######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_006906 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الجرجاني #META# 010.AuthorNAME :: الجرجاني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 471 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أسرار البلاغة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: البلاغة والفصاحة :: كتب الأدب #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: أسرار البلاغة #META# 030.LibURI :: JK_006906 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله أجمعين # أعلم أن الكلام هو الذي يعطي العلوم منازلها ويبين مراتبها ويكشف عن ~~صورها ويجني صنوف ثمرها ويدل على سرائرها ويبرز مكنون ضمائرها وبه أبان ~~الله تعالى الإنسان من سائر الحيوان ونبه فيه على عظم الامتنان فقال عز من ~~قائل ( ^ الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان ) فلولاه لم تكن ~~لتتعدى فوائد العلم عالمه ولا صح من العاقل أن يفتق عن أزاهير العقل كمائمه ~~ولتعطلت قوى الخواطر والأفكار من معانيها واستوت القضية في موجودها وفانيها ~~نعم ولوقع الحي الحساس في مرتبة الجماد ولكان الإدراك كالذي ينافيه من ~~الأضداد ولبقيت القلوب مقفلة على ودائعها والمعاني مسجونة في مواضعها ~~ولصارت القرائح عن تصرفها معقولة والأذهان عن سلطانها معزولة ولما عرف كفر ~~من إيمان وإساءة من إحسان ولما ظهر فرق بين مدح وتزيين وذم وتهجين ثم إن ~~الوصف الخاص به والمعنى PageV01P001 النت لنسبه أنه يريك المعلومات ~~بأوصافها التي وجدها العلم عليها ويقرر كيفياتها التي تناولها المعرفة إذا ~~سمت إليها # وإذا كان هذا الوصف مقوم ذاته وأخص صفاته كان أشرف أنواعه ما كان فيه ~~أجلى وأظهر وبه أولى وأجدر ومن ههنا يبين للمحصل ويتقرر في نفس المتأمل كيف ~~ينبغي أن يحكم في تفاضل الأقوال إذا أراد أن يقسم بينها حظوظها من ~~الاستحسان ويعدل القسمة بصائب القسطاس والميزان ومن البين الجلي أن التباين ~~في هذه الفضيلة والتباعد عنها إلى ما ينافيها من الرذيلة ليس بمجرد اللفظ ~~كيف والألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضربا خاصا من التأليف ويعمد بها إلى وجه دون ~~وجه من التركيب والترتيب فلو أنك عمدت إلى بيت شعر أو فصل نثر فعددت كلماته ~~عدا كيف جاء واتفق وأبطلت نضده ونظامه الذي عليه بنى وفيه أفرغ المعنى ~~وأجرى وغيرت ترتيبه الذي بخصوصيته أفاد كما أفاد وبنسقه المخصوص أبان ~~المراد نحو أن تقول في # ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل % ) # ( منزل قفا ذكرى من نبك حبيب % ) أخرجته من كمال البيان ms001 إلى محال الهذيان ~~نعم وأسقطت نسبته من صاحبه وقطعت الرحم بينه وبين منشئه بل أحلت أن يكون له ~~إضافة إلى قائل ونسب يختص بمتكلم وفي ثبوت هذا الأصل ما تعلم به أن المعنى ~~الذي له كانت هذه الكلم بيت شعر أو فصل خطاب هو ترتيبها على طريقة معلومة ~~وحصولها على صورة من التأليف مخصوصة وهذا الحكم أعنى الاختصاص PageV01P002 ~~في الترتيب يقع في الألفاظ مرتبا على المعاني المرتبة في النفس المنتظمة ~~فيها على قضية العقل ولن يتصور في الألفاظ وجوب تقديم وتأخير وتخصيص في ~~ترتيب وتنزيل وعلى ذلك وضعت المراتب والمنازل في الجمل المركبة وأقسام ~~الكلام المدونة فقيل من حق هذا أن يسبق ذلك ومن حكم ما ها هنا أن يقع هنالك ~~كما قيل في المبتدأ والخبر والمفعول والفاعل حتى حظر في جنس من الكلم بعينه ~~أن يقع إلا سابقا وفي آخر أن يوجد إلا مبنيا على غيره وبه لاحقا كقولنا إن ~~الاستفهام له صدر الكلام وإن الصفة لا تتقدم على الموصوف إلا أن تزال عن ~~الوصفية إلى غيرها من الأحكام فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعرا ~~أو يستجيد نثرا ثم يجعل الثناء عليه من حيث اللفظ فيقول حلو رشيق وحسن أنيق ~~وعذب سائغ وخلوب رائع فاعلم أنه ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف ~~وإلى ظاهر الوضع اللغوي بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده وفضل يقتدحه ~~العقل من زناده # وأما رجوع الاستحسان إلى اللفظ من غير شرك من المعنى فيه وكونه من أسبابه ~~ودواعيه فلا يكاد يعد نمطا واحدا وهو أن تكون اللفظة مما يتعارفه الناس في ~~استعمالهم ويتداولونه في زمانهم ولا يكون وحشيا غريبا أو عاميا سخيفا سخفه ~~بإزالته عن موضوع اللغة وإخراجه عما فرضته من الحكم والصفة كقول العامة ~~أشغلت وانفسد وإنما شرطت هذا الشرط فإنه ربما استسخف اللفظ بأمر يرجع إلى ~~المعنى دون مجرد اللفظ كما يحكى من قول PageV01P003 # عبيد الله بن زياد لما دهش افتحوا لي سيفي وذلك أن الفتح خلاف الاغلاق ms002 ~~فحقه أن يتناول شيئا هو في حكم المغلق والمسدود وليس السيف بمسدود وأقصى ~~أحواله أن يكون كونه في الغمد بمنزلة كون الثوب في العكم والدرهم في الكيس ~~والمتاع في الصندوق والفتح في هذا الجنس يتعدى أبدا إلى الوعاء المسدود على ~~الشيء الحاوي له لا إلى ما فيه فلا يقال افتح الثوب وإنما يقال افتح العكم ~~وأخراج الثوب وافتح الكيس # وههنا أقسام قد يتوهم في بدء الفكرة وقبل إتمام العبرة أن الحسن والقبح ~~فيهالا يتعدى اللفظ والجرس إلى ما يناجى فيه العقل والنفس ولها إذا حقق ~~النظر مرجع إلى ذلك ومنصرف فيما هنا لك منها التجنيس والحشو # | القول في التجنيس # أما النجنيس فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان موقع معنيهما من ~~العقل موقعا حميدا ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيدا أتراك استضعفت ~~تجنيس أبى تمام في قوله # ( ذهبت بمذهبه السماحه فالتوت % فيه الظنون أمذهب أم مذهب ) # واستحسنت تجنيس القائل # ( حتى نجا من خوفه وما بحا % ) # وقول المحدث # ( ناظراه فيما جنى ناظراه % أو دعائى أمت بما أودعانى ) PageV01P004 # لأمر يرجع إلى اللفظ أم لأنك رأيت الفائده ضعفت عن الأول وقويت في الثاني ~~ورأيتك لم يزدك بمذهب ومذهب على أن أسمعك حروفا مكررة تروم لها فائدة فلا ~~تجدها إلا مجهولة مفكره ورأيت الأخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن ~~الفائده وقد أعطاها ويوهمك كأنه لم يزدك وقد أحسن الزياده ووفاها فبهذه ~~السريرة صار التجنيس وخصوصا المستوفي منه المتفق في الصورة من حلى الشعر ~~ومذكوا في أقسام البديع # فقد تبين لك أن ما يعطى التجنيس من الفضيله أمر لم يتم إلا بنصرة المعنى ~~إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه مستحسن ولما وجد فيه إلا معيب مستهجن ~~ولذلك ذم الاستكثار منه والولوع به وذلك أن المعاني لا تدين في كل موضع لما ~~يجذبها التجنيس إليه إذ الألفاظ خدم المعانى والمصرفه في حكمها وكانت ~~المعانى هى المالكه سياستها المستحقه طاعتها فمن نصر اللفظ على المعنى كان ~~كمن أزال الشىء عن جهته ms003 وأحاله عن طبيعته وذلك مظنه من الاستكراه وفيه فتح ~~أبواب العيب والتعرض للشين ولهذه الحالة كان كلام المتقدمين الذين تركوا ~~فضل العناية بالسجع ولزموا سجية الطبع أمكن في العقول وأبعد من القلق وأوضح ~~للمراد وأفضل عند ذوى التحصيل وأسلم من التفاوت وأكشف عن الأغراض وأنصر ~~للجهه التى تنحو نحو العقل وأبعد من التعمد الذي هو ضرب من الخداع بالتزويق ~~والرضى بأن تقع النقيصه في نفس الصورة وذات الخلقة PageV01P005 # إذا أكثر فيها عن الوشم والنقش وأثقل صاحبها بالحلى والوشى قياس الحلى ~~على السيف الددان والتوسع في الدعوى بغير برهان كما قال # ( إذا لم تشاهد غير حسن شياتها % وأعضائها فالحسن عنك مغيب ) # وقد تجد في كلام المتأخرين الآن كلاما حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ~~ماله اسم في البديع إلى أن ينسى أنه يتكلم ليفهم ويقول ليبين ويخيل إليه ~~أنه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء وأن ~~يوقع السامع من طلبه في خبط عشواء وربما طمس بكثرة ما يتكلفه على المعنى ~~وأفسده كمن ثقل العروس بأصناف الحلى حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسها فإن ~~أردت أن تعرف مثالا فيما ذكرت لك من أن العارفين بجواهر الكلام لا يعرجون ~~على هذا الفن إلا بعد الثقه بسلامة المعنى وصحته وإلا حيث يأمنون جنايه منه ~~عليه وانتقاصا له وتعويقا دونه فانظر إلى خطب الجاحظ في أوائل كتبه هذا ~~والخطب من شأنها أن يعتمد فيها الأوزان والأسجاع فإنها تروى وتتناقل تناقل ~~الأشعار ومحلها محل النسيب والتشبيب من الشعر الذي هو كأنه لا يراد منه ~~PageV01P006 # إلا الاحتفال في الصنعه والدلاله على مقدار شوط القريحه والأخبار عن فضل ~~القوة والاقتدار على التفنن في الصفة قال في أول كتاب الحيوان # جنبك الله الشبهة وعصمك من الحيرة وجعل بينك وبين المعرفة سببا وبين ~~الصدق نسبا وحبب إليك التثبت وزين في عينك الإنصاف وأذاقك حلاوة التقوى ~~وأشعر قلبك عز الحق وأودع صدرك برد اليقين وطرد عنك ذل اليأس وعرفك ما ms004 في ~~الباطل من الزلة وما في الجهل من القلة # فقد ترك أولا أن يوفق بين الشبهة والحيرة في الإعراب ولم ير أن يقرن ~~الخلاف إلى الإنصاف ويشفع الحق بالصدق ولم يعن بأن يطلب لليأس قرينة تصل ~~جناحه وشيئا يكون رديفا له لأنه رأى التوفيق بين المعانى أحق والموازنه ~~فيها أحسن ورأى العناية بها حتى تكون أخوه من أب وأم ويذرها على ذلك تتفق ~~بالوداد على حسب اتفاقها بالميلاد أولى من ان يدعها لنصرة السجع وطلب الوزن ~~أولاد علة عسى أن لا يوجد بينها وفاق إلا في الظواهر فأما أن يتعدى ذلك إلى ~~الضمائر ويخلص إلى العقائد والسرائر ففي الأقل النادر وعلى الجملة فإنك لا ~~تجد تجنيسا مقبولا ولا سجعا حسنا حتى يكون المعنى هو الذى طلبه واستدعاه ~~وساق نحوه وحتى تجده لا تبتغى به بدلا ولا تجد عنه حولا ومن ههنا كان أحلى ~~تجنيس تسمعه وأعلاه وأحقه بالحسن واولاه ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى ~~اجتلابه وتأهب لطلبه أو ما هو لحسن ملاءمته وإن كان مطلوبا بهذه المنزلة ~~وفي هذه الصورة وذلك كما يمثلون به أبدا من قول PageV01P007 الشافعي رحمة ~~الله تعالى وقد سئل عن النبيذ فقال أجمع أهل الحرمين على تحريمه ومما نجده ~~كذلك قول البحتري # ( يعشى عن المجد الغبي ولن ترى % في سؤدد أربا لغير اريب ) # وقوله # ( فقد أصبحت أغلب تغليبا % على أيدي العشيرة والقلوب ) # ومما هو شبية به قوله # ( وهوى هوى بدموعه فتبادرت % نسفا يطأن تجلدا مغلوبا ) # وقوله # ( ما زلت تقرع باب بابل بالقنا % وتزوره في غارة شعواء ) # وقوله # ( ذهب الاعالى حيث تذهب مقلة % فيه بناظرها حديد الاسفل ) # ومثال ما جاء من السجع هذا المجىء وجرى هذا المجرى في لين مقادته وحل ~~PageV01P008 هذا المحل من القبول قول القائل اللهم هب لي حمدا وهب لي مجدا ~~فلا مجد إلا بفعال ولا فعال إلا بمال وقول ابن العميد فإن الابقاء على خدم ~~السلطان عدل الابقاء على ماله والاشفاق على حاشيته وحشمه عدل الاشفاق على ~~ديناره ودرهمه # ولست ms005 تجد هذا الضرب يكثر في شىء ويستمر كثرته واستمراره في كلام القدماء ~~كقول خالد ما الانسان لولا اللسان إلا صورة ممثله وبهيمه مهملة # وقول الفضل بن عيسى الرقاشى سل الأرض فقل من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ~~ثمارك فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا وإن انت تتبعته من الاثر وكلام ~~النبي تثق كل الثقه بوجودك له على الصفة التي قدمت وذلك كقول النبي الظلم ~~ظلمات يوم القيامه وقوله لا تزال أمتي بخير ما لم تر الغنى مغنما والصدقة ~~مغرما وقوله يا ايها الناس افشوا السلام واطعموا الطعام وصلوا الارحام ~~وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام فأنت لا تجد في جميع ما ذكرت ~~لفظا اجتلب من أجل السجع وترك له ما هو أحق بالمعنى منه وأبر به وأهدى إلى ~~مذهبه ولذلك أنكر الأعرابي حين شكا إلى عامل الما بقوله حلات ركابي وشققت ~~ثيابي وضربت صحابي فقال له العامل ويسجع أيضا إنكار العامل السجع حتى قال ~~فكيف أقول وذاك انه لم يعلم أصلح لما أراد PageV01P009 من هذه الألفاظ ولم ~~يره بالسجع مخلا بمعنى أو محدثا في الكلام استكراها أو خارجا إلى تكلف ~~واستعمال لما ليس بمعتاد في غرضه وقال الجاحظ لانه لو قال حلات إبلى أو ~~جمالي أو نوقى أو بعراني أو صرمتي لكان لم يعبر عن خفي معناه وإنما حلئت ~~ركابه فكيف يدع الركاب إلى غير الركاب وكذلك قوله وشققت ثيابي وضربت صحابي # فقد نبين من هذة الجملة أن المعنى المقتضى اختصاص هذا النحو بالقبول هو ~~ان المتكلم لم يقد المعنى نحو التجنيس والسجع بل قادة المعنى إليهما وعبر ~~به الفرق عليهما حتى إنه لو رام تركهما إلى خلافهما مما لا تجنيس فيه ولا ~~سجع لدخل من عقوق المعنى وإدخال الوحشة عليه في شبيه بما ينسب إليه المتكلف ~~للتجنيس المستكره والسجع النافر # ولن تجد ايمن طائرا وأحسن أولا وأخرا وأهدى إلى الاحسان وأجلب للإستحسان ~~من أن ترسل المعاني على سجيتها وتدعها تطلب لانفسها الالفاظ # فانها إذا تركت وما تريد لم ms006 تكنس إلا ما يليق بها ولم تلبس من المعارض ~~إلا ما يزينها فأما أن تضع في نفسك أنه لا بد من أن تجنس أو تسجع بلفظين ~~مخصوصين فهو الذي انت منه بعرض الاستكراه وعلى خطر من الخطأ والوقوع في ~~الذم فإن ساعدك الجد كما ساعد في قوله أودعاني امت بما اودعاني وكما ساعد ~~أبا تمام في نحو قوله # ( وأنجدتم من بعد إتهام داركم % فيا دمع أنجدني على ساكني نجد ) ~~PageV01P010 # وقوله # ( هن الحمام فإن كسرت عيافة % من حائهن فإنهن حمام ) # فذاك وإلا أطلقت ألسنة العيب وافضى بك طلب الاحسان من حيث لم يحسن الطلب ~~إلى أفحش الاساءه وأكبر الذنب ووقعت فيما ترى من ينصرك لا يرى أحسن من أن ~~لا يرويه لك ويود لو قدر على نفيه عنك وذلك كما تجده لأبي تمام إذ أسلم ~~نفسه للتكلف ويرى انه إن مر على اسم موضع يحتاج إلى ذكره أو يتصل بقصة ~~يذكرها في شعره من دون ان يشتق منه تجنيسا أو يعمل فيه بديعا فقد باء بإثم ~~وأخل بفرض حتم من نحو قوله # ( سيف الأنام الذي سمته هيبته % لما تخرم أهل الأرض مخترما ) # ( إن الخليفة لما صال كنت له % حليفة الموت فيمن جار أو ظلما ) # ( قرت بقران عين الدين واشتترت % بالأشترين عيون الشرك فاصطلما ) # وكقول بعض المتأخرين # ( البس جلابيب القناعة % إنها أوقى رداء ) # ( ينجيك من داء الحريص % معا ومن أوقار داء ) PageV01P011 # وكقول أبي الفتح البستي # ( جفوا فما في طينهم للذي % يعصره من بلة بالله ) # وقوله # ( أخ لي لفظه در % وكل فعاله بر ) # ( تلقاني فحياني % بوجه بشره بشر ) # لم يساعدهما حسن التوفيق كما ساعد في نحو قوله # ( وكل غنى يتيه به غنى % فمرتجع بموت أو زوال ) # ( وهب جدى طوى لى الأرض طرا % أليس الموت يزوى ما زوى لى ) # ونحوه # ( منزلتى تحفظ من ذلتي % وباحتي تكرم ديباجتي ) # وأعلم أن النكته التى ذكرتها في التجنيس وجعلتها العلة في استيجابه ~~الفضيله وهي حسن الإفادة مع ان الصورة صورة التكرير والإعادة وإن كانت لا ~~تظهر الظهور التام ms007 الذي لا يمكن دفعه إلا في المستوفي المتفق الصورة منه ~~كقوله # ( ما مات من كرم الزمان فإنه % يحيا لدى يحيى بن عبد الله ) # أو المرفو الجاري هذا المجرى كقوله # ( اودعاني أمت بما أودعاني % ) فقد يتصور في غير ذلك من أقسامه أيضا فمما ~~يظهر ذاك فيه ما كان نحو قول أبي تمام PageV01P012 # ( يمدون من ايد عواص عواصم % تصول بأسياف قواض قواضب ) # وقول البحتري # ( لئن صدفت عنا فربت أنفس % صواد إلى تلك الوجوه الصوادف ) # وذلك انك تتوهم قبل ان يرد عليك آخر الكلمة كالميم من عواصم والباء من ~~قواضب أنها هي التي مضت وقد أرادت أن تجيئك ثانية وتعود إليك مؤكدة حتى إذا ~~تمكن في نفسك تمامها ووعى سمعك آخرها انصرفت عن ظنك الأول وزلت عن الذي سبق ~~من التخيل وفي ذلك ما ذكرت لك من طلوع الفائدة بعد أن يخالطك اليأس منها ~~وحصول الربح بعد أن تغالط فيه حتى ترى أنه رأس المال # فاما ما يقع التجالس فيه على العكس من هذا وذلك أن تختلف الكلمات من ~~أولها كقول البحترى # ( بسيوف إيماضها أوجال % للأعادي ووقعها آجال ) # وكذا قول المتأحر # ( وكم سبقت منه إلى عوارف % ثنائى من تلك العوارف وارف ) # ( وكم غ رر من بره ولطائف % لشكرى على تلك اللطائف طائف ) # وذلك أن زيادة عوارف على وارف بحرف اختلاف من مبدأ الكلمة في الجملة فانه ~~لا يبعد كل البعد عن اعتراض طرف من هذا التخيل فيه وإن كان لا يقوى تلك ~~القوة كانك ترى ان اللفظة اعيدت عليك مبدلا PageV01P013 من بعض حروفها غيره ~~أو محذوفها منها ويبقى في تتبع هذا الموضع كلام حقه غير هذا الفصل وذلك حيث ~~يوضع # | فصل في قسمة التجنيس وتنويعه # فالذي يجب عليه الاعتماد في هذا الفن أن التوهم على ضر بين ضرب يستحكم ~~حتى يبلغ ان يصير اعتقادا وضرب لا يبلغ ذلك المبلغ ولكنه شىء يجري في ~~الخاطر وانت تعرف ذلك وتتصور وزنه إذا نظرت إلى الفرق بين الشيئين يشتبهان ~~الشبه التام والشيئين يشبه احدهما بالآخر على ms008 ضرب من التقريب فاعرفه # وأما الحشو فإنما كره وذم وأنكر ورد لأنه خلا من الفائدة ولم يحل منه ~~بعائدة ولو أفاد لم يكن حشوا ولم يدع لغوا وقد تراه مع إطلاق هذا الإسم ~~عليه واقعا من القبول أحسن موقع ومدركا من الرضى أجزل حظ ذاك لإفادته إياك ~~على مجيئه مجىء ما لا يعول في الإفادة عليه ولا طائل للسامع لديه فيكون ~~مثله مثل الحسنة تأتيك من حيث لم ترقبها والنافعة أتتك ولم تحتسبها وربما ~~رزق الطفيلي ظرفا يحظى به حتى يحل محل الأضياف الذين وقع الاحتشاد لهم ~~والأحباب الذين وثق بالأنس منهم وبهم # واما التطبيق والاستعارة وسائر أقسام البديع فلا شبهة أن الحسن ~~PageV01P014 والقبح لا يعترض الكلام بهما إلا من جهة المعاني خاصة من غير ~~أن يكون للالفاظ في ذلك نصيب أو يكون لها في التحسين أو خلاف التحسين تصعيد ~~وتصويب # أما الاستعارة فهي ضرب من التشبيه ونمط من التمثيل والتشبيه قياس والقياس ~~يجري فيما تعيه القلوب وتدركه العقول وتستفتى فيه الأفهام والأذهان لا ~~الأسماع والآذان # وأما التطبيق فأمره أبين وكونه معنويا أجلى وأظهر فهو مقابلة الشىء بضده ~~والتضاد بين الألفاظ المركبة محال وليس لأحكام المقابلة ثم مجال فخذ إليك ~~الآن بيت الفرزدق الذي يضرب به المثل في تعسف اللفظ # ( وما مثله في الناس إلا مملكا % أبو أمه حي أبوه يقاربه ) # فانظر أتتصور أن يكون ذلك للفظه من حيث أنك أنكرت شيئا من حروفه أو صادفت ~~وحشيا غريبا أو سوقيا ضعيفا أم ليس إلا لأنه لم يرتب الألفاظ في الذكر على ~~موجب ترتيب المعاني في الفكر فكد وكدر ومنع السامع أن يفهم الغرض إلا بأن ~~يقدم ويؤخر ثم أسرف في إبطال النظام وإبعاد المرام وصار كمن رمى بأجزاء ~~تتألف منها صورة ولكن بعد ان يراجع فيها بابا من الهندسة لفرط ما عادى بين ~~اشكالها وشدة ما خالف بين أوضاعها # وإذا وجدت ذلك امرا بينا لايعارضك فيه شك ولا يملكك معه امتراء فانظر إلى ~~الأشعار التى اثنوا عليها من جهة الالفاظ ms009 ووصفوها بالسلاسة ونسبوها إلى ~~الدماثة وقالوا كأنها الماء جريانا والهواء لطفا PageV01P015 # والرياض حسنا وكأنها النسيم وكأنها الرحيق مزاجها التسنيم وكأنها الديباج ~~الخسرواني في مرامي الأبصار ووشى اليمن منشورا على أذرع التجار كقوله # ( ولما قضينا من منى كل حاجة % ومسح بالأركان من هو ماسح ) # ( وشدت على دهم المهارى رحالنا % ولم ينظر الغادي الذي هو رائح ) # ( أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا % وسالت بأعناق المطى الأباطح ) # ثم راجع فكرتك واشحذ بصيرتك وأحسن التأمل ودع عنك التجوز في الرأي ثم ~~أنظر هل تجد لاستحسانهم وحمدهم وثنائهم ومدحهم منصرفا إلا إلى استعارة وقعت ~~موقعها وأصابت غرضها أو حسن ترتيب تكامل معه البيان حتى وصل المعنى إلى ~~القلب مع وصول اللفظ إلى السمع واستقر في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن ~~وإلا إلى سلامة الكلام من الحشو غير المفيد والفضل الذي هو كالزيادة في ~~التحديد وشىء داخل المعاني المقصودة مداخلة الطفيلي الذي يستثقل مكانه ~~والأجنبي الذي يكره حضوره وسلامته من التقصير الذي يفتقر معه السامع إلى ~~تطلب زيادة بقيت في نفس المتكلم فلم يدل عليها بلفظها الخاص بها واعتمد ~~دليل حال غير مفصح أو نيابة مذكور ليس لتلك النيابة بمستصلح وذلك أن أول ما ~~يتلقاك من محاسن هذا الشعر أنه قال # ( ولما قضينا من منى كل حاجة % ) فعبر عن قضاء المناسك بأجمعها والخروج ~~من فروضها وسننها من طريق أمكنة أن يقصر معه اللفظ وهو طريقة العموم ثم نبه ~~بقوله # ( ومسح بالأركان من % ) PageV01P016 هو ماسح % ) على طواف الوداع الذي هو ~~آخر الأمر ودليل المسير الذي هو مقصوده من الشعر ثم قال # ( أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا % ) فوصل بذكر مسح الأركان ما وليه من زم ~~الركاب وركوب الركبان ثم دل بلفظه الأطراف على الصفة التي يختص بها الرفاق ~~في السفر من التصرف في فنون القول وشجون الحديث أو ما هو عادة المتطرفين من ~~الإشارة والتلويح والرمز والإيماء وأنبأ بذلك عن طيب النفوس وقوة النشاط ~~وفضل الاغتباط كما توجبه ألفة الأصحاب وأنسة الأحباب وكما يليق بحال من وفق ~~لقضاء العبادة الشريفة ms010 ورجا حسن الإياب وتنسم روائح الأحبة والأوطان ~~واستماع التهاني والتحايا من الخلان والإخوان ثم زان ذلك كله بإستعارة ~~لطيفة طبق فيها مفصل التشبيه وأفاد كثيرا من الفوائد بلطف الوحى والتنبيه ~~فصرح أولا بما أومأ إليه في الأخذ بأطراف الأحاديث من انهم تنازعوا ~~أحاديثهم على ظهور الرواحل وفي حال التوجه إلى المنازل وأخبر بعد بسرعة ~~السير ووطاءة الظهرإذ جعل سلاسة سيرها بهم كالماء تسيل به الأباطح وكان في ~~ذلك ما يؤكد ما قبله لأن الظهور إذا كانت وطيئة وكان سيرها السير السهل ~~السريع زاد ذلك في نشاط الركبان ومع ازدياد النشاط يزداد الحديث طيبا ثم ~~قال بأعناق المطى ولم يقل بالمطي لأن السرعة والبطء يظهران غالبا في ~~أعناقها ويبين أمرهما من هواديها وصدورها وسائر أجزائها تستند إليها في ~~الحركة وتتبعها في الثقل والخفة ويعبر عن المرح والنشاط إذا كانا في أنفسها ~~بأفاعيل لها خاصة في العنق والرأس ويدل عليهما بشمائل مخصوصة في المقاديم ~~فقل الآن هل بقيت عليك حسنة تحيل فيها على لفظة من ألفاظها حتى إن فضل ~~الحسنة يبقي لتلك اللفظة ولو ذكرت على الإنفراد PageV01P017 وأزيلت عن ~~موقعها من نظم الشاعر ونسجه وتأليفه وترصيفه وحتى تكون في ذلك كالجوهرة ~~التي هي وإن ازدادت حسنا بمصاحبة أخواتها واكتست رونقا بمضامة أترابها ~~فإنها إذا جليت للعين فردة وتركت في الخيط فذة لم تعدم الفضيلة الذاتية ~~والبهجة التي في ذاتها مطوية والشذرة من الذهب تراها بصحبة الجواهر لها في ~~القلادة واكتنافها لها في عنق الغادة وصلتها بريق حمرتها والتهاب جوهرها ~~بانوار تلك الدور التي تجاورها ولألاء اللآلىء التي تناظرها تزداد جمالا في ~~العين ولطف موقع من حقيقة الزين ثم هي إن حرمت صحبة تلك العقائل وفرق الدهر ~~الخثون بينها وبين هاتيك النفائس لم تعر من بهجتها الأصلية ولم تذهب عنها ~~فضيلة الذهبية ليس هذا بقياس الشعر الموصوف بحسن اللفظ وإن كان لا يبعد أن ~~يتخيله من لا ينعم النظر ولا يتم التدبر بل حق هذا المثل أن يوضع في نصرة ~~بعض المعاني الحكمية ms011 والتشبيهية بعضا وازدياد الحسن منها بأن يجامع شكل ~~منها شكلا وأن يصل الذكر بين متدانيات في ولادة العقول إياها ومتجاورات في ~~تنزيل الأفهام لها # وأعلم أن هذا الفصول التي قدمتها وإن كانت قصايا لا يكاد يخالف فيها من ~~به طرق فإنه قد يذكر الأمر المتفق عليه ليبنى عليه المختلف فيه هذا ورب ~~وفاق من موافق قد بقيت عليه زيادات أغفل النظر فيها وضروب من التلخيص ~~والتهذيب لم يبحث عن أوائلها وثوانيها وطريقة PageV01P018 في العبارة عن ~~المغزى في تلك الموافقة لم يمهدها ودقيقة في الكشف عن الحجة على مخالف لو ~~عرض من المتكلفين لم يجدها حتى تراه يطلق في عرض كلامه ما برز منه وفاقا في ~~معرض خلاف ويعطيك إنكارا وقد هم باعتراف ورب صديق والاك قلبه وعاداك فعله ~~فتركك مكدودا لا تشتفي من دائك بعلاج وتبقى منه في سوء مزاج # | المقصد # وأعلم أن غرضي في هذا الكلام الذي أبتدأته والأساس الذي وضعته أن أتوصل ~~إلى بيان أمر المعاني كيف تتفق وتختلف ومن أين تجتمع وتفترق وأفصل أجناسها ~~وأنواعها وأتتبع خاصها ومشاعها وأبين أحوالها في كرم منصبها من العقل ~~وتمكنها في نصابه و قرب رحمها منه أو بعدها حين تنسب عنه وكونها كالحليف ~~الجاري مجرى النسب أو الزنيم الملصق بالقوم لا يقبلونه ولا يمتعضون له ولا ~~يذبون دونه وإن من الكلام ما هو كما هو شريف في جوهرة كالذهب الأبريز الذي ~~تختلف عليه الصور وتتعاقب عليه الصناعات وجل المعول في شرفه على ذاته وإن ~~كان التصوير قد يزيد في قيمته ويرفع في قدره ومنه ما هو كالمصنوعات العجيبة ~~من مواد غير شريفه فلها ما دامت الصورة محفوظة عليها لم تنتقض وأثر الصنعة ~~باقيا معها لم يبطل قيمة تغلوا ومنزلة تعلوا PageV01P019 # وللرغبة إليها انصباب وللنفوس بها إعجاب حتى إذا خانت الأيام فيها ~~أصحابها وضامت الحادثات أربابها وفجعتهم فيها بما يسلب حسنها المكتسب ~~بالصنعة وجمالها المستفاد من طريق العرض فلم يبق إلا المادة العارية من ~~التصوير والطينة الخالية من التشكيل سقطت قيمتها وانحطت ms012 رتبتها وعادت ~~الرغبات التي كانت فيها زهدا وأوسعتها عيون كانت تطمح إليها إعراضا دونها ~~وصدا وصارت كمن أحظاه الجد بغير فضل كان يرجع إليه في نفسه وقدمه البخت من ~~غير معنى يقضى بتقدمه ثم أفاق فيه الدهر عن رقدته وتنبه لغلطته فأعاده إلى ~~دقة أصله وقلة فضله وهذا غرض لا ينال على وجهه وطلبة لا تدرك كما ينبغي إلا ~~بعد مقدمات تقدم وأصول تمهد وأشياء هي كالأدوات فيه حقها أن تجمع وضروب من ~~القول هي كالمسافات دونه يجب أن يسار فيها بالفكر وتقطع # وأول ذلك وأولاه وأحقه بأن يستوفيه النظر ويتقصاه القول على التشبيه ~~والتمثيل والاستعارة فإن هذه أصول كثيرة كان جل محاسن الكلام إن لم نقل ~~كلها متفرعة عنها وراجعة إليها وكأنها أقطاب تدور عليها المعاني في ~~متصرفاتها وأقطار تحيط بها من جهاتها ولا مثل قولهم الفكرة فخ العمل وقوله # ( وعرى أفراس الصبا ورواحله % ) وقوله السفر ميزان القوم وقول الأعرابي # ( كانوا إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام % وإذا تصافحوا بالسيوف قفز الحمام ~~) والتمثيل كقوله # ( فانك كالليل الذي هو مدركي % ) ويؤتى بأمثلة إذا حقق النظر في الأشياء ~~يجمعها الاسم الأعم وينفرد كل منها بخاصة من لم يقف عليها كان قصير الهمة ~~في طلب PageV01P020 الحقائق ضعيف المنة في البحث عن الدقائق قليل التوق إلى ~~معرفة اللطائف يرضى بالجمل والظواهر ويرى أن لا يطيل سفر الخاطر ولعمري إن ~~ذلك أروح للنفس وأقل للشغل إلا أن من طلب الراحة ما يعقب تعبا ومن اختيار ~~ما تقل معه الكلفة ما يفضي إلى أشد الكلفة وذلك أن الأمور التي تلتقي عند ~~الجملة وتتباين لدى التفصيل وتجتمع في وحدة ثم يذهب بها التشعب ويقسمها ~~قبيلا بعد قبيل إذا لم تعرف حقيقة الحال في تلاقيها حيث التقت وافتراقها ~~حيث افترقت كان قياس من يحكم فيها إذا توسط الأمر قياس من أراد الحكم بين ~~رجلين في شرفهما وكرم أصلهما وذهاب عرقهما في الفضل ليعلم أيهما اقعد في ~~السؤدد وأحق بالفخر وأرسخ في أرومة المجد وهو لا يعرف من نسبتهما ms013 أكثر من ~~ولادة الأب الأعلى والجد الأكبر لجواز أن يكون واحد منهما قرشيا أو تميميا ~~فيكون في العجز عن أن يبرم قضية في معناهما ويبين فضلا أو نقصا في منتماها ~~في حكم من لا يعلم أكثر من أن كل واحد منهما آدمي ذكر أو خلق مصور # واعلم أن الذي يوجبه ظاهر الأمر وما يسبق إليه الفكر أن نبدأ بجملة من ~~القول في الحقيقة والمجاز ونتبع ذلك القول في التشبيه والتمثيل ثم ننسق ذكر ~~الاستعارة عليهما ونأتي بها في أثرهما وذلك أن المجاز PageV01P021 أعم من ~~الاستعارة والواجب في قضايا المراتب أن نبدأ بالعام قبل الخاص والتشبيه ~~كالأصل في الاستعارة وهي شبيه بالفرع له أو صورة مقتضية من صوره إلا أن ~~ههنا أمورا اقتضت أن تقع البداية بالاستعارة وبيان صدر منها والتنبيه على ~~طريق الانقسام فيها حتى إذا عرف بعض ما يكشف عن حالها ويقف على سعة مجالها ~~عطف عنان الشرح إلى الفصلين الآخرين فوفي حقوقهما وبين فروقهما ثم ننصرف ~~إلى استقصاء القول في الاستعارة # | تعريف الاستعارة # اعلم أن الاستعارة في الجملة أن يكون لفظ الأصل في الوضع اللغوي معروفا ~~تدل الشواهد على أنه اختص به حين وضع ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في ~~غير ذلك الأصل وينقله إليه نقلا غير لازم فيكون هناك كالعارية # | تقسيم الاستعارة # ثم إنها تنقسم أولا قسمين أحدهما أن لا يكون لنقله فائدة والثاني أن يكون ~~له فائدة # وأنا أبدأ بذكر غير المفيد فإنه قصير الباع قليل الانساع ثم أتكلم على ~~المفيد الذي هو المقصود وموضع هذا الذي لا يفيد نقله حيث يكون اختصاص الاسم ~~بما وضع له من طريق أريد به التوسع في أوضاع اللغة والتنوق في PageV01P022 # مراعاة دقائق في الفروق في المعاني المدلول عليها كوضعهم للعضو الواحد ~~أسامي كثيرة بحسب اختلاف أجناس الحيوان نحو وضع الشفة للإنسان والمشفر ~~للبعير والجحفلة للفرس وما شاكل ذلك من فروق ربما وجدت في غير لغة العرب ~~وربما لم توجد فإذا استعمل الشاعر شيئا منها في غير الجنس الذي ms014 وضع له فقد ~~استعاره منه ونقله عن أصله وجاز به موضعه كقول العجاج وفاحما ومر سنا مسرجا ~~يعنى أنفا برق كالسراج والمرسن في الأصل للحيوان لأنه الموضع الذي يقع عليه ~~الرسن وقال الآخر يصف إبلا # ( تسمع للماء كصوت المسحل % بين وريدها وبين الجحفل ) # وقال آخر والحشو من حفانها كالحنظل فأجرى الحفان على صغار الإبل وهو ~~موضوع لصغار النعام وقال أخر # ( فبتنا جلوسا لدى مهرنا % ننزع من شفتيه الصفارا ) # فاستعمل الشفة في الفرس وهي موضوعة للإنسان فهذا ونحوه لا يفيدك شيئا لو ~~لزمت الأصلي لم يحصل لك فلا فرق من جهة المعنى بين قوله من شفتيه وقوله من ~~جحفلتيه لو قاله إنما يعطيك كلا الاسمين العضو المعلوم فحسب بل الاستعارة ~~ههنا بأن تنقصك جزءا من الفائدة أشبه وذلك أن الاسم في هذا النحو إذا نفيت ~~عن نفسك دخول الاشتراك عليه بالاستعارة دل PageV01P023 # ذكره على العضو وما هو منه فإذا قلت الشفة دلت على الإنسان أعنى تدل على ~~أنك قصدت هذا العضو من الإنسان دون غيره فإذا توهمت جرى الاستعارة في الاسم ~~زالت عنها هذه الدلالة بانقلاب اختصاصها إلى الاشتراك فإذا قلت الشفة في ~~موضع قد جرى فيه ذكر الإنسان والفرس دخل على السامع بعض الشبهة لتجويزه أن ~~تكون استعرت الاسم للفرس ولو فرضنا أن تعدم هذه الاستعارة من أصلها وتحظر ~~لما كان لهذه الشبه طريق على المخاطب فاعرفه # وأما المفيد فقد بان لك باستعارته فائدة ومعنى من المعاني وغرض من ~~الأغراض لولا مكان تلك الاستعارة لم يحصل لك وجملة تلك الفائدة وذلك الغرض ~~التشبيه إلا أن طرقه تختلف حتى تفوت النهاية ومذاهبه تتشعب حتى لا غاية ولا ~~يمكن الانفصال منه إلا بفصول جمة وقسمة بعد قسمة وأنا أرى أن اقتصر الآن ~~على إشارة تعرف صورته على الجملة بقدر ما تراه وقد قابل خلافه الذي هو غير ~~المفيد فيتم تصورك للغرض والمراد فإن الأشياء تزداد بيانا بالأضداد ومثاله ~~قولنا رأيت أسدا وأنت تعنى رجلا شجاعا وبحرا تريد رجلا جوادا وبدرا وشمسا ~~تريد ms015 إنسانا مضيء الوجه متهللا وسللت سيفا على العدو تريد رجلا ماضيا في ~~نصرتك أو رأيا نافذا وما شاكل ذلك فقد استعرت اسم الأسد للرجل ومعلوم أنك ~~أفدت بهذه الاستعارة ما لولاها لم يحصل لك وهو المبالغة في وصف المقصود ~~بالشجاعة وإيقاعك منه في نفس السامع صورة الأسد في بطشه وإقدامه وبأسه ~~PageV01P024 وشدته وسائر المعاني المركوزة في طبيعته مما يعود إلى الجراة ~~وهكذا أفدت باستعارة البحر سعته في الجود وفيض الكف وبالشمس والبدر ما لهما ~~من الجمال والبهاء والحسن المالىء للعيون والباهر للنواظر # وإذ قد عرفت المثال في كون الاستعارة مفيدة على الجملة وتبين لك مخالفة ~~هذا الضرب للضرب الأول الذي هو غير المفيد فإني اذكر بقية قول مما يتعلق به ~~أعنى بغير المفيد ثم اعطف على أقسام المفيد وأنواعه وما يتصل به ويدخل في ~~جملة من فنون القول بتوفيق الله عز وجل وأساله عز اسمه المعونة وأبرأ إليه ~~من الحول والقوة وارغب إليه في أن يجعل كل ما ينصرف فيه منصرفا إلى ما يتصل ~~برضاه ومصروفا عما يؤدي إلى سخطه # اعلم أنه إذا ثبت أن اختصاص المرسن بغير الآدمي لا يفيد أكثر مما يفيده ~~الأنف في الآدمي وهو فصل هذا العضو من غيره ولم يكن باستعارته للآدمي مفيدا ~~ما لا يفيد بالأنف لم يتصور أن يكون استعارة من جهة المعنى وإذا كان مدار ~~أمره على اللفظ لم يتصور أن يكون في غير لغة العرب بلى إن وجد في لغة الفرس ~~مراعاة نحو هذه الفروق ثم نقلوا الشيء من الجنس المخصوص به إلى جنس آخر ~~كانوا قد سلكوا في لغتهم مسلك العرب في لغتها وليس كذلك المفيد فإن الكثير ~~منه تراه في عداد ما يشترك فيه أجيال الناس ويجرى به العرف في جميع اللغات ~~فقولك رأيت أسدا تريد وصف رجل بالشجاعة وتشبيهه بالأسد على المبالغة أمر ~~يستوي فيه العربي والعجمي وتجده في كل جيل وتسمعه PageV01P025 من كل قبيل ~~كما أن قولنا زيد كالأسد على التصريح بالتشبيه كذلك فلا يمكن أن يدعى ms016 أننا ~~إذا استعملنا هذا النحو من الاستعارة فقد عمدنا إلى طريقة في المعقولات لا ~~يعرفها غير العرب أو لم تتفق لمن سواهم لأن ذلك بمنزلة أن تقول إن تركيب ~~الكلام من الاسمين أو من الاسم والفعل يختص بلغة العرب وإن الحقائق التي ~~تذكر في أقسام الخبر ونحوه مما لا نعقله إلا من لغة العرب وذلك مما لا يخفي ~~فساده # فإذا ذكر المجاز وأريد أن يعد هذا النحو من الاستعارة فيه فالوجه أن يضاف ~~إلى العقلاء جملة ولا تستعمل لفظة توهم أنه من عرف هذه اللغة وطرقها الخاصة ~~بها كما تقول مثلا فيما يختص باللغة العربية من الأحكام نحو الإعراب ~~بالحركات والصرف ومنع الصرف ووضع المصدر مثلا موضع اسم الفاعل نحو رجل صوم ~~وضيف وجمع الاسم على ضروب نحو جمع السلامة والتكسير وجمع الجمع وإعطاء ~~الاسم الواحد في التكسير عدة أمثلة نحو فرخ وأفرخ وفراخ وفروخ وكالفرق بين ~~المذكر والمؤنث في الخطاب وجملة الضمائر وما شاكل ذلك ولإغفال هذا الموضع ~~والتجوز في العبارة عنه دخل الغلط على من جعل الشيء من هذا الباب سرقة ~~وأخذا حتى نعى عليه وبين أنه من المعاني العامية والأمور المشتركة التي لا ~~فضل فيها للعربي على العجمي ولا اختصاص له بجيل دون جيل على ما ترى القول ~~فيه إن شاء الله تعالى في موضعه وهو تعالى ولى المن بالتوفيق له بفضله ~~وجوده # ولو أن مترجما ترجم قوله وإلا النعام وحفانه ففسر الحفان باللفظ المشترك ~~الذي هو كالأولاد والصغار لأنه لا يجد في اللغة التي بها يترجم PageV01P026 ~~لفظا خاصا لكان مصيبا ومؤديا للكلام كما هو ولو انه ترجم قولنا رأيت أسدا ~~يريد رجلا شجاعا فذكر ما معناه معنى قولك شجاعا شديدا وترك أن يذكر الاسم ~~الخاص في تلك اللغة بالأسد على هذه الصورة لم يكن مترجما للكلام بل كان ~~مستأنفا من عند نفسه كلاما وهذا باب من الاعتبار يحتاج إليه فحقه أن يحفظ ~~وعسى أن يجىء له زيادة بسط فيما يستقبل # فاعلم انك قد تجد الشيء يخلط ms017 بالضرب الأول الذي هو استعارة من طريق اللفظ ~~ويعد في قبيله وهو إذا حققت ناظر إلى الضرب الآخر فهو مستعار من جهة المعنى ~~وجار في سبيله فمن ذلك قولهم إنه لغليظ الجحافل وغليظ المشافر وذلك أنه ~~كلام يصدر عنهم في مواضع الذم فصار بمنزلة أن يقال كأن شفته في الغلظ مشفر ~~البعير وجحفة الفرس وعلى ذلك قول الفرزدق # ( فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي % ولكن زنجيا غليظ المشافر ) # فهذا يتضمن معنى قولك ولكن زنجيا كأنه جمل لا يعرفني ولا يهتدي لشرفي ~~وهكذا ينبغي أن يكون القول في قولهم أنشب فيه مخالبه لأن المعنى على أن ~~يجعل له في التعلق بالشيء والاستيلاء عليه حالة كحاله الأسد مع فريسته ~~والبازي مع صيده وكذا قول الحطيئة # ( قروا جارك العيمان لما جفوته % وقلص عن برد الشراب مشافره ) # حقة إذا حققت أن يكون في القبيل المعنوي وذلك أنه وإن كان عنى نفسه ~~بالجار فقد يجوز أن يقصد إلى وصف نفسه بنوع من سوء PageV01P027 الحال ~~ويعطيها صفة من صفات النقص ليزيد بذلك في التهكم بالزبرقان ويؤكد ما قصده ~~من رميه بإضاعة الضيف واطراحه وإسلامه للضر والبؤس ولبس ببعيد من هذه ~~الطريقة من ابتدأ شعرا في ذم نفسه ولم يرض في نفسه ولم يرض في وصف وجهه ~~بالتقبيح والتشويه إلا بالتصريح الصريح دون الإشارة والتنبيه # وأما قول مزرد # ( فما رقد الولدان حتى رأيته % على المكر يمريه بساق وحافر ) # فقد قالوا إنه أراد أن يقول بساق وقدم فلما لم تطاوعه القافية وضع الحافر ~~موضع القدم وهو وإن كان قد قال بعد هذا البيت ما يدل على قصده أن يحسن ~~القول في الضيف وتباعده من أن يكون قصد الزراية عليه أو يحول حول الهزء به ~~والاحتقار له وذلك قوله # ( فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا % بهذا المحيا من محي وزائر ) # فليس بالبعيد أن يكون فيه شوب مما مضى وان يكون الذي أفضى به إلى ذكر ~~الحافر قصده أن يصفه بسوء الحال في مسيره وتقاذف نواحي الأرض به وان يبالغ ~~في ذكره ms018 بشدة الحرص على تحريك بكرة واستفراغ مجهوده في نفسه ويؤنس بذلك أن ~~تنظر إلى قوله قبل PageV01P028 # ( وأشعث مسترخي العلابي طوحت % به الأرض من باد عريض وحاضر ) # ( فابصر ناري وهي شقراء أوقدت % بعلياء نشز للعيون النواظر ) # وبعده فما رقد الولدان فإذا جعله أشعث مسترخي العلابي فقد قربت المسافة ~~بينه وبين أن يجعل قدمه حافرا ليعطيه من الصلابة وشده الوقع على جنب البكر ~~حظا وافرا وهكذا قول الآخر # ( سأمنعها وسوف اجعل أمرها % إلى ملك أظلافه لم تشقق ) # هو في حد التشبيه والاستعارة لأن المعنى على أن الأظلاف لمن تزيى بالملك ~~عن مشابهة كأنه قال اجعل أمرها إلى ملك لا إلى عبد جاف متشقق الأظلاف ويدل ~~على ذلك أن أبا بكر بن دريد قال في أول الباب الذي وضعه للاستعارة يقولون ~~للرجل إذا عابوه جاءنا حافيا متشقق الأظلاف ثم انشد البيت فإذا كان من شروط ~~هذه الاستعارة أن يؤتى بها في موضع العيب والنقص فلا شك في أنها معنوية ~~وكذا قوله # ( وذات هدم عار نواشرها % تصمت بالماء تولبا جدعا ) # فأجرى التولب على ولد المرأة وهو لولد الحمار في الأصل وذلك لأنه يصف حال ~~ضر وبؤس ويذكر أمراه بائسة فقيرة والعادة في مثل ذلك الصفة بأوصاف البهائم ~~ليكون ابلغ في سوء الحالة وشدة الاختلال ومثله سواء قول الآخر PageV01P029 ~~( وذكرت أهلي بالعراق % وحاجة الشعث التوالب ) # كأنه قال الشعث التي لو رأيتها حسبتها توالب لما بها من الغبرة وبذاذة ~~الهيئة والجدع في البيت بالدال غير معجمة حكى شيخنا رحمه الله قال انشد ~~المفضل تصمت بالماء تولبا جذعا بالذال المعجمة فأنكره الأصمعي وقال إنما هو ~~تصمت بالماء تولبا جدعا وهو السيء الغذاء قال فجعل المفضل يصيح فقال ~~الأصمعي لو نفخت في الشبور ما نفعك تكلم بكلام الحكل واصب # وأما قول الأعرابي كيف الطلا وأمه فمن جنس المفيد أيضا لأنه أشار إلى شيء ~~من تشبيه المولود بولد الظبي ألا تراه قال بعد أن انصرف عن السخط إلى الرضي ~~وبعد أن سكن عنه فورة الجوع الذي دعاه إلى أن ms019 قال ما أصنع به آكله أم أشربه ~~حتى قالت المرأة غرثان فار بكوا له وأما قوله PageV01P030 # ( إذا اصبح الديك يدعو بعض أسرته % عند الصباح وهم قوم معازيل ) # فاستعارة القوم ههنا وإن كانت في الظاهر لا تفيد اكثر من معنى الجمع ~~فإنها مفيدة من حيث أراد أن يعطيها شبها مما يعقل على أن هذا إذا حققنا في ~~غير ما نحن فيه وبصدده في هذا الفصل وذلك انه لم يجتلب الاسم المخصوص ~~بالآدميين حتى قدم تتزيلها منزلتهم فقال هم فأتى بضمير من يعقل وإذا كان ~~الأمر كذلك كان القوم جاريا مجرى الحقيقة ونظيره أنك تقول أين الأسود ~~الضارية وأنت تعنى قوما من الشجعان فيلزم في الصفة حكم ما لا يعقل فتقول ~~الضارية ولا تقول الضارون البتة لأنك وضعت كلامك على انك كأنك تحدث عن ~~الأسود في الحقيقة وعلى هذه الطريقة ينبغي أن يجرى بيت المتنبي # ( زحل على أن الكواكب قومه % لو كان منك لكان أكرم معشرا ) # وإن لم يكن معنا اسم آخر سابق يثبت حكم ما يعقل للكواكب كالضمير في قوله ~~هم قوم وذلك أن ما يفصح به الحال من قصده أن يدعى للكواكب هذه المنزلة يجرى ~~مجرى التصريح بذلك ألا ترى انه لا يتضح وجه المدح فيه إلا بدعوى أحوال ~~الآدميين ومعارفهم للكواكب لأنه يفاضل بينه وبينها في الأوصاف العقلية ~~بدلالة قوله لكان اكرم معشرا ولن يتحصل ثبوت وصف شريف معقول لها ولا الكرم ~~على الوجه الذي يتعارف في الناس حتى تجعل كأنها تعقل وتميز ولو كانت ~~المفاضلة في النور والبهاء وعلو المحل ومشاكل PageV01P031 ذلك لكان لا يلزم ~~حينئذ ما ذكرت وحق القول في هذا القبيل أعنى ما يدعى فيه لما لا يعقل العقل ~~فصل يفرد به ولعله يجىء في موضعه بمشيئة الله وتوفيقه # | القول في الأستعاره المفيدة # اعلم أن الاستعارة في الحقيقة هي هذا الضرب دون الأول وهى أمد ميدانا ~~وأشد افتنانا وأكثر جريانا وأعجب حسنا وإحسانا وأوسع سعة وأبعد غورا وأذهب ~~نجدا في الصناعة وغورا من أن تجمع شعبها ms020 وشعوبها وتحصر فنونها وضروبها نعم ~~وأسحر سحرا وأملأ بكل ما يملأ صدرا ويمتع عقلا ويؤنس نفسا ويوفر انسا وأهدى ~~إلى أن تهدى إليك عذارى قد تخير لها الجمال وعنى بها الكمال وأن تخرج لك من ~~بحرها جواهر إن باهتها الجواهر مدت في الشرف والفصيلة باعا لا يقصر وأبدت ~~من الأوصاف الجليلة محاسن لا تنكر وردت تلك بصفرة الخجل ووكلتها إلى نسبتها ~~من الحجر وأن تثير من معدتها تبرا لم ترى مثله ثم تصوغ فيها صياغات تعطل ~~الحلى وتريك الحلى الحقيقي وان تأتيك على الجملة بعقائل يأنس إليها الدين ~~والدنيا وشرائف لها من الشرف الرتبة العليا وهى أجل من أن تأتى الصفة على ~~حقيقة حالها وتستوفي جملة جمالها # ومن الفضيلة الجامعة فيها أنها تبرز هذا البيان أبدا في صورة مستجدة ~~PageV01P032 تزيد قدره نبلا وتوجب له بعد الفضل فضلا وإنك لتجد اللفظة ~~الواحدة قد اكتسبت فيها فوائد حتى تراها مكررة في مواضع ولها في كل واحد من ~~تلك المواضع شأن مفرد وشرف منفرد وفضيلة مرموقة وخلابة مرموقة ومن خصائصها ~~التي تذكر بها وهى عنوان مناقبها أنها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من ~~اللفظ حتى تخرج من الصدفة الواحدة عدة من الدرر وتجنى من الغصن الواحد ~~أنواعا من الثمر وإذا تأملت أقسام الصنعة التي بها يكون الكلام في حد ~~البلاغة ومعها يستحق وصف البراعة وجدتها تفتقر إلى أن تعيرها حلاها وتقصر ~~عن أن تنازعها مداها وصادفتها نجوما هي بدرها وروضا هي زهرها وعرائس ما لم ~~تعرها حليها فهي عواطل وكواعب ما لم تحسنها فليس لها في الحسن حظ كامل فإنك ~~لترى بها الجماد حيا ناطقا والأعجم فصيحا والأجسام الخرس مبينة والمعاني ~~الخفية بادية جلية وإذا نظرت في أمر المقاييس وجدتها ولا ناصر لها أعز منها ~~ولا رونق لها ما لم تزنها وتجد التشبيهات على الجملة غير معجبة ما لم تكنها ~~إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل كأنها قد جسمت حتى ~~رأتها العيون وإن شئت لطفت الأوصاف الجسمانية حتى تعود ms021 روحانية لا تنالها ~~إلا الظنون وهذه إشارات وتلويحات في بدائعها وإنما ينجلي الغرض منها ويبين ~~إذا تكلم على التفاصيل وأفرد كل فن بالتمثيل وسترى ذلك إن شاء الله وإليه ~~الرغبة في أن نوفق للبلوغ إليه والتوفر عليه # وإذ قد عرفتك أن لها هذا المجال الفسيح والشأو البعيد فأني أضع لك فصلا ~~بعد فصل وأجتهد بقدر الطاقة في الكشف والبحث PageV01P033 # | فصل # وهذا فصل قسمتها فيه قسمة عامية ومعنى العامية أنك لا تجد في هذه ~~الاستعارة قسمة إلا أخص من هذه القسمة وأنها قسمة الاستعارة من حيث المعقول ~~المتعارف في طبقات الناس وأصناف اللغات وما تجد وتسمع أبدا نظيره من عوامهم ~~كما تسمع من خواصهم # أعلم أن كل لفظة دخلتها الاستعارة المفيدة فإنها لا تخلو من أن تكون اسما ~~أو فعلا فإذا كانت اسما فأنه يقع مستعارا على قسمين أحدهما أن تنقله عن ~~مسماه الأصلي إلى شىء آخر ثابت معلوم فتجريه عليه وتجعله متناولا له تناول ~~الصفة مثلا للموصوف وذلك قولك رأيت أسدا وأنت تعنى رجلا شجاعا ورنت لنا ~~ظبية وأنت تعنى أمرأة وأبديت نورا تعنى هدى وبيانا وحجة وما شاكل ذلك ~~فالاسم في هذا كله كما تراه متناولا شيئا معلوما يمكن أن ينص عليه فيقال ~~أنه عنى بالاسم وكنى به عنه ونقل عن مسماه الأصلي فجعل اسما له على سبيل ~~الاستعارة والمبالغة في التشبيه # والثاني أن يؤخذ الاسم عن حقيقته ويوضع موضعا لا يبين فيه شىء يشار إليه ~~فيقال هذا هو المراد بالاسم والذي استعير له وجعل خليفة لاسمه الأصلي ~~ونائبا منابه ومثاله قول لبيد # ( وغداة ريح قد كشفت وقرة % إذ أصبحت بيد الشمال زمامها ) # وذلك أنه جعل للشمال يدا ومعلوم أنه ليس هناك مشار إليه يمكن أن تجرى ~~اليد عليه كاجراء الأسد والسيف على الرجل في قولك انبرى لي أسد يزأر وسللت ~~سيفا على العدو لا يفل والظباء على النساء في قوله من الظباء الغيد والنور ~~على الهدى والبيان في قولك أبديت PageV01P034 # نورا ساطعا وكاجراء اليد نفسها على من يعز ms022 مكانه كقولك أتنازعنى في يد ~~بها أبطش وعين بها أبصر يريد إنسانا له حكم اليد وفعلها وغناؤها ودفعها ~~وخاصة العين وفائدتها وعزة موقعها ولطف موضعها لأن معك في هذا كله ذاتا ينص ~~عليها وترى مكانها في النفس إذا لم تجد ذكرها في اللفظ وليس لك شىء من ذلك ~~في بيت لبيد بل ليس أكثر من أن تخيل إلى نفسك أن الشمال في تصريف الغداة ~~على حكم طبيعتها كالمدبر المصرف لما زمامه بيده ومقادته في كفه وذلك كله لا ~~يتعدى التخيل والوهم والتقدير في النفس من غير أن يكون هناك شىء يحس وذات ~~تتحصل ولا سبيل لك إلى أن تقول كنى باليد عن كذا وأراد باليد هذا الشيء أو ~~جعل الشيء الفلاني يدا كما تقول كنى بالأسد عن زيد وعنى به زيدا وجعل زيدا ~~أسدا وإنما غايتك التي لا مطلع وراءها أن تقول أراد أن يثبت للشمال في ~~الغداة تصرفا كتصرف الإنسان في الشيء بقلبه فاستعار لها اليد حتى يبالغ في ~~تحقيق التشبيه وحكم الزمام في استعارته للغداة حكم اليد في استعارتها ~~للشمال إذ ليس هناك مشار إليه يكون الزمام كناية عنه ولكنه وفي المبالغة ~~شرطها من الطرفين فجعل على الغداة زماما يكون أتم في إثباتها مصرفة كما جعل ~~للشمال يدا ليكون أبلغ في تصييرها مصرفة ويفصل بين القسمين أنك إذا رجعت في ~~القسم الأول إلى التشبيه الذي هو المغزى من كل استعارة تفيد وجدته يأتيك ~~عفوا كقولك في رأيت أسدا رأيت رجلا كالأسد ورأيت مثل الأسد أو شبيها بالأسد ~~وإن رمته في القسم الثاني وجدته لا يواتيك تلك المواتاة إذ لا وجه لأن يقول ~~إذ أصبح شىء مثل اليد للشمال أو حصل شبيه باليد للشمال وإنما يتراءى لك ~~التشبيه بعد أن تخرق إليه سترا وتعمل تأملا PageV01P035 وفكرا وبعد أن تغير ~~الطريقة وتخرج عن الحد الأول كقولك إذ أصبحت الشمال ولها في قرة تأثيرها في ~~الغداة شبه المالك تصريف الشيء بيده وإجراؤه على موافقته وجذبه نحو الجهة ~~التي تقتضيها طبيعته وتنحوها ms023 إرادته فأنت كما ترى تجد الشبه المنزع ههنا ~~إذا رجعت إلى الحقيقة ووضعت الاسم المستعار في موضعه الأصلي لا يلقاك من ~~المستعار نفسه بل مما يضاف إليه ألا ترى انك لم ترد أن تجعل الشمال كاليد ~~ومشبهة باليد كما جعلت الرجل كالأسد ومشبها بالأسد ولكنك أردت أن تجعل ~~الشمال كذي اليد من الأحياء فأنت تجعل في هذا الضرب المستعار له وهو نحو ~~الشمال ذا شىء وغرضك أن تثبت له حكم من يكون له ذلك الشىء في فعل أو غيره ~~لا نفس ذلك الشىء فاعرفه # وهكذا قول زهير # ( وعرى أفراس الصبا ورواحله ) لا تستطيع أن تثبت ذواتا أو شبه الذوات ~~تتناولها الأفراس والرواحل في البيت على حد تناول الأسد الرجل الموصوف ~~بالشجاعة والبدر الموصوف بالحسن أو البهاء والسحاب المذكور بالسخاء ~~والسماحة والنور العلم والهدى والبيان وليس ألا انك أردت أن الصبا قد ترك ~~واهمل وفقد نزاع النفس اليه وبطل فصار كالأمر ينصرف عنه فتعطل الآته وتطرح ~~أداته وكالجهة من جهات المسير نحو الحج أو الغزو أو التجارة يقضى منها ~~الوطر فتحط عن الخيل التي كانت تركب إليها لبودها وتلقى عن الإبل التي كانت ~~تحمل لها قتودها وقد يجىء وإن كان كالتكلف أن تقول إن الأفراس عبارة ~~PageV01P036 عن دواعي النفوس وشهواتها وقواها في لذاتها أو الأسباب التي ~~تفتل في حبل الصبا وتنصر جانب الهوى وتلهب أريحيه النشاط وتحرك مرح الشباب ~~كما قال # ( ونعم مطيه الجهل الشباب ) وقال # ( كأن الشباب مطية الجهل ) وليس من حقك أن تتكلف هذا في كل موضع فانه ~~ربما خرج بك إلى ما يضر المعنى وينبو عنه طبع الشعر وقد يتعاطاه من يخالطه ~~شىء من طباع التعمق فتجد ما يفسد أكثر مما يصلح ولو انك تطلبت للمطية في ~~بيت الفرزدق # ( لعمري لئن قيدت نفسي لطالما % سعيت واوضعت المطية في الجهل ) # مثل هذا التأول تباعدت عن الصواب وعدلت عما يسبق إلى القلب وذلك أن ~~المعنى على قولك لطالما سعيت في الباطل وقديما كنت في الإسراع إلى الجهل ~~بصورة من يوضع ms024 المطية في سقرة وهذا الموضع يتجلى تمام التجلي إذا تكلم على ~~الفرق بين التشبيه والتمثيل وسيأتيك ذلك إن شاء الله تعالى وكذا قولهم هو ~~مرخى العنان وملقى الزمام لا وجه لأن تتوقع إلا وأن تجرى العنان عليه ~~ويتناوله المعنى على انتزاع الشبه من الفرس في حال ما يرخى عنانه وإن ينظر ~~إلى الصورة التي توجد من حاله تلك في العقل ثم يجاء بها فيعار لها الرجل ~~ويتصور بمقتضاها في النفس ويتمثل ولو قلت إن العنان ههنا بمعنى النهى وإن ~~المراد أن النهى قد أبعد عنه ونحو ذلك دخلت في ظاهر من التكلف وأتعبت نفسك ~~في غير جدوى وعادت زيادتك نقصانا وطلبك الإحسان إساءة # واعلم أن إغفال هذا الأصل الذي عرفتك من أن الاستعارة لا تكون على هذا ~~الوجه الثاني كما تكون على الأول مما يدعو إلى مثل هذا التعمق PageV01P037 ~~وانه نفسه قد يصير سببا إلى أن يقع قوم في التشبيه وذلك أنهم إذا وضعوا في ~~أنفسهم أن كل اسم يستعار فلا بد أن يكون هناك شىء يمكن الإشارة إليه ~~بتناوله في حال المجاز كما يتناول مسماة في حال الحقيقة ثم نظروا في مخرج ~~قوله تعالى ( ^ ولتصنع على عيني واصنع الفلك بأعيننا ) فلم يجدوا للفظه ~~العين ما يتناوله على حد تناول النور مثلا للهدى والبيان ارتبكوا في الشك ~~وحاموا حول الظاهر وحملوا أنفسهم على لزومه حتى يفضي بهم إلى الضلال البعيد ~~وارتكاب ما يقدح في التوحيد ونعوذ بالله من الخذلان # وطريقه أخرى في بيان الفرق بين القسمين وهو أن الشبه في القسم الأول الذي ~~هو نحو رأيت أسدا تريد رجلا شجاعا وصف موجود في الشيء الذي له استعرت واليد ~~ليست توصف بالشبه ولكنه صفة تكسبها اليد صاحبها وتحصل له بها وهي التصرف ~~على وجه مخصوص وكذا قولك أفراس الصبا ليس الشبه الذي استعرت له الأفراس ~~موجودا في الأفراس بل هو شبه يحصل لما يضاف إليه الأفراس حيث يراد الحقيقة ~~نحو قولنا عرى أفراس الغزو وأجمعت خيل الجهاد وذلك ما يوجبه الفعل ms025 الواقع ~~على الأفراس نحو إن وقوع الفعل الذي هو عرى على أفراس الغزو يوجب الإمساك ~~عن الغزو والترك له وعلى هذا القياس # وإذا تقرر أمر الاسم في كون استعارته على هذين القسمين فمن حقنا أن ننظر ~~في الفعل هل يحتمل هذا الانقسام والذي يجب العمل عليه أن الفعل لا يتصور ~~فيه أن يتناول ذات شيء كما يتصور في الاسم ولكن شأن الفعل أن يثبت المعنى ~~الذي اشتق منه للشيء في الزمان الذي تدل صيغته عليه فإذا قلت ضرب زيد أثبت ~~الضرب لزيد في زمان ماض وإذا PageV01P038 كان كذلك فإذا استعير الفعل لما ~~ليس له في الأصل فانه يثبت باستعارته له وصفا هو شبيه بالمعنى الذي ذلك ~~الفعل مشتق منه # بيان ذلك أن تقول نطقت الحال بكذا وأخبرتني اسارير وجهه بما في ضميره ~~وكلمتني عيناه بما يحوي قلبه فتجد في الحال وصفا هو شبيه بالنطق من الإنسان ~~وذلك أن الحال تدل على الأمر ويكون فيها امارات يعرف بها الشيء كما أن ~~النطق كذلك وكذلك العين فيها وصف شبيه بالكلام وهو دلالتها بالعلامات التي ~~تظهر فيها وفي نظرها وخواص أوصاف يتحدد بها ما في القلوب من الإنكار ~~والقبول ألا ترى إلى حديث الجمحي # حكى عن بعضهم قال أتيت الجمحي استشيره في امرأة أردت التزوج بها فقال ~~اقصيرة هي أم غير قصيرة قال فلم افهم ذلك فقال لي كأنك لم تفهم ما قلت إني ~~لأعرف في عين الرجل إذا عرف واعرف فيها إذا أنكر واعرف إذا لم يعرف ولم ~~ينكر أما إذا عرف فإنها تخاوص وإذا لم يعرف ولم ينكر فإنها تسجو وإذا أنكر ~~فإنها تجحظ أردت بقولي قصيره أي هي قصيره النسب تعرف بابيها أو جدها قال ~~الشيخ أبو الحسن وهذا من قول النسابة البكري لرؤبة بن العجاج لما آتاه فقال ~~له من أنت قال رؤبة بن العجاج فقال قصرت وعرفت # قال وعلى هذا المعنى قول رؤبة # ( قد رفع العجاج ذكرى فادعني % باسم إذا الأنساب طالت يكفني ) # وامر العين اظهر من أن ms026 تحتاج فيه إلى دليل ولكن إذا جرى الشيء في ~~PageV01P039 الكلام هو دعوى في الجملة كان الآنس للقارىء أن يقترن به ما هو ~~شاهد فيه فلم ير شيء احسن من إيصال دعوى ببرهان # وإذا كان أمر الفعل في الاستعارة على هذه الجملة رجع بنا التحقيق إلى أن ~~وصف الفعل بأنه مستعار حكم يرجع إلى مصدره الذي اشتق منه فإذا قلنا في ~~قولهم نطقت الحال أن نطق مستعار فالمعنى أن النطق مستعار وإذا كانت ~~الاستعارة تنصرف إلى المصدر كان الكلام فيه على ما مضى # ومما تجب مراعاته أن الفعل يكون استعارة مره من جهة فاعلة الذي رفع به ~~ومثاله ما مضى ويكون أخرى استعاره من جهة مفعولة وذلك نحو قول ابن المعتز # ( جمع الحق لنا في إمام % قتل البخل واحيا السماحا ) # فقتل واحيا إنما صارا مستعارين بان عديا إلى البخل والسماح ولو قال قتل ~~الأعداء واحيا لم يكن قتل استعارة بوجه ولم يكن احيا استعارة على هذا الوجه ~~وكذا قوله # ( واقرى الهموم الطارقات حزامة % ) # هو استعارة من جهة المفعولين جميعا فأما من جهة الفاعل فهو محتمل للحقيقة ~~وذلك أن تقول اقرى الاضياف النازلين اللحم العبيط ومثله قوله قرى الهم إذ ~~ضاف الزماع وقد يكون الذي يعطيه حكم الاستعارة أحد المفعولين دون الآخر ~~كقوله # ( نقريهم لهذميات نقد بها % ما كان خاط عليهم كل زراد ) PageV01P040 # | فصل # اعلم أن الاستعارة كما علمت تعتمد التشبيه ابدا وقد قلت أن طرقة تختلف ~~ووعدتك الكلام فيه وهذا الفصل يعطى بعض القول في ذلك بإذن الله تعالى وأنا ~~أريد أن أدرجها من الضعف إلى القوة وأبدا في تنزيلها ثم بما يزيد في ~~الارتفاع لأن التقسيم إذا ارتفع في خارج من الأصل فالواجب أن يبدأ بما كان ~~أقل خروجا منه وادنى مدى في مفارقته وإذا كان الأمر كذلك فالذي يستحق بحكم ~~هذه الجملة أن يكون أولا من ضروب الاستعارة أن يرى معنى الكلمة المستعارة ~~موجودا في المستعار له من حيث عموم جنسه على الحقيقة إلا أن لذلك الجنس ~~خصائص ومراتب ms027 في الفضيلة والنقص والقوة والضعف فأنت تستعير لفظ الأفضل لما ~~هو دونه ومثاله استعارة الطيران لغير ذي الجناح إذا أردت السرعة وانقضاض ~~الكواكب للفرس إذا أسرع في حركته من علو والسباحة له إذا عدا عدوا كان حاله ~~فيه شبيها بحالة السابح في الماء ومعلوم أن الطيران والانقضاض والسباحة ~~والعدو كلها جنس واحد من حيث الحركة على الإطلاق إلا انهم نظروا إلى خصائص ~~الأجسام في حركتها فافردوا حركة كل نوع منها باسم ثم انهم إذا وجدوا في ~~الشئ في بعض الأحوال شبها من حركة غير جنسه استعاروا له العبارة من ذلك ~~الجنس فقالوا في غير ذي الجناح طار كقوله # ( وطرت بمنصلى في يعملات % ) PageV01P041 # وكما جاء في الخبر كلما سمع هيعة طار إليها وكما قال # ( لو يشا طار به ذو ميعة % لاحق الآطال نهد ذو خصل ) # ومن ذلك أن فاض موضوع لحركة الماء على وجه مخصوص وذلك أن يفارق مكانه ~~دفعه فينبسط ثم انه استعير للفجر كقوله # ( كالفجر فاض على نجوم الغيهب % ) # لأن للفجر انبساطا وحالة شبيهة بانبساط الماء وحركته في فيضه # فأما استعارة فاض بمعنى الجود فنوع آخر غير ما هو المقصود ههنا لأن القصد ~~الآن إلى المستعار الذي توجد حقيقة معناه من حيث الجنس في المستعار له ~~وكذلك قول أبي تمام # ( وقد نثرتهم روعة ثم احدقوا % به مثلما ألفت عقدا منظما ) # وقول المتنبي # ( نثرتهم فوق الاحيدب نثرة % كما نثرت فوق العروس الدراهم ) # استعارة لأن النثر في الأصل للأجسام الصغار كالدراهم والدنانير والجواهر ~~والحبوب ونحوها لان لها هيئة مخصوصة في التفرق لا تأنى في الأجسام الكبار ~~ولآن القصد بالنثر أن تجتمع أشياء في كف أو وعاء ثم يقع فعل تتفرق معه دفعه ~~واحدة والأجسام الكبار لا يكون فيها ذلك لكنه لما اتفق في الحرب تساقط ~~المنهزمين على غير ترتيب ونظام كما يكون PageV01P042 في الشيء المنثور عبر ~~عنه بالنثر ونسب ذلك إلى الممدوح إذ كان هو سبب ذلك الانتثار فالتفرق الذي ~~هو حقيقة النثر من حيث جنس المعنى وعمومه موجود في المستعار ms028 له بلا شبهة ~~ويبينه أن النظم في الأصل لجمع الجواهر وما كان مثلها في السلوك ثم لما حصل ~~في الشخصين من الرجال أن يجمعهما الحاذق المبدع في الطعن في رمح واحد ذلك ~~الضرب من الجمع عبر عنه بالنظم كقولهم انتظمهما برمحه وكقوله # ( قالوا أينظم فارسين بطعنة % ) # وكان ذلك استعارة لان اللفظة وقعت في الأصل لما يجمع في السلوك من الحبوب ~~والأجسام الصغار إذ كانت تلك الهيئة في الجمع تخصها في الغالب وكان حصولها ~~في أشخاص الرجال من النادر الذي لا يكاد يقع وإلا فلو فرضنا أن يكثر وجوده ~~في الأشخاص الكبيرة لكان لفظ النظم أصلا وحقيقة فيها كما يكون حقيقه في نحو ~~الحبوب وهذا النحو لشدة الشبه فيه يكاد يلحق بالحقيقة ومن هذا الحد قوله # ( وفي يدك السيف الذي امتنعت به % صفاة الهدى من أن ترق فتخرقا ) وذلك أن ~~أصل الخرق أن يكون في الثوب وهو في الصفاة استعارة لأنه لما قال ترق قربت ~~حالها من حال الثوب وعلى ذلك فإنا نعلم أن الشق والصدع حقيقة في الصفاة ~~ونعلم أن الخرق يجامعها في الجنس لأن الكل تفريق وقطع ولو لم يكن الخرق ~~والشق واحدا لما قلت شققت الثوب والشق عيب في الثوب وتشقق الثوب قول من لا ~~يستعير ولكن لو قلت خرق الحشمة لم يكن من الحقيقة في شىء وكان خارجا من هذا ~~الفن الذي PageV01P043 نحن فيه لأنه ليس هناك شق ولو جاء شق الحشمة أو صدع ~~مثلا كان كذلك أعني لا يكون له أصل في الحقيقة ولا شبه بها # ومن هذا الضرب قوله تعالى ( ^ ومزقناهم كل ممزق ) يعد استعارة من حيث إن ~~التمزيق للثوب في أصل اللغة إلا أنه على ذلك راجع إلى الحقيقة من حيث إنه ~~تفريق على كل حال ولبس يحسن غيره إلا أنهم خصوا ما كان مثل الثوب بالتمزيق ~~كما خصوه بالخرق وإلا فأنت تعلم أن تمزيق الثوب تفريق بعضه من بعض ومثله أن ~~القطع إذا أطلق فهو لإزالة الأنصال من الأجسام التي تلتزق أجزاؤها وإذا ms029 جاء ~~في تفريق الجماعة وإبعاد بعضهم من بعض كقوله تعالى ( ^ وقطعناهم في الأرض ~~أمما ) كان شبه الاستعارة وإن كان المعنى في الموضعين على إزالة الاجتماع ~~ونفيه فإن قلت قطع عليه كلامه أو قلت تقطع الوقت بكذا كان نوعا آخر # ومن الاستعارة القريبة من الحقيقة قولهم أثرى فلان من المجد وأفلس من ~~المروءة وكقوله # ( إن كان أغناها السلو فإننى % أمسيت من كبدي ومنها معدما ) # وذلك أن حقيقة الإثراء من الشيء كثرته عندك ووصف الرجل بأنه كثير المجد ~~أو قليل المروءة كوصفه بأنه كثير العلم أو قليل المعرفة في كونه حقيقة ~~وكذلك إذا قلت أثرى من الشوق أو الوجد أو الحزن كما قال # ( وفي الركاب حريب % من الغرام ومثرى ) # فهو كقولك كثر شوقه وحزنه وغرامه وإذا كان كذلك فهو في أنه نقل إلى شىء ~~جنسه جنس الذي هو حقيقة فيه بمنزلة طار أو طر PageV01P044 أمرا منه وكذا ~~معنى أعدم من المال انه خلا منه وأن المال يزول عنه فإذا أخبر أن كبده قد ~~ذهبت عنه فهو في حقيقة من ذهب ماله وعدمه والعدم في المال وفي غير المال ~~بمنزلة واحدة لا تتغير له فائدة والمعدم موضوع لمن عدم ما يحتاج إليه ~~فالكبد مما يحتاج إليه وكذلك المحبوبة فإنما تقع هذه العبارة في نفسك موقع ~~الغريب من حيث إن العرف جرى في الإعدام بأن يطلق على من عدم ما جنسه جنس ~~المال ويؤنسك بما قلت انك لو قلت عدم كبده لم يكن مجازا ولم تجد بينه وبين ~~خلا من كبده وزالت عنه كبده كبير فرق ألا تراك تقول الفرس عادم للطحال تريد ~~ليس له طحال وهذا كلام لا استعارة فيه كما أنك لو قلت الطحال معدوم في ~~الفرس كان كذلك # ومن اللائق بهذا الباب البين أمره ما أنشده أبو العباس في الكامل من قول ~~الشاعر # ( لم تلق قوما هم شر لإخوتهم % منا عشية يجرى بالدم الوادي ) # ( نقريهم لهذميات نقد بها % ما كان خاط عليهم كل زراد ) # قال لأن الخياطة تضم خرق القميص والزراد ms030 يضم حلق الدرع أفلا تراه بين أن ~~جنسهما واحد وأن كلا منهما ضم ووصل وإنما يقع الفرق PageV01P045 # من حيث إن الخياطة ضم أطراف الخرق بخيط يسلك فيها على الوجه المعلوم ~~والزرد ضم حلق الدرع بمداخلة توجد بينها إلا أن الشكاك الذي يلزم أحد طرفي ~~الحلقة الآخر بدخوله في ثقبتيهما في صورة الخيط الذي يذهب في منافذ الإبرة ~~واستقصاء القول في هذا الضرب والبحث عن أسراره لا يمكن إلا بعد أن تقرر ~~الضروب المخالفة له من الاستعارة فاقتصر منه على القدر المذكور وأعود إلى ~~القسمة # ضرب ثان يشبه هذا الضرب الذي مضى وإن لم يكن إياه وذلك أن يكون الشبه ~~مأخوذا من صفة هي موجودة في كل واحد من المستعار له والمستعار منه على ~~الحقيقة وذلك قولك رأيت شمسا تريد إنسانا يتهلل وجهه كالشمس فهذا له شبه ~~باستعارة طار لغير ذي الجناح وذلك أن الشبه مراعى في التلألؤ وهو كما يعلم ~~موجود في نفس الإنسان المتهلل لأن رونق الوجه الحسن من حس البصر مجانس لضوء ~~الأجسام النيرة وكذلك إذا قلت رأيت أسدا تريد رجلا فالوصف الجامع بينهما هو ~~الشجاعة وهى على حقيقتها موجودة في الإنسان وإنما يقع الفرق بينه وبين ~~السبع الذي استعرت اسمه له فيها من جهة القوة والضعف والزيادة والنقصان ~~وربما ادعى لبعض الكماة والبهم مساواة الأسد في PageV01P046 # حقيقة الشجاعة التي عمود صورتها انتفاء المخافة عن القلب حتى لا تخامره ~~وتفرق خواطره وتحلل عزيمته في الأقدام على الذي يباطشه ويريد قهره وربما كف ~~الشجاع عن الإقدام على العدو لا لخوف يملك قلبه ويسلبه قواه ولكن كما يكف ~~المنهي عن الفعل لا تخونه في تعاطيه قوة وذلك أن العاقل من حيث الشرع منهي ~~عن أن يهلك نفسه ألا ترى أن البطل الكمي إذا عدم سلاحا يقاتل به فلم ينهض ~~إلى العدو كان فاقدا شجاعته وبأسه ومتبرئا من النجدة التي يعرف بها # ثم إن الفرق بين هذا الضرب وبين الأول أن الاشتراك ههنا في صفة توجد في ~~جنسين مختلفين مثل أن ms031 جنس الإنسان غير جنس الشمس وكذلك جنسه غير جنس الأسد ~~وليس كذلك الطيران وجرى الفرس فإنهما جنس واحد بلا شبه وكلاهما مرور وقطع ~~للمسافة وإنما يقع الاختلاف بالسرعة وحقيقة السرعة قلة تخلل السكون للحركات ~~وذلك لا يوجب اختلافا في الجنس فإن قلت فإذن لا فرق بين استعارة طار للفرس ~~PageV01P047 # وبين استعارة الشفة للفرس فهلا عددت هذا في القسم اللفظي غير المفيد ثم ~~إنك إن اعتذرت بأن في طار خصوص وصف ليس في عدا وجرى فكذلك في الشفة خصوص ~~وصف ليس في الجحفلة فالجواب أنى لم أعده في ذلك القسم لأجل أن خصوص الوصف ~~الكائن في طار يراعى في استعارته للفرس ألا تراك لا تقوله في كل حال بل في ~~حال مخصوصة وكذا السباحة لأنك لا تستعيرها للفرس في كل أحوال جريه نعم ~~وتأبى أن تعطيها كل فرس فالقطوف البليد لا يوصف بأنه سابح وأما استعارة اسم ~~لعضو نحو الشفة والأنف فلم يراع فيه خصوص الوصف ألا ترى أن العجاج لم يرد ~~بقوله ومرسنا مسرجا أن يشبه أنف المرأة بأنف نوع من الحيوان لأن هذا العضو ~~من غير الإنسان لا يوصف بالحسن كما يكون ذلك في العين والجيد وهكذا استعارة ~~الفرسن للشاة في قول عائشة رضى الله عنها ولو فرسن شاة وهو للبعير في الأصل ~~ليس PageV01P048 لان يشبه هذا العضو من الشاة به من البعير كيف ولا شبه ~~هناك وليس إذن في مجىء الفرسن بدل الظلف أمر أكثر من العضو نفسه # ضرب ثالث وهو الصميم الخالص من الاستعارة وحده أن يكون الشبه مأخوذا من ~~الصور العقلية وذلك كاستعارة النور للبيان والحجة الكاشفة عن الحق المزيلة ~~للشك النافية للريب كما جاء في التنزيل من نحو قوله عز وجل ( ^ واتبعوا ~~النور الذي أنزل معه ) وكاستعارة الصراط للدين في قوله تعالى ( ^ اهدنا ~~الصراط المستقيم وانك لتهدى إلى صراط مستقيم ) فأنت لا تشك في أنه ليس بين ~~النور والحجة ما بين طيران الطائر وجرى الفرس من الاشتراك في عموم الجنس ~~لان النور صفة من صفات ms032 الأجسام محسوسة والحجة كلام وكذا ليس بينهما ما بين ~~الرجل والأسد من الاشتراك في طبيعة معلومة تكون في الحيوان كالشجاعة فليس ~~الشبه الحاصل من النور في البيان والحجة ونحوهما إلا أن القلب إذا وردت ~~عليه الحجة صار في حالة شبيهة بحال البصر إذا صادف النور ووجهت طلائعه نحوه ~~وجال في معارفه وانتشر وانبث في المسافة PageV01P049 التي يسافر طرف ~~الإنسان فيها وهذا كما تعلم شبه لست تحصل منه على جنس ولا على طبيعة وغريزة ~~ولا على هيئة وصورة تدخل في الخلقة وإنما هو صورة عقلية # واعلم أن هذا الضرب هو المنزلة التي تبلغ عندها الاستعارة غاية شرفها ~~ويتسع لها كيف شاءت المجال في تفننها وتصرفها وههنا تخلص لطيفة روحانية فلا ~~يبصرها إلا ذوو الأذهان الصافية والعقول النافذة والطباع السليمة والنفوس ~~المستعدة لان تعي الحكمة وتعرف فصل الخطاب ولها ههنا أساليب كثيرة ومسالك ~~دقيقة مختلفة والقول الذي يجرى مجرى القانون والقسمة يغمض فيها إلا أن ما ~~يجب أن تعلم في معنى التقسيم لها أنها على أصول # أحدها إن يؤخذ الشبه من الأشياء المشاهدة والمدركة بالحواس على الجملة ~~للمعاني المعقولة والثاني أن يؤخذ الشبه من الأشياء المحسوسة لمثلها إلا أن ~~الشبه مع ذلك عقلي والأصل الثالث أن يؤخذ الشبه من المعقول للمعقول فمثال ~~ما يجرى على الأصل الأول ما ذكرت لك من استعارة النور للبيان والحجة فهذا ~~شبه أخذ من محسوس لمعقول ألا ترى أن النور مشاهد محسوس بالبصر والبيان ~~والحجة مما يؤديه إليك العقل من غير واسطة من العين أو غيرها من الحواس ~~وذلك أن الشبه ينصرف إلى المفهوم من الحروف والأصوات ومدلول الألفاظ هو ~~الذي ينور القلب لا الألفاظ هذا والنور يستعار للعلم نفسه أيضا والإيمان ~~PageV01P050 وكذلك حكم الظلمة إذا استعيرت للشبهة والجهل والكفر لأنه لا ~~شبهة في أن الشبهة والشكوك من المعقول ووجه التشبيه أن القلب يحصل بالشبهة ~~والجهل في صفة البصر إذا قيده دجى الليل فلم يجد منصرفا وان استعيرت ~~للضلالة والكفر فلأن صاحبهما كمن يسعى في الظلمة فيذهب ms033 في غير الطريق وربما ~~دفع إلى هلك وتردى في اهوية ومن ذلك استعارة القسطاس للعدل ونحو ذلك من ~~المعاني المعقولة التي تعطى غيرها صفة الاستقامة والسداد كما استعارة ~~الجاحظ في فصل يذكر فيه علم الكلام فقال وهو العيار على كل صناعة والزمام ~~على كل عبارة والقسطاس الذي به يستبان نقصان كل شىء ورجحانه والراووق الذي ~~به يعرف صفاء كل شىء وكدره وهكذا إذا قيل في النحو انه ميزان الكلام ~~ومعياره فهو اخذ شبه من شىء هو جسم يحس ويشاهد لمعنى يعلم ويعقل ولا يدخل ~~في الحاسة وذلك اظهر وابين من أن يحتاج فيه إلى فضل بيان وأما تفننه وسعته ~~وتصرفه من مرضى ومسخوط ومقبول ومرذول فحق الكلام فيه بعد أن يقع الفراغ من ~~تقرير الأصول # ومثال الأصل الثاني وهو أخذ الشبه من المحسوس للمحسوس ثم الشبه عقلي قول ~~النبي إياكم وخضراء الدمن الشبه مأخوذ للمرأة PageV01P051 من النبات كما لا ~~يخفي وكلاهما جسم إلا أنه لم يقصد بالتشبيه لون النبات وخضرته ولا طعمه ولا ~~رائحته ولا شكله وصورته ولا ما شاكل ذلك ولا ما يسمى طبعا كالحرارة ~~والبرودة المنسوبتين في العادة إلى العقاقير وغيرها مما يسخن بدن الحيوان ~~ويبرد بحصوله فيه ولا شىء من هذا الباب بل القصد شبه عقلي بين المرأة ~~الحسناء في المنبت السوء وبين تلك النابتة على الدمنة وهو حسن الظاهر في ~~رأى العين مع فساد الباطن وطيب الفرع مع خبث الأصل كما أنهم إذا قالوا # ( هو عسل إذا ياسرته % وإن عاسرته فهو صاب ) كما قال # ( عسل الأخلاق ما ياسرته % فإذا عاسرت ذقت السلعا ) # فالتشبيه عقلي إذ ليس الغرض الحلاوة والمرارة اللتين تصفهما لك المذاقة ~~ويحسهما الفم واللسان وإنما المعنى انك تجد منه في حالة الرضى والموافقة ما ~~يملؤك سرورا وبهجة حسب ما يجد ذائق العسل من لذة الحلاوة ويهجم عليك في ~~حالة السخط والإباء ما يشدد كراهتك ويكسبك كربا ويجعلك في حال من يذوق المر ~~الشديد المرارة وهذا أظهر من أن يخفي # ومن هذا الأصل استعارة الشمس ms034 للرجل تصفه بالنباهة والرفعة والشرف والشهرة ~~وما شاكل ذلك من الأوصاف العقلية المحضة التي لا تلابسها إلا بغريزة العقل ~~ولا تعلقها إلا بنظر القلب # ويظهر من ههنا اصل آخر وهو أن اللفظة الواحدة تستعار على PageV01P052 ~~طريقين مختلفين ويذهب بها في القياس والتشبيه مذهبين أحدهما يفضى إلى ما ~~تناله العيون والآخر يومىء إلى ما تمثله الظنون ومثال ذلك قولك نجوم الهدى ~~تعنى أصحاب رسول الله ورضى الله عنهم فانه استعارة توجب شبها عقليا لأن ~~المعنى أن الخلق بعد رسول الله اهتدوا بهم في الدين كما يهتدي السارون ~~بالنجوم وهذا الشبه باق لهم إلى يوم القيامة فبالرجوع إلى علومهم وآثارهم ~~وفعالهم وهديهم تنال النجاة من الضلالة ومن لم يطلب الهدى من جهتهم فقد حرم ~~الهدى ووقع في الضلال كما أن من لم ينظر إلى النجوم في ظلام الليل ولم يتلق ~~دلالتها على المسالك التي تفضي إلى العمارة ومعادن السلامة وخالفها وقع في ~~غير الطريق # وصار بتركه الاهتداء بها إلى الضلال البعيد والهلك المبيد فالقياس على ~~النجوم في هذا ليس على حد تشبيه المصابيح بالنجوم أو النيران في الأماكن ~~المتفرقة لأن الشبه هناك من حيث الحس والمشاهدة لأن القصد إلى نفس الضوء ~~واللمعان والشبه ههنا من حيث العقل لأن القصد إلى مقتضى ضوء النجوم وحكمه ~~وعائدته ثم ما فيها من الدلالة على المنهاج والأمن من الزيغ عنه والاعوجاج ~~والوصول بهذه الجملة منها إلى دار القرار ومحل الكرامة نسأل الله تعالى أن ~~يرزقنا ذلك ويديم توفيقنا للزوم ذلك الاهتداء والتصرف في هذا الضياء إنه عز ~~وجل ولى ذلك والقادر عليه # ومما لا يكون الشبه فيه إلا عقليا قولنا في أصحاب رسول الله ملح الألنام ~~وهو مأخوذ من قوله عليه السلام مثل أصحابي كمثل الملح في الطعام لا يصلح ~~الطعام إلا بالملح قالوا فكان PageV01P053 الحسن رحمة الله عليه يقول فقد ~~ذهب ملحنا فكيف نصنع فأنت تعلم أن لا وجه ههنا للتشبيه إلا من طريق الصورة ~~العقلية وهو أن الناس يصلحون بهم كما يصلح الطعام بالملح ms035 والشبه بين صلاح ~~العامة بالخاصة وبين صلاح الطعام بالملح لا يتصور أن يكون محسوسا وينطوي ~~هذا التشبيه على وجوب موالاة الصحابة رضى الله عنهم وان تمزج محبتهم ~~بالقلوب والأرواح كما يمزج الملح بالطعام فباتحاده به ومداخلته لأجزائه ~~يطيب طعمه وتذهب عنه وخامته ويصير نافعا مغذيا كذلك بمحبة الصحابة رضى الله ~~عنهم تصلح الاعتقادات وتنتفي عنها الأوصاف المذمومة وتطيب وتغذو القلوب ~~وتنمى حياتها وتحفظ صحتها وسلامتها وتقيها الزيغ والضلال والشك والشبهة ~~والحيرة وأما حكمة في حال القلب من حيث العقل فحكم الفساد الذي يعرض لمزاج ~~البدن من أكل الطعام الذي لم يصلح بالملح ولم تنتف عنه المضار التي من شأن ~~الملح أن يزيلها وعلى ذلك جاء في صفتهم أن حبهم إيمان وبغضهم نفاق هذا ولا ~~معنى لصلاح الرجل بالرجل إلا صلاح نيته واعتقاده ومحال أن تصلح نيتك ~~واعتقادك بصاحبك وأنت لا تراه معدن الخير ومعانه وموضع الرشد ومكانه ومن ~~علمته كذلك مازجتك محبته لا محالة وسيط وده بلحمك ودمك وهل تحصل من المحبة ~~إلا على الطاعة والموافقة في الإرادة والاعتقاد وقياسه قياس الممازجة بين ~~الأجسام ألا تراك تقول PageV01P054 فلان قريب من قلبي تريد الوفاق والمحبة ~~وعلى هذه الطريقة جرى تمثيلهم النحو بالملح في قولهم النحو في الكلام ~~كالملح في الطعام إذ المعنى أن الكلام لا يستقيم ولا تحصل منافعه التي هي ~~الدلالات على المقاصد إلا بمراعاة أحكام النحو فيه من الإعراب والترتيب ~~الخاص كما لا يجدي الطعام ولا تحصل المنفعة المطلوبة منه وهي التغذية ما لم ~~يصلح بالملح # فأما ما يتخيلونه من أن معنى ذلك أن القليل من النحو يغنى وان الكثير منه ~~يفسد الكلام كما يفسد الملح الطعام إذا كثر فيه فتحريف وقول بما لا يتحصل ~~على البحث وذلك انه لا تتصور الزيادة والنقصان في جريان أحكام النحو في ~~الكلام ألا ترى انه إذا كان من حكمه في قولنا كان زيد ذاهبا أن يرفع الإسم ~~وينصب الخبر لم يخل هذا الحكم من أن يوجد أولا يوجد فإن وجد فقد حصل ms036 النحو ~~في الكلام وعدل مزاجه به ونفى عنه الفساد وأن يكون كالطعام الذي لا يغذو ~~البدن وإن لم يوجد فيه فهو فاسد كائن بمنزلة طعام لم يصلح بالملح فسامعه لا ~~ينتفع به بل يستضر لوقوعه في عمياء وهجوم الوحشة عليه كما يوجبه الكلام ~~الفاسد العاري من الفائدة وليس بين هاتين المنزلتين واسطة يكون استعمال ~~النحو فيها مذموما وهكذا القول في كل كلام وذلك أن إصلاح الكلام الأول ~~بإجرائه على حكم النحو لا يغنى عنه في الكلام الثاني والثالث حتى يتوهم أن ~~حصول النحو في جملة واحدة من قصيدة أو رسالة يصلح سائر الجمل وحتى يكون ~~أفراد كل جملة بحكمها منه تكريرا له وتكثيرا لأجزائه فيكون مثله مثل زيادة ~~أجزاء الملح على قدر الكفاية وكذلك لا يتصور PageV01P055 في قولنا كان زيد ~~منطلقا أن يتكرر هذا الحكم ويتكثر على هذا الكلام فيصير النحو كذلك موصوفا ~~بان له كثيرا هو مذموم وأن المحمود منه القليل وإنما وزانه في الكلام وزان ~~وقوف لسان الميزان حتى ينبىء عن مساواة ما في إحدى الكفتين الأخرى فكما لا ~~يتصور في تلك الصفة زيادة ونقصان حتى يكون كثيرها مذموما وقليلها محمودا ~~كذلك الحكم في الصفة التي تحصل للكلام بإجرائه على حكم النحو ووزنه بميزانه ~~فقول أبي بكر الخوارزمي والبغض عندي كثرة الإعراب كلام لا نحصل منه عل طائل ~~لأن الإعراب لا يقع فيه قلة وكثرة إن اعتبرنا الكلام الواحد والجملة ~~الواحدة وإن اعتبرنا الجمل الكثيرة وجعلنا إعراب هذه الجملة مضموما إلى ~~إعراب تلك فهي الكثرة التي لا بد منها ولا صلاح مع تركها والخليق بالبغض من ~~ذمها وإن كان أراد نحو قول الفرزدق # ( وما مثله في الناس إلا مملكا % أبو أمة حي أبوه يقاربه ) # وما كان من الكلام معقدا موضوعا على التأويلات المتكلفة فليس ذلك بكثرة ~~وزيادة في الإعراب بل هو بأن يكون نقصا له ونقصا أولى لأن الإعراب هو أن ~~يعرب المتكلم عما في نفسه ويبينه ويوضح الغرض ويكشف اللبس والواضع كلامه ~~على المجازفة في التقديم والتأخير ms037 زائل عن الإعراب زائغ عن الصواب متعرض ~~للتلبيس والتعمية فكيف يكون ذلك كثرة في الإعراب إنما هو كثرة عناء على من ~~رام أن يرده إلى الإعراب لا لكثرة الإعراب وهذا هو كالاعتراض على طريق شجون ~~الحديث ويحتاج إليه في اصل كبير وهو أن من حق العاقل أن لا يتعدى ~~PageV01P056 بالتشبيه الجهة المقصودة ولا سيما في العقليات وارجع إلى النسق # مثال الأصل الثالث وهو أخذ الشبه من المعقول للمعقول أول ذلك وأعمه تشبيه ~~الوجود من الشىء مرة بالعدم والعدم مرة بالوجود أما الأول فعلى معنى أنه ~~لما قل في المعاني التي بها يظهر للشىء قدر ويصير له ذكر صار وجوده كلا ~~وجود وأما الثاني فعلى معنى أن الفاعل كان موجودا ثم فقد وعدم إلا أنه لما ~~خلف آثارا جميلة تحيى ذكره وتديم في الناس اسمه صار لذلك كأنه لم يعدم وأما ~~ما عداهما من الأوصاف فيجىء فيها طريقان أحدهما هذا وذلك في كل موضع كان ~~موضوع التشبيه فيه على ترك الاعتداد بالصفة وإن كانت موجودة لخلوها مما هو ~~ثمرتها والمقصود منها والذي إذا خلت منه لم تستحق الشرف والفضل # تفسير هذا انك وصفت الجاهل بأنه ميت وجعلت الجهل كأنه موت على معنى أن ~~فائدة الحياة والمقصود منها هو العلم والإحساس فمتى عدمهما الحي فكأنه قد ~~خرج عن حكم الحي ولذلك جعل النوم موتا إذ كان النائم لا يشعر بما بحضرته ~~كما لا يشعر الميت # والدرجة الأولى في هذا أن يقال فلان لا يعقل وهو بهيمة وحمار وما أشبه ~~ذلك مما تحطه عن معاني المعرفة الشريفة ثم أن يقال فلان لا يعلم ولا يفقه ~~ولا يحس فينفي عنه العلم والإحساس جملة لضعف أمره فيه وغلبة PageV01P057 ~~الجهل عليه ثم تجعل التعريض تصريحا فيقال هو ميت خارج من الحياة وهو جماد ~~توكيدا وتناهيا في إبعاده عن العلم والمعرفة وتشددا في الحكم بان لا مطمع ~~في انحسار غياية الجهل عنه وإفاقته مما به من سكرة الغي والغفلة وان يؤثر ~~فيه الوعظ والتنبيه # ثم لما كان ms038 هذا مستقرى في العادة أعنى جعل الجاهل ميتا خرج منه أن يكون ~~المستحق لصفة الحياة هو العالم المتيقظ لوجه الرشد ثم لما لم يكن علم أشرف ~~وأعلى من العلم بوحدانية الله تعالى وبما نزله على النبي جعل من حصل له ~~العلم بعد أن لم يكن كأنه إنما وجد الحياة وصارت صفة له مع وجود نور ~~الإيمان في قلبه وجعل حالته السابقة التي خلا فيها من الإيمان كحالة الموت ~~التي تعدم معه الحياة وذلك قوله تعالى ( ^ أو من كان ميتا فأحييناه ) ~~وأشباه ذلك # ومن هذا الباب قولهم فلان حي القلب يريدون أنه ثاقب الفهم جيد النظر ~~مستعد لتمييز الحق من الباطل فيما يرد عليه بعيد من الغفلة التي كالموت ~~ويذهبون به في وجه آخر وهو انه حرك نافذ في الأمور غير بطىء النهوض وذلك أن ~~هذه الأوصاف من أمارات الصحة واعتدال المزاج وتوقد نار الحياة وهذا يصلح في ~~الإنسان والبهائم لأنه تعريض بالقدرة والقوة والمذهب الأول إشارة إلى العلم ~~والعقل وكلتا الصفتين أعنى القدرة والعلم مما يشرف به الحي ومما يضاده ~~الموت وينافيه ولما كان الأمر كذلك صار إطلاق الحياة مرة عبارة عن العلم ~~وأخرى عن القدرة وإطلاق الموت PageV01P058 إشارة إلى عدم القدرة وضعفها ~~تارة وإلى عدم العلم وضعفه أخرى # والقول الجامع في هذا أن تنزيل الوجود منزلة العدم إذا أريد المبالغة في ~~حط الشىء والوضع منه وخروجه عن أن يعتد به كقولهم هو والعدم سواء معروف ~~متمكن في العادات وربما دعاهم الإيغال وحب السرف إلى أن يطلبوا بعد العدم ~~منزلة هي أدون منه حتى يقعوا في ضرب من التهوس كقول أبي تمام # ( وأنت انزر من لا شىء في العدد % ) # وقول ابن نباته # ( ما زلت اعطف أيامي فتمنحني % نيلا أدق من المعدوم في العدم ) # ويتفرع على هذا إثبات الفضيلة للمذكور بإثبات اسم الشىء له ويكون ذلك على ~~وجهين أحدهما أن يريد المدح واثبات المزية والفضل على غاية المبالغة حتى لا ~~يحصل عليه مزيدا فإذا أردت ذلك جعلت الإثبات كأنه مقصور عليه ms039 لا يشارك فيه ~~وذلك قولك هذا هو الشىء وما عداه فليس PageV01P059 # بشىء أي أن ما عداه إذا قيس إليه صغر وحقر حتى لا يدخل في اعتداد وحتى ~~يكون وجدانه كفقدانه فقد نزلت الوجود فيمن عدا المذكور منزلة العدم وأما أن ~~يكون التفضيل على توسط ويكون القصد الأخبار بأنه غير ناقص على الجملة ولا ~~ملغى منزل منزلة المعدوم قولك هذا شىء أي داخل في الاعتداد وفي هذه الطريقة ~~أيضا تفاوت فانك تقول مرة هذا إما لا شىء تريد إن تقول أن الآخر ليس بشىء ~~ولا اعتداد به أصلا وتقول أخرى هذا شىء تريد شيء له قدر وخطر وتجرى لك هذه ~~الوجوه في أسماء الأجناس كلها تقول هذا هو الرجل ومن عداه فليس من الرجولية ~~في شىء وهذا هو الشعر فحسب تبالغ في التفضيل وتجعل حقيقة الجنسية مقصورة ~~على المذكور وتقول هذا رجل تريد كامل من الرجال لا أن من عداه فليس برجل ~~على الكمال وقد تقول هذا إما لا رجل تريد يستحق أن يعد في الرجال ويكون ~~قصدك أن تشير إلى أن هناك واحدا آخر لا يدخل في الاعتداد أصلا ولا يستحق ~~اسم الرجل # وإذ كان هذا هو الطريق المهيع في الوضع من الشيء وترك الاعتداد به ~~والتفضيل له والمبالغة في الاعتداد به فكل صفتين تضادتا ثم أريد نقص ~~الفاضلة منهما عبر عن نقصها باسم ضدها فجعلت الحياة العارية من فضيلة العلم ~~والقدرة موتا والبصر والسمع إذا لم ينتفع صاحبهما بما يسمع ويبصر فلم يفهم ~~معنى المسموع ولم يعتبر بالمبصر أو لم يعرف حقيقته عمى وصمما وقيل للرجل هو ~~أعمى أصم يراد انه لا يستفيد شيئا مما يسمع PageV01P060 ويبصر فكأنه لم ~~يسمع ولم يبصر وسواء عبرت عن نقص الصفة بوجود ضدها أو وصفها بمجرد العدم ~~وذلك أن في إثبات أحد الضدين وصفا للشيء ونفيا للضد الآخر لاستحالة أن ~~يوجدا معا فيه فيكون الشخص حيا ميتا معا أصم سميعا في حالة واحدة فقولك في ~~الجاهل هو ميت بمنزلة قولك ليس بحي وان ms040 الوجود في حياته بمنزلة العدم هذا ~~هو ظاهر المذهب في الأمر والحكم إذا أطلق القول فاما إذا قيد كقوله أصم عما ~~ساءة سميع فتثبت له الصفتان معا على الجملة إلا أن مرجع ذلك إلى أن يقال ~~انه كان يفقد السمع في حال ويعود إليه في حال أو انه في حق هذا الجنس فاقد ~~الإدراك مسلوبه وفيما عداه كائن على حكم السميع فلم يثبت له الصم على ~~الجملة إلا للحكم بان وجود سمعة كالعدم إلا أن ذلك في شيء دون شيء وعلى ~~التقييد دون الإطلاق # فقد تبين إذن أن اصل هذا الباب تنزيل الموجود منزلة المعدوم لكونه بحيث ~~لا يعتد به وخلوه من الفضيلة # والطريق الثاني في شبه المعقول من المعقول أن لا يكون على تنزيل الوجود ~~منزلة العدم ولكن على اعتبار صفة معقولة يتصور وجودها مع ضد ما استعرت اسمه ~~فمن ذلك أن يراد وصف الأمر بالشدة والصعوبة والبلوغ في كونه مكروها إلى ~~الغاية القصوى فيقال لقى الموت يريدون لقي الأمر الأشد الصعب الذي هو في ~~كراهة النفس له كالموت PageV01P061 ومعلوم أن كون الشيء شديدا صعبا مكروها ~~صفة معلومة لا تنافي الحياة ولا يمنع وجودها معه كما يمنع وجود الموت مع ~~الحياة ألا ترى أن كراهة الموت موجودة في الإنسان قبل حصوله كيف واكره ما ~~يكون الموت إذا صفت مشارع الحياة وخصبت مسارح اللذات فكلما كانت الحياة ~~أمكن واتم كانت الكراهة للموت أقوى واشد ولم تخف كراهته على العارفين إلا ~~لرغبتهم في الحياة الدائمة الصافية من الشوائب بعد أن تزول عنهم هذه الحياة ~~الفانية ويدركهم الموت فيها فتصورهم لذة الأمن منه قلل كراهتهم له كما أن ~~ثقة العالم بما يعقبه الدواء من الصحة يهون عليه مرارته فقد عبرت ههنا عن ~~شدة الأمر بالموت واستعرته له من اجلها والشدة ومحصولها الكراهة موجودة في ~~كل واحد من المستعار له والمستعار منه فليس التشبيه إذن من طريق الحكم على ~~الوجود بالعدم وتنزيل ما هو موجود كأنه قد خلع صفة الوجود وذلك أن هذا ms041 ~~الحكم إنما جرى في تشبيه الجهل بالموت وجعل الجاهل ميتا من حيث كان للجهل ~~ضد ينافي الموت ويضاده وهو العلم فلما أردت أن تبالغ في نفي العلم الذي يجب ~~مع نفيه الجهل جعلت الجهل موتا لتؤيس من حصول العلم للمذكور وليس لك هذا في ~~وصف الأمر الشديد المكروه بأنه موت ألا ترى أن قوله # ( لا تحسبن الموت موت البلى % وإنما الموت سؤال الرجال ) # لا يفيد أن للسؤال ضدا ينافي الموت أو يضاده على الحقيقة وان هذا القائل ~~قصد بجعل السؤال موتا نفي ذلك الضد وان يؤيس من وجوده وحصوله بل أراد أن في ~~السؤال كراهة ومرارة مثل ما في الموت وان نفس الحر PageV01P062 تنفر منه ~~كما تنفر نفوس الحيوان جملة من الموت وتطلب الحياة ما أمكن في الخلاص منه # فان قلت المعنى فيه أن السؤال يكسب الذل وينفي العز والذليل كالميت لفقد ~~القدرة والتصرف فصار كتسميتهم خمول الذكر موتا والذكر بعد الموت حياة كما ~~قال أمير المؤمنين علي رضى الله عنه مات خزان المال والعلماء باقون ما بقى ~~الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة قلت إني آنس انهم لم ~~يقصدوا هذا المعنى في السؤال وإنما أرادوا الكراهة ولذلك قال بعد البيت ~~الذي كتبته # ( كلاهما موت ولكن ذا % اشد من ذاك لذل السؤال ) # هذا وليس كل ما يعبر عنه بالموت لأنه يكره ويصعب ولا يستسلم له العاقل ~~إلا بعد أن تعوزه الحيل فانه يحمل هذا المحمل وينقاد لهذا التأويل أترى ~~المتنبي في قوله # ( وقدمت أمس بها موته % ولا يشتهى الموت من ذاقه ) # أراد شيئا غير انه لقى شدة وأما العبارة عن خمول الذكر بالموت فانه وان ~~كان يدخل في تنزيل الوجود منزلة العدم من حيث يقال أن الخامل لما لم ~~PageV01P063 يذكر ولم بين منه ما يتحدث به صار كالميت الذي لا يكون منه قول ~~بل ولا فعل يدل على وجوده فليس دخوله فيه ذلك الدخول وذلك أن الجهل ينافي ~~العلم ويضاده كما لا يخفي والعلم إذا وجد فقد وجدت الحياة ms042 حتما واجبا وليس ~~كذلك خمول الذكر والذكر لأنه ليس إذا وجد الذكر فقد وجدت الحياة لأنك تحدث ~~عن الميت بأفعاله التي كانت منه في حال الحياة فيتصور الذكر ولا حياة على ~~الحقيقة ولا يتصور العلم ولا حياة على الحقيقة وهكذا القول في الطرف الأخر ~~وهو تسمية من لا يعلم ميتا وذلك أن الموت ها هنا عبارة عن عدم العلم ~~وانتفائه وعدم العلم على الإطلاق حتى لا يوجد منه شىء أصلا وحتى لا يصح ~~وجوده يقتضي وجود الموت على الحقيقة ولا يمكن أن يقال إن خمول الذكر يوجب ~~الموت على الحقيقة فأنت إذن في هذا تنزل الوجود منزلة العدم على وجه لا ~~ينصرف إلى الحقيقة ولا يصير إليها وإنما يمثل ويخيل وأما في الضرب الأول ~~وهو جعل من لا يعلم ميتا ومن يعلم هو الحي فإنك تلاحظ الحقيقة وتشير إليها ~~وتحطب في حبلها فاعرفه # وأما قولهم في الغنى إذا كان بخيلا لا ينتفع بماله إن غناء فقر فهو في ~~الضرب الأول أعنى تنزيل الوجود منزلة العدم لمعرى الوجود مما هو المقصود ~~منه وذلك أن المال لا يراد لذاته وإنما يراد للانتفاع به في الوجوه التي ~~تعدها العقلاء انتفاعا فإذا حرم مالكه هذه الجدوى وهذه الفائدة فملكه له ~~وعدم الملك سواء والغنى إذا صرف إلى المال فلا معنى له سوى ملك الإنسان ~~الشيء الكثير منه ألا تراه يذكر مع الثروة فيقال PageV01P064 غنى مثر مكثر ~~فإذا تبين بالعلة التي مضت أنه لا يستفيد بملكه هذا المال معنى وأن لا طائل ~~له فيه فقد ثبت أن غناه والفقر سواء لأن الفقر أن لا يملك المال الكثير ~~وأما قول اللؤماء إن انتفاعه في اعتقاده أنه متى شاء انتفع به وما يجد في ~~نفسه من عزة الاستظهار وأنه يهان ويكرم من أجله فمن أضاليل المنى وقد يهان ~~ويذل ويعذب بسببه حتى تنزع الروح دونه # ثم إن هذا الكلام وضعه العقلاء الذين عرفوا ما الانتفاع وهذا المخالف لا ~~ينكر أن الانتفاع لو عدم كان ملكه الآن لمال ms043 وعدم ملكه سواء وإنما جاء ~~يتطلب عذرا ويرخي دون لؤمه سترا ونظير هذا انك ترى الظالم المجترىء على ~~الأفعال القبيحة يدعى لنفسه الفضيلة بأنه مديد الباع طويل اليد وأنه قادر ~~على أن يلجىء غيره إلى التطامن له ثم لا يزيده احتجاجه إلا خزيا وذلا عند ~~الله وعند الناس وترى المصدق له في دعواه أذم له وأهجى من المكذب لأن الذى ~~صدقه أيس من أن ينزع إلى الإنسانية بحال والذى كذب رجا أن ينزع عند التنبيه ~~والكشف عن القبيح # وأما قولهم في القناعة إنها الغنى كقوله إن القنوع الغنى لا كثرة المال ~~يريد القناعة وكما قال الآخر # ( إن القناعة فاعلمن غنى % والحرص يورث أهله الفقرا ) PageV01P065 وجعلهم ~~الكثير المال إذا كان شرها حريصا على الازدياد فقيرا # فما يرجع إلى الحقيقة المحضة وان كان في ظاهر الكلام كالتشبيه والتمثيل # وذلك أن حقيقة الغنى هو انتفاء الحاجة والحاجة أن تريد الشيء ولا تجده ~~والكثير المال إذا كان الحرص عليه غالبا والشره له أبدا صاحبا وكان حاله ~~كحل من به كلب الجوع يأكل ولا يشبع أو من به البغر يشرب ولا يروى فكما أن ~~إصابته من الطعام والشراب القدر الذي يشبع ويروى إذا كان المزاج معتدلا ~~والصحة صحيحة لا تنفي عنه صفة الجائع والظمآن لوجود الشهوة ودوام مطالبة ~~النفس وبقاء لهيب الظمأ وجهد العطش وكذلك الكثير المال له لا تحصل صفة ~~الغنى ولا تزول عنه صفة الفقر مع بقاء حرصه الذي يديم له الفرم والشهوة ~~والحاجة والطلب والضجر حين يفقد الزيادة التي يريدها وحين يفوته الربح من ~~تجاراته وسائر متصرفاته حتى لا يكاد يفصل بين حاله وقد فاته ما طلب وبينها ~~وقد أخذ بعض ماله وغصب ومن أين تحصل حقيقة الغنى لذي المال الكثير وقد تراه ~~من بخله وشحه كالمقيد دون ما ملكه والمغلول اليد يموت صبرا ويعانى بؤسا ولا ~~تمتد يده إلى ما يزعم انه يملكه فينفقه في لذة نفس أو فيما يكسب حمدا اليوم ~~واجرا غدا ذاك لأنه عدم كرما يبسط أنامله وجودا ms044 ينصر آمله وعقلا ينصره وهمة ~~تمكنه مما لديه وتسلطه عليه كما قال البحتري # ( وواجد مال اعوزته سجيه % تسلطه يوما على ذلك الوجد ) PageV01P066 ~~فقولهم إذن أن القناعة هي الغنى لا كثرة المال إخبار عن حقيقة نفذت بها ~~قضايا العقول وصححتها الخبرة والعبرة ولكن رب قضية من العقل نافذة قد صارت ~~كأنها من الأمور المتجوز فيها أو دون ذلك في الصحة لغلبة الجهل والسفه على ~~الطباع وذهاب من يعمل بالعقل ويذعن له ويطرح الهوى ويصبو إلى الجميل ويأنف ~~من القبيح ولذهاب الحياء وبطلانه وخروج الناس من سلطانه ويأس العاقل من أن ~~يصادف عندهم أن نبه أو ذكر سمعا يعي وعقلا يراعي فجرى الغنى على كثرة المال ~~والفقر على قلته مما يزيله العرف عن حقيقته في اللغة ولما كان الظاهر من ~~حال الكثير المال انه لا يعجز عن شىء يريده من لذاته وسائر مطالبه سمى ~~المال الكثير غنى وكذلك لما كان من قل ماله عجز عن أرادته سمى قلة المال ~~فقرا فهو من جنس تسمية السبب باسم المسبب وإلا فحقيقة الغنى انتفاء ~~الاحتياج وحقيقة الفقر الاحتياج والله تعالى الغنى على الحقيقة لاستحالة ~~الاحتياج عليه جل وتعالى عن صفات المخلوقين وعلى ذاك ما جاء في الخبر من أن ~~رسول الله قال أتدرون ما المفلس قالوا المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم ~~له ولا متاع قال المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وزكاته وصيامه ~~فيأتي وقد شتم هذا واكل مال هذا وقذف هذا وضرب هذا وسفك دم هذا فيعطى هذا ~~من حسناته وهذا من حسناته فان فنيت حسناته قبل أن يفنى ما عليه من الخطايا ~~أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار وذاك انه بين الحكم في الآخرة ~~فلما كان الإنسان إنما يعد غنيا في الدنيا بماله لأنه يجتلب به المسرة ~~ويدفع المضرة وكان هذا الحكم في الآخرة للعمل الصالح ثبت لا محالة أن يكون ~~PageV01P067 الخالي نعوذ بالله من ذلك هو المفلس إذ قد عرى مما لأجله يسمى ~~الخالي ms045 من المال في الدنيا مفلسا وهو ما يوصله إلى الخير والنعيم ويقيه ~~الشر والعذاب نسأل الله التوفيق لما يؤمن من عقابه # وإذا كان البحث والنظر يقتضي أن الغنى والفقر في هذا الوجه دالان على ~~حقيقة هذا التركيب في اللغة كقولك غنيت عن الشىء واستغنيت عنه إذا لم تحتج ~~إليه وافتقرت إلى كذا إذا احتجت إليه وجب أن لا يعدواها ههنا في المستعار ~~والمنقول عن أصله # | فصل # إن قال قائل أن تنزيل الوجود منزلة العدم أو العدم منزلة الوجود ليس من ~~حديث التشبيه في شىء لأن التشبيه أن يثبت لهذا معنى من معاني ذاك أو حكما ~~من أحكامه كإثباتك للرجل شجاعة الأسد وللحجة حكم النور في انك تفصل بها بين ~~الحق والباطل كما تفصل بالنور بين الأشياء وإذا قلت في الرجل القليل ~~المعاني هو معدوم أو قلت هو والعدم سواء فلست تأخذ له شبها شىء من ولكنك ~~تنفيه وتبطل وجوده كما انك إذا قلت ليس هو بشيء أو ليس برجل كان كذلك وكما ~~لا يسمى أحد نحو قولنا ليس بشيء تشبيها كذلك ينبغي أن لا يكون قولك وأنت ~~تقلل الشيء أخبرت عنه معدوم تشبيها وكذلك إذا جعلت المعدوم موجودا كقولك ~~مثلا للمال يذهب ويفنى ويثمر صاحبه ذكرا جميلا وثناء حسنا PageV01P068 إنه ~~باق لك موجود لم يكن ذلك تشبيها بل إنكارا لقول من نفي عنه الوجود حتى كأنك ~~تقول عينه باقية كما كانت وإنما استبدل بصورة صورة فصار جمالا بعد ما كان ~~مالا ومكارم بعد أن كان دراهم وإذا ثبت هذا في نفس الوجود والعدم ثبت في كل ~~ما كان على طريق تنزيل الصفة الموجودة كأنها غير موجودة نحو ما ذكرت من جعل ~~الموت عبارة عن الجهل فلم يكن ذلك تشبيها لأنه إذا كان لا يراد بجعل الجاهل ~~ميتا إلا نفي الحياة عنه مبالغة ونفي العلم والتمييز والإحساس الذي لا يكون ~~إلا مع الحياة كان محصوله أنك لم تعتد بحياته وترك الاعتداد بالصفة لا يكون ~~تشبيها إنما هو نفي لها وإنكار لقول ms046 من أثبتها # فالجواب أن الأمر كما ذكرت ولكن تتبعت فيما وضعته ظاهر الحال ونظرت إلى ~~قولهم موجود كالمعدوم وشىء كلا شىء ووجود شبيه بالعدم فان أبيت أن تعمل على ~~هذا الظاهر لم أضايق فيه ألا أن من حقك أن تعلم أنه لا غنى بك عن حفظ ~~الترتيب الذي رتبته في إعطاء المعقول اسم معقول آخر أعنى لا بد من أن تعلم ~~انه يجيء على طريقين أحدهما تنزيل الوجود منزلة العدم كما مضى من أن جعل ~~الموت عبارة عن الجهل وإيقاع اسمه عليه يرجع إلى تنزيل حياته الموجودة ~~كأنها معدومة والثاني أن لا يكون هذا المعنى ولكن على أن لأحد المعنيين ~~شبها بالآخر نحو أن السؤال يشبه في كراهته وصعوبته على نفس الحر الموت # وأعلم أني ذكرت لك في تمثيل هذه الأصول الواضح الظاهر القريب المتناول ~~الكائن من قبيل المتعارف في كل لسان وما تجد اعترافا به وموافقة عليه من كل ~~إنسان أو ما يشابه هذا الحد ويشاكله PageV01P069 ويداخل هذا الضرب ويشاركه ~~ولم اذكر ما يدق ويغمض ويلطف ويغرب وما هو من الأسرار التي أثارتها الصنعة ~~وغاصت عليها فكرة الأفراد من ذوي البراعة في الشعر لأن القصد إذا كان ~~لتمهيد الأساس ووضع قواعد للقياس كان الأولى أن يعمد إلى ما هو اظهر وأجلى ~~من الأمثلة لتكون الحجة بها عامة لا يصرف وجهها بحال والشهادة تامة لا تجد ~~من السامعين غير قبول وإقبال حتى إذا تمهدت القواعد وأحكمت العرى والمعاقد ~~اخذ حينئذ في تتبع ما اخترعته القرائح وعمد إلى حل المشكلات عن ثقة بأن ~~هيئت المفاتح # هذا وفي الاستعارة بعد من جهة القوانين والأصول شغل الفكر ومذهب القول ~~وخفايا ولطائف تبرز من حجبها بالرفق والتدريج والتلطف والتاني ولكني أظن أن ~~الصواب أن أنقل الكلام إلى القول على التشبيه والتمثيل وحقيقتهما والمراد ~~منهما خصوصا في كلام من يتكلم على الشعر ونتعرف أهما متساويان في المعنى أو ~~مختلفان أم جنسهما واحد ألا أن أحدهما أخص من الآخر وأنا أضع لك جملة من ~~القول نبين ms047 بها هذه الأمور # | التشبيه والتمثيل # # | التشبيه وأقسامه # اعلم أن الشيئين إذا شبه أحدهما بالآخر كان ذلك على ضر بين أحدهما أن ~~يكون من جهة أمر بين لا يحتاج فيه إلى تأول PageV01P070 والآخر أن يكون ~~الشبه محصلا بضرب من التأول فمثال الأول تشبيه الشيء بالشيء من جهة الصورة ~~والشكل نحو أن يشبه الشيء إذا استدار بالكرة في وجه وبالحلقة في وجه آخر ~~وكالتشبيه من جهة اللون كتشبيه الخدود بالورد والشعر بالليل والوجه بالنهار ~~وتشبيه سقط النار بعين الديك وما جرى في هذا الطريق أو جمع الصورة واللون ~~كتشبيه الثريا بعنقود الكرم المنثور والنرجس بمداهن در حشوهن عقيق وكذلك ~~التشبيه من جهة الهيئة نحو انه مستو منتصب مديد كتشبيه القامة بالرمح والقد ~~اللطيف بالغصن ويدخل في الهيئة حل الحركات في أجسامها كتشبيه الذاهب على ~~الاستقامة بالسهم السديد ومن تأخذه الأريحية فيهتز بالغصن تحت البارح ونحو ~~ذلك وكذلك كل تشبيه جمع بين شيئين فيما يدخل تحت الحواس نحو تشبيهك صوت بعض ~~الأشياء بصوت غيره كتشبيه اطيط الرحل بأصوات الفراريج كما قال # ( كان أصوات من إيغالهن بنا % أواخر الميس ايقاض الفراريج ) # تقدير البيت كان أصوات أواخر الميس أصوات الفراريج من إيغالهن بنا ثم فصل ~~بين المضاف والمضاف إليه بقوله من إيغالهن وكتشبيه صريف أنياب البعير بصياح ~~البوازي كما قال PageV01P071 # ( كأن على أنيابها كل سحرة % صياح البوازي من صريف اللوائك ) # وأشباه ذلك من الأصوات المشبهة له وكتشبيه بعض الفواكه الحلوة بالعسل ~~والسكر وتشبيه اللين الناعم بالخز والخشن بالمسح أو رائحة بعض الرياحين ~~برائحة الكافور أو رائحة بعضها ببعض كما لا يخفي وهكذا التشبيه من جهة ~~الغريزة والطباع كتشبيه الرجل بالأسد في الشجاعة والذئب في النكر والأخلاق ~~كلها تدخل في الغريزة نحو السخاء والكرم واللؤم وكذلك تشبيه الرجل بالرجل ~~في الشدة والقوة وما يتصل بها # فالشبه في هذا كله بين لا يجرى فيه التأول ولا يفتقر إليه في تحصيله وأي ~~تأول يجرى في مشابهة الخد للورد في الحمرة وأنت تراها ههنا كما تراها هناك ~~وكذلك تعلم ms048 الشجاعة في الأسد كما تعلمها في الرجل # ومثال الثاني وهو الشبه الذي يحصل بضرب من التأول كقولك هذه حجة كالشمس ~~في الظهور وقد شبهت الحجة بالشمس من جهة ظهورها كما شبهت فيما مضى الشيء ~~بالشيء من جهة ما أردت من لون أو صورة أو غيرهما إلا أنك تعلم أن هذا ~~التشبيه لا يتم لك إلا بتأول وذلك أن تقول حقيقة ظهور الشمس وغيرها من ~~الأجسام أن لا يكون دونها حجاب ونحوه مما يحول بين PageV01P072 العين وبين ~~رؤيتها ولذلك يظهر الشيء لك ولا يظهر لك إذا كنت من وراء حجاب أو لم يكن ~~بينك وبينه ذلك الحجاب # ثم تقول أن الشبهة نظير الحجاب فيما يدرك بالعقول لأنها تمنع القلب رؤية ~~ما هي شبهة فيه كما يمنع الحجاب العين أن ترى ما هو من ورائه # ولذلك توصف الشبهة بأنها اعترضت دون الذي يروم القلب إدراكه ويصرف فكره ~~للوصول إليه من صحة حكم أو فساده فإذا ارتفعت الشبهة وحصل العلم بمعنى ~~الكلام الذي هو الحجة على صحة ما أدى من الحكم قيل هذا ظاهر كالشمس أي ليس ~~ههنا مانع عن العلم به ولا للتوقف والشك فيه مساغ وان المنكر له إما مدخول ~~في عقله أو جاحد مباهت ومسرف في العناد كما أن الشمس الطالعة لا يشك فيها ~~ذو بصر ولا ينكرها إلا من لا عذر له في إنكاره فقد احتجت في تحصيل الشبه ~~الذي أثبته بين الحجة والشمس إلى مثل هذا التأويل كما ترى # ثم أن ما طريقة التأول يتفاوت تفاوتا شديدا فمنه ما يقرب مأخذه ويسهل ~~الوصول إليه ويعطى المقادة طوعا حتى انه يكاد يداخل الضرب الأول الذي ليس ~~من التأول في شىء وهو ما ذكرته لك ومنه ما يحتاج فيه إلى قدر من التأمل ~~ومنه ما يدق ويغمض حتى يحتاج في استخراجه إلى فضل روية ولطف فكره # فما يشبه الذي بدأت به في قرب المأخذ وسهولة المأتى قولهم في صفة الكلام ~~ألفاظه كالماء في السلاسة وكالنسيم في الرقة وكالعسل في الحلاوة ms049 يريدون أن ~~اللفظ لا يستغلق ولا يشتبه معناه ولا يصعب الوقوف عليه وليس هو بغريب وحشى ~~يستنكره لكونه غير مألوف PageV01P073 أو ما ليس في حروفه تكرير وتنافر يكد ~~اللسان من اجلهما فصارت لذلك كالماء الذي يسوغ في الحلق والنسيم الذي يسرى ~~في البدن ويتخلل المسالك اللطيفة منه ويهدى إلى القلب روحا ويوجد في الصدر ~~انشراحا ويفيد النفس نشاطا وكالعسل الذي يلذ طعمه وتهش النفس له ويميل ~~الطبع إليه ويحب وروده عليه فهذا كله تأول ورد شىء إلى شىء بضرب من التلطف ~~وهو ادخل قليلا في حقيقة التأول وأقوى حالا في الحاجة إليه من تشبيه الحجة ~~بالشمس # وأما ما تقوى فيه الحاجة إلى التأول حتى لا يعرف المقصود من التشبيه فيه ~~ببديهة السماع فنحو قول كعب الاشقري وقد أوفده المهلب على الحجاج فوصف له ~~بنيه وذكر مكانهم من الفضل والبأس فسأله في آخر القصة قال فكيف كان بنو ~~المهلب فيهم قال كانوا حماة السرح نهارا فإذا اليلوا ففرسان البيات قال ~~فأيهم كان انجد قال كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها فهذا كما ترى ~~ظاهر الأمر في فقرة إلى فضل الرفق به والنظر ألا ترى أنه لا يفهمه حق فهمه ~~إلا من له ذهن ونظر PageV01P074 يرتفع به عن طبقة العامة وليس كذلك تشبيه ~~الحجة بالشمس فانه كالمشترك البين الاشتراك حتى يستوي في فعرفته اللبيب ~~اليقظ والمضعوف المغفل # وهكذا تشبيه الألفاظ بما ذكرت قد تجده في كلام العامي فأما ما كان مذهبه ~~اللطف مذهب قوله هم كالحلقة فلا تراه إلا في الآداب والحكم المأثورة عن ~~الفضلاء وذوى العقول الكاملة # | الفرق بين التشبيه والتمثيل # وإذ قد عرفت الفرق بين الضربين فاعلم أن التشبيه عام والتمثيل أخص منه ~~فكل تمثيل تشبيه وليس كل تشبيه تمثيلا فأنت تقول في قول قيس ابن الخطيم # ( وقد لاح في الصبح الثريا لمن رأى % كعنقود ملاحية حين نورا ) # انه تشبيه حسن ولا تقول هو تمثيل وكذلك تقول ابن المعتز حسن التشبيهات ~~بديعها لأنك تعنى تشبيهه المبصرات بعضها ببعض وكل ms050 ما لا يوجد التشبيه فيه ~~من طريق التأول كقوله # ( كان عيون النرجس الغض حولها % مداهن در حشوهن عقيق ) وقوله # ( وارى الثريا في السماء كأنها % قدم تبدد من ثياب حداد ) # وقوله # ( وتروم الثريا % في الغروب مراما ) # ( كانكباب طمر % كاد يلقى اللجاما ) PageV01P075 # وقوله # ( قد انقضت دولة الصيام وقد % بشر سقم الهلال بالعيد ) # ( يتلو الثريا كفاغر شره % يفتح فاه لأكل عنقود ) # وقوله # ( لما تعرى أفق الضياء % مثل ابتسام الشفة اللمياء ) # ( وشمطت ذوائب الظلماء % قدنا لعين الوحش والظباء ) # ( داهية محذورة اللقاء % ويعرف الزجر من الدعاء ) # ( بإذن ساقطة الأرجاء % كورد السوسنه الشهباء ) # ( ذا برثن كمثقب الحذاء % ومقلة قليلة الأقذاء ) # ( صافية كقطرة من ماء % ) PageV01P076 # وما كان من هذا الجنس ولا تريد نحو قوله # ( اصبر على مضض الحسو % د فان صبرك قاتلة ) # ( فالنار تأكل نفسها % إن لم تجد ما تأكله ) # وذلك إن إحسانه في النوع الأول أكثر وهو به أشهر وكل ما لا يصح أن يسمى ~~تمثيلا فلفظ المثل لا يستعمل فيه أيضا فلا يقال ابن المعتز حسن الأمثال ~~تريد به نحو الأبيات التي قدمتها وإنما يقال صالح بن عبد القدوس كثير ~~الأمثال في شعره يراد نحو قوله # ( وان من أدبته في الصبا % كالعود يسقى الماء في غرسه ) # ( حتى تراه مورقا نادرا % بعد الذي أبصرت من يبسه ) PageV01P077 # وما أشبهه مما الشبه فيه من قبيل ما يجرى فيه التأول ولكن إن قلت في قول ~~ابن المعتز # ( فالنار تأكل نفسها % إن لم تجد ما تأكله ) # إنه تمثيل فمثل الذي قلت ينبغي أن يقال لأن تشبيه الحسود إذا صبر عليه ~~وسكت عنه وترك غيظه يتردد فيه بالنار التي لا تمد بالحطب حتى يأكل بعضها ~~بعضا مما حاجته إلى التأول ظاهرة بينة # فقد تبين بهذه الجملة وجه الفرق بين التشبيه والتمثيل وفي تتبع ما أجملت ~~من أمرهما وسلوك طريق التحقيق فيهما ضرب من القول ينشط له من يأنس بالحقائق # | فصل # اعلم أن الذي أوجب أن يكون في التشبيه هذا الانقسام أن الاشتراك في الصفة ~~يقع مرة في نفسها وحقيقة جنسها ومرة ms051 في حكم لها ومقتضى فالخد يشارك الورد ~~في الحمرة نفسها ويجدها في الموضعين بحقيقتها واللفظ يشارك العسل في ~~الحلاوة لا من حيث جنسه بل من جهة حكم وامر يقتضيه وهو ما يجده الذائق في ~~نفسه من اللذة والحالة التي تحصل في النفس إذا صادفت بحاسة الذوق ما يميل ~~إليه الطبع ويقع منه بالموافقة فلما كان كذلك احتيج لا محالة إذا شبه اللفظ ~~بالعمل في الحلاوة أن يبين أن هذا التشبيه ليس من جهة الحلاوة نفسها وجنسها ~~ولكن من مقتضى لها وصفة تتجدد في النفس بسببها وأن القصد أن يخبر بأن ~~السامع يجد عند وقوع هذا اللفظ في سمعه حالة في نفسه شبيهه بالحالة التي ~~يجدها PageV01P078 الذائق للحلاوة من العسل حتى لو تمثلت الحالتان للعيون ~~لكانتا تريان على صورة واحدة ولوجدتا من التناسب على حد الحمرة من الخد ~~والحمرة من الورد وليس ههنا عبارة أخص بهذا البيان من التأول لأن حقيقة ~~قولنا تأولت الشيء أنك تطلبت ما يؤول إليه من الحقيقة أو الوضع الذي يؤول ~~إليه من العقل لأن أولت وتأولت فعلت وتفعلت من آل الأمر إلى كذا يؤول إذا ~~انتهى إليه والمآل المرجع وليس قول من جعل أولت وتأولت من أول بشيء لأن ما ~~فاؤة وعينه من موضع واحد ككوكب وددن لا يصرف منه فعل وأول أفعل بدلالة ~~قولنا أول منه كقولنا اسبق منه وأقدم فالواو الأولى فاء والثانية عين وليس ~~هذا موضع الكلام في ذلك فيستقصي # وأما الضرب الأول فإذا كان المثبت من المشبه في الفرع من جنس المثبت في ~~الأصل كان أصلا بنفسه وكان ظاهر أمره وباطنه واحدا وكان حاصل جمعك بين ~~الورد والخد انك وجدت في هذا وذاك حمرة والجنس لا تتغير حقيقته بان يوجد في ~~شيئين وإنما يتصور فيه التفاوت بالكثرة والقلة والضعف والقوة نحو أن حمرة ~~هذا الشيء أكثر واشد من حمرة ذاك # وإذا تقررت هذه الجملة حصل من العلم بها أن التشبيه الحقيقي الأصلي هو ~~الضرب الأول وأن هذا الضرب فرع له ومرتب عليه ms052 ويزيد ذلك بيانا أن مدار ~~التشبيه على أنه يقتضي ضربا من الاشتراك ومعلوم أن الاشتراك في نفس الصفة ~~اسبق في التصور من الاشتراك في مقتضى PageV01P079 الصفة كما أن الصفة نفسها ~~مقدمة في الوهم على مقتضاها فالحلاوة أولا ثم إنها تقتضي اللذة في نفس ~~الذائق لها وإذا تأملنا متصرف تركيبه وجدناه يقتضي أن يكون الشيئان من ~~الاتفاق والاشتراك في الوصف بحيث يجوز أن يتوهم أن أحدهما الآخر وهكذا تراه ~~في العرف والمعقول فان العقلاء يؤكدون أبدا أمر المشابهة بان يقولوا لا ~~يمكنك أن تفرق بينهما ولو رأيت هذا بعد أن رأيت ذاك لم تعلم انك رأيت شيئا ~~غير الأول حتى تستدل بأمر خارج عن الصورة ومعلوم أن هذه القضية إنما توجد ~~على الإطلاق والوجود الحقيقي في الضرب الأول وأما الضرب الثاني فإنما يجيء ~~فيه على سبيل التقدير والتنزيل فأما أن لا تجد فصلا بين ما يقتضيه العسل في ~~نفس الذائق وما يحصل باللفظ المرضى والكلام المقبول في نفس السامع فمما لا ~~يمكن ادعاؤه إلا على نوع من المقاربة أو المجازفة فإما على التحقيق والقطع ~~فلا فالمشابهات المتأولة التي ينتزعها العقل من الشيء للشيء لا تكون في حد ~~المشابهات الاصليه الظاهرة بل الشبه العقلي كان الشيء به يكون شبيها ~~بالمشبه به # | فصل # ثم إن هذا الشبه العقلي ربما انتزع من شىء واحد كما مضى من انتزاع الشبه ~~للفظ من حلاوة العسل وربما انتزع من عدة أمور يجمع بعضها إلى بعض ثم يستخرج ~~من مجموعها الشبه فيكون سبيله سبيل الشيئين يمزج أحدهما بالآخر حتى تحدث ~~صورة غير ما كان لهما في حال الأفراد لا سبيل PageV01P080 الشيئين يجمع ~~بينهما وتحفظ صورتهما ومثل ذلك قوله عز وجل ( ^ مثل الذين حملوا التوراة ثم ~~لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ) الشبه منتزع من أحوال الحمار وهو أنه ~~يحمل الأسفار التي هي أوعيه العلوم ومستودع ثمر العقول ثم لا يحس بما فيها ~~ولا يشعر بمضمونها ولا يفرق بينها وبين سائر الأحمال التي ليست من العلم في ~~شىء ولا ms053 من الدلالة عليه بسبيل فليس له مما يحمل حظ سوى انه يثقل عليه ويكد ~~جنبيه فهو كما ترى مقتضى أمور مجموعه ونتيجة لأشياء الفت وقرن بعضها إلى ~~بعض # بيان ذلك انه احتيج إلى أن يراعى من الحمار فعل مخصوص وهو الحمل وان يكون ~~المحمول شيئا مخصوصا وهو الأسفار التي فيها إمارات تدل على العلوم وان يثلث ~~ذلك بجهل الحمار ما فيها حتى يحصل الشبه المقصود ثم إنه لا يحصل من كل واحد ~~من هذه الأمور على الانفراد ولا يتصور أن يقال انه تشبيه بعد تشبيه من غير ~~أن يقف الأول على الثاني ويدخل الثاني في الأول لأن الشبه لا يتعلق بالحمل ~~حتى يكون من الحمار ثم لا يتعلق أيضا بحمل الحمار حتى يكون المحمول الأسفار ~~ثم لا يتعلق بهذا كله حتى يقترن به جهل الحمار بالأسفار المحمولة على ظهره ~~فما لم تجعله كالخيط الممدود ولم يمزج حتى يكون القياس قياس أشياء يبالغ في ~~مزاجها حتى تتحد وتخرج عن أن تعرف صورة كل واحد منها على الانفراد بل تبطل ~~صورها المفردة التى كانت قبل المزاج وتحدث صورة خاصة غير اللواتي عهدت ~~ويحصل مذاقها حتى لو فرضت حصولها لك في تلك الأشياء من غير امتزاج فرضت ~~مالا يكون لم يتم المقصود ولم تحصل النتيجة المطلوبة وهي الذم بالشقاء في ~~شىء PageV01P081 # يتعلق به غرض جليل وفائدة شريفة مع حرمان ذلك الغرض وعدم الوصول إلى تلك ~~الفائدة واستصحاب ما يتضمن المنافع العظيمة والنعم الخطيرة من غير أن يكون ~~ذلك الاستصحاب سببا إلى نيل شىء من تلك المنافع والنعم # ومثال ما يجيء فيه التشبيه معقودا على أمرين الا انهما لا يتشابكان هذا ~~التشابك قولهم هو يصفو ويكدر ويمر ويحلو ويشج ويأسو ويسرج ويلجم لأنك وإن ~~كنت أردت ان تجمع له الصفتين فليست إحداهما ممتزجه بالأخرى لأنك لو قلت هو ~~يصفو ولم تتعرض لذكر الكدر أو قلت يحلو ولم يسبق ذكر يمر وجدت المعنى في ~~تشبيهك له بالماء في الصفاء وبالعسل في الحلاوة بحالة وعلى حقيقته ms054 وليس ~~كذلك الآمر في الآية لأنك لو قلت كالحمار يحمل اسفارا ولم تعتبر ان يكون ~~جهل الحمار مقرونا بحمله وان يكون متعديا إلى مت تعدى إليه الحمل لم يتحصل ~~لك المغزى منه وكذلك لو قلت هم كالحمار في أنه يجهل الأسفار ولم تشترط أن ~~يكون حمله الاسفار مقرونا بجهله لها لكان كذلك وكذلك لو ذكرت الحمل والجهل ~~مطلقين ولم تجعل لهما المفعول المخصوص الذي هو الأسفار فقلت هو كالحمار في ~~انه يحمل ويجهل وقعت من التشبيه المقصود في الآية بأبعد البعد والنكته أن ~~التشبيه بالحمل للأسفار إنما كان بشرط أن يقترن به الجهل ولم يكن الوصف ~~بالصفاء والتشبيه بالماء فيه بشرط أن يقترن به الكدر PageV01P082 ولذلك لو ~~قلت يصفو ولا يكدر لم تزدد في صميم التشبيه وحقيقته شيئا وانما استدمت ~~الصفة كقولك يصفو ابدا وعلى كل حال # | فصل # اعلم أن الشبه إذا انتزع من الوصف لم يخل من وجهين أحدهما أن يكون لأمر ~~لا يرجع إلى نفسه والآخر أن يكون لأمر لا يرجع إلى نفسه فالأول ما مضى في ~~نحو تشبيه الكلام بالعسل في الحلاوة وذلك أن وجه التشبيه هناك أن كل واحد ~~منهما يوجب في النفس لذة وحالة محمودة ويصادف منها قبولا وهذا حكم واجب ~~للحلاوة من حيث هي حلاوة أو للعسل من حيث هو عسل # واما الثاني وهو ما ينتزع منه التشبيه لأمر لا يرجع إلى نفسه فمثالة أن ~~يتعدى الفعل إلى شىء مخصوص يكون له من اجله حكم خاص نحو كونه واقعا في ~~موقعه وعلى الصواب أو واقعا غير موقعه كقولهم هو كالقابض على الماء والراقم ~~في الماء فالشبه ههنا منتزع مما بين القبض والماء وليس بمنتزع من القبض ~~نفسه وذلك أن فائدة قبض اليد على الشىء أن يحصل فيها فإذا كان الشىء مما لا ~~يتماسك ففعلك القبض في اليد لغو وكذلك القصد في الرقم أن يبقى اثر في الشىء ~~إذا فعلته فيمالا يقبله كان فعلك كلا فعل وكذلك قولهم يضرب في حديد بارد ~~وينفخ في غير ms055 فحم # وإذا ثبت هذا فكل شبه كان هذا سبيله فانك لا تجد بين المعنى المذكور وبين ~~المشبه إذا أفردته ملابسه البتة ألا تراك تضرب الرقم في الماء والقبض عليه ~~لأمور لاشبه بينهما وبينها البتة من حيث هما رقم وقبض # وإذ قد عرفت هذا فالحمل في الآية من هذا القبيل أيضا لأنه تضمن ~~PageV01P083 # الشبه من اليهود لا لأمر يرجع إلى حقيقة المحل بل لأمرين آخرين أحدهما ~~تعدية إلى الأسفار والآخر اقتران الجهل للأسفار به وإذا كان الأمر كذلك كان ~~قطعك الحمل عن هذين الأمرين في البعد من الغرض كقطعك القبض والرقم عن الماء ~~في استحالة أن يعقل منهما ما يعقل بعد تعديهما إلى الماء بوجه من الوجوه ~~فاعرفه # فان قلت ففي اليهود شبه من الحمل من حيث هو حمل على حال وذلك أن الحافظ ~~للشىء بقلبه يشبه الحامل للشىء على ظهره وعلى ذلك يقال حملة الحديث وحملة ~~العلم كما جاء في الأثر يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ورب حامل فقه إلى ~~من هو افقه منه فالجواب أن الأمر وان كان كذلك فان هذا الشبه لم يقصد ههنا ~~وانما قصد ما يوجبه تعدى الحمل إلى الأسفار مع اقتران الجهل بهابه وهو ~~العناء بلا منفعة يبين ذلك أنك قد تقول للرجل يحمل في كمه أبدا دفاتر علم ~~وهو بليد لا يفهم أو كسلان لا يتعلم إن كان يحمل كتب العلم فالحمار أيضا قد ~~يحمل تريد أن تبطل دعواه آن له في حملة فائدة وان تسوي بينه وبين الحمار في ~~فقد الفائدة مما يحمل فالحمل ههنا نفسه موجود في المشبه بالحمار ثم التشبيه ~~لا ينصرف PageV01P084 إليه من حيث هو حمل وانما ينصرف إلى ما ذكرت لك من ~~عدم الجدوى والفائدة وانما يتصور آن يكون الشبه راجعا إلى الحمل من حيث هو ~~حمل حيث يوصف الرجل مثلا بكثرة الحفظ للوظائف آو جهد النفس في الأشغال ~~المتراكمة وذلك خارج عن الغرض مما نحن فيه # ومن هذا الباب قولهم أخذ القوس باريها وذلك أن المعنى ms056 على وقوع الأخذ في ~~موقعه ووجوده من أهله فلست تشبه من حيث الأخذ نفسه وجنسه ولكن من حيث الحكم ~~الحاصل له بوقوعه من بارى القوس على القوس وكذلك قولهم ما زال يفتل منه في ~~الذروة والغارب الشبه مأخوذ بين الفتل وما تعدى إليه من الذروة والغارب ولو ~~أفردته لم تجد شبها بينه وبين ما يضرب هذا الكلام مثلا له لأنه يضرب في ~~الفعل أو القول يصرف به الإنسان عن الامتناع إلى الإجابة وعن الإباء عليك ~~في مرادك إلى موافقتك والمصير إلى ما تريد منه وهذا لا يوجد في الفتل من ~~حيث هو فتل وانما يوجد في الفتل إذا وقع في الشعر من ذروة البعير وغاربه # واعلم آن هذا الشبه حكمه واحد سواء أخذته ما بين الفعل والمفعول الصريح ~~أو ما يجرى مجرى المفعول فالمفعول كالقوس في قولك أخذ القوس باريها وما ~~يجرى مجرى المفعول الجار مع المجرور كقولك كالرقم PageV01P085 في الماء وهو ~~كمن يخط في الماء وكذلك الحال كقولهم كالحادي وليس له بعير فقولك وليس له ~~بعير جملة من الحال وقد احتاج الشبه إليها لأنه مأخوذ ما بين المعنى الذي ~~هو الحدو وبين هذه الحال كما كان مأخوذا بين الرقم والماء وما بين الفتل ~~والذروة والغارب وقد تجد بك حاجة إلى مفعول وإلى الجار مع المجرور كقولك ~~وهل يجمع السيفان في الغمد وآنت كمن يجمع السيفين في غمد آلا ترى آن الجمع ~~فيه لا يغنى بتعديه إلى السيفين حتى يشترط كونه جمعا لهما في الغمد فمجموع ~~ذلك كله يحصل الغرض وهكذا نحو قول العامة هو كثير الجور على إلفه وقولهم ~~كمبتغى الصيد في عريسه الأسد لأن الصيد مفعول وفي عريسه جار مع المجرور # فإذا ثبت هذا ظهر منه أنه لا بدد لك في هذا الضرب من الشبه من جملة صريحة ~~أو حكم الجملة فالجملة الصريحة قولك أخذ القوس باريها وحكم الجملة أن تقول ~~هذا منك كالرقم في الماء والقبض على الماء فتأتى بالمصدر أو تقول كالراقم ~~في الماء وكالقابض على ms057 الماء فتأتى باسم الفاعل # وذاك آن المصدر واسم الفاعل ليسا بجملتين صريحا ولكن حكم الجملة قائم ~~فيهما وهو أنك أعملتهما عمل الفعل ألا ترى انك عديتهما على حسب ما تعدى ~~الفعل وخصائص هذا النوع من التمثيل اكثر من أن تضبط وقد وقفتك على الطريقه # فهذا أحد الوجوه التى يكون الشبه العقلى بها حاصلا لك من جملة من الكلام ~~وأظنه من أقوى الأسباب والعلل فيه PageV01P086 # وعلى الجملة فينبغى أن تعلم آن المثل الحقيقي والتشبيه الذي هو الأولى ~~بأن يسمى تمثيلا لبعده عن التشبيه الظاهر الصريح ما تجده لا يحصل لك إلا من ~~جملة من الكلام أو جملتين أو أكثر حتى إن التشبيه كلما كان اوغل في كونه ~~عقليا محضا كانت الحاجة إلى الجملة اكثر الا ترى إلى نحو قوله عز وجل ( ^ ~~انما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما ~~يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها انهم ~~قادرون عليها أتاها امرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ~~) كيف كثرت الجمل فيه حتى إنك ترى في هذه الآية عشر جمل إذا فصلت وهي وإن ~~كان قد دخل بعضها في بعض حتى كأنها جملة واحدة فإن ذلك لا يمنع من أن تكون ~~صورة الجمل معنا حاصلة تشير إليها واحدة واحدة ثم إن الشبه منتزع من ~~مجموعها من غير ان يمكن فصل بعضها عن بعض وإفراد شطر من شطر حتى إنك لو ~~حذفت منها جملة واحدة من أى موضع كان أخل ذلك بالمغزى من التشبيه # ولا ينبغى آن تعد الجمل في هذا النحو بعد التشبيهات التى يضم بعضها إلى ~~بعض والأعراض الكثيرة التى كل واحد منها منفرد بنفسه بل بعد جمل تنسق ثانيه ~~منها على أولة وثالثة على ثانية وهكذا فإن ما كان من هذا الجنس لم تترتب ~~فيه الجمل ترتيبا محصوصا حتى يجب أن تكون هذه سابقة وتلك تالية لها ~~والثالثة بعدهما الا ترى انك إذا قلت زيد كالأسد بأسا والبحر ms058 جودا والسيف ~~مضاء والبدر بهاء لم يجب عليك أن تحفظ في هذه التشبيهات نظاما مخصوصا بل لو ~~بدأت بالبدر وتشبيهه به في الحسن وأخرت تشبيهه في بالأسد في الشجاعة كان ~~المعنى بحاله وقوله PageV01P087 # ( النشر مسك والوجوه دنا % نير واطراف الأكف عنم ) # إنما يجب حفظ هذا الترتيب فيها لأجل الشعر فأما أن تكون هذه الجمل ~~متداخلة كتداخل الجمل في الآية وواجبا فيها أن يكون لها نسق مخصوص كالنسق ~~في الأشياء إذا رتبت ترتيبا مخصوصا كان لمجموعها صورة خاصة فلا # وقد يجىء الشىء من هذا القبيل يتوهم فيه أن إحدى الجملتين أو الجمل تنفرد ~~وتستعمل بنفسها تشبيها وتمثيلا ثم لا يكون كذلك عند حسن التأمل مثال ذلك ~~قوله # ( كما أبرقت قوما عطاشا غمامه % فلما رأوها أقشعت وتجلت ) # هذا مثل في أن يظهر للمضطر إلى الشىء الشديد الحاجة إليه أمارة وجوده ثم ~~يفوته ويبقى لذلك بحسرة وزيادة ترح وقد يمكن أن يقال إن قولك أبرقت قوما ~~عطاشا غمامه تشبيه مستقل بنفسه لا حاجة به إلى ما بعده من تمام البيت في ~~إفادة المقصود الذي هو ظهور أمر مطمع لمن هو شديد الحاجة إلا أنه وإن كان ~~كذلك فإن حقنا أن ننظر في مغزى المتكلم في تشبيهه ونحن نعلم أن المغزى أن ~~يصل ابتداءا مطمعا بانتهاء مؤيس وذلك يقتضى وقوف الجملة الأولة على ما ~~بعدها من تمام البيت ووزان هذا أن الشرط والجزاء جملتان ولكنا نقول إن ~~حكمهما حكم جملة واحدة PageV01P088 # من حيث دخل في الكلام معنى يربط إحداهما بالأخرى حتى صارت الجملة لذلك ~~بمنزلة الإسم المفرد في امتناع أن تحصل به الفائدة فلو قلت إن تأتنى وسكت ~~لم يفد كما لا يفيد إذا قلت زيد وسكت فلم تذكر اسما آخر ولا فعلا ولا كان ~~منويا في النفس معلوما من دليل الحال ثم إن الأمر وإن كان كذلك فقد يجوز أن ~~يخرج الكلام عن الجزاء فتقول تأتيني فتعود الجملة على الإفادة لإغنائك لها ~~عن أن ترتبط بأخرى وإزالتك المعنى الذى أوجب فقرها إلى صاحبة ms059 لها إلا أن ~~الغرض الأول يبطل والمعنى يتبدل فكذلك الاقتصار على الجملة التى هي أبرقت ~~قوما عطاشا غمامه تخرج عن غرض الشاعر # فإن قلت فهذا يلزمك في قولك هو يصفو ويكدر وذلك أن الاقتصار على أحد ~~الأمرين يبطل غرض القائل وقصده آن يصف الرجل بأنه يجمع الصفتين وأن الصفاء ~~لا يدوم فالجواب أن بين الموضعين فرقا وإن كان يغمض قليلا وهو أن الغرض في ~~البيت أن يثبت ابتداء مطمعا مؤنسا أدى إلى انتهاء مؤيس موحش وكون الشىء ~~ابتداء لآخر هو له انتهاء معنى زائد على الجمع بين الأمرين والوصف بأن كل ~~واحد منهما يوجد في المقصود وليس لك في قولك يصفو ويكدر أكثر من الجمع بين ~~الوصفين ونظير هذا أن تقول هو كالصفو بعد الكدر في حصول معنى يجب معه ربط ~~أحد الوصفين بالآخر في الذكر ويتعين به العرض حتى لو قلت يكدر ثم يصفو فجئت ~~بثم التي توجب الثاني مرتبا على الأول وأن أحدهما مبتدأ والآخر بعده صرت ~~بالجملة إلى حد ما نحن عليه PageV01P089 من الارتباط ووجوب أن يتعلق الحكم ~~بمجموعهما ويوجب الشبه إن شبهت ما بينهما على التشابك والتداخل دون التباين ~~والتزايل # ومن الواضح في كون الشبه معلقا بمجموع الجملتين حتى لا يقع في الوهم تميز ~~إحداهما على الأخرى قوله بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى فإذا آتاك كتابي ~~هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام وذلك أن المقصود من هذا الكلام التردد ~~بين الأمرين وترجيح الرأي فيهما ولا يتصور التردد والترجيح في الشىء الواحد ~~فلو جهدت وهمك أن تتصور لقولك تقدم رجلا معنى وفائدة ما لم تقل وتؤخر أخرى ~~آو تنوه في قلبك كلفت نفسك شططا # وذكر آبو أحمد العسكرى أن هذا النحو من الكلام يسمى المماثلة وهذه ~~التسميه توهم أنه شىء غير المراد بالمثل والتمثيل وليس الامر كذلك كيف وأنت ~~تقول مثلك مثل من يقدم رجلا ويؤخر أخرى ووزان هذا أنك تقول زيد الأسد فيكون ~~تشبيها على الحقيقة وإن كنت لم تصرح بحرف التشبيه ومثله أنك تقول ms060 أنت ترقم ~~في الماء وتضرب في حديد بارد وتنفخ في غير فحم فلاتذكر ما يدل صريحا على ~~أنك تشبه ولكنك تعلم أن المعنى على قولك أنت كمن يرقم في الماء وكمن يضرب ~~في حديد بارد وكمن ينفخ في غير فحم وما أشبه ذلك مما تجىء فيه بمشبه به ~~ظاهر تقع هذه الأفعال في صفة اسمه أو صفته PageV01P090 # واعلم آن المثل قد يضرب بجمل لا بد فيها من أن يتقدمها مذكور يكون مشبها ~~به ولا يمكن حذف المشبه به والاقتصار على ذكر المشبه ونقل الكلام اليه حتى ~~كأنه صاحب الجملة إلا انه مشبه بمن صفته وحكمه مضمون تلك الجملة # بيان هذا آن قول النبي الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة لا بد فيه ~~من المحافظة على ذكر المشبه به الذي هو الإبل فلو قلت الناس لا تجد فيهم ~~راحلة أو لا تجد في الناس راحلة كان ظاهر التعسف # وههنا ما هو أشد اقتضاء للمحافظة على ذكر ما تعلق الجملة به وتسند إليه ~~وذلك مثل قوله عز وجل ( ^ إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ) ~~الآية # لو أردت أن تحذف الماء الذي هو المشبه به وتنقل الكلام إلى المشبه الذي ~~هو الحياة أردت ما لا تحصل منه على كلام يعقل لأن الأفعال المذكورة المحدث ~~بها عن الماء لا يصح إجراؤها على الحياة فاحفظ هذا الأصل فإنك تحتاج إليه ~~وخصوصا في الاستعارة على ما يجىء القول فيه آن شاء الله تعالى # والجملة إذا جاءت بعد المشبه به لم تخل من ثلاثة أوجه أحدها أن يكون ~~المشبه به معبرا عنه بلفظ موصول وتكون الجملة صلة كقولك أنت الذي من شأنه ~~كيت وكيت كقوله تعالى ( ^ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ~~) PageV01P091 # والثاني أن يكون المشبه به نكرة تقع الجملة صفة له كقولنا أنت كرجل أمره ~~من كذا وكذا وقول النبي الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة وأشباه ذلك # والثالث آن تجىء الجملة مبتدأة وذلك إذا كان المشبه به ms061 معرفة ولم يكن ~~هناك الذي كقوله تعالى ( ^ كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ) # | فصل # # | في مواقع التمثيل وتأثيره # واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعانى أو ~~برزت هي بإختصار في معرضه ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته كساها ~~PageV01P092 أبهة وكسبها منقبة ورفع من أقدارها وشب من نارها وضاعف قواها ~~في تحريك النفوس لها ودعا القلوب إليها واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة ~~وكلفا وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفا # فإن كان مدحا كان أبهى وأفخم وأنبل في النفوس وأعظم وأهز للعطف وأسرع ~~للإلف وأجلب للفرح وأغلب على الممتدح وأوجب شفاعة للمادح وأقضى له بغر ~~المواهب والمنائح وأسير على الألسن وأذكر وأولى بأن تعلقه القلوب وأجدر # وإن كان ذما كان مسه اوجع وميسمه ألذع ووقعه أشد وحده أحد PageV01P093 # وإن كان حجاجا كان برهانه أنور وسلطانه أقهر وبيانه أبهر # وان كان افتخارا كان شأوه أبعد وشرفه أجد ولسانه ألد # وان كان اعتذارا كان إلى القبول أقرب وللقلوب أخلب وللسخائم أسل ولغرب ~~الغضب أفل وفي عقد العقود أنفث وعلى حسن الرجوع ابعث PageV01P094 وإن كان ~~وعظا كان اشفي للصدر وادعى إلى الفكر وأبلغ في التنبيه والزجر واجدر بأن ~~يجلى الغياية ويبصر الغاية ويبرىء PageV01P095 العليل ويشفي الغليل # وهكذا الحكم إذا استقريت فنون القول وضروبه وتتبعت أبوابه وشعوبه وإن ~~أردت أن تعرف ذلك وإن كان تقل الحاجة فيه PageV01P096 إلى التعريف ويستغنى ~~في الوقوف عليه عن التوقيف فانظر إلى نحو قول البحتري PageV01P097 # ( دان على أيدى العفاة وشاسع % عن كل ند في الندى وضريب ) # ( كالبدر افرط في العلو وضوءه % للعصبة السارين جد قريب ) # وفكر في حالك وحال المعنى معك وأنت في البيت الأول لم تنته إلى الثاني ~~ولم تتدبر نصرته إياه وتمثيله له فيما يملي على الإنسان عيناه ويؤدي إليه ~~ناظراه ثم قسمهما على الحال وقد وقفت عليه وتأملت طرفيه فإنك تعلم بعد ما ~~بين حالتيك وشدة تفاوتهما في تمكن المعنى لديك وتحببه إليك ونبله في نفسك ~~وتوفيره لأنسك وتحكم لى بالصدق فيما ms062 قلت PageV01P098 والحق فيما ادعيت # وكذلك فتعهد الفرق بين أن تقول فلان يكد نفسه في قراءة الكتب ولا يفهم ~~منها شيئا وتسكت وبين آن تتلو الآية وتنشد قول الشاعر # ( زوامل للاشعارلاعلم عندهم % بجيدها إلا كعلم الأباعر ) # ( لعمرك ما يدري البعير إذا غدا % باوساقه أو راح ما في الغرائر ) # والفصل بين آن تقول أرى قوما لهم بهاء ومنظر وليس هناك مخبر بل في ~~الأخلاق دقة وفي الكرم ضعف وقلة وتقطع الكلام وبين أن تتبعه نحو قول الحكيم ~~أما البيت فحسن واما الساكن فردىء # وقول ابن لنكك # ( في شجر السرو منهم مثل % له رواء وماله ثمر ) # وقول ابن الرومي # ( فغدا كالخلاف يورق للعين % ويأبى الإثمار كل الإباء ) # وقول الآخر # ( فإن طرة راقتك فانظر فربما % أمر مذاق العود والعود أخضر ) # وانظر إلى المعنى في الحالة الثانية كيف يورق شجره ويثمر ويفتر ثغره ~~ويبسم وكيف تشتار الأرى من مذاقته كما ترى الحسن في شارته وأنشد قول ابن ~~لنكك PageV01P099 # ( إذا أخو الحسن أضحى فعله سمجا % رأيت صورته من أقبح الصور ) # وتبين المعنى واعرف مقداره ثم أنشد البيت بعده # ( وهبك كالشمس في حسن ألم ترنا % نفر منها إذا مالت إلى الضرر ) # وانظر كيف يزيد شرفة عندك وهكذا فتأمل بيت أبي تمام # ( وإذا أراد الله نشر فضيلة % طويت أتاح لها لسان حسود ) # مقطوعا عن البيت الذي يليه والتمثيل الذي يؤديه واستقص في تعرف قيمته على ~~وضوح معناه وحسن مزيته ثم أتبعه إياه # ( لولا اشتعال النار فيما جاورت % ما كان يعرف طيب عرف العود ) # وانظر هل نشر المعنى تمام حلته وأظهر المكنون من حسنة وزينته وعطرك بعرف ~~عوده وأراك النضرة في عوده وطلع عليك من مطلع سعوده واستكمل فضله في النفس ~~ونبله واستحق التقديم كله إلا بالبيت الأخير وما فيه من التمثيل والتصوير # وكذلك فرق في بيت المتنبي # ( ومن يك ذا فم مر مريض % يجد مرا به الماء الزلالا ) # لو كان سلك بالمعنى الظاهر من العبارة كقولك إن الجاهل الفاسد الطبع ~~يتصور المعنى بغير صورته ويخيل إليه في الصواب ms063 انه خطأ هل كنت تجد هذه ~~الروعة وهل كان يبلغ من وقم الجاهل ووقذه وقمعه وردعه والتهجين له والكشف ~~عن نقصه ما بلغ التمثيل في البيت وينتهى إلى حيث ينتهى PageV01P100 # وإن اردت اعتبار ذلك في الفن الذي هو اكرم وأشرف فقابل بين أن تقول إن ~~الذي يعظ ولا يتعظ يضر بنفسه من حيث ينفع غيره وتقتصر عليه وبين أن تذكر ~~المثل فيه على ما جاء في الخبر من ان النبي قال مثل الذي يعلم الخير ولا ~~يعمل به مثل السراج الذي يضىء للناس ويحرق نفسه ويروى مثل الفتيلة تضىء ~~للناس وتحرق نفسها وكذا فوازن بين قولك للرجل وأنت تعظه إنك لا تجزى على ~~السيئة حسنه فلا تغر نفسك وتمسك وبين أن تقول في أثره إنك لا تجنى من الشوك ~~العنب وانما تحصد ما تزرع وأشباه ذلك وكذا بين أن تقول لا تكلم الجاهل بما ~~لا يعرفه ونحوه وبين أن تقول لا تنثر الدر قدام الخنازير أولا تجعل الدر في ~~أفواه الكلاب وتنشد نحو قول الشافعي رحمه الله أأنثر درا بين سارحة الغنم ~~وكذا بين أن تقول الدنيا لا تدوم ولا تبقى وبين آن تقول هي ظل زائل وعارية ~~تسترد ووديعة تسترجع وتذكر قول النبي من في الدنيا ضيف وما في يديه عارية ~~والضيف مرتحل والعارية مؤداة وتنشد قول لبيد # ( وما المال والأهلون إلا ودائع % ولا بد يوما أن ترد الودائع ) # وقول الآخر # ( إنما نعمة قوم متعه % وحياة المرء ثوب مستعار ) PageV01P101 # فهذه جملة من القول تخبر عن صيغ التمثيل وتخبر عن حال المعنى معه فأما ~~القول في العلة والسبب لم كان للتمثيل هذا التأثير وبيان جهته ومأتاه وما ~~الذي أوجبه واقتضاه فغيرها وإذا بحثنا عن ذلك وجدنا له أسبابا وعللا كل ~~منها يقتضي أن يفخم المعنى بالتمثيل وينبل ويشرف ويكمل فأول ذلك وأظهره أن ~~أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلى وتأتيها بصريح بعد مكنى وان ~~تردها في الشىء تعلمها إياه إلى شىء آخر هي بشأنه اعلم وثقتها ms064 به في ~~المعرفة احكم نحو آن تنقلها عن العقل إلى الإحساس وعما يعلم بالفكر إلى ما ~~يعلم بالاضطرار والطبع لأن العلم المستفاد من طرق الحواس أو المركوز فيها ~~من جهة الطبع وعلى حد الضرورة يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة ~~والاستحكام وبلوغ الثقة فيه غاية التمام كما قالوا ليس الخبر كالمعاينة ولا ~~الظن كاليقين فلهذا يحصل بهذا العلم هذا الأنس أعنى الأنس من جهة الاستحكام ~~والقوة وضرب آخر من الأنس وهو ما يوجبه تقدم الألف كما قيل # ( ما الحب إلا للحبيب الأول % ) # ومعلوم آن العلم الأول آتى النفس أولا من طريق الحواس والطباع ثم من جهة ~~النظر والرويه فهو إذن أمس بها رحما وأقوى لديها ذمما واقدم لها صحبة وآكد ~~عندها حرمة وإذا نقلتها في الشىء بمثله عن PageV01P102 المدرك بالعقل المحض ~~وبالفكرة في القلب إلى ما يدرك بالحواس أو يعلم بالطبع وعلى حد الضرورة ~~فأنت كمن يتوسل إليها للغريب بالحميم وللجديد الصحبة بالحبيب القديم فأنت ~~إذن مع الشاعر وغير الشاعر إذا وقع المعنى في نفسك غير ممثل ثم مثله كمن ~~يخبر عن شىء من وراء حجاب ثم يكشف عنه الحجاب ويقول ها هو ذا فأبصره تجده ~~على ما وصفت # فإن قلت إن الأنس بالمشاهدة بعد الصفة والخبر إنما يكون لزوال الريب ~~والشك في الأكثر أفتقول إن التمثيل إنما أنس به لأنه يصحح المذكور والصفة ~~السابقة ويثبت أن كونها جائز ووجودها صحيح غير مستحيل حتى لا يكون تمثيل ~~إلا كذلك فالجواب أن المعانى التى يجىء التمثيل في عقبها على ضربين غريب ~~بديع يمكن أن يخالف فيه ويدعى امتناعه واستحالة وجوده وذلك نحو قوله # ( فإن تفق الأنام وأنت منهم % فإن المسك بعض دم الغزال ) # وذلك أنه أراد أنه فاق الأنام وفاتهم إلى حد بطل معه آن يكون بينه وبينهم ~~مشابهة ومقاربة بل صار كأنه أصل بنفسه وجنس برأسه وهذا أمر غريب وهو أن ~~يتناهى بعض أجزاء الجنس في الفضائل الخاصة به إلى أن يصير كأنه ليس من ذلك ~~الجنس وبالمدعى ms065 له حاجة إلى آن يصحح دعواه في جواز وجوده على الجملة إلى أن ~~يجىء إلى وجوده في الممدوح فإذا قال فإن المسك بعض دم الغزال فقد احتج ~~لدعواه وأبان أن لما ادعاه أصلا في الوجود وبرأ نفسه من صفة الكذب وباعدها ~~من سفه المقدم على غير بصيرة والمتوسع في الدعوى من غير البينه وذلك أن ~~المسك قد خرج عن صفة الدم وحقيقته حتى لا يعد في جنسه PageV01P103 إذ لا ~~يوجد في الدم شىء من أوصافه الشريفة الخاصة بوجه من الوجوه لا ما قل ولا ما ~~كثر ولا في المسك شيء من الأوصاف التي كان لها الدم دما البتة # والضرب الثاني أن لا يكون المعنى الممثل غريبا نادرا يحتاج في دعوى كونه ~~على الجملة إلى بينة وحجة واثبات نظير ذلك أن ينفي عن فعل من الأفعال التي ~~يفعلها الإنسان الفائدة ويدعى أنه لا يحصل منه على طائل ثم يمثله في ذلك ~~بالقابض على الماء والراقم فيه فالذي مثلت ليس بمنكر مستبدع إذ لا ينكر خطأ ~~الإنسان في فعله أو ظنه وأمله وطلبه ألا ترى أن المغزى من قوله # ( فأصبحت من ليلى الغداة كقابض % على الماء خانته فروج الأصابع ) # أنه قد خاب في ظنه أنه يتمتع بها ويسعد بوصلها وليس بمنكر ولا عجيب ولا ~~ممتنع في الوجود خارج من المعروف المعهود أن يخيب ظن الإنسان في أشباه هذا ~~من الأمور حتى يستشهد على إمكانه وتقام البينه على صدق المدعى لوجدانه # وإذا ثبت أن المعاني الممثلة تكون على هذين الضربين فإن فائدة التمثيل ~~وسبب الأنس في الضرب الأول بين لائح لأنه يفيد فيه الصحة وينفي الريب والشك ~~ويؤمن صاحبه من تكذيب المخالف وتهجم المنكر وتهكم المعترض وموازنته بحالة ~~كشف الحجاب عن الموصوف المخبر عنه حتى يرى ويبصر ويعلم كونه على ما أثبته ~~عليه موازنة ظاهرة صحيحة # وأما الضرب الثاني فإن التمثيل وإن كان لا يفيد فيه هذا الضرب من الفائدة ~~فهو يفيد أمرا آخر يجرى مجراه وذلك أن الوصف كما يحتاج إلى PageV01P104 ~~إقامة ms066 الحجة على صحة وجوده في نفسه وزيادة التثبيت والتقرير في ذاته وأصله ~~فقد يحتاج إلى بيان المقدار فيه ووضع قياس من غيره يكشف عن حده ومبلغه في ~~القوة والضعف والزيادة والنقصان وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر أولا إلى ~~التشبيه الضريح الذي ليس بتمثيل كقياس الشيء على الشيء في اللون مثلا كحنك ~~الغراب تريد أن تعرف مقدار الشدة لا أن تعرف نفس السواد على الإطلاق # وإذا تقرر هذا الأصل فإن الأوصاف التي ترد السامع فيها بالتمثيل من العقل ~~إلى العيان والحس وهي في أنفسها معروفة مشهورة صحيحة لا تحتاج إلى الدلالة ~~على أنها هل هي ممكنة موجودة أم لا فإنها وإن غنيت من هذه الجهة عن التمثيل ~~بالمشاهدات والمحسوسات فإنها تفتقر إليه من جهة المقدار لأن مقاديرها في ~~العقل تختلف وتتفاوت فقد يقال في الفعل انه من حال الفائدة على حدود مختلفة ~~في المبالغة والتوسط فإذا رجعت إلى ما تبصر وتحس عرفت ذلك بحقيقته وكما ~~يوزن بالقسطاس فالشاعر لما قال كقابض على الماء خانته فروج الأصابع أراك ~~رؤية لا تشك معها ولا ترتاب انه بلغ في خيبه ظنه وبوار سعيه إلى أقصى ~~المبالغ وانتهى فيه إلى ابعد الغايات حتى لم يحظ لا بما قل ولا ما كثر # فهذا هو الجواب ونحن بنوع من التسهيل والتسامح نقع على أن الأنس الحاصل ~~بانتقالك في الشىء عن الصفة والخبر إلى العيان ورؤية البصر ليس له سبب سوى ~~زوال الشك والريب # فأما إذا رجعنا إلى التحقيق فإنا نعلم أن المشاهدة تؤثر في النفوس مع ~~PageV01P105 العلم بصدق الخبر كما اخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام في قوله ( ^ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) والشواهد في ذلك كثيرة ~~والأمر فيه ظاهر ولولا أن الأمر كذلك لما كان لنحو قول أبى التمام # ( وطول مقام المرء في الحى مخلق % لديباجتيه فاغترب تتجدد ) # ( فإنى رأيت الشمس زيدت محبه % إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد ) # معنى وذلك أن هذا التجدد لا معنى له إن كانت الرؤية لا تفيد أنسا ms067 من حيث ~~هي رؤية وكان الأنس لنفيها الشك والريب أو لوقوع العلم بأمر زائد لم يعلم ~~من قبل وإذا كان الأمر كذلك فأنت إذا قلت للرجل أنت مضيع للحزم في سعيك ~~ومخطىء وجه الرشاد وطالب لما لا تناله إذا كان الطلب على هذه الصفة ومن هذه ~~الجهة ثم عقبته بقولك وهل يحصل في كف القابض على الماء شىء مما يقبض عليه ~~فلو تركنا حديث تعريف المقدار في الشدة والمبالغة ونفي الفائدة من أصلها ~~جانبا بقى لنا ما تقتضيه الرؤيه للموصوف على ما وصف عليه من الحالة ~~المتجددة مع العلم بصدق الصفة يبين ذلك أنه لو كان الرجل مثلا على طرف نهر ~~في وقت مخاطبة صاحبه وإخباره له بأنه لا يحصل من سعيه على شىء فادخل يده في ~~الماء وقال انظر هل حصل في كفي من الماء شىء فكذلك أنت في أمرك كان لذلك ~~ضرب من التأثير زائد على القول والنطق بذلك دون الفعل ولو أن رجلا أراد أن ~~يضرب لك مثلا في تنافي الشيئين فقال هذا وذاك هل يجتمعان وأشار إلى ماء ~~ونار حاضرين وجدت لتمثيله من التأثير مالا تجده إذا أخبرك بالقول فقال هل ~~يجتمع الماء والنار وذلك الذي تفعل PageV01P106 # المشاهدة من التحريك للنفس والذي يجب بها من تمكن المعنى في القلب إذا ~~كانت مستفادة من العيان ومتصرفة حيث تتصرف العينان وإلا فلا حاجة بنا في أن ~~الماء والنار لا يجتمعان إلى ما يؤكده من رجوع إلى مشاهدة واستيثاق بتجربة # ومما يدلك على أن التمثيل بالمشاهدة يزيد أنسا وإن لم يكن بك حاجة إلى ~~تصحيح المعنى أو بيان لمقدار المبالغة فيه انك قد تعبر عن المعنى بالعبارة ~~التي تؤديه وتبالغ وتجتهد حتى لا تدع في النفوس منزعا نحو أن تقول وأنت تصف ~~اليوم بالطول يوم كأطول ما يتوهم وكأنه لا آخر له وما شاكل ذلك من نحو قوله # ( في ليل صول تناهى العرض والطول % كأنما ليله بالحشر موصول ) # فلا تجد له من الأنس ما تجده لقوله # ( ويوم كظل الرمح ms068 قصر طوله % ) على أن عبارتك الأولى أشد وأقوى في ~~المبالغة من هذا فظل الرمح على كل حال متناه تدرك العين نهايته وأنت قد ~~أخبرت عن اليوم بأنه كأنه لا آخر له وكذلك تقول يوم كأقصر ما يتصور وكأنه ~~ساعة وكلمح البصر كلا ولا فتجد هذا مع كونه تمثيلا لا يؤنسك إيناس قولهم ~~أيام كأباهيم القطا وقول ابن المعتز PageV01P107 # ( بدلت من يوم كظل حصاة % ليلا كظل الرمح غير موات ) # وقول آخر # ( ظللنا عند باب أبي نعيم % بيوم مثل سالفة الذباب ) # وكذا تقول فلان إذا هم بالشىء لم يزل ذاك عن ذكره وقلبه وقصر خواطره على ~~إمضاء عزمه ولم يشغله شىء عنه فتحتاط للمعنى بأبلغ ما يمكن ثم لا ترى في ~~نفسك له هزة ولا تصادف لما تسمعه أريحية وإنما تسمع حديثا ساذجا وخبرا غفلا ~~حتى إذا قلت # ( إذا هم ألقى بين عينيه عزمه % ) # امتلأت نفسك سرورا وأدركتك طربة كما يقول القاضي أبو الحسن لا تملك دفعها ~~عنك ولا تقل إن ذلك لمكان الإيجاز فإنه وإن كان يوجب شيئا منه فليس الأصل ~~له بل لأن أراك العزم واقفا بين العينين وفتح إلى مكان المعقول من قلبك ~~بابا من العين # وههنا إذا تأملنا مذهب آخر في بيان السبب الموجب لذلك هو ألطف مأخذا ~~وأمكن في التحقيق واولى بان يحيط بأطراف الباب وهو أن لتصور الشبه من الشيء ~~في غير جنسه وشكله والتقاط ذلك له من PageV01P108 # غير محلته واجتلابه إليه من النيق البعيد بابا آخر من الظرف واللطف ~~ومذهبا من مذاهب الإحسان لا يخفي موضعه من العقل واحضر شاهدا لك على هذا أن ~~تنظر إلى تشبيه المشاهدات بعضها ببعض فإن التشبيهات سواء كانت عاميه مشتركة ~~أم خاصية مقصورة على قائل دون قائل تراها لا يقع بها اعتداد ولا يكون لها ~~موقع من السامعين ولا تهز ولا تحرك حتى يكون الشبه مقررا بين شيئين مختلفين ~~في الجنس فتشبيه العين بالنرجس عامي مشترك معروف في أجيال الناس جار في ~~جميع العادات وأنت تنظر إلى بعد ما ms069 بين العينين وبينه من حيث الجنس وتشبيه ~~الثريا بما شبهت به من عنقود الكرم المنور واللجام المفضض والوشاح المفصل ~~وأشباه ذلك خاصي والتباين بين المشبه والمشبه به في الجنس على مالا يحفى # وهكذا إذا استقريت التشبيهات وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد كانت ~~إلى النفوس أعجب وكانت النفوس لها أطرب وكان مكانها إلى أن تحدث الأريحية ~~اقرب وذلك أن موضع الاستحسان ومكان الاستظراف والمثير للدفين من الارتياح ~~والمتألف للنافر من المسرة والمؤلف لأطراف البهجة انك ترى بها الشيئين ~~مثلين متباينين ومؤتلفين مختلفين وترى الصورة الواحدة في السماء والأرض وفي ~~خلقة الإنسان وخلال الروض وهكذا طرائف تنثال عليك إذا فصلت هذه الجملة ~~وتتبعت هذه اللمحة ولذلك تجد تشبيه البنفسج PageV01P109 # في قوله # ( ولازوردية تزهو بزرقتها % بين الرياض على حمر اليواقيت ) # ( كأنها فوق قامات ضعفن بها % أوائل النار في أطراف كبريت ) # أغرب وأعجب وأحق بالولوع وأجدر من تشبيه النرجس بمداهن در حشوهن عقيق ~~لأنه إذ ذاك مشبه لنبات غض يرف وأوراق رطبة ترى الماء منها يشف بلهب نار ~~مستول عليه اليبس وباد فيه الكلف ومبنى الطباع وموضوع الجبلة على ان الشىء ~~إذا ظهر من مكانه لم يعهد ظهوره منه وخرج من موضع ليس بمعدن له كانت صبابة ~~النفوس به أكثر وكان بالشغف منها أجدر فسواء في إثارة التعجب وإخراجك إلى ~~روعة المستغرب وجودك الشىء في مكان ليس من امكنته ووجود شىء لم يوجد ولم ~~يعرف من أصله في ذاته وصفته ولو أنه شبه البنفسج ببعض النبات أو صادف له ~~شبها في شىء من المتلونات لم تجد له هذه الغرابة ولم ينل من الحسن هذا الحظ ~~PageV01P110 # وإذا ثبت هذا الأصل وهو أن تصوير الشبه بين المختلفين في الجنس مما يحرك ~~قوى الاستحسان ويثير الكامن من الاستظراف فإن التمثيل أخص شىء بهذا الشان ~~وأسبق جار في هذا الرهان وهذا الصنيع صناعته التي هو الإمام فيها والبادىء ~~لها والهادي إلى كيفيتها وأمره في ذلك انك إذا قصدت ذكر ظرائفه وعد محاسنه ~~في هذا المعنى والبدع ms070 التي يخترعها بحذقه والتأليفات التي يصل إليها برفقة ~~ازدحمت عليك وغمرت جانبيك فلم تدر أيها تذكر ولا عن أيها تعبر كما قال # ( إذا أتاها طالب يستامها % تكاثرت في عينه كرامها ) # وهل تشك في انه يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر بعد ما بين ~~المشرق والمغرب ويجمع ما بين المشئم والمعرق وهو يريك للمعانى الممثلة ~~بالأوهام شبها في الأشخاص الماثلة والأشباح القائمة وينطق لك الأخرس ويعطيك ~~البيان من الأعجم ويريك الحياة في الجماد ويريك التئام عين الأضداد فيأتيك ~~بالحياة والموت مجموعين والماء والنار مجتمعين كما يقال في الممدوح هو حياة ~~لأوليائه موت لأعدائه ويجعل الشيء من جهة ماء ومن أخرى نارا كما قال # ( أنا نار في مرتقى نظر الحاسد % ماء جار مع الإخوان ) # وكما يجعل الشىء حلوا مرا وصابا عسلا وقبيحا حسنا كما قال # ( حسن في عيون أعدائه أقبح % من ضيفه رأته السوام ) PageV01P111 # ويجعل الشىء أسود أبيض في حال كنحو قوله # ( له منظر في العين أبيض ناصع % ولكنه في القلب أسود أسفع ) # ويجعل الشىء كالمقلوب إلى حقيقة ضده كما قال # ( غرة بهمة ألا إنما كن % ت أغرا أيام كنت بهيما ) # ويجعل الشىء قريبا بعيدا معا كقوله دان على أيدي العفاة وشاسع وحاضرا ~~وغائبا كما قال # ( أيا غائبا حاضرا في الفؤاد % سلام على الحاضر الغائب ) # ومشرقا مغربا كقوله # ( له إليكم نفس مشرقة % إن غاب عنكم مغربا بدنه ) # وسائرا مقيما كما يجىء في وصف الشعر الحسن الذي يتداوله الرواة وتتهاداة ~~الألسن كما قال القاضي أبو الحسن # ( وجوابه الأفق موقوفة % تسير ولم تبرح الحضرة ) PageV01P112 # وهل يخفي تقريبه المتباعدين وتوفيقه بين المختلفين وأنت تجد إصابة الرجل ~~في الحجة وحسن تخليصه للكلام وقد مثلت تارة بالهناء ومعالجة الإبل الجربي ~~به وأخرى بحز القصاب اللحم وإعماله السكين في تقطيعه وتفريقه في قولهم يضع ~~الهناء مواضع النقب وهو الجرب ويطبق المفصل فانظر هل ترى مزيدا في التناكر ~~والتنافر على ما بين طلا القطران وجنس القول والبيان ثم كرر النظر وتأمل ~~كيف حصل الائتلاف وكيف جاء من ms071 جمع أحدهما إلى الآخر ما يأنس إليه العقل ~~ويحمده الطبع حتى إنك لربما وجدت لهذا المثل إذا أورد عليك في أثناء الفصول ~~وحين تبين الفاضل في البيان من المفضول قبولا ولا ما تجد عند فوح المسك ~~ونشر الغالية وقد وقع ذكر الحز والتطبيق منك موقع ما ينفي الحزازات عن ~~القلب ويزيل أطباق الوحشة عن النفس # وتكلف القول في أن للتمثيل في هذا المعنى المدى الذي لا يجارى إليه ~~والباع الذي لا يطاول فيه كالاحتجاج للضروريات وكفى دليلا على تصرفه فيه ~~باليد الصناع وإيفائه على غايات الابتداع انه يريك العدم وجودا والوجود ~~عدما والميت حيا والحي ميتا أعنى جعلهم الرجل إذا بقى له ذكر جميل وثناء ~~حسن بعد موته كأنه لم يمت وجعل الذكر حياة له PageV01P113 # كما قال ذكرة الفتى عمره الثاني وحكمهم على الخامل الساقط القدر الجاهل ~~الدنىء بالموت وتصييرهم إياه حين لم يكن ما يؤثر عنه ويعرف به كأنه خارج عن ~~الوجود إلى العدم أو كأنه لم يدخل في الوجود # ولطيفة أخرى له في هذا المعنى هي إذا نظرت اعجب والتعجب بها أحق ومنها ~~أوجب وذلك جعل الموت نفسه حياة مستأنفة حتى يقال إنه بالموت استكمل الحياة ~~في قولهم فلان عاش حين مات يراد الرجل تحمله النفس الأبية وكرم النفس ~~والأنفة من العار على أن يسخو بنفسه في الجود والبأس ففعل ما فعل كعب بن ~~مامة في الإتيان على نفسه أو ما يفعله الشجاع المذكور من القتال دون حريمة ~~والصبر في مواطن الاباء والتصميم في قتال الأعداء حتى يكون له يوم لا يزال ~~يذكر وحديث يعاد على مر الدهور ويشهر كما قال ابن نباتة # ( بأبى وأمي كل ذي % نفس تعاف الضيم مرة ) # ( يرضى بان يرد الردى % فيميتها ويعيش ذكره ) # وانه ليأتيك من الشىء الواحد بأشباه عدة ويشتق من الأصل PageV01P114 # الواحد أغصانا في كل غصن ثمر على حدة نحو أن الزند بإيرائه يعطيك شبه ~~الجواد والذكى الفطن وشبه النجح في الأمور والظفر بالمراد وباصلاده شبه ~~البخيل الذي لا يعطيك شيئا ms072 والبليد الذي لا يكون له خاطر ينتج فائدة ويخرج ~~معنى وشبه من يخيب سعيه ونحو ذلك ويعطيك من القمر الشهرة في الرجل والنباهة ~~والعز والرفعة ويعطيك الكمال عن النقصان والنقصان بعد الكمال كقولهم هلال ~~نما فعاد بدرا يراد بلوغ النجل الكريم المبلغ الذي يشبه أصله من الفضل ~~والعقل وسائر معانى الشرف كما قال أبو تمام # ( لهفي على تلك الشو 4 اهد منهما % لو أمهلت حتى تصير شمائلا ) # ( لغدا سكونهما حجى وصباهما % كرما وتلك الأريحية نائلا ) # ( إن الهلال إذا رأيت نموه % أيقنت أن سيصير بدرا كاملا ) # وعلى هذا المثل بعينه يضرب مثلا في ارتفاع الرجل في الشرف والعز من طبقة ~~إلى أعلى منها كما قال البحترى # ( شرف تزيد بالعراق إلى الذي % عهدوه بالبيضاء أو ببلنجرا ) PageV01P115 # ( مثل الهلال بدا فلم يبرح به % صوغ الليالى فيه حتى أقمرا ) # ويعطيك شبه الإنسان في نشأته ونمائه إلى أن يبلغ حد التمام ثم تراجعه إذا ~~انقضت مدة الشباب كما قال # ( المرء مثل هلال حين تبصره % يبدو ضئيلا ضعيفا ثم يتسق ) # ( يزداد حتى إذا ما تم أعقبه % كر الجديدين نقصا ثم ينمحق ) # وكذلك يتفرع من حالتي تمامه ونقصانه فروع لطيفة فمن ذلك قول ابن بابك # ( وأعرت شطر الملك شطر كماله % والبدر في شطر المسافة يكمل ) # قاله في الأستاذ أبي على وقد استوزره فخر الدولة بعد وفاة الصاحب وأبا ~~العباس الضبي وخلع عليهما وقول أبى بكر الخوارزمي # ( أراك إذا أيسرت خيمت عندنا % مقيما وإن أعسرت زرت لماما ) # ( فما أنت إلا البدر إن قل ضوءة % اغب وإن زاد الضياء أقاما ) # المعنى لطيف وإن كانت العبارة لم تساعده على الوجه الذي يحب فإن الأغباب ~~أن يتخلل وقتي الحضور وقت يخلو منه وإنما يصلح لأن يراد أن القمر إذا نقص ~~نوره لم يوال الطلوع كل ليلة بل يظهر في بعض الليالي PageV01P116 # ويمتنع من الظهور في بعض وليس الأمر كذلك لأنه على نقصانه يظهر كل ليلة ~~حتى يكون السرار وقال ابن بابك في نحوه # ( كذا البدر يسفر في تمة % فإن خاف نقص ms073 المحاق انتقب ) # وهكذا ينظر إلى مقابلته الشمس واستمداده من نورها وإلى كون ذلك سبب ~~زيادته ونقصه وامتلائه من النور والائتلاق وحصوله في المحاق وتفاوت حاله في ~~ذلك فيصاغ منه أمثال ويبين أشباه ومقاييس فمن لطيف ذلك قول ابن نباتة # ( قد سمعنا بالغر من آل ساسان % ويونان في العصور الخوالي ) # ( والملوك الأولى إذا ضاع ذكر % وجدوا في سوائر الأمثال ) # ( مكرمات إذا البليغ تعاطى % وصفها لم يجده في الأقوال ) # ( وإذا نحن لم نضفها إلى مد % حك كانت نهاية في الكمال ) # ( إن جمعناهما اضر بها الجمع % وضاعت فيه ضياع المحال ) # ( فهو كالشمس بعدها يملأ البدر % وفي قربها محاق الهلال ) # وغير ذلك من أحواله كنحو ما خرج من الشبه من بعده وارتفاعه وقرب ضوئه ~~وشعاعه في نحو ما مضى من قول البحترى دان على أيدي العفاة البيتين ومن ~~ظهوره بكل مكان ورؤيته في كل موضع كقوله # ( كالبدر من حيث التفت رايته % يهدي إلى عينيك نورا ساطعا ) # في أمثال كذلك تكثر ولم اعرض لما يشبه به من حيث المنظر وما تدركه العين ~~نحو تشبيه الشىء بتقويس الهلال ودقته والوجه بنوره وبهجته فإنا في ذكر ما ~~كان تمثيلا وكان الشبه فيه معنويا PageV01P117 # | فصل آخر # وإن كان مما مضى إلا أن الأسلوب غيرة وهو أن المعنى إذا أتاك ممثلا فهو ~~في الأكثر ينجلى لك بعد أن يحوجك إلى طلبه بالفكرة وتحريك الخاطر له والهمة ~~في طلبه وما كان منه ألطف كان امتناعه عليك اكثر وإباؤه اظهر واحتجابه أشد # ومن المركوز في الطبع أن الشىء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه ~~ومعاناة الحنين نحوه كان نيله أحلى وبالميزة أولى فكان موقعه من النفس اجل ~~وألطف وكانت به أضن واشغف وكذلك ضرب المثل لكل ما لطف موقعه ببرد الماء على ~~الظمأ كما قال # ( وهن ينبذن من قول يصبن به % مواقع الماء من ذي الغلة الصادي ) # وأشباه ذلك مما ينال بعد مكابدة الحاجة إليه وتقدم المطالبة من النفس به ~~فإن قلت فيجب على هذا أن يكون التعقيد والتعمية ms074 وتعمد ما يكسب المعنى غموضا ~~مشرفا له وزائدا في فضله وهذا خلاف ما عليه الناس ألا تراهم قالوا إن خير ~~الكلام ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك فالجواب أنى لم أرد ~~هذا الحد من الفكر والتعب وإنما أردت القدر الذي يحتاج إليه في نحو قوله # ( فإن المسك بعض دم الغزال ) # وقوله # ( وما التأنيث لاسم الشمس عيب % ولا التذكير فخر للهلال ) # وقوله # ( رأيتك في الذين أرى ملوكا % كأنك مستقيم في محال ) PageV01P118 # وقول النابغة # ( فانك كالليل الذي هو مدركي % وإن خلت أن المنتأى عنك واسع ) # وقوله # ( فانك شمس والملوك كواكب % إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ) # وقول البحتري # ( ضحوك إلى الأبطال وهو يروعهم % وللسيف حد حين يسطو ورونق ) # وقول امرىء القيس # ( بمنجرد قيد الأوابد هيكل % ) # وقوله # ( ثم انصرفت وقد أصبت ولم اصب % جذع البصيرة قارح الأقدام ) # فانك تعلم على كل حال أن هذا الضرب من المعنى كالجوهر في الصدف لا يبرز ~~لك إلا أن تشقه عنه وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه ثم ما ~~كل فكر يهتدى إلى وجه الكشف عما اشتمل عليه ولا كل خاطر يؤذن له في الوصول ~~إليه فما كل أحد يفلح في شق الصدفة PageV01P119 # ويكون في ذلك من أهل المعرفة كما ليس كل من دنا من أبواب الملوك فتحت له ~~وكان # ( من النفر البيض الذين إذا اعتزوا % وهاب رجال حلقة الباب قعقعوا ) # أو كما قال # ( تفتح أبواب الملوك لوجهه % بغير حجاب دونه أو تملق ) # وأما التعقيد فإنما كان مذموما لأجل أن اللفظ لم يرتب الترتيب الذي يمثله ~~تحصل الدلالة على الغرض حتى احتاج السامع أن يطلب المعنى بالحيلة ويسعى ~~إليه من غير الطريق كقوله # ( وكذا اسم أغطية العيون جفونها % من أنها عمل السيوف عوامل ) # وانما ذم هذا الجنس لأنه أحوجك إلى فكر زائد على المقدار الذي يجب في ~~مثله وكدك بسوء الدلالة وأودع المعنى لك في قالب غير مستور ولا مملس بل خشن ~~مضرس حتى إذا رمت إخراجه منك عسر عليك وإذا ms075 خرج خرج مشوه الصورة ناقص الحسن # هذا وانما يزيدالطلب فرحا بالمعنى وأنسا به وسرورا بالوقوف عليه إذا كان ~~لذلك أهلا فأما إذا كنت معه كالغائص في البحر يحتمل المشقة العظيمة ويخاطر ~~بالروح ثم يخرج الخرز فالأمر بالضد مما بدأت به ولذلك كان أحق أصناف ~~التعقيد بالذم ما يتعبك ثم لا يجدي عليك ويؤرقك ثم لا يروق لك وما سبيله ~~إلا سبيل البخيل الذي يدعوه لؤم PageV01P120 في نفسه وفساد في حسه إلى أن ~~لا يرضى بضعته في بخله وحرمان فضله حتى يأبى التواضع ولين القول فيتيه ~~ويشمخ بأنفه ويسوم المتعرض له بابا ثانيا من الإحتمال تناهيا في سخفه أو ~~كالذى لا يؤيسك من خيره في أول الأمر فتستريح إلى اليأس ولكنه يطمعك ويسحب ~~على المواعيد الكاذبة حتى إذا طال العناء وكثر الجهد تكشف عن غير طائل ~~وحصلت منه على ندم لتعبك في غير حاصل وذلك مثل ما تجده لأبى تمام من تعسفه ~~في اللفظ وذهابه به في نحو من التركيب لا يهتدى النحو إلى إصلاحه وإغراب في ~~الترتيب يعمى الإعراب في طريقه ويصل في تعريفه كقوله # ( ثانية في كبد السماء ولم يكن % لاثنين ثان إذ هما في الغار ) # وقوله # ( يدي لمن شاء رهن من يذق جرعا % من راحتيك درى ما الصاب والعسل ) ~~PageV01P121 # ولو كان الجنس الذي يوصف من المعاني باللطافة ويعد في وسائط العقود لا ~~يحوجك إلى الفكر ولا يحرك من حرصك على طلبه بمنع جانبه وببعض الادلال عليك ~~واعطائك الوصل بعد الصد والقرب بعد البعد لكان باقلي حاز وبيت معنى هو عين ~~القلادة وواسطة العقد واحدا ولسقط تفاضل السامعين في الفهم والتصور ~~والتبيين وكان كل من روى الشعر عالما به وكل من حفظه إذا كان يعرف اللغة ~~على الجملة ناقدا في تمييز جيده من رديئة وكان قول من قال # ( زوامل للأشعار لا علم عندهم % يجيدها إلا كعلم الأباعر ) # وكقول ابن الرومي # ( قلت لمن قال لي عرضت على الأخفش % ما قلته فما حمده ) # ( قصرت بالشعر حين تعرضه % على مبين العمى إذا ms076 انتقده ) # ( ما قال شعرا ولا رواه فلا % ثعلبة كان لا ولا أسده ) # ( فإن يقل إننى رويت فكالدف % تر جهلا بكل ما اعتقده ) # وما أشبه ذلك دعوى غير مسموعة ولا مؤهلة للقبول فإنما أرادوا بقولهم ما ~~كان معناه إلى قلبك اسبق من لفظه إلى سمعك أن يجتهد المتكلم PageV01P122 في ~~ترتيب اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخل بالدلالة وعاق دون الإبانه ولم ~~يريدوا أن خير الكلام ما كان غفلا مثل ما يتراجعه الصبيان ويتكلم به العامة ~~في السوق # هذا وليس إذا كان الكلام في غاية البيان وعلى أبلغ ما يكون من الوضوح ~~أغناك ذاك عن الفكرة إذا كان المعنى لطيفا فان المعانى الشريفة اللطيفة لا ~~بد فيها من بناء ثان على أول ورد تال إلى سابق أفلست تحتاج في الوقوف على ~~الغرض من قوله # ( كالبدر أفرط في العلو % ) إلى أن تعرف البيت الأول فتتصور حقيقة المراد ~~منه ووجه المجاز في كونه دانيا شاسعا وترقم ذلك في قلبك ثم تعود إلى ما ~~يعرض البيت الثاني عليك من حال البدر ثم تقابل إحدى الصورتين بالأخرى وترد ~~البصر من هذه إلى تلك وتنظر إليه كيف شرط في العلو الإفراط ليشا كل قوله ~~شاسع لأن الشسوع هو الشديد من البعد ثم قابله بما لا يشا كله من مراعاة ~~التناهي في القرب فقال جد قريب فهذا هو الذي أردت بالحاجة إلى الفكر وبأن ~~المعنى لا يحصل لك إلا بعد انبعاث منك في طلبة واجتهاد في نيله # هذا وإن توقفت في حاجتك أيها السامع للمعنى إلى الفكر في تحصيله فهل تشك ~~في أن الشاعر الذي أداه إليك ونشر بزه لديك قد تحمل فيه المشقة الشديدة ~~وقطع إليه الشقة البعيدة وانه لم يصل إلى درة حتى غاص وانه لم ينل المطلوب ~~حتى كابد منه الامتناع والاعتياص ومعلوم أن الشىء إذا علم انه لم ينل في ~~اصله ألا بعد التعب ولم يدرك ألا باحتمال النصب كان للعلم بذلك من أمره من ~~الدعاء إلى تعظيمه وأخذ الناس بتفخيمه ما يكون ms077 لمباشرة الجهد فيه وملاقاة ~~الكرب دونه وإذا عثرت بالهوينا PageV01P123 على كنز من الذهب لم تخرجك ~~سهولة وجوده إلى أن تنسى جملة انه الذي كد الطالب وحمل المتاعب حتى إن لم ~~تكن فيك طبيعة من الجود تتحكم عليك ومحبة للثناء تستخرج النفيس من يديك كان ~~من أقوى حجج الضن الذي يخامر الإنسان أن تقول إن لم يكدنى فقد كد غيري كما ~~يقول الوارث للمال المجموع عفوا إذا ليم على بخله به وفرط شحه عليه إن لم ~~يكن كسبي وكدي فهو كسب والدي وجدي ولئن لم الق فيه عناء لقد عانى سلفي فيه ~~الشدائد ولقوا في جمعه الأمرين أفأضيع ما ثمروه وأفرق ما جمعوه وأكون ~~كالهادم لما أنفقت الأعمار في بنائه والمبيد لما قصرت الهمم على إيمائه # وإنك لا تكاد تجد شاعرا يعطيك في المعانى الدقيقة من التسهيل والتقريب ~~ورد البعيد الغريب إلى المألوف القريب ما يعطى البحتري ويبلغ في هذا مبلغه ~~فإنه ليروض لك المهر الارن رياضه الماهر حتى يعنق من تحتك اعناق القارح ~~المذلل وينزع من شماس الصعب الجامع حتى يلين لك لين المنقاد المطيع ثم لا ~~يمكن ادعاء أن جميع شعره في قلة الحاجة إلى الفكر والغنى عن فضل النظر ~~كقوله # ( فؤادي منك ملآن % وسرى فيك إعلان ) # وقوله # ( عن أي ثغر تبتسم % ) PageV01P124 # وهل ثقل على المتوكل قصائده الجياد حتى قل نشاطه لها واعتناؤه بها إلا ~~لأنه لم يفهم معانيها كما فهم معاني النوع النازل الذي انحط له إليه أتراك ~~تستجيز أن تقول إن قوله منى النفس في أسماء لو تستطيعها من جنس المعقد الذي ~~لا يحمد وإن هذه الضعيفة الأسر الواصلة إلى القلوب من غير فكر أولى بالحمد ~~وأحق بالفضل # هذا والمعقد من الشعر والكلام لم يذم لأنه مما تقع حاجة فيه إلى الفكر ~~على الجملة بل لأن صاحبه يعثر فكرك في متصرفه ويشيك طريقك إلى المعنى ~~PageV01P125 # ويوعر مذهبك نحوه بل ربما قسم فكرك وشعب ظنك حتى لا تدرى من أين تتوصل ~~وكيف تطلب # وأما الملخص فيفتح لفكرتك الطريق ms078 المستوى ويمهده وإن كان فيه تعاطف أقام ~~عليه المنار وأوقد فيه الأنوار حتى تسلكه سلوك المتبين لوجهته وتقطعه قطع ~~الواثق بالنجح في طيته فترد الشريعة زرقاء والروضة غناء فتنال الرى وتقطف ~~الزهر الجنى وهل شىء أحلى من الفكرة إذا استمرت وصادفت نهجا مستقيما ومذهبا ~~قويما وطريقة تنقاد وتبينت لها الغاية فيما ترتاد فقد قيل قرة العين وسعة ~~الصدر وروح القلب وطيب النفس من أربعة أمور الاستبانة للحجة والأنس بالأحبة ~~والثقة بالعدة والمعاينة للغاية وقال الجاحظ في أثناء فصل يذكر فيه ما في ~~الفكر والنظر من الفضيلة وأين تقع لذة البهيمة بالعلوفة ولذة السبع بلطم ~~الدم واكل اللحم من سرور الظفر بالأعداء ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان ~~قرعه وبعد فإذا أعدت PageV01P126 الحلبات لجرى الجياد ونصبت الأهداف ليعرف ~~فضل الرماة في الإبعاد والسداد فرهان العقول التي تستبق ونضالها الذي تمتحن ~~قواها في تعاطيه هو الفكر والروية والقياس والاستنباط # ولن يبعد المدى في ذلك ولا يدق المرمى إلا بما تقدم من تقرير الشبه بين ~~الأشياء المختلفة فإن الأشياء المشتركة في الجنس المتفقة في النوع تستغنى ~~بثبوت الشبه بينها وقيام الاتفاق فيها عن تعمل وتأمل في إيجاب ذلك لها ~~وتثبيته فيها وأنها لصنعة تستدعى جودة القريحة والحذق الذي يلطف ويدق في أن ~~يجمع أعناق المتنافرات المتباينات في ربقه ويعقد بين الأجنبيات معاقد نسب ~~وشبكة وما شرفت صنعة ولا ذكر بالفضيلة عمل إلا لأنهما يحتاجان من دقة الفكر ~~ولطف النظر ونفاذ الخاطر إلى مالا يحتاج إليه غيرهما ويحتكمان على من ~~زاولهما والطالب لهما في هذا المعنى ما لا يحتكم ما عداهما ولا يقتضيان ذلك ~~إلا من جهة إيجاد الائتلاف في المختلفات وذلك بين لك فيما تراه من الصناعات ~~وسائر الأعمال التى تنسب إلى الدقة فإنك تجد الصورة المعمولة فيها كلما ~~كانت أجزاؤها أشد اختلافا في الشكل والهيئة ثم كان التلاؤم بينها مع ذلك ~~أتم والائتلاف أبين كان شأنها اعجب والحذق لمصورها أوجب PageV01P127 # وإذا كان هذا ثابتا موجودا ومعلوما معهودا من حال الصور المصنوعة ~~والأشكال ms079 المؤلفة فاعلم أنها القضية في التمثيل واعمل عليها واعتقد صحة ما ~~ذكرت لك من أخذ الشبه للشيء مما يخالفه في الجنس وينفصل عنه من حيث ظاهر ~~الحال حتى يكون هذا شخصا يملأ المكان وذاك معنى لا يتعدى الأفهام والأذهان ~~وحتى أن هذا إنسان يعقل وذاك جماد أو موات لا يتصف بأنه يعلم أو يجهل وهذا ~~نور شمس يبدو في السماء ويطلع وذاك معنى كلام يوعى ويسمع وهذا روح يحيى به ~~الجسد وذاك فضل ومكرمة تؤثر وتحمد كما قال # ( إن المكارم أرواح يكون لها % آل المهلب دون الناس أجسادا ) # وهذا مقال متعصب منكر للفضل حسود وذاك نار تلتهب في عود وهذا مخلاف وذاك ~~ورق خلاف كما قال ابن الرومي # ( بذل الوعد للإخلاء سمحا % وأبى بعد ذاك بذل العطاء ) # ( فغدا كالخلاف يورق للعين % ويأبى الإثمار كل الإباء ) # وهذا رجل يروم العدو تصغيره والأزراء به فيأبى فضله إلا ظهورا وقدره إلا ~~سموا وذاك شهاب من نار تصوب وهي تعلو وتخفض وهى ترتفع كما قال أيضا # ( ثم حاولت بالمثيقيل تصغيري % فما زدتنى سوى التعظيم ) # ( كالذي طأطأ الشهاب ليخفي % وهو أدنى له إلى التضريم ) # وأخذ هذا المعنى من كلام في حكم الهند وهو أن الرجل ذا المروءة والفضل ~~PageV01P128 ليكون خامل المنزلة غامض الأمر فما تبرح به مروءته وعقله حتى ~~يستبين ويعرف كالشعله من النار التى يصوبها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعا # هذا هو الموجب للفضيلة والداعى إلى الاستحسان والشفيع الذي أحظى التمثيل ~~عند السامعين واستدعى له الشغف والولوع من قلوب العقلاء الراجحين ولم تأتلف ~~هذه الأجناس المختلفة للمتمثل ولم تتصادف هذه الأشياء المتعاديه على حكم ~~المشبه إلا لأنه لم يراع ما يحضر العين ولكن ما يستحضر العقل ولم يعن بما ~~تنال الرؤبة بل بما تعلق الروية ولم ينظر إلى الأشياء من حيث توعى فتحويها ~~الأمكنة بل من حيث تعيها القلوب الفطنة ثم على حسب دقة المسلك إلى ما ~~استخرج من الشبه ولطف المذهب وبعد التصعد إلى ما حصل من الوفاق استحق مدرك ~~ذلك المدح واستوجب التقديم ms080 واقتضاك العقل أن تنوه بذكره وتقضى بالجنى في ~~نتائج فكره نعم وعلى حسب المراتب في ذلك وأعطيته في بعض منزلة الحاذق الصنع ~~والملهم المؤيد والألمعي المحدث الذي سبق إلى اختراع نوع من الصنعة حتى ~~يصير إماما ويكون من بعده PageV01P129 # تبعا له وعيالا عليه وحتى تعرف تلك الصنعة بالنسبة إليه فيقال صنعة فلان ~~وعمل فلان ووضعته في بعض موضع المتعلم الذكى والمقتدي المصيب في إقتدائه ~~الذي يحسن التشبه بمن أخذ عنه ويجيد حكاية العمل الذي استفاد ويجتهد أن ~~يزداد # واعلم أنى لست أقول لك انك متى ألفت الشىء ببعيد عنه في الجنس على الحملة ~~فقد أصبت وأحسنت ولكن أقوله بعد تقييد وبعد شرط وهو أن تصيب بين المختلفين ~~في الجنس وفي ظاهر الأمر شبها صحيحا معقولا وتجد للملائمة والتأليف السوى ~~بينهما مذهبا وإليهما سبيلا وحتى يكون ائتلافهما الذي يوجب تشبيهك من حيث ~~العقل والحدس في وضوح اختلافهما من حيث العين والحس فإما أن تستكره الوصف ~~وتروم أن تصوره حيث لا يتصور فلا لأنك تكون في ذلك بمنزلة الصانع الأخرف ~~يضع في تأليفه وصوغه الشكل بين شكلين لا يلائمانه ولا يقبلانه حتى تخرج ~~الصورة مضطربة وتجىء فيها نتو ويكون للعين عنها من تفاوتها نبو وإنما قيل ~~شبهت ولا تعنى في كونك مشبها أن تذكر حرف التشبيه أو تستعير إنما تكون ~~مشبها بالحقيقة بأن ترى الشبه وتبينه ولا يمكنك بيان ما لا يكون وتمثيل ما ~~لا تتمثله الأوهام والظنون # ولم أرد بقولى إن الحذق في إيجاد الائتلاف بين المختلفات في الأجناس أنك ~~تقدر أن تحدث هناك مشابهة ليس لها أصل في العقل وإنما المعنى أن هناك ~~مشابهات خفية بدق المسلك إليها فإذا تغلغل فكرك فأدركها فقد PageV01P130 ~~استحققت الفضل ولذلك يشبه المدقق في المعانى كالغائص على الدر ووزان ذلك أن ~~القطع التى يجىء من مجموعها صورة الشنف والخاتم أو غيرهما من الصور المركبة ~~من أجزاء مختلفة الشكل لو لم يكن بينها تناسب أمكن ذلك التناسب أن يلائم ~~بينها الملائمة المخصوصة ويوصل الوصل الخاص لم ms081 يكن ليحصل لك من تأليفها ~~الصورة المقصودة # ألا ترى انك لو جئت بأجزاء مخالفة لها في الشكل ثم أردتها على أن تصير ~~إلى الصورة التي كانت من تلك الأولى طلبت ما يستحيل فإنما استحققت الأجرة ~~على الغوص وإخراج الدر لا أن الدر كان بك واكتسى شرفة من جهتك ولكن لما كان ~~الوصول إليه صعبا وطلبه عسيرا ثم رزقت ذلك وجب أن يجزل لك ويكبر صنيعك # ألا ترى أن التشبيه الصريح إذا وقع بين شيئين متباعدين في الجنس ثم لطف ~~وحسن لم يكن ذلك اللطف وذلك الحسن إلا لاتفاق كان ثابتا بين المشبه والمشبه ~~به من الجهة التى بها شبهت إلا أنه كان خفيا لا ينجلى إلا بعد التألق في ~~استحضار الصور وتذكرها وعرض بعضها على بعض والتقاط النكتة المقصودة منها ~~وتجريدها من سائر ما يتصل بها نحو أن يشبه الشىء بالشىء في هيئة الحركة ~~فتطلب الوفاق بين الهيئة والهيئة والهيئة مجردة من الجسم وسائر ما فيه من ~~اللون وغيره من الأوصاف كما فعل ابن المعتز في تشبيه البرق حيث قال # ( وكأن البرق مصحف قار % فانطباقا مرة وانفتاحا ) PageV01P131 # لم ينظر من جميع أوصاف البرق ومعانيه إلا إلى الهيئة التى تجدها العين له ~~عن انبساط يعقبه انقباض وانتشار يتلوه انضمام ثم فكر في نفسه عن هيآت ~~الحركات لينظر أيها أشبه بها فأصاب ذلك فيما يفعله القارىء من الحركة ~~الخاصة في المصحف إذا جعل يفتحه مرة ويطبقه أخرى ولم يكن إعجاب هذا التشبيه ~~لك وإيناسه إياك لأن الشيئين مختلفان في الجنس أشد الاختلاف فقط بل لأن حصل ~~بإزاء الاختلاف اتفاق كأحسن ما يكون واتمه فبمجموع الأمرين شدة ائتلاف في ~~شدة اختلاف حلا وحسن وراق وفتن # ويدخل في هذا الموضع الحكاية المعروفة في حديث عدى بن الرقاع قال جرير ~~انشدنى عدى عرف الديار توهما فاعتادها فلما بلغ إلى قوله تزجى أغن كان ابرة ~~روقة رحمته وقلت قد وقع ما عساه يقول وهو أعرابي جلف جاف فلما قال قلم أصاب ~~من الدواة مدادها استحالت الرحمة ms082 حسدا فهل كانت الرحمة في الأولى والحسد في ~~الثانية PageV01P132 # إلا أنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أول الفكر وبديهة ~~الخاطر وفي القريب من محل الظن شبه وحين أتم التشبيه وأداه صادفة قد ظفر ~~بأقرب صفة من أبعد موصوف وعثر على خبىء مكانه غير معروف وعلى ذلك استحسنوا ~~قول الخليل في انقباض كف البخيل # ( كفاك لم تخلقا للندى % ولم يك بخلهما بدعه ) # ( فكف عن الخير مقبوضة % كما نقصت مائة سبعة ) # ( وكف ثلاثة آلافها % وتسع مئيها لها منعه ) # وذلك انه أراك شكلا واحدا في اليدين مع اختلاف العددين ومع اختلاف ~~المرتبتين في العدد أيضا لأن أحدهما من مرتبة العشرات والآحاد والآخر من ~~مرتبة المئين والألوف فلما حصل الاتفاق كأشد ما يكون في شكل اليد مع ~~الاختلاف كأبلغ ما يوجد في المقدار والمرتبة من العدد كان التشبيه ~~PageV01P133 بديعا قال المرزبانى وهذا مما أبدع فيه الخليل لأنه وصف انقباض ~~اليدين بحالين من الحساب مختلفين في العدد متشاكلين في الصورة وقوله هذا ~~إجمال ما فصلته # ومما ينظر إلى هذا الفصل ويداخله ويرجع إليه حين تحصيله الجنس الذي يراد ~~فيه كون الشىء من الأفعال سببا لضده كقولنا أحسن من حيث قصد الإساءة ونفع ~~من حيث أراد الضر إذا لم يقنع التشاغل بالعبارة الظاهرة والطريقة المعروفة ~~وصور في نفس الإساءة الإحسان وفي البخل الجود وفي المنع العطاء وفي موجب ~~الذم موجب الحمد وفي الحالة التي حقها أن تعد على الرجل حكم ما يعتد له ~~والفعل الذي هو بصفة ما يعاب وينكر صفة ما يقبل المنة ويشكر فيدل ذلك بما ~~يكون فيه من الوفاق الحسن مع الخلاف البين على حذق شاعرة وعلى جودة طبعه ~~وحدة خاطره وعلو مصعده وبعد غوصه إذا لم يفسده بسوء العبارة ولم يخطئه ~~التوفيق في تلخيص الدلالة وكشف تمام الكشف عن سرو المعنى وسره بحسن البيان ~~وسحره مثال ما كان من الشعر بهذه الصفة قول أبي العتاهية # ( جزى البخيل على صالحة % عنى لخفته على ظهرى ) # ( أعلى وأكرم عن ms083 يديه يدى % فعلت ونزه قدره قدرى ) # ( ورزقت من جدواه عافية % أن لا يضيق لشكره صدري ) # ( وغنيت خلوا من تفضله % أحنو عليه بأحسن العذر ) # ( ما فاتنى خير امرىء وضعت % عني يداه مؤنة الشكر ) PageV01P134 # ومن اللطيف مما يشبه هذا قول الآخر # ( اعتقني سوء ما صنعت من الر % مق فيا بردها على كبدي ) # ( فصرت عبدا للسوء فيك وما % احسن سوء قبلي إلى أحد ) # | فصل # # | هذا فن آخر من القول يجمع التشبيه والتمثيل جميعا # اعلم أن معرفة الشىء من طريق الجملة غير معرفته من طريق التفصيل فنحن وإن ~~كنا لا يشكل علينا الفرق بين التشبيه الغريب وغير الغريب إذا سمعنا بهما ~~فإن لوضع القوانين وبيان التقسيم في كل شىء وتهيئة العبارة في الفروق فائدة ~~لا ينكرها المميز ولا يخفي أن ذلك أتم للغرض وأشفى للنفس والمعنى الجامع في ~~سبب الغرابة أن يكون الشبه المقصود من الشىء مما لا ينزع إليه الخاطر ولا ~~يقع في الوهم عند بديهة النظر إلى نظيره الذي يشبه به بل بعد تثبت وتذكر ~~وفكر للنفس في الصور التي تعرفها وتحريك الوهم في استعراض ذلك واستحضار ما ~~غاب منه # بيان ذلك انك كما ترى الشمس ويجرى في خاطرك استدارتها ونورها تقع في قلبك ~~المرآة المجلوة ويتراءى لك الشبه منها فيها وكذلك إذا نظرت إلى الوشى ~~منشورا وتطلبت لحسنه ونقشه واختلاف الأصباغ فيه شبها حضرك ذكر الروض ممطورا ~~مفترا عن أزهاره متبسما عن أنواره وكذلك إذا نظرت إلى السيف الصقيل عند سلة ~~وبريق متنه لم يتباعد عنك أن تذكر انعقاق البرق وإن كان هذا أقل ظهورا من ~~الأول PageV01P135 # وعلى هذا القياس ولكنك تعلم أن خاطرك لا يسرع إلى تشبيه الشمس بالمرآة في ~~كف الأشل كقوله # ( والشمس كالمرآة في كف الأشل % ) هذا الإسراع ولا قريبا منه ولا إلى ~~تشبيه البرق بإصبع السارق كقول كشاجم # ( أرقت أم نمت لضوء بارق % مؤتلق مثل فؤاد العاشق ) # ( كأنه إصبع كف السارق % ) # وكقول ابن بابك # ( ونضنض في حصنى سحائل بارق % له جذوة من زبرج اللاذ لامعه ) # ( تعوج في ms084 أعلى السحاب كأنها % بنان يد من كلة اللاذ ضارعه ) # ولا إلى تشبيه البرق في انبساطه وانقباضه والتماعه وائتلاقه بانفتاح ~~المصحف وانطباقه فيما مضى من قول ابن المعتز # ( وكأن البرق مصحف قار % فانطباقا مرة وانفتاحا ) # ولا إلى تشبيه سطور الكتاب بأغصان الشوك في قوله # ( بلفظ يأخذ الحرف المحلى % كأن سطوره أغصان شوك ) # ولا إلى تشبيه الشقيق بأعلام ياقوت على رماح زبرجد كقول الصنوبري # ( وكأن محمر الشقيق % إذا تصوب أو تصعد ) PageV01P136 # ( أعلام ياقوت نشر % ن على رماح من زبرجد ) # ولا إلى تشبيه النجوم طالعات في السماء مفترقات مؤتلفات في أديمها وقد ~~مازجت زرقة لونها بياض نورها بدر منثور على بساط أزرق كقول أبي طالب الرقى # ( وكأن أجرام النجوم لوامعا % درر نثرن على بساط أزرق ) # ولا ما جرى في هذا السبيل وكان من هذا القبيل بل تعلم أن الذي سبقك إلى ~~أشباه هذه التشبيهات لم يسبق إلى مدى قريب بل أحرز غاية لا ينالها غير ~~الجواد وقرطس في هدف لا يصاب إلا بعد الاحتفال والاجتهاد # واعلم انك إن أردت أن تبحث بحثا ثانيا حتى تعلم لم وجب أن يكون بعض الشبه ~~على الذكر أبدا وبعضه كالغائب عنه وبعضه كالبعيد عن الحضرة لا ينال إلا بعد ~~قطع مسافة إليه وفضل تعطف بالفكر عليه فإن ههنا ضربين من العبرة يجب أن ~~تضبطهما أولا ثم ترجع في أمر التشبيه فإنك حينئذ تعلم السبب في سرعة بعضه ~~إلى الفكر وإباء بعض أن يكون له ذلك الإسراع فإحدى العبرتين أنا نعلم أن ~~الجملة أبدا أسبق إلى النفوس من التفصيل وإنك تجد الرؤية نفسها لا تصل ~~بالبديهة PageV01P137 # إلى التفصيل ولكنك ترى بالنظر الأول والوصف على الجملة ثم ترى التفصيل ~~عند إعادة النظر ولذلك قالوا النظرة الأولى حمقاء وقالوا لم ينعم النظر ولم ~~يستقص التأمل وهكذا الحكم في السمع وغيرة من الحواس فإنك تتبين من تفاصيل ~~الصوت بأن يعاد عليك حتى تسمعه مرة ثانية ما لم تتبينه بالسماع الأول وتدرك ~~من تفصيل طعم الذوق بأن تعيده إلى اللسان ما لم ms085 تعرفه في الذوقة الأولى ~~وبإدراك التفصيل يقع التفاضل بين راء وراء وسامع وسامع وهكذا فأما الجمل ~~فتستوى فيها الأقدام ثم تعلم أنك في إدراك تفصيل ما تراه وتسمعه أو تذوقه ~~كمن ينتقى الشىء من بين جملة وكمن يميز الشىء مما قد اختلط به فأنك حين لا ~~يهمك التفصيل كمن يأخذ الشىء جزافا وجرفا # وإذا كانت هذه العبرة ثابتة في المشاهدة وما يجرى مجراها مما تناله ~~الحاسة فالأمر في القلب كذلك تجد الجمل أبدا هي التى تسبق إلى الأوهام وتقع ~~في الخاطر أولا وتجد التفاصيل مغمورة فيما بينها وتراها لا تحضر إلا يعد ~~إعمال الروية واستعانة بالتذكر ويتفاوت الحال في الحاجة إلى الفكر بحسب ~~مكان الوصف ومرتبته من حد الجملة وحد التفصيل وكلما كان أوغل في التفصيل ~~كانت الحاجة إلى التوقف والتذكر أكثر والفقر إلى التأمل والتمهل أشد ~~PageV01P138 # وإذ قد عرفت هذه العبرة فالاشتراك في الصفة إذا كان من جهة الجملة على ~~الإطلاق بحيث لا يشوبه شىء من التفصيل نحو أن كلا الشيئين أسود أو أحمر فهو ~~يقل عن أن يحاج فيه إلى قياس وتشبيه فإن دخل في التفصيل شيئا نحو إن هذا ~~السواد صاف براق والحمرة رقيقة ناصعة احتجت بقدر ذلك إلى إدارة الفكر وذلك ~~مثل تشبيه حمرة الخد بحمرة التفاح والورد فإن زاد تفصيله بخصوص تدق العبارة ~~عنه ويتعرف بفضل تأمل ازداد الأمر قوة في اقتضاء الفكر وذلك نحو تشبيه سقط ~~النار بعين الديك في قوله # ( وسقط كعين الديك عاورت صحبتى % ) PageV01P139 # وذلك أن ما في عينه من تفصيل وخصوص يزيد على كون الحمرة رقيقة ناصعة ~~والسواد صافيا براقا وعلى هذا تجد هذا الحد من المرتبة التي لا يستوي فيها ~~البليد و والذكي والمهمل نفسه والمتقيقظ المستعد للفكر والتصور # فقوله # ( كأن على أنيابها كل سحرة % صياح البوازي من صريف اللوائك ) # أرفع طبقة من قوله # ( كأن صليل المرو حين تشذه % صليل زيوف ينتقدون بعبقرا ) # لأن التفصيل والخصوص في صوت البازي أبين وأظهر منه في صليل الزيوف وكما ~~أن قوله يصف الفرس ms086 # ( و للفؤاد وجيب تحت أبهره % لدم الغلام وراء الغيب بالحجر ) PageV01P140 # لا يستوي بتشبيه وقع الحوافر بهزمة الرعد وتشبيه الصوت الذي يكون لغليان ~~القدر بنحو ذلك كقوله # ( لها لغط جنح الظلام كأنه % عجارف غيث رائح متهزم ) # لأن هناك من التفصيل الحسن ما تراه وليس في كون الصوت من جنس اللغط تفصيل ~~يعتد به وإنما هو كالزيادة والشدة في الوصف ومثال ذلك مثال أن يكون جسم ~~اعظم من جسم في انه لا يتجاوز مرتبة الجمل كبير تجاوز فإذا رأى الرجل شخصا ~~قد زاد على المعتاد في العظم والضخامة لم يحتج في تشبيهه بالفيل أو الجبل ~~أو نحو ذلك إلى شىء من الفكر بل يحضره ذلك حضور ما يعرف بالبديهة # والمقابلات التي تريك الفرق بين الجملة والتفصيل كثيرة ومن اللطيف في ذلك ~~أن تنظر إلى قوله # ( يتابع لا يبتغي غيره % بأبيض كالقبس الملتهب ) PageV01P141 ثم تقابل به ~~قوله # ( جمعت ردينيا كأن سنانه % سنا لهب لم يتصل بدخان ) # فإنك ترى بينهما من التفاوت في الفضل ما تراه مع أن المشبه به في ~~الموضعين شىء واحد وهو شعلة النار و ما ذاك إلا من جهة أن الثاني قصد إلى ~~تفصيل لطيف ومر الأول على حكم الجمل ومعلوم أن هذا التفصيل لا يقع في الوهم ~~في أول وهلة بل لا بد فيه من أن تتثبت وتتوقف وتروى وتنظر في حال كل واحد ~~من الفرع والأصل حتى يقوم حينئذ في نفسك أن في الأصل شيئا يقدح في حقيقة ~~الشبه وهو الدخان الذي يعلو رأس الشعلة وأنه ليس في رأس السنان ما يشبه ذلك ~~وأنه إذا كان كذلك كان التحقيق وما يؤدي الشيء كما هو أن تستثنى الدخان ~~وتنقى اتصاله باللهب وتقصر التشبيه على مجرد السنا وتصور السنان فيه مقطوعا ~~عن الدخان PageV01P142 ولو فرضت أن يقع هذا كله على حد البديهة من غير أن ~~يخطر ببالك ما ذكرت لك قدرت محالا لا يتصور كما أنك لو قدرت أن يكون تشبيه ~~الثريا بعنقود ملاحية حين نور بمنزله تشبيهها بالنور على ms087 الإطلاق أو تفتح ~~نور فقط كما قال # ( كأن الثريا في أواخر ليلها % تفتح نور ) # حتى ترى حاجتهما إلى التأمل على مقدار واحد وحتى لا يحوج أحدهما من ~~الرجوع إلى النفس وبحثها عن الصور التي تعرفها إلا إلى مثل ما يحوج إليه ~~الآخر أسرفت في المجازفة ونقصت يدا بالصواب والتحقيق # والعبرة الثانية أن مما يقتضى كون الشىء على الذكر وثبوت صورته في النفس ~~أن يكثر دورانه على العيون ويدوم تردده في مواقع الأبصار وأن تدركه الحواس ~~في كل وقت أو في أغلب الأوقات وبالعكس وهو أن من سبب بعد ذلك الشىء عن أن ~~يقع ذكره بالخاطر وتعرض صورته في النفس قلة رؤيته وأنه مما يحس بالفيئة بعد ~~الفيئة وفي الفرط بعد الفرط وعلى طريق الندرة وذلك أن العيون هي التي تحفظ ~~صورة الأشياء على النفوس وتجدد عهدها بها وتحرسها من أن تدثر وتمنعها أن ~~تزول ولذلك قالوا من غاب عن العين فقد غاب عن القلب وعلى المعنى كانت ~~المدارسة والمناظرة في العلوم وكرورها على الاسماع سبب سلامتها من النسيان ~~والمانع لها من التفلت والذهاب PageV01P143 # وإذا كان هذا أمرا لا يشك فيه بان منه أن كل شبه رجع إلى وصف أو صورة أو ~~هيئة من شأنها أن ترى وتبصر أبدا فالتشبيه المعقود عليه نازل مبتذل وما كان ~~بالضد من هذا وفي الغاية القصوى من مخالفته فالتشبيه المردود إليه غريب ~~نادر بديع ثم تتفاضل التشبيهات التي تجىء واسطة لهذين الطرفين بحسب حالها ~~منهما فما كان منها إلى الطرف الأول أقرب فهو أدنى وأنزل وما كان إلى الطرف ~~الثاني أذهب فهو أعلى وأفضل وبوصف الغريب أجدر # واعلم أن قولنا التفصيل عبارة جامعة ومحصولها على الجملة أن معك وصفين أو ~~أوصافا فأنت تنظر فيها واحدا واحدا وتفصل بالتأمل بعضها من بعض وقد أرتك في ~~الجملة حاجة إلى أن تنظر في أكثر من شىء واحد وأن تنظر في الشىء الواحد إلى ~~أكثر من جهة واحدة ثم إنه يقع على أوجه أحدها وهو الأول والأحق بهذه ~~العبارة ms088 أن تفصل بان تأخذ بعضا وتدع بعضا كما فعل في اللهب حين عزل الدخان ~~عن السنا وجرده وكما فعل الآخر حين فصل الحدق عن الجفون وأثبتها مفردة فيما ~~شبه وذلك قوله # ( لها حدق لم تتصل بجفون % ) # ويقع في هذا الوجه من التفصيل لطائف فمنها قول أبن المعتز # ( يطارح النظرة في كل أفق % ذى منسر أقنى إذا شك خرق ) # ( ومقلة تصدقه إذا رمق % كأنها نرجسة بلا ورق ) PageV01P144 # وقوله # ( تكتب فيه أيدي المزاج لنا % ميمات سطر بغير تعريق ) # والثاني أن تفصل بأن تنظر من المشبه في أموره لتعتبرها كلها وتطلبها فيما ~~يشبه به وذلك كاعتبارك في تشبيه الثريا بالعنقود الأنجم نفسها والشكل منها ~~واللون وكونها مجتمعة على مقدار في القرب والبعد فقد نظرت في الأمور واحدا ~~واحدا وجعلتها بتأملك فصلا فصلا ثم جمعتها في تشبيهك وطلبك للهيئة الحاصلة ~~من عدة أشخاص الأنجم والأصناف التي ذكرت لك من الشكل واللون والتقارب على ~~وجه مخصوص هيئة أخرى شبيهة بها فأصبتها في العنقود المنور من الملاحية ولم ~~يقع لك التشبيه بينهما إلا بأن فصلت أيضا أجزاء العنقود بالنظر وعلمت أنها ~~خصل بيض وأن فيها شكل استدارة النجم ثم الشكل إلى الصغر ما هو كما أن شكل ~~أنجم الثريا كذلك وأن هذه الخصل لا مجتمعة اجتماع النظام والتلاصق ولا هي ~~شديدة الافتراق بل لها مقادير في التقارب والتباعد على نسبة قريبة مما تجده ~~في رأى العين بين تلك الأنجم بذلك على أن PageV01P145 # التشبيه موضوع على مجموع هذه الأوصاف حتى أنا لو فرضنا في تلك الكواكب أن ~~تفترق وتتباعد تباعدا أكثر مما هي عليه الآن أو قدر في العنقود أن ينثر لم ~~يكن التشبيه بحاله # وكذلك الحكم في تشبيه الثريا باللجام المفضض لأنك راعيت الهيئة الخاصة من ~~وقوع تلك القطع والأطراف بين اتصال وانفصال وعلى الشكل الذي يوجبه موضوع ~~اللجام ولو فرضت أن تركب مثلا على سنن واحد طولا في سير واحد مثلا ويلصق ~~بعضها ببعض بطل التشبيه وكذا قوله # ( تعرض أثناء الوشاح المفصل % ) # وقد اعتبر فيه ms089 هيئة التفصيل في الوشاح والشكل الذى يكون عليه الخرز ~~المنظوم في الوشاح فصار اعتبار التفصيل اعجب تفصيل في التشبيه # ( والوجه الثالث ) أن تفصل بأن تنظر إلى خاصة بعض الجنس كآلتي تجدها في ~~صوت البازى وعين الديك فأنت تأبى أن تمر على جمله أن هذا صوت وذاك حمرة ~~ولكن تفصل فتقول فيهما ما ليس في كل صوت وكل حمره # واعلم أن هذه القسمة في التفصيل موضوعه على الأغلب الأعرف وإلا فدقائقه ~~لا تكاد تضبط فمما يكثر فيه التفصيل ويقوى معناه فيه ما كان PageV01P146 من ~~التشبيه مركبا بين شيئين أو اكثر وهو ينقسم قسمين # أحدهما أن يكون شيئا بقدر المشبه وبصفته أولا يكون ومثال ذلك تشبيه ~~النرجس بمداهن در حشوهن عقيق وتشبيه الشقيق بأعلام ياقوت نشرت على رماح من ~~زبرجد لأنك في هذا النحو تحصل الشبه بين شيئين يقدر اجتماعهما على وجه ~~مخصوص وبشرط معلوم فقد حصله في النرجس من شكل المداهن والعقيق بشرط أن تكون ~~المداهن من الدر وأن يكون العقيق في الحشو منها وكذلك أشترط هيئة الأعلام ~~وأن تكون من الياقوت وأن تكون منشورة على رماح من زبرجد فبك حاجة في ذلك ~~إلى مجموع أمور لو أخللت بواحد منها لم يحصل الشبه وكذلك لو خالفت الوجه ~~المخصوص في الإجتماع والاتصال بطل الغرض فكما بك حاجة إلى أن يكون الشكل ~~شكل المدهن وأن يكون من الدر وأن يكون معه العقيق فبك أيضا فقر إلى أن يكون ~~العقيق في حشو المداهن وعلى هذا القياس # والقسم الثاني أن تعتبر في التشبيه هيئة تحصل من اقتران شيئين وذلك ~~الاقتران مما يوجد ويكون ومثاله قوله # ( غدا والصبح تحت الليل باد % كطرف أشهب ملقى الجلال ) # قصد الشبه الحاصل لك إذا نظرت إلى الصبح والليل جميعا وتأملت حالهما معا ~~وأراد أن يأتي بنظير للهيئة المشاهدة من مقارنة أحدهما الآخر ولم يرد أن ~~يشبه الصبح على الإنفراد والليل على الإنفراد كما لم يقصد الأول أن يشبه ~~الدائرة البيضاء من النرجس بمدهن الدر ثم يستأنف تشبيها للثانية بالعقيق بل ms090 ~~أراد أن يشبه الهيئة الحاصلة من مجموع الشكلين من غير أن يكون بين في البين ~~ثم إن هذا الاقتران الذي وضع عليه التشبيه مما يوجد PageV01P147 ويعهد إذ ~~ليس وجود الفرس الأشهب قد ألقى الجل من المعوز فيقال أنه مقصور على التقدير ~~والوهم # فأما الأول فلا يتعدى التوهم وتقدير أن يصنع ويعمل فليس في العادة أن ~~تتخذ صورة أعلاها ياقوت على مقدار العلم وتحت ذلك الياقوت قطع مطاولة من ~~الزبرجد كهيئة الأرماح والقامات وكذلك لا يكون ههنا مداهن تصنع من الدر ثم ~~يوضع في أجوافها عقيق وفي تشبيه الشقيق زيادة معنى تباعد الصورة من الوجود ~~وهو شرطة أن تكون أعلاما منشورة والنشر في الياقوت وهو حجر لا يتصور موجودا # وبقى أن تعلم أن الوجه في إلقاء الجل أن تريد أنه أداره عن ظهره وأزاله ~~عن مكانه حتى تكشف أكثر جسده لا أنه رمى به جملة حتى أنفصل منه لأنه إذا ~~أراد ذلك كان قد قصد إلى تشبيه الصبح وحده من غير أن يفكر في الليل ولم ~~يشاكل قوله في أول البيت ( ^ والصبح تحت الليل باد % ) # وأما قوله # ( إذا تبدى البرق منها خلته % بطن شجاع في كئيب يضطرب ) # ( وتارة تبصره كأنه % أبلق مال جله حين وثب ) # فلا شبه فيه أن يكون القصد إلى تشبيه البرق وحده ببياض البلق دون أن يدخل ~~لون الجل في التشبيه حتى كأنه يريد أن يريك بياض البرق في سواد الغمام بل ~~ينبغي أن يكون الغرض بذكر الجل أن البرق PageV01P148 يلمع بغتة ويلوح للعين ~~فجأة فصار لذلك كبياض الأبلق إذا ظهر عند وثوبه وميل جله عنه وقد قال ابن ~~بابك في هذا المعنى # ( للبرق فيها لهب طائش % كما يعرى الفرس الأبلق ) # إلا أن لقول ابن المعتز حين وثب من الفائدة مالا يخفي وقد عنى المتقدمون ~~أيضا بمثل هذا الاحتياط ألا تراه قال # ( وترى البرق عارضا مستطيلا % مرح البلق جلن في الإجلال ) # فجعلها تمرح وتجول ليكون قد راعى ما به يتم الشبه وهو معظم الغرض من ~~تشبيهه وهو هيئة ms091 حركته وكيفية لمعه # ثم اعلم أن هذا القسم الثاني الذي يدخل في الوجود يتفاوت حاله فمنه ما ~~يتسع وجوده ومنه ما يوجد في النادر ويبين ذلك بالمقابلة فأنت إذا قابلت ~~قوله # ( وكأن أجرام النجوم لوامعا % درر نثرن على بساط أزرق ) # بقول ذي الرمة ( ^ كأنها فضة قد مسها ذهب % ) علمت فضل الثاني على الأول ~~في سعة الوجود وتقدم الأول على الثاني في غربته وقلته وكونه نادر الوجود ~~فإن الناس يرون أبدا في الصياغات فضة قد أجرى فيها ذهب وطليت به ولا يكاد ~~يتفق لأن يوجد در قد نثر على بساط أزرق # فإذا عرفت أنقسام المركب من التشبيه إلى هذين القسمين فاعتبر PageV01P149 ~~موضعهما من العبرتين المذكورتين فإنك تراهما بحسب نسبتهما منهما وتحققهما ~~بهما قد أعطتاهما لطف الغرابة ونفضتا عليهما صبغ الحسن وكستاهما روع ~~الإعجاب فتجد المقدر الذي لا يباشر الوجود نحو قوله # ( أعلام ياقوت نشر % ن على رماح من زبرجد ) # وكقوله في النيلوفر # ( كلنا باسط اليد % نحو نيلوفر ندى ) # ( كدبابيس عسجد % قضبها من زبرجد ) # قد اجتمع فيه العبرتان جميعا وتجد العبرة الثانية قد أتت فيه على غاية ~~القوة لأنه لا مزيد في بعد الشىء عن العيون على أن يكون وجوده ممتنعا أصلا ~~حتى لا يتصور ألا في الوهم وإذا تركت هذا القسم ونظرت إلى القسم الثاني ~~الذي يدخل في الوجود نحو قوله # ( درر نثرن على بساط أزرق % ) # وجدت العبرة الثانية لا تقوى فيه تلك القوة لأنه إذا كان مما يعلم انه ~~يوجد ويعهد بحال وإن كان لا يتسع بل يندر ويقل فقد دنا من الوقوع في الفكر ~~والتعرض للذكر دنوالا لا يدنوه الأول الذي لا يطمع أن يدخل تحت الرؤية ~~للزومه العدم وامتناعه أن يجوز عليه إلا التوهم ولا جرم لما كان الأمر كذلك ~~كان للضرب الأول من الروعة والحسن ولصاحبه من الفضل في قوة الذهن ما لم يكن ~~ذلك في الثاني وقوى الحكم بحسب قوة العلة وكثر الوصف الذي هو الغرابة بحسب ~~الجالب له PageV01P150 # وفي هذا التقرير ما تعلم به الطريق ms092 إلى التشبيه من أين تفاوت في كونه ~~غريبا ولم تفاضل في مجيئه عجيبا وبأي سبب وجدت عند شىء منه من الهزة ما لم ~~تجده عند غيره علما يخرجك عن نقيصة التقليد ويرفعك عن طبقة المقتصر على ~~الإشارة دون البيان والإفصاح بالعبارة # واعلم أن العبرة الثانية التي هي مرور الشىء على العيون هو معنى واحد لا ~~يتكثر ولكنه يقوى ويضعف كما مضى وأما العبرة الأولى وهى التفصيل فإنها في ~~حكم الشىء يتكثر وينضم فيه الشىء إلى الشىء ألا ترى أن أحد التفصيلين يفضل ~~الآخر بأن تكون قد نظرت في أحدهما إلى ثلاثة أشياء أو ثلاث جهات وفي الآخر ~~إلى شيئين أو جهتين والمثال في ذلك قول الشاعر # ( كأن مثار النقع فوق رؤسنا % وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ) # مع قول المتنبي # ( يزور الأعادى في سماء عجاجه % أسنته في جانبيها الكواكب ) # أو قول عمر بن كلثوم # ( تبنى سنابكها من فوق أرؤسهم % سقفا كواكبه البيض المباتير ) # التفصيل في الأبيات الثلاثة كأنه شىء واحد لأن كل واحد منهم يشبه لمعان ~~السيوف في الغبار بالكواكب في الليل إلا أنك تجد لبيت بشار من الفضل ومن ~~كوم الموقع ولطف التأثير في النفس مالا يقل مقداره PageV01P151 # ولا يمكن إنكاره وذلك لأنه راعى ما لم يراعه غيره وهو أن جعل الكواكب ~~تهاوى فاتم الشبه وعبر عن هيئة السيوف وقد سلت من الأغماد وهى تعلو وترسب ~~وتجىء وتذهب ولم يقتصر على أن يريك لمعانها في أثناء العجاجة كما فعل ~~الآخران وكان لهذه الزيادة التى زادها حظ من الدقة تجعلها في حكم تفصيل بعد ~~تفصيل وذلك أنا وإن قلنا إن هذه الزيادة وهي إفادة هيئة السيوف في حركاتها ~~إنما أتت في جملة لا تفصيل فيها فإن حقيقة تلك الهيئة لا تقوم في النفس إلا ~~بالنظر إلى أكثر من جهة واحدة وذلك أن تعلم أن لها في حال احتدام الحرب ~~واختلاف الأيدى بها في الضرب اضطرابا شديدا وحركات بسرعة ثم إن لتلك ~~الحركات جهات مختلفة وأحوالا تنقسم تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة ~~والارتفاع والانخفاض ms093 وإن السيوف باختلاف هذه الأمور تتلاقى وتتداخل ويقع ~~بعضها في بعض ويصدم بعضها بعضا ثم إن أشكال السيوف مستطيلة فقد نظم هذه ~~الدقائق كلها في نفسه ثم احضرك صورها بلفظة واحدة ونبه عليها بأحسن التنبيه ~~وأكمله بكلمة وهي قوله تهاوى لأن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركاتها ~~وكان لها في تهاويها تواقع وتداخل ثم إنها بالتهاوى تستطيل أشكالها فأما ~~إذا لم تزل عن أماكنها فهي على صورة الاستدارة # ويشبه هذا الموضع في زيادة أحد التشبيهين مع أن جنسهما جنس واحد ~~وتركيبهما على حقيقة واحدة بأن في أحدهما فضل استقصاء ليس في الآخر قول ابن ~~المعتز # ( وطاف بها ساق أديب بمنزل % كخنجر عيار صناعته الفتك ) PageV01P152 # ( وحمل آذريونة فوق أذنة % ككأس عقيق في قرارتها مسك ) # مع قوله # ( مداهن من ذهب % فيها بقايا غاليه ) # الأول ينقص عن الثاني شيئا وذلك أن السواد الذي في باطن الآذريونة ~~الموضوع بإزاء الغالية والمسك فيه أمران أحدهما أنه ليس بشامل لها والثاني ~~أن هذا السواد ليس صورته صورة الدرهم في قعرها أعنى أنه لم يستدر هناك بل ~~ارتفع من قعر الدائرة حتى أخذ شيئا من سمكها من كل الجهات وله في منقطعة ~~هيئة تشبه آثار الغالية في جوانب المدهن إذا كانت PageV01P153 # بقية بقيت عن الأصابع وقوله في قرارتها مسك يبين الأمر الأول ويؤمن من ~~دخول النقص عليه كما كان يدخل لو قال ككأس عقيق فيها مسك ولم يشترط أن يكون ~~في القرارة # وأما الثاني من الأمرين فلا يدل عليه كما يدل قوله بقايا غالية وذاك من ~~شأن المسك والشىء اليابس إذا حصل في شىء مستدير في القعر لا يرتفع في ~~الجوانب الارتفاع الذي تراه في سواد الآذريونة وأما الغاليه فهي رطبة ثم هي ~~تؤخذ بالأصابع وإذا كان كذلك فلابد في البقية منها من أن تكون قد ارتفعت عن ~~القرارة وحصلت بقية شبيهة بذلك السواد ثم هي لنعومتها ترق فتكون كالصبغ ~~الذي لا جرم له يملك المكان وذلك أصدق للتشبيه ومن أبلغ الاستقصاء وعجيبه ~~قول ابن المعتز # ( كأنا ms094 وضوء الصبح يستعجل الدجى % نطير غرابا ذا قوادم جون ) # شبه ظلام الليل حين يظهر فيه الصبح بأشخاص الغربان ثم شرط أن تكون قوادم ~~ريشها بيضا لأن تلك الفرق من الظلمة تقع في حواشيها من حيث يلي معظم الصبح ~~وعموده لمع نور يتخيل منها في العين كشكل قوادم إذا كانت بيضاء وتمام ~~التدقيق والسحر في هذا التشبيه في شىء آخر وهو أن جعل ضوء الصبح لقوة ظهوره ~~ودفعه لظلام الليل كأنه يحفز الدجى PageV01P154 # ويستعجلها ولا يرضى منها بأن تتمهل في حركتها ثم لما بدأ بذلك أولا ~~اعتبره في التشبيه آخرا فقال نظير غرابا ولم يقل غراب يطير مثلا وذلك أن ~~الغراب وكل طائر إذا كان واقعا هادئا في مكان فأزعج وأخيف وأطير منه أو كان ~~قد حبس في يد أو قفص فأرسل كان ذلك لا محالة أسرع لطيرانه واعجل وأمد له ~~وأبعد لأمده فإن تلك الفزعة التى تعرض له من تنفيره أو الفرحة التي تدركه ~~وتحدث فيه من خلاصة وانفلاته مما دعته إلى أن يستمر حتى يغيب عن الأفق ~~ويصير إلى حيث لا تراه العيون وليس كذلك إذا طار عن اختيار لأنه يجوز حينئذ ~~أن يصير إلى مكان قريب من مكانه الأول وان لا يسرع في طيرانه بل يمشي على ~~هينة ويتحرك حركة غير المستعجل فاعرفه # ومما حقه أن يكون على فرط الاستقصاء في التشبيه وفضل العناية بتأكيد ما ~~بدا به قول ابن فارس في صفة البازي # ( كأن عينيه إذا ما أثارا % فصان قيضا من عقيق أحمرا ) # ( في هامة غلباء تهدي منسرا % كعطفة الجيم بكف اعسرا ) # أراد أن يشبه المنقار بالجيم والجيم خطان الأول الذي مبدأه وهو الأعلى ~~والثاني وهو الذي يذهب إلى اليسار وإذا لم توصل فلها تعريق كما لا يخفى ~~والمنقار إنما يشبه الخط الأعلى فقط فلما كان كذلك قال كعطفه PageV01P155 # الجيم ولم يقل كالجيم ثم دقق بان جعلها بكف اعسر لأن جيم الأعسر قالوا ~~أشبه بالمنقار من جيم الأيمن ثم إنه اراد ان يؤكد ان الشبه مقصور على ms095 الخط ~~الأعلى من شكل الجيم فقال # ( يقول من فيها بعقل فكرا % لو زادها عينا إلى فاء ورا ) # ( فاتصلت بالجيم صارت جعفرا % ) # فأراك عيانا أنه عمد في التشبيه إلى الخط الأول من الجيم دون تعريقها ~~ودون الخط الأسفل أما أمر التعريق وإخراجه من التشبيه فواضح لأن الوصل يسقط ~~التعريق أصلا وأما الخط الثاني فهو وإن كان لا بد منه مع الوصل فإنه إذا ~~قال لو زادها عينا إلى فاء ورا ثم قال فاتصلت بالجيم فقد بين أن هذا الخط ~~الثاني خارج أيضا من قصده في التشبيه من حيث كانت زيادة هذه الحروف ووصلها ~~هي السبب في حدوثه وينبغي أن يكون قوله بالجيم يعنى بالعطفة المذكورة من ~~الجيم ولأجل هذه الدقة قال يقول من فيها بعقل فكرا فمهد لما أراد أن يقول ~~ونبه على أن بالمشبه حاجة إلى فضل فكر وأن يكون فكره فكرة من يراجع عقله ~~ويستعينه على تمام البيان # وجملة القول أنك متى زدت في التشبيه على مراعاة وصف واحد أو جهة واحدة ~~فقد دخلت في التفصيل والتركيب وفتحت باب التفاصيل ثم تختلف المنازل في ~~الفضل بحسب الصورة في استنفادك قوة الاستقصاء أو رضاك بالعفو دون الجهد ~~PageV01P156 # | فصل # اعلم أن مما يزداد به التشبيه دقه وسحرا أن يجىء في الهيآت التى تقع ~~عليها الحركات والهيئة المقصودة في التشبيه على وجهين أحدهما أن تقترن ~~بغيرها من الأوصاف كالشكل واللون ونحوهما والثاني أن تجرد هيئة الحركة حتى ~~لا يراد غيرها فمن الأول قوله # ( والشمس كالمرآة في كف الأشل % ) # أراد أن يريك مع الشكل الذي هو الاستدارة ومع الإشراق والتلألؤ على ~~الجملة الحركة التى تراها للشمس إذا أنعمت التأمل ثم ما يحصل في نورها من ~~أجل تلك الحركة وذاك أن للشمس حركة متصلة دائمة في غاية السرعة ولنورها ~~بسبب تلك الحركة تموج واضطراب عجب ولا يتحصل هذا الشبه إلا بان تكون المرآة ~~في يد الأشل لأن حركته تدور وتتصل ويكون فيها سرعة وقلق شديد حتى ترى ~~المرآة لا تقر في العين وبدوام الحركة ms096 وشدة القلق فيها يتموج نور المرآة ~~ويقع الاضطراب الذي كأنه يسحر الطرف وتلك حال الشمس بعينها حين تحد النظر ~~وتنفذ البصر حتى تتبين الحركة العجيبة في جرمها وضوئها فإنك ترى شعاعها ~~كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانبها ثم يبدو له فيرجع من الانبساط الذي ~~بدأه إلى انقباض كأنه يجمعه من جوانب الدائرة إلى الوسط وحقيقة حالها في ~~ذلك مما لا يكمل البصر لتقريره وتصويره في النفس فضلا عن أن تكمل العبارة ~~لتأديته ويبلغ البيان كنه صورته # ومثل هذا التشبيه وإن صور في غير المرآة قول المهلبى الوزير # ( الشمس من مشرقها قد بدت % مشرقة ليس لها حاجب ) PageV01P157 # ( كأنها بوتقة أحميت % يجول فيها ذهب ذائب ) # وذلك أن الذهب الذائب يتشكل بأشكال البوتقة على النار فإنه يتحرك فيها ~~حركة على الحد الذي وصفت لك وما في طبع الذهب من النعومة وفي أجزائه من شدة ~~الاتصال والتلاحم يمنعه أن يقع فيه غليان على الصفة التى تكون في الماء ~~ونحوه مما يتخلله الهواء فيرتفع وسطه ارتفاعا شديدا ولكن جملته كأنها تتحرك ~~بحركة واحدة ويكون فيها ما ذكرت من انبساط إلى الجوانب ثم انقباض إلى الوسط ~~فاعرفه # ومن عجيب ما جمع فيه بين الشكل وهيئه الحركة قول الصنوبرى # ( كأن في غدرانها % حواجبا ظلت تمط ) # أراد ما يبدو في صفحة الماء من أشكال كأنصاف دوائر صغار ثم إنك تراها ~~تمتد امتدادا ينقص من انحنائها وتحدبها كما تباعد بين طرفي القوس وتثنيهما ~~إلى ناحية الظهر كأنك تقربها من الاستواء وتسلبها بعض شكل التقوس الذي هو ~~إقبال أحد طرفيها على الآخر ومتى حدثت هذه الصفة في تلك الأشكال الظاهرة ~~على متون الغدران كانت أشبه شىء بالحواجب إذا مدت لأن الحاجب لا يخفى ~~تقويسه ومده ينقص من تقويسه # ومن لطيف ذلك أيضا أعنى الجمع بين الشكل وهيئه الحركة قول ابن المعتز يصف ~~وقوع القطر على الأرض PageV01P158 # ( بكرت تعير الأرض ثوب شباب % رحبية محمودة الإسكاب ) # ( نثرت أوائلها حيا فكأنه % نقط على عجل ببطن كتاب ) # وأما هيئه الحركة مجردة من ms097 كل وصف يكون في الجسم فيقع فيها نوع من ~~التركيب بان يكون للجسم حركات في جهات مختلفة نحو أن بعضها يتحرك إلى يمين ~~والبعض إلى شمال وبعض إلى فوق وبعض إلى قدام ونحو ذلك وكلما كان التفاوت في ~~الجهات التى تتحرك أبعاض الجسم إليها أشد كان التركيب في هيئة المتحرك اكثر ~~فحركه الرحا والدولاب وحركة السهم لا تركيب فيها لأن الجهة واحدة ولكن في ~~حركه المصحف في قوله فانطباقا مرة وانفتاحا تركيب لأنه في إحدى الحالتين ~~يتحرك إلى جهة غير جهته في الحالة الأخرى فمما جاء في التشبيه معقودا على ~~تجريد هيئة الحركة ثم لطف وعرف لما فيه من التفصيل والتركيب قول الأعشى يصف ~~السفينة في البحر وتقاذف الأمواج بها # ( تقص السفين بجانبيه كما % ينزو الرباح خلاله كرع ) # الرباح الفصيل وقيل القرد والكرع ماء السماء شبه السفينة في انحدارها ~~PageV01P159 وارتفاعها بحركات الفصيل في نزوه وذلك أن الفصيل إذا نزا ولا ~~سيما في الماء وحين يعتريه ما يعترى المهر ونحوه من الحيوانات التى هي في ~~أول النشء كانت له حركات 5 متفاوتة تصير لها أعضاؤه في جهات مختلفة ويكون ~~هناك تسفل وتصعد على غير ترتيب وبحيث تكاد تدخل إحدى الحركتين في الأخرى ~~فلا يثبته الطرف مرتفعا حتى يراه منحطا متسفلا ويهوى مرة نحو الرأس ومرة ~~نحو الذنب وذلك أشبه شيىء بحال السفينة وهيئة حركاتها حين يتدافعها الموج # ونظيره قول الآخر يصف الفصيل وهو يثب على الناقة ويعلوها ويلقى نفسه ~~عليها لأنها قد بركت فلا يتمكن من أن يرتضع فهو يفعل ذلك لتثور الناقه # ( يقتاعها كل فصيل مكرم % كالحبشى يرتقى في السلم ) # يقتاعها يفثعل من قولهم قاع البعير الناقه إذا ضربها يقوعها قوعا أراد ~~يعلوها ويثب عليها وشبه بالحبشي في هذه الحالة المخصوصة لما يكون له عند ~~ارتفاعه في السلم من تصعد بعض أعضائه وتسفل بعض على اضطراب مفرط وغثارة ~~شديدة وذلك كما ترى في أنه اختلاف في جهات أبعاض الجسم على غير نظام مضبوط ~~كحركات الفصيل في الماء وقد خلاله وقد ms098 عرفتك أن الاختلاف في جهات الحركات ~~الواقعة في أبعاض الجسم كالتركيب بين أوصاف مختلفة ليحصل من مجموعها شبه ~~خاص PageV01P160 # واعلم أن هذه الجهات يغلب عليها الحكم المستفاد من العبرة الثانية وذلك ~~أن كل هيئة من هيئات الجسم في حركاته إذا لم يتحرك في جهة واحده فمن شأنها ~~أن تقل وتعز في الوجود فيباعدها ذلك أيضا من أن تقع في الفكر بسرعة زيادة ~~مباعدة مضمونه إلى ما يوجب حديث التركيب والتفصيل فيها ألا ترى أن الهيئة ~~التى اعتمدها في تشبيه البرق بالمصحف ليست تكون إلا في النادر من الأحوال ~~وبعد عمد من الإنسان وخروج عن العادة ومقصد خاص أو عيب غالب على النفس غير ~~معتاد وهكذا حال الفصيل في وثوبه على أمه ليثيرها وانسيابه في الماء ولزوه ~~كما توجبه رؤيته الماء خاليا وطباع الصغير والفصيلة مما لا ترى إلا نادرا ~~وليس الأمر في هذا النحو كالأمر في حركة الدولاب والرحا والسهم ونحو ذلك من ~~الحركات المعتادة التى تقع في مصارف العيون كثيرا # ومما يقوى فيه أن يكون سبب غرابته قلة رؤية العيون له ما مضى من تشبيه ~~الشمس بالمرآة في كف الأشل وذلك أن الهيئة التى تراها في حركة المرآة إذا ~~كانت في كف الأشل مما ترى نادرا في الأقل فربما قضى الرجل دهره ولا يتفق له ~~أن يرى مرآة في يد مرتعش هذا وليس موضع الغرابة من التشبيه دوام حركة ~~المرآة في يد الأشل فقط بل النكته المقصودة فيما يتولد من دوام تلك الحركة ~~من الالتماع وتموج الشعاع وكونه في صورة حركات من جوانب الدائرة إلى وسطها ~~وهذه صفة لا تقوم في نفس الرائي المرآة الدائمة الاضطراب إلا أن يستأنف ~~تأملا وينظر متثبتا في نظره متمهلا فكأن ههنا هيئتين كلتاهما من هيآت ~~الحركة إحداهما حركة المرآة على الخصوص الذي يوجه ارتعاش اليد PageV01P161 # والثانية حركة الشعاع واضطرابه الحادث من تلك الحركة وإذا كان كون المرآة ~~في يد الأشل مما ترى نادرا ثم كانت هذه الصفة التى هي كائنه في الشعاع إنما ms099 ~~ترى وتدرك في حال رؤية حركة المرآة بجهد وبعد استئناف إعمال للبصر فقد بعدت ~~عن حد ما يعتاد رؤيته مرتين ودخلت في النادر الذي لا تألفه العيون من جهتين ~~فاعرفه # واعلم أنه كما تعتبر هيئة الحركة في التشبيه فكذلك تعتبر هيئة السكون على ~~الجملة وبحسب اختلافه نحو هيئة المضطجع وهيئة الجالس ونحو ذلك فإذا وقع في ~~شىء من هيئات الجسم في سكونه تركيب وتفصيل لطف التشبيه وحسن فمن ذلك قول ~~ابن المعتز يصف سيلا # ( فلما طغا ماؤه في البلاد % وغص به كل واد صد ) # ( نرى الثور في متنه طافيا % كضجعة ذي التاج في المرقد ) # وكقول المتنبي في صفة الكلب يقعى جلوس البدوي المصطلى فقد فقد اختص هيئة ~~البدوي المصطلى في تشبيه هيئة سكون أعضاء الكلب ومواقعها فيها ولم ينل ~~التشبيه حظا من الحسن إلا بأن فيه تفصيلا من حيث كان لكل عضو من الكلب في ~~إقعائه موقع خاص وكان مجموع تلك الجهات في حكم أشكال مختلفة تؤلف فتجىء ~~منها صورة خاصة PageV01P162 # ومن لطيف هذا الجنس قوله في صفة المصلوب # ( كأنه عاشق قد مد صفحته % يوم الوداع إلى توديع مرتحل ) # ( أو قائم من نعاس فيه لوثته % مواصل لتمطيه من الكسل ) # ولم يلطف إلا لكثرة ما فيه من التفصيل ولو قال كأنه متمط من نعاس واقتصر ~~عليه كان قريبا من المتناول لأن الشبه إلى هذا القدر يقع في نفس الرائي ~~المصلوب لكونه من حد الجملة فأما بهذا القيد وعلى هذا التقييد الذي يفيد به ~~استدامة تلك الهيئة فلا يحضر إلا مع سفر من الخاطر وقوة من التأمل وذلك ~~لحاجته أن ينظر إلى غير جهة فيقول هو كالمتمطى ثم يقول المتمطى يمد ظهره ~~ويده مدة ثم يعود إلى حالته فيزيد فيه أنه مواصل لذلك ثم إذا أراد ذلك طلب ~~علته وهي قيام اللوثة والكسل في القائم من النعاس وهذا أصل فيما يزيد به ~~التفصيل وهو أن يثبت في الوصف أمر زائد على المعلوم المتعارف ثم يطلب له ~~علة وسبب # ويشبه التشبيه في البيت ms100 قول الآخر وهو مذكور معه في الكتب # ( لم أرصفا مثل صف الزط % تسعين منهم صلبوا في خط ) PageV01P163 # ( من كل عال جذعه بالشط % كأنه في جذعه المشتط ) # ( أخو نعاس جد في التمطي % قد خامر النوم ولم يغط ) # فقوله جد في التمطي شرط يتم التشبيه كما أن قوله مواصل كذلك إلا أن في ~~اشتراط المواصلة من الفائدة ما ليس في هذا وذاك أنه يجوز أن يبالغ ويجتهد ~~ويجد في تمطيه ثم يدع ذلك في الوقت ويعود إلى الحالة التى يكون عليها في ~~السلامة مما يدعو إلى التمدد وإذا كان كذلك كان المستفاد من هذه العبارة ~~صورة التمطى وهيئته الخاصة وزيادة معنى وهو بلوغ الصفة غاية ما يمكن أن ~~يكون عليها وهذا كله مستفاد من الأول ثم فيه زيادة أخرى وهو أخص ما يقصد من ~~صفة المصلوب وهي الاستمرار على الهيئة والاستدامة لها فأما قوله بعد قد ~~خامر النوم ولم يغط فهو إن كان كأنة يحاول أن يرينا هذه الزيادة من حيث ~~يقال إنه إذا أخذه النعاس فتمطى ثم خامر النوم فإن الهيئة الحاصلة له من ~~جده في التمطى تبقى له فليس ببالغ مبلغ قوله مواصل لتمطيه وتقييده من بعد ~~بأنه من الكسل واحتياطه قبل بقوله فيه لوثته # وشبيه بالأول في الاستقصاء قول ابن الرومي # ( كأن له في الجو حبلا يبوعه % إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل ) # ( يعانق أنفاس الرياح مودعا % وداع رحيل لا يحط له رحل ) # فاشتراطه أن يكون له بعد الحبل الذي ينتهى ذرعه حبل آخر يخرج من بوع ~~الأول إليه كقوله مواصل لتمطيه من الكسل في استيفاء PageV01P164 الشبه ~~والتنبيه على استدامته لأنه إذا كان لا يزال يبوع حيلا لم يقبض باعه ولم ~~يرسل يده وفي ذلك بقاء شبه المصلوب على الاتصال فاعرفه # واعلم أن من حقك أن لا تضع الموازنة بين الشبهين في حاجه أحدهما إلى ~~زيادة من التأمل على وقتنا هذا ولكن تنظر إلى حالهما في قوى العقل ولم تسمع ~~بواحد منهما فتعلم أن لو أرادهما مريد واتفقا ms101 له جميعا ولم يكن قد سمع ~~بواحد منهما أيهما كان بكون أسهل عليه وأسرع إليه وأعطى بيديه وأيهما تجده ~~أدل على ذكاء من يسمعه منه وارجي ليخرج من تقوله وذلك أن تقابل بين تشبيه ~~النجوم بالمصابيح والمصابيح بها وبين تشبيه سل السيوف بعقائق البرق ~~وتشبيهها بسل السيوف فإنك تعلم أن الأول يقع في نفس الصبي أول ما يحس بنفسه ~~وأن الثاني لا يجيب إجابته ولا يبذل طاعته وكذلك تعلم أن تشبيه الثريا بنور ~~العنقود لا يكون في قرب تشبيهها بتفتح النور وأن تشبيه الشمس بالمرآة ~~المجلوة كما مضى يقع في نفس الغر العامي والصبي ولا يقع تشبيهها بالمرآة في ~~كف الأشل إلا في قلب الحصيف وتشبيهها في حركتها تلك بمرآة تضطرب على الجملة ~~من غير أن تجعل في كف الأشل قد يقع لمن لا يقع له بهذا التقييد وذلك لما ~~مضى من حاجته إلى الفكرة في حال الشمس وأن حركتها دائمة متصلة ثم طلب متحرك ~~حركة غير اختياريه وجعل المرآة صادرة عن تلك الحركة ومأسورة في حكمها دائما ~~وإنما اشترط عليك هذا الشرط لأنه لا يمتنع أن يسبق الأول إلى تشبيه لطيف ~~يحسن تأمله ويدل على ذكائه وحدة خاطره ثم يشيع ويتسع PageV01P165 ويذكر ~~ويشهر حتى يخرج إلى حد المبتذل وإلى المشترك في أصله وحتى يجرى مع دقة ~~تفصيل فيه مجرى المجمل الذي تقوله الوليدة الصغيرة والعجوز الورهاء فإنك ~~تعلم أن قولنا لا يشق غباره الآن في الابتذال كقولنا لا يلحق ولا يدرك وهو ~~كالبرق ونحو ذلك إلا أنا إذا رجعنا إلى أنفسنا علمنا أنه لم يكن كذلك من ~~أصله وان هذا الابتذال أتاه بعد أن قضى زمانا بطراءة الشباب وجدة الفتاء ~~وبعزة المنيع ولو قد منعك جانبه وطوى عنك نفسه لعرفت كيف يشق مطلبه ويصعب ~~تناوله ومثل هذا وأظهر منه أمرا أن قولنا أما بعد منسوب في الأصل إلى واحد ~~بعينه وإن كان الآن في البذلة كقولنا هذا بعد ذاك مثلا # وهكذا الحكم في الطرق التى ابتدأ بها الأولون والعبارات ms102 التي لخصها ~~المتقدمون والقوانين التي وضعوها حتى صارت في الاشتراك كالشىء المشترك من ~~أوله والمبتذل الذي لم يكن الصون من شانه والمبذول الذي لم يعترض دونه ~~المنع في شىء من زمانه ورب نفيس جلب إليك من الأمكنة الشاسعة وركب فيه ~~النوى الشطون وقطع به عرض الفيافي ثم أخفي عنك فضله حتى جهلت قدرة أن سهل ~~مرامه واتسع وجوده ولو انقطع مدده عنك حتى تحتاج إلى طلبه من مظنته لعلمت ~~إحسان الجائي به إليك والجالب المقرب نيله عليك ولأكثرت من شكره بعد أن ~~أقللت وأخذت نفسك بتلافي ما أهملت وكذلك PageV01P166 # رب شىء نال فوق ما يستحقه من شغف النفوس به وأكثر مما توجبه المنافع ~~الراجعة إليه لأنه لا يتسع اتساع الأول الذي فوائده أعم وأكثر ووجود العوض ~~عنه عند الفقد أعسر فكسبت عزة الوجود هذا عزا لم يستحقه بفضله كما منعت سعه ~~الآخر فضلا هو ثابت له في أصله # ويتصل بهذا الموضع حديث عبد الرحمن بن حسان وذلك أنه رجع إلى أبيه حسان ~~وهو صبي يبكي ويقول لسعنى طائر فقال حسان صفه يا بني فقال كأنه ملتف في ~~بردى حبرة وكان لسعه زنبور فقال حسان قال ابني الشعر ورب الكعبة أفلا تراه ~~جعل هذا التشبيه مما يستدل به على مقدار قوة الطبع ويجعل عيارا في الفرق ~~بين الذهن المستعد للشعر وغير المستعد له وسره ذلك من ابنه كما سره نفس ~~الشعر حين قال في وقت آخر # ( الله يعلم أنى كنت منتبذا % في دار حسان اصطاد اليعاسيبا ) # فإن قلت إن التشبيه يتصور في مكان الصبغ والنقش العجيب ولم يعجب حسان هذا ~~وإنما أعجبه قوله ملتف وحسن هذه العبارة إذ لو قال طائر فيه كوشى الحبرة لم ~~يكن له هذا الموقع فهو إن يكن مشبها ما أنت فيه فمن حيث دلالته على الفطنة ~~في الجملة قيل مسلم لك أن نكته الحسن في PageV01P167 # قوله ملتف ولكن لا يسلم أنه خارج من الغرض بل هو عين المراد من التشبيه ~~وتمامه فيه وذلك انه يفيد الهيئة ms103 الخاصة في ذلك الوشى والصبغ وصورة الرنبور ~~في اكتسائه بهما ويؤدى الشبه كما مضى من طريق التفصيل دون الجملة فما ظننت ~~انه يبعده عما نحن بصدده هو الذي يدنيه منه ولقد نفيت العيب من حيث أردت ~~إثباتة # | فصل # # | في التشبيه المتعدد والفرق بينه وبين المركب # اعلم أنى قد قدمت بيان المركب من التشبيه وههنا ما يذكر مع الذي عرفتك ~~أنه مركب ويقرن إليه في الكتب وهو على الحقيقة لا يستحق صفة التركيب ولا ~~يشارك الذي مضى ذكره في الوصف الذي كان له تشبيها مركبا وذلك أن يكون ~~الكلام معقودا على تشبيه شيئين بشيئين ضربة واحدة إلا أن أحدهما لا يداخل ~~الآخر في الشبه ومثاله قول امرئ القيس # ( كأن قلوب الطير رطبا ويابسا % لدى وكرها العناب والحشف البالى ) # وذلك انه لم يقصد إلى أن يجعل بين الشيئين اتصالا وإنما أراد اجتماعا في ~~مكان فقط كيف ولا يكون لمضامة الرطب من القلوب إلى اليابس هيئة يقصد ذكرها ~~أو يعنى بأمرها كما يكون ذلك لتباشير الصبح في أثناء الظلماء وكون الشقيقة ~~على قامتها الخضراء فيؤدي ذلك الشبه الحاصل من مداخلة أحد المذكورين الآخر ~~واتصاله به اجتماع الحشف البالى والعناب كيف ولا فائدة لأن ترى العناب مع ~~الحشف أكثر من كونهما في مكان PageV01P168 واحد ولو أن اليابسة من القلوب ~~كانت مجموعه ناحية والرطبة كذلك في ناحية أخرى لكان التشبيه بحاله ولذلك لو ~~فرقت التشبيه ههنا فقلت كأن الرطب من القلوب عناب وكأن اليابس حشف بال لم ~~تر أحد التشبيهين موقوفا في الفائدة على الآخر وليس كذلك الحكم في المركبات ~~التي تقدمت # وقد يكون في التشبيه المركب ما إذا فضضت تركيبه وجدت أحد طرفيه يخرج عن ~~أن يصلح تشبيها لما كان جاء في مقابلته مع التركيب بيان ذلك أن الجلال في ~~قوله كطرف أشهب ملقى الجلال في مقابلة الليل وأنت لو قلت كأن الليل جلال ~~وسكت لم يكن شيئا # وقد يكون الشىء منه إذا فض تركيبه استوى التشبيه في طرفيه إلا أن الحال ~~تتغير ومثال ms104 ذلك قوله # ( وكأن أجرام النجوم لوامعا % درر نثرن على بساط أزرق ) # فأنت وإن كنت إذا قلت كأن النجوم درر وكأن السماء بساط أزرق وجدت التشبيه ~~مقبولا معتادا مع التفريق فإنك تعلم بعد ما بين الحالتين ومقدار الإحسان ~~الذي يذهب من البين وذلك أن المقصود من التشبيه أن يريك الهيئة التى ~~تملأالنواظر عجبا وتستوقف العيون وتستنطق القلوب بذكر الله تعالى من طلوع ~~النجوم مؤتلقة مفترقة في أديم السماء وهي زرقاء وزرقتها الصافية التى تخدع ~~العين والنجوم تلألأ وتبرق في أثناء تلك الزرقة ومن لك بهذه الصورة إذا ~~فرقت التشبيه وأزلت عنه الجمع والتركيب وهذا أظهر من أن يخفى # وإذ قد عرفت هذه التفاصيل فاعلم أن ما كان من التركيب في صورة بيت امرىء ~~القيس فإنما يستحق الفضيلة من حيث اختصار اللفظ PageV01P169 # وحسن الترتيب فيه لا لأن للجمع فائدة في عين التشبيه ونظيرة أن للجمع بين ~~عدة تشبيهات في بيت كقوله # ( بدت قمرا وماست خوط بان % وفاحت عنبرا ورنت غزالا ) # مكانا من الفضيلة مرموقا وشأوا ترى فيه سابقا ومسبوقا لا أن حقائق ~~التشبيهات تتغير بهذا الجمع أو أن الصور تتداخل وتتركب وتأتلف ائتلاف ~~الشكلين يصيران إلى شكل ثالث فكون قدها كخوط البان لا يزيد ولا ينقص في شبه ~~الغزال حين ترنو منه العينان وهكذا الحكم في أنها تفوح فوح العنبر ويلوح ~~وجهها كالقمر وليس كذلك بيت بشار كأن مثار النقع لأن التشبيه هناك كما مضى ~~مركب وموضوع على أن يريك الهيئة التى ترى عليها النقع المظلم والسيوف في ~~أثنائه تبرق وتومض وتعلو وتنخفض وترى لها حركات من جهات مختلفة كما يوجبه ~~الحال حين يحمى الجلاد وترتكض بفرسانها الجياد كما أن قول رؤبة مثلا # ( فيها خطوط من سواد وبلق % كأنها في الجلد توليع البهق ) # ليس القصد فيه أن يريك كل لون على الانفراد وإنما القصد أن يرى الشبه من ~~اجتماع اللونين وقول البحترى # ( ترى احجاله يصعدن فيه % صعود البرق في الغيم الجهام ) # لا يريد به تشبيه بياض الحجول على الانفراد بالبرق بل المقصود ms105 الهيئة ~~PageV01P170 # الخاصة الحاصلة من مخالطة أحد اللونين الآخر كذلك اللون المقصود في بيت ~~بشار بتشبيه النقع بالليل من جانب والسيوف بالكواكب من جانب ولذلك وجب ~~الحكم كما كنت ذكرت في موضع بأن الكلام إلى قوله وأسيافنا في حكم الصلة ~~للمصدر وجار مجرى الأسم الواحد لئلا يقع في التشبيه تفريق ويتوهم انه ~~كقولنا كأن مثار النقع ليل وكأن السيوف كواكب ونصب الأسياف لا يمنع من ~~تقدير الاتصال ولا يوجب أن يكون في تقدير الإستئناف لأن الواو فيها بمعنى ~~مع كقوله فإني وقيار بها لغريب وقوله كل رجل وضيعته وهي إذا كانت بمعنى مع ~~لم يكن في معطوفها الأنقطاع وأن يكون الكلام في حكم جملتين ألا ترى أن ~~قولهم لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها لا يكون بمنزلة أن تقول لو تركت ~~الناقة ولو ترك فصيلها فتجعل الكلام جملتين وكذا لا يمكنك أن تقول كل رجل ~~كذا وضيعته كذا فتفرق الخبز عنهما كما يجوز في قولك زيد وعمرو كريمان أن ~~تقول زيد كريم وعمرو كريم و هذا موضع غامض وللكلام فيه موضع آخر # وإن أردت أن تزداد تبيينا لأن التشبيه إذا كان معقودا على الجمع دون ~~التفريق كان حال أحد الشيئين مع الآخر حال الشيء في صلة الشيء وتابعا له و ~~مبنيا عليه حتى لا يتصور إفراده بالذكر فالذي يفضي بك إلى معرفة ذلك أنك ~~تجد في هذا الباب ما إذا فرق لم يصلح للتشبيه بوجه كقوله # ( كأنما المريخ والمشتري % قدامه في شامخ الرفعة ) # ( منصرف بالليل عن دعوة % قد أسرجت قدامه شمعة ) PageV01P171 # لو قلت كان المريخ منصرف بالليل عن دعوة وتركت حديث المشتري والشمعة كان ~~خلفا من القول وذاك أن التشبيه لم يكن للمريخ من حيث هو نفسه ولكن من حيث ~~الحالة الحاصلة له من كون المشتري أمامه وأنت وإن كنت تقول المشتري شمعة ~~على التشبيه العامي الساذج في قولهم كأن النجوم مصابيح وشموع فإنه لم يضع ~~التشبيه على هذا و وإنما قصد الهيئة التي يكتسبها المريخ من كون المشتري ~~أمامه وهكذا قول ms106 إبن المعتز # ( كأنه وكأن الكأس في فمه % هلال أول شهر غاب في شفق ) # لم يقصد أن أن يشبه الكأس على الأنفراد بالهلال والشفة بالشفق بل أراد أن ~~يشبه مجموع الصورتين ألا ترى أنك لو فرقت لم تحك من التشبيه بطائل إذ لا ~~معنى لأن تقول كان الشفقة شفق وتسكت ألا ترى أن قوله # ( بياض في جوانبه احمرار % كما احمرت من الخجل الخدود ) # لم يستوجب الفضل والخروج من التشبيه العامي وأن يقال قد زاد زيادة لم ~~يسبق إليها إلا بالتركيب والجمع وبأن ترك أن يراعي الحمرة وحدها # وقال القاضي أبو الحسن رحمه الله لو أتفق له أن يقول احمرار في جوانبه ~~بياض لكان قد أستوفى الحسن وذلك لأن خد الخجل هكذا يحدق البياض فيه بالحمرة ~~لا الحمرة بالبياض إلا انه لعله وجد الأمر كذلك في الوردة فشبه على طريق ~~العكس فقال هذا البياض حوله الحمرة كالحمرة حولها البياض هناك فأنظر الآن ~~إن فرقت كيف يتفرق عنك الحسن والإحسان ويحضر العى ويذهب البيان لأن تشبيه ~~البياض على الإنفراد لا معنى له PageV01P172 # وأما تشبيه الحمرة وإن كانت تصح على الطريقة الساذجة أعنى تشبيه الورد ~~الأحمر بالخد فإنه يفسد من حيث إن المصد إلى جنس من الورد مخصوص وهو ما فيه ~~بياض يحدق به حمرة فيجب أن يكون وصف المشبه به على هذا الشرط أيضا # وبهذا الاختصاص وكما ذكرت لك تجد أحد المشبهين في الأمر الأعم الأكثر وقد ~~ذكر في صلة الآخر ولم يعطف عليه كقوله # ( والشيب ينهض في الشباب % وبياض في جوانبه احمرارا ) # وأشباه ذلك فإن جاءت الواو كانت واو حال كقوله # ( كأنما المريخ والمشتري % قدامه في شامخ الرفعة ) # و هي إذا كانت حالية فهي كالصفة في كونها تابعة وبحيث لا ينفرد بالذكر بل ~~يذكر في ضمن الأول وعلى أنه من تبعة وحاشيته # وهكذا الحكم في الطرف الآخر ألا ترى قوله ليل تهاوي كواكبه فتهاوى كواكبه ~~جمله من الصفة لليل و إذا كان كذلك فالكواكب مذكورة على سبيل التبع لليل ~~ولو كانت مستبدة ms107 بشأنها لقلت ليل و كواكب و كذلك قوله # ( ليل يصيح بجانبيه نهار % ) # وأشد من ذلك أن يجىء كما في الطرف الثاني كقوله كما احمرت من الخجل ~~الخدود وبيت امرئ القيس على خلاف هذه الطريقة لأن أحد الشيئين فيه في ~~الطرفين معطوف على الآخر أما في طرف الخبر وهو PageV01P173 # طرف المشبه به فبين وهو قوله العناب والحشف البالي وأما في طرف المخبر ~~عنه وهو المشبه فإنك وإن كنت ترى اسما واحدا وهو القلوب فإن الجمع الذي ~~تفيده الصيغة في المتفق يجرى مجرى العطف في المختلف فاجتماع شيئين أو أشياء ~~في لفظة تثنية أو جمع لا يوجب أن أحدهما في حكم التابع للآخر كما يكون ذلك ~~إذا جرى الثاني في صفة الأول أو حاله أو ما أشبه ذلك # هذا وقد صرح بالعطف في البدل وهو المقصود فقال رطبا ويابسا # واعلم انه قد يجئ في هذا الباب شىء له حد آخر وهو نحو قوله # ( إنى وتزيينى بمدحى معشرا % كمعلق درا على خنزير ) # هو على الجملة جمع بين شيئين في عقد تشبيه إلا أن التشبيه في الحقيقة ~~لأحدهما ألا ترى أن المعنى على أن فعله في التزيين بالمدح كفعل الآخر في ~~محاولته تزيين الخنزير بتعليق الدر عليه ووجه الجمع أن كل واحد منهما يضع ~~الزينة حيث لا يظهر لها أثر لأن الشيء غير قابل للتحسين ومتى كان المشبه به ~~كمعلق في البيت فلا شك أن التشبيه لا يرجع إلى ذات الشيء بل إلى المعنى ~~المشتق منه الصفة وإذا رجع إليه مقرونا بصفته على نحو ما مضى في نحو ما زال ~~يفتل في الذروة والغارب فقد شبه تزيينه بالمدح من ليس من أهله بتعلق الدر ~~على الخنزير هكذا بجملته لا بالتعليق غير معدى إلى الدر والخنزير فالشبه ~~مأخوذ من مجموع المصدر وما في صلته ولا بد للواو في هذا النحو أن تكون ~~بمعنى مع وأمرها فيه أبين إذ لا يمكن أن يقال إنى كذا وأن تزيينى كذا لأنه ~~ليس معنا شيئان يكون أحدهما خبرا عن ms108 ضمير المتكلم في إني الذي هو المعطوف ~~عليه والآخر عن تزيينى المعطوف كما يكون في نحو بيت بشار شيئان يمكن في ~~ظاهر PageV01P174 # اللفظ أن يجعل أحدهما خبرا عن النقع والآخر عن الأسياف إلى أن تجىء إلى ~~فساده من جهة المعنى فأنت في نحو إنى وتزيينى ملجأ إلى جعل الواو بمعنى مع ~~من كل وجه حتى لا تقدر على إخراج الكلام إلى صورة تكون فيها الواو عارية من ~~معنى مع ويكون تشبيها بعد تشبيه # فإن قلت إن في معلق معنى الذات والصفة معا فيمكن أن يكون أراد أن يشبه ~~نفسه بذات الفاعل وتزيينه بالفعل نفسه أقول لو أريد إني كمعلق درا على ~~خنزير وإن تزيينى بمدحى معشرا كتعليق درة على خنزير كان قولا ظاهر السقوط ~~لما ذكرت من انه لا يتصور أن يشبه المتكلم نفسه من حيث هو زيد مثلا بمعلق ~~الدر على الخنزير من حيث هو عمرو وإنما يشبه الفعل بالفعل فاعرفه # فإن قلت فما تقول في قوله # ( وحتى الليل حسبت الصبح إذ بدا % حصانين مختالين جونا وأشقرا ) # فإن ظاهرة أنه من جنس المفرق أقول نعم إلا أن ثمة شيئا من الحسن وهو أن ~~لاقتران الحصانين الجون والأشقر في الاختيال ضربا من الخصوصية في الهيئة ~~لكنه لا يبلغ مبلغ ليل تهاوى كواكبه ولا يبلغ قوله والصبح مثل غرة في ادهم ~~كما أن قوله # ( دون التعانق ناحلين كشكلتي % نصب أدقهما وضم الشاكل ) # لا يكون كقوله PageV01P175 # ( إني رأيتك في نومى تعانقنى % كما تعانق لام الكاتب الألفا ) # فإن هذا قد أدى إليك شكلا مخصوصا لا يتصور في كل واحد من المذكورين على ~~الانفراد بوجه وصورة لا تكون مع التفريق وأما المتنبي فأراك الشيئين في ~~مكان واحد وشدد في الفرق بينهما وذاك انه لم يعرض لهيئة العناق ومخالفتها ~~صورة الافتراق وإنما عمد إلى المبالغة في فرط النحول واقتصر من بيان حال ~~المعانقة على ذكر الضم مطلقا والأول لم يعن بحديث الدقة والنحول وإنما عنى ~~بأمر الهيئة التى تحصل في العناق خاصة من انعطاف أحد ms109 الشكلين على صاحبه ~~والتفاف الحبيب بمحبه كما قال # ( لف الصبا بقضيب قضيبا % ) # وأجاد وأصاب الشبه أحسن إصابة لأن خطى اللام والألف في لا ترى رأسيهما في ~~جهتين وتراهما قد تماسا من الوسط وهذه هيئة المعتنقين على الأمر المعروف ~~فأما قصد المتنبي فليس بصفة عناق على الحقيقة وإنما هو تضام وتلاصق وهو ~~بنحو قوله # ( ضممته ضمة عدنا بها واحدا % فلو رأتنا عيون ما خشيناها ) # أشبه لأن القصد في مثله شدة الالتصاق من غير تعريج على هيئة الاعتناق ~~وذهب القاضي في بيت المتنبي إلى أنه كأنه معنى مفرد غير ماخوذ من قوله كما ~~تعانق لام الكاتب الألفا وقال ولئن كان أخذه كما يقولون فليس عليه بعتب لأن ~~التعب في نقله ليس بأقل من التعب في ابتدائه PageV01P176 # وهذا التفضيل والتفصيل من قول القاضي ليس قادحا في غرضى لأنى أردت أن ~~أريك مثالا في وضع التشبيه على الجمع والتفريق واجعل البيتين معيارا فيما ~~أردت ولئن كان المتنبي قد زاد على الأول فليس تلك الزيادة من حيث وضع الشبه ~~على تركيب شكلين ولكن من جهة أخرى وهى الإغراق في الوصف بالنحول وجمع ذلك ~~للخلين معا ثم إصابة مثال له ونظير من الخط فاعرف ذلك ولا تظن أن قصدى ~~المفاضلة بين البيتين من حيث القول بين السابق والمسبوق والأخذ والسرقة ~~فتحسب أنى خالفت القاضي فيما حكم به # | فصل # # | هذا فن غير ما تقدم في الموازنة بين التشبيه والتمثيل # اعلم أنى قد عرفتك أن كل تمثيل تشبيه وليس كل تشبيه تمثيلا وثبت وجه ~~الفرق بينهما وهذا أصل إذا اعتبرته وعرضت كل واحد منهما عليه فوجدته يجئ في ~~التشبيه مجيئا حسنا وينقاد القياس فيه انقيادا لا تعسف فيه ثم صادفته لا ~~يطاوعك في التمثيل تلك المطاوعة ولا يجرى في عنان مرادك ذلك الجرى ظهر لك ~~نوع من الفرق والفصل بينهما غير ما عرفت وانفتح منه باب إلى دقائق وحقائق ~~وذلك جعل الفرع أصلا والأصل فرعا وهو إذا استقريت التشبيهات الصريحة وجدته ~~يكثر فيها وذلك نحو أنهم يشبهون الشىء ms110 فيها بالشىء في حال ثم يعطفون على ~~الثاني فيشبهونه بالأول فترى الشىء مشبها مرة ومشبها به أخرى # فمن اظهر ذلك أنك تقول في النجوم كأنها مصابيح ثم تقول في حالة أخرى في ~~المصابيح كأنها نجوم ومثله في الظهور والكثرة تشبيه الخد بالورد والورد ~~بالخد وتشبيه الروض المنور بالوشى المنمنم ونحو ذلك ثم تشبيه النقش ~~PageV01P177 والوشى في الحلل بأنوار الرياض وتشبيه العيون بالنرجس ثم تشبيه ~~النرجس بالعيون كقول أبي نواس # ( لدى نرجس غض القطاف كأنه % إذا ما منحناه العيون عيون ) # وكذلك تشبيه الثغر بالأقاحي ثم تشبيهها بالثغر كقول ابن المعتز # ( وألا قحوان كالثنايا الغر % قد صقلت أنواره بالقطر ) # وقول التنوخى # ( أقحوان معانق لشقيق % كثغور تعض ورد الخدود ) # وبعده وهو تشبيه النرجس بالعيون # ( وعيون من نرجس تتراءى % كعيون موصولة التسهيد ) وكما يشبهون السيوف عند ~~الانتضاء بعقائق البروق كما قال ثم يعودون فيشبهون البرق بالسيوف المنتضاة ~~كما قال ابن المعتز يصف سحابة # ( وسارية لا تمل البكا % جرى دمعها في خدود الثرى ) # ( سرت تقدح الصبح في ليلها % ببرق كهندية تنتضى ) # وكقول الآخر يصف نار السذق # ( وما زال يعلو عجاج الدخان % إلى أن تكون منه زحل ) # ( وكنا نرى الموج من فضة % مذهبة النور حين اشتعل ) # ( شرارا يحاكى انقضاض النجوم % وبرقا كإيماض بيض تسل ) PageV01P178 # ومن لطيفة قول على بن محمد بن جعفر # ( دمن كأن رياضها % تسكين أعلام المطارف ) # ( وكأنما غدرانها % فيها عشور من مصاحف ) # ( وكأنما أنوارها % تهتز في نكباء عاصف ) # ( طرر الوصائف يلتقي % ن بها إلى طرر الوصائف ) # ( وكان لمع بروقها % في الجو أسياف المثاقف ) # المقصود البيت الأخير ولكن البيت إذا قطع عن القطعة كان كالكعاب تفرد عن ~~الأتراب فيظهر فيها ذل الاغتراب والجوهرة الثمينة مع أخواتها في العقد أبهى ~~في العين واملا بالزين منها إذا أفردت عن النظائر وبدت فذة للناظر # ويشبهون الجواشن والدروع بالغدير يضرب الريح متنه فيتكسر ويقع فيه ذلك ~~الشنج المعلوم كقوله PageV01P179 # ( وبيضاء زغف نثله سلميه % لها رفرف فوق الأنامل من عل ) # ( واشبرنيها الهالكى كأنها % غدير جرت في متنه الريح سلسل ) # وقال ms111 # ( وسابغة من جياد الدرو % ع تسمع للسيف فيها صليلا ) # ( كمتن الغدير زهته الدبور % يجر المدجج منها فضولا ) # وقال البحترى # ( يمشون في زغف كان متونها % في كل معركة متون نهاء ) # وهو من الشهرة بحيث لا يخفى ثم إنهم يعكسون هذا التشبيه فيشبهون الغدران ~~والبرك بالدروع والجواشن كقول البحترى يصف البركة # ( إذا زهتها الصبا أبدت لها حبكا % مثل الجواشن مصقولا حواشيها ) # ومن فاتن ذلك وفاخرة لاستواء أوله في الحسن وآخره قول أبى فراس الحمدانى # ( انظر إلى زهر الربيع % والماء في البرك البديع ) PageV01P180 # ( وإذا الرياح جرت علي % ه في الذهاب وفي الرجوع ) # ( نثرت على بيض الصفا % ئح بيننا حلق الدروع ) # وتشبه أنوار الرياض بالنجوم كقوله # ( بكت السماء بها رذاذ دموعها % فغدت تبسم عن نجوم سماء ) # ثم تشبيه النجوم بالنور كقوله # ( قد أقذف العيس في ليل كان به % وشيا من النور أو روضا من العشب ) # وكقول ابن المعتز # ( كأن الثريا في أواخر ليلها % تفتح نور أو لجام مفضض ) # وقال # ( وتوقد المريخ بين نجومها % كبهارة في روضة من نرجس ) # وكذلك تشبيه غرة الفرس الأدهم بالنجم أو الصبح ويجعل جسمه كالليل كما قال ~~ابن المعتز # ( جاء سليلا من أب وأم % أدهم مصقول ظلام الجسم ) # ( قد سمرت جبهته بنجم % ) # وكما قال كاتب المأمون يصف فرسا PageV01P181 # ( قد بعثنا بجواد % مثله ليس يرام ) # ( فرس يزهى به لل % حسن سرج ولجام ) # ( وجهه صبح ولكن % سائر الجسم ظلام ) # ( والذي يصلح للمو % لى على العبد حرام ) # وقال ابن نباتة # ( وادهم يستمد الليل منه % وتطلع بين عينيه الثريا ) # ثم يعكس فيشبه النجم أو الصبح بالغرة في الفرس كقول ابن المعتز # ( والصبح في طرة ليل مسفر % كأنه غرة مهر أشقر ) # وتشبه الجوارى في قدودهن بالسرو تشبيها عاميا مبتذلا ثم إنهم قد جعلوا ~~فيه الفرع أصلا فشبهوا السرو بهن كقوله # ( حفت بسرو كالقيان ولحفت % خضر الحرير على قوام معتدل ) # ( فكأنها والريح حين تميلها % تبغى التعانق ثم يمنعها الخجل ) # المقصود من البيت الأول ظاهر وفي البيت الثاني تشبيه من جنس الهيئة ~~المجردة من هيئات الحركة وفيه ms112 تفصيل ظريف فاتن فقد راعى الحركتين حركة ~~التهيؤ للدنو والعناق وحركة الرجوع إلى أصل الافتراق وأدى ما يكون في ~~الحركة الثانية من سرعة زائدة تأدية تحسب معها السمع بصرا تبينا للتشبيه ~~كما هو وتصويرا لأن حركة الشجرة المعتدلة في حال رجوعها إلى اعتدالها أسرع ~~لا محالة من حركتها في خروجها من مكانها من الاعتدال PageV01P182 # وكذلك حركة من يدركه الخجل فيرتدع أسرع أبدا من حركته إذا هم بالدنو ~~فإزعاج الخوف والوجل أبدا أقوى من إزعاج الرجاء والأمل فمع الأول تمهل ~~الاختبار وسعة الحوار ومع الثاني حفز الاضطرار وسلطان الوجوب # وأعود إلى الغرض # ومن تشبيه السرور بالنساء قول ابن المعتز # ( ظللت بملهى خير يوم وليلة % تدور علينا الكأس في فتية زهر ) # ( بكف غزال ذى عذار وطرة % وصدغين كالقافين في طرفي سطر ) # ( لدى نرجس غض وسرو كأنه % قدود جوار ملن في أزر خضر ) # وتشبيه ثدي الكواعب بالرمان كقوله # ( ربما تبيت أناملي % يجنين رمان النحور ) # وقال المتنبي # ( وقابلني رمانتا غصن بانة % يميل به بدر ويمسكه حقف ) # وقوله يخطن بالعيدان في كل منزل % ويجنين رمان الثدى النواهد ) # ثم يقلب فيشبه الرمان بالثدى كقول القائل # ( ورمانة شبهتها إذ رأيتها % بثدى كعاب أو بحقة مرمر ) PageV01P183 # ( منمنمة صفراء نضد حولها % يواقيت حمر في ملاء معصفر ) PageV01P184 # وتشبه الجداول والأنهار بالسيوف يراد بياض الماء الصافي وبصيصه مع شكل ~~الاستطالة الذي هو شكل السيف كقول ابن المعتز # ( أعددت للجار وللعفاة % كوم الأعالى متساميات ) # ( روازقا في المحل مطعمات % ) # يعنى نخلا ثم قال بعد أبيات # ( تسقى بأنهار مفجرات % على حصى الكافور فائضات ) # ( مثل السيوف المتفريات % ) # وقول ابن بابك # ( فما سيل تخلصه المحاني % كما سلت من الخلل المناصل ) # أبو فراس # ( والماء يفصل بين زهر % الروض في الشطين فصلا ) # ( كبساط وشى جردت % أيدى العيون عليه نصلا ) # ( كشاجم وترى الجداول كالسيو % ف لها سواق كالمبارد ) PageV01P185 # آخر # ( وفي الجداول أسياف محادثة % والطير تسجع إهزاجا وإرمالا ) # وقال ذو الرمة # ( فما انشق ضوء الصبح حتى تبينت % جداول أمثال السيوف القواطع ) # ابن الرومي # ( على حفافي جدول مسجور % أبيض مثل المهرق ms113 المنشور ) # ( أو مثل متن الصارم المشهور ) # ثم يقلبون أحد طرفي التشبيه على الآخر فيشبهون السيوف بالجداول كقوله # ( وتخال ما ضربوا بهن جداولا % وتخال ما طعنوا به أشطانا ) # ابن بابك # ( وأهدى إلى الغارات عزما مشيعا % وبأسا وباعا في اللقاء ومقصلا ) # ( سفيه مقط الطرتين أشيمه % فيوحى إلى الأعضاء أن تترتلا ) PageV01P186 # أغر كأني حين أخضب خده % خرقت به في ملتقى الروض جدولا ) # السرى # ( وكم خرق الحجاب إلى مقام % توارى الشمس فيه بالحجاب ) # ( كان سيوفه بين العوالى % جداول يطردن خلال غاب ) # وله أيضا # ( كأن سيوف الهند بين رماحه % جداول في غاب سما وتأشبا ) # وتشبه الأسنة كما لا يخفي بالنجوم كما قال # ( وأسنة زرقا تخال نجوما % ) # وقال البحتري # ( وتراه في ظلم الوغى فتخاله % قمرا يكر على الرجال بكوكب ) # يعني السنان وقال ابن المعتز # ( وتراه يصغي في القناة بكفه % نجما ونجما في القناة يجره ) # ومثله سواء قوله # ( كأنما الحربة في كفه % نجم دجى شيعه البدر ) # ثم قد شبهوا الكواكب بالسنان كقول الصنوبري # ( بشر بالصبح كوكب الصبح % فاض وجنح الدجى كلا جنح ) # ( فهو على الفجر كالسنان هوى % للعين كما هوى على رمح ) PageV01P187 # ابن المعتز # ( شربتها والديك لم ينتبه % سكران من نومته طافح ) # ( ولاحت الشعرى وجوزاؤها % كمثل زج جره رامح ) # وهذه إن أردت الحق قضية قد سبقت وقدمت فقد قالوا السماك الرامح على معنى ~~أن كوكبا يتقدمه وهو رمحه ولا شك أن جل الغرض في جعل ذلك الكوكب رمحا أن ~~يقدروه سنانا فالرمح رمح بالسنان وإذا لم يكن السنان فهو قناة ولذلك قال # ( ورمحا طويل القناة عسولا ) # ومن ذلك أن الدموع تشبه إذا قطرت على خدود النساء بالطل والقطر على ما ~~يشبه الخدود من الرياحين كقول الناشىء # ( بكت للحبيب وقد راعها % بكاء الحبيب لبعد الديار ) # ( كأن الدموع على خدها % بقية طل على جلنار ) # وشبيه به قول ابن الرومي # ( لو كنت يوم الوداع حاضرنا % وهن يطفين غلة الوجد ) # ( لم تر إلا الدموع ساكبة % تقطر من مقلة على خد ) # ( كأن تلك الدموع قطر ندى % يقطر من نرجس على ورد ) # ثم ms114 يعكس كقول البحترى # ( شقائق يحملن الندى فكأنه % دموع التصابي في خدود الخرائد ) # ومثله قول ابن المعتز بعد قوله في النرجس # ( كأن عيون النرجس الغض حولها % مداهن در حشوهن عقوق ) # ( إذا بلهن القطن خلت دموعها % بكاء عيون كحلهن خلوق ) PageV01P188 # وفي فن آخر منه خارج عن جنس ما مضى يشبه الشيخ إذا أفناه الهرم وحناه ~~القدم حتى يدخل رأسه في منكبيه بالفرخ كما قال # ( ثلاث مئين قد مضين كواملا % وها أنا هذا أرتجى مر أربع ) # ( فأصبحت مثل الفرخ في العين ثاويا % إذا رام تطيارا يقال له قع ) # وهو كثير ثم يعكس فيشبه الفرخ بالشيخ كما قال أبو نواس يرثى خلف الأحمر # ( لو كان حي وائلا من التلف % لوئلت شغواء في أعلى شعف ) # ( أم فريخ أحرزته في لحف % مزغب الألغاد لم يأكل بكف ) # ( كأنه مستقعد من الخرف % ) # وأعاده في قصيدة أخرى في مرثيته # ( لا تئل العصم في الهضاب ولا % شغواء تغذو فرخين في لحف ) # ( تحنو بجؤشوشها على ضرم % كقعدة المنحنى من الخرف ) PageV01P189 # ويشبه الظليم في حركة جناحيه مع إرسال لهما بالخباء المقوض أنشد أبو ~~العباس لعلقمة # ( صعل كأن جناحيه وجؤجؤه % بيت أطافت به خرقاء مهجوم ) # اشترط أن يتعاطى تقويضه خرقاء ليكون أشد لتفاوت حركاته وخروج اضطرابه عن ~~الوزن وقال ذو الرمة # ( وبيض رفعنا بالضحى عن متونها % سماوة جون كالخباء المقوض ) # ( هجوم عليها نفسه غير أنه % متى يرم في عينيه بالشبح ينهض ) # قالوا في تفسيره يعنى بالبيض بيض النعام ورفعنا أي أثرنا عن ظهورها ~~وسماوة جون أى شخص نعام جون وسماوة الشىء شخصه والجون الأسود ههنا لأنه ~~قابل بين البياض والسواد ثم شبه النعام في حال إثارته عن البيض بالخباء ~~المقوض وهو الذي نزعت اطنابه للتحويل والبيت الثاني من أبيات الكتاب أنشده ~~شاهدا على إعمال فعول عمل الفعل وذلك قوله هجوم عليها نفسه فنفسه منصوب ~~بهجوم على انه من هجم متعديا هجم نحو عليها نفسه اى طرحها عليها كأنه أراد ~~أن يصف الظليم في خوفه بأمرين متضادين بان يبالغ في الانكباب على البيض فعل ms115 ~~من شأنه اللزوم والثبات وأن يثيره عنها الشىء اليسير نحو أن يقع بصره ~~PageV01P190 # على الشخص من بعد فعل من كان مستوفزا في مكانه غير مطمئن ولا موطن نفسه ~~على السكون وقوله يرم في عينيه بالشبح كلام ليس لحسنه نهاية # وقد قال ابن المعتز فعكس هذا التشبيه فشبه حركة الخباء بالطائر إلا أنه ~~راعى أن يكون هناك صفة مخصوصة فشرط في الطائر أن يكون مقصوصا وذلك قوله # ( ورفعنا خباءنا تضرب الر % ح حشاه كالجاذف المقصوص ) # وأخرجه إلى هذا الشرط انه أراد حركة خباء ثابت غير مقوض إلا أن الريح تقع ~~في جوفه فتحرك في جانبيه على توال كما يفعل المقصوص إذا جذف وذلك أن يرد ~~جناحيه إلى خلفه فيتحرك جانباه فحصل له أمران أحدهما أن الموفور الجناح ~~يبسط جناحيه في الأكثر وذلك إذا صف في طيرانه فلا يدوم ضربه بجناحيه ~~والمقصوص لقصوره عن البسط يديم ضربهما والثاني تحريك الجناحين إلى خلف وهذا ~~كثير جدا وتتبعه في كل باب ونوع من التشبيه يشغل عن الغرض من هذه الموازنة ~~وإنما يمتنع هذا القلب في طرفي التشبيه لسبب يعرض في البين فيمنع منه ولا ~~يكون من صميم الوصف المشترك بين الشيئين المشبه أحدهما بالآخر # فمن ذلك وهو أقواه فيما أظن أن يكون بين الشيئين تفاوت شديد في الوصف ~~الذي لأجله يشبه ثم قصدت أن تلحق الناقص منهما بالزائد مبالغة ودلالة على ~~انه يفضل أمثاله فيه # بيان هذا أن ههنا أشياء هي أصول في شدة السواد كخافية الغراب PageV01P191 # والقار ونحو ذلك فإذا شبهت شيئا بها كان طلب العكس في ذاك عكسا لما يوجبه ~~العقل ونقضا للعادة لأن الواجب أن يثبت المشكوك فيه بالقياس على المعروف لا ~~أن يتكلف في المعروف تعريف بقياسه على المجهول وما ليس بموجود على الحقيقة ~~فأنت إذا قلت في شئ هو كخافية الغراب فقد أردت أن تثبت له سوادا زائدا على ~~ما يعهد في جنسه وأن تصحح زيادة مجهولة له وإذا لم يكن ههنا ما يزيد على ~~خافية الغراب في السواد ms116 فليت شعرى ما الذي تريد من قياسه على غيره فيه ~~ولهذا المعنى ضعف بيت البحترى # ( على باب قنسرين والليل لاطخ % جوانبه من ظلمة بمداد ) # وذاك أن المداد ليس من الأشياء التي لا مزيد عليها في السواد كيف ورب ~~مداد فاقد اللون والليل بالسود وشدته أحق وأحرى أن يكون مثلا ألا ترى إلى ~~ابن الرومي حيث قال # ( حبر أبى حفص لعاب الليل % يسيل للإخوان أى سيل ) # فبالغ في وصف الحبر بالسواد حين شبهه بالليل وكأن البحترى نظر إلى قول ~~العامة في الشىء الأسود هو كالنقس ثم تركه للقافية PageV01P192 # فإن قلت فينبغى على هذا أن لا يجوز تشبيه الصبح بغرة الفرس لأجل أن الصبح ~~بالوصف الذي لأجله شبه الغرة به أخص وهو فيه أظهر وأبلغ والتفاوت بينهما ~~كالتفاوت بين خافية الغراب والقار وبين ما يشبه بهما فالجواب أن الأمر وإن ~~كان كذلك فإن تشبيه غرة الفرس بالصبح حيث ذكرت لم يقع من جهة المبالغة في ~~وصفها بالضياء والانبساط وفرط التلألؤ وإنما قصد أمر آخر وهو وقوع منير في ~~مظلم وحصول بياض في سواد ثم البياض صغير قليل بالإضافة إلى السواد وأنت تجد ~~هذا التشبيه على هذا الحد في الأصل فإذا عكست فقلت كان الصبح عند ظهور أوله ~~في الليل غرة في فرس أدهم لم تقع في مناقضة كما انك لو شبهت الصبح في ~~الظلام بعلم بياض على ديباج اسود لم تخرج عن الصواب وعلى نحو من ذلك قول ~~ابن المعتز # ( فخلت الدجى والفجر قد مد خيطه % رداء موشى بالكواكب معلما ) # فالعلم في هذا الرداء هو الفجر بلا شبهة وله وهو صريح ما أردت # ( والليل كالحلة السوداء لاح به % من الصباح طراز غير مرقوم ) # وإن كان التفاوت في المقدار بين الصبح والطراز في الامتداد والانبساط ~~شديدا وكذلك تشبيه الشمس بالمرآة المجلوة وبالدينار الخارج من السكة كما ~~قال ابن المعتز # ( وكأن الشمس المنيرة دينا % ر جلته حدائق الضراب ) # حسن مقبول وإن عظم التفاوت بين نور الشمس ونور المرآة والدينار أو الجرم ~~لأنك لم تضع ms117 التشبيه على مجرد النور والائتلاف وإنما قصدت إلى PageV01P193 ~~مستدير يتلألأ ويلمع ثم خصوص في جنس اللون يوجد في المرآة المجلوة والدينار ~~المتخلص من حمى السكة كما يوجد في الشمس فأما مقدار النور وانه زائد أو ~~ناقص ومتناه أو متقاصر وللجرم أعظيم هو أم صغير فلم تعرض له ويستقيم لك ~~العكس في هذا كله نحو أن تشبه المرآة بالشمس وكذلك لو قلت في الدينار كأنه ~~شمس أو قلت كأن الدنانير المنثورة شموس صغار لم تتعد # وجملة القول أنه متى لم يقصد ضرب من المبالغة في إثبات الصفة للشىء ~~والقصد إلى إيهام في الناقص انه كالزائد واقتصر على الجمع بين الشيئين في ~~مطلق الصورة والشكل واللون أو جمع وصفين على وجه يوجد في الفرع على حد ~~ويوجد هو أو قريب منه في الأصل فإن العكس يستقيم في التشبيه ومتى أريد شىء ~~من ذلك لم يستقم # وقد يقصد الشاعر على عادة التخييل أن يوهم في الشىء هو قاصر عن نظيره في ~~الصفة أنه زائد عليه في استحقاقها واستيجاب أن يجعل أصلا فيها فيصح على ~~موجب دعواه وشوقه إلى أن يجعل الفرع أصلا وإن كنا إذا رجعنا إلى التحقيق لم ~~نجد الأمر يستقيم على ظاهر ما يضع اللفظ عليه ومثاله قول محمد بن وهيب # ( وبدا الصباح كان غرته % وجه الخليفة حين يمتدح ) # فهذا على انه جعل وجه الخليفة كأنه أعرف واشهر وأتم واكمل في النور ~~والضياء من الصباح فاستقام له بحكم هذه النية أن يجعل الصباح PageV01P194 # فرعا ووجه الخليفة أصلا # واعلم أن هذه الدعوى وإن كنت تراها تشبه قولهم لا يدرى أوجهه أنور أم ~~الصبح وغرته أضوأ أم البدر وقولهم إذا أفرطوا نور الصباح يخفي في ضوء وجهه ~~أو نور الشمس مسروق في جبينه وما جرى في هذا الأسلوب من وجوه الإغراق ~~والمبالغة فإن في الطريقة الأولى خلابة وشيئا من السحر وهو انه كان يستكثر ~~للصباح أن يشبهه بوجه الخليفة ويوهم انه قد احتشد له واجتهد في طلب تشبيه ~~يفهم به أمره وجهته الساحرة ms118 أنه يوقع المبالغة في نفسك من حيث لا تشعر ~~ويفيد كها من غير أن يظهر ادعاؤه لها لأنه وضع كلامه وضع من يقيس على أصل ~~متفق عليه ويزجى الخبر عن أمر مسلم لا حاجة فيه إلى دعوى ولا إشفاق من خلاف ~~مخالف وإنكار ر منكر وتجهم معترض وتهكم قائل لم ومن أين لك ذلك والمعانى ~~إذا وردت على النفس هذا المورد كان لها ضرب من السرور خاص وحدث بها نوع من ~~الفرح عجيب فكانت كالنعمة لم تكدرها المنة والصنيعة لم ينغصها اعتداد ~~المصطنع لها # وفي هذا الموضع تشبيه بالنكتة التى ذكرتها في التجنيس لأنك في الموضعين ~~تنال الربح في صورة رأس المال وترى الفائدة قد ملأت يدك من حيث حسبتها قد ~~جازتك وأضلتك وتجد على الجملة الوجود من حيث توهمت العدم # ولطيفة أخرى وهى أن من شأن المدح إذا ورد على العاقل أن يقفه بين أمرين ~~يصعب الجمع بينهما وتوفيه حقهما معرفة حق المادح على ما احتشد له من تزيينه ~~وقصده من تفخيم شأنه في عيون الناس بالإصفاء PageV01P195 # إليه والارتياح له والدلالة بالبشر والطلاقة على حسن موقعه عنده وملك ~~النفس حتى لا يقلبها السرور عليه ويخرج بها إلى العجب المذموم وإلى أن يقول ~~أنا فيقع في ضعة الكبر من حيث لا يشعر ويظهر عليه من إمارته ما يذم لأجله ~~ويحقر فما كبر أحد في نفسه إلا أغان الكبر عقله وفسخ عقده من أجله وهذا ~~موقف نزل فيه الأقدام بل تخف عنده الحلوم حتى لا يسلم من جزع النفس هناك ~~إلا أفراد الرجال وإلا من أدام التوفيق صحبته ومن أين ذلك وأنى فإذا كان ~~المدح على صورة قوله وجه الخليفة حين يمتدح خف عنه الشطر من تكاليف هذه ~~الخصلة # وإذا قد تبين كيف يكون جعل الفرع أصلا والأصل فرعا في التشبيه الصريح ~~فارجع إلى التمثيل وانظر هل تجىء فيه هذه الطريقة على هذه السعه والقوة ثم ~~تأمل ما حمل من التمثيل عليها كيف حكمه وهل هو مساو لما رأيت في التشبيه ms119 ~~الصريح وحاذ حذوه على التحقيق أم الحال على خلاف ذلك والمثال فيما جاء من ~~التمثيل مردودا فيه الفرع إلى موضع الأصل والأصل إلى محل الفرع قوله # ( وكأن النجوم بين دجاه % سنن لاح بينهن ابتداع ) # وذلك أن تشبيه السنن بالنجوم تمثيل والشبه عقلى وكذلك تشبيه خلافها من ~~البدعة والضلالة بالظلمة ثم إنه عكس فشبه النجوم بالسنن كما يفعل فيما مضى ~~من المشاهدات إلا أنا نعلم انه لا يجرى مجرى قولنا كأن النجوم مصابيح تارة ~~وكأن المصابيح نجوم أخرى ولا يجرى مجرى قولك كأن السيوف برق تنعق وكأن ~~البروق سيوف تسل من أغمادها فتبرق ونظائر ذلك PageV01P196 # فيما مضى وذلك أن الوصف هناك لا يختلف من حيث الجنس والحقيقة وتجده العين ~~في الموضعين وليس هو في هذا مشاهدا محسوسا وفي الآخر معقولا متصورا بالقلب ~~ممتنعا فيه الإحساس فأنت تجد في السيوف لمعانا على هيئة مخصوصة من ~~الاستطالة وسرعة الحركة تجده بعينه أو قريبا منه في البروق وكذلك تجد في ~~المداهن من الدر حشوهن عقيق من الشكل واللون والصورة ما تجده في النرجس حتى ~~يتطرق أن يشتبه الحال في الشىء من خلل فيظن أن أحدهما الآخر فلو أن رجلا ~~رأى من بعيد بريق سيوف تنتضى من الغمود لم يبعد أن يغلط فيحسب أن بروقا ~~انعقت وما لم يقع فيه الغلط كان حاله قريبا مما يجوز وقوع الغلط فيه ومحال ~~أن يكون الأمر كذلك في التمثيل لأن السنن ليست بشىء يتراءى في العين فيشتبه ~~بالنجوم ولا ههنا وصف من الأوصاف المشاهدة يجمع السنن والنجوم وإنما يقصد ~~بالتشبيه في هذا الضرب ما تقدم من الأحكام المتأولة من طريق المقتضى فلما ~~كانت الضلالة والبدعة وكل ما هو جهل تجعل صاحبها في حكم من يمشى في الظلمة ~~فلا يهتدى إلى الطريق ولا يفصل الشىء من غيره حتى يتردى في مهواة ويعثر على ~~عدو قاتل وآفة مهلكة لزم من ذلك أن تشبه بالظلمة ولزم على عكس ذلك أن تشبه ~~السنة والهدى والشريعة وكل ما هو علم بالنور # وإذا كان ms120 الأمر كذلك علمت أن طريقة العكس لا تجىء في التمثيل على حدها في ~~التشبيه الصريح وإنها إذا سلكت فيه كان مبنيا على ضرب من التأول والتخيل ~~يخرج عن الظاهر خروجا ويبعد عنه بعدا شديدا فالتأويل في البيت انه لما شاع ~~وتعورف وشهر وصف السنة ونحوها PageV01P197 # بالبياض وإلاشراق والبدعة بخلاف ذلك كما قال النبي أتيتكم بالحنيفية ~~البيضاء ليلها كنهارها وقيل هذه حجة بيضاء وقيل للشبهة وكل ما ليس بحق أنه ~~مظلم وقيل سواد الكفر وظلمة الجهل يخيل أن السنن كلها جنس من الأجناس التى ~~لها إشراق ونور وابيضاض في العين وأن البدعة نوع من الأنواع وأن لها فضل ~~اختصاص بسواد اللون فصار تشبيهه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع على ~~قياس تشبيههم النجوم في الظلام ببياض الشيب في سواد الشباب أو بالأنوار ~~وائتلاقها بين النبات الشديد الخضرة فهذا ههنا كأنه ينظر إلى طريقة قوله ~~وبدا الصباح كان غرته في بناء التشبيه على تأويل هو غير الظاهر إلا أن ~~التأويل هناك انه جعل في وجه الخليفة زيادة من النور والضياء يبلغ بها حال ~~الصباح أو يزيد والتأويل ههنا أته خيل ما ليس بمتلون كأنه متلون ثم بنى على ~~ذلك # ومن هذا الباب قول الآخر # ( ولقد ذكرتك والزمان كأنه % يوم النوى وفؤاد من لم يعشق ) # لما كانت الأوقات التي تحدث فيها المكاره توصف بالسواد فيقال اسود النهار ~~في عينى وأظلمت الدنيا على جعل يوم النوى كأنه اعرف وأشهر بالسواد من ~~الظلام فشبه به ثم عطف عليه فؤاد من لم يعشق تظرفا وإتماما للصفة وذلك أن ~~الغزل يدعى القسوة على من لم يعرف العشق والقلب القاسي يوصف بشدة السواد ~~فصار هذا القلب عنده أصلا في الكدرة PageV01P198 # والسواد فقاس عليه وعلى ذلك قول العامة ليل كقلب المنافق أو الكافر إلا ~~أن في هذا شوبا من الحقيقة من حيث يتصور في القلب أصل السواد ثم يدعى ~~الإفراط ولا يدعى في البدعة نفس السواد لأنها ليس مما يتلون لأن اللون من ~~صفات الجسم فالذي يساويه في الشبه ms121 المساواة الثابتة قولهم أظلم من الكفر ~~كما قال ابن العميد في كتاب يداعب فيه ويظهر التظلم من هلال الصوم ويدعو ~~على القمر فقال وارغب إلى الله تعالى في أن يقرب على القمر دورة وينقص ~~مسافة فلكه ثم قال بعد فصل ويسمعنى النعرة في قفا شهر رمضان ويعرض على ~~هلاله اخفى من السحر واظلم من الكفر # وإن تأولت في قوله سنن لاح بينهن ابتداع أنه أراد معنى قولهم إن سواد ~~الظلام يزيد النجوم حسنا وبهاء كان له مذهب وذلك أنه لما كان وقوف العاقل ~~على بطلان الباطل وإطلاعه على عوار البدعة وخرقه الستر عن فضيحة الشبهة ~~يزيد الحق نبلا في نفسه وحسنا في مرآة عقله جعل هذا الأصل من المعقول مثالا ~~للمشاهد المبصر هناك إلا أنه على ذلك لا يخرج من أن يكون خارجا عن الظاهر ~~أن يمثل المعقول في ذلك بالمحسوس كما فعل البحترى في قوله PageV01P199 # ( وقد زادها إفراط حسن جوارها % خلائق أصفار من المجد خيب ) # ( وحسن درارى النجوم بان ترى % طوالع في داج من الليل غيهب ) # فبك مع هذا الوجه حاجة إلى مثل ما مضى تنزيل السنة والبدعة منزلة ما يقبل ~~اللون ويكون له في رأى العين منظر المشرق المبتسم والأسود الأقتم حتى يراد ~~أن لون هذا يزيد في بريق ذاك وبهائه وحسنه وجماله وفي القطعة التى هذا ~~البيت منها غيرها مما مذهبه المذهب الأول وهو # ( رب ليل قطعته كالصدود % وفراق ما كان فيه وداع ) # ( موحش كالثقيل تقذى به العين % وتأبى حديثه الأسماع ) # وكأن النجوم البيت وبعده # ( مشرقا كأنهن حجاج % يقطع الخصم والظلام انقطاع ) # ومما حقه أن يعد في هذا الباب قول القائل # ( كأن انتضاء البدر من تحت غيمه % نجاء من البأساء بعد وقوع ) # وذلك أن العادة أن يشبه المتخلص من البأساء بالبدر الذي ينحسر عنه الغمام ~~والشبه بين البأساء والغمام والظلماء من طريق العقل لا من طريق الحس وأوضح ~~منه في هذا القول ابن طباطبا # ( صحو وغيم وضياء وظلم % مثل سرور شابه عارض غم ) # ومن حد ما يقع ms122 في هذا الباب قول التنوخي في قطعة وهى قوله # ( أما ترى البرد قد وافت عساكره % وعسكر الحر كيف انصاع منطلقا ) ~~PageV01P200 # ( فالأرض تحت ضريب الثلج تحسبها % قد ألبست حبكا أو غشيت ورقا ) # ( فانهض بنار إلى فحم كأنهما % في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا ) # ( جاءت ونحن كقلب الصب حين سلا % بردا فصرنا كقلب الصب إذ عشقا ) # المقصود فانهض بنار إلي فحم فإنه لما كان يقال في الحق إنه منير واضح ~~لائح فتستعار له أوصاف الأجسام المنيرة وفي الظلم خلاف ذلك تخيلهما شيئين ~~لهما ابيضاض واسوداد وإنارة وإظلام فشبه النار الفحم بهما # ومن هذا الباب قول ابن بابك # ( وأرض كأخلاق الكريم قطعتها % وقد كحل الليل السماك فأبصرا ) لما كانت ~~الأخلاق توصف بالسعة والضيق وكثر ذلك واستمر توهمه حقيقة فقابل بين سعة ~~الأرض التي هي سعة حقيقة وأخلاق الكريم # ومثله قول أبى طالب المامونى # ( وفلا كآمال يضيق بها الفتى % لا تصدق الأوهام فيها قيلا ) # ( أقريتها بشملة تقرى الفلا % عنقا وتقريها الفلاة نحولا ) # قاس الفلا في السعة وهى حقيقة فيها على الآمال وهى إذا وصفت بالسعة ~~PageV01P201 # كان مجازا بلا شبهة ولكن لما كان يقال آمال طوال وآمال لا نهاية لها ~~واتسعت آماله وأشباه ذلك صارت هذه الأوصاف كأنها موجودة فيها من طريق الحس ~~والعيان وعلى ذكر الأمل فمن لطيف ما جاء في التشبيه به على هذا الحد وإن لم ~~يكن في معنى السعة والامتداد ولكن في الظلمة والاسوداد قول ابن طباطبا # ( رب ليل كأنه أملى فيك % وقد رحت عنك بالحرمان ) # ( جبته والنجوم تنعش في الأفق % وتطرفن كالعيون الزوانى ) # ( هاربا من ظلام فعلك في نحو % ضياء الفتى الأغر الهجان ) # لما كان يقال في الأمر لا يرجى له نجاح قد اظلم علينا هذا الأمر وهذا أمر ~~فيه ظلمة ثم أراد أن يبالغ في التباس وجه النجح عليه في امله تخيل كأن أمله ~~شخص شديد السواد فقاس ليله به كأنه يقول تفكرت فيما اعلمه من الأشياء السود ~~فرأيت صورة أملى فيك زائدة على جميعها في شدة السواد فجعلته ms123 قياسا في ظلمة ~~ليلى الذي جبته # ومن الباب وهو حسن قول ابن المعتز # ( لا تخلطوا الدوشاب في قدح % بصفاء ماء طيب البرد ) # ( لا تجمعوا بالله ويحكم % غلظ الوعيد ورقة الوعد ) # لما كان يقال اغلظ له القول ويوصف الجافي وكل من أساء وقال ما يكره ~~بالغلظ ويوصف كلام المحسن ومن يعمد إلى الجميل باللطافة جعل الوعيد ~~PageV01P202 # والوعد أصلا في الصفتين وقاس عليهما فأما قول الآخر ( شربت على سلامة ~~فتكين % شرابا صفوه صفو اليقين ) # فهو على الحقيقة لا يدخل في تشبيه الحقيقة بالمجاز لأن الصفاء خلوص الشىء ~~وخلوه من شئ يغيره عن صفته إلا أنه من حيث يقع في الأكثر لما له بريق وبصيص ~~كان كأنه حقيقة في المحسوسات ومجاز في المعقولات وأما قولهم هواء أرق من ~~تشاكي الأحباب فمن الباب لأن الرقة في الهواء حقيقة وفي التشاكي مجاز وهكذا ~~قول أبي نواس في خلاعته حتى هي في رقة ديني لأن الرقة من صفات الأجسام فهي ~~في الدين مجاز # ( تيرشفن من فمى رشفات % هن فيه أحلى من التوحيد ) وأبعد ما يكون الشاعر ~~من التوفيق إذا دعته شهوة الأغراب إلى أن يستعير للهزل والعبث من الجد ~~ويتغزل بهذا الجنس # ومما هو حسن جميل من هذا الباب قول الصاحب كتب به إلى القاضي أبي الحسن ~~روى عن القاضي أنه قال انصرفت عن دار الصاحب قبيل العيد فجاءني رسوله بعطر ~~الفطر ومعه رقعة فيها هذان البيتان # ( يا أيها القاضي الذي نفسي له % مع قرب عهد لقائه مشتاقة ) # ( أهديت عطرا مثل طيب ثنائه % فكأنما أهدي له أخلاقه ) # وكون هذا التشبيه مما نحن فيه من الترجيح أوضح ما يكون فليس بخاف أن ~~العادة أن يشبه الثناء بالعطر ونحوه ويشتق منه وقد عكس كما ترى وذلك على ~~ادعاء أن ثناءه أحق بصفة العطر وطيبه من العطر وأخص PageV01P203 # به وأنه قد صار أصلا حتى إذا قيس نوع العطر عليه فقد بولغ في صفته بالطيب ~~وجعل له في الشرف والفضل على جنسه أوفر نصيب # وإذ قد عرفت الطريقة في جعل ms124 الفرع أصلا في التمثيل فارجع وقابل بينه وبين ~~التشبيه الظاهر تعلم أن حاله في الحقيقة مخالفة للحال ثم وذلك أنك لا تحتاج ~~في تشبيه البرق بالسيوف والسيوف بالبرق إلى تأويل أكثر من أن العين تؤدي ~~إليك من حيث الشكل واللون وكيفية اللمعان صورة خاصة تجدها في كل واحد من ~~الشيئين على الحقيقة ولا يمكننا أن نقول إن الثريا شبهت باللجام المفضض ~~وبعنقود الكرم المنور وبالوشاح المفصل لتأويل كذا بل ليس بأكثر من أن أنجم ~~الثريا لونها لون الفضة ثم إن أجرامها في الصغر قريبة من تلك الأطراف ~~المركبة على سيور اللجام ثم إنها في الاجتماع والأفتراق على مقدار من مواقع ~~تلك وكذا القول في العنقود فإن تلك الأنوار مشاكلة في البياض وفي أنها ليست ~~متضامة تضام التلاصق ولا هي شديدة التباين حتى يبعد الفصل بين بعضها وبعض ~~بل مقاديرها في القرب والبعد على صفة قريبة مما يتراءى في العين من مواقع ~~تلك الأنجم # وإذا كان مدار الأمر على أن العين تصف من هذا ما تصف من ذاك لم يكن تشبيه ~~اللجام المفضض بالثريا إلا كتشبيه الثريا به والحكم على أحدهما بأنه فرع أو ~~أصل يتعلق بقصد المتكلم فما بدأنه في الذكر فقد جعله فرعا وجعل الآخر أصلا ~~وليس كذلك قولنا له خلق كالمسك وهو في دنوه بعطائه وبعده بعزة وعلائه ~~كالبدر في ارتفاعه مع نزول شعاعه لأن كون الخلق فرعا والمسك أصلا أمر واجب ~~من حيث كان المعلوم من طريق الإحساس والعيان متقدما على المعلوم من طريق ~~الروية وهاجس الفكر PageV01P204 وحكم هذا في أن الفرع لا يخرج عن كونه فرعا ~~على الحقيقة حكم ما طريق التشبيه فيه المبالغة من المشاهدات والمحسوسات ~~كقولك هو كحلك الغراب في السواد لما هو دونه فيه وقولك في الشىء من الفواكه ~~مثلا هو كالعسل فكما لا يصح أن يعكس فيشبه حلك الغراب بما هو دونه في ~~السواد والعسل بما لا يساويه في صدق الحلاوة كذلك لا يصح أن تقول هذا مسك ~~كخلق فلان إلا على ms125 ما قدمت من التخييل ألا ترى أنه كلام لا يقوله إلا من ~~يريد مدح المذكور فأما أن يكون القصد بيان حال المسك على حد قصدك أن تبين ~~حال الشىء المشبه بحلك الغراب في السواد والمشبه بالعسل في الحلاوة فما لا ~~يكون كيف ولولا سبق المعرفة من طريق الحس بحال المسك ثم جريان العرف بما ~~جرى من تشبيه الأخلاق به واستعارة الطيب لها منه لم يتصور هذا الذي تريد ~~تخييله من أنا نبالغ في وصف المسك بالطيب تشبيها بخلق الممدوح وعلى ذلك ~~قولهم كأنما سرق المسك عرفة من خلقك والعسل حلاوته من لفظك هو مبنى على ~~العرف السابق من تشبيه الخلق بالمسك واللفظ بالعسل ولو لم يتقدم ذلك ولم ~~يتعارف ولم يستقر في العادات لم يعقل لهذا النحو من الكلام معنى لأن كل ~~مبالغة ومجاز فلا بد من أن يكون له استناد إلى حقيقة # وإذا ثبتت هذه الفروق والمقابلات بين والتشبيه الصريح الواقع في العيان ~~وما يدركه الحس وبين التمثيل الذي هو تشبيه من طريق العقل والمقاييس التى ~~تجمع بين الشيئين في حكم تقتضيه الصفة المحسوسة لا في نفس الصفة كما بينت ~~لك في أول قول ابتدأته في الفرق بين التشبيه الصريح PageV01P205 # وبين التمثيل من انك تشبه اللفظ بالعسل على أنك تجمع بينهما في حكم توجيه ~~الحلاوة دون الحلاوة نفسها فتههنا لطيفة أخرى تعطيك للتمثيل مثالا من طريق ~~المشاهدة وذاك انك بالتمثيل في حكم من يرى صورة واحدة إلا انه يراها تارة ~~في المرآة وتارة على ظاهر الأمر # وأما في التشبيه الصريح فإنك ترى صورتين على الحقيقة يبين ذلك أنا لو ~~فرضنا أن تزول عن أوهامنا ونفوسنا صور الأجسام في القرب والبعد وغيرهما من ~~الأوصاف الخاصة بالأشياء المحسوسة لم يمكنا تخيل شىء من تلك الأوصاف في ~~الأشياء المعقولة فلا يتصور معنى كون الرجل بعيدا من حيث العزة والسلطان ~~قريبا من حيث الجود والإحسان حتى يخطر ببالك وتطمح بفكرك إلى صورة البدر ~~وبعد جرمه عنك وقرب نوره منك وليس كذلك الحال في ms126 الشيئين يشبه أحدهما الآخر ~~من جهة اللون والصورة والقدر فإنك لا تفتقر في معرفة كون النرجس وخرطه ~~واستدارته وتوسط أحمره لأبيضه إلى تشبيهه بمداهن در حشوهن عقيق كيف وهو شىء ~~تعرضه عليك العين وتضعه في قليل المشاهدة وإنما يزيدك التشبيه صورة ثانية ~~مثل هذه التى معك ويجتلبها لكن من مكان بعيد تراهما معا وتجدهما جميعا # وأما في الأولى فإنك لا تجد في الفرع نفس ما في الأصل من الصفة وجنسه ~~وحقيقته ولا يحضرك تمثيل الأصل على التعيين والتحقيق وإنما يخيل إليك انه ~~يحضرك ذلك فإنه يعطيك من الممدوح بدرا ثانيا فصار وزان أن المرآة تخيل إليك ~~أن فيها شخصا ثانيا على صورة ما هي مقابلة له ومتى ارتفعت المقابلة ذهب عنك ~~ما كنت تتخيله فلا تجد إلى وجوده سبيلا ولا تستطيع له تحصيلا لا جملة ولا ~~تفصيلا PageV01P206 # | فصل في الفرق بين الاستعارة والتمثيل # اعلم أن من المقاصد التى تقع العناية بها أن تبين حال الاستعارة مع ~~التمثيل أهي هو على الإطلاق حتى لا فرق بين العبارتين أم حدها غير حده إلا ~~أنها تتضمنه وتتصل به فيجب أن نفرد جملة من القول في حالها مع التمثيل # قد مضى في الاستعارة أن حدها أن يكون للفظ اللغوي أصل ثم بنقل عن ذلك ~~الأصل على الشرط المتقدم وهذا الحد لا يجىء في معنى التمثيل الذي تقدم من ~~أن الأصل في كونه مثلا وتمثيلا هو التشبيه المنتزع من مجموع امور والذي لا ~~يحصله لك إلا جملة من الكلام أو أكثر لأنك قد تجد الألفاظ في الجمل التى ~~يعقد منها جارية على أصولها وحقائقها في اللغة # وإذا كان الأمر كذلك بان أن الاستعارة يجب أن تفيد حكما زائدا على المراد ~~بالتمثيل إذ لو كان مرادنا بالاستعارة هوالمراد بالتمثيل لوجب أن يصح ~~إطلاقها في كل شىء يقال فيه إنه تمثيل ومثل والقول فيها إنها دلالة على حكم ~~ثبت للفظ وهو نقله عن الاصل اللغوي وإجراؤه على مالم يوضع له ثم إن هذا ~~النقل يكون في الغالب ms127 من أجل شبه بين ما نقل أليه وما نقل عنه # وبيان ذلك ما مضى من انك تقول رأيت أسدا تريد رجلا شبيها به في الشجاعة ~~وظبيه تريد امرأة شبيهة بالظبية فالتشبيه ليس هو الاستعارة ولكن الاستعارة ~~كانت من أجل التشبيه وهو كالغرض فيها أو كالعلة والسبب في فعلها فإن قلت ~~كيف تكون الاستعارة من أجل التشبيه PageV01P207 # والتشبيه يكون ولا استعارة وذلك إذا جئت بحرفه الظاهر فقلت زيد كالأسد ~~فالجواب أن الأمر كما قلت ولكن التشبيه يحصل بالأستعارة على وجه خاص وهو ~~المبالغة فقولي من أجل التشبيه أردت من أجل التشبيه على هذا الشرط وكما أن ~~التشبيه الكائن على وجه المبالغة غرض فيها وعلة كذلك الإختصار والإيجاز غرض ~~من أغراضها ألا ترى أنك تفيد بالاسم الواحد الموصوف والصفة والتشبيه ~~والمبالغة لأنك تفيد بقولك رايت أسدا أنك رأيت شجاعا شبيها بالأسد وأن شبهه ~~به في الشجاعة على اتم ما يكون وأبلغه حتى إنه لا ينقض عن الأسد فيها وإذا ~~ثبت ذلك فكما لا يصح أن يقال إن الاستعارة هي الاختصار والإيجاز على ~~الحقيقة وأن حقيقتها وحقيقتهما واحدة ولكن يقال إن الاختصار والايجاز ~~يحصلان بها أو هما غرضان فيها ومن جملة ما دعا إلى فعلها كذلك حكم التشبيه ~~معها فإذا ثبت أنها ليست التشبيه على الحقيقة كذلك لا تكون التمثيل على ~~الحقيقة لأن التمثيل تشبيه إلا أنه تشبيه خاص فكل تمثيل تشبيه وليس كل ~~تشبيه تمثيلا # وإذ قد تقرر هذه الجملة فإذا كان المشبه بين المستعار منه والمستعار له ~~من المحسوس والغرائز والطباع وما يجري مجراها من الأوصاف المعروفة كان حقها ~~أن يقال إنها تتضمن التشبيه ولا يقال إن فيها تمثيلا وضرب مثل وإذا كان ~~الشبه عقليا جاز إطلاق التمثيل فيها وأن يقال ضرب الاسم مثلا لكذا كقولنا ~~ضرب النور مثلا للقرآن والحياة مثلا للعلم فقد حصلنا من هذه الجملة على أن ~~المستعير يعمد إلى نقل اللفظ عن أصله في اللغة إلى غيره ويجوز به مكانه ~~الأصلي إلى مكان آخر لأجل الأغراض التي ms128 ذكرنا من PageV01P208 التشبيه ~~والمبالغة والاختصار والضارب للمثل لا يفعل ذلك ولا يقصده ولكنه يقصد إلى ~~تقرير الشبه بين الشيئين من الوجه الذي مضى ثم إن وقع في أثناء ما يعقد به ~~المثل من الجملة والجملتين والثلاث لفظة منقولة عن أصلها فذاك شىء لم ~~يعتمده من جهة المثل الذي هو ضاربه وهكذا كل متعاط لتشبيه صريح لا يكون نقل ~~اللفظ من شأنه ولا من مقتضى غرضه فإذا قلت زيد كالأسد وهذا الخبر كالشمس في ~~الشهرة وله رأى كالسيف في المضاء لم يكن منك نقل للفظ عن موضوعه ولو كان ~~الأمر على خلاف ذلك لوجب أن لا يكون في الدنيا تشبيه إلا وهو مجاز وهذا ~~محال لأن التشبيه معنى من المعاني وله حروف وأسماء تدل عليه فإذا صرح بذكر ~~ما هو موضوع للدلالة عليه كان الكلام حقيقة كالحكم في سائر المعاني فأعرفه # واعلم أن اللفظة المستعارة لا تخلو من أن تكون اسما أو فعلا فإذا كانت ~~اسما كان اسم جنس أوصفة فإذا كان اسم جنس فإنك تراه في أكثر الأحوال التي ~~تنقل فيها محتملا متكفئا بين أن يكون للاصل وبين أن يكون للفرع الذي من ~~شأنه أن ينقل إليه فإذا قلت رأيت أسدا صلح هذا الكلام لأن تريد به أنك رأيت ~~واحدا من جنس السبع المعلوم وجاز أن تريد أنك رأيت شجاعا باسلا شديد الجرأة ~~وأنما يفصل لك أحد الغرضين من الآخر شاهد الحال وما يتصل به من الكلام من ~~قبل وبعد وإن كان فعلا أو صفة كان فيهما هذا الإحتمال في بعض الأحوال وذلك ~~إذا اسندت الفعل وأجريت الصفة على أسم مبهم يقع على ما يكون اصلا في تلك ~~الصفة وذاك الفعل وما يكون فرعا فيهما نحو أن تقول أنار لي منيره ~~PageV01P209 # فهذا الكلام يحتمل أن يكون أنار ومنير فيه واقعين على الحقيقة بأن يعنى ~~بالشيء بعض الأجسام ذوات النور وأن يكونا واقعين على المجاز بأن تريد ~~بالشىء نوعا من العلم والرأى وما اشبه ذلك من المعانى التى لا يصح وجود ms129 ~~النور فيها حقيقة وإنما توصف به على سبيل التشبيه وفي الفعل والصفه شىء آخر ~~وهو أنك كأنك تدعى معنى اللفظ المستعار له فإذا قلت قد أنارت حجته وهذة حجه ~~منيرة فقد ادعيت للحجه النور ولذلك تجىء فتضيفه إليه كما تضاف المعانى التى ~~يشتق منها الفعل والصفة إلى الفاعل والموصوف فتقول نور هذه الحجة جلا بصري ~~وشرح صدري كما تقول نور الشمس والمثل لا يوجب شيئا من هذه الأحكام فلا هو ~~يقتضى تردد اللفظ بين احتمال شيئين ولا أن يدعى معناه للشىء ولكنه يدع ~~اللفظ مستقرا على أصله # وإذ قد ثبت هذا الأصل فاعلم أن ههنا أصلا آخر يبنى عليه وهو أن الاستعارة ~~وإن كانت تعتمد التشبيه والتمثيل وكان التشبيه يقتضى شيئين مشبها ومشبها به ~~وكذلك التمثيل لأنه كما عرفت تشبيه إلا أنه عقلى فإن الاستعارة من شأنها أن ~~تسقط ذكر المشبه من البين وتطرحه وتدعى له الاسم الموضوع للمشبه به كما مضى ~~من قولك رأيت أسدا تريد رجلا شجاعا ووردت بحرا زاخرا تريد رجلا كثير الجود ~~فائض الكف وأبديت نورا تريد علما وما شاكل ذلك فالاسم الذى هو المشبه غير ~~مذكور بوجه من الوجوه كما ترى وقد نقلت الحديث إلى اسم المشبه به لقصدك أن ~~تبالغ فيه فتضع اللفظ بحيث تخيل أن معك نفس الأسد والبحر والنور كى تقوي ~~أمر المشابهة وتشدده ويكون لها هذا الصنيع PageV01P210 # حيث يقع الاسم المستعار فاعلا أو مفعولا أو مجرورا بحرف الجر أو مضافا ~~إليه فالفاعل كقولك بدا لى أسد وانبرى لى ليث وبدا نور وظهرت شمس ساطعة ~~وفاض لى بالمواهب بحر وكقوله # وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة % غزال كحيل المقلتين ) # ربيب والمفعول كما ذكرت من قولك رأيت أسدا والمجرور نحو قولك لاعار إن ~~فرسن أسد يزأر والمضاف إليه كقوله ( ياابن الكواكب من أئمة هاشم % والرجح ~~الأحساب والأحلام ) # وإذا جاوزت هذه الأحوال كان اسم المشبه مذكورا وكان مبتدأ واسم المشبه به ~~واقعا في موضع الخبر كقولك زيد أسد أو على هذا الحد وهل يستحق ms130 الاسم في هذه ~~الحاله أن يوصف بالاستعاره أم لا فيه شبهة وكلام سيأتيك إن شاء الله تعالى # وإذ قد عرفت هذه الجملة فينبغى أن تعلم أنه ليس كل شيء يجيء مشبها به ~~بكاف أو بإضافة مثل إليه يجوز أن تسلط عليه الاستعاره وينفذ حكمها فيه حتى ~~تنقله عن صاحبه وتدعيه للمشبه على حد قولك أبديت نورا تريد علما وسللت سيفا ~~صارما تريد رأيا نافذا وإنما يجوز ذلك إذا كان الشبه بين الشيئين مما يقرب ~~مأخذه ويسهل متناوله ويكون في الحال دليل عليه حرف وفي العرف شاهد له حتى ~~يمكن المخاطب إذا أطلقت له الاسم أن يعرف الغرض ويعلم ما أردت فكل شيء كان ~~من الضرب الأول الذى ذكرت أنك تكتفي فيه بإطلاق الأسم داخلا عليه التشبيه ~~نحو قولهم هو كالأسد فإنك إذا أدخلت عليه حكم الاستعارة PageV01P211 # وجدت في دليل الحال وفي العرف ما يبين غرضك إذا يعلم إذا قلت رأيت أسد ~~وأنت تريد الممدوح أنك قصدت وصفه بالشجاعة وإذا قلت طلعت شمس وأنت تريد ~~امرأة علم بأنك تريد وصفها بالحسن وإن أردت الممدوح علم أنك تقصد وصفه ~~بالنباهة والشرف # فأما إذاكان من الضرب الثاني لا سبيل إلى معرفة المقصود من الشبه فيه إلا ~~بعد ذكر الجمل التى يعقد بها التمثيل فإن الأستعارة لا تدخله لأن وجه الشبه ~~إذا كان غامضا لم يجز أن تقتسر الاسم وتغصب عليه موضعه وتنقله إلى غير ما ~~هو أهله من غير أن يكون معك شاهد ينبىء عن الشبه فلو حاولت في قوله فإنك ~~كالليل الذى هو مدركى أن تعامل الليل معاملة الأسد في قولك رأيت أسدا أعنى ~~أن تسقط ذكر الممدوح من البين لم تجد له مذهبا في الكلام ولا صادفت طريقة ~~توصلك إليه لأنك لاتخلو من أحد أمرين إما أن تحذف الصفه وتقتصر على ذكر ~~الليل مجردا فتقول إن فررت أظلنى الليل وهذا محال لأنه ليس في الليل دليل ~~على النكتة التى قصدها من أنه لا يفوته وإن أبعد في الهرب وصار إلى أقصى ms131 ~~الأرض لسعة ملكه وطول يده وأن له في جميع الآفاق عاملا وصاحب حبس ومطيعا ~~لأوامره يرد الهارب عليه ويسوقه إليه وغاية ما يتأتى في ذلك أنه يريد إن ~~هرب عنه اظلمت عليه الدنيا وتحير ولم يهتد فصار كمن يحصل في ظلمة الليل ~~وهذا شىء خارج عن الغرض وكلامنا على أن تستعير الاسم لتؤدى به التشبيه الذى ~~قصد في البيت ولم أرد أنه لا تمكن استعارته على معنى ما ولا يصلح في غرض من ~~الأغراض وإن لم تحذف الصفة وجدت طريق الاستعارة فيه يؤدى إلى تعسف إذ لو ~~قلت إن PageV01P212 # فررت منك وجدت ليلا يدركنى وإن ظننت أن المنتأى واسع والمهرب بعيد قلت ~~مالا تقبله الطباع وسلكت طريقة مجهولة لأن العرف لم يجر بأن تجعل الممدوح ~~ليلا هكذا # فأما قولهم إن التشبيه بالليل يتضمن الدلالة على سخطه فإنه لا يفسح في أن ~~يجرى اسم الليل على الممدوح جرى الأسد والشمس ونحوهما وإنما تصلح استعارة ~~الليل لمن يقصد وصفه بالسواد والظلمة كما قال ابن طباطبا # ( بعثت معى قطعا من الليل مظلما % ) يعنى زنجيا قد أنقذه المخاطب معه حين ~~انصرف عنه إلى منزله هذا ويماثله كلما وجدت ما إن رمت فيه طريقة الاستعارة ~~لم تجد فيه هذا القدر من التمحل والتكلف أيضا وهو كقول النبي الناس كإبل ~~مائة لا تجد فيها فيها راحلة قل الآن من أى جهة تصل إلى الاستعارة ههنا ~~وبأى ذريعة تتذرع إليها هل تقدر أن تقول رأيت إبلا مائة لا تجد فيها راحلة ~~في معنى رأيت ناسا والإبل المائة التى لا تجد فيها راحلة تريد الناس كما ~~قلت رأيت أسدا على معنى رجلا كالأسد وأطلقت عليه الأسد على معنى الذى هو ~~الأسد وكذا قول النبي مثل المؤمن كمثل النخلة أو مثل الخامة لا تستطيع أن ~~تتعاطى الاستعارة في شىء منه فتقول رأيت نخلة أو خامة على معنى رأيت مؤمنا ~~إن من رام مثل هذا كا كما قال صاحب الكتاب ملغزا تاركا لكلام الناس الذى ~~يسبق إلى أفئدتهم وقد قدمت ms132 طرفا من هذا الفصل فيما مضى ولكننى أعدته ههنا ~~لاتصاله بما نريد ذكره PageV01P213 # فقد ظهر أنه ليس كل شىء يجىء فيه التشبيه الصريح بذكر الكاف ونحوها ~~يستقيم نقل الكلام فيه إلى طريقة الاستعارة وإسقاط ذكر المشبه جملة ~~والاقتصار على المشبه به وبقى أن يتعرف الحكم في الحالة الأخرى وهى التى ~~يكون كل واحد من المشبه والمشبه به مذكورا فيها نحو زيد أسد ووجدته أسدا هل ~~تساوق صريح التشبيه حتى يجوز في كل شيئين قصد تشبيه أحدهما بالآخر أن تحذف ~~الكاف من الثانى وتجعله خبرا عن الأول أو بنزلة الخبر والقول في ذلك أن ~~التشبيه إذا كان صريحا بالكاف ومثل كان الأعرف الأشهر في المشبه به أن يكون ~~معرفة كقولك هو كالأسد وهو كالشمس وهو كالبحر وكليث العرين وكالصبح وكالنجم ~~وما شا كل ذلك ولا يكاد يجىء نكرة مجيئا يرتضى نحو هو كأسد وكبحر وكغيث ~~إلاأن يخصص بصفة نحو كبحر زاخر فإذا جعلت الاسم المجرور بالكاف معربا ~~بالإعراب الذى يستحقه الخبر من الرفع والنصب كان كلا الأمرين التعريف ~~والتنكير فيه حسنا جميلا تقول زيد الأسد والشمس والبحر وزيد أسد وشمس وبدر ~~وبحر # وإذ قد عرفت هذا فارجع إلى نحو فإنك كالليل الذى هو مدركى واعلم أنه قد ~~يجوز فيه أن تحذف الكاف وتجعل المجرور الليل خبرا فتقول فإنك الليل الذى هو ~~مدركى أو أنت الليل الذى هو مدركى وتقول في قول النبى مثل المؤمن مثل ~~الخامة من الزرع المؤمن الخامة من الزرع وفي قوله الناس كإبل مائة الناس ~~إبل مائة ويكون تقديره على أنك قدرت مضافا محذوفا على حد واسئل القرية تجعل ~~الأصل فإنك مثل الليل ثم تحذف مثلا PageV01P214 # والنكته في الفرق بين هذا الضرب الذي لا بد للمجرور بالكاف ونحوها من ~~وصفه بجملة من الكلام أو نحوها وبين الضرب الأول الذي هو نحو زيد كالأسد ~~أنك إذا حذفت الكاف هناك فقلت زيد الأسد فائقصد أن تبالغ في التشبيه فتجعل ~~المذكور كأنه الأسد وتشير إلى مثل ما يحصل لك من المعنى ms133 إذا حذفت ذكر ~~المشبه أصلا فقلت رأيت أسدا أو الأسد فأما في نحو فإنك كالليل الذي هو ~~مدركي فلا يجوز أن تقصد جعل الممدوح الليل ولكنك تنوى أنك أردت أن تقول ~~فإنك مثل الليل ثم حذفت المضاف من اللفظ وأبقيت المعنى على حاله إذا لم ~~تحذف وأما هناك فإنه وإن كان يقال أيضا إن الأصل زيد مثل الأسد ثم تحذف ~~فليس الحذف فيه على هذا الحد بل على أنه جعل كان لم يكن لقصد المبالغة ألا ~~تراهم يقولون جعله الأسد وبعيد أن تقول جعله الليل لأن القصد لم يقع إلى ~~وصف في الليل كالظلمة ونحوها وإنما قصد الحكم الذي له من تعميمه الآفاق ~~وامتناع أن يصير الإنسان إلى مكان لا يدركه الليل فيه # وإن أردت أن تزداد علما بأن الأمر كذلك أعنى أن ههنا ما يصلح فيه التشبيه ~~الظاهر ولا تصلح فيه المبالغة وجعل الأول الثاني فاعمد إلى ما تجد الاسم ~~الذي افتتح به المثل فيه غير محتمل لضرب من التشبيه إذا أفرد وقطع عن ~~الكلام بعده كقوله تعالى ( ^ إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من ~~السماء ) الآية لو قلت إنما الحياة الدنيا ماء أنزلناه من السماء أو الماء ~~ينزل من السماء فتخضر منه الأرض لم يكن للكلام وجه غير أن تقدر حذف مثل نحو ~~إنما الحياة الدنيا مثل ماء ينزل من السماء فيكون كيت PageV01P215 # وكيت إذ لا يتصور بين الحياة الدنيا والماء شبه يصح قصده وقد أفرد كما قد ~~يتخيل في البيت أنه قصد تشبيه الممدوح بالليل في السخط وهذا موضع في الجملة ~~مشكل ولا يمكن القطع فيه بحكم على التفصيل ولكن لا سبيل إلى جحد أنك تجد ~~الاسم في الكثير وقد يوضع موضعا في التشبيه بالكاف لو حاولت أن تخرجه في ~~ذلك الموضع بعينه إلى حد الاستعارة والمبالغة وجعل هذا ذاك لم ينقد لك ~~كالنكرة التي هي ماء في الآية وفي الآى الأخر نحو قوله تعالى ( ^ أو كصيب ~~من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ) ولو قلت هم صيب ms134 ولا تضمر مثلا ألبتة على ~~حد هو أسد لم يجز لأنه لا معنى لجعلهم صيبا في هذا الموضع وإن كان لا يمتنع ~~أن يقع صيب في موضع آخر ليس من هذا الغرض في شىء استعارة ومبالغة كقولك فاض ~~صيب منه تريد جوده وهو صيب يفيض تريد يتدفق في الجود فلسنا نقول إن ههنا ~~اسم جنس واسما صفة لا يصلح للاستعارة في حال من الأحوال # وهذا شعب من القول يحتاج إلى كلام أكثر من هذا ويدخل فيه مسائل ولكن ~~استقصاءه يقطع عن الغرض فإن قلت فلابد من أصل يرجع إليه في الفرق بين ما ~~يحسن أن يصرف وجهه إلى الاستعارة والمبالغة ومالا يحسن ذلك فيه ولا يجيبك ~~المعنى إليه بل يصد بوجهه عنك متى أردته عليه فالجواب أنه لا يمكن أن يقال ~~فيه قول قاطع ولكن ههنا PageV01P216 نكته يجب الاعتماد عليها والنظر إليها ~~وهى أن الشبه إذا كان وصفا معروفا في الشيء قد جرى العرف بأن يشبه من أجله ~~به وتعورف كونه أصلا فيه يقاس عليه كالنور والحسن في الشمس أو الاشتهار ~~والظهور وأنها لا تخفي فيها أيضا وكالطيب في المسك والحلاوة في العسل ~~والمرارة في الصاب والشجاعة في الأسد والفيض في البحر والغيث والمضاء ~~والقطع والحدة في السيف والنفاذ في السنان وسرعة المرور في السهم وسرعة ~~الحركة في شعلة النار وما شاكل ذلك من ألاوصاف التي لكل وصف منها جنس هو ~~أصل فيه ومقدم في معانيه فاستعارة الاسم للشيء على معنى ذلك الشبه تجيء ~~سهلة منقادة وتقع مألوفة معتادة وذلك أن هذه الأوصاف من هذه الأسماء قد ~~تعورف كونها أصولا فيها وأنها أخص ما توجد فيه بها فكل أحد يعلم أن أخص ~~المنيرات بالنور الشمس فإذا أطلقت ودلت الحال على التشبيه لم يخف المراد ~~ولو أنك أردت من الشمس الاستدارة لم يجز أن تدل عليه بالاستعارة ولكن إن ~~أردتها من الفلك جاز فإن قصدتها من الكرة كان أبين لأن الاستدارة من الكرة ~~أشهر وصف فيها ومتى صلحت الاستعارة في شيء ms135 فالمبالغة فيه أصلح وطريقها أوضح ~~ولسان الحال بها أفصح أعني أنك إذ قلت يا ابن الكواكب من أئمة هاشم و يا ~~ابن الليوث الغر فأجريت الاسم على المشبه إجراءه على أصله الذي وضع له ~~وأدعيته له كان قولك هم الكواكب وهم PageV01P217 الليوث أو هم كواكب وليوث ~~أحرى أن تقوله وأخف مؤنة على السامع في وقوع العلم له به # واعلم أن المعنى في المبالغة وتفسيرنا لها بقولنا جعل هذا وذاك وجعله ~~الأسد وادعى أنه الأسد حقيقة أن المشبه الشيء بالشيء من شأنه أن ينظر إلى ~~الوصف الذي به يجمع بين الشيئين وينفي عن نفسه الفكر فيما سواه جملة فإذا ~~شبه بالأسد ألقى صورة الشجاعة بين عينيه وألقى ما عداها فلم ينظر إليه فإن ~~هو قال زيد كالأسد كان قد أثبت له حظا ظاهرا في الشجاعة ولم يخرج عن ~~الاقتصاد وإذ قال هو الأسد تناهى في الدعوى إما قريبا من المحق لفرط بسالة ~~الرجل وإما متجوزا في القول فجعله بحيث لا تنقص شجاعته عن شجاعة الأسد ولا ~~يعدم منها شيئا وإذا كان بحكم التشبيه وبأنه مقصوده من ذكر الأسد في حكم من ~~يعتقد أن الاسم لم يوضع على ذلك السبع إلا للشجاعة التي فيه وان ماعداها من ~~صورته وسائر صفاته عيال عليها وتبع لها في استحقاقه هذا الاسم ثم أثبت لهذا ~~الذي يشبهه به تلك الشجاعة بعينها حتى لا اختلاف ولا تفاوت فقد جعل الأسد ~~له لا محالة لأن قولنا هو هو على معنيين أحدهما أن يكون للشيء اسمان يعرفه ~~المخاطب بأحدهما دون الآخر فإذا ذكر باسمه الآخر توهم أن معك شيئين فإذا ~~قلت زيد هو أبو عبد الله عرفت أن هذا الذى تذكر الآن هو الذى عرفه بأبى عبد ~~الله والثاني أن يراد تحقيق التشابه بين الشيئين وتكميله لهما ونفي ~~الاختلاف والتفاوت عنهما فيقال وهو أي لا يمكن الفرق بينهما لأن الفرق يقع ~~إذا اختص PageV01P218 أحدهما بصفة لا تكون في الآخر وهذا المعنى الثاني فرع ~~على الأول وذلك أن المتشابهين التشابه ms136 التام لما كان يحسب أحدهما الآخر ~~ويتوهم الرائي لهما في حالين أنه رأى شيئا واحدا صاروا إذا حققوا التشبيه ~~بين الشيئين يقولون وهو والمشبه إذا وقف وهمه كما عرفتك على الشجاعة دون ~~سائر الأمور ثم لم يثبت بين شجاعة صاحبه وشجاعة الأسد فرقا فقد صار إلى ~~معنى قولنا وهو بلا شبهه # وإذا تقررت هذه الجملة فقولنا فإنك كالليل الذي هو مدركي إن حاولت فيه ~~طريقة المبالغة فقلت فإنك الليل الذي هو مدركي لزمك لا محالة أن تعمد إلى ~~صفة من أجلها تجعله الليل كالشجاعة التي من أجلها جعلت الرجل الأسد فإن قلت ~~تلك الصفة الظلمة وأنه قصد شدة سخطه وراعى حال المسخوط عليه وتوهم أن ~~الدنيا تظلم في عينيه حسب الحال في المستوحش الشديد الوحشه كما قال أعيدوا ~~صباحي فهو عند الكواعب قيل لك هذا التقدير إن استجزناه وعملنا عليه فإنا ~~نحتمله والكلام على ظاهره وحرف التشبيه مذكور داخل على الليل كما تراه في ~~البيت فأما وأنت تريد المبالغة فلا يجىء لك ذلك لأن الصفات المذكورة لا ~~يواجه بها الممدوحون ولا تستعار الأسماء الدالة عليها لهم إلا بعد أن ~~تتدارك وتقرن إليها أضدادها من الأوصاف المحبوبة كقوله أنت الصاب والعسل ~~ولا تقول وأنت مادح أنت الصاب وتسكت وحتى أن الحاذق لا يرضى بهذا الاحتراز ~~وحده حتى يزيد ويحتال في دفع ما يغشى النفس من الكراهة بإطلاق الصفة التي ~~ليست من الصفات المحبوبة فيصل بالكلام ما يخرج به إلى نوع من المدح كقول ~~المتنبي PageV01P219 حسن في وجوه أعدائه أقبح من ضيفه رأته السوام # بدأ فجعله حسنا على الإطلاق ثم أراد أن يجعله قبيحا في عيون أعدائه على ~~العادة في مدح الرجل بأن عدوه يكرهه فلم يقنعه ما سبق من تمهيده وتقدم من ~~احترازه في تلافي ما يجنيه إطلاق صفة القبح حتى وصل به هذه الزيادة من ~~المدح وهي كراهة سوامه لرؤية أضيافه وحتى حصل ذكر القبح مغمورا بين حسنين ~~فصار كما يقول المنجمون يقع النحس مضغوطا بين سعدين فيبطل فعله وينمحق ms137 أثره ~~وقد عرفت ما جناه التهاون بهذا النحو من الاحتراز على أبي تمام حتى صار ما ~~ينعى عليه منه أبلغ شيء في بسط لسان القادح فيه والمنكر لفضله وأخصر حجة ~~للمتعصب عليه وذلك أنه لم يبال في كثير من مخاطبات الممدوح بتحسين ظاهر ~~اللفظ واقتصر على صميم التشبيه وأطلق اسم الجنس الخسيس كإطلاق الشريف ~~النبيه كقوله # ( وإذا ما أردت كنت رشاء % وإذا ما أردت كنت قليبا ) # فصك وجه الممدوح كما ترى بأنه رشاء وقليب ولم يحتشم أن قال # ( ما زال يهذي بالمكارم والعلى % حتى ظننا أنه محموم ) # فجعله يهذي وجعل عليه الحمى وظن أنه إذا حصل له المبالغة في إثبات ~~المكارم له وجعلها مستبدة بأفكاره وخواطره حتى لا يصدر عنه غيرها فلا ضير ~~أن يتلقاه بمثل هذا الخطاب الجافي والمدح المتنافي فكذلك PageV01P220 أنت ~~هذه قصتك وهذه قضيتك في اقتراحك علينا أن نسلك بالليل في البيت طريق ~~المبالغة على تأويل السخط # فإن قلت افترى أن تأبى هذا التقدير في البيت أيضا حتى يقصر التشبيه على ~~ما تفيده الجملة الجارية في صلة الذي قلت فإن ذلك الوجه فيما أظنه فقد جاء ~~في الخبر عن النبي ليدخلن هذا الدين ما دخل عليه الليل فكما تجرد المعنى ~~ههنا للحكم الذي هو الليل من الوصول إلى كل مكان ولم يكن لاعتبار ما ~~اعتبروه من شبه ظلمته وجه كذلك يجوز أن يتجرد في البيت له ويكون ما ادعوه ~~من الإشارة بظلمة الليل إلى إدراكه له ساخطا ضربا من التعمق والتطلب لما ~~لعل الشاعر لم يقصده وأحسن ما يمكن أن ينتصر به لهذا التقدير أن يقال إن ~~النهار بمنزلة الليل في وصوله إلى كل مكان فما من موضع من الأرض إلا ويدركه ~~كل واحد منهما فكما أن الكائن في النهار لا يمكنه أن يصير إلى مكان لا يكون ~~به ليل كذلك الكائن في الليل لا يجد موضعا لا يلحقه فيه نهار فاختصاصه ~~الليل دليل على أنه قد روى في نفسه فلما علم أن حالة إدراكه وقد هرب ms138 منه ~~حالة سخط رأى التمثيل بالليل أولى ويمكن أن يزاد في نصرته بقوله # ( نعمة كالشمس لما طلعت % بثت الإشراق في كل بلد ) # وذاك أنه قصد ههنا نفس ما قصده النابغة في تعميم الأقطار والوصول إلى كل ~~مكان إلا أن النعمة لما كانت تسر وتؤنس أخذ المثل لها من الشمس ولو أنه ضرب ~~المثل لوصول النعمة إلى أقاصي البلاد وانتشارها في العباد بالليل ووصوله ~~إلى كل بلد وبلوغه كل أحد لكان قد أخطأ خطأ PageV01P221 فاحشا إلا أن هذا ~~وإن كان يجىء مستويا في الموازنة ففرق بين ما تكره من الشبه وما تحب لأن ~~الصفة المحبوبة إذا اتصلت بالغرض من التشبيه نالت من العناية بها والمحافظة ~~عليها قريبا مما يناله الغرض نفسه وأما ما ليس بمحبوب فيحسن أن تعرض عنها ~~صفحا وتدع الفكر فيها # وأما تركه أن يمثل بالنهار وإن كان بمنزلة الليل فيما أراده فيمكن أن ~~يجاب عنه بأن هذا الخطاب من النابغة كان بالنهار لا محالة وإذا كان يكلمه ~~وهو في النهار بعد أن يضرب المثل بإدراك النهار له وكان الظاهر أن يمثل ~~بإدراك الليل الذي إقباله منتظر وطريانه على النهار متوقع فكأنه قال وهو في ~~صدر النهار أو آخره لو سرت عنك لم أجد مكانا يقيني الطلب منك ولكان إدراكك ~~لي وإن بعدت واجبا كإدراك هذا الليل المقبل في عقب نهاري هذا إياي ووصوله ~~إلى أي موضع بلغت من الأرض # وههنا شىء آخر وهو أن تشبيه النعمة في البيت بالشمس وإن كان من حيث الغرض ~~الخاص وهو الدلالة على العموم فكان الشبه الآخر من كونها مؤنسة للقلوب ~~وملبسة العالم البهجة والبهاء كما تفعل الشمس حاصلا على سبيل العرض وبضرب ~~من التطفل فإن تجريد التشبيه لهذا الوجه الذي هو الآن تابع وجعله أصلا ~~ومقصودا على الانفراد مألوف معروف كقولنا نعمتك شمس طالعة وليس كذلك الحكم ~~في الليل لأن تجريده لوصف الممدوح بالسخط مستكره حتى لو قلت أنت في حال ~~السخط ليل وفي الرضى نهار فطفقت هكذا تجعله بسخطه لم يحسن ms139 وإنما الواجب أن ~~يقول النهار ليل على من يغضب عليه والليل نهار لمن يرضى عنه وزمان عدوك ليل ~~كله وأوقات وليك نهار كلها كما قال PageV01P222 # ( أيامنا مصقولة أطرافها % بك والليالي كلها أسحار ) # وقد يقول الرجل لمحبوبه أنت ليلي ونهاري أي بك تضئ الدنيا وتظلم فإذا ~~رضيت فدهري نهار وإذا غضبت فليل كما تقول أنت دائي ودوائي وبرئي وسقامي ولا ~~تكاد تجد أحدا يقول أنت ليل على معنى أن سخطك تظلم به الدنيا لأن هذه ~~العبارة بالذم وبالوصف بالظلمة وسواد الجلد وتجهم الوجه أخص وبأن يراد بها ~~أخلق وهذا المعنى منها إلى القلب أسبق فاعرفه # | فصل # أعلم أنك تجد الاسم وقد وقع من نظم الكلام الموقع الذي يقتضي كونه ~~مستعارا ثم لا يكون مستعارا وذاك لأن التشبيه المقصود منوط به مع غيره وليس ~~له شبه ينفرد به على ما قدمت لك من أن الشبه يجىء منتزعا من مجموع جملة من ~~الكلام فمن ذلك قول داود بن علي حين خطب فقال # شكرا شكرا إنا والله ما خرجنا لنحفر فيكم نهرا ولا لنبني فيكم قصرا أظن ~~عدو الله أن لن نظفر به أرخى له في زمامه حتى عثر في فضل خطامه فالآن عاد ~~الأمر في نصابه وطلعت الشمس من مطلعها والآن قد أخذ القوس باريها وعاد ~~النبل إلى النزعة ورجع الأمر إلى مستقره في أهل بيت الرأفة والرحمة ~~PageV01P223 # فقوله الآن أخذ القوس باريها وإن كان القوس يقع كناية عن الخلافة والباري ~~عن المستحق لها فإنه لا يجوز أن يقال إن القوس مستعار للخلافة على حد ~~استعارة النور والشمس لأجل أنه لا يتصور أن يخرج للخلافة شبه من القوس على ~~الانفراد وأن يقال هي قوس كما يقال هي نور وشمس وإنما الشبه مؤلف بحال ~~الخلافة مع القائم بها ومن حال القوس مع الذي براها وهو أن الباري للقوس ~~أعرف بخيرها وشرها وأهدى إلى توتيرها وتصريفها إذ كان العامل لها فكذلك ~~الكائن على الأوصاف المعتبرة في الإمامة والجامع لها يكون أهدى إلى توفية ~~الخلافة وأعرف ms140 بما بحفظ مصارفها عن الخلل وأن يراعى في سياسة الخلق بالأمر ~~والنهي التي هي المقصود منها ترتيبا ووزنا تقع به الأفعال مواقعها من ~~الصواب كما أن العارف بالقوس يراعي في تسوية جوانبها وإقامة وترها وكيفية ~~نزعتها ووضع السهم الموضع الخاص منها ما يوجب في سهامه أن تصيب الأغراض ~~وتقرطس في الأهداف وتقع في المقاتل وتصيب شاكلة الرمى # وهكذا قول القائل وقد سمع كلاما حسنا من رجل دميم عسل طيب في ظرف سوء ليس ~~عسل ههنا على حده في قولك ألفاظه عسل لأجل أنه لم يقصد إلى بيان حال اللفظ ~~الحسن وتشبيهه بالعسل في PageV01P224 هذا الكلام الحسن من المتكلم المشنوء ~~في منظره وإنما قصد إلى قياس اجتماع فضل المخبر مع نقص المنظر بالشبه ~~المؤلف من العسل والظرف ألا ترى أن الذي يقابل الرجل هو ظرف سوء وظرف سوء ~~لا يصلح تشبيه الرجل به على الانفراد لأن الدمامة لا تعطيه صفة الظرف من ~~حيث هي دمامة ما لم يتقدم شئ يشبه ما في الظرف من الكلام الحسن أو الخلق ~~الجميل أو سائر المعاني التي تجعل الأشخاص أوعية لها # فمن حقك أن تحافظ على هذا الأصل وهو أن الشبه إذا كان موجودا في الشيء ~~على الأنفراد من غير أن تكون نتيجة بينه وبين شئ آخر فالاسم مستعار لما أخذ ~~الشبه منه كالنور للعلم والظلمة للجهل والشمس للوجه الجميل أو الرجل النبيه ~~الجليل وإذا لم تكن نسبة الشبه إلى الشيء على الانفراد وكان مركبا من حاله ~~مع غيره فليس الاسم بمستعار ولكن مجموع الكلام مثل # وأعلم أن هذه الأمور التي قصدت البحث عنها أمور كأنها معروفة مجهولة وذلك ~~أنها معروفة على الجملة لا ينكر بيانها في نفوس العارفين ذوق الكلام ~~والمتمهرين في فصل جيده من رديئه ومجهوله من حيث لم تتفق فيها أوضاع تجرى ~~مجرى القوانين التي يرجع إليها فتستخرج منها العلل في حسن ما استحسن وقبح ~~ما استهجن حتى تعلم علم اليقين غير الموهوم ويضبط ضبط المزموم المخطوم ولعل ~~الملال إن عرض PageV01P225 لك ms141 أو النشاط إن فتر عنك قلت ما الحاجة إلى كل ~~هذه الإطالة وإنما يكفي أن يقال الاستعارة مثل كذا ثم تعقد كلمات وتنشد ~~أبيات وهكذا يكفينا المؤنة في التشبيه والتمثيل يسير من القول فإنك تعلم أن ~~قائلا لو قال الخبر مثل قولنا زيد منطلق ورضي به وقنع ولم تطالبه نفسه بأن ~~يعرف حدا للخبر إذا عرفه تميز في نفسه من سائر الكلام حتى يمكنه أن يعلم أن ~~ههنا كلاما لفظه لفظ الخبر وليس هو بخبر ولكنه دعاء كقولنا رحمة الله عليه ~~وغفر الله له ولم يجد في نفسه طلبا لأن يعرف أن الخبر هل ينقسم أو لا ينقسم ~~وأن أول أمره في القسمة أنه ينقسم إلى جملة من الفعل والفاعل وجملة من ~~مبتدأ وخبر وأن ما عدا هذا من الكلام لا يأتلف بفم ولم يحب أن يعلم أن هذه ~~الجملة يدخل عليها حروف بعضها يؤكد كونها خبرا وبعضها يحدث فيها معاني تخرج ~~بها عن الخبرية واحتمال الصدق والكذب وهكذا يقول إذا قيل له الاسم مثل زيد ~~وعمرو اكتفيت ولا أحتاج إلى وصف أو حد يميزه من الفعل والحرف أو حد لهما ~~إذا عرفتهما عرفت أن ما خالفهما هو الاسم على طريقة الكتاب ويقول لا احتاج ~~إلى أن أعرف أن الاسم ينقسم فيكون متمكنا أو غير متمكن والمتمكن يكون ~~منصرفا وغير منصرف ولا إلى أن أعلم شرح غير المنصرف والأسباب التسعة التي ~~يقف هذا الحكم على اجتماع سببين منها أو تكرر سبب في الاسم ولا أنه ينقسم ~~إلى المعرفة والنكرة وأن النكرة ما عم شيئين فأكثر وما أريد به واحد من ~~الجنس لا بعينه والمعرفة ما أريد PageV01P226 به واحد بعينه أو جنس بعينه ~~على الإطلاق ولا إلى أن أعلم شيئا من الانقسامات التي تجئ في الاسم كان قد ~~أساء الاختيار وأسرف في دعوى الاستغناء عما هو محتاج إليه إن أراد هذا ~~النوع من العلم # ولئن كان الذي يتكلف شرحه لا يزيد على مؤدي ثلاثة أسماء وهي التمثيل ~~والتشبيه والاستعارة فإن ذلك ms142 يستدعي جملا من القول يصعب استقصاؤها وشعبا من ~~الكلام لا تستبين لأول النظر أنحاؤها إذ قلنا شىء يحتوي على ثلاثة أحرف ~~ولكنك إذا مددت يدا إلى القسمة وأخذت في بيان ما تحويه هذه اللفظة احتجت ~~إلى أن تقرأ أوراقا لا تحصى وتتجشم من المشقة والنظر والتفكير ما ليس ~~بالقليل النزر والجزء الذي لا يتجزأ يفوت العين ويدق عن البصر والكلام عليه ~~يملأ أجلادا عظيمة الحجم فهذا مثلك إن أنكرت ما عنيت به من هذا التتبع ~~ورأيته من البحث وآثرته من تجشم الفكرة وسومها أن تدخل في جوانب هذه ~~المسائل وزواياها وتستثير كوامنها وخفاياها فإن كنت ممن رضي لنفسه أن يكون ~~هذا مثله وههنا محله فعب كيف شئت وقل ما هويت وثق بأن الزمان عونك على ما ~~ابتغيت وشاهدك فيما ادعيت وأنك واجد من يصوب رأيك ويحسن مذهبك ويخاصم عنك ~~ويعادي المخالف لك PageV01P227 # | فصل # في الأخذ والسرقة وما في ذلك من التعليل وضروب الحقيقة والتخييل # القسم العقلي $ # اعلم أن الحكم على الشاعر بأنه أخذ من غيره وسرق واقتدى بمن تقدم وسبق لا ~~يخلو من أن يكون في المعنى صريحا أو في صيغة تتعلق بالعبارة ويجب أن نتكلم ~~أولا على المعاني وهي تنقسم أولا قسمين عقلي وتخيبلي وكل واحد منهما يتنوع ~~فالذي هو العقلي على أنواع أولها عقلي صحيح مجراه في الشعر والكتابة ~~والبيان والخطابة مجرى الأدلة التي تستنبطها العقلاء والفوائد التي تثيرها ~~الحكماء ولذلك تجد الأكثر من هذا الجنس منتزعا من أحاديث النبي وكلام ~~الصحابة رضي الله عنهم ومنقولا من آثار السلف الذين شأنهم الصدق وقصدهم ~~الحق أو ترى له أصلا في الأمثال القديمة والحكم المأثورة عن القدماء فقوله # ( وما الحسب الموروث لا دردره % بمحتسب إلا بآخر مكتسب ) # ونظائره كقوله # ( إني وإن كنت إبن سيد عامر % وفي السر منها والصريح المهذب ) # ( فما سودتني عامر عن وراثة % أبى الله أن أسمو بأم ولا أب ) # ( معنى صريح محض يشهد له العقل بالصحة ويعطيه من نفسه ) PageV01P228 أكرم ~~النسبة وتتفق العقلاء على الأخذ به والحكم ms143 بموجبه في كل جيل وأمة ويوجد له ~~أصل في كل لسان ولغة وأعلى مناسبة وأنورها وأجلها وأفخرها قول الله تعالى ( ~~^ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وقول النبي من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ~~وقوله عليه السلام يا بني هاشم لا تجيئني الناس بالأعمال وتجيئوني بالأنساب ~~وذلك أنه لو كانت القضية على ظاهر يغتر به الجاهل ويعتمده المنقوص لأدى ذلك ~~إلى إبطال النسب أيضا وإحالة التكثر به والرجوع إلى شرفه فإن الأول لو عدم ~~الفضائل المكتسبة والمساعي الشريفة ولم يبن من أهل زمانه بأفعال تؤثر ~~ومناقب تدون وتسطر لما كان أولا ولكان العلم من أمره مجهلا ولما تصور ~~افتخار الثاني بالانتماء إليه وتعويله في المفاضلة عليه ولكان لا يتصور فرق ~~بين أن يقول هذا أبي ومنه نسبي وبين أن ينسب إلى الطين الذي هو أصل الخلق ~~أجمعين ولذلك قال كلكم لآدم وآدم من التراب وقال محمد ابن الربيع الموصلي # ( الناس في صورة التشبيه أكفاء % أبوهم آدم والأم حواء ) # ( فإن لم يكن لهم في أصلهم شرف % يفاخرون به فالطين والماء ) # ( ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم % على الهدى لمن استهدى أدلاء ) # ( ووزن كل امرىء ما كان يحسنه % والجاهلون لأهل العلم أعداء ) # فهذا كما ترى باب من المعاني التي تجمع فيها النظائر وتذكر الأبيات ~~PageV01P229 الدالة عليها فإنها تتلاقى وتتناظر وتتشابه وتتشاكل ومكانه من ~~العقل ما ظهر لك واستبان ووضح واستنار وكذلك قوله # ( وكل امرىء يولي الجميل محبب % ) # صريح معنى ليس للشعر في جوهره وذاته نصيب وإنما له ما يلبسه من اللفظ ~~ويكسوه من العبارة وكيفية التأدية من الاختصار وخلافه والكشف أو ضده وأصله ~~قول النبي جبلت القلوب على حب من أحسن إليها بل قول الله عز وجل ( ^ إدفع ~~بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) وكذا قوله # ( لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى % حتى يراق على جوانبه الدم ) معنى ~~معقول لم يزل العقلاء يقضون بصحته ويرى العارفون بالسياسة الأخذ بسنته وبه ~~جاءت أوامر الله سبحانه وعليه جرت ms144 الأحكام الشرعية والسنن النبوية وبه ~~استقام لأهل الدين دينهم وانتفى عنهم أذى من يفتنهم ويضرهم إذ كان موضوع ~~الجبلة على أن لا تخلو الدنيا من الطغاة الماردين والغواة المعاندين الذين ~~لا يعون الحكمة فتردعهم ولا يتصورون الرشد فيكفهم النصح ويمنعهم ولا يحسون ~~بنقائص الغي والضلال وما في الجور والظلم من الضعة والخبال فيجدوا لذلك مس ~~ألم يحبسهم على الأمر ويقف بهم عند الزجر بل كانوا كالبهائم والسباع لا ~~يوجعهم إلا ما يخرق الأبشار من حد الحديد وسطو البأس الشديد فلو لم تطبع ~~PageV01P230 لأمثالهم السيوف ولم تطلق فيهم الحتوف لما استقام دين ولا دنيا ~~ولا نال أهل الشرف ما نالوه من الرتبة العليا فلا يطيب الشرب من منهل لم ~~تنف عنه الأقذاء ولا تقر الروح في بدن لم تدفع عنه الأدواء وكذلك قوله # ( إذا أنت أكرمت الكريم ملكته % وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ) # ( ووضع الندى في موضع السيف بالعلي % مضر كوضع السيف في موضع الندى ) # | القسم التخييلي # واما القسم التخييلي فهو الذي لا يمكن أن يقال إنه صدق وإن ما أثبته ثابت ~~وما نفاه منفى وهو مفتن المذاهب كثير المسالك لا يكاد يحصر إلا تقريبا ولا ~~يحاط به تقسيما وتبويبا ثم أنه يجيء طبقات ويأتي على درجات فمنه ما يجيء ~~مصنوعا قد تلطف فيه واستعين عليه بالرفق والحذق حتى أعطى شبها من الحق وغشى ~~رونقا من الصدق باحتجاج يخيل وقياس يصنع فيه ويعمل ومثاله قول أبي تمام # ( لا تنكري عطل الكريم من الغنى % فالسيل حرب للمكان العالي ) فهذا قد ~~خيل إلى السامع أن الكريم إذا كان موصوفا بالعلو والرفعة في قدره وكان ~~الغني كالغيث في حاجة الخلق إليه وعظم نفعه وجب بالقياس أن ينزل عن الكريم ~~نزول ذلك السيل عن الطود العظيم ومعلوم أنه قياس تخييل وإيهام لا تحصيل ~~وإحكام فالعلة أن السيل لا يستقر على الأمكنة العالية أن الماء سيال لا ~~يثبت إلا إذا حصل في موضع له جوانب تدفعه عن الإنصباب وتمنعنه عن الانسياب ~~وليس في الكريم والمال شيء ms145 من هذه الخلال PageV01P231 # واقوى من هذا في أن يظن حقا وصدقا وهو على التخيل قوله # ( الشيب كره وكره أن يفارقني % أعجب بشيء على البغضاء مودود ) هو من حيث ~~الظاهر صدق وحقيقة لأن الإنسان لا يعجبه أن يدركه الشيب فإذا هو أدركه كره ~~أن يفارقه فتراه لذلك ينكره ويكرهه على أن إرادته أن يدوم له إلا أنك إذا ~~رجعت إلى التحقيق كانت الكراهة والبغضاء لاحقة للشيب على الحقيقة فأما كونه ~~مرادا ومودودا فمتخيل فيه وليس بالحق والصدق بل المودود الحياة والبقاء إلا ~~أنه لما كانت العادة جارية بأن في زوال رؤية الإنسان للشيب زواله عن الدنيا ~~وخروجه منها وكان العيش فيها محببا إلى النفوس صارت محبته لما لا يبقى له ~~حتى يبقى الشيب كأنها محبة للشيب # ومن ذلك صنيعهم إذا أرادوا تفضيل شيء أو نقصه أو مدحه أو ذمه فتعلقوا ~~ببعض ما يشاركه في أوصاف ليست هي سبب الفضيلة والنقيصة وظواهر أمور لا تصحح ~~ما قصدوه من التهجين والتزيين على الحقيقة كما تراه في باب الشيب والشباب ~~كقول البحتري # ( وبياض البازي أصدق حسنا % أن تأملت من سواد الغراب ) وليس إذا كان ~~البياض في البازي آنق في العين واخلق بالحسن من السواد في الغراب وجب لذلك ~~كله ان لا يذم الشيب ولا تنفر منه طباع ذوي الألباب لأنه ليس الذنب كله ~~لتحول الصبغ وتبدل اللون ولا أتت الغواي ما أتت من الصد والإعراض لمجرد ~~البياض فإنهن يرينه في قباطي PageV01P232 مصر فيأنسن وفي أنوار الروض ~~وأوراق النرجس الغض فلا يعبسن فما أنكرن ابيضاض شعر الفتى لنفس اللون وذاته ~~بل لذهاب بهجاته وادباره في حياته وإنك لترى الصفرة الخالصة في أوراق ~~الأشجار المتناثرة عند الخريف وإقبال الشتاء وهبوب الشمال فتكرهها وتنفر ~~منها وتراها بعينها في إقبال الربيع في الزهر المتفتق وفيما ينشئه ويشيه من ~~الديباج المونق فتجد نفسك على خلاف تلك القضية وتمتلىء من الأريحية ذاك ~~لأنك رأيت اللون حيث النماء والزيادة والحياة المستفادة وحيث أبشرت أرواح ~~الرياحين وبشرت أنواع التحاسين ورأيته في الوقت ms146 الآخر حين ولت السعود وأقشر ~~العود وذهبت البشاشة والبشر وجاء العبوس والعسر هذا ولو عدم البازي فضيلة ~~انه جارح وأنه من عتيق الطير لم تجد لبياضه الحسن الذي تراه ولم يكن للمحتج ~~به على PageV01P233 من ينكر الشبب ويذمه ما تراه من الإستظهار كما أنه لولا ~~ما يهدي إليك المسك من رياه التي تتطلع إليها الأرواح وتهش لها النفوس ~~وترتاح لضعفت حجة المتعلق به في تفضيل الشباب وكما لم تكن العلة في كراهة ~~الشيب بياضه ولم يكن هو الذي غض عنه الأبصار ومنحه العيب والإنكار كذلك لم ~~يحسن سواد الشعر في العيون لكونه سوادا فقط بل لأنك رأيت رونق الشباب ~~ونضارته وبهجته وطلاوته ورأيت بريقه وبصيصه يعدانك الإقبال ويريانك ~~الاقتبال ويحضرانك الثقة بالبقاء ويبعدان عنك الخوف من الفناء وإنك لترى ~~الرجل وقد طعن في السن وشعره لم يبيض ولكنه على ذاك قد عدم إبهاجه الذي كان ~~وعاد لا يزين كما زان وظهر فيه من الكمود والجمود ما يريكه غير محمود # وهكذا قوله # ( والصارم المصقول أحسن حالة % يوم الوغى من صارم لم يصقل ) احتجاج على ~~فضيلة الشيب وأنه أحسن منظرا من جهة التعلق باللون وإشارة إلى أن السواد ~~كالصدأ على صفحة السيف فكما أن السيف إذا صقل وجلي وأزيل عنه الصدأ ونقى ~~كان أبهى واحسن وأعجب إلى الرائى وفي عينه أزين كذلك يجب أن يكون حكم الشعر ~~في إنجلاء صدأ السواد عنه وظهور بياض الصقال فيه وقد ترك أن يفكر فيما عدا ~~ذلك من المعاني التي يكره لها الشيب ويناط بها العيب PageV01P234 # وعلى هذا موضوع الشعر والخطابة أن يجعلوا اجتماع الشيئين في وصف علة ~~الحكم يريدونه وإن لم يكن في المعقول ومقتضيات العقول ولا يؤخذ الشاعر بان ~~يصحح كون ما جعله أصلا وعلة كما ادعاه فيما يبرم أو ينقض من قضية وأن يأتي ~~على ما صيره قاعدة وأساسا ببينة عقلية بل تسلم مقدمته التي اعتمدها بينة ~~كتسليمنا أن عائب الشيب لم ينكر منه إلا لونه وتناسينا سائر المعاني التي ~~لها كره ومن ms147 اجلها عيب وكذلك قول البحتري # ( كلفتمونا حدود منطقكم % في الشعر يكفي عن صدقة كذبه ) # أراد كلفتمونا أن نجرى مقاييس الشعر على حدود المنطق ونأخذ نفوسنا فيه ~~بالقول المحقق حتى لا ندعى إلا ما يقوم عليه من العقل برهان يقطع به ويلجىء ~~إلى موجبه مع أن الشعر يكفى فيه التخييل والذهاب بالنفس إلى ما ترتاح إليه ~~من التعليل ولا شك انه إلى هذا النحو قصد وإياه عمد إذ يبعد أن يريد بالكذب ~~إعطاء الممدوح حظا من الفضل والسؤدد ليس له ويبلغه بالصفة حظا من التعظيم ~~يجاوز به من الإكثار محله لأن هذا الكذب لا يبين بالحجج المنطقية والقوانين ~~العقلية وإنما يكذب فيه القائل بالرجوع PageV01P235 # إلى حال المذكور واختباره فيما وصف به والكشف عن قدره وخسته ورفعته ~~أوضعته ومعرفة محله ومرتبته # وكذلك قول من قال خير الشعر اكذبه فهذا مراده لأن الشعر لا يكتسب من حيث ~~هو شعر فضلا ونقصا وانحطاطا وارتفاعا بان ينحل الوضيع من الرفعة ما هو منه ~~عار أو يصف الشريف بنقص وعار فكم جواد بخله الشعر وبخيل سخاه وشجاع وسمه ~~بالجبن وجبان ساوى به الليث وذي ضعة أوطأه قمة العيوق وغبى قضى له بالفهم ~~وطائش ادعى له طبيعة الحكم ثم لم يعتبر ذلك في الشعر نفسه حيث تنتقد ~~دنانيره وتنشر ديابيجه ويفتق مسكة فيضوع أريجه وأما من قال في معارضة هذا ~~القول خير الشعر أصدقه كما قال # ( وإن أحسن بيت أنت قائله % بيت يقال إذا أنشدته صدقا ) فقد يجوز أن يراد ~~به أن خير الشعر ما دل على حكمة يقبلها العقل وادب يجب به الفضل وموعظة ~~تروض جماح الهوى وتبعث على التقوى وتبين موضع القبح والحسن في الأفعال ~~وتفصل بين المحمود والمذموم من الخصال وقد ينحى بها نحو الصدق في مدح ~~الرجال كما قيل كان زهير لا يمدح الرجل إلا بما فيه # والأول أولى لأنهما قولان يتعارضان في اختيار نوعى الشعر فمن قال خيره ~~اصدقه كان ترك الإغراق والمبالغة والتجوز إلى التحقيق والتصحيح واعتماد ما ~~يجرى من العقل ms148 على أصل صحيح أحب إليه وآثر عنده إذ كان ثمره أحلى وأثره ~~أبقى وفائدته أظهر وحاصله أكثر ومن قال اكذبه ذهب إلى أن الصنعة إنما يمد ~~باعها وينشر PageV01P236 # شعاعها ويتسع ميدانها وتتفرع أفنانها حيث يعتمد الاتساع والتخييل ويدعى ~~الحقيقة فيما أصله التقريب والتمثيل وحيث يقصد التلطف والتأويل ويذهب ~~بالقول مذهب المبالغة والإغراق في المدح والذم والوصف والبث والفخر ~~والمباهاة وسائر المقاصد والأغراض وهناك يجد الشاعر سبيلا إلى أن يبدع ~~ويزيد ويبدىء في اختراع الصور ويعيد ويصادف مضطربا كيف شاء واسعا ومددا من ~~المعاني متتابعا ويكون كالمغترف من غدير لا ينقطع والمستخرج من معدن لا ~~ينتهي # واما القبيل الأول فهو فيه كالمقصور المدانى قيده والذي لا تتسع كيف شاء ~~يده وأيده ثم هو في الأكثر يورد على السامعين معاني معروفة وصورا مشهورة ~~ويتصرف في أصول هي وإن كانت شريفة فإنها كالجواهر تحفظ اعداداها ولا يرجى ~~ازديادها وكالأعيان الجامدة التي لا تنمى ولا تزيد ولا تربح ولا تفيد ~~وكالحسناء العقيم والشجرة الرائعة لا تمتع بجني كريم # هذا ونحوه يمكن أن يتعلق به في نصرة التخييل وتفضيله والعقل بعد على ~~تفضيل القبيل الأول وتقديمه وتفخيم قدره وتعظيمه وما كان العقل ناصره ~~والتحقيق شاهده فهو العزيز جانبه والمنيع مناكبه وقد قيل الباطل مخصوم وإن ~~قضى له والحق مفلج وإن قضى عليه هذا ومن سلم أن المعاني المعرقة في الصدق ~~المستخرجة من معدن PageV01P237 # في حكم الجامد الذي لا ينمى والمحصور الذي لا يزيد وإن أردت ان تعرف ~~بطلان هذه الدعوى فانظر إلى قول أبى فراس # ( وكنا كالسهام إذا أصابت % مراميها فراميها اصابا ) # الست تراه عقليا عريقا في نسبه معترفا بقوة سببه وهو على ذلك من فوائد ~~أبى فراس التي هو أبو عذرها والسابق إلى إثارة سرها # واعلم أن الاستعارة لا تدخل في قبيل التخييل لأن المستعير لا يقصد إلى ~~إثبات معنى اللفظة المستعارة وإنما يعمد إلى إثبات شبه هناك فلا يكون مخبره ~~على خلاف خبره وكيف يعرض الشك في أن لا مدخل للاستعارة في هذا ms149 الفن وهى ~~كثيرة في التنزيل على ما لا يخفى كقوله عز وجل واشتعل الرأس شيبا ثم لا ~~شبهة في أن ليس المعنى على إثبات الاشتعال ظاهرا وإنما المراد إثبات شبهه ~~وكذلك قول النبي المؤمن مرآة المؤمن ليس على إثبات المرآة من حيث الجسم ~~الصقيل لكن من حيث الشبه المعقول وهو كونها سببا للعلم بما لولاها لم يعلم ~~لأن ذلك العلم طريقة الرؤية ولا سبيل إلى أن يرى الإنسان وجهه إلا بالمرآة ~~وما جرى مجراها من الأجسام الصقيلة فقد جمع بين المؤمن والمرآة في صفة ~~معقولة وهي أن المؤمن ينصح أخاه ويريه الحسن من القبيح كما ترى المرآة ~~الناظر فيها ما يكون بوجهه من الحسن وخلافه وكذا قوله إياكم وخضراء الدمن ~~معلوم أن ليس القصد PageV01P238 # إثبات معنى ظاهر اللفظين ولكن الشبه الحاصل من مجموعهما وذلك حسن الظاهر ~~مع خبث الأصل # وإذا كان هذا كذلك بان منه أيضا أن لك مع لزوم الصدق والثبوت على محض ~~الحق الميدان الفسيح والمجال الواسع وان ليس الأمر على ما ظنه ناصر الإغراق ~~والتخييل الخارج على أن يكون الخبر على خلاف المخبر من انه إنما يتسع ~~المقال ويفتن وتكثر موارد الصنعة ويغزر ينبوعها وتكثر اغصانها وتتشعب ~~فروعها إذا بسط من عنان الدعوى فادعى ما لا يصح دعواه وأثبت ما ينفيه العقل ~~ويأباه # وجملة الحديث الذي اريده بالتخييل ههنا ما يثبت فيه الشاعر امرا هو غير ~~ثابت أصلا ويدعى دعوى لا طريق إلى تحصيلها ويقول قولا يخدع فيه نفسه ويريها ~~ما لا ترى أما الاستعارة فإن سبيلها سبيل الكلام المحذوف في انك إذا رجعت ~~إلى أصله وجدت قائله وهو يثبت أمرا عقليا صحيحا ويدعى دعوى لها شبح في ~~العقل وستمر بك ضروب من التخييل هي أظهر أمرا في البعد عن الحقيقة تكشف ~~وجهه في أنه خداع للعقل وضرب من التزويق فتزداد استبانه الغرض بهذا الفصل ~~وأزيدك حينئذ إن شاء الله كلاما في الفرق بين ما يدخل في حيز قولهم خير ~~الشعر اكذبه وبين ما لا يدخل فيه ms150 مما يشاركه في أنه اتساع وتجوز فاعرفه # وكيف دار المر فإنهم لم يقولوا خير الشعر أكذبه وهم يريدون كلاما غفلا ~~ساذجا يكذب فيه صاحبه ويفرط نحو أن يصف الحارس بأوصاف الخليفة PageV01P239 # ويقول للبائس المسكين إنك أمير العراقين ولكن ما فيه صنعة يتعمل لها ~~وتدقيق في المعاني يحتاج معه إلى فطنة لطيفة وفهم ثاقب وغوص شديد والله ~~الموفق للصواب # واعود إلى ما كنت فيه من الفصل بين المعنى الحقيقي وغير الحقيقي # واعلم أن ما شانه التخييل امره في عظم شجرته إذ تؤمل نسبه وعرفت شعوبه ~~وشعبه على ما أشرت إليه قبيل لا يكاد تجيء فيه قسمة تستوعبه وتفصيل يستغرقه ~~وإنما الطريق فيه أن يتتبع الشيء بعد الشيء ويجمع ما يحصره الاستقراء فالذي ~~بدأت به من دعوى أصل وعلة في حكم من الأحكام هما كذلك ما تركت المضايقة ~~وأخذ بالمسامحة ونظر إلى الظاهر ولم ينقر عن السرائر وهو النمط العدل ~~والنمرقة الوسطى وهو شئ تراه كثيرا بالآداب والحكم البريئة من الكذب ومن ~~الأمثلة فيه قول أبى تمام # ( إن ريب الزمان يحسن أن يه % دى الرزايا إلى ذوى الأحساب ) # ( فلهذا يجف بعد اهتزاز % قبل روض الوهاد روض الروابي ) # وكذا قوله يذكر الممدوح قد زاده مع بعده عنه وغيبته في العطايا على ~~الحاضرين عنده اللازمين خدمته # ( لزموا مركز الندى وذراه % وعدتنا عن مثل ذاك العوادى ) # ( غير أن الربى إلى سبل الأنو % اء أدنى والحظ حظ الوهاد ) # لم يقصد من الربى إلى العلو ولكن إلى الدنو فقط وكذلك لم يرد بذكر الوهاد ~~الضعة والتسفل والهبوط كما أشار إليه في قوله والسيل حرب للمكان العالي ~~وإنما أراد أن الوهاد ليس لها قرب الربى من فيض الأنواء PageV01P240 ثم ~~أنها تتجاوز الربى التي هي دانية قريبة إليها إلى الوهاد التي ليس لها ذلك ~~القرب # ومن هذا النمط في أنه تخيل شبيه بالحقيقة لإعتدال أمره وان ما تعلق به من ~~العلة موجود على ظاهر ما ادعى قوله # ( ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا % إن السماء ترجى حين تحتجب # فإستتار ms151 السماء بالغيم هو سبب رجاء الغيث الذي يعد في مجرى العادة جودا ~~منها ونعمة صادرة عنها كما قال إبن المعتز # ( ما ترى نعمة السماء على الأر % ض وشكر الرياض للأمطار ) # وهذا نوع آخر وهو دعواهم في الوصف هو خلقة في الشيء وطبيعة أو واجب على ~~الجملة من حيث هو أن ذلك الوصف حصل له من الممدوح ومنه استفاده # وأصل هذا التشبيه ثم يتزايد فيبلغ هذا الحد ولهم فيه عبارات منها قولهم ~~إن الشمس تستعير منه النور وتستفيده أو تتعلم منه الإشراق وتكتسب منه ~~الإضاءة # وألطف ذلك أن يقال تسرق وأن نورها مسروق من الممدوح وكذلك يقال المسك ~~يسرق من عرفه وأن طيبه مسترق منه ومن أخلاقه قال إبن بابك # ( ألا يا رياض الحزن من أبرق الحمى % نسيمك مسروق ووصفك منتحل ) # ( حكيت أبا سعد فنشرك نشره % ولكن له صدق الهوى ولك الملل ) # ونوع آخر وهو أن يدعي في الصفة الثابتة للشيء أنه إنما كان لعلة يضعها ~~الشاعر ويختلقها إما لأمر يرجع إلى تعظيم الممدوح أو تعظيم أمر من الأمور ~~فمن الغريب في ذلك معنى بيت فارسي ترجمته # ( لو لم تكن نية الجوزاء خدمته % لما رأيت عليها عقد منتطق ) # فهذا ليس من جنس ما مضى أعنى ما أصله التشبيه ثم أريد التناهي في ~~المبالغة PageV01P241 والإغراق والإغراء ويدخل في هذا الفن قول المتنبي # ( لم يحك نائلك السحاب وإنما % حمت به فصبيبها الرحضاء ) # لأنه وإن كان أصله التشبيه من حيث يشبه الجواد بالغيث فإنه وضع المعنى ~~وضعا وصوره في صورة خرج معها إلى ما لا أصل له في التشبيه فهو كالواقع بين ~~الضربين وقريب منه في أن أصل التشبيه ثم باعده بالصنعة في تشبيهه وخلع عنه ~~صورته خلعا قوله # ( وما ريح الرياض لها ولكن % كساها دفنهم في التراب طيبا ) ومن لطيف هذا ~~النوع قول أبي العباس الضبي # ( لا تركنن إلى الفرا % ق وإن سكنت إلى العناق ) # ( فالشمس عند غروبها % تصفر من فرق الفراق ) أدعى لتعظيم الفراق أن ما ~~يرى من الصفرة في الشمس حين ms152 يرق نورها بدنوها من الأرض إنما هو لأنها تفارق ~~الأفق الذي كانت فيه أو الناس الذين طلعت عليهم وانست بهم وانسوا بها ~~وسرتهم رؤيتها ونوع آخر منه قول الآخر # ( قضيب الكرم نقطعه فتبكي % ولا تبكي وقد قطع الحبيب ) وهو منسوب إلى ~~إنشاد الشبلي ويقال أيضا إن أبا البأس أخذ معناه في بيته من قول بعض ~~الصوفية وقيل له لم تصفر الشمس عند الغروب PageV01P242 # فقال من حذر الفراق ومن لطيف هذا الجنس قول الصولي # ( الريح تحسدني عليك % ولم أخلها في العدا ) # ( لما هممت بقبلة % ردت على الوجه الردا ) وذلك أن الريح إذا كان وجهها ~~نحو الوجه فواجب في طباعها أن ترد الرداء عليه وأن تلف من طرفيه وقد ادعى ~~أن ذلك منها لحسدها وغيره لمحبوبة وهي من أجل ما في نفسها تحول بينه وبين ~~أن ينال من وجهها وفي هذه الطريقة قوله # ( وحاربني فيه ريب الزمان % كأن الزمان له عاشق ) إلا انه لم يضع علة ~~ومعلولا من طريق النص على شيء بل أثبت محاربة من الزمان في معنى الحبيب ثم ~~جعل دليلا عليها جواز أن يكون شريكا في عشقه وإذا حققنا لم يجب لأجل أن جعل ~~العشق علة للمحاربة وجمع بين الزمان والريح في إدعاء العداوة لهما أن ~~يتناسب البيتان من طريق الخصوص والتفصيل وذاك أن الكلام في وضع الشاعر ~~للأمر الواجب علة غير معقول كونها علة لذلك الأمر وكون العشق علة للمعاداة ~~في المحبوب معقول معروف غير بدع ولا منكر فإذا بدأ فادعى أن الزمان يعاديه ~~ويحاربه فيه فقد أعطاك أن ذلك لمثل هذه العلة وليس إذا أردت الريح الرداء ~~فقد وجب أن يكون لذلك لعلة الحسد أو لغيرها لأن رد الرداء شأنها فاعرفه فإن ~~من حكم المحصل أن لا ينظر في تلاقي المعاني وتناظرها إلى جمل الأمور وإلى ~~الإطلاق والعموم بل ينبغي أن يدقق النظر في ذلك ويراعي التناسب من طريق ~~الخصوص والتفاصيل فأنت في نحو بيت إبن وهيب وحاربني الخ تدعى صفة غير ثابتة ~~إذا هي ثبتت اقتضت ms153 مثل العلة التي PageV01P243 ذكرها وفي نحو بيت الريح ~~تذكر صفة ثابتة حاصلة على الحقيقة ثم تدعى لها علة من عند نفسك وضعا ~~واختراعا وهكذا قول المتنبي # ( ملامى النوى في ظلمها غاية الظلم % لعل بها مثل الذي بي من السقم ) # ( فلو لم تغر لم تزو عني لقاكم % ولو لم ترد كم لم تكن فيكم خصمي ) ~~الدعوى في إثبات الخصومة وجعل النوى كالشيء الذي يعقل ويميز ويريد ويختار ~~وحديث الغيرة والمشاركة في هوى الحبيب يثبت بثبوت ذلك من غير أن يفتقر منك ~~إلى وضع واختراع # ومما يلحق بالفن الذي بدأت به قوله # ( بنفسي ما يشكوه من راح طرفه % ونرجسه مما دها حسنه ورد ) # ( أراقت دمي عمدا محاسن وجههه % فأضحى وفي عينيه آثاره تبدو ) لأنه قد ~~أتى بحمرة العين وهي تعرض لها من حيث هي عين معلة واتى بإراقة الدم في صورة ~~العلة وهو يعلم أنها مخترعة موضوعة فليس ثم إراقة دم واصل هذا القول إبن ~~المعتز # ( قالوا اشتكت عينه فقلت لهم % من كثرة القتل نالها الوصب ) # ( حمرتها من دماء من قتلت % والدم في النصل شاهد عجب PageV01P244 وبين ~~هذا الجنس وبين نحو الريح تحسدني فرق وذلك أن لك هناك فعلا هو ثابت واجب في ~~الريح وهو رد الرداء على الوجه ثم أحببت أن تتطرف فادعيت لذلك الفعل علة من ~~عند نفسك واما ههنا فنظرت إلى صفة موجودة فتأولت فيها أنها صارت إلى العين ~~من غيرها وليست هي من شأنها أن تكون في العين فليس معك هنا إلا معنى واحد ~~واما هناك فعندك معنيان احدهما موجود معلوم والآخر مدعى موهوم فاعرفه # ومما يشبه هذا الفن الذي هو تأول في الصفة فقط من غير أن يكون معلول وعلة ~~ما تراه من تأولهم في الأمراض والحميات انها ليست بأمراض ولكنها فطن ثاقبة ~~واذهان متوقدة وعزمات كقوله # ( وحوشت أن تضرى بجسمك علة % إلا أنها تلك العزوم الثواقب ) # وقال ابن بابك # ( فترت وما وجدت أبا العلاء % سوى فرط التوقد والذكاء ) # ولكشاجم بقوله في على بن سليمان الأخفش # ( ولقد ms154 أخطأ قوم زعموا % انها من فضل برد في العضب ) # ( هو ذاك الذهن اذكى ناره % والمزاج المفرط الحر التهب ) # ولا يكون قول المتنبي # ( ومنازل الحمى الجسوم فقل لنا % ما عذرها في تركها خيراتها ) # ( أعجبتها شرفا فطال وقوفها % لتأمل الأعضاء لا لأذاتها ) PageV01P245 # من هذا في شيء بأكثر من أن كلا القولين في ذكر الحمى وفي تطيب النفس عنها ~~فهو اشتراك في العرض والجنس فأما في عمود المعنى وصورته الخاصة فلا لأن ~~المتنبي لم ينكر أن ما يجده الممدوح حمى كما انكره الآخر ولكنه كأنه سال ~~نفسه كيف اجترأت الحمى على الممدوح مع جلالته وهيبته أم كيف جاز أن يقصد ~~شيء إلى أذاه مع كرمه ونبله وأن المحبة من النفوس مقصورة عليه فتحمل لذلك ~~جوابا ووضع للحمى فيما فعلته من الأذى عذرا وهو تصريح ما اقتصر فيه على ~~التعجب في قوله # ( أيدرى ما أرابك من يريب % وهل ترقى إلى الفلك الخطوب ) # ( وجسمك فوق همة كل داء % فقرب أقلها منه عجيب ) # الا أن ذلك الإيهام أحسن من هذا البيان وذلك التعجب موقوفا غير مجاب اولى ~~بالإعجاب وليس كل زيادة تفلح وكل استقصاء يملح # ومن واضح هذا النوع وجيده قول ابن المعتز # ( صدت سرير وأزمعت هجرى % وصغت ضمائرها إلى الغدر ) # ( قالت كبرت وشبت قلت لها % هذا غبار وقائع الدهر ) # ألا تراه أنكر أن يكون الذي بدأ به شيبا ورأى الاعتصام بالجحد أخصر طريقا ~~إلى نفى العيب وقطع الخصومة ولم يسلك الطريقة العامية فيثبت المشيب ثم يمنع ~~العائب أن يعيب ويريه الخطأ في عيبه به ويلزمه المناقضة في مذهبه كنحو ما ~~مضى اعنى كقول البحتري وبياض البازى وهكذا PageV01P246 إذا تأولوا في الشيب ~~أنه ليس بابيضاض الشعر الكائن في مجرى العادة وموضوع الخلقة ولكنه نور ~~العقل والأدب قد إنتشر وبان من وجهه وظهر كقول الطائي الكبير # ( ولا يروعك إيماض القتير به % فإن ذاك إبتسام الرأي والأدب ) # وينبغي أن باب التشبيهات قد حظي من هذه الطريقة بضرب من السحر لا تأتي ~~الصفة على غرابته ولا يبلغ البيان كنه ms155 ما ناله من اللطف والظرف فإنه قد بلغ ~~حدا يبز المعروف في طباع الغزل ويلهي الثكلان وينفث في عقد الوحشة وينشد ما ~~ضل عنك من المسرة ويشهد للشعر بما يطيل لسانه في الفخر ويبين جملة ما ~~للبيان من القدرة والقدر فمن ذلك قول ابن الرومي # ( خجلت خدود الورد من تفضيله % خجلا توردها عليه شاهد ) # ( لم يخجل الورد المورد لونه % إلا وناحله الفضيلة عاند ) # ( للنرجس الفضل المبين وإن أبى % آب وحاد عن الطريقة حائد ) # ( فصل القضية أن هذا قائد % زهر الرياض وان هذا طارد ) # ( شتان بين إثنين هذا موعد % بتسلب الدنيا وهذا واعد ) # ( ينهى النديم عن القبيح بلحظه % وعلى المدامة والسماع مساعد ) ~~PageV01P247 # ( اطلب بعقلك في الملاح سميه % أبدا فإنك لا محالة واجد ) # ( والورد إن فكرت فرد في إسمه % ما في الملاح له سمي واحد ) # ( هذي النجوم هي التي ربتهما % بحيا السحاب كما يربي الوالد ) # ( فانظر إلى الأخوين من أدناهما % شبها بوالده فذاك الماجد ) # ( أين الخدود من العيون نفاسة % ورياسة لولا القياس الفاسد ) # وترتيب الصنعة في القطعة أنه عمل أولا على قلب طرفي التشبيه كما مضى في ~~فصل التشبيهات فشبه حمرة الورد بحمرة الخجل ثم تناسى ذلك وخدع عنه نفسه ~~وحملها على أن تعتقد أنه خجل على الحقيقة ثم لما اطمأن ذلك في قلبه ~~واستحكمت صورته طلب لذلك الخجل علة فجعل علته أن فضل على النرجس ووضع في ~~منزلة ليس يرى نفسه اهلا لها فصار يثوب من ذلك ويتخوف عيب العائب وغميزة ~~المستهزىء ويجد ما يجد من مدح مدحة يظهر الكذب فيها ويفرط حتى تصير كالهزء ~~بمن قصد بها ثم زادته الفطنة الثاقبة والطبع المثمر في سحر البيان ما رأيت ~~من وضع حجاج في شأن النرجس وجهة استحقاقه الفضل على الورد فجاء بحسن وإحسان ~~لا تكاد تجد مثله إلا له # ومما هو خليق أن يوضع في منزلة هذه القطعة ويلحق بها في لطف الصنعة قول ~~أبي هلال العسكري # ( زعم البنفسج انه كعذاره % حسنا فسلوا من قفاه لسانه ) # ( لم يظلموا في الحكم إذ ms156 مثلوا به % فلشد ما رفع البنفسج شانه ) # وقد اتفق للمتأخرين من المحدثين في هذا الفن نكت ولطف وبدع وظرائف لا ~~يستكثر لها الكثير من الثناء ولا يضيق مكانها من الفضل عن سعة PageV01P248 ~~الإطراء فمن ذلك قول ابن نباتة في صفة الفرس # ( وأدهم يستمد الليل منه % وتطلع بين عينيه الثريا ) # ( سرى خلف الصباح يطير مشيا % ويطوى خلفه الأفلاك طيا ) # ( فلما خاف وشك الفوت منه % تشبث بالقوائم والمحيا ) # وأحسن من هذا واحكم صنعة قوله في قطعة أخرى # ( فكأنما لطم الصباح جبينه % فاقتص منه وخاض في أحشائه ) # واول القطعة # ( قد جاءنا الطرف الذي اهديته % هاديه يعقد أرضه بسمائه ) # ( أولاية وليتنا فبعثته % رمحا سبيب العرف عقد لوائه ) # ( نختال منه على اغر محجل % ماء الدياجى قطرة من مائه ) # ( فكأنما لطم الصباح جبينه % فاقتص منه وخاض في احشائه ) # ( متمهلا والبرق من أسمائه % متبرقعا والحسن من اكفائه ) # ( ما كانت النيران تكمن حرها % لو كان للنيران بعض ذكائه ) PageV01P249 # ( لا تعلق الألحاظ في أعطافه % إلا إذا كفكفت من غلوائه ) # ( لا يكمل الطرف المحاسن كلها % حتى يكون الطرف من أسرائه ) # ومما له في هذا التفضيل الفضل الظاهر لحسن الإيداع مع السلامة من التكلف ~~قوله # ( وماذا على الرضراض يجرى ) # ( كأن بها من شدة الجرى جنة % وقد البستهن الرياح سلاسلا ) # وإنما ساعده التوفيق من حيث وطىء له من قبل الطريق فسبق العرف بتشبيه ~~الحبك على صفحات الغدران بحلق الدروع فتدرج من ذلك إلى أن جعلها سلاسل كما ~~فعل ابن المعتز في قوله # ( وانهار ماء كالسلاسل فجرت % لترضع اولاد الرياحين والزهر ) # ثم أتم الحذق بأن جعل للماء صفة تقتضي أن يسلسل وقرب مأخذ ما حاول عليه ~~فإن شدة الحركة وفرط سرعتها من صفات الجنون كما أن التمهل فيها والتأنى من ~~أوصاف العقل PageV01P250 # ومن هذا الجنس قول ابن المعتز في السيف في أبيات قالها في الموفق وهى # ( وفارس أغمد في جنة % يقطع السيف إذا ما ورد ) # ( كأنه ماء عليه جرى % حتى إذا ما غاب فيه جمد ) # ( في كفه عضب إذا هزه % حسبته من خوفه ms157 يرتعد ) # فقد أراد أن يخترع لهزة السيف علة فجعلها رعدة تناله من خوف الممدوح ~~وهيبته ويشبه أن يكون ابن بابك نظر إلى هذا البيت وعلق منه الرعدة في قوله # ( فإن عجمتني نيوب الخطوب % وأوهى الزمان قوى منتى ) # ( فما اضطرب السيف من خيفة % ولا أرعد الرمح من قرة ) # ( إلا أنه ذهب بها في أسلوب آخر وقصد إلى أن يقول إن كون حركات الرمح في ~~ظاهر حركة المرتعد لا يوجب أن يكون ذلك من ألم عارض وكأنه عكس القضية فأبى ~~أن تكون صفة المرتعد في الرمح للعلل التي لمثلها تكون في الحيوان واما ابن ~~المعتز فحقق كونها في السيف على حقيقة العلة التي لها تكون في الحيوان ~~فاعرفه وقد أعاد هذا الارتعاد على الجملة التي وصفت لك فقال PageV01P251 # ( قالوا طواه حزنه فانحنى % فقلت والشك عدو اليقين ) # ( ما هيف النرجس من صبوة % ولا الضنى في صفرة الياسمين ) # ( ولا ارتعاد السيف من قرة % ولا انعطاف الرمح من فرط لين ) # ومما حقه أن يكون طرازا في هذا النوع قول البحتري # ( يتعثرن في النحور وفي الأو % جه سكرا لما شربن الدماء 9 # جعل فعل الطاعن بالرماح تعثرا منها كما جعل ابن المعتز تحريكه للسيف وهزه ~~له ارتعادا ثم طلب للتعثر علة كما طلب هو للارتعاد فاعرفه # ومن هذا الباب قول علبة # ( وكأن السماء صاهرت الأر % ض فصار النثار من كافور ) # وقول أبي تمام # ( كأن السحاب الغر غيبن تحتها % حبيبا فما ترقى لهن مدامع ) # وقال السرى يصف الهلال # ( جاءك شهر السرور شوال % وغال شهر الصيام مغتال ) # ثم قال # ( كأنه قيد فضة حرج % فض عن الصائمين فاختالوا ) # كل واحد من هؤلاء خدع نفسه عن التشبيه وغالطها واوهم أن الذي جرى العرف ~~بان يؤخذ منه الشبه قد حضر وحصل بحضرتهم على الحقيقة PageV01P252 # ولم يقتصر على دعوى حصوله حتى يصيب له علة وأقام عليه شاهدا فاثبت علبة ~~زفافا بين السماء والأرض وجعل أبو تمام للسحاب حبيبا قد غيب في التراب ~~وادعى السرى أن الصائمين كانوا في قيد وانه كان حرجا ms158 فلما فض عنهم انكسر ~~بنصفين أو اتسع فصار على شكل الهلال والفرق بين بيت السرى وبيتي الطائيين ~~أن تشبيه الثلج بالكافور معتاد عامي جار على الألسن وجعل القطر الذي ينزل ~~من السحاب دموعا ووصف السحاب والسماء بأنها تبكى كذلك فأما تشبيه الهلال ~~بالقيد فغير معتاد نفسه إلا أن نظيره معتاد ومعناه من حيث الصورة موجود ~~واعنى بالنظير ما مضى من تشبيه الهلال بالسوار المنفصم كما قال # ( حاكيا نصف سوار % من نضار يتوقد ) # وكما قال السرى نفسه # ( ولاح لنا الهلال كشطر طوق % على لبات زرقاء اللباس ) # إلا أنه ساذج لا تعليل فيه يجب من أجله أن يكون سوارا وطوقا فاعرفه # ورأيت بعضهم ذكر بيت السرى الذي هو كأنه قيد فضه حرج مع أبيات شعر جمعه ~~إليها وأنشد قطعة ابن الحجاج # ( با صاحب البيت الذي % قد مات فيه الصيف جوعا ) # ( مالي أرى فلك الرغيف % لديك مشترفا رفيعا ) # ( كالبدر لا نرجو إلى % وقت المساء له طلوعا ) PageV01P253 # قال إنه شبه الرغيف بالبدر لعلتين إحداهما الاستدارة والثاني طلوعه مساء ~~قال وخير التشبيه ما جمع معنيين كقول ابن الرومى # ( يا شبيه البدر في الحسن % وفي بعد المنال ) # ( جد فقد تنفجر الصخرة % بالماء الزلال ) # وانشد أيضا لإبراهيم بن المهدي # ( ورحمت افراخا كأفراخ القطا % وحنين والهة كقوس النازع ) # ثم قال ومثله قول السرى كأنه قيد فضة حرج وهو لا يشبه ما ذكره إلا أن ~~يذهب إلى حديث أنه افاد شكل الهلال بالقيد المفضوض ولونه بالفضة فأما إن ~~قصد النكته التي هي موضع الإغراب فلا يستقيم الجمع بينه وبين ما أنشد لأن ~~شيئا من تلك الأبيات لا يتضمن تعليلا وليس فيها أكثر من ضم شبه إلى شبه ~~كالحنين والانحناء من القوس والاستدارة والطلوع مساء من البدر وليس أحد ~~المعنيين بعلة للآخر كيف ولا حاجة بواحد من الشبهين المذكورين إلى تصحيح ~~غيره له # ومما هو نظير لبيت السرى وعلى طريقة قول ابن المعتز # ( سقاني وقد سل سيف الصبا % ح والليل من خوفه قد هرب ) # لم يقنع ههنا بالتشبيه الظاهر والقول ms159 المرسل كما اقتصر في قوله # ( حتى بدا الصباح من نقاب % كما بدا المنصل من قراب ) # وقوله # ( أما الظلام فحين رق قميصه % واتى بياض الصبح كالسيف الصدى ) # ولكنه احب أن يحقق دعواه أن هناك سيفا مسلولا ويجعل نفسه كأنها لا تعلم ~~أن ههنا تشبيها وان القصد إلى لون البياض في الشكل المستطيل PageV01P254 # فتوصل إلى ذلك بأن جعل الظلام كالعدو المنهزم الذي سل السيف في قفاه فهو ~~يهرب مخافة أن يضرب به # ومثل هذا في أن جعل الليل يخاف الصبح لا في الصنعة التي أنا في سياقها ~~قوله # ( سبقنا إليها الصبح وهو مقنع % كمين وقلب الليل منه على حذر ) # وقد أخذ الخالدى بيته الأول أخذا فقال # ( والصبح قد جردت صوارمه % والليل قد هم منه بالهرب ) # وهذه قطعة لابن المعتز بيت منها هو المقصود # ( وانظر إلى دنيا ربيع أقبلت % مثل البغي تتوجت لزناة ) # ( جاءتك زائرة كعام أول % وتلبست وتعطرت بنبات ) # ( وإذا تعرى الصبح من كافوره % نطقت صنوف طيورها بلغات ) # ( والورد يضحك من نواظر نرجس % قذيت وآذن حيها بممات ) # هذا البيت الأخير هو المراد وذلك أن الضحك في الورد وكل ريحان ونور يتفتح ~~مشهور معروف وقد قاله في هذا البيت وجعل الورد كأنه يعقل ويميز فهو يشمت ~~بالنرجس لانقضاء مدته وإبار دولته وبدو أمارات الفناء فيه وأعاد هذا الضحك ~~من الورد فقال # ( ضحك الورد في قفا المنثور % واسترحنا من رعدة المقرور ) # أراد إقبال الصيف وحر الهواء ألا تراه قال بعده PageV01P255 # ( واستطبنا المقيل في برد ظل % وشممنا الريحان بالكافور ) # ( فالرحيل الرحيل يا عسكر الل % ذات عن كل روضة وغدير ) # فهذا من شأن الورد الذي عابه به ابن الرومي في قوله # ( فصل القضية أن هذا قائد % زهر الرياض وإن هذا طارد ) # وقد جعله ابن المعتز لهذا الطرد ضاحكا ضحك من استولى وظفر وابتز غيره ~~ولاية الزمان واستبد بها # ومما يشوب الضحك فيه شيء من التعليل قوله أيضا # ( مات الهوى منى وضاع شبابي % وقضيت من لذاته أرابي ) # ( وإذا أردت تصابيا في مجلس % فالشيب يضحك بي مع الأحباب ms160 ) # لا شك أن لهذا الضحك زيادة معنى على الضحك في نحو قول دعبل # ( ضحك المشيب براسه فبكى % ) # وما تلك الزيادة إلا انه جعل المشيب يضحك ضحك المتعجب من تعاطى الرجل ما ~~لا يليق به وتكلفه الشيء ليس هو من أهله وفي ذلك ما ذكرت من إخفاء صورة ~~التشبيه وأخذ النفس بتناسيه وهكذا قوله # ( لما رأونا في خميس يلتهب % في شارق يضحك من غير عجب ) # ( كأنه صب على الأرض ذهب % وقد بدت اسيافنا في القرب ) # ( حتى تكون لمناياهم سبب % نرفل في الحديد والأرض تجب ) PageV01P256 # ( وحن شريان ونبع فاصطخب % تترسوا من القتال بالهرب ) # المقصود قوله يضحك من غير عجب وذاك أن نفيه العلة إشارة إلى انه من جنس ~~ما يعلل وانه ضحك قطعا وحقيقة الا ترى انك لو رجعت إلى صريح التشبيه فقلت ~~هيئته في تلالؤه كهيئة الضاحك ثم قلت من غير عجب قلت قولا غير مقبول واعلم ~~انك إن عددت قول بعض العرب # ( ونثرة تهزأ بالنصال % كأن فيها حدق الهلال ) # الهلال الحية ههنا والام للجنس في هذا القبيل لم يكن لك ذلك # | فصل # # | وهذا نوع آخر في التعليل # وهو أن يكون للمعنى من المعاني والفعل من الأفعال علة مشهورة من طريق ~~العادات والطباع ثم يجىء الشاعر فيمنع أن يكون لتلك المعروفة ويضع له علة ~~أخرى مثاله قول المتنبي # ( ما به قتل أعاديه ولكن % يتقى إخلاف ما ترجو الذئاب ) # الذي يتعارفه الناس أن الرجل إذا قتل اعاديه فلا رادته هلا كهم وأن يدفع ~~مضارهم عن نفسه وليسلم ملكه ويصفو من منازعاتهم وقد ادعى المتنبي كما ترى ~~أن العلة في قتل هذا الممدوح لأعدائه غير ذلك # واعلم أن هذا لا يكون حتى يكون في استئناف هذه العلة المدعاة فائدة شريفة ~~فيما يتصل بالممدوح أو يكون لها تأثير في الذم كقصد المتنبي PageV01P257 ~~ههنا في أن يبالغ في وصفه بالسخاء والجود وأن طبيعة الكرم قد غلبت عليه ~~ومحبته أن يصدق رجاء الراجين وأن يجنبهم الخيبة في آمالهم قد بلغت به هذا ~~الحد فلما علم إذا ms161 غدا للحرب غدت الذئاب تتوقع أن يتسع عليها الرزق ويخصب ~~لها الوقت من قتلى عداه كره أن يخلفها وأن يخيب رجاءها ولا يسعفها وفيه نوع ~~آخر من المدح وهو يهزم العدا ويكسرهم كسرا لا يطمعون بعده في المعاودة ~~فيستغنى بذلك عن قتلهم وإراقة دمائهم وأنه ليس ممن يسرف في القتل طاعة ~~للغيظ والحنق ولا يعفوا إذا قدر وما يشبه هذه الأوصاف الحميدة فاعرفه # ومن الغريب في هذا الجنس على تعمق فيه قول أبى طالب المامونى في قصيدة ~~يمدح بها بعض الوزراء ببخارى # ( مغرم بالثناء صب بكسب الم % جد يهتز للسماح ارتياحا ) # ( لا يذوق الإغفاء إلا رجاء % أن يرى طيف مستميح رواحا ) # وكأنه شرط الرواح على معنى أن العفاة والراجين إنما يحضرونه في صدر ~~النهار على عادة السلاطين فإذا كان الرواح ونحوه من الأوقات التي ليست من ~~أوقات الإذن قلوا فهو يشتاق إليهم فينام ليأنس برؤية طيفهم والإفراط في ~~التعمق ربما أخل بالمعنى من حيث يراد تأكيده به ألا ترى أن هذا الكلام قد ~~يوهم أنه يحتج له أنه ممن لا يرغب كل واحد في أخذ عطائه وأنه ليس في طبقة ~~من قيل فيه # ( عطاؤك زين لامرىء إن أصبته % بخير وما كل العطاء يزين ) PageV01P258 # ومما يدفع عنه الاعتراض ويوجب قلة الاحتفال به أى بالاعتراض أن الشاعر ~~يهمه أبدا إثبات ممدوحه جوادا أو تواقا إلى السؤال فرحا بهم وأن يبرئه من ~~عبوس البخل وقطوب المتكلف في البذل الذي يقاتل نفسه عن ماله حتى يقال جواد ~~ومن يهوى الثناء والثراء معا ولا يتمكن في نفسه معنى قول أبى تمام # ( ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد % ولا المجد في كف امرىء والدراهم ) # فهو يسرع إلى استماع المدائح ولا يبطىء عن صلة المادح نعم فإذا سلم ~~للشاعر هذا الغرض لم يفكر في خطرات الظنون وقد يجوز بشيء من الوهم الذي ~~ذكرته على قول المتنبي # ( يعطى المبشر بالقصاد قبلهم % كمن يبشره بالماء عطشانا ) # وهذا شيء عرض ولاستقصائه موضع آخر إن وفق الله # وأصل بيت الطيف المستميح من ms162 نحو قوله # ( وأني لأستغشى وما بي نعسه % لعل خيالا منك يلقى خياليا ) # وهذا الأصل غير بعيد أن يكون أيضا من باب ما استؤنف له علة غير معروفة ~~إلا أنه لا يبلغ في القوة ذلك المبلغ في الغرابة والبعد من العادة وذلك أنه ~~قد يتصور أن يريد المغرم المتيم إذا بعد عهده بحبيبه أن يراه في المنام ~~وإذا أراد ذلك جاز أن يريد النوم له خاصة فاعرفه # ومما يلحق بهذا الفصل قوله PageV01P259 # ( رحل العزاء برحلتي فكأنني % اتبعته الأنفاس للتشييع ) # وذلك أنه علل تصعد الأنفاس من صدره بهذه العلة الغريبة وترك ما هو ~~المعلوم المشهور من السبب والعلة فيه وهو التحسر والتأسف والمعنى رحل عنى ~~العزاء بارتحالي عنكم أي عنده ومعه أو به وبسببه فكأنه لما كان محل الصبر ~~الصدر وكانت الأنفاس تصعد منه أيضا صار العزاء وتنفس الصعداء كأنهما نزيلان ~~ورفيقان فلما رحل ذاك كان حق هذا أن يشيعه قضاء لحق الصحبة # ومما يلاحظ هذا النوع ويجرى في مسلكه وينتظم في سلكه قول ابن المعتز # ( عاقبت عيني بالدمع والسهر % إذ غار قلبي عليك من بصري ) # واحتملت ذاك وهى رابحة % فيك وفازت بلذة النظر ) # وذاك أن العادة في دمع العين وسهرها أن يكون السبب فيه إعراض الحبيب أو ~~اعتراض الرقيب ونحو ذلك من الأسباب الموجبة للاكتئاب وقد تزك ذلك كله كما ~~ترى وادعى أن العلة ما ذكره من غيرة القلب منها على الحبيب وإيثاره أن ~~يتفرد برؤيته وأنه بطاعة القلب وامتثال رسمه رام للعين عقوبة فجعل ذاك أن ~~أبكاها ومنعها النوم وحماها وله أيضا في عقوبة العين بالدمع والسهر من ~~قصيدة أولها PageV01P260 # ( قل لأحلى العباد شكلا وقدا % ابجدا ذا الهجر أم ليس جدا ) # ( ما بذا كانت المنى حدثتني % لهف نفسي أراك قد خنت ودا ) # ( ما ترى في متيم بك صب % خاضع لا يرى من الذل بدا ) # ( إن زنت عينه بغيرك فاضرب % ها بطول السهاد والدمع حدا ) # قد جعل البكاء والسهاد عقوبة على ذنب اثبته للعين كما فعل في البيت الأول ~~إلا أن ms163 صورة الذنب ههنا غير صورته هناك فالذنب ههنا نظرها إلى غير الحبيب ~~واستجازتها من ذلك ما هو محرم محظور والذنب هناك نظرها إلى الحبيب نفسه ~~ومزاحمتها القلب في رؤيته وغيره القلب من العين سبب العقوبة هناك فأما ههنا ~~فالغيرة كائنه بين الحبيب وبين شخص آخر فاعرفه # ولا شبهة في قصور البيت الثاني عن الأول وأن للأول عليه فضلا كبيرا وذلك ~~بان جعل بعضه يغار من بعض وجعل الخصومة في الحبيب بين عينيه وقلبه وهو تمام ~~الظرف واللطف فأما الغيرة في البيت الأخير فعلى ما يكون أبدا هذا ولفظ زنت ~~وإن كان ما يتلوها من إحكام الصنعة يحسنها وورودها في الخبر العين تزنى ~~يؤنس بها فليست تدع ما هو حكمها من إدخال نفرة على النفس # وإن أردت أن ترى هذا المعنى بهذه الصنعة في أعجب صورة PageV01P261 # أظرفها فانظر إلى قول القائل # ( آتتني تؤنبني بالبكا % فأهلا بها وبتأنيبها ) # ( تقول وفى قولها حشمة % أتبكى بعين تراني بها ) # ( فقلت إذا استحسنت غيركم % أمرت الدموع بتأديبها ) # أعطاك بلفظة التأديب حسن أدب اللبيب في صيانة اللفظ عما يحوج إلى ~~الاعتذار ويؤدى إلى النفار إلا أن الأستاذيه تعد ظاهرة في بيت ابن المعتز # وليس كل فضيلة تبدو مع البديهة بل تعقب النظر والروية وبأن يفكر في أول ~~الحديث وآخره وأنت تعلم أنه لا يكون أبلغ في الذي أراد من تعظيم شان الذنب ~~من ذكر الحد وإن ذلك لا يتم إلا بلفظة زنت # ومن هذه الجهة يلحق الضيم كثيرا من شانه وطريقة طريق أبي تمام ولم يكن من ~~المطبوعين وموضع البسط في ذلك غير هذا فغرضي الآن أن اريك انواعا من ~~التخييل وأضع شبه القوانين ليستعان بها على ما يراد من التفصيل والتبيين # | فصل # # | في تخييل بغير تعليل # وهذا نوع آخر من التخييل وهو يرجع إلى ما مضى من تناسى التشبيه وصرف ~~النفس عن توهمه إلا أن ما مضى معلل بيان ذلك أنهم يستعيرون الصفة المحسوسة ~~من صفات الأشخاص للأوصاف المعقولة ثم تراهم كأنهم PageV01P262 # قد وجدوا تلك الصفة ms164 بعينها وادركوها بأعينهم على حقيقتها وكان حديث ~~الاستعارة والقياس لم يجر منهم على بال ولم يروه ولا طيف خيال ومثاله ~~استعارتهم العلو لزيادة الرجل على غيره في الفضل والقدر والسلطان ثم وضعهم ~~الكلام وضع من يذكر علوا من طريق المكان الا ترى إلى قول أبي تمام # ( ويصعد حتى يظن الجهول % بأن له حاجة في السما ) # فلولا قصده أن ينسى التشبيه ويرفعه بجهده ويصمم على إنكاره وجحده بجعله ~~صاعدا في السماء من حيث المسافة الكائنة لما كان لهذا الكلام وجه # ومن أبلغ ما يكون في هذا المعنى قول ابن الرومي # ( اعلم الناس بالنجوم بنونو % بخت علما لم يأتهم بالحساب ) # ( بل بأن شاهدوا السماء سمرا % بترق في المكرمات الصعاب ) # ( مبلغا لم يكن ليبلغه الطا % لب إلا بتلكم الأسباب ) # واعاده في موضع آخر فزاد الدعوى قوة ومر فيها مرور من يقول صدقا يذكر حقا # ( يا آل نوبخت لاعدمتكم % ولا تبدلت بعدكم بدلا ) # ( إن صح علم النجوم كان لكم % حقا إذا ما سواكم انتحلا ) # ( كم عالم فيكم وليس بأن % قاس ولكن بان رقى فعلا ) # ( أعلاكم في السماء مجدكم % فلستم تجهلون ما جهلا ) # ( شافهتم البدر بالسؤال عن % الأمر إلى أن بلغتم زحلا ) # وهذا الحكم إذا استعاروا اسم الشيء بعينه من نحو شمس أو بدر أو بحر أو ~~أسد فإنهم يبلغون به هذا الحد ويصوغون الكلام صياغات تقضى PageV01P263 بأن ~~لا تشبيه هناك ولا استعارة ومثاله قوله # ( قامت تظللني من الشمس % نفس أعز على من نفسي ) # ( قامت تظللني ومن عجب % شمس تظللني من الشمس ) # فلولا أنه أنس نفسه أن ههنا استعارة ومجازا من القول وعمل على دعوى شمس ~~على الحقيقة لما كان لهذا التعجب معنى فليس ببدع ولا منكر أن يظل إنسان حسن ~~الوجه إنسانا ويقيه وهجا بشخصه وهكذا قول البحتري # ( طلعت لهم وقت الشروق فعاينوا % سنا الشمس من أفق ووجهك من أفق ) # ( وما عاينوا شمسين قبلهما التقى % ضياؤهما وفقا من الغرب والشرق ) # معلوم أن القصد أن يخرج السامعين إلى التعجب لرؤية ما لم يروه قط ولم ms165 تجر ~~العادة به ولن يتم للتعجب معناه الذي عناه ولا تظهر صورته على وضعها الخاص ~~حتى يجترىء على الدعوى جراءة من لا يتوقف ولا يخشى إنكار منكر ولا يحفل ~~بتكذيب الظاهر له ويسوم النفس شاءت أم أبت تصور شمس ثابتة طلعت من حيث تغرب ~~الشمس فالتقتا وفقا وصار غرب تلك القديمة لهذه المتجددة شرقا ومدار هذا ~~النوع الطالب على التعجب وهو والى أمره وصانع سحره وصاحب سره وتراه ابدا ~~وقد افضى بك إلى خلابة لم تكن عندك وبرز لك في صورة ما حسبتها تظهر لك ألا ~~ترى أن صورة قوله شمس تظللني من الشمس غير صورة قوله وما عاينوا شمسين وإن ~~اتفق الشعران في انهما يتعجبان من وجود الشيء على خلاف ما يعقل ويعرف # وهكذا قول المتنبي PageV01P264 # ( كبرت حول ديارهم لما بدت % منها الشموس وليس فيها المشرق ) # له صورة غير صورة الأولين وكذا قوله # ( ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه % ولا رجلا قامت تعانقه الأسد ) # تعرض تلك الصور كلها والاشتراك بينها عامي لا يدخل في السرقة إذ لا اتفاق ~~بأكثر من أن أثبت الشيء في جميع ذلك على خلاف ما يعرفه الناس # فأما إذا جئت إلى خصوص ما يخرج به عن المتعارف فلا اتفاق ولا تناسب لأن ~~مكان الأعجوبة مرة أن تظلل الشمس من الشمس وأخرى أن ترى الشمس مثلا لها ~~تطلع من الغرب عند طلوعها من الشرق وثالثة أن ترى الشمس طالعة من ديارهم ~~وعلى هذا الحد قوله ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه العجب من أن يمشى البدر ~~إلى آدمي وتعانق الأسد رجلا # واعلم أن في هذا النوع مذهبا هو كأنه عكس مذهب التعجب ونقيضه وهو لطيف ~~جدا وذلك أن تنظر إلى خاصية ومعنى دقيق يكون في المشبه به ثم تثبت تلك ~~الخاصية وذلك المعنى للمشبه وتتوصل بذلك إلى إيهام أن التشبيه قد خرج من ~~البين وزال عن الوهم والعين احسن توصل وألطفه ويقام منه شبه الحجة على أن ~~لا تشبيه ولا مجاز # ومثاله قوله # ( لا ms166 تعجبوا من بلى غلالته % قد زر أزراره على القمر ) # قد عمد كما ترى إلى شيء هو خاصية في طبيعة القمر وأمر غريب من تأثيره ثم ~~جعل يرى أن قوما انكروا بلى الكتان بسرعة وأنه قد اخذ ينهاهم عن التعجب من ~~ذلك ويقول أما ترونه قد زر أزراره على القمر والقمر PageV01P265 # من شأنه أن يسرع بلى الكتان وغرضه بهذا كله أن يعلم أن لا شك ولا مرية في ~~أن المعاملة مع القمر نفسه وأن الحديث عنه بعينه وليس في البين شيء من غيره ~~وأن التشبيه قد نسى وانسى وصار كما يقول الشيخ أبو على فيما يتعلق به الطرف ~~إنه شريعة منسوخة وهذا موضع في غاية اللطف لا يبين إلا إذا كان المتصفح ~~للكلام حساسا يعرف وحى طبع الشعر وخفى حركته التي هي كالهمس وكمسرى النفس ~~في النفس وإن أردت أن تظهر لك صحة عزيمتهم في هذا النحو على إخفاء التشبيه ~~ومحو صورته من الوهم فابرز صفحة التشبيه واكشف عن وجهه وقل لا تعجبوا من ~~بلى غلالته فقد زر أزراره على من حسنه حسن القمر ثم انظر هل ترى إلا كلاما ~~فاترا ومعنى نازلا واخبر نفسك هل تجد ما كنت تجده من الأريحيه وانظر في ~~اعين السامعين هل ترى ما كنت تراه من ترجمة عن المسرة ودلالة على الإعجاب ~~ومن أين ذلك وأني وأنت بإظهار التشبيه تبطل على نفسك ما له وضع البيت من ~~الاحتجاج على وجوب البلى في الغلالة والمنع من العجب فيه بتقرير الدلالة # وقد قال آخر في هذا المعنى بعينه إلا أن لفظة لا ينبىء عن القوة التي ~~لهذا البيت في دعوى القمر وهو قوله # ( ترى الثياب من الكتان يلمحها % نور من البدر أحيانا فيبليها ) # ( فكيف تنكر أن تبلى معاجرها % والبدر في كل وقت طالع فيها ) # ومما ينظر إلى قوله قد زر أزراره على القمر في أنه بلغ في دعواه في ~~المجاز حقيقة مبلغ الاحتجاج به كما يحتج بالحقيقة قول العباس بن الأحنف ~~PageV01P266 # ( هي الشمس مسكنها في السماء % فعز ms167 الفؤاد عزاء جميلا ) # ( فلن تستطيع إليها الصعود % ولن تستطيع إليك النزولا ) # صورة هذا الكلام ونصبته والقالب الذي فيه أفرغ يقتضي أن التشبيه لم يجر ~~في خلده وانه معه كما يقال لست منه وليس منى وأن الأمر في ذلك قد بلغ مبلغا ~~لا حاجة معه إلى إقامة دليل وتصحيح دعوى بل هو في الصحة والصدق بحيث تصحح ~~به دعوى ثابتة ألا تراه كأنه يقول للنفس ما وجه الطمع في الوصول وقد علمت ~~أن حديثك مع الشمس ومسكن السماء افلا تراه قد جعل كونها الشمس حجة على نفسه ~~يصدفها بها عن أن ترجو الوصول إليها ويلجئها إلى العزاء وردها في ذلك إلى ~~مالا تشك فيه وهو مستقر ثابت كما تقول أو ما علمت ذلك وأليس قد علمت ويبين ~~لك هذا التفسير والتقرير فضل بيان بان تقابل هذا البيت بقول الآخر # ( فقلت لأصحابي هي الشمس ضوءها % قريب ولكن في تناولها بعد ) # وتتأمل أمر التشبيه فيه فإنك تجده على خلاف ما وصفت لك وذلك انه لم يجعل ~~كونها الشمس حجة على ما ذكر بعد من قرب شخصها ومثالها في العين مع بعد ~~منالها بل قال هي الشمس كذا قولا مرسلا يومىء فيه بل يفصح بالتشبيه ولم يرد ~~أن يقول لا تعجبوا أن تقرب وتبعد بعد أن علمتم أنها الشمس حتى كأنه يقول ما ~~وجه شككم في ذلك ولم يشك عاقل في أن الشمس كذلك كما أراد العباس أن يقول ~~كيف الطمع في PageV01P267 الوصول إليها مع علمك بأنها الشمس وأن الشمس ~~مسكنها السماء فبيت ابن أبي عيينه في أن لم ينصرف عن التشبيه جملة ولم يبرز ~~في صورة الجاحد له والمتبرىء منه كبيت بشار الذي صرح فيه بالتشبيه وهو # ( أو كبدر السماء غير قريب % حين يوفى والضوء فيه اقتراب ) وكبيت المتنبى # ( كأنها الشمس يعيى كف قابضه % شعاعها ويراه الطرف مقتربا ) # فإن قلت فهذا من قولك يؤدى إلى أن يكون الغرض من ذكر الشمس بيان حال ~~المرأة في القرب من وجه والبعد من وجه آخر دون ms168 المبالغة في وصفها بالحسن ~~وإشراق الوجه وهو خلاف المعتاد لأن الذي يسبق إلى القلوب أو يقصد من نحو ~~قولنا هي كالشمس أو هي شمس الجمال والحسن والبهاء فالجواب أن الأمر وإن كان ~~على ما قلت فإنه في نحو هذه الأحوال التي يقصد فيها إلى بيان أمر غير الحسن ~~يصير كالشىء الذي يعقل من طريق العرف وعلى سبيل التبع فأما أن يكون الغرض ~~الذي له وضع الكلام فلا وإذا تأملت قوله # ( فقلت لأصحابي هي الشمس ضوءها ) # وقول بشار أو كبدر السماء وقول المتنبي كأنها الشمس علمت أنهم جعلوا جل ~~غرضهم أن يصيبوا لها شبها في كونها قريبة بعيدة وهو القياس أيضا فأما حديث ~~الحسن فدخل في القصد على الحد الذي مضى في قوله # ( نعمة كالشمس لما طلعت % بثت الإشراق في كل بلد ) # فكما أن هذا لم يضع كلامه لجعل النعمة كالشمس في الضياء والإشراق ولكنها ~~عمت كما تعم الشمس بإشراقها كذلك لم يضع هؤلاء أبياتهم PageV01P268 # على أن يجعلوا المرأة كالشمس والبدر في الحسن ونور الوجه بل أموانحو ~~المعنى الآخر ثم حصل هذا لهم من غير ان احتاجوا فيه إلى تجشم وإذا كان ~~الأمر كذلك فلم يقل إن النعمة إنما عمت لأنها شمس ولكن أراك لعمومها ~~وشمولها قياسا تحرى أن يكون ذلك القياس من شيء شريف له بالنعمة شبه من جهة ~~اوصافه الخاصة فاختار الشمس وكذلك لم يرد ابن أبى عيينه أن يقول إنها إنما ~~دنت ونأت لأنها شمس أو لأنها الشمس بل قاس أمرها في ذلك كما عرفتك وأما ~~العباس فإنه قال إنها إنما كانت بحيث لا تنال ووجب اليأس من الوصول إليها ~~لأجل أنها الشمس فاعرفه فرقا واضحا # ومما هو على طريقة بيت العباس في الاحتجاج وإن خالفه فيما أذكره لك قول ~~الصابىء في بعض الوزراء يهنئه بالتخلص من الاستتار # ( صح أن الوزير بدر منير % إذ توارى كما توارى البدور ) # ( غاب لا غاب ثم عاد كما كان % على الأفق طالعا يستنير ) # ( لا تسلني عن الوزير فقد بينت % بالوصف أنه سابور ms169 ) # ( لا خلا منه صدر دست إذا ما قر % فيه تقر منه الصدور ) # فهو كما تراه يحتج أن لا مجاز في البين فإن ذكر البدر وتسمية الممدوح به ~~حقيقة واحتجاجه صريح لقوله صح أنه كذلك واما احتجاج العباس وصاحبه في قوله ~~قد زر أزراره على القمر فعلى طريق الفحوى فهذا وجه الموافقة وأما وجه ~~المخالفة فهو انهما ادعيا الشمس والقمر بانفسهما PageV01P269 # وادعى الصابىء بدرا لا البدر على الإطلاق ومن ادعاء الشمس على الإطلاق ~~قول بشار # ( بعثت بذكرها شعري % وقدمت الهوى شركا ) # ( فلما شاقها قولي % وشب الحب فاحتنكا ) # ( اتتنى الشمس زائرة % ولم تك تبرح الفلكا 9 # ( وجدت العيش في سعدى % وكان العيش قد هلكا ) # فقوله ولم تك تبرح الفلكا يريك أنه ادعى الشمس نفسها # وقال أشجع يرثى الرشيد فبدأ بالتعريف ثم نكر فخلط إحدى الطريقتين بالأخرى ~~وذلك قوله # ( غربت بالمشرق الش / % س فقل للعين تدمع ) # ( ما رأينا قط شمسا % غربت من حيث تطلع ) # فقوله غربت بالمشرق الشمس على حد قول بشار أتتنى الشمس زائرة في أنه خيل ~~إليك شمس السماء وقوله بعد ما رأينا قط شمسا يفتر أمر هذا التخييل ويميل بك ~~إلى أن تكون الشمس في قوله غربت بالمشرق الشمس غير شمس السماء أعنى غير ~~مدعى أنها هي وذلك مما يضطرب عليه المعنى ويقلق لأنه إذا لم يدع الشمس ~~نفسها لم يجب أن تكون جهة خراسان شرقا لها وإذا لم يجب ذلك لم يحصل ما ~~أراده من الغرابة في غروبها من حيث تطلع وأظن الوجه فيه أن تتأول تنكيره ~~للشمس في الثاني على قولهم خرجنا في شمس حارة يريدون في يوم كان للشمس فيه ~~حرارة وفضل توقد فيصير كأنه قال ما عهدنا يوما غربت فيه PageV01P270 # الشمس من حيث تطلع وهوت في جانب المشرق وكثيرا ما يتفق في كلام الناس ما ~~يوهم ضربا من التنكير في الشمس كقولهم شمس صيفية وكقوله # ( والله لا طلعت شمس ولا غربت % ) ولا فرق بين هذا وبين قول المتنبي # ( لم يرقرن الشمس في شرقة % فشكت الأنفس في ms170 غربة ) # ويجىء التنكير في القمر والهلال على هذا الحد فمنه قول بشار # ( أملى لا تأت في قمر % بحديث واتق الدرعا ) # ( وتوق الطيب ليلتنا % إنه واش إذا سطعا ) # فهذا بمعنى لا تأت في وقت قد طلع فيه القمر وهكذا قول عمر بن أبي ربيعة # ( وغاب قمير كنت أرجو غيوبه % وروح رعيان ونوم سمر ) # ظاهرة يوهم أنه كقولك جاءنى رجل وليس كذلك في الحقيقة لأن الاسم لا يكون ~~نكرة حتى يعم شيئين وأكثر وليس هنا شيئان يعمهما اسم القمر وهكذا قول أبى ~~العتاهية PageV01P271 # ( تسر إذا نظرت إلى هلال % ونقصك إذ نظرت إلى الهلال ) # ليس المنكر غير المعرف على أن للهلال في هذا التنكير فضل تمكن ليس للقمر ~~ألا تراه قد جمع في قوله تعالى ( ^ يسألونك عن الأهلة ) ولم يجمع القمر على ~~هذا الحد # ومن لطيف هذا التنكير قول البحتري # ( وبدرين أنضيناهما بعد ثالث % أكلناه بالايجاف حتى تمحقا ) ومما أتى ~~مستكرها نابيا يتظلم منه المعنى وينكره قول أبى تمام # ( قريب الندى نأئى المحل كأنه % هلال قريب النور ناء منازله ) # سبب الاستكراه وأن المعنى ينبو عنه انه يوهم بظاهره أن ههنا أهلة ليس لها ~~هذا الحكم أعنى أنه يتناءى مكانه ويدنو نوره وذلك محال فالذي يستقيم عليه ~~الكلام أن يؤتى به معرفا على حده في بيت البحتري # ( كالبدر أفرط في العلو وضوءه % للعصبة السارين جد قريب ) # فإن قلت أقطع واستأنف فأقول كأنه هلال وأسكت ثم أبتدىء وآخذ في الحديث عن ~~شأن الهلال بقولي قريب النور ناء منازله أمكنك ولكنك تعلم ما يشكوه إليه ~~المعنى من نبو اللفظ وسوء ملاءمة العبارة واستقصاء هذا الموضع يقطع عن ~~الغرض وحقه أن يفرد له فصل # واعود إلى حديث المجاز وإخفائه ودعوى الحقيقة وحمل النفس على تخيلها فما ~~يدخل في هذا الفن ويجب أن يوازن بينه وبين ما مضى قول سعيد بن حميد ~~PageV01P272 # ( وعد البدر بالزيارة ليلا % فإذا ما وفى قضيت نذورى ) # ( قلت يا سيدى ولم تؤثر اللي % يل على بهجة النهار المنير ) # ( قال لي لا احب تغيير رسمي ms171 % هكذا الرسم في طلوع البدور ) # قالوا وله في ضده # ( قلت زوري فأرسلت % أنا آتيك سحره ) # ( قلت فالليل كان أخ % في وأدنى مسره ) # ( فأجابت بحجة % زادت القلب حسره ) # ( أنا شمس وإنما % تطلع الشمس بكره # وينبغي أن تعلم أن هذه القطعة ضد الأولى من حيث اختار النهار وقتا ~~للزيارة في تلك والليل في هذه فأما من حيث يختلف جوهر الشعر ويتفق خصوصا من ~~حيث ينظر الآن فمثل وشبيه وليس بصد ولا نقيض # ثم اعلم أنا إن وازنا بين هاتين القطعتين وبين ما تقدم من بيت العباس هي ~~الشمس مسكنها في السماء وما هو في صورته وجدناهما امرا بين أمرين بين ادعاء ~~البدر والشمس انفسهما وبين إثبات بدر ثان وشمس ثانية وراينا الشاعر قد شاب ~~في ذلك الإنكار بالإعتراف وصادفت صورة المجاز تعرض عنك مرة وتعرض لك أخرى ~~فقوله البدر بالتعريف مع قوله لا أحب تغيير رسمي وتركه أن يقول رسم مثلى ~~يخيل إليك البدر نفسه وقوله في طلوع البدور بالجمع دون أن يفرد فيقول هكذا ~~الرسم في طلوع البدور يلتفت بك إلى بدر ثان ويعطيك الاعتراف بالمجاز على ~~وجه وهكذا القول في القطعة الثانية لأن قولك أنا شمس بالتنكير اعتراف بشمس ~~ثانيه أو كالاعتراف PageV01P273 # ومما يدل دلالة واضحة على دعوى الحقيقة ولا يستقيم إلا عليها قول المتنبي # ( واستقبلت قمر السماء بوجهها % فأرتني القمرين في وقت معا ) # أراد فأرتني الشمس والقمر ثم غلب اسم القمر كقول الفرزدق # ( أخذنا بآفاق السماء عليكم % لنا قمراها والنجوم الطوالع ) # لولا تخيل أنها الشمس نفسها لم يكن لتغليب اسم القمر والتعريف بالألف ~~واللام معنى وكذلك لولا ضبطة نفسه حتى لا يجرى المجاز والتشبيه في وهمه ~~لكان قوله في وقت معا لغوا من القول فليس بعجيب أن يتراءى لك وجه غادة ~~حسناء في وقت طلوع القمر وتوسطه السماء وهذا أظهر من أن يخفى واما تشبيه ~~أبي الفتح لهذا البيت بقول القائل # ( وإذا الغزالة في السماء ترفعت % وبدا النهار لوقته يترجل ) # ( أبدت لوجه الشمس وجها مثله % تلقى السماء بمثل ما ms172 تستقبل ) # فتشبيه على الجملة ومن حيث أصل المعنى وصورته في المعقول فاما الصورة ~~الخاصة التي تحدث له بالصنعة فلم يعرض لها # ومما له طبقة عاليه في هذا القبيل وشكل يدل على شدة الشكيمة وعلو المأخذ ~~قول الفرزدق # ( أبي أحمد الغيثين صعصعه الذي % متى تخلف الجوزاء والدلو يمطر ) # ( أجاز بنات الوائدين ومن يجر % على الموت تعلم أنه غير مخفر ) ~~PageV01P274 # أفلا تراه كيف ادعى لأبيه اسم الغيث ادعاء من سلم له ذلك ومن لا يخطر ~~بباله أنه مجاز فيه ومتناول له من طريق التشبيه وحتى كأن الأمر في هذه ~~الشهرة بحيث يقال أي الغيثين أجود فيقال صعصعه وحتى بلغ تمكن ذلك في العرف ~~إلى أن يتوقف السامع عند إطلاق الاسم فإذا قيل اتاك الغيث لم تعلم أيراد ~~صعصعه أم المطر وإن أردت أن تعرف مقدار ماله من القوة في هذا التخييل وأن ~~مصدره مصدر الشيء المتعارف الذي لا حاجة به إلى مقدمة يبنى عليها نحو أن ~~تبدأ فتقول أبي نظير الغيث ثان وغيث وثان ثم تقول وهو خير الغيثين لأنه لا ~~يختلف إذا اختلفت الأنواء فانظر إلى موقع الاسم فإنك تراه واقعا موقعا لا ~~سبيل لك فيه إلى حل عقد التثنيه وتفريق المذكورين بالاسم وذلك أن أفعل لا ~~تصح إضافته إلى اسمين معطوف أحدهما على الآخر فلا يقال جاءني أفضل زيد ~~وعمرو ولا أتى اعلم بكر وخالد عندي بل ليس إلا أن تضيف إلى اسم مثنى أو ~~مجموع في نفسه نحو أفضل الرجلين وأفضل الرجال وذلك أن أفعل التفضيل بعض ما ~~يضاف إليه أبدا فحقه أن يضاف إلى اسم يحويه وغيره وإذا كان الأمر كذلك علمت ~~أن اللفظ بالتشبيه والخروج عن صريح جعل اللفظ للحقيقة متعذر عليك إذ لا ~~يمكنك أن تقول أبى أحمد الغيث والثاني له والشبيه به ولا شيئا من هذا النحو ~~لأنك تقع بذلك في إضافة أفعل إلى اسمين معطوف أحدهما على الآخر # وإذ قد عرفت هذا فانظر إلى قول الآخر PageV01P275 # ( قد قحط الناس في زمانهم % حتى إذا جئت ms173 جئت بالدرر ) # ( غيثان في ساعة لنا اتفقا % فمرحبا بالأمير والمطر ) # فإنك تراه لا يبلغ هذه المنزلة وذلك أنه كلام من يثبته الآن غيثا ولا ~~يدعى فيه عرفا جاريا وأمرا مشهورا متعارفا يعلم كل واحد منه ما يعلمه وليس ~~بمتعذر أن يقول عيث وثان للغيث اتفقا أو يقول الأمير ثاني الغيث والغيث ~~اتفقا فقد حصل من هذا الباب أن الاسم المستعار كلما كان قدمه أثبت في مكانه ~~وكان موضعه من الكلام أضن به وأشد محاماة عليه وامنع لك من أن تتركه وترجع ~~إلى الظاهر وتصرح بالتشبيه فأمر التخييل فيه أقوى ودعوى المتكلم له أظهر ~~وأتم # واعلم أن قول البحتري # ( غيثان إن جدب تتابع أقبلا % وهما ربيع مؤمل وخريفه ) # لا يكون مما نحن بصدده في شيء لأن كل واحد من الغيثين في هذا البيت مجاز ~~لأنه أراد أن يشبه كل واحد من الممدوحين بالغيث والذي نحن بصدده هو أن يضم ~~المجاز إلى الحقيقة في عقد التثنية ولكن إن ضممت إليه قوله # ( فلم أر ضرغامين أصدق منكما % عراكا إذا الهيابة النكس كذبا ) # كان لك ذلك لأن أحد الضرغامين حقيقة والآخر مجاز فإن قلت فههنا شيء يردك ~~إلى ما أبينه من بقاء حكم التشبيه في جعله إياه الغيث وذلك PageV01P276 # أن تقدير الحقيقة في المجاز إنما يتصور في نحو بيت البحتري فلم أر ~~ضرغامين من حيث عمد إلى واحد من الأسود ثم جعل الممدوح أسدا على الحقيقة قد ~~قارنه وضامه ولا سبيل للفرزدق إلى ذلك لأن الذي يقرنه إلى أبيه هو الغيث ~~على الإطلاق وإذا كان الغيث على الإطلاق لم يبق شيء يستحق هذا الاسم ويدخل ~~تحته وإذا كان كذلك حصل منه أن لا يكون أبو الفرزدق غيثا على الحقيقة ~~فالجواب أن مذهب ذلك ليس على ما تتوهمه ولكن على أصل في التشبيه وهو أن ~~يقصد إلى المعنى الذي من أجله يشبه الفرع بالأصل كالشجاعة في الأسد والمضاء ~~في السيف وينحى سائر الأوصاف جانبا وذلك المعنى في الغيث هو النفع العام ~~وإذا قدر هذا التقدير ms174 صار جنس الغيث كأنه عين واحدة وشىء واحد وإذا عاد بك ~~الأمر إلى أن تتصوره تصور العين الواحده دون الجنس كان ضم أبي الفرزدق إليه ~~بمنزلة ضمك إلى الشمس رجلا أو إمرأة تريد أن تبالغ في وصفهما بأوصاف الشمس ~~وتنزيلهما منزلتها كما تجده في نحو قوله # ( فليت طالعة الشمسين غائبة % وليت غائبة الشمسين لم تغب ) PageV01P277 # | فصل في الفرق بين التشبيه والاستعارة # إن الاسم إذا قصد إجراؤه على غير ما هو له لمشابهة بينهما كان ذلك على ما ~~مضى من الوجهين أحدهما أن يسقط ذكر المشبه من البين حتى لا يعلم من ظاهر ~~الحال انك أردته وذلك أن تقول عنت لنا ظبية وأنت تريد امرأة ووردنا بحرا ~~وأنت تريد الممدوح فأنت في هذا النحو من الكلام إنما تعرف أن المتكلم لم ~~يرد ما الاسم موضوع له في أصل اللغة بدليل الحال أو إفصاح المقال بعد ~~السؤال أو بفحوى الكلام وما يتلوه من الأوصاف مثال ذلك أنك إذا سمعت قوله # ( ترنح الشرب واغتالت حلومهم % شمس ترجل فيهم ثم ترتحل ) # استدللت بذكر الشرب واغتيال الحلوم والارتحال أنه أراد قينة ولو قال ~~ترجلت شمس ولم يذكر شيئا غيره من أحوال الآدميين لم يعقل قط أنه أراد امرأة ~~إلا بإخبار مستأنف أو شاهد آخر من الشواهد # ولذلك تجد الشيء يلتبس منه حتى على أهل المعرفة كما روى أن عدى ابن حاتم ~~اشتبه عليه المراد بلفظ الخيط في قوله تعالى ( ^ حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود ) وحمله على ظاهره فقد روى أنه قال لما نزلت هذه ~~الآية أخذت عقالا أسود وعقالا أبيض فوضعتهما تحت وسادتي فنظرت فلم أتبين ~~فذكرت ذلك النبي وسلم فقال إن وسادك لطويل عريض إنما هو الليل والنهار ~~PageV01P278 # والوجه الثاني أن يذكر كل واحد من المشبه والمشبه به فتقول زيد أسد وهند ~~بدر وهذا الرجل الذي تراه سيف صارم على أعدائك وقد كنت ذكرت فيما تقدم أن ~~في إطلاق الاستعارة على هذا الضرب الثاني بعض الشبهة ووعدتك بكلام يجيء في ~~ذلك ms175 وهذا موضعه # اعلم أن الوجه الذي يقتضيه القياس وعليه يدل كلام القاضي في الوساطة أن ~~لا تطلق الاستعارة على نحو قولنا زيد أسد وهند بدر ولكن نقول هو تشبيه فإذا ~~قال هو أسد لم تقل استعار له اسم الأسد ولكن تقول شبهه بالأسد وتقول في ~~الأول إنه استعارة لا تتوقف فيه ولا تتحاشى البته وإن قلت في القسم الأول ~~إنه تشبيه كنت مصيبا من حيث تخبر عما في نفس المتكلم وعن أصل الغرض وإن ~~أردت تمام البيان قلت أراد أن يشبه المرأة بالظبية فاستعار لها اسمها ~~مبالغة فإن قلت فكذلك فقل في قولك زيد أسد إنه أراد تشبيهه بالأسد فأجرى ~~اسمه عليه ألا ترى أنك ذكرته بلفظ التنكير فقلت زيد أسد كما تقول زيد واحد ~~من الأسود فما الفرق بين الحالين وقد جرى الاسم في كل واحد منهما على ~~المشبه فالجواب أن الفرق بين وهو أنك عزلت في القسم الأول الاسم الأصلي عنه ~~واطرحته وجعلته كأن ليس باسم له وجعلت الثاني هو الواقع عليه والمتناول له ~~فصار قصدك التشبيه أمرا مطويا في نفسك مكنونا في ضميرك وصار في ظاهر الحال ~~وصورة الكلام وقضيته كأنه الشيء الذي وضع له PageV01P279 الاسم في اللغة ~~وتصور أن تعلقه الوهم كذلك وليس كذلك القسم الثاني لأنك قد صرحت فيه ~~بالمشبه وذكرك له صريحا يأبى أن تتوهم كونه من جنس المشبه به وإذا سمع ~~السامع قولك زيد اسد وهذا الرجل سيف صارم على الأعداء استحال أن يظن وقد ~~صرحت له بذكر زيد أنك قصدت اسدا وسيفا وأكثر ما يمكن أن يدعى تخيله في هذا ~~أن يقع في نفسه من قولك زيد اسد حال الأسد في جراءته وإقدامه وبطشه فأما أن ~~يقع في وهمه أنه رجل وأسد معا بالصورة والشخص فمحال # ولما كان كذلك كان قصد التشبيه من هذا النحو بينا لائحا وكائنا من مقتضى ~~الكلام وواجبا من حيث موضوعه حتى إن لم يحمل عليه كان محالا فالشيء الواحد ~~لا يكون رجلا واسدا وغنما يكون رجلا وبصفة ms176 الأسد فيما يرجع إلى غرائز ~~النفوس وألأخلاق أو خصوص في الهيئة كالكراهة في الوجه وليس كذلك الأول لأنه ~~يحتمل الحمل على الظاهر على الصحة فلست بممنوع من أن تقول عنت لنا ظبية ~~وانت تريد الحيوان وطلعت شمس وأنت تريد الشمس كقولك طلعت اليوم شمس حارة ~~وكذلك تقول هززت على الأعداء سيفا وأنت تريد السيف كما تقوله وأنت تريد ~~رجلا باسلا استعنت به أو رأيا وفقت ماضيا فيه وأصبت به من العدو فأرهبته ~~واثرت فيه # وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يفصل بين القسمين فيسمى الأول استعارة على ~~الإطلاق ويقال في الثاني إنه تشبيه فاما تسمية الأول تشبيها فغير ممنوع ولا ~~غريب إلا انه على انك تخبر عن الغرض وتنبىء عن مضمون الحال فأما أن يكون ~~موضوع الكلام وظاهره موجبا له صريحا فلا فإن قلت فكذلك قولك هو اسد ليس في ~~ظاهره تشبيه لأن التشبيه PageV01P280 # يحصل بذكر الكاف أو مثل أو نحوهما فالجواب أن الأمر وإن كان كذلك فإن ~~موضوعه من حيث الصورة يوجب قصدك التشبيه لاستحالة أن يكون له معنى وهو على ~~ظاهره وله مثال من طريق العادة وهو أن مثل الاسم مثل الهيئة التي يستدل بها ~~على الأجناس كزى الملوك وزي السوقة فكما أنك لو خلعت من الرجل أثواب السوقة ~~ونفيت عنه كل شيء يختص بالسوقة وألبسته زي الملوك فأبديته للناس في صورة ~~الملوك حتى يتوهموه ملكا وحتى لا يصلوا إلى معرفة حاله إلا بإخبار أو ~~اختبار واستدلال من غير الظاهر كنت قد اعرته هيئة الملك وزيه على الحقيقة ~~ولو انك القيت عليه بعض ما يلبسه الملك من غير أن تعريه من المعاني التي ~~تدل على كونه سوقة لم تكن قد اعرته بالحقيقة هيئة الملك لأن المقصود من ~~هيئة الملك أن يحصل بها المهابة في النفس وأن يتوهم العظمة ولا يحصل ذلك مع ~~وجود الأوصاف الدالة على أن الرجل سوقة # افرض هذه الموازنة في الشيء الواحد كالثوب الواحد يعاره الرجل فيلبسه على ~~ثوبه أو منفردا وإنما اعتبر الهيئة وهي ms177 تحصل بمجموع أشياء وذلك أن الهيئة ~~هي التي يشبه حالها حال الاسم لأن الهيئه تخص جنسا كما أن الاسم كذلك ~~والثوب على الإطلاق لا يفعل ذلك إلا بخصائص تقترن به وتراعى معه فإذا كان ~~السامع قولك زيد أسد لا يتوهم أنك قصدت أسدا على الحقيقة لم يكن الاسم قد ~~لحقه ولم تكن قد أعرته إياه إعارة صحيحة كما انك لم تعر الرجل هيئة الملك ~~حين لم تزل عنه ما يعلم به انه ليس بملك # هذا وإذا تأملنا حقيقة الاستعارة في اللغة والعادة كان في ذلك أيضا بيان ~~لصحة هذه الطريقة ووجوب الفرق بين القسمين وذاك أن من PageV01P281 # شرط المستعار أن يحصل للمستعير منافعه على الحد الذي يحصل للمالك فإن كان ~~ثوبا لبسه كما لبسه وإن كان اداة استعملها في الشيء تصلح له حتى إن الرائي ~~إذا رآه معه لم تنفصل حاله عنده من حال ما هو ملك يد ليس بغارية وإنما ~~يفضله المالك في أن له أن يتلف الشيء جملة أو يدخل التلف على بعض أجزائه ~~قصدا وليس للمستعير ذلك ومعلوم أن ما هو كالمنفعة من الاسم أن يوجب ذكره ~~القصد إلى الشيء في نفسه فإذا قلت زيد علم أنك أردت أن تخبر عن الشخص ~~المعلوم وإذا قلت لقيت أسدا علم أنك علقت اللقاء بواحد من هذا الجنس وإذا ~~كان الأمر كذلك ثم وجدنا الاسم في قولك عنت ظبية يعقل من إطلاقه أنك قصدت ~~الجنس المعلوم ولا يعلم انك قصدت امرأة فقد وقع من المرأة في هذا الكلام ~~موقعه من ذلك الحيوان على الصحة فكان ذلك بمنزلة أن المستعير ينتفع ~~بالمستعار انتفاع مالكه فيلبسه لبسه ويتجمل به تجمله ويكون مكانه عنده مكان ~~الشيء المملوك حتى يعتقد من ينظر إلى الظاهر انه له ولما وجدنا الاسم في ~~قولك زيد أسد لا يقع من زيد ذلك الموقع من حيث أن ذكره باسمه يمنع من أن ~~يصير الاسم مطلقا عليه ومتناولا له على حد تناوله ما وضع له وزان ذلك وزان ~~أن يضع ms178 الرجل عند الرجل ثوبا ويمنعه أن يلبسه أو بمنزلة أن تطرح عليه طرف ~~ثوب كان عليك فلا يكون ذلك عارية صحيحة لأنك لم تدخله في جملته ولم تعطه ~~صورة ما يختص به ويصير إليه ويخفى كونه لك دونه فاعرفه # وههنا فصل آخر من طريق موضوع الكلام يبين وجوب الفرق PageV01P282 بين ~~القسمين وهو أن الحالة التي يختلف في الاسم إذا وقع فيها أيسمى استعارة أم ~~لا يسمى هي الحالة التي يكون الاسم فيها خبر مبتدأ أو متنزلا منزلته أعنى ~~أن يكون خبر كان ومفعولا ثانيا لباب علمت لأن هذه الأبواب كلها أصلها مبتدأ ~~وخبر ويكون حالا لأن الحال عندهم زيادة في الخبر فحكمها حكم الخبر فيما ~~قصدته ههنا خصوصا والاسم إذا وقع في هذه المواضع فأنت واضع كلامك لإثبات ~~معناه وإن أدخلت النفي على كلامك تعلق النفي بمعناه # تفسير هذه الجملة انك إذا قلت زيد منطلق فقد وضعت كلامك لإثبات الانطلاق ~~لزيد ولو نفيت فقلت ما زيد منطلقا كنت نفيت الانطلاق عن زيد وكذلك كان زيد ~~منطلقا وعلمت منطلقا ورأيت زيدا منطلقا انت في ذلك كله واضع كلامك ومزج له ~~لتثبيت الانطلاق لزيد ولو خولفت فيه انصرف الخلاف إلى ثبوته وإذا كان الأمر ~~كذلك فأنت إذا قلت زيد أسد ورأيت أسدا فقد جعلت اسم المشبه به خبرا عن ~~المشبه والاسم إذا كان خبرا عن الشىء كان خبرا عنه إما لإثبات وصف هو مشتق ~~منه لذلك الشىء كالانطلاق في قولك زيد منطلق أو إثبات جنسية هو موضوع لها ~~كقولك هذا رجل فإذا امتنع في قولنا زيد أسد أن تثبت شبه الجنسية لزيد على ~~الحقيقة كان لإثبات شبه من الجنس له وإذا كنا إنما نثبت شبه الجنس فقد ~~اجتلبنا الاسم لنحدث به التشبيه الآن ونقرره وندخله في حين الحصول والثبوت ~~وإذا كان كذلك كان خليقا بأن نسميه تشبيها إذا كان إنما جاء ليفيده ويوجبه # وأما الحالة الأخرى التي قلنا إن الاسم فيها يكون استعارة من غير ~~PageV01P283 خلاف فهي حالة إذا وقع الاسم فيها ms179 لم يكن الاسم مجتلبا لإثبات ~~معناه للشيء ولا الكلام موضوعا لذلك لأن هذا حكم لا يكون إلا إذا كان الاسم ~~في منزلة الخبر من المبتدأ فأما إذا لم يكن وكان مبتدأ بنفسه أو فاعلا أو ~~مفعولا أو مضافا إليه فأنت واضع كلامك لإثبات امر آخر غير ما هو معنى الاسم # بيان ذلك أنك إذا قلت جاءني أسد ورأيت أسدا ومررت بأسد فقد وضعت الكلام ~~لإثبات المجيء واقعا من الأسد والرؤية والمرور واقعين منك عليه وكذلك إن ~~قلت الأسد مقبل فالكلام موضوع لإثبات الإقبال للأسد لا لإثبات معنى الأسد ~~وإذا كان الأمر كذلك ثم قلت عنت لنا ظبية وهززت سيفا صارما على الأعداء ~~وأنت تعنى بالظبية امراة وبالسيف رجلا لم يكن ذكرك للاسمين في كلامك هذا ~~لإثبات الشبه المقصود الآن وكيف يتصور أن يقصد إلى إثبات الشبه منهما لشيء ~~وأنت لم تذكر قبلهما شيئا ينصرف أثبات الشبه إليه وإنما يثبت الشبه من طريق ~~الرجوع إلى الحال والبحث عن خبىء في نفس المتكلم إذا كان كذلك بان الاسم في ~~قولك زيد أسد مقصود به إيقاع التشبيه في الحال وإيجابه # واما في قولك عنت لنا ظبية وسللت سيفا على العدو فوضع الاسم هكذا انتهازا ~~واقتضابا على المقصود وادعاء انه من الجنس الذي وضع له الاسم في اصل اللغة ~~وإذا افترقا هذا الافتراق وجب أن يفرق بينهما في الاصطلاح والعبارة كما أنا ~~نفصل بين الخبر والصفة في العبارة لاختلاف الحكم فيهما بان الخبر إثبات في ~~الوقت للمعنى والصفة تبيين وتوضيح وتخصيص PageV01P284 # بأمر قد ثبت واستقر وعرف فكما لم نرض لاتفاق الغرض في الخبر والصفة على ~~الجملة واشتراكهما إذا قلت زيد ظريف وجاءني زيد الظريف في التباس زيد في ~~الظرف واكتسائه له أن نجعلهما في الوضع الاصطلاحي شيئا واحدا ولا نفرق ~~بتسميتنا هذا خبرا وذاك صفة كذلك ينبغي أن لا يدعونا اتفاق قولنا جاءني أسد ~~وهززت سيفا صارما وقولنا زيد أسد وسيف صارم في مطلق التشبيه إلى التسوية ~~بينهما وترك الفرق من طريق العبارة بل ms180 وجب أن نفرق فنسمى ذالا استعارة وهذا ~~تشبيها فإن أبيت إلا أن تطلق الاستعارة على هذا القسم الثاني فينبغي أن ~~تعلم أن إطلاقها لا يجوز في كل موضع يحسن دخول حرف التشبيه عليه بسهولة ~~وذلك نحو قولك هو كالأسد وهو شمس النهار وهو البدر حسنا وبهجة والقضيب عطفا ~~وهكذا كل موضع ذكر فيه المشبه به بلفظ التعريف فإن قلت هو بحر وهو ليث ~~ووجدته بحرا وأردت أن تقول إنه استعارة كنت أعذر أشبه بأن تكون على جانب من ~~القياس ومتشبثا بطرف من الصواب وذلك أن الاسم قد خرج بالتنكير عن أن يحسن ~~إدخال حرف التشبيه عليه فلو قلت هو الأسد وهو كبحر كان كلاما نازلا غير ~~مقبول كما يكون قولك هو كالأسد إلا أنه وإن كان لا تحسن فيه الكاف فإنه ~~يحسن فيه كأن كقولك كأنه أسد أو ما يجرى مجرى كأن في نحو تحسبه أسدا وتخاله ~~سيفا فإن غمض مكان الكاف وكأن بأن يوصف الاسم الذي فيه PageV01P285 التشبيه ~~بصفة لا تكون في ذلك الجنس وأمر خاص غريب فقيل هو بحر من البلاغة وهو بدر ~~يسكن الأرض وهو شمس لا تغيب وكقوله # ( شمس تألق والفراق غروبها % عنا وبدر والصدود كسوفه ) فهو اقرب إلى أن ~~تسمية إستعارة لأنه قد غمض تقدير حرف التشبيه فيه إذ لا تصل إلى الكاف حتى ~~تبطل بنية الكلام وتبدل صورته فتقول هو كالشمس المتألقة إلا أن فراقها هو ~~الغروب وكالبدر إلا أن صدوده الكسوف # وقد يكون في الصفات التي تجيء في هذا النحو والصلات التي توصل بها ما ~~يختل به تقدير التشبيه فيقرب حينئذ من القبيل الذي تطلق عليه الإستعارة من ~~بعض الوجوه وذلك مثل قوله # ( أسد دم الأسد الهزبر خضابه % موت فريص الموت منه ترعد ) لا سبيل لك إلى ~~أن تقول هو كالأسد وهو كالموت لما يكون في ذلك من التناقض لانك إذا قلت هو ~~كالأسد فقد شبهته بجنس السبع المعروف ومحال أن تجعله محمولا في الشبه على ~~هذا الجنس أولا ثم تجعل دم الهزبر ms181 الذي هو اقوى الجنس خضاب يده لأن حملك له ~~عليه في الشبه دليل على انه دونه وقولك بعد دم الهزبر من الأسود خضابه دليل ~~على أنه فوقها وكذلك محال أن تشبهه بالموت المعروف ثم تجعله يخافه وترتعد ~~منه اكتافه وكذا قوله # ( سحاب عداني سيله وهو مسبل % وبحر عداني فيضه وهو مفعم ) # ( وبدر اضاء الأرض شرقا ومغربا % وموضع رحلي منه اسود مظلم ) PageV01P286 ~~إن رجعت فيه إلى التشبيه الساذج فقلت هو كالبدر ثم جئت تقول اضاء الأرض ~~شرقا ومغربا وموضع رحلي مظلم لم يضيء به كنت كأنك تجعل البدر المعروف يلبس ~~الأرض الضياء ويمنعه رحلك وذلك محال وإنما أردت أن تثبت من الممدوح بدرا ~~مفردا له هذه الخاصة العجيبة التي لم تعرف للبدر وهذا إنما يأتي بكلام بعيد ~~من هذا النظم وهو أن يقال هل سمعت بأن البدر يطلع في أفق ثم يمنع ضوءه ~~موضعا من المواضع التي هي معرضه له وكائنه في مقابلته حتى ترى الأرض الفضاء ~~قد أضاءت بنوره وفيما بينها قدر رحل مظلم يتجافى عنه ضوءه ومعلوم بعد هذا ~~من طريقة البيت فهذا النحو موضوع على تخييل انه زاد في جنس البدر واحد له ~~حكم وخاصة لم تعرف وإذا كان الأمر كذلك صار كلامك موضوعا لا لإثبات الشبه ~~بينه وبين البدر ولكن لإثبات الصفة فى واحد متجدد حادث من جنس البدر لم ~~تعرف تلك الصفة للبدر فيصير بمنزلة قولك زيد رجل يقري الضيوف ويفعل كيت ~~وكيت فلا يكون قصدك إثبات الصفة التي ذكرتها له فإذا خرج الاسم الذي يتعلق ~~به التشبيه من أن يكون مقصودا بالإثبات تبين انه خارج عن الأصل الذي تقدم ~~من كون الاسم لإثبات الشبه فالبحتري في قوله وبدر اضاء الأرض قد بنى كلامه ~~على أن كون الممدوح بدرا أمر قد استقر وثبت وإنما يعمل في إثبات الصفة ~~الغريبة والحاله التي هي موضع التعجب وكما يمتنع دخول الكاف في هذا النحو ~~كذلك يمتنع دخول كأن وتحسب وتخال فلو قلت كأنه بدر أضاء الأرض شرقا ومغربا ~~وموضع ms182 رحلي منه مظلم كان خلفا من القول وكذلك إن قلت تحسبه بدرا أضاء الأرض ~~ورحلي منه مظلم كان كالأول في الضعف PageV01P287 ووجه بعده من القبول بين ~~وهو أن كان وحسبت وخلت وظننت تدخل إذا كان الخبر والمفعول الثاني امرا ~~معقولا ثابتا في الجملة إلا انه في كونه متعلقا بما هو اسم كأن أو المفعول ~~الأول من حسبت مشكوك فيه كقولنا كان زيدا منطلق أو مجاز يقصد به خلاف ظاهره ~~نحو كأن زيدا أسد فالأول على الجملة ثابت معروف والغريب هو كون زيد إياه ~~ومن جنسه والنكرة في نحو هذه الأبيات موصوفة بأوصاف تدل على انك تخبر بظهور ~~شيء لا يعرف ولا يتصور وإذا كان كذلك كان إدخال كان وحسبت عليه كالقياس على ~~المجهول # وتأمل هذه النكته فإنه يضعف ثانيا إطلاق الاستعارة على هذا النحو أيضا ~~لان موضوع الاستعارة كيف دارت القضية على التشبيه وإذا بان بما ذكرت أن هذا ~~الجنس إذا قلبت عن سره ونقرت عن خبيئه فمحصوله أنك تدعى حدوث شيء هو من ~~الجنس المذكور إلا انه اختص بصفة غريبة وخاصية بعيدة لم يكن يتوهم جوازها ~~على ذلك الجنس كأنك تقول ما كنا نعلم أن ههنا بدرا هذه صفته كان تقدير ~~التشبيه فيه نقضا لهذا الغرض لأنه لا معنى لقولك اشبه ببدر حدث خلاف البدور ~~ما كان يعرف # وهذا موضع لطيف جدا لا تنتصف منه إلا باستعانة الطبع عليه ولا يمكن توفية ~~الكشف فيه حقه بالعبارة لدقة مسلكه ويتصل به أن في الاستعارة الصحيحة مالا ~~يحسن دخول كلم التشبيه عليه وذلك إذا قوى الشبه بين الأصل والفرع حتى يتمكن ~~الفرع في النفس بمداخله ذلك الأصل والاتحاد به وكونه إياه وذلك في نحو ~~النور إذا استعير للعلم والإيمان PageV01P288 والظلمة للكفر والجهل فهذا ~~النحو لتمكنه وقوة شبهه ومتانة سببه قد صار كأنه حقيقة ولا يحسن لذلك أن ~~تقول في العلم كأنه نور وفي الجهل كأنه ظلمة ولا تكاد تقول للرجل في هذا ~~الجنس كأنك قد أوقعتني في ظلمة بل تقول أوقعتنى ms183 في ظلمة وكذلك الأكثر على ~~الألسن والأسبق إلى القلوب أن تقول فهمت المسالة فانشرح صدري وحصل في قلبي ~~نور ولا تقول كان نورا حصل في قلبي ولكن إذا تجاوزت هذا النوع إلى نحو قولك ~~سللت منه سيفا على الأعداء وجدت كأن حسنة هناك كثيرا كقولك بعثته إلى العدو ~~فكأني سللت سيفا وكذلك في نحو زيد اسد كان زيدا أسد وهكذا يتدرج الحكم فيه ~~حتى كلما كان مكان الشبه بين الشيئين أخفى واغمض وابعد من العرف كان ~~الإتيان بكلمة التشبيه أبين وأحسن واكثر في الاستعمال # ومما يجب أن تجعله على ذكر منك ابدا وفيه البيان الشافي أن بين القسمين ~~تباينا شديدا أعنى بين قولك زيد اسد وقولك رأيت أسدا وهو ما قدمته لك من ~~انك قد تجد الشيء يصلح في نحو زيد أسد حيث يذكر المشبه باسمه أولا ثم يجري ~~اسم المشبه به عليه ولا يصلح في القسم الآخر الذي لا يذكر فيه المشبه أصلا ~~وتطرحه ومن الامثلة البينه في ذلك قول أبي تمام # ( وكان المطل في بدء وعود % دخانا للصنيعة وهي نار ) قد شبه المطل ~~بالدخان والصنيعة بالنار ولكنه صرح بذكر المشبه وأوقع PageV01P289 المشبه ~~به خبرا عنه وهو كلام مستقيم ولو سلكت به طريقة ما يسقط فيه ذكر المشبه ~~فقلت مثلا أقبستني نارا لها دخان كان ساقطا ولو قلت أقبستني نورا أضاء أفقي ~~به تريد علما كان حسنا حسنه إذا قلت علمك نور في افقي والسبب في ذلك أن ~~اطراح ذكر المشبه والاقتصار على اسم المشبه به وتنزيله منزلته وإعطاءه ~~الخلافة على المقصود إنما يصح إذا تقرر الشبه بين المقصود وبين ما تستعير ~~اسمه له وتستنيبه في الدلالة وقد تقرر في العرف الشبه بين النور والعلم ~~وظهر واشتهر كما تقرر الشبه بين المرأة والظبية وبينها وبين الشمس ولم ~~يتقرر في العرف شبه بين الصنيعة والنار وإنما هو شىء يضعه الآن أبو تمام ~~ويتحمله ويعمل في تصويره فلابد له من ذكر المشبه والمشبه به جميعا حتى يعقل ~~عندما يريده ويبين الغرض ms184 الذي يقصده وإلا كان بمنزلة من يريد إعلام السامع ~~أن عنده رجلا هو مثل زيد في العلم مثلا فيقول له عندى زيد ويسومه أن يعقل ~~من كلامه أنه أراد أن يقول عندي رجل مثل زيد أو غيره من المعاني وذلك تكليف ~~علم الغيب فاعرف هذا الأصل وتبينه فإنك تزداد به بصيرة في وجوب الفرق بين ~~الضربين وذلك انهما لو كانا يجريان مجرى واحدا في حقيقة الاستعارة لوجب أن ~~يستويا في القضية حتى إذا استقام وضع الاسم في احدهما استقام وضعه في الآخر ~~فاعرفه PageV01P290 فإن قلت فما تقول في نحو قولهم لقيت به أسدا ورأيت به ~~ليثا فإنه مما لا وجه لتسميته استعارة ألا تراهم قالوا لئن لقيت فلانا ~~ليلقينك منه الأسد فأتوا به معرفة على حده إذا قالوا احذر الأسد وقد جاء ~~على هذه الطريقة مالا يتصور فيه التشبيه فيظن أنه استعارة وهو قوله عز وجل ~~( ^ لهم فيها دار الخلد ) والمعنى والله أعلم أن النار هي دار الخلد وأنت ~~تعلم أن لا معنى ههنا لأن يقال إن النار شبهت بدار الخلد إذ ليس المعنى على ~~تشبيه النار بشىء يسمى دار الخلد كما تقول في زيد إنه مثل الأسد ثم تقول هو ~~الأسد وإنما هو كقولك النار منزلهم ومسكنهم نعوذ بالله منها وكذا قوله # ( بأبي الظلامة منه النوفل الزفر % ) # المعنى على أنه النوفل الزفر وليس النوفل الزفر باسم لجنس غير جنس ~~الممدوح كالأسد فيقال إنه شبه الممدوح به وإنما هو صفة كقولك هو الشجاع وهو ~~السيد وهو النهاض بأعباء السيادة وكذا قوله # ( يا خير من يركب المطى ولا % يشرب كأسا بكف من بخلا ) # لا يتصور فيه التشبيه وإنما المعنى أنه ليس ببخيل # هذا وإنما يتصور الحكم على الاسم بالاستعارة إذا جرى بوجه على ما يدعى ~~أنه مستعار له والاسم في قولك لقيت به أسدا ولقبني منه الأسد لا يتصور جريه ~~على المذكور بوجه لأنه ليس بخبر عنه ولا صفة له ولا حال وإنما هو بنفسه ~~مفعول لقيت وفاعل لقيني ولو جاز ms185 أن يجرى الاسم ههنا مجرى الاستعارة ~~المتناولة المستعار له لوجب أن يقول في قوله PageV01P291 # ( حتى إذا جن الظلام واختلط % جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط ) # إنه استعار اسم الذئب للمذق وذلك بين الفساد وكذا نحو قوله # ( نبئت أن أبا قابوس اوعدني % ولا قرار على زأر من الأسد ) # لا يكون استعارة وإن كنت تجد من يفهم البيت قد يقول أراد بالأسد النعمان ~~أو شبهه بالأسد لأن ذلك بيان للغرض فأما القضية الصحيحة وما يقع في نفس ~~العارف ويوحيه نقد الصيرف فإن الأسد واقع على حقيقته حتى كأنه قال ولا قرار ~~على زأر هذا الأسد وأشار إلى الأسد خارجا من عرينه مهددا موعدا بزئيره وأي ~~وجه للشك في ذلك وهو يؤدى إلى أن يكون الكلام على حد قولك ولا قرار على زأر ~~من هو كالأسد وفيه من إلعى والفجاجة شيء غير قليل # هذا ومن حق غالط غلط في نحو ما ذكرت على قلة عذره أن لا يغلط في قول ~~الفرزدق # ( هذا ومن حق غالط غلط في نحو ما ذكرت على قلة عذرة أن لا يغلط في قول ~~الفرزدق # ( قياما ينظرون إلى سعيد % كأنهم يرون به هلالا ) # ولا يتوهم أن هلالا إستعارة لسعيد لأن الحكم على الأسم بالإستعارة مع ~~وجود التشبيه الصريح محال جار مجرى أن يكون كل إسم دخل عليه كاف التشبيه ~~مستعارا وإذا لم يغلط في هذا فالباقي بمنزلته فاعرفه PageV01P292 # | فصل في الاتفاق في الأخذ والسرقة والاستمداد والاستعانة # اعلم أن الشاعرين إذا اتفقا لم يخل ذلك من أن يكون في الغرض على الجملة ~~والعموم أو في وجه الدلالة على الغرض والاشتراك في الغرض على العموم أن ~~يقصد كل واحد منهما وصف ممدوحه بالشجاعة والسخاء أو حسن الوجه والبهاء أو ~~وصف فرسه بالسرعة أو ما جرى هذا المجرى وأما وجه الدلالة على الغرض فهو أن ~~يذكر ما يستدل به على اثباته له الشجاعة والسخاء مثلا وذلك ينقسم أقساما ~~منها التشبيه بما يوجد هذا الوصف فيه على الوجه البليغ والغاية البعيدة ~~كالتشبيه بالأسد ms186 وبالبحر في البأس والجود وبالبدر والشمس في الحسن والبهاء ~~والإنارة والإشراق ومنها ذكر هيآت تدل على الصفة من حيث كانت لا تكون إلا ~~فيمن له الصفة كوصف الرجل في حال الحرب بالابتسام وسكون الجوارح وقلة الفكر ~~كقوله # ( كأن دنانيرا على قسماتهم % وإن كان قد شف الوجوه لقاء ) # وكذلك الجواد يوصف بالتهلل عند ورود العفاة والارتياح لرؤية المحتدين ~~والبخيل بالعبوس والقطوب وقلة البشر مع سعة ذات اليد ومساعدة الدهر ~~PageV01P293 # فأما الاتفاق في عموم الغرض فما لا يكون الاشتراك فيه داخلا في الأخذ ~~والسرقة والاستمداد والاستعانة لا ترى من به حس يدعى ذلك ويأبى الحكم بأنه ~~لا يدخل في باب الآخذ وإنما يقع الغلط من بعض من لا يحسن التحصيل ولا ينعم ~~التأمل فيما يؤدى إلى ذلك حتى يدعى عليه في المحاجة انه بما قاله قد دخل في ~~حكم من يجعل أحد الشاعرين عيالا على الآخر في تصور معنى الشجاعة وأنها مما ~~يمدح به وان الجهل مما يذم به فأما أن يقوله صريحا ويرتكبه قصدا فلا # وأما الاتفاق في وجه الدلالة على الغرض فيجب أن ينظر فإن كان مما اشتراك ~~الناس في معرفته وكان مستقرا في العقول والعادات فإن حكم ذلك وإن كان خصوصا ~~في المعنى حكم العموم الذي تقدم ذكره من ذلك التشبيه بالأسد في الشجاعة ~~وبالبحر في السخاء وبالبدر في النور والبهاء وبالصبح في الظهور والجلاء ~~ونفى الالتباس عنه والخفاء وكذلك قياس الواحد في خصلة من الخصال على ~~المذكور بذلك والمشهور به والمشار إليه سواء كان ذلك ممن حضرك في زمانك أو ~~كان ممن سبق في الأزمنة الماضية والقرون الخالية لأن هذا مما لا يختص ~~بمعرفته قوم دون قوم ولا يحتاج في العلم به إلى روية واستنباط وتدبر وتأمل ~~وإنما هو في حكم الغرائز المركوزة في النفوس والقضايا التي وضع العلم بها ~~في القلوب # وإن كان مما ينتهي إليه المتكلم بنظر وتدبر ويناله بطلب واجتهاد ولم يكن ~~كالأول في حضوره إياه وكونه في حكم ما يقابله الذي لا معاناة عليه ms187 فيه ولا ~~حاجة به إلى المحاولة والمزاولة والقياس والمباحثة والاستنباط PageV01P294 ~~والاستنارة بل كان من دونه حجاب يحتاج إلى خرقة بالنظر وعليه كم يفتقر إلى ~~شقة بالتفكر وكان درا في قعر بحر لا بد له من تكلف الغوص لليه وممتنعا في ~~شاهق لا يناله إلا بتجشم الصعود إليه وكامنا كالنار في الزند لا يظهر حتى ~~يقتدحه ومشابكا لغيره كعروق الذهب التي لا تبدى صفحتها بالهوينا بل تنال ~~بالحفر عنها وبعرق الجبين في طلب التمكن منها نعم إذا كان هذا شأنه وههنا ~~مكانه وبهذا الشرط يكون امكانه فهو الذي يجوز أن يدعى فيه الاختصاص والسبق ~~والتقدم والأولية وان يجعل فيه سلف وخلف ومفيد ومستفيد وأن يقضى بين ~~القائلين فيه بالتفاضل والتباين وان أحدهما فيه أكمل من الآخر وأن الثاني ~~زاد على الأول ونقص عنه وترقى إلى غاية أبعد من غايته أو انحط إلى منزلة هي ~~دون منزلته # واعلم أن ذلك الأول وهو المشترك العامي والظاهر الجلي والذي قلت إن ~~التفاضل لا يدخله والتفاوت لا يصح فيه إنما يكون كذلك منه ما كان صريحا ~~ظاهرا لم تلحقه صنعة وساذجا لم يعمل فيه نقش فأما إذا ركب عليه معنى ووصل ~~به لطيفة ودخل إليه من باب الكناية والتعريض والرمز والتلويح فقد صار بما ~~غير من طريقته واستؤنف من صورته واستجد له من المعرض وكسى من ذلك التعرض ~~داخلا في قبيل الخاص الذي يملك بالفكرة والتعمل ويتوصل إليه بالتدبر ~~والتأمل PageV01P295 # وذلك كقولهم وهم يريدون التشبيه سلبن الظباء العيون كقول بعض العرب # ( سلبن ظباء ذى نفر طلاها % ونجل الأعين البقر الصوارا ) # وكقوله # ( إن السحاب لتستحي إذا نظرت % إلى نداك فقاسته بما فيها ) # وكقوله # ( لم تلق هذا الوجه شمس نهارها % إلا بوجه ليس فيه حياء ) # وكقوله # ( واهتز في درع الندى فتحركت % حركات غصن البانة المتأود ) # وكقوله # ( فأقصيت من قرب إلى ذي مهابة % اقابل بدر الأفق حين أقابله ) # ( إلى مسرف في الجود لو أن حاتما % لديه لأمسى حاتم وهو عاذله ) # فهذا كله في أصله ومغزاه وحقيقة معناه تشبيه ms188 ولكن كنى لك عنه وخودعت فيه ~~وأتيت به من طريق الخلابة في مسلك السحر ومذهب التخييل فصار لذلك غريب ~~الشكل بديع الفن منيع الجانب لا يدين لكل أحد يأبى العطف لا يدين به إلا ~~للمروى المجتهد وإذا حققت النظر فالخصوص الذي تراه والحالة التي تراها تنفى ~~الاشتراك وتاباه إنما هما من أجل انهم جعلوا التشبيه مدلولا عليه بأمر آخر ~~ليس هو من قبيل الظاهر المعروف بل هو في حد لحن القول والتعمية اللذين ~~يتعمد فيهما PageV01P296 # إلى إخفاء المقصود حتى يصير المعلوم اضطرارا يعرف امتحانا واختبارا كقوله # ( مررت بباب هند فكل متنى % فلا والله ما نطقت بحرف ) # فكما يوهمك باتفاق اللظ أنه أراد الكلام وان الميم موصولة باللام كذلك ~~المشبه إذا قال سرقن الظباء العيون فقد أوهم ان ثم سرقة وأن العيون منقولة ~~إليها من الظباء وإن كنت تعلم إذا نظرت أنه يريد أن يقول إن عيونها كعيون ~~الظباء في الحسن والهيئة وفترة النظر وكذلك يوهمك بقوله إن السحاب لتستحيى ~~إن السحاب حي يعرف ويعقل وأنه يقيس فيضه بفيض كف الممدوح فيخزى ويخجل ~~فالاحتفال والصنعة في التصويرات التي تروق السامعين وتروعهم والتخيلات التي ~~تهز الممدوحين وتحركهم وتفعل فعلا شبيها بما يقع في نفس الناظر إلى ~~التصاوير التي يشكلها الحذاق بالتخطيط والنقش أو بالنحت والنقر فكما أن تلك ~~تعجب وتخلب وتروق وتونق وتدخل النفس من مشاهدتها حالة غريبة لم تكن قبل ~~رؤيتها ويغشاها ضرب من الفتنة لا ينكر مكانه ولا يخفى شأنه فقد عرفت قضية ~~الأصنام وما عليه أصحابها من الافتتان بها والإعظام لها كذلك حكم الشعر ~~فيما يصنعه من الصور ويشكله من البدع ويوقعه في النفوس من المعاني التي ~~يتوهم بها الجامد الصامت في صورة الحي الناطق والموات الأخرس في قضية ~~الفصيح المعرب والمبين المميز والمعدوم المفقود في حكم الموجود المشاهد كما ~~قدمت القول عليه في باب التمثيل حتى يكسب الدنى رفعة والغامض القدر نباهة # وعلى العكس يغض من شرف الشريف ويطأ من قدر ذي العزة PageV01P297 المنيف ~~ويظلم الفضل ويتهضمه ويخدش ms189 وجه الجمال ويتخونه ويعطى الشبهة سلطان الحجة ~~ويرد الحجة إلى صيغة الشبهة ويصنع من المادة الخسيسة بدعا يغلو في القيمة ~~ويعلو ويفعل من قلب الجواهر وتبديل الطبائع ما ترى به الكيمياء وقد صحت ~~ودعوى الإكسير وقد وضحت إلا انها روحانيه تتلبس بالأوهام والأفهام دون ~~الإجسام والأجرام وكذلك قال # ( يرى حكمة ما فيه وهو فكاهة % ويقضى بما يقضى به وهو ظالم ) # وقال # ( عليم بإبدال الحروف وقامع % لكل خطيب يقمع الحق باطلة ) # وقال ابن سكرة فأحسن # ( والشعر نار بلا دخان % وللقوافي رقى لطيفة ) # ( لو هجى المسك وهو أهل % لكل مدح لصار جيفة ) # ( كم من معتل في المحل سام % هوت به احرف خفيفة ) # وقد عرفت ما كان سبيله من أهي القبيلة الذين كانوا يعيرون بأنف الناقة ~~حين قال الحطيئة # ( قوم هم الأنف والأذناب غيرهم % ومن يسوى بأنف الناقة الذنبا ) # فنفى العار ووضح الافتخار وجعل ما كان نقصا وشينا فضلا وزينا وما كان ~~لقبا ونبزا يسوء السمع شرفا وعزا يرفع الطرف وما ذاك إلا بحسن الانتزاع ~~ولطف القريحة الصناع والذهن الناقد في دقائق PageV01P298 # الإحسان والإبداع كما كساهم الجمال من حيث كانوا عروا منه وأثبتهم في ~~نصاب الفضل من حيث نفوا عنه فلرب أنف سليم قد وضع الشعر عليه حده فجدعه ~~واسم رفيع قلب معناه حتى حط به صاحبه ووضعه كما قال # ( يا حاجب الوزراء إنك عندهم % سعد ولكن أنت سعد الذابح ) # ومن العجب في ذلك قول القائل في كثير بن أحمد # ( لو علم الله فيه خيرا % ما قال لا خير في كثير ) # فانظر من إي مدخل دخل عليه وكيف بالهوينا هدى البلاء إليه وكثير هذا هو ~~الذي يقول فيه الصاحب ومثل كثير في الزمان قليل فقد صار الاسم الواحد وسيلة ~~إلى الهدم والبناء والمدح والهجاء وذريعة إلى التزيين والتهجين # ومن عجيب ما اتفق في هذا الباب قول ابن المعتز في ذم القمر واجتراؤه ~~بقدرة البيان على تقبيحه وهو الأصل والمثل وعليه الاعتماد والمعول في تحسين ~~كل حسن وتزيين كل مزين وأول ما يقع في ms190 النفوس إذ أريد المبالغة في الوصف ~~بالجمال والبلوغ فيه غاية الكمال فيقال وجه كأنه القمر وكأنه فلقة قمر ذلك ~~لثقته بأن هذا القول إذا شاء سحر وقلب الصور وأنه لا يهاب أن يخرق الإجماع ~~ويسحر العقول ويقتسر الطباع وهو # ( يا سارق الأنوار من شمس الضحى % يا مشكلي طيب الكرى ومنغصي ) # ( أما ضياء الشمس فيك فناقص % وأرى حرارة نارها لم تنقص ) # ( لم يظفر التشبيه منك بطائل % متسلخ بهقا كلون الأبرص ) PageV01P299 # وقد علم أنه ليس في الدنيا مثله أخزى وأشنع ونكال أبلغ وأفظع ومنظر أحق ~~بأن يملأ النفوس إنكارا وتنزعج القلوب استفظاعا له واستنكارا ويغرى الألسنة ~~بالاستعاذة من سوء القضاء ودرك الشقاء من أن يصلب المقتول ويشبح في الجذع ~~ثم قد ترى مرثية أبي الحسن لابن بقية حين صلب وما صنع فيها من السحر حتى ~~قلب جملة ما يستنكر من أحوال المصلوب إلى خلافها وتأول فيها تأويلات أراك ~~فيها وبها ما يقضى منه العجب # ( علو في الحياة وفي الممات % بحق أنت إحدى المعجزات ) # ( كأن الناس حولك حين قاموا % وفود ندك أيام الصلات ) # ( كأنك قائم فيهم خطيب % وكلهم قيام للصلاة ) # ( مددت يديك نحوهم احتفاء % كمدهما إليهم بالهبات ) # ( ولما ضاق بطن الأرض عن أن % يضم علاك من بعد الممات ) # ( اصاروا الجو قترك واستنابوا % عن الاكفان ثوب السافيات ) # ( لعظمك في النفوس تبيت ترعى % بحراس وحفاظ ثقات ) # ( وتشعل عندك النيران ليلا % كذلك كنت أيام الحياة ) # ( ركبت مطية من قبل زيد % علاها في السنين الماضيات ) # ( وتلك فضيلة فيها تأس % تباعد عنك تعيير العداة ) # ( أسأت إلى الحوادث فاستثارت % فأنت قتيل ثأر النائبات ) PageV01P300 # ( ولو أنى قدرت على قيامي % بفرضك والحقوق والواجبات ) # ( ملأت الأرض من نظم القوافي % ونحت بها خلال النائحات ) # ( ولكنى أصبر عنك نفسي % مخافة أن أعد من الجناة ) # ( وما لك تربة فأقول تسقى % لأنك نصب هطل الهاطلات ) # ( عليك تحية الرحمن تترى % برحمات غواد رائحات ) # ومما هو من هذا الباب إلا أنه مع ذلك احتجاج عقلي صحيح قول المتنبي # ( وما التأنيث لاسم الشمس عيب % ولا التذكير فخر للهلال ) # فحق ms191 هذا أن يكون عنوان هذا الجنس وفي صدر صحيفته وطرازا لديباجته لأنه ~~دفع النقص وإبطال له من حيث يشهد العقل للحجة التي نطق بها بالصحة وذلك أن ~~الصفات الشريفة شريفة بأنفسها وليس شرفها من حيث الموصوف وكيف والأوصاف سبب ~~التفاضل بين الموصوفات فكان الموصوف شريفا أو غير شريف من حيث الصفة ولم ~~تكن الصفة شريفة أو خسيسة من حيث الموصوف وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا ~~يعترض على الصفات الشريفة بشيء إن كان نقصا فهو في خارج منها وفيما لا يرجع ~~إليها أنفسها ولا حقيقتها وذلك الخارج ههنا هو كون الشخص على صورة دون صورة ~~وإذا كان كذلك كان الأمر فمقدار ضرر التأنيث إذا وجد في الخلقة على الأوصاف ~~الشريفة مقداره إذا وجد في الاسم الموضوع للشيء الشريف لأنه في أن لا تأثير ~~له من طريق العقل في تلك الأوصاف في الحالين على صورة واحدة لأن الفضائل ~~التي بها فضل الرجل على المرأة لم تكن فضائل لأنها قارنت صورة التذكير ~~وخلقته ولا أوجبت ما أوجبت من التعظيم لاقترانها بهذه الخلقة دون تلك بل ~~PageV01P301 # إنما أوجبته لأنفسها ومن حيث هي كما ان الشيء لم يكن شريفا أو غير شريف ~~من حيث أنث اسمه أو ذكر بل يثبت الشرف وغير الشرف للمسميات من حيث أنفسها ~~وأوصافها لا من حيث أسماؤها لاستحالة أن يتعدى من لفظ هو صوت مسموع نقص أو ~~فضل إلى ما جعل علامة له فاعرفه # واعلم أن هذا هو الصحيح في تفسير هذا البيت والطريقة المستقيمة في ~~الموازنة بين تأنيث الخلقة وتأنيث الاسم لا أن يقال إن المعنى أن المرأة ~~إذا كانت في كمال الرجل من حيث العقل والفضل وسائر الخلال الممدوحة كانت من ~~حيث المعنى رجلا وان عدت في الظاهر امرأة لأجل أنه يفسد من وجهين أحدهما ~~أنه قال ولا التذكير فخر للهلال ومعلوم أنه لا يريد أن يقول أن الهلال وأن ~~ذكر في لفظه فهو مؤنث في المعنى لفساد ذلك ولأجل أنه إن كان يريد أن يضرب ms192 ~~تأنيث اسم الشمس مثلا لتأنيث المؤنثة على معنى أنها في المعنى رجل وان يثبت ~~لها تذكيرا فأى معنى لأن يعود فينحنى على التذكير ويغض منه ويقول إنه ليس ~~بفخر للهلال هذا بين التناقض PageV01P302 # | فصل في حدى الحقيقة والمجاز # واعلم ان كل واحد من وصفي المجاز والحقيقة إذا كان الموصوف به الفرد غير ~~حده إذا كان موصوفا به الجملة وإنا نحدهما في المفرد كل كلمة أريد بها ما ~~وقعت له في وضع واضع وإن شئت قلت في مواضعه وقوعا لا يستند فيه إلى غيره ~~فهي حقيقة وهذه عبارة تنتظم الوضع الأول وما تأخر عنه كلغة تحدث في قبيلة ~~من العرب أو في جميع العرب أو في جميع الناس مثلا أو تحدث اليوم ويدخل فيها ~~الأعلام منقولة كانت كزيد وعمرو أو مرتجلة كغطفان وكل كلمة استؤنف بها على ~~الجملة مواضعة أو ادعى الاستئناف فيها # وإنما اشترطت هذا كله لأن وصف اللفظه بأنها حقيقة أو مجاز حكم فيها من ~~حيث أن لها دلالة على الجملة لا من حيث هي عربية أو فارسية أو سابقة في ~~الوضع أو محدثة مولدة فمن حق الحد أن يكون بحيث يجرى في جميع الألفاظ ~~الدالة ونظير هذا نظير أن تضع حدا للاسم والصفة في أنك تضعه بحيث لو اعتبرت ~~به لغة غير لغة العرب وجدته يجرى فيها جريانه في العربية لأنك تحد من جهة ~~لا اختصاص لها بلغة دون لغة ألا ترى أن حدك الخبر بأنه ما احتمل الصدق ~~والكذب مما لا يخص لسانا دون لسان ونظائر ذلك كثيرة وهو أحد ما غفل عنه ~~الناس ودخل عليهم اللبس فيه حتى ظنوا أنه ليس لهذا العلم قوانين عقليه وأن ~~مسائلة كلها مشبهة باللغة في كونها اصطلاحا يتوهم عليها النقل والتبديل ~~ولقد فحش غلطهم فيه وليس هذا موضع القول في ذلك # وإن أردت أن تمتحن هذا الحد فانظر إلى قولك الأسد تريد به PageV01P303 # السبع فإنك تراه يؤدى جميع شرائطه لأنك قد أردت به ما يعلم أنه وقع له في ~~وضع ms193 واضع اللغة وكذلك تعلم أنه غير مستند في هذا الوقوع إلى شيء غير السبع ~~أي لا يحتاج أن يتصور له أصل أداة إلى السبع من أجل التباس بينهما وملاحظة ~~وهذا الحكم إذا كانت الكلمة حادثة ولو وضعت اليوم متى كان وضعها كذلك وكذلك ~~الأعلام وذلك أنى قلت ما وقعت له في وضع واضع أو مواضعة على التنكير ولم ~~أقل في وضع الواضع الذي ابتدأى اللغة أو في المواضعة اللغوية فيتوهم أن ~~الأعلام أو غيرها مما تأخر وضعه عن أصل اللغة يخرج عنه ومعلوم أن الرجل ~~يواضع قومه في اسم ابنه فإذا سماه زيدا فحاله الآن فيه كحال واضع اللغة حين ~~جعله مصدرا لزاد يزيد وسبق واضع اللغة في وضعه للمصدر المعلوم لا يقدح في ~~اعتبارنا لأنه يقع عند تسميته به ابنه وقوعا باتا ولا تستند حاله هذه إلى ~~السابق من حاله بوجه من الوجوه # وأما المجاز فكل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين ~~الثاني والأول فهي مجاز وإن شئت قلت كل كلمة جزت بها ما وقعت له في وضع ~~الواضع إلى ما لم توضع له من غير أن تستأنف فيها وضعا لملاحظة بين ما تجوز ~~بها إليه وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها فهي مجاز ومعنى الملاحظة ~~هو أنها تستند في الجملة إلى غير هذا الذي تريده بها الآن إلا أن هذا ~~الاستناد يقوى ويضعف بيانه ما مضى من أنك إذا قلت رأيت أسدا تريد رجلا ~~شبيها بالأسد لم يشتبه عليك الأمر في حاجة الثاني إلى الأول إذ لا يتصور أن ~~يقع الأسد للرجل على هذا المعنى الذي أردته على التشبيه على حد المبالغة ~~وإيهام أن معنى من الأسد PageV01P304 # حصل فيه إلا بعد أن تجعل كونه اسما للسبع إزاء عينيك فهذا استناد تعلمه ~~ضرورة ولو حاولت دفعه عن وهمك حاولت محالا فمتى عقل فرع من غير أصل ومشبه ~~من غير مشبه به وكل ما طريقه التشبيه فهذا سبيله أعنى كل اسم جرى ms194 على الشيء ~~للاستعارة فالإسناد فيه قائم ضرورة # وأما ما عدا ذلك فلا يقوى استناده هذه القوة حتى لو حاول محاول أن ينكره ~~أمكنه في ظاهر الحال ولم يلزمه به خروج إلى المحال وذلك كاليد للنعمة لو ~~تكلف متكلف فزعم أنه وضع مستأنف أو في حكم لغة مفردة لم يمكن دفعه إلا برفق ~~وباعتبار خفي وهو ما قدمت من أنا رأيناهم لا يوقعون هذه اللفظة على ما ليس ~~بينه وبين هذه الجارحة التباس واختصاص ودليل آخر وهو أن اليد لا تكاد تقع ~~للنعمة إلا وفى الكلام إشارة إلى مصدر تلك النعمة وإلى المولى لها ولا تصلح ~~حيث تراد النعمة مجردة من إضافة لها إلى المنعم أو تلويح به بيان ذلك أن ~~تقول اتسعت النعمة في البلد ولا تقول اتسعت اليد في البلد وتقول اقتنى نعمه ~~ولا تقول اقتنى يدا وأمثال ذلك تكثر إذا تأملت وإنما يقال جلت يده عندي ~~وكثرت أياديه لدى فتعلم أن الأصل صنائع يده وفوائده الصادرة عن يده وآثار ~~يده ومحال أن تكون اليد اسما للنعمة هكذا على الإطلاق ثم لا تقع موقع ~~النعمة لو جاز ذلك لجاز أن يكون المترجم للنعمة باسم لها في لغة أخرى واضعا ~~اسمها من تلك اللغة في مواضع لا تقع النعمة فيها من لغة العرب وذلك محال # ونظير هذا قولهم في صفة راعى الإبل إن له عليها أصبعا أي أثرا حسنا ~~وأنشدوا PageV01P305 # ( ضعيف العصا بادي العروق ترى له % عليها إذا ما أجدب الناس أصبعا ) # وأنشد شيخنا رحمه الله مع هذا البيت قول الآخر صلب العصا بالضرب قد دماها ~~أي جعلها كالدمى في الحسن وكأن قوله صلب العصا وإن كان ضد قول الآخر ضعيف ~~العصا فإنهما يرجعان إلى غرض واحد وهو حسن الرعية والعمل بما يصلحها ويحسن ~~أثره عليها فأراد الأول يجعله ضعيف العصا أنه رفيق بها مشفق عليها لا يقصد ~~من حمل العصا ان يوجعها بالضرب من غير فائدة فهو يتخير ما لان من العصى ~~وأراد الثاني أنه جيد الضبط لها عارف ms195 بسياستها في الرعي يزجرها عن المراعى ~~التي لا تحمد ويتوخى بها ما تسمن عليه ويتضمن أيضا أنه يمنعها عن التشرد ~~والتبدد وأنها لما عرفت من شدة شكيمته وقوة عزيمته تنساق وتستوثق في الجهة ~~التي يريدها من غير أن يجدد لها في كل حال ضربا وقال آخر صلب العصا جاف عن ~~التغزل فهذا لم يبين ما بينه الآخر وأعود إلى الغرض # فأنت الآن لا تشك أن الأصبع مشار بها إلى أصبع اليد وأن وقوعها بمعنى ~~الأثر الحسن ليس على أنه وضع مستأنف في إحدى اللغتين ألا تراهم لا يقولون ~~رأيت أصابع الدار بمعنى آثار الدار وله أصبع حسنة وأصبع قبيحة على معنى أثر ~~حسن وأثر قبيح ونحو ذلك وإنما أرادوا أن يقولوا له عليها أثر حذق فدلوا ~~عليه بالأصبع لأن الأعمال الدقيقة لها اختصاص بالأصابع وما من حذق في عمل ~~يد إلا وهو مستفاد من حسن تصريف الأصابع PageV01P306 # واللطف في رفعها ووضعها كما يعلم في الخط والنقش وكل عمل دقيق وعلى ذلك ~~قالوا في تفسير قوله عز وجل ( ^ بلى قادرين على أن نسوى بنانه ) أي نجعلها ~~كخف البعير فلا تتمكن من الأعمال اللطيفة فكما علمت ملاحظة الأصبع لأصلها ~~وامتناع أن تكون مستأنفة بأنك رأيتها لا يصح استعمالها حيث يراد الأثر على ~~الإطلاق ولا يقصد الإشارة إلى حذق في الصنعة وأن تجعل أثر الأصبع أصبعا ~~كذلك ينبغي أن تعلم ذلك في اليد لقيام هذه العلة فيها أعنى إن لم تجعل أثر ~~اليد يدا لم تقع للنعمة مجردة من هذه الإشارات وحيث لا يتصور ذلك كقولنا ~~اقتنى نعمة فاعرفه # ويشبه هذا في أن عبر عن أثر اليد والأصبع باسمهما وضعهم الخاتم موضع ~~الختم كقولهم عليه خاتم الملك وعليه طابع من الكرم والمحصول أثر الخاتم ~~والطابع قال # ( وقلن حرام قد أحل بربنا % وتترك أموال عليها الخواتم ) # وكذا قول الآخر # ( إذا فضت خواتمها وفكت % يقال لها دم الودج الذبيح ) # وأما تقدير الشيخ أبى على في هذين البيتين حذف المضاف وتأويله على معنى ~~وتترك أموال عليها ms196 نقش الخواتم وإذا فض ختم خواتمها فبيان لما يقتضيه ~~الكلام في أصله دون أن يكون الأمر على خلاف ما ذكرت من جعل أثر الخاتم ~~خاتما وأنت إذا نظرت إلى الشعر من جهته الخاصة به وذقته بالحاسة المهيأة ~~لمعرفة طعمه لم تشك في ان الأمر على ما أشرت لك إليه ويدل على أن المضاف قد ~~وقع في المنسأة وصار كالشريعة المنسوخة تأنيث الفعل في قوله PageV01P307 # إذا فضت خواتما ولو كان حكمه باقيا لذكرت الفعل كما تذكره مع الإظهار ~~ولاستقصاء هذا موضع آخر # وينظر إلى هذا المكان قولهم ضربته سوطا لأنهم عبروا عن الضربة التي هي ~~واقعة بالسوط باسمه وجعلوا أثر السوط سوطا ويعلم على ذلك أن تفسيرهم له ~~بقولهم إن المعنى ضربته ضربه بسوط بيان لما كان عليه الكلام في أصله وأن ~~ذلك قد نسى ونسخ وجعل كأن لم يكن فاعرفه # وأما إذا أريد باليد القدرة فهي إذن أحن إلى موضعها الذي بدئت منه واضبت ~~بأصلها لأنك لا تكاد تجدها تراد معها القدرة إلا والكلام مثل صريح ومعنى ~~القدرة منتزع من اليد مع غيرها أو هناك تلويح بالمثل فمن الصريح قولهم فلان ~~طويل اليد يراد فضل القدرة فأنت لو وضعت القدرة ههنا في موضع اليد أحلت كما ~~أنك لو حاولت في قول النبي وقد قالت له نساؤه أيتنا أسرع لحاقا بك يا رسول ~~الله فقال أطولكن يدا يريد السخاء والجود وبسط اليد بالبذل إن تضع موضع ~~اليد شيئا مما أريد بهذا الكلام خرجت عن المعقول وذلك أن الشبه مأخوذ من ~~مجموع الطول واليد مضافا ذلك إلى هذه وطلبه من اليد وحدها طلب الشيء على ~~غير وجهه # ومن الظاهر في كون الشبه مأخوذا ما بين اليد وغيرها قوله تعالى ( ^ يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) المعنى على أنهم ~~PageV01P308 # أمروا باتباع الأمر فلما كان المتقدم بين يدي الرجل خارجا عن صفة المتابع ~~له ضرب له جملة هذا الكلام مثلا للأتباع في الأمر فصار النهى عن التقدم ~~متعلقا باليد نهيا ms197 عن ترك الأتباع فهذا مما لا يخفى على ذي عقل أنه لا تكون ~~فيه اليد بانفرارها عبارة عن شىء كما يتوهم أنها عبارة عن النعمة ومتناولة ~~لها كالوضع المستأنف حتى عن كأن لو لم تكن قط اسم جارحة وهكذا قول النبي ~~المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم ادناهم وهم يد على من سواهم المعنى ~~وإن كان على قولك وهم عون على من سواهم فلا تقول إن اليد بمعنى العون حقيقة ~~بل المعنى أن مثلهم مع كثرتهم في وجوب الاتفاق بينهم مثل اليد الواحدة فكما ~~لا يتصور أن يخذل بعض أجزاء اليد بعضا وأن تختلف بها الجهة في التصرف كذلك ~~سبيل المؤمنين في تعاضدهم عل المشركين لأن كلمة التوحيد جامعة لهم فلذلك ~~كانوا كنفس واحدة فهذا كله مما يعترف لك كل أحد فيه بأن اليد على انفرادها ~~لا تقع على شئ فيتوهم لها نقل من معنى إلى معنى على حد وضع الاسم واستئنافه # فأما ما تكون اليد فيه للقدرة على سبيل التلويح بالمثل دون التصريح حتى ~~ترى كثيرا من الناس يطلق القول أنها بمعنى القدرة ويجريها مجرى اللفظ يقع ~~لمعنيين فكقوله تعالى ( ^ والسموات مطويات بيمينه ) تراهم يطلقون أن اليمين ~~بمعنى القدرة ويصلون إليه قول الشماخ # ( إذا ما راية رفعت لمجد % تلقاها عرابة باليمين ) PageV01P309 # كما فعل أبو العباس في الكامل فإنه أنشد البيت ثم قال قال أصحاب المعاني ~~معناه بالقوة وقالوا مثل ذلك في قوله تعالى ( ^ والسموات مطويات بيمينه ) ~~وهذا منهم تفسير على الجملة وقصد إلى نفى الجارحة بسرعة خوفا على السامع من ~~خطرات تقع للجهال وأهل التشبيه جل الله وتعالى عن شبه المخلوقين ولم يقصدوا ~~إلى بيان الطريقة والجهة التي منها يحصل على القدرة والقوة وإذا تأملت علمت ~~أنه على طريقة المثل وكما أنا نعلم في صدر هذه الآية وهو قوله عز وجل ( ^ ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ) أن محصول المعنى على القدرة ثم لا نستجيز ~~ان نجعل القبضة اسما للقدرة بل نصير إلى القدرة من طريق التأويل والمثل ~~فنقول إن المعنى ms198 والله أعلم أن مثل الأرض في تصرفها تحت أمر الله وقدرته ~~وأنه لا يشذ شيء مما فيها عن سلطانه عز وجل مثل الشيء يكون في قبضة الآخذ ~~له مناو الجامع يده عليه كذلك حقنا أن نسلك بقوله ( ^ مطويات بيمينه ) هذا ~~المسلك فكان المعنى والله أعلم انه عز وجل يخلق فيها صفة الطي حتى ترى ~~كالكتاب المطوي بيمين الواحد منكم وخص اليمين لتكون أغلى وأفخم للمثل وإذا ~~كنت تقول الأمر كله لله فتعلم انه على سبيل أن لا سلطان لاحد دونه ولا ~~استبداد وكذلك إذا قلت للمخلوق الأمر بيدك أردت المثل وأن الأمر كالشيء ~~يحصل في يده من حيث لا يمتنع عليه فما معنى التوقف في أن اليمين مثل وليست ~~باسم للقدرة وكاللغة المستأنفة ومن أين يتصور ذلك وأنت لا تراها تصلح حيث ~~لا وجه للمثل والتشبيه فلا يقال هو عظيم اليمين بمعنى عظيم القدرة وقد عرفت ~~يمينك على هذا كما نقول عرفت قدرتك وهكذا شأن البيت إذا حسنت النظر وجدته ~~إذا لم تأخذه من طريق المثل PageV01P310 # ولم تأخذ مجموع المعنى من مجموع التلقي واليمين على حسد قولهم تقبله ~~بكلتا اليدين وكقوله # ( ولكن تلقت باليدين ضمانتي % وحل بفلج والقنافذ عودي ) # وقبل هذا البيت # ( لعمرك ما ملت ثواء ثويها % دليجة إذ ألقى مراسى مقعد ) # وهو يشكوك إلى طبع الشعر ورأيت المعنى يتألم ويتظلم وإن أردت ان تختبر ~~ذلك فقل # ( إذا ما راية رفعت لمجد % تناولها عرابة باليمين ) # ثم انظر هل تجد ما كنت تجد إن كنت ممن يعرف طبع الشعر ويفرق بين التفه ~~الذي لا يكون له طعم وبين الحلو اللذيذ ومما يبين ذلك من جهة العبارة أن ~~الشعر كما تعلم لمدح الرجل بالجود والسخاء لأنه سأل الشماخ عما أقدمه فقال ~~جئت لامتار فأوقر رواحله تمرا وبرا وأتحفه بغير ذلك # وإذا كان كذلك كان المجد الذي تطاول له ومد إليه يده من المجد الذي أراده ~~أبو تمام بقوله # ( توجع ان رأت جسمي نحيفا % كان المجد يدرك بالصراع ) # ولو كان في ذكر البأس ms199 والبطش وحيث تراد القوة والشدة لكان حمل اليمين على ~~صريح القوة أشبه وبان يقع منه في القلب معنى يتماسك اجدر فإن قال أراد ~~تلقاها بجد وقوة رغبة قيل فينبغي أن يضع اليمين في مثل هذه PageV01P311 # المواضع ومن التزم ذلك فالسكوت عنه أحسن وما زال الناس يقولون للرجل إذا ~~أرادوا حثه على الأمر وان يأخذ فيه بالجد أخرج يدك اليمنى وذاك أنها أشرف ~~اليدين وأقواهما والتي لا غناء للأخرى دونها فلا عنى إنسان بشيء إلا بدأ ~~بيمينه فهيأها لنيله ومتى ما قصدوا جعل الشيء في جهة العناية جعلوه في اليد ~~اليمنى وعلى ذلك قول البحتري # ( وإن يدي وقد أسندت أمري % إليه اليوم في يدك اليمين ) # أليه يعنى إلى يونس بن بغا وكان حظيا عند الممدوح وهو المعتز بالله ولو ~~ان قائلا قال # ( إذا ما راية رفعت لمجد % ومكرمة مددت لها اليمينا ) # لم تره عادلا باليمين عن الموضع الذي وضعها الشماخ فيه ولو أن هذا ~~التأويل منهم كان في قول سليمان بن قته العدوى # ( بنى تيم بن مرة إن ربى % كفاني أمركم وكفاكمونى ) # ( فحيوا ما بدا لكم فإنى % شديد الفرس للضغن الحرون ) # ( يعانى فقدكم أسد مدل % شديد الأسر يضبث باليمين ) # لكانوا أعذر فيه لأن المدح مدح بالقوة والشدة وعلى ذلك فإن اعتبار الأصل ~~الذي قدمت وهو أنك لا ترى اليمين حيث لا معنى لليد يقف بنا PageV01P312 # على الظاهر كأنه قال إذا ضبث ضبث باليمين # ومما يبين موضع بيت الشماخ إذا اعتبرت به قول الخنساء # ( إذا القوم مدوا بأيديهم % إلى المجد مد إليه يدا ) # ( فنال الذي فوق أيديهم % من المجد ثم مضى مصعدا ) # إذا رجعت إلى نفسك لم تجد فرقا بين أن يمد إلى المجد يدا وبين أن يتلقى ~~رايته باليمين وهذا إن أردت الحق أبين من أن تحتاج فيه إلى فضل قول إلا أن ~~هذا الضرب من الغلط كالداء الدوي حقه أن يستقصي في الكي عليه والعلاج منه ~~فجنايته على معاني ما شرف من الكلام عظيمة وهو مادة للمتكلفين في التأويلات ~~البعيدة ms200 والأقوال الشنيعة # ومثل من توقف في التفات هذه الأسامى إلى معانيها الأول وظن أنها مقطوعة ~~عنها قطعا يرفع الصلة بينها وبين ما جازت إليه مثل من إذا نظر في قوله ~~تعالى ( ^ ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ) فرأى المعنى على الفهم والعقل ~~أخذه ساذجا وقلبه غفلا وقال القلب ههنا بمعنى العقل وترك أن يأخذه من جهته ~~ويدخل إلى المعنى من طريق المثل فيقول انه حين لم ينتفع بقلبه ولم يفهم بعد ~~أن كان القلب للفهم جعل كأنه قد عدم القلب جملة وخلع من صدره خلعا كما جعل ~~الذي لا يعي الحكمة ولا يعمل الفكر فيما تدركه عينه وتسمعه أذنه كأنه عادم ~~للسمع والبصر وداخل في العمى والصمم ويذهب عن أن الرجل إذا قال قد غاب عنى ~~قلبي وليس يحضرني قلبي فإنه يريد أن يخيل إلى السامع انه قد فقد قلبه دون ~~أن يقول PageV01P313 غاب عنى علمي وعزب عقل وإن كان المرجع عند التحصيل إلى ~~ذلك كما انه إذا قال لم أكن ههنا يريد شدة غفلته عن الشيء فهو يضع كلامه ~~على تخييل أنه كان غاب هكذا بجملته وبذاته دون أن يريد الرجل الأخبار بان ~~علمه لم يكن هناك # وغرضي بهذا أن أعلمك أن من عدل عن الطريقة في الخفي أفضى به الأمر إلى أن ~~ينكر الجلي وصار من دقيق الخطأ إلى الجليل ومن بعض الانحراف إلى ترك السبيل ~~والذي جلب التخليط والخبط الذي تراه في هذا الفن أن الفرق بين أن يكون ~~التشبيه مأخوذا من الشيء وحده وبين أن يؤخذ ما بين شيئين وينتزع من مجموع ~~كلام هو كما عرفتك في الفرق بين الاستعارة والتمثيل من أن من القول ما تدخل ~~فيه الشبهة على الإنسان من حيث لا يعلم وهو من السهل الممتنع يريك أن قد ~~انقاد وبه اباء ويوهمك أن قد أثرت فيه رياضتك وبه بقية شماس # ومن خاصيته أنك لا تفرق فيه بين الموافق والمخالف والمعترف به والمنكر له ~~فانك ترى الرجل يوافقك في الشىء منه ms201 ويقر بأنه مثل حتى إذا صار إلى نظير له ~~خلط إما في أصل المعنى وإما في العبارة فالتخليط في المعنى كما مضى من تأول ~~اليمين على القوة وكذكرهم أن القلب في الآية بمعنى العقل ثم عدهم ذلك وجها ~~ثانيا والتخليط في العبارة كنحو ما ذكره بعضهم في قوله # ( هون عليك فإن الأمور % بكف الإله مقاديرها ) # فإنه استشهد به في تأويل خبر جاء في عظم الثواب على الزكاة إذا كانت ~~PageV01P314 من الطيب ثم قال الكف ههنا بمعنى السلطان والملك والقدرة قال ~~وقيل الكف ههنا بمعنى النعمة والخبر هو ما رواه أبو هريره عن النبي إن ~~أحدكم إذا تصدق بالتمرة من الطيب ولا يقبل الله إلا الطيب جعل الله ذلك في ~~كفه فيربيها كما يربى أحدكم فلوه حتى يبلغ بالتمرة مثل أحد ما يظن بمن نظر ~~في العربية يوما ان يتوهم أن الكف تكون على هذا الإطلاق وعلى الإنفراد ~~بمعنى السلطان والقدرة والنعمة ولكنه أراد المثل فأساء العبارة إلا أن من ~~سوء العبارة ما أثر التقصير فيه أظهر وضرره على الكلام أبين فاستقصاء هذا ~~الباب لا يتم حتى يفرد بكلام والوجه الرجوع إلى الغرض ويجب أن يعلم قبل ذلك ~~أن خلاف من خالف في اليد واليمين وسائر ما هو مجاز لا من طريق التشبيه ~~الصريح أو التمثيل لا يقدح فيما قدمت من حد الحقيقة والمجاز لأنه لا يخرج ~~في خلافه عن واحد من الاعتبارين فمتى جعل اليمين على انفرادها تفيد القوة ~~فقد جعلها حقيقة وأغناها عن أن تستند في دلالتها إلى شيء وإن اعترف بضرب من ~~المجاز إلى الحاجة والنظر إليها فقد وافق في أنها مجاز وكذا القياس في ~~الباب كله فاعرفه PageV01P315 # | فصل في المجاز العقلي والمجاز اللغوي والفرق بينهما # والذي ينبغي أن يذكر الآن حد الكلمة في الحقيقة والمجاز إلا أنك تحتاج أن ~~تعرف في صدر القول عليها ومقدمته أصلا وهو المعنى الذي من أجله اختصت ~~الفائدة بالجملة ولم تجز حصولها بالكلمة الواحدة كالاسم الواحد والفعل من ~~غير اسم يضم إليه ms202 والعلة في ذلك أن مدار الفائدة في الحقيقة على الإثبات ~~والنفي ألا ترى أن الخبر أول معاني الكلام وأقدمها والذي تستند سائر ~~المعاني إليه وتترتب عليه وهو ينقسم إلى هذين الحكمين وإذا ثبت ذلك فإن ~~الإثبات يقتضي مثبتا ومثبتا له ونحو أنك إذا قلت ضرب زيد أو زيد ضارب فقد ~~أثبت الضرب فعلا أو وصفا وكذلك النفي يقتضي منفيا ومنفيا عنه فإذا قلت ما ~~ضرب زيد ما زيد ضارب فقد نفيت الضرب عن زيد وأخرجته عن أن يكون فعلا له ~~فلما كان الأمر كذلك احتيج إلى شيئين يتعلق الإثبات والنفي بهما فيكون ~~احدهما مثبتا والآخر مثبتا له وكذلك يكون أحدهما منفيا والآخر منفيا عنه ~~فكان ذانك الشيئان المبتدأ والخبر والفعل والفاعل وقيل للمثبت وللمنفى مسند ~~وحديث وللمثبت له والمنفى عنه مسند إليه ومحدث عنه وإذا رمت الفائدة أن ~~تحصل لك من الاسم الواحد أو الفعل وحده صرت كأنك تطلب أن يكون الشيء الواحد ~~مثبتا ومثبتا له ومنفيا ومنفيا عنه وذلك محال # فقد حصل من هذا أن لكل واحد من حكمى الإثبات والنفي حاجة إلى تقييده ~~مرتين وتعلقه بشيئين تفسير ذلك أنك إذا قلت ضرب PageV01P316 # زيد فقد قصدت إثبات الضرب لزيد فقولك إثبات الضرب تقييد للإثبات بإضافته ~~إلى الضرب ثم لا يكفيك هذا التقييد حتى تقيده مرة أخرى فتقول إثبات الضرب ~~لزيد فقولك لزيد تقييد ثان وفى حكم إضافه ثانية وكما لا يتصور أن يكون ههنا ~~إثبات مطلق غير مقيد بوجه أعنى أن يكون إثباتا ولا مثبت له ولا شىء يقصد ~~بذلك الإثبات إليه لا صفة ولا حكم ولا موهوم بوجه من الوجوه كذلك لا يتصور ~~أن يكون ههنا إثبات مقيد تقييدا واحدا نحو إثبات شىء فقط دون أن تقول إثبات ~~شىء لشيء كما مضى من إثبات الضرب لزيد والنفي بهذه المنزلة فلا يتصور نفى ~~مطلق ولا نفى شيء فقط بل يحتاج إلى قيدين كقولك نفى شيء عن شيء # فهذه هي القضية المبرمة الثابتة التي تزول الراسيات ولا تزول ولا تنظر ms203 ~~إلى قولهم فلان يثبت كذا أي يدعى أنه موجود وينفى كذا أي يقضى بعدمه كقولنا ~~أبو الحسن يثبت مثال جحدب بفتح الدال وصاحب الكتاب ينفيه لأن الذي قصدته هو ~~الإثبات والنفي في الكلام # ثم اعلم أن في الإثبات والنفي بعد هذين التقييدين حكما آخر هو كتقييد ~~ثالث وذلك أن للإثبات جهة وكذلك النفي ومعنى ذلك أنك تثبت الشيء للشيء مرة ~~من جهة وأخرى من جهة غير تلك الأولى وتفسيره أنك تقول ضرب زيد فتثبت الضرب ~~فعلا لزيد وتقول مرض زيد فتثبت المرض وصفا له وهكذا سائر ما كان من أفعال ~~الغرائز والطباع وذلك في الجملة على مالا يوصف الإنسان بالقدرة عليه نحو ~~كرم وظرف وحسن وقبح وطال وقصر وقد يتصور في الشيء الواحد أن تثبته من ~~الجهتين PageV01P317 # جميعا وذلك في كل فعل دل على معنى يفعله الإنسان في نفسه نحو قام وقعد ~~إذا قلت قام زيد فقد أثبت القيام فعلا له من حيث تقول فعل القيام وأمرته ~~بأن يفعل القيام وأثبته أيضا وصفا له من حيث إن تلك الهيئه موجودة فيه وهو ~~في اكتسابه لها كالشخص المنتصب والشجرة القائمة على ساقها التي توصف ~~بالقيام لا من حيث كانت فاعلة له بل من حيث كان وصفا موجودا فيها # وإذ قد عرفت هذا الأصل فههنا أصل آخر يدخل في غرضنا وهو أن الأفعال على ~~ضربين متعد وغير متعد فالمتعدى على ضربين ضرب يتعدى إلى شيء هو مفعول به ~~كقولك ضربت زيدا زيدا مفعول به لأنك فعلت به الضرب ولم يفعله بنفسه وضرب ~~يتعدى إلى شيء هو مفعول على الإطلاق وهو في الحقيقة كفعل وكل ما كان مثله ~~في كونه عاما غير مشتق من معنى خاص كصنع وعمل وأوجد وأنشأ ومعنى قولي من ~~معنى خاص انه ليس كضرب الذي هو مشتق من الضرب أو أعلم الذي هو مأخوذ من ~~العلم وهكذا كل ما كان له مصدر ذلك المصدر في حكم جنس من المعاني فهذا ~~الضرب إذا أسند إلى شيء كان المنصوب له مفعول ms204 لذلك الشيء على الإطلاق كقولك ~~فعل زيد القيام فالقيام مفعول في نفسه وليس بمفعول به وأحق من ذلك أن تقول ~~خلق الله الأناسى وأنشأ العالم وخلق الموت والحياة المنصوب في هذا كله ~~مفعول مطلق لا تقييد فيه إذ من المحال أن يكون معنى خلق العالم PageV01P318 ~~فعل الخلق به كما تقول في ضربت زيدا فعلت الضرب بزيد لأن الخلق من خلق ~~كالفعل من فعل فلو جاز أن يكون المخلوق كالمضروب لجاز أن يكون المفعول نفسه ~~كذلك حتى يكون معنى فعل القيام فعل شيئا بالقيام وذلك من شنيع المحال # وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن الإثبات في جميع هذا الضرب أعنى فيما منصوبة ~~مفعول وليس مفعولا به يتعلق بنفس المفعول فإذا قلت فعل زيد الضرب كنت أثبت ~~الضرب فعلا لزيد وكذلك تثبت العالم في قولك خلق الله العالم خلقا لله تعالى ~~ولا يصح في شيء من هذا الباب أن تثبت المفعول وصفا البته وتوهم ذلك خطأ ~~عظيم وجهل نعوذ بالله منه # وأما الضرب الآخر وهو الذي منصوبة مفعول به فإنك تثبت فيه المعنى الذي ~~اشتق منه فعل فعلا للشيء كإثباتك الضرب لنفسك في قولك ضربت زيدا فلا يتصور ~~أن يلحق الإثبات مفعوله لأنه إذا كان مفعولا به ولم يكن فعلا لك استحال أن ~~تثبته فعلا وإثباته وصفا أبعد في الإحالة فأما قولنا في نحو ضربت زيدا أنك ~~أثبت زيدا مضروبا فإن ذلك يرجع إلى انك تثبت الضرب واقعا به منك فأما أن ~~تثبت ذات زيد لك فلا يتصور لأن الإثبات معنى لا بد له من جهة ولا جهة ههنا ~~وهكذا إذا قلت أحيا الله زيدا كنت في هذا الكلام مثبتا الحياة فعلا لله ~~تعالى في زيد فأما ذات زيد فلم تثبتها فعلا لله بهذا الكلام وإنما يتأتى لك ~~ذلك بكلام آخر نحو أن تقول خلق الله زيدا وأوجده وما شاكله كله مما لا يشتق ~~PageV01P319 # من معنى خاص كالحياة والموت ونحوهما من المعاني # وإذ قد تقررت هذه المسائل فينبغي أن تعلم أن من ms205 حقك إذا أردت أن تقضى في ~~الجملة بمجاز أو حقيقة أن تنظر إليها من جهتين # إحداهما أن تنظر إلى ما وقع بها من الإثبات أهو في حقه وموضعه أم قد زال ~~عن الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه # والثانية أن تنظر إلى المعنى المثبت أعنى ما وقع عليه الإثبات كالحياة في ~~قولك أحيا الله زيدا والشيب في قولك أشاب الله رأسي أثابت هو على الحقيقة ~~أم قد عدل به عنها وإذا مثل لك دخول المجاز على الجملة من الطريقين عرفت ~~إثباتها على الحقيقة منها # فمثال ما دخله المجاز من جهة الإثبات دون المثبت قوله # ( وشيب أيام الفراق مفارقي % وأنشرن نفسي فوق حيث تكون ) # وقوله # ( أشاب الصغير وأفنى الكبير % كر الغداة ومر العشى ) # ( المجاز واقع في اثبات الشيب فعلا للأيام ولكر الليالي وهو الذي أزيل عن ~~موضعه الذي ينبغي أن يكون فيه لأن من حق هذا الإثبات أعنى إثبات الشيب فعلا ~~أن لا يكون إلا مع أسماء الله تعالى فليس يصح وجود الشيب فعلا لغير القديم ~~سبحانه وقد وجه في البيتين كما ترى إلى الأيام والليالي وذلك مالا يثبت له ~~فعل بوجه لا الشيب ولا غير الشيب وأما المثبت فلم يقع فيه مجاز لأنه الشيب ~~وهو موجود كما ترى وهكذا إذا قلت سرني الخبر وسرني لقاؤك فالمجاز في ~~الإثبات دون المثبت لان المثبت هو السرور وهو حاصل على حقيقته # ومثال ما دخل المجاز في مثبته دون إثباته قوله عز وجل ( ^ أو من ~~PageV01P320 كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس ) وذاك أن ~~المعنى والله أعلم على أن جعل العلم والهدى والحكمة حياة للقلوب على حد ~~قوله ( ^ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) فالمجاز في المثبت وهو الحياة ~~فأما الإثبات فواقع على حقيقته لأنه ينصرف إلى أن الهدى والعلم والحكمة فضل ~~من الله وكائن من عنده ومن الواضح في ذلك قوله عز وجل ( ^ فأحيينا به الأرض ~~بعد موتها ) وقوله ( ^ إن الذي أحياها لمحيى الموتى ) جعل خضرة الأرض ~~ونضرتها وبهجتها بما ms206 يظهره الله تعالى فيها من النبات والأنوار والأزهار ~~وعجائب الصنع حياة لها فكان ذلك مجازا في المثبت من حيث جعل ما ليس بحياة ~~حياة على التشبيه فأما نفس الإثبات فمحض الحقيقة لأنه إثبات لما ضرب الحياة ~~مثلا له فعلا لله تعالى ولا حقيقة أحق من ذلك # وقد يتصور أن يدخل المجاز للجملة من الطريقين جميعا وذلك أن يشبه معنى ~~بمعنى وصفة بصفة فيستعار لهذه اسم تلك ثم تثبت فعلا لما لا يصح الفعل منه ~~أو فعل تلك الصفة فيكون أيضا في كل واحد من الإثبات والمثبت مجاز كقول ~~الرجل لصاحبه أحيتني رؤيتك يريد آنستني وسرتني ونحوه فقد جعل الأنس والمسرة ~~الحاصلة بالرؤية حياة أولا ثم جعل الرؤية فاعلة لتلك الحياة وشبيه به قول ~~المتنبي # ( وتحيى له المال الصوارم والقنا % ويقتل ما يحيى التبسم والجدا ) # جعل الزيادة والوفور حياة في المال وتفريقه في العطاء قتلا ثم أثبت ~~الحياة فعلا للصوارم والقتل فعلا للتبسم مع العلم بأن الفعل لا يصح منهما ~~ونوع منه أهلك الناس الدينار والدرهم جعل الفتنة هلاكا على المجاز ثم أثبت ~~الهلاك فعلا للدينار والدرهم وليسا مما يفعلان فاعرفه PageV01P321 # وإذ قد تبين لك المنهاج في الفرق بين دخول المجاز في الإثبات وبين دخوله ~~في المثبت وبين أن ينتظمهما وعرفت الصورة في الجميع فاعلم أنه إذا وقع في ~~الإثبات فهو متلقي من العقل فإذا عرض في المثبت فهو متلقي من اللغة فإن ~~طلبت الحجة على صحة هذه الدعوى فإن فيما قدمت من القول ما بينها لك ويختصر ~~لك الطريق إلى معرفتها وذلك أن الإثبات إذا كان من شرطه أن يقيد مرتين ~~كقولك إثبات شيء لشيء ولزم من ذلك أن لا يحصل إلا بالجملة التي هي تأليف ~~بين حديث ومحدث عنه ومسند ومسند إليه علمت أن مأخذه العقل وأنه القاضي فيه ~~دون اللغة لأن اللغة لم تأت لتحكم بحكم أو لتثبت وتنفى وتنقض وتبرم فالحكم ~~بأن الضرب فعل لزيد أو ليس بفعل له وأن المرض صفة له أو ليس بصفة له ms207 شيء ~~يضعه المتكلم ودعوى يدعيها وما يعترض على هذه الدعوى من تصديق أو تكذيب أو ~~اعتراف أو إنكار وتصحيح أو إفساد فهو اعتراض على المتكلم وليس اللغة في ذلك ~~بسبيل ولا منه في قليل ولا كثير # وإذا كان كذلك كان كل وصف يستحقه هذا الحكم من صحة وفساد وحقيقة ومجاز ~~واحتمال واستحالة فالمرجع فيه والوجه إلى العقل المحض وليس للغة فيه حظ فلا ~~تحلى ولا تمر والعربي فيه كالعجمي والعجمي كالتركي لأن قضايا العقول هن ~~القواعد والأسس التي يبنى غيرها عليها والأصول التي يرد ما سواها إليها # فأما إذا كان المجاز في المثبت كنحو قوله تعالى ( ^ فأحيينا به الأرض ) ~~فإنما كان مأخذه اللغة لأجل أن طريقه المجاز بأن أجرى اسم الحياة على ما ~~ليس بحياة تشبيها وتمثيلا ثم اشتق منها وهى في هذا التقدير الفعل الذي ~~PageV01P322 # هو أحيا واللغة هي التي اقتضت أن تكون الحياة اسما للصفة التي هي ضد ~~الموت فإذا تجوز في الاسم فأجرى على غيرها فالحديث مع اللغة فاعرفه # إن قال قائل في أصل الكلام الذي وضعته على أن المجاز يقع تارة في الإثبات ~~وتارة في المثبت وأنه إذا وقع في الإثبات فهو طالع عليك من جهة العقل ~~وبادلك من أفقه وإذا عرض في المثبت فهو آتيك من ناحية اللغة ما قولكم إن ~~سويت بين المسألتين وادعيت أن المجاز بينهما جميعا في المثبت وأنزل هكذا ~~فأقول الفعل الذي هو مصدر فعل قد وضع في اللغة للتأثير في وجود الحادث كما ~~أن الحياة موضوعة للصفة المعلومة فإذا قيل فعل الربيع النور جعل تعلق النور ~~في الوجود بالربيع من طريق السبب والعادة فعلا كما تجعل خضرة الأرض وبهجتها ~~حياة والعلم في قلب المؤمن نورا وحياة وإذا كان كذلك كان المجاز في أن جعل ~~ما ليس بفعل فعلا وأطلق اسم الفعل على غير ما وضع له في اللغة كما جعل ما ~~ليس بحياة حياة وأجرى اسمها عليه فإذا كان ذلك مجازا لغويا فينبغي أن يكون ~~هذا كذلك # فالجواب أن الذي ms208 يدفع هذه الشبهة أن تنظر إلى مدخل المجاز في المسألتين ~~فإن كان مدخلهما من جانب واحد فالأمر كما ظننت وإن لم يكن كذلك استبان لك ~~الخطأ في ظنك والذي يبين اختلاف دخوله فيهما أنك تحصل على المجاز في مسألة ~~الفعل بالإضافة لا بنفس الاسم فلو قلت اثبت النور فعلا لم تقع في مجاز لانه ~~فعل لله تعالى وإنما تصير إلى المجاز إذا قلت اثبت النور فعلا للربيع وأما ~~في مسألة الحياة فإنك تحصل على المجاز بإطلاق الاسم فحسب من غير إضافة ~~PageV01P323 # وذلك قولك اثبت بهجة الأرض حياة أو جعلها حياة أفلا ترى المجاز قد ظهر لك ~~في الحياة من غير أن أضفتها إلى شيء أي من غير أن قلت لكذا وهكذا إذا عبرت ~~بالنفي تقول في مسألة الفعل جعل ما ليس بفعل للربيع فعلا له وتقول في هذه ~~جعل ما ليس بحياة حياة وتسكت ولا تحتاج أن تقول جعلت ما ليس بحياة للأرض ~~حياة للأرض بل لا معنى لهذا الكلام لأنه يقتضي أنك أضفت حياة حقيقة إلى ~~الأرض وجعلتها مثلا تحيا بحياة غيرها وذلك بين الإحالة ومن حق المسائل ~~الدقيقة أن تتأمل فيها العبارات التي تجرى بين السائل والمجيب وتحقق فإن ~~ذلك يكشف عن الغرض ويبين جهة الغلط وقولك جعل ما ليس بفعل فعلا احتذاءا ~~لقولنا جعل ما ليس بحياة حياة لا يصح لأن معنى هذه العبارة أن يراد بالاسم ~~غير معناه لشبه يدعى أو شيء كالشبه لا أن يعطل الاسم من الفائدة فيراد بها ~~ما ليس بمعقول فنحن إذا تجوزنا في الحياة فأردنا بها العلم فقد اودعنا ~~الاسم معنى وأردنا به صفة معقولة كالحياة نفسها ولا يمكنك أن تشير في قولك ~~فعل الربيع النور إلى معنى تزعم أن لفظ الفعل ينقل عن معناه إليه فيراد به ~~حتى يكون ذلك المعنى معقولا منه كما عقل التأثير في الوجود وحتى تقول لم ~~أرد به التأثير في الوجود ولكن أردت المعنى الفلانى الذي هو شبيه به أو ~~كالشبيه أو ليس بشبيه مثلا ms209 إلا انه معنى خلف معنى آخر على الاسم إذ ليس ~~وجود النور بعقب المطر أو في زمان دون زمان فما يعطيك معنى في المطر أو في ~~الزمان فتؤديه بلفظ الفعل فليس إلا أن نقول لما كان النور لا يوجد إلا ~~بوجود الربيع توهم للربيع تأثير في وجوده فاثبت له ذلك اثبات الحكم أو ~~الوصف لما ليس له قضية عقلية لا تعلق لها في صحة وفساد باللغة فاعرفه ~~PageV01P324 # ومما يجب ضبطه في هذا الباب أن كل حكم يجب في العقل وجوبا حتى لا يجوز ~~خلافه فإضافته إلى دلالة اللغة وجعله مشروطا فيها محال لأن اللغة تجرى مجرى ~~العلامات والسمات ولا معنى للعلامة والسمة حتى يحتمل الشيء ما جعلت العلامة ~~دليلا عليه وخلافه فإنما كانت ما مثلا علما للنفي لأن ههنا نقيضا له وهو ~~الإثبات وهكذا إنما كانت من لما يعقل لأن ههنا مالا يعقل فمن ذهب يدعى أن ~~في قولنا فعل وصنع ونحوه دلالة من جهة اللغة على القادر فقد أساء من حيث ~~قصد الإحسان لأنه والعياذ بالله يقتضي جواز أن يكون ههنا تأثير في وجود ~~الحادث لغير القادر حتى يحتاج إلى تضمين اللفظ الدلالة على اختصاصه بالقادر ~~وذلك خطأ عظيم فالواجب أن يقال الفعل موضوع للتأثير في وجود الحادث في ~~اللغة والعقل قد قضى وبت الحكم بأن لا حظ في هذا التأثير لغير القادر وما ~~يقوله أهل النظر من أن من لم يعلم الحادث موجودا من جهة القادر عليه فهو لم ~~يعلمه فعلا لا يخالف هذه الجملة بل لا يصح حق صحته إلا مع اعتبارها وذلك أن ~~الفعل إذا كان موضوعا للتأثير في وجود الحادث وكان العقل قد بين بالحجج ~~القاطعة والبراهين الساطعة استحالة أن يكون لغير القادر تأثير في وجود ~~الحادث وأن يقع شيء مما ليس له صفة القادر فمن ظن الشىء واقعا من غير ~~القادر فهو لم يعلمه فعلا لأنه لا يكون مستحقا هذا الاسم حتى يكون واقعا من ~~غيره ومن نسب وقوعه إلى مالا يصح وقوعه منه ms210 ولا يتصور أن يكون له تأثير في ~~وجوده وخروجه من العدم فلم يعلمه واقعا من شيء البتة وإذا لم يعلمه واقعا ~~من شيء لم يعلمه فعلا كما أنه إذا لم يعلمه كائنا بعد إن لم يكن لم يعلمه ~~واقعا ولا حادثا فاعرفه PageV01P325 # واعلم أنك إن أردت أن ترى المجاز وقد وقع في نفس الفعل والخلق ولحقهما من ~~حيث هما لا اثباتهما وإضافتهما فالمثال في ذلك قولهم في الرجل يشفى على ~~هلكة ثم يتخلص منها هو إنما خلق الآن وإنما أنشىء اليوم وقد عدم ثم انشىء ~~نشأة ثانية وذلك أنك تثبت ههنا خلقا وإنشاء من غير أن يعقل ثابتا على ~~الحقيقة بل على تأويل وتنزيل وهو إن جعلت حالة اشفائه على الهلكة عدما ~~وفناء وخروجا من الوجود حتى أنتج هذا التقدير أن يكون خلاصه منها ابتداء ~~وجود وخلقا وإنشاء أفيمكنك أن تقول في نحو فعل الربيع النور بمثل هذا ~~التأويل فتزعم أنك أثبت فعلا وقع على النور من غير أن كان ثم فعل ومن غير ~~أن يكون النور مفعولا أو هو مما يتعوذ بالله منه وتقول الفعل واقع على ~~النور حقيقة وهو مفعول مجهول على الصحة إلا أن حق الفعل فيه أن يثبت لله ~~تعالى وقد تجوز بإثباته للربيع أفليس قد بان أن التجوز ههنا في إثبات الفعل ~~للربيع لا في الفعل نفسه فإن التجوز في مسئله المتخلص من الهلكة حيث قلت ~~إنه خلق مرة ثانية في الفعل لا في إثباته فلك كيف نظرت فرق بين المجاز في ~~الإثبات وبينه في المثبت وينبغى أن تعلم أن قولى في المثبت مجاز ليس مرادي ~~أن فيه مجازا من حيث هو مثبت ولكن المعنى أن المجاز في نفس الشيء الذي ~~تناوله الإثبات نحو إنك أثبت الحياة صفة للأرض في قوله تعالى ( ^ يحيى ~~الأرض بعد موتها ) والمراد غيرها فكان المجاز في نفس الحياة لا في إثباتها ~~هذا وإذا كان لا يتصور إثبات شيء لا لشيء استحال أن يوصف المثبت من حيث هو ~~مثبت بأنه مجاز ms211 أو حقيقة # ومما ينتهي في البيان إلى الغاية أن يقال للسائل هبك تغالطنا بان ~~PageV01P326 # مصدر فعل نقل أولا عن موضوعة في اللغة ثم اشتق منه فقل لنا ما نصنع ~~بالأفعال المشتقة من معاني خاصة كنسج وصاغ ووشى ونقش أتقول إذا قيل نسج ~~الربيع وصاغ الربيع ووشى أن المجاز في مصادر هذه الأفعال التي هي النسج ~~والوشى والصوغ أم تعرف أنه في إثباتها فعلا للربيع وكيف تقول إن في أنفسها ~~مجازا وهى موجودة بحقيقتها بل ماذا يغنى عنك دعوى المجاز فيها لو أمكنك ولا ~~يمكنك أن تقتصر عليها في كون الكلام مجازا أعنى لا تملك أن تقول إن الكلام ~~مجاز من حيث لم يكن إئتلاف تلك الأنوار نسجا ووشيا وتدع حديث نسبتها إلى ~~الربيع جانبا هذا وههنا مالا وجه لك لدعوى المجاز في صدور الفعل كقولك سرني ~~الخبر فإن السرور بحقيقته موجود والكلام مع ذلك مجاز وإذا كان كذلك علمنا ~~ضرورة أن ليس المجاز إلا في إثبات السرور فعلا للخير وإيهام أنه اثر في ~~حدوثه وحصوله ويعلم كل عاقل أن المجاز لو كان من طريق اللغة لجعل ما ليس ~~بالسرور سرورا فأما الحكم بأنه فعل للخير فلا يجرى في وهم أنه يكون من ~~اللغة بسبيل فاعرفه # فإن قال النسج فعل معنى وهو المضامة بين الأشياء وكذلك الصوغ فعل الصورة ~~في الفضة ونحوها وإذا كان كذلك قدرت أن لفظ الصوغ مجاز من حيث دل على الفعل ~~والتأثير في الوجود حقيقة من حيث دل على الصورة كما قدرت حيا الله الأرض أن ~~أحيا من حيث دل على معنى فعل حقيقة ومن حيث دل على الحياة مجاز قيل ليس لك ~~أن تجيء إلى لفظ امرين فتفرق دلالته وتجعله منقولا عن أصله في احدهما دون ~~الآخر لو جاز هذا لجاز أن تقول في اللطم الذي هو ضرب باليد أن PageV01P327 # يجعل مجازا من حيث هو ضرب وحقيقة من حيث هو باليد وذلك محال لأن كون ~~الضرب باليد لا ينفصل عن الضرب فكذلك كون الفعل فعل للصورة ms212 لا ينفصل عن ~~الصورة وليس الأمر كذلك في قولنا احيا الله الأرض لأن معنا هناك لفظين ~~أحدهما مشتق وهو أحيا والآخر مشتق منه وهو الحياة فنحن نقدر في المشتق منه ~~أنه نقل عن معناه الأصلي في اللغة إلى معنى آخر ثم اشتق منه أحيا بعد هذا ~~التقدير ومعه وهو مثل لفظ اليد ينقل إلى النعمة ثم يشتق منه يديت فاعرفه # ومما يجب أن يعلم في هذا الباب أن الإضافة في الاسم كالإسناد في الفعل ~~فكل حكم يجب في إضافة المصدر من حقيقة أو مجاز فهو واجب في إسناد الفعل ~~فانظر الآن إلى قولك أعجبني وشى الربيع الرياض وصوغه تبرها وحوكه ديباجها ~~هل تعلم لك سبيلا في هذه الإضافات إلى التعلق باللغة وأخذ الحكم عليها منها ~~أم تعلم امتناع ذلك عليك وكيف والإضافة لا تكون حتى تستقر اللغة ويستحيل أن ~~يكون للغة حكم في الإضافة ورسم حتى يعلم بها أن حق الاسم أن يضاف إلى هذا ~~دون ذلك وإذا عرفت ذلك في هذه المصادر التي هي الصوغ والوشى والحوك فضع ~~مصدر فعل الذي هو عمدتك في سؤالك وأصل شبهتك موضعها وقل ما ترى إلى فعل ~~الربيع لهذه المحاسن ثم تأمل هل تجد فصلا بين إضافته وإضافة تلك فإذا لم ~~تجد الفصل البتة فاعلم صحة قضيتنا وانفض يدك بمسئلتك ودع النزاع عنك وإلى ~~الله تعالى الرغبة في التوفيق PageV01P328 # | فصل # قال أبو القاسم الآمدى في قول البحتري # ( فصاغ ما صاغ من تبر ومن ورق % وحاك ما حاك من وشى وديباج ) # صوغ الغيث وحوكه النبات ليس باستعارة بل هو حقيقة ولذلك لا يقال هو صائغ ~~ولا كأنه صائغ وكذلك لا يقال حائك وكأنه حائك على أن لفظة حائك خاصة في ~~غاية الركاكة إذا أخرج على ما أخرجه عليه أبو تمام في قوله # ( إذا الغيث غادى نسجه خلت أنه % خلت حقب حرس له وهو حائك ) # وهذا قبيح جدا والذي قاله البحتري وحاك ما حاك حسن مستعمل فانظر ما بين ~~الكلامين لتعلم ما بين الرجلين # قد ms213 كتبت هذا الفصل على وجهه والمقصود منه منعه أن تطلق الاستعارة على ~~الصوغ والحوك وقد جعلا فعلا للربيع واستدلاله على ذلك بامتناع أن يقال ~~وكأنه صائغ حائك اعلم أن هذا الاستدلال كأحسن ما يكون إلا أن الفائدة تتم ~~بأن تبين جهته ومن أين كان كذلك PageV01P329 # والقول فيه أن التشبيه كما لا يخفى يقتضي شيئين مشبها ومشبها به ثم ينقسم ~~إلى الصريح وغير الصريح فالصريح أن تقول كان زيدا الأسد فتذكر كل واحد من ~~المشبه والمشبه به باسمه وغير الصريح أن تسقط المشبه به من الذكر وتجرى ~~اسمه على المشبه كقولك رأيت اسدا تريد رجلا شبيها بالأسد إلا أنك تغير اسمه ~~مبالغة وإيهاما أن لا تصل بينه وبين الأسد وأنه قد استحال إلى الأسديه فإذا ~~كان الأمر كذلك وأنت تشبه شخصا بشخص فإنك إذا شبهت فعلا بفعل كان هذا حكمه ~~فأنت تقول مرة كان تزيينه لكلامه نظم در فتصرح بالمشبهه والمشبه به وتقول ~~اخرى إنما ينظم درا تجعله كأنه ناظم درا على الحقيقة وتقول في وصف الفرس ~~كان سيره سباحة وكأن جريه طيران طائر هذا إذا صرحت وإذا أخفيت واستعرت قلت ~~يسبح براكبه ويطير بفارسه فتجعل حركته سباحة وطيرانا # ومن لطيف ذلك ما كان كقول أبى دلامة يصف بغلته # ( أرى الشهباء تعجن إذ غدونا % برجليها وتخبز باليمين ) # شبه حركة رجليها حين لم تثبتا على موضع تعتمد بهما عليه وهوتا ذاهبين نحو ~~يديها بحركة يدي العاجن فإنه لا يثبت اليد في موضع بل نزلها إلى قدام وتزول ~~من عند نفسها لرخاوة العجين وشبه حركة يديها بحركة يد الخابز من حيث كان ~~الخابز يثنى يده نحو بطنه ويحدث فيها ضربا من التقويس كما يجد في يد الدابة ~~إذا اضطربت في سيرها ولم تقف على ضبط يديها وأن ترمى بها إلى قدام وان تشد ~~اعتمادها حتى تثبت في الموضع الذي تقع عليه فلا تزل عنه ولا تنثني واعود ~~إلى المقصود PageV01P330 # فإذا كان لا تشبيه حتى يكون معك شيئان وكان معنى الاستعارة أن تغير لفظ ms214 ~~المشبه بلفظ المشبه به ولم يكن معنا في صاغ الربيع أو حاك الربيع إلا شيء ~~واحد وهو الصوغ أو الحوك كان تقدير الاستعارة فيه محالا جاريا مجرى أن يشبه ~~الشيء بنفسه وتجعل اسمه عارية فيه وذلك بين الفساد فإن قلت أليس الكلام على ~~الجملة معقودا على تشبيه الربيع بالقادر في تعلق وجود الصوغ والنسج به فكيف ~~لم يجز دخول كأن في الكلام من هذه الجهة فإن هذا التشبيه ليس هو التشبيه ~~الذي يعقد في الكلام ويفاد بكأن والكاف ونحوهما وإنما هو عبارة عن الجهة ~~التي راعاها المتكلم حين أعطى الربيع حكم القادر في إسناد الفعل إليه ~~ووزانه وزان قولنا إنهم يشبهون ما بليس فيرفعون بها المبتدأ وينصبون بها ~~الخبر فيقولون ما زيد منطلقا فنخبر عن تقدير قدروه في نفوسهم وجهة راعوها ~~في إعطاء ما حكم ليس في العمل فكما لا يتصور أن يكون قولنا ما زيد منطلقا ~~تشبيها على حد كأن زيدا الأسد كذلك لا يكون صاغ الربيع من التشبيه فكلامنا ~~إذن في تشبيه منقول منطوق به وأنت في تشبيه معقول غير داخل في النطق هذا ~~وإن يكن ههنا تشبيه فهو في الربيع لا في الفعل المسند إليه واختلافنا في ~~صاغ وحاك هل يكون تشبيها واستعارة أم لا فلا يلتقي التشبيهان أو يلتقي ~~المشئم والمعرق # وهذا هو القول على الجملة إذا كانت حقيقة أو مجازا وكيف وجه الحد فيها ~~فكل جملة وضعتها على أن الحكم المفاد بها على ما هو عليه في العقل وواقع ~~موقعه فهي حقيقة ولن تكون كذلك حتى تعرى من التأول ولا فصل PageV01P331 # بين أن تكون مصيبا فيما أفدت بها من الحكم أو مخطئا وصادقا أو غير صادق ~~فمثال وقوع الحكم المفاد موقعه من العقل على الصحة واليقين والقطع قولنا ~~خلق الله تعالى الخلق وانشأ العالم واوجد كل موجود سواه فهذه من أحق ~~الحقائق وأرسخها في العقول واقعدها نسبا في المعقول والتي إن رمت أن تغيب ~~عنها غبت عن عقلك ومتى هممت بالتوقف في ثبوتها استولى النفي ms215 على معقولك ~~ووجدتك كالمرمى به من حالق إلى جيث لا مقر لقدم ولا مساغ لتأخر وتقدم كما ~~قال اصدق القائلين جلت اسماؤه وعظمت كبرياؤه ( ^ ومن يشرك بالله فكأنما خر ~~من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق ) # واما مثال ان توضع الجماة على أن الحكم المفاد بها واقع موقعه من العقل ~~وليس كذلك إلا انه صادر عن اعتقاد فاسد وظن كاذب فمثل ما يجيء في التنزيل ~~من الحكاية عن الكفار نحو ( ^ وما يهلكنا إلا الدهر ) فهذا ونحوه من حيث لم ~~يتكلم به قائله على انه متاول بل اطلقه بجهله وعماه إطلاق من يضع الصفة في ~~موضعها لا يوصف بالمجاز ولكن يقال عند قائله إنه حقيقة وهو كذب وباطل ~~وإثبات لما ليس بثابت أو نفى لما ليس بمنتف وحكم لا يصححه العقل في الجملة ~~بل يرده ويدفعه إلا أن قائله جهل مكان الكذب والبطلان فيه أو جحد وباهت # ولا يتخلص لك الفصل بين الباطل وبين المجاز حتى تعرف حد المجاز وحده أن ~~كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه في العقل لضرب من التأول فهي ~~مجاز ومثاله ما مضى من قولهم فعل الربيع وكما جاء في الخبر PageV01P332 # إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم قد أثبت الانبات للربيع ~~PageV01P333 # وذلك خارج عن موضعه من العقل لأن إثبات الفعل لغير القادر لا يصح ~~PageV01P334 في قضايا العقول إلا أن ذلك على سبيل التأول وعلى العرف الجاري ~~بين الناس ان يجعلوا الشيء إذا كان سببا أو كالسبب في وجود الفعل من فاعله ~~كأنه فاعل فلما أجرى الله سبحانه العادة وانفذ القضية أن تورق الأشجار ~~وتظهر الأنوار وتلبس الأرض ثوب شبابها في زمان الربيع صار يتوهم في ظاهر ~~الأمر ومجرى العادة كأن لوجود هذه الأشياء حاجة إلى الربيع فأسند الفعل ~~إليه على هذا التأويل والتنزيل # وهذا الضرب من المجاز كثير في القرآن فمنه قوله تعالى ( ^ تؤتى أكلها كل ~~حين بإذن ربها ) وقوله عز اسمه ( ^ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ms216 ) ~~وفى الأخرى ( ^ فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ) وقوله ( ^ وأخرجت ~~الأرض أثقالها ) وقوله عز وجل ( ^ حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~) أثبت الفعل في جميع ذلك لما لا يثبت له فعل إذا رجعنا إلى المعقول على ~~معنى السبب وإلا فمعلوم أن النخلة ليست تحدث الأكل ولا الآيات توجد العلم ~~في قلب السامع لها ولا الأرض تخرج الكامن في بطنها من الأثقال ولكن إذا ~~حدثت فيها الحركة بقدرة الله ظهر ما كنز فيها واودع جوفها وإذا ثبت ذلك ~~فالمبطل والكاذب لا يتأول في إخراج الحكم عن موضعه واعطائه غير المستحق ولا ~~يشبه كون المقصود سببا بكون الفاعل فاعلا بل يثبت القضية من غير أن ينظر ~~فيها من شيء إلى شيء ويرد فرعا إلى أصل وتراه أعمى أكمه يظن مالا يصح صحيحا ~~وما لا يثبت ثابتا وما ليس في موضعه من الحكم موضوعا موضعه وهكذا المتعمد ~~للكذب يدعى أن الأمر على ما وضعه تلبيسا وتمويها وليس هو من التأول # والنكتة أن المجاز لم يكن مجازا لأنه إثبات الحكم لغير مستحقه بل لأنه ~~PageV01P335 # أثبث لما لا يستحق تشبيها وردا له إلى ما يستحق وانه ينظر من هذا إلى ذاك ~~وإثباته ما أثبت للفرع الذي ليس بمستحق يتضمن الإثبات للأصل الذي هو ~~المستحق فلا يتصور الجمع بين شيئين في وصف أو حكم من طريق التشبيه والتأويل ~~حتى يبدأ بالأصل في إثبات ذلك الوصف والحكم له # ألا تراك لا تقدر على أن تشبه الرجل بالأسد في الشجاعة ما لم تجعل كونها ~~من أخص اوصاف الأسد وأغلبها عليه نصب عينيك وكذلك لا يتصور أن يثبت المثبت ~~الفعل للشيء على انه سبب ما لم ينظر إلى ما هو راسخ في العقل من أن لا فعل ~~على الحقيقة إلا للقادر لأنه لو كان نسب الفعل إلى هذا السبب نسبة مطلقة لا ~~يرجع فيها إلى حكم القادر والجمع بينهما من حيث تعلق وجوده بهذا السبب من ~~طريق العادة كما يتعلق بالقادر من طريق الوجوب لما اعترف ms217 بأنه سبب ولا ادعى ~~انه أصل بنفسه مؤثر في وجود الحادث كالقادر وإن تجاهل متجاهل فقال بذلك على ~~ظهور الفضيحة وإسراعها إلى مدعيه كان الكلام عنده حقيقة ولم يكن من مسئلتنا ~~في شىء ولحق بنحو قول الكفار وما يهلكنا إلا الدهر وليس ذلك المقصود في ~~مسئلتنا لأن الغرض ههنا ما وضع فيه الحكم واضعه على طريق التأول فاعرفه # ومن أوضح ما يدل على أن إثبات الفعل للشيء لأنه سبب يتضمن إثباته للمسبب ~~من حيث لا يتصور دون تصوره ان تنظر إلى الأفعال المسندة إلى الأدوات ~~والآلات كقولك قطع السكين وقتل السيف فإنك تعلم انه لا يقع في النفس من هذا ~~الإثبات صورة ما لم تنظر إلى إثبات الفعل لمعمل الأداة والفاعل بها فلو ~~فرضت أن لا يكون ههنا قاطع بالسكين PageV01P336 ومصرف لها أعناك أن تعقل من ~~قولك قطع السكين معنى بوجه من الوجوه وهذا من الوضوح بحيث لا يشك عاقل فيه ~~و هذه الأفعال المسندة إلى من تقع تلك الأفعال بأمره كقولك ضرب الأمير ~~الدراهم و بنى السور لا تقوم في نفسك صورة لإثبات الضرب والبناء فعلا ~~للأمير بمعنى الأمر به حتى تنظر إلى ثبوتهما للمباشر لهما على الحقيقة ~~والأمثلة في هذا المعنى كثيرة تتلقاك من كل جهة وتجدها أنى شئت # واعلم انه لا يجوز الحكم على الجملة بأنها مجاز إلا بأحد أمرين فأما أن ~~يكون الشيء الذي أثبت له الفعل مما لا يدعى أحد من المحقين والمبطلين أنه ~~مما يصح أن يكون له تأثير في وجود المعنى الذي أثبت له وذلك نحو قول الرجل ~~محبتك جاءت بي إليك وكقول عمرو بن العاص في ذكر الكلمات التي استحسنها هن ~~مخرجاتي من الشام فهذا مالا يشتبه على أحد انه مجاز واما أنه يكون قد علم ~~من اعتقاد المتكلم أنه لا يثبت الفعل إلا للقادر وأنه ممن لا يعتقد ~~الاعتقادات الفاسدة كنحو ما قاله المشركون وظنوه من ثبوت الهلاك فعلا للدهر ~~فإذا سمعنا نحو قوله # ( أشاب الصغير وأفنى الكبي % ر كر الغداة ms218 ومر العشى ) # وقول أبي الأصبع # ( اهلكنا الليل والنهار معا % والدهر يغدو مصمما جذعا ) # كان طريق الحكم عليه بالمجاز أن تعلم اعتقاد التوحيد إما بمعرفة أحوالهم ~~PageV01P337 السابقة أو بان تجد في كلامهم من بعد إطلاق هذا النحو ما يكشف ~~عن قصد المجاز فيه كنحو ما صنع أبو النجم فإنه قال أولا # ( قد أصبحت أم الخيار تدعى % على ذنبا كله لم أصنع ) # ( من أن رأت رأسي كرأس الأصلع % ميز عنه قنزعا عن قنزع ) # ( مر الليالي ابطىء أو أسرعي % ) # فهذا على المجاز وجعل الفعل لليالي ومرورها إلا أنه خفي غير بادى الصفحة ~~ثم فسر وكشف عن وجه التأول وأفاد أنه بنى أول كلامه على التخيل فقال # ( أفناه قيل الله للشمس أطلعي % حتى إذا وأراك أفق فأرجعي ) # فبين أن الفعل لله وانه المعيد والمبدىء والمنشىء والمفنى لأن المعنى في ~~قيل الله أمر الله وإذ جعل الفناء بأمره فقد صرح بالحقيقة وبين ما كان عليه ~~من الطريقة # واعلم أنه لا يصح أن يكون قول الكفار وما يهلكنا إلا الدهر من باب ~~التأويل والمجاز وان يكون الإنكار عليهم من جهة ظاهر اللفظ وان فيه إيهاما ~~للخطأ كيف وقد قال تعالى بعقب الحكاية عنهم ( ^ وما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يظنون ) والمتجوز أو المخطىء في العبارة لا يوصف بالظن إنما الظان من ~~يعتقد أن الأمر على ما قاله وكما يوجبه ظاهر كلامه وكيف يجوز أن يكون ~~الإنكار من طريق إطلاق اللفظ دون إثبات الدهر فاعلا للهلاك وأنت ترى في نص ~~القرآن ما جرى فيه اللفظ على إضافة فعل PageV01P338 # الهلاك إلى الريح مع استحالة أن تكون فاعلة وذلك قوله عز وجل ( ^ مثل ما ~~ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم ~~فأهلكته ) وأمثال ذلك كثير # ومن قدح في المجاز وهم أن يصفه بغير الصدق فقد خبط خبطا عظما وتهدف لما ~~لا يخفى ولو لم يجب البحث عن حقيقة المجاز والعناية به حتى تحصل ضروبه ~~وتضبط أقسامه إلا للسلامة من مثل ms219 هذه المقالة والخلاص مما نحا نحو هذه ~~الشبهة لكان من حق العاقل أن يتوفر عليه ويصرف العناية إليه فكيف وبطالب ~~الدين حاجة ماسة إليه من جهات يطول عدها وللشيطان من جانب الجهل به مداخل ~~خفية يأتيهم منها فيسرق دينهم من حيث لا يشعرون ويلقيهم في الضلالة من حيث ~~ظنوا انهم يهتدون وقد اقتسمه البلاء فيه من جانبي الإفراط والتفريط فمن ~~مغرور مغرى بنفيه دفعة والبراءة منه جملة يشمئز من ذكره وينبو عن اسمه يرى ~~أن لزوم الظواهر فرض لازم وضرب الخيام حولها حتم واجب وآخر يغلو فيه ويفرط ~~ويتجاوز حده ويخبط فيعدل عن الظاهر والمعنى عليه ويسوم نفسه التعمق في ~~التأويل ولا سبب يدعو إليه # أما التفريط فما تجد عليه قوما نحو قوله تعالى ( ^ هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله ) وقوله ( ^ وجاء ربك والرحمن على العرش استوى ) وأشباه ذلك من ~~النبو عن أقوال أهل التحقيق فإذا قيل لهم إن الإتيان والمجيء انتقال من ~~مكان إلى مكان وصفة من صفات الأجسام وأن الاستواء إن حمل على ظاهره لم يصح ~~إلا في جسم يشغل حيزا ويأخذ مكانا والله عز وجل خالق الأماكن والأزمنة ~~ومنشىء كل ما تصح عليه الحركة والنقلة PageV01P339 والتمكن والسكون ~~والانفصال والاتصال والمماسة والمحاذاة وان المعنى على ( ^ إلا أن يأتيهم ~~أمر الله وجاء أمر ربك ) وأن حقه أن يعبر بقوله تعالى ( ^ فأتاهم الله من ~~حيث لم يحتسبوا ) وقول الرجل آتيك من حيث لا تشعر يريد أنزل بك المكروه ~~وأفعل ما يكون جزاء لسوء صنيعك في حال غفلة منك ومن حيث تأمن حلوله بك وعلى ~~ذلك قوله # ( أتيناهم من أيمن الشق عندهم % ويأتي الشقي الحين من حيث لا يدرى ) ~~جنبيه # نعم إذا قلت ذلك للواحد منهم رأيته إن أعطاك الوفاق بلسانه فبين جنبيه ~~قلب يتردد في الحيرة ويتقلب ونفس تفر من الصواب وتهرب وفكر واقف لا يجيء ~~ولا يذهب يحضره الطبيب بما يبرئه من دائه ويريه المرشد وجه الخلاص من عنائه ~~ويأبى إلا نفارا عن العقل ورجوعا إلى الجهل لا يحضره ms220 التوفيق بقدر ما يعلم ~~به أنه إذا كان لا يجرى في قوله تعالى ( ^ واسئل القرية ) على الظاهر لأجل ~~علمه أن الجماد لا يسأل مع أنه لو تجاهل متجاهل فادعى أن الله تعالى خلق ~~الحياة في تلك القرية حتى عقلت السؤال وأجابت عنه ونطقت لم يكن قال قولا ~~يكفر به ولم يزد على شيء يعلم كذبه فيه فمن حقه أن لا يجثم ههنا على الظاهر ~~ولا يضرب الحجاب دون سمعة وبصره حتى لا يعى ولا يراعى مع ما فيه إذا أخذ ~~على ظاهره من التعرض للهلاك والوقوع في الشرك # فأما الإفراط فيما يتعاطاه قوم يحبون الإعراب في التأويل ويحرصون ~~PageV01P340 # على تكثير الوجوه وينسون أن احتمال اللفظ شرط في كل ما يعدل به عن الظاهر ~~فهم يستكرهون الألفاظ على الأمثلة من المعاني يدعون السليم من المعنى إلى ~~السقيم ويرون الفائدة حاضرة وقد ابدت صفحتها وكشفت قناعها فيعرضون عنها حبا ~~للتشوف وقصدا إلى التمويه وذهابا في الضلالة # وليس القصد ههنا بيان ذلك فأذكر أمثلته على أن كثيرا من هذا الفن يرغب عن ~~ذكره لسخفه وإنما غرضي بما ذكرت أن أريك عظم الآفة على الجهل بحقيقة المجاز ~~وتحصيله وإن الخطأ فيه مورط صاحبه وفاضح له ومسقط قدره وجاعله ضحكة يتفكه ~~به وكاسيه عارا يبقى على وجه الدهر وفي مثل هذا قال رسول الله يحمل هذا ~~العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل ~~الجاهلين وليس حمله روايته وسرد ألفاظه بل العلم بمعانيه ومخارجه وطرقه ~~ومناهجه والفرق بين الجائز والممتنع والمنقاد المصحب والنافي النافر # وأقل ما كان ينبغي أن تعرفه الطائفة الأولى وهم المنكرون للمجاز أن ~~التنزيل كما لم يقلب اللغة في اوضاعها المفردة عن أصولها ولم يخرج الألفاظ ~~عن دلالتها وان شيئا من ذلك إن زيد إليه ما لم يكن قبل الشرع يدل عليه أو ~~ضمن ما لم يتضمنه أتبع ببيان من عند النبي وذلك كبيانه PageV01P341 للصلاة ~~والحج والزكاة والصوم كذلك لم يقض بتبديل عادات أهلها ولم ينقلهم عن ms221 ~~أساليبهم وطرقهم ولم يمنعهم ما يتعارفونه من التشبيه والتمثيل والحذف ~~والاتساع وكذلك كان من حق الطائفة الأخرى أن تعلم أنه عز وجل لم يرض لنظم ~~كتابه الذي سماه هدى وشفاء ونورا وضياء وحياة تحيا بها القلوب وروحا تنشرح ~~عنه الصدور ما هو عند القوم الذين خوطبوا به خلاف البيان وفى حد الإغلاق ~~والبعد من التبيان وأنه تعالى لم يكن ليعجز بكتابه من طريق الإلباس ~~والتعمية كما يتعاطاه الملغز من الشعراء والمحاجي من الناس كيف وقد وصفه ~~بأنه عربي مبين # هذا وليس التعسف الذي يرتكبه بعض من يجهل التأويل من جنس ما يقصده أصحاب ~~الألغاز والأحاجي بل هو شيء يخرج عن كل طريق ويباين كل مذهب وإنما هو سوء ~~نظر منهم ووضع الشيء في غير موضعه وإخلال بالشريطة وخروج عن القانون وتوهم ~~أن المعنى إذا دار في نفوسهم وعقل من تفسيرهم فقد فهم من لفظ المفسر وحتى ~~كان الألفاظ تنقلب عن سجيتها وتزول عن موضوعها فتحمل ما ليس من شأنها أن ~~تحتمله وتؤدى مالا يوجب حكمها ان تؤديه ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( هذا ~~كلام في ذكر المجاز وفى بيان معناه وحقيقته ) وفيه بيان المنقول والمشترك ~~والمجاز المرسل وعلاقته # المجاز مفعل من جاز الشيء يجوزه إذا تعداه وإذا عدل باللفظ عما يوجبه أصل ~~اللغة وصف بأنه مجاز على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصلي أو جاز هو مكانه ~~الذي وضع فيه أولا PageV01P342 # ثم اعلم بعد أن في إطلاق المجاز على اللفظ المنقول عن أصله شرطا وهو أن ~~يقع نقله على وجه لا يعرى معه من ملاحظة الأصل ومعنى الملاحظة أن الاسم يقع ~~لما تقول انه مجاز فيه بسبب بينه وبين الذي تجعله حقيقة فيه نحو أن اليد ~~تقع للنعمة وأصلها الجارحة لأجل أن الاعتبارات اللغوية تتبع أحوال ~~المخلوقين وعاداتهم وما يقتضيه ظاهر البنية وموضوع الجبلة ومن شان النعمة ~~أن تصدر عن اليد ومنها تصل إلى المقصود بها والموهونة هي منه وكذلك الحكم ~~إذا أريد باليد القوة والقدرة لأن القدرة أكثر ما يظهر ms222 سلطانها في اليد ~~وبها يكون البطش والأخذ والدفع والمنع والجذب والضرب والقطع وغير ذلك من ~~الأفاعيل التي تخبر فضل اخبار عن وجوه القدرة وتنبىء عن مكانها ولذلك تجدهم ~~لا يريدون باليد شيئا لا ملابسة بينه وبين هذه الجارحة بوجه # ولوجوب اعتبار هذه النكتة في وصف اللفظ بأنه مجاز لم يجز استعماله في ~~الألفاظ التي يقع فيها اشتراك من غير سبب يكون بين المشتركين كبعض الأسماء ~~المجموعة في الملاحن مثل أن الثور يكون اسما للقطعة الكبيرة من الاقط ~~والنهار اسم لفرخ الحبارى والليل لولد الكروان كما قال # ( أكلت النهار بنصف النهار % وليلا أكلت بليل بهيم ) PageV01P343 # وذلك أن اسم الثور لم يقع على الاقط لأمر بينه وبين الحيوان المعلوم ولا ~~النهار على الفرخ لأمر بينه وبين ضوء الشمس أداه إليه وساقه نحوه # والغرض المقصود بهذه العبارة أعنى قولنا المجاز أن تبين أن للفظ أصلا ~~مبدوءا به في الوضع ومقصودا وإن جريه على الثاني إنما هو على سبيل النقل ~~إلى الشيء من غيره وكما يعبق الشيء برائحة ما يجاوره وينصبغ بلون ما يدانيه ~~ولذلك تراهم لا يطلقون المجاز في الأعلام اطلاقهم لفظ النقل فيها حيث قالوا ~~العلم على ضربين منقول ومرتجل وإن المنقول منها يكون منقولا عن اسم جنس ~~كأسد وثور وزيد وعمرو أو صفة كعاصم وحارث أو فعل كيزيد ويشكر أو صوت كببه ~~فاثبتوا لهذا كله النقل من غير العلمية إلى العلمية ولم يروا أن يصفوه ~~بالمجاز فيقولوا مثلا إن يشكر حقيقة في مضارع شكر ومجاز في كونه اسم رجل ~~وإن حجرا حقيقة في الجماد ومجاز في اسم الرجل وذلك أن الحجر لم يقع اسما ~~للرجل لالتباس كان بينه وبين الصخر على حسب ما كان بين اليد والنعمة وبينها ~~وبين القدرة ولا كما كان بين الظهر الحامل وبين المحمول في نحو تسميتهم ~~المزادة راوية وهى اسم للبعير الذي يحملها في الأصل وكتسميتهم البعير حفضا ~~وهو اسم لمتاع البيت الذي يحمل عليه ولا كنحو ما بين الجزء من الشخص وبين ~~جملة الشخص كتسميتهم ms223 الرجل عينا إذا كان ربيئة والناقة نابا ولا كما بين ~~النبت والغيث وبين السماء والمطر حيث قالوا رعينا الغيث يريدون النبت الذي ~~الغيث سبب في كونه وقالوا أصابنا السماء يريدون المطر وقال تلقه الأرواح ~~والسمى وذلك ان في هذا كله تأولا PageV01P344 # وهو الذي أفضى بالإسم إلى ما ليس بأصل فيه فالعين لما كانت المقصودة في ~~كون الرجل ربيئة صارت كأنها الشخص كله إذ كان لولا هداها لا يغى شيئا مع ~~فقدها والغيث لما كان النبت يكون عنه صار كانه هو والمطر لما كان ينزل من ~~السماء عبروا عنه باسمها # واعلم أن هذه الأسباب الكائنة بين المنقول والمنقول عنه تختلف في القوة ~~والضعف والظهور وخلافه فهذه الأسماء التي ذكرتها إذا نظرت إلى المعاني التي ~~وصلت بين ما هي له وبين ما ردت إليه وجدتها أقوى من نحو ما تراه في تسميتهم ~~الشاة التي تذبح عن الصبي إذا حلقت عقيقته عقيقة وتجد حالها بعد أقوى من ~~حال العقيرة في وقوعها للصوت في قولهم رفع عقيرته وذلك أنه شيء جرى اتفاقا ~~ولا معنى يصل بين الصوت وبين الرجل المعقورة على أن القياس يقتضي أن لا ~~يسمى مجازا ولكن يجرى مجرى الشيء يحكم فيه بعد وقوعه كالمثل إذا حكى فيه ~~كلام صدر عن قائله من غير قصد إلى قياس وتشبيه بل الأخبار عن أمر من قصده ~~بالخطاب كقولهم الصيف ضيعت اللبن # ولهذا الموضع تحقيق لا يتم إلا بان يوضع له فصل مفرد والمقصود الآن غير ~~ذلك لأن قصدي في هذا الفصل ان أبين أن المجاز أعم من الاستعارة وان ~~PageV01P345 الصحيح من القضية في ذلك أن كل استعارة مجاز وليس كل مجاز ~~استعارة وذلك أنا نرى كلام العارفين بهذا الشأن اعنى علم الخطابة ونقد ~~الشعر والذين وضعوا الكتب في أقسام البديع يجرى على ان الاستعارة نقل الاسم ~~عن أصله إلى غيره للتشبيه على حد المبالغة # قال القاضي أبو الحسن في أثناء فصل ذكرها فيه وملاك الاستعارة تقريب ~~الشبه ومناسبة المستعار للمستعار منه وهكذا تراهم يعدونها ms224 في أقسام البديع ~~حيث يذكر التجنيس والتطبيق والتوشيح ورد العجز على الصدر وغير ذلك من غير ~~ان يشترطوا شرطا ويعقبوا ذكرها بتقييد فيقولوا ومن البديع الاستعارة التي ~~من شأنها كذا فلولا أنها عندهم لنقل الاسم بشرط التشبيه على المبالغة إما ~~قطعا وإما قريبا من المقطوع عليه لما استجازوا ذكرها مطلقة غير مقيدة يبين ~~ذلك أنها إن كانت تسارق PageV01P346 # المحاز وتجرى مجراه حتى تصلح لكل ما تصلح له فذكرها في أقسام البديع ~~يقتضي أن كل موصوف بأنه مجاز فهو بديع عندهم حتى يكون إجراء اليد على ~~النعمة بديعا وتسمية البعير حفضا والناقة نابا والربيئة عينا والشاة عقيقة ~~بديعا كله وذلك بين الفساد # واما ما نجده في كتب اللغة من إدخال ما ليس طريق نقله التشبيه في ~~الاستعارة كما صنع أبو بكر بن دريد في الجمهرة فإنه ابتدأ بابا فقال باب ~~الاستعارات ثم ذكر فيه أن الوغى اختلاط الأصوات في الحرب ثم كثرت وصارت ~~الحرب وغى وأنشد # ( أضمامه من دونها الثلاثين % لها وغى مثل وغى الثمانين ) # يعنى اختلاط أصواتها وذكر قولهم رعينا الغيث والسماء يعنى المطر وذكر ما ~~هو أبعد من ذلك فقال الخرس ما تطعمه النفساء ثم صارت PageV01P347 # الدعوة للولادة خرسا والأعذار الختان وسمى الطعام للختان إعذارا وأن ~~الظعينه أصلها المرأة في الهودج ثم صار البعير والهودج ظعينه والخطر ضرب ~~البعير بذنبه جانبي وركيه ثم صار ما لصق من البول بالوركين خطرا وذكر أيضا ~~الراوية بمعنى المزادة والعقيقة وذكر فيما بين ذكره لهذه الكلم أشياء هي ~~استعارة على الحقيقة على طريقة أهل الخطابة ونقد الشعر لأنه قال الظمأ ~~العطش وشهوة الماء ثم كثر ذلك حتى قالوا ظمئت إلى لقائك وقال الوجور ما ~~اوجره الإنسان من دواء أو غيره ثم قالوا اوجره الرمح إذا ظعنه في فيه # فالوجه في هذا الذي رواه من إطلاق الاستعارة على ما هو تشبيه كما هو شرط ~~أهل العلم بالشعر وعلى ما ليس من التشبيه في شيء ولكنه نقل اللفظ عن الشيء ~~إلى الشيء بسبب اختصاص وضرب ms225 من الملابسة بينهما وخلط احدهما بالآخر أنهم ~~كانوا نظروا إلى ما يتعارفه الناس في معنى العارية وأنها شيء حول عن مالكه ~~ونقل عن مقره الذي هو أصل في استحقاقه إلى ما ليس بأصل ولم يراعوا عرف ~~القوم ووزانهم في ذلك وزان من يترك عرف النحويين في التمييز واختصاصهم له ~~بما احتمل أجناسا مختلفة كالمقادير والأعداد وما شاركها في ان الإبهام الذي ~~يراد كشفه منه هو احتماله الأجناس فيسمى الحال مثلا تمييزا من حيث أنك إذا ~~قلت راكبا فقد ميزت المقصود وبينته كما فعلت ذلك في قولك عشرون PageV01P348 # درهما ومنوان سمنا وقفيزان برا ولى مثله رجلا ولله دره رجلا وليس هذا ~~المذهب بالمذهب المرضى بل الصواب ان تقصر الاستعارة على ما نقله نقل ~~التشبيه للمبالغة لأن هذا نقل بطرد على حد واحد وله فوائد عظيمة ونتائج ~~شريفة فالتطفل به على غيره في الذكر وتركه مغمورا فيما بين أشياء ليس لها ~~في نقلها مثل نظامه ولا أمثال فوائده ضعف من الرأي وتقصير في النظر # وربما وقع في كلام العلماء بهذا الشأن الاستعارة على تلك الطريقة العامية ~~إلا انه لا يكون عند ذكر القوانين وحيث تقرر الأصول ومثاله أن أبا القاسم ~~الآمدى قال في أثناء فصل يبحث عن شيء اعترض به على البحتري في قوله ~~PageV01P349 # ( فكأن مجلسه المحجب محفل % وكأن خلوته الخفية مشهد ) # إن المكان لا يسمى مجلسا إلا وفيه قوم ثم قال ألا ترى إلى قوم المهلهل ~~واستب بعدك يا كليب المجلس على الاستعارة فاطلق لفظ الاستعارة على وقوع ~~المجلس هنا بمعنى القوم الذين يجتمعون في الأمور وليس المجلس إذا وقع على ~~القوم من طريق التشبيه بل على وجه وقوع الشيء على ما يتصل به وتكثر ملابسته ~~إياه وأي شبه يكون بين القوم ومكانهم الذي يجتمعون فيه إلا أنه لا يعتد ~~بمثل هذا فإن ذلك قد يتفق حيث ترسل العبارة # وقال الآمدى نفسه ثم قد يأتي في الشعر ثلاثة أنواع أخر يكتسي المعنى ~~العام بها بهاء وحسنا حتى يخرج بعد عمومه إلى ms226 أن يصير مخصوصا ثم قال وهذه ~~الأنواع هي التي وقع عليها اسم البديع وهى الاستعارة والطباق والتجنيس فهذا ~~نص في موضع القوانين على ان الاستعارة من أقسام البديع ولن يكون النقل ~~بديعا حتى يكون من أجل التشبيه على المبالغة كما بينت لك وإذا كان كذلك ثم ~~جعل الاستعارة على الإطلاق بديعا فقد أعلمك أنها اسم للضرب المخصوص من ~~النقل دون كل نقل فاعرفه # واعلم أنا إذا أنعمنا النظر وجدنا المنقول من أصل التشبيه على المبالغة ~~أحق بان يوصف بالاستعارة من طريق المعنى بيان ذلك أن ملك المعير لا يزول عن ~~المستعار واستحقاقه إياه لا يرتفع فالعارية إنما كانت عارية لأن يد ~~المستمير يد عليها ما دامت يد المعير باقية وملكه غير زائل فلا يتصور ~~PageV01P350 أن يكون للمستعير تصرف لم يستفده من المالك الذي أعاره ولا أن ~~تستقر يده مع زوال اليد المنقول عنها وهذه جملة لا تراها إلا في المنقول ~~نقل التشبيه لأنك لا تستطيع أن تتصور جرى الاسم على الفرع من غير أن تخرجه ~~إلى الأصل كيف ولا يعقل تشبيه حتى يكون ههنا مشبه ومشبه به هذا والتشبيه ~~ساذج مرسل فكيف إذا كان على معنى المبالغة وعلى أن تجعل الثاني كأنه انقلب ~~مثلا إلى جنس الأول فصار الرجل أسدا وبحرا وبدرا والعلم نورا والجهل ظلمة ~~لأنه إذا كان على هذا الوجه كانت حاجتك إلى أن تنظر به إلى الأصل أمس لأنه ~~إذا لم يتصور أن يكون هنا سبع من شأنه الجراءة العظيمة والبطش الشديد كان ~~تقديرك شيئا آخر يتحول إلى صفته ويصير في حكمه من أبعد المحال # وأما ما كان منقولا لا لأجل التشبيه كاليد في نقلها إلى النعمة فلا يوجد ~~ذلك فيه لأنك لا تثبت للنعمة بإجراء اسم اليد عليها شيئا من صفات الجارحة ~~المعلومة ولا تروم تشبيها بها البتة لا مبالغا ولا غير مبالغ فلو فرضنا أن ~~تكون اليد اسما وضع للنعمة ابتداء ثم نقلت إلى الجارحة لم يكن ذلك مستحيلا ~~وكذلك لو ادعى مدع أن جرى ms227 اليد على النعمة أصل ولغة على حدتها وليست مجازا ~~لم يكن مدعيا شيئا يحيله العقل ولو حاول أن يقول في مسئلتنا قولا شبيها ~~بهذا فرام تقدير شئ يجرى عليه اسم الأسد على المعنى الذي يريده بالاستعارة ~~مع فقد السبع المعلوم ومن غير أن يثبت استحقاقه لهذا الاسم في وضع اللغة ~~رام شيئا في غاية البعد # وعبارة أخرى العارية من شانها أن تكون عند المستعير على صفة شبيهة بصفتها ~~هي عند المالك ولسنا نجد هذه الصورة إلا فيما نقل نقل PageV01P351 التشبيه ~~للمبالغة دون ما سواه ألا ترى أن الاسم المستعار يتناول المستعار له ليدل ~~على مشاركته المستعار منه في صفة هي أخص الصفات التي من أجلها وضع الاسم ~~الأول أعني أن الشجاعة أقوى المعاني التي من أجلها سمى الأسد أسدا وأنت ~~تستعير الاسم للشيء على معنى إثباتها له على حدها في الأسد فأما اليد ~~ونقلها إلى النعمة فليست من هذا في شيء لأنها لم تتناول النعمة لتدل على ~~صفة من أوصاف اليد بحال ويحرر ذلك نكتة وهى أنك تريد بقولك رأيت أسدا أن ~~تثبت للرجل الأسدية ولست تريد بقولك له عندي يد أن تثبت للنعمة اليدية وهذا ~~واضح جدا # واعلم أن الواجب كان أن لا أعد وضع الشفة موضع الجحفلة والجحفلة في مكان ~~المشفر ونظائره التي قدمت ذكرها في الاستعارة وأضن باسمها أن يقع عليه ~~ولكنى رأيتهم قد خلطوه بالاستعارات وعدوه معدها فكرهت التشدد في الخلاف ~~واعتددت به في الجملة ونبهت على ضعف أمره بأن سميته استعارة غير مفيدة وكان ~~وزان ذلك أن يقال المفعول على ضربين مفعول صحيح ومشبه بالمفعول فيتجوز ~~باعتداد المشبه بالمفعول في الجملة ثم يفصل بالوصف ووجه شبه هذا النحو الذي ~~هو نقل الشفة إلى موضع الجحفلة بالاستعارة الحقيقية لأنك تنقل الاسم إلى ~~مجانس له ألا ترى أن المراد بالشفة والجحفلة عضو واحد وإنما الفرق أن هذا ~~من الفرس وذاك من الإنسان والمجانسة والمشابهة من واد واحد فأنت تقول أعير ~~الشيء اسم الموضوع له هنالك أي في ms228 الإنسان ههنا أي في الفرس PageV01P352 ~~لأن أحدهما مثل صاحبه وشريكه في جنسه كما أعرت الرجل اسم الأسد لأنه شاركه ~~في صفته الخاصة به وهى الشجاعة البليغة وليس لليد مع النعمة هذا الشبه إذ ~~لا مجانسة بين الجارحة وبين النعمة وكذا لا شبه ولا جنسية بين البعير ومتاع ~~البيت وبين المزادة وبين البعير ولا بين العين وبين جملة الشخص فإطلاق اسم ~~الاستعارة عليه بعيد ولو كان اللفظ يستحق الوصف بالاستعارة بمجرد النقل ~~لجاز أن توصف الأسماء المنقولة من الأجناس إلى الأعلام بأنها مستعارة فيقال ~~حجر مستعار في اسم الرجل ولزم لذلك في الفعل المنقول نحو يزيد ويشكر وفي ~~الصوت نحو ببه في قوله # ( لأنكحن ببه % جارية خدبه ) # ( مكرمة محببه % تحب أهل الكعبة ) # وذلك ارتكاب قبيح وفرط تعصب على الصواب ويلوح ههنا شيء وهو أنا وإن جعلنا ~~الاستعارة من صفة اللفظ فقلنا اسم مستعار وهذا اللفظ استعارة ههنا وحقيقة ~~هناك فإنا على ذلك نشير بها إلى المعنى من حيث قصدنا باستعارة الاسم أن ~~نثبت أخص معانيه للمستعار له يدلك على ذلك قولنا جعله أسدا وجعله بدرا وجعل ~~للشمال يدا فلولا أن استعارة الاسم للشيء تتضمن استعارة معناه له لما كان ~~لهذا الكلام معنى لأن جعل لا يصلح إلا حيث يراد إثبات صفة للشيء كقولنا ~~جعلته أميرا وجعلته لصا تريد أنه أثبت له الإمارة واللصوصية وحكم جعل إذا ~~تعدى إلى مفعولين حكم صير فكما لا تقول صيرته أميرا إلا على معنى انك أثبت ~~له صفة الإمارة PageV01P353 # كذلك لم يقل جعلته أسدا إلا على انه أثبت له معنى من معاني الأسود ولا ~~يقال جعلته زيدا بمعنى سميته زيدا ولا يقال للرجل اجعل ابنك زيدا بمعنى سمه ~~زيدا ولا يقال لفلان ابن فجعله زيدا أي سماه زيدا وإنما يدخل الغلط في ذلك ~~على من لا يحصل هذا الشأن # فأما قوله تعالى ( ^ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) فإنما ~~جاء على الحقيقة التي وصفتها وذلك انهم اثبتوا للملائكة صفة الإناث ~~واعتقدوا وجودها فيهم وهذا الإعتقاد ms229 صدر عنهم لتمثلها في أذهانهم بصور ~~الإناث وما صدر من الاسم أعنى إطلاق اسم البنات وليس المعنى انهم وضعوا لها ~~لفظ الإناث أو لفظ البنات اسما من غير اعتقاد معنى وإثبات صفة هذا محال لا ~~يقوله عاقل أو ما يسمعون قول الله عز وجل ( ^ أشهدوا خلقهم ? ستكتب شهادتهم ~~ويسئلون ) فإن كانوا لم يزيدوا على إجراء الاسم على الملائكة ولم يعتقدوا ~~إثبات صفة ومعنى فأي معنى لأن يقال ( ^ أشهدوا خلقهم ) وهذا ولو كانوا لم ~~يقصدوا إثبات صفة ولم يفعلوا اكثر من أن وضعوا اسما لما استحقوا إلا اليسير ~~من الذم ولما كان هذا القول كفرا منهم والأمر في ذلك أظهر من أن يخفى ولكن ~~قد يكون للشيء المستحيل وجوه في الاستحالة فتذكر كلها وإن كان في الواحد ~~منها ما يزيل الشبهة ويتم الحجة PageV01P354 # | فصل في تقسيم المجاز إلى اللغوي والعقلي واللغوي إلى الاستعارة وغيرها # واعلم أن المجاز على ضربين مجاز من طريق اللغة ومجاز من طريق المعنى ~~والمعقول فإذا وصفنا بالمجاز الكلمة المفردة كقولنا اليد مجاز في النعمة ~~والأسد مجاز في الإنسان وكل ما ليس بالسبع المعروف كان حكما أجريناه على ما ~~جرى عليه من طريق اللغة لأنا أردنا أن المتكلم قد جاز باللفظة أصلها الذي ~~وقعت له ابتداء في اللغة وأوقعها على غير ذلك إما تشبيها وإما لصلة وملابسة ~~بين ما نقلها إليه وما نقلها عنه # ومتى وصفنا بالمجاز الجملة من الكلام كان مجازا من طريق المعقول دون ~~اللغة وذلك أن الأوصاف اللاحقة للجمل من حيث هي جمل لا يصح ردها إلى اللغة ~~ولا وجه لنسبتها إلى واضعها لأن التأليف هو إسناد فعل إلى اسم أو اسم إلى ~~اسم وذلك شئ يحصل بقصد المتكلم فلا يصير ضرب خبرا عن زيد بوضع اللغة بل بمن ~~قصد إثبات الضرب فعلا له # وهكذا ليضرب زيد لا يكون أمرا لزيد باللغة ولا اضرب أمرا للرجل الذي ~~تخاطبه وتقبل عليه من بين كل من يصح خطابه باللغة بل بك أيها المتكلم فالذي ~~يعود إلى واضع ms230 اللغة أن ضرب لإثبات الضرب وليس لإثبات الخروج وانه لإثباته ~~في زمان ماض وليس لإثباته في زمان مستقبل فأما تعين من يثبت له فيتعلق بمن ~~أراد ذلك من المخبرين والمعبرين عن ودائع الصدور والكاشفين عن المقاصد ~~والدعاوى صادقة كانت تلك الدعاوى PageV01P355 أو كاذبة ومجراة على صحتها أو ~~مزالة عن مكانها من الحقيقة وجهتها ومطلقة بحسب ما تأذن فيه العقول وترسمه ~~أو معدولا بها عن مراسمها نظما لها في سلك التخييل وسلوكا بها في مذهب ~~التأويل # فإذا قلنا مثلا خط أحسن مما وشاة الربيع أو صنعه الربيع كنا قد ادعينا في ~~ظاهر اللفظ أن للربيع فعلا أو صنعا وانه شارك الحي القادر في صحة الفعل منه ~~وذلك تجوز به من حيث المعقول لا من حيث اللغة لأنه إن قلنا إنه مجاز من حيث ~~اللغة صرنا كأنا نقول إن اللغة هي التي أوجبت أن يختص الفعل بالحي القادر ~~دون الجماد وإنها لو حكمت بان الجماد يصح منه الفعل والصنع والوشى والتزيين ~~والصبغ والتحسين لكان ما هو مجاز الآن حقيقة ولعاد ما هو الآن يتأول معدودا ~~فيما هو حق محصل وذلك محال وإنما يتصور مثل هذا القول في الكلم المفردة نحو ~~اليد للنعمة وذاك أنه يصح أن يقال لو كان واضح اللغة وضع اليد أولا للنعمة ~~ثم عداها إلى الجارحة لكان حقيقة فيما هو الآن مجاز ومجازا فيما هو حقيقة ~~فلم يكن بواجب من حيث المعقول أن يكون لفظ اليد اسما للجارحة دون النعمة ~~ولا في العقل أن شيئا بلفظ أن يكون دليلا عليه أولى منه بلفظ لا سيما في ~~الأسماء الأول التي ليست بمشتقة وإنما وزان ذلك وزان أشكال الخط التي جعلت ~~أمارات لأجراس الحروف المسموعة في أنه لا يتصور أن يكون العقل اقتضى اختصاص ~~كل شكل منها بما اختص به دون أن يكون ذلك لاصطلاح وقع وتواضع اتفق ولو كان ~~كذلك لم تختلف المواضعات في الألفاظ والخطوط ولكانت اللغات واحدة كما وجب ~~في عقل كل عاقل يحصل ما يقول أن لا ms231 يثبت الفعل على الحقيقة إلا للحى القادر # فإن قلت فإن اللغة رسمت أن يكون فعل لإثبات الفعل للشيء PageV01P356 # كما زعمت ولكنا إذا قلنا فعل الربيع الوشى أو وشى الربيع فإننا نريد بذلك ~~معنى معقولا وهو أن الربيع سبب في كون الأنوار التي تشبه الوشى فقد نقلنا ~~الفعل عن حكم معقول وضع له إلى حكم آخر معقول شبيه بذلك الحكم فصار ذلك ~~كنقل الأسد عن السبع إلى الرجل الشبيه به في الشجاعة أفتقول الأسد على ~~الرجل مجاز من حيث المعقول لا من حيث اللغة كما قلت في صيغة فعل إذا أسندت ~~إلى مالا يصح أن يكون له فعل إنها مجاز من جهة العقل لا من جهة اللغة ~~فالجواب أن بينهما فرقا وإن ظننتهما متساويين وذلك أن فعل موضوع لإثبات ~~الفعل للشيء على الإطلاق والحكم في بيان من يستحق هذا الإثبات وتعيينه إلى ~~العقل وأما الأسد فموضوع للسبع قطعا واللغة هى التي عينت المستحق بها ~~وبرسمها وحكمها ثبت هذا الاستحقاق والاختصاص ولولا نصها لم يتصور أن يكون ~~هذا السبع بهذا الاسم أولى من غيره فأما استحقاق الحي القادر أن يثبت الفعل ~~له واختصاصه بهذا الإثبات دون كل شيء سواه فبفرض العقل ونصه لا باللغة فقد ~~نقلت الأسد عن شيء هو أصل فيه باللغة لا بالعقل وأما فعل فلم تنقله عن ~~الموضع الذي وضعته اللغة فيه لأنه كما مضى موضوع لإثبات الفعل للشيء في ~~زمان ماض وهو في قولك فعل الربيع باق على هذه الحقيقة غير زائل عنها ولن ~~يستحق اللفظ الوصف بأنه مجاز حتى يجرى على شيء لم يوضع له في الأصل وإثبات ~~الفعل لغير مستحقه ولما ليس بفاعل على الحقيقة لا يخرج فعل عن أصله ولا ~~يجعله جاريا على شيء لم يوضع له لأن الذي وضع له فعل هو إثبات الفعل للشيء ~~فقط فأما وصف PageV01P357 ذلك الشيء الذي يقع هذا الإثبات له فخارج عن ~~دلالته وغير داخل في الموضع اللغوي بل لا يجوز دخوله فيه لما قدمت من ~~استحالة أن يقال ms232 إن اللغة هي التي أوجبت أن يختص الفعل بالحي القادر دون ~~الجماد وما في ذلك من الفساد العظيم فأعرفه فرقا واضحا وبرهانا قاطعا # وههنا نكتة جامعة وهي أن المجاز في مقابلة الحقيقة فما كان طريقا في ~~أحدهما من لغة أو عقل فهو طريق في الآخر ولست تشك في أن طريق كون الأسد ~~حقيقة في السبع اللغة دون العقل وإذا كانت اللغة طريقا للحقيقة فيه وجب أن ~~تكون هي أيضا الطريق في كونه مجازا في المشبه بالسبع إذا أنت أجريت اسم ~~الأسد عليه فقلت رأيت أسدا تريد رجلا لا تميزه عن الأسد في بسالته وإقدامه ~~وبطشه وكذلك إذا علمت أن طريق الحقيقة في إثبات الفعل للشيء هو العقل ~~فينبغي أن تعلم أنه أيضا الطريق إلى المجاز فيه فكما أن العقل هو الذي دلك ~~حين قلت فعل الحي القادر انك لم تتجوز وأنك واضع قدمك على محض الحقيقة كذلك ~~ينبغي أن يكون هو الدال والمقتضي إذا قلت فعل الربيع أنك قد تجوزت وزلت عن ~~الحقيقة فاعرفه # فإن قال قائل كان سياق هذا الكلام وتقريره يقتضي أن طريق المجاز كله ~~العقل وأن لا حظ للغة فيه وذاك أنا لا يجري اسم الأسد على المشبه بالأسد ~~حتى ندعي له الأسدية وحتى نوهم أنه حين أعطاك من البسالة والبأس والبطش ما ~~تجده عند الأسد صار كأنه واحد من الأسود قد استبدل بصورته صورة الإنسان وقد ~~قدمت أنت فيما مضى ما بين انك لا تتجوز في إجراء اسم المشبه به على المشبه ~~حتى تخيل إلى نفسك أنه هو بعينه PageV01P358 فإذا كان الأمر كذلك فأنت في ~~قولك رأيت أسدا متجوز من طريق المعقول كما أنك كذلك في فعل الربيع وإذا كان ~~كذلك عاد الحديث إلى أن المجاز فيهما جميعا عقلي فكيف قسمته قسمين لغوي ~~وعقلي # فالجواب أن هذا الذي زعمت من أنك لا تجري اسم المشبه به على المشبه حتى ~~تدعي أنه قد صار من ذلك الجنس نحو أن نجعل الرجل كأنه في حقيقة الأسد صحيح ~~كما ms233 زعمت لا يدفعه أحد وكيف السبيل إلى دفعه وعليه المعول في كون التشبيه ~~على حد المبالغة وهو الفرق بين الإستعارة وبين التشبيه المرسل إلا أن ههنا ~~نكتة أخرى قد أغفلتها وهي أن تجوزك هذا الذي طريقه العقل يفضي بك إلى أن ~~تجري الأسم على شئ لم يوضع له في اللغة على كل حال فتجوز بالأسم على الجملة ~~الشيء الذي وضع له فمن ههنا جعلنا اللغة طريقا فيه # فإن قلت لا أسلم أنه جرى على شئ لم يوضع له في اللغة لأنك إذا قلت لا ~~تجربه على الرجل حتى تدعي له أنه في معنى الأسد لم تكن قد أجريته على ما لم ~~يوضع له وإنما كان يكون جاريا على غير ما وضع له أن لو أجريته على شئ لتفيد ~~به معنى غير الأسدية وذلك ما لا يعقل لأنك لا تفيد بالأسد في التشبيه أنه ~~رجل مثلا أو عاقل أو على وصف لم يوضع هذا الإسم للدلالة عليه البتة قيل لك ~~قصارى حديثك هذا أنا أجرينا اسم الأسد على الرجل المشبه بالأسد على طريق ~~التأويل والتخيل أفليس على كل حال قد أجريناه على ما ليس بأسد على الحقيقة ~~وألسنا قد PageV01P359 جعلنا له مذهبا لم يكن له في أصل الوضع وهنا قد ~~إدعينا للرجل الأسدية حتى استحق بذلك أن نجري عليه اسم الأسد أترانا نتجاوز ~~في هذه الدعوى حديث الشجاعة حتى يدعي الرجل صورة الأسد وهيئته وعبالة عنقه ~~ومخالبه وسائر أوصافه الظاهرة البادية للعيون ولئن كانت الشجاعة من أخص ~~أوصاف الأسد وأمكنها فإن اللغة لم تضع الإسم لها وحدها بل لها في مثل تلك ~~الجثة وهاتيك الصورة والهيبة وتلك الأنياب والمخالب إلى سائر ما يعلم من ~~الصورة الخاصة في جوارحه كلها ولو كانت وضعته لتلك الشجاعة التي تعرفها ~~وحدها لكان صفة لا اسما ولكان كل شئ يفضي في شجاعته إلى ذلك الحد مستحقا ~~للإسم استحقاقا حقيقيا لا على طريق التشبيه والتأويل # وإذا كان كذلك فأنا وإن كنا لم ندل به على معنى لم ms234 يتضمنه اسم الأسد في ~~أصل وضعه فقد سلبناه بعض ما وضع له وجعلناه للمعاني التي هي باطنة في الأسد ~~وغريزة وطبع به وخلق مجردة عن المعاني الظاهرة التي هي جئة وهيئة وخلق وفي ~~ذلك كفاية في إزالته عن أصل وضع له في اللغة ونقله عن حد جرية فيه إلى حد ~~آخر مخالف له وليس في فعل إذا تجوز فيه شئ من ذلك لأنا لم نسلبه لا ~~بالتأويل ولا غير التأويل شيئا وضعته اللغة لأنه كما ذكرت غير مرة لإثبات ~~الفعل للشيء من غير أن يتعرض لذلك الشيء ما هو وأهو مستحق لأن يثبت له ~~الفعل أو غير مستحق وإذا كان كذلك كان الذي أرادت اللغة به موجودا فيه ~~ثابتا له في قولك فعل الربيع ثبوته إذا قلت فعل الحي القادر لم تتغير له ~~صورة ولم ينقص منه شئ ولم يزل عن حد إلى حد فأعرفه # فإن قلت قد علمنا أن طريق المجاز ينقسم إلى ما ذكرت من اللغة PageV01P360 # والمعقول وإن فعل في نحو فعل الربيع مما طريقة المعقول وأن نحو الأسد إذا ~~قصد به التشبيه واستعير لغير السبع طريق مجازه اللغة وبقي أن تعلم لم خصصت ~~المجاز إذا كان طريقة العقل بأن توصف به الجملة من الكلام دون الكلمة ~~الواحدة وهلا جوزت أن يكون فعل على الانفراد موصوفا به فإن سبب ذلك أن ~~المعنى الذي له وضع فعل لا يتصور الحكم عليه بمجاز أو حقيقة حتى يسند إلى ~~الاسم وهكذا كل مثال من أمثلة الفعل لأنه موضوع لإثبات الفعل للشيء فما لم ~~يبين ذلك الشيء الذي نثبته له ونذكره لم يعقل أن الإثبات واقع موقعه الذي ~~نجده مرسوما به في صحف العقول أم قد زال عنه وجازه إلى غيره هذا وقولك هلا ~~جوزت أن يكون فعل على الانفراد موصوفا به ومحال بعد أن نثبت أن لا مجاز في ~~دلالة اللفظ وإنما المجاز في أمر خارج عنه # فإن قلت أردت هلا جوزت أن تنسب المجاز إلى معناه وحده وهو إثبات الفعل ms235 ~~فيقال هو إثبات فعل على سبيل المجاز فإن ذلك لا يتأتى أيضا إلا بعد ذكر ~~الفاعل لأن المجاز أو الحقيقة إنما يظهر ويتصور من المثبت والمثبت له ~~والإثبات وإثبات الفعل من غير أن يقيد بما وقع الإثبات له لا يصح الحكم ~~عليه بمجاز أو حقيقة فلا يمكنك أن تقول إثبات الفعل مجاز أو حقيقة هكذا ~~مرسلا وإنما تقول إثبات الفعل للربيع مجاز وإثباته للحي القادر حقيقة # وإذا كان الأمر كذلك علمت أن لا سبيل إلى الحكم بأن ههنا مجازا وحقيقة من ~~طريق العقل إلا في جملة من الكلام وكيف يتصور خلاف ذلك ووزان الحقيقة ~~والمجاز العقليين وزان الصدق والكذب فكما يستحيل PageV01P361 وصف الكلم ~~المفردة بالصدق والكذب وأن يجري ذلك في معانيها مفرقة غير مؤلفة فيقال رجل ~~على الانفراد كذب أو صدق كذلك يستحيل أن يكون ههنا حكم بالمجاز أو الحقيقة ~~وأنت تنحو نحو العقل إلا في الجملة المفيدة فاعرفه أصلا كبيرا والله الموفق ~~للصواب والمسئول أن يعصم من الزلل بمنه وفضله # | فصل # # | في الحذف والزيادة وهل هما من المجاز أم لا # واعلم أن الكلمة كما توصف بالمجاز لنقلك لها عن معناها كما مضى فقد توصف ~~به لنقلها عن حكم كان لها إلى حكم ليس هو بحقيقة فيها ومثال ذلك أن المضاف ~~إليه يكتسي إعراب المضاف في نحو ( ^ واسأل القرية ) والأصل واسأل أهل ~~القرية فالحكم الذي يجب للقرية في الأصل وعلى الحقيقة هو الجر والنصب فيها ~~مجاز وهكذا قولهم بنو فلان تطؤهم الطريق يريدون أهل الطريق الرفع في الطريق ~~مجاز لأنه منقول إليه عن المضاف المحذوف الذي هو الأهل والذي يستحقه في ~~أصله هو الجر # ولا ينبغي أن يقال إن وجه المجاز في هذا الحذف فإن الحذف إذا تجرد عن ~~تغيير حكم من أحكام ما بقي بعد الحذف لم يسم مجازا ألا ترى أنك تقول زيد ~~منطلق وعمرو فتحذف الخبر ثم لا توصف جملة الكلام من أجل ذلك بأنه مجاز وذلك ~~لأنه لم يؤد إلى تغيير حكم فيما بقي من الكلام ms236 ويزيده تقريرا أن المجاز إذا ~~كان معناه أن تجوز بالشيء موضعه وأصله فالحذف بمجرده لا يستحق الوصف به لان ~~ترك الذكر وإسقاط PageV01P362 # الكلمة من الكلام لا يكون نقلا لها عن أصلها إنما يتصور النقل فيما دخل ~~تحت النطق # وإذا امتنع أن يوصف المحذوف بالمجاز نقي القول فيما لم يحذف وما لم يحذف ~~ودخل تحت الذكر لا يزول عن أصله ومكانه حتى يغير حكم من أحكامه أو يغير عن ~~معانيه فأما وهو على حاله والمحذوف مذكور فتوهم ذلك فيه من أبعد المحال ~~فاعرفه 0 # وإذا صح امتناع أن يكون مجرد الحذف مجازا أو تحق صفة باقي الكلام بالمجاز ~~من أجل حذف كان على الإطلاق دون أن يحدث هناك بسبب ذلك الحذف تغير حكم على ~~وجه من الوجوه علمت منه أن الزيادة في هذه القضية كالحذف فلا يجوز أن يقال ~~إن زيادة ما في نحو فيما رحمة مجاز أو أن جملة الكلام تصير مجازا من أجل ~~زيادته فيه وذلك أن حقيقة الزيادة في الكلمة أن تعرى من معناها وتذكر ولا ~~فائدة لها سوى الصلة ويكون سقوطها وثبوتها سواء ومحال أن يكون ذلك مجازا ~~لأن المجاز أن يراد بالكلمة غير ما ضعت له في الأصل أو يزاد فهيا أو يوهم ~~شئ ليس من شأنها كإيهامك بظاهر النصب في القرية أن السؤال واقع عليها ~~والزائد الذي سقوطه كثبوته لا يتصور فيه ذلك # فأما غير الزائد من أجزاء الكلام الذي زيد فيه فيجب أن ينظر فيه فإن حدث ~~هناك بسبب ذلك الزائد حكم تزول به الكلمة عن أصلها جاز حينئذ أن يوصف ذلك ~~الحكم أو ما وقع فيه بأنه مجاز كقولك في نحو قوله تعالى ليس كمثله شئ إن ~~الجر في المثل مجاز لأن أصله النصب PageV01P363 # والجر حكم عرض من أجل زيادة الكاف ولو كانوا إذ جعلوا الكاف مزيدة لم ~~يعملوها لما كان لحديث المجاز سبيل على هذا الكلام ويزيده وضوحا أن الزيادة ~~على الإطلاق لو كانت تستحق الوصف بأنها مجاز ينبغي أن يكون كل ms237 ما ليس بمزيد ~~من الكلم مستحقا الوصف بأنه حقيقة حتى يكون الأسد في قولك رأيت أسدا وأنت ~~تريد رجلا حقيقة فإن قلت المجاز على أقسام والزيادة من أحدها قيل هذا لك ~~إذا حددت المجاز بحد تدخل الزيادة فيه ولا سبيل لك إلى ذلك لأن قولنا ~~المجاز يفيد أن تجوز بالكلمة موضعها في أصل الوضع وتنقلها عن دلالة إلى ~~دلالة أو ما قارب ذلك # وعلى الجملة فإنه لا يعقل من المجاز أن تسلب الكلمة دلالتها ثم لا تعطيها ~~دلالة أخرى وأن تخليها من أن يراد بها شئ على وجه من الوجوه ووصف اللفظ ~~بالزيادة يفيد أن لا يراد بها معنى وأن يجعل كأن لم يكن لها دلالة قط # فأن قلت أو ليس يقال إن الكلمة لا تعرى من فائدة ما ولا تصير لغوا على ~~الإطلاق حتى قالوا إن نحو ما في نحو فيما رحمة من الله تفيد التوكيد فأنا ~~أقول إن كون ما تأكيدا نقل لها عن أصلها ومجاز فيها وكذلك أقول إن كون ~~الباء المزيدة في ليس زيد بخارج لتأكيد النفي مجاز في الكلمة لأن أصلها أن ~~تكون للإلصاق فإن ذلك على بعده لا يقدح فيما أردت تصحيحه لأنه لا يتصور أن ~~تصف الكلمة من حيث جعلت زائدة بأنها مجاز ومتى ادعينا لها شنئا من المعنى ~~فأننا نجعلها من تلك الجهة غير مزيدة ولذلك يقول الشيخ أبو علي في الكلمة ~~إذا كانت تزول عن أصلها من وجه ولا تزول من آخر معتد بها من PageV01P364 ~~وجه غير معتد بها من وجه كما قال في اللام من قولهم لا أبا لزيد جعلها من ~~حيث منعت أن يتعرف الأب بزيد معتدا بها ومن حيث عارضها لام الفعل من الأب ~~التي لا تعود إلا في الإضافة نحو أبو زيد وأبا زيد غير معتد بها وفي حكم ~~المقحمة الزائدة وكذلك توصف لا في قولنا مررت برجل لا طويل ولا قصير بأنها ~~مزيدة ولكن على هذا الحد فيقال هي مزيدة غير معتد بها من حيث الإعراب ms238 ومعتد ~~بها من حيث أوجبت نفى الطول والقصر عن الرجل ولولاها لكانا ثابتين له وتطلق ~~الزيادة على لا في نحو قوله تعالى ( لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون ^ ) ~~لأنها لا تفيد النفي فيما دخلت عليه ولا يستقيم المعنى إلا على إسقاطها ثم ~~إن قلنا إن لا هذه المزيدة تفيد تأكيد النفي الذي يجيء من بعد في قوله ( أن ~~لا يقدرون ^ ) وتؤذن به فإنا نجعلها من حيث أفادت هذا التأكيد غير مزيدة ~~وإنما نجعلها مزيدة من حيث لم تفد النفي الصريح فيما دخلت عليه كما أفادته ~~في المسألة # وإذا ثبت أن وصف الكلمة بالزيادة نقيض وصفها بالإفادة علمت إن الزيادة من ~~حيث هي زيادة لا توجب الوصف بالمجاز فإن قلت تكون سببا لنقل الكلمة عن معنى ~~هو أصل فيها إلى معنى ليس بأصل كدت تقول قولا يجوز الإصغاء إليه وذلك إن صح ~~نظير ما قدمت من أن الحذف PageV01P365 # أو الزيادة قد تكون سببا لحدوث حكم في الكلمة تدخل من أجله في المجاز ~~كنصب القرية الآية في وجر المثل في الأخرى فاعرفه # واعلم أن من أصول هذا الباب أن من حق المحذوف أو المزيد أن ينسب إلى جملة ~~الكلام لا إلى الكلمة المجاورة له فأنت تقول إذا سئلت عن القرية في الكلام ~~حذف والأصل أهل القرية ثم حذف الأهل يعنى حذف من بين الكلام وكذلك تقول ~~الكاف زائدة في الكلام والأصل ليس مثله شىء ولا تقل هي زائدة في مثل إذ لو ~~جاز ذلك لجاز أن يقال إن ما في فبما رحمة مزيدة في الرحمة أو في الباء وإن ~~لا مزيدة في يعلم وذلك بين الفساد لأن هذه العبارة إنما تصلح حيث يراد أن ~~حرفا زيد في صيغة اسم أو فعل على أن لا يكون لذلك الحرف على الانفراد معنى ~~ولا تعده وحده كلمة كقولك زيدت الياء للتصغير في قولك رجيل والتاء للتأنيث ~~في ضاربة ولو جاز غير ذلك لجاز أن يكون خبر المبتدأ إذا حذف في نحو زيد ~~منطلق وعمرو ms239 محذوفا من المبتدأ نفسه على حد حذف اللام من يد ودم وذلك ما لا ~~يقوله عاقل فنحن إذا قلنا إن الكاف مزيدة في مثل فإنما نعنى أنها لما زيدت ~~في الجملة وضعت في هذا الموضع منها والأصح في العبارة أن يقال الكاف في مثل ~~مزيدة يعنى الكاف الكائنة في مثل مزيدة كما تقول الكاف التي تراها في مثل ~~مزيدة ولذلك تقول حذف المضاف من الكلام ولا تقول حذف المضاف من المضاف إليه ~~وهذا أوضح من أن يخفى ولكنى استقصيته لأني رأيت في بعض العبارات المستعملة ~~في المجاز والحقيقة ما يوهم ذلك فاعرفه ومما يجب ضبطه هنا أيضا أن الكلام ~~إذا امتنع حمله على ظاهره حتى PageV01P366 يدعو إلى تقدير حذف أو إسقاط ~~مذكور كان على وجهين أحدهما أن يكون امتناع تركه على ظاهره لأمر يرجع إلى ~~غرض المتكلم ومثله الآيتان المتقدم تلاوتهما ألا ترى أنك لو رأيت سل القرية ~~في غير التنزيل لم تقطع بأن ههنا محذوفا لجواز أن يكون كلام رجل مر بقرية ~~قد خربت وباد أهلها فاراد أن يقول لصاحبه واعظا ومذكرا أو لنفسه متعظا ~~معتبرا سل القرية عن أهلها وقل لها ما صنعوا على حد قولهم سل الأرض من شق ~~أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك فإنها إن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا ~~وكذلك إن سمعت الرجل يقول ليس كمثل زيد أحد لم تقطع بزيادة الكاف وجوزت أن ~~يريد ليس كالرجل المعروف بمماثلة زيد أحد # والوجه الثاني أن يكون امتناع ترك الكلام على ظاهره ولزوم الحكم بحذف أو ~~بزيادة من اجل الكلام نفسه لا من حيث غرض المتكلم به وذلك مثل أن يكون ~~المحذوف أحد جزئي الجملة كالمبتدأ في نحو قوله تعالى فصبر جميل وقوله متاع ~~قليل لا بد من تقدير محذوف ولا سبيل إلى أن يكون له معنى دونه سواء كان في ~~التنزيل أو في غيره فإذا نظرت إلى صبر جميل في قول الشاعر # ( يشكو إلى جملي طول السرى % صبر جميل فكلانا مبتلى ) وجدته يقتضى تقدير ~~محذوف كما ms240 اقتضاه في التنزيل وذلك أن الداعي إلى تقدير المحذوف ههنا هو أن ~~الاسم الواحد لا يفيد والصفة والموصوف حكمهما حكم الاسم الواحد وجميل صفة ~~للصبر وتقول للرجل من هذا فيقول زيد يريد هو زيد فتجد هذا الإضمار واجبا ~~لأن الاسم الواحد PageV01P367 لا يفيد وكيف يتصور أن يفيد الاسم الواحد ~~ومدار الفائدة على إثبات أو نفي وكلاهما يقتضي شيئين مثبت ومثبت له ومنفى ~~ومنفى عنه وأما وجوب الحكم بالزيادة لهذه الجهة فكنحو قولهم بحسبك أن تفعل ~~وكفى بالله إن لم تقض بزيادة الباء لم تجد للكلام وجها تصرفه إليه وتأويلا ~~تتأوله عليه البتة فلا بد لك من أن تقول إن الأصل حسبك أن تفعل وكفى الله ~~وذلك أن الباء إذا كانت غير مزيدة كانت لتعديه الفعل إلى الاسم وليس في ~~بحسبك أن تفعل تعديه بالباء إلى حسبك ومن أين أن يتصور أن يتعدى إلى ~~المبتدأ فعل والمبتدأ هو المعرى من العوامل اللفظية وهكذا الأمر في كفى أو ~~أقوى وذلك أن الاسم الداخل عليه الباء في نحو كفى بزيد فاعل كفى ومحال أن ~~تعدى الفعل إلى الفاعل بالباء أو غير الباء ففي الفعل من الاقتضاء للفاعل ~~ما لا حاجة معه إلى متوسط وموصل ومعد فاعرفه والله أعلم بالصواب ( تم ~~الكتاب والحمد لله ) PageV01P368 ms241