######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010333 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن حيان القرطبي #META# 010.AuthorNAME :: ابن حيان القرطبي ، حيان بن خلف (المتوفى : 469هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 469 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المقتبس من أنباء الأندلس #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: تواريخ البلدان والعوائل :: كتب التاريخ #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: المقتبس من أنباء الأندلس #META# 030.LibURI :: JK_010333 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # سنة اثنتين وثلاثين ومائتين # فيها تقلب موسى بن موسى القسوي عن الطاعة، وأعند بتحامل عبد الله بن كليب ~~عامل الثغر عليه، ومد يده إلى بعض أمواله، فأحفظه ذلك، وهاج حميته، وتحرك ~~إلى تطيلة، وابن كليب داخلها، فطمع أن ينتهز منه فرصة، فاحتجز عنه عبد الله ~~بحصانتها، ولم يؤته حربا، واستغاث بالأمير عبد الرحمن، فأخرج إليه ابنه ~~محمدا بالصائفة، وقاد معه محمد بن يحيى بن خالد، فاحتل عليه محمد بالجيوش، ~~فأذعن موسى، واعترف بالذنب، وسأل العفو، فسارع الولد محمد إلى إجابته ~~وتطمينه وإقراره على حاله، وتقدم بالصائفة إلى بنبلونه فجال بأرضها ~~وأداخلها، ونكأ العدو أبرح نكاية. # وفيها عزله الأمير عبد الرحمن حارث بن بزيع عن طليطلة في شوال منها، ~~وولاها محمد بن السليم. # وفيها كان القحط الذي عم الأندلس، فهلكت المواشي، واحترقت الكروم، وكثر ~~الجراد، فزاد في المجاعة وضيق المعيشة. # وفيها استأمن غليالم بن برناط بن غليالم، أحد عظماء قوامس إفرنجة على ~~الأمير عبد الرحمن بقرطبة، فأكرمه وأحسن إليه وإلى أصحابه، وصرفه معهم إلى ~~الثغر لمغاورة الملك لذويق بن قارله بن ببين صاحب الفرنجة، وكانت بينه وبين ~~قواد لذويق وقائع ظهر عليهم فيها، وأعانه عمال الثغر، فأثخن العدو، وأقام ~~بمكانه ظاهرا على من انتقض عليهم من أمته مدة، وكتبه إلى الأمير متصلة. # سنة ثلاث وثلاثين ومائتين # فيها في شعبان منها عزل الأمير عبد الرحمن محمد بن السليم عن طليطلة، ~~وولاها بعده أيوب بن السليم. # سنة أربع وثلاثين ومائتين # فيها غزا بالصائفة المنذر بن الأمير عبد الرحمن، وقاد عبد الواحد بن يزيد ~~الإسكندراني، ودبرا الوزير يحيى بن خالد. # وفيها أغزى الأمير عبد الرحمن أسطولا من ثلاثمائة مركب إلى أهل جزيرتي ~~ميورقة ومنورقة، لنقضهم العهد، وإضرارهم بمن يمر إليهم من مراكب المسلمين، ~~ففتح الله للمسلمين عليهم، وأظفرهم بهم، فأصابوا سباياهم، وفتحوا أكثر ~~جزائرهم، وأنفذ الأمير فتاة شنظير الخصي إلى ابن ميمون عامل بلنسية، ليحضر ~~تحصيل الغنائم ويقبض الخمس، وكان قد صالح بعض أهل تلك الحصون على ثلث ~~أموالهم وأنفسهم، وأحصيت ربعهم وأموالهم، وقبض ms01 ما عليه صولحوا. # وفيها ظهر غليالم بن برناط بن غليالم النازع إلى الأمير عبد الرحمن، ~~القادم إلى باب سدته في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين على من حاده من أمته ~~أهل إفرنجة، الذي نصبه الأمير عبد الرحمن لمغاورتهم وأمده بقوته، فاقتحم ~~عليهم بلده في جمعه، فقتل وسبى، وحرق وخرب، وحاصر برشلونه حتى أضربها، ~~وتقدم إلى جرندة، فشارفها، وورد كتابه على الأمير عبد الرحمن يعترف بما كان ~~منه، ويذكر تماديه عليه، فأجيب بالإحماد لفعله، والإرصاد لمكافأته، وكتب ~~إلى عبيد الله بن يحيى عامل طرطوشه وإلى عبد الله بن كليب عامل سرقسطة في ~~إمداده ومعونته وتحريضه على شقاق قومه وتأييد عزيمته. # وفي شهر رمضان منها عزل أيوب بن السليم عن طليطلة ووليها يوسف بن بسيل. ~~وفيها عزل الأمير عبد الرحمن معاذ بن عثمان عن القضاء بقرطبة، وولى مكانه ~~محمد ابن زياد. # وفيها خرج فرج بن خير الطوطالقي بدنهكة وأروش، فأظهر المعصية، وجمع أهل ~~الفساد، فعالجه الأمير عبد الرحمن بالخيل، فحوصر حتى أذعن بالطاعة، وعاد ~~إلى الجماعة، فاصطنعه الأمير ورفع مرتبته، وولاه كورة باجة، فلم يلبث أن ~~انتقض عليه إلى مديدة، وجرت منه خطوب أفسدت الصنيعة؛ ومن ولده بكر بن سلمة ~~المستنزل من ناحية الغرب أيام الخليفة الناصر لدين الله. # سنة خمس وثلاثين ومائتين # فيها ورد كتاب أهل ميورقة على الأمير عبد الرحمن بن الحكم، مستغيثين مما ~~دهمهم من سخطه، مستقيلين لعثراتهم لديه، راغبين في صفحه وإقالته، فعطف ~~عليهم وأقالهم زلتهم، وأجابهم إلى مسألتهم، وأعطاهم ذمته، وجدد لهم عهده. ~~PageV01P001 وفي آخرها عاد موسى بن موسى القسوي إلى الخلاف، وكشف وجهه ~~بالمعصية، فأفسد ما حوالي مدينة تطيله، وعاث حوز طرسونة وبرجة، وظاهره أخوه ~~لأمه العلج ابن ونقه ببنبلونة، فخرج إليه بالصائفة عباس بن الوليد المعروف ~~بالطبلي، فعاد إلى الطاعة، واستقال الزلة، وبذل إسماعيل ابنه رهينة، فعاد ~~الأمير إلى القبول منه، والاستظهار عليه، وأخرج بيعته والتوثق منه وقبض ~~رهينته خالد بن يحيى ومحمد بن الوليد ومطرف بن نصير، فتمموا سلمه، وتوثقوا ~~من عهده، وجدد له الأمير ms02 الولاية على تطيلة، ودخل أخوه العلج ابن ونقه صاحب ~~بنبلونة معه في الأمان، وقبض الأمناء المخرجون إلى موسى رهينته التي كانت ~~ولده إسماعيل الذي هو لابنة عمه ميمونة، فأقبل عباس الطلبي بالعسكر إلى ~~الحضرة لتأخر الوقت عن دخول أرض الحرب، وما تولى إسماعيل بن موسى رهينة ~~أبيه موسى في يد الأمير عبد الرحمن أن هرب من يده عن قرطبة حانا إلى ما ~~فارقه من الشقاق، ذاهلا عما كان فيه من غضارة المعيشة، لتوسعه في القطائع ~~المنيفة والصلات الجزلة، فرفض ذلك كله، وسما للمعصية، وأمر الأمير بقص ~~أثره، فلم يبعد أن جئ به إليه من طريق الثغر، وقد انتهى إلى وادي آنة فقبض ~~عليه هناك بعض من عرف خبره، ورده للأمير عبد الرحمن بقرطبة، فعفا عنه، ~~وأغضى عن زلته، وخلاه على ما كان عليه من سعة قطائعه. # وفيها سيلان عظيمان بنهر قرطبة في شهر رجب القمري الموافق لشهر ينير ~~الشمسي رأس سنة العجم بالأندلس، عدا في أمهات السيول، وحمل وادي شنيل أيضا، ~~وطغى مدة، وأخرب حنيتين من قنطرة مدينة إستجة، وأبطل عددا من أرجائها، وطمى ~~السيل أيضا بكورة إشبيلية التي بها قراره، فذهب مده في مجتمعه هناك بست ~~عشرة قرية ما بين البحر وحاضرة إشبيلية ........... # فيها من ناس وبهائم وأمتعة، فكان ذلك حدثا عظيما تحدث الناس عنه زمانا. # وفيها هلك الطاغية رذمير بن أردميس ملك الجلالقة، فولى ابنه أردون، وكانت ~~ولاية رذمير ثمانية أعوام. # سنة ست وثلاثين ومائتين # فيها ورد كتاب للأمير من عبيد الله بن يحيى من الثغر الأعلى، يذكر ~~استغناءه عن العدة التي قد أمر باحتباسها قبله من الحرس، واكتفاءه بمائة ~~وثلاثين غلاما ذكر أنهم معه من مواليه وغلمانه، يرضى بسالتهم، ويحمد ~~مذاهبهم، ويسكن إليهم، ويجتزى بخدمتهم، لما أصبح الثغر بحمد الله من السكون ~~والهدوء، ووقم العدو بحروب، بارتضاء رأيه، وإحماد نظره، وقدم مقنبا من قبله ~~من فرسان الخرس إلى مرابطهم بالماء، وأجرى القطائع على عدته تلك التي اقتصر ~~عليها من الرواتب والنفقات والعلوفات عليهم مما في يده من ms03 مال السلطان، وأن ~~يصرف جميع ما يقبضه بالثغر من الجزاء والعشور وجميع الوظائف بعد إقامة سائر ~~النفقات الراتبة إلى فكاك أسراهم، وحمل مرجليهم، ومرمة حصونهم، ومصالح ~~ثغورهم، وكل ما فيه تقويتهم على عدوهم، وسوغه أن يرتزق في كل شهر لعمالته ~~مما يجتبيه مائتي دينار دراهم، وينهض معروفه للعام إلى ألف دينار مما ~~يتقاضاه من جباية عمله، فكان عمل الأمير عبد الرحمن ذلك بالثغر وأهله من ~~جلائل مناقبه. # وفيها أدال الأمير عبد الرحمن ابنه الحكم بن عبد الرحمن عن ولاية كورة ~~إلبيرة بأخيه عبد الله بن عبد الرحمن، وولى الحكم كورة تدمير ومعه سعد أخو ~~خزر لا يفارقه. ثم عزل عبد الله بن عبد الرحمن عن كورة إلبيرة فيها، فأعاد ~~أخاه الحكم إليها. # ولم يخرج إلى كورة تدمير في هذه السنة ولدا له على عادته لإمحال نالها في ~~هذا العام. وفيها صرف الأمير عبد الرحمن عن كورة رية، وصرف خزر المولى ~~الملازم له معه. # وفيها ثار حبيب البرنسي بجبال الجزيرة الخضراء، واجتمع له خلق من أهل ~~الفساد في الأرض، فشن بهم الغارة على قرى رية وغيرها، فأشاع الأذى، ونهب ~~وقتل وسبى، فأخرج الأمير عبد الرحمن عند ذلك الخيل مع عباس بن مضا، فألفى ~~أضداده قد قصدوا حبيبا وأصحابه، فأوقعوا بهم وقصوهم، وقتلوا خلقا منهم، ~~وتفرقت بقيتهم، فانخنس حبيب رئيسهم في غمار الناس، وطفئت نائرته، وطلب دهرا ~~فلم يظفر به. # ذكر مهلك نصر الخصي # الكبيرخليفة الأمير عبد الرحمن بن الحكم رحمه الله PageV01P002 وفي هذه ~~السنة هلك أبو الفتح نصر الخصي، خليفة الأمير عبد الرحمن بن الحكم، المقدم ~~على جميع خاصته، المدبر لأمر داره، المشارك لأكابر وزرائه في تصريف ملكه، ~~وكان هلكه شبيه الفجأة في عقب شعبان من هذه السنة، أرقى ما كان في غلوائه، ~~وأطمع ما هو بالاحتواء على أمر سلطانه، أرهب ما كان الناس له، وأخوفهم ~~لعدوانه، إذ نال من أثرة مولاه الأمير عب الرحمن واصطفائه وإشراكه له في ~~الرأي مع جلة وزرائه، وطوعه كثيرا إلى ما يخالفهم فيه، فوق ما ms04 ناله خادم ~~خاص مع أمير رشيد سمع عنه، وله بذلك أخبار في الناس تصدق دلائل تحققه، سما ~~بها - زعموا - في باطنه إلى غاية كرهها الله، إخترمه دونها حمامه، فقضى ~~ذميما مستراحا منه. # وكثر القول في السبب الذي أراده، والخوض فيما أتاه، فكان من أوضح ذلك ما ~~ذكره أبو بكر بن القوطية، قال: كان نصر الخصي الجريء المقدم الوساع الفهم ~~قد غلب على قلب مولاه الأمير عبد الرحمن بن الحكم واستظهر على حراصة مكانه ~~لديه بانقطاعه إلى حظيته طروب أم عبد الله، الغالبة عليه من بين جميع ~~نسائه، وحطه في شعبها، وممالأته إياها على ما تسعى له من تقديم ولدها عبد ~~الله للأمر بعد الأمير أبيه على جميع الأراجح الأكبرين من ولده متى حان ~~حينه، فخالص السيدة تشديدا، وأخلصت له، واستوى له بذلك أمره، وأصبح ملك عبد ~~الرحمن في يده، يدبره كيف يشاء، فلا يرد أمره، قد أجهد سعيه آخر أمده في ~~جهره وسره، بالتنويه بعبد الله بن سته طروب، والإشادة بذكره، واستمالة ~~طبقات الناس بالرغبة والرهبة إليه، والعمل على اختزان الخلافة عن أخيه ~~محمد، بكر والده الأمير عبد الرحمن ومفضلهم المشار إليه إلى خالفتهم ابن ~~طروب هذا، وسوقها إليه، يتأتى لذلك ويأتيه من جميع أبوابه، والقضاء يبعده ~~عنه، ويسد دونه طرقه، وهو يرصد لوجبة الأمير عبد الرحمن مولاه، ليقضي في ~~عبد الله قضاءه، فيملي لعبد الرحمن ويستأخر يومه، فيشق ذلك على الخصي ويرهب ~~فوته، حتى سولت له نفسه اغتيال مولاه عبد الرحمن، وإلطاف التدبير عليه، ~~كيما يتمكن من تقديم عبد الله مكانه، ولا يرهب الخلف عليه، لكثرة أنصاره من ~~أهل الدار وغيرهم، وفشو صنائعه فيهم، فيتم له بابن طروب الاحتواء على الملك ~~ويؤخر عنه محمد المرشح له وغيره ممن يطمع فيه. # فوثق في ذلك بالحراني الطبيب، وكان في عداد صنائعه وقدر منه - مع الوفاء ~~- الشره إلى ما يبذله له، فخلا به، وذكره أياديه لديه، وتدارسا فيما ينويه ~~له، وقال له: هل لك في إحراز حسن رأيي للأبد، وحوز جزيل صلتي ms05 للآخر؟ فقال ~~له الحراني: هذه هي المنية التي لا وراءها طلبة! فمن لي بنيلها؟ فقال له: ~~هذه ألف دينار معجلة بين يدي الجري بالحاجة، واعمل لي سؤر الملوك الذي يدني ~~الأجل، ويقلب الدول، ودعني لمكافأتك إن انقضت حاجتي. فوالله لأتجاوزن بها ~~ظنك!. # فأراه القبول لما بذله، والقيام بما كلفه. # وخرج عنه وقد عدلت البدرتان جناحيه، فعمل ذلك الخلط باسم الدواء المسهل ~~كما رسمه له، وأجهد رأيه في تقويته، واحتال في أن دس في خفية إلى فجر خطية ~~الأمير عبد الرحمن ضرة طروب مع بضع من كان يستطب لها عنده من ثقات قهارمتها ~~يشير لها على ما دبر على الأمير من طريق العلاج، ويأمرها أن تحذره من شرب ~~ما يأتيه نصر به أو يرسله، فوقاه جده بذلك، وسقى الخصي معينا له. # وقد كان الأمير شكا إلى نصر خلال ذلك خلطا تحرك به عدل له عن أخذ الدواء ~~الذي من عادته وإعداده ليوم فارقه على التوحش أمامه، فكان من توطئة نصر ~~لذلك ما قدر أنه واقع به لا محالة. وبكر بذلك الخلط المسموم إلى الأمير في ~~اليوم الذي ربط فيه موعده، فأصابه حذرا للذي سبق إليه، فتعلل على نصر، ووصف ~~وعكا طاف به ليلته، فنكث مرته، فلا فضل فيها للدواء، وأشار عليه بشربه، إذ ~~لم يزل كثيرا يسعده في مثله، فذهب يعتذر بعدم التوحش له، فزجره وقال: سبحان ~~الله! شيء اجتهدت لي فيه وألطفت تركيبه تخاف غائلته؟ عزمت لتشربنه! فعلم ~~نصر أن خلافة لا يمكنه، فشربه بين يديه، واستأذنه في الخروج إلى منزله، ~~فأمره، فانطلق يركض وركضه يزيده شرا، واستغاث بالحراني، فعرفه بما جرى ~~عليه، والسم يجد به، فقال له: عليك بلبن المعز، فإن شربه يفتر عنك! ففرق ~~غلمانه في طلبه، فعوجل قبل أن يؤتى به، ومضى لسبيله. PageV01P003 فسر الناس ~~بحتفه، وأطبقوا على ذمه، وقال يحيى الغزال عدوه الموتور من لدنه عند موته: ~~من البسيط. # أغنى أبا الفتح ما قد كان يأمله ... من التصانع والتشريف للدور # وكل عرض وقرض كان يجمعه ... حفيرة ms06 حفرت بين المقابير # لم يألها القوم تضييقا ولا وقعت ... فيها الكرازين إلا بعد تقدير # فصار فيها كأشقى العالمين وإن ... لفوه بالنفح في مسك وكافور # ما العرف لو أخبرونا بعد ثالثة ... إلا كعرف سواه المناخير # وكان أزمع شيئا لم تكن سبقت ... به من الله أحكام المقادير # إذا أراد الإله الشيء كونه ... فلن يضرك فيه سوء تدبير # وذكر أن الغزال أنذر بهلك نصر هذا من طريق النجم قبل وقوعه بمدة، فقال: ~~من الكامل، الضرب الأحد المضمر. # قل للفتى نصر أبي الفتح ... إن المقاتل حل بالنطح # وأراه قهقر فيه ثم مضى ... قدما ومدبرا إلى الرمح # وأرى النحوس له مساعدة ... فانظر لنفسك واقبلن نصحي # ووجدت ذلك إذ حسبت له ... مما يدل على غلا القمح # ونزول أمر لا أفوه به ... لو كان يبلغ بي إلى الربح # وإذا رأيت البدر في بلع ... نزل القضاء بأبرح البرح # يا رب طالعة العشاء أتت ... بخلاف ذاك طوالع في الصبح # ولرب رافلة عشيتها ... في الوشي أضحت وهي المسح # تبكي على من كان يكرمها ... نحاء بين نوادب نح # وليحيى الغزال في نصر وذكر مسكنه بمنيته إلى جانب مقابر الربض والنهر: من ~~الطويل. # أيا لاهيا في القصر قرب المقابر ... يرى كل يوم واردا غير صادر # كأنك قد أيقنت أن لست صائرا ... غدا بينهم في بعض تلك الحفائر # تراهم فتلهو بالشراب وبعض ما ... تلذ به من نقر تلك المزاهر # وما أنت بالمغبون عقلا ولا حجى ... ولا بقليل العلم عند التخابر # وفي ذاك ما أغناك عن كل واعظ ... شفيق وما أغناك عن كل زاجر # وكم نعمة يعصى بها العبد ربه ... وبلوى عدته عن ركوب الكبائر # سترحل عن هذا وإنك قادم ... وما أنت في شك على غير عاذر # وقال يحيى الغزال عند ذكر الناس لإنزال السلطان زريابا مغنيه في منية نصر ~~الخصي أثيره بعد موته، يذكر تقلب الدنيا بأهلها: من الخفيف. # ذكر الناس ... نصر لزريا ... ب وأهل لنيلها زرياب # هكذا قدر الإله وقد تجرى بما لا تظنه الأسباب # أخرجوه منها إلى مسكن ليس عليه إلا ms07 التراب حجاب # لا يجيب الداعية فيه ولا ير ... جع من عنده إليه جواب # وتغانت تلك المراكب عنه ... وأميلت إلى سواه الركاب # ليس معه من كل ما كان قد جمع إلا ثلاثة أثواب # وتلاشى جميع ذاك فلما ... يبق إلا ثوابه أو عقاب # عسكر جندوا فليس بمأذو ... ن لهم عنه أن يكون الحساب # فرأيت الرقاب من أهله ذلت وعزت من آخرين رقاب # وكذاك الزمان يحدث في تص ... ريفه الذل والبلا والخراب # لتعجبت والذي منه أعجبت إذا ما نظرت شيء عجاب # لكأن الذي تولى الذي كا ... ن عليه مخلد لا يراب # فعله بعده كفعل امرئ ليس عليه بعد الممات حساب # ولعقل الفتى صحيح ولكن ... حيرته الأوراق والأذهاب # وحكى الحسن بن محمد بن مفرح في كتابه قصة مهلك نصر هذا، فقال: ~~PageV01P004 كان السبب في مهلك نصر الفتى الكبير الغالب على الأمير عبد ~~الرحمن بن الحكم المظاهر لسيدته طروب حظية الأمير عبد الرحمن على سوق الملك ~~إلى ولدها منه عبد الله المعزو إليها أن عبد الرحمن التوى بهما معا في ~~تقديم عبد الله على محمد أخيه أكبر ولده، المرشح من بينهم للأمر، لصدق نفسه ~~على كون ما بينهما في الرجاحة والفضل، وتغليبه لرأيه فيه على هواه، لمعصيته ~~لحظيته طروب. فلما أعيا عليها وعلى نصر ظهيرها لفته عن ذلك شق ذلك على نصر، ~~وفكر في سوء عاقبته مع محمد إن خلص له الأمر، وقد كشف وجهه في صده عنه، ~~فذهب إلى احتيال الأمير مولاه كيما يتمكن من نصب عبد الله ودحر محمد، فأتى ~~الأمر من باب طبيب الأمير المعروف بالحراني، وكان يثق به، فخلا معه، وقال ~~له: ما ترى رأيك في شيء تحوز به حسن رأيي، وتعجيل العطاء الرغيب مني، ~~وتعتقد المنة علي؟. # فقال: يا سيدي. بعض هذا غاية أملي! فكيف لي ببلوغه؟! فقال له: فقد أمكنك! ~~فخذ هذه الألف دينار ابتداء، فأصلح بها من شأنك، واعمل لي سنون الملوك، من ~~أجل ما تقدر عليه وأوحاه فعلا، فيدك فيما عندي منطلقة! فأعده لميقاتك الذي ~~أعرفك به. ms08 # فلم يخطر على عصيانه، وأراه الرغبة في صلته، والحرص على قضاء حاجته، وقبض ~~الألف منه، وعمل له السنون كما أراده. # واتفق أن شكا الأمير إلى نصر فتورا يجده، فأشار عليه بالدواء المسهل، ~~وكان من عادته، فذكره بإدخاله، وأوصل إليه طبيبه الحراني، فوافقه على إدخال ~~الدواء، وحد له تقديمه، ورسم له التوحش لإدخاله ليوم سماه، فتقدم الأمير ~~إلى نصر بإدخال الحراني إلى خزانة الطب، وتمكينه مما يريد من أخلاط دوائه ~~ليقيمه على حده، فشرع الحراني في ذلك، وفجر ثقة الأمير تطالعه بوصاياه، ~~فأمكنت الحراني منها فرصة أوحى إليها بشأن الدواء، وسألها أن تحذر الأمير ~~من شرب الدواء، ففلعت ذلك خفية، فحذر الأمير، وطار بجناح الإشفاق عليه. # فلما غدا به نصر في اليوم الذي فارقه عليه أظهر الأمير الانكسار عنه، ~~ووصف عائقا يمنعه منه، وأمر لحينه نصرا بشربه، فكأنه توانى إذ لم يستعد له، ~~فأكرهه عليه، وأسرع الخروج إلى داره، وبادر الإرسال في الطبيب الحراني، ~~فعرفه ما جرى عليه، واستغاثه، فأمره أن يشرب لبن المعز، فآل إلى أن طلب له ~~وجيء به، فأعجل عليه السم، فمات، ولم يشربه. # وذكر الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن حزم أن نصرا هذا الذي إليه تنسب ~~منية نصر - الأثير كان - عند الأمير عبد الرحمن بن الحكم، وكان من الفتيان ~~المنتقين الذين خصاهم أبوه الأمير الحكم من أبناء الناس الأحرار الذين ~~تعبدوا ليستخدمهم داخل قصره وأبوه المعروف بأبي الشمول من أسالمة أهل الذمة ~~من أهل قرمونة، نال بابنه نصر دنيا عريضة، وكان موته قبيل مهلك نصر ابنه ~~بأيام. وأخبار نصر كثيرة. # سنة سبع وثلاثين ومائتين # فيها كانت وقيعة البيضاء، والبيضاء مجاورة لمدينة بقيرة من بلد بنبلونة ~~بين المسلمين والكفرة الجاشقيين، فكان اليوم الأول منها على المسلمين، ~~فاستشهد منهم جماعة، ونالت فيه موسى بن موسى خمس وثلاثون وخزة تخللت حلق ~~درعه، واليوم الثاني كافحهم المسلمون، وقد أخذ المقدمة موسى بن موسى ~~متحاملا لألم جراحه، فحامى على المسلمين، وحسن غناؤه، فهزم الجاشقيون أعداء ~~الله أفحش هزيمة، وفرشت الأرض ms09 بصرعاهم. # وفيها هلك ينقه بن ينقه أخو موسى بن موسى لأمه وظهيره على أمره، وكان قد ~~أصابه فالج عطله إلى أن مضى لسبيله، فولى مكانه ابنه غرسيه، واستملكت له ~~إمارة بنبلونة. # وفيها في أيام ولاية عبيد الله بن يحيى للثغر قام بناحيته رجل من ~~المعلمين، فادعى النبوة، وألحد في القرآن، فأحاله عن وجوهه، وأوله على غير ~~تأويله، وقام معه خلق كثير. وكان ينهى عن قص الشارب والأظفار، ويقول لا ~~تغيير لخلق الله، فأرسل عبيد الله من جاء به، فلما دخل عليه وكاشفه كان أول ~~ما ابتدأه به أن دعاه إلى إتباعه، فاستشار فيه عبيد الله أهل العلم عنده، ~~فأشاروا باستتابته ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل، ففعل به ذلك، فلم يتب، ~~فأسلمه للقتل صلبا، فجعل يقول: " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله " ؟ فأمضى ~~عبيد الله قتله بالفتوى، وكتب إلى الأمير بأمره، فأحمد فعله. PageV01P005 ~~وفيها ابتدئ بعذاب عباس الطلبي وأخيه، ووليد بن أبي لحمة في استخراج ~~الأموال التي غلوها بدفاع نصر الخصي عنهم، إذا كانوا صنائعه وبطانته، فلجوا ~~بالمال، وشد عليهم العقاب. # وفيها أيضا قبض على مسرة الخصي الفتى الكبير وعباس أخيه، فسجنا، وذلك في ~~صفر منها، وصير مكان مسرة قاسم الخصي الصقلبي، وذكر أنه وجد لمسرة ثمانية ~~آلاف دينار دراهم. # وفيها عزل الأمير عبد الرحمن محمد بن زياد عن القضاء بقرطبة وولى مكانه ~~سعيد ابن سليمان بن حبيب الغافقي مجموعا له إلى الصلاة، وذلك في ربيع الآخر ~~منها، فكان آخر قضاة الأمير عبد الرحمن. # سنة ثمان وثلاثين ومائتين # وفيها توفي الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية ~~ابن هشام بن عبد الملك بن مروان ليلة الخميس لثلاث خلون من ربيع الآخر من ~~هذه السنة، فدفن يوم الخميس في تربة الخلفاء بقصر قرطبة. وأدلاه في قبره ~~أخواه المغيرة وأمية، وصلى عليه ابنه الخليفة محمد بن عبد الرحمن. # مولده بطليطلة في شعبان سنة ست وسبعين ومائة، وأبوه الحكم يومئذ واليها ~~لوالده الأمير هشام، فكانت سنة اثنتين وستين ms10 سنة. وكانت خلافته إحدى ~~وثلاثين سنة وثلاثة أشهر وستة أيام. # وقال الحسن بن محمد بن مفرج: قال ابن عبد البر: توفي الأمير عبد الرحمن ~~ليلة الخميس لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائتين. # وقيل: بل هي لثلاث خلون منه، فكانت خلافته إحدى وثلاثين سنة وثمانية ~~وعشرين يوما. وقيل: بل خمسة أشهر وقيل: ثلاثة أشهر وأربعة أيام. وقيل: ستة ~~أيام. # فدفن يوم الخميس من غد ليلة موته في روضة الخلفاء سلفه بقصر قرطبة، وصلى ~~عليه ابنه الأمير محمد بن عبد الرحمن الوالي مكانه. وكانت سنة اثنتين وستين ~~سنة. ومولده بطليطلة من الثغر الأدنى أيام كان والده الحكم بن هشام واليا ~~عليها لجده هشام وذلك في شعبان سنة ست وسبعين ومائة. # قال الفقيه محمد بن وضاح: احتجب الأمير عبد الرحمن بن الحكم عن الناس قبل ~~موته مدة من ثلاثة أعوام أو نحوها من أجل علة أصابته طالت به واشتدت عليه، ~~فحمته الحركة، وهدت قوته، وأحدثت عليه رقة في نفسه، ووحشة في خاطره، وشدة ~~أسف على ما نغص عليه من عصارة ملكه. # فذكر أنه قال يوما لأكابر خدمته الخاصة، وقد حفوه في مرضه، وفيهم سعدون ~~زعيمهم الذي اختصه بعد مهلك حظيه نصر ومن يليه: يا بني! - وبذلك كان ~~يخاطبهم مستلطفا لهم ومرفقا بهم - لقد اشتقت أن أعاين ضوء الدنيا وفسحة ~~الأرض، إذ قد حميت عن الخروج إليها، فلعلني أعلو مرقبة يسافر بصرى فيها، ~~فأتسلى بالنظر إلى بسيطها، وجسمي منزع، فهل سبيل إلى ذلك؟ فقالوا له: نعم ~~يا مولانا. # وابتدر أكابرهم إنفاذ أمره، فأخذوا سرير خيزران لطيفا، وثيق الصنعة من ~~أسرة الخلافة، ووضعوا فوقه فراشا خفيفا وثيرا حشوه الريش، أجلسوه فوقه، ~~واحتملوه على أعناقهم، فصعدوا به إلى العلية على هيئته التي كانت من بنيان ~~الأمير على باب الجنان من أبواب القصر القبلية، ثم هبطوا كذلك، فعانوا ذلك ~~مرات يسوقون به الأمير في تعاريج درجة الدائرة، حتى استوى لهم ذلك كما ~~أرادوه، وأمنوا على الأمير المشقة فيه. # فوضعوا الأمير عبد الرحمن عند ms11 ذلك فوق ذلك الفراش، وشدوه من جهاته، ~~واستوثقوا من اضطرابه، وصعدوا به هونا، حتى صيروه بأعلى تلك العلية، ~~فأجلسوه صدرها، وأدنوه إلى الباب الأوسط منها، فأشرف على صحراء الربض قدام ~~باب القصر، وسرح بصره فيها، ورآها إلى كدى القنبانية، ونظر إلى النهر ~~أمامه، والسفن تجري فيه صاعدة ونازلة. # فاستروحت نفسه، وانشرح صدره، وشكر لخدمه ما تجشموه من إدنائه من مسرته ~~وقال لهم: يا أولادي اجلسوا الآن حولي، وأنسوني بكلامكم، ومتعوني ~~بأحاديثكم، ولا تنقبضوا عني بشيء مما تتحدثون به بينكم إذا انفردتم، كيما ~~أشتغل بذلك عما أقاسيه من علتي. ففعلوا، وأنس هو بذلك وانبسط، وقطع أكثر ~~نهاره في تلك العلية. ودنا المساء، فدعوه إلى النزول إلى مجلسه، فبيناه ~~يتهيأ لذلك، إذ وقعت عينه في الصحراء قدامه على قطيع شاء وهي ترعى في ~~منحدرها، ولم ير معها راع يسوقها، فقال لهم. # يا أولادي؟ ما بال هذه الغنم مهملة ولا راعي لها؟ فتأملوا فقالوا: يا ~~مولانا هاك راعيها قاعد إلى جانبها مستريح في فيء جنان طروب تجاهه، يتملى ~~في انحدارها. # فقال: PageV01P006 لعا؟؟!. # ثم أثبت بصره في تلك الغنم، فتنفس الصعداء، وأرسل عبته يبكي حتى أخضل ~~لحيته، وقال: وددت والله أن أكون مكان ذلك الراعي ولا أنشب فيما نشبت من ~~الدنيا ولا أتقلد من أمور الناس ما تقلدت! ثم استغفر الله كثيرا ودعاه. ~~ونزلوا به إلى مهاده، فلم تطل فيما بعد نهاره هذا حياته. # وذكر أحمد بن الأمير محمد بن عبد الرحمن قال: اعتل جدي الأمير عبد الرحمن ~~علته التي توفي فيها، فطاولته ونهكته، وماطلته مدة: تارة تخف عنه، وتارة ~~تثقله، فيركس ويضعف، وينيبوا العلاج عنه على اجتهاد تارة تخف عنه، وتارة ~~تثقله، فيركس ويضعف، وينيبوا العلاج عنه على اجتهاد أطبائه في التماس ~~شفائه، فنعى عليهم وقت سقامه. فلما كان قبل وفاته بأربعة أيام أو نحوها ~~انحط مرضه، وتحركت له قوة خال بها أنه مبل من ضناه، فأمر بأن يصلح له ~~الحمام، ويعدل مزاجه، فاحتم فيه، وأجد خصابه، وكان يواليه ويجمل به، وحدثته ~~نفسه ms12 بالركوب مع عياله طلب النزهة، وهو يأمل الإنظار، والموت أدنى إليه من ~~وريده. # فلما عزم على إتيان ما سولت له نفسه من ذلك دعا حاجته عيسى بن شهيد، وكان ~~خفيفا على قلبه، فأوصله إلى نفسه صبيحة اليوم الذي قضى نحبه في آخره، فبشره ~~بتخفيف مرضه وانبعاث نشاطه، وقال له: كيف ترى خضابنا يا عيسى؟ فقال له: ~~أصلح الله الأمير سيدي! أحسن خضاب رأيت قط، وأدله على انتعاش سيدي واقتيامه ~~البقاء بخلوص القمر من انكسافه بفضل الله عليه وعلى رعيته. # فسره قوله وقال له: إن بعض كرائمنا سألننا تجديد العهد لديهن بالركوب ~~معهن للنزهة على مقتضى العادة، فاخرج من فورك، فانظر في إقامة ما يحتاج ~~إليه لنزهتنا على أتم رسومها، واعجل بذلك، فإنا متحركون صبيحة غد بحول ~~الله. # فمضى عيسى لشأنه، وقال الأمير للراشدة القائمة على رأسه: أدخلي إلى خزانة ~~الكسوة، فمريها أن تتخير لنا مما عندنا من الوشي رداء يوسفيا من أفخر نوعه، ~~فجيئينا به. # فمضت الراشدة وجاءته برداء يوسفي معمر، لم تر العيون آنق منه، فأمر بعض ~~أكابر الخدم أن تخرجه إلى عريف الخياطين بالقصر، فليقطعه ثوبا للبوسه، ~~ويتخذ منه قلنسوة لحاجبه عيسى كيما يلبساه جميعا لركوبهما صبيحة غدهما، ~~ويجمع الصناع على إتمامهما للبوسهما، فعاد إليه الخادم بجواب عريف ~~الخياطين، فذكر أن خياطة الجلد لا تمكنهم في مثل الوقت الذي حده، لدقة صنعة ~~الثوب والأناة لنقشه، وتعذر جمع الأيدي عليه، فضلا عن عمل القلنسوة التي ~~يستأنف تجسيدها لحاجبه من فضل الثوب، ولا بد من الاستيناء بها. # فشق ذلك على الأمير وكسر منه حتى ثناه حاجبه عيسى عن ذلك بلطفه، وهون ~~عليه الخطب، وقال له. # في الذي تحويه خزانة الأمير من الثياب ورفيع القلانس ما فيه مندوحة عن ~~استكداد هذا الثوب الذي لا يؤمن الخطأ في حثه، ولن يفوته نيل ما قام في ~~خاطره منه، لأقرب مداه بحول الله، وتجاوزه بالإبلاء إلى ما سواه، كما أن ~~عندي من جليل خلعه ورفيع قلانسه ما أسره بالتجمل به في خدمته. فليضع عن ms13 ~~نفسه العزيزة كلفة هذا في مثل هذا الوقت الضيق، ولينفذ عزمه في تفريج نفسه ~~بنزهته. # فوضع ذلك الرداء على كرسي في المجلس.... الإضراب عنه، والعمل على الحركة ~~صبيحة غد. فنظر عيسى فيما أمره به، وهيأه على رسومه، وانقضى نهارهم، فما هو ~~إلا أن صلى الأمير المغرب، فانتكثت مريرته، وثارت علته، وحضره حمامه، ~~فتهوع، ودعا بالطست، فقاء دما غبيطا، وعاود ذلك مرارا، فلم يقلع عنه وجعه ~~حتى لفظ نفسه، فتنوقضى نحبه. وقعد الأمير محمد من ليلته مكانه، فتنظر إلى ~~ذلك الثوب الموشى المرجى قطعه موضوعا على الكرسي، فعرف شأنه مع والده مساء ~~ليلته، فعجب وقال: ليصر كفن الأمير نضر الله وجهه! فعمل ذلك به وأصبح حديثه ~~موعظة لمن سمع به. # صفة الأمير عبد الرحمن # عن أحمد بن محمد الرازي: كان أشم أقنى أعين أسود العينين، طوال فخم، ~~مسبل، عظيم اللحية، يخضب يالحناء. # نقش خاتمه: " عبد الرحمن بقضاء الله راض " . وهو أول من استنقشه، وقد مضى ~~خبره. # تسمية ذكور أولاده # وهم في عدد الرازي أربعون. PageV01P007 أولهم الأمير محمد الوالي بعده، ~~أبو العاصي الحكم الاشتياق، أبو أيوب سليمان، أبو القاسم المطرف، أبو الحكم ~~المنذر، أبو الوليد هشام، أبو بكر يحيى، أبو عبد الملك مروان، أبو عثمان، ~~أبو سعيد مسلمة، أمية، عبد الملك، الأصبغ، أبو مروان عبيد الله، أبو معاوية ~~سعيد، أبو العاصي بكر أبو الأصبغ عبد العزيز، أبو أمية العاصي، أبو محمد ~~عبد الله، أبو حفص عمر، الأعرج طريف، أبو العباس الوليد، أبو العاصي عبد ~~الجبار، أبو عبد الله أحمد، أبو القاسم إسحاق، والغمر شقيقة، أبو القاسم ~~عبد الواحد، أبو إسحاق إبراهيم، أبو القاسم عمرو، يعقوب، أبو عبد الملك ~~المغيرة، أبو الأصبغ عثمان، الغريض. # وفي كتاب معاوية بن هشام الشبينسي قال: من نبهاء ولد الأمير عبد الرحمن ~~أبو قصي يعقوب، وكان أديبا شاعرا كلفا بالعلوم جامعا للآداب مطبوعا في ~~الشعر، وكان جوادا لا يليق شيئا، ويسرف حتى يخل بنفسه وأخباره كثيرة. # قال حيان: وصفه بالشعر، ثم لم ينشد له منه ما يصدق وصفه، ms14 بل أنشد ثلاثة ~~أبيات من قصيدة مدح بها ابن أخيه العاصي بن الأمير محمد بن عبد الرحمن ليست ~~بطائل، والأبيات: من الوافر: # ينادي ماجدا من عبد شمس ... كريم الفرع مفضال اليدين # سما للمكرمات فقد حواها ... بهندي وخطار رديني # وغيثا حين يسكب لا الثريا ... به حاذت ولا نوء البطين # اضطرته القافية إلى أن قرن بين أغزر الأنواء وأنزرها، فأحال جدا. # والإناث في عدد الرازي ثلاث وأربعون، وهن: أسماء، وعاتكة، وعائشة الغالب ~~عليها عيشونة، أم الأصبغ، وأم هشام، و فاطمة الغالب عليها فطيمة، وعبدة، ~~وعبدة أخرى، وأمة العزيز، وأم كلثوم، وأم عمرو، زينب، وأم هشام، وعبيدة، ~~وناشدة، وقسيمة، عتيكة، وكنزة، وعزيزة، وأم حكيم كلهن، ومية، ولادة، وأم ~~أبين، ولادة، أمة الوهاب، ظبي، وأمة الرحيم، رقية، أم عثمان، أم موسى، وأمة ~~الرحمن، رحيمة، هشيمة، أمة الرحيم، أمة الملك، والسيدة بريهة، تملال، ~~والمنى، حكيمة، أم سلمة، آمنة، والسيدة عليه. # وزاد في عددهن معاوية بن هشام الشبينسي نسابة أهل البيت بنتين: أمية، ~~ومهاة؛ فرقى عددهن خمسا وأربعين بنتا. # حجاب الأمير عبد الرحمن # قال الرازي: ألفى الأمير عبد الرحمن على حجابة والده الأمير الحكم عبد ~~الكريم بن عبد الواحد ابن مغيث أكمل من حمل هذا الاسم وأجمعهم لكل جمله ~~حسنة، فأقره عليها إلى أن توفي عبد الكريم حميدا فقيدا، فولى بعده حجابته ~~سفيان بن عبد ربه، وبعد سفيان عيسى بن شهيد، ثم عزله بعبد الرحمن بن رستم، ~~ثم عزل عبد الرحمن بن رستم ، فأعاد عيسى بن شهيد إلى حجابته، فتولاها له ~~إلى أن هلك عبد الرحمن لسبيله. # سفيان بن عبد ربه # وافق الرازي فيما ذكره من أسماء هؤلاء الحجاب الحسن بن محمد بن مفرج في ~~كتابه، وذكر سفيان بن عبد ربه فقال: كان من أكابر رجال أهل الخدمة الكفاة ~~المستقلين بأعبائها ممن جمع إلى الغناء والكفاية العفة والأمانة، قد تولى ~~خدمة الخزانة الكبرى أيام الأمير الحكم، وهو أول من استخزن بالأندلس، وحمل ~~هذا الاسم الذي اعتور من علم عمله إلى اليوم، شركه في ذلك مرتيل المعروف ms15 ~~بابن عفان جد هؤلاء الباقين اليوم إلى جانب باب القصر الأكبر المدعو باب ~~السدة ولم يزل يتنقل في مراتب الخدمة إلى أن نال الحجابة ومن ولده الأديب ~~أبو الأسود، وكان ذا وجاهة عند الناس، حدثا مؤنس الجليس ممتعا، توفي في ~~أيام الخليفة الناصر لدين الله رحمه الله تعالى. # عيسى بن شهيد # مولى معاوية بن مروان بن الحكم # قال: كان عيسى هذا منقطعا إلى الأمير عبد الرحمن بعهد والده الأمير الحكم ~~مؤملا له، فلما أفضى الأمر إليه أزلفه به، وقدمه في عليه خاصته، وصرفه في ~~علي مراتبها، فولاه خطة الخيل، ثم استوزره، وولاه النظر في المظالم وتنفيذ ~~الأحكام على طبقات أهل المملكة، ثم استحجبه مكان سفيان بن عبد ربه، واستخصه ~~دون أصحابه، وكان أهلا لإيثاره، إذ كان من أعيان رجال الموالي في الدولة، ~~وهم متوافرون، ومن أشهرهم بالحلم والوقار والحصافة والعلم والمعرفة والحزم ~~والجزالة. وقد قاد بالصوائف، فأحمدت سياسته، وكانت له في التدبير آراء ~~صائبة، وفي الحروب مقام كريمة، وتهيأت له على العدو وقائع مثخنة. ~~PageV01P008 وكان نصر الخصي خليفة الأمير عبد الرحمن الغالب عليه من بين ~~سائر أكابر خدمه المظاهر لحظتيه طروب الغالبة عليه من بين نسائه قد اشتمل ~~على قصر الأمير عبد الرحمن ومن فيه، وشرك في تدبير سلطانه وهو شاحن لحاجبه ~~عيسى عامل في إقصائه، فتسنى له ذلك عندما اعتل الأمير علته الطويلة التي ~~حجبه فيها نصر، وأنفذ عليه أمورا منكرة، منها صرفه لعيسى. هذا عن الحجابة، ~~وذلك بأن أخرج الأمر عن مولاه بصرف عيسى عن الحجابة وإقراره على خطة ~~الوزارة، وتقليد عبد الرحمن بن رستم الحجابة مكانه. # فجرى الأمر بذلك إلى أن استقل الأمير عبد الرحمن من علته، وقعد لأهل ~~خططه، فدخلوا عليه يقدمهم الوزراء، وعيسى في عرضهم، فتقدم عبد الرحمن بن ~~رستم جماعتهم في التسليم على الأمير، ثم قعد فوق ابن شهيد، فاستنكر الأمير ~~ذلك، فلما استقر بهم المجلس قال لعيسى بن شهيد فما يخاطبه به: ما شأن كذا؟ ~~لأمر سأله عنه، فقال له: يا مولاي، لست ms16 بحاجب، وهذا هو الحاجب. وأشار إلى ~~ابن رستم. فعلت الأمير عبد الرحمن كبرة، وعرف من حيث أتى، فكظم غيظه ~~واصطبر. # فلما خرج الوزراء دعا بنصر، فسأله عن عزل ابن شهيد، وولاية ابن رستم، فلم ~~يمكنه إنكاره، وادعى أن وصية خرجت إليه من لدنه صدر علته، فكذبه الأمير، ~~وعلم أنها من تحامله وجسراته، فسبه وأغلظ له، وهم به، ثم عفا عنه، وأعاد ~~عيسى بن شهيد إلى الحجابة، وعزل عنها عبد الرحمن بن رستم، وتركه على ~~الوزارة، فلم يزل عيسى بن شهيد حاجبا للأمير عبد الرحمن بن الحكم إلى أن ~~توفي الأمير عبد الرحمن، فأمضاه عليها محمد سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وقد ~~استكمل في ولايته في الدولتين عشرين سنة. # وقال أبو بكر بن القوطية: لما توفي الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد مغيث ~~صدر دولة الأمير عبد الرحمن تنافس الوزراء كلهم في خطة الحجابة بعده، وكدوا ~~بالوسائل والشفاعات حتى أضجروه، فأقسم أو اعتقد ألا يوليها واحدا منه، ~~وعطلها مدة، ثم صيرها إلى رجل من أقادم صنائعه كان له اتصال به قبل الخلافة ~~أحظاه لديه اسمه سفيان بن عبد ربه، أصله من برابر بيانة، لم يكن له قدم، ~~وكانت له يقضة ومعرفة، فتولى حجابته أعواما إلى أن مات، فولى عبده عبد ~~الرحمن بن غانم، ثم مات بن غانم أيضا، فصارت الحجابة إلى عيسى بن شهيد، ثم ~~إلى عبد الرحمن بن رستم يداول الأمر بينهما، إلى أن مات ابن رستم، فاتصلت ~~الحجابة لعيسى بن شهيد بقية أيام الأمير عبد الرحمن. فلما ولى ابنه الأمير ~~محمد أقر ابن شهيد خمسة أعوام إلى أن توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين. # وزراء الأمير عبد الرحمن # قال أحمد بن محمد: كان وزراء الأمير عبد الرحمن: العباس بن عبد الله ~~القرشي؛ الوليد بن عبد الله القرشي، عبيد الله بن يحيى بن خالد، عبد الكريم ~~بن عبد الواحد بن مغيث الحاجب القائد الكاتب؛ عبد الرؤوف بن عبد السلام؛ ~~عيسى بن شهيد الحاجب؛ عبد الرحمن ابن رستم الحاجب؛ محمد بن السليم؛ وكانت ms17 ~~له مع الوزارة خطط يرتزق عليها في كل شهر ثلاثمائة دينار؛ محمد بن عبد ~~السلام بن بسيل، وكانت تلك سبيله؛ عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني، وكانت ~~أرزاقه تنتهي إلى العدد المذكرو؛ عبد العزيز ابن هشام بن خالد، وكانت ~~أرزاقه أيضا عظيمة؛ عبد الرحمن بن عبد الحميد بن عبد الحميد بن غانم، محمد ~~بن كليب بن ثعلبة، وكان قبل وزارته على الشرطة؛ يوسف ابن بخت؛ عبد الله بن ~~أمية بن يزيد؛ حسن بن عبد الغافر بن أبي عبدة. # قال ابن القوطية: والأمير عبد الرحمن أول من ألزم هؤلاء الوزراء الاختلاف ~~إلى القصر كل يوم، والتكلم معهم في الرأي، والمشورة لهم في النوازل، ~~وأفردهم ببيت رفيع داخل قصره مخصوص بهم يقصدون إليه ويجلسون فيه فوق أرائك ~~قد نضدت لهم، يستدعيهم إذا شاء إلى مجلسه جماعة وأشتاتا، يخوض معهم فيما ~~يطالع به من أمور مملكته، ويفحص معهم الرأي فيما يبرمه من أحكامه. وإذا ~~قعدوا في بيتهم أخرج رقاعه ورسائله إليهم بأمره ونهيه فينظرون فيما يصدر ~~إليهم من عزائمه. جرى على ذلك من تلاهم إلى اليوم. # قال ابن مفرج: وكان قد اجتمع للأمير عبد الرحمن من سراة الوزراء أولى ~~الحلوم والنهي والمعرفة والذكاء عصابة لم يجتمع مثلها عند أحد من الخلفاء ~~قبلهم ولا بعدهم. وسماهم حسبما تقدم، فزاد فيهم ابن مفرج عبد العزيز بن ~~هاشم الملقب سعاد من غير تسمية ابن شهيد. PageV01P009 قال أبو بكر: لم ~~يختلف أحد من شيوخ الأندلس في أنه ما خدم ملوك بني أمية فيها أحد أكرم من ~~عيسى بن شهيد غاية، ولا أكرم اصطناعا، ولا أرعى لذمة. ولقد كان الحاجب قبله ~~عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث بهذه الصفة، على زيادة خصاله وأدواته على ~~عيسى إلا في باب كرم الصنيعة واستتمامها، فلم يك يفضله درجة، بل كان عبد ~~الكريم يقصر عن عيسى في باب قبول الهدية وتجويز المكافأة على قضاء الحاجة، ~~فإنه كان يقبل ذلك ولا يأباه، وكان عيسى على الضد منه في هذا الباب: لا ~~يقبل شيئا ms18 منه ألبتة، وكان يهجر من عرضه إليه، ولا يرضى فيمن يتقلده من ~~صنائعه ويشمله بنعمته إلا بغاية التشريف والإنهاض، والتخويل والإمداد. # فمن مشهور ذلك فعله في عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني، فإنه قدم إلى ~~الأندلس وهو فتى متأدب ظريف، كان يشدو شيئا من الغناء على مذاهب الفتيان، ~~فاعتلق بحبل ابن شهيد وهو صاحب الأمير عبد الرحمن بن الحكم، فبلا منه فضلا ~~وحجى. # فقال له: أمسك عن الغناء البتة، فإنه يريبك لدينا، وتحقق بأدبك، وتنبه ~~لحظك، فلك خصال تجذب بضبعك! ففعل عبد الواحد ذلك، ولزم عيسى، فألقى دكره ~~إلى الأمير عبد الرحمن، وأوصله إليه، فأصابه على ما وصفه له عيسى، فقبلته ~~نفسه، وحركه عنده حظه، فأدنى منزلته، ومكن خصوصيته، حتى نادمه وأنس به، ثم ~~استخدمه ونقله في منازل الخدمة حتى خوله المدينة، ثم رقاه إلى الوزارة ~~والقيادة. # كتاب الأمير عبد الرحمن # كتب له الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، مع ما كان إليه من ~~الحجابة والقيادة، وعبد الله بن محمد بن أمية بن يزيد بن أبي حوثرة مولى ~~معاوية بن يزيد بن عبد الملك ابن مروان، بيت الكتابة لبني مروان بالأندلس، ~~تناسق بعبد الله هذا ثلاثة منهم ما بينه وبين جده أمية بن يزيد كاتب الأمير ~~الداخل عبد الرحمن بن معاوية. وكان مهلك جده أمية سنة أربع وخمسين ومائة، ~~ومهلك أبيه محمد سنة ست وعشرين ومائتين، ومهلك عبد الله هذا المذكور سنة ~~مائتين وست وأربعين. وكانوا أهل بيت نجابة. .... # وكتب له أيضا محمد بن سعيد الزجالي، مؤسس بيت من بيوت الشرف بقرطبة من ~~غير قدم في الدولة، ومحمد بن موسى بن محمد؛ وكان يخاطب عنه في بعض الأوقات ~~كليب الكاتب من غير أن يرتسم بالخطة. # خبر الزجالي # قال أبو بكر محمد بن عمر بن القوطية: هو محمد بن سعيد بن أبي سليمان، ~~واسمه وارشكين، من بني يطفت من نفزة، وهو المعروف بحمدون، والملقب ~~بالأصمعي، ولقب بذلك لذكائه وقوة حفظه، وكان أول من أصطنعه فاستكتبه الأمير ~~عبد الرحمن بن الحكم، ms19 وكتب لابنه محمد بعده، وأنجبت ولادته لابنيه عبد الله ~~وحامد ابني محمد بن سعيد، فكانا كاتبين نحريرين، كلاهما كتب للسلطان، خلا ~~عبد الله منهما لم يطل أمده في الكتابة، وكتب نحو ستة أشهر، فأعجلته ~~المنية. # وأما حامد أخوه فلزمته الكتابة وشهر إلى أن مات سنة ثمان وستين ومائتين. # وكتب منهم أيضا عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن سعيد الزجالي ~~سنة سبع وثمانين ومائتين، ثم إنه نالته علة عظيمة مدة، وتخفف، فأعاده ~~الأمير عبد الله في دولته إلى الكتابة مرارا، واتصلت كتابته من بعده صدر ~~دولة حفيده عبد الرحمن الناصر لدين الله إلى أن هلك في العسكر سنة ثنتين ~~وثلاثمائة. # فقوضت الكتابة عن بيت هؤلاء الزجاليين مدة إلى أن عادت عليهم بعبد الرحمن ~~ابن عبد الله بن محمد الزجالي متقدما للناصر لدين الله في مهمات سنة تسع ~~وعشرين وثلاثمائة آخر دولة الناصر، ثم لم ينجم في بيتهم كاتب بعده إلى آخر ~~الدولة وقرأت ... ... .... .... # بالأدب أيام كانت سوقه نافقة، فارتقى به إلى معرفة الخلفاء، فبنى البيت ~~المنيف، ونال ذروة المنزلة الرفيعة، وكانوا قدما من عامة البتر من البرابر، ~~أصولهم من ناحية تاكرونا، لم يحفظ لأولهم نباهة، فسبق الأمير عبد الرحمن بن ~~الحكم إلى اصطناع جدهم محمد بن سعيد هذا، وبلا منه فهما ومعرفة وصيانة ~~وجزالة استخدمه لها، فرقاه في منازل خدمته، واستكتبه واستخصه، فسما بيته، ~~ولحق بأشراف الدولة. # وقرأت في كتاب القاضي أبي الوليد ابن الفرضي المولف في طبقات أهل الدولة ~~والأدب بالأندلس، قال: PageV01P010 هو أبو عبد الله محمد بن سعيد بن موسى ~~بن عيسى الزجالي - هو فخذ من بتر البرابر بالأندلس - ، وكان يلقب بالأصمعي ~~لعنايته بالأدب وحفظه للغة، وكان من أقوم أهل زمانه بها، وكان له حظ وافر ~~من البلاغة، ونصيب حسن من صوغ القريض، ولم يكن لهؤلاء الزجاليين المقحمين ~~في بيوت الشرف بقرطبة قبل جدهم محمد هذا قدم رياسة، ولا سالف صحبة للسلطان، ~~ولا تشبث بخدمته، فهو أول من نجم فيهم وصارت له منزلة لديهم، كان ms20 سببها - ~~زعموا - أن الأمير عبد الرحمن بن الحكم عثرت به دابته وهو سائر في بعض ~~أسفاره، وتطأطأت، فكاد يكبو لفيه، فلحقه جزع تمثل إثره لما استقلت به مطيته ~~بقسيم بيت جرى بفيه، وهو: من الطويل. # وما لا يرى مما يقي الله أكثر # وطلب صدر البيت، فعزب عنه، وتعلق باله به، فسأل عنه أصحابه، فأضلوه وأمر ~~بسؤال كل من تسمى بمعرفة في عسكره، فلم يكن أحد يقف عليه غير محمد بن سعيد ~~هذا الزجالي، لما أراده الله تعالى من تحريكه، فقال لسائله؛ حاجة الأمير ~~عندي، فليدنني أتمها له. فأدناه، فقال له أصلح الله الأمير، أول هذا البيت: # ترى الشيء مما يتقي فتهابه ... وما لا نرى مما يقي الله أكثر # تمام البيت. فأعجب الأمير ما كان منه، وراقه بيانه، وأعجبه شكله، فقال ~~له: إلزم السرادق. فلما جالسه وحدثه إزداد قبولا له ورغبة فيه، فاستخدم ~~واستخصه، ثم استكتبه بعد حين لسره. # وكان قبل هذا اتخذه كاتبا لوزرائه إشراكا لهم فيه على رسم من تقدمه، فحدت ~~محمدا همته على الترفع عن ذلك للتفرد بأعلى المنازل، وكتب إلى الأمير عبد ~~الرحمن يستعفيه من قصد وزرائه كتابا يقول فيه: إن من وسم بميسم كتابته أعزه ~~الله وشرف باسمها لجدير أن يعتلى عن كتابة وزرائه، ويزدهي بجصانة أسراره. # تنبيهه إياه، فأفرده بكتابته، واتخذ للوزراء كاتبا مفردا لكتابتهم، فجرى ~~الأمر على ذلك من بعد الأمير عبد الرحمن إلى آخر الدولة. # وكان محمد بن سعيد هذا من أحد عجائب الدنيا في قوة الحفظ، يضرب بحفظه ~~الأمثلة، على تصديق ما يؤثر من ذلك من مشهور الحفاظ من صدر هذه الأمة. # فذكر عنه ابنه حامد بن محمد قال: جاءه يوما مستجد توسل إليه بشعر امتدحه ~~به سأله أن يأذن له في إنشاده، ففعل، وجعل الشاعر ينشده له مسحنفرا في ~~نشيده، ومحمد مطرق. فلما فرغ من شعره ذهب إلى مغالطته له، فقال له: يا هذا، ~~ما الذي دعاك أن تنتحل شعرا لغيرك، فتقلبه فينا؟ وكنت في غنى عن ذلك، فقد ~~كان في ms21 قصدك لنا وماتة أدبك إلينا ما نقضي به ذمامك، ونعينك على شأنك! فقال ~~له: سبحان الله يا سيدي! تقول ذلك في شعر كددت فيه خاطري، وأتعبت فيه ذهني؟ ~~فلا والله ما أخذته من أحد، ولا سويته إلا من نظمي! فقال له محمد: باطل! ~~إنه لشعر قد رويته قديما وحفظته، فإن شئت فاستمع إليه أنشدكه وبدأ فأعاد ~~الشعر عليه أو أكثره. فبقى حائرا لما فجأه به، وقد زال طمعه، وانقطعت حجته، ~~واشتدت فجعته. فلما رأى محمد سوء مقامه قال له: خفض عليك، فأني مزحت معك، ~~وإنك الصادق فيما قلت، الحقيق بالثواب على ما قرضت، وإنما أعانني عليك قوة ~~حفظي الذي ذهبت إلى اختباره معك. ولا والله ما سمعت بهذا الشعر قبل يومي. ~~فسرى عن الشاعر همه، وأجزل صلته. # قال: وتوفي محمد بن سعيد هذا الأصمعي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وأعقب ~~ابنا نجيبا يسمى حامد بن محمد ورث مكانه من الأدب والمعرفة والكتابة ~~والبلاغة، فسلك سبيله في خدمة السلطان، وارتقى فوق ذروة أبيه بخطة الوزارة، ~~بحضرة الأمير محمد بن عبد الرحمن. وقد كان أديبا حليما عفا جميل الخصال، ~~خلا أنه كان يعاب بالبخل والاقتصاد، فيضحى للذم في عرضه ذريعة. # قيل لمؤمن بن سعيد الشاعر البذيء: ما بالك لا تسامر الوزير حامدا أو ~~تراكبه حسبما نراك تفعله مع الوزراء من أصحابه مع قديم اتصالك به وسببك ~~إليه؟ فقال مؤمن بن سعد: هذه جنازة غريب لا يصحبها من صحبها إلا الله ~~تعالى! ونميت كلمته إلى حامد، فحقدها عليه. وشيعه مؤمن بعيد أيام في خروجه ~~من القصر إلى داره لا ينكر ما عرفه من أنسه به ومذاكرته، فلما أراد مؤمن ~~الانصراف قال له حامد: أعظم الله أجرك أبا مروان! وكتب خطاك! - دعاء مشيع ~~الموتى - ، تعريضا له بقوله ومن نوادر حامد بن محمد الزجالي ما حكاه محمد ~~بن نصر، قال: PageV01P011 غلط إمام الوزير حامد بن محمد ليلة في بعض قراءته ~~في صلاة التراويح في شهر رمضان بمسجد حامد، وحامد حاضر، فقرأ مكان قوله ~~تعالى: " الزانية والزاني ms22 فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " ، فقرأ: " ~~..... فانكحوهما " ، فلما انصرف حامد قال لبعض من يخصه من جيرانه: " أما ~~سمعت ما أتى به إمامنا من تبديل حدودنا؟ وتضاحك، فقال له حامد: فقد سنحت لي ~~فيه بديهة فاسمعها، وأنشده: من مجزوء الرمل # أبدع القارئ معنى ... لم يكن في الثقلين # أمر الناس جميعا ... بنكاح الزانيين # وأنشد لأحمد بن محمد بن فرج البلوي المعروف بالبلساري يهجو حامد بن محمد ~~ويكثر بخله في اتخاذه لصنيع عنده قتر فيه على من شهده، وناقض مروءته، من ~~أبيات فيها: من الكامل. # فعل اللئيم وليته لم يفعل ... وأتى بفعل مثله لم يجمل # ذبح الضفادع في الصنيع ولم يدع ... للنمل جارحة ولا للقمل # وضع الطعام فلو علته ذبابة ... وقعت لتكمل شبعة لم تكمل # وكأنما خرطت صحاف طعامه ... من دقة ودمامة من خردل # وكأن فترة صحفة عن صفحة ... في البعد والإبطاء فترة مرسل # أرسل هذا الشاعر آفة على أهل هذا البيت لأمر أودى به من بعضهم، فعمم ~~بهجائه، وأفحش لهم. # ومن قوله في شعر له فيهم: من الطويل # هم علموني اللؤم حتى كأنني ... لغير أبي أو معرق في الزجاجله # أصحاب شرطة الأمير عبد الرحمن بن الحكم # قال أحمد بن محمد الرازي: ألفى الأمير عبد الرحمن على الشرطة لأبيه الحكم ~~محمد بن كليب بن ثعلبة، فأمضاه عليها، ثم رقاه إلى الوزارة. # وقتا تفرعت فيه أيامه شرطة العدو، ثم استعفى الشرطة إذا كره النظر، وولى ~~مكانه الشرطة سعيد بن عياض القيسي. وكان على الشرطة والرد حارث ابن أبي ~~سعد. # قواده # عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث الحاجب الكاتب، وقاد لثلاثة من ~~الخلفاء: هشام والحكم وعبد الرحمن؛ عبد الرحمن بن رستم؛ عبد الواحد بن يزيد ~~الإسكندراني؛ عباس بن الوليد الطلبي، وكان كثير التردد بالصوائف # قضاة قرطبة للأمير عبد الرحمن بن الحكم # ؟على اختلاف الرواة في عددهم وترتيب دولهم # قال أحمد بن محمد الرازي: كان له أحد عشر قاضيا: أولهم مسرور بن محمد، ~~على اختلافهم في نسبه أيضا، إذ يقول محمد بن حارث في ms23 كتابه: هو مسرور بن ~~محمد بن سعيد بن شراحيل المعافري، ويقول ابن عبد البر: بل هو من موالي ~~الأمير عبد الرحمن بن معاوية، يكنى بأبي نجيح، وذا من اختلافهم قبيح؛ ثم ~~سعيد بن محمد بن بشير؛ ثم يحيى بن معمر ابن عمران الألهاني الإشبيلي؛ ثم ~~الأسوار بن عقبة؛ ثم إبراهيم بن العباس بن عيسى ابن عمر بن الوليد بن عبد ~~الملك بن مروان، ثم يخامر بن عثمان المعافري؛ ثم علي ابن أبي بكر القيسي؛ ~~ثم معاذ بن عثمان الشعباني؛ ثم محمد بن زياد اللخمي؛ ثم سعيد ابن سليمان بن ~~أسود عم سليمان بن أسود؛ ثم محمد بن سعيد. # وقال الحسن بن محمد بن مفرج: قال ابن عبد البر في تاريخه: لما ولي الأمير ~~عبد الرحمن بن الحكم استقضى على قرطبة مسرور بن محمد سنة سبع ومائتين؛ ثم ~~سعيد بن سليمان سنة ثمان ومائتين، ثم يحيى بن معمر الألهاني سنة تسع ~~ومائتين، ثم الأسوار بن عقبة سنة عشر ومائتين وما بعدها؛ ثم إبراهيم بن ~~العباس القرشي المرواني جد بني أبي صفوان هؤلاء القرشيين الوجوه بقرطبة سنة ~~ثلاث عشرة ومائتين؛ ثم محمد بن سعيد سنة أربع عشرة وما بعدها؛ ثم يخامر بن ~~عثمان سنة عشرين ومائتين أيضا، فقضى أعواما؛ ثم علي بن أبي بكر سنة سبع ~~وعشرين ومائتين وما بعدها؛ ثم معاذ بن عثمان الشعباني سنة إحدى وثلاثين ~~ومائتين؛ ثم محمد بن زياد اللخمي سنة أربع وثلاثين ومائتين؛ فبلغت عدة ~~قضاته عشرة رجال، وإنما كان سبب استكثار عبد الرحمن بن الحكم من القضاة ~~وكثرة توليته وعزله لهم إتباعه فيهم رضا كبير الفقهاء المشاورين الأثير ~~عنده يحيى بن يحيى، إذ كان لا يزال يشير عليه بقاض، فيوليه الأمير عبد ~~الرحمن مقتصرا فيه على رأيه، فإذا أنكر عليه يحيى شيئا رفع عليه إلى ~~الأمير، فلا يؤخر عزله، ولا يحيد عن مشورته، وكان يحيى الذي يولى مكانه. ~~PageV01P012 وكان الشيخ يحيى شديد التمكن من حسن رأي الأمير عبد الرحمن، ~~وكان قد آثره على جميع الفقهاء أصحابه، ms24 وجعل توركه عليه، فمن أجل ذلك كثر ~~عدد قضائه. # قال الحسن: وقد خالف أبو بكر ابن القوطية ابن عبد البر في عدد هؤلاء ~~القضاة وترتيب دولهم، فقال: ألفى الأمير عبد الرحمن بن الحكم على قضاء ~~والده الأمير الحكم سعيد بن محمد بن بشير المعافري، وجده على القضاء لأبيه، ~~فأمضاه بعده. ومحمد بن شراحيل المعافري جد بني شراحيل هؤلاء الذين ينسب ~~إليهم المسجد والدرب بالربض الغربي: ثم الفرج كنانة الكناني الشذوني؛ ثم ~~يحيى بن معمر الألهاني الإشبيلي، ثم عزله لرفع الفقيه يحيى بن يحيى عليه، ~~ثم الأسوار بن عقبة الجياني ثم إبراهيم بن العباس المرواني جد بني أبي ~~صفوان هؤلاء القرشيين الوجوه بقرطبة، ثم عزله - زعموا - لكلمة خاطبته بها ~~امرأة تخاصمت إليه بمجلس نظره، فلم ينكرها، وذلك أن قالت له: يا بن ~~الخلائف! أنظر إلى نظر الله إليك!، فلم يغير عليها، فنماها إلى الأمير موسى ~~بن حدير الخازن الأكبر؛ ورفع إليه صفحة يقول فيها: ما ينبغي للأمير أن ~~يشركه في سلطانه من يخاطب بمثل ما يخاطب به، ويحلى تحليته، فذاك الذي أوجب ~~عزله، وقيل إن تلك المرأة دست لتقول ذلك القول، فعزله الأمير سريعا؛ ثم ~~استقضى بعده محمد بن زياد جد بني زياد هؤلاء الركنيين، ثم عزله وأعاد يحيى ~~بن معمر إلى القضاء ثانية؛ ثم يخامر ابن عثمان الجياني، واستعفاه من ~~الولاية فأعفاه؛ وولى أخاه معاذ بن عثمان؛ ثم سعيد ابن سليمان الغافقي ~~البلوطي آخر قضاته، فصارت عدة القضاة في أيامه عشرة رجال قال ابن عبد البر ~~في تاريخه: وكانت الفتيا في أيام الأمير الحكم وأيام عبد الرحمن ولده تدور ~~على عيسى ابن دينار؛ وزونان بن الحسن، ومحمد بن عيسى الأعشى راوية وكيع بن ~~الجراح، ويحيى بن يحيى الليثي، وسعيد بن حسان، وعبد الملك بن حبيب، ومحمد ~~بن خالد الأشج. # وغلب يحيى بن يحيى جميعهم على رأي الأمير عبد الرحمن، وألوى بإيثاره، ~~فصار يلتزم من إعظامه وتكريمه وتنفيذ أموره ما يلتزمه الولد لأبيه، فلا ~~يستقضي قاضيا ولا يعقد عقدا ولا يمضي ms25 في الديانة أمرا إلا عن رأيه وبعد ~~مشورته، ويحيى بن يحيى في طي ذلك يعترف للأمير عبد الرحمن بجميل ذلك، فلا ~~يأتلي في ذكر إحماد سيرته، ووصف معدلته وتزيين آثاره لدى رعيته، وتحضيضهم ~~على طاعته، واستنهاضهم لتكاليفه، يتأتي لذلك بلطف تناوله وسلامة جانبه، ~~وكأنه لا يقصده، ويرى السلطان منفعته، فيزداد في إعظام قدر الشيخ يحيى ~~بصيرة، ولا ينقض لرياسته مريرة. # قرأت في كتاب معاوية بن هشام الشيبنسي قال: حدثني أبي هشام قال: سمعت ~~الفقيه أصبغ بن خليل يقول: خرج الأمير عبد الرحمن بن الحكم غازيا إلى بعض ~~أهل الخلاف بالغرب الأقصى، وعقده على أن لا يدخل إلى دار الحرب سنته، فلم ~~يستنفر أهل الموسطة، واقتصر على مدونته، فلما تهيأ له مراده في عصاة أهل ~~الغرب وأصلحه بدا له في القفول إلى الحضرة، ورأى الدخول إلى بلد العدو، ~~وإتمام غزوته بالصمد إلى نكايته؛ فتقدم في تهيئة ذلك، ووافى كتابه على ~~البريد إلى ولده محمد بن عبد الرحمن، وهو مخلفه على قرطبة، ليلتزم للكون ~~بالسطح على باب السدة من قصر الخلافة مبيت الأمير على العادة فأمره ~~باستنفار الناس نحوه، وأخذ بتعجيل الخروج إليه واللحاق به بمكان رسمه. # لهم وجه عزيمته، ..... وأمره أن يحضر .................... ويقرئ الناس ~~كتاب الأمير. # فوافينا محمدا، وهو يومئذ أمرد، ما في وجهه شعرة، فسلمنا عليه، وقضينا ~~حقه وجلسنا على منازلنا بين يديه، وأبطأ الشيخ يحيى بن يحيى، والعيون تتطلع ~~نحوه، فكان آخر القوم مجيئا، وصار الولد أشد عليه من على جميعهم إقبالا، ~~وإليه انعطافا، وبه بشا، فأجلسه معه على فراشه، وأحفى يحيى سؤاله، ودعا له. # ثم أمر محمد عند ذلك بقراءة كتاب الأمير عبد الرحمن علينا بالاستنفار، ~~فأصغينا إليه. فلما فرغ بدر يحيى بن يحيى فقال: نعم، أصلح الله الأمير. ~~الواجب علينا الخفوف إلى الإمام أصلحه الله وأيده، والبدار إلى اللحاق به، ~~وألا يعتذر في ذلك منا إلا معتذر قد أنزل الله في كتابه عذره لا سواه. # فقيل للناس: قد سمعتم، فقوموا فانظروا في جهازكم على بركة الله. وعجلوا ms26 ~~للخروج، فآخر مواقيتكم يوم كذا. PageV01P013 فقام الناس، ولم يتحرك الشيخ ~~يحيى بن يحيى في ذلك عن مكانه. # قال أصبغ: وورد علي منهم النفير بما لا قبل لي به، إذ كنت مقلا لا مال ~~لي، ولا نهوض بي، فاشتد علي، وخبت فصاحتي. ولما رأيت يحيى لا يشير إلى ~~القيام، وكنت على ظن أن له خبرا أردت الوقوف عليه، وكانت لي مكانة من صاحب ~~المدينة المتولي للقصة انبسطت من أجلها بالجلوس. # فلما لم يبق غيري أقبل يحيى على الولد محمد، فقال: قد يرى الأمير ضعفي ~~على النفر لشيخي ووهني وأن مثلي لا يستطيع الغزو، ولكني أبعث ابني عبد الله ~~في مثل العدة التي كنت إغزوا بها، فإنه - إن شاء الله - أغنى وأجدى مني. ~~فإن رأى الأمير سيدي أن يكتب إلى الإمام - أيده الله - بعذري ومكان طويتي ~~فعل. فقد كرهت أن أعتذر بمحضر الملأ، لئلا أوجد لمن ليس له عذري سبيلا إلى ~~الاعتذار. # فشكر له محمد فعله، واستحسن فيه رأيه، ووعده بتجديد المخاطبة في شأنه. # فقام يحيى، وذهبت إلى القيام، وقد هبت الكلام، فقال لي صاحب المدينة: قد ~~علمت الذي تذهب إليه والذي تستحيى الكلام من أجله. وحقك لازم لي، فأنت مخير ~~بين أن تنفذ لرأي الإمام فتلحق به مستريحا للهم عن قلبك، وبين أن تدخل ~~بيتك، وتغلق بابك عليك، فلا تخرج عنه لشيء من الأشياء إلى أن يقفل الإمام ~~أصلحه الله، وأنا من وراء الحفظ لك بحول الله. # نقال: فاخترت لزوم بيتي، فلم أخرج منه إلى أن قفل الأمير، فلم أهج بإغضاء ~~صاحب المدينة، وأقام على بينة من أمري، إذ تبين له عذري. # قال ابن عبد البر: وكانت فتيا القضاة في مدة عبد الرحمن بن الحكم تدور ~~على نفر من الجلة ماتوا في أيام الأمير عبد الرحمن في مدة مختلفة، إلا عبد ~~الملك بن حبيب، فإنه استأخر بعد آخرهم موتا إلى أن هلك الأمير عبد الرحمن، ~~فلحق عبد الملك من أيام ولده الأمير محمد بن عبد الرحمن ستة أشهر أو نحوها، ~~ثم ms27 تبع أصحابه - رحمة الله تعالى عليهم - ، فقرضت زمرتهم، وانقلبت رياسة ~~الفتوى إلى من تلاهم. # وكان من مشاهير من رحل إلى المشرق في طلب العلم وانتقاء الرواية من أهل ~~قرطبة فأدرك الغاية: محمد بن يوسف بن مطروح، ومحمد بن حارث، وأبو زيد عبد ~~الرحمن ابن إبراهيم، وعبد الأعلى بن وهب، وبقي بن مخلد رضي الله تعالى عنه، ~~ومحمد بن وضاح، ويحيى بن إبراهيم بن مزين، وأبان بن عيسى بن دينار، وعبيد ~~الله بن يحيى بن يحيى، وكان من آخرهم رحلة في أخريات الأمير عبد الرحمن ~~فتشور من أعيان هؤلاء اللاحقين في أيام الأمير عبد الرحمن: عبد الأعلى بن ~~وهب، وأصبغ ابن خليل. # قال: واعتلت منزلة عبد الملك بن حبيب عند الأمير عبد الرحمن، ولا سيما من ~~بعد وفاة الشيخ يحيى بن يحيى، فإنه تفرد بأثرته، وحل منزلته، فلم يكن يقدم ~~أحدا من أصحابه عليه، ولا يعدل بمشورته عنه. # وذكر معاوية بن هشام الشبانسي قال: كانت في أيام الأمير عبد الرحمن مخارج ~~للناس إلى الاستسقاء في زمن الجدوب، وكان البروز في أكثرها إلى مصلى الربض ~~بعدوة نهر قرطبة الدنيا، أسفلها معهدا مصلى الأعياد. فحضرهم مخرج استسقاء ~~آخر أيام الأمير عبد الرحمن بعد مهلك نصر الخصي خليفته الغالب على رأيه، ~~أنذر الناس به ليوم بعينه إلى الربض على عادتهم، فأنكر ذلك الفقيه عبد ~~الملك بن حبيب، وكتب إلى الأمير عبد الرحمن يذكر أن نصرا هو الذي عاق الناس ~~عن مصلى المصارة، وتولع بصرف بروزهم إلى مصلى الربض لقربه من قصره هناك، ~~وقد دفعه ....... مشيه نحوه، ويذكر أن البروز إلى مصلى المصارة المتصل ~~بالبلد أرفق بالناس وأحوط، على ازدحامهم في القنطرة، فقد صح عنده أن جماعة ~~منهم هلكوا يوم الاستسقاء غرقا .......... في النهر فأثقلوا قاربا ونزلوا ~~فيه لياذا من ضيق القنطرة، فرسب بهم، و هلك منهم جماعة، وأن من آفات ازدحام ~~الناس في القنطرة ما بلغه من أن أحدثا. # والمزعج للخوف فمصلى المصارة أرفق بالناس كافة، فإن من حركته منهم إراقة ~~أو انتقضت به ms28 طهارته تقارب عليه شط النهر، فدب الناس من قرب، ونال حاجته ~~بسرعة، ومن طلب منهم التستر لشأنه أمكنه الاستجنان بداخل الجنات الملاقية ~~للمصارة فتبرى فيها من غير بعد عن مصلاه. فصوب الأمير رأيه، وانصرف البروز ~~للاستسقاء إلى مصلى المصارة الذي اختاره عبد الملك. # وذكر القاضي أبو الوليد ابن الفرضي قال: PageV01P014 بلغ من ابنساط ~~الفقيه عبد الملك بن حبيب على الأمير عبد الرحمن أن كتب إليه في يوم ~~عاشوراء: من البسيط # لا تنسى لا ينسك الرحمن عاشورا ... واذكره لا زلت في الأحياء مذكورا # قال الرسول صلاة الله تشمله ... قولا وجدنا عليه الحق والنورا: # من بات في ليل عاشوراء ذا سعة ... يكن بعيشته في الحول محبورا # فارغب فديتك فيما فيه رغبناخير الورى كلهم حيا ومقبورا # وقرأت بخط عبادة الشاعر قال: كان يحيى بن يحيى وأصحابه الفقهاء يحسدون ~~عبد الملك بن حبيب لتقدمه عليهم بعلوم لم يكونوا يعلمونها ولا يشرعون فيها، ~~إذ كان مع تقدمه في الفقه والحديث عالما بالإعراب واللغة، مفتنا في العلوم ~~القديمة، متصرفا في الآداب الناصعة، له تواليف جمة في أكثر هذه الفنون، ~~منها كتابه في إعراب القرآن، وفي شرح الحديث، وفي الأنساب وفي النجوم، ~~وغيرها. # وله بيت شعر في التعريض ببعض قضاة الأمير عبد الرحمن ضمنه كتابا خاطبه به ~~في شأنه: من الخفيف: # كان بالقاسطين منا رؤوفا ... وعلى المقسطين سوط عذاب # نوادر من أخبار قضاة الأميرعبد الرحمن # مستخرجة من كتاب الاحتفال # مسرور بن محمد قال محمد بن حارث الخشني: هو مسرور بن محمد بن سعيد بن ~~بشير بن شراحيل المعاقري، ووالده محمد قاضي الجماعة بقرطبة الشهير فضله، ~~ولاه الأمير عبد الرحمن بن الحكم رحمهما الله قضاء الجماعة بقرطبة، وكان من ~~الصالحين الفاضلين. # حدثني من وثقت به من أهل العلم، قال: حدثني محمد بن أحمد بن عبد الملك ~~المعروف بابن الزراد، قال: كان عندنا بقرطبة قاض يعرف بمسرور، وكان من ~~الزهاد؛ استأذن من حضره من الخصوم يوما في أن يقوم لحاجة يقضيها فأذنوا له، ~~فقام عنهم نحو منزله، ولم يلبث ms29 أن خرج وفي يده خبزة نية، فذهب بها إلى ~~الفرن، فقال له بعض من رآه: أنا أكفيك أيها القاضي! فقال له: فإذا أنا عزلت ~~عن القضاء - قربه الله تعالى مني - تراني أجدك كل يوم تكفيني حملها؟ ما ~~أراك تنشط لذلك! بل الذي حملها قبل القضاء يحملها بعد القضاء. # وقال ابن عبد البر: مسرور بن محمد هذا من موالي الأمير عبد الرحمن بن ~~معاوية الداخل، يكنى أبا نجيح، استقضاه الأمير عبد الرحمن بن الحكم بعد ~~حامد بن يحيى الذي كان آخر قضاة والده الحكم وأول قضاته، وهو وذلك سنة سبع ~~ومائتين، فلم تطل ولايته، وتوفي سنة ثمان ومائتين في آخرها.. # وقال القاضي أسلم بن عبد العزيز: سمعت أبي يذكر أنه تسمى جماعة من موالي ~~الخلفاء بأسماء العرب، فأنكر ذلك عليهم الأمير بفضل أنفته، وأكد فيه نهيه، ~~وكان له مولى من عتاقة أبيه يسمى بمحمد، وولد له ولد سماه مسرورا، سمى به ~~علي حد الأمير، فحسنت نشأته، واستقامت طريقته، وتفقه وتعبد، وشهر فضله إلى ~~أن ولاه الأمير عبد الرحمن القضاء بقرطبة، فاستقل بالعمل، وأحسن وسلك ~~الطريقة، فاغتبط به الناس، إلا أنه عوجل، فتوفي من عامه الذي فيه استقضاه. # سعيد بن سليمان قال ابن عبد البر: هو سعيد بن سليمان، يكنى أبا عثمان، ~~أصله من فحص البلوط، وكان عم سليمان بن أسود القاضي فيما بلغنى. # ذكر محمد بن مسرور عن أبيه قال: سمعت سليمان بن أسود القاضي يقول: كان ~~سعيد بن سليمان يخطب بخطبة واحدة لصلاة الجمعة طول مدته لم يبدلها. ولقد ~~برز الناس للاستسقاء في بعض أيامه، فلما ابتدأ خنقته العبرة، وأشكلت عليه ~~الخطبة، فاختصرها، وكثر من الاستغفار، والضراعة، ثم صلى، وانصرف، فسقى ~~الناس ليومهم. # قال: وتولى القضاء للأمير عبد الرحمن مرتين. # وقال محمد بن حارث: هو سعيد بن سليمان بن حبيب الغافقي، يكنى أبا خالد، ~~أصله من مدينة غافق وولاه الأمير عبد الرحمن قضاء الجماعة بقرطبة، وقد كان ~~ولي قضاء ماردة وغيرها قبل ولايته لقضاء قرطبة، وكان من خيار من ولوا ms30 ~~القضاء للأمير عبد الرحمن، وهو عم سليمان بن أسود الذي ولي قضاء قرطبة. # وكان يروى عن الفقيه أبي عثمان سعيد بن عثمان الأعناقي عن محمد بن وضاح ~~أنه كان يقول: ولي القضاء أربعة ما ولي القضاء في مملكة الإسلام مثلهم، ~~فاتصل بهم العدل في آفاقها: دحيم بن الوليد بالشام، والحارث بن مسكين بمصر، ~~وسحنون بن سعيد بالقيروان، وسعيد بن سليمان بقرطبة. PageV01P015 فأما دحيم ~~بن الوليد بن عبد الرحمن بن إبراهيم وهو المعروف باليتيم فكان من أهل دمشق، ~~ولاه جعفر المتوكل على الله أيام رأى أن يفعل الخير أو يستصلح إلى الناس ~~بعد استفساد سلفه إليهم بالمحنة في خلق القرآن، فقلده قضاء الشام في وقت لم ~~يصح لي تاريخه، ومات غير ممتع بولايته سنة خمس وأربعين ومائتين بمدينة ~~الرملة. # وأما الحارث بن مسكين فولاه جعفر أيضا قضاء مصر سنة سبع وثلاثين ومائتين، ~~جاءته ولايته وهو بالإسكندرية، فحمل إلى الفسطاط، فكان قاضي مصر إلى أن عزل ~~في ربيع الآخر سنة خمس وأربعين ومائتين. # وأما سحنون بن سعيد التنوخي فإنه ولاه قضاء إفريقية محمد بن الأغلب ~~التميمي أميرها لجعفر المتوكل أيضا سنة أربع وثلاثين ومائتين، فلم يزل ~~قاضيا إلى أن توفي في صدر رجب سنة أربعين ومائتين. # وأما سعيد بن سليمان الأندلسي فإنه ولاه قضاء قرطبة أمير الأندلس عبد ~~الرحمن بن الحكم، أحسبه في سنة أربع وثلاثين ومائتين - والشك مني - فلم يزل ~~قاضيه إلى أن مات الأمير عبد الرحمن سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وولي الأمر ~~بعده ابن الأمير محمد ابن عبد الرحمن، فأقره على القضاء وعمل له نحو سنتين ~~إلى أن مات بقرطبة، وهو على قضائه. ولا أعلم له عقبا. # وذكر عن أحمد بن عبد الله بن أبي خالد أن الأمير عبد الرحمن اختاره لجميل ~~الثناء عليه، وأرسل فيه يستدعيه للقضاء، فجلس للحكم في المسجد، وعليه جبة ~~صوف بيضاء، وفوق رأسه قلنسوة بيضاء من فضل جبته، فلما أن نظر إليه الوكلاء ~~الذين يخاصمون عن الناس عند القضاة ازدروه واستغبوه، وطلبوا الإنذار فيه، ~~فجاءوا ms31 في مغيبه عن المسجد بقفة مملوءة من قشور البلوط، ووضعوها تحت الحصير ~~الذي كان يجلس فوقه فلما اقترشه عند استواء جلوسه أقض عليه وتوحش من صوت ~~احتكاكه، فتتحول عنه، ونظر إلى القشور، فأنكر مكانه، وجلس على ملل بذلك، ~~وذكر له أن الوكلاء فعلوا ذلك وصح عنده ما قيل له فيهم. # فلما أتوه من بعد ذلك قال لهم: يا معشر الخصماء، عيرتموني بأني بلوطي، ~~وذلك ما لا خفاء به! أشهد على نفسي أن بلوطي: عود الله صليب لا تفلون فيه. ~~ثم حلف لهم بأثر كلامه هذا أن لا يخاصموا عنده سنة، فكاد أن يورثهم الفقر. # وذكر محمد بن عمر بن لبابة عن محمد بن أحمد العتبي قال: صلى بنا يوما ~~سعيد بن سليمان القاضي صلاة الجمعة في المسجد الجامع بقرطبة، ثم خرجنا معه ~~نمشي نحو داره، فلما انتهى إلى باب الفرن الذي كان يطبخ فيه قال لصاحب ~~الفرن: أطبخت خبزتي؟ فقال له: نعم. قال: فهاتها. فناوله إياها، فصيرها تحت ~~عضده، وقوم طريقه إلى داره، ونحن نمشي معه، ونحن قد أخرنا دوابنا إجلالا ~~له، حتى أديناه إلى منزله، فسلم علينا ودخل وانصرفنا عنه. # وفي كتاب القاضي أبي الوليد ابن الفرضي: هو سعيد بن سليمان بن حبيب بن ~~المعلى بن إدريس بن محمد بن يوسف الغافقي البلوطي، استقضاه الأمير عبد ~~الرحمن بن الحكم مرتين. # يحيى بن معمر الألهاني قال محمد بن حارث: يحيى بن معمر بن عمران بن منير ~~بن عبيد بن أنيف الألهاني، من العرب الشاميين وكان من أهل إشبيلية، منزله ~~منها بمفرانه، قرية بقرب الحاضرة، وعليها ممر السابلة، وكان في وقته فقيه ~~إشبيلية وفارضها، وكانت له رحلة لقي فيها أشهب بن عبد العزيز، وسمع منه ومن ~~غيره من أهل العلم، وكان ورعا زاهدا فاضلا عفا مقبلا على عمارة ضيعته ~~وترقيح معيشته، فانتهى خبره إلى الأمير عبد الرحمن، وقد احتاج إلى قاض، ~~فاعتامه للقضاء، واستقدمه إلى قرطبة، فقلده قضاء الجماعة بها، فصدق الظن ~~به، واغتدى من خير القضاة في قصد سيرته، وحسن ms32 هديه، وصلابة قناته، وإنفاذ ~~الحق على من توجه عليه، لا يحفل لومة لائم فيه. # وكان إذا أشكل عليه أمر من أحكامه واختلف عليه فيه فقهاء قرطبة تأنى بهم، ~~وكتب فيه إلى مصر إلى أصبغ بن الفرج وغيره من نظرائه، فيكشفهم على وجه ما ~~يريد ويطلب النجاة من تخلف الفقهاء عليه، بغية أجوبتهم في ذلك بما يعمل ~~عليه، فكان فقهاء قرطبة يحقدون ذلك عليه، فيذمونه ويتتبعون عثراته، ~~ويبغضونه إلى الناس، وكان أشدهم عليه زعيم الجماعة يحيى بن يحيى، فهو الذي ~~........... سعى في تجريحه إلى أن عزل عن القضاء. PageV01P016 فذكر خالد بن ~~سعد قال: سمعت غير واحد من مشايخ أهل العلم يقول: كان بين الشيخ يحيى بن ~~يحيى وبين يحيى بن معمر عداوة شديدة، فسعى يحيى بن يحيى في عزل يحيى بن ~~معمر القاضي عند الأمير عبد الرحمن رحمه الله، وأقام عليه البينات من أهل ~~العلم والعدالة. # قال ابن عبد البر: وقدم ليلة عيد، وكانت توضع للإمام عنزة في المصلى، ~~فباكر أهل الدهاء والحركة واصطفوا إلى العنزة، ليختبروا خطبته وينتقدوا ~~عليه، فلما نظر إليهم عرف بهيئاتهم أنهم بالصفة التي كانوا بها، ووقع في ~~روعه السبب الذي ذهبوا إليه، فكادهم بأن قال للقومة: إني أرى الناس قد ~~أزحموا حول العنزة، فقدموها إلى الفضاء ليستوسعوا! فبادر القوم إلى تقديم ~~العنزة حتى وسعت، فتكنفوها واصطفوا حولها، وتثاقل ذوو الهيئات الذين نقلت ~~من سببهم كما خف أولئك له، ومكثوا بمكانهم، فحصل الشيخ بحيلته على قرب من ~~لم تكن عليه مؤونة من نقده، واسحنفر في خطبته، فكان ذوو التحصيل يعجبون مما ~~فعله، ويحكونه كثيرا عنه. # وذكر إبراهيم بن محمد بن باز قال: لم يزل عبد الملك بن حبيب ممالئا ~~للقاضي ابن معمر مخالفا للشيخ يحيى بن يحيى فيه إلى أن عصاه ابن معمر في ~~القضاء لرجل يعنى به ابن حبيب، توجهت عليه فتوى توجب القضاء له برأي أشهب، ~~وتوجهت بضدها عليه برأي ابن القاسم، وأخذ ابن معمر فيه برأي ابن القاسم، ~~فلفته ابن حبيب عنه إلى رأي ms33 أشهب، وكلمه أن يأخذه به، فلم يفعل، وقال: ما ~~أعدل عن رأي ابن القاسم، فهو الذي أفتيتموني به منذ قعدت هذا المقعد. وقضى ~~على الرجل برأي ابن القاسم. # فغضب عليه من يومئذ ابن حبيب، وظاهر يحيى بن يحيى ضده على مطالبته، ودس ~~من رفع عليه إلى الأمير أنه لا يحسن القضاء، فعزله في آخر سنة تسع ومائتين، ~~وسرحه إلى بلده. # فبلغنا أنه لما أزمع الرحيل ركب بغيلته التي جاء بها، ووضع خريجه الذي ~~ساقه تحته وقال لمن شيعه من صديقه: يا أهل قرطبة. أقلوا علنا اللوم، فكما ~~جئناكم كذلك ننصرف عنكم! وذكر عثمان بن سعيد الزاهد قال: لما احتضر يحيى بن ~~معمر بإشبيلية وأيقن بالموت قال لمولى له من أهل الصلاح كان ينصحه: أقسم ~~عليك بالله أجل الأقسام إذا أنا مت إلا ما ذهبت إلى قرطبة، فقف بيحيى ابن ~~يحيى وقل له: وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. ففعل مولاه ما أمره، ~~وأبلغ يحيى ما به تقرعه. قال: فبكى يحيى حتى أخضل لحيته، وقال: إنا لله ~~وإنا إليه راجعون! ما أظننا إلا خدعنا في الرجل ووشي بيننا وبينه. ثم ترحم ~~عليه واستغفر له. # قال القاضي أبو الوليد ابن الفرضي: قال خالد بن سعد: سمعت أحمد بن خالد ~~يقول: كانت ليحيى بن معمر رحلة لقي فيها أشهب بن عبد العزيز، وسمع منه، ~~وولي القضاء بقرطبة سنة تسع ومائتين بعد سعيد بن بشير في أيام عبد الرحمن ~~بن الحكم، وعجل صرفه بالأسوار بن عقبة الوالي بعده سنة عشر ومائتين. # ذكر ذلك ابن عبد البر، ولم يذكر أنه أعيد إلى القضاء مرة ثانية. # وحكى ابن حارث أن الأمير عبد الرحمن أعاده إلى القضاء مرة ثانية، وذلك ~~الصحيح والدليل عليه أن يحيى بن معمر صلى بالناس صلاة الخسوف بقرطبة، وهو ~~قاض، في مسجد أبي عثمان من الربض الغربي سنة ثمان عشرة ومائتين. روى ذلك ~~أحمد بن خالد عن ابن وضاح قال: صليت الخسوف مع يحيى بن معمر سنة ثمان عشرة ~~ومائتين. # الأسوار بن عقبة ms34 قال محمد بن حارث: هو أبو عقبة الأسوار بن عقبة النصري، ~~وكان من أهل جيان، فاستقدمه الأمير عبد الرحمن إلى قرطبة، وولاه قضاء ~~الجماعة بها، أشار به عليه يحيى بن يحيى عند عزل ابن معمر. وكان من أهل ~~التحري والتواضع وحسن السيرة واقتفاء السلف، حتى إنه كان يتصرف - زعموا - ~~في مهنة أهله، ويحمل خبزه إلى الفرن بنفسه، وعلى ذلك فما سلم من فقهاء ~~قرطبة. وهو الذي ابتنى المسجد الذي يعرف بمسجد الأسوار في الزقاق الكبير ~~بقرطبة. # وقال ابن عبد البر: الأسوار بن عقبة، كان رجلا صالحا عاقلا فاضلا مسمتا ~~حسن الحكم مستقيم القضاء وكان الفقيه محمد بن عيسى الأعشى كثير الدعابة لا ~~يصبر عنها، فكان يقول للأسوار قبل أن يلي القضاء: كيف حالك يا أبا عقبة؟ - ~~مفتوحة العين مثقلة - ، فلما ولي القضاء أتاه محمد بن عيسى، فشهد عنده مع ~~آخر من أهل القبول، فأعلم برد اسم محمد دونه، وقال للمشهود له: زدني بينة! ~~وذلك بمحضر الأعشى. PageV01P017 فقال له: أظنك - أكرمك الله - لم تقبل ~~شهادتي! فقال له: أنت - أكرمك الله - جاد في شهادتك هذه أو هازل؟ فإني ~~أعرفك كثير الهزل، فعرفني إن كنت صدعت بها عن حق، فمثلك لا ترد شهادته، وإن ~~كانت من أهزالك فقد وقفتها. فقام عنه الأعشى منقطع الحجة. فكان يقول بعد ~~ذلك: قاتل الله الأسوار! فلقد قطع بي عن كثير مما كنت أستريح إليه من ~~الدعابة بعد مجلسي معه. # وأنشد: من المتقارب # وتحسب من خبه أنه ... تراه عن الناس في غربه # وما ذاك منه فلا تأمنوه إلا لتمكنه الوثبه # رأيت له ناظرى هرة ... تراءى لها الفأر في ثقبه # إبراهيم بن العباس القرشي قال محمد بن حارث: هو إبراهيم بن العباس بن ~~عيسى بن عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، يكنى أبا العباس، استقضاه ~~الأمير عبد الرحمن بن الحكم بمشورة يحيى بن يحيى، فكان محمودا في قضائه، ~~عادلا في حكومته، متواضعا في أحواله، غير متصنع، ولا مترفع. # حكى محمد بن عمر بن لبابه قال: كان القاضي ms35 أبو العباس المرواني ربما جلس ~~في بيته يقضي بين الناس، وإن جاريته لتنسج في كسر البيت. # قال: وكانت ولايته سنة أربع عشرة أو خمس عشرة. # وذكر محمد بن وضاح قال: هوى إبراهيم بن العباس إلى الشيخ يحيى بن يحيى ~~جدا، وعول على رأيه، فوجد أعداؤه السبيل إلى ذمه والسعاية عليه، من باب ~~انقطاعه إلى يحيى ورضا يحيى عنه من بين من لم يزل يسخطه من القضاة قبله، ~~فوشوا الوقائع فيهما إلى الأمير عبد الرحمن، وانتصحوه في تآلفهما، وقالوا ~~إن إبراهيم لا يقبل من الناس إلا من أشار عليه يحيى بقبوله ولا يفصل في ~~حكومة إلا عن أمره، فقد استمال الناس إليه، فلهم فيه هوى شديد، وطمعه قوي ~~في أن يصير الأمر في يده، فشغل بال الأمير جدا، ووهمه في دغل الشيخ يحيى بن ~~يحيى على انحطاطه في شعبه وعزوه لإرادته. # فأحضر ضده عبد الملك بن حبيب وخلا به، وقال له: قد تعلم يدي عندك، وأنا ~~مكترث لأمر كبير أريد أن أسألك عنه، فاصدقني فيه. # فقال: نعم، لا يسألني الأمير - أعزه الله - عن شيء إلا صدقته عنه. # قال: فإنه رفع إلينا عن قاضينا إبراهيم وعن صديقه يحيى بن يحيى أنها ~~يعملان علينا في هذا الأمر. # فقال له عبد الملك: قد علم الأمير ما بيني وبين يحيى من التباعد، ولكني ~~لا أقول إلا الحق: ليس يجيء من عند يحيى إلا ما يجيء مني، فمكانه من الدين ~~مكانه، وكل ما رفع عليه إليك فباطل. وأما القاضي فلا ينبغي للأمير أن يشركه ~~في عدله من يشركه في نسبه. # فعزله الأمير حينئذ عن القضاء. # وقال محمد بن حارث: أخبرني بعض العلماء قال: قدم موسى بن حدير عن الحج ~~وكان في الغاية من النبالة، ودعاه الأمير عبد الرحمن إلى الخدمة، فأبى ~~عليه، ولزم الانقباض، فبلي بعد مديدة بامرأة من جيرانه استعدت عليه القاضي ~~إبراهيم، وذكرت أنه ظلمها في دار لها تلاصقه. # فأرسل فيه إبراهيم وأحضره إلى مجلسه، ووقفه على دعوى المرأة، واقتضى ~~جوابه. # فقال له: أوكل ms36 - أعزك الله - عندك من يخاصمها عني. # فقال: لا بد لك أن تقول بما عندك من إقرار أو إنكار، ثم توكل بعد ذلك على ~~خصومتك من تشاء. # فقال موسى: لا، بل أذاكر نفسي، وأقدم من يجاوب عني بما أحققه من أمرها. ~~فأبى إبراهيم أن يقبل منه، واضطره إلى تعجيل جوابه في مجلسه، واشتد عليه. ~~فلما لم يجد من الجواب بدا، وقد حمى والتظى، قال: أو خير من ذلك - أصلحك ~~الله - ؟ أقول إن جميع ما تدعيه هذه المرأة حق، وهي في دعواها مصدقه لا ~~اعتراض عندي عليها. فلا سبيل لك إلي! فقام وهو قد احتمل على إبراهيم حقدا ~~عظيما حمله على أن سعى عليه، وأرهف حيلته لمطالبته. # وابتدأ فكتب إلى الأمير عبد الرحمن يذكر له أنه تعقب رد أمره فيما كان ~~أراده عليه من معاوده العمل، ورأى أنه قدح في صدق طاعته، وفريضة ولائه، ~~وسأله تقليد الخزانة التي كانت مضمار أمانته، فأعجب الأمير ذلك من اعترافه، ~~وولاه الخزانة، فتصرف فيها تصرفا أدناه منه، فأنبسط إليه في غير شيء، ثم ~~سأله في بعض الأيام الخلوة له يذكره، فأجابه إليها، فقال له: صح عندي أن ~~القاضي إبراهيم بن العباس يخاطب في مجلس نظره بأن يقال له: يا بن الخلائف ~~وأن له اسما يصغي قلوب العامة إليه! PageV01P018 فلم يتملك الأمير عبد ~~الرحمن حين وقرت الكلمة أذنه أن عزل إبراهيم. # قال محمد بن حارث: وسمعت الأمير ولي عهد المسلمين ابن الناصر لدين الله ~~يقول إنه سمع الحاجب موسى بن محمد بن حدير يقول إن موسى بن حدير عمه دسس ~~امرأة من مواليه فوقفت للقاضي على طريقه فنادته: يا بن الخلائف! فكان ذلك ~~سببا لعزل إبراهيم. # قال أحمد بن عبد البر: هو جد بني أبي صفوان، وكان عاقلا فاضلا مسمتا، ~~وكان عبد الرحمن قد عزم على أن يولى القضاء بعد الأسوار رأس الفقهاء يحيى ~~بن يحيى، فامتنع، وأشار بإبراهيم بن العباس على عبد الرحمن، فولاه القضاء، ~~فاستقل به، وأقسط في حكمه، وأسرف في طواعيته للشيخ يحيى بن ms37 يحيى والوقوف ~~عند حده، حتى لحقتهما معا تهمة التواطؤ عند الأمير عبد الرحمن، فسارع في ~~صرفه عن القضاء، وذلك آخر سنة ثلاث عشرة ومائتين. # قال: وكان يكتب للقاضي إبراهيم عبد الملك بن الحسن زونان الفقيه، أشار به ~~عليه يحيى بن يحيى. # محمد بن سعيد قاض للأمير عبد الرحمن بن الحكم، لم يذكره محمد بن حارث، ~~وذكره أحمد بن عبد البر، فقال: القاضي محمد بن سعيد، يكنى أبا عبد الله، ~~وكان أصله من كورة إلبيرة، وكان معرفة للشيخ يحيى بن يحيى، وكان ينزل به ~~يحيى ببلده أيام كان يضرب بالتجارة أول أمره، بلا علمه ومعرفته، فأشار به ~~على الأمير عبد الرحمن، فولاه قضاء الجماعة أول سنة أربع عشرة ومائتين، ~~فاستقل به، وكان جميل المذهب في قضائه، حسن السمت والهيئة، إلا أنه كان ~~طاعة ليحيى بن يحيى لا يعدل به أحدا، وكان إذا اختلف عليه الفقهاء لم يعدل ~~عن يحيى معدلا. # فاتفق أن وقعت له قصة شاروهم فيها، تفرد الشيخ يحيى بن يحيى بقول خالفته ~~فيه جماعتهم، فأرجأ القضاء فيها حياء من جماعتهم، وأردفته قصة أخرى شاورهم ~~فيها بعد توقيفه للأول، وقد اغضب بذلك يحيى. فلما أتاه كتابه بهذه الردافة ~~صرفة عن رسوله، وقال له: ما أفك له ختاما، ولا أشير عليه بشيء، إذ قد توقف ~~عن القضاء لفلان بما أشرت به عليه وعافه. # فلما انصرف إليه رسوله وعرفه بقوله قلق منه، وركب من فوره إلى يحيى بن ~~يحيى، فقال له: لم أظن أن الأمر يبلغ بك في توقفي عن القضاء لفلان بفتواك ~~هذا المبلغ الذي قد غيرك. وهذا مقام المعتذر إليك، فسوف أقضي له غير يومي ~~إن شاء الله تعالى! فقال له يحيى: وتفعل ذلك صدقا؟ قال: نعم. # فقال له يحيى بن يحيى: يا هذا، هجت الآن غضبي! فإني ظننت إذ خالفني ~~أصحابي أنك توقفت مستخيرا لله، متخيرا في الأقوال. فأما إذ صرت تتبع الهوى ~~وتقضي برضا مخلوق ضعيف فلا خير فيما تجيء به، ولا في إن رضيته منك. فارفع ~~مستعقيا ms38 من ذاتك، فإنه أستر لك، وإلا رقعت في عزلك! فرفع يستعفي، فعزل عن ~~القضاء. # يخامر بن عثمان الشعباني قال ابن حارث: هو يخامر بن عثمان بن حسان بن ~~يخامر بن عثمان بن عبيد بن أفنان بن وداعة بن عمر الشعباني. # وقال عبد الله بن يوسف المعروف بابن الفرضي. # بل هو معافري. # قال ابن حارث: لا أعرف له كنية. وقال غيره: كنيته أبو مخارق. # وهو أخو معاذ بن عثمان القاضي وعم سعد بن معاذ الفقيه، وهم من أهل جيان ~~من قرية الأشعوب. وكان انتسابهم في العرب إلى جذام فيما أحسبه، وهم - فيما ~~قيل - من جند قنسرين، وولي الأمير عبد الرحمن يخامر هذا قضاء الجماعة ~~بقرطبة، ولم يك أهلا له، ولا راجح الوزن، ولا حاضر اليقين، ولا واسع ~~البصيرة فيه، وعامل الناس بخلق صعب، ومذهب وعر، وصلابة جاوز المقدار، ~~فتسلطت عليه الألسن، وكثرت فيه المقالة. # وانبرى له شاعر قرطبة في ذلك الزمان يحيى بن الحكم الغزال منتهك الأعراض، ~~ومخزي الرجال، فأكثر هجوه وذمه، ووصفه بالبله والجهل، فندر بذكره. فمن قوله ~~شعر له: من الطويل # فسبحان من أعطاك بطشا وقوة ... وسبحان من ولى القضاء يخامرا # وقوله من أخرى: من الطويل # فقلت له: كلفتني غير صنعتي ... كما قلدوا فضل القضاء يخامرا # فأصبح قد حارت به طرق الهوى ... يكابد لجيا من البحر زاخرا # فقلت: لو استعفيت منها، فقال لي ... سأفصح ما قد كان ذاك مغايرا # فقلت له: رأس الفضوح إقامة ... علينا كذا من غير علم مكابرا PageV01P019 ~~وخطبك في دين الإله على عمى ... خباطة سكران تكلم سادرا # فلن تحمل الصخر الذباب ولن ترى الس ... لاحف يزجين السفين المواخرا # وقوله فيه: من المجتث # لقد سمعت عجيبا ... من آبدات يخامر # قرا عليه غلام ... طه وسورة غافر # فقال: من قال هذا؟ ... هذا لعمري شاعر! # أردت صفع قفاه ... فخفت صولة جائر # أتيت يوما بتيس ... مستعبرا متحاسر # فقلت: قوموا اذبحوه ... فقال: إني يخامر! # وكان الغزال بذيئا منتهكا للأعراض قال ابن حارث: وحدثني الأمير ولي العهد ~~الحكم بن الناصر لدين الله - وقد ms39 جرى ذكر يخامر وما وصف من بلهه وغفلته - ~~قال: ألقى عبد الله بن الشمر الشاعر يوما بين سحاءات يخامر بن عثمان التي ~~كان ينادي بها الخصوم للتقديم إليه سحاءة مكتوبا عليها يونس بن متى والمسيح ~~بن مريم، وخرجت السحاءة إلى يده، فأمر أن يدعى له بها، فهتف الهاتف: يونس ~~بن متى، والمسيح ابن مريم! واتصل الهاتف بخارج المجلس، ولا مجيب، إلى أن ~~صاح ابن الشمر: إن نزولهما من أشراط الساعة؟ .. ثم تناول سحاءة فكتب فيها: # يخامر ما تنفك تأتي بفضحة ... دعوت ابن متى والمسيح بن مريما # فثوب فينا ثم ناداك صائح: ... فإنهما لما على الأرض يعلما # قفاك قفا جحش ووجهك مظلم ... وعقلك ما يسوى من البعر درهما # فلا عشت مودودا ولا رحت سالما ... ولا مت مفقودا ولا مت مسلما # فلم يلبث الفقهاء أن أطبقوا على ذم يخامر وقدحه، وثارت العامة به، فتألب ~~عليه قوم رفعوا فيه إلى الأمير عبد الرحمن يشكونه إليه، فلما كثر ذلك على ~~الأمير أمر الوزراء بالشهادة والنظر في أمر يخامر، فذكرت عنه أشياء مدارها ~~على قلة المدارة وترك حسن المعاملة. # قال محمد بن حارث: وأخبرني محمد بن عبد الملك بن أيمن قال: فلما أتى ~~الفتى إلى يخامر بعزله من عند الأمير رحمه الله قال له يخامر على رؤوس ~~الناس: قل للأمير - أصلحه الله - إذ وليتني أمرتني أن أتحفظ من السلسلة ~~السوء، واليوم تعزلني ببغيها علي! فلما بلغ الفتى قوله إلى الأمير قال: ~~قبحه الله! ذكر أسرارنا على رؤوس الناس!. # وكان الأمير عبد الرحمن قد ضاق بيحيى بن يحيى والفقهاء الضالعين معه في ~~كل ما يشير به ولا يخالفون عن أمره، فكان الأمير عبد الرحمن يكره تألبهم ~~ويقلق منهم ويسميهم سلسلة السوء. فلما ولي يخامر بن عثمان القضاء حفظه منهم ~~وسماهم له هذا الاسم، فتجنبهم يخامر، وأخذ حذره منهم، فلم يلبث أن تمالأوا ~~عليه، فأفشوا ذمه، وأبدوا عيبه، وكرهوه إلى الناس، واعملوا أقلامهم فيه إلى ~~الأمير حتى أمر بعزله فلما أن جاءه الرسول فضح سره بالقول الذي ms40 تقدم ذكره، ~~فزاد في كرهه له. # وقال ابن عبد البر: القاضي يخامر بن عثمان، لا أحفظ له كنية، وأصله من ~~جيان، ولاه الأمير عبد الرحمن القضاء سنة عشرين ومائتين، وكان رجلا فاضلا ~~عفا خيرا، غير أنه كانت فيه عنجهية وجفاء. لما بلا أمر الحكومة بقرطبة ونظر ~~إلى قدر الشيخ ابن يحيى عند أهلها وغلبته على نفوسهم وطواعيتهم له ضاق صدرا ~~به، فكتب إلى الأمير عبد الرحمن: إني قدمت قرطبة، فوجدت لها أميرين: أمير ~~الأخيار، وأمير الأشرار. فأما أمير الأخيار فيحيى بن يحيى، وأما أمير ~~الأشرار فأنت. فاستجفاه عبد الرحمن وأمر بعزله. # وأعاد على القضاء سعيد بن سليمان، فلم يزل سعيد قاضيا من آخر سنة عشرين ~~ومائتين إلى آخر سنة سبع وعشرين، فإنه توفي بها، واستقضى الأمير عبد الرحمن ~~مكانه علي بن أبي بكر الكلابي. # علي بن أبي بكر الكلابي قال ابن عبد البر: هو علي بن أبي بكر القيسي، ~~يكنى أبا الحسن، وهو جد علي بن محمد بن الباسه استقضاه الأمير عبد الرحمن ~~سنة سبع وعشرين، أشار به الشيخ يحيى بن يحيى؛ وقلما كان الأمير عبد الرحمن ~~يولى قاضيا إلا عن مشورة يحيى بن يحيى ورضاه، ولذلك ما كثرت القضاة في ~~أيامه، إذ كان الشيخ يحيى بن يحيى يشير بالقاضي منهم بعد القاضي، فإذا أنكر ~~على القاضي منهم شيئا قال له: استعف من الأمير وإلا رفعت في عزلك. ~~PageV01P020 وكان علي بن أبي بكر شريف النفس، حسن السمت، على اعتدال ~~واستقامة حال، ولم يزل قاضيا وصاحب صلاة إلى أن توفي في سنة إحدى وثلاثين ~~ومائتين. وقد قيل إنه صرفه سنة تسع وعشرين ومائتين قبل وفاته، وولي مكانه ~~محمد بن زياد بن عبد الرحمن اللخمي. # وقال محمد بن حارث: علي بن أبي بكر بن عبيد الكلابي يلقب بيوانش، وهو من ~~أهل قبرة. # معاذ بن عثمان الشعباني قال محمد بن حارث: ولى الأمير عبد الرحمن بن ~~الحكم قضاء الجماعة معاذ بن عثمان الشعباني، وكان من أهل جيان، فكان قاضيا ~~بقرطبة سبعة أشهر، ثم ms41 عزله، وكان السبب في عزله - زعموا تعجيله بالحكومة، ~~وأنه أحصى عليه في مدته تلك سبعون قضية أنفذها، فاستكثرت منه، وخيف عليه ~~الزلل، فعجل عزله. وقد كان - فيما سمعنا به - حسن السيرة، لين العريكة، ~~خالق الناس بغير خلق يخامر أخيه، وطلب التخلص منهم، فما استوى له ذلك. # وسمعت من يحكي عنه أنه كنت معه صحية ضمير، وسلامة قلب، وكان لا يظن بأحد ~~شرا. وكان قد ولى الأحباس بقرطبة رجلا أحسن الظن به، فلا بلاه أكذب ظنه، ~~فقال فيه يحيى بن الحكم الغزال: من الطويل # يقول لي القاضي معاذ مشاورا ... وولى أمرا فيما يرى من ذوي العدل # قعيدك ماذا تحسب المرء صانعا؟ ... فقلت: وماذا يفعل الدب في النحل؟ # يدق خلاياها ويأكل شهدها ... ويترك للذبان ما كان من فضل # وللغزال في عدلين من عدول معاذ: من الطويل # أتاك أبو حفص ويحيى بن مالك ... فأهلا وسهلا بالوغى والمعامع # رجال إذا صبوا عليك شهادة ... حكت فيك وقع المرهفات القواطع # أقول لديك إذ رأيت وجوههم: ... تعز فقد جاءتك إحدى الفجائع! # رنا واستهلت عند ذاك دموعه ... وقال: كثيرا ما أفاضوا مدامعي # وقال ابن عبد البر: هو معاذ بن عثمان أخو يخامر بن عثمان، يكنى أبا عبد ~~الله، أصله من كورة جيان، وكان عابدا ناسكا. # أخبرني من سمع سعد بن معاذ يقول: كان معاذ بن عثمان من الأبدال، وكانوا ~~يعدونه مجاب الدعوة. يذكر أنه أتاه يوما رجل متظلم من الحاجب ابن رستم ~~ويقول إنه اغتصبه مالا له، فقال له: خذ طابعا وامض به نحوه، فتصد له وقل ~~له: هذا طابع القاضي. فإذا هو ركب فاجبذه بكل قوة عندك، فاضرب بيدك على ~~عنانه ولا تفارقه حتى يصير إلينا، ...............، وإياك أن تتذلل له، ~~فإنه أهيب لك. # فأخذ الرجل الطابع، ومضى به إلى الحاجب. # وقد تقدم وتشهدوا عنده لا أشهدته لكم، ..... الرجل بين يديه ما شاء، وهذا ~~وكيلي نصيره إليه، وينصفه مما يدعيه. فأتوا القاضي فأعلموه، فأخذ للرجل ~~بحقه. # وكان تقلد معاذ القضاء سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، فعمل عليه ثلاث ~~أعوام، ms42 ومات وهو يليه سنة أربع وثلاثين ومائتين بعد مهلك الشيخ يحيى، فولى ~~مكانه محمد ابن زياد اللخمي. # محمد بن زياد اللخمي قال محمد بن حارث: ثم ولى الأمير عبد الرحمن قضاء ~~الجماعة بقرطبة بعد معاذ بن عثمان محمد بن زياد ابن عبد الرحمن بن زهير ~~اللخمي، ومحمد هذا هو وال القاضي الحبيب بن زياد. وكان محمد حسن السيرة، ~~محمود الولاية، رفيع البيت في العلماء بقرطبة، وسمع من معاوية بن صالح ~~سماعا كثيرا. # وقال لي محمد بن عبد الله بن أبي عيسى: لما احتضر يحيى بن يحيى أسند ~~وصيته في أداء دين وبيع مال إلى محمد بن زياد، وكان القاضي يومئذ، فكانت ~~وصيته في ذلك الوجه خاصة. # قال: وهو الذي صلى على يحيى، فذكر أن ابنه إسحق بن يحيى تقدم يتقدمه ~~للصلاة: يكبر ابن زياد، ويكبر إسحق تلوه، وجرى على ذلك في التسليم بعد ~~تسليم ابن زياد. فلما ووري يحيى وبخ ابن زياد إسحق على ما فعله، وقال له: ~~من أقدمك علي بهذا؟ فقال له إسحق. # من قدمك أنت للصلاة على أبي؟ فقال له ابن زياد. # أمر الصلاة إلي دونك، ومع هذا فإن أخاك - يعني عبيد الله - دعاني إلى ~~ذلك، وهو - مع فتائه - أرشد منك. أما والله لولا حفظي لصاحب الحفرة لأدبتك! ~~وكان عبيد الله بن يحيى يومئذ ابن سبع عشرة سنة، فكان ثناء محمد بن زياد ~~يومئذ عليه أول أسباب سؤدده، وما زال ابن زياد له على تكريم ومبرة. # وذكر أحمد بن زياد عن محمد بن وضاح قال: PageV01P021 شهد شاهد عند القاضي ~~محمد بن زياد بشهادة على المعروف بغراب - وكان جاهلا عاتبا - ، فقال غراب ~~لمحمد بن زياد: ومن شهد علي - أصلحك الله - ؟ فما أحسبه الليث بن سعد! فقال ~~له ابن زياد: وما ذكر الليث بن سعد هاهنا؟! فأمر به - وذلك في المسجد، وهو ~~والي الشرطة - فقنع أسواطا. # قال: فكان ذلك من فعله صوابا. # قال ابن وضاح: وابن القاسم يرى أن يعزر السلطان الرجل في المسجد بالسوط، ~~وسحنون يأبى ذلك. # قال: ms43 ولما ولي سحنون بن سعيد القضاء حمل الضرب على الذي لا يريد غرم ما ~~عليه وهو ملئ بعد أن حبسه، فقال له: من أين أخذت الضرب، وإنما كنا نعرف ~~الحبس حتى يغرم؟ فقال: من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله مطل الغنى ~~ظلم، فإذا كان ظالما كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أدبته. # وذكر بعض الرواة قال: بينما القاضي محمد بن زياد يوما يساير الفقيه محمد ~~بن عيسى الأعشى إذ لقيا رجلا يتما يد سكرا، فأمر ابن زياد الأعوان بأخذه، ~~وحمله ليقيم عليه الحد، ففعلوا. # وانتهى محمد بن زياد من طريقه إلى مكان ضيق تقدم فيه، واستأخر عنه صاحبه ~~الأعشى، فدنا إلى الغلام الذي كان يمسك السكران، فقال له: يقول لك القاضي ~~أطلق الرجل. ففعل. وانتهى الأعشى مع ابن زياد إلى موضعه، ثم سلم عليه. ~~وفارقه ابن زياد، فدعا بالسكران، فقال له غلامه: أمرني عنك الفقيه أبو عبد ~~الله بإطلاقه، ففعلت، ولم أتهمه. فقال: أو فعلها؟ فهي من فعلاته! وابتسم، ~~وقال: لعمري لقد أحسن! قال ابن حارث: وما أعرف ما أتى عن القضاة والحكام في ~~هذا الباب من الإغضاء عن السكارى والتغافل لهم وجها يتسع لهم القول فيه، ~~وينساغ لهم العذر فيه إلا وجها واحدا: وهو أن حد السكران من بين الحدود ~~كلها لم ينصه الكتاب المنزل، ولا ورد فيه حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وإنما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب، فأمر أصحابه أن ~~يضربوه على معصيته، فضرب بالنعال وبأطراف الأردية. # وتوفي صلى الله عليه وسلم ولم يحد في ضرب السكران حدا يلحق بسائر الحدود. ~~فلما نظر أبو بكر الصديق رضي الله عنه في ذلك بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم واستشار أصحابه قال له علي بن أبي طالب رحمه الله إنه من شرب سكر، ومن ~~سكر هذي، ومن هذي افترى ومن افترى وجب عليه حد الافتراء، فأرى أن تضرب ~~الشارب ثمانين: حد المفتري. فقبل ذلك ms44 منه هو والصحابة رحمة الله عليهم. # وذكر الحديث أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال عند موته: ما شيء في ~~نفسي منه شيء غير حد الخمر، فإنه شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وإنما هو شيء رأيناه بعده. # وقال ابن عبد البر: محمد بن زياد بن عبد الرحمن يكنى أبا عبد الله، وهو ~~والد الحبيب ابن زياد القاضي. كان رجلا عاقلا راوية عن يحيى، ولكنه لم يكن ~~حافظا، وأبقاه الأمير محمد على القضاء حتى توفي ابن زياد. # قال محمد بن وضاح: وكان محمد بن زياد أحد العقلاء الحلماء الأدباء. لقد ~~أتيت يوما معه ومع رجل من قريش إلى عيادة مريض من إخوانه، فاستأذن عليه، ~~وسألت بنا خادمه، فقال لها قولي لمولاك: هذا فلان القرشي والفقيه ابن وضاح ~~ومحمد بن زياد بالباب. أخر نفسه وقدمنا، وكنى عنا وتسمى هو، فاستحسنا أدبه ~~واستبرعناه. # وقال محمد بن حارث: لم ينقم من محمد بن زياد في ولايته شيء فيما ذكره ~~رواة الأخبار غير دالة كانت تظهر من زوجته تكفات تبين أثرها عليه على ما ~~يفعله بعض الزوجات الحظيات ببعولهن، فمن قبلها وجد السبيل إلى عيبه. # وقال ابن عبد البر: لم يزل محمد بن زياد على القضاء والصلاة معا بقرطبة ~~إلى أن هلك الأمير عبد الرحمن ابن الحكم، وقد استكمل بعدد قضائه عليها عشرة ~~قضاة، وهم: مسرور بن محمد مولاه؛ سعيد بن سليمان؛ يحيى بن معمر الألهاني؛ ~~الأسوار بن عقبة، إبراهيم بن العباس المرواني؛ محمد بن سعيد؛ يخامر بن ~~عثمان؛ علي بن أبي بكر، معاذ بن عثمان؛ محمد بن زياد رحمة الله عليهم ~~أجمعين. # الوفاة لأولى النباهة في دولة الأمير عبد الرحمن بن الحكم # سنة سبع ومائتين # توفي فيها - على خلاف من الرواة - فطيس بن سليمان. وقيل بل في سنة سبع ~~وتسعين ومائة في حياة الأمير الحكم. PageV01P022 وفطيس لقبه، واسمه عثمان، ~~ثم صار هذا اللقب فيهم اسما علما تنازعوه لنباهة حامله جدهم باني بيتهم ~~ذلك. ذكر ذلك الوزير عيسى بن فطيس. ms45 # وغربيب بن عبد الله الثقفي بطليطلة. # سنة ثمان ومائتين # فيها هلك عبد الله المعروف بالبلنس بن الأمير عبد الرحمن بن معاوية ~~الداخل، بعدما توفي قبلهما في هذه السنة أيضا. # وفيها توفي حسن بن عاصم الثقفي الفقيه. # وفي كتاب القاضي ابن الفرضي: حسين بن عاصم بن كعب بن محمد بن علقمة بن ~~خباب بن مسلم بن عدي بن مرة، عرف بالثقفي، يكنى أبا الوليد، قرطبي حسيب، ~~ابن عاصم المعروف بالعريان صاحب الأمير الداخل عبد الرحمن بن معاوية، سمي ~~بذلك لأنه أولى من عبر نهر قرطبة إلى أصحاب يوسف الفهري بين يدي عبد الرحمن ~~بن معاوية، وهو عريان، فلزمه اللقب. وكانت لحسين رحلة سمع فيها من ابن ~~القاسم وابن وهب وأشهب ومطرف وابن نافع ونظرائهم. وولي السوق للأمير محمد ~~بن عبد الرحمن، فكان شديدا على أهلها في القيم، يضرب الباعة ضربا شديدا ~~مبرحا، فكأنه سقط بذلك عن أن يروى الناس عنه، وتوفي صدر أيام الأمير محمد ~~سنة ثلاث وستين ومائتين. # سنة تسع ومائتين # فيها توفي الحاجب القائد الكاتب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث. # وعبد الله الأحدب النحوي المعلم، وكان له وضع في النحو. # سنة عشر ومائتين # فيها توفي الحاجب عبد الرحمن بن غانم في الحبس. # ومالك بن القتيل في المطبق. # وفتح بن الفرج الأزدي الرشاش بالمشرق. # وحجاج المغيلي الكاتب كاتب الترسيل، وهو من موالي يزيد بن طلحة العبسي. # سنة إحدى عشرة ومائتين # وليد بن أمية بن يزيد. # وسفيان بن عبد ربه الحاجب. # وسعيد بن القاضي محمد بن بشير المعافري. # وفي كتاب القاضي أبي الوليد ابن الفرضي: هو سعيد بن قاضي الجماعة بقرطبة ~~محمد بن بشير بن شراحيل - ويقال سرافيل - أصولهم من مدينة باجة. وكان سعيد ~~هذا رجلا صالحا عاقلا، سمع من يحيى بن يحيى وغيره، واستقضاه الأمير عبد ~~الرحمن بعد والده، وتوفي حسبما قاله الرازي سنة عشرة ومائتين. # سنة اثنتي عشرة ومائتين # فيها توفي عيسى بن دينار بن واقد الغافقي، يكنى أبا محمد، أصله من ~~طليطلة، وسكن قرطبة، وكانت له ms46 فيها رياسة بعد انصرافه من المشرق، وكان ابن ~~القاسم يعظمه ويجله ويصفه بالفقه والورع، وكان لا يعد في الأندلس أفقة منه ~~في نظرائه. # أبو زياد إبراهيم بن زرعة الأندلسي مولى قريش، روى عنه سحنون، وتوفي ~~بإفريقية في هذه السنة. # سنة ثلاث عشرة ومائتين # محمد بن موسى الغافقي، مولى لهم، وقد ولي الوزارة والكتابة. # إبراهيم بن محمد بن مزين. # عبد الخالق بن عبد الجبار الباهلي قاضي طليطلة. # سنة ست عشرة ومائتين # فهيا مات عبد الرحمن بن عبد الحميد بن غانم في الحبس، على اختلاف. # سنة سبع عشرة ومائتين # فرج بن مسرة بن سالم. # سنة تسع عشرة ومائتين # العباس بن عبد الله القرشي المرواني. # وجهور بن يوسف بن بخت الفارسي الوزير. # وقال الرازي: هلكا معا في سنة عشرين بعدها. # سنة عشرين ومائتين # الفقيه قرعوس بن العباس بن قرعوس الفقيه راوية مالك بن أنس رحمه الله. # وفي كتاب القاضي ابن الفرضي: قرعوس بن العباس بن قرعوس بن عبيد بن منصور ~~بن محمد بن يوسف الثقفي، يكنى أبا الفضل، وقيل أبا محمد، قديم نبيه فقيه، ~~رحل فسمع من مالك بن أنس وسفيان الثوري وابن جريج وابن أبي حازم الليث ~~وغيرهم، فلم يتحقق بالحديث، وتحقق بالمسائل على مذهب مالك وأصحابه، وكان ~~متدينا ورعا فاضلا. وكان ممن أتهم في أمر الهيج، فوقاه الله، وتوفي في أيام ~~الأمير عبد الرحمن سنة عشرين ومائتين. # ومحمد بن كليب بن ثعلبة بسرقسطة. # وحمدون بن فطيس. # على اختلاف في ابن كليب وابن فطيس، ورواته في أنهما هلكا سنة ست وعشرين ~~بعدها. # وهلك إبراهيم بن عقبة، وحرب بن بلدس، وعبد الرحمن بن صبيح وأصحابهم ~~الطليطليون في المطبق بقرطبة. # سنة إحدى وعشرين ومائتين # فيها مات حبيب بن سليمان والد الفقيه عبد الملك بن حبيب، وكان في عداد ~~فقهاء قرطبة. PageV01P023 حارث بن أبي سعد، مولى الأمير عبد الرحمن بن ~~معاوية، يكنى أبا عمر، رحل فسمع من ابن القاسم وابن كنانة وغيرهما من ~~المدنيين والمصريين، وهو جد بني حارث الذين كانت فيهم الخطط. وولي الشرطة ms47 ~~الصغرى ولم يزل عليها إلى أن توفي. # ومحمد بن عيسى بن عبد الواحد بن بخيح المعافري المعروف بالأعشى، من أهل ~~قرطبة، يكنى أبا عبد الله، رحل سنة تسع وسبعين ومائة، فسمع من سفيان، ~~ووكيع، ويحيى القطان، وغيرهم من المدنيين والعراقيين، وكان الغالب عليه ~~الحديث والأثر، وكان عاقلا سريا جوادا، وكانت فيه دعابة فاشية، وله فيها ~~أخبار محفوظة، وكان من الأجواد المتصدقين، وممن جمع الفقه إلى رواية ~~الحديث. وفي موته اختلاف: قيل سنة إحدى وعشرين، وقيل بل سنة اثنتين بعدها. # سنة ثلاث وعشرين بعدها # فيها توفي أبو محمد بن خالد جد بني عمار المراديين بقرطبة. # سنة أربع وعشرين ومائتين # محمد بن خالد بن مرتنيل المعروف بالأشج، صاحب الصلاة بقرطبة، وكان على ~~الصلاة والشرطة معا، وتوفي وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. # وفي كتاب ابن الفرضي: أبو عبد الله محمد بن خالد الأشج، مولى الأمير عبد ~~الرحمن بن معاوية، يعرف بابن مرتنيل، قرطبي نبيه، رحل فسمع من ابن القاسم ~~وأشهب وابن نافع ونظرائهم من المدنيين والمصريين، وكان الغالب عليه الفقه، ~~ولم يكن له علم بالحديث، وولى الشرطة للأمير عبد الرحمن، وولي الصلاة أيضا. ~~وفي موته خلاف: قيل سنة عشرين، وقيل سنة أربع وعشرين. # سنة خمس وعشرين ومائتين # الوليد بن عبد الخالق بن عبد الجبار بن قيس الباهلي قاضي طليطلة. # سنة ثمان وعشرين ومائتين # فيها مات أبو عبد الله بن محمد بن سعيد الزجالي المعروف بالأصمعي، صنيعة ~~الأمير عبد الرحمن، وهو حامل بعد الوزارة والكتابة والقيادة، على اختلاف، ~~وقيل إنه توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين بعدها. # سنة تسع وعشرين ومائتين # وكان فيها موت يحيى بن معمر الألهاني الذي كان قاضي الجماعة. # ويحيى بن موسى. # سنة ثلاثين ومائتين # عبد الله بن الغازي بن قيس. # قال ابن الفرضي في كتابه: عبد الله بن الغازي بن قيس، من أهل قرطبة، وقد ~~كان عالما باللغة والغريب والعربية، بصيرا بقراءة نافع بن أبي نعيم، روى ~~عنه ثابت بن حزم السرقسطي وابنه قاسم وغيرهما. # سنة اثنتين وثلاثين ومائتين # فيها مات ms48 زونان الفقيه، وكان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسمه ~~عبد الملك بن الحسن. # قال ابن الفرضي: هو عبد الملك بن الحسن بن محمد بن زريق بن عبيد الله بن ~~أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكنى أبا مروان، وقيل أبا ~~الحسن، يعرف بزونان، روى عن صعصعة ابن سلام، وكان مفتيا في أيام الأمير عبد ~~الرحمن، وكان له رحلة سمع فيها ابن القاسم وأشهب وابن وهب وغيرهم من ~~المدنيين، وكان يذهب أولا إلى مذهب الأوزاعي - وكان الفقه أغلب عليه - ثم ~~تحول إلى مذهب مالك. وهلك سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. # سنة أربع وثلاثين ومائتين # وعميد الفقهاء شيخ قرطبة يحيى بن يحيى الليثي، هلك لثمان بقين من رجب ~~منها، وله ثنتان وثمانون سنة. # وقال أحمد بن محمد الرازي: بل عيشة الأربعاء لثمان بين من ذي حجة منها. # وفي كتاب ابن الفرضي: هو يحيى بن يحيى بن كثير بن وهلال بن تسمال بن ~~منقايا، أصله من برابر مصمودة، يتولى بني ليث، يكنى أبا محمد، وكان كبير ~~الأكابر بقرطبة، سمع فيها لأول نشأته من زياد بن عبد الرحمن الموطأ، ثم رحل ~~إلى المشرق، فسمع الموطأ من مالك بن أنس غير أبواب من الاعتكاف شك في ~~سماعها من مالك، فأثبت روايته فيها عن زياد عنه. ورحل إلى مالك وهو يومئذ ~~ابن ثمان وعشرين سنة، فسمع منه، ومن نافع بن أبي نعيم، وسمع بمكة من سفيان ~~بن عيينة، وبمصر من الليث بن سعد، وابن وهب، وابن القاسم، وغيرهم. # وقدم إلى الأندلس بعلم كثير، فعادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار إلى ~~رأيه وقوله، وكان يفتى برأي مالك صرفا لا يعدوه إلا في القنوت في الصبح ~~فإنه تركه لرأي الليث، وترك يحيى من رأى مالك أيضا الأخذ باليمين مع ~~الشاهد، وأخذ بقول الليث في ترك ذلك وإيجاب شهيدين، وكان أيضا لا يرى بعثة ~~الحكمين عند تشاجر الزوجين، فكان ذلك مما ينكر عليه. وكان يحيى يفضل بالعقل ~~على علمه. PageV01P024 وقال محمد بن عمر بن ms49 لبابة: فقيه الأندلس عيسى بن ~~دينار، وعالمها عبد الملك بن حبيب، وعاقلها يحيى ابن يحيى. # وكان يحيى ممن أتهم بالإجلاب في الهيج، فهرب إلى طليطلة، ثم استأمن ~~الأمير الحكم، فأمنه، وانصرف إلى قرطبة. # سنة خمس وثلاثين ومائتين # محمد بن سعيد بن رستم الوزير الحاجب، في صفر منها. # وأخوه القاسم قبله. # والشريف يحيى بن سليمان بن الأمير عبد الرحمن بن معاوية، وكان من الجلساء ~~والغمر بن يحيى بن عبد الغافر بن أبي عبدة. # وخاطب العاز. # وأبو اليسول الشاعر سعيد بن يعمر بن علي العبدي بسرقسطة. # والأخ بكر بن الأمير الحكم بتدمير، وكان قائدا بها، فورد بذلك أمية بن ~~سليمان عامل تدمير، فخرج زيدان الفتى الكبير للنظر في إحصاء تركته ~~والاحتياط عليها. # ومروان بن عبد الله الزجالي. # وعبد الله بن محمد بن جابر. # والشريف أمية الأعشى بن هشام بن الأمير الحكم. # وسعيد بن حسان الفقيه بقرطبة في جمادى الأولى منها. # وفي كتاب القاضي ابن الفرضي: سعيد بن حسان مولى الأمير الحكم بن هشام، ~~يكنى أبا عثمان قرطبي نبيه، رحل إلى المشرق سنة سبع وسبعين ومائة، فروى عن ~~عبد الله بن نافع، وعبد الله بن عبد الحكم، وأشهب بن عبد العزيز، ومنه ~~استكثر، وسمع منه سماعه عن مالك، وكتب رأيه وغير ذلك من أحاديثه، وانصرف ~~سنة أربع ومائتين، وكان فقيها في المسائل حافظا لها، مشاورا مع الشيخ يحيى ~~بن يحيى وعبد الملك بن حبيب وقاسم بن هلال، وكان منقطعا إلى مؤاخاة يحيى، ~~آخذا بهديه، معظما له، راكبا سننه، لا يخالفه في شيء يراه، قد غلب عليه مع ~~ذلك حفظ رأي أشهب عن مالك واختاره، وتفرد براويته عنه، وكان على فقهه زاهدا ~~فاضلا ورعا، وتوفي في أيام الأمير عبد الرحمن بن الكم سنة ست وثلاثين ~~ومائتين، بعد خليله يحيى بن يحيى بعامين. # والأخ سعيد الخير بن الأمير الحكم في ربيع الآخر. # ومحمد بن حيون بن أبي عبدة أخو حمدون. # ونصر الفتى الخصي خليفة الأمير عبد الرحمن الغالب على دولته، في شعبان ~~منها. وعمر بن ms50 حفص بن أبان. # سنة سبع وثلاثين ومائتين # الوزير عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني، وقد نيف على الثمانين سنة ~~والفقيه قاسم بن هلال القيسي. من كتاب ابن الفرضي: قاسم بن هلال بن فرقد بن ~~عمران القيسي، يكنى أبا محمد، قرطبي تفقه على زياد بن عبد الرحمن، ورحل، ~~فسمع من ابن القاسم وابن وهب وغير واحد من المصريين والمدنيين من أصحاب ~~مالك، وكان عالما بالمسائل، ولم يكن له علم بالحديث، وكان رجلا معقلا ~~وقورا، حدث عنه بنوه وغيرهم. # سنة ثمان وثلاثين ومائتين # علي بن نافع الملقب بزرياب، مولى المهدي العباسي، في ربيع الأول من سنة ~~ثمان وثلاثين ومائتين، هلك قبل وفاة الأمير عبد الرحمن بأربعين يوما. # وفيها مات هارون بن سالم، يكنى أبا عمر، قرطبي قديم، سمع من عيسى بن ~~دينار ويحيى بن يحيى، ورحل إلى المشرق، فلقي أشهب بن عبد العزيز وروى عنه، ~~وسمع من أصبغ بن الفرج، وعلي بن معبد، وسحنون، وغيرهم. وكان منقطع القرين ~~في الفضل والزهد والعلم، وكان يقال فيه إنه مجاب الدعوة. وكان يحفظ المسائل ~~حفظا حسنا، إلا أن العبادة كانت أغلب عليه، وقد كانت تعرف كرامته وإجابته ~~في غير ما شيء ومات على ذلك حدثا في الأربعين من عمره، وكانت كتبه موقفة ~~عند أحمد بن خالد وكانت بينه وبينه قرابة من طريق أمه، وتوفي فيما ذكره ~~أحمد سنة ثمان وثلاثين ومائتين. # وفيها مات الأمير عبد الرحمن بن الحكم ليلة الخميس لثلاث بقين من ربيع ~~الآخر منها وقد تقدم ذكر ذلك في مكانه. # ذكر خصال من مناقب الأمير عبد الرحمن # بن الحكم لم تمر في عرض أخباره # قال أحمد بن محمد الرازي: كان الأمير عبد الرحمن مقدم الطبقة في البلاغة، ~~مطبوعا في الكتابة، مقتدرا على ما حاول من سني البيان المنشور والمنظوم، ~~مؤثرا لمن يحسنهما، مقربا بوسيلتهما، وكان له التوقيع الوجيز والقريض ~~المستحسن. # فمما شهر من موجز توقيعه: توقيع له إلى بعض من سأله من مواليه توليته ~~عملا لم يكن من أهله: من لم يعرف وجه مطلبه ms51 كان الحرمان أولى به. ~~PageV01P025 ووقع إلى ابنه المنذر - وكان من بين ولده بليغا مفوها - فكتب ~~إليه يسأله أن يأذن له في اعتلاء المنبر بالبلد الذي كان يليه له ليقيم ~~الجمعة ويخطبهم، ليحيي رسوم سلفهم وينوه به في إتباعهم. فوقع على ظهر ~~كتابه: قالت الحكماء: لو كان الكلام من فضة، لكان الصمت من ذهب، وإني لأشفق ~~عليك مما تحسنه، فكيف مما توهم عليك بعض التقصير فيه؟ بملحم سدادهما ومقتدح ~~زنادهما ومجاريهما في مضمار باطلهما: زرياب المغني، تالى وحي الشيطان، ~~وثالث أثافي السلوان، ما له من متعة نعيم تملك القلوب، وتصور إليها الآذان، ~~لو أن حيا يسلم من الحدثان. # جرت لهذا الأمير المترف معهم في مجالسه ومشاربه نوادر أخبار، تونس زهر ~~الروض غب القطار، وهي مبثوثة في الناس، على أن رسوم الباطل إلى بلي ~~وأندراس. # قرأت في كتاب معاوية بن هشام الشبينسي قال: من أبدع مكارم الأمير عبد ~~الرحمن بن الحكم الدالة على سروه ورفعة نفسه وفرط استحيائه ورقة وجهه التي ~~لم يكن يعدله فيهن أحد من أهل بيته أن أحضر يوما مالا كثيرا أتاه من بعض ~~النواحي جلس لإيعابه في بدره، وقد أمر خدمه الصقالبة بتولي ذلك ونضده بين ~~يديه إلى أن يأمر برفعه إلى بيت المال، فأخذوا في ذلك على عينه. # واعترته سنة غض لها من طرفه، خالها بعض شرهائهم نعاسا، فمد يده إلى بدرة ~~من ذلك المال، أختلسها حين غفلة من أصحابه، فصيرها في حضنه، والأمير ينظر ~~إليه، فلما أكملوا نضد البدر أمرهم بإعادة عدها، فأصابوها تنقص تلك البدرة ~~المختلسة، فتراموا بسرقها، واشتد بينهم التنازع فيها، فلما أكثروا قال لهم ~~الأمير: حسبتم! كفوا عن ذكرها، فقد أخذها من لا يردها، ورآه من لا يفضحه. ~~فإياه وإياكم من العود لمثلها، فإن كبير الذنب يهجم عن استنفاد العفو! ~~ارفعوا المال وأقلوا المقال. # فاشتد عجب من سمع به من سعة كرمه وشدة حيائه. # وقرأت فيه: كان مكان الأمير عبد الرحمن من صلة الرحم والحنو على القرابة ~~على حال لم يساوه فيها أحد ms52 من أهل بيته، وكان قد اختص فوقهم جميعا أخاه أبا ~~عثمان سعيد الخير بن الأمير الحكم، فحباه بصداقته من بين سائر إخوته من وقت ~~نشأتهما أيام أبيهما، فلما أن صار الأمر إليه تضاعف اختصاصه لسعيد، وأنسه ~~به، ومباطنته إياه، وإلطافه له، فصار ينادمه ويخلو به ويتصرف معه في مغازيه ~~وصيوده، ولا يصبر عنه، حتى اعتلت حال سعيد في أهل بيته، وحسدوه على ما أتيح ~~له من الزلفى إلى الأمير عبد الرحمن وكان سعيد في ذاته سيدا جوادا. # تذكرة للشامتين، وعظة للمتفكرين، وذاك أن قعد فيه في بعض خلواته للأنس مع ~~جواريه والالتذاذ بأغانيه، على استعداد كان منه ليومه ذلك واحتفال في ~~تهيئته. # فبينما هو منغمس في نعمته، لاه بحبرته، إذ انهارت تلك الستارة السامية ~~التي كان علاها على مجلسه الذي كان قاعدا فيه من داء استبطنها لم يشعر به ~~لما أراده الله من عرض قدرته عله، فخر المجلس على من كان فيه من نسائه ~~وخدمه، وسحقهم سحقا، وقضى الله بنجاته من بينهم بأدق سبب، من قبل جائزة ~~صلبة من جيزان المجلس تعرضت فوقه، فأمسكت عنه أذى الهدم، ونجا تحتها هو ~~وجارية له حظية كان قد أجلسها إلى جنبه كانت تسمى منتهى المنى أم ولده ~~مروان، نجت بنجائه، وهلك جميع جواريه أشنع هلاك، وكن أربع عشرة جارية. # فارتجت المدينة من شناعة قصته، واتصل خبره بأخيه الأمير عبد الرحمن، فسر ~~بخلوصه سرورا هون عنده جميع ما أصابه، وهنأه به أصحابه، واستدعى سعيدا إلى ~~نفسه فسلاه على ما أصابه، وأخلف عليه بكل جارية هلكت ثنتين، فأرسل إليه ~~ثمني وعشرين جارية بما لهن من نشب وكسوة، ودفع إليه مالا واسعا يعيد له ~~بناءه، ويطرد به شعثه، فاعتدلت حال سعيد، وجبر كسره، واتصلت ألفته بالأمير ~~عبد الرحمن وبابنه الأمير محمد بعده. # وطالت حياته إلى أن توفي في أيام الأمير محمد صدر ربيع الآخر سنة أربعين ~~ومائتين فأرسل الأمير محمد بكفنه وحنوطه وطيبه من عنده، وعهد إلى بنيه ~~وإخوته وأهل بيته ووزرائه وأهل خدمته بشهوده والمشي ms53 بين يدي نعشه. # ذكر المجاعة # وقال ابن هشام الشبينسي: PageV01P026 نالت أهل الأندلس مجاعة شديدة صدر ~~أيام الأمير عبد الرحمن سنة سبع ومائتين وكان سببها انتشار الجراد بالأرض ~~ولحسه الغلات وتردده بالجهات، فنالت الناس مجاعة عظيمة، كفى حدها الأمير ~~بإطعام الضعفاء والمساكين من أهل قرطبة، فيهم باسم أيوب العابد المستجاب، ~~بعد أن تصفح وجوه الناس حوله، فلم تقع عينه عليه، فنادى باسمه مستحلفا له ~~بالله أن يبرز إليه، فلما أكثر من الإرجاف به برز ودنا منه، فاجتهد يحيى في ~~الدعاء، وأيوب يؤمن وينادي ربه فسقى الناس ليومهم. وغاب أيوب فلم يظهر. # ومضى ذكر هذا الخبر على اختلاف الرواة في تاريخ عامه واسم الإمام ~~المستسقى وقرأت بخط عبادة الشاعر قال: كان الشريف دحون بن الوليد، واسمه ~~حبيب بن الوليد بن حبيب الداخل إلى الأندلس بن عبد الملك بن عمر بن الوليد ~~بن عبد الملك بن مروان، ودحون لقب له غلب عليه، ويكنى أبا سليمان. وكان من ~~سراة بني مروان بالأندلس وعلمائهم وأدبائهم، وولد أيام الأمير الداخل في ~~حياة جده حبيب بن عبد الملك الداخل أيضا، وجده الذي رباه وأدبه، إذ توفي ~~أبوه الوليد في حياة أبيه، فكفله بعده جده حبيب الذي هو والد جماعة هذا ~~البطن الحبيبي من بني أمية بالأندلس، فنشأ حبيب دحون هذا فيهم فقيها فاضلا ~~عالما أديبا شاعرا محسنا. # وكانت له رحلة إلى المشرق في أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم، حج فيها ~~ولقي عليه أهل الحديث، فكتب عنهم، وقدم إلى الأندلس بعلم كثير، فذهب إلى ~~نشره، فكان يتحلق في المسجد الجامع بقرطبة، وهو يلبس الوشي الهشامي وما ~~شاكله، فتكاثر الناس عليه، فكره ذلك الأمير عبد الرحمن، وأوصى إليه بترك ~~التحلق، وقال له: إنك جد كسر من قريش ومنا بحيث تعلمه، ولا يصلح هذا الأمر ~~بك فدعه! فترك ذلك. # قال: وجرت لدحون في سفرته مع وإلى بني العباس بدمشق - بيت سلفه - قصة ~~طريفة حكاها إسحاق بن سلمة عن ابنه ولده عبدة بنت بشر بن دحون عن أبيها بشر ~~قال: ms54 دخل أبي دحون إلى مدينة دمشق - وطنهم الأقدام - في رحلته إلى المشرق، ~~وعاملها يومئذ لأبي إسحاق المعتصم عمر بن فرج الرخجي مولى بني العباس، ~~فاتفق أن وافق كونه بها أيام غلاء نزل بأهلها وارتفاع سعر ضجوا منه، فأخذ ~~الرخجي بضبطهم: بأن أمر بإزعاج من عندهم من الطارئين عليهم من أهل البلاد ~~والغرباء. وجعل على كل من أخذ من أبناء السبيل بعد انقضاء الأجل الذي ضربه ~~لهم أن يحل به أشد العقاب. # فابتدر الغرباء بالخروج عنها، وأقام دحون لم يتحرك، فجيء به إلى الرخجي ~~بعد الأجل، فقال له: ما بالك عصيت أمري؟ أوما سمعت ندائي؟ فقال له دحون: ~~ذاك قدر لأني ابن بجدتها! وانتمى له. # قال الرخجي: صدقت والله! ما أنت فيها بغريب، وإنك لأحق بالإقامة فيها ~~منا. فأقم ما أحببت وانصرف إذا شئت. # وذكر إسحاق بن سلمة عن أحمد بن عبد الله الحبيبي عن جده قال: لما حج حبيب ~~دحون اجتمع بمكة مع ابن عمه محمد بن يزيد بن سلمة، وكان مطمئنا ببلده ~~بالشام بحال حسنة، فوهب له محمد جارية تسمى عابدة، وكانت سوداء حالكة من ~~رقيق المدينة، وكانت تروى عن مالك بن أنس وغيره من العلماء شيوخها، فتسند ~~عشرة آلاف حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقدم بها دحون إلى الأندلس، ~~وهو قد أعجب بعلمها وفهمها، فاتخذها لفراشه، فولدت له بشرا إبنه. # الداخلون إلى الأمير عبد الرحمن من قومه # وفي كتاب معاوية بن هشام الشبينسي: من وجوه من دخل إلى الأندلس من بني ~~مروان أبو القاسم بكار بن عبد الواحد ين داود بن سليمان بن عبد الملك بن ~~مروان، دخلها أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم، ودخل معه ابن أخيه أبو سعيد ~~مسلمة بن عبد الملك بن عبد الواحد بن داود بن سليمان بن عبد الملك فكرمهما ~~الأمير عبد الرحمن ورحب بهما وأنزلهما وأحسن إليهما وأقطعهما، و أجرى لكل ~~واحد من الرزق بالمشاهرة ثلاثين دينارا. # ودخل بعدهما من أهل بيتهما إلى الأمير عبد الرحمن أيضا سنة ست وثلاثين ms55 ~~ومائتين سلمة بن عبد الملك بن عبد الواحد بن داود بن سليمان، فأجراه ~~مجراهما، وقد انقرض الآن عقب سلمة هذا. # قال: PageV01P027 ودخل الأندلس من هؤلاء المروانية أيام الأمير عبد ~~الرحمن بن الحكم أصبغ بن محمد بن هشام بن محمد بن سعيد الخير بن عبد الملك ~~بن مروان، فأنزله الأمير عبد الرحمن، وكرمه وأقطعه، فألقى عصاه بالأندلس ~~وأنسل، فعرف ولده ببني السعيدي، وهم بإشبيلية. # ما قيل في رثاء الأمير عبد الرحمن بن الحكم # ووجدت بخط أبي بكر عبادة الشاعر لطاهر بن حزم الشاعر من قصيدة يرثي بها ~~الأمير عبد الرحمن ويهنئ الأمير محمدا ابنه بالخلافة: من الطويل # سقى الله قبرا بالنخيل غمامة ... تكاد إذا حلت عراها تفطر # رأى الله إذ ولى الأمير محمدا ... لكم عصمة يأيها الناس فاشكروا # فما نطق الأقوام فيه قناعةوهم في أبي بكر لعمري كثروا # تبسمت الدنيا إليه وأقبلت ... إليه قلوب الناس لا تتأخر # وخرج إلى مديح فأطال. # ولعبد الله بن بكر المنبز بالنذل في ذلك: من المتقارب # ألا إن في الدهر للمبصرين ... عجائب تبهر أنظارها # تسور المنايا فما من عزيز ... يدافع بالعز تسوارها! # وكان بالأمس سراج العلا ... يسوس البلاد وأقطارها # على حين أحكم ريب الدهور ... وعرف الأمور وإنكارها # أتته منيته بغتة ... وقد كان في الأرض جبارها # فوسد بعد وثير الحشايا ... خلال المقابر أحجارها # وخلاه أنصاره مفردا ... وقد كان بالأمس أنصارها # فلله ما استودعت في النخيل ... أكف الرجال ومن زارها # ومما يستلحق في باب الوفاة # ذكر عيسى بن دينار # قال محمد بن حارث: رحل عيسى فأدرك أصحاب مالك متوافرين، فسمع من ابن ~~القاسم كبيرهم، واقتصر عليه، فاعتلت في الفقه طبقته، وكان من أهل الزهد ~~اليابس، والدين الكامل، مع قوته في التفقه لمالك وأصحابه، فلقد كان ابن ~~وضاح يقول: هو الذي علم أهل الأندلس الفقه. توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين. # ذكر حارث بن أبي سعد # وتوفي الفقيه أبو عمر حارث بن أبي سابق مولى الأمير عبد الرحمن، رحل فسمع ~~من ابن كنانة، وولاه الأمير الحكم بن هشام الشرطة الصغرى، ms56 فكان أول من ~~وليها، وأقره الأمير عبد الرحمن عليها. توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين. # ذكر الشيخ يحيى بن يحيى # أنه رحل رحلتين من الأندلس: سمع في الأولى من مالك بن أنس والليث ابن سعد ~~ومن ابن وهب وغيرهم، واقتصر في الثانية على عبد الرحمن بن القاسم، وبه ~~تفقه، وإليه انتهت الرياسة في العلم بالأندلس على عهد الأمير عبد الرحمن ~~ابن الحكم، وتوفي في أيامه من غير تحديد لتاريخه. PageV01P028 ms57