان وأهله فترخص بأن جعل له ~~فؤادا وأعانه على ذلك أن الهمة لا تحل إلا الفؤاد وسهله ما تقدم من تسامح ~~الشعراء في نعوت الدهر وتوسعهم في استعارة الأوصاف له فليس هذا القول بحجة ms083 ~~لأن الشعراء إذا تسامحوا وأبعدوا في الاستعارة نسبوا إلى ما نسب إليه أبو ~~الطيب من الخطأ والعدول عن الوجه في الكلام وليس يعذر لهم كما لا يحتج لهم ~~به وكلهم في هذا الباب شرع واحد # وقوله فيما بعد إن أبا تمام قال # ( يا دهر قوم من أخدعيك فقد % ) # لما رآهم قد استجازوا أن ينسبوا إليه الجور والميل وقالوا قد أعرض عنا ~~وأقبل على فلان وجفانا والميل والإعراض إنما يكون بانحراف الأخدع وازورار ~~المنكب كلام لا يغني عن أبي تمام شيئا لأنا قد ذكرنا أن الاستعارة إذا بنيت ~~على استعارة قبحت وبعدت والواجب أن تكون لها حقيقة ترجع إليها بلا واسطة ~~وإذا كان الأمر على هذا وكان قولهم عن الدهر قد أعرض عنا وأقبل على فلان ~~استعارة ومجازا بغير شك لم يحسن أن نجريه مجرى الحقيقة ونبني عليه أمرا ~~بعيدا حتى نجعل للدهر أخدعا لأجل قولهم إنه قد أعرض عنا وانحرف # ويقال للقاضي أبي الحسن هل تجيز لبعض المحدثين أن يبني استعارة ~~PageV01P133 أخرى على الأخدع في الدهر لأن أبا تمام قد استعمل ذلك ويبني ~~غيره على قول هذا المحدث استعارة أخرى بعيدة ويؤول هذا إلى ما لا نهاية له ~~حتى يفسد الكلام وتختل العبارة ويذهب التمييز في الوجوه المحمودة والذميمة ~~فإن أجاز ذلك بأن فساد قوله لكافة العقلاء وإن امتنع منه وقال لا بد ~~للاستعارة من حقيقة يرجع إليها ويكون بينهما شبه ظاهر وتعلق وكيد قيل له ~~فبهذا نخاطبك وله قطعنا على قبح استعارة أبي تمام للدهر أخدعا فأعرض الآن ~~عن هذا التعليل منك بالباطل جانبا فإنه غير لائق بك وبمن يجري مجراك من أهل ~~العلم بهذه الصناعة ثم ما الفرق بينك فيما ذكرته وبين من عذر القائل # ( باض الهوى في فؤادي % وفرخ التذكار ) # وقال لما كانت العادة جارية في الهوى أن يقال حل في الفؤاد وأقام وليس ~~بزائل ولا ذاهب وكان الطائر ذو البيض أو الفراخ شديد المقام على وكره ~~والإلف له والحنين إليه ترخص بأن استعار للهوى باض وللتذكار ms084 فرخ كناية عن ~~مقامهما وثباتهما في فؤاده وتشبيها بما ذكرناه من حال الطائر فإن ادعى صحة ~~هذا التخريج وألحقه بما ذكره في بيت أبي تمام وجب الإمساك عنه وإن أفصح ~~بخلافة للعلة التي بيناها فهي موجودة في الأبيات التي ذكرها على أنه قال في ~~آخر كلامه إن هذه أمور لا تحمل على التحقيق ولا يتبع فيها الرخص ثم حملها ~~على أشد الرخص إحالة وفسادا # ومن التوسط الذي حمده وأشار إليه ألا يتعدى في الاستعارة حدها ولا يعدل ~~بها عن منهجها # فأما قول أبي الطيب # ( وقد ذقت حلواء البنين على الصبا % فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل ) ~~PageV01P134 # فقد كان الصاحب كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن عباد أنكره على أبي ~~الطيب وذكره في جملة المساوي من شعره والأمر فيه على ما قاله وهو من رديء ~~الاستعارة وأرى أن الزائد في قبحه قوله حلواء لأن المستعمل في هذا الفن ~~حلاوة وتلك اللغة في العرف مفردة لأمر آخر حقيقي هي غير مستعارة فيه # وأما قول أبي تمام # ( وكم أحرزت منكم على قبح قدها % صروف النوى من مرهف حسن القد ) # فإن استعارة القد لصروف النوى من أبعد ما يقع في هذا الباب وأقبحه وإنما ~~يقود أبا تمام إلى هذا وأمثاله رغبته في الصنعة حتى كأنه يعتقد أن الحسن في ~~الشعر مقصور عليها فيورد منه لأجل التكلف ما لا غاية لقبحه ويسعده الخاطر ~~في بعض المواضع فيأتي بالعجائب الغرائب # ومن مختار الاستعارة قول الشريف الرضي # ( وما نطفة مشمولة في مجمة % وعاها صفا من آمن الطود فارع ) # ( من البيض لولا بردها قلت دمعة % مرنقة ما أسلمتها المدامع ) # لأنه استعار لأعلى الجبل الأمن عبارة عن الارتفاع وتعذر الوصول إليه وهذا ~~لائق محمود في الصناعة ومعلوم عند أهلها وما زلت أسمع أبا العلاء يقول إن ~~من الشعر ما يصل إلى غاية لا يمكن تجاوزها وهذا البيت عندي من ذلك القبيل ~~حسنا وصحة نسج وعذوبة لفظ # وللسري الموصلي أبيات مرضية في معناها وهي PageV01P135 # ( أقول لحنان العشي المغرد % يهز ms085 صفيح البارق المتوقد ) # ( تبسم عن ري البلاد حبيه % ولم يبتسم إلا لإنجاز موعد ) # ثم بعدها أبيات # ( وياديرها الشرقي لا زال رائح % يحل عقود المزن فيك ويغتدي ) # ( عليلة أنفاس الرياح كأنما % يعل بماء الورد نرجسها الندى ) # ( يشق جيوب الورد في شجراته % نسيم متى ينظر إلى الماء يبرد ) # وفي هذه الأبيات استعارات عدة كل منها مختار أما حنان العشى المغرد ~~فمعروف والعادة جارية باستعارة الحنين والتغريد للغيث لأن له صوتا على كل ~~حال وكذلك صفيح البارق وأشبه شيء بالبرق لمع السيوف والتبسم فيه أيضا ظاهر ~~لضوء برقه في خلاله وعقود المزن لائقة لتشبيه القطرات من الماء والدمع ~~بالعقد إذا وهي من سلكه وأنفاس الرياح تكاد تكون حقيقة لوضوحه واستعمال ~~العلة فيها كناية عن الضعف والخفوت وقلة الحركة على وجه التشبيه بالمريض ~~وجيوب الورد مختار لأن النسيم إذا أظهره من أكمامه ونشره عن طيه بعد ذلك ~~كان بمنزلة الجيوب التي تشق وعبارته عن سرعة برد الماء بالنسيم أنه متى نظر ~~إليه برد مرضه لأن النظر ليس هو الرؤية وإنما هو ضرب من المقابلة والمواجهة ~~تقع الرؤية بعده ومثل هذا في النسيم موجود ولائق غير بعيد # وأنا أختار أيضا قول الأمير أبي الحسن علي بن مقلد بن منقذ # ( لا يحفظون سوى أسمال زادهم % ولا يضيعون إلا حرمة الجار ) # لأن الأسمال الأخلاق وإذا استعيرت لبقية الزاد وفضلته كانت من ~~PageV01P136 أحسن شيء وأليقه وأقربه إلى الحقيقة والجامع بينهما أن كلا ~~منهما غبر وعقابيل قد أنهجت جدته وذهب أكثره وهو معرض للنبذ وهو منسوب إلى ~~الاطراح والرفض وهذه وجوه ظاهرة تحمل الاستعارة عليها # وأما قول أبي عبادة البحتري # ( وكنت إذا استبطأت ودك زرته % بتفويف شعر كالرداء المحبر ) # ( عتاب بأطراف القوافي كأنه % طعان بأطراف القنا المتكسر ) # فلعمري إن هذه المقابلة صحيحة لأن للقوافي طرفا بلا شك وأولا ووسطا وآخرا ~~فإن كان أبو عبادة لا يريد طرف القافية الحقيقي وإنما مقصوده أني ألوح ~~بالعتاب في القصائد ولا أصرح به فهو يفهم من معاريضها وملاحنها وحيا على ~~وجه الإيماء والإشارة ms086 وهي غير مقصورة عليه ولا مفردة لذكره فبهذا أيضا جرت ~~العادة في استعمال الطرف وإذا قال القائل تلوحت من أطراف كلام فلان كذا ~~وكذا فإنما هذا المعنى يريد وله يعني والبحتري على كل حال محسن وأما تفويف ~~شعر فإن النظم إذا كان نسجا ووصف بالصقال والرقة وكثرة الماء والهلهلة ~~والمتانة وغير ذلك مما يستعمل في الثياب المنسوجة من النعوت المحمودة ~~والمذمومة كان التفويف فيه جاريا هذا المجرى ومعدودا من هذا القبيل # وأما قول الرضى # ( ملك سما حتى تحلق في العلا % وأذل عرنين الزمان السامي ) # فليس عرنين الزمان من الاستعارة الجيدة وإنما بناه على ذكر الأنف الحقيقي ~~عند وصف صاحبه بالذل وقد وردت استعارة الأنف في مثل هذا الموضع وكلاهما ~~قبيح قال تأبط شرا PageV01P137 # ( نخز رقابهم حتى صدعنا % وأنف الموت منخره رثيم ) # فجعل للموت أنفا ومنخرا رثيما من قولهم رثمتم أنف الرجل فهو رثيم إذا ~~ضربته فدمى وقال ذو الرمة # ( يعز ضعاف القوم عزة نفسه % ويقطع أنف الكبرياء من الكبر ) # فاستعار للكبرياء أنفا أو لعله أراد أنف صاحب الكبرياء وحذف المضاف وأقام ~~المضاف إليه مقامه وقال معقل بن خويلد الهذلي # ( تخاصم قوما لا تلقى جوابهم % وقد أخذت من أنف لحيتك اليد ) # يريد قبضت على طرف لحيتك كما يفعل المهموم فجعل للحية أنفا وقال أبو ~~العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان فيما قرأته عليه # ( إذا ذن أنف البرد سرتم فليته % عقيب التنائي كان عوقب بالجدع ) # وقال أيضا # ( للطيب في منزلها سورة % مناخر البدر بها تفغم ) # فاستعار للبرد أنفا وللبدر مناخر وقال سلم الخاسر # ( لولا المقادير ما حط الزمان به % لكن تولى بأنف كلمه دام ) # فجعل للزمان أنفا داميا وقال الحسين بن مطير # ( فلما مضى معن مضى الجود وانقضى % وأصبح عرنين المكارم أجدعا ) ~~PageV01P138 # وكل هذا من الاستعارة البعيدة الذميمة وقد حمل بعض المفسرين قول ذي الرمة ~~أنف الكبرياء على أنه أراد أوله والمقدم منه كما قال امرؤ القيس # ( قد غدا يحملني في أنفه % لاحق الإطلين محبوك ممر ) # أي في أول جريه أو ms087 في أول الغيث الذي ذكره قبل هذا البيت وهذا التأويل ~~على بعده ليس يسوغ في جميع الأبيات المذكورة لأن المعنى فيها مبني على ~~الأنف الذي هو العضو # ومن الاستعارة المحمودة التي كأنها حقيقة قول شيخنا أبي العلاء # ( وكأن حبك قال حظك في السرى % فالطم بأيدي العيس وجه السبسب ) # وهذا من قربه لو قيل إنه حقيقي غير مستعار جاز ذلك وإن كان على محض ~~الاستعارة أحسن وأحمد فأما قوله # ( ولما ضربنا قونس الليل من عل % تفرى بنضخ الزعفران أو الردع ) # فإن قونس الليل ليس بمرضي على أن ذا الرمة قد أتى بمثله في قوله # ( تيممن يافوخ الدجى فصدعنه % وجوز الفلا صدع السيوف القواطع ) # وإن كان يافوخ الدجى أقبح وأشنع لكن هذا عندنا ليس بعذر وما PageV01P139 ~~يتوجه على أحدهما إلا ما يتوجه على الآخر وما زال العلماء بالشعر ينكرون ~~هذه الاستعارة على ذي الرمة ويعتدونها من إساءاته وقد تجاوز الشريف الرضى ~~في بعض المواضع ذكر الرأس لليل إلى أن جعل له مخا وعظما فقال # ( ليالي أسري في أصيحاب لذة % ومخ الدجى رار وقد دق عظمه ) # وهو من أردإ ما يكون في هذا الباب وأشنعه # وما زال الناس ينكرون قول أبي تمام # ( لا تسقني ماء الملام فإنني % صب قد استعذبت ماء بكائي ) # ويحكون الحكاية المعروفة عن سائل سأل أبا تمام أن ينفذ له في إناء شيئا ~~من ماء الملام وربما نسبها بعض الرواة إلى عبد الصمد بن المعدل وقد تصرف ~~أصحاب أبي تمام في التأويل له فقال بعضهم إن أبا تمام أبكاه الملام وهو ~~يبكي على الحقيقية فتلك الدموع هي ماء الملام وهذا الاعتذار فاسد لأن أبا ~~تمام قال قد استعذبت ماء بكائي وإذا كان ماء الملام هو ماء بكائه فكيف يكون ~~مستعفيا منه مستعذبا له # وقال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي كيف يعاب أبو تمام إذا قال ماء الملام ~~وهم يقولون كلام كثير الماء وقال يونس بن حبيب في تقديم الأخطل لأنه أكثرهم ~~ماء شعر ويقولون ماء الصبابة وماء الهوى يريدون ms088 الدمع وقال ذو الرمة # ( أأن توهمت من خرقاء منزلة % ماء الصبابة من عينيك مسجوم ) PageV01P140 # وقال أيضا # ( أدارا بحزوى هجت للعين عبرة % فماء الهوى يرفض أو يترقرق ) # وقالوا ماء الشباب قال أبو العتاهية # ( ظبي عليه من الملاحة حلة % ماء الشباب يجول في وجناته ) # وهو من قول عمر بن أبي ربيعة # ( وهي مكنونة تحير منها % في أديم الخدين ماء الشباب ) # فما يكون إذا استعار أبو تمام من هذا كله حرفا فجاء به في صدر ربيته لما ~~قال في آخره فإنني صب قد استعذبت ماء بكائي قال في أوله لا تسقني ماء ~~الملام وقد تحمل العرب اللفظ على اللفظ فيما لا يستوي معناه قال الله عز ~~وجل @QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ فالسيئة الثانية ليست بسيئة لأنها ~~مجازاة ولكنه لما قال وجزاء سيئة سيئة فحمل اللفظ على اللفظ وكذلك @QB@ ~~ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين @QE@ إنما حمل اللفظ على اللفظ فخرج ~~الانتقام بلفظ الذنب لأن الله عز وجل لا يمكر وكذلك @QB@ فبشرهم بعذاب أليم ~~@QE@ لما قال بشر هؤلاء بالجنة قال بشر هؤلاء بالعذاب والبشارة إنما تكون ~~في الخير لا في الشر # هذه جملة ما قاله أبو بكر وهي غير لائقة بمثله من أهل العلم بالشعر لأن ~~قولهم كلام كثير الماء وماء الشباب وقول يونس إن الأخطل أكثرهم ماء شعر ~~إنما المراد به الرونق كما يقال ثوب له ماء ويقصد بذلك رونقه ولا يحسن أن ~~يقال ما شربت أعذب من ماء هذا PageV01P141 الثوب كما لا يجمل أن يقال ما ~~شربت أعذب من ماء هذه القصيدة لأن هذا القول مخصوص بحقيقة الماء لا بماء هو ~~مستعار له وأبو تمام بقوله لا تسقني ماء الملام ذاهب عن الوجه على كل حال ~~ثم لا يجوز أن يريد هنا بالماء الرونق لأن الملام لا يوصف بذلك وإنما يذم ~~ويستقبح ولا يحمد ويستحسن وأبو تمام القائل # ( عذلا شبيها بالجنون كأنما % قرأت به الورهاء شطر كتاب ) # فبهذا وأمثاله ينعت الملام لا بالماء الذي هو الرونق والطلاوة فقد بان ~~فساد هذا الاعتذار ms089 من هذا النحو # وأما ماء الصبابة وماء الهوى فقد بين أبو بكر أنهم يريدون به الدمع فكيف ~~يقول إنه استعارة والدمع ماء حقيقي بلا خلاف وعلى أي وجه يحمل ماء الملام ~~في الاستعارة على ماء الدمع وهو حقيقة # وأما مقابلة اللفظ باللفظ واستشهاده بالآيات المذكورة فقد ذكرنا الكلام ~~عليه فيما تقدم وبينا أن هذا مجاز ولا يقاس عليه ولا يحسن منا المقابلة في ~~موضع يعترضنا فيه فساد في المعنى أو خلل في اللفظ كهذه الاستعارة أو ما ~~يجري مجراها كما لا يحسن منا غير ذلك في المجاز إذ أدى إلى اللبس والإشكال # وقال أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي ليس قول أبي تمام لا تسقني ماء ~~الملام بعيب عندي لأنه لما أراد أن يقول قد استعذبت ماء بكائي جعل للملام ~~ماء ليقابل ماء بماء وإن لم يكن للملام ماء على PageV01P142 الحقيقة فإن ~~الله جل اسمه يقول @QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ ومعلوم أن الثانية ليست ~~بسيئة وإنما هي جزاء على السيئة وكذلك @QB@ إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم ~~@QE@ والفعل الثاني ليس بسخرية ومثل هذا في الشعر والكلام كثير ومستعمل ~~فلما كان في مجرى العادة أن يقول القائل أغلظت لفلان القول وجرعته منه كأسا ~~مرة أو سقيته منه أمر من العلقم وكان الملام مما يستعمل فيه التجرع جعل له ~~ماء على الاستعارة وهذا كثير موجود # وهذا الذي قاله أبو القاسم عن المقابلة قد ذكرناه فلا وجه لإعادة الكلام ~~عليه وأما اعتذاره بأن العادة جارية أن يقال جرعته من القول كأسا مرة فلما ~~استعمل في الملام التجرع على الاستعارة جعل له ماء على الاستعارة فلعمري إن ~~هذا أقرب ما يعتذر به لأبي تمام في هذا البيت وأولى من جميع ما قد ذكر لما ~~قدمناه من فساد التعلق بذلك لكنا قدمنا أن الاستعارة إذا بنيت على استعارة ~~بعدت وإن اعتبر فيها القرب فماء الملام ليس بقريب وإن لم يعتبر فيها لم ~~ينحصر وبني على كل استعارة واستعارة وأدى ذلك إلى الاستحالة والفساد على ما ms090 ~~قدمناه # وليس هذا البيت عندي بمحمود ولا من أقبح ما يكون في هذا الباب بعد قول ~~أبي تمام # ( لها بين أبواب الملوك مزامر % من الذكر تنفخ ولا هي تزهر ) # وقوله # ( إلى ملك في أيكة المجد لم يزل % على كبد المعروف من نيله برد ) # وقوله PageV01P143 # ( وتقسم الناس السخاء مجزأ % وذهبت أنت برأسه وسنامه ) # ( وتركت للناس الإهاب وما بقي % من فرثه وعروقه وعظامه ) # فانظر كيف جعل للذكر مزامر لم تنفخ وللمعروف كبدا تبرد ولم يقنع بأن ~~استعار للسخاء رأسا وسناما وإهابا وعظاما وعروقا حتى جعل له فرثا وتعالى ~~الله كيف يذهب هذا على من يقول # ( أخرجتموه بكره من سجيته % والنار قد تنتضى من ناضر السلم ) # ويقول # ( وإذا أراد الله نشر فضيلة % طويت أتاح لها لسان حسود ) # ( لولا اشتعال النار فيما جاورت % ما كان يعرف طيب عرف العود ) # لكن أعوز الكمال واستولى الخلل على هذه الطباع فالمحمود من كانت سيئاته ~~مغمورة بحسناته وخطؤه يسيرا في جانب صوابه # وقد قدمنا فيما مضى من هذا الكتاب أننا لم نذكر هذه الأبيات الذميمة ~~وغرضنا الطعن على ناظمها وإنما قادتنا الحاجة في التمثيل إلى ذكر الجيد ~~والرديء والفاسد والصحيح على ما ذكرناه سالفا ومعاذ الله أن يخرجنا بغض ~~التقليد وحب النظر من الطرف المذموم في الأتباع والانقياد إلى الجانب الآخر ~~في التسرع إلى نقص الفضلاء والتفنيد لما لعله اشتبه على بعض العلماء ~~والرغبة في الخلاف لهم وإيثار الطعن عليهم بل نتوسط إن شاء الله بين هاتين ~~المنزلتين فننظر في أقوالهم ونتأمل المأثور عنهم ونسلط عليه صافي الذهن ~~ونرهف له ماضي الفكر فما وجدناه موافقا للبرهان وسليما على السبر اعترفنا ~~بفضيلة السبق فيه وأقررنا لهم بحسن النهج لسبيله وما خالف ذلك وباينه ~~اجتهدنا في تأويله وإقامة المعاذير فيه PageV01P144 وحملناه على أحسن وجوهه ~~وأجمل سبله إيجابا لحقهم الذي لا ينكر وإذعانا لفضلهم الذي لا يجحد وعلما ~~أنهم لم يؤتوا من ضلالة ولا كلال ذهن وفطنة ولكن لاستمرار هذه القضية في ~~المحدثين وعمومها أكثر المخلوقين ومن الله نستمد التوفيق والمعونة ms091 برحمته # فهذه الجملة تكشف لك عن نهج الاستعارة وتوضح كيف تقع الألفاظ موقعها في ~~المجاز فأما الحقيقة فلا نحتاج فيها إلى مثال لأن أكثر الكلام على ذلك ولكن ~~هاهنا ألفاظ قد وضعت في غير موضعها ليس على وجه الاستعارة ولا الحقيقة فأنا ~~أذكر لك منها ما تجعله دليلا على الباقي وتعتبر في الكلام الذي تؤتر معرفة ~~حظه من الفصاحة أن يكون خاليا من مثل تلك الألفاظ بل كل كلمة منه موضوعة في ~~موضعها اللائق بها إما حقيقة أو على وجه المجاز السائغ المختار الذي نبهتك ~~على علمه فمن تلك الألفاظ قول أبي تمام # ( سعى فاستنزل الشرف اقتسارا % ولولا السعي لم تكن المساعي ) # فإن استنزال الشرف ليس بحقيقة فيه ولا على وجه الاستعارة الصحيحة لأن ~~الشرف إذا حط وأنزل فقد وصف بما لا يليق به من الإنزال والخفض والمحمود في ~~هذا أن يقال رفعت منار الشرف وشيدته فهو سام على الكواكب وعال عن درجة ~~الأفلاك فأما استنزلته فلا يحسن في هذا الموضع البتة وقد كان يمكنه أن يعبر ~~عن نيله الشرف ووصوله إليه بغير استنزاله فإن الرجل الشريف الآباء لو ذم ~~لكان أبلغ ما يذم به أن يقال حططت شرفك ووضعت منه وما يجري هذا المجرى فهذا ~~هو وضع الألفاظ في غير الموضع الذي يليق بها # ومن ذلك أيضا قول أبي تمام # ( جذبت نداه غدوة السبت جذبة % فخر صريعا بين أيدي القصائد ) PageV01P145 # لأن هذا الموضع لا يليق به جذبت والممدوح يوصف بأنه أعطى طوعا واختيارا ~~وحبا للكرم وصبابة إلى الإحسان وإذا جذب الندى حتى يخر صريعا فليس من الطوع ~~بشيء إنما ذلك لفظ القسر والغلبة والجبر وهذا لا يكون مدحا إنما هو صريح ~~الهجو ومحضه # ومن هذا الفن أيضا قوله # ( ضعفت جوانح من أذاقته النوى % طعم الفراق فذم طعم العلقم ) # لأن دعاءه على من ذم طعم العلقم بالإضافة إلى طعم الفراق بضعف الجوانح ~~كلام موضوع في غير موضعه وذكر الحواس التي يضاف إليها الذوق في هذا الموضع ~~أليق فأما الجوانح فلا ms092 معنى لها وقوله ضعفت كلام ضعيف هاهنا # فعلى هذا النحو يكون وضع الألفاظ في غير موضعها على الوجه الذي لا يوافق ~~الاستعارة وحقيقتها فتأمله وقس غيره عليه فإنك تجده في الكلام كثيرا # ومن وضع الألفاظ موضعها ألا تقع الكلمة حشوا وأصل الحشو أن يكون المقصد ~~بها إصلاح الوزن أو تناسب القوافي وحرف الروى إن كان الكلام منظوما وقصد ~~السجع وتأليف الفصول إن كان منثورا من غير معنى تفيده أكثر من ذلك وهذا ~~الباب يحتاج إلى شرح وبيان وتفصيله أن كل كلمة وقعت هذا الموقع من التأليف ~~فلا تخلو من قسمين إما أن تكون أثرت في الكلام تأثيرا لولاها لم يكن يؤثر ~~أو لم تؤثر بل دخولها فيه كخروجها منه وإذا كانت مؤثرة فهي على ضربين ~~أحدهما أن تفيد فائدة مختارة يزداد بها الكلام حسنا وطلاوة والآخر أن تؤثر ~~في الكلام نقصا وفي المعنى فسادا والقسمان مذمومان والآخر هو المحمود وهو ~~PageV01P146 أن تفيد فائدة مختارة ولكل من ذلك مثال فمثال الكلمة التي تقع ~~حشوا وتفيد معنى حسنا قول أبي الطيب # ( وتحتقر الدنيا احتقار مجرب % يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا ) # لأن حاشاك هاهنا لفظة لم تدخل إلا لكمال الوزن لأنك إذا قلت احتقار مجرب ~~يرى كل ما فيها فانيا كان كلاما صحيحا مستقيما فقد أفادت مع إصلاح الوزن ~~دعاء حسنا للممدوح في موضعه ومثله قول ابن محلم # ( إن الثمانين وبلغتها % قد أحوجت سمعي إلى ترجمان ) # لأن وبلغتها تجري مجرى وحاشاك في الفائدة ولو ألغيت من البيت لصح المعنى ~~دونها على حد ما قلناه في البيت الأول وليس يخفى على المتأمل حسن المقصود ~~بحاشاك وبلغتها في هذين الموضعين # وكذلك أيضا قول أبي الطيب # ( نهبت من الأعمار ما لو حويته % لهنئت الدنيا بأنك خالد ) # لأن قوله لهنئت الدنيا بمنزلة الحشو إذ كان المعنى يتم من دونه ولو استوى ~~أن يقول نهبت من الأعمار ما لو حويته لخلدت في الدنيا لكان المعنى مستقيما ~~لكنه لما احتاج إلى ألفاظ يصح بها الوزن جاء بقوله لهنئت ms093 الدنيا فأتى ~~بزيادة من المدح وفضله من التقريظ والوصف لإخفاء بحسن موقعها فهذا وما ~~أشبهه هو الحشو المحمود المختار # وقد زل في هذا الموضع أبو هشام عبد السلام بن محمد فألحق الحشو الجيد ~~بالرديء وقال في المسائل البغداديات في مسألة ذكرها في إيجاز PageV01P147 ~~القرآن إن الشاعر إذا احتاج إلى الوزن ذكر ما لا يحتاج إليه في الكلام ~~المنثور ألا ترى إلى قول امرىء القيس # ( ورضت فذلت صعبة أي إذلال % ) # ولو كان في الكلام لكان يقول ورضت فذلت أي إذلال لو شاء ولو شاء لقال ~~ورضت فذلت صعبة فقد بان أنهم ربما ذكروا المصادر والظروف ليتم الوزن في هذا ~~الشعر الرصين وهذا كما قال الأعشى # ( فأصبت حبة قلبها وطحالها ) # ولولا الوزن لاكتفى بقوله فأصبت حبة قلبها وهذا كلام بعيد من الصواب لأن ~~صعبة من بيت امرىء القيس وقوله أي إذلال حشو مختار حسن يقصد في المنثور ~~مثله الحذاق بتأليفه لأنه لو قال ورضت فذلت لم يكن في الكلام دليل على أن ~~هناك صعوبة ولا ثم تمنعا وبقوله صعبة قد حصل هذا الغرض وهو مقصود لا يخيل ~~على عاقل في هذا الموصوف وفي تأليف الكلام لا يخفى على من له أدنى علم بهذه ~~الصناعة ثم في قوله بعد أي إذلال وصف حسن لذلها ليس بمستفاد من الأول لموقع ~~التعجب فيه والوصف وليس هذا الموضع مما يقصر في فهمه أحد من المتوسطين في ~~هذا العلم وأبو هاشم وإن كان العالم المتقدم في صناعة الكلام فليس معرفته ~~بالجواهر والأعراض وكلامه في العدل والألطاف مما يفيده العلم بصناعة نقد ~~الكلام المؤلف وفهم النظم والنثر كما أن من المتقدمين في هذا العلم من يجهل ~~أول ما يجب على العاقل فضلا عما تجاوزه ونعوذ بالله من تعاطي ما لا نحسنه ~~ونسأله التوفيق والعصمة فيما نقوله ونفعله فأما بيت الأعشى فالأمر فيه على ~~ما وقع لأبي هاشم PageV01P148 وهو من أقبح الحشو ولا مناسبة بينه وبين بيت ~~امرىء القيس في حال من الأحوال ومما تزداد به عجبا أن علي ms094 بن عيسى الرماني ~~نقض على أبي هاشم مسائله هذه بكتاب معروف قصره على نقضها واعتمد فيه ~~المناقشة وترك المسامحة في كل لفظة من ألفاظ أبي هاشم فلما وصل إلى هذه ~~المسألة ونقضها لم يعرض لهذا الموضع الذي ذكرناه بل ظهر من كلامه أنه موافق ~~فيه مسلم له ولا نعلم السبب الموجب لخفاء مثله على أبي الحسن مع مكانه ~~المشهور من الأدب # وأما مثال الكلمة التي تقع حشوا وتؤثر في المعنى نقضا وفي الغرض فسادا ~~فكقول أبي الطيب يمدح كافورا # ( ترعرع الملك الأستاذ مكتهلا % قبل اكتهال أديبا قبل تأديب ) # لأن قوله الأستاذ بعد الملك نقص له كبير وبين تسميته له بالملك والأستاذ ~~فرق واضح فالأستاذ قد وقع هاهنا حشوا ونقص به المعنى إذ كان الغرض في المدح ~~تفخيم أحوال الممدوح وتعظيم شأنه لا تحقيره وتصغير أمره وقد رأيت في أخبار ~~كافور الأخشيدي ما يقيم عذر أبي الطيب في هذا ويزيل عنه بعض اللوم وذلك أنه ~~روي أن كافورا لما غلب على ولد الأخشيد فاستبد بالأمور دونهم لم يخرج بذلك ~~عن حد المدبر إلى المالك ولم يقم له على منبر دعوة ولا نقش باسمه سكة ولا ~~اختار أن يخاطب إلا بالأستاذ فلم يسم في مدة أيامه بالأمير ولا بغيره مما ~~يخاطب به من جرى مجراه فإذا كان الأمر على هذا ولا شك في صحته فإن الأستاذ ~~صار له بمنزلة اللقب الذي لا يجوز تغييره فإذا علم منه الشعراء حب المخاطبة ~~بهذه التسمية نظموا ذلك في مديحهم فكأن أبا الطيب ذكر الأستاذ بعد الملك ~~علما منه بغرض كافور فأما تمثيلنا نحن بهذا البيت فصحيح وفي حكم النظم ~~والنثر ألا تذكر هذه الكلمة بعد كلمة هي PageV01P149 أشرف منها بدرجة عالية ~~فإن زعم زاعم أن أبا الطيب قصد بقوله الأستاذ تقريع كافور بذلك ونقصه كما ~~كان يقصد ذلك بذكر سواده فإن أبا الطيب قال كان كافور الأخشيدي يشق عليه أن ~~يعرض له بالسواد فكنت أعتمد معه في كل قصيدة ذكر سواده حتى قلت فيه بشمس ms095 ~~منيرة سوداء وقلت # ( سوابق خيل يهتدين بأدهم % ) # وغير ذلك مما هو موجود في المديح لكافور فلعمري إن هذا القول مروي عن أبي ~~الطيب لكنا إذا تكلمنا على المديح وما يجب أن يكون مبنيا عليه من التعظيم ~~للممدوح لم نعرج على ما يقصده المادح من منافاة هذا الغرض إذ كان هذا بخلاف ~~ما هو بصدده وقاصده وليس يكون فيه أكثر من عذر المادح وأنه لم يخف ما يجب ~~عليه وإنما قصده وتعمده فأما أن يكون ذلك سببا لصحة الكلام في نفسه فلا ~~ونحن إنما نتكلم على ذلك # فأما قول أبي الطيب أيضا # ( فلا فضل فيها للشجاعة والندى % وصبر الفتى لولا لقاء شعوب ) # فإن الندى هاهنا حشو يفسد المعنى وذلك أن مقصوده أن الدنيا لا فضل فيها ~~للشجاعة والصبر لولا الموت لأن الشجاع إذا علم أنه يخلد فأي فضل لشجاعته ~~وكذلك الصابر فأما الندى فمخالف لذلك لأن الإنسان إذا علم أنه يموت هان ~~عليه بذل ماله وكذلك يقول إذا عوتب PageV01P150 في بذلة كيف لا أبذل ما لا ~~أبقى له ومن أين أثق بالتمتع بهذا المال والأمر في هذا ظاهر قال طرفة # ( فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي % فذرني أبادرها بما ملكت يدي ) # وقال مهيار بن مرزويه # ( وكل إن أكلت وأطعم أخاك % فلا الزاد يبقى ولا الآكل ) # وأما إذا كان الإنسان خالدا في الدنيا ثم جاد بماله فلعمري إن كرمه يكون ~~أفضل وبذله لماله أشد والأمر في ذلك مخالف لحكم الشجاعة بغير شك لأن تلك ~~لولا الموت لم تحمد والندى بالضد وإذا كان الأمر على هذا كان قوله والندى ~~حشوا يفسد المعنى وقد قال الشريف المرتضى علم الهدى رضي الله عنه إن المراد ~~بالندى في البيت بذل النفس لا بذل المال كما قال مسلم بن الوليد # ( يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها % والجود بالنفس أقصى غاية الجود ) # قال وإذا جاز أن يسمى بذل النفس جودا جاز أن يسميه ندى أيضا وكرما وسخاء ~~وهذا الذي ذكره رحمه الله أقصى ما يجوز أن يتأول به ms096 ولا يحمل قول الشاعر ~~على الفساد وأما إذا عدنا إلى التحقيق علمنا أن لفظ الندى المطلق لا يفيد ~~إلا بذل المال والكرم ولا يكاد يستعمل في بذل النفس وإن استعمل فعلى وجه ~~الإضافة فأما مع الإطلاق فلا يفيد ذلك ثم إذا سوغنا ما ذهب إليه على بعده ~~كان لفظ الندى حشوا لأن الشجاعة قد أغنت عنه فيمكن حمل هذا البيت على الحشو ~~الذي يختل به المعنى على ما ذكرناه من تأويله الظاهر وعلى الحشو الذي يكون ~~غير مؤثر في الكلام على ما خرجه الشريف رحمه الله وتأوله # وأما الكلمة التي تقع حشوا غير مؤثرة فأمثلتها كثيرة موجودة في النظم ~~والنثر ومنها قول أبي تمام PageV01P151 # ( جذبت نداه غدوة السبت جذبة % فخر صريعا بين أيدي القصائد ) # لأن قوله غدوة السبت حشو لا يحتاج إليه ولا تقع فائدة بذكره ومن ذا الذي ~~يؤثر أن يعلم اليوم الذي أعطى الممدوح فيه أبا تمام وأي فرق بين أن يقع ~~عطاء في يوم السبت أو الأحد أو غيرهما من الأيام وما بقي عليه شيء إلا أن ~~يخبر بتاريخ ذلك الوقت وموضع ذلك اليوم من الشهر # فمثل هذا وأشباهه الحشو الذي يقع ولا تعرض في ذكره فائدة إلا ليصح الوزن ~~وهو عيب فاحش في هذه الصناعة وما أكثر ما تستعمل أمسى وأصبح وأخواتها في ~~هذا الموضع من الحشو ويجب أن تعتبر ذلك بأن تنظر الفائدة فيه فإن كان الأمر ~~الذي ذكر أنه أصبح فيه لم يكن أمسى فيه فالفائدة حاصلة وإن كان الأمر بخلاف ~~ذلك فهو حشو لا يحتاج إليه فاعتبار الفائدة فيه هو الأصل الذي يرجع إليه ~~ويعول على النظر من جهته ومثال ذلك أن يقال أصبحنا مغيرين على بني فلان فإن ~~موقع أصبحنا في هذا الموضع موقع صحيح لأنهم لم يكونوا أغاروا عليهم في وقت ~~المساء ومثل ذلك قوله تبارك وتعالى @QB@ فأصبحوا في ديارهم جاثمين @QE@ لأن ~~الأمر لم يطرقهم إلا ليلا فأما لو قال قائل أصبح العسل حلوا لكان قوله أصبح ~~حشوا لأنه قد أمسى ms097 كذلك ويدل على صحة هذا واعتبار العلماء له ما ذكره أبو ~~الحسن على ابن عيسى الرماني في كتابه المعروف بالجامع في علم القرآن فإنه ~~قال في قوله تعالى @QB@ حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين @QE@ وإنما ذكر الصباح ~~من غير أن يراد به معنى الصباح لأنهم بمنزلة من أصبح على أسوإ حال وذلك لأن ~~أكثر ما يكون من هيجان الإعلال بالليل فيؤمل لصاحبها حسن الحال PageV01P152 ~~عند الصباح فإذا كان الضد من ذلك حصل على الهلاك فلم يرض أبو الحسن أن تقع ~~أصبح في كلام الله تعالى حشوا بل تأول ذلك كما يتأوله مثله وفي ضمن قوله ~~الشهادة بما ذكرناه والإذعان له فإن قال قائل كيف يمكنكم أن تقولوا هذا ~~وعلى الصحيح من مذاهبكم أن دليل الخطاب عندكم ليس بحجة وأن تعليق الحكم ~~باسم أو صفة أو شرط أو غاية لا يدل على انتفائه بانتفاء ذلك وإذا كان هذا ~~قولكم فليس في قول القائل أصبح السكر حلوا دليل على أنه لم يمس كذلك كما ~~زعمتم أن ليس في قول النبي صلى الله عليه وسلم في سائمة الغنم الزكاة دليل ~~على أن المعلوفة لا زكاة فيها ولا يمتنع عندكم أن يقال في سائمة الغنم ~~الزكاة وإن كانت واجبة في معلوفتها فكذلك لا يقبح أن يقال أصبح العسل حلوا ~~وإن كان قد أمسى أيضا بهذه الصفة قيل الجواب عن هذا السؤال أن الفرق بين ما ~~نجيزه من تعليق الحكم بصفة وثبوته لما انتفت عنه تلك الصفة في مثل قوله ~~عليه السلام في سائمة الغنم الزكاة وبين ما نكرهه من قول القائل أصبح السكر ~~حلوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال في سائمة الغنم الزكاة فليس ~~مراده أن يبين لنا حال المعلوفة هل تجب فيها الزكاة أم لا بل هي مسكوت عنها ~~فتجوز فيها ما كنا نجوزه في السائمة قبل هذا القول وليس كذلك قول القائل ~~أصبح العسل حلوا لأنه يريد حلوا في كل حال من صباح أو مساء فلذلك كان ذكر ~~الصباح حشوا ومثله ms098 في مسألتنا أن يكون صلى الله عليه وسلم يقصد أن يبين لنا ~~حال الزكاة في الغنم جميعها السائمة والمعلوفة ثم يقول في سائمة الغنم ~~الزكاة فإنا نقول إن هذا اللفظ غير موافق للمقصود إذ كان لا يعطينا تصريحه ~~ولا فحواه في المعلوفة حكما كما قلنا إن من أراد أن يصف لنا العسل بالحلاوة ~~PageV01P153 في جميع الأوقات ثم قال أصبح العسل حلوا فإنه قد أتى بأصبح ~~حشوا لغير فائدة فبان الفرق بين الأمرين # ومن الحشو أيضا قول أبي تمام # ( كالظبية الأدماء صافت فارتعت % زهر العرار الغض والجثجاثا ) # فإن الجثجاث إنما جاء به حشوا لأجل القافية وإلا فليس للظبية فضيلة إذا ~~رعت الجثجاث ولا له فيها ميزة على غيره من النبات وقد سبقه إلى مثل هذا ~~الحشو في القافية عدي بن الرقاع العاملي فقال # ( وكأنها بين النساء أعارها % عينيه أحور من جآذر جاسم ) # لأن جاسم إنما وردت هنا لأجل القافية لا لمعنى فيها وهي قرية بالشام من ~~أعمال دمشق وفيها ولد أبو تمام الطائي وليس لجآذرها ميزة على غيرها وقد ~~سألت عن ذلك جماعة ممن يخبر تلك الناحية فما وجدت عندهم فيها إلا ما عندهم ~~في غيرها من البلاد # ومن ذلك أيضا قول علي بن محمد البصري # ( وسابغة الأذيال زغف مفاضة % تكنفها منى بجاد مخطط ) # فليس لكون البجاد مخططا تأثير في صفة الدرع وإنما الغرض بذكره القافية # وأضداد هذا في وقوع الفائدة بالكلمة التي تكون فيها القافية كثير ومنه ~~قول امرىء القيس # ( كأن عيون الوحش حول خبائنا % وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب ) PageV01P154 # فإنه لما أتى على التشبيه قبل القافية واحتاج إليها جاء بزيادة حسنة في ~~قوله لم يثقب لأن الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون # وكذلك قول زهير بن أبي سلمى # ( كأن فتات العهن في كل منزل % نزلن به حب الفنا لم يحطم ) # فقوله لم يحطم في هذا البيت مثل لم يثقب في البيت الذي قبله # وروى أبو الفرج قدامة بن جعفر عن محمد بن يزيد المبرد عن التوزي قال ms099 قلت ~~للأصمعي من أشعر الناس فقال من يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيرا ~~أو الكبير فيجعله بلفظه خسيسا أو ينقضي كلامه قبل القافية فإذا احتاج إليها ~~أفاد بها معنى قال نحو من قال نحو ذي الرمة حيث يقول # ( قف العيس في أطلال مية فاسأل % رسوما كأخلاق الرداء . . . ) # فتم الكلام ثم قال المسلسل فزاد شيئا ثم قال # ( أظن الذي يجدي عليك سؤالها % دموعا كتبديد الجمان . . . ) # فتم كلامه ثم قال المفصل فزاد شيئا قال قلت ونحو من قال الأعشى حيث يقول # ( كناطح صخرة يوما ليفلقها % فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل ) # فزاد معنى قال قلت وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح قال لأنه ينحط من ~~أعلى الجبل على قرنيه فلا يضيره # وقد سمى أصحاب صناعة الشعر هذا المعنى الإيغال وأرادوا بذلك أن الشاعر ~~يوغل بالقافية في الوصف إن كان واصفا وفي التشبيه إن كان مشبها PageV01P155 # ويجب أن تعلم أن هذا الموضع من حشو البيت شديد المراعاة لأجل أنه القافية ~~فإذا وقعت فيه الإصابة أو الخطأ كان أظهر لهما إذا وقعا في كلمة من متن ~~البيت لما يختص به هذا الموضع من فضل العناية إذ كان متميزا بالقصد مما هو ~~طرف وقافية # وعلى هذا يقع الأمر أيضا في السجع من الكلام المنثور وكثيرا ما يتعذر على ~~مؤلفه القرينة فيتحمل الكلام تحملا شديدا ويأتي بمعان خارجة عن غرضه حتى ~~يظفر بالسجعة بعد تعب ويكون معها بمنزلة من يطلب شيئا يصيده فهو يجد في ~~الطلب والمقصود يجتهد في الهرب ويجيء من هذا اختلاف الفصول في الطول والقصر ~~لأنه يحتاج في طلب القرينة إلى إطالة الفصل حتى يزيد على ما قبله زيادة ~~فاحشة وهذا عيب ظاهر في أكثر من ينتحل صناعة الكتابة في زماننا هذا وقد سن ~~الكتاب المتقدمون من تجنب السجع في أكثر كلامهم سنة لو اعتمدت لوجدت فيها ~~الراحة من هذا العارض لأنهم إذا كانوا لا يحفلون بالسجع فالواجب اطراحه في ~~الموضع الذي يكون متكلفا نافرا فأما الشعر فلا مندوحة عن القافية ms100 فإن تعذرت ~~في البيت فليس غير ترك ذلك البيت رأسا وسيأتي الكلام في هذا الباب إذا صرنا ~~إلى ذكر التناسب في الألفاظ بمشيئة الله وعونه # فأما زيادة ما في قول الله تعالى @QB@ فبما رحمة من الله لنت لهم @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ فبما نقضهم ميثاقهم @QE@ فإن لها هنا تأثيرا في حسن النظم ~~وتمكينا للكلام في النفس وبعدا به عن الألفاظ المبتذلة فعلى هذا لا يكون ~~حشوا لا يفيد وأهل النحو يقولون إن ما في هذا الموضع صلة مؤكدة للكلام وقد ~~يكون التوكيد عندهم بالتكرار كما PageV01P156 يكون بالعلامة الموضوعة له ~~وإذا أفاد الكلام شيئا فليس من الحشو المذموم لأن حقيقة الحشو هو الذي يكون ~~دخوله في الكلام وخروجه على سواء وإنما الغرض به إقامة الوزن في الشعر أو ~~ما يجري مجرى ذلك في النثر وقد جاءت ما في الشعر أيضا على معنى ما وردت في ~~الآية قال الشاعر # ( فاذهبي ما إليك أدركني الحلم % عداني عن هيجكم أشغالي ) # ومن هذا القبيل أيضا دخولها في ابنما قال المتلمس # ( وهل لي أم غيرها إن تركتها % أبى الله إلا أن أكون لها ابنما ) # وقال الآخر # ( لقيم بن لقمان من أخته % فكان ابن أخت له وابنما ) # وورودها في هذا الموضع خاصة كثير فهذا مبلغ ما نقوله في الحشو ليكون ~~دليلا على غيره ومنبها على مثله # ومن وضع الألفاظ موضعها اللائق بها ألا يكون الكلام شديد المداخلة يركب ~~بعضه بعضا وهذا هو المعاظلة التي وصف عمر بن الخطاب رضي الله عنه زهير بن ~~أبي سلمى بتجنبها فقال كان لا يعاظل بين الكلام لأن المعاظلة الداخلة ومن ~~ذلك يقال تعاظلت الكلاب وغيرها مما يتعلق بعضه ببعض عند السفاد وقد غلط في ~~تمثيل هذا أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب وبين خطأه فيه أبو القاسم الحسن ~~بن بشر الآمدي رحمه الله لأن أبا الفرج قال إن المداخلة التي تكره ووصف عمر ~~رضي الله عنه زهيرا بتجنبها أن يدخل بعض الكلام فيما ليس من جنسه قال وما ~~PageV01P157 أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة ms101 مثل قول أوس بن حجر # ( وذات هدم عار نواشرها % تصمت بالماء تولبا جدعا ) # فسمى الصبي تولبا والتولب ولد الحمار ومثل قول الآخر # ( وما رقد الولدان حتى رأيته % على البكر يمريه بساق وحافر ) # فسمى رجل الإنسان حافرا وهذا ليس من المعاظلة التي هي ركوب بعض الكلام ~~بعضا ومداخلة بعضه في بعض والصحيح من تمثيل ذلك ما ذكره أبو القاسم الآمدي ~~وهو قول أبي تمام # ( خان الصفاء أخ خان الزمان أخا % عنه فلم يتخون جسمه الكمد ) # لأن ألفاظ هذا البيت يتشبث بعضها ببعض وتدخل الكلمة من أجل كلمة أخرى ~~تجانسها وتشبهها مثل خان وخان ويتخون وأخ وأخا فهذا هو حقيقة المعاظلة # وكذلك قول أبي تمام أيضا # ( يا يوم شرد يوم لهوي لهوه % بصبابتي وأذل عز تجلدي ) # فقوله يا يوم شرد يوم لهوي لهوه شديد التعاظل حتى كأنه سلسلة # ومنه أيضا قول أبي تمام # ( يوم أفاض جوى أغاض تعزيا % خاض الهوى بحري حجاه المزبد ) PageV01P158 # وقال أبو القاسم فإن قال قائل إن هذا الذي أنكرته من تشبث الكلام بعضه ~~ببعض وتعلق كل لفظة بما يليها وإدخال كلمة من أجل أخرى تشبهها وتجانسها هو ~~المحمود من الكلام وليس من المعاظلة في شيء ألا ترى أن البلغاء والفصحاء ~~لما وصفوا ما يستجاد ويستحب من النثر والنظم قالوا هذا كلام يدل بعضه على ~~بعض ويأخذ بعضه برقاب بعض قيل هذا صحيح من قولهم ولم يريدوا به هذا الجنس ~~من النظم والنثر ولا قصدوا هذا النوع من التأليف وإنما أرادوا المعاني إذا ~~وقعت ألفاظها في مواقعها وجاءت الكلمة مع أختها المشاكلة لها التي تقتضي أن ~~تجاورها بمعناها إما على الاتفاق أو التضاد حسبما توحيه قسمة الكلام وأكثر ~~الشعر هذا سبيله وذلك نحو قول زهير # ( سئمت تكاليف الحياة ومن يعش % ثمانين حولا لا أبا لك يسأم ) # لأنه لما قال في أول البيت سئمت وقال ومن يعش ثمانين حولا اقتضى أن يكون ~~في آخره يسأم # وكذلك قوله # ( والستر دون الفاحشات وما % يلقاك دون الخير من ستر ) # فالستر الأول اقتضى الستر ms102 الثاني # وكذلك قول امرىء القيس # ( فإن تكتموا الداء لا نخفه % وإن تقصدوا الذم لا نقصد ) # فإن كل لفظة تقتضي ما بعدها # فهذا هو الكلام الذي يدل بعضه على بعض ويأخذ بعضه برقاب بعض وإذا أنشدت ~~صدر البيت علمت ما يأتي من عجزه فالشعر الجيد أو أكثره على هذا مبني وهذا ~~الذي ذكره أبو القاسم رحمه الله صحيح ويجب أن PageV01P159 يقتدي به في هذا ~~الباب وقد بين المعاظلة وفرق بينها وبين غيرها من العيوب بالتمثيل الذي ~~ذكره # فأما الذي قاله من دلالة بعض الكلام على بعض حتى يمكن استخراج قوافيه إن ~~كان شعرا ويكون بعض البيت شاهدا لبعض فهو من النعوت المحمودة وسيأتي الكلام ~~في ذلك مستوفى عند ذكر القوافي والأسجاع بعون الله ومشيئته التوشيح وبعض ~~الناس يسمي هذا الفن من الشعر التوشيح وبعضهم يسميه السهيم ومثاله قول ~~الشاعر # ( عجبت لسعي الدهر بيني وبينها % فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر ) # وقول عمرو # ( وكنت سناما في فزارة تامكا % وفي كل حي ذروة وسنام ) # وقوله أيضا # ( إذا لم تستطع شيئا فدعه % وجاوزه إلى ما تستطيع ) # وقول أبي عبادة # ( مشيب كبث السر عي بحمله % محدثه أو ضاق صدر مذيعه ) # ( تلاحق حتى كاد يأتي بطيئه % بحث الليالي قبل أتي سريعه ) # وقوله # ( أبكيكما دمعا ولو أني على % قدر الجوى أبكي بكيتكما دما ) PageV01P160 # لأن هذه الأبيات كلها إذا سمع الإنسان صدورها وكان قد عرف الروي المقصود ~~فيها عرف الكلمة التي تكون قافية قبل الوصول إليها وأمثال هذا كثيرة وسيأتي ~~ذكرها في باب القوافي والأسجاع وترك التكلف والتعقيد في الكلام بمشيئة الله ~~وعونه # ومن وضع الألفاظ موضعها ألا يعبر عن المدح بالألفاظ المستعملة في الذم ~~ولا في الذم بالألفاظ المعروفة للمدح بل يستعمل في جميع الأغراض الألفاظ ~~اللائقة بذلك الغرض في موضع الجد ألفاظه وفي موضع الهزل ألفاظه ومثال ما ~~استعمل من هذه الألفاظ في غير موضعه قول أبي تمام # ( ما زال يهذي بالمكارم دائبا % حتى ظننا أنه محموم ) # وقوله # ( وتشفى الحرب منه حين تغلي % مراجلها بشيطان رجيم ms103 ) # وقوله # ( ولى ولم يظلم وهل ظلم امرؤ % حث النجاء وخلفه التنين ) # وقول الحسين بن الضحاك # ( كذا من يشرب الراح % مع التنين في الصيف ) # وقول أبي نواس # ( جاد بالأموال حتى % حسبوه الناس حمقا ) # وقول العنبري # ( ما كان يعطي مثلها في مثله % إلا كريم الخيم أو مجنون ) # وقول أبي تمام # ( يا أبا جعفر جعلت فداكا % فاق حسن الوجوه حسن قفاكا ) # لأن يهذي والمحموم والشيطان الرجيم والتنين والحمق PageV01P161 والجنون ~~وذكر القفا من الألفاظ التي تستعمل في الذم وليست من ألفاظ المدح # وقد كان بعض الأدباء يعيب قول ابن الرومي # ( من شعرها من فضة % وثغرها من ذهب ) # ويقول إن التشبيه بالفضة والذهب إنما يقع في المدح وكان يجب أن يهجو هذه ~~المرأة بما يستعمل من ألفاظ الذم وطرقه # فإن قال قائل إذا كان التنين هو الحية وكانوا كثيرا ما يشبهون الممدوح ~~بالحية ويقولون هو صل صفاة وحية واد وأرقم وأسود وغير ذلك كما قال أبو ~~الطيب # ( يمد يديه في المفاضة ضيغم % وعيناه من تحت التريكة أرقم ) # وقال آخر # ( إني على رأس العدو وتحته % للغام قسطلة وحية واد ) # وقال الرضي # ( نبهت مني يا أبا الغيداق % أصم لا يسمع صوت الراقي ) # ( ذا ريقة تهزأ بالدرياق % كأنما أم من الإطراق ) # وقال حريث بن عناب # ( أترجو الحياة يا ابن بشر بن مسهر % وقد علقت رجلاك في ناب أسودا ) # ( من الصم تكفي مرة من لعابه % وما عاد إلا كان في العود أحمدا ) ~~PageV01P162 # وأمثال هذا كثيرة فكيف يكون ذكر التنين عيبا ولا يكون ذكر الأرقم والصل ~~والأسود عيبا ومعنى الجميع واحد قيل له إننا لم ننكر التنين لأجل معناه ~~فيقال لنا إن معنى التنين والحية واحد وإنما عيناه من أجل مدحه لأن هذه ~~اللفظة لم تستعمل في المدح وتلك الألفاظ قد استعملت فيه وليس يمتنع أن يكون ~~للشيء الواحد إسمان يستعمل أحدهما في موضع ويستعمل الآخر في موضع آخر وهذا ~~شيء إنما أصله العرف والعادة دون أصل وضع الأسماء في اللغة ألا ترى أن ~~الإنسان إذا مدح ذكر الرأس والكاهل ms104 والهامة وإذا هجا ذكر القفا والأخادع ~~والقذال وإن كانت معاني الجميع متقارية وليس يحسن أن يخاطب الملوك فيقال ~~لبعضهم وحق يافوخك أو قمحدوتك أو أخادعك أو قذالك أو قفاك قياسا على أن ~~يقال له وحق رأسك لأن الاستعمال يختلف في الألفاظ وإن كان المعنى فيه غير ~~مختلف على ما قدمناه # ومن هذا الجنس حسن الكناية عما يجب أن يكنى عنه في الموضع الذي لا يحسن ~~فيه التصريح وذلك أصل من أصول الفصاحة وشرط من شروط البلاغة وإنما قلنا في ~~الموضع الذي لا يحسن فيه التصريح لأن مواضع الهزل والمجون وإيراد النوادر ~~يليق بها ذلك ولا تكون الكناية فيها مرضية فإن لكل مقام مقالا ولكل غرض فنا ~~وأسلوبا ومما يستحسن من الكنايات قول امرىء القيس # ( فصرنا إلى الحسنى ودق كلامنا % ورضت فذلت صعبة أي إذلال ) # لأنه كنى عن المباضعة بأحسن ما يكون من العبارة # وروي عن أبي الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة أنه لما أجاب أبا الجيش خماريه ~~بن أحمد بن طولون عن المعتضد بالله من كتابه بإنفاذ ابنته التي زوجها منه ~~قال في الفصل الذي احتاج فيه إلى ذكرها وأما الوديعة PageV01P163 فهي ~~بمنزلة ما انتقل من شمالك إلى يمينك عناية بها وحياطة لها ورعاية لمواتك ~~فيها وقال للوزير أبي القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب والله إن تسميتي ~~إياها بالوديعة نصف البلاغة واستحسنت هذه الكناية حتى صار الكتاب يعتمدونها # وكتب أبو إسحاق الصابي عن عز الدولة بختيار بن معز الدولة إلى أبي تغلب ~~بن ناصر الدولة في إنفاذ ابنته المزوجة منه وقد توجه أبو النجم الحرمي أيده ~~الله نحوك بالوديعة وهو الأمين على ما يحوطه ويحفظه والوفي بما يحرسه ~~ويلحظه وإنما نقلت من مغرس إلى معرس ومن وطن إلى سكن ومن مأوى بر وانعطاف ~~إلى مثوى كرامة وإلطاف # فأجاب أبو تغلب عن هذا بكتاب من إنشاء أبي الفرج الببغا قال في جوابه عن ~~هذا الفصل ووصل أبو النجم بدر الحرمي بالأمانة العظيم قدرها والصفوة البينة ~~نسبها وذكرها فقال ms105 عوض الوديعة الأمانة ليغاير بين اللفظين # وكذلك سبق بعضهم إلى الكناية عن الهزيمة بالتحيز اتباعا لقول الله تعالى ~~@QB@ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة @QE@ ثم ~~صارت هذه العبارة للكتاب سنة وخبرني من أثق به عن رجل من أهل بغداد يصنع ~~الغزل من الذهب قال أحضرني الوزير أبو الحسن علي ابن عبد العزيز المعروف ~~بابن حاجب النعمان وزير القادر بالله وأخرج إلي علما مذهبا عليه اسم ~~المقتدر بالله قد بلى وخلق وبقي فيه الذهب فقال لي كيف السبيل إلى أخذ ما ~~على هذا من الذهب فقلت يحرق فصاح صيحة عظيمة وقال ويلك ما هذا التهجم أتحرق ~~أعلام أمير المؤمنين وأمر بإخراجي فدفعت وقد قاربت التلف من هيبته والخوف ~~منه وتعقبني أهل المجلس بالسؤال في بسط عذري بعدم الفهم PageV01P164 لما ~~أنكره علي فأمر بإعادتي إليه وقال هيه ما الذي تقول فقلت ما يرسمه سيدنا ~~الوزير فقال قل يستخلص فقلت يستخلص فقال خذه وانصرف فأخذت العلم ومضيت ~~فأحرقته وأحضرت له ما خرج فيه من الذهب فأخذه # ومن هذا الفن أيضا من حسن الكناية قول أبي الطيب # ( تدعي ما ادعيت من ألم الشوق % إليها والشوق حيث النحول ) # لأنه كنى عن كذبها فيما ادعته من شوقها بأحسن كناية وكذلك قوله # ( لو أن قنا خسر صبحكم % وبرزت وحدك عاقه الغزل ) # لأنه أراد انهزم فكنى عن هزيمته بعاقه الغزل وتلك أحسن كناية في هذا ~~الموضع # وأضداد هذا من قبح العبارات قول أبي الطيب # ( إني على شغفي بما في خمرها % لأعف عما في سراويلاتها ) # وقول الآخر # ( تعطين من رجليك ما % تعطى الأكف من الرغاب ) # وقول الرضي يرثي والدته PageV01P165 # ( كأن ارتكاضي في حشاك مسببا % ركض الغليل عليك في أحشائي ) # لأنك إذا تأملت هذين البيتين وجدتهما يجريان من بيت امرىء القيس مجرى ~~الضد وذلك أن امرأ القيس عبر عما يجب أن يكنى عنه من المباضعة فكنى بأحسن ~~كناية وهذان عبرا عما لا يجب أن يكنى عنه فأتيا بألفاظ يجب أن يكنى عنها # وقد ذهب بعض ms106 المفسرين إلى أن قوله تعالى @QB@ كانا يأكلان الطعام @QE@ ~~كناية عن الحدث وليس الأمر على ما قال بل معنى الكلام على ظاهره لأنه كما ~~لا يجوز أن يكون المعبود محدثا كذلك لا يجوز أن يكون طاعما وهذا شيء ذكره ~~أبو عثمان الجاحظ وهو صحيح # ومن وضع الألفاظ موضعها ألا يستعمل في الشعر المنظوم والكلام المنثور من ~~الرسائل والخطب ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم والألفاظ ~~التي تختص بها أهل المهن والعلوم لأن الإنسان إذا خاض في علم وتكلم في ~~صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وكلام أصحاب تلك الصناعة ~~وبهذا شرف كلام أبي عثمان الجاحظ وذلك أنه إذا كاتب لم يعدل عن ألفاظ ~~الكتاب وإذا صنف في الكلام لم يخرج عن عبارات المتكلمين فكأنه في كل علم ~~يخوض فيه لا يعرف سواه ولا يحسن غيره ومما يذكر من هذا النوع في استعمال ~~ألفاظ المتكلمين قول أبي تمام # ( مودة ذهب أثمارها شبه % وهمة جوهر معروفها عرض ) # لأن الجوهر والعرض من ألفاظ أهل الكلام الخاصة بهم PageV01P166 # ومن ألفاظ النحويين قوله أيضا # ( خرقاء يلعب بالعقول حبابها % كتلعب الأفعال بالأسماء ) # وقول أبي الطيب # ( إذا كان ما تنويه فعلا مضارعا % مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم ) # وقوله # ( وكان ابنا عدو كاثراه % له ياءي حروف أنيسيان ) # وقول أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان فيما قرأته عليه # ( تلاق تفرى عن فراق تذمه % مآق وتكسير الصفائح في الجمع ) # وقوله أيضا في بعض رسائله فحرس الله عز سيدنا حتى تدغم الطاء في الهاء ~~فتلك حراسة بغير انتهاء وكثيرا ما يسلك هذه الطريقة في كلامه وهي لائقة به ~~لأنه لم تكن له يد في صناعة الكتابة ولا طريقة محمودة وإنما رسائله معدودة ~~في كتب اللغة ودساتير الأدب فاستعمال هذا وما يجري مجراه فيها لائق # ومن هذا النوع ما يحكى من أشعار أصحاب المهن واستعمالهم لألفاظ صناعاتهم ~~ومعانيها فيما ينظمونه أو ينثرونه وربما كان ذلك أو بعضه شيئا يصنع وينسب ~~إليهم وحكى أن بعض المهندسين حضرته الوفاة فقال ms107 يا عالما بجذر الأصم ومحيط ~~الدائرة لا تقبض روحي إلا على خط مستقيم وزوايا قائمة # وقيل إن بعض الملوك أنفذ صاحبا له في جيش وكان طبيبا فلما عاد ~~PageV01P167 إليه سأله عن الوقعة فقال له التقت الفئتان في موضع كرحبة ~~البيمارستان فلو ألقى مبضع لما وقع إلا على قيفال فما كانت إلا ساعة حتى ~~أبحر أعداؤنا بحرانا مهلكا وعدنا في صحة مطلقة بإقبالك يا معتدل المزاج # وخبرت أن عز الدولة بختيار بن معز الدولة قال يوما وفي مجلسه جماعة من ~~ندمائه وكتابه لينشدني كل واحد منكم أغزل ما يعرفه من الشعر فأنشده كل واحد ~~منهم ما حضره فلما انتهى القول إلى أبي الخطاب مفضل ابن ثابت الصابي وكان ~~أبوه طبيبا أنشده قول أبي العتاهية # ( قال لي أحمد ولم يدر ما بي % أتحب الغداة عتبة حقا ) # ( فتنفست ثم قلت نعم حبا % جرى في العروق عرقا فعرقا ) # فقال له بختيار لا تخرج بنا يا أبا الخطاب عن صناعة الطب التي ما ترثها ~~عن كلالة # وكان أصحابنا إذا سمعوا قول المهلبي # ( يا من له رتب ممكنة % القواعد من فؤادي ) # قالوا هذا يصلح أن يكون شعر بناء # وقال الظاهر الجزري # ( محاسنه هيولي كل حسن % ومغناطيس أفئدة الرجال ) # وهذا كأنه شعر فيلسوف # وحكى أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ قال أنشدت أبا شعيب الفلال أبيات أبي ~~نواس # ( ودار ندامى عطلوها وأدلجوا % بها أثر منهم جديد ودارس ) PageV01P168 # فقال هذا شعر لو نقرته طن فوصفه من طريق صناعته # وقال أبو القاسم الآمدي في قول أبي تمام # ( العار والنار والمكروه والعطب % والقتل والصلب والمران والخشب ) # هذا كأنه من كلام خالد الحداد # وكان بمعرة النعمان شاعر يعرف بالوامق موصوف بالخلاعة والمجون فكان ينظم ~~أشعارا في حائك وإسكاف وصائغ ومن يجري مجراهم ويستعمل ألفاظ تلك الصناعة ~~ومعانيها في ذلك الشعر فمما يروى له في غلام إسكاف قوله # ( إن سن بالهجران شفرته % ليقد قلبي قد مجتهد ) # ( فلأصبرن كصبر تجتجة % متمسكا بمحلل العقد ) # وهذا إنما يسوغ على هذا السبيل من الهزل والخلاعة فأما ms108 في باب الجد فليس ~~يحسن أن يستعمل في كل موضع منه إلا الألفاظ اللائقة به وشعر أبي عبد الله ~~بن الحجاج وإن تضمن كثيرا من الألفاظ التي لا تحسن في مواضع الجد فإنه قد ~~جاء بها في الموضع اللائق بها ولأجل هذا حسنت ولم تقبح ألا ترى أن قول ابن ~~نباتة # ( وقال لنا الزمان ظلمتموهم % فقلنا للزمان دع الفضولا ) # ليس بمختار على طريقته في الجد وفنه ولو ورد في شعر أبي عبد الله ابن ~~الحجاج كان مرضيا مختارا # ومن شروط الفصاحة المناسبة بين اللفظين وهي على ضربين # مناسبة بين اللفظين من طريق الصيغة ومناسبة بينهما من طريق المعنى ~~PageV01P169 فأما المناسبة من طريق المعنى فسنذكرها في المعاني إذا وصلنا ~~إليها من هذا الكتاب بعون الله ومشيئته وأما المناسبة بينهما من طريق ~~الصيغة فلها تأثير في الفصاحة ومثال ذلك ما رواه أبو الفتح عثمان بن جني ~~قال قرأت على أبي الطيب قوله # ( وقد صارت الأجفان قرحا من البكا % وصار بهارا في الخدود الشقائق ) # فقلت قرحى فقال إنما قلت قرحا لأن قلت بهارا # فهذه المناسبة التي تؤثر في الفصاحة والشعراء الحذاق والكتاب يعتمدونها ~~وكتب بعضهم إذا كنت لا تؤتى من نقص كرم وكنت لا أوتي من ضعف سبب فكيف أخاف ~~منك خيبة أمل أو عدولا عن اغتفار زلل أو فتورا عن لم شعث وإصلاح خلل فناسب ~~بين نقص وضعف وكرم وسبب وعدول وفتور بالصيغ وإلا فقد كان يمكنه أن يقول ~~مكان نقص قلة فلا يكون مناسبا لضعف ومكان كرم جودا فلا يكون مناسبا لسبب ~~ومكان سبب شكرا فلا يكون مناسبا لكرم ومكان فتور تقصيرا فلا يكون مناسبا ~~لعدول # ومن هذا النحو أيضا قول أبي تمام # ( مها الوحش إلا أن هاتا أوانس % قنا الخط إلا أن تلك ذوابل ) # فناسب بين مها وقنا والوحش والخط # وكذلك قول أبي عبادة # ( فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا % وأقدم لما لم يجد عنك مهربا ) ~~PageV01P170 # فناسب بين أحجم وأقدم ومطمعا ومهربا وعنك وفيك وأمثلة هذا أكثر من أن ~~تحصى ms109 # ومن المناسبة بين الألفاظ في الصيغ السجع والإزدواج ويحد السجع بأنه ~~تماثل الحروف في مقاطع الفصول وبعض الناس يذهب إلى كراهة السجع والإزدواج ~~في الكلام وبعضهم يستحسنه ويقصده كثيرا وحجة من يكرهه أنه ربما وقع بتكلف ~~وتعمل واستكراه فأذهب طلاوة الكلام وأزال ماءه وحجة من يختاره أنه مناسبة ~~بين الألفاظ يحسنها ويظهر آثار الصنعة فيها ولو ذلك لم يرد في كلام الله ~~تعالى وكلام النبي صلى الله عليه وسلم والفصيح من كلام العرب وكما أن الشعر ~~يحسن بتساوي قوافيه كذلك النثر يحسن بتماثل الحروف في فصوله والمذهب الصحيح ~~أن السجع محمود إذا وقع سهلا متيسرا بلا كلفة ولا مشقة وبحيث يظهر أنه لم ~~يقصد في نفسه ولا أحضره إلا صدق معناه دون موافقه لفظه ولا يكون الكلام ~~الذي قبله إنما يتخيل لأجله وورد ليصير وصلة إليه فإنا متى حمدنا هذا الجنس ~~من السجع كنا قد وافقنا دليل من كرهه وعملنا بموجبه لأنه إنما دل على قبح ~~ما يقع من السجع بتعمل وتكلف ونحن لم نستحسن ذلك النوع ووافقنا أيضا دليل ~~من اختاره لأنه إنما دل به على حسن ما ورد منه في كتاب الله تعالى وكلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم والفصحا من العرب وكان يحسن الكلام ويبين آثار ~~الصناعة ويجري مجرى القوافي المحمودة والذي يكون بهذه الصفات هو الذي ~~حمدناه واخترناه وذكرنا أنه يكون سهلا غير مستكره ولا متكلف # وقد حكى الجاحظ عن بشر بن المعتمر أنه قال في وصيته في البلاغة ~~PageV01P171 إذا لم تجد اللفظة واقعة موقعها ولا صائرة إلى مستقرها ولا ~~حالة في مركزها بل وجدتها قلقة في مكانها نافرة في موضعها فلا تكرهها على ~~القرار في غير موطنها فإنك إذا لم تتعاط قريض الشعر الموزون ولم تتكلف ~~اختيار الكلام المنثور لم يعبك بترك ذلك أحد وإذا أنت تكلفتهما ولم تكن ~~حاذقا فيهما عابك من أنت أقل عيبا منه وأزرى عليك من أنت فوقه وهذا كلام ~~صحيح يجب أن يقتدى به في هذه الصناعة # وأما الفواصل التي ms110 في القرآن فإنهم سموها فواصل ولم يسموها أسجاعا وفرقوا ~~فقالوا إن السجع هو الذي يقصد في نفسه ثم يحمل المعنى عليه والفواصل التي ~~تتبع المعاني ولا تكون مقصودة في أنفسها وقال علي بن عيسى الرماني إن ~~الفواصل بلاغة والسجع عيب وعلل ذلك بما ذكرناه من أن السجع تتبعه المعاني ~~والفواصل تتبع المعاني وهذا غير صحيح والذي يجب أن يحرر في ذلك أن يقال إن ~~الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفصول على ما ذكرناه والفواصل على ضربين ~~ضرب يكون سجعا وهو ما تماثلت حروفه في المقاطع وضرب لا يكون سجعا وهو ما ~~تقاربت حروفه في المقاطع ولم تتماثل ولا يحلو كل واحد من هذين القسمين أعني ~~المتماثل والمتقارب من أن يكون يأتي طوعا سهلا وتابعا للمعاني وبالضد من ~~ذلك حتى يكون متكلفا يتبعه المعنى فإن كان من القسم الأول فهو المحمود ~~الدال على الفصاحة وحسن البيان وإن كان من الثاني فهو مذموم مرفوض # فأما القرآن فلم يرد فيه إلا ما هو من القسم المحمود لعلوه في الفصاحة ~~وقد وردت فواصله متماثلة ومتقاربة فمثال المتماثلة قوله تعالى @QB@ والطور ~~وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور @QE@ وقوله عز اسمه PageV01P172 ~~@QB@ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق ~~الأرض والسماوات العلى الرحمن على العرش استوى @QE@ وقوله تبارك وتعالى ~~@QB@ والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به ~~جمعا @QE@ وقوله تبارك وتعالى @QB@ والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل ~~إذا يسر هل في ذلك قسم لذي حجر @QE@ وقوله تبارك وتعالى @QB@ ألم تر كيف ~~فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها ~~الفساد @QE@ وحذفوا الياء من يسرى والوادي طلبا للموافقة في الفواصل وقوله ~~تعالى @QB@ اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر ~~مستمر @QE@ وجميع هذه السورة على هذا الازدواج وهذا جائز أن يسمى سجعا لأن ~~فيه معنى السجع ولا مانع ms111 في الشرع يمنع من ذلك ومثال المتقارب في الحروف ~~قوله تبارك وتعالى @QB@ الرحمن الرحيم مالك يوم الدين @QE@ وقوله تبارك ~~وتعالى @QB@ ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون ~~هذا شيء عجيب @QE@ وهذا لا يسمى سجعا لأنا قد بينا أن السجع ما كانت حروفه ~~متماثلة # فأما قول الرماني إن السجع عيب والفواصل بلاغة على الإطلاق فغلط لأنه إن ~~أراد بالسجع ما يكون تابعا للمعنى وكأنه غير مقصود PageV01P173 فذلك بلاغة ~~والفواصل مثله وإن كان يريد بالسجع ما تقع المعاني تابعة له وهو مقصود ~~متكلف فذلك عيب والفواصل مثله وكما يعرض التكلف في السجع عند طلب تماثل ~~الحروف كذلك يعرض في الفواصل عند طلب تقارب الحروف وأظن أن الذي دعا ~~أصحابنا إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعا ~~رغبة في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام والمروي عن الكهنة ~~وغيرهم وهذا غرض في التسمية قريب فأما الحقيقة فما ذكرناه لأنه لا فرق بين ~~مشاركة بعض القرآن لغيره من الكلام في كونه مسجوعا وبين مشاركة جميعه في ~~كونه عرضا وصوتا وحروفا وكلاما وعربيا ومؤلفا وهذا مما لا يخفى فيحتاج إلى ~~زيادة في البيان ولا فرق بين الفواصل التي تتماثل حروفها في المقاطع وبين ~~السجع فإن قال قائل إذا كان عندكم أن السجع محمود فهلا ورد القرآن كله ~~مسجوعا وما الوجه في ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع قيل إن القرآن أنزل ~~بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم وكان الفصيح من كلامهم لا يكون كله مسجوعا ~~لما في ذلك من إمارات التكلف والاستكراه والتصنع لا سيما فيما يطول من ~~الكلام فلم يرد مسجوعا جريا به على عرفهم في الطبقة العالية من كلامهم ولم ~~يخل من السجع لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة التي قدمناها وعليها ورد ~~في فصيح كلامهم فلم يجز أن يكون عاليا في الفصاحة وقد أخل فيه بشرط من ~~شروطها فهذا هو السبب في ورود القرآن مسجوعا وغير مسجوع والله أعلم # ومن ms112 الكتاب المحدثين من كان يستعمل السجع كثيرا ولا يكاد يخل به وهو أبو ~~إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي وأبو الفرج PageV01P174 المعروف بالببغاء ~~ومنهم من كان يكرهه ويتجنبه وهو أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميد ~~وطريقته غير هؤلاء استعماله مرة ورفضه أخرى بحسب ما يوجد من السهولة ~~والتيسير أو الإكراه والتكلف فأما عبد الحميد بن يحيى وعبد الله بن المقفع ~~وأبو الربيع محمد بن الليث وجعفر بن يحيى بن خالد وإبراهيم بن العباس وسعيد ~~بن حميد وأبو عثمان الجاحظ وأبو علي البصير وأحمد بن يوسف وإسماعيل بن صبيح ~~ومحمد بن غالب ومحمد بن عبد الله الأصفهاني وابن ثوابة وأبو الحسين أحمد بن ~~سعد وأبو مسلم محمد بن بحر وأشباههم فإن السجع فيما وقفت عليه من كلامهم ~~قليل لكنهم لا يكادون يخلون بالمناسبة بين الألفاظ في الفصول والمقاطع إلا ~~في اليسير من المواضع # وأما قول أبي الحسين بن سعد في بعض رسائله وقد عرفت القدر فيما تراخى من ~~كتبك وأبطأ عني من برك ورجعت فيما اتفق من حال الجفاء في هذه الوهلة إلى ما ~~عرفت صحته من العهد وخلوصه من الود فلم PageV01P175 أجد لسوء الظن مساغا ~~ولا لظاهر الإعراض قبولا لأنك الأخ المبلوة أخباره المتكافئة في الجميل ~~أفعاله غير أن النفس تستوحش لما تنكر من حيث عرفت وتذم من حيث حمدت ويتضاعف ~~عليها الأسف للجفاء إذا وقع من معدن البر والإرتياب إذا كان رديفا للثقة ~~وأرجو أن أكون من تلون الزمان فيك على أمن ومن وفائه بعد مودتك على أقوى ~~أمل # فإن في هذا الكلام تركا للمناسبة بين الألفاظ لأن قبولا ليس على وزن مساغ ~~وتستوحش ليس بإزائها كلمة لأنه كان ينبغي أن يقال تستوحش لما تستنكر من حيث ~~عرفت وتنفر مما تذم من حيث حمدت أو غير تستنكر من الألفاظ التي تكون مناسبة ~~لتستوحش وكذلك البر لا يناسب الثقة في الصيغة وأمن ليس على وزن أمل وهذا ~~ليس بعيب فاحش وإنما هو ترك للأفضل والأولى من اعتماد المناسبة # وحدثني أبو ms113 القاسم زيد بن علي الفارسي قال حدثنا أبو عبيد نعيم بن مسعود ~~الهروي قال حدثنا أبو القاسم يحيى بن القاسم القصباني قال حدثنا دعلج بن ~~أحمد بن دعلج قال حدثنا علي بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا أبو عبيد ~~القاسم بن سلام عن غير واحد من رجاله عن أبي نعامة عمرو بن عيسى العدوي عن ~~مسلم بن بديل عن إياس بن زهير عن سويد بن هبيرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة فقال مأمورة لأجل المناسبة ~~والمستعمل مؤمرة أي كثيرة النتاج كما قرىء @QB@ وإذا أردنا أن نهلك قرية ~~أمرنا مترفيها @QE@ أي كثرنا PageV01P176 # وحدثني زيد بن علي بهذا الإسناد عن أبي عبيد القاسم بن سلام عن يزيد بن ~~سفيان عن منصور عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان يعوذ الحسن والحسين عليهما السلام فيقول ~~أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ولم يقل ~~ملمة لأجل المناسبة وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في بعض الحديث ترجعن ~~مأزورات غير مأجورات لأن مأزورات من الوزر والمستعمل موزورات فجاء به هكذا ~~لأجل المناسبة # والسجع الواقع موقعه كثير لمن طلبه ومنه قول أبي الفرج عبد الواحد ابن ~~نصر الببغا في أول رسالة له إذا كانت حقيقة الشكر أطال الله بقاء سيدنا ~~الأمير سيف الدولة في متعالم العرف والعادة إنما هي علة موضوعة لاستجلاب ~~الزيادة فقد لزم بدليل العقل وحجة الفضل أن يسمى الشاكر مستزيدا لا مكافيا ~~ومستديما لا مجازيا وتبقى النعمة مطالبة بواجبها والمنة مقتضية عن صاحبها # وقوله في فصل آخر وعلمي بأن أقرب مؤمليه إليه وأوجبهم حرمة عليه أشدهم ~~استزادة لنعمه وأكثرهم إلحاحا على كرمه بعثني على التقرب إلى قلبه بالسؤال ~~ومناجاة كرمه بلسان الآمال فسألت متقربا وطلبت متسحبا # وبلغ علي بن الحسن عليهما السلام قول نافع بن جبير في معاوية كان يسكته ~~الحلم وينطقه العلم فقال بل كان يسكته ms114 الحصر وينطقه البطر # ووقف الأحنف على قبر الحارث بن معاوية المازني فقال رحمك الله أبا المورق ~~كنت لا تحقر ضعيفا ولا تحسد شريفا PageV01P177 # وقال بعضهم سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك فإن لم تجبك ~~حوارا أجابتك اعتبارا # وقال أبو إسحاق الصابي في بعض كتبه وييسر له الفتوح شرقا وغربا ويمكنه من ~~نواصي أعدائه سلما وحربا ويجعله في أحواله كلها سعيدا محظوظا وبعين رعايته ~~ملحوظا محفوظا ولا يخليه من مزيد تتوافر مادته إليه وإحسان لله يتظاهر لديه ~~ويصل ما منحه بنظائر نتلوه وتتبعه وأمثال تقفوه وتشفعه # ومن كتاب له آخر وصل كتاب مولانا الأمير الجليل عضد الدولة جوابا وفهمته ~~وما اقترن به ثوابا وقبضته ووقع مني موقع الماء من ذي الغلة والشفاء من ذي ~~العلة وأعظمت قدر ما اختصني به من عنايته وأبانه في من رعايته وجعلت ذلك ~~جنة بيني وبين الزمان وأثرة لي على الأضراب والأقران وشكرت إنعامه مجتهدا ~~محتفلا وادرعته مفتخرا متجملا # وهذا كله سجع يتبع المعاني غير متكلف ولا مستكره وأمثاله أكثر من أن تحصى # وقد سمى قدامة بن جعفر ترك المناسبة في مقاطع الفصول التجميع ومثل ذلك ~~بقول سعيد بن حميد في أول كتاب له وصل كتابك فوصل به ما يستعبد الحر وإن ~~كان قديم العبودية ويسترق الشكر وإن كان سالف فضلك لم يبق شيئا منه لأن ~~المقطع على العبودية منافر للمقطع على منه # فهذا هو مثال ما تترك به المناسبة قد قدمناه ومثال الأسجاع التي تكون غير ~~متكلفة قد ذكرناه فأما إذا تكلفت واعتمدت وكانت المعاني تابعة لها فليس ذلك ~~بمرضي PageV01P178 # ومما يجب اعتماده في هذا ألا تجعل الرسالة كلها مسجوعة على حرف واحد لأن ~~ذلك يقع تعرضا للتكرار وميلا إلى التكلف وقد استعمل ذلك في الخطب وغيرها من ~~المنثور وهو يقع في المكاتبات خاصة # فأما القوافي في الشعر فإنها تجري مجرى السجع وإن المختار منها ما كان ~~متمكنا يدل الكلام عليه وإذا أنشد صدى البيت عرفت قافيته كما قال ابن نباتة ~~في ms115 وصف قصيدته # ( خذها إذا أنشدت للقوم من طرب % صدورها علمت منها قوافيها ) # وقد قدمنا لذلك أمثلة وبينا ما يكون من القوافي حشوا في باب الحشو # وقد صنف العلماء في باب القوافي كتبا بينوا فيها ما تجب إعادته من الحروف ~~والحركات وما لا تجب إعادته ووضعوا لتلك الحروف والحركات أسماء لا حاجة بنا ~~إلى ذكر شيء من ذلك لأنه هناك مستوفى مستقصى وليس مما نحن بسبيله # وقد التزم بعض الشعراء في القوافي إعادة ما لا يلزمه طلبا للزيادة في ~~التناسب والإغراق في التماثل كقول الحطيئة # ( ألا من لقب عارم النظرات % يقطع طول الليل بالزفرات ) # ( إذا ما الثريا آخر الليل أعتقت % كواكبها كالجزع منحدرات ) # فالتزم الراء في جميعها قبل حرف الروي وهي غير لازمة # وكقول حسان PageV01P179 # ( بكل كميت جوزه نصف خلقه % وقب طوال مشرفات الحوارك ) # فالتزم الراء التي تسميها أصحاب القوافي الدخيل بين ألف التأسيس وحرف ~~الروي # وكان شيخنا يذهب إلى أن قصيدة كتير التي أولها # ( خليا هذا ربع عزة فاعقلا % قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت ) # قد لزم اللام في جميعها فلما سألناه عن البيت الذي يروى فيها وهو # ( أصاب الردى من كان يهوى لك الردى % وجن اللواتي قلن عزة جنت ) # قال هذا البيت ليس من القصيدة # وأما أبو عبادة البحتري فإنه التزم الدال في قصيدته التائية التي مدح ~~فيها المهتدي بالله وفيها يقول # ( أسفت لأقوام ملكت بعيدهم % وكانت دجت أيامهم وأسوأدت ) # ( مضوا لم يروا من حسن عدلك منظرا % ولم يلبسوا نعماك حين استجدت ) # ( ولم يعلموا أن المكارم أبديت % جذاعا ولا أن المظالم ردت ) # وكان علي بن العباس الرومي يلتزم هذا كثيرا وهو موجود في شعره ونظم أبو ~~العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان شعره المعروف بلزوم ما لا يلزم على هذه ~~الطريقة وكذلك أكثر كلامه المنثور سلك فيه هذا المنهج # وليس يغتفر للشاعر إذا نظم على هذا الفن لأجل ما ألزم نفسه ما لا يلزمه ~~شيء من عيوب القوافي لأنه إنما فعل ذلك طوعا واختيارا من غير PageV01P180 ~~إلجاء ولا إكراه ms116 ونحن نريد الكلام الحسن على أسهل الطرق وأقرب السبل وليس ~~بنا حاجة إلى المتكلف المطرح وإن ادعى علينا قائله أن مشقة نالته وتعبا مر ~~به في نظمه # وورود القوافي متمكنة في الأشعار المختارة موجود ومنه قول أبي عبادة # ( أخيال علوة كيف زرت وعندنا % أرق يشرد بالخيال الزائر ) # ( طيف ألم لها ونحن بمهمه % قفر يشق على الملم الخاطر ) # ( أفضى إلى شعث تطير كراهم % روحات قود كالقسي ضوامر ) # ( حتى إذا نزعوا الدجى وتسربلوا % من فضل هلهلة الصباح النائر ) # ( ورنوا إلى شعب الرحال بأعين % يكسرن من نظر النعاس الفاتر ) # ( أهوى فأسعف بالتحية خلسة % والشمس تلمع في جناحي طائر ) # ( سرنا وأنت مقيمة ولربما % كان المقيم علاقة للسائر ) # وقول أبي الطيب المتنبي # ( يا من يعز علينا أن نفارقهم % وجداننا كل شيء بعدكم عدم ) # ( إن كان سركم ما قال حاسدنا % فما لجرح إذا أرضاكم ألم ) # ( وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة % إن المعارف في أهل النهى ذمم ) # وقول أبي العلاء بن سليمان فيما قرأته عليه # ( ردي كلامك ما أمللت مستمعا % ومن يمل من الأنفاس ترديدا ) # ( باتت عرى النوم عن جفني محللة % وبات كوري على الوجناء مشدودا ) ~~PageV01P181 # وقوله أيضا # ( لاقاك في العام الذي ولى فلم % يسألك إلا قبلة في القابل ) # ( إن البخيل إذا يمد له المدى % في الجود هان عليه وعد السائل ) # وأمثال هذا أكثر من أن تحصى # ومما يجب أن يعتمد في القافية ألا تكون الكلمة إذا سكت عليها كانت محتملة ~~لمعنى يقتضي خلاف ما وضع الشعر له مثل أن يكون مديحا فيقتضي بالسكوت عليها ~~وقطع الكلام بها وجها من الذم أو معنى يتطي منه الممدوح أو ما يجري هذا ~~المجرى كما حكي أن الصاحب إسماعيل بن عباد أنشد عضد الدولة قصيدة مدحه بها ~~فقال فيها # ( ضممت على أبناء تغلب تائها % فتغلب ماكر الجديدان تغلب ) # فتطير عضد الدولة من مواجهته إياه بتغلب وقال يكفي الله ذلك ولو قال في ~~وسط البيت تغلب لم يكن في ذلك من القبح ما يكون في القافية لأنها موضع قطع ~~وسكوت ووقوف ms117 على ما مضى واستئناف لما يأتي # وروي أن أبا الطيب لما أنشد قصيدته التي ودع بها عضد الدولة فقال فيها # ( وأيا شئت يا طرقي فكوني % أذاة أو نجاة أو هلاكا ) # قال عضد الدولة يوشك أن يصاب في طريقه وكانت منيته فيه وقال أبو الفتح ~~عثمان جني جعل القافية هلاكا فهلك PageV01P182 # ومن هذا الجنس أيضا الابتداء في القصائد فإنه يحتاج إلى تحرز فيه حتى لا ~~يستفتح بلفظ محتمل أو كلام يتطير منه وقد روى أن ذا الرمة أنشد هشام بن عبد ~~الملك قصيدته البائية فلما ابتدأ وقال # ( ما بال عينك منها الماء ينسكب % كأنه من كلى مفرية سرب ) # قال هشام بل عينك # وقد كان أبو الطيب إفتتح قصيدته التي مدح فيها عضد الدولة بقوله # ( أوه بديل من قولتي واها % لمن نأت والحديث ذكراها ) # فقال له أوه وكيه ويقال إن بعض الشعراء دخل على الداعي العلوي في يوم ~~مهرجان فأنشده # ( لا تقل بشرى ولكن بشريان % غرة الداعي ويوم المهرجان ) # فبطحه وضربه خمسين عصا وقال إصلاح أدبه أبلغ في ثوابه # وكان شيخنا يعيب قول أبي الطيب # ( إذا ما لبست الدهر مستمتعا به % تخرقت والملبوس لم يتخرق ) # ويقول إذا طولب الشاعر بحسن الأدب وجب ألا يقابل الممدوح بمثل هذا الكلام ~~PageV01P183 # وقد أنكر عبد الملك بن مروان على جرير ما هو دون هذا من القول وذلك أنه ~~لما أنشده # ( أتصحو أم فؤادك غير صاح % ) # فقال له عبد الملك بل فؤادك # ويروى أن أبا نواس لما أنشد الفضل بن يحيى قصيدته # ( أربع البلى إن الخشوع لبادي % عليك وإني لم أخنك ودادي ) # تطير الفضل من هذا الابتداء فلما انتهى إلى قوله في القصيدة # ( سلام على الدنيا إذا ما فقدتم % بنى برمك من رائحين وغاد ) # استحكم تطيره فلم يمض إلا أسبوع حتى نكب بنو برمك وقتل جعفر بن يحيى # وبعض الناس يروي أن أبا عبادة أنشد يوسف بن محمد بن يوسف الثغري قوله # ( لك الويل من ليل تطاول آخره % ووشك نوى حتى تزم أباعره ) # فقال له يوسف الويل ms118 لك والحرب والرواية المشهورة له الويل وهي أقرب وأصلح # ومن القوافي التي جاءت حشوا لأجل حروف الروي من غير معنى يحتص به قول أبي ~~عدي القرشي PageV01P184 # ( ووقيت الحتوف من وارث وال % وأبقاك صالحا رب هود ) # فليس في تسمية الباري تبارك وتعالى رب هود معنى ولا وجه لذلك إلا أن ~~القصيدة دالية وإلا فهو تعالى رب نوح وهود وكل أحد وهذا كثير في الأشعار ~~الضعيفة # ومن تناسب القوافي تجنب الإقواء فيها وهو اختلاف إعرابها فيكون بعضها ~~مثلا مرفوعا وبعضها مجرورا وهذا يوجد في أشعار العرب وقد روي أن النابغة ~~كان يقوي حتى دخل المدينة وسمع أهلها يغنون بقوله في قصيدته التي أولها # ( أمن آل مية رائح أو مغتدي % عجلان ذا زاد وغير مزود ) # ( زعم البوارح أن رحلتنا غدا % وبذاك خبرنا الغراب الأسود ) # ففطن للإقواء فتركه # والإيطاء في القوافي عيب وهو أن تتفق القافيتان في قصيدة واحدة وأمثال ~~ذلك كثيرة فأما أن يكون معنى القافيتين مختلفا ولفظها واحدا فذلك ليس بعيب ~~مثل أن تأتي العين ويراد بها الجارحة والعين ويراد بها الذهب وإذا بعد ما ~~بين القافيتين المتكررتين في القصيدة كان أصلح وإن كان الإيطاء عيبا على كل ~~حال # والسناد أيضا عيب وهو اختلاف في الحركات قبل حرف الروي كما قال عدي بن ~~زيد # ( ففاجأها وقد جمعت جموعا % على أبواب حصن مصلتينا ) PageV01P185 # ( فقددت الأديم لراهشيه % وألفى قولها كذبا ومينا ) # فالميم من مينا مفتوحة والتاء من مصلتينا مكسورة # والسناد من قولهم خرج بنو فلان برأسين متساندين أي كل واحد منهما على ~~حياله وكذلك قالوا كانت قريش يوم الفجار متساندين أي لا يقودهم رجل واحد # ومن عيوب القوافي أن يتم البيت ولا تتم الكلمة التي منها القافية حتى ~~يكون تمامها في البيت الثاني مثل أبيات كتبها إلي الشيخ أبو العلاء بن ~~سليمان في بعض كتبه وحكي أن أبا العباس المبرد ذكرها في كتابه الموضوع في ~~القوافي وسمى هذا الجنس من عيوب القافية المجاز والأبيات # ( شبيه بابن يعقوب % ولكن لم يكن يو ) # ( سف يشرب الخمر ms119 % ولا يزني ولا يو ) # ( سع الأمواه بالقهوة % مزجا لم يكن دو ) # ( ن في صبح وإمساء % وهذا منكر يو ) # ( شك الرحمن أن يصليه % في نار خزي هو ) # ( لها أهل فلا يكشف % عنه ربنا السو ) # ( ءإن الأخضر الإبطين % ذا الفحشاء لا يو ) # ( قد النار لأضياف % ولو قيل له ذو ) # ( دنانير وأموال % فيا رحمان لا تو ) # ( سع الرزق على هذا % الذي منظره لو ) # ( لؤ والفعل ستوق % فوزن الريش لا يو ) PageV01P186 # وقطع الكلام على يو # ( ومما يجري هذا المجرى التضمين وهو ألا تستقل الكلمة التي هي القافية ~~بالمعنى حتى تكون موصولة بما في أول البيت الثاني وذلك مثل قول النابغة ~~الذبياني # ( وهم وردوا الجفار على تميم % وهم أصحاب يوم عكاظ إني ) # ( شهدت لهم مواطن صادقات % أتينهم بنصح الود مني ) # ومن عيوب القوافي في ترك التناسب أن يكون الروي على حرفين متقاربين كما ~~قال بعض العرب # ( بني إن البر شيء هين % المنطق اللين والطعيم ) # وهذا من الشاذ النادر الذي لا يلتفت إليه # ومن عيوب القوافي أن تكون قافية المصراع الأول من البيت الأول على روي ~~ينبىء أن تكون قافية آخر البيت بحسبه فيأتي بخلافه كقول عمرو ابن شاس # ( تذكرت ليلى لات حين ادكارها % وقد حني الأضلاع ضل بتضلال ) # فلما قال ادكارها أوهم أن الروي حرف الراء بوصل وخروج وردف قبله ثم جاء ~~بالقافية على اللام كذلك قول الشماخ # ( لمن منزل عاف ورسم منازل % عفت بعد عهد العاهدين رياضها ) PageV01P187 # وقد سمي هذا الفن التجميع وهو على كل حال من أسهل عيوب القوافي وأقربها ~~إلى الجواز والصحة # وأما التصريع فيجري مجرى القافية وليس الفرق بينهما إلا أنه في آخر النصف ~~الأول من البيت والقافية في آخر النصف الثاني منه وإنما شبه مع القافية ~~بمصراعي الباب وقد استعمله المتقدمون والمحدثون في أول القصيدة وربما ~~استعملوه في أثنائها وممن كان يلهج به من المتقدمين امرؤ القيس فإنه صرع في ~~أول قصيدته # ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل % ) # ثم قال من بعد # ( ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي % بصبح وما ms120 الإصباح منك بأمثل ) # وقال فيها # ( أفاطم مهلا بعض هذا التدلل % وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي ) # وقال في التي أولها # ( ألا عم صباحا أيها الطلل البالي % وهي يعمن من كان في العصر الخالي ) # ( ديار لسلمى عافيات بذي الخال % ألح عليها كل أسحم هطال ) # ( ألا أنني بال على جمل بال % يقود بنا بال ويتبعنا بال ) PageV01P188 # وكذلك اعتمد جماعة من الشعراء في بعض قصائدهم والذي أراه أن التصريع يحسن ~~في أول القصيدة ليميز بين الابتداء وغيره ويفهم قبل تمام البيت روي القصيدة ~~وقافيتها ولذلك قال أبو تمام # ( وإنما يروقك بيت الشعر حين يصرع % ) # فأما إذا تكرر التصريع في القصيدة فلست أراه مختارا وهو عندي يجري مجرى ~~تكرر الترصيع والتجنيس والطباق وغير ذلك مما سيأتي ذكره وإن هذه الأشياء ~~إنما يحسن منها ما قل وجر ى منها مجرى اللمعة واللمحة فأما إذا تواتر وتكرر ~~فليس عندي ذلك مرضيا # فإن قال لنا قائل كيف يكون التصريع وغيره من الأصناف التي أشرتم إليها ~~حسنا إذا قل وإن كثر لم يكن حسنا قيل له هذا غير مستنكر ولا مستطرف وله ~~أشباه كثيرة فإن الخال يحسن في بعض الوجوه ولو كان في ذلك الوجه عدة خيلان ~~لكان قبيحا ويكون في بعض النقوش يسير من سواد أو حمرة أو غيرهما من الألوان ~~فيحسن ذلك المزاج والنقش بذلك القدر من اللون فإن زاد لم يكن حسنا وتستحسن ~~غرة الفرس وهي قدر مخصوص فإن كان وجهه كله أبيض أو زاد ذلك القدر من البياض ~~لم يحسن وأشباه هذا أكثر من أن تحصى والعلة فيه أنه إنما كان حسنا بالإضافة ~~إلى غيره # وقد ترك التصريع جماعة من الشعراء المتقدمين والمحدثين في أول القصيدة ~~كما ابتدأ ابن أحمر قصيدته فقال # ( قد بكرت عاذلتي بكرة % تزعم أني بالصبا مشتهر ) # فلم يصرع ثم قال من بعده PageV01P189 # ( بل ودعيني طفل إني بكر % فقد دنا الصبح فما أنتظر ) # وربما أخل الشاعر بالتصريع في جميع القصيدة # ومن التناسب أيضا الترصيع وهو أن يعتمد تصيير مقاطع الأجزاء في ms121 البيت ~~المنظوم أو الفصل من الكلام المنثور مسجوعة وكأن ذلك شبه بترصيع الجوهر في ~~الحلي وهذا مما قلنا إنه لا يحسن إذا تكرر وتوالى لأنه يدل على التكلف وشدة ~~التصنع وإنما يحسن إذا وقع قليلا غير نافر # ومن أمثلة ذلك في النثر قول أبي على البصير في بعض كلامه حتى عاد تعريضك ~~تصريحا وتمريضك تصحيحا وقالت الخنساء # ( حامي الحقيقة محمود الخليقة مهدي % الطريقة نفاع وضرار ) # ( جواب قاصية جزار ناصية % عقاد ألوية للخيل جرار ) # وقال امرؤ القيس # ( فتور القيام قطيع الكلام % تفتر عن ذي غروب خصر ) # وقال بشامة بن عمرو بن الغدير # ( هوان الحياة وخزي الممات % وكلا أراه طعاما وبيلا ) # وقال أبو العلاء أحمد بن عبد الله PageV01P190 # ( ألفت الملا حتى تعلمت بالفلا % رنو الطلي أو صنعة الآل في الخدع ) # فهذا وأمثاله إذا كان قدرا يسيرا حسن على ما ذكرناه فأما إذا توالى وكثر ~~فإنه يقبح لدلالته على التكلف وإن كان كل منه بانفراده جيدا وذلك مثل قول ~~أبي صخر الهذلي # ( عذب مقبلها جدل مخلخلها % كالدعص أسفلها مخصورة القدم ) # ( سود ذوائبها بيض ترائبها % محض ضرائبها صيغت على الكرم ) # ( عبل مقيدها حال مقلدها % بض مجردها لفاء في عمم ) # ( سمح خلائقها ذرم مرافقها % يروى معانقها من بارد شبم ) # فهذا لما توالى لم يحسن والعلة في ذلك ما ذكرناه # ومن التناسب أيضا حمل اللفظ على اللفظ في الترتيب ليكون ما يرجع إلى ~~المقدم مقدما وإلى المؤخر مؤخرا ومثال ذلك قول الشريف الرضي # ( قلبي وطرفي منك هذا في حمى % قيظ وهذا في رياض ربيع ) PageV01P191 # فإنه لما قدم قلبي وجب أن يقدم وصفه بأنه في حمى قيظ فلو كان قال طرفي ~~وقلبي منك لم يحسن في الترتيب أن يؤخر قوله في رياض ربيع والطرف مقدم # وكذلك أيضا قول الآخر # ( فاللامعات أسنة وأسرة % والمائسات ذوابل وقدود ) # لأن القدود لما كانت مؤخرة وجب أن تكون الأسرة كذلك وأن يقدم الأسنة كما ~~قدمت الذوابل وأمثال هذا كثيرة # ومن المناسبة أيضا التناسب في المقدار وهذا في الشعر محفوظ بالوزن فلا ~~يمكن ms122 اختلاف الأبيات في الطول والقصر فإن زاحف بعض الأبيات أو جعل الشعر ~~كله مزاحفا حتى مال إلى الإنكسار وخرج من باب الشعر في الذوق كان قبيحا ~~ناقص الطلاوة كقصيدة عبيد بن الأبرص # ( أقفر من أهله ملحوب % ) # وكقول ابن يعفر # ( إنا ذممنا على ما خيلت % سعد بن زيد وعمرا من تميم ) # ( وضبة المشتري العار بنا % وذاك عم بنا غير رحيم ) # ( ونحن قوم لنا رماح % وثروة من موال وصميم ) # فإن هذا غير مستحسن لأنه خارج عن أسلوب المنظوم والمنثور وإن PageV01P192 ~~كان في العروض مستقيما وكان الخليل بن أحمد يستحسن بعض الزحاف في الشعر إذا ~~قل وإذا كثر قبح عنده وقال بعض الأدباء هو مثل اللثغ في الجارية يشتهي ~~القليل منه وإن كثر هجن وسمج فأما الكلام المنثور فالأحسن منه تساوي الفصول ~~في مقاديرها أو يكون الفصل الثاني أطول من الأول وعلى هذا أجمع الكتاب ~~وقالوا لا يجوز أن يكون الفصل الثاني أقصر من الأول والذوق يشهد بما قالوه ~~ويقضي بصحته ولهذا السبب استقبحوا إطالة الفصول لئلا يؤتى بالجزء الأول ~~طويلا فيحتاج إلى إطالة التالي له ليساويه أو يزيد عليه فيظهر في الكلام ~~التكلف ويقع ما لا حاجة للمعنى والغرض إليه # ومن التناسب بين الألفاظ المجانس وهو أن يكون بعض الألفاظ مشتقا من بعض ~~إن كان معناهما واحدا أو بمنزلة المشتق إن كان معناهما مختلفا أو تتوافق ~~صيغتا اللفظتين مع اختلاف المعنى وهذا إنما يحسن في بعض المواضع إذا كان ~~قليلا غير متكلف ولا مقصود في نفسه وقد استعمله العرب المتقدمون في أشعارهم ~~ثم جاء المحدثون فلهج به منهم مسلم بن الوليد الأنصاري وأكثر منه ومن ~~استعمال المطابق والمخالف وهذه الفنون المذكورة في صناعة الشعر حتى قيل عنه ~~إنه أول من أفسد الشعر وجاء أبو تمام حبيب بن أوس بعده فزاد على مسلم في ~~استعماله والإكثار منه حتى وقع له الجيد والرديء الذي لا غاية وراءه في ~~القبح فمما للعرب قول امرىء القيس PageV01P193 # ( لقد طمح الطماح من بعد أرضه % ليلبسني من دائه ما ms123 تلبسا ) # وقول القطامي # ( كنية الحي من ذي اليقظة احتملوا % مستحقبين فؤادا ما له فاد ) # وقول جرير بن عطية # ( وما زال معقولا عقال عن الندى % وما زال محبوسا عن الخير حابس ) # وقول حيان بن ربيعة الطائي # ( لقد علم القبائل أن قومي % لهم حد إذا لبس الحديد ) # وقول النعمان بن بشير # ( ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا % وليلك عما ناب قومك نائم ) # وقول رجل من بني عبس # ( وذلكم أن ذل الجار حالفكم % وأن أنفكم لا يعرف الأنفا ) PageV01P194 # وقول مسكين الدارمي # ( وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية % إذا الكواكب كانت في الدجى سرجا ) # وقول زياد الأعجم # ( ونبئتهم يستنصرون بكاهل % وللؤم فيهم كاهل وسنام ) # وبعض البغداديين يسمي تساوي اللفظتين في الصفة مع اختلاف المعنى المماثل ~~ككاهل وكاهل في البيت وهوجل وهوجل في قول الأفوه الأودي # ( وأقطع الهوجل مستأنسا % بهوجل عيرانة عنتريس ) # لأن لفظ الهوجل واحدة والمراد بالأولى الأرض البعيدة وبالثانية الناقة ~~العظيمة الخلق ويسمى المجانس ما توافقت فيه اللفظتان بعض الإتفاق وأبو ~~الفرج قدامة بن جعفر الكاتب يسمي هذا الفن الجنس ويسمي المطابق المتكافىء ~~وقد أنكر عليه ذلك أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي وقال إن هذا اللقب وإن ~~صح بموافقته معنى الألقاب وأنها غير محظورة فإن الناس قد تقدموا أبا الفرج ~~في تلقيب هذه الأنواع مثل أبي العباس عبد الله بن المعتز بالله وغيره وكفوه ~~المؤونة في اختراع ألقاب تخالفهم والصواب ما قاله أبو القاسم # ومن مجانس أبي تمام المختار قوله PageV01P195 # ( يمدون من أيد عواص عواصم % تطول بأسياف قواض قواضب ) # وقوله # ( أرامة كنت مألف كل ريم % لو استمتعت الأنس المقيم ) # وقوله # ( فيا دمع أنجدني على ساكني نجد % ) # ومن قبيح تجنيسه قوله # ( قرت بقران عين الدين والشترت % بالأشترين عيون الشرك فاصطلما ) # وقوله # ( خشنت عليه أخت بني خشين % ) # وقوله # ( فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت % سلام سلمى ومهما أورق السلم ) # وقوله # ( سلم على الربع من سلمى بذي سلم % ) # وقوله # ( تجرع أسى قد أقفر الأجرع الفرد % ) # وله من هذا الجنس أبيات كثيرة والسبب في ذلك أنه أحب الإكثار ولم ms124 يقنع ~~باليسير الذي يسمح به خاطره ويقع بغير تكلف ولا تعمل PageV01P196 # ومما ورد في القرآن العظيم من هذا الفن قوله تبارك وتعالى @QB@ ثم ~~انصرفوا صرف الله قلوبهم @QE@ وقوله تبارك وتعالى @QB@ يخافون يوما تتقلب ~~فيه القلوب والأبصار @QE@ وقوله عز وجل @QB@ يمحق الله الربا ويربي الصدقات ~~@QE@ ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم عصية عصت الله وغفار غفر الله لها ~~وأسلم سالمها الله وقال خالد بن صفوان لرجل من عبد الدار هشمتك هاشم وأمتك ~~أمية وخزمتك مخزوم فأنت ابن عبد دارها ومنتهى عارها وكتب بعض الكتاب العذر ~~مع التعذر واجب فرأيك فيه وقال آخر لا ترى الجاهل إلا مفرطا أو مفرطا # وقال أبو العلاء بن سليمان # ( والحسن يظهر في شيئين رونقه % بيت من الشعر أو بيت من الشعر ) # وقال مهيار بن مرزويه # ( وإذا عددت سني لم أك صاعدا % عدد الأنابيب التي في صعدتي ) # ( وألام فيك وفيك شبت على الصبا % يا جور لائمتي عليك ولمتي ) # وقال أبو العلاء بن سليمان # ( إن جهلا سلمى لآل سليمى % وثنائي على عذاب الثنايا ) # وقال أبو عبادة PageV01P197 # ( ورأيتني فرأيت أحسن منظر % رب القصائد في القنا المتقصد ) # وقال أيضا # ( ومذهب حب لم أجد عنه مذهبا % وشاغل حب لم أجد عنه شاغلا ) # وقال # ( هل لما فات من تلاق تلاف % أو لشاك من الصبابة شاف ) # وقد سمى قدامة بن جعفر هذا الفن من المجانس في تلاق وتلاف المضارعة إذ ~~كانت إحدى اللفظتين تماثل الأخرى بأكثر الحروف ولا تشابهها في الجميع ومثل ~~ذلك بقول نوفل بن مساحق للوليد وقد اعتد عليه بالأذن له على نفسه وهو يلعب ~~بالحمام قال خصصتك بهذه المنزلة فقال له نوفل ما خصصتني ولكن خسستني لأنك ~~كشفت لي عورة من عوراتك وأمثال هذا كثير والمحمود منه ما قل ووقع تابعا ~~للمعنى غير مقصود في نفسه # ومن المجانس فن ورد في شعر أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان وسماه ~~لنا مجانس التركيب لأنه يركب من الكلمتين ما يتجانس به الصيغتان كقوله # ( مطايا مطايا وجدكن منازل % منى زل ms125 عنها ليس عني بمقلع ) # وما أحفظ لأحد من الشعراء شيئا من قبيله وهو عندي غير حسن ولا مختار ولا ~~داخل في وصف من أوصاف الفصاحة والبلاغة PageV01P198 # فأما مجانس التصحيف فقد ورد في شعر أبي عبادة كقوله # ( ولم يكن المغتر بالله إذ شرى % ليعجز والمعتز بالله طالبه ) # وكقوله # ( وكأن الشليل والنثرة الحصداء % منه على سليل غريف ) # وهذا أقل طبقات المجانس لأنه مبني على تجانس أشكال الحروف في الخط وحسن ~~الكلام وقبحه لا يستفاد من أشكال حروفه في الكتابة إذ لا علقة بين صيغة ~~اللفظ في الحروف وشكله في الخط # فأما تناسب الألفاظ من طريق المعنى فإنها تتناسب على وجهين أحدهما أن ~~يكون معنى اللفظتين متقاربا والثاني أن يكون أحد المعنيين مضادا للآخر وأو ~~قريبا من المضاد فأما إذا خرجت الألفاظ عن هذين القسمين فليست بمتناسبة وقد ~~سمى أصحاب صناعة الشعر المتضاد من معاني الألفاظ المطابق وسماه أبو الفرج ~~قدامة بن جعفر الكاتب المتكافىء وأنكر ذلك عليه القاسم الحسن بن بشر على ما ~~حكيناه في المجانس وحكى أبو علي محمد بن المظفر الحاتمي عن أبي الفرج علي ~~ابن الحسين الأصفهاني قال قلت لأبي الحسن علي بن سليمان الأخفش أجد قوما ~~يخالفون في الطباق فطائفة تزعم وهي الأكثر أنه ذكر الشيء ومقابله وطائفة ~~تخالف في ذلك وتقول هو اشتراك المعنيين في لفظ واحد فقال من هو الذي يقول ~~هذا فقلت قدامة فقال PageV01P199 هذا يا بني هو التجنيس ومن زعم أنه طباق ~~فقد ادعى خلافا على الخليل والأصمعي فاتفق الأخفش والآمدي على المخالفة أبي ~~الفرج في التسمية وسمى أصحاب صناعة الشعر ما كان قريبا من التضاد المخالف ~~وقسم بعضهم التضاد فسمى ما كان فيهما لفظتان معناهما ضدان كالسواد والبياض ~~المطابق وسمى تقابل المعاني والتوفيق بين بعضها وبعض حتى تأتي في الموافق ~~بما يوافق في المخالف بما يخالف على الصحة المقابلة وسمى ما كان فيه سلب ~~وإيجاب السلب والإيجاب ولم يجعله من المطابق ولكل من ذلك أمثلة سنذكرها ~~ونوضحها فأما التسمية فلا حاجة بنا إلى ms126 المنازعة فيها لأن الغرض فهم هذه ~~المناسبة دون الكلام في أحق الأسماء بها على أن الذي اختاره تسمية الجميع ~~بالمطابق لأن الطبق للشيء إنما قيل له طبق لمساواته إياه في المقدار إذا ~~جعل عليه أو غطي به وإن اختلف الجنسان وفي المثل وافق شن طبقه ومنه طباق ~~الخيل يقال تطابق الفرس إذا وقعت رجلاه في موضع يديه في المشي والعدو وكذلك ~~الكلاب قال النابغة الجعدي # ( وخيل يطابقن بالدارعين % طباق الكلاب يطأن الهراسا ) # وقد فسر قول الله تعالى @QB@ لتركبن طبقا عن طبق @QE@ أي حالا بعد حال ~~ولم يدر تساويهما في نفس المعنى وإنما أراد تساويهما في المرور عليكم ~~والتغيير لكم فإذا كان هذا حقيقة الطباق وهو مقابلة الشيء بمثله الذي هو ~~على قدره سموا المتضادين إذا تقابلا متطابقين # وهذا الباب يجري مجرى المجانس ولا يستحسن منه إلا ما قل ووقع غير مقصود ~~ولا متكلف فأما إذا كان معنيا الكلمتين غير PageV01P200 متناسبين لا على ~~التقارب ولا على التضاد فإن ذلك يقبح ومنه ما أنكره نصيب على الكميت في ~~قوله # ( أم هل ظعائن بالعلياء رافعة % وإن تكامل فيها الدل والشنب ) # فإنه قال له أين الدل من الشنب إنما يكون الدل مع الغنج ونحوه والشنب مع ~~اللعس أو ما جرى مجراه من أوصاف الثغر والفم فكان الدل والشنب في قول ~~الكميت عيبا لأنهما لفظتان لا يتناسبان بتقارب معنييهما ولا بتضادهما # ومما يستحسن من المطابق قول أبي عبادة البحتري # ( فأراك جهل الشوق بين معالم % منها وجد الدمع بين ملاعب ) # وهذه هي ديباجة أبي عبادة المعروفة وكلامه السهل الممتنع وشعره الخضل ~~لكثرة مائه وقول أبي الطيب # ( أزورهم وسواد الليل يشفع لي % وأنثني وبياض الصبح يغري بي ) # فهذا البيت مع بعده من التكلف كل لفظة من ألفاظه مقابلة بلفظة هي لها من ~~طريق المعنى بمنزلة الضد فأزورهم وأنثني وسواد وبياض والليل والصبح ويشفع ~~ويغري ولي بي وأصحاب صناعة الشعر لا يجعلون الليل والصبح ضدين بل يجعلون ضد ~~الليل النهار لأنهم يراعون في المضادة استعمال الألفاظ وأكثر ما ms127 يقال الليل ~~والنهار ولا يقال الليل والصبح وبعضهم يقول في مثل هذا مطابق محض ومطابق ~~غير محض فالليل والصبح عنده من بيت المتنبي طباق غير محض PageV01P201 # ومن المطابق المحض قول دعبل بن علي # ( لا تعجبي يا سلم من رجل % ضحك المشيب برأسه فبكى ) # ولو قال تبسم وبكى لم يكن عندهم من المطابق المحض # ومن المطابق قول بعضهم كدر الجماعة خير من صفو الفرقة فكدر وصفو والجماعة ~~والفرقة من الطباق المحض وقال محمد بن عمران التيمي ما أجمد في الحق ولا ~~أذوب في الباطل وقال عمر بن الخطاب ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع ~~الله فيه # وقال زهير # ( ليث بعثر يصطاد الرجل إذا % ما الليث كذب عن أقرانه صدقا ) # وقال طفيل الغنوي # ( بساهم الوجه لم تقطع أباجله % يصان وهو ليوم الروع مبذول ) # وقال حبيب بن أوس # ( ما إن ترى الأحساب بيضا وضحا % إلا بحيث ترى المنايا سودا ) # وقال جرير بن عطية # ( وباسط خير فيكم بيمينه % وقابض شر عنكم بشماليا ) # وقال عبد الله بن الزبير الأسدي # ( فرد شعورهن السود بيضا % ورد وجوههن البيض سودا ) PageV01P202 # وقال الفرزدق # ( لعن الإله بني كليب إنهم % لا يغدرون ولا يفون لجار ) # ( يستيقظون إلى نهاق حميرهم % وتنام أعينهم عن الأوتار ) # وقال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان فيما قرأنا عليه # ( ومن دونها يوم من الشمس عاطل % وليل بأطراف الأسنة حال ) # وقال بشار بن برد # ( إذا أيقظتك حروب العدا % فنبه لها عمرا ثم نم ) # وهذا كله من المطابق المختار فأما المتكلف القبيح فكقول حبيب ابن أوس # ( لعمري لقد حررت يوم لقيته % لوان القضاء وحده لم يبرد ) # وقوله # ( وإن خفرت أموال قوم أكفهم % من النيل والجدوى فكفاك مقطع ) # فهذان البيتان من الطباق القبيح الذي لم يرد لحسن معناه وسلامة لفظه بل ~~لتكون في الشعر مطابقة فقط # ومما يجري مجرى المطابق أن يقدم في الكلام جزء ألفاظه منظومة نظاما ويتلى ~~بآخر يجعل فيه ما كان مقدما في الأول مؤخرا في الثاني وما كان مؤخرا مقدما ~~وقد ms128 سمى قدامة بن جعفر الكاتب هذا الفن PageV01P203 التبديل ومثله يقول ~~بعضهم أشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك ويقول الحسن البصري إن من خوفك ~~حتى تلقى الأمن خير لك ممن أمنك حتى تلقى الخوف وقول عمرو بن عبيد في بعض ~~دعائه اللهم اغنني بالفقر إليك ولا تفقرني بالإستغناء عنك وقول رجل لآخر ~~وكان يتعهده بالبر أسأل الذي رحمني بك أن يرحمك بي # فأما المخالف وهو الذي يقرب من الضاد فكقول أبي تمام # ( تردي ثياب الموت حمرا فما أتى % لها الليل إلا وهي من سندس خضر ) # فإن الحمر والخضر من المخالف وبعض الناس يجعل هذا من المطابق # وكذلك قول عمرو بن كلثوم # ( بأنا نورد الرايات بيضا % ونصدرهن حمرا قد روينا ) # وقول الوليد بن عبيد البحتري # ( وإلا لقيت الموت أحمر دونه % كما كان يلقى الدهر أغبر دوني ) # والصحيح أنهم يعتبرون في التضاد استعمال الألفاظ والأحمر والأبيض ليسا ~~بضدين على عرفهم وإنما ضد البياض السواد على ما ذكرناه آنفا # ومن قبيح المخالف قول أبي تمام # ( مكرهم عنده فصيح وإن هم % خاطبوا مكره رأوا جليبا ) # لأنه لما أراد أن يخالف بين فصيح وجليب وهو الذي قد جلب في السبي فلم ~~يفصح بالكلام جعل المكر جليبا وذلك من الإستعارات المستحيلة والأغراض ~~الفاسدة PageV01P204 # وأما الإيجاب والسلب فكقول أبي عبادة # ( يقيض لي من حيث لا أعلم النوى % ويسري إلي الشوق من حيث أعلم ) # وكقول السموأل # ( وننكر إن شئنا على الناس قولهم % ولا ينكرون القول حين نقول ) # وكقول الشماخ # ( هضيم الحشا لا يملأ الكف حصرها % ويملأ منها كل حجل ودملج ) # فقول لا أعلم وأعلم وننكر ولا ينكرون ولا يملأ ويملأ من السلب والإيجاب # فأما الذي ذكرنا أنه يسمى المقابلة في مراعاة المعاني حتى يأتي في ~~الموافق بما يوافق وفي المخالف بما يخالف على الصحة فسنورد أمثلته عند ~~شروعنا في الكلام على المعاني بعد الفراغ من الألفاظ وما يتعلق بها بمشيئة ~~الله وبعونه # ومن شروط الفصاحة والبلاغة الإيجاز والاختصار وحذف فضول الكلام حتى يعبر ~~عن المعاني الكثيرة بالألفاظ ms129 القليلة وهذا الباب من أشهر دلائل الفصاحة ~~وبلاغة الكلام عند أكثر الناس حتى إنهم إنما يستحسنون من كتاب الله تعالى ~~ما كان بهذه الصفة ومن الناس من يقول إن من الكلام ما يحسن فيه الاختصار ~~والإيجاز كأكثر المكاتبات والمخاطبات والأشعار ومنه ما يحسن فيه الإسهاب ~~والإطالة كالخطب والكتب التي يحتاج أن يفهمها عوام الناس وأصحاب الأذهان ~~البعيدة فإن الألفاظ إذا طالت فيها وترددت في إيضاح المعنى أثر ذلك عندهم ~~PageV01P205 فيه ولو اقتصر بهم على وحي الألفاظ وموجز الكلام لم يقع ~~لأكثرهم حتى يقال في ذكر السيف الحسام القاطع الجراز الباتر وفي وصف الشجاع ~~البطل الفاتك النجد الباسل وما يجري هذا المجرى قالوا وربما كان ذلك الكتاب ~~بالفتح أو الخطبة تقرأ في موقف حافل يكثر فيه لفط الناس وصخبهم فيحتاج إلى ~~تكرار الألفاظ ليكون ما يفوت سماعه قد استدرك ما هو في معناه # والذي عندي في هذا الباب أنهم إن كانوا يريدون بالإطالة تكرر المعاني ~~والألفاظ الدالة عليها وخروجها في معاريض مختلفة ووجوه متباينة وإن كان ~~الغرض في الأصل واحدا فليس هذا مما نحن بسبيله لأنه بمنزلة إعادة كلام واحد ~~مرارا عدة فإن تلك الإعادة لا تؤثر فيه حسنا ولا قبحا وإن كانوا يريدون أن ~~المعنى الذي يمكن أن يعبر عنه بألفاظ يسيرة موجزة قد يحسن أن يعبر عنه ~~بألفاظ طويلة ليكون ذلك داعيا إلى فهم العامي والبليد له وتكون الإطالة في ~~هذا الموضع خاصة أصح وأحمد كما أن الوحي والإشارة في موضعهما أوفق وأحسن ~~فإنا لا نسلم ذلك لأنا نذهب إلى أن المحمود من الكلام ما دل لفظه على معناه ~~دلالة ظاهرة ولم يكن خافيا مستغلقا كالمعاني التي وردت في شعر أبي الطيب ~~وسنذكر ذلك مستوفى مستقصى فيما يأتي من هذا الكتاب فإن كان الكلام الموجز ~~لا يدل على معناه دلالة ظاهرة فهو عندنا قبيح مذموم لا من حيث كان مختصرا ~~بل من حيث كان المعنى فيه خافيا وإن كان يدل على معناه دلالة ظاهرة إلا ~~أنها تخفى على البليد ms130 والبعيد الذهن ومن لا يسبق خاطره إلى تصور المعنى ولو ~~كان الكلام طويلا لجاز أن يقع لهم الفهم فليس هذا عندنا بموجب أن يكون ~~الإسهاب في موضع من المواضع أفضل من الإيجاز كما أن النقوش الغليظة في كثير ~~من الصناعات لا تكون أحسن من النقوش الدقيقة PageV01P206 لأن تلك يدركها ~~الضعيف البصر ويتعذر عليه إدراك هذه ولو اعتبرنا هذا في الكلام وفهم البليد ~~له لاعتبرنا ذلك في النقوش وإدراك الضعيف البصر لها وهذا فاسد ويلزم من ذهب ~~إلى اختيار العبارة عن المعنى بالألفاظ الكثيرة من حيث كان ذلك سببا لفهم ~~عوام الناس ومن لا يسبق ذهنه إلى تصور المعنى أن يختار الألفاظ العامية ~~المبتذلة على الألفاظ الفصيحة التي لم تكثر استعمالها العامة ولا ابتذلوها ~~لأن علته في اختيار الطويل لأجل فهمهم له قائمة في الألفاظ المبتذلة ولا ~~خلاف أنهم إلى فهمها أقرب من فهم ما يقل ابتذالهم له وهذا مما لا يذهب إليه ~~أحد ولا التزمه ملتزم # وقد قسموا دلالة الألفاظ على المعاني ثلاثة أقسام أحدها المساواة وهو أن ~~يكون المعنى مساويا للفظ والثاني التذييل وهو أن يكون اللفظ زائدا على ~~المعنى وفاضلا عنه والثالث الإشارة هو أن يكون المعنى زائدا على اللفظ أي ~~أنه لفظ موجز يدل على معنى طويل على وجه الإشارة واللمحة # وقالوا إن التذييل يصلح للمواقف الجامعة وبحيث يكون الكلام مخاطبا به ~~عامة الناس ومن لا يسبق ذهنه إلى تصور المعاني والإشارة تصلح لمخاطبة ~~الخلفاء والملوك ومن يقتضي حسن الأدب عنده التخفيف في خطابه وتجنب الإطالة ~~فيما يتكلف سماعه والمساواة التي هي الوسط بين هذين الطرفين من الإشارة ~~والتذييل تصلح للوسط بين الطرفين اللذين هما الملوك وعوام الناس والذي عندي ~~في هذا ما ذكرته وهو أن المختار في الفصاحة والدال على البلاغة هو أن يكون ~~المعنى مساويا للفظ أو زائدا عليه وأعني بقولي زائدا عليه أن يكون اللفظ ~~القليل يدل على المعنى الكثير دلالة واضحة ظاهرة لا أن تكون الألفاظ لفرط ~~إيجازها قد ألبست المعنى وأغمضته حتى ms131 يحتاج في استنباطه إلى PageV01P207 ~~طرف من التأمل ودقيق الفكر فإن هذا عندي عيب في الكلام ونقص على ما أبينه ~~فيما بعد وقد دللت على اختيار الإيجاز والاختصار بما تقدم ويدل عليه أيضا ~~أن من اختار الإطالة وسماها التذييل إنما حجته في ذلك أنه اعتبر الكلام ~~بالإضافة إلى المخاطب به وليس للمخاطب تأثير في حسن تأليف الكلام وقبحه ولو ~~جاز أن يعتبر الكلام بالإضافة إلى المخاطب لجاز أن يعتبر بالإضافة إلى ~~المخاطب به حتى يكون ذلك مؤثرا في صحته أو فساده وحسنه أو قبحه وكنا نستحسن ~~كلام العالم العاقل وإن كان رديء التأليف ونستقبح كلام الجاهل وإن كان في ~~أعلى طبقات الفصاحة حتى يكون شعر أبي عثمان الجاحظ وأبي إسحاق النظام أعظم ~~عندنا من شعر أبي حية النميري ومن جرى مجراه وهذا مما لا يدخل في مثله شبهة ~~وسنتكلم على من يعتبر الكلام بالإضافة إلى زمان قائله حتى يقدم كثيرا من ~~المتقدمين على المحدثين بمجرد تقدمهم بما نستوفي الحجة فيه ونزيل موقع ~~الشبهة وإن كانت ضعيفة لا تخفى على من طباعه سليمة وبنيته صحيحة # وذكروا أن جعفر بن يحيى بن خالد كان يقول لكتابه إن استطعتم أن يكون ~~كلامكم كله مثل التوقيع فافعلوا فهذا أمر لهم بالإيجاز وتجنب الإطالة وقد ~~كان جعفر كبيرا في هذه الصناعة فأما قول قيس ابن خارجة الفزاري لما قيل له ~~ما عندك في حمالات داحس قال عندي قرى كل نازل ورضى كل ساخط وخطبة من لدن ~~تطلع الشمس إلى أن تغرب آمر فيها بالتواصل وأنهى عن التقاطع فليس ~~PageV01P208 ذلك من الإطالة في العبارة عن المعنى الواحد بالألفاظ الكثيرة ~~لأنه يجوز أن يكون أراد خطبة تكثر فيها المعاني والألفاظ على ما قدمناه # ومن أمثلة الإيجاز والإختصار قول الله تبارك وتعالى @QB@ ولكم في القصاص ~~حياة @QE@ لأن هذه الألفاظ على إيجازها قد عبر بها عن معنى كثير وذلك أن ~~المراد بها أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل كان ذلك داعيا له قويا إلى ~~ألا يقدم على القتل ms132 فارتفع بالقتل الذي هو قصاص كثير من قتل الناس بعضهم ~~لبعض فكان ارتفاع القتل حياة لهم وهذا معنى إذا عبر عنه بهذه الألفاظ ~~اليسيرة في قوله تعالى @QB@ ولكم في القصاص حياة @QE@ كان ذلك من أعلى ~~طبقات الإيجاز وقد استحسن أيضا في هذا المعنى قولهم القتل أنفى للقتل وبينه ~~وبين لفظ القرآن تفاوت في البلاغة وذلك من وجوه أحدها أنه ليس كل قتل ينفي ~~القتل وإنما القتل الذي ينفيه ما كان على وجه القصاص والعدل ففي ذكر القصاص ~~بيان للمعنى وكشف للغرض وثانيها أن في قوله تعالى @QB@ ولكم في القصاص حياة ~~@QE@ من إبانة الغرض المرغوب فيه بذكر الحياة ما ليس في قولهم القتل أنفى ~~للقتل وهذه زيادة في الإيضاح وثالثها أن نظير قولهم القتل أنفى للقتل @QB@ ~~القصاص حياة @QE@ والقصاص حياة أوجز لأنه عشرة أحرف والقتل أنفى للقتل ~~أربعة عشر حرفا ورابعها أن في القتل أنفى للقتل تكريرا وليس في @QB@ القصاص ~~حياة @QE@ تكرير وقد قدمنا أن تكرير الحروف عيب في الكلام على ما ذكرناه ~~فيما مضى من هذا الكتاب # ومن الإيجاز أيضا قوله تبارك وتعالى @QB@ ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ~~وأخذوا من مكان قريب @QE@ PageV01P209 ) وقوله تبارك وتعالى @QB@ يحسبون كل ~~صيحة عليهم @QE@ وقوله تعالى @QB@ إنما بغيكم على أنفسكم @QE@ وأمثال هذا ~~في القرآن كثير # والقصد الإيجاز فيما وقع فيه حذف كثير حتى حذفت الأجوبة لدلالة الكلام ~~عليها كقوله تعالى @QB@ ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو ~~كلم به الموتى @QE@ كأنه يريد لكان هذا القرآن ولم يقل ذلك وقوله تعالى ~~@QB@ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها ~~وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين @QE@ كأنه يريد لما كان ~~هذا كله حصلوا على النعيم الذي لا يشوبه كدر أو غير ذلك من الألفاظ ولم ~~يقله وفي هذا الحذف في الكلام مع الدلالة على المراد فائدة لأن النفس تذهب ~~فيه كل مذهب ولو ورد ظاهرا في الكلام لاقتصر به على البيان الذي تضمنه فكان ~~حذف الجواب ms133 أبلغ لهذه العلة كما تقول لو رأيت عليا بين الصفين وتحذف الجواب ~~فيذهب السامع كل مذهب ولو قلت لو رأيت عليا عليه السلام بين الصفين لرأيت ~~شجاعا أو لرأيت رجلا يقتل الأبطال أو ما يجري هذا المجرى لم يكن في العظم ~~عند السامع بمنزلة حذف الجواب لأنه يذهب مع الحذف كل مذهب ولا يعول على نفس ~~ما كان يرد في اللفظ فقط # ومما قصد به الإيجاز حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه بحيث يقع العلم ~~ويزول اللبس كقوله تبارك وتعالى @QB@ واسأل القرية التي كنا فيها والعير ~~التي أقبلنا فيها @QE@ والمعنى أهل القرية وأصحاب العير PageV01P210 # وكان أبو الحسن علي بن عيسى الرماني يسمي هذا الجنس وهو إسقاط كلمة ~~لدلالة فحوى الكلام عليها الحذف ويسمى بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير ~~المعنى من غير حذف القصر ويجعل الإيجاز على ضربين القصر والحذف وكان يسمي ~~العبارة عن المعنى بالكلام الكثير مع أن القليل يكفي فيه التطويل ويسمي ~~العبارة عن المعنى بالكلام الكثير الذي يستفاد منه إيضاح ذلك المعنى ~~وتفصيله الإطناب ويجعل التطويل عيبا وعيا والإطناب حسنا ومحمودا وهذا ~~المذهب من أبي الحسن موافق لما اخترناه لأنه يذهب إلى حسن الإطناب الذي هو ~~عنده طول الكلام في فائدة وبيان وإخراج للمعنى في معاريض مختلفة وتفصيل له ~~ليتحققه السامع ويستقر عنده فهمه وهذا هو الذي اخترناه وقلنا إنه على ~~التحقيق ألفاظ كثيرة ومعان كثيرة وكذلك قد وافقناه في استقباح التطويل وحمد ~~الإيجاز على ما فسره من معنييهما عنده # ويجب أن نحد الإيجاز المحمود بأن نقول هو إيضاح المعنى بأقل ما يمكن من ~~اللفظ وهذا الحد أصح من حد أبي الحسن الرماني بأنه العبارة عن المعنى بأقل ~~ما يمكن من اللفظ وإنما كان حدنا أولى لأنا قد احترزنا بقولنا إيضاح من أن ~~تكون العبارة عن المعنى وإن كانت موجزة غير موضحة له حتى يختلف الناس في ~~فهمه فيسبق إلى قوم دون قوم بحسب أقساطهم من الذهن وصحة التصور فإن ذلك وإن ~~كان يستحق لفظ الإيجاز والاختصار ms134 فليس بمحمود حتى يكون دلالة ذلك اللفظ على ~~المعنى دلالة واضحة # وقد قدمنا ما ورد في القرآن من أمثلة ذلك وإن كانت كثيرة يطول استقصاؤها ~~ومنه قول أمير المؤمنين عليه السلام قيمة كل امرىء ما يحسن فإن هذه الألفاظ ~~على غاية الإيجاز وإيضاح المعنى وظهور حسنها يغني عن وصفه PageV01P211 # وروى عن أبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب عن أحمد بن يوسف الكاتب أنه قال ~~دخلت يوما على المأمون وفي يده كتاب وهو يعاود قراءته تارة بعد أخرى ويصعد ~~ويصوب فيه طرفه قال فلما مرت على ذلك مدة من زمانه التفت إلي فقال يا أحمد ~~أراك مفكرا فيما تراه مني قلت نعم وقى الله أمير المؤمنين المكاره وأعاذه ~~من المخاوف قال فإنه لا مكروه في الكتاب ولكني قرأت فيه كلاما وجدته نظير ~~ما سمعت الرشيد يقوله في البلاغة فإني سمعته يقول البلاغة التباعد عن ~~الإطالة والتقرب من معنى البغية والدلالة بالقليل من اللفظ على المعنى وما ~~كنت أتوهم أن أحدا يقدر على المبالغة في هذا المعنى حتى قرأت هذا الكتاب ~~ورمى به إلي وقال هذا كتاب عمرو بن مسعدة إلينا قال فقرأته فإذا فيه كتابي ~~إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من قواده وسائر أجناده في الإنقياد والطاعة على ~~أحسن ما يكون طاعة جند تأخرت أرزاقهم وانقياد كفاة تراخت أعطياتهم فاختلت ~~لذلك أحوالهم والتاثت معه أمورهم فلما قرأته قال لي إن استحساني إياه بعثني ~~على أن أمرت للجند قبله بعطاياهم لسبعة أشهر وأنا على مجازاة الكاتب بما ~~يستحقه من حل محله في صناعته # وروي عن المأمون أيضا أنه أمر عمرو بن مسعدة أن يكتب لرجل يعنى به إلى ~~بعض العمال وأن يختصر كتابه ما أمكنه حتى يكون ما يكتب به في سطر واحد فكتب ~~إليه عمرو بن مسعدة كتابي إليك كتاب واثقت بمن كتبت إليه معنى بمن كتبت له ~~ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله # ومن أمثلة الإيجاز في النظم قول زهير # ( فإني لو لقيتك واتجهنا % لكان لكل منكرة كفاه ) PageV01P212 # لأن مقصوده ms135 إنني لو واجهتك لكان عندي مكافأة لك على كل أمر يبدو منك ~~أنكره فقد أورد المعنى في لفظ قليل وبهذا كان يوصف شعر زهير لأنه كثير ~~الإيجاز مع الإيضاح لمعانيه # ومن ذلك أيضا قول امرىء القيس # ( على هيكل يعطيك قبل سؤاله % أفانين جري غير كز ولا وان ) # لأنه جمع بقوله أفانين جري ما لو عد كان كثيرا وأضاف إلى ذلك أوصاف ~~الجودة في الفرس بقوله إنه يعطي قبل سؤاله أفانين جريه ولا يحتاج إلى حث ~~ونفى عنه بقوله غير كز ولا وان أن تكون معه انكزازة من قبل الجماح ~~والمنازعة والونى من قبل الاسترخاء والفترة فكان في هذا البيت جملة من وصف ~~الفرس قد عبر بها عن معان كثيرة # ومما يذكر من الإيجاز أيضا قول امرأة من عكل # ( يا بن الدعى إنه عكل فقف % لتعلمن اليوم إن لم تنصرف ) # ( أن الكريم واللئيم مختلف % ) # وهذا إجمال في المعنى وإيجاز في العبارة عنه # ومن ذلك أيضا قول الشريف الرضى # ( مالوا على شعب الرحال وأسندوا % أيدي الطعان إلى قلوب تخفق ) # لأنه لما أراد أن يصف هؤلاء القوم بالشجاعة في متابعتهم الغرام والصبابة ~~عبر عن ذلك بقوله أيدي الطعان فأتى بأخصر ألفاظ وأوجزها PageV01P213 # ومن الإيجاز أيضا قول عمرو بن معد يكرب # ( فلو أن قومي أنطقتني رماحهم % نطقت ولكن الرماح أجرت ) # أي شقت لساني كما يجز لسان الفصيل يريد أنها أسكتتني # ومن هذا الفن أيضا قول حميد بن ثور الهلالي # ( أرى بصري قد خانني بعد صحة % وحسبك داء أن تصح وتسلما ) # فإن قوله وحسبك داء أن تصح وتسلما من الإيجاز الحسن وكذلك قول نصيب # ( فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله % ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب ) # فإن قوله لو سكتوا أثنت عليك الحقائب من الكلام الحسن الموجز # والأصل في مدح الإيجاز والاختصار في الكلام أن الألفاظ غير مقصودة في ~~أنفسها وإنما المقصود هو المعاني والأغراض التي احتيج إلى العبارة عنها ~~بالكلام فصار اللفظ بمنزلة الطريق إلى المعاني التي هي مقصودة وإذا كان ~~طريقان يوصل كل واحد منهما ms136 إلى المقصود على سواء في السهولة إلا أن أحدهما ~~أخصر وأقرب من الآخر فلا بد أن يكون المحمود منهما هو أخصرهما وأقربهما ~~سلوكا إلى المقصد فإن تقارب اللفظان في الإيجاز وكان أحدهما أشد إيضاحا ~~للمعنى كان بمنزلة تساوي الطريقين في القرب وزيادة أحدهما بالسهولة ومثل ~~هذا قول أبي عبادة # ( ولم أنس ليلتنا في العناق % لف الصبا بقضيب قضيبا ) # وقول غيره # ( وضم لا ينهنه اعتناق % كما التف القضيب على القضيب ) PageV01P214 # فإن هذين البيتين وإن تساويا في كمية الألفاظ فإن بيت أبي عبادة أوضح ~~لأنه بين بذكر الصبا ما يلف القضيب على القضيب # ومن ذلك أيضا قول أبي القاسم المطرز البغدادي # ( وردت وقد حل لي ماؤه % فلما بكيت عليه حرم ) # وقول مهيار بن مرزويه # ( بكيت على الوادي فحرمت ماؤه % وكيف يحل الماء أكثره دم ) # فبيت مهيار وإن قاربت ألفاظه عدد ألفاظ بيت المطرز فقد تضمن من إيضاح ~~المعنى ما لم يتضمنه بيت المطرز لأن قائلا لو قال لم حرم الماء لما بكى ~~عليه لوجب في حق تفسير المعنى وإيضاحه أن يقال لأن دموعه كانت دما غلب على ~~هذا الماء والدم حرام فقد أتى مهيار بهذا التفسير في متن البيت # وعلى هذا القياس يعتبر الإيضاح في الإيجاز لئلا يقع فيه إخلال بالمعنى ~~وإشكال فيه ولذلك أمثلة منها قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود # ( أعاذل عاجل ما أشتهي % أحب من الأكثر الرائث ) # لأنه أراد عاجل ما اشتهى مع القلة أحب إلي من الأكثر البطيء فترك مع ~~القلة وبه تمام المعنى # ومنها قول عروة بن الورد # ( عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم % ومقتلهم عند الوغى كان أعذار ) # كأنه أراد أن يقول عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم في السلم PageV01P215 ~~وقتلهم في الحرب أعذر فترك في السلم وبه يتم المعنى # ومنها قول الحارث بن حلزة # ( والعيش خير في ظلال % النوك ممن عاش كدا ) # فأراد أن يقول والعيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال ~~العقل فأخل بأكثر المعنى # ومن أمثلة ذلك ms137 في النثر ما حكاه أبو الفرج قدامة بن جعفر أن بعضهم كتب في ~~كتاب له فإن المعروف إذا وحى كان أفضل منه إذا توفر وأبطأ فأراد أن يقول إن ~~المعروف إذا قل ووحى كان أفضل منه إذا كثر وأبطأ فترك ما بنى المعنى عليه ~~وهو ذكر القلة وكذلك كتب بعضهم فما زال حتى أتلف ماله وأهلك رجاله وقد كان ~~ذلك في الجهاد والإبلاء أحق بأهل الحزم وأولى فأخل بما فيه تمام المعنى ~~وذلك أن الذي أراد أنه أنفق ماله وأهلك رجاله في السلم والموادعة وقد كان ~~ذلك في الجهاد أفضل فأخل بذكر السلم أو ما يقوم مقامه فصار المعنى ناقصا # ولحمد الإيجاز فضل أحد الشاعرين على صاحبه إذا كانا قد اشتركا في معنى ~~وأوجز أحدهما في ألفاظه أكثر من الآخر ولهذا قدموا قول الشماخ بن ضرار # ( إذا ما راية رفعت لمجد % تلقاها عرابة باليمين ) # على قول بشر بن أبي خازم PageV01P216 # ( إذا ما المكرمات رفعن يوما % وقصر مبتغوها عن مداها ) # ( وضاقت أذرع المثرين عنها % سما أوس إليها فاحتواها ) # وإذا كان ابن أبي خازم سبق الشماخ إلى المعنى إلا أنه جاء به في بيتين ~~واختصره الشماخ فأتى به في بيت واحد # ومن هذا القبيل أيضا قول امرىء القيس # ( إذا ما استحمت كان فيض حميمها % على متنتيها كالجمان لدى الجالي ) # فإن امرأ القيس أتى بهذا التشبيه في بيت واحد وأخذه الوليد بن يزيد فأساء ~~لأنه أتى به في بيتين فقال # ( كأن الحميم على متنها % إذا غرفته بأطساسها ) # ( جمان يجول على فضة % جلته حدائد دواسها ) # على أن الوليد قد زاد في التشبيه بقوله على فضة لكن بين ألفاظه وألفاظ ~~امرىء القيس تفاوت لا يخفى # فأما المساواة بين اللفظ والمعنى فكما وصف بعض الأدباء رجلا فقال كانت ~~ألفاظه قوالب لمعانيه أي هي مساوية لها لا يفضل أحدهما على الآخر وحد ~~المساواة المحمودة هو إيضاح المعنى باللفظ الذي لا يزيد عنه ولا ينقص وقد ~~احترزت بقولي إيضاح مما احترزت منه في حد الإيجاز لما أذهب إليه ms138 من قبح ~~العبارة عن المعنى باللفظ الذي لا يوضحه وفرقت بين المساواة والتذييل بقولي ~~لا يزيد عنه لأن التذييل لفظ يزيد على المعنى وفرقت بين المساواة والإيجاز ~~والإخلال بقولي ولا ينقص لأن الإيجاز على ما ذكرناه إيضاح المعنى بأقل ما ~~PageV01P217 يمكن من اللفظ والإخلال هو نقص المعنى باختصار اللفظ فقد فهم ~~بهذا القول الإيجاز والإخلال والمساواة والتذييل ولكن من ذلك أمثلة # فأما أمثلة الإيجاز والإخلال فقد ذكرناها وأما أمثلة المساواة فكثيرة ~~ومنها قول زهير # ( ومهما يكن عند امرىء من خليقة % ولو خالها تخفى على الناس تعلم ) # وقوله أيضا # ( إذا أنت لم تقصر عن الجهل والخنا % أصبت حليما أو أصابك جاهل ) # وقول طرفة بن العبد # ( ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا % ويأتيك بالأخبار من لم تزود ) # وقول أبي نصر بن نباتة # ( عسى ممسك الريح القبول يعيدها % وينقص من أنفاسنا ويزيدها ) # وقوله أيضا # ( إذا كان نقصان الفتى في تمامه % فكل صحيح في الأنام عليل ) # وقول أبي الطيب # ( أتى الزمان بنوه في شبيبته % فسرهم وأتيناه على الهرم ) # وقول أبي عبادة # ( ما زال يسبق حتى قال حاسده % له طريق إلى العلياء مختصر ) PageV01P218 # وأمثال هذا أكثر من أن تحصى # وأما التذييل فهو العبارة عن المعنى بألفاظ تزيد عليه وإنما لم نقل في ~~التذييل إيضاح المعنى كما قلنا في حد المساواة والإيجاز لما نذهب إليه من ~~حمد الإيجاز والمساواة إذا كان المعنى فيهما واضحا فاحترزنا بالإيضاح من أن ~~ندخل في الحد ما لا نحمده من المساواة والإيجاز اللذين يكون المعنى فيهما ~~غامضا خفيا فأما التذييل فإنا على ما قدمناه لا نحمده في موضع من المواضع ~~فلا معنى لاحترازنا بذكر الإيضاح في حده فأما مثاله فكما وقفت لبضع الكتاب ~~المتأثرين على فصل من كتاب له شفاعة وهو وفلان بن فلان الرجل المشهور ~~بالفروسية والراجلة والشجاعة والنجدة وله السن والحنكة والتجارب والدربة ~~فهذا كله تطويل بإيراد ألفاظ كثيرة تدل على معنى واحد وكذلك قول الشاعر # ( فقددت الأديم لراهشيه % وألفى قولها كذبا ومينا ) # فالكذب والمين واحد # والفرق بين التطويل ms139 والحشو أن الحشو لفظ يتميز عن الكلام بأنه إذا حذف ~~منه بقي المعنى على حاله والتطويل هو أن يعبر عن المعاني بألفاظ كثيرة كل ~~واحد منها يقوم مقام الآخر فأي لفظ شئت من تلك الألفاظ حذفته وكان المعنى ~~على حاله وليس هو لفظا متميزا مخصوصا كما كان الحشو لفظا متميزا مخصوصا ~~يبين ذلك أن الحشو على ما قدمناه من وصفه نحو قول أبي عدي # ( نحن الرؤوس وما الرؤوس إذا سمت % في المجد للأقوام كالأذناب ) # فللأقوام هو الحشو لأن هذه اللفظة دون ألفاظ البيت هي التي إذا حذفت منه ~~بقي المعنى بحاله والتطويل مثل ما حكيناه في قوله الرجل PageV01P219 ~~المشهور بالفروسية والرجلة والشجاعة والنجدة لأن هذه الألفاظ كلها بمعنى ~~واحد فأنت إن شئت حذفت الرجلة وإن شئت حذفت الشجاعة وإن شئت حذفت النجدة ~~وإن حذفتهما معا بقي الكلام بحاله فهذا هو الفرق بين الحشو والتطويل وعلى ~~أن الحشو في الأكثر إنما يقع في النظم لأجل الوزن وفي النثر لأجل تساوي ~~الفصول أو الأسجاع ويجب أن يعتبر الكلام في التطويل والحشو والمساواة ~~والإيجاز والإخلال بهذا الإعتبار وهو أن يتأمل الكلام المؤلف فإن كان ~~المعنى فيه ناقصا غير مستوفى فذلك الإخلال وإن كان المعنى تاما فلا يخلو أن ~~يكون في الألفاظ ما إذا حذفته بقي المعنى بحاله أو ليس في الألفاظ ما إذا ~~حذف بقي المعنى بحاله فإن كان فيها ما إذا حذف بقي المعنى فلا يخلو من أن ~~يتميز ذلك اللفظ الزائد من غيره أو لا يتميز فإن لم يتميز فتلك الإطالة وإن ~~تميز فذلك الحشو وإن لم يكن في الكلام ما إذا حذف بقي المعنى بحاله فلا ~~يخلو من أن يكون تمكن العبارة عن ذلك المعنى بأقل من تلك الألفاظ أو لا ~~تمكن فإن كان تمكن العبارة عن ذلك المعنى بأقل من ذلك اللفظ فتلك المساواة ~~وإن كان لا تمكن العبارة عن ذلك المعنى بأقل من ذلك اللفظ فذلك هو الإيجاز ~~فهذا يصح لك اعتبار الأقسام المذكورة ولا يخفى شيء منها ms140 على المتأمل # ومن شروط الفصاحة والبلاغة أن يكون معنى الكلام واضحا ظاهرا جليا لا ~~يحتاج إلى فكر في استخراجه وتأمل لفهمه وسواء كان ذلك الكلام الذي لا يحتاج ~~إلى فكر منظوما أو منثورا # وإنما احتجنا إلى هذا التفصيل لأن أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي غلط ~~في هذا الموضع فزعم أن الحسن من الشعر ما أعطاك معناه بعد مطاولة ومماطلة ~~والحسن من النثر ما سبق معناه لفظه ففرق بين النظم والنثر في هذا الحكم ولا ~~فرق بينهما ولا شبهة تعترض المتأمل في ذلك PageV01P220 والدليل على صحة ما ~~ذهبنا إليه أنا قد بينا أن الكلام غير مقصود في نفسه وإنما احتيج إليه ~~ليعبر الناس عن أغراضهم ويفهموا المعاني التي في نفوسهم فإذا كانت الألفاظ ~~غير دالة على المعاني ولا موضحة لها فقد رفض الغرض في أصل الكلام وكان ذلك ~~بمنزلة من يصنع سيفا للقطع ويجعل حده كليلا ويعمل وعاء لماء يريد أن يحرزه ~~فيقصد إلى أن يجعل فيه خروقا تذهب ما يوعى فيه فإن هذا مما لا يعتمده عاقل ~~ثم لا يخلو أن يكو المعبر عن غرضه بالكلام يريد إفهام ذلك المعنى أو لا ~~يريد إفهامه فإن كان يريد إفهامه فيجب أن يجتهد في بلوغ هذا الغرض بإيضاح ~~اللفظ ما أمكنه وإن كان لا يريد إفهامه فليدع العبارة عنه فهو أبلغ في غرضه # وإذا كان هذا مفهوما فالأسباب التي لأجلها يغمض الكلام على المسامع ستة ~~اثنان منها في اللفظ بانفراده واثنان في تأليف الألفاظ بعضها مع بعض واثنان ~~في المعنى # فأما اللذان في اللفظ بانفراده فأحدهما أن تكون الكلمة غريبة كما ذكرنا ~~فيما تقدم من وحشي اللغة العربية والآخر أن تكون الكلمة من الأسماء ~~المشتركة في تلك اللغة كالصدى الذي هو العطش والطائر والصوت الحادث في بعض ~~الأجسام # وأما اللذان في تأليف الألفاظ فأحدهما فرط الإيجاز كبعض الكلام الذي يروى ~~عن بقراط في علم الطب والآخر إغلاق النظم كأبيات المعاني من شعر أبي الطيب ~~المتنبي وغيره وكما يروى من كلام أرسطو ms141 طاليس في المنطق # وأما اللذان في المعنى فأحدهما أن يكون في نفسه دقيقا ككثير من مسائل ~~الكلام في اللطيف والآخر أن يحتاج في فهمه إلى مقدمات إذا PageV01P221 ~~تصورت بني ذلك المعنى عليها فلا تكون المقدمات حصلت للمخاطب فلا يقع له فهم ~~المعنى كالذي يريد فهم فروع الكلام والنحو وغيرهما من العلوم قبل الوقوف ~~على الأصول التي بنيت تلك الفروع عليها # وإذا كان هذا واضحا فإن استعمال الألفاظ الغريبة الوحشية نقص في الفصاحة ~~التي هي الظهور والبيان على ما قدمنا من ذلك فيما مضى من كتابنا هذا فأما ~~استعمال الألفاظ المشتركة كالصدى فإنه يحسن في فصيح الكلام إذا كان في ~~اللفظ دليل على المقصود مثل قول أبي الطيب # ( ودع كل صوت دون صوتي فإنني % أنا الطائر المحكي والآخر الصدى ) # فإن الصدى ها هنا لا يشكل بالصدى الذي هو العطش ولا يسبق ذلك إلى فهم أحد ~~من السامعين فأما إن كان ذلك في موضع يشكل فليس ذلك بموافق للفصاحة # وأما السببان اللذان في التأليف وهما إفراط الإيجاز وإغلاق اللفظ فمن ~~شروط الفصاحة والبلاغة أن يسلم الكلام منهما لما قدمناه من الدلالة على ذلك # وأما السببان اللذان في المعاني وهما دقة المعنى في نفسه وحاجته إلى ~~الإحاطة بأصل قد بني عليه فليس في أن يجعل المعنى الدقيق ظاهرا جليا جله ~~للمعبر عنه لكن يحتاج أن يحسن العبارة عنه ويبالغ في إيضاح الدلالة ليكون ~~ما في المعنى من الدقة واللطافة بإزاء ما في العبارة عنه من الظهور ~~والفصاحة وكذلك يحتاج السامع إلى إحكام الأصل قبل أن يقصد إلى فهم الفرع ~~ويحتاج المخاطب إلى ذكر المقدمات إذا كان غرضه أن يفهم المخاطب كلامه ~~PageV01P222 # فإن قيل فما تقولون في تأخير البيان عن وقت الخطاب أيجوز عندكم أم لا ~~يجوز فإن منعتم من جوازه كان قولكم مطردا وإن أجزتموه فما وجه إنكاركم ~~إغلاق اللفظ ومطالبتكم بإيضاح المعنى وبيان المراد مع قولكم بتأخير البيان ~~عن وقت الخطاب قيل الجواب أنا لا نذهب إلى أن كل أمر يؤثر في ms142 الفصاحة ~~وتعتبر سلامة أعلى طبقاتها منه غير جائز في الإستعمال ولا سائغ في الكلام ~~وكيف نقول ذلك وقد قدمنا أن من شروط الفصاحة أن تكون الكلمة مبنية من حروف ~~متباعدة المخارج وغير كثيرة الحروف ومع ذلك فألفاظ العرب المبنية من الحروف ~~المتقاربة المخارج والكثيرة الحروف أكثر من أن تحصى وقد استعملوا تلك ~~الألفاظ في الفصيح من كلامهم وكذلك إذا قلنا من شروط الفصاحة الإيجاز لم ~~يكن ذلك منعا لجواز الإسهاب ولا رفضا لاستعماله وإنما مقصودنا أن هذا النحو ~~أحسن من هذا النحو وبهذا الوجه يستدل على الفصاحة أكثر من هذا الوجه فإذا ~~كان هذا بينا فلو قلنا بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لم يكن ذلك مناقضا ~~لقولنا إن مقارنة البيان لوقت الخطاب أحسن وإلى حيز الفصاحة والبلاغة أقرب ~~لأنا لا نتكلم في هذا الموضوع على الجائز والممتنع وإنما كلامنا على الأفصح ~~والأحسن على أن من منع من جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إنما علل ذلك ~~لأنه خطاب لا يفهم منه المراد فجرى في القبح مجرى خطاب العربي بالزنجية ومن ~~أجازه فرق بين الخطاب بالزنجية وبين تأخير البيان بأن في الخطاب مع تأخير ~~البيان بعض الفائدة والفهم للمراد كتوطين النفس على الفعل والعزم عليه إن ~~كان الخطاب أمرا وليس في الخطاب للعربي بالزنجية ذلك فقد وقع بالإجماع على ~~أنه متى لم يفهم من الخطاب شيء كان قبيحا # فإن قيل كلامكم الماضي يدل على أن في القرآن ما بعضه أفصح PageV01P223 من ~~بعض وفي الناس من يخالفكم ويأبى ذلك فما عندكم فيه قلنا أما زيادة بعض ~~القرآن على بعض في الفصاحة فالأمر فيه ظاهر لا يخفى على من علق بطرف من هذه ~~الصناعة وشدا شيئا يسيرا وما زال الناس يفردون مواضع من القرآن يعجبون منها ~~في البلاغة وحسن التأليف كقوله تعالى @QB@ وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء ~~أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس ms143 لكم ~~وأنتم لباس لهن @QE@ وقوله تعالى @QB@ ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولي حميم @QE@ وقوله عز وجل @QB@ ولو ترى إذ فزعوا فلا ~~فوت وأخذوا من مكان قريب @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولكم في القصاص حياة يا ~~أولي الألباب @QE@ وأمثال هذا ونظائره كثير # فلو كانوا يذهبون إلى تساويه في الفصاحة لم يكن لإفرادهم هذه المواضع ~~المعينة المخصوصة دون غيرها معنى وإنما تدخل الشبهة في هذا ومثله على ~~الأعاجم من الفقهاء والمتكلمين لجهلهم بهذه الصناعة وعدم فهمهم لقوانينها ~~فإن من عجيب أمرهم أن أحدهم إذا حاول ابتياع ثوب أو دابة وعلم أن غيره أخبر ~~بذلك الجنس منه لم يرض بمقدار علمه حتى يرجع إلى من يظن معرفته بالثياب أو ~~الدواب فيستفتيه ويقلده ويقبل رأيه كل ذلك خوفا من أن يستمر عليه الغبن في ~~شيء من ماله وإذا وصل إلى الكلام في كتاب الله تعالى ووجه PageV01P224 ~~إعجازه ما هو وهل هو صرف العرب عن معارضته أو علوه عن كلامهم بفصاحته وكان ~~ذلك يحتاج إلى صناعة لا يفهمها وعلوم لا يعرف شيئا منها لم ير أن يرجع إلى ~~أقوال العلماء بتلك الصناعة والمهتمين بفهم أسرار تلك العلوم بل قال بغير ~~حجة وأفتى من غير معرفة ورضي أن يغبن عقله ودينه من الموضع الذي تحرز فيه ~~وأشفق أن يغبن شيئا من ماله وليت شعري أي فرق بين أن يخلق الله وجهين ~~أحدهما أحسن وأصبح من الآخر وبين أن يحدث كلامين أحدهما أبلغ وأفصح من ~~الآخر وهل من يفرق بينهما إلا مقترح # ثم ليس أحد ممن ينكر أن يكون بعض القرآن أفصح من بعض يمتنع من القطع على ~~أن القرآن في لغته أفصح من التوراة في لغتها والإنجيل في لغته والزبور في ~~لغته لأن تلك الكتب عنده لم تكن معجزة لخرقها العادة بالفصاحة وإن كان ~~الجميع كلام الله تعالى فما المانع من أن يكون بعض كلامه الذي هو القرآن ~~أفصح من بعض حتى تكون آية منه أفصح من آية والجميع كلام الله كما جاز ms144 عنده ~~أن يكون القرآن أفصح من الإنجيل وإن كان الجميع كلام الله وهذا لا يخفى على ~~محصل # فإن قيل الذي يمنع أن يكون بعض القرآن أفصح من بعض القول بأن قدر كل سور ~~من قصار سورة المفصل منه قد خرق العادة في الفصاحة بفصاحته وكان معجزا ~~لعلوه في الفصاحة وما كان خارقا للعادة في الفصاحة لا يكون غيره أفصح منه ~~قيل الجواب عن هذا أولا أن الصحيح أن وجه الإعجاز في القرآن هو صرف العرب ~~عن معارضته وأن فصاحته قد كانت في مقدورهم لولا الصرف وهذا هو المذهب الذي ~~يعول عليه أهل هذه الصناعة وأرباب هذا العلم وقد سطر عليه من الأدلة ما ليس ~~هذا موضع ذكره فالسؤال على هذا PageV01P225 المذهب ساقط ثم لو سلم أن وجه ~~الإعجاز هو الفصاحة لم يمنع أن يكون كلام معجز يخرق العادة بفصاحته أفصح من ~~كلام معجز يخرق العادة بفصاحته فإن نبيا لو أظهر الله على يده معجزا وهو ~~حمله ألف رطل لم يمنع أن يظهر على يده أو على يد نبي غيره معجزا آخر وهو ~~حمل ألفي رطل فيكون المعجزان أحدهما أعظم من الآخر مع كون كل واحد منهما ~~معجزا # فإن قيل فما تقولون في الكلام الذي وضع لغزا وقصد ذلك فيه قيل إن الموضوع ~~على وجه الإلغاز قد قصد قائله إغماض المعنى وإخفاءه وجعل ذلك فنا من الفنون ~~التي يستخرج بها أفهام الناس وتمتحن أذهانهم فلما كان وضعه على خلاف وضع ~~الكلام في الأصل كان القول فيه مخالفا لقولنا في فصيح الكلام حتى صار يحسن ~~فيه ما كان ظاهره يدل على التناقض أو ما جرى مجرى ذلك كما قال بعضهم في ~~الشمع # ( تحيا إذا ما رؤوسها قطعت % وهن في الليل أنجم زهر ) # وقد كان شيخنا أبو العلاء يستحسن هذا الفن ويستعمله في شعره كثيرا ومنه ~~قوله # ( وجبت سرابيا كأن إكامه % جوار ولكن ما لهن نهود ) # ( تمجس حرباء الهجير وحوله % رواهب خيط والنهار يهود ) # فألغز بقوله جوار عن الجواري من الناس وهو يريد ms145 كأنهن يجرين في السراب ~~وبقوله نهود عن نهود الجواري وهو يريد بنهود نهوض أي كأنهن يجرين في السراب ~~وما لهن على الحقيقة نهوض PageV01P226 وأراد بقوله تمجس حرباء أي صار ~~لاستقباله الشمس كالمجوس التي تعبدها وتسجد لها وجعل الرواهب النعام ~~لسوادها ويهود يرجع وهو يلغز بذلك عن اليهود لما ذكر المجوس والرواهب # وكذلك قوله # ( إذا صدق الجد افترى العم للفتى % مكارم لا تكرى وإن كذب الخال ) # لأنه يريد الجد الحظ وبالعم الجماعة من الناس وبالخال المخيلة وقد ألغز ~~بذلك عن العم والجد والخال من النسب فهذا وأمثاله ليس من الفصاحة بشيء ~~وإنما هو مذهب مفرد وطريقة أخرى # فإن قيل فما عندكم في الحكاية التي تحكى عن أبي تمام أنه لما قصد عبد ~~الله بن طاهر بقصيدته التي أولها # ( أهن عوادي يوسف وصواحبه % فعزما فقدما أدرك السؤل طالبه ) # وعرض هذه القصيدة على أبي العميثل صاحب عبد الله بن طاهر وشاعره فقال له ~~أبو العميثل عند إنشاده أول القصيدة لم لا تقول يا أبا تمام من الشعر ما ~~يفهم فقال وأنت يا أبا العميثل لم لا تفهم من الشعر ما يقال فانقطع أبو ~~العميثل قيل إن الذي قاله أبو تمام وأبو العميثل صحيح لأن أبا العميثل طلب ~~من أبي تمام إذ كان حاذقا في صناعة الشعر وقد قصد مثل عبد الله بن طاهر ~~بالمديح أن PageV01P227 يكون شعره مفهوما واضحا يسبق معناه لفظه فكان هذا ~~من أبي العميثل كلاما صحيحا في موضعه وطلب أبو تمام من أبي العميثل إذ كان ~~يدعي علم الشعر ويتحقق بالأدب ويخدم عبد الله بن طاهر في اعتراض قصائد ~~الشعراء وترتيبهم على مقدار ما يستحقه كل منهم بحظه من الصناعة أن يكون ~~يفهم معاني الشعر ويطلع على الغامض والظاهر منها وكان هذا من أبي تمام أيضا ~~كلاما صحيحا وكانا فيه بمنزلة من يقول لصاحبه لم فعلت ذلك الفعل وهو قبيح ~~فيقول كما فعلت أنت ذلك الفعل الآخر وهو قبيح فيكون كل واحد منهما قد أجاب ~~من طريق الجدل وإن كان ms146 لم يدل على أنه أصاب وأخطأ صاحبه # وإذا كان هذا مفهوما فأمثلة الكلام الذي يظهر معناه ولا يحتاج إلى الفكر ~~في استخراجه كثيرة وعامة شعر أبي عبادة البحتري عليه فأما الذي يسأل عن ~~معناه ويفكر في فهمه فكالأبيات التي من شعر أبي الطيب المتنبي وقد نعاها ~~عليه الصاحب أبو القاسم بن عباد رحمه الله وكان يسميها رقى العقارب والناس ~~إلى اليوم مختلفون في معاني بعضها وكل يذهب إلى فن ويسبق خاطره إلى غرض ~~كقوله # ( ذم الزمان إليه من أحبته % ما ذم من بدره في حمد أحمد ) # وقوله # ( عيون رواحلي إن حرت عيني % وكل بغام رازحة بغامي ) # فأما غير ذلك مما قد فهم معناه ولم يختلف فيه إلا أنه مع ذلك لا يخرج إلا ~~بطرف من الفكر فكقوله PageV01P228 # ( ودون الذي يبغون ما لو تخلصوا % إلى الموت منه عشت والطفل أشيب ) # وقوله أيضا # ( سرب محاسنه حرمت ذواتها % داني الصفات بعيد موصوفاتها ) # وقوله # ( رجلاه في الركض رجل واليدان يد % وفعله ما تريد الكف والقدم ) # وأمثال هذا له ولغيره كثير # وقد قال بشر بن المعتمر في وصيته إياك والتوعر في الكلام فإنه يسلمك إلى ~~التعقيد والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويمنعك من مراميك # وحكى أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ عن بعض من وصف البلاغة فقال ينبغي أن ~~يكون الإسم للمعنى طبقا وتلك الحال له وفقا ولا يكون الإسم لا فاضلا ولا ~~مقصرا ولا مشتركا ولا مضمنا # فهذا كله يدل على صحة ما قلناه وإن كانت الشبهة لا تعترض فيه لمتأمل # ومن نعوت البلاغة والفصاحة أن تراد الدلالة على المعنى فلا يستعمل اللفظ ~~الخاص الموضوع له في اللغة بل يؤتى بلفظ يتبع ذلك المعنى PageV01P229 ضرورة ~~فيكون في ذكر التابع دلالة على المتبوع وهذا يسمى الإرداف والتتبيع لأنه ~~يؤتى فيه بلفظ هو ردف اللفظ المخصوص بذلك المعنى وتابعه والأصل في حسن هذا ~~أنه يقع فيه من المبالغة في الوصف ما لا يكون في نفس اللفظ المخصوص بذلك ~~المعنى ومثال قول عمر بن أبي ربيعة # ( بعيدة ms147 مهوى القرط إما لنوفل % أبوها وإما عبد شمس وهاشم ) # فإنه إنما أراد أن يصف هذه المرأة بطول العنق فلو عبر عن ذلك باللفظ ~~الموضوع له لقال طويلة العنق فعدل عن ذلك وأتى بلفظ يدل عليه وليس هو ~~الموضوع له فقال بعيدة مهوى القرط فدل ببعد مهوى قرطها على طول الجيد وكان ~~في ذلك من المبالغة ما ليس في قوله طويلة العنق لأن بعد مهوى القرط يدل على ~~طول أكثر من الطول الذي يدل عليه طويلة العنق لأن كل بعيدة مهوى القرط ~~طويلة العنق وليس كل طويلة العنق بعيدة مهوى القرط إذا كان الطول في عنقها ~~يسيرا وهذا موضع يجب فهمه # ومنه قول امرىء القيس # ( وتضحى فتيت المسك فوق فراشها % نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل ) # فإنه لما أراد أن يصف ترفه هذه المرأة ونعمتها قال نؤوم الضحى يبقى فتيت ~~المسك فوق فراشها لم تنتطق لتخدم نفسها فعبر بذلك عن غناها وترفهها وخفض ~~عيشها وأتى بألفاظ تدل على ذلك أبلغ مما يدل عليه قوله إنها غنية مرفهة ~~PageV01P230 # وكذلك قوله # ( وقد أغتدي والطير في وكناتها % بمنجرد قيد الأوابد هيكل ) # لأنه أراد أن يصف الفرس قد بالسرعة فلم يقل إنه سريع وقال قيد الأوابد ~~وهي الوحوش أي أنه إذا طلبها على هذا الفرس لحقها لسرعته فكأنه قيدها له ~~وفي هذا من المبالغة ما ليس في وصف الفرس بأنه سريع لأن الفرس قد يكون ~~سريعا ولا يلحق الوحش حتى تصير بمنزلة المقيدة له وقد استحسن الناس هذا ~~اللفظ من امرىء القيس حتى قالوا هو أول من قيد الأوابد # وأصحاب صناعة البلاغة يذكرون الإرداف ولا يشرحون العلة في سببه وحسنه من ~~المبالغة التي نبهنا عليها ومنه في النثر قول أعرابية وصفت رجلا فقالت لقد ~~كان فيهم عمار وما عمار طلاب بأوتار لم تخمد له قط نار فأرادت بقولها لم ~~تخمد له قط نار كثرة إطعامه الطعام فلم تأت بذلك اللفظ بعينه بل بلفظ هو ~~أبلغ في المقصود لأن كثيرا ممن يطعم الطعام تخمد ناره في ms148 وقت وكذلك قول ~~الأخرى له إبل قليلات المسارح كثيرات المبارك إذا سمعن صوت المزهر أيقن ~~أنهن هوالك فأرادت أن هذا الرجل ينحر إبله فقلما تسرح وتبعد في المرعى لأنه ~~يبركها بفنائه ليقرب عليه نحرها للضيوف والمزهر العود الذي يغني به فإذا ~~سمعت الإبل صوته أيقنت أنها هوالك لما قد اعتادته من نحره لها إذا سمع ~~الغناء وانتشى وذلك لا تعتاده الإبل وتفهمه إلا مع الإستمرار والدوام وهذا ~~كله أبلغ من قولها إنه ينحر الإبل على ما قدمناه وبيناه # ومن هذا الفن من الإرداف قول أبي عبادة PageV01P231 # ( فأوجرته أخرى فأضللت نصله % بحيث يكون اللب والرعب والحقد ) # لأنه أراد القلب فلم يعبر عنه بإسمه الموضوع له وعدل إلى الكناية عنه بما ~~يكون اللب والرعب والحقد فيه وكان ذلك أحسن لأنه إذا ذكره بهذه الكنايات ~~كان قد دل على شرفه وتميزه عن جميع الجسد بكون هذه الأشياء فيه وأنه أصاب ~~هذا المرمى في أشرف موضع منه ولو قال أصبته في قلبه لم يكن في ذلك دلالة ~~على أن القلب أشرف أعضاء الجسد فعلى هذا السبيل يحسن الإرداف # ومما يجري مجرى قول أبي عبادة قول غيره # ( الضاربين بكل أبيض مخذم % والطاعنين مجامع الأضغان ) # وفيما ذكرناه كفاية في الدلالة على كل ما هو من هذا الجنس # ومن نعوت الفصاحة والبلاغة أن يراد معنى فيوضح بألفاظ تدل على معنى آخر ~~وذلك المعنى مثال للمعنى المقصود وسبب حسن هذا مع ما يكون فيه من الإيجاز ~~أن تمثيل المعنى يوضحه ويخرجه إلى الحس والمشاهدة وهذه فائدة التمثيل في ~~جميع العلوم لأن المثال لا بد من أن يكون أظهر من الممثل فالغرض بإيراده ~~إيضاح المعنى وبيانه ومن هذا الفن قول الرماح بن ميادة # ( ألم تك في يمنى يديك جعلتني % فلا تجعلني بعدها في شمالكا ) # فأراد إني كنت عندك مقدما فلا تؤخرني ومقربا فلا تبعدني PageV01P232 فعدل ~~في العبارة عن ذلك إلى أني كنت في يمينك فلا تجعلني في شمالك لأن هذا ~~المثال أظهر إلى الحس # وكذلك قول الآخر # ( تركت يدي ms149 وشاحا له % وبعض الفوارس لا يعتنق ) # فعبر عن قوله عانقته بأنني تركت يدي وشاحا له فأوضح المعنى حين جعل له ~~مثالا معروفا مشاهدا # ومنه أيضا قول زهير # ( ومن يعص أطراف الزجاج فإنه % يطيع العوالي ركبت كل لهذم ) # لأنه عدل عن قوله ومن لم يطع باللين أطاع بالعنف إلى أن قال ومن لم يطع ~~زجاج الرماح أطاع الأسنة وكان في هذا التمثيل بيان المعنى وكشفه # ومن أمثلة ذلك في النثر ما كتب به الوليد بن يزيد لما بويع إلى مروان ابن ~~محمد وقد بلغه توقفه عن البيعة له أما بعد فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى ~~فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام فعبر عن مراده بمثال ~~أوضحه وأوجزه ومنه أيضا ما كتب به الحجاج إلى المهلب حين حضه على قتال ~~الأزارقة وتوعده له حيث قال فإن أنت فعلت ذلك وإلا شرعت إليك صدر الرمح ~~فأجابه المهلب وقال فإن يشرع الأمير إلى صدر الرمح قلبت له ظهر المجن وهذا ~~كله PageV01P233 إنما حسن لما فيه من الإيضاح والإيجاز وقدمنا تأثيرهما في ~~الفصاحة والبلاغة # فهذا منتهى ما نقوله في الألفاظ بانفرادها واشتراكها مع المعاني ومن وقف ~~عليه عرف حقيقة الفصاحة ومائيتها وعلم أسرارها وعللها فأما الكلام على ~~المعاني بانفرادها فقد قدمنا القول بأن البلاغة عبارة عن حسن الألفاظ ~~والمعاني وأن كل كلام بليغ لا بد من أن يكون فصيحا وليس كل فصيح بليغا إذ ~~كانت البلاغة تشتمل على الفصاحة وزيادة لتعلق البلاغة مع الألفاظ بالمعاني # فإذا كان قد مضى الكلام في الألفاظ على الإنفراد والإشتراك فلنذكر الآن ~~الكلام على المعاني مفردة من الألفاظ ليكون هذا الكتاب كافيا في العلم ~~بحقيقة البلاغة والفصاحة فإنهما وإن تميزا من الوجه الذي ذكرته فهما عند ~~أكثر الناس شيء واحد ولا يكاد يفرق بينهما إلا القليل والله يمن بالمعونة ~~والتسديد برحمته # | الكلام في المعاني مفردة # أما حصر المعاني بقوانين تستوعب أقسامها وفنونها على حسب ما ذكرناه في ~~الألفاظ فعسير متعب لا يليق بهذا الكتاب تكلفه لأنه ms150 ثمرة علم المنطق ونتيجة ~~صناعة الكلام ولسنا بذاهبين في هذا الكتاب إلى تلك الأغراض والمطالب لكن ~~نحتاج إلى أن نومىء إلى المعاني التي تستعمل في صناعة تأليف الكلام المنظوم ~~والمنثور ونبين كيف يقع الصحيح فيها والفاسد والتام والناقص على أن من كان ~~سليم الفكر صحيح التصور لم يخف عنه شيء مما تستر النفوس وإن كان قد يخفى ~~عنه كثير مما ذكرناه من الكلام والألفاظ لأن في الألفاظ مواضعة واصطلاحا ~~يختلف الناس في المعرفة بهما بحسب اختلافهم في معرفة اللغة وفهم الإصطلاح ~~PageV01P234 والمواضعة والمعاني ليس فيها شيء من ذلك وإنما معيارها العقل ~~والعلم وصفاء الذهن ولها في الوجود أربعة مواضع الأول وجودها في أنفسها ~~والثاني وجودها في أفهام المتصورين لها والثالث وجودها في الألفاظ التي تدل ~~عليها والرابع وجودها في الخط الذي هو أشكال تلك الألفاظ المعبر بها عنه ~~وإذا كان هذا مفهوما فإنا في هذا الموضع إنما نتكلم على المعاني من حيث ~~كانت موجودة في الألفاظ التي تدل عليها دون الأقسام الثلاثة المذكورة ثم ~~ليس نتكلم عليها من حيث وجدت في جميع الألفاظ بل من حيث توجد في الألفاظ ~~المؤلفة المنطومة على طريقة الشعر والرسائل وما يجري مجراهما فقط إذ كان ~~ذلك هو مقصودنا في هذا الكتاب وإذ بان هذا فإن الأوصاف التي تطلب من هذه ~~المعاني هي الصحة والكمال والمبالغة والتحرز مما يوجب الطعن والإستدلال ~~بالتمثيل والتعليل وغيرهما وسنذكر من أمثلة ذلك ما يعرب عن قصدنا ويوضح ~~مرادنا # أما الصحة في التقسيم فأن تكون الأقسام المذكورة لم يخل بشيء منها ولا ~~تكررت ولا دخل بعضها تحت بعض ومثال هذا في النظم قول نصيب # ( فقال فريق القوم لا وفريقهم % نعم وفريق قال ويحك ما ندري ) # فليس في أقسام الإجابة عن مطلوب إذا سئل عنه غير هذه الأقسام # ومنه قول الشماخ يصف صلابة سنابك الحمار وشدة وطئه الأرض # ( متى ما تقع أرساغه مطمئنة % على حجر يرفض أو يتدحرج ) # فليس في أمر الوطء الشديد إلا أن يكون الذي وطأ رخوا فيرض أو ms151 صلبا فيدفع ~~PageV01P235 # ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى # ( يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا % ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا ) # وهذا تقسيم صحيح # ومنه قول الحارثي # ( فكذبت طرفي عنك والطرف صادق % وأسمعت أذني فيك ما ليس تسمع ) # ( وما أسكن الأرض التي تسكنينها % لئلا يقولوا صابر ليس يجزع ) # ( فلا كمدى يغني ولا لك ذمة % ولا عنك إقصار ولا فيك مطمع ) # ( لقيت أمورا فيك لم ألق مثلها % وأعظم منها منك ما أتوقع ) # وهذه كلها أقسام صحيحة # ومن أمثلة ذلك في النثر قول بعضهم في كتاب له فإنك لم تخل فيما بدأتني به ~~من مجد أثلته أو شكر تعجلته أو أجر ادخرته أو متجر اتجرته أو من أن تكون ~~جمعت ذلك كله فلم يبق في هذا المعنى قسم لم يأت به ولا من الأقسام شيء تكرر # فأما الأقسام الفاسدة فكقول جرير # ( صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم % من العبيد وثلث من مواليها ) # فهذه قسمة فاسدة من طريق الإخلال لأنه قد أخل بقسم من الثلاثة وقيل إن ~~بعض بني حنيفة سئل من أي الأثلاث هو من بيت جرير فقال هو من الثلث الملغي # ومنها قول أبي تمام PageV01P236 # ( قسم الزمان ربوعها بين الصبا % وقبولها ودبورها أثلاثا ) # فهذا فاسد من طريق التكرار لأن القبول هي الصبا على ما ذكره جماعة من أهل ~~اللغة # ومن ذلك أيضا قول هذيل الأشجعي # ( فما برحت تومي إلي بطرفها % وتومض أحيانا إذا خصمها غفل ) # لأن تومي بطرفها وتومض في معنى واحد # ومنه قول الآخر # ( أبادر إهلاك مستهلك % لما لي أو عبث العابث ) # فهذا فاسد لدخول أحد القسمين في الآخر لأن عبث العابث داخل في استهلاك ~~المستهلك # ومن هذا الجنس أن بعض المتخلفين سأل مرة فقال علقمة بن عبدة جاهلي أو من ~~بني تميم فضحك منه لأن الجاهلي قد يكون من بني تميم ومن بني عامر والتميمي ~~قد يكون جاهليا وإسلاميا وكتب بعضهم إلى عامل من قبله ففكرت مرة في عزلك ~~وأخرى في صرفك وتقليد غيرك وكتب أيضا في هذا الكتاب فتارة تسترق ms152 الأموال ~~وتختزلها وتارة تقتطعها وتحتجنها وهذا مثل الأول في التكرير وكتب آخر في ~~فتح فقال فمن بين جريح مضرج بدمائه وهارب لا يلتفت إلى ورائه وهذان القسمان ~~يدخل كل واحد منهما في الآخر لأن الجريح قد يكون هاربا والهارب قد يكون ~~جريحا # وروى أبو الفرج قدامة بن جعفر أن ابن منارة وقع على ظهر رقعة عامل عمن ~~عماله هرب من صارفه وكتب إليه رقعة يعلم بها ما عنده PageV01P237 إنك لا ~~تخلو في هربك من صارفك من أن تكون قدمت إليه إساءة خفت منه معها أو خنت في ~~عملك خيانة رهبت تكشفه إياك عنها فإن كنت أسأت # ( فأول راض سنة من يسيرها % ) # وإن كنت خنت خيانة فلا بد من مطالبتك بها فكتب العامل تحت هذا التوقيع قد ~~بقي من الأقسام ما لم تذكره وهو أني خفت ظلمه إياي بالبعد عنك وتكثيره علي ~~بالباطل عندك ووجدت الهرب إلى حيث يمكنني فيه دفع ما يتخرصه أنفى للظنة عني ~~والبعد عمن لا يؤمن ظلمه أولى بالإحتياط لنفسي فوقع ابن منارة تحت ذلك قد ~~أصبت فصر إلينا آمنا من ظلمه عاجلا على أن ما يصح عليك فلا بد من مطالبتك ~~به # وقد ذهب أبو القاسم الآمدي إلى فساد القسمة من قول أبي عبادة البحتري # ( ولا بد من ترك إحدى اثنتين % إما الشباب وإما العمر ) # قال لأن ههنا قسما آخر وهو أن يتركا معا فيموت الإنسان شابا وأجاب الشريف ~~المرتضى رضي الله عنه عن ذلك بأن المراد بترك الشباب تركه بالشيب وبترك ~~العمر تركه بالموت وهذا هو المستعمل المألوف في هذه الألفاظ فمن مات شابا ~~فلا يقال عنه إنه ترك الشباب لأنه لم يشب وإنما يقال عنه إنه ترك العمر ~~فدخل في أحد القسمين ولي في هذا الموضع نظر وتأمل # ومن الصحة تجنب الإستحالة والتناقض وذلك أن يجمع بين المتقابلين من جهة ~~واحدة والتقابل يكون على أربع جهات إما على PageV01P238 طريق المضاف وهو ~~الشيء الذي يقال بالقياس إلى غيره مثل الضعف بالقياس إلى نصفه والأب إلى ms153 ~~ابنه والمولى إلى عبده وإما على طريق التضاد مثل الأبيض والأسود والشرير ~~والخير وإما على طريق العدم والقنية كالأعمى والبصير والأمرد وذي اللحية ~~وإما على طريق النفي والإثبات مثل أن يقال زيد جالس زيد ليس بجالس فإذا ورد ~~في الكلام جمع بين متقابلين من هذه المتقابلات من جهة واحدة فهو عيب في ~~المعنى والمراد بقولنا من جهة واحدة ألا يكون المتقابلان من جهتين فإنهما ~~إذا كانا من جهتين لم يكن الكلام مستحيلا مثال ذلك أن يقال العشرة ضعف ونصف ~~لكنها ضعف الخمسة ونصف العشرين فيكون هذا صحيحا لأنه تقابل من جهتين فأما ~~لو كان من جهة واحدة حتى يقال إن العشرة ضعف الخمسة ونصفها لكان ذلك محالا ~~وكذلك يقال في المتقابلين بالعدم والقنية زيد أعمى العين بصير القلب فيكون ~~ذلك صحيحا فأما لو قيل زيد أعمى العين بصير العين كان ذلك محالا وكذلك في ~~التضاد أن يقال الفاتر حار عند البارد وبارد عند الحار ولا يكون حارا باردا ~~عند أحدهما وزيد كريم بالطعام بخيل بالثياب ولا يصح أن يقال كريم بالثياب ~~بخيل بها # وإذا كان هذا مفهوما فالذي يقع في النظم والنثر من هذا التناقض على هذا ~~النحو عيب في المعاني بغير شك وإن كانوا قد تسمحوا في الشعر أن يكون في ~~البيت شيء وفي بيت آخر ما ينقضه حتى يذم في بيت شيء من وجه ويمدح في بيت ~~آخر من ذلك الوجه بعينه وإنما أجازوا هذا لأنهم اعتقدوا أن كل بيت قائم ~~بنفسه فجرى البيتان مجرى قصيدتين فكما جاز للشاعر أن يناقض في قصيدتين كذلك ~~جاز له أن PageV01P239 يناقض في بيتين ولم يختلفوا في أن البيت إذا ولى ~~البيت وكان معنى كل واحد منهما متعلقا بالآخر فلن يجوز أن يكون في أحدهما ~~ما يناقض الآخر وإنما أجازوا ذلك مع عدم الإتصال والتعلق على أن تجنب هذا ~~في القصيدة وإن كانوا قد أجازوه أحسن وأولى وقد قال أبو عثمان الجاحظ إن ~~العرب تمدح الشيء وتذمه لكنهم لا يمدحون الشيء من ms154 الوجه الذي يذمونه به وما ~~أحسن ما قال أبو عثمان لعمري إنهم على ذلك يتصرف قولهم وإن أبا تمام لما ~~وصف يوم الفراق بالطول فقال # ( يوم الفراق لقد خلقت طويلا % لم تبق لي جلدا ولا معقولا ) # ( قالوا الرحيل فما شككت بأنها % نفسي من الدنيا تريد رحيلا ) # علل طوله بما لقي فيه من الوجد لرحيل أحبابه عنه وأبو عبادة لما وصفه ~~بالقصر فقال # ( ولقد تأملت الفراق فلم أجد % يوم الفراق على امرىء بطويل ) # ( قصرت مسافته على متزود % منه لدهر صبابة وغليل ) # علل قصره بأنه اجتمع فيه بمن يحبه للوداع وتزود منه لأيام البعد عنه فهما ~~وإن كان كل واحد منهما قد خالف صاحبه في مدح الفراق وذمه فقد ذكر لما ذهب ~~إليه وجها يصح به وعلى هذا الطريق يحسن وقوع الخلاف في أغراض الشعراء إلا ~~أن يكون أحد القولين صحيحا والآخر فاسدا # فأما المتناقض في الشعر فكقول عبد الرحمن بن عبد الله القس # ( أرى هجرها والقتل مثلين فاقصروا % ملامكم فالقتل أعفى وأيسر ) # فقال هذا الشاعر إن الهجر والقتل مثلان ثم سلبهما ذلك PageV01P240 فقال ~~إن القتل أعفى وأيسر فكأنه قال إن القتل مثل الهجر وليس هو مثله وذلك ~~متناقض ولو كان استوى له أن يقول بل القتل أعفى وأيسر لكان الشعر مستقيما ~~لأن لفظة بل تنفي الماضي وتثبت المستأنف كما قال زهير # ( حي الديار التي لم يعفها القدم % بلى وغيرها الأرواح والديم ) # على أنهم قد عابوا هذا البيت على زهير لكنه بمجيء بلى فيه لم يكن عندي ~~فاسدا وقد يمكن فيه من التأويل وجه آخر وهو أن زهيرا قال لم يعفها القدم ~~وغيرتها الريح والأمطار وليس ذلك بمتناقض لأن التغير دون أن تعفو والقدم ~~غير الريح والمطر ومن قال لم يقتل زيد عمرا بل ضربه بكر لم يكن متناقضا ~~وإنما المناقضة أن يقول لم يقتل زيد عمرا وقتله زيد ويكون الأول هو الثاني ~~وهذا واضح # ومن الإستدلال قول الآخر # ( أليس قليلا نظرة إن نظرتها % إليك وكلا ليس منك قليل ) # وقد ذهب أبو ms155 الفرج قدامة بن جعفر إلى أن قول ابن هرمة في صفة الكلب # ( تراه إذا ما أبصر الضيف مقبلا % يكلمه من حبه وهو أعجم ) # من المتناقض لأنه أقنى الكلب الكلام في قوله يكلمه ثم أعدمه إياه عند ~~قوله إنه أعجم وهذا غلط من أبي الفرج طريف PageV01P241 لأن الأعجم ليس هو ~~الذي قد عدم الكلام جملة كالأخرس وإنما هو الذي يتكلم بعجمة ولا يفصح قال ~~الله تبارك وتعالى @QB@ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ~~@QE@ وإذا قيل فلان يتكلم وهو أعجم لم يكن ذلك متناقضا على أن الرواية ~~الصحيحة في بيت ابن هرمة # ( يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا % ) # وهذا البيت من إحسان بن هرمة المشهور # وكذلك ذهب أبو القاسم الآمدي إلى تناقض بيت أبي تمام في صفة الفرس # ( وبشعلة تبدو كأن فلولها % في صهوتيه بدو شيب المفرق ) # ( مسود شطر مثل ما اسود الدجى % مبيض شطر كابيضاض المهرق ) # قال لأنه ذكر في البيت الأول أنه أشعل ثم قال في الثاني إن نصفه أسود ~~ونصفه أبيض وذلك هو الأبلق فكيف يكون فرس واحد أشعل أبلق وهذا من أبي ~~القاسم تحامل على أبي تمام لأنه يصف فرسا أشعل ويريد بقوله إنه مسود شطر ~~ومبيض شطر أن سواده وبياضه متكافئان فلو جمع السواد لكان نصفه وكذلك البياض ~~وهذا الوصف من تكافؤ السواد والبياض في الأشعل محمود حتى إن النخاسين ~~يقولون أشعل شعرة شعرة فعلى هذا لا يكون شعر أبي تمام من المتناقض # ومما يعترض الشك فيه قول أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان # ( ولقد سلوت عن الشباب كما سلا % غيري ولكن للحزين تذكر ) PageV01P242 # فيقال كيف يجوز أن يسلو وهو حزين يتذكر وقد قرأت هذا البيت عليه في جملة ~~شعره ولم أسأله عنه والذي يحتمل عندي من التأويل أنه أراد بالسلو ههنا ~~اليأس ورفض الطمع فكأنه قال قد يئست من الطمع للشاب كما يئس غيري ولكني ~~حزين عليه أتذكره وهذا وجه قريب # وذهب أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب إلى تناقض قول ms156 أبي نواس في صفة ~~الخمر # ( كأن بقايا ما عفا من حبابها % تفاريق شيب في سواد عذار ) # ( تردت به ثم انفرى عن أديمها % تفري ليل عن بياض نهار ) # وقال إنه وصف في البيت الأول الحباب بالبياض حين شبهه بالشيب ولن يشبه ~~الشيب في شيء إلا في بياضه ووصف الخمر بالسواد حين شبهها بسواد العذار ثم ~~وصف الحباب في البيت الثاني بالسواد حين شبهه بتفري الليل ووصف الخمر ~~بالبياض حين قال بياض نهار وكون كل واحد من الحباب والخمر أسود وأبيض ~~مستحيل # وقد سأل أبو الفرج نفسه فقال إن قيل إنه لم يصف الحباب في البيت الثاني ~~بالسواد وإنما شبهه بالليل في تفريه وانحساره عن النهار دون نفس اللون ~~وأجاب عن هذا بأن أبا نواس قد صرح بأنه لم يرد غير اللون فقط لقوله عن بياض ~~نهار وفي هذا الشعر نظر وتأمل ليس هذا موضع تقصيه وإنما الغرض هذا التمثيل # وقد فرق بين المستحيل والممتنع بأن المستحيل هو الذي لا يمكن وجوده ولا ~~تصوره في الوهم مثل كون الشيء أسود أبيض وطالعا نازلا فإن هذا لا يمكن ~~وجوده ولا تصوره في الوهم والممتنع هو PageV01P243 الذي يمكن تصوره في ~~الوهم وإن كان لا يمكن وجوده مثل أن يتصور تركيب بعض أعضاء الحيوان من نوع ~~في نوع آخر منه كما يتصور يد أسد في جسم إنسان فإن هذا وإن كان لا يمكن ~~وجوده فإن تصوره في الوهم ممكن وقد يصح أن يقع الممتنع في النظم والنثر على ~~وجه المبالغة ولا يجوز أن يقع المستحيل البتة فأما قول أبي عبادة # ( لما مدحتك وافاني نداك على % أضعاف ظني فلم أظفر ولم أخب ) # فليس هذا من المتناقض لأنه من جهتين على ما ذكرناه فيما تقدم ألا ترى أن ~~معناه لم أظفر بنفس ما ظننته لأنك زدت عليه فكأن ظني لم يصدق لأنه لو صدق ~~لكان وقع على ما ظننته بعينه من غير زيادة عليه ولم أخب لأنك قد أعطيتني ~~ومن أعطي فما خاب وهذا صحيح واضح # ومن ms157 المتناقض على طريق المضاف قول عبد الرحمن بن عبد الله القس # ( وإني إذا ما الموت حل بنفسها % يزال بنفسي قبل ذك فأقبر ) # لأنه وضع هذا القول وضع الشرط وجعل جوابه يزال بنفسي ثم قال قبل ذاك ~~فكأنه قال إن نفسي تزول بعد نفسها وقبلها وهذا مثل قول القائل إذا دخل زيد ~~الدار دخل عمرو قبله وذلك متناقض # وقد ذهب أبو القاسم الآمدي إلى مناقضة أبي تمام في قوله # ( الرزق لا تكمد عليه فإنه % يأتي ولم تبعث إليه رسولا ) # وقوله بعده في صفة الناقة # ( لله درك أي معبر قفرة % لا يوحش ابن البيضة الإجفيلا ) PageV01P244 # ( بنت القفار متى تخد بك لا تدع % في الصدر منك على الفلاة غليلا ) # قال لأنه صرح في البيت الأول بذكر القعود عن طلب الرزق وأتبعه في البيت ~~الثاني بلا فصل بذكر الناقة وصفتها والرحيل عليها فكان ذلك مناقضة ظاهرة # ومن الصحة ألا يضع الجائز موضع الممتنع فإنه يجوز أن يضع الممتنع موضع ~~الجائز إذا كان في ذلك ضرب من الغلو والمبالغة ولا يحسن أن يوضع الجائز ~~موضع الممتنع لأنه لا علة لجواز ذلك وهو ضد ما يحمد من الغلو والمبالغة في ~~الشعر ومن أمثلة هذا قول الشاعر # ( وإن صورة راقتك فاخبر فربما % أمر مذاق العود والعود أخضر ) # فبنى الكلام على أن العود في الأكثر يكون حلوا بقوله فربما وليس الأمر ~~كذلك بل العود الأخضر في الأكثر مر وكأن هذا الشاعر وضع الأكثر موضع الأقل ~~وذلك غلط في المعنى # ومنه ما أنكره أبو القاسم الآمدي على أبي تمام في قوله يمدح الواثق بالله # ( جعل الخلافة فيه رب قوله % سبحانه للشيء كن فيكون ) # قال لأن مثل هذا إنما يقال في الأمر العجيب الذي لم يكن يقدر ولا يتوقع ~~ولا يظن أن مثله يكون فيقال إذا وقع ذلك قدرة قادر واحد وفعل من لا يعجزه ~~أمر ومن يقول للشيء كن فيكون فأما الأمور التي لا يتعجب منها ولا تستغرب ~~والعادات جارية بها وبما أشبهها فلا يقال فيها مثل هذا وإنما ms158 يسبح الله ~~تبارك وتعالى وتذكر قدرته على تكوين الأشياء لو جاءوا بأبي العبر أو بجحا ~~فجعلوه خليفة فأما الواثق PageV01P245 فما وجه تسبيح أبي تمام في أن أفضت ~~الخلافة إليه وأبوه المعتصم وجده الرشيد وجد أبيه المهدي وجد جده المنصور ~~وأخو جد جده السفاح وعماه خليفتان الأمين والمأمون وعم أبيه الهادي فذلك ~~ثمانية خلفاء هو تاسعهم وهذا الذي ذكره أبو القاسم صحيح واضح # ومن الصحة صحة التشبيه وهو أن يقال أحد الشيئين مثل الآخر في بعض المعاني ~~والصفات ولن يجوز أن يكون أحد الشيئين مثل الآخر من جميع الوجوه حتى لا ~~يعقل بينهما تغاير البتة لأن هذا لو جاز لكان أحد الشيئين هو الآخر بعينه ~~وذلك محال وإنما الأحسن في التشبيه أن يكون أحد الشيئين يشبه الآخر في أكثر ~~صفاته ومعانيه وبالضد حتى يكون رديء التشبيه ما قل شبهه بالمشبه به # وقد يكون التشبيه بحروفه كالكاف وكأن وما يجري مجراهما وقد يكون بغير حرف ~~على ظاهر المعنى ويستحسن ذلك لما فيه من الإيجاز # والأصل في حسن التشبيه أن يمثل الغائب الخفي الذي لا يعتاد بالظاهر ~~المحسوس المعتاد فيكون حسن هذا لأجل إيضاح المعنى وبيان المراد أو يمثل ~~الشيء بما هو أعظم وأحسن وأبلغ منه فيكون حسن ذلك لأجل الغلو والمبالغة # ومما ورد في القرآن من ذلك قوله تعالى @QB@ والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون ~~مما كسبوا على شيء @QE@ وقوله PageV01P246 تعالى @QB@ إنما مثل الحياة ~~الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس ~~والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها ~~أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان @QE@ وقوله عز وجل @QB@ ~~مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا @QE@ وقوله ~~تبارك وتعالى @QB@ مثل الذين اتخذوا من ms159 دون الله أولياء كمثل العنكبوت ~~اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون @QE@ وقوله جل ~~وعز @QB@ وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام @QE@ # وهذه التشبيهات كلها ما بيناه من تشبيه الخفي بالظاهر المحسوس والذي لا ~~يعتاد بالمعتاد لما في ذلك من البيان إلا قوله تبارك وتعالى @QB@ وله ~~الجوار المنشآت في البحر كالأعلام @QE@ فإنه شبه الشيء بما هو أعظم منه على ~~وجه المبالغة # ومن التشبيه في الشعر قوله النابغة الذبياني # ( فإنك كالليل الذي هو مدركي % وإن خلت أن المنتأى عنك واسع ) # وهذا التشبيه يجمع المقصودين من الظهور والمبالغة أما الظهور فلأن علم ~~الناس بأن الليل لا بد من إدراكه له أظهر من علمهم بأن النعمان لا بد من ~~إدراكه له وأما المبالغة فإن تشبيهه بالليل الذي لا يصد دونه حائل أعظم ~~وأفخم وأبلغ في المدح PageV01P247 # ومن التشبيه أيضا قول زيد بن عوف العليمي يذكر صوت جرع رجل قراه اللبن # ( فعب دخالا جرعه متواتر % كوقع السحاب بالطراف الممدد ) # وهذا تشبيه جيد لأنه شبه صوت اللبن على عصب المرىء من حلق الإنسان بصوت ~~المطر على الخباء المصنوع من الأدم وذلك من أصح التشبيه لأن المريء من جنس ~~الأدم واللبن من جنس الماء فصوتاهما متشابهان لأن السبب في اختلاف الأصوات ~~تخالف الأجسام التي تحدث فيها والغرض في هذا التشبيه المبالغة # ومن التشبيه المختار قول امرىء القيس # ( كأن قلوب الطير رطبا ويابسا % لدى وكرها العناب والحشف البالي ) # وهذا من التشبيه المقصود به إيضاح الشيء لأن مشاهدة العناب والحشف البالي ~~أكثر من مشاهدة قلوب الطير رطبة ويابسة وروى عن بشار بن برد أنه قال ما زلت ~~منذ سمعت بيت امرىء القيس هذا أطلب أن يقع لي تشبيهان في بيت واحد حتى قلت # ( كأن مثار النقع فوق رؤوسنا % وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ) # فشبهت النقع بالليل والسيوف بالكواكب وهذا تشبيه للمبالغة والتفخيم # ومن التشبيه المختار قول عدي بن الرقاع العاملي # ( وكأنها بين النساء أعارها % عينيه أحور من جآذر جاسم ) # ( وسنان أقصده النعاس فرنقت % في عينه سنة وليس ms160 بنائم ) PageV01P248 # وقوله أيضا # ( تزجى اغن كأن إبرة روقه % قلم أصاب من الدواة مدادها ) # وقول عنترة # ( وخلا الذباب بها فليس ببارح % غردا كفعل الشارب المترنم ) # ( هزجا يحك ذراعه بذراعه % قدح المكب على الزناد الأجذم ) # وقول الحسين بن مطير الأسدي # ( فتى عيش في معروفه بعد موته % كما كان بعد السيل مجراه مرتعا ) # وقول الطرماح # ( يبدو وتضمره البلاد كأنه % سيف على شرف يسل ويغمد ) # وقول أبي الحسن التهامي # ( والصبح قد غمر النجوم كأنه % سيل طغى فطفى على النوار ) # وقول أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان # ( والخل كالماء يبدي لي ضمائره % مع الصفاء ويخفيها مع الكدر ) ~~PageV01P249 # وقوله # ( وسهيل كوجنة الحب في اللون % وقلب المحب في الخفقان ) # ( يسرع اللمح في احمرار كما تسرع % في اللحظ مقلة الغضبان ) # وقوله # ( تراقب أظلاف الوحوش نواصلا % كأصداف بحر حول أزرق مترع ) # وهذه تشبيهات صحاح وأمثالها كثيرة # وقد والى أبو القاسم محمد بن هانىء الأندلسي التشبيه بكأن في أبيات كثيرة ~~فقال # ( كأن رقيب النجم أجدل مرقب % يقلب تحت الليل في ريشه طرفا ) # ( كأن بني نعش ونعشا مطافل % بوجرة قد أضللن في مهمه خشفا ) # ( كأن سهيلا في مطالع أفقه % مفارق إلف لم يجد بعده إلفا ) PageV01P250 # ( كأن سهاها عاشق بين عود % فآونة يبدو وآونة يخفى ) # ( كأن معلى قطبها فارس له % لواآن مركوزان قد كره الزحفا ) # ( كأن قدامى النسر والنسر واقع % قصصن فلم تسم الخوافي به ضعفا ) # ( كأن أخاه حين دوم طائرا % أتى دون نصف البدر فاختطف النصفا ) # ( كأن الهزيع الآبنوسي آونا % سرى بالنسيج الخسرواني ملتفا ) # ( كأن ظلام الليل إذ مال ميلة % صريع مدام بات يشربها صرفا ) # ( كأن عمود الصبح خاقان معشر % من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى ) # ( كأن لواء الشمس غرة جعفر % رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا ) # فأما التشبيه بغير حرف التشبيه فكقول امرىء القيس # ( سموت إليها بعد ما نام أهلها % سمو حباب الماء حالا على حال ) ~~PageV01P251 # وقول النابغة # ( نظرت إليك بحاجة لم تقضها % نظر المريض إلى وجوه العود ) # وقوله أيضا # ( فإنك شمس والملوك كواكب % إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ms161 ) # وقول أبي عبادة # ( يهوى كما تهوى العقاب وقد رأت % صيدا وينتصب انتصار الأجدل ) # وقول أبي نصر بن نباتة وقد يذكر في التمثيل # ( خلقنا بأطرفا القنا لظهورهم % عيونا لها وقع السيوف حواجب ) # وقول أخت ذي الكلب # ( تمشي النسور إليه وهي لاهية % مشي العذارى عليهن الجلابيب ) # وقول ديك الجن # ( سفرن بدورا وانتقبن أهلة % ومسن غصونا والتفتن جآذرا ) # وقول الوأواء الدمشقي PageV01P252 # ( فأسبلت لؤلؤا من نرجس وسقت % وردا وعضت على العناب بالبرد ) # وقول أبي إسحاق الصابي يصف الطير التي تصاد بالبندق محمولة على حكم ~~الكفار إذ يقتلون ومصيرهم إلى النار # ومما يحتاج إليه التشبيه أن يكون الأمر المشبه به واقعا مشاهدا معروفا ~~غير مستنكر ليوافق ذلك المقصود بالتشبيه والتمثيل من الإيضاح والبيان ولهذا ~~عاب نصيب على الكميت قوله # ( كأن الغطامط من غليها % أراجيز أسلم تهجو غفارا ) # وقال له أخطأت ما هجت أسلم غفارا قط وأراد نصيب من الكميت أن يكون شبه ~~بشيء واقع معروف وهذا كما يقال كأن مناقضة فلان وفلان مناقضة جرير والفرزدق ~~فيكون هذا الكلام صحيحا ولو قيل كأن مناقضتها مناقضة الأحوص وعمر بن أبي ~~ربيعة لم يكن ذلك التشبيه صحيحا إذ كان المشبه به لم يقع وعلى هذا أكره قول ~~علقمة بن عبدة # ( كأن إبريقهم ظبي على شرف % مفدم بسبا الكتان ملثوم ) # على أن يكون مفدم من صفة الظبي لأن الظبي لا يكون مفدما بسبا الكتان ~~ملثوما فكأن التشبيه وقع بما لا يشاهد ولا يعرف وإن كان المفدم راجعا إلى ~~الإبريق فذلك صحيح PageV01P253 # وكذلك قول الحكم لعله عبد الرحمن بن الحكم وليحقق # ( كانت بنو غالب لأمتها % كالغيث في كل ساعة يكف ) # فإن العادة لم تجر بأن الغيث يكف في كل ساعة وإن كان هذا البيت يحتمل من ~~التأويل أن يكون معناه كان هؤلاء القوم كالغيث إلا أنه غيث يكف كل ساعة وإن ~~لم يدل لفظه على هذا المعنى دلالة واضحة # ومن هذا الفن قول أيمن # ( فإنا قد وجدنا أم بشر % كأم الأسد مذكارا ولودا ) # لأن أم الأسد ليست كذلك # وأما ردىء ms162 التشبيه فكقول المرار # ( وخال على خديك يبدو كأنه % سنا البدر في دعجاء باد دجونها ) # لأن الخدود بيض والمتعارف أن يكون الخال أسود فتشبيه الخدود بالليل ~~والخال بضوء البدر تشبيه ناقض للعادة # فإن قيل قد مضى في كلامكم أن المشبه به يجب أن يكون معروفا واضحا أبين من ~~الشيء الذي يشبه فما تقولون في قوله تعالى في شجرة الزقوم @QB@ إنها شجرة ~~تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين @QE@ ورؤوس الشياطين غير ~~مشاهدة قيل إن الزقوم غير مشاهد ورؤوس الشياطين غير مشاهدة إلا أنه قد ~~استقر في نفوس الناس من قبح الشياطين ما صار بمنزلة المشاهد كما استقر في ~~PageV01P254 نفوسهم من حسن الحور العين ما صار بمنزلة المشاهد حتى إنهم إذا ~~شبهوا وجها بوجه الحور كان تشبيها صحيحا وإن كانت الحور لم تشاهد ولم يستقر ~~في نفوسهم قبح طلع الزقوم كما استقر في نفوسهم قبح رؤوس الشياطين فكأن ~~المشبه به أوضح وفي رؤوس الشياطين أيضا من المبالغة في القبح ما ليس في طلع ~~الزقوم وقد قيل في بعض التفاسير إن الشياطين هنا الحيات وعلى هذا القول ~~يسقط السؤال لأن الحيات مشاهدة # ومن ظريف التشبيه قول ابن هرمة # ( وإني وتركي ندى الأكرمين % وقدحي بكفي زنادا شحاحا ) # ( كتاركة بيضها بالعراء % وملبسة بيض أخرى جناحا ) # وقول الفرزدق # ( وإنك إذ تهجو تميما وترتشي % سرابيل قيس أو سحوق العمائم ) # ( كمهريق ماء بالفلاة وغره % سراب أذاعته رياح السمائم ) # فإن بيت ابن هرمة الثاني يليق ببيت الفرزدق الأول وبيت الفرزدق الثاني ~~يليق ببيت ابن هرمة الأول حتى أن ابن هرمة لو قال # ( وإني وتركي ندى الأكرمين % وقدحي بكفي زنادا شحاحا ) # ( كمهريق ماء بالفلاة وغره % سراب أذاعته رياح السمائم ) # والفرزدق لو قال # ( وإنك إذ تهجو تميما وترتشي % سرابيل قيس أو سحوق العمائم ) PageV01P255 # ( كتاركة بيضها بالعراء % وملبسة بيض أخرى جناحا ) # لكان كل واحد منهما قد شبه تشبيها واضحا صحيحا فأما والشعر على ما هو ~~عليه فإن التشبيه بعيد # ومن الصحة صحة الأوصاف في الأغراض وهو أن يمدح الإنسان بما يليق ms163 به ولا ~~ينفر عنه فيمدح الخليفة بتأييد الدين وتقوية أمره ومحبة الناس وطاعتهم ~~والتقى والورع والرحمة والرأفة وإقامة العدل وشرف الحسب وحسن السياسة ~~والتدبير والإضطلاع بالأمور والحلم والعفو والعلم وحفظ الشرع والجمال ~~والبهاء والهيبة والشجاعة وكرم الأخلاق ولينها وما يجري هذا المجرى ويمدح ~~الوزير والكتاب بالعقل والحلم وسداد الرأي وحسن التدبير والبلاغة وتثمير ~~الأموال والعدل والكرم وما يليق بهذا وبمدح الأمير وقائد الجيش بالشجاعة ~~والمعرفة بالحرب وحسن النقيبة والظفر والصبر وسداد التدبير وما أشبه ذلك ~~وعلى هذا السبيل يجري الأمر في النسيب فيذكر فيه صدق الهوى والمحبة وشدة ~~الوجد والصبابة وكتمان الأسرار ومخالفة العذال وما يتفرع عن ذلك ويلحق به ~~وكذلك في كل غرض من الأغراض الشعرية من هجاء وفخر وعتاب ووصف وغير ذلك حتى ~~يكون كل شيء موضوعا في المكان الذي يليق به # فأما النثر فيجري على هذا المنهاج ويحتاج فيه إلى معرفة المواضعات في ~~الخطاب والإصطلاحات فإن للكتب السلطانية من الطريقة ما لا يستعمل في ~~الإخوانيات وللتوقيعات من الأساليب ما لا يحسن في التقاليد # وهذا الباب أعني المواضعة والإصطلاح في الخطاب يتغير بحسب تغير الأزمنة ~~والدول فإن العادة القديمة قد هجرت ورفضت واستجد الناس عادة بعد عادة حتى ~~إن الذي يستعمل اليوم في الكتب غير ما PageV01P256 كان يستعمل في أيام أبي ~~إسحاق الصابي مع قرب زمانه منا وإذا كان الأمر على هذا جاريا فليس يصح لنا ~~أن نضع رسوما نوجب اقتفاءها لأنا نحن في هذا الزمان قد غيرنا الرسم المتقدم ~~لمن قبلنا وكذلك ربما جرى الأمر فيما بعدنا # لكن أصول الأغراض في الأوصاف والمعاني مما لا تتبدل ولا تتغير فليكن ~~الائتمام بها واقعا والاجتهاد في جريها على قانون السداد والصواب حاصلا فقد ~~عيب أبو عبادة في مديحه الخليفة بقوله # ( لا العذل يردعه ولا التعنيف % عن كرم يصده ) # وقيل من هو الذي يجسر على عذل الخليفة وتعنيفه وليس هذا المدح مما يصلح ~~للملوك والأمراء فضلا عن الأئمة والخلفاء # وعيب أبو ذؤيب الهذلي في قوله يصف الفرس # ( قصر الصبوح لها ms164 فشرج لحمها % بالني فهي تثوخ فيها الإصبع ) # وقيل وصف لحمها باللين وإنما يحمد صلابة لحم الفرس # وعيب قول أبي عبادة # ( ذنب كما سحب الرداء يذب عن % عرف وعرف كالقناع المسبل ) # وقول امرىء القيس قبله # ( لها ذنب مثل ذيل العروس % تسد به فرجها ممن دبر ) PageV01P257 # وقيل المحمود من ذنب الفرس أن يكون طويلا ولا ينال الأرض كما قال امرؤ ~~القيس # ( كميت إذا استدبرته سد فرجه % بضاف فويق الأرض ليس بأعزل ) # وعيب جميل في قوله # ( رمى الله في عيني بثينة بالقذى % وفي الغر من أنيابها بالقوادح ) # وقيل ليس هذا كلام صادق المحبة بل هذا دعاء مبغض قد تجاوز قدر السلوة # وعيب عبد الرحمن القس في قوله # ( سلام ليت لسانا تنطقين به % قبل الذي نالني من صوته قطعا ) # وقيل هذا غاية الغلظ والجفاء والمخالفة لعادة أهل الهوى # وسمع أبو السائب المخزومي قول إسحاق الأعرج # ( فلما بدالي ما رابني % نزعت نزوع الأبي الكريم ) # فقال قبحه الله والله ما أحبها ساعة قط # وعيب على جرير قوله في بشر بن مروان PageV01P258 # ( قد كان حقك أن تقول لبارق % يا آل بارق فيم سب جرير ) # وقال بشر أما وجد ابن اللخناء رسولا غيري # وعيب على أبي نواس قوله في الفضل بن يحيى # ( سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد % هواها لعل الفضل يجمع بيننا ) # وقال الفضل ما زاد على أن جعلني قوادا # وعيب على الأخطل قوله يهجو سويد بن منجوف # ( وما جذع سوء خرب السوس وسطه % لما حملته وائل بمطيق ) # وقال سويد له أردت هجائي فمدحتني جعلت وائلا كلها حملتني أمرها وما طمعت ~~في بني ثعلبة فضلا عن بكر وزدتني بني تغلب # وعيب عليه أيضا قوله يمدح سماكا الأسدي وهو من قوم يلقبون القيون # ( قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه % فاليوم طير عن أثوابه السرر ) # وقال سماك يا أخطل أردت مدحي فهجوتني كان الناس يقولون قولا فحققته # وعيب عليه أيضا قوله PageV01P259 # ( وقد جعل الله الخلافة فيكم % لأزهر لا عاري الخوان ولا جدب ) # وقيل ليس يليق هذا بمدح الخلفاء إنما ms165 يصلح للطبقة السفلى من الناس # وعيب على كثير قوله # ( أريد لأنسى ذكرها فكأنما % تمثل لي ليلى بكل سبيل ) # وقيل لم أراد أن ينسى ذكرها حتى تتمثل له # وعيب عليه قوله أيضا # ( فما روضة بالحزن طيبة الثرى % يمج الندى جثجاثها وعرارها ) # ( بأطيب من أرادن عزة موهنا % وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها ) # وقيل أن زنجية بخرت بمندل رطب لكانت أردانها طيبه # وعيب على ذي الرمة قوله في الناقة # ( تصغى إذا شدها بالكور جانحة % حتى إذا ما استوى في غرزها تثب ) # وقيل إذا كانت كما وصف رمت الراكب قبل أن يستوي على ظهرها PageV01P260 # وعيب على الأحوص قوله # ( يقر بعيني ما يقر بعينها % وأفضل شيء ما به العين قرت ) # وقيل له إنه يقر بعينها أن تنكح أفيقر ذلك بعينك # وعيب عليه أيضا قوله # ( فإن تصلى أصلك وإن تبيني % بهجر بعد وصلك لا أبالي ) # وقيل له لو كنت فحلا لباليت # وعيب على الفرزدق قوله # ( بأي رشاء يا جرير وماتح % تدليت في حومات تلك القماقم ) # وقيل جعل جريرا أعلى من الفرزدق وقومه حين قال إنه تدلى عليهم # وعيب على جرير قوله # ( وأوثق عند المردفات عشية % لحاقا إذا ما جرد السيف لامع ) # وقيل جعلهن قد سبين بالغداة ولحقن بالعشي # وعيب عليه أيضا قوله # ( طرقتك صائدة القلوب وليس ذا % وقت الزيارة فارجعي بسلام ) # ( تجري السواك على أغر كأنه % برد تحدر من متون غمام ) # وقيل أي وقت لا تصلح فيه زيارة الحبي ولما طردها لم وصفها PageV01P261 # وعيب على زهير قوله في الضفادع # ( يخرجن من شربات ماؤها طحل % على الجذوع يخفن الغم والغرقا ) # وقيل الضفادع لا تخرج من الماء خوف الغم والغرق # وعيب على أبي العتاهية قوله # ( إني أعوذ من التي شغفت % مني الفؤاد بآية الكرسي ) # وقيل إنما يستعاذ بآية الكرسي من الشياطين # وعيب على أبي الطيب المتنبي قوله # ( لو استطعت ركبت الناس كلهم % إلى سعيد بن عبد الله بعرانا ) # وقيل من جملة الناس أمه فكان ينبغي أن يركبها # وعيب عليه أيضا قوله # ( ليت أنا إذا ارتحلت لك الخيل % وأنا ms166 إذا نزلت الخيام ) # وقيل الخيام تعلو على الممدوح # وعيب على امرىء القيس قوله # ( وأركب في الروع خيفانة % كسا وجهها سعف منتشر ) # وقيل كثرة شعر الناصية مذموم في الفرس وهو الغمم # وعيب عليه أيضا قوله # ( أغرك مني أن حبك قاتلي % وأنك مهما تأمري القلب يفعل ) # وقيل إذا كان هذا لا يغر فماذا الذي يغر PageV01P262 # وعيب على أبي نواس قوله في الأسد # ( كأنما عينه إذا نظرت % بارزة الجفن عين مخنوق ) # وقيل الأسد لا يوصف بجحوظ العين وإنما يوصف بغؤورها # وعيب على عبد الله بن السمط قوله # ( أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا % بالدين والناس بالدنيا مشاغيل ) # وقيل ما زاد على أن جعله عجوزا في محرابها وإذا كان مشتغلا عن الدنيا فمن ~~القائم بها وهو الخليفة # وعيب على كعب بن زهير قوله # ( ضخم مقلدها فعم مقيدها % في خلقها عن بنات الفحل تفضيل ) # وقيل إنما توصف النجائب بدقة المذبح # وعيب على المسيب قوله # ( وقد أتناسى الهم عند احتضاره % بناج عليه الصيعرية مكدم ) # وقالوا الصيعرية سمة للنوق لا للفحول وسمعه طرفة بن العبد وهو صبي فقال ~~استنوق الجمل # وعيب على المرقش الأصغر قوله # ( صحا قلبه عنها سوى أن ذكرة % إذا خطرت دارت به الأرض قائما ) ~~PageV01P263 # وقيل هذا من المتناقض لأن من يكون إذا ذكرت دارت به الأرض قائما ليس بصاح # وعيب على عدي بن زيد قوله في صفة الخمر # ( والمشرف الهندي يسقى به % أخضر مطموثا بماء الخريص ) # وقيل وصف الخمر بالخضرة وما وصفها أحد بذلك # وعيب على الفرزدق قوله # ( أبني غدانة إنني حررتكم % فوهبتكم لعطية بن جعال ) # ( لولا عطية لاجتدعت أنوفكم % من بين ألأم لحية وسبال ) # وقيل كيف يهبهم له وهو يهجوهم بهذا الهجاء وقال عطية حين بلغه هذا الشعر ~~ما أسرع ما ارتجع أخي في هبته # وعيب على أبي تمام قوله # ( رقيق حواشي العلم لو أن حلمه % بكفيك ما ماريت في أنه برد ) # وقيل وصف الحلم بالرقة وإنما يوصف بالعظم والثقل والرزانة # وعيب عليه أيضا قوله # ( الود للقربى ولكن عرفه % للأبعد الأوطان دون الأقرب ) # وقيل ms167 لم منع ذوي القربى من عرفه وجعله في الأبعدين دونهم وهلا كان عطاؤه ~~عاما للقريب والبعيد # وعيب عليه أيضا قوله PageV01P264 # ( لو كان في عاجل من آجل بدل % لكان في وعده من رفده بدل ) # وقيل ولم لا يكون في العاجل من الآجل بدل والناس كلهم على اختيار العاجل ~~وإيثاره # وعيب عليه أيضا قوله # ( يقظ وهو أكثر الناس إغضاء % على نائل له مسروق ) # وقيل هذا هجو لأنه جعل نائله يؤخذ منه على وجه السرقة # وعيب على الفرزدق قوله # ( ومن يأمن الحجاج والطير تتقي % عقوبته إلا ضعيف العزائم ) # وقال له الحجاج الطير تتقي الثوب وتتقي الصبي # وأمثال هذا أكثر من أن تحصى مما وقع فيه فساد الأغراض والصفات # وقد كان أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب يذهب إلى أن المدح بالحسن ~~والجمال والذم بالقبح والدمامة ليس بمدح على الحقيقة ولا ذم على الصحة ~~ويخطىء كل من يمدح بهذا ويذم بذاك ويستدل بإنكار عبد الملك بن مروان على ~~عبيد الله بن قيس الرقيات قوله فيه # ( يأتلق التاج فوقه مفرقه % على جبين كأنه الذهب ) # وقوله له تقول في هذا وتقول لمصعب # ( إنما مصعب شهاب من الله % تجلت عن وجهه الظلماء ) # وقد أنكر هذا المذهب على أبي الفرج أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي وقال ~~إنه خالف فيه مذاهب الأمم كلها عربيها وأعجميها PageV01P265 لأن الوجه ~~الجميل يزيد في الهيبة ويتيمن به ويدل على الخصال المحمودة وهذا الذي ذكره ~~أبو القاسم صحيح ولو لم يكن في ذلك إلا ما قد جبلت النفوس عليه من الميل ~~إلى الوجوه الحسان لكفى وأغنى فإن كان قدامة يعتقد أن ذاك ليس بفضيلة لما ~~كان الإنسان قد خلق عليه فهذا حكم جميع الفضائل النفسانية فإن الكريم قد ~~خلق كريما والشجاع شجاعا والعاقل عاقلا وكما لا يقدر القبيح الوجه على أن ~~يستبدل صورة غير صورته كذلك لا يقدر الجاهل على أن يستفيد عقلا فوق عقله ~~ويلزم قدامة ألا يجيز المدح بشرف النفس والنسب وكرم الأصل لأن ذلك أيضا ~~يجري مجرى الصور ولا صنيع ms168 للممدوح في شيء منهما والأمر في هذا ظاهر فأما ~~إنكار عبد الملك على ابن قيس الرقيات مدحه له بالتاج فإنما أنكره لأن ~~التيجان كانت من زي ملوك العجم ولم يكن خلفاء العرب يعرفونها فقال له ~~تمدحني كما تمدح ملوك الأعاجم وتمدح مصعبا كما تمدح الخلفاء والأمر على ما ~~قال عبد الملك لأن مدح الخليفة بأنه شهاب من الله تعالى أبلغ من مدحه ~~باعتدال التاج فوق مفرقه وهذا كما أنكر على كثير قوله فيه # ( على ابن أبي العاص دلاص حصينة % أجاد المسدي نسجها فأذالها ) # وقال قول الأعشى # ( كنت المقدم غير لابس جنة % بالسيف تضرب معلما أبطالها ) # أحسن من قولك فأراد عبد الملك في الموضعين المبالغة ومدحه بالأفضل ~~والأحسن PageV01P266 # ومن الصحة صحة المقابلة في المعاني وهو أن يضع مؤلف الكلام معاني يريد ~~التوفيق بين بعضها وبعض والمخالفة فيأتي في الموافق بما يوافق وفي المخالف ~~بما يخالف على الصحة والأصل في هذه المناسبة فإن لها تأثيرا قويا في الحسن ~~ومن أمثلة ذلك في النظم قول الطرماح # ( أسرناهم وأنعمنا عليهم % وأسقينا دماءهم الترابا ) # ( فما صبروا لبأس عند حرب % ولا أدوا الحسن يد ثوابا ) # وهذه مقابلة صحيحة # ومن ذلك أيضا قول الآخر # ( جزى الله خيرا ذات بعل تصدقت % على عزب حتى يكون له أهل ) # ( فإنا سنجزيها بمثل فعالها % إذا ما تزوجنا وليس لها بعل ) # وهذه أيضا مقابلة صحيحة لأنه جعل في مقابلة أن تكون المرأة ذات بعل وهو ~~لا زوج له أن يكون ذا زوج وهي لا بعل لها وقابل حاجته وهو عزب بحاجتها وهي ~~عزبة # ومن أمثلة ذلك في النثر قول أبي إسحاق الصابي وأن يخلد في بطون الصحائف ~~غلطنا وغلطك في إحساننا وإساءتك وحفظنا وإضاعتك وكتب بعضهم في كتاب له ولو ~~أن الأقدار إذ رمت بك من المراتب إلى أعلاها بلغت من أفعال السؤدد إلى ما ~~وازاها فوازيت بمساعيك مراقيك وعادت النعمة بك بالنعمة فيك ولكنك قابلت سمو ~~الدرجة بدنو الهمة ورفيع الرتبة بوضيع الشيمة فعاد علوك بالإتفاق إلى حال ~~دنوك بالإستحقاق وصار ms169 جناحك في الإنتهاض إلى مثل ما PageV01P267 عليه قدرك ~~في الإنخفاض ولا لوم على القدر إذا أذنب فيك وأناب وغلط فعاد إلى الصواب ~~وهذا كلام معانيه متقابلة على الصحة ومن ذلك قول هند بنت النعمان شكرتك يد ~~نالتها خصاصة بعد نعمة ولا ملكتك يد نالت ثروة بعد فاقة # فأما فساد المقابلة فكقول أبي عدي القرشي # ( يا ابن خير الأخبار من عبد شمس % أنت زين الدنا وغيث الجنود ) # فليس غيث الجنود مقابلا لزين الدنيا ولا موافقا # ومن الصحة صحة النسق والنظم وهو أن يستمر في المعنى الواحد وإذا أراد أن ~~يستأنف معنى آخر أحسن التخلص إليه حتى يكون متعلقا بالأول وغير منقطع عنه ~~ومن هذا الباب خروج الشعراء من النسيب إلى المدح فإن المحدثين أجادوا ~~التخلص حتى صار كلامهم في النسيب متعلقا بكلامهم في المدح لا ينقطع فأما ~~العرب المتقدمون فلم يكونوا يسلكون هذه الطريقة وإنما كان أكثر خروجهم من ~~النسيب إما منقطعا وإما مبنيا على وصف الإبل التي ساروا إلى الممدوح عليها ~~ومما يستحسن من خروج المحدثين قول أبي عبادة البحتري يصف الروض # ( شقائق يحملن الندى فكأنه % دموع التصابي في خدود الخرائد ) # ( كأن يد الفتح بن خاقان أرفلت % تليها بتلك البارقات الرواعد ) # وقوله # ( ولو أنني أعطيت فيهن المنى % لسقيتهن بكف إبراهيما ) PageV01P268 # وقول محمد بن وهيب # ( ما زال يلثمني مراشفه % ويعلني الإبريق والقدح ) # ( حتى استرد الليل خلعته % وبدا خلال سواده وضح ) # ( وبدا الصباح كأن غرته % وجه الخليفة حين يمتدح ) # وقال الفرزدق # ( وركب كأن الريح تطلب عندهم % لها ترة من جذبها بالعصائب ) # ( سروا يخبطون الليل وهي تلفهم % إلى شعب الأكوار من كل جانب ) # ( إذا آنسوا نارا يقولون ليتها % وقد خصرت أيديهم نار غالب ) # ومن الخروج إلى الذم قول إسحاق بن إبراهيم # ( فما ذر قرن الشمس حتى رأيتنا % من العي نحكي أحمد بن هشام ) # وقول أبي عبادة # ( ما إن يعاف قذى ولو أوردته % يوما خلائق حمدويه الأحول ) # فأما الخروج المنقطع فكقول أبي عبادة أيضا # ( تأبى رباه أن تجيب ولم يكن % مستخبر ليجيب حتى يفهما ms170 ) # ( الله جار بني المدبر كلما % ذكر الأكارم ما أعف وأكرما ) # وقول أبي تمام PageV01P269 # ( لو رأى الله أن في الشيب فضلا % جاورته الأبرار في الخلد شيبا ) # ( كل يوم تبدي صروف الليالي % خلقا من أبي سعيد غريبا ) # وأمثال هذا للمتقدمين كثير # وأما إذا ابتدىء بالمديح أو بغيره من الأغراض فالأحسن أن يكون الابتداء ~~دالا على المعنى المقصود كما ابتدأ أبو الطيب المتنبي قصيدته التي مدح بها ~~سيف الدولة واعتذر له عن ظفر الروم بجيشه وقتلهم وأسرهم جماعة منهم فقال # ( غيري بأكثر هذا الناس ينخدع % إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا ) # فابتدأ بغرضه من أول القصيدة # ومن الصحة صحة التفسير وهو أن يذكر مؤلف الكلام معنى يحتاج إلى تفسيره ~~فيأتي به على الصحة من غير زيادة ولا نقص كقول الفرزدق # ( لقد جئت قوما لو لجأت إليهم % طريد دم أو حاملا ثقل مغرم ) # ( لألفيت فيهم معطيا ومطاعنا % وراءك شزرا بالوشيج المقوم ) # وهذا تفسير للأول موافق # فأما فساد التفسير فكقول بعضهم # ( فيا أيها الحيران في ظلم الدجى % ومن خاف أن يلقاه بغي من العدى ) # ( تعال إليه تلق من نور وجهه % ضياء ومن كفيه بحرا من الندى ) ~~PageV01P270 # فإن هذا الشاعر لما قدم في البيت الأول الظلم وبغي العدى كان الوجه في ~~التفسير أن يأتي في البيت الثاني بما يليق به فأتى بالضياء بإزاء الظلم ~~وذلك صواب وكان يجب أن يأتي بإزاء بغي العدى بالنصرة أو العصمة أو ما جرى ~~مجرى ذلك فلما جعل مكانه ذكر الندى كان التفسير فاسدا # وأما كمال المعنى فهو أن تستوفي الأحوال التي تتم بها صحته وتكمل جودته ~~وذلك مثل قول نافع بن خليفة الغنوي # ( رجال إذا لم يقبل الحق منهم % ويعطوه عاذوا بالسيوف القواضب ) # فتمم المعنى بقوله ويعطوه لأنه لو اقتصر على قوله إذا لم يقبل الحق منهم ~~عاذوا بالسيوف كان المعنى ناقصا # ومن أمثلة ذلك في النثر قول بعضهم فخلقت به أسباب الجلالة غير مستشعر ~~فيها النخوة وترامت به أحوال الصرامة غير مستعمل معها السطوة هذا مع دماثة ~~في غير ms171 حصر ولين جانب من غير خور فكمل المعنى في هذا الكلام لان من كمال ~~الجلالة أن تزول عنها النخوة وكمال الصرامة أن تسلم من السطوة ونمام ~~الدماثة أن تكون بغير حصر ولين الجانب أن يكون من غير خور ومن هذا الجنس ~~قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الوالي يجب أن يكون معه شدة في غير عنف ~~ولين في غير ضعف # وأما المبالغة في المعنى والغلو فإن الناس مختلفون في حمد الغلو وذمه ~~فمنهم من يختاره ويقال أحسن الشعر أكذبه ويستدل بقول النابغة وقد سئل من ~~أشعر الناس فقال من استنجد كذبه وأضحك رديئه وهذا هو مذهب اليونانيين في ~~شعرهم ومنهم من يكره الغلو والمبالغة التي تخرج إلى الإحالة ويختار ما قارب ~~الحقيقة ودانى الصحة ويعيب قول أبي نواس PageV01P271 # ( وأخفت أهل الشرك حتى إنه % لتخافك النطف التي لم تخلق ) # لما في ذلك من الغلو والإفراط الخارج عن الحقيقة والذي أذهب إليه المذهب ~~الأول في حمد المبالغة والغلو لأن الشعر مبني على الجواز والتسمح لكن أرى ~~أن يستعمل في ذلك كاد وما جرى في معناها ليكون الكلام أقرب إلى حيز الصحة ~~كما قال أبو عبادة # ( أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا % من الحسن حتى كاد أن يتكلما ) # وقال أبو الطيب # ( يطمع الطير فيهم طول أكلهم % حتى تكاد على أحيائهم تقع ) # فهذان البيتان قد تضمنا غلوا لكن لما جاءت فيهما كاد قربتهما إلى الصحة # وأما المبالغة بغير كاد فكقول أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان # ( ونبالة من بحتر لو تعمدوا % بليل أناسي النواظر لم يخطوا ) # وقول النمر يصف السيف # ( تظل تحفر عنه إن ضربت به % بعد الذراعين والساقين والهادي ) # وقول النابغة # ( تقد السلوقي المضاعف نسجه % ويوقدن بالصفاح نار الحباحب ) PageV01P272 # وقول ابن هانىء الأندلسي # ( أمديرها من حيث دار لشد ما % زاحمت تحت ركابه جبريلا ) # وأما استعمال الغلو الخارج إلى الإحالة في النثر فقليل وأكثر ما يستعمل ~~فيه المبالغة التي تقارب الحقيقة كقول بعضهم لهم جود كرام اتسعت أحوالها ~~وبأس ليوث تتبعها ms172 أشبالها وهمم ملوك انفسحت آمالها وفخر صميم شرفت أعمامها ~~وأخوالها فبالغ لما جعل لهم جود الكرام مع اتساع الحال وبأس الليوث مع ~~اتباع الأشبال وكذلك ما بعده من الكلام # ومن المبالغة قول النابغة الذبياني # ( ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم % بهن فلول من قراع الكتائب ) # وإنما كان هذا الإستثناء من المبالغة في المدح لأنه قد دل به على أنه لو ~~كان فيهم عيب غيره لذكره وأنه لم يقصد إلا وصفهم بما فيهم على الحقيقة # ومنه أيضا قول أبي هفان # ( ولا عيب فينا غير أن سماحنا % أضر بنا والبأس من كل جانب ) # ( فأفنى الردى أعمارنا غير ظالم % وأفنى الندى أموالنا غير عائب ) # ( أبونا أب لو كان للناس كلهم % أبا واحدا أغناهم بالمناقب ) # ومنه قول النابغة الجعدي # ( فتى كملت أخلاقه غير أنه % جواد فيما يبقى من المال باقيا ) # وأما التحرز مما يوجب الطعن فأن يأتي بكلام لو استمر عليه لكان فيه طعن ~~فيأتي مما يتحرز به من ذلك الطعن كقول طرفة PageV01P273 # ( فسقى ديارك غير مفسدها % صوب الربيع وديمة تهمى ) # فلو لم يقل غير مفسدها لظن به أنه يريد توالي المطر عليها وفي ذلك فساد ~~للديار ومحو لرسومها كما عابوا قول ذي الرمة # ( ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى % ولا زال منهلا بجرعانك القطر ) # وقالوا إذا لم يزل القطر منهلا عليها عفى آثارها ودرس معالمها فاحترز ~~طرفة بقوله غير مفسدها من هذا الطعن على أن ذا الرمة قد احترز بقوله ألا يا ~~اسلمي يا دار مي على البلى ولأجل هذا الغرض قال الرضى رحمه الله في وصف ~~المطر المستسقى به القبر وذكر السحابة # ( تجري وذاك الرمس غير مروع % منها وذاك الترب غير مثار ) # واستقبح قول أبي الطيب المتنبي في مثله # ( لساحيه على الأجداث حفش % كأيدي الخيل أبصرت المخالي ) # ومن الاحتراز أيضا قول عبد الله بن المعتز بالله في صفة الخيل # ( صببنا عليها ظالمين سياطنا % فطارت بها أيد سراع وأرجل ) # فإنه لو لم يقل ظالمين لكان للمعترض عليه أن يقول إنما PageV01P274 ضربت ms173 ~~هذه الخيل لبطئها كما عابوا قول امرىء القيس # ( فللزجر ألهوب وللساق درة % وللسوط منها وقع أخرج مهذب ) # وقالوا إذا أحوج إلى هذا كله فليس بسريع فقال عبد الله ظالمين تحرزا من ~~هذا الطعن # ومن هذا أيضا قول أبي عبادة # ( أقمنا أكلنا أكل استلاب % هناك وشربنا شرب بدار ) # وكأنه خاف أن يقال هذا الذي فعلتم سخف فقال # ( ولم يك ذاك سخفا غير أني % رأيت الشرب سخفهم وقار ) # وأما الإستدلال بالتمثيل فأن يزيد في الكلام معنى يدل على صحته بذكر مثال ~~له نحو قول أبي العلاء # ( لو اختصرتم من الإحسان زرتكم % والعذب يهجر للإفراط في الخصر ) # فدل على أن الزيادة فيما يطلب ربما كانت سببا للإمتناع منه بتمثيل ذلك ~~بالماء الذي لا يشرب لفرط برده وإن كان البرد فيه مطلوبا محمودا # ومنه أيضا قول أبي تمام # ( أخرجتموه بكره من سجيته % والنار قد تنتضى من ناضر السلم ) PageV01P275 # وقوله # ( وإذا أراد الله نشر فضيلة % طويت أتاح لها لسان حسود ) # ( لولا اشتعال النار فيما جاورت % ما كان يعرف طيب عرف العود ) # وقوله # ( وكنا نرجيه على السخط والرضا % وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع ) # وقول أبي عبادة # ( ويحسن دلها والموت فيه % وقد يستحسن السيف الصقيل ) # وقوله # ( مواهب ما تكلفنا السؤال لها % إن الغمام قليب ليس يحتفر ) # وأما قول أبي عبادة أيضا # ( ورجال جاروا خلائقك الغر % وليست يلامق من دروع ) # فليس بتمثيل جيد لأن السبق في الجري لا يليق تمثيله بتفضيل الدروع على ~~اليلامق وإنما كان يحسن ذلك لو قال ورجال جاروك في كونهم عصمة لي أو جنة ~~دوني أو ما جرى هذا المجرى فيكون تمثيل ذلك بالدروع واليلامق موافقا فأما ~~على الوجه الذي ذكره فإن ذلك من رديء الإستدلال بالتمثيل PageV01P276 # ومن الإستدلال بالتمثيل على الوجه الصحيح قول النابغة الذبياني يخاطب ~~النعمان # ( ولكنني كنت امرأ لي جانب % من الأرض فيه مستراد ومذهب ) # ( ملوك وإخوان إذا ما لقيتهم % أحكم في أموالهم وأقرب ) # ( كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم % فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا ) # فاستدل النابغة على أنه لا ms174 يستحق اللوم بمدحه آل جفنة وقد أحسنوا إليه ~~بما مثله من القوم الذين أنعم النعمان عليهم فلما مدحوه لم يكونوا عنده ~~ملومين # وأما الإستدلال بالتعليل فكقول أبي الحسن التهامي # ( لو لم تكن ريقته خمرة % لما تثنى عطفه وهو صاح ) # وقوله # ( لو لم يكن أقحوانا ثغر مبسمها % ما كان يزداد طيبا ساعة السحر ) # وقول أبي عبادة # ( ولو لم تكن ساخطا لم أكن % أذم الزمان وأشكو الخطوبا ) # وقول ابن هانىء الأندلسي # ( ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى % لما كنت أدري علة للتيمم ) # وقول الله تعالى @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ جار هذا ~~المجرى PageV01P277 # فهذا مبلغ ما نقوله في المعاني مما يستدل به على غيره لأن حصرها مما لا ~~سبيل إليه على ما بيناه وقد قدمنا ذكره # | فصل في ذكر الأقوال الفاسدة في نقد الكلام # ذهب قوم من الرواة وأهل اللغة إلى تفضيل أشعار العرب المتقدمين على شعر ~~كافة المحدثين ولم يجيزوا أن يلحقوا أحدا ممن تأخر زمانه بتلك الطبقة وإن ~~كان عندهم محسنا واختلفوا في علة ذلك فزعمت طائفة من جهالهم أن العلة فيه ~~هي مجرد التقدم في الزمان واستمروا في الترتيب فجعلوا الشعراء طبقات بحسب ~~تواريخ أعصارهم وقال قوم منهم السبب في ذلك أن المتقدمين سبقوا إلى المعاني ~~في أكثر الألفاظ المؤلفة وفتحوا طريق الشعر وسلك الناس فيه بعدهم وجروا على ~~آثارهم فلهم فضيلة السبق التي لا توازيها فضيلة ولا توازنها مرتبة وإذا كان ~~غيرهم قد استفاد منهم وأخذ ألفاظهم وأكثر معانيهم فلن يكون في الرتبة ~~لأحقابهم وإذا كان مقصرا عنهم فشعره دون أشعارهم وقالت طائفة أخرى إن العلة ~~في تفضيل أشعار المتقدمين على أشعار المحدثين أن هذه الأشعار المتقدمة كانت ~~تقع من قائلها بالطبع من غير تكلف ولا تصنع والأشعار المحدثة تقع بتكلف ~~وتعمل وما وقع بالطبع أفضل مما صدر عن التكلف قالوا ولهذه العلة استدل ~~بأشعار المتقدمين دون أشعار المحدثين واحتاج هؤلاء كلهم في نقد الشعر إلى ~~معرفة قائله قبل أن يظهر لهم مذهب فيه حتى رووا ms175 عن ابن الأعرابي أنه أنشد ~~أرجوزة أبي تمام التي أولها # ( وعاذل عذلته في عذله % فظن أني جاهل من جهله ) # على أنها لبعض العرب فاستحسنها وأمر بعض أصحابه أن يكتبها له PageV01P278 # فلما فعل قال إنها لأبي تمام فقال خرق خرق فخرقها # وعن الأصمعي أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي أنشده # ( هل إلى نظرة إليك سبيل % فيروى الصدى ويشفى الغليل ) # ( إن ما قل منك يكثر عندي % وكثير ممن يحب القليل ) # فقال له الأصمعي لمن تنشدني فقال لبعض الأعراب فقال هذا والله هو الديباج ~~الخسرواني قال فإنهما لليلتهما قال لا جرم والله إن آثار الصنعة والتكليف ~~بين عليهما # وذهب غير هؤلاء من أهل العلم بالشعر فقال إن الطرق في نقد الشعر ما ~~قدمناه من نعوت الألفاظ والمعاني فأما قائله وتقدم زمانه أو تأخره فلا ~~تأثير له في ذلك لأن القديم كان محدثا والمحدث سيصبر قديما والتأليف على ما ~~هو عليه لا يتغير وفي المحدثين من هو أشعر من جماعة من المتقدمين وفي ~~المتقدمين من هو أشعر من جماعة من المحدثين وإلى هذا كان يذهب أبو عثمان ~~الجاحظ وأبو العباس المبرد وأبو عبادة البحتري وأبو العلاء بن سليمان آنفا ~~وهو الصحيح الذي لا يعترض العاقل فيه شك ولا شبهة وسنتكلم على ما تعلقت به ~~تلك الطائفة من الشبه الفاسدة # أما من ذهب إلى تفضيل المتقدم بمجرد تقدم زمانه فإنه لم يذهب في ذلك إلى ~~علة غير مجرد الدعوى فلو قال له قائل شعر المحدثين أفضل لتأخر زمانهم لم ~~يكن بين القولين فرق ثم يقال له ما عندك في امرىء القيس أهو عندك في الطبقة ~~الأولى من الشعراء أم ليس في الطبقة الأولى فإن قال هو في الطبقة الأولى ~~قيل له ولم وقد كان قبله جماعة من الشعراء معروفين أحدهم ابن حذام الذي قيل ~~إنه أول من بكى على الديار وذكره امرؤ القيس في شعره فقال PageV01P279 # ( عوجا على الطلل المحيل لعلنا % نبكي الديار كما بكى ابن خذام ) # وإذا كان زمان امرىء القيس قد تأخر عن زمان ms176 جماعة من الشعراء فيجب ~~تفضيلهم عليه لأنك قلت إنما يفضل بتقدم الزمان فقط فإن قال ليس امرؤ القيس ~~في الطبقة الأولى بل من كان قبله أشعر وأحق بالتقدم قيل أولا إن هذا خلاف ~~لكافة من يفضل أشعار المتقدمين على المحدثين لأنهم ما اختلفوا في أن امرأ ~~القيس في الطبقة الأولى # ثم خبرنا عن الطبقة التي امرؤ القيس منها أعرفت أن مواليدهم في وقت واحد ~~حتى قطعت على أنهم طبقة لتساويهم في زمان الوجود فإن قال نعم كذب لأن في ~~تلك الطبقة قوما لم يلحق أحد منهم زمان الآخر وقد جعل الأعشى فيهم وهو بعد ~~امرىء القيس بمدة طويلة وإن قال لا يراعى في تفضيل المتقدمين على المحدثين ~~قليل الزمان وإنما المؤثر في ذلك الزمان الكثير قيل له فخبرنا عمن بينه ~~وبين الأعشى من الزمان مثل ما بين الأعشى وامرىء القيس أيجوز أن يجعل شعره ~~في طبقته شعر الأعشى فإن قال لا قيل له ولم وأنت قد ألحقت الأعشى بامرىء ~~القيس وبينهما مثل ذلك من الزمان واعتللت بأنه لا يؤثر فكيف صار بعد الأعشى ~~مؤثرا في إلحاق من بعده به وإن قال يجوز أن يجعل في طبقة الأعشى من كلالان ~~بعده بمثل الزمان الذي بينه وبين امرىء القيس قيل أيجوز أن يجعل في طبقة ~~هذا الشاعر من كان بعده بمثل الزمان الذي بين الشاعر الأول والأعشى فإن قال ~~لا يسأل عن السبب في ذلك وقيل له ما قيل في الشاعر الأول ولا سبيل له إلى ~~الفرق وإن قال نعم ألزم أن يكون شعر بعض شعرائنا اليوم في طبقة امرىء القيس ~~بهذا الترتيب والنسق وأن يجعل الشعر في طبقة ما PageV01P280 هو قبله والأول ~~في طبقة ما هو قبله حتى يكون بعض شعرائنا اليوم وامرؤ القيس في طبقة واحدة ~~وهذا خلاف ما يذهبون إليه # ويقال له خبرنا عنك لو أنك في زمان امرىء القيس ووقفت على شعره أكان رأيك ~~فيه هو رأيك اليوم فإن قال نعم قيل له ولم وأنت إنما تختاره اليوم ms177 وتفضله ~~بقدمه فإن كان في ذلك الوقت محدثا عندك فحكمه حكم المحدث اليوم وإن قال بل ~~كنت أذهب فيه إلى غير ما أذهب اليوم قيل له فهل تأليفه على ما كان عليه أم ~~تغير عما كان عليه فإن قال تغير قيل فهو إذن غير ما ألفه امرؤ القيس وهذا ~~ما لا يقوله أحد وإن قال بل هو بحاله في الأكثر قيل له فيجب أن يكون بحاله ~~على صفة ثم يصير هو بحاله على صفة أخرى من غير أن يزيد شيئا ولا يعقل فيه ~~غير ما يوجب ذلك وهذا خارج عن المعقول ومعدود في كلام أهل الوسواس # وأما من ذهب إلى تفضيل أشعار المتقدمين من حيث سبقوا إليه المعاني ~~والألفاظ ونزل الناس بعد على سكناتهم فإنه يقال له هذا لو ثبت لدل على فضل ~~المتقدمين على المحدثين ولم يدل على فضل شعر هؤلاء على هؤلاء لأنه ليس كل ~~من كان أفضل وجب أن يكون شعره أحسن وهذا الخليل هو الغاية في الذكاء ~~والفطنة بعلوم العرب وشعره في أنزل طبقة وكذلك غيره من العلماء بهذه اللغة ~~والأمر في هذا واضح لا يحتاج إلى دليل # ثم يقال له ما تريد بالمعاني التي سبقوا إليها أتريد جميع معاني أشعار ~~المحدثين أو بعضها فإن قال جميعها قيل هذا جحد للعيان لأن الأمر في تفرد ~~المحدثين بمعان استنبطوها لم تخطر للعرب المتقدمين على PageV01P281 بال ~~أظهر من كل ظاهر وإن قال بعض المعاني قيل إن تلك المعاني التي سبق ~~المتقدمون إليها وأخذها منهم المحدثون لا يخلو الأمر فيها من أن يكونوا ~~نظموها بحالها أو زادوا عليها أو نقصوا منها فإن كانوا زادوا فلهم فضيلة ~~الزيادة كما كان لأولئك فضيلة السبق وإن كانوا نقصوا فالمتقدمون في تلك ~~المعاني خاصة أفضل منهم وإن كانوا نقلوها بحالها فتلك هي معاني المتقدمين ~~لا يستحق المحدثون عليها حمدا ولا ذما أكثر مما يجب في الأخذ والنقل وهذا ~~كله يرجع إلى الشعراء دون نفس الشعر لأن المعنى في نفسه لا يؤثر فيه أن ms178 ~~يكون غريبا مخترعا ولا منقولا متداولا ولا يغيره حال ناظمه المبتدىء ~~المبتدع أو المحتذى المتبع وإنما هذا شيء يرجع إلى تفضيل السابق إلى المعنى ~~على من أخذ منه # فأما الألفاظ فإن كان يريد الألفاظ المفردة فتلك ليست لأحد والمحدث فيها ~~والمتقدم واحد وإن كان يريد الألفاظ المؤلفة فإن المحدثين إذا أخذوا ألفاظا ~~قد ألفها ناظم قبلهم لم يؤثر فيهم أخذهم لها حتى يقال إنها في شعر الأول ~~أحسن منها في شعر الآخر بل تكون بمنزلة قصيدة شاعر ينتحلها آخر فلا يقال أن ~~الإنتحال أثر فيها # فإن كان هذا واضحا فمن أين يدل سبق المتقدمين إلى بعض المعاني على فضل ~~أشعارهم على أشعار المحدثين الذين سبقوا إلى أضعاف تلك المعاني لولا عدم ~~التوفيق وفرط الجهل # وأما من ذهب إلى تفضيل أشعار المتقدمين على أشعار المحدثين من حيث كانوا ~~لم يتكلفوا أشعارهم وإنما نظموها بالطبع والمحدثون بخلاف ذلك فإنه يقال له ~~ما الدليل على أن أشعار المتقدمين كانت تقع من غير تكلف فإن قال بهذا جاءت ~~الروايات عنهم قيل الأمر بخلاف ذلك والمروى عن زهير بن أبي سلمى أنه عمل ~~سبع قصائد PageV01P282 في سبع سنين وكان يسميها الحوليات ويقول خير الشعر ~~الحولي المحكك والرواة كلهم مجمعون على هذا غير مختلفين فيه وإذا فضلوا شعر ~~زهير قالوا كان يختار الألفاظ ويجتهد في إحكام الصنعة وإذا وصفوا الحطيئة ~~شبهوا طريقته في الشعر بطريقة زهير ويروون أن زهيرا كان يعمل نصف البيت ~~ويتعذر عليه كماله فيتمه كعب ابنه # وهذا كله بمعزل عن الطبع وسهولة النظم ولو لم يدل على ذلك إلا قلة ~~أشعارهم فإن ديوان بعض هؤلاء المحدثين مثل أشعار جماعة من المتقدمين في ~~الكثرة لكفى ذلك في تكلفهم الشعر ونصبهم فيه # ثم يقال له خبرنا عن هذا التكلف الذي ذكرته أهو بين موجود في الشعر أو ~~غير بين موجود فيه فإن قال ليس بموجود فيه قيل فلا تفضل أشعار المتقدمين ~~على أشعار المحدثين بشيء غير موجود فيها وإن قال بل هو موجود في أشعار ms179 ~~المحدثين دون المتقدمين قيل أتذهب إلى أن التكلف موجود في جميع أشعارهم أو ~~في بعضها فإن قال في جميعها كابر لأن من يزعم أن جميع أشعار المحدثين مع ~~السهولة في أكثرها والتيسر متكلفة وجميع أشعار المتقدمين مع التوعر في ~~أكثرها غير متكلفة فهو جاحد للضرورة لا تحسن مناظرته وإن قال بعض أشعار ~~المحدثين متكلفة وبعضها غير متكلف قيل وكذلك أشعار المتقدمين فقد تساووا ~~عندك في هذه القضية وبطل تفرد المحدثين بالتكلف الذي ذكرته # فأما الاستشهاد بأشعار هؤلاء المتقدمين فقد بينا فيما مضى من هذا الكتاب ~~سببه وقلنا إن تقدم الزمان غيره موجب لذلك وإنما موجبه أن العرب الذين ~~يتكلمون باللغة العربية ولا يخالطون أحدا ممن يتكلم بغير لغتهم هم الذين ~~أقوالهم حجة في اللغة والعرب الذين خالطوا غيرهم من PageV01P283 العجم ~~وفسدت لغتهم بالمخالطة لا يستدل بكلامهم فلما كان العرب المتقدمون قبل ~~الإسلام وفي الصدر الأول منه لا يخالطون في الأكثر غيرهم كانت أقوالهم في ~~اللغة حجة ولما صاروا بالملك والدولة يخالطون غيرهم ويحضرون ويسكنون المدن ~~لم يستدل بلغتهم ولهذا السبب كان أبو عمرو بن العلاء يعيب جريرا والفرزدق ~~بطول مقامهما في الحضر وأبطل الرواة الإحتجاج بشعر الكميت بن زيد الطرماح ~~لأنهما كانا حضريين وعلى هذا فلو فرضنا اليوم أن في بعض القفار النائية عن ~~العمارة قوما من العرب لا يخالطون غيرهم وكانوا قد أخذوا اللغة عن مثلهم ~~وكذلك إلى حين ابتداء الوضع لوجب أن يكون قولهم حجة كأقوال المتقدمين وإن ~~كانوا محدثين وإذا كان هذا مفهوما فليس يوجب صحة الكلام بالعربية حسن النظم ~~لأن ذلك لو وجب لكان كل عربي شاعرا والأمر بخلاف ذلك والشعراء من العرب ~~المتقدمين بالإضافة إلى من ليس بشاعر جزء من ألوف ألوف # وقد ذكرت في نقد الكلام ألا يكون المعنى فاحشا وعيب شعر أبي عبد الله ~~الحسين بن أحمد بن الحجاج بما تضمنه من فحش المعاني وليس الأمر عندي على ~~ذلك لأن صناعة التأليف في المعنى الفاحش مثل الصناعة في المعنى الجميل ~~ويطلب في كل ms180 واحد منهما صحة الغرض وسلامة الألفاظ على حد واحد وليس لكون ~~المعنى في نفسه فاحشا أو جميلا تأثير في الصناعة ولهذا ذهب قوم إلى استحسان ~~المعنى الغريب وليس للاختراع في المعنى نفسه تأثير إلا كما للمتداول وقد ~~أومأنا إلى هذا فيما تقدم وبينا أنه شيء لا يرجع إلى الشعراء دون المعاني ~~والشبيهة في مثل هذا ضعيفة جدا # وذهب قوم أيضا إلى حسن الترديد وهو أن يعلق الشاعر لفظة في البيت بمعنى ~~ثم يرددها فيه بعينها ويعلقها بمعنى آخر كما قال زهير PageV01P284 # ( من يلق يوما على علاته هرما % يلق السماحة منه والندى خلقا ) # وقال أبو نواس # ( صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها % لو مسها حجر مسته سراء ) # وهذا عندي لا تعلق له بالنقد لأن التأليف في هذا الترديد كسائر التأليف ~~في الألفاظ التي لا تستحق به حمدا ولا ذما ولا يكسبها حسنا ولا قبحا # وقد صنف قوم في نقد الشعر رسائل ذكروا فيها أبوابا من الصناعة لا تخرج ~~عما ذكرناه في كتابنا هذا إلا أنهم ربما جعلوا للمعنى الواحد عدة أسماء ~~كالترصيع الذي يسمونه ترصيعا وموازنة وتسميطا وتسجيعا وهو كله يرجع إلى شيء ~~واحد وإذا وقف على ما صنفوه في هذا الباب وجد الأمر فيما قلنا ظاهرا ~~والتكرير بينا واضحا # وقد يذهب كثير ممن يختار الشعر إلى تفضيل ما يوافق طباعه وغرضه ويذهب قوم ~~إلى اختيار ما لم يتداول منه حتى يكون للوحشي الذي لم يشتهر مزية عندهم على ~~المعروف المحفوظ ويخالفهم آخرون فيختارون سائر الشعر على خامله ومشهوره على ~~مجهوله ويستحسن قوم الشعر لأجل قائله فيختارون أشعار السادات والأشراف ~~ورؤساء الحروب ومن يوافقهم في النحلة والمذهب ويمت إليهم بالمودة أو النسب ~~وهذه كلها أقوال صادرة عن الهوى ومقصورة على محض الدعوى من غير دليل يعضدها ~~ولا حجة تنصرها والطريق الذي يؤدي إلى المقصود من معرفة المختار في الألفاظ ~~والمعاني هو ما ذكرناه ونبهنا عليه ومن تأمله علم الإصابة فيه بمشيئة الله ~~وعونه PageV01P285 # | فصل في ذكر الفرق بين المنظوم والمنثور وما يقال ms181 في تفضيل أحدهما على ~~الآخر # أما حد النثر فهو حد الكلام الذي ذكرناه في هذا الكتاب وأما حد الشعر فهو ~~كلام موزون مقفى يدل على معنى وقلنا كلام ليدل على جنسه وقلنا موزون لنفرق ~~بينه وبين الكلام المنثور الذي ليس بموزون وقلنا مقفى لنفرق بينه وبين ~~المؤلف الموزون الذي لا قوافي له وقلنا يدل على معنى لنحترز من المؤلف ~~بالقوافي الموزون الذي لا يدل على معنى # وسمي شعرا من قولهم شعرت بمعنى فطنت والشعر الفطنة كأن الشاعر عندهم قد ~~فطن لتأليف الكلام وإذا كان هذا مفهوما فأقل ما يقع عليه إسم الشعر بيتان ~~لأن التقفية لا تمكن في أقل منهما ولا تصح في البيت الواحد لأنها مأخوذة من ~~قفوت الشيء إذا تلوته وقد ذهب العروضيون إلى أن أقل ما يطلق عليه إسم الشعر ~~ثلاثة أبيات وليس الأمر على ما ذهبوا إليه لأن الحد الصحيح قد ذكرناه وهو ~~يدل على أن البيتين شعر فأما اعتلال بعضهم بأن البيتين قد يتفقان في كلام ~~لا يقصد قائله الشعر ولا يتفق ثلاثة أبيات فيما لا يقصد مؤلفه الشعر ~~فاعتلال فاسد لأنه إن كان يريد بالبيتين مثل قول امرىء القيس # ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل % بسقط اللوى بين الدخول فحومل ) # ( فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها % لما نسجته من جنوب وشمأل ) PageV01P286 # فذلك لا يتفق إلا في كلام يقصد به الشعر وإن كان يريد بالبيتين مثل ما ~~استشهد به من قوم العامة زمارة مليحة بقطعة صحيحة فقد يتفق من هذا الجنس ~~ثلاثة أبيات في كلام لا يقصد به الشعر فالذي ذكره دعوى لا دليل عليها # وإذا كان هذا بيتا فالفرق بين الشعر والنثر بالوزن على كل حال وبالتقفية ~~إن لم يكن المنثور مسجوعا على طريق القوافي الشعرية والوزن هو التأليف الذي ~~يشهد الذوق بصحته أو العروض أما الذوق فلأمر يرجع إلى الحس وأما العروض ~~فلأنه قد حصر فيه جميع ما عملت العرب عليه من الأوزان فمتى عمل شاعر شيئا ~~لا يشهد بصحته الذوق وكانت العرب قد ms182 عملت مثله جاز له ذلك كما ساغ له أن ~~يتكلم بلغتهم فأما إذا خرج عن الحس وأوزان العرب فليس بصحيح ولا جائز لأنه ~~لا يرجع إلى أمر يسوغه والذوق مقدم على العروض فكل ما صح فيه لم يلتفت إلى ~~العروض في جوازه ولكن قد يفسد فيه بعض ما يصح بالعروض على المعنى الذي ~~ذكرناه كالزحافات المروية في أشعار العرب المذكورة في كتب العروض وهو الأصل ~~الذي عملت العرب الأول عليه وإنما العروض استقراء للأوزان حدث بعد ذلك ~~بزمان طويل # وأما التفضيل بين النظم والنثر فالذي يصلح أن يقوله من يفضل النظم أن ~~الوزن يحسن الشعر ويحصل للكلام به من الرونق ما لا يكون للكلام المنثور ~~ويحدث عليه من الطرب في إمكان التلحين والغناء به ما لا يكون للكلام ~~المنثور ولهذه العلة ساغ حفظه أكثر من حفظ المنثور حتى لو اعتبرت أكثر ~~الناس لم نجد فيهم من يحفظ فصلا من رسالة غير القليل ولا تجد فيهم من لا ~~يحفظ البيت أو القطعة إلا اليسير ولولا ما انفرد به من الوزن الذي تميل ~~إليه النفوس بالطبع لم يكن لذلك وجه لا سبب PageV01P287 ونقول إن الشعر ~~يدخل في جميع الأغراض كالنسيب والمديح والذم والوصف والعتب والنثر لا يدخل ~~في جميع ذلك فإن التشبيب لا يحسن في غير الشعر وكذلك غيره من الأغراض وما ~~صلح لجميع ضروب الكلام وصنوفه أفضل مما اقتصر على بعضه # وأما الذي نقوله من تفضيل النثر على النظم فهو أن النثر يعلم فيه أمور لا ~~تعلم في النظم كالمعرفة بالمخاطبات وبينة الكتب والعهود والتقليدات وأمور ~~تقع بين الرؤساء والملوك يعرف بها الكاتب أمورهم ويطلع على خفي أسرارهم وأن ~~الحاجة إلى صناعة الكتابة ماسة والإنتفاع بها في الأغراض ظاهر والشعر فضل ~~يستغنى عنه ولا تقود ضرورة إليه وأن منزلة الشاعر إذا زادت وتسامت لم ينل ~~منها قدرا عاليا ولا ذكرا جميلا والكاتب ينال بالكتابة الوزارة فما دونها ~~من رتب الرياسة وصناعة تبلغ بها إلى الدرجة الرفيعة أشرف من صناعة لا توصل ms183 ~~صاحبها إلى ذلك وإن أكثر النظم إذا كشف وجد لا يعبر عن جد ولا يترجم عن حق ~~وإنما الحذق فيه الإفراط في الكذب والغلو في المبالغة وأكثر النثر شرح أمور ~~متيقنة وأحوال مشاهدة وما كثر فيه الجد والتحقيق أفضل مما كثر فيه المحال ~~والتقريب وقد يتسع الكلام فيما لا يخرج عن هذا الفن وهذه الجملة كافية في ~~مثل هذا الوضع # | فصل فيما يحتاج مؤلف الكلام إلى معرفته # الذي يحتاج مؤلف الكلام إليه من معرفة اللغة التي هي لغة العرب قدر معا ~~يعرف كل شيء باسمه الذي وضعته له ويجب أن يكون ذلك PageV01P288 الاسم أفصح ~~أسمائه إن كانت له عدة أسماء وقد بينا الطريق إلى معرفة الفصيح فيما مضى من ~~كتابنا هذا فإذا عرف ما ذكرته من اللغة احتاج إلى معرفة ما يتصرف ذلك الاسم ~~عليه من جمع وتثنية وتذكير وتأنيث وتصغير وترخيم ليورده على جميع ما يتصرف ~~فيه صحيحا غير فاسد ولهذا افتقر إلى علم النحو وسأذكر قدر ما يحتاج منه ~~فإذا علم ما أشرت إليه افتقر إلى معرفة عدة أسماء لما يقع استعماله في ~~النظم والنثر كثيرا ليجد إذا ضاق به موضع أو حظر عليه وزن إيراد اسم العدول ~~إلى غيره # ويحتاج في علم النحو إلى معرفة إعراب ما يقع له في التأليف حتى لا يذكر ~~لفظة إلا موضوعة حيث وضعتها العرب من إعراب أو بناء على حسب ما وردت عنهم ~~وليس لأحد أن يظن أن هذا هو معرفة النحو كله والاشتمال على جميع علمه لأن ~~الكثير من النحو علم تقدير مسائل لا تقع اتفاقا في النظم ولا في النثر ~~وكذلك التصريف من علم النحو لا يكاد مؤلف الكلام يحتاج إلى الشيء اليسير ~~منه فأما أن يكثر منه حتى يسوغ له أن يبني من الدال في قد مثل عصفور وغير ~~ذلك من مسائل قد وضعت في هذا الجنس فمما لا أرى النحوي يفتقر إلى معرفته ~~فضلا عن غيره # ويحتاج الشاعر خاصة إلى معرفة الخمسة عشر بحرا التي ذكرها الخليل ms184 ابن ~~أحمد وما يجوز فيها من الزحاف ولست أوجب عليه المعرفة بها لينظم بعلمه فإن ~~النظم مبني على الذوق ولو نظم بتقطيع الأفاعيل جاء شعره متكلفا غير مرضي ~~وإنما أريد له معرفة ما ذكرته من العروض لأن الذوق ينبو عن بعض الزحاف وهو ~~جائز في العروض وقد ورد للعرب مثله فلولا علم العروض لم يفرق بين ما يجوز ~~من ذلك وبين ما لا يجوز PageV01P289 # ويفتقر أيضا من العلم بالقوافي إلى معرفة الحروف والحركات التي يلزم ~~إعادتها وما يصلح أن يكون رويا أو ردفا مما لا يصح # ويحتاج أيضا إلى معرفة المشهور من أخبار العرب وأحاديثها وأنسابها ~~وأمثالها ومنازلها وسيرها وصفة الحروب التي كانت لها وما له قصة مشهورة ~~وحديث مأثور فإنه قد يفتقر في النظم إلى ذكر شيء منه ويكون للمعنى به تعلق ~~شديد وإذا ورد استحسن # ويحتاج الكاتب أيضا إلى جميع هذا أيضا ويختص بما يفتقر إليه من معرفة ~~المخاطبات وفنون المكاتبات والتوقيعات ورسوم التقليدات مع الإطلاع على كتاب ~~الله تعالى وشريعته وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته فإنه مدفوع ~~إلى تقليد الولاة وعهود القضاة والتوقيعات في المظالم والمكاتبة في ضروب ~~الحوادث # وبالجملة إن مؤلف الكلام لو عرف حقيقة كل علم واطلع على كل صناعة لأثر في ~~ذلك في تأليفه ومعانيه وألفاظه لأنه يدفع إلى أشياء يصفها فإذا خبر كل شيء ~~وتحققه كان وصفه له أسهل ونعته أمكن إلا أن المقصود في هذا الموضع بيان ما ~~لا يسعه جهله دون ما إذا علمه أثر عنده علمه فإن ذلك لا يقف على غاية # والوصية لهما ترك التكلف والاسترسال مع الطبع وفرط التحرز وسوء الظن ~~بالنفس ومشاورة أهل المعرفة وبغض الإكثار والإطالة وتجنب الإسهاب في فن ~~واحد من فنون الصناعة فإن كلام الإنسان ترجمان عقله ومعيار فهمه وعنوان حسه ~~والدليل على كل أمر لولاه لخفي منه وبحسب ذلك يحتاج إلى فضل التثقيف ~~واجتماع اللب عند النظم والتأليف # وإذ قد انتهى بنا القول إلى هذا الموضع فالواجب أن نختم الكتاب ms185 ~~PageV01P290 لأنا قد وفينا بجميع ما شرطناه في أوله وقد كنا عزمنا على أن ~~نصله بقطعة مختارة من النظم والنثر يتدرب بالوقوف عليها في فهم ما ذكرناه ~~من أحكام البلاغة وكشفناه من أسرار الفصاحة لكنا فرقنا من الإطالة والتثقيل ~~على الناظر فيه بالملل والسآمة فعدلنا إلى وضع ذلك في كتاب مفرد ونحن ~~نستغفر الله من خطل القول كما نستغفره من خطأ العمل ونسأله أن يمن علينا ~~بالهداية والعصمة في الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب # وكان الفراغ من تأليفه يوم الأحد الثاني من شعبان سنة أربع وخمسين ~~وأربعمائة 454 ه # تم الكتاب PageV01P291 ms186