######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011239 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي (المتوفى: 466هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 466 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: سر الفصاحة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011239 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11239 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11239 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الطبعة الأولى 1402هـ_1982م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | خطبة الكتاب وبيان الخفاجي # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه أثق # الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. # لقد جاءت رسل ربنا بالحق الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ~~أن هدانا الله. # لقد جاءت رسل ربنا بالحق صلوات الله عليهم وعلى سيدهم محمد والأبرار من ~~عترته الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. # أما بعد: فإني لما رأيت الناس مختلفين في مائية1الفصاحة وحقيقتها أودعت ~~كتابي هذا طرفا من شأنها وجملة من بيانها وقربت ذلك على الناظر وأوضحته ~~للمتأمل. # ولم أمل بالاختصار إلى الإخلال ولا مع الإسهاب إلى الإملال ومن الله ~~تعالى أستمد المعونة والتوفيق. # اعلم أن الغرض بهذا الكتاب معرفة حقيقة الفصاحة والعلم بسرها فمن الواجب ~~أن نبين ثمرة ذلك وفائدته لتقع ونقده فيه فنقول: # أما العلوم الأدبية فالأمر في تأثير هذا العلم فيها واضح لأن الزبدة منها ~~والنكتة نظم الكلام على اختلاف تأليفه ونقده ومعرفة ما يختار منه مما يكره. ~~وكلا الأمرين2متعلق بالفصاحة بل هو مقصور على المعرفة PageV01P013 # بها. فلا غنى للمنتحل الأدب عما نوضحه ونشرحه في هذا الباب. # وأما العلوم الشرعية فالمعجز الدال على نبوة محمد نبينا صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم هو القرآن والخلاف الظاهر فيما به كان معجزا على قولين: # أحدهما أنه خرق العادة بفصاحة1وجرى ذلك مجرى قلب العصا حية2وليس للذاهب ~~إلى هذا المذهب مندوحة عن بيان ما الفصاحة التي وقع التزايد فيها موقعا خرج ~~عن مقدور البشر, والقول الثاني: أن وجه الإعجاز في القرآن صرف العرب عن ~~المعارضة3 مع أن فصاحة القرآن كانت في مقدورهم لولا الصرف وأمر القائل بهذا ~~يجري مجرى الأول في الحاجة إلى تحقق الفصاحة ما هي؟ ليقطع على أنها كانت في ~~مقدورهم ومن جنس فصاحتهم ونعلم أن مسيلمة وغيره لم يأت بمعارضة على الحقيقة ~~لأن الكلام الذي أو رده خال من الفصاحة التي وقع التحدي بها في الأسلوب ~~المخصوص وإذا ثبت بما ذكرناه الغرض بهذا الكتاب وفائدته فالدواعي إلى معرفة ~~ذلك قوية والحاجة ماسة ms001 شديدة. # ونحن نذكر قبل الكلام في معنى الفصاحة نبدأ من أحكام الأصوات والتنبيه ~~على حقيقتها ثم نذكر تقطعها على وجه يكون حروفا متميزة ونشير إلى طرف من ~~أحوال الحروف في مخارجها ثم ندل على أن الكلام ما انتظم منها ثم نتبع ذلك ~~بحال اللغة العربية وما فيها من الحروف وكيف يقع المهمل فيها والمستعمل وهل ~~اللغة في الأصل مواضعة أو توقيف ثم نبين هذا كله وأشباهه مائية الفصاحة. # ولا نخلى ذلك الفصل من شعر فصيح وكلام غريب بليغ يتدرب بتأمله على فهم ~~مرادنا فإن الأمثلة توضح وتكشف وتخرج من اللبس إلى البيان ومن جانب ~~PageV01P014 # الإبهام إلى الإفصاح فإذا أعان الله تعالى ويسر تمام كتابنا هذا كان ~~مفردا بغير نظير من الكتب في معناه. # وذلك أن المتكلمين وأن صنفوا في الأصوات وأحكامها وحقيقة الكلام ما هو ~~فلم يبينوا مخارج الحروف وانقسام أصنافها وأحكام مجهورها ومهموسها وشديدها ~~ورخوها. وأصحاب النحو وأن أحكموا بيان ذلك فلم يذكروا ما أوضحه المتكلمون ~~الذي هو الأصل والأس. وأهل نقد الكلام1فلم يتعرضوا لشيء من جميع ذلك وإن ~~كان كلامهم كالفرع عليه. # فإذا جمع كتابنا هذا كله وأخذ بحظ مقنع من كل ما يحتاج الناظر في هذا ~~العلم إليه فهو مفرد في بابه غريب في غرضه. وفق الله تعالى ذلك ويسره بلطفه ~~ومنه. PageV01P015 ### | فصل في الأصوات # الصوت مصدر صات الشيء يصوت صوتا فهو صائت وصوت تصويتا فهو مصوت. # وهو عام ولا يختص. يقال: صوت الإنسان. وصوت الحمار. وفي الكتاب الكريم: ~~{إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} 1 وقال الراجز: # كأنما أصواتها في الوادي ... أصوات حج من عمان غاد2 # وقال جرير بن عطية: # لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس PageV01P015 # والصوت مذكر لأنه مصدر كالضرب والقتل وقد ورد مؤنثا على ضرب من التأول. # قال رويشد بن كثير الطائي: # يا أيها الراكب المهدي مطيته ... بلغ بني أسد ما هذه الصوت # فأراد الاستغاثة. كما حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه سمع بعض ~~العرب يقول وذكر إنسانا: فقال فلان لغوب1 ms002 جاءته كتابي فاحتقرها فقال له: ~~أتقول جاءته كتابي! قال: نعم أليست بصحيفة؟ # وفي كتاب سيبويه: # إذا بعض السنين تعرقتنا ... كفى الأيتام فقد أبى اليتيم2 # لأن بعض السنين سنة. ويقال: رجل صات أي شديد الصوت. كما يقال: رجل نال أي ~~كثير النوال. وقولهم: لفلان صيت إذا انتشر ذكره من لفظ الصوت إلا أن واوه ~~انقلبت ياءا لسكونها وانكسار ما قبلها. كما قالوا: قيل من القول. # والصوت معقول لأنه يدرك ولا خلاف بين العقلاء في وجود ما يدرك. وهو عرض ~~ليس بجسم ولا صفة لجسم. والدليل على أنه ليس بجسم أنه مدرك بحاسة السمع ~~والأجسام متماثلة والإدراك إنما يتعلق بأخص صفات الذوات. فلو كان جسما ~~لكانت الأجسام جميعها مدركة بحاسة السمع وفي علمنا ببطلان ذلك دليل على أن ~~الصوت ليس بجسم. وهذه الجملة تحتاج إلى أن نبين أن الأجسام متماثلة وأن ~~الإدراك إنما يتعلق بأخص صفات الذوات لأن كون الصوت مدركا بالسمع ~~PageV01P016 # والأجسام غير مدركة بالسمع مما لا يمكن دخول شبهة فيه ولا منازعة. والذي ~~يدل على تماثل الأجسام: أنا ندرك الجسمين المتفقى اللون فيلتبس أحدهما ~~علينا بالآخر لأن من أدركهما ثم أعرض عنهما وأدركهما من بعد يجوز أن يكون ~~كل واحد منهما هو الآخر بأن نقل إلى موضعه ولم يلتبسا على الإدراك إلا ~~لآشتراكهما في صفة تناولها الأدراك وقد بينا أن الإدراك إنما يتناول أخص ~~صفات الذات وهو ما يرجع إليها وسندل على ذلك. وإذا كان الجسمان مشتركين ~~فيما يرجع إلى ذاتيهما فهما متماثلان لأن هذا هو المستفاد بالتماثل. # فإن قيل: دلوا على أنهما لم يلتبسا إلا للاشتراك في صفة ثم بينوا أن تلك ~~الصفة مما يتناوله الآدراك. قلنا: الوجوه التي يقع فيها الالتباس معقولة ~~وهي المجاورة أو الحلول. كالتباس خضاب اللحية بالشعر من حيث المجاورة. وكما ~~التبس على من ظن أن السواد الحال في الجسم صفة له من حيث الحلول. وكذلك من ~~اعتقد أن صفة المحل للحال. حتى ذهب إلى أن للسواد حيزا وكلا الأمرين منتف ~~في التباس الجسمين لأنه ms003 لا حلول بينهما ولا مجاورة بل يقع الالتباس مع ~~العلم بتغايرهما. فدل ذلك على ما ذكرناه. # فأما الدليل على أن الصفة التي اقتضت الالتباس مما يتناوله الإدراك فهو ~~أن الأمر لو كان بخلاف ذلك لما التبسا على الإدراك وفي التباسهما عليه ~~دلالة على تعلق الإدراك بما التبسا لأجله ولأن المشاركة فيما لا يتعلق ~~الإدراك به لا يقتضى الاشتباه على المدرك. ألا ترى أن السواد لا يشبه ~~البياض ويلتبس به عند المدرك وأن اشتركا في الوجود من حيث كان الإدراك لا ~~يتعلق بالوجود. # وليس لأحد أن يقول: إذا أستدللتم على أن الأجسام متماثلة بالتباسها على ~~الإدراك فقولوا: إن الأجسام التي لا تلتبس كالأبيض والأسود غير # PageV01P017 # متماثلة لفقد الالتباس. وذلك أن هذا مطالبة بالعكس في الأدلة وليس ذلك ~~بمعتبر. وإثبات المدلول مع ارتفاع الدليل جائز غير ممتنع لأن الدليل غير ~~موجب للمدلول وإنما هو كاشف عنه لكن المنكر ثبوت الدليل وارتفاع المدلول. ~~على أن الالتباس في الجسمين المذكورين حاصل أيضا لأن المدرك لهما ربما يجوز ~~أن يكون أحدهما الآخر وإنما تغير لونه. # أما الدليل على أن الإدراك يتعلق بأخص صفات الذوات وأن كلامنا كله متعلق ~~به فهو أنه لا يخلو من أن يكون يتعلق بالصفة الراجعة إلى الفاعل أو الراجعة ~~إلى العلة أو الراجعة إلى الذات. والذي يرجع إلى الفاعل من الصفات هو ~~الوجود. ولو تناوله الإدراك لم يخل من أن يتعداه إلى ما يرجع إلى الذات أو ~~لا يتعداه فإن لم يتعد وجب ألا يحصل الفصل بين المختلفين بالإدراك ~~لاشتراكهما في الوجود الذي لم يتناول الإدراك غيره. وإن تعداه إلى الصفة ~~العائدة إلى الذات فيجب أن يفصل بين المختلفين بالإدراك من حيث افترقا في ~~الصفة التي يتعلق بها وأن يلتبس أحدهما بالآخر من حيث اشتركا في الوجود ~~الذي تعلق الإدراك به أيضا وذلك محال فأما ما يرجع إلى العلل من صفات الجسم ~~والذي يمكن أن يدخل شبهة في تناول الإدراك له كونه كائنا في جهة. والذي ~~يوضح أن الإدراك لا يتناول ms004 ذلك أنه لو تناوله لفصل بالإدراك بين كل صفتين ~~ضدين منه وذلك غير مستمر. وأحدنا لو أدرك جوهرا في بعض الجهات ثم أعرض عنه ~~جوز أن يكون انتقل إلى أقرب الأماكن إليه والتبس عليه الأمر فيه. ولا يلتبس ~~أمره لو اسود بعد بياض، فبان أن الإدراك لا يتناول إلا أخص صفات الذوات، ~~دون صفات العلل وما بالفاعل. # ويمكن الدلالة على أن الصوت ليس بجسم إذا ثبت أن الأجسام متماثلة من وجه ~~آخر وذلك أنا ندرك الأصوات مختلفة. فالراء مخالفة للزاي. وكذلك سائر الحروف ~~المختلفة فإذا كانت الأجسام متماثلة والأصوات # PageV01P018 # تدرك مختلفة فليست بأجسام. وإذا كنا دللنا على أن الصوت ليس بجسم فالذي ~~يدل على أنه ليس بصفة لجسم بل هو ذات مخالفة له أن الصوت لو كان صفة لم يخل ~~من أن يكون صفة ذاتية أو غير ذاتية. ولا يجوز أن يكون صفة ذاتية لتجدده وأن ~~دوامه غير واجب. ولا يجوز أن يكون صفة غير ذاتية لما بيناه من أن الأدراك ~~لا يتناول إلا الصفات الذاتية والصوت مدرك بلا خلاف. ومع الدلالة على أن ~~الأصوات أعراض ففيها المتماثل والمختلف وقد ذهب أبو هاشم عبد السلام بن ~~محمد الجبائي: إلى أن المختلف منها متضاد. وتوقف علم الهدى المرتضى1 نضر ~~الله وجهه عن القطع على ذلك. فأما أبو هاشم فإنه اعتمد في تضادها على ~~طريقين أحدهما: أن حمل الصوت على اللون من حيث كان إدراك كل واحد منهما ~~مقصورا على حاسة واحدة فلما قطع على تضاد المختلف من الألوان قال بمثل ذلك ~~في الأصوات. والطريق الثاني: أن الصوت مدرك فهو هيئة للمحل إذا أوجب مختلفة ~~هيئتين استحال اجتماعهما للمحل في حالة واحدة كما يستحيل ذلك في الألوان. ~~وليس بعد امتناع اجتماعهما في المحل الواحد في الوقت الواحد إلا التضاد. # ولقائل أن يقول على ما ذكره أولا: ما أنكرت من أن تكون الأصوات والألوان ~~وإن اتفقت في إدراك كل واحد منهما بحاسة واحدة تختلف فيكون المختلف من ~~الألوان متضادا دون الأصوات ولا يوجب ms005 الاتفاق في قصر الإدراك على حاسة ~~واحدة التساوي في جميع الأحكام. كما أنها وإن اتفقت عندك في ذلك فلم تتفق ~~في أن الأصوات تبقى كما أن الألوان تبقى ولا في أن الأصوات يضادها ما يحدث ~~بعدها كما كان ذلك في الألوان. وإذا جاز مع التساوي فيما ذكرته من قصر ~~الإدراك على حاسة واحدة. الاختلاف في أحكام كثيرة فأحر أن يكون المختلف من ~~PageV01P019 # الأصوات غير متضاد وإن كان المختلف من الألوان متضادا. # ويقال له فيما ذكره ثانيا: إن الصوتين المختلفين ليس محلهما واحدا فيقطع ~~على تضادهما لامتناع اجتماعهما فيه في ذلك الوقت الواحد. بل محال الحروف ~~المتغايرة متغايرة وإذا كان المحلان مختلفين فلا سبيل إلى القطع على التضاد ~~بإستحالة اجتماعهما في المحل. لأن كل واحد من الصوتين المختلفين لا يصح أن ~~يحل محل الآخر. # وقد أشار القاضي أبو الحسن1 عبد الجبار بن أحمد الهمذاني رحمه الله: إلى ~~أن الأصوات غير متضادة لأنها غير باقية والمنافاة إنما تصح في المتضاد ~~الباقي. كأنه أراد أن عدم أحد الضدين إذا كان واجبا لأنه مما لا يبقى فليس ~~لوجود ضده حكم يخالف عدمه. # فأما الكلام في تماثلها واختلافها فالدلالة على ذلك ما قدمناه من الإدراك ~~لها. وبيانه في الحروف فأن الراء تدرك ملتبسة بالراء ومخالفة للزاي وقد ~~بينا أن الإدراك يتناول أخص صفات الذات ولا يجوز وجود الصوت إلا في محل أما ~~من أثبت حاجة جميع الأعراض إلى المحال من حيث كان عرضا وأما من أجاز وجود ~~بعض الأعراض في غير محل بدلالة أنه يتولد عن اعتماد الجسم ومصاكته لغيره ~~ولأنه يختلف باختلاف حال محله فيتولد من الصوت في الطست خلاف ما يتولد في ~~الحجر فيقول قد ثبت وجود بعض الأصوات في غير محل فإذا ثبت ذلك في بعضه ثبت ~~في جميعه لأن الأصوات متفقة في أنها لا توجب حالا لمحل ولا جملة 2. ~~PageV01P020 # وقد ذهب أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي1: إلى أن جنس الصوت يحتاج مع ~~المحل إلى هيئة وحركة. وقال أبو هاشم ms006 أخيرا: أنه لا يحتاج إلا إلى المحل. ~~وعلى هذا القول أكثر أصحابه. وله نصر الشريف المرتضى رضي الله عنه. ~~واستدلوا على نفي حاجته إلى غير المحل بأنه مما لا يوجب حالا لغيره فجرى ~~مجرى اللون في أنه لا يحتاج إلى سوى محله. وقالوا: أن الصوت من فعلنا إنما ~~احتاج إلى الحركة لأنها كالسبب فيه من حيث كنا لا نفعله إلا متولدا عن ~~الاعتماد على وجه المصاكة والاعتماد يولد الحركة فلهذا جرى مجرى السبب. ~~فليس يمتنع أن يفعل الله تعالى الصوت مبتدأ من غير حركة كما يفعله غير ~~متولد عن الاعتماد وكما يفعل ما وقع منا بآلة من غير آلة. وجعلوا هذا هو ~~العلة في انقطاع طنين الطست بتسكينه. وأجازوا وجود القليل من الصوت مع ~~السكون عند تناهيه وانقطاعه ومنعوا من وجوده من فعلنا مع السكون من فعلنا ~~حالا بعد حال2 لما ذكرناه. # والأصوات تدرك بحاسة السمع في محالها ولا تحتاج إلى انتقال محالها ~~وانتقالها وكونها أعراضا منع من انتقالها. وقد استدل على ذلك بأنها لو ~~انتقلت لجاز أن تنتقل إلى بعض الحاضرين دون بعض حتى يكون مع التساوي في ~~القرب والسلامة يسمع الصوت بعضهم دون بعض وأن يجوز إختلاف انتقال الحروف ~~حتى يدرك الكلام مختلفا. واستدل على ذلك أيضا بأنه: لو احتيج في إدراك ~~الأصوات إلى انتقال المحال لما وقع الفرق مع السلامة بين جهة الصوت والكلام ~~مكانهما كما أنه لا يعرف في أي جهة PageV01P021 # انتقل إلى محل ما يلاقيها من الأجسام التي يدرك منها الحرارة والبرودة. ~~وقد سئل على هذا المذهب عن العلة في مشاهدة القصار من بعد يضرب الثوب على ~~الحجر ثم يسمع الصوت بعد مهلة فيسبق النظر السمع. وأجيب عن ذلك: بأن الصوت ~~يتولد في الهواء والبعد المخصوص مانع من إدراكه فإذا تولد فيما يقرب أدرك ~~في محله وإن ما يتصل بحاسة السمع والذي يدرك بعد مهلة هو غير الصوت الذي ~~تولد عن الصكة الأولى لأن ذلك إنما لا يدرك لبعده. قيل: فكذلك يدرك الصوت ~~في جهة ms007 الريح أقوى لأنه يتولد فيها حالا بعد حال فيكون إلى إدراكه أقرب. ~~وإذا كانت الريح في خلاف جهة الصوت ضعف إدراكه وربما لم يدرك لأنه يتولد ~~فيما يبعد عنه البعد المانع من إدراكه. ولا يجوز البقاء على الأصوات أما من ~~أثبت البقاء معنى كالبغداديين من المعتزلة فإنه يمنع من بقاء جميع الأعراض ~~لأن البقاء الذي هو عرض عنده لا يصح أن يحل العرض. وأما من لم يثبت البقاء ~~معنى - وهو الصحيح - ويجوز على بعض الأعراض البقاء ويقطع على بعض فإنه يعتل ~~في المنع من بقاء الأصوات بأنها لو بقيت لاستمر إدراكنا لها مع السلامة ~~وارتفاع الموانع ومعلوم خلاف ذلك. ولو كان الصوت مدركا على الاستمرار لم ~~يقع عنده فهم الخطاب لأن الكلمة كانت حروفها تدرك مجتمعة فلا يكون زيد أولى ~~من يزد أو غير ذلك مما ينتظم من حروف زيد. ولو كان الكلام أيضا باقيا لكان ~~لا ينتفي إلا بفساد محله لأنه لا ضد له من غير نوعه. ولا تقع الأصوات من ~~فعل العباد إلا متولدة. ويدلك على ذلك أيضا تعذر إيجادها عليهم إلا بتوسط ~~الاعتماد والمصاكة ولأنها تقع بحسب ذلك فيجب أن تكون مما لا يقع إلا متولدا ~~كالآلام. # والصوت يخرج مستطيلا ساذجا حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع ~~تثنيه عن امتداده فيسمى المقطع أينما عرض له حرفا. وسنبين ذلك. # PageV01P022 ### | فصل في الحروف # الحرف في كلام العرب يراد به حد الشيء وحدته. ومن ذلك حرف السيف إنما هو ~~حده وناحيته. وطعام حريف: يراد به الحدة. ورجل محارف أي محدود عن الكسب. ~~وقولهم: انحرف فلان عن فلان أي جعل بينه وبينه حدا بالبعد. # وفسر أبو عبيدة معمر بن المثنى1 قوله تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على ~~حرف} 2 أي لا يدوم. وفسره أبو العباس أحمد بن يحيى3 أي على شك. وكلا ~~التأويلين على ما قدمناه لأن المراد أنه غير ثابت على دينه ولا مستحكم ~~البصيرة فيه فكأنه على حرفه أي غير واسط منه. # وسميت الحروف حروفا لأن ms008 الحرف حد منقطع الصوت. وقد قيل: إنها سميت بذلك ~~لأنها جهات للكلام ونواح كحروف الشيء وجهاته. # فأما قولهم في القراءة: حرف أبي عمرو من القراء وغيره فقد قيل فيه: إن ~~المراد أن الحرف كالحد ما بين القراءتين. وقيل أيضا: أن الحرف في هذا القول ~~المراد به الحروف كما قال الله تعالى: {والملك على أرجائها} 4 أي ~~والملائكة. وكقولهم: أهلك الناس الدينار والدرهم أي PageV01P023 # الدنانير والدراهم 1. والمعنى: أن القارىء يؤدي حروف أبي عمر وبأعيانها ~~من غير زيادة ولا نقصان. # وقد اختلفوا في تسمية الناقة الضامر حرفا. فقال قوم: أي أنها قد حددت ~~أعطافها بالضمر. # وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: لأنها انحرفت عن السمن. وقال غيره: شبهت ~~بحرف الجبل في الشدة والصلابة. وزعم بعضهم: أنها شبهت بحرف السيف في مضائه. ~~وقال آخرون: شبهت بالهاء من الحروف لدقتها وتقويسها. وكل هذا راجع إلى ما ~~تقدم. # ومنه سمى مكسب الرجل حرفة لأنه الجهة التي انحرف إليها. وسموا الميل ~~محرافا لدقته. وأنشد أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد: # كما زل عن رأس الشجيج المحارف2 # والتحريف في الكلام الميل والانحراف. قال الله تعالى: {يحرفون الكلم عن ~~مواضعه} 3. # أما تسمية أهل العربية أدوات المعاني نحو: من وقد حروفا فإنهم زعموا أنهم ~~سموها بذلك لأنها تأتي في أول الكلام وآخره فصارت كالحروف والحدود له. وقد ~~قال بعضهم: إنما سميت حروفا لانحرافها عن الأسماء والأفعال. وهي عندنا نحن ~~كلام لأنها منتظمة من حرفين فصاعدا. # وأما قولهم للحروف التي في لغة العرب حروف المعجم فليس بصفة للحروف لأن ~~ذلك يفسد من وجهين أحدهما: امتناع وصف PageV01P024 # النكرة بالمعرفة1 والثاني: إضافة الموصوف إلى صفته والصفة عند النحويين ~~هي الموصوف في المعنى ومحال أن يضاف الشيء إلى نفسه2. إلا أن أبا العباس ~~المبرد ذهب في ذلك إلى أن المعجم بمنزلة الإعجام كما تقول: أدخلته مدخلا أي ~~إدخالا. وكما حكى أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش: أن بعضهم قرأ: {ومن يهن ~~الله فما له من مكرم} 3 بفتح الراء أي من إكرام. ms009 فكأنهم قالوا - على هذا ~~الوجه: حروف الإعجام. ولم يجز أبو الفتح عثمان بن جنى أن يكون قولهم: حروف ~~المعجم بمنزلة قولهم صلاة الأولى ومسجد الجامع. قال: لأن معنى ذلك: صلاة ~~الفريضة الأولى ومسجد اليوم الجامع فهما صفتان حذف موصوفاهما وأقيما ~~مقامهما وليس كذلك حروف المعجم لأنه ليس معناه حروف الكلام المعجم ولا حروف ~~اللفظ المعجم. وليس يبعد عندي ما أنكره أبو الفتح بل يجوز أن يكون التقدير: ~~حروف الخط المعجم لأن الخط العربي فيه أشكال متفقة لحروف مختلفة عجم بعضها ~~دون بعض ليزول اللبس. وقد يتفق في غيرها من الخطوط أن تختلف أشكال الحروف ~~فلا يحتاج إلى النقط فوصف الخط العربي بأنه معجم لهذه العلة. وقيل: حروف ~~المعجم أي حروف الخط المعجم كما يقال: حروف العربي أي حروف الخط العربي ~~وليس يمكن أن يعترض على هذا القول بأن يدعى أن وضع كلام العرب قبل خطهم وأن ~~التسمية كانت لحروفه بحروف المعجم من حين تكلم به لأن قائل هذا يحتاج إلى ~~إقامة الدلالة على ذلك وهي متعذرة لبعد العهد وفقد الطرق التي يتوصل بها ~~إلى معرفة ذلك لا سيما إثبات التسمية لهذه الحروف بأنها حروف المعجم ~~PageV01P025 # قبل وضع الخط وكلما يروى من ابتداء وضعه وأنه خرج على ما قيل من الأنبار ~~وما يجري هذا المجرى فليس يثمر إلا الظن. # فإذا قيل أعجمت الكتاب فمعناه ازلت ابهامه كما يقال اشكيته إذا إذا أزلت ~~ما يشكوه. # لأن هذه اللفظة في كلام للابهام والخفاء. ومنه: رجل أعجم. وقال النبي صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم: "جرح العجماء جبار" 1 يريد البهيمة. وعجم الزبيب ~~وغيره أي المستتر فيه. وسموا صلاتي الظهر والعصر: عجماوين لأنه لا يفصح ~~بالقراءة فيهما. والحروف تختلف بأختلاف مقاطع الصوت حتى شبه بعضهم الحلق ~~والفم بالناي لأن الصوت يخرج منه مستطيلا ساذجا فإذا وضعت الأنامل على ~~خروقه ووقعت المزاوجة بينها سمع لكل حرف منها صوت لا يشبه صاحبه فكذلك إذا ~~قطع الصوت في الحلق والفم بالإعتماد على جهات مختلفة سمعت الأصوات المختلفة ms010 ~~التي هي حروف. ولهذا لا يوجد في صوت الحجر وغيره لأنه لا مقاطع فيه للصوت ~~وليس يحتاج إلى حصر الحروف التي يتعلق بها. وإنما الغرض ذكر ما في اللغة ~~العربية التي كلامنا عليها لأن في غيرها من اللغات حروفا ليست فيها كلغة ~~الأرمن وما جرى مجراها. # فحروف العربية تسعة وعشرون حرفا وهي: الهمزة والألف والهاء والعين والحاء ~~والغين والخاء والقاف والكاف والضاد والجيم والشين والياء واللام والراء ~~والنون والطاء والدال والتاء والصاد والزاي والسين والظاء والذال والثاء ~~والفاء والباء والميم والواو. فهذا ترتيبها على المخارج. # وكان أبو العباس محمد بن يزيد المبرد2 لا يعتد بالهمزة ويجعل PageV01P026 # الحروف ثمانية وعشرين حرفا. وقوله هذا عند النحويين مرفوض واعتلاله بأن ~~الهمزة لا صورة لها مستكره غير مرضى1 لأن الاعتبار باللفظ دون الخط وهي ~~ثابتة فيه. ولو أن العرب خط لها كغيرها من الأمم لم يمنع ذلك من الاعتداد ~~بجميع هذه الحروف المذكورة. # فأما الألف التي هي ساكنة أبدا فقد قالوا: إن واضع الخط ولا ى أتى بلا ~~على وزن ما لأن الألف ساكنة لا يصح الابتداء بها فجاء بحرف قبلها ليمكن ~~النطق بها ويقع تمثيل ذلك. # وليس غرضه أن يبين كيف يتركب بعض هذه الحروف من بعض كما يقول المعلمون: ~~لام ألف. ولو أراد أن يبين التركيب لبينه في سائر الحروف ولم يقتصر على ~~الألف مع اللام. # وقد قال أبو الفتح عثمان بن جتى2: أنهم إنما اختاروا لها حرف اللام دون ~~غيره من الحروف لأن واضع الخط أجراه في هذا على اللفظ لأنه أصل للخط والخط ~~فرع عليه. فلما رآهم قد توصلوا إلى النطق بلام التعريف بان قدموا قبلها ~~الفا نحو الغلام والجارية لما لم يمكن الابتداء باللام الساكنة كذلك أيضا ~~قدم قبل الألف في لا لا ما توصلا إلى النطق بالألف الساكنة. # وكان في ذلك ضرب من المعارضة بين الحرفين. # ويمكن عندي أن يعترض على هذا القول بأن يقال: أن التي مع اللام ~~PageV01P027 # في الرجل والجارية هي الهمزة وليست الألف الساكنة التي ms011 جاءت اللام معها ~~في لا فكيف تجعل العلة في ورود اللام هنا مع الألف ورود الهمزة هناك مع ~~اللام وليس بين الموضعين تناسب ولا معارضة كما ذكرت وهل يصح أن يقال: إن ~~الألف الساكنة التي لا يمكن أن يبتدأ بها في النطق بل يحتاج إلى حرف قبلها ~~يتوصل بها إلى النطق بلام التعريف التي هي ساكنة مثلها وكل من الحرفين ~~يحتاج إلى ما يحتاج إلى ما يحتاج إليه الآخر؟ # فإن قيل: إن الهمزة التي مع اللام في الرجل هي ألف على الحقيقة وهي التي ~~بعد اللام في قولهم: لا وإن كانت ساكنة هناك قيل له فما وجه إنكارك وإنكار ~~أصحابك على أبي العباس المبرد أنه لم يعتد بالهمزة في الحروف بل جعلها ~~ثمانية وعشرين حرفا فقط1 أو ليس هذا منكم إنكار للهمزة رأسا وليس يحظر أن ~~يجاب عن هذا الكلام إلا بأن كافة النحويين يطلقون على الهمزة التي مع لام ~~التعريف أنها ألف ومثل هذا لا يقنع لأن التعليل فيما ذكره أبو الفتح إذا ~~قصر على الشبه في الاسم ضعف جدا واطرح. # ثم الكلام عليهم أيضا باق في قولهم أن الهمزة في نحو الرجل ألف على ~~الإطلاق مع اعتقادهم أن الألف هي الحرف الساكن أبدا في نحو كتاب وغيره ~~والهمزة حرف غيره وإنكارهم على أبي العباس المبرد ما ذكرناه. # فأما نحن إذا سئلنا عن العلة في إيراد اللام مع الألف للتوصل بحرف متحرك ~~دون غيرها من الحروف فمن جوابنا أن الغرض كان إيراد حرف متحرك للتوصل به ~~والعادة جارية في مثل هذا الموضع بمجيء همزة الوصل كما جاءت في نحو اذهب ~~وغيره فمنع من ذلك ما ذكره أبو الفتح PageV01P028 # من أنها تأتي مكسورة ولو جاءت قبل الألف مكسورة لانقلبت الألف ياء ~~لانكسار ما قبلها وانتفض الغرض. فلما خرجت الهمزة بهذه العلة التي ذكرها ~~كانوا في غيرها من الحروف بالخيار أي حرف متحرك ورد صح به الغرض فأتوا ~~باللام لغير علة كما خص واضع الخط بعض الحروف بشكل دون بعض لغير ms012 سبب. ~~وأمثال هذا الذي لا يعلل كثيرة لا تحصى. # ويلحق هذه الحروف التي ذكرناها حروف بعضها يحسن استعماله في الفصيح من ~~الكلام وبعضها لا يحسن فالتي تحسن ستة أحرف وهي: النون الخفيفة التي تخرج ~~من الخيشوم والهمزة المخففة وألف الإمالة وألف التفخيم وهي التي بها ينحا ~~نحو الواو وذلك كقولهم في الزكاة: الزكاوة والصاد التي كالزاي نحو قولهم في ~~مصدر مزدر والشين التي كالجيم نحو قولهم في أشدق أجدق. # والحروف التي لا تستحسن ثمانية وهي الكاف التي بين الجيم والكاف نحو كلهم ~~عندك والجيم التي كالكاف نحو قولهم للرجل ركل والجيم التي كالشين نحو قولهم ~~خرشت والطاء التي كالتاء كقولهم طلب والضاد الضعيفة كقولهم في أثرد أضرد ~~والصاد التي كالسين في قولهم صدق والظاء التي كالثاء كقولهم ظلم والفاء ~~التي كالباء كقولهم فرند1. # ومخارج هذه الحروف ستة عشر مخرجا: ثلاثة في الحلق فأولها من أقصاه مخرج ~~الهمزة والألف والهاء وهذا على ترتيب سيبويه. وزعم أبو الحسن الأخفش أن ~~الهاء مع الألف لا قبلها ولا بعدها. ثم يليه من وسط الحلق مخرج العين ~~والحاء. ثم من فوق ذلك مع أول الفم مخرج الغين والخاء. ثم من أقصى اللسان ~~مخرج القاف. ومن أسفل ذلك وأدنى إلى PageV01P029 # مقدم الفم مخرج الكاف. ومن وسط اللسان ذلك بينه وبين الحنك الأعلى مخرج ~~الجيم والشين والياء. ومن أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس مخرج ~~الضاد. ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرفه بينها وبين ما يليها من ~~الحنك الأعلى مخرج اللام. ومن طرف اللسان بينه وبين ما فوق الثنايا مخرج ~~النون. ومن مخرج النون غير أنه ادخل في ظهر اللسان مخرج الراء. ومما بين ~~طرف اللسان وأصول الثنايا مخرج الطاء والتاء والدال. ومما بين الثنايا وطرف ~~اللسان مخرج الصاد والزاي والسين. ومما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا مخرج ~~الظاء والثاء والذال. ومن باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا مخرج ~~الفاء ومن بين الشفتين مخرج الباء والميم والواو ومن الخياشيم مخرج النون ~~الخفيفة. # ومن هذه ms013 الحروف المجهور والمهموس ومعنى الجهر في الحرف أنه أشبع الاعتماد ~~في موضعه ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضى الاعتماد ويجري الصوت. ومعنى ~~الهمس فيه أن يضعف الاعتماد في الصوت حتى يجري معه النفس. والحروف المهموسة ~~عشرة أحرف وهي الهاء والحاء والخاء والكاف والسين والصاد والتاء والشين ~~والثاء والفاء ويجمعها في اللفظ ستشحثك خصفه وجمعت أيضا: سكت فحثه شخص وما ~~سوى هذه الحروف هو المجهور. # ومنها أيضا الرخو والشديد والذي بين الشديد والرخو فالشديد الحرف الذي ~~يمنع الصوت أن يجري فيه. وهي ثمانية أحرف: الهمزة والقاف والكاف والجيم ~~والطاء والدال والتاء والباء ويجمعها في اللفظ أجدك قطبت. والتي بين الشديد ~~والرخو ثمانية أحرف وهي: الألف والعين والراء واللام والياء والنون والميم ~~والواو ويجمعها في اللفظ: لم يروعنا. والرخوة الحروف التي لا تمنع الصوت أن ~~يجري فيها وهي ما سوى هذين القسمين المذكورين. # PageV01P030 # ومنها أيضا المنطبقة والمنفتحة ومعنى الأطباق أن يرفع المتلفظ بهذه ~~الحروف لسانه ينطبق بها الحنك الأعلى فينحصر الصوت بين اللسان والحنك. وهي ~~أربعة أحرف: الصاد والضاد والطاء والظاء. وما سواها من الحروف مفتوح غير ~~منطبق. # ومن الحروف أيضا حروف الاستعلاء. وحروف الانخفاض ومعنى الاستعلاء: أن ~~تصعد في الحنك الأعلى وهي سبعة أحرف: الحاء والغين والقاف والضاد والظاء ~~والصاد والطاء. # وما سوى ذلك من الحروف منخفض. # ومنها حروف الذلاقة ومعنى الذلاقة أن يعتمد عليها بذلق اللسان وهو طرفه ~~وذلق كل شيء حده. وهي ستة أحرف: اللام والراء والنون والفاء والباء والميم. ~~وما سواها من الحروف فهي المصمتة. # وللحروف أيضا انقسام إلى الصحة والاعتلال والزيادة والأصل والسكون ~~والحركة وغير ذلك مما أكثر علقته بالنحو ولو ذكرناه في هذا الكتاب أطلناه. ~~وعدلنا عن الغرض في تقريبه. # وإنما أربنا ذكر مالا يستغنى عنه طالب معرفة الفصاحة التي لها يقصد ~~وإليها ينحو. فأما ما سوى ذلك فاللمحة تقنع منه واللمعة تغنى فيه. وفيما ~~أردناه من أقسام الحروف وأحكامها في هذا الفصل مقنع ولا يليق به الزيادة ~~عليه والإسهاب لأنه كالطريق الذي يجتاز فيه ms014 إلى مرادنا ونتوصل بسلوكه إلى ~~مقصدنا فالليث به غير واجب والريث فيه غير محمود 1. PageV01P031 ### | فصل في الكلام # الكلام اسم عام يقع على القليل والكثير. وذكر السيرافي أنه مصدر والصحيح ~~أنه اسم للمصدر والمصدر التكليم قال الله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} 1 ~~ولعل أبا سعيد تسمح في إيراد ذلك وقاله مجازا. فأما الكلم فإنه اسم يدل على ~~الجنس هكذا مذهب أهل النحو في الأسماء التي يكون فيها الاسم على صورتين ~~تارة بالهاء وتارة بطرحها نحو تمرة وتمر وبسره وبسر وما أشبه ذلك. على أن ~~بعضهم قد جعل الكلم جمع كلمة لكن الأحرى على مذهبهم ما ذكرناه. # والكلمات جمع كلمة وقد حكى كلمة وجمعها كلم. وروى أبو زيد أن العرب تقول ~~الرجلان لا يتكالمان يريد: لا يتكلمان 2. وقد استدل على أن الكلام ليس ~~بمصدر بأن الفعل المستعمل منه إنما هو كلمت وفعلت يأتي مصدره في القياس على ~~مثال التفعيل نحو: كسرت تكسيرا ولا يأتي مصدره في القياس على مثال التفعيل ~~نحو: كسرت تكسيرا ولا يأتي على لفظ آخر. # والكلام عندنا على ما انتظم من هذه الحروف التي ذكرناها أو غيرها على ما ~~بيناه من أننا لا نذكر إلا حروف اللغة العربية دون غيرها من اللغات. وحده ~~ما انتظم من حرفين فصاعدا من الحروف المعقولة إذا وقع ممن تصح منه أو من ~~قبيله الإفادة. وإنما شرطنا الانتظام لأنه لواتي بحرف ومضى زمان وأتى بحرف ~~آخر لم يصح وصف فعله بأنه كلام. وذكرنا الحروف المعقولة لأن أصوات بعض ~~الجمادات ربما تقطعت على وجه يلتبس بالحروف. ولكنها لا تتميز وتتفصل كتفصيل ~~الحروف التي ذكرناها. # واشترطنا وقوع ذلك ممن يصح منه أو من قبيله الإفادة لئلا يلزم عليه أن ~~يكون ما PageV01P032 # يستمع من بعض الطيور كالببغاء وغيرها كلاما وقلنا القبيل دون الشخص لأن ~~ما يسمع من المجنون يوصف بأنه كلام وأن لم تصح منه الفائدة وهو بحاله لكنها ~~تصح من قبيله وليس كذلك الطائر. # فأما الدليل على صحة هذا الحد فهو: أن الشروط التي ذكرناها ms015 فيه متى ~~تكاملت صح الوصف بأنه كلام ومتى إختل بعضها لم يوصف بذلك. وفيما ذكرناه ~~تسمح وهو قولنا لو أتى بحرف ومضى زمان وأتى بحرف آخر لم يصح وصف فعله بأنه ~~كلام. وكذلك النطق بحرف واحد متعذر غير ممكن إذ لابد من الإبتداء بمتحرك ~~والوقوف على ساكن وما يمكن ذلك في أقل من حرفين الأول منهما متحرك والثاني ~~ساكن وهو الذي يسميه العروضيون سببا خفيفا. # وبهذا أجاب أصحابنا من ألزمهم على هذا الحد الذي ذكرناه أن يكون: ق وع في ~~الأمر ليس بكلام لأنه حرف واحد. وقالوا: إن المنطوق به في هذا القول حرفان ~~والغنة التي وقف عليها عند السكت هي حرف1. وإن لم يثبت في الخط. وبينوا أن ~~النطق بحرف واحد غير ممكن للعلة التي ذكرناها. وبهذا الجواب غنوا عما قاله ~~أبو هاشم: من أن الأصل في هاتين اللفظتين عند الأمر أوق وأوع وإنما حذف ذلك ~~لضرب من التصريف والمحذوف مقدر في الكلام مراد فعاد الأمر إلى أن الحرف ~~الواحد لا يفيد. وإذا كنا قد بينا التسمح فيما ذكرناه فوجه العذر فيه أنه ~~لو أمكن فرضا وتقديرا أن ينطق بحرف واحد لم يكن كلاما وإن كان الصحيح أن ~~ذاك غير ممكن لما بيناه. # وقد ألزمنا على هذا الحد الذي ذكرناه أن يكون الأخرس متكلما لأنه قد يقع ~~منه حرفان. # والتزم أصحابنا ذلك وقالوا: إن الأخرس يمكن PageV01P033 # أن يقع منه أقل قليل للكلام. وفيهم من احترز من ذلك وقال في أصل الحد ما ~~إنتظم من حرفين مختلفين. وادعى أن الأخرس لا يقع منه ذلك. وطعن على هذا ~~القول بأنه: غير ممتنع أن يقع من الأخرس حرفان مختلفان. والمعتمد التزام ~~ذلك والقول بجوازه. # وليس يجوز أن يشترط في حد الكلام كونه مفيدا على ما يذهب إليه أهل النحو ~~ومضى في بعض كلام أبي هاشم وذلك أنا وجدنا أهل اللغة قد قسموا الكلام إلى ~~مهمل ومستعمل. # والمهمل ما لم يوضع في اللغة التي أضيف أنه مهمل إليها لشيء من المعاني ~~والفوائد والمستعمل ms016 هو الموضوع لمعنى أو فائدة. فلو كان الكلام هو المفيد ~~عندهم وما لم يفد ليس بكلام لم يكونوا قسموه إلى قسمين بل كان يجب أن ~~يسلبوا ما لم يفد اسم الكلام رأسا لا أن يجعلوه أحد قسميه. على أن الكلام ~~إنما يفيد بالمواضعة. وليس لها تأثير في كونه كلاما كما لا تأثير لها في ~~كونه صوتا وأي دليل على أن اسم الكلام عندهم غير مقصور على المفيد أو كد من ~~تسميتهم للهذيان الواقع من المجنون وغيره كلاما. وليس يمكن دفع ذلك عنهم ~~ولا إنكاره. وقد وجدت أبا طالب أحمد بن بكر العبدي النحوي ينصر في كتابه ~~الموسوم بالبرهان في شرح الإيضاح ما يذهب إليه النحويون في هذا المسألة. ~~فلما تأملته وأنعمت النظر فيه لم أجده معتمدا فيما أدعوه. وأنا أحكيه ~~وأتبعه ببيان عدم الدلالة منه. قال أبو طالب: وهذا اللفظ من الكلام فإنه ~~يكون واقعا على المفيد منه لا على غيره ألا ترى أن سيبويه رحمه الله قال: ~~واعلم إن قلت إنما وقعت في كلام العرب على أن يحكى بها ما كان كلاما لا ~~قولا وفسر معنى هذا القول. # ثم قال فإن قلت: ألست تقول لمن نطق وأظهر كلمة واحدة قد تكلم وإن لم يكن ~~ما ذكره جملة. قيل قال # PageV01P034 # أقول تكلم ولا أقول قال كلاما لأن الكلام ما وقع على الجمل من حيث ذكرت ~~أن كلاما إنما وقع على أن يكون اسما للمصدر ونائبا عنه. وذلك المصدر1 موضوع ~~للمبالغة والتكثير. ألا ترى أنك تقول فعلت كذا وكذا. ولفظ هذا يحتمل أن ~~يكون كثيرا وأن يكون قليلا. وبابه القلة. وإذا قال فعلت بتشديد العين لم ~~يكن إلا للتكثير وزال عنه معنى القلة من أجل التشديد. # فإذا كان الأمر على هذا وكان الكلام جاريا على لفظ فعل للمبالغة وجب أن ~~يراد به التكثير وأقل أحوال التكثير والتكرير أن يكون واقعا على جملة. فإن ~~قيل فإن الفعل المستعمل من هذا اللفظ لا يكون على وجهين إذا أريد التقليل ~~كان خفيفا وإذا أريد ms017 التكثير ثقل كما نجد ذلك في ضرب وضرب وذلك أنه لم يجىء ~~فيه إلا كلمت البتة. قيل: أليس قد تقرر أن لفظ فعل للتكثير والتكرير فينبغي ~~أن يوفى حق لفظها. وكونها على حالة واحدة عندي أبلغ في المعنى حتى صارت ~~عندهم لفظة لا تستعمل إلا للمبالغة من حيث كان الكلام أجل ما يوصف به ~~الإنسان. # حتى قال الشاعر: 2 # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # وقال قبل هذا البيت: # وكائن ترى من ساكت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم # ولآخر: 3 # ومما كانت الحكماء قالت ... لسان المرء من خدم الفؤاد # ويقال لأهل الدين والكلام عليه: فلان متكلم. فلولا أنها شيمة PageV01P035 # شريفة وصفة مبالغة لما وصف بذلك. ثم يقال للإنسان الذي يورد ما تقل ~~فائدته: هذا ليس بكلام. فقد بان بما ذكرته موضع المبالغة في قولهم: فلان ~~متكلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إن من البيان لسحرا ". ~~فأما ما جاء من قوله: # فصبحت والطير لم تكلم. # وقوله: # عجبت لها أني يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما # فمجاز لا حقيقة له. كما قيل: # إلى ملك أظلافه لم تشقق1 # وكما أنشد سيبويه: # وداهية من دواهي المنون ... ترهبها الناس لا فالها2 # فجعل للداهية فما استعارة. وكشف هذا شاعر محدث فقال3: # وسألت من لا يستجيب فكنت في استخباره ... كمجيب من لا يسأل # ويكشف هذا المعنى للمتأمل أن العرب لشرف الكلام عندهم وأن القليل المفيد ~~منه عندهم كثير أنهم يقولون: وقال فلان في كلمته. إنما يريدون القصيدة. ~~وكشف هذا المتأخر ما أريد فقال: PageV01P036 # ورسائل قطع العداة سحاءها ... فرأوا قنا وأسنة وسنورا 1 # وهل هو إلا كلام وقد ترى تفصيله إياه بالقنا والسنور وقد قال الأول: # والقول ينفذ مالا تنفذ الإبر # وقال آخر2: # فإن القوافي يتلجن موالجا ... تضايق عنها أن تولجها الإبر # وهذا كله إنما أوردته نصرا لنطقهم بتكلم مثقل العين على لفظ المبالغة ولم ~~يستعملوه على وجهين مخففا ومثقلا. # فيقال لأبي طالب. إن كنت أوردت ms018 ما ذكرته عن سيبويه على وجه الإستدلال به ~~فلا حجة فيه لأنا لسنا نخالفك في هذه المسألة وحدك وإنما نخالف فيها سيبويه ~~وغيره من النحويين الذين ذهبوا إلى أن الكلام هو المفيد دون غيره. وكيف ~~يكون قول خصومنا علينا حجة من غير أن يعتمدوا إلا على نفس الدعوى فإن ذهب ~~إلى أن قول سيبويه وأمثاله في هذا وأمثاله حجة واستكره الإفصاح بخلافه. ~~قلنا: إن كان هذا لحسن الظن به فذلك أليق بالمتكلمين الذين هم أصحاب ~~التحقيق والكشف عن أسرار المعلومات وغوامض الأشياء وعللهم هي الصحيحة ~~المستمرة الجارية على منهج واضح وسبيل مستقيم. وإنما غيرهم بالإضافة إليهم ~~خابط عشواء وحاطب ليل. فإن جاز الاعتصام بتقليد سيبويه كان الاعتصام ~~بالدخول في شعب هؤلاء أحرى وأولى. وأن قيل أن أتباع النحويين في مثل هذا ~~الباب أسوغ لأنهم أهل هذا الشأن وأرباب هذه الصناعة قلنا: إنما يجب إتباعهم ~~فيما PageV01P037 # يحكونه عن العرب ويروونه وليس هذه المسألة من قبيله بل العرب مجمعون معنا ~~على تسمية الكلام المفيد وغير المفيد بأنه كلام. وليس يمكن جحد ذلك عنهم. # فأما طريقة التعليل فإن النظر إذا سلط على ما يعلل النحويون به لم يثبت ~~معه إلا الفذ الفرد بل ولا يثبت شيء البتة. ولذلك كان المصيب منهم المحصل ~~من يقول هكذا قالت العرب من غير زيادة على ذلك فربما اعتذر المعتذر لهم بأن ~~عللهم إنما ذكروها وأوردوها لتصير صناعة ورياضة ويتدرب بها المتعلم ويقوى ~~بتأملها المبتدئ. فإما أن يكون ذلك جاريا على قانون التعليل الصحيح والقياس ~~المستقيم فذلك بعيد لا يكاد يذهب إليه محصل. على أنه قد يمكن أن يقال: إن ~~المتقدمين من أهل النحو تواضعوا في عرفهم على أن سموا الجمل المفيدة كلاما ~~دون ما لم يفد لا أن ذلك على سبيل التحقيق. كما أنهم سموا هذه الحوادث ~~الواقعة كضرب وقتل أفعالا. ولو عدلنا إلى التحقيق ورفض عرفهم كانت أسماء ~~لما وقع من الحوادث. أما تسليمه أن كل من نطق بكلمة واحدة يقال له تكلم ولا ~~يقال قال ms019 كلاما. واعتلاله بأن كلاما وقع اسما لمصدر ونائبا وذلك المصدر ~~موضوع للتكثير فيجب أن يوفي حقه فمن طريف ما يعتمد عليه. # وذلك أن التكثير موجود في لفظ تكلم وقد أجازه مع القلة فكيف لم يجز ذلك ~~مع المصدر الذي ليس في لفظه التكثير. وإنما هو نائب عن ذلك في لفظه. فإذا ~~جاز هذا في الأصل فهو فيما ينوب أسوغ وأليق. # وأما قولهم أنهم لم ينطقوا في الكلام إلا بفعل التي هي للتكثير لشرف ~~الكلام عندهم فذلك هو الحجة في إطلاق لفظ الكلام وتكلم على القليل الذي ليس ~~بمفيد لما ذكره من الشرف والمبالغة. # وأما استدلاله على شرف الكلام عندهم بالأبيات التي ذكرها فمما يمكن إيراد ~~مثله إلا أن ذكره: # PageV01P038 # ومما كانت الحكماء قالت ... لسان المرء من خدم الفؤاد1 # لا أعلم موقع الدلالة منه على شرف الكلام وهو بالدلالة على تشريف الفؤاد ~~والوضع من اللسان بأنه خادمه أليق. # وأما قوله أنهم يقولون للإنسان الذي يورد ما تقل فائدته: هذا ليس بكلام ~~قلنا ذلك وأمثاله إنما يورد على سبيل الجواز والإسراف في المبالغة. كما ~~يقال للرجل البليد: ليس بإنسان والفرس البطيء ليس بفرس لا أن ذلك على ~~الحقيقة. وهذا مما لا تدخل في مثله شبهة. # وأما قوله إن العرب لشرف الكلام عندهم وأن القليل المفيد منه كثير. ~~يقولون: قال فلان في كلمته يريدون القصيدة فذلك كله هو وأمثاله هو الوجه في ~~اقتصارهم على لفظ التكثير في الكلام أفاد أو لم يفد دون الألفاظ التي لم ~~توضع للتكثير. # وقد حد الكلام بحدود غير صحيحة كحد بعض النحويين له بأنه فعل المتكلم ~~وذلك ينتقض بجميع أفعاله الحادثة منه في حال كلامه كالضرب وما أشبهه على أن ~~من عقل كونه متكلما عقل الكلام ولم يحتج إلى حده. وكذلك حد بعض المتكلمين ~~له بأنه: ما أوجب كون المتكلم متكلما. وقول غيره: ما يقوم بذات المتكلم لأن ~~هذا كله فرع على عقل المتكلم وتحققه وذلك لا يتم إلا بعد المعرفة بالكلام ~~وما يقوم بذات المتكلم ينتقض بكل ms020 ما يقوم به من العلم والقدرة والحياة. ثم ~~السؤال فيه باق لأنه إذا قيل فهذا الذي أوجب كون المتكلم متكلما أو قام ~~بذاته ما هو فلابد من الرجوع إلى ما قدمنا من حده. # وإذا كان كلامنا مبنيا على أن الكلام هو الصوت الواقع على بعض الوجوه ~~وكان أبو علي الجنائي يذهب إلى أن جنس الكلام يخالف جنس الصوت فلا بد من ~~بيان ما ذهبنا إليه وفساد ما عداه. والذي يدل على أن PageV01P039 # الكلام هو الصوت الواقع على بعض الوجوه أنه لو كان غيره لجاز أن يوجد ~~أحدهما مع عدم الآخر على بعض الوجوه لأن هذه القضية واجبة في كل غيرين لا ~~تعلق بينهما ولما استحال أن توجد الأصوات المقطعة على وجه مخصوص ولا تكون ~~كلاما أو الكلام من غير صوت مقطع دل على أنه الصوت بعينه. # فأما من ذهب إلى أن الكلام معنى في النفس من المجبرة فإن الذي حملهم على ~~هذا المذهب الواضح الفساد ظهور أدلة نظار المسلمين1 على حدوث هذا الكلام ~~المعقول وتقديم بعض حروفه على بعض فلم يتمكنوا من الاعتراف بأنه من جنس ~~الأصوات المقطعة مع القول بأن كلام الله عز اسمه قديم فادعوا لذلك أن ~~الكلام غير هذا الصوت المسموع وأنه معنى قائم في النفس ليسوغ لهم قدمه على ~~بعض الوجوه فلجأوا من الاعتراف بالحق والانقياد بزمامه إلى محض الجهل وصرف ~~الضلال. ولو تجنب خطابهم على هذا القول وعول في إفساده على حكاية مذهبهم ~~لأغني ذلك عند كافة المحصلين ولم يفتقر إلى استئناف دليل عليهم غي التأمل ~~لما يدعونه والعجب مما يلتزمونه ويصرحون به وحمد الله تعالى على ما أنعم به ~~من الإرشاد ومنحه من الهداية. لكن قد جرت عادة أهل العلم معهم بإيضاح الحق ~~وإن كان غير خاف والتنبيه على الصواب وأن كان ليس بمشكل في جميع المذاهب ~~التي تفردوا بها وإن جرت في البعد مجرى هذا المذهب فنحن نستدرك عليهم في ~~هذه المسألة على طريقة أصحابنا ونذكر ما قالوه وإن كنا غير محتاجين إلى ms021 ~~ذلك. # والذي يدل على أن الكلام ليس بمعنى في النفس أنه لو كان معنى زائدا على ~~المعاني المعقولة الموجودة في القلب كالعلم وغيره لوجب أن يكون إلى معرفته ~~طريق من ضرورة أو دليل. # ولو كان ضرورة لوجب اشتراك العقلاء PageV01P040 # في المعرفة ولم يحسن الخلاف بينهم فيه والمعلوم غير ذلك ولو كان عليه ~~دليل لكان من ناحية حكم يظهر له ويتوصل به إلى إثباته كما يتوصل بأحكام ~~الذوات إلى إثباتها ومعلوم أنه لا حكم يمكن أن يشار إليه في هذا الباب. # فإن قيل: الصوت المسموع طريق إلى إثبات الكلام القائم في النفس قلنا: ليس ~~يخلو من أن يكون طريقا إليه بأن يعلم عنده أو يستدل به عليه فإن كان الأول ~~وجب أن يعلم كل من سمع الكلام الذي هو الصوت الواقع على بعض الوجوه شيئا ~~آخر عنده ومعلوم خلاف ذلك وأن كان يستدل به عليه فالكلام المسموع إنما يدل ~~على ما لولاه لما حدث وهو القدرة أو ما لولاه لم يقع على بعض الوجوه وهو ~~العلم والإرادة. فأما ما سوى ذلك فلا دلالة عليه لنفي التعلق. # فإن قيل: كل عاقل يجد في نفسه عند الكلام أمرا يطابقه ويدبر في نفسه ما ~~يريد أن يتكلم به حتى يخطب الخطبة وينشد القصيدة من غير أن يحرك لشيء من ~~ذلك جارحة بحال من الأحوال وذلك يبين أن الكلام معنى قائم في النفس: قلنا: ~~كل أمر يجده الإنسان من نفسه عند الكلام معقول وهو العلم بكيفية ما يوقعه ~~منه أو الظن له أو إرادة ذلك والداعي إلى فعل الكلام أو الفكر والروية في ~~إيقاعه وكيفية فعله. فإن أشير إلى بعض ما ذكرناه بالكلام صح المعنى وعاد ~~الخلاف إلى عبارة. وأن أريد غيره فليس بمعقول. وههنا جواب آخر: وذلك أن ~~الإنسان يفعل كلاما خفيا في داخل صدره ويقطعه بالنفس فيكون كلاما بالحقيقة ~~وأن كان غير مسموع له. # ثم إن أحدنا قد يحدث نفسه بنسج ثوب أو بناء دار فيظن لها أن ذلك مصور في ~~نفسه قبل ms022 الفعل وليس يجب لذلك أن يكون البناء أو النساجة معنى في النفس بل ~~ذلك علم بكيفية أيقاع كل واحد منهما حسب ما بيناه في الكلام. # فأما تعلقهم بجنس قول القائل في نفسي # PageV01P041 # كلام ففاسد لأنه توصل إلى إثبات المعاني بالعبارات ولا يعول على ذلك ~~محصل. # على أن من يطلق هذا القول لا يخلو من أن يكون أطلقه عن علم أو عن غير علم ~~فإن كان أطلقه عن غير علم فلا حجة في إطلاقه وإن كان عن علم لم يخل أن يكون ~~ضروريا أو مكتسبا. # فإن كان ضروريا وجب اشتراك العقلاء فيه ولم يحسن الخلاف بينهم وليس الأمر ~~كذلك وإن كان مستدلا عليه فالواجب إيراد الدليل الذي اقتضى إطلاق هذا ~~العبارة ليقع النظر فيه. # وبعد فإن الإنسان قد يطلق أيضا فيقول في نفسي بناء دار ونسج ثوب. كما ~~يقول في نفسي كلام فهل يدل ذلك على أن البناء والنساجة معنيان في النفس كما ~~دل عندهم على أن الكلام معنى فيها. ثم أن لقول القائل في نفسي كلام وجها ~~صحيحا وذلك أن المعنى إني عازم عليه ومريد له ولهذا لو أبدلوا هذا اللفظ ~~مما ذكر لقام مقامه في الفائدة. وأما تعلقهم بأن الساكت يقال فيه أنه متكلم ~~فليس بصحيح لأن المراد بذلك إمكان الكلام منه أو إضافته إليه على طريق ~~الصناعة كما يقال للصائغ - في حال هو لا يصوغ فيها - إنه صائغ. وكذلك سائر ~~الصناع ثم هو مع ذلك استدلال بالمعاني على العبارات وقد بينا فساد ذلك فيما ~~تقدم. # والكلام مما لا يوجب حالا للمتكلم إذ لا طريق إلى إثبات ذلك من ضرورة أو ~~استدلال. ولا فرق بين من ادعى في الكلام أنه يوجب حالا وبين من ادعى ذلك في ~~جميع الأفعال كالضرب وغيره. وأيضا فإن الكلام يوجد في الصدا ونكون نحن ~~المتكلمين به. ومن شأن ما ينفصل عن الحي أن لا يوجب لح حالا لأن كل ما أوجب ~~للحي حالا لا يصح وجوده في محل لا حياة فيه كالعلم والقدرة. # والكلام ms023 يتعلق بالمعاني والفوائد بالمواضعة لا لشيء من أحواله وهو قبل ~~المواضعة إذ لا اختصاص له ولهذا جاز في الاسم الواحد أن تختلف مسمياته ~~لاختلاف اللغات. # وهو بعد وقوع التواضع # PageV01P042 # يحتاج إلى قصد المتكلم به واستعماله فيما قررته المواضعة ولا يلزم على ~~هذا أن تكون المواضعة لا تأثير لها لأن فائدة المواضعة تمييز الصيغة التي ~~متى أردنا مثلا أن نأمر قصدناها. وفائدة القصد أن تتعلق تلك العبارة ~~بالمأمور وتؤثر في كونه أمرا له. فالمواضعة تجري مجرى شحذ السكين وتقويم ~~الآلات والقصد يجري مجرى استعمال الآلات بحسب ذلك الإعداد. # والكلام على ضربين مهمل ومستعمل: فالمهمل هو الذي لم يوضع في اللغة التي ~~قيل له مهمل فيها لشيء من المعاني والفوائد. والمستعمل هو الموضوع لمعنى أو ~~فائدة. وينقسم إلى قسمين: أحدهما ماله معنى صحيح وأن كان لا يفيد فيما سمى ~~به كنحو الألقاب مثل قولنا: زيد وعمرو. # وهذا القسم جعله القوم بدلا من الإشارة. والفرق بينه وبين المفيد أن ~~اللقب يجوز تبديله بغيره وتغييره واللغة على ما هي عليه والمفيد لا يجوز ~~ذلك فيه. والقسم الثاني هو المفيد وهو على ثلاثة أضرب: أحدها أن يبين نوعا ~~من نوع كقولنا: كون ولون. وثانيهما أن يبين جنسا من جنس كقولنا: جوهر ~~وسواد. وثالثها أن يبين عينا من عين كقولنا: عالم وقادر. والمفيد من الكلام ~~ينقسم إلى قسمين: حقيقة ومجاز. فاللفظ الموصوف بأنه حقيقة هو ما أريد به ما ~~وضع لإفادته. والمجاز هو اللفظ الذي أريد به مالم يوضع لإفادته. والكلام ~~المفيد يرجع كله إلى معنى الخبر. ومتى اعتبرت ضروبه وجدت لا تخرج عن ذلك في ~~المعنى. أما الجحود والتنبيه والقسم والتمني والتعجب فالأمر في كونها ~~أخبارا في المعنى ظاهر وأما الأمر فيفيد كون الأمر مريدا للفعل فمعناه معنى ~~الخبر. والنهي يفيد أنه كاره فهو أيضا كذلك. والسؤال والطلب والدعاء يجري ~~هذا المجرى. # والعرض فهو سؤال على الحقيقة فأما النداء فقد اختلف فيه فقيل معنى: يا ~~زيد أدعو زيدا وهذا على الحقيقة خبر. وقيل # PageV01P043 # المراد به: ms024 أقبل يا زيد وعلى هذا المعنى فهو داخل في قسم الأمر. وأما ~~التخصيص فهو في معنى الأمر لأنه يغبىء عن إرادة المخصص للفعل. # وإذ كنا قد بينا حد الكلام وحقيقته فينبغي أن نذكر حقيقة المتكلم فنقول: ~~إن المتكلم من وقع الكلام الذي بينا حقيقته بحسب أحواله من قصده وإرادته ~~واعتقاده وغير ذلك من الأمور الراجعة إليه حقيقة أو تقديرا والذي يدل على ~~ذلك أن أهل اللغة متى علموا أو اعتقدوا وقوع الكلام بحسب أحوال أحدنا وصفوه ~~بأنه متكلم ومتى لم يعلموا ذلك أو يعتقدوه لم يصفوه فجرى هذا الوصف في ~~معناه مجرى وصفهم لأحدنا بأنه ضارب ومحرك ومسكن وما أشبه ذلك من الأفعال. ~~ومن دفع ما ذكرناه في الكلام وإضافته إلى المتكلم تعذر عليه أن يضيف شيئا ~~على سبيل الفعلية لأن الطريقة واحدة. ولا يلزم على ما ذكرناه إضافة كلام ~~النائم والساهي إليهما وإن لم يقع بحسب المقصود وذلك أننا لم نقتصر على ذكر ~~المقصود والدواعي دون جملة الأحوال. والكلام يقع من النائم والساهي بحسب ~~قدرتهما ولغتهما. واللثغة العارضة في لسانهما وغير ذلك من أحوالهما. على ~~أنا قد احترزنا بذكر التقدير في كلامنا لأن من المعلوم أن كلام النائم لو ~~كان قاصدا لوقع بحسب قصده وأنه مخالف لكلام غيره. ويدل على ما ذكرناه أيضا ~~أنهم يضيفون الكلام المسموع من المصروع إلى الجني لما اعتقدوا تعلقه بقصده ~~وإرادته. # وهذا وأن كان خطأ منهم وجهلا فلا يغير دلالتنا منه لانا إنما استدللنا ~~باستعمالهم على وجه لا فرق فيه بين الفاسد والصحيح لأن عبارتهم تابعة ~~لاعتقاداتهم ولا فرق بين أن تكون تلك الاعتقادات علما أو جهلا. # كما يستدل على أن لفظة إله في لغتهم موضوعة لمن يحق له العبادة بوصفهم ~~للأصنام بأنها آلهة لما اعتقدوا أن هذه العبادة تحب لها وأن كان هذا ~~الاعتقاد منهم في الأصنام فاسدا. # فإن قالوا: إنهم إنما أضافوا الكلام المسموع من المصروع إلى الجني لما ~~اعتقدوا أن الجني قد سلكه # PageV01P044 # وخالطه وأن الكلام حال في الجني دونه فيعود ms025 الأمر إلى أن المتكلم بالكلام ~~من حله. # قلنا له ليس يعتقدون أن آلة المصروع ولسانه قد صار للجني دونه لأنهم لا ~~يضيفون إلى الجني كل كلام يسمع من المصروع كالتسبيح والقراءة وما يجري ~~مجراهما مما يعتقدون أن الجني لا يقصده. وإنما يضيفون إليه ما يعتقدون أنه ~~لا يكون من مقصود غير الجني. فدل هذا على أنهم لا يضيفون الكلام إلا إلى من ~~وقع بحسب أحواله وقصوده على ما قدمناه. ويدل أيضا على ما ذهبنا إليه أن ~~الكلام يوجد في الصدأ ويستحيل أن يكون كلاما له أو للقديم تعالى لأنه ربما ~~كان كذبا أو عبثا وهو عز اسمه ينزه عن ذلك. أو كلاما لا لمتكلم به فيجب أن ~~يكون كلاما لمن فعل أسبابه ووجد بحسب دواعيه وقصوده. وليس لهم أن يمتنعوا ~~من وجود الكلام في الصدا لأنه عندهم معنى في النفس لانا قد بينا أن الكلام ~~هو هذه الأصوات المخصوصة فيما تقدم ولا شبهة في وجودها في الصدا. فأما حدهم ~~للمتكلم بأنه من له كلام فإحالة على مبهم والسؤال باق لأنه يقال: فكيف صار ~~الكلام له ابأن حله أو بأن فعله. فلا بد من التفسير. وهذه اللفظة أعني ~~قولهم: أن له كذا تحتمل أمورا مختلفة المعاني: منها إضافة البعض إلى الكل ~~كقولهم: له يد ورجل. ومعنى الملك كقولهم: له دار وغلام. ومعنى الفعلية ~~كقولهم: له إحسان ونعمة. ومعنى الحلول كما يقال: له طعم ولون. وما يحتمل ~~أمورا مختلفة لا يجوز أن يحد به في الموضع الذي يقصد فيه التمييز وكشف ~~الغرض. # ولما كنا قد ذكرنا طرفا من القول في حقيقة الكلام والمتكلم فيحتاج إلى ~~نبذ من الكلام في الحكاية والمحكي ليكون هذا الفصل مقنعا فيما وضع له. ~~والذي كان يذهب إليه أبو الهذيل محمد بن الهذيل1. وأبو علي PageV01P045 # محمد بن عبد الوهاب1 أن الحكاية هي المحكي وأن التالي للقرآن يسمع منه ~~كلام الله على الحقيقة وأن البقاء يجوز على الكلام ويوجد في الحال الواحدة ~~في الأماكن الكثيرة فيوجد مع الصوت مسموعا ms026 ومع الكتابة مكتوبا ومع الحفظ ~~محفوظا. ويجري في وجوده في الأماكن الكثيرة مجرى الأجسام ويزيد على الأجسام ~~بأنه يوجد في الأماكن الكثيرة في الوقت الواحد والأجسام إنما توجد في ~~الأماكن على البدل. ثم قال أبو علي بعد ذلك: إن التالي للقرآن يوجد مع ~~تلاوته كلامان أحدهما من فعله والآخر هو كلام الله تعالى. والذي كان يقوله ~~أبو هاشم وقد ذهب إليه قبله جعفر بن حرب وجعفر بن مبشر أن الكلام هو الصوت ~~الواقع على بعض الوجوه ولا يجوز عليه البقاء ولا يوجد إلا في المحل الواحد ~~والحكاية غير المحكي وإن كانت مثله. والقارئ لا يسمع منه إلا ما فعله ~~والقراءة غير المقروء والكتابة غير الكلام وإنما هي إمارات للحروف والحفظ ~~هو العلم بكيفية الكلام ونظمه. وعلى هذا القول أكثر الشيوخ وهو الصحيح الذي ~~لا شبهة فيه والذي يدل عليه أننا قد بينا فيما تقدم أن الكلام هو الصوت ~~الواقع على بعض الوجوه بما لا فائدة في إعادته. والصوت فلا شبهة في أنه غير ~~باق لما بيناه أيضا. وإذا كان الكلام هو الصوت والصوت لا يجوز عليه البقاء ~~فكيف يقال أنه يوجد في قراءة كل قارئ ومع الكتابة وغيرها. ويدل أيضا على أن ~~الكتابة لا يوجد معها كلام وإنما هي أمارات الحروف بالمواضعة أن الاستفادة ~~بالكتابة كالاستفادة بعقد الأصابع والإشارة وغيرهما من الأفعال التي تقع ~~المواضعة عليها PageV01P046 # فلو كان لابد من كلام يوجد مع الكتابة لأجل الفائدة الحاصلة بها لوجب ذلك ~~في جميع ما ذكرناه وذلك محال لا يحسن الخلاف فيه. ومما يدل على أن التلاوة ~~للقرآن لا يوجد معها شيء آخر: أن القائل بسم الله الرحمن الرحيم متعوذا بها ~~غير قاصد إلى تلاوة القرآن يوجد الكلام من فعله فلو كان إذا قصد حاكيا ~~لكلام الله تعالى وجد كلام آخر لكان إذا قصد حكاية كلام كل من تلا القرآن ~~يوجد كلامهم أجمع عند قصده فيقوى إدراكنا للكلام من حيث نسمع كلاما كثيرا ~~في هذه الحال وفي غيرها شيئا واحدا وهذا واضح ms027 الفساد. وقد تعلق أبو علي ~~وأبو الهذيل فيما ذهبا إليه بأنه: لو كان القارئ لا يسمع منه إلا ما فعله ~~دون كلام الله تعالى لبطل التحدي وخرج من كونه معجزا لأنه لو كانت الحكاية ~~غير المحكي وهي مثله لكان كل من فعل القرآن قد أتى بمثله على الحقيقة ~~والتحدي يضمن أنهم لا يأتون بمثله على الحقيقة. # والجواب عن هذا: أن التحدي إنما وقع بفعل مثل القرآن على الابتداء دون ~~الاحتذاء والتالي للقرآن قد أتى بمثله محتذيا فلا يكون بذلك معارضا. وعلى ~~هذا أيضا كان يقع التحدي من العرب بعضها بعضا بالأشعار على سبيل الابتداء ~~والأمر في هذا واضح. # وتعلق أبو علي فيما ذهب إليه ثانيا: بأن القرآن ليس بقبيح على وجه من ~~الوجوه وقد ثبت أن قراءته تقبح من الجنب والحائض ودل ذلك على أن القراءة ~~شيء والقرآن شيء. والجواب عن هذا أن معنى قولنا إن القرآن ليس بقبيح بوجه ~~من الوجوه هو أن ما فعله تعالى وأنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم هذه ~~صفته ولا يمنع أن تكون التلاوة التي هي فعل التالي والحكاية التي هي فعل ~~الحاكي. ويسمى بالتعارف قرآنا في بعض الأحوال ويرجع القبح إلى أفعال العباد ~~دون القرآن على الحقيقة. # وقد أعتمد أبو الهذيل وأبو علي أيضا على قوله تبارك وتعالى: {وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} 1 PageV01P047 # ولا خلاف بين الأمة أن المسموع في المحاريب كلام الله تعالى على الحقيقة. ~~والجواب عن هذا: أن إضافة الكلام إلى المتكلم أن كان الأصل فيها أن يكون من ~~فعله فقد صار بالتعارف يضاف إليه إذا وردت مثل صورة كلامه. ولهذا يقولون ~~فيما نسمعه الآن هذه قصيدة امرئ القيس وأن كان الفاعل لذلك غيره. وقد صار ~~هذا بالتعارف حقيقة حتى لا يقدم أحد على أن يقول ما سمعت شعر امرئ القيس ~~على الحقيقة. وقد تخطى ذلك إلى أن صاروا يشيرون إلى ما في الدفتر ويقولون: ~~هذا علم فلان وهذا كلام فلان. لما كان مثل ms028 هذه الصورة 1. PageV01P048 ### | فصل في اللغة # اللغة عبارة عما يتواضع القوم عليه من الكلام أو يكون توقيفا: يقال في ~~لغة العرب: أن السيف القاطع حسام. أي تواضعوا على أن سموه هذا الاسم. وتجمع ~~لغة على لغات ولغين ولغون. وقد قيل في اشتقاقها أنها مشتقة من قولهم: لغيت ~~بالشيء إذا أولعت به وأغريت به. # وقيل: بل هي مشتقة من اللغو وهو النطق. ومنه قولهم سمعت لواغي القوم أي ~~أصواتهم. # ولغوت أي تكلمت. وأصلها على هذا لغوة على مثال فعله. فأما قولهم: في لغة ~~بني تميم كذا وفي لغة أهل الحجاز كذا فراجع إلى ما ذكرناه. والمعنى أن بني ~~تميم تواضعوا على ذلك ولم يتواضع أهل الحجاز عليه. # والصحيح أن أصل اللغات مواضعة وليس بتوقيف وإنما أوجب # PageV01P048 # ذلك لأن توقيفه تعالى يفتقر إلى الاضطرار إلى قصده والتكليف يمنع من ذلك. ~~وإنما افتقر إلى الاضطرار إلى قصده لأنه أن أحدث كلاما لم يعلم أنه قد أراد ~~بعض المسميات دون بعض ولو اقترن بهذا الكلام إشارة إلى مسمى دون غيره. لأنا ~~لا نعلم توجه الكلام إلى ما توجهت الإشارة إليه وإنما يعلم ذلك بعضنا من ~~بعض بالاضطرار إلى قصده وتخصص الإشارة بجهة المشار إليه لا يعلم بها هل ~~الاسم للجسم أو للونه أو لغير ذلك من أحواله. وأما إذا تقدمت المواضعة ~~بيننا وخاطبنا القديم تعالى بها علمنا مراده لمطابقة تلك اللغة. وقد يجوز ~~فيما يعد أصل اللغات أيكون توقيفا منه تعالى لتقدم لغة عن التوقيف يفهم بها ~~المقصود. وقد حمل أهل العلم قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} 1على ~~مواضعة تقدمت بين آدم عليه السلام وبين الملائكة على لغة سالفة ممن خاطبه ~~الله تعالى على تلك اللغة وعلمه الأسماء ولولا تقدم لغة لم يفهم عنه عز ~~أسمه. # وقد ظن قوم أن المواضعة بيننا تحتاج إلى إذن سمعي ولا وجه لهذا القول إذ ~~الدواعي إلى التخاطب وتعريف بعضنا مراد بعض قوية والانتفاع بذلك ظاهر. ولا ~~وجه فيه من وجوه القبح قبحت حسنه كالتنفس في الهواء. وكما ms029 تحسن من أحدنا ~~الإشارة في بعض الأوقات إلى ما يريده من غير إذن سمعي فكذلك المواضعة على ~~كلام يدل عليه. ومن فرق بينهما فمقترح. وإنما فزع العقلاء إلى الحروف في ~~المواضعة لأنها أسهل وأوسع ومع التأمل لا يوجد ما يقوم مقامها. # فأما ما نحن بصدده من ذكر اللغة العربية فلا خفاء بميزاتها على سائر ~~اللغات وفضلها. # أما السعة فالأمر فيها واضح. ومن. تتبع جميع اللغات لم يجد فيها على ما ~~سمعته لغة تضاهي اللغة العربية في كثرة الأسماء للمسمى الواحد. على أن ~~اللغة الرومية بالضد فإن الاسم الواحد يوجد فيها PageV01P049 # للمسميات المختلفة كثيرا. وقد كان بعض اللغويين حصر أسماء السيف والأسد ~~في لغة العرب فكانت أورقا عدة. وهي مع هذه السعة والكثرة أخصر اللغات في ~~إيصال المعاني وفي النقل إليها يبين ذلك. فليس كلام ينقل إلى لغة العرب إلا ~~ويجيء الثاني أخصر من الأول مع سلامة المعاني وبقائها على حالها. وهذه بلا ~~شك فضيلة مشهورة وميزة كبيرة. لأن الغرض في الكلام ووضع اللغات بيان ~~المعاني وكشفها. فإذا كانت لغة تفصح عن المقصود وتظهره مع الاختصار ~~والاقتصار فهي أولى بالاستعمال وأفضل مما يحتاج فيه إلى الإسهاب والإطالة. ~~وقد خبرني أبو داود المطران - وهو عارف باللغتين العربية والسريانية - أنه ~~إذا نقل الألفاظ الحسنة إلى السرياني قبحت وخست. وإذا نقل الكلام المختار ~~من السرياني إلى العربي إزداد طلاوة وحسنا. وهذا الذي ذكره صحيح يخبر به ~~أهل كل لغة عن لغتهم مع العربية. وقد حكى أن بعض ملوك الروم وأظنه نقفور ~~سأل عن شعر المتنبي فأنشد له: # كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخات فلما ثرن سالا1 # وفسر له معناه بالرومية فلم يعجبه. # وقال كلاما معناه: ما أكذب هذا الرجل كيف يمكن أن يناخ جمل على عين إنسان ~~وما أحسب أن العلة فيما ذكرته عن النقل إلى اللغة العربية منها وتباين ذلك ~~إلا أن لغتنا فيها من الاستعارات والألفاظ الحسنة الموضوعة ما ليس مثله في ~~غيرها من اللغات. فإذا نقلت لم يجد الناقل ما يتوصل ms030 به إلى نقل تلك الألفاظ ~~المستعارة بعينها وعلى هيئتها لتعذر مثلها في اللغة التي تنقل إليها. ~~والمعاني لا تتغير PageV01P050 # فنقلها ممكن من غير تبديل فكأن ما ينقل من اللغة العربية يتغير حسنه لهذه ~~العلة وما ينقل إليها يمكن الزيادة على طلاوته لأن ناقله يجد ما يعبر به في ~~العربية أفضل مما يريد وأبلغ مما يحاول. # وهذا وجه يمكن ذكر مثله ويجب أن يتأمل وينظر فيه لأني لا أعرف لغة سوى ~~العربية. # وإنما ذهبت إليه ظنا وحدسا. وقد تصرف في هذه اللغة بما لم أظنه تصرف في ~~غيرها من اللغات فلم توجد إلا طيعة عذبة في كل ما استعمل فيه نظما ونثرا ~~وهي إلى الآن لا تقف على غاية في ذلك ولا تصل إلى نهاية كما قال أبو تمام ~~في هذا المعنى: # ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب # وقد بينت فضلها بسعتها وما فيها من الاختصار في العبارة عن المعاني وذكرت ~~وجه التفضيل بالاختصار مما لا شبهة فيه. # فأما السعة فالأمر فيها أيضا واضح لأن الناظم أو الناثر إذا حظر عليه ~~موضع إيراد لفظة وكانت اللغة التي ينسج منها ذات ألفاظ كثيرة تقع موقع تلك ~~اللفظة في المعنى أخذ ما يليق بالموضع من غير عنت ولا مشقة وهذا غير ممكن ~~لولا السعة في كثرة الأسماء للمسمى الواحد وتلك فائدة حاصلة بلا خلاف. على ~~أنه ربما عرض في وضع الأسماء المشتركة فائدة في بعض المواضع مثل أن يحتاج ~~الناطق إلى كلام يؤثر أن يكنى فيه ولا يصرح فيقول لفظة ويوهم بها معنى قد ~~قصد غيره. وهذا وإن قل الداعي إليه إلا في اليسير من المواضع فلم تجعل ~~اللغة العربية خالية منها بل فيها أسماء مشتركة. كقولهم عين وما أشبهها # وههنا لها فضيلة أخرى وهي أن الواضع لها أن كانت مواضعة تجنب في الأكثر ~~كلما يثقل على الناطق تكلفه والتلفظ به كالجمع بين الحروف المتقاربة في ~~المخارج وما أشبه ذلك. واعتمد مثل هذا في الحركات أيضا # PageV01P051 # فلم يأت إلا بالسهل ms031 الممكن دون الوعر المتعب ومتى تأملت الألفاظ المهملة ~~لم تجد العلة في إهمالها إلا هذا المعنى وليس غيرها من اللغات كذلك كلغة ~~الأرمن والزنج وغيرهم. # ومما يدل على فضل هذه اللغة العربية أيضا وتقدمها على جميع اللغات أن ~~أربابها وأصحابها هم العرب الذين لا أمة من الأمم تنازعهم فضائلهم ولا ~~تباريهم في مناقبهم ومحاسنهم وإن كانوا تواضعوا على هذه اللغة فلم يكن تنتج ~~أذهانهم الصقيلة وخواطرهم العجيبة إلا شيئا خليقا بالشرف وأمرا جديرا ~~بالتقدم. وأن كانت توفيقا من الله تعال لهم ومنة من بها عليهم فلم يكن بد ~~لهم من العناية بشأنهم والتشييد من ذكرهم حتى ركبهم على حميد الخلال وطبعهم ~~على جميل الأخلاق إلا على غاية لا يتعلق بشأوها ورتبة يقصر الطالبون عن ~~بلوغها. ولست في هذه النتيجة ممن يدعى مقدمتها عصبية ولا يذهب إليها حمية ~~بل سأبين في هذا الفصل صحة ما أقوله من تفضيل العرب بحسب ما يليق به ولا ~~يفضل عن قدر الحاجة فيه فإني لو رمت إيضاح ذلك بجملته وإيراده بجميع أدلته ~~خرجت عن المقصود في هذا الكتاب وأخذت في تفضيل العرب على الأمم وهو يحتاج ~~إلى جزء مميز وكتاب مفرد. # وجه تفضيل هؤلاء القوم على غيرهم. # إن الخصال المحمودة توجد فيهم أكثر وفي غيرهم أقل وعلى هذا الحد يقع ~~التمييز بين القبيلتين وأهل البلدين ومتى تأمل المنصف حال العرب علم ما ~~ذكرته حقيقة. # أما الكرم فالأمر فيه واضح لأننا لم نجد أمة من الأمم ولا شعبا من الشعوب ~~رأى قرى الضيف واجبا ومساواة الجار فريضة إلا هذه # PageV01P052 # الأمة من العرب حتى صرحوا بذلك في أشعارهم ودونوه في المأثور عنهم وتساوى ~~فيه موسرهم ومعسرهم وغنيهم وفقيرهم. هذا وهم في الأكثر أهل جدب وفاقة وضيق ~~وعسر ونصب في انتجاع الرزق وكد التعرض للكسب ثم بلغ من حبهم الجود وصبابتهم ~~إلى جميل الذكر أن سمحوا بنفوسهم ورأوا البخل بها مذموما كالبخل بأموالهم ~~وكان من كعب بن مامة الأيادي في ذلك ما هو مشهور معروف لا تزيد الأيام ms032 ذكره ~~إلا بقاء ولا يؤثر فيه بعد العهد الأجدة ووضوحا. ولم نر في الهند والزنج ~~والحبش والترك من إدعى مثل هذه السجية ولا إنتسب إلى هذه الخلة. فأما الفرس ~~والروم فالبخل عليهم غالب وحب الغنى مركز في طباعهم ليس عندهم في ذلك كبير ~~عار ولا يلحقون أنفسهم به منقصة. # وأما الوفاء فمن دينهم الذي كانوا يرونه لازما ومذهبهم الذي كانوا ~~يعتقدونه حتما حتى صار من تمسك بجوارهم أو تعلق ببعض أطنابهم تبذل النفوس ~~دونه وتراق الدماء في المنع منه فكم قتل الرجل منهم في ذلك أقرب الناس إليه ~~نسبا وأمسهم به رحما وكم من وقعة عظيمة وحرب جليلة طويلة جرها ضيم نزيل أو ~~التعرض لسب جار كالحال في حرب البسوس التي ساقها ما علم من قتل كليب لناقة ~~جارة جساس واستفحال ذلك وتماديه حتى شهدته الأجنة شيبا. # فأما السموءل ورضاه بقتل ابنه دون الدروع التي كانت وديعة عنده وأبو دؤاد ~~الأيادي في قود ولده بجاره فمما هو متداول لإخفاء بتقصير جميع الأمم عنه. # وأما البأس والنجدة وطاعة الغضب والحمية وأدراك الثأر وطلب الأوتار ~~فأخبارهم بذلك معروفة وسيرهم فيه بذلك متداولة لا يخص به الرجل دون المرأة ~~ولا الغلام دون الهم المسن بل يوجد عند نسائهم من الصبر والشجاعة والتحريض ~~على الحرب والقساوة مالا يساويه المذكورون # PageV01P053 # بالنجدة في غيرهم والمنسوبون إلى البأس من سواهم كأسماء1 ومن يجري مجراها ~~ممن خبره مشهور معروف. هذا وفي طباع النساء اللين وشيمتهن الضعف واليهن ~~تنسب رقة القلوب وعنهن يؤخذ انتكاس العزائم. # ثم هم أصحاب السرى والتأويب وإليهم يعزى جوب القفار وقطع المهامة والحروب ~~عادتهم والغارة صناعتهم وبصيرتهم بها وآراؤهم فيها تدلك على اهتمامهم بهذا ~~الشأن وإرهاف أفكارهم فيه وشحذ خواطرهم لتدبيره. ولا حجة فيما ذكرناه أبين ~~ولا دليل عليه أوضح من اجتزائهم عن جميع المعايش غيره واقتصارهم من سائر ~~المكاسب عليه. إذ لم يروضوا شماسهم بذلة المهن ولا مرنوا نخواتهم على ~~معاناة الحرف لا يسأل أحدهم الرزق الأغرار سيفه ولا يستنجد على نفي الضيم ~~إلا ms033 بسنان رمحه. # وأما العقول الصحيحة والأذهان الصافية فالأمر في تفضيلهم بها واضح وذلك ~~أنهم لم يكونوا أهل تعليم ودرس ولا أصحاب كتب وصحف ولا يعرفون كيف التأديب ~~والرياضة ولا يعلمون وجه اقتباس العلم والرواية. وفي كلامهم من الحكم ~~العجيبة والأمثال الغريبة والحث على محاسن الأخلاق والأمر بجميل الأفعال ما ~~إذا تأملته غض عندك ما يروى عن حكماء اليونانيين وسهل الأمر عليك فيما حكاه ~~الناس عنهم. ووجدت تلك الفصول اليسيرة والفقر القليلة تسند إلى جليل من ~~الحكماء وتضاف إلى رئيس من العلماء وأمثالها وأضعافها في شعر راع جلف ومن ~~كلام عبد غمر ينشئها طبعه بلا تثقيف ويسمح بها خاطره عن غير صقال. ~~PageV01P054 # ثم لما صار هؤلاء القوم إلى الدين وتمسكوا بالشريعة وعادوا أصحاب كتاب ~~يدرس ومذهب يروى ظهر لعمري من دقيق أفهامهم وعجيب كلامهم ما هو موجود لا ~~يخفى على أحد جالس العلماء وخالط الكتب سبقهم إليه ومعجزهم فيه وأنهم فرعوا ~~من المذاهب وولدوا من العلوم ما كان من قبلهم كان ممنوعا منه ومصروفا عنه. # وأما حب الذكر وجميل الثناء والفرق من الذم وسوء القول فمما هو معلوم من ~~عادتهم معروف من شيمتهم. حتى كانوا إذا أسروا شاعرا شدوا لسانه بن سعة خوفا ~~من أن يسبقهم ببيت يشرد أو يعجلهم بقول يؤثر. وقد قال أبو عثمان الجاحظ: ~~لأمر ما قال حذيفة بن بدر لأخيه والرماح شوارع في صدره إياك والكلام ~~المأثور. وقال هذا مذهب فرعت فيه العرب جميع الأمم وهو مذهب جامع لأصناف ~~الخير. # وأما الغيرة والأنفة والصبر والجلد فمعلوم منهم حتى نسبوا إلى الفظاظة ~~وذكروا بالقساوة وعلل ذلك بإكثارهم أكل لحوم الإبل وإدمانهم التقوت بها ~~وزعموا أن في طباعها قسوة القلوب ومن عادتها غلظ الأكباد. هذا وهم متى هب ~~في أحدهم نسيم الصبابة ودبت في مفاصله نشوة الهوى لانت تلك المعاطف ورقت ~~تلك الشمائل وعاد ذلك العز ذلا وفرقا وصارت تلك النخوة توسلا وخضوعا لكنه ~~مع العفاف من الريب والبعد من التهم والمساواة بين الباطن والظاهر والاتفاق ~~بين الغائب والبادي. ms034 وأشعارهم وأخبارهم بهذا كله مملوءة حتى كان هذا الحي ~~من عذرة1 قوما إذا نظروا عشقوا وإذا عشقوا ماتوا. PageV01P055 # وأما مراعاة الأنساب وحفظها وذكر الأصول والبحث عنها فباب تفردت به العرب ~~فلم يشاركها فيه مشارك ولا ماثلها فيه مماثل وفوائده في الانتصار للعشيرة ~~والحمية للأهل وغير ذلك معروفة ليس هذا موضع ذكرها وتقصى الكلام عليها. # هذه شيمهم وأخلاقهم وفيهم من بعد كتاب الله خير الكتب ورسوله سيد الرسل ~~ودينه ناسخ الأديان. وفي جميع ما ذكرناه من أشعارهم ما يدل على صحته لكن ~~المختار منه يأتي في الكلام على الفصاحة من هذا الكتاب بمشيئة الله تعالى ~~فلذلك لم نورده هنا خوفا من الإعادة وفرارا من التكرار. # ونعود إلى الكلام في اللغة قالوا مما إختصت به لغة العرب من الحروف وليس ~~هو في غيرها حرف الظاء وقال آخرون حرف الظاء والضاد. ولذلك قال أبو الطيب ~~المتنبي: # وبهم فخر كل من نطق الضاد # يريد وبهم فخر جميع العرب. وقد ذهب قوم إلى أن الحاء من جملة ما تفردت به ~~لغة العرب وليس الأمر كذلك لأني وجدتها في اللغة السريانية كثيرا. وحكى ~~أنها في الحبشية والعبرانية. # وأما العين والصاد والطاء والتاء والقاف فقد تكلم بها غير العرب إلا أنها ~~قليل. # وقد خلت اللغة العربية من حروف توجد في غيرها من اللغات لا سيما لغة ~~الأرمن فإنها على ما قيل ستة وثلاثون حرفا إلا أنك إذا تأملتها وجدت بعض ~~الحروف التي فيها يتشابه ببعض كثيرا على حد تشابه الظاء والضاد في لغة ~~العرب. فإن هذين الحرفين متقاربان لأجل ذلك احتاج الناس إلى تصنيف الكتب في ~~الفرق بينهما ولم يتكلفوا ذلك في غيرهما من الحروف. # PageV01P056 # فأما الأعراب فقل من رأيت من فضحائهم اليوم من يفرق بينهما في كلامه وهذا ~~يدلك على شدة التشابه وقوة التماثل ولست أقول هذا على وجه الأحتجاج بكلامهم ~~فإنهم الآن محتاجون إلى أقتباس اللغة من الحضر وإصلاح المنطق بأهل المدر. ~~إلا أنهم قل ما يتفق منهم العدول عن النطق بحرف من الكلام إلى ms035 حرف آخر إلا ~~والشبه فيهما قوى على ما قدمت ذكره. # ووقوع المهمل من هذه اللغة على ما قدمته لك في الأكثر من اطراح الأبنية ~~التي يصعب النطق بها لضرب من التقارب في الحروف فلا يكاد يجىء في كلام ~~العرب ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة لحزونة ذلك على ألسنتهم وثقله. ~~وقد روى أن الخليل ابن أحمد قال: سمعنا كلمة شنعاء وهي الهغجع وأنكرنا ~~تأليفها. وقيل إن إعرابيا سئل عن ناقته فقال: تركتها ترعى الهغجع فلما كشف ~~عن ذلك وسئل الثقات من العلماء عنه أنكروه ودفعوه وقالوا: نعرف الخعخع وهذا ~~أقرب إلى تأليفهم لأن الذي فيه حرفان حسب. وحروف الحلق خاصة مما قل تأليفهم ~~لها من غير فصل يقع بينهما كل ذلك أعتمادا للخفة وتجنبا للثقل في النطق. ~~فأما القاف والكاف والجيم فلم تتجاوز في كلامهم البتة لم يأت عنهم قج ولا ~~جق ولا كج ولا جك ولا قك ولا كق وكل ذلك فرارا مما ذكرناه إلا أن هذه ~~الحروف قد تكررت في بعض الكلام قال رؤبة بن العجاج: # لو أحق الأقراب فيها كالمقق1 # ونحو ذلك. والعلة فيه على ما ذكر أصحاب هذه الصناعة أن المكرر معرض في ~~أكثر أحواله للإدغام لأنك تقول فرس أمق والحرفان PageV01P057 # المتجاوران لا يمكن إدغام أحدهما في الآخر حتى يتكلف قبله إلى لفظه ثم ~~يدغم فكانت المشقة فيه أغلظ فرفض لذلك. وهذا وجه صالح. # وقد قسم تأليف الحروف ثلاثة أقسام فالأول تأليف الحروف المتباعدة وهو ~~الأحسن المختار والثاني تضعيف هذا الحرف نفسه وهو يلي هذا القسم في الحسن ~~والثالث تأليف الحروف المتجاورة وهو إما قليل في كلامهم أو منبوذ رأسا لما ~~قدمناه والشاهد على ما ذكرناه الحس فإن الكلفة في تأليف المتجاور ظاهرة ~~يجدها الإنسان من نفسه حال التلفظ ومن الحروف التي لم يتركب في كلامهم ~~بعضها مع بعض الصاد والسين والزاي ليس في كلام العرب مثل سص ولا صس ولا سز ~~ولا زس ولا زص ولا صز والعلة في هذا كله واحدة. # وهذه ms036 جملة مقنعة في هذا الفصل لمن وقف عليها بعون الله تعالى. # PageV01P058 ### | الكلام في الفصاحة # الفصاحة الظهور والبيان ومنها أفصح اللبن إذا انجلت رغوته وفصح فهو فصيح ~~قال الشاعر: # وتحت الرغوة اللبن الفصيح # ويقال أفصح الصبح إذا بدا ضوءه وأفصح كل شيء إذا وضح وفي الكتاب العزيز: ~~{وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي} 1وفصح النصارى عيدهم وقد تكلمت ~~به العرب. # قال حسان بن ثابت: # ودنا الفصح فالولائد ينظمن ... سراعا أكلة المرجان # ويجوز أن يكون ذلك لاعتقادهم أن عيسى عليه السلام ظهر فيه PageV01P058 # وسمي الكلام الفصيح فصيحا كما أنهم سموه بيانا - لأعرابه عما عبر به عنه ~~وإظهاره له إظهارا. جليا. روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~"أنا أفصح العرب" 1 بيد أني من قريش. # والفرق بين الفصاحة والبلاغة أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ والبلاغة ~~لا تكون إلا وصفا للألفاظ مع المعاني. لا يقال في كلمة واحدة لا تدل على ~~معنى يفضل عن مثلها بليغة وإن قيل فيها إنها فصيحة. وكل كلام بليغ فصيح ~~وليس كل فصيح بليغا كالذي يقع فيه الإسهاب في غير موضعه. # وقد حد الناس البلاغة بحدود إذا حققت كانت كالرسوم والعلائم وليست ~~بالحدود الصحيحة فمن ذلك قول بعضهم لمحة دالة وهذا وصف من صفاتها فأما أن ~~يكون حاصرا لها وحدا يحيط بها فليس ذلك بممكن لدخول الإشارة من غير كلام ~~يتلفظ به تحت هذا الحد. وكذا قال آخر والبلاغة معرفة الفصل من الوصل لأن ~~الإنسان قد يكون عارفا بالفصل والوصل عالما بتمييز مختار الكلام من مطرحة ~~وليس بينه وبين البلاغة سبب ولا نسب ولا يمكنه أن يؤلف ما يختاره من تأليف ~~غيره والحدود لا يحسن فيها التأول وإقامة المعاذير وغرابة ألفاظ تدل على ~~المقصود لأنها مبنية على الكشف الواضح موضوعة للبيان الظاهر والغرض بها ~~السلامة من الغامض فكيف يوقع في غامض بمثله. وكذلك قول الآخر: البلاغة أن ~~تصيب فلا تخطيء وتسرع فلا تبطئ لأن هذا يصلح لكل الصنائع وليس بمقصور على ~~صناعة ms037 البلاغة وحدها ثم إنما سئل عن بيان الصواب في هذه الصناعة من الخطأ ~~فجعل جواب السائل نفس سؤاله. وبهذا أيضا يفسد قول من ادعي أن حدها الإيجاز ~~من غير عجز والإطناب من غير خطل. وقول من قال: البلاغة اختيار الكلام ~~PageV01P059 # وتصحيح الأقسام. لأن هذين إنما سئلا عن حد يبين الكلام المرفوض من ~~المختار والخطأ من الصواب ويوضح كيف يكون الإيجاز مختارا ومتى يقع الإطناب ~~مرضيا محمودا فأحالا على ما السؤال فيه باق وعدم العلم معه موجود حاصل. # وفي البلاغة أقوال كثيرة غير خارجة عن هذا النحو وإذا كانت الفصاحة شطرها ~~وأحد جزئيها فكلامي على المقصود وهو الفصاحة غير متميز إلا في الموضع الذي ~~يجب بيانه من الفرق بينهما على ما قدمت ذكره فأما ما سوى ذلك فعام لا يختص ~~وخليط لا ينقسم. وسأذكر بمشيئة الله ما يخطر لي ويسنح بفكري في موضعه. # وأقول قبل ذلك إن الناس قد أكثروا من الدلالة على شرف الفصاحة وعظم قدر ~~البيان والبلاغة ونبهوا بطرق كثيرة وألفاظ مختلفة. وقد قال عز اسمه: ~~{الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان} 1ولم يكن تعالى يذكر البيان ~~ها هنا إلا وهو من عظيم النعم على عبيده وجميل البلاء عندهم لا جرم وقد قرن ~~ذلك بذكر خلقهم فجعله مضافا إلى المنة بخروجهم من العدم إلى الوجود ومن ~~جانب النفي إلى الإثبات. # وأنا أقول قولا مختصرا كافيا: قد ثبت أن الفرق الواضح بين الحيوان الناطق ~~والصامت هو النطق وبه وقع التمييز في الحد المنسوب إلى الحكيم2وأن كان ~~يفسره أصحابه بغير هذا الظاهر فالشرف منه يؤخذ والفضل به يقع. ولا خلاف في ~~أن الصمت أفضل من مطرح الكلام ومنبوذه وأوفق للسامع من كلف ذلك. فقد صار مع ~~هذا PageV01P060 # التخريج الفصل المميز والفضل اللائح إنما هو للإفصاح والبيان والبلاغة ~~وحسن النطق دون ما يسمى كلاما فقط. ووجب على من أراد أن يخرج من حيز ذلك ~~الصامت الناطق1سلوك الطريق الذي به توجد الفضيلة وعنه تدرك الميزة باجتهاده ~~إن كان لا دربة له وتكلفه ms038 أن كان لا طبع عنده. وليعلم أن من شارك الناطق ~~بالصورة وخالفه بالمعنى الموجب للشرف أسوأ حالا وأقبح صفة من الصامت ~~المخالف في الأمرين معا. لأن هذا غريب في الموضع الذي وجد فيه آهلا ووحيد ~~في المكان الذي خلق به آنسا. # وما أحسن ما قال إبراهيم بن محمد المعروف بالإمام2يكفى من حظ البلاغة أن ~~لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق ولا الناطق من سوء فهم السامع. وهذا ~~كلام مختار في تفضيل البلاغة. # وقال سهل بن هرون الكاتب3: العقل رائد الروح والعلم رائد العقل والبيان ~~ترجمان العلم. # وأولى من هذا بالحجة قول النبي صلى الله عليه وسلم للعباس وقد سأله فيم ~~الجمال فقال: "في اللسان". PageV01P061 # وقالوا لما دخل ضمرة بن ضمرة1 على النعمان بن المنذر احتقره لما رأى من ~~دمامته وقال: تسمع بالمعيدي2 خير من أن تراه. فقال: أبيت اللعن أن الرجال ~~لا تكال بالقفزان وليست تستقي فيها وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه إن صال ~~صال بحنان وأن نطق نطق بلسان. # وأنشدوا لأبي الأعور السلمى: # كائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم3 # وهذان البيتان قد ذكرتهما فيما تقدم حكاية عن أبي طالب العبدي لكن هذا ~~موضعهما. # وقيل لزيد بن علي عليهما السلام: الصمت أفضل أم الكلام فقال أخزى الله ~~المساكتة فما أفسدها للسان وأجلبها للحصر والله إن المماراة على ما فيها ~~لأقل ضررا من السكتة التي تورث أدواء أيسرها العي. # وأنت إذا سمعتهم يمدحون الصمت وينظمون القريض في مدحه ويذكرون جنايات ~~اللسان وكلومه ويروون عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: "وهل ~~يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم" ويقولون لو كان الكلام ~~من فضة كان الصمت من ذهب. وأشباه هذا ونظائره. PageV01P062 # فإنما يريدون الكلام الذي ليس بجميل واللفظ الذي لا يستحسن. # فأما أن يكون الحسن يتواتر حتى يصير قبيحا والقبيح يتضاعف حتى يكون حسنا ~~فهذا شيء خارج عن حد ms039 العقل ونظامه وليس هذا المذهب مما يمكن وقوع الخلاف ~~فيه فيحتاج إلى إطالة في بيانه وقد أوردنا لمحة يستدل بها على غيرها وأن ~~المذكور في هذا النحو لا ينحصر ولا تستوفي غايته. # وأقول قبل كلامي في الفصاحة وبيانها إنني لم أر أقل من العارفين بهذه ~~الصناعة والمطبوعين على فهمها ونقدها مع كثرة من يدعي ذلك ويتحلى به وينتسب ~~إلى أهله ويماري أصحابه في المجالس ويجاري أربابه في المحافل وقد كنت أظن ~~أن هذا شيء مقصور على زماننا اليوم ومعروف في بلادنا هذه حتى وجدت هذا ~~الداء قد أعيا أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدي وأبا عثمان عمرو بن بحر ~~الجاحظ قبله وأشكاهما حتى ذكراه في كتبهما. فعلمت أن العادة به جارية ~~والرزية فيه قديمة. ولما ذكرته رجوت الانتفاع به من هذا الكتاب وأملت وقوع ~~الفائدة به إذ كان النقص فيما أبنته شاملا والجهل به عاما والعارفون حقيقته ~~قرحة الأدهم1بالإضافة إلى غيرهم والنسبة إلى سواهم. # ونبتدئ الآن بالكلام فيما أجرينا القول إليه ونقول إن الفصاحة على ما ~~قدمنا نعت للألفاظ إذا وجدت على شروط عدة ومتى تكاملت تلك الشروط فلا مزيد ~~على فصاحة تلك الألفاظ. # وبحسب الموجود منها تأخذ القسط من الوصف وبوجود أضدادها تستحق الأطراح ~~والذم. # وتلك الشروط تنقسم قسمين فالأول منها يوجد في اللفظة الواحدة على ~~انفرادها من غير أن ينضم إليها شيء من الألفاظ وتؤلف معه والقسم الثاني ~~يوجد في الألفاظ المنظومة بعضها مع بعض. PageV01P063 # فأما الذي يوجد في اللفظة الواحدة فثمانية أشياء: # الأول: أن يكون تأليف تلك الفظة من حروف متباعدة المخارج على ما ذكرناه ~~في الفصل الرابع1 وعلة هذا واضحة وهي أن الحروف التي هي أصوات تجرى من ~~السمع مجرى الألوان من البصر ولا شك في أن الألوان المتباينة إذا جمعت كانت ~~في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة ولهذا كان البياض مع السواد أحسن منه ~~مع الصفرة ولقرب ما بينه وبين الأصفر وبعد ما بينه وبين الأسود وإذا كان ~~هذا موجودا على هذه الصفة لا يحسن ms040 النزاع فيه كانت العلة في حسن اللفظة ~~المؤلفة من الحروف المتباعدة هي العلة في حسن النقوش إذا مزجت من الألوان ~~المتباعدة وقد قال الشاعر في هذا المعنى: # فالوجه مثل الصبح مبيض ... والفرع مثل الليل مسود # ضدان لما استجمعا حسنا ... والضد يظهر حسنه الضد # وهذه العلة يقع للمتأمل وغير المتأمل فهمها ولا يمكن منازعا أن يجحدها. # ومثال التأليف من الحروف المتباعدة كثير جل كلام العرب عليه فلا يحتاج ~~إلى ذكره. # فأما تأليف الحروف المتقاربة فقد قدمنا في الفصل الرابع مثالا حكى منه ~~وهو الهفخع ولحروف الحلق مزية في القبح إذا كان التأليف منها فقط وأنت تدرك ~~هذا وتستقبحه كما يقبح عندك بعض الأمزجة من الألوان وبعض النغم من الأصوات. # والثاني أن تجد لتأليف اللفظة في السمع حسنا ومزية عل غيرها وإن تساويا ~~في التأليف من الحروف المتباعدة كما أنك تجد لبعض النغم PageV01P064 # والألوان حسنا يتصور في النفس ويدرك بالبصر والسمع دون غيره مما هو من ~~جنسه كل ذلك لوجه يقع التأليف عليه ومثاله في الحروف ع ذ ب فإن السامع يجد ~~لقولهم العذيب اسم موضع وعذيبة اسم امرأة وعذب وعذاب وعذب وعذبات مالا يجده ~~فيما يقارب هذه الألفاظ في التأليف وليس سبب ذلك بعد الحروف في المخارج فقط ~~ولكنه تأليف مخصوص مع البعد ولو قدمت الذال أو الباء لم تجد الحسن على ~~الصفة الأولى في تقديم العين على الذال لضرب من التأليف في النغم يفسده ~~التقديم والتأخير وليس يخفى على أحد من السامعين أن تسمية الغصن غصنا ~~أوفننا أحسن أحسن من تسميته عسلوجا. وأن أغصان البان أحسن من عساليج ~~الشوحط1 في السمع ويقال لمن عساه ينازعنا في ذلك لو حضرك مغنيان وثوبان ~~منقوشان مختلفان في المزاج هل كان يجوز عليك الطرب على صوت أحد المغنيين ~~دون صاحبه وتفضيل أحد الثوبين في حسن المزاج على الآخر! فإن قال لا يصح أن ~~يقع لي ذلك خرج عن جملة العقلاء وأخبر عن نفسه بخلاف ما يجد وأن اعترف بما ~~ذكرناه قيل له فخبرنا ما ms041 السبب الذي أوجب عليه ذلك فإنه لا يجد أمرا يشير ~~إليه إلا ما قلناه في تفضيل إحدى اللفظتين على الأخرى وقد يكون هذا التأليف ~~المختار في اللفظة على جهة الاشتقاق فيحسن أيضا كل ذلك لما قدمته من وقوعه ~~على صفة يسبق العلم بقبحها أو حسنها من غير المعرفة بعلتها أو بسببها ومثال ~~ذلك مما يختار: قول أبي القاسم الحسين بن علي المغربي في بعض رسائله ورعوا ~~هشيما تأنفت روضه فإن تأنفت كلمة لإخفاء بحسنها لوقوعها الموقع الذي ذكرته ~~وكذلك قول أبي الطيب المتنبي: # إذا سارت الأحداج فوق نباته ... تفاوح مسك الغانيات ورنده PageV01P065 # فإن تفاوح كلمة في غاية من الحسن. وقد قيل إن أبا الطيب أول من نطق بها ~~على هذا المثال وإن وزير كافور الأخشيدي سمع شاعرا نظمها بعد أبي الطيب: ~~فقال أخذتموها! # ومثال ما يكره قول أبي الطيب أيضا: # مبارك الاسم أغر اللقب ... كريم الجر شي شريف النسب1 # فإنك تجد في الجرشي تأليفا يكرهه السمع وينبو عنه. # ومثل ذلك قول زهير بن أبي سلمى: # تقي نقي لم يكثر غنيمة ... بنهكة ذي قربى ولا بحقلد2 # الحقلد - كلمة توفي على قبح الجرشي وتزيد عليها. # والثالث- أن تكون الكلمة كما قال أبو عثمان الجاحظ غير متوعرة وحشية كقول ~~أبي تمام: # لقد طلعت في وجه مصر بوجهه ... بلا طائر سعد ولا طائر كهل # فإن كهلاها هنا من غريب اللغة وقد روى أن الأصمعي لم يعرف هذه الكلمة ~~وليست موجودة إلا في شعر بعض الهذليين3 وهو قوله: # فلو كان سلمى جاره أو أجاره ... رياح بن سعد رده طائر كهل PageV01P066 # وقد قيل: إن الكهل الضخم وكهل لفظة ليست بقبيحة التأليف لكنها وحشية ~~غريبة لا يعرفها مثل الأصمعي. # ومن ذلك أيضا ما يروى عن أبي علقمة النحوي من قوله: ما لكم تتكأكؤون على ~~تكأكؤكم على ذي جنة افرنقعوا عني. فإن تتكأكؤون وافرنقعوا - وحشي وقد جمع ~~لعمري العلتين مع قبح التأليف الذي يمجه السمع والتوعر وما أكثر ما تجتمع ~~العلتان في هذا الجنس ومن الأمثلة قول أبي تمام: ms042 # بنداك يوسى كل جرح يعتلى ... رأب الأساء بدردبيس قنطر1 # وكذلك قوله: # قدك اتئد أربيت في الغلواء2 # فإن هذه الألفاظ كما ترى وحشية. ويوجد هذا الجنس في شعر العجاج وابنه ~~رؤبة كثيرا ومنه قول بعضهم: # فشحا جحافلة جراف هبلع3 # وقال الآخر: # غربا جرورا وجلالا خزخز4 PageV01P067 # وقال غيره في صفة اللبن: # وآخذ طعم السقاء سامط ... وخاثر عجلط عكالط1 # وقول الآخر: # يأكلن من قراص ... وحمصيص واص2 # وفي هذه الألفاظ ما جمع الصفتين معا على ما ذكرناه. # وقد روى أن أبا العتاهية قال لمحمد بن مناذر: إن كنت أردت بشعرك شعر ~~العجاج ورؤبة فما صنعت شيئا وإن كنت أردت أهل زمانك فما أخذت مأخذنا. أرأيت ~~قولك: # ومن عاداك لاقي المرمريسا3 # أي شيء المرمريس؟ # ولهذا كله أعتمد الحذاق من الشعراء على اختيار أسماء المنازل والنساء في ~~الغزل وتجنبوا ما لا يحسن لفظه للشروط التي ذكرناها وعابوا قول جرير بن ~~عطية: # وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلا هزئت بغيرنا يا بوزع # وذكروا أن الوليد بن عبد الملك. قال: له أفسدت شعرك ببوزع PageV01P068 # وهجنوا اتباع الخليل بن أحمد1 له في هذا الاسم حين قال: # أم البنين وأسماء ... والرباب وبوزع # واستقبحوا قول أبي تمام: # يقول أناس في حبينآء عاينوا ... عمارة رحلى من طريف وتالد # وقالوا: ما الفائدة في ذكر حبينآء وليس أبو تمام مضطرا إلى ذكر الموضع ~~الذي قيل له فيه هذا. # وقد ذكروا أن الفرزدق أنكر على مالك بن أسماء بن خارجة وقد أنشده: # حبذا ليلتي بتل بوني # وقال أفسدت شعرك بذكر بوني قال له ففي بوني كان ذلك قال: وإن كان. وأما ~~قول أبي عبادة البحتري: # وأنا الشجاع وقد رأيت مواقفي ... بعقرقس والمشرفية شهدي # فله في ذكر عقرقس عذر واضح لأنه الموضع الذي شاهد الممدوح به قتاله. وليس ~~يحسن أن يذكر موضعا غيره ولم يحمد فيه. وهذا ليس بموجب حسن اللفظة. ولكنه ~~يبسط عذر ناظمها حسب. # ومن هذه الألفاظ المذكورة قول عنترة: PageV01P069 # شربت بماء الدحرصين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم1 # ولعل عنترة أراد ذكر ms043 الماء المشروب على الحقيقة وإلا لو أمكنه أن يذكر ~~اسم مورد من الموارد الذي يجري هذا المجرى كان أحسن وأليق. وأما قول ~~الكميت: # وأدنين البرود على خدود ... يزين الفداغم بالأسيل2 # فإن الفداغم كلمة رديئة كما ترى. # ومن الوحشي قول امرىء القيس بن حجر: # وسن كسنيق سنآء وسنما3 # فإن هذا على ما ذكر لم يعرفه الأصمعي ولا أبو عمرو وقال: هو بيت مسجدي ~~يريد من عمل أهل المسجد. وقال غيرهما شنيق جبل وسنم هي البقرة فأما السن ~~فالثور. # ومن هذا أيضا قول العجاج: # وفاحما ومرسنا مسرجا # فإن المرسن الأنف والمسرج لا يعرف حتى خرج له أنه أراد PageV01P070 # بالمسرج المحدد من قولهم للسيوف السريجيات منسوبة إلى قين يعرف بسريج. ~~وهذا القصد على ما تراه وحشى غريب. # وما زال أهل العلم بالشعر يكرهون قول ذي الرمة: # عصا عسطوس لينها وإعتدالها # وفي عسطوس ضروب من العيوب المذكورة وقيل إنه الخيزران. وقد كان يمكن ذا ~~الرمة أن يقول: عصا خيزران. # وإن كان هؤلاء الشعراء أرادوا الإغراب حتى يتساوى في الجهل بكلامهم ~~العامة وأكثر الخاصة فما أقبح ما وقع لهم. وقد رأيت أنا جماعة يتعمدون هذا ~~فقلت لهم: إن سررتم بمعرفتكم وحشى اللغة فيجب أن تغتموا بسوء حظكم من ~~البلاغة. وجرى بين أصحابنا في بعض الأيام ذكر شيخنا أبي العلاء بن سليمان1 ~~فوصفه واصف من الجماعة بالفصاحة واستدل على ذلك بأن كلامه غير مفهوم لكثير ~~من الأدباء فعجبنا من دليله وان كنا لم نخالفه في المذهب. وقلت له: إن كانت ~~الفصاحة عندك بالألفاظ التي يتعذر فهمها فقد عدلت عن الأصل أولا في المقصود ~~بالفصاحة التي هي البيان والظهور ووجب عندك أن يكون الأخرس أفصح من المتكلم ~~لأن الفهم من إشاراته بعيد عسير. وأنت تقول كلما كان أغمض وأخفى كان أبلغ ~~وأفصح. # وعارضه أبو العلاء صاعد بن عيسى الكاتب وقال: صدقت إننا لا نفهم عنه ~~كثيرا مما يقول إلا أن على قياس قولك يجب أن يكون ميمون الزنجي الذي نعرفه ~~أفصح من أبي العلاء لأنه يقول ما ms044 لا نفهمه نحن ولا أبو العلاء أيضا! فأمسك. # وأنا أكره من قول كثير بن عبد الرحمن صاحب عزة: PageV01P071 # وما روضة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها # ذكر الجثجاث لأنه اسم غير مختار. ولو أمكنه ذكر غيره كان عندي أليق ~~وأوفق. # ولا أحب أيضا تسمية أبي تمام صاحبه علاثة ونداءه بالترخيم في قوله: # قف بالطلول الدارسات علاثا ... أضحت حبال قطينهن رثاثا # وإن كان الروى قاده إلى ذلك فليت شعري من حظر عليه القوافي واقتصر به على ~~الثآر دون غيرها من الحروف! وليس يؤثر منه إلا الشعر الحسن على أقرب الوجوه ~~وأسهل السبل دون ما يتكلف المشقة في نظمه والعناء في تأليفه وليس يغفر ~~للشاعر لأجل ما يلزم به نفسه ذنب ولا يغفل له عن خطأ إذ كان حظر المباح ~~وحرم الحلال وأعتمد تكلف النصب طوعا واختيارا وهوى وقصدا. لكنه لعمري إذا ~~أتانا بالسليم من الزلل البعيد من التكلف والخطل. وكان كذلك في مأخذ صعب ~~ومسلك وعر حمدناه الحمد الكامل ووصفناه الوصف التام. # ومن الألفاظ التي ذكرناها قول أبي عبادة البحتري: # فلا وصل إلا أن يطيف خيالها ... بنا تحت جؤشوش من الليل مظلم1 # فليس بقبح جؤشوش خفاء. هذا على إنني لم أعرف شاعرا قديما ولا حديثا أحسن ~~سبكا من أبي عبادة ولا أحذق في اختيار الألفاظ وتهذيب المعاني. PageV01P072 # ومن ذلك أيضا قول أبي تمام: # صهصلق في الصهيل تحسبه ... اشرج حلقومه على جرس # وقول القطامي: # إلى حيزبون توقد النار بعد ما ... تصوبت الجوزاء قصد المغارب1 # فهل تعرف أوعر من صهصلق أو حيزبون؟ # وعلى كل حال فالبدوي صاحب الطبع في هذا الفن أعذر من القروي المتكلف. لأن ~~هذا لا يعرف هذه إلا بعد البحث والطلب وتجشم العناء في التصفح. وعلى قد ذلك ~~يجب لومه والإنكار عليه. # والرابع: أن تكون الكلمة غير ساقطة عامية كما قال أبو عثمان أيضا. ومثال ~~الكلمة العامية قول أبي تمام: # جليت والموت مبد حر صفحته ... وقد تفرعن في أفعاله الأجل # فإن تفرعن مشتق من اسم فرعون. وهو من ألفاظ ms045 العامة. وعادتهم أن يقولوا: ~~تفر عن فلان إذا وصفوه بالجبرية. # ومنه قول أبي نصر عبد العزيز ابن نبانة: # أقام قوام الدين زيغ قناته ... وأنضج كي الجرح وهو فطير # فتأمل لفظة فطير تجدها عامية مبتذلة إن كانت لعمري قد وقعت PageV01P073 # هنا موقعا لو كانت فصيحة هجنها وأذهب طلاوتها. كيف وهي على ما تراه. فأما ~~قول أبي الطيب المتنبي: # إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها # فلا شيء أقبح من ذكر السراويلات وما أعرف كناية أشهد الله أن التصريح ~~أجمل منها ووصف عفة سلوك لريب والنهم أحسن من التلفظ بها إلا كناية أبي ~~الطيب هذه ونعته عفافه هذا النعت. # ومن الألفاظ العامية أيضا قوله: # خلوقية في خلوقيها ... سويداء من عنب الثعلب1 # فإن عنب الثعلب مما أقول إن العامة لو نظمت شعرا لترفعت عن ذكره. # وليس ايرادي هذه الأمثلة على جهة الطعن على هؤلاء الشعراء الفضلاء والغض ~~منهم. # وكيف يكون ذلك وسأورد من غرائبهم وبدائع كلامهم ما يعلم معه أننا تحت ~~تقصير عن شأوهم ويقع العجز عن أدراك القريب من غاياتهم. لكني إذا أحتجت إلى ~~إيراد الأمثلة في المختار والمنبوذ والمحود والمذموم فلا معدل لي عن ~~أشعارهم وتصفح نظمهم وأخذ ما أريده منها وإيراده عنها في الصنفين معا. # ومن الألفاظ العامية أيضا قول أبي تمام في رواية أبي القاسم: # لو كان كلفها عبيد حاجة ... يوما لزنى شدقما وجديلا2 PageV01P074 # فزنى في القبح يوفي على كل قبيح. # فأما قول زهير بن أبي سلمى في قصيدته المختارة: # وأقسمت جهدا بالمنازل من مني ... وما سحقت فيه المقادم والقمل1 # فإن القمل من الألفاظ التي تجري هذا المجرى. # وقول أبي تمام: # قد قلت لما لج في صده ... أعطف عل عبدك يا قابري # غاية في السخافة! لأن قابري من ألفاظ عوام النساء وأشباههن. # وليس لأحد أن يتخيل أن العذر في إيراد هذه الألفاظ وأمثالها تعذر ما يقع ~~موقعها في النظم كما يظن ذلك بعض المتخلفين في هذه الصناعة. وذلك أنه ليس ~~يجب على الانسان أن يكون شاعرا ms046 ولا كاتبا ولا صاحب كلام يؤثر ولفظ يروى ولا ~~يجب عليه لو وجب هذا أن ينظم تلك القصيدة التي وردت فيها هذه اللفظة ولا ~~البيت من القصيدة. فكيف نعذره إذا أورد لفظة قبيحة جارية مجرى ما ذكرناه ~~وهو قادر على حذف البيت كله واطراح ذكر جميعه إن لم يكن قادرا على تبديل ~~كلمة منه. # ونعود إلى ذكر الألفاظ العامية ونقول من الأمثلة قول أبي نصر ابن نباتة: # فقد رفعت أبصارها كل بلدة ... من الشوق حتى أوجعتها الأخادع # فإن أوجعتها من أشد ألفاظ العامة ابتذالا. وإن كانت الأخادع قبيحة. # ومنها قول أبي تمام: PageV01P075 # ليزدك وجدا بالسماحة ما ترى ... من كيمياء المجد تغن وتغنم # وكيمياء من ألفاظ العوام المبتذلة وليست من ألفاظ الخاصة ولا يحسن نظم ~~مثلها. وكذلك أيضا قول أبي الطيب المتنبي: # تستغرق الكف فوديه ومنكبه ... وتكتسى منه ريح الجورب الخلق1 # والجورب مما يكره ايراد مثله لما ذكرته. # وأمثال هذا كله في الأشعار المطرحة كثير. ولو تأملت قصيدة واحدة من شعر ~~من يدعى القريض في هذا العصر وجدت فيها عدة أمثلة لكل ما أكرهه وأنكره إلا ~~أني أعتمد على التمثيل بأشعار هؤلاء الفحول المتقدمين في هذه الصناعة ~~لأمور: أولها صيانة هذا الكتاب عن تهجينه بذكر غيرهم. وثانيها أن اللفظة ~~التي تكره في نظم هؤلاء الحذاق تقع فريدة وحيدة يظهر مباينتها لكلامهم ~~فالعلم بها واضح وكشفها جلي. وقد قال حبيب بن أوس: # وكذاك لم تفرط كآبة عاطل ... حتى يجاورها الزمان بحال # وقال غيره قبله: # الجهل في الجاهل المغمور مغمور ... والعيب في الكامل المذكور مذكور # كفوفة الظفر تخفي من مهانته ... وبعضها في سواد العين مشهور2 # وليس مكانها في أشعار غيرهم كذلك. # بل هي منظومة مع غيرها في القبح وأشكالها. وثالثها إيثاري أن أعلمك أن ~~مقدمي الفصاحة سامحوا PageV01P076 # نفوسهم وأصبحوا في طاعة أهوائهم ليتحقق أن الزلل في طباع البشر موجود. ~~والعصمة عن أكثرهم بائنة هذا على مالي في طلب ذلك من الكلفة والنصب إذ كان ~~قليلا في كلامهم مغمورا بمحاسنهم وكنت أفتقر إلى تأمل ms047 الديوان الكامل حتى ~~أظفر منه بالكلمات اليسيرة فأوردها مثالا. # فأما اقتصاري في أكثر ما أمثل به على المنظوم دون المنثور مع أن كلامي ~~عليهما واحد فإنما أقصد ذلك لكثرة المنظوم واشتهاره ورغبتي في أن يسهل ~~الوزن عليك حفظ ما أذكره فإنه داع قوى وسبب وكيد. # والخامس: أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح غير شاذة ويدخل ~~في هذا القسم كل ما ينكره أهل اللغة ويرده علماء النحو من التصرف الفاسد في ~~الكلمة. وقد يكون ذلك لأجل أن اللفظة بعينها غير عربية. كما أنكروا على أبي ~~الشيص قوله: # وجناح مقصوص تحيف ريشه ... ريب الزمان تحيف المقراض # وقالوا: ليس المقراض من كلام العرب. # وتبعه أبو عبادة فقال: # وأبت تركي الغديات والآ ... صال حتى خضبت بالمقراض # فعابوه عليهما معا. وقد تكون الكلمة عربية إلا أنها قد عبر بها عن غير ما ~~وضعت له في عرف اللغة كما قال أبو تمام: # حلت محل البكر من معطى وقد ... زفت من المعطى زفاف الأيم1 PageV01P077 # وقال أبو عبادة: # يشق عليه الريح كل عشية ... جيوب الغمام بين بكر وأيم # فوضع الأيم مكان الثييب وليس الأمر كذلك. ليس الأيم الثيب في كلام العرب ~~إنما الأيم التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا. قال الله عز وجل: {وأنكحوا ~~الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} 1 وليس مراده تعالى نكاح ~~الثيبات من النساء دون الأبكار وإنما يريد النساء اللواتي لا أزواج لهن. ~~وقال الشماخ بن ضرار: # يقر بعيني أن أحدث أنها ... وإن لم أنلها أيم لم تزوج # وليس يسره أن تكون ثيبا. وقد حكى أن بعض كبار الفقهاء وهو محمد بن إدريس ~~الشافعي2 غلط في ذلك والصحيح ما ذكرناه. # ومثال هذا أيضا قول أبي تمام: # ما مقرب يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوق3 # يريد بالصلف هنا الكبر والتيه وهذا مذهب العامة في استعمال هذه ~~PageV01P078 # اللفظة. وأما العرب فتقول: صلفت المرأة عند زوجها إذا لم تحظ عنده وصلف ~~الرجل أيضا كذلك إذا كرهته. قال جرير: # إني أواصل من ms048 أردت وصاله ... بحبال لاصلف ولا لوام # والصلف الذي لا خير عنده. ومن أمثالهم رب صلف تحت الراعدة1. # ومن ذلك أيضا قول أبي عبادة: # شرطي الأنصاف إن قيل اشترط ... وصديقي من إذا صافي قسط # وأراد بقسط عدل. لأن الأمر عليه وليس الأمر كذلك وإنما يقال أقسط: إذا ~~عدل وقسط: إذا جار. قال الله تعالى: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} 2. # وقد يكون ما ذكرناه على جهة الحذف من الكلمة كما قال رؤبة ابن العجاج: # قواطنا مكة من ورق الحما # يريد الحمام. كقول خفاف بن ندبة: # كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عصف الإثمد3 # يريد كنواحي وكما قال غيره هو مضرس بن ربعي: # وطرت بمنصلي في يعملات ... دوامي الأيد يخبطن السريحا4 PageV01P079 # والوجه الأيدي. # ومن ذلك قول النجاشي: # قلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك أسقني أن كان ماؤك ذا فضل # أراد ولكن اسقني وقال الآخر: # أو معبر الظهر ينبي عن وليته ... ما حج ربه في الدنيا ولا اعتمرا1 # يريد ما حج ربه. وقال مالك بن حريم الهمداني: # فإن يك غثا أو سمينا فانني ... سأجعل عينيه لنفسه مقنعا # يريد لنفسه. وقال أبو الطيب المتنبي: # تعثرت به في الأفواه ألسنها ... والبرد في الطرق والأقلام في الكتب2 # وقد يكون على وجه الزيادة في الكلمة مثل أن يشبع الحركة فيها فتصير حرفا ~~كما قال: # وأنت على الغواية حين ترمى ... وعن عيب الرجال بمنتزاح3 # أي بمنتزح. وقال غيره: PageV01P080 # وانني حيثما يسرى الهوى بصري ... من حيث ما نظروا أدنوا فانظور1 # يريد أدنو فانظر. وقال الآخر: # تنفي يداها الحصا في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف2 # يريد الدراهم والصيارف. # وقد يكون إيراد الكلمة على الوجه الشاذ القليل وهو أردأ اللغات فيها ~~لشذوذه. # والكثير أبدا خفيف كما يقول النحويون في خفة الأسماء لكثرتها. ومن هذا ~~قول البحتري: # متحيرين فباهت متعجب ... مما يرى أو ناظر متأمل # فقوله باهت لغة رديئة شاذة. والعربي المستعمل بهت الرجل يبهت فهو مبهوت ~~ومنه قول المتنبي: # وإذا الفتى طرح الكلام معرضا ... في مجلس أخذ الكلام اللذعنا3 # فإن اللذ في ms049 الذي لغة شاذة قليلة. ومنه قوله أيضا: # ايفطمه التوراب قبل فطامه ... ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل4 # فالتوراب لغة في التراب شاذة غير كثيرة. PageV01P081 # وقد يكون لأن الكلمة بخلاف الصيغة في الجمع أو غيره كما قال الطرماح: # وأكره أن يعيب على قومي ... هجاي الأرذلين ذوي الحنات # فجمع إحنة على غير الجمع الصحيح لأنها إحنة وإحن ولا يقال حنات. # وقد روى أبو بصير أن عبد الملك بن قريب الأصمعي قال: كنا نظن أن الطرماح ~~شيء حتى سمعنا قوله هذا البيت. وكما قال الآخر: # من نسج داود أبي سلام # يريد أبا سليمان. # ومن هذا الفصل أيضا أن يبدل حرف من حروف الكلمة بغيره كما قال الشاعر هو ~~رجل من بني يشكر: # لها أسارير من لحم متمرة ... من الثعالي ووخز من أرانيها1 # يريد من الثعالب وأرانبها. وقال الآخر: # ومنهل ليس له حوازق ... ولضفادي جمة نقانق # يريد ولضفادع. # ومنه أيضا إظهار التضعيف في الكلمة مثل قول الشاعر: هو قعنب بن أم صاحب2 ~~PageV01P082 # مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وأن ضننوا # وأما صرف ما لا ينصرف كقول حسان بن ثابت: # وجبريل أمين الله فينا ... وروح القدس ليس له كفآء # ومنع الصرف مما ينصرف كما أنشدوا قول العباس بن مرداس: # وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان كرداس في مجمع # وكما قال البحتري: # هزج الصهيل كأن في نغماته ... نبرات معبد في الثقيل الأول # فمنعا الصرف عن مرداس ومعبد. # وقصر الممدود كقول الآخر: # والقارح العدا وكل طمرة ... ما إن تنال يد الطويل قذالها1 # ومد المقصور على ما روى بعضهم: # سيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناء # وحذف الأعراب للضرورة مثل قول امرىء القيس بن حجر: # فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل # وتأنيث المذكر على بعض التأويل كقول الشاعر: # وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم PageV01P083 # وتذكير المؤنث كما قال الآخر: هو عامر بن جوين الطائي: # فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها # فإن هذا وأشباهه وما ms050 يجري مجراه وإن لم يؤثر في فصاحة الكلمة كبير تأثير ~~فإنني أوثر صيانتها عنه لأن الفصاحة تنبىء عن اختيار الكلمة وحسنها ~~وطلاوتها. ولها من هذه الأمور صفة نقص فيجب اطراحها. على أن ما ذكرته يختلف ~~قبحه في بعض المواضع دون بعض على قدر التأويل فيه وحكمه. # فأما إدخال الألف واللام على الفعل في نحو قول الشاعر1: # يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا ... إلى ربنا صوت الحمار اليجدع # وتشديد الكلمة المخففة مثل قول الشاعر: # كأن مهواها على الكلكل2 # وقول الآخر: هو رؤبة: # ضخم يحب الخلق الأضخما # وتحريك الياء التي تقع قبلها كسرة في الرفع والجر مثل قول الشاعر: # ما إن رأيت ولا أرى في مدتي ... كجواري يلعبن في الصحراء # فإن هذا كله داخل في باب الزيادة التي ذكرناها وأشرنا إليها وهي مكروهة ~~على ما تقدم. PageV01P084 # والسادس: أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن أمر آخر يكره ذكره فإذا أوردت ~~وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت وأن كملت فيها الصفات التي بيناها. ~~ومثال هذا قول عروة بن الورد العبسي: # قلت لقوم في الكنيف تروحوا ... عشية بتنا عند ما وان رزح1 # والكنيف أصله الساتر ومنه قيل للترس كنيف غير أنه قد استعمل في الآبار ~~التي تستر الحدث وشهرتها. فأنا أكرهه في شعر عروة وإن كان ورد موردا صحيحا ~~لموافقة هذا العرف الطارىء. # على أن لعروة عذرا وهو جواز أن يكون هذا الاستعمال حدث بعده. بل لا أشك ~~أنه كذلك لأن العرب أهل الوبر لم يكونوا يعرفون هذه الآبار. فهو وأن كان ~~معذورا وغير ملوم فبيته مما يصح التمثيل به. # ومنه عندي قول الشريف الرضي رحمه الله: # أعزز على بان أراك وقد خلت ... من جانبيك مقاعد العواد # فإيراد مقاعد في هذا البيت صحيح لأنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا ~~الشان. لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل اضافته إليهم وهم العواد. ولو انفرد ~~كان الأمر فيه سهلا. فأما أضافته إلى ما ذكره ففيها قبح لاخفاء به. # ومن هذا النحو قول أبي ms051 تمام: # متفجر نادمته فكأنني ... للدلو أو للمرزمين نديم2 PageV01P085 # فالدلو ها هنا أحد البروج ولا أختاره لموافقته اسم الدلو المعروف. # وأنت تجد بأقرب تأمل فرق ما بين قول القائل لمن يمدحه: أنت المرزم جودا ~~والجنة لمن تقصده الأيام عزا. وبين قوله: أنت الدلو كرما والكنيف لطريد ~~الدهر سعة. والمعنيان صحيحان. # وحسن أحدهما وقبح الآخر ظاهر لإخفاء به. ولولا ما ذكرته ونبهت عليه لم ~~يكن لذلك وجه ولا علة. # ومن هذا أيضا قول أبي صخر الهذلي: # قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم1 # وإنما أنكرت هذا لموافقته أيراد العامة هذه اللفظة على هذه الصيغة بالصاد ~~فيما هي بالسين فكان ايثاري تجنبها لذلك. # فأما قول عمرو: 2 # وكم من غائط من دون سلمى ... قليل الأنس ليس به كتيع # فجار هذا المجرى. # والغائط البطن من الأرض إلا أنه يستعمل الآن في الحدث على ذلك الأصل. ~~فذكره قبيح على ما تقدم. لكن عمرو معذور كعروة لأنه على ما ذكر وعرف حدث. ~~فلعل عمرا قبله. # ومما يوضح ما ذكرته لك ويبينه أنك تجد تصرم في قول أبي عبادة: ~~PageV01P086 # تصرم الدهر لا وصل فيطمعني ... فيما لديك ولا يأس فيسليني # مختارا مرضيا. وكذلك يتصرم في الشعر المنسوب إلى يزيد بن معاوية وهو: # خذوا بنصيب من نعيم ولذة ... فكل وإن طال المدى يتصرم # ولا يقبحان لمخالفتهما الأسم الذي ذكرته في اللفظ. وهو قبيح في بيت ~~الهذلي للموافقة لا على غير ما أعلمتك به. # ومنه أيضا قول أبي تمام: # وعزائما في الروع معتصمية ... ميمونة الأدبار والإقبال # فالإدبار من الألفاظ المكروهة لما ذكرته. # وكذلك قوله: # يضحكن من أسف الشباب المدبر ... يبكين من ضحكات شيب مقمر # لأن المدبر ها هنا مثل الأدبار في البيت الأول والكلمة الفصيحة غيرهما ~~على ما بين. # ومنه قول الشريف الرضي رحمه الله: # سلام على الأطلال لا عن جنابة ... ولكن بأسا حين لم يبق مطمع # فإن جنابة هنا لفظة غير مرضية للوجه الذي ذكرته وأن كانت لولا ذلك فصيحة ~~مختارة لخلوها من العيوب غيره. # والسابع: ms052 مما قدمناه أن تكون الكلمة معتدلة غير كثيرة الحروف # PageV01P087 # فإنها متى زادت على الأمثلة المعتادة المعروفة قبحت وخرجت عن وجه من وجوه ~~الفصاحة. # ومن ذلك قول أبي نصر بن نباته: # فإياكم أن تكشفوا عن رؤوسكم ... ألا أن مغناطيسهن الذوائب # فمغناطيسهن كلمة غير مرضية لما ذكرته وأن كان فيها أيضا عيوب أخر مما ~~قدمناه. # ومن هذا النوع أيضا قول أبي تمام: # فلأ ذربيجان اختيال بعد ما ... كانت معرس عبرة ونكال # سمجت ونبهنا على استسماجها ... ما حولها من نضرة وجمال # فقوله: فلأذربيجان كلمة رديئة لطولها وكثرة حروفها وهي غير عربية ولكن ~~هذا وجه قبحها. # وكذلك قوله في البيت الثاني: أستسماجها رديء لكثرة الحروف وخروج الكلمة ~~بذلك عن المعتاد في الألفاظ إلى الشاذ النادر. # ونحو من هذا قول أبي الطيب المتنبي: # إن الكريم بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها # فسويدا واتها كلمة طويلة جدا فلذلك لا أختارها # ومنه أيضا قول أبي تمام: # أنله باستماعكه محلا ... يفوت علوه الطرف الطموحا # فليس بقبح قوله: باستماعكه خفاء لكثرة الحروف على ما ذكرناه لا غير. # PageV01P088 # وكذلك قوله أيضا: # العيس تعلم أن حوباواتها ... ربح إذا بلغتك أن لم تنحر1 # وحوباواتها كلمة طويلة. # ومنه قوله أيضا: وليس في كل الروايات: # وإلى محمد ابتعثت قصائدي ... ورفعت للمستنشدين لوائي # فالمستنشدين كلمة كثيرة الحروف على ما تراه. وهذا قد يستدل به على غيره ~~وأن امثاله كثيرة. # والثامن: أن تكون الكلمة مصغرة في موضع عبر بها فيه عن شيء لطيف أو خفي ~~أو قليل أو ما يجري مجرى ذلك. فإني أراها تحسن به ويجب ذكره في الأقسام ~~المفصلة ولعل ذلك لموقع الاحصار بالتصغير ومثال ذلك قول الشريف الرضي رحمه ~~الله: # يولع الطل بردينا وقد نسمت ... رويحة الفجر بين الضال والسلم2 # فلما كانت الريح المقصودة هناك نسيما مريضا ضعيفا حسنت العبارة عنه ~~بالتصغير وكان للكلمة طلاوة وعذوبة. # ومثاله أيضا قول أبي العلاء صاعد بن عيسى الكاتب: # إذا لاح من برق العقيق وميضة ... تدق على لمح العيون الشوائم PageV01P089 # أفلا تراه لما أراد أنها خفية ms053 تدق على من ينظرها حسن التصغير في العبارة ~~عنها. # وكذلك قول شيخنا أبي العلاء بن سليمان: # إذا شربت رأيت الماء فيها ... أزيرق ليس يستره الجران1 # لما كان ماء قليلا يلوح ودونه حائل من أعناق الإبل وساتر على كل حال حسن ~~وروده مصغرا. # وكذلك قول الرضى رحمه الله: # زال وأبقي عند ورائه ... جذيم مال عرقته الحقوق # فصغر لما أراد القلة. # وأما قول المخزومي: # وغاب قمير كنت أرجو طلوعه ... وروح رعيان ونوم سمر # فإنما جعله قميرا لأنه كان هلالا غير كامل ويمكن الدلالة على ذلك بقوله: ~~إنه غاب في أول الليل وقت نوم السمر والقمر إذا كان هلالا غاب في ذلك الوقت ~~بلا شك. وهذا تصغير مختار في موضعه فأما الأسماء التي لم ينطق بها إلا ~~مصغرة كاللجين والثريا وما أشبههما فليس للتصغير فيهما حسن يذكر لأنه غير ~~مقصود به ما قدمناه ولذلك لا أختار التصغير في قول أبي الطيب: PageV01P090 # إذا عذلوا فيها أجبت بأنة ... حبيبتا قلبي فؤادي هيا جمل1 # لأنه عار من الوجه الذي ذكرته. فأما ما يذهب إليه من التصغير بمعنى ~~التعظيم في مثل قول الشاعر: # وكل أناس سوف يدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل # فقد حكى أن أبا العباس المبرد كان ينكره ويزعم أن التصغير في كلام العرب ~~لم يدخل إلا لنفي التعظيم ويتأول دويهية وما يجري مجراها بأن يقول أراد ~~خفاءها في الدخول فصغرها لهذا الوجه وهو ضد التعظيم المذكور ويقوى عندي ما ~~ذهب إليه أبو العباس المبرد أنهم إذا وضعوا التصغير أمارة للتحقير والتعظيم ~~معا فقد زالت الفائدة به ولم يكن دليلا على واحد منهما بل يرجع إلى المقصود ~~باللفظة ويلتمس بيان ذلك من جهة المعنى دون اللفظ فليس للتصغير تأثير. وعلى ~~كلا القولين فليس التصغير عندي وجها من وجوه الفصاحة إلا في الموضع الذي ~~ذكرته دون ما يسمونه تصغيرا في التعظيم وعلى هذا أحمل قول المتنبي: # أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتناد # فلا أختار التصغير في لييلتنا لأنه تصغير تعظيم وليس على الوجه الذي ms054 ~~ذكرته. # فأما قول أبي نصر بن نباتة يصف الحية: # ففي الهضبة الحمراء إن كنت ساريا ... أغيبر يأوي في صدوع الشواهق # فإن تصغيره ها هنا مرضى على ما ذكرته لأن الحية توصف بأنها لا تغتذي إلا ~~بالتراب قد جف لحمها وذهبت الرطوبة منها ألا ترى إلى قول النابغة: ~~PageV01P091 # فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع # فوصفها بأنها ضئيلة لما ذكرته: # وأما قول أبي الطيب: # ظللت بين أصيحابي أكفكفه ... وظل يسفح بين العذر والعذل 1 # فالتصغير فيه مختار لأن العادة جارية في قلة عدد من يصحب الإنسان في مثل ~~هذه المواضع ولهذا كانوا في الأكثر ثلاثة. وجرى ذكر الصاحبين والخليلين في ~~الشعر كثيرا لهذا السبب كما قال امرؤ القيس: # خليلي مر أبي على أم جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذب # وقال أبو نصر بن نباتة: # قفا قاقضياني لذة من حديثه ... علانية إن السرار مريب # وأمثال هذا يعرفها كل أحد وهي أكثر من أن يحاط بها أو تحصى. # فهذه الأقسام الثمانية هي جملة ما يحتاج إلى معرفته في اللفظة لمفردة ~~بغير تأليف فتأملها وقس عليها ما يرد عليك من الألفاظ فإنك تعلم الفصيح ~~منها من غيره إن شاء الله تعالى. PageV01P092 ### | الكلام في الألفاظ المؤلفة # وإذ كنا قد تكلمنا على الكلمة المفردة وقلنا فيها ما يستدل به على غيره ~~فلنذكر الآن ما يحضرنا من القول في الكلام المؤلف وهم القسم الثاني ما ~~ابتدأنا بذكره أولا ونقول قبل ذلك: # PageV01P092 # إن كل صناعة من الصناعات فكمالها بخمسة أشياء على ما ذكره الحكماء ~~الموضوع وهو الخشب في صناعة النجارة والصانع وهو النجار والصورة وهي ~~كالتربيع المخصوص إن كان المصنوع كرسيا والآلة مثل الميشار والقدوم وما ~~يجري مجراهما والغرض وهو أن يقصد على هذا المثال الجلوس فوق ما يصنعه. # وإذا كان الأمر على هذا ولا تمكن المنازعة فيه وكان تأليف الكلام المخصوص ~~صناعة وجب أن نعتبر فيها هذه الأقسام. فنقول: # إن الموضوع هو الكلام المؤلف من الأصوات على ما قدمته. وقد ذكرت فيه ما ~~يقنع طالب ms055 هذا العلم وشرحت من حال اللفظة بانفرادها وما يحسن فيها ويقبح ما ~~اعتمدت في تلخيصه وإيضاحه على أنني لم أرجع فيه إلى كتاب مؤلف ولا قول يروى ~~ولا وجدت ما ذكرته مجموعا في مكان وإنما عرفته بالدربة وتأمل أشعار الناس ~~وما نبه أهل العلم في أثباتها ولهذا لست أدعي السلامة من الخلل ولا العصمة ~~من الزلل وأعترف بالتقصير وأسأل من ينظر في كتابي هذا بسط عذري والصفح عما ~~لعله يثيره مسلكا صعبا وألفت منه تأليفا مقتضبا يجب على المنصف الإعراض عما ~~يجدني أشير إلى التجاوز عنه والتغمد له1. # فأما الصانع المؤلف فهو الذي ينظم الكلام بعضه مع بعض كالشاعر والكاتب ~~وغيرهما وسأذكر بعون الله في موضع من هذا الكتاب ما يفتقر المؤلف إلى ~~معرفته ويحتاج إلى علمه. # وأما الصورة فهي كالفصل للكاتب والبيت للشاعر وما جرى مجراهما. ~~PageV01P093 # وأما الآلة فأقرب ما قيل فيها إنها طبع هذا الناظم والعلوم التي اكتسبها ~~بعد ذلك ولهذا لا يمكن أحدا أن يعلم الشعر من لا طبع له وإن جهد في ذلك لأن ~~الآلة التي يتوصل بها غير مقدورة لمخلوق. ويمكن تعلم سائر الصناعات لوجود ~~كل ما يحتاج إليه من آلاتها. # وأما الغرض فبحسب الكلام المؤلف فإن كان مدحا كان الغرض به قولا ينبئ عن ~~عظم حال الممدوح وإن كان هجوا فبالضد وعلى هذا القياس كل ما يؤلف وإن ~~تألمته وجدته كذلك. # وقد ذهب أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب1 إلى أن المعاني في صناعة تعلم ~~الكلام موضوع لهل وذكر ذلك في كتابه الموسوم بنقد الشعر وقال في كتابه في ~~الخراج وصناعة الكتابة عند كلامه على البلاغة إن اللغة تجرى مجرى الموضوع ~~لصناعة البلاغة وهذان القولان على ما تراه مختلفان والصحيح منهما ما قدمناه ~~وذكره في كتاب الخراج. ويجب أن يقال له إذا ذهب إلى أن المعاني هي الموضوع ~~خبرنا عن الألفاظ التي أخذها هذا الصانع المؤلف فألفها إذا لم تكن عندك ~~موضوعا لصناعة فما منزلتها من الأقسام التي اعتبرها الحكماء في كل صناعة ~~والتأمل ms056 قاض بصحتها ونحن نرى الألفاظ تأثيرها في هذه الصناعة التي كلامنا ~~عليها تأثير بين الحسن والقبح ولا يجوز أن تكون مع هذه العلقة الوكيدة عرية ~~منها فإن قلت إنها الآلة قلنا لك وأي صناعة من الصناعات تصاحبها الآلة بعد ~~فراغ الصانع منها حتى تصير أصلا والمصنوع تابعا لها فإنا نجد الألفاظ على ~~هذه الصفة فبطل هذا الوجه أن يكون آلة وفساد أن تكون الألفاظ هي الصانع ~~المؤلف أو PageV01P094 # الصورة المصنوعة أو العرض المقصود ظاهر لا يخفى على أحد فمتى أخرجت ~~الألفاظ من أن تكون موضوعا لصناعة التأليف أخرجتها من جملة الأقسام ~~المعتبرة في كل صناعة ونحن نجد تعلقها ظاهرا. فإن قال لنا ما تقول انتم في ~~المعاني مع أن علقتها أيضا وكيدة قلنا المعاني وتأليف الألفاظ هي صناعة هذا ~~الصانع التي أظهرها في الموضوع وهي التي تكمل الأقسام المذكورة فأما ~~الألفاظ فليست من عمله وإنما له منها تأليف بعضها مع بعض حسب وقد وقفت في ~~بعض المواضع على كلام في هذه الصناعة لا أعلم الآن صاحبه قدامة أو غيره - ~~لأني قد أنسيت الكتاب الذي وجدته فيه - يدل على أن الألفاظ موضوع كما قلنا ~~إلا أنه يدعي أن الناظم متى ألف لفظة رديئة فليس ذلك بعيب عليه كما أن ~~النجار إذا صنع كرسيا من خشب رديء فليس بعيب في صناعته وقد أحكمها كون ~~الموضع الذي هو الخشب رديئا. وهذا الذي ذكره هذا القائل فاسد وذلك أن ~~النجار يعاب إذا كان قليل البصيرة بموضوع صناعته ولو تمكن من عمل ذلك ~~الكرسي الذي مثل به من خشب مرضى فعدل عنه إلى خشب رديء جهلا منه بالمختار ~~من هذا الجنس كان معيبا عند أهل صناعته. وإنما يتوجه له العذر إذا سلم إليه ~~خشب رديء لتظهر صناعته فيه فإنه عند ذلك لا يعاب لأجل الخشب فأما ناظم ~~الكلام فقادر على اختيار موضوعه غير محظور عليه تأليف ما يؤثره منه فمتى ~~عدل عن ذلك جهلا أو تسمحا توجه الإنكار واللوم عليه وكان أهلا له وجديرا ~~به: ms057 على أن كلامنا في الصورة نفسها ولا شبهة في قبح صورة الكرسي المصنوع من ~~رديء الخشب وإن كان النجار قد أحكم عمله. # ومع هذا البيان كله فالفصاحة عبارة عن حسن التأليف في الموضوع المختار ~~فإذا كنت قد ذكرت الموضع والوجه في اختياره وعلى أي # PageV01P095 # صفة يكون المرضى منه والمكروه بما فيه مقنع وكفاية ثم شرعت الآن في ~~الكلام على التأليف بحسب ذلك وبينت منه الوجوه التي بها يحسن أو يقبح كان ~~الكلام على التأليف بحسب ذلك وبينت منه الوجوه التي بها يحسن أو يقبح كان ~~الكلام في معرفة الفصاحة وحقيقتها واضحا جليا وأمكن من لم تكن له بهادرية ~~ولا معرفة الفرق بين فصيح الكلام وغيره باعتبار الصفات التي ذكرتها وكانت ~~منزلة هذا الكتاب لمن لا يعرف البلاغة وطلاوة الكلام منزلة العروض لمن لا ~~ذوق له يميز به بين صحيح النظم من فاسده والنحو لمن لا يعرف طبعا وعادة ~~وإنما يتكلف ويتصنع وليس يمكن إيضاح الفصاحة لمن يجهلها إلا بهذا السبب ~~وعلى هذا النحو لأن من له بها معرفة وسابق علم إنما حصل له ذلك بالمخالطة ~~والمناشدة وتأمل الأشعار الكثيرة والكلام المؤلف على طول الوقت وتراخى ~~الأزمنة وليس يمكنه أن يحضر لمن أراد تعليمه كل بيت سمعه وفصل تأمله ولفظة ~~كرهها ومعنى حكم بفساده أو بصحته لأن هذا يحتاج إلى الزمان الطويل والأيام ~~الكثيرة بل لا يمكن حصوله البتة فلا طريق إلى العلم بما شرحته إلا من هذا ~~النحو الذي قصدته والطريق الذي سلكت فيه. # فأما من يفرق بين الكلام المختار وغيره فإنه وإن كان غير مفتقر إلى كتابي ~~هذا كافتقار العاري من هذه الصناعة الراغب في اقتباسها فهو محتاج إليه من ~~وجه آخر منزلته أيضا منزلة العروض والنحو لصاحبي الذوق والطبع لأن العالم ~~بالفصاحة إذا قطع على فصاحة بيت من قصيدة أو فصل من رسالة أو كلمة أو ما ~~أشبه ذلك وفضله على غيره لم يمكنه أن يبين من أين حكم ولا لأي وجه فضل بل ~~إنما يفزع إلى مجرد ms058 دعواه ومحض قوله فإذا عرف ما بينته وفصلته في هذا ~~الكتاب علل واستدل وذكر الوجوه والأسباب كما أن العارف صحيح النظم بذوقه ~~والمعرب بطبعه وعادته فإذا وقف على علم العروض والنحو علل # PageV01P096 # في البيت الموزون والكلمة المعربة وقال هذا إنما كان صحيح الوزن لأنه من ~~الدائرة الفلانية والبحر الفلاني وضربه كذا وعروضه كذا وعدد أجزائه كذا ~~وذكر ما يحسن فيه من الزحاف ويقبح وفصل ما يفصله العروضيون. وقال في الكلمة ~~المعربة إنما كانت مثلا مرفوعة لأنها فاعلة والفاعل في كلام العرب مرفوع ~~وما يجرى هذا المجرى. وعلى مثل هذا النحو يقول في الفاسد الذي ينفر منه ~~ذوقه أو يكرهه طبعه ويعلله على حد هذا التعليل الذي ذكرته. # ونبتدئ الآن بالقول في تأليف الكلام على ما قدمناه من أن القسم الثاني من ~~الفصاحة صفات توجد في التأليف وتعتبر ما يتفق فيه من الأقسام الثمانية ~~المذكورة في اللفظة المفردة فنقول: # إن الأول منها أن يكون تأليف اللفظة من حروف متباعدة المخارج وهذا بعينه ~~في التأليف وبيانه أن يجتنب الناظم تكرر الحروف المتقاربة في تأليف الكلام ~~كما أمرناه بتجنب ذلك في اللفظة الواحدة بل هذا في التأليف أقبح وذلك أن ~~اللفظة المفردة لا يستمر فيها من تكرار الحرف الواحد أو تقارب الحرف مثل ما ~~يستمر في الكلام المؤلف إذا طال واتسع. # وما زال أصحابنا يعجبون من هذا البيت: # لو كنت كنت كتمت الحب كنت كما ... كنا نكون ولكن ذاك لم يكن # وليس يحتاج إلى دليل على قبحه للتكرار أكثر من سماعه. # وقد روى أن أبا تمام لما أنشد أحمد بن أبي داود قوله: # PageV01P097 # فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضى # قال له إسحاق بن إبراهيم الموصلي: لقد شققت على نفسك يا أبا تمام والشعر ~~أسهل من هذا. # وكنت حاضرا عند شيخنا أبي العلاء وقد قرئت عليه قصيدة لأبي الطيب فلما ~~وصل القارئ إلى هذا البيت: # ولا الضعف حتى يبلغ الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف # قال ms059 هذا والله شعر مدبر1 وكان من العصيبة لأبي الطيب على الصفة التي ~~اشتهرت عنه. # فأما قول الآخر: # وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر2 # فمبنى من حروف متقاربة ومكررة ولهذا يثقل النطق به حتى يزعم بعض الناس ~~أنه من شعر الجن ويختبر المتكلم بإنشاده ثلاث مرات من غير غلط ولا توقف. # وكذلك قول الآخر: # لم يضرها والحمد لله شئ ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول # فإن المصراع الثاني من هذا البيت يثقل التلفظ به وسماعه لما فيه من تكرر ~~حروف الحلق. PageV01P098 # وقد ذهب أبو الحسن على بن عيسى الرماني1 إلى أن التأليف على ثلاثة أضرب ~~متنافر ومتلائم في الطبقة الوسطى ومتلائم في الطبقة العليا. قال والمتلائم ~~في الطبقة الوسطي كقول الشاعر: # رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشية آرام الكناس2 رميم # ألا رب يوم لو رمتني رميتها ... ولكن عهدي بالنضال قديم # قال: والمتلائم في الطبقة العليا القرآن كله وذلك بين لمن تأمله والفرق ~~بينه وبين غيره من الكلام في تلاوم الحروف على نحو الفرق بين المتنافر ~~والمتلائم في الطبقة الوسطى. وهذا الذي ذكره غير صحيح والقسمة فاسدة وذلك ~~أن التأليف على ضربين متنافر ومتلائم وقد يقع في المتلائم ما بعضه أشد ~~تلاوما من بعض على حسب ما يقع التأليف عليه ولا يحتاج أن يجعل ذلك قسما ~~ثالثا كما يكون من المتنافرة ما بعضه أشد في التنافر أكثر من بعض ولم يجعل ~~الرماني ذلك قسما رابعا. فأما البيتان فليسا في هذا الموضع بأحق من غيرهما. ~~وأما قوله إن القرآن من المتلائم في الطبقة العليا وغيره في الطبقة الوسطى ~~وهو يعنى بذلك جميع كلام العرب فليس الأمر على ذلك ولا فرق بين القرآن وبين ~~فصيح الكلام المختار في هذه القضية ومتى رجع الإنسان إلى نفسه وكان معه ~~أدني معرفة بالتأليف المختار وجد في كلام العرب هي ما يضاهى القرآن في ~~تأليفه ولعل أبا الحسن يتخيل أن الإعجاز في القرآن لا يتم إلا بمثل هذه ~~الدعوى الفاسدة والأمر بحمد الله أظهر PageV01P099 # من أن ms060 يعضده بمثل هذا القول الذي ينفر عنه كل من علق من الأدب بشيء أو ~~عرف من نقد الكلام طرفا. # وإذا عدنا إلى التحقيق وجدنا وجه إعجاز القرآن صرف العرب عن معارضته بأن ~~سلبوا العلوم التي بها كانوا يتمكنون من المعارضة في وقت مرامهم ذلك. وإذا ~~كان الأمر على هذا فنحن بمعزل عن ادعاء ما ذهب إليه من أن بين تأليف حروف ~~القرآن وبين غيره من كلام العرب كما بين المتنافر والمتلائم ثم لو ذهبنا ~~إلى أن وجه إعجاز القرآن الفصاحة وادعينا أنه أفصح من جميع كلام العرب ~~بدرجة ما بين المعجز والممكن لم يفتقر في ذلك ادعاء ما قاله من مخالفة ~~تأليف حروفه لتأليف الحروف الواقعة في الفصيح من كلام العرب وذلك أنه لم ~~يكن بنفس هذا التأليف فقط فصيحا وإنما الفصاحة لأمور عدة تقع في الكلام من ~~جملتها التلاؤم في الحروف وغيره. وقد بينا بعضها وسنذكر الباقي فيم ينكر ~~على هذا أن يكون تأليف الحروف في القرآن وفصيح كلام العرب واحدا ويكون ~~القرآن في الطبقة العليا لما ضام تأليف حروفه من شروط الفصاحة التي التأليف ~~جزء يسير منها فقد بان أن على كلا القولين لا حاجة بنا إلى ادعاء ما ادعاه ~~مع وضوح بطلانه وعدم الشبهة فيه ثم يقال له أليس التلاؤم معتبرا في تأليف ~~حروف الكلمة المفردة على ما ذكرناه فيما تقدم فلا بد من نعم! فيقال له فما ~~عندك في تأليف كل لفظة من ألفاظ القرآن بانفرادها أهو متلائم في الطبقة ~~العليا أم في الطبقة الوسطى فإن قال في الطبقة العليا قيل له أو ليس هذه ~~اللفظة قد تكلمت بها العرب قبل القرآن وبعده ولولا ذلك لم يكن القرآن عربيا ~~ولا كانت العرب فهمته فقد أقررت الآن أن في كلام العرب ما هو متلائم في ~~الطبقة العليا وهو الألفاظ المفردة ولم يتوجه عليك في ذلك ما يفسد وجه ~~إعجاز القرآن # PageV01P100 # هلا قلت إن في كلامهم المؤلف من الألفاظ ما هو أيضا كذلك فإن علم الناظر ~~بأحدهما كالعلم ms061 بالآخر وإن قال إن كل لفظة من ألفاظ القرآن متلائمة في ~~الطبقة الوسطى قيل له أولا إن مشاركة القرآن لطبقة ألفاظهم على هذا الوجه ~~أيضا باقية ثم ما الفرق بينك وبين من ادعى أن التلائم من ألفاظ القرآن في ~~الطبقة الوسطي فإن أحد الموضعين كالآخر على أن اللفظة المفردة يظهر فيها ~~التلاؤم ظهورا بينا بقلة عدد حروفها واعتبار المخارج وإن كانت متباعدة كان ~~تأليفها متلائما وإن تقاربت كان متنافرا ويلتمس ذلك بما يذهب إليه من ~~اعتبار التوسط دون البعد الشديد والقرب المفرط فعلى القولين معا اعتبار ~~التلاؤم مفهوم وليس ينازعنا في كلمة من كلم القرآن إذا أوضحنا لك تأليفها ~~وتقول ليس هذا في الطبقة العليا إلا ونقول مثله في تأليف الألفاظ بعضها مع ~~بعض لأن الدليل على الموضعين واحد فقد بان أن الذي يجب اعتماده أن التأليف ~~على ضربين متلائم ومتنافر وتأليف القرآن وفصيح كلام العرب من المتلائم ولا ~~يقدح هذا في وجه من وجوه إعجاز القرآن والحمد لله. وقد ذهب على بن عيسى ~~أيضا إلى أن التنافر أن تتقارب الحروف في المخارج أو تتباعد بعدا شديدا ~~وحكى ذلك عن الخليل بن أحمد. ويقال إنه إذا بعد البعد الشديد كان بمنزلة ~~الطفر وإذا قرب القرب الشديد كان بمنزلة مشى المقيد لأنه بمنزلة رفع اللسان ~~ورده إلى مكانه وكلاهما صعب على اللسان والسهولة من ذلك في الاعتدال ولذلك ~~وقع في الكلام الإدغام والإبدال والذي أذهب أنا إليه في هذا ما قدمت ذكره ~~ولا أرى التنافر في بعد ما بين مخارج الحروف وإنما هو في القرب ويدل على ~~صحة ذلك الاعتبار فإن هذه الكلمة الم غير متنافرة وهي مع ذلك مبنية من حروف ~~متباعدة المخارج لأن الهمزة # PageV01P101 # من أقصى الحلق والميم من الشفتين واللام متوسطة بينهما وعلى مذهبه كان ~~يجب أن يكون هذا التأليف متنافرا لأنه على غاية ما يمكن من البعد وكذلك أم ~~وأو لأن الواو من أبعد الحروف من الهمزة. وليس هذان المثالان مثل عح ولا سز ~~لما يوجد فيهما ms062 من التنافر لقرب ما بين الحرفين في كل كلمة ومتى اعتبرت ~~جميع الأمثلة لم تر للبعد الشديد وجها في التنافر على ما ذكره فأما الإدغام ~~والإبدال فشاهدان على أت التنافر في قرب الحروف دون بعدها لأنهما لا يكادان ~~يردان في الكلام إلا فرارا من تقارب الحروف وهذا الذي يجب عندي اعتماده لأن ~~التتبع والتأمل قاضيان بحضته وإذا ثبت ما ذكرناه فقد بان أن تكرر الحروف ~~والكلام يذهب بشطر من الفصاحة وقد كان بعض العلماء بالشعر يعيب في قول أبي ~~تمام: # كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي ومتى ما لمته لمته وحدى # تكرر حروف الحلق على سلامة المعنى واختيار الألفاظ. # فأما قول أبي الطيب: # العارض الهتن بن العارض الهتن بن ... العارض الهتن بن العارض الهتن1 # فمن أقبح ما يكون من التكرار وأشنعه وإذا كان يقبح تكرار الحروف ~~المتقاربة المخارج فتكرار الكلمة بعينها أقبح وأشنع # وأما قوله أيضا: # وأنت أبو الهيجا بن حمدان يابنه ... تشابه مولود كريم ووالد # وحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد2 PageV01P102 # فليس هذا التكرار عندي قبيحا لأن المعنى المقصود لا يتم إلا به. وقد اتفق ~~له أن ذكر أجداد الممدوح على نسق واحد من غير حشو ولا تكلف لأن أبا الهيجاء ~~هو عبد الله بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن راشد. ولو ورد هذا ~~الكلام نثرا لم يزد على هذه الصفة فلما عرض في هذا التكرار معنى لا يتم إلا ~~به سهل الأمر فيه وكان البيت مرضيا غير مكروه. # وعلى ذلك يجب أن يحمل كل تكرار يجرى هذا المجرى. # وقيل أذن أبو مهدية الأعرابي يوما فقال أشهد أن لا إله إلى الله مرة فقيل ~~له: خالفت السنة إنما هو أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ~~فقال أو ليس المعنى واحدا ونربح التكرار1 الذي هو عي. # وأجاز لنا في بعض الأيام شيخنا أبو العلاء بن سليمان قول الشاعر: # ألا طرقتنا بعد ما هجعوا هند ... وقد سرن خمسا واتلأب بنا ms063 نجد # ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأى والبعد2 # وقال: من حبه لهذه المرأة لم ير تكرير اسمها عيبا ولأنه يجد للتلفظ ~~باسمها حلاوة فلم يرمن الاعتذار للتكرير إلا هذا العذر # فأما قول أبي الطيب: # لك الخير غيري رام من غيرك الغنى ... وغيري بغير اللاذقية لاحق3 ~~PageV01P103 # فلا خفاء بقبحه للتكرار وكذلك قوله: # ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل # لأنه ذكر الجهل خمس مرات وكرر بي فلم يبق من ألفاظ البيت ما لم يعده إلا ~~اليسير. # وأما قوله أيضا: # فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلهن قلاقل1 # غثاثة عيشى أن تغث كرامتي ... وليس بغث أن تغث المآكل # فقد اتفق له أن كرر في البيت الأول لفظة مكررة الحروف فجمع القبح بأسره ~~في صيغة اللفظة نفسها ثم في إعادتها وتكرارها واتبع ذلك بغثاثة في البيت ~~الثاني وتكرار تغث فلست تجد ما تزيد على هذين البيتين في القبح. # ولم يزل الناس على وجه الدهر منكرين قول امرئ القيس بن حجر: # ألا إنني بال على جمل بال ... يقود بنا بال ويتبعنا بال # وهو لعمري قبيح وإن كان بيت هذا الفن الذي لا غاية وراءه في القبح قول ~~مسلم بن الوليد الأنصاري: # سلت وسلت ثم سل سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا2 # ولولا أن هذا البيت مروي لمسلم وموجود في ديوانه لكنت أقطع على أن قائله ~~أبعد الناس ذهنا وأقلهم فهما وممن لا يعد في عقلاء العامة فضلا عن عقلاء ~~الخاصة ولكنى أخال خطرة من الوسواس أو شعبة من البرسام عرضت له وقت نظم هذا ~~البيت فليته لما عاد إلى صحة مزاجه PageV01P104 # وسلامة طباعه جحده فلم يعترف به ونفاه فلم ينسبه إليه وما أضيف هذا ~~وأمثاله إلا إلى عوز الكمال في الخلقة وعموم النقص لهذه الفطرة. # وأما قول أبي الطيب: # قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام # فقبيح للتكرار وقد زاده قبحا وقوعه بغير فصل. # والحروف التي تربط بعض الكلام ببعض وتدل على معنى ms064 في غيرها كما يقول ~~النحويون يبقح تكررها في الكلام وإن اختلفت ألفاظها وذلك لأنها جنس واحد ~~ومشتركة في المعنى وإن تميزت فائدة بعضها من بعض. ومما يسهل الأمر فيها ~~قليلا وقوع الفصل بينها بكلمة من غيرها فأما أن ترد على نحو ما قال أبو ~~الطيب: # وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد1 # فذلك العيب الذي لا يتوجه عذر فيه # وقد أنكر أبو الفرج قدامة ابن جعفر الكاتب ما ذكرناه من قبح تكرر حروف ~~الرباطات وقال في كتابه في الخراج وصناعة الكتابة فأما له منه أو منه عليه ~~أو به له أو ما جرى هذا المجرى ففيه قبح وسبيل ذلك إذا وقع أن يحتال في فصل ~~ما بين الحرفين بكلمة مثل أن يأتي ما يحتاج إلى أن يقال فيه أقمت شهيدا به ~~عليه. # فيقال أقمت عليه شهيدا به ثم قال بعد أوراق يسيرة: وبلغني أن المأمون أمر ~~عمرو بن مسعدة يوما أن يكتب لرجل له به عناية فأنسي أبو الفرج ما قدمه وسها ~~عما أنكره وقد كان يمكنه أن يعبر عما قاله أولا فيقول لرجل له عناية به ~~ويجب أن يجعل هذا الزلل عذرنا فيما PageV01P105 # لعلنا أن نأتي به في هذا الكتاب من لفظة قد أنكرناها وأمرنا بتجنبها فإن ~~الإنسان عم عن عيبه. # ولنا بمن ذكرناه أسوة. # وهذا الذي أنكرناه من تكرار الألفاظ فن قد أولع به الشعراء والكتاب من ~~أهل زماننا هذا حتى لا يكاد الواحد منهم يغفل عن كلمة واحدة فلا يعيدها في ~~نظمه أو نثره ومتى اعتبرت كلامهم وجدته على هذه الصفة. وما أعرف شيئا يقدح ~~في الفصاحة ويغض من طلاوتها أظهر من التكرار لمن يؤثر تجنبه وصيانة نسجه ~~عنه. إذ كان لا يحتاج إلى كبير تأمل لا دقيق نظر. # وقلما يخلو واحد من الشعراء المجيدين أو الكتاب من استعمال ألفاظ يديرها ~~في شعره حتى لا يخل في بعض قصائده بها. فربما كانت تلك الألفاظ مختارة يسهل ~~الأمر في إعادتها وتكريرها إذا لم تقع إلا ms065 موقعها. وربما كانت على خلاف ~~ذلك. # وقد كان أبو الحسن مهيار بن مرزويه1 ممن غرى بلفظة طين وطينة فما وجدت له ~~قصيدة تخلو من ذلك إلا اليسير حتى وضع هذه اللفظة تارة في غير موضعها ~~ومستعارة لما لا يليق بها وأقرها مقرها في بعض الأماكن ووافق بينها وبين ما ~~ألفت معها. وذلك موجود في شعره لم يتتبعه. # فهذا وإن لم يكن محمودا عندي فهو أصلح من التكرار في القصيدة الواحدة أو ~~البيت الواحد. # فأما قول بعضهم: # ولولا دموعي كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموع PageV01P106 # فليس من التكرار المكروه لما قدمته في بيت أبي الطيب1 وذلك أن المعنى ~~مبنى عليه ومقصور على إعادة اللفظ بعينه. وهذا حد يجب أن تراعيه في التكرار ~~فمتى وجدت المعنى عليه ولا يتم إلا به لم يحكم بقبحه وما خالف ذلك قضيت ~~عليه بالاطراح ونسبته إلى سوء الصناعة. # وقال أبو الفتح بن جنى. قلت لأبي الطيب المتنبي: إنك تكرر في شعرك ذا وذي ~~كثيرا ففكر ساعة ثم قال: إن هذا الشعر لم يعمل كله في وقت واحد. فقلت: صدقت ~~إلا أن المادة واحدة فأمسك. # وأما القسم الثاني من الثمانية المذكورة أولا وهو أن تجد للفظة في السمع ~~حسنا ومزية على غيرها لا من أجل تباعد الحروف فقط بل لأمر يقع في التأليف ~~ويعرض في المزاج كما يتفق في بعض النقوش على ما بيناه فيما تقدم فإن هذا ~~إنما يكون في التأليف إذا ترادفت الكلمات المختارة فيوجد الحسن فيه أكثر ~~وتزيد طلاوته على ما لا يجمع من تلك الكلمات إلا القليل. # وهذا لعمري إنما يرجع إلى اللفظة بانفرادها وليس للتأليف فيه إلا ما ~~أثاره التواتر والترادف. # وكذلك الثالث والرابع من الأقسام وهما أن تكون الكلمة غير وحشية ولا ~~عامية لأن هذين القسمين أيضا لا علقة للتأليف بهما. وإنما يقبح إذا كثر فيه ~~الكلام الوحشي أو العامي على حد ما يحسن إذا كثر فيه الكلام المختار فهو ~~يرجع إلى اللفظة المفردة كما قلناه. وعلقة التأليف ما ms066 قدمناه من حكم ~~الإسهاب في إيراد المحمود والمذموم إلا PageV01P107 # أن يتفق لفظة لم تبتذ لها العامة بانفرادها وإنما تستعملها مضافة إلى ~~غيرها فيكون التأليف على هذا الغرض عاميا بحكم ما أفادته الضافة لتلك ~~اللفظة وإذا اتفق هذا وجب تجنبها مضافة والاحتراز من الصيغة التي تعرض فيها ~~بعض الوجوه المذمومة. # وأما الخامس وهو أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح وللتأليف ~~بهذا القسم علقة وكيدة لأن إعراب اللفظة تبع لتأليفها من الكلام وعلى حكم ~~الموضع الذي وردت فيه. # ولهذه الجملة تفصيل طويل إذا ذكرناه عدلنا عن الغرض المقصود بهذا الكتاب ~~وشرعنا في صريح النحو ومحض علم الإعراب. ولذلك كتب موضوعة له ومقصورة عليه ~~تغنى الناظر فيها عما نذكره في كتابنا هذا ويجد ما يبتغيه هناك مستوفى ~~مستقصى فإن قال لنا قائل: إني إذا أنعمت النظر وأحسنت الفكر واعتبرت قول ~~حسان: # يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل # وغيرت الإعرابي عن وجهه فرفعت المخفوض وخفضت المرفوع وأتيت بما لا يسيغه ~~تأويل ولا يتوجه في مثله عذر ووجدت فصاحة هذا البيت على ما كانت عليه وهو ~~جار على القانون العربي ومتى اعتبرت باقي الأقسام وجدت الأمر فيه على ما ~~ذكرتموه ومخالفة لحكم هذا النوع لتأثيرها في الفصاحة ورونق الكلام وهذا ~~يوجب عليكم الامتناع من إيراد هذا القسم في الجملة والاقتصار على ما تشهد ~~النفوس بصحته ويقضي التأمل بتقبله. وقيل له: إننا لا ننكر أن يكون بعض ما ~~ذكرناه من الأقسام أظهر من بعض وتأثيرها في الفصاحة أوضح وأجلى ن غيره. # لكنا على كل حال لا نرضى بالقطع على اختيار الكلام العربي المؤلف ~~والشهادة بحسنه وهو مخالف لما تلفظت به العرب وتواضعت عليه # PageV01P108 # إن كان مواضعه وفيه وجه آخر من وجوه القبح عندهم. ولا يكون حسنا حتى ~~تنتفى عنه وجوه القبح في مثله على أننا نجد في تغير الكنايات وعدول الضمائر ~~عن السبق في إيرادها ما يزيل شطرا من الفصاحة وطرفا من الرونق ومن تأمل قول ~~عبيد الله بن قيس ms067 الرقيات: # فتاتان أما منهما فشبيهة اله ... لال وأخرى منهما تشبه الشمسا # فتانا بالنجم السعيد ولدتما ... ولم تلقيا يوما هوانا ولا نحسا # علم أن بين قوله: ولدتما وولدتا فرقا واضحا ومزية بينة1 ووجد الكلام ~~الثاني كالمنقطع من الأول. # وكذلك قول المتنبي: # قوم تفرست المنايا فيكم ... فرأت لكم في الحرب صبر كرام # لأن وجه الكلام قوم تفرست المنايا فيهم فرأت لهم. # فهذا وما يجرى مجراه في جانب التأليف مذكور وفي شعبه معدود واتباع العرف ~~في إيراد الظاهر المعروف دون الشاذ النادر واجب لمن آثر مشاركتهم في فصاحة ~~النظم وسلامة النسج فإنما بهم يقتدي وعلى منارهم يهتدي ثم يقال لمن عساه ~~يمنع أن يكون إعراب الكلام شرطا في فصاحته: هل يجوز عندك أن يكون عربيا وأن ~~استعمل كل اسم منه لغير ما وضعته له العرب فإن قال: نعم لزمه أن يكون ~~متكلما باللغة العربية إذا سمى الفرس إنسانا والسواد بياضا والموجود معدوما ~~وغير ذلك من الكلام وهذا حد لا يذهب إليه محصل وإن قال: لا يكون عربيا حتى ~~يضع كل اسم في موضعه ويلفظ به على حد ما يلفظ به أهله قلنا: فقد دخل في هذا ~~إعراب الكلام لأن PageV01P109 # معانيه تتعلق به وهو الدليل على المقصود منها وبه يزول اللبس والجواز ~~فيها وإذا ثبت أنه لا يكون عربيا حتى يجرى على ما نطقت العرب به وجب أن ~~يشترط في فصاحته تبعهم فيما تكلموا به ولا نجيز العدول عنه لأن كلامنا إنما ~~هو في فصاحة اللغة العربية ومتى خرج الكلام عن كونه عربيا لم يتعلق قولنا ~~به كما لا يتعلق بغيره من اللغات فقد بان أن اشتراطنا ما ذكرناه في الفصاحة ~~صحيح لازم وتفصيل هذه الجملة يوجد في كتب النحو ولا يليق بكتابنا هذا ذكره ~~لأنه علم مفرد وصناعة متميزة. # وأما السادس مما ذكرناه وهو أن تكون الكلمة قد عبر بها عن أمر آخر يكره ~~ذكره فللتأليف فيه تعلق بحسب إضافة الكلمة إلى غيرها فإن القبح يختلف بحسب ~~ذلك كما قلنا في قول الشريف ms068 الرضى: # أعزز علي بأن أراك وقد خلت ... من جانبيك مقاعد العواد # لأن مقاعد لما أضيف إلى العواد زاد قبح الكلام ولو قال قائل: مقاعد ~~الجبال على وجه الاستعارة أو غير ذلك لكان الأمر أسهل وأيسر فبهذا ونحوه ~~يتعلق التأليف بهذا القسم. # وأما السابع وهو اجتناب الكلمة الكثيرة الحروف فلا علقة للتأليف بهذا إلا ~~أن ظهور قبحه أجلى إذا ترادفت فيه الكلمات الطوال على حد ما قلناه في ~~الكلمة الوحشية. # وأما الثامن وهو التصغير فلا علقة للتأليف به إذ كان لا يتعدى الكلمة ~~بانفرادها لكني أقول أن تكرار التصغير والنداء والترخيم والنعت والعطف ~~والتوكيد وغير ذلك من الأقسام والإسهاب في إيرادها معدود في جملة التكرار ~~ويجب التوسط فيه فإن لكل شئ حدا ومقدارا لا يحسن تجاوزه لا يحمد تعديه. # PageV01P110 # فإن قيل: كيف تحمدون التصغير في الكلمة على ما قدمتموه فإذا انضاف إليه ~~تصغير آخر قبح. # وكل واحد منهما حسن في نفسه قلنا: إن التصغير المحمود معنى واحد وغير ~~مختلف ولا متباين فنحن نكره تكراره كما نذم تكرار الكلمة الواحدة بعينها ~~وإن كانت مرضية غير ذميمة والعلة في الجميع واحدة. # فهذا ما يتعلق بالأقسام المذكورة في الكلمة بانفرادها قد أوضحناه وبيناه. ~~ونعود إلى ما يختص بالتأليف وينفرد له. ونقول: # إن أحد الأصول في حسنه وضع الألفاظ موضعها حقيقة أو مجازا لا ينكره ~~الاستعمال ولا يبعد فيه وهذه الجملة تحتاج إلى تفصيل نحن نذكره ونشرحه ~~ونبين أمثلته ليقع فهمه والعلم به. # فمن وضع الألفاظ موضعها أن لا يكون في الكلام تقديم وتأخير حتى يؤدي ذلك ~~إلى فساد معناه وإعرابه في بعض المواضع أو سلوك الضرورات حتى يفصل فيه بين ~~ما يقبح فصله في لغة العرب كالصلة والموصول وما أشبههما ولهذا أمثلة: # منها قول الفرزدق يمدح إبراهيم بن إسماعيل خال هشام بن عبد الملك: # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # ففي هذا البيت من التقديم والتأخير ما قد أحال معناه وأفسد إعرابه لأن ~~مقصوده وما مثله في الناس حي ms069 يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه يعني هشاما لأن ~~أبا أمه أبو الممدوح. # ومن هذا أيضا قول عروة بن الورد العبسى: # قلت لقوم في الكنيف تروحوا ... عشية بتنا عند ما وان رزح # PageV01P111 # تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم ... إلى مستراح من حمام مبرح1 # لأن تقديره: قلت لقوم رزح في الكنيف عشية بتنا عند ما وان تروحوا تنالوا ~~الغنى - ففصل بين الصفة والموصوف والأمر وجوابه. # فأما قول أبي الطيب: # المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الهمام الأروع2 # فجار هذا المجرى وفيه تقديم وتأخير وفصل بين الصلة والموصول وتقديره: ~~المجد والمكارم أخسر صفقة. # أما قول الفرزدق: # فليست خراسان التي كان خالد ... بها أسد إذ كان سيفا أميرها # فإن جماعة من النحويين قالوا: أنه يمدح خالدا ويذم أسدا وكانا واليين ~~بخراسان وخالد قبل أسد. وتقدير البيت فليست خراسان بالبلدة التي كان خالد ~~فيها سيفا إذ كان أسد أميرها ويكون رفع أسد مكان الثانية وأميرهما نعت له ~~وكان في معنى وقع أو يكون في كان ضمير الشان والقصة ويكون أسد وأميرها ~~مبتدأ وخبرا في موضع خبر الضمير وقال أبو سعيد السيرافي: إن تقدير البيت ~~عنده أن يجعل أسدا بدلا من خالد ويجعله هو خالد على سبيل التشبيه له بالأسد ~~فكأنه قال فليست خراسان التي كان بها أسد إذ كان سيفا أميرها ويجعل سيفا ~~خبرا لكان الثانية ويجعل أميرها الاسم. وعلى التأويلين معا فلا خفاء بقبح ~~البيت والتعسف فيه ووضع الألفاظ في غير موضعها والفرزدق أكثر PageV01P112 # الشعراء استعمالا لهذا الفن حتى كأنه يعتمده ويقصده ويعتقد حسنه. ومن ذلك ~~قوله أيضا: # وترى عطية ضاربا بفنائه ... ربقين بين حظائر الأغنام # متقلدا لأبيه كانت عنده ... أرباق صاحب ثلة وبهام1 # يريد: متقلدا أرباق ثلة وبهام كانت لأبيه عنده. # ومن التقديم والتأخير أيضا قول الشاعر: # صددت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم2 # يريد: وقلما يدوم وصال على طول الصدود. # وكذا قول الآخر: # لما رأت ساتيد ما استعبرت ... لله در اليوم من لامها3 # أي لله در من لامها ms070 اليوم. # وعلى هذا قول المتنبي: # جفخت وهم لا لايجخفون بها بهم ... شيم على الحسب الأغر دليل4 # يريد: جفخت وهم لا يجفخون بها. # وكذلك قوله: # وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه ~~PageV01P113 # لأن تقدير: وفاؤكما بان تسعدا كالربع أشجاه طاسمه ففصل وقدم وأخر. # وكذلك قول أبي عدى القرشي: # خير راعى رعية سره الله ... هشام وخير مأوى طريد # أي خير راعى رعية هشام سره الله # وقول الآخر: # لعمر أبيها لا تقول خليلتي ... ألافر عني مالك بن أبي كعب # يريد: لعمر أبي خليلتي. # ومن وضع الألفاظ موضعها أن لا يكون الكلام مقلوبا فيفسد المعنى ويصرفه عن ~~وجهه ولذلك أمثلة مذكورة. # منها قول عروة بن الورد العبسي: # فلو أني شهدت أبا سعاد ... غداة غد لمهجته يفوق # فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوك إلا ما أطيق # يريد أن يقول: فديت نفسه بنفسي. # ومنه قول خداش بن زهير: # وتركت خيل الهوادة بينها ... وتعصى الرماح بالضياطرة الحمر # والضياطرة هي التي تشقى بالرماح. # وكذلك قول الفررزدق: # وأطلس عسال وما كان صاحبا ... رفعت لناري موهنا فأتاني # وإنما النار هي المرفوعة للذئب # ومن المقلوب أيضا قول الآخر: 1 PageV01P114 # كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم1 # وإنما الرجم فريضة الزناء. # وعلى هذا حمل أبو القاسم الآمدي قول الطائي الكبير: # طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا2 # قلل: لأنه يقول مضى حميدا شاهدا على أني رزئت ووجه الكلام أن يكون: وكفى ~~برزءى شاهدا على أنه مضى حميدا لأن حميدا من الطلل قد مضى وليس بمشاهد ~~معلوم وزرءه بما يظهر من تفجعه مشاهد معلوم فلأن يكون الحاضر شاهدا على ~~الغائب أولى من أن يكون الغائب شاهدا على الحاضر. وهذا الذي ذكره الشيخ أبو ~~القاسم رحمه الله قول مثله من يتقدم الناس في هذا العلم ودقيق النظر فيه ~~وكشف سرائره. # وقد حمل بعضهم قول أبي الطيب: # وعذلت أهل العشق حتى ذقته ... فعجبت كيف يموت من لا يعشق # على المقلوب وتقديره عنده: كيف لا يموت من يعشق. # وقال ms071 غيره: إن الكلام جار على طريقته والمراد به كيف تكون المنية غير ~~العشق أي أن الأمر الذي يقدر في النفوس أنه في أعلى مراتب الشدة هو الموت ~~ولما ذقت العشق فعرفت شدته عجبت كيف يكون هذا الأمر الصعب المتفق على شدته ~~غير العشق وكيف يجوز أن لا تعم علته حتى تكون منايا الناس كلهم به - وكان ~~هذا أشبه بمراد أبي الطيب من حمل الكلام على القلب. PageV01P115 # فأما قول الله تعالى: {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة} 1 ليس من ~~هذا بشئ وإنما المراد والله أعلم أن المفاتح تنوء بالعصبة أي تميلها من ~~ثقلها وقد ذكر هذا الفراء وغيره وكذلك قوله عز اسمه: {وإنه لحب الخير ~~لشديد} ليس على ما يزعم بعضهم المراد به وأن حبه للخير لشديد بل المقصود به ~~أنه لحب المال لبخيل - والشدة - البخل أي من حبه للمال يبخل. # فأما قول الحطيئة: # فلما خشيت الهون والعير ممسك ... على رغمه ما أمسك الحبل حافره2 # فقد قيل فيه إن الحبل إذا أمسك الحافر فالحافر أيضا قد شغل الحبل فعلى ~~هذا ليس بمقلوب. # وكذلك قول أبي النجم: # قبل دنو الأفق من جوزائه # لأن الجوزاء إذا دنت من الأفق فقد دنا منها. # وقد حمل أبو الفتح عثمان بن جني قول أبي الطيب: # نحن ركب ملجن في زي ناس ... فوق طيرلها شخوص الجمال # على المقلوب وقال تقديره: نحن ركب من الأنس في زي الجن فوق جمال لها شخوص ~~طير وهذا عندي تعسف من أبي الفتح لا تقود إليه ضرورة. ومراد أبي الطيب ~~المبالغة على حسب ما جرت به عادة الشعراء. PageV01P116 # فيقول نحن قوم من الجن لجوبنا الفلاة والمهامه والقفار التي لا تسلك وقلة ~~فرقنا فيها إلام أننا في زي الإنس - وهم على الحقيقة كذلك ونحن فوق طير من ~~سرعة إبلنا إلا أن شخوصها شخوص الجمال ولا شك أيضا في ذلك. # فأما قول قطري بن الفجاءة المازني: # ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام # فقد حملوه على المقلوب. وقالوا: يريد ms072 قارح البصيرة جذع الإقدام. كما ~~يقال: إقدام غرور أي مجرب وقد كان أبو العلاء صاعدين عيسى الكاتب جاراني في ~~بعض الأيام هذا البيت وقال: ما المانع من أن يكون مقصوده لم أصب أي لم ألف ~~على هذه الحال بل وجدت على خلافها جذع الإقدام قارح البصيرة ويكون الكلام ~~على جهته غير مقلوب وتمكن الدلالة على أن قوله: لم أصب في البيت بمعنى لم ~~ألف دون ما يقولون من أن مراده به لم أجرح قوله قبله: # لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوفا لحمام # فلقد أراني للرماح رديئة ... من عن يميني تارة وأمامي # حتى خضبت بما تحدر من دمى ... أكناف سرجى أو عنان لجامى # فكيف يكون لم يصب وقد خضب هذا بدمه فأما قولهم إنه أراد من دمي أي من دم ~~قومي وبني عمي فمبالغة منهم في التعسف والعدول عن وجه الكلام ليستمر لهم أن ~~يكون فاسدا غير صحيح وهذا الذي ذكره أبو العلاء وسبق إليه له وجه يجب تقبله ~~واتباعه فيه وفحوى كلام قطري يدل على أنه أراد جرح ولم يمت إعلاما أن ~~الإقدام غير علة في الحمام وحثا على الشجاعة ونيها عن الفرار. # PageV01P117 # ومن طريف التفسير للشعر أن يتأول ليقع الفساد فيه ولو حمل على ظاهره كان ~~صوابا صحيحا وما أعرف أعجب من حمل كافة المفسرين قول الفرزدق: # أن الذي سمك السماء بنا لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول # على وجهين أحدهما أن يكون أعز وأطول بمعنى عزيزة طويلة والثاني أعز وأطول ~~من بيتك يا جرير. فيتعسفون في التأويل ومراد الشاعر أوضح من أن يخفى وأشهر ~~من أن يجهل وهو أعز وأطول من السماء التي ذكرها في أول البيت وإنما جاء بها ~~لهذا الغرض وهذا مبالغة في العشر معروفة مستعملة وليست بالمكروهة ولا ~~الغريبة. # ومن وضع الألفاظ في موضعها حسن الاستعارة وقد حدها أبو الحسن على بن عيسى ~~الرماني فقال: هي تعليق العبارة على غير ما وضعت في أصل اللغة على جهة ~~النقل للإبانة وتفسير هذه الجملة أن قوله ms073 عز وجل {واشتعل الرأس شيبا} 1 ~~استعارة لأن الاشتعال للنار ولم يوضع في أصل اللغة للشيب فلما نقل إليه بان ~~المعنى لما اكتسبه من التشبيه لأن الشيب لما كان يأخذ في الرأس ويسعى فيه ~~شيئا فشيئا حتى يحيله إلى غير لو نه الأول كان بمنزلة النار التي تشتعل في ~~الخشب وتسرى حتى تحيله إلى غير حاله المتقدمة فهذا هو نقل العبارة عن ~~الحقيقة في الوضع للبيان ولا بد من أن تكون أوضح من الحقيقة لأجل التشبيه ~~العارض فيها لأن الحقيقة لو قامت مقامها كانت أولى لأنها الأصل والاستعارة ~~الفرع وليس يخفى على المتأمل أن قوله عز اسمه: {واشتعل الرأس شيبا} ~~PageV01P118 # أبلغ من كثير شيب الرأس وهو حقيقة هذا المعنى وقول امرئ القيس - قيد ~~الأوابد أبلغ من مانع الأوابد عن جريها والأصل في ذلك ما أفاده التشبيه في ~~الاستعارة نت البيان. # فإن قال قائل: فما الفرق بين الاستعارة والتشبيه إذا كان الأمر على ما ~~ذكرتم قيل: الفرق بينهما ما ذكره أبو الحسن وهو أن التشبيه على أصله لم ~~يغير عنه في الاستعمال وليس كذلك الاستعارة لأن مخرج الاستعارة مخرج ليست ~~العبارة له في أصل اللغة على أن الرماني قال في كلامه: إن التشبيه في ~~الكلام بأداة التشبيه وهو يعني كأن والكاف وما جرى مجراهما وليس يقع الفرق ~~عندي بين التشبيه والاستعارة باداة التشبيه فقط لأن التشبيه قد يرد بغير ~~الألفاظ الموضوعة له ويكون حسنا مختارا ولا يعده أحد في جملة الاستعارة ~~لخلوة من آلة التشبيه ومن هذا قول الشاعر: # سفرن بدورا وانتقلن أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جاذرا1 # وقول الآخر: # وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد2 # وكلاهما تشبيه محض وليس باستعارة وإن لم يكن فيهما لفظ من ألفاظ التشبيه ~~وإنما الفرق بين الاستعارة والتشبيه ما حكيناه أولا. PageV01P119 # ولا بد للاستعارة من حقيقة هي أصلها: وهي مستعار ومستعار منه ومستعار له. ~~فالمستعار لفظ الاشتعال فيما مثلنا به والنار مستعار منه والشيب مستعار له. ~~ولها تأثير في الفصاحة ظاهر وعلقة ms074 وكيدة. والبعيد منها يقضي باطراح الكلام ~~ويذهب طلاوته ورونقه ولأجل هذا احتاج إلى إيضاحها ووصف ما يحسن منها ويقبح ~~والإكثار من الأمثلة التي تدل على ما أريده. # وهي على ضربين قريب مختار وبعيد مطرح. فالقريب المختار ما كان بينه وبين ~~ما استعير له تناسب قوى وشبه واضح والبعيد المطرح إما أن يكون لبعده مما ~~استعير له في الأصل أو لأجل أنه استعارة مبنية على استعارة فتضعف لذلك ~~والقسمان معا يشملهما وصفي بالبعد لكن هذا التفصيل يوضح وإذا ذكرت الأمثلة ~~بان القريب في الاستعارة من البعيد وعرف المرضى منها والمكروه وتنزلت ~~الوسائط بينهما بحسب النسبة إلى الطرفين. # وهذا الفن قد أورده المحدثون كثيرا وإن كان المتقدمون بدؤا به وممن أكثر ~~استعماله أبو تمام حبيب بن أوس فأورده منه في شعره الجيد المحمود والرديء ~~الذي هو الغاية في القبح. سأذكر في شعره خاصة ما يستدل به على ذلك. وقد خرج ~~على بن عيسى ما ورد في القرآن من الاستعارة فكان من ذلك قوله تعالى: ~~{وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} 1. # لأن حقيقته عمدنا لكن قدمنا أبلغ لأنه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم ~~يقدم من سفر لأنه من اجل إمهاله لهم عاملهم كما يفعل الغائب عنهم إذا قدم ~~فرآهم على خلاف ما أمرهم به وفي هذا تحذير من الاغترار بالإهمال. وقوله ~~تعالى: {إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية} 2 PageV01P120 # لأن حقيقة طغي علا والاستعارة أبلغ لأن طغى علا قاهرا. وكذلك: {بريح صرصر ~~عاتية} 1. لأن حقيقة عاتية شديدة والعتو أبلغ لأنه شدة فيها ثمرد. وقوله عز ~~اسمه: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} 2 لأن انسلاخ الشئ عن الشئ هو أن ~~يتبرأ منه ويزول عنه حالا فحالا وكذلك انفصال النهار عن الليل والانسلاخ ~~أبلغ من الانفصال لما فيه من زيادة البيان وقوله عز وجل: {والصبح إذا تنفس} ~~3 لأن تنفسها هنا مستعار وحقيقته بدأ انتشاره وتنفس أبلغ لما فيه من ~~الترويح عن النفس وقوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة ms075 إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط} 4 وحقيقته لا تمنع نالك كل المنع. والاستعارة أبلغ لأنه جعل منع ~~النائل بمنزلة غل اليد إلى العنق وحال المغلول أظهر. وأمثال هذا في كتاب ~~الله كثيرة وهو جار على عادة العرب المعروفة في الاستعارة. # ومنه قول طفيل الغنوي: # وجعلت كوري فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل5 # فإن اشتعارة هذا البيت مرضية عند جماعة العلماء بالشعر لأن الشحم لما كان ~~من الأشياء التي تقتات وكان الرحل يتخونه ويذيبه كان ذلك بمنزلة من يقتاته ~~وحسنت استعارته القوت للقرب والمناسبة والشبه الواضح. PageV01P121 # وكذلك قول ذي الرمة في إحدى الروايات: # أقامت به حتى ذوى العود والثرى ... ولف الثريا في ملاءته الفجر # لأن الفجر لما غطى الليل ببياضه وشمل الأرض عند طلوعه حسنت استعارة ~~الملاءة له لتضمنها هذا المعنى وعب بطلوع الثريا وقت طلوع الفجر بأنه لفها ~~في ملاءته وتلك أحسن عبارة وأوضح استعارة. # وقد اختار أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي الكاتب من جملة الاستعارة قول ~~امرئ القيس: # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل1 # وقال: إن هذه الاستعارة في غاية الحسن والجودة والصحة لأنه إنما قصد وصف ~~أحوال الليل الطويل فذكر امتداد وسطه وتثاقل صدره للذهاب والانبعاث وترداف ~~أعجازه وأواخره شيئا فشيئا قال: وهذا عندي منتظم لجميع نعوت الليل الطويل ~~على هيئته وذلك أشد ما يكون على من يراعيه ويترقب تصرمه فلما جعل له وسطا ~~يمتد وأعجازا رادفة للوسط استعار له اسم الصلب وجعله متمطيا من أجل امتداده ~~لأن قولهم تمطى وتمدد بمنزلة واحدة وصلح أن يستعير للصدر اسم الكلكل من أجل ~~نهوضه وهذه أقرب الاستعارات من الحقيقة لملاءمة معناها لمعنى ما استعيرت ~~له. # وهذا الذي قاله أبو القاسم لا أرضى به غاية الرضى ولو كنت أسكن إلى تقليد ~~أحد من العلماء بهذه الصناعة أو أجنح إلى اتباع مذهبه من غير نظر وتأمل لم ~~أعدل عما يقوله أبو القاسم لصحة فكره وسلامة نظره وصفاء ذهنة وسعة علمه ~~لكنني أغلب الحق عليه ولا PageV01P122 # أتبع الهوى ms076 فيما يذهب إليه. وبيت امرئ القيس عندي ليس من جيد الاستعارة ~~ولا رديئها بل هو من الوسط بينهما وبيتا الغنوي وذي الرمة أحمد في ~~الاستعارة وأشبه بالمذهب الصحيح منها وإنما قلت ذلك لأن أبا القاسم قد أفصح ~~بأن امرأ القيس لما جعل الليل وسطا وعجزا استعار له اسم الصلب وجعله متميطا ~~من أجل امتداده وذكر الكلكل من أجل منهوضه فكل هذا إنما يحسن بعضه لأجل بعض ~~فذكر الصلب إنما حسن لأجل العجز والوسط والتمطى لأجل الصلب والكلكل لمجموع ~~ذلك. وهذه الاستعارة المبنية على غيرها فلذلك لم أر أن أجعلها من أبلغ ~~الاستعارات وأجدرها بالحمد والوصف وكانت استعارة طفيل وذي الرمة عندي أوفق ~~وأصح لأنها غنية بنفسها غير مفتقرة إلى مقدمة جلبتها. # وقد اختار الآمدي أيضا قول زهير: # صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله # وقال لما كان من شأن ذي الصبا أن يوصف أبدا بأن يقال ركب هواه وجرى في ~~ميدانه وجمح في عنانه ونحو هذا حسن أن يستعار للصبا اسم الأفراس وأن يجعل ~~النزوع عنه بأن تعرى أفراسه ورواحله وكانت هذه الاستعارة من أليق نشيء بما ~~استعيرت له. وعندي أن الاستعارة في بيت طفيل أليق منها في هذا البيت والعلة ~~ما ذكرته في بيت امرئ القيس وذلك أن الاستعارة في بيت زهير مبنية على قولهم ~~ركب هواه وجرى في ميدانه على محو ما قاله أبو القاسم وتلك استعارة بغير شك ~~وقد بنى عليها. # وبيت طفيل أقرب وأحسن لغناه بنفسه. # وقد كنت مثلت في بعض المواضع الاستعارة المحمودة والمذمومة ببيتين: # PageV01P123 # أحدهما قول أبى نصر بن نباتة: # حتى إذا بهر الأباطح والربا ... نظرت إليك بأعين النوار # فنظر أعين النوار من أشبه الاستعارات وألقها لأن النوار يشبه العيون وإذا ~~كان مقابلا لم يجتر فيه ويمر به كان كأنه ناظر إليه وهذه الاستعارة الصحيحة ~~الواضحة التشبيه. # والبيت الثاني قول أبي تمام: # قرت بقران عين الدين وانتشرت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما1 # وقرة عين الدين وانشتار عيون الشرك من أقبح الاستعارات لعدم ms077 الوجه الذي ~~لأجله جعل للدين والشرك عيونا ومع تأمل هذين البيتين يفهم معنى الاستعارة ~~لأن النوار والشرك لا عيون لهما على الحقيقة وقد قبحت استعارة العيون ~~لأحدهما وحسنت للآخر وبيان العلة فيه أن النوار يشبه العيون والدين والشرك ~~ليس فيهما ما يشبهها ولا يقاربها وهذه طريقة متى سلكت ظهر المحمود في هذا ~~الباب من المذموم. # وأما قول الشريف الرضى: # والحب داء يضمحل كأنما ... ترغوا رواحله بغير لغام2 # فقريب من قول زهير - أفراس الصبا ورواحله - لكنه أبعد منه لأنه بنى عليه ~~أمرا آخر غير قريب وهو قوله: إن رواحل الصبا ترغو ولا لغام لها. # وهذا المذهب الرديء في الاستعارة على ما قدمناه. PageV01P124 # وقد أعاد أبو نصر بن نباتة قوله نظرت إليك بأعين النوار - في موضع آخر ~~فقال: # إذا نظرت أرض الخليج بأعين ... من النور قامت للصوارم سوق # وكلاهما واحد. # فأما قول الرضى: # رسا النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل المزن في أجداثكم تضع # ولا يزال جنين النبت ترصعه ... على قبوركم العراصة الهمع1 # فمن أحسن الاستعارات وألقيها لأن المزن تحمل الماء وإذا هملت وضعته ~~فاستعارة الحمل لها والوضع المعروفين من أقرب شئ وأشبهه وكذلك قوله جنين ~~النبت - لأن الجنين المستور مأخوذ من الجنة وإذا كان النبت مستورا والغيث ~~يسقيه كان ذلك بمنزلة الرضاع وكانت هذه الاستعارات من أقرب ما يقال وأليقه. # وأما قول أبي ذؤيب الهذلي: # وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع # فليس من أحسن الاستعارات ولا أقبحها ولا أراه نظير ما اخترته من قول طفيل ~~وذي الرمة وابن نباتة والشريف الرضى. ولا الأمثلة البعيدة التي ذكرتها بل ~~هو وسط وإن كان إلى الاختيار أقرب لما جرت به العادة من قولهم: علقت به ~~المنية ونشبت وما أشبه ذلك ولأجل كثرة هذا حسن. ولأنه مبنى على غيره لم ~~اجعله من أبلغ الاستعارات على ما قدمت ذكره. PageV01P125 # وأما قول أبي تمام: # أيامنا مصقولة أطرافها ... بك والليالي كلها أسحار # فمن الاستعارة المختارة لأنه لما أراد الأيام المحمودة الصافية من الكدر ~~والقذى جعلها مصقولة ms078 على وجه الاستعارة وهذا تشبيه ظاهر. # وأما قوله: # يا دهر قوم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك1 # وقوله: # فضربت الشتاء في أخدعيه ... ضربة غادرته عودا ركوبا2 # وقوله: # سأشكر فرجة اللب الرخى ... ولين أخادع الدهر الأبي3 # فإن أخادع الدهر والشتاء من أقبح الاستعارات وأبعدها مما استعيرت له وليس ~~بقبح ذلك خفاء. ولا يعرف أبو تمام الوجه الذي لأجله جعل للشتاء والدهر ~~أخادع إلا سوء التوفيق في بعض المواضع. # وأما قول أبي الطيب: PageV01P126 # مسرة في قلوب الطيب مفرقها ... وحسرة في قلوب البيض واليلب1 # فمن أبعد ما يكون في هذا الباب ولا عذر يتوجه له في الاستعارة للطيب ~~والبيض واليلب قلوبا تسر وتتحسر. # وذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني2 صاحب كتاب الوساطة ~~بين المتنبي وخصمه: أن بعض أصحابه جاراه أبياتا أبعد أبو الطيب فيها ~~الاستعارة وخرج عن حد الاستعمال والعادة وكان منها هذا البيت الذي ذكرناه ~~وقوله أيضا: # تجمعت في فؤاده همم ... ملئ فؤاد الزمان إحداها # قال فقلت له: هذا ابن أحمر يقول: # ولهت عليه كل معصفة ... هو جاء ليس للبها زبر3 # فما الفصل بين من جعل للريح لبا ومن جعل للبيض واليلب قلوبا وهذا الكميت ~~يقول: # ولما رأيت الدهر يقلب ظهره ... على بطنه فعل الممعك بالرمل4 # وهذا ابن رميلة يقول:5 # هم ساعد الدهر الذي يتقى به ... وما خير كف لا تنوء بساعد PageV01P127 # وذكر أبياتا من هذا النحو ثم قال: فكيف أنكرت على أبي الطيب أن جعل له ~~فؤادا قال فلم يحرجوا أبا غير أن قال إذا استبرأت نفسي1 وجدت بين استعارة ~~ابن أحمر للريح لبا واستعارة أبي الطيب للطيب قلوبا بونا بعيدا وربما قصر ~~اللسان عن مجاراة الخاطر ولم يبلغ الكلام مبلغ الهاجس ثم قال القاضي أبو ~~الحسن وقد أجد لهذا الفصل الذي تحمل له بعض البيان وذلك أن الريح لما خرجت ~~بعصوفها عن الاستقامة وزالت عن الترتيب شبهت بالأهوج الذي لا مسكة في عقله ~~ولا زبر للبه ولما كان مدار الهوج في الالتياث على العقل حسن ms079 من هذا الوجه ~~أن يجعل للريح عقلا فأما الدهر فإنما يراد بذكره أهله فإذا جعل الممدوح ~~للدهر ساعدا فقد أقيم لأهله مقام هذه الجوارح من الإنسان وليس للطيب والبيض ~~واليلب ما يشبه القلب ولا ما يجرى مع هذه الاستعارة في طريق ثم قال ابن عبد ~~العزيز: وإنما يحمل ما جاء من ألفاظ المحدثين وكلام المولدين زائلا عن ~~السنن على وجوه تقربهم من الإصابة وتقيم لهم بعض العذر وتلك الوجوه تختلف ~~بحسب اختلاف مواضعه وتتباين على قدر تباين المعاني المتضمنة له. ولهذا قال ~~أبو الطيب: # مسرة في قلوب الطيب مفرقها # فإنما يريد أن مباشرة مفرقها شرف ومجاورته له زين ومفخر وأن التحاسد يقع ~~فيه والحسرة تعظم عليه. فلو كان الطيب ذا قلب لسر كما لو كانت البيض ذوات ~~قلوب لأسفت وإذا جعل للزمان فؤادا ملأته هذه الهمة فإنما أورده على مقابلة ~~اللفظ باللفظ فلما افتتح البيت بقوله: # تجمعت في فؤاده همم PageV01P128 # ثم أراد أن يقول إحداهما تشغل الزمان وأهله ترخص بأن جعل له فؤادا وأعانه ~~على ذلك أن الهمة لا تحل إلا الفؤاد وسهله ما تقدم من تسامح الشعراء في ~~نعوت الدهر وتوسعهم في استعارة الأوصاف له. وإذا قال أبو تمام: # يا دهر قوم من أخدعيك # فإنما يريد أعدل ولا تجر وانصف ولا تحف لكنه لما رآهم قد استجازوا أن ~~ينسبوا إليه الجور والميل وأن يقذفوه بالعسف والظلم وبالخرق والعنف وقالوا ~~قد اعرض عنا وأقبل على فلان وقد جفانا وواصل غيرنا. وكان الميل والأعراض ~~إنما يكون بانحراف الأخدع وازورار المنكب واستحسن أن يجعل له اخدعا وأن ~~يأمره بتقويمه وهذه أمور متى حملت على التحقيق وطلب منها محض التقويم أخرجت ~~عن طريقة الشعر ومتى اتبع فيها الرخص وأجريت على المسامحة أدت إلى فساد ~~اللغة واختلاط الكلام وإنما القصد فيها التوسط والاجتزاء بما قرب وعرف ~~والاقتصار على ما ظهر ووضح وهذه حكاية كلام القاضي أبي الحسن. # ونحن نذكر ما عندنا في كل فصل منه والانتفاع به في الاستعارة ظاهر. # أما الذي أنكر على ms080 أبي الطيب استعارته هذه فلم يضع يده إلا على ما تشهد ~~الافهام له وتقطع العقول على صحته وأما اعتذار القاضي له بالأبيات التي ~~ذكرها فغن كان قصد بذلك التنبيه على أن أبا الطيب غير مبتدع لهذا الزلل ~~والمخترع بل هو مشارك فيه مماثل به وقد تقدمه من سلك هذا الطريق ونحا هذا ~~النحو فإن وجب اطراح شعر أبي الطيب لهذا السبب وجب اطراح الأشعار كلها لأن ~~العلة واحدة فعلى هذا الوجه الكلام # PageV01P129 # في موضعه وإن كان القصد بذلك إقامة العذر للمتنبي وترك الإنكار عليه إذ ~~كان النهج الذي سلك فيه مطروقا فليس هذا الرأي من معتقده بصواب لأن القول ~~في استعارة أبي الطيب إذا كانت بعيدة غير مرضية كالقول في كل استعارة كذلك ~~سواء كانت لمتقدم أو لمتأخر وليس يتميز قبحها بإضافتها إلى رجل من الرجال ~~ولا زمان من الأزمنة وإنما هذا شئ يقع للعامة وأشباههم من أغمار الأدبار ~~فيتخيلون أن للحسن ولقبح حكما يرجع إلى التاريخ ويتعلق بالإضافة ولا بد لنا ~~من الكلام على هذا المذهب الفاسد فيما يأتي من هذا الكتاب في موضع مفرد ~~يليق به وإن كانت الشبهة لا تعترض فيه لمحصل. ومن لم يعلم الصواب فيه ~~ابتداء من نفسه فأجدر به ألا يعرف مواقع الأدلة عليه والحجج فيه لكنا نذكره ~~هناك عل كل حال مستوفى مستقصى. فعلى ما قلناه ليس قول ابن احمر حجة لأبي ~~الطيب لأنا نقول لهما جميعا أخطأتما منهج الاستعارة وعدلتما عن الغرض ~~المختار فيها. # وأما قول القاضي: إن الفصل الذي يتخيل بين استعارة أبي الطيب للطيب قلوبا ~~واستعارة ابن أحمر للريح لبا إنما هو أن الريح لما خرجت بعصوفها عن ~~الاستقامة شبهت بالأهوج الذي لا مسكة في عقله ثم لما كان مدار الأهوج على ~~الالتياث في العقل حسن من هذا الوجه أن يجعل للريح عقلا. فلعمري أن الأمر ~~على ما ذكره وقد سهل بيت ابن أحمر بهذا التخريج الذي جرت به العادة وإن لم ~~يكن حسنا ولا محمودا لكنه أصلح من قلوب ms081 الطيب لأن تلك الاستعارة لا وجه لها ~~من عادة ولا غيرها وكذلك ما قاله في ساعد الدهر لأنه تأويل لا يستمر لأبي ~~الطيب مثله. # فأما قوله: إنما يحمل ما جاء من ألفاظ المحدثين وكلام المولدين وزائلا عن ~~السنن على وجوه تقربهم من الإصابة وتقيم لهم بعض العذر فكأنه بهذا القول ~~يخص المحدثين من المتقدمين وليس بينهم من هذا الوجه فرق # PageV01P130 # وكما يلتمس من المتأخر الحسن الصحيح كذلك يلتمس من المتقدم. # ومن عدل منهما كان التأويل له واحدا بحيث يمكن ولا يبعد ولم يقع بينهما ~~تميز فيما يوجبه النظر ويتقدمه الفحص وما أحسب أن أحدا ممن ينتسب إلى العلم ~~ويتميز بصحة الفهم يحتاج في اختيار الاستعارة إلى معرفة صاحبها وزمانه حتى ~~يكون حكمه على من تقدم مولده يخالف حكمه على من قرب عهده فلعل من يجدنا ~~نستدل بكلام العرب المتقدمين على لغتهم لا نستدل بكلام المتأخرين يتحيل أن ~~هذا شئ يرجع إلى الزمان وليس الأمر كذلك وإنما العرب الأول لما كثر الإسلام ~~واتصلت الدعوة وانتشرت حضر أكثرهم1 وسكنوا الأرياف وفارقوا البدو وخالطهم ~~الباقي فامتزج كلامهم بمن جاوروه من الأنباط وعاشروه من الأعاجم وعدم منهم ~~الطبع السليم الذي كانوا عليه قبل هذه المخالطة فهم الآن لا يحتج بكلامهم ~~لهذه العلة لا لأن القدم والحدوث سببان في الصواب والخطأ ولهذا كان الأصمعي ~~ينكر أن يقال في لغة العرب مالح فلما أنشد في ذلك شعر ذي الرمة. قال: إن ذا ~~الرمة قد بات في حوانيت البقالين بالبصرة زمانا. فأراد بذلك أن بمخالطتهم ~~سمعهم يقولون مالح فقاله فلم يجز أن يحتج بكلامه لهذا السبب ولو فرضنا ~~اليوم أن في بعض الصحارى النائية عن العمارة قوما على عادة المتقدمين في ~~البدو وترك الإلمام بأهل المدر متمسكين بطبعهم وجارين على سجيتهم كان على ~~هذا الفرض قولهم حجة واتباعهم واجبا ولهذه العلة تختلف العرب في كلامهم ~~بحسب تباينهم في المخالطة. فنجد اليوم من بعد منهم عن الحضر أكثر من غيره ~~إلى الصواب أميل ومن جانبه أقرب. # وأما قوله: ms082 إن أبا الطيب يريد أن مباشرة مفرقها شرف ومجاورته زين ومفخر ~~وأن التحاسد يقع فيه والحسرة تعظم عليه فلو كان الطيب PageV01P131 # ذا قلب لسر كما لو كانت البيض ذوات قلوب لأسفت فلم يزد على أن فسر مراد ~~أبي الطيب بقوله: إن الطيب يسر بمفرق هذه المرأة والبيض تتحسر. والمعنى ~~ظاهر فيه لا خفاء به. # وقوله: إن مراده لو كان الطيب ذا قلب لسر ليس بعذر في قوله قلوب الطيب ~~لأن بين قوله: لو كان للطيب قلب وبين قوله للطيب قلب فرقا ظاهرا لا يخفى ~~على أحد لأن أحدهما قد جعله واجبا والآخر ممتنعا ليس فيه أكثر من الفرض ~~الذي يعلم من فحوى اللفظ انه لم يقع وليس يخفى على متأمل أن بين قول ~~البحتري: # فلو أن مشتاقا تكلف غير ما ... في طبعه لمشى إليه المنبر1 # وبينه لو كان قال: إن المنبر مشى إليك ميزة بينة ظاهرة. وهذا أمر لا ~~يستمر في مثله شبهة فيحتاج إلى الإسهاب في إيضاحه. وأما قوله: إنه جعل ~~للزمان فؤادا ملأته هذه الهمة على مقابلة اللفظ باللفظ لما افتتح البيت ~~بقوله: # تجمعت في فؤاده همم # فليس بمعتمد لأن مقابلة اللفظ باللفظ على ما أراده مجاز والمجاز لا يقاس ~~عليه وليس يحسن بنا أن نقابل اللفظ باللفظ في كل موضع من الكلام قياسا على ~~مقابلة اللفظ باللفظ في قوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} 2 كما لا يجوز ~~منا أن نحذف المضاف ونقيم المضاف إليه مقامه أبدا اتباعا لقوله عز اسمه: ~~{واسأل القرية التي كنا فيها} 3 والمراد أهل القرية حتى نقول ضربت زيدا ~~ونريد غلام زيد والعلة في الجميع PageV01P132 # واحدة وهو أن المجاز لا يقاس عليه وإنما يحذف المضاف ويقام المضاف إليه ~~مقامه في موضع دون موضع بحسب ما يتفق من فهم المقصود وزوال اللبس والأشكال ~~وكذلك نقابل بعض الكلام ببعض بحيث لا يعرض فيه فساد في المعنى ولا خلل في ~~العبارة فإذا اعترضنا في المقابلة مثل هذه الاستعارة لم نجزها كما إذا تطرق ~~إلينا في ms083 حذف المضاف وجود اللبس لم نركن إليه ولا نعرج عليه. # وأما قوله: إنه أراد أن يقول أحداها تشغل الزمان وأهله فترخص بأن جعل له ~~فؤاد وأعانه على ذلك أن الهمة لا تحل إلا الفؤاد وسهلة ما تقدم من تسامح ~~الشعراء في نعوت الدهر وتوسعهم في استعارة الأوصاف فليس هذا القول بحجة لأن ~~الشعراء إذا تسمحوا وأبعدوا في الاستعارة نسبوا إلى ما نسب إليه أو الطيب ~~من الخطأ والعدول عن الوجه في الكلام وليس يعذر لهم كما لا يحتج لهم به ~~وكلهم في هذا الباب شرع واحد. # وقوله فيما بعد: إن أبا تمام قال: # يا دهر قوم من أخدعيك فقد # لما رآهم قد استجازوا أن ينسبوا إليه الجور والميل وقالوا قد أعرض عنا ~~وأقبل على فلان وجفانا والميل والأعراض إنما يكون بانحراف الأخدع وازورار ~~المنكب كلام لا يغنى عن أبي تمام شيئا لأنا قد ذكرنا أن الاستعارة إذا بنيت ~~على استعارة قبحت وبعدت والواجب أن تكون لها حقيقة ترجع إليها بلا واسطة ~~وإذا كان الأمر على هذا وكان قولهم عن الدهر قد أعرض عنا وأقبل على فلان ~~استعارة ومجازا بغير شك ولم يحسن أن يجريه مجرى الحقيقة ونبنى عليه أمرا ~~بعيدا حتى نجعل للدهر أخدعا لأجل قولهم إنه قد عرض عنا وانحرف. # ويقال للقاضي أبي الحسن: هل تجيز: هي تجيز لبعض المحدثين أن يبنى استعارة # PageV01P133 # أخرى على الأخدع في الدهر لأن أبا تمام قد استعمل ذلك ويبنى غيره على قول ~~هذا المحدث استعارة أخرى بعيدة ويؤول هذا إلى ما لا نهاية له حتى يفسد ~~الكلام وتختل العبارة ويذهب التمييز في الوجوه المحمودة والذميمة فإن أجاز ~~ذلك بأن فساد قوله لكافة العقلاء وأن امتنع منه وقال لا بد للاستعارة من ~~حقيقة يرجع إليها ويكون بينهما شبه ظاهر وتعلق وكيد قيل له: فبهذا نخاطبك ~~وله قطعنا على قبح استعارة أبي تمام للدهر أخدعا فاعرض الآن عن هذا التعليل ~~منك بالباطل جانبا فإنه غير لائق بك وبمن يجرى مجراك من أهل العلم بهذه ~~الصناعة ms084 ثم ما الفرق بينك فيما ذكرته وبين من عذر القائل: # باض الهوى في فؤادي ... وفرخ التذكار # وقال: لما كانت العادة جارية في الهوى أن يقال حل في الفؤاد وأقام وليس ~~بزائل ولا ذاهب وكان الطائر ذو البيض أو الفراخ شديد المقام على وكره ~~والألف له والحنين إليه ترخص بان استعار للهوى باض وللتذكار فرخ كناية عن ~~مقامهما وثباتهما في فؤاد وتشبيها بما ذكرناه من حال الطائر فإن ادعى صحة ~~هذا التخريج وألحقه بما ذكره في بيت أبي تمام وجب الإمساك عنه وإن أفصح ~~بخلافة للعلة التي بيناها فهي موجودة في الأبيات التي ذكرها على أنه قال في ~~آخر كلامه: إن هذه أمور لا تحمل على التحقيق ولا يتبع فيها الرخص ثم حملها ~~على أشد الرخص إحالة وفسادا. # ومن التوسط الذي حمده وأشار إليه أن لا يتعدى في الاستعارة حدها ولا يعدل ~~بها عن منهجها. # فأما قول أبي الطيب: # وقد ذقت حلواء البنين على الصبا ... فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل1 ~~PageV01P134 # فقد كان الصاحب كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن عباد أنكره على أبي ~~الطيب وذكره في جملة المساوي من شعره والأمر فيه على ما قاله وهو من رديء ~~الاستعارة وأرى أن الزائد في قبحه قوله حلواء لأن المستعمل في هذا الفن ~~حلاوة وتلك اللغة في العرف مفردة لأمر آخر حقيقي هي غير مستعارة فيه. # وأما قول أبي تمام: # وكم أحرزت منكم على قبح قدها ... صروف النوى من مرهف حسن القد # فإن استعارة القد لصروف النوى من أبعد ما يقع في هذا الباب وأقبحه وإنما ~~يقود أبا تمام إلى هذا وأمثاله رغبته في الصنعة حتى كأنه يعتقد أن الحسن في ~~الشعر مقصور عليها فيورد منه لأجل التكليف ما لا غاية لقبحه ويسعده الخاطر ~~في بعض المواضع فيأتي بالعجائب الغرائب. ومن مختار الاستعارة قول الشريف ~~الرضي: # وما نطفة مشمولة في مجمة ... وعاها صفا من آمن الطود فارع # من البيض لولا بردها قلت دمعة ... مرنقة ما أسلمتها المدامع1 # لأنه استعار لأعلى الجبل ms085 الأمن عبارة عن الارتفاع وتعذر الوصول إليه وهذا ~~لائق محمود في الصناعة ومعلوم عند أهلها وما زلت أسمع أبا العلاء يقول: إن ~~من الشعر ما يصل إلى غاية لا يمكن تجاوزها وهذا البيت عندي من ذلك القبيل ~~حسنا وصحة نسج وعذوبة لفظ. # وللسري الموصلي أبيات مرضية في معناها وهي: PageV01P135 # أقول لحنان العشى المغرد ... يهز صفيح البارق المتوقد # تبسم عن ري البلاد حبيه ... ولم يبتسم إلا لإيجاز موعد # ثم بعدها أبيات: # وياديرها الشرقي لا زال رائح ... يحل عقود المزن فيك ويغتدى # عليلة أنفاس الرياح كأنما ... يعل بماء الورد نرجسها الندى # يشق جيوب الورد في شجراته ... نسيم متى ينظر إلى الماء يبرد # وفي هذه الأبيات استعارات عدة كل منها مختار: أما حنان العشي مغرد فمعروف ~~والعادة جارية باستعارة الحنين والتغريد: للغيث لأن له صوتا على كل حال. ~~وكذلك صفيح البارق وأشبه شئ بالبرق لمع السيوف والتبسم فيه أيضا ظاهر لضوء ~~برقه في خلاله وعقود المزن لائقة لتشبيه القطرات من الماء والدمع بالعقد ~~إذا وهي من سلكه وأنفاس الرياح تكاد تكون حقيقة لوضوحه واستعمال العلة فيها ~~كناية عن الضعف والخفوت وقلة الحركة على وجه التشبيه بالمريض وجيوب الورد ~~مختار لأن النسيم إذا أظهره من أكمامه ونشره عن طيه بعد ذلك كان بمنزلة ~~الجيوب التي تشق وعبارته عن سرعة برد الماء بالنسيم إنه متى نظر إليه برد ~~مرضية لأن النظر ليس هو الرؤية وإنما هو ضرب من المقابلة والمواجهة تقع ~~الرؤية بعده ومثل هذا في النسيم موجود ولائق غير بعيد. # وأنا أختار أيضا قول الأمير أبي الحسن على بن مقلد بن منقذ: # لا يحفظون سوى أسمال زادهم ... ولا يضيعون إلا حرمة الجار # لأن الأسمال الأخلاق1 وإذا استعيرت لبقية الزاد وفضلته كانت من ~~PageV01P136 # أحسن شئ وأليقه وأقربه إلى الحقيقة والجامع بينهما أن كلا منهما غبر ~~وعقابيل قد أنهجت جدته وذهب أكثره وهو معرض للنبذ وهو منسوب إلى الاطراح ~~والرفض وهذه وجوه ظاهرة تحمل الاستعارة عليها. # وأما قول أبي عبادة البحتري: # وكنت إذا استبطأت ودك زرته ms086 ... بتفويف شعر كالرداء المحبر # عتاب بأطراف القوافي كأنه ... طعان بأطراف القنا المتكسر # فلعمري أن هذه المقابلة الصحيحة لأن للقوافي طرفا بلا شك وأولا ووسطا ~~وآخرا فإن كان أبو عبادة لا يريد طرف القافية الحقيقي وإنما مقصوده أنى ~~ألوح بالعتاب في القصائد ولا أصرح به فهو يفهم من معاريضها وملاحنها وحيا ~~وعلى وجه الإيماء والاشارة وهي غير مقصورة عليه ولا مفردة لذكره فبهذا أيضا ~~جرت العادة في استعمال الطرف. وإذا قال القائل تلوحت من أطراف كلام فلان ~~كذا وكذا فإنما هذا المعنى يريد وله يعنى والبحتري على كل حال محسن: وأما ~~تفويف شعر فإن النظم إذا كان نسجا وصف بالصقال والرقة وكثرة الماء والهلهلة ~~والمتانة وغير ذلك مما يستعمل في الثياب المنسوجة من النعوت المحمودة ~~والمذمومة كان التفويف فيه جاريا هذا المجرى ومعدودا من هذا القبيل. # وأما قول الرضى: # ملك سماحتي تحلق في العلا ... وأذل عرنين الزمان السامي1 # فليس عرنين الزمان من الاستعارة الجيدة وإنما بناه على ذكر الأنف الحقيقي ~~عند وصف صاحبه بالذل وقد وردت استعارة الأنف في مثل هذا الموضع وكلاهما ~~قبيح قال تأبط شرا: PageV01P137 # نحز رقابهم حتى صدعنا ... وأنف الموت منخره رثيم # فجعل للموت أنفا ومنخر رثيما من قولهم: - رثمت أنف الرجل فهو رثيم - إذا ~~ضربته فدمى. # وقال ذو الرمة: # يعز ضعاف القوم عزة نفسه ... ويقطع أنف الكبرياء من الكبر # فاستعار للكبرياء أنفا أو لعله أراد أنف صاحب الكبرياء وحذف المضاف وأقام ~~المضاف إليه مقامه. وقال معقل بن خويلد الهذلي: # تخاصم قوما لا تلقى جوابهم ... وقد أخذت من أنف لحيتك اليد # يريد قبضت على طرف لحيتك كما يفعل المهموم فجعل للحية أنفا: وقال أبو ~~العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان فيما قرأته عليه: # إذا ذن أنف البرد سرتم فليته ... عقيب التنائي كان عوقب بالجدع1 # وقال أيضا: # للطيب في منزلها سورة ... مناخر البدر بها تفغم2 # فاستعار للبرد أنفا وللبدر مناخر وقال سلم الخاسر: # لولا المقادير ما حط الزمان به ... لكن تولى بأنف كلمه دام # فجعل للزمان أنفا داميا. ms087 وقال الحسين بن مطير: # فلما مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا ~~PageV01P138 # وكل هذا من الاستعارة البعيدة الذميمة وقد حمل بعض المفسرين قول ذي ~~الرمة: أنف الكبرياء على أنه أراد أوله والمقدم منه كما قال امرؤ القيس: # قد غدا يحملني في أنفه ... لا حق الإطلين محبوك ممر1 # أي في أول جرية أو في أول الغيث الذي ذكره قبل هذا البيت وهذا التأويل ~~على بعده ليس يسوغ في جميع الأبيات المذكورة لأن المعنى فيها مبنى على ~~الأنف الذي هو العضو. # ومن الاستعارة المحمودة التي كأنها حقيقة قول شيخنا أبي العلاء: # وكأن حبك قال حظك في السري ... فالطم بأيدي العيس وجه السبسب # وهذا من قربه لو قيل إنه حقيقي غير مستعار جاز ذلك وإن كان على محض ~~الاستعارة أحسن وأحمد فأما قوله: # ولما ضربنا قونس الليل من عل ... تفرى بنضخ الزعفران أو الردع2 # فإن قونس الليل ليس بمرضى على أن ذا الرمة قد أتى بمثله في قوله: # تيممن يا فوخ الدجى فصدعنه ... وجوز الفلا صدع السيوف القواطع3 # وإن كان يا فوخ الدجى أقبح وأشنع لكن هذا عندنا ليس بعذر وما PageV01P139 # يتوجه على أحدهما إلا ما يتوجه على الآخر. # وما زال العلماء بالشعر ينكرون هذه الاستعارة على ذي الرمة ويعتدونها من ~~اساآته وقد تجاوز الشريف الرضى في بعض المواضع ذكر الرأس لليل إلى أن جعل ~~له مخا وعظما فقال: # ليالي أسرى في أصيحاب لذة ... ومخ الدجى رار وقد دق عظمه1 # وهو من أردأ ما يكون في هذا الباب وأشنعه. # وما زال الناس ينكرون قول أبي تمام: # لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماس بكائي # ويحكون الحكاية المعروفة عن سائل سأل أبا تمام أن ينفذ له في إناء شيئا ~~من ماء الملام وربما نسبها بعض الرواة إلى عبد الصمد بن المعذل. وقد تصرف ~~أصحاب أبي تمام في التأويل له فقال بعضهم إن أبا تمام أبكاه الملام وهو ~~يبكى على الحقيقة فتلك الدموع هي ماء الملام وهذا الاعتذار فاسد لأن أبا ms088 ~~تمام قال: - قد استعذبت ماء بكائي - وإذا كان ماء الملام هو ماء بكائه فكيف ~~يكون مستعفيا منه مستعذبا له. # وقال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي 2: كيف يعاب أبو تمام إذا قال ماء ~~الملام وهم يقولون كلام كثير الماء وقال يونس بن حبيب في تقديم الأخطل. ~~لأنه أكثرهم ماء شعر ويقولون ماء الصبابة وماء الهوى يريدون الدمع. وقال ذو ~~الرمة: # أأن توهمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم3 PageV01P140 # وقال أيضا: # أدارا بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهواء يرفض أو يترقرق # وقالوا: ماء الشباب. قال أبو العتاهية: # ظبى عليه من الملاحة حلة ... ماء الشباب يجول في وجناته # وهو من قول عمر بن أبي ربيعة: # وهي مكنونة تحير منها ... في أديم الخدين ماء الشباب # فما يكون إذا استعار أبو تمام من هذا كله حرفا فجاء به في صدر بيته لما ~~قال في آخره - إنني صب قد استعذبت ماء بكائي - قال في أوله: لا تسقني ماء ~~الملام وقد تحمل العرب اللفظ على اللفظ فيما لا يستوي معناه. قال الله جل ~~وعز: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} 1 فالسيئة الثانية ليست بسيئة لأنها مجازاة ~~ولكنه لما قال وجزاء سيئة سيئة حمل اللفظ على اللفظ وكذلك: {ومكروا ومكر ~~الله والله خير الماكرين} 2إنما حمل اللفظ على اللفظ فخرج الانتقام بلفظ ~~الذنب لن الله عز وجل لا يمكر. وكذلك: {فبشرهم بعذاب أليم} 3 لا قال فبشر ~~هؤلاء بالجنة قال: وبشر هؤلاء بالعذاب والبشارة إنما تكون في الخير لا في ~~الشر. # هذه جملة ما قاله أبو بكر وهي غير لائقة بمثله من أهل العلم بالشعر لأن ~~قولهم كلام كثير الماء وماء الشباب وقول يونس إن الأخطل أكثرهم ماء شعر ~~إنما المراد به الرونق كما يقال ثوب له ماء ويقصد بذلك رونقه ولا يحسن أن ~~يقال ما شربت أعذب من ماء هذا PageV01P141 # الثوب كما لا يحمل أن يقال ما شربت أعذب من ماء هذه القصيدة لأن هذا ~~القول مخصوص بحقيقة الماء لا بماء هو مستعار له وأبو ms089 تمام بقوله: لا تسقني ~~ما الملام ذاهب عن الوجه على كل حال ثم لا يجوز أن يريد هنا بالماء الرونق ~~لأن الملام لا يوصف بذلك وإنما يذم ويستقبح ولا يحمد ويستحسن وأبو تمام ~~القائل: # عذلا شبيها بالجنون كأنما ... قرأت به الورهاء شطر كتاب1 # فبهذا وأمثاله ينعت الملام لا بالماء الذي هو الرونق والطلاوة فقد بان ~~فساد هذا الاعتذار من هذا النحو. # وأما ماء الصبابة وماء الهوى فقد بين أبو بكر أنهم يريدون به الدمع فكيف ~~يقول إنه استعارة والدمع ماء حقيقي بلا خلاف وعلى أي وجه يحمل ماء الملام ~~في الاستعارة على ماء الدمع وهو حقيقة؟ # وأما مقابلة اللفظ باللفظ واستشهاده بالآيات المذكورة فقد ذكرنا الكلام ~~عليه فيما تقدم وبينا أن هذا مجاز ولا يقاس عليه ولا يحسن منا المقابلة في ~~موضع يعترضنا فيه فساد في المعنى أو خلفي اللفظ كهذه الاستعارة أو ما يجرى ~~مجراها كما لا يحسن بنا غير ذلك في المجاز إذا أدى إلى اللبس والإشكال. # وقال أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي2: ليس قول أبي تمام لا تسقني ماء ~~الملام بعيب عندي لأنه لما أراد أن يقول قد استعذبت ماء بكائي جعل للملام ~~ماء ليقابل ماء بماء وإن لم يكن للملام ماء على PageV01P142 # الحقيقة فإن الله جل اسمه يقول: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} 1 ومعلوم أن ~~الثانية ليست بسيئة وإنما هي جزاء على السيئة وكذلك: {إن تسخروا منا فإنا ~~نسخر منكم} 2 والفعل الثاني ليس بسخرية ومثل هذا في الشعر والكلام كثير ~~ومستعمل فلما كان في مجرى العادة أن يقول القائل: أغلظت لفلان القول وجرعته ~~منه كأسا مرة أو سقيته منه أمر من العلقم وكان الملام مما يستعمل فيه ~~التجرع جعل له ماء على الاستعارة وهذا كثير موجود. # وهذا الذي قاله أبو القاسم عن المقابلة قد ذكرناه فلا وجه لإعادة الكلام ~~عليه وأما اعتذاره بأن العادة جارية أن يقال: جرعته من القول كأسا مرة فلما ~~استعمل في الملام التجرع على الاستعارة جعل له ماء على الاستعارة ms090 فلعمري أن ~~هذا أقرب ما يعتذر به لأبي تمام في هذا البيت وأولى من جميع ما قد ذكر لما ~~قدمناه من فساد التعلق بذلك لكنا قدمنا أن الاستعارة إذا بنيت على استعارة ~~بعدت وإن اعتبر فيها القرب فماء الملام ليس بقريب وإن لم يعتبر فيها لم ~~ينحصر وبنى على كل استعارة استعارة وأدى ذلك إلى الاستحالة والفساد على ما ~~قدمناه. # وليس هذا البيت عندي بمحمود ولا من أقبح ما يكون في هذا الباب بعد قول ~~أبي تمام: # لها بين أبواب الملوك مزامر ... من الذكر لم تنفخ ولا هي تزهر # وقوله: # إلى ملك في أيكة المجد لم يزل ... على كبد المعروف من نيله برد # وقوله: PageV01P143 # وتقسم الناس السخاء مجزأ ... وذهبت أنت برأسه وسنامه # وتركت للناس الإهاب وما بقي ... من فرثه وعروقه وعظامه # فانظر كيف جعل للذكر مزامر لم تنفخ وللمعروف كبدا تبرد ولم يقنع بأن ~~استعار للسخاء رأسا وسناما وإهابا وعظاما وعروقا حتى جعل له فرثا. وتعالى ~~الله كيف يذهب هذا على من يقول: # أخرجتموه بكره من سجيته ... والنار قد تنتضى من ناضر السلم1 # ويقول: # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود # لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود # لكن أعوز الكمال واستولى الخلل على هذه الطباع فالمحمود من كانت سيئاته ~~مغمورة بحسناته وخطأه يسيرا في جانب صوابه. # وقد قدمنا فيما مضى من هذا الكتاب أننا لم نذكر هذه الأبيات الذميمة ~~وغرضنا الطعن على ناظمها وإنما قادتنا الحاجة في التمثيل إلى ذكر الجيد ~~والردئ والفاسد والصحيح على ما ذكرناه سالفا ومعاذ الله أن يخرجنا بغض ~~التقليد وحب النظر من الطرف المذموم في الإتباع والانقياد إلى الجانب الآخر ~~في التسرع إلى نقص الفضلاء والتشييد لما لعله اشتبه على بعض العلماء ~~والرغبة في الخلاف لهم وإيثار الطعن عليهم بل نتوسط إن شاء الله بين هاتين ~~المنزلتين فننظر في أقوالهم ونتأمل المأثور عنهم ونسلط عليه صافي الذهن ~~ونرهف له ماضي الفكر فما وجدناه موافقا للبرهان وسليما على ms091 السبر اعترفنا ~~بفضيلة السبق فيه وأقررنا لهم بحسن النهج لسبيله. # وما خالف ذلك وباينه اجتهدنا في تأويله وإقامة المعاذير فيه. PageV01P144 # وحملناه على أحسن وجوهه وأجمل سبله وإيجابا لحقهم الذي لا ينكر وإذعانا ~~لفضلهم الذي لا يجحد وعلما أنهم لم يؤتوا من ضلالة ولا كلال ذهن وفطنة ولكن ~~لاستمرار هذه القضية في المحدثين وعمومها أكثر المخلوقين ومن الله نستمد ~~التوفيق والمعونة برحمته. # فهذه الجملة تكشف لك عن نهج الاستعارة وتوضح كيف تقع الألفاظ موقعها في ~~المجاز. # فأما الحقيقة فلا نحتاج فيها إلى مثال لأن أكثر الكلام على ذلك ولكن ها ~~هنا ألفاظ قد وضعت في غير موضعها ليس على وجه الاستعارة ولا الحقيقة فإنا ~~أذكر لك منها ما تجعله دليلا على الباقي وتعتبر في الكلام الذي تؤثر معرفة ~~حظه من الفصاحة أن يكون خاليا من مثل تلك الألفاظ بل كل كلمة منه موضوعة في ~~موضعها اللائق بها إما حقيقة أو على وجه المجاز السائغ المختار الذي نبهتك ~~على علمه. فمن تلك الألفاظ قول أبي تمام: # سعى فاستنزل الشرف اقتسارا ... ولولا السعي لم تكن المساعي # فإن استنزال الشرف ليس بحقيقة فيه ولا على وجه الاستعارة الصحيحة لأن ~~الشرف إذا حط وأنزل فقد وصف بما لا يليق به من الاذالة والخفض والمحمود في ~~هذا أن يقال رفعت منار الشرف وشيدته فهو سام على الكواكب وعال عن درجة ~~الأفلاك فأما استنزلته فلا يحسن في هذا الموضع البتة وقد كان يمكنه أن يعبر ~~عن نيله الشرف ووصوله إليه بغير استنزاله. فإن الرجل الشريف الآباء لو ذم ~~لكان أبلغ ما يذم به أن يقال حططت شرفك ووضعت منه وما يجرى هذا المجرى. ~~فهذا هو وضع الألفاظ في غير الموضع الذي يليق بها. # ومن ذلك أيضا قول أبي تمام: # جذبت نداه غدوة السبت جذبة ... فخر صريعا بين أيدي القصائد # PageV01P145 # لأن هذا الموضع لا يليق به جذبت والممدوح يوصف بأنه أعطى طوعا واختيارا ~~وحبا للكرم وصبابة إلى الإحسان. وإذا جذب الندى حتى يخر صريعا فليس من ~~الطوع بشيء ms092 إنما ذلك لفظ القسر والغلبة والجبر وهذا لا يكون مدحا إنما هو ~~صريح الهجو ومحضه. # ومن هذا الفن أيضا قوله: # ضعفت جوانح من أذاقته النوى ... طعم الفراق فذم طعم العلقم # لأن دعاءه على من ذم طعم العلقم بالإضافة إلى طعم الفراق بضعف الجوانح ~~كلام موضوع في غير موضعه وذكر الحواس التي يضاف إليها الذوق في هذا الموضع ~~أليق فأما الجوانح فلا معنى لها وقوله: ضعفت كلام ضعيف ها هنا. # فعلى هذا النحو يكون وضع الألفاظ في غير موضعها على الوجه الذي لا يوافق ~~الاستعارة وحقيقتها فتأمله وقس غيره عليه فإنك تجده في الكلام كثيرا. # ومن وضع الألفاظ موضعها أن لا تقع الكلمة حشوا وأصل الحشو أن يكون المقصد ~~بها إصلاح الوزن أو تناسب القوافي وحرف الروي إن كان الكلام منظوما وقصد ~~السجع وتأليف الفصول إن كان منثورا من غير معنى تفيده أكثر من ذلك وهذا ~~الباب يحتاج إلى شرح وبيان وتفصيله أن كل كلمة وقعت هذا الموقع من التأليف ~~فلا تخلو من قسمين إما أن تكون أثرت في الكلام تأثيرا لولاها لم يكن يؤثر ~~أو لم تؤثر بل دخولها فيه كخروجها منه وإذا كانت مؤثرة فهي على ضربين ~~أحدهما أن تفيد فائدة مختارة يزداد بها الكلام حسنا وطلاوة والآخر أن تؤثر ~~في الكلام نقصا وفي المعنى فسادا. # والقسمان مذمومان والآخر هو المحمود وهو # PageV01P146 # أن تفيد فائدة مختارة ولكل من ذلك مثال فمثال الكلمة التي تقع حشوا وتفيد ~~معني حسنا قول أبي الطيب: # وتحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا # لأن حاشاك ها هنا لفظة لم تدخل إلا لكمال الوزن لأنك إذا قلت احتقار مجرب ~~يرى كل ما فيها فانيا كان كلاما صحيحا مستقيما فقد أفادت مع إصلاح الوزن ~~دعاء حسنا للممدوح في موضعه. ومثله قول أبي محلم: 1 # إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # لأن وبلغتها تجرى مجرى وحاشاك في الفائدة ولو ألغيت من البيت لصح المعنى ~~دونها على حد ما قلناه في البيت الأول ms093 وليس يخفى على المتأمل حسن المقصود ~~بحاشاك وبلغتها في هذين الموضعين. # وكذلك أيضا قول أبي الطيب: # نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد # لأن قوله لهنئت الدنيا بمنزلة الحشو إذ كان المعنى يتم من دونه ولو استوى ~~له أن يقول نهبت من الأعمار ما لو حويته لخلدت في الدنيا لكان المعنى ~~مستقيما لكنه لما احتاج إلى ألفاظ يصح بها الوزن جاء بقوله لهنئت الدنيا ~~فأنى بزيادة من المدح وفضلة من التقريظ والوصف لإخفاء بحسن موقعها فهذا وما ~~أشبهه هو الحشو المحمود المختار. # وقد زل في هذا الموضع أبو هاشم عبد السلام بن محمد فالحق الحشو الجيد ~~بالرديء وقال في المسائل البغداديات في مسألة ذكرها في إيجاز PageV01P147 # القرآن أن الشاعر إذا احتاج إلى الوزن ذكر ما لا يحتاج إليه في الكلام ~~المنثور ألا ترى إلى قول امرئ القيس: # ورضت فذلت صعبة أي إذلال1 # ولو كان في الكلام لكان يقول: ورضيت فذلت أي إذلال لو شاء ولو شاء لقال ~~ورضت فذلت صعبة فقد بان أنهم ربما ذكروا المصادر والظروف ليتم الوزن هذا في ~~الشعر الرصين. # ولهذا ما قال الأعشى: # فأصبحت حبة قلبها وطحالها # ولولا الوزن لاكتفى بقوله: فأصبت حبة قلبها وهذا كلام بعيد من الصواب لأن ~~صعبة من بيت امرئ القيس وقوله أي إذلال حشو مختار حسن يقصد في المنثور مثله ~~الحذاق بتأليفه لأنه لو قال ورضت فذلت لم يكن في الكلام دليل على أن هناك ~~صعوبة ولا ثم تمنعا وبقوله: صعبة قد حصل هذا وهو مقصود في الغرض لا يخيل ~~على عاقل في هذا الموصوف وفي تأليف الكلام لا يخفى على من له أدنى علم بهذه ~~الصناعة ثم في قوله بعد: أي إذلال وصف حسن لذلها ليس يستفاد من الأول لموقع ~~التعجب فيه والوصف وليس هذا الموضع مما يقصر في فهمه أحد من المتوسطين في ~~هذا العلم. وأبو هاشم وإن كان العالم المتقدم في صناعة الكلام فليس معرفته ~~بالجواهر والأعراض وكلامه في العدل والألطاف مما يفيده العلم بصناعة ms094 نقد ~~الكلام المؤلف وفهم النظم والنثر كما أن من المتقدمين في هذا العلم من يجهل ~~أول ما يجب على العاقل فضلا عما تجاوزه ونعوذ بالله من تعاطي ما لا نحسنه ~~ونسأله التوفيق والعصمة فيما نقوله ونفعله. # فأما بيت الأعشى فالأمر فيه على ما وقع لأبي هاشم PageV01P148 # وهو من أقبح الحشو ولا مناسبة بينه وبين بيت امرئ القيس في حال من ~~الأحوال ومما تزدادج به عجبا أن على بن عيسى الرماني نقض على أبي هاشم ~~مسائله هذه بكتاب معروف قصره على نقضها واعتمد فيه المناقشة وترك المسامحة ~~في كل لفظة من ألفاظ أبي هاشم فلما وصل إلى هذه المسألة ونقضها لم يعرض ~~لهذا الموضع الذي ذكرناه بل ظهر من كلامه أنه موافق فيه مسلم له. ولا نعلم ~~السبب الموجب لخفاء مثله على أبي الحسن مع مكانه المشهور من الأدب. # وأما مثال الكلمة التي تقع حشوا وتؤثر في المعنى نقصا وفي الغرض فسادا ~~فكقول أبي الطيب يمدح كافورا: # ترعرع الملك الأستاذ مكتهلا ... قبل اكتهال أديبا قبل تأديب # لأن قوله: الأستاذ بعد الملك نقص له كبير وبين تسميته له بالملك والأستاذ ~~فرق واضح فالأستاذ قد وقع ها هنا حشوا ونقص به المعنى إذ كان الغرض في ~~المدح تفخيم أحوال الممدوح وتعظيم شأنه لا تحقيره وتصغير أمره وقد رأيت في ~~أخبار كافور الأخشيدي ما يقيم عذر أبي الطيب في هذا ويزيل عنه بعض اللوم ~~وذلك أنه روى أن كافورا لما غلب على ولد الأخشيد فاستبد بالأمور دونهم لم ~~يخرج بذلك عن حد المدبر إلى المالك ولم يقم له على منبر دعوة ولا نقش باسمه ~~سكة ولا اختار أن يخاطب إلا بالأستاذ فلم يسم في مدة أيامه بالأمير ولا ~~بغيره مما يخاطب به من جرى مجراه. فإذا كان الأمر على هذا - ولا شك في صحته ~~- فإن الأستاذ صار له بمنزلة اللقب الذي لا يجوز تغييره فإذا علم منه ~~الشعراء حب المخاطبة بهذه التسمية نظموا ذلك في مديحهم فكأن أبا الطيب ذكر ~~الأستاذ بعد الملك علما ms095 منه بغرض كافور فأما تمثيلنا نحن بهذا البيت فصحيح ~~وفي حكم النظم والنثر أن لا تذكر هذه الكلمة بعد كلمة هي # PageV01P149 # أشرف منها بدرجة عالية. فإن زعم زاعم: أن أبا الطيب قصد بقوله الأستاذ ~~تقريع كافور بذلك بأنه خصي ونقصه كما كان يقصد ذلك بذكر سواده فإن هذه ~~اللفظة أعني الأستاذ قد صارت في العرف مختصة بذلك وقد قال أبو الطيب كان ~~كافور الأخشيدي يشق عليه أن يعرض له بالسواد فكنت أعتمد معه في كل قصيدة ~~ذكر سواده حتى قلت فيه: بشمس منيرة سوداء 1. وقلت: # سوابق خيل يهتدين بأدهم2. # وغير ذلك مما هو موجود في المديح لكافور فلعمري أن هذا القول مروى عن أبي ~~الطيب لكنا إذا تكلمنا على المديح وما يجب أن يكون مبنيا عليه من التعظيم ~~للمدوح لم نعرج على ما يقصده المادح من منافاة هذا الغرض إذ كان هذا بخلاف ~~ما هو بصدده وقاصده وليس يكون فيه أكثر من عذر المادح وأنه لم يخف عنه ما ~~يجب عليه وإنما قصده وتعمده فأما أن يكون ذلك سببا لصحة الكلام في نفسه فلا ~~ونحن إنما نتكلم على ذلك. # فأما قول أبي الطيب أيضا: # فلا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب # فإن الندى ها هنا حشو يفسد المعنى وذلك أن مقصوده أن الدنيا لا فضل فيها ~~للشجاعة والصبر لولا الموت لأن الشجاعة إذا علم أن يخلد فأس فضل لشجاعته ~~وكذلك الصابر فأما الندى فمخالف لذلك لأن الإنسان إذا علم أنه يموت هان ~~عليه بذل ماله وكذلك يقول إذا عوتب PageV01P150 # في بذله كيف لا أبذل ما لا أبقى له ومن أين أثق بالتمتع بهذا المال ~~والأمر في هذا ظاهر قال طرفة: # فإن كنت لا أسطيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بما ملكت يدي # وقال مهيار بن مرزويه: # وكل إن أكلت وأطعم أخاك ... فلا الزاد يبقى ولا الآكل # وأما إذا كان الإنسان خالدا في الدنيا ثم جاد بماله فلعمري أن كرمه يكون ~~أفضل وبذله لماله أشد والأمر في ذلك مخالف ms096 لحكم الشجاعة بغير شك لأن تلك ~~لولا الموت لم تحمد والندى بالضد وإذا كان الأمر على هذا كان قوله والندى ~~حشوا يفسد المعنى وقد قال الشريف المرتضى علم الهدى رضي الله عنه أن المراد ~~بالندى في البيت بذل النفس لا بذل المال كما قال مسلم بن الوليد: # يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود # قال: وإذا جاز أن يسمى بدل النفس جولا جاز أن يسميه ندى أيضا وكرما وسخآء ~~وهذا الذي ذكره رحمه الله أقصى ما يجوز أن يتأول به ولا يحمل قول الشاعر ~~على الفساد وإما إذا عدنا إلى التحقيق علمنا أن لفظ الندى المطلق لا يفيد ~~إلا بذل المال والكرم ولا يكاد يستعمل في بذل النفس وإن استعمل فعلى وجه ~~الإضافة فأما مع الإطلاق فلا يفيد ذلك ثم إذا سوغنا ما ذهب إليه على بعده ~~كان لفظ الندى حشوا لأن الشجاعة قد أغنت عنه فيمكن حمل هذا البيت على الحشو ~~الذي يحيل به المعنى على ما ذكرناه من تأويله الظاهر وعلى الحشو الذي يكون ~~غير مؤثر في الكلام على خرجه الشريف رحمه الله وتأويله. # وأما الكلمة التي تقع حشوا غير مؤثرة فأمثلتها كثيرة موجودة في النظم ~~والنثر ومنها قول أبي تمام: # PageV01P151 # جذبت نداه غدوة السبت جذبة ... فخر صريعا بين أيدي القصائد # لأن قوله: غدوة السبت حشو لا يحتاج إليه ولا تقع فائدة بذكره ومن ذا الذي ~~يؤثر أن يعلم اليوم الذي أعطى الممدوح فيه أبا تمام ما أعطاه وأي فرق بين ~~أن يقع عطاؤه في يوم السبت أو الأحد أو غيرهما من الأيام وما بقي عليه شئ ~~إلا أن يخبر بتاريخ: لك الوقت وموقع ذلك اليوم من الشهر. # فمثل هذا وأشباهه الحشو الذي يقع ولا تعرض في ذكره فائدة إلا ليصح الوزن ~~وهو عيب فاحش في هذه الصناعة وما أكثر ما تستعمل أمسى وأصبح وأخواتها في ~~هذا الموضع من الحشو ويجب أن تعتبر ذلك بأن تنظر الفائدة فيه فإن كان الأمر ~~الذي ذكر أنه ms097 أصبح فيه لم يكن أحسن فيه. فالفائدة حاصلة. وإن كان الأمر ~~بخلاف ذلك فهو حشو لا يحتاج إليه فاعتبار الفائدة فيه هو الأصل الذي يرجع ~~إليه ويعول على النظر من جهته. ومثال ذلك أن يقال: أصبحنا مغيرين على بني ~~فلان فإن موقع أصبحنا في هذا الموضع موقع صحيح لأنهم لم يكونوا أغاروا ~~عليهم في وقت المساء. ومثل ذلك قوله تبارك وتعالى: {فأصبحوا في ديارهم ~~جاثمين} 1 لأن الأمر لم يطرقهم إلا ليلا فأما لو قال قائل: أصبح العسل حلوا ~~لكان قوله: أصبح حشوا لأنه قد أمسى كذلك ويدل على صحة هذا واعتبار العلماء ~~له ما ذكره أبو الحسن على بن عيسى الرماني في كتابه المعروف بالجامع في علم ~~القرآن فإنه قال في قوله تعالى: {حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} 2 وإنما ذكر ~~الصباح من غير أن يرد به معنى الصباح لأنهم بمنزلة من أصبح على أسوإ حال ~~وذلك لأن أكثر ما يكون من هيجان الإعلان بالليل فيؤمل لصاحبها حسن الحال ~~PageV01P152 # عند الصباح فإذا كان الضد من ذلك حصل على الهلاك فلم يرض أبو الحسن أن ~~تقع أصبح في كلام الله تعالى حشوا بل تأول ذلك كما يتأوله مثله وفي ضمن ~~قوله الشهادة بما ذكرناه والإذعان له. فإن قال قائل: كيف يمكنكم أن تقولوا ~~هذا وعلى الصحيح من مذاهبكم أن دليل الخطاب عندكم ليس بحجة وأن تعليق الحكم ~~باسم أو صفة أو شرط أو غاية لا يدل على انتفائه بانتفاء ذلك وإذا كان هذا ~~قولكم فليس في قول القائل: أصبحي السكر حلوا دليل على أنه لم يمس كذلك كما ~~زعمتم أن ليس في قول النبي صلى الله عليه وسلم: " في سائمة الغنم الزكاة" 1 ~~دليل على أن المعلوفة لا زكاة فيها ولا يمتنع عندكم أن يقال في ساعة الغنم ~~الزكاة وإن كانت واجبة في معلومتها فكذلك لا يقبح أن يقال أصبح العسل حلوا. ~~لأن وإن كان قد أحسن أيضا بهذه الصفة قيل الجواب عن هذا السؤال: إن الفرق ~~بين ما نحيره من ms098 تعايق الحكم بصفة وثبوته لما انتفت عنه تلك الصفة في مثل ~~الصفة في مثل قوله عليه السلام في سائمة الغنم الزكاة وبين ما تكرهه من قول ~~القائل أصبح السكر حلوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال: "في سائمة ~~الغنم الزكاة" فليس مراده أن يبين لنا حال المعلوفة هل تجب فيها الزكاة أم ~~لا بل هي مسكوت عنها فنجوز فيها ما كنا نجوزه في السائمة قبل هذا القول ~~وليس كذلك قول القائل: أصبح العسل حلوا لأنه يريد حلو في كل حال من صباح أو ~~مساء فلذلك كان ذكر الصباح حشوا. ومثاله في مسألتنا أن يكون صلى الله عليه ~~وسلم يقصد أن يبين لنا حال الزكاة في الغنم جميعها السائمة والمعلوفة ثم ~~يقول في سائمة الغنم الزكاة فإنا نقول إن هذا اللفظ غير موافق للمقصود إذ ~~كان لا يعطينا تصريحه ولا فحواه في المعلوفة حكما كما قلنا إن من أراد أن ~~يصف لنا العسل بالحلاوة PageV01P153 # في جميع الأوقات ثم قال أصبح العسل حلوا فإنه قد أتى بأصبح حشوا لغير ~~فائدة فبان الفرق بين الأمرين. # ومن الحشو أيضا قول أبي تمام: # كالظبية الأدماء صافت فارتعت ... زهر العرار الغض والجثجاثا # فإن الجثجاث إنما جاء به حشوا لأجل القافية وإلا فليس للظبية فضيلة إذا ~~أرعت الجثجاث ولا له فيها ميزة على غيره من النبات وقد سبقه إلى مثل هذا ~~الحشو في القافية عدى بن الرقاع العاملي فقال: # وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جاذر جاسم # لأن جاسم إنما وردت هنا لأجل القافية لا لمعنى فيها وهي قرية بالشام من ~~أعمال دمشق وفيها ولد أبو تمام الطائي وليس لجاذرها ميزة على غيرها وقد ~~سألت عن ذلك جماعة ممن يخبر تلك الناحية فما وجدت عندهم فيها إلا ما عندهم ~~في غيرها من البلاد. # ومن ذلك أيضا قول علي بن محمد البصري: # وسابغة الأذيال زعف مفاضة ... تكنفها مني بجاد مخطط1 # فليس لكون البجاد مخططا تأثير في صفة الدرع وإنما الغرض بذكره القافية. # وأضداد هذا في ms099 وقوع الفائدة بالكلمة التي تكون فيها القافية فكثير ومنه ~~قول امرئ القيس: # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب PageV01P154 # فإنه لما أتى على التشبيه قبل القافية واحتاج إليها جاء بزيادة حسنة في ~~قوله: لم يثقب لأن الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون. # وكذلك قول زهير بن أبي سلمى: # كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم # فقوله: لم يحطم في هذا البيت مثل لم يثقب في البيت الذي قبله. # وروى أبو الفرج قدامة بن جعفر عن محمد بن يزيد المبرد عن التوزي. قال قلت ~~للأصمعي: من أشعر الناس. فقال: من يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه ~~كبيرا أو الكبير فيجعله بلفظه خسيسا أو ينقضي كلامه قيل القافية فإذا احتاج ~~إليها أفاد بها معنى قال نحو من قال: نحوذي الرمة: حيث يقول: # قف العيس في أطلال مية فأسأل ... رسوما كأخلاق الرداء # فتم الكلام. ثم قال: المسلسل فزاد شيئا ثم قال: # أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعا كتبديد الجمان # فتم كلامه ثم قال: المفصل فزاد شيئا. قال قلت ونحو من قال الأعشى حيث ~~يقول: # كناطح صخرة يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل # فزاد معنى. قال قلت: وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح قال: لأنه ينحط ~~من أعلى الجبل على قرنيه فلا يضيره. # وقد سمى أصحاب صناعة الشعر هذا المعنى الإيغال وأرادوا بذلك أن الشاعر ~~يوغل بالقافية في الوصف إن كان واصفا وفي التشبيه أن كان مشبها. # PageV01P155 # ويجب أن تعلم أن هذا الموضع من حشو البيت شديد المراعاة لأجل أنه القافية ~~فإذا وقعت فيه الإصابة أو الخطأ كان أظهر لهما إذا وقعا في كلمة من متن ~~البيت لما يختص به هذا الموضع من فضل العناية إذ كان متميزا بالقصد مما هو ~~طرف وقافية. # وعلى هذا يقع الأمر أيضا في السجع من الكلام المنثور وكثيرا ما يتعذر على ~~مؤلفه القرينة فيتحمل الكلام تمحلا شديدا ويأتي بمعان خارجة عن غرضه حتى ~~يظفر بالسجعة ms100 بعد تعب ويكون معها بمنزلة من يطلب شيئا يقصده فهو يجد في ~~الطلب والمقصود يجتهد في الهرب ويجئ من هذا اختلاف الفصول في الطول والقصر ~~يجتهد في الهرب ويجئ من هذا اختلاف الفصول في الطول والقصر لأنه يحتاج في ~~طلب القرينة إلى إطالة الفصل حتى يزيد على ما قبله زيادة فاحشة وهذا عيب ~~ظاهر في أكثر من ينتحل صناعة الكتابة في زماننا هذا. وقد سن الكتاب ~~المتقدمون من تجنب السجع في أكثر كلامهم سنة لو اعتمدت لوجدت فيها الراحة ~~من هذا العارض لأنهم إذا كانوا لا يحفلون بالسجع فالواجب إطراحه في الموضع ~~الذي يكون متكلفا نافرا. فأما الشعر فلا مندوحة عن القافية فإن تعذرت في ~~البيت فليس غير ترك ذلك البيت رأسا وسيأتي الكلام في هذا الباب إذا صرنا ~~إلى ذكر التناسب في الألفاظ بمشيئة الله وعونه. # فأما زيادة: ما في قول الله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم} 1 وقوله ~~تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم} 2 فإن لها هنا تأثيرا في حسن النظم وتمكينا ~~للكلام في النفس وبعدا به عن الألفاظ المبتذلة فعلى هذا لا يكون حشوا لا ~~يفيد. # وأهل النحو يقولون إن ما في هذا الموضع صلة مؤكدة للكلام وقد يكون ~~التوكيد عندهم بالتكرار كما PageV01P156 # يكون بالعلامة الموضوعة له وإذا أفاد الكلام شيئا فليس من الحشو المذموم ~~لأن حقيقة الحشو هو الذي يكون دخوله في الكلام وخروجه على سواء. وإنما ~~الغرض به إقامة الوزن في الشعر أو ما يجرى مجرى ذلك في النثر وقد جاءت ~~أيضا: ما في الشعر أيضا على معنى ما وردت في الآية قال الشاعر: 1 # فاذهبي ما إليك أدركني الحلم ... عداني عن هيجكم أشغالي # ومن هذا القبيل أيضا دخولها في: ابنما. قال المتلمس: # وهل لي أم غيرها إن تركتها ... أبى الله ألا أن أكون لها ابنما # وقال الآخر: 2 # لقيم بن لقمان من أخته ... فكان ابن أخت له وابنما # وورودها في هذا الموضع خاصة كثير فهذا مبلغ ما نقوله في الحشو ليكون ~~دليلا على ms101 غيره ومنبها على مثله. # ومن وضع الألفاظ موضعها اللائق بها أن لا يكون الكلام شديد المداخلة يركب ~~بعضه بعضا وهذا هو المعاظلة التي وصف عمر بن الخطاب رضى الله عنه زهير بن ~~أبي سلمى بتجنبها. # فقال: كان لا يعاظل بين الكلام لأن المعاظلة المداخلة ومن ذلك يقال ~~معاظلة الكلاب وغيرها مما يتعلق بعضه ببعض عند السفاد وقد غلط في تمثيل هذا ~~أبو الفرج قدامة ابن جعفر الكاتب وبين خطأه فيه أبو القاسم الحسن بن بشر ~~الآمدي رحمه الله. # لأن أبا الفرج قال: إن المداخلة التي تكره ووصف عمر رضي الله عنه زهيرا ~~بتجنبها أن يدخل بعض الكلام فيما ليس من جنسه قال وما PageV01P157 # أعرف ذلك ألا فاحش الاستعارة مثل قول أوس بن حجر: # وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا1 # فسمي الصبي تولبا والتولب ولد الحمار. ومثل قول الآخر: # وما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر # فسمى رجل الإنسان حافرا وهذا ليس من المعاظلة التي هي ركوب بعض الكلام ~~بعضا ومداخلة بعضه في بعض والصحيح من تمثيل ذلك ما ذكره أبو القاسم الآمدي ~~وهو قول أبي تمام: # خان الصفاء أخ خان الزمان أخا ... عنه فلم يتخون جسمه الكمد2 # لأن ألفاظ هذا البيت تيشبث بعضها ببعض وتدخل الكلمة من أجل كلمة أخرى ~~تجانسها وتشبهها مثل خان وخان ويتخون وأخ وأخ فهذا هو حقيقة المعاظلة. # وكذلك قول أبي تمام أيضا: # يا يوم شرد يوم لهوي لهوه ... بصبابتي وأذل عز تجلدي # فقوله: يا يوم شرد يوم لهوى لهوه شديد التعاظل حتى كأنه سلسلة. # ومنه أيضا قول أبي تمام: # يوم أفاض جوى أغاض تعزيا ... خاض الهوى بحري حجاه المزبد PageV01P158 # وقال أبو القاسم: فإن قال قائل إن هذا الذي أنكرته من تشبث الكلام بعضه ~~ببعض وتعلق كل لفظة بما يليها وإدخال كلمة من أجل أخرى تشبهها وتجانسها هو ~~المحمود من الكلام وليس من المعاظلة في شئ ألا ترى أن البلغاء والفصحاء لما ~~وصفوا ما يستجاد ويستحب من النثر والنظم. # قالوا: هذا ms102 كلام يدل بعضه على بعض ويأخذ بعضه برقاب بعض. قيل: هذا صحيح ~~من قولهم ولم يريدوا به هذا الجنس من النظم والنثر ولا قصدوا هذا النوع من ~~التأليف وإنما أرادوا المعاني إذا وقعت ألفاظها في مواقعها وجاءت الكلمة مع ~~أختها المشاكلة لها التي تقتضي أن تجاورها بمعناها أما على الاتفاق أو ~~التضاد حسبما توحيه قسمة الكلام وأكثر الشعر هذا سبيله. وذلك نحو قول زهير: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبالك يسأم # لأنه قال في أول البيت: سئمت. # وقال: ومن يعش ثمانين حولا اقتضى أن يكون في آخره يسأم. # وكذلك قوله: # والستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر # فالستر الأول اقتضى الستر الثاني. # وكذلك قول امرئ القيس: # فإن تكتموا الداء لا نخفه ... وإن تقصدوا الذم لا نقصد # فإن كل لفظة تقتضي ما بعدها # فهذا هو الكلام الذي يدل بعضه على بعض ويأخذ بعضه برقاب بعض وإذا أنشدت ~~صدر البيت علمت ما يأتي من عجزه فالشعر الجيد أو أكثره على هذا مبنى وهذا ~~الذي ذكره أبو القاسم رحمه الله: صحيح ويجب أن # PageV01P159 # يقتدي به في هذا الباب وقد بين المعاظلة وفرق بينها وبين غيرها من العيوب ~~بالتمثيل الذي ذكره. # فأما الذي قاله من دلالة بعض الكلام على بعض حتى يمكن استخراج قوافيه إن ~~كان شعرا ويكون بعض البيت شاهدا لبعض فهو من النعوت المحمودة وسيأتي الكلام ~~في ذلك مستوفى عند ذكر القوافي والأسجاع بعون الله ومشيئته. وبعض الناس ~~يسمى هذا الفن من الشعر التوشيح وبعضهم يسميه التسهيم1 ومثاله قول الشاعر: # عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر2 # وقول عمرو: # وكنت سناما في فزارة تامكا ... وفي كل حي ذروة وسنام3 # وقوله أيضا: # إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وحاوزه إلى ما تستطيع4 # وقول أبي عبادة: # مشيب كبث السرعى بحمله ... محدثه أو ضاق صدر مذيعه # تلاحق حتى كاد يأتي بطيئه ... بحث الليالي قبل أتى سريعه5 # وقوله: # أبكيكما دمعا ولو أني على ... قدر الجوى أبكى بكيتكما دما6 ms103 PageV01P160 # لأن هذه الأبيات كلها إذا سمع الإنسان صدورها وكان قد عرف الروى المقصود ~~فيها أن عرف الكلمة التي تكون قافية قبل الوصول إليها وأمثال هذا كثيرة. ~~وسيأتي ذكرها في باب القوافي والأسجاع وترك التكلف والتعقيد في الكلام ~~بمشيئة الله وعونه. # ومن وضع الألفاظ المعروفة للمدح بل يستعمل في جميع الأغراض الألفاظ ~~اللائقة بذلك الغرض في موضعها أن لا تعبر عن المدح بالألفاظ المستعملة في ~~الذم ولا في الذم موضع الجد ألفاظه وفي موضع الهزل ألفاظه ومثال ما استعمل ~~من هذه الألفاظ في غير موضعه قول أبى تمام: # ما زال يهذى بالمكارم دائبا ... حتى ظننا أنه محموم # وقوله: # وتثفى الحرب منه حين تغلى ... مراجلها بشيطان رجيم # وقوله: # ولى ولم يظلم وهل ظلم امرؤ ... حث النجاء وخلفه التنين # وقول الحسين بن الضحاك: # كذا من يشرب الراح ... مع التنين في الصيف # وقول أبى نواس: # جاد بالأموال حتى ... حسبوه الناس حمقا # وقول العنبري: # ما كان يعطى مثلها في مثله ... إلا كريم الخيم أو مجنون # وقول أبى تمام: # يا أبا جعفر جعلت فداك ... فاق حسن الوجوه حسن قفاك # لأن يهذى والمحموم والشيطان الرجيم والتنين والحمق # PageV01P161 # والجنون وذكر القفا من الألفاظ التي تستعمل في الذم وليست من ألفاظ ~~المدح. # وقد كان بعض الأدباء يعيب قول ابن الرومي: # من شعرها من فضة ... وثغرها من ذهب # ويقول: إن التشبيه بالفضة والذهب إنما يقع في المدح وكان يجب أن يهجو هذه ~~المرأة بما يستعمل من ألفاظ الذم وطرقه. # فإن قال قائل: إذا كان التنين هو الحية وكانوا كثيرا ما يشبهون الممدوح ~~بالحية. ويقولون: هو صل صفاة وحية واد وأرقم وأسود وغير ذلك كما قال أبو ~~الطيب: # يمد يديه في المفاضة ضيغم ... وعيناه من تحت التريكة أرقم1 # وقال آخر: # إني على رأس العدو وتحته ... لغمام قسطلة وحية واد2 # وقال الرضى: # نبهت منى يا أبا الغيداق ... أصم لا يسمع صوت الراقي # ذا ريقة تهزأ بالدرياق ... كأنما أم من الإطراق3 # وقال حريث بن عناب: # أترجو الحياة يا بن بشر بن مسهر ... وقد ms104 علقت رجلاك في ناب أسودا # من الصم تكفى مرة من لعابه ... وما عاد إلا كان في العود أحمدا ~~PageV01P162 # وأمثال هذا كثيرة فكيف يكون ذكر التنين عيبا ولا يكون ذكر الأرقم والصل ~~والأسود عيبا أن ومعنى الجميع واحد. قيل له: إننا لم ننكر التنين لأجل ~~معناه فيقال لنا: إن معنى التنين والحية واحد وإنما عبناه من أجل مدحه لأن ~~هذه اللفظة لم تستعمل في المدح وتلك الألفاظ قد استعملت فيه وليس يمتنع أن ~~يكون للشيء الواحد اسمان يستعمل أحدهما في موضع ويستعمل الآخر في موضع آخر ~~وهذا شئ إنما أصله العرف والعادة دون أصل وضع الأسماء في اللغة ألا ترى أن ~~الإنسان إذا مدح ذكر الرأس والكاهل والهامة وإذا هجا ذكر القفا والأخادع ~~والقذال وإن كانت معاني الجميع متقاربة. وليس يحسن أن يخاطب الملوك فيقال ~~لبعضهم وحق يا فوخك أو قمحدودتك أو أخادعك أو قذالك أو قفاك قياسا على أن ~~يقال له وحق رأسك لأن الاستعمال يختلف في الألفاظ وإن كان المعنى فيها غير ~~مختلف على ما قدمناه. # ومن هذا الجنس حسن الكناية عما يجب أن يكنى عنه في الموضع الذي لا يحسن ~~فيه التصريح وذلك أصل من أصول الفصاحة وشرط من شروط البلاغة. وإنما قلنا في ~~الموضع الذي لا يحسن فيه التصريح لأن مواضع الهزل والمجون وإيراد النوادر ~~يليق بها ذلك ولا تكون الكناية فيها مرضية فإن لكل مقام مقالا أن ولكل غرض ~~فنا وأسلوبا ومما يستحسن من الكنايات قول امرئ القيس: # فصرنا إلى الحسنى ودق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال # لأنه كنى عن المباضعة بأحسن ما يكون من العبارة. # وروى عن أبي الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة: أنه لما أجاب أبا الجيش ~~خمارويه بن أحمد ابن طولون عن المعتضد بالله من كتابه بانفاذ ابنته التي ~~زوجها منه. قال في الفصل الذي احتاج فيه إلى ذكرها وأما الوديعة # PageV01P163 # فهي بمنزلة ما انتقل من شمالك إلى يمنيك عناية بها وحياطة لها ورعاية ~~لمواتك فيها. وقال للوزير أبى القاسم عبيد ms105 الله بن سليمان بن وهب: والله إن ~~تسميتي إياها بالوديعة نصف البلاغة واستحسنت هذه الكناية حتى صار الكتاب ~~يعتمدونها. # وكتب أبو إسحاق الصابي عن عز الدولة بختيار بن معز الدولة إلى أبى تغلب ~~ابن ناصر الدولة في انفاذ ابنته المزوجة منه: وقد توجه أبو النجم الحرمى ~~أيده الله نحوك بالوديعة وهو الأمين على ما يحوطه ويحفظه والوفى بما يحرسه ~~ويلحظه وإنما نقلت من مغرس إلى معرس1 ومن وطن إلى سكن ومن مأوى بر وانعطاف ~~وإلى مثوى كرامة وإلطاف. # فأجاب أبو تغلب عن هذا بكتاب من إنشاء أبي الفرج الببغا قال في جوابه عن ~~هذا الفصل: ووصل أبو النجم بدر الحرمي بالأمانة العظيم قدرها والصفوة ~~البينة نسبها وذكرها. فقال: عوض الوديعة الأمانة ليغاير بين اللفظين. # وكذلك سبق بعضهم إلى الكناية عن الهزيمة بالتحيز اتباعا لقول الله تعالى: ~~{ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة} 2 ثم صارت هذه ~~العبارة للكتاب سنة. وخبرني من أثق به عن رجل من أهل بغداد يصنع الغزل من ~~الذهب. قال: أحضرني الوزير أبو الحسن على بن عبد العزيز المعروف بابن حاجب ~~النعمان وزير القادر بالله وأخرج إلى علما مذهبا عليه اسم المقتدر بالله قد ~~بلى وخلق ونقى فيه الذهب. فقال لي كيف السبيل إلى أخذ ما على هذا من الذهب ~~فقلت: يحرق فصاح صيحة عظيمة وقال ويلك ما هذا التهجم أتحرق أعلام أمير ~~المؤمنين وأمر بإخراجي فدفعت وقد قاربت التلف من هيبته والخوف منه وتعقبني ~~أهل المجلس بالسؤال في بسط عذري بعدم الفهم. PageV01P164 # لما أنكره على فأمر بإعادتي إليه وقال: هيه ما الذي تقول. فقلت: ما يرسمه ~~سيدنا الوزير فقال قل: يستخلص. فقلت: يستخلص فقال خذه وانصرف فأخذت العلم ~~ومضيت فأحرقته وأحضرت له ما خرج فيه من الذهب فأخذه. # ومن هذا الفن أيضا من حسن الكناية قول أبي الطيب: # تدعى ما ادعيت من ألم الشو ... ق إليها والشوق حيث النحول # لأنه كنى عن كذبها فيما ادعته من شوقها بأحسن كناية وكذلك قوله: ms106 # لو أن فنا خسر صبحكم ... وبرزت وحدك عاقه الغزل1 # لأنه أراد انهزم فكني عن هزيمته بعاقه الغزل. وتلك أحسن كناية في هذا ~~الموضع. # وأضداد هذا من قبح العبارات قول أبي الطيب: # إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها # وقول الآخر: # تعطين من رجليك ما ... تعطى الأكف من الرغاب2 # وقول الرضى يرثى والدته: PageV01P165 # كان ارتكاضي في حشاك مسببا ... ركض الغليل عليك في أحشائي # لأنك إذا تأملت هذين البيتين وجدتهما يجريان من بيت امرئ القيس مجرى الضد ~~وذلك أن امرأ القيس عبر عما يجب أن يكنى عنه من المباضعة فكنى بأحسن كناية ~~وهذان عبرا عما لا يجب أن يكنى عنه فأتيا بألفاظ يجب عنها # وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى: {كانا يأكلان الطعام} 1 كناية ~~عن الحدث وليس الأمر على ما قال بل معنى الكلام على ظاهره لأنه كما لا يجوز ~~أن يكون المعبود محدثا كذلك لا يجوز أن يكون طاعما وهذا شئ ذكره أبو عثمان ~~الجاحظ وهو صحيح. # ومن وضع الألفاظ موضعها: أن لا يستعمل في الشعر المنظوم والكلام المنثور ~~من الرسائل والخطب: ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم ~~والألفاظ التي تختص بها أهل المهن والعلوم لأن الإنسان إذا خاض في علم ~~وتكلم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وكلام أصحاب تلك ~~الصناعة. وبهذا شرف كلام أبى عثمان الجاحظ وذلك أنه إذا كاتب لم يعدل عن ~~ألفاظ الكتاب وإذا صنف في الكلام لم يخرج عن عبارات المتكلمين فكأنه في كل ~~علم يخوض فيه لا يعرف سواه ولا يحسن غيره. ومما يذكر من هذا النوع في ~~استعمال ألفاظ المتكلمين قول أبي تمام: # مودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض # لأن الجوهر والعرض من ألفاظ أهل الكلام الخاصة بهم. PageV01P166 # ومن ألفاظ النحويين قوله أيضا: # خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلعب الأفعال بالأسماء1 # وقول أبي الطيب: # إذا كان ما تنويه فعلا مضارعا ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم # وقوله: # وكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءى حروف ms107 أنيسيان2 # وقول أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان فيما قرأته عليه: # تلاق تفرى عن فراق تذمه ... مآق وتكسير الصحائح في الجمع3 # وقوله أيضا في بعض رسائله: فحرس الله عز سيدنا حتى تدغم الطاء في الهاء ~~فتلك حراسة بغير انتهاء وكثيرا ما يسلك هذه الطريقة في كلامه وهي لائقة به ~~لأنه لم تكن له يد في صناعة الكتابة ولا طريقة محمودة وإنما رسائله معدودة ~~في كتب اللغة ودساتير الأدب فاستعمال هذا وما يجرى مجراه فيها لائق # ومن هذا النوع ما يحكى من أشعار أصحاب المهن واستعمالهم لألفاظ صناعاتهم ~~ومعانيها فيما ينظمونه أو ينثرونه وربما كان ذلك أو بعضه شيئا يصنع وينسب ~~إليهم. # وحكى أن بعض المهندسين حضرته الوفاة فقال: يا عالما بجذر الأصم ومحيط ~~الدائرة لا تقبض روحي إلا على خط مستقيم وزوايا قائمة. # وقيل أن بعض الملوك أنفذ صاحبا له في جيش وكان طبيبا فلما عاد ~~PageV01P167 # إليه سأله عن الوقعة فقال له: التقت الفئتان في موضع كرحبة البيمارستان ~~فلو ألقى مبضع لما وقع إلا على قيفال1 فما كانت إلا ساعة حتى أبحر أعداؤنا ~~بحرانا مهلكان وعدنا في صحة مطلقة باقبالك يا معتدل المزاج. # وخبرت أن عز الدولة بختيار بن معز الدولة قال يوما وفي مجلسه جماعة من ~~ندمائه وكتابه: لينشدني كل واحد منكم أغزل ما يعرفه من الشعر فأنشده كل ~~واحد منهم ما حضره فلما انتهى القول إلى أبي الخطاب مفضل بن ثابت الصابي ~~وكان أبوه طبيبا أنشده قول أبي العتاهية: # قال لي أحمد ولم يدر ما بي ... اتحب الغداة عتبة حقا # فتنفست ثم قلت نعم حبا ... جرى في العروق عرقا فعرقا # فقال له: بختيار لا تخرج بنا يا أبا الخطاب عن صناعة الطب التي ماترثها ~~عن كلالة. # وكان أصحابنا إذا سمعوا قول المهلبي: # يا من له رتب ممكنة ... القواعد من فؤادي # قالوا: هذا يصلح أن يكون شعر بناء. # وقال الظاهر الجزري: # محاسنه هيولي كل حسن ... ومغناطيس أفئدة الرجال # وهذا كأنه شعر فيلسوف. # وحكى أبو عثمان عمرو بن ms108 بحر الجاحظ. قال: أنشدت أبا شعيب الفلال أبيات ~~أبي نواس: # ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس PageV01P168 # فقال: هذا شعر لو نقرته طن فوصفه من طريق صناعته. # وقال: أبو القاسم الآمدي في قول أبي تمام: # العار والنار والمكروه والعطب ... والقتل والصلب والمران والخشب1 # هذا كأنه من كلام خالد الحداد. # وكان بمعرة النعمان شارع يعرف بالوامق موصوف بالخلاعة والمجون فكان ينظم ~~أشعارا: في حائك واسكاف وصائغ ومن يجرى مجراهم ويستعمل ألفاظ تلك الصناعة ~~ومعانيها في ذلك الشعر فمما يروى له في غلام اسكاف قوله: # إن سن بالهجران شفرته ... ليقد قلبي قد مجتهد # فلأصبرن كصبر تجتجة ... متمسكا بمحلل العقد # وهذا إنما يسوغ على هذا السبيل من الهزل والخلاعة فأما في باب الجد فليس ~~يحسن أن يستعمل في كل موضع منه إلا الألفاظ اللائقة به. وشعر أبي عبد الله ~~بن الحجاج وأن تضمن كثيرا من الألفاظ التي لا تحسن في مواضع الجد فإنه قد ~~جاء بها في الموضع اللائق بها ولأجل هذا حسنت ولم تقبح ألا ترى أن قول ابن ~~نباتة: # وقال لنا الزمان ظلمتموهم ... فقلنا للزمان دع الفضولا # ليس بمختار على طريقته في الجد وفنه ولو ورد في شعر أبي عبد الله بن ~~الحجاج كان مرضيا مختارا. # ومن شروط الفصاحة: المناسبة بين الألفاظ وهي على ضربين: # مناسبة بين اللفظين من طريق الصيغة. ومناسبة بينهما من طريق المعنى ~~PageV01P169 # فأما المناسبة من طريق المعنى فسنذكرها في المعاني إذا وصلنا إليها من ~~هذا الكتاب بعون الله ومشيئته. وأما المناسبة بينهما من طريق الصيغة فلها ~~تأثير في الفصاحة ومثال ذلك ما رواه أبو الفتح عثمان بن جنى. قال قرأت على ~~أبي الطيب قوله: # وقد صارت الأجفان قرحا من البكا ... وصار بهارا في الخدود الشقائق1 # فقلت: قرحى فقال: إنما قلت قرحا لأن قولي بهارا. # فهذه المناسبة التي تؤثر في الفصاحة والشعراء الحذاق والكتاب يعتمدونها ~~وكتب بعضهم: إذا كنت لا تؤتى من نقص كرم وكنت لا أوتى من ضعف سبب فكيف أخاف ~~كم خيبة أمل أو ms109 عدولا عن اغتفار زلل أو فتورا عن لم شعث وإصلاح خلل فناسب: ~~بين نقص وضعف وكرم وسبب وعدول وفتور بالصيغ. وإلا فقد كان يمكنه أن يقول: ~~مكان نقص قلة فلا يكون مناسبا لضعف ومكان كرم جودا فلا يكون مناسبا لسبب أو ~~مكان سبب شكرا فلا يكون مناسبا لكرم ومكان فتور تقصيرا فلا يكون مناسبا ~~لعدول. # ومن هذا النحو أيضا قول أبي تمام: # مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل # فناسب بين مهى وقنى والوحش والخط. # وكذلك قول أبي عبادة: # فأحجم لما لم يجد فيك مطعما ... وأقدم ملا لم يجد عنك مهربا2 PageV01P170 # فناسب بين أحجم وأقدم ومطمعا ومهربا وعنك وفيك. وأمثلة هذا أكثر من أن ~~تحصى. # ومن المناسبة بين الألفاظ في الصيغ: السجع والازدواج ويحد السجع بأنه ~~تماثل الحروف في مقاطع الفصول وبعض الناس يذهب إلى كراهة السجع والازدواج ~~في الكلام وبعضهم يستحسنه ويقصده كثيرا وحجة من يكرهه أنه ربما وقع بتكلف ~~وتعمل واستكراه فأهذب طلاوة الكلام وأزال ماءه وحجة من يختاره أنه مناسبة ~~بين الألفاظ يحسنها ويظهر آثار الصنعة فيها لولا ذلك لم يرد في كلام الله ~~تعالى وكلام النبي صلى الله عليه وسلم والفصيح من كلام العرب وكما أن الشعر ~~يحسن بتساوي قوافيه كذلك النثر يحسن بتماثل الحروف في فصوله والمذهب ~~الصحيح: أن السجع محمود إذا وقع سهلا متيسرا بلا كلفة ولا مشقة وبحيث يظهر ~~أنه لم يقصد في نفسه ولا أحضره إلا صدق معناه دون موافقة لفظه ولا يكون ~~الكلام الذي قبله إنما يتخيل لأجله ورد ليصير وصلة إليه فإنا متى حمدنا هذا ~~الجنس من السجع كنا قد وافقنا دليل من كرهه وعملنا بموجبه لأنه إنما دل على ~~قبح ما يقع من السجع بتعمل وتكلف. # ونحن لم نستحسن ذلك النوع ووافقنا أيضا دليل من اختاره لأنه إنما دل به ~~على حسن ما ورد منه في كتاب الله تعالى وكلام النبي صلى الله عليه وسلم ~~والفصحاء من العرب. وكان يحسن الكلام ويبين آثار الصناعة ms110 ويجرى مجرى ~~القوافي المحمودة والذي يكون بهذه الصفات هو الذي حمدناه واخترناه وذكرنا ~~أنه يكون سهلا غير مستكره ولا متكلف. # وقد حكى الجاحظ عن بشر بن المعتمر1 أنه قال في وصيته في البلاغة: ~~PageV01P171 # إذا لم تجد اللفظة واقعة موقعها ولا صائرة إلى مستقرها ولا حالة في ~~مركزها بل وجدتها قلقة في مكانها نافرة من موضعها فلا تكرهها على القرار في ~~غير موطنها فإنك إذا لم تتعاط قريض الشعر الموزون ولم تتكلف اختيار الكلام ~~المنثور لم يعبك بترك ذلك أحد. وإذا أنت تكلفتهما ولم تكن حاذقا فيهما عابك ~~من أنت أقل عيبا منه وأزرى عليك من أنت فوقه. وهذا كلام صحيح يجب أن يقتدي ~~به في هذه الصناعة. # وأما الفواصل التي في القرآن فإنهم سموها فواصل ولم يسموها أسجاعا وفرقوا ~~فقالوا: إن السجع هو الذي يقصد في نفسه ثم يحمل المعنى عليه والفواصل التي ~~تتبع المعاني ولا تكون مقصودة في أنفسها وقال على بن عيسى الرماني: إن ~~الفواصل بلاغة والسجع عيب وعلل ذلك بما ذكرناه من أن السجع تتبعه المعاني ~~والفواصل تتبع المعاني وهذا غير صحيح والذي يجب أن يحرر في ذلك أن يقال: إن ~~الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفصول على ما ذكرناه والفواصل على ضربين ~~ضرب يكون سجعا وهو ما تماثلت حروفه في المقاطع وضرب لا يكون سجعا وهو ما ~~تقابلت حروفه في المقاطع ولم تتماثل ولا يخلو كل واحد من هذين القسمين أعني ~~المتماثل والمتقارب من أن يكون يأتي طوعا سهلا وتابعا للمعاني وبالضد من ~~ذلك حتى يكون متكلفا يتبعه المعنى فإن كان من القسم الأول فهو المحمود ~~الدال على الفصاحة وحسن البيان وإن كان من الثاني فهو مذموم مرفوض. # فأما القرآن فلم يرد فيه إلا ما هو من القسم المحمود لعلوه في الفصاحة ~~وقد وردت فواصله متماثلة ومتقاربة فمثال المتماثلة قوله تعالى: {والطور ~~وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور} 1 وقوله عز اسمه: {طه ما أنزلنا ~~عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن ممن ms111 خلق الأرض والسماوات ~~العلى الرحمن على العرش استوى} 2 PageV01P172 # وقوله تبارك وتعالى: {والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا ~~فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا} 1 وقوله تبارك وتعالى: {والفجر وليال عشر ~~والشفع والوتر والليل إذا يسر هل في ذلك قسم لذي حجر} 2 وقوله تبارك ~~وتعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في ~~البلاد فأكثروا فيها الفساد} 3 وحذفوا الياء من يسرى والوادي طلبا للموافقة ~~في الفواصل. # وقوله تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا ~~سحر مستمر} 4 وجميع هذه السورة على هذا الازدواج وهذا جائز أن يسمى سجعا ~~لأن فيه معنى السجع ولا مانع في الشرع يمنع من ذلك. ومثال المتقارب في ~~الحروف قوله تبارك وتعالى: {الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} 5 وقوله تبارك ~~وتعالى: {ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا ~~شيء عجيب} 6 وهذا لا يسمى سجعا لأنا قد بينا أن السجع ما كانت حروفه ~~متماثلة. # فأما قول الرماني: أن السجع عيب والفواصل بلاغة على الاطلاق فغلط لأنه إن ~~أراد بالسجع ما يكون تابعا للمعنى وكأنه غير مقصود PageV01P173 # فذلك بلاغة والفواصل مثله وإن كان يريد بالسجع ما تقع المعاني تابعة له ~~وهو مقصود متكلف فذلك عيب والفواصل مثله. وكما يعرض التكلف في السجع عند ~~طلب تماثل الحروف كذلك يعرض في الفواصل عند طلب تقارب الحروف وأظن أن الذي ~~دعا أصحابنا إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل ولم يسموا ما تماثلت حروفه ~~سجعا رغبة في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروى عن ~~الكهنة وغيرهم وهذا غرض في التسمية قريب. فأما الحقيقة فما ذكرناه لأنه لا ~~فرق بين مشاركة بعض القرآن لغيره من الكلام في كونه مسجوعا وبين مشاركة ~~جميعه في كونه عرضا وصوتا وحروفا وعربيا ومؤلفا وهذا مما لا يخفى فيحتاج ~~إلى زيادة في البيان. ولا فرق ms112 بين الفواصل التي تتماثل حروفها في المقاطع ~~وبين السجع. فإن قال قائل: إذا كان عندكم أن السجع محمود فهلا ورد القرآن ~~كله مسجوعا وما الوجه في ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع. قيل: إن القرآن ~~أنزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم وكان الفصيح من كلامهم لا يكون كله ~~مسجوعا لما في ذلك من أمارات التكلف والاستكراه والتصنع لا سيما فيما يطول ~~من الكلام فلم يرد مسجوعا جريا به على عرفهم في الطبقة العالية من كلامهم. ~~ولم يخل من السجع لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة التي قدمناها وعليها ~~ورد في فصيح كلامهم فلم يجز أن يكون عاليا في الفصاحة وقد أخل فيه بشرط من ~~شروطها فهذا هو السبب في ورود القرآن مسجوعا وغير مسجوع والله أعلم. # ومن الكتاب المحدثين من كان يستعمل السجع كثيرا ولا يكاد يخل به وهو: أبو ~~إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي1 وأبو الفرج PageV01P174 # المعروف بالببغاء1 ومنهم من كان يتركه ويتجنبه وهو: أبو الفضل محمد بن ~~الحسين بن العميد2 وطريقة غير هؤلاء استعمله مرة ورفضه أخرى بحسب ما يوجد ~~من السهولة والتيسير أو الإكراه والتكلف فأما عبد الحميد بن يحيى وعبد الله ~~بن المقفع وأبو الربيع محمد بن الليث وجعفر بن يحيى بن خالد وإبراهيم بن ~~العباس وسعيد بن حميد وأبو عثمان الجاحظ وأبو علي البصير وأحمد بن يوسف ~~وإسماعيل بن صبيح ومحمد بن غالب ومحمد بن عبد الله الأصفهاني وابن ثوابه ~~وأبو الحسين أحمد بن سعد وأبو مسلم محمد بن بحر وأشباههم. فإن السجع فيما ~~وقفت عليه من كلامهم قليل لكنهم لا يكادون يخلون بالمناسبة بين الألفاظ في ~~الفصول والمقاطع إلا في اليسير من المواضع. # وأما قول أبى الحسين بن سعد في بعض رسائله: وقد عرفت القدر فيما تراخى من ~~كتبك وأبطأ عني من برك ورجعت فيما اتفق من حال الجفاء في هذه الوهلة إلى ما ~~عرفت صحته من العهد وخلوصه من الود فلم PageV01P175 # أجد لسوء الظن مساغا ولا لظاهر الإعراض قبولا لأنك الأخ المبلوة ms113 أخباره ~~المتكافئة في الجميل أفعاله غير أن النفس تستوحش لما ينكر من حيث عرفت وتذم ~~من حيث حمدت ويتضاعف عليها الأسف للجفاء إذا وقع من معدن البر والارتياب ~~إذا كان رديفا للثقة وأرجو أن أكون من تلون الزمان فيك على أمن ومن وفائه ~~بعهد مودتك على أقوى أمل. # فان في هذا الكلام تركا للمناسبة بين الألفاظ: لأن قبولا ليس على وزن ~~مساغ وتستوحش ليس بأزائها كلمة لأنه كان ينبغي أن يقال: تستوحش لما يستنكر ~~من حيث عرفت وتنفر مما تذم من حيث حمدت أو غير يستنكر من الألفاظ التي تكون ~~مناسبة لتستوحش وكذلك البر لا يناسب الثقة في الصيغة وأمن ليس على وزن أمل ~~وهذا ليس بعيب فاحش وإنما هو ترك للأفضل والأولى من اعتماد المناسبة. # وحدثني أبو القاسم زيد بن علي الفارسي قال حدثنا أبو عبيد نعيم بن مسعود ~~الهروي قال حدثنا أبو القاسم يحيى بن القاسم القصباني قال حدثنا دعلج بن ~~أحمد بن دعلج قال حدثنا على بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا أبو عبيد ~~القاسم بن سلام عن غير واحد من رجاله عن أبي نعامة عمرو بن عيسى العدوى عن ~~مسلم بن بديل عن إياس بن زهير عن سويد بن هبيرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة " 1. فقال: مأمورة لأجل ~~المناسبة والمستعمل مومرة أي كثيرة النتاج كما قرئ: {وإذا أردنا أن نهلك ~~قرية أمرنا مترفيها} 2 أي كثرنا. PageV01P176 # وحدثني زيد بن على بهذا الإسناد عن أبي عبيد القاسم بن سلام عن يزيد بن ~~سفيان عن منصور عن المنهال ابن عمور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # أنه كان يعود الحسن والحسين عليهما السلام فيقول: "أعيذ كما بكلمات الله ~~التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة" 1. ولم يقل ملمة لأجل المناسبة ~~وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في بعض الحديث: "ترجعن مأزورات غير مأجورات" ~~لأن مأزورات من الوزر والمتسعمل موزورات فجاء به ms114 هكذا لأجل المناسبة. # والسجع الواقع موقعه كثير لمن طلبه ومنه قول أبى الفرج عبد الواحد بن نصر ~~الببغا في أول رسالة له: إذا كانت حقيقة الشكر أطال الله بقاء سيدنا الأمير ~~سيف الدولة في متعالم العرف والعادة إنما هي علة موضوعي لاستجلاب الزيادة ~~فقد لزم بدليل العقل وحجة الفضل أن يسمى الشاكر مستزيدا لا مكافيا ومستديما ~~لا مجازيا وتبقى النعمة مطالبة بواجبها والمنة مقتضية عن صاحبها # وقوله في فصل آخر: وعلمي بأن أقرب مؤمليه إليه وأوجبهم حرمة عليه أشدهم ~~استزادة لنعمه وأكثرهم إلحاحا على كرمه بعثني على التقرب إلى قلبه بالسؤال ~~ومناجاة كرمه بلسان الآمال فسألت متقربا وطلبت متسحبا. # وبلغ على بن الحسن عليه السلام قول نافع بن جبير في معاوية: كان يسكته ~~الحلم وينطقه العلم فقال: بل كان يسكته الحصر وينطقه البطر. # ووقف الأحنف على قبر الحارث بن معاوية المازني فقال: رحمك الله أبا ~~المورق كنت لا تحقر ضعيفا ولا تحسد شريفا. PageV01P177 # وقال بعضهم: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك فإن لم تجبك ~~حوارا أجابتك اعتبارا. # وقال أبو إسحاق الصابي في بعض كتبه: وييسر له الفتوح شرقا وغربا ويمكنه ~~من نواصي أعدائه سلما وحربا ويجعله في أحواله كلها سعيدا مخظوظا وبعين ~~رعايته ملحوظا محفوظا ولا يخليه من مزيد تتوافر مادته إليه وإحسان لله ~~يتظاهر لديه ويصل ما منحه بنظائر تتلوه وتتبعه. # وأمثال تقفوه وتشفعه. # ومن كتاب له آخر: وصل كتاب مولانا الأمير الجليل عضد الدولة جوابا ~~وفهمته. # وما اقترن به ثوابا وقبضته ووقع منى موقع الماء من ذي الغلة والشفاء من ~~ذي العلة وأعظمت قدر ما اختصنى به من عنايته وأبانه في من رعايته وجعلت ذلك ~~جنة بيني وبين الزمان وأثرة لي على الأضراب والأقران وشكرت أنعامه مجتهدا ~~محتفلا وادرعته مفتخرا متجملا. # وهذا كله سجع يتبع المعاني غير متكلف ولا مستكره وأمثاله أكثر من أن ~~تحصى. # وقد سمى قدامة بن جعفر ترك المناسبة في مقاطع الفصول: التجميع ومثل ذلك ~~بقول سعيد بن حميد في أول كتاب ms115 له: وصل كتابك فوصل به ما يستعبد الحر وإن ~~كان قديم العبودية ويستغرق الشكر وإن كان سالف فضلك لم يبق شيئا منه لأن ~~المقطع على العبودية منافر للمقطع على منه. # فهذا هو مثال ما تترك به المناسبة مع قدمناه ومثال الأسجاع التي تكون غير ~~متكلفة قد ذكرناه فأما إذا تكلفت واعتمدت وكانت المعاني تابعة لها فليس ذلك ~~بمرضي. # PageV01P178 # ومما يجب اعتماده في هذا ألا تجعل الرسالة كلها مسجوعة على حرف واحد لأن ~~ذلك يقع تعرضا للتكرار وميلا إلى التكلف وقد استعمل ذلك في الخطب وغيرها من ~~المنثور وهو يقبح في المكاتبات خاصة. # فأنا القوافي في الشعر فإنها تجري مجرى السجع وأن المختار منها ما كان ~~متمكنا يدل الكلام عليه وإذا أنشد صدر البيت عرفت قافتيه كما قال ابن نباته ~~في وصف قصيدته: # خذها إذا أنشدت للقوم من طرب ... صدورها علمت منها قوافيها # وقد قدمنا لذلك أمثلة وبينا ما يكون من القوافي حشوا في باب الحشو. # وقد صنف العلماء في باب القوافي كتبا بينوا فيها ما تجب إعادته من الحروف ~~والحركات وما لا تجب إعادته ووضعوا لتلك الحروف والحركات أسماء لا حاجة بنا ~~إلى ذكر شئ من ذلك لأنه هناك مستوفى مستقصى وليس مما نحن بسبيل. # وقد التزم بعض الشعراء في القوافي إعادة ما لا يلزمه إعادته طلبا للزيادة ~~في التناسب والاغراق في التماثل كقول الحطيئة: # ألا من لقلب عارم النظرات ... يقطع طول الليل بالزفرات # إذا ما الثريا آخر الليل اعنقت ... كواكبها كالجزع منحدرات1 # فالتزم الرآء في جميعها قبل حرف الروي وهي غير لازمة. # وكقول حسان: PageV01P179 # بكل كميت جوزه نصف خلقه ... وقب طوال مشرفات الحوارك1 # فالتزم الرآء التي تسميها أصحاب القوافي الدخيل بين ألف التأسيس وحرف ~~الروى. # وكان شيخنا يذهب إلى أن قصيدة كثير التي أولها: # خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم أبكيا حيث حلت # قد لزم اللام في جميعها فلما سألناه عن البيت الذي يروى فيها وهو: # أصاب الردى من كان يهوى لك الردى ... وجن اللواتي قلن عزة جنت ms116 # قال: هذا البيت ليس من القصيدة # وأما أبو عبادة البحتري فإنه التزم الدال في قصيدته التائية التي مدح ~~فيها المهتدي بالله وفيها يقول: # أسفت لأقوام ملكت بعيدهم ... وكانت دجت أيامهم واسوأدت # مضوا لم يروا من حسن عدلك منظرا ... ولم يلبسوا نعماك حين استجدت # ولم يعلموا أن المكارم أبديت ... جداعا ولا أن المظالم ردت # وكان علي بن العباس الرومي: يلتزم هذا كثيرا وهو موجود في شعره ونظم أبو ~~العلاء أحمد بن عبيد الله بن سليمان شعره - المعروف بلزوم ما لا يلزم - على ~~هذه الطريقة وكذلك أكثر كلامه المنثور سلك فيه هذا المنهج. # وليس يغتفر للشاعر إذا نظم على هذا الفن لأجل ما ألزم نفسه ما لا يلزمه ~~شئ من عيوب القوافي لأنه إنما فعل ذلك طوعا واختيارا من غير PageV01P180 # الجاء ولا إكراه. ونحن نريد الكلام الحسن على أسهل الطرق واقرب السبل ~~وليس بنا حاجة إلى المتكلف المطرح وإن ادعي علينا قائلة أن مشقة نالته ~~وتعبا مر به في نظمه. # وورود القوافي متمكنة في الأشعار المختارة موجود ومنه قول أبي عبادة: # أخيال علوة كيف زرت وعندنا ... أرق يشرد بالخيال الزائر # طيف ألم لها ونحن بمهمه ... قفر يشق على الملم الخاطر # أفضى إلى شعث تطير كراهم ... روحات قود كالقسي ضوامر1 # حتى إذا نزعوا الدجي وتسربلوا ... من فضل هلهلة الصباح النائر2 # ورنوا إلى شعب الرحال بأعين ... يكسرن من نظر النعاس القاتر # أهوى فأسعف بالتحية خلسة ... والشمس تلمع في جناحي طائر # وقول أبي الطيب المتنبي: # يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شئ بعدكم عدم # إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما الجرح إذا أرضاكم ألم # وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم # وقول أبى العلاء بن سليمان فيما قرأته عليه: # ردى كلامك ما أمللت مستمعا ... ومن يمل من الأنفاس ترديدا # باتت عرى النوم عن جفني محللة ... وبات كوري على الوجناء مشدودا ~~PageV01P181 # وقوله أيضا: # لاقاك في العام الذي ولى فلم ... يسألك إلا قبلة في القابل # إن البخيل إذا يمد له ms117 المدى ... في الجود هان عليه وعد السائل # وأمثال هذا أكثر من أن تحصى. # ومما يجب أن يعتمد في القافية أن لا تكون الكلمة إذا سكت عليها كانت ~~محتملة لمعنى يقتضي خلاف ما وضع الشعر له مثل أن يكون مديحا فيقتضى بالسكوت ~~عليها وقطع الكلام بها وجها من الذم أو معنى يتطير منه الممدوح أو ما يجرى ~~هذا المجرى كما حكى أن الصاحب إسماعيل بن عباد أنشد عضد الدولة قصيدة مدحه ~~بها فقال فيها: # ضممت على أبناء تغلب تائها ... فتغلب ماكر الجديد أن تغلب1 # فتطير عضد الدولة من مواجهته إياه بتغلب وقال: يكفى الله ذلك ولو قال في ~~وسط البيت تغلب وتغلب لم يكن في ذلك من القبح ما يكون في القافية لأنها ~~موضع قطع وسكوت ووقوف على ما مضى واستئناف لما يأتي. # وروى أن أبا الطيب لما أنشد قصيدته التي ودع بها عضد الدولة فقال فيها: # وأيا شئت يا طرقي فكوني ... أذاة أو نجاة أو هلاكا # قال عضد الدولة: يوشك أن يصاب في طريقه وكانت منيته فيه. وقال أبو الفتح ~~عثمان بن جني: جعل القافية هلاكا فهلك. PageV01P182 # ومن هذا الجنس أيضا الابتداء في القصائد فإنه يحتاج إلى تحرز فيه حتى لا ~~يستفتح بلفظ محتمل أو كلام يتطير منه وقد روى أن ذا الرمة أنشد هشام بن عبد ~~الملك قصيدته البائية فلما ابتدأ وقال: # ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب # قال هشام: بل عينك1 # وقد كان أبو الطيب افتتح قصيدته التي مدح فيها عضد الدولة بقوله: # أوه بديل من قولتي واها ... لمن نأت والحديث ذكراها # فقال له: أوه وكيه ويقال إن بعض الشعراء2 دخل على الداعي العلوي3 في يوم ~~مهرجان فأنشده: # لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الداعي ويوم المهرجان # فبطحه وضربه خمسين عصا وقال: إصلاح أدبه أبلغ في ثوابه. # وكان شيخنا يعيب قول أبي الطيب: # إذا ما لبست الدهر مستمعا به ... تخرقت والملبوس لم يتخرق # ويقول: إذا طولب الشاعر بحسن الأدب وجب أن لا يقابل ms118 الممدوح بمثل هذا ~~الكلام. PageV01P183 # وقد أنكر عبد الملك بن مروان على جرير ما هو دون هذا من القول وذلك أنه ~~لما أنشده: # أتصحو أم فؤادك غير صاح1 # فقال له عبد الملك: بل فؤادك. # ويروى أن أبا نواس لما أنشد الفضل بن يحيى قصيدته: # أربع البلى أن الخشوع لبادي ... عليك وإني لم أخنك ودادي # تطير الفضل من هذا الابتداء فلما انتهى إلى قوله في القصيدة: # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بنى برمك من رائحين وغاد # استحكم تطيره فلم يمض إلا أسبوع حتى نكب بنوبرمث وقتل جعفر بن يحيى # وبعض الناس يروى أن أبا عبادة أنشد يوسف بن محمد ابن يوسف الثغري قوله: # لك الويل من ليل تطاول آخره ... ووشك نوى حي تزم أباعره # ومن القوافي التي جاءت حشوا لأجل حرف الروي من غير معنى يختص به قول أبى ~~عدى القرشي: PageV01P184 # ووقيت الحتوف من وارث وال ... وأبقاك صالحا رب هود # فليس في تسمية الباري تبارك وتعالى: رب هود معنى ولا وجه لذلك إلا أن ~~القصيدة دالية وإلا فهو تعالى رب نوح وهود وكل أحد وهذا كثير في الأشعار ~~الضعيفة. # ومن تناسب القوافي: تجنب الإقواء فيها وهو اختلاف إعرابها فيكون بعضها ~~مثلا مرفوعا وبعضها مجرورا وهذا يوجد في أشعار العرب. وقد روى أن الناغبة ~~كان يقوى حتى دخل المدينة وسمع أهلها يغنون بقوله في قصيدته التي أولها: # من آل مية رائح أو مغتدى ... عجلان ذازاد وغير مزود # زعم البوارح أن رحلتنا غدا ... وبذاك خبرنا الغراب الأسودب1 # ففطن للإقواء فتركه. # والإيطاء في القوافي عيب وهو أن تتفق القافتيان في قصيدة واحدة وأمثال ~~ذلك كثيرة فأما أن يكون معنى القافيتين مختلفا ولفظهما واحدا فذلك ليس بعيب ~~مثل أن تأتي العين ويراد بها الجارحة والعين ويراد بها الذهب وإذا بعد ما ~~بين القافيتين المتكررتين في القصيدة كان أصلح وإن كان الإيطاء عيبا على كل ~~حال. # والسناد أيضا عيب وهو اختلاف في الحركات قبل حروف الروي كما قال عدي بن ~~زيد: # ففاجأها لاقت جموعا ... على أبواب ms119 حصن مصلتينا PageV01P185 # فقدمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا1 # فالميم من مينا مفتوحة والتاء من مصلتينا مكسورة. # والسناد من قولهم خرج بنو فلان برأسين متساندين أي كل واحد منهما على ~~حياله وكذلك قالوا كانت قريش يوم الفجار متساندين أي لا يقودهم رجل واحد. # ومن عيوب القوافي: أن يتم البيت ولا تتم الكلمة التي منها القافية حتى ~~يكون تمامها في البيت الثاني مثل أبيات كتبها إلى الشيخ أبو العلاء بن ~~سليمان في بعض كتبه وحكى أن أبا العباس المبرد ذكرها في كتابه الموضوع في ~~القوافي وسمى هذا الجنس من عيوب القافيه المجاز والأبيات: # شبيه بابن يعقوب ... ولكن لم يكن يو # سف يشرب الخمر ... ولا يزني ولا يو # سع بالأمواه القهو ... ة مزجا لم يكن دو # ن في صبح وامسآء ... وهذا منكر يو # شك الرحمن أن يصليه ... في نار خزى هو # لها أهل فلا يكشف ... عنه ربنا السوء # قد النار لأضياف ... لوو قيل له ذو # دنانير وأموال ... فيارحمن لا تو # سع الرزق على هذا ... الذي منظره لو # لو والفعل ستوق ... فوزن الريش لا يو2 PageV01P186 # وقطع الكلام على يو. # ومما يجرى هذا المجرى التضمين: وهو أن لا تستقل الكلمة التي هي القافية ~~بالمعنى حتى تكون موصولة بما في أول البيت الثاني وذلك مثل قول النابغة ~~الذبياني: # وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ أنى # شهدت لهم مواطن صادقات ... أتيتهم بنصح الود منى # ومن عيوب القوافي في ترك التناسب: أن يكون الروي على حرفين متقاربين كما ~~قال بعض العرب: # بنى إن البر شئ هين ... المنطق اللين والطعيم # وهذا من الشاذ النادر الذي لا يلتفت إليه. # ومن عيوب القوافي: أن تكون قافية المصراع الأول من البيت الأول على روى ~~ينبئ أن تكون قافية آخر البيت بحسبه فيأتي بخلافه كقول عمرو ابن شاس: # تذكرت ليلى لات حين أدكارها ... وقد حنى الأضلاع بتضلال1 # فلما قال: أدكارها أو هم أن الروي حرف الراء بوصل وخروج وردف قبله ثم جاء ~~بالقافية على اللام كذلك قول الشماخ: # لمن ms120 منزل عاف ورسم منازل ... عفت بعد عهد العاهدين رياضها PageV01P187 # وقد سمى هذا الفن: التجيع وهو على كل حال من أسهل عيوب القوافي وأقربها ~~إلى الجواز والصحة. # وأما التصريع فيجرى مجرى القافية وليس الفرق بينهما ألد أنه في آخر النصف ~~الأول من البيت والقافية في آخر النصف الثاني منه وإنما شبه مع القافية ~~بمصراعي الباب وقد استعلمه المتقدمون والمحدثون في أول القصيدة وربما ~~استعملوه في أثنائها وممن كان يلهج به من المتقدمين امرؤ القيس فإنه صرع في ~~أول قصيدته: # قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل # ثم قال من بعد: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل # وقال فيها: # وقال في التي أولها: # ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي # ديار لسلمى عافيات بذي الخال ... ألح عليها كل أسحم هطال1 # ألا أنني بال على جمل بال ... يقود بنا بال ويتبعنا بال PageV01P188 # وكذلك اعتمد جماعة من الشعراء في بعض قصائدهم والذي أراه أن التصريع يحسن ~~في أول القصيدة ليميز بين الابتداء وغيره ويفهم قبل تمام البيت روى القصيدة ~~وقافيتها ولذلك قال أبو تمام: # وإنما يروقك بيت الشعر حين يصرع # فأما إذا تكرر الصريع في القصيدة فلست أراه مختارا وهو عندي يجرى مجرى ~~تكرر الترصيع والتجنيس والطباق وغير ذلك مما سيأتي ذكره وأن هذه الأشياء ~~إنما يحسن منها ما قل وجرى منها مجرى اللمعة واللمحة فأما إذا تواتر وتكرر ~~فليس عندي ذلك مرضيا. # فإن قال لنا قائل: كيف يكون التصريع وغيره من الأصناف التي أشرتم إليها ~~حسنا إذا قل وإن كثر لم يكن حسنا قيل له: هذا غير مستنكر ولا مستطرف وله ~~أشباه كثيرة فإن الخال يحسن في بعض الوجوه ولو كان في ذلك الوجه عدة خيلان ~~لكان قبيحان ويكون في بعض النقوش يسير من سواد أو حمرة أو غيرهما من ~~الألوان فيحسن ذلك المزاج والنقش بذلك القدر من اللون فإن زاد لم يكن حسنا ~~وتستحسن غرة الفرس وهي قدر مخصوص فإن كان وجهه كله ms121 أبيض أو زاد ذلك القدر ~~من البياض لم يحسن وأشباه هذا أكثر من أن يحصى والعلة فيه أنه إنما كان ~~حسنا بالإضافة إلى غيره. # وقد ترك التصريع جماعة من الشعراء المتقدمين والمحدثين في أول القصيدة ~~كما ابتدأ ابن أحمر قصيدته فقال: # قد بكرت عاذلتي بكرة ... تزعم أني بالصبا مشتهر # فلم يصرع ثم قال من بعده: # PageV01P189 # بل ودعيني طفل أنى بكر ... فقددنا الصبح فما انتظر # وربما أخل الشارع بالتصريع في جميع القصيدة. # ومن التناسب أيضا: الترصيع وهو أن يعتمد تصيير مقاطع الأجزاء في البيت ~~المنظوم أو الفصل من الكلام المنثور مسجوعة وكأن ذلك شبه بترصيع الجوهر في ~~الحلي وهذا مما قلنا أنه لا يحسن إذا تكرر وتوالى لأنه يدل على التكلف وشدة ~~التصنع وإنما يحسن إذا وقع قليلا غير نافر. # ومن أمثلة ذلك في النثر قول أبي على البصير في بعض كلامه: حتى عاد تعريضك ~~تصريحا وتمريضك تصحيحا. وقالت الخنساء: # حامي الحقيقة محمود الحليقة مه ... دي الطريقة نفاع وضرار # جواب قاصية جزار ناصية ... عقاد ألوية للخيل جرار # وقال امرؤ القيس: # فتور القيام قطيع الكلا ... م تفتر عن ذي غروب خصر1 # وقال بشامة بن عمرو بن الغدير: # هوان الحياة وخزى الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا # وقال أبو العلاء أحمد بن عبد الله: PageV01P190 # ألفت الملا حتى تعلمت بالفلا ... رنو الطلى أو صنعة الآل في الخدع1 # فهذا وأمثاله إذا كان قدرا يسيرا حسن على ما ذكرناه فأما إذا توالى وكثر ~~فإنه يقبح لدلالته على التكلف وإن كان كل منه بانفراده جيدا وذلك مثل قول ~~أبي صخر الهزلي: # عذب مقبلها جدل مخلخلها ... كالدعص أسفلها مخصورة القدم2 # سود ذوائبها بيض ترائبها ... محض ضرائبها صيغت على الكرم3 # عبل مقيدها حال مقلدها ... بض مجردها لفاء في عمم4 # سمح خلائقها درم مرافقها ... يروى معانقها من بارد شبم # فهذا لما توالى لم يحسن والعلة في ذلك ما ذكرناه. # ومن التناسب أيضا: حمل اللفظ على اللفظ في الترتيب ليكون ما يرجع إلى ~~المقدم مقدما وإلى المؤخر مؤخرا ومثال ذلك قول الشريف ms122 الرضى: # قلبي وطرفي منك هذا في حمى ... قيظ وهذا في رياض ربيع PageV01P191 # فإنه لما قدم قلبي وجب أن يقدم وصفه بأنه في حمى قيظ فلو كان قال: طرفي ~~وقلبي منك لم يحسن في الترتيب أن يؤخر قوله في رياض ربيع والطرف مقدم. # وكذلك أيضا قول الآخر: # فاللامعات أسنة وأسرة ... والمائسات ذوابل وقدود1 # لأن القدود لما كانت مؤخرة وجب أن تكون الأسرة كذلك وأن يقدم الأسنة كما ~~قدمت الذوابل وأمثال هذا كثيرة. # ومن المناسبة أيضا: التناسب في المقدار وهذا في الشعر محفوظ بالوزن فلا ~~يمكن اختلاف الأبيات في الطول والقصر فإن زاحف بعض الأبيات أو جعل الشعر ~~كله مزاحفا حتى مال إلى الانكسار وخرج من باب الشعر في الذوق كان قبيحا ~~ناقص الطلاوة كقصيدة عبيد بن الأبرص: # أقفر من أهله ملحوب # وكقوله ابن يعفر: # إنا ذممنا على ما خيلت ... سع د بن زيد وعمرا من تميم # وضبة المشتري العار بنا ... وذاك عم بنا غير رحيم # ونحن قوم لنا رماح ... وثروة من موال وصميم2 # فإن هذا غير مستحسن لأنه خارج عن أسلوب المنظوم والمنثور وإن PageV01P192 # كان في العروض مستقيما وكان الخليل بن أحمد يستحسن بعض الزحاف في الشعر ~~إذا قل وإذا كثر قبح عنده. وقال بعض الأدباء: هو مثل اللثغ في الجارية ~~يشتهى القليل منه وإن كثر هجن وسمج. فأما الكلام المنثور فالأحسن منه تساوى ~~الفصول في مقاديرها أو يكون الفصل الثاني أطول من الأول. وعلى هذا أجمع ~~الكتاب وقالوا لا يجوز أن يكون الفصل الثاني أقصر من الأول والذوق يشهد بما ~~قالوه ويقضى بصحته ولهذا السبب استقبحوا إطالة الفصول لئلا يؤتى بالجزء ~~الأول طويلا فيحتاج إلى إطالة التالي له ليساويه أو يزيد عليه فيظهر في ~~الكلام التكلف ويقع ما لا حاجة لمعنى والغرض إليه. # ومن التناسب بين الألفاظ: المجانس1 وهو أن يكون بعض الألفاظ مشتقا من بعض ~~إن كان معناهما واحدا أو بمنزلة المشتق إن كان معناهما مختلفان أو تتوافق ~~صيغتا اللفظتين مع اختلاف المعنى وهذا إنما يحسن في بعض المواضع ms123 إذا كان ~~قليلا غير متكلف ولا مقصود في نفسه وقد استعمله العرب المتقدمون في أشعارهم ~~ثم جاء المحدثون فلهج به منهم مسلم بن الوليد الأنصاري وأكثر منه ومن ~~استعمال المطابق والمخالف وهذه الفنون المذكورة في صناعة الشعر حتى قيل عنه ~~أنه أول من أفسد الشعر. وجاء أبو تمام حبيب بن أوس بعده فزاد على مسلم في ~~استعماله والإكثار منه حتى وقع له الجيد والرديء الذي لا غاية وراءه في ~~القبح فمما للعرب قول امرئ القيس: PageV01P193 # لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا1 # وقول القطامي: # كنية الحي من ذي القيظة احتملوا ... مستحقبين فؤادا ماله فاد # وقول جرير بن عطية: # وما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن الخير حابس2 # وقول حبان بن ربيعة الطائي: # لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حد إذا لبس الحديد3 # وقول النعمان بن بشير: # ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا ... وليلك عما ناب قومك نائم # وقال رجل من بني عيسى: # وذلكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن أنفكم لا يعرف الأنفا PageV01P194 # وقول مسكين الدارمي: # وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية ... إذا الكواكب كانت في الدجا سرجا1 # وقول زياد الأعجم: # ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام2 # وبعض البغداديين يسمى تساوى اللفظتين في الصفة مع اختلاف المعنى: المماثل ~~ككاهل وكاهل في هذا البيت وهو جل وهو جل في قول قول الأفواه الأودي: # وأقطع الهوجل مستأنسا ... بهوجل عيرانة عنتريس3 # لأن لفظة الهوجل واحدة والمراد بالأولى الأرض البعيدة وبالثانية الناقة ~~العظيمة الخلق ويسمى المجانس ما توافقت فيه اللفظتان بعض الاتفاق وأبو ~~الفرج قدامة بن جعفر الكاتب يسمى هذا الفن الجنس ويسمى المطابق المتكافئ ~~وقد أنكر عليه ذلك أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي. # وقال إن هذا البيت وإن صح بموافقته معنى الألقاب وإنها غير محظورة فإن ~~الناس قد تقدموا أبا الفرج في تلقيب هذا الأنواع مثل أبي العباس عبد الله ~~بن المعتز بالله وغيره وكفوه المؤنة في اختراع ألقاب تخالفهم والصواب ما ~~قاله أبو القاسم. # ومن مجانس أبي ms124 تمام المختار قوله: PageV01P195 # يمدون من أيد عواص عواصم ... تطول بأسياف قواض قواضب1 # وقوله: # أرامة كنت مألف كل رئم ... لو استمتعت بالأنس المقيم # وقوله: # فيا دمع أنجدني على ساكني نجد # ومن قبيح تجنيه قوله: # قرت بقران عين الدين وانشترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما # وقوله: # خشنت عليه أخت بني خشين # وقوله: # فأسلم من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى ومهما أورق السلم2 # وقوله: # سلم على الربع من سلمى بذي سلم # وقوله: # تجرع أسى قد أقفر الأجرع الفرد # وله من هذا الجنس أبيات كثير والسبب في ذلك أنه أحب الإكثار ولم يقنع ~~باليسير الذي يسمح به خاطره ويقع بغير تكلف ولا تعمل. PageV01P196 # ومما ورد في القرآن العظيم من هذا الفن قوله تبارك وتعالى: {ثم انصرفوا ~~صرف الله قلوبهم} 1 وقوله تبارك وتعالى: {يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار} 2 وقوله عز وجل: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} 3 ومن كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " عصية عصت الله وغفار غفر الله لها وأسلم ~~سالمها الله " وقال خالد ابن صفوان لرجل من بني عبد الدار: هشمتك هاشم ~~وأمتك أمية وخزمتك مخزوم فأنت ابن عبد دارها ومنتهى عارها. وكتب بعض ~~الكتاب: العذر مع التعذر واجب فرأيك فيه وقال آخر: لا ترى الجاهل إلا مفرطا ~~أو مفرطا. # وقال العلاء بن سليمان: # والحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر # وقال مهيار بن مرزويه: # وإذا عددت سنى لم أك صاعدا ... عدد الأنابيب التي في صعدتي # وألام فيك شبت على الصبا ... يا جور لأئمتي عليك ولمتي4 # وقال أبو العلاء بن سليمان: # إن جهلا سلمى لآل سليمى ... وثنائي على عذاب الثنايا # وقال أبو عبادة: PageV01P197 # ورأيتني فرأيت أحسن منظر ... رب القصائد في القنا المتقصد1 # وقال أيضا: # ومذهب حب لم أجد عنه مذهبا ... وشاغل حب لم أجد عنه شاغلا # وقال: # هل لما فات من تلاق تلاف ... أو لشاك من الصبابة شاف # وقد سمى قدامة بن جعفر2 هذا الفن من المجانس في تلاق وتلاف المضارعة إذا ~~كانت إحدى اللفظتين ms125 تماثل الأخرى بأكثر الحروف ولا تشابهها في الجميع ومثل ~~ذلك بقول نوفل بن مساحق للوليد وقد اعتد عليه بالأذن له على نفسه وهو يلعب ~~بالحمام. وقال: خصصتك بهذه المنزلة فقال له نوفل: ما خصصتني ولكن خسستني ~~لأنك كشفت لي عورة من عوراتك. وأمثال هذا كثير. والمحمود منه ما قل ووقع ~~تابعا للمعنى غير مقصود في نفسه. # ومن المجانس: فن ورد في شعر أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان وسماه ~~لنا مجانس التركيب لأنه يركب من الكلمتين ما يتجانس به الصيغتان كقوله: # مطايا مطايا وجدكن منازل ... مني زل عنها ليس عني بمقلع # وما أحفظ لأحد من الشعراء شيئا من قبيله وهو عندي غير حسن ولا مختار ولا ~~داخل في وصف من أوصاف الفصاحة والبلاغة. PageV01P198 # فأما مجانس التصحيف فقد ورد في شعر أب عبادة كقوله: # ولم يكن المغتر بالله إذ شرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه1 # وكقوله: # وكأن السليل والنثرة الحصداء ... منه على سليل عريق2 # وهذا أول طبقات المجانس لأنه مبنى على تجانس أشكال الحروف في الخط وحسن ~~الكلام وقبحه لا يستفاد من أشكال حروفه في الكتابة إذ لا علقة بين صيغة ~~اللفظ في الحروف وشكله في الخط. # فأما تناسب الألفاظ من طريق المعنى فإنها تتناسب على وجهين أحدهما أن ~~يكون معنى اللفظتين متقاربا والثاني أن يكون أحد المعنيين مضادا للآخر أو ~~قريبا من المضاد فأما إذا خرجت الألفاظ عن هذين القسمين فليست بمناسبة وقد ~~سمى أصحاب صناعة الشعر المتضاد من معاني الألفاظ المطابق وسماه أبو الفرج ~~قدامة بن جعفر الكاتب المتكافيء وأنكر ذلك عليه أبو القاسم الحسن بن بشر ~~على ما حكيناه في المجانس. وحكى أبو علي محمد بن المظفر الحاتمي عن أبي ~~الفرج على بن الحسين الأصفهاني. قال: قلت لأبي الحسن على بن سليمان الأخفش ~~أجد قوما يخالفون في الطباق فطائفة تزعم وهي الأكثر: أنه ذكر الشئ وطائفة ~~تخالف في ذلك وتقول: هو اشتراك المعنيين في لفظ واحد فقال: من هو الذي يقول ~~هذا فقلت قدامة فقال: PageV01P199 # هذا يا ms126 بني هو التجنيس ومن زعم أنه طباق فقد ادعى خلافا على الخليل ~~والأصمعي فاتفق الأخفش والآمدي على مخالفة أبي الفرج في التسمية وسمى أصحاب ~~صناعة الشعر ما كان قريبا من التضاد المخالف وقسم بعضهم التضاد فسمى ما كان ~~فيهما لفظتان معناهما ضدان كالسواد والبياض المطابق وسمى تقابل المعاني ~~والتوفيق بين بعضها وبعض حتى تأتي في الموافق بما يوافق وفي المخالف بما ~~يخالف على الصحة: المقابلة. وسمى ما كان فيه سلب وإيجاب: بالسلب والإيجاب ~~ولم يجعله من المطابق ولكل من ذلك أمثلة سنذكرها ونوضحها فأما التسمية فلا ~~حاجة بنا إلى المنازعة فيها لأن الغرض فهم هذه المناسبة دون الكلام في أحق ~~الأسماء بها على أن الذي أختاره تسمية الجميع بالمطابق لأن الطبق للشيء ~~إنما قيل له طبق لمساواته إياه في المقدار إذا جعل عليه أو غطى به وإن ~~اختلف الجنسان وفي المثل وافق شن طبقه ومنه طباق الخيل. # يقال: تطابق الفرس إذا وقعت رجلاه في موضع يديه في المشي والعدو وكذلك ~~الكلاب. # قال النابغة الجعدي: # وخيل يطابقن بالدار عين ... طباق الكلاب يطأن الهراسا1 # وقد فسر قول الله تعالى: {لتركبن طبقا عن طبق} 2 أي حالا بعد حال ولم يرد ~~تساويهما في نفس المعنى وإنما أراد تساويهما في المرور عليكم والتعيير لكم ~~فإذا كان هذا حقيقة الطباق وهو مقابلة الشئ بمثله الذي هو على قدره سمو ~~المتضادين إذا تقابلا متطابقين. # وهذا الباب يجرى مجرى المجانس ولا يستحسن مه إلا ما قل ووقع غير مقصود ~~ولا متكلف فإما إذا كان معنيا الكلمتين غير PageV01P200 # متناسبين لا على التقارب ولا على التضاد فإن ذلك يقبح ومنه ما أنكره نصيب ~~على الكميت في قوله: # أم هل ظعائن بالعلياء نافعة ... وإن تكامل فيها الدال والشنب # فإنه قال له: أين الدل من الشنب إنما يكون الدل مع الغنج ونحوه والشنب مع ~~اللعس أو ما يجري مجراه من أوصاف الثغر والفم. فكان الدل والشنب في قول ~~الكميت عيبا لأنهما لفظتان لا يتناسبان بتقارب معنيهما ولا بتضادهما. # ومما يستحسن من ms127 المطابق قول أبي عبادة البحتري: # فأراك جهل الشوق بين معالم ... منها وجد الدمع بين ملاعب # وهذه هي ديباجة أبي عبادة المعروفة وكلامه السهل الممتنع وشعره الخضل ~~لكثرة مائه وقول أبي الطيب: # أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغرى بي # فهذا البيت مع بعده من التكلف كل لفظة من ألفاظه مقابلة بلفظة هي لها من ~~طريق المعنى بمنزلة الضد: فأزورهم وأنثني وسواد وبياض والليل والصبح ويشفع ~~ويغرى ولي وبي وأصحاب صناعة الشعر لا يجعلون الليل والصبح ضدين بل يجعلون ~~ضد الليل النهار لأنهم يراعون في المضادة استعمال الألفاظ وأكثر ما يقال ~~الليل والنهار ولا يقال الليل والصبح وبعضهم يقول في مثل هذا: مطابق محض ~~ومطابق غير محض فالليل والصبح عنده من بيت المتنبي طباق غير محض # PageV01P201 # ومن المطابق المحض قول دعبل بن علي: # لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى # ولو قال: تبسم وبكا لم يكن عندهم من المطابق المحض. ومن المطابق قول ~~بعضهم: كدر الجماعة خير من صفو الفرقة فكدر وصفو والجماعة والفرقة من ~~الطباق المحض وقال محمد بن عمران التيمي: ما اجمد في الحق ولا أذوب في ~~الباطل. وقال عمر بن الخطاب: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله ~~فيه. # وقال زهير: # ليث يعثر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا1 # وقال طفيل الغنوي: # بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول2 # وقال حبيب بن أوس: # ما إن ترى الأحساب بيضا وضحا ... إلا بحيث ترى عنكم المنايا سودا # وقال جرير بن عطية: # وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شر عنكم بشماليا # وقال عبد الله بن الزبير الأسدي: # فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا PageV01P202 # وقال الفرزدق: # لعن الإله بني كليب أنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار # يستقظون إلى نهاق خميرهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار # وقال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان فيا قرأنا عليه: # ومن دونها يوم من الشمس عاطل ... وليل بأطراف الأسنة حال1 # وقال ms128 بشار بن برد: # إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمرا ثم نم # وهذا كله من المطابق المختار فأما المتكلف القبيح فكقول حبيب ابن أوس: # لعمري لقد حررت يوم لقيته ... لو أن القضاء وحده لم يبرد # وقوله: # وإن خفرت أموال قوم اكفهم ... من النيل والجدوى فكفاك مقطع2 # فهذان البيتان من الطباق القبيح الذي لم يرد لحسن معناه وسلامة لفظه بل ~~لتكون في الشعر مطابقة فقط. # ومما يجري مجرى المطابق: أن يقدم في الكلام جزء ألفاظه منظومة نظاما ~~ويتلى بآخر يجعل فيه ما كان مقدما في الأول مؤخرا في الثاني وما كان مؤخرا ~~مقدما وقد سمى قدامة بن جعفر الكاتب هذا الفن PageV01P203 # التبديل ومثله بقوله بعضهم: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك وبقول ~~الحسن البصري: إن من خوفك حتى تلقى الأمن وير لك ممن أمنك حتى تلقى الخوف. ~~وقول عمر بن عبيد في بعض دعائه: اللهم أغنني بالفقر إليك ولا تفقرني ~~بالاستغناء عنك. وقول رجل لآخر وكان يتعهده بالبر: اسأل الذي رحمني بك أن ~~يرحمك بي # فأما المخالف فهو الذي يقرب من التضاد فكقول أبي تمام: # تردى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر # قال الحمر والخضر من المخالف وبعض الناس يجعل هذا من المطابق. # وكذلك قول عمر بن كلثوم: # بانا نورد الرايات بيضا ... وتصدرهن حمرا قد روينا # وقول الوليد بن عبيد البحتري: # والصحيح أنهم يعتبرون في التضاد استعمال الألفاظ والأحمر والأبيض ليسا ~~بضدين على عرفهم. وإنما ضد البياض السواد على ما ذكرناه آنفا. # ومن قبيح المخالف قول أبي تمام: # مكرهم عنده فصيح وإن هم ... خاطبوا مكره رأوه جليبا # لأنه لما أراد أن يخالف بين فصيح وجليب وهو الذي قد جلب في السبي فلم ~~يفصح بالكلام وجعل المكر جليبا وذلك من الاستعارات المستحيلة والأغراض ~~الفاسدة. # PageV01P204 # وأما الإيجاب والسلب فكقول أبي عبادة: # تقيض لي من حيث لا أعلم النوى ... ويسرى إلي الشوق من حيث أعلم # وكقول السموأل: # وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول ms129 حين نقول # وكقول الشماخ: # هضيم الحشا لا يملأ الكف خصرها ... ويملأ منها كل حجل ودملج # فقوله: لا أعلم واعلم وننكر ولا ينكرون ولا يملأ ويملأن من السلب ~~والإيحاب. # فأما الذي ذكرناه أنه يسمى المقابلة في مراعاة المعاني حتى يأتي في ~~الموافق وفي المخالف ما يخالف على الصحة فسنورد أمثلته عند شروعنا في ~~الكلام على المعاني بعد الفراغ من الألفاظ وما يتعلق بها بمشيئة الله ~~وبعونه. # ومن شروط الفصاحة والبلاغة: الإيجاز والاختصار وحذف فضول الكلام حتى يعبر ~~عن المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة. وهذا الباب من أشهر دلائل الفصاحة ~~وبلاغة الكلام عند أكثر الناس حتى أنهم إنما يستحسنون من كتاب الله تعالى ~~ما كان بهذه الصفة ومن الناس من يقول: إن من الكلام ما يحسن فيه الاختصار ~~والإيجاز كأكثر المكاتبات والمخاطبات والأشعار ومنه ما يحسن فيه الإسهاب ~~والإطالة كالخطب والكتب التي يحتاج أن يفهمها عوام الناس وأصحاب الأذهان ~~البعيدة فإن الألفاظ إذا طالت فيها وترددت في إيضاح المعنى أثر ذلك عندهم # PageV01P205 # فيه ولو اقتصر بهم على وحى الألفاظ وموجز الكلام لم يقع لأكثرهم. # حتى يقال في ذكر السيف: الحسام القاطع والجزار الباتر وفي وصف الشجاع: ~~البطل الفاتك النجد الباسل وما يجرى هذا المجري. قالوا: وربما كان ذلك ~~الكتاب بالفتح أو الخطبة تقرأ في موقف حافل يكثر فيه لغط الناس وصخبهم ~~فيحتاج إلى تكرار الألفاظ ليكون ما يفوت سماعه قد استدرك ما هو في معناه. # والذي عندي في هذا الباب أنهم إن كانوا يريدون بالإطالة تكرر المعاني ~~والألفاظ الدالة عليها وخروجها في معاريض مختلفة ووجوه متباينة - وإن كان ~~الغرض الأصل واحد - فليس هذا مما نحن بسبيله لأنه بمنزلة إعادة كلام واحد ~~مرارا عدة فإن تلك الإعادة لا تؤثر فيه حسنا ولا قبحا وإن كانوا يريدون أن ~~المعنى الذي يمكن أن يعبر عنه بألفاظ يسيرة موجزة قد يحسن أن يعبر عنه ~~بألفاظ طويلة ليكون ذلك داعيا إلى فهم العامي والبليد له وتكون الإطالة في ~~هذا الموضع خاصة أصح وأحمد كما أن الوحي والإشارة في ms130 موضعهما أوفق وأحسن ~~فأنا لا نسلم ذلك لأنا نذهب إلى أن المحمود من الكلام ما دل لفظه على معناه ~~دلالة ظاهرة ولم يكن خافيا مسغلقا كالمعنى التي وردت في شعر أبي الطيب ~~وسنذكر ذلك مستوفى مستقصى فيما يأتي من هذا الكتاب. فإن كان الكلام الموجز ~~لا يدل على معناه دلالة ظاهرة فهو عندنا قبيح مذموم لا من حيث كان مختصرا ~~بل من حيث كان المعنى فيه خافيا وإن كان يدل على معناه دلالة ظاهرة إلا ~~أنها تخفى على البليد والبعيد الذهن ومن لا يسبق خاطره إلى تصور المعنى ولو ~~كان الكلام طويلا لجاز أن يقع لهم الفهم فليس هذا عندنا بموجب أن يكون ~~الإسهاب في موضع من المواضع أفضل من الإيجاز. # كما أن النقوش الغليظة في كثير من الصناعات لا تكون أحسن من النقوش ~~الدقيقة. # PageV01P206 # لأن تلك يدركها الضعيف البصر ويتعذر عليه إدراك هذه ولو اعتبرنا هذا في ~~الكلام وفهم البليد له لاعتبرنا ذلك في النقوش وإدراك الضعيف البصر لها ~~وهذا فاسد. ويلزم من ذهب إلى اختيار العبارة عن المعنى بالألفاظ الكثيرة من ~~حيث كان ذلك سببا لفهم عوام الناس ومن لا يسبق ذهنه إلى تصور المعنى أن ~~يختار الألفاظ العامية المبتذلة على الألفاظ الفصيحة التي لم تكثر ~~استعمالها العامة ولا ابتذلوها لأن علته في اختيار الطويل لأجل فهمهم له ~~قائمة في الألفاظ المتبذلة ولا خلاف أنهم إلى فهمها أقرب من فهم ما يقل ~~ابتذالهم له وهذا مما لا يذهب إليه أحد ولا التزامه ملتزم. # وقد قسموا دلالة الألفاظ على المعاني ثلاثة أقسام أحدها المساواة وهو أن ~~يكون المعنى وفاضلا عنه والثالث الإشارة وهو أن يكون المعنى زائدا على ~~اللفظ. أي أنه لفظ موجز يدل على معنى طويل على وجه الإشارة واللمحة. # وقالوا: إن التذبيل يصلح للمواقف الجامعة وبحيث يكون الكلام مخاطبا به ~~عامة الناس ومن لايسبق ذهنه إلى تصور المعاني والإشارة تصلح لمخاطبة ~~الخلفاء والملوك ومن يقتضى حسن الأدب عنده التخفيف في خطابه وتجنب الإطالة ~~فيما يتكلف سماعه والمساواة ms131 إلي هي الوسط بني هذين الطرفين من الإشارة ~~والتذبيل تصلح للوسط بين الطرفين اللذين هما الملوك وعوام الناس. والذي ~~عندي في هذا ما ذكرته وهو أن المختار في الفصاحة والدال على البلاغة هو أن ~~يكون المعنى مساويا للفظ أو زائدا عليه وأعنى بقولي زائدا عليه أن يكون ~~اللفظ القليل يدل على المعنى الكثير دلالة واضحة ظاهرة لا أن تكون الألفاظ ~~لفرط إيجازها قد ألبست المعنى وأغمضته حتى يحتاج في استنباطه إلى # PageV01P207 # طرف من التأمل ودقيق الفكر فإن هذا عندي عيب في الكلام ونقص على ماأبينه ~~فيما بعد وقد دللت على اختيار الإيجاز والاختصار بما تقدم ويدل عليه أيضا ~~أن من اختار الإطالة وسماها التذبيل إنما حجته في ذلك أنه اعتبر الكلام ~~بالإضافة إلى المخاطب به وليس للمخاطب تأثير في حسن تأليف الكلام وقبحه ولو ~~جاز أن يعتبر الكلام بالإضافة إلى المخاطب لجاز أن يعتبر بالإضافة إلى ~~المخاطب به حتى يكون ذلك مؤثرا في صحته أو فساده وحسنه أو قبحه وكنا نستحسن ~~كلام العالم العاقل وإن كان ردئ التأليف ونستقبح كلام الجاهل وإن كان في ~~أعلى طبقات الفصاحة حتى يكون شعر أبي عثمان الجاحظ وأبي إسحاق النظام أعظم ~~عندنا من شعر أبي حية النميري ومن جرى مجراه وهذا مما لا يدخل في مثله ~~شبهة. وسنتكلم على من يعتبر الكلام بالإضافة إلى زمان قائلة حتى يقدم كثيرا ~~من المتقدمين على المحدثين بمجرد تقدمهم بما نستوفي الحجة فيه ونزيل موقع ~~الشبهة وإن كانت ضعيفة لا تخفى على من طباعه سليمة وبنيته صحيحة. # وذكروا أن جعفر بن يحيى بن خالد1 كان يقول لكتابه: إن استطعتم أن يكون ~~كلامكم كله مثل التوقيف فافعلوا فهذا أمر لهم بالإيجاز وتجنب الإطالة وقد ~~كان جعفر كبيرا في هذه الصناعة. # فأما قول قيس بن خارجة الفزاري لما قيل له ما عندك في حمالات داحس. قال: ~~عندي قرى كل نازل ورضي كل ساخط وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب آمر ~~فيها بالتواصل وأنهى عن التقاطع. فليس PageV01P208 # ذلك من ms132 الإطالة في العبارة عن المعنى الواحد بالألفاظ الكثيرة لأنه يجوز ~~أن يكون أراد خطبة تكثر فيها المعاني والألفاظ على ما قدمناه. # ومن أمثلة الإيجاز والاختصار قول الله تبارك وتعالى: {ولكم في القصاص ~~حياة} 1. # لأن هذه الألفاظ على إيجازها قد عبر بها عن معنى كثير وذلك أن المراد يها ~~أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل كان ذلك داعيا هل قويا إلى أن لا يقدم ~~على القتل فارتفع بالقتل الذي هو قصاص كثير من قتل بعضهم لبعض فكان ارتفاع ~~التقل حياة لهم وهذا معنى إذا عبر عنه بهذه الألفاظ اليسيرة في قوله تعالى ~~ولكم في القصاص حياة كان ذلك من أعلى طبقات الإيجاز. # وقد استحسن أيضا في هذا المعنى قولهم: القتل أنفى للقتل. وبينه وبين لفظ ~~القرآن تفاوت في البلاغة وذلك من وجوه: أحدها أنه ليس كل قتل ينفى القتل ~~وإنما القتل الذي ينفيه ما كان على وجه القصاص والعدل ففي ذكر القصاص بيان ~~للمعنى وكشف للغرض وثانيها أن في قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} من ~~إبانة الغرض المرغوب فيه بذكر الحياة ما ليس في قوله القتل أنفى للقتل وهذه ~~زيادة في الإيضاح وثالثها أن نظير قوله القتل أنفى للقتل القصاص حياة ~~والقصاص حياة أوجز لأنه عشرة أحرف والقتل أنفى للقتل أربعة عشر حرفا ~~ورابعها أن في القتل أنفى للقتل تكريرا وليس في القصاص حياة تكرير وقد ~~قدمنا أن تكرير الحروف عيب في الكلام على ما ذكرناه فيما مضى من هذا ~~الكتاب. # ومن الإيجاز أيضا قوله تبارك وتعالى: {ولو ترى إذ فزعوا فلا PageV01P209 # فوت وأخذوا من مكان قريب} 1 وقوله تبارك وتعالى: {يحسبون كل صيحة عليهم} ~~2 وقوله تعالى: {إنما بغيكم على أنفسكم} 3. وأمثال هذا في القرآن كثير. # والقصد الإيجاز فيما وقع فيه حذف كثير حتى حذفت الأجوبة لدلالة الكلام ~~عليها كقوله تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم ~~به الموتى} 4. # كأنه يريد لكان هذا القرآن ولم يقل ذلك. # وقوله تعالى: {وسيق الذين ms133 اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها ~~وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} 5 كأنه ~~يريد لما كان هذا كله حصلوا على النعيم الذي لا يشوبه كدر أو غير ذلك من ~~الألفاظ ولم يقله. وفي هذا الحذف في الكلام مع الدلالة على المراد فائدة ~~لأن النفس تذهب فيه كل مذهب ولو ورد ظاهرا في الكلام لاقتصر به على البيان ~~الذي تضمنه فكان حذف الجواب أبلغ لهذه العلة. كما تقول: لو رأيت عليا بين ~~الصفين وتحذف الجواب فيذهب السامع كل مذهب ولو قلت: لو رأيت عليا عليه ~~السلام بني الصفين لرأيت شجاعا أو لرأيت رجلا يقتل الأبطال أو ما يجري هذا ~~المجرى لم يكن في العظم عند السامع بمنزلة حذف الجواب لأنه يذهب مع الحذف ~~كل مذهب ولا يعول على نفس ما كان يرد في اللفظ فقط. # ومما قصد به الإيجار: حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه بحث يقع العلم ~~ويزول اللبس كقوله تبارك وتعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي ~~أقبلنا فيها} 6 والمعنى أهل القرية وأصحاب العير. PageV01P210 # وكان أبو الحسن عل نب عيسى الرماني يسمى هذا الجنس - وهو إسقاط كلمة ~~لدلالة فحوى الكلام عليها: الحذف ويسمى بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير ~~المعنى من غير حذف: القصر ويجعل الإيجار على ضربين القصر والحذف. وكان يسمى ~~العبارة عن المعنى بالكلام الكثير. مع أن القليل يكفى فيه: التطويل ويسمى ~~العبارة عن المعنى بالكلام الكثير الذي يستفاد منه إيضاح ذلك المعنى ~~وتفصيلة: الإطناب ويجعل التطويل عيبا وعيا والأطناب حسنا ومحمودا. # وهذا المذهب من أبى الحسن موافق لما اخترناه لأنه يذهب إلى حسن الأطناب ~~الذي هو عنده طول الكلام في فائدة وبيان وإخراج للمعنى في معاريض مختلفة ~~وتفصيل له ليتحققه السامع ويستقر عنده فهمه وهذا هو الذي اخترناه وقلن أنه ~~في إنه على التحقيق ألفاظ كثيرة ومعان كثيرة وكذلك قد وافقنا استقباح ~~التطويل وحمد الإيجاز على ما فسره من معنييهما عنده. # ويجب أن نحد الإيجاز المحمود بأن ms134 نقول: هو إيضاح المعنى بأقل ما يمكن من ~~اللفظ وهذا الحد أصح من حد أبي الحسن الرماني بأنه العبارة عن المعنى بأقل ~~ما يمكن من اللفظ وإنما كان حدنا أولى لأنا قد احترزنا بقولنا: إيضاح من أن ~~تكون العبارة عن المعنى وإن كانت موجزة غير موضحة له حتى يختلف الناس في ~~فهمه فيسبق إلى قوم دون قوم بحسب أقساطهم من الذهن وصحة التصور فإن ذلك وإن ~~كان يستحق لفظ الإيجاز والاختصار فليس بمحمود حتى يكون دلالة ذلك اللفظ على ~~المعنى دلالة واضحة. # وقد قدمنا ما ورد في القرآن من أمثلة ذلك وإن كانت كثيرة يطول استقصاؤها ~~ومنه قول أمير المؤمنين عليه السلام: قيمة كل امرئ ما يحسن فإن هذه الألفاظ ~~على غاية الإيجاز وإيضاح المعنى وظهور حسنها يغنى عن وصفه. # PageV01P211 # وروى أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب عن أحمد بن يوسف الكاتب أنه قال: ~~دخلت يوما على المأمون وفي يده كتاب وهو يعاود قراءته تارة بعد أخرى ويصعد ~~ويصوب فيه طرفه قال: فلما مرت على ذلك مدة من زمانه التفت إلى فقال: يا ~~أحمد أراك مفكرا فيما تراه منى قلت: نعم! وفى الله أمير المؤمنين المكاره ~~وأعاذه من المخاوف قال: فإنه لا مكروه في الكتاب ولكني قرأت فيه كلاما ~~وجدته نظير ما سمعت الرشيد يقوله في البلاغة فإني سمعته يقول: البلاغة ~~التباعد عن الإطالة والتقرب من معنى البغية والدلالة بالقليل من اللفظ على ~~المعنى وما كنت أتوهم أن أحدا يقدر على المبالغة في هذا المعنى حتى قرأت ~~هذا الكتاب أتوهم أن أحدا يقدر على المبالغة في هذا المعنى حتى قرأت هذا ~~الكتاب ورمى به إلى. وقال هذا كتاب عمرو بن مسعدة إلينا. قال: فقرأته فإذا ~~فيه: كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من قواده وسائر أجناده في الانقياد ~~والطاعة على أحسن ما يكون طاعة جند تأخرت أرزاقهم وانقياد كفاة تراخت ~~أعطياتهم فاختلت لذلك أحوالهم والتاثت معه أمورهم فلما قرأته قال لي: إن ~~استحساني إياه بعثني على أن أمرت للجد قبله ms135 بعطاياهم لسبعة أشهر وأنا على ~~مجازاة الكاتب بما يستحقه من حل محله في صناعته. # وروى عن المأمون أيضا: أنه أمر عمرو بن مسعدة أن يكتب لرجل يعنى به إلى ~~بعض القمال وأن يختصر كتابه ما أمكنه حتى يكون ما يكتب به في سطر واحد فكتب ~~إليه عمرو بن مسعدة: كتابي إليك كتاب واثق بمن كتبت إليه معنى بمن كتبت له ~~ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله. # ومن أمثلة الإيجاز في النظم قول زهير: # فإني لو لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاه # PageV01P212 # لأن مقصوده إنني لو واجهتك لكان عندي مكافأة لك على كل أمر يبدو منك ~~أنكره فقد أورد المعنى في لفظ قليل وبهذا كان يوصف شعره زهير أنه كثير ~~الإيجاز مع الإيضاح لمعانيه. # ومن ذلك أيضا قول امرئ القيس: # على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كز ولا وان1 # لأنه جمع بقوله: أفانين جرى ما لو عد كان كثيرا وأضاف إلى ذلك أوصاف ~~الجودة في الفرس بقوله: إنه يعطى قبل سؤاله أفانين جريه ولا يحتاج إلى حث ~~ونفى عنه بقوله: غير كز ولا وان أن تكون معه الكزازة من قبل الجماح ~~والمنازعة والوني من قبل الاسترخاء والفترة. فكان في هذا البيت جملة من وصف ~~الفرس قد عبر بها عن معان كثيرة. # ومما يذكر من الإيجاز أيضا قول امرأة من عكل: يا ابن الدعي إنه عكل: # يا بن الداعي إنه عكل فقف ... لتعلمن اليوم إن لم تنصرف # أن الكريم واللئيم مختلف # وهذا إجمال في المعنى وإيجاز في العبارة عنه. # ومن ذلك أيضا قول الشريف الرضى: # مالوا على شعيب الرحال وأسندوا ... أيدي الطعان إلى قلوب تخفق2 # لأنه لما أراد أن يصف هؤلاء القوم بالشجاعة في متابعتهم الغرام والصبابة ~~عبر عن ذلك بقوله: أيدي الطعان فأتى بأخصر ألفاظ وأوجزها. PageV01P213 # ومن الإيجاز أيضا قول عمر بن معد يكرب: # فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت # أي شقت لساني كما يجر لسان الفصيل يريد أنها اسكتتني # ومن هذا الفن أيضا قول حميد ms136 بن ثور الهلالي: # أرى بصرى قد خانني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما # فإن قوله: وحسبك داء أن تصح وتسلما من الإيجاز الحسن. وكذلك قول نصيب. # فإن قوله: لو سكتوا اثنت عليك الحقائب من الكلام الحسن الموجز. # والأصل في مدح الإيجاز والاختصار في الكلام أن الألفاظ غير مقصودة في ~~أنفسها وإنما المقصود هو المعاني والأغراض التي احتيج إلى العبارة عنها ~~بالكلام فصار اللفظ بمنزلة الطريق إلى المعاني التي هي مقصودة وإذا كان ~~طريقان يوصل كل واحد منهما إلى المقصود على سواء في السهولة إلا أن أحدهما ~~أخصر وأقرب من الآخر فلا بد أن يكون المحمود منهما هو أخصرهما وأقربهما ~~سلوكا إلى المقصد فإن تقارب اللفظان في الإيجاز وكان أحدهما أشد إيضاحا ~~للمعنى كان بمنزلة تساوى الطريقين في القرب وزيادة أحدهما بالسهولة. ومثل ~~هذا قول أبى عبادة: # ولم أني ليلتنا في العناق ... لف الصبا بقضيب قضيبا # وقول غيره: # وضم لا ينهنهه اعتناق ... كما التف القضيب على القضيب # PageV01P214 # فإن هذين البيتين وأن تساويا في كمية الألفاظ فإن بيت أبي عبادة أوضح ~~لأنه بين بذكر الصبا ما يلف القضيب على القضيب. # ومن ذلك أيضا قول أبي القاسم المطرز البغدادي: # وردت وقد حل لي ماؤه ... فلما بكيت عليه حرم # وقول مهيار بن مرزويه: # فبيت مهيار وأن قارنت ألفاظه عدد ألفاظ بيت المطرز فقد تضمن من إيضاح ~~المعنى ما لم يتضمنه بيت المطرز لأن قائلا لو قال لم حرم الماء لما بكى ~~عليه لو جب - في حق تفسير المعنى وإيضاحه - أن يقال: لأن دموعه كانت دما ~~غلب على هذا الماء والدم حرام فقد أتى مهيار بهذا التفسير في متن البيت. # وعلى هذا القياس يعتبر الإيضاح في الإيجاز لئلا يقع فيه إخلال بالمعنى ~~وإشكال فيه ولذلك أمثله منها قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: # أعاذل عاجل ما أشتهى ... أحب من الأكثر الرائث # لأنه أراد عاجل ما اشتهى مع القلة أحب إلى من الأكثر المبطي فترك مع ~~القلة وبه تمام المعنى. # ومنها ms137 قول عروة بن الورد: # عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... وفقدلهم عند الوغى كان أعذرا # كأنه أراد أن يقول: عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم في السلم # PageV01P215 # وقتلهم في الحرب أعذر فترك في السلم وبه يتم المعنى. # ومنها قول الحارث بن حلزة: # والعيش خير في ظلا ... ل النوك ممن عاش كدا1 # فأراد أن يقول: والعيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال ~~العقل فأخل بأكثر المعنى. # ومن أمثلة ذلك في النثر ما حكاه أبو الفرج قدامة بن جعفر أن بعضهم كتب في ~~كتاب له: فإن المعروف إذا وحى2 كان أفضل منه إذا توفر وأبطأ. فأراد أن ~~يقول: أن المعروف إذا قل ووحا كان أفضل منه إذا كثر وأبطأن فترك ما بنى ~~المعنى عليه وهو ذكر القلة. وكذلك كتب بعضهم: فما زال حتى أتلف ماله وهلك ~~رجاله وقد كان ذلك في الجهاد والإبلاء أحق بأهل الحزم وأولى. فاخل بما فيه ~~تمام المعنى وذلك أن الذي أراد: أنه أنفق ماله وأهلك رجاله في السلم ~~والموادعة وقد كان ذلك في الجهاد أفضل فاخل بذكر السلم أو ما يقوم مقامه ~~فصار المعنى ناقصا. # ولحمد الإيجاز فضل أحد الشاعرين على صاحبه إذا كانا قد اشتركا في معنى ~~وأوجز أحدهما في ألفاظه أكثر من الآخر ولهذا قدموا قول الشماخ بن ضرار: # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين3 # على قول بشر بن أبي حازم: PageV01P216 # إذا ما المكرمات رفعن يوما ... وقصر مبتغوها عن مداها # وضاقت أذرع المثرين عنها ... سما أوس إليها فاحتواها1 # وإن كان ابن أبي خازم سبق الشماخ إلى المعنى إلا أنه جاء به في بيتين ~~واختصره الشماخ فأتى به في بيت واحد. # ومن هذا القبيل أيضا قول امرئ القيس: # إذا ما استحمت كان فيض حميمها ... على متنتيها كالجمان لدى الجالي2 # فإن امرئ القيس أتى بهذا التشبيه في بيت واحد وأخذه الوليد بن يزيد فأساء ~~لأنه أتى به في بيتين فقال: # كأن الحميم على متنها ... إذا غرفته بأطساسها # جمان يجول على فضة ... جلته حدايد ms138 دواسها # على أن الوليد قد زاد في التشبيه بقوله: على فضة لكن بين ألفاظه وألفاظ ~~امرئ القيس تفاوت لا يخفى. # فأما المساواة بين اللفظ والمعنى كما وصف بعض الأدباء رجلا فقال: كانت ~~ألفاظه قوالب لمعانيه أي هي مساوية لها لا يفضل أحدهما على الآخر وحد ~~المساواة المحمودة هو إيضاح المعنى باللفظ الذي لا يزيد عنه ولا ينقص وقد ~~احترزت بقولي: إيضاح مما احترزت منه في حد الإيجار لما أذهب إليه من قبح ~~العبارة عن المعنى باللفظ الذي لا يوضحه وفرقت بين المساواة والتذييل ~~بقولي: لا يزيد عنه لأن التذييل لفظ يزيد على المعنى وفرقت بين المساواة ~~والإيجاز والإخلال بقولي: ولا ينقص لأن الإيجاز والإخلال لفظ ينقص عن ~~المعنى إلا أن الفرق بين الإيجار والإخلال أن الإيجاز على ما ذكرناه إيضاح ~~المعنى بأقل ما PageV01P217 # يمكن من اللفظ والإخلال هو نقص المعنى باختصار اللفظ فقد فهم بهذا القول: ~~الإيجاز والإخلال والمساواة والتذييل ولكل من ذلك أمثلة. # فأما أمثلة الإيجاز والإخلال فقد ذكرناها وأما أمثلة المساواة فكثيرة ~~ومنها قول زهير: # ومهما يكن عند امرئ من خليفة ... ولو خالها تخفى على الناس تعلم # وقوله أيضا: # إذا أنت لم تقصر عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل # وقوله طرفة بن العبد: # ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # وقول أبي نصر بن نباتة: # عسى ممسك الريح القبول يعيدها ... وينقص من أنفاسنا ويزيدها1 # وقوله أيضا: # إذا كان نقصان الفتى في تمامه ... فكل صحيح في الأنام عليل # وقول أبي الطيب: # أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم # وقول أبي عبادة: # ما زال يسبق حتى قال حاسده ... له طريق إلى العلياء مختصر PageV01P218 # وأمثال هذا أكثر من أن تحصى. # وأما التذييل: فهو العبارة عن المعنى بألفاظ تزيد عليه وإنما لم نقل في ~~التذييل إيضاح المعنى كما قلنا في حد المساواة والإيجاز لما يذهب إليه من ~~حمد الإيجاز والمساواة إذا كان المعنى فيهما واضحا فاحترزنا بالإيضاح من أن ~~ندخل في الحد ما لا ms139 نحمده من المساواة والإيجاز اللذين يكون المعنى فيهما ~~غامضا خفيا فأما التذييل قانا على ما قدمناه لا نحمده في موضع من المواضع ~~فلا معنى لاحترازنا بذكر الإيضاح في جده. فأما مثاله فكما وقفت لبعض الكتاب ~~المتأخرين على فصل من كتاب له شفاعة وهو: وفلان بن فلان الرجل المشهور ~~بالفروسية والرجلة والشجاعة والنجدة وله السن والحنكة والتجارب والدربة ~~فهذا كله تطويل بإيراد ألفاظ كثيرة تدل على معنى واحد. وكذلك قول الشاعر: # فقدمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا # فالكذب والمين واحد # والفرق بين التطويل والحشو أن الحشو لفظ يتميز عن الكلام بأنه إذا حذف ~~منه بقى المعنى على حاله والتطويل هو أن يعبر عن المعاني بألفاظ كثيرة كل ~~واحد منها يقوم مقام الآخر فأي لفظ شئت من تلك الألفاظ حذفته وكان المعنى ~~على حاله وليس هو لفظا متميزا مخصوصا كما كان الحشو لفظا متميزا مخصوصا ~~يبين ذلك أن الحشو على ما قدمناه من وصفه نحو قول أبي عدي: # نحن الرؤس وما الرؤس إذا سمت ... في المجد للأقوام كالأذناب # فللأقوام هو الحشو لأن هذه اللفظة دون ألفاظ البيت هي التي إذا حذفت منه ~~بقي المعنى بحاله والتطويل مثل ما حكيناه في قوله: الرجل # PageV01P219 # المشهور بالفروسية والرجلة والشجاعة والنجدة. لأن هذه الألفاظ كلها بمعنى ~~واحد فأنت أن شئت حذفت الرجلة وإن شئت حذفت الشجاعة وإن شئت حذفت النجدة ~~وإن حذفتهما معا بقي الكلام بحاله فهذا هو الفرق بين الحشو والتطويل وعلى ~~أن الحشو في الأكثر إنما يقع في النظم لأجل الوزن وفي النثر لأجل تساوى ~~الفصول أو الأسجاع ويجب أن يعتبر الكلام في التطويل والحشو والمساواة ~~والإيجاز والإخلال بهذا الاعتبار وهو أن يتأمل الكلام المؤلف فإن كان ~~المعنى فيه ناقصا غير مستوفى فذلك الإخلال. وإن كان المعنى تاما فلا يخلو ~~أن يكون في الألفاظ ما إذا حذفته بقي المعنى بحاله أو ليس في الألفاظ ما ~~إذا حذف بقى المعنى بحاله فإن كان فيها ما إذا حذف بقى المعنى بحاله فلا ~~يخلو من أن ms140 يتميز ذلك اللفظ الزائد من غيره أو لا يتميز فإن لم يتميز فتلك ~~الإطالة وأن تميز فذلك الحشو وإن لم يكن في الكلام ما إذا حذف بقي المعنى ~~بحاله فلا يخلو من أن يكون تمكن العبارة عن ذلك المعنى بأقل من تلك الألفاظ ~~أو لا تمكن فإن كان تمكن العبارة عن ذلك المعنى بأقل من ذلك اللفظ فتلك ~~المساواة وإن كان لا تمكن العبارة عن ذلك المعنى بأقل من ذلك اللفظ فذلك هو ~~الإيجاز. فبهذا يصح لك اعتبار الأقسام المذكورة ولا يخفى شئ منها على ~~المتأمل. # ومن شروط الفصاحة والبلاغة: أن يكون معنى الكلام واضحا ظاهرا جليا لا ~~يحتاج إلى فكر في استخراجه وتأمل لفهمه وسواء كان ذلك الكلام الذي لا يحتاج ~~إلى فكر منظوما أو منثورا. # وإنما احتجنا إلى هذا التفصيل لأن أبا اسحق إبراهيم بن هلال الصابي غلط ~~في هذا الموضع فزعم أن الحسن من الشعر ما أعطاك معناه بعد مطاولة وممطالطة ~~والحسن من النثر ما سبق معناه لفظه ففرق بين النظم والنثر في هذا الحكم ولا ~~فرق بينهما ولا شبهة تعترض المتأمل في ذلك. # PageV01P220 # والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أناقد بينا أن الكلام غير مقصود في نفسه ~~وإنما احتيج إليه ليعبر الناس عن أغراضهم ويفهموا المعاني التي في نفوسهم ~~فإذا كانت الألفاظ غير دالة على المعاني ولا موضحة لها فقد رفض الغرض في ~~أصل الكلام وكان ذلك بمنزلة من يصنع سيفا للقطع ويجعل حده كليلا ويعمل وعاء ~~لما يريد أن يحرزه فيقصد إلى أن يجعل فيه خروفا تذهب ما يوعن فيه. فإن هذا ~~مما لا يعتمده عاقل ثم لا يخلو أن يكون المعبر عن غرضه بالكلام يريد إفهام ~~ذلك المعنى أولا يريد إفهامه فإن كان يريد إفهامه فيجب أن يجتهد في بلوغ ~~هذا الغرض بإيضاح اللفظ ما أمكنه: وإن كان لا يريد إفهامه فليدع العبارة ~~عنه فهو أبلغ في غرضه. # وإذا كان هذا مفهوما فالأسباب التي لأجلها يغمض الكلام على السامع سنة: ~~اثنان منها في اللفظ ms141 بانفراده واثنان في تأليف الألفاظ بعضها مع بعض واثنان ~~في المعنى. # فأما اللذان في اللفظ بانفراده فأحدهما أن تكون الكلمة غريبة كما ذكرنا ~~فيما تقدم من وحشي اللغة العربية والآخر أن تكون الكلمة من الأسماء ~~المشتركة في تلك اللغة كالصدى الذي هو العطش والطائر والصوت الحادث في بعض ~~الأجسام. # وأما اللذان في تأليف الألفاظ فأحدهما فرط الإيجاز كبعض الكلام الذي يروى ~~عن بقراط في علم الطب والآخر إغلاق النظم كأبيات المعاني من شعر أبي الطيب ~~المتنبي وغيره. وكما يروى من كلام أرسطو طاليس في المنطق. # وأما اللذان في المعني فأحدهما أن يكون في نفسه دقيقا ككثير من مسائل ~~الكلام في اللطيف والآخر أن يحتاج في فهمه إلى مقدمات إذا # PageV01P221 # تصورت بني ذلك المعنى عليها فلا تكون المقدمات حصلت للمخاطب فلا يقع له ~~فهم المعنى كالذي يريد فهم فروع الكلام والنحو وغيرهما من العلوم قبل ~~الوقوف على الأصول التي بنيت تلك الفروع عليها. # وإذا كان هذا واضحا فإن استعمال الألفاظ الغريبة الوحشية نقص في الفصاحة ~~التي هي الظهور والبيان على ما قدمنا من ذلك فيما مضى من كتابنا هذا فأما ~~استعمال الألفاظ المشتركة كالصدى فإنه يحسن في فصيح الكلام إذا كان في ~~اللفظ دليل على المقصود مثل قول أبي الطيب: # ودع كل صوت دون صوتي فإنني ... أنا الطائر المحكى والآخر الصدى # فإن الصدا ها هنا لا يشكل بالصدى الذي هو الطعش ولا يسبق ذلك إلى فهم أحد ~~من السامعين فأما إن كان ذلك في موضع يشكل فليس ذلك بموافق للفصاحة. # وأما السببان اللذان في التأليف وهما إفراط الإيجاز وإغلاق اللفظ فمن ~~شروط الفصاحة والبلاغة أن يسلم الكلام منهما لما قدمناه من الدلالة على ~~ذلك. # وأما السببان اللذان في المعاني وهما دقة المعنى في نفسه وحاجته إلى ~~الإحاطة بأصل قد بني عليه فليس في أن يجعل المعنى الدقيق ظاهرا جليا جله ~~للمعبر عنه لكن يحتاج أن يحسن العبارة عنه ويبالغ في إيضاح الدلالة ليكون ~~ما في المعنى من الدقة واللطافة بآزاء ما ms142 في العبارة عنه من الظهور ~~والفصاحة وكذلك يحتاج السامع إلى إحكام الأصل قبل أن يقصد إلى فهم الفرع ~~ويحتاج المخاطب إلى ذكر المقدمات إذا كان غرضه أن يفهم المخاطب كلامه. # PageV01P222 # فإن قيل: فما تقولون في تأخير البيان عن وقت الخطاب أيجوز عندكم أم لا ~~يجوز فإن منعتم من جوازه كان قولكم مطردا وأن أجزتموه فما وجه إنكاركم ~~إغلاق اللفظ ومطالبتكم بإيضاح المعنى وبيان المراد مع قولكم بتأخير البيان ~~عن وقت الخطاب قيل الجواب: إنا لا نذهب إلى أن كل أمر يؤثر في الفصاحة ~~وتعتبر سلامة أعلى طبقاتها منه غير جائز في الاستعمال ولا سائغ في الكلام ~~وكيف نقول ذلك وقد قدمنا من شروط الفصاحة أن تكون الكلمة مبنية من حروف ~~متباعدة المخارج وغير كثيرة الحروف ومع ذلك فألفاظ العرب المبنية من الحروف ~~المتقاربة المخارج والكثيرة الحروف أكثر من أن تحصى وقد استعملوا تلك ~~الألفاظ في الفصيح من كلامهم وكذلك إذا قلنا من شروط الفصاحة الإيجاز لم ~~يكن ذلك منعا لجواز الإسهاب ولا رفضا لاستعماله وإنما مقصودنا أن هذا النحو ~~أحسن من هذا النحو وبهذا الوجه يستدل على الفصاحة أكثر من هذا الوجه. فإذا ~~كان هذا بينا فلو قلنا بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لم يكن ذلك مناقضا ~~لقولنا: إن مقارنة البيان لوقت الخطاب أحسن وإلى حيز الفصاحة والبلاغة أقرب ~~لأن لا نتكلم في هذا الموضع على الجائز والممتنع وإنما كلامنا على الأفصح ~~والأحسن. # على أن من منع من جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إنما علل ذلك لأنه ~~خطاب لا يفهم منه المراد فجرى في القبح مجرى خطاب العربي بالزنجية ومن ~~أجازه فرق بين الخطاب بالزنجية وبين تأخير البيان بأن في الخطاب مع تأخير ~~البيان بعض الفائدة البيان بعض الفائدة والفهم للمراد كتوطين النفس على ~~الفعل والعزم عليه إن كان الخطاب أمرا وليس في الخطاب للعربي بالزنجية ذلك. ~~فقد وقع والإجماع على انه متى لم يفهم من الخطاب شئ كان قبيحا. # فإن قيل: كلامكم الماضي يدل على أن في ms143 القرآن ما بعضه أفصح # PageV01P223 # من بعض وفي الناس من يخالفكم ويأبى ذلك فما عندكم فيه قلنا: أما زيادة ~~بعض القرآن على بعض في الفصاحة فالأمر منه ظاهر لا يخفى على من علق بطرف من ~~هذه الصناعة وشدا شيئا يسيرا1 وما زال الناس يفردون مواضع من القرى يعجبون ~~منها في البلاغة وحسن التأليف كقوله تعالى: {وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا ~~سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم ~~الظالمين} 2. وقوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس ~~لكم وأنتم لباس لهن} 3. # وقوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم} 4. # وقوله عز وجل: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب} 5. # وقوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} 6. وأمثال هذا ~~ونظائره كثير. # فلو كانوا يذهبوا إلى تساويه في الفصاحة لم يكن لإفرادهم هذه المواضع ~~المعينة المخصوصة دون غيرها معنى وإنما تدخل الشبهة في هذا ومثله على ~~الأعاجم من الفقهاء والمتكلمين لجهلهم بهذه الصناعة وعدم فهمهم لقوانينها. ~~فإن من عجيب أمرهم أن أحدهم إذا حاول ابتياع ثوب أو دابة وعلم أن غيرهن ~~أخبر بذلك الجنس منه لم يرض بمقدار علمه حتى يرجع إلى من تظن معرفته ~~بالثياب أو الدواب فيستفتيه ويقلده ويقبل رأيه كل ذلك خوفا من أن يستمر ~~عليه الغبن في شئ من ماله وإذا وصل إلى الكلام في كتاب الله تعالى ووجه ~~PageV01P224 # إعجازه ما هو وهل هو صرف العرب عن معارضته أو علوه عن كلامهم بفصاحته ~~وكان ذلك يحتاج إلى صناعة لا يفهمها وعلوم لا يعرف شيئا منها لم ير أن يرجع ~~إلى أقوال العلماء بتلك الصناعة والمهتمين بفهم أسرار تلك العلوم. بل قال ~~بغير حجة وأفتى من غير معرفة ورضي أن يغبن عقله ودينه من الموضع الذي تحرز ~~فيه وأشفق أن يغبن شيئا من ماله. وليت شعري أي فرق بين أن يخلق الله وجهين ~~أحدهما أحسن وأصبح من الآخر وبين أن يحدث ms144 كلامين أحدهما أبلغ وأفصح من ~~الآخر وهل من يفرق بينهما إلا مقترح. # ثم ليس أحد ممن ينكر أن يكون بعض القرآن أفصح من بعض يتمنع من القطع على ~~أن القرآن في لغته أفصح من التوراة في لغتها والإنجيل في لغته والزبور في ~~لغته لأن تلك الكتب عنده لم تكن معجزة لخرقها العادة بالفصاحة وإن كان ~~الجميع كلام الله تعالى. فما المانع من أن يكون بعض كلامه الذي هو القرآن ~~أفصح من بعض حتى تكون آية منه أفصح من آية والجميع كلام الله كما جاز عنده ~~أن يكون القرآن أفصح من الإنجيل وإن كان الجميع كلام الله وهذا لا يخفى على ~~محصل. # فإن قيل: الذي يمنع أن يكون بعض القرآن أفصح من بعض. القول بأن قدر كل ~~سورة من قصار سور المفضل منه قد خرق العادة في الفصاحة بفصاحته وكان معجزا ~~لعلوه في الفصاحة وما كان خارفا للعادة. في الفصاحة لا يكون غيره أفصح منه. ~~قيل: الجواب عن هذا أولا أن الصحيح أن وجه الإعجاز في القرآن هو صرف العرب ~~عن معارضنته وأن فصاحته قد كانت في مقدورهم لولا الصرف وهذا هو المذهب الذي ~~يعول عليه أهل هذه الصناعة وأرباب هذا العلم وقد سطر عليه من الأدلة ما ليس ~~هذا موضع ذكره فالسؤال على هذا # PageV01P225 # المذهب ساقط. ثم لو سلم أن وجه الإعجاز هو الفصاحة لم يمنع أن يكون كلام ~~معجز يخرق العادة بفصاحته أفصح من كلام معجز يخرق العادة بفصاحته فإن نبيا ~~لو أظهر الله على يده معجزا - وهو حمله ألف رطل - لم يمنع أن يظهر على يده ~~أو على يد بني غيره معجزا آخر وهو حمل ألفي رطل فيكون المعجزان أحدهما أعظم ~~من الآخر مع كون كل واحد منهما معجزا. # فإن قيل: فما تقولون في الكلام الذي وضع لغزا وقصد ذلك فيه. قيل: إن ~~الموضوع على وجه الألغاز قد قصد قائله إغماض المعنى وإخفاءه وجعل ذلك فنا ~~من الفنون التي يستخرج بها أفهام الناس وتمتحن أذهانهم فلما كان وضعه ms145 على ~~خلاف وضع الكلام في الأصل كان القول فيه مخالفا لقولنا في فصيح الكلام حتى ~~صار يحسن فيه ما كان ظاهره يدل على التناقض. أو ما جرى مجرى ذلك. كما قال ~~بعضهم في الشمع: # تحيا إذا ما رؤسها قطعت ... وهن في الليل أنجم زهر # وقد كان شيخنا أبو العلاء يستحسن هذا الفن ويستعمله في شعره كثيرا ومنه ~~قوله: # وجبت سرابيا كأن أكامه ... جوار ولكن ما لهن نهود # تمجس حرباء الهجير وحوله ... رواهب خيط والنهار يهود1 # فألغز بقوله: جوار عن الجواري من الناس وهو يريد كأنهن يجرين في السراب ~~وبقوله: نهود عن نهود الجوارى وهو يريد بنهود نهوض أي كأنهن يجرين في ~~السراب وما لهن على الحقيقة نهوض. PageV01P226 # وأراد بقوله: تمجس الحرباء أي صار لاستقباله الشمس كالمجوس التي تعبدها ~~وتسجد لها وجعل الرواهب النعام لسوادها ويهود: يرجع وهو يلغز بذلك عن ~~اليهود لما ذكر المجوس والرواهب. # وكذلك قوله: # إذا صدق الجد اتفرى العم للفتى ... مكارم لا تكرى وإن كذب الخال1 # لأنه يريد بالجد: الحظ وبالعم: الجماعة من الناس وبالخال: المخيلة وقد ~~ألغز بذلك عن العم والجد والخال من النسب. فهذا وأمثاله ليس من الفصاحة بشئ ~~وإنما هو مذهب مفرد وطريقة أخرى. # فإن قيل: فما عندكم في الحكاية التي تحكى عن أبي تمام أنه لما قصد عبد ~~الله ابن طاهر بقصيدته التي أولها: # أهن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزما فقدما أدرك السؤل طالبه # وعرض هذه القصيدة على أبي العميثل صاحب عبد الله بن طاهر2 وشاعره. فقال ~~له أبو العميثل عند إنشاده أول القصيدة -: لم لا تقول يا أبا تمام من الشعر ~~ما يفهم. فقال: وأنت يا أبا العميثل لم لا تفهم من الشعر ما يقال فانقطع ~~أبو العميثل: قيل: إن الذي قاله أبو تمام وأبو العميثل صحيح لأن أبا ~~العميثل طلب من أبي تمام إذ كان حاذقا في صناعة الشعر وقد قصد مثل عبد الله ~~بن طاهر بالمديح أن PageV01P227 # يكون شعره مفهوما واضحا يسبق معناه لفظه فكان هذا من أبي العميثل كلاما ~~صحيحا ms146 في موضعه وطلب أبو تمام من أبي العميثل إذ كان يدعى علم الشعر ويتحقق ~~بالأدب ويخدم عبد الله بن طاهر في اعتراض قصائد الشعراء وترتيبهم على مقدار ~~ما يستحقه كل منهم بحظه من الصناعة أن يكون يفهم معاني الشعر ويطلع على ~~الغامض والظاهر منها وكان هذا من أبي تمام أيضا كلاما صحيحا وكانا فيه ~~بمنزلة من يقول لصاحبه لم فعلت ذلك الفعل وهو قبيح. # فيقول كما فعلت أنت ذلك الفعل الآخر وهو قبيح فيكون كل واحد منهما قد ~~أجاب من طريق الجدل وإن كان لم يدل على أنه أصاب وأخطأ صاحبه. # وإذا كان هذا مفهوما فأمثله الكلام الذي يظهر معناه ولا يحتاج إلى الفكر ~~في استخراجه كثيرة وعامة شعر أبي عبادة البحتري عليه فأمام الذي يسأله عن ~~معناه ويفكر في فهمه فكالأبيات التي من شعر أبي الطيب المتنبي وقد نعاها ~~عليه الصاحب أبو القاسم بن عباد رحمه الله وكان يسميها رقى العقارب والناس ~~إلى اليوم مختلفون في معاني بعضها وكل يذهب إلى فن ويسبق خاطره إلى غرض ~~كقوله: # ذم الزمان إليه من أحبته ... ماذم من بدره في حمد أحمده # وقوله: # عيون رواحلي إن جزت عيني ... ولك بغام رازحة يغامي1 # فأما غير ذلك مما قد فهم معناه ولم يختلف فيه إلا أنه مع ذلك لا يخرج إلا ~~بطرف من الفكر فكقوله: PageV01P228 # ودون الذي ينعون ما لو تخلصوا ... إلى الموت منه عشت والطفل أشيب # وقوله أيضا: # سرب محاسنه حرمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موصوفاتها1 # وقوله: # رجلاه في الركض رجل واليدان يد ... وفعله ما تريد الكف والقدم # وأمثال هذا له ولغيره كثير. # وقد قال بشر بن المعتمر في وصيته: إياك والتوعر في الكلام فإنه يسلمك إلى ~~التعقيد والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويمنعك من مراميك. # وحكى أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ عن بعض من وصف البلاغة. # فقال: ينبغي أن يكون الاسم للمعنى طبقا وتلك الحال له وفقا ولا يكون ~~الاسم لا فاضلا ولا مقصرا ولا مشتركا ولامضمنا. # فهذا كله يدل على صحة ms147 ما قلناه وإن كانت الشبهة لا تعترض فيه لمتأمل. # ومن نعوت البلاغة والفصاحة: أن تراد الدلالة على المعنى فلا يستعمل اللفظ ~~الخاص الموضوع له في اللغة بل يؤتى بلفظ يتبع ذلك المعنى PageV01P229 # ضرورة فيكون في ذكر التابع دلالة على المتبوع وهذا يسمى الإرداف والتتبيع ~~لأنه يؤتى فيه بلفظ هو ردف اللفظ المخصوص بذلك المعنى وتابعه والأصل في حسن ~~هذا أنه يقع فيه من المبالغة في الوصف ما لا يكون في نفس اللفظ المخصوص ~~بذلك المعنى ومثاله قول عمر بن أبي ربيعة: # بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم1 # فإنه إنما أراد أن يصف هذه المرأة بطول العنق فلو عبر عن ذلك باللفظ ~~الموضوع له لقال طويلة العنق فعدل عن ذلك وأتى بلفظ يدل عليه وليس هو ~~الموضع له. فقال: بعيدة مهوى القرط فدل بعد مهوى قرطها على طول الجيد وكان ~~في ذلك من المبالغة ما ليس في قوله: طويلة العنق لأن بعد مهوى القرط يدل ~~على طول أكثر من الطول الذي يدل عليه طويلة العنق لأن كل بعيدة مهوى القرط ~~طويلة العنق وليس كل طويلة العنق بعيدة مهوى القرط إذا كان الطول في عنقها ~~يسيرا وهذا موضع يجب فهمه. # ومنه قول امرئ القيس: # وتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل2 # فإنه لما أراد أن يصف ترفه هذه المرأة ونعمتها. قال: نؤوم الضحى يبقى ~~فتيت المسك فوق فراشها لم تنتطق لتخدم نفسها فعبر بذلك عن غناها وترفهها ~~وخفص عيشها وأتى بألفاظ تدل على ذلك أبلغ مما يدل عليه قوله: إنها غنية ~~مرفهة. PageV01P230 # وكذلك قوله: # وقد اغتدى والطير في وكناتها1 ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل # لأنه أراد أن يصف الفرس بالسرعة فلم يقل إنه سريع وقال: قيد الأوابد وهي ~~الوحوش أي أنه إذا طلبها على هذا الفرس لحقها لسرعته فكأنه قيدها له وفي ~~هذا من المبالغة ما ليس في وصف الفرس بأنه سريع لأن الفرس قد يكون سريعا ~~ولا يلحق الوحش حتى تصير بمنزلة المقيدة له. ms148 # وقد استحسن الناس هذا اللفظ من امرئ القيس حتى قالوا: هو أول من قيد ~~الأوابد. # وأصحاب صناعة البلاغة يذكورن الأرداف ولا يشرحون العلة في سببه وحسنه من ~~المبالغة التي نبهنا عليها ومنه في النثر قول أعرابية وصفت رجلا فقالت: لقد ~~كان فيهم عمار وما عمار طلاب بأوتار لم تخمد له قط نار. فأرادت بقولها: لم ~~تخمد له قط نار كثرة إطعامه الطعام فلم تأت بذلك اللفظ بعينه بل بلفظ هو ~~أبلغ في المقصود لأن كثيرا ممن يطعم الطعام تخمد ناره في وقت. وكذلك قول ~~الأخرى: له إبل قليلات المسارح كثيرات المبارك وإذا سمعن صوت المزهر أيقن ~~أنهن هوالك. فأرادت: أن هذا الرجل ينحر إبله فقل ما تسرح وتبعد في المرعى ~~لأنه يبركها بفنائه ليقرب عليه نحرها للضيوف والمزهر العود الذي يغنى به ~~فإذا سمعت الإبل صوته أيقنت أنها هوالك لما قد اعتادته من نحره لها إذا سمع ~~الغناء وانتشى وذلك لاتعتاده الإبل وتفهمه إلا مع الاستمرار والدوام.وهذا ~~كله أبلغ من قولها: إنه ينحر الإبل على ما قدمناه وبيناه. # ومن هذا الفن من الإرداف قول أبي عبادة: PageV01P231 # فأوجرته أخرى فأضللت نصله ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد1 # لأنه أراد القلب فلم يعبر عنه باسمه الموضوع له وعدل إلى الكناية عنه بما ~~يكون اللب والرعب والحقد فيه وكان ذلك أحسن لأنه إذا ذكره بهذه الكنايات ~~كان قد دل على شرفه وتميزه عن جميع الجسد بكون هذه الأشياء فيه وأنه أصاب ~~هذا المرمى في أشرف موضع منه. ولو قال: أصبته في قلبه لم يكن في ذلك دلالة ~~على أن القلب أشرف أعضاء الجسد فعلى هذا السبيل يحسن الإرداف. # ومما يجرى مجرى قول أبي عبادة قول غيره: 2 # الضاربين بكل أبيض مخذم ... والطاعنين مجامع الأضغان # وفيما ذكرناه كفاية في الدلالة على كل ما هو من هذا الجنس. # ومن نعوت الفصاحة والبلاغة: أن يراد معنى فيوضح بألفاظ تدل على مغنى آخر ~~وذلك المعنى مثال للمعنى المقصود وسبب حسن هذا مع ما يكون فيه من الإيجاز ~~أن ms149 تمثيل المعنى يوضحه ويخرجه إلى الحس والمشاهدة وهذه فائدة التمثيل في ~~جميع العلوم لأن المثال لا بد من أن يكون أظهر من الممثل فالغرض بإيراده ~~إيضاح المعنى وبيانه ومن هذا الفن قول الرماح بن ميادة: # ألم تك في يمنى يديك جعلتني ... فلاتجعلني بعدها في شمالكا # فأراد: أني كنت عندك مقدما فلا تؤخرني ومقربا فلا تبعدني. PageV01P232 # فعدل في العبارة عن ذلك إلى أني كنت في يمينك فلا تجعلني في شمالك لأن ~~هذا المثال أظهر إلى الحس. # وكذلك قول الآخر: # تركت يدي وشاحا له ... وبعض الفوارس لا يعتنق # فعبر عن قوله: عانقته بأنني تركت يدي وشاحا له فأوضح المعنى حين جعل له ~~مثالا معروفا مشاهدا. # ومنه أيضا قول زهير: # ومن بعض أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهذم1 # لأنه عدل عن وقوله: ومن لم يطع باللين أطاع بالعنف إلى أن قال: ومن لم ~~يطع زجاج الرماح أطاع الأسنة وكان في هذا التمثيل بيان المعنى وكشفه. # ومن أمثلة ذلك في النثر ما كتب به الوليد بن يزيد - لما بويع - إلى مروان ~~ابن محمد قد بلغه توقفه عن البيعة له: أما بعد فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر ~~أخرى فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام. فعبر عن مراده ~~بمثال أوضحه وأوجزه. ومنه أيضا ما كتب به الحجاج إلى المهلب حين حضه على ~~قتال الأزارقة وتوعده له حيث قال: فإن أنت فعلت ذلك وإلا شرعت إليك صدر ~~الرمح. فأجابه المهلب وقال: فإن يشرع الأمير إلى صدر الرمح قلبت له ظهر ~~المجن. وهذا كله PageV01P233 # إنما حسن لما فيه من الإيضاح والإيجاز وقدمنا تأثيرهما في الفصاحة ~~والبلاغة. # فهذا منتهى ما نقوله في الألفاظ بانفرادها واشتراكها مع المعاني ومن وقف ~~عليه عرف حقيقة الفصاحة ومائتيها وعلم أسرارها وعللها فأما الكلام على ~~المعاني بانفرادها فقد قدمنا القول بأن البلاغة عبارة عن حسن الألفاظ ~~والمعاني وإن كل كلام بليغ لا بد من أن يكون فصيحا وليس كل فصيح تبليغا إذ ~~كانت البلاغة تشتمل على الفصاحة وزيادة لتعلق ms150 البلاغة مع الألفاظ بالمعاني. # فإذا كان قد مضى الكلام في الألفاظ على الانفراد والاشتراك فلنذكر الآن ~~الكلام على المعاني مفردة من الألفاظ ليكون هذا الكتاب كافيا في العلم ~~بحقيقة البلاغة والفصاحة فإنهما وإن تميزا من الوجه الذي ذكرته فهما عند ~~أكثر الناس شئ واحد ولا يكاد يفرق بينهما إلا القليل والله يمن بالمعونة ~~والتسديد برحمته. # PageV01P234 ### | الكلام في المعاني مفردة # أما حصر المعاني بقوانين تستوعب أقسامها وفنونها على حسب ما ذكرناه في ~~الألفاظ فعسير متعب لا يليق بهذا الكتاب تكلفه لأنه ثمرة علم المنطق ونتيجة ~~صناعة الكلام ولسنا بذاهبين في هذا الكتاب إلى تلك الأغراض والمطالب. ولكن ~~نحتاج إلى أن نومئ إلى المعاني التي تستعمل في صناعة تأليف الكلام المنظور ~~والمنثور ونبين كيف يقع الصحيح فيها والفاسد والتام والناقص على أن من كان ~~سليم الفكر صحيح التصور لم يخف عنه شئ مما تستر النفوس وإن كان قد يخفى عنه ~~كثير مما ذكرناه من الكلام والألفاظ لأن في الألفاظ مواضعة واصطلاحا يختلف ~~الناس في المعرفة بهما بحسب اختلافهم في معرفة اللغة وفهم الاصطلاح # PageV01P234 # والمواضعة والمعاني ليس فيها شئ من ذلك. وإنما معيارها العقل والعلم ~~وصفاء الذهن في الوجود وهي أربعة مواضع الأول وجودها في أنفسها والثاني ~~وجودها في إفهام المتصورين لها والثالث وجودها في الألفاظ التي تدل عليها. ~~والرابع وجودها في الخط الذي هو أشكال تلك الألفاظ المعبر بها عنه وإذا كان ~~هذا مفهوما فإنا في هذا الموضع إنما نتكلم على المعاني من حيث كانت موجودة ~~في الألفاظ التي تدل عليها دون الأقسام الثلاثة المذكورة ثم ليس نتكلم ~~عليها من حيث وجدت في جميع الألفاظ بل من حيث توجد في الألفاظ المؤلفة ~~المنظومة على طريقة الشعر والرسائل وما يجرى مجراهما فقط إذ كان ذلك هو ~~مقصودنا في هذا الكتاب. # وإذا بان هذا فإن الأوصاف التي تطلب من هذه المعاني: هي الصحة والكمال ~~والمبالغة والتحرز مما يوجب الطعن والاستدلال بالتمثيل والتعليل وغيرهما ~~وسنذكر من أمثلة ذلك ما يعرب عن قصدنا ويوضح مرادنا. # أما ms151 الصحة في التقسيم: فإن تكون الأقسام المذكورة لم يخل بشئ منها ولا ~~تكررت ولا خدل بعضها تحت بعض ومثال هذا في النظم قول نصيب: # فقال فريق القوم لا وفريقهم ... نعم! وفريق قال ويحك ما ندري # فليس في أقسام الإجابة عن مطلوب إذا سئل عنه غير هذه الأقسام ومنه قول ~~الشماخ يصف صلابة سنابك الحمار وشدة وطئه الأرض: # متى ما تقع أرساغه مطمئنة ... على حجر يرفض أو يتدحرج # فليس في أمر الوطء الشديد إلا أن يكون الذي يوطأ رخوا فيرض أو صلبا ~~فيندفع. # PageV01P235 # ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى: # يطعنهم ما ارتموا حتى إذا أطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاروبا اعتنقا # وهذا تقسيم صحيح. # ومنه قول الحارثي: # فكذبت طرفي عنك والطرف صادق ... وأسمعت أذني فيك ماليس تسمع # وما أسكن الأرض التي تسكنينها ... لئلا يقولوا صابر ليس يجزع # فلا كمدي يغنى ولا لك ذمة ... ولا عنك إقصار ولا فيك مطمع # لقيت أمورا فيك لم ألق مثلها ... وأعظم منها منك ما أتوقع # وهذا كلها أقسام صحيحة. # ومن أمثلة ذلك في النثر قول بعضهم في كتاب له: فإنك لم تخل فيما بدأتني ~~به من مجد أثلته أو شكر تعلجته أو أجر ادخرته أو متجر اتجرته أو من أن تكون ~~جمعت ذلك كله فلم يبق في هذا المعنى قسم لم يأت به ولا من الأقسام شئ تكرر. # فأما الأقسام الفاسدة فكقول جرير: # صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها # فهذه قسمة فاسدة من طريق الاخلال لأنه قد أخل بقسم من الثلاثة. # قيل: إن بعض بنى حنيفة سئل من أي الأثلاث هو من بيت جرير فقال: هو من ~~الثلث الملغي. ومنها قول أبي تمام: # PageV01P236 # قسم الزمان ربوعها بين الصبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا # فهذا فاسد من طريق التكرار # لأن القبول هي الصبا على ما ذكره جماعة من أهل اللغة. # ومن ذلك أيضا قول هذيل الأشجعي: # فما برحت تومى إلي بطرفها ... وتومض أحيانا إذا خصمها غفل # لأن-تومي بطرفها وتومض-في معنى واحد. # ومنه قول الآخر: # أبادر ms152 إهلاك مستهلك ... لمالي أو عبث العابث # فهذا فاسد لدخول أحد القسمين في الآخر لأن عبث العابث داخل في استهلاك ~~المستهلك. # ومن هذا الجنس: أن بعض المتخلفين سأل مرة قال علقمة بن عبدة جاهلي أو من ~~بني تميم فضحك منه لأن الجاهلي قد يكون من بني تميم ومن بني عامر والتميمي ~~قد يكون جاهليا وإسلاميا. وكتب بعضهم إلى عامل من قبله: ففكرت مرة في عزلك ~~وأخرى في صرفك وتقليد غيرك وكتب أيضا في هذا الكتاب: فتارة تسترق الأموال ~~وتختزلها وتارة تقتطعها وتحتجنها. # وهذا مثل الأول في التكرير. وكتب آخر في فتح فقال: فمن بين جريح مضرج ~~بدمائه وهارب لا يلتفت إلى ورائه. وهذان القسمان يدخل كل واحد منهما في ~~الآخر لأن الجريح قد يكون هاربا والهارب قد يكون جريحا. # وروى أبو الفرج قدامة بن جعفر: أن ابن منارة وقع على ظهر رقعة عامل من ~~عماله هرب من صارفه - وكتب إليه رقعة يعلم بها ما عنده # PageV01P237 # إنك لا تخلو في هربك من صارفك من أن تكون قدمت إليه اساءة خفت منه معها ~~أو خنت في عملك خيانة رهبت تكشفه إياك عنها فإن كنت أسأت. # فأول راض سنة من يسيرها # وإن كنت خنت خيانة فلا بد من مطالبتك بها. # فكتب العامل تحت هذا التوقيع: قد بقي من الأقسام ما لم تذكره - وهو أني ~~خفت ظلمة إياي بالبعد عنك وتكثيره على بالباطل عندك ووجدت الهرب إلى حيث ~~يمكنني فيه دفع ما يتخرصه أنفي للظنة عني والبعد عمن لا يؤمن ظلمه أولى ~~بالاحتياط لنفسي فوقع ابن منارة تحت ذلك: قد أصبت فصر إلينا آمنا بالاحتياط ~~لنفسي فوقع ابن منارة تحت ذلك: قد أصبت. # فصر إلينا آمنا من ظلمة عاجلا على أن ما يصح عليك فلا بد من مطالبتك به. # وقد ذهب أبو القاسم الآمدي إلى فساد القسمة من قول أبي عبادة البحتري: # ولا بد من ترك أحدى اثنتين ... إما الشباب وإما العمر # قال: لأن ها هنا قسما آخر وهو أن يتركا معا فيموت الإنسان شابا. ms153 # وأجاب الشريف المرتضى رضي الله عنه عن ذلك: بأن المراد بترك الشباب تركه ~~بالشيب وبترك العمر تركه بالموت وهذا هو المستعمل المألوف في هذه الألفاظ ~~فمن مات شابا فلا يقال عنه أنه ترك الشباب لأنه لم يشب وإنما يقال عنه أنه ~~ترك العمر فدخل في أحد القسمين. ولى في هذا الموضع نظر وتأمل. # ومن الصحة تجنب الاستحالة والتناقض: وذلك أن يجمع بين المتقابلين من جهة ~~واحدة. # والتقابل يكون على أربع جهات أما على # PageV01P238 # طريق المضاف وهو الشيء الذي يقال بالقياس إلى غيره مثل الضعف بالقياس إلى ~~نصفه والأب إلى ابنه والمولى إلى عبده وأما على طريق التضاد مثل الأبيض ~~والسود والشرير والخير وأما على طريق العدم والقنية كالأعمى والبصير ~~والأمرد وذي اللحية وأما على طريق النفي والإثبات مثل أن يقال زيد جالس زيد ~~ليس بجالس. فإذا ورد في الكلام جمع بين متقابلين من هذه المتقابلات من جهة ~~واحدة فهو عيب في المعنى والمراد بقولنا من جهة واحدة أن لا يكون ~~المتقابلان من جهتين فإنهما إذا كانا من جهتين لم يكن الكلام مستحيلا مثال ~~ذلك أن يقال: العشرة ضعف ونصف لكنها ضعف الخمسة ونصف العشرين فيكون هذا ~~صحيحا لأنه تقابل من جهتين فأما لو كان من جهة واحدة حتى يقال: إن العشرة ~~ضعف الخمسة ونصفها لكان ذلك محالا وكذلك يقال في المتقابلين بالعدم والقنية ~~زيد أعمى العين بصير القلب فيكون ذلك صحيحا فأما لو قيل زيد أعمى العين ~~بصير العين كان ذلك محالا وكذلك في التضاد أن يقال: الفاتر حار عند البارد ~~وبارد عند الحار ولا يكون حارا بادرا عند أحدهما وزيد كريم بالطعام بخيل ~~بالثياب ولا يصح أن يقال كريم بالثياب بخيل بها. # وإذا كان هذا مفهوما فالذي يقع في النظم والنثر من هذا التناقض على هذا ~~النحو عيب في المعاني بغير شك وإن كانوا قد تسمحوا في الشعر أن يكون في ~~البيت شيء وفي بيت آخر ما ينقضه حتى يذم في بيت شئ من وجه ويمدح في بيت آخر ms154 ~~من ذلك الوجه بعينه وإنما أجازوا هذا لأنهم اعتقدوا أن كل بيت قائم بنفسه ~~فجرى البيتان مجرى قصيدتين. فكما جاز للشاعر أن يناقض في قصيدتين كذلك جاز ~~له أن # PageV01P239 # يناقض في بيتين ولم يختلفوا في أن البيت إذا ولى البيت وكان معنى كل واحد ~~منهما متعلقا بالآخر فلن يجوز أن يكون في أحدهما ما يناقض الآخر وإنما ~~أجازوا ذلك مع عدم الاتصال والتعلق على أن تجتنب هذا في القصيدة - وإن ~~كانوا قد أجازوه - أحسن وأولى. # وقد قال أبو عثمان الجاحظ: إن العرب تمدح الشئ وتذمه لكنهم لا يمدحون ~~الشيء من الوجه الذي يذمونه به. وما أحسن ما قال أبو عثمان: لعمري أنهم على ~~ذلك يتصرف قولهم وإن أبا تمام لما وصف يوم الفراق بالطول فقال: # يوم الفراق لقد خلقت طويلا ... لم تبق لي جلدا ولا معقولا # قالوا الرحيل فما شككت بأنها ... نفسي من الدنيا تريد رحيلا # علل طوله بما لقي فيه من الوجد لرحيل أحبابه عنه وأبو عبادة لما وصفه ~~بالقصر فقال: # ولقد تأملت الفراق فلم أجد ... يوم الفراق على امرئ بطويل # قصرت مسافته على متزود ... منه لدهر صبابة وغليل # علل قصره بأنه اجتمع فيه بمن يحبه للوداع وتزود منه لأيام البعد عنه. ~~فهما وإن كان كل واحد منهما قد خالف صاحبه في مدح الفراق وذمه فقد ذكر لما ~~ذهب إليه وجها يصح به وعلى هذا الطريق يحسن وقوع الخلاف في أغراض الشعراء ~~إلا أن يكون أحد القولين صحيحا والآخر فاسدا. # فأما المتناقض في العشر فكقول عبد الرحمن بن عبد الله القس: # أرى هجرها والقتل مثلين فأقصروا ... ملامكم فالقتل أعفى وأيسر # فقال هذا الشاعر: إن الهجر والقتل مثلان ثم سلبهما ذلك # PageV01P240 # فقال: إن القتل أعفى وأيسر فكأنه قال إن القتل مثل الهجر وليس هو مثله ~~وذلك متناقض ولو كان استوى له أن يقول بل القتل أعفى وأيسر لكان الشعر ~~مستقيما لأن لفظة بل تنفى الماضي وتثبت المستأنف كما قال زهير: # حي الديار لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم # على ms155 أنهم قد عابوا هذا البيت على زهير لكنه بمجيء بلى فيه لم يكن عندي ~~فاسدا وقد يمكن فيه من التأويل وجه آخر: وهو أن زهيرا قال لم يعفها القدم ~~وغيرتها الريح والأمطار وليس ذلك بمتناقض لأن التغير دون أن تعفو والقدم ~~غير الريح والمطر. ومن قال: لم يقتل زيد عمرا بل ضربه بكر لم يكن متناقضا ~~وإنما المناقضة أن يقول: لم يقتل زيد عمرا وقتله زيد ويكون الأول هو الثاني ~~وهذا واضح. # ومن الاستدلال قول الآخر: 1 # أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل # وقد ذهب أبو الفرج قدامة بن جعفر إلى أن قول ابن هرمة في صفة الكلب: # تراه إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم # من المتناقض لأنه اقنى الكلب الكلام في قوله يكلمه ثم أعدمه إياه عند ~~قوله: إنه أعجم وهذا غلط من أبي الفرج طريف PageV01P241 # لأن الأعجم ليس هو الذي قد عدم الكلام جملة كالأخرس وإنما هو الذي يتكلم ~~بعجمة ولا يفصح قال الله تبارك وتعالى: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين} . 1 # وإذا قيل: فلان يتكلم وهو أعجم لم يكن ذلك متناقضا على أن الرواية ~~الصحيحة في بيت ابن هرمة: # يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا # وهذا البيت من إحسان ابن هرمة المشهور. # وكذلك ذهب أبو القاسم الآمدي إلى تناقض بيت أبي تمام في صفة الفرس: # وبشعلة تبدو كأن فلولها ... في صهوتيه بدو شيب المفرق # مسود شطر مثل ما اسود الدجى ... مبيض شطر كابيضاض المهرق2 # قال: لأنه ذكر في البيت الأول إنه اشعل ثم قال في الثاني: إن نصفه أسود ~~ونصفه أبيض وذلك هو الأبلق فكيف يكون فرس واحد أشعل أبلق وهذا من أبي ~~القاسم تحامل على أبي تمام لأنه يصف فرسا أشعل ويريد بقوله: إنه مسود شطر ~~ومبيض شطر أن سواده وبياضه متكافئان فلو جمع السواد لكان نصفه وكذلك البياض ~~وهذا الوصف من تكافي السواد والبياض في الأشعل محمود حتى أن النخاسين ~~يقولون: أشعل شعرة ms156 شعرة فعلى هذا لا يكون شعر أبي تمام من المتناقض. # ومما يعترض الشك فيه قول أبي العلاء احمد بن عبد الله بن سليمان: # ولقد سلوت عن الشباب كما سلا ... غيري ولكن للحزين تذكر PageV01P242 # فيقال كيف يجوز أن يسلو وهو حزين يتذكر وقد قرأت هذا البيت عليه في جملة ~~شعره ولم أسأله عنه والذي يحتمل عندي من التأويل أنه أراد بالسلو ها هنا ~~اليأس ورفض الطمع فكأنه قال: قد يئست من الطمع للشباب كما أيس غيري ولكني ~~حزين عليه أتذكره وهذا وجه قريب. # وذهب أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب إلى تناقض قول أبي نواس في صفة ~~الخمر: # كأن بقايا ما عفا من حبابها ... تفاريق شيب في سواد عذار # تردت به ثم انفرى عن أديمها ... تفرى ليل عن بياض نهار1 # وقال: إنه وصف في البيت الأول الحباب بالبياض حين شبهه بالشيب ولن يشبه ~~الشيب في شئ إلا في بياضه ووصف الخمر بالسواد حين شبهها بسواد العذار ثم ~~وصف الحباب في البيت الثاني بالسواد حين شبهه يتفرى الليل ووصف الخمر ~~بالبياض حين قال بياض نهار وكون كل واحد من الحباب والخمر أسود وأبيض ~~مستحيل. # وقد سأل أو الفرج نفسه فقال أن قيل: إنه لم يصف الحباب في البيت الثاني ~~بالسواد وإنما شبهه بالليل في تفريه وانحساره عن النهار دون نفس اللون. ~~وأجاب عن هذا: بأن أبا نواس قد صرح بأنه لم يرد غير اللون فقط لقوله عن ~~بياض نهار. وفي هذا الشعر نظر وتأمل ليس هذا موضع تقصيه وإنما الغرض هنا ~~التمثيل. # وقد فرق بين المستحيل والممتنع: بأن المستحيل هو الذي لا يمكن وجوده ولا ~~تصوره في الوهم مثل كون الشئ أسود أبيض وطالعا نازلا فإن هذا لا يمكن وجوده ~~ولا تصوره في الوهم والممتنع هو: PageV01P243 # الذي يمكن تصوره في الوهم وإن كان لا يمكن وجوده مثل أن يتصور تركيب بعض ~~أعضاء الحيوان من نوع في نوع آخر منه كما يتصور يد أسد في جسم إنسان فإن ~~هذا وإن كان لا يمكن ms157 وجوده فإن تصوره في الوهم ممكن وقد يصح أن يقع الممتنع ~~في النظم والنثر على وجه المبالغة ولا يجوز أن يقع المستحيل البتة فأما قول ~~أبي عبادة: # لما مدحتك وأفاني نداك على ... أضعاف ظني فلم أظفر ولم أخب # فليس هذا من المتناقض لأنه من جهتين على ما ذكرناه فيما تقدم ألا ترى أن ~~معناه لم أظفر بنفس ما ظننته لأنك زدت عليه فكأن ظنى لم يصدق لأنه لو صدق ~~لكان وقع على ما ظننته بعينه من غير زيادة عليه ولم أخب لأنك قد أعطيتني ~~ومن أعطى فما خاب وهذا صحيح واضح. # ومن المتناقض على طريق المضاف قول عبد الرحمن بن عبد الله القس: # وإني إذا ما الموت حل بنفسها ... يزال بنفسي قبل ذاك فأقبر # لأنه وضع هذا القول وضع الشرط وجعل جوابه يزال بنفسي. ثم قال: قبل ذاك ~~فكأنه قال أن نفسي تزول بعد نفسها وقبلها وهذا مثل قول القائل: إذا دخل زيد ~~الدار دخل عمرو قبله وذلك متناقض. # وقد ذهب أبو القاسم الآمدي إلى مناقضة أبي تمام في قوله: # الرزق لا تكمد عليه فإنه ... يأتى ولم تبعث إليه رسولا # وقوله بعده في صفة الناقة: # لله درك أي معبر قفرة ... لا يوحش أنب البيضة ألا جفيلا # PageV01P244 # بنت القفار متى تخدبك لا تدع ... في الصدر منك على الفلاة غليلا1 # قال: لأنه صرح في البيت الأول بذكر القعود عن طلب الرزق وأتبعه في البيت ~~الثاني بلا فصل بذكر الناقة وصفتها والرحيل عليها فكان ذلك مناقضة ظاهرة. # ومن الصحة أن لا يضع الجائز موضع الممتنع فإنه يجوز أن يضع الممتنع موضع ~~الجائز إذ كان في ذلك ضرب من الغلو والمبالغة ولا يحسن أن يوضع الجائز موضع ~~الممتنع لأنه لا علة لجواز ذلك وهو ضد ما يحمد من الغلو والمبالغة في ~~الشعر. ومن أمثلة هذا قول الشاعر:2 # وإن صورة راقتك فاخبر فربما ... أمر مذاق العود والعد أخضر # فبنى الكلام على أن العود في الأكثر يكون حلوا بقوله: فربما وليس الأمر ~~كذلك بل العود الأخضر ms158 في الأكثر من وكأن هذا الشاعر وضع الأكثر موضع الأقل ~~وذلك غلط في المعنى. # ومنه ما أنكره أبو القاسم الآمدي على أبي تمام في قوله يمدح الواثق ~~بالله. # جعل الخلافة فيه رب قوله ... سبحانه للشيء كن فيكون # قال: لأن مثل هذا إنما يقال في الأمر العجب الذي لم يكن يقدر ولا يتوقع ~~ولا يظن إنه مثله يكون فيقال إذا وقع ذلك قدرة قادرة واحد وفعل من لا يعجزه ~~أمر وتلك واحد ومن يقول للشئ كن فيكون فأما الأمور التي لا يتعجب منها ولا ~~تستغرب والعادات جارية بها وبما أشبهها فلا يقال فيها مثل هذا وإنما يسبح ~~الله تبارك وتعالى وتذكر قدرته على تكوين الأشياء لو جاؤا بأبي العبر أو ~~بجحا فجعلوه خليفة. فأما الواثق PageV01P245 # فما وجه تسبيح أبي تمام في أن أفضت الخلافة إليه وأبوه المعتصم وجده ~~الرشيد وجد أبيه المهدي وجد جده المنصور وأخو جد جده السفاح وعماه خليفتان ~~الأمين والمأمون وعم أبيه الهادي فذلك ثمانية خلفاء هو تاسعهم. وهذا الذي ~~ذكره أبو القاسم صحيح واضح. # ومن الصحة: صحة التشبيه وهو أن يقال أحد الشيئين مثل الآخر في بعض ~~المعاني والصفات ولن يجوز أن يكون أحد الشيئين مثل الآخر من جميع الوجوه ~~حتى لا يعقل بينهما تغاير البتى لأن هذا لو حاز لكان أحد الشيئين هو الآخر ~~بعينه وذلك محال. وإنما الأحسن في التشبيه أن يكون أحد الشيئين يشبه الآخر ~~في اكثر صفاته ومعانيه وبالضد حتى يكون ردئ التشبيه ما قل شبهه بالمشبه به. # وقد يكون التشبيه بحروفه كالكاف وكأن وما يجرى مجراهما وقد يكون بغير حرف ~~على ظاهر المعنى ويستحسن ذلك لما فيه من الإيجاز. # والأصل في حسن التشبيه: أن يمثل الغائب الخفي الذي لا يعتاد بالظاهر ~~المحسوس المعتاد فيكون حسن هذا لأجل إيضاح المعنى وبيان المراد أو يمثل ~~الشئ بما هو أعظم وأحسن وأبلغ منه فيكون حسن ذلك لأجل الغلو والمبالغة. # ومما ورد في القرآن من ذلك قوله تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن ماء ms159 حتى إذا جاءه لم يجده شيئا} 1. # وقوله تعالى: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في ~~يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء} 2. وقوله PageV01P246 # تعالى: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها ~~أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن ~~بالأمس} 1 وقوله تعالى: {فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان} 2. # وقوله جل وعز: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا} 3 وقوله تبارك وتعالى: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} 4. ~~وقوله جل وعز: {وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام} 5. # وهذه التشبيهات كلها على ما بيناه من تشبيه الخفي بالظاهر المحسوس والذي ~~لا يعتاد بالمعتاد لما في ذلك من البيان إلا قوله تبارك وتعالى: {وله ~~الجوار المنشآت في البحر كالأعلام} 6. # فانه شبه الشئ بما هو أعظم منه على وجه المبالغة. # ومن التشبيه في العشر قول النابغة الذبياني: # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # وهذا التشبيه يجمع المقصودين من الظهور والمبالغة وأما الظهور فلأن علم ~~الناس بأن الليل لا بد من إدراكه له أظهر من علمهم بأن النعمان لا بد من ~~إدراكه له وأما المبالغة فإن تشبيهه بالليل الذي لا يصددونه حائل أعظم ~~وأفخم وأبلغ في المدح. PageV01P247 # ومن التشبيه أيضا قول يزيد بن عوف العليمي يذكر صوت جرع رجل قراه اللبن: # فعب دخالا جرعه متواتر ... كوقع السحاب بالطراف الممدد # وهذا تشبيه جيد لأنه شبه صوت اللبن على عصب المرئ من حلق الإنسان بصوت ~~المطر على الخباء المصنوع من الأدم وذلك من أصح التشبيه لأن المرئ من جنس ~~الأدم واللبن من جنس الماء فصوتاهما متشابهان لأن السبب في اختلاف الأصوات ~~تخالف الأجسام التي تحدث فيها والغرض في هذا التشبيه المبالغة. # ومن التشبيه المختار قول امرئ القيس: ms160 كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى ~~وكرها العناب والحشف البالي وهذا من التشبيه المقصود به أيضا الشيء لأن ~~مشاهد العناب والحشف البالي1 أكثر من مشاهد قلوب الطير رطبة ويابسة. وروى ~~عن بشار بن برد إنه قال: ما زلت منذ سمعت بيت امرئ القيس هذا اطلب أن يقع ~~لي تشبيهان في بيت واحد حتى قلت: # كأن مثار النقع فوق رؤسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه2 # فشبهن النقع بالليل والسيوف بالكواكب وهذا تشبيه للمبالغة والتفخيم ومن ~~التشبيه المختار قول عدى بن الرقاع العاملي: # وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جاذر جاسم # وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم3 PageV01P248 # وقوله أيضا: # تزجى أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها1 # وقول عنترة: # وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم # هزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم2 # وقول الحسين بن مطير الأسدي: # في عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا # وقال الطرماح: # يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد # وقول أبي الحسن التهامي: # والصبح قد غمر النجوم كأنه ... سيل طغى فطفا على النوار # وقول ابي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان: # والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر PageV01P249 # وقوله: # وسهيل كوجنة الحب في اللو ... ن وقلب المحب في الخفقان # يسرع اللمح في احمرار كما تسر ... ع في اللحظ مقلة الغضبان # وقوله: # تراقب أظلاف الوحوش نواصلا ... كأصداف بحر حول أزرق مترع # وهذه تشبيهات صحاح وأمثالها كثيرة # وقد وإلى أبو القاسم محمد ابن هانئ الأندلسي التشبيه بكأن في أبيات كثيرة ~~فقال: # كأن رقيب النجم أجدل مرقب ... يقلب تحت الليل في ريشه طرفا1 # كأن بني نعش ونعشا مطافل ... بوجرة قد أضللن في مهمه خشفا2 # كأن سهيلا في مطالع افقه ... مفارق إلف لم يجد بعده إلفا3 PageV01P250 # كأن سهاها عاشق بين عود ... فاونة يبدو واونة يخفى1 # كأن معلى قطبها فارس له ... لوان مركوزان قد كره الزحفا # كأن قدامى النسر والنسر واقع ... قصصن ms161 فلم تسم الخوافي به ضعفا2 # كأن أخاه حين دوم طائرا ... أني دون نصف البدر فاختطف النصفا # كأن الهزيع الأبنوسي آونا ... سرى بالنسيج الخسرواني ملتفا3 # كأن ظلام الليل إذا مال ميلة ... صريع مدام بات يشربهان صرفا # كأن عمود الصبح خاقان معشر ... من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى # كأن لواء الشمس غرة جعفر ... رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا # فأما التشبيه بغير حرف التشبيه فكقول امرئ القيس: # سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال ~~PageV01P251 # وقول النابغة: # نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر المريض إلى وجوه العود1 # وقوله أيضا: # فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # وقول أبي عبادة: # يهوى كما تهوى العقاب وقد رأت ... صيدا وتنتصب انتصاب الأجدل2 # وقول أبي نصر بن نباتة وقد يذكر في التمثيل: # خلقنا بأطراف القنا لظهورهم ... عيونا لها وقع السيوف حواجب # وقول أخت ذى الكلب: # تمشى النسور إليه وهي لاهية ... مشى العذارى عليهن الجلابيب3 # وقول ديك الجن: # سفرن بدورا وانتقبن أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جاذرا # وقول الوأواء الدمشقي: PageV01P252 # فأسبلت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد # وقول أبي إسحاق الصابي يصف الطير التي تصاد بالبندق محمولة على حكم ~~الكفار إذ يقتلون ومصيرهم إلى النار. # ومما يحتاج إليه التشبيه: أن يكون الأمر المشبه به واقعا مشاهدا معروفا ~~غير مستنكر ليوافق ذلك المقصود بالتشبيه والتمثيل من الإيضاح والبيان ولهذا ~~عاب نصيب على الكميت قوله: # كأن الغطامط من غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا1 # وقال له: أخطأت ما هجت أسلم غفارا قط وأراد نصيب من الكميت أن يكون شبه ~~بشئ واقع معروف وهذا كما يقال: كان مناقضة فلان وفلان مناقضة جرير ~~والفرزدق. فيكون هذا الكلام صحيحا. ولو قيل: كأن مناقضتهما مناقضة الأحوص ~~وعمر بن أبي ربيعة لم يكن ذلك التشبيه صحيحا. إذ كان المشبه به لم يقع وعلى ~~هذا أكره قول علقمة ابن عبدة: # كأن إبريقهم ظبى على شرف ... مقدم بسبا الكتان ملثوم2 # على أن يكون مقدم من صفة الظبي لأن الظبي لا ms162 يكون مقدما بسب الكتان ~~ملثوما فكأن التشبيه وقع بما لا يشاهد ولا يعرف وإن كان المقدم راجعا إلى ~~الإبريق فذلك صحيح. PageV01P253 # وكذلك قول الحكم لعله عبد الرحمان بن الحكم وليحقق: # كانت بنو غالب لأمتها ... كالغيث في كل ساعة يكف # فإن العادة لم تجر بأن الغيث يكف في كل ساعة وإن كان هذا البيت يحتمل من ~~التأويل أن يكون معناه كان هؤلاء القوم كالغيث إلا أنه غيث يكف كل ساعة وإن ~~لم يدل لفظه على هذا المعنى دلالة واضحة. # ومن هذا الفن. قول أيمن: 1 # فإننا قد وجدنا أم بشر ... كأم الأسد مذكارا ولودا # لأن أم الأسد ليست كذلك. # وأما ردى التشبيه فكقول المرار: # وخال على خديك يبدو كأنه ... سنا البدر في دعجاء باد دجونها2 # لأن الخدود بيض والمتعارف أن يكون الخال أسود فتشبيه الخدود بالليل ~~والخال بضوء البدر تشبيه ناقض للعادة. # فإن قيل: قد مضى في كلامكم أن المشبه به يجب أن يكون معروفا واضحا أبين ~~من الشئ الذي يشبه فما تقولون في قوله تعالى في شجرة الزقوم: {إنها شجرة ~~تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين} 3 ورؤوس الشياطين غير ~~مشاهدة. # قيل: إن الزقوم غير مشاهد ورؤس الشياطين غير مشاهدة إلا أنه قد استقر في ~~نفوس الناس من قبح الشياطين بما صار بمنزلة المشاهد كما استقر في ~~PageV01P254 # نفوسهم من حسن الحور العين ما صار بمنزلة المشاهد حتى أنهم إذا شبهوا ~~وجها بوجه الحور كان تشبيها صحيحا وإن كانت الحور لم تشاهد ولم يستقر في ~~نفوسهم قبح طلع الزقوم كما استقر في نفوسهم قبح رؤوس الشياطين فكأن المشبه ~~به أوضح وفي رؤوس الشياطين أيضا من المبالغة في القبح ما ليس في طلع ~~الزقوم. وقد قيل في بعض التفاسير: إن الشياطين هنا الحيات. # وعلى هذا القول يسقط السؤال لأن الحيات مشاهدة. # ومن ظريف التشبيه قول ابن هرمة: # وإن وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زنادا شحاحا1 # كتاركة بيضها بالعر اء ... وملبسة بيض أخرى جناحا # وقول الفرزدق: # وإنك إذ تهجو تميما وترتشى ms163 ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم2 # كمهريق ماء بالفلاة وغره ... سارب أذاعته رياح السمائم3 # فإن بيت ابن هرمة الثاني يليق بييت الفرزدق الأول وبيت الفرزدق الثاني ~~يليق ببيت ابن هرمة الأول حتى أن ابن هرمة لو قال: # وإني وتركي ندى الأكرم ... ين وقدحي بكفي زنادا شحاحا # كمهريق ماء بالفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم # والفرزدق لو قال: # وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أوسحوق العمائم PageV01P255 # كتاركة بيضها بالعر ... اء وملبسة بيض أخرى جناحا # لكان كل واحد منهما قد شبه تشبيها واضحا صحيحا فأما والشعر على ما هو ~~عليه فإن التشبيه بعيد. # ومن الصحة: صحة الأوصاف في الأعراض وهو أن يمدح الإنسان بما يليق به ولا ~~ينفر عنه فيمدح الخليفة بتأييد الدين وتقويه أمره ومحبة الناس وطاعتهم ~~والتقى والورع والرحمة والرأفة وإقامة العدل وشرف الحسب وحسن السياسة ~~والتدبير والاضطلاع بالأمور والحلم والعفو والعلم وحفظ الشرع والجمال ~~والبهاء والهيبة والشجاعة وكرم الأخلاق ولينها وما يجري هذا المجرى. ويمدح ~~الوزير والكاتب وبالعقل والحلم وسداد الرأي وحسن التدبير والبلاغة وتثمير ~~الأموال والعدل والكرم وما يلحق بهذا. ويمدح الأمير وقائد الجيش بالشجاعة ~~والمعرفة بالحرب وحسن النقيبة والظفر والصبر وسداد التدبير وما أشبه ذلك ~~وعلى هذا السبيل يجرى الأمر في النسيب فيذكر فيه صدق الهوى والمحبة وشدة ~~الوجد والصبابة وكتمان الأسرار ومخالفة العذال وما يتفرع عن ذلك ويلحق به. ~~وكذلك في كل غرض من الأغراض الشعرية من هجاء وفخر وعتاب ووصف وغير ذلك حتى ~~يكون كل شئ موضوعا في المكان الذي يليق به. # فأما النثر فيجرى على هذا المنهاج ويحتاج فيه إلى معرفة المواضعات في ~~الخطاب والاصطلاحات فإن للكتب السلطانية من الطريقة ما لا يستعمل في ~~الإخوانيات وللتوقيعات من الأساليب ما لا يحسن في التقاليد وهذا الباب أعنى ~~المواضعة والاصطلاح في الخطاب يتغير بحسب تغير الأزمنة والدول فإن العادة ~~القديمة قد هجرت ورفضت والتسجد الناس عادة بعد عادة حتى أن الذي يستعمل ~~اليوم في الكتب غير ما # PageV01P256 # كان يستعمل في أيام أبي إسحاق الصابي مع قرب ms164 زمانه منا وإذا كان الأمر ~~على هذا جاربا فليس يصح لنا أن نضع رسموما نوجب اقتفاءها لأنا نحن في هذا ~~الزمان قد غيرنا الرسم المتقدم لمن قبلنا وكذلك ربما جرى الأمر فيما بعدنا. # لكن أصول الأغراض في الأوصاف والمعاني مما لا تتبدل ولا تتغير فليكن ~~الائتمام بها واقعا والاجتهاد في جريها على قانون السداد والصواب حاصلا فقد ~~عيب أبو عبادة في مديحه الخليفة بقوله: # لا العدل يردعه ولا التعنيف ... عن كرم يصده # وقيل: من هو الذي يجسر على عذل الخليفة وتعنيفه وليس هذا المدح مما يصلح ~~للملوك والأمراء فضلا عن الأئمة والخلفاء. # وعيب أبو ذؤيب الهذلي في قوله يصف الفرس: # قصر الصبوح لها فشرج لحمها ... بالتي فهي تثوخ فيها الإصبع1 # وقيل: وصف لحمها باللين وإنما يحمد صلابة لحم الفرس. # وعيب قول أبي عبادة: # ذنب كما سحب الرداء يذب عن ... عرف وعرف كالقناع المسبل # وقول امرئ القيس قبله: # لها ذنب مثل ذيل العرو ... من تسد به فرجها من دبر PageV01P257 # وقيل: المحمود من ذنب الفرس أن يكون طويلا ولا ينال الأرض كما قال امرؤ ~~القيس: # كميت إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل1 # وعيب جميل في قوله: # رمى في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح # وقيل: ليس هذا كلام صادق المحبة بل هذا دعاء مبغض قد تجاوز قدر السلوة. # وعيب عبد الرحمن القس في قوله: # سلام ليت لسانا تنطقين به ... قبل الذي نالني من صوته قطعا2 # وقيل: هذا غاية الغلظ والجفاء والمخالفة لعادة أهل الهوى. # وسمع أبو السائب المخزومي قول إسحاق الأعرج: # فلما بدالي ما رابني ... نزعت نزوع الأبي الكريم # فقال: قبحه الله والله ما أحبها ساعة قط. # وعيب على جرير قوله في بشر ابن مروان: PageV01P258 # قد كان حقك أن تقول لبارق ... يا آل بارق فيما سب جرير1 # وقال بشر: أما وجد ابن اللخناء رسولا غيري. # وعيب على أبي نواس قوله في الفضل بن يحيى: # سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواها لعل الفضل يجمع بيننا # وقال ms165 له الفضل: ما زاد على أن جعلني قوادا. # وعيب عل الأخطل قوله يهجو سويد بن منجوف: # وما جذع سوء خرب السوس وسطه ... لما حملته وائل بمطيق # وقال سويد له: أردت هجائي فمدحتني جعلت وائلا كلها حملتني أمرها وما طمعت ~~في بني تغلب فضلا عن بكر وزدتني بني تغلب.2 # وعيب عليه أيضا قوله يمدح سماكا الأسدي وهو من قوم يلقبون القيون. # قد كنت أحسبه قينا وأنبأه ... فاليوم طير عن أثوابه السرر3 # وقال سماك: يا أخطل أردت مدحي فهجوتني كان الناس يقولون قولا فحققته. # وعيب عليه أيضا قوله: PageV01P259 # وقد جعل الله الخلافة فيكم ... لأزهر لا عاري الخوان ولا جدب # وقيل: ليس يليق هذا بمدح الخلفاء إنما يصلح للطبقة السفلى من الناس. # وعيب على كثير قوله: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل # وقيل: لم أرد أن ينسى ذكرها حتى تتمثل له. # وعيب عليه قوله أيضا: # فما روضة بالجون طيبة الثرى ... يمجح الندى جثجاثها وعرارها # بأطيب من أردان عزة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها1 # وقيل: لو أن زنجية بخرت بمندل رطب لكانت أردانها طيبة وعيب على ذي المرة ~~قوله في الناقة: # تصغى إذا شدها بالكور جانحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب2 # وقيل: إذا كانت كما وصف رمت الراكب قبل أن يستوي على ظهرها. PageV01P260 # وعيب على الأحوص قوله: # يقر بعيني ما يقر بعينها ... وأفضل شئ ما به العين قرت # وقيل له: إنه يقر بعينها أن تنكح افيقر ذلك بعينك؟. # وعيب عليه أيضا قوله: # فإن تصلى أصلك وإن تبيني ... بهجر بعد وصلك لا أبالي # وقيل له: لو كنت فحلا لباليت. # وعيب على الفرزدق قوله: # بأي رشاء يا جرير وماتح ... تدليت في حومات تلك القماقم1 # وقيل: جعل جرير أعلى من الفرزدق وقومة حين قال: إنه تدلى عليهم. # وعيب على جرير قوله: # وأوثق عند المردفات عشية ... لحاقا إذا ما جرد السيف لامع # وقيل: جعلن قد سبقن بالغداة ولحقن بالعشى. # وعيب عليه أيضا قوله: # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيادرة فارجعي بسلام ms166 # تجرى السواك على أغر كأنه ... برد تحدر من متون غمام # وقيل: أي وقت لا تصلح فيه زيارة الحبيب ولما طردها لم وصفها؟. ~~PageV01P261 # وعيب على زهير قوله في الضفادع: # يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغم والغرقا # وقيل: الضفادع لا تخرج من الماء خوف الغم والغرق. # وعيب على أبي العتاهية قوله: # إني أعوذ من التي شغفت ... من الفؤاد بآية الكرسي # وقيل: إنما يستعاذ بآية الكرسي من الشياطين. # وعيب على أبي الطيب المتنبي قوله: # لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا # وقيل: من جملة الناس أمه فكان ينبغي أن يركبها. # وعيب عليه أيضا قوله: # ليت أنا إذا ارتحلت لك الخيل ... وأنا إذا نزلت الخيام # وقيل: الخيام تعلو على الممدوح. # وعيب على امرئ القيس قوله: # وقيل: كثرة شعر الناصية مذموم في الفرس وهو الغمم. # وعيب عليه أيضا قوله: # أغرك منى أن حبك قاتلي ... وإنك مهما تأمري القلب يفعل # وقيل: إذا كان هذا لا يغر فماذا الذي يغر؟. # PageV01P262 # وعيب على أبي نواس قوله في الأسد: # كأنما عينه إذا نظرت ... نادرة الجفن عين مخنوق # وقيل: الأسد لا يوصف بجحوظ العين إنما يوصف بغؤورها. وعيب على عبد الله ~~بن السمط قوله: # أضحى أمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل # وقيل: ما زاد على أن جعله عجوزا في محرابها وإذا كان مشتغلا عن الدنيا ~~فمن القائم بها وهو الخليفة؟ # وعيب على كعب بن زهير قوله: # ضخم مقلدها فعم مقيدها ... في خلقها عن بنات الفحل تفضيل1 # وقيل: إنما توصف النجائب بدقة المذبح. # وعيب على المسيب قوله: # وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم2 # وقالوا: الصيعرية للنوق لا للفجول وسمعه طرفة بن العبد وهو صبي فقال: ~~استنوق الجمل: # وعيب على المرقش الأصغر قوله: # صحا قلبه عنها سوى أن ذكرة ... إذا خطرت دارت به الأرض قائما PageV01P263 # وقيل: هذا من المتناقض لآن من يكون إذا ذكرت دارت به الأرض قائما ليس ~~بصاح. # وعيب على عدى بن زيد قوله في صفة الخمر: # والمشرف ms167 الهندي يسقى به ... أخضر مضموما بماء الخريص1 # وقيل: وصف الخمر بالخضرة وما وصفها أحد بذلك. # وعيب على الفرزدق قوله: # أبنى غدانة إنني حررتكم ... فوهبتكم لعطية بن جعال # لولا عطية لاجتدعت أنوفكم ... من بين ألأم لحية وسبال # وقيل: كيف يهبهم له وهو يهجو بهذا الهجاء. # وقال عطية حين بلغه هذا الشعر ما أسرع ما ارتجع أخي في هبته. # وعيب على أبي تمام قوله: # رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيك ما ماريت في أنه برد # وقيل: وصف الحلم بالرقة وإنما يوصف بالعظم والثقل والرزانة. # وعيب عليه أيضا قوله: # الود للقربى ولكن عرفه ... للأبعد الأوطان دون الأقرب # وقيل: لم منع ذوى القربى من عرفه وجعله في الأبعدين ودنهم؟ وهلا كان ~~عطاؤه عاما للقريب والعيد. # وعيب عليه أيضا قوله: PageV01P264 # لو كان في عاجل من آجل بدل ... لكان وعده من رفده بدل # وقيل: ولم لا يكون في العاجل من الآجل بدل. والناس كلهم على اختيار ~~العاجل وإيثاره. # وعيب عليه أيضا قوله: # يقظ وهو أكثر الناس إغضاء ... على نائل له مسروق # وقيل: هذا هجوا لأنه جعل نائله يؤخذ منه وجه السرقة. # وعيب على الفرزدق قوله: # ومن يأمن الحجاج والطير تتقى ... عقوبته إلا ضعيف العزائم # وقال له الحجاج: الطير تتقى الثوب وتتقى الصبي. # وأمثال هذا أكثر من أن تحصى مما وقع فيه فساد الأغراض والصفات. # وقد كان أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب يذهب إلى أن المدح بالحسن ~~والجمال والذم بالقبح والدمامة ليس بمدح على الحقيقة ولا ذم على الصحة ~~ويخطئ كل من يمدح بهذا ويذم بذاك ويستدل بانكار عبد الملك بن مروان على عبد ~~الله بن قيس الرقيات قوله فيه: # يأتلفق التاج فوقه مفرقه ... على جبين كأنه الذهب # وقوله له: تقول في هذا وتقول لمصعب: # إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء # وقد أنكر هذا المذهب على أبي الفرج أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي. وقال ~~إنه خالف فيه مذاهب الأمم كلها عربيها وأعجميتها # PageV01P265 # لأن الوجه الجيل يزيد في الهيبة ويتيمن به ويدل ms168 على الخصال المحمودة وهذا ~~الذي ذكره أبو القاسم صحيح. ولو لم يكن في ذلك إلا ما قد جبلت النفوس عليه ~~من الميل إلى الوجوه الحسان لكفى وأغنى فإن كان قدامة يعتقد أن ذاك ليس ~~بفضيلة لما كان الإنسان قد خلق عليه فهذا حكم جميع الفضائل النفسانية فإن ~~الكريم قد خلق كريما والشجاع شجاعا والعاقل عاقلا وكما لا يقدر القبيح ~~الوجه على أن يستبدل صورة غير صورته كذلك لا يقدر الجاهل على أن يستفيد ~~عقلا فوق عقله. ويلزم قدامة لآن لا يجيز المدح بشرف النفس النسب وكرم الأصل ~~لأن ذلك أيضا يجرى مجرى الصور. ولا صنيع للممدوح في شئ منهما والأمر في هذا ~~ظاهر. # فأما إنكار عبد الملك بن مروان على ابن قيس الرقيات مدحه له بالتاج فإنما ~~أنكره لأن التيجان كانت من زي ملوك العجم ولم يكن خلفاء العرب يعرفونها ~~فقال له: تمدحني كما تمدح ملوك الأعاجم وتمدح مصعبا كما تمدح الخلفاء. ~~والأمر على ما قال عبد الملك لأن مدح الخليفة بأنه شهاب من الله تعالى أبلغ ~~من مدحه باعتدال التاج فوق مفرقه. وهذا كما أنكر على كثير قوله فيه: # على ابن أبي العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدي نسجها فأذالها1 # وقال قول الأعشى: # كنت المقدم غير لابس جنة ... بالسيف تضرب معلما أبطالها2 # أحسن من قولك فأراد عبد الملك في الموضعين المبالغة ومدحه بالأفضل ~~والأحسن. PageV01P266 # ومن الصحة: صحة المقابلة في المعاني وهو أن يضع مؤلف الكلام معاني يريد ~~التوفيق بين بعضها وبعض والمخالفة فيأتي في الموافق بما يوافق وفي المخالف ~~بما يخالف على الصحة والأصل في هذه المناسبة فإن لها تأثيرا قويا في الحسن ~~ومن أمثله ذلك في النظم قول الطرماح: # أسرناهم وأنعمنا عليهم ... وأسقينا دماءهم الترابا # فما صبروا لبأس عند حرب ... ولا ادوا لحسن يد ثوابا # وهذه مقابلة صحيحة # ومن ذلك أيضا قول الآخر: # جزى الله خيرا ذات بعل تصدقت ... على عزب حتى يكون له أهل # فإنا سنجزيها بمثل فعالها ... إذا ما تزوجنا وليس لها بعل # وهذه أيضا مقابلة صحيحة. ms169 # لأنه جعل في مقابلة أن تكون المرأة ذات بعل وهو لا زوج له أن يكون هو ذا ~~زوج وهي لا بعل لها وقابل حاجته وهو عزب بحاجتها وهي عزبة. # ومن أمثلة ذلك في النثر قول أبي إسحاق الصابي: وأن يخلد في بطون الصحائف ~~غلطنا وغلطك في إحساننا وإساءتك وحفظنا وإضاعتك وكتب بعضهم في كتاب له: ولو ~~أن الأقدار إذ رمت بك من المراتب إلى أعلاهنا بلغت من أفعال السؤدد إلى ما ~~وازاها فوازيت بمساعيك مراقيك وعادلت النعمة بك بالنعمة فيك ولكنك قابلت ~~سمو الدرجة بدنو الهمة ورفيع الرتبة بوضيع الشيمة فعاد علوك بالاتفاق إلى ~~حال دنوك بالاستحقاق وصار جناحك في الانتهاض إلى مثل ما # PageV01P267 # عليه قدرك في الانخفاض ولا لوم على القدر أذنت فيك وأناب وغلط فعاد إلى ~~الصواب وهذا كلام معانيه متقابلة على الصحة ومن ذلك قول هند بنت النعمان: ~~شكرتك يد نالتها خصاصة بعد نعمة ولا ملكتك يد نالت ثروة بعد فاقة. # فأما فساد المقابلة فكقول أبي عدى القرشي: # يا ابن خير الأخيار من عبد شمس ... أنت زين الدنا وغيث الجنود # فليس غيث الجنود مقابلا لزين الدنيا ولا موافقا. # ومن الصحة: صحة النسق والنظم وهو أن يستمر في المعنى الواحد وإذا أراد أن ~~يستأنف معنى آخر أحسن التخلص إليه حتى يكون متعلقا بالأول وغير منقطع عنه ~~ومن هذا الباب خروج الشعراء من النسيب إلى المدح فإن المحدثين أجادوا ~~التخلص حتى صار كلامهم في النسيب متعلقا بكلامهم في المدح لا ينقطع عنه ~~فأما العرب المتقدمون فلم يكونوا يسلكون هذه الطريقة وإنما كان أكثر خروجهم ~~من النسيب إما منقطعا وإما مبنيا على وصف الإبل التي ساروا إلى الممدوح ~~عليها ومما يستحسن من خروج المحدثين قول أبي عبادة البحتري يصف الروض: # شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد # كأن يد الفتح بن خاقان أرفلت ... تليها بتلك البارقات الرواعد1 # وقوله: # ولو أنني أعطيت فيهن المنى ... لسقيتهن بكف إبراهيما2 PageV01P268 # وقول محمد بن وهيب: # ما زال يلثمني مراشفه ... ويعلني الإبريق والقدح1 # حتى ms170 استرد الليل خلعته ... وبدا خلال سواده وضح # وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح # وقال الفرزدق: # وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لهاترة من جذبها بالعصائب # سروا يخبطون الليل هي تلفهم ... إلى شعب الأكوار من كل جانب # إذا آنسوا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب2 # ومن الخروج إلى الذم قول إسحاق بن إبراهيم: # فأما الخروج المنقطع فكقول أبي عبادة أيضا: # تأبى رباه أن تجيب ولم تكن ... مستخبر ليجيب حتى يفهما # الله جار ابن المدبر كلما ... ذكر المكارم ما أعف وأكرما3 # وقول أبي تمام: PageV01P269 # لو رأى الله أن في الشيب فضلا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا # كل يوم تبدى صروف الليالي ... خلقا من أبي سعيد غريبا # وأمثال هذا للمتقدمين كثير. # وأما إذا ابتدىء بالمديح أو بغيره من الأغراض فالأحسن أن يكون الابتداء ~~دالا على المعنى المقصود كما ابتدأ أبو الطيب المتنبي قصيدته التي مدح بها ~~سيف الدولة واعتذر له عن ظفر الروم بجيشه وقتلهم وأسرهم جماعة منهم فقال: # غيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا وحدثوا شجعوا # فابتدأ بغرضه من أول القصيدة. # ومن الصحة التفسير وهو أن يذكر مؤلف الكلام معنى يحتاج إلى تفسيره فيأتي ~~به على الصحة من غير زيادة ولا نقص كقول الفرزدق: # لقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طربد دم أو حاملا ثقل مغرم # لألفيت فيهم معطيا ومطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوم1 # وهذا تفسير للأول موافق. # فأما فساد التفسير فكقول بعضهم: # وفيا أيها الحيران في ظلم الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغى من العدى # تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفيه بحرا من الندى PageV01P270 # فإن هذا الشاعر لما قدم في البيت الأول الظلم وبغى العدى كان الوجه في ~~التفسير أن يأتي في البيت الثاني بما يليق به فأتى بالضياء بإزاء الظلم ~~وذلك صواب وكان يجب أن يأتي بازاء بغى العدى بالنصرة أو العصمة أو ما جرى ~~مجرى ذلك فلما جعل مكانه ذكر الندى كان التفسير فاسدا. وأما كمال المعنى: ~~وهو أن تستوفي الأحوال ms171 التي تتم بها صحته وتكمل جودته وذلك مثل قول نافع بن ~~خليفة الغنوي: # رجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه لاذوا بالسيوف القواضب # فتمم المعنى بقوله: ويعطوه لأنه لو اقتصر على قوله إذا لم يقبل الحق منهم ~~عاذوا بالسيوف كان المعنى ناقصا. # ومن أمثلة ذلك في النثر قول بعضهم: فحلقت به أسباب الجلالة غير مستشعر ~~فيها النخوة وترامت به أحوال الصرامة غير مستعمل معها السطوة هذا مع دماثة ~~في غير حصر ولين جانب من غير خور. فكمل المعنى في هذا الكلام لأن من كمال ~~الجلالة أن تزول عنها النخوة وكمال الصرامة أن تسلم من السطوة وتمام ~~الدماثة أن تكون بغير حصر ولين الجانب أن يكون من غير خور ومن هذا الجنس ~~قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الوالي: يجب أن يكون معه شدة في غير عنف ~~ولين في غير ضعف. # وأما المبالغة في المعنى والغلو: فإن الناس مختلفون في حمد الغلو وذمه ~~فمنهم من يختاره ويقول أحسن الشعر أكذبه ويستدل بقول النابغة وقد سئل من ~~أشعر الناس فقال: من استجيد كذبه وأضحك رديئة. # وهذا هو مذهب اليونانيين في شعرهم. ومنهم من يكره الغلو والمبالغة التي ~~تخرج إلى الإحالة ويختار ما قارب الحقيقة ودانى الصحة ويعيب قول أبي نواس: # PageV01P271 # وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق # لما في ذلك من الغلو والإفراط الخارج عن الحقيقة والذي أذهب إليه المذهب ~~الأول في حمد المبالغة والغلو لأن الشعر مبنى على الجواز والتسمح لكن أرى ~~أن يستعمل في ذلك كاد وما جرى في معناها ليكون الكلام أقرب إلى حيز الصحة ~~كما قال أبو عبادة: # أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا ... من الحسن حتى كاد أن يتكلما # وقال أبو الطيب: # يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع # فهذان البيتان تضمنا غلوا لكن لما جاءت فيهما كاد قربتهما إلى الصحة. # وأما المبالغة بغير كاد فكقول أبي العلاء وأحمد بن عبد الله بن سليمان: # ونبالة من بحتر لو تعمدوا ... بليل ms172 أناسي النواظر لم يخطوا1 # وقول النمر يصف السيف: # تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي2 # وقول النابغة: # تقد السلوقي المضاعف نسجه ... ويوقدن بالصفاح نار الحباحب3 PageV01P272 # وقول ابن هاني الأندلسي: # أمديرها من حيث دار لشد ما ... زاحمت تحت ركابه جبريلا # وأما استعمال الغلو الخارج إلى الإحالة في النثر فقليل وأكثر ما يستعمل ~~فيه المبالغة التي تقارب الحقيقة كقول بعضهم: لهم جود كرام استعت أحوالها ~~وبأس ليوث تتبعها أشبالها وهمم ملوك انفسحت آمالها وفخر صميم شرفت أعمامها ~~وأخوالها فبالع لما جعل لهم جود الكرام مع اتساع الحال وبأس الليوث مع ~~اتباع الأشبال وكذلك ما بعده من الكلام. # ومن المبالغة قول النابغة الذبياني: # وإنما كان هذا الاستثناء من المبالغة في المدح لأنه قد دل به على أنه لو ~~كان فيهم عيب غيره لذكره وأنه لم يقصد إلا وصفهم بما فيهم على الحقيقة. # ومنه أيضا قول أبي هفان: # ولا عيب فينا غير أن سماحنا ... أضر بنا والبأس من كل جانب # فأفنى الردى أعمارنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عائب # أبونا أب لو كان للناس كلهم ... أبا واحدا أغناهم بالمناقب # ومنه قول النابغة الجعدي: # فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا # وأما التحزر مما يوجب الطعن: فأن يأتي بكلام لو استمر عليه لكان فيه طعن ~~فيأتي بما يتحرز به من ذلك الطعن كقول طرفة: # PageV01P273 # فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى1 # فلو لم يقل: غير مفسدها لظن به أنه يريد توالي المطر عليها وفي ذلك فساد ~~للديار ومحو لرسومها كما عابوا قول ذي الرمة: # ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر # وقالوا: إذا لم يزل القطر منهلا عليها عفى آثارها ودرس معالمها فاحترز ~~طرفة بقوله: غير ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولأجل هذا الغرض قال ~~الرضى رحمه الله في وصف المطر المستسقى به القبر وذكر السحابة: # تجرى وذاك الرمس غير مروع ... منها وذاك الترب غير مثار # واستقبح ms173 قول أبي الطيب المتنبي في مثله: # لساحيه على الأجداث حفش ... كأيدي الخيل أبصرت المخالي2 # ومن الاحتراز أيضا قول عبد الله بن المعتز بالله في صفة الخيل: # صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل # فإنه لو يقل: ظالمين لكان للمعترض عليه أن يقول: إنما PageV01P274 # ضربت هذه الخيل لبطئها كما عابوا قول امرئ القيس: # فللزجر الهوب وللساق درة ... وللسوط منها وقع أخرج مهذب1 # وقالوا: إذا أحوج إلى هذا كله فليس بسريع فقال عبد الله: ظالمين تحرزا من ~~هذا الطعن. # ومن هذا أيضا قول أبي عبادة: # أقمنا أكلنا أكل استلاب ... هناك وشربنا شرب بدار # وكأنه خاف أن يقال هذا الذي فعلتم سخف فقال: # وأما الاستدلال بالتمثيل: فإن يزيد في الكلام مغنى يدل على صحته بذكر ~~مثال له نحو قول أبي العلاء: # لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر # فدل على أن الزيادة فيما يطلب ربما كانت سببا للامتناع منه بتمثيل ذلك ~~بالماء الذي لا يشرب لفرط برده وإن كان البرد فيه مطلوبا محمودا. # ومنه أيضا قول أبي تمام: # أخرجتموه بكره من سجيته ... والنار قد تنتضي من ناضر السلم PageV01P275 # وقوله: # وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت ... أتاح لها لسان حسود # لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود # وقوله: # وكنا نرجيه على السخط والرضا ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع # وقول أبي عبادة: # ويحسن دلها والموت فيه ... وقد يستحسن السيف الصقيل # وقوله: # مواهب ما تكلفنا السؤال لها ... إن الغمام قليب ليس يحتفر1. # وأما قول أبى عبادة أيضا: # ورجال جاروا خلائقك الغر ... وليست يلامق من دروع2 # فليس بتمثيل جيد لأن السبق في الجري لا يليق تمثيله بتفضيل الدروع على ~~اليلامق وغنما كان يحسن ذلك لو قال: ورجال جاروك في كونهم عصمة لي أو جنة ~~دوني أو ما جرى هذا المجرى. # فيكون تمثيل ذلك بالدروع واليلامق موافقا فأما على الوجه الذي ذكره فإن ~~ذلك من رديء الاستدلال بالتمثيل: PageV01P276 # ومن الاستدلال بالتمثيل على الوجه الصحيح قول النابغة الذبياني يخاطب ms174 ~~النعمان: # ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب # ملوك وإخوان إذا ما لقيتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب # كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا # فاستدل النابغة على أنه لا يستحق اللوم بمدحه آل جفنة وقد أحسنوا إليه ~~بما مثله من القوم الذين أنعم النعمان عليهم فلما مدحوه لم يكونوا عنده ~~ملومين. # وأما الاستدلال بالتعليل فكقول أبي الحسن التهامي: # لو لم يكن ريقته خمرة ... لما تثنى عطفه وهو صاح # وقوله: # لو لم يكن اقحوانا ثغر مبسمها ... ما كان يزداد طيبا ساعة السحر # وقول أبي عبادة: # ولو لم تكن ساخطا لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا # وقول ابن هانئ الأندلس: # ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى ... لما كنت أدرى علة للتيمم # وقول الله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} 1 جار هذا المجرى. ~~PageV01P277 # فهذا مبلغ ما نقوله في المعاني مما يستدل به على غيره لأن حصرها مما لا ~~سبيل إليه على ما بيناه وقد قدمنا ذكره. # PageV01P278 ### | فصل في ذكر الأقوال الفاسدة في نقد الكلام # ذهب قوم من الرواة وأهل اللغة إلى تفضيل أشعار العرب المتقدمين على شعر ~~كافة المحدثين ولم يجيزوا أن يلحقوا أحدا ممن تأخر زمانه بتلك الطبقة وإن ~~كان عندهم محسنا واختلفوا في علة ذلك. فزعمت طائفة من جهالهم أن العلة فيه ~~هي مجرد التقدم في الزمان واستمر في الترتيب فجعلوا الشعراء طبقات بحسب ~~تواريخ أعصارهم. وقال قوم منهم: السبب في ذلك أن المتقدمين سبقوا إلى ~~المعاني في أكثر الألفاظ المؤلفة وفتحوا طريق الشعر وسلك الناس فيه بعدهم ~~وجروا على آثارهم فلهم فضيلة السبق التي لا توازيها فضيلة ولا توازنها ~~مرتبة وإذا كان غيرهم قد استفاد منهم وأخذ ألفاظهم وأكثر معانيهم فلن يكون ~~في الرتبة لأعقابهم وإذا كان مقصرا عنهم فشعره دون أشعارهم. وقالت طائفة ~~أخرى: إن العلة في تفضيل أشعار المتقدمين على أشعار المحدثين أن هذه ~~الأشعار المتقدمة كانت تقع من قائلها بالطبع من غير تكلف ولا تصنع والأشعار ~~المحدثة ms175 تقع بتكلف وتعمل وما وقع بالطبع أفضل مما صدر عن التكلف. # قالوا: ولهذه العلة استدل بأشعار المتقدمين دون أشعار المحدثين واحتاج ~~هؤلاء كلهم في نقد الشعر إلى معرفة قائله قبل أن يظهر لهم مذهب فيه حتى ~~رووا عن ابن الأعرابي انه أنشد أرجوزة أبي تمام التي أولها: # وعاذل عذلته في عذله ... فظن أني جاهل من جهله # على إنها لبعض العرب فاستحسنها وأمر بعض أصحابه أن يكتبها له. # PageV01P278 # فلما فعل قال إنها لأبي تمام. فقال: خرق خرق فخرقها. # وعن لأصمعي أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي أنشد: # هل إلى نظرة إليك سبيل ... فيروى الصدى ويشفى الغليل # إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثير ممن يحب القليل # فقال له الأصمعي: لمن تنشدني فقال لبعض الأعراب فقال هذا والله هو ~~الديباج الخسرواني قال: فإنهما لليلتهما قال: لا حرم والله إن آثار الصنعة ~~والتكلف بين عليهما. # وذهب غير هؤلاء من أهل العلم بالشعر فقال: إن الطرق في نقد الشعر ما ~~قدمناه من نعوت الألفاظ والمعاني فأما قائله وتقدم زمانه أو تأخره فلا ~~تأثير له في ذلك لأن القديم كان محدثا والمحدث سيصير قديما والتأليف على ما ~~هو عليه لا يتغير وفي المحدثين من هو أشعر من جماعة من المتقدمين وفي ~~المتقدمين من هو أشعر من جماعة من المحدثين. وإلى هذا كان يذهب أبو عثمان ~~الجاحظ وأبو العباس المبرد وأبو عبادة البحتري وأبو العلاء بن سليمان آنفا ~~وهو الصحيح الذي لا يعترض العاقل فيه شك ولا شبهة وسنتكلم على ما تعلقت به ~~تلك الطائفة من الشبه الفاسدة. # أما من ذهب إلى تفضيل المتقدم بمجرد تقدم زمانه فإنه لم يذهب في ذلك إلى ~~علة غير مجرد الدعوى فلو قال له قائل: شعر المحدثين أفضل لتأخر زمانهم لم ~~يكن بين القولين فرق ثم يقال له: ما عندك في امرئ القيس أهو عندك في الطبقة ~~الأولى من الشعراء أم ليس في الطبقة الأولى فإن قال هو في الطبقة الأولى ~~قيل له ولم وقد كان قبله جماعة من الشعراء معروفين ms176 أحدهم ابن حذام الذي قيل ~~إنه أول من بكى على الديار وذكره امرؤ القيس في شعره فقال: # PageV01P279 # عوجا على الطلل المحيل لعلنا ... تبكى الديار كما بكى ابن خذام1 # وإذا كان زمان امرئ القيس قد تأخر عن زمان جماعة من الشعراء فيجب تفضيلهم ~~عليه لأنك قلت إنما يفضل بتقدم الزمان فقط. فإن قال ليس امرؤ القيس في ~~الطبقة الأولى بل من كان قبله أشعر وأحق بالتقدم قيل أولا إن هذا خلاف ~~لكافة من يفضل أشعار المتقدمين على المحدثين لأنهم ما اختلفوا في أن امرأ ~~في الطبقة الأولى. # ثم خبرنا عن الطبقة التي امرؤ القيس منها أعرفت أن مواليدهم في وقت واحد ~~حتى قطعت على أنهم طبقة لنساويهم في زمان الوجود فاق قال نعم! كذب لأن في ~~تلك الطبقة قوما لم يلحق أحد منهم زمان الآخر وقد جعل الأعشى فيهم وهو بعد ~~امرئ القيس بمدة طويلة وإن قال لا يراعى في تفضيل المتقدمين على المحدثين ~~قليل الزمان وإنما المؤثر في ذلك الزمان الكثير. قيل له: فحبرن عن من بينه ~~وبين الأعشى من الزمان مثل ما بين الأعشى وامرئ القيس أيجوز أن يجعل شعره ~~في طبقة شعر الأعشى. فإن قال: لا قيل له ولم وأنت قد ألحقت الأعشى بامرئ ~~القيس وبينهما مثل ذلك من الزمان واعتللت بأنه لا يؤثر. فكيف صار بعد ~~الأعشى مؤثرا في إلحاق من بعده به. وإن قال: يجوز أن يجعل في طبقة الأعشى ~~من كان بعده بمثل الزمان الذي بينه وبين امرؤ القيس. قيل: أيجوز أن يجعل في ~~طبقة هذا الشاعر من كان بعده بمثل الزمان الذي بين الشاعر الأول والأعشى ~~فإن قال لا يسأل عن السبب في ذلك. وقيل له ما قيل في الشاعر الأول ولا سبيل ~~له إلى الفرق وإن قال نعم ألزم أن يكون شعر بعض شعرائنا اليوم في طبقة امرئ ~~القيس بهذا الترتيب والنسق وأن يجعل الشعر في طبقة ما PageV01P280 # هو قبله والأول في طبقة طبقة ما هو قبله حتى يكون بعض شعرائنا اليوم ~~وامرؤ ms177 القيس في طبقة واحدة هذا خلاف ما يذهبون إليه. # ويقال له: خبرنا عنك لو أنك في زمان امرئ القيس ووقفت على شعره أكان رأيك ~~فيه هو رأيك اليوم فإن قال نعم قيل له ولم وأنت إنما تختاره اليوم وتفضله ~~بقدمه فإن كان في ذلك الوقت محدثا عندك فحكمه حكم المحدث اليوم. وإن قال: ~~بل كنت أذهب فيه إلى غير ما أذهب اليوم قيل له فهل تأليفه على ما كان عليه ~~أم تغير عما كان عليه. فإن قال: تغير قيل فهو إذا غير ما ألفه امرؤ القيس ~~وهذا ما لا يقوله أحد وإن قال بل هو بحاله في الأكثر. قيل له: فيجب أن يكون ~~بحاله على صفة ثم يصير هو بحاله على صفة أخرى من غير أن يزيد شيئا ولا يعقل ~~فيه غير ما يوجب ذلك وهذا خارج عن المعقول ومعدود في كلام أهل الوسواس. # وأما من ذهب إلى تفضيل أشعار المتقدمين من حيث سبقوا إلى المعاني ~~والألفاظ ونزل الناس بعد على سكناتهم1 فإنه يقال له: هذا لو ثبت لدل على ~~فضل المتقدمين على المحدثين ولم يدل على فضل شعر هؤلاء على هؤلاء لأنه ليس ~~كل من كان أفضل وجب أن يكون شعره أحسن وهذا الخليل هو الغاية في الذكاء ~~والفطنة بعلوم العرب وشعره في إنزال طبقة وكذلك غيره من العلماء بهذه اللغة ~~والأمر في هذا واضح لا يحتاج إلى دليل. # ثم يقال له: ما تريد بالمعاني التي سبقوا إليها أتريد جميع معاني أشعار ~~المحدثين أو بعضها فإن قال: جميعها قيل هذا جحد العيان لأن الأمر في تفرد ~~المحدثين بمعان استبطوها لم تخطر للعرب المتقدمين على PageV01P281 # بال أظهر من كل ظاهر وإن قال بعض المعاني. قيل: إن تلك المعاني التي سبق ~~المتقدمون إليها وأخذها منهم المحدثون لا يخلو الأمر فيها من أن يكونوا ~~نظموها بحالها أو زادوا عليها أو نقصوا منها فإن كانوا زادوا فلهم فضيلة ~~الزيادة كما كان لاؤلئك فضيلة السبق وإن كانوا نقصوا فالمتقدمون في تلك ~~المعاني خاصة أفضل ms178 منهم وإن كانوا نقلوها بحالها فتلك هي معاني المتقدمين ~~لا يستحق المحدثون عليها حمدا ولا ذما أكثر مما يجب في الأخذ والنقل. وهذا ~~كله يرجع إلى الشعراء دون نفس الشعر لأن المعنى في نفسه لا يؤثر فيه أن ~~يكون غريبا مخترعا ولا منقولا متداولا ولا يغيره حال ناظمه المبتدئ المبتدع ~~أو المحتذى المتبع وإنما هذا شئ يرجع إلى تفضيل السابق إلى المعنى على من ~~أخذ منه. # فأما الألفاظ فإن كان يريد الألفاظ المفردة فتلك ليست لأحد والمحدث فيها ~~والمتقدم واحد وإن كان يريد الألفاظ المؤلفة فإن المحدثين إذا أخذوا ألفاظا ~~قد ألفها ناظم قبلهم لم يؤثر فيها أخذهم لها حتى يقال إنها في شعر الأول ~~أحسن منها في شعر الآخر بل تكون بمنزلة قصيدة شاعر ينتحلها آخر فلا يقال إن ~~الانتحال أثر فيها. # فإن كان هذا واضحا فمن أين يدل سبق المتقدمين إلى بعض المعاني على فضل ~~أشعارهم على أشعار المحدثين الذين سبقوا إلى أضعاف تلك المعاني لولا عدم ~~التوفيق وفرط الجهل. # وأما من ذهب إلى تفضيل أشعار المتقدمين على أشعار المحدثين من حيث كانوا ~~لم يتكلفوا أشعارهم وإنما نظموها بالطبع والمحدثون بخلاف ذلك فإنه يقال له: ~~ما الدليل على أن أشعار المتقدمين كانت تقع من غير تكلف. فإن قال بهذا جاءت ~~الروايات عنهم قيل: الأمر بخلاف ذلك والمروى عن زهير بن أبي سلمى أنه عمل ~~سبع قصائد # PageV01P282 # في سبع سنين وكان يسميها الحوليات ويقول خير الشعر الحولي المحكك والرواة ~~كلهم مجمعون على هذا غير مختلفين فيه وإذا فضلوا شعر زهير قالوا: كان يختار ~~الألفاظ ويجتهد في إحكام الصنعة. وإذا وصفوا الحطيئة شبهوا طريقته في الشعر ~~بطريقة زهير ويروون زهيرا كان يعمل نصف البيت ويتعذر عليه كماله فيتمه كعب ~~ابنه. # وهذا كله بمعزل عن الطبع وسهولة النظم ولو لم يدل على ذلك إلا قلة ~~أشعارهم - فإن ديوان بعض هؤلاء المحدثين مثل أشعار جماعة من المتقدمين في ~~الكثرة - لكفى ذلك في تكلفهم للشعر ونصبهم فيه. # ثم يقال له: خبرنا عن هذا ms179 التكلف الذي ذكرته أهو ببن موجود في الشعر أو ~~غير بين موجود فيه فإن قال: ليس بموجود فيه قيل: فلا تفضل أشعار المتقدمين ~~على أشعار المحدثين بشئ غير موجود فيها وإن قال بل هو موجود في أشعار ~~المحدثين دون المتقدمين. قيل: أتذهب إلى أن التكلف موجود في جميع أشعارهم ~~أو في بعضها فإن قال في جميعها كابر لأن من يزعم أن جميع أشعار المحدثين مع ~~السهولة في أكثرها والتيسر متكلفة وجميع أشعار المتقدمين مع التوعر في ~~أكثرها غير متكلفة فهو جاحد للضرورة لا تحسن مناظرته وإن قال: بعض أشعار ~~المحدثين متكلفة وبعضها غير متكلف قيل: وكذلك أشعار المتقدمين فقد تساووا ~~عندك في هذه القضية وبطل تفرد المحدثين بالتكلف الذي ذكرته. # فأما الاستشهاد بأشعار هؤلاء المتقدمين فقد بينا فيما مضى من هذا الكتاب ~~سببه وقلنا أن تقدم الزمان غير موجب لذلك وإنما موجبه أن العرب الذين ~~يتكلمون باللغة العربية ولا يخالطون أحدا ممن يتكلم بغير لغتهم هم الذين ~~أقوالهم حجة في اللغة والعرب الذين خالطوا غيرهم من # PageV01P283 # العجم وفسدت لغاتهم بالمخالطة لا يستدل بكلامهم فلما كان العرب المتقدمون ~~قبل الإسلام وفي الصدر الأول منه لا يخالطون في الأكثر غيرهم كانت أقوالهم ~~في اللغة حجة ولما صاروا بالملك والدولة يخالطون غيرهم ويحضرون ويسكنون ~~المدن لم يستدل بلغتهم. ولهذا السبب كان أبو عمرو بن العلاء يعيب جريرا ~~والفرزدق بطول مقامهما في الحضر وأبطل الرواة الاحتجاج بشعر الكميت بن زيد ~~والطرماح لأنهما كانا حضريين على هذا فلوم فرضنا اليوم أن في بعض القفار ~~النائية عن العمارة قوما من العرب لا يخالطون غيرهم وكانوا قد أخذوا اللغة ~~عن مثلهم وكذلك إلى حين ابتداء الوضع لوجب أن يكون قولهم حجة كأقوال ~~المتقدمين وإن كانوا محدثين. وإذا كان هذا مفهوما فليس يوجب صحة الكلام ~~بالعربية حسن النظم لأن ذلك لو وجب لكان كل عربي شاعرا والأمر بخلاف ذلك ~~والشعراء من العرب المتقدمين بالإضافة إلى من ليس بشاعر جزء من ألوف ألوف. # وقد ذكرت في نقد الكلام أن ms180 لا يكون المعنى فاحشا وعيب شعر أبي عبد الله ~~الحسين بن أحمد بن الحجاج بنا تضمنه من فحش المعاني وليس الأمر عندي على ~~ذلك لأن صناعة التأليف في المعنى الفاحش مثل الصناعة في المعنى الجميل ~~ويطلب في كل واحد منها صحة الغرض وسلامة الألفاظ على حد واحد وليس لكون ~~المعنى في نفسه فاحشا أو جميلا تأثير في الصناعة ولهذا ذهب قوم إلى استحسان ~~المعنى الغريب وليس للأختراع في المعنى نفسه تأثير إلا كما للمتداول وقد ~~أومأنا إلى هذا فيما تقدم وبينا أنه شئ لا يرجع إلى الشعراء دون المعاني ~~والشبهة في مثل هذا ضعيفة جدا. # وذهب قوم أيضا إلى حسن الترديد وهو أن يعلق الشاعر لفظة في البيت بمعنى ~~ثم يرددها فيه بعينها ويعلقها بمعنى آخر كما قال زهير: # PageV01P284 # من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندي خلقا # وقال أبو نواس: # صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء # وهذا عندي لا تعلق له بالنقد لأن التأليف في هذا الترديد كسائر التأليف ~~في الألفاظ التي لا يستحق به حمدا ولا ذما ولا يكسبها حسنا ولا قبحا. # وقد صنف قوم في نقد الشعر رسائل ذكروا فيها أبوابا من الصناعة لا تخرج ~~عما ذكرناه في كتابنا هذا إلا أنهم ربما جعلوا للمعنى الواحد عدة أسماء ~~كالترصيع الذي يسمونة ترصيعا وموازنة وتسميطا وتسجيعا وهو كله يرجع إلى شئ ~~واحد وإذا وقف على ما صنفوه في هذا الباب وجد الأمر فيما قلنا ظاهرا ~~والتكرير بينا واضحا. # وقد يذهب كثير ممن يختار الشعر إلى تفضيل ما يوافق طباعه وغرضه ويذهب قوم ~~إلى اختيار ما لم يتداول منه حتى يكون للوحشي الذي لم يشتهر مزية عندهم على ~~المعروف المحفوظ ويخالفهم آخرون فيختارون ساير الشعر على خاملة ومشهورة على ~~مجهولة ويستحسن قوم الشعر لأجل قائله فيختارون أشعاره السادات والشارف ~~ورؤساء الحروب ومن يوافقهم في النحلة والمذهب ويمت إليهم بالمودة أو النسب ~~وهذه كلها أقوال صادرة عن الهوى ومقصورة على محض الدعوى من غير ms181 دليل يعضدها ~~ولا حجة تنصرها والطريق الذي يؤدى إلى المقصود من معرفة المختار الألفاظ ~~والمعاني هو ما ذكرناه ونبهنا عليه ومن تأمله علم الإصابة فيه بمشيئة الله ~~وعونه. # PageV01P285 ### | فصل في ذكر الفرق بين المنظوم والمنثور وما يقال في تفضيل أحدهما على الآخر # أما حد النثر: فهو حد الكلام الذي ذكرناه في هذا الكتاب وأما حد الشعر ~~فهو كلام موزون مقفى يدل على معنى وقلنا: كلام ليدل على جنسه. وقلنا: موزون ~~لنفرق بينه وبين الكلام المنثور الذي ليس بموزون وقلنا: مقفى لنفرق بينه ~~وبين المؤلف الموزون الذي لا قوافي له. وقلنا: يدل على معنى لنحترز من ~~المؤلف بالقوافي الموزون الذي لا يدل على معنى. # وسمى شعرا من قولهم شعرت بمعنى فطنت والشعر الفطنة كأن الشاعر عندهم قد ~~فطن لتأليف الكلام وإذا كان هذا مفهوما ما فأ قل ما يقع عليه اسم الشعر ~~بيتان لأن التقفية لا تمكن في أقل منهما ولا تصح في البيت الواحد لأنها ~~مأخذوة من قفوت الشيء إذا تلوته وقد ذهب العروضيون إلى أن أقل ما يطلق عليه ~~اسم الشعر ثلاث أبيات وليس الأمر على ما ذهبوا إليه لأن الحد الصحيح قد ~~ذكرناه وهو يدل على أن البيتين شعر فأما اعتلال بعضهم بأن البيتين قد ~~يتفقان في كلام لا يقصده قائله الشعر ولا يتفق ثلاثة أبيات فيما لا يقصد ~~مؤلفه الشعر فاعتلال فاسد لأنه إن كان يريد بالبيتين مثل قول امرئ القيس: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل # فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما سنجته من جنوب وشمأل1 PageV01P286 # فذلك لا يتفق إلا في كلام يقصد به الشعر وإن كان يريد بالبيتين مثل ما ~~استشهد به من قول العامة: زمارة مليحة بقطعة صحيحة فقد يتفق من هذا الجنس ~~ثلاثة أبيات في كلام لا يقصد به الشعر فالذي ذكره دعوى لا دليل عليها. # وإذا كان هذا بينا فالفرق بين الشعر والنثر بالوزن على كل حال وبالتفقية ~~إن لم يكن المنثور مسجوعا على طريق القوافي الشعرية ms182 والوزن هو التأليف الذي ~~يشهد الذوق بصحته أو العروض. أما الذوق فلأمر يرجع إلى الحس وأما العروض ~~فلأنه قد حصر فيه جميع ما عملت العرب عليه من الأوزان فمتى عمل شاعر شيئا ~~لا يشهد بصحته الذوق وكانت العرب قد عملت مثله جاز له ذلك كما ساغ له أن ~~يتكلم بلغتهم. فأما إذا خرج عن الحسن وأوزان العرب فليس بصحيح ولا جائز ~~لأنه لا يرجع إلى أمر يسوغه والذوق مقدم على العروض فكل ما صح فيه لم يلتفت ~~إلى العروض في جوازه ولكن قد يفسد فيه بعض ما يصح بالعروض على المعنى الذي ~~ذكرناه كالزحافات المروية في أشعار العرب المذكورة في كتب العروض وهو الأصل ~~الذي عملت العرب الأول عليه. وإنما العروض استقراء للأوزان حدث بعد ذلك ~~بزمان طويل. # وأما التفضيل بين النظم والنثر فالذي يصلح أن يقوله من يفضل النظم أن ~~الوزن يحسن الشعر ويحصل للكلام به من الرونق ما لا يكون للكلام المنثور ~~ويحدث عليه من الطرب في إمكان التلحين والغناء به ما لا يكون للكلام ~~المنثور ولهذه العلة ساغ حفظه أكثر من حفظ المنثور حتى لو اعتبرت أكثر ~~الناس لم تجد فيهم من يحفظ فصلا من رسالة غير القليل ولا يجد فيهم من لا ~~يحفظ البيت أو القطعة إلا اليسير ولولا ما انفرد به من الوزن الذي تميل ~~إليه النفوس بالطبع لم يكن لذلك وجه ولا سبب. # PageV01P287 # ونقول إن الشعر يدخل في جميع الأغراض كالنسيب والمديح والذم والوصف ~~والعتب والنثر لا يدخل في جميع ذلك فإن التشبيب لا يحسن في غير الشعر وكذلك ~~غيره من الأغراض وما صلح لجميع ضروب الكلام وصنوفه أفضل مما اقتصر على ~~بعضه. # وأما الذي نقوله من تفضيل النثر على النظم: فهو أن النثر يعلم فيه أمور ~~لا تعلم في النظم كالمعرفة بالمخاطبات وبينة الكتب والعهود والتقليدات ~~وأمور تقع بين الرؤساء والملوك يعرف بها الكاتب أمورهم ويطلع على خفي ~~أسرارهم وأن الحاجة إلى صناعة الكتابة ماسة والانتفاع بها في الأغراض ظاهر. ~~والشعر فضل يستغنى ms183 عنه ولا تقود ضرورة إليه وأن منزلة الشاعر إذا زادت ~~وتسامت لم ينل بها قدرا عاليا ولا ذكرا جميلان والكاتب ينال بالكتابة ~~الوزارة فما دونها من رتب الرياسة وصناعة تبلغ بها إلى الدرجة الرفيعة أشرف ~~من صناعة لا توصل صاحبها إلى ذلك وأن أكثر النظم إذا كشف وجد لا يعبر عن جد ~~ولا يترجم عن حق وإنما الحذق فيه الإفراط في الكذب والغلو في المبالغة ~~وأكثر النثر شرح أمور متيقنة وأحوال مشاهدة وكثر فيه الجد والتحقيق أفضل ~~مما كثر فيه المحال والتقريب وقد يتسع الكلام فيما لا يخرج عن هذا الفن ~~وهذه الجملة كافية في مثل هذا الموضع. # PageV01P288 ### | فصل فيما يحتاج مؤلف الكلام إلى معرفته # الذي يحتاج مؤلف الكلام إليه من معرفة اللغة التي هي لغة العرب قدر ما ~~يعرف كل شئ باسمه الذي وضعته له. ويجب أن يكون ذلك # PageV01P288 # الاسم أفصح أسمائه إن كانت له عدة أسماء وقد بينا الطريق إلى معرفة ~~الفصيح فيما مضى من كتابنا هذا فإذا عرف ما ذكرته من اللغة احتاج إلى معرفة ~~ما يتصرف ذلك الاسم عليه من جمع وتثنية وتذكير وتأنيث وتصغير وترخيم ليورده ~~على جميع ما يتصرف فيه صحيحا غير فاسد ولهذا افتقر إلى علم النحو وسأذكر ~~قدر ما يحتاج منه فإذا علم ما أشرت إليه افتقر إلى معرفة عدة أسماء لما يقع ~~استعماله في النظم والنثر كثيرا ليجد إذا ضاق به موضع أو حظر عليه وزن ~~إيراد اسم العدول إلى غيره. # ويحتاج في علم النحو إلى معرفة أعراب ما يقع له في التأليف حتى لا يذكر ~~لفظة إلا موضوعة حيث وضعتها العرب من إعراب أو بناء على حسب ما وردت عنهم ~~وليس لأحد أن يظن أن هذا هو معرفة النحو كله والاشتمال على جميع علمه لأن ~~الكثير من النحو علم تقدير مسائل لا تقع اتفاقا في النظم ولا في النثر ~~وكذلك التصرف من علم النحو لا يكاد مؤلف الكلام يحتاج إلا إلى الشئ اليسير ~~منه فأما أن يكثر منه حتى يسوغ ms184 له أن يبنى من الدال في قد مثل عصفور وغير ~~ذلك من مسائل قد وضعت في هذا الجبس فما لا أرى النحوي يفتقر إلى معرفته ~~فضلا عن غيره. # ويحتاج الشاعر خاصة إلى معرفة الخمسة عشر بحرا التي ذكرها الخليل ابن ~~أحمد وما يجوز فيها من الزحاف ولست أوجب عليه المعرفة بها ولينظم بعلمه فإن ~~النظم مبنى على الذوق ولو نظم بتقطيع الأفاعيل جاء شعره متكلفا غير مرضى ~~وإنما أريد له معرفة ما ذكرته من العروض لأن الذوق ينبو عن بعض الزحافات ~~وهو جائز في العروض وقد ورد للعرب مثله فلولا علم العروض لم يفرق بين ما ~~يجوز من ذلك وبين ما لا يجوز. # PageV01P289 # يفتقر أيضا من العلم بالقوافي إلى معرفة الحروف والحركات التي يلزم ~~إعادتها وما يصلح أن يكون رويا أو ردفا مما لا يصح. ويحتاج أيضا إلى معرفة ~~المشهور من أخبار العرب وأحاديثها وأنسابها وأمثالها ومنازلها وسيرها وصفة ~~الحروب التي كانت لها وما له قصة مشهورة وحديث مأثور فإنه قد يفتقر في ~~النظم إلى ذكر شئ منه ويكون للمعنى به تعلق شديد وإذا ورد استحسن. # ويحتاج الكاتب إلى جميع هذا أيضا ويختص بما يفتقر إليه من معرفة ~~المخاطبات وفنون المكاتبات والتوقيعات ورسوم التقليدات مع الاطلاع على كتاب ~~الله تعالى وشريعته وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته فإنه مدفوع ~~إلى تقليد الولاة وعهود القضاة والتوقيعات في المظالم والمكاتبة في ضروب ~~الحوادث. # وبالجملة أن مؤلف الكلام لو عرف حقيقة كل علم واطلع على كل صناعة لأثر ~~ذلك في تأليفه ومعانيه وألفاظه لأنه يدفع إلى أشياء يصفها فإذا خبر كل شئ ~~وتحققه كان وصفه له أسهل ونعته أمكن إلا أن المقصود في هذا الموضع بيان ما ~~لا يسعه جهله دون ما إذا علمه أثر عنده علمه فإن ذلك لا يقف على غاية. # والوصية لهما لهما ترك التكلف والاسترسال مع الطبع وفرط التحرز وسوء الظن ~~بالنفس ومشاورة أهل المعرفة وبغض الإكثار والإطالة وتجنب الإسهاب في فن ~~واحد من فنون الصناعة فإن ms185 كلام الإنسان ترجمان عقله ومعيار فهمه وعنوان حسه ~~والدليل على كل أمر لولاه لخفي منه وبحسب ذلك يحتاج إلى فضل التثقيف ~~واجتماع اللب عند النظم والتأليف. # وإذ قد انتهى بنا القول إلى هذا الموضع فالواجب أن نختم الكتاب. # PageV01P290 # لأنا قد وفينا بجميع ما شرطناه في أوله وقد كنا عزمنا على أن نصله بقطعة ~~مختارة من النظم والنثر يتدرب بالوقوف عليها في فهم ما ذكرناه من أحكام ~~البلاغة وكشفناه من أسرار الفصاحة لكنا فرقنا من الإطالة والتثقيل على ~~الناظر فيه بالملل والسآمة فعد لنا إلى وضع ذلك في كتاب مفرد. ونحن تستغفر ~~الله من خطل القول كما تستغفر من خطأ العمل ونسأله أن يمن علينا بالهداية ~~والعصمة والسلامة في الدنيا والآخرة أنه سميع مجيب. # وكان الفراغ من تأليفه يوم الأحد الثاني من شعبان سنة أربع وخمسين ~~وأربعمائة- 454ه. تم الكتاب. PageV01P291 ms186