######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008187 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار (المتوفى: 471هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 471 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أسرار البلاغة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008187 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8187 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8187 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطبعة المدني بالقاهرة، دار المدني بجدة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | مقدمة # المصنف # الحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله أجمعين ### | اللفظ والمعنى # اعلم أن الكلام هو الذي يعطي العلوم منازلها، ويبين مراتبها، ويكشف عن ~~صورها، ويجني صنوف ثمرها، ويدل على سرائرها، ويبرز مكنون ضمائرها، وبه أبان ~~الله تعالى الإنسان من سائر الحيوان، ونبه فيه على عظم الامتنان، فقال عز ~~من قائل: " الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان " " الرحمن1 - 4 ~~"، فلولاه لم تكن لتتعدى فوائد العلم عالمه، ولا صح من العاقل أن يفتق عن ~~أزاهير العقل كمائمه، ولتعطلت قوى الخواطر والأفكار من معانيها، واستوت ~~القضية في موجودها وفانيها، نعم، ولوقع الحي الحساس في مرتبة الجماد، ولكان ~~الإدراك كالذي ينافيه من الأضداد، ولبقيت القلوب مقفلة تتصون على ودائعها، ~~والمعاني مسجونة في مواضعها، ولصارت القرائح # PageV01P003 # عن تصرفها معقولة، والأذهان عن سلطانها معزولة، ولما عرف كفر من إيمان، ~~وإساءة من إحسان، ولما ظهر فرق بين مدح وتزيين، وذم وتهجين، ثم إن الوصف ~~الخاص به، والمعنى المثبت لنسبه، أنه يريك المعلومات بأوصافها التي وجدها ~~العلم عليها، ويقرر كيفياتها التي تتناولها المعرفة إذا سمت إليها، وإذا ~~كان هذا الوصف مقوم ذاته وأخص صفاته، كان أشرف أنواعه ما كان فيه أجلى ~~وأظهر، وبه أولى وأجدر، ومن ها هنا يبين للمحصل، ويتقرر في نفس المتأمل، ~~كيف ينبغي أن يحكم في تفاضل الأقوال إذا أراد أن يقسم بينها حظوظها من ~~الاستحسان، ويعدل القسمة بصائب القسطاس والميزان، ومن البين الجلي أن ~~التباين في هذه الفضيلة، والتباعد عنها إلى ما ينافيها من الرذيلة، ليس ~~بمجرد اللفظ، كيف والألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضربا خاصا من التأليف، ويعمد ~~بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب، فلو أنك عمدت إلى بيت شعر أو فصل ~~نثر فعددت كلماته عدا كيف جاء واتفق، وأبطلت نضده ونظامه الذي عليه بني، ~~وفيه أفرغ المعنى وأجري، وغيرت ترتيبه الذي بخصوصيته أفاد ما أفاد، وبنسقه ~~المخصوص أبان المراد، نحو أن تقول في: " # PageV01P004 # من الطويل قفا نبك من ذكرى حبيب ms001 ومنزل " منزل قفا ذكرى من نبك حبيب، ~~أخرجته من كمال البيان، إلى مجال الهذيان، نعم وأسقطت نسبته من صاحبه، ~~وقطعت الرحم بينه وبين منشئه، بل أحلت أن يكون له إضافة إلى قائل، ونسب ~~يختص بمتكلم، وفي ثبوت هذا الأصل ما تعلم به أن المعنى الذي له كان هذه ~~الكلم بيت شعر أو فصل خطاب، هو ترتيبها على طريقة معلومة، وحصولها على صورة ~~من التأليف مخصوصة، وهذا الحكم - أعني الاختصاص في الترتيب - يقع في ~~الألفاظ مرتبا على المعاني المرتبة في النفس، المنتظمة فيها على قضية ~~العقل، ولا يتصور في الألفاظ وجوب تقديم وتأخير، وتخصص في ترتيب وتنزيل، ~~وعلى ذلك وضعت المراتب والمنازل في الجمل المركبة ### | وأقسام الكلام المدونة # فقيل: من حق هذا أن يسبق ذلك، ومن حق ما هاهنا أن يقع هنالك، كما قيل في ~~المبتدأ والخبر والمفعول والفاعل، حتى حظر في جنس من الكلم بعينه أن يقع ~~إلا سابقا، وفي آخر أن يوجد إلا مبنيا على غيره وبه لاحقا، كقولنا: إن ~~الاستفهام له صدر الكلام، وإن الصفة لا تتقدم على الموصوف إلا أن تزال عن ~~الوصفية إلى غيرها من الأحكام، فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعرا ~~أو يستجيد نثرا، ثم يجعل الثناء عليه من حيث اللفظ فيقول: حلو رشيق، وحسن ~~أنيق، وعذب سائغ، وخلوب رائع، فاعلم أنه ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس # PageV01P005 # الحروف، وإلى ظاهر الوضع اللغوي، بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده، وفضل ~~يقتدحه العقل من زناده، وأما رجوع الاستحسان إلى اللفظ من غير شرك من ~~المعنى فيه، وكونه من أسبابه ودواعيه، فلا يكاد يعدو نمطا واحدا، وهو أن ~~تكون اللفظة مما يتعارفه الناس في استعمالهم، ويتداولونه في زمانهم، ولا ~~يكون وحشيا غريبا، أو عاميا سخيفا، سخفه بإزالته عن موضوع اللغة، وإخراجه ~~عما فرضته من الحكم والصفة، كقول العامة أشغلت وانفسد، وإنما شرطت هذا ~~الشرط، فإنه ربما استسخف اللفظ بأمر يرجع إلى المعنى دون مجرد اللفظ، كما ~~يحكى من قول عبيد الله بن زياد ms002 لما دهش: افتحوا لي سيفي، وذلك أن الفتح ~~خلاف الإغلاق، فحقه أن يتناول شيئا هو في حكم المغلق والمسدود، وليس السيف ~~بمسدود، وأقصى أحواله أن يكون كونه في الغمد بمنزله كون الثوب في العكم، ~~والدرهم في الكيس، والمتاع في الصندوق، والفتح في هذا الجنس يتعدى أبدا إلى ~~الوعاء المسدود على الشيء الحاوي له لا إلى ما فيه، فلا يقال: افتح الثوب، ~~وإنما يقال: افتح العكم وأخرج الثوب وافتح الكيس، وها هنا أقسام قد يتوهم ~~في بدء الفكرة، وقبل إتمام العبرة، أن الحسن والقبح فيها لا يتعدى اللفظ ~~والجرس، إلى ما يناجي فيه العقل النفس، # PageV01P006 # ولها إذا حقق النظر مرجع إلى ذلك، ومنصرف فيما هنالك، منها: التجنيس ~~والحشو. ### | القول في التجنيس # أما التجنيس فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان وقع معنييهما من ~~العقل موقعا حميدا، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيدا، أتراك استضعفت ~~تجنيس أبي تمام في قوله: # من الكامل ذهبت بمذهبه السماحة فالتوتفيه الظنون: أمذهب أم مذهب # واستحسنت تجنيس القائل: " حتى نجا من خوفه وما نجا " وقول المحدث: # ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني # لأمر يرجع إلى اللفظ؟ أم لأنك رأيت الفائدة ضعفت عن الأول وقويت في ~~الثاني؟ ورأيتك لم يزدك بمذهب ومذهب على أن أسمعك حروفا مكررة، تروم فائدة ~~فلا تجدها إلا مجهولة منكرة، ورأيت الآخر قد أعاد # PageV01P007 # عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يزدك وقد ~~أحسن الزيادة ووفاها، فبهذه السريرة صار التجنيس - وخصوصا المستوفى منه ~~المتفق في الصورة - من حلى الشعر، ومذكورا في أقسام البديع. # فقد تبين لك أن ما يعطي التجنيس من الفضيلة، أمر لم يتم إلا بنصرة ~~المعنى، إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه مستحسن، ولما وجد فيه معيب ~~مستهجن، ولذلك ذم الاستكثار منه والولوع به، وذلك أن المعاني لا تدين في كل ~~موضع لما يجذبها التجنيس إليه، إذ الألفاظ خدم المعاني والمصرفة في حكمها، ~~وكانت المعاني هي المالكة سياستها، المستحقة طاعتها، فمن ms003 نصر اللفظ على ~~المعنى كان كمن أزال الشيء عن جهته، وأحاله عن طبيعته، وذلك مظنة ~~الاستكراه، وفيه فتح أبواب العيب، والتعرض للشين، ولهذه الحالة كان كلام ~~المتقدمين الذين تركوا فضل العناية بالسجع، ولزموا سجية الطبع، أمكن في ~~العقول، وأبعد من القلق، وأوضح للمراد، وأفضل عند ذوي التحصيل، وأسلم من ~~التفاوت، وأكشف عن الأغراض، وأنصر للجهة التي تنحو نحو العقل، وأبعد من ~~التعمل الذي هو ضرب من الخداع بالتزويق، والرضى بأن تقع النقيصة في نفس ~~الصورة، وإن الخلقة، # PageV01P008 # إذا أكثر فيها من الوشم والنقش، وأثقل صاحبها بالحلي والوشي، قياس الحلي ~~على السيف الددان، والتوسع في الدعوى بغير برهان، كما قال: # إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب # وقد تجد في كلام المتأخرين الآن كلاما حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ~~ما له اسم في البديع، إلى أن ينسى أنه يتكلم ليفهم، ويقول ليبين، ويخيل ~~إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في ~~عمياء، وأن يوقع السامع من طلبه في خبط عشواء، وربما طمس بكثرة ما يتكلفه ~~على المعنى وأفسده، كمن ثقل العروس بأصناف الحلي حتى ينالها من ذلك مكروه ~~في نفسها. فإن أردت أن تعرف مثالا فيما ذكرت لك، من أن العارفين بجواهر ~~الكلام لا يعرجون على هذا الفن إلا بعد الثقة بسلامة المعنى وصحته، وإلا ~~حيث يأمنون جناية منه عليه، وانتقاصا له وتعويقا دونه، فانظر إلى خطب ~~الجاحظ في أوائل كتبه هذا - والخطب من شأنها أن يعتمد فيها الأوزان ~~والأسجاع، فإنها تروى وتتناقل تناقل الأشعار، ومحلها محل النسيب والتشبيب # PageV01P009 # من الشعر الذي هو كأنه لا يراد منه إلا الاحتفال في الصنعة، والدلالة على ~~مقدار شوط القريحة، والإخبار عن فضل القوة، والاقتدار على التفنن في الصنعة ~~- قال في أول كتاب الحيوان: " جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل ~~بينك وبين المعرفة سببا، وبين الصدق نسبا، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك ~~الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عز الحق، ms004 وأودع صدرك برد اليقين ~~وطرد عنك ذل اليأس، وعرفك ما في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلة ". ~~فقد ترك أولا أن يوفق بين الشبهة والحيرة في الإعراب، ولم ير أن يقرن ~~الخلاف إلى الإنصاف، ويشفع الحق بالصدق، ولم يعن بأن يطلب لليأس قرينة تصل ~~جناحه، وشيئا يكون رديفا له، لأنه رأى التوفيق بين المعاني أحق، والموازنة ~~فيها أحسن، ورأى العناية بها حتى تكون إخوة من أب وأم؛ ويذرها على ذلك تتفق ~~بالوداد، على حسب اتفاقها بالميلاد، أولى من أن يدعها، لنصرة السجع وطلب ~~الوزن، أولاد علة، عسى أن لا يوجد بينها وفاق إلا في الظواهر، فأما أن ~~يتعدى ذلك إلى الضمائر، ويخلص إلى العقائد والسرائر، ففي الأقل النادر. # PageV01P010 # وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيسا مقبولا، ولا سجعا حسنا، حتى يكون المعنى ~~هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلا، ولا تجد عنه ~~حولا، ومن ها هنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه، وأحقه بالحسن وأولاه، ما ~~وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه، وتأهب لطلبه، أو ما هو - لحسن ~~ملاءمته، وإن كان مطلوبا - بهذه المنزلة وفي هذه الصورة، وذلك كما يمثلون ~~به أبدا من قول الشافعي رحمه الله تعالى وقد سئل عن النبيذ فقال: " أجمع ~~أهل الحرمين على تحريمه "، ومما تجده كذلك قول البحتري: # يعشى عن المجد الغبي؛ ولن ترى ... في سؤدد أربا لغير أريب # وقوله: # فقد أصبحت أغلب تغلبيا ... على أيدي العشيرة والقلوب # ومما هو شبيه به قوله: # وهوى هوى بدموعه فتبادرت ... نسقا يطأن تجلدا مغلوبا # وقوله: # ما زلت تقرع باب بابل بالقنا ... وتزوره في غارة شعواء # PageV01P011 # وقوله: # ذهب والأعالي حيث تذهب مقلة ... فيه بناظرها حديد الأسفل # ومثال ما جاء من السجع هذا المجيء وجرى هذا المجرى في لين مقادته، وحل ~~هذا المحل من القبول قول القائل: اللهم هب لي حمدا، وهب لي مجدا، فلا مجد ~~إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، وقول ابن العميد: فإن الإبقاء على خدم ~~السلطان عدل الإبقاء على ms005 ماله، والإشفاق على حاشيته وحشمه، عدل الإشفاق على ~~ديناره ودرهمه. ولست تجد هذا الضرب يكثر في شيء، ويستمر كثرته واستمراره في ~~كلام القدماء، كقول خالد: ما الإنسان، لولا اللسان، إلا صورة ممثلة، وبهيمة ~~مهملة، وقول الفضل بن عيسى الرقاشي: سل الأرض فقل: من شق أنهارك، وغرس ~~أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا. # PageV01P012 # وإن أنت تتبعته من الأثر وكلام النبي صلى الله عليه وسلم تثق كل الثقة ~~بوجودك له على الصفة التي قدمت، وذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~الظلم ظلمات يوم القيامة "، وقوله صلوت الله عليه: " لا تزال أمتي بخير ما ~~لم تر الغنى مغنما، والصدقة مغرما "، وقوله صلى الله عليه وسلم: " يا أيها ~~الناس؛ أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل، والناس ~~نيام، تدخلوا الجنة بسلام "، فأنت لا تجد في جميع ما ذكرت لفظا اجتلب من ~~أجل السجع، وترك له ما هو أحق بالمعنى منه وأبر به، وأهدى إلى مذهبه، ولذلك ~~أنكر الأعرابي حين شكا إلى عامل ألما بقوله: حلئت ركابي، وشققت ثيابي، ~~وضربت صحابي، فقال له العامل: أوتسجع أيضا إنكار العامل السجع حتى قال: ~~فكيف أقول؟، وذاك أنه # PageV01P013 # لم يعلم أصلح لما أراد من هذه الألفاظ ولم يره بالسجع مخلا بمعنى، أو ~~محدثا في الكلام استكراها، أو خارجا إلى تكلف واستعمال لما ليس بمعتاد في ~~غرضه، وقال الجاحظ: لأنه لو قال: حلئت إبلي أو جمالي أو نوقي أو بعراني أو ~~صرمتي لكان لم يعبر عن حق معناه، وإنما حلئت ركابه، فكيف يدع الركاب إلى ~~غير الركاب؟ وكذلك قوله: وشققت ثيابي، وضربت صحابي، فقد تبين من هذه الجملة ~~أن المعنى المقتضى اختصاص هذا النحو بالقبول: هو أن المتكلم لم يقد المعنى ~~نحو التجنيس والسجع، بل قاده المعنى إليهما، وعبر به الفرق عليهما، حتى إنه ~~لو رام تركهما إلى خلافهما مما لا تجنيس فيه ولا سجع، لدخل من عقوق المعنى ~~وإدخال الوحشة عليه، في شبيه بما ينسب إليه المتكلف للتجنيس المستكره، ~~والسجع النافر، ولن تجد ms006 أيمن طائرا، وأحسن أولا وآخرا، وأهدى إلى الإحسان، ~~وأجلب للاستحسان، من أن ترسل المعاني على سجيتها، وتدعها تطلب لأنفسها ~~الألفاظ، فإنها إذا تركت وما تريد لم تكتس إلا ما يليق بها، ولم تلبس من ~~المعارض إلا ما يزينها، فأما أن تضع في نفسك أنه لا بد من أن تجنس أو تسجع ~~بلفظين مخصوصين، فهو الذي أنت منه بعرض الاستكراه، وعلى خطر من الخطأ ~~والوقوع في الذم، # PageV01P014 # فإن ساعدك الجد كما ساعد في قوله: أو دعاني أمت بما أودعاني، وكما ساعد ~~أبا تمام في نحو قوله: # وأنجدتم من بعد إتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد # وقوله: # هن الحمام، فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام # فذاك، وإلا أطلقت ألسنة العيب، وأفضى بك طلب الإحسان من حيث لم يحسن ~~الطلب، إلى أفحش الإساءة وأكبر الذنب، ووقعت فيما ترى من ينصرك، لا يرى ~~أحسن من أن لا يرويه لك، ويود لو قدر على نفيه عنك، وذلك كما تجده لأبي ~~تمام إذا أسلم نفسه للتكلف، ويرى أنه إن مر على اسم موضع يحتاج إلى ذكره أو ~~يتصل بقصة يذكرها في شعره، من دون أن يشتق منه تجنيسا، أو يعمل فيه بديعا، ~~فقد باء بإثم، وأخل بفرض حتم، من نحو قوله: # سيف الإمام الذي سمته هبته ... لما تخرم أهل الكفر مخترما # PageV01P015 # إن الخليفة لما صال كنت له ... خليفة الموت فيمن جار أو ظلما # قرت بقران عين الدين واشتترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما # وكقول بعض المتأخرين: # البس جلابيب القنا ... عة إنها أوقى رداء # ينجيك من داء الحري ... ص معا ومن أوقار داء # وكقول أبي الفتح البستي: # جفوا فما في طينهم للذي ... يعصره من بلة بله # وقوله: # أخ لي لفظه در ... وكل فعاله بر # تلقاني فحياني ... بوجه بشره بشر # لم يساعدهما حسن التوفيق كما ساعد في نحو قوله: # وكل غنى يتيه به غني ... فمرتجع بموت أو زوال # وهب جدي طوى لي الأرض طرا ... أليس الموت يزوي ما زوى لي # PageV01P016 # ونحوه: # منزلتي يحفظها منزلي ... وباحتي تكرم ms007 ديباجتي # واعلم أن النكتة التي ذكرتها في التجنيس، وجعلتها العلة في استيجابه ~~الفضيلة وهي حسن الإفادة، مع أن الصورة صورة التكرير والإعادة وإن كانت لا ~~تظهر الظهور التام الذي لا يمكن دفعه، إلا في المستوفى المتفق الصورة منه ~~كقوله: # ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيى لدى يحيى بن عبد الله # أو المرفو الجاري هذا المجرى كقوله: " أودعاني أمت بما أودعاني "، فقد ~~يتصور في غير ذلك من أقسامه أيضا، فمما يظهر ذاك فيه ما كان نحو قول أبي ~~تمام: # يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب # وقول البحتري: # لئن صدفت عنا فربت أنفس ... صواد إلى تلك الوجوه الصوادف # PageV01P017 # وذلك أنك تتوهم قبل أن يرد عليك آخر الكلمة كالميم من عواصم والباء من ~~قواضب، أنها هي التي مضت، وقد أرادت أن تجيئك ثانية، وتعود إليك مؤكدة، حتى ~~إذا تمكن في نفسك تمامها، ووعى سمعك آخرها، انصرفت عن ظنك الأول، وزلت عن ~~الذي سبق من التخيل، وفي ذلك ما ذكرت لك من طلوع الفائدة بعد أن يخالطك ~~اليأس منها، وحصول الربح بعد أن تغالط فيه حتى ترى أنه رأس المال. فأما ما ~~يقع التجانس فيه على العكس من هذا وذلك أن تختلف الكلمات من أولها كقول ~~البحتري: # بسيوف إيماضها أوجال ... للأعادي ووقعها آجال # وكذا قول المتأخر: # وكم سبقت منه إلي عوارف ... ثنائي من تلك العوارف وارف # وكم غرر من بره ولطائف ... لشكري على تلك اللطائف طائف # وذلك أن زيادة عوارف على وارف بحرف اختلاف من مبدأ الكلمة في الجملة، ~~فإنه لا يبعد كل البعد عن اعتراض طرف من هذا التخيل فيه، وإن كان لا يقوى ~~تلك القوة، كأنك ترى أن اللفظة أعيدت عليك مبدلا من بعض حروفها غيره أو ~~محذوفا منها، ويبقى في تتبع هذا الموضع كلام حقه غير هذا الفصل وذلك حيث ~~يوضع. # PageV01P018 ### | فصل في ### | قسمة التجنيس وتنويعه # فالذي يجب عليه الاعتماد في هذا الفن، أن التوهم على ضربين: ضرب يستحكم ~~حتى يبلغ أن يصير اعتقادا، وضرب لا يبلغ ms008 ذلك المبلغ، ولكنه شيء يجري في ~~الخاطر، وأنت تعرف ذلك وتتصور وزنه إذا نظرت إلى الفرق بين الشيئين يشتبهان ~~الشبه التام؛ والشيئين يشبه أحدهما بالآخر على ضرب من التقريب، فاعرفه، ~~وأما الحشو فإنما كره وذم وأنكر ورد، لأنه خلا من الفائدة، ولم يحل منه ~~بعائدة، ولو أفاد لم يكن حشوا، ولم يدع لغوا، وقد تراه مع إطلاق هذا الاسم ~~عليه واقعا من القبول أحسن موقع، ومدركا من الرضى أجزل حظ، وذاك لإفادته ~~إياك، على مجيئه مجيء ما لا يعول في الإفادة عليه، ولا طائل للسامع لديه، ~~فيكون مثله مثل الحسنة تأتيك من حيث لم ترقبها، والنافعة أتتك ولم تحتسبها، ~~وربما رزق الطفيلي ظرفا يحظى به حتى يحل محل الأضياف الذين وقع الاحتشاد ~~لهم، والأحباب الذين وثق بالأنس منهم وبهم، # PageV01P019 # وأما التطبيق والاستعارة وسائر أقسام البديع، فلا شبهة أن الحسن والقبح ~~لا يعترض الكلام بهما إلا من جهة المعاني خاصة، من غير أن يكون للألفاظ في ~~ذلك نصيب، أو يكون لها في التحسين أو خلاف التحسين تصعيد وتصويب، أما ~~الاستعارة، فهي ضرب من التشبيه، ونمط من التمثيل، والتشبيه قياس، والقياس ~~يجري فيما تعيه القلوب، وتدركه العقول، وتستفتى فيه الأفهام والأذهان، لا ~~الأسماع والآذان، وأما التطبيق، فأمره أبين، وكونه معنويا أجلى وأظهر، فهو ~~مقابلة الشيء بضده، والتضاد بين الألفاظ المركبة محال، وليس لأحكام ~~المقابلة ثم مجال، فخذ إليك الآن بيت الفرزدق الذي يضرب به المثل في تعسف ~~اللفظ: # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # فانظر أتتصور أن يكون ذلك للفظه من حيث إنك أنكرت شيئا، من حروفه، أو ~~صادفت وحشيا غريبا، أو سوقيا ضعيفا؟ أم ليس إلا لأنه لم يرتب الألفاظ في ~~الذكر، على موجب ترتيب المعاني في الفكر، فكد وكدر، ومنع السامع أن يفهم ~~الغرض إلا بأن يقدم ويؤخر، ثم أسرف في إبطال النظام، وإبعاد المرام، وصار ~~كمن رمى بأجزاء تتألف منها صورة، ولكن # PageV01P020 # بعد أن يراجع فيها بابا من الهندسة، لفرط ما عادى بين أشكالها، ms009 وشدة ما ~~خالف بين أوضاعها، وإذا وجدت ذلك أمرا بينا لا يعارضك فيه شك، ولا يملكك ~~معه امتراء، فانظر إلى الأشعار التي أثنوا عليها من جهة الألفاظ، ووصفوها ~~بالسلامة، ونسبوها إلى الدماثة، وقالوا: كأنها الماء جريانا، والهواء لطفا، ~~والرياض حسنا، وكأنها النسيم، وكأنها الرحيق مزاجها التسنيم، وكأنها ~~الديباج الخسرواني في مرامي الأبصار، ووشي اليمن منشورا على أذرع التجار، ~~كقوله: # ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح # وشدت على دهم المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح # PageV01P021 # ثم راجع فكرتك، واشحذ بصيرتك، وأحسن التأمل، ودع عنك التجوز في الرأي، ثم ~~انظر هل تجد لاستحسانهم وحمدهم وثنائهم ومدحهم منصرفا، إلا إلى استعارة ~~وقعت موقعها، وأصابت غرضها، أو حسن ترتيب تكامل معه البيان حتى وصل المعنى ~~إلى القلب مع وصول اللفظ إلى السمع، واستقر في الفهم مع وقوع العبارة في ~~الأذن، وإلا إلى سلامة الكلام من الحشو غير المفيد، والفضل الذي هو ~~كالزيادة في التحديد، وشيء داخل المعاني المقصودة مداخلة الطفيلي الذي ~~يستثقل مكانه، والأجنبي الذي يكره حضوره، وسلامته من التقصير الذي يفتقر ~~معه السامع إلى تطلب زيادة بقيت في نفس المتكلم، فلم يدل عليها بلفظها ~~الخاص بها، واعتمد دليل حال غير مفصح، أو نيابة مذكور ليس لتلك النيابة ~~بمستصلح، وذلك أن أول ما يتلقاك من محاسن هذا الشعر أنه قال: " ولما قضينا ~~من منى كل حاجة " فعبر عن قضاء المناسك بأجمعها والخروج من فروضها وسننها، ~~من طريق أمكنه أن يقصر معه اللفظ، وهو طريقة العموم، ثم نبه بقوله: " ومسح ~~بالأركان من هو ماسح " على طواف الوداع الذي هو آخر الأمر، ودليل المسير ~~الذي هو مقصوده من الشعر، ثم قال: " أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا " فوصل ~~بذكر مسح الأركان، ما وليه من زم الركاب وركوب الركبان، ثم دل بلفظة ~~الأطراف على الصفة التي يختص بها الرفاق في السفر، # PageV01P022 # من التصرف في فنون القول وشجون الحديث، أو ما هو عادة المتظرفين، من ms010 ~~الإشارة والتلويح والرمز والإيماء، وأنبأ بذلك عن طيب النفوس، وقوة النشاط، ~~وفضل الاغتباط، كما توجبه ألفة الأصحاب وأنسة الأحباب، وكما يليق بحال من ~~وفق لقضاء العبادة الشريفة ورجا حسن الإياب، وتنسم روائح الأحبة والأوطان، ~~واستماع التهاني والتحايا من الخلان والإخوان، ثم زان ذلك كله باستعارة ~~لطيفة طبق فيها مفصل التشبيه، وأفاد كثيرا من الفوائد بلطف الوحي والتنبيه، ~~فصرح أولا بما أومأ إليه في الأخذ بأطراف الأحاديث، من أنهم تنازعوا ~~أحاديثهم على ظهور الرواحل، وفي حال التوجه إلى المنازل، وأخبر بعد بسرعة ~~السير، ووطاءة الظهر، إذ جعل سلاسة سيرها بهم كالماء تسيل به الأباطح، وكان ~~في ذلك ما يؤكد ما قبله، لأن الظهور إذا كانت وطيئة وكان سيرها السير السهل ~~السريع، زاد ذلك في نشاط الركبان، ومع ازدياد النشاط يزداد الحديث طيبا، ثم ~~قال: بأعناق المطي، ولم يقل بالمطي، لأن السرعة والبطء يظهران غالبافي ~~أعناقها، ويبين أمرهما من هواديها وصدورها، وسائر أجزائها تستند إليها في ~~الحركة، وتتبعها في الثقل والخفة، ويعبر عن المرح والنشاط، إذا كانا في ~~أنفسها، بأفاعيل لها خاصة في العنق والرأس، وتدل عليهما بشمائل مخصوصة في ~~المقاديم، # PageV01P023 # فقل الآن: هل بقيت عليك حسنة تحيل فيها على لفظة من ألفاظها حتى إن فضل ~~تلك الحسنة يبقى لتلك اللفظة لو ذكرت على الانفراد، وأزيلت عن موقعها من ~~نظم الشاعر ونسجه وتأليفه وترصيفه، وحتى تكون في ذلك كالجوهرة التي هي، وإن ~~ازدادت حسنا بمصاحبة أخواتها، واكتست بهاء بمضامة أترابها، فإنها إذا جليت ~~للعين فردة، وتركت في الخيط فذة، لم تعدم الفضيلة الذاتية، والبهجة التي في ~~نفسها مطوية والشذرة من الذهب تراها بصحبة الجواهر لها في القلادة، ~~واكتنافها لها في عنق الغادة، ووصلها بريق جمرتها والتهاب جوهرها، بأنوار ~~تلك الدرر التي تجاورها، ولألاء اللآلئ التي تناظرها تزداد جمالا في العين، ~~ولطف موقع من حقيقة الزين، ثم هي إن حرمت صحبة تلك العقائل، وفرق الدهر ~~الخؤون بينها وبين هاتيك النفائس، لم تعر من بهجتها الأصيلة، ولم تذهب عنها ~~فضيلة الذهبية، كلا، ليس هذا ms011 بقياس الشعر الموصوف بحسن اللفظ، وإن كان لا ~~يبعد أن يتخيله من لا ينعم النظر، ولا يتم التدبر، بل حق هذا المثل أن يوضع ~~في نصرة بعض المعاني الحكمية والتشبيهية بعضا، وازدياد الحسن منها بأن ~~يجامع شكل منها شكلا، وأن يصل الذكر بين متدانيات في ولادة العقول إياها، ~~ومتجاورات في تنزيل الأفهام لها. # PageV01P024 # واعلم أن هذه # الفصول التي قدمتها وإن كانت قضايا لا يكاد يخالف فيها من به طرق، فإنه ~~قد يذكر الأمر المتفق عليه، ليبنى عليه المختلف فيه، هذا ورب وفاق من موافق ~~قد بقيت عليه زيادات أغفل النظر فيها، وضروب من التلخيص والتهذيب لم يبحث ~~عن أوائلها وثوانيها، وطريقة في العبارة عن المغزى في تلك الموافقة لم ~~يمهدها، ودقيقة في الكشف عن الحجة على مخالف لو عرض من المتكلفين لم يجدها، ~~حتى تراه يطلق في عرض كلامه ما يبرز به وفاقا في معرض خلاف، ويعطيك إنكارا ~~وقد هم باعتراف، ورب صديق والاك قلبه، وعاداك فعله، فتركك مكدودا لا تشتفي ~~من دائك بعلاج، وتبقى منه في سوء مزاج، لفصول التي قدمتها وإن كانت قضايا ~~لا يكاد يخالف فيها من به طرق، فإنه قد يذكر الأمر المتفق عليه، ليبنى عليه ~~المختلف فيه، هذا ورب وفاق من موافق قد بقيت عليه زيادات أغفل النظر فيها، ~~وضروب من التلخيص والتهذيب لم يبحث عن أوائلها وثوانيها، وطريقة في العبارة ~~عن المغزى في تلك الموافقة لم يمهدها، ودقيقة في الكشف عن الحجة على مخالف ~~لو عرض من المتكلفين لم يجدها، حتى تراه يطلق في عرض كلامه ما يبرز به ~~وفاقا في معرض خلاف، ويعطيك إنكارا وقد هم باعتراف، ورب صديق والاك قلبه، ~~وعاداك فعله، فتركك مكدودا لا تشتفي من دائك بعلاج، وتبقى منه في سوء مزاج، # PageV01P025 ### | المقصد # واعلم أن غرضي في هذا الكلام الذي ابتدأته، والأساس الذي وضعته، أن أتوصل ~~إلى بيان أمر المعاني كيف تختلف وتتفق، ومن أين تجتمع وتفترق، وأفصل ~~أجناسها وأنواعها، وأتتبع خاصها ومشاعها، وأبين أحوالها في كرم منصبها من ~~العقل، ms012 وتمكنها في نصابه، وقرب رحمها منه، أو بعدها حين تنسب عنه، وكونها ~~كالحليف الجاري مجرى النسب، أو الزنيم الملصق بالقوم لا يقبلونه، ولا ~~يمتعضون له ولا يذبون دونه، وإن من الكلام ما هو كما هو شريف في جوهره ~~كالذهب الإبريز الذي تختلف عليه الصور وتتعاقب عليه الصناعات، وجل المعول ~~في شرفه على ذاته، وإن كان التصوير قد يزيد في قيمته ويرفع من قدره، ومنه ~~ما هو كالمصنوعات العجيبة من مواد غير شريفة، فلها، ما دامت الصورة محفوظة ~~عليها لم تنتقض، وأثر الصنعة باقيا معها لم يبطل قيمة تغلو، ومنزلة تعلو، ~~وللرغبة إليها انصباب، وللنفوس بها إعجاب، حتى إذا خانت الأيام فيها ~~أصحابها، وضامت الحادثات أربابها، وفجعتهم فيها بما يسلب حسنها المكتسب ~~بالصنعة، وجمالها المستفاد من طريق العرض، فلم يبق إلا المادة العارية من ~~التصوير، # PageV01P026 # والطينة الخالية من التشكيل سقطت قيمتها، وانحطت رتبتها، وعادت الرغبات ~~التي كانت فيها زهدا، وأوسعتها عيون كانت تطمح إليها إعراضا دونها، وصدا، ~~وصارت كمن أحظاه الجد بغير فضل كان يرجع إليه في نفسه، وقدمه البخت من غير ~~معنى يقضي بتقدمه، ثم أفاق فيه الدهر عن رقدته، وتنبه لغلطته، فأعاده إلى ~~دقة أصله، وقلة فضله، وهذا غرض لا ينال على وجهه، وطلبة لا تدرك كما ينبغي، ~~إلا بعد مقدمات تقدم، وأصول تمهد، وأشياء هي كالأدوات فيه حقها أن تجمع، ~~وضروب من القول هي كالمسافات دونه، يجب أن يسار فيها بالفكر وتقطع، وأول ~~ذلك وأولاه، وأحقه بأن يستوفيه النظر ويتقصاه، القول على التشبيه والتمثيل ~~والاستعارة، فإن هذه أصول كبيرة، كأن جل محاسن الكلام إن لم نقل: كلها ~~متفرعة عنها، وراجعة إليها، وكأنها أقطاب تدور عليها المعاني في متصرفاتها، ~~وأقطار تحيط بها من جهاتها، ولا يقنع طالب التحقيق أن يقتصر فيها على أمثلة ~~تذكر، ونظائر تعد، نحو أن يقال: الاستعارة مثل قولهم الفكرة فخ العمل، ~~وقوله: " # PageV01P027 # وعرى أفراس الصبا ورواحله " وقوله: " السفر ميزان القوم "، وقول ~~الأعرابي: " كانوا إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام، وإذا تصافحوا بالسيوف قفز ~~الحمام "، والتمثيل كقوله: ms013 " فإنك كالليل الذي هو مدركي " ويؤتى بأمثلة إذا ~~حقق النظر في الأشياء يجمعها الاسم الأعم، وينفرد كل منها بخاصة، من لم يقف ~~عليها كان قصير الهمة في طلب الحقائق، ضعيف المنة في البحث عن الدقائق، ~~قليل التوق إلى معرفة اللطائف، يرضى بالجمل والظواهر، ويرى أن لا يطيل سفر ~~الخاطر، ولعمري إن ذلك أروح للنفس، وأقل للشغل، إلا أن من طلب الراحة ما ~~يعقب تعبا، ومن اختيار ما تقل معه الكلفة ما يفضي إلى أشد الكلفة، وذلك أن ~~الأمور التي تلتقي عند الجملة وتتباين لدى التفصيل، وتجتمع في جذم ثم يذهب ~~بها التشعب ويقسمها قبيلا بعد قبيل، إذا لم تعرف حقيقة الحال في تلاقيها # PageV01P028 # حيث التقت، وافتراقها حيث افترقت، كان قياس من يحكم فيها، إذا توسط الأمر ~~قياس من أراد الحكم بين رجلين في شرفهما وكرم أصلهما وذهاب عرقهما في ~~الفضل، ليعلم أيهما أقعد في السؤدد، وأحق بالفخر، وأرسخ في أرومة المجد، ~~وهو لا يعرف من نسبتهما أكثر من ولادة الأب الأعلى والجد الأكبر، لجواز أن ~~يكون واحد منهما قرشيا أو تميميا، فيكون في العجز عن أن يبرم قضية في ~~معناهما، ويبين فضلا أو نقصا في منتماهما في حكم من لا يعلم أكثر من أن كل ~~واحد منهما آدمي، ذكر، أو خلق مصور. واعلم أن الذي يوجبه ظاهر الأمر، وما ~~يسبق إلى الفكر، أن يبدأ بجملة من القول في الحقيقة والمجاز ويتبع ذلك ~~القول في التشبيه والتمثيل، ثم ينسق ذكر الاستعارة عليهما، ويؤتى بها في ~~أثرهما، وذلك أن المجاز أعم من الاستعارة، والواجب في قضايا # المراتب أن يبدأ بالعام قبل الخاص، والتشبيه كالأصل في الاستعارة، وهي ~~شبيه بالفرع له، أو صورة مقتضبة من صوره إلا أن ها هنا أمورا اقتضت أن تقع ~~البداية بالاستعارة، وبيان صدر منها، والتنبيه على طريق الانقسام فيها، حتى ~~إذا عرف بعض ما يكشف عن حالها، ويقف على سعة مجالها، عطف عنان الشرح إلى ~~الفصلين الآخرين، فوفيا حقوقها، وبين فروقهما، ثم ينصرف إلى استقصاء الكلام ~~في الاستعارة. ms014 تب أن يبدأ بالعام قبل الخاص، والتشبيه كالأصل في الاستعارة، ~~وهي شبيه بالفرع له، أو صورة مقتضبة من صوره إلا أن ها هنا أمورا اقتضت أن ~~تقع البداية بالاستعارة، وبيان صدر منها، والتنبيه على طريق الانقسام فيها، ~~حتى إذا عرف بعض ما يكشف عن حالها، ويقف على سعة مجالها، عطف عنان الشرح ~~إلى الفصلين الآخرين، فوفيا حقوقها، وبين فروقهما، ثم ينصرف إلى استقصاء ~~الكلام في الاستعارة. # PageV01P029 ### | تعريف الاستعارة # اعلم أن الاستعارة في الجملة أن يكون للفظ أصل في الوضع اللغوي معروف تدل ~~الشواهد على أنه اختص به حين وضع، ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في غير ~~ذلك الأصل، وينقله إليه نقلا غير لازم، فيكون هناك كالعارية. ### | تقسيم الاستعارة # ثم إنها تنقسم أولا قسمين، أحدهما: أن يكون لنقله فائدة، والثاني: أن لا ~~يكون له فائدة، وأنا أبدا بذكر غير المفيد، فإنه قصير الباع، قليل الاتساع، ~~ثم أتكلم على المفيد الذي هو المقصود، وموضع هذا الذي لا يفيد نقله، حيث ~~يكون اختصاص الاسم بما وضع له من طريق أريد به التوسع في أوضاع اللغة، ~~والتنوق في مراعاة دقائق في الفروق في المعاني المدلول عليها، كوضعهم للعضو ~~الواحد أسامي كثيرة بحسب اختلاف أجناس الحيوان، نحو وضع الشفة للإنسان ~~والمشفر للبعير والجحفلة للفرس، وما شاكل ذلك من فروق ربما وجدت في غير لغة ~~العرب وربما لم توجد، فإذا استعمل الشاعر شيئا منها في غير الجنس الذي وضع ~~له، فقد استعاره منه ونقله عن أصله وجاز به موضعه، # PageV01P030 # كقول العجاج " وفاحما، ومرسنا مسرجا " يعني أنفا يبرق كالسراج، والمرسن ~~في الأصل للحيوان، لأنه الموضع الذي يقع عليه الرسن وقال آخر: يصف إبلا: # تسمع للماء كصوت المسحل ... بين وريديها وبين الجحفل # فجعل للإبل جحافل، وهي لذوات الحوافر، وقال آخر: " والحشو من حفانها ~~كالحنظل " فأجرى الحفان على صغار الإبل، وهو موضوع لصغار النعام، # PageV01P031 # وقال الآخر: # فبتنا جلوسا لدى مهرنا ... ننزع من شفتيه الصفارا # فاستعمل الشفة في الفرس، وهي موضوعة للإنسان، فهذا ونحوه لا يفيدك شيئا، ~~لو لزمت ms015 الأصلي لم يحصل لك، فلا فرق من جهة المعنى بين قوله من شفتيه وقوله ~~من جحفلتيه لو قاله، إنما يعطيك كلا الاسمين العضو المعلوم فحسب، بل ~~الاستعارة ها هنا بأن تنقصك جزءا من الفائدة أشبه، وذلك أن الاسم في هذا ~~النحو، إذا نفيت عن نفسك دخول الاشتراك عليه بالاستعارة، دل ذكره على العضو ~~وما هو منه، فإذا قلت الشفة دل على الإنسان، أعني يدل على أنك قصدت هذا ~~العضو من الإنسان دون غيره، فإذا توهمت جري الاستعارة في الاسم، زالت عنها ~~هذه الدلالة بانقلاب اختصاصها إلى الاشتراك، فإذا قلت الشفة في موضع قد جرى ~~فيه ذكر الإنسان والفرس، دخل على السامع بعض الشبهة، لتجويزه أن تكون ~~استعرت الاسم للفرس، ولو فرضنا أن تعدم هذه الاستعارة من أصلها وتحظر، لما ~~كان لهذه الشبهة طريق على المخاطب فاعرفه. # وأما المفيد فقد بان لك باستعارته فائدة ومعنى من المعاني # PageV01P032 # وغرض من الأغراض، لولا مكان تلك الاستعارة لم يحصل لك، وجملة تلك الفائدة ~~وذلك الغرض التشبيه، إلا أن طرقه تختلف حتى تفوت النهاية، ومذاهبه تتشعب ~~حتى لا غاية، ولا يمكن الانفصال منه إلا بفصول جمة، وقسمة بعد قسمة، وأنا ~~أرى أن أقتصر الآن على إشارة تعرف صورته على الجملة بقدر ما تراه، وقد قابل ~~خلافه الذي هو غير المفيد، فيتم تصورك للغرض والمراد، فإن الأشياء تزداد ~~بيانا بالأضداد، ومثاله قولنا: رأيت أسدا، وأنت تعني رجلا شجاعا، وبحرا، ~~تريد رجلا جوادا وبدرا وشمسا، تريد إنسانا مضيء الوجه متهللا وسللت سيفا ~~على العدو تريد رجلا ماضيا في نصرتك، أو رأيا نافذا وما شاكل ذلك، فقد ~~استعرت اسم الأسد للرجل، ومعلوم أنك أفدت بهذه الاستعارة ما لولاها لم يحصل ~~لك، وهو المبالغة في وصف المقصود بالشجاعة، وإيقاعك منه في نفس السامع صورة ~~الأسد في بطشه وإقدامه وبأسه وشدته، وسائر المعاني المركوزة في طبيعته، مما ~~يعود إلى الجرأة، وهكذا أفدت باستعارة البحر سعته في الجود وفيض الكف، ~~وبالشمس والبدر ما لهما من الجمال والبهاء والحسن المالئ للعيون الباهر ms016 ~~للنواظر، وإذ قد عرفت المثال في كون الاستعارة مفيدة على الجملة، وتبين لك ~~مخالفة هذا الضرب للضرب الأول الذي هو غير المفيد، فإني أذكر بقية قول مما ~~يتعلق به، أعني بغير المفيد، ثم أعطف على أقسام المفيد وأنواعه، وما يتصل ~~به ويدخل في جملته من فنون القول بتوفيق الله عز وجل، # PageV01P033 # وأسأله عز اسمه المعونة، وأبرأ إليه من الحول والقوة، وأرغب إليه في أن ~~يجعل كل ما نتصرف فيه منصرفا إلى ما يتصل برضاه، ومصروفا عما يؤدي إلى ~~سخطه. اعلم أنه إذا ثبت أن اختصاص المرسن بغير الآدمي لا يفيد أكثر مما ~~يفيد الأنف في الآدمي وهو فصل هذا العضو من غيره ولم تكن باستعارته للآدمي ~~مفيدا ما لا تفيده بالأنف لم يتصور أن يكون استعارة من جهة المعنى، وإذا ~~كان مدار أمره على اللفظ لم يتصور أن يكون في غير لغة العرب، بلى، إن وجد ~~في لغة الفرس مراعاة نحو هذه الفروق، ثم نقلوا الشيء من الجنس المخصوص به ~~إلى جنس آخر، كانوا قد سلكوا في لغتهم مسلك العرب في لغتها # وليس كذلك المفيد، فإن الكثير منه تراه في عداد ما يشترك فيه أجيال ~~الناس، ويجري به العرف في جميع اللغات، فقولك رأيت أسدا، تريد وصف رجل ~~بالشجاعة وتشبيهه بالأسد على المبالغة، أمر يستوي فيه العربي والعجمي، ~~وتجده في كل جيل، وتسمعه من كل قبيل، كما أن قولنا زيد كالأسد على التصريح ~~بالتشبيه كذلك، فلا يمكن أن يدعى أنا إذا استعملنا هذا النحو من الاستعارة، ~~فقد عمدنا إلى طريقة في المعقولات لا يعرفها غير العرب، أو لم تتفق لمن ~~سواهم، لأن ذلك بمنزلة أن تقول: إن تركيب الكلام من الاسمين، أو من الفعل ~~والاسم، يختص بلغة العرب، وإن الحقائق التي تذكر في أقسام الخبر ونحوه، مما ~~لا نعقله إلا من لغة العرب، وذلك مما لا يخفى فساده، # PageV01P034 # فإذا ذكر المجاز، وأريد أن يعد هذا النحو من الاستعارة فيه، فالوجه أن ~~يضاف إلى العقلاء جملة، ولا تستعمل لفظة توهم أنه ms017 من عرف هذه اللغة وطرقها ~~الخاصة بها، كما تقول مثلا فيما يختص باللغة العربية من الأحكام، نحو ~~الإعراب بالحركات، والصرف ومنع الصرف، ووضع المصدر مثلا مواضع اسم الفاعل ~~نحو رجل صوم وضيف، وجمع الاسم الواحد في التكسير عدة أمثلة نحو فرخ وأفرخ ~~وفراخ وفروخ، وكالفرق بين المذكر والمؤنث في الخطاب وجملة الضمائر وما شاكل ~~ذلك، ولإغفال هذا الموضع والتجوز في العبارة عنه، دخل الغلط على من جعل ~~الشيء من هذا الباب سرقة وأخذا حتى نعي عليه، وبين أنه من المعاني العامية ~~والأمور المشتركة التي لا فضل فيها للعربي على العجمي، ولا اختصاص له بجيل ~~دون جيل، على ما ترى القول فيه، إن شاء الله تعالى في موضعه، وهو تعالى ولي ~~المن بالتوفيق له بفضله وجوده، ولو أن مترجما ترجم قوله: " وإلا النعام ~~وحفانه " ففسر الحفان باللفظ المشترك الذي هو كالأولاد والصغار، لأنه لا ~~يجد في اللغة التي بها يترجم لفظا خاصا، لكان مصيبا ومؤديا للكلام كما هو، ~~ولو أنه ترجم قولنا: رأيت أسدا، تريد رجلا شجاعا، فذكر ما معناه معنى # PageV01P035 # قولك: شجاعا شديدا، وترك أن يذكر الاسم الخاص في تلك اللغة بالأسد على ~~هذه الصورة، لم يكن مترجما للكلام، بل كان مستأنفا من عند نفسه كلاما، وهذا ~~باب من الاعتبار يحتاج إليه، فحقه أن يحفظ، وعسى أن يجيء له زيادة بسط فيما ~~يستقبل، فاعلم أنك قد تجد الشيء يخلط بالضرب الأول الذي استعارة من طريق ~~اللفظ ويعد في قبيله، وهو إذا حققت ناظر إلى الضرب الآخر الذي هو مستعار من ~~جهة المعنى وجار في سبيله، فمن ذلك قولهم: إنه لغليظ الجحافل، وغليظ ~~المشافر، وذلك أنه كلام يصدر عنهم في مواضع الذم، فصار بمنزلة أن يقال: كأن ~~شفته في الغلظ مشفر البعير وجحفلة الفرس، وعلى ذلك قول الفرزدق: # فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ... ولكن زنجيا غليظ المشافر # فهذا يتضمن معنى قولك: ولكن زنجيا كأنه جمل لا يعرفني ولا يهتدي لشرفي، ~~وهكذا ينبغي أن يكون القول في قولهم: أنشب فيه مخالبه، لأن ms018 المعنى على أن ~~يجعل له التعلق بالشيء والاستيلاء عليه، حالة كحالة الأسد مع فريسته، ~~والبازي مع صيده، # PageV01P036 # وكذا قول الحطيئة: # قروا جارك العيمان لما جفوته ... وقلص عن برد الشراب مشافره # حقه، إذا حققت، أن يكون في القبيل المعنوي، وذلك أنه وإن كان عنى نفسه ~~بالجار، فقد يجوز أن يقصد إلى وصف نفسه بنوع من سوء الحال، ويعطيها صفة من ~~صفات النقص، ليزيد بذلك في التهكم بالزبرقان، ويؤكد ما قصده من رميه بإضاعة ~~الضيف واطراحه وإسلامه للضر والبؤس، وليس ببعيد من هذه الطريقة من ابتدأ ~~شعرا في ذم نفسه، ولم يرض في وصف وجهه بالتقبيح والتشويه إلا بالتصريح ~~الصريح دون الإشارة والتنبيه. # وأما قول مزرد: # فما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر # PageV01P037 # فقد قالوا إنه أراد أن يقول: بساق وقدم، فلما لم تطاوعه القافية وضع ~~الحافر موضع القدم، وهو وإن كان قد قال بعد هذا البيت ما يدل على قصده أن ~~يحسن القول في الضيف، ويباعده من أن يكون قصد الزراية عليه، أو يحول حول ~~الهزء به والاحتقار له، وذلك قوله: # فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... بهذا المحيا من محي وزائر # فليس بالبعيد أن يكون فيه شوب مما مضى، وأن يكون الذي أفضى به إلى ذكر ~~الحافر، قصده أن يصفه بسوء الحال في مسيره، وتقاذف نواحي الأرض به، وأن ~~يبالغ في ذكره بشدة الحرص على تحريك بكره، واستفراغ مجهوده في سيره، ويؤنس ~~بذلك أن تنظر إلى قوله قبل: # وأشعث مسترخي العلابي طوحت ... به الأرض من باد عريض وحاضر # فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت ... بعلياء نشز للعيون النواظر # وبعده فما رقد الولدان، فإذا جعله أشعث مسترخي العلابي، فقد قربت المسافة ~~بينه وبين أن يجعل قدمه حافرا، ليعطيه، من الصلابة وشدة الوقع على جنب ~~البكر حظا وافرا، وهكذا قول الآخر: # سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقق # PageV01P038 # هو في حد التشبيه والاستعارة، لأن المعنى على أن الأظلاف لمن يربأ بالملك ~~عن مشابهته، كأنه قال: أجعل أمرها إلى ms019 ملك، لا إلى عبد جاف متشقق الأظلاف، ~~ويدل على ذلك أن أبا بكر بن دريد قال في أول الباب الذي وضعه للاستعارة: ~~يقولون للرجل إذا عابوه: جاءنا حافيا متشقق الأظلاف ثم أنشد البيت، فإذا ~~كان من شرط هذه الاستعارة أن يؤتى بها في موضع العيب والنقص، فلا شك في ~~أنها معنوية وكذا قوله: # وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا # فأجرى التولب على ولد المرأة، وهو لولد الحمار في الأصل، وذلك لأنه يصف ~~حال ضر وبؤس، ويذكر امرأة بائسة فقيرة، والعادة في مثل ذلك الصفة بأوصاف ~~البهائم، ليكون أبلغ في سوء الحال وشدة الاختلال، ومثله سواء قول الآخر: # وذكرت أهلي بالعرا ... ق وحاجة الشعث التوالب # PageV01P039 # كأنه قال: الشعث التي لو رأيتها حسبتها توالب، لما بها من الغبرة وبذاذة ~~الهيئة، والجدع في البيت بالدال غير معجمة، حكى شيخنا رحمه الله قال: أنشد ~~المفضل تصمت بالماء تولبا جذعا بالذال المعجمة، فأنكره الأصمعي وقال: إنما ~~هو تصمت بالماء تولبا جدعا وهو السيئ الغذاء، قال: فجعل المفضل يصيح، فقال ~~الأصمعي: لو نفخت في الشبور ما نفعك، تكلم بكلام الحكل وأصب. وأما قول ~~الأعرابي: كيف الطلا وأمه؟ فمن جنس المفيد أيضا، لأنه أشار إلى شيء من ~~تشبيه المولود بولد الظبي، ألا تراه قال ذاك بعد أن انصرف عن السخط إلى ~~الرضى، وبعد أن سكن عنه فورة الجوع الذي دعاه إلى أن قال: ما أصنع به؟ آكله ~~أم أشربه حتى قالت المرأة " غرثان فاربكوا له "، وأما قوله: # إذ أشرف الديك يدعو بعض أسرته ... عند الصباح، وهم قوم معازيل # PageV01P040 # فاستعارة القوم ها هنا، وإن كانت في الظاهر لا تفيد أكثر من معنى الجمع، ~~فإنها مفيدة من حيث أراد أن يعطيها شبها مما يعقل، على أن هذا إذا حققنا في ~~غير ما نحن فيه وبصدده في هذا ال ### | فصل # ، وذلك أنه لم يجتلب الاسم المخصوص بالآدميين حتى قدم تنزيلها منزلتهم ~~فقال " هم "، فأتى بضمير من يعقل، وإذا كان الأمر كذلك، كان القوم جاريا ~~مجرى الحقيقة، ونظيره أنك ms020 تقول: أين الأسود الضارية؟ وأنت تعني قوما من ~~الشجعان، فيلزم في الصفة حكم ما لا يعقل، فتقول: الضارية، ولا تقول الضارون ~~ألبتة، لأنك وضعت كلامك على أنك كأنك تحدث عن الأسود في الحقيقة. وعلى هذه ~~الطريقة ينبغي أن يجرى بيت المتنبي: # زحل، على أن الكواكب قومه ... لو كان منك لكان أكرم معشرا # وإن لم يكن معنا اسم آخر سابق حكم ما يعقل للكواكب، كالضمير في قوله وهم ~~قوم، وذلك أن ما يفصح به الحال من قصده أن يدعي للكواكب هذه المنزلة يجري ~~مجرى التصريح بذلك، ألا ترى أنه لا يتضح وجه المدح فيه إلا بدعوى أحوال ~~الآدميين ومعارفهم للكواكب، لأنه يفاضل بينه وبينها في الأوصاف العقلية ~~بدلالة قوله " لكان أكرم معشرا "، ولن يتحصل ثبوت وصف شريف معقول لها ولا ~~الكرم على الوجه الذي يتعارف في الناس حتى تجعل كأنها تعقل وتميز، ولو كانت ~~المفاضلة في النور والبهاء وعلو المحل وما شاكل ذلك، لكان لا يلزم حينئذ ما ~~ذكرت، وحق القول في هذا القبيل أعني ما يدعى فيه لما لا يعقل العقل فصل ~~يفرد به، ولعله يجيء في موضعه بمشيئة الله وتوفيقه. # PageV01P041 ### | القول في الاستعارة المفيدة # اعلم أن الاستعارة في الحقيقة هي هذا الضرب دون الأول، وهي أمد ميدانا، ~~وأشد افتنانا، وأكثر جريانا، وأعجب حسنا وإحسانا، وأوسع سعة وأبعد غورا، ~~وأذهب نجدا في الصناعة وغورا، من أن تجمع شعبها وشعوبها، وتحصر فنونها ~~وضروبها، نعم، وأسحر سحرا، وأملأ بكل ما يملأ صدرا، ويمتع عقلا، ويؤنس ~~نفسا، ويوفر أنسا، وأهدى إلى أن تهدي إليك أبدا عذارى قد تخير لها الجمال، ~~وعني بها الكمال وأن تخرج لك من بحرها جواهر إن باهتها الجواهر مدت في ~~الشرف والفضيلة باعا لا يقصر، وأبدت من الأوصاف الجليلة محاسن لا تنكر، ~~وردت تلك بصفرة الخجل، ووكلتها إلى نسبتها من الحجر وأن تثير من معدنها ~~تبرا لم تر مثله، ثم تصوغ فيها صياغات تعطل الحلي، وتريك الحلي الحقيقي وأن ~~تأتيك على الجملة بعقائل يأنس إليها الدين والدنيا، وفضائل لها ms021 من الشرف ~~الرتبة العليا، وهي أجل من أن تأتي الصفة على حقيقة حالها، وتستوفي جملة ~~جمالها، ومن الفضيلة الجامعة فيها أنها تبرز هذا البيان أبدا في صورة ~~مستجدة تزيد قدره نبلا، وتوجب له بعد الفضل فضلا، وإنك لتجد اللفظة الواحدة ~~قد اكتسبت بها فوائد حتى تراها مكررة في مواضع، ولها في كل واحد من تلك ~~المواضع شأن مفرد، وشرف منفرد، وفضيلة مرموقة، وخلابة موموقة، # PageV01P042 # ومن خصائصها التي تذكر بها، وهي عنوان مناقبها، أنها تعطيك الكثير من ~~المعاني باليسير من اللفظ، حتى تخرج من الصدفة الواحدة عدة من الدرر، وتجني ~~من الغصن الواحد أنواعا من الثمر، وإذا تأملت أقسام الصنعة التي بها يكون ~~الكلام في حد البلاغة، ومعها يستحق وصف البراعة، وجدتها تفتقر إلى أن ~~تعيرها حلاها، وتقصر عن أن تنازعها مداها وصادفتها نجوما هي بدرها، وروضا ~~هي زهرها، وعرائس ما لم تعرها حليها فهي عواطل، وكواعب ما لم تحسنها فليس ~~لها في الحسن حظ كامل، فإنك لترى بها الجماد حيا ناطقا، والأعجم فصيحا، ~~والأجسام الخرس مبينة، والمعاني الخفية بادية جلية، وإذا نظرت في أمر ~~المقاييس وجدتها ولا ناصر لها أعز منها، ولا رونق لها ما لم تزنها، وتجد ~~التشبيهات على الجملة غير معجبة ما لم تكنها، إن شئت أرتك المعاني اللطيفة ~~التي هي من خبايا العقل، كأنها قد جسمت حتى رأتها العيون، وإن شئت لطفت ~~الأوصاف الجسمانية حتى تعود روحانية لا تنالها إلا الظنون، وهذه إشارات ~~وتلويحات في بدائعها، وإنما ينجلي الغرض منها ويبين، إذا تكلم على هذه ~~التفاصيل، وأفرد كل فن بالتمثيل، وسترى ذلك إن شاء الله، وإليه الرغبة في ~~أن توفق للبلوغ إليه والتوفر عليه، وإذ قد عرفتك أن لها هذا المجال الفسيح، ~~والشأو البعيد، فإني أضع لك فصلا، بعد فصل، وأجتهد بقدر الطاقة في الكشف ~~والبحث. # PageV01P043 # فصل # وهذا فصل قسمتها فيه قسمة عامية ومعنى العامية، أنك لا تجد في هذه ~~الاستعارة قسمة إلا أخص من هذه القسمة، وأنها قسيمة الاستعارة من حيث ~~المعقول المتعارف في طبقات الناس ms022 وأصناف اللغات، وما تجد وتسمع أبدا نظيره ~~من عوام الناس كما تسمع من خواصهم # اعلم أن كل لفظة دخلتها الاستعارة المفيدة، فإنها لا تخلو من أن تكون ~~اسما أو فعلا، فإذا كانت اسما فإنه يقع مستعارا على قسمين " أحدهما " أن ~~تنقله عن مسماه الأصلي إلى شيء آخر ثابت معلوم فتجريه عليه، وتجعله متناولا ~~له تناول الصفة مثلا للموصوف، وذلك قولك رأيت أسدا وأنت تعني رجلا شجاعا ~~وعنت لنا ظبية وأنت تعني امرأة وأبديت نورا وأنت تعني هدى وبيانا وحجة وما ~~شاكل ذلك، فالاسم في هذا كله كما تراه متناول شيئا معلوما يمكن أن ينص عليه ~~فيقال: إنه عني بالاسم وكني به عنه ونقل عن مسماه الأصلي فجعل اسما له على ~~سبيل الإعارة والمبالغة في التشبيه، والثاني: أن يؤخذ الاسم على حقيقته، ~~ويوضع موضعا لا يبين فيه شيء يشار إليه فيقال: هذا هو المراد بالاسم والذي ~~استعير له، وجعل خليفة # PageV01P044 # لاسمه الأصلي ونائبا منابه، ومثاله قول لبيد: # وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # وذلك أنه جعل للشمال يدا، ومعلوم أنه ليس هناك مشار إليه يمكن أن تجرى ~~اليد عليه، كإجراء الأسد والسيف على الرجل في قولك انبرى لي أسد يزئر وسللت ~~سيفا على العدو لا يفل، والظباء على النساء في قوله " الظباء الغيد " # PageV01P045 # والنور على الهدى والبيان في قولك أبديت نورا ساطعا وكإجراء اليد نفسها ~~على من يعز مكانه كقولك أتنازعني في يد بها أبطش، وعين بها أبصر تريد ~~إنسانا له حكم اليد وفعلها، وغناؤها ودفعها، وخاصة العين وفائدتها، وعزة ~~موقعها، ولطف موضعها لأن معك في هذا كله ذاتا ينص عليها، ترى مكانها في ~~النفس، إذا لم تجد ذكرها في اللفظ، وليس لك شيء من ذلك في بيت لبيد، بل ليس ~~أكثر من أن تخيل إلى نفسك أن الشمال في تصريف الغداة على حكم طبيعتها، ~~كالمدبر المصرف لما زمامه بيده، ومقادته في كفه، وذلك كله لا يتعدى التخيل ~~والوهم والتقدير في النفس، من غير أن يكون هناك ms023 شيء يحس، وذات تتحصل، ولا ~~سبيل لك أن تقول: كنى باليد عن كذا، وأراد باليد هذا الشيء، أو جعل الشيء ~~الفلاني يدا كما تقول: كنى بالأسد عن زيد، وعنى به زيدا، وجعل زيدا أسدا، ~~وإنما غايتك التي لا مطلع وراءها أن تقول: أراد أن يثبت للشمال في الغداة ~~تصرفا كتصرف الإنسان في الشيء يقلبه، فاستعار لها اليد حتى يبالغ في تحقيق ~~الشبه، وحكم الزمام في استعاراته للغداة حكم اليد في استعارتها للشمال، إذ ~~ليس هناك مشار إليه يكون الزمام كناية عنه، ولكنه وفى المبالغة شرطها من ~~الطرفين، فجعل على الغداة زماما، ليكون أتم في إثباتها مصرفة، كاجعل للشمال ~~يدا، ليكون أبلغ في تصييرها مصرفة، # PageV01P046 # ويفصل بين القسمين أنك إذا رجعت في القسم الأول إلى التشبيه الذي هو ~~المغزى من كل استعارة تفيد، وجدته يأتيك عفوا، كقولك في رأيت أسدا رأيت ~~رجلا كالأسد أو رأيت مثل الأسد أو شبيها بالأسد وإن رمته في القسم الثاني ~~وجدته لا يؤاتيك تلك المؤاتاة، إذ لا وجه لأن تقول: إذا أصبح شيء مثل اليد ~~للشمال أو حصل شبيه باليد للشمال، وإنما يتراءى لك التشبيه بعد أن تخرق ~~إليه سترا، وتعمل تأملا وفكرا، وبعد أن تغير الطريقة، وتخرج على الحذو ~~الأول، كقولك: إذ أصبحت الشمال ولها في قوة تأثيرها في الغداة شبه المالك ~~تصريف الشيء بيده، وإجراءه على موافقته، وجذبه نحو الجهة التي تقتضيها ~~طبيعته، وتنحوها إرادته، فأنت كما ترى تجد الشبه المنتزع ها هنا إذا رجعت ~~إلى الحقيقة، ووضعت الاسم المستعار في موضعه الأصلي لا يلقاك من المستعار ~~نفسه، بل مما يضاف إليه، ألا ترى أنك لم ترد أن تجعل الشمال كاليد ومشبهة ~~باليد، كما جعلت الرجل كالأسد ومشبها بالأسد، ولكنك أردت أن تجعل الشمال ~~كذي اليد من الأحياء، فأنت تجعل في هذا الضرب المستعار له وهو نحو الشمال ~~ذا شيء، وغرضك أن تثبت له حكم من يكون له ذلك الشيء في فعل أو غيره، لا نفس ~~ذلك الشيء فاعرفه. وهكذا قول زهير: " وعري أفراس ms024 الصبا ورواحله " # PageV01P047 # لا تستطيع أن تثبت ذواتا أو شبه الذوات تتناولها الأفراس والرواحل في ~~البيت، على حد تناول الأسد الرجل الموصوف بالشجاعة، والبدر الموصوف بالحسن ~~أو البهاء، والسحاب المذكور بالسخاء والسماحة، والنور العلم، والهدى ~~والبيان، وليس إلا أنك أردت أن الصبا قد ترك وأهمل، وفقد نزاع النفس إليه ~~وبطل، فصار كالأمر ينصرف عنه فتعطل آلاته، وتطرح أداته كالجهة من جهات ~~المسير نحو الحج أو الغزو أو التجارة يقضى منها الوطر، فتحط عن الخيل التي ~~كانت تركب إليها لبودها، وتلقى عن الإبل التي كانت تحمل لها قتودها، وقد ~~يجيء وإن كان كالتكلف أن تقول إن الأفراس عبارة عن دواعي النفوس وشهواتها، ~~وقواها في لذاتها، أو الأسباب التي تفتل في حبل الصبا، وتنصر جانب الهوى، ~~وتلهب أريحية النشاط، وتحرك مرح الشباب، كما قال " ونعم مطية الجهل الشباب ~~" # PageV01P048 # وقال " كان الشباب مطية الجهل " وليس من حقك أن تتكلف هذا في كل موضع، ~~فإنه ربما خرج بك إلى ما يضر المعنى وينبو عنه طبع الشعر، وقد يتعاطاه من ~~يخالطه شيء من طباع التعمق، فتجد ما يفسد أكثر مما يصلح، ولو أنك تطلبت ~~للمطية في بيت الفرزدق: # لعمري لئن قيدت نفسي لطالما ... سعيت وأوضعت المطية في الجهل # مثل هذا التأول، تباعدت عن الصواب، وعدلت عما يسبق إلى القلب، وذلك أن ~~المعنى على قولك: لطالما سعيت في الباطل، وقديما كنت في الإسراع إلى الجهل ~~بصورة من يوضع المطية في سفره، وسر هذا الموضع يتجلى تمام التجلي إذا تكلم ~~على الفرق بين التشبيه والتمثيل، وسيأتيك ذلك إن شاء الله تعالى، وكذا ~~قولهم: هو مرخى العنان، وملقى الزمام، لا وجه لأن تروم شيئا تجري العنان ~~عليه ويتناوله، بل المعنى على انتزاع الشبه من الفرس في حال ما يرخى عنانه، ~~وأن ينظر إلى الصورة التي توجد من حاله تلك في العقل، ثم يجاء بها فيعارها ~~الرجل، ويتصور بمقتضاها في النفس ويتمثل، ولو قلت: إن # PageV01P049 # العنان ها هنا بمعنى النهي، وأن المراد أن النهي قد أبعد عنه ونحو ذلك، ~~دخلت ms025 في ظاهر من التكلف، وأتعبت نفسك في غير جدوى، وعادت زيادتك نقصانا، ~~وطلبك الإحسان إساءة. واعلم أن إغفال هذا الأصل الذي عرفتك من أن الاستعارة ~~تكون على هذا الوجه الثاني كما تكون على الأول مما يعدو إلى مثل هذا ~~التعمق، فإنه نفسه قد يصير سببا إلى أن يقع قوم في التشبيه، وذلك أنهم إذا ~~وضعوا في أنفسهم أن كل اسم يستعار فلا بد من أن يكون هناك شيء يمكن الإشارة ~~إليه يتناوله في حال المجاز، كا يتناول مسماه في حال الحقيقة، ثم نظروا في ~~نحو قوله تعالى: " ولتصنع على عيني " " طه: 93 " و " وأصنع الفلك بأعيننا " ~~" هود: 73 "، فلما لم يجدوا للفظة العين ما يتناوله على حد تناول النور ~~مثلا للهدى والبيان ارتبكوا في الشك وحاموا حول الظاهر، وحملوا أنفسهم على ~~لزومه، حتى يفضي بهم إلى الضلال البعيد، وارتكاب ما يقدح في التوحيد، ونعوذ ~~بالله من الخذلان. وطريقة أخرى، في بيان الفرق بين القسمين، وهو أن الشبه ~~في القسم الأول الذي هو نحو رأيت أسدا - تريد رجلا شجاعا - وصف موجود في ~~الشيء الذي استعرت اسمه وهو الأسد، وأما قولك إذا أصبحت بيد الشمال زمامها ~~فالشبه الذي له استعرت اليد، ليس بوصف في اليد، # PageV01P050 # ولكنه صفته تكسبها اليد صاحبها، وتحصل له بها، وهي التصرف على وجه مخصوص ~~وكذا قولك أفراس الصبا، ليس الشبه الذي له استعرت الأفراس موجودا في ~~الأفراس، بل هو شبه يحصل لما يضاف إليه الأفراس، حيث يراد الحقيقة نحو ~~قولنا " عري أفراس الغزو، وأجمت خيل الجهاد "، وذلك ما يوجبه الفعل الواقع ~~على الأفراس، نحو أن وقوع الفعل الذي هو عري على أفراس الغزو، يوجب الإمساك ~~عن الغزو والترك له وعلى هذا القياس. وإذ قد تقرر أمر الاسم في كون ~~استعارته على هذين القسمين، فمن حقنا أن ننظر في الفعل هل يحتمل هذا ~~الانقسام، والذي يجب العمل عليه أن الفعل لا يتصور فيه أن يتناول ذات شيء، ~~كما يتصور في الاسم، ولكن شأن الفعل أن يثبت المعنى الذي اشتق ms026 منه للشيء في ~~الزمان الذي تدل صيغته عليه، فإذا قلت: ضرب زيد، أثبت الضرب لزيد في زمان ~~ماض، وإذا كان كذلك، فإذا استعير الفعل لما ليس له في الأصل، فإنه يثبت ~~باستعارته له وصفا هو شبيه بالمعنى الذي ذلك الفعل مشتق منه. بيان ذلك أن ~~تقول: نطقت الحال بكذا، وأخبرتني أسارير وجهه بما في ضميره، وكلمتني عيناه ~~بما يحوي قلبه، فتجد الحال وصفا هو شبيه بالنطق من الإنسان، وذلك أن الحال ~~تدل على الأمر ويكون فيها أمارات يعرف بها الشيء، كما أن النطق كذلك، وكذلك ~~العين فيها وصف شبيه بالكلام، وهو دلالتها بالعلامات التي تظهر فيها وفي ~~نظرها وخواص أوصاف يحدس بها على ما في القلوب من الإنكار والقبول، ألا ترى ~~إلى حديث الجمحي؟ حكي عن بعضهم أنه قال: أتيت # PageV01P051 # الجمحي أستشيره في امرأة أردت التزوج بها فقال: أقصيرة هي أم غير قصيرة؟ ~~قال: فلم أفهم ذلك، فقال لي: كأنك لم تفهم ما قلت، إني لأعرف في عين الرجل ~~إذا عرف، وأعرف فيها إذا أنكر، وأعرف إذا لم يعرف ولم ينكر، أما إذا عرف، ~~فإنها تخاوص، وإذا لم يعرف ولم ينكر فإنها تسجو، وإذا أنكر فإنها تجحظ، ~~أردت بقولي قصيرة، أي هي قصيرة النسب تعرف بأبيها أو جدها. قال الشيخ أبو ~~الحسن: وهذا من قول النسابة البكري لرؤبة بن العجاج لما أتاه فقال له من ~~أنت؟ قال رؤبة بن العجاج فقال قصرت وعرفت. قال: وعلى هذا المعنى قول # رؤبة: ؤبة: # قد رفع العجاج ذكري فادعني ... باسم إذا الأنساب طالت يكفني # وأمر العين أظهر من أن تحتاج فيه إلى دليل، ولكن إذا جرى الشيء في الكلام ~~هو دعوى في الجملة، كان الآنس للقارئ أن يقترن به ما هو شاهد فيه، فلم ير ~~شيء أحسن من إيصال دعوى ببرهان. وإذا كان أمر الفعل في الاستعارة على هذه ~~الجملة، رجع بنا التحقيق إلى أن وصف الفعل بأنه مستعار، حكم يرجع إلى مصدره ~~الذي # PageV01P052 # اشتق منه، فإذا قلنا في قولهم: نطقت الحال، أن نطق ms027 مستعار، فالحكم بمعنى ~~أن النطق مستعار، وإذا كانت الاستعارة تنصرف إلى المصدر كان الكلام فيه على ~~ما مضى، ومما تجب مراعاته أن الفعل يكون استعارة مرة من جهة فاعله الذي رفع ~~به، ومثاله ما مضى ويكون أخرى استعارة من جهة مفعوله، وذلك نحو قول ابن ~~المعتز: # جمع الحق لنا في إمام ... قتل البخل وأحيى السماحا # فقتل وأحيى إنما صارا مستعارين بأن عديا إلى البخل والسماح، ولو قال: قتل ~~الأعداء وأحيى، لم يكن قتل استعارة بوجه، ولم يكن أحيى استعارة على هذا ~~الوجه وكذا قوله: # وأقري الهموم الطارقات حزامة # PageV01P053 # هو استعارة من جهة المفعولين جميعا، فأما من جهة الفاعل فهو محتمل ~~للحقيقة، وذلك أن تقول: أقري الأضياف النازلين اللحم العبيط ومثله قوله: " ~~قرى الهم إذ ضاف الزماع " وقد يكون الذي يعطيه حكم الاستعارة أحد المفعولين ~~دون الآخر كقوله: # نقريهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد # PageV01P054 ### | ### | فصل # # اعلم أن الاستعارة كما علمت تعتمد التشبيه أبدا، وقد قلت: إن طرقه تختلف، ~~ووعدتك الكلام فيه، وهذا الفصل يعطي بعض القول في ذلك بإذن الله تعالى، ~~وأنا أريد أن أدرجها من الضعف إلى القوة، وأبدأ في تنزيلها بالأدنى، ثم بما ~~يزيد في الارتفاع، لأن التقسيم إذا أريغ في خارج من الأصل، فالواجب أن يبدأ ~~بما كان أقل خروجا منه، وأدنى مدى في مفارقته، وإذا كان الأمر كذلك، فالذي ~~يستحق بحكم هذه الجملة أن يكون أولا من ضروب الاستعارة، أن يرى معنى الكلمة ~~المستعارة موجودا في المستعار له من حيث عموم جنسه على الحقيقة، إلا أن ~~لذلك الجنس خصائص ومراتب في الفضيلة والنقص والقوة والضعف، فأنت تستعير لفظ ~~الأفضل لما هو دونه، ومثاله استعارة الطيران لغير ذي الجناح، إذا أردت ~~السرعة، وانقضاض الكواكب للفرس إذا أسرع في حركته من علو، والسباحة له إذا ~~عدا عدوا كان حاله فيه شبيها بحالة السابح في الماء، ومعلوم أن الطيران ~~والانقضاض والسباحة والعدو كلها جنس واحد من حيث الحركة على الإطلاق، إلا ~~أنهم نظروا إلى خصائص ms028 الأجسام في حركتها، فأفردوا حركة كل نوع منها باسم، ~~ثم إنهم إذا وجدوا في الشيء في بعض الأحوال شبها من حركة غير جنسه، ~~استعاروا له العبارة من ذلك الجنس، فقالوا في غير ذي الجناح # PageV01P055 # طار كقوله: # وطرت بمنصلي في يعملات # وكما جاء في الخبر: كلما سمع هيعة طار إليها، وكما قال: # لو يشا طار به ذو ميعة ... لاحق الآطال نهد ذو خصل # PageV01P056 # ومن ذلك أن فاض موضوع لحركة الماء على وجه مخصوص، وذلك أن يفارق مكانه ~~دفعة فينبسط، ثم إنه استعير للفجر، كقوله: # كالفجر فاض على نجوم الغيهب # لأن للفجر انبساطا وحالة شبيهة بانبساط الماء وحركته في فيضه، فأما ~~استعارة فاض بمعنى الجود، فنوع آخر غير ما هو المقصود ها هنا، لأن ألقصد ~~الآن إلى المستعار الذي توجد حقيقة معناه من حيث الجنس في المستعار له، ~~وكذلك قول أبي تمام: # وقد نثرتهم روعة ثم أحدقوابه مثلما ألفت عقدا منظما # وقول المتنبي: # نثرتهم فوق الأحيدب نثرة ... كما نثرت فوق العروس الدراهم # استعارة، لأن النثر في الأصل للأجسام الصغار، كالدراهم والدنانير ~~والجواهر والحبوب ونحوها، لأن لها هيئة مخصوصة في التفرق لا تأتي في # PageV01P057 # الأجسام الكبار، ولأن القصد بالنثر أن تجمع أشياء في كف أو وعاء، ثم يقع ~~فعل تتفرق معه دفعة واحدة، والأجسام الكبار لا يكون فيها ذلك، لكنه لما ~~اتفق في الحرب تساقط المنهزمين على غيرترتيب ونظام، كما يكون في الشيء ~~المنثور، عبر عنه بالنثر، ونسب ذلك الفعل إلى الممدوح، إذ كان هو سبب ذلك ~~الانتثار، فالتفرق الذي هو حقيقة النثر من حيث جنس المعنى وعمومه، موجود في ~~المستعار له بلا شبهة، ويبينه أن النظم في الأصل لجمع الجواهر وما كان ~~مثلها في السلوك، ثم لما حصل في الشخصين من الرجال أن يجمعهما الحاذق ~~المبدع في الطعن في رمح واحد ذلك الضرب من الجمع، عبر عنه بالنظم، كقولهم: ~~انتظمها برمحه، وكقوله: # قالوا وينظم فارسين بطعنة # وكان ذلك استعارة، لأن اللفظة وقعت في الأصل لما يجمع في السلوك من ~~الحبوب والأجسام الصغار، ms029 إذ كانت تلك الهيئة في الجمع تخصها في الغالب، ~~وكان حصولها في أشخاص الرجال من النادر الذي لا يكاد يقع، # PageV01P058 # وإلا فلو فرضنا أن يكثر وجوده في الأشخاص الكبيرة، لكان لفظ النظم أصلا ~~وحقيقة فيها، كما يكون حقيقة في نحو الحبوب، وهذا النحو لشدة الشبه فيه، ~~يكاد يلحق بالحقيقة، ومن هذا الحد قوله: # وفي يدك السيف الذي امتنعت به ... صفاة الهدى من أن ترق فتخرقا # وذلك أن أصل الخرق أن يكون في الثوب، وهو في الصفاة استعارة، لأنه لما ~~قال ترق، قربت حالها من حال الثوب، وعلى ذلك فإنا نعلم أن الشق والصدع ~~حقيقة في الصفاة، ونعلم أن الخرق يجامعهما في الجنس، لأن الكل تفريق وقطع، ~~ولو لم يكن الخرق والشق واحدا، لما قلت: شققت الثوب، والشق عيب في الثوب، ~~وتشقق الثوب قول من لا يستعير، ولكن لو قلت " خرق الحشمة "، لم يكن من ~~الحقيقة في شيء، وكان خارجا من هذا الفن الذي نحن فيه، لأنه ليس هناك شق، ~~ولو جاء شق الحشمة أو صدع مثلا، كان كذلك أعني لا يكون له أصل في الحقيقة ~~ولا شبه بها. ومن هذا الضرب قوله تعالى: " ومزقناهم كل ممزق " " سبأ: 91 " ~~يعد استعارة من حيث إن التمزيق للثوب في أصل اللغة، إلا أنه على ذاك راجع ~~إلى الحقيقة، من حيث إنه تفريق على كل حال، وليس بجنس غيره، # PageV01P059 # إلا أنهم خصوا ما كان مثل الثوب بالتمزيق، كما خصوه بالخرق، وإلا فأنت ~~تعلم أن تمزيق الثوب تفريق بعضه من بعض، ومثله أن القطع إذا أطلق، فهو ~~لإزالة الاتصال من الأجسام التي تلتزق أجزاؤها، وإذا جاء في تفريق الجماعة ~~وإبعاد بعضه عن بعض، كقوله تعالى: " وقطعناهم في الأرض أمما " " الأعراف: ~~861 "، كان شبه الاستعارة، وإن كان المعنى في الموضعين على إزالة الاجتماع ~~ونفيه. فإن قلت: قطع عليه كلامه، أو قلت: نقطع الوقت بكذا، كان نوعا آخر، ~~ومن الاستعارة القريبة في الحقيقة قولهم: أثرى فلان من المجد، وأفلس من ~~المروءة، وكقوله: # إن كان أغناها السلو، فإنني ms030 ... أمسيت من كبدي ومنها معدما # وذلك أن حقيقة الإثراء من الشيء، كثرته عندك، ووصف الرجل بأنه كثير المجد ~~أو قليل المروءة، كوصفه بأنه كثير العلم أو قليل المعرفة، في كونه حقيقة، ~~وكذلك إذا قلت: أثرى من الشوق أو الحزن كما قال: # قد وقفنا على الديار وفي الرك ... ب خريب من الغرام ومثري # PageV01P060 # فهو كقولك: كثر شوقه وحزنه وغرامه، وإذا كان كذلك، فهو في أنه نقل إلى ~~شيء جنسه جنس الذي هو حقيقة فيه، بمنزلة طار، أو أظهر أمرا منه، وكذا معنى ~~أعدم من المال، أنه خلا منه، وأن المال يزول عنه فإذا أخبر أن كبده قد ذهبت ~~عنه، فهو في حقيقة من ذهب ماله وعدمه، والعدم في المال وفي غير المال ~~بمنزلة واحدة لا تتغير له فائدة، والمعدم موضوع لمن عدم ما يحتاج إليه، ~~فالكبد مما يحتاج إليه، وكذلك المحبوبة، فإنما تقع هذه العبارة في نفسك ~~موقع الغريب من حيث أن العرف جرى في الإعدام بأن يطلق على من عدم ما جنسه ~~جنس المال، ويؤنسك بما قلت، أنك لو قلت: عدم كبده، لم يكن مجازا، ولم تجد ~~بينه وبين خلا من كبده وزالت عنه كبده كبير فرق، ألا تراك تقول: الفرس عادم ~~للطحال تريد: ليس له طحال، وهذا كلام لا استعارة فيه، كما أنك لو قلت: ~~الطحال معدوم في الفرس كان كذلك، ومن اللائق بهذا الباب البين أمره، ما ~~أنشده أبو العباس في الكامل من قول الشاعر: # لم تلق قوما هم شر لإخوتهم ... منا عشية يجري بالدم الوادي # تقريهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد # قال: لأن الخياطة، تضم خرق القميص والسرد يضم حلق # PageV01P061 # الدرع، أفلا تراه بين أن جنسهما واحد، وأن كلا منهما ضم ووصل وإنما يقع ~~الفرق من حيث أن الخياطة ضم أطراف الخرق بخيط يسلك فيها على الوجه المعلوم، ~~والزرد ضم حلق الدرع بمداخلة توجد بينها، إلا أن الشكال الذي يلزم أحد طرفي ~~الحلقة الآخر بدخوله في ثقبتيهما، في صورة الخيط الذي يذهب في ms031 منافذ ~~الإبرة، واستقصاء القول في هذا الضرب، والبحث عن أسراره، لا يمكن إلا بعد ~~أن تقرر الضروب المخالفة له من الاستعارة، فأقتصر منه على القدرالمذكور، ~~وأعود إلى القسمة، ضرب ثان يشبه هذا الضرب الذي مضى، وإن لم يكن إياه، وذلك ~~أن يكون الشبه مأخوذا من صفة هي موجود في كل واحد من المستعار له والمستعار ~~منه على الحقيقة، وذلك قولك: رأيت شمسا، تريد إنسانا يتهلل وجهه كالشمس، ~~فهذا له شبه باستعارة طارلغيرذي الجناح وذلك أن الشبه مراعى في التلألؤ، ~~وهو كما تعلم موجود في نفس # PageV01P062 # الإنسان المتهلل، لأن رونق الوجه الحسن من حيث حسن البصر، مجانس لضوء ~~الأجسام النيرة، وكذلك إذا قلت: رأيت أسدا تريد رجلا، فالوصف الجامع بينهما ~~هو الشجاعة، وهي على حقيقتها موجودة في الإنسان، وإنما يقع الفرق بينه وبين ~~السبع الذي استعرت اسمه له فيها، من جهة القوة والضعف والزيادة والنقصان، ~~وربما ادعي لبعض الكماة والبهم مساواة الأسد في حقيقة الشجاعة التي عمود ~~صورتها انتفاء المخافة عن القلب حتى لا تخامره، وتفرق خواطره وتحلل عزيمته ~~في الإقدام على الذي يباطشه ويريد قهره، وربما كف الشجاع عن الإقدام على ~~العدو لا لخوف يملك قلبه ويسلبه قواه، ولكن كما يكف المنهي عن الفعل، لا ~~تخونه في تعاطيه قوة، وذلك أن العاقل من حيث الشرع منهي عن أن يهلك نفسه، ~~أترى أن البطل الكمي إذا عدم سلاحا يقاتل به، فلم ينهض إلى العدو، كان ~~فاقدا شجاعته وبأسه، ومتبرئا من النجدة التي يعرف بها، ثم إن الفرق بين هذا ~~الضرب وبين الأول أن الاشتراك ها هنا في صفة توجد في جنسين مختلفين، مثل أن ~~جنس الإنسان غير جنس الشمس، وكذلك جنسه غير جنس الأسد، وليس كذلك الطيران ~~وجري الفرس، فإنهما جنس واحد بلا شبهة، وكلاهما مرور وقطع للمسافة، وإنما ~~يقع الاختلاف بالسرعة، وحقيقة السرعة قلة تخلل السكون للحركات، وذلك لا ~~يوجب اختلافا في الجنس # فإن قلت: فإذن لا فرق بين استعارة طار للفرس وبين استعارة الشفة للفرس، ~~فهلا عددت هذا في ms032 القسم اللفظي غير المفيد؟ ثم إنك إن اعتذرت بأن في طار ~~خصوص وصف ليس في عدا وجرى، فكذلك في الشفة خصوص وصف ليس في الجحفلة، # PageV01P063 # فالجواب إني لم أعده في ذلك القسم، لأجل أن خصوص الوصف الكائن في طار ~~مراعى في استعارته للفرس، ألا تراك لا تقوله في كل حال، بل في حال مخصوصة ~~وكذا السباحة، لأنك لا تستعيرها للفرس في كل أحوال حربه، نعم، وتأبى أن ~~تعطيها كل فرس، فالقطوف البليد لا يوصف بأنه سابح # وأما استعارة اسم لعضو نحو الشفة والأنف فلم يراع فيه خصوص الوصف، ألا ~~ترى أن العجاج لم يرد بقوله " ومرسنا مسرجا "، أن يشبه أنف المرأة بأنف نوع ~~من الحيوان، لأن هذا العضو من غير الإنسان لا يوصف بالحسن، كما يكون ذلك في ~~العين والجيد، وهكذا استعارة الفرسن للشاة في قول عائشة رضي الله عنها: ولو ~~فرسن شاة، وهو # PageV01P064 # للبعير في الأصل ليس لأن يشبه هذا العضو من الشاة به من البعير، كيف ولا ~~شبه هناك، وليس إذن في مجيء الفرسن بدل الظلف أمر أكثر من العضو نفسه، ضرب ~~ثالث، وهو الصميم الخالص من الاستعارة، وحده أن يكون الشبه مأخوذا من الصور ~~العقلية، وذلك كاستعارة النور للبيان والحجة الكاشفة عن الحق، المزيلة للشك ~~النافية للريب، كما جاء في التنزيل من نحو قوله عز وجل: " واتبعوا النور ~~الذي أنزل معه " " الأعراف: 751 " وكاستعارة الصراط للدين في قوله تعالى: " ~~اهدنا الصراط المستقيم " " الفاتحة: 5 "، و " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " ~~" الشورى: 25 " فإنك لا تشك في أنه ليس بين النور والحجة ما بين طيران ~~الطائرو جرى الفرس من الاشتراك في عموم الجنس، لأن النور صفة من صفات ~~الأجسام محسوسة، والحجة كلام وكذا ليس بينهما ما بين الرجل والأسد من ~~الاشتراك في طبيعة معلومة تكون في الحيوان كالشجاعة، فليس الشبه الحاصل من ~~النور في البيان والحجة ونحوهما، إلا أن القلب إذا وردت عليه الحجة صار في ~~حالة شبيهة بحال البصر إذا صادف النور، ووجهت طلائعه نحوه، وجال في ms033 مصارفه ~~وانتشر، وانبت في المسافة التي يسافر طرف الإنسان فيها، وهذا كما تعلم شبه ~~لست تحصل منه على جنس ولا على طبيعة وغريزة، ولا على هيئة وصورة تدخل في ~~الخلقة، وإنما هو صورة عقلية. # PageV01P065 # واعلم أن هذا الضرب هو المنزلة التي تبلغ عندها الاستعارة غاية شرفها، ~~ويتسع لها كيف شاءت المجال في تفننها وتصرفها، وها هنا تخلص لطيفة روحانية، ~~فلا يبصرها إلا ذوو الأذهان الصافية، والعقول النافذة، والطباع السليمة، ~~والنفوس المستعدة لأن تعي الحكمة، وتعرف فصل الخطاب، ولها ها هنا أساليب ~~كثيرة، ومسالك دقيقة مختلفة، والقول الذي يجري مجرى القانون والقسمة يغمض ~~فيها، إلا أن ما يجب أن تعلم في معنى التقسيم لها أنها على أصول أحدها: أن ~~يؤخذ الشبه من الأشياء المشاهدة والمدركة بالحواس على الجملة للمعاني ~~المعقولة، والثاني: أن يؤخذ الشبه من الأشياء المحسوسة لمثلها، إلا أن ~~الشبه مع ذلك عقلي، والأصل الثالث: أن يؤخذ الشبه من المعقول للمعقول، ~~فمثال ما جرى على " الأصل الأول " ما ذكرت لك من استعارة النور للبيان ~~والحجة، فهذا شبه أخذ من محسوس لمعقول، ألا ترى أن النور مشاهد محسوس ~~بالبصر، والبيان والحجة مما يؤديه إليك العقل من غير واسطة من العين أو ~~غيرها من الحواس، وذلك أن الشبه ينصرف إلى المفهوم من الحروف والأصوات، ~~ومدلول الألفاظ هو الذي ينور القلب لا الألفاظ، هذا والنور يستعار للعلم ~~نفسه أيضا والإيمان، وكذلك حكم الظلمة، إذا استعيرت للشبهة والجهل والكفر، ~~لأنه لا شبهة في أن الشبه والشكوك من المعقول، # PageV01P066 # ووجه التشبيه أن القلب يحصل بالشبهة والجهل، في صفة البصر إذا قيده دجى ~~الليل فلم يجد منصرفا وإن استعيرت للضلالة والكفر، فلأن صاحبهما كمن يسعى ~~في الظلمة فيذهب في غير الطريق، وربما دفع إلى هلك وتردى في أهوية، ومن ذلك ~~استعارة القسطاس للعدل ونحو ذلك من المعاني المعقولة التي تعطى غيرها صفة ~~الاستقامة والسداد، كما استعاره الجاحظ في فصل يذكر فيه علم الكلام، فقال: ~~هو العيار على كل صناعة، والزمام على كل عبارة، والقسطاس الذي به ms034 يستبان كل ~~شيء ورجحانه والراووق الذي به ىعرف صفاء كل شيء وكدره، وهكذا إذا قيل في ~~النحو: إنه ميزان الكلام ومعياره، فهو أخذ شبه من شيء هو جسم يحس ويشاهد، ~~لمعنى يعلم ويعقل ولا يدخل في الحاسة، وذلك أظهر وأبين من أن يحتاج فيه إلى ~~فضل بيان، وأما تفننه وسعته وتصرفه من مرضي ومسخوط، ومقبول ومرذول، فحق ~~الكلام فيه بعد أن يقع الفراغ من # تقرير الأصول، ومثال " الأصل الثاني "، وهو أخذ الشبه من المحسوس ~~للمحسوس، ثم الشبه عقلي، قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إياكم وخضراء ~~الدمن "، الشبه مأخوذ للمرأة من النبات كما لا يخفى وكلاهما جسم، إلا أنه ~~لم يقصد بالتشبيه لون النبات وخضرته، ولا طعمه ولا رائحته، ولا شكله وصورته ~~ولا ما شاكل ذلك ولا ما يسمى طبعا كالحرارة والبرودة المنسوبتين في العادة ~~إلى العقاقير وغيرها مما يسخن بدن الحيوان ويبرد بحصوله فيها، ولا شيء من ~~هذا الباب بل القصد شبه عقلي بين المرأة الحسناء في المنبت السوء، وبين تلك ~~النابتة على الدمنة، وهو حسن الظاهر في رأى العين مع فساد الباطن، وطيب ~~الفرع مع خبث الأصل، وكما أنهم إذا قالوا: هو عسل إذا ياسرته، وإن عاسرته ~~فهو صاب، كما قال: قرير الأصول، ومثال " الأصل الثاني "، وهو أخذ الشبه من ~~المحسوس # PageV01P067 # للمحسوس، ثم الشبه عقلي، قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إياكم وخضراء ~~الدمن "، الشبه مأخوذ للمرأة من النبات كما لا يخفى وكلاهما جسم، إلا أنه ~~لم يقصد بالتشبيه لون النبات وخضرته، ولا طعمه ولا رائحته، ولا شكله وصورته ~~ولا ما شاكل ذلك ولا ما يسمى طبعا كالحرارة والبرودة المنسوبتين في العادة ~~إلى العقاقير وغيرها مما يسخن بدن الحيوان ويبرد بحصوله فيها، ولا شيء من ~~هذا الباب بل القصد شبه عقلي بين المرأة الحسناء في المنبت السوء، وبين تلك ~~النابتة على الدمنة، وهو حسن الظاهر في رأى العين مع فساد الباطن، وطيب ~~الفرع مع خبث الأصل، وكما أنهم إذا قالوا: هو عسل إذا ياسرته، وإن عاسرته ~~فهو صاب، ms035 كما قال: # عسل الأخلاق ما ياسرته ... فإذا عاسرت ذقت السلعا # PageV01P068 # فالتشبيه عقلي، إذ ليس الغرض الحلاوة والمرارة اللتين تصفهما لك المذاقة ~~ويحسهما الفم واللسان، وإنما المعنى أنك تجد منه في حالة الرضى والموافقة ~~ما يملؤك سرورا وبهجة، حسب ما يجد ذائق العسل من لذة الحلاوة ويهجم عليك في ~~حالة السخط والإباء ما يشدد كراهتك ويكسبك كربا، ويجعلك في حال من يذوق ~~المر الشديد المرارة، وهذا أظهر من أن يخفى، ومن هذا الأصل استعارة الشمس ~~للرجل تصفه بالنباهة والرفعة والشرف والشهرة وما شاكل ذلك من الأوصاف ~~العقلية المحضة التي لا تلابسها إلا بغريزة العقل، ولا تعقلها إلا بنظر ~~القلب، ويظهر من هاهنا " أصل آخر " وهو أن اللفظة الواحدة تستعار على ~~طريقين مختلفين، ويذهب بها في القياس والتشبيه مذهبين، أحدهما يفضي إلى ما ~~تناله العيون، والآخر يومئ إلى ما تمثله الظنون، ومثال ذلك قولك: نجوم ~~الهدى، تعني أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، فإنه استعارة توجب ~~شبها عقليا، لأن المعنى أن الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتدوا ~~بهم في الدين كما يهتدي السارون بالنجوم، وهذا الشبه باق لهم إلى يوم ~~القيامة، فبالرجوع إلى علومهم وآثارهم وفعالهم وهديهم تنال النجاة من ~~الضلالة، ومن لم يطلب الهدى من جهتهم فقد حرم الهدى ووقع في الضلال، كما أن ~~من لم ينظر إلى النجوم في ظلام الليل ولم يتلق عنها دلالتها على المسالك ~~التي تفضي إلى العمارة ومعادن السلامة وخالفها، وقع في غير الطريق، وصار ~~بتركه الاهتداء بها إلى الضلال البعيد، والهلك المبيد، # PageV01P069 # فالقياس على النجوم في هذا ليس على حد تشبيه المصابيح بالنجوم، أو ~~النيران في الأماكن المتفرقة، لأن الشبه هناك من حيث الحس والمشاهدة، لأن ~~القصد إلى نفس الضوء واللمعان، والشبه ها هنا من حيث العقل، لأن القصد إلى ~~مقتضى ضوء النجوم وحكمه وعائدته، ثم ما فيها من الدلالة على المنهاج، ~~والأمن من الزيغ عنه والاعوجاج، والوصول بهذه الجملة منها إلى دار القرار ~~ومحل الكرامة نسأل الله تعالى أن ms036 يرزقنا ذلك، ويديم توفيقنا للزوم ذلك ~~الاهتداء، والتصرف في هذا الضياء، إنه عز وجل ولي ذلك والقادر عليه، ومما ~~لا يكون الشبه فيه إلا عقليا، قولنا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ملح الأنام، وهو مأخوذ من قوله عليه السلام: " مثل أصحابي كمثل الملح في ~~الطعام، لا يصلح الطعام إلا بالملح "، قالوا: فكان الحسن رحمة الله عليه ~~يقول: فقد ذهب ملحنا، فكيف نصنع؟، فأنت تعلم أن لا وجه ها هنا للتشبيه إلا ~~من طريق الصورة العقلية، وهو أن الناس يصلحون بهم كما يصلح الطعام بالملح، ~~والشبه بين صلاح العامة بالخاصة وبين صلاح الطعام بالملح، لا يتصور أن يكون ~~محسوسا، وينطوي هذا التشبيه على وجوب موالاة الصحابة رضي الله عنهم، وأن ~~تمزج محبتهم بالقلوب والأرواح، كما يمزج الملح بالطعام، فباتحاده به ~~ومداخلته لأجزائه يطيب طعمه، وتذهب عنه وخامته، ويصير نافعا مغذيا، كذلك ~~بمحبة الصحابة رضي الله عنهم تصلح الاعتقادات، وتنتفى عنها الأوصاف ~~المذمومة، وتطيب وتغذو # PageV01P070 # القلوب، وتنمى حياتها، وتحفظ صحتها وسلامتها، وتقيها الزيغ والضلال والشك ~~والشبهة والحيرة، وما حكمه في حال القلب من حيث العقل، حكم الفساد الذي ~~يعرض لمزاج البدن من أكل الطعام الذي لم يصلح بالملح، ولم تنتف عنه المضار ~~التي من شأن الملح أن يزيلها، وعلى ذلك جاء في صفتهم أن: حبهم إيمان وبغضهم ~~نفاق، هذا ولا معنى لصلاح الرجل بالرجل إلا صلاح نيته واعتقاده، ومحال أن ~~تصلح نيتك واعتقادك بصاحبك وأنت لا تراه معدن الخير ومعانه، وموضع الرشد ~~ومكانه ومن علمته كذلك، مازجتك محبته لا محالة، وسيط وده بلحمك ودمك، وهل ~~تحصل من المحبة إلا على الطاعة والموافقة في الإرادة والاعتقاد، قياسه قياس ~~الممازجة بين الأجسام، ألا تراك تقول: فلان قريب من قلبي، تريد الوفاق ~~والمحبة، وعلى هذه الطريقة جرى تمثيل النحو في قولهم: النحو في الكلام، ~~كالملح في الطعام، إذ المعنى أن الكلام لا يستقيم ولا تحصل منافعه التي هي ~~الدلالات على المقاصد، إلا بمراعاة # أحكام النحو فيه، من الإعراب والترتيب الخاص، كما لا ms037 يجدي الطعام ولا ~~تحصل المنفعة المطلوبة منه، وهي التغذية، ما لم يصلح بالملح، فأما ما ~~يتخيلونه من أن معنى ذلك: أن القليل من النحو يغني، وأن الكثير منه يفسد ~~الكلام كما يفسد الملح الطعام إذا كثر فيه تحريف، وقول بما لا يتحصل على ~~البحث، وذلك أنه لا يتصور الزيادة والنقصان في جريان أحكام النحو في ~~الكلام، ألا ترى أنه إذا كان من حكمه في قولنا: كان زيد ذاهبا، أن يرفع ~~الاسم وينصب الخبر، لم يخل هذا الحكم من أن يوجد أو لا يوجد، فإن وجد فقد ~~حصل النحو في الكلام، وعدل مزاجه به، ونفي عنه الفساد، وأن يكون كالطعام ~~الذي لا يغذو البدن وإن لم يوجد فيه فهو فاسد كائن بمنزلة طعام لم يصلح ~~بالملح، فسامعه لا ينتفع به بل يستضر، لوقوعه في عمياء وهجوم الوحشة عليه، ~~كما يوجبه الكلام الفاسد العاري من الفائدة، وليس بين هاتين المنزلتين ~~واسطة يكون استعمال النحو فيها مذموما وهكذا القول في كل كلام، وذلك أن ~~إصلاح الكلام الأول بإجرائه عل حكم النحو، لا يغني عنه في الكلام الثاني ~~والثالث، حتى يتوهم أن حصول النحو في جملة واحدة من قصيدة أو رسالة يصلح ~~سائر الجمل، وحتى يكون إفراد كل جملة بحكمها منه تكريرا له وتكثيرا ~~لأجزائه، فيكون مثله مثل زيادة أجزاء الملح على قدر الكفاية. وكذلك لا ~~يتصور في قولنا: كان زيد منطلقا، أن يتكرر هذا الحكم ويتكثر على هذا ~~الكلام، فيصير النحو كذلك موصوفا بأن له كثيرا هو مذموم، وأن المحمود منه ~~القليل، وإنما وزانه في الكلام وزان وقوف لسان الميزان حتى ينبئ عن مساواة ~~ما في إحدى الكفتين ما في الأخرى، فكما لا يتصور في تلك الصفة زيادة ~~ونقصان، حتى يكون كثيرها مذموما وقليلها محمودا، كذلك الحكم في الصفة التي ~~تحصل للكلام بإجرائه على حكم النحو ووزنه بميزان، فقول أبي بكر الخوارزمي: ~~" والبغض عندي كثرة الإعراب " كلام لا يحصل منه على طائل، لأن الإعراب لا ~~يقع فيه قلة وكثرة، إن اعتبرنا الكلام الواحد ms038 والجملة الواحدة، وإن اعتبرنا ~~الجمل الكثيرة وجعلنا إعراب هذه الجملة مضموما إلى إعراب تلك، فهي الكثرة ~~التي لا بد منها، ولا صلاح مع تركها، والخليق بالبغض من ذمها وإن كان أراد ~~نحو قول الفرزدق: حكام النحو فيه، من الإعراب # PageV01P071 # والترتيب الخاص، كما لا يجدي الطعام ولا تحصل المنفعة المطلوبة منه، وهي ~~التغذية، ما لم يصلح بالملح، فأما ما يتخيلونه من أن معنى ذلك: أن القليل ~~من النحو يغني، وأن الكثير منه يفسد الكلام كما يفسد الملح الطعام إذا كثر ~~فيه تحريف، وقول بما لا يتحصل على البحث، وذلك أنه لا يتصور الزيادة ~~والنقصان في جريان أحكام النحو في الكلام، ألا ترى أنه إذا كان من حكمه في ~~قولنا: كان زيد ذاهبا، أن يرفع الاسم وينصب الخبر، لم يخل هذا الحكم من أن ~~يوجد أو لا يوجد، فإن وجد فقد حصل النحو في الكلام، وعدل مزاجه به، ونفي ~~عنه الفساد، وأن يكون كالطعام الذي لا يغذو البدن وإن لم يوجد فيه فهو فاسد ~~كائن بمنزلة طعام لم يصلح بالملح، فسامعه لا ينتفع به بل يستضر، لوقوعه في ~~عمياء وهجوم الوحشة عليه، كما يوجبه الكلام الفاسد العاري من الفائدة، وليس ~~بين هاتين المنزلتين واسطة يكون استعمال النحو فيها مذموما وهكذا القول في ~~كل كلام، وذلك أن إصلاح الكلام الأول بإجرائه عل حكم النحو، لا يغني عنه في ~~الكلام الثاني والثالث، حتى يتوهم أن حصول النحو في جملة واحدة من قصيدة أو ~~رسالة يصلح سائر الجمل، وحتى يكون إفراد كل جملة بحكمها منه تكريرا له ~~وتكثيرا لأجزائه، فيكون مثله مثل زيادة أجزاء الملح على قدر الكفاية. وكذلك ~~لا يتصور في قولنا: كان زيد منطلقا، أن يتكرر هذا الحكم ويتكثر على هذا ~~الكلام، فيصير النحو كذلك موصوفا بأن له كثيرا هو مذموم، وأن المحمود منه ~~القليل، وإنما وزانه في الكلام وزان وقوف لسان الميزان # PageV01P072 # حتى ينبئ عن مساواة ما في إحدى الكفتين ما في الأخرى، فكما لا يتصور في ~~تلك الصفة زيادة ونقصان، حتى ms039 يكون كثيرها مذموما وقليلها محمودا، كذلك ~~الحكم في الصفة التي تحصل للكلام بإجرائه على حكم النحو ووزنه بميزان، فقول ~~أبي بكر الخوارزمي: " والبغض عندي كثرة الإعراب " كلام لا يحصل منه على ~~طائل، لأن الإعراب لا يقع فيه قلة وكثرة، إن اعتبرنا الكلام الواحد والجملة ~~الواحدة، وإن اعتبرنا الجمل الكثيرة وجعلنا إعراب هذه الجملة مضموما إلى ~~إعراب تلك، فهي الكثرة التي لا بد منها، ولا صلاح مع تركها، والخليق بالبغض ~~من ذمها وإن كان أراد نحو قول الفرزدق: # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # وما كان من الكلام معقدا موضوعا على التأويلات المتكلفة، فليس ذلك بكثرة ~~وزيادة في الإعراب، بل هو بأن يكون نقصا له ونقضا أولى، لأن الإعراب هو أن ~~يعرب المتكلم عما في نفسه ويبينه ويوضح الغرض ويكشف اللبس، والواضع كلامه ~~على المجازفة في التقديم والتأخير زائل عن الإعراب، زائغ عن الصواب، متعرض ~~للتلبيس والتعمية، فكيف يكون ذلك كثرة في الإعراب؟ إنما هو كثرة عناء على ~~من رام أن يرده إلى الإعراب، لا كثرة الإعراب، # PageV01P073 # وهذا هو كالاعتراض على طريق شجون الحديث، ويحتاج إليه في أصل كبير، وهو ~~أن من حق العاقل أن لا يتعدى بالتشبيه الجهة المقصودة، ولا سيما في ~~العقليات، وأرجع إلى النسق، مثال " الأصل الثالث "، وهو أخذ الشبه من ~~المعقول للمعقول، أول ذلك وأعمه تشبيه الوجود من الشيء مرة بالعدم، والعدم ~~مرة بالوجود، أما الأول: فعلى معنى أنه لما قل في المعاني التي بها يظهر ~~للشيء قدر، ويصير له ذكر، صار وجوده كلا وجود، وأما الثاني فعلى معنى أن ~~الفاني كان موجودا ثم فقد وعدم، إلا أنه لما خلف آثارا جميلة تحيي ذكره، ~~وتديم في الناس اسمه، صار لذلك كأنه لم يعدم، وأما ما عداهما من الأوصاف ~~فيجيء فيها طريقان: أحدهما: هذا وذلك في كل موضع كان موضوع التشبيه فيه على ~~ترك الاعتداد بالصفة، وإن كانت موجودة، لخلوها مما هو ثمرتها والمقصود ~~منها، والذي إذا خلت منه لم تستحق الشرف والفضل. ms040 تفسير هذا: أنك إذا وصفت ~~الجاهل بأنه ميت، وجعلت # PageV01P074 # الجهل كأنه موت، على معنى أن فائدة الحياة والمقصود منها هو العلم ~~والإحساس، فمتى عدمهما الحي فكأنه قد خرج عن حكم الحي، ولذلك جعل النوم ~~موتا، إذ كان النائم لا يشعر بما بحضرته، كما لا يشعر الميت # والدرجة الأولى في هذا أن يقال: فلان لا يعقل وهو بهيمة وحمار وما أشبه ~~ذلك، مما يحطه عن معاني المعرفة الشريفة، ثم أن يقال: فلان لا يعلم ولا ~~يفقه ولا يحس، فينفى عنه العلم والإحساس جملة لضعف أمره فيه، وغلبة الجهل ~~عليه، ثم يجعل التعريض تصريحا فيقال: هو ميت خارج من الحياة وهو جماد، ~~توكيدا وتناهيا في إبعاده عن العلم والمعرفة، وتشددا في الحكم بأن لا مطمع ~~في انحسار غياية الجهل عنه، وإفاقته مما به من سكرة الغي والغفلة وأن يؤثر ~~فيه الوعظ والتنبيه، ثم لما كان هذا مستقرا في العادة، أعني جعل الجاهل ~~ميتا، خرج منه أن يكون المستحق لصفة الحياة هو العالم المتيقظ لوجه الرشد، ~~ثم لما لم يكن علم أشرف وأعلى من العلم بوحدانية الله تعالى، وبما نزله على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، جعل من حصل له هذا العلم بعد أن لم يكن، كأنه ~~وجد الحياة وصارت صفة له، مع وجود نور الإيمان في قلبه، وجعل حالته السابقة ~~التي خلا فيها من الإيمان كحالة الموت التي تعدم معه الحياة، وذلك قوله ~~تعالى: " أو من كان ميتا فأحييناه " " الأنعام: 221 "، وأشباه ذلك، من هذا ~~الباب قولهم: فلان حي وحي القلب يريدون أنه ثاقب الفهم جيد النظر، مستعد ~~لتمييز الحق من الباطل فيما يرد عليه، بعيد من الغفلة # PageV01P075 # التي كالموت ويذهبون به في وجه آخر، وهو أنه حرك نافذ في الأمور غير بطيء ~~النهوض وذلك أن هذه الأوصاف من أمارات الصحة واعتدال المزاج وتوقد نار ~~الحياة، وهذا يصلح في الإنسان والبهيمة، لأنه تعريض بالقدرة والقوة، ~~والمذهب الأول إشارة في العلم والعقل، وكلتا الصفتين أعني القدرة والعلم ~~مما يشرف به الحي، ومما يضاده ms041 الموت وينافيه، ولما كان الأمر كذلك صار ~~إطلاق الحياة مرة عبارة عن العلم، وأخرى عن القدرة وإطلاق الموت إشارة إلى ~~عدم القدرة وضعفها تارة، وإلى عدم العلم وضعفه أخرى، والقول الجامع في هذا: ~~أن تنزيل الوجود منزلة العدم إذا أريد المبالغة في حط الشيء والوضع منه ~~وخروجه عن أن يعتد به، كقولهم: هو والعدم سواء معروف متمكن في العادات، ~~وربما دعاهم الإيغال وحب السرف إلى أن يطلبوا بعد العدم منزلة هي أدون منه، ~~حتى يقعوا في ضرب من التهوس، كقول أبي تمام: # وأنت أنزر من لا شيء في العدد # PageV01P076 # وقال ابن نباتة: # مازلت أعطف أيامي فتمنحني ... نيلا أدق من المعدوم في العدم # ويتفرع على هذا إثبات الفضيلة للمذكور بإثبات اسم الشيء له، ويكون ذلك ~~على وجهين: # أحدهما: أن تريد المدح وإثبات المزية والفضل على غاية المبالغة، حتى لا ~~تحصل عليه مزيدا، فإذا أردت ذلك جعلت الإثبات كأنه مقصور عليه لا يشارك ~~فيه، وذلك قولك: هذا هو الشيء وما عداه فليس بشيء، أي: إن ما عداه إذا قيس ~~إليه صغر وحقر حتى لا يدخل في اعتداد، وحتى يكون وجدانه كفقدانه، فقد نزلت ~~الوجود فيمن عدا المذكور منزلة العدم، وأما أن يكون التفضيل على توسط، ~~ويكون القصد الإخبار بأنه غير ناقص على الجملة، ولا ملغى منزل منزلة ~~المعدوم، وذلك قولك: هذا شيء، أي: داخل في الاعتداد، وفي هذه الطريقة أيضا ~~تفاوت، فإنك تقول مرة: هذا إما لا، شيء، تريد أن تقول: إن الآخر ليس بشىء ~~ولا اعتداد به أصلا، وتقول أخرى: هذا شيء، تريد: شيء له قدر وخطر، وتجري لك ~~هذه الوجوه في أسماء الأجناس كلها تقول: هذا هو الرجل ومن عداه فليس من ~~الرجولية في شيء، # PageV01P077 # وهذا هو الشعر فحسب، تبالغ في التفضيل، وتجعل حقيقة الجنسية مقصورة على ~~المذكور، وتقول: هذا رجل تريد: كامل من الرجال، لا أن من عداه فليس برجل ~~على الكمال، وقد تقول: هذا إما لا، رجل، تريد: يستحق أن يعد في الرجال، ~~ويكون قصدك أن تشير إلى ms042 أن هناك واحدا آخر لا يدخل في الاعتداد أصلا ولا ~~يستحق اسم الرجل، وإذا كان هذا هو الطريق المهيع في الوضع من الشيء وترك ~~الاعتداد به، والتفضيل له والمبالغة في الاعتداد به، فكل صفتين تضادتا، ثم ~~أريد نقص الفاضلة منهما، عبر عن نقصها باسم ضدها، فجعلت الحياة العارية من ~~فضيلة العلم والقدرة موتا، والبصر والسمع إذا لم ينتفع صاحبهما بما يسمع ~~ويبصر فلم يفهم معنى المسموع ولم يعتبر بالمبصر أو لم يعرف حقيقته عمى ~~وصمما، وقيل للرجل: هو أعمى أصم، يراد أنه لا يستفيد شيئا مما يسمع ويبصر، ~~فكأنه لم يسمع ولم يبصر، وسواء عبرت عن نقص الصفة بوجود ضدها، أو وصفها ~~بمجرد العدم، وذلك أن في إثبات أحد الضدين وصفا للشيء، نفيا للضد الآخر، ~~لاستحالة أن يوجدا معا فيه، فيكون الشخص حيا ميتا معا، أصم سمعيا في حالة ~~واحدة، فقولك في الجاهل: هو ميت، بمنزلة قولك: ليس بحي، وأن الوجود في ~~حياته بمنزلة العدم. هذا هو ظاهر المذهب في الأمر والحكم إذا أطلق القول، ~~فأما إذا قيد كقوله: # PageV01P078 # " أصم عما ساءه سميع " فتثبت له الصفتان معا على الجملة، إلا أن مرجع ذلك ~~إلى أن يقال إنه كان يفقد السمع في حال ويعود إليه في حال أو أنه في حق هذا ~~الجنس فاقد الإدراك مسلوبه، وفيما عداه كائن على حكم السميع، فلم يثبت له ~~الصمم على الجملة، إلا للحكم بأن وجود سمعه كالعدم، إلا أن ذلك في شيء دون ~~شيء، وعلى التقييد دون الإطلاق، فقد تبين أن أصل هذا الباب تنزيل الموجود ~~منزلة المعدوم، لكونه بحيث لا يعتد به وخلوه من الفضيلة، والطريق الثاني في ~~شبه المعقول من المعقول: أن لا يكون على تنزيل الوجود منزلة العدم، ولكن ~~على اعتبار صفة معقولة يتصور وجودها مع ضد ما استعرت اسمه، فمن ذلك أن يراد ~~وصف الأمر بالشدة والصعوبة، وبالبلوغ في كونه مكروها إلى الغاية القصوى، ~~فيقال: لقي الموت، يريدون لقي الأمر الأشد الصعب الذي هو في كراهة النفس له ~~كالموت، ومعلوم ms043 أن كون الشيء شديدا صعبا مكروها صفة معلومة لا تنافي ~~الحياة، ولا يمنع وجودها معه، كما يمنع وجود الموت مع الحياة ألا ترى أن ~~كراهة الوت موجودة في الإنسان قبل # PageV01P079 # حصوله، كيف وأكره ما يكون الموت إذا صفت مشاعر الحياة، وخصبت مسارح ~~اللذات، فكلما كانت الحياة أمكن وأتم، كانت الكراهة للموت أقوى وأشد، ولم ~~تخف كراهته على العارفين إلا لرغبتهم في الحياة الدائمة الصافية من ~~الشوائب، بعد أن تزول عنه هذه الحياة الفانية ويدركهم الموت فيها، فتصورهم ~~لذة الأمن منه، قلل كراهتهم له، كما أن ثقة العالم بما يعقبه الدواء من ~~الصحة، تهون عليه مرارته، فقد عبرت ها هنا عن شدة الأمر بالموت، واستعرته ~~له من أجلها، والشدة ومحصولها الكراهة، موجودة في كل واحد من المستعار له ~~والمستعار منه فليس التشبيه إذن من طريق الحكم على الوجود بالعدم، وتنزيل ~~ما هو موجود # كأنه قد خلع صفة الوجود، وذلك أن هذا الحكم إنما جرى في تشبيه الجهل ~~بالموت، وجعل الجاهل ميتا من حيث كان للجهل ضد ينافي الموت ويضاده وهو ~~العلم، فلما أردت أن تبالغ في نفي العلم الذي يجب مع نفيه الجهل، وجعلت ~~الجهل موتا لتؤيس من حصول العلم للمذكور، وليس لك هذا في وصف الأمر الشديد ~~المكروه بأنه موت، ألا ترى أن قوله: ه قد خلع صفة الوجود، وذلك أن هذا ~~الحكم إنما جرى في تشبيه الجهل بالموت، وجعل الجاهل ميتا من حيث كان للجهل ~~ضد ينافي الموت ويضاده وهو العلم، فلما أردت أن تبالغ في نفي العلم الذي ~~يجب مع نفيه الجهل، وجعلت الجهل موتا لتؤيس من حصول العلم للمذكور، وليس لك ~~هذا في وصف الأمر الشديد المكروه بأنه موت، ألا ترى أن قوله: # لا تحسبن الموت موت البلى ... وإنما الموت سؤال الرجال # لا يفيد أن للسؤال ضدا ينافي الموت أو يضاده على الحقيقة، وأن هذا القائل ~~قصد بجعل السؤال موتا نفى ذلك الضد، وأن يؤيس من وجوده وحصوله، بل أراد أن ~~في السؤال كراهة ومرارة مثل ما ms044 في الموت، وأن نفس الحر تنفر عنه كما تنفر ~~نفوس الحيوان جملة من الموت، وتطلب الحياة ما أمكن في الخلاص منه، # PageV01P080 # فإن قلت: المعنى فيه أن السؤال يكسب الذل وينفي العز، والذليل كالميت ~~لفقد القدرة والتصرف، فصار كتسميتهم خمول الذكر موتا، والذكر بعد الموت ~~حياة، كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: مات خزان المال، والعلماء ~~باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، قلت: إني ~~آنس أنهم لم يقصدوا هذا المعنى في السؤال، وإنما أرادوا الكراهة، ولذلك قال ~~بعد البيت الذي كتبته: # كلاهما موت، ولكن ذا ... أشد من ذاك لذل السؤال # هذا وليس كل ما يعبر عنه بالموت لأنه يكره ويصعب ولا يستسلم له العاقل ~~إلا بعد أن تعوزه الحيل فإنه يحمل هذا المحمل، وينقاد لهذا التأويل، أترى ~~المتنبي في قوله: # وقد مت أمس بها موتة ... ولا يشتهي الموت من ذاقه # أراد شيئا غير أنه لقي شدة، وأما العبارة عن خمول الذكر بالموت، فإنه وإن ~~كان يدخل في تنزيل الوجود منزلة العدم، من حيث يقال: إن الخامل لما لم يذكر ~~ولم يبن منه # PageV01P081 # ما يتحدث به، صار كالميت الذي لا يكون منه قول، بل ولا فعل يدل على وجوده ~~فليس دخوله فيه ذلك الدخول، وذلك أن الجهل ينافي العلم ويضاده كما لا يخفى، ~~والعلم إذا وجد فقد وجدت الحياة حتما واجبا، وليس كذلك خمول الذكر والذكر، ~~لأنه ليس إذا وجد الذكر فقد وجدت الحياة، لأنك تحدث عن الميت بأفعاله التي ~~كانت منه في حال الحياة، فيتصور الذكر ولا حياة على الحقيقة، ولا يتصور ~~العلم ولا حياة على الحقيقة. وهكذا القول في الطرف الآخر، وهو تسمية من لا ~~يعلم ميتا، وذلك أن الموت ها هنا عبارة عن عدم العلم وانتفائه، وعدم العلم ~~على الإطلاق، حتى لا يوجد منه شيء أصلا، وحتى لا يصح وجوده، يقتضي وجود ~~الموت على الحقيقة ولا يمكن أن يقال إن خمول الذكر يوجب الموت على الحقيقة، ~~فأنت إذن في هذا تنزل الوجود منزلة ms045 العدم على وجه لا ينصرف إلى الحقيقة ولا ~~يصير إليها،، وإنما يمثل ويخيل، وأما في الضرب الأول وهو جعل من لا يعلم ~~ميتا ومن يعلم هو الحي فإنك تلاحظ الحقيقة وتشير إليها وتحطب في حبلها ~~فاعرفه. وأما قولهم في الغني إذا كان بخيلا لا ينتفع بماله: إن غناه فقر، ~~فهو في الضرب الأول أعني تنزيل الوجود منزلة العدم لتعرى الوجود مما هو ~~المقصود منه، وذلك أن المال لا يراد لذاته، وإنما يراد للانتفاع به في ~~الوجوه التي تعدها العقلاء انتفاعا، فإذا حرم مالكه هذه الجدوى وهذه ~~الفائدة، فملكه له وعدم الملك سواء، والغني إذا صرف إلى المال، فلا معنى له ~~سوى ملك الإنسان الشيء الكثير منه، ألا تراه يذكر مع الثروة فيقال: غني مثر ~~مكثر؟ فإذا تبين بالعلة التي مضت أنه لا يستفيد بملكه هذا المال معنى، # PageV01P082 # وأن لا طائل له فيه، فقد ثبت أن غناه والفقر سواء، لأن الفقر أن لا يملك ~~المال الكثير، وأما قول اللؤماء: إن انتفاعه في اعتقاده أنه متى شاء انتفع ~~به، وما يجد في نفسه من عزة الاستظهار، وأنه يهاب ويكرم من أجله، فمن ~~أضاليل المنى، وقد يهان ويذل ويعذب بسببه حتى تنزع الروح دونه، ثم إن هذا ~~كلام وضعه العقلاء الذين عرفوا ما الانتفاع، وهذا المخالف لا ينكر أن ~~الانتفاع لو عدم كان ملكه الآن لمال وعدم ملكه سواء، وإنما جاء يتطلب عذرا، ~~ويرخي دون لؤمه سترا، ونظير هذا أنك ترى الظالم المجترئ على الأفعال ~~القبيحة، يدعي لنفسه الفضيلة بأنه مديد الباع طويل اليد، وأنه قادر على أن ~~يلجئ غيره إلى التطامن له، ثم لا يزيده احتجاجه إلا خزيا وذلا عند الله ~~وعند الناس، وترى المصدق له في دعواه أذم له وأهجى من المكذب، لأن الذي ~~صدقه أيس من أن ينزع إلى الإنسانية بحال، والذي كذب رجا أن ينزع عند ~~التنبيه والكشف عن صورة القبيح، وأما قولهم في القناعة إنها الغنى كقوله: # إن القنوع الغنى لا كثرة المال # PageV01P083 # يريد القناعة، وكما قال الآخر: ms046 # إن القناعة فاعلمن غنى ... والحرص يورث أهله الفقرا # وجعلهم الكثير المال، إذا كان شرها حريصا على الازدياد، فقيرا، فمما يرجع ~~إلى الحقيقة المحضة، وإن كان في ظاهر الكلام كالتشبيه والتمثيل، وذلك أن ~~حقيقة الغنى هو انتفاء الحاجة والحاجة أن تريد الشيء ولا تجده، والكثير ~~المال إذا كان الحرص عليه غالبا، والشره له أبدا صاحبا، كان حاله كحال من ~~به كلب الجوع يأكل ولا يشبع، أو من به البغر يشرب ولا يروى، فكما إن إصابته ~~من الطعام والشراب القدر الذي يشبع ويروى، إذا كان المزاج معتدلا والصحة ~~صحيحة، لا تنفي عنه صفة الجائع والظمآن لوجود الشهوة ودوام مطالبة النفس ~~وبقاء لهيب الظمأ وجهد العطش، كذلك الكثير المال لا تحصل له صفة الغنى ولا ~~تزول عنه صفة الفقر، مع بقاء حرصه الذي يديم له القرم والشره والحاجة ~~والطلب والضجر حين يفقد الزيادة التي يريدها، وحين يفوته بعض الربح من ~~تجاراته وسائر متصرفاته، وحتى لا يكاد يفصل بين حاله وقد فاته ما طلب، ~~وبينها وقد أخذ بعض ماله وغصب، ومن أين تحصل حقيقة الغنى لذي المال الكثير؟ ~~وقد تراه من بخله وشحه كالمقيد دون ما ملكه، والمغلول اليد يموت صبرا ~~ويعاني بؤسا، ولا تمتد يده إلى ما يزعم أنه يملكه فينفقه في لذة نفس، أو ~~فيما يكسب حمدا اليوم وأجرا غدا، ذاك لأنه عدم كرما يبسط أنامله، وجودا ~~ينصر أمله، وعقلا يبصره، وهمة تمكنه مما لديه، وتسلطه عليه، # PageV01P084 # كما قال البحتري: # وواجد مال أعوزته سجية ... تسلطه يوما على ذلك الوجد # فقولهم إذن: إن القناعة هي الغنى لا كثرة المال، إخبار عن حقيقة نفذتها ~~قضايا العقول، وصححتها الخبرة والعبرة، ولكن رب قضية من العقل نافذة قد ~~صارت كأنها من الأمور المتجوز فيها، أو دون ذلك في الصحة، لغلبة الجهل ~~والسفه على الطباع، وذهاب من يعمل بالعقل ويذعن له، ويطرح الهوى، ويصبو إلى ~~الجميل، ويأنف من القبيح، ولذهاب الحياء وبطلانه، وخروج الناس من سلطانه، ~~ويأس العاقل من أن يصادف عندهم، إن نبه أو ذكر، سمعا ms047 يعي، وعقلا يراعي، ~~فجري الغنى على كثرة المال، والفقر على قلته، مما يزيله العرف عن حقيقته في ~~اللغة، ولما كان الظاهر من حال الكثير المال أنه لا يعجز عن شيء يريده من ~~لذاته وسائر مطالبه، سمي المال الكثير غنى، وكذلك لما من كان قل ماله، عجز ~~عن إرادته، سمي قلة المال فقرا، فهو من جنس تسمية السبب باسم المسبب، وإلا ~~فحقيقة الغنى انتفاء الاحتياج، وحقيقة الفقر الاحتياج، والله تعالى الغني ~~على الحقيقة، لاستحالة الاحتياج عليه جل وتعالى عن صفات المخلوقين، على ذاك ~~ما جاء في الخبر من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أتدرون من ~~المفلس؟ قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، قال: ~~المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وزكاته وصيامه، فيأتي وقد شتم ~~هذا وأكل مال هذا وقذف هذا وضرب هذا وسفك دم هذا فيعطى هذا من # PageV01P085 # حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يفنى ما عليه من ~~الخطايا، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار "، ذاك أنه صلى الله ~~عليه وسلم بين الحكم في الآخرة، فلما كان الإنسان إنما يعد غنيا في الدنيا ~~بماله، لأنه يجتلب به المسرة ويدفع المضرة، وكان هذا الحكم في الآخرة، ~~للعمل الصالح، ثبت لا محالة أن يكون الخالي، نعوذ بالله، من ذلك، هو ~~المفلس، إذ قد عري مما لأجله يسمى الخالي من المال في الدنيا مفلسا، وهو ~~عدم ما يوصله إلى الخير والنعيم، ويقيه الشر والعذاب، نسأل الله التوفيق ~~لما يؤمن من عقابه. وإذا كان البحث والنظر يقتضي أن الغنى والفقر في هذا ~~الوجه دالان على حقيقة هذا التركيب في اللغة، كقولك: غنيت عن الشيء ~~واستغنيت عنه، إذا لم تحتج إليه وافتقرت إلى كذا، إذا احتجت إليه وجب أن لا ~~يعدواها ها هنا في المستعار والمنقول عن أصله. # PageV01P086 ### | فصل # إن قال قائل: إن تنزيل الوجود منزلة العدم، أو العدم منزلة الوجود، ليس ~~من حديث التشبيه في شيء، لأن التشبيه ms048 أن تثبت لهذا معنى من معاني ذاك، أو ~~حكما من أحكامه، كإثباتك للرجل شجاعة الأسد، وللحجة حكم النور، في أنك تفصل ~~بها بين الحق والباطل، كما يفصل بالنور بين الأشياء، وإذا قلت في الرجل ~~القليل المعاني: هو معدوم، أو قلت: هو والعدم سواء، فلست تأخذ له شبها من ~~شيء، ولكنك تنفيه وتبطل وجوده، كما أنك إذا قلت: ليس هو بشيء أو ليس برجل، ~~كان كذلك، وكما لا يسمى أحد نحو قولنا: ليس بشيء تشبيها، كذلك ينبغي أن لا ~~يكون قولك: وأنت تقلل الشيء أخبرت عنه معدوم تشبيها، وكذلك إذا جعلت ~~المعدوم موجودا كقولك مثلا للمال يذهب ويفنى ويثمر صاحبه ذكرا جميلا وثناء ~~حسنا: إنه باق لك موجود، لم يكن ذلك تشبيها، بل إنكارا لقول من نفى عنه ~~الوجود، حتى كأنك تقول: عينه باقية كما كانت، وإنما استبدل بصورة صورة فصار ~~جمالا، بعد ما كان مالا، ومكارم، بعد أن كان دراهم، وإذا ثبت هذا في نفس ~~الوجود والعدم، ثبت في كل ما كان على طريق تنزيل الصفة الموجودة كأنها غير ~~موجودة، نحو ما ذكرت من جعل الموت عبارة عن الجهل، فلم يكن ذلك تشبيها، ~~لأنه إذا كان لا يراد بجعل الجاهل ميتا إلا نفي الحياة عنه مبالغة، ونفي ~~العلم والتمييز والإحساس الذي لا يكون إلا مع الحياة، كان محصوله أنك لم ~~تعتد بحياته، وترك الاعتداد بالصفة لا يكون تشبيها، إنما نفي لها وإنكار ~~لقول من أثبتها، # PageV01P087 # فالجواب: إن الأمر كما ذكرت، ولكني تتبعت فيما وضعته ظاهر الحال، ونظرت ~~إلى قولهم: موجود كالمعدوم، وشيء كلا شيء، ووجود شبيه بالعدم، فإن أبيت أن ~~تعمل على هذا الظاهر لم أضايق فيه، إلا أن من حقك أن تعلم أنه لا غنى بك عن ~~حفظ الترتيب الذي رتبته في إعطاء المعقول اسم معقول آخر أعني لا بد من أن ~~تعلم أنه يجيء على طريقين: أحدهما: تنزيل الوجود منزلة العدم، كما مضى من ~~أن جعل الموت عبارة عن الجهل، وإيقاع اسمه عليه يرجع إلى تنزيل حياته ~~الموجودة ms049 كأنها معدومة، والثاني: أن لا يكون هذا المعنى، ولكن على أن لأحد ~~المعنيين شبها من الآخر، نحو أن السؤال يشبه، في كراهته وصعوبته على نفس ~~الحر، الموت. واعلم أني ذكرت لك في تمثيل هذه الأصول الواضح الظاهر القريب ~~المتناول الكائن من قبيل المتعارف في كل لسان، وما تجد اعترافا به وموافقة ~~عليه من كل إنسان، أو ما يشابه هذا الحد ويشاكله، ويداخل هذا الضرب ~~ويشاركه، ولم أذكر ما يدق ويغمض، ويلطف ويغرب، وما هو من الأسرار التي ~~أثارتها الصنعة، وغاصت عليها فكرة الأفراد من ذوي البراعة في الشعر، لأن ~~القصد إذا كان لتمهيد الأساس، ووضع قواعد القياس، كان الأولى أن أعمد إلى ~~ما هو أظهر وأجلى من الأمثلة، لتكون الحجة بها عامة لا يصرف وجهها بحال، ~~والشهادة تامة لا تجد من السامعين غير قبول وإقبال، حتى إذا تمهدت القواعد، ~~وأحكمت العرى والمعاقد، أخذ حينئذ في تتبع ما اخترعته # PageV01P088 # القرائح، وعمد إلى حل المشكلات عن ثقة بأن هيئت المفاتح، هذا وفي ~~الاستعارة بعد من جهة القوانين والأصول، شغل للفكر، ومذهب للقول، وخفايا ~~ولطائف تبرز من حجبها بالرفق والتدريج والتلطف والتأني، ولكني أظن أن ~~الصواب أن أنقل الكلام إلى القول على ### | التشبيه والتمثيل # وحقيقتهما والمراد منهما، خصوصا في كلام من يتكلم على الشعر، ونتعرف أهما ~~متساويان في المعنى، أو مختلفان، أم جنسهما واحد، إلا أن أحدهما أخص من ~~الآخر؟ وأنا أضع لك جملة من القول تبين بها هذه الأمور، # PageV01P089 # التشبيه والتمثيل ### | أقسام التشبيه # اعلم أن الشيئين إذا شبه أحدهما بالآخر كان ذلك على ضربين أحدهما أن يكون ~~من جهة أمر بين لا يحتاج إلى تأول، والآخر أن يكون الشبه محصلا بضرب من ~~التأول، فمثال الأول: تشبيه الشي بالشيء من جهة الصورة والشكل، نحو أن يشبه ~~الشيء إذا استدار بالكرة في وجه، وبالحلقة في وجه آخر وكالتشبيه من جهة ~~اللون، كتشبيه الخدود بالورد، والشعر بالليل، والوجه بالنهار، وتشبيه سقط ~~النار بعين الديك، وما جرى في هذا الطريق أو جمع الصورة واللون معا، كتشبيه ms050 ~~الثريا بعنقود الكرم المنور، والنرجس بمداهن در حشوهن عقيق، وكذلك التشبيه ~~من جهة الهيئة نحو: أنه مستو منتصب مديد، كتشبيه قامة الرجل بالرمح، والقد ~~اللطيف بالغصن ويدخل في الهيئة حال الحركات في أجسامها، كتشبيه الذاهب على ~~الاستقامة بالسهم السديد، ومن تأخذه الأريحية فيهتز بالغصن تحت البارح، ~~ونحو ذلك وكذلك # PageV01P090 # كل تشبيه جمع بين شيئين فيما يدخل تحت الحواس، نحو تشبيهك صوت بعض ~~الأشياء بصوت غيره، كتشبيه أطيط الرحل بأصوات الفراريج، كما قال: # كأن أصوات، من إيغالهن بنا ... أواخر الميس إنقاض الفراريج # تقدير البيت كأن أصوات أواخر الميس أصوات الفراريج من إيغالهن بنا ثم فصل ~~بين المضاف والمضاف إليه بقوله: من إيغالهن وكتشبيه صريف أنياب البعير ~~بصياح البوازي، كما قال: # كأن على أنيابها سحرة ... صياح البوازي من صريف اللوائك # وأشباه ذلك من الأصوات المشبهة له وكتشبيه بعض الفواكه الحلوة بالعسل ~~والسكر وتشبيه اللين الناعم بالخز، والخشن بالمسح، أو رائحة بعض الرياحين ~~برائحة الكافور أو رائحة بعضها ببعض كما لا يخفى، وهكذا التشبيه من جهة ~~الغريزة والطباع، كتشبيه الرجل بالأسد في الشجاعة، وبالذئب في النكر، ~~والأخلاق كلها تدخل في الغريزة نحو السخاء والكرم واللؤم، # PageV01P091 # وكذلك تشبيه الرجل بالرجل في الشدة والقوة وما يتصل بهما، فالشبه في هذا ~~كله بين لا يجري فيه التأول، ولا يفتقر إليه في تحصيله، وأي تأول يجري في ~~مشابهة الخد للورد في الحمرة، وأنت تراها ها هنا كما تراها هناك؟ وكذلك ~~تعلم الشجاعة في الأسد كا تعلمها في الرجل، ومثال الثاني: وهو أشبه الذي ~~يحصل بضرب من التأول، كقولك: هذه حجة كالشمس في الظهور، وقد شبهت الحجة ~~بالشمس من جهة ظهورها، كما شبهت فيما مضى الشيء بالشيء من جهة ما أردت من ~~لون أو صورة أو غيرهما، إلا أنك تعلم أن هذا التشبيه لا يتم لك إلا بتأول، ~~وذلك أن تقول: حقيقة ظهور الشمس وغيرها من الأجسام أن لا يكون دونها حجاب ~~ونحوه، مما يحول بين العين وبين رؤيتها، ولذلك يظهر الشيء لك إذا لم يكن ~~بينك وبينه ms051 حجاب، ولا يظهر لك إذا كنت من وراء حجاب، ثم تقول: إن الشبهة ~~نظير الحجاب فيما يدرك بالعقول، لأنها تمنع القلب رؤية ما هي شبهة فيه، كما ~~يمنع الحجاب العين أن ترى ما هو من ورائه، ولذلك توصف الشبهة بأنها اعترضت ~~دون الذي يروم القلب إدراكه، ويصرف فكره للوصول إليه من صحة حكم أو فساده، ~~فإذا ارتفعت الشبهة وحصل العلم بمعنى الكلام الذي هو الحجة على صحة ما ادعي ~~من الحكم قيل: هذا ظاهر كالشمس، أي ليس ها هنا مانع عن العلم به، لا للتوقف ~~والشك فيه مساغ، وأن المنكر له إما مدخول في عقله أو جاحد مباهت، ومسرف في # PageV01P092 # العناد، كما أن الشمس الطالعة لا يشك فيها ذو بصر، ولا ينكرها إلا من لا ~~عذر له في إنكاره، فقد احتجت في تحصيل الشبه الذي أثبته بين الحجة والشمس ~~إلى مثل هذا التأول كما ترى. ثم إن ما طريقه التأول يتفاوت تفاوتا شديدا، ~~فمنه ما يقرب مأخذه ويسهل الوصول إليه، ويعطى المقادة طوعا، حتى إنه يكاد ~~يداخل الضرب الأول الذي ليس من التأول في شيء، وهو ما ذكرته لك ومنه ما ~~يحتاج فيه إلى قدر من التأمل، ومنه ما يدق ويغمض حتى يحتاج في استخراجه إلى ~~فضل روية ولطف فكرة. فمما يشبه الذي بدأت به في قرب المأخذ وسهولة المأتى، ~~قوله في صفة الكلام: ألفاظه كالماء في السلاسة، وكالنسيم في الرقة، وكالعسل ~~في الحلاوة، يريدون أن اللفظ لا يستغلق ولا يشتبه معناه ولا يصعب الوقوف ~~عليه، وليس هو بغريب وحشي يستكره، لكونه غير مألوف، أو ليس في حروفه تكرير ~~وتنافر يكد اللسان من أجلهما، فصارت لذلك كالماء الذي يسوغ في الحلق، ~~والنسيم يسري في البدن، ويتخلل المسالك اللطيفة منه، ويهدي إلى القلب روحا، ~~ويوجد في الصدر انشراحا، ويفيد النفس نشاطا، وكالعسل الذي يلذ طعمه، وتهش ~~النفس له، ويميل الطبع إليه، ويحب وروده عليه، فهذا كله تأول، ورد شيء إلى ~~شيء بضرب من التلطف، وهو أدخل قليلا في حقيقة التأول، وأقوى ms052 حالا في الحاجة ~~إليه، من تشبيه الحجة بالشمس، # PageV01P093 # وأما ما تقوى فيه الحاجة إلى التأول حتى لا يعرف المقصود من التشبيه فيه ~~ببديهة السماع، فنحو قول كعب الأشقري، وقد أوفده المهلب على الحجاج، فوصف ~~له بنيه وذكر مكانهم من الفضل والبأس، فسأله في آخر القصة قال: فكيف كان ~~بنو المهلب فيهم؟ قال: كانوا حماة السرح نهارا، فإذا أليلوا ففرسان البيات، ~~قال: فأيهم كان أنجد؟ قال: كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها، فهذا ~~كما ترى ظاهر الأمر في فقره إلى فضل الرفق به والنظر، ألا ترى أنه لا يفهمه ~~حق فهمه إلا من له ذهن ونظر يرتفع به عن طبقة العامة؛ وليس كذلك تشبيه ~~الحجة بالشمس، فإنه كالمشترك البين الاشتراك، حتى يستوي في معرفته، اللبيب ~~واليقظ والمضعوف المغفل، وهكذا تشبيه الألفاظ بما ذكرت، قد تجده في كلام ~~العامي. فأما ما كان مذهبه في اللطف مذهب # قوله: هم كالحلقة، فلا تراه إلا في الآداب والحكم المأثورة عن الفضلاء ~~وذوي العقول الكاملة. وله: هم كالحلقة، فلا تراه إلا في الآداب والحكم ~~المأثورة عن الفضلاء وذوي العقول الكاملة. # PageV01P094 ### | الفرق بين التشبيه والتمثيل # وإذ قد عرفت الفرق بينن الضربين، فاعلم أن التشبيه عام والتمثيل أخص منه، ~~فكل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلا، فأنت تقول في قول قيس بن الخطيم: # وقد لاح في الصبح الثريا لمن رأى ... كعنقود ملاحية حين نورا # إنه تشبيه حسن، ولا تقول: هو تمثيل، وكذلك تقول: ابن المعتز حسن ~~التشبيهات بديعها، لأنك تعني تشبيهه المبصرات بعضها ببعض، وكل ما لا يوجد ~~الشبه فيه من طريق التأول، كقوله: # كأن عيون النرجس الغض حولها ... مداهن در حشوهن عقيق # وقوله: # وأرى الثريا في السماء كأنها ... قد تبدت من ثياب حداد # وقوله: # وتروم الثريا ... في الغروب مراما # كانكباب طمر ... كاد يلقى اللجاما # PageV01P095 # وقوله: # قد انقضت دولة الصيام وقد ... بشر سقم الهلال بالعيد # يتلو الثريا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود # وقوله: # لما تعرى أفق الضياء ... مثل ابتسام الشفة اللمياء # وشمطت ذوائب الظلماء ... قدنا لعين ms053 الوحش والظباء # داهية محذورة اللقاء ... ويعرف الزجر من الدعاء # بأذن ساقطة الأرجاء ... كوردة السوسنة الشهباء # ذا برثن كمثقب الحذاء ... ومقلة قليلة الأقذاء # صافية كقطرة من ماء # وما كان من هذا الجنس ولا تريد نحو قوله: # اصبر على مضض الحسو ... د فإن صبرك قاتله # فالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله # PageV01P096 # وذلك أن إحسانه في النوع الأول أكثر، وهو به أشهر. وكل ما لا يصح أن يسمى ~~تمثيلا فلفظ المثل لا يستعمل فيه أيضا، فلا يقال: ابن المعتز حسن الأمثال، ~~تريد به نحو الأبيات التي قدمتها، وإنما يقال: صالح بن عبد القدوس كثير ~~الأمثال في شعره، يراد نحو قوله: # وإن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه # حتى تراه مورقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه # وما أشبهه، مما الشبه فيه من قبيل ما يجري في التأول، ولكن إن قلت في قول ~~ابن المعتز: # فالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله # إنه تمثيل، فمثل الذي قلت ينبغي أن يقال، لأن تشبيه الحسود إذا صبر وسكت ~~عنه، وترك غيظه يتردد فيه بالنار التي لا تمد بالحطب حتى يأكل بعضها بعضا، ~~مما حاجته إلى التأول ظاهرة بينة. فقد تبين بهذه الجملة وجه الفرق بين ~~التشبيه والتمثيل، وفي تتبع ما أجملت من أمرهما، وسلوك طريق التحقيق فيهما، ~~ضرب من القول ينشط له من يأنس بالحقائق. # PageV01P097 ### | ### | فصل # # اعلم أن الذي أوجب أن يكون في التشبيه هذا الانقسام، أن الاشتراك في ~~الصفة يقع مرة في نفسها وحقيقة جنسها، ومرة في حكم لها ومقتضى، فالخد يشارك ~~الورد في الحمرة نفسها وتجدها في الموضعين بحقيقتها واللفظ يشارك العسل في ~~الحلاوة، لا من حيث جنسه، بل من جهة حكم وأمر يقتضيه، وهو ما يجده الذائق ~~في نفسه من اللذة، والحالة التي تحصل في النفس إذا صادفت بحاسة الذوق ما ~~يميل إليه الطبع ويقع منه بالموافقة، فلما كان كذلك، احتيج لا محالة إذا ~~شبه بالعسل في الحلاوة أن يبين أن هذا التشبيه ليس من جهة ms054 الحلاوة نفسها ~~وجنسها، ولكن من مقتضى لها، وصفة تتجدد في النفس بسببها، وأن القصد أن يخبر ~~بأن السامع يجد عند وقوع هذا اللفظ في سمعه حالة في نفسه، شبيهة بالحالة ~~التي يجدها الذائق للحلاوة من العسل، حتى لو تمثلت الحالتان للعيون، لكانتا ~~تريان على صورة واحدة، ولوجدتا من التناسب على حد الحمرة من الخد، والحمرة ~~من الورد، وليس ها هنا عبارة أخص بهذا البيان من التأول، لأن حقيقة قولنا: ~~تأولت الشيء، أنك تطلبت ما يؤول إليه من الحقيقة، أو الموضع الذي يؤول إليه ~~من العقل، لأن أولت وتأولت فعلت وتفعلت من آل الأمر إلى كذا يؤول، إذا ~~انتهى إليه، والمآل، المرجع وليس قول من جعل أولت وتأولت من أول بشيء، لأن ~~ما فاؤه وعينه من وضع واحد ككوكب وددن لا يصرف منه فعل، وأول أفعل بدلالة ~~قولنا: # PageV01P098 # أول منه، كقولنا: أسبق منه وأقدم، فالواو الأولى فاء والثانية عين وليس ~~هذا موضع الكلام في ذلك فيستقصى، وأما الضرب الأول، فإذا كان المثبت من ~~الشبه في الفرع من جنس المثبت في الأصل، كان أصلا بنفسه، وكان ظاهر أمره ~~وباطنه واحدا، وكان حاصل جمعك بين الورد والخد، أنك وجدت في هذا وذاك حمرة، ~~والجنس لا تتغير حقيقته بأن يوجد في شيئان، وإنما يتصور فيه التفاوت ~~بالكثرة والقلة والضعف والقوة، نحو أن حمرة هذا الشيء أكثر وأشد من حمرة ~~ذاك، وإذا تقررت هذه الجملة، حصل من العلم بها أن التشبيه الحقيقي الأصلي ~~هو الضرب الأول، وأن هذا الضرب فرع له ومرتب عليه، ويزيد ذلك بيانا: أن ~~مدار التشبيه على أنه يقتضي ضربا من الاشتراك، ومعلوم أن الاشتراك في نفس ~~الصفة، أسبق في التصور من الاشتراك في مقتضى الصفة كما أن الصفة نفسها ~~مقدمة في الوهم على مقتضاها، فالحلاوة أولا، ثم إنها تقتضي اللذة في نفس ~~الذائق لها، وإذا تأملنا متصرف تركيبه، وجدناه يقتضي أن يكون الشيئان من ~~الاتفاق والاشتراك في الوصف، بحيث يجوز أن يتوهم أن أحدهما الآخر، وهكذا ~~تراه في العرف والمعقول، فإن ms055 العقلاء يؤكدون أبدا أمر المشابهة بأن يقولوا: ~~لا يمكنك أن تفرق بينهما، ولو رأيت هذا بعد أن رأيت ذاك لم تعلم أنك رأيت ~~شيئا غير الأول، حتى تستدل بأمر خارج عن الصورة، ومعلوم أن هذه القضية إنما ~~توجد على الإطلاق والوجود الحقيقي في الضرب الأول وأما الضرب الثاني، فإنما ~~يجيء فيه على سبيل التقدير والتنزيل، فأما أن # PageV01P099 # لا تجد ### | ### | فصل # ا بين ما يقتضيه العسل في نفس الذائق، وما يحصل باللفظ المرضي ~~والكلام المقبول في نفس السامع، فما لا يمكن ادعاؤه إلا على نوع من ~~المقاربة أو المجازفة، فأما على التحقيق والقطع فلا، فالمشابهات المتأولة ~~التي ينتزعها العقل من الشيء للشيء، لا تكون في حد المشابهات الأصلية ~~الظاهرة، بل الشبه العقلي كأن الشيء به يكون شبيها بالمشبه. # PageV01P100 # فصل # ثم إن هذا الشبه العقلي ربما انتزع من شيء واحد، كما مضى انتزاع الشبه ~~للفظ من حلاوة العسل وربما انتزع من عدة أمور يجمع بعضها إلى بعض، ثم ~~يستخرج من مجموعها الشبه، فيكون سبيله سبيل الشيئين يمزج أحدهما بالآخر، ~~حتى تحدث صورة غير ما كان لهما في حال الإفراد، لا سبيل الشيئين يجمع ~~بينهما وتحفظ صورتهما، ومثال ذلك قوله عز وجل: " مثل الذين حملوا التوراة ~~ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا " " الجمعة: 5 "، الشبه منتزع من ~~أحوال الحمار، وهو أنه يحمل الأسفار التي هي أوعية العلوم ومستودع ثمر ~~العقول، ثم لا يحس بما فيها ولا يشعر بمضمونها، ولا يفرق بينها وبين سائر ~~الأحمال التي ليست من العلم في شيء، ولا من الدلالة عليه بسبيل، فليس له ~~مما يحمل حظ سوى أنه يثقل عليه، ويكد جنبيه فهو كما ترى مقتضى أمور مجموعة، ~~ونتيجة لأشياء ألفت وقرن بعضها إلى بعض، بيان ذلك: أنه احتيج إلى أن يراعى ~~من الحمار فعل مخصوص، وهو الحمل، وأن يكون المحمول شيئا مخصوصا، وهو ~~الأسفار التي فيها أمارات تدل على العلوم، وأن يثلث ذلك بجهل الحمار ما ~~فيها، حتى يحصل الشبه المقصود، ثم إنه لا يحصل من كل ms056 واحد من هذه الأمور ~~على الانفراد، ولا يتصور أن يقال إنه تشبيه بعد تشبيه، من غير أن يقف الأول ~~على الثاني، ويدخل الثاني في الأول، لأن الشبه لا يتعلق بالحمل حتى يكون من ~~الحمار، ثم لا يتعلق أيضا بحمل الحمار حتى يكون المحمول الأسفار، ثم لا ~~يتعلق بهذا كله حتى يقترن به جهل # PageV01P101 # الحمار بالأسفار المحمولة على ظهره فما لم تجعله كالخيط الممدود، ولم ~~يمزج حتى يكون القياس قياس أشياء يبالغ في مزاجها حتى تتحد وتخرج عن أن ~~تعرف صورة كل واحد منها على الانفراد، بل تبطل صورها المفردة التي كانت قبل ~~المزاج، وتحدث صورة خاصة غير اللواتي عهدت، وتحصل مذاقة لو فرضت حصولها لك ~~في تلك الأشياء من غير امتزاج، فرضت ما لا يكون لم يتم المقصود، ولم تحصل ~~النتيجة المطلوبة، وهي الذم بالشقاء في شيء يتعلق به غرض جليل وفائدة ~~شريفة، مع حرمان ذلك الغرض وعدم الوصول إلى تلك الفائدة، واستصحاب ما يتضمن ~~المنافع العظيمة والنعم الخطيرة، من غير أن يكون ذلك الاستصحاب سببا إلى ~~نيل شيء من تلك المنافع والنعم، ومثال ما يجيء فيه التشبيه معقودا على ~~أمرين إلا أنهما لا يتشابكان هذا التشابك قولهم: هو يصفو ويكدر ويمر ويحلو ~~ويشج ويأسو، ويسرح ويلجم، لأنك وإن كنت أردت أن تجمع له الصفتين، فليست ~~إحداهما ممتزجة بالأخرى، لأنك لو قلت: هو يصفو، ولم تتعرض لذكر الكدر أو ~~قلت: يحلو، ولم يسبق ذكر يمر، وجدت المعنى في تشبيهك له بالماء في الصفاء ~~وبالعسل في الحلاوة بحاله وعلى حقيقته، # PageV01P102 # وليس كذلك الأمر في الآية لأنك لو قلت: كالحمار يحمل أسفارا، ولم تعتبر ~~أن يكون جهل الحمار مقرونا بحمله، وأن يكون متعديا إلى ما تعدى إليه الحمل، ~~لم يتحصل لك المغزى منه، وكذلك لو قلت: هم كالحمار في أنه يجهل الأسفار، ~~ولم تشرط أن يكون حمله الأسفار مقرونا بجهله لها لكان كذلك، وكذلك لو ذكرت ~~الحمل والجهل مطلقين، ولم تجعل لهما المفعول المخصوص الذي هو الأسفار، ~~فقلت: هو كالحمار في أنه ms057 يحمل ويجهل، وقعت من التشبيه المقصود في الآية ~~بأبعد البعد، والنكتة أن التشبيه بالحمل للأسفار، إنما كان بشرط أن يقترن ~~به الجهل، ولم يكن الوصف بالصفاء والتشبيه بالماء فيه بشرط أن يقترن به ~~الكدر، ولذلك لو قلت: يصفو ولا يكدر لم تزد في صميم التشبيه وحقيقته شيئا، ~~وإنما استدمت الصفة كقولك: يصفو أبدا وعلى كل حال. # PageV01P103 ### | فصل # اعلم أن الشبه إذا انتزع من الوصف لم يخل من وجهين أحدهما أن يكون لأمر ~~يرجع إلى نفسه والآخر أن يكون لأمر لا يرجع إلى نفسه، فالأول ما مضى في نحو ~~تشبيه الكلام بالعسل في الحلاوة، وذلك أن وجه التشبيه هناك أن كل واحد ~~منهما يوجب في النفس لذة وحالة محمودة، ويصادف منها قبولا، وهذا حكم واجب ~~للحلاوة من حيث هي حلاوة، أو للعسل من حيث هو عسل، وأما الثاني وهو ما ~~ينتزع منه الشبه لأمر لا يرجع إلى نفسه، فمثاله أن يتعدى الفعل إلى شيء ~~مخصوص يكون له من أجله حكم خاص، نحو كونه واقعا في موقعه وعلى الصواب، أو ~~واقعا غير موقعه، كقولهم هو كالقابض على الماء والراقم في الماء، فالشبه ها ~~هنا منتزع مما بين القبض والماء، وليس بمنزع من القبض نفسه، وذلك أن فائدة ~~قبض اليد على الشيء أن يحصل فيها، فإذا كان الشيء مما لا يتماسك، ففعلك ~~القبض في اليد لغو وكذلك القصد في الرقم أن يبقى أثر في الشيء، وإذا فعلته ~~فيما لا يقبله، كان فعلك كلا فعل وكذلك قولهم: يضرب في حديد بارد وينفخ في ~~غير فحم، وإذا ثبت هذا فكل شبه كان هذا سبيله، فإنك لا تجد بين # PageV01P104 # المعنى المذكور وبين المشبه إذا افردته، ملابسة البتة، ألاتراك تضرب ~~الرقم في الماء والقبض عليه، لأمور لا شبه بينهما وبينها البتة، من حيث هما ~~رقم وقبض، وإذا قد عرفت هذا فالحمل في الآية من هذا القبيل أيضا، لأنه تضمن ~~الشبه من اليهود، لا لأمر يرجع إلى حقيقة الحمل، بل لأمرين آخرين: أحدهما ~~تعديه إلى الأسفار، والآخر اقتران ms058 الجهل للأسفار به، وإذا كان الأمر كذلك، ~~كان قطعك الحمل عن هذين الأمرين في البعد من الغرض، كقطعك القبض والرقم عن ~~الماء، في استحالة أن يعقل منها ما يعقل بعد تعديهما إلى الماء بوجه من ~~الوجوه فاعرفه. فإن قلت: ففي اليهود شبه من الحمل، من حيث هو حمل على حال، ~~وذلك أن الحافظ للشيء بقلبه، يشبه الحامل للشيء على ظهره، وعلى ذلك يقال: ~~حملة الحديث، وحملة العلم كما جاء في الأثر: يحمل هذا العلم من كل خلف ~~عدوله، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، فالجواب أن الأمر وإن كان كذلك، ~~فإن هذا الشبه لم يقصد ها هنا # PageV01P105 # وإنما قصد ما يوجبه تعدي الحمل إلى الأسفار، مع اقتران الجهل بها به، وهو ~~العناء بلا منفعة، يبين ذلك: أنك قد تقول للرجل يحمل في كمه أبدا دفاتر ~~علم، وهو بليد لا يفهم، أو كسلان لا يتعلم: إن كان يحمل كتب العلم فالحمار ~~أيضا قد يحمل، تريد أن تبطل دعواه أن له في حمله فائدة، وأن تسوي بينه وبين ~~الحمار في فقد الفائدة مما يحمل، فالحمل ها هنا نفسه موجود في المشبه ~~بالحمار، ثم التشبيه لا ينصرف إليه من حيث هو حمل، وإنما ينصرف إلى ما ذكرت ~~لك من عدم الجدوى والفائدة، وإنما يتصور أن يكون الشبه راجعا إلى الحمل من ~~حيث هو حمل، حيث يوصف الرجل مثلا بكثرة الحفظ للوظائف، أو جهد النفس في ~~الأشغال المتراكمة، وذلك خارج عن الغرض مما نحن فيه، ومن هذا الباب قولهم: ~~أخذ القوس باريها، وذلك أن المعنى على وقوع الأخذ في موقعه ووجوده من أهله، ~~فلست تشبهه من حيث الأخذ نفسه وجنسه، ولكن من حيث الحكم الحاصل له بوقوعه ~~من باري القوس على القوس، وكذلك قولهم: ما زال يفتل منه في الذروة والغارب ~~الشبه مأخوذ ما بين الفتل وما تعدى إليه من الذروة والغارب، ولو أفردته لم ~~تجد شبها بينه وبين ما يضرب هذا الكلام مثلا له، لأنه يضرب في الفعل أو # PageV01P106 # القول يصرف ms059 به الإنسان عن الامتناع إلى الإجابة، وعن الإباء عليك مرادك، ~~إلى موافقتك والمصير إلى ما تريد منه، وهذا لا يوجد في الفتل من حيث هو ~~فتل، وإنما يوجد في الفتل إذا وقع في الشعر من ذروة البعير وغاربه، واعلم ~~أن هذا الشبه حكمه واحد، سواء أخذته ما بين الفعل والمفعول الصريح، أو ما ~~يجري مجرى المفعول، فالمفعول كالقوس في قولك: أخذ القوس باريها، وما يجري ~~مجرى المفعول، الجار مع المجرور، كقولك: الرقم في الماء وهو كمن يخط في ~~الماء، وكذلك الحال، كقولهم: كالحادي وليس له بعير، فقولك: وليس له بعير، ~~جملة من الحال، وقد احتاج الشبه إليها، لأنه مأخوذ ما بين المعنى الذي هو # الحدو، وبين هذه الحال، كما كان مأخوذا بين الرقم والماء، وما بين الفتل ~~والذروة والغارب، وقد تجد بك حاجة إلى مفعول وإلى الجار مع المجرور كقولك: ~~وهل يجمع السيفان في غمد، وأنت كمن يجمع السيفين في غمد، ألا ترى أن الجمع ~~فيه لا يغني بتعديه إلى السيفين، حتى يشترط كونه جمعا لهما في الغمد؟ ~~فمجموع ذلك كله يحصل الغرض، وهكذا نحو قول العامة: هو كثير الجور على إلفه، ~~وقولهم: كمبتغي الصيد في عريسة الأسد، لأن الصيد مفعول وفي عريسة جار مع ~~المجرور، فإذا ثبت هذا ظهر منه أنه لا بد لك في هذا الضرب من الشبه من جملة ~~صريحة أو حكم الجملة، فالجملة الصريحة قولك: أخذ القوس باريها وحكم الجملة ~~أن تقول: هذا منك كالرقم في الماء، وكالقابض على الماء، فتأتي باسم الفاعل، ~~وذاك أن المصدر واسم الفاعل ليسا بجملتين صريحا ولكن حكم الجملة قائم ~~فيهما، وهو أنك أعملتهما عمل الفعل، ألا ترى أنك عديتهما على حسب ما تعدى ~~الفعل؟ وخصائص هذا النوع من التمثيل أكثر من أن تضبط، وقد وقفتك على ~~الطريقة، دو، وبين هذه الحال، كما كان مأخوذا بين الرقم والماء، وما بين ~~الفتل والذروة والغارب، وقد تجد بك حاجة إلى مفعول وإلى الجار مع المجرور ~~كقولك: وهل يجمع السيفان في غمد، وأنت كمن ms060 يجمع السيفين في غمد، ألا ترى أن ~~الجمع فيه لا يغني بتعديه إلى السيفين، حتى يشترط كونه جمعا لهما في الغمد؟ ~~فمجموع ذلك كله يحصل الغرض، وهكذا نحو قول العامة: هو كثير الجور على إلفه، ~~وقولهم: كمبتغي # PageV01P107 # الصيد في عريسة الأسد، لأن الصيد مفعول وفي عريسة جار مع المجرور، فإذا ~~ثبت هذا ظهر منه أنه لا بد لك في هذا الضرب من الشبه من جملة صريحة أو حكم ~~الجملة، فالجملة الصريحة قولك: أخذ القوس باريها وحكم الجملة أن تقول: هذا ~~منك كالرقم في الماء، وكالقابض على الماء، فتأتي باسم الفاعل، وذاك أن ~~المصدر واسم الفاعل ليسا بجملتين صريحا ولكن حكم الجملة قائم فيهما، وهو ~~أنك أعملتهما عمل الفعل، ألا ترى أنك عديتهما على حسب ما تعدى الفعل؟ ~~وخصائص هذا النوع من التمثيل أكثر من أن تضبط، وقد وقفتك على الطريقة # فهذا أحد الوجوه التي يكون الشبه العقلي بها حاصلا لك من جملة من الكلام، ~~وأظنه من أقوى الأسباب والعلل فيه، وعلى الجملة، فينبغي أن تعلم أن المثل ~~الحقيقي، والتشبيه الذي هو الأولى بأن يسمى تمثيلا لبعده عن التشبيه الظاهر ~~الصريح، ما تجده لا يحصل لك إلا من جملة من الكلام أو جملتين أو أكثر، حتى ~~إن التشبيه كلما كان أوغل في كونه عقليا محضا، كانت الحاجة إلى الجملة ~~أكثر، # PageV01P108 # ألا ترى إلى نحو قوله عز وجل: " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من ~~السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض ~~زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا ~~فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس " " يونس: 42 "، كيف كثرت الجمل فيه؟ حتى ~~إنك ترى في هذه الآية عشر جمل إذا فصلت، وهي وإن كان قد دخل بعضها في بعض ~~حتى كأنها جملة واحدة، فإن ذلك لا يمنع من أن تكون صور الجمل معنا حاصلة ~~تشير إليها واحدة واحدة، ثم إن الشبه منتزع من مجموعها، من غير أن يمكن فصل ~~بعضها عن ms061 بعض، وإفراد شطر من شطر، حتى إنك لو حذفت منها جملة واحدة من أي ~~موضع كان، أخل ذلك بالمغزى من التشبيه، ولا ينبغي أن تعد الجمل في هذا ~~النحو بعد التشبيهات التي يضم بعضها إلى بعض، والأغراض الكثيرة التي كل ~~واحد منها منفرد بنفسه، بل بعد جمل تنسق ثانية منها على أولة، وثالثة على ~~ثانية، وهكذا، فإن ما كان من هذا الجنس لم تترتب فيه الجمل ترتيبا مخصوصا ~~حتى يجب أن تكون هذه سابقة وتلك تالية والثالثة بعدهما، ألا ترى أنك إذا ~~قلت: زيد كالأسد بأسا، والبحر جودا، والسيف مضاء، والبدر بهاء، لم يجب عليك ~~أن تحفظ في هذه التشبيهات نظاما مخصوصا؟ بل لو بدأت بالبدر وتشبيهه به في ~~الحسن، وأخرت تشبيهه بالأسد في الشجاعة، كان المعنى بحاله، وقوله: # النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم # PageV01P109 # إنما يجب حفظ هذا الترتيب فيها لأجل الشعر، فأما أن تكون هذه الجمل ~~متداخلة كتداخل الجمل في الآية، وواجبا فيها أن يكون لها نسق مخصوص كالنسق ~~في الأشياء إذا رتبت ترتيبا مخصوصا كان لمجموعها صورة خاصة مقررة فلا. وقد ~~يجيء الشيء من هذا القبيل يتوهم فيه أن إحدى الجملتين أو الجمل تنفرد ~~وتستعمل بنفسها تشبيها وتمثيلا، ثم لا يكون كذلك عند حسن التأمل، مثال ذلك ~~قوله: # كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رجوها أقشعت وتجلت # هذا مثل في أن يظهر للمضطر إلى الشيء، الشديد الحاجة إليه، أمارة وجوده، ~~ثم يفوته ويبقى لذلك بحسرة وزيادة ترح، وقد يمكن أن يقال: إن قولك: أبرقت ~~قوما عطاشا غمامة، تشبيه # PageV01P110 # مستقل بنفسه، لا حاجة به إلى ما بعده من تمام البيت في إفادة المقصود ~~الذي هو ظهور أمر مطمع لمن هو شديد الحاجة، إلا أنه وإن كان كذلك، فإن حقنا ~~أن ننظر في مغزى المتكلم في تشبيهه، ونحن نعلم أن المغزى أن يصل ابتداء ~~مطمعا بانتهاء مؤيس، وذلك يقتضي وقوف الجملة الأولة على ما بعدها من تمام ~~البيت، ووزان هذا أن الشرط والجزاء جملتان، ولكنا نقول: إن ms062 حكمهما حكم جملة ~~واحدة، من حيث دخل في الكلام معنى يربط إحداهما بالأخرى، حتى صارت الجملة ~~لذلك بمنزلة الاسم المفرد في امتناع أن تحصل به الفائدة، فلو قلت: إن تأتني ~~وسكت، لم تفد كما لا تفيد إذا قلت: زيد وسكت، فلم تذكر اسما آخر ولا فعلا، ~~ولا كان منويا في النفس معلوما من دليل الحال، ثم إن الأمر، وإن كان كذلك، ~~فقد يجوز أن تخرج الكلام عن الجزاء فتقول: تأتيني، فتعود الجملة على ~~الإفادة، لإغنائك لها عن أن ترتبط بأخرى، وإزالتك المعنى الذي أوجب فقرها ~~إلى صاحبة لها، إلا أن الغرض الأول يبطل والمعنى يتبدل، فكذلك الاقتصار على ~~الجملة التي هي: أبرقت قوما عطاشا غمامة، يخرج عن غرض الشاعر، فإن قلت: ~~فهذا يلزمك في قولك: هو يصفو ويكدر، وذلك أن الاقتصار على أحد الأمرين يبطل ~~غرض القائل، وقصده أن يصف الرجل بأنه يجمع الصفتين، وأن الصفاء لا يدوم، ~~فالجواب أن بين الموضعين فرقا، وإن كان يغمض قليلا، وهو أن # PageV01P111 # الغرض في البيت أن يثبت ابتداء مطمعا مؤنسا أدى إلى انتهاء مؤيس موحش، ~~وكون الشيء ابتداء لآخر هو له انتهاء، معنى زائد على الجمع بين الأمرين، ~~والوصف بأن كل واحد منها يوجد في المقصود، وليس لك في قولك يصفو ويكدر، ~~أكثر من الجمع بين الوصفين، ونظير هذا أن تقول هو كالصفو بعد الكدر، في ~~حصول معنى يجب معه ربط أحد الوصفين بالآخر في الذكر ويتعين به الغرض، حتى ~~لو قلت: يكدر ثم يصفو، فجئت بثم التي توجب الثاني مرتبا على الأول، وأن ~~أحدهما مبتدأ والآخر بعده، صرت بالجملة إلى حد ما نحن عليه من الارتباط، ~~ووجوب أن يتعلق الحكم بمجموعهما، ويوجد الشبه إن شبهت ما بينهما، على ~~التشابك والتداخل، دون التباين والتزايل، ومن الواضح في كون الشبه معلقا ~~بمجموع الجملتين، حتى لا يقع في الوهم تميز إحداهما على الأخرى قوله: بلغني ~~أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت ~~والسلام، وذلك أن المقصود من هذا الكلام: ms063 التردد بين الأمرين، وترجيح الرأي ~~فيهما، ولا يتصور التردد والترجيح في الشىء الواحد، فلو جهدت وهمك أن تتصور ~~لقولك: تقدم رجلا معنى وفائدة ما لم تقل: وتؤخر أخرى، أو تنوه في قلبك، ~~كلفت نفسك شططا، # PageV01P112 # وذكر أبو أحمد العسكري أن هذا النحو من الكلام يسمى: المماثلة، وهذه ~~التسمية توهم أنه شيء غير المراد بالمثل والتمثيل وليس الأمر كذلك، كيف ~~وأنت تقول مثلك مثل من يقدم رجلا ويؤخر أخرى؟ ووزان هذا أنك تقول زيد ~~الأسد، فيكون تشبيها على الحقيقة وإن كنت لم تصرح بحرف التشبيه ومثله أنك ~~تقول أنت ترقم في الماء، وتضرب في حديد بارد، وتنفخ في غير فحم، فلا تذكر ~~ما يدل صريحا على أنك تشبه، ولكنك تعلم أن المعنى على قولك أنت كمن يرقم في ~~الماء، وكمن يضرب في حديد بارد، وكمن ينفخ في غير فحم، وما أشبه ذلك مما ~~تجيء فيه بمشبه به ظاهر تقع هذه الأفعال في صلة اسمه أو صفته # واعلم أن المثل قد يضرب بجمل لا بد فيها من أن يتقدمها مذكور يكون مشبها ~~به، ولا يمكن حذف المشبه به والاقتصار على ذكر المشبه، ونقل الكلام إليه ~~حتى كأنه صاحب الجملة، إلا أنه مشبه بمن صفته وحكمه مضمون تلك الجملة بيان ~~هذا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: الناس كإبل مئة لا تكاد تجد فيها ~~راحلة، لا بد فيه من المحافظة على ذكر المشبه به الذي هو الإبل، فلو قلت: ~~الناس لا تجد فيهم راحلة أو لا تجد في الناس راحلة، كان ظاهر التعسف، وها ~~هنا ما هو أشد اقتضاء للمحافظة على ذكر ما تعلق الجملة به وتسند # PageV01P113 # إليه، وذلك مثل قوله عز وجل: " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من ~~السماء " " يونس: 42 "، لو أردت أن تحذف الماء الذي هو المشبه به، وتنقل ~~الكلام إلى المشبه الذي هو الحياة، أردت ما لا تحصل منه على كلام يعقل، لأن ~~الأفعال المذكورة المحدث بها عن الماء، لا يصح إجراؤها على الحياة فاحفظ ~~هذا الأصل ms064 فإنك تحتاج إليه، وخصوصا في الاستعارة، على ما يجيء القول فيه إن ~~شاء الله تعالى، والجملة إذا جاءت بعد المشبه به، لم تخل من ثلاثة أوجه ~~أحدها أن يكون المشبه به معبرا عنه بلفظ موصول، وتكون الجملة صلة، كقولك ~~أنت الذي من شأنه كيت وكيت، كقوله تعالى: " مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ~~فلما أضاءت ما حوله " " البقرة: 71 "، والثاني أن يكون المشبه به نكرة تقع ~~الجملة صفة له، كقولنا أنت كرجل من أمره كذا وكذا، وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " الناس كإبل مئة لا تجد فيها راحلة "، وأشباه ذلك، والثالث أن ~~تجيء مبتدأة، وذلك إذا كان المشبه به معرفة، ولم يكن هناك الذي، كقوله ~~تعالى: " كمثل العنكبوت اتخذت بيتا " " العنكبوت: 14 ". # PageV01P114 ### | فصل في مواقع التمثيل وتأثيره # واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه، أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، ~~أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها ~~أبهة، وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك ~~النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفا، ~~وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفا، فإن كان مدحا، كان أبهى وأفخم، ~~وأنبل في النفوس وأعظم، وأهز للعطف، وأسرع للإلف، وأجلب للفرح، وأغلب على ~~الممتدح، وأوجب شفاعة للمادح، وأقضى له بغر المواهب المنائح، وأسير على ~~الألسن وأذكر، وأولى بأن تعلقه القلوب وأجدر، وإن كان ذما، كان مسه أوجع، ~~وميسمه ألذع، ووقعه أشده، وحده أحد، وإن كان حجابا، كان برهانه أنور، ~~وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر، وإن كان افتخارا، كان شأوه أمد، وشرفه أجد، ~~ولسانه ألد، وإن كان اعتذارا، كان إلى القبول أقرب، وللقلوب أخلب، وللسخائم ~~أسل، ولغرب الغضب أفل، وفي عقد العقود أنفث، وعلى حسن الرجوع أبعث، # PageV01P115 # وإن كان وعظا، كان أشفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغ في التنبيه ~~والزجر، وأجدر بأن يجلي الغياية، ويبصر الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي ~~الغليل، وهكذا الحكم إذا استقريت فنون القول وضروبه، وتتبعت أبوابه وشعوبه، ~~وإن أردت ms065 أن تعرف ذلك وإن كان تقل الحاجة فيه إلى التعريف، ويستغنى في ~~الوقوف عليه عن التوقيف فانظر إلى نحو قول البحتري: # دان على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ند في الندى وضريب # كالبدر أفرط في العلو وضوءه ... للعصبة السارين جد قريب # وفكر في حالك وحال المعنى معك، وأنت في البيت الأول لم تنته إلى الثاني ~~ولم تتدبر نصرته إياه، وتمثيله له فيما يملي على الإنسان عيناه، ويؤدي إليه ~~ناظراه، ثم قسهما على الحال وقد وقفت عليه، وتأملت طرفيه، فإنك تعلم بعد ما ~~بين حالتيك، وشدة تفاوتهما في تمكن المعنى لديك، وتحببه إليك، ونبله في ~~نفسك، وتوفيره لأنسك، وتحكم لي بالصدق فيما قلت، والحق فيما ادعيت وكذلك ~~فتعهد الفرق بين أن تقول: فلان يكد نفسه في قراءة الكتب ولا يفهم منها شيئا ~~وتسكت، وبين أن تتلوا الآية، وتنشد نحو قول الشاعر: # زوامل للأشعار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر # لعمرك ما يدرى البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح ما في الغرائر # والفصل بين أن تقول أرى قوما لهم بهاء ومنظر، وليس هناك مخبر، بل في ~~الأخلاق دقة، وفي الكرم ضعف وقلة وتقطع الكلام، وبين أن تتبعه نحو قول ~~الحكيم أما البيت فحسن، وأما الساكن فرديء، وقول ابن لنكك: # في شجر السرو منهم مثل ... له رواء وما له ثمر # وقول ابن الرومي: # فغدا كالخلاف يورق للعي ... ن ويأبى الإثمار كل الإباء # PageV01P116 # وقول الآخر: # فإن طرة راقتك فانظر فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر # وانظر إلى المعنى في الحالة الثانية كيف يورق شجره ويثمر، ويفتر ثغره ~~ويبسم، وكيف تشتار الأري من مذاقته، كما ترى الحسن في شارته، وأنشد قول ابن ~~لنكك: # إذا أخو الحسن أضحى فعله سمجا ... رأيت صورته من أقبح الصور # وتبين المعنى واعرف مقدراه، ثم أنشد البيت بعده: # وهبك كالشمس في حسن ألم ترنا ... نفر منها إذا مالت إلى الضرر # وانظر كيف يزيد شرفه عندك، وهكذا فتأمل بيت أبي تمام: # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود ms066 # مقطوعا عن البيت الذي يليه، والتمثيل الذي يؤديه، واستقص في تعرف قيمته، ~~على وضوح معناه وحسن بزته، ثم أتبعه إياه: # لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود # وانظر هل نشر المعنى تمام حلته، وأظهر المكنون من حسنه، وزينته، # PageV01P117 # وعطرك بعرف عوده، وأراك النضرة في عوده، وطلع عليك من طلع سعوده، واستكمل ~~فضله في النفس ونبله، واستحق التقديم كله، إلا بالبيت الأخير، وما فيه من ~~التمثيل والتصوير، وكذلك فرق في بيت المتنبي: # ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا # لو كان سلك بالمعنى الظاهر من العبارة كقولك: إن الجاهل الفاسد الطبع ~~يتصور المعنى بغير صورته، ويخيل إليه في الصواب أنه خطأ، هل كنت تجد هذه ~~الروعة، وهل كان يبلغ من وقم الجاهل ووقذه، وقمعه وردعه والتهجين له والكشف ~~عن نقصه، ما بلغ التمثيل في البيت، وينتهي إلى حيث انتهى، وإن أردت اعتبار ~~ذلك في الفن الذي هو أكرم وأشرف، فقابل بين أن تقول: إن الذي يعظ ولا يتعظ ~~يضر بنفسه من حيث ينفع غيره، وتقتصر عليه وبين أن تذكر المثل فيه على ما ~~جاء في الخبر من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مثل الذي يعلم الخير ~~ولا يعمل به، مثل السراج الذي يضيء للناس ويحرق نفسه "، ويروي: مثل الفتيلة ~~تضيء للناس وتحرق # PageV01P118 # نفسها. وكذا فوازن بين قولك للرجل تعظه إنك لا تجزى السيئة حسنة، فلا تغر ~~نفسك وتمسك، وبين أن تقول في أثره إنك لا تجني من الشوك العنب، وإنما تحصد ~~ما تزرع، وأشباه ذلك. وكذا بين أن تقول لا تكلم الجاهل بما لا يعرفه ونحوه، ~~وبين أن تقول لا تنثر الدر قدام الخنازير أو لا تجعل الدر في أفواه الكلاب، ~~وتنشد نحو # PageV01P119 # قول الشافعي رحمه الله # " أأنثر درا بين سارحة الغنم " وكذا بين أن تقول: الدنيا لا تدوم ولا ~~تبقى، وبين أن تقول: هي ظل زائل، وعارية تسترد، ووديعة تسترجع، وتذكر قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " من في الدنيا ms067 ضيف وما في يديه عارية، والضيف ~~مرتحل، والعارية مؤداة "، وتنشد قول لبيد: # PageV01P120 # وما المال والأهلون إلا وديعة ... ولا بد يوما أن ترد الودائع # وقول الآخر: # إنما نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار # فهذه جملة من القول تخبر عن صيغ التمثيل وتخبر عن حال المعنى معه، فأما ~~القول في العلة والسبب، لم كان للتمثيل هذا التأثير؛ وبيان جهته ومأتاه، ~~وما الذي أوجبه واقتضاه، فغيرها، وإذا بحثنا عن ذلك، وجدنا له أسبابا ~~وعللا، كل منها يقتضي أن يفخم المعنى بالتمثيل، وينبل ويشرف ويكمل، فأول ~~ذلك وأظهره، أن أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي، وتأتيها ~~بصريح بعد مكنى، وأن تردها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه ~~أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم نحو أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس وعما ~~يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع، لأن العلم المستفاد من طرق ~~الحواس أو المركوز فيها من جهة الطبع وعلى حد الضرورة، يفضل المستفاد من ~~جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام، وبلوغ الثقة فيه غاية التمام، كما ~~قالوا: ليس الخبر كالمعاينة، ولا الظن كاليقين، # PageV01P121 # فلهذا يحصل بها العلم هذا الأنس أعني الأنس من جهة الاستحكام والقوة، ~~وضرب آخر من الأنس، وهو ما يوجبه تقدم الإلف، كما قيل: # ما الحب إلا للحبيب الأول # ومعلوم أن العلم الأول أتى النفس أولا من طريق الحواس والطباع، ثم من جهة ~~النظر والروية، فهو إذن أمس بها رحما، وأقوى لديها ذمما، وأقدم لها صحبة، ~~وآكد عندها حرمة وإذ نقلتها في الشيء بمثله عن المدرك بالعقل المحض ~~وبالفكرة في القلب، إلى ما يدرك بالحواس أو يعلم بالطبع، وعلى حد الضرورة، ~~فأنت إذن مع الشاعر وغير الشاعر إذا وقع المعنى في نفسك غير ممثل ثم مثله ~~كمن يخبر عن شيء من وراء حجاب، ثم يكشف عنه الحجاب ويقول: ها هو ذا، فأبصر ~~تجده على ما وصفت. فإن قلت إن الأنس بالمشاهدة بعد الصفة والخبر، إنما يكون ~~لزوال الريب والشك في الأكثر، أفتقول ms068 إن التمثيل إنما أنس به، لأنه يصحح ~~المعنى المذكور والصفة السابقة، ويثبت أن كونها جائز ووجودها صحيح غير ~~مستحيل، حتى لا يكون تمثيل إلا كذلك، فالجواب إن المعاني التي يجيء التمثيل ~~في عقبها على ضربين # PageV01P122 # غريب بديع يمكن أن يخالف فيه، ويدعى امتناعه واستحالة وجوده، وذلك نحو ~~قوله: # فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال # وذلك أنه أراد أنه فاق الأنام وفاتهم إلى حد بطل معه أن يكون بينه وبينهم ~~مشابهة ومقاربة، بل صار كأنه أصل بنفسه وجنس برأسه، وهذا أمر غريب، وهو أن ~~يتناهى بعض أجزاء الجنس في الفضائل الخاصة به إلى أن يصير كأنه ليس من ذلك ~~الجنس، وبالمدعي له حاجة إلى أن يصحح دعواه في جواز وجوده على الجملة إلى ~~أن يجيء إلى وجوده في الممدوح، فإذا قال: فإن المسك بعض دم الغزال، فقد ~~احتج لدعواه، وأبان أن لما ادعاه أصلا في الوجود، وبرأ نفسه من ضعة الكذب، ~~وباعدها من سفه المقدم على غير بصيرة، والمتوسع في الدعوى من غير بينة، ~~وذلك أن المسك قد خرج عن صفة الدم وحقيقته، حتى لايعد في جنسه، إذ لا يوجد ~~في الدم شيء من أوصافه الشريفة الخاصة بوجه من الوجوه، لا ما قل ولا ما ~~كثر، ولا في المسك شيء من الأوصاف التي كان لها الدم دما البتة. والضرب ~~الثاني أن لا يكون المعنى الممثل غريبا نادرا يحتاج في دعوى كونه على ~~الجملة إلى بينة وحجة وإثبات، نظير ذلك أن تنفي عن فعل من الأفعال التي ~~يفعلها الإنسان الفائدة، وتدعي أنه لا يحصل منه على طائل، ثم تمثله في ذلك ~~بالقابض على الماء والراقم فيه، فالذي مثلت ليس بمنكر مستبعد، إذ لا ينكر ~~خطأ الإنسان في فعله أو ظنه وأمله وطلبه، ألا ترى أن # PageV01P123 # المغزى من قوله: # فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع # أنه قد خاب في ظنه أن يتمتع بها ويسعد بوصلها، وليس بمنكر ولا عجيب ولا ~~ممتنع في الوجود، خارج من ms069 المعروف المعهود، أن يخيب ظن الإنسان في أشباه ~~هذا من الأمور، حتى يستشهد على إمكانه، وتقام البينة على صدق المدعي ~~لوجدانه، وإذا ثبت أن المعاني الممثلة تكون على هذين الضربين، فإن فائدة ~~التمثيل وسبب الأنس في الضرب الأول بين لائح، لأنه يفيد فيه الصحة وينفي ~~الريب والشك، ويؤمن صاحبه من تكذيب المخالف، وتهجم المنكر، وتهكم المعترض، ~~وموازنته بحالة كشف الحجاب عن الموصوف المخبر عنه حتى يرى ويبصر، ويعلم ~~كونه على ما أثبتته الصفة عليه موازنة ظاهرة صحيحة، وأما الضرب الثاني فإن ~~التمثيل وإن كان لا يفيد فيه هذا الضرب من الفائدة، فهو يفيد أمرا آخر يجري ~~مجراه، وذلك أن الوصف كما يحتاج إلى # PageV01P124 # إقامة الحجة على صحة وجوده في نفسه، وزيادة التثبيت والتقرير في ذاته ~~وأصله، فقد يحتاج إلى بيان المقدار فيه، ووضع قياس من غيره يكشف عن حده ~~ومبلغه في القوة والضعف والزيادة والنقصان، وإذا أردت أن تعرف ذلك، فانظر ~~أولا إلى التشبيه الصريح الذي ليس بتمثيل، كقياس الشيء على الشيء في اللون ~~مثلا: كحنك الغراب، تريد أن تعرف مقدار الشدة، لا أن تعرف نفس السواد على ~~الإطلاق، وإذا تقرر هذا الأصل، فإن الأوصاف التي يرد السامع فيها بالتمثيل ~~من العقل إلى العيان والحس، وهي في أنفسها معروفة مشهورة صحيحة لا تحتاج ~~إلى الدلالة على أنها هل هي ممكنة موجودة أم لا فإنها وإن غنيت من هذه ~~الجهة عن التمثيل بالمشاهدات والمحسوسات، فإنها تفتقر إليه من جهة المقدار، ~~لأن مقاديرها في العقل تختلف وتتفاوت، فقد يقال في الفعل: إنه من حال ~~الفائدة عل حدود مختلفة في المبالغة والتوسط، فإذا رجعت إلى ما تبصر وتحس ~~عرفت ذلك بحقيقته، وكما يوزن بالقسطاس، فالشاعر لما قال: " كقابض على الماء ~~خانته فروج الأصابع "؛ أراك رؤية لا تشك معها ولا ترتاب أنه بلغ في خيبة ~~ظنه وبوار سعيه إلى أقصى المبالغ، وانتهى فيه إلى أبعد الغايات، حتى لم يحظ ~~لا بما قل ولا ما كثر، فهذا هو الجواب، ونحن بنوع من التسهل والتسامح، نقع ms070 ~~على أن الأنس الحاصل بانتقالك في الشىء عن الصفة والخبر إلى العيان ورؤية ~~البصر، ليس له سبب سوى زوال الشك والريب، # PageV01P125 # فأما إذا رجعنا إلى التحقيق فإنا نعلم أن المشاهدة تؤثر في النفوس مع ~~العلم بصدق الخبر، كما أخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في ~~قوله: " قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " " سورة البقرة: 62 "، والشواهد في ذلك ~~كثيرة، والأمر فيه ظاهر، ولولا أن الأمر كذلك، لما كان لنحو قول أبي تمام: # وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد # فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد # معنى، وذلك أن هذا التجدد لا معنى له، إذا كانت الرؤية لا تفيد أنسا من ~~حيث هي رؤية، وكان الأنس لنفيها الشك والريب، أو لوقوع العلم بأمر زائد لم ~~يعلم من قبل، وإذا كان الأمر كذلك، فأنت إذا قلت للرجل أنت مضيع للحزم في ~~سعيك، ومخطئ وجه الرشاد، وطالب لما لا تناله، إذا كان الطلب على هذه الصفة ~~ومن هذه الجهة، ثم عقبته بقولك وهل يحصل في كف القابض على الماء شيء مما ~~يقبض عليه؟، فلو تركنا حديث تعريف المقدار في الشدة والمبالغة ونفي الفائدة ~~من أصلها جانبا بقي لنا ما تقتضيه الرؤية للموصوف على ما وصف عليه من ~~الحالة المتجددة، مع العلم بصدق الصفة يبين ذلك، أنه لو كان الرجل مثلا على ~~طرف نهر في وقت مخاطبة صاحبه وإخباره له بأنه لا يحصل من سعيه على شيء، ~~فأدخل يده في الماء وقال: انظر هل حصل في كفي من الماء شيء؟ فكذلك أنت في ~~أمرك، # PageV01P126 # كان لذلك ضرب من التأثير زائد على القول والنطق بذلك دون الفعل، ولو أن ~~رجلا أراد أن يضرب لك مثلا في تنافي الشيئين فقال: هذا وذاك هل يجتمعان؟، ~~وأشار إلى ماء ونار حاضرين، وجدت لتمثيله من التأثير ما لا تجده إذا أخبرك ~~بالقول فقال: هل يجتمع الماء والنار؟، وذلك الذي تفعل المشاهدة من التحريك ~~للنفس، والذي يجب بها من تمكن المعنى في ms071 القلب إذا كان مستفاده من العيان، ~~ومتصرفه حيث تتصرف العينان وإلا فلا حاجة بنا في معرفة أن الماء والنار لا ~~يجتمعان إلى ما يؤكده من رجوع إلى مشاهدة واستيثاق تجربة، ومما يدلك على أن ~~التمثيل بالمشاهدة يزيدك أنسا، وإن لم يكن بك حاجة إلى تصحيح المعنى، أو ~~بيان لمقدار المبالغة فيه، أنك قد تعبر عن المعنى بالعبارة التي تؤديه، ~~وتبالغ وتجتهد حتى لا تدع في النفوس منزعا، نحو أن تقول وأنت تصف اليوم ~~بالطول: يوم كأطول ما يتوهم وكأنه لا آخر له، وما شاكل ذلك من نحو قوله: # في ليل صول تناهى العرض والطول ... كأنما ليله بالليل موصول # فلا تجد له من الأنس ما تجده لقوله: # ويوم كظل الرمح قصر طوله # PageV01P127 # على أن عبارتك الأولى أشد وأقوى في المبالغة من هذا فظل الرمح على كل حال ~~متناه تدرك العين نهايته، وأنت قد أخبرت عن اليوم بأنه كأنه لا آخر له، ~~وكذلك تقول: يوم كأقصر ما يتصور وكأنه ساعة وكلمح البصر وكلا ولا، فتجد هذا ~~مع كونه تمثيلا، لا يؤنسك إيناس قولهم: أيام كأباهيم القطا، وقول ابن ~~المعتز: # بدلت من ليل كظل حصاة ... ليلا كظل الرمح غير موات # وقول آخر: # ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب # وكذا تقول: فلان إذا هم بالشيء لم يزل ذاك عن ذكره وقلبه، وقصر خواطره ~~على إمضاء عزمه، ولم يشغله شيء عنه، فتحتاط للمعنى بأبلغ ما يمكن، ثم لا ~~ترى في نفسك له هزة، ولا تصادف لما تسمع أريحية، وإنما تسمع حديثا ساذجا ~~وخبرا غفلا، حتى إذا قلت: # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه # PageV01P128 # امتلأت نفسك سرورا وأدركتك طربة كما يقول القاضي أبو الحسن لا تملك دفعها ~~عنك، ولا تقل إن ذلك لمكان الإيجاز، فإنه وإن كان يوجب شيئا منه، فليس ~~الأصل له، بل لأن أراك العزم واقعا بين العينين، وفتح إلى مكان المعقول من ~~قلبك بابا من العين، وها هنا إذا تأملنا مذهب آخر في بيان السبب الموجب ~~لذلك، هو ألطف مأخذا، ms072 وأمكن في التحقيق وأولى بأن يحيط بأطراف الباب، وهو ~~أن لتصوير الشبه من الشيء في غير جنسه وشكله، والتقاط ذلك له من غير محلته، ~~واجتلابه إليه من الشق البعيد، بابا آخر من الظرف واللطف، ومذهبا من مذاهب ~~الإحسان لا يخفى موضعه من العقل، وأحضر شاهدا لك على هذا: أن تنظر إلى ~~تشبيه المشاهدات بعضها ببعض، فإن التشبيهات سواء كانت عامية مشتركة، أم ~~خاصية مقصورة على قائل دون قائل تراها لا يقع بها اعتداد، ولا يكون لها ~~موقع من السامعين، ولا تهز ولا تحرك حتى يكون الشبه مقررا بين شيئين ~~مختلفين في الجنس، فتشبيه العين بالنرجس، عامي مشترك معروف في أجيال الناس، ~~جار في جميع # PageV01P129 # العادات، وأنت ترى بعد ما بين العينين وبينه من حيث الجنس وتشبيه الثريا ~~بما شبهت به من عنقود الكرم المنور، واللجام المفضض، والوشاح المفصل، ~~وأشباه ذلك، خاصي، والتباين بين المشبه والمشبه به في الجنس على ما لا ~~يخفى، وهكذا إذا استقريت التشبيهات، وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان ~~أشد، كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن ~~تحدث الأريحية أقرب، وذلك أن موضع الاستحسان، ومكان الاستظراف، والمثير ~~للدفين من الارتياح، والمتألف للنافر من المسرة، والمؤلف لأطراف البهجة أنك ~~ترى بها الشيئين مثلين متباينين، ومؤتلفين مختلفين، وترى الصورة الواحدة في ~~السماء والأرض، وفي خلقة الإنسان وخلال الروض، وهكذا، طرائف تنثال عليك إذا ~~فصلت هذه الجملة، وتتبعت هذه اللحمة، ولذلك تجد تشبيه البنفسج في قوله: # ولازوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت # كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت # أغرب وأعجب وأحق بالولوع وأجدر من تشبيه النرجس: بمداهن در حشوهن عقيق، ~~لأنه أراك شبها لنبات غض يرف، وأوراق رطبة ترى # PageV01P130 # الماء منها يشف، بلهب نار في جسم مستول عليه اليبس، وباد فيه الكلف. ~~ومبنى الطباع وموضوع الجبلة، على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره ~~منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له، كانت صبابة النفوس به أكثر، وكان ms073 بالشغف ~~منها أجدر، فسواء في إثارة التعجب، وإخراجك إلى روعة المستغرب، وجودك الشيء ~~من مكان ليس من أمكنته، ووجود شيء لم يوجد ولم يعرف من أصله في ذاته وصفته، ~~ولو أنه شبه البنفسج ببعض النبات، أو صادف له شبها في شيء من المتلونات، لم ~~تجد له هذه الغرابة، ولم ينل من الحسن هذا الحظ، وإذا ثبت هذا الأصل، وهو ~~أن تصوير الشبه بين المختلفين في الجنس، مما يحرك قوى الاستحسان، ويثير ~~الكامن من الاستظراف، فإن التمثيل أخص شيء بهذا الشأن، وأسبق جار في هذا ~~الرهان، وهذا الصنيع صناعته التي هو الإمام فيها، والبادئ لها والهادي إلى ~~كيفيتها، وأمره في ذلك أنك إذا قصدت ذكر ظرائفه، وعد محاسنه في هذا المعنى، ~~والبدع التي يخترعها بحذقه، والتأليفات التي يصل إليها برفقه، ازدحمت عليك، ~~وغمرت جانبيك، فلم تدر أيها تذكر، ولا عن أيها تعبر، كما قال: # إذا أتاها طالب يستامها ... تكاثرت في عينه كرامها # PageV01P131 # وهل تشك في أنه يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر لك بعد ما ~~بين المشرق والمغرب، ويجمع ما بين المشئم والمعرق، وهو يريك للمعاني ~~الممثلة بالأوهام شبها في الأشخاص الماثلة، والأشباح القائمة، وينطق لك ~~الأخرس، ويعطيك البيان من الأعجم، ويريك الحياة في الجماد، ويريك التئام ~~عين الأضداد، فيأتيك بالحياة والموت مجموعين، والماء والنار مجتمعين، كما ~~يقال في الممدوح هو حياة لأوليائه، موت لأعدائه، ويجعل الشيء من جهة ماء، ~~ومن أخرى نارا، كما يقال: # أنا نار في مرتقى نظر الحا ... سد، ماء جار مع الإخوان # وكما يجعل الشيء حلوا مرا، وصابا عسلا وقبيحا حسنا، كما قال: # حسن في وجوه أعدائه أق ... بح من ضيفه رأته السوام # ويجعل الشيء أسود أبيض في حال، كنحو قوله: # له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع # ويجعل الشيء كالمقلوب إلى حقيقة ضده، كما قال: # غرة بهمة ألا إنما كن ... ت أغر أيام كنت بهيما # ويجعل الشيء قريبا بعيدا معا، كقوله: # PageV01P132 # " دان على أيدي العفاة وشاسع " وحاضرا وغائبا، كما قال: ms074 # أيا غائبا حاضرا في الفؤاد ... سلام على الحاضر الغائب # ومشرقا مغربا، كقوله: # له إليكم نفس مشرقة ... أن غاب عنكم مغربا بدنه # وسائرا مقيما، كما يجيء في وصف الشعر الحسن الذي يتداوله الرواة وتتهاداه ~~الألسن، كما قال القاضي أبو الحسن: # وجوابة الأفق موقوفة ... تسير ولم تبرح الحضرة # وهل يخفى تقريبه المتباعدين، وتوقيفه بين المختلفين، وأنت تجد إصابة ~~الرجل في الحجة، وحسن تخليصه للكلام، وقد مثلت تارة بالهناء ومعالجة الإبل ~~الجربى به، وأخرى بحز القصاب اللحم وإعماله السكين في تقطيعه وتفريقه في ~~قولهم " يضع الهناء مواضع النقب # PageV01P133 # ويصيب الحز وويطبق المفصل "، فانظر هل ترى مزيدا في التناكر والتنافر على ~~ما بين طلاء القطران، وجنس القول والبيان ثم كرر النظر وتأمل كيف حصل ~~الائتلاف، وكيف جاء من جمع أحدهما إلى الآخر، ما يأنس إليه العقل ويحمده ~~الطبع؟ حتى إنك لربما وجدت لهذا المثل إذا ورد عليك في أثناء الفصول، وحين ~~تبين الفاضل في البيان من المفضول قبولا، ولا ما تجد عند فوح المسك ونشر ~~الغالية، وقد وقع ذكر الحز والتطبيق منك موقع ما ينفى الحزازات عن القلب، ~~ويزيل أطباق الوحشة عن النفس، وتكلف القول في أن للتمثيل في هذا المعنى ~~الذي لا يجارى إليه، والباع الذي لا يطاول فيه، كالاحتجاج للضرورات، وكفى ~~دليلا على تصرفه فيه باليد الصناع، وإيفائه على غايات الابتداع، أنه يريك ~~العدم وجودا والوجود عدما، والميت حيا والحي ميتا أعني جعلهم الرجل إذا بقي ~~له ذكر جميل وثناء حسن بعد موته، كأنه لم يمت، وجعل الذكر حياة له، كما ~~قال: " ذكر الفتى عمره الثاني "؛ # PageV01P134 # وحكمهم على الخامل الساقط القدر الجاهل الدنيء بالموت، وتصييرهم إياه حين ~~لم يكن ما يؤثر عنه ويعرف به، كأنه خارج عن الوجود إلى العدم، أو كأنه لم ~~يدخل في الوجود، ولطيفة أخرى له في هذا المعنى، هي، إذا نظرت، أعجب، ~~والتعجب بها أحق ومنها أوجب، وذلك جعل الموت نفسه حياة مستأنفة حتى يقال: ~~إنه بالموت استكمل الحياة في قولهم فلان عاش حين مات، يراد الرجل تحمله ms075 ~~الأبية وكرم النفس والأنفة من العار، على أن يسخو بنفسه في الجود والبأس، ~~فيفعل ما فعل كعب بن مامة في الإيثار على نفسه، أو ما يفعله الشجاع المذكور ~~من القتال دون حريمه، والصبر في مواطن الإباء، والتصميم في قتال الأعداء، ~~حتى يكون له يوم لا يزال يذكر، وحديث يعاد على مر الدهور ويشهر، كما قال ~~ابن نباتة: # بأبي وأمي كل ذي ... نفس تعاف الضيم مرة # ترضى بأن ترد الردى ... فيميتها ويعيش ذكره # PageV01P135 # وإنه ليأتيك من الشيء الواحد بأشباه عدة، ويشتق من الأصل الواحد أغصانا ~~في كل غصن ثمر على حدة، نحو أن الزند بإيرائه يعطيك شبه الجواد، والذكي ~~الفطن، وشبه النجح في الأمور والظفر بالمراد وبإصلاده شبه البخيل لا يعطيك ~~شيئا، والبليد الذي لا يكون له خاطر ينتج فائدة ويخرج معنى وشبه من يخيب ~~سعيه، ونحو ذلك ويعطيك من القمر الشهرة في الرجل والنباهة والعز والرفعة، ~~ويعطيك الكمال عن النقصان، والنقصان بعد الكمال، كقولهم هلا نما فعاد بدرا، ~~يراد بلوغ النجل الكريم المبلغ الذي يشبه أصله من الفضل والعقل وسائر معاني ~~الشرف، كما قال أبو تمام: # لهفي على تلك الشواهد منهما ... لو أمهلت حتى تصير شمائلا # لغدا سكونهما حجى وصباهما ... كرما وتلك الأريحية نائلا # إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيصير بدرا كاملا # وعلى هذا المثل بعينه، يضرب مثلا في ارتفاع الرجل في الشرف والعز من طبقة ~~إلى أعلى منها، كما قال البحتري: # شرف تزيد بالعراق إلى الذي ... عهدوه بالبيضاء أو ببلنجرا # مثل الهلال بدا فلم يبرح به ... صوغ الليالي فيه حتى أقمرا # PageV01P136 # ويعطيك شبه الإنسان في نشئه ونمائه إلى أن يبلغ حد التمام، ثم تراجعه إذا ~~انقضت مدة الشباب، كما قال: # المرء مثل هلال حين تبصره ... يبدو ضئيلا ضعيفا ثم يتسق # يزداد حتى إذا ما تم أعقبه ... كر الجديدين نقصا ثم ينمحق # وكذلك يتفرع من حالتي تمامه ونقصانه فروع لطيفة، فمن غريب ذلك قول ابن ~~بابك: # وأعرت شطر الملك ثوب كماله ... والبدر في شطر المسافة يكمل # قاله في ms076 الأستاذ أبي علي، وقد استوزره فخر الدولة بعد وفاة الصاحب وأبا ~~العباس الضبي وخلع عليهما وقول أبي بكر الخوارزمي: # أراك إذا أيسرت خيمت عندنا ... مقيما وإن أعسرت زرت لماما # فما أنت إلا البدر إن قل ضوءه ... أغب وإن زاد الضياء أقاما # المعنى لطيف، وإن كانت العبارة لم تساعده على الوجه الذي يجب، فإن ~~الإغباب أن يتخلل وقتي الحضور وقت يخلو منه، وإنما يصلح لأن يراد أن القمر ~~إذا نقص نوره، لم يوال الطلوع كل ليلة، بل يظهر في بعض الليالي، ويمتنع من ~~الظهور في بعض، وليس الأمر كذلك، لأنه على نقصانه يطلع كل ليلة حتى يكون ~~السرار، وقال ابن بابك في نحوه: # كذا البدر يسفر في تمه ... فإن خاف نقص المحاق انتقب # PageV01P137 # وهكذا ينظر إلى مقابلته الشمس واستمداده من نورها، وإلى كون ذلك سبب ~~زيادته ونقصه وامتلائه من النور والائتلاق، وحصوله في المحاق، وتفاوت حاله ~~في ذلك، فتصاغ منه أمثال، وتبين أشباه ومقاييس، فمن لطيف ذلك قول ابن ~~نباتة: # قد سمعنا بالعز من آل ساسا ... ن ويونان في العصور الخوالي # والملوك الألى إذا ضاع ذكر ... وجدوا في سوائر الأمثال # مكرمات إذا البليغ تعاطى ... وصفها لم يجده في الأقوال # وإذا نحن لم نضفه إلى مد ... حك كانت نهاية في الكمال # إن جمعناهما أضر بها الجم ... ع وضاعت فيه ضياع المحال # فهو كالشمس بعدها يملأ البد ... ر وفي قربها محاق الهلال # وغير ذلك من أحواله كنحو ما خرج من الشبه من بعده وارتفاعه، وقرب ضوئه ~~وشعاعه، في نحو ما مضى من قول البحتري: " دان على أيدي العفاة " البيتين. ~~ومن ظهوره بكل مكان، ورؤيته في كل موضع، كقوله: # كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا # PageV01P138 # في أمثال لذلك تكثر، ولم أعرض لما يشبه به من حيث المنظر، وما تدركه ~~العين، نحو تشبيه الشيء بتقويس الهلال ودقته، والوجه بنوره وبهجته، فإنا في ~~ذكر ما كان تمثيلا، وكان الشبه فيه معنويا. ### | ### | فصل # آخر # وإن كان مما مضى، إلا أن الأسلوب غيره، وهو ms077 أن المعنى إذا أتاك ممثلا، في ~~الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى غير طلبه بالفكرة وتحريك الخاطر له ~~والهمة في طلبه، وما كان منه ألطف، كانت امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، ~~واحتجابه أشد، ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو ~~الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالمزية أولى، فكان ~~موقعه من النفس أجل وألطف، وكانت به أضن وأشغف، ولذلك ضرب المثل لكل ما لطف ~~موقعه ببرد الماء على الظمأ، كما قال: # وهن ينبذن من قول يصبن بهمواقع الماء من ذي الغلة الصادي # وأشباه ذلك مما ينال بعد مكابدة الحاجة إليه، وتقدم المطالبة من النفس ~~به، فإن قلت فيجب على هذا أن يكون التعقيد والتعمية وتعمد # PageV01P139 # ما يكسب المعنى غموضا، مشرفا له وزائدا في فضله، وهذا خلاف ما عليه ~~الناس، ألا تراهم قالوا إن خير الكلام ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه ~~إلى سمعك، فالجواب إني لم أرد هذا الحد من الفكر والتعب، وإنما أردت القدر ~~الذي يحتاج إليه في نحو قوله: # فإن المسك بعض دم الغزال # وقوله: # وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال # وقوله: # رأيتك في الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محال # وقول النابغة: # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # وقوله: # فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # وقول البحتري: # PageV01P140 # ضحوك إلى الأبطال وهو يروعهم ... وللسيف حد حين يسطو ورونق # وقول امرئ القيس: " بمنجرد قيد الأوابد هيكل " وقوله: # ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام # فإنك تعلم على كل حال أن هذا الضرب من المعاني، كالجوهر في الصدف لا يبرز ~~لك إلا أن تشقه عنه، وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه، ثم ما ~~كل فكر يهتدي إلى وجه الكشف عما اشتمل عليه، ولا كل خاطر يؤذن له في الوصول ~~إليه، فما كل أحد يفلح في شق الصدفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة، ms078 كما ليس ~~كل من دنا من أبواب الملوك، فتحت له وكان: # من النفر البيض الذين إذا اعتزواوهاب رجال حلقة الباب قعقعوا # أو كما قال: # تفتح أبواب الملوك لوجهه ... بغير حجاب دونه أو تملق # PageV01P141 # وأما التعقيد، فإنما كان مذموما لأجل أن اللفظ لم يرتب الترتيب الذي ~~بمثله تحصل الدلالة على الغرض، حتى احتاج السامع إلى أن يطلب المعنى ~~بالحيلة، ويسعى إليه من غير الطريق كقوله: # ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل # وإنما ذم هذا الجنس، لأنه أحوجك إلى فكر زائد على المقدار الذي يجب في ~~مثله، وكدك بسوء الدلالة وأودع لك في قالب غير مستو ولا مملس، بل خشن مضرس ~~حتى إذا رمت إخراجه منه عسر عليك، وإذا خرج خرج مشوه الصورة ناقص الحسن، ~~هذا وإنما يزيدك الطلب فرحا بالمعنى وأنسا به وسرورا بالوقوف عليه إذا كان ~~لذلك أهلا، فأما إذا كنت معه كالغائص في البحر، يحتمل المشقة العظيمة، ~~ويخاطر بالروح، ثم يخرج الخرز، فالأمر بالضد مما بدأت به، ولذلك كان أحق ~~أصناف التعقد بالذم ما يتعبك، ثم لا يجدي عليك، ويؤرقك ثم لا يورق لك، وما ~~سبيله سبيل البخيل الذي يدعوه لؤم في نفسه، وفساد في حسه، إلى أن لا يرضى ~~بضعته في بخله، وحرمان فضله، حتى يأبى التواضع ولين القول، فيتيه ويشمخ ~~بأنفه، ويسوم المتعرض له بابا ثانيا من الاحتمال تناهيا في سخفه أو كالذي ~~لا يؤيسك من خيره في أول الأمر فتستريح إلى اليأس، ولكنه يطمعك ويسحب على ~~المواعيد الكاذبة، حتى إذا # PageV01P142 # طال العناء وكثر الجهد، تكشف عن غير طائل، وحصلت منه على ندم لتعبك في ~~غير حاصل، وذلك مثل ما تجده لأبي تمام من تعسفه في اللفظ، وذهابه به في نحو ~~من التركيب لا يهتدي النحو إلى إصلاحه، وإغراب في الترتيب يعمي الإعراب في ~~طريقه، ويضل في تعريفه، كقوله: # ثانيه في كبد السماء ولم يكن ... لاثنين ثان إذ هما في الغار # وقوله: # يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعا ... من راحتيك درى ما ms079 الصاب والعسل # ولو كان الجنس الذي يوصف من المعاني باللطافة ويعد في وسائط العقود، لا ~~يحوجك إلى الفكر، ولا يحرك من حرصك على طلبه، بمنع جانبه وببعض الإدلال ~~عليك وإعطائك الوصل بعد الصد، والقرب بعد البعد، لكان باقلي حار وبيت معنى ~~هو عين القلادة وواسطة العقد واحدا، ولسقط تفاضل السامعين في الفهم والتصور ~~والتبيين، وكان كل من روى الشعر عالما به، وكل من حفظه إذا كان يعرف اللغة ~~على الجملة ناقدا في تمييز جيده من رديئه، وكان قول من قال: # زوامل للأشعار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر # PageV01P143 # وكقول ابن الرومي: # قلت لمن قال لي عرضت على الأخ ... فش ما قلته فما حمده # قصرت بالشعر حين تعرضه ... على مبين العمى إذا انتقده # ما قال شعرا ولا رواه فلا ... ثعلبه كان لا ولا أسده # فإن يقل إنني رويت فكالدف ... تر جهلا بكل ما اعتقده # وما أشبه ذلك، دعوى غير مسموعة ولا مؤهلة للقبول، فإنما أرادوا بقولهم ما ~~كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك، أن يجتهد المتكلم في ترتيب ~~اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخل بالدلالة، وعاق دون الإبانة، ولم ~~يريدوا أن خير الكلام ما كان غفلا مثل ما يتراجعه الصبيان ويتكلم به العامة ~~في السوق. هذا وليس إذا كان الكلام في غاية البيان وعلى أبلغ ما يكون من ~~الوضوح، أغناك ذاك عن الفكرة إذا كان المعنى لطيفا، فإن المعاني الشريفة ~~اللطيفة لا بد فيها من بناء ثان على أول، ورد تال على سابق، أفلست تحتاج في ~~الوقوف على الغرض من قوله: " كالبدر أفرط في العلو " إلى أن تعرف البيت ~~الأول، فتتصور حقيقة المراد منه ووجه المجاز في كونه دانيا شاسعا، وترقم ~~ذلك في قلبك، ثم تعود إلى ما يعرض البيت الثاني عليك من حال البدر، ثم ~~تقابل إحدى الصورتين بالأخرى، وترد البصر من هذه إلى # PageV01P144 # تلك، وتنظر إليه كيف شرط في العلو والإفراط، ليشاكل قوله شاسع، لأن ~~الشسوع هو الشديد البعد، ثم قابله بما لا يشاكله ms080 من مراعاة التناهي في ~~القرب فقال " جد قريب " فهذا هو الذي أردت بالحاجة إلى الفكر، وبأن المعنى ~~لا يحصل لك إلا بعد انبعاث منك في طلبه، واجتهاد في نيله، هذا وإن توقفت في ~~حاجتك أيها السامع للمعنى إلى الفكر في تحصيله، فهل تشك في أن الشاعر الذي ~~أداه إليك، ونشر بزه لديك، قد تحمل فيه المشقة الشديدة، وقطع إليه الشقة ~~البعيدة، وأنه لم يصل إلى دره حتى غاص، ولم ينل المطلوب حتى كابد منه ~~الامتناع والاعتياص؛ ومعلوم أن الشيء إذا علم أنه لم ينل في أصله إلا بعد ~~التعب، ولم يدرك إلا باحتمال النصب، كان للعلم بذلك من أمره من الدعاء إلى ~~تعظيمه، وأخذ الناس بتفخيمه، ما يكون لمباشرة الجهد فيه، وملاقاة الكرب ~~دونه، وإذا عثرت بالهوينا على كنز من الذهب، لم تخرجك سهولة وجوده إلى أن ~~تنسى جملة أنه الذي كد الطالب، وحمل المتاعب، حتى إن لم تكن فيك طبيعة من ~~الجود تتحكم عليك، ومحبة للثناء تستخرج النفيس من يديك كان من أقوى حجج ~~الضن الذي يخامر الإنسان أن تقول: إن لم يكدني فقد كد غيري، كما يقول ~~الوارث للمال المجموع عفوا إذا ليم على بخله به، وفرط شحه عليه: إن لم يكن ~~كسبي وكدي، فهو كسب أبي وجدي، ولئن لم ألق فيه عناء، لقد عانى سلفي فيه ~~الشدائد، ولقوا في جمعه الأمرين، أفأضيع ما ثمروه، وأفرق ما جمعوه، # PageV01P145 # وأكون كالهادم لما أنفقت الأعمار في بنائه، والمبيد لما قصرت الهمم على ~~إنمائه؟، وإنك لا تكاد تجد شاعرا يعطيك في المعاني الدقيقة من التسهيل ~~والتقريب، ورد البعيد إلى المألوف القريب، ما يعطي البحتري، ويبلغ في هذا ~~الباب مبلغه، فإنه ليروض لك المهر الأرن رياضة الماهر، حتى يعنق من تحتك ~~إعناق القارح المذلل، وينزع من شماس الصعب الجامح، حتى يلين لك لين المنقاد ~~الطيع، ثم لا يمكن ادعاء أن جميع شعره في قلة الحاجة إلى الفكر، والغنى عن ~~فضل النظر، كقوله: # فؤادي منك ملآن ... وسري فيك إعلان # وقوله: # عن أي ثغر ms081 تبتسم # وهل ثقل على المتوكل قصائده الجياد حتى قل نشاطه لها واعتناؤه بها، إلا ~~لأنه لم يفهم معانيها كما فهم معاني النوع النازل الذي انحط له إليه؟ أتراك ~~تستجيز أن تقول إن قوله # PageV01P146 # " منى النفس في أسماء لو يستطيعها " من جنس المعقد الذي لا يحمد، وإن هذه ~~الضعيفة الأسر، الواصلة إلى القلوب من غير فكر، أولى بالحمد، وأحق بالفضل. ~~هذا والمعقد من الشعر والكلام لم يذم لأنه مما تقع حاجة فيه إلى الفكر على ~~الجملة، بل لأن صاحبه يعثر فكرك في متصرفه، ويشيك طريقك إلى المعنى، ويوعر ~~مذهبك نحوه، بل ربما قسم فكرك، وشعب ظنك، حتى لا تدري من أي تتوصل وكيف ~~تطلب. وأما الملخص فيفتح لفكرتك الطريق لمستوى ويمهده، وإن كان فيه تعاطف ~~أقام عليه المنار، وأوقد فيه الأنوار، حتى تسلكه سلوك المتبين لوجهته، ~~وتقطعه قطع الواثق بالنجح في طيته، فترد الشريعة زرقاء، والروضة غناء، ~~وصادفت نهجا مستقيما، مذهبا قويما، وطريقة تنقاد، وتبينت لها الغاية فيما ~~ترتاد؟ فقد قيل: قرة العين، وسعة الصدر، وروح القلب، وطيب النفس، من أربعة ~~أمور الاستبانة للحجة، والأنس بالأحبة، والثقة بالعدة، والمعاينة للغاية، ~~وقال الجاحظ في أثناء فصل يذكر فيه ما في الفكر والنظر من الفضيلة: وأين ~~تقع لذة البهيمة بالعلوفة، ولذة السبع بلطع الدم وأكل اللحم، من سرور # PageV01P147 # الظفر بالأعداء، ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعه، وبعد، فإذا مدت ~~الحلبات لجري الجياد، ونصبت الأهداف لتعرف فضل الرماة في الإبعاد والسداد، ~~فرهان العقول التي تستبق، ونضالها الذي تمتحن قواها في تعاطيه، هو الفكر ~~والروية والقياس والاستنباط، ولن يبعد المدى في ذلك، ولا يدق المرمى إلا ~~بما تقدم من تقرير الشبه بين الأشياء المختلفة، فإن الأشياء المشتركة في ~~الجنس، المتفقة في النوع، تستغني بثبوت الشبه بينها، وقيام الاتفاق فيها، ~~عن تعمل وتأمل في إيجاب ذلك لها وتثبته فيها، وإنما الصنعة والحذق، والنظر ~~يلطف ويدق، في أن تجمع أعناق المتنافرات والمتباينات في ربقة، وتعقد بين ~~الأجنبيات معاقد نسب وشبكة، وما شرفت صنعة، ولاذكر بالفضيلة عمل، ms082 إلا ~~لأنهما يحتاجان من دقة الفكر ولطف النظر نفاذ الخاطر، إلى ما لا يحتاج إليه ~~غيرهما، ويحتكمان على من زاولهما والطالب لهما من هذا المعنى، ما لا يحتكم ~~ما عداهما، ولا يقتضيان ذلك إلا من جهة إيجاد الائتلاف في المختلفات، وذلك ~~بين لك فيما تراه من الصناعات وسائر الأعمال التي تنسب إلى الدقة، فإنك تجد ~~الصورة المعمولة فيها، كلما كانت أجزاؤها أشد اختلافا في الشكل والهيئة، ثم ~~كان التلاؤم بينها مع ذلك أتم، والائتلاف أبين، كان شأنها أعجب، والحذق ~~لمصورها أوجب، وإذا كان هذا ثابتا موجودا، ومعلوما معهودا، من حال الصور ~~المصنوعة # PageV01P148 # والأشكال المؤلفة، فاعلم أنها القضية في التمثيل واعمل عليها، واعتقد صحة ~~ما ذكرت لك من أن أخذ الشبه للشيء مما يخالفه في الجنس وينفصل عنه من حيث ~~ظاهر الحال، حتى يكون هذا شخصا يملأ المكان، وذاك معنى لا يتعدى الأفهام ~~والأذهان وحتى إن هذا إنسان يعقل، وذاك جماد أو موات لا يتصف بأنه يعلم أو ~~يجهل وهذا نور شمس يبدو في السماء ويطلع، وذاك معنى كلام يوعى ويسمع وهذا ~~روح يحيا به الجسد، وذاك فضل ومكرمة تؤثر وتحمد، كما قال: # إن المكارم أرواح يكون لها ... آل المهلب دون الناس أجسادا # وهذا مقال متعصب منكر للفضل حسود، وذاك نار تلتهب في عود، وهذا مخلاف، ~~وذاك ورق خلاف، كما قال ابن الرومي: # بذل الوعد للأخلاء سمحا ... وأبى بعد ذاك بذل العطاء # فغدا كالخلاف يورق للعي ... ن ويأبى الإثمار كل الإباء # وهذا رجل يروم العدو تصغيره والإزراء به، فيأبى فضله إلا ظهورا، وقدره ~~إلا سموا، وذاك شهاب من نار تصوب وهي تعلو، وتخفض وهي ترتفع، كما قال أيضا: # ثم حاولت بالمثيقيل تصغي ... ري فما زدتني سوى التعظيم # PageV01P149 # كالذي طأطأ الشهاب ليخفى ... وهو أدنى له إلى التضريم # وأخذ هذا المعنى من كلام في حكم الهند، وهو: إن الرجل ذا المروءة والفضل ~~ليكون خامل المنزلة غامض الأمر، فما تبرح به مروءته وعقله حتى يستبين ~~ويعرف، كالشعلة من النار التي يصوبها صاحبها وتأبى إلا ms083 ارتفاعا. هذا هو ~~الموجب للفضيلة، والداعي إلى الاستحسان، والشفيع الذي أحظى التمثيل عند ~~السامعين، واستدعى له الشغف والولوع من قلوب العقلاء الراجحين، ولم تأتلف ~~هذه الأجناس المختلفة للممثل، ولم تتصادف هذه الأشياء المتعادية على حكم ~~المشبه، إلا لأنه لم يراع ما يحضر العين، ولكن ما يستحضر العقل، ولم يعن ~~بما تنال الرؤية، بل بما تعلق الروية، ولم ينظر إلى الأشياء من حيث توعى ~~فتحويها الأمكنة بل من حيث تعيها القلوب الفطنة، ثم على حسب دقة المسلك إلى ~~ما استخرج من الشبه، ولطف المذهب وبعد التصعد إلى ما حصل من الوفاق، استحق ~~مدرك ذلك المدح، واستوجب التقديم، واقتضاك العقل أن تنوه بذكره، وتقضي ~~بالحسنى في نتائج فكره، نعم، وعلى حسب المراتب في ذلك أعطيته في بعض منزلة # PageV01P150 # الحاذق الصنع، والملهم المؤيد، والألمعي المحدث، الذي سبق إلى اختراع نوع ~~من الصنعة حتى يصير إماما، ويكون من بعده تبعا له وعيالا عليه وحتى تعرف ~~تلك الصنعة بالنسبة إليه، فيقال صنعة فلان، وعمل فلان ووضعته في بعضموضع ~~المتعلم الذكي، والمقتدي المصيب في اقتدائه، الذي يحسن التشبه بمن أخذ عنه، ~~ويجيد حكاية العمل الذي استفاد، ويجتهد أن يزداد. واعلم أني لست أقول لك ~~إنك متى ألفت الشيء ببعيد عنه في الجنس على الجملة فقد أصبت وأحسنت، ولكن ~~أقوله بعد تقييد وبعد شرط، وهو أن تصيب بين المختلفين في الجنس وفي ظاهر ~~الأمر شبها صحيحا معقولا، وتجد للملاءمة والتأليف السوي بينهما مذهبا ~~وإليهما سبيلا وحتى يكون ائتلافهما الذي يوجب تشبيهك، من حيث العقل والحدس، ~~في وضوح اختلافهما من حيث العين والحس، فأما أن تستكره الوصف وتروم أن ~~تصوره حيث لا يتصور، فلا لأنك تكون في ذلك بمنزلة الصانع الأخرق، يضع في ~~تأليفه وصوغه الشكل بين شكلين لا يلائمانه ولا يقبلانه، حتى تخرج الصورة ~~مضطربة، وتجيء فيها نتو، ويكون للعين عنها من تفاوتها نبو، وإنما قيل: ~~شبهت، ولا تعني في كونك مشبها أن تذكر حرف التشبيه أو تستعير، # PageV01P151 # إنما تكون مشبها بالحقيقة بأن ترى الشبه وتبينه، ولا ms084 يمكنك بيان ما لا ~~يكون، وتمثيل ما لا تتمثله الأوهام والظنون، ولم أرد بقولي إن الحذق في ~~إيجاد الائتلاف بين المختلفات في الأجناس، أنك تقدر أن تحدث هناك مشابهة ~~ليس لها أصل في العقل، وإنما المعنى أن هناك مشابهات خفية يدق المسلك ~~إليها، فإذا تغلغل فكرك فأدركها فقد استحققت الفضل، ولذلك يشبه المدقق في ~~المعاني بالغائص على الدر، ووزان ذلك أن القطع التي يجيء من مجموعها صورة ~~الشنف والخاتم أو غيرهما من الصور المركبة من أجزاء مختلفة الشكل، لو لم ~~يكن بينها تناسب، أمكن ذلك التناسب أن يلائم بينها الملائمة المخصوصة، ~~ويوصل الوصل الخاص، لم يكن ليحصل لك من تأليفها الصورة المقصودة، ألا ترى ~~أنك لو جئت بأجزاء مخالفة لها في الشكل، ثم أردتها على أن تصير إلى الصورة ~~التي كانت من تلك الأولى، طلبت ما يستحيل؟ فإنما استحققت الأجرة على الغوص ~~وإخراج الدر، لا أن الدر كان بك، واكتسى شرفه من جهتك، ولكن لما كان الوصول ~~إليه صعبا وطلبه عسيرا، ثم رزقت ذلك، وجب أن يجزل لك، ويكبر صنيعك، ألا ترى ~~أن التشبيه الصريح إذا وقع بين شيئين متباعدين في الجنس، ثم لطف وحسن، لم ~~يكن ذلك اللطف وذلك الحسن إلا لاتفاق كان ثابتا بين # PageV01P152 # المشبه والمشبه به من الجهة التي بها شبهت، إلا أنه كان خفيا لا ينجلي ~~إلا بعد التأنق في استحضار الصور وتذكرها، وعرض بعضها على بعض، والتقاط ~~النكتة المقصودة منها، وتجريدها من سائر ما يتصل بها، نحو أن تشبه الشيء ~~بالشيء في هيئة الحركة، فتطلب الوفاق بين الهيئة والهيئة مجردة من الجسم ~~وسائر ما فيه من اللون وغيره من الأوصاف؟ كما فعل ابن المعتز في تشبيه ~~البرق # حيث قال: يث قال: # وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا # لم ينظر من جميع أوصاف البرق ومعانيه إلا إلى الهيئة التي تجدها العين له ~~من انبساط يعقبه انقباض، وانتشار يتلوه انضمام، ثم فلى نفسه عن هيئات ~~الحركات لينظر أيها أشبه بها، فأصاب ذلك فيما يفعله القارئ من ms085 الحركة ~~الخاصة في المصحف، إذا جعل يفتحه مرة ويطبقه أخرى، ولم يكن إعجاب هذا ~~التشبيه لك وإيناسه إياك لأن الشيئين مختلفان في الجنس أشد الاختلاف فقط، ~~بل لأن حصل بإزاء الاختلاف اتفاق كأحسن ما يكون وأتمه، فبمجموع الأمرين شدة ~~ائتلاف في شدة اختلاف حلا وحسن، وراق وفتن، ويدخل في هذا الوضع الحكاية ~~المعروفة في حديث عدي بن الرقاع، قال جرير أنشدني عدي: " عرف الديار توهما ~~فاعتادها ". # PageV01P153 # فلما بلغ إلى قوله " تزجي أغن كأن إبرة روقه ". رحمته وقلت قد وقع ما ~~عساه يقول وهو أعرابي جلف جاف؟ فلما قال: " قلم أصاب من الدواة مدادها " ~~استحالت الرحمة حسدا فهل كانت الرحمة في الأولى، والحسد في الثانية، إلا ~~أنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أول الفكر وبديهة ~~الخاطر، وفي القريب من محل الظن شبه، وحين أتم التشبيه وأداه صادفه قد ظفر ~~بأقرب صفة من أبعد موصوف، وعثر على خبيء مكانه غير معروف، وعلى ذلك ~~استحسنوا قول الخليل في انقباض كف البخيل: # كفاك لم تخلقا للندى ... ولم يك بخلهما بدعه # فكف عن الخير مقبوضة ... كما نقضت مئة سبعه # وكف ثلاثة آلافها ... وتسع مئيها لها شرعه # وذلك أنه أراك شكلا واحدا في اليدين، مع اختلاف العددين، ومع اختلاف ~~المرتبتين في العدد أيضا، لأن أحدهما من مرتبة العشرات والآحاد، # PageV01P154 # والآخر من مرتبة المئين والألوف، فلما حصل الاتفاق كأشد ما يكون في شكل ~~اليد مع الاختلاف، كأبلغ ما يوجد في المقدار والمرتبة من العدد، كان ~~التشبيه بديعا، قال المرزباني وهذا ما أبدع فيه الخليل، لأنه وصف انقباض ~~اليدين بحالين من الحساب مختلفين في العدد، متشاكلين في الصورة، وقوله هذا ~~إجمال ما فصلته، ومما ينظر إلى هذا ال ### | ### | فصل # ويداخله ويرجع إليه حين تحصيله، الجنس الذي يراد فيه كون الشيء ~~من الأفعال سببا لضده، كقولنا أحسن من حيث قصد الإساءة ونفع من حيث أراد ~~الضر، إذ لم يقنع المتشاغل بالعبارة الظاهرة والطريقة المعروفة، وصور في ~~نفس الإساءة الإحسان، وفي البخل الجود، ms086 وفي المنع العطاء، وفي موجب الذم ~~موجب الحمد، وفي الحالة التي حقها أن تعد على الرجل حكم ما يعتد له، والفعل ~~الذي هو بصفة ما يعاب وينكر، صفة ما يقبل المنة ويشكر، فيدل ذلك بما يكون ~~فيه من الوفاق الحسن مع الخلاف البين، على حذق شاعره، وعلى جودة طبعه وحدة ~~خاطره، وعلو مصعده وبعد غوصه، إذا لم يفسده بسوء العبارة، ولم يخطئه ~~التوفيق في تلخيص الدلالة، وكشف تمام الكشف عن سرر المعنى وسره بحسن البيان ~~وسحره، مثال ما كان من الشعر بهذه الصفة قول أبي العتاهية: # PageV01P155 # جزي البخيل علي صالحة ... عني بخفته على ظهري # أعلي وأكرم عن يديه يدي ... فعلت ونزه قدره قدري # ورزقت من جدواه عافية ... أن لا يضيق بشكره صدري # وغنيت خلوا من تفضله ... أحنو عليه بأحسن العذر # ما فاتني خير امرئ وضعت ... عني يداه مؤونة الشكر # ومن اللطيف مما يشبه هذا قول الآخر: # أعتقني سوء ما صنعت من ال ... رق فيا بردها على كبدي # فصرت عبدا للسوء فيك وما ... أحسن سوء قبلي إلى أحد # PageV01P156 # فصل # " هذا فن آخر من القول يجمع التشبيه والتمثيل جميعا "؛ اعلم أن معرفة ~~الشيء من طريق الجملة، غير معرفته من طريق التفصيل، فنحن وإن كنا لا يشكل ~~علينا الفرق بين التشبيه الغريب وغير الغريب إذا سمعنا بهما، فإن لوضع ~~القوانين وبيان التقسيم في كل شيء، وتهيئة العبارة في الفروق، فائدة لا ~~ينكرها المميز، ولا يخفى أن ذلك أتم للغرض وأشفى للنفس، والمعنى الجامع في ~~سبب الغرابة أن يكون الشبه المقصود من الشيء مما لا يتسرع إليه الخاطر، ولا ~~يقع في الوهم عند بديهة النظر إلى نظيره الذي يشبه به، بل بعد تثبت وتذكر ~~وفلي للنفس عن الصور التي تعرفها، وتحريك للوهم في استعراض ذلك واستحضار ما ~~غاب منه، بيان ذلك أنك كما ترى الشمس ويجري في خاطرك استداراتها ونورها، ~~تقع في قلبك المرآة المجلوة، ويتراءى لك الشبه منها فيها، وكذلك إذا نظرت ~~إلى الوشي منشورا وتطلبت لحسنه ونقشه واختلاف الأصباغ فيه شبها، حضرك ms087 ذكر ~~الروض ممطورا مفترا عن أزهاره، متبسما عن أنواره، وكذلك إذا نظرت إلى السيف ~~الصقيل عند سله وبريق متنه، لم يتباعد # PageV01P157 # عنك أن تذكر انعقاق البرق، وإن كان هذا أقل ظهورا من الأول، وعلى هذا ~~القياس، ولكنك تعلم أن خاطرك لا يسرع إلى تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل، ~~كقوله " والشمس كالمرآة في كف الأشل "؛ هذا الإسراع ولا قريبا منه، ولا إلى ~~تشبيه البرق بإصبع السارق، كقول كشاجم: # أرقت أم نمت لضوء بارق ... مؤتلقا مثل الفؤاد الخافق # كأنه إصبع كف السارق # وكقول ابن بابك: # ونضنض في حضني سمائك بارق ... له جذوة من زبرج اللاذ لامعه # تعوج في أعلى السحاب كأنها ... بنان يد من كلة اللاذ ضارعه # ولا إلى تشبيه البرق في انبساطه وانقباضه والتماعه وائتلافه، بانفتاح ~~المصحف وانطباقه، فيما مضى من قول ابن المعتز: # وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا # PageV01P158 # ولا إلى تشبيه سطور الكتاب بأغصان الشوك في قوله: # بشكل يأخذ الحرف المحلى ... كأن سطوره أغصان شوك # ولا إلى تشبيه الشقيق بأعلام ياقوت على رماح زبرجد، كقول الصنوبري: # وكأن محمر الشقي ... ق إذا تصوب أو تصعد # أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد # ولا إلى تشبيه النجوم طالعات في السماء مفترقات مؤتلفات في أديمها، وقد ~~مازجت زرقة لونها بياض نورها، بدر منثور على بساط أزرق، كقول أبي طالب ~~الرقي: # وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق # ولا ما جرى في هذا السبيل، وكان من هذا القبيل، بل تعلم أن الذي # PageV01P159 # سبقك إلى أشباه هذه التشبيهات لم يسبق إلى مدى قريب، بل أحرز غاية لا ~~ينالها غير الجواد، وقرطس في هدف لا يصاب إلا بعد الاحتفال والاجتهاد. ~~واعلم أنك إن أردت أن تبحث بحثا ثانيا حتى تعلم لم وجب أن يكون بعض الشبه ~~على الذكر أبدا، وبعضه كالغائب عنه، وبعضه كالبعيد عن الحضرة لا ينال إلا ~~بعد قطع مسافة إليه، وفضل تعطف بالفكر عليه فإن ها هنا ضربين من العبرة يجب ~~أن تضبطهما أولا، ثم ترجع في ms088 أمر التشبيه، فإنك حينئذ تعلم السبب في سرعة ~~بعضه إلى الفكر، وإباء بعض أن يكون له ذلك الإسراع. فإحدى العبرتين أنا ~~نعلم أن الجملة أبدا أسبق إلى النفوس من التفصيل، وأنت تجد الرؤية نفسها لا ~~تصل بالبديهة إلى التفصيل، لكنك ترى بالنظر الأول الوصف على الجملة، ثم ترى ~~التفصيل عند إعادة النظر، ولذلك قالوا: النظرة الأولى حمقاء، وقالوا لم ~~ينعم النظر ولم يستقص التأمل، وهكذا الحكم في السمع وغيره، من الحواس، فإنك ~~تتبين من تفاصيل الصوت بأن يعاد عليك حتى يسمعه مرة ثانية، ما لم تتبينه ~~بالسماع الأول، وتدرك من تفصيل طعم المذوق بأن تعيده إلى اللسان ما لم ~~تعرفه في الذوقة الأولى، وبإدراك التفصيل يقع التفاضل بين راء وراء، وسامع ~~وسامع، وهكذا، فأما الجمل فتستوي فيها الأقدام، ثم تعلم أنك في إدراك تفصيل ~~ما تراه وتسمعه أو تذوقه، كمن ينتقي الشيء من بين جملة، وكمن يميز الشيء ~~مما قد اختلط به، فإنك حين لا يهمك التفصيل، كمن يأخذ الشيء جزافا وجرفا. # PageV01P160 # وإذا كانت هذه العبرة ثابتة في المشاهدة وما يجري مجراها مما تناله ~~الحاسة، فالأمر في القلب كذلك تجد الجمل أبدا هي التي تسبق إلى الأوهام ~~وتقع في الخاطر أولا، وتجد التفاصيل مغمورة فيما بينها، وتراها لا تحضر إلا ~~بعد إعمال للرؤية وإستعانة بالتذكر. ويتفاوت الحال في الحاجة إلى الفكر ~~بحسب مكان الوصف ومرتبته من حد الجملة وحد التفصيل، وكلماكان أوغل في ~~التفصيل، كانت الحاجة إلى التوقف والتذكر أكثر، والفقر إلى التأمل والتمهل ~~أشد، وإذ قد عرفت هذه العبرة، فالاشتراك في الصفة إذا كان من جهة الجملة ~~على الإطلاق، بحيث لا يشوبه شيء من التفصيل نحو أن كلا الشيئين أسود أو ~~أحمر فهو يقل عن أن تحتاج فيه إلى قياس وتشبيه، فإن دخل في التفصيل شيئا ~~نحو أن هذا السواد صاف براق، والحمرة رقيقة ناصعة احتجت بقدر ذلك إلى إدارة ~~الفكر، وذلك مثل تشبيه حمرة الخد بحمرة التفاح والورد، فإن زاد تفصيله ~~بخصوص تدق العبارة عنه، ويتعرف بفضل تأمل، ms089 ازداد الأمر قوة في اقتضاء ~~الفكر، وذلك نحو تشبيه سقط النار بعين الديك في قوله: # وسقط كعين الديك عاورت صحبتي # PageV01P161 # وذلك أن ما في لون عينه من تفصيل وخصوص، يزيد على كون الحمرة رقيقة ناصعة ~~والسواد صافيا براقا، وعلى هذا تجد هذا الحد من المرتبة التي لا يستوي فيها ~~البليد والذكي، والمهمل نفسه والمتيقظ المستعد للفكر والتصور، فقوله: # كأن على أنيابها كل سحرة ... صياح البوازي من صريف اللوائك # أرفع طبقة من قوله: # كأن صليل المرو حين تشذه ... صليل زيوف ينتقدن بعبقرا # لأن التفصيل والخصوص في صوت البازي، أبين وأظهر منه في صليل الزيوف، وكما ~~أن قوله يصف الفرس: # وللفؤاد وجيب تحت أبهره ... لدم الغلام وراء الغيب بالحجر # لا يسوى بتشبيه وقع الحوافر بهزمة الرعد، وتشبيه الصوت الذي يكون لغليان ~~القدر بنحو ذلك، كقوله: # PageV01P162 # لها لغط جنح الظلام كأنه ... عجارف غيث رائح متهزم # لأن هناك من التفصيل الحسن ما تراه، وليس في كون الصوت من جنس اللغط ~~تفصيل يعتد به، وإنما هو كالزيادة والشدة في الوصف. ومثال ذلك مثال أن يكون ~~جسم أعظم من جسم في أنه لا يتجاوز مرتبة الجمل كبير تجاوز، فإذا رأى الرجل ~~شخصا قد زاد على المعتاد في العظم والضخامة، لم يحتج في تشبيهه بالفيل أو ~~الجبل أو الجمل أو نحو ذلك إلى شيء من الفكر، بل يحضره ذلك حضور ما يعرف ~~بالبديهة، والمقابلات التي تريك الفرق بين الجملة والتفصيل كثيرة، ومن ~~اللطيف في ذلك أن تنظر إلى قوله: # يتابع لا يبتغي غيره ... بأبيض كالقبس الملتهب # ثم تقابل به قوله: # جمعت ردينيا كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان # فإنك ترى بينهما من التفاوت في الفضل ما تراه، مع أن المشبه به في # PageV01P163 # الموضعين شيء واحد وهو شعلة النار، وما ذاك إلا من جهة أن الثاني قصد إلى ~~تفصيل لطيف، ومر الأول على حكم الجمل. ومعلوم أن هذا التفصيل لا يقع في ~~الوهم في أول وهلة، بل لا بد فيه من أن تتثبت وتتوقف وتروى وتنظر في ms090 حال كل ~~واحد من الفرع والأصل، حتى يقوم حيئذ في نفسك أن في الأصل شيئا يقدح في ~~حقيقة الشبه، وهو الدخان الذي يعلو رأس الشعلة، وأنه ليس في رأس السنان ما ~~يشبه ذلك، وأنه إذا كان كذلك، كان التحقيق وما يؤدي الشيء كما هو، أن ~~تستثني الدخان وتنفي، وتقصر التشبيه على مجرد السنا، وتصور السنان فيه ~~مقطوعا عن الدخان، ولو فرضت أن يقع هذا كله على حد البديهة من غير أن يخطر ~~ببالك ما ذكرت لك، قدرت محالا لا يتصور، كما أنك لو قدرت أن يكون تشبيه ~~الثريا بعنقود ملاحية حين نور بمنزلة تشبيهها بالنور على الإطلاق، أو تفتح ~~نور فقط، كما قال: # كأن الثريا في أواخر ليلها ... تفتح نور # حتى ترى حاجتهما إلى التأمل على مقدار واحد، وحتى لا يحوج أحدهما من ~~الرجوع إلى النفس وبحثها عن الصور التي تعرفها، إلا إلى مثل ما يحوج إليه ~~الآخر أسرفت في المجازفة، ونفضت يدا بالصواب والتحقيق. # PageV01P164 # والعبرة الثانية أن ما يقتضي كون الشيء على الذكر وثبوت صورته في النفس، ~~أن يكثر دورانه على العيون، ويدوم تردده في مواقع الأبصار، وأن تدركه ~~الحواس في كل وقت أو في أغلب الأوقات وبالعكس، وهو أن من سبب بعد ذلك الشيء ~~عن أن يقع ذكره بالخاطر، وتعرض صورته في النفس، قلة رؤيته، وأنه مما يحس ~~بالفينة بعد الفينة، وفي الفرط بعد الفرط، وعلى طريق الندرة، وذلك أن ~~العيون هي التي تحفظ صور الأشياء على النفوس، وتجدد عهدها بها، وتحرسها من ~~أن تدثر، وتمنعها أن تزول، ولذلك قالوا: من غاب عن العين فقد غاب عن القلب، ~~وعلى هذا المعنى كانت المدارسة والمناظرة في العلوم وكرورها على الأسماع، ~~سبب سلامتها من النسيان، والمانع لها من التفلت والذهاب، وإذا كان هذا أمرا ~~لا يشك فيه، بان منه أن كل شبه رجع إلى وصف أو صورة أو هيئة من شأنها أن ~~ترى وتبصر أبدا، فالتشبيه المعقود عليه نازل مبتذل، وما كان بالضد من هذا ~~وفي الغاية القصوى من مخالفته، ms091 فالتشبيه المردود إليه غريب نادر بديع، ثم ~~تتفاضل التشبيهات التي تجيء واسطة لهذين الطرفين، بحسن حالها منهما، فما ~~كان منها إلى الطرف الأول أقرب، فهو أدنى وأنزل، وما كان إلى الطرف الثاني ~~أذهب، فهو أعلى وأفضل بوصف الغريب أجدر. # PageV01P165 # واعلم أن قولنا التفصيل عبارة جامعة، ومحصولها على الجملة أن معك وصفين ~~أو أوصافا، فأنت تنظر فيها واحدا واحدا، وتفصل بالتأمل بعضها من بعض وأن بك ~~في الجملة حاجة إلى أن تنظر في أكثر من شيء واحد، وأن تنظر في الشىء الواحد ~~إلى أكثر من جهة واحدة. ثم إنه يقع في أوجه أحدها وهو الأولى والأحق بهذه ~~العبارة أن تفصل، بأن تأخذ بعضا وتدع بعضا، كما فعل في اللهب حين عزل ~~الدخان عن السنا وجرده، وكما فعل الآخر حين فصل الحدق عن الجفون، وأثبتها ~~مفردة فيما شبه، وذلك قوله: # لها حدق لم تتصل بجفون # ويقع في هذا الوجه من التفصيل لطائف، فمنها قول ابن المعتز: # بطارح النظرة في كل أفق ... ذي منسر أقنى إذا شك خرق # ومقلة تصدقه إذا رمق ... كأنها نرجسة بلا ورق # وقوله: # PageV01P166 # تكتب فيه أيدي المزاج لنا ... ميمات سطر بغير تعريق # والثاني أن تفصل، بأن تنظر من المشبه في أمور لتعتبرها محلها، وتطلبها ~~فيما تشبه به، وذلك كاعتبارك، في تشبيه الثريا بالعنقود، الأنجم أنفسها، ~~والشكل منها واللون، وكونها مجتمعة على مقدار في القرب والبعد، فقد نظرت في ~~هذه الأمور واحدا واحدا، وجعلتها بتأملك فصلا فصلا، ثم جمعتها في تشبيهك، ~~وطلبت للهيئة الحاصلة من عدة أشخاص الأنجم، والأوصاف التي ذكرت لك من الشك ~~واللون والتقارب على وجه مخصوص هيئة أخرى شبيهة بها، فأصبتها في العنقود ~~المنور من الملاحية ولم يقع لك وجه التشبيه بينهما إلا بأن فصلت أيضا أجزاء ~~العنقود بالنظر، وعلمت أنها خصل بيض، وأن فيها شكل استدارة النجم، ثم الشكل ~~إلى الصغر ما هو، كما أن شكل أنجم الثريا كذلك وأن هذه الخصل لا هي مجتمعة ~~اجتماع النظام والتلاصق، # PageV01P167 # ولا هي شديدة الافتراق، بل لها مقادير في ms092 التقارب والتباعد في نسبة قريبة ~~مما تجده في رأى العين بين تلك الأنجم، يدلك على أن التشبيه موضوع على ~~مجموع هذه الأوصاف، أنا لو فرضنا في تلك الكواكب أن تفترق وتتباعد تباعدا ~~أكثر مما هي عليه الآن، أو قدر في العنقود أن ينتثر، لم يكن التشبيه بحاله ~~وكذلك الحكم في تشبيه الثريا باللجام المفضض، لأنك راعيت الهيئة الخاصة من ~~وقوع تلك القطع والأطراف بين اتصال وانفصال، وعلى الشكل الذي يوجبه موضوع ~~اللجام، ولو فرضت أن تركب مثلا على سنن واحد طولا في سير واحد مثلا ويلصق ~~بعضها ببعض، بطل التشبيه، وكذا قوله: # تعرض أثناء الوشاح المفصل # وقد اعتبر فيه هيئة التفصيل في الوشاح، والشكل الذي يكون عليه الخرز ~~المنظوم في الوشاح، فصار اعتبار التفصيل أعجب تفصيل في التشبيه، والوجه ~~الثالث أن تفصل بأن تنظر إلى خاصة في بعض الجنس، كالتي تجدها في صوت البازي ~~وعين الديك، فأنت تأبى أن تمر على جملة أن هذا صوت وذاك حمرة، ولكن تفصل ~~فتقول فيهما ما ليس في كل صوت وكل حمرة، # PageV01P168 # واعلم أن هذه القسمة في التفصيل موضوعة على الأغلب الأعرف، وإلا فدقائقه ~~لا تكاد تضبط، ومما يكثر فيه التفصيل ويقوى معناه فيه، ما كان من التشبيه ~~مركبا من شيئين أو أكثر، وهو ينقسم قسمين: أحدهما أن يكون شيئا يقدره ~~المشبه ويضعه ولا يكون، ومثال ذلك تشبيه النرجس بمداهن در حشوهن عقيق، ~~وتشبيه الشقيق بأعلام ياقوت نشرت على رماح من زبرجد، لأنك في هذا النحو ~~تحصل الشبه بين شيئين تقدر اجتماعهما على وجه مخصوص وبشرط معلوم، فقد حصلته ~~في النرجس من شكل المداهن والعقيق، بشرط أن تكون الداهن من الدر، وأن يكون ~~العقيق في الحشو منها وكذلك اشترطت هيئة الأعلام، وأن تكون من الياقوت، وأن ~~تكون منشورة على رماح من زبرجد فبك حاجة في ذلك إلى مجموع أمور، لو أخللت ~~بواحد منها لم يحصل الشبه، وكذلك لو خالفت الوجه المخصوص في الاجتماع ~~والاتصال بطل الغرض، فكما بك حاجة إلى أن يكون الشكل شكل ms093 المدهن، وأن يكون ~~من الدر وأن يكون معه العقيق، فبك أيضا فقر إلى أن يكون العقيق في حشو ~~المداهن، وعلى هذا القياس، # PageV01P169 # والقسم الثاني أن تعتبر في التشبيه هيئة تحصل من اقتران شيئين، وذلك ~~الاقتران مما يوجد ويكون، ومثاله قوله: # غدا والصبح تحت الليل باد ... كطرف أشهب ملقى الجلال # قصد الشبه الحاصل لك إذا نظرت إلى الصبح والليل جميعا، وتأملت حالهما ~~معا، وأراد أن يأتي بنظير للهيئة المشاهدة من مقارنة أحدهما الآخر، ولم يرد ~~أن يشبه الصبح على الانفراد والليل على الانفراد، كما لم يقصد الأول أن ~~يشبه الدارة البيضاء من النرجس بمدهن الدر، ثم يستأنف تشبيها للثانية ~~بالعقيق، بل أراد أن يشبه الهيئة الحاصلة من مجموع الشكلين، من غير أن يكون ~~بين في البين، ثم إن هذا الاقتران الذي وضع عليه التشبيه مما يوجد ويعهد، ~~إذ ليس وجود الفرس الأشهب قد ألقى الجل، من المعوز فيقال إنه مقصور على ~~التقدير والوهم، فأما الأول فلا يتعدى التوهم وتقدير أن يصنع ويعمل، فليس ~~في العادة أن تتخذ صورة أعلاها ياقوت على مقدار العلم، وتحت ذلك الياقوت ~~قطع مطاولة من الزبرجد كهيئة الأرماح والقامات وكذلك لا يكون ها هنا مداهن ~~تصنع من الدر، ثم يوضع في أجوافها عقيق، وفي تشبيه الشقيق زيادة معنى يباعد ~~الصورة من الوجود، وهو شرطه أن تكون أعلاما منشورة، والنشر في الياقوت وهو ~~حجر، لا يتصور موجودا، وينبغي أن تعلم أن الوجه في إلقاء الجل، أن يريد أنه ~~أداره عن ظهره، # PageV01P170 # وأزاله عن مكانه، حتى تكشف أكثر جسده، لا أنه رمى به جملة حتى انفصل منه، ~~لأنه إذا أراد ذلك، كان قد قصد إلى تشبيه الصبح وحده من غير أن يفكر في ~~الليل، ولم يشاكل قوله في أول البيت " والصبح تحت الليل باد " ، وأما قوله: # إذا تفرى البرق فيها خلته ... بطن شجاع في كثيب يضطرب # وتارة تبصره كأنه ... أبلق مال جله حين وثب # فالأشبه فيه أن يكون القصد إلى تشبيه البرق وحده ببياض البرق، دون أن ~~يدخل لون ms094 الجل في التشبيه، حتى كأنه يريد أن يريك بياض البرق في سواد ~~الغمام، بل ينبغي أن يكون الغرض بذكر الجل أن البرق يلمع بغتة، ويلوح للعين ~~فجأة، فصار لذلك كبياض الأبلق إذا ظهر عند وثوبه وميل جله عنه، وقد قال ابن ~~بابك في هذا المعنى: # للبرق فيها لهب طائش ... كما يعرى الفرس الأبلق # إلا أن لقول ابن المعتز " حين وثب "، من الفائدة ما لا يخفى. وقد عني ~~المتقدمون أيضا بمثل هذا الاحتياط، ألا تراه قال: # وترى البرق عارضا مستطيرا ... مرح البلق جلن في الأجلال # PageV01P171 # فجعلها تمرح وتجول، ليكون قد راعى ما به يتم الشبه، وما هو معظم الغرض من ~~تشبيهه، وهو هيئة حركته وكيفية لمعه. ثم اعلم أن هذا القسم الثاني الذي ~~يدخل في الوجود يتفاوت حاله، فمنه ما يتسع وجوده، ومنه ما يوجد في النادر، ~~ويبين ذلك بالمقابلة، فأنت إذا قابلت قوله: # وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق # بقول ذي الرمة: " كأنها فضة قد مسها ذهب ". علمت فضل الثاني على الأول في ~~سعة الوجود، وتقدم الأول على الثاني في عزته وقلته، وكونه نادر الوجود، فإن ~~الناس يرون أبدا في الصياغات فضة قد أجري فيها ذهب وطليت به، ولا يكاد يتفق ~~أن يوجد در قد نثر على بساط أزرق، وإذ قد عرفت انقسام المركب من التشبيه ~~إلى هذين القسمين، فاعتبر موضعهما من العبرتين المذكورتين، فإنك تراهما ~~بحسب # PageV01P172 # نسبتهما منهما، وتحققهما بهما، قد أعطتاهما لطف الغرابة، ونفضتا عليهما ~~صبغ الحسن، وكستاهما روعة الإعجاب، فتجد المقدر الذي لا يباشر الوجود، نحو ~~قوله: # أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد # وكقوله في النيلوفر: # كلنا باسط اليد ... نحو نيلوفر ندي # كدبابيس عسجد ... قضبها من زبرجد # قد اجتمع فيه العبرتان جميعا، وتجد العبرة الثانية قد أتت فيه على غاية ~~القوة، لأنه لا مزيد في بعد الشيء عن العيون على أن يكون وجوده ممتنعا أصلا ~~حتى لا يتصور إلا في الوهم، وإذا تركت هذا القسم ونظرت إلى القسم الثاني ~~الذي يدخل في ms095 الوجود نحو قوله: # درر نثرن على بساط أزرق # وجدت العبرة الثانية لا تقوى فيه تلك القوة، لأنه إذا كان مما يعلم أنه ~~يوجد ويعهد بحال وإن كان لا يتسع بل يندر ويقل فقد دنا من الوقوع في الفكر ~~والتعرض للذكر دنوا لا يدنوه الأول الذي لا يطمع أن يدخل تحت الرؤية للزومه ~~العدم، وامتناعه أن يجوز عليه إلا التوهم، ولا جرم، لما كان الأمر # PageV01P173 # كذلك، كان للضرب الأول من الروعة والحسن، لصاحبه من الفضل في قوة الذهن، ~~ما لم يكن ذلك في الثاني، وقوي الحكم بحسب قوة العلة، وكثر الوصف الذي هو ~~الغرابة، بحسب الجالب له، وفي هذا التقرير ما تعلم به الطريق إلى التشبيه ~~من أين تفاوت في كونه غريبا؟ ولم تفاضل في مجيئه عجيبا؟ وبأي سبب وجدت عند ~~شيء منه من الهزة ما لم تجده عند غيره علما يخرجك عن نقيصة التقليد، ويرفعك ~~عن طبقة المقتصر على الإشارة، دون البيان والإفصاح بالعبارة. واعلم أن ~~العبرة الثانية التي هي مرور الشيء على العيون، هو معنى واحد لا يتكثر، ~~ولكنه يقوى ويضعف كما مضى، وأما العبرة الأولى، وهي لتفصيل فإنها في حكم ~~الشيء يتكثر وينضم فيه الشيء إلى الشيء، ألا ترى أن أحد التفصيلين يفضل ~~الآخر بأن تكون قد نظرت في أحدهما إلى ثلاثة أشياء، أو ثلاث جهات، وفي ~~الآخر إلى شيئين أو جهتين والمثال في ذلك قول بشار: # كأن مثار النفع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # مع قول المتنبي: # يزور الأعادي في سماء عجاجة ... أسنته في جانبيها الكواكب # أو قول كلثوم بن عمرو: # PageV01P174 # تبني سنابكها من فوق أرؤسهم ... سقفا كواكبه البيض المباتير # التفصيل في الأبيات الثلاثة كأنه شيء واحد، لأن كل واحد منهم يشبه لمعان ~~السيوف في الغبار بالكواكب في الليل، إلا أنك تجد لبيت بشار من الفضل، ومن ~~كرم الموقع ولطف التأثير في النفس، ما لا يقل مقداره، ولا يمكن إنكاره، ~~وذلك لأنه راعى ما لم يراعه غيره، وهو أن جعل الكواكب تهاوى، فأتم الشبه، ~~وعبر عن ms096 هيئة السيوف وقد سلت من الأغماد وهي تعلو وترسب، وتجيء وتذهب، ولم ~~يقتصر على أن يريك لمعانها في أثناء العجاجة كما فعل الآخران، وكان لهذه ~~الزيادة التي زداها حظ من الدقة تجعلها في حكم تفصيل بعد تفصيل، وذلك أنا ~~وإن قلنا إن هذه الزيادة وهي إفادة هيئة السيوف في حركاتها إنما أتت في ~~جملة لا تفصيل فيها، فإن حقيقة تلك الهيئة لا تقوم في النفس إلا بالنظر إلى ~~أكثر من جهة واحدة، وذلك أن تعلم أن لها في حال احتدام الحرب، واختلاف ~~الأيدي بها في الضرب، اضطرابا شديدا، وحركات بسرعة، ثم إن لتلك الحركات ~~جهات مختلفة، وأحوالا تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة والارتفاع والانخفاض، ~~وأن السيوف باختلاف هذه الأمور تتلاقى وتتداخل، ويقع بعضها في بعض ويصدم ~~بعضها بعضا، ثم أن أشكال السيوف مستطيلة، فقد نظم هذه الدقائق كلها في ~~نفسه، ثم أحضرك صورها بلفظة واحدة، ونبه عليها بأحسن التنبيه وأكمله بكلمة، ~~وهي قوله: تهاوى، لأن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركاتها، وكان لها في ~~تهاويها تواقع وتداخل، ثم إنها # PageV01P175 # بالتهاوي تستطيل أشكالها، فأما إذا لم تزل عن أماكنها فهي على صورة ~~الاستدارة. ويشبه هذا الموضع في زيادة أحد التشبيهين مع أن جنسهما جنس ~~واحد، وتركيبهما على حقيقة واحدة بأن في أحدهما فضل استقصاء ليس في الآخر، ~~قول ابن المعتز في الآذريون: # وطاف بها ساق أديب بمبزل ... كخنجر عيار صناعته الفتك # وحمل آذريونة فوق أذنه ... ككأس عقيق في قرارتها # PageV01P176 # مسك # مع قوله: # مداهن من ذهب ... فيها بقايا غالية # الأول ينقص عن الثاني شيئا، وذلك أن السواد الذي في باطن الآذريونة ~~الموضوع بإزاء الغالية والمسك، فيه أمران أحدهما أنه ليس بشامل لها، ~~والثاني أن هذا السواد ليس صورته صورة الدرهم في قعرها، أعني أنه لم يستدر ~~هناك، بل ارتفع من قعر الدائرة حتى أخذ شيئا من سمكها من كل الجهات، وله في ~~منقطعه هيئة تشبه آثار الغالية في جوانب المدهن، إذا كانت بقية بقيت عن ~~الأصابع، وقوله: في قرارتها مسك يبين الأمر الأول، ms097 ويؤمن من دخول النقص ~~عليه، كما كان يدخل لو قال: ككأس عقيق فيها مسك، ولم يشترط أن يكون في ~~القرارة. وأما الثاني من الأمرين، فلا يدل عليه كما يدل قوله بقايا غالية، ~~وذاك من شأن المسك والشيء اليابس إذا حصل في شيء مستدير له قعر، أن يستدير ~~في القعر ولا يرتفع في الجوانب الارتفاع الذي تراه في سواد الأذريونة، وأما ~~الغالية فهي رطبة، ثم هي تؤخذ بالأصابع، وإذا كان كذلك، فلا بد في البقية ~~منها من أن تكون قد ارتفعت عن القرارة، وحصلت بصفة شبيهة بذلك السواد، ثم ~~هي لنعومتها ترق فتكون كالصبغ الذي لا جرم له يملك المكان وذلك أصدق للشبه. ~~ومن أبلغ الاستقصاء وعجيبه قول ابن المعتز: # كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نطير غرابا ذا قوادم جون # شبه ظلام الليل حين يظهر فيه الصبح بأشخاص الغربان، ثم شرط أن تكون قوادم ~~ريشها بيضا، لأن تلك الفرق من الظلمة تقع في حواشيها، من حيث تلى معظم ~~الصبح وعموده لمع نور يتخيل منها في العين كشكل قوادم إذا كانت بيضا، وتمام ~~التدقيق والسحر في هذا التشبيه في شيء آخر، وهو أن جعل ضوء الصبح، لقوة ~~ظهوره ودفعه لظلام الليل، كأنه يحفز الدجى ويستعجلها # PageV01P177 # ولا يرضى منها بأن تتمهل في حركتها، ثم لما بدأ بذلك أولا اعتبره في ~~التشبيه آخرا فقال: نطير غرابا، ولم يقل: غراب يطير مثلا، وذلك أن الغراب ~~وكل طائر إذا كان واقعا هادئا في مكان، فأزعج وأخيف وأطير منه، أو كان قد ~~حبس في يد أو قفص فأرسل، كان ذلك لا محالة أسرع لطيرانه وأعجل وأمد له ~~وأبعد لأمده، فإن تلك الفزعة التي تعرض له من تنفيره، أو الفرحة التي تدركه ~~وتحدث فيه من خلاصه وانفلاته، ربما دعته إلى أن يستمر حتى يغيب عن الأفق ~~ويصير إلى حيث لا تراه العيون، وليس كذلك إذا طار عن اختيار، لأنه يجوز ~~حينئذ أن يصير إلى مكان قريب من مكانه الأول، وأن لا يسرع في طيرانه، بل ~~يمضي على هينته ms098 ويتحرك حركة غير المستعجل فاعرفه. ومما حقه أن يكون على فرط ~~الاستقصاء في التشبيه وفضل العناية بتأكيد ما بدئ به، قول أبي نواس في صفة ~~البازي: # كأن عينيه إذا ما أتأرا ... فصان قيضا من عقيق أحمرا # في هامة غلباء تهدي منسرا ... كعطفة الجيم بكف أعسرا # أراد أن يشبه المنقار بالجيم، والجيم خطان الأول الذي هو مبدأه وهو ~~الأعلى، والثاني وهو الذي يذهب إلى اليسار، وإذا لم توصل فلها تعريق كما لا ~~يخفى، والمنقار إنما يشبه الخط الأعلى فقط، فلما كان كذلك قال: # PageV01P178 # كعطفة الجيم ولم يقل كالجيم، ثم دقق بأن جعلها بكف أعسر، لأن جيم الأعسر ~~قالوا أشبه بالمنقار من جيم الأيمن، ثم إنه أراد أن يؤكد أن الشبه مقصور ~~على الخط الأعلى من شكل الجيم فقال: # يقول من فيها بعقل فكرا ... ولو زادها عينا إلى فاء ورا # فاتصلت بالجيم صارت جعفرا، فأراك عيانا أنه عمد في التشبيه إلى الخط ~~الأول من الجيم دون تعريقها، ودون الخط الأسفل، أما أمر التعريق وإخراجه من ~~التشبيه فواضح، لأن الوصل يسقط التعريق أصلا، وأما الخط الثاني فهو،، وإن ~~كان لا بد منه مع الوصل، فإنه إذ قال لو زادها عينا إلى فاء ورا ثم قال ~~فاتصلت بالجيم، فقد بين أن هذا الخط الثاني خارج أيضا من قصده في التشبيه، ~~من حيث كانت زيادة هذه الحروف ووصلها هي السبب في حدوثه، وينبغي أن يكون ~~قوله بالجيم، يعني بالعطفة المذكورة من الجيم، ولأجل هذه الدقة قال يقول من ~~فيها بعقل فكرا، فمهد لما أراد أن يقول، ونبه على أن بالمشبه حاجة إلى فضل ~~فكر، وأن يكون فكره فكر من يراجع عقله ويستعينه على تمام البيان، وجملة ~~القول أنك متى زدت في التشبيه على مراعاة وصف واحد أو جهة واحدة، فقد خلت ~~في التفصيل والتركيب، وفتحت باب التفاضل، ثم تختلف المنازل في الفضل، بحسب ~~الصورة في استنفادك قوة الاستقصاء، أو رضاك بالعفو دون الجهد. # PageV01P179 ### | فصل # اعلم أن مما يزداد به التشبيه دقة وسحرا، أن يجيء في ms099 الهيئات التي تقع ~~على الحركات، والهيئة المقصودة في التشبيه على وجهين أحدهما أن تقترن ~~بغيرها من الأوصاف كالشكل واللون ونحوهما، والثاني أن تجرد هيئة الحركة حتى ~~لا يراد غيرها، فمن الأول قوله: # والشمس كالمرآة في كف الأشل # أراد أن يريك مع الشكل الذي هو الاستدارة، ومع الإشراق والتلألؤ على ~~الجملة، الحركة التي تراها للشمس إذا أنعمت التأمل، ثم ما يحصل في نورها من ~~أجل تلك الحركة، وذلك أن للشمس حركة متصلة دائمة في غاية السرعة، ولنورها ~~بسبب تلك الحركة تموج واضطراب عجب، ولا يتحصل هذا الشبه إلا بأن تكون ~~المرآة في يد الأشل، لأن حركتها تدور وتتصل ويكون فيها سرعة وقلق شديد، حتى ~~ترى المرآة، ويقع الاضطراب الذي كأنه يسحر الطرف، وتلك حال الشمس بعينها ~~حين تحد النظر وتنفذ البصر، حتى تتبين الحركة العجيبة في جرمها وضوئها، ~~فإنك ترى شعاعها كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانبها، ثم يبدو له فيرجع ~~في الانبساط الذي بدأه، إلى انقباض كأنه يجمعه من جوانب الدائرة إلى الوسط، ~~وحقيقة حالها في ذلك مما لا يكمل البصر # PageV01P180 # لتقريره وتصويره في النفس، فضلا عن أن تكمل العبارة لتأديته، ويبلغ ~~البيان كنه صورته، ومثل هذا التشبيه، وإن صور في غير المرآة، قول المهلبي ~~الوزير: # الشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب # كأنها بوتقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب # وذلك أن الذهب الذائب يتشكل بأشكال البوتقة، فيستدير إذا كانت البوتقة ~~على النار، فإنه يتحرك فيها حركة على الحد الذي وصفت لك، طبع الذهب من ~~النعومة، وفي أجزائه من شدة الاتصال والتلاحم، يمنعه أن يقع فيه غليان على ~~الصفة التي تكون في الماء ونحوه، مما يتخلله الهواء فيرتفع وسطه ارتفاعا ~~شديدا، ولكن جملته كأنها تتحرك بحركة واحدة، ويكون فيها ما ذكرت من انبساط ~~إلى الجوانب، ثم انقباض إلى الوسط، فاعرفه، ومن عجيب ما جمع فيه بين الشكل ~~وهيئة الحركة، قول الصنوبري: # كأن في غدرانها ... حواجبا ظلت تمط # أراد ما يبدو في صفحة الماء من أشكال كأنصاف ms100 دوائر صغار ثم إنك تراها ~~تمتد امتدادا ينقص من انحنائها وتحدبها، كما تباعد بين طرفي القوس وتثنيهما ~~إلى ناحية الظهر، كأنك تقربها من الاستواء وتسلبها بعض شكل التقوس، الذي هو ~~إقبال طرفيها على الآخر، ومتى حدثت هذه الصفة في تلك # PageV01P181 # الأشكال الظاهرة على متون الغدران، كانت أشبه شيء بالحواجب إذا مدت، لأن ~~الحاجب لا يخفى تقويسه، ومده ينقص من تقويسه، ومن لطيف ذلك أيضا أعني الجمع ~~بين الشكل وهيئة الحركة، قول ابن المعتز يصف وقوع القطر على الأرض: # بكرت تعير الأرض ثوب شباب ... رجبية محمودة الإسكاب # نثرت أوائلها حيا فكأنه ... نقط على عجل ببطن كتاب # وأما هيئة الحركة مجردة من كل وصف يكون في الجسم، فيقع فيها نوع من ~~التركيب، بأن يكون للجسم حركات في جهات مختلفة، نحو أن بعضها يتحرك إلى ~~يمين والبعض إلى شمال، وبعض إلى فوق وبعض إلى قدام ونحو ذلك، وكلما كان ~~التفاوت في الجهات التي تتحرك أبعاض الجسم إليها أشد، كان التركيب في هيئة ~~المتحرك أكثر، فحركة الرحا والدولاب وحركة السهم لا تركيب فيها، لأن الجهة ~~واحدة، ولكن في حركة المصحف في قوله: " فانطباقا مرة وانفتاحا ". تركيب ~~لأنه في إحدى الحالتين يتحرك إلى جهة غير جهته في الحالة الأخرى، # PageV01P182 # فمما جاء في التشبيه معقودا على تجريد هيئة الحركة، ثم لطف وغرب لما فيه ~~من التفصيل والتركيب، قول الأعشى يصف السفينة في البحر وتقاذف الأمواج بها: # تقص السفين بجانبيه كما ... ينزو الرباح خلا له كرع # الرباح الفصيل، وقيل القرد، والكرع ماء السماء، شبه السفينة في انحدارها ~~وارتفاعها بحركات الفصيل في نزوه، وذلك أن الفصيل إذا نزا، ولا سيما في ~~الماء، وحين يعتريه ما يعتري المهر ونحوه من الحيوانات التي هي في أول ~~النشء، كانت له حركات متفاوتة تصير لها أعضاؤه في جهات مختلفة، ويكون هناك ~~تسفل وتصعد على غير ترتيب، وبحيث تكاد تدخل إحدى الحركتين في الأخرى، فلا ~~يتبينه الطرف مرتفعا حتى يراه منحطا متسفلا، ويهوي مرة نحو الرأس ومرة نحو ~~الذنب، وذلك أشبه شيء بحال ms101 السفينة وهيئة حركاتها حين يتدافعها الموج، ~~ونظيره قول الآخر، يصف الفصيل وهو يثب على الناقة ويعلوها ويلقي نفسه ~~عليها، لأنها قد بركت فلا يتمكن من أن يرتضع، فهو يفعل ذلك لتثور الناقة: # يقتاعها كل فصيل مكرم ... كالحبشي يرتقي في السلم # يقتاعها يفتعل من قولهم: قاع البعير الناقة، إذا ضربها، يقوعها # PageV01P183 # قوعا، أراد يعلوها ويثبت عليها، وشبه بالحبشي في هذه الحالة المخصوصة، ~~لما يكون له عند ارتقائه في السلم من تصعد بعض أعضائه وتسفل بعض، على ~~اضطراب مفرط وغيثرة شديدة، وذلك كما ترى في أنه اختلاف في جهات أبعاض الجسم ~~على غير نظام مضبوط، كحركات الفصيل في الماء وقد خلا له، وقد عرفتك أن ~~الاختلاف في جهات الحركات الواقعة في أبعاض الجسم، كالتركيب بين أوصاف ~~مختلفة، ليحصل من مجموعها شبه خاص. واعلم أن هذه الهيئات يغلب عليها الحكم ~~المستفاد من العبرة الثانية، وذلك أن كل هيئة من هيئات الجسم في حركاته إذا ~~لم يتحرك في جهة واحدة، فمن شأنها أن تقل وتعز في الوجود، فيباعدها ذلك ~~أيضا من أن تقع في الفكر بسرعة، زيادة مباعدة مضمومة إلى ما يوجب حديث ~~التركيب والتفصيل فيها،، ألا ترى أن الهيئة التي اعتمدها في تشبيه البرق ~~بالمصحف، ليست تكون إلا في النادر من الأحوال، وبعد عمد من الإنسان، وخروج ~~عن العادة، وبقصد خاص أو عبث غالب على النفس غير معتاد وهكذا حال الفصيل في ~~وثوبه على أمه ليثيرها واستنانه في الماء ونزوه، كما توجبه رؤيته الماء ~~خاليا، # PageV01P184 # وطباع الصغر والفصيلة مما لا يرى إلا نادرا، وليس الأمر في هذا النحو ~~كالأمر في حركة الدولاب والرحا والسهم ونحو ذلك من الحركات المعتادة التي ~~تقع في مصارف العيون كثيرا، ومما يقوى فيها أن يكون سبب غرابته قلة رؤية ~~العيون له، ما مضى من تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل، وذلك أن الهيئة ~~التي تراها في حركة المرآة إذا كانت في كف الأشل، مما يرى نادرا وفي الأقل، ~~فربما قضى الرجل دهره ولا يتفق له أن يرى مرآة ms102 في يد مرتعش، هذا وليس موضع ~~الغرابة من التشبيه دوام حركة المرآة في يد الأشل فقط، بل النكتة والمقصود ~~فيما يتولد من دوام تلك الحركة من الالتماع وتموج الشعاع، وكونه في صورة ~~حركات من جوانب الدائرة إلى وسطها، وهذه صفة لا تقوم في نفس الرائي المرآة ~~الدائمة الاضطراب، إلا أن يستأنف تأملا، وينظر متثبتا في نظره متمهلا، فكأن ~~ها هنا هيئتين كلتاهما من هيئات الحركة إحداهما حركة المرآة على الخصوص ~~الذي يوجبه ارتعاش اليد والثانية حركة الشعاع واضطرابه الحادث من تلك ~~الحركة، وإذا كان كون المرآة في يد الأشل مما يرى نادرا، ثم كانت هذه الصفة ~~التي هي كائنة في الشعاع، إنما ترى وتدرك في حال رؤية حركة المرآة بجهد ~~وبعد استئناف إعمال للبصر، فقد بعدت عن حد ما تعتاد رؤيته مرتين، ودخلت في ~~النادر الذي لا تألفه العيون من جهتين فاعرفه. واعلم أنه كما تعتبر هيئة ~~الحركة في التشبيه، فكذلك تعتبر هيئة السكون على الجملة وبحسب اختلافه، نحو ~~هيئة المضطجع وهيئة الجالس ونحو ذلك، فإذا وقع في شيء من هيئات الجسم في ~~سكونه تركيب وتفصيل، # PageV01P185 # لطف التشبيه وحسن، فمن ذلك قول ابن المعتز يصف سيلا: # فلما طغا ماؤه في البلاد ... وغص به كل واد صدي # ترى الثور في متنه طافيا ... كضجعة ذي التاج في المرقد # وكقول المتنبي في صفة الكلب: " يقعي جلوس البدوي المصطلي ". فقد اختص ~~هيئة البدوي المصطلي، في تشبيه هيئة سكون أعضاء الكلب ومواقعها فيها، ولم ~~ينل التشبيه حظا من الحسن، إلا بأن فيه تفصيلا من حيث كان لكل عضو من الكلب ~~في إقعائه موقع خاص، وكان مجموع تلك الجهات في حكم أشكال مختلفة تؤلف فتجيء ~~منها صورة خاصة، ومن لطيف هذا الجنس قوله في صفة المصلوب: # كأنه عاشق قد مد صفحته ... يوم الوداع إلى توديع مرتحل # أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتمطيه من الكسل # ولم يلطف إلا لكثرة ما فيه من التفصيل، ولو قال كأنه متمط من نعاس واقتصر ~~عليه، كان قريب المتناول، لأن ms103 الشبه إلى هذا القدر يقع في # PageV01P186 # نفس الرائي المصلوب، لكونه من حد الجملة، فأما بهذا الشرط وعلى هذا ~~التقييد الذي يفيد به استدامة تلك الهيئة، فلا يحضر إلا مع سفر من الخاطر، ~~وقوة من التأمل، وذلك لحاجته أن ينظر إلى غير جهة فيقول هو كالمتمطي، ثم ~~يقول المتمطي يمد ظهره ويديه مدة، ثم يعود إلى حالته، فيزيد فيه أنه مواصل ~~لذلك، ثم إذا أراد ذلك طلب علته، وهي قيام اللوثة والكسل في القائم من ~~النعاس، وهذا أصل فيما يزيد به التفصيل، وهو أن يثبت في الوصف أمر زائد على ~~المعلوم المتعارف، ثم يطلب له علة وسبب. ويشبه التشبيه في البيت قول الآخر، ~~وهو مذكور معه في الكتب: # لم أر صفا مثل صف الزط ... تسعين منهم صلبوا في خط # من كل عال جذعه بالشط ... كأنه في جذعه المشتط # أخو نعاس جد في التمطي ... قد خامر النوم ولم يغط # فقوله جد في التمطي، شرط يتم التشبيه، كما أن قوله مواصل كذلك، إلا أن في ~~اشتراط المواصلة من الفائدة ما ليس في هذا وذلك أنه يجوز أن يبالغ ويجتهد ~~ويجد في تمطيه، ثم يدع ذلك في الوقت، ويعود إلى الحالة التي يكون عليها في ~~السلامة مما يدعو إلى التمدد، وإذا كان كذلك، كان المستفاد من هذه العبارة ~~صورة التمطي وهيئته الخاصة، وزيادة معنى، وهو بلوغ الصفة، # PageV01P187 # غاية ما يمكن أن يكون عليها، وهذا كله مستفاد من الأول، ثم فيه زيادة ~~أخرى، وهو أخص ما يقصد من صفة المصلوب، وهي الاستمرار على الهيئة ~~والاستدامة لها، فأما قوله بعد: قد خامر النوم ولم يغط، هو وإن كان كأنه ~~يحاول أن يرينا هذه الزيادة من حيث يقال إنه إذا أخذه النعاس فتمطى ثم خامر ~~النوم، فإن الهيئة الحاصلة له من جده في التمطي تبقى له فليس ببالغ مبلغ ~~قوله: مواصل لتمطيه، وتقييده من بعد بأنه من الكسل، واحتياطه قبل بقوله " ~~فيه لوثته ". وشبيه بالأول في الاستقصاء قول ابن الرومي: # كأن له في الجو حبلا يبوعه ... إذا ms104 ما انقضى حبل أتيح له حبل # يعانق أنفاس الرياح مودعا ... وداع رحيل لا يحط له رحل # فاشتراطه أن يكون له بعد الحب الذي ينهي ذرعه حبل آخر يخرج من بوع الأول ~~إليه، كقوله مواصل لتمطيه من الكسل، في استيفاء الشبه، والتنبيه على ~~استدامته، لأنه إذا كان لا يزال يبوع حبلا لم يقبض باعه ولم يرسل يده، وفي ~~ذلك بقاء شبه المصلوب على الاتصال فاعرفه. # واعلم أن من حقك أن لا تضع الموازنة بين التشبيهين في حاجة أحدهما إلى ~~زيادة من التأمل على وقتنا هذا ولكن تنظر إلى حالهما في قوى العقل ولم تسمع ~~بواحد منهما، فتعلم أن لو أرادهما مريد، أو اتفقا له جميعا ولم يكن قد سمع ~~بواحد منهما أيهما كان يكون أسهل عليه، وأسرع إليه، # PageV01P188 # وأعطى بيديه، وأيهما تجده أدل على ذكاء من تسمعه منه، وأرجى لتخرج من ~~يقوله، وذلك أن تقابل بين تشبيه النجوم بالمصابيح والمصابيح بها، وبين ~~تشبيه سل السيوف بعقائق البرق وتشبيهها بسل السيوف، فإنك تعلم أن الأول يقع ~~في نفس الصب أول ما يحس بنفسه، وأن الثاني لا يجيب إجابته، ولا يبذل طاعته ~~وكذلك تعلم أن تشبيه الثريا بنور العنقود لا يكون في قرب تشبيهها بتفتح ~~النور وأن تشبيه الشمس بالمرآة المجلوة كما مضى، يقع في نفس الغر العامي ~~والصبي، ولا يقع تشبيهها بالمرآة في كف الأشل إلا في قلب المميز الحصيف ~~وتشبيهها في حركتها تلك بمرآة تضطرب على الجملة، من غير أن تجعل في كف ~~الأشل، قد يقع لمن لا يقع له بهذا التقييد، وذلك لما مضى من حاجته إلى ~~الفكرة في حال الشمس، وأن حركتها دائمة متصلة، ثم طلب متحرك حركة غير ~~اختيارية، وجعل حركة المرآة صادرة عن تلك الحركة ومأسورة في حكمها دائما. ~~وإنما اشترطت عليك هذا الشرط لأنه لا يمتنع أن يسبق الأول إلى تشبيه لطيف ~~بحسن تأمله وحدة خاطره، ثم يشيع ويتسع، ويذكر ويشهر حتى يخرج إلى حد ~~المبتذل، وإلى المشترك في أصله، وحتى يجري مع دقة تفصيل فيه ms105 مجرى المجمل ~~الذي تقوله الوليدة الصغيرة والعجوزة الورهاء، فإنك تعلم أن قولنا لا يشق ~~غباره الآن في الابتذال كقولنا لا يلحق ولا يدرك، وهو كالبرق ونحو ذلك، إلا ~~أنا إذا رجعنا إلى أنفسنا علمنا أنه # PageV01P189 # لم يكن كذلك من أصله، وأن هذا الابتذال أتاه بعد أن قضى زمانا بطراءة ~~الشباب وجدة الفتاء وبعزة المنيع، ولو قد منعك جانبه وطوى عنك نفسه، لعرفت ~~كيف يشق مطلبه ويصعب تناوله، ومثل هذا وأظهر منه أمرا أن قولنا أما بعد، ~~منسوب في الأصل إلى واحد بعينه، وإن كان الآن في البذلة كقولنا هذا بعد ~~ذاك، مثلا، وهكذا الحلم في الطرق التي ابتدأها الأولون، والعبارات التي ~~لخصها المتقدمون، والقوانين التي وضعوها حتى صارت في الاشتراك كالشيء ~~المشترك من أوله، والمبتذل الذي لم يكن الصون من شأنه، والمبذول الذي لم ~~يعترض دونه المنع في شيء من زمانه، ورب نفيس جلب إليك من الأمكنة الشاسعة، ~~وركب فيه النوى الشطون، وقطع به عرض الفيافي، ثم أخفى عنك فضله حتى جهلت ~~قدره أن سهل مرامه، واتسع وجوده، ولو انقطع مدده عنك حتى تحتاج إلى طلبه من ~~مظنته، لعلمت إحسان الجائي به إليك، والجالب المقرب نيله عليك، ولأكثرت من ~~شكره بعد أن أقللت، وأخذت نفسك بتلافي ما أهملت، وكذلك رب شيء نال فوق ما ~~يستحقه من شغف النفوس به، وأكثر مما توجبه المنافع الراجعة إليه، لأنه لا ~~يتسع اتساع الأول الذي فوائده أعم وأكثر، ووجود العوض عنه عند الفقد أعسر، ~~فكسبت عزة الوجود هذا عزا لم يستحقه بفضله، كما منعت سعته الآخر فضلا هو ~~ثابت له في أصله، # PageV01P190 # ويتصل بهذا الموضع حديث عبد الرحمن بن حسان، وذلك أنه رجع إلى أبيه حسان ~~وهو صبي، يبكي ويقول لسعني طائر، فقال حسان: صفه يا بني، فقال كأنه ملتف في ~~بردى حبرة، وكان لسعه زنبور، فقال حسان قال ابني الشعر ورب الكعبة أفلا ~~تراه جعل هذا التشبيه مما يستدل به على مقدار قوة الطبع، ويجعل عيارا في ~~الفرق بين الذهن المستعد للشعر وغير ms106 المستعد له، وسره ذلك من ابنه كما سره ~~نفس الشعر حين قال في وقت آخر: # الله يعلم أني كنت منتبذا ... في دار حسان أصطاد اليعاسيبا # فإن قلت إن التشبيه يتصور في مكان الصبغ والنقش العجيب، ولم يعجب حسان ~~هذا وإنما أعجبه قوله ملتف، وحسن هذه العبارة، إذ لو قال: طائر فيه كوشي ~~الحبرة، لم يكن له هذا الموقع، فهو أن يكون مشبها ما أنت فيه، فمن حيث ~~دلالته على الفطنة في الجملة، قيل مسلم لك أن نكتة الحسن في قوله ملتف، ~~ولكن لا يسلم أنه خارج من الغرض، بل هو عين المراد من التشبيه وتمامه فيه، ~~وذلك أنه يفيد الهيئة الخاصة في ذلك الوشي والصبغ وصورة الزنبور في اكتسائه ~~لهما، ويؤدى الشبه كما مضى من طريق التفصيل دون الجملة، فما ظننت أنه يبعده ~~عما نحن بصدده، هو الذي يدنيه منه، ولقد نفيت العيب من حيث أردت إثباته. # PageV01P191 ### | ### | فصل # في التشبيه المتعدد والفرق بينه وبين المركب # اعلم أني قد قدمت بيان المركب من التشبيه، وها هنا ما يذكر مع الذي عرفتك ~~أنه مركب ويقرن إليه في الكتب، وهو على الحقيقة لا يستحق صفة التركيب، ولا ~~يشارك الذي مضى ذكره في الوصف الذي له كان تشبيها مركبا، وذلك أن يكون ~~الكلام معقودا على تشبيه شيئين بشيئين ضربة واحدة، إلا أن أحدهما لا يداخل ~~الآخر في الشبه، ومثاله في قول امرئ القيس: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي # وذلك أنه لم يقصد إلى أن يجعل بين الشيئين اتصالا، وإنما أراد اجتماعا في ~~مكان فقط، كيف ولا يكون لمضامة الرطب من القلوب اليابس هيئة يقصد ذكرها، أو ~~يعنى بأمرها، كما يكون ذلك لتباشير الصبح في أثناء الظلماء، وكون الشقيقة ~~على قامتها الخضراء، فيودي ذلك الشبه الحاصل من مداخلة أحد المذكورين الآخر ~~واتصاله به، اجتماع الحشف البالي والعناب، كيف ولا فائدة لأن ترى العناب مع ~~الحشف، أكثر من كونهما في مكان واحد، ولو أن اليابسة من القلوب كانت مجموعة ~~ناحية، والرطبة ms107 كذلك في ناحية أخرى، لكان التشبيه بحاله، وكذلك لو فرقت ~~التشبيه فقلت: كأن الرطب من القلوب عناب، وكأن اليابس حشف بال، لم تر أحد ~~التشبيهين # PageV01P192 # موقوفا في الفائدة على الآخر، وليس كذلك الحكم في المركبات التي تقدمت، ~~وقد يكون في التشبيه المركب ما إذا فضضت تركيبه وجدت أحد طرفيه يخرج عن أن ~~يصلح تشبيها لما كان جاء في مقابتله مع التركيب بيان ذلك أن الجلال في قوله ~~" كطرف أشهب ملقى الجلال ". في مقابلة الليل، وأنت لو قلت كأن الليل جلال ~~وسكت لم يكن شيئا، وقد يكون الشيء منه إذا فض تركيبه استوى التشبيه في ~~طرفيه، إلا أن الحال تتغير، ومثال ذلك قوله: # وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق # فأنت وإن كنت إذا قلت: كأن النجوم درر، وكأن السماء بساط أزرق، وجدت ~~التشبيه مقبولا معتادا مع التفريق، فإنك تعلم بعد ما بين الحالتين، ومقدار ~~الإحسان الذي يذهب من البين، وذلك أن المقصود من التشبيه أن يريك الهيئة ~~التي تملأ النواظر عجبا وتستوقف العيون وتستنطق القلوب بذكر الله تعالى من ~~طلوع النجوم مؤتلفة مفترقة في أديم السماء وهي زرقاء زرقتها الصافية التي ~~تخدع العين، والنجوم تتلألأ وتبرق في أثناء تلك الزرقة، ومن لك بهذه الصورة ~~إذا فرقت التشبيه، وأزلت عنه الجمع والتركيب؟ وهذا أظهر من أن يخفى، # PageV01P193 # وإذ قد عرفت هذه التفاصيل، فاعلم أن ما كان من التركيب في صورة بيت امرئ ~~القيس، فإنما يستحق الفضيلة من حيث اختصار اللفظ وحسن الترتيب فيه، لا لأن ~~للجمع فائدة في عين التشبيه، ونظيره أن للجمع بين عدة تشبيهات في بيت ~~كقوله: # بدت قمرا وماست خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا # مكانا من الفضيلة مرموقا، وشأوا ترى فيه سابقا ومسبوقا لا أن حقائق ~~التشبيهات تتغير بهذا الجمع، أو أن الصور تتداخل وتتركب وتأتلف ائتلاف ~~الشكلين يصيران إلى شكل ثالث، فكون قدها كخوط البان، لا يزيد ولا ينقص في ~~شبه الغزال حين ترنو منه العينان، وهكذا الحكم في أنها تفوح فوح العنبر، ~~ويلوح ms108 وجهها كالقمر، وليس كذلك بيت بشار: كأن مثار النقع، لأن التشبيه هناك ~~كما مضى مركب وموضوع على أن يريك الهيئة التي ترى عليها النقع المظلم، ~~والسيوف في أثنائه تبرق وتومض وتعلو وتنخفض، وترى لها حركات من جهات مختلفة ~~كما يوجبه الحال حين يحمى الجلاد، وترتكض بفرسانها الجياد. كما أن قول رؤبة ~~مثلا: # فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنها في الجلد توليع البهق # PageV01P194 # ليس القصد فيه أن يريك كل لون على الانفراد، وإنما القصد أن يرى الشبه من ~~اجتماع اللونين، وقول البحتري: # تري أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغيم الجهام # لا يريد به تشبيه بياض الحجول على الانفراد بالبرق، بل المقصود الهيئة ~~الخاصة الحاصلة من مخالطة أحد اللونين الآخر، كذلك المقصود في بيت بشار ~~بتشبيه النقع والسيوف فيه، بالليل المتهاوي كواكبه، لا تشبيه الليل بالنقع ~~من جانب، والسيوف بالكواكب من جانب، ولذلك وجب الحكم، كما كنت ذكرت في ~~موضع، بأن الكلام إلى قوله: وأسيافنا في حكم الصلة للمصدر، وجار مجرى الاسم ~~الواحد، لئلا يقع في التشبيه تفريق ويتوهم أنه كقولنا كأن مثار النقع ليل ~~وكأن السيوف كواكب، ونصب الأسياف لا يمنع من تقدير الاتصال، ولا يوجب أن ~~يكون في تقدير الاستئناف، لأن الواو فيها معنى مع، كقوله: " فإني وقىارا ~~بها لغريب " وقوله كل رجل وضيعته، وهي إذا كانت بمعنى مع، # PageV01P195 # لم يكن في معطوفها الانقطاع، وأن يكون الكلام في حكم جملتين، ألا ترى أن ~~قولهم: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، لا يكون بمنزلة أن تقول لو تركت ~~الناقة ولو ترك فصيلها، فتجعل الكلام جملتين وكذا لا يمكنك أن تقول كل رجل ~~كذا وضيعته كذا، فتفرق الخبر عنهما كما يجوز في قولك زيد وعمرو كريمان، أن ~~تقول: زيد كريم وعمرو كريم، وهذا موضع غامض، وللكلام فيه موضع آخر، وإن ~~أردت أن تزداد تبيينا، لأن التشبيه إذا كان معقودا على الجمع دون التفريق، ~~كان حال أحد الشيئين مع الآخر حال الشيء في صلة الشيء وتابعا له ومبنيا ~~عليه، حتى لا يتصور إفراده ms109 بالذكر، فالذي يفضي بك إلى معرفة ذلك أنك تجد في ~~هذا الباب ما إذا فرق لم يصلح للتشبيه بوجه، كقوله: # كأنما المريخ والمشتري ... قدامه في شامخ الرفعه # منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه # لو قلت كأن المريخ منصرف بالليل عن دعوة، وتركت حديث المشتري والشمعة، ~~كأن خلفا من القول، وذاك أن التشبيه لم يكن للمريخ من حيث هو نفسه، ولكن من ~~حيث الحالة الحاصلة له من كون المشتري أمامه، وأنت وإن كنت تقول: المشتري ~~شمعة، على التشبيه العامي الساذج في قولهم # PageV01P196 # كأن النجوم مصابيح وشموع، فإنه لم يضع التشبيه على هذا وإنما قصد إلى ~~الهيئة التي يكتسبها المريخ من كون المشتري أمامه، وهكذا قول ابن المعتز: # كأنه وكأن الكأس في فمه ... هلال أول شهر غاب في شفق # لم يقصد أن يشبه الكأس على الانفراد بالهلال، والشفة بالشفق على ~~الاستئناف، بل أراد أن يشبه مجموع الصورتين، ألا ترى أنك لو فرقت لم تحل من ~~التشبيه بطائل، إذ لا معنى لأن تقول: كأن الشفة شفق، وتسكت، أترى أن قوله: # بياض في جوانبه احمرار ... كما احمرت من الخجل الخدود # استوجبت الفضل والخروج من التشبيه العامي، وأن يقال قد زاد زيادة لم يسبق ~~إليها، إلا بالتركيب والجمع، وبأن ترك أن يراعى الحمرة وحدها. وقال القاضي ~~أبو الحسن رحمه الله: لو اتفق له أن يقول احمرار في جوانبه بياض، لكان قد ~~استوفى الحسن وذلك لأن خد الخجل هكذا، يحدق البياض فيه بالحمرة لا الحمرة ~~بالبياض، إلا أنه لعله وجد الأمر كذلك في الوردة، فشبه على طريق العكس فقال ~~هذا البياض حوله الحمرة # PageV01P197 # ها هنا، كالحمرة حولها البياض هناك، فانظر الآن، إن فرقت، كيف يتفرق عنك ~~الحسن والإحسان، ويحضر العي ويذهب البيان لأن تشبيه البياض على الانفراد لا ~~معنى له، وأما تشبيه الحمرة، وإن كانت تصح على الطريقة الساذجة أعني تشبيه ~~الورد الأحمر بالخد فإنه يفسد من حيث أن القصد إلى جنس من الورد مخصوص، هو ~~ما فيه بياض تحدق به حمرة، فيجب أن ms110 يكون وصف المشبه به على هذا الشرط أيضا، ~~وبهذا الاختصاص ولما ذكرت لك، تجد أحد المشبهين في الأمر الأعم الأكثر وقد ~~ذكر في صلة الآخر، ولم يعطف عليه كقوله: " والشيب ينهض في الشباب " و " ~~بياض في جوانبه احمرار ". # وأشباه ذلك، فإن جاءت الواو كانت واو حال كقوله: # كأنما المريخ والمشتري ... قدامه في شامخ الرفعه # وهي إذا كانت حالية، فهي كالصفة في كونها تابعة، وبحيث لا ينفرد بالذكر، ~~بل يذكر في ضمن الأول، وعلى أنه من تبعه وحاشيته، وهكذا الحكم في الطرف ~~الآخر، ألا ترى قوله: # ليل تهاوى كواكبه # PageV01P198 # فتهاوى كواكبه، جملة من الصفة لليل، وإذا كان كذلك، فالكواكب مذكورة على ~~سبيل التبع لليل، ولو كانت مستبدة بشأنها لقلت: ليل وكواكب، وكذلك قوله: # ليل يصيح بجانبيه نهار # وأشد من ذلك أن يجيء كما في الطرف الثاني كقوله: " كما احمرت من الخجل ~~الخدود " وبيت امرئ القيس على خلاف هذه الطريقة، لأن أحد الشيئين فيه في ~~الطرفين معطوف على الآخر، أما في طرف الخبر، وهو طرف المشبه به، فبين وهو ~~قوله: " العناب والحشف البالي " وأما في طرف المخبر عنه، وهو المشبه، فإنك ~~وإن كنت ترى اسما واحدا، هو القلوب، فإن الجمع الذي تفيده الصيغة في المتفق ~~يجري مجرى العطف في المختلف، فاجتماع شيئين أو أشياء في لفظ أو جمع، لا ~~يوجب أن أحدهما في حكم التابع للآخر، كما يكون ذلك إذا جرى الثاني في صفة ~~الأول أو حاله أو ما شابه ذلك، هذا وقد صرح بالعطف في البدل، وهو المقصود ~~فقال: رطبا ويابسا. # PageV01P199 # واعلم أنه قد يجيء في هذا الباب شيء له حد آخر، وهو نحو قوله: # إني وتزييني بمدحي معشرا ... كمعلق درا على خنزير # هو على الجملة جمع بين شيئين في عقد تشبيه، إلا أن التشبيه في الحقيقة ~~لأحدهما، ألا ترى أن المعنى على أن فعله في التزيين بالمدح، كفعل الآخر في ~~محاولته أن يزين الخنزير بتعليق الدر عليه؟ ووجه الجمع أن كل واحد منهما ~~يضع الزينة حيث لا يظهر لها أثر، ms111 لأن الشيء غير قابل للتحسين، ومتى كان ~~المشبه به كمعلق في البيت، فلا شك أن التشبيه لا يرجع إلى ذات الشيء، بل ~~المعنى المشتق منه الصفة، وإذا رجع إليه مقرونا بصلته على ما مضى في نحو ما ~~زال يفتل في الذروة والغارب، فقد شبه تزيينه بالمدح من ليس من أهله، بتعليق ~~الدر على الخنزير هكذا بجملته، لا بالتعليق غير معدى إلى الدر والخنزير، ~~فالشبه مأخوذ من مجموع المصدر وما في صلته، ولا بد للواو في هذا النحو أن ~~تكون بمعنى مع، وأمرها فيه أبين، إذ لا يمكن أن يقال إني كذا وإن تزييني ~~كذا، لأنه ليس معنا شيئان يكون أحدهما خبرا عن ضمير المتكلم في إني الذي هو ~~المعطوف عليه، والآخر عن تزييني المعطوف، كما يكون نحو بيت بشار شيئان يمكن ~~في ظاهر اللفظ أن يجعل أحدهما خبرا عن النقع، والآخر عن الأسياف، إلى أن ~~تجيء إلى فساده من جهة المعنى، فأنت في نحو إني وتزييني ملجأ إلى جعل الواو ~~بمعنى مع من كل وجه، حتى # PageV01P200 # لا تقدر على إخراج الكلام إلى صورة تكون فيها الواو عارية من معنى مع، ~~ويكون تشبيها بعد تشبيه. فإن قلت إن في معلق معنى الذات والصفة معا، فيمكن ~~أن يكون أراد أن يشبه نفسه بذات الفاعل وتزيينه بالفعل نفسه، أقول لو أريد ~~إني كمعلق درا على خنزير، وإن تزييني بمدحي معشرا كتعليق در على خنزير، كان ~~قولا ظاهر السقوط، لما ذكرت من أنه لا يتصور أن يشبه المتكلم نفسه، من حيث ~~هو زيد مثلا، بمعلق الدر على الخنزير من حيث هو عمرو، وإنما يشبه الفعل ~~بالفعل فاعرفه. فإن قلت فما تقول في قوله: # وحتى حسبت الليل والصبح إذ بدا ... حصانين مختالين جونا وأشقرا # فإن ظاهره أنه من جنس المفرق، أقول نعم، إلا أن ثمة شيئا كالجمع، وهو أن ~~لاقتران الحصانين الجون والأشقر في الاختيال ضربا من الخصوصية في الهيئة، ~~لكنه لا يبلغ مبلغ ليل تهاوى كواكبه، ولا مبلغ قوله: " والصبح مثل غرة في ~~أدهم ms112 ". كما أن قوله: # PageV01P201 # دون التعانق ناحلين كشكلتي ... نصب أدقهما وضم الشاكل # لا يكون كقوله: # إني رأيتك في نومي تعانقني ... كما تعانق لام الكاتب الألفا # فإن هذا قد أدى إليك شكلا مخصوصا لا يتصور في كل واحد من المذكورين على ~~الانفراد بوجه، وصورة لا تكون مع التفريق وأما المتنبي فأراك الشيئين في ~~مكان واحد وشدد في القرب بينهما، وذاك أنه لم يعرض لهيئة العناق ومخالفتها ~~صورة الافتراق، وإنما عمد إلى المبالغة في فرط النحول، واقتصر من بيان حال ~~المعانقة على ذكر الضم مطلقا والأول لم يعن بحديث الدقة والنحول، وإنما عني ~~بأمر الهيئة التي تحصل في العناق خاصة، من انعطاف أحد الشكلين على صاحبه، ~~والتفاف الحبيب بمحبه، كما قال: # لف الصبا بقضيب قضيبا # وأجاد وأصاب الشبه أحسن إصابة، لأن خطى اللام والألف في لا ترى رأسيهما ~~في جهتين، وتراهما قد تماسا من الوسط، وهذه هيئة المعتنقين على الأمر ~~بالمعروف، فأما قصد المتنبي فليس بصفة عناق على الحقيقة، وإنما هو تضام ~~وتلاصق، وهو بنحو قوله: # PageV01P202 # ضممته ضمة عدنا بها جسدا ... فلو رأتنا عيون ما خشيناها # أشبه، لأن القصد في مثله شدة الالتصاق، من غير تعريج على هيئة الاعتناق، ~~وذهب القاضي في بيت المتنبي إلى أنه كأنه معنى مفرد غير مأخوذ من قوله: # كما تعانق لام الكاتب الألفا وقال: ولئن كان أخذه، كما يقولون، فليس عليه ~~معتب، لأن التعب في نقله ليس بأقل من التعب في ابتدائه. وهذا التفضيل ~~والتفصيل من قول القاضي ليس قادحا في غرضي، لأني أردت أن أريك مثالا في وضع ~~التشبيه على الجمع والتفريق، وأجعل البيتين معيارا فيما أردت، ولئن كان ~~المتنبي قد زاد على الأول، فليس تلك الزيادة من حيث وضع الشبه على تركيب ~~شكلين، ولكن من جهة أخرى، وهي الإغراق في الوصف بالنحول وجمع ذلك للخلين ~~معا، ثم إصابة مثال له ونظير من الخط، فاعرف ذلك، ولا تظن أن قصدي المفاضلة ~~بين البيتين من حيث القول في السابق والمسبوق، والأخذ والسرقة، فتحسب أني ~~خالفت القاضي فيما حكم ms113 به. # PageV01P203 ### | فصل # " هذا فن غير ما تقدم في الموازنة بين التشبيه والتمثيل ". اعلم أني قد ~~عرفتك أن كل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلا، وثبت وجه الفرق بينهما، ~~وهذا أصل إذا اعتبرته وعرضت كل واحد منهما عليه فوجدته يجيء في التشبيه ~~مجيئا حسنا، وينقاد القياس فيه انقيادا لا تعسف فيه، ثم صادفته لا يطاوعك ~~في التمثيل تلك المطاوعة، ولا يجري في عنان مرادك ذلك الجري ظهر لك نوع من ~~الفرق والفصل بينهما غير ما عرفت، وانفتح منه باب إلى دقائق وحقائق، وذلك ~~جعل الفرع أصلا والأصل فرعا، وهو إذا استقريت التشبيهات الصريحة وجدته يكثر ~~فيها، وذلك نحو أنهم يشبهون الشيء فيها بالشيء في حال، ثم يعطفون على ~~الثاني فيشبهونه بالأول، فترى الشيء مشبها مرة، ومشبها به أخرى، فمن أظهر ~~ذلك أنك تقول في النجوم كأنها مصابيح، ثم تقول في حالة الأخرى في المصابيح ~~كأنها نجوم ومثله في الظهور والكثرة تشبيه الخد بالورد، والورد بالخد ~~وتشبيه الروض المنور بالوشي المنمنم ونحو ذلك، ثم يشبه النقش والوشي في ~~الحلل بأنوار الرياض وتشبه العيون بالنرجس، ثم يشبه النرجس بالعيون، كقول ~~أبي نواس: # لدى نرجس عض القطاف كأنه ... إذا ما منحناه العيون عيون # PageV01P204 # وكذلك تشبيه الثغر بالأقاحي، ثم تشبيهها بالثعر، كقول ابن المعتز: # والأقحوان كالثنايا الغر ... قد صقلت أنواره بالقطر # وقول التنوخي: # أقحوان معانق لشقيق ... كثغور تعض ورد الخدود # وبعده، وهو تشبيه النرجس بالعيون: # وعيون من نرجس تتراءى ... كعيون موصولة التسهيد # وكما يشبهون السيوف عند الانتضاء بعقائق البروق، كما قال: # وسيفي كالعقيقة وهو كمعي ... سلاحي لا أفل ولا فطارا # ثم يعودون فيشبهون البرق بالسيوف المنتضاة، كما قال ابن المعتز يصف ~~سحابة: # وسارية لا تمل البكا ... جرى دمعها في خدود الثرى # سرت تقدح الصبح في ليلها ... ببرق كهندية تنضى # PageV01P205 # وكقول الآخر يصف نار السذق: # ومازال يعلوعجاج الدخان ... إلى أن تلون منه زحل # وكنا نرى الموج من فضة ... فذهبه النور حتى اشتعل # شرارا يحاكى انقضاض النجوم ... وبرقا كإيماض بيض تسل # ومن لطيفه قول علي بن محمد ms114 بن جعفر: # دمن كأن رياضها ... يكسين أعلام المطارف # وكأنما غدرانها ... فيها عشور من مصاحف # وكأنما أنوارها ... تهتز في نكباء عاصف # طرر الوصائف يلتق ... ين بها إلى طرر الوصائف # وكأن لمع بروقها ... في الجو أسياف المثاقف # المقصود البيت الأخير، ولكن البيت إذا قطع عن القطعة كان كالكعاب تفرد عن ~~الأتراب، فيظهر فيها ذل الاغتراب، والجوهرة الثمينة مع أخواتها في العقد ~~أبهى في العين، وأملأ بالزين، منها إذا أفردت عن النظائر، وبدت فذة للناظر، # PageV01P206 # يشبهون الجواشن والدروع بالغدير يضرب الريح متنه فيتكسر، ويقع فيه ذلك ~~الشنج المعلوم كقوله: # بيضاء زغف نثلة سلمية ... لها رفرف فوق الأنامل من عل # أشبرنيها الهالكي كأنها ... غدير جرت في متنه الريح سلسل # وقال: # سابغة من جياد الدروع ... تسمع للسيف فيها صليلا # متن الغدير زفته الدبور ... يجر المدجج منها فضولا # وقال البحتري: # مشون في زغف كأن متونها ... في كل معركة متون نهاء # وهو من الشهرة بحيث لا يخفى، ثم إنهم يعكسون هذا التشبيه فيشبهون الغدران ~~والبرك بالدروع والجواشن، كقول البحتري يصف البركة: # PageV01P207 # ذا علتها الصبا أبدت لها حبكا ... مثل الجواشن مصقولا حواشيها # ومن فاتن ذلك وفاخره، لاستواء أوله في الحسن وآخره، قول أبي فراس ~~الحمداني: # نظر إلى زهر الربيع ... والماء في برك البديع # إذا الرياح جرت علي ... ه في الذهاب وفي الرجوع # نثرت على بيض الصفا ... ئح بيننا حلق الدروع # وتشبه أنوار الرياض بالنجوم، كقوله: # كت السماء بها رذاذ دموعها ... فغدت تبسم عن نجوم سماء # ثم تشبه النجوم بالنور كقوله: # قد أقذف العيس في ليل كأن به ... وشيا من النور أو روضا من العشب # وكقول ابن المعتز: # كأن الثريا في أواخر ليلها ... تفتح نور أو لجام مفضض # وقال: # PageV01P208 # وتوقد المريخ بين نجومها ... كبهارة في روضة من نرجس # وكذلك تشبه غرة الفرس الأدهم بالنجم أو الصبح، ويجعل جسمه كالليل، كما ~~قال ابن المعتز: # جاء سليلا من أب وأم ... أدهم مصقول ظلام الجسم # قد سمرت جبهته بنجم # وكما قال كاتب المأمون يصف فرسا: # قد بعثنا بجواد ... مثله ليس يرام # فرس ms115 يزهى به للح ... سن سرج ولجام # وجهه صبح ولكن ... سائر الجسم ظلام # والذي يصلح للمو ... لى على العبد حرام # وقال ابن نباتة: # وأدهم يستمد الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثريا # ثم يعكس فيشبه النجم أو الصبح بالغرة في الفرس، كقول ابن المعتز: # PageV01P209 # والصبح في طرة ليل مسفر ... كأنه غرة مهر أشقر # وتشبه الجواري في قدودهن بالسرو تشبيها عاميا مبتذلا، ثم إنهم قد جعلوا ~~فيه الفرع أصلا، فشبهوا السرو بهن، كقوله: # حفت بسرو كالقيان تلحفت ... خضر الحرير على قوام معتدل # فكأنها والريح حين تميلها ... تبغي التعانق ثم يمنعها الخجل # والمقصود من البيت الأول ظاهر، وفي البيت الثاني تشبيه من جنس الهيئة ~~المجردة من هيئات الحركة، وفيه تفصيل طريف فاتن، فقد راعى الحركتين حركة ~~التهيؤ للدنو والعناق، وحركة الرجوع إلى أصل الافتراق، وأدى ما يكون في ~~الحركة الثانية من سرعة زائدة تأدية تحسب معها السمع بصرا، تبيينا للتشبيه ~~كما هو وتصورا، لأن حركة الشجرة المعتدلة في حال رجوعها إلى اعتدالها أسرع ~~لا محالة من حركتها في حال خروجها عن مكانها من الاعتدال، وكذلك حركة من ~~يدركه الخجل فيرتدع، أسرع أبدا من حركته إذا هم بالدنو، فإزعاج الخوف ~~والوجل أبدا أقوى من إزعاج الرجاء والأمل، فمع الأول تمهل الاختبار، وسعة ~~الحوار، ومع الثاني حفز الاضطرار وسلطان الوجوب، وأعود إلى الغرض، ومن ~~تشبيه السرو بالنساء قول ابن المعتز: # PageV01P210 # ظللت بملهى خير يوم وليلة ... تدور علينا الكأس في فتية زهر # بكف غزال ذي عذار وطرة ... وصدغين كالقافين في طرفي سطر # لدى نرجس غض وسرو كأنه ... قدود جوار ملن في أزر خضر # وتشبه ثدي الكواعب بالرمان كقوله: # وبما تبيت أناملي ... يجنين رمان النحور # وقول المتنبي: # وقابلني رمانتا غصن بانة ... يميل به بدر ويمسكه حقف # وقوله: # يخطن بالعيدان في كل منزل ... ويخبأن رمان الثدي النواهد # ثم يقلب فيشبه الرمان بالثدي، كقول: # ورمانة شبهتها إذ رأيتها ... بثدي كعاب أو بحقة مرمر # منمنمة صفراء نضد حولها يواقيت حمر في ملاء معصفر # PageV01P211 # وتشبه الجداول والأنهار بالسيوف، يراد بياض الماء الصافي ms116 وبصيصه، مع شكل ~~الاستطالة الذي هو شكل السيف، كقول ابن المعتز: # أعددت للجار وللعفاة ... كوم الأعالي متساميات # روازقا في المحل مطعمات # يعني نخلا، ثم قال بعد أبيات: # تسقى بأنهار مفجرات ... على حصى الكافور فائضات # بريئة الصفو من القذاة ... مثل السيوف المتعريات # ابن بابك: # فما سيل تخلصه المحاني ... كما سلت من الخلل المناصل # أبو فراس: # والماء يفصل بين زه ... ر الروض في الشطين فصلا # كبساط وشي جردت ... أيدي القيون عليه نصلا # كشاجم: # وترى الجداول كالسيو ... ف لها سواق كالمبارد # PageV01P212 # آخر: # وفي الجداول أسياف محادثة ... والطير تسجع أهزاجا وأرمالا # وقال ذو الرمة: # فما انشق ضوء الصبح حتى تبينت ... جداول أمثال السيوف القواطع # ابن الرومي: # على حفافي جدول مسجور ... أبيض مثل المهرق المنشور # أو مثل متن الصارم المشهور # ثم يقلبون أحد طرفي التشبيه على الآخر، فيشبهون السيوف بالجداول، كقوله: # وتخال ما ضربوا بهن جداولا ... وتخال ما طعنوا به أشطانا # ابن بابك: # وأهدي إلى الغارات عزما مشيعا ... وبأسا وباعا في اللقاء ومقصلا # سفيه مقط الطرتين أشيمه ... فيوحي إلى الأعضاء أن تتزيلا # أغر كأني حين أخضب حده ... خرقت به في ملتقى الروض جدول # PageV01P213 # ا # السرى: # وكم خرق الحجاب إلى مقام ... توارى الشمس فيه بالحجاب # كأن سيوفه بين العوالي ... جداول يطردن خلال غاب # وله أيضا: # كأن سيوف الهند بين رماحه ... جداول في غاب سما فتأشبا # وتشبه الأسنة، كما لا يخفى، بالنجوم، كما قال: # وأسنة زرقا تخال نجوما # وقال البحتري: # وتراه في ظلم الوغى فتخاله ... قمرا يكر على الرجال بكوكب # يعني السنان، وقال ابن المعتز: # وتراه يصغي في القناة بكفه ... نجما ونجما في القناة يجره # ومثله سواء قوله: # كأنما الحربة في كفه ... نجم دجى شيعه البدر # PageV01P214 # ثم قد شبهوا الكواكب بالسنان، كقول الصنوبري: # بشر بالصبح كوكب الصبح ... فاض وجنح الدجى كلا جنح # فهو على الفجر كالسنان هوى ... للعين لما هوى على رمح # ابن المعتز: # شربتها والديك لم ينتبه ... سكران من نومته طافح # ولاحت الشعرى وجوزاؤها ... كمثل زج جره رامح # وهذه إن أردت الحق، قضية قد سبقت وقدمت، ms117 فقد قالوا: المسك الرامح، على ~~معنى أن كوكبا يتقدمه وهو رمحه، ولا شك أن جل الغرض في جعل ذلك الكوكب رمحا ~~أن يقدروه سنانا، فالرمح رمح بالسنان، وإذا لم يكن السنان فهو قناة، ولذلك ~~قال: # ورمحا طويل القناة عسولا # ومن ذلك أن الدموع تشبه إذا قطرت على خدود النساء # PageV01P215 # بالطل والقطر على ما يشبه الخدود من الرياحين، كقول الناشئ: # بكت للفراق وقد راعها ... بكاء الحبيب لبعد الديار # كأن الدموع على خدها ... بقية طل على جلنار # وشبيه به قول ابن الرومي: # لو كنت يوم الوداع حاضرنا ... وهن يطفئن غلة الوجد # لم تر إلا الدموع ساكبة ... تقطر من مقلة على خد # كأن تلك الدموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد # ثم يعكس، كقول البحتري: # شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد # وشبيه به قول ابن المعتز، وبعد قوله في النرجس: # كأن عيون النرجس الغض حولها ... مداهن در حشوهن عقيق # إذا بلهن القطر خلت دموعها ... بكاء عيون كحلهن خلوق # وفي فن آخر منه خارج عن جنس ما مضى، يشبه الشيخ إذا أفناه الهرم، وحناه ~~القدم، حتى يدخل رأسه في منكبيه بالفرخ كما قال: # PageV01P216 # ثلاث مئين قد مضين كواملا ... وها أنا هذا أرتجي مر أربع # فأصبحت مثل الفرخ في العش ثاويا ... إذا رام تطيارا يقال له قع # وهو كثير، ثم يعكس فيشبه بالشيخ، كما قال أبو نواس يرثى خلفا الأحمر: # لو كان حي وائلا من التلف ... لوألت شغواء في أعلى شعف # أم فريخ أحرزته في لجف ... مزغب الألغاد لم يأكل بكف # كأنه مستقعد من الخرف # وأعاده في قصيدة أخرى في مرثيته أيضا: # لا تئل العصم في الهضاب ولا ... شغواء تغذو فرخين في لجف # تحنو بجؤشوشها على ضرم ... كقعدة المنحنى من الخرف # PageV01P217 # ويشبه الظليم في حركة جناحيه، مع إرسال لهما، بالخباء المقوض، أنشد أبو ~~العباس لعلقمة: # صعل كأن جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم # اشترط أن تتعاطى تقويضه خرقاء، ليكون أشد لتفاوت حركاته، وخروج اضطرابه ~~عن الوزن، وقال ذو الرمة: # وبيض ms118 رفعنا بالضحى عن متونها ... سماوة جون كالخباء المقوض # هجوم عليها نفسه غير أنه ... متى يرم في عينيه بالشبح ينهض # قالوا في تفسيره: يعني بالبيض بيض النعام، ورفعنا، أي: أثرنا عن ظهورها، ~~وسماوة جون أي: شخص نعام جون، وسماوة الشيء، شخصه، والجون الأسود هاهنا، ~~لأنه قابل بين البياض والسواد، ثم شبه النعام في حال إثارته عن البيض ~~بالخباء المقوض، وهو الذي نزعت أطنابه للتحويل، والبيت الثاني من أبيات ~~الكتاب، أنشده شاهدا على إعمال فعول عمل الفعل، وذلك قوله هجوم عليها نفسه، ~~فنفسه منصوب بهجوم، على أنه من هجم متعديا نحو هجم عليها نفسه، أي طرحها ~~عليها، كأنه أراد أن يصف الظليم في خوفه بأمرين متضادين، بأن يبالغ في ~~الانكباب على البيض # PageV01P218 # فعل من شأنه اللزوم والثبات وأن يثيره عنها الشيء اليسير، نحو أن يقع ~~بصره على الشخص من بعد، فعل من كان مستوفزا في مكانه غير مطمئن ولا موطن ~~نفسه على السكون، وقوله: يرم في عينيه بالشبح، كلام ليس لحسنه نهاية. وقد ~~قال ابن المعتز فعكس هذا التشبيه، فشبه حركة الخباء بالطائر، إلا أنه راعى ~~أن يكون هناك صفة مخصوصة، فشرط في الطائر أن يكون مقصوصا، وذلك قوله: # ورفعنا خباءنا تضرب الري ... ح حشاه كالجادف المقصوص # وأخرجه إلى هذا الشرط أنه أراد حركة خباء ثابت غير مقوض، إلا أن الريح ~~تقع في جوفه فيتحرك جانباه على توال، كما يفعل المقصوص إذا جدف، وذلك أن ~~يرد جناحيه إلى خلفه، فحصل له أمران أحدهما أن الموفور الجناح يبسط جناحيه ~~في الأكثر، وذلك إذا صف في طيرانه، فلا يدوم ضربه بجناحيه، والمقصوص لقصوره ~~عن البسط يديم ضربهما والثاني تحريك الجناحين إلى خلف. وهذا كثير جدا، ~~وتتبعه في كل باب ونوع من التشبيه يشغل عن الغرض من هذه الموازنة، وإنما ~~يمتنع هذا القلب في طرفي التشبيه، لسبب يعرض في # PageV01P219 # البين فيمنع منه، ولا يكون من صميم الوصف المشترك بين الشيئين المشبه ~~أحدهما بالآخر، فمن ذلك، وهو أقواه فيما أظن، أن يكون بين الشيئين تفاوت ~~شديد ms119 في الوصف الذي لأجله تشبه، ثم قصدت أن تلحق الناقص منهما بالزائد، ~~مبالغة ودلالة على أنه يفضل أمثاله فيه، بيان هذا: أن هاهنا أشياء هي أصول ~~في شدة السواد كخافية الغراب، والقار، ونحو ذلك، فإذا شبهت شيئا بها كان ~~طلب العكس في ذاك عكسا لما يوجبه العقل ونقضا للعادة، لأن الواجب أن يثبت ~~المشكوك فيه بالقياس على المعروف، لا أن يتكلف في المعروف تعريف بقياسه على ~~المجهول وما ليس بموجود على الحقيقة، فأنت إذا قلت في شيء: هو كخافية ~~الغراب، فقد أردت أن تثبت له سوادا زائدا على ما يعهد في جنسه، وأن تصحح ~~زيادة هي مجهولة له، وإذا لم يكن هاهنا ما يزيد على خافية الغراب في ~~السواد، فليت شعري ما الذي تريد من قياسه على غيره فيه، ولهذا المعنى ضعف ~~بيت البحتري: # على باب قنسرين والليل لاطخ ... جوانبه من ظلمة بمداد # وذاك أن المداد ليس من الأشياء التي لا مزيد عليها في السواد، كيف ورب ~~مداد فاقد اللون، والليل بالسواد وشدته أحق وأحرى أن يكون مثلا، ألا ترى ~~إلى ابن الرومي حيث قال السريع: # حبر أبي حفص لعاب الليل ... يسيل للإخوان أي سيل # PageV01P220 # فبالغ في وصف الحبر بالسواد حين شبهه بالليل، وكأن البحتري نظر إلى قول ~~العامة في الشيء الأسود هو كالنقس، ثم تركه للقافية إلى المداد، فإن قلت ~~فينبغي على هذا أن لا يجوز تشبيه الصبح بغرة الفرس لأجل أن الصبح بالوصف ~~الذي لأجله شبه الغرة به أخص، وهو فيه أظهر وأبلغ، والتفاوت بينهما ~~كالتفاوت بين خافية الغراب والقار وبين ما يشبه بهما، فالجواب أن الأمر، ~~وإن كان كذلك، فإن تشبيه غرة الفرس بالصبح حيث ذكرت، لم يقع من جهة ~~المبالغة في وصفها بالضياء والانبساط وفرط التلألؤ، وإنما قصد أمر آخر وهو ~~وقوع منير في مظلم، وحصول بياض في سواد، ثم البياض صغير قليل بالإضافة إلى ~~السواد، وأنت تجد هذا الشبه على هذا الحد في الأصل، فإذا عكست فقلت كأن ~~الصبح عند ظهور أوله في الليل غرة ms120 في فرس أدهم، لم تقع في مناقضة كما أنك ~~لو شبهت الصبح في الظلام بقلم بياض على ديباج أسود لم تخرج عن الصواب وعلى ~~نحو من ذلك قول ابن المعتز: # فخلت الدجى والفجر قد مد خيطه ... رداء موشى بالكواكب معلما # فالعلم في هذا الرداء هو الفجر بلا شبهة، وله، وهو صريح ما أردت: # والليل كالحلة السوداء لاح به ... من الصباح طراز غير مرقوم # PageV01P221 # وإن كان التفاوت في المقدار بين الصبح والطراز في الامتداد والانبساط ~~شديدا، وكذلك تشبيه الشمس بالمرآة المجلوة، وبالدينار الخارج من السكة، كما ~~قال ابن المعتز: # وكأن الشمس المنيرة دينا ... ر جلته حدائد الضراب # حسن مقبول، وإن عظم التفاوت بين نور الشمس ونور المرآة والدينار أو الجرم ~~والجرم، لأنك لم تضع التشبيه على مجرد النور والائتلاق، وإنما قصدت إلى ~~مستدير يتلألأ ويلمع، ثم خصوص في جنس اللون يوجد في المرآة المجلوة ~~والدينار المتخلص من حمي السكة، كما يوجد في الشمس، فأما مقدار النور، وأنه ~~زائد أو ناقص ومتناه، أو متقاصر، والجرم أعظيم هو أم صغير؛ فلم تتعرض له، ~~ويستقيم لك العكس في هذا كله، نحو أن تشبه المرآة بالشمس، وكذلك لو قلت في ~~الدينار كأنه شمس، أو قلت كأن الدنانير المنثورة شموس صغار لم تتعد، وجملة ~~القول أنه متى لم يقصد ضرب من المبالغة في إثبات الصفة للشيء، والقصد إلى ~~إيهام في الناقص أنه كالزائد، واقتصر على الجمع بين الشيئين في مطلق الصورة ~~والشكل واللون، أو جمع وصفين على وجه يوجد في الفرع على حده أو قريب منه في ~~الأصل، فإن العكس يستقيم في التشبيه، ومتى أريد شيء من ذلك لم يستقم،. # PageV01P222 # وقد يقصد الشاعر، على عادة التخييل، أن يوهم في الشيء هو قاصر عن نظيره ~~في الصفة أنه زائد عليه في استحقاقها، واستيجاب أن يجعل أصلا فيها، فيصح ~~على موجب دعواه وسرفه أن يجعل الفرع أصلا، وإن كنا إذا رجعنا إلى التحقيق، ~~لم نجد الأمر يستقيم على ظاهر ما يضع اللفظ عليه، ومثاله قول محمد بن وهيب: ms121 # وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح # فهذا على أنه جعل وجه الخليفة كأنه أعرف وأشهر وأتم وأكمل في النور ~~والضياء من الصباح، فاستقام له بحكم هذه النية أن يجعل الصباح فرعا، ووجه ~~الخليفة أصلا. واعلم أن هذه الدعوى وإن كنت تراها تشبه قولهم لا يدرى أوجهه ~~أنور أم الصبح، وغرته أضوأ أم البدر، وقولهم إذا أفرطوا نور الصباح يخفى في ~~ضوء وجهه، أو نور الشمس مسروق من جبينه، وما جرى في هذا الأسلوب من وجوه ~~الإغراق والمبالغة فإن في الطريقة الأولى خلابة وشيئا من السحر، وهو أنه ~~كأنه يستكثر للصباح أن يشبه بوجه الخليفة، ويوهم أنه قد احتشد له، واجتهد ~~في طلب تشبيه يفخم به أمره، وجهته الساحرة أنه يوقع المبالغة في نفسك من ~~حيث لا تشعر، ويفيدكها من غير أن يظهر ادعاؤه لها، لأنه وضع كلامه وضع من ~~يقيس على أصل متفق عليه، ويزجي الخبر عن أمر مسلم لا حاجة فيه إلى دعوى ولا ~~إشفاق من خلاف مخالف وإنكار منكر، وتجهم معترض، وتهكم قائل: لم؟، ومن أين ~~لك ذلك؟، والمعاني إذا # PageV01P223 # وردت على النفس هذا المورد، كان لها ضرب من السرور خاص وحدث بها من الفرح ~~عجيب، فكانت كالنعمة لم تكدرها المنة، والصنيعة لم ينغصها اعتداد المصطنع ~~لها، وفي هذا الموضع شبيه بالنكتة التي ذكرتها في التجنيس، لأنك في ~~الموضعين تنال الربح في صورة رأس المال، وترى الفائدة قد ملأت يدك من حيث ~~حسبتها قد جازتك وأخلتك، وتجد على الجملة الوجود من حيث توهمت العدم، ~~ولطيفة أخرى، وهو أن من شأن المدح إذا ورد على العاقل أن يقفه بين أمرين ~~يصعب الجمع بينهما وتوفية حقهما: معرفة حق المادح على ما احتشد له من ~~تزيينه، وقصده من تفخيم شأنه في عيون الناس بالإصغاء إليه والارتياح له، ~~والدلالة بالبشر والطلاقة على حسن موقعه عنده وملك النفس حتى لا يغلبها ~~السرور عليه، ويخرج بها إلى العجب المذموم وإلى أن يقول: أنا، فيقع في ضعة ~~الكبر من حيث لا يشعر، ويظهر ms122 عليه من أمارته ما يذم لأجله ويحقر، فما كبر ~~أحد في نفسه إلا غان الكبر على عقله، وفسخ عقدة من حلمه، وهذا موقف تزل فيه ~~الأقدام، بل تخف عنده الحلوم، حتى لا يسلم من خدع النفس هناك إلا أفراد ~~الرجال، وإلا من أدام التوفيق صحبته، ومن أين # PageV01P224 # ذلك وأنى فإذا كان المدح على صورة قوله وجه الخليفة حين يمتدح، خف عنه ~~الشطر من تكاليف هذه الخصلة، وإذ قد تبين كيف يكون جعل الفرع أصلا، والأصل ~~فرعا فالتشبيه الصريح، فارجع إلى التمثيل، وانظر هل تجيء فيه هذه الطريقة ~~على هذه السعة والقوة؟ ثم تأمل ما حمل من التمثيل عليها كيف حكمه وهل هو ~~مساو لما رأيت في التشبيه الصريح، وحاذ حذوه على التحقيق، أم الحال على ~~خلاف ذلك، والمثال فيما جاد من التمثيل مردودا فيه الفرع إلى موضع الأصل، ~~والأصل إلى محل الفرع، قوله: # وكأن النجوم بين دجاه ... سنن لاح بينهن ابتداع # وذلك أن تشبيه السنن بالنجوم، تمثيل، والشبه عقلي، وكذلك تشبيه خلافها من ~~البدعة والضلالة بالظلمة، ثم إنه عكس فشبه النجم بالسنن، كما يفعل فيما مضى ~~من المشاهدات، إلا أنا نعلم أنه لا يجري مجرى قولنا كأن النجوم مصابيح تارة ~~وكأن المصابيح نجوم أخرى، ولا مجرى قولك: كأن السيوف بروق تنعق، وكأن ~~البروق سيوف تسل من أغمادها فتبرق، ونظائر ذلك مما مضى، وذلك أن الوصف هناك ~~لا يختلف من حيث الجنس والحقيقة، وتجده العين في الموضعين، وليس هو في هذا ~~مشاهدا محسوسا، وفي الآخر معقولا متصورا بالقلب ممتنعا فيه الإحساس، فأنت ~~تجد # PageV01P225 # في السيوف لمعانا على هيئة مخصوصة من الاستطالة وسرعة الحركة، تجده بعينه ~~أو قريبا منه في البروق، وكذلك تجد في المداهن من الدر حشوهن عقيق، من ~~الشكل واللون والصورة ما تجده في النرجس، حتى يتصور أن يشتبه الحال في ~~الشيء من ذلك، فيظن أن أحدهما الآخر فلو أن رجلا رأى من بعيد بريق سيوف ~~تنتضى من الغمود، لم يبعد أن يغلط فيحسب أن بروقا انعقت، وما لم يقع ms123 فيه ~~الغلط كان حاله قريبا مما يجوز وقوع الغلط فيه، ومحال أن يكون الأمر كذلك ~~في التمثيل، لأن السنن ليست بشيء يتراءى في العين فيشتبه بالنجوم، ولا ههنا ~~وصف من الأوصاف المشاهدة يجمع السنن والنجوم، وإنما يقصد بالتشبيه في هذا ~~الضرب ما تقدم من الأحكام المتأولة من طريق المقتضى، فلما كانت الضلالة ~~والبدعة وكل ما هو جهل، تجعل صاحبها في حكم من يمشي في الظلمة فلا يهتدي ~~إلى الطريق، ولا يفصل الشيء من غيره حتى يتردى في مهواة، ويعثر على عدو ~~قاتل وآفة مهلكة، لزم من ذلك أن تشبه بالظلمة، ولزم على عكس ذلك أن تشبه ~~السنة والهدى والشريعة وكل ما هو علم بالنور. وإذا كان الأمر كذلك، علمت أن ~~طريقة العكس لا تجيء في التمثيل على حدها في التشبيه الصريح، وأنها إذا ~~سلكت فيه كان مبنيا على ضرب من التأول والتخيل يخرج عن الظاهر خروجا ظاهرا، ~~ويبعد عنه بعدا شديدا. فالتأويل في البيت أنه لما شاع وتعورف وشهر وصف ~~السنة # PageV01P226 # ونحوها بالبياض والإشراق، والبدعة بخلاف ذلك، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " أتيتكم بالحنيفية البيضاء ليلها كنهارها "، وقيل هذه حجة ~~بيضاء، وقيل للشبهة وكل ما ليس بحق إنه مظلم، وقيل سواد الكفر، ووظلمة ~~الجهل، يخيل أن السنن كلها جنس من الأجناس التي لها إشراق ونور وابيضاض في ~~العين، وأن البدعة نوع من الأنواع التي لها فضل اختصاص بسواد اللون، فصار ~~تشبيهه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع، على قياس تشبيههم النجوم في ~~الظلام ببياض الشيب في سواد الشباب، أو بالأنوار وائتلاقها بين النبات ~~الشديد الخضرة، فهذا كله هاهنا، كأنه ينظر إلى طريقة قوله: " وبدا الصباح ~~كأن غرته " في بناء التشبيه على تأويل هو غير الظاهر، إلا أن التأويل هناك ~~أنه جعل في وجه الخليفة زيادة من النور والضياء يبلغ بها حال الصباح أو ~~يزيد والتأويل هاهنا أنه خيل ما ليس بمتلون كأنه متلون، ثم بنى على ذلك. ~~ومن هذا الباب قول الآخر: # ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى ms124 وفؤاد من لم يعشق # لما كانت الأوقات التي تحدث فيها المكاره توصف بالسواد فيقال اسود النهار ~~في عيني، وأظلمت الدنيا علي، جعل يوم النوى كأنه أعرف وأشهر بالسواد من ~~الظلام، فشبه به، ثم عطف عليه فؤاد من لم يعشق، # PageV01P227 # تظرفا وإتماما للصنعة، وذلك أن الغزل يدعي القسوة على من لم يعرف العشق، ~~والقلب القاسي يوصف بشدة السواد، فصار هذا القلب عنده أصلا في الكدرة ~~والسواد فقاس عليه، وعلى ذلك قول العامة ليل كقلب المنافق أو الكافر، إلا ~~أن في هذا شوبا من الحقيقة، من حيث يتصور في القلب أصل السواد، ثم يدعى ~~الإفراط، ولا يدعى في البدعة نفس السواد، لأنها ليس مما يتلون، لأن اللون ~~من صفات الجسم، فالذي يساويه في الشبه المساواة التامة قولهم أظلم من ~~الكفر، كما قال ابن العميد في كتاب يداعب فيه، ويظهر التظلم من هلال الصوم ~~ويدعو على القمر فقال " وأرغب إلى الله تعالى في أن يقرب على القمر دوره، ~~وينقص مسافة فلكه "، ثم قال بعد فصل " ويسمعني النعرة في قفا شهر رمضان، ~~ويعرض علي هلاله أخفى من السحر وأظلم من الكفر ". # وإن تأولت في قوله: " سنن لاح بينهن ابتداع " أنه أراد معنى قولهم إن ~~سواد الظلام يزيد النجوم حسنا وبهاء، كان له مذهب، وذلك أنه لما كان وقوف ~~العاقل على بطلان الباطل، واطلاعه على عوار البدعة، وخرقه الستر عن فضيحة ~~الشبهة، يزيد الحق نبلا في نفسه، وحسنا في مرآة عقله، جعل هذا الأصل من ~~المعقول مثالا للمشاهد المبصر هناك، إلا أنه على ذلك لا يخرج من أن يكون ~~خارجا عن الظاهر، لأن الظاهر أن يمثل المعقول في ذلك بالمحسوس، كما فعل ~~البحتري في قوله: # PageV01P228 # وقد زادها إفراط حسن جوارها ... خلائق أصفار من المجد خيب # وحسن دراري النجوم بأن ترى ... طوالع في داج من الليل غيهب # فبك مع هذا الوجه حاجة إلى مثل ما مضى من تنزيل السنة والبدعة منزلة ما ~~يقبل اللون، ويكون له في رأي العين منظر المشرق المتبسم، والأسود الأقتم، ~~حتى يراد ms125 أن لون هذا يزيد في بريق ذاك وبهائه وحسنه وجماله، وفي القطعة ~~التي هذا البيت منها غيرها مما مذهبه المذهب الأول، وهو: # رب ليل قطعته كصدود ... أو فراق ما كان فيه وداع # موحش كالثقيل تقذى به العي ... ن وتأبى حديثه الأسماع # وكأن النجوم البيت، وبعده: # مشرقات كأنهن حجاج ... يقطع الخصم والظلام انقطاع # ومما حقه أن يعد في هذا الباب قول القائل: # كأن انتضاء البدر من تحت غيمة ... نجاء من البأساء بعد وقوع # وذلك أن العادة أن يشبه المتخلص من البأساء بالبدر الذي ينحسر عنه ~~الغمام، والشبه بين البأساء والغمام والظلماء من طريق العقل، لا من طريق ~~الحس. وأوضح منه في هذا قول ابن طباطبا: # PageV01P229 # صحو وغيم وضياء وظلم ... مثل سرور شابه عارض غم # ومن جيد ما يقع في هذا الباب قول التنوخي في قطعة، وهي قوله: # أما ترى البرد قد وافت عساكره ... وعسكر الحر كيف انصاع منطلقا # فالأرض تحت ضريب الثلج تحسبها ... قد ألبست حبكا أو غشيت ورقا # فانهض بنار إلى فحم كأنهما ... في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا # جاءت ونحن كقلب الصب حين سلا ... بردا فصرنا كقلب الصب إذ عشقا # المقصود فانهض بنار إلى فحم، فإنه لما كان في الحق: إنه منير واضح لائح، ~~فتستعار له أوصاف الأجسام المنيرة، وفي الظلم خلاف ذلك، تخيلهما شيئين لهما ~~ابيضاض واسوداد، ووإنارة وإظلام، فشبه النار والفحم بهما. ومن الباب قول ~~ابن بابك: # وأرض كأخلاق الكريم قطعتها ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا # لما كانت الأخلاق توصف بالسعة والضيق، وكثر ذلك واستمر، توهمه حقيقة، ~~فقابل بين سعة الأرض التي هي سعة حقيقية وأخلاق الكريم. # PageV01P230 # ومثله قول أبي طالب المأموني: # وفلا كآمال يضيق بها الفتى ... لا تصدق الأوهام فيها قيلا # أقريتها بشملة تقرى الفلا ... عنقا وتقريها الفلاة نحولا # قاس الفلا في السعة وهي حقيقة فيها، على الآمال، وهي إذا وصفت بالسعة كان ~~مجازا بلا شبهة، ولكن لما كان يقال آمال طوال ووآمال لا نهاية لها وواتسعت ~~آماله، وأشباه ذلك، صارت هذه الأوصاف كأنها موجودة فيها ms126 من طريق الحس ~~والعيان. وعلى ذكر الأمل، فمن لطيف ما جاء في التشبيه به على هذا الحد، إن ~~لم يكن في معنى السعة والامتداد، ولكن في الظلمة والاسوداد، قول ابن ~~طباطبا: # رب ليل كأنه أملي في ... ك وقد رحت عنك بالحرمان # جبته والنجوم تنعس في الأف ... ق ويطرفن كالعيون الرواني # هاربا من ظلام فعلك بي نح ... وضياء الفتى الأغر الهجان # PageV01P231 # لما كان يقال في الأمر لا يرجى له نجاح قد أظلم علينا هذا الأمر، وهذا ~~أمر فيه ظلمة، ثم أراد أن يبالغ في التباس وجه النجح عليه في أمله، تخيل ~~كأن أمله شخص شديد السواد فقاس ليله به، كأنه يقول تفكرت فيما أعلمه من ~~الأشياء السود، فرأيت صورة أملي فيك زائدة على جميعها في شدة السواد، ~~فجعلته قياسا في ظلمة ليلي الذي جبته. ومن الباب وهو حسن، قول ابن المعتز: # لا تخلطوا الدوشاب في قدح ... بصفاء ماء طيب البرد # لا تجمعوا بالله ويحكم ... غلظ الوعيد ورقة الوعد # لما كان يقال أغلظ له القول، ويوصف الجافي وكل من أساء وقال ما يكره ~~بالغلظ، ويوصف كلام المحسن ومن يعمد إلى الجميل باللطافة، جعل الوعيد ~~والوعد أصلا في الصفتين، وقاس عليهما. فأما قول الآخر: # شربت على سلامة أفتكين ... شرابا صفوه صفو اليقين # فهو على الحقيقة لا يدخل في تشبيه الحقيقة بالمجاز، لأن الصفاء خلوص ~~الشيء وخلوه من شيء يغيره عن صفته، إلا أنه من حيث يقع في الأكثر لما له ~~بريق وبصيص، كان كأنه حقيقة في المحسوسات، ومجاز في المعقولات. وأما قولهم ~~هواء أرق من تشاكي الأحباب، فمن # PageV01P232 # الباب، لأن الرقة في الهواء حقيقة وفي التشاكي مجاز، وهكذا قول أبي نواس ~~في خلاعته: " حتى هي في رقة ديني " لأن الرقة من صفات الأجسام، فهي في ~~الدين مجاز: ومما كأنه يدخل في هذا الجنس قول المتنبي: # يترشفن من فمي رشفات ... هن فيه أحلى من التوحيد # والنفس تنبو عن زيادة القول عليه، وقد اقتدى به بعض المتأخرين في هذه ~~الإساءة فقال: # سواد صدغين من كفر ms127 يقابله ... بياض خدين من عدل وتوحيد # وأبعد ما يكون الشاعر من التوفيق، إذا دعته شهوة الإغراب إلى أن يستعير ~~للهزل والعبث من الجد، ويتغزل بهذا الجنس. ومما هو حسن جميل من هذا الباب، ~~قول الصاحب كتب به إلى القاضي أبي الحسن روي عن القاضي أنه قال انصرفت عن ~~دار الصاحب قبيل العيد، فجاءني رسوله بعطر الفطر، ومعه رقعة فيها هذان ~~البيتان: # يا أيها القاضي الذي نفسى له ... مع قرب عهد لقائه مشتاقه # أهديت عطرا مثل طيب ثنائه ... فكأنما أهدي له أخلاقه # PageV01P233 # وكون هذا التشبيه مما نحن فيه من أوضح ما يكون، فليس بخاف أن العادة أن ~~يشبه الثناء بالعطر ونحوه ويشتق منه، وقد عكس كما ترى، وذلك على ادعاء أن ~~ثناءه أحق بصفة العطر وطيبه من العطر وأخص به، وأنه قد صار أصلا حتى إذا ~~قيس نوع من العطر عليه، فقد بولغ في صفته بالطيب، وجعل له في الشرف والفضل ~~على جنسه أوفر نصيب، إذ قد عرفت الطريقة في جعل الرفع أصلا في التمثيل ~~فارجع وقابل بينه وبين التشبيه الظاهر، تعلم أن حاله في الحقيقة مخالفة ~~للحال ثم، وذلك أنك لا تحتاج في تشبيه البرق بالسيوف والسيوف بالبرق إلى ~~تأويل أكثر من أن العين تؤدي إليك من حيث الشكل واللون وكيفية اللمعان، ~~صورة خاصة تجدها في كل واحد من الشيئين على الحقيقة، ولا يمكننا أن نقول إن ~~الثريا شبهت باللجام المفضض، وبعنقود الكرم المنور، وبالوشاح المفصل، ~~لتأويل كذا، بل ليس بأكثر من أن أنجم الثريا لونها لون الفضة، ثم إن ~~أجرامها في الصغر قريبة من تلك الأطراف المركبة على سيور اللجام، ثم إنها ~~في الاجتماع والافتراق، على مقدار قريب من مواقع تلك الأطراف وكذا القول ~~في: العنقود، فإن تلك الأنوار مشاكلة لها في البياض، وفي أنها ليست متضامة ~~تضام التلاصق، ولا هي شديدة التباين، حتى يبعد الفصل بين بعضها وبعض بل ~~مقاديرها في القرب والبعد على صفة قريبة مما يتراءى في العين من مواقع تلك ~~الأنجم. # PageV01P234 # وإذا كان مدار الأمر ms128 على أن العين تصف من هذا ما تصف من ذاك، لم يكن ~~تشبيه اللجام المفضض بالثريا إلا كتشبيه الثريا به، والحكم على أحدهما بأنه ~~فرغ أو أصل، يتعلق بقصد المتكلم، فما بدأ به في الذكر فقد جعله فرعا وجعل ~~الآخر أصلا، وليس كذلك قولنا له خلق كالمسك، وهو في دنوه بعطائه، وبعده ~~بعزه وعلائه، كالبدر في ارتفاعه، مع نزول شعاعه، لأن كون الخلق فرعا والمسك ~~أصلا، أمر واجب من حيث كان المعلوم من طريق الإحساس والعيان متقدما على ~~المعلوم من طريق الروية وهاجس الفكر. وحكم هذا في أن الفرع لا يخرج عن كونه ~~فرعا على الحقيقة، حكم ما طريق التشبيه فيه المبالغة من المشاهدات ~~والمحسوسات، كقولك هو كحنك الغراب في السواد، لما هو دونه فيه، وقولك في ~~الشيء من الفواكه مثلا هو كالعسل، فكما لا يصح أن يعكس فيشبه حنك الغراب ~~بما هودونه في السواد، والعسل بما لا يساويه في صدق الحلاوة، كذلك لا يصح ~~أن تقول هذا مسك كخلق فلان، إلا على ما قدمت من التخييل، ألا ترى أنه كلام ~~لا يقوله إلا من يريد مدح المذكور؛ فأما أن يكون القصد بيان حال المسك، على ~~حد قصدك أن تبين حال الشيء المشبه بحنك الغراب # PageV01P235 # في السواد والمشبه بالعسل في الحلاوة، فما لا يكون، كيف ولولا سبق ~~المعرفة من طريق الحس بحال المسك، ثم جريان العرف بما جرى من تشبيه الأخلاق ~~به، واستعارة الطيب لها منه، لم يتصور هذا الذي تريد تخييله من أنا نبالغ ~~في وصف المسك بالطيب بتشبيهنا له بخلق الممدوح، وعلى ذلك قولهم كأنما سرق ~~المسك عرفه من خلقك، والعسل حلاوته من لفظك، هو مبني على العرف السابق، من ~~تشبيه الخلق بالمسك واللفظ بالعسل، ولو لم يتقدم ذلك ولم يتعارف ولم يستقر ~~في العادات، لم يعقل لهذا النحو من الكلام معنى، لأن كل مبالغة ومجاز فلا ~~بد من أن يكون له استناد إلى حقيقة. وإذا ثبتت هذه الفروق والمقابلات بين ~~التشبيه الصريح الواقع في العيان وما يدركه ms129 الحس، وبين التمثيل الذي هو ~~تشبيه من طريق العقل والمقاييس التي تجمع بين الشيئين في حكم تقتضيه الصفة ~~المحسوسة لا في نفس الصفة كما بينت لك في أول قول ابتدأته في الفرق بين ~~التشبيه الصريح وبين التمثيل، من أنك تشبه اللفظ بالعسل على أنك تجمع ~~بينهما في حكم توجبه الحلاوة دون الحلاوة نفسها. فهاهنا لطيفة أخرى تعطيك ~~للتمثيل مثلا من طريق المشاهدة، وذلك أنك بالتمثيل في حكم من يرى صورة ~~واحدة، إلا أنه يراها تارة في المرآة، وتارة على ظاهر الأمر، وأما في ~~التشبيه الصريح، فإنك ترى صورتين على الحقيقة، يبين ذلك أنا لو فرضنا أن ~~تزول عن أوهامنا ونفوسنا صور الأجسام # PageV01P236 # من القرب والبعد وغيرهما من الأوصاف الخاصة # بالأشياء المحسوسة، لم يمكنا تخيل شيء من تلك الأوصاف في الأشياء ~~المعقولة، فلا يتصور معنى كون الرجل بعيدا من حيث العزة والسلطان، قريبا من ~~حيث الجود والإحسان، حتى يخطر ببالك وتطمح بفكرك إلى صورة البدر وبعد جرمه ~~عنك، وقرب نوره منك، وليس كذلك الحال في الشيئين يشبه أحدهما الآخر من جهة ~~اللون والصورة والقدر، فإنك لا تفتقر في معرفة كون النرجس وخرطه واستدارته ~~وتوسط أحمره لأبيضه إلى تشبيهه بمداهن عقيق، كيف وهو شيء تعرضه عليك العين، ~~وتضعه في قلبك المشاهدة، وإنما يزيدك التشبيه صورة ثانية مثل هذه التي معك، ~~ويجتلبها لك من مكان بعيد حتى تراهما معا وتجدهما جميعا، وأما في الأول، ~~فإنك لا تجد في الفرع نفس ما في الأصل من الصفة وجنسه وحقيقته، ولا يحضرك ~~التمثيل أوصاف الأصل على التعيين والتحقيق، وإنما يخيل إليك أنه يحضرك ذلك، ~~فإنه يعطيك من الممدوح بدرا ثانيا، فصار وزان ذلك وزان أن المرآة تخيل إليك ~~أن فيها شخصا ثانيا صورته صورة ما هي مقابلة له، ومتى ارتفعت المقابلة، ذهب ~~عنك ما كنت تتخيله، فلا تجد إلى وجوده سبيلا، ولا تستطيع له تحصيلا، لا ~~جملة ولا تفصيلا. اء المحسوسة، لم يمكنا تخيل شيء من تلك الأوصاف في ~~الأشياء المعقولة، فلا يتصور معنى كون الرجل ms130 بعيدا من حيث العزة والسلطان، ~~قريبا من حيث الجود والإحسان، حتى يخطر ببالك وتطمح بفكرك إلى صورة البدر ~~وبعد جرمه عنك، وقرب نوره منك، وليس كذلك الحال في الشيئين يشبه أحدهما ~~الآخر من جهة اللون والصورة والقدر، فإنك لا تفتقر في معرفة كون النرجس ~~وخرطه واستدارته وتوسط أحمره لأبيضه إلى تشبيهه بمداهن عقيق، كيف وهو شيء ~~تعرضه عليك العين، وتضعه في قلبك المشاهدة، وإنما يزيدك التشبيه صورة ثانية ~~مثل هذه التي معك، ويجتلبها لك من مكان بعيد حتى تراهما معا وتجدهما جميعا، ~~وأما في الأول، فإنك لا تجد في الفرع نفس ما في الأصل من الصفة وجنسه ~~وحقيقته، ولا يحضرك التمثيل أوصاف الأصل على التعيين والتحقيق، وإنما يخيل ~~إليك أنه يحضرك ذلك، فإنه يعطيك من الممدوح بدرا ثانيا، فصار وزان ذلك وزان ~~أن المرآة تخيل إليك أن فيها شخصا ثانيا صورته صورة ما هي مقابلة له، ومتى ~~ارتفعت المقابلة، ذهب عنك ما كنت تتخيله، فلا تجد إلى وجوده سبيلا، ولا ~~تستطيع له تحصيلا، لا جملة ولا تفصيلا. # PageV01P237 ### | فصل # في ### | الفرق بين الاستعارة والتمثيل # اعلم أن من المقاصد التي تقع العناية بها أن نبين حال الاستعارة مع ~~التمثيل، أهي هو على الإطلاق حتى لا فرق بين العبارتين، أم حدها غير حده ~~إلا أنها تتضمنه وتتصل به؟ فيجب أن نفرد جملة من القول في حالها مع ~~التمثيل، قد مضى في الاستعارة أن حدها يكون للفظ اللغوي أصل، ثم ينقل عن ~~ذلك الأصل على الشرط المتقدم، وهذا الحد لا يجيء في الذي تقدم في معنى ~~التمثيل، من أنه الأصل في كونه مثلا وتمثيلا، وهو التشبيه المنتزع من مجموع ~~أمور، والذي لا يحصله لك إلا جملة من الكلام أو أكثر، لأنك قد تجد الألفاظ ~~في الجمل التي يعقد منها جارية على أصولها وحقائقها في اللغة، وإذا كان ~~الأمر كذلك، بان أن الاستعارة يجب أن تقيد حكما زائدا على المراد بالتمثيل، ~~إذ لو كان مرادنا بالاستعارة هو المراد بالتمثيل، لوجب أن يصح إطلاقها في ~~كل ms131 شيء يقال فيه إنه تمثيل ومثل، والقول فيها أنها دلالة على حكم يثبت ~~للفظ، وهو نقله عن الأصل اللغوي وإجراؤه على ما لم يوضع له، ثم إن هذا ~~النقل يكون في الغالب من أجل شبه بين ما نقل إليه وما نقل عنه، # PageV01P238 # وبيان ذلك ما مضى من أنك تقول: رأيت أسدا، تريد رجلا شبيها به في الشجاعة ~~وظبية تريد امرأة شبيهة بالظبية، فالتشبيه ليس هو الاستعارة ولكن الاستعارة ~~كانت من أجل التشبيه، وهو كالغرض فيها، وكالعلة والسبب في فعلها. فإن قلت ~~كيف تكون الاستعارة من أجل التشبيه، والتشبيه يكون ولا استعارة؛ وذلك إذا ~~جئت بحرفه الظاهر فقلت زيد الأسد. فالجواب أن الأمر كما قلت، ولكن التشبيه ~~يحصل بالاستعارة على وجه خاص وهو المبالغة، فقولي: من أجل التشبيه، أردت به ~~من أجل التشبيه على هذا الشرط، وكما أن التشبيه الكائن على وجه المبالغة ~~غرض فيه وعلة، كذلك الاختصار والإيجاز غرض من أغراضها، ألا ترى أنك تفيد ~~بالاسم الواحد الموصوف والصفة والتشبيه والمبالغة، لأنك تفيد بقولك رأيت ~~أسدا، أنك رأيت شجاعا شبيها بالأسد، وأن شبهه به في الشجاعة على أتم ما ~~يكون وأبلغه، حتى إنه لا ينقص عن الأسد فيها، وإذا ثبت ذلك، فكما لا يصح أن ~~يقال إن الاستعارة هي الاختصار والإيجاز على الحقيقة، وأن حقيقتها ~~وحقيقتهما واحدة، ولكن يقال إن الاختصار والإيجاز يحصلان بها، أو هما غرضان ~~فيها، ومن جملة ما دعا إلى فعلها، كذلك حكم التشبيه معها، فإذا ثبت أنها ~~ليست التشبيه على الحقيقة، كذلك لا تكون التمثيل على الحقيقة، لأن التمثيل ~~تشبيه إلا أنه تشبيه خاص، فكل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلا. # PageV01P239 # وإذا قد تقررت هذه الجملة، فإذا كان الشبه بين المستعار منه والمستعار له ~~من المحسوس والغرائز والطباع وما يجري مجراها من الأوصاف المعروفة، كان ~~حقها أن يقال إنها تتضمن التشبيه، ولا يقال إن فيها تمثيلا وضرب مثل، وإذا ~~كان الشبه عقليا جاز إطلاق التمثيل فيها، وأن يقال ضرب الاسم مثلا لكذا، ~~كقولنا ضرب النور مثلا ms132 للقرآن، والحياة مثلا للعلم. فقد حصلنا من هذه ~~الجملة على أن المستعير يعمد إلى نقل اللفظ عن أصله في اللغة إلى غيره، ~~ويجوز به مكانه الأصلي إلى مكان آخر، لأجل الأغراض التي ذكرنا من التشبيه ~~والمبالغة والاختصار، والضارب للمثل لا يفعل ذلك ولا يقصده، ولكنه يقصد إلى ~~تقرير الشبه بين الشيئين من الوجه الذي مضى، ثم إن وقع في أثناء ما يعقد به ~~المثل من الجملة والجملتين والثلاث لفظة منقولة عن أصلها في اللغة، فذاك ~~شيء لم يعتمده من جهة المثل الذي هو ضاربه، وهكذا كان متعاط لتشبيه صريح، ~~لا يكون نقل اللفظ من شأنه ولا من مقتضى غرضه، فإذا قلت: زيد كالأسد، وهذا ~~الخبر كالشمس في الشهرة، وله رأي كالسيف في المضاء، لم يكن منك نقل للفظ عن ~~موضوعه، ولو كان الأمر على خلاف ذلك، لوجب أن لا يكون في الدنيا تشبيه إلا ~~وهو مجاز، وهذا محال، لأن التشبيه معنى من المعاني وله حروف وأسماء تدل ~~عليه، فإذا صرح بذلك ما هو موضوع للدلالة عليه، كان الكلام حقيقة كالحكم في ~~سائر المعاني فاعرفه. واعلم أن اللفظة المستعارة لا تخلو من أن تكون اسما ~~أو فعلا، فإذا كانت اسما كان اسم جنس أو صفة، فإذا كان # اسم جنس فإنك # PageV01P240 # تراه في أكثر الأحوال التي تنقل فيها محتملا متكفئا بين أن يكون للأصل، ~~وبين أن يكون للفرع الذي من شأنه أن ينقل إليه، فإذا قلت: رأيت أسدا، صلح ~~هذا الكلام لأن تريد به أنك رأيت واحدا من جنس السبع المعلوم، وجاز أن تريد ~~أنك رأيت شجاعا باسلا شديد الجرأة، وإنما يفصل لك أحد الغرضين من الآخر ~~شاهد الحال، وما يتصل به من الكلام من قبل وبعد. وإن كان فعلا أو صفة، كان ~~فيهما هذا الاحتمال في بعض الأحوال، وذلك إذا أسندت الفعل وأجريت الصفة على ~~اسم مبهم يقع على ما يكون أصلا في تلك الصفة وذاك الفعل، وما يكون فرعا ~~فيهما، نحو أن تقول: أنار لي شيء وهذا شيء منير، فهذا ms133 الكلام يحتمل أن يكون ~~أنار ومنير فيه واقعين على الحقيقة، بأن تعني بالشيء بعض الأجسام ذوات ~~النور وأن يكونا واقعين على المجاز، بأن تريد بالشيء نوعا من العلم والرأي ~~وما أشبه ذلك من المعاني التي لا يصح وجود النور فيها حقيقة، وإنما توصف به ~~على سبيل التشبيه. وفي الفعل والصفة شيء آخر، وهو أنك كأنك تدعي معنى اللفظ ~~المستعار للمستعار له، فإذا قلت: قد أنارت حجته، وهذه حجة منيرة، فقد ادعيت ~~للحجة النور، ولذلك تجيء فتضيفه إليك، كما تضاف المعاني التي يشتق منها ~~الفعل والصفة إلى الفاعل والموصوف فتقول: نور هذه الحجة جلا بصري، وشرح ~~صدري، كما تقول: ظهر نور الشمس، والمثل لا يوجب شيئا من هذه الأحكام، فلا ~~هو يقتضي تردد اللفظ بين احتمال شيئين ولا أن يدعى معناه للشيء، ولكنه يدع ~~اللفظ مستقرا على أصله. وإذ قد ثبت هذا الأصل، فاعلم أن هاهنا أصلا آخر ~~يبنى عليه، وهو أن الاستعارة وإن كانت تعتمد التشبيه والتمثيل وكان التشبيه ~~يقتضي شيئين مشبها ومشبها به، وكذلك التمثيل، لأنه كما عرفت تشبيه إلا أنه ~~عقلي فإن الاستعارة من شأنها أن تسقط ذكر المشبه من البين وتطرحه، وتدعي له ~~الاسم الموضوع للمشبه به، كما مضى من قولك: رأيت أسدا، تريد رجلا شجاعا ~~ووردت بحرا زاخرا، تريد رجلا كثير الجود فائض الكف وأبديت نورا، تريد علما ~~وما شاكل ذلك، فاسم الذي هو المشبه غير مذكور بوجه من الوجوه كما ترى، وقد ~~نقلت الحديث إلى اسم المشبه به، لقصدك أن تبالغ، فتضع اللفظ بحيث يخيل أن ~~معك نفس الأسد والبحر والنور، كي تقوي أمر المشابهة وتشدده، ويكون لها هذا ~~الصنيع حيث يقع الاسم المستعار فاعلا أو مفعولا أو مجرورا بحرف الجر أو ~~مضافا إليه، فالفاعل كقولك: بدا لي أسد وانبرى لي ليث وبدا نور وظهرت شمس ~~ساطعة وفاض لي بالمواهب بحر، كقوله: جنس فإنك تراه في أكثر الأحوال التي ~~تنقل فيها محتملا متكفئا بين أن يكون للأصل، وبين أن يكون للفرع الذي من ~~شأنه أن ms134 ينقل إليه، فإذا قلت: رأيت أسدا، صلح هذا الكلام لأن تريد به أنك ~~رأيت واحدا من جنس السبع المعلوم، وجاز أن تريد أنك رأيت شجاعا باسلا شديد ~~الجرأة، وإنما يفصل لك أحد الغرضين من الآخر شاهد الحال، وما يتصل به من ~~الكلام من قبل وبعد. وإن كان فعلا أو صفة، كان فيهما هذا الاحتمال في بعض ~~الأحوال، وذلك إذا أسندت الفعل وأجريت الصفة على اسم مبهم يقع على ما يكون ~~أصلا في تلك الصفة وذاك الفعل، وما يكون فرعا فيهما، نحو أن تقول: أنار لي ~~شيء وهذا شيء منير، فهذا الكلام يحتمل أن يكون أنار ومنير فيه واقعين على ~~الحقيقة، بأن تعني بالشيء بعض الأجسام ذوات النور وأن يكونا واقعين على ~~المجاز، بأن تريد بالشيء نوعا من العلم والرأي وما أشبه ذلك من المعاني ~~التي لا يصح وجود النور فيها حقيقة، وإنما توصف به على سبيل التشبيه. وفي ~~الفعل والصفة شيء آخر، وهو أنك كأنك تدعي معنى اللفظ المستعار للمستعار له، ~~فإذا قلت: قد أنارت حجته، وهذه حجة منيرة، فقد ادعيت للحجة النور، ولذلك ~~تجيء فتضيفه إليك، كما تضاف المعاني التي يشتق منها الفعل والصفة إلى ~~الفاعل والموصوف فتقول: نور هذه الحجة جلا بصري، وشرح صدري، كما تقول: ظهر ~~نور الشمس، والمثل لا يوجب شيئا من هذه الأحكام، فلا هو يقتضي تردد اللفظ ~~بين احتمال شيئين ولا أن يدعى معناه للشيء، ولكنه يدع اللفظ مستقرا على ~~أصله. # PageV01P241 # وإذ قد ثبت هذا الأصل، فاعلم أن هاهنا أصلا آخر يبنى عليه، وهو أن ~~الاستعارة وإن كانت تعتمد التشبيه والتمثيل وكان التشبيه يقتضي شيئين مشبها ~~ومشبها به، وكذلك التمثيل، لأنه كما عرفت تشبيه إلا أنه عقلي فإن الاستعارة ~~من شأنها أن تسقط ذكر المشبه من البين وتطرحه، وتدعي له الاسم الموضوع ~~للمشبه به، كما مضى من قولك: رأيت أسدا، تريد رجلا شجاعا ووردت بحرا زاخرا، ~~تريد رجلا كثير الجود فائض الكف وأبديت نورا، تريد علما وما شاكل ذلك، فاسم ~~الذي هو المشبه غير ms135 مذكور بوجه من الوجوه كما ترى، وقد نقلت الحديث إلى اسم ~~المشبه به، لقصدك أن تبالغ، فتضع اللفظ بحيث يخيل أن معك نفس الأسد والبحر ~~والنور، كي تقوي أمر المشابهة وتشدده، ويكون لها هذا الصنيع حيث يقع الاسم ~~المستعار فاعلا أو مفعولا أو مجرورا بحرف الجر أو مضافا إليه، فالفاعل ~~كقولك: بدا لي أسد وانبرى لي ليث وبدا نور وظهرت شمس ساطعة وفاض لي ~~بالمواهب بحر، كقوله: # وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة ... غزال كحيل المقلتين ربيب # والمفعول كما ذكرت من قولك: رأيت أسدا، والمجرور نحو قولك لا عار إن فر ~~من أسد يزأر، والمضاف إليه كقوله: # يا ابن الكواكب من أئمة هاشم ... والرجح الأحساب والأحلام # PageV01P242 # وإذا جاوزت هذه الأحوال، كان اسم المشبه مذكورا وكان مبتدأ، واسم المشبه ~~به واقعا في موضع الخبر، كقولك: زيد أسد، أو على هذا الحد، وهل يستحق الاسم ~~في هذه الحالة أن يوصف بالاستعارة أم لا:؟ فيه شبهة وكلام سيأتيك إن شاء ~~الله تعالى. وإذ قد عرفت هذه الجملة، فينبغي أن تعلم أنه ليس كل شيء يجيء ~~مشبها به بكاف أو بإضافة مثل إليه، يجوز أن تسلط عليه الاستعارة، وتنفذ ~~حكمها فيه، حتى تنقله عن صاحبه وتدعيه للمشبه على حد قولك: أبديت نورا تريد ~~علما، وسللت سيفا صارما، تريد رأيا نافذا وإنما يجوز ذلك إذا كان الشبه بين ~~الشيئين مما يقرب مأخذه ويسهل متناوله، ويكون في الحال دليل عليه، وفي ~~العرف شاهد له، حتى يمكن المخاطب إذا أطلقت له الاسم أن يعرف الغرض ويعلم ~~ما أردت، فكل شيء كان من الضرب الأول الذي ذكرت أنك تكتفي فيه بإطلاق الاسم ~~داخلا عليه حرف التشبيه نحو قولهم هو كالأسد، فإنك إذا أدخلت عليه حكم ~~الاستعارة وجدت في دليل الحال، وفي العرف ما يبين غرضك، إذ يعلم إذا قلت ~~رأيت أسدا، وأنت تريد الممدوح، أنك قصدت وصفه بالشجاعة وإذا قلت طلعت شمس، ~~أنت تريد امرأة، علم أنك تريد وصفها بالحسن، وإن أردت الممدوح علم أنك تقصد ~~وصفه بالنباهة ms136 والشرف. فأما إذا كان من الضرب الثاني الذي لا سبيل إلى ~~معرفة المقصود من الشبه فيه إلا بعد ذكر الجمل التي يعقد بها التمثيل، فإن ~~الاستعارة لا تدخله، # PageV01P243 # لأن وجه الشبه إذا كان غامضا لم يجز أن تقتسر الاسم وتغصب عليه موضعه، ~~وتنقله إلى غير ما هو أهله من غير أن يكون معك شاهد ينبئ عن الشبه. فلو ~~حاولت في قوله: " فإنك كالليل الذي هو مدركي " أن تعامل الليل معاملة الأسد ~~في قولك: رأيت أسدا، أعني أن تسقط ذكر الممدوح من البين، لم تجد له مذهبا ~~في الكلام، ولا صادفت طريقة توصلك إليه، لأنك لا تخلو من أحد أمرين إما أن ~~تحذف الصفة وتقتصر على ذكر الليل مجردا فتقول إن فررت أظلني الليل، وهذا ~~محال، لأنه ليس في الليل دليل على النكتة التي قصدها من أنه لا يفوته وإن ~~أبعد في الهرب، وصار إلى أقصى الأرض، لسعة ملكه وطول يده، وأن له في جميع ~~الآفاق عاملا وصاحب جيش ومطيعا لأوامره يرد الهارب عليه ويسوقه إليه وغاية ~~ما يتأتى في ذلك أن يريد أنه إن هرب عنه أظلمت عليه الدنيا، وتحير ولم ~~يهتد، فصار كمن يحصل في ظلمة الليل، وهذا شيء خارج عن الغرض، وكلامنا على ~~أن تستعير الاسم ليؤدى به التشبيه الذي قصد في البيت ولم أرد أنه لا تمكن ~~استعارته على معنى ما، ولا يصلح في غرض من الأغراض. وإن لم تحذف الصفة، ~~وجدت طريق الاستعارة فيه يؤدي إلى تعسف، إذ لو قلت إن فررت منك وجدت ليلا ~~يدركني، وإن ظننت أن المنتأى واسع والمهرب بعيد قلت ما لا تقبله الطباع، ~~وسلكت طريقة مجهولة، لأن العرف لم يجر بأن يجعل الممدوح ليلا هكذا، # PageV01P244 # فأما قولهم إن التشبيه بالليل يتضمن الدلالة على سخطه، فإنه لا يفسح في ~~أن يجرى اسم الليل على الممدوح جري الأسد والشمس ونحوهما، وإنما تصلح ~~استعارة الليل لمن يقصد وصفه بالسواد والظلمة، كما قال ابن طباطبا: " بعثت ~~معي قطعا من الليل مظلما " يعني زنجيا قد أنفذه ms137 المخاطب معه حين انصرف عنه ~~إلى منزله، هذا وربما - بل كلما - وجدت ما إن رمت فيه طريقة الاستعارة، لم ~~تجد فيه هذا القدر من التمحل والتكلف أيضا، ووهو كقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " الناس كإبل مئة لا تجد فيها راحلة "، قل الآن من أي جهة تصل إلى ~~الاستعارة ههنا، وبأي ذريعة تتذرع إليها؟ هل تقدر أن تقول: رأيت إبلا مئة ~~لا تجد فيها راحلة في معنى: رأيت ناسا أو الإبل المئة التي لا تجد فيها ~~راحلة، تريد الناس، كما قلت: رأيت أسدا على معنى رجلا كالأسد أو الأسد، على ~~معنى الذي هو كالأسد؟ وكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: " مثل المؤمن ~~كمثل النخلة أو مثل الخامة "، لا تستطيع أن تتعاطى الاستعارة في شيء منه ~~فتقول: # PageV01P245 # رأيت نخلة أو خامة على معنى رأيت مؤمنا، إن من رام مثل هذا كان كما قال ~~صاحب الكتاب: ملغزا تاركا لكلام الناس الذي # يسبق إلى أفئدتهم، وقد قدمت طرفا من هذا الفصل فيما مضى، ولكنني أعدته ~~هاهنا لاتصاله بما أريد ذكره. فقد ظهر أنه ليس كل شيء يجيء فيه التشبيه ~~الصريح بذكر الكاف ونحوها، يستقيم نقل الكلام فيه إلى طريقة الاستعارة، ~~وإسقاط ذكر المشبه جملة، والاقتصار على المشبه به، وبقي أن نتعرف الحكم في ~~الحالة الأخرى، وهي التي يكون كل واحد من المشبه والمشبه به مذكورا فيه، ~~نحو زيد أسد ووجدته أسدا، هل تساوق صريح التشبيه حتى يجوز في كل شيئين قصد ~~تشبيه أحدهما بالآخر أن تحذف الكاف ونحوها من الثاني، وتجعله خبرا عن الأول ~~أو بمنزلة الخبر؟ والقول في ذلك أن التشبيه إذا كان صريحا بالكاف، ومثل، ~~كان الأعرف الأشهر في المشبه به أن يكون معرفة، كقولك: هو كالأسد وهو ~~كالشمس وهو كالبحر وكليث العرين وكالصبح وكالنجم وما شاكل ذلك، ولا يكاد ~~يجيء نكرة مجيئا يرتضى نحو هو كأسد وكبحر وكغيث، إلا أن يخصص بصفة نحو كبحر ~~زاخر، فإذا جعلت الاسم المجرور بالكاف معربا بالإعراب الذي يستحقه الخبر من ~~الرفع أو النصب، ms138 كان كلا الأمرين - التعريف والتنكير - فيه حسنا جميلا، ~~تقول: زيد الأسد والشمس والبحر وزيد أسد وشمس وبدر وبحر. وإذ قد عرفت هذا ~~فارجع إلى نحو " فإنك كالليل الذي هو مدركي " بق إلى أفئدتهم، وقد قدمت ~~طرفا من هذا الفصل فيما مضى، ولكنني أعدته هاهنا لاتصاله بما أريد ذكره. ~~فقد ظهر أنه ليس كل شيء يجيء فيه التشبيه الصريح بذكر الكاف ونحوها، يستقيم ~~نقل الكلام فيه إلى طريقة الاستعارة، وإسقاط ذكر المشبه جملة، والاقتصار ~~على المشبه به، وبقي أن نتعرف الحكم في الحالة الأخرى، وهي التي يكون كل ~~واحد من المشبه والمشبه به مذكورا فيه، نحو زيد أسد ووجدته أسدا، هل تساوق ~~صريح التشبيه حتى يجوز في كل شيئين قصد تشبيه أحدهما بالآخر أن تحذف الكاف ~~ونحوها من الثاني، وتجعله خبرا عن الأول أو بمنزلة الخبر؟ والقول في ذلك أن ~~التشبيه إذا كان صريحا بالكاف، ومثل، كان الأعرف الأشهر في المشبه به أن ~~يكون معرفة، كقولك: هو كالأسد وهو كالشمس وهو كالبحر وكليث العرين وكالصبح # PageV01P246 # وكالنجم وما شاكل ذلك، ولا يكاد يجيء نكرة مجيئا يرتضى نحو هو كأسد وكبحر ~~وكغيث، إلا أن يخصص بصفة نحو كبحر زاخر، فإذا جعلت الاسم المجرور بالكاف ~~معربا بالإعراب الذي يستحقه الخبر من الرفع أو النصب، كان كلا الأمرين - ~~التعريف والتنكير - فيه حسنا جميلا، تقول: زيد الأسد والشمس والبحر وزيد ~~أسد وشمس وبدر وبحر. وإذ قد عرفت هذا فارجع إلى نحو " فإنك كالليل الذي هو ~~مدركي " # واعلم أنه قد يجوز فيه أن تحذف الكاف وتجعل المجرور كان به، خبرا، فتقول: ~~فإنك الليل الذي هو مدركي، أو أنت الليل الذي هو مدركي، وتقول في قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع "، المؤمن الخامة من ~~الزرع، وفي قوله عليه السلام: الناس كإبل مئة (3) : الناس إبل مئة، ويكون ~~تقديره على أنك قدرت مضافا محذوفا على حد: " واسئل القرية " " يوسف: 82 "، ~~تجعل الأصل: فإنك مثل الليل ثم تحذف مثلا، والنكتة في الفرق بين هذا الضرب ms139 ~~الذي لا بد للمجرور بالكاف ونحوها من وصفه بجملة من الكلام أو نحوها، وبين ~~الضرب الأول # PageV01P247 # الذي هو نحو زيد كالأسد أنك إذا حذفت الكاف هناك فقلت: زيد الأسد، فالقصد ~~أن تبالغ في التشبيه فتجعل المذكور كأنه الأسد، وتشير إلى مثل ما يحصل لك ~~من المعنى إذا حذفت ذكر المشبه أصلا فقلت: رأيت أسدا أو الأسد، فأما في نحو ~~فإنك كالليل الذي هو مدركي، فلا يجوز أن تقصد جعل الممدوح الليل، ولكنك ~~تنوي أنك أردت أن تقول فإنك مثل الليل، ثم حذفت المضاف من اللفظ، وأبقيت ~~المعنى على حاله إذا لم تحذف، وأما هناك، فإنه وإن كان يقال أيضا إن الأصل ~~زيد مثل أسد ثم تحذف فليس الحذف فيه على هذا الحد، بل على أنه جعل كأن لم ~~يكن لقصد المبالغة، ألا تراهم يقولون: جعله الأسد؟ وبعيد أن تقول جعله ~~الليل، لأن القصد لم يقع إلى وصف في الليل كالظلمة ونحوها، وإنما قصد الحكم ~~الذي له، من تعميمه الآفاق، وامتناع أن يصير الإنسان إلى مكان لا يدركه ~~الليل فيه. وإن أردت أن تزداد علما بأن الأمر كذلك أعني أن هاهنا ما يصلح ~~فيه التشبيه الظاهر ولا تصلح فيه المبالغة وجعل الأول الثاني فاعمد إلى ما ~~تجد الاسم الذي افتتح به المثل فيه غير محتمل لضرب من التشبيه إذا أفرد ~~وقطع عن الكلام بعده، كقوله تعالى: " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه ~~من السماء " " يونس: 34 "، لو قلت إنما الحياة الدنيا ماء أنزلناه من ~~السماء أو الماء ينزل من السماء فتخضر منه الأرض، لم يكن للكلام وجه غير أن ~~تقدر حذف مثل نحو إنما الحياة الدنيا مثل ماء ينزل من السماء # PageV01P248 # فيكون كيت وكيت، إذ لا يتصور بين الحياة الدنيا والماء شبه يصح قصده وقد ~~أفرد، كما قد يتخيل في البيت أنه قصد تشبيه الممدوح بالليل في السخط. وهذا ~~موضع في الجملة مشكل، ولا يمكن القطع فيه بحكم على التفصيل، ولكن لا سبيل ~~إلى جحد أنك تجد الاسم في الكثير وقد ms140 وضع موضعا في التشبيه بالكاف، لو ~~حاولت أن تخرجه في ذلك الموضع بعينه إلى حد الاستعارة والمبالغة، وجعل هذا ~~ذاك، لم ينقد لك، كالنكرة التي هي ماء في الآية وفي الآي الأخر نحو قوله ~~تعالى: " أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق " " البقرة: 19 "، ولو قلت ~~هم صيب، ولا تضمر مثلا ألبتة، على حد هو أسد لم يجز، لأنه لا معنى لجعلهم ~~صيبا في هذا الموضع، وإن كان لا يمتنع أن يقع صيب في موضع آخر ليس من هذا ~~الغرض في شيء استعارة ومبالغة، كقولك: فاض صيب منه، تريد جوده، وهو صيب ~~يفيض، تريد مندفق في الجود، فلسنا نقول إن هاهنا اسم جنس واسما صفة لا يصلح ~~للاستعارة في حال من الأحوال، وهذا شعب من القول يحتاج إلى كلام أكثر من ~~هذا ويدخل فيه مسائل، ولكن استقصاءه يقطع عن الغرض. فإن قلت فلا بد من أصل ~~يرجع إليه في الفرق بين ما يحسن أن يصرف وجهه إلى الاستعارة والمبالغة، وما ~~لا يحسن ذلك فيه، ولا يجيبك المعنى إليه، بل يصد بوجهه عنك متى أردته عليه. # PageV01P249 # فالجواب إنه لا يمكن أن يقال فيه قول قاطع، ولكن هاهنا نكتة يجب الاعتماد ~~عليها والنظر إليها، وهي أن الشبه إذا كان وصفا معروفا في الشيء قد جرى ~~العرف بأن يشبه من أجله به، وتعورف كونه أصلا فيه يقاس عليه كالنور والحسن ~~في الشمس، أو الاشتهار والظهور، وأنها لا تخفى فيها أيضا وكالطيب في المسك، ~~والحلاوة في العسل، والمرارة في الصاب، والشجاعة في الأسد، والفيض في البحر ~~والغيث، والمضاء والقطع والحدة في السيف، والنفاذ في السنان، وسرعة المرور ~~في السهم، وسرعة الحركة في شعلة النار، وما شاكل # ذلك من الأوصاف التي لكل وصف منها جنس هو أصل فيه، ومقدم في معانيه ~~فاستعارة الاسم للشيء على معنى ذلك الشبه تجيء سهلة منقادة، وتقع مألوفة ~~معتادة، وذلك أن هذه الأوصاف من هذه الأسماء قد تعورف كونها أصولا فيها، ~~وأنها أخص ما توجد فيه بها، فكل أحد ms141 يعلم أن أخص المنيرات بالنور الشمس، ~~فإذا أطلقت ودلت الحال على التشبيه، لم يخف المراد، ولو أنك أردت من الشمس ~~الاستدارة، لم يجز أن تدل عليه بالاستعارة، ولكن إن أردتها من الفلك جاز، ~~فإن قصدتها من الكرة كان أبين، لأن الاستدارة من الكرة أشهر وصف فيها، ومتى ~~صلحت الاستعارة في شيء، فالمبالغة فيه أصلح، وطريقها أوضح، ولسان الحال ~~فيها أفصح، أعني أنك إذا قلت: " يا ابن الكواكب من أئمة هاشم " و: " يا ابن ~~الليوث الغر " فأجريت الاسم على المشبة إجراءه على أصله الذي وضع له ~~وادعيته له، كان قولك: هم الكواكب وهم الليوث أو هم كواكب وليوث، أحرى أن ~~تقوله، وأخف مؤونة على السامع في وقوع العلم له به. واعلم أن المعنى في ~~المبالغة وتفسيرنا لها بقولنا جعل هذا ذاك، وجعله الأسد وادعى أنه الأسد ~~حقيقة، أن المشبه الشيء بالشيء من شأنه أن ينظر إلى الوصف الذي به يجمع بين ~~الشيئين، وينفي عن نفسه الفكرفيما سواه جملة، فإذا شبه بالأسد، ألقى صورة ~~الشجاعة بين عينيه، ألقى ما عداها فلم ينظر إليه، فإن هو قال زيد كالأسد، ~~كان قد أثبت له حظا ظاهرا في الشجاعة، ولم يخرج عن الاقتصاد، وإذا قال هو ~~الأسد، تناهى في الدعوى، إما قريبا من المحق لفرط بسالة الرجل، وإما متجوزا ~~في القول، فجعله بحيث لا تنقص شجاعته عن شجاعة الأسد ولا يعدم منها شيئا، ~~وإذا كان بحكم التشبيه، وبأنه مقصوده من ذكر الأسد في حكم من يعتقد أن ~~الاسم لم يوضع على ذلك السبع إلا للشجاعة التي فيه، وأن ما عداها من صورته ~~وسائر صفاته عيال عليها وتبع لها في استحقاقه هذا الاسم، ثم أثبت لهذا الذي ~~يشبهه به تلك الشجاعة بعينها حتى لا اختلاف ولا تفاوت، فقد جعله الأسد لا ~~محالة، لأن قولنا هو هو على معنيين أحدهما أن يكون للشيء اسمان يعرفه ~~المخاطب بأحدهما دون الآخر، فإذا ذكر باسمه الآخر توهم أن معك شيئين، فإذا ~~قلت: زيد هو أبو عبد الله، عرفته أن هذا ms142 الذي تذكر الآن بزيد هو الذي عرفه ~~بأبي عبد الله، من الأوصاف التي لكل وصف منها جنس هو أصل فيه، ومقدم في ~~معانيه فاستعارة الاسم للشيء على معنى ذلك الشبه تجيء سهلة منقادة، وتقع ~~مألوفة معتادة، وذلك أن هذه الأوصاف من هذه الأسماء قد تعورف كونها أصولا ~~فيها، وأنها أخص ما توجد فيه بها، فكل أحد يعلم أن أخص المنيرات بالنور ~~الشمس، فإذا أطلقت ودلت الحال على التشبيه، لم يخف المراد، ولو أنك أردت من ~~الشمس الاستدارة، لم يجز أن تدل عليه بالاستعارة، ولكن إن أردتها من الفلك ~~جاز، فإن قصدتها من الكرة كان أبين، لأن الاستدارة من الكرة أشهر وصف فيها، ~~ومتى صلحت الاستعارة في شيء، فالمبالغة فيه أصلح، وطريقها أوضح، ولسان ~~الحال فيها أفصح، أعني أنك إذا قلت: " يا ابن الكواكب من أئمة هاشم " و: " ~~يا ابن الليوث الغر " فأجريت الاسم على المشبة إجراءه على أصله الذي وضع له ~~وادعيته # PageV01P250 # له، كان قولك: هم الكواكب وهم الليوث أو هم كواكب وليوث، أحرى أن تقوله، ~~وأخف مؤونة على السامع في وقوع العلم له به. واعلم أن المعنى في المبالغة ~~وتفسيرنا لها بقولنا جعل هذا ذاك، وجعله الأسد وادعى أنه الأسد حقيقة، أن ~~المشبه الشيء بالشيء من شأنه أن ينظر إلى الوصف الذي به يجمع بين الشيئين، ~~وينفي عن نفسه الفكرفيما سواه جملة، فإذا شبه بالأسد، ألقى صورة الشجاعة ~~بين عينيه، ألقى ما عداها فلم ينظر إليه، فإن هو قال زيد كالأسد، كان قد ~~أثبت له حظا ظاهرا في الشجاعة، ولم يخرج عن الاقتصاد، وإذا قال هو الأسد، ~~تناهى في الدعوى، إما قريبا من المحق لفرط بسالة الرجل، وإما متجوزا في ~~القول، فجعله بحيث لا تنقص شجاعته عن شجاعة الأسد ولا يعدم منها شيئا، وإذا ~~كان بحكم التشبيه، وبأنه مقصوده من ذكر الأسد في حكم من يعتقد أن الاسم لم ~~يوضع على ذلك السبع إلا للشجاعة التي فيه، وأن ما عداها من صورته وسائر ~~صفاته عيال عليها وتبع لها في ms143 استحقاقه هذا الاسم، ثم أثبت لهذا الذي يشبهه ~~به تلك الشجاعة بعينها حتى لا اختلاف ولا تفاوت، فقد جعله الأسد لا محالة، ~~لأن قولنا هو هو على معنيين أحدهما أن يكون للشيء اسمان يعرفه المخاطب ~~بأحدهما دون الآخر، فإذا ذكر باسمه الآخر توهم أن معك شيئين، فإذا قلت: زيد ~~هو أبو عبد الله، عرفته أن هذا الذي تذكر الآن بزيد هو الذي عرفه بأبي عبد ~~الله # والثاني أن يراد تحقق التشابه بين الشيئين، وتكميله لهما، ونفي الاختلاف ~~والتفاوت عنهما، فيقال: هو هو، أي لا يمكن الفرق بينهما، # PageV01P251 # لأن الفرق يقع إذا اختص أحدهما بصفة لا تكون في الآخر، هذا المعنى الثاني ~~فرع على الأول، وذلك أن المتشابهين التشابه التام، لما كان يحسب أحدهما ~~الآخر، ويتوهم الرائي لهما في حالين أنه رأى شيئا واحدا، صاروا إذا حققوا ~~التشابه بين الشيئين يقولون هو هو، والمشبه إذا وقف وهمه كما عرفتك على ~~الشجاعة دون سائر الأمور، ثم لم يثبت بين شجاعة صاحبه وشجاعة الأسد فرقا، ~~فقد صار إلى معنى قولنا: هو هو بلا شبهة. وإذا تقررت هذه الجملة فقوله " ~~فإنك كالليل الذي هو مدركي " إن حاولت فيه طريقة المبالغة فقلت: فإنك الليل ~~الذي هو مدركي، لزمك لا محالة أن تعمد إلى صفة من أجلها تجعله الليل، ~~كالشجاعة التي من أجلها جعلت الرجل الأسد، فإن قلت تلك الصفة الظلمة، وإنه ~~قصد شدة سخطه، وراعى حال المسخوط عليه، وتوهم أن الدنيا تظلم في عينيه حسب ~~الحال في المستوحش الشديد الوحشة، كما قال " أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ~~" قيل لك هذا التقدير، إن استجزناه وعملنا عليه، فإنا نحتمله، والكلام على ~~ظاهره، وحرف التشبيه مذكور داخل على الليل كما تراه في البيت، # PageV01P252 # فأما وأنت تريد المبالغة، فلا يجيء لك ذلك، لأن الصفات المذكورة لا يواجه ~~بها الممدوحون، ولا تستعار الأسماء الدالة عليها لهم إلا بعد أن يتدارك ~~وتقرن إليها أضدادها من الأوصاف المحبوبة، كقوله " أنت الصاب والعسل " ولا ~~تقول وأنت مادح أنت الصاب وتسكت، وحتى إن الحاذق ms144 لا يرضى بهذا الاحتراز ~~وحده حتى يزيد ويحتال في دفع ما يغشى النفس من الكراهة بإطلاق الصفة التي ~~ليست من الصفات المحبوبة، فيصل بالكلام ما يخرج به إلى نوع من المدح، كقول ~~المتنبي: # حسن في وجوه أعدائه أق ... بح من ضيفه رأته السوام # بدأ فجعله حسنا على الإطلاق، ثم أراد أن يجعله قبيحا في عيون أعدائه، على ~~العادة في مدح الرجل بأن عدوه يكرهه، فلم يقنعه ما سبق من تمهيده وتقدم من ~~احترازه في تلاقي ما يجنيه إطلاق صفة القبح، حتى وصل به هذه الزيادة من ~~المدح، وهي كراهة سوامه لرؤية أضيافه، وحتى حصل ذكر القبح مغمورا بين ~~حسنين، فصار كما يقول المنجمون: يقع النحس مضغوطا بين سعدين، فيبطل فعله ~~وينمحق أثره. وقد عرفت ما جناه التهاون بهذا النحو من الاحتراز على أبي ~~تمام، حتى صار ما ينعى عليه منه أبلغ شيء في بسط لسان القادح فيه والمنكر ~~لفضله، وأحضر حجة للمتعصب عليه، وذلك أنه لم يبال في كثير من مخاطبات # PageV01P253 # الممدوح بتحسين ظاهر اللفظ، واقتصر على صميم التشبيه، وأطلق اسم الجنس ~~الخسيس كإطلاق الشريف النبيه، كقوله: # وإذا ما أردت كنت رشاء ... وإذا ما أردت كنت قليبا # فصك وجه الممدوح كما ترى بأنه رشاء وقليب، ولم يحتشم أن قال: # مازال يهذي بالمكارم والعلى ... حتى ظننا أنه محموم # فجعله يهذي وجعل عليه الحمى، وظن أنه إذاحصل له المبالغة في إثبات ~~المكارم له، وجعلها مستبدة بأفكاره وخواطره، حتى لا يصدر عنه غيرها، فلا ~~ضير أن يتلقاه بمثل هذا الخطاب الجافي، والمدح المتنافي. فكذلك أنت هذه ~~قصتك، وهذه قضيتك، في اقتراحك علينا أن نسلك بالليل في البيت طريق المبالغة ~~على تأويل السخط. فإن قلت أفترى أن تأبى هذا التقدير في البيت أيضا حتى ~~يقصر التشبيه على ما تفيده الجملة الجارية في صلة الذي، قلت إن ذلك الوجه ~~فيما أظنه، فقد جاء في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ليدخلن هذا ~~الدين ما دخل عليه الليل، فكما تجرد المعنى هاهنا للحكم # PageV01P254 # الذي هو ms145 لليل من الوصول إلى كل مكان، ولم يكن لاعتبار ما اعتبروه من شبه ~~ظلمته وجه، كذلك يجوز أن يتجرد في البيت له، ويكون ما ادعوه من الإشارة ~~بظلمة الليل إلى إدراكه له ساخطا، ضربا من التعمق والتطلب لما لعل الشاعر ~~لم يقصده، وأحسن ما يمكن أن ينتصر به لهذا التقدير أن يقال إن النهار ~~بمنزلة الليل في وصوله إلى كل مكان، فما من موضع من الأرض إلا ويدركه كل ~~واحد منهما، فكما أن الكائن في النهار لا يمكنه أن يصير إلى مكان لا يكون ~~به ليل، كذلك الكائن في الليل لا يجد موضعا لا يلحقه فيه نهار، فاختصاصه ~~الليل دليل على أنه قد روى في نفسه، فلما علم أن حالة إدراكه وقد هرب منه ~~حالة سخط، رأى التمثيل بالليل أولى، ويمكن أن يزاد في نصرته بقوله: # نعمة كالشمس لما طلعت ... بثت الإشراق في كل بلد # وذاك أنه قصد هاهنا نفس ما قصده النابغة في تعميم الأقطار، والوصول إلى ~~كل مكان، إلا أن النعمة لما كانت تسر وتؤنس، أخذ المثل لها من الشمس، ولو ~~أنه ضرب المثل لوصول النعمة إلى أقاصي البلاد، وانتشارها في العباد، بالليل ~~ووصوله إلى كل بلد، وبلوغه كل أحد، لكان قد أخطأ خطأ فاحشا، إلا أن هذا وإن ~~كان يجيء مستويا في الموازنة، ففرق بين ما يكره من الشبه وما يحب، لأن ~~الصفة المحبوبة إذا اتصلت بالغرض من التشبيه، نالت من العناية بها المحافظة ~~عليها قريبا مما يناله الغرض نفسه، وأما ما ليس بمحبوب، فيحسن أن يعرض عنها ~~صفحا، ويدع الفكر فيها، # PageV01P255 # وأما تركه أن يمثل بالنهار، وإن كان بمنزلة الليل فيما أراه، فيمكن أن ~~يجاب عنه بأن هذا الخطاب من النابغة كان بالنهار لا محالة، وإذا كان يكلمه ~~وهو في النهار، بعد أن يضرب المثل بإدراك النهار له، وكان الظاهر أن يمثل ~~بإدراك الليل الذي إقباله منتظر، وطريانه على النهار متوقع، فكأنه قال وهو ~~في صدر النهار أو آخره لو سرت عنك لم أجد مكانا يقيني ms146 الطلب منك، ولكان ~~إدراكك لي وإن بعدت واجبا، كإدراك هذا الليل المقبل في عقب نهاري هذا إياي، ~~ووصوله إلى أي موضع بلغت من الأرض. وهاهنا شيء آخر وهو أن تشبيه النعمة في ~~البيت بالشمس، وإن كان من حيث الغرض الخاص، وهو الدلالة على العموم، فكان ~~الشبه الآخر من كونها مؤنسة للقلوب، وملبسة العالم البهجة والبهاء كما تفعل ~~الشمس، حاصلا على سبيل العرض، وبضرب من التطفل، فإن تجريد التشبيه لهذا ~~الوجه الذي هو الآن تابع، وجعله أصلا ومقصودا على الانفراد، مألوف معروف ~~كقولنا نعمتك شمس طالعة، وليس كذلك الحكم في الليل، لأن تجريده لوصف ~~الممدوح بالسخط مستكره، حتى لو قلت أنت في حال السخط ليل وفي الرضى نهار، ~~فكافحت هكذا تجعله ليلا لسخطه، لم يحسن، وإنما الواجب أن تقول: النهار ليل ~~على من تغضب عليه، والليل نهار على من ترضى عنه، وزمان عدوك ليل كله، ~~وأوقات وليك نهار # PageV01P256 # كلها، كما قال: # أيامنا مصقولة أطرافها ... بك والليالي كلها أسحار # وقد يقول الرجل لمحبوبه أنت ليلى ونهارى، أي بك تضيء لي الدنيا وتظلم، ~~فإذا رضيت فدهري نهار، وإذا غضبت فليل كما تقول: أنت دائي ودوائي، وبرئي ~~وسقامي، ولا تكاد تجد أحدا يقول أنت ليل، على معنى أن سخطك تظلم به الدنيا، ~~لأن هذه العبارة بالذم، وبالوصف بالظلمة وسواد الجلد، وتجهم الوجه، أخص، ~~وبأن يراد بها أخلق، وهذا المعنى منها إلى القلب أسبق فاعرفه. # PageV01P257 ### | فصل # اعلم أنك تجد الاسم وقد وقع من نظم الكلام الموقع الذي يقتضي كونه ~~مستعارا، ثم لا يكون مستعارا، وذاك لأن التشبيه المقصود منوط به مع غيره، ~~وليس له شبه ينفرد به، على ما قدمت لك من أن الشبه يجيء منتزعا من مجموع ~~جملة من الكلام، فمن ذلك قول داود بن علي حين خطب فقال شكرا شكرا، إنا ~~والله ما خرجنا لنحفر فيكم نهرا، ولا لنبني فيكم قصرا، أظن عدو الله أن لن ~~يظفر به، أرخي له في زمامه، حتى عثر في فضل خطامه، فالآن عاد الأمر في ~~نصابه، وطلعت ms147 الشمس من مطلعها، والآن قد أخذ القوس باريها، وعاد النبل إلى ~~النزعة، ورجع الأمر إلى مستقره في أهل بيت نبيكم، أهل بيت الرأفة والرحمة، ~~فقوله الآن أخذ القوس باريها، وإن كان القوس تقع كناية عن الخلافة، والباري ~~عن المستحق لها، فإنه لا يجوز أن يقال إن القوس مستعار للخلافة على حد ~~استعارة النور والشمس، لأجل أنه لا يتصور أن يخرج للخلافة شبه من القول على ~~الانفراد، وأن يقال: هي قوس، كما يقال: هي نور وشمس، وإنما الشبه مؤلف لحال ~~الخلافة مع القائم بها، من حال القوس مع الذي براها، وهو أن الباري للقوس ~~أعرف بخيرها وشرها، وأهدى إلى توتيرها وتصريفها، إذ كان العامل لها فكذلك ~~الكائن على الأوصاف المعتبرة في الإمامة والجامع لها، يكون أهدى إلى توفية ~~الخلافة حقها، # PageV01P258 # وأعرف بما يحفظ مصارفها عن الخلل، وأن يراعي في سياسة الخلق بالأمر ~~والنهي التي هي المقصود منها ترتيبا ووزنا تقع به الأفعال مواقعها من ~~الصواب، كما أن العارف بالقوس يراعي في تسوية جوانبها، وإقامة وترها، ~~وكيفية نزعها ووضع السهم الموضع الخاص منها، ما يوجب في سهامه أن تصيب ~~الأغراض، وتقرطس في الأهداف، وتقع في المقاتل، وتصيب شاكلة الرمي. وهكذا ~~قول القائل وقد سمع كلاما حسنا من رجل دميم: عسل طيب في ظرف سوء، ليس عسل ~~هاهنا على حده في قولك ألفاظه عسل، لأجل أنه لم يقصد إلى بيان حال اللفظ ~~الحسن وتشبيهه بالعسل في هذا الكلام، وإن كان ذلك أمرا معتادا، وإنما قصد ~~إلى بيان حال الكلام الحسن من المتكلم المشنوء في منظره، وقياس اجتماع فضل ~~المخبر مع نقص المنظر، بالشبه المؤلف من العسل والظرف، ألا ترى أن الذي ~~يقابل الرجل هو ظرف سوء وظرف سوء لا يصلح تشبيه الرجل به على الانفراد، لأن ~~الدمامة لا تعطيه صفة الظرف من حيث هي دمامة، ما لم يتقدم شيء يشبه ما في ~~الظرف من الكلام الحسن أو الخلق الجميل، أو سائر المعاني التي تجعل الأشخاص ~~أوعية لها. فمن حقك أن تحافظ على هذا ms148 الأصل، وهو أن الشبه إذا كان موجودا ~~في الشيء على الانفراد من غير أن يكون نتيجة بينه وبين شيء # PageV01P259 # آخر فالاسم مستعار لما أخذ له الشبه منه، كالنور للعلم والظلمة للجهل، ~~والشمس للوجه الجميل، أو الرجل النبيه الجليل، وإذا لم تكن نسبة الشبه إلى ~~الشيء على الانفراد، وكان مركبا من حاله مع غيره، فليس الاسم بمستعار، ولكن ~~مجموع الكلام مثل. واعلم أن هذه الأمور التي قصدت البحث عنها أمور كأنها ~~معروفة مجهولة، وذلك أنها معروفة على الجملة، لا ينكر قيامها في نفوس ~~العارفين ذوق الكلام، والمتمهرين في فصل جيده من رديئه، ومجهولة من حيث لم ~~يتفق فيها أوضاع تجري مجرى القوانين التي يرجع إليها، فتستخرج منها العلل ~~في حسن ما استحسن وقبح ما استهجن، حتى تعلم علم اليقين غير الموهوم، وتضبط ~~ضبط المزموم المخطوم، ولعل الملال إن عرض لك، أو النشاط إن فتر عنك، قلت ما ~~الحاجة إلى كل هذه الإطالة؟ وإنما يكفي أن يقال الاستعارة مثل كذا، فتعد ~~كلمات، وتنشد أبيات، وهكذا يكفينا المؤونة في التشبيه والتمثيل يسير من ~~القول # فإنك تعلم أن قائلا لو قال الخبر مثل قولنا زيد منطلق، ورضي به وقنع، ولم ~~تطالبه نفسه بأن يعرف حدا للخبر، إذا عرفه تميز في نفسه من سائر الكلام، ~~حتى يمكنه أن يعلم هاهنا كلاما لفظه لفظ الخبر، وليس هو بخبر، ولكنه دعاء ~~كقولنا: رحمة الله عليه وغفر الله له ولم يجد في نفسه طلبا لأن يعرف أن ~~الخبر هل ينقسم أو لا ينقسم، وأن أول أمره في القسمة أنه ينقسم إلى جملة من ~~الفعل والفاعل، وجملة من مبتدأ وخبر، وأن ما عدا هذا من الكلام لا يأتلف، # PageV01P260 # نعم ولم يحب أن يعلم أن هذه الجملة يدخل عليها حروف بعضها يؤكد كونها ~~خبرا، وبعضها يحدث فيها معاني تخرج بها عن الخبرية واحتمال الصدق والكذب. ~~وهكذا يقول إذا قيل له: الاسم مثل زيد وعمرو، اكتفيت ولا أحتاج إلى وصف أو ~~حد يميزه من الفعل والحرف أو حد لهما، إذا عرفتهما ms149 عرفت أن ما خالفهما هو ~~الاسم، على طريقة الكتاب، ويقول لا أحتاج إلى أن أعرف أن الاسم ينقسم فيكون ~~متمكنا أو غير متمكن، والمتمكن يكون منصرفا وغير منصرف، ولا إلى أن أعلم ~~شرح غير المنصرف، الأسباب التسعة التي يقف هذا الحكم على اجتماع سببين منها ~~أو تكرر سبب في الاسم ولا أنه ينقسم إلى المعرفة والنكرة، وأن النكرة ما عم ~~شيئين فأكثر، وما أريد به واحد من جنس لا بعينه، والمعرفة ما أيد به واحد ~~بعينه أو جنس بعينه على الإطلاق ولا إلى أن أعلم شيئا من الانقسامات التي ~~تجيء في الاسم، كان قد أساء الاختيار، وأسرف في دعوى الاستغناء عما هو ~~محتاج إليه إن أراد هذا النوع من العلم ولئن كان الذي نتكلف شرحه لا يزيد ~~على مؤدى ثلاثة أسماء، وهي التمثيل والتشبيه والاستعارة، فإن ذلك يستدعي ~~جملا من القول يصعب استقصاؤها، وشعبا من الكلام لا يستبين لأول النظر ~~أنحاؤها، إذ قولنا: شيء يحتوي على ثلاثة أحرف، ولكنك إذا مددت يدا إلى # PageV01P261 # القسمة وأخذت في بيان ما تحويه هذه اللفظة، احتجت إلى أن تقرأ أوراقا لا ~~تحصى، وتتجشم من المشقة والنظر والتفكير ما ليس بالقليل النزر، والجزء الذي ~~لا يتجزأ، يفوت العين، ويدق عن البصر، والكلام عليه يملأ أجلادا عظيمة ~~الحجم، فهذا مثلك إن أنكرت ما عنيت به من هذا التتبع، ورأيته من البحث، ~~وآثرته من تجشم الفكرة وسومها أن تدخل في جوانب هذه المسائل وزواياها، ~~وتستثير كوامنها وخفاياها، فإن كنت ممن يرضى لنفسه أن يكون هذا مثله، ~~وهاهنا محله، فعب كيف شئت، وقل ما هويت، وثق بأن الزمان عونك على ما ~~ابتغيت، وشاهدك فيما ادعيت، وأنك واجد من يصوب رأيك ويحسن مذهبك، ويخاصم ~~عنك، ويعادي المخالف لك. # PageV01P262 # فصل في ### | الأخذ والسرقة # وما في ذلك من التعليل، وضروب الحقيقة والتخييل " ### | القسم العقلي # اعلم أن الحكم على الشاعر بأنه أخذ من غيره وسرق، واقتدى بمن تقدم وسبق، ~~لا يخلو من أن يكون في المعنى صريحا، أو في صيغة تتعلق بالعبارة، ms150 ويجب أن ~~نتكلم أولا على المعاني، وهي تنقسم أولا قسمين: عقلي وتخييلي، وكل واحد ~~منهما يتنوع، فالذي هو العقلي على أنواع: أولها: عقلي صحيح مجراه في الشعر ~~والكتابة والبيان والخطابة، مجرى الأدلة التي تستنبطها العقلاء، والفوائد ~~التي تثيرها الحكماء، ولذلك تجد الأكثر من هذا الجنس منتزعا من أحاديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة رضي الله عنهم، ومنقولا من آثار ~~السلف الذين شأنهم الصدق، وقصدهم الحق، أو ترى له أصلا في الأمثال القديمة ~~والحكم المأثورة عن القدماء، فقوله: # وما الحسب الموروث لا در دره ... بمحتسب إلا بآخر مكتسب # ونظائره، كقوله: # إني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفي السر منها والصريح المهذب # لما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # PageV01P263 # معنى صريح محض يشهد له العقل بالصحة، ويعطيه من نفسه أكرم النسبة، وتتفق ~~العقلاء على الأخذ به، والحكم بموجبه، في كل جيل وأمة، ويوجد له أصل في كل ~~لسان ولغة، وأعلى مناسبه وأنورها، وأجلها وأفخرها، قول الله تعالى: " إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم " " " الحجرات: 13 "، وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " من أبطأ به علمه لم يسرع به نسبه "، وقوله عليه السلام: " يا بني ~~هاشم، لا تجيئني الناس بالأعمال وتجيئوني بالأنساب "، وذلك أنه لو كانت ~~القضية على ظاهر يغتر به الجاهل، ويعتمده المنقوص، لأدى ذلك إلى إبطال ~~النسب أيضا، وإحالة التكثر به، والرجوع إلى شرفه، فإن الأول لو عدم الفضائل ~~المكتسبة، والمساعي الشريفة، ولم يبن من أهل زمانه بأفعال تؤثر، ومناقب ~~تدون وتسطر، لما كان أولا، ولكان المعلم من أمره مجهلا، ولما تصور افتخار ~~الثاني بالانتماء إليه، وتعويله في المفاضلة عليه، ولكان لا يتصور فرق بين ~~أن يقول: هذا أبي، ومنه نسبي، وبين أن ينسب إلى الطين، الذي هو أصل الخلق ~~أجمعين، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " كلكم لآدم، وآدم من التراب "، ~~وقال محمد بن الربيع الموصلي: # PageV01P264 # الناس في صورة التشبيه أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء # فإن يكن لهم في أصلها شرف ... يفاخرون به فالطين ms151 والماء # ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء # ووزن كل امرئ ما كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء # فهذا كما ترى باب من المعاني التي تجمع فيها النظائر، وتذكر الأبيات ~~الدالة عليها، فإنها تتلاقى وتتناظر، وتتشابه وتتشاكل، ومكانه من العقل ما ~~ظهر لك واستبان ووضح واستنار، وكذلك قوله: # وكل امرئ يولي الجميل محبب # صريح معنى ليس للشعر في جوهره وذاته نصيب، وإنما له ما يلبسه من اللفظ، ~~ويكسوه من العبارة، وكيفية التأدية من الاختصار وخلافه، والكشف أو ضده، ~~وأصله قول النبي صلى الله عليه وسلم: " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ~~"، بل قول الله عز وجل: " ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة ~~كأنه ولي حميم " " فصلت: 34 "، وكذا قوله: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم # PageV01P265 # معنى معقول لم يزل العقلاء يقضون بصحته، ويرى العارفون بالسياسة الأخذ ~~بسنته، وبه جاءت أوامر الله سبحانه، وعليه جرت الأحكام الشرعية والسنن ~~النبوية، وبه استقام لأهل الدين دينهم، وانتفى عنهم أذى من يفتنهم ويضيرهم، ~~إذ كان موضوع الجبلة على أن لا تخلو الدنيا من الطغاة الماردين، والغواة ~~المعاندين، الذين لا يعون الحكمة فتردعهم، ولا يتصورون الرشد فيكفهم النصح ~~ويمنعهم، ولا يحسون بنقائص الغي والضلال، وما في الجور والظلم من الضعة ~~والخبال، فيجدوا لذلك مس ألم يحبسهم على الأمر، ويقف بهم عند الزجر، بل ~~كانوا كالبهائم والسباع، لا يوجعهم إلا ما يخرق الأبشار من حد الحديد، وسطو ~~البأس الشديد، فلو لم تطبع لأمثالهم السيوف، ولم تطلق فيهم الحتوف، لما ~~استقام دين ولا دنيا، ولا نال أهل الشرف ما نالوه من الرتبة العليا، فلا ~~يطيب الشرب من منهل لم تنف عنه الأقذاء، ولا تقر الروح في بدن لم تدفع عنه ~~الأدواء. وكذلك قوله: # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا # وضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف في موضع الندى # PageV01P266 ### | لقسم التخييلي # وأما القسم التخييلي، فهو الذي لا يمكن ms152 أن يقال إنه صدق، وإن ما أثبته ~~ثابت وما نفاه منفي، وهو مفتن المذاهب، كثير المسالك، لا يكاد يحصر إلا ~~تقريبا، ولا يحاط به تقسيما وتبويبا، ثم إنه يجيء طبقات، ويأتي على درجات، ~~فمنه ما يجيء مصنوعا قد تلطف فيه، واستعين عليه بالرفق والحذق، حتى أعطي ~~شبها من الحق، وغشي رونقا من الصدق، باحتجاج تمحل، وقياس تصنع فيه وتعمل، ~~ومثاله قول أبي تمام: # اتنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالى # فهذا قد خيل إلى السامع أن الكريم إذا كان موصوفا بالعلو، والرفعة في ~~قدره، وكان الغنى كالغيث في حاجة الخلق إليه وعظم نفعه، وجب بالقياس أن يزل ~~عن الكريم، زليل السيل عن الطود العظيم، ومعلوم أنه قياس تخييل وإيهام، لا ~~تحصيل وإحكام، فالعلة في أن السيل لا يستقر على الأمكنة العالية، أن الماء ~~سيال لا يثبت إلا إذا حصل في موضع له جوانب تدفعه عن الانصباب، وتمنعه عن ~~الانسياب، وليس في الكريم والمال، شيء من هذه الخلال، وأقوى من هذا في أن ~~يظن حقا وصدقا، وهو على التخيل قوله: # لشيب كره وكره أن يفارقني ... أعجب بشيء على البغضاء مودود # PageV01P267 # هو من حيث الظاهر صدق وحقيقة، لأن الإنسان لا يعجبه أن يدركه الشيب، فإذا ~~هو أدركه كره أن يفارقه، فتراه لذلك ينكره ويتكرهه على إرادته أن يدوم له، ~~إلا أنك إذا رجعت إلى التحقيق، كانت الكراهة والبغضاء لاحقة للشيب على ~~الحقيقة، فأما كونه مرادا ومودودا، فمتخيل فيه، وليس بالحق والصدق، بل ~~المودود الحياة والبقاء، إلا أنه لما كانت العادة جارية بأن في زوال رؤية ~~الإنسان للشيب، زواله عن الدنيا وخروجه منها، وكان العيش فيها محببا إلى ~~النفوس، صارت محبته لما لا يبقى له حتى يبقى الشيب، كأنها محبة للشيب. من ~~ذلك صنيعهم إذا أرادوا تفضيل شيء أو قصه، ومدحه أو ذمه، فتعلقوا ببعض ما ~~يشاركه في أوصاف ليست هي سبب الفضيلة والنقيصة، وظواهر أمور لا تصحح ما ~~قصدوه من التهجين والتزيين على الحقيقة، كما تراه في باب الشيب والشباب، ms153 ~~كقول البحتري: # بياض البازي أصدق حسنا ... إن تأملت من سواد الغراب # وليس إذا كان البياض في البازي آنق في العين وأخلق بالحسن من السواد في ~~الغراب، وجب لذلك أن لايذم الشيب ولا تنفر منه طباع ذوي الألباب، لأنه ليس ~~الذنب كله لتحول الصبغ وتبدل اللون، ولا أتت الغواني ما أتت من الصد ~~والإعراض لمجرد البياض، فإنهن يرينه في قباطي مصر فيأنسن، وفي أنوار الروض ~~وأوراق النرجس الغض فلا يعبسن، فما أنكرن ابيضاض شعر الفتى # PageV01P268 # لنفس اللون وذاته، بل لذهاب بهجاته، وإدباره في حياته، وإنك لترى الصفرة ~~الخالصة في أوراق الأشجار المتناثرة عند الخريف وإقبال الشتاء وهبوب ~~الشمال، فتكرهها وتنفر منها، وتراها بعينها في إقبال الربيع في الزهر ~~المتفتق، وفيما ينشئه ويشيه من الديباج المؤنق، فتجد نفسك على خلاف تلك ~~القضية، وتمتلئ من الأريحية، ذاك لأنك رأيت اللون حي النماء والزيادة، ~~والحياة المستفادة، وحيث أبشرت أرواح الرياحين، وبشرت أنواع التحاسين، ~~ورأيته في الوقت الآخر حين ولت السعود، واقشعر العود، وذهبت البشاشة ~~والبشر، وجاء العبوس والعسر. هذا ولو عدم البازي فضيلة أنه جارح، وأنه من ~~عتيق الطير، لم تجد لبياضه الحسن الذي تراه، ولم يكن للمحتج به على من ينكر ~~الشيب ويذمه ما تراه من الاستظهار، كما أنه لولا ما يهدي إليك المسك من ~~رياه التي تتطلع إلها الأرواح، وتهش لها النفوس وترتاح، ولضعفت حجة المتعلق ~~به في تفضيل الشباب، وكما لم تكن العلة في كراهة الشيب بياضه، ولم يكن هو ~~الذي غض عنه الأبصار، ومنحه العيب والإنكار، كذلك لم يحسن سواد الشعر في ~~العيون لكونه سوادا فقط، بل لأنك رأيت رونق الشباب ونضارته، وبهجته وطلاوته ~~ورأيت بريقه وبصيصه يعدانك الإقبال، ويريانك الاقتبال، ويحضرانك الثقة ~~بالبقاء، ويبعدان عنك الخوف من الغناء، وإنك لترى الرجل وقد طعن في السن ~~وشعره لم يبيض، وشيبه لم ينقض، ولكنه على ذاك قد عدم إبهاجه الذي كان، وعاد ~~لا يزين كما زان، وظهر فيه من الكمودوالجمود، ما يريكه غير محمود. وهكذا ~~قوله: # PageV01P269 # والصارم المصقول أحسن حالة ... يوم ms154 الوغى من صارم لم يصقل # احتجاج على فضيلة الشيب، وأنه أحسن منظرا من جهة التعلق باللون، وإشارة ~~إلى أن السواد كالصدأ على صفحة السيف، فكما أن السيف إذا صقل وجلي وأزيل ~~عنه الصدأ ونقي كان أبهى وأحسن، وأعجب إلى الرائي وفي عينه أزين، كذلك يجب ~~أن يكون حكم الشعر في انجلاء صدأ السواد عنه، وظهور بياض الصقال فيه، وقد ~~ترك أن يفكر فيما عدا ذلك من المعاني التي لها يكره الشيب، ويناط به العيب. ~~وعلى هذا موضوع الشعر والخطابة، أن يجعلوا اجتماع الشيئين في وصف علة لحكم ~~يريدونه، وإن لم يكن كذلك في المعقول ومقتضيات العقول، ولا يؤخذ الشاعر بأن ~~يصحح كون ما جعله أصلا وعلة كما ادعاه فيما يبرم أو ينقض من قضية، وأن يأتي ~~على ما صيره قاعدة وأساسا بينة عقلية، بل تسلم مقدمته التي اعتمدها بينة، ~~كتسليمنا أن عائب الشيب لم ينكر منه إلا لونه، وتناسينا سائر المعاني التي ~~لها كره، ومن أجلها عيب، وكذلك قول البحتري: # كلفتمونا حدود منطقكم ... في الشعر يكفي عن صدقه كذبه # أراد كلفتمونا أن نجري مقاييس الشعر على حدود المنطق، ونأخذ نفوسنا فيه ~~بالقول المحقق، حتى لا ندعي إلا ما يقول عليه من العقل برهان يقطع به، ~~ويلجئ إلى موجبه، ولا شك أنه إلى هذا النحو قصد، وإياه عمد، # PageV01P270 # إذ يبعد أن يريد بالكذب إعطاء الممدوح حظا من الفضل والسؤدد ليس له، ~~ويبلغه بالصفة حظا من التعظيم ليس هو أهله، وأن يجاوز به من الإكثار محله، ~~لأن هذا الكذب لا يبين بالحجج المنطقية، والقوانين العقلية، وإنما يكذب فيه ~~القائل بالرجوع إلى حال المذكور واختباره فيما وصف به، والكشف عن قدره ~~وخسته، ورفعته أو ضعته، ومعرفة محله ومرتبته. وكذلك قول من قال خير الشعر ~~أكذبه، فهذا مراده، لأن الشعر لا يكتسب من حيث هو شعر فضلا ونقصا، وانحطاطا ~~وارتفاعا، بأن ينحل الوضيع صفة من الرفعة هو منها عار، أو يصف الشريف بنقص ~~وعار، فكم جواد بخله الشعر وبخيل سخاه؛ وشجاع وسمه بالجبن وجبان ms155 ساوى به ~~الليث؛ ودني أوطأه قيمة العيوق، وغبي قضى له بالفهم، وطائش ادعى له طبيعة ~~الحكم، ثم لم يعتبر ذلك في الشعر نفسه حيث تنتقد دنانيره وتنشر ديابيجه، ~~ويفتق مسكه فيضوع أريجه. وأما من قال في معارضة هذا القول: خير الشعر ~~أصدقه، كما قال: # وإن أحسن بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا # فقد يجوز أن يراد به أن خير الشعر ما دل على حكمة يقبلها العقل، وأدب يجب ~~به الفضل، وموعظة تروض جماح الهوى وتبعث على التقوى، # PageV01P271 # وتبين موضع القبح والحسن في الأفعال، وتفصل بين المحمود والمذموم من ~~الخصال، وقد ينحى بها نحو الصدق في مدح الرجال، كما قيل: كان زهير لا يمدح ~~الرجل إلا بما فيه، والأول أولى، لأنهما قولان يتعارضان في اختيار نوعي ~~الشعر. فمن قال خيره أصدقه كان ترك الإغراق والمبالغة والتجوز إلى التحقيق ~~والتصحيح، واعتماد ما يجرى من العقل على أصل صحيح، أحب إليه وآثر عنده، إذ ~~كان ثمره أحلى، وأثره أبقى، وفائدته أظهر، وحاصله أكثر، ومن قال أكذبه، ذهب ~~إلى أن الصنعة إنما تمد باعها، وتنشر شعاعها، ويتسع ميدانها، وتتفرع ~~أفنانها، حيث يعتمد الاتساع والتخييل، ويدعى الحقيقة فيما أصله التقريب ~~والتخيل وحيث يقصد التلطف والتأويل ويذهب بالقول مذهب المبالغة والإغراق في ~~المدح والذم والوصف والنعت والفخر والمباهاة وسائر المقاصد والأغراض، وهناك ~~يجد الشاعر سبيلا إلى أن يبدع ويزيد، ويبدي في اختراع الصور ويعيد، ويصادف ~~مضطربا كيف شاء واسعا، ومددا من المعاني متتابعا، ويكون كالمغترف من عد لا ~~ينقطع، والمستخرج من معدن لا ينتهي. وأما القبيل الأول فهو فيه كالمقصور ~~المدانى قيده، والذي لا تتسع كيف شاء يده وأيده، ثم هو في الأكثر يسرد على ~~السامعين معانى معروفة وصورا مشهورة، ويتصرف في أصول هي وإن كانت شريفة، ~~فإنها # PageV01P272 # كالجواهر تحفظ أعدادها، ولا يرجى ازديادها، وكالأعيان الجامدة التي لا ~~تنمي ولا تزيد، ولا تربح ولا تفيد، وكالحسناء العقيم، والشجرة الرائقة لا ~~تمتع بجنى كريم. هذا ونحوه يمكن أن يتعلق به في نصرة التخييل وتفضيله، ~~والعقل ms156 بعد على تفضيل القبيل الأول وتقديمه وتفخيم قدره وتعظيمه، وما كان ~~العقل ناصره، والتحقيق شاهده، فهو العزيز جانبه، المنيع مناكبه، وقد قيل ~~الباطل مخصوم وإن قضي له، والحق مفلج وإن قضي عليه، هذا ومن سلم أن المعاني ~~المعرقة في الصدق، المستخرجة من معدن الحق، في حكم الجامد الذي لا ينمي، ~~والمحصور الذي لا يزيد؛ وإن أردت أن تعرف بطلان هذه الدعوى فانظر إلى قول ~~أبي فراس: # وكنا كالسهام إذا أصابت ... مراميها فراميها أصابا # ألست تراه عقليا عريقا في نسبه، معترفا بقوة سببه، وهو على ذلك من فوائد ~~أبي فراس التي هي أبو عذرها، والسابق إلى إثارة سرها، واعلم أن الاستعارة ~~لا تدخل في قبيل التخييل، لأن المستعير لا يقصد إلى إثبات معنى اللفظة ~~المستعارة، وإنما يعمد إلى إثبات شبه هناك، فلا يكون مخبره على خلاف خبره، ~~وكيف يعرض الشك في أن # PageV01P273 # لا مدخل للاستعارة في هذا الفن، وهي كثيرة في التنزيل على ما لا يخفى، ~~كقوله عز وجل: " واشتعل الرأس شيبا " " مريم: 4 "، ثم لا شبهة في أن ليس ~~المعنى على إثبات الاشتعال ظاهرا، وإنما المراد إثبات شبهه، وكذلك قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن مرآة المؤمن، ليس على إثباته مرآة من حيث ~~الجسم الصقيل، لكن من حيث الشبه المعقول، وهو كونها سببا للعلم بما لولاها ~~لم يعلم، لأن ذلك العلم طريقه الرؤية، ولا سبيل إلى أن يرى الإنسان وجهه ~~إلا بالمرآة وما جرى مجراها من الأجسام الصقيلة، فقد جمع بين المؤمن ~~والمرآة في صفة معقولة، وهي أن المؤمن ينصح أخاه ويريه الحسن من القبيح، ~~كما تري المرآة الناظر فيها ما يكون بوجهه من الحسن وخلافه، وكذا قوله صلى ~~الله عليه وسلم: " إياكم وخضراء الدمن "، معلوم أن ليس القصد إثبات معنى ~~ظاهر اللفظين، ولكن الشبه الحاصل من مجموعهما، وذلك حسن الظاهر مع خبث ~~الأصل، وإذا كان هذا كذلك، بان منه أيضا أن لك مع لزوم الصدق، والثبوت على ~~محض الحق، الميدان الفسيح والمجال الواسع، وأن ليس الأمر على ما ms157 ظنه ناصر ~~الإغراق والتخييل الخارج إلى أن يكون الخبر على خلاف المخبر، من أنه إنما ~~يتسع المقال ويفتن، وتكثر موارد الصنعة ويغزر ينبوعها، وتكثر أغصانها ~~وتتشعب فروعها، إذا بسط من عنان الدعوى، فادعي ما لا يصح دعواه، وأثبت ما ~~ينفيه العقل ويأباه. # PageV01P274 # وجملة الحديث أن الذي أريده بالتخييل ها هنا، ما يثبت فيه الشاعر أمرا هو ~~غير ثابت أصلا، ويدعي دعوى لا طريق إلى تحصيلها، ويقول قولا يخدع فيه نفسه ~~ويريها ما لا ترى، فأما الاستعارة فإن سبيلها سبيل الكلام المحذوف، في أنك ~~إذا رجعت إلى أصله، وجدت قائله وهو يبت أمرا عقليا صحيحا، ويدعي دعوى لها ~~سنخ في العقل، وستمر بك ضروب من التخييل هي أظهر أمرا في البعد عن الحقيقة، ~~وأكشف وجها في أنه خداع للعقل، وضرب من التزويق، فتزداد استبانة للغرض بهذا ~~الفصل، وأزيدك حينئذ إن شاء الله، كلاما في الفرق بين ما يدخل في حيز قولهم ~~خير الشعر أكذبه، وبين ما لا يدخل فيه مما يشاركه في أنه اتساع وتجوز ~~فاعرفه. وكيف دار الأمر فإنهم لم يقولوا خير الشعر أكذبه، وهم يريدون كلاما ~~غفلا ساذجا يكذب فيه صاحبه ويفرط، نحو أن يصف الحارس بأوصاف الخليفة، ويقول ~~للبائس المسكين إنك أمير العراقين، ولكن ما فيه صنعة يتعمل لها، وتدقيق في ~~المعاني يحتاج معه إلى فطنة لطيفة وفهم ثاقب وغوص شديد، والله الموافق ~~للصواب، وأعود إلى ما كنت فيه من الفصل بين المعنى الحقيقي وغير الحقيقي. ~~واعلم أن ما شأنه التخييل، أمره في عظم شجرته إذا تؤمل نسبه، وعرفت شعوبه ~~وشعبه، على ما أشرت إليه قبيل، لا يكاد تجيء فيه قسمة تستوعبه، وتفصيل ~~يستغرقه، وإنما الطريق فيه أن يتبع الشيء بعد الشيء ويجمع ما يحصره ~~الاستقراء، # PageV01P275 # فالذي بدأت به من دعوى أصل وعلة في حكم من الأحكام، هما كذلك ما تركت ~~المضايقة، وأخذ بالمسامحة، ونظر إلى الظاهر، ولم ينقر عن السرائر، وهو ~~النمط العدل والنمرقة الوسطى، وهو شيء تراه كثيرا بالآداب والحكم البريئة ~~من الكذب، ومن الأمثلة فيه ms158 قول أبي تمام: # إن ريب الزمان يحسن أن يه ... دي الرزايا إلى ذوي الأحساب # فلهذا يجف بعد اخضرار ... قبل روض الوهاد روض الروابي # وكذا قوله يذكر أن الممدوح قد زاده، مع بعده عنه وغيبته، في العطايا على ~~الحاضرين عنده اللازمين خدمته: # لزموا مركز الندى وذراه ... وعدتنا عن مثل ذاك العوادي # غير أن الربى إلى سبل الأنو ... اء أدنى والحظ حظ الوهاد # لم يقصد من الربى هاهنا إلى العلو، ولكن إلى الدنو فقط، وكذلك لم يرد ~~بذكر الوهاد الضعة والتسفل والهبوط، كما أشار إليه في قوله " والسيل حرب ~~للمكان العالي " وإنما أراد أن الوهاد ليس لها قرب الربى من فيض الأنواء، ~~ثم إنها تتجاوز الربى التي هي دانية قريبة إليها، إلى الوهاد التي ليس لها ~~ذلك القرب. ومن هذا النمط، في أنه تخييل شبية بالحقيقة لاعتدال أمره، وأن ~~ما تعلق # PageV01P276 # به من العلة موجود على ظاهر ما ادعى، قوله: # ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجى حين تحتجب # فاستتار السماء بالغيم هو سبب رجاء الغيث الذي يعد في مجرى العادة جودا ~~منها ونعمة، صادرة عنها، كما قال ابن المعتز: # ما ترى نعمة السماء على الأر ... ض وشكر الرياض للأمطار # وهذا نوع آخر، وهو دعواهم في الوصف هو خلقة في الشيء وطبيعة، أو واجب على ~~الجملة، من حيث هو أن ذلك الوصف حصل له من الممدوح ومنه استفاده،، وأصل هذا ~~التشبيه، ثم يتزايد فيبلغ هذا الحد، ولهم فيه عبارات منها قولهم إن الشمس ~~تستعير منه النور وتستفيد، أو تتعلم منه الإشراق وتكتسب منه الإضاءة، وألطف ~~ذلك أن قال: تسرق، وأن نورها مسروق من الممدوح، وكذلك يقال المسك يسرق من ~~عرفه، وأن طيبه مسترق منه ومن أخلاقه، قال ابن بابك: # ألا يا رياض الحزن من أبرق الحمى ... نسيمك مسروق ووصفك منتحل # حكيت أبا سعد فنشرك نشره ... ولكن له صدق الهوى ولك الملل # ونوع آخر، وهو أن يدعي في الصفة الثانية للشيء أنه إنما كان لعلة يضعها ~~الشاعر ويختلقها، إما لأمر يرجع ms159 إلى تعظيم الممدوح، أو تعظيم # PageV01P277 # أمر من الأمور، فمن الغريب في ذلك معنى بيت فارسي ترجمته: # لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق # فهذا ليس من جنس ما مضى، أعني ما أصله التشبيه، ثم أريد التناهي في ~~المبالغة والإغراق والإغراب. ويدخل في هذا الفن قول المتنبي: # لم يحك نائلك السحاب وإنما ... حمت به فصبيبها الرحضاء # لأنه وإن كان أصله التشبيه، من حيث يشبه الجواد بالغيث، فإنه وضع المعنى ~~وضعا وصوره في صورة خرج معها إلى ما لا أصل له في التشبيه، فهو كالواقع بين ~~الضربين، وقريب منه في أن أصله التشبيه ثم باعده بالصنعة في تشبيهه وخلع ~~عنه صورته خلعا، قوله: # وما ريح الرياض لها ولكن ... كساها دفنهم في الترب طيبا # ومن لطيف هذا النوع قول أبي العباس الضبي: # لا تركنن إلى الفرا ... ق وإن سكنت إلى العناق # فالشمس عند غروبها ... تصفر من فرق الفراق # ادعى لتعظيم شأن الفراق أن ما يرى من الصفرة في الشمس حين يرق نورها ~~بدنوها من الأرض، إنما هو لأنها تفارق الأفق الذي كانت فيه، # PageV01P278 # أو الناس الذين طلعت عليهم وأنست بهم وأنسوا بها وسرتهم رؤيتها، ونوع منه ~~قول الآخر: # قضيب الكرم نقطعه فيبكي ... ولا تبكي وقد قطع الحبيب # وهو منسوب إلى إنشاد الشبلي، ويقال أيضا أن أبا العباس أخذ معناه في بيته ~~من قول بعض الصوفية وقيل له: لم تصفر الشمس عند الغروب؛ فقال من حذر ~~الفراق، ومن لطيف هذا الجنس قول الصولي: # الريح تحسدني علي ... ك ولم أخلها في العدا # لما هممت بقبلة ... ردت على الوجه الردا # وذلك أن الريح إذا كان وجهها نحو الوجه، فواجب في طباعها أن ترد الرداء ~~عليه، وأن تلف من طرفيه، وقد ادعى أن ذلك منها لحسد بها وغيرة على ~~المحبوبة، وهي من أجل ما في نفسها تحول بينه وبين أن ينال من وجهها. وفي ~~هذه الطريقة قوله: # وحاربني فيه ريب الزمان ... كأن الزمان له عاشق # PageV01P279 # إلا أنه لم يضع علة ومعلولا من طريق ms160 النص على شيء، بل أثبت محاربة من ~~الزمان في معنى الحبيب، ثم جعل دليلا على علتها جواز أن يكون شريكا له في ~~عشقه، وإذا حققنا لم يجب لأجل أن جعل العشق علة للمحاربة، وجمع بين الزمان ~~والريح، في ادعاء العداوة لهما أن يتناسب البيتان من طريق الخصوص والتفصيل. ~~وذاك أن الكلام في وضع الشاعر للأمر الواجب علة غير معقول كونها علة لذلك ~~الأمر، وكون العشق علة للمعاداة في المحبوب معقول معروف غير بدع ولا منكر، ~~فإذا بدأ فادعى أن الزمان يعاديه ويحاربه فيه، فقد أعطاك أن ذلك لمثل هذه ~~العلة وليس إذا ردت الريح الرداء، فقد وجب أن يكون ذلك لعلة الحسد أو ~~لغيرها، لأن رد الرداء شأنها، فاعرفه، فإن من شأن حكم المحصل أن لا ينظر في ~~تلاقي المعاني وتناظرها إلى جمل الأمور، وإلى الإطلاق والعموم، بل ينبغي أن ~~يدقق النظر في ذلك، ويراعى التناسب من طريق الخصوص والتفاصيل، فأنت في نحو ~~بيت ابن وهيب تدعى صفة غير ثابتة، وهي إذا ثبتت اقتضت مثل العلة التي ~~ذكرها، وفي نحو بيت الريح، تذكر صفة غير ثابتة حاصلة على الحقيقة، ثم تدعي ~~لها علة من عند نفسك وضعا واختراعا، فافهمه، وهكذا قول المتنبي: # ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم ... لعل بها مثل الذي بي من السقم # فلو لم تغر لم تزو عني لقاءكم ... ولو لم تردكم لم تكن فيكم خصمي # PageV01P280 # الدعوى في إثبات الخصومة، وجعل النوى كالشيء الذي يعقل ويميز ويريد ~~ويختار، وحديث الغيرة والمشاركة في هوى الحبيب، يثبت بثبوت ذلك من غير أن ~~يفتقر منك إلى وضع واختراع. ومما يلحق بالفن الذي بدأت به قوله: # بنفسي ما يشكوه من راح طرفه ... ونرجسه مما دهى حسنه ورد # أراقت دمي عمدا محاسن وجهه ... فأضحى وفي عينيه آثاره تبدو # لأنه قد أتى لحمرة العين وهي عارض يعرض لها من حيث هي عين بعلة يعلم أنها ~~مخترعة موضوعة، فليس ثم إراقة دم، وأصل هذا قول ابن المعتز: # قالوا اشتكت عينه فقلت لهم ... من كثرة ms161 القتل نالها الوصب # حمرتها من دماء من قتلت ... والدم في النصل شاهد عجب # وبين هذا الجنس وبين نحو الريح تحسدني، فرق، وذلك أن لك هناك فعلا هو ~~ثابت واجب في الريح، وهو رد الرداء على الوجه، ثم أحببت أن تتطرف، فادعيت ~~لذلك الفعل علة من عند نفسك، وأما هاهنا فنظرت إلى صفة موجودة، فتأولت فيها ~~أنها صارت إلى العين من غيرها، وليست هي التي من شأنها أن تكون في العين، ~~فليس معك هنا إلا معنى واحد، وأما هناك # PageV01P281 # فمعك معنيان: أحدهما موجود معلوم، والآخر مدعى موهوم فاعرفه. ومما يشبه ~~هذا الفن الذي هو تأول في الصفة فقط، من غير أن يكون معلول وعلة، ما تراه ~~من تأولهم في الأمراض والحميات أنها ليست بأمراض، ولكنها فطن ثاقبة وأذهان ~~متوقدة وعزمات، كقوله: # وحوشيت أن تضرى بجسمك علة ... ألا إنها تلك العزوم الثواقب # وقال ابن بابك: # فترت وما وجدت أبا العلاء ... سوى فرط التوقد والذكاء # ولكشاجم، يقوله في علي بن سليمان الأخفش: # ولقد أخطأ قوم زعموا ... أنها من فضل برد في العصب # هو ذاك الذهن أذكى ناره ... والمزاج المفرط الحر التهب # ولا يكون قول المتنبي: # ومنازل الحمى الجسوم فقل لنا ... ما عذرها في تركها خيراتها # أعجبتها شرفا فطال وقوفها ... لتأمل الأعضاء لا لأذاتها # من هذا في شيء، بأكثر من أن كلا القولين في ذكر الحمى، وفي تطييب النفس ~~عنها، فهو اشتراك في الغرض والجنس، فأما في عمود المعنى # PageV01P282 # وصورته الخاصة فلا، لأن المتنبي لم ينكر أنه ما يجده الممدوح حمى كما ~~أنكره الآخر، ولكنه كأنه سأل نفسه كيف اجترأت الحمى على الممدوح، مع جلالته ~~وهيبته، أم كيف جاز أن يقصد شيء إلى أذاه مع كرمه ونبله، وأن المحبة من ~~النفوس مقصورة عليه؟ فتحمل لذلك جوابا، ووضع للحمى فيما فعلته من الأذى ~~عذرا، وهو تصريح ما اقتصر فيه على التعجب في قوله: # أيدري ما أرابك من يريب ... وهل ترقى إلى الفلك الخطوب # وجسمك فوق همة كل داء ... فقرب أقلها منه عجيب # إلا أن ذلك ms162 الإيهام أحسن من هذا البيان، وذلك التعجب موقوفا غير مجاب، ~~أولى بالإعجاب، وليس كل زيادة تفلح، وكل استقصاء يملح. ومن واضح هذا النوع ~~وجيده قول ابن المعتز: # صدت شرير وأزمعت هجري ... وصغت ضمائرها إلى الغدر # قالت كبرت وشبت قلت لها ... هذا غبار وقائع الدهر # ألا تراه أنكر أن يكون الذي بدا به شيبا، ورأى الاعتصام بالجحد أخصر ~~طريقا إلى نفي العيب وقطع الخصومة، ولم يسلك الطريقة العامية فيثبت المشيب، ~~ثم يمنع العائب أن يعيب، ويريه الخطأ في عيبه به، ويلزمه المناقضة في ~~مذهبه، كنحو ما مضى، أعني كقول البحتري: وبياض البازي. # PageV01P283 # وهكذا إذا تأولوا في الشيب أنه ليس بابيضاض الشعر الكائن في مجرى العادة ~~وموضوع الخلقة، ولكنه نور العقل والأدب قد انتشر، وبان وجهه وظهر، كقول ~~الطائي الكبير: # ولا يروعك إيماض القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب # وينبغي أن تعلم أن باب التشبيهات قد حظي من هذه الطريقة بضرب من السحر، ~~لا تأتي الصفة على غرابته، ولا يبلغ البيان كنه ما ناله من اللطف والظرف، ~~فإنه قد بلغ حدا يرد لمعروف في طباع الغزل، ويلهى الثكلان من الثكل، وينفث ~~في عقد الوحشة، وينشد ما ضل عنك من المسرة، ويشهد للشعر بما يطيل لسانه في ~~الفخر، ويبين جملة ما للبيان من القدرة والقدر، فمن ذلك قول ابن الرومي: # خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلا توردها عليه شاهد # لم يخجل الورد المورد لونه ... إلا وناحله الفضيلة عاند # للنرجس الفضل المبين وإن أبى ... آب وحاد عن الطريقة حائد # فصل القضية أن هذا قائد ... زهر الرياض وأن هذا طارد # PageV01P284 # شتان بين اثنين هذا موعد ... بتسلب الدنيا وهذا واعد # ينهى النديم عن القبيح بلحظه ... وعلى المدامة والسماع مساعد # اطلب بعفوك في الملاح سميه ... أبدا فإنك لا محالة واجد # والورد إن فكرت فرد في اسمه ... ما في الملاح له سمي واحد # هذي النجوم هي التي ربتهما ... بحيا السحاب كما يربي الوالد # فانظر إلى الأخوين من أدناهما ... شبها بوالده فذاك الماجد # أين الخدود من العيون نفاسة ms163 ... ورئاسة لولا القياس الفاسد # وترتيب الصنعة في هذه القطعة، أنه عمل أولا على قلب طرفي التشبيه، كما ~~مضى في فصل التشبيهات، فشبه حمرة الورد بحمرة الخجل، ثم تناسى ذلك وخدع عنه ~~نفسه، وحملها على أن تعتقد أنه خجل على الحقيقة، ثم لما اطمأن ذلك في قلبه ~~واستحكمت صورته، طلب لذلك الخجل علة، فجعل علته أن فضل على النرجس، ووضع في ~~منزلة ليس يرى نفسه أهلا لها، فصار يتشور من ذلك، ويتخوف عيب العائب، ~~وغميزة المستهزئ، ويجد ما يجد من مدح مدحة يظهر الكذب فيها ويفرط، حتى تصير ~~كالهزء بمن قصد بها، ثم زادته الفطنة الثاقبةوالطبع المثمر في سحر البيان، ~~ما رأيت من وضع حجاج في شأن النرجس، وجهة استحقاقه الفضل على الورد، فجاء ~~بحسن وإحسان لا تكاد تجد مثله إلا له. # PageV01P285 # ومما هو خليق أن يوضع في منزلة هذه القطع، ويلحق بها في لطف الصنعة، قول ~~أبي هلال العسكري: # زعم البنفسج أنه كعذاره ... حسنا فسلوا من قفاه لسانه # لم يظلموا في الحكم إذ مثلوا به ... فلشدما رفع البنفسج شانه # وقد اتفق للمتأخرين من المحدثين في هذا الفن نكت ولطائف، وبدع وظرائف، لا ~~يستكثر لها الكثير من الثناء، ولا يضيق مكانها من الفضل عن سعة الإطراء، ~~فمن ذلك قول ابن نباتة في صفة الفرس: # وأدهم يستمد الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثريا # سرى خلف الصباح يطير مشيا ... ويطوي خلفه الأفلاك طيا # فلما خاف وشك الفوت منه ... تشبث بالقوائم والمحيا # وأحسن من هذا وأحكم صنعة قوله في قطعة أخرى: # فكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه وخاض في أحشائه # وأول القطعة: # د جاءنا الطرف الذي أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه # ولاية وليتنا فبعثته ... رمحا سبيب العرف عقد لوائه # ختال منه على أغر محجل ... ماء الدياجي قطرة من مائه # كأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه وخاض في أحشائه # PageV01P286 # تمهلا والبرق من أسمائه ... متبرقعا والحسن من أكفائه # ما كانت النيران يكمن حرها ... لو كان للنيران بعض ذكائه # لا تعلق الألحاظ في أعطافه ... إلا إذا كفكفت ms164 من غلوائه # لا يكمل الطرف المحاسن كلها ... حتى يكون الطرف من أسرائه # ومما له في التفضيل الفضل الظاهر لحسن الإبداع، مع السلامة من التكلف، ~~قوله: # وماء على الرضراض يجري كأنه ... صحائف تبر قد سبكن جداولا # كأن بها من شدة الجري جنة ... وقد ألبستهن الرياح سلاسلا # وإنما ساعده التوفيق، من حيث وطئ له من قبل الطريق، فسبق العرف بتشبيه ~~الحبك على صفحات الغدران بحلق الدروع، فتدرج من ذلك إلى أن جعلها سلاسل، ~~كما فعل ابن المعتز في قوله: # وأنهار ماء كالسلاسل فجرت ... لترضع أولاد الرياحين والزهر # ثم أتم الحذق بأن جعل للماء صفة تقتضي أن يسلسل، وقرب مأخذ ما حاول عليه، ~~فإن شدة الحركة وفرط سرعتها من صفات الجنون، كما أن التمهل فيها والتأني من ~~أوصاف العقل، ومن هذا الجنس قول ابن المعتز في السيف، في أبيات قالها في ~~الموفق، وهي: # PageV01P287 # وفارس أغمد في جنة ... تقطع السيف إذا ما ورد # كأنها ماء عليه جرى ... حتى إذا ما غاب فيه جمد # في كفه عضب إذا هزه ... حسبته من خوفه يرتعد # فقد أراد أن يخترع لهزة السيف علة، فجعلها رعدة تناله من خوف الممدوح ~~وهيبته، ويشبه أن يكون ابن بابك نظر إلى هذا البيت وعلق منه الرعدة في ~~قوله: # فإن عجمتني نيوب الخطوب ... وأوهى الزمان قوى منتي # فما اضطرب السيف من خيفة ... ولا أرعد الرمح من قرة # إلا أنه ذهب بها في أسلوب آخر، وقصد إلى أن يقول إن كون حركات الرمح في ~~ظاهر حركة المرتعد، لا يوجب أن يكون ذلك من آفة وعارض، وكأنه عكس القضية ~~فأبى أن تكون صفة المرتعد في الرمح للعلل التي لمثلها تكون في الحيوان. ~~وأما ابن المعتز فحقق كونها في السيف على حقيقة العلة التي لها تكون في ~~الحيوان فاعرفه. وقد أعاد هذا الارتعاد على الجملة التي وصفت لك، فقال: # قالوا طواه حزنه فانحنى ... فقلت والشك عدو اليقين # ما هيف النرجس من صبوة ... ولا الضنى في صفرة الياسمين # ولا ارتعاد السيف من قرة ... ولا انعطاف الرمح من ms165 فرط لين # PageV01P288 # ومما حقه أن يكون طرازا في هذا النوع قول البحتري: # يتعثرن في النحور وفي الأو ... جه سكرا لما شربن الدماء # جعل فعل الطاعن بالرماح تعثرا منها، كما جعل ابن المعتز تحريكه للسيف ~~وهزه له ارتعادا، ثم طلب للتعثر علة، كما طلب هو للارتعاد فاعرفه. ومن هذا ~~الباب قول علبة: # وكأن السماء صاهرت الأر ... ض فصار النثار من كافور # وقول أبي تمام: # كأن السحاب الغر غيبن تحتها ... حبيبا فما ترقا لهن مدامع # وقول السري يصف الهلال: # جاءك شهر السرور شوال ... وغال شهر الصيام مغتال # ثم قال: # PageV01P289 # كأنه قيد فضة حرج ... فض عن الصائمين فاختالوا # كل واحد من هؤلاء قد خدع نفسه عن التشبيه وغالطها، وأوهم أن الذي جرى ~~العرف بأن يؤخذ منه الشبه قد حضر وحصل بحضرتهم على الحقيقة، ولم يقتصر على ~~دعوى حصوله حتى نصب له علة، وأقام عليه شاهدا، فأثبت علبة زفافا بين السماء ~~والأرض، وجعل أبو تمام للسحاب حبيبا قد غيب في التراب، وادعى السري أن ~~الصائمين كانوا في قيد، وأنه كان حرجا، فلما فض عنهم انكسر بنصفين، أو اتسع ~~فصار على شكل الهلال، والفرق بين بيت السري وبيتي الطائيين، أن تشبيه الثلج ~~بالكافور معتاد عامي جار على الألسن، وجعل القطر الذي ينزل من السحاب ~~دموعا، ووصف السحاب والسماء بأنها تبكي، كذلك، فأما تشبيه الهلال بالقيد ~~فغير معتاد نفسه إلا أن نظيره معتاد، ومعناه من حيث الصورة موجود، وأعني ~~بالنظير ما مضى من تشبيه الهلال بالسوار المنفصم، كما قال: # حاكيا نصف سوار ... من نضار يتوقد # وكما قال السري نفسه: # ولاح لنا الهلال كشطر طوق ... على لبات زرقاء اللباس # إلا أنه ساذج لا تعليل فيه يجب من أجله أن يكون سوارا أو طوقا، فاعرفه، # PageV01P290 # ورأيت بعضهم ذكر بيت السري الذي هو: " كأنه قيد فضة حرج " مع أبيات شعر ~~جمعه إليها، أنشد قطعة ابن الحجاج: # يا صاحب البيت الذي ... قد مات ضيفاه جميعا # مالي أرى فلك الرغي ... ف لديك مشترفا رفيعا # كالبدر لا نرجو إلى ... وقت المساء له ms166 طلوعا # ثم قال إنه شبه الرغيف بالبدر، لعلتين إحداهما الاستدارة، والثانية طلوعه ~~مساء، قال وخير التشبيه ما جمع معنيين، كقول ابن الرمي: # يا شبيه البدر في الحس ... ن وفي بعد المنال # جد فقد تنفجر الص ... خرة بالماء الزلال # وأنشد أيضا لإبراهيم بن المهدي: # ورحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وحنين والهة كقوس النازع # ثم قال ومثله قول السري: " كأنه قيد فضة حرج " وهو لا يشبه ما ذكره، إلا ~~أن يذهب إلى حديث أنه أفاد شكل الهلال بالقيد المفضوض، ولونه بالفضة، فأما ~~إن قصد النكتة التي هي موضع # PageV01P291 # الإغراب، فلا يستقيم الجمع بينه وبين ما أنشد، لأن شيئا من تلك الأبيات ~~لا يتضمن تعليلا، وليس فيها أكثر من ضم شبه إلى شبه، كالحنين والانحناء من ~~القوس، والاستدارة والطلوع مساء من البدر، وليس أحد المعنيين بعلة للآخر، ~~كيف؟ ولا حاجة بواحد من الشبهين المذكورين إلى تصحيح غيره له. ومما هو نظير ~~لبيت السري وعلى طريقة قول ابن المعتز: # سقاني وقد سل سيف الصبا ... ح والليل من خوفه قد هرب # لم يقنع هاهنا بالتشبيه الظاهر والقول المرسل، كما اقتصر في قوله: # حتى بدا الصباح من نقاب ... كما بدا المنصل من قراب # وقوله: # أما الظلام فحين رق قميصه ... وأتى بياض الصبح كالسيف الصدي # ولكنه أحب أن يحقق دعواه أن هناك سيفا مسلولا، ويجعل نفسه كأنها لا تعلم ~~أن هاهنا تشبيها، وأن القصد إلى لون البياض في الشكل المستطيل، فتوصل إلى ~~ذلك بأن جعل الظلام كالعدو المنهزم الذي سل السيف في قفاه، فهو يهرب مخافة ~~أن يضرب به، ومثل هذا في أن جعل الليل يخاف الصبح، لا في الصنعة التي أنا ~~في # PageV01P292 # سياقها، قوله: # سبقنا إليها الصبح وهو مقنع ... كمين وقلب الليل منه على حذر # وقد أخذ الخالدي بيته الأول أخذا، فقال: # والصبح قد جردت صوارمه ... والليل قد هم منه بالهرب # وهذه قطعة لابن المعتز، بيت منها هو المقصود: # وانظر إلى دنيا ربيع أقبلت ... مثل البغي تبرجت لزناة # جاءتك زائرة كعام أول ... وتلبست وتعطرت بنبات # وإذا تعرى ms167 الصبح من كافوره ... نطقت صنوف طيورها بلغات # والورد يضحك من نواظر نرجس ... قذيت وآذن حيها بممات # هذا البيت الأخير هو المراد، وذلك أن الضحك في الورد وكل ريحان ونور ~~يتفتح، مشهور معروف، وقد علله في هذا البيت، وجعل الورد كأنه يعقل ويميز، ~~فهو يشمت بالنرجس لانقضاء مدته وإدبار دولته، وبدو أمارات الفناء فيه، ~~وأعاد هذا الضحك من الورد فقال: # ضحك الورد في قفا المنثور ... واسترحنا من رعدة المقرور # PageV01P293 # أراد إقبال الصيف وحر الهواء، ألا تراه قال بعده: # واستطبنا المقيل في برد ظل ... وشممنا الريحان بالكافور # فالرحيل الرحيل يا عسكر الل ... ذات عن كل روضة وغدير # فهذا من شأن الورد الذي عابه به ابن الرومي في قوله: # فصل القضية أن هذا قائد ... زهر الرياض وأن هذا طارد # وقد جعله ابن المعتز لهذا الطرد ضاحكا ضحك من استولى وظفر وابتز غيره على ~~ولاية الزمان واستبد بها، ومما يشوب الضحك فيه شيء من التعليل قوله أيضا: # مات الهوى مني وضاع شبابي ... وقضيت من لذاته آرابي # وإذا أردت تصابيا في مجلس ... فالشيب يضحك بي مع الأحباب # لا شك أن لهذا الضحك زيادة معنى ليست للضحك في نحو قول دعبل: " ضحك ~~المشيب برأسه فبكى " وما تلك الزيادة إلا أنه جعل المشيب يضحك ضحك المتعجب ~~من تعاطي الرجل ما لا يليق به، وتكلفه الشيء ليس هو من أهله، وفي ذلك ما ~~ذكرت من إخفاء صورة التشبيه، وأخذ النفس بتناسيه، وهكذا قوله: # PageV01P294 # لما رأونا في خميس يلتهب ... في شارق يضحك من غير عجب # كأنه صب على الأرض ذهب ... وقد بدت أسيافنا من القرب # حتى تكون لمناياهم سبب ... نرفل في الحديد والأرض تجب # وحن شريان ونبع فاصطخب ... تترسوا من القتال بالهرب # المقصود قوله يضحك من غير عجب، وذاك أن نفيه العلة إشارة إلى أنه من جنس ~~ما يعلل، وأنه ضحك قطعا وحقيقة، ألا ترى أنك لو رحبت إلى صريح التشبيه فقلت ~~هيئته في تلألؤه كهيئة الضاحك، ثم قلت من غير عجب، قلت قولا غير مقبول، ~~واعلم أنك إن ms168 عددت قول بعض العرب: # ونثرة تهزأ بالنصال ... كأنها من خلع الهلال # الهلال الحية هاهنا، واللام للجنس في هذا القبيل، لم يكن لك ذلك. # PageV01P295 ### | فصل وهذا ### | نوع آخر في التعليل # وهو أن يكون للمعنى من المعاني والفعل من الأفعال علة مشهورة من طريق ~~العادات والطباع، ثم يجيء الشاعر فيمنع أن تكون لتلك المعروفة، ويضع له علة ~~أخرى، مثاله قول المتنبي: # ما به قتل أعاديه ولكن ... يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب # الذي يتعارفه الناس أن الرجل إذا قتل أعاديه فلإرادته هلاكهم، وأن يدفع ~~مضارهم عن نفسه، وليسلم ملكه ويصفو من منازعاتهم، وقد ادعى المتنبي كما ترى ~~أن العلة في قتل هذا الممدوح لأعدائه غير ذلك. واعلم أن هذا لا يكون حتى ~~يكون في استئناف هذه العلة المدعاة فائدة شريفة فيما يتصل بالممدوح، أو ~~يكون لها تأثير في الذم، كقصد المتنبي هاهنا في أن يبالغ في وصفه بالسخاء ~~والجود، وأن طبيعة الكرم قد غلبت عليه، ومحبته أن يصدق رجاء الراجين، وأن ~~يجنبهم الخيبة في آمالهم، قد بلغت به هذا الحد، فلما علم أنه إذا غدا للحرب ~~غدت الذئاب تتوقع أن يتسع عليها الرزق، ويخصب لها الوقت من قتلى عداه، كره ~~أن يخلفها، وأن يخيب رجاءها ولا يسعفها، وفيه نوع آخر من المدح، وهو أنه ~~يهزم العدى ويكسرهم كسرا لا يطمعون بعده في المعاودة، فيستغني بذلك عن ~~قتلهم وإراقة دمائهم، وأنه # PageV01P296 # ليس ممن يسرف في القتل طاعة للغيظ والحنق، ولا يعفو إذا قدر، وما يشبه ~~هذه الأوصاف الحميدة فاعرفه. ومن الغريب في هذا الجنس على تعمق فيه، قول ~~أبي طالب المأموني في قصيدة يمدح بها بعض الوزراء ببخارى: # مغرم بالثناء صب بكسب ال ... مجد يهتز للسماح ارتياحا # لا يذوق الإغفاء إلا رجاء ... أن يرى طيف مستميح رواحا # وكأنه شرط الرواح على معنى أن العفاة والراجين إنما يحضرونه في صدر ~~النهار على عادة السلاطين، فإذا كان الرواح ونحوه من الأوقات التي ليست من ~~أوقات الإذن قلوا، فهو يشتاق إليهم فينام ليأنس برؤية طيفهم، والإفراط في ms169 ~~التعمق ربما أخل بالمعنى من حيث يراد تأكيده به، ألا ترى أن هذا الكلام قد ~~يوهم أنه يحتج له أنه ممن لا يرغب كل واحد في أخذ عطائه، وأنه ليس في طبقة ~~من قيل فيه: # عطاؤك زين لامرئ إن أصبته ... بخير وما كل العطاء يزين # ومما يدفع عنه الاعتراض ويوجب قلة الاحتفال به، أن الشاعر يهمه أبدا ~~إثبات ممدوحه جوادا أو تواقا إلى السؤال فرحا بهم، وأن يبرئه من عبوس ~~البخيل وقطوب المتكلف في البذل، الذي يقاتل نفسه عن ماله حتى يقال جواد، ~~ومن يهوى الثناء والثراء معا، ولا يتمكن في نفسه معنى قول أبي تمام: # PageV01P297 # ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد ... ولا المجد في كف امرئ والدراهم # فهو يسرع إلى استماع المدائح، ويبطئ عن صلة المادح، نعم، فإذا سلم للشاعر ~~هذا الغرض، لم يفكر في خطرات الظنون. وقد يجوز شيء من الوهم الذي ذكرته على ~~قول المتنبي: # يعطي المبشر بالقصاد قبلهم ... كمن يبشره بالماء عطشانا # وهذا شيء عرض، ولاستقصائه موضع آخر، إن وفق الله. وأصل بيت الطيف ~~المستميح، من نحو قوله: # وإني لأستغشي وما بي نعسة ... لعل خيالا منك يلقى خياليا # وهذا الأصل غير بعيد أن يكون أيضا من باب ما استؤنف له علة غير معروفة، ~~إلا أنه لا يبلغ في القوة ذلك المبلغ في الغرابة والبعد من العادة، وذلك ~~أنه قد يتصور أن يريد المغرم المتيم، إذا بعد عهده بحبيبه، أن يراه في ~~المنام، وإذا أراد ذلك جاز أن يريد النوم له خاصة فاعرفه. ومما يلحق بهذا ~~الفصل قوله: # رحل العزاء برحلتي فكأنني ... أتبعته الأنفاس للتشييع # PageV01P298 # وذلك أنه علل تصعد الأنفاس من صدره بهذه العلة الغريبة، وترك ما هو ~~المعلوم المشهور من السبب والعلة فيه، وهو التحسر والتأسف، والمعنى: رحل ~~عني العزاء بارتحالي عنكم، أي: عنده ومعه أو به وبسببه، فكأنه لما كان محل ~~الصبر الصدر، وكانت الأنفاس تتصعد منه أيضا، صار العزاء وتنفس الصعداء ~~كأنهما نزيلان ورفيقان، فلما رحل ذاك، كان حق هذا أن يشيعه قضاء لحق ~~الصحبة. ms170 ومما يلاحظ هذا النوع، يجري في مسلكه وينتظم في سلكه، قول ابن ~~المعتز: # عاقبت عيني بالدمع والسهر ... إذ غار قلبي عليك من بصري # واحتملت ذاك وهي رابحة ... فيك وفازت بلذة النظر # وذاك أن العادة في دمع العين وسهرها أن يكون السبب فيه إعراض الحبيب، أو ~~اعتراض الرقيب، ونحو ذلك من الأسباب الموجبة للاكتئاب، وقد ترك ذلك كله كما ~~ترى، وادعى أن العلة ما ذكره من غيرة القلب منها على الحبيب وإيثاره أن ~~يتفرد برؤيته، وأنه بطاعة القلب وامتثال رسمه، رام للعين عقوبة، فجعل ذاك ~~أن أبكاها، ومنعها النوم وحماها، وله أيضا في عقوبة العين بالدمع والسهر، ~~من قصيدة أولها: # قل لأحلى العباد شكلا وقدا ... أبجد ذا الهجرأم ليس جدا # PageV01P299 # ما بذا كانت المنى حدثتني ... لهف نفسي أراك قد خنت ودا # ما ترى في متيم بك صب ... خاضع لا يرى من الذل بدا # إن زنت عينه بغيرك فاضرب ... ها بطول السهاد والدمع حدا # قد جعل البكاء والسهاد عقوبة على ذنب أثبته للعين، كما فعل في البيت ~~الأول، إلا أن صورة الذنب هاهنا غير صورته هناك، فالذنب هاهنا نظرها إلى ~~غير الحبيب، واستجازتها من ذلك ما هو محرم محظور والذنب هناك نظرها إلى ~~الحبيب نفسه، ومزاحمتها القلب في رؤيته، وغيرة القلب من العين سبب العقوبة ~~هناك، فأما هاهنا فالغيرة كائنة بين الحبيب وبين شخص آخر فاعرفه. ولا شبهة ~~في قصور البيت الثاني عن الأول، وأن للأول عليه فضلا كبيرا، وذلك بأن جعل ~~بعضه يغار من بعض، وجعل الخصومة في الحبيب بين عينيه وقلبه، وهو تمام الظرف ~~واللطف، فأما الغيرة في البيت الآخر، فعلى ما يكون أبدا، هذا ولفظ زنت، وإن ~~كان ما يتلوها من أحكام الصنعة يحسنها، وورودها في الخبر العين تزني، ويؤنس ~~بها، فليست تدع ما هو حكمها من إدخال نفرة على النفس. وإن أردت أن ترى هذا ~~المعنى بهذه الصنعة في أعجب صورة وأظرفها، فانظر إلى قول القائل: # أتتني تؤنبني بالبكا ... فأهلا بها وبتأنيبها # تقول وفي قولها حشمة ... أتبكي بعين ms171 تراني بها # فقلت إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدموع بتأديبها # PageV01P300 # أعطاك بلفظة التأديب، حسن أدب اللبيب، في صيانة اللفظ عما يحرج إلى ~~الاعتذار، ويؤدي إلى النفار، إلا أن الأستاذية بعد ظاهرة في بيت ابن ~~المعتز، وليس كل فضيلة تبدو مع البديهة، بل بعقب النظر والروية، وبأن يفكر ~~في أول الحديث وآخره، وأنت تعلم أنه لا يكون أبلغ في الذي أراد من تعظيم ~~شأن الذنب، من ذكر الحد، وأن ذلك لا يتم له إلا بلفظة زنت، ومن هذه الجهة ~~يلحق الضيم كثيرا من شأنه وطريقه طريق أبي تمام، ولم يكن من المطبوعين، ~~وموضع البسط في ذلك غير هذا فغرضي الآن أن أريك أنواعا من التخييل، وأضع ~~شبه القوانين ليستعان بها على ما يراد بعد من التفصيل والتبيين. # PageV01P301 ### | فصل في ### | تخييل بغير تعليل # وهذا نوع آخر من التخييل، وهو يرجع إلي ما مضى من تناسي التشبيه وصرف ~~النفس عن توهمه، إلا أن ما مضى معلل، وهذا غير معلل، بيان ذلك أنهم ~~يستعيرون الصفة المحسوسة من صفات الأشخاص للأوصاف المعقولة، ثم تراهم كأنهم ~~قد وجدوا تلك الصفة بعينها، وأدركوها بأعينهم على حقيقتها، وكأن حديث ~~الاستعارة والقياس لم يجر منهم على بال ولم يروه ولا طيف خيال. ومثاله ~~استعارتهم العلو لزيادة الرجل على غيره في الفضل والقدر والسلطان، ثم وضعهم ~~الكلام وضع من يذكر علوا من طريق المكان، ألا ترى إلى قول أبي تمام: # ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة في السماء # فلولا قصده أن ينسي الشبيه ويرفعه بجهده، ويصمم على إنكاره وجحده، فيجعله ~~صاعدا في السماء من حيث المسافة المكانية، لما كان لهذا الكلام وجه. ومن ~~أبلغ ما يكون في هذا المعنى قول ابن الرومي: # PageV01P302 # أعلم الناس بالنجوم بنو نو ... بخت علما لم يأتهم بالحساب # بل بأن شاهدوا السماء سموا ... بترق في المكرمات الصعاب # مبلغ لم يكن ليبلغه الطا ... لب إلا بتلكم الأسباب # وأعاده في موضع آخر، فزاد الدعوى قوة، ومر فيها مرور من يقول صدقا ويذكر ~~حقا: # يا آل نوبخت لا عدمتكم ms172 ... ولا تبدلت بعدكم بدلا # إن صح علم النجوم كان لكم ... حقا إذا ما سواكم انتحلا # كم عالم فيكم وليس بأن ... قاس ولكن بأن رقي فعلا # أعلاكم في السماء مجدكم ... فلستم تجهلون ما جهلا # شافهتم البدر بالسؤال عن ال ... أمر إلى أن بلغتم زحلا # وهكذا الحكم إذا استعاروا اسم الشيء بعينه من نحو شمس أو بدر أو بحر أو ~~أسد، فإنهم يبلغون به هذا الحد، ويصوغون الكلام صياغات تقضي بأن لا تشبيه ~~هناك ولا استعارة، مثاله قوله: # قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز علي من نفسي # قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس # فلولا أنه أنسى نفسه أن هاهنا استعارة ومجازا من القول، وعمل على دعوى ~~شمس على الحقيقة، لما كان لهذا التعجب معنى، فليس ببدع ولا منكر أن يظلل ~~إنسان حسن الوجه إنسانا ويقيه وهجا بشخصه. # PageV01P303 # وهكذا قول البحتري: # طلعت لهم وقت الشروق فعاينوا ... سنا الشمس من أفق ووجهك من أفق # وما عاينوا شمسين قبلهما التقى ... ضياؤهما وفقا من الغرب الشرق # معلوم أن القصد أن يخرج السامعين إلى التعجب لرؤية ما لم يروه قط، ولم ~~تجر العادة به، ولم يتم للتعجب معناه الذي عناه، ولا تظهر صورته على وصفها ~~الخاص، حتى يجترئ على الدعوى جرأة من لا يتوقف ولا يخشى إنكار منكر، ولا ~~يحفل بتكذيب الظاهر له، ويسوم النفس، شاءت أم أبت، تصور شمس ثانية طلعت من ~~حيث تغرب الشمس، فالتقتا وفقا، وصار غرب تلك القديمة لهذه المتجددة شرقا. ~~ومدار هذا النوع في الغالب على التعجب، وهو والي أمره، وصانع سحره، وصاحب ~~سره، وتراه أبدا وقد أفضى بك إلى خلابة لم تكن عندك، وبرز لك في صورة ما ~~حسبتها تظهر لك، ألا ترى أن صورة قوله شمس تظللني من الشمس، غير صورة قوله ~~وما عاينوا شمسين، وإن اتفق الشعران في أنهما يتعجبان من وجود الشيء على ~~خلاف ما يعقل ويعرف. وهكذا قول المتنبي: # كبرت حول ديارهم لما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق # له صورة غير صورة الأولين. وكذا ms173 قوله: # PageV01P304 # ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه ... ولا رجلا قامت تعانقه الأسد # يعرض صورة غير تلك الصور كلها، والاشتراك بينها عامي لا يدخل في السرقة، ~~إذ لا اتفاق بأكثر من أن أثبت الشيء في جميع ذلك على خلاف ما يعرفه الناس، ~~فأما إذا جئت إلى خصوص ما يخرج به عن المتعارف، فلا اتفاق ولا تناسب، لأن ~~مكان الأعجوبة مرة أن تظلل شمس من الشمس، وأخرى أن يرى للشمس مثل لا يطلع ~~من الغرب عند طلوعها من الشرق، وثالثة أن ترى الشموس طالعة من ديارهم، وعلى ~~هذا الحد قوله ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه، العجب من أن يمشي البدر إلى ~~آدمي، وتعانق الأسد رجلا. # واعلم أن في هذا النوع مذهبا هو كأنه عكس مذهب التعجب ونقيضه، وهو لطيف ~~جدا، وذلك أن ينظر إلى خاصية ومعنى دقيق يكون في المشبه به، ثم يثبت تلك ~~الخاصية وذلك المعنى للمشبه، ويتوصل بذلك إلى إيهام أن التشبيه قد خرج من ~~البين، وزال عن الوهم والعين أحسن توصل وألطفه، ويقام منه شبه الحجة على أن ~~لا تشبيه ولا مجاز، ومثال قوله: # لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر # قد عمد، كما ترى إلى شيء هو خاصية في طبيعة القمر، وأمر غريب من تأثيره، ~~ثم جعل يرى أن قوما أنكروا بلى الكتان بسرعة، وأنه قد أخذ # PageV01P305 # ينهاهم عن التعجب من ذلك ويقول أما ترونه قد زر أزراره على القمر، والقمر ~~من شأنه أن يسرع بلى الكتان، وغرضه بهذا كله أن يعلم أن لا شك ولا مرية في ~~أن المعاملة مع القمر نفسه، وأن الحديث عنه بعينه، وليس في البين شيء غيره، ~~وأن التشبيه قد نسي وأنسي، وصار كما يقول الشيخ أبو علي فيما يتعلق به ~~الظرف: إنه شريعة منسوخة. وهذا موضع في غاية اللطف، لا يبين إلا إذا كان ~~المتصفح للكلام حساسا، يعرف وحي طبع الشعر، وخفي حركته التي هي كالخلس، ~~وكمسرى النفس في النفس. وإن أردت أن تظهر لك صحة ms174 عزيمتهم في هذا النحو على ~~إخفاء التشبيه ومحو صورته من الوهم، فأبرز صفة التشبيه، واكشف عن وجهه، وقل ~~لا تعجبوا من بلى غلالته، فقد زر أزراره على من حسنه حسن القمر، ثم انظر هل ~~ترى إلا كلاما فاترا ومعنى نازلا، واخبر نفسك هل تجد ما كنت تجده من ~~الأريحية؟ وانظر في أعين السامعين هل ترى ما كنت تراه من ترجمة عن المسرة، ~~ودلالة على الإعجاب؟ ومن أين ذلك وأنى وأنت بإظهار التشبيه تبطل على نفسك ~~ما له وضع البيت من الاحتجاج على وجوب البلى في الغلالة، والمنع من العجب ~~فيه بتقرير الدلالة. وقد قال آخر في هذا المعنى بعينه، إلا أن لفظه لا ينبئ ~~عن القوة التي لهذا البيت في دعوى القمر، وهو قوله: # ترى الثياب من الكتان يلمحها ... نور من البدر أحيانا فيبليها # PageV01P306 # فكيف تنكر أن تبلى معاجرها ... والبدر في كل وقت طالع فيها # ومما ينظر إلى قوله قد زر أزراره على القمر، في أنه بلغ بدعواه في المجاز ~~حقيقة، مبلغ الاحتجاج به كما يحتج بالحقيقة، قول العباس بن الأحنف: # هي الشمس مسكنها في السماء ... فعز الفؤاد عزاء جميلا # فلن تستطيع إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك النزولا # صورة هذا الكلام ونصبته والقالب الذي فيه أفرغ، يقتضي أن التشبيه لم يجر ~~في خلده، وأنه معه كما يقال: لست منه وليس مني، وأن الأمر في ذلك قد بلغ ~~مبلغا لا حاجة معه إلى إقامة دليل وتصحيح دعوى، بل هو في الصحة والصدق بحيث ~~تصحح به دعوى ثانية، ألا تراه كأنه يقول للنفس ما وجه الطمع في الوصول وقد ~~علمت أن حديثك مع الشمس، ومسكن الشمس السماء؛ أفلا تراه قد جعل كونها الشمس ~~حجة له على نفسه، يصرفها بها عن أن ترجو الوصول إليها، ويلجئها إلى العزاء، ~~وردها في ذلك إلى ما لا تشك فيه، وهو مستقر ثابت، كما تقول: أوما علمت ذلك؟ ~~وأليس قد علمت؟، ويبين لك هذا التفسير والتقرير فضل بيان بأن تقابل هذا ~~البيت بقول الآخر: # فقلت لأصحابي هي ms175 الشمس ضوءها ... قريب ولكن في تناولها بعد # PageV01P307 # وتتأمل أمر التشبيه فيه، فإنك تجده على خلاف ما وصفت لك، وذلك أنه في ~~قوله فقلت لأصحابي هي الشمس، غير قاصد أن يجعل كونها الشمس حجة على ما ذكر ~~بعد، من قرب شخصها ومثالها في العين، مع بعد منالها بل قال هي الشمس، وهكذا ~~قولا مرسلا يومئ فيه بل يفصح بالتشبيه، ولم يرد أن يقول لا تعجبوا أن تقرب ~~وتبعد بعد أن علمتم أنها الشمس، حتى كأنه يقول: ما وجه شككم في ذلك؟، ولم ~~يشك عاقل في أن الشمس كذلك، كما أراد العباس أن يقول: كيف الطمع في الوصول ~~إليها مع علمك بأنها الشمس، وأن الشمس مسكنها السماء، فبيت ابن أبي عيينة ~~في أن لم ينصرف عن التشبيه جملة، ولم يبرز في صورة الجاحد له والمتبرئ منه، ~~كبيت بشار الذي صرح فيه بالتشبيه، وهو: # أو كبدر السماء غير قريب ... حين يوفي والضوء فيه اقتراب # وكبيت المتنبي: # كأنها الشمس يعيي كف قابضه ... شعاعها ويراه الطرف مقتربا # فإن قلت فهذا من قولك يؤدي إلى أن يكون الغرض من ذكر الشمس، بيان حال ~~المرأة في القرب من وجه، والبعد من وجه آخر، دون المبالغة في وصفها بالحسن ~~وإشراق الوجه، وهو خلاف المعتاد، لأن الذي يسبق إلى القلوب، أن يقصد من نحو ~~قولنا هي كالشمس أو هي شمس، الجمال والحسن والبهاء. # PageV01P308 # فالجواب إن الأمر وإن كان على ما قلت، فإنه في نحو هذه الأحوال التي قصد ~~فيها إلى بيان أمر غير الحسن، يصير كالشيء الذي يعقل من طريق العرف، وعلى ~~سبيل التبع، فأما أن يكون الغرض الذي له وضع الكلام فلا وإذا تأملت قوله ~~فقلت لأصحابي هي الشمس ضوءها قريب، وقول بشار: " أو كبدر السماء "، وقول ~~المتنبي: " كأنها الشمس "، علمت أنهم جعلوا جل غرضهم أن يصيبوا لها شبها في ~~كونها قريبة بعيدة، فأما حديث الحسن، فدخل في القصد على الحد الذي مضى في ~~قوله، وهو للعباس أيضا: # نعمة كالشمس لما طلعت ... بثت الإشراق في كل بلد # فكما ms176 أن هذا لم يضع كلامه لجعل النعم كالشمس في الضياء والإشراق، ولكن ~~عمت كما تعم الشمس بإشراقها كذلك لم يضع هؤلاء أبياتهم على أن يجعلوا ~~المرأة كالشمس والبدر في الحسن ونور الوجه، بل أموا نحو المعنى الآخر، ثم ~~حصل هذا لهم من غير أن احتاجوا فيه إلى تجشم، وإذا كان الأمر كذلك، فلم يقل ~~إن النعمة إنما عمت لأنها شمس، ولكن أراك لعمومها وشمولها قياسا، وتحرى أن ~~يكون ذلك القياس من شيء شريف له بالنعمة شبه من جهة أوصافه الخاصة، فاختار ~~الشمس، وكذلك لم يرد ابن أبي عيينة أن يقول إنها إنما دنت ونأت لأنها شمس، ~~أو لأنها الشمس، بل قاس أمرها في ذلك كما عرفتك. وأما العباس فإنه قال إنها ~~إنما كانت بحيث لا تنال، ووجب اليأس من الوصول إليها، لأجل أنها الشمس ~~فاعرفه فرقا واضحا. # PageV01P309 # ومما هو على طريقة بيت العباس في الاحتجاج، وإن خالفه فيما أذكره لك، قول ~~الصابئ في بعض الوزراء يهنئه بالتخلص من الاستتار: # صح أن الوزير بدر منير ... إذ توارى كما توارى البدور # غاب لا غاب ثم عاد كما كا ... ن على الأفق طالعا يستنير # لا تسلني عن الوزير فقد بي ... نت بالوصف أنه سابور # لا خلا منه صدر دست إذا ما ... قر فيه تقر منه الصدور # فهو كما نراه يحتج أن لا مجاز في البين، وأن ذكر البدر وتسمية الممدوح به ~~حقيقة، واحتجاجه صريح لقوله صح أنه كذلك، وأما احتجاج العباس وصاحبه في ~~قوله قد زر أزراره على القمر، فعلى طريق الفحوى، فهذا وجه الموافقة، وأما ~~وجه المخالفة، فهو أنهما ادعيا الشمس والقمر بأنفسهما، وادعى الصابئ بدرا، ~~لا البدر على الإطلاق. ومن ادعاه الشمس على الإطلاق قول بشار: # بعثت بذكرها شعري ... وقدمت الهوى شركا # فلما شاقها قولي ... وشب الحب فاحتنكا # أتتني الشمس زائرة ... ولم تك تبرح الفلكا # وجدت العيش في سعدى ... وكان العيش قد هلكا # PageV01P310 # فقوله ولم تك تبرح الفلكا، يريك أنه ادعى الشمس نفسها، وقال أشجع يرثي ~~الرشيد، فبدأ بالتعريف، ثم نكر ms177 فخلط إحدى الطريقتين بالأخرى، وذلك قوله: # غربت بالمشرق الشم ... س فقل للعين تدمع # ما رأينا قط شمسا ... غربت من حيث تطلع # فقوله غربت بالمشرق الشمس على حد قول بشار: " أتتني الشمس زائرة، في أنه ~~خيل إليك شمس السماء "، وقوله بعد ما رأينا قط شمسا، يفتر أمر هذا التخييل، ~~ويميل بك إلى أن تكون الشمس في قوله: غربت بالمشرق الشمس، غير شمس السماء، ~~أعني غير مدعى أنها هي، وذلك مما يضطرب عليه المعنى ويقلق، لأنه إذا لم يدع ~~الشمس نفسها، لم يجب أن تكون جهة خراسان مشرقا لها، وإذا لم يجب ذلك، لم ~~يحصل ما أراده من الغرابة في غروبها من حيث تطلع، وأظن الوجه فيه أن يتأول ~~تنكيره للشمس في الثاني على قولهم: خرجنا في شمس حارة، يريدون في يوم كان ~~للشمس فيه حرارة وفضل توقد، فيصير كأنه قال: ما عهدنا يوما غربت فيه الشمس ~~من حيث تطلع، وهوت في جانب المشرق، وكثيرا ما يتفق في كلام الناس ما يوهم ~~ضربا من التنكير في الشمس كقولهم: " شمس صيفية "، وكقوله: # والله لا طلعت شمس ولا غربت # ولا فرق بين هذا وبين قول المتنبي: # PageV01P311 # لم ير قرن الشمس في شرقه ... فشكت الأنفس في غربه # ويجيء التنكير في القمر والهلال على هذا الحد، فمنه قول بشار: # أملي لا تأت في قمر ... بحديث واتق الدرعا # وتوق الطيب ليلتنا ... إنه واش إذا سطعا # فهذا بمعنى لا تأت في وقت قد طلع فيه القمر، وهذا قول عمر بن أبي ربيعة: # وغاب قمير كنت أرجو غيوبه ... وروح رعيان ونوم سمر # ظاهره يوهم أنه كقولك: جاءني رجل، وليس كذلك في الحقيقة، لأن الاسم لا ~~يكون نكرة حتى يعم شيئين وأكثر، وليس هنا شيئان يعمهما اسم القمر. وهكذا ~~قول أبي العتاهية: # تسر إذا نظرت إلى هلال ... ونقصك إذ نظرت إلى الهلال # ليس المنكر غير المعرف، على أن للهلال في هذا التنكير فضل تمكن ليس ~~للقمر، ألا تراه قد جمع في قوله تعالى: " يسألونك عن الأهلة قل هي " " ~~البقرة: 189 ms178 "، ولم يجمع القمر على هذا الحد. # PageV01P312 # ومن لطيف هذا التنكير قول البحتري: # وبدرين أنضيناهما بعد ثالث ... أكلناه بالإيجاف حتى تمحقا # ومما أتى مستكرها نابيا يتظلم منه المعنى وينكره، قول أبي تمام: # قريب الندى نائي المحل كأنه ... هلال قريب النور ناء منازله # سبب الاستكراه، وأن المعنى ينبو عنه أنه يوهم بظاهره أن هاهنا أهلة ليس ~~لها هذا الحكم، أعني أنه ينأى مكانه ويدنو نوره، وذلك محال فالذي يستقيم ~~عليه الكلام أن يؤتى به معرفا على حده في بيت البحتري: # كالبدر أفرط في العلو وضوءه ... للعصبة السارين جد قريب # فإن قلت أقطع وأستأنف فأقول: كأن هلال وأسكت، ثم أبتدئ وآخذ في الحديث عن ~~شأن الهلال بقولي قريب النور ناء منازله أمكنك، ولكنك تعلم ما يشكوه إليه ~~المعنى من نبو اللفظ به وسوء ملاءمة العبارة، واستقصاء هذا الموضع يقطع عن ~~الغرض وحقه أنه يفرد له فصل. # وأعود إلى حديث المجاز وإخفائه، ودعوى الحقيقة وحمل النفس على تخيلها، # PageV01P313 # فمما يدخل في هذا الفن ويجب أن يوازن بينه وبين ما مضى، قول سعيد بن ~~حميد: # وعد البدر بالزيارة ليلا ... فإذا ما وفى قضيت نذوري # قلت يا سيدي ولم تؤثر اللي ... ل على بهجة النهار المنير # قال لي لا أحب تغيير رسمي ... هكذا الرسم في طلوع البدور # قالوا: وله في ضده: # قلت زوري فأرسلت ... أنا آتيك سحره # قلت فالليل كان أخ ... فى وأدنى مسره # فأجابت بحجة ... زادت القلب حسره # أنا شمس وإنما ... تطلع الشمس بكره # وينبغي أن تعلم أن هذه القطعة ضد الأولى، من حيث اختار النهار وقتا ~~للزيارة في تلك، والليل في هذه، فأما من حيث يختلف جوهر الشعر ويتفق، ~~وخصوصا من حيث ننظر الآن، فمثل وشبيه، وليس بضد ولا نقيض. ثم اعلم أنا إن ~~وازنا بين هاتين القطعتين وبين ما تقدم من بيت العباس: هي الشمس مسكنها في ~~السماء، وما هو في صورته، وجدنا أمرا بين أمرين بين ادعاء البدر والشمس ~~أنفسهما، وبين إثبات بدر ثان وشمس ثانية، ورأينا الشعر قد شاب في ذلك ms179 ~~الإنكار بالاعتراف، # PageV01P314 # وصادفت صورة المجاز تعرض عنك مرة، وتعرض لك أخرى، فقوله: البدر بالتعريف ~~مع قوله لا أحب تغيير رسمي، وتركه أن يقول رسم مثلي، يخيل إليك البدر نفسه، ~~وقوله في طلوع البدور بالجمع دون أن يفرد فيقول هكذا الرسم في طلوع البدور ~~يلتفت بك إلى بدر ثان، ويعطيك الاعتراف بالمجاز على وجه، وهكذا القول في ~~القطعة الثانية لأن قوله: أنا شمس بالتنكير اعتراف بشمس ثانية أو ~~كالاعتراف. ومما يدل دلالة واضحة على دعوى الحقيقة، ولا يستقيم إلا عليها ~~قول المتنبي: # واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا # أراد فأرتني الشمس والقمر، ثم غلب اسم القمر كقول الفرزدق: # أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع # لولا أنه يخيل الشمس نفسها، لم يكن لتغليب اسم القمر والتعريف بالألف ~~واللام معنى، وكذلك لولا ضبطه نفسه حتى لا يجري المجاز والتشبيه في وهمه، ~~لكان قوله في وقت معا، لغوا من القول، فليس بعجيب أن يتراءى لك وجه غادة ~~حسناء في وقت طلوع القمر وتوسطه السماء، هذا أظهر من أن يخفى. وأما تشبيه ~~أبي الفتح لهذا البيت بقول القائل: # PageV01P315 # وإذا الغزالة في السماء ترفعت ... وبدا النهار لوقته يترجل # أبدت لوجه الشمس وجها مثله ... تلقى السماء بمثل ما تستقبل # فتشبيه على الجملة، ومن حيث أصل المعنى وصورته في المعقول، فأما الصورة ~~الخاصة التي تحدث له بالصنعة فلم يعرض لها. ومما له طبقة عالية في هذا ~~القبيل وشكل يدل على شدة الشكيمة وعلو المأخذ، قول الفرزدق: # أبي أحمد الغيثين صعصعة الذي ... متى تخلف الجوزاء والدلو يمطر # أجار بنات الوائدين ومن يجر ... على الموت يعلم أنه غير مخفر # أفلا تراه كيف ادعى لأبيه اسم الغيث ادعاء من سلم له ذلك، ومن لا يخطر ~~بباله أنه مجاز فيه، ومتناول له من طريق التشبيه، وحتى كأن الأمر في هذه ~~الشهرة بحيث يقال: أي الغيثين أجود؟ فيقال صعصعة، أو يقال الغيثان، فيعلم ~~أن أحدهما صعصعة، وحتى بلغ تمكن ذلك في العرف إلى أن يتوقف السامع عند ~~إطلاق ms180 الاسم، فإذا قيل: أتاك الغيث، لم يعلم أيراد صعصعة أم المطر. وإن ~~أردت أن تعرف مقدار ما له من القوة في هذا التخييل، وأن مصدره مصدر الشيء ~~المتعارف الذي لا حاجة به إلى مقدمة يبنى عليها نحو أن تبدأ فتقول: أبي ~~نظير الغيث وثان له، وغيث ثان، ثم تقول: وهو خير # PageV01P316 # الغيثين لأنه لا يخلف إذا أخلفت الأنواء، فانظر إلى موقع الاسم، فإنك ~~تراه واقعا موقعا لا سبيل لك فيه إلى حل عقد التثنية، وتفريق المذكورين ~~بالاسم، وذلك أن أفعل لا تصح إضافته إلى اسمين معطوف أحدهما على الآخر، فلا ~~يقال جاءني أفضل زيد وعمرو، ولا إن أعلم بكر وخالد عندي، بل ليس إلا أن ~~تضيف إلى اسم مثنى أو مجموع في نفسه، نحو أفضل الرجلين، وأفضل الرجال، وذلك ~~أن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه أبدا، فحقه أن يضاف إلى اسم يحويه وغيره، ~~وإذا كان الأمر كذلك، علمت أنه اللفظ بالتشبيه، والخروج عن صريح جعل اللفظ ~~للحقيقة متعذر عليك، إذ لا يمكنك أن تقول: أبي أحمد الغيث والثاني له ~~والشبيه به، ولا شيئا من هذا النحو، لأنك تقع بذلك في إضافة أفعل إلى اسمين ~~معطوف أحدهما على الآخر. وإذ قد عرفت هذا فانظر إلى قول الآخر: # قد أقحط الناس في زمانهم ... حتى إذا جئت جئت بالدرر # غيثان في ساعة لنا اتفقا ... فمرحبا بالأمير والمطر # فإنك تراه لا يبلغ هذه المنزلة، وذلك أنه كلام من يثبته الآن غيثا ولا ~~يدعي فيه عرفا جاريا، وأمرا مشهورا متعارفا، يعلم كل واحد منه ما يعلمه، # PageV01P317 # وليس بمتعذر أن تقول غيث وثان للغيث اتفقا، أو تقول الأمير ثاني الغيث ~~والغيث اتفقا. فقد حصل من هذا الباب أن الاسم المستعار كلما كان قدمه أثبت ~~في مكانه، وكان موضعه من الكلام أضن به، وأشد محاماة عليه، وأمنع لك من أن ~~تتركه وترجع إلى الظاهر وتصرح بالتشبيه، فأمر التخييل فيه أقوى، ودعوى ~~المتكلم له أظهر وأتم. واعلم أن نحو قول البحتري: # غيثان إن جدب تتابع أقبلا ... وهما ms181 ربيع مؤمل وخريفه # لا يكون مما نحن بصدده في شيء، لأن كل واحد من الغيثين في هذا البيت ~~مجاز، لأنه أراد أن يشبه كل واحد من الممدوحين بالغيث، والذي نحن بصدده، هو ~~أن يضم المجاز إلى الحقيقة في عقد التثنية، ولكن إن ضممت إليه قوله: # فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكا إذا الهيابة النكس كذبا # كان لك ذلك، لأن أحد الضرغامين حقيقة والآخر مجاز. فإن قلت فهاهنا شيء ~~يردك إلى ما أبيته من بقاء حكم التشبيه في جعله أباه الغيث، وذلك أن تقدير ~~الحقيقة في المجاز إنما يتصور في نحو بيت البحتري: " # PageV01P318 # فلم أر ضرغامين " من حيث عمد إلى واحد من الأسود، ثم جعل الممدوح أسدا ~~على الحقيقة قد قارنه وضامه، ولا سبيل للفرزدق إلى ذلك، لأن الذي يقرنه إلى ~~أبيه هو الغيث على الإطلاق، وإذا كان الغيث على الإطلاق، لم يبق شيء يستحق ~~هذا الاسم إلا ويدخل تحته، وإذا كان كذلك، حصل منه أن لا يكون أبو الفرزدق ~~غيثا على الحقيقة، فالجواب أن مذهب ذلك ليس على ما تتوهمه، ولكن على أصل هو ~~التشبيه، وهو أن يقصد إلى المعنى الذي من أجله يشبه الفرع بالأصل كالشجاعة ~~في الأسد، والمضاء في السيف، وينحي سائر الأوصاف جانبا، وذلك المعنى في ~~الغيث هو النفع العام، وإذا قدر هذا التقدير، صار جنس الغيث كأنه عين واحدة ~~وشيء واحد، وإذا عاد بك الأمر إلى أن تتصوره تصور العين الواحدة دون الجنس، ~~كان ضم أبي الفرزدق إليه بمنزلة ضمك إلى الشمس رجلا أو امرأة تريد أن تبالغ ~~في وصفهما بأوصاف الشمس، وتنزيلهما منزلتها، كما تجده في نحو قوله: # فليت طالعة الشمسين غائبة ... وليت غائبة الشمسين لم تغب # PageV01P319 # فصل في ### | الفرق بين التشبيه والاستعارة # اعلم أن الاسم إذا قصد إجراؤه على غير ما هو له لمشابهة بينهما، كان ذلك ~~على ما مضى من الوجهين: أحدهما أن تسقط ذكر المشبه من البين، حتى لا يعلم ~~من ظاهر الحال أنك أردته، وذلك أن تقول " عنت لنا ظبية "، وأنت ms182 تريد امرأة، ~~ووردنا برا، وأنت تريد الممدوح، فأنت في هذا النحو من الكلام إنما تعرف أن ~~المتكلم لم يرد ما الاسم موضوع له في أصل اللغة، بدليل الحال، أو إفصاح ~~المقال بعد السؤال، أو بفحوى الكلام وما يتلوه من الأوصاف، مثال ذلك أنك ~~إذا سمعت قوله: # ترنح الشرب واغتالت حلومهم ... شمس ترجل فيهم ثم ترتحل # استدللت بذكر الشرب، واغتيال الحلوم، والارتحال، أنه أراد قينة، ولو قال: ~~ترجلت شمس، ولم يذكر شيئا غيره من أحوال الآدميين، لم يعقل قط أنه أراد ~~امرأة إلا بإخبار مستأنف، أو شاهد آخر من الشواهد، ولذلك تجد الشيء يلتبس ~~منه حتى على أهل المعرفة، كما روى أن عدي بن حاتم اشتبه عليه المراد بلفظ ~~الخيط في قوله تعالى: " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود " " ~~البقرة: 187 "، وحمله على ظاهره، فقد # PageV01P320 # روى أنه قال لما نزلت هذه الآية أخذت عقالا أسود وعقالا أبيض، فوضعتهما ~~تحت وسادتي، فنظرت فلم أتبين، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ~~إن وسادك لطويل عريض، إنما هو الليل والنهار "، والوجه الثاني: أن تذكر كل ~~واحد من المشبه والمشبه به فتقول زيد أسد وهند بدر، وهذا الرجل الذي تراه ~~سيف صارم على أعدائك، وقد كنت ذكرت فيما تقدم، أن في إطلاق الاستعارة على ~~هذا الضرب الثاني بعض الشبهة، ووعدتك كلاما يجيء في ذلك، وهذا موضعه. اعلم ~~أن الوجه الذي يقتضيه القياس، وعليه يدل كلام القاضي في الوساطة، أن لا ~~تطلق الاستعارة على نحو قولنا زيد أسد وهند بدر، ولكن تقول: هو تشبيه، وإذا ~~قال هو أسد، لم تقل استعار له اسم # PageV01P321 # الأسد، ولكن تقول شبهه بالأسد، وتقول في الأول إنه استعارة لا تتوقف فيه ~~ولا تتحاشى البتة، وإن قلت في القسم الأول: إنه تشبيه كنت مصيبا، من حيث ~~تخبر عما في نفس المتكلم وعن أصل الغرض، وإن أردت تمام البيان قلت أراد أن ~~يشبه المرأة بالظبية فاستعار لها اسمها مبالغة. فإن قلت فكذلك فقل في قولك ~~زيد أسد، إنه أراد ms183 تشبيهه بالأسد، فأجرى اسمه عليه، ألا ترى أنك ذكرته بلفظ ~~التنكير فقلت زيد أسد، كما تقول زيد واحد من الأسود، فما الفرق بين ~~الحالين، وقد جرى الاسم في كل واحد منهما على المشبه. فالجواب أن الفرق بين ~~وهو أنك عزلت في القسم الأول الاسم الأصلي عنه واطرحته، وجعلته كأن ليس هو ~~باسم له، وجعلت الثاني هو الواقع عليه والمتناول له، فصار قصدك التشبيه ~~أمرا مطويا في نفسك مكنونا في ضميرك، وصار في ظاهر الحال وصورة الكلام ~~ونصبته، كأنه الشيء الذي وضع له الاسم في اللغة وتصور - إن تعلقه الوهم - ~~كذلك، وليس كذلك القسم الثاني، لأنك قد صرحت فيه بذكر المشبه، وذكرك له ~~صريحا يأبى أن تتوهم كونه من جنس المشبه به، وإذا سمع السامع قولك زيد أسد ~~وهذا الرجل سيف صارم على الأعداء، استحال أن يظن وقد صرحت له بذكر زيد أنك ~~قصدت أسدا وسيفا، وأكثر ما يمكن أن يدعى تخيله في هذا أن يقع في نفسه من ~~قولك زيد أسد، حال الأسد في جراءته وإقدامه وبطشه، فأما أن يقع في وهمه أنه ~~رجل وأسد معا بالصورة والشخص فمحال. ولما كان كذلك، كان قصد التشبيه من هذا ~~النحو بينا لائحا، وكائنا من مقتضى الكلام، وواجبا من حيث موضوعه، حتى إن ~~لم # PageV01P322 # يحمل عليه كان محالا، فالشيء الواحد لا يكون رجلا وأسدا، وإما يكون رجلا ~~وبصفة الأسد فيما يرجع إلى غرائز النفوس والأخلاق، أو خصوص في الهيئة ~~كالكراهة في الوجه، وليس كذلك الأول، لأنه يحتمل الحمل على الظاهر على ~~الصحة، فلست بممنوع من أن تقول عنت لنا ظبية، وأنت تريد الحيوان وطلعت شمس، ~~وأنت تريد الشمس، كقولك: طلعت اليوم شمس حارة وكذلك تقول: هززت على الأعداء ~~سيفا وأنت تريد السيف، كا تقوله وأنت تريد رجلا باسلا استعنت به، أو رأيا ~~ماضيا وفقت فيه، وأصبت به من العدو فأرهبته وأثرت فيه، وإذا كان الأمر ~~كذلك، وجب أن يفصل بين القسمين، فيسمى الأول: استعارة على الإطلاق، ويقال ~~في الثاني إنه تشبيه، فأما تسمية ms184 الأول تشبيها فغير ممنوع ولا غريب، إلا ~~أنه على أنك تخبر عن الغرض وتنبئ عن مضمون الحال، فأما أن يكون موضوع ~~الكلام وظاهره موجبا له صريحا فلا. فإن قلت فكذلك قولك هو أسد، ليس في ~~ظاهره تشبيه، لأن التشبيه يحصل بذكر الكاف أو مثل أو نحوهما. فالجواب أن ~~الأمر وإن كان كذلك، فإن موضوعه من حيث الصورة يوجب قصدك التشبيه، لاستحالة ~~أن يكون له معنى وهو على ظاهره، وله مثال من طريق العادة، وهو # أن مثل الاسم مثل الهيئة التي يستدل بها على الأجناس، كزي الملوك وزي ~~السوقة، فكما أنك لو خلعت من الرجل أثواب السوقة، ونفيت عنه كل شيء يختص ~~بالسوقة، وألبسته زي الملوك، فأبديته للناس في صورة الملوك حتى يتوهموه ~~ملكا، وحتى لا يصلوا إلى معرفة حاله إلا بإخبار أو اختبار واستدلال من غير ~~الظاهر، كنت قد أعرته هيئة الملك وزيه على الحقيقة، ولو أنك ألقيت عليه بعض ~~ما يلبسه الملك من غير أن تعريه من المعاني التي تدل على كونه سوقة، لم تكن ~~قد أعرته بالحقيقة هيئة الملك، لأن المقصود من هيئة الملك أن يحصل بها ~~المهابة في النفس، وأن يتوهم العظمة، ولا يحصل ذلك مع وجود الأوصاف الدالة ~~على أن الرجل سوقة. افرض هذه الموازنة في الشيء الواحد، كالثوب الواحد ~~يعاره الرجل فيلبسه على ثوبه أو منفردا، وإنما اعتبر الهيئة وهي تحصل ~~بمجموع أشياء، وذلك أن الهيئة هي التي يشبه حالها حال الاسم، لأن الهيئة ~~تخص جنسا دون جنس، كما أن الاسم كذلك، والثوب على الإطلاق لا يفعل ذلك إلا ~~بخصائص تقترن به وترعى معه، فإذا كان السامع قولك: زيد أسد لا يتوهم أنك ~~قصدت أسدا على الحقيقة، لم يكن الاسم قد لحقه، ولم تكن قد أعرته إياه إعارة ~~صحيحة، كما أنك لم تعر الرجل هيئة الملك حين لم تزل عنه ما يعلم به أنه ليس ~~بملك، مثل الاسم مثل الهيئة التي يستدل بها على الأجناس، كزي الملوك وزي ~~السوقة، فكما أنك لو خلعت من الرجل ms185 أثواب السوقة، ونفيت عنه كل شيء يختص ~~بالسوقة، وألبسته زي الملوك، فأبديته للناس في صورة الملوك حتى يتوهموه ~~ملكا، وحتى لا يصلوا إلى # PageV01P323 # معرفة حاله إلا بإخبار أو اختبار واستدلال من غير الظاهر، كنت قد أعرته ~~هيئة الملك وزيه على الحقيقة، ولو أنك ألقيت عليه بعض ما يلبسه الملك من ~~غير أن تعريه من المعاني التي تدل على كونه سوقة، لم تكن قد أعرته بالحقيقة ~~هيئة الملك، لأن المقصود من هيئة الملك أن يحصل بها المهابة في النفس، وأن ~~يتوهم العظمة، ولا يحصل ذلك مع وجود الأوصاف الدالة على أن الرجل سوقة. ~~افرض هذه الموازنة في الشيء الواحد، كالثوب الواحد يعاره الرجل فيلبسه على ~~ثوبه أو منفردا، وإنما اعتبر الهيئة وهي تحصل بمجموع أشياء، وذلك أن الهيئة ~~هي التي يشبه حالها حال الاسم، لأن الهيئة تخص جنسا دون جنس، كما أن الاسم ~~كذلك، والثوب على الإطلاق لا يفعل ذلك إلا بخصائص تقترن به وترعى معه، فإذا ~~كان السامع قولك: زيد أسد لا يتوهم أنك قصدت أسدا على الحقيقة، لم يكن ~~الاسم قد لحقه، ولم تكن قد أعرته إياه إعارة صحيحة، كما أنك لم تعر الرجل ~~هيئة الملك حين لم تزل عنه ما يعلم به أنه ليس بملك # هذا وإذا تأملنا حقيقة الاستعارة في اللغة والعادة، كان في ذلك أيضا بيان ~~لصحة هذه الطريقة، ووجوب الفرق بين القسمين، وذاك أن من شرط المستعار أن ~~يحصل للمستعير منافعه على الحد الذي يحصل للمالك، فإن كان ثوبا لبسه كما ~~لبسه، وإن كان أداة استعملها في الشيء تصلح له، حتى إن الرائي إذا رآه معه ~~لم تنفصل حاله عنده من حال ما هو ملك يد ليس بعارية، وإما يفضله المالك في ~~أن له أن يتلف الشيء جملة، أو يدخل التلف على بعض أجزائه قصدا، وليس ~~للمستعير ذلك، ومعلوم أن ما هو كالمنفعة من الاسم أن # PageV01P324 # يوجب ذكره القصد إلى الشيء في نفسه، فإذا قلت زيد، علم أنك أردت أن تخبر ~~عن الشخص المعلوم، وإذا ms186 قلت لقيت أسدا، علم أنك علقت اللقاء بواحد من هذا ~~الجنس، وإذا كان الأمر كذلك، ثم وجدنا الاسم في قولك عنت ظبية، يعقل من ~~إطلاقه أنك قصدت الجنس المعلوم ولا يعلم أنك قصدت امرأة، فقد وقع من المرأة ~~في هذا الكلام موقعه من ذلك الحيوان على الصحة، فكان ذلك بمنزلة أن ~~المستعير ينتفع بالمستعار انتفاع مالكه، فيلبسه لبسه، ويتجمل به تجمله، ~~ويكون مكانه عنده مكان الشيء المملوك، حتى يعتقد من ينظر إلى الظاهر أنه ~~له، ولما وجدنا الاسم في قولك زيد أسد، لا يقع من زيد ذلك الموقع، من حيث ~~إن ذكره باسمه يمنع من أن يصير الاسم مطلقا عليه، ومتناولا له على حد ~~تناوله ما وضع له، كان وزان ذلك وزان أن تضع عند الرجل ثوبا وتمنعه أن ~~يلبسه، أو بمنزلة أن تطرح عليه طرف ثوب كان عليك، فلا يكون ذلك عارية ~~صحيحة، لأنك لم تدخله في جملته، ولم تعطه صورة ما يختص به ويصير إليه، ~~ويخفى كونه لك دونه فاعرفه. وها هنا فصل آخر من طريق موضوع الكلام، يبين ~~وجوب الفرق بين القسمين: # PageV01P325 # وهو أن الحالة التي يختلف في الاسم إذا وقع فيها، أيسمى استعارة أم لا ~~يسمى؛ هي الحالة التي يكون الاسم فيها خبر مبتدأ أو منزلا منزلته، أعني أن ~~يكون خبر كان، أو مفعولا ثانيا لباب علمت، لأن هذه الأبواب كلها أصلها ~~مبتدأ وخبر أو يكون حالا، لأن الحال عندهم زيادة في الخبر، فحكمها حكم ~~الخبر فيما قصدته هاهنا خصوصا، والاسم إذا وقع في هذه المواضع، فأنت واضع ~~كلامك لإثبات معناه، وإن أدخلت النفي على كلامك تعلق النفي بمعناه، تفسير ~~هذه الجملة أنك إذا قلت زيد منطلق، فقد وضعت كلامك لإثبات الانطلاق لزيد، ~~ولو نفيت فقلت ما زيد منطلقا، كنت نفيت الانطلاق عن زيد، وكذلك: أكان زيد ~~منطلقا، وعلمت زيدا منطلقا، ورأيت زيدا منطلقا، أنت في ذلك كله واضع كلامك ~~ومزج له لتثبت الانطلاق لزيد، ولو خولفت فيه انصرف الخلاف إلى ثبوته له، ~~وإذا كان الأمر ms187 كذلك، فأنت إذا قلت زيد أسد ورأيته أسدا، فقد جعلت اسم ~~المشبه به خبرا عن المشبه، والاسم إذا كان خبرا عن الشيء كان خبرا عنه، إما ~~لإثبات وصف هو مشتق منه لذلك الشيء، كالانطلاق في قولك زيد منطلق، أو إثبات ~~جنسية هو موضوع لها كقولك: هذا رجل، فإذا امتنع في قولنا زيد أسد أن تثبت ~~شبه الجنس، فقد اجتلبنا الاسم لنحدث به التشبيه الآن، ونقرره في حيز الحصول ~~والثبوت، وإذا كان كذلك، كان خليقا بأن تسميه تشبيها، إذ كان إنما جاء ~~ليفيده ويوجبه # وأما الحالة الأخرى التي قلنا إن الاسم فيها يكون استعارة # PageV01P326 # من غير خلاف، فهي حالة إذا وقع الاسم فيها لم يكن الاسم مجتلبا لإثبات ~~معناه للشيء، ولا الكلام موضوعا لذلك، لأن هذا حكم لا يكون إلا إذا كان ~~الاسم في منزلة الخبر من المبتدأ، فأما إذا لم يكن كذلك، وكان مبتدأ بنفسه، ~~أو فاعلا أو مفعولا أو مضافا إليه، فأنت واضع كلامك لإثبات أمر آخر غير ما ~~هو معنى الاسم. بيان ذلك أنك إذا قلت جاءني أسد ورأيت أسدا ومررت بأسد، فقد ~~وضعت الكلام لإثبات المجيء واقعا من الأسد، والرؤية والمرور واقعين منك ~~عليه، وكذلك إن قلت الأسد مقبل، فالكلام موضوع لإثبات الإقبال للأسد، لا ~~لإثبات معنى الأسد، وإذا كان الأمر كذلك، ثم قلت عنت لنا ظبية، وهززت سيفا ~~صارما على الأعداء وأنت تعني بالظبية امرأة، وبالسيف رجلا لم يكن ذكرك ~~للاسمين في كلامك هذا لإثبات الشبه المقصود الآن، وكيف يتصور أن تقصد إلى ~~إثبات الشبه منهما بشيء، وأنت لم تذكر قبلهما شيئا ينصرف إثبات الشبه إليه، ~~وإنما تثبت الشبه من طريق الرجوع إلى الحال، والبحث عن خبئ في نفس المتكلم. # وإذا كان كذلك بان أن الاسم في قولك زيد أسد، مقصود به إيقاع التشبيه في ~~الحال وإيجابه، وأما في قولك: عنت لنا ظبية وسللت سيفا على العدو، فوضع ~~الاسم هكذا انتهازا واقتضابا على المقصود، وادعاء أنه من الجنس الذي وضع له ~~الاسم في أصل اللغة، وإذا ms188 افترقا هذا الافتراق، وجب أن نفرق بينهما في ~~الاصطلاح والعبارة، كما أنا نفصل بين الخبر والصفة في العبارة، لاختلاف ~~الحكم فيهما، بأن الخبر إثبات في الوقت للمعنى، والصفة تبيين وتوضيح # PageV01P327 # وتخصيص بأمر قد ثبت واستقر وعرف، فكما لم نرض لاتفاق الغرض في الخبر ~~الصفة على الجملة واشتراكهما إذا قلت زيد ظريف وجاءني زيد الظريف، في ~~التباس زيد في الظرف واكتسائه له، أن تجعلهما في الوضع الاصطلاحي شيئا ~~واحدا، ولا نفرق بتسميتنا هذا خبرا وذلك صفة كذلك ينبغي أن لا يدعونا - ~~اتفاق قولنا: جاءني أسد وهززت سيفا صارما وقولنا زيد أسد وسيف صارم، في ~~مطلق التشبيه - إلى التسوية بينهما، وترك الفرق من طريق العبارة، بل وجب أن ~~نفرق، فنسمي ذاك استعارة وهذا تشبيها، فإن أبيت إلا أن تطلق الاستعارة على ~~هذا القسم الثاني، فينبغي أن تعلم أن إطلاقها لا يجوز في كل موضع يحسن دخول ~~حرف التشبيه فيه بسهولة، وذلك نحو قولك: هو الأسد وهو شمس النهار وهو البدر ~~حسنا وبهجة، والقضيب عطفا، وهكذا كل موضع ذكر فيه المشبه به بلفظ التعريف، ~~فإن قلت: هو بحر وهو ليث ووجدته بحرا، وأردت أن تقول إنه استعارة، كنت أعذر ~~وأشبه بأن تكون على جانب من القياس، ومتشبثا بطرف من الصواب، وذلك أن الاسم ~~قد خرج بالتنكير عن أن يحسن إدخال حرف التشبيه عليه، فلو قلت هو كأسد وهو ~~كبحر، كان كلاما نازلا غير مقبول، كما يكون قولك هو كالأسد، إلا أنه وإن ~~كان لا يحسن فيه الكاف فإنه يحسن فيه كأن كقولك كأنه أسد، أو ما يجري مجرى ~~كأن في نحو تحسبه أسدا وتخاله سيفا، # PageV01P328 # فإن غمض مكان الكاف وكأن، بأن يوصف الاسم الذي فيه التشبيه بصفة لا تكون ~~في ذلك الجنس، وأمر خاص غريب فقيل هو بحر من البلاغة، وهو بدر يسكن الأرض، ~~وهو شمس لا تغيب، وكقوله: # شمس تألق والفراق غروبها ... عنا وبدر والصدود كسوفه # فهو أقرب إلى أن نسميه استعارة، لأنه قد غمض تقدير حرف التشبيه فيه، إذ ~~لا تصل ms189 إلى الكاف حتى تبطل بنية الكلام وتبدل صورته فتقول: هو كالشمس ~~المتألقة، إلا أن فراقها هو الغروب، وكالبدر إلا أن صدوده الكسوف. وقد يكون ~~في الصفات التي تجيء في هذا النحو، والصلات التي توصل بها، ما يختل به ~~تقدير التشبيه، فيقرب حينئذ من القبيل الذي تطلق عليه الاستعارة من بعض ~~الوجوه، وذلك مثل قوله: # أسد دم الأسد الهزبر خضابه ... موت فريص الموت منه ترعد # لا سبيل لك إلى أن تقول: هو كالأسد وهو كالموت، لما يكون في ذلك من ~~التناقض، لأنك إذا قلت هو كالأسد فقد شبهته بجنس السبع المعروف، ومحال أن ~~تجعله محمولا في الشبه على هذا الجنس أولا، # PageV01P329 # ثم تجعل دم الهزبر الذي هو أقوى الجنس، خضاب يده، لأن حملك له عليه في ~~الشبه دليل على أنه دونه، وقولك بعد دم الهزبر من الأسود خضابه، دليل على ~~أنه فوقها، وكذلك محال أن تشبهه بالموت المعروف، ثم تجعله يخافه، وترتعد ~~منه أكتافه، وكذا قوله: # سحاب عداني سيله وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم # وبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا ... وموضع رحلي منه أسود مظلم # إن رجعت فيه إلى التشبيه الساذج فقلت هو كالبدر، ثم جئت تقول أضاء الأرض ~~شرقا ومغربا وموضع رحلي مظلم لم يضيء به، كنت كأنك تجعل البدر المعروف يلبس ~~الأرض الضياء ويمنعه رحلك، وذلك محال، وإنما أردت أن تثبت من الممدوح بدرا ~~مفردا له هذه الخاصية العجيبة التي لم تعرف للبدر، وهذا إنما يتأتى بكلام ~~بعيد من هذا النظم، وهو أن يقال: هل سمعت بأن البدر يطلع في أفق، ثم يمنع ~~ضوءه موضعا من المواضع التي هي معرضة له وكائنة في مقابلته، حتى ترى الأرض ~~الفضاء قد أضاءت بنوره البيت، فهذا النحو موضوع على تخييل أنه زاد في جنس ~~البدر واحد له حكم وخاصة لم تعرف. وإذا كان الأمر كذلك صار كلامك موضوعا لا ~~لإثبات الشبه بينه وبين البدر، ولكن لإثبات الصفة في واحد متجدد حادث من ~~جنس البدر، # PageV01P330 # لم تعرف تلك الصفة للبدر، فيصير بمنزلة ms190 قولك زيد رجل يقري الضيوف ويفعل ~~كيت وكيت، فلا يكون قصدك إثبات زيد رجلا، ولكن إثبات الصفة التي ذكرتها له، ~~فإذا خرج الاسم الذي يتعلق به التشبيه من أن يكون مقصودا بالإثبات، تبين ~~أنه خارج عن الأصل الذي تقدم، من كون الاسم لإثبات الشبه، فالبحتري في ~~قوله: " وبدر أضاء الأرض " قد بنى كلامه على أن كون الممدوح بدرا، أمر قد ~~استقر وثبت، وإنما يعمل في إثبات الصفة الغريبة، والحالة التي هي موضع ~~التعجب، وكما يمتنع دخول الكاف في هذا النحو، كذلك يمتنع دخول كأن وتحسب ~~وتخال، فلو قلت كأنه بدر أضاء الأرض شرقا ومغربا وموضع رحلي منه مظلم كان ~~خلفا من القول. وكذلك إن قلت: تحسبه بدرا أضاء الأرض ورحلي منه مظلم، كان ~~كالأول في الضعف، ووجه بعده من القبول بين، وهو أن كأن وحسبت وخلت وظننت ~~تدخل إذا كان الخبر والمفعول الثاني أمرا معقولا ثابتا في الجملة، إلا أنه ~~في كونه متعلقا بما هو اسم كأن أو المفعول الأول من حسبت مشكوك فيه، كقولنا ~~كأن زيدا منطلق، أو مجاز يقصد به خلاف ظاهره، نحو كأن زيدا أسد، فالأسد على ~~الجملة ثابت معروف، والغريب هو كون زيد إياه ومن جنسه، والنكرة في نحو هذه ~~الأبيات موصوفة بأوصاف تدل على أنك تخبر بظهور شيء لا يعرف ولا يتصور، وإذا ~~كان كذلك، كان إدخال كأن وحسبت عليه كالقياس على المجهول. وتأمل هذه النكتة ~~فإنه يضعف ثانيا إطلاق الاستعارة # PageV01P331 # على هذا النحو أيضا، لأن موضوع الاستعارة - كيف دارت القضية - على ~~التشبه، وإذا بان بما ذكرت أن هذا الجنس إذا فليته عن سره، ونقرت عن خبيئه، ~~فمحصوله أنك تدعي حدوث شيء هو من الجنس المذكور، إلا أنه اختص بصفة غريبة ~~وخاصية بديعة، لم يكن يتوهم جوازها على ذلك الجنس، كأنك تقول: ما كنا نعلم ~~أن هاهنا بدرا هذه صفته كان تقدير التشبيه فيه نقضا لهذا الغرض، لأنه لا ~~معنى لقولك: أشبهه ببدر حدث خلاف البدور ما كان يعرف. وهذا موضع لطيف جدا ~~لا تنتصف ms191 منه إلا باستعانة الطبع عليه، ولا يمكن توفية الكشف فيه حقه ~~بالعبارة، لدقة مسلكه. ويتصل به أن في الاستعارة الصحيحة ما لا يحسن دخول ~~كلم التشبيه عليه، وذلك إذا قوي التشبه بين الأصل والفرع، حتى يتمكن الفرع ~~في النفس بمداخلة ذلك الأصل والاتحاد به، وكونه إياه، وذلك في نحو النور ~~إذا استعير للعلم والإيمان، والظلمة للكفر والجهل، فهذا النحو لتمكنه وقوة ~~شبهه ومتانة سببه، قد صار كأنه حقيقة، ولا يحسن لذلك أن تقول في العلم كأنه ~~نور، وفي الجهل كأنه ظلمة، ولا تكاد تقول # PageV01P332 # للرجل في هذا الجنس كأنك قد أوقعتني في ظلمة بل تقول: أوقعتني في ظلمة، ~~وكذلك الأكثر على الألسن والأسبق إلى القلوب أن تقول: فهمت المسألة فانشرح ~~صدري وحصل في قلبي نور، ولا تقول: كأن نورا حصل في قلبي، ولكن إذا تجاوزت ~~هذا النوع إلى نحو قولك: سللت منه سيفا على الأعداء، وجدت كأن حسنة هناك ~~كثيرة، كقولك: بعثته إلى العدو فكأني سللت سيفا وكذلك في نحو: زيد أسد وكأن ~~زيدا أسد، وهكذا يتدرج الحكم فيه، حتى كلما كان مكان الشبه بين الشيئين ~~أخفى وأغمض وأبعد من العرف، كان الإتيان بكلمة التشبيه أبين وأحسن وأكثر في ~~الاستعمال. ومما يجب أن تجعله على ذكر منك أبدا، وفيه البيان الشافي أن بين # القسمين تباينا شديدا أعني بين قولك زيد أسد وقولك رأيت أسدا وهو ما ~~قدمته لك من أنك قد تجد الشيء يصلح في نحو زيد أسد حيث تذكر المشبه باسمه ~~أولا، ثم تجري اسم المشبه به عليه، ولا يصلح في القسم الآخر الذي لا تذر ~~فيه المشبه أصلا وتطرحه. ومن الأمثلة البينة في ذلك قول أبي تمام: لقسمين ~~تباينا شديدا أعني بين قولك زيد أسد وقولك رأيت أسدا وهو ما قدمته لك من ~~أنك قد تجد الشيء يصلح في نحو زيد أسد حيث تذكر المشبه باسمه أولا، ثم تجري ~~اسم المشبه به عليه، ولا يصلح في القسم الآخر الذي لا تذر فيه المشبه أصلا ~~وتطرحه. ومن الأمثلة البينة ms192 في ذلك قول أبي تمام: # وكان المطل في بدء وعود ... دخانا للصنيعة وهي نار # قد شبه المطل بالدخان، والصنيعة بالنار، ولكنه صرح بذكر المشبه، وأوقع ~~المشبه به خبرا عنه، وهو كلام مستقيم. # PageV01P333 # ولو سلكت به طريقة ما يسقط فيه ذكر المشبه فقلت مثلا: أقبستني نارا لها ~~دخان، كان ساقطا، ولو قلت أقبستني نورا أضاء أفقي به، تريد علما، كان حسنا، ~~حسنه إذا قلت علمك نور في أفقي، والسبب في ذلك أن اطراح ذكر المشبه ~~والاقتصار على اسم المشبه به، وتنزيله منزلته، وإعطاءه الخلافة على ~~المقصود، إنما يصح إذا تقرر الشبه بين المقصود وبين ما تستعير اسمه له، ~~وتستبينه في الدلالة، وقد تقرر في العرف الشبه بين النور والعلم وظهر ~~واشتهر، كما تقرر الشبه بين المرأة والظبية، وبينها وبين الشمس ولم يتقرر ~~في العرف شبه بين الصنيعة والنار، وإنما هو شيء يضعه الآن أبو تمام ~~ويتمحله، ويعمل في تصويره، فلا بد له من ذكر المشبه والمشبه به جميعا حتى ~~يعقل عنه ما يريده، ويبين الغرض الذي يقصده، وإلا كان بمنزلة من يريد في ~~إعلام السامع أن عنده رجلا هو مثل زيد في العلم مثلا، فيقول له: عندي زيد، ~~ويسومه أن يعقل من كلامه أنه أراد أن يقول: عندي رجل مثل زيد، أو غيره من ~~المعاني، وذلك تكليف علم الغيب. فاعرف هذا الأصل وتبينه، فإنك تزداد به ~~بصيرة في وجوب الفرق بين الضربين، وذلك أنهما لو كانا يجريان مجرى واحدا في ~~حقيقة الاستعارة، لوجب أن يستويا في القضية، حتى إذا استقام وضع الاسم في ~~أحدهما استقام وضعه في الآخر فاعرفه. فإن قلت فما تقول في نحو قولهم لقيت ~~به أسدا ورأيت منه ليثا. # PageV01P334 # فإنه مما لا وجه لتسميته استعارة، ألا تراهم قالوا: لئن لقيت فلانا ~~ليلقينك منه الأسد، فأتوا به معرفة على حده إذا قالوا: احذر الأسد، وقد جاء ~~على هذه الطريقة ما لا يتصور فيه التشبيه، فظن أنه استعارة، وهو قوله عز ~~وجل: " لهم فيها دار الخلد " " فصلت: 28 "، والمعنى - والله ms193 أعلم - أن ~~النار هي دار الخلد، وأنت تعلم أن لا معنى هاهنا لأن يقال إن النار شبهت ~~بدار الخلد، إذ ليس المعنى على تشبيه النار بشيء يسمى دار الخلد، كما تقول ~~في زيد إنه مثل الأسد، ثم تقول: هو الأسد، وإنما هو كقولك: النار منزلهم ~~ومسكنهم، نعوذ بالله منها. وكذا قوله: # يأبى الظلامة منه النوفل الزفر # المعنى على أنه النوفل الزفر، وليس الزفر باسم لجنس غير جنس الممدوح ~~كالأسد، فيقال إنه شبه الممدوح به، وإنما هو صفة كقولك هو الشجاع وهو السيد ~~وهو النهاض بأعباء السيادة، وكذلك قوله: # يا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأسا بكف من بخلا # لا يتصور فيه التشبيه، وإنما المعنى أنه ليس ببخيل، # PageV01P335 # هذا وإنما يتصور الحكم على الاسم بالاستعارة، إذا جرى بوجه على ما يدعى ~~أنه مستعار له، والاسم في قولك لقيت به أسدا أو لقيني منه أسدا، لا يتصور ~~جريه على المذكور بوجه، لأنه ليس بخبر عنه، ولا صفة له، ولا حال، وإنما هو ~~بنفسه مفعول لقيت وفاعل لقيني، ولو جاز أن يجري الاسم، هاهنا مجرى المستعار ~~المتناول المستعار له، لوجب أن نقول في قوله: # حتى إذا جن الظلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط # إنه استعار اسم الذئب للمذق، وذلك بين الفساد. وكذا نحو قوله: # نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد # لا يكون استعارة، وإن كنت تجد من يفهم البيت قد يقول: أراد بالأسد ~~النعمان، أو شبهه بالأسد، لأن ذلك بيان للغرض، فأما القضية # PageV01P336 # الصحيحة وما يقع في نفس العارف، ويوجبه نقد الصيرف، فإن الأسد واقع على ~~حقيقته حتى كأنه قال: ولا قرار على زأر هذا الأسد، وأشار إلى الأسد خارجا ~~من عرينه مهددا موعدا بزئيره، وأي وجه للشك في ذلك، وهو يؤدي إلى أن يكون ~~الكلام على حد قولك: ولا قرار على زأر من هو كالأسد؟ وفيه من العي والفجاجة ~~شيء غير قليل. هذا ومن حق غالط غلط في نحو ما ذكرت - على قلة عذره ms194 - أن لا ~~يغلط في قول الفرزدق: # قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا # ولا يتوهم أن هلالا استعارة لسعيد، لأن الحكم على الاسم بالاستعارة مع ~~وجود التشبيه الصريح، محال جار مجرى أن يكون كل اسم دخل عليه كاف التشبيه ~~مستعارا، وإذا لم يغلط في هذا فالباقي بمنزلته فاعرفه. # PageV01P337 # فصل في ### | الاتفاق في الأخذ والسرقة # والاستمداد والاستعانة # اعلم أن الشاعرين إذا اتفقا، لم يخل ذلك من أن يكون في الغرض على الجملة ~~والعموم، أو في وجه الدلالة على ذلك الغرض، والاشتراك في الغرض على العموم ~~أن يقصد كل واحد منهما وصف ممدوحه بالشجاعة والسخاء، أو حسن الوجه والبهاء، ~~أو وصف فرسه بالسرعة، أو ما جرى هذا المجرى. وأما وجه الدلالة على الغرض، ~~فهو أن يذكر ما يستدل به على إثباته له الشجاعة والسخاء مثلا، وذلك ينقسم ~~أقساما: منها التشبيه بما يوجد هذا الوصف فيه على الوجه البليغ والغاية ~~البعيدة، كالتشبيه بالأسد، وبالبحر في البأس والجود، والبدر والشمس في ~~الحسن والبهاء والإنارة والإشراق، ومنها ذكر هيئات تدل على الصفة من حيث ~~كانت لا تكون إلا فيمن له الصفة، كوصف الرجل في حال الحرب بالابتسام وسكون ~~الجوارح وقلة الفكر، كقوله: # كأن دنانيرا على قسماتهم ... وإن كان قد شف الوجوه لقاء # PageV01P338 # وكذلك الجواد يوصف بالتهلل عند ورود العفاة، والارتياح لرؤية المجتدين، ~~والبخيل بالعبوس والقطوب وقلة البشر، مع سعة ذات اليد ومساعدة الدهر. فأما ~~الاتفاق في عموم الغرض، فما لا يكون الاشتراك فيه داخلا في الأخذ والسرقة ~~والاستمداد والاستعانة، لا ترى من به حس يدعي ذلك، ويأبى الحكم بأنه لا ~~يدخل في باب الأخذ، وإنما يقع الغلط من بعض من لا يحسن التحصيل، ولا ينعم ~~التأمل، فيما يؤدي إلى ذلك، حتى يدعى عليه في المحاجة أنه بما قاله قد دخل ~~في حكم من يجعل أحد الشاعرين عيالا على الآخر في تصور معنى الشجاعة، وأنها ~~مما يمدح به، وأن الجهل مما يذم به، فأما أن يقوله صريحا ويرتكبه قصدا فلا، ~~وأما الاتفاق في وجه الدلالة ms195 على الغرض، فيجب أن ينظر، فإن كان مما اشترك ~~الناس في معرفته، وكان مستقرا في العقول والعادات، فإن حكم ذلك، وإن كان ~~خصوصا في المعنى، حكم العموم الذي تقدم ذكره. من ذلك التشبيه بالأسد في ~~الشجاعة، وبالبحر في السخاء، وبالبدر في النور والبهاء، وبالصبح في الظهور ~~والجلاء ونفي الالتباس عنه والخفاء، وكذلك قياس الواحد في خصلة من الخصال ~~على المذكور بذلك والمشهور به والمشار إليه، سواء كان ذلك ممن حضرك في ~~زمانك، أو كان ممن سبق في الأزمنة الماضية والقرون الخالية، لأن هذا مما لا ~~يختص بمعرفته قوم دون قوم، ولا يحتاج في العلم به إلى روية واستنباط وتدبر ~~وتأمل، وإنما هو في حكم الغرائز المركوزة في النفوس، والقضايا التي وضع ~~العلم بها في القلوب، # PageV01P339 # وإن كان مما ينتهي إليه المتكلم بنظر وتدبر، ويناله بطلب واجتهاد، ولم ~~يكن كالأول في حضوره إياه، وكونه في حكم ما يقابله الذي لا معاناة عليه ~~فيه، ولا حاجة به إلى المحاولة والمزاولة والقياس والمباحثة والاستنباط ~~والاستثارة، بل كان من دونه حجاب يحتاج إلى خرقه بالنظر، وعليه كم يفتقر ~~إلى شقه بالتفكير، وكان درا في قعر بحر لا بد له من تكلف الغوص عليه، ~~وممتنعا في شاهق لا يناله إلا بتجشم الصعود إليه وكامنا كالنار في الزند، ~~لا يظهر حتى تقتدحه، ومشابكا لغيره كعروق الذهب التي لا تبدي صفحتها ~~بالهوينا، بل تنال بالحفر عنها وتعريق الجبين في طلب التمكن منها. نعم إذا ~~كان هذا شأنه، وهاهنا مكانه وبهذا الشرط يكون إمكانه، فهو الذي يجوز أن ~~يدعى فيه الاختصاص والسبق والتقدم والأولية، وأن يجعل فيه سلف وخلف، ومفيد ~~ومستفيد، وأن يقضى بين القائلين فيه بالتفاضل والتباين، وأن أحدهما فيه ~~أكمل من الآخر، وأن الثاني زاد على الأول أو نقص عنه، وترقى إلى غاية أبعد ~~من غايته، أو انحط إلى منزلة هي دون منزلته. واعلم أن ذلك الأول الذي هو ~~المشترك العامي، والظاهر الجلي، والذي قلت إن التفاضل لا يدخله، والتفاوت ~~لا يصح فيه، إنما يكون كذلك ms196 ما كان صريحا ظاهرا لم تلحقه صنعة، وساذجا لم ~~يعمل فيه نقش فأما إذا ركب عليه معنى، ووصل به لطيفة، ودخل إليه من باب ~~الكناية والتعريض، والرمز والتلويح، فقد صار بماغير من طريقته، واستؤنف من ~~صورته، # PageV01P340 # واستجد له من المعرض، وكسي من دل التعرض، داخلا في قبيل الخاص الذي يتملك ~~بالفكرة والتعمل، ويتوصل إليه بالتدبر والتأمل، وذلك كقولهم، وهم يريدون ~~التشبيه: سلبن الظباء العيون، كقول بعض العرب: # سلبن ظباء ذي نفر طلاها ... ونجل الأعين البقر الصوارا # وكقوله: # إن السحاب لتستحيى إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيها # وكقوله: # لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء # وكقوله: # واهتز في ورق الندى فتحيرت ... حركات غصن البانة المتأود # وكقوله: # فأفضيت من قرب إلى ذي مهابة ... أقابل بدر الأفق حين أقابله # إلى مسرف في الجود لو أن حاتما ... لديه لأمسى حاتم وهو عاذله # PageV01P341 # فهذا كله في أصله ومغزاه وحقيقة معناه تشبيه، ولكن كنى لك عنه، وخودعت ~~فيه، وأتيت به من طريق الخلابة في مسلك السحر ومذهب التخييل، فصار لذلك ~~غريب الشكل، بديع الفن، منيع الجانب، لا يدين لكل أحد، وأبي العطف لا يدين ~~به إلا للمروي المجتهد، وإذا حققت النظر، فالخصوص الذي تراه، والحالة التي ~~تراها، تنفي الاشتراك وتأباه، إنما هما من أجل أنهم جعلوا التشبيه مدلولا ~~عليه بأمر آخر ليس هو من قبيل الظاهر المعروف، بل هو في حد لحن القول ~~والتعمية اللذين يتعمد فيهما إلى إخفاء المقصود حتى يصير المعلوم اضطرارا، ~~يعرف امتحانا واختيارا، كقوله: # مررت بباب هند فكلمتني ... فلا والله ما نطقت بحرف # فكما يوهمك بإتقان اللفظ أنه أراد الكلام، وأن الميم موصولةباللام، كذلك ~~المشبه إذا قال سرقن الظباء العيون، فقد أوهم أن ثم سرقة وأن العيون منقولة ~~إليها من الظباء، وإن كنت تعلم إذا نظرت أنه يريد أن يقول إن عيونها كعيون ~~الظباء في الحسن والهيئة وفترة النظر، وكذلك يوهمك بقوله: إن السحاب ~~لتستحيى، أن السحاب حي يعرف ويعقل، وأنه يقيس فيضه بفيض كف الممدوح فيخزى ms197 ~~ويخجل. فالاحتفال والصنعة في التصويرات التي تروق الساميعن وتروعهم، ~~والتخييلات التي تهز الممدوحين وتحركهم، وتفعل فعلا شبيها بما يقع في نفس ~~الناظر إلى التصاوير التي يشكلها الحذاق بالتخطيط والنقش، أو بالنحت # PageV01P342 # والنقر، فكما أن تلك تعجب وتخلب، وتروق وتؤنق، وتدخل النفس من مشاهدتها ~~حالة غريبة لم تكن قبل رؤيتها، ويغشاها ضرب من الفتنة لا ينكر مكانه ولا ~~يخفى شأنه. فقد عرفت قضية الأصنام وما عليه أصحابها من الافتتان بها ~~والإعظام لها، كذلك حكم الشعر فيما يصنعه من الصور، ويشكله من البدع، ~~ويوقعه في النفوس من المعاني التي يتوهم بها الجماد الصامت في صورة الحي ~~الناطق، والموات الأخرس في قضية الفصيح المعرب والمبين المميز، والمعدوم ~~المفقود في حكم الموجود المشاهد، كما قدمت القول عليه في باب التمثيل، حتى ~~يكسب الدني رفعة، والغامض القدر نباهة، وعلى العكس يغض من شرف الشريف، ويطأ ~~من قدر ذي العزة المنيف، ويظلم الفضل ويتهضمه، ويخدش وجه الجمال ويتخونه، ~~ويعطي الشبهة سلطان الحجة، ويرد الحجة إلى صيغة الشبهة، ويصنع من المادة ~~الخسيسة بدعا تغلو في القيمة وتعلو، ويفعل من قلب الجواهر وتبديل الطبائع ~~ما ترى به الكيمياء وقد صحت، ودعوى الإكسير وقد وضحت، إلا أنها روحانية ~~تتلبس بالأوهام والأفهام، دون الأجسام والأجرام، ولذلك قال: # يري حكمة ما فيه وهو فكاهة ... ويقضي بما يقضي به وهو ظالم # وقال: # عليم بإبدال الحروف وقامع ... لكل خطيب يقمع الحق باطله # PageV01P343 # وقال ابن سكرة فأحسن: # والشعر نار بلا دخان ... وللقوافي رقى لطيفه # لو هجي المسك وهو أهل ... لكل مدح لصار جيفه # كم من ثقيل المحل سام ... هوت به أحرف خفيفه # وقد عرفت ما كان من أمر القبيلة الذين كانوا يعيرون بأنف الناقة، حتى قال ~~الحطيئة: # قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا # فنفى العار، وصحح الافتخار، وجعل ما كان نقصا وشينا، فضلا وزينا، وما كان ~~لقبا ونبزا يسوء السمع، شرفا وعزا يرفع الطرف، وما ذاك إلا بحسن الانتزاع، ~~ولطف القريحة الصناع، والذهن الناقد في دقائق الإحسان والإبداع، كما كساهم ms198 ~~الجمال من حي كانوا عروا منه، وأثبتهم في نصاب الفضل من حيث نفوا عنه، فلرب ~~أنف سليم قد وضع الشعر عليه حده فجدعه، واسم رفيع قلب معناه حتى حط به ~~صاحبه ووضعه، كما قال: # يا حاجب الوزراء إنك عندهم ... سعد ولكن أنت سعد الذابح # PageV01P344 # ومن العجيب في ذلك قول القائل في كثير بن أحمد: # لو علم الله فيه خيرا ... ما قال لا خير في كثير # فانظر من أي مدخل دخل عليه، وكيف بالهوينا هدى البلاء إليه؟ وكثير هذا هو ~~الذي يقول فيه الصاحب: " ومثل كثير في الزمان قليل " فقد صار الاسم الواحد ~~وسيلة إلى الهدم والبناء، والمدح والهجاء، وذريعة إلى التزيين والتهجين. ~~ومن عجيب ما اتفق في هذا الباب قول ابن المعتز في ذم القمر، واجتراؤه بقدرة ~~البيان على تقبيحه، وهو الأصل والمثل وعليه الاعتماد والمعول في تحسين كل ~~حسن، وتزيين كل مزين، وأول ما يقع في النفوس إذا أريد المبالغة في الوصف ~~بالجمال، والبلوغ فيه غاية الكمال، فيقال # PageV01P345 # وجه كأنه القمر، وكأنه فلقة قمر، ذلك لثقته بأن هذا القول إذا شاء سحر، ~~وقلب الصور، وأنه لا يهاب أن يخرق الإجماع، ويسحر العقول ويقتسر الطباع، ~~وهو: # يا سارق الأنوار من شمس الضحى ... يا مثكلي طيب الكرى ومنغصي # أما ضياء الشمس فيك فناقص ... وأرى حرارة نارها لم تنقص # لم يظفر التشبيه منك بطائل ... متسلخ بهقا كلون الأبرص # وقد علم أن ليس في الدنيا مثلة أخزى وأشنع، ونكال أبلغ وأفظع، ومنظر أحق ~~بأن يملأ النفوس إنكارا، ويزعج القلوب استفظاعا له واستنكارا، ويغري ~~الألسنة بالاستعاذة من سوء القضاء، ودرك الشقاء، من أن يصلب المقتول ويشبح ~~في الجذع، ثم قد ترى مرثية أبي الحسن الأنباري لابن بقية حين صلب، وما صنع ~~فيها من السحر، حتى قلب جملة ما يستنكر من أحوال المصلوب إلى خلافها، وتأول ~~فيها تأويلات أراك فيها وبها ما تقضي منه العجب: # علو في الحياة وفي الممات ... بحق أنت إحدى المعجزات # كأن الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيام الصلات # كأنك قائم ms199 فيهم خطيبا ... وكلهم قيام للصلاة # PageV01P346 # مددت يديك نحوهم احتفاء ... كمدهما إليهم بالهبات # ولما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضم علاك من بعد الممات # أصاروا الجو قبرك واستنابوا ... عن الأكفان ثوب السافيات # لعظمك في النفوس تبيت ترعى ... بحراس وحفاظ ثقات # وتشعل عندك النيران ليلا ... كذلك كنت أيام الحياة # ركبت مطية، من قبل زيد ... علاها في السنين الماضيات # وتلك فضيلة فيها تأس ... تباعد عنك تعيير العداة # أسأت إلى الحوادث فاستثارت ... فأنت قتيل ثأر النائبات # ولو أني قدرت على قيامي ... بفرضك والحقوق الواجبات # ملأت الأرض من نظم القوافي ... ونحت بها خلال النائحات # ولكني أصبر عنك نفسي ... مخافة أن أعد من الجناة # وما لك تربة فأقول تسقى ... لأنك نصب هطل الهاطلات # عليك تحية الرحمن تترى ... برحمات غواد رائحات # ومما هو من هذا الباب، إلا أنه مع ذلك احتجاج عقلي صحيح، قول المتنبي: # وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال # فحق هذا أن يكون عنوان هذا الجنس، وفي صدر صحيفته، وطرازا # PageV01P347 # لديباجته، لأنه دفع لنقص، وإبطال له، من حيث يشهد العقل للحجة التي نطق ~~بها بالصحة، وذلك أن الصفات الشريفة شريفة بأنفسها، وليس شرفها من حيث ~~الموصوف، وكيف والأوصاف سبب التفاضل بين الموصوفات، فكان الموصوف شريفا ~~أوغير شريف من حيث الصفة، ولم تكن الصفة شريفة أو خسيسة من حيث الموصوف، ~~وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا يعترض على الصفات الشريفة بشيء إن كان نقصا، ~~فهو في خارج منها، وفيما لا يرجع إليها أنفسها ولا حقيقتها، وذلك الخارج ~~هاهنا هو كون الشخص على صورة دون صورة، وإذا كان كذلك، كان الأمر: مقدار ~~ضرر التأنيث إذا وجد في الخلقة على الأوصاف الشريفة، مقداره إذا وجد في ~~الاسم الموضوع للشيء الشريف، لأنه في أن لا تأثير له من طريق العقل في تلك ~~الأوصاف في الحالين على صورة واحدة، لأن الفضائل التي بها فضل الرجل على ~~المرأة، لم تكن فضائل لأنها قارنت صورة التذكير وخلقته، ولا أوجبت ما أوجبت ~~من التعظيم لاقترانها بهذه الخلقة دون تلك، ms200 بل إنماأوجبته لأنفسها ومن حيث ~~هي، كما أن الشيء لم يكن شريفا أو غير شريف من حيث أنث اسمه أو ذكر، بل ~~يثبت الشرف وغير الشرف للمسميات من حيث أنفسها وأوصافها، لا من حيث ~~أسماؤها، لاستحالة أن يتعدى من لفظ، هو صوت مسموع، نقص أو فضل إلى ما جعل ~~علامة له فاعرفه. واعلم أن هذا هو الصحيح في تفسير هذا البيت، والطريقة ~~المستقيمة في الموازنة بين تأنيث الخلقة وتأنيث الاسم، لا أن يقال إن ~~المعنى أن المرأة إذا كانت في كمال الرجل من حيث العقل والفضل وسائر الخلال ~~الممدوحة، كانت من حيث المعنى رجلا، وإن عدت في الظاهر امرأة، لأجل أنه ~~يفسد من وجهين: # PageV01P348 # أحدهما أنه قال ولا التذكير فخر للهلال، ومعلوم أنه لا يريد أن يقول إن ~~الهلال وإن ذكر في لفظه فهو مؤنث في المعنى، لفساد ذلك، ولأجل أنه إن كان ~~يريد أن يضرب تأنيث اسم الشمس مثلا لتأنيث المرأة، على معنى أنها في المعنى ~~رجل، وأن يثبت لها تذكيرا، فأي معنى لأن يعود فينحي على التذكير، ويغض منه ~~ويقول ليس هو بفخر للهلال هذا بين التناقض. # PageV01P349 # فصل في ### | حدي الحقيقة والمجاز # واعلم أن حد كل واحد من وصفى المجاز والحقيقة إذا كان الموصوف به المفرد، ~~غير حده إذا كان الموصوف به الجملة، وأنا أبدأ بحدهما في المفرد، كل كلمة ~~أريد بها ما وقعت له في وضع واضع، وإن شئت قلت: في مواضعة، وقوعا لا تستند ~~فيه إلى غيره فهي حقيقة، وهذه عبارة تنتظم الوضع الأول وما تأخر عنه، كلغة ~~تحدث في قبيلة من العرب، أو في جميع العرب، أو في جميع الناس مثلا، أو تحدث ~~اليوم ويدخل فيها الأعلام منقولة كانت كزيد وعمرو، أو مرتجلة كغطفان وكل ~~كلمة استؤنف لها على الجملة مواضعة، أو ادعي الاستئناف فيها. وإنما اشترطت ~~هذا كله، لأن وصف اللفظة بأنها حقيقة أو مجاز، حكم فيها من حيث إن لها ~~دلالة على الجملة، لا من حيث هي عربية أو فارسية، أو سابقة في ms201 الوضع، أو ~~محدثة، مولدة، فمن حق الحد أن يكون بحيث يجري في جميع الألفاظ الدالة، ~~ونظير هذا نظير أن تضع حدا للاسم والصفة، في أنك تضعه بحيث لو اعتبرت به ~~لغة غير لغة العرب، وجدته يجري فيها جريانه في العربية، لأنك تحد من جهة لا ~~اختصاص لها بلغة دون لغة، ألا ترى أن حدك الخبر بأنه # PageV01P350 # ما احتمل الصدق والكذب مما لا يخص لسانا دون لسان؛ ونظائر ذلك كثيرة، وهو ~~أحد ما غفل عنه الناس، ودخل عليهم اللبس فيه، حتى ظنوا أنه ليس لهذا العلم ~~قوانين عقلية، وأن مسائله مشبهة باللغة، في كونها اصطلاحا يتوهم عليه ~~النقل، والتبديل، ولقد فحش غلطهم فيه، وليس هذا موضع القول في ذلك. وإن ~~أردت أن تمتحن هذا الحد، فانظر إلى قولك الأسد، تريد به السبع، فإنك تراه ~~يؤدي جميع شرائطه، لأنك قد أردت به ما تعلم أنه وقع له في وضع واضع اللغة، ~~وكذلك تعلم أنه غير مستند في هذا الوقوع إلى شيء غير السبع، أي: لا يحتاج ~~أن يتصور له أصل أداه إلى السبع من أجل التباس بينهما وملاحظة، وهذا الحكم ~~إذا كانت الكلمة حادثة، ولو وضعت اليوم، متى كان وضعها كذلك، وكذلك ~~الأعلام، وذلك أني قلت ما وقعت له في وضع واضع أو مواضعة على التنكير، ولم ~~أقل في وضع الواضع الذي ابتدأ اللغة، أو في المواضعة اللغوية، فيتوهم أن ~~الأعلام أو غيرهما مما تأخر وضعه عن أصل اللغة يخرج عنه، ومعلوم أن الرجل ~~يواضع قومه في اسم ابنه، فإذا سماه زيدا، فحاله الآن فيه كحال واضع اللغة ~~حين جعله مصدرا لزاد يزيد، وسبق واضع اللغة له في وضعه للمصدر المعلوم، لا ~~يقدح في اعتبارنا، لأنه يقع عند تسميته به ابنه وقوعا باتا، ولا تستند حاله ~~هذه إلى السابق من حاله بوجه من الوجوه، وأما المجاز فكل كلمة أريد بها غير ~~ماوقت له في وضع واضعها، لملاحظة بين الثاني والأول، فهي مجاز وإن شئت قلت: # PageV01P351 # كل كلمة جزت بها ما وقعت به ms202 في وضع الواضع إلى ما لم توضع له، من غير أن ~~تستأنف فيها وضعا، لملاحظة بين ما تجوز بها إليه، وبين أصلها الذي وضعت له ~~فيوضع واضعها، فهي مجاز. ومعنى الملاحظة هو أنها تستند في الجملة إلى غير ~~هذا الذي تريده بها الآن، إلا أن هذا الاستناد يقوى ويضعف، بيانه ما مضى من ~~أنك إذا قلت: رأيت أسدا، تريد رجلا شبيها بالأسد، لم يشتبه عليك الأمر في ~~حاجة الثاني إلى الأول، إذ لا يتصور أن يقع الأسد للرجل على هذا المعنى ~~الذي أردته على التشبيه على حد المبالغة، وإيهام أن معنى من الأسدحصل فيه ~~إلا بعدأن تجعل كونه اسما للسبع إزاء عينيك، فهذا إسناد تعلمه ضرورة، ولو ~~حاولت دفعه عن وهمك حاولت محالا، فمتى عقل فرع من غير أصل، ومشبه من غير ~~مشبه به؟ وكل ما طريقه التشبيه فهذا سبيله أعني: كل اسم جرى على الشيء ~~للاستعارة، فالاستناد فيه قائم ضرورة. وأما ما عدا ذلك، فلا يقوى استناده ~~هذه القوة، حتى لو حاول محاول أن ينكره أمكنه في ظاهر الحال، ولم يلزمه به ~~خروج إلى المحال، وذلك كاليد للنعمة لو تكلف متكلف فزعم أنه وضع مستأنف أو ~~في حكم لغة مفردة، لم يمكن دفعه إلا برفق وباعتبار خفي، وهو ما قدمت من أنا ~~رأيناهم لا يوقعون هذه اللفظة على ما ليس بينه وبين هذه الجارحة التباس ~~واختصاص. ودليل آخر وهو أن اليد لا تكاد تقع للنعمة إلا وفي # الكلام إشارة إلى مصدر تلك النعمة، وإلى المولي، لها، ولا تصلح حيث تراد ~~النعمة مجردة من إضافة لها إلى المنعم أو تلويح به. بيان ذلك أنك تقول ~~اتسعت النعمة في البلد، ولا تقول اتسعت اليد في البلد، وتقول: أقتني نعمة، ~~ولا تقول اقتني يدا، وأمثال ذلك تكثر إذا تأملت وإنما يقال: جلت يده عندي، ~~وكثرت أياديه لدي، فتعلم أن الأصل صنائع يده وفوائده الصادرة عن يده وآثار ~~يده، ومحال أن تكون اليد اسما للنعمة هكذا على الإطلاق، ثم لا تقع موقع ~~النعمة، ms203 لو جاز ذلك، لجاز أن يكون المترجم للنعمة باسم لها في لغة أخرى، ~~واضعا اسمها من تلك اللغة في مواضع لا تقع النعمة فيها من لغة العرب، وذلك ~~محال. ونظير هذا قولهم في صفة راعي الإبل إن له عليه إصبعا، أي أثرا حسنا، ~~وأنشدوا: كلام إشارة إلى مصدر تلك النعمة، وإلى المولي، لها، ولا تصلح حيث ~~تراد النعمة مجردة من إضافة لها إلى المنعم أو تلويح به. بيان ذلك أنك تقول ~~اتسعت النعمة في البلد، ولا تقول # PageV01P352 # اتسعت اليد في البلد، وتقول: أقتني نعمة، ولا تقول اقتني يدا، وأمثال ذلك ~~تكثر إذا تأملت وإنما يقال: جلت يده عندي، وكثرت أياديه لدي، فتعلم أن ~~الأصل صنائع يده وفوائده الصادرة عن يده وآثار يده، ومحال أن تكون اليد ~~اسما للنعمة هكذا على الإطلاق، ثم لا تقع موقع النعمة، لو جاز ذلك، لجاز أن ~~يكون المترجم للنعمة باسم لها في لغة أخرى، واضعا اسمها من تلك اللغة في ~~مواضع لا تقع النعمة فيها من لغة العرب، وذلك محال. ونظير هذا قولهم في صفة ~~راعي الإبل إن له عليه إصبعا، أي أثرا حسنا، وأنشدوا: # ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا # وأنشد شيخنا رحمه الله مع هذا البيت قول الآخر: " صلب العصا بالضرب قد ~~دماها " أي جعلها كالدمى في الحسن، وكأن قوله صلب العصا، وإن كان ضد قول ~~الآخر ضعيف العصا، فإنهما يرجعان إلى غرض واحد، وهوحسن الرعية، والعمل بما ~~يصلحها ويحسن أثره عليها، فأراد الأول بجعله ضعيف العصا أنه رفيق بها مشفق ~~عليها، لا يقصد من حمل العصا أن يوجعها # PageV01P353 # بالضرب من غير فائدة، فهو يتخير ما لان من العصي، وأراد الثاني أنه جيد ~~الضبط لها عارف بسياستها في الرعي، ويزجرها عن المراعي التي لا تحمد، ~~ويتوخى بها ما تسمن عليه، ويتضمن أيضا أنه يمنعها عن التشرد والتبدد وأنها، ~~لماعرفت من شدة شكيمته وقوة عزيمته، وتنساق وتستوسق في الجهة التي يريدها، ~~من غير أن يجدد لها في كل ms204 حال ضربا، وقال آخر: " صلب العصا جاف عن التغزل " ~~فهذا لم يبين ما بينه الآخر وأعود إلى الغرض فأنت الآن لا تشك أن الإصبع ~~مشار بها إلى إصبع اليد، وأن وقوعها بمعنى الأثر الحسن، ليس على أنه وضع ~~مستأنف في إحدى اللغتين، ألا تراهم لا يقولون رأيت أصابع الدار، بمعنى آثار ~~الدار، وله إصبع حسنة، وإصبع قبيحة، على معنى أثر حسن وأثر قبيح ونحو ذلك، ~~وإنما أرادوا أن يقولوا له عليها أثر حذق، فدلوا عليه بالإصبع، لأن الأعمال ~~الدقيقة له اختصاص بالأصابع، وما من حذق في عمل يد إلا وهو مستفاد من حسن ~~تصريف الأصابع، واللطف في رفعها ووضعها، كما تعلم في الخط والنقش وكل عمل ~~دقيق، وعلى ذلك قالوا في تفسير قوله عز وجل: " بلى قادرين على أن نسوي ~~بنانه " " القيامة: 4 "، أي نجعلها كخف البعير فلا تتمكن من الأعمال ~~اللطيفة. # PageV01P354 # فكما علمت ملاحظة الإصبع لأصلها، وامتناع أن تكون مستأنفة بأنك رأيتها لا ~~يصح استعمالها حيث يراد الأثر على الإطلاق، ولا يقصد الإشارة إلى حذق في ~~الصنعة، وأن يجعل أثر الإصبع إصبعا كذلك ينبغي أن تعلم ذلك في اليد لقيام ~~هذه العلة فيها، أعني أن لم يجعل أثر اليد يدا، لم تقع للنعمة مجردة من هذه ~~الإشارات، وحيث لا يتصور ذلك كقولنا أقتني نعمة فاعرفه. ويشبه هذا في أن ~~عبر عن أثر اليد والإصبع باسمهما، وضعهم الخاتم موضع الختم كقولهم عليه ~~خاتم الملك، وعليه طابع من الكرم، والمحصول أثر الخاتم والطابع، قال: # وقلن حرام قد أخل بربنا ... وتترك أموال عليها الخواتم # وكذا قول الآخر: # إذا قضت خواتمها وفكت ... يقال لها دم الودج الذبيح # وأما تقدير الشيخ أبو علي في هذين البيتين حذف المضاف، وتأويله على معنى ~~وتترك أموال عليها نقش الخواتم، وإذا فض ختم خواتمها، فبيان لما يقتضيه ~~الكلام من أصله، دون أن يكون الأمر على خلاف ما ذكرت # PageV01P355 # من جعل أثر الخاتم خاتما، وأنت إذا نظرت إلى الشعر من جهته الخاصة به، ~~وذقته بالحاسة المهيأة لمعرفة طعمه، لم ms205 تشك في أن الأمر على ما أشرت لك ~~إليه ويدل على أن المضاف قد وقع في المنسأة، وصار كالشريعة المنسوخة، تأنيث ~~الفعل في قوله إذا فضت خواتمها، ولو كان حكمه باقيا لذكرت الفعل كما تذكره ~~مع الإظهار، ولاستقصاء هذا موضع آخر. وينظر إلى هذا المكان قولهم: ضربته ~~سوطا، لأنهم عبروا عن الضربة التي هي واقعة بالسوط باسمه، وجعلوا أثر السوط ~~سوطا، وتعلم على ذلك أن تفسيرهم له بقولهم إن المعنى ضربته ضربة بسوط، بيان ~~لما كان عليه الكلام في أصله، وأن ذلك قد نسي ونسخ، وجعل كأن لم يكن ~~فاعرفه. وأما إذا أريد باليد القدرة، فهي إذن أحن إلى موضعها الذي بدئت ~~منه، وأصب بأصلها، لأنك لا تكاد تجدها تراد معها القدرة، إلا والكلام مثل ~~صريح، ومعنى القدرة منتزع من اليد مع غيرها، أو هناك تلويح بالمثل. فمن ~~الصريح قولهم: فلان طويل اليد، يراد: فضل القدرة، فأنت لو وضعت القدرة ~~هاهنا في موضع اليد أحلت، كما أنك لو حاولت في قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد قالت له نساؤه صلى الله عليه وسلم: أيتها أسرع لحاقا بك يا رسول ~~الله؟ # PageV01P356 # فقال: " أطولكن يدا "، يريد السخاء والجود وبسط اليد بالبذل أن تضع موضع ~~اليد شيئا مما أريد بهذا الكلام، خرجت من المعقول، وذلك أن الشبه مأخوذ من ~~مجموع الطويل واليد مضافا ذاك إلى هذه، فطلبه من اليد وحدها طلب الشيء على ~~غير وجهه، ومن الظاهر في كون الشبه مأخوذا ما بين اليد، وغيرها قوله تعالى: ~~" يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " " الحجرات: 1 "، ~~المعنى على أنهم أمروا باتباع الأمر، فلما كان المتقدم بين يدي الرجل خارجا ~~عن صفة المتابع له، ضرب جملة هذا الكلام مثلا للاتباع في الأمر، فصار النهي ~~عن التقدم متعلقا باليد نهيا عن ترك الاتباع، فهذا مما لا يخفي على ذي عقل ~~أنه لا تكون فيه اليد بانفرادها عبارة عن شيء، كما قد يتوهم أنها عبارة عن ~~النعمة ومتناولة لها، كالوضع المستأنف، حتى ms206 كأن لم تكن قط اسم جارحة. وهكذا ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: " المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم ~~أدناهم، وهم يد على من سواهم "، المعنى وإن كان على قولك وهم عون على من ~~سواهم، فلا تقول إن اليد بمعنى العون حقيقة، # PageV01P357 # بل المعنى أن مثلهم مع كثرتهم في وجوب الاتفاق بينهم، مثل اليد الواحدة ~~فكما لا يتصور أن يخذل بعض أجزاء اليد بعضا، وأن تختلف بها الجهة في ~~التصرف، كذلك سبيل المؤمنين في تعاضدهم على المشركين، لأن كلمة التوحيد ~~جامعة لهم، فلذلك كانوا كنفس واحدة، فهذا كله مما يعترف لك كل أحد فيه، بأن ~~اليد على انفرادها لا تقع على شيء، فيتوهم لها نقل من معنى إلى معنى على حد ~~وضع الاسم واستئنافه. فأما ما تكون اليد فيه للقدرة على سبيل التلويح ~~بالمثل دون التصريح، حتى ترى كثيرا من الناس يطلق القول إنها بمعنى القدرة ~~ويجريها مجرى اللفظ يقع لمعنيين، فكقوله تعالى: " والسموات مطويات بيمينه " ~~" الزمر: 67 "، تراهم يطلقون اليمين بمعنى القدرة، ويصلون إليه قول الشماخ: # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # كما فعل أبو العباس في الكامل، فإنه أنشد البيت ثم قال: قال أصحاب ~~المعاني معناه بالقوة، وقالوا مثل ذلك في قوله تعالى: " والسموات مطويات ~~بيمينه "، وهذا منهم تفسير على الجملة، وقصد إلى نفي الجارحة بسرعة، خوفا # PageV01P358 # على السامع من خطرات تقع للجهال وأهل التشبيه جل الله وتعالى عن شبه ~~المخلوقين ولم يقصدوا إلى بيان الطريقة والجهة التي منها يحصل على القدرة ~~والقوة، وإذا تأملت علمت أنه على طريقة المثل، وكما أنا نعلم في صدر هذه ~~الآية وهو قوله عز وجل: " والأرض جميعا قبضته يوم القيامة " " الزمر: 67 "، ~~أن محصول المعنى على القدرة، ثم لا نستجيز أن نجعل القبضة اسما للقدرة، بل ~~نصير إلى القدرة من طريق التأويل والمثل، فنقول إن المعنى والله أعلم أن ~~مثل الأرض في تصرفها تحت أمر الله وقدرته، وأنه لا يشذ شيء مما فيها من ~~سلطانه عز وجل، مثل الشيء يكون في ms207 قبضة الآخذ له منا والجامع يده عليه، ~~كذلك حقنا أن نسلك بقوله تعالى: " مطويات بيمينه " هذا المسلك، فكأن المعنى ~~- والله أعلم - أنه عز وجل يخلق فيها صفة الطي حتى ترى كالكتاب المطوي ~~بيمين الواحد منكم، وخص اليمين لتكون أعلى وأفخم للمثل، وإذا كنت تقول ~~الأمر كله لله، فتعلم أنه على سبيل أن لا سلطان لأحد دونه ولا استبداد ~~وكذلك إذا قلت للمخلوق الأمر بيدك، أردت المثل، وأن الأمر كالشيء يحصل في ~~يده من حيث لا يمتنع عليه، فما معنى التوقف في أن اليمين مثل، وليست باسم ~~للقدرة، وكاللغة المستأنفة، ومن أين يتصور ذلك وأنت لا تراها تصلح حيث لا ~~وجه للمثل والتشبيه فلا يقال: هو عظيم اليمين، بمعنى عظيم القدرة، وقد عرفت ~~يمينك على هذا كما تقول عرفت قدرتك. # PageV01P359 # وهكذا شأن البيت، إذا أحسنت النظر وجدته إذا لم تأخذه من طريق المثل، ولم ~~تأخذ المعنى من مجموع التلقي واليمين على حد قولهم تقبلته بكلتا اليدين، ~~وكقوله: # ولكن باليدين ضمانتي ... ومل بفلج فالقنافذ عودي # وقبل هذا البيت: # لعمرك ما ملت ثواء ثويها ... حليمة إذ ألقى مراسي مقعد # وهو يشكوك إلى طبع الشعر، ورأيت المعنى يتألم ويتظلم، وإن أردت أن تختبر ~~ذلك فقل: # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باقتدار # ثم انظر، هل تجد ما كنت تجد، إن كنت ممن يعرف طعم الشعر، ويفرق بين التفه ~~الذي لا يكون له طعم وبين الحلو اللذيذ. ومما يبين ذلك من جهة العبارة: أن ~~الشعر كما تعلم لمدح الرجل بالجود والسخاء، لأنه سأل الشماخ عما أقدمه؛ ~~فقال: جئت لأمتار، فأوقر # PageV01P360 # راحله تمرا وأتحفه بغير ذلك، وإذا كان كذلك، كان المجد الذي تطاول له ومد ~~إليه يده، من المجد الذي أراده أبو تمام بقوله: # توجع أن رأت جسمي نحيفا ... كأن المجد يدرك بالصراع # ولو كان في ذكرالبأس والبطش وحيث تراد القوة والشدة، لكان حمل اليمين على ~~صريح القوة أشبه، وبأن يقع منه في القلب معنى يتماسك أجدر، فإن قال أراد ~~تلقاها بجد وقوة رغبة، قيل ms208 فينبغي أن يضع اليمين في مثل هذه المواضع، ومن ~~التزم ذلك فالسكوت عنه أحسن، وما زال الناس يقولون للرجل إذا أرادوا حثه ~~على الأمر، وأن يأخذ فيه بالجد أخرج يدك اليمنى وذاك أنها أشرف اليدين ~~وأقواهما، والتي لا غناء للأخرى دونها، فلا عني إنسان بشيء إلا بدأ بيمينه ~~فهيأها لنيله، ومتى ما قصدوا جعل الشيء في جهة العناية، جعلوه في اليد ~~اليمنى، وعلى ذلك قول البحتري: # وإن يدي وقد أسندت أمري ... إليه اليوم في يدك اليمين # إليه يعني إلى يونس بن بغا، وكان حظيا عند الممدوح، وهو المعتز بالله، ~~ولو أن قائلا قال: # إذا ما راية رفعت لمجد ... ومكرمة مددت لها اليمينا # لم تره عادلا باليمين عن الموضع الذي وضعها الشماخ فيه، ولو أن هذا ~~التأويل منهم كان في قول سليمان بن قتة العدوي: # PageV01P361 # بني تيم بن مرة إن ربي ... كفاني أمركم وكفاكموني # فحيوا ما بدا لكم فإني ... شديد الفرس للضغن الحرون # يعاني فقدكم أسد مدل ... شديد الأسر يضبث باليمين # لكان أعذر فيه، لأن المدح مدح بالقوة والشدة، وعلى ذلك فإن اعتبار الأصل ~~الذي قدمت، وهو أنك لا ترى اليمين حيث لا معنى لليد، يقف بنا على الظاهر، ~~كأنه قال إذا ضبث ضبث باليمين، ومما يبين موضوع بيت الشماخ، إذا اعتبرت به، ~~قول الخنساء: # إذا القوم مدوا بأيديهم ... إلى المجد مد إليه يدا # فنال الذي فوق أيديهم ... من المجد ثم مضى مصعدا # إذا رجعت إلى نفسك، لم تجد فرقا بين أن يمد إلى المجد يدا، وبين أن يتلقى ~~رايته باليمين، وهذا إن أردت الحق أبين من أن تحتاج فيه إلى فضل قول، إلا ~~أن هذا الضرب من الغلط، كالداء الدوي، حقه أن يستقصى في الكي عليه والعلاج ~~منه، فجنايته على معاني ما شرف من الكلام عظيمة، وهو مادة للمتكلفين في ~~التأويلات البعيدة والأقوال الشنيعة، # PageV01P362 # ومثل من توقف في التفات هذه الأسامي إلى معانيها الأول، وظن أنها مقطوعة ~~عنها قطعا يرفع الصلة بينها وبين ما جازت إليه، مثل من إذا نظر ms209 في قوله ~~تعالى: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " " ق: 37 "، فرأى المعنى على ~~الفهم والعقل أخذه ساذجا وقبله غفلا، وقال القلب، هاهنا بمعنى العقل وترك ~~أن يأخذه من جهته، ويدخل إلى المعنى من طريق المثل فيقول إنه حين لم ينتفع ~~بقلبه، ولم يفهم بعد أن كان القلب للفهم، جعل كأنه قد عدم القلب جملة وخلع ~~من صدره خلعا، كما جعل الذي لا يعي الحكمة ولا يعمل الفكر فيما تدركه عينه ~~وتسمعه أذنه، كأنه عادم للسمع والبصر، وداخل في العمى والصمم ويذهب عن أن ~~الرجل إذا قال قد غاب عني قلبي، وليس يحضرني قلبي فإنه يريد أن يخيل إلى ~~السامع أنه قد فقد قلبه، دون أن يقول غاب عني علمي وعزب عقلي، وإن كان ~~المرجع عند التحصيل إلى ذلك، كما أنه إذا قال لم أكن هاهنا، يريد شدة غفلته ~~عن الشيء، فهو يضع كلامه على تخييل أنه كان غاب هكذا بجملته وبذاته، دون أن ~~يريد الإخبار بأن علمه لم يكن هناك، وغرضي بهذا أن أعلمك أن من عدل عن ~~الطريقة في الخفي، أفضى به الأمر إلى أن ينكر الجلي، وصار من دقيق الخطأ ~~إلى الجليل، ومن بعض الانحرافات إلى ترك السبيل، والذي جلب التخليط والخبط ~~الذي تراه في هذا الفن، أن الفرق بين أن # PageV01P363 # يؤخذ ما بين شيئين، وينتزع من مجموع كلام، هو كما عرفتك في الفرق بين ~~الاستعارة والتمثيل باب من القول تدخل فيه الشبهة على الإنسان من حيث لا ~~يعلم، وهو من السهل الممتنع، يريك أن قد انقاد وبه إباء، ويوهمك أن قد أثرت ~~فيه رياضتك وبه بقية شماس. # ومن خاصيته أنك لا تفرق فيه بين الموافق والمخالف، والمعترف به والمنكر ~~له، فإنك ترى الرجل يوافقك في الشيء منه، ويقر بأنه مثل، حتى إذا صار إلى ~~نظير له خلط إما في أصل المعنى، وإما في العبارة، فالتخليط في المعنى كما ~~مضى، من تأول اليمين على القوة، وكذكرهم أن القلب في الآية بمعنى العقل، ثم ~~عدهم ذلك ms210 وجها ثانيا. والتخليط في العبارة، كنحو ما ذكره بعضهم في قوله: " ~~هون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها " فإنه استشهد به في تأويل خبر جاء ~~في عظم الثواب على الزكاة إذا كانت # PageV01P364 # من الطيب ثم قال الكف هاهنا بمعنى السلطان والملك والقدرة، قال وقيل الكف ~~هاهنا بمعنى النعمة، والخبر هو ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: إن أحدكم إذا تصدق بالتمرة من الطيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - جعل ~~الله ذلك في كفه، فيربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى يبلغ بالتمرة مثل أحد، ~~مايظن بمن نظر في العربية يوما أن يتوهم أن الكف يكون على هذا الإطلاق، ~~وعلى الانفراد، بمعنى السلطان والقدرة والنعمة، ولكنه أراد المثل فأساء ~~العبارة، إلا أن من سوء العبارة ما أثر التقصير فيه أظهر، وضرره على الكلام ~~أبين. واستقصاء هذا الباب لا يتم حتى يفرد بكلام، والوجه الرجوع إلى الغرض، ~~ويجب أن تعلم قبل ذلك أن خلاف من خالف في اليد واليمين، وسائر ما هو مجاز ~~لا من طريق التشبيه الصريح أو التمثيل، لا يقدح فيما قدمت من حدث الحقيقة ~~والمجاز، لأنه لا يخرج في خلافه عن واحد من الاعتبارين، فمتى جعل اليمين ~~على انفرادها تفيد القوة، فقد جعلها حقيقة، وأغناها عن أن تستند في دلالتها ~~إلى شيء وإن اعترف بضرب من الحاجة إلى الجارحة والنظر إليها، فقد وافق في ~~أنها مجاز، وكذا القياس في الباب كله فاعرفه. # PageV01P365 ### | فصل # في ### | المجاز العقلي والمجاز اللغوي # والفرق بينهما. والذي ينبغي أن يذكر الآن حد الجملة في الحقيقة والمجاز، ~~إلا أنك تحتاج أن تعرف في صدر القول عليها ومقدمته أصلا، وهو المعنى الذي ~~من أجله اختصت الفائدة بالجملة، ولم يجز حصولها بالكلمة الواحدة، كالاسم ~~الواحد، والفعل من غير اسم يضم إليه، والعلة في ذلك أن مدار الفائدة في ~~الحقيقة على الإثبات والنفي، ألا ترى أن الخبر أول معاني الكلام وأقدمها، ~~والذي تستند سائر المعاني إليه وتترتب عليه وهو ينقسم إلى هذين الحكمين، ~~وإذا ثبت ذلك، ms211 فإن الإثبات يقتضي مثبتا ومثبتا له، نحو أنك إذا قلت ضرب زيد ~~أؤ زيد ضارب، فقد أثبت الضرب فعلا أو وصفا لزيد وكذلك النفي يقتضي منفيا ~~ومنفيا عنه، فإذا قلت ما ضرب زيد وما زيد ضارب، فقد نفيت الضرب عن زيد ~~وأخرجته عن أن يكون فعلا له، فلما كان الأمر كذلك احتيج إلى شيئين يتعلق ~~الإثبات والنفي بهما، فيكون أحدهما مثبتا والآخر مثبتا له وكذلك يكون ~~أحدهما منفيا والآخر منفيا عنه، فكان ذانك الشيئان المبتدأ والخبر، والفعل ~~والفاعل، وقيل للمثبت وللمنفي مسند وحديث، وللمثبت له والمنفي عنه مسند ~~إليه ومحدث عنه، وإذا رمت الفائدة أن تحصل لك من الاسم الواحد أو الفعل ~~وحده، صرت كأنك تطلب أن يكون الشيء الواحد مثبتا ومثبتا له، ومنفيا ومنفيا ~~عنه، وذلك محال، # PageV01P366 # فقد حصل من هذا أن لكل واحد من حكمي الإثبات والنفي حاجة إلى أن تقيده ~~مرتين، وتعلقه بشيئين، تفسير ذلك أنك إذا قلت ضرب زيد، فقد قصدت إثبات ~~الضرب لزيد، فقولك إثبات الضرب، تقييد للإثبات بإضافته إلى الضرب ثم لا ~~يكفيك هذا التقييد حتى تقيده مرة أخرى فتقول إثبات الضرب لزيد، فقولك: ~~لزيد، تقييد ثان وفي حكم إضافة ثانية، وكما لا يتصور أن يكون هاهنا إثبات ~~مطلق غير مقيد بوجه أعني أن يكون إثبات ولا مثبت له ولا شيء يقصد بذلك ~~الإثبات إليه، لا صفة ولا حكم ولا موهوم بوجه من الوجوه كذلك لا يتصور أن ~~يكون هاهنا إثبات مقيد تقييدا واحدا، نحو إثبات شيء فقط، دون أن تقول إثبات ~~شيء لشيء، كما مضى من إثبات الضرب لزيد، والنفي بهذه المنزلة، فلا يتصور ~~نفي مطلق، ولا نفي شيء فقط، بل تحتاج إلى قيدين كقولك نفي شيء عن شيء، فهذه ~~هي القضية المبرمة الثابتة التي تزول الراسيات ولا تزول، ولا تنظر إلى ~~قولهم فلان يثبت كذا، أي يدعي أنه موجود، وينفي كذا، أي يقضي بعدمه كقولنا ~~أبو الحسن يثبت مثال جخدب بفتح الدال، وصاحب الكتاب ينفيه، لأن الذي قصدته ~~هو الإثبات والنفي في ms212 الكلام. ثم اعلم أن في الإثبات والنفي بعد هذين ~~التقييدين حكما آخر: هو كتقييد ثالث، وذلك أن للإثبات جهة، وكذلك النفي، ~~ومعنى ذلك أنك تثبت الشيء للشيء مرة من جهة، وأخرى من جهة غير تلك الأولى، # PageV01P367 # وتفسيره أنك تقول ضرب زيد، فتثبت الضرب فعلا لزيد وتقول مرض زيد فتثبت ~~المرض وصفا له، وهكذا سائر ما كان من أفعال الغرائز والطباع، وذلك في ~~الجملة على ما لا يوصف الإنسان بالقدرة عليه، نحو كرم وظرف وحسن وقبح وطال ~~وقصر، وقد يتصور في الشيء الواحد أن تثبته من الجهتين جميعا، وذلك في كل ~~فعل دل على معنى يفعله الإنسان في نفسه نحو قام وقعد، إذا قلت قام زيد، فقد ~~أثبت القيام فعلا له من حيث تقول فعل القيام وأمرته بأن يفعل القيام، ~~وأثبته أيضا وصفا له من حيث أن تلك الهيئة موجودة فيه، وهو في اكتسابه لها ~~كالشخص المنتصب، والشجرة القائمة على ساقها التي توصف بالقيام، لا من حيث ~~كانت فاعلة له، بل من حيث كان وصفا موجودا فيها، وإذ قد عرفت هذا الأصل، ~~فهاهنا أصل آخر يدخل في غرضنا وهو أن الأفعال على ضربين: متعد وغير متعد، ~~فالمتعدي على ضربين: ضرب يتعدى إلى شيء هو مفعول به، كقولك: ضربت زيدا، ~~زيدا مفعول به، لأنك فعلت به الضرب ولم يفعله بنفسه. وضرب يتعدى إلى شيء هو ~~مفعول على الإطلاق، وهو في الحقيقة كفعل وكل ما كان مثله في كونه عاما غير ~~مشتق من معنى خاص كصنع، وعمل، وأوجد، وأنشأ، ومعنى قولي من معنى خاص أنه ~~ليس كضرب الذي هو مشتق من الضرب أو أعلم الذي هو مأخوذ # من العلم، وهكذا كل ما له مصدر، ذلك المصدر في حكم جنس من المعاني، فهذا ~~الضرب إذا أسند إلى شيء كان المنصوب له مفعولا لذلك الشيء على الإطلاق، ~~كقولك: فعل زيد القيام، فالقيام مفعول في نفسه وليس بمفعول به، ن العلم، ~~وهكذا كل ما له مصدر، ذلك المصدر في حكم جنس من المعاني، # PageV01P368 # فهذا الضرب إذا ms213 أسند إلى شيء كان المنصوب له مفعولا لذلك الشيء على ~~الإطلاق، كقولك: فعل زيد القيام، فالقيام مفعول في نفسه وليس بمفعول به، ~~وأحق من ذلك أن تقول خلق الله الأناسي، وأنشأ العالم، وخلق الموت والحياة، ~~والمنصوب في هذا كله مفعول مطلق لا تقييد فيه، إذ من المحال أن يكون معنى ~~خلق العالم فعل الخلق به، كما تقول في ضربت زيدا فعلت الضرب بزيد، لأن ~~الخلق من خلق كالفعل من فعل، فلو جاز أن يكون المخلوق كالمضروب، لجاز أن ~~يكون المفعول في نفسه كذلك، حتى يكون معنى فعل القيام فعل شيئا بالقيام، ~~وذلك من شنيع المحال، وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن الإثبات في جميع هذا الضرب ~~أعني فيما منصوبه مفعول، وليس مفعولا به يتعلق بنفس المفعول، فإذا قلت فعل ~~زيد الضرب، كنت أثبت الضرب فعلا لزيد، وكذلك تثبت العالم في قولك خلق الله ~~العالم، خلقا لله تعالى، ولا يصح في شيء من هذا الباب أن تثبت المفعول وصفا ~~ألبتة، وتوهم ذلك خطا عظيم وجهل نعوذ بالله منه، وأما الضرب الآخر وهو الذي ~~منصوبه مفعول به، فإنك تثبت فيه المعنى الذي اشتق منه فعل فعلا للشيء، ~~كإثباتك الضرب لنفسك في قولك ضربت زيدا، فلا يتصور أن يلحق الإثبات مفعوله، ~~لأنه إذا كان مفعولا به، ولم يكن فعلا لك، استحال أن تثبته فعلا، وإثباته ~~وصفا أبعد في الإحالة. فأما قولنا في نحو ضربت زيدا، إنك أثبت زيدا مضروبا، ~~فإن ذلك يرجع إلى أنك تثبت الضرب واقعا به منك، فأما أن تثبت ذات زيد لك، # PageV01P369 # فلا يتصور، لأن الإثبات كما مضى لا بد له من جهة، ولا جهة هاهنا، وهكذا ~~إذا قلت أحيا الله زيدا، كنت في هذا الكلام مثبتا الحياة فعلا لله تعالى في ~~زيد، فأما ذات زيد، فلم تثبتها فعلا لله بهذا الكلام، وإنما يتأتى لك ذلك ~~بكلام آخر، نحو أن تقول خلق الله زيدا ووأوجده وما شاكله، مما لا يشتق من ~~معنى خاص كالحياة والموت ونحوهما من المعاني، وإذ قد ms214 تقررت هذه المسائل، ~~فينبغي أن تعلم أن من حقك إذا أردت أن تقضي في الجملة بمجاز أو حقيقة، أن ~~تنظر إليها من جهتين: إحداهما أن تنظر إلى ما وقع بها من الإثبات، أهو في ~~حقه وموضعه، أم قد زال عن الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه والثانية أن تنظر ~~إلى المعنى المثبت أعني ما وقع عليه الإثبات كالحياة في قولك أحيا الله ~~زيدا، والشيب في قولك أشاب الله رأسي، أثابت هو على الحقيقة، أم قد عدل به ~~عنها. وإذا مثل لك دخول المجاز على الجملة من الطريقين، عرفت ثباتها على ~~الحقيقة منهما، فمثال ما دخله المجاز من جهة الإثبات دون المثبت قوله: " ~~وشيب أيام الفراق مفارقي وأنشزن نفسي فوق حيث تكون " # PageV01P370 # وقوله: " أشاب الصغير وأفنى الكبي ر كر الغداة ومر العشي " المجاز واقع ~~في إثبات الشيب فعلا للأيام ولكر الليالي، وهو الذي أزيل عن موضعه الذي ~~ينبغي أن يكون فيه، لأن من حق هذا الإثبات، أعني إثبات الشيب فعلا، أن لا ~~يكون إلا مع أسماء الله تعالى، فليس يصح وجود الشيب فعلا لغير القديم ~~سبحانه، وقد وجه في البيتين كما ترى إلى الأيام وكر الليالي، وذلك ما لا ~~يثبت له فعل بوجه، لا الشيب ولا غير الشيب، وأما المثبت فلم يقع فيه مجاز، ~~لأنه الشيب وهو موجود كما ترى # وهكذا إذا قلت سرنى الخبر وسرنى لقاؤك، فالمجاز في الإثبات دون المثبت، ~~لأن المثبت هو السرور، وهو حاصل على حقيقته، ومثال ما دخل المجاز في مثبته ~~دون إثباته، قوله عز وجل: " أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي ~~به في الناس " " الأنعام: 221 "، وذلك أن المعنى - والله أعلم - على أن جعل ~~العلم والهدى والحكمة حياة للقلوب، على حد قوله عز وجل: " وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا " " الشورى: 25 "، فالمجاز في المثبت وهو الحياة، فأما ~~الإثبات فواقع على حقيقته، لأنه ينصرف إلى أن الهدى والعلم والحكمة فضل من ~~الله وكائن من عنده، # PageV01P371 # ومن الواضح في ذلك قوله عز وجل: ms215 " فأحيينا به الأرض بعد موتها " " فاطر: ~~9 "، وقوله: " إن الذي أحياها لمحيي الموتى " " فصلت: 39 "، جعل خضرة الأرض ~~ونضرتها وبهجتها بما يظهره الله تعالى فيها من النبات والأنوار والأزهار ~~وعجائب الصنع، حياة لها، فكان ذلك مجازا في المثبت، من حيث جعل ما ليس ~~بحياة حياة على التشبيه، فأما نفس الإثبات فمحض الحقيقة، لأنه إثبات لما ~~ضرب الحياة مثلا له فعلا لله تعالى، لا حقيقة أحق من ذلك، وقد يتصور أن ~~يدخل المجاز الجملة من الطريقين جميعا، وذلك أن يشبه معنى بمعنى وصفة بصفة، ~~فيستعار لهذه اسم تلك، ثم تثبت فعلا لما لا يصح الفعل منه، أو فعل تلك ~~الصفة، فيكون أيضا في كل واحد من الإثبات والمثبت مجاز، كقول الرجل لصاحبه ~~أحيتني رؤيتك، يريد آنستني وسرتني ونحوه، فقد جعل الأنس والمسرة الحاصلة ~~بالرؤية حياة أولا، ثم جعل الرؤية فاعلة لتلك الحياة، وشبيه به قول ~~المتنبي: # وتحيى له المال الصوارم والقنا ... ويقتل ما تحيي التبسم والجدا # جعل الزيادة والوفور حياة في المال، وتفريقه في العطاء قتلا، ثم أثبت ~~الحياة فعلا للصوارم، والقتل فعلا للتبسم، مع العلم بأن الفعل لا يصح ~~منهما، ونوع منه أهلك الناس الدينار والدرهم، جعل الفتنة هلاكا على المجاز، ~~ثم أثبت الهلاك فعلا للدينار والدرهم، وليسا مما يفعلان فاعرفه. # PageV01P372 # وإذ قد تبين لك المنهاج في الفرق بين دخول المجاز في الإثبات، وبين دخوله ~~في المثبت، وبين أن ينتظمهما عرفت الصورة في الجميع، فاعلم أنه إذا وقع في ~~الإثبات فهو متلقى من العقل، وإذا عرض في المثبت فهو متلقى من اللغة، فإن ~~طلبت الحجة على صحة هذه الدعوى، فإن فيما قدمت من القول ما يبينها لك، ~~ويختصر لك الطريق إلى معرفتها # وذلك أن الإثبات إذا كان من شرطه أن يقيد مرتين كقولك: إثبات شيء لشيء، ~~ولزم من ذلك أن لا يحصل إلا بالجملة التي هي تأليف بين حديث ومحدث عنه، ~~ومسند ومسند إليه، علمت أن مأخذه العقل، وأنه القاضي فيه دون اللغة، لأن ~~اللغة لم تأت لتحكم بحكم أو ms216 لتثبت وتنفي، وتنقض وتبرم، فالحكم بأن الضرب ~~فعل لزيد، أو ليس بفعل له، وأن المرض صفة له، أو ليس بصفة له، شيء يضعه ~~المتكلم ودعوى يدعيها، وما يعترض على هذه الدعوى من تصديق أو تكذيب، ~~واعتراف أو إنكار، وتصحيح أو إفساد، فهو اعتراض على المتكلم، وليس اللغة من ~~ذلك بسبيل، ولا منه في قليل ولا كثير. وإذا كان كذلك كان كل وصف يستحقه هذا ~~الحكم من صحة وفساد، وحقيقة ومجاز، واحتمال واستحالة، فالمرجع فيه والوجه ~~إلى العقل المحض وليس للغة فيه حظ، فلا تحلى ولا تمر، والعربي فيه كالعجمي، ~~والعجمي كالتركي، لأن قضايا العقول هي القواعد والأسس التي يبنى غيرها ~~عليها، والأصول التي يرد ماسواها إليها، فأما إذا كان المجاز في المثبت ~~كنحو قوله تعالى: " فأحيينا به الأرض " " سورة فاطر: 9 "، فإنما كان مأخذه ~~اللغة، لأجل أن طريقة المجاز بأن أجري اسم الحياة # PageV01P373 # على ما ليس بحياة، تشبيها وتمثيلا، ثم اشتق منها - وهي في هذا التقدير - ~~الفعل الذي هو أحيا، واللغة هي التي اقتضت أن تكون الحياة اسما للصفة التي ~~هي ضد الموت، فإذا تجوز في الاسم فأجري على غيرها، فالحديث مع اللغة ~~فاعرفه. إن قال قائل في أصل الكلام الذي وضعته على أن المجاز يقع تارة في ~~الإثبات، وتارة في المثبت، وأنه إذا وقع في الإثبات فهو طالع عليك من جهة ~~العقل، وباد لك من أفقه وإذا عرض في المثبت فهو آتيك من ناحية اللغة: ما ~~قولكم إن سويت بين المسألتين، وادعيت أن المجاز بينهما جميعا في المثبت ~~وأنزل هكذا فأقول: الفعل الذي هو مصدر فعل قد وضع في اللغة للتأثير في وجود ~~الحادث، كما أن الحياة موضوعة للصفة المعلومة، فإذا قيل فعل الربيع النور، ~~جعل تعلق النور في الوجود بالربيع من طريق السبب والعادة فعلا، كما تجعل ~~خضرة الأرض وبهجتها حياة، والعلم في قلب المؤمن نورا وحياة، وإذا كان كذلك، ~~كان المجاز في أن جعل ما ليس بفعل فعلا، وأطلق اسم الفعل على غير ما وضع له ~~في ms217 اللغة، كما جعل ماليس بحياة حياة وأجري اسمها عليه، فإذا كان ذلك مجازا ~~لغويا فينبغي أن يكون هذا كذلك. فالجواب إن الذي يدفع هذه الشبهة، أن تنظر ~~إلى مدخل المجاز في المسألتين، فإن كان مدخلهما من جانب واحد، فالأمر كما ~~ظننت، وإن لم يكن كذلك استبان لك الخطأ في ظنك، # PageV01P374 # والذي بين اختلاف دخوله فيهما، أنك تحصل على المجاز في مسألة الفعل ~~بالإضافة لا بنفس الاسم، فلو قلت: أثبت النور فعلا لم تقع في مجاز، لأنه ~~فعل لله تعالى، وإنما تصير إلى المجاز إذا قلت: أثبت النور فعلا للربيع، ~~وأما في مسألة الحياة، فإنك تحصل على المجاز بإطلاق الاسم فحسب من غير ~~إضافة، وذلك قولك أثبت بهجة الأرض حياة أو جعلها حياة، أفلا ترى المجاز قد ~~ظهر لك في الحياة من غير أن أضفتها إلى شيء، أي من غير أن قلت لكذا. وهكذا ~~إذا عبرت بالنفس، تقول في مسألة الفعل: جعل ما ليس بفعل للربيع فعلا له، ~~وتقول في هذه: جعل ما ليس بحياة حياة وتسكت، ولا تحتاج أن تقول: جعل ما ليس ~~بحياة للأرض حياة للأرض، بل لا معنى لهذا الكلام، لأن يقتضي أنك أضفت حياة ~~حقيقة إلى الأرض، وجعلتها مثلا تحيا بحياة غيرها، وذلك بين الإحالة، ومن حق ~~المسائل الدقيقة أن تتأمل فيها العبارات التي تجري بين السائل والمجيب، ~~وتحقق، فإن ذلك يكشف عن الغرض، ويبين جهة الغلط، وقولك جعل ما ليس بفعل ~~فعلا احتذاء لقولنا جعل ما ليس بحياة حياة لا يصح - لأن معنى هذه العبارة ~~أن يراد بالاسم غير معناه لشبه يدعى أو شيء كالشبه، لا أن يعطل الاسم من ~~الفائدة، فيراد بها ما ليس بمعقول. فنحن إذاتجوزنا في الحياة، فأردنا بها ~~العلم، فقد أودعنا الاسم معنى، وأردنا به صفة معقولة كالحياة نفسها ولا ~~يمكنك أن تشير في قولك: فعل الربيع النور، إلى معنى تزعم # أن لفظ الفعل ينقل عن معناه إليه، فيراد به، حتى يكون ذلك المعنى معقولا ~~منه، كما عقل التأثير في الوجود، وحتى ms218 تقول لم أرد به التأثير في الوجود، ~~ولكن أردت المعنى الفلاني الذي هو شبيه به أو كالشبيه، أو ليس بشبيه مثلا، ~~إلا أنه معنى خلف معنى آخر على الاسم، إذ ليس وجود النور بعقب المطر، أو في ~~زمان دون زمان، مما يعطيك معنى في المطر أو في الزمان، فتريده بلفظ الفعل، ~~فليس إلا أن تقول: لما كان النور لا يوجد إلا بوجود الربيع، توهم للربيع ~~تأثير في وجوده، فأثبت له ذلك، وإثبات الحكم أو الوصف لما ليس له قضية ~~عقلية، لا تعلق لها في صحة وفساد باللغة فاعرفه. ن لفظ الفعل ينقل عن معناه ~~إليه، فيراد به، # PageV01P375 # حتى يكون ذلك المعنى معقولا منه، كما عقل التأثير في الوجود، وحتى تقول ~~لم أرد به التأثير في الوجود، ولكن أردت المعنى الفلاني الذي هو شبيه به أو ~~كالشبيه، أو ليس بشبيه مثلا، إلا أنه معنى خلف معنى آخر على الاسم، إذ ليس ~~وجود النور بعقب المطر، أو في زمان دون زمان، مما يعطيك معنى في المطر أو ~~في الزمان، فتريده بلفظ الفعل، فليس إلا أن تقول: لما كان النور لا يوجد ~~إلا بوجود الربيع، توهم للربيع تأثير في وجوده، فأثبت له ذلك، وإثبات الحكم ~~أو الوصف لما ليس له قضية عقلية، لا تعلق لها في صحة وفساد باللغة فاعرفه. # ومما يجب ضبطه في هذا الباب أن كل حكم يجب في العقل وجوبا حتى لا يجوز ~~خلافه، فإضافته إلى دلالة اللغة وجعله مشروطا فيها، محال لأن اللغة تجري ~~مجرى العلامات والسمات، ولا معنى للعلامة والسمة حتى يحتمل الشيء ما جعلت ~~العلامة دليلا عليه وخلافه، فإنما كانت ما مثلا علما للنفس، لأن هاهنا ~~نقيضا له وهو الإثبات، وهكذا إنما كانت من لما يعقل، لأن هاهنا ما لا يعقل، ~~فمن ذهب يدعي أن في قولنا: فعل وصنع ونحوه دلالة من جهة اللغة على القادر، ~~فقد أساء من حيث قصد الإحسان، لأنه - والعياذ بالله - يقتضي جواز أن يكون ~~هاهنا تأثير في وجود الحادث لغير القادر، حتى ms219 يحتاج إلى تضمين اللفظ ~~الدلالة على اختصاصه بالقادر، وذلك خطأ عظيم، فالواجب أن يقال الفعل موضوع ~~للتأثير في وجود الحادث في اللغة، والعقل قد قضى وبت الحكم بأن لا حظ في ~~هذا التأثير لغير القادر، # PageV01P376 # وما يقوله أهل النظر من أن من لم يعلم الحادث موجودا من جهة القادر عليه، ~~فهو لم يعلمه فعلا لا يخالف هذه الجملة، بل لا يصح حق صحته إلا مع ~~اعتبارها، وذلك أن الفعل إذا كان موضوعا للتأثير في وجود الحادث، وكان ~~العقل قد بين بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة استحالة أن يكون لغير ~~القادر تأثير في وجود الحادث، وأن يقع شيء مما ليس له صفة القادر، فمن ظن ~~الشيء واقعا من غير القادر، فهو لم يعلمه فعلا، لأنه لا يكون مستحقا هذا ~~الاسم حتى يكون واقعا من غيره، ومن نسب وقوعه إلى ما لا يصح وقوعه منه، ولا ~~يتصور أن يكون له تأثير في وجوده وخروجه من العدم، فلم يعلمه واقعا من شيء ~~ألبتة، وإذا لم يعلمه واقعا من شيء، لم يعلمه فعلا، كما أنه إذا لم يعلمه ~~كائنا بعد أن لم يكن، لم يعلمه واقعا ولا حادثا فاعرفه. واعلم أنك إن أردت ~~أن ترى المجاز وقد وقع في نفس الفعل والخلق، ولحقهما من حيث هما لا ~~إثباتهما، وإضافتهما، فالمثال في ذلك قولهم في الرجل يشفي على هلكة ثم ~~يتخلص منها هو إنما خلق الآن وإنما أنشئ اليوم وقد عدم ثم أنشئ نشأة ثانية، ~~وذلك أنك تثبت هاهنا خلقا وإنشاء، من غير أن يعقل ثابتا على الحقيقة، بل ~~على تأويل وتنزيل، وهو أن جعلت حالة إشفائه على الهلكة عدما وفناء وخروجا ~~من الوجود، حتى أنتج هذا التقدير أن يكون خلاصه منها ابتداء وجود وخلقا ~~وإنشاء، أفيمكنك أن تقول في نحو: فعل الربيع النور بمثل هذا التأويل، فتزعم ~~أنك أثبت فعلا وقع على النور من غير أن كان ثم فعل، ومن غير أن يكون النور ~~مفعولا؟ أو هو مما يتعوذ بالله منه، وتقول الفعل واقع على ms220 النور حقيقة، # PageV01P377 # وهو مفعول مجهول على الصحة، إلا أن حق الفعل فيه أن يثبت لله تعالى، وقد ~~تجوز بإثباته للربيع؛ أفليس قد بان أن التجوز هاهنا في إثبات الفعل للربيع ~~لا في الفعل نفسه، فإن التجوز في مسألة المتخلص من الهلكة حيث قلت: إنه خلق ~~مرة ثانية في الفعل نفسه، لا في إثباته؟ فلك كيف نظرت فرق بين المجاز في ~~الإثبات، وبينه في المثبت، وينبغي أن تعلم أن قولي في المثبت مجاز، ليس ~~مرادي أن فيه مجازا من حيث هو مثبت، ولكن المعنى أن المجاز في نفس الشيء ~~الذي تناوله الإثبات نحو أنك أثبت الحياة صفة للأرض في قوله تعالى: " يحيي ~~الأرض بعد موتها " " سورة الحديد: 17 "، والمراد غيرها، فكان المجاز في نفس ~~الحياة لا في إثباتها هذا وإذا كان لا يتصور إثبات شيء لا لشيء، استحال أن ~~يوصف المثبت من حيث هو مثبت بأنه مجاز أو حقيقة. ومما ينتهي في البيان إلى ~~الغاية أن يقال للسائل هبك تغالطنا بأن مصدر فعل نقل أولا من موضعه في ~~اللغة، ثم اشتق منه، فقل لنا ما نصنع بالأفعال المشتقة من معان خاصة، كنسج، ~~وصاغ، ووشى، ونقش أتقول إذا قيل نسج الربيع وصاغ الربيع ووشى: إن المجاز في ~~مصادر هذه الأفعال التي هي النسج والوشي والصوغ، أم تعترف أنه في إثباتها ~~فعلا للربيع، وكيف تقول إن في أنفسها مجازا، وهي موجودة بحقيقتها، بل ماذا ~~يغني عنك دعوى المجاز فيها، لو أمكنك، ولا يمكنك أن تقتصر عليها في كون ~~الكلام مجازا - أعني لا يمكنك أن تقول: إن الكلام # مجاز من حيث لم يكن ائتلاف تلك الأنوار نسجا ووشيا، وتدع حديث نسبتها إلى ~~الربيع جانبا. هذا وهاهنا مالا وجه لك لدعوى المجاز في مصدر الفعل منه ~~كقولك: سرني الخبر، فإن السرور بحقيقته موجود، والكلام مع ذلك مجاز، وإذا ~~كان كذلك، علمت ضرورة ليس المجاز إلا في إثبات السرور فعلا للخبر، وإيهام ~~أنه أثر في حدوثه وحصوله، ويعلم كل عاقل أن المجاز لو كان من طريق ms221 اللغة، ~~لجعل ما ليس بالسرور سرورا، فأما الحكم بأنه فعل للخبر، فلا يجري في وهم ~~أنه يكون من اللغة بسبيل فاعرفه. فإن قال النسج فعل معنى، وهو المضامة بين ~~أشياء، وكذلك الصوغ فعل الصورة في الفضة ونحوها، وإذا كان كذلك، قدرت أن ~~لفظ الصوغ مجاز من حيث دل على الفعل والتأثير في الوجود، حقيقة من حيث دل ~~على الصورة، كما قدرت أنت في أحيا الله الأرض، أن أحيا من حيث دل على معنى ~~فعل حقيقة، ومن حيث دل على الحياة مجاز، قيل ليس لك أن تجىء إلى لفظ أمرين، ~~فتفرق دلالته وتجعله منقولا عن أصله في أحدهما دون الآخر، لو جاز هذا لجاز ~~أن تقول في اللطم الذي هو ضرب باليد، أنه يجعل مجازا من حيث هو ضرب، وحقيقة ~~من حيث هو باليد، وذلك محال - لأن كون الضرب باليد لا ينفصل عن الضرب، ~~فكذلك كون الفعل فعلا للصورة لا ينفصل عن الصورة، وليس الأمر كذلك في قولنا ~~أحيا الله الأرض، لأن معنا هنا لفظين أحدهما مشتق وهو أحيا - والآخر مشتق ~~منه وهو الحياة، فنحن نقدر في المشتق أنه نقل عن معناه الأصلي في اللغة إلى ~~معنى آخر، ثم اشتق منه أحيا بعد هذا التقدير ومعه، وهو مثل أن لفظ اليد ~~ينقل إلى النعمة، ثم يشتق منه يديت فاعرفه. ومما يجب أن تعلم في هذا الباب ~~أن الإضافة في الاسم كالإسناد في الفعل، فكل حكم يجب في إضافة المصدر من ~~حقيقة أو مجاز، فهو واجب في إسناد الفعل، فانظر الآن إلى قولك أعجبني وشي ~~الربيع الرياض، وصوغه تبرها، وحوكه ديباجها، هل تعلم لك سبيلا في هذه ~~الإضافات إلى التعليق باللغة، وأخذ الحكم عليها منها، أم تعلم امتناع ذلك ~~عليك. وكيف والإضافة لا تكون حتى تستقر اللغة، ويستحيل أن يكون للغة حكم في ~~الإضافة ورسم، حتى يعلم أن حق الاسم أن يضاف إلى هذا دون ذلك. وإذا عرفت ~~ذلك في هذه المصادر التي هي الصوغ والوشي والحوك فضع مصدر فعل الذي - هو ms222 ~~عمدتك في سؤالك، وأصل شبهتك - موضعها وقل: أما ترى إلى فعل الربيع لهذه ~~المحاسن، ثم تأمل هل تجد فصلا بين إضافته وإضافة تلك فإذا لم تجد الفصل ~~ألبتة، فاعلم صحة قضيتنا، وانفض يدك بمسألتك، ودع النزاع عنك، وإلى الله ~~تعالى الرغبة في التوفيق. جاز من حيث لم يكن ائتلاف تلك الأنوار نسجا ~~ووشيا، وتدع حديث نسبتها إلى الربيع جانبا. # PageV01P378 # هذا وهاهنا مالا وجه لك لدعوى المجاز في مصدر الفعل منه كقولك: سرني ~~الخبر، فإن السرور بحقيقته موجود، والكلام مع ذلك مجاز، وإذا كان كذلك، ~~علمت ضرورة ليس المجاز إلا في إثبات السرور فعلا للخبر، وإيهام أنه أثر في ~~حدوثه وحصوله، ويعلم كل عاقل أن المجاز لو كان من طريق اللغة، لجعل ما ليس ~~بالسرور سرورا، فأما الحكم بأنه فعل للخبر، فلا يجري في وهم أنه يكون من ~~اللغة بسبيل فاعرفه. فإن قال النسج فعل معنى، وهو المضامة بين أشياء، وكذلك ~~الصوغ فعل الصورة في الفضة ونحوها، وإذا كان كذلك، قدرت أن لفظ الصوغ مجاز ~~من حيث دل على الفعل والتأثير في الوجود، حقيقة من حيث دل على الصورة، كما ~~قدرت أنت في أحيا الله الأرض، أن أحيا من حيث دل على معنى فعل حقيقة، ومن ~~حيث دل على الحياة مجاز، قيل ليس لك أن تجىء إلى لفظ أمرين، فتفرق دلالته ~~وتجعله منقولا عن أصله في أحدهما دون الآخر، لو جاز هذا لجاز أن تقول في ~~اللطم الذي هو ضرب باليد، أنه يجعل مجازا من حيث هو ضرب، وحقيقة من حيث هو ~~باليد، وذلك محال - لأن كون الضرب باليد لا ينفصل عن الضرب، فكذلك كون ~~الفعل فعلا للصورة لا ينفصل عن الصورة، وليس الأمر كذلك في قولنا أحيا الله ~~الأرض، لأن معنا هنا لفظين أحدهما مشتق وهو أحيا - والآخر مشتق منه وهو ~~الحياة، فنحن نقدر في المشتق أنه نقل عن معناه الأصلي في اللغة إلى معنى ~~آخر، ثم اشتق منه أحيا بعد هذا التقدير ومعه، وهو مثل # PageV01P379 # أن لفظ اليد ينقل ms223 إلى النعمة، ثم يشتق منه يديت فاعرفه. ومما يجب أن تعلم ~~في هذا الباب أن الإضافة في الاسم كالإسناد في الفعل، فكل حكم يجب في إضافة ~~المصدر من حقيقة أو مجاز، فهو واجب في إسناد الفعل، فانظر الآن إلى قولك ~~أعجبني وشي الربيع الرياض، وصوغه تبرها، وحوكه ديباجها، هل تعلم لك سبيلا ~~في هذه الإضافات إلى التعليق باللغة، وأخذ الحكم عليها منها، أم تعلم ~~امتناع ذلك عليك. وكيف والإضافة لا تكون حتى تستقر اللغة، ويستحيل أن يكون ~~للغة حكم في الإضافة ورسم، حتى يعلم أن حق الاسم أن يضاف إلى هذا دون ذلك. ~~وإذا عرفت ذلك في هذه المصادر التي هي الصوغ والوشي والحوك فضع مصدر فعل ~~الذي - هو عمدتك في سؤالك، وأصل شبهتك - موضعها وقل: أما ترى إلى فعل ~~الربيع لهذه المحاسن، ثم تأمل هل تجد فصلا بين إضافته وإضافة تلك فإذا لم ~~تجد الفصل ألبتة، فاعلم صحة قضيتنا، وانفض يدك بمسألتك، ودع النزاع عنك، ~~وإلى الله تعالى الرغبة في التوفيق. # PageV01P380 ### | فصل # قال أبو القاسم الآمدي في قول البحتري: # فصاغ ما صاغ من تبر ومن ورق ... وحاك ما حاك من وشي وديباج # صوغ الغيث النبت وحوكه النبات، ليس باستعارة بل هو حقيقة، ولذلك لا يقال ~~هو صائغ ولا كأنه صائغ وكذلك لا يقال: حائك وكأنه حائك، على أن لفظة حائك ~~خاصة في غاية الركاكة، إذا أخرج على ما أخرجه عليه أبو تمام في قوله: # إذا الغيث غادى نسجه خلت أنه ... خلت حقب حرس له وهو حائك # وهذا قبيح جدا، والذي قاله البحتري: وحاك ما حاك، حسن مستعمل، فانظر ما ~~بين الكلامين لتعلم ما بين الرجلين. قد كتبت هذا الفصل على وجهه، والمقصود ~~منه منعه أن تطلق الاستعارة على الصوغ والحوك، وقد جعلا فعلا للربيع، ~~واستدلاله على ذلك بامتناع أن يقال: كأنه صائغ وكأنه حائك. اعلم أن هذا ~~الاستدلال كأحسن ما يكون، إلا أن الفائدة تتم بأن تبين جهته، ومن أين كان ~~كذلك؟ والقول فيه: إن التشبيه كما لا يخفى ms224 يقتضي شيئين مشبها ومشبها به، ثم ~~ينقسم إلى الصريح وغير الصريح، فالصريح أن # PageV01P381 # تقول: كأن زيدا الأسد، فتذكر كل واحد من المشبه والمشبهه به باسمه - وغير ~~الصريح أن تسقط المشبه به من الذكر، وتجري اسمه على المشبه كقولك: رأيت ~~أسدا، تريد رجلا شبيها بالأسد، إلا أنك تعيره اسمه مبالغة وإيهاما أن لا ~~فصل بينه وبين الأسد، وأنه قد استحال إلى الأسدية، فإذا كان الأمر كذلك ~~وأنت تشبه شخصا بشخص، فإنك إذا شبهت فعلا بفعل كان هذا حكمه، فأنت تقول مرة ~~كأن تزيينه لكلامه نظم در، فتصرح بالمشبه والمشبه به، وتقول أخرى: إنما ~~ينظم درا، تجعله كأنه ناظم درا على الحقيقة. وتقول في وصف الفرس كأن سيره ~~سباحة، وكأن جريه طيران طائر، هذا إذا صرحت، وإذا أخفيت واستعرت قلت: يسبح ~~براكبه، ويطير بفارسه، فتجعل حركته سباحة وطيرانا. ومن لطيف ذلك ما كان ~~كقول أبي دلامة يصف بغلته: # أرى الشهباء تعجن إذ غدونا ... برجليها وتخبز باليمين # شبه حركة رجليها حين لم تثبتهما على موضع تعتمد بهما عليه وهوتا ذاهبتين ~~نحو يديها، بحركة يدي العاجن، فإنه لا يثبت اليد في موضع، بل يزلها إلى ~~قدام، وتزل من عند نفسها لرخاوة العجين - وشبه حركة يديها بحركة يد الخابز، ~~من حيث كان الخابز يثني يده نحو بطنه، ويحدث فيها ضربا من التقويس، كما تجد ~~في يد الدابة إذا اضطربت في سيرها، ولم تقف على ضبط # PageV01P382 # يديها، ولن ترمي بها إلى قدام، ولن تشد اعتمادها، حتى تثبت في الموضع ~~الذي تقع عليه فلا تزول عنه ولا تنثني وأعود إلى المقصود، فإذا كان لا ~~تشبيه حتى يكون معك شيئان، وكان معنى الاستعارة أن تعير المشبه لفظ المشبه ~~به، ولم يكن معنا في صاغ الربيع أو حاك الربيع إلا شيء واحد، وهو الصوغ أو ~~الحوك، كان تقدير الاستعارة فيه محالا جاريا مجرى أن تشبه الشيء بنفسه، ~~وتجعل اسمه عارية فيه، وذلك بين الفساد، فإن قلت: أليس الكلام على الجملة ~~معقودا على تشبيه الربيع بالقادر، في تعلق وجود الصوغ ms225 والنسج به؟ فكيف لم ~~يجز دخول كأن في الكلام من هذه الجهة. فإن هذا التشبيه ليس هو التشبيه الذي ~~يعقد في الكلام ويفاد بكأن والكاف ونحوهما، وإنما هو عبارة عن الجهة التي ~~راعاها المتكلم حين أعطى الربيع حكم القادر في إسناد الفعل إليه، وزانه ~~وزان قولنا: إنهم يشبهون ما بليس، فيرفعون بها المبتدأ وينصبون بها الخبر ~~فيقولون: ما زيد منطلقا، كما يقولون: ليس زيد منطلقا، فنخبر عن تقدير قدروه ~~في نفوسهم، وجهة راعوها في إعطاء ما حكم ليس في العمل، فكما لا يتصور أن ~~يكون قولنا: ما زيد منطلقا، تشبيها على حد كأن زيدا الأسد، كذلك لا يكون ~~صاغ الربيع من التشبيه، فكلامنا إذن في تشبيه مقول منطوق به، وأنت في تشبيه ~~معقول غير داخل في النطق، هذا وإن يكن هاهنا تشبيه، فهو في الربيع # PageV01P383 # لا في الفعل المسند إليه، واختلافنا في صاغ وحاك هل يكون تشبيها واستعارة ~~أم لا؛ فلا يلتقي التشبيهان، أو يلتقي المشئم والمعرق. وهذا هو القول علي ~~الجملة إذا كانت حقيقة أو مجازا، وكيف وجه الحد فيها فكل جملة وضعتها على ~~أن الحكم المفاد بها على ما هو عليه في العقل، وواقع موقعه منه، فهي حقيقة، ~~ولن تكون كذلك حتى تعرى من التأول، ولا فصل بين أن تكون مصيبا فيما أفدت ~~بها من الحكم أو مخطئا وصادقا أو غير صادق، فمثال وقوع الحكم المفاد موقعه ~~من العقل على الصحة واليقين والقطع قولنا: خلق الله تعالى الخلق، وأنشأ ~~العالم، وأوجد كل موجود سواه، فهذه من أحق الحقائق وأرسخها في العقول، ~~وأقعدها نسبا في العقول، والتي إن رمت أن تغيب عنها غبت عن عقلك، ومتى هممت ~~بالتوقف في ثبوتها استولى النفي على معقولك، ووجدتك كالمرمي به من حالق إلى ~~حيث لا مقر لقدم، ولامساغ لتأخر وتقدم، كما قال أصدق القائلين جلت أسماؤه، ~~وعظمت كبرياؤه: " ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي ~~به الريح في مكان سحيق " " الحج: 31 "، وأما مثال أن توضع الجملة على ms226 أن ~~الحكم المفاد بها واقع موقعه من العقل، وليس كذلك، إلا أنه صادر من اعتقاد ~~فاسد وظن كاذب، فمثل # PageV01P384 # ما يجيء في التنزيل من الحكاية عن الكفار نحو: " وما يهلكنا إلا الدهر " ~~" الجاثية: 24 "، فهذا ونحوه من حيث لم يتكلم به قائله على أنه متأول، بل ~~أطلقه بجهله وعماه إطلاق من يضع الصفة في موضعها، لا يوصف بالمجاز، ولكن ~~يقال عند قائله أنه حقيقة، وهو كذب وباطل، وإثبات لما ليس بثابت، أو نفي ~~لما ليس بمنتف، وحكم لا يصححه العقل في الجملة، بل يرده ويدفعه، إلا أن ~~قائله جهل مكان الكذب والبطلان فيه، أو جحد وباهت، ولا يتخلص لك الفصل بين ~~الباطل وبين المجاز، حتى تعرف حد المجاز، وحده أن كل جملة أخرجت الحكم ~~المفاد بها عن موضعه من العقل لضرب من التأول، فهي مجاز، ومثاله ما مضى من ~~قولهم: فعل الربيع، وكما جاء في الخبر إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو ~~يلم، قد أثبت الإنبات للربيع، وذلك خارج عن موضعه من العقل # لأن إثبات الفعل لغير القادر لا يصح في قضايا العقول، إلا أن ذلك على ~~سبيل التأول، وعلى العرف الجاري بين الناس، أن يجعلوا الشيء، إذا كان سببا ~~أو كالسبب في وجود الفعل من فاعله، كأنه فاعل، فلما أجرى الله سبحانه ~~العادة وأنفذ القضية أن تورق الأشجار، # PageV01P385 # وتظهر الأنوار، وتلبس الأرض ثوب شبابها في زمان الربيع، صار يتوهم في ~~ظاهر الأمر ومجرى العادة، كأن لوجود هذه الأشياء حاجة إلى الربيع، فأسند ~~الفعل إليه على هذا التأول والتنزيل. وهذا الضرب من المجاز كثير في القرآن، ~~فمنه قوله تعالى: " تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها " " إبراهيم: 25 "، وقوله ~~عز اسمه: " وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا " " الأنفال: 2 "، وفي ~~الأخرى: " فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا " " التوبة: 124 "، وقوله: ~~" وأخرجت الأرض أثقالها " " الزلزلة: 2 "، وقوله عز وجل: " حتى إذا أقلت ~~سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت " " الأعراف: 57 "، أثبت الفعل في جميع ذلك لما ~~لا يثبت له فعل ms227 إذا رجعنا إلى المعقول، على معنى السبب، وإلا فمعلوم أن ~~النخلة ليست تحدث الأكل، ولا الآيات توجد العلم في قلب السامع لها، ولا ~~الأرض تخرج الكامن في بطنها من الأثقال، ولكن إذا حدثت فيها الحركة بقدرة ~~الله، ظهر ما كنز فيها وأودع جوفها، وإذا ثبت ذلك فالمبطل والكاذب لايتأول ~~في إخراج الحكم عن موضعه وإعطائه غير المستحق، ولا يشبه كون المقصود سببا ~~بكون الفاعل فاعلا، بل يثبت القضية من غير أن ينظر فيها من شيء إلى شيء، ~~ويرد فرعا إلى أصل، وتراه أعمى أكمه يظن ما لا يصح صحيحا، وما لا يثبت ~~ثابتا، وما ليس في موضعه من الحكم موضوعا موضعه، وهكذا المتعمد للكذب يدعي ~~أن الأمر على ما وضعه تلبيسا وتمويها، وليس هو من التأويل في شيء. والنكتة ~~أن المجاز لم يكن مجازا لأنه إثبات الحكم لغير # PageV01P386 # مستحقه، بل لأنه أثبت لما لا يستحق، تشبيها وردا له إلى ما يستحق، وأنه ~~ينظر من هذا إلى ذاك، وإثباته ما أثبت للفرع الذي ليس بمستحق، ويتضمن ~~الإثبات للأصل الذي هو المستحق، فلا يتصور الجمع بين شيئين في وصف أو حكم ~~من طريق التشبيه والتأويل، حتى يبدأ بالأصل في إثبات ذلك الوصف والحكم له، ~~ألا تراك لا تقدر على أن تشبه الرجل بالأسد في الشجاعة، ما لم تجعل كونها ~~من أخص أوصاف الأسد وأغلبها عليه نصب عينيك وكذلك لا يتصور أن يثبت المثبت ~~الفعل للشىء على أنه سبب، ما لم ينظر إلى ما هو راسخ في العقل من أن لا فعل ~~على الحقيقة إلا للقادر، لأنه لو كان نسب الفعل إلى هذا السبب نسبة مطلقة - ~~لا يرجع فيها إلى الحكم القادر، والجمع بينهما من حيث تعلق وجوده بهذا ~~السبب من طريق العادة، كما يتعلق بالقادر من طريق الوجوب - لما اعترف بأنه ~~سبب، ولادعى أنه أصل بنفسه، مؤثر في وجود الحادث كالقادر، وإن تجاهل متجاهل ~~فقال بذلك - على ظهور الفضيحة وإسراعها إلى مدعيه - كان الكلام عنده حقيقة، ~~ولم يكن من مسألتنا في شيء، ms228 ولحق بنحو قول الكفار: " وما يهلكنا إلا الدهر ~~" " الجاثية: 24 "، وليس ذلك المقصود في مسألتنا، لأن الغرض هاهنا ما وضع ~~فيه الحكم واضعه على طريق التأول فاعرفه. ومن أوضح ما يدل على أن إثبات ~~الفعل للشيء على أنه سبب يتضمن إثباته للمسبب، من حيث لا يتصور دون تصوره، ~~أن تنظر إلى # PageV01P387 # الأفعال المسندة إلى الأدوات والآلات، كقولك قطع السكين وقتل السيف، فإنك ~~تعلم أنه لا يقع في النفس من هذا الإثبات صورة، ما لم تنظر إلى إثبات الفعل ~~للمعمل الأداة والفاعل بها، فلو فرضت أن لا يكون هاهنا قاطع بالسكين ومصرف ~~لها، أعياك أن تعقل من قولك قطع السكين معنى بوجه من الوجوه، وهذا من ~~الوضوح، بحيث لا يشك عاقل فيه. وهذه الأفعال المسندة إلى من تقع تلك ~~الأفعال بأمره، كقولك: ضرب الأمير الدرهم وبنى السور، لا تقوم في نفسك صورة ~~لإثبات الضرب والبناء فعلا للأمير، بمعنى الأمر به، حتى تنظر إلى ثبوتهما ~~للمباشر لهما على الحقيقة، والأمثلة في هذا المعنى كثيرة تتلقاك من # كل جهة، وتجدها أنى شئت. واعلم أنه لا يجوز الحكم على الجملة بأنها مجاز ~~إلا بأحد أمرين: فإما أنه يكون الشيء الذي أثبت له الفعل مما لا يدعي أحد ~~من المحقين والمبطلين أن مما يصح أن يكون له تأثير في وجود المعنى الذي ~~أثبت له، وذلك نحو قول الرجل: محبتك جاءت بي إليك، وكقول عمرو بن العاص في ~~ذكر الكلمات التي استحسنها: هن مخرجاتي من الشأم، فهذا ما لا يشتبه على أحد ~~أنه مجاز. وإما أنه يكون قد علم من اعتقاد المتكلم أنه لا يثبت الفعل إلا ~~للقادر، وأنه ممن لا يعتقد الاعتقادات الفاسدة، كنحو ما قاله المشركون ~~وظنوه من ثبوت الهلاك فعلا للدهر، فإذا سمعنا نحو قوله: هة، وتجدها أنى ~~شئت. واعلم أنه لا يجوز الحكم على الجملة بأنها مجاز إلا بأحد أمرين: فإما ~~أنه يكون الشيء الذي أثبت له الفعل مما لا يدعي أحد من المحقين والمبطلين ~~أن مما يصح أن يكون له تأثير ms229 في وجود المعنى الذي أثبت له، وذلك نحو قول ~~الرجل: محبتك جاءت بي إليك، وكقول عمرو بن العاص في ذكر الكلمات التي ~~استحسنها: هن مخرجاتي من الشأم، فهذا ما لا يشتبه على أحد أنه مجاز. # PageV01P388 # وإما أنه يكون قد علم من اعتقاد المتكلم أنه لا يثبت الفعل إلا للقادر، ~~وأنه ممن لا يعتقد الاعتقادات الفاسدة، كنحو ما قاله المشركون وظنوه من ~~ثبوت الهلاك فعلا للدهر، فإذا سمعنا نحو قوله: # أشاب الصغير وأفنى الكبي ... ر كر الغداة ومر العشي # وقول ذي الإصبع: # أهلكنا الليل والنهار معا ... والدهر يعدو مصمما جذعا # كان طريق الحكم عليه بالمجاز، أن تعلم اعتقادهم التوحيد، إما بمعرفة ~~أحوالهم السابقة، أو بأن تجد في كلامهم من بعد إطلاق هذا النحو، ما يكشف عن ~~قصد المجاز فيه، كنحو ما صنع أبو النجم، فإنه قال أولا: # قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع # من أن رأت رأسي كرأس الأصلع ... ميز عنه قنزعا عن قنزع # مر الليالي أبطئي أو أسرعي # PageV01P389 # فهذا على المجاز وجعل الفعل لليالي ومرورها، إلا أنه خفي غير بادي ~~الصفحة، ثم فسر وكشف عن وجه التأول وأفاد أنه بنى أول كلامه على التخيل ~~فقال: # أفناه قيل الله للشمس اطلعي ... حتى إذا واراك أفق فارجعي # فبين أن الفعل لله تعالى، وأنه المعيد والمبدي، والمنشئ والمفني، لأن ~~المعنى في قيل الله، أمر الله، وإذا جعل الفناء بأمره فقد صرح بالحقيقة ~~وبين ما كان عليه من الطريقة. واعلم أنه لا يصح أن يكون قول الكفار: " وما ~~يهلكنا إلا الدهر "، ومن باب التأويل والمجاز، وأن يكون الإنكار عليهم من ~~جهة ظاهر اللفظ، وأن فيه إيهاما للخطأ، كيف وقد قال تعالى بعقب الحكاية ~~عنهم: " وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون " " سورة الجاثية: 24 "، ~~والمتجوز أو المخطئ في العبارة لا يوصف بالظن، إنما الظان من يعتقد أن ~~الأمر على ما قاله وكما يوجبه ظاهر كلامه، وكيف يجوز أن يكون الإنكار من ~~طريق إطلاق اللفظ دون إثبات الدهر فاعلا ms230 للهلاك، وأنت ترى في نص القرآن ما ~~جرى فيه اللفظ على إضافة فعل الهلاك إلى الريح مع استحالة أن تكون فاعلة، ~~وذلك قوله عز وجل: " مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ~~أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته " " آل عمران: 117 "، وأمثال ذلك كثير # PageV01P390 # ومن قدح في المجاز، وهم أن يصفه بغير الصدق، فقد خبط خبطا عظيما، ويهرف ~~بما لا يخفى، ولو لم يجب البحث عن حقيقة المجاز والعناية به، حتى تحصل ~~ضروبه، وتضبط أقسامه، إلا للسلامة من مثل هذه المقالة، والخلاص مما نحا نحو ~~هذه الشبهة، لكان من حق العاقل أن يتوفر عليه، ويصرف العناية إليه، فكيف ~~وبطالب الدين حاجة ماسة إليه من جهات يطول عدها، وللشيطان من جانب الجهل به ~~مداخل خفية يأتيهم منها، فيسرق دينهم من حيث لا يشعرون، ويلقيهم في الضلالة ~~من حيث ظنوا أنهم يهتدون؟ وقد اقتسمهم البلاء فيه من جانبى الإفراط ~~والتفريط، فمن مغرور مغرى بنفيه دفعة، والبراءة منه جملة، يشمئز من ذكره، ~~وينبو عن اسمه، يرى أن لزوم الظواهر فرض لازم، وضرب الخيام حولها حتم واجب، ~~وآخر يغلو فيه ويفرط، ويتجاوز حده ويخبط، فيعدل عن الظاهر والمعنى عليه، ~~ويسوم نفسه التعمق في التأويل ولا سبب يدعو إليه. أما التفريط فما تجد عليه ~~قوما في نحو قوله تعالى: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله " " البقرة: 12 "، ~~وقوله: " وجاء ربك " " الفجر: 22 "، و: " الرحمن على العرش استوى " " طه: 5 ~~"، وأشباه ذلك من النبو # PageV01P391 # عن أقوال أهل التحقيق، فإذا قيل لهم: الإتيان والمجيء انتقال من مكان إلى ~~مكان، وصفة من صفات الأجسام، وأن الاستواء إن حمل على ظاهره لم يصح إلا في ~~جسم يشغل حيزا ويأخذ مكانا، والله عز وجل خالق الأماكن والأزمنة، ومنشئ كل ~~ما تصح عليه الحركة والنقلة، والتمكن والسكون، والانفصال والاتصال، ~~والمماسة والمحاذاة، وأن المعنى على إلا أن يأتيهم أمر الله وجاء أمر ربك، ~~وأن حقه أن يعبر بقوله تعالى: " فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا " " الحشر: ~~2 "، وقول ms231 الرجل: آتيك من حيث لا تشعر، يريد أنزل بك المكروه، وأفعل ما ~~يكون جزاء لسوء صنيعك، في حال غفلة منك، ومن حيث تأمن حلوله بك، وعلى ذلك ~~قوله: # أتيناهم من أيمن الشق عندهمويأتي الشقي الحين من حيث لا يدري # نعم، إذا قلت ذلك للواحد منهم، رأيته إن أعطاك الوفاق بلسانه، فبين جنبيه ~~قلب يتردد في الحيرة ويتقلب، ونفس تفر من الصواب وتهرب، وفكر واقف لا يجيء ~~ولا يذهب، يحضره الطبيب بما يبرئه من دائه، ويريه المرشد وجه الخلاص من ~~عميائه، ويأبى إلا نفارا عن العقل، ورجوعا إلى الجهل، لا يحضره التوفيق ~~بقدر ما يعلم به أنه إذا كان لا يجري في قوله تعالى: " واسئل القرية " " ~~يوسف: 82 "، على الظاهر لأجل علمه أن الجماد لا يسأل مع أنه لو تجاهل ~~متجاهل فادعى أن الله تعالى خلق الحياة في تلك القرية حتى عقلت السؤال، ~~وأجابت عنه ونطقت، لم يكن قال قولا يكفر به، ولم يزد على شيء يعلم كذبه فيه ~~فمن حقه أن لا يجثم هاهنا على الظاهر، ولا يضرب # PageV01P392 # الحجاب دون سمعه وبصره حتى لا يعي ولا يراعى، مع ما فيه، إذا أخذ على ~~ظاهره، من التعرض للهلاك والوقوع في الشرك. فأما الإفراط، فما يتعاطاه قوم ~~يحبون الإغراب في التأويل، ويحرصون على تكثير الوجوه، وينسون أن احتمال ~~اللفظ شرط في كل ما يعدل به عن الظاهر، فهم يستكرهون الألفاظ على ما لا ~~تقله من المعاني، يدعون السليم من المعنى إلى السقيم، ويرون الفائدة حاضرة ~~قد أبدت صفحتها وكشفت قناعها، فيعرضون عنها حبا للتشوف، أو قصدا إلى ~~التمويه وذهابا في الضلالة. وليس القصد هاهنا بيان ذلك فأذكر أمثلته، على ~~أن كثيرا من هذا الفن مما يرغب عن ذكره لسخفه، وإنما غرضى بما ذكرت أن أريك ~~عظم الآفة في الجهل بحقيقة المجاز وتحصيله، وأن الخطأ فيه مورط صاحبه،، ~~وفاضح له، ومسقط قدره، وجاعله ضحكة يتفكه به، وكاسيه عارا يبقى على وجه ~~الدهر، وفي مثل هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يحمل ms232 هذا العلم من ~~كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل ~~الجاهلين، وليس حمله روايته وسرد ألفاظه، بل العلم بمعانيه ومخارجه، وطرقه ~~ومناهجه، والفرق بين الجائز منه والممتنع، والمنقاد المصحب، والنابي ~~النافر. # PageV01P393 # وأقل ما كان ينبغي أن تعرفه الطائفة الأولى، وهم المنكرون للمجاز، أن ~~التنزيل كما لم يقلب اللغة في أوضاعها المفردة عن أصولها، ولم يخرج الألفاظ ~~عن دلالتها، وأن شيئا من ذلك إن زيد إليه ما لم يكن قبل الشرع يدل عليه، أو ~~ضمن ما لم يتضمنه أتبع ببيان من عند النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك كبيانه ~~للصلاة والحج والزكاة والصوم، كذلك لم يقض بتبديل عادات أهلها، ولم ينقلهم ~~عن أساليبهم وطرقهم، ولم يمنعهم ما يتعارفونه من التشبيه والتمثيل والحذف، ~~والاتساع، وكذلك كان من حق الطائفة الأخرى أن تعلم، أنه عز وجل لم يرض لنظم ~~كتابه الذي سماه هدى وشفاء، ونورا وضياء، وحياة تحيا بها القلوب، وروحا ~~تنشرح عنه الصدور ما هو عند القوم الذين خوطبوا به خلاف البيان، وفي حد ~~الإغلاق والبعد من التبيان، وأنه تعالى لم يكن ليعجز بكتابه من طريق ~~الإلباس والتعمية، كما يتعاطاه الملغز من الشعراء والمحاجي من الناس، كيف ~~وقد وصفه بأنه عربي مبين. هذا وليس التعسف الذي يرتكبه بعض من يجهل التأويل ~~من جنس ما يقصده أولو الألغاز وأصحاب الأحاجي، بل هو شيء يخرج عن كل طريق، ~~ويباين كل مذهب، وإنما هو سوء نظر منهم، ووضع للشيء في غير موضعه، وإخلال ~~بالشريطة، وخروج عن القانون، وتوهم أن المعنى إذا دار في نفوسهم، وعقل من ~~تفسيرهم، فقد فهم من لفظ المفسر، وحتى كأن الألفاظ تنقلب عن سجيتها، وتزول ~~عن موضوعها، فتحتمل ما ليس من شأنها أن تحتمله، وتؤدي ما لا يوجب حكمها أن ~~تؤديه، # PageV01P394 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | هذا كلام في ذكر المجاز وفي بيان معناه وحقيقته # المجاز مفعل من جاز الشيء يجوزه، إذا تعداه، وإذا عدل باللفظ عما يوجبه ~~أصل اللغة، وصف بأنه مجاز، على معنى أنهم جازوا به موضعه ms233 الأصلي، أو جاز هو ~~مكانه الذي وضع فيه أولا، ثم اعلم بعد أن في إطلاق المجاز على اللفظ ~~المنقول عن أصله شرطا، وهو أن يقع نقله علي وجه لا يعرى معه من ملاحظة ~~الأصل، ومعنى الملاحظة، أن الاسم يقع لما تقول إنه مجاز فيه، بسبب بينه ~~وبين الذين تجعله حقيقة فيه، نحو أن اليد تقع للنعمة، وأصلها الجارحة، لأجل ~~أن الاعتبارات اللغوية تتبع أحوال المخلوقين وعاداتهم، وما يقتضيه ظاهر ~~البنية وموضوع الجبلة، ومن شأن النعمة أن تصدر عن اليد، ومنها تصل إلى ~~المقصود بها، وفي ذكر اليد إشارة إلى مصدر تلك النعمة الواصلة إلى المقصود ~~بها، والموهوبة هي منه، وكذلك الحكم إذا أريد باليد القوة والقدرة، لأن ~~القدرة أثر ما يظهر سلطانها في اليد، وبها يكون البطش والأخذ والدفع والمنع ~~والجذب والضرب والقطع، وغير ذلك من الأفاعيل التي تخبر فضل إخبار عن وجوه ~~القدرة، وتنبئ عن مكانها، ولذلك تجدهم لا يريدون باليد شيئا لا ملابسة بينه ~~وبين هذه الجارحة بوجه. # PageV01P395 # ولوجوب اعتبار هذه النكتة في وصف اللفظ بأنه مجاز، لم يجز استعماله في ~~الألفاظ التي يقع فيها اشتراك من غير سبب يكون بين المشتركين، كبعض الأسماء ~~المجموعة في الملاحن، مثل أن الثور يكون اسما للقطعة الكبيرة من الأقط، ~~والنهار اسم لفرخ الحبارى، والليل، لولد الكروان، كما قال: # أكلت النهار بنصف النهار ... وليلا أكلت بليل بهيم # وذلك أن اسم الثور لم يقع على الأقط لأمر بينه وبين الحيوان المعلم، ولا ~~النهار على الفرخ لأمر بينه وبين ضوء الشمس، أداه إليه وساقه نحوه، والغرض ~~المقصود بهذه العبارة - أعني قولنا: المجاز - أن نبين أن للفظ أصلا مبدوءا ~~به في الوضع ومقصودا، وأن جريه على الثاني إنما هو على سبيل الحكم يتأدى ~~إلى الشيء من غيره، وكما يعبق الشيء برائحة مايجاوره، وينصبغ بلون ما ~~يدانيه، ولذلك لم ترهم يطلقون المجاز في الأعلام، إطلاقهم لفظ النقل فيها ~~حيث قالوا: العلم على ضربين منقول ومرتجل، وأن المنقول منها يكون منقولا عن ~~اسم جنس، كأسد وثور وزيد ms234 وعمرو، أو صفة، كعاصم وحارث، أو فعل، كيزيد ويشكر ~~أو صوت كببة، فأثبتوا لهذا كله النقل من غير العلمية إلى العلمية، ولم يروا ~~أن يصفوه بالمجاز فيقولوا مثلا: # PageV01P396 # إن يشكر حقيقة في مضارع شكر، ومجاز في كونه اسم رجل وأن حجرا حقيقة في ~~الجماد، ومجاز في اسم الرجل، وذلك أن الحجر لم يقع اسما للرجل لالتباس كان ~~بينه وبين الصخر، على حسب ما كان بين اليد والنعمة، وبينها وبين القدرة ولا ~~كما كان بين الظهر الكامل وبين المحمول في نحو تسميتهم المزادة راوية، وهي ~~اسم للبعير الذي يحملها في الأصل وكتسميتهم البعير حفضا، وهو اسم لمتاع ~~البيت الذي حمل عليه ولا كنحو ما بين الجزء من الشخص وبين جملة الشخص، ~~كتسميتهم الرجل عينا، إذا كان ربيئة، والناقة نابا ولا كما بين النبت ~~والغيث، وبين السماء والمطر، حيث قالوا: رعينا الغيث، يريدون النبت الذي ~~الغيث سبب في كونه وقالوا: أصابنا السماء، يريدون المطر، وقال " تلفه ~~الأرواح والسمي " وذلك أن في هذا كله تأولا، وهو الذي أفضى بالاسم إلى ما ~~ليس بأصل فيه فالعين لما كانت المقصودة في كون الرجل ربيئة، صارت كأنها ~~الشخص كله، إذ كان ما عداها لا يغنى شيئا مع فقدها والغيث، لما كان النبت ~~يكون عنه، صار كأنه هو والمطر لما كان ينزل من السماء، عبروا عنه باسمها. ~~واعلم أن هذه الأسباب الكائنة بين المنقول والمنقول عنه، تختلف في القوة ~~والضعف والظهور وخلافه، فهذه الأسماء التي ذكرتها، # PageV01P397 # إذا نظرت إلى المعاني التي وصلت بين ما هي له، وبين ما ردت إليه، وجدتها ~~أقوى من نحو ما تراه في تسميتهم الشاة التي تذبح عن الصبي إذا حلقت عقيقته، ~~عقيقة وتجد حالها بعد أقوى من حال العقيرة، في وقوعها للصوت في قولهم: رفع ~~عقيرته، وذلك أنه شيء جرى اتفاقا، ولا معنى يصل بين الصوت وبين الرجل ~~المعقورة، على أن القياس يقتضي أن لا يسمى مجازا، ولكن يجرى مجرى الشيء ~~يحكى بعد وقوعه، كالمثل إذا حكي فيه كلام صدر عن قائله ms235 من غير قصد إلى قياس ~~وتشبيه، بل للإخبار عن أمر من قصده بالخطاب كقولهم: الصيف ضيعت اللبن، ~~ولهذا الموضع تحقيق لا يتم إلا بأن يوضع له فصل مفرد. والمقصود الآن غير ~~ذلك، لأن قصدي في هذا الفصل أن أبين أن المجاز أعم من الاستعارة، وأن ~~الصحيح من القضية في ذلك: أن كل استعارة مجاز، وليس كل مجاز استعارة، وذلك ~~أنا نرى كلام العارفين بهذا الشأن أعني علم الخطابة ونقد الشعر، والذين ~~وضعوا الكتب في أقسام البديع، يجري على أن الاستعارة نقل الاسم من أصله إلى ~~غيره للتشبيه على حد المبالغة، # PageV01P398 # قال القاضي أبو الحسن في أثناء فصل يذكرها فيه: وملاك الاستعارة، تقريب ~~الشبه، ومناسبة المستعار للمستعار منه، وهكذا تراهم يعدونها في أقسام ~~البديع، حيث يذكر التجنيس والتطبيق والترشيح ورد العجز على الصدر وغير ذلك، ~~من غير أن يشترطوا شرطا، ويعقبوا ذكرها بتقييد فيقولوا: ومن البديع ~~الاستعارة التي من شأنها كذا، فلولا أنها عندهم لنقل الاسم بشرط التشبيه ~~على المبالغة، وإما قطعا وإما قريبا من المقطوع عليه، لما استجازوا ذكرها، ~~مطلقة غير مقيدة، يبين ذلك أنها إن كانت تساوق المجاز وتجري مجراه حتى تصلح ~~لكل ما يصلح له، فذكرها في أقسام البديع يقتضي أن كل موصوف بأنه مجاز، فهو ~~بديع عندهم، حتى يكون إجراء اليد على النعمة بديعا، وتسمية البعير حفضا، ~~والناقة نابا، والربيئة عينا، والشاة عقيقة # بديعا كله، وذلك بين الفساد. وأما ما تجده في كتب اللغة من إدخال ما ليس ~~طريق نقله التشبيه في الاستعارة، كما صنع أبو بكر بن دريد في الجمهرة، فإنه ~~ابتدأ بابا فقال: باب الاستعارات ثم ذكر فيه أن الوغى اختلاط الأصوات في ~~الحرب، ثم كثر وصارت الحرب وغى، وأنشد: بديعا كله، وذلك بين الفساد. وأما ~~ما تجده في كتب اللغة من إدخال ما ليس طريق نقله التشبيه في الاستعارة، كما ~~صنع أبو بكر بن دريد في الجمهرة، فإنه ابتدأ بابا فقال: باب الاستعارات ثم ~~ذكر فيه أن الوغى اختلاط الأصوات في الحرب، ثم كثر ms236 وصارت الحرب وغى، وأنشد: # PageV01P399 # إضمامة من ذودها الثلاثين ... لها وغى مثل وغى الثمانين # يعني اختلاط أصواتها وذكر قولهم: رعينا الغيث والسماء، يعني المطر وذكر ~~ما هو أبعد من ذلك فقال: الخرس، ما تطعمه النفساء، ثم صارت الدعوة للولادة ~~خرسا والإعذار الختان، وسمي الطعام للختان إعذارا وأن الظعينة أصلها المرأة ~~في الهودج، ثم صار البعير والهودج ظعينة والخطر ضرب البعير بذنبه جانبي ~~وركيه، ثم صار مالصق من البول بالوركين خطرا، وذكر أيضا الراوية بمعنى ~~المزادة، والعقيقة، وذكر فيما بين ذكره لهذه الكلم أشياء هي استعارة على ~~الحقيقة، على طريقة أهل الخطابة ونقد الشعر، لأنه قال: الظمأ، العطش وشهوة ~~الماء، ثم كثر ذلك حتى قالوا: ظمئت إلى لقائك، وقال: الوجور ما أوجرته ~~الإنسان من دواء أو غيره، ثم قالوا: أوجره الرمح، إذا طعنه في فيه. فالوجه ~~في هذا الذي رأوه من إطلاق الاستعارة على ما هو تشبيه، كما هو شرط أهل ~~العلم بالشعر، وعلى ما ليس من التشبيه في شيء، ولكنه نقل اللفظ عن الشيء ~~إلى الشيء بسبب اختصاص وضرب من الملابسة بينهما، وخلط أحدهما بالآخر أنهم ~~كانوا نظروا إلى ما يتعارفه الناس في معنى العارية، وأنها شيء حول عن مالكه ~~ونقل عن مقره الذي هو أصل في استحقاقه، إلى ما ليس بأصل، ولم يراعوا عرف ~~القوم، ووزانهم في ذلك وزان من يترك عرف النحويين في التمييز، واختصاصهم له ~~بما احتمل أجناسا مختلفة كالمقادير # PageV01P400 # والأعداد وما شاركهما، في أن الإبهام الذي يراد كشفه منه هو احتماله ~~الأجناس، فيسمي الحال مثلا تمييزا، من حيث أنك إذا قلت: راكبا، فقد ميزت ~~المقصود وبينته، كما فعلت ذلك في قولك: عشرون درهما ومنوان سمنا وقفيزان ~~برا ولي مثله رجلا ولله دره رجلا. وليس هذا المذهب بالمذهب المرضي، بل ~~الصواب أن تقصر الاستعارة على ما نقله نقل التشبيه للمبالغة، لأن هذا نقل ~~يطرد على حد واحد، وله فوائد عظيمة ونتائج شريفة، فالتطفل به على غيره في ~~الذكر، وتركه مغمورا فيما بين أشياء ليس لها في نقلها مثل ms237 نظامه ولا أمثال ~~فوائده، ضعف من الرأي وتقصير في النظر. وربما وقع في كلام العلماء بهذا ~~الشأن الاستعارة على تلك الطريقة العامية، إلا أنه لا يكون عند ذكر ~~القوانين وحيث تقرر الأصول، ومثاله أن أبا القاسم الآمدي قال في أثناء فصل ~~يجيب فيه عن شيء اعترض به على البحتري في قوله: # فكأن مجلسه المحجب محفل ... وكأن خلوته الخفية مشهد # أن المكان لا يسمى مجلسا إلا وفيه قوم، ثم قال: ألا ترى إلى قول المهلهل ~~" واستب بعدك يا كليب المجلس " # PageV01P401 # على الاستعارة، فأطلق لفظ الاستعارة على وقوع المجلس هنا، بمعنى القوم ~~الذين يجتمعون في الأمور، وليس المجلس إذا وقع على القوم من طريق التشبيه، ~~بل على حد وقوع الشيء على ما يتصل به، وتكثر ملابسته إياه، وأي شبه يكون ~~بين القوم ومكانهم الذي يجتعون فيه؟ إلا أنه لا يعتد بمثل هذا فإن ذلك قد ~~يتفق حيث ترسل العبارة، وقال الآدمي نفسه: ثم قد يأتي في الشعر ثلاثة أنواع ~~أخر، يكتسي المعنى العام بها بهاء وحسنا، حتى يخرج بعد عمومه إلى أن يصير ~~مخصوصا ثم قال: وهذه الأنواع هي التي وقع عليها اسم البديع، وهي الاستعارة ~~والطباق والتجنيس. فهذا نص في وضع القوانين على أن الاستعارة من أقسام ~~البديع، ولن يكون النقل بديعا حتى يكون من أجل الشبيه على المبالغة كما ~~بينت لك، وإذا كان كذلك، ثم جعل الاستعارة على الإطلاق بديعا، فقد أعلمك ~~أنها اسم للضرب المخصص من النقل دون كل نقل فاعرف. واعلم أنا إذا أنعمنا ~~النظر، وجدنا المنقول من أجل التشبيه على المبالغة، أحق بأن يوصف ~~بالاستعارة من طريق المعنى، # PageV01P402 # بيان ذلك أن ملك المعير لا يزول عن المستعار، واستحقاقه إياه لايرتفع، ~~فالعارية إنما كانت عارية، لأن يد المستعير يد عليها، ما دامت يد المعير ~~باقية، وملكه غير زائل، فلا يتصور أن يكون للمستعير تصرف لم يستفده من ~~المالك الذي أعاره، ولا أن تستقر يده مع زوال اليد المنقول عنها، وهذه جملة ~~لا تراها إلا في المنقول نقل التشبيه، ms238 لأنك لا تستطيع أن تتصور جري الاسم ~~على الفرع من غير أن تحوجه إلى الأصل، كيف ولا يعقل تشبيه حتى يكون هاهنا ~~مشبه ومشبه به، هذا والتشبيه ساذج مرسل، فكيف إذا كان على معنى المبالغة، ~~على أن يجعل الثاني أنه انقلب مثلا إلى جنس الأول، فصار الرجل أسدا وبحرا ~~وبدرا، والعلم نورا، والجهل ظلمة، لأنه إذا كان على هذا الوجه، كانت حاجتك ~~إلى أن تنظر به إلى الأصل أمس، لأنه إذا لم يتصور أن يكون هاهنا سبع من ~~شأنه الجرأة العظيمة والبطش الشديد، كان تقديرك شيئا آخر تحول إلى صفته ~~وصار في حكمه من أبعد المحال. وأما ما كان منقولا لا لأجل التشبيه، كاليد ~~في نقلها إلى النعمة، فلا يوجد ذلك فيه، لأنك لا تثبت للنعمة بإجراء اسم ~~اليد عليها شيئا من صفات الجارحة المعلومة، ولا تروم تشبيها بها ألبتة، لا ~~مبالغا ولا غير مبالغ، فلو فرضنا أن تكون اليد اسما وضع للنعمة ابتداء، ثم ~~نقلت إلى الجارحة، لم يكن ذلك مستحيلا، وكذلك لو ادعى مدع أن جري اليد على ~~النعمة أصل ولغة على حدتها، وليست مجازا، لم يكن مدعيا شيئا يحيله العقل، ~~ولو حاول محاول أن يقول في مسألتنا قولا شبيها بهذا فرام تقدير شيء يجري ~~عليه اسم الأسد على المعنى الذي يريده بالاستعارة، مع فقد السبع المعلوم، # PageV01P403 # ومن غير أن يسبق استحقاقه لهذا الاسم في وضع اللغة، رام شيئا في غاية ~~البعد. وعبارة أخرى العارية من شأنها أن تكون عند المستعير على صفة شبيهة ~~بصفتها وهي عند المالك، ولسنا نجد هذه الصورة إلا فيما نقل نقل التشبيه ~~للمبالغة دون ما سواه، ألا ترى أن الاسم المستعار يتناول المستعار له، ليدل ~~على مشاركته المستعار منه في صفة هي أخص الصفات التي من أجلها وضع الاسم ~~الأول؟ أعني أن الشجاعة أقوى المعاني التي من أجلها سمي الأسد أسدا، وأنت ~~تستعير الاسم للشيء على معنى إثباتها له على حدها في الأسد. فأما اليد ~~ونقلها إلى النعمة، فليست من هذا في شيء، ms239 لأنها لم تتناول النعمة لتدل على ~~صفة من صفات اليد بحال، ويحرر ذلك نكتة: وهي أنك تريد بقولك: رأيت أسدا، أن ~~تثبت للرجل الأسدية، ولست تريد بقولك: له عندي يد، أن تثبت للنعمة اليدية، ~~وهذا واضح جدا. واعلم أن الواجب كان أن لا أعد وضع الشفة موضع الجحفلة، ~~والجحفلة في مكان المشفر، ونظائره التي قدمت ذكرها في الاستعارة، وأضن ~~باسمها أن يقع عليه، ولكني رأيتهم قد خلطوه بالاستعارات وعدوه معدها، فكرهت ~~التشدد في الخلاف # واعتددت به في الجملة، ونبهت على ضعف أمره بأن سميته استعارة غير مفيدة، ~~وكان وزان ذلك وزان أن يقال: المفعول على ضربين مفعول صحيح، ومشبه ~~بالمفعول، فيتجوز باعتداد المشبه بالمفعول في الجملة، ثم يفصل بالوصف، ووجه ~~شبه هذا النحو الذي هو نقل الشفة إلى موضع الجحفلة بالاستعارة الحقيقية، ~~لأنك تنقل الاسم إلى مجانس له، ألا ترى أن المراد بالشفة والجحفلة عضو ~~واحد، وإنما الفرق أن هذا من الفرس، وذاك من الإنسان، والمجانسة والمشابهة ~~من واد واحد؟ فأنت تقول: أعير الشيء اسمه الموضوع له هنالك أي في الإنسان - ~~هاهنا - أي في الفرس -، لأن أحدهما مثل صاحبه وشريكه في جنسه، كما أعرت ~~الرجل اسم الأسد، لأنه شاركه في صفته الخاصة به، وهي الشجاعة البليغة، وليس ~~لليد مع النعمة هذا الشبه، إذ لا مجانسة بين الجارحة وبين النعمة، وكذا لا ~~شبه ولا جنسية بين البعير ومتاع البيت، وبين المزادة وبين البعير، ولا بين ~~العين وبين جملة الشخص فإطلاق اسم الاستعارة عليه بعيد. ولو كان اللفظ ~~يستحق الوصف بالاستعارة بمجرد النقل، لجاز أن توصف الأسماء المنقولة من ~~الأجناس إلى الأعلام بأنها مستعارة، فيقال: حجر، مستعار في اسم الرجل، ولزم ~~كذلك في الفعل المنقول نحو: يزيد ويشكر وفي الصوت نحو: ببة في قوله: ~~واعتددت به في الجملة، ونبهت على ضعف أمره بأن سميته استعارة غير مفيدة، ~~وكان وزان # PageV01P404 # ذلك وزان أن يقال: المفعول على ضربين مفعول صحيح، ومشبه بالمفعول، فيتجوز ~~باعتداد المشبه بالمفعول في الجملة، ثم يفصل بالوصف، ووجه شبه هذا ms240 النحو ~~الذي هو نقل الشفة إلى موضع الجحفلة بالاستعارة الحقيقية، لأنك تنقل الاسم ~~إلى مجانس له، ألا ترى أن المراد بالشفة والجحفلة عضو واحد، وإنما الفرق أن ~~هذا من الفرس، وذاك من الإنسان، والمجانسة والمشابهة من واد واحد؟ فأنت ~~تقول: أعير الشيء اسمه الموضوع له هنالك أي في الإنسان - هاهنا - أي في ~~الفرس -، لأن أحدهما مثل صاحبه وشريكه في جنسه، كما أعرت الرجل اسم الأسد، ~~لأنه شاركه في صفته الخاصة به، وهي الشجاعة البليغة، وليس لليد مع النعمة ~~هذا الشبه، إذ لا مجانسة بين الجارحة وبين النعمة، وكذا لا شبه ولا جنسية ~~بين البعير ومتاع البيت، وبين المزادة وبين البعير، ولا بين العين وبين ~~جملة الشخص فإطلاق اسم الاستعارة عليه بعيد. ولو كان اللفظ يستحق الوصف ~~بالاستعارة بمجرد النقل، لجاز أن توصف الأسماء المنقولة من الأجناس إلى ~~الأعلام بأنها مستعارة، فيقال: حجر، مستعار في اسم الرجل، ولزم كذلك في ~~الفعل المنقول نحو: يزيد ويشكر وفي الصوت نحو: ببة في قوله: # لأنكحن ببه ... جارية خدبة # مكرمة محبه ... تجب أهل الكعبه # PageV01P405 # وذلك ارتكاب قبيح، وفرط تعصب على الصواب، ويلوح هاهنا شيء، هو أنا وإن ~~جعلنا الاستعارة من صفة اللفظ فقلنا: اسم مستعار، وهذا اللفظ استعارة هاهنا ~~وحقيقة هناك، فإنا على ذلك نشير بها إلى المعنى، من حيث قصدنا باستعارة ~~الاسم، أن نثبت أخص معانيه للمستعار له، يدلك على ذلك قولنا: جعله أسدا ~~وجعله بدرا وجعل للشمال يدا، فلولا أن استعارة الاسم للشيء تتضمن استعارة ~~معناه له، لما كان هذا الكلام معنى، لأن جعل، لا يصلح إلا حيث يراد إثبات ~~صفة للشيء، كقولنا: جعله أميرا، وجعله لصا، نريد أنه أثبت له الإمارة ~~واللصوصية، وحكم جعل إذا تعدى إلى مفعولين، حكم صير، فكما لا تقول: صيرته ~~أميرا إلا على معنى أنك أثبت له صفة الإمارة، وكذلك لم تقل: جعله أسدا إلا ~~على أنه أثبت له معنى من معاني الأسود، ولا يقال: جعلته زيدا، بمعنى سميته ~~زيدا، ولا يقال للرجل: اجعل ابنك زيدا بمعنى سمه، ms241 ولا يقال: ولد لفلان ابن ~~فجعله زيدا أي: سماه زيدا، وإنما يدخل الغلط في ذلك على من لا يحصل هذا ~~الشأن، فأما قوله تعالى: " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا " " ~~الزخرف: 19 "، فإنما جاء على الحقيقة التي وصفتها، وذلك أنهم أثبتوا # PageV01P406 # للملائكة صفة الإناث، واعتقدوا وجودها فيهم، وعن هذا الاعتقاد صدر عنهم ~~ما صدر من الاسم - أعني إطلاق اسم البنات، وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظ ~~الإناث، أو لفظ البنات، اسما من غير اعتقاد معنى، وإثبات صفة، هذا محال لا ~~يقوله عاقل - أو ما يسمعون قول الله عز وجل: " أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسئلون " " الزخرف: 19 "، فإن كانوا لم يزيدوا على إجراء الاسم على ~~الملائكة ولم يعتقدوا إثبات صفة ومعنى، فأي معنى لأن يقال: أشهدوا خلقهم ~~هذا ولو كانوا لم يقصدوا إثبات صفة، ولم يفعلوا أكثر من أن وضعوا اسما، لما ~~استحقوا إلا اليسير من الذم، ولما كان هذا القول كفرا منهم، والأمر في ذلك ~~أظهر من أن يخفى ولكن قد يكون للشيء المستحيل وجوه في الاستحالة فتذكر ~~كلها، وإن كان في الواحد منها ما يزيل الشبهة ويتم الحجة. # PageV01P407 # فصل في ### | تقسيم المجاز # إلى اللغوي والعقلي، واللغوي إلى الاستعارة وغيرها # واعلم أن المجاز على ضربين: مجاز من طريق اللغة، ومجاز من طريق المعنى ~~والمعقول، فإذا وصفنا بالمجاز الكلمة المفردة كقولنا: اليد مجاز في النعمة ~~والأسد مجاز في الإنسان وكل ما ليس بالسبع المعروف، كان حكما أجريناه على ~~ما جرى عليه من طريق اللغة، لأنا أردنا أن المتكلم قد جاز باللفظة أصلها ~~الذي وقعت له ابتداء في اللغة، وأوقعها على غير ذلك، إما تشبيها، ووإما ~~لصلة وملابسة بين ما نقلها إليه وما نقلها عنه، ومتى وصفنا بالمجاز الجملة ~~من الكلام، كان مجازا من طريق المعقول دون اللغة، وذلك أن الأوصاف اللاحقة ~~للجمل من حيث هي جمل، لا يصح ردها إلى اللغة، ولا وجه لنسبتها إلى واضعها، ~~لأن التأليف هو إسناد فعل إلى اسم، واسم إلى اسم، وذلك شيء يحصل بقصد ms242 ~~المتكلم، فلا يصير ضرب خبرا عن زيد بواضع اللغة، بل بمن قصد إثبات الضرب ~~فعلا له، وهكذا: ليضرب زيد، لا يكون أمرا لزيد باللغة، ولا اضرب أمرا للرجل ~~الذي تخاطبه وتقبل عليه من بين كل من يصح خطابه باللغة، بل بك أيها ~~المتكلم، فالذي يعود إلى واضع اللغة، أن ضرب لإثبات الضرب، وليس لإثبات ~~الخروج، وأنه لإثباته في زمان ماض، وليس لإثباته في زمان مستقبل، فأما ~~تعيين من يثبت له، فيتعلق بمن أراد ذلك من المخبرين بالأمور، والمعبرين عن ~~ودائع الصدور، والكاشفين عن المقاصد والدعاوى، صادقة كانت تلك # PageV01P408 # الدعاوى أو كاذبة ومجراة على صحتها، أو مزالة عن مكانها من الحقيقة ~~وجهتها ومطلقة بحسب ما تأذن فيه العقول وترسمه أو معدولا بها عن مراسمها ~~نظما لها في سلك التخييل، وسلوكا بها في مذهب التأويل، فإذا قلنا مثلا: خط ~~أحسن مما وشاه الربيع أو صنعه الربيع، وكنا قد ادعينا في ظاهر اللفظ أن ~~للربيع فعلا أو صنعا، وأنه شارك الحي القادر في صحة الفعل منه، وذلك تجوز ~~من حيث المعقول لا من حيث اللغة، لأنه إن قلنا: إنه مجاز من حيث اللغة، ~~صرنا كأنا نقول: إن اللغة هي التي أوجبت أن يختص الفعل بالحي القادر دون ~~الجماد، وإنها لو حكمت بأن الجماد يصح منه الفعل والصنع والوشي والتزيين، ~~والصبغ والتحسين، لكان ما هو مجاز الآن حقيقة، ولعاد ما هو الآن متأول، ~~معدودا فيما هو حق محصل، وذلك محال، وإنما يتصور مثل هذا القول في الكلم ~~المفردة، نحو اليد للنعمة، وذاك أنه يصح أن يقال: لو كان واضع اللغة وضع ~~اليد أولا للنعمة، ثم عداها إلى الجارحة، لكان حقيقة فيما هو الآن مجاز، ~~ومجازا فيما هو حقيقة فلم يكن بواجب من حيث المعقول أن يكون لفظ اليد اسما ~~للجارحة دون النعمة، ولا في العقل أن شيئا بلفظ، أن يكون دليلا عليه أولى ~~منه بلفظ، لا سيما في الأسماء الأول التي ليست بمشتقة، وإنما وزان ذلك وزان ~~أشكال الخط التي جعلت أمارات لأجراس الحروف ms243 المسموعة، في أنه لا يتصور أن ~~يكون العقل اقتضى اختصاص كل شكل منها بما اختص به، دون أن يكون ذلك لاصطلاح ~~وقع وتواضع اتفق، ولو كان كذلك، لم تختلف المواضعات في الألفاظ والخطوط، ~~ولكانت اللغات واحدة، كما وجب في عقل كل عاقل يحصل ما يقول، أن لا يثبت ~~الفعل على الحقيقة إلا للحي القادر، # PageV01P409 # فإن قلت: فإن اللغة رسمت أن يكون فعل لإثبات الفعل للشيء كما زعمت، ولكنا ~~إذا قلنا: فعل الربيع الوشي أو وشى الربيع، فإننا نريد بذلك معنى معقولا، ~~وهو أن الربيع سبب في كون الأنوار التي تشبه الوشي،، فقد نقلنا الفعل عن ~~حكم معقول وضع له، إلى حكم آخر معقول شبيه بذلك الحكم، فصار ذلك كنقل الأسد ~~عن السبع إلى الرجل الشبيه به في الشجاعة، أفتقول: الأسد على الرجل مجازمن ~~حيث المعقول، لا من حيث اللغة، كما قلت في صيغة: فعل إذا أسندت إلى ما لا ~~يصح أن يكون له فعل إنها مجاز من جهة العقل، لا من جهة اللغة. فالجواب أن ~~بينهما فرقا، وإن ظننتهما متساويين، وذلك أن فعل موضوع لإثبات الفعل للشيء ~~على الإطلاق، والحكم في بيان من يستحق هذا الإثبات وتعيينه إلى العقل، وأما ~~الأسد فموضوع للسبع قطعا، واللغة هي التي عينت المستحق له، وبرسمها وحكمها ~~ثبت هذا الاستحقاق والاختصاص، ولولا نصها لم # يتصور أن يكون هذا السبع بهذا الاسم أولى من غيره، فأما استحقاق الحي ~~القادر أن يثبت الفعل له واختصاصه بهذا الإثبات دون كل شيء سواه، فبفرض ~~العقل ونصه لا باللغة، فقد نقلت الأسد عن شيء هو أصل فيه باللغة لا بالعقل، ~~وأما فعل فلم تنقله عن الموضع الذي وضعته اللغة فيه، لأنه كما مضى، موضوع ~~لإثبات الفعل للشيء في زمان ماض، وهو في قولك: فعل الربيع باق على هذه ~~الحقيقة غير زائل عنها، ولن يستحق اللفظ الوصف بأنه مجاز، حتى يجري على شيء ~~لم يوضع له في الأصل، وإثبات الفعل لغير مستحقه، ولما ليس بفاعل على ~~الحقيقة، لا يخرج فعل عن ms244 أصله، ولا يجعله جاريا على شيء لم يوضع له، لأن ~~الذي وضع له فعل هو إثبات الفعل للشيء فقط، فأما وصف ذلك الشيء الذي يقع ~~هذا الإثبات له، فخارج عن دلالته، وغير داخل في الموضع اللغوي، بل لا يجوز ~~دخوله فيه، لما قدمت من استحالة أن يقال: إن اللغة هي التي أوجبت أن يختص ~~الفعل بالحي القادر دون الجماد، وما في ذلك من الفساد العظيم، فاعرفه فرقا ~~واضحا، وبرهانا قاطعا. وهاهنا نكتة جامعة، وهي أن المجاز في مقابلة ~~الحقيقة، فما كان طريقا في أحدهما من لغة أو عقل، فهو طريق في الآخر، ولست ~~تشك في أن طريق كون الأسد حقيقة في السبع، اللغة دون العقل، وإذا كانت ~~اللغة طريقا للحقيقة فيه، وجب أن تكون هي أيضا الطريق في كونه مجازا في ~~المشبه بالسبع، إذا أنت أجريت اسم الأسد عليه فقلت: رأيت أسدا، تريد رجلا ~~لا تميزه عن الأسد في بسالته وإقدامه وبطشه، وكذلك إذا علمت أن طريق ~~الحقيقة في إثبات الفعل للشيء هو العقل، فينبغي أن تعلم أنه أيضا الطريق ~~إلى المجاز فيه، فكما أن العقل هو الذي دلك حين قلت: فعل الحي القادر، أنك ~~لم تتجوز، وأنك واضع قدمك على محض الحقيقة، كذلك ينبغي أن يكون هو الدال ~~والمقتضى، إذا قلت: فعل الربيع، أنك قد تجوزت وزلت عن الحقيقة فاعرفه. فإن ~~قال قائل: كان سياق هذا الكلام وتقريره يقتضي أن طريق المجاز كله العقل، ~~وأن لا حظ للغة فيه، وذاك أنا لا نجري اسم الأسد على المشبه بالأسد، حتى ~~ندعي له الأسدية، وحتى نوهم أنه حين أعطاك من البسالة والبأس والبطش، ما ~~تجده عند الأسد، صار كأنه واحد من الأسود قد استبدل بصورته صورة الإنسان، ~~وقد قدمت أنت فيما مضى ما بين أنك لا تتجوز في إجراء اسم المشبه به على ~~المشبه، حتى تخيل إلى نفسك أنه هو بعينه فإذا كان الأمر كذلك فأنت في قولك: ~~رأيت أسدا، متجوز من طريق المعقول، كما أنك كذلك في فعل الربيع، وإذا ms245 كان ~~كذلك، عاد الحديث إلى أن المجاز فيهما جميعا عقلي، فكيف قسمته قسمين لغوي ~~وعقلي. فالجواب أن هذا الذي زعمت - من أنك لا تجري اسم المشبه به على ~~المشبه حتى تدعي أنه قد صار من ذلك الجنس، نحو أن تجعل الرجل كأنه في حقيقة ~~الأسد صحيح كما زعمت، لا يدفعه أحد، كيف السبيل إلى دفعه، وعليه المعول في ~~كونه التشبيه على حد المبالغة، وهو الفرق بين الاستعارة وبين التشبيه ~~المرسل؟ إلا أن هاهنا نكتة أخرى قد أغفلتها، وهي أن تجوزك هذا الذي طريقه ~~العقل، يفضي بك إلى أن تجري الاسم على شيء لم يوضع له في اللغة على كل حال، ~~فتجوز بالاسم على الجملة الشيء الذي وضع له، فمن هاهنا جعلنا اللغة طريقا ~~فيه. فإن قلت: لا أسلم أنه جرى على شيء لم يوضع له في اللغة، لأنك إذا قلت: ~~لا تجريه على الرجل حتى تدعي له أنه في معنى الأسد، لم تكن قد أجريته على ~~ما لم يوضع له، وإنما كان يكون جاريا على غير ما وضع له، أن لو كنت أجريته ~~على شيء لتفيد به معنى غير الأسدية، وذلك ما لا يعقل، لأنك لا تفيد بالأسد ~~في التشبيه أنه رجل مثلا، أو عاقل، أو على وصف لم يوضع هذا الاسم للدلالة ~~عليه ألبتة. قيل لك: قصارى حديثك هذا أنا أجرينا اسم الأسد على الرجل ~~المشبه بالأسد على طريق التأويل والتخييل، أفليس على كل حال قد أجريناه على ~~ما ليس بأسد على الحقيقة؟ وألسنا قد جعلنا له مذهبا لم يكن له في أصل ~~الوضع. ر أن يكون هذا السبع بهذا الاسم أولى من غيره، فأما استحقاق الحي ~~القادر أن يثبت الفعل له واختصاصه بهذا الإثبات دون كل شيء سواه، فبفرض ~~العقل ونصه لا باللغة، فقد نقلت الأسد عن شيء هو أصل فيه باللغة لا بالعقل، ~~وأما فعل فلم تنقله عن الموضع الذي وضعته اللغة فيه، لأنه كما مضى، موضوع ~~لإثبات الفعل للشيء في زمان ماض، وهو في قولك: فعل ms246 الربيع باق على هذه ~~الحقيقة غير زائل عنها، ولن يستحق اللفظ الوصف بأنه مجاز، حتى يجري على شيء ~~لم يوضع له في الأصل، وإثبات الفعل لغير مستحقه، ولما ليس بفاعل على ~~الحقيقة، لا يخرج # PageV01P410 # فعل عن أصله، ولا يجعله جاريا على شيء لم يوضع له، لأن الذي وضع له فعل ~~هو إثبات الفعل للشيء فقط، فأما وصف ذلك الشيء الذي يقع هذا الإثبات له، ~~فخارج عن دلالته، وغير داخل في الموضع اللغوي، بل لا يجوز دخوله فيه، لما ~~قدمت من استحالة أن يقال: إن اللغة هي التي أوجبت أن يختص الفعل بالحي ~~القادر دون الجماد، وما في ذلك من الفساد العظيم، فاعرفه فرقا واضحا، ~~وبرهانا قاطعا. وهاهنا نكتة جامعة، وهي أن المجاز في مقابلة الحقيقة، فما ~~كان طريقا في أحدهما من لغة أو عقل، فهو طريق في الآخر، ولست تشك في أن ~~طريق كون الأسد حقيقة في السبع، اللغة دون العقل، وإذا كانت اللغة طريقا ~~للحقيقة فيه، وجب أن تكون هي أيضا الطريق في كونه مجازا في المشبه بالسبع، ~~إذا أنت أجريت اسم الأسد عليه فقلت: رأيت أسدا، تريد رجلا لا تميزه عن ~~الأسد في بسالته وإقدامه وبطشه، وكذلك إذا علمت أن طريق الحقيقة في إثبات ~~الفعل للشيء هو العقل، فينبغي أن تعلم أنه أيضا الطريق إلى المجاز فيه، ~~فكما أن العقل هو الذي دلك حين قلت: فعل الحي القادر، أنك لم تتجوز، وأنك ~~واضع قدمك على محض الحقيقة، كذلك ينبغي أن يكون هو الدال والمقتضى، إذا ~~قلت: فعل الربيع، أنك قد تجوزت وزلت عن الحقيقة فاعرفه. فإن قال قائل: كان ~~سياق هذا الكلام وتقريره يقتضي أن طريق المجاز كله العقل، وأن لا حظ للغة ~~فيه، وذاك أنا لا نجري اسم الأسد # PageV01P411 # على المشبه بالأسد، حتى ندعي له الأسدية، وحتى نوهم أنه حين أعطاك من ~~البسالة والبأس والبطش، ما تجده عند الأسد، صار كأنه واحد من الأسود قد ~~استبدل بصورته صورة الإنسان، وقد قدمت أنت فيما مضى ما بين أنك ms247 لا تتجوز في ~~إجراء اسم المشبه به على المشبه، حتى تخيل إلى نفسك أنه هو بعينه فإذا كان ~~الأمر كذلك فأنت في قولك: رأيت أسدا، متجوز من طريق المعقول، كما أنك كذلك ~~في فعل الربيع، وإذا كان كذلك، عاد الحديث إلى أن المجاز فيهما جميعا عقلي، ~~فكيف قسمته قسمين لغوي وعقلي. فالجواب أن هذا الذي زعمت - من أنك لا تجري ~~اسم المشبه به على المشبه حتى تدعي أنه قد صار من ذلك الجنس، نحو أن تجعل ~~الرجل كأنه في حقيقة الأسد صحيح كما زعمت، لا يدفعه أحد، كيف السبيل إلى ~~دفعه، وعليه المعول في كونه التشبيه على حد المبالغة، وهو الفرق بين ~~الاستعارة وبين التشبيه المرسل؟ إلا أن هاهنا نكتة أخرى قد أغفلتها، وهي أن ~~تجوزك هذا الذي طريقه العقل، يفضي بك إلى أن تجري الاسم على شيء لم يوضع له ~~في اللغة على كل حال، فتجوز بالاسم على الجملة الشيء الذي وضع له، فمن ~~هاهنا جعلنا اللغة طريقا فيه. فإن قلت: لا أسلم أنه جرى على شيء لم يوضع له ~~في اللغة، لأنك إذا قلت: لا تجريه على الرجل حتى تدعي له أنه في معنى ~~الأسد، لم تكن قد أجريته على ما لم يوضع له، وإنما كان يكون جاريا على غير ~~ما وضع # PageV01P412 # له، أن لو كنت أجريته على شيء لتفيد به معنى غير الأسدية، وذلك ما لا ~~يعقل، لأنك لا تفيد بالأسد في التشبيه أنه رجل مثلا، أو عاقل، أو على وصف ~~لم يوضع هذا الاسم للدلالة عليه ألبتة. قيل لك: قصارى حديثك هذا أنا أجرينا ~~اسم الأسد على الرجل المشبه بالأسد على طريق التأويل والتخييل، أفليس على ~~كل حال قد أجريناه على ما ليس بأسد على الحقيقة؟ وألسنا قد جعلنا له مذهبا ~~لم يكن له في أصل الوضع. # وهبنا قد ادعينا للرجل الأسدية حتى استحق بذلك أن نجري عليه اسم الأسد، ~~أترانا نتجاوز في هذه الدعوى حديث الشجاعة، حتى ندعي للرجل صورة الأسد ~~وهيئته وعبالة عنقه ومخالبه، ms248 وسائر أوصافه الظاهرة البادية للعيون ولئن ~~كانت الشجاعة من أخص أوصاف الأسد وأمكنها، فإن اللغة لم تضع الاسم لها ~~وحدها، بل لها في مثل تلك الجثة وهاتيك الصورة والهيئة وتلك الأنياب ~~والمخالب، إلى سائر ما يعلم من الصورة الخاصة في جوارحه كلها، ولو كانت ~~وضعته لتلك الشجاعة التي تعرفها وحدها، لكان صفة لا اسما، ولكان كل شيء ~~يفضي في شجاعته إلى ذلك الحد مستحقا للاسم استحقاقا حقيقيا، لا على طريق ~~التشبيه والتأويل، وإذا كان كذلك فإنا وإن كنا لم ندل به على معنى لم ~~يتضمنه اسم الأسد في أصل وضعه، فقد سلبناه بعض ما وضع له، وجعلناه للمعاني ~~التي هي باطنة في الأسد وغريزة وطبع به وخلق، مجردة عن المعاني الظاهرة ~~التي هي # PageV01P413 # جثة وهيئة وخلق، وفي ذلك كفاية في إزالته عن أصل وقع له في اللغة، ونقله ~~عن حد جريه فيه إلى حد آخر مخالف له. وليس في فعل إذا تجوز فيه شيء من ذلك، ~~لأنا لم نسلبه لا بالتأويل ولا غير التأويل شيئا وضعته اللغة له، لأنه كما ~~ذكرت غير مرة: لإثبات الفعل للشيء من غير أن ىتعرض لذلك الشيء ما هو، أو هو ~~مستحق لأن يثبت له الفعل أو غير مستحق، وإذا كان كذلك، كان الذي أرادت ~~اللغة به موجودا فيه ثابتا له في قولك: فعل الربيع، ثبوته إذا قلت: فعل ~~الحي القادر، لم يتغير له صورة، ولم ينقص منه شيء، ولم يزل عن حد إلى حد ~~فاعرفه. فإن قلت: قد علمنا أن طريق المجاز ينقسم إلى ما ذكرت من اللغة ~~والمعقول، وأن فعل في نحو: فعل الربيع، مما طريقه المعقول، وأن نحو: الأسد ~~إذا قصد به التشبيه، واستعير لغير السبع، طريق مجازه اللغة، وبقي أن نعلم ~~لم خصصت المجاز - إذا كان طريقه العقل - بأن توصف به الجملة من الكلام دون ~~الكلمة الواحدة، وهلا جوزت أن يكون فعل على الانفراد موصوفا به. فإن سبب ~~ذلك أن المعنى الذي له وضع فعل لا يتصور الحكم عليه بمجاز أو ms249 حقيقة حتى ~~يسند إلى الاسم، وهكذا كل مثال من أمثلة الفعل، لأنه موضوع لإثبات الفعل ~~للشيء، فما لم نبين ذلك الشيء الذي نثبته # PageV01P414 # له ونذكره، لم يعقل أن الإثبات واقع موقعه الذي نجده مرسوما به في صحف ~~العقول، أم قد زال عنه وجازه إلى غيره. # هذا وقولك: هلا جوزت أن يكون فعل على الانفراد موصوفا به، محال، بعد أن ~~نثبت أن لا مجاز في دلالة اللفظ، وإنما المجاز في أمر خارج عنه، فإن قلت ~~أردت هلا جوزت أن ينسب المجاز إلى معناه وحده، وهو إثبات الفعل فيقال: هو ~~إثبات فعل على سبيل المجاز. فإن ذلك لا يتأتى أيضا إلا بعد ذكر الفاعل، لأن ~~المجاز أو الحقيقة، إنما يظهر ويتصور من المثبت والمثبت له والإثبات، ~~وإثبات الفعل من غير أن يقيد بما وقع الإثبات له، لا يصح الحكم عليه بمجاز ~~أو حقيقة، فلا يمكنك أن تقول: إثبات الفعل مجاز أو حقيقة هكذا مرسلا، إنما ~~تقول: إثبات الفعل للربيع مجاز، وإثباته للحي القادر حقيقة. وإذا كان الأمر ~~كذلك علمت أن لا سبيل إلى الحكم بأن هاهنا مجازا أو حقيقة من طريق العقل، ~~إلا في جملة من الكلام، وكيف يتصور خلاف ذلك؟ ووزان الحقيقة والمجاز ~~العقليين، وزان الصدق والكذب، فكما يستحيل وصف الكلم المفردة بالصدق ~~والكذب، وأن يجرى ذلك في معانيها مفرقة غير مؤلفة، فيقال: رجل - على ~~الانفراد - كذب أو صدق، كذلك يستحيل أن يكون هاهنا حكم بالمجاز أو الحقيقة، ~~وأنت تنحو نحو العقل إلا في الجملة المفيدة، فاعرفه أصلا كبيرا والله ~~الموفق للصواب، والمسؤول أن يعصم من الزلل بمنه وفضله. # PageV01P415 # فصل في ### | الحذف والزيادة # وهل هما من المجاز أم لا # واعلم أن الكلمة كما توصف بالمجاز، لنقلك لها عن معناها، كما مضى، فقد ~~توصف به لنقلها عن حكم كان لها، إلى حكم ليس هو بحقيقة فيها، ومثال ذلك أن ~~المضاف إليه يكتسي إعراب المضاف في نحو: " واسئل القرية " " يوسف: 82 "، ~~والأصل: واسئل أهل القرية، فالحكم الذي يجب للقرية في الأصل وعلى الحقيقة ms250 ~~هو الجر، والنصب فيها مجاز، وهكذا قولهم: بنو فلان تطؤهم الطريق، يريدون ~~أهل الطريق، الرفع في الطريق مجاز، لأنه منقول إليه عن المضاف المحذوف الذي ~~هو الأهل، والذي يستحقه في أصله هو الجر، ولا ينبغي أن يقال: إن وجه المجاز ~~في هذا الحذف، فإن الحذف إذا تجرد عن تغيير حكم من أحكام ما بقي بعد الحذف ~~لم يسم مجازا، ألا ترى أنك تقول: زيد منطلق وعمرو، فتحذف الخبر، ثم لا توصف ~~جملة الكلام من أجل ذلك بأنه مجاز؟ وذلك لأنه لم يؤد إلى تغيير حكم فيما ~~بقي من الكلام، ويزيده تقريرا أن المجاز إذا كان معناه: أن تجوز بالشيء ~~موضعه # PageV01P416 # وأصله، فالحذف بمجرده لا يستحق الوصف به، لأن ترك الذكر وإسقاط الكلمة من ~~الكلام، لا يكون نقلا لها عن أصلها، إنما يتصور النقل فيما دخل تحت النطق، ~~وإذا امتنع أن يوصف المحذوف بالمجاز، بقي القول فيما لم يحذف، وما لم يحذف ~~ودخل تحت الذكر، لا يزول عن أصله ومكانه حتى يغير حكم من أحكامه أو يغير عن ~~معانيه، فأما وهو على حاله، والمحذوف مذكور، فتوهم ذلك فيه من أبعد المحال ~~فاعرفه. وإذا صح امتناع أن يكون مجرد الحذف مجازا، أو تحق صفة باقي الكلام ~~بالمجاز، من أجل حذف كان على الإطلاق، دون أن يحدث هناك بسبب ذلك الحذف ~~تغير حكم على وجه من الوجوه علمت منه أن الزيادة في هذه القضية كالحذف، فلا ~~يجوز أن يقال إن زيادة ما في نحو: " فبما رحمة " " آل عمران: 951 " مجاز، ~~أو أن جملة الكلام تصير مجازا من أجل زيادته فيه، وذلك أن حقيقة الزيادة في ~~الكلمة أن تعرى من معناها، وتذكر ولا فائدة لها سوى الصلة، ويكون سقوطها ~~وثبوتها سواء، ومحال أن يكون ذلك مجازا، لأن المجاز أن يراد بالكلمة غير ما ~~وضعت له في الأصل أو يزاد فيه أو يوهم شيء ليس من شأنه، كإيهامك بظاهر ~~النصب في القرية أن السؤال واقع عليها، والزائد الذي سقوطه كثبوته لا يتصور ~~فيه ذلك. فأما ms251 غير الزائد من أجزاء الكلام الذي زيد فيه، فيجب أن ينظر فيه، ~~فإن حدث هناك بسبب ذلك الزائد حكم تزول به الكلمة عن أصلها، جاز حينئذ أن ~~يوصف ذلك الحكم، أو ما وقع فيه، بأنه مجاز، # PageV01P417 # كقولك في نحو قوله تعالى: " ليس كمثله شيء " " الشورى: 11 " إن الجر في ~~المثل مجاز، لأن أصله النصب، والجر حكم عرض من أجل زيادة الكاف، ولو كانوا ~~إذ جعلوا الكاف مزيدة لم يعملوها، لما كان لحديث المجاز سبيل على هذا ~~الكلام، ويزيده وضوحا أن الزيادة على الإطلاق لو كانت تستحق الوصف بأنها ~~مجاز، لكان ينبغي أن يكون كل ما ليس بمزيد من الكلم مستحقا الوصف بأنه ~~حقيقة، حتى يكون الأسد في قولك: رأيت أسدا وأنت تريد رجلا حقيقة. فإن قلت: ~~المجاز على أقسام، والزيادة من أحدها، قيل هذا لك إذا حددت المجاز بحد تدخل ~~الزيادة فيه، ولا سبيل لك إلى ذلك، لأن قولنا: المجاز، يفيد أن تجوز ~~بالكلمة موضعها في أصل الوضع، وتنقلها عن دلالة إلى دلالة، أو ما قارب ذلك، ~~وعلى الجملة فإنه لا يعقل من المجاز أن تسلب الكلمة دلالتها، ثم لا تعطيها ~~دلالة، وأن تخليها من أن يراد بها شيء على وجه من الوجوه، ووصف اللفظة ~~بالزيادة، يفيد أن لا يراد بها معنى، وأن تجعل كأن لم يكن لها دلالة قط، # PageV01P418 # فإن قلت: أو ليس يقال إن الكلمة لا تعرى من فائدة ما، ولا تصير لغوا على ~~الإطلاق، حتى قالوا إن ما في نحو فبما رحمة من الله، تفيد التوكيد. فأنا ~~أقول إن كون ما تأكيدا، نقل لها عن أصلها ومجاز فيها، وكذلك أقول: إن كون ~~الباء المزيدة في ليس زيد بخارج، لتأكيد النفي، مجاز في الكلمة، لأن أصلها ~~أن تكون للإلصاق فإن ذلك على بعده لا يقدح فيما أردت تصحيحه، لأنه لا يتصور ~~أن تصف الكلمة من حيث جعلت زائدة بأنها مجاز، ومتى ادعينا لها شيئا من # المعنى، فإنا نجعلها من تلك الجهة غير مزيدة، ولذلك يقول الشيخ أبو علي ms252 ~~في الكلمة إذا كانت تزول عن أصلها من وجه ولا تزول من آخر معتد بها من وجه، ~~غير معتد بها من وجه، كما قال في اللام من قولهم: لا أبا لزيد، وجعلها من ~~حيث منعت أن يتعرف الأببزيد، معتدا بها من حيث عارضها لام الفعل من الأب ~~التي لا تعود إلا في الإضافة نحو: أبو زيد وأبا زيد، غير معتد بها، وفي حكم ~~المقحمة الزائدة، وكذلك توصف لا في قولنا مررت برجل لا طويل ولا قصير، ~~بأنها مزيدة ولكن على هذا الحد، فيقال: هي مزيدة غير معتد بها من حيث ~~الإعراب، ومعتد بها من حيث أوجبت نفي الطول والقصر عن الرجل، ولولاها لكانا ~~ثابتين له. # PageV01P419 # وتطلق الزيادة على لا في نحو قوله تعالى: " لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا ~~يقدرون " " الحديد: 29 "، لأنها لا تفيد النفي فيما دخلت عليه، ولا يستقيم ~~المعنى إلا على إسقاطها، ثم إن قلنا إن لا هذه المزيدة تفيد تأكيد النفي ~~الذي يجيء من بعد في قوله: " أن لا يقدرون "، وتؤذن به، فإنا نجعلها من حيث ~~أفادت هذا التأكيد غير مزيدة، وإنما نجعلها مزيدة من حيث لم تفد النفي ~~الصريح فيما دخلت عليه، كما أفادته في المسألة، وإذا ثبت أن وصف الكلمة ~~بالزيادة، نقيض وصفها بالإفادة، علمت أن الزيادة، من حيث هي زيادة، لا توجب ~~الوصف بالمجاز، فإن قلت: تكون سببا لنقل الكلمة عن معنى هو أصل فيها إلى ~~معنى ليس بأصل كدت تقول قولا يجوز الإصغاء إليه، وذلك، إن صح، نظير ما قدمت ~~من أن الحذف أو الزيادة قد تكون سببا لحدوث حكم في الكلمة تدخل من أجله في ~~المجاز، كنصب القرية في الآية وجر المثل في الأخرى فاعرفه. واعلم أن من ~~أصول هذا الباب: أن من حق المحذوف أن المزيد أن ينسب إلى جملة الكلام، لا ~~إلى الكلمة المجاورة له، فأنت تقول إذا سئلت عن: اسأل القرية: في الكلام ~~حذف، والأصل: أهل القرية، ثم حذف الأهل، تعني حذف من بين الكلام، وكذلك ~~تقول: الكاف ms253 زائدة في الكلام والأصل: ليس مثله شيء، # PageV01P420 # ولا تقول هي زائدة في مثل، إذ لو جاز ذلك، لجاز أن يقال إن ما في فبما ~~رحمة، مزيدة في الرحمة، أو في الباء وأن لا مزيدة في يعلم، وذلك بين ~~الفساد، لأن هذه العبارة إنما تصلح حيث يراد أن حرفا زيد في صيغة اسم أو ~~فعل، على أن لا يكون لذلك الحرف على الانفراد معنى، ولا تعده وحده كلمة، ~~كقولك: زيدت الياء للتصغير في رجيل، والتاء للتأنيث في ضاربة، ولو جاز غير ~~ذلك، لجاز أن يكون خبر المبتدأ إذ حذف في نحو: زيد منطلق وعمرو، محذوفا من ~~المبتدأ نفسه، على حد حذف اللام من يد ودم، وذلك ما لا يقوله عاقل، فنحن ~~إذا قلنا إن الكاف مزيدة في مثل، فإنما نعني أنها لما زيدت في الجملة وضعت ~~في هذا الموضع منها، والأصح في العبارة أن يقال: الكاف في مثل مزيدة، يعني ~~الكاف الكائنة في مثل مزيدة، كما تقول الكاف التي تراها في مثل مزيدة وكذلك ~~تقول: حذف المضاف من الكلام، ولا تقول: حذف المضاف من المضاف إليه، وهذا ~~أوضح من أن يخفى، ولكني استقصيته، لأني رأيت في بعض العبارات المستعملة في ~~المجاز والحقيقة ما يوهم ذلك فاعرفه. ومما يجب ضبطه هنا أيضا: أن الكلام ~~إذا امتنع حمله على ظاهره حتى يدعو إلى تقدير حذف، أو إسقاط مذكور، كان على ~~وجهين: أحدهما أن يكون امتناع تركه على ظاهره، لأمر يرجع إلى غرض المتكلم، ~~ومثاله الآيتان المتقلدم تلاوتهما، ألا ترى أنك لو رأيت اسأل القرية في غير ~~التنزيل، لم تقطع بأن هاهنا محذوفا، لجواز أن يكون كلام رجل مر بقرية # PageV01P421 # قد خربت وباد أهلها، فأراد أن يقول لصاحبه واعظا ومذكرا، أو لنفسه متعظا ~~ومعتبرا اسأل القرية عن أهلها، وقل لها ما صنعوا، على حد قولهم: سل الأرض ~~من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإنها إن لم تجبك حوارا، أجابتك ~~اعتبارا وكذلك: إن سمعت الرجل يقول: ليس كمثل زيد أحد، لم تقطع بزيادة ~~الكاف، ms254 وجوزت أن يريد: ليس كالرجل المعروف بمماثلة زيد أحد، الوجه الثاني ~~أن يكون امتناع ترك الكلام على ظاهره، ولزوم الحكم بحذف أو زيادة، من أجل ~~الكلام نفسه، لا من حيث غرض المتكلم به، وذلك مثل أن يكون # المحذوف أحد جزءي الجملة، كالمبتدأ في نحو قوله تعالى: " فصبر جميل " " ~~يوسف: 18 - 83 "، وقوله: " متاع قليل " " النحل: 117 "، لابد من تقدير ~~محذوف، ولا سبيل إلى أن يكون له معنى دونه، سواء كان في التنزيل أو في ~~غيره، فإذا نظرت إلى: صبر جميل في قول الشاعر: ف أحد جزءي الجملة، كالمبتدأ ~~في نحو قوله تعالى: " فصبر جميل " " يوسف: 18 - 83 "، وقوله: " متاع قليل " ~~" النحل: 117 "، لابد من تقدير محذوف، ولا سبيل إلى أن يكون له معنى دونه، ~~سواء كان في التنزيل أو في غيره، فإذا نظرت إلى: صبر جميل في قول الشاعر: # يشكو إلي جملي طول السرى ... صبر جميل، فكلانا مبتلى # وجدته يقتضي تقدير محذوف، كما اقتضاه في التنزيل، وذلك أن الداعي إلى ~~تقدير المحذوف هاهنا، هو أن الاسم الواحد لا يفيد، والصفة والموصوف حكمهما ~~حكم الاسم الواحد، وجميل صفة للصبر. وتقول للرجل: من هذا؟، فيقول: زيد، ~~يريد هو زيد، فتجد هذا الإضمار واجبا، لأن الاسم الواحد لا يفيد، وكيف ~~يتصور أن يفيد الاسم # PageV01P422 # الواحد، ومدار الفائدة على إثبات أو نفي، وكلاهما يقتضي شيئين: مثبت ~~ومثبت له، ومنفي ومنفي عنه. وأما وجوب الحكم بالزيادة لهذه الجهة، فكنحو ~~قولهم: بحسبك أن تفعل، و: " كفى بالله " " سورة النساء: 6 "، وآيات أخر، إن ~~لم تقض بزيادة الباء، لم تجد للكلام وجها تصرفه إليه، وتأويلا تتأوله عليه ~~ألبتة، فلا بد لك من أن تقول إن الأصل حسبك أن تفعل، وكفى الله، وذلك أن ~~الباء إذا كانت غير مزيدة، كانت لتعدية الفعل إلى الاسم، وليس في بحسبك أن ~~تفعل فعل تعديه الباء إلى حسبك، ومن أين يتصور أن يتعدى إلى المبتدأ فعل، ~~والمبتدأ هو المعرى من العوامل اللفظية؛ وهكذا الأمر في كفى أو أقوى، وذلك ~~أن الاسم الداخل ms255 عليه الباء في نحو: كفى بزيد، فاعل كفى، ومحال أن تعدي ~~الفعل إلى الفاعل بالباء أو غير الباء، ففي الفعل من الاقتضاء للفاعل ما لا ~~حاجة معه إلى متوسط وموصل ومعد، فاعرفه، والله أعلم بالصواب. PageV01P423 ms256