######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_001019 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الجرجاني #META# 010.AuthorNAME :: الإمام عبد القاهر الجرجاني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 471 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: دلائل الإعجاز #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: البلاغة والفصاحة :: علوم القرآن :: كتب التفاسير وعلوم القرآن :: مواضيع في علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: دلائل الإعجاز #META# 030.LibURI :: JK_001019 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د . التنجي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتاب العربي #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1415هـ 1995م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # دلائل الإعجاز PageV01P001 # | المدخل إلى إعجاز القرآن # # | بسم الله الرحمن الرحيم # # | توكلت على الله وحده # قال الشيخ الإمام مجد الإسلام أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد ~~الجرجاني ، رحمه الله تعالى : الحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين ، ~~وصلواته على محمد سيد المرسلين وعلى آله أجمعين . # هذا كلام وجيز يطلع به الناظر على أصول النحو جملة ، وكل ما به يكون ~~النظم دفعة ، وينظر منه في مرآة تريه الأشياء المتباعدة الأمكنة قد التقت ~~له حتى رآها في مكان واحد ، ويرى بها مشئما قد ضم إلى معرق ، ومغربا قد أخذ ~~بيد مشرق ، وقد دخلت بأخرة في كلام من أصغى إليه وتدبره تدبر ذي دين وفتوة ~~دعاه إلى النظر في الكتاب الذي وضعناه ، وبعثه على طلب ما دوناه ، والله ~~تعالى الموفق للصواب ، والملهم لما يؤدي إلى الرشاد ، بمنه وفضله . # قال عبد القاهر رضي الله تعالى عنه : معلوم أن ليس النظم سوى تعليق الكلم ~~بعضها ببعض ، وجعل بعضها بسبب من بعض . # والكلم ثلاث : اسم وفعل وحرف ، وللتعليق فيما بينها طرق معلومة ، وهو لا ~~يعدو ثلاثة أقسام : تعلق اسم باسم . PageV01P013 # وتعلق اسم بفعل . # وتعلق حرف بهما . # فالاسم يتعلق بالاسم بأن يكون خبرا عنه أو حالا منه ، أو تابعا له ؛ صفة ~~أو تأكيدا أو عطف بيان أو بدلا ، أو عطفا بحرف ، أو بأن يكون مضافا الأول ~~إلى الثاني ، أو بأن يكون الأول يعمل في الثاني عمل الفعل ، ويكون الثاني ~~في حكم الفاعل له أو المفعول ، وذلك في اسم الفاعل كقولنا : زيد ضارب أبوه ~~عمرا ، وكقوله تعالى : ( @QB@ أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها @QE@ ) ، ~~وقوله تعالى : ( @QB@ وهم يلعبون لاهية قلوبهم @QE@ ) ، واسم المفعول ~~كقولنا : زيد مضروب غلمانه ، وكقوله تعالى : ( @QB@ ذلك يوم مجموع له الناس ~~@QE@ ) ، والصفة المشبهة كقولنا : زيد حسن وجهه ، وكريم أصله ، وشديد ساعده ~~، والمصدر كقولنا : عجبت من ضرب زيد عمرا ، وكقوله تعالى : ( @QB@ أو إطعام ~~في يوم ذي مسغبة يتيما @QE@ ) ، أو بأن يكون تمييزا قد جلاه منتصبا عن تمام ~~الاسم . # ومعنى ' تمام الاسم ' أن يكون فيه ما يمنع من ms001 الإضافة ، وذلك بأن يكون ~~فيه نون تثنية كقولنا : قفيزان برا ، أو نون جمع كقولنا : عشرون درهما . # أو تنوين كقولنا : راقود ، خلا وما في السماء قدر راحة سحابا ، أو تقدير ~~تنوين كقولنا : خمسة عشر رجلا أو يكون قد أضيف إلى شيء فلا يمكن إضافته مرة ~~أخرى كقولنا لي ملؤه عسلا ، وكقوله تعالى : ( @QB@ ملء الأرض ذهبا @QE@ ) . # وأما تعلق الاسم بالفعل فبأن يكون فاعلا له ، أو مفعولا ؛ فيكون مصدرا قد ~~انتصب به PageV01P014 # كقولك : ضربت ضربا ، ويقال له : المفعول المطلق . أو مفعولا له كقولك : ~~ضربت زيدا . أو ظرفا مفعولا فيه زمانا أو مكانا ، كقولك : خرجت يوم الجمعة ~~، ووقفت أمامك ، أو مفعولا معه كقولنا : جاء البرد والطيالسة . ولو تركت ~~الناقة وفصيلها لرضعها . أو مفعولا له كقولنا : جئتك إكراما لك ، وفعلت ذلك ~~إرادة الخير بك ، وكقوله تعالى : ( @QB@ ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله ~~@QE@ ) . أو بأن يكون منزلا من الفعل منزلة المفعول ، وذلك في خبر ' كان ' ~~وأخواتها ، والحال والتمييز المنتصب عن تمام الكلام . مثل : طاب زيد نفسا ، ~~وحسن وجها ، وكرم أصلا . ومثله الاسم المنتصب على الاستثناء كقولك : جاءني ~~القوم إلا زيدا ؛ لأنه من قبيل ما ينتصب عن تمام الكلام . # وأما تعلق الحرف بهما فعلى ثلاثة أضرب : # أحدها أن يتوسط بين الفعل والاسم ، فيكون ذلك في حروف الجر التي من شأنها ~~أن تعدي الأفعال إلى ما لا تتعدى إليه بأنفسها من الأسماء ، مثل أنك تقول : ~~' مررت ' فلا يصل إلى نحو زيد وعمر و . فإذا قلت : مررت بزيد أو على زيد ، ~~وجدته قد وصل بالباء أو على . وكذلك سبيل الواو الكائنة بمعنى ' مع ' في ~~قولنا : لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها ، بمنزلة حرف الجر في التوسط بين ~~الفعل والاسم وإيصاله إليه . إلا أن الفرق أنها لا تعمل بنفسها شيئا ، ~~لكنها تعين الفعل على عمله النصب . وكذلك حكم ' إلا ' في الاستثناء ؛ فإنها ~~عندهم بمنزلة هذه الواو الكائنة بمعنى ' مع ' في التوسط ، وعمل النصب في ~~المستثنى للفعل ولكن بوساطتها وعون منها . # والضرب الثاني من تعلق الحرف بما يتعلق به العطف ، وهو أن ms002 يدخل الثاني في ~~عمل PageV01P015 العامل في الأول كقولنا : جاءني زيد وعمر و ، ورأيت زيدا ~~وعمرا ، ومررت بزيد وعمر و . # والضرب الثالث : تعلقه بمجموع الجملة كتعلق حرف النفي والاستفهام والشرط ~~والجزاء بما يدخل عليه . وذلك أن من شأن هذه المعاني أن تتناول ما تتناوله ~~بالتقييد ، وبعد أن يسند إلى شيء . معنى ذلك أنك إذا قلت : ما خرج زيد وما ~~زيد خارج لم يكن النفي الواقع بها متناولا الخروج على الإطلاق ، بل الخروج ~~واقعا من زيد ومسندا إليه . ولا يغرنك قولنا في نحو : ( لا رجل في الدار ) ~~أنها لنفي الجنس ؛ فإن المعنى في ذلك أنها لنفي الكينونة في الدار عن الجنس ~~، ولو كان يتصور تعلق النفي بالاسم المفرد لكان الذي قالوه في كلمة التوحيد ~~من أن التقدير فيها ' لا إله لنا ، أو في الوجود ، إلا الله ' ، فضلا من ~~القول ، وتقديرا لما لا يحتاج إليه ، وكذلك الحكم أبدا . # فإذا قلت : هل خرج زيد ؟ لم تكن قد استفهمت عن الخروج مطلقا ، ولكن عنه ~~واقعا من زيد . وإذا قلت : إن يأتني زيد أكرمه ، لم تكن جعلت الإتيان شرطا ~~بل الإتيان من زيد . وكذا لم تجعل الإكرام على الإطلاق جزاء للإتيان بل ~~الإكرام واقعا منك . كيف وذلك يؤدي إلى أشنع ما يكون من المحال ؟ وهو أن ~~يكون هاهنا إتيان من غير آت ، وإكرام من غير مكرم ، ثم يكون هذا شرطا وذلك ~~جزاء ؟ # ومختصر كل الأمر أنه لا يكون كلام من جزء واحد ، وأنه لا بد من مسند ~~ومسند إليه ، وكذلك السبيل في كل حرف رأيته يدخل على جملة ، ' كإن ' ~~وأخواتها . ألا ترى أنك إذا قلت : ' كأن ' يقتضي مشبها ومشبها به ؟ كقولك : ~~كأن زيدا الأسد . وكذلك إذا قلت : ' لو ' و ' لولا ' وجدتهما يقتضيان ~~جملتين تكون الثانية جوابا للأولى . PageV01P016 # وجملة الأمر أنه لا يكون كلام من حرف وفعل أصلا ، ولا من حرف واسم إلا في ~~النداء نحو : يا عبد الله . وذلك أيضا إذا حقق الأمر كان كلاما بتقدير ~~الفعل المضمر الذي هو أعني ، وأريد ، وأدعو ، و ' يا ' دليل ms003 على قيام معناه ~~في النفس . # فهذه هي الطرق والوجوه في تعلق الكلم بعضها ببعض . وهي كما تراها معاني ~~النحو وأحكامه . # وكذلك السبيل في كل شيء كان له مدخل في صحة تعلق الكلم بعضها ببعض ، لا ~~ترى شيئا من ذلك يعدو أن يكون حكما من أحكام النحو ، ومعنى من معانيه . ثم ~~إنا نرى هذه كلها موجودة في كلام العرب ، ونرى العلم بها مشتركا بينهم . # وإذا كان ذلك كذلك فما جوابنا لخصم يقول لنا : إذا كانت هذه الأمور وهذه ~~الوجوه من التعلق ، التي هي محصول النظم ، موجودة على حقائقها ، وعلى الصحة ~~، وكما ينبغي في منثور كلام العرب ومنظومه ، ورأيناهم قد استعملوها وتصرفوا ~~فيها وكملوا بمعرفتها ، وكانت حقائق لا تتبدل ولا تختلف بها الحال ، إذ لا ~~يكون للاسم بكونه خبرا لمبتدأ ، أو صفة لموصوف ، أو حالا لذي حال ، أو ~~فاعلا ، أو مفعولا لفعل ، في كلام حقيقة هي خلاف حقيقته في كلام آخر ، فما ~~هذا الذي تجدد بالقرآن من عظيم المزية ، وباهر الفضل ، والعجيب من الوصف ، ~~حتى أعجز الخلق قاطبة ، وحتى قهر من البلغاء والفصحاء القوى والقدر وقيد ~~الخواطر والفكر ، وحتى ، خرست الشقاشق وعدم نطق الناطق ، وحتى لم يجر لسان ~~، ولم يبن بيان ، ولم يساعد إمكان ، ولم ينقدح لأحد منهم زند ، PageV01P017 # ولم يمض له حد ، وحتى أسال الوادي عليهم عجزا ، وأخذ منافذ القول عليهم ~~أخذا ؟ أيلزمنا أن نجيب هذا الخصم عن سؤاله ؟ ونرده عن ضلاله ؟ وأن نطب ~~لدائه ونزيل الفساد عن رائه ؟ فإن كان ذلك يلزمنا ، فينبغي لكل ذي دين وعقل ~~أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه ، ويستقصي التأمل لما أودعناه . فإن علم أنه ~~الطريق إلى البيان ، والكشف عن الحجة والبرهان ، تبع الحق وأخذ به ، وإن ~~رأى أن له طريقا غيره أومى لنا إليه ، ودلنا عليه ، وهيهات ذلك ! وهذه ~~أبيات في مثل ذلك ، + البسيط + : # ( إني أقول مقالا لست أخفيه % ولست أرهب خصما إن بدا فيه ) # ( ما من سبيل إلى إثبات معجزة % في النظم إلا بما أصبحت أبديه ) # ( فما لنظم كلام أنت ناظمه % معنى سوى ms004 حكم إعراب تزجيه ) # ( اسم يرى وهو أصل للكلام فما % يتم من دونه قصد لمنشيه ) # ( وآخر هو يعطيك الزيادة في % ما أنت تثبته أو أنت تنفيه ) # ( تفسير ذلك أن الأصل مبتدأ % تلقى له خبرا من بعد تثنيه ) # ( وفاعل مسند فعل تقدمه % إليه يكسبه وصفا ويعطيه ) # ( هذان أصلان لا تأتيك فائدة % من منطق لم يكونا من مبانيه ) # ( وما يزيدك من بعد التمام فما % سلطت فعلا عليه في تعديه ) # ( هذي قوانين يلفى من تتبعها % ما يشسبه البحر فيضا من نواحيه ) # ( فلست تأتي إلى باب لتعلمه % إلا انصرفت بعجز عن تقصيه ) PageV01P018 # ( هذا كذاك وإن كان الذين ترى % يرون أن المدى دان لباغيه ) # ( ثم الذي هو قصدي أن يقال لهم % بما يجيب الفتى خصما يماريه ) # ( يقول : من أين أن لا نظم يشبهه % وليس من منطق في ذاك يحكيه ؟ ) # ( وقد علمنا بأن النظم ليس سوى % حكم من النحو نمضي في توخيه ) # ( لو نقب الأرض باغ غير ذاك له % معنى وصعد يعلو في ترقيه ) # ( ما عاد إلا بخسر في تطلبه % ولا رأى غير غي في تبغيه ) # ( ونحن ما إن بثثنا الفكر ننظر في % أحكامه ونروي في معانيه ) # ( كانت حقائق يلفى العلم مشتركا % بها وكلا تراه نافذا فيه ) # ( فليس معرفة من دون معرفة % في كل ما أنت من باب تسميه ) # ( ترى تصرفهم في الكل مطردا % يجرونه باقتدار في مجاريه ) # ( فما الذي زاد في هذا الذي عرفوا % حتى غدا العجز يهمي سيل واديه ؟ ) # ( قولوا وإلا فأصغوا للبيان تروا % كالصبح منبلجا في عين رائيه ) # الحمد لله وحده وصلواته على رسوله محمد وآله . PageV01P019 # | مقدمة المؤلف بقلمه # # | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين نحمده على عظيم نعمائه ، وجميل بلائه ~~، ونستكفيه نوائب الزمان ، ونوازل الحدثان ونرغب إليه في التوفيق والعصمة ، ~~ونبرأ إليه من الحول والقوة ونسأله يقينا يملأ الصدر ، ويعمر القلب ، ~~ويستولي على النفس ، حتى يكفها إذا نزغت ، ويردها إذا تطلعت . وثقة بأنه عز ~~وجل الوزر ، والكالىء ، والراعي ، والحافظ ، وأن الخير والشر بيده . وأن ~~النعم كلها من عنده ، وأن ms005 لا سلطان لأحد مع سلطانه نوجه رغباتنا إليه ، ~~ونخلص نياتنا في التوكل عليه ، وأن يجعلنا ممن همه الصدق ، وبغيته الحق ، ~~وغرضه الصواب ، وما تصححه العقول وتقبله الألباب ، ونعوذ به من أن ندعي ~~العلم بشيء لا نعلمه ، وأن نسدي قولا لا نلحمه ، وأن نكون ممن يغره الكاذب ~~من الثناء ، وينخدع للمتجوز في الإطراء ، وأن يكون سبيلنا سبيل من يعجبه أن ~~يجادل بالباطل ، ويموه على السامع ، ولا يبالي إذا راج عنه القول أن يكون ~~قد خلط فيه ، ولم يسدد في معانيه . ونستأنف الرغبة إليه عز وجل في الصلاة ~~على خير خلقه ، والمصطفى من بريته ، محمد سيد المرسلين ، وعلى أصحابه ~~الخلفاء الراشدين ، وعلى آله الأخيار من بعدهم أجمعين . # وبعد ، فإنا إذا تصفحنا الفضائل لنعرف منازلها في الشرف ، ونتبين مواقعها ~~من العظم ، PageV01P020 # ونعلم أي أحق منها بالتقديم ، وأسبق في استيجاب التعظيم ، وجدنا العلم ~~أولاها بذلك ، وأولها هنالك ؛ إذ لا شرف إلا وهو السبيل إليه ، ولا خير إلا ~~وهو الدليل عليه ، ولا منقبة إلا وهو ذروتها وسنامها ، ولا مفخرة إلا وبه ~~صحتها وتمامها ، ولا حسنة إلا وهو مفتاحها ، ولا محمدة إلا ومنه يتقد ~~مصباحها . # وهو الوفي إذا خان كل صاحب ، والثقة إذا لم يوثق بناصح . لولاه لما بان ~~الإنسان من سائر الحيوان إلا بتخطيط صورته ، وهيئة جسمه وبنيته ، لا ولا ~~وجد إلى اكتساب الفضل طريقا ، ولا وجد بشيء من المحاسن خليقا . # ذاك لأنا وإن كنا لا نصل إلى اكتساب فضيلة إلا بالفعل ، وكان لا يكون فعل ~~إلا بالقدرة ، فإنا لم نر فعلا زان فاعله ، وأوجب الفضل له ، حتى يكون عن ~~العلم صدره ، وحتى يتبين ميسمه عليه وأثره . ولم نر قدرة قط أكسبت صاحبها ~~مجدا ، وأفادته حمدا ، دون أن يكون العلم رائدها فيما تطلب ، وقائدها حيث ~~تؤم وتذهب ، ويكون المصرف لعنانها ، والمقلب لها في ميدانها ، فهي إذا ~~مفتقرة في أن تكون فضيلة إليه ، وعيال في استحقاق هذا الاسم عليه ، وإذا هي ~~خلت من العلم أو أبت أن تمتثل أمره ، وتقتفي رسمه ، آلت ولا شيء أحشد للذم ms006 ~~على صاحبها منها ، ولا شين أشين من إعماله لها . # فهذا في فضل العلم لا تجد عاقلا يخالفك فيه ، ولا ترى أحدا يدفعه أو ~~ينفيه . فأما المفاضلة بين بعضه وبعض ، وتقديم فن منه على فن ، فإنك ترى ~~الناس فيه على آراء PageV01P021 # مختلفة ، وأهواء متعادية ؛ ترى كلا منهم - لحبه نفسه وإيثاره أن يدفع ~~النقص عنها - يقدم ما يحسن من أنواع العلم على ما لا يحسن . ويحاول الزراية ~~على الذي لم يحظ به ، والطعن على أهله والغض منهم . ثم تتفاوت أحوالهم في ~~ذلك : فمن مغمور قد استهلكه هواه ، وبعد في الجور مداه ، ومن مترجح فيه بين ~~الإنصاف والظلم ؛ يجور تارة ويعدل أخرى في الحكم . فأما من يخلص في هذا ~~المعنى من الحيف حتى لا يقضي إلا بالعدل ، وحتى يصدر في كل أمره عن العقل ، ~~فكالشيء الممتنع وجوده . ولم يكن ذلك كذلك إلا لشرف العلم وجليل محله ، وأن ~~محبته مركوزة في الطباع ، ومركبة في النفوس ، وأن الغيرة عليه لازمة للجبلة ~~، وموضوعة في الفطرة ، وأنه لا عيب أعيب عند الجميع من عدمه ، ولا ضعة أوضع ~~من الخلو عنه ، فلم يعاد إذا إلا من فرط المحبة ، ولم يسمح به إلا لشدة ~~الضن . # ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا ، وأبسق فرعا ، وأحلى جنى ، وأعذب وردا ~~، وأكرم نتاجا ، وأنور سراجا من علم البيان الذي لولاه لم تر لسانا يحوك ~~الوشي ، ويصوغ الحلي ، ويلفظ الدر ، وينفث السحر ، ويقري الشهد ، ويريك ~~بدائع من الزهر ويجنيك ، الحلو اليانع من الثمر . والذي لولا تحفيه بالعلوم ~~، وعنايته بها ، PageV01P022 # وتصويره إياها ، لبقيت كامنة مستورة ، ولما استبنت لها يد الدهر صورة ، ~~ولا ستمر السرار بأهلتها ، واستولى الخفاء على جملتها . إلى فوائد لا ~~يدركها الإحصاء ، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء . الا أنك لن ترى على ذلك ~~نوعا من العلم قد لقي من الضيم ما لقيه ، ومني من الحيف بما مني به ، ودخل ~~على الناس من الغلط في معناه ما دخل عليهم فيه . فقد سبقت إلى نفوسهم ~~اعتقادات فاسدة ، وظنون ردية ، وركبهم فيه جهل عظيم ، وخطأ ms007 فاحش . ترى ~~كثيرا منهم لا يرى له معنى أكثر مما يرى للإشارة بالرأس والعين ، وما يجده ~~للخط والعقد . # يقول : إنما هو خبر واستخبار ، وأمر ونهي . ولكل من ذلك لفظ قد وضع له ، ~~وجعل دليلا عليه . فكل من عرف أوضاع لغة من اللغات عربية كانت أو فارسية ~~وعرف المغزى من كل لفظة ، ثم ساعده اللسان على النطق بها ، وعلى تأدية ~~أجراسها وحروفها ، فهو بين في تلك اللغة ، كامل الأداة ، بالغ من البيان ~~المبلغ الذي لا مزيد عليه ، منته إلى الغاية التي لا مذهب بعدها . # يسمع الفصاحة والبلاغة والبراعة فلا يعرف لها معنى سوى الإطناب في القول ~~، وأن يكون المتكلم في ذلك جهير الصوت ، جاري اللسان ، لا تعترضه لكنة ، ~~ولا تقف به حبسة . وأن يستعمل اللفظ الغريب ، والكلمة الوحشية . فإن استظهر ~~للأمر ، وبالغ في النظر ، فأن لا بلحن ؛ فيرفع في موضع النصب ، أو يخطىء ~~فيجيء باللفظة على غير ما هي PageV01P023 عليه في الوضع اللغوي ، وعلى خلاف ~~ما ثبتت به الرواية عن العرب . # وجملة الأمر أنه لا يرى النقص يدخل على صاحبه في ذلك إلا من جهة نقصه في ~~علم اللغة ، لا يعلم أن ها هنا دقائق وأسرارا ، طريق العلم بها الروية ~~والفكر ، ولطائف مستقاها العقل ، وخصائص معان ينفرد بها قوم قد هدوا إليها ~~، ودلوا عليها ، وكشف لهم عنها ، ورفعت الحجب بينهم وبينها ، وأنها السبب ~~في أن عرضت المزية في الكلام ووجب أن يفضل بعضه بعضا ، وأن يبعد الشأو في ~~ذلك ، وتمتد الغاية ، ويعلو المرتقى ، ويعز المطلب ، حتى ينتهي الأمر إلى ~~الإعجاز ، وإلى أن يخرج من طوق البشر . # ولما لم تعرف هذه الطائفة هذه الدقائق ، وهذه الخواص واللطائف لم تتعرض ~~لها ولم تطلبها . ثم عن لها بسوء الاتفاق رأي صار حجازا بينها وبين العلم ~~بها ، وسدا دون أن تصل إليها ، وهو أن ساء اعتقادها في الشعر الذي هو ~~معدنها ، وعليه المعول فيها ، وفي علم الإعراب الذي هو لها كالناسب الذي ~~ينميها إلى أصولها ، ويبين فاضلها من مفضولها . فجعلت تظهر الزهد في كل ~~واحد ms008 من النوعين ، وتطرح كلا من الصنفين ، وترى التشاغل عنهما أولى من ~~الاشتغال بهما ، والإعراض عن تدبرهما أصوب من الإقبال على تعلمهما . # أما الشعر فخيل إليها أنه ليس فيه كثير طائل ، وأن ليس إلا ملحة أو فكاهة ~~أو بكاء PageV01P024 منزل أو وصف طلل ، أو نعت ناقة أو جمل ، أو إسراف قول ~~في مدح أو هجاء ، وأنه ليس بشيء تمس الحاجة إليه في صلاح دين أو دنيا . # وأما النحو فظنته ضربا من التكلف ، وبابا من التعسف ، وشيئا لا يستند إلى ~~أصل ، ولا يعتمد فيه على عقل . وأن ما زاد منه على معرفة الرفع والنصب ، ~~وما يتصل بذلك مما تجده في المبادىء فهو فضل ، لا يجدي نفعا ، ولا تحصل منه ~~على فائدة . وضربوا له المثل بالملح - كما عرفت - إلى أشباه لهذه الظنون في ~~القبيلين وآراء لو علموا مغبتها وما تقود إليه لتعوذوا بالله منها ، ~~ولأنفوا لأنفسهم من الرضا بها ، ذاك لأنهم بإيثارهم الجهل بذلك على العلم ~~في معنى الصاد عن سبيل الله ، والمبتغي إطفاء نور الله تعالى . # وذاك أنا إذا كنا نعلم أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت ، ~~وبانت وبهرت ، هي أن كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر ، ومنتهيا ~~إلى غاية لا يطمح إليها بالفكر . وكان محالا أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف ~~الشعر الذي هو ديوان العرب ، وعنوان الأدب ، والذي لا يشك أنه كان ميدان ~~القوم إذا تجاروا في الفصاحة والبيان ، وتنازعوا فيهما قصب الرهان . ثم بحث ~~عن العلل التي بها كان التباين في الفضل ، وزاد بعض الشعر على بعض ، كان ~~الصاد عن ذلك صادا عن أن تعرف حجة الله تعالى . وكان مثله مثل من يتصدى ~~للناس ، فيمنعهم عن أن يحفظوا كتاب الله تعالى ، ويقوموا به ، ويتلوه ~~ويقرؤوه ، ويصنع في الجملة صنيعا يؤدي إلى أن يقل حفاظه ، والقائمون به ~~والمقرئون PageV01P025 # له . ذاك لأنا لم نتعبد بتلاوته وحفظه ، والقيام بأداء لفظه ، على النحو ~~الذي أنزل عليه ، وحراسته من أن يغير ويبدل ، إلا لتكون الحجة به قائمة على ms009 ~~وجه الدهر تعرف في كل زمان ، ويتوصل إليها في كل أوان ، ويكون سبيلها سبيل ~~سائر العلوم التي يرويها الخلف عن السلف ، ويأثرها الثاني عن الأول . فمن ~~حال بيننا وبين ماله كان حفظنا إياه ، واجتهادنا في أن نؤديه ونرعاه ، كان ~~كمن رام أن ينسيناه جملة ، ويذهبه من قلوبنا دفعة . # فسواء من منعك الشيء الذي ينتزع منه الشاهد والدليل ، ومن منعك السبيل ~~إلى انتزاع تلك الدلالة ، والاطلاع على تلك الشهادة . ولا فرق بين من أعدمك ~~الدواء الذي تستشفي به من دائك ، وتستبقي به حشاشة نفسك ، وبين من أعدمك ~~العلم بأن فيه شفاء ، وأن لك فيه استبقاء . # فإن قال منهم قائل : إنك قد أغفلت فيما رتبت ، فإن لنا طريقا إلى إعجاز ~~القرآن غير ما قلت ، وهو علمنا بعجز العرب عن أن يأتوا بمثله ، وتركهم أن ~~يعارضوه مع تكرار التحدي عليهم وطول التقريع لهم بالعجز عنه . ولأن الأمر ~~كذلك ما قامت به الحجة على العجم قيامها على العرب . واستوى الناس قاطبة ~~فلم يخرج الجاهل بلسان العرب من أن يكون محجوجا بالقرآن . # قيل له : خبرنا عما اتفق عليه المسلمون من اختصاص نبينا عليه السلام بأن ~~كانت معجزته باقية على وجه الدهر ؛ أتعرف له معنى غير أن لا يزال البرهان ~~منه لائحا معرضا لكل من أراد العلم به ، وطلب الوصول إليه ، والحجة فيه وبه ~~ظاهرة لمن أرادها ، والعلم بها ممكنا لمن التمسه ؟ فإذا كنت لا تشك في أن ~~لا معنى لبقاء المعجزة بالقرآن إلا أن PageV01P026 الوصف الذي له كان معجزا ~~قائم فيه أبدا ، وأن الطريق إلى العلم به موجود ، والوصول إليه ممكن ، ~~فانظر أي رجل تكون إذا أنت زهدت في أن تعرف حجة الله تعالى ، وآثرت فيه ~~الجهل على العلم ، وعدم الاستبانة على وجودها . وكان التقليد فيها أحب إليك ~~، والتعويل على علم غيرك آثر لديك ، ونح الهوى عنك ، وراجع عقلك ، واصدق ~~نفسك ، يبن لك فحش الغلط فيما رأيت وقبح الخطأ في الذي توهمت . وهل رأيت ~~رأيا أعجز ، واختيارا أقبح ، ممن كره أن تعرف حجة الله تعالى ms010 من الجهة التي ~~إذا عرفت منها كانت أنور وأبهر ، وأقوى وأقهر ، وآثر أن لا يقوى سلطانها ~~على الشرك كل القوة ، ولا تعلو على الكفر كل العلو . والله المستعان . ~~PageV01P027 # | فصل في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه وذم الاشتغال بعلمه ~~وتتبعه # لا يخلو من كان هذا رأيه من أمور : # أحدها : أن يكون رفضه له وذمه إياه من أجل ما يجده فيه من هزل وسخف وهجاء ~~وسب وكذب وباطل على الجملة . # والثاني : أن يذمه ، لأنه موزون مقف ى ، ويرى هذا بمجرده عيبا يقتضي ~~الزهد فيه والتنزه عنه . # والثالث : أن يتعلق بأحوال الشعراء ، وأنها غير جميلة في الأكثر ، ويقول ~~: قد ذموا في التنزيل . وأي كان من هذه رأيا له فهو في ذلك على خطأ ظاهر ، ~~وغلط فاحش ، وعلى خلاف ما يوجبه القياس والنظر ، وبالضد مما جاء به الأثر ، ~~وصح به الخبر . # أما من زعم أن ذمه له من أجل ما يجد فيه من هزل وسخف وكذب وباطل ، فينبغي ~~أن يذم الكلام كله ، وأن يفضل الخرس على النطق ، والعي على البيان . # فمنثور كلام الناس على كل حال أكثر من منظومه . والذي زعم أنه ذم الشعر ~~من أجله ، وعاداه بسببه فيه أكثر . لأن الشعراء في كل عصر وزمان معدودون ، ~~والعامة ومن لا PageV01P028 يقول الشعر من الخاصة عديد الرمل . ونحن نعلم ~~أن لو كان منثور الكلام يجمع كما يجمع المنظوم ، ثم عمد عامد فجمع ما قيل ~~من جنس الهزل والسخف نثرا في عصر واحد لأربى على جميع ما قاله الشعراء نظما ~~في الأزمان الكثيرة ، ولغمره حتى لا يظهر فيه . # ثم إنك لو لم ترو من هذا الضرب شيئا قط ، ولم تحفظ إلا الجد المحض ، وإلا ~~ما لا معاب عليك في روايته ، وفي المحاضرة به ، وفي نسخه وتدوينه لكان في ~~ذلك غنى ومندوحة ، ولوجدت طلبتك ، ونلت مرادك ، وحصل لك ما نحن ندعوك إليه ~~من علم الفصاحة . فاختر لنفسك ، ودع ما تكره إلى ما تحب . # هذا ، وراوي الشعر حاك ، وليس على الحاكي عيب ، ولا عليه تبعة ms011 ، إذا هو ~~لم يقصد بحكايته أن ينصر باطلا ، أو يسوء مسلما ، وقد حكى الله تعالى كلام ~~الكفار . فانظر إلى الغرض الذي له روي الشعر ، ومن أجله أريد ، وله دون ، ~~تعلم أنك قد زغت عن المنهج ، وأنك مسيء في هذه العداوة وهذه العصبية منك ~~على الشعر . وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات فيها الفحش ~~وفيها ذكر الفعل القبيح ، ثم لم يعبهم ذلك ؛ إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك ~~الفحش ، ولم يريدوه ، ولم يرووا الشعر من أجله . # قالوا : وكان الحسن البصري ، رحمه الله ، يتمثل في مواعظه بالأبيات من ~~الشعر وكان من أوجعها عنده ، + الكامل + # ( اليوم عندك دلها وحديثها % وغدا لغيرك كفها والمعصم ) # وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - ذكره المرزباني في كتابه ~~بإسناد PageV01P029 عن عبد الملك بن عمير أنه قال : أتي عمر رضوان الله ~~عليه بحلل من اليمن فأتاه محمد بن جعفر بن أبي طالب ومحمد بن أبي بكر ~~الصديق ومحمد بن طلحة بن عبيد الله ومحمد بن حاطب فدخل عليه زيد بن ثابت ~~رضي الله عنه فقال : يا أمير المؤمنين ، هؤلاء المحمدون بالباب يطلبون ~~الكسوة . فقال : ائذن لهم يا غلام . فدعا بحلل ، فأخذ زيد أجودها ، وقال : ~~هذه لمحمد بن حاطب ، وكانت أمه عنده ، وهو من بني لؤي - فقال عمر رضي الله ~~عنه : أيهات أيهات . وتمثل بشعر عمارة بن الوليد ، + الطويل + # ( أسرك لما صرع القوم نشوة % خروجي منها سالما غير غارم ) # ( بريئا كأني قبل لم أك منهم % وليس الخداع مرتضى في التنادم ) # ردها ! ثم قال : ائتني بثوب فألقه على هذه الحلل . وقال : أدخل يدك فخذ ~~حلة وأنت لا تراها فأعطهم . قال عبد الملك : فلم أر قسمة أعدل منها . ~~وعمارة هذا هو عمارة بن الوليد بن المغيرة ، خطب امرأة من قومه فقالت : لا ~~أتزوجك أو تترك الشراب . فأبى ثم اشتد وجده بها فحلف لها ألا يشرب . ثم مر ~~بخمار عنده شرب يشربون فدعوه فدخل عليهم ، وقد أنفدوا ما عندهم . فنحر لهم ~~ناقته وسقاهم ببرديه . ومكثوا أياما ، ثم خرج فأتى ms012 أهله ، فلما رأته امرأته ~~قالت : ألم تحلف ألا تشرب ؟ فقال : # ( ولسنا بشرب أم عمر و إذا انتشوا % ثياب الندامى عندهم كالغنائم ) ~~PageV01P030 # ( ولكننا يا أم عمر و نديمنا % بمنزلة الريان ليس بعائم ) # أسرك . . . البيتين . # فإذا رب ، هزل أداة في جد ، وكلام جرى في باطل ، ثم استعين به على حق كما ~~أنه رب شيء خسيس توصل به إلى شريف ، بأن ضرب مثلا فيه ، وجعل مثالا له . ~~كما قال أبو تمام ، + الكامل + : # ( والله قد ضرب الأقل لنوره % مثلا من المشكاة والنبراس ) # وعلى العكس ، فرب كلمة حق أريد بها باطل ، فاستحق عليها الذم ، كما عرفت ~~من خبر الخارجي مع علي رضوان الله عليه . ورب قول حسن لم يحسن من قائله حين ~~تسبب به إلى قبيح ، كالذي حكى الجاحظ ، قال رجع طاووس يوما عن مجلس محمد بن ~~يوسف وهو يومئذ والي اليمن فقال ما ظننت أن قول ' سبحان الله ' يكون معصية ~~لله حتى كان اليوم سمعت رجلا أبلغ ابن يوسف عن رجل كلاما ، فقال رجل من أهل ~~المجلس : سبحان الله ! كالمستعظم لذلك الكلام ، ليغضب ابن يوسف . # فبهذا ونحوه فاعتبر ، واجعله حكما بينك وبين الشعر . # وبعد ؛ فكيف وضع من الشعر عندك ، وكسبه المقت منك أنك وجدت فيه الباطل ~~والكذب ، وبعض ما لا يحسن ، ولم يرفعه في نفسك ، ولم يوجب له المحبة من ~~قلبك أن كان فيه الحق والصدق والحكمة وفصل الخطاب ؟ ، وأن كان مجنى ثمر ~~العقول والألباب ، ومجتمع فرق الآداب ، والذي قيد على الناس المعاني ~~الشريفة ، وأفادهم الفوائد الجليلة ، PageV01P031 # وترسل بين الماضي والغابر ، ينقل مكارم الأخلاق إلى الولد عن الوالد ، ~~ويؤدي ودائع الشرف عن الغائب إلى الشاهد ، حتى ترى به آثار الماضين ، مخلدة ~~في الباقين ، وعقول الأولين مرددة في الآخرين ، وترى لكل من رام الأدب ، ~~وابتغى الشرف ، وطلب محاسن القول والفعل ، منارا مرفوعا ، وعلما منصوبا ، ~~وهاديا مرشدا ، ومعلما مسددا . وتجد فيه للنائي عن طلب المآثر ، والزاهد في ~~اكتساب المحامد ، داعيا ومحرضا ، وباعثا ومحضضا ، ومذكرا ومعرفا ، وواعظا ~~ومثقفا . # فلو كنت ممن ينصف كان في بعض ذلك ما ms013 يغير هذا الرأي منك ، وما يحدوك على ~~رواية الشعر وطلبه . ويمنعك أن تعيبه أو تعيب به . ولكنك أبيت إلا ظنا سبق ~~إليك ، وإلا بادىء رأي عن لك ، فأقفلت عليه قلبك ، وسددت عما سواه سمعك . ~~فعي الناصح بك ، وعسر على الصديق والخليط تنبيهك . نعم وكيف رويت : ' لأن ~~يمتلىء جوف أحدكم قيحا فيريه خير له من أن يمتلىء شعرا ' . ولهجت له ، ~~وتركت قوله : ' إن من الشعر لحكما وإن من البيان لسحرا ' . وكيف نسيت أمره ~~بقول الشعر ووعده عليه الجنة ؟ وقوله لحسان ' قل وروح القدس معك وسماعه له ~~، واستنشاده إياه وعمله به واستحسانه له ، وارتياحه عند سماعه PageV01P032 # أما أمره به فمن المعلوم ضرورة ، وكذلك سماعه إياه ؛ فقد كان حسان وعبد ~~الله بن رواحة وكعب بن زهير يمدحونه ، ويسمع منهم ويصغي إليهم ، ويأمرهم ~~بالرد على المشركين فيقولون في ذلك ، ويعرضون عليه . وكان عليه السلام يذكر ~~لهم بعض ذلك كالذي روي من أنه قال لكعب ' ما نسي ربك وما كان ربك نسيا شعرا ~~قلته ' . قال : وما هو يا رسول الله ؟ قال : ' أنشده يا أبا بكر ' . فأنشد ~~أبو بكر رضوان الله عليه ، + الكامل + : # ( زعمت سخينة أن ستغلب ربها % وليغلبن مغالب الغلاب ) # وأما استنشاده إياه فكثير . من ذلك الخبر المعروف في استنشاده - حين ~~استسقى فسقي - قول أبي طالب ، + الكامل + : # ( وأبيض يستسقى الغمام بوجهه % ثمال اليتامى عصمة للأرامل ) # ( يطيف به الهلاك من آل هاشم % فهم عنده في نعمة وفواضل ) # . . . الأبيات . PageV01P033 # وعن الشعبي رضي الله عنه عن مسروق ، عن عبد الله قال : لما نظر رسول الله ~~إلى القتلى يوم بدر مصرعين قال لأبي بكر رضي الله عنه : ' لو أن أبا طالب ~~حي لعلم أن أسيافنا قد أخذت بالأنامل ' قال : وذلك لقول أبي طالب : # ( كذبتم وبيت الله إن جد ما أرى % لتلتبسن أسيافنا بالأنامل ) # ( وينهض قوم في الدروع إليهم % نهوض الروايا في طريق حلاحل ) # ومن المحفوظ في ذلك حديث محمد بن مسلمة الأنصاري ؛ جمعه وابن أبي حدرد ~~الأسلمي الطريق ، قال : فتذاكرنا الشكر والمعروف . قال : فقال محمد : كنا ~~يوما عند النبي ms014 فقال لحسان بن ثابت : ' أنشدني قصيدة من شعر الجاهلية ، فإن ~~الله تعالى قد وضع عنا آثامها في شعرها وروايته ' : فأنشده قصيدة للأعشى ~~هجا بها علقمة بن علاثة ، + السريع + : # ( علقم ما أنت إلى عامر % الناقض الأوتار والواتر ) # فقال النبي : ' يا حسان لا تعد تنشدني هذه القصيدة بعد مجلسك هذا ' فقال ~~يا رسول الله تنهاني عن رجل مشرك مقيم عند قيصر ! فقال النبي : ' يا حسان ~~أشكر الناس للناس ، أشكرهم لله تعالى . وإن قيصر سأل أبا سفيان بن حرب عني ~~فتناول مني PageV01P034 - وفي خبر آخر فشعث مني - وإنه سأل هذا عني فأحسن ~~القول ' . فشكره رسول الله على ذلك . # وروي من وجه آخر أن حسان قال : يا رسول الله من نالتك يده وجب علينا شكره ~~. # ومن المعروف في ذلك خبر عائشة رضوان الله عليها أنها قالت : كان رسول ~~الله كثيرا ما يقول : ' أبياتك ' فأقول ، + الكامل + : # ( ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه % يوما فتدركه العواقب قد نمى ) # ( يجزيك أو يثني عليك وإن من % أثنى عليك بما فعلت فقد جزى ) # قالت : فيقول عليه السلام : ' يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده : ~~صنع إليك عبدي معروفا فهل شكرته عليه ؟ فيقول : يا رب علمت أنه منك فشكرتك ~~عليه ، قال : فيقول الله عز وجل : لم تشكرني إذ لم تشكر من أجريته على يده ~~' . # وأما علمه عليه السلام بالشعر فكما روي أن سودة أنشدت : # ( ' عدي وتيم تبتغي من تحالف ' % ) # فظنت عائشة وحفصة رضي الله عنهما أنها عرضت بهما ، وجرى بينهن كلام في ~~هذا المعنى . فأخبر النبي فدخل عليهن وقال : ' يا ويلكن ! ليس في عديكن ولا ~~تيمكن قيل PageV01P035 هذا . وإنما قيل في عدي تميم ' وتيم تميم . وتمام ~~هذا الشعر ، وهو لقيس بن معدان الكلبي من بني يربوع ، + الطويل + : # ( فحالف ولا والله تهبط تلعة % من الأرض إلا أنت للذل عارف ) # ( ألا من رأى العبدين أو ذكرا له % عدي وتيم تبتغي من تحالف ) # وروى الزبير بن بكار قال : مر رسول الله ومعه أبو بكر رضي الله عنه برجل ~~يقول في بعض أزقة مكة ms015 ، + الكامل + : # ( يا أيها الرجل المحول رحله % هلا نزلت بآل عبد الدار ؟ ) # فقال النبي : ' يا أبا بكر أهكذا قال الشاعر ؟ ' قال : لا يا رسول الله ، ~~ولكنه قال ، + الكامل + : # ( يا أيها الرجل المحول رحله % هلا سألت عن آل عبد مناف ) # فقال رسول الله : ' هكذا كنا نسمعها ' . # وأما ارتياحه للشعر ، واستحسانه له فقد جاء فيه الخبر من وجوه . من ذلك ~~حديث النابغة الجعدي ؛ قال : أنشدت رسول الله قولي ، + الطويل + : # ( بلغنا السماء مجدنا وجدودنا % وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا ) PageV01P036 # فقال النبي : ' أين المظهر يا أبا ليلى ؟ ' فقلت : الجنة يا رسول الله . ~~قال : ' أجل إن شاء الله ' . ثم قال : ' أنشدني ' . فأنشدته من قولي ، + ~~الطويل + : # ( ولا خير في حلم إذا لم تكن له % بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ) # ( ولا خير في جهل إذا لم يكن له % حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا ) # فقال ' أجدت لا يفضض الله فاك ' . قال الرازي : فنظرت إليه فكأن فاه ~~البرد المنهل ، ما سقطت له سن ولا انفلت ترف غروبه . # ومن ذلك حديث كعب بن زهير : روي أن كعبا وأخاه بجيرا خرجا إلى رسول الله ~~حتى بلغا أبرق العزاف ، فقال كعب لبجير : إلق هذا الرجل وأنا مقيم ها هنا ~~فأنظر ما يقول . وقدم بجير على رسول الله ، فعرض عليه الإسلام فأسلم . وبلغ ~~ذلك كعبا ، فقال في ذلك شعرا . فأهدر النبي دمه . فكتب إليه بجير يأمره أن ~~يسلم ، ويقبل إلى النبي ، ويقول : إن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله قبل منه رسول الله ، وأسقط ما كان قبل ذلك . قال : فقدم كعب ~~وأنشد النبي قصيدته المعروفة ، + البسيط + : PageV01P037 # ( بانت سعاد فقلبي اليوم متبول % متيم إثرها لم يفد مغلول ) # ( وما سعاد غداة البين إذ رحلت % إلا أغن غضيض الطرف مكحول ) # ( تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت % كأنه منهل بالراح معلول ) # ( سح السقاة عليها ماء محنية % من ماء أبطح أضحى وهو مشمول ) # ( ويل امها خلة لو أنها صدقت % موعودها أو لو ان النصح مقبول ) # حتى أتى على آخرها فلما بلغ مديح رسول ms016 الله : # ( إن الرسول لسيف يستضاء به % مهند من سيوف الله مسلول ) # ( في فتية من قريش قال قائلهم % ببطن مكة لما أسلموا : زولوا ) # ( زالوا فما زال أنكاس ولا كشف % عند اللقاء ولا ميل معازيل ) # ( لا يقع الطعن إلا في نحورهم % وما بهم عن حياض الموت تهليل ) # ( شم العرانين أبطال لبوسهم % من نسج داود في الهيجا سرابيل ) # أشار رسول الله إلى الحلق أن اسمعوا . قال : وكان رسول الله يكون من ~~PageV01P038 أصحابه مكان المائدة من القوم يتحلقون حلقة ، دون حلقة فيلتفت ~~إلى هؤلاء وإلى هؤلاء . والأخبار فيما يشبه هذا كثيرة والأثر به مستفيض . # وإن زعم أنه ذم الشعر من حيث هو موزون مقفى ، حتى كأن الوزن عيب ، وحتى ~~كأن الكلام إذا نظم نظم الشعر اتضع في نفسه وتغيرت حاله ، فقد أبعد ، وقال ~~قولا لا يعرف له معنى ، وخالف العلماء في قولهم : ' إنما الشعر كلام حسنه ~~حسن وقبيحه قبيح ' ، وقد روي ذلك عن النبي مرفوعا أيضا . # فإن زعم أنه إنما كره الوزن لأنه سبب لأن يغنى في الشعر ويتلهى به ، فإنا ~~إذا كنا لم ندعه إلى الشعر من أجل ذلك ، وإنما دعوناه إلى اللفظ الجزل ~~والقول الفصل ، والمنطق الحسن ، والكلام البين ، وإلى حسن التمثيل ~~والاستعارة ، وإلى التلويح والإشارة ، وإلى صنعة تعمد إلى المعنى الخسيس ~~فتشرفه ، وإلى الضئيل فتفخمه ، وإلى النازل فترفعه ، وإلى الخامل فتنوه به ~~، وإلى العاطل فتحلته ، وإلى المشكل فتجليه ، فلا متعلق له علينا بما ذكر ، ~~ولا ضرر علينا بما أنكر ، فليقل في الوزن ما شاء ، وليضعه حيث أراد ، فليس ~~يعنينا أمره ، ولا هو مرادنا من هذا الذي راجعنا القول فيه ، وهذا هو ~~الجواب لمتعلق إن تعلق بقوله تعالى : ( @QB@ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ~~@QE@ ) . وأراد أن يجعله حجة في المنع من الشعر ، ومن حفظه وروايته ، وذاك ~~أنا نعلم أنه لم يمنع الشعر من أجل أن كان قولا فضلا ، وكلاما جزلا ، ~~ومنطقا حسنا ، وبيانا بينا . # كيف ؟ وذلك يقتضي أن يكون الله تعالى قد منعه البيان والبلاغة ، وحماه ~~الفصاحة والبراعة ، وجعله لا يبلغ مبلغ ms017 الشعراء في حسن العبارة وشرف اللفظ ~~؟ وهذا جهل عظيم ، وخلاف لما عرفه العلماء ، وأجمعوا عليه من أنه كان أفصح ~~العرب . وإذا بطل أن يكون PageV01P039 المنع من أجل هذه المعاني ، وكنا قد ~~أعلمناه أنا ندعو إلى الشعر من أجلها ، ونحذو بطلبه على طلبها ، كان ~~الاعتراض بالآية محالا ، والتعلق بها خطلا من الرأي وانحلالا . # فإن قال : إذا قال الله تعالى : ( @QB@ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ~~@QE@ ) فقد كره للنبي الشعر ، ونزهه عنه بلا شبهة . وهذه الكراهة وإن كانت ~~لا تتوجه إليه من حيث هو كلام ، ومن حيث إنه بليغ بين وفصيح حسن ونحو ذلك ، ~~فإنها تتوجه إلى أمر لا بد لك من التلبس به في طلب ما ذكرت أنه مرادك من ~~الشعر ، وذاك أنه لا سبيل لك إلى أن تميز كونه كلاما عن كونه شعرا . حتى ~~إذا رويته التبست به من حيث هو كلام ، ولم تلتبس به من حيث هو شعر . وهذا ~~محال ؛ وإذا كان لا بد لك من ملابسة موضع الكراهة فقد لزم العيب برواية ~~الشعر وإعمال اللسان فيه ، قيل له : هذا منك كلام لا يتحصل وذلك أنه لو كان ~~الكلام إذا وزن حط ذلك من قدره وأزرى به ، وجلب على المفرغ له في ذلك ~~القالب إثما ، وكسبه ذما ، لكان من حق العيب فيه أن يكون على واضع الشعر أو ~~من يريده لمكان الوزن خصوصا دون من يريده لأمر خارج عنه ، ويطلبه لشيء سواه ~~. # فأما قولك : إنك لا تستطيع أن تطلب من الشعر ما لا يكره حتى تلتبس بما ~~يكره فإني إذا لم أقصده من أجل ذلك المكروه ، ولم أرده له ، وأردته لأعرف ~~به مكان بلاغة ، وأجعله مثالا في براعة . أو أحتج في تفسير كتاب وسنة ، ~~وأنظر إلى نظمه ونظم القرآن ، فأرى موضع الإعجاز ، وأقف على الجهة التي ~~منها كان ، وأتبين الفصل والفرقان ، فحق هذا التلبس أن لا يعتد علي ، وأن ~~لا أؤاخذ به ، إذ لا تكون مؤاخذة حتى يكون عمد إلى أن تواقع المكروه ، وقصد ~~إليه . # وقد تتبع العلماء الشعوذة ms018 والسحر ، وعنوا بالتوقف على حيل المموهين ~~ليعرفوا فرق ما بين المعجزة والحيلة ، فكان ذلك منهم من أعظم البر ؛ إذ كان ~~الغرض كريما والقصد شريفا . # هذا ، وإذا نحن رجعنا إلى ما قدمناه من الأخبار ، وما صح من الآثار ، ~~وجدنا الأمر PageV01P040 على خلاف ما ظن هذا السائل ، ورأينا السبيل في منع ~~النبي الوزن ، وأن ينطلق لسانه بالكلام الموزون غير ما ذهبوا إليه . وذاك ~~لو كان منع تنزيه وكراهة لكان ينبغي أن يكره له سماع الكلام موزونا ، وأن ~~ينزه سمعه عنه كما نزه لسانه ، ولكان لا يأمر به ولا يحث عليه . وكان ~~الشاعر لا يعان على وزن الكلام وصياغته شعرا ولا يؤيد فيه بروح القدس . # وإذا كان هذا كذلك فينبغي أن يعلم أن ليس المنع في ذلك منع تنزيه وكراهة ~~بل سبيل الوزن في منعه عليه السلام إياه سبيل الخط حين جعل عليه السلام لا ~~يقرأ ولا يكتب في أن لم يكن المنع من أجل كراهة كانت في الخط بل لأن تكون ~~الحجة أبهر وأقهر ، والدلالة أقوى وأظهر ، ولتكون أكعم للجاحد ، وأقمع ~~للمعاند ، وأرد لطالب الشبهة ، وأمنع في ارتفاع الريبة . # وأما التعلق بأحوال الشعراء ، بأنهم قد ذموا في كتاب الله تعالى ، فما ~~أرى عاقلا يرضى به أن يجعله حجة في ذم الشعر وتهجينه ، والمنع من حفظه ~~وروايته ، والعلم بما فيه من بلاغة ، وما يختص به من أدب وحكمة ، ذاك لأنه ~~يلزم على قود ، هذا القول أن يعيب العلماء في استشهادهم بشعر امرىء القيس ~~وأشعار أهل الجاهلية في تفسير القرآن وفي غريبة وغريب الحديث . وكذلك يلزمه ~~أن يدفع ما تقدم ذكره من أمر النبي بالشعر وإصغائه إليه واستحسانه له . هذا ~~ولو كان يسوغ ذم القول من أجل قائله ، وأن يحمل ذنب الشاعر على الشعر لكان ~~ينبغي أن يخص ولا يعم ، وأن يستثنى فقد قال الله عز وجل : ( @QB@ إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا @QE@ ) ولولا أن القول يجر بعضه ~~بعضا ، وأن الشيء يذكر لدخوله في القسمة لكان حق هذا ونحوه أن لا يشاغل ms019 ، ~~به وأن لا يعاد ويبدأ في ذكره . PageV01P041 # وأما زهدهم في النحو واحتقارهم له وإصغارهم أمره وتهاونهم به ، فصنيعهم ~~في ذلك أشنع من صنيعهم في الذي تقدم ، وأشبه بأن يكون صدا عن كتاب الله وعن ~~معرفة معاينه ، ذاك لأنهم لا يجدون بدا من أن يعترفوا بالحاجة إليه فيه ؛ ~~إذ كان قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي ~~يفتحها ، وأن الأغراض كامنة فيها ، حتى يكون هو المستخرج لها ، وأنه ~~المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه . والمقياس الذي ~~لا يعرف صحيح من سقيم ، حتى يرجع إليه . ولا ينكر ذلك إلا من نكر حسه ، ~~وإلا من غالط في الحقائق نفسه ، وإذا كان الأمر كذلك فليت شعري ما عذر من ~~تهاون به وزهد فيه ، ولم ير أن يستسقيه من مصبه ، ويأخذه من معدنه ، ورضي ~~لنفسه بالنقص ، والكمال لها معرض ، وآثر الغبينة وهو يجد إلى الربح سبيلا ؟ # فإن قالوا : إنا لم نأب صحة هذا العلم ، ولم ننكر مكان الحاجة إليه في ~~معرفة كتاب الله تعالى ، وإنما أنكرنا أشياء كثرتموه بها ، وفضول قول ~~تكلفتموها ، ومسائل عويصة تجشمتم الفكر فيها . ثم لم تحصلوا على شيء أكثر ~~من أن تغربوا على السامعين ، وتعايوا بها الحاضرين ، قيل لهم : خبرونا عما ~~زعمتم أنه فضول قول وعويص لا يعود بطائل ، ما هو ؟ فإن بدأوا فذكروا مسائل ~~التصريف التي يضعها النحويون للرياضة ولضرب من تمكين المقاييس في النفوس ~~كقولهم : كيف تبني من كذا كذا ؟ وكقولهم : ما وزن كذا ؟ وتتبعهم في ذلك ~~الألفاظ الوحشية كقولهم : ما وزن عزويت وما وزن أرونان ؟ وكقولهم في باب ~~PageV01P042 ما لا ينصرف : لو سميت رجلا بكذا كيف يكون الحكم ؟ وأشباه ذلك ~~. # وقالوا : أتشكون أن ذلك لا يجدي إلا كد الفكر وإضاعة الوقت ؟ قلنا لهم : ~~أما هذا الجنس فلسنا نعيبكم إن لم تنظروا فيه ، ولم تعنوا به ، وليس يهمنا ~~أمره . فقولوا فيه ما شئتم ، وضعوه حيث أردتم . فإن تركوا ذلك وتجاوزوه إلى ~~الكلام على أغراض واضع اللغة ، وعلى وجه الحكمة في ms020 الأوضاع وتقرير المقاييس ~~التي اطردت عليها ، وذكر العلل التي اقتضت أن تجري على ما أجريت عليه ، ~~كالقول في المعتل ، وفيما يلحق الثلاثة التي هي الواو والياء والألف من ~~التغير بالإبدال والحذف والإسكان . أو ككلامنا مثلا على التثنية وجمع ~~السلامة : لم كان إعرابهما على خلاف إعراب الواحد ؟ ولم تبع النصب فيهما ~~الجر ؟ وفي النون أنه عوض عن الحركة والتنوين في حال ؟ وعن الحركة وحدها في ~~حال ؟ والكلام على ما ينصرف وما لا ينصرف ، ولم كان منع الصرف ؟ وبيان ~~العلة فيه . والقول على الأسباب التسعة ، وأنها كلها ثوان لأصول . وأنه إذا ~~حصل منها اثنان في العلم أو تكرر سبب صار بذلك ثانيا من جهتين . وإذا صار ~~كذلك أشبه الفعل لأن الفعل ثان للأسم والأسم المقدم والأول ، وكل ما جرى ~~هذا المجرى . # قلنا : إنا نسكت عنكم في هذا الضرب أيضا ، ونعذركم فيه ، ونسامحكم على ~~علم منا بأن قد أسأتم الاختيار ، ومنعتم أنفسكم ما فيه الحظ لكم ، ~~ومنعتموها الاطلاع على مدارج الحكمة وعلى العلوم الجمة . فدعوا ذلك وانظروا ~~في الذي اعترفتم بصحته وبالحاجة إليه . PageV01P043 # هل حصلتموه على وجهه ؟ وهل أحطتم بحقائقه ؟ وهل وفيتم كل باب منه حقه ؟ ~~وأحكمتموه إحكاما يؤمنكم الخطأ فيه إذا أنتم خضتم في التفسير ؟ وتعاطيتم ~~علم التأويل ، ووازنتم بين بعض الأقوال وبعض ، وأردتم أن تعرفوا الصحيح من ~~السقيم . وعدتم في ذلك وبدأتم ، وزدتم ونقصتم ؟ وهل رأيتم إذ قد عرفتم صورة ~~المبتدأ والخبر ، وأن إعرابهما الرفع أن تجاوزوا ذلك إلى أن تنظروا في ~~أقسام خبره ، فتعلموا أنه يكون مفردا وجملة . وأن المفرد ينقسم إلى ما ~~يحتمل ضميرا له ، وإلى ما لا يحتمل الضمير . وأن الجملة على أربعة أضرب ، ~~وأنه لا بد لكل جملة وقعت خبرا لمبتدأ من أن يكون فيها ذكر يعود إلى ~~المبتدأ وأن هذا الذكر ربما حذف لفظا وأريد معنى . وأن ذلك لا يكون حتى ~~يكون في الحال دليل عليه إلى سائر ما يتصل بباب الإبتداء من المسائل ~~اللطيفة والفوائد الجليلة التي لا بد منها ؟ وإذا نظرتم في الصفة مثلا ms021 ~~فعرفتم أنها تتبع الموصوف ، وأن مثالها قولك : جاءني رجل ظريف ، ومررت بزيد ~~الظريف ، هل ظننتم أن وراء ذلك علما ؟ وأن هاهنا صفة تخصص ، وصفة توضح ~~وتبين ؟ وأن فائدة التخصيص غير فائدة التوضيح ؟ كما أن فائدة الشياع غير ~~فائدة الإبهام . وأن من الصفة صفة لا يكون فيها تخصيص ولا توضيح ، ولكن ~~يؤتى بها مؤكدة ، كقولهم : أمس الدابر . وكقوله تعالى : ( @QB@ فإذا نفخ في ~~الصور نفخة واحدة @QE@ ) وصفة يراد بها المدح والثناء كالصفات الجارية على ~~اسم الله تعالى جدة ؟ وهل عرفتم الفرق بين الصفة والخبر ، وبين كل واحد ~~منها وبين الحال ؟ وهل عرفتم أن هذه الثلاثة تتفق في أن كافتها لثبوت ~~المعنى للشيء ، ثم تختلف في كيفية ذلك الثبوت ؟ # وهكذا ينبغي أن تعرض عليهم الأبواب كلها واحدا واحدا ، ويسألوا عنها بابا ~~بابا . ثم يقال : ليس إلا أحد أمرين ؛ إما أن تقتحموا التي لا يرضاها ~~العاقل ، فتنكروا أن يكون بكم PageV01P044 # حاجة في كتاب الله تعالى ، وفي خبر رسول الله ، وفي معرفة الكلام جملة ~~إلى شيء من ذلك ، وتزعموا أنكم إذا عرفتم مثلا أن الفاعل رفع لم يبق عليكم ~~في باب الفاعل شيء تحتاجون إلى معرفته ، وإذا نظرتم إلى قولنا : ' زيد ~~منطلق ' ، لم تحتاجوا من بعده إلى شيء تعلمونه في الابتداء والخبر . وحتى ~~تزعموا مثلا أنكم لا تحتاجون في أن تعرفوا وجه الرفع في ( @QB@ والصابئون ~~@QE@ ) في سورة المائدة إلى ما قاله العلماء فيه ، وإلى استشهادهم بقول ~~الشاعر ، + الوافر + : # ( وإلا فاعلموا أنا وأنتم % بغاة ما بقينا في شقاق ) # وحتى كأن المشكل على الجميع غير مشكل عندكم . وحتى كأنكم قد أوتيتم أن ~~تستنبطوا من المسألة الواحدة من كل باب مسائله كلها ، فتخرجوا إلى فن من ~~التجاهل لا يبقى معه كلام ، وإما أن تعلموا أنكم قد أخطأتم حين أصغرتم أمر ~~هذا العلم ، وظننتم ما ظننتم فيه فترجعوا إلى الحق ، وتسلموا الفضل لأهله ، ~~وتدعوا الذي يزري بكم ، ويفتح باب العيب عليكم ، ويطيل لسان القادح فيكم . ~~وبالله التوفيق . # هذا - ولو أن هؤلاء القوم إذ تركوا هذا الشأن تركوه جملة وإذ ms022 زعموا أن ~~قدر المفتقر إليه القليل منه ، ولم يخوضوا في التفسير ، ولم يتعاطوا ~~التأويل لكان البلاء واحدا ، ولكانوا إذ لم يبنوا لم يهدموا ، وإذ لم ~~يصلحوا لم يكونوا سببا للفساد ، ولكنهم لم يفعلوا . فجلبوا من الداء ما ~~أعيى الطبيب ، وحير اللبيب ، وانتهى التخليط بما أتوه فيه ، إلى حد يئس من ~~تلافيه ، فلم يبق للعارف الذي يكره الشغب إلا التعجب والسكوت . وما الآفة ~~العظمى إلا واحدة ، وهي أن يجيء من الإنسان أن يجري لفظه ، ويمشي له أن ~~يكثر في غير تحصيل ، PageV01P045 وأن يحسن البناء على غير أساس . وأن يقول ~~الشيء لم يقتله علما . ونسأل الله الهداية ونرغب إليه في العصمة . # ثم إنا ، وإن كنا في زمان هو على ما هو عليه من إحالة الأمور عن جهاتها ، ~~وتحويل الأشياء عن حالاتها ونقل النفوس عن طباعها ، وقلب الخلائق المحمودة ~~إلى أضدادها ، ودهر ليس للفضل وأهله لديه إلا الشر صرفا والغيظ بحتا ، وإلا ~~ما يدهش عقولهم ، ويسلبهم معقولهم ، حتى صار أعجر الناس رأيا عند الجميع من ~~كانت له همة في أن يستفيد علما ، أو يزداد فهما ، أو يكتسب فضلا ، أو يجعل ~~له ذلك بحال شغلا ، فإن الإلف من طباع الكريم ، وإذا كان من حق الصديق عليك ~~، ولا سيما إذا تقادمت صحبته وصحت صداقته ، أن لا تجفوه بأن تنكبك الأيام ، ~~وتضجرك النوائب ، وتحرجك محن الزمان ، فتتناساه جملة ، وتطويه طيا . فالعلم ~~الذي هو صديق لا يحول عن العهد ، ولا يدغل في الود ، وصاحب لا يصح عليه ~~النكث والغدر ، ولا يظن به الخيانة والمكر ، أولى منه بذلك وأجدر ، وحقه ~~عليك أكبر . # ثم إن التوق إلى أن تقر الأمور قرارها ، وتوضع الأشياء مواضعها ، والنزاع ~~إلى بيان ما يشكل ، وحل ما ينعقد ، والكشف عما يخفى ، وتلخيص الصفة حتى ~~يزداد السامع ثقة بالحجة ، واستظهارا على الشبهة . واستبانة للدليل ، ~~وتبيينا للسبيل شيء في سوس العقل ، وفي طباع النفس إذا كانت نفسا . # ولم أزل منذ خدمت العلم أنظر فيما قاله العلماء في معنى الفصاحة والبلاغة ~~، والبيان والبراعة ، وفي بيان المغزى من هذه ms023 العبارات ، وتفسير المراد بها ~~، فأجد بعض ذلك كالرمز والإيماء ، والإشارة في خفاء . وبعضه كالتنبيه على ~~مكان الخبيء ليطلب ، وموضع PageV01P046 # الدفين ليبحث عنه فيخرج . وكما يفتح لك الطريق إلى المطلوب لتسلكه ، ~~وتوضع لك القاعدة لتبني عليها ، ووجدت المعول على أن ها هنا نظما وترتيبا ، ~~وتأليفا وتركيبا ، وصياغة وتصويرا ، ونسجا وتحبيرا ، وأن سبيل هذه المعاني ~~في الكلام الذي هي مجاز فيه سبيلها في الأشياء التي هي حقيقة فيها . وأنه ~~كما يفضل هناك النظم النظم ، والتأليف التأليف ، والنسخ النسج ، والصياغة ~~الصياغة . ثم يعظم الفضل ، وتكثر المزية ، حتى يفوق الشيء نظيره ، والمجانس ~~له درجات كثيرة . وحتى تتفاوت القيم التفاوت الشديد . كذلك يفضل بعض الكلام ~~بعضا ، ويتقدم منه الشيء الشيء ، ثم يزداد فضله ذلك ، ويترقى منزلة فوق ~~منزلة ، ويعلو مرقبا بعد مرقب . وتستأنف له غاية بعد غاية ، حتى ينتهي إلى ~~حيث تنقطع الأطماع ، وتحسر الظنون ، وتسقط القوى ، وتستوي الأقدام في العجز ~~. # وهذه جملة ، قد يرى في أول الأمر - وبادىء الظن - أنها تكفي وتغني . حتى ~~إذا نظرنا فيها وعدنا وبدأنا وجدنا الأمر على خلاف ما حسبناه ، وصادفنا ~~الحال على غير ما توهمناه . وعلمنا أنهم لئن أقصروا اللفظ لقد أطالوا ~~المعنى ، وإن لم يغرقوا في النزع لقد أبعدوا على ذاك في المرمى ، وذاك لأنه ~~يقال لنا : ما زدتم على أن قستم قياسا ، فقلتم : نظم ونظم ، وترتيب وترتيب ~~، ونسج ونسج . ثم بنيتم عليه أنه ينبغي أن تظهر المزية في هذه المعاني ~~هاهنا حسب ظهورها هناك . وأن يعظم الأمر في ذلك كما عظم ثم ، وهذا صحيح كما ~~قلتم ولكن بقي أن تعلمونا مكان المزية في الكلام ، وتصفوها لنا وتذكروها ~~ذكرا كما ينص الشيء ويعين ، ويكشف عن وجهه ويبين . ولا يكفي أن تقولوا : ~~إنه خصوصية في كيفية النظم ، وطريقة مخصوصة في نسق الكلم بعضها على بعض حتى ~~تصفوا تلك الخصوصية وتبينوها ، وتذكروا لها أمثلة وتقولوا : مثل كيت وكيت . ~~كما يذكر لك من تستوصفه عمل الديباج المنقش ما تعلم به وجه دقة الصنعة ، أو ~~يعلمه بين يديك حتى ترى عيانا كيف ms024 PageV01P047 # تذهب تلك الخيوط وتجيء ؟ وماذا يذهب منها طولا وماذا يذهب منها عرضا ؟ ~~وبم يبدأ وبم يثني وبم يثلث ؟ وتبصر من الحساب الدقيق ؟ ومن عجيب تصرف اليد ~~ما تعلم منه مكان الحذق ، وموضع الأستاذية . ولو كان قول القائل لك في ~~تفسير الفصاحة : إنها خصوصية في نظم الكلم ، وضم بعضها إلى بعض على طريق ~~مخصوصة ، أو على وجوه تظهر بها الفائدة أو ما أشبه ذلك من القول المجمل ~~كافيا في معرفتها ، ومغنيا في العلم بها ، لكفى مثله في معرفة الصناعات ~~كلها . فكان يكفي في معرفة نسج الديباج الكثير التصاوير أن تعلم أنه ترتيب ~~للغزل على وجه مخصوص ، وضم لطاقات الأبريسم بعضها إلى بعض على طرق شتى ، ~~وذلك ما لا يقوله عاقل . # وجملة الأمر أنك لن تعلم في شيء من الصناعات علما تمر فيه وتحلي حتى تكون ~~ممن يعرف الخطأ فيها من الصواب ، ويفصل بين الإساءة والإحسان ، بل حتى ~~تفاضل بين الإحسان والإحسان ، وتعرف طبقات المحسنين . # وإذا كان هذا هكذا علمت أنه لا يكفي في علم الفصاحة أن تنصب لها قياسا ، ~~وأن تصفها وصفا مجملا ، وتقول فيها قولا مرسلا . بل لا تكون من معرفتها في ~~شيء حتى تفصل القول وتحصل ، وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم ~~وتعدها واحدة واحدة ، وتسميها شيئا شيئا . وتكون معرفتك معرفة الصنع الحاذق ~~الذي يعلم علم كل خيط من الأبريسم الذي في الديباج ، وكل قطعة من القطع ~~المنجورة في الباب المقطع ، وكل آجرة من الآجر الذي في البناء البديع . # وإذا نظرت إلى الفصاحة هذا النظر ، وطلبتها هذا الطلب ، احتجت إلى صبر ~~على PageV01P048 التأمل ، ومواظبة على التدبر ، وإلى همة تأبى لك أن تقنع ~~إلا بالتمام ، وأن تربع إلا بعد بلوغ الغاية . # ومتى جشمت ذلك ، وأبيت إلا أن تكون هنالك ، فقد أممت إلى غرض كريم ، ~~وتعرضت لأمر جسيم ، وآثرت التي هي أتم لدينك وفضلك ، وأنبل عند ذوي العقول ~~الراجحة لك . وذلك أن تعرف حجة الله تعالى من الوجه الذي هو أضوأ لها وأنوه ~~لها ، وأخلق بأن يزداد نورها ms025 سطوعا ، وكوكبها طلوعا ، وأن تسلك إليها ~~الطريق الذي هو آمن لك من الشك ، وأبعد من الريب ، وأصح لليقين ، وأحرى بأن ~~يبلغك قاصية التبيين . # واعلم أنه لا سبيل إلى أن تعرف صحة هذه الجملة ، حتى يبلغ القول غايته ، ~~وينتهي إلى آخر ما أردت جمعه لك ، وتصويره في نفسك ، وتقريره عندك ، إلا أن ~~هاهنا نكتة إن أنت تأملتها تأمل المتثبت ، ونظرت فيها نظر المتأني ، رجوت ~~أن يحسن ظنك ، وأن تنشط للإصغاء إلى ما أورده عليك . وهي أنا إذا سقنا دليل ~~الإعجاز فقلنا : لولا أنهم حين سمعوا القرآن ، وحين تحدوا إلى معارضته ، ~~سمعوا كلاما لم يسمعوا قط مثله ، وأنهم قد رازوا أنفسهم ، فأحسوا بالعجز عن ~~أن يأتوا بما يوازيه أو يدانيه ، أو يقع قريبا منه ، لكان محالا أن يدعوا ~~معارضته وقد تحدوا إليه ، وقرعوا فيه ، وطولبوا به ، وأن يتعرضوا لشبا ~~الأسنة ، ويقتحموا موارد الموت ، فقيل لنا : قد سمعنا ما قلتم فخبرونا عنهم ~~عما ذا عجزوا ؟ أعن معان في دقة معانيه وحسنها وصحتها في العقول ؟ أم عن ~~ألفاظ مثل ألفاظه ؟ فإن قلتم عن الألفاظ ، فماذا أعجزهم من اللفظ أم ما ~~بهرهم منه ؟ فقلنا : أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه ، وخصائص صادفوها في ~~سياق لفظه ، وبدائع راعتهم من مبادىء آيه ومقاطعها ، ومجاري ألفاظها ~~ومواقعها ، وفي مضرب كل مثل ، ومساق كل خبر ، وصورة كل عظة وتنبيه ، وإعلام ~~وتذكير ، وترغيب وترهيب ، ومع كل حجة وبرهان ، وصفة وتبيان . وبهرهم أنهم ~~تأملوه سورة سورة ، PageV01P049 # وعشرا عشرا وآية آية ، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ، ولفظة ~~ينكر شأنها ، أو يرى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه ، أو أحرى وأخلق . بل ~~وجدوا اتساقا بهر العقول ، وأعجز الجمهور ، ونظاما والتئاما وإتقانا ~~وإحكاما ، لم يدع في نفس بليغ منهم - ولو حك بيافوخه السماء - موضع طمع حتى ~~خرست الألسن عن أن تدعي وتقول وخلدت القروم ، فلم تملك أن تصول . # نعم فإذا كان هو الذي يذكر في جواب السائل ، فبنا أن ننظر : أي أشبه ~~بالفتى في عقله ودينه ؟ وأزيد له في علمه ويقينه ms026 ؟ أأن يقلد في ذلك ، ويحفظ ~~متن الدليل وظاهر لفظه ولا يبحث عن تفسير المزايا والخصائص ؟ ما هي ومن أين ~~كثرت الكثرة العظيمة ، واتسعت الاتساع المجاوز لوسع الخلق وطاقة البشر ؟ ~~وكيف يكون أن تظهر في ألفاظ محصورة ، وكلم معدودة معلومة ، بأن يؤتى ببعضها ~~في إثر بعض لطائف لا يحصرها العدد ، ولا ينتهي بها الأمد ؟ أم أن يبحث عن ~~ذلك كله ، ويستقصي النظر في جميعه ، ويتتبعه شيئا فشيئا ، ويستقصيه بابا ~~فبابا ، حتى يعرف كلا منه بشاهده ودليله ، ويعلمه بتفسيره وتأويله ، ويوثق ~~بتصوره وتمثيله ، ولا يكون كمن قيل فيه ، + الطويل + : # ( يقولون أقوالا ولا يعلمونها % ولو قيل : هاتوا حققوا لم يحققوا ) # قد قطعت عذر المتهاون ، ودللت على ما أضاع من حظه ، وهديته لرشده ، وصح ~~أن لا غنى بالعاقل عن معرفة هذه الأمور والوقوف عليها والإحاطة بها ، وأن ~~الجهة التي منها يقف ، والسبب الذي به يعرف ، استقراء كلام العرب وتتبع ~~أشعارهم ، والنظر فيها . وإذ قد ثبت ذلك فينبغي لنا أن نبتدىء في بيان ما ~~أردنا بيانه ، ونأخذ في شرحه والكشف عنه . PageV01P050 # وجملة ما أردت أن أبينه لك أنه لا بد لكل كلام تستحسنه ، ولفظ تستجيده ، ~~من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومة ، وعلة معقولة . وأن يكون لنا إلى ~~العبارة عن ذاك سبيل ، وعلى صحة ما ادعيناه من ذلك دليل ، وهو باب من العلم ~~إذا أنت فتحته اطلعت منه على فوائد جليلة ، ومعان شريفة . ورأيت له أثرا في ~~الدين عظيما ، وفائدة جسيمة ، ووجدته سببا إلى حسم كثير من الفساد فيما ~~يعود إلى التنزيل ، وإصلاح أنواع من الخلل فيما يتعلق بالتأويل . وإنه ~~ليؤمنك من أن تغالط في دعواك ، وتدافع عن مغزاك ، ويربأ بك عن أن تستبين ~~هدى ، ثم لا تهتدي إليه ، وتدل بعرفان ثم لا تستطيع أن تدل عليه . وأن تكون ~~عالما في ظاهر مقلد ، ومستبينا في صورة شاك ، وأن يسألك السائل عن حجة يلقى ~~بها الخصم في آية من كتاب الله تعالى ، أو غير ذلك فلا ينصرف عنك بمقنع ، ~~وأن يكون غاية ما لصاحبك منك أن ms027 تحيله على نفسه ، وتقول : قد نظرت فرأيت ~~فضلا ومزية ، وصادفت لذلك أريحية . فانظر لتعرف كما عرفت ، وارجع نفسك ، ~~واسبر ، وذق لتجد مثل الذي وجدت . فإن عرف فذاك ، وإلا فبينكما التناكر ، ~~تنسبه إلى سوء التأمل ، وينسبك إلى فساد في التخيل . وإنه على الجملة بحيث ~~ينتقي لك من علم الإعراب خالصه ولبه ، ويأخذ لك من أناسي العيون ، وحبات ~~القلوب ، وما لا يدفع الفضل فيه دافع ، ولا ينكر رجحانه في موازين العقول ~~منكر . وليس يتأتى لي أن أعلمك من أول الأمر في ذلك آخره ، وأن أسمي لك ~~الفصول التي في نيتي أن أحررها بمشيئة الله عز وجل ، حتى تكون على علم بها ~~قبل موردها عليك . فاعمل على أن هاهنا فصولا لا يجيء بعضها في إثر بعض ، ~~وهذا أولها : PageV01P051 # | فصل في تحقيق القول على البلاغة والفصاحة والبيان والبراعة # في تحقيق القول على البلاغة والفصاحة والبيان والبراعة وكل ما شاكل ذلك ~~مما يعبر به عن فضل بعض القائلين على بعض من حيث نطقوا وتكلموا وأخبروا ~~السامعين عن الأغراض والمقاصد وراموا أن يعلموهم ما في نفوسهم ويكشفوا لهم ~~عن ضمائر قلوبهم $ # ومن المعلوم أن لا معنى لهذه العبارات وسائر ما يجري مجراها مما يفرد فيه ~~اللفظ بالنعت والصفة ، وينسب فيه الفضل والمزية إليه دون المعنى ، غير وصف ~~الكلام بحسن الدلالة وتمامها فيما له كانت دلالة ، ثم تبرجها في صورة هي ~~أبهى وأزين ، وآنق وأعجب ، وأحق بأن تستولي على هوى النفس ، وتنال الحظ ~~الأوفر من ميل القلوب ، وأولى بأن تطلق لسان الحامد ، وتطيل رغم الحاسد . ~~ولا جهة لاستعمال هذه الخصال غير أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصح ~~لتأديته ، ويختار له اللفظ الذي هو أخص به ، وأكشف عنه وأتم له ، وأحرى بأن ~~يكسبه نبلا ، ويظهر فيه مزية . # وإذا كان هذا كذلك فينبغي أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف ، ~~وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخبارا وأمرا ونهيا واستخبارا ~~وتعجبا ، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا ms028 ~~بضم كلمة إلى كلمة ، وبناء لفظة على لفظة - هل يتصور أن يكون بين اللفظتين ~~تفاضل في الدلالة حتى تكون هذه أدل على معناها الذي وضعت من صاحبتها على ما ~~هي موسومة به ، حتى يقال إن رجلا أدل على معناه من فرس على ما سمي به . ~~وحتى يتصور في الاسمين الموضوعين لشيء واحد أن يكون هذا أحسن نبأ عنه ، ~~وأبين كشفا عن صورته من الآخر ؟ فيكون ' الليث ' مثلا أدل على ' السبع ' ~~المعلوم من الأسد ، وحتى إنا لو أردنا الموازنة بين لغتين كالعربية ~~والفارسية ساغ لنا أن نجعل لفظة ' رجل ' أدل على الآدمي الذكر من نظيره في ~~الفارسية . # وهل يقع في وهم ، وإن جهد ، أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر ~~إلى PageV01P052 مكان تقعان فيه من التأليف والنظم ، بأكثر من أن تكون هذه ~~مألوفة مستعملة ، وتلك غريبة وحشية ، أو أن تكون حروف هذه أخف ، وامتزاجها ~~أحسن ، ومما يكد اللسان أبعد ؟ # وهل تجد أحدا يقول : هذه اللفظة فصيحة ، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم ، ~~وحسن ملائمة معناها لمعنى جاراتها ، وفضل مؤانستها لأخواتها ؟ وهل قالوا : ~~لفظة متمكنة ومقبولة ، وفي خلافه : قلقة ونابية ومستكرهة ، إلا وغرضهم أن ~~يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناهما ، وبالقلق ~~والنبو عن سوء التلاؤم . وأن الأولى لم تلق بالثانية في معناها ، وأن ~~السابقة لم تصلح أن تكون لفقا للتالية في مؤداها ؟ # وهل تشك إذا فكرت في قوله تعالى : ( @QB@ وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا ~~سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم ~~الظالمين @QE@ ) . فتجلى لك منها الإعجاز ، وبهرك الذي ترى وتسمع ! أنك لم ~~تجد ما وجدت من المزية الظاهرة ، والفضيلة القاهرة ، إلا لأمر يرجع إلى ~~ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض ، وأن لم يعرض لها الحسن والشرف إلا من حيث ~~لاقت الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة ؟ وهكذا ، إلى أن تستقربها إلى ~~آخرها ، وأن الفضل تناتج ما بينها ، وحصل من مجموعها . # إن شككت فتأمل ! هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها ms029 ، وأفردت ~~لأدت من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية ؟ قل : ' ابلعي ' ~~واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها ، وكذلك فاعتبر ~~سائر ما يليها . وكيف بالشك في ذلك ؟ ومعلوم أن مبدأ العظمة في أن نوديت ~~الأرض ، ثم أمرت ، ثم في أن كان النداء ب ' يا ' دون ' أي ' نحو : يا أيتها ~~الأرض . ثم إضافة الماء إلى الكاف دون أن يقال : ابلعي الماء ، ثم أن أتبع ~~نداء الأرض وأمرها بما هو من شأنها ، ونداء السماء وأمرها كذلك بما يخصها . ~~ثم أن قيل : وغيض الماء . فجاء الفعل على صيغة ' فعل ' الدالة على أنه لم ~~يغض إلا بأمر آمر ، وقدرة قادر . ثم تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى : ( ~~@QB@ وقضي الأمر @QE@ ) . ثم ذكر ما هو فائدة هذه الأمور ، وهو ( @QB@ ~~واستوت على الجودي @QE@ ) . ثم إضمار السفينة قبل الذكر كما هو شرط الفخامة ~~والدلالة على عظم الشأن . ثم مقابلة ' قيل ' في الخاتمة ب ' قيل ' في ~~الفاتحة . أفترى لشيء PageV01P053 من هذه الخصائص التي تملؤك بالإعجاز روعة ~~، وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها تعلقا باللفظ من حيث هو ~~صوت مسموع ، وحروف تتوالى في النطق ؟ أم كل ذلك لما بين معاني الألفاظ من ~~الاتساق العجيب ؟ # فقد اتضح إذا اتضاحا لا يدع للشك مجالا أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ~~ألفاظ مجردة ، ولا من حيث هي كلم مفردة . وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة ~~وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها ، أو ما أشبه ذلك مما لا ~~تعلق له بصريح اللفظ . ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع ~~، ثم تراها بعينها تثقل عليك ، وتوحشك في موضع آخر ، كلفظ الأخدع في بيت ~~الحماسة ، + من + الطويل + : # ( تلفت نحو الحي حتى وجدتني % وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا ) # وبيت البحتري ، + الطويل + : # ( وإني وإن بلغتني شرف الغنى % وأعتقت من رق المطامع أخدعي ) # فإن لها في هذين المكانين ما لا يخفى من الحسن . ثم إنك تتأملها في بيت ~~أبي تمام ، + من المنسرح + : # ( يا دهر قوم من ms030 أخدعيك فقد % أضججت هذا الأنام من خرقك ) # فتجد لها من الثقل على النفس ، ومن التنغيص والتكدير أضعاف ما وجدت هناك ~~من الروح والخفة ، والإيناس والبهجة . ومن أعجب ذلك لفظة ' الشيء ' ؛ فإنك ~~تراها مقبولة PageV01P054 حسنة في موضع ، وضعيفة مستكرهة في موضع . وإن ~~أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي : # ( ومن مالىء عينيه من شيء غيره % إذا راح يخو الجمرة البيض كالدمى ) # وإلى قول أبي حية ، + الطويل + : # ( إذا ما تقاضي المرء يوم وليلة % تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا ) # فإنك تعرف حسنها ومكانها من القبول . ثم انظر إليها في بيت المتنبي ، + ~~الطويل + : # ( لو الفلك الدوار أبغضت سعيه % لعوقه شيء عن الدوران ) # فإنك تراها تقل وتضؤل بحسب نبلها وحسنها فيما تقدم . # وهذا باب واسع فإنك تجد متى شئت الرجلين قد استعملا كلما بأعيانها . ثم ~~ترى هذا قد فرع السماك ، وترى ذاك قد لصق بالحضيض . فلو كانت الكلمة إذا ~~حسنت حسنت من حيث هي لفظ ، وإذا استحقت المزية والشرف ، واستحقت ذلك في ~~ذاتها وعلى انفرادها ، دون أن يكون السبب في ذلك حال لها مع أخواتها ~~المجاورة لها في النظم ، لما اختلف بها الحال ، ولكانت إما أن تحسن أبدا أو ~~لا تحسن أبدا . ولم تر قولا يضطرب على قائله حتى لا يدري كيف يعبر ، وكيف ~~يرؤد ويصدر ، كهذا القول . بل إن أردت الحق فإنه من جنس الشيء يجري به ~~الرجل لسانه ، ويطلقه . فإذا فتش نفسه وجدها تعلم بطلانه ، PageV01P055 ~~وتنطوي على خلافه . ذاك لأنه مما لا يقوم بالحقيقة في اعتقاد ، ولا يكون له ~~صورة في فؤاد . # | فصل # # | في الفروق بين الحروف المنظومة والكلم ومما يجب إحكامه بعقب هذا الفصل ~~: الفرق بين قولنا : حروف منظومة وكلم منظومة . # وذلك أن نظم الحروف هو تواليها في النطق فقط ، وليس نظمها بمقتضى عن معنى ~~، ولا الناظم لها بمقتف في ذلك رسما من العقل اقتضى أن يتحرى في نظمه لها ~~ما تحراه ، فلو أن واضع اللغة كان قد قال ' ربض ' مكان ضرب لما كان في ذلك ~~ما ms031 يؤدي إلى فساد . وأما نظم الكلم فليس الأمر فيه كذلك ، لأنك تقتضي في ~~نظمها آثار المعاني ، وترتبها على حسب ترتيب المعاني في النفس . فهو إذا ~~نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض ، وليس هو النظم الذي معناه ضم ~~الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق . وكذلك كان عندهم نظيرا للنسج والتأليف ~~والصياغة والبناء والوشي والتحبير ، وما أشبه ذلك مما يوجب اعتبار الأجزاء ~~بعضها مع بعض ، حتى يكون لوضع كل حيث وضع علة تقتضي كونه هناك ، وحتى لو ~~وضع في مكان غيره لم يصح . # والفائدة في معرفة هذا الفرق أنك إذا عرفته عرفت أن ليس الغرض بنظم الكلم ~~أن توالت ألفاظها في النطق ، بل أن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على ~~الوجه الذي اقتضاه العقل . وكيف يتصور أن يقصد به إلى توالي الألفاظ في ~~النطق ، بعد أن ثبت أنه نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض ، وأنه نظير ~~الصياغة والتحبير والتفويف والنقش ، وكل ما يقصد به التصوير ، وبعد أن كنا ~~لا نشك في أن لا حال للفظة مع صاحبتها تعتبر إذا أنت عزلت دلالتهما جانبا . ~~وأي مساغ للشك في أن الألفاظ لا تستحق من حيث هي ألفاظ أن تنظم على وجه دون ~~وجه . ولو فرضنا أن تنخلع ، من هذه الألفاظ التي هي لغات ، دلالتها لما كان ~~شيء منها أحق بالتقديم من شيء . ولا يتصور أن يجب فيها ترتيب ونظم . ولو ~~حفظت صبيا شطر كتاب ' العين ' أو ' الجمهرة ' من غير أن تفسر له شيئا منه ، ~~وأخذته بأن PageV01P056 يضبط صور الألفاظ وهيئتها ، ويؤديها كما يؤدي أصناف ~~أصوات الطيور لرأيته - ولا يخطر ببال - أن من شأنه أن يؤخر لفظا ، ويقدم ~~آخر . بل كان حاله حال من يرمي الحصى ويعد الجوز . اللهم إلا أن تسومه أنت ~~أن يأتي بها على حروف المعجم ، ليحفظ نسق الكتاب . # ودليل آخر وهو أنه لو كان القصد بالنظم إلى اللفظ نفسه دون أن يكون الغرض ~~ترتيب المعاني في النفس ، ثم النطق بالألفاظ على حذوها لكان ينبغي ألا ~~يختلف حال اثنين ms032 في العلم بحسن النظم ، أو غير الحسن فيه ، لأنهما يحسان ~~بتوالي الألفاظ في النطق إحساسا واحدا ، ولا يعرف أحدهما في ذلك شيئا يجهله ~~الآخر . # وأوضح من هذا كله ، وهو أن النظم الذي يتواصفه البلغاء ، وتتفاضل مراتب ~~البلاغة من أجله صنعة يستعان عليها بالفكرة لا محالة . وإذا كانت مما ~~يستعان عليه بالفكرة ، ويستخرج بالروية فينبغي أن ينظر في الفكر بماذا تلبس ~~؛ أبالمعاني ؟ أم بالألفاظ ؟ فأي شيء وجدته الذي تلبس به فكرك من بين ~~المعاني والألفاظ فهو الذي تحدث فيه صنعتك ، وتقع فيه صياغتك ونظمك وتصويرك ~~، فمحال أن تتفكر في شيء ، وأنت لا تصنع فيه شيئا . وإنما تصنع في غيره لو ~~جاز ذلك لجاز أن يفكر البناء في الغزل ليجعل فكره فيه وصلة إلى أن يصنع من ~~الآجر ، وهو من الإحالة المفرطة . PageV01P057 # فإن قيل : النظم موجود في الألفاظ على كل حال ، ولا سبيل إلى أن يعقل ~~الترتيب الذي تزعمه في المعاني ما لم تنظم الألفاظ ، ولم ترتبها على الوجه ~~الخاص ، قيل : إن هذا هو الذي يعيد هذه الشبهة جذعة أبدا ، والذي يحلها أن ~~تنظر : أتتصور أن تكون معتبرا مفكرا في حال اللفظ مع اللفظ متى تضعه بجنبه ~~أو قبله ، وأن تقول : هذه اللفظة إنما صلحت هاهنا لكونها على صفة كذا . أم ~~لا يعقل إلا أن تقول ، صلحت هاهنا لأن معناها كذا ، ولدلالتها على كذا ، ~~ولأن معنى الكلام والغرض فيه يوجب كذا ، ولأن معنى ما قبلها يقتضي معناها ؟ # فإن تصورت الأول فقل ما شئت . واعلم أن كل ما ذكرناه باطل . وإن لم تتصور ~~إلا الثاني فلا تخدعن نفسك بالأضاليل ، ودع النظر إلى ظواهر الأمور . واعلم ~~أن ما ترى أنه لا بد منه من ترتيب الألفاظ وتواليها على النظم الخاص ليس هو ~~الذي طلبته بالفكر ، ولكنه شيء يقع بسبب الأول ضرورة من حيث إن الألفاظ إذا ~~كانت أوعية للمعاني فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها ، فإذا وجب ~~لمعنى أن يكون أولا في النفس وجب اللفظ الدال عليه أن يكون مثله أولا في ~~النطق ms033 ، فأما أن تتصور في الألفاظ أن تكون المقصودة قبل المعاني بالنظم ~~والترتيب ، وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواصفه البلغاء فكرا في نظم ~~الألفاظ ، أو أن تحتاج بعد ترتيب المعاني إلى فكر تستأنفه لأن تجيء ~~بالألفاظ على نسقها ، فباطل من الظن ووهم يتخيل إلى من لا يوفي النظر حقه ، ~~وكيف تكون مفكرا في نظم الألفاظ ، وأنت لا تعقل أوصافا وأحوالا إذا عرفتها ~~عرفت أن حقها أن تنظم على وجه كذا ؟ # ومما يلبس على الناظر في هذا الموضع ، ويغلطه أنه يستبعد أن يقال : هذا ~~كلام قد نظمت معانيه . فالعرف كأنه لم يجر بذلك إلا أنهم وإن كانوا لم ~~يستعملوا النظم في المعاني قد استعملوا فيها ما هو بمعناه ونظير له ، وذلك ~~قولهم : إنه يرتب المعاني في نفسه ، وينزلها ويبني بعضها على بعض . كما ~~يقولون : يرتب الفروع على الأصول ، ويتبع المعنى PageV01P058 المعنى ، ~~ويلحق النظير . وإذا كنت تعلم أنهم استعاروا النسج والوشي والنقش والصياغة ~~لنفس ما استعاروا له النظم ، وكان لا يشك في أن ذلك كله تشبيه وتمثيل يرجع ~~إلى أمور وأوصاف تتعلق بالمعاني دون الألفاظ فمن حقك أن تعلم أن سبيل النظم ~~ذلك السبيل . # وأعلم أن من سبيلك أن تعتمد هذا الفصل حدا ، وتجعل النكت التي ذكرتها فيه ~~على ذكر منك أبدا ؛ فإنها عمد وأصول في هذا الباب . إذ أنت مكنتها في نفسك ~~، وجدت الشبه تنزاح عنك ، والشكوك تنتفي عن قلبك ، ولا سيما ما ذكرت من أنه ~~لا يتصور أن تعرف للفظ موضعا من غير أن تعرف معناه . ولا أن تتوخى في ~~الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيبا ونظما ، وأنك تتوخى الترتيب في المعاني ، ~~وتعمل الفكر هناك . فإذا تم لك ذلك أتبعتها الألفاظ ، وقفوت بها آثارها . ~~وأنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك لم تحتج إلى أن تستأنف فكرا في ~~ترتيب الألفاظ ، بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني ، وتابعة لها ~~ولاحقة بها ، وأن العلم بمواقع المعاني في النفس ، علم بمواقع الألفاظ ~~الدالة عليها في النطق . # | فصل # واعلم أنك إذا ms034 رجعت إلى نفسك علمت علما لا يعترضه الشك أن لا نظم في ~~الكلم ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض ، ويبنى بعضها على بعض ، وتجعل هذه ~~بسبب من تلك . هذا ما لا يجهله عاقل ، ولا يخفى على أحد من الناس . وإذا ~~كان كذلك فبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء وجعل الواحدة منها بسبب من ~~صاحبتها ما معناه وما محصوله . # وإذا نظرنا في ذلك علمنا أن لا محصول لها غير أن تعمد إلى اسم فتجعله ~~فاعلا لفعل أو مفعولا . أو تعمد إلى اسمين فتجعل أحدهما خبرا عن الآخر ، أو ~~تتبع الاسم اسما على أن يكون الثاني صفة للأول ، أو تأكيدا له ، أو بدلا ~~منه ، أو تجيء باسم بعد تمام PageV01P059 # كلامك على أن يكون الثاني صفة ، أو حالا ، أو تمييزا ، أو تتوخى في كلام ~~هو لإثبات معنى أن يصير نفيا ، أو استفهاما ، أو تمنيا ، فتدخل عليه الحروف ~~الموضوعة لذلك ، أو تريد في فعلين أن تجعل أحدهما شرطا في الآخر فتجيء بهما ~~بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى ، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمنت معنى ذلك ~~الحرف - وعلى هذا القياس . # وإذا كان لا يكون في الكلم نظم ولا ترتيب إلا بأن يصنع بها هذا الصنيع ~~ونحوه ، وكان ذلك كله مما لا يرجع منه إلى اللفظ شيء ، ومما لا يتصور أن ~~يكون فيه ومن صفته - بان بذلك أن الأمر على ما قلناه من أن اللفظ تبع ~~للمعنى في النظم ، وأن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس ، ~~وأنها لو خلت من معانيها حتى تتجرد أصواتا وأصداء حروف لما وقع في ضمير ، ~~ولا هجس في خاطر أن يجب فيها ترتيب ونظم ، وأن يجعل لها أمكنة ومنازل ، وأن ~~يجب النطق بهذه قبل النطق بتلك . والله الموفق للصواب . # | فصل # وهذه شبهة أخرى ضعيفة عسى أن يتعلق بها متعلق ممن يقدم على القول من غير ~~روية . وهي أن يدعي أن لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي وتعديل مزاج ~~الحروف حتى لا يتلاقى في النطق حروف تثقل ms035 على اللسان كالذي أنشده الجاحظ من ~~قول الشاعر ، + السريع + : # ( وقبر حرب بمكان قفر % وليس قرب قبر حرب قبر ) # وقول ابن يسير ، + الخفيف + : PageV01P060 # ( لا أذيل الآمال بعدك إني % بعدها بالآمال جد بخيل ) # ( كم لها موقفا بباب صديق % رجعت من نداه بالتعطيل ) # ( لم يضرها والحمد لله شيء % وانثنت نحو عزف نفس ذهول ) # قال الجاحظ : فتفقد النصف الأخير من هذا البيت فإنك ستجد بعض ألفاظه ~~يتبرأ من بعض . ويزعم أن الكلام في ذلك على طبقات ، فمنه المتناهي في الثقل ~~، المفرط فيه كالذي مضى . ومنه ما هو أخف منه كقول أبي تمام ، + الطويل + : # ( كريم متى أمدحه أمدحه والورى % جميعا ومهما لمته لمته وحدي ) # ومنه ما يكون فيه بعض الكلفة على اللسان ، إلا أنه لا يبلغ أن يعاب به ~~صاحبه ويشهر أمره في ذلك ويحفظ عليه . ويزعم أن الكلام إذا سلم من ذلك وصفا ~~من شوبه كان الفصيح المشاد به والمشار إليه . وأن الصفاء أيضا يكون على ~~مراتب يعلو بعضها بعضا ، وأن له غاية إذا انتهى إليها كان الإعجاز . # والذي يبطل هذه الشبهة - إن ذهب إليها ذاهب - أنا إن قصرنا صفة الفصاحة ~~على كون اللفظ كذلك ، وجعلناه المراد بها لزمنا أن نخرج الفصاحة من حيز ~~البلاغة ، ومن أن تكون PageV01P061 # نظيرة لها . وإذا فعلنا ذلك لم نخل من أحد أمرين : إما أن نجعله العمدة ~~في المفاضلة بين العبارتين ولا نعرج على غيره ، وإما أن نجعله أحد ما نفاضل ~~به ، ووجها من الوجوه التي تقتضي تقديم كلام على كلام . فإن أخذنا بالأول ~~لزمنا أن نقصر الفضيلة عليه ، حتى لا يكون الإعجاز إلا به ، وفي ذلك ما لا ~~يخفى من الشناعة ؛ لأنه يؤدي إلى أن لا يكون للمعاني التي ذكروها في حدود ~~البلاغة - من وضوح الدلالة وصواب الإشارة ، وتصحيح الأقسام ، وحسن الترتيب ~~والنظام ، والإبداع في طريقة التشبيه والتمثيل ، والإجمال ثم التفصيل ، ~~ووضع الفصل والوصل موضعهما وتوفيه الحذف والتأكيد والتقديم والتأخير ~~شروطهما - مدخل فيما له كان القرآن معجزا حتى ندعي أنه لم يكن معجزا من حيث ~~هو بليغ ، ولا ms036 من حيث هو قول فصل ، وكلام شريف النظم بديع التأليف ؛ وذلك ~~أنه لا تعلق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف . # وإن أخذنا بالثاني ، وهو أن يكون تلاؤم الحروف وجها من وجوه الفضيلة ، ~~وداخلا في عداد ما يفاضل به بين كلام وكلام على الجملة لم يكن لهذا الخلاف ~~ضرر علينا ، لأنه ليس بأكثر من أن يعمد إلى الفصاحة فيخرجها من حيز البلاغة ~~والبيان ، وأن تكون نظيرة لهما ، وفي عداد ما هو شبههما من البراعة ~~والجزالة وأشباه ذلك ، مما ينبىء عن شرف النظم ، وعن المزايا التي شرحت لك ~~أمرها ، وأعلمتك جنسها ، أو يجعلها اسما مشتركا يقع تارة لما تقع له تلك ~~وأخرى لما يرجع إلى سلامة اللفظ مما يثقل على اللسان ، وليس واحد من ~~الأمرين بقادح فيما نحن بصدده ، وإن تعسف متعسف في تلاؤم الحروف فبلغ به أن ~~يكون الأصل في الإعجاز ، وأخرج سائر ما ذكروه في أقسام البلاغة من أن يكون ~~له مدخل أو تأثير فيما له كان القرآن معجزا ، كان الوجه أن يقال له : إنه ~~يلزمك على قياس قولك أن تجوز أن يكون هاهنا نظم للألفاظ ، وترتيب لا على ~~نسق المعاني ، ولا على وجه يقصد به الفائدة ، ثم يكون مع ذلك معجزا وكفى به ~~فسادا . # فإن قال قائل : إني لا أجعل تلاؤم الحروف معجزا حتى يكون اللفظ ذلك دالا ~~، وذاك أنه إنما تصعب مراعاة التعادل بين الحروف إذا احتيج مع ذلك إلى ~~مراعاة المعاني . كما أنه PageV01P062 # إنما تصعب مراعاة السجع والوزن ، ويصعب كذلك التجنيس والترصيع إذا روعي ~~معه المعنى ، قيل له : فأنت الآن إن عقلت ما تقول قد خرجت من مسألتك ، ~~وتركت أن يستحق اللفظ المزية من حيث هو لفظ ، وجئت تطلب لصعوبة النظم فيما ~~بين المعاني طريقا ، وتضع له علة غير ما يعرفه الناس ، وتدعي أن ترتيب ~~المعاني سهل ، وأن تفاضل الناس في ذلك إلى حد ، وأن الفضيلة تزداد وتقوى ~~إذا توخي ، في حروف الألفاظ التعادل والتلاؤم ، وهذا منك وهم ؛ وذلك أنا لا ~~نعلم لتعادل الحروف معنى سوى أن ms037 تسلم من نحو ما تجده في بيت أبي تمام : # ( كريم متى أمدحه أمدحه والورى % ) # وبيت ابن يسير : # ( وانثنت نحو عزف نفس ذهول % ) # وليس اللفظ السليم من ذلك بمعوز ولا بعزيز الوجود ، ولا بالشيء لا ~~يستطيعه إلا الشاعر المفلق والخطيب البليغ ، فيستقيم قياسه على السجع ~~والتجنيس ، ونحو ذلك مما إذا رامه المتكلم صعب عليه تصحيح المعاني وتأدية ~~الأغراض . فقولنا : ' أطال الله بقاءك ، وأدام عزك ، وأتم نعمته عليك ، ~~وزاد في إحسانه عندك ' لفظ سليم مما يكد اللسان ، وليس في حروفه استكراه . ~~وهكذا حال كلام الناس في كتبهم ومحاوراتهم ، لا تكاد تجد فيه هذا الاستكراه ~~لأنه إنما هو شيء يعرض للشاعر إذا تكلف وتعمل ، فأما المرسل نفسه على ~~سجيتها فلا يعرض له ذلك . # هذا والمتعلل بمثل ما ذكرت من أنه إنما يكون تلاؤم الحروف معجزا بعد أن ~~يكون اللفظ دالا ، لأن مراعاة التعادل إنما تصعب إذا احتيج مع ذلك إلى ~~مراعاة المعاني - إذا تأملت - يذهب إلى شيء ظريف ؛ وهو أن يصعب مرام اللفظ ~~بسبب المعنى ، وذلك محال لأن الذي يعرفه العقلاء عكس ذلك وهو أن يصعب مرام ~~المعنى بسبب اللفظ ، فصعوبة ما صعب من السجع هي صعوبة عرضت في المعاني من ~~أجل الألفاظ ، وذاك أنه صعب عليك أن توفق بين معاني تلك الألفاظ المسجعة ~~وبين معاني الفصول التي جعلت أردافا لها ، فلم تستطع ذلك إلا بعد أن عدلت ~~عن أسلوب إلى أسلوب ، أو دخلت في ضرب من المجاز ، أو PageV01P063 أخذت في ~~نوع من الاتساع ، وبعد أن تلطفت على الجملة ضربا من التلطف . وكيف يتصور أن ~~يصعب مرام اللفظ بسبب المعنى ، وأنت إن أردت الحق لا تطلب اللفظ بحال ، ~~وإنما تطلب المعنى ، وإذا ظفرت بالمعنى فاللفظ معك وإزاء ناظرك ؟ وإنما كان ~~يتصور أن يصعب مرام اللفظ من أجل المعنى أن لو كنت إذا طلبت المعنى فحصلته ~~احتجت إلى أن تطلب اللفظ على حدة ، وذلك محال . # هذا ، وإذا توهم متوهم أنا نحتاج إلى أن نطلب اللفظ ، وأن من شأن الطلب ~~أن يكون هناك ، فإن الذي ms038 يتوهم ، أنه يحتاج إلى طلبه هو ترتيب الألفاظ في ~~النطق لا محالة . وإذا كان ذلك فينبغي لنا أن نرجع إلى نفوسنا فننظر ؛ هل ~~يتصور أن نرتب معاني أسماء وأفعال وحروف في النفس ؟ ثم تخفى علينا مواقعها ~~في النطق ، حتى يحتاج في ذلك إلى فكر وروية ؟ وذلك ما لا يشك فيه عاقل إذا ~~هو رجع إلى نفسه . # وإذا بطل أن يكون ترتيب اللفظ مطلوبا بحال ، ولم يكن المطلوب أبدا إلا ~~ترتيب المعاني ، وكان معول هذا المخالف على ذلك ، فقد اضمحل كلامه ، وبان ~~أنه ليس لمن حام في حديث المزية والإعجاز حول اللفظ ، ورام أن يجعله السبب ~~في هذه الفضيلة إلا التسكع في الحيرة ، والخروج عن فاسد من القول إلى مثله ~~. والله الموفق للصواب . # فإن قيل : إذا كان اللفظ بمعزل عن المزية التي تنازعنا فيها وكانت مقصورة ~~على المعنى ، فكيف كانت الفصاحة من صفات اللفظ البتة ؟ وكيف امتنع أن يوصف ~~بها المعنى ؟ فيقال : معنى فصيح وكلام فصيح المعنى ؟ قيل : إنما اختصت ~~الفصاحة باللفظ ، وكانت من صفته من حيث كانت عبارة عن كون اللفظ على وصف ~~إذا كان عليه دل على المزية التي نحن في حديثها ، وإذا كانت لكون اللفظ ~~دالا استحال أن يوصف بها المعنى ، كما يستحيل أن يوصف المعنى بأنه دال مثلا ~~، فاعرفه . # فإن قيل : فماذا دعا القدماء إلى أن قسموا الفضيلة بين المعنى واللفظ ، ~~فقالوا : معنى لطيف ولفظ شريف ، وفخموا شأن اللفظ وعظموه حتى تبعهم في ذلك ~~من بعدهم ، وحتى قال أهل النظر : إن المعاني لا تتزايد ، وإنما تتزايد ~~الألفاظ . فأطلقوا كما ترى كلاما يوهم PageV01P064 كل من يسمعه أن المزية ~~في حاق اللفظ . # قيل له : لما كانت المعاني إنما تتبين بالألفاظ ، وكان لا سبيل للمرتب ~~لها ، والجامع شملها ، إلى أن يعلمك ما صنع في ترتيبها بفكره ، إلا بترتيب ~~الألفاظ في نطقه ، تجوزوا فكنوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ ، ثم ~~بالألفاظ بحذف الترتيب . ثم أتبعوا ذلك من الوصف والنعت ما أبان الغرض ، ~~وكشف عن المراد كقولهم : ' لفظ متمكن ' ؛ يريدون أنه بموافقة ms039 معناه لمعنى ~~ما يليه كالشيء الحاصل في مكان صالح يطمئن فيه . ' ولفظ قلق ناب ' يريدون ~~أنه من أجل أن معناه غير موافق لما يليه ، كالحاصل في مكان لا يصلح له ، ~~فهو لا يستطيع الطمأنينة فيه ، إلى سائر ما يجيء في صفة اللفظ مما يعلم أنه ~~مستعار له من معناه . وأنهم نحلوه إياه بسبب مضمونه ومؤداه . هذا ، ومن ~~تعلق بهذا وشبهه واعتراضه الشك فيه بعد الذي مضى من الحجج فهو رجل قد أنس ~~بالتقليد ؛ فهو يدعو الشبهة إلى نفسه من هاهنا وثم . ومن كان هذا سبيله ~~فليس له دواء سوى السكوت عنه وتركه وما يختاره لنفسه من سوء النظر وقلة ~~التدبر . # قد فرغنا الآن من الكلام على جنس المزية ، وأنها من حيز المعاني دون ~~الألفاظ ، وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك ، بل حيث تنظر بقلبك ، وتستعين ~~بفكرك ، وتعمل رويتك وتراجع عقلك ، وتستنجد في الجملة فهمك . وبلغ القول في ~~ذلك أقصاه ، وانتهى إلى مداه . # وينبغي أن نأخذ الآن في تفصيل أمر المزية وبيان الجهات التي منها تعرض . ~~وإنه لمرام صعب ومطلب عسير . ولولا أنه على ذلك لما وجدت الناس بين منكر له ~~من أصله ، ومتخيل له على غير وجهه ، ومعتقد أنه باب لا تقوى عليه العبارة ، ~~ولا تملك فيه إلا الإشارة ، وأن طريق التعليم إليه مسدود ، وباب التفهيم ~~دونه مغلق ، وأن معانيك فيه معان تأبى أن تبرز من الضمير ، وأن تدين ~~للتبيين والتصوير ، وأن ترى سافرة لا نقاب عليها ، ونادية لا حجاب دونها ، ~~وأن ليس للواصف لها إلا أن يلوح ويشير ، أو يضرب مثلا ينبىء عن حسن قد عرفه ~~على الجملة ، وفضيلة قد أحسها من غير أن يتبع ذلك بيانا ، ويقيم عليه ~~برهانا ، ويذكر له علة ، ويورد فيه حجة ، وأنا أنزل لك القول في ذلك ، ~~وأدرجه شيئا فشيئا ، وأستعين بالله تعالى عليه ، وأسأله التوفيق . ~~PageV01P065 # | فصل في اللفظ يطلق والمراد به غير ظاهره # اعلم أن لهذا الضرب اتساعا وتفننا لا إلى غاية ، إلا أنه على اتساعه يدور ~~في الأمر الأعم على شيئين : الكناية ms040 والمجاز . # والمراد بالكناية هاهنا أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني ، فلا ~~يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة ، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في ~~الوجود ، فيومىء به إليه ، ويجعله دليلا عليه مثال ذلك قولهم : ' هو طويل ~~النجاد ' يريدون طويل القامة ، ' وكثير رماد القدر ' يعنون كثير القرى . ~~وفي المرأة : ' نؤوم الضحى ' والمراد أنها مترفة مخدومة ، لها من يكفيها ~~أمرها . فقد أرادوا في هذا كله كما ترى معنى ، ثم لم يذكروه بلفظه الخاص به ~~، ولكنهم توصلوا إليه بذكر معنى آخر ، من شأنه أن يردفه في الوجود ، وأن ~~يكون إذا كان . أفلا ترى أن القامة إذا طالت طال النجاد ، وإذا كثر القرى ~~كثر رماد القدر ؟ وإذا كانت المرأة مترفة لها من يكفيها أمرها ردف ذلك أن ~~تنام إلى الضحى ؟ # وأما المجاز فقد عول الناس في حده على حديث النقل ، وأن كل لفظ نقل عن ~~موضوعه فهو مجاز . والكلام في ذلك يطول . وقد ذكرت ما هو الصحيح من ذلك في ~~موضع آخر . وأنا أقتصر هاهنا على ذكر ما هو أشهر منه وأظهر . والاسم ~~والشهرة فيه لشيئين : PageV01P066 الاستعارة والتمثيل . وإنما يكون التمثيل ~~مجازا إذا جاء على حد الاستعارة . # فالاستعارة أن تريد تشبيه الشي بالشيء ، فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره ، ~~وتجيء إلى اسم المشبه به فتعيره المشبه وتجريه عليه ، تريد أن تقول : رأيت ~~رجلا هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه سواء ، فتدع ذلك وتقول : ' رأيت أسدا ' ~~. وضرب آخر من الاستعارة وهو ما كان نحو قوله : + الكامل + # ( إذ أصبحت بيد الشمال زمامها % ) # هذا الضرب ، وإن كان الناس يضمونه إلى الأول ؛ حيث يذكرون الاستعارة ~~فليسا سواء ، وذاك أنك في الأول تجعل الشيء الشيء ليس به . وفي الثاني تجعل ~~للشيء الشيء ليس له . تفسير هذا أنك إذا قلت : رأيت أسدا ، فقد ادعيت في ~~إنسان أنه أسد وجعلته إياه ، ولا يكون الإنسان أسدا . وإذا قلت : ' إذ ~~أصبحت بيد الشمال زمامها ' فقد ادعيت أن للشمال يدا . ومعلوم أنه لا يكون ~~للريح يد . # وهاهنا أصل يجب ضبطه ، وهو أن جعل ms041 المشبه المشبه به على ضربين : أحدهما ~~أن تنزله منزلة الشيء تذكره بأمر قد ثبت له فأنت لا تحتاج إلى أن تعمل في ~~إثباته وتزجيته . وذلك حيث تسقط ذكر المشبه من الشيئين ، ولا تذكره بوجه من ~~الوجوه ، كقولك ، رأيت أسدا . # والثاني أن تجعل ذلك كالأمر الذي يحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته . ~~وذلك حيث تجري اسم المشبه به صراحة على المشبه فتقول : زيد أسد ، وزيد هو ~~الأسد . أو نجيء به على وجه يرجع إلى هذا كقولك : إن لقيته لقيت به أسدا ، ~~وإن لقيته ليلقينك منه الأسد . فأنت في هذا كله تعمل في إثبات كونه أسدا أو ~~الأسد ، وتضع كلامك له . وأما في PageV01P067 الأول فتخرجه مخرج ما لا ~~يحتاج فيه إلى إثبات وتقرير . والقياس يقتضي أن يقال في هذا الضرب ، أعني ~~ما أنت تعمل في إثباته وتزجيته أنه تشبيه على حد المبالغة ، ويقتصر على هذا ~~القدر ولا يسمى استعارة . # وأما التمثيل الذي يكون مجازا لمجيئك به على حد الاستعارة ، فمثاله قولك ~~للرجل يتردد في الشيء بين فعله وتركه : أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى . فالأصل ~~في هذا : أراك في ترددك كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى . ثم اختصر الكلام ، وجعل ~~كأنه يقدم الرجل ويؤخرها على الحقيقة ، كما كان الأصل في قولك : رأيت أسدا ~~: ' رأيت رجلا كالأسد ' ثم جعل كأنه الأسد على الحقيقة . وكذلك تقول للرجل ~~يعمل غير معمل : ' أراك تنفخ في غير فحم ' و ' تخط على الماء ' ، فتجعله في ~~ظاهر الأمر كأنه ينفخ ويخط ، والمعنى على أنك في فعلك كمن يفعل ذلك . وتقول ~~للرجل يعمل الحيلة حتى يميل صاحبه إلى الشيء قد كان يأباه ويمتنع منه : ما ~~زال يفتل في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد . فتجعله بظاهر اللفظ كأنه ~~كان منه فتل في ذروة وغارب . والمعنى على أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقا يشبه ~~حاله فيه حال الرجل يجيىء إلى البعير الصعب فيحكه ، ويفتل الشعر في ذروته ~~وغاربه حتى يسكن ويستأنس . وهو في المعنى نظير قولهم : فلان يفرد فلانا ، ~~يعنى به ms042 أنه يتلطف له ، فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليلذه ذلك ، فيسكن ~~ويثبت في مكانه ، حتى يتمكن من أخذه . # وهكذا كل كلام رأيتهم قد نحوا فيه التمثيل ، ثم لم يفصحوا بذلك ، وأخرجوا ~~اللفظ مخرجه إذا لم يريدوا تمثيلا . PageV01P068 # | فصل # قد أجمع الجميع على أن الكناية أبلغ من الإفصاح ، والتعريض أوقع من ~~التصريح ، وأن للاستعارة مزية وفضلا ، وأن المجاز أبدا أبلغ من الحقيقة . ~~إلا أن ذلك وإن كان معلوما على الجملة فإنه لا تطمئن نفس العاقل في كل ما ~~يطلب العلم به حتى يبلغ فيه غايته ، وحتى يغلغل الفكر إلى زواياه ، وحتى لا ~~يبقى عليه موضع شبهة ومكان مسألة ، فنحن وإن كنا نعلم أنك إذا قلت : هو ~~طويل النجاد وهو جم الرماد ، كان أبهى لمعناك ، وأنبل من أن تدع الكناية ~~وتصرح بالذي تريد . وكذا إذا قلت : رأيت أسدا ، كان لكلامك مزية لا تكون ~~إذا قلت : رأيت رجلا هو في معنى الشجاعة وفي قوة القلب وشدة البطش ، وأشباه ~~ذلك . وإذا قلت : بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى ، كان أوقع من صريحه الذي ~~هو قولك : بلغني أنك تتردد في أمرك ، وأنك في ذلك كمن يقول : أخرج ولا أخرج ~~. فيقدم رجلا ويؤخر أخرى . ونقطع على ذلك حتى لا يخالجنا شك فيه ، فإنما ~~تسكن أنفسنا تمام السكون إذا عرفنا السبب في ذلك ، والعلة ، ولم كان كذلك ، ~~وهيأنا له عبارة تفهم عنا من نريد إفهامه . وهذا هو قول في ذلك . # أعلم أن سبيلك أولا أن تعلم أن ليست المزية التي تثبتها لهذه الأجناس على ~~الكلام المتروك على ظاهره ، والمبالغة التي تدعي لها في أنفس المعاني التي ~~يقصد المتكلم إليها بخبره ، ولكنها في طريق إثباته لها وتقريره إياها . ~~تفسير هذا أن ليس المعنى إذا قلنا : ' إن الكناية أبلغ من التصريح ' أنك ~~لما كنيت عن المعنى زدت في ذاته ، بل المعنى أنك زدت في إثباته ، فجعلته ~~أبلغ وآكد وأشد . فليست المزية في قولهم : ' جم الرماد ' أنه دل على قرى ~~أكثر ، بل المعنى أنك أثبت له القرى الكثير من ms043 وجه ، وهو أبلغ . وأوجبته ~~إيجابا هو أشد ، وادعيته دعوى أنت بها أنطق ، وبصحتها أوثق . # وكذلك ليست المزية التي تراها لقولك : ' رأيت أسدا ' على قولك : ' رأيت ~~رجلا لا يتميز من الأسد في شجاعته وجرأته ' أنك قد أفدت بالأول زيادة في ~~مساواته الأسد ، بل أنك أفدت تأكيدا وتشديدا وقوة في إثباتك له هذه ~~المساواة ، وفي تقريرك لها . فليس تأثير الاستعارة إذا في ذات المعنى ~~وحقيقته ، بل في إيجابه والحكم به . # وهكذا قياس التمثيل ؛ ترى المزية أبدا في ذلك تقع في طريق إثبات المعنى ~~دون PageV01P069 المعنى نفسه . فإذا سمعتهم يقولون : إن من شأن هذه الأجناس ~~أن تكسب المعاني نبلا وفضلا ، وتوجب لها شرفا ، وأن تفخمها في نفوس ~~السامعين ، وترفع أقدارها عند المخاطبين ، فإنهم لا يريدون الشجاعة والقرى ~~وأشباه ذلك من معاني الكلم المفردة ، وإنما يعنون إثبات معاني هذه الكلم ~~لمن تثبت له ويخبر بها عنه . # هذا ما ينبغي للعاقل أن يجعله على ذكر منه أبدا ، وأن يعلم أن ليس لنا ~~إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة مع معاني الكلم المفردة شغل ، ولا هي ~~منا بسبيل ، وإنما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب . وإذ قد ~~عرفت مكان هذا المزية والمبالغة التي لا تزال تسمع بها ، وأنها في الإثبات ~~دون المثبت فإن لها في كل واحد من هذه الأجناس سببا وعلة . # أما الكناية فإن السبب في أن كان للإثبات بها مزية لا تكون للتصريح أن كل ~~عاقل يعلم - إذا رجع إلى نفسه - أن إثبات الصفة بإثبات دليلها ، وإيجابها ~~بما هو شاهد في وجودها ، آكد وأبلغ في الدعوى من أن تجيء إليها فتثبتها ~~ساذجا غفلا وذلك أنك لا تدعي شاهد الصفة ودليلها إلا والأمر ظاهر معروف ، ~~وبحيث لا يشك فيه ولا يظن بالمخبر التجوز والغلط . # وأما الاستعارة فسبب ما ترى لها من المزية والفخامة أنك إذا قلت : ' رأيت ~~أسدا ' كنت قد تلطفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة ، حتى جعلتها ~~كالشيء الذي يجب له الثبوت والحصول ، وكالآمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوده ~~. وذلك ms044 أنه إذا كان أسدا فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة ، ~~وكالمستحيل أو الممتنع أن يعرى عنها . وإذا صرحت بالتشبيه فقلت : ' رأيت ~~رجلا كالأسد ' كنت قد أثبتها إثبات الشيء يترجح بين أن يكون ، وبين أن لا ~~يكون ، ولم يكن من حديث الوجوب في شيء . # وحكم التمثيل حكم الاستعارة سواء ؛ فإنك إذا قلت : أراك تقدم رجلا وتؤخر ~~أخرى ، PageV01P070 فأوجبت له الصورة التي يقطع معها بالتحير والتردد كان ~~أبلغ لا محالة من أن تجري على الظاهر . فتقول : قد جعلت تتردد في أمرك ؛ ~~فأنت كمن يقول : أخرج ولا أخرج ، فيقدم رجلا ويؤخر أخرى . # | فصل # اعلم أن من شأن هذه الأجناس أن تجري فيها الفضيلة ، وأن تتفاوت التفاوت ~~الشديد . أفلا ترى أنك تجد في الاستعارة العامي المبتذل ، كقولنا : رأيت ~~أسدا ، ووردت بحرا ، ولقيت بدرا ؟ والخاصي النادر الذي لا تجده إلا في كلام ~~الفحول ، ولا يقوى عليه إلا أفراد الرجال ، كقوله ، + الطويل + : # ( وسالت بأعناق المطي الأباطح % ) # أراد أنها سارت سيرا حثيثا في غاية السرعة ، وكانت سرعة في لين وسلاسة ، ~~كأنه كانت سيولا وقعت في تلك الأباطح فجرت بها ، ومثل هذه الاستعارة في ~~الحسن واللطف وعلو الطبقة في هذه اللفظة بعينها قول الآخر ، + البسيط + : # ( سالت عليه شعاب الحي حين دعا % أنصاره بوجوه كالدنانير ) # أراد أنه مطاع في الحي ، وأنهم يسرعون إلى نصرته ، وأنه لا يدعوهم لحرب ، ~~أو نازل خطب ، إلا أتوه وكثروا عليه ، وازدحموا حواليه ، حتى تجدهم كالسيول ~~تجيء من PageV01P071 هاهنا وهاهنا ، وتنصب من هذا المسيل وذلك ، حتى يغص ~~بها الوادي ويطفح منها . # ومن بديع الاستعارة ونادرها - إلا أن جهة الغرابة فيه غير جهتها في هذا ، ~~قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسا له ، وأنه مؤدب ، وأنه إذا نزل ~~عنه ، وألقى عنانه في قربوس سرجه وقف مكانه إلى أن يعود إليه ، + الكامل + ~~: # ( عودته فيما أزور حبائبي % إهماله وكذاك كل مخاطر ) # ( وإذا احتبى قربوسه بعنانه % علك الشكيم إلى انصراف الزائر ) # فالغرابة هاهنا في الشبه نفسه ، وفي أن استدراك أن هيئة العنان في موقعه ~~من قربوس ms045 السرج كالهيئة في موضع الثوب من ركبة المحتبي . وليست الغرابة في ~~قوله : # ( وسالت بأعناق المطي الأباطح % ) # على هذه الجملة ، وذلك أنه لم يغرب لأن جعل المطي في سرعة سيرها وسهولته ~~كالماء يجري في الأبطح ؛ فإن هذا شبه معروف ظاهر . ولكن الدقة واللطف في ~~خصوصي ة أفادها بأن جعل ' سال ' فعلا للأباطح ، ثم عداه بالباء ، ثم بأن ~~أدخل الأعناق في البيت فقال : ' بأعناق المطي ' ، ولم يقل بالمطي ، ولو قال ~~: ' سالت المطي في الأباطح ' لم يكن شيئا . وكذلك الغرابة في البيت الآخر ~~ليس في مطلق معنى ' سال ' ، ولكن في تعديته ب ' على ' والباء وبأن جعله ~~فعلا لقوله : ' شعاب الحي ' . ولولا هذه الأمور كلها لم يكن هذا الحسن . ~~وهذا موضع يدق الكلام فيه . # وهذه أشياء من هذا الفن + من البسيط + : # ( اليوم يومان مذ غيبت عن بصري % نفسي فداؤك ما ذنبي فأعتذر ؟ ) # ( أمسي وأصبح لا ألقاك واحزنا % لقد تأنق في مكروهي القدر ) PageV01P072 # سوار بن المضرب وهو لطيف جدا ، + الوافر + : # ( بعرض تنوفة للريح فيها % نسيم لا يروع الترب وان ) # بعض الأعراب ، + الكامل + : # ( ولرب خصم جاهدين ذوي شذا % تقذي عيونهم بهتر هاتر ) # ( لد ظأرتهم على ما ساءهم % وخسأت باطلهم بحق ظاهر ) # المقصود : لفظة ' خسأت ' . # ابن المعتز ، + الرجز + : # ( حتى إذا ما عرف الصيد الضار % وأذن الصبح لنا في الإبصار ) # المعنى : حتى إذا تهيأ لنا أن نبصر شيئا ، لما كان تعذر الإبصار منعا من ~~الليل ، جعل إمكانه عند ظهور الصبح إذنا من الصبح . وله ، + من مجزوء ~~الوافر + : # ( بخيل قد بليت به % يكد الوعد بالحجج ) PageV01P073 # وله ، + الطويل + : # ( يناجيني الإخلاف من تحت مطله % فتختصم الآمال واليأس في صدري ) # ومما هو في غاية الحسن ، وهو من الفن الأول قول الشاعر ؛ أنشده الجاحظ : # ( لقد كنت في قوم عليك أشحة % بنفسك إلا أن ما طاح طائح ) # ( يودون لو خاطوا عليك جلودهم % ولا يدفع الموت النفوس الشحائح ؟ ) # قال : وإليه ذهب بشار في قوله ، + الرجز + : # ( وصاحب كالدمل الممد % حملته في رقعة من جلدي ) # ومن سر هذا الباب أنك ترى اللفظة المستعارة قد استعيرت في عدة ms046 مواضع ، ثم ~~ترى لها في بعض ذلك ملاحة لا تجدها في الباقي . مثال ذلك أنك تنظر إلى لفظة ~~' الجسر ' في قول أبي تمام ، + البسيط + # ( لا يطمع المرء أن يجتاب لجته % بالقول ما لم يكن جسرا له العمل ) # وقوله ، + البسيط + : PageV01P074 # ( بصرت بالراحة العظمى فلم ترها % تنال إلا على جسر من التعب ) # فترى لها في الثاني حسنا لا تراه في الأول . ثم تنظر إليها في قول ربيعة ~~الرقي ، + البسيط + : # ( قولي : نعم ونعم إن قلت واجبة % قالت : عسى وعسى جسر إلى نعم ) # فترى لها لطفا وخلابة وحسنا ليس الفضل فيه بقليل . # ومما هو أصل في شرف الاستعارة أن ترى الشاعر قد جمع بين عدة استعارات ، ~~قصدا إلى أن يلحق الشكل بالشكل ، وأن يتم المعنى والشبه فيما يريد . مثاله ~~قول امرىء القيس ، + الطويل + : # ( فقلت له لما تمطى بصلبه % وأردف أعجازا وناء بكلكل ) # لما جعل لليل صلبا قد تمطى به ثنى ذلك ، فجعل له أعجازا قد أردف بها ~~الصلب ، وثلث فجعل له كلكلا قد ناء به ، فاستوفى له جملة أركان الشخص ، ~~وراعى ما يراه الناظر من سواده إذا نظر قدامه ، وإذا نظر إلى ما خلفه ، ~~وإذا رفع البصر ومدده في عرض الجو . PageV01P075 # | القول في النظم وفي تفسيره # واعلم أن هاهنا أسرارا ودقائق لا يمكن بيانها إلا بعد أن نعد جملة من ~~القول في النظم وفي تفسيره والمراد منه وأي شيء هو ، وما محصوله ومحصول ~~الفضيلة فيه . فينبغي لنا أن نأخذ في ذكره ، وبيان أمره ، وبيان المزية ~~التي تدعى له من أين تأتيه ؟ وكيف تعرض فيه ؟ وما أسباب ذلك وعلله وما ~~الموجب له ؟ # وقد علمت إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم ، وتفخيم قدره ، والتنويه ~~بذكره ، وإجماعهم أن لا فضل مع عدمه ، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له ، ~~ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ . وبتهم الحكم بأنه الذي لا تمام دونه ، ولا ~~قوام إلا به ، وأنه القطب الذي عليه المدار ، والعمود الذي به الاستقلال . ~~وما كان بهذا المحل من الشرف ، وفي هذه المنزلة من ms047 الفضل ، وموضوعا هذا ~~الموضع من المزية ، وبالغا هذا المبلغ من الفضيلة ، كان حرى بأن توقظ له ~~الهمم وتوكل به النفوس ، وتحرك له الأفكار ، وتستخدم فيه الخواطر . وكان ~~العاقل جديرا أن لا يرضى من نفسه بأن يجد فيه سبيلا إلى مزية علم ، وفضل ~~استبانة ، وتلخيص حجة ، وتحرير دليل . ثم يعرض عن ذلك صفحا ، ويطوي دونه ~~كشحا ، وأن يربأ بنفسه ، وتدخل عليه الأنفة من أن يكون في سبيل المقلد الذي ~~لا يبت PageV01P076 حكما ، ولا يقتل الشيء علما ، ولا يجد ما يبرىء من ~~الشبهة ، ويشفي غليل الشاك . وهو يستطيع أن يرتفع عن هذه المنزلة ، ويباين ~~من هو بهذه الصفة ، فإن ذلك دليل ضعف الرأي ، وقصر الهمة ممن يختاره ويعمل ~~عليه . # واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو ، ~~وتعمل على قوانينه وأصوله ، وتعرف مناهجه التي نهجت ؛ فلا تزيغ عنها ، ~~وتحفظ الرسوم التي رسمت لك ، فلا تخل بشيء منها . وذلك أنا لا نعلم شيئا ~~يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه . # فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك : ' زيد منطلق ' ، و ' زيد ~~ينطلق ' ، وينطلق زيد ' ، و ' منطلق زيد ' ، و ' زيد المنطلق ' ، و ' ~~المنطلق زيد ' ، و ' زيد هو المنطلق ' ، و ' زيد هو منطلق ' . # وفي الشرط والجزاء إلى الوجوه التي تراها في قولك : إن تخرج أخرج ، وإن ~~خرجت خرجت ، وإن تخرج فأنا خارج ، وأنا خارج إن خرجت ، وأنا إن خرجت خارج . # وفي الحال إلى الوجوه التي تراها في قولك : جاءني زيد مسرعا ، وجاءني ~~يسرع ، وجاءني وهو مسرع ، أو هو يسرع ، وجاءني قد أسرع ، وجاءني وقد أسرع . ~~فيعرف لكل من ذلك موضعه ، ويجيء به حيث ينبغي له . # وينظر في الحروف التي تشترك في معنى ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية في ~~ذلك المعنى ، فيضع كلا من ذلك في خاص معناه ، نحو أن يجيء ب ' ما ' في نفي ~~الحال ، وب ' لا ' إذا أراد نفي الاستقبال ، وب ' إن ' فيما يترجح بين أن ~~يكون ، وأن لا يكون وب ' إذا ms048 ' فيما علم أنه كائن . # وينظر في الجمل التي تسرد ؛ فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل ، ثم ~~يعرف فيما حقه الوصل موضع الواو من موضع الفاء ، وموضع الفاء من موضع ' ثم ~~' PageV01P077 وموضع ' أو ' من موضع ' أم ' ، وموضع ' لكن ' من موضع ' بل ' ~~. ويتصرف في التعريف والتنكير ، والتقديم والتأخير في الكلام كله ، وفي ~~الحذف والتكرار ، والإضمار والإظهار ، فيضع كلا من ذلك مكانه ، ويستعمله ~~على الصحة ، وعلى ما ينبغي له . # هذا هو السبيل ، فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صوابا ، وخطؤه إن كان ~~خطأ إلى النظم ، ويدخل تحت هذا الاسم ، إلا وهو معنى من معاني النحو قد ~~أصيب به موضعه ، ووضع في حقه ، أو عومل بخلاف هذه المعاملة ، فأزيل عن ~~موضعه ، واستعمل في غير ما ينبغي له ، فلا ترى كلاما قد وصف بصحة نظم أو ~~فساده ، أو وصف بمزية وفضل فيه ، إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة ، وذلك ~~الفساد ، وتلك المزية ، وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه ، ووجدته يدخل ~~في أصل من أصوله ، ويتصل بباب من أبوابه . # هذه جملة لا تزداد فيها نظرا ، إلا ازددت لها تصورا ، وازدادت عندك صحة ، ~~وازددت بها ثقة ، وليس من أحد لأن يقول في أمر النظم شيئا إلا وجدته قد ~~اعترف لك بها أو ببعضها ، ووافق فيها . درى ذلك أو لم يدر . ويكفيك أنهم قد ~~كشفوا عن وجه ما أردناه حيث ذكروا فساد النظم ، فليس من أحد يخالف في نحو ~~قول الفرزدق ، + الطويل + : # ( وما مثله في الناس إلا مملكا % أبو أمه حي أبوه يقاربه ) # وقول المتنبي ، + الكامل + : # ( ولذا اسم أغطية العيون جفونها % من أنها عمل السيوف عوامل ) # وقوله : # ( الطيب أنت إذا أصابك طيبه % والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل ) # وقوله ، + الطويل + : PageV01P078 # ( وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه % بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه ) # وقول أبي تمام ، + الكامل + : # ( ثانيه في كبد السماء ولم يكن % لاثنين ثان إذ هما في الغار ) # وقوله ، + البسيط + : # ( يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعا % من راحتيك درى ما الصاب والعسل ) # وفي نظائر ذلك مما وصفوه بفساد النظم ms049 ، وعابوه من جهة سوء التأليف ، أن ~~الفساد والخلل كانا من أن تعاطى الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير ~~الصواب ، وصنع في تقديم أو تأخير أو حذف وإضمار أو غير ذلك ما ليس له أن ~~يصنعه ، وما لا يسوغ ، ولا يصح على أصول هذا العلم . # وإذا ثبت أن سبب فساد النظم واختلاله أن لا يعمل بقوانين هذا الشأن ثبت ~~أن سبب صحته أن يعمل عليها . ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا ~~العلم ثبت أن الحكم كذلك في مزيته ، والفضيلة التي تعرض فيه . وإذا ثبت ~~جميع ذلك ثبت أن ليس هو شيئا غير توخي معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين ~~الكلم . والله الموفق للصواب . # وإذ قد عرفت ذلك فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن ، وتشاهدوا له بالفضل ، ثم ~~جعلوه كذلك من أجل النظم ، خصوصا دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير ~~الشعر من معنى لطيف أو حكمة أو أدب أو استعارة أو تجنيس ، أو غير ذلك مما ~~لا يدخل في النظم . وتأمله ، فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت فانظر ~~إلى حركات الأريحية مم كانت ؟ وعند ماذا ظهرت ؟ فإنك ترى عيانا أن الذي قلت ~~. لك كما قلت اعمد إلى قول البحتري ، + من المتقارب + : PageV01P079 # ( بلونا ضرائب من قد نرى % فما إن رأينا لفتح ضريبا ) # ( هو المرء أبدت له الحادثات % عزما وشيكا ورأيا صليبا ) # ( تنقل في خلقي سؤدد % سماحا مرجى وبأسا مهيبا ) # ( فكالسيف إن جئته صارخا % وكالبحر إن جئته مستثيبا ) # فإذا رأيتها قد راقتك ، وكثرت عندك ، ووجدت لها اهتزازا في نفسك ، فعد ~~فانظر في السبب ، واستقص في النظر ؛ فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدم ~~وأخر ، وعرف ونكر ، وحذف وأضمر ، وأعاد وكرر ، وتوخى على الجملة وجها من ~~الوجوه التي يقتضيها علم النحو ، فأصاب في ذلك كله ، ثم لطف موضع صوابه ، ~~وأتى مأتى يوجب الفضيلة . أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها قوله : ' هو ~~المرء أبدت له الحادثات ' ، ثم قوله : ' تنقل في خلقي سؤدد ' ، بتنكير ~~السؤدد ، وإضافة الخلقين إليه . ثم ms050 قوله : ' فكالسيف ' ، وعطفه بالفاء مع ~~حذفه المبتدأ لأن المعنى : لا محالة فهو كالسيف . ثم تكريره الكاف في قوله ~~: ' وكالبحر ' ، ثم أن قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطا جوابه فيه . ثم ~~أن أخرج من كل واحد من الشرطين حالا على مثال ما أخرج من الآخر ، وذلك قوله ~~' صارخا ' هناك ' ومستثيبا ' هاهنا . لا ترى حسنا تنسبه إلى النظم ليس سببه ~~ما عددت ، أو ما هو في حكم ما عددت ، فأعرف ذلك . # وإن أردت أظهر أمرا في هذا المعنى فانظر إلى قول إبراهيم بن العباس : # ( فلو إذ نبا دهر وأنكر صاحب % وسلط أعداء وغاب نصير ) # ( تكون عن الأهواز داري بنجوة % ولكن مقادير جرت وأمور ؟ ) # ( وإني لأرجو بعد هذا محمدا % لأفضل ما يرجى أخ ووزير ) # فإنك ترى ما ترى من الرونق والطلاوة ، ومن الحسن والحلاوة ، ثم تتفقد ~~السبب في PageV01P080 # ذلك فتجده إنما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو ' إذ نبا ' على عامله ~~الذي هو ' تكون ' . وأن لم يقل : فلو تكون عن الأهواز داري بنحوة إذ نبا ~~دهر . ثم أن قال : ' تكون ' ولم يقل : ' كان ' ، ثم أن نكر ' الدهر ' ولم ~~يقل : ' فلو إذ نبا الدهر ' ثم أن ساق هذا التنكير في جميع ما أتى به من ~~بعد . ثم أن قال : ' وأنكر صاحب ' ولم يقل : وأنكرت صاحبا . لا ترى في ~~البيتين الأولين شيئا غير الذي عددته لك ، تجعله حسنا في النظم ، وكله من ~~معاني النحو كما ترى . وهكذا السبيل أبدا في كل حسن ومزية رأيتهما قد نسبا ~~إلى النظم وفضل وشرف أحيل فيهما عليه . PageV01P081 # | فصل في أن مزايا النظم بحسب الموضع وبحسب المعنى المراد والغرض المقصود # وإذ قد عرفت أن مدار أمر النظم عل معاني النحو ، وعلى الوجوه والفروق ~~التي من شأنها أن تكون فيه ، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ، ليس لها غاية ~~تقف عندها ، ونهاية لا تجد لها ازديادا بعدها . # ثم اعلم أن ليست المزية بواجبة لها في أنفسها ومن حيث هي على الإطلاق ، ~~ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام ms051 ، ثم بحسب موقع ~~بعضها من بعض ، واستعمال بعضها مع بعض . # تفسير هذا أنه ليس إذا راقك التنكير في ' سؤدد ' من قوله : ' تنقل في ~~خلقي سؤدد ' ، وفي ' دهر ' من قوله : ' فلو إذ نبا دهر ' فإنه يجب أن يروقك ~~أبدا وفي كل شيء . ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله : ' وأنكر ~~صاحب ' ، فإنه ينبغي أن لا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك هاهنا . ~~بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموضع ، وبحسب المعنى الذي تريد ، والغرض ~~الذي تؤم ، وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور ~~والنقوش . فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة ~~والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ ، وفي ~~مواقعها ، ومقاديرها ، وكيفية مزجه لها ، وترتيبه إياها ، إلى ما لم يتهد ~~إليه صاحبه ، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب ، وصورته أغرب ، كذلك حال الشاعر ~~والشاعر في توخيهما معاني النحو ، ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم . ~~PageV01P082 # واعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه والحسن كالآجزاء من الصبغ ~~تتلاحق ، وينضم بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين . فأنت لذلك لا تكبر شأن ~~صاحبه ، ولا تقضي له بالحذق والأستاذية ، وسعة الذرع ، وشدة المنة حتى ~~تستوفي القطعة ، وتأتي على عدة أبيات ، وذلك ما كان من الشعر في طبقة ما ~~أنشدتك من أبيات البحتري . ومنه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة ، ~~ويأتيك منه ما يملأ العين ضربة ، حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من ~~الفضل ، وموضعه من الحذق ، وتشهد له بفضل المنة وطول الباع . وحتى تعلم - ~~إن لم تعلم القائل - أنه من قبل شاعر فحل ، وأنه خرج من تحت يد صناع . وذلك ~~ما إذا أنشدته وضعت فيه اليد على شيء فقلت : هذا هذا . وما كان كذلك فهو ~~الشعر الشاعر ، والكلام الفاخر ، والنمط العالي الشريف ، والذي لا تجده إلا ~~في شعر الفحول البزل ، ثم المطبوعين الذي يلهمون القول إلهاما . # ثم إنك تحتاج إلى ms052 أن تستقري عدة قصائد ، بل أن تفلي ديوانا من الشعر حتى ~~تجمع منه عدة أبيات ، وذلك ما كان مثل قول الأول ، وتمثل به أبو بكر الصديق ~~رضوان الله عليه حين أتاه كتاب خالد بالفتح في هزيمة الأعاجم ، + الوافر + ~~: # ( تمنانا ليلقانا بقوم % تخال بياض لأمهم السرابا ) # ( فقد لاقيتنا فرأيت حربا % عوانا تمنع الشيخ الشرابا ) # انظر إلى موضع الفاء في قوله : # ( فقد لاقيتنا فرأيت حربا % ) # ومثل قول العباس بن الأحنف ، + البسيط + : PageV01P083 # ( قالوا : خراسان أقصى ما يراد بنا % ثم القفول فقد جئنا خراسانا ) # انظر إلى موضع الفاء و ' ثم ' قبلها . ومثل قول ابن الدمينة ، + الطويل + ~~: # ( أبيني أفي يمنى يديك جعلتني % فأفرح ؟ أم صيرتني في شمالك ؟ ) # ( أبيت كأني بين شقين من عصا % جذار الردى أو خيفة من زيالك ) # ( تعاللت كي أشجى وما بك علة % تريدين قتلي ؟ قد ظفرت بذلك ) # انظر إلى الفصل والاستئناف في قوله : # ( تريدين قتلي ؟ قد ظفرت بذلك % ) # ومثل قول أبي حفص الشطرنجي ، وقاله على لسان علية أخت الرشيد ، وقد كان ~~الرشيد عتب عليها ، + البسيط + : # ( لو كان يمنع حسن العقل صاحبه % من أن يكون له ذنب إلى أحد ) # ( كانت علية أبرا الناس كلهم % من أن تكافا بسوء آخر الأبد ) # ( ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمه % قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي ! ) # انظر إلى قوله : ' قد كنت أحسب ' ، وإلى مكان هذا الاستئناف . ~~PageV01P084 # ومثل قول أبي دؤاد ، + الخفيف + : # ( ولقد أغتدي يدافع ركني % أحوذي ذو ميعة إضريج ) # ( سلهب شرجب كأن رماحا % حملته وفي السراة دموج ) # انظر إلى التنكير في قوله : ' كأن رماحا ' . ومثل قول ابن البواب ، + من ~~مجزوء الوافر + : # ( أتيتك عائذا بك منك % لما ضاقت الحيل ) # ( وصيرني هواك وبي % لحيني يضرب المثل ) # ( فإن سلمت لكم نفسي % فما لاقيته جلل ) # ( وإن قتل الهوى رجلا % فإني ذلك الرجل ) # انظر إلى الإشارة والتعريف في قوله : فإني ذلك الرجل . ومثل قول عبد ~~الصمد ، + السريع + : # ( مكتئب ذو كبد حرى % تبكي عليه مقلة عبرى ) # ( يرفع يمناه إلى ربه % يدعو وفوق الكبد اليسرى ) # انظر إلى لفظ ' يدعو ' وإلى موقعها . ومثل قول جرير ms053 : # ( لمن الديار ببرقة الروحان % إذ لا نبيع زماننا بزمان ) PageV01P085 # ( صدع الغواني - إذ رمين - فؤاده % صدع الزجاجة ما لذاك تدان ) # انظر إلى قوله : ' ما لذاك تدان ' ، وتأمل حال هذا الاستئناف . ليس من ~~بصير عارف بجواهر الكلام ، حساس متفهم لسر هذا الشأن ينشد أو يقرأ هذه ~~الأبيات إلا لم يلبث أن يضع يده في كل بيت منها على الموضع الذي أشرت إليه ~~يعجب ويكبر شأن المزية فيه والفضل . PageV01P086 # | فصل في شواهد على النظم يتحد في الوضع ويدق فيه الصنع # واعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر ، ويغمض المسلك في توخي المعاني ~~التي عرفت أن تتحد أجزاء الكلام ، ويدخل بعضها في بعض ، ويشتد ارتباط ثان ~~منها بأول ، وأن يحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعا واحدا ، وأن ~~يكون حالك فيها حال الباني ؛ يضع بيمينه هاهنا في حال ما يضع بيساره هناك . ~~نعم وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعها بعد الأولين . وليس لما شأنه أن ~~يجيء على هذا الوصف حد يحصره ، وقانون يحيط به ، فإنه يجيء على وجوه شتى ~~وأنحاء مختلفة . فمن ذلك أن تزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء معا كقول ~~البحتري ، + الطويل + : # ( إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى % أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر ) # وقوله ، + طويل + : # ( إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها % تذكرت القربى ففاضت دموعها ) # فهذا نوع . ونوع منه آخر قول سليمان بن داود القضاعي ، + الوافر + : # ( فبينا المرء في علياء أهوى % ومنحط أتيح له اعتلاء ) # ( وبينا نعمة إذ حال بؤس % وبؤس إذ تعقبه ثراء ) # ونوع ثالث وهو ما كان كقول كثير ، + طويل + : PageV01P087 # ( وإني وتهيامي بعزة بعدما % تخليت مما بيننا وتخلت ) # ( لكالمرتجي ظل الغمامة كلما % تبوأ منها للمقيل اضمحلت ) # وكقول البحتري ، + طويل + : # ( لعمرك إنا والزمان كما جنت % على الأضعف الموهون عادية الأقوى ) # ومنه التقسيم ، وخصوصا إذا قسمت ، ثم جمعت كقول حسان ، + البسيط + : # ( قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم % أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا ) # ( سجية تلك منهم غير محدثة % إن الخلائق فاعلم شرها البدع ) # ومنه # ومن ذلك ms054 ، وهو شيء في غاية الحسن ، قول القائل ، + البسيط + : # لو أن ما أنتم فيه يدوم لكم % ظننت ما أنا فيه دائما أبدا # ( لكن رأيت الليالي غير تاركة % ما سر من حادث أو ساء مطردا ) # ( فقد سكنت إلى أني وأنكم % سنستجد خلاف الحالتين غدا ) # قوله : ' سنستجد خلاف الحالتين غدا ' جمع فيما قسم لطيف . وقد ازداد لطفا ~~بحسن ما بناه عليه ، ولطف ما توصل به إليه ، من قوله : ' فقد سكنت إلى أني ~~وأنكم ' . # وإذا قد عرفت هذا النمط من الكلام ، وهو ما تتحد أجزاؤه حتى يوضع وضعا ~~واحدا ، فاعلم أنه النمط العالي ، والباب الأعظم ، والذي لا ترى سلطان ~~المزية يعظم في شيء كعظمه فيه ، ومما ندر منه ولطف مأخذه ، ودق نظر واضعه ، ~~وجلى لك عن شأو قد تحسر PageV01P088 دونه العتاق ، وغاية يعيا من قبلها ~~المذاكي القرح ، الأبيات المشهورة في تشبيه شيئين بشيئين - بيت امرىء القيس ~~، + الكامل + : # ( كأن قلوب الطير رطبا ويابسا % لدى وكرها العناب والحشف البالي ) # وبيت الفرزدق ، + من الكامل + : # ( والشيب ينهض في الشباب كأنه % ليل يصيح بجانبيه نهار ) # وبيت بشار ، + طويل + : # ( كأن مثار النقع فوق رؤوسنا % وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ) # ومما أتى في هذا الباب مأتى أعجب مما مضى كله قول زياد الأعجم ، + طويل + ~~: # ( وإنا وما تلقي لنا إن هجوتنا % لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق ) # وإنما كان أعجب لأن عمله أدق ، وطريقه أغمض ، ووجه المشابكة فيه أغرب . ~~PageV01P089 # واعلم أن من الكلام ما أنت تعلم إذا تدبرته أن لم يحتج واضعه إلى فكر ~~وروية حتى انتظم له . بل ترى سبيله في ضم بعضه إلى بعض سبيل من عمد إلى لآل ~~فخرطها في سلك لا يبغي أكثر من أن يمنعها التفرق ، وكمن نضد أشياء بعضها ~~على بعض ، لا يريد في نضده ذلك أن تجيء له منه هيئة أو صورة ، بل ليس إلا ~~أن تكون مجموعة في رأي العين . وذلك إذا كان معناك معنى لا يحتاج أن تصنع ~~فيه شيئا ، غير أن تعطف لفظا على مثله كقول الجاحظ : ' جنبك الله الشبهة ، ~~وعصمك من الحيرة ms055 ، وجعل بينك وبين المعرفة نسبا ، وبين الصدق سببا ، وحبب ~~إليك التثبت ، وزين في عينك الإنصاف ، وأذاقك حلاوة التقوى ، وأشعر قلبك عز ~~الحق ، وأودع صدرك برد اليقين ، وطرد عنك ذل اليأس ، وعرفك ما في الباطل من ~~الذلة ، وما في الجهل من القلة ' . وكقول بعضهم : ' لله در خطيب قام عندك ~~يا أمير المؤمنين ، ما أفصح لسانه ، وأحسن بيانه ، وأمضى جنانه ، وأبل ريقه ~~، وأسهل طريقه ' . ومثل قول النابغة في الثناء المسجوع : ' أيفاخرك الملك ~~اللخمي ؟ فوالله لقفاك خير من وجهه ، ولشمالك خير من يمينه ، ولأخمصك خير ~~من رأسه ، ولخطؤك خير من صوابه ، ولعيك خير من كلامه ، ولخدمك خير من قومه ~~' . وكقول بعض البلغاء في وصف اللسان : ' اللسان أداة يظهر بها حسن البيان ~~، وظاهر يخبر عن الضمير ، وشاهد ينبئك عن غائب ، وحاكم يفصل به الخطاب ، ~~وواعظ ينهى عن القبيح ، ومزين يدعو إلى الحسن ، وزارع يحرث المودة ، وحاصد ~~يحصد الضغينة ، ومله يونق الأسماع ' . # فما كان من هذا وشبهه لم يجب به فضل إذا وجب إلا بمعناه أو بمتون ألفاظه ~~، دون نظمه وتأليفه ، وذلك لأنه لا فضيلة حتى ترى في الأمر مصنعا ، وحتى ~~تجد إلى التخير سبيلا ، PageV01P090 وحتى تكون قد استدركت صوابا . # فإن قلت : أفليس هو كلاما قد اطرد على الصواب ، وسلم من العيب ؟ أفما ~~يكون في كثرة الصواب فضيلة ؟ قيل : أما والصواب كما ترى فلا . لأنا لسنا في ~~ذكر تقويم اللسان ، والتحرز من اللحن ، وزيغ الإعراب . فنعتد بمثل هذا ~~الصواب . وإنما نحن في أمور تدرك بالفكر اللطيفة ، ودقائق يوصل إليها بثاقب ~~الفهم ، فليس درك صواب دركا فيما نحن فيه حتى يشرف موضعه ، ويصعب الوصول ~~إليه ، وكذلك لا يكون ترك خطأ تركا ، حتى يحتاج في التحفظ منه إلى لطف نظر ~~، وفضل رؤية ، وقوة ذهن ، وشدة تيقظ . وهذا باب ينبغي أن تراعيه ، وأن تعنى ~~به . حتى إذا وازنت بين كلام وكلام ودريت كيف تصنع ، فضممت إلى كل شكل شكله ~~، وقابلته بما هو نظير له ، وميزت ما الصنعة منه في لفظه ، مما هي منه في ~~نظمه . # واعلم أن هذا ms056 - أعني الفرق بين أن تكون المزية في اللفظ ، وبين أن تكون ~~في النظم - باب يكثر فيه الغلط ترى مستحسنا قد أخطأ بالاستحسان موضعه ، ~~فينحل اللفظ ما ليس له . ولا تزال ترى الشبهة قد دخلت عليك في الكلام ، قد ~~حسن من لفظه ، ونظمه ، فظننت أن حسنه ذلك كله للفظ منه دون النظم . مثال ~~ذلك أن تنظر إلى قول ابن المعتز ، + طويل + : # ( وإني على إشفاق عيني من العدا % لتجمح مني نظرة ثم أطرق ) # فترى أن هذه الطلاوة ، وهذا الظرف إنما هو لأن جعل النظر يجمح ، وليس هو ~~لذلك ، بل لأن قال في أول البيت : ' وإني ' ، حتى دخل اللام في قوله : ' ~~لتجمح ' ثم قوله : ' مني ' . ثم لأن قال : ' نظرة ' ولم يقل : النظر مثلا . ~~ثم لمكان ' ثم ' في قوله : ثم أطرق . وللطيفة أخرى نصرت هذه اللطائف ، وهي ~~اعتراضه بين اسم إن وخبرها بقوله : ' على إشفاق عيني من العدا ' . # وإن أردت أعجب من ذلك فيما ذكرت لك فانظر إلى قوله : - وقد تقدم إنشاده ~~قبل - : PageV01P091 # ( سالت عليه شعاب الحي حين دعا % أنصاره بوجوه كالدنانير ) # فإنك ترى هذه الاستعارة ، على لطفها وغرابتها ، إنما تم لها الحسن ، ~~وانتهى إلى حيث انتهى بما توخي في وضع الكلام من التقديم والتأخير . وتجدها ~~قد ملحت ولطفت وبمعاونة ذلك ومؤازرته لها . وإن شككت فاعمد إلى الجارين ~~والظرف فأزل كلا منها عن مكانه الذي وضعه الشاعر فيه فقل : سالت شعاب الحي ~~بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره . ثم انظر كيف يكون الحال ؛ وكيف يذهب ~~الحسن والحلاوة ؟ وكيف تعدم أريحيتك التي كانت ؟ وكيف تذهب النشوة التي كنت ~~تجدها ؟ # وجملة الأمر أن هاهنا كلاما حسنه للفظ دون النظم ، وآخر حسنه للنظم دون ~~اللفظ ، وثالثا قد أتاه الحسن من الجهتين ، ووجبت له المزية بكلا الأمرين ، ~~والإشكال في هذا الثالث ، وهو الذي لا تزال ترى الغلط قد عارضك فيه ، وتراك ~~قد حفت فيه على النظم فتركته ، وطمحت ببصرك إلى اللفظ وقدرت في حسن كان به ~~، وباللفظ أنه للفظ خاصة . وهذا هو الذي أردت حين قلت لك : إن ms057 في الاستعارة ~~ما لا يمكن بيانه ، إلا من بعد العلم بالنظم ، والوقوف على حقيقته . # ومن دقيق ذلك وخفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى : ( @QB@ واشتعل ~~الرأس شيبا @QE@ ) لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة ، ولم ينسبوا الشرف إلا ~~إليها ، ولم يروا للمزية موجبا سواها . هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم ، ~~وليس الأمر على ذلك . ولا هذا الشرف العظيم ، ولا هذه المزية الجليلة وهذه ~~الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة . ولكن لأن ~~سلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء ، وهو لما هو من سببه فيرفع ~~به ما يسند إليه ، ويؤتى بالذي الفعل له في المعنى ، منصوبا بعده مبينا أن ~~ذلك الإسناد ، وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل هذا الثاني ، ~~ولما بينه وبينه من الاتصال والملابسة ، كقولهم : طاب زيد نفسا ، وقر عمر و ~~عينا ، وتصبب عرقا ، وكرم أصلا ، PageV01P092 # وحسن وجها . وأشباه ذلك مما تجد الفعل فيه منقولا عن الشيء إلى ما ذلك ~~الشيء من سببه . وذلك أنا نعلم أن ' اشتعل ' للشيب في المعنى ، وإن كان هو ~~للرأس في اللفظ . كما أن طاب للنفس ، وقر للعين ، وتصبب للعرق ، وإن أسند ~~إلى ما أسند إليه ، يبين أن الشرف كان لأن سلك فيه هذا المسلك ، وتوخي به ~~هذا المذهب ، أن تدع هذا الطريق فيه ، وتأخذ اللفظ فتسنده إلى الشيب صريحا ~~فتقول : اشتعل شيب الرأس والشيب في الرأس . ثم تنظر : هل تجد ذلك الحسن ~~وتلك الفخامة ؟ وهل ترى الروعة التي كنت تراها ؟ # فإن قلت : فما السبب في أن كان ' اشتعل ' إذا استعير للشيب على هذا الوجه ~~كان له الفضل ؟ ولم بان بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة ؟ فإن السبب ~~أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى الشمول ، وأنه قد شاع ~~فيه ، وأخذه من نواحيه ، وأنه قد استغرقه ، وعم جملته ، حتى لم يبق من ~~السواد شيء ، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به ، وهذا ما لا يكون إذا قيل : ~~اشتعل شيب الرأس ms058 ، أو الشيب في الرأس . بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ~~ظهوره فيه على الجملة . ووزان هذا أنك تقول : اشتعل البيت نارا فيكون ~~المعنى أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول ، وأنها قد استولت عليه ، وأخذت ~~في طرفيه ووسطه . وتقول : اشتعلت النار في البيت . فلا يفيد ذلك ، بل لا ~~يقتضي أكثر من وقوعها فيه وإصابتها جانبا منه ، فأما الشمول وأن تكون قد ~~استولت على البيت ، وابتزته فلا يعقل من اللفظ البتة . # ونظير هذا في التنزيل قوله عز وجل : ( @QB@ وفجرنا الأرض عيونا @QE@ ) ~~التفجير للعيون في المعنى ، وأوقع على الأرض في اللفظ ، كما أسند هناك ~~الاشتعال إلى الرأس . وقد حصل بذلك من معنى الشمول هاهنا مثل الذي حصل هناك ~~. وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها ، وأن الماء قد كان ~~يفور من كل مكان منها . ولو أجري اللفظ على ظاهره فقيل : وفجرنا عيون الأرض ~~، أو العيون في الأرض ، لم يفد ذلك ، ولم يدل عليه ، ولكان المفهوم منه أن ~~الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض ، وتبجس من أماكن منها . ~~PageV01P093 # واعلم أن في الآية الأولى شيئا آخر من جنس النظم ، وهو تعريف الرأس ~~بالألف واللام ، وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة ، وهو أحد ما أوجب ~~المزية . ولو قيل : واشتعل رأسي . فصرح بالإضافة لذهب بعض الحسن فاعرفه . ~~وأنا أكتب لك شيئا مما سبيل الاستعارة فيه هذا السبيل ، ليستحكم هذا الباب ~~في نفسك ، ولتأنس به فمن عجيب ذلك قول بعض الأعراب + الرجز + : # ( الليل داج كنفا جلبابه % والبين محجور على غرابه ) # ليس كل ما ترى من الملاحة لأن جعل لليل جلبابا ، وحجر على الغراب . ولكن ~~في أن وضع الكلام الذي ترى ، فجعل الليل مبتدأ وجعل ' داج ' خبرا له ، ~~وفعلا لما بعده ، وهو الكنفان ، وأضاف الجلباب إلى ضمير الليل . ولأن جعل ~~كذلك ' البين ' مبتدأ ، وأجرى محجورا خبرا عليه ، وأن أخرج اللفظ على مفعول ~~. يبين ذلك أنك لو قلت : وغراب البين محجور عليه أو : قد حجر على غراب ~~البين ، لم تجد له ms059 هذه الملاحة . وكذلك لو قلت : قد دجا كنفا جلباب الليل ~~لم يكن شيئا . # ومن النادر فيه قول المتنبي ، + الخفيف + : # ( غصب الدهر والملوك عليها % فبناها في وجنة الدهر خالا ) # قد ترى في أول الأمر أن حسنه أجمع في أن جعل للدهر وجنة ، وجعل البنية ~~خالا في الوجنة . وليس الأمر على ذلك ؛ فإن موضع الأعجوبة في أن أخرج ~~الكلام ، مخرجه الذي ترى ، وأن أتى بالخال منصوبا على الحال من قوله ' ~~فبناها ' . أفلا ترى أنك لو قلت : وهي خال في وجنة الدهر ، لوجدت الصورة ، ~~غير ما ترى ؟ وشبيه بذلك أن ابن المعتز قال : PageV01P094 # ( يا مسكة العطار % وخال وجه النهار ) # وكانت الملاحة في الإضافة بعد الإضافة لا في استعارة لفظة الخال ؛ إذ ~~معلوم أنه لو قال : يا خالا في وجه النهار أو : يا من هو خال في وجه النهار ~~لم يكن شيئا . ومن شأن هذا الضرب أن يدخله الاستكراه . قال الصاحب : ' إياك ~~والإضافات المتداخلة ؛ فإن ذلك لا يحسن ' . وذكر أنه يستعمل في الهجاء كقول ~~القائل ، + الخفيف + : # ( يا علي بن حمزة بن عماره % أنت والله ثلجة في خياره ) # ولا شبهة في ثقل ذلك في الأكثر ، ولكنه إذا سلم من الاستكراه لطف وملح . # ومما حسن فيه قول ابن المعتز أيضا ، + طويل + : # ( وظلت تدير الراح أيدي جآذر % عتاق دنانير الوجوه ملاح ) # ومما جاء منه حسنا جميلا قول الخالدي في صفة غلام له ، + من المسرح + : # ( ويعرف الشعر مثل معرفتي % وهو على أن يزيد مجتهد ) # ( وصيرفي القريض وزان دينار % المعاني الدقاق منتقد ) # ومنه قول أبي تمام ، + الكامل + : # ( خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى % والليل أسود رقعة الجلباب ) # ومما أكثر الحسن فيه بسبب النظم قول المتنبي ، + طويل + : PageV01P095 # ( وقيدت نفسي في ذراك محبة % ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا ) # الاستعارة في أصلها مبتذلة معروفة ؛ فإنك ترى العامي يقول للرجل يكثر ~~إحسانه إليه وبره له ، حتى يألفه ويختار المقام عنده : قد قيدني بكثرة ~~إحسانه إلي ، وجميل فعله معي حتى صارت نفسي لا تطاوعني على الخروج من عنده ~~، وإنما كان ما ترى من الحسن ms060 بالمسلك الذي سلك في النظم والتأليف . # | فصل في التقديم والتأخير # هو باب كثير الفوائد ، جم المحاسن ، واسع التصرف ، بعيد الغاية . لا يزال ~~يفتر لك عن بديعة ، ويفضي بك إلى لطيفة . ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه ، ~~ويلطف لديك موقعه ، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ، ولطف عندك أن قدم فيه شيء ~~وحول اللفظ عن مكان إلى مكان . # واعلم أن تقديم الشيء على وجهين : # تقديم يقال إنه على نية التأخير ، وذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على ~~حكمه الذي كان عليه ، وفي جنسه الذي كان فيه ، كخبر المبتدأ إذا قدمته على ~~المبتدأ ، والمفعول إذا قدمته على الفاعل ، كقولك : منطلق زيد ، وضرب عمرا ~~زيد . معلوم أن ' منطلق ' ' وعمرا ' لم يخرجا بالتقديم عما كانا عليه من ~~كون هذا خبر مبتدأ ومرفوعا بذلك ، وكون ذلك مفعولا ومنصوبا من أجله . كما ~~يكون إذا أخرت . # وتقديم لا على نية التأخير ، ولكن على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم ، ~~وتجعل PageV01P096 # له بابا غير بابه ، وإعرابا غير إعرابه ، وذلك أن تجيء إلى اسمين يحتمل ~~كل واحد منهما أن يكون مبتدأ ، ويكون الآخر خبرا له ، فتقدم تارة هذا على ~~ذاك ، وأخرى ذاك على هذا . ومثاله ما تصنعه بزيد والمنطلق حيث تقول مرة : ~~زيد المنطلق . وأخرى : المنطلق زيد . فأنت في هذا لم تقدم المنطلق على أن ~~يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير ، فيكون خبر مبتدأ كما كان ~~بل على أن تنقله عن كونه خبرا إلى كونه مبتدأ . وكذلك لم تؤخر زيدا على أن ~~يكون مبتدأ كما كان ، بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبرا . وأظهر ~~من هذا قولنا : ضربت زيدا وزيد ضربته . لم تقدم زيدا على أن يكون مفعولا ~~منصوبا بالفعل كما كان ، ولكن على أن ترفعه بالابتداء ، وتشغل الفعل بضميره ~~، وتجعله في موضع الخبر له ، وإذ قد عرفت هذا التقسيم فإني أتبعه بجملة من ~~الشرح . # واعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل غير العناية ~~والاهتمام . قال صاحب ' الكتاب ms061 ' ، وهو يذكر الفاعل والمفعول : ' كأنهم ~~يقدمون الذي بيانه أهم لهم ، وهم بشأنه أعنى ، وإن كانا جميعا يهمانهم ~~ويعنيانهم ' . ولم يذكر في ذلك مثالا . وقال النحويون : إن معنى ذلك أنه قد ~~تكون أغراض الناس في فعل ما أن يقع بإنسان بعينه ، ولا يبالون من أوقعه ~~كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجي ؛ يخرج فيعيث ويفسد ويكثر في الأذى ، ~~أنهم يريدون قتله ، ولا يبالون من كان القتل منه ، ولا يعنيهم منه شيء ، ~~فإذا قتل ، وأراد مريد الإخبار بذلك فإنه يقدم ذكر الخارجي فيقول : قتل ~~الخارجي زيد . ولا يقول : قتل زيد الخارجي . لأنه يعلم أن ليس للناس في أن ~~يعلموا أن القاتل له زيد جدوى وفائدة . فيعنيهم ذكره ، ويهمهم ويتصل ~~بمسرتهم ، ويعلم من حالهم أن الذي هم متوقعون له ومتطلعون إليه متى يكون ~~وقوع القتل بالخارجي المفسد ، وأنهم قد كفوا شره ، وتخلصوا منه . # ثم قالوا : فإن كان رجل ليس له بأس ، ولا يقدر فيه أنه يقتل فقتل رجلا ، ~~وأراد المخبر أن يخبر بذلك ، فإنه يقدم ذكر القاتل فيقول : قتل زيد رجلا ؛ ~~ذاك لأن الذي يعنيه ويعني الناس من شأن هذا القتل طرافته ، وموضع الندرة ~~فيه ، وبعده كان من الظن . ومعلوم أنه لم يكن نادرا وبعيدا من حيث كان ~~واقعا بالذي وقع به ، ولكن من حيث كان واقعا من الذي وقع منه ، فهذا جيد ~~بالغ . إلا أن الشأن في أنه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدم في موضع ~~PageV01P097 # من الكلام مثل هذا المعنى ، ويفسر وجه العناية فيه هذا التفسير . وقد وقع ~~في ظنون الناس أنه يكفي أن يقال : إنه قدم للعناية ، ولأن ذكره أهم ، من ~~غير أن يذكر من أين كانت تلك العناية ؟ وبم كان أهم ؟ ولتخيلهم ذلك قد صغر ~~أمر التقديم والتأخير في نفوسهم ، وهونوا الخطب فيه . حتى إنك لترى أكثرهم ~~يرى تتبعه ، والنظر فيه ضربا من التكلف . ولم تر ظنا أزرى على صاحبه من هذا ~~وشبهه . # وكذلك صنعوا في سائر الأبواب ، فجعلوا لا ينظرون في الحذف والتكرار ، ~~والإظهار والإضمار ، والفصل ms062 والوصل ، ولا في نوع من أنواع الفروق والوجوه ، ~~إلا نظرك فيما غيره أهم لك ، بل فيما إن لم تعلمه لم يضرك . لا جرم أن ذلك ~~قد ذهب بهم عن معرفة البلاغة ، ومنعهم أن يعرفوا مقاديرها ، وصد أوجههم عن ~~الجهة التي هي فيها ، والشق الذي يحويها ، والمداخل التي تدخل منها الآفة ~~على الناس في شأن العلم . ويبلغ الشيطان مراده منهم في الصد عن طلبه وإحراز ~~فضيلته كثيرة ، وهذه من أعجبها - إن وجدت متعجبا - وليت شعري إن كانت هذه ~~أمورا هينة ، وكان المدى فيها قريبا ، والجدا ، يسيرا ، من أين كان نظم ~~أشرف من نظم ؟ . وبم عظم التفاوت ؟ واشتد التباين ؟ وترقى الأمر إلى ~~الإعجاز ؟ وإلى أن يقهر أعناق الجبابرة ؟ أو هاهنا أمور أخر نحيل في المزية ~~عليها ، ونجعل الإعجاز كان بها ، فتكون تلك الحوالة لنا عذرا في ترك النظر ~~في هذه التي معنا ، والإعراض عنها ، وقلة المبالاة بها ؟ أو ليس هذا ~~التهاون - إن نظر العاقل - خيانة منه لعقله ودينه ؟ ودخولا فيما يزري بذي ~~الخطر ؟ ويغض من قدر ذوي القدر ؟ وهل يكون أضعف رأيا ، وأبعد من حسن التدبر ~~منك إذا أهمك أن تعرف الوجوه في ( @QB@ أأنذرتهم @QE@ ) والإمالة في ( @QB@ ~~رأى القمر @QE@ ) وتعرف الصراط والزراط ، وأشباه ذلك مما لا يعدو علمك فيه ~~اللفظ وجرس الصوت ، ولا يمنعك PageV01P098 # إن لم تعلمه بلاغة ، ولا يدفعك عن بيان ، ولا يدخل عليك شكا ، ولا يغلق ~~دونك باب معرفة ، ولا يفضي بك إلى تحريف وتبديل ، وإلى الخطأ في تأويل ، ~~وإلى ما يعظم فيه المعاب عليك ، ويطيل لسان القادح فيك ، ولا يعنيك ولا ~~يهمك أن تعرف ما إذا جهلته عرضت نفسك ، لكل ذلك وحصلت فيما هنالك . وكان ~~أكثر كلامك في التفسير ، وحيث تخوض في التأويل ، كلام من لا يبني الشيء على ~~أصله ، ولا يأخذه من مأخذه ، ومن ربما وقع في الفاحش من الخطأ الذي يبقى ~~عاره ، وتشنع آثاره . ونسأل الله العصمة من الزلل والتوفيق لما هو أقرب إلى ~~رضاه من القول والعمل . # واعلم أن من الخطأ أن يقسم الأمر في تقديم الشيء ms063 وتأخيره قسمين ؛ فيجعل ~~مفيدا في بعض الكلام ، وغير مفيد في بعض . وأن يعلل تارة بالعناية ، وأخرى ~~بأنه توسعة على الشاعر والكاتب ، حتى تطرد لهذا قوافيه ، ولذاك سجعه . ذاك ~~لأن من البعيد أن يكون في جملة النظم ما يدل تارة ولا يدل أخرى . فمتى ثبت ~~في تقديم المفعول مثلا على الفعل في كثير من الكلام أنه قد اختص بفائدة لا ~~تكون تلك الفائدة مع التأخير ، فقد وجب أن تكون تلك قضية في كل شيء وكل حال ~~. ومن سبيل من يجعل التقديم وترك التقديم سواء أن يدعي أنه كذلك في عموم ~~الأحوال . فأما أن يجعله بين بين ، فيزعم أنه للفائدة في بعضها ، وللتصرف ~~في اللفظ من غير معنى في بعض ، فمما ينبغي أن يرغب عن القول به . # وهذه مسائل لا يستطيع أحد أن يمتنع من التفرقة بين تقديم ما قدم فيها ، ~~وترك تقديمه . ومن أبين شيء في ذلك الاستفهام بالهمزة ؛ فإن موضع الكلام ~~على أنك إذا قلت : أفعلت ؟ فبدأت بالفعل كان الشك في الفعل نفسه ، وكان ~~غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده . وإذا قلت : أأنت فعلت ؟ فبدأت بالاسم كان ~~الشك في الفاعل من هو ، وكان التردد فيه . ومثال ذلك أنك تقول : أبنيت ~~الدار التي كنت على أن تبنيها ؟ أقلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله ؟ ~~أفرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه ؟ تبدأ في هذا ونحوه بالفعل ، لأن السؤال ~~عن الفعل نفسه والشك فيه ، لأنك في جميع ذلك متردد في وجود الفعل ~~PageV01P099 # وانتفائه ، مجوز أن يكون قد كان وأن يكون لم يكن . وتقول : أأنت بنيت هذه ~~الدار ؟ أأنت قلت هذا الشعر ؟ أأنت كتبت هذا الكتاب ؟ فتبدأ في ذلك كله ~~بالأسم . ذلك لأنك لم تشك في الفعل أنه كان وكيف ، وقد أشرت إلى الدار ~~مبنية ، والشعر مقولا ، والكتاب مكتوبا ؟ وإنما شككت في الفاعل من هو . ~~فهذا من الفرق لا يدفعه دافع ، ولا يشك فيه شاك . # ولا يخفى فساد أحدهما في موضع الآخر . فلو قلت : أأنت بنيت الدار التي ~~كنت على أن تبنيها ؟ أأنت ms064 قلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله ؟ أأنت فرغت ~~من الكتاب الذي كنت تكتبه ؟ خرجت من كلام الناس . وكذلك لو قلت : أبنيت هذه ~~الدار ؟ أقلت هذا الشعر ؟ أكتبت هذا الكتاب ؟ قلت ما ليس بقول ذاك ، لفساد ~~أن تقول في الشيء المشاهد الذي هو نصب عينيك : أموجود أم لا ؟ ومما يعلم به ~~ضرورة أنه لا تكون البداية بالفعل كالبداية بالاتسم أنك تقول : أقلت شعرا ~~قط ؟ أرأيت اليوم إنسانا ؟ فيكون كلاما مستقيما . ولو قلت : أأنت قلت شعرا ~~قط ؟ أأنت رأيت إنسانا ؟ أخطأت ، وذاك أنه لا معنى للسؤال عن الفاعل من هو ~~في مثل هذا ، لأن ذلك إنما يتصور إذا كانت الإشارة إلى فعل مخصوص ، نحو أن ~~تقول : من قال هذا الشعر ؟ ومن بنى هذه الدار ؟ ومن أتاك اليوم ؟ ومن أذن ~~لك في الذي فعلت ؟ وما أشبه ذلك مما يمكن أن ينص فيه على معين . فأما قيل ~~شعر على الجملة ، ورؤية إنسان على الإطلاق ، فمحال ذلك فيه ، لأنه ليس مما ~~يختص بهذا دون ذاك حتى يسأل عن عين فاعله . ولو كان تقديم الاسم لا يوجب ما ~~ذكرنا من أن يكون السؤال عن الفاعل من هو ، وكان يصح أن يكون سؤالا عن ~~الفعل أكان أم لم يكن ، لكان ينبغي أن يستقيم ذلك . # واعلم أن هذا الذي ذكرت لك في الهمزة ' وهي للاستفهام ' قائم فيها إذا ~~كانت هي للتقرير . فإذا قلت ، أأنت فعلت ذاك ؟ كان غرضك أن تقرره بأنه ~~الفاعل . يبين ذلك قوله تعالى حكاية عن قول نمروذ ( @QB@ أأنت فعلت هذا ~~بآلهتنا يا إبراهيم @QE@ ) لا شبهة في أنهم لم PageV01P100 # يقولوا ذلك له عليه السلام وهم يريدون أن يقر لهم بأن كسر الأصنام قد كان ~~، ولكن أن يقر بأنه منه كان . وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم : ( @QB@ ~~أأنت فعلت هذا @QE@ ) . وقال هو عليه السلام في الجواب : ( @QB@ بل فعله ~~كبيرهم هذا @QE@ ) . ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب : فعلت أو لم أفعل ~~فإن قلت : أو ليس إذا قال : ' أفعلت ' فهو يريد أيضا أن يقرره بأن الفعل ms065 ~~كان منه لا بأنه كان على الجملة ؟ فأي فرق بين الحالين ؟ فإنه إذا قال : ' ~~أفعلت ' ؟ فهو يقرره بالفعل من غير أن يردده بينه وبين غيره ، وكان كلامه ~~كلام من يوهم أنه لا يدري أن ذلك الفعل كان على الحقيقة . وإذا قال : أأنت ~~فعلت ؟ كان قد ردد الفعل بينه وبين غيره ولم يكن منه في نفي الفعل تردد . ~~ولم يكن كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أكان الفعل أم لم يكن , بدلالة أنك ~~تقول ذلك ، والفعل ظاهر موجود مشار إليه كما رأيت في الآية . # واعلم أن الهمزة فيما ذكرنا تقرير بفعل قد كان ، وإنكار له لم كان ، ~~وتوبيخ لفاعله عليه . ولها مذهب آخر وهو أن يكون لإنكار أن يكون الفعل قد ~~كان من أصله . ومثاله قوله تعالى : ( @QB@ أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من ~~الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما @QE@ ) وقوله عز وجل : ( @QB@ ~~أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون @QE@ ) . فهذا رد على المشركين ~~وتكذيب لهم في قولهم ما يؤدي إلى هذا الجهل العظيم . وإذا قدم الاسم في هذا ~~صار الإنكار في الفاعل ، ومثاله قولك للرجل قد انتحل شعرا : أأنت قلت هذا ~~الشعر ؟ كذبت لست ممن يحسن مثله . أنكرت أن يكون القائل ، ولم تنكر الشعر . ~~وقد تكون إذ يراد إنكار الفعل من أصله ، ثم يخرج اللفظ مخرجه إذا كان ~~الإنكار في الفاعل ، مثال ذلك قوله تعالى : ( @QB@ قل آلله أذن لكم @QE@ ) ~~الإذن راجع إلى قوله : ( @QB@ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم ~~منه حراما وحلالا @QE@ ) . ومعلوم أن المعنى على إنكار أن يكون قد كان من ~~الله تعالى PageV01P101 # إذن فيما قالوه من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير الله فأضافوه إلى ~~الله . إلا أن اللفظ أخرج مخرجه إذا كان الأمر كذلك لأن يجعلوا في صورة من ~~غلط ، فأضاف إلى الله تعالى إذنا كان من غير الله فإذا حقق عليه ارتدع . # ومثال ذلك قولك للرجل يدعي أن قولا كان ممن تعلم أنه لا يقوله : أهو قال ~~ذاك بالحقيقة أم ms066 أنت تغلط ؟ تضع الكلام وضعه إذا كنت علمت أن ذلك القول قد ~~كان من قائل لينصرف الإنكار إلى الفاعل ، فيكون أشد لنفي ذلك وإبطاله . ~~ونظير هذا قوله تعالى : ( @QB@ قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين @QE@ ) أخرج اللفظ مخرجه إذا كان قد ثبت تحريم في أحد أشياء ~~، ثم أريد معرفة عين المحرم مع أن المراد إنكار التحريم من أصله ، ونفي أن ~~يكون قد حرم شيء مما ذكروا أنه محرم . وذلك أن كان الكلام وضع على أن يجعل ~~التحريم كأنه قد كان ، ثم يقال لهم : أخبرونا عن هذا التحريم الذي زعمتم ~~فيم هو ؟ أفي هذا أم ذاك أم في الثالث ؟ ليتبين بطلان قولهم ، ويظهر مكان ~~الفرية منهم على الله تعالى . # ومثل ذلك قولك للرجل يدعي أمرا وأنت تنكره : متى كان هذا أفي ليل أم نهار ~~؟ تضع الكلام وضع من سلم أن ذلك قد كان ، ثم تطالبه ببيان وقته لكي يتبين ~~كذبه إذا لم يقدر أن يذكر له وقتا ويفتضح . ومثله قولك : من أمرك بهذا منا ~~، وأينا أذن لك فيه ؟ وأنت لا تعني أن أمرا قد كان بذلك من واحد منكم ، إلا ~~أنك تضع الكلام هذا الوضع لكي تضيق عليه ، وليظهر كذبه حين لا يستطيع أن ~~يقول : فلان ، وأن يحيل على واحد . # وإذ قد بينا الفرق بين تقديم الفعل وتقديم الاسم والفعل ماض ، فينبغي أن ~~ينظر فيه والفعل مضارع . والقول في ذلك أنك إذا قلت : أتفعل ؟ وأأنت تفعل ؟ ~~لم يخل من أن تريد الحال أو الاستقبال . فإن أردت الحال كان المعنى شبيها ~~بما مضى في الماضي ، فإذا قلت : أتفعل ؟ كان المعنى على أنك أردت أن تقرره ~~بفعل هو يفعله ، وكنت كمن يوهم أنه لا يعلم بالحقيقة أن الفعل كائن . وإذا ~~قلت : أأنت تفعل ؟ كان المعنى على أنك تريد أن PageV01P102 # تقرره بأنه الفاعل . وكان أمر الفعل في وجوده ظاهرا وبحيث لا يحتاج إلى ~~الإقرار بأنه كائن . وإن أردت ب ' تفعل ' المستقبل كان المعنى : إذا بدأت ~~بالفعل على أنك تعمد بالإنكار إلى ms067 الفعل نفسه ، وتزعم أنه لا يكون . أو أنه ~~لا ينبغي أن يكون فمثال الأول ، + طويل + : # ( أيقتلني والمشرفي مضاجعي % ومسنونة زرق كأنياب أغوال ؟ ) # فهذا تكذيب منه لإنسان تهدده بالقتل ، وإنكار أن يقدر على ذلك ويستطيعه . ~~ومثله أن يطمع طامع في أمر لا يكون مثله ، فتجهله في طمعه فتقول : أيرضى ~~عنك فلان وأنت مقيم على ما يكره ؟ أتجد عنده ما تحب وقد فعلت وصنعت ؟ وعلى ~~ذلك قوله تعالى : ( @QB@ أنلزمكموها وأنتم لها كارهون @QE@ ) ومثال الثاني ~~قولك للرجل يركب الخطر : أتخرج في هذا الوقت ؟ أتذهب في غير الطريق ؟ أتغرر ~~بنفسك ؟ وقولك للرجل يضيع الحق : أتنسى قديم إحسان فلان ؟ أتترك صحبته ، ~~وتتغير عن حالك معه لأن تغير الزمان ؟ كما قال ، + طويل + : # ( أأترك إن قلت دراهم خالد % زيارته ؟ إني إذا للئيم ) # جملة الأمر أنك تنحو بالإنكار نحو الفعل ، فإن بدأت بالاسم فقلت : أأنت ~~تفعل ؟ أو قلت : أهو يفعل ؟ كنت وجهت الإنكار إلى نفس المذكور ، وأبيت أن ~~تكون بموضع أن PageV01P103 # يجيء منه الفعل ، وممن يجيء منه ، وأن يكون بتلك المثابة . تفسير ذلك أنك ~~إذا قلت : أأنت تمنعني ؟ أأنت تأخذ على يدي ؟ صرت كأنك قلت : إن غيرك الذي ~~يستطيع منعي ، والأخذ على يدي ولست بذاك ، ولقد وضعت نفسك في غير موضعك . ~~هذا إذا جعلته لا يكون منه الفعل للعجز ، ولأنه ليس في وسعه . وقد يكون أن ~~تجعله لا يحيء منه لأنه لا يختاره ولا يرتضيه ، وأن نفسه نفس تأبى مثله ~~وتكرهه . ومثاله أن تقول : أهو يسأل فلانا ؟ هو أرفع همة من ذلك . أهو يمنع ~~الناس حقوقهم ؟ هو أكرم من ذاك . وقد يكون أن تجعله لا يفعله لصغر قدره ~~وقصر همته ، وأن نفسه نفس لا تسمو ، وذلك قولك : أهو يسمح بمثل هذا ؟ أهو ~~يرتاح للجميل ؟ هو أقصر همة من ذلك ، وأقل رغبة في الخير مما تظن . # وجملة الأمر أن تقديم الاسم يقتضي أنك عمدت بالإنكار إلى ذات من قيل إنه ~~يفعل أو قال هو : إني أفعل . وأردت ما تريده إذا قلت : ليس هو بالذي يفعل ، ~~وليس مثله يفعل . ولا ms068 يكون هذا المعنى إذا بدأت بالفعل فقلت : أتفعل ؟ ألا ~~ترى أن المحال أن تزعم أن المعنى في قول الرجل لصاحبه : أتخرج في هذا الوقت ~~؟ أتغرر بنفسك ؟ أتمضي في غير الطريق ؟ أنه أنكر أن يكون بمثابة من يفعل ~~ذلك ، وبموضع من يجيء منه ذاك . ذاك لأن العلم محيط بأن الناس لا يريدونه ، ~~وأنه لا يليق بالحال التي يستعمل فيها هذا الكلام . وكذلك محال أن يكون ~~المعنى في قوله جل وعلا : ( @QB@ أنلزمكموها وأنتم لها كارهون @QE@ ) أنا ~~لسنا بمثابة من يجيء منه هذا الإلزام ، وأن غيرنا من يفعله - جل الله تعالى ~~- وقد يتوهم المتوهم في الشيء من ذلك أنه يحتمل ، فإذا نظر لم يحتمل ، فمن ~~ذلك قوله : # ( أيقتلني والمشرفي مضاجعي ؟ % ) # وقد يظن الظان أنه يجوز أن يكون في معنى أنه ليس بالذي يجيء منه أن يقتل ~~مثلي ، ويتعلق بأنه قال قبل : # ( يغط غطيط البكر شد خناقه % ليقتلني والمرء ليس بقتال ) PageV01P104 # ولكنه إذا نظر علم أنه لا يجوز ، وذاك لأنه قال : ' والمشرفي مضاجعي ' ، ~~فذكر ما يكون منعا من الفعل . ومحال أن يقول هو ممن لا يجيء منه الفعل ثم ~~يقول : إني أمنعه ، لأن المنع يتصور فيمن يجيء منه الفعل ومع من يصح منه ، ~~لا من هو منه محال ، ومن هو نفسه عنه عاجز ، فاعرفه . # واعلم أنا وإن كنا نفسر الاستفهام في مثل هذا بالإنكار ، فإن الذي هو محض ~~المعنى أنه لتنبيه السامع حتى يرجع إلى نفسه ، فيخجل ويرتدع ، ويعيا ~~بالجواب ، إما لأنه قد ادعى القدرة على فعل لا يقدر عليه . فإذا ثبت على ~~دعواه قيل : ' فافعل ' ، فيفضحه ذلك . وإما لأنه هم بأن يفعل ما لا يستصوب ~~فعله ، فإذا روجع فيه تنبه وعرف الخطأ . وإما لأنه جوز وجود أمر لا يوجد ~~مثله ، فإذا ثبت على تجويزه وبخ على تعنته ، وقيل له : فأرناه في موضع ، ~~وفي حال . وأقم شاهدا على أنه كان في وقت . ولو كان يكون للإنكار ، وكان ~~المعنى فيه من بدء الأمر لكان ينبغي أن لا يجيء فيما لا يقول عاقل : إنه ~~يكون حتى ms069 ينكر عليه كقولهم : أتصعد إلى السماء ؟ أتستطيع أن تنقل الجبال ؟ ~~أإلى رد ما مضى سبيل ؟ وإذ قد عرفت ذلك ، فإنه لا يقرر بالمحال ، وبما لا ~~يقول أحد : إنه يكون إلا على سبيل التمثيل ، وعلى أن يقال له إنك في دعواك ~~ما ادعيت بمنزلة من يدعي هذا المحال ، وإنك في طمعك في الذي طمعت فيه ~~بمنزلة من يطمع في الممتنع . # وإذ قد عرفت هذا فمما هو من هذا الضرب قوله تعالى : ( @QB@ أفأنت تسمع ~~الصم أو تهدي العمي @QE@ ) . ليس إسماع الصم مما يدعيه أحد ، فيكون ذلك ~~للإنكار . وإنما المعنى فيه التمثيل والتشبيه ، وأن ينزل الذي يظن بهم أنهم ~~يسمعون ، أو أنه يستطيع إسماعهم منزلة من يرى أنه يسمع الصم ويهدي العمي . ~~ثم المعنى في تقديم الاسم وأن لم يقل : ' أتسمع الصم ' ؟ هو أن يقال للنبي ~~: أأنت خصوصا قد أوتيت أن تسمع الصم ؟ وأن يجعل في ظنه أنه يستطيع إسماعهم ~~بمثابة من يظن أنه قد أوتي قدرة على إسماع الصم . ومن لطيف PageV01P105 ذلك ~~قول ابن أبي عيينة + الكامل + : # ( فدع الوعيد فما وعيدك ضائري % أطنين أجنحة الذباب يضير ؟ ) # جعله كأنه قد ظن أن طنين أجنحة الذباب بمثابة ما يضير حتى ظن أن وعيده ~~يضير . # واعلم أن حال المفعول فيما ذكرنا كحال الفاعل ؛ أعني تقديم إسم المفعول ~~يقتضي أن يكون الإنكار في طريق الإحالة والمنع ، من أن يكون بمثابة أن يوقع ~~به مثل ذلك الفعل . فإذا قلت : أزيدا تضرب ؟ كنت قد أنكرت أن يكون زيد ~~بمثابة أن يضرب ، أو بموضع أن يجترأ عليه ، ويستجاز ذلك فيه ، ومن أجل ذلك ~~قدم ' غير ' في قوله تعالى : ( @QB@ قل أغير الله أتخذ وليا @QE@ ) وقوله ~~عز وجل : ( @QB@ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله ~~تدعون @QE@ ) وكان له من الحسن والمزية والفخامة ما علم أنه لا يكون لو أخر ~~، فقيل : قل أتتخذ غير الله وليا ؟ وأتدعون غير الله ؟ وذلك لأنه حصل ~~بالتقديم معنى قولك أيكون غير الله بمثابة أن يتخذ وليا ؟ وأيرضى عاقل من ~~نفسه أن يفعل ms070 ذلك ؟ وأيكون جهل أجهل وعمى أعمى من ذلك ؟ ولا يكون شيء من ~~ذلك إذا قيل : أأتخذ غير الله وليا ؟ وذلك لأنه حينئذ يتناول الفعل أن يكون ~~فقط ولا يزيد على ذلك فاعرفه . # وكذلك الحكم في قوله تعالى : ( @QB@ فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه @QE@ ) ~~. وذلك لأنهم بنوا كفرهم على أن من كان مثلهم بشرا لم يكن بمثابة أن يتبع ~~ويطاع ، وينتهى إلى ما يأمر ويصدق أنه مبعوث من الله تعالى ، وأنهم مأمورون ~~بطاعته ، كما جاء في الأخرى : ( @QB@ إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن ~~تصدونا @QE@ ) وكقوله عز وجل : ( @QB@ ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن @QE@ ) ~~PageV01P106 # ( @QB@ يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة @QE@ ) فهذا هو القول في ~~الضرب الأول ، وهو أن يكون يفعل بعد الهمزة لفعل لم يكن . # وأما الضرب الثاني وهو أن يكون يفعل لفعل موجود فإن تقديم الاسم يقتضي ~~شبها بما اقتضاه في الماضي من الأخذ بأن يقر أنه الفاعل أو الإنكار أن يكون ~~الفاعل . فمثال الأول قولك للرجل يبغي ويظلم : أأنت تجيء إلى الضعيف فتغضب ~~ماله ؟ أأنت تزعم أن الأمر كيت وكيت ؟ وعلى ذلك قوله تعالى : ( @QB@ أفأنت ~~تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين @QE@ ) ومثال الثاني ( @QB@ أهم يقسمون رحمة ~~ربك @QE@ PageV01P107 # | فصل في التقديم والتأخير في النفي # وإذ قد عرفت هذه المسائل في الاستفهام ، فهذه مسائل في النفي . إذا قلت : ~~ما فعلت . كنت نفيت عنك فعلا لم يثبت أنه مفعول . وإذا قلت : ما أنا فعلت . ~~كنت نفيت عنك فعلا ثبت أنه مفعول . تفسير ذلك أنك إذا قلت : ما قلت هذا . ~~كنت نفيت أن تكون قد قلت ذاك . وكنت نوظرت في شيء ثبت أنه مقول . وكذلك إذا ~~قلت : ما ضربت زيدا . كنت نفيت عنك ضربه ، ولم يجب أن يكون قد ضرب ، بل ~~يجوز أن يكون قد ضربه غيرك ، وأن لا يكون قد ضرب أصلا . وإذا قلت : ما أنا ~~ضربت زيدا : لم تقله إلا وزيد مضروب ، وكان القصد أن تنفي أن تكون أنت ~~الضارب . # ومن أجل ذلك صلح في الوجه الأول أن يكون المنفي عاما ms071 كقولك : ما قلت شعرا ~~قط وما أكلت اليوم شيئا ، وما رأيت أحدا من الناس . ولم يصلح في الوجه ~~الثاني فكان خلفا أن تقول : ما أنا قلت شعرا قط ، وما أنا أكلت اليوم شيئا ~~، وما أنا رأيت أحدا من الناس . وذلك لأنه يقتضي المحال ، وهو أن يكون ~~هاهنا إنسان قد قال كل شعر في الدنيا ، وأكل كل شيء يؤكل ، ورأى كل أحد من ~~الناس . فنفيت أن تكونه . # ومما هو مثال بين في أن تقديم الاسم يقتضي وجود الفعل قوله ، + من ~~المتقارب + : PageV01P108 # ( وما أنا أسقمت جسمي به % ولا أنا أضرمت في القلب نارا ) # المعنى : كما لا يخفي على أن السقم ثابت موجود ، وليس القصد بالنفي إليه ~~، ولكن إلى أن يكون هو الجالب له ، ويكون قد جره إلى نفسه . # ومثله في الوضوح قوله ، + طويل + : # ( وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله % ) # الشعر مقول على القطع والنفي ، لأن يكون هو وحده القائل له . # وهاهنا أمران يرتفع معهما الشك في وجوب هذا الفرق ، ويصير العلم به ~~كالضرورة . # أحدهما أنه يصح لك أن تقول : ما قلت هذا ولا قاله أحد من الناس . وما ~~ضربت زيدا ولا ضربه أحد سواي . ولا يصح ذلك في الوجه الآخر . فلو قلت : ما ~~أنا قلت هذا ، ولا قاله أحد من الناس . وما أنا ضربت زيدا ولا ضربه أحد ~~سواي ، كان خلفا من القول ، وكان في التناقض بمنزلة أن تقول : لست الضارب ~~زيدا أمس . فتثبت أنه قد ضرب ، ثم تقول من بعده : ما ضربه أحد من الناس ، ~~ولست القائل ذلك . فتثبت أنه قد قيل ، ثم تجيء فتقول : وما قاله أحد من ~~الناس . # والثاني من الأمرين أنك تقول : ما ضربت إلا زيدا ، فيكون كلاما مستقيما ، ~~ولو قلت : ما أنا ضربت إلا زيدا ، كان لغوا من القول ، وذلك لأن نقض النفي ~~بإلا يقتضي أن تكون ضربت زيدا . وتقديمك ضميرك وإيلاؤه حرف النفي يقتضي نفي ~~أن تكون ضربته ، فهما يتدافعان ، فاعرفه . # ويجيء لك هذا الفرق على وجهه في تقديم المفعول وتأخيره . فإذا قلت : ما ~~ضربت ms072 زيدا ؛ فقدمت الفعل كان المعنى أنك قد نفيت أن يكون قد وقع ضرب منك ~~على زيد ، ولم تعرض في أمر غيره لنفي ولا إثبات ، وتركته مبهما محتملا . ~~وإذا قلت : ما زيدا ضربت ؛ فقدمت المفعول كان المعنى على أن ضربا وقع منك ~~على إنسان ، وظن أن ذلك الإنسان زيد ، فنفيت أن يكون إياه . فلك أن تقول في ~~الوجه الأول : ما ضربت زيدا ولا أحدا من PageV01P109 # الناس ، وليس لك في الوجه الثاني ؛ فلو قلت : ما زيدا ضربت ولا أحدا من ~~الناس ، كان فاسدا على ما مضى في الفاعل . # ومما ينبغي أن تعلمه أنه يصح لك أن تقول : ما ضربت زيدا ولكني أكرمته ؛ ~~فتعقب الفعل المنفي بإثبات فعل هو ضده ، ولا يصح أن تقول : ما زيدا ضربت ~~ولكني أكرمته ؛ وذاك أنك لم ترد أن تقول : لم يكن الفعل هذا ولكن ذاك ، ~~ولكنك أردت أنه لم يكن المفعول هذا ولكن ذاك . فالواجب إذا أن تقول : ما ~~زيدا ضربت ، ولكن عمرا . وحكم الجار مع المجرور في جميع ما ذكرنا حكم ~~المنصوب . فإذا قلت : ما أمرتك بهذا ؛ كان المعنى على نفي أن تكون قد أمرته ~~بذلك ، ولم يجب أن تكون قد أمرته بشيء آخر . وإذا قلت : ما بهذا أمرتك ؛ ~~كنت قد أمرته بشيء غيره . # | التقديم والتأخير في الخبر المثبت # واعلم أن هذا الذي بان لك في الاستفهام والنفي من المعنى في التقديم قائم ~~مثله في الخبر المثبت . فإذا عمدت إلى الذي أردت أن تحدث عنه بفعل ، فقدمت ~~ذكره ثم بنيت الفعل عليه فقلت : زيد قد فعل وأنا فعلت وأنت فعلت ؛ اقتضى ~~ذلك أن يكون القصد إلى الفاعل . إلا أن المعنى في هذا القصد ينقسم قسمين : ~~أحدهما جلي لا يشكل ، وهو أن يكون الفعل فعلا قد أردت أن تنص فيه على واحد ~~فتجعله له ، وتزعم أنه فاعله دون واحد آخر ، أو دون كل أحد . ومثال ذلك أن ~~تقول : أنا كتبت في معنى فلان ، وأنا شفعت في بابه ؛ تريد أن تدعي الانفراد ~~بذلك ، والاستبداد به ، وتزيل الاشتباه فيه ms073 ، وترد على من زعم أن ذلك كان ~~من غيرك ، أو أن غيرك قد كتب . فيه كما كتبت ومن البين في ذلك قولهم في ~~المثل : ' أتعلمني بضب أنا حرشته ؟ ' . والقسم الثاني أن لا يكون القصد إلى ~~الفاعل على هذا المعنى ، ولكن على أنك أردت أن تحقق على السامع أنه قد فعل ~~، وتمنعه من الشك ؛ فأنت لذلك تبدأ بذكره ، وتوقعه PageV01P110 # أولا ، ومن قبل أن تذكر الفعل في نفسه ، لكي تباعده بذلك في الشبهة ، ~~وتمنعه من الإنكار ، أو من أن يظن بك الغلط أو التزيد ، ومثاله قولك : هو ~~يعطي الجزيل ، وهو يحب الثناء ؛ لا تريد أن تزعم أنه ليس هاهنا من يعطي ~~الجزيل ويحب الثناء غيره ، ولا أن تعرض بانسان وتحطه عنه ، وتجعله لا يعطي ~~كما يعطي ولا يرغب كما يرغب . ولكنك تريد أن تحقق على السامع أن إعطاء ~~الجزيل وحب الثناء دأبه . وأن تمكن ذلك في نفسه . ومثاله في الشعر + طويل + ~~: # ( هم يفرشون اللبد كل طمرة % وأجرد سباح يبذ المغاليا ) # لم يرد أن يدعي لهم هذه الصفة دعوى من يفردهم بها ، وينص عليهم فيها ، ~~حتى كأنه يعرض بقوم آخرين ، فينفي أن يكونوا أصحابها ، هذا محال ! وإنما ~~أراد أن يصفهم بأنهم فرسان يمتهدون صهوات الخيل ، وأنهم يقتعدون الجياد ~~منها ، وأن ذلك دأبهم ، من غير أن يعرض لنفيه عن غيرهم ، إلا أنه بدأ ~~بذكرهم لينبه السامع لهم ، ويعلم بديا قصده إليهم بما في نفسه من الصفة ، ~~ليمنعه بذلك من الشك ، ومن توهم أن يكون قد وصفهم بصفة ليست هي لهم ، أو أن ~~يكون قد أراد غيرهم فغلط إليهم ، وعلى ذلك قول الآخر ، + طويل + : # ( هم يضربون الكبش يبرق بيضه % على وجهه من الدماء سبائب ) # لم يرد أن يدعي لهم الانفراد ، ويجعل هذا الضرب لا يكون إلا منهم . ولكن ~~أراد الذي ذكرت من تنبيه السامع لقصدهم بالحديث من قبل ذكر الحديث ليحقق ~~الأمر PageV01P111 ويؤكده ، ومن البين فيه قول عروة بن أذينة ، + من الهزج ~~+ : # ( سليمى أزمعت بينا % فأين تقولها أينا ) # وذلك أنه ظاهر معلوم أنه لم يرد ms074 أن يجعل هذا الإزماع لها خاصة ، ويجعلها ~~من جماعة لم يزمع البين منهم أحد سواها . هذا محال ، ولكنه أراد أن يحقق ~~الأمر ويؤكده . فأوقع ذكرها في سمع الذي كلم ابتداء ، ومن أول الأمر ليعلم ~~قبل هذا الحديث أنه أرادها بالحديث ، فيكون ذلك أبعد له من الشك . ومثله في ~~الوضوح قوله ، + طويل + : # ( هما يلبسان المجد أحسن لبسة % شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما ) # لا شبهة في أنه لم يرد أن يقصر هذه الصفة عليهما ، ولكن نبه لهما قبل ~~الحديث عنهما . وأبين من الجميع قوله تعالى : ( @QB@ واتخذوا من دونه آلهة ~~لا يخلقون شيئا وهم يخلقون @QE@ ) وقوله عز وجل : ( @QB@ وإذا جاؤوكم قالوا ~~آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به @QE@ ) وهذا الذي قد ذكرت من أن ~~تقديم ذكر المحدث عنه يفيد التنبيه له قد ذكره صاحب الكتاب في المفعول إذا ~~قدم فرفع بالابتداء ، وبني الفعل الناصب كان له عليه ، وعدي إلى ضميره ، ~~فشغل به كقولنا في ' ضربت عبد الله ' : عبد الله ضربته فقال : وإنما قلت ~~عبد الله فنبهته له ، ثم بنيت عليه الفعل ورفعته بالابتداء . # فإن قلت : فمن أين وجب أن يكون تقديم ذكر المحدث عنه بالفعل آكد لإثبات ~~ذلك الفعل له ، وأن يكون قوله : ' هما يلبسان المجد ' أبلغ في جعلهما ~~يلبسانه من أن يقول : PageV01P112 # يلبسان المجد . فإن ذلك من أجل أنه لا يؤتى بالاسم معرى من العوامل إلا ~~لحديث قد نوي إسناده إليه . وإذا كان كذلك فإذا قلت : ' عبد الله ' فقد ~~أشعرت قلبه بذلك أنك قد أردت الحديث عنه ، فإذا جئت بالحديث فقلت مثلا : ~~قام ، أو قلت : خرج أو قلت : قدم ، فقد علم ما جئت به ، وقد وطأت له ، ~~وقدمت الإعلام فيه ، فدخل على القلب دخول المأنوس به ، وقبله قبول المتهيء ~~له المطمئن إليه ، وذلك - لا محالة - أشد لثبوته ، وأنفى للشبهة ، وأمنع ~~للشك ، وأدخل في التحقيق . # وجملة الأمر أنه ليس إعلامك الشيء بغتة مثل إعلامك له بعد التنبيه عليه ~~والتقدمة له ؛ لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام ، في التأكيد والإحكام ، ~~ومن هاهنا قالوا ms075 : إن الشيء إذا أضمر ، ثم فسر كان ذلك أفخم له من أن يذكر ~~من غير تقدم إضمار ، ويدل على صحة ما قالوه أنا نعلم ضرورة في قوله تعالى : ~~( @QB@ فإنها لا تعمى الأبصار @QE@ ) فخامة وشرفا وروعة لا نجد منها شيئا ~~في قولنا : فإن الأبصار لا تعمى . وكذلك السبيل أبدا في كل كلام كان فيه ~~ضمير قصة . فقوله تعالى : ( @QB@ إنه لا يفلح الكافرون @QE@ ) يفيد من ~~القوة في نفي الفلاح عن الكافرين ما لو قيل : إن الكافرين لا يفلحون ؛ لم ~~يفد ذلك ، ولم يكن ذلك كذلك إلا لأنك تعلمه إياه من بعد تقدمة وتنبيه أنت ~~به في حكم من بدأ وأعاد ووطد ، ثم بين ولوح ثم صرح . ولا يخفى مكان المزية ~~فيما طريقه هذا الطريق . # ويشهد لما قلنا من أن تقديم المحدث عنه يقتضي تأكيد الخبر وتحقيقه له أنا ~~إذا تأملنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار من منكر ، ~~نحو أن يقول الرجل : ليس لي علم بالذي تقول ؛ فتقول له : أنت تعلم أن الأمر ~~على ما أقول ، ولكنك تميل إلى خصمي . وكقول الناس : هو يعلم ذاك وإن أنكر ، ~~وهو يعلم الكذب فيما قال وإن حلف عليه . وكقوله تعالى : ( @QB@ ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون @QE@ ) فهذا من أبين شيء ، PageV01P113 # وذاك أن الكاذب لا سيما في الدين لا يعترف بأنه كاذب ، وإذا لم يعترف ~~بأنه كاذب كان أبعد من ذلك أن يعترف بالعلم بأنه كاذب ، أو يجيء فيما اعترض ~~فيه شك نحو أن يقول الرجل : كأنك لا تعلم ما صنع فلان ولم يبلغك ؛ فيقول : ~~أنا أعلم ولكني أداريه ؛ أو في تكذيب مدع كقوله عز وجل : ( @QB@ وإذا ~~جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به @QE@ ) . وذلك أن ~~قولهم : آمنا ، دعوى منهم أنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به ، فالموضع ~~موضع تكذيب . أو فيما القياس في مثله أن لا يكون كقوله تعالى : ( @QB@ ~~واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون @QE@ ) وذلك أن عبادتهم ~~لها تقتضي أن لا تكون مخلوقة . وكذلك ms076 في كل شيء كان خبرا على خلاف العادة ، ~~وعما يستغرب من الأمر ، نحو أن نقول : ألا تعجب من فلان يدعي العظيم ، وهو ~~يعيا باليسير ، ويزعم انه شجاع وهو يفزع من أدنى شيء ؟ . # ومما يحسن ذلك فيه ويكثر الوعد والضمان كقول الرجل : أنا أعطيك ، أنا ~~أكفيك ، أنا أقوم بهذا الأمر . وذلك أن من شأن من تعده وتضمن له أن يعترضه ~~الشك في تمام الوعد وفي الوفاء به ، فهو من أحوج شيء إلى التأكيد ، وكذلك ~~يكثر في المدح كقولك : أنت تعطي الجزيل ، أنت تقري في المحل ، أنت تجود حين ~~لا يجود أحد . وكما قال ، + الكامل + : # ( ولأنت تفري ما خلقت وبعض % القوم يخلق ثم لا يفري ) # وكقول الآخر ، + من الرمل + : # ( نحن في المشتاة ندعو الجفلى % ) PageV01P114 # وذلك أن من شأن المادح أن يمنع السامعين من الشك فيما يمدح به ويباعدهم ~~من الشبهة ، وكذلك المفتخر . ويزيدك بيانا أنه إذا كان الفعل مما لا يشك ~~فيه ، ولا ينكر بحال لم يكد يجيء على هذا الوجه ، ولكن يؤتى به غير مبني ~~على اسم . فإذا أخبرت بالخروج مثلا عن رجل من عاداته أن يخرج في كل غداة ~~قلت : قد خرج . ولم تحتج إلى أن تقول : هو قد خرج ، ذاك لأنه ليس بشيء يشك ~~فيه السامع ، فتحتاج أن تحققه ، وإلى أن تقدم فيه ذكر المحدث عنه . وكذلك ~~إذا علم السامع من حال رجل أنه على نية الركوب والمضي إلى موضع ، ولم يكن ~~شك وتردد أنه يركب أو لا يركب كان خبرك فيه أن تقول : قد ركب ، ولا تقول : ~~هو قد ركب . فإن جئت بمثل هذا في صلة كلام ، ووضعته بعد واو الحال حسن ~~حينئذ . وذلك قولك : جئته وهو قد ركب . وذاك أن الحكم يتغير إذا صارت ~~الجملة في مثل هذا الموضع ، ويصير الأمر بمعرض الشك . وذاك أنه إنما يقول ~~هذا من ظن أنه يصادفه في منزله وأن يصل إليه من قبل أن يركب . فإن قلت فإنك ~~قد تقول : جئته وقد ركب بهذا المعنى ، ومع هذا الشك . فإن الشك لا ms077 يقوى ~~حينئذ قوته في الوجه الأول . أفلا ترى أنك إذا استبطأت إنسانا فقلت : أتانا ~~والشمس قد طلعت ، كان ذلك أبلغ في استبطائك له من أن تقول : أتانا وقد طلعت ~~الشمس ؟ وعكس هذا أنك إذا قلت : أتى والشمس لم تطلع ، كان أقوى في وصفك به ~~بالعجلة والمجيء قبل الوقت الذي ظن أنه يجيء فيه من أن تقول : أتى ولم تطلع ~~الشمس بعد . هذا وهو كلام لا يكاد يجيء إلا نابيا ، وإنما الكلام البليغ هو ~~أن تبدأ بالاسم ، وتبني الفعل عليه كقوله ، + الكامل + : # ( قد أغتدي والطير لم تكلم % ) # فإذا كان الفعل فيما بعد هذه الواو التي يراد بها الحال مضارعا لم يصلح ~~إلا مبنيا على اسم كقولك : رأيته وهو يكتب ، ودخلت عليه وهو يملي الحديث . ~~وكقوله ، + طويل + : # ( تمززتها والديك يدعو صباحه % إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا ) ~~PageV01P115 # ليس يصلح شيء من ذلك إلا على ما تراه لو قلت : رأيته ويكتب ، ودخلت عليه ~~، ويملي الحديث ، وتمززتها ، ويدعو الديك صباحه ، لم يكن شيئا . # ومما هو بهذه المنزلة في أنك تجد المعنى لا يستقيم إلا على ما جاء عليه ~~من بناء الفعل على الاسم قوله تعالى : ( @QB@ إن وليي الله الذي نزل الكتاب ~~وهو يتولى الصالحين @QE@ وقالوا أساطير والأولين اكتتبها فهي تملى عليه ~~بكرة وأصيلا ) وقوله تعالى : ( @QB@ وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس ~~والطير فهم يوزعون @QE@ ) فإنه لا يخفى على من له ذوق أنه لو جيء في ذلك ~~بالفعل غير مبني على الاسم فقيل : إن وليي الله الذي نزل الكتاب ، ويتولى ~~الصالحين ، واكتتبها فتملى عليه ، وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس ~~والطير فيوزعون ؛ لوجد اللفظ قد نبا عن المعنى ، والمعنى قد زال عن صورته ~~والحال التي ينبغي أن يكون عليها . # واعلم أن هذا الصنيع يقتضي في الفعل المنفي ما اقتضاه في المثبت ؛ فإذا ~~قلت : أنت لا تحسن هذا ؛ كان أشد لنفي إحسان ذلك عنه من أن تقول : لا تحسن ~~هذا . ويكون الكلام في الأول مع من هو أشد إعجابا بنفسه ، وأعرض دعوى في ~~أنه يحسن ، حتى ms078 إنك لو أتيت بأنت فيما بعد تحسن فقلت : لا تحسن أنت ؛ لم ~~يكن له تلك القوة . وكذلك قوله تعالى : ( @QB@ والذين هم بربهم لا يشركون ~~@QE@ ) يفيد من التأكيد في نفي الإشراك عنهم ما لو قيل : والذين لا يشركون ~~بربهم ، أو بربهم لا يشركون ؛ لم يفد ذلك ، وكذا قوله تعالى : ( @QB@ لقد ~~حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون @QE@ ) وقوله تعالى : ( @QB@ فعميت ~~عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون @QE@ ) و ( @QB@ إن شر الدواب عند ~~الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون @QE@ ) . # تقديم مثل وغير : # ومما يرى تقديم الاسم فيه كاللازم ' مثل ' و ' غير ' في نحو قوله + ~~السريع + : PageV01P116 # ( مثلك يثني المزن عن صوبه % ويسترد الدمع عن غربه ) # وقول الناس : مثلك رعى الحق والحرمة . وكقول الذي قال له الحجاج : ~~لأحملنك على الأدهم ؛ يريد القيد ، فقال على سبيل المغالطة : ومثل الأمير ~~يحمل على الأدهم والأشهب . وما أشبه ذلك مما لا يقصد فيه بمثل إلى إنسان ~~سوى الذي أضيف إليه . ولكنهم يعنون أن كل من كان مثله في الحال والصفة كان ~~من مقتضى القياس . وموجب العرف والعادة أن يفعل ما ذكر أو أن لا يفعل . ومن ~~أجل أن المعنى كذلك قال + السريع + : # ( ولم أقل مثلك أعني به % سواك يا فردا بلا مشبه ) # وكذلك حكم ' غير ' إذا سلك هذا المسلك فقيل : غيري يفعل ذاك ؛ على معنى ~~أني لا أفعله ، لا أن يومىء ' بغير ' إلى إنسان فيخبر عنه بأن يفعل ، كما ~~قال ، + البسيط + : # ( غيري بأكثر هذا الناس ينخدع % ) # وذاك أنه معلوم أنه لم يرد أن يعرض بواحد كان هناك ، فيستنقصه ويصفه بأنه ~~مضعوف يغر ويخدع ، بل لم يرد إلا أن يقول : إني لست ممن ينخدع ويغتر . ~~وكذلك لم يرد أبو تمام بقوله ، + الوافر + : # ( وغيري يأكل المعروف سحتا % وتشحب عنده بيض الأيادي ) أن يعرض مثلا ~~بشاعر سواه ، فيزعم أن الذي قرف به عند الممدوح من أنه هجاه ، كان من ذلك ~~الشاعر لا منه ، هذا محال ، بل ليس إلا أنه نفى عن نفسه أن يكون ممن يكفر ~~النعمة ويلؤم . واستعمال ' مثل ' و ' غير ms079 ' على هذا السبيل شيء مركوز في ~~الطباع ، وهو جار في عادة PageV01P117 # كل قوم . فأنت الآن إذا تصفحت الكلام وجدت هذين الاسمين يقدمان أبدا على ~~الفعل إذا نحي بهما هذا النحو الذي ذكرت لك ، وترى هذا المعنى لا يستقيم ~~فيهما إذا لم يقدما . أفلا ترى أنك لو قلت : يثني المزن عن صوبه مثلك ، ~~ورعى الحق والحرمة مثلك ، ويحمل على الادهم والأشهب مثل الأمير ، وينخدع ~~غيري بأكثر هذا الناس ، ويأكل غيري المعروف سحتا ، رأيت كلاما مقلوبا عن ~~جهته ، ومغيرا عن صورته ، ورأيت اللفظ قد نبا عن معناه ، ورأيت الطبع يأبى ~~أن يرضاه ؟ وأعلم أن معك دستورا لك فيه إن تأملت غنى عن كل ما سواه ؛ وهو ~~أنه لا يجوز أن يكون لنظم الكلام وترتيب أجزائه في الاستفهام معنى لا يكون ~~له ذلك المعنى في الخبر . وذاك أن الاستفهام استخبار ، والاستخبار هو طلب ~~من المخاطب أن يخبرك . فإذا كان كذلك كان محالا أن يفترق الحال بين تقديم ~~الاسم وتأخيره في الاستفهام ، فيكون المعنى إذا قلت أزيد قام غيره إذا قلت ~~: أقام زيد ؟ ثم لا يكون هذا الافتراق في الخبر ، ويكون قولك : زيد قام ، ~~وقام زيد سواء ، ذاك لأنه يؤدي إلى أن تستعمله أمرا لا سبيل فيه إلى جواب ، ~~وأن تستثبته المعنى على وجه ليس عنده عبارة يثبته لك بها على ذلك الوجه . ~~وجملة الأمر أن المعنى في إدخالك حرف الاستفهام على الجملة من الكلام هو ~~أنك تطلب أن يقفك في معنى تلك الجملة ومؤداها على إثبات أو نفي . فإذا قلت ~~أزيد منطلق ؟ فأنت تطلب أن يقول لك : نعم هو منطلق أو يقول : لا ما هو ~~منطلق . وإذا كان ذلك كذلك كان محالا أن لا تكون الجملة إذا دخلتها همزة ~~الاستفهام استخبارا عن المعنى على وجه لا تكون هي إذا نزعت منها الهمزة ~~إخبارا به على ذلك الوجه فاعرفه . PageV01P118 # | فصل هذا كلام في النكرة إذا قدمت على الفعل أو قدم الفعل عليها # إذا قلت : أجاءك رجل ؟ فأنت تريد أن تسأله : هل كان مجيء من ms080 أحد من ~~الرجال إليه ؟ فإن قدمت الاسم فقلت : أرجل جاءك ؟ فأنت تساله عن جنس من ~~جاءه أرجل هو أم امرأة ؟ ويكون هذا منك إذا كنت علمت أنه قد أتاه آت . ~~ولكنك لم تعلم جنس ذلك الآتي ، فسبيلك في ذلك سبيلك إذا أردت أن تعرف عين ~~الآتي فقلت : أزيد جاءك أم عمر و ؟ ولا يجوز تقديم الاسم في المسالة الأولى ~~؛ لأن تقديم الاسم يكون إذا كان السؤال عن الفاعل ، والسؤال عن الفاعل يكون ~~إما عن عينه أو عن جنسه ولا ثالث . وإذا كان كذلك كان محالا أن تقدم الاسم ~~النكرة ، وأنت لا تريد السؤال عن الجنس ، لأنه لا يكون لسؤالك حينئذ متعلق ~~من حيث لا يبقى بعد الجنس إلا العين . والنكرة لا تدل على عين شيء ، فيسال ~~بها عنه . فإن قلت : أرجل طويل جاءك أم قصير ؟ كان السؤال عن أن الجائي من ~~جنس طوال الرجال أم قصارهم ؟ فإن وصفت النكرة بالجملة فقلت : أرجل كنت ~~عرفته من قبل أعطاك هذا أم رجل لم تعرفه ؟ كان السؤال عن المعطي ؛ أكان ممن ~~عرفه قبل أم كان إنسانا لم تتقدم منه معرفة . # وإذا قد عرفت الحكم في الابتداء بالنكرة في الاستفهام فابن الخبر عليه . ~~فإذا قلت : رجل جاءني ؛ لم يص لح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لا ~~امرأة ، ويكون كلامك مع من قد عرف أن قد أتاك آت . فإن لم ترد ذاك كان ~~الواجب أن تقول : جاءني رجل ، فتقدم الفعل . وكذلك إن قلت : رجل جاءني ؛ لم ~~يستقم حتى يكون السامع قد ظن أنه قد أتاك قصير أو نزلته من ظن ذلك . # وقولهم : ' شر أهر ذا ناب ' إنما قدم فيه ' شر ' لأن المراد أن يعلم أن ~~الذي أهر ذا PageV01P119 الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير ، فجرى مجرى أن ~~تقول : رجل جاءني ، تريد أنه رجل لا امرأة . وقول العلماء إنه إنما يصلح ، ~~لأنه بمعنى : ' ما أهر ذا ناب إلا شر ' بيان لذلك . ألا ترى أنك لا تقول : ~~ما أتاني إلا رجل ؛ إلا ms081 حيث يتوهم السامع أنه قد أتتك امرأة . ذاك لأن ~~الخبر بنقض النفي يكون حيث يراد أن يقصر الفعل على شيء ، وينفى عما عداه . ~~فإذا قلت : ما جاءني إلا زيد ؛ كان المعنى أنك قد قصرت المجيء على زيد ، ~~ونفيته عن كل من عداه وإنما يتصور قصر الفعل على معلوم . ومتى لم يرد ~~بالنكرة الجنس لم يقف منها السامع على معلوم حتى يزعم أني أقصر له الفعل ~~عليه ، وأخبره أنه كان منه دون غيره . # وأعلم أنا لم نرد بما قلناه من أنه إنما حسن الابتداء بالنكرة في قولهم ' ~~شر أهر ذا ناب ' لأنه أريد به الجنس أن معنى ' شر ' والشر سواء ، وإنما ~~أردنا أن الغرض من الكلام أن نبين أن الذي أهر ذا الناب هو من جنس الشر لا ~~جنس الخير . كما أنا إذا قلنا في قولهم : أرجل أتاك أم امرأة ؛ أن السؤال ~~عن الجنس لم نرد بذلك أنه بمنزلة أن يقال : الرجل أم المرأة أتاك ؟ ولكنا ~~نعني أن المعنى على أنك سألت عن الآتي : أهو من جنس الرجال أم جنس النساء ؟ ~~فالنكرة إذا على أصلها من كونها لواحد من الجنس . إلا أن القصد منك لم يقع ~~إلى كونه واحدا ، وإنما وقع إلى كونه من جنس الرجال . وعكس هذا أنك إذا قلت ~~: أرجل أتاك أم رجلان ؟ كان القصد منك إلى كونه واحدا دون كونه رجلا فاعرف ~~ذلك أصلا . وهو أنه قد يكون في اللفظ دليل على أمرين ، ثم يقع القصد إلى ~~أحدهما دون الآخر ، فيصير الآخر بأن لم يدخل في القصد ، كأنه لم يدخل في ~~دلالة اللفظ . وإذا اعتبرت ما قدمته من قول صاحب الكتاب : أنك قلت : عبد ~~الله ، فنبهته له ، ثم بنيت عليه الفعل وحدته يطابق هذا . وذاك أن التنبيه ~~لا يكون إلا على معلوم ، كما أن قصر الفعل لا يكون إلا على معلوم . فإذا ~~بدأت بالنكرة فقلت : رجل ، وأنت لا تقصد بها الجنس ، وأن تعلم السامع أن ~~الذي أردت بالحديث رجل لا امرأة كان محالا أن تقول : إني قدمته لأنبه ms082 ~~المخاطب له ؛ لأنه يخرج بك إلى أن تقول : إني أردت أن أنبه السامع لشيء لا ~~يعلمه في جملة ولا تفصيل . وذلك ما لا يشك في استحالته ، فاعرفه . ~~PageV01P120 # | القول في الحذف # هو باب دقيق المسلك ، لطيف المأخذ ، عجيب الأمر ، شبيه بالسحر ، فإنك ترى ~~به ترك الذكر ، أفصح من الذكر ، والصمت عن الإفادة ، أزيد للإفادة ، وتجدك ~~أنطق ما تكون إذا لم تنطق ، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن . وهذه جملة قد ~~تنكرها حتى تخبر ، وتدفعها حتى تنظر أنا أكتب لك بديئا أمثلة مما عرض فيه ~~الحذف ، ثم أنبهك على صحة ما أشرت إليه ، واقيم الحجة من ذلك عليه ، صاحب ~~الكتاب ، + البسيط + : # ( اعتاد قلبك من ليلى عوائده % وهاج أهواءك المكنونة الطلل % ربع قواء ~~أذاع المعصرات به % وكل حيران جار ماؤه خضل ) # قال : أراد ذاك ربع قواء أو هو ربع . قال : ومثله قول الآخر ، + البسيط + ~~: # ( هل تعرف اليوم رسم الدار والطللا % كما عرفت بجفن الصيقل الخللا ) ~~PageV01P121 دار لمروة إذ أهلي وأهلهم % بالكانسية نرعى اللهو والغزلا ) # كأنه قال : تلك دار . قال شيخنا رحمه الله : ولم يحمل البيت الأول على أن ~~الربع بدل من الطلل ، لأن الربع أكثر من الطلل ، والشيء يبدل مما هو مثله ~~أو أكثر منه . فأما الشيء من أقل منه ففاسد لا يتصور . وهذه طريقة مستمرة ~~لهم إذ ذكروا الديار والمنازل ، وكما يضمرون في المبتدأ فيرفعون ، فقد ~~يضمرون الفعل فينصبون كبيت الكتاب أيضا ، + البسيط + : # ( ديار مية إذ مي تساعفنا % ولا يرى مثلها عجم ولا عرب ) # أنشده بنصب ' ديار ' على إضمار فعل ؛ كأنه قال : أذكر ديار مية . # ومن المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ القطع والاستئناف ؛ يبدؤون بذكر ~~الرجل ، ويقدمون بعض أمره ، ثم يدعون الكلام الأول ، ويستأنفون كلاما آخر . ~~وإذا فعلوا ذلك أتوا في أكثر الأمر بخبر من غير مبتدأ ، مثال ذلك قوله ، من ~~مجزوء الكامل : # ( وعلمت أني يوم ذاك % منازل كعبا ونهدا % قوم إذا لبسوا الحديد % تنمروا ~~حلقا وقدا ) PageV01P122 وقوله ، + الوافر + : # ( هم حلوا من الشرف المعلى % ومن حسب العشيرة حيث شاؤوا % بناة ms083 مكارم ~~واساة كلم % دماؤهم من الكلب الشفاء ) # وقوله ، + طويل + : # ( رآني على ما بي عميلة فاشتكى % إلى ماله حالي أسر كما جهر % غلام رماه ~~الله بالخير مقبلا % له سيمياء لا تشق على البصر ) # وقوله ، + طويل + : # ( إذا ذكر ابنا العنبرية لم تضق % ذراعي ، وألقى باسته من أفاخر ) # ( هلالان حمالان في كل شتوة % من الثقل ما لا تستطيع الأباعر ) # ' حمالان ' : خبر ثان ، وليس بصفة كما يكون لو قلت مثلا : رجلان حمالان . # ومما اعتيد فيه أن يجيء خبرا قد بني على مبتدأ محذوف قولهم بعد أن يذكروا ~~الرجل : فتى من صفته كذا ، وأغر من صفته كيت وكيت . كقوله ، + طويل + : ~~PageV01P123 # ( ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى % ولا عرف إلا قد تولى وأدبرا ) # ( فتى حنظلي ما تزال ركابه % تجود بمعروف وتنكر منكرا ) # وقوله ، + طويل + : # ( سأشكر عمرا إن تراخت منيتي % أيادي لم تمنن وإن هي جلت % فتى غير محجوب ~~الغنى عن صديقه % ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت ) # ومن ذلك قول جميل ، + البسيط + : # ( وهل بثينة يا للناس قاضيتي % ديني وفاعلة خيرا فأجزيها ؟ ) # ( ترنو بعيني مهاة أقصدت بهما % قلبي عشية ترميني وأرميها ) # ( هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة % ريا العظام بلا عيب يرى فيها ) # ( من الأوانس مكسال مبتلة % خود غذاها بلين العيش غاذيها ) # وقوله ، + الكامل + : # ( إني عشية رحت وهي حزينة % تشكو إلي صبابة لصبور ) # ( وتقول : بت عندي ، فديتك ، ليلة % أشكو إليك ؛ فإن ذاك يسير ) # ( غراء مبسام كأن حديثها % در تحدر نظمه منثور ) PageV01P124 محطوطة ~~المتنين مضمرة الحشا % ريا الروادف خلقها ممكور ) # وقول الأقيشر في ابن عم له موسر سأله فمنعه وقال : كم أعطيك مالي وأنت ~~تنفقه فيما لا يعنيك ؟ والله لا أعطيك . فتركه حتى اجتمع القوم في ناديهم ~~وهو فيهم ، فشكاه إلى القوم ، وذمه فوثب إليه ابن عمه فلطمه فأنشأ يقول ، + ~~طويل + : # ( سريع إلى ابن العم يلطم وجهه % وليس إلى داعي الندى بسريع % حريص على ~~الدنيا مضيع لدينه % وليس لما في بيته بمضيع ) # فتأمل الآن هذه الأبيات كلها ، واستقرها واحدا واحدا ، وانظر إلى موقعها ~~في نفسك ، وإلى ما تجده من ms084 اللطف والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها ، ~~ثم قلبت النفس عما تجد ، وألطفت النظر فيما تحس به . ثم تكلف أن ترد ما حذف ~~الشاعر ، وأن تخرجه إلى لفظك ، وتوقعه في سمعك ؛ فإنك تعلم أن الذي قلت كما ~~قلت ، وأن رب حذف هو قلادة الجيد ، وقاعدة التجويد . وإن أردت ما هو أصدق ~~في ذلك شهادة ، وأدل دلالة ، فانظر إلى قول عبد الله بن الزبير يذكر غريما ~~له قد ألح عليه ، + طويل + : # ( عرضت على زيد ليأخذ بعض ما % يحاوله قبل اعتراض الشواغل % فدب دبيب ~~البغل يألم ظهره % وقال : تعلم أنني غير فاعل % تثاءب حتى قلت : داسع نفسه ~~% وأخرج أنيابا له كالمعاول ) # الأصل حتى قلت : هو داسع نفسه . أي حسبته من شدة التثاؤب ، ومما به من ~~الجهد يقذف نفسه من جوفه ، ويخرجها من صدره كما يدسع البعير جرته . ثم إنك ~~ترى نصبة PageV01P125 الكلام وهيئته تروم منك أن تنسى هذا المبتدأ ، ~~وتباعده عن وهمك ، وتجتهد أن لا يدور في خلدك ، ولا يعرض لخاطرك . وتراك ~~كأنك تتوقاه توقي الشيء يكره مكانه ، والثقيل يخشى هجومه . # ومن لطيف الحذف قول بكر بن النطاح ، + السريع + : # ( العين تبدي الحب والبغضا % وتظهر الإبرام والنقضا ) # ( درة ما أنصفتني في الهوى % ولا رحمت الجسد المنضى ) # ( غضبى ، ولا والله يا أهلها % لا أطعم البارد أو ترضى ) # يقول في جارية كان يحبها ، وسعي به إلى أهلها ، فمنعوها منه . والمقصود ~~قوله : ' غضبى ' ، وذلك أن التقدير ' هي غضبى ' أو ' غضبى هي ' لا محالة ، ~~ألا ترى أنك ترى النفس كيف تتفادى من إظهار هذا المحذوف ؟ وكيف تأنس إلى ~~إضماره ؟ وترى الملاحة كيف تذهب إن أنت رمت التكلم به ؟ # ومن جيد الأمثلة في هذا الباب قول الآخر يخاطب امرأته وقد لامته على ~~الجود ، + الكامل + : # ( قالت سمية : قد غويت ، بأن رأت % حقا تناوب مالنا ووفودا ) # ( غي لعمرك لا أزال أعوده % ما دام مال عندنا موجودا ) # المعنى : ذاك غي لا أزال أعود إليه فدعي عنك لومي . # وإذ قد عرفت هذه الجملة من حال الحذف في المبتدأ فاعلم أن ذلك ms085 سبيله في ~~كل شيء ؛ فما من اسم أو فعل تجده قد حذف ، ثم أصيب به موضعه ، وحذف في ~~الحال ، PageV01P126 ينبغي أن يحذف فيها إلا وأنت تجد حذفه هناك أحسن من ~~ذكره ، وترى إضماره في النفس أولى وآنس من النطق به . # وإذ قد بدأنا في الحذف بذكر المبتدأ ، وهو حذف اسم ، إذ لا يكون المبتدأ ~~إلا اسما ، فإني أتبع ذلك ذكر المفعول به إذا حذف خصوصا ، فإن الحاجة إليه ~~أمس ، وهو بما نحن به أخص ، واللطائف كأنها فيه أكثر ، وما يظهر بسببه من ~~الحسن والرونق أعجب وأظهر . وهاهنا أصل يجب ضبطه ، وهو أن حال الفعل مع ~~المفعول الذي يتعدى إليه حاله مع الفاعل . وكما أنك إذا قلت : ضرب زيد . ~~فاسندت الفعل إلى الفاعل كان غرضك من ذلك أن تثبت الضرب فعلا له ، لا أن ~~تفيد وجود الضرب في نفسه ، وعلى الإطلاق . وكذلك إذا عديت الفعل إلى ~~المفعول فقلت : ضرب زيد عمرا . كان غرضك أن تفيد التباس الضرب الواقع من ~~الأول بالثاني ، ووقوعه عليه ، فقد اجتمع الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل ~~فيهما . إنما كان من أجل أن يعلم التباس المعنى الذي اشتق منه بهما . فعمل ~~الرفع في الفاعل ، ليعلم التباس الضرب به من جهة وقوعه منه ، والنصب في ~~المفعول ، ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه . ولم يكن ذلك ليعلم وقوع ~~الضرب في نفسه . بل إذا أريد الإخبار بوقوع الضرب ووجوده في الجملة ، من ~~غير أن ينسب إلى فاعل أو مفعول أو يتعرض لبيان ذلك بالعبارة فيه أن يقال : ~~كان ضرب ، أو وقع ضرب ، أو وجد ضرب . وما شاكل ذلك من ألفاظ تفيد الوجود ~~المجرد في الشيء . # وإذ قد عرفت هذه الجملة فاعلم أن أغراض الناس تختلف في ذكر الأفعال ~~المتعدية ؛ فهم يذكرونها تارة ومرادهم أن يقتصروا على إثبات المعاني التي ~~اشتقت منها لفاعلين من غير أن يتعرضوا لذكر المفعولين . فإذا كان الأمر ~~كذلك كان الفعل المتعدي كغير المتعدي مثلا في أنك لا ترى مفعولا لا لفظا ~~ولا تقديرا . ومثال ذلك ms086 قول الناس فلان يحل ويعقد ، ويأمر وينهى ، ويضر ~~وينفع . وكقولهم : هو يعطي ويجزل ، ويقري ويضيف . المعنى في جميع ذلك على ~~إثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق وعلى الجملة من غير أن يتعرض لحديث ~~المفعول ، حتى كأنك قلت : صار إليه الحل والعقد ، وصار بحيث يكون منه حل ~~وعقد وأمر ونهي وضر ونفع ، وعلى هذا القياس . وعلى ذلك قوله تعالى : ( @QB@ ~~قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون @QE@ ) المعنى : هل يستوي من له ~~علم ومن لا علم PageV01P127 له ، من غير أن يقصد النص على معلوم . وكذلك ~~قوله تعالى : ( وأنه هو أضحك وأبكى ، وأنه هو أمات وأحيا ) وقوله : ( وأنه ~~هو أغنى وأقنى ) المعنى : هو الذي منه الإحياء والإماتة والإغناء والإقناء ~~. # وهكذا كل موضع كان القصد فيه أن يثبت المعنى في نفسه فعلا للشيء ، وأن ~~يخبر بأن من شأنه أن يكون منه ، أو لا يكون إلا منه ، أو لا يكون منه . فإن ~~الفعل لا يعدى هناك ، لأن تعديته تنقص الغرض وتغير المعنى . ألا ترى أنك ~~إذا قلت : هو يعطي الدنانير ؛ كان المعنى على أنك قصدت أن تعلم السامع أن ~~الدنانير تدخل في عطائه ؟ أو أنه يعطيها خصوصا دون غيرها ؟ وكان غرضك على ~~الجملة بيان جنس ما تناوله الإعطاء لا الإعطاء في نفسه . ولم يكن كلامك مع ~~من نفى أن يكون كان منه إعطاء بوجه من الوجوه بل مع من أثبت له إعطاء . إلا ~~أنه لم يثبت إعطاء الدنانير فاعرف ذلك ؛ فإنه أصل كبير عظيم النفع . فهذا ~~قسم من خلو الفعل عن المفعول ، وهو أن لا يكون له مفعول يمكن النص عليه . # وقسم ثان وهو أن يكون له مفعول مقصود ، قصده معلوم . إلا أنه يحذف من ~~اللفظ لدليل الحال عليه ، وينقسم إلى جلي لا صنعة فيه ، وخفي تدخله الصنعة ~~. فمثال الجلي قولهم : أصغيت إليه : وهم يريدون أذني ، و : أغضيت عليه : ~~والمعنى جفني . وأما الخفي الذي تدخله الصنعة فيتفنن ويتنوع . فنوع منه أن ~~تذكر الفعل ، وفي نفسك له مفعول مخصوص قد علم مكانه ؛ إما لجري ms087 ذكر أو دليل ~~حال . إلا أنك تنسيه نفسك وتخفيه ، وتوهم أنك لم تذكر ذلك الفعل إلا لأن ~~تثبت نفس معناه من غير أن تعديه إلى شيء ، أو تعرض فيه لمفعول . ومثاله قول ~~البحتري ، + الخفيف + : # ( شجو حساده وغيظ عداه % أن يرى مبصر ويسمع واع ) # المعنى : لا محالة أن يرى مبصر محاسنه ويسمع واع أخباره وأوصافه . ولكنك ~~تعلم PageV01P128 على ذلك أنه كأنه يسرق علم ذلك من نفسه ، ويدفع صورته عن ~~وهمه ، ليحصل له معنى شريف وغرض خاص . وذاك أنه يمدح خليفة ، وهو المعتز ، ~~ويعرض بخليفة وهو المستعين . فأراد أن يقول : إن محاسن المعتز وفضائله ، ~~والمحاسن والفضائل يكفي فيها أن يقع عليها بصر ويعيها سمع ، حتى يعلم أنه ~~المستحق للخلافة . والفرد الوحيد الذي ليس لأحد أن ينازعه مرتبتها ، فأنت ~~ترى حساده وليس شيء أشجى لهم ، وأغيظ من علمهم بأن هاهنا مبصرا يرى وسامعا ~~يعي ، حتى ليتمنون أن لا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها وأذن يعي معها ~~كي يخفى مكان استحقاقه لشرف الإمامة ، فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته إياها ~~. # وهذا نوع آخر منه ، وهو أن يكون معك مفعول معلوم مقصود قصده ، قد علم أنه ~~ليس للفعل الذي ذكرت مفعول سواه بدليل الحال أو ما سبق من الكلام ، إلا أنك ~~تطرحه وتتناساه وتدعه يلزم ضمير النفس لغرض غير الذي مضى ، وذلك الغرض أن ~~تتوفر العناية على إثبات الفعل للفاعل ، وتخلص له وتنصرف بجملتها ، وكما هي ~~إليه . ومثاله قول عمرو بن معدي كرب ، + طويل + : ( فلو أن قومي أنطقتني ~~رماحهم % نطقت ولكن الرماح أجرت ) # ' أجرت ' فعل متعد ، ومعلوم أنه لو عداه لما عداه إلا إلى ضمير المتكلم ، ~~نحو : ' ولكن الرماح أجرتني ' ، وأنه لا يتصور أن يكون هاهنا شيء آخر يتعدى ~~إليه لاستحالة أن يقول : فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ، ثم يقول : ولكن ~~الرماح أجرت غيري . إلا أنك تجد المعنى يلزمك أن لا تنطق بهذا المفعول ، ~~ولا تخرجه إلى لفظك . والسبب في ذلك أن تعديتك له توهم ما هو خلاف الغرض ، ~~وذلك أن الغرض هو ms088 أن تثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس الألسن عن النطق ، ~~وأن تصحح وجود ذلك . ولو قال ' أجرتني ' جاز أن يتوهم أنه لم يعن بأن يثبت ~~للرماح إجرارا ، بل الذي عناه أن يبين أنها أجرته . فقد يذكر الفعل ~~PageV01P129 كثيرا ، والغرض منه ذكر المفعول ، مثاله أنك تقول : أضربت زيدا ~~؟ وأنت لا تنكر أن يكون كان من المخاطب ضرب . وإنما تنكر أن يكون وقع الضرب ~~منه على زيد ، وأن يستجيز ذلك أو يستطيعه . فلما كان في تعدية ' أجرت ' ما ~~يوهم ذلك وقف فلم يعد البتة ، ولم ينطق بالمفعول لتخلص العناية لإثبات ~~الإجرار للرماح ، وتصحيح أنه كان منها ، وتسلم بكليتها لذلك ، ومثله قول ~~جرير ، + الوافر + : ( أمنيت المنى وخلبت حتى % تركت ضمير قلبي مستهاما ؟ ) # الغرض أن يثبت أنه كان منها تمنية وخلابة ، وأن بقول لها : أهكذا تصنعين ~~؟ وهذه حيلتك في فتنة الناس ؟ # ومن بارع ذلك ونادره ما تجده في هذه الأبيات ، روى المرزباني في كتاب ' ~~الشعر ' بإسناد قال : لما تشاغل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأهل الردة ~~استبطأته الأنصار فقال : إما كلفتموني أخلاق رسول الله ، فوالله ما ذاك ~~عندي ولا عند أحد من الناس ، ولكني والله ما أوتى من مودة لكم ولا حسن رأي ~~فيكم ، وكيف لا نحبكم ! فوالله ما وجدت مثلا لنا ولكم إلا ما قال طفيل ~~الغنوي لبني جعفر بن كلاب ، + طويل + : ( جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت % ~~بنا نعلنا في الواطئين فزلت ) ( أبوا أن يملونا ولو أن أمنا % تلاقي الذي ~~لاقوه منا لملت ) ( هم خلطونا بالنفوس وألجؤوا % إلى حجرات أدفأت وأظلت ) # فيها حذف مفعول مقصود قصده في أربعة مواضع ، قوله : لملت ، وألجؤوا ، ~~وأدفأت ، وأظلت ؛ لأن الأصل : لملتنا ، وألجؤونا إلى حجرات أدفأتنا وأظلتنا ~~. إلا أن الحال على ما ذكرت لك من أنه في حد المتناسي حتى كأن لا قصد إلى ~~مفعول ، وكأن الفعل قد أبهم أمره فلم يقصد به قصد شيء يقع عليه ، كما يكون ~~إذا قلت : قد مل فلان ؛ تريد أن تقول : قد PageV01P130 دخله الملال . من ~~غير أن تخص شيئا ms089 ، بل لا تزيد على أن تجعل الملال من صفته وكما تقول : هذا ~~بيت يدفىء ويظل . تريد أنه بهذه الصفة . # واعلم أن لك في قوله : أجرت ، ولملت فائدة أخرى زائدة على ما ذكرت من ~~توفير العناية على إثبات الفعل ، وهي أن تقول : كان من سوء بلاء القوم ، ~~ومن تكذيبهم عن القتال ما يجر مثله ، وما القضية فيه أنه لا يتفق على قوم ~~إلا خرس شاعرهم فلم يستطع نطقا . وتعديتك الفعل تمنع من هذا المعنى ، لأنك ~~إذا قلت : ولكن الرماح أجرتني ، لم يكن أن يتأول على معنى أنه كان منها ما ~~شأن مثله أن يجر قضية مستمرة في كل شاعر قوم ، بل قد يجوز أن يوجد مثله في ~~قوم آخرين فلا يجر شاعرهم . ونظيره أنك تقول : قد كان منك ما يؤلم ؛ تريد ~~ما الشرط مثله أن يؤلم كل أحد وكل إنسان . ولو قلت : ما يؤلمني . لم يفد ~~ذلك لأنه قد يجوز أن يؤلمك الشيء لا يؤلم غيرك . وهكذا قوله : ولو أن أمنا ~~تلاقي الذي لاقوه منا لملت ؛ يتضمن أن من حكم مثله في كل أم تمل وتسأم ، ~~وأن المشقة في ذلك إلى حد يعلم أن الأم تمل له الابن ، وتتبرم مع ما في ~~طباع الأمهات من الصبر على المكاره في مصالح الأولاد . وذلك أنه وإن قال ' ~~أمنا ' فإن المعنى على أن ذلك حكم كل أم مع أولادها . ولو قلت : ' لملتنا ' ~~لم يحتمل ذلك لأنه يجري مجرى أن تقول : لو لقيت أمنا ذلك لدخلها ما يملها ~~منا . وإذا قلت : ما يملها منا ؛ فقيدت لم يصلح لأن يراد به معنى العموم ، ~~وأنه بحيث يمل كل أم من كل ابن . وكذلك قوله : ' إلى حجرات أدفأت وأظلت ' ؛ ~~لأن فيه معنى قولك : حجرات من شأن مثلها أن تدفىء وتظل ، أي هي بالصفة التي ~~إذا كان البيت عليها أدفأ وأظل . ولا يجيء هذا المعنى مع إظهار المفعول إذ ~~لا تقول : حجرات من شأن مثلها أن تدفئنا وتظلنا هذا لغو من الكلام ، فاعرف ~~هذه النكتة ، فإنك تجدها في كثير ms090 من هذا الفن مضمومة إلى المعنى الآخر الذي ~~هو توفير العناية على إثبات الفعل ، والدلالة على أن القصد من ذكر الفعل أن ~~تثبته لفاعله لا أن تعلم التباسه بمفعوله . # وإن أردت أن تزداد تبيينا لهذا الأصل أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر ~~العناية على إثبات الفعل لفاعله ، ولا يدخلها شوب فانظر إلى قوله تعالى : ( ~~@QB@ ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان قال ما خطبكما قالتا لا @QE@ PageV01P131 نسقي حتى يصدر الرعاء ~~وأبونا شيخ كبير . فسقى لهما ثم تولى إلى الظل ) ففيها حذف مفعول في أربعة ~~مواضع إذ المعنى : وجد عليه أمة من الناس يسقون أغنامهم أو مواشيهم ، ~~وامرأتين تذودان ، غنمهما ، وقالتا : لا نسقي غنمنا ، فسقى لهما غنمهما . ~~ثم إنه لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره ، ويؤتى ~~بالفعل مطلقا . وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك ~~الحال سقي ، ومن المرأتين ذود ، وأنهما قالتا : لا يكون منا سقي حتى يصدر ~~الرعاء ، وأنه كان من موسى عليه السلام من بعد ذلك سقي . فأما ما كان ~~المسقي غنما أم إبلا أم غير ذلك فخارج عن الغرض ، وموهم خلافه . وذاك أنه ~~لو قيل : وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما ؛ جاز أن يكون لم ينكر الذود ~~من حيث هو ذود ، بل من حيث هو ذود غنم ، حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر ~~الذود كما أنك إذا قلت : ما لك تمنع أخاك ؟ كنت منكرا المنع ، لا من حيث هو ~~منع بل من حيث هو منع أخ ، فاعرفه تعلم أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا ~~النحو من الروعة والحسن ما وجدت ، إلا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة ، ~~وأن الغرض لا يصح إلا على تركه . ومما هو كأنه نوع آخر غير ما مضى قول ~~البحتري ، + الطويل + : ( إذا بعدت أبلت وإن قربت شفت % فهجرانها يبلي ~~ولقيانها يشفي ) # قد علم أن المعنى : ' إذا بعدت ms091 عني أبلتني ، وإن قربت مني شفتني ' ، إلا ~~أنك تجد الشعر يأبى ذكر ذلك ، ويوجب اطراحه . وذاك لأنه أراد أن يجعل البلى ~~كأنه واجب في بعادها أن يوجبه ويجلبه ، وكأنه كالطبيعة فيه . وكذلك حال ~~الشفاء مع القرب ، حتى كأنه قال : أتدري ما بعادها ؟ هو الداء المضني ، وما ~~قربها ؟ هو الشفاء والبرء من كل داء . ولا سبيل لك إلى هذه اللطيفة وهذه ~~النكتة إلا بحذف المفعول البتة فاعرفه . وليس لنتائج هذا الحذف ، أعني حذف ~~المفعول ، نهاية ؛ فإنه طريق إلى ضروب من الصنعة ، وإلى لطائف لا تحصى . # وهذا نوع منه آخر : اعلم أن هاهنا بابا من الإضمار والحذف يسمى الإضمار ~~على شريطة التفسير . وذلك مثل قولهم : أكرمني وأكرمت عبد الله . أردت : ~~أكرمني عبد الله ، PageV01P132 وأكرمت عبد الله . ثم تركت ذكره في الأول ~~استغناء بذكره في الثاني . فهذا طريق معروف ومذهب ظاهر ، وشيء لا يعبأ به ، ~~ويظن أنه ليس فيه أكثر مما تريك الأمثلة المذكورة منه . وفيه إذا أنت طلبت ~~الشيء من معدنه من دقيق الصنعة ، ومن جليل الفائدة ما لا تجده إلا في كلام ~~الفحول . فمن لطيف ذلك ونادره قول البحتري ، + الكامل + : ( لو شئت لم تفسد ~~سماحة حاتم % كرما ولم تهدم مآثر خالد ) # الأصل : لا محالة لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها . ثم حذف ذلك ~~من الأول استغناء بدلالته في الثاني عليه . ثم هو على ما تراه وتعلمه من ~~الحسن والغرابة ، وهو على ما ذكرت لك من أن الواجب في حكم البلاغة أن لا ~~ينطق بالمحذوف ولا يظهر إلا اللفظ . فليس يخفى أنك لو رجعت فيه إلى ما هو ~~أصله فقلت : لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها ، صرت إلى كلام غث ، ~~وإلى شيء يمجه السمع وتعافه النفس . وذلك أن في البيان إذا ورد بعد الإبهام ~~، وبعد التحريك له أبدا لطفا ونبلا لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك ، وأنت ~~إذا قلت : لو شئت ؛ علم السامع أنك قد علقت هذه المشيئة في المعنى بشيء فهو ~~يضع في نفسه ms092 أن هنا شيئا تقتضي مشيئته له أن يكون أو أن لا يكون . فإذا قلت ~~: لم تفسد سماحة حاتم ، عرف ذلك الشيء . # ومجيء المشيئة بعد ' لو ' وبعد حروف الجزاء هكذا موقوفة غير معداة إلى ~~شيء كثير شائع كقوله تعالى : ( @QB@ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى @QE@ ~~ولو شاء لهداكم أجمعين ) . والتقدير في ذلك كله على ما ذكرت ، فالأصل : لو ~~شاء الله يجمعهم على الهدى لجمعهم ، و : لو شاء أن يهديكم أجمعين لهداكم . ~~إلا أن البلاغة في أن يجاء به كذلك PageV01P133 محذوفا . وقد يتفق في بعضه ~~أن يكون إظهار المفعول هو الأحسن ، وذلك نحو قول الشاعر ، + الطويل + : # ( ولو شئت أن أبكي دما لبكيته % عليه ولكن ساحة الصبر أوسع ) # فقياس هذا لو كان على حد : ' ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ' أن يقول : ~~لو شئت بكيت دما ، ولكنه كأنه ترك تلك الطريقة وعدل إلى هذه لأنها أحسن في ~~هذا الكلام خصوصا . وسبب حسنه أنه كأنه بدع عجيب أن يشاء الإنسان أن يبكي ~~دما . فلما كان كذلك ، كان الأولى أن يصرح بذكره ليقرره في نفس السامع ~~ويؤنسه به . # وإذا استقريت وجدت الأمر كذلك أبدا متى كان مفعول المشيئة أمرا عظيما أو ~~بديعا غريبا ، كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر . يقول الرجل يخبر عن عزة نفسه ~~: لو شئت أن أرد على الأمير رددت ، ولو شئت أن ألقى الخليفة كل يوم لقيت . ~~فإذا لم يكن مما يكبره السامع فالحذف كقولك : لو شئت خرجت ، ولو شئت قمت ، ~~ولو شئت أنصفت ، ولو شئت لقلت . وفي التنزيل : ( @QB@ لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا @QE@ ) وكذا تقول : لو شئت كنت كزيد ، قال ، + البسيط + : # ( لو شئت كنت ككرز في عبادته % أو كابن طارق حول البيت والحرم ) # وكذلك الحكم في غيره من حروف المجازاة أن تقول : إن شئت قلت ، وإن أردت ~~دفعت : قال الله تعالى : ( @QB@ فإن يشأ الله يختم على قلبك @QE@ ) وقال عز ~~اسمه : ( @QB@ من يشإ الله @QE@ PageV01P134 يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم ) . ونظائر ذلك من الآي ترى الحذف فيها المستمر . ومما يعلم أن ms093 ليس ~~فيه لغير الحذف وجه قول طرفة ، + الطويل + : # ( وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت % مخافة ملوي من القد محصد 5 6 7 8 9 10 ~~* أن لا ترقل لم ترقل : أو قلت : إذا شئت أن تغنيني PageV01P135 بأجزاع ~~بيشة غنتني ، وإذا شاء أن يغادي صرمة غادى ، ولو شئت أن تعود بلاد نجد عودة ~~عدتها ؛ أذهبت الماء والرونق ، وخرجت إلى كلام غث ، ولفظ رث . وأما قول ~~الجوهري ، + الطويل + : # ( فلم يبق مني الشوق غير تفكري % فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا ) # فقد نحا به نحو قوله : ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ، فأظهر مفعول شئت ، ~~ولم يقل : فلو شئت بكيت تفكرا لأجل أن له غرضا لا يتم إلا بذكر المفعول ، ~~وذلك أنه لم يرد أن يقول : ولو شئت أن أبكي تفكرا بكيت كذلك . ولكنه أراد ~~أن يقول : قد أفناني النحول ، فلم يبق مني وفي غير خواطر تجول ، حتى لو شئت ~~بكاء فمريت شؤوني ، وعصرت عيني ، ليسيل منها دمع لم أجده ، ولخرج بدل الدمع ~~التفكر . فالبكاء الذي أراد إيقاع المشيئة عليه مطلق مبهم غير معدى إلى ~~التفكر البتة ، والبكاء الثاني مقيد معدى إلى التفكر . وإذا كان الأمر كذلك ~~صار الثاني كأنه شيء غير الأول ، وجرى مجرى أن تقول : لو شئت أن تعطي درهما ~~أعطيت درهمين . في أن الثاني لا يصلح أن يكون تفسيرا للأول . # واعلم أن هذا الذي ذكرنا ليس بصريح : ' أكرمت وأكرمني عبد الله ' ، ولكنه ~~شبيه به في أنه إنما حذف الذي حذف من مفعول المشيئة والإرادة ، لأن الذي ~~يأتي في جواب ' لو ' وأخواتها يدل عليه . # وإذا أردت ما هو صريح في ذلك ، ثم هو نادر لطيف ينطوي على معنى دقيق ، ~~وفائدة جليلة فانظر إلى بيت البحتري ، + الخفيف + : # ( قد طلبنا فلم نجد لك في السؤدد % والمجد والمكارم مثلا ) # المعنى : قد طلبنا لك مثلا ، ثم حذف لأن ذكره في الثاني يدل عليه . ثم إن ~~للمجيء به كذلك من الحسن والمزية والروعة ما لا يخفى . ولو أنه قال : طلبنا ~~لك في السؤدد والمجد والمكارم ms094 مثلا فلم نجده ، لم تر من هذا الحسن الذي ~~تراه شيئا . وسبب ذلك أن الذي هو الأصل في المدح والغرض بالحقيقة هو نفي ~~الوجود عن المثل . فأما الطلب فكالشيء يذكر PageV01P136 ليبنى عليه الغرض ~~ويؤكد به أمره . وإذا كان هذا كذلك فلو أنه قال : قد طلبنا لك السؤدد ~~والمجد والمكارم مثلا فلم نجده ؛ لكان يكون قد ترك أن يوقع نفي الوجود على ~~صريح لفظ المثل ، وأوقعه على ضميره . ولن تبلغ الكناية مبلغ الصريح أبدا . # ويبين هذا كلام ذكره أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان والتبيين وأنا أكتب ~~لك الفصل حتى يستبين الذي هو المراد قال : ' والسنة في خطبة النكاح أن يطيل ~~الخاطب ، ويقصر المجيب . ألا ترى أن قيس بن خارجة لما ضرب بسيفه مؤخرة ~~راحلة الحاملين في شأن حمالة داحس ، وقال : ما لي فيها أيها العشمتان ؟ ~~قالا : بل ما عندك ؟ قال : عندي قرى كل نازل ، ورضا كل ساخط ، وخطبة من لدن ~~تطلع الشمس إلى أن تغرب . آمر فيها بالتواصل ، وأنهى فيها عن التقاطع . ~~قالوا : فخطب يوما إلى الليل فما أعاد كلمة ولا معنى . فقيل لأبي يعقوب : ~~هلا اكتفى بالأمر بالتواصل ، عن النهي عن التقاطع ؟ أوليس الأمر بالصلة هو ~~النهي عن القطيعة ؟ قال : أو ما علمت أن الكناية والتعريض لا يعملان في ~~العقول عمل الإيضاح والتكشيف ' . انتهى الفصل الذي أردت أن أكتبه ، فقد ~~بصرك هذا أن لن يكون إيقاع نفي الوجود على صريح لفظ المثل كإيقاعه على ~~ضميره . # وإذ قد عرفت هذا فإن هذا المعنى بعينه قد أوجب في بيت ذي الرمة أن يضع ~~اللفظ على عكس ما وضعه البحتري ، فيعمل الأول من الفعلين ، وذلك قوله ، + ~~الوافر + : # ( ولم أمدح لأرضيه بشعري % لئيما أن يكون أصاب مالا ) # أعمل ' لم أمدح ' الذي هو الأول في صريح لفظ اللئيم ، ' وأرضى ' الذي هو ~~الثاني PageV01P137 في ضميره . وذلك لأن إيقاع نفي المدح على اللئيم صريحا ~~، والمجيء به مكشوفا ظاهرا هو الواجب من حيث كان أصل الغرض . وكان الإرضاء ~~تعليلا له . ولو أنه قال : ولم أمدح لأرضي بشعري ms095 لئيما ، لكان يكون قد أبهم ~~الأمر فيما هو الأصل وأبانه فيما ليس بالأصل فاعرفه . ولهذا الذي ذكرنا من ~~أن للتصريح عملا لا يكون مثل ذلك العمل للكناية كان لإعادة اللفظ في مثل ~~قوله تعالى : ( @QB@ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل @QE@ ) وقوله تعالى : قل هو ~~الله أحد . الله الصمد ) من الحسن والبهجة ، ومن الفخامة والنبل ما لا يخفى ~~موضعه على بصير . وكان لو ترك فيه الإظهار إلى الإضمار فقيل : وبالحق ~~أنزلناه وبه نزل . وقل هو الله أحد هو الصمد لعدمت الذي أنت واجده الآن . ~~PageV01P138 # | فصل في تحليل شاهد متميز للحذف عند البحتري # قد بان الآن واتضح لمن نظر نظر المتثبت الحصيف الراغب في اقتداح زناد ~~العقل ، والازدياد من الفضل ، ومن شأنه التوق إلى أن يعرف الأشياء على ~~حقائقها ، ويتغلغل إلى دقائقها ، ويربأ بنفسه عن مرتبة المقلد الذي يجري مع ~~الظاهر . ولا يعدو الذي يقع في أول الخاطر ، أن الذي قلت في شأن الحذف وفي ~~تفخيم أمره ، والتنويه بذكره ، وأن مأخذه مأخذ يشبه السحر ، ويبهر الفكر ، ~~كالذي قلت : وهذا فن آخر من معانيه عجيب ، وأنا ذاكره لك : قال البحتري في ~~قصيدته التي أولها ، + الطويل + : # ( أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم % ) # وهو يذكر محاماة الممدوح عليه وصيانته له ودفعه نوائب الزمان عنه : # ( وكم ذدت عني من تحامل حادث % وسورة أيام حززن إلى العظم ) # الأصل لا محالة : حززن اللحم إلى العظم ، إلا أن في مجيئه به محذوفا ، ~~وإسقاطه له من النطق وتركه في الضمير مزية عجيبة وفائدة جليلة . وذاك أن من ~~حذق الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعا يمنعه به من أن يتوهم في ~~بدء الأمر شيئا غير المراد ، ثم ينصرف إلى المراد . ومعلوم أنه لو أظهر ~~المفعول فقال ؛ وسورة أيام حززن اللحم إلى العظم PageV01P139 لجاز أن يقع ~~في وهم السامع إلى أن يجيء إلى قوله : ' إلى ' العظم ' ، أن هذا الحز كان ~~في بعض اللحم دون كله ، وأنه قطع ما يلي الجلد ، ولم ينته إلى ما يلي العظم ~~. فلما كان كذلك ترك ذكر اللحم ms096 ، وأسقطه من اللفظ ليبرىء السامع من هذا ~~الوهم ، ويجعله بحيث يقع المعنى منه في أنف الفهم ، ويتصور في نفسه من أول ~~الأمر أن الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلا العظم . أفيكون دليل أوضح من ~~هذا ، وأبين وأجلى في صحة ما ذكرت لك من أنك قد ترى ترك الذكر أفصح من ~~الذكر ؟ والامتناع من أن يبرز اللفظ من الضمير أحسن للتصوير ؟ # | فصل القول على فروق في الخبر # أول ما ينبغي أن يعلم منه أنه ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة ، لا تتم ~~الفائدة دونه ، وخبر ليس بجزء من الجملة ، ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له ~~. # فالأول خبر المبتدأ كمنطلق في قولك : زيد منطلق . والفعل كقولك : خرج زيد ~~. فكل واحد من هذين جزء من الجملة ، وهو الأصل في الفائدة . # والثاني هو الحال كقولك : جاءني زيد راكبا . وذاك لأن الحال خبر في ~~الحقيقة من حيث إنك تثبت بها المعنى لذي الحال كما تثبت بخبر المبتدأ ~~للمبتدأ ، وبالفعل للفاعل . ألا تراك قد أثبت الركوب في قولك : ' جاءني زيد ~~راكبا ' لزيد ؟ إلا أن الفرق أنك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء ~~، وهو أن تجعله بهذه الهيئة في مجيئه ، ولم تجرد إثباتك للركوب ولم تباشره ~~به ، بل ابتدأت فأثبت المجيء ، ثم وصلت به الركوب ، فالتبس به الإثبات على ~~سبيل التبع للمجيء ، وبشرط أن يكون في صلته . وأما في الخبر المطلق نحو : ' ~~زيد منطلق ، وخرج عمر و ' فإنك مثبت للمعنى إثباتا جردته له ، وجعلته ~~يباشره من غير واسطة ، ومن غير أن تتسبب بغيره إليه فاعرفه . # وإذ قد عرفت هذا الفرق فالذي يليه من فروق الخبر هو الفرق بين الإثبات ~~إذا كان PageV01P140 بالاسم وبينه ، إذا كان بالفعل . وهو فرق لطيف تمس ~~الحاجة في علم البلاغة إليه . وبيانه أن موضوع الاسم على أن يثبت به المعنى ~~للشيء من غير أن يقتضي تجدده شيئا بعد شيء . وأما الفعل فموضوعه على أنه ~~يقتضي تجد د المعنى المثبت به شيئا بعد شيء . فإذا قلت : زيد منطلق ms097 . فقد ~~أثبت الانطلاق فعلا له من غير أن تجعله يتجدد ، ويحدث منه شيئا فشيئا . بل ~~يكون المعنى فيه كالمعنى في قولك : زيد طويل وعمر و قصير . فكما لا تقصد ~~هاهنا إلى أن تجعل الطول أو القصر يتجدد ويحدث ، بل توجبهما وتثبتهما فقط ، ~~وتقضي بوجودهما على الإطلاق ، كذلك لا تتعرض في قولك : زيد منطلق . لأكثر ~~من إثباته لزيد . # وأما الفعل فإنه يقصد فيه إلى ذلك ؛ فإذا قلت : زيد ها هو ذا ينطلق . فقد ~~زعمت أن الانطلاق يقع منه جزءا فجزءا ، وجعلته يزاوله ويزجيه . وإن شئت أن ~~تحس الفرق بينهما من حيث يلطف فتأمل هذا البيت ، + البسيط + : # ( لا يألف الدرهم المضروب خرقتنا % لكن يمر عليها وهو منطلق ) # هذا هو الحسن اللائق بالمعنى . ولو قلته بالفعل : لكن يمر عليها وهو ~~ينطلق ، لم يحسن . وإذا أردت أن تعتبره بحيث لا يخفى أن أحدهما لا يصلح في ~~موضع صاحبه فانظر إلى قوله تعالى : ( @QB@ وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد @QE@ ~~) فإن أحدا لا يشك في امتناع الفعل هاهنا ، وأن قولنا : كلبهم يبسط ذراعيه ~~، لا يؤدي الغرض . وليس ذلك إلا لأن الفعل يقتضي مزاولة ، وتجدد الصفة في ~~الوقت . ويقتضي الاسم ثبوت الصفة ، وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة ~~وتزجية فعل ومعنى يحدث شيئا فشيئا . ولا فرق بين : ( @QB@ وكلبهم باسط @QE@ ~~) وبين أن يقول : وكلبهم واحد ، مثلا في أنك لا تثبت مزاولة ، ولا تجعل ~~الكلب يفعل شيئا ، بل تثبته بصفة هو عليها . فالغرض إذا تأدية هيئة الكلب . ~~ومتى اعتبرت الحال في الصفات المشبهة وجدت الفرق ظاهرا بينا ، ولم يعترضك ~~الشك في أن أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه . فإذا قلت : زيد طويل وعمر و ~~قصير ، لم يصلح مكانه : يطول ويقصر ، وإنما تقول : يطول ويقصر ، إذا كان ~~الحديث عن شيء يزيد وينمو كالشجر والنبات والصبي ، ونحو ذلك مما ~~PageV01P141 يتجدد فيه الطول ، أو يحدث فيه القصر . فأما وأنت تحدث عن هيئة ~~ثابتة وعن شيء قد استقر طوله ، ولم يكن ثم تزايد وتجدد فلا يصلح فيه إلا ~~الاسم . # وإذا ثبت الفرق بين الشيئين ms098 في مواضع كثيرة ، وظهر الأمر بأن ترى أحدهما ~~لا يصلح في موضع صاحبه ، وجب أن تقضي بثبوت الفرق ، حيث ترى أحدهما قد صلح ~~في مكان الآخر ، وتعلم أن المعنى مع أحدهما غيره مع الآخر ، كما هو العبرة ~~في حمل الخفي على الجلي . وينعكس لك هذا الحكم أعني أنك كما وجدت الاسم يقع ~~حيث لا يصلح الفعل مكانه ، كذلك تجد الفعل يقع ثم لا يصلح الاسم مكانه ، ~~ولا يؤدي ما كان يؤديه . فمن البين في ذلك قول الأعشى ، + الطويل + : # ( لعمري لقد لاحت عيون كثيرة % إلى ضوء نار في يفاع تحرق ) # ( تشب لمقرورين يصطليانها % وبات على النار الندى والمحلق ) # معلوم أنه لو قيل : إلى ضوء نار محرقة لنبا عنه الطبع ، وأنكرته النفس . ~~ثم لا يكون ذاك النبو وذاك الإنكار من أجل القافية ، وأنها تفسد به من جهة ~~أنه لا يشبه الغرض ، ولا يليق بالحال . وكذلك قوله ، + الكامل + : # ( أو كلما وردت عكاظ قبيلة % بعثوا إلي عريفهم يتوسم ) ) # وذاك لأن المعنى في بيت الأعشى على أن هناك موقدا يتجدد منه الإلهاب ~~والإشعال حالا فحالا . وإذا قيل : محرقة كان المعنى أن هناك نارا قد ثبتت ~~لها ، وفيها هذه الصفة . وجرى مجرى أن يقال : إلى ضوء نار عظيمة ؛ في أنه ~~لا يفيد فعلا يفعل . وكذلك الحال في PageV01P142 قوله : بعثوا إلي عريفهم ~~يتوسم . وذلك لأن المعنى : على توسم وتأمل ونظر يتجدد من العريف هناك حالا ~~فحالا ، وتصفح منه للوجوه واحدا بعد واحد . ولو قيل : بعثوا إلي عريفهم ~~متوسما ، لم يفد ذلك حق الإفادة . ومن ذلك قوله تعالى : ( @QB@ هل من خالق ~~غير الله يرزقكم من السماء والأرض @QE@ ) لو قيل : هل من خالق غير الله ~~رازق لكم ، لكان المعنى غير ما أريد . ولا ينبغي أن يغرك أنا إذ تكلمنا في ~~مسائل المبتدأ والخبر قدرنا الفعل في هذا النحو تقدير الاسم ، كما نقول في ~~: ' زيد يقوم ' : إنه في موضع ' زيد قائم ' ؛ فإن ذلك لا يقتضي أن يستوي ~~المعنى فيها استواء لا يكون من بعده افتراق ؛ فإنهما لو استويا هذا ~~الاستواء ms099 لم يكن أحدهما فعلا والآخر اسما ، بل كان ينبغي أن يكونا جميعا ~~فعلين أو يكونا اسمين . # ومن فروق الإثبات أنك تقول : ' زيد منطلق ' و ' زيد المنطلق ' و ' ~~المنطلق زيد ' فيكون لك في كل واحد من هذه الأحوال غرض خاص ، وفائدة لا ~~تكون في الباقي . وأنا أفسر لك ذلك . # اعلم انك إذا قلت : ' زيد منطلق ' كان كلامك مع من لم يعلم أن انطلاقا ~~كان لا من زيد ولا من عمرو . فأنت تفيده ذلك ابتداء . وإذا قلت : ' زيد ~~المنطلق ' كان كلامك مع من عرف أن انطلاقا كان إما من زيد وإما من عمر و ~~فأنت تعلمه أنه كان من زيد ودون غيره . والنكتة : أنك تثبت في الأول الذي ~~هو قولك زيد منطلق فعلا لم يعلم السامع من أصله أنه كان وتثبت في الثاني ~~الذي هو ' زيد المنطلق ' فعلا قد علم السامع أنه كان ، ولكنه لم يعلمه لزيد ~~، فأفدته ذلك . فقد وافق الأول في المعنى الذي له كان الخبر خبرا ، وهو ~~إثبات المعنى للشيء . وليس يقدح في ذلك أنك كنت قد علمت أن انطلاقا كان من ~~أحد الرجلين ، لأنك إذا لم تصل إلى القطع على أنه كان من زيد دون عمر و كان ~~حالك في الحاجة إلى من يثبته لزيد كحالك إذا لم تعلم أنه كان من أصله . # وتمام التحقيق أن هذا كلام يكون معك إذا كنت قد بلغت أنه كان من إنسان ~~انطلاق من موضع كذا ، في وقت كذا ، لغرض كذا ، فجوزت أن يكون ذلك كان من ~~زيد . فإذا قيل PageV01P143 لك : زيد المنطلق ؛ صار الذي كان معلوما على ~~جهة الجواز معلوما على جهة الوجوب . ثم إنهم إذا أرادوا تأكيد هذا الوجوب ~~أدخلوا الضمير المسمى فصلا بين الجزءين ، فقالوا : زيد هو المنطلق . # ومن الفرق بين المسألتين - وهو ما تمس الحاجة إلى معرفته - أنك إذا نكرت ~~الخبر جاز أن تأتي بمبتدأ ثان على أن تشركه بحرف العطف في المعنى الذي ~~أخبرت به عن الأول . وإذا عرفت لم يجز ذلك . تفسير هذا أنك تقول : زيد ms100 ~~منطلق وعمر و . تريد : وعمرو منطلق أيضا . ولا تقول : زيد المنطلق وعمر و . ~~ذلك لأن المعنى مع التعريف على أنك أردت أن تثبت انطلاقا مخصوصا قد كان من ~~واحد فإذا أثبته لزيد لم يصح إثباته لعمر و . ثم إن كان قد كان ذلك ~~الانطلاق من اثنين فإنه ينبغي أن يجمع بينهما في الخبر فتقول : زيد وعمر و ~~هما المنطلقان ، لا أن تفرق فتثبته أولا لزيد ، ثم تجيء فتثبته لعمر و . ~~ومن الواضح في تمثيل هذا النحو قولنا : هو القائل بيت كذا ، كقولك : جرير ~~هو القائل ، + الطويل + : # ( وليس لسيفي في العظام بقية % ) # فأنت لو حاولت أن تشرك في هذا الخبر غيره فتقول : جرير هو القائل هذا ~~البيت وفلان ؛ حاولت محالا ، لأنه قوله بعينه . فلا يتصور أن يشرك جريرا ~~فيه غيره . # واعلم أنك تجد الألف واللام في الخبر على معنى الجنس ، ثم ترى له في ذلك ~~وجوها : # أحدها : أن تقصر جنس المعنى على المخبر عنه لقصدك المبالغة ، وذلك قولك : ~~زيد هو الجواد ، وعمر و هو الشجاع ؛ تريد أنه الكامل . إلا أنك تخرج الكلام ~~في صورة توهم أن الجود والشجاعة لم توجد إلا فيه ، وذلك لأنك لم تعتد بما ~~كان من غيره لقصوره عن أن يبلغ الكمال . فهذا كالأول في امتناع العطف عليه ~~للإشراك . فلو قلت : زيد هو الجواد وعمر و ؛ كان خلفا من القول . # والوجه الثاني : أن تقصر جنس المعنى الذي تفيده بالخبر على المخبر عنه ، ~~لا على PageV01P144 معنى المبالغة وترك الاعتداد بوجوده في غير المخبر عنه ~~، بل على دعوى أنه لا يوجد إلا منه . ولا يكون ذلك إلا إذا قيدت المعنى ~~بشيء يخصصه ، ويجعله في حكم نوع برأسه ، وذلك كنحو أن يقيد بالحال والوقت ، ~~كقولك : هو الوفي ' حين لا تظن نفس بنفس خيرا ' . وهكذا إذا كان الخبر ~~بمعنى يتعدى ، ثم اشترطت له مفعولا مخصوصا كقول الأعشى ، + من المتقارب + : # ( هو الواهب المئة المصطفاة % إما مخاضا وإما عشارا ) # فأنت تجعل الوفاء في الوقت الذي لا يفي فيه أحد نوعا خاصا من الوفاء . ~~وكذلك ms101 تجعل هبة المئة من الإبل نوعا خاصا من الوفاء ، وكذا الباقي . ثم إنك ~~تجعل كل هذا خبرا على معنى الاختصاص ، وأنه للمذكور دون من عداه ، ألا ترى ~~أن المعنى في بيت الأعشى أنه لا يهب هذه الهبة إلا الممدوح ، وربما ظن أن ~~اللام في : # ( هو الواهب المئة المصطفاة % ) # بمنزلتها في نحو : زيد هو المنطلق ، من حيث كان القصد إلى هبة مخصوصة كما ~~كان القصد إلى انطلاق مخصوص وليس الأمر كذلك ؛ لأن القصد هاهنا إلى جنس من ~~الهبة مخصوص ، لا إلى هبة مخصوصة بعينها . يدلك على ذلك أن المعنى على أنه ~~يتكرر منه ، وعلى أنه يجعله يهب المئة مرة بعد أخرى . وأما المعنى في قولك ~~: زيد هو المنطلق ، فعلى القصد إلى انطلاق كان مرة واحدة لا إلى جنس من ~~الانطلاق . فالتكرر هناك غير متصور ، كيف وأنت تقول : جرير هو القائل ؟ # ( وليس لسيفي في العظام بقية % ) # تريد أن تثبت له قيل هذا البيت وتأليفه . فافصل بين أن تقصد إلى نوع فعل ~~، وبين أن تقصد إلى فعل واحد ، متعين حاله في المعاني حال زيد في الرجال في ~~أنه ذات بعينها . # والوجه الثالث أن لا تقصد قصر المعنى في جنسه على المذكور ، لا كما كان ~~في : PageV01P145 ' زيد هو الشجاع ' ، تريد أن لا تعتد بشجاعة غيره ، ولا ~~كما ترى في قوله : # ( هو الواهب المئة المصطفاة % ) # لكن على وجه ثالث وهو الذي عليه قول الخنساء ، + الوافر + : # ( إذا قبح البكاء على قتيل % رأيت بكاءك الحسن الجميلا ) # لم ترد أن ما عدا البكاء عليه فليس بحسن ولا جميل ، ولم تقيد الحسن بشيء ~~، فيتصور أن يقصر على البكاء كما قصر الأعشى هبة المئة على الممدوح . ~~ولكنها أرادت أن تقره في جنس ما حسنه الحسن الظاهر الذي لا ينكره أح د ، ~~ولا يشك فيه شاك . ومثله قول حسان ، + الطويل + : # ( وإن سنام المجد من آل هاشم % بنو بنت مخزوم ووالدك العبد ) # أراد أن يثبت العبودية ، ثم يجعله ظاهر الأمر فيها ، ومعروفا بها . ولو ~~قال : ووالدك عبد ، لم يكن قد جعل حاله ms102 في العبودية حالة ظاهرة متعارفة . ~~وعلى ذلك قول الآخر ، + الطويل + : # ( أسود إذا ما أبدت الحرب نابها % وفي سائر الدهر الغيوث المواطر ) # واعلم أن للخبر المعرف بالألف واللام معنى غير ما ذكرت لك ، وله مسلك ثم ~~دقيق ، ولمحة كالخلس يكون المتأمل عنده ، كما يقال يعرف وينكر ، وذلك قولك ~~: هو البطل المحامي ، وهو المتقى المرتجى . وأنت لا تقصد شيئا مما تقدم ، ~~فلست تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان ، ولم يعلم ممن كان ، كما مضى ~~في قولك : زيد هوالمنطلق . ولا تريد أن تقصر معنى عليه على معنى أنه لم ~~يحصل لغيره على الكمال ، كما كان في قولك : ولكنك تريد أن تقول لصاحبك : هل ~~سمعت بالبطل المحامي ؟ وهل حصلت معنى هذه الصفة ؟ وكيف ينبغي أن يكون الرجل ~~حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه ؟ فإن كنت قتلته PageV01P146 علما وتصورته ~~حق تصوره فعليك صاحبك واشدد به يدك ، فهو ضالتك ، وعنده بغيتك وطريقه طريق ~~قولك : هل سمعت بالأسد ؟ وهل تعرف ما هو ؟ فإن كنت تعرفه فزيد هو هو بعينه ~~. # ويزداد هذا المعنى ظهورا بأن تكون الصفة التي تريد الإخبار بها عن ~~المبتدأ مجراة على موصوف كقول ابن الرومي ، + الطويل + : # ( هو الرجل المشروك في جل ماله % ولكنه بالمجد والحمد مفرد ) # تقديره كأنه يقول للسامع : فكر في رجل لا يتميز عفاته وجيرانه ومعارفه ~~عنه في ماله ، وأخذ ما شاؤوا منه . فإذا حصلت صورته في نفسك فاعلم أنه ذلك ~~الرجل . وهذا فن عجيب الشأن ، وله مكان من الفخامة والنبل ، وهو من سحر ~~البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه ، والمعول فيه على مراجعة النفس ~~واستقصاء التأمل . فإذا علمت أنه لا يريد بقوله : الرجل المشروك في جل ماله ~~أن يقول هو الذي بلغك حديثه وعرفت من حاله وقصته أنه يشرك في جل ماله على ~~حد قولك : هو الرجل الذي بلغك أنه أنفق كذا ، والذي وهب المئة المصطفاة من ~~الإبل . ولا أن يقول إنه على معنى : ' هو الكامل في هذه الصفة حتى كأن ~~هاهنا أقواما يشركون في جل أموالهم ms103 ، إلا أنه في ذلك أكمل وأتم ' ، لأن ذلك ~~لا يتصور . وذاك أن كون الرجل بحيث يشرك في جل ماله ليس بمعنى يقع فيه ~~تفاضل . كما أن بذل الرجل كل ما يملك كذلك ، ولو قيل : الذي يشرك في ماله ~~جاز أن يتفاوت . وإذا كان كذلك علمت أنه معنى ثالث ، وليس إلا ما أشرت إليه ~~من أنه يقول للمخاطب : ضع في نفسك معنى قولك ' رجل مشروك في جل ماله ' . ثم ~~تأمل فلانا فإنك تستملي هذه الصورة منه ، وتجده يؤديها لك نصا ، ويأتيك بها ~~كملا . وإن أردت أن تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصادي إلى ~~برد الماء فاسمع قوله ، + الطويل + : # ( أنا الرجل المدعو عاشق فقره % إذا لم تكارمني صروف زماني ) PageV01P147 ~~وإن أردت أعجب من ذلك فقوله ، + الكامل + : # ( أهدى إلي أبو الحسين يدا % أرجو الثواب بها لديه غدا ) # ( وكذاك عادات الكريم إذا % أولى يدا حسبت عليه يدا ) # ( إن كان يحسد نفسه أحد % فلأزعمنك ذلك الأحدا ) # فهذا كله على معنى الوهم والتقدير ، وأن يصور في خاطره شيئا لم يره ولم ~~يعلمه ، ثم يجريه مجرى ما عهد وعلم . وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم ~~من ' الذي ' ؛ فإنه يجيء كثيرا على أنك تقدر شيئا في وهمك ، ثم تعبر عنه ~~بالذي . ومثال ذلك قوله ، + الطويل + : # ( أخوك الذي إن تدعه لملمة % يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب ) # وقول الآخر ، + الطويل + : # ( أخوك الذي إن ربته قال : إنما % أربت وإن عاتبته لان جانبه ) # فهذا ونحوه على أنك قدرت إنسانا هذه صفته ، وهذا شأنه ، وأحلت السامع على ~~ما يعن في الوهم دون أن يكون قد عرف رجلا بهذه الصفة فأعلمته أن المستحق ~~لاسم الأخوة هو ذلك الذي عرفه ، حتى كأنك قلت : أخوك زيد الذي عرفت أنك إن ~~تدعه لملمة يجبك . ولكون هذا الجنس معهودا من طريق الوهم والتخيل جرى على ~~ما يوصف بالاستحالة ، كقولك للرجل وقد تمنى : هذا هو الذي لا يكون ، وهذا ~~ما لا يدخل في الوجود . وقوله ، + الكامل + : PageV01P148 # ( ما لا يكون فلا يكون بحيلة % أبدا ms104 ، وما هو كائن سيكون ) # ومن لطيف هذا الباب قوله ، + الطويل + : # ( وإني لمشتاق إلى ظل صاحب % يرق ويصفو إن كدرت عليه ) # قد قدر كما ترى ما لم يعلمه موجودا ، ولذلك قال المأمون : خذ مني الخلافة ~~وأعطني هذا الصاحب . فهذا التعريف الذي تراه في الصاحب لا يعرض فيه شك أنه ~~موهوم . # وأما قولنا : المنطلق زيد ، والفرق بينه وبين : ' زيد المنطلق ' ، فالقول ~~في ذلك أنك وإن كنت ترى في الظاهر أنهما سواء من حيث كان الغرض في الحالين ~~إثبات انطلاق قد سبق العلم به لزيد ، فليس الأمر كذلك بل بين الكلامين فصل ~~ظاهر . وبيانه أنك إذا قلت : زيد المنطلق . فأنت في حديث انطلاق قد كان ، ~~وعرف السامع كونه . إلا أنه لم يعلم أمن زيد كان أم من عمر و ؟ فإذا قلت : ~~زيد المنطلق ، أزلت عنك الشك ، وجعلته يقطع وبأنه كان من زيد بعد أن كان ~~يرى ذلك على سبيل الجواز . وليس كذلك إذا قدمت ' المنطلق ' فقلت : المنطلق ~~زيد ؛ بل يكون المعنى حينئذ على أنك رأيت إنسانا ينطلق بالبعد منك ، فلم ~~يثبته ولم تعلم أزيد هو أم عمر و . فقال لك صاحبك : المنطلق زيد ، أي هذا ~~الشخص الذي تراه من بعد هو زيد . وقد ترى الرجل قائما بين يديك ، وعليه ثوب ~~ديباج ، والرجل ممن عرفته قديما ، ثم بعد عهدك به فتناسيته ، فيقال لك : ~~اللابس الديباج صاحبك الذي كان يكون عندك في وقت كذا ، أما تعرفه ؟ لشد ما ~~نسيت ! ولا يكون الغرض أن يثبت له لبس الديباج لاستحالة ذلك من حيث إن ~~رؤيتك الديباج عليه تغنيك عن إخبار مخبر ، وإثبات مثبت لبسه له . فمتى رأيت ~~اسم فاعل أو صفة من الصفات قد بدىء به فجعل مبتدأ ، وجعل الذي هو صاحب ~~الصفة في المعنى خبرا فاعلم أن الغرض هناك غير الغرض إذا كان اسم الفاعل أو ~~الصفة خبرا كقولك : زيد المنطلق . # واعلم أنه ربما اشتبهت الصورة في بعض المسائل من هذا الباب ، حتى يظن أن ~~PageV01P149 المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبرا لم يختلف المعنى فيهما بتقديم ~~وتأخير ms105 . ومما يوهم ذلك قول النحويين في باب كان : إذا اجتمع معرفتان كنت ~~بالخيار في جعل أيهما شئت اسما والآخر خبرا كقولك : كان زيد أخاك ، وكان ~~أخوك زيدا . فيظن من هاهنا أن تكافؤ الاسمين في التعريف يقتضي أن لا يختلف ~~المعنى بأن تبدأ بهذا وتثني بذاك . وحتى كان الترتيب الذي يدعى بين المبتدأ ~~والخبر ، وما يوضع لهما في المنزلة في التقدم والتأخر يسقط ويرتفع إذا كان ~~الجزآن معا معرفتين . # ومما يوهم ذلك أنك تقول : الأمير زيد ، وجئتك والخليفة عبد الملك ، فيكون ~~المعنى على إثبات الإمارة لزيد والخلافة لعبد الملك ، كما يكون إذا قلت : ~~زيد الأمير وعبد الملك الخليفة . وتقوله لمن لا يشاهد ومن هو غائب عن حضرة ~~الإمارة ومعدن الخلافة . وهكذا يتوهم في نحو قوله + من + الطويل + : # ( أبوك حباب سارق الضيف برده % وجدي يا حجاج فارس شمرا ) # وأنه لا فصل بينه وبين أن يقال : حباب أبوك ، وفارس شمر جدي . وهو موضع ~~غامض . والذي يبين وجه الصواب ، ويدل على وجوب الفرق بين المسألتين أنك إذا ~~تأملت الكلام وجدت ما لا يحتمل التسوية ، وما تجد الفرق قائما فيه قياما لا ~~سبيل إلى دفعه هو الأعم الأكثر . وإن أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى ما قدمت ~~لك من قولك : اللابس الديباج زيد ؛ وأنت تشير له إلى رجل بين يديه . ثم ~~انظر إلى قول العرب : ليس الطيب إلا المسك ، وقول جرير ، + الوافر + : # ( ألستم خير من ركب المطايا % ) PageV01P150 # ونحو قول المتنبي ، + الوافر + : # ( ألست ابن الألى سعدوا وسادوا % ) # وأشباه ذلك مما لا يحصى ولا يعد . وأراد المعنى على أن يسلم لك مع قلب ~~طرفي الجملة ، وقل : ليس المسك إلا الطيب . و : أليس خير من ركب المطايا ~~إياكم ؟ و : أليس ابن الألى سعدوا وسادوا إياك ؟ تعلم أن الأمر على ما ~~عرفتك من وجوب اختلاف المعنى بحسب التقديم والتأخير . # وهاهنا نكتة يجب القطع معها بوجوب هذا الفرق أبدا ، وهي أن المبتدأ لم ~~يكن مبتدأ لأنه منطوق به أولا ، ولا كان الخبر خبرا لأنه مذكور بعد المبتدأ ~~، بل كان المبتدأ ms106 مبتدأ لأنه مسند إليه ومثبت له المعنى ، والخبر خبرا لأنه ~~مسند ومثبت به المعنى . # تفسير ذلك أنك إذا قلت : زيد منطلق ، فقد أثبت الانطلاق لزيد ، وأسندته ~~إليه . فزيد مثبت له ، ومنطلق مثبت به . وأما تقدم المبتدأ على الخبر لفظا ~~فحكم واجب من هذه الجهة ، أي من جهة أن كان المبتدأ هو الذي يثبت له المعنى ~~ويسند إليه والخبر هو الذي يثبت به المعنى ويسند ولو كان المبتدأ مبتدأ ~~لأنه في اللفظ مقدم مبدوء به لكان ينبغي أن يخرج عن كونه مبتدأ بأن يقال : ~~منطلق زيد . ولوجب أن يكون قولهم : إن الخبر مقدم في اللفظ والنية به ~~التأخير ، محالا . وإذا كان هذا كذلك ، ثم جئت بمعرفتين فجعلتهما مبتدأ ~~وخبرا فقد وجب وجوبا أن تكون مثبتا بالثاني معنى للأول . فإذا قلت : زيد ~~أخوك ؛ كنت قد أثبت ب ' أخوك ' معنى لزيد . وإذا قدمت وأخرت فقلت : أخوك ~~زيد ؛ وجب أن تكون مثبتا بزيد معنى ل ' أخوك ' ، وإلا كان تسميتك له الآن ~~مبتدأ وإذ ذاك خبرا تغييرا للاسم عليه من غير معنى ، ولأدى إلى أن لا يكون ~~لقولهم : ' المبتدأ والخبر ' فائدة غير أن يتقدم اسم في اللفظ على اسم من ~~غير أن ينفرد كل واحد منهما بحكم لا يكون لصاحبه ، وذلك مما لا يشك في ~~سقوطه . # ومما يدل دلالة واضحة على اختلاف المعنى - إذا جئت بمعرفتين ، ثم جعلت ~~هذا مبتدأ وذاك خبرا تارة وتارة بالعكس - قولهم : الحبيب أنت ، وأنت الحبيب ~~؛ وذاك أن معنى PageV01P151 ' الحبيب أنت ' أنه لا فصل بينك وبين من تحبه ~~إذا صدقت المحبة ، وأن مثل المتحابين مثل نفس يقتسمها شخصان ، كما جاء عن ~~بعض الحكماء أنه قال : الحبيب أنت إلا أنه غيرك ، فهذا - كما ترى - فرق ~~لطيف ، ونكتة شريفة . ولو حاولت أن تفيدها بقولك : أنت الحبيب ؛ حاولت ما ~~لا يصح . لأن الذي يعقل من قولك : أنت الحبيب ، هو ما عناه المتنبي في قوله ~~، + البسيط + : # ( أنت الحبيب ولكني أعوذ به % من أن أكون محبا غير محبوب ) # ولا يخفى بعد ما بين الغرضين ؛ فالمعنى في ms107 قولك : ' أنت الحبيب ' ، أنك ~~أنت الذي أختصه بالمحبة من بين الناس . وإذا كان كذلك عرفت أن الفرق واجب ~~أبدا ، وأنه لا يجوز أن يكون ' أخوك زيد ' و ' زيد أخوك ' بمعنى واحد . # وهاهنا شيء يجب النظر فيه ، وهو أن قولك : أنت الحبيب ؛ كقولنا : أنت ~~الشجاع ؛ تريد أنه الذي كملت فيه الشجاعة . أو كقولنا : زيد المنطلق ؛ تريد ~~أنه الذي كان منه الانطلاق الذي سمع المخاطب به . وإذا نظرنا وجدناه لا ~~يحتمل أن يكون كقولنا : أنت الشجاع ، لأنه يقتضي أن يكون المعنى أنه لا ~~محبة في الدنيا إلا ما هو به حبيب . كما أن المعنى في ' هو الشجاع ' أنه لا ~~شجاعة في الدنيا إلا ما تجده عنده ، وما هو شجاع به ، وذلك محال . # وأمر آخر ، وهو أن الحبيب ( فعيل ) بمعنى مفعول . فالمحبة إذا ليست هي له ~~بالحقيقة ، وإنما هي صفة لغيره قد لا بسته ، وتعلقت به تعلق الفعل بالمفعول ~~. والصفة إذا وصفت بالكمال وصفت به على أن يرجع ذلك الكمال إلى من هي صفة ~~له دون من تلابسه ملابسة المفعول . وإذا كان كذلك بعد أن تقول : أنت ~~المحبوب ، على معنى أنت الكامل في كونك محبوبا . كما أن بعيدا أن يقال هو ~~المضروب ، على معنى أنه الكامل في كونه PageV01P152 مضروبا . وإن جاء شيء ~~من ذلك جاء على تعسف فيه ، وتأويل لا يتصور هاهنا ، وذلك أن يقال مثلا : ~~زيد هو المظلوم ، على معنى أنه لم يصب أحدا ظلم يبلغ في الشدة والشناعة ~~الظلم الذي لحقه ، فصار كل ظلم سواه عدلا في جنبه . ولا يجيء هذا التأويل ~~في قولنا : أنت الحبيب ، لأنا نعلم أنهم لا يريدون بهذا الكلام أن يقولوا : ~~إن أحدا لم يحب أحدا محبتي لك . وإن ذلك قد أبطل المحبات كلها ، حتى صرت ~~الذي لا يعقل للمحبة معنى إلا فيه . وإنما الذي يريدون أن المحبة مني ~~بجملتها مقصورة عليك ، وأنه ليس لأحد غيرك حظ في محبة مني . # وإذا كان كذلك بان أنه لا يكون بمنزلة ' أنت الشجاع ' . تريد الذي تكامل ~~الوصف فيه . إلا أنه ms108 ينبغي من بعد أن تعلم أن بين ' أنت الحبيب ' ، وبين ' ~~زيد المنطلق ' فرقا ، وهو أن لك في المحبة التي أثبتها طرفا من الجنسية من ~~حيث كان المعنى أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك ، ولم تعمد إلى محبة ~~واحدة من محباتك . ألا ترى أنك قد أعطيت بقولك : أنت الحبيب ، أنك لا تحب ~~غيره ، وأن لا محبة لأحد سواه عندك ؟ ولا يتصور هذا في ' زيد المنطلق ' ~~لأنه لا وجه هناك للجنسية ؛ إذ ليس ثم إلا انطلاق واحد قد عرف المخاطب أنه ~~كان ، واحتاج أن يعين له الذي كان منه ، وينص له عليه . فإن قلت : زيد ~~المنطلق في حاجتك ، تريد الذي من شأنه أن يسعى في حاجتك عرض فيه معنى ~~الجنسية حينئذ على حدها في ' أنت الحبيب ' . وهاهنا أصل يجب أن تحكمه ، وهو ~~أن من شأن أسماء الأجناس كلها إذا وصفت أن تتنوع بالصفة ، فيصير الرجل الذي ~~هو جنس واحد إذا وصفته فقلت : ' رجل ظريف ، ورجل قصير ، ورجل شاعر ، ورجل ~~كاتب ' أنواعا مختلفة يعد كل منها شيئا على حدة . ويستأنف في اسم الرجل بكل ~~صفة تقرنها إليه جنسية . وهكذا القول في المصادر تقول : العلم ، والجهل ، ~~والضرب ، والقتل ، والسير ، والقيام ، والقعود . فتجد كل واحد من هذه ~~المعاني جنسا كالرجل ، والفرس ، والحمار . فإذا وصفت فقلت : علم كذا وعلم ~~كذا ، كقولك : علم PageV01P153 ضروري ، وعلم مكتسب ، وعلم جلي ، وعلم خفي ، ~~وضرب شديد ، وضرب خفيف ، وسير سريع ، سير بطيء ، وما شاكل ذلك . انقسم ~~الجنس منها أقساما وصار أنواعا ، وكان مثلها مثل الشيء المجموع المؤلف ؛ ~~تفرقه فرقا ، وتشعبه شعبا . وهذا مذهب معروف عندهم ، وأصل متعارف في كل جيل ~~وأمة . # ثم إن هاهنا أصلا هو كالمتفرع على هذا الأصل ، أو كالنظير له . وهو أن من ~~شأن المصدر أن يفرق بالصلات ، كما يفرق بالصفات . ومعنى هذا الكلام أنك ~~تقول : ' الضرب ' فتراه جنسا واحدا ، فإذا قلت : الضرب بالسيف ، صار تعديتك ~~له إلى السيف نوعا مخصوصا . ألا تراك تقول : الضرب بالسيف غير الضرب بالعصا ~~؟ تريد أنهما نوعان مختلفان ، وأن اجتماعهما في اسم الضرب ms109 لا يوجب اتفاقهما ~~، لأن الصلة قد فصلت بينهما وفرقتهما . ومن المثال البين في ذلك قول ~~المتنبي ، + الكامل + : # ( وتوهموا اللعب الوغى ، والطعن في % الهيجاء غير الطعن في الميدان ) # لولا أن اختلاف صلة المصدر تقتضي اختلافه في نفسه ، وأن يحدث في انقسام ~~وتنوع لما كان لهذا الكلام معنى ، ولكان في الاستحالة كقولك : والطعن غير ~~الطعن . فقد بان إذا أنه إنما كان كل واحد من الطعنين جنسا برأسه غير الآخر ~~بأن كان هذا في الهيجاء وذاك في الميدان . وهكذا الحكم في كل شيء تعدى إليه ~~المصدر ، وتعلق به . فاختلاف مفعولي المصدر يقتضي اختلافه . وأن يكون ~~المتعدي إلى هذا المفعول غير المتعدي إلى ذاك . وعلى ذلك تقول : ليس إعطاؤك ~~الكثير كإعطائك القليل . وهكذا إذا عديته إلى الحال كقولك : ليس إعطاؤك ~~معسرا كإعطائك موسرا . وليس بذلك وأنت مقل كبذلك وأنت مكثر . وإذ قد عرفت ~~هذا من حكم المصدر فاعتبر به حكم الاسم المشتق منه . # وإذا اعتبرت ذلك علمت أن قولك : هو الوفي حين لا يفي أحد ، وهو الواهب ~~المئة المصطفاة . وقوله ، + الخفيف + : PageV01P154 # ( وهو الضارب الكتيبة والطعنة % تغلو والضرب أغلى وأغلى ) # واشباه ذلك كلها أخبار فيها معنى الجنسية ، وأنها في نوعها الخاص بمنزلة ~~الجنس المطلق إذا جعلته خبرا فقلت : أنت الشجاع ، وكما أنك لا تقصد بقولك : ~~أنت الشجاع ، إلى شجاعة بعينها قد كانت وعرفت من إنسان . وأردت أن تعرف ممن ~~كانت بل تريد أن تقصر جنس الشجاعة عليه ، ولا تجعل لأحد غيره فيه حظا . ~~كذلك لا تقصد بقولك : ' أنت الوف ي حين لا يفي أحد ' إلى وفاء واحد ، كيف ~~وأنت تقول : ' حين لا يفي أحد ' . وهكذا محال أن يقصد من قوله : ' هو ~~الواهب المئة المصطفاة ' إلى هبة واحدة ، لأنه يقتضي أن يقصد إلى مئة من ~~الإبل قد وهبها مرة ، ثم لم يعد لمثلها . ومعلوم أنه خلاف الغرض . لأن ~~المعنى أنه الذي من شأنه أن يهب المئة أبدا ، والذي يبلغ عطاؤه هذا المبلغ ~~كما تقول : هو الذي يعطي مادحه الألف والألفين ، وكقوله ، + الرجز + : # ( وحاتم الطائي وهاب المئي ms110 % ) # وذلك أوضح من أن يخفى . وأصل آخر وهو أن من حقنا أن نعلم أن مذهب الجنسية ~~في الاسم ، وهو خبر غير مذهبها ، وهو مبتدأ . تفسير هذا أنا وإن قلنا : إن ~~اللام في قولك : أنت الشجاع ؛ للجنس كما هو له في قولهم : الشجاع موقى ، ~~والجبان ملقى ، فإن الفرق بينهما عظيم . وذلك أن المعنى في قولك : الشجاع ~~موقى ، أنك تثبت الوقاية لكل ذات من صفتها الشجاعة ، فهو في معنى قولك : ~~الشجعان كلهم موقون . ولست أقول : إن الشجاع كالشجعان على الإطلاق ، وإن ~~كان ذلك ظن كثير من الناس ، ولكني أريد أنك تجعل الوقاية تستغرق الجنس ، ~~وتشمله وتشيع فيه . وأما في قولك : أنت الشجاع ، فلا معنى فيه للاستغراق ، ~~إذ لست تريد أن تقول : أنت الشجعان كلهم ، حتى كأنك تذهب به مذهب قولهم : ~~أنت الخلق كلهم ، وأنت العالم . كما قال ، + السريع + . PageV01P155 # ( ليس على الله بمستنكر % أن يجمع العالم في واحد ) # ولكن لحديث الجنسية هاهنا مأخذا آخر غير ذلك ، وهو أنك تعمد بها إلى ~~المصدر المشتق منه الصفة ، وتوجهها إليه لا إلى نفس الصفة . ثم لك في ~~توجيهها إليه مسلك دقيق ، وذلك أنه ليس القصد أن تأتي إلى شجاعات كثيرة ، ~~فتجمعها له ، وتوجدها فيه ، ولا أن تقول : إن الشجاعات التي يتوهم وجودها ~~في الموصوفين بالشجاعة هي موجودة فيه لا فيهم . هذا كله محال بل المعنى على ~~أنك تقول : كنا قد عقلنا الشجاعة ، وعرفنا حقيقتها ، وما هي وكيف ينبغي أن ~~يكون الإنسان في إقدامه وبطشه حتى يعلم أنه شجاع على الكمال ، واستقرينا ~~الناس ، فلم نجد في واحد منهم حقيقة ما عرفناه . حتى إذا صرنا إلى المخاطب ~~وجدناه قد استكمل هذه الصفة ، واستجمع شرائطها ، وأخلص جوهرها ورسخ فيه ~~سنخها . ويبين لك أن الأمر كذلك اتفاق الجميع على تفسيرهم له بمعنى الكامل ~~، ولو كان المعنى على أنه استغرق الشجاعات التي يتوهم كونها في الموصوفين ~~بالشجاعة ، لما قالوا : إنه بمعنى الكامل في الشجاعة ، لأن الكمال هو أن ~~تكون الصفة على ما ينبغي أن تكون عليه ، وأن لا يخالطها ما يقدح ms111 فيها . ~~وليس الكمال أن تجتمع آحاد الجنس ، وينضم بعضها إلى بعض ؛ فالغرض إذا ~~بقولنا : أنت الشجاع ؛ هو الغرض بقولهم : هذه هي الشجاعة على الحقيقة ، وما ~~عداها جبن . وهكذا يكون العلم وما عداه تخيل . وهذا هو الشعر وما سواه فليس ~~بشيء ، وذلك أظهر من أن يخفى . # وضرب آخر من الاستدلال في إبطال أن يكون : أنت الشجاع : بمعنى أنك كأنك ~~جميع الشجعان على حد : أنت الخلق كلهم . وهو أنك في قولك : أنت الخلق وأنت ~~الناس كلهم ، وقد جمع العالم منك في واحد ؛ تدعي له جميع المعاني الشريفة ~~المتفرقة في الناس من غير أن تبطل تلك المعاني ، وتنفيها عن الناس ، بل على ~~أن تدعي له أمثالها . ألا ترى أنك إذا قلت في الرجل : إنه معدود بألف رجل ؛ ~~فلست تعني أنه معدود بألف رجل لا معنى فيهم ، ولا فضيلة لهم بوجه . بل تريد ~~أنه يعطيك من معاني الشجاعة ، أو العلم ، أو كذا أو كذا مجموعا ما لا تجد ~~مقداره مفرقا إلا في ألف رجل . وأما في نحو : أنت الشجاع ، فإنك تدعي له ~~أنه قد انفرد بحقيقة الشجاعة ، وأنه قد أوتي فيها مزية ، وخاصية لم يؤتها ~~أحد PageV01P156 حتى صار الذي كان يعده الناس شجاعة غير شجاعة ، وحتى كأن ~~كل إقدام إحجام ، وكل قوة عرفت في الحرب ضعف ، وعلى ذلك قالوا : جاد حتى ~~بخل كل جواد ، وحتى منع أن يستحق اسم الجواد أحد : كما قال ، + الوافر + : # ( وأنك لا تجود على جواد % هباتك أن يلقب بالجواد ) # وكما يقال : جاد حتى كأن لم يعرف لأحد جود وحتى كأن قد كذب الواصفون ~~الغيث بالجود . كما قال ، + البسيط + : # ( أعطيت حتى تركت الريح حاسرة % وجدت حتى كأن الغيث لم يجد ) PageV01P157 # | هذا فصل في ' الذي ' خصوصا # أعلم أن لك في ' الذي ' علما كثيرا ، وأسرارا جمة ، وخفايا ، إذا بحثت ~~عنها وتصورتها اطلعت على فوائد تؤنس النفس ، وتثلج الصدر ، بما يفضي بك ~~إليه من اليقين ، ويؤديه إليك من حسن التبيين . والوجه في ذلك أن تتأمل ~~عبارات لهم فيه : لم وضع ، ولأي غرض اجتلب ، وأشياء ms112 وصفوه بها . # فمن ذلك قولهم : إن ' الذي ' اجتلب ليكون وصلة إلى وصف المعارف بالجمل ، ~~كما اجتلب ' ذو ' ليتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس يعنون بذلك أنك تقول ~~: مررت بزيد الذي أبوه منطلق ، وبالرجل الذي كان عندنا أمس . فتجدك قد ~~توصلت بالذي إلى أن يبين أبنت زيدا من غيره بالجملة التي هي قولك : ' أبوه ~~منطلق ' . ولولا ' الذي ' لم تصل إلى ذلك ، كما أنك تقول : مررت برجل ذي ~~مال : فيتوصل بذي إلى أن يبين الرجل من غيره بالمال . ولولا ' ذو ' لم يتأت ~~لك ذلك ؛ إذ لا تستطيع أن تقول : برجل مال . فهذه جملة مفهومة إلا أن تحتها ~~خبايا تحتاج إلى الكشف عنها . # فمن ذلك أن تعلم من أين امتنع أن توصف المعرفة بالجملة ، ولم لم يكن ~~حالها في ذلك حال النكرة التي تصفها بها في قولك : مررت برجل أبوه منطلق ، ~~ورأيت إنسانا تقاد الجنائب بين يديه . وقالوا : إن السبب في امتناع ذلك أن ~~الجمل نكرات كلها بدلالة أنها تستفاد ، وإنما يستفاد المجهول دون المعلوم . ~~قالوا : فلما كانت كذلك كانت وفقا للنكرة . فجاز وصفها بها ولم يجز أن توصف ~~بها المعرفة إذ لم تكن وفقا لها . PageV01P158 والقول المبين في ذلك أن ~~يقال : إنه إنما اجتلب حتى إذا كان قد عرف رجل بقصة وأمر جرى له فتخصص بتلك ~~القصة وبذلك الأمر عند السامع . ثم أريد القصد إليه ذكر ' الذي ' . تفسير ~~هذا أنك لا تصل ' الذي ' إلا بجملة من الكلام قد سبق من السامع علم بها ، ~~وأمر قد عرفه له ، نحو أن ترى عنده رجلا ينشده شعرا فتقول له من غد : ما ~~فعل الرجل الذي كان عندك بالأمس ينشدك الشعر ؟ هذا حكم الجملة بعد ' الذي ' ~~إذا أنت وصفت به شيئا . فكان معنى قولهم : إنه اجتلب ليتوصل به إلى وصف ~~المعارف بالجملة ؛ أنه جيء به ليفصل بين أن يراد ذكر الشيء بجملة قد عرفها ~~السامع له ، وبين أن لا يكون الأمر كذلك . فإن قلت : قد يؤتى بعد ' الذي ' ~~بالجملة غير المعلومة للسامع ، وذلك حيث يكون ' الذي ms113 ' خبرا كقولك : هذا ~~الذي كان عندك بالأمس ، وهذا الذي قدم رسولا من الحضرة . أنت في هذا وشبهه ~~تعلم المخاطب أمرا لم يسبق له به علم ، وتفيده في المشار إليه شيئا لم يكن ~~عنده . ولو لم يكن كذلك لم يكن ' الذي ' خبرا ، إذ كان لا يكون الشيء خبرا ~~حتى يفاد به . فالقول في ذلك : إن الجملة في هذا النحو وإن كان المخاطب لا ~~يعلمها لعين من أشرت إليه ، فإنه لا بد من أن يكون قد علمها على الجملة ، ~~وحدث بها . فإنك على كل حال لا تقول : هذا الذي قدم رسولا : لمن لم يعلم أن ~~رسولا قدم ، ولم يبلغه ذلك في جملة ولا تفصيل . وكذا لا تقول : هذا الذي ~~كان عندك أمس ؛ لمن قد نسي أنه كان عنده إنسان ، وذهب عن وهمه وإنما تقوله ~~لمن ذاك على ذكر منه . إلا أنه رأى رجلا يقبل من بعيد ، فلا يعلم أنه ذاك ، ~~ويظنه إنسانا غيره . # وعلى الجملة ، فكل عاقل يعلم بون ما بين الخبر بالجملة مع ' الذي ' ~~وبينها مع غير ' الذي ' . فليس من أحد به طرق إلا وهو لا يشك أن ليس المعنى ~~في قولك : هذا الذي قدم رسولا من الحضرة ؛ كالمعنى إذا قلت : هذا قدم رسولا ~~من الحضرة ، ولا : هذا الذي يسكن في محلة كذا ؛ كقولك : هذا يسكن محلة كذا ~~. وليس ذاك إلا أنك في قولك : ' هذا قدم رسولا من الحضرة ' مبتدىء خبرا ~~بأمر لم يبلغ السامع ، ولم يبلغه ولم يعلمه أصلا . وفي قولك : ' هذا الذي ~~قدم رسولا ' معلم في أمر قد بلغه أن هذا صاحبه ، فلم يخل إذا من الذي ~~PageV01P159 بدأنا به في أمر الجملة مع ' الذي ' ، من أنه ينبغي أن تكون ~~جملة قد سبق من السامع علم بها . فاعرفه فإنه من المسائل التي من جهلها جهل ~~كثيرا من المعاني ، ودخل عليه الغلط في كثير من الأمور . والله الموفق ~~للصواب . # | فروق في الحال لها فضل تعلق بالبلاغة # اعلم أن أول فرق في الحال أنها تجيء مفردا وجملة . والقصد هاهنا إلى ~~الجملة . وأول ms114 ما ينبغي أن يضبط من أمرها أنها تجيء تارة مع الواو ، وأخرى ~~بغير الواو فمثال مجيئها مع الواو قولك : أتاني وعليه ثوب ديباج ، ورأيته ~~وعلى كتفه سيف ، ولقيت الأمير والجند حواليه ، وجاءني زيد وهو متقلد سيفه . ~~ومثال مجيئها بغير واو : جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه ، وأتاني عمر و ~~يقود فرسه . # وفي تمييز ما يقتضي الواو مما لا يقتضيه صعوبة . والقول في ذلك أن الجملة ~~إذا كانت من مبتدأ وخبر فالغالب عليها أن تجيء مع الواو كقولك : جاءني زيد ~~وعمر و أمامه ، وأتاني وسيفه على كتفه . فإن كان المبتدأ من الجملة ضمير ذي ~~الحال لم يصلح بغير الواو البتة ، وذلك كقولك : جاءني زيد وهو راكب ، ورأيت ~~زيدا وهو جالس ، ودخلت عليه وهو يملي الحديث وانتهيت إلى الأمير وهو يعبىء ~~الجيش . فلو تركت الواو في شيء من ذلك لم يصلح . فلو قلت : جاءني زيد هو ~~راكب ، ودخلت عليه هو يملي الحديث ؛ لم يكن كلاما . فإن كان الخبر في ~~الجملة من المبتدأ والخبر ظرفا ، ثم كان قد قدم على المبتدأ كقولنا : عليه ~~سيف وفي يده سوط ؛ كثر فيها أن تجيء بغير واو . فمما جاء منه كذلك قول بشار ~~، + الطويل + . # ( إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها % خرجت مع البازي علي سواد ) PageV01P160 # يعني : علي بقية من الليل . # وقول أمية ، + البسيط + : # ( فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا % في رأس غمدان دارا منك محلالا ) # وقول الآخر ، + الطويل + : # ( لقد صبرت للذل أعواد منبر % تقوم عليها في يديك قضيب ) # كل ذلك في موضع الحال ، وليس فيه واو كما ترى ، ولا هو محتمل لها إذا ~~نظرت . وقد يجيء ترك الواو فيما ليس الخبر فيه كذلك ، ولكنه لا يكثر . فمن ~~ذلك قولهم : ' كلمته فوه إلى في ' و ' رجع عوده على بدئه ؛ في قول من رفع ، ~~ومنه بيت ' الإصلاح ' ، + الكامل + : # ( نصف النهار الماء غامره % ورفيقه بالغيب لا يدري ) PageV01P161 # ومن ذلك ما أنشده الشيخ أبو علي في ' الإغفال ' ، + الطويل + : # ( ولولا جنان الليل ما آب عامر % إلى جعفر ، سرباله لم يمزق ) # ومما ظاهره أنه منه ms115 قوله ، + البسيط + : # ( إذا أتيت أبا مروان تسأله % وجدته حاضراه : الجود والكرم ) # فقوله : ' حاضراه الجود ' : جملة من المبتدأ والخبر كما ترى ، وليس فيها ~~واو ، والموضع موضع حال ، ألا تراك تقول : أتيته فوجدته جالسا ؟ فيكون ~~جالسا حالا ، ذاك لأن ' وجدت ' في مثل هذا من الكلام لا تكون المتعدية إلى ~~مفعولين ولكن المتعدية إلى مفعول واحد كقولك : وجدت الضالة . إلا أنه ينبغي ~~أن تعلم أن لتقديمه الخبر الذي هو ' حاضراه ' تأثيرا في معنى الغنى عن ~~الواو ، وأنه لو قال : وجدته الجود والكرم حاضراه ، لم يحسن حسنه الآن . ~~وكان السبب في حسنه مع التقديم أنه يقرب في المعنى من قولك : وجدته حاضره ~~الجود والكرم ، أو حاضرا عنده الجود والكرم . # وإن كانت الجملة من فعل وفاعل ، والفعل مضارع مثبت غير منفي لم يكد يجيء ~~بالواو ، بل ترى الكلام على مجيئها عارية من الواو كقولك : جاءني زيد يسعى ~~غلامه بين يديه . وكقوله ، + البسيط + : # ( وقد علوت قتود الرحل يسفعني % يوم قديديمة الجوزاء مسموم ) PageV01P162 # وقوله ، + الخفيف + : # ( ولقد أغتدي يدافع ركني % أحوذي ذو ميعة إضريج ) # وكذلك قولك : جاءني زيد يسرع . لا فصل بين أن يكون الفعل لذي الحال ، ~~وبين أن يكون لمن هو من سببه ؛ فإن ذلك كله يستمر على الغنى عن الواو . ~~وعليه التنزيل والكلام ومثاله في التنزيل قوله عز وجل ( @QB@ ولا تمنن ~~تستكثر @QE@ ) ، وقوله تعالى : ( @QB@ وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله ~~يتزكى @QE@ ) ، وكقوله عز اسمه ( @QB@ ويذرهم في طغيانهم يعمهون @QE@ ) . ~~فأما قول ابن همام السلولي ، + من المتقارب + : # ( فلما خشيت أظافيره % نجوت وأرهنهم مالكا ) # في رواية من روى ' وأرهنهم ' وما شبهوه به من قولهم : قمت وأصك وجهه . ~~فليست الواو فيها للحال ، وليس المعنى : نجوت راهنا مالكا ، وقمت صاكا وجهه ~~ولكن أرهن وأصك حكاية حال ، مثل قوله ، + الكامل + : # ( ولقد أمر على اللئيم يسبني % فمضيت ثمت قلت : لا يعنيني ) PageV01P163 # فكما أن ' أمر ' هاهنا في معنى ' مررت ' ، كذلك يكون أرهن وأصك ، هناك في ~~معنى ' رهنت وصككت ' . ويبين ذلك أنك ترى الفاء تجيء مكان الواو في مثل هذا ~~، وذلك كنحو ما في الخبر في ms116 حديث عبد الله بن عتيك حين دخل على أبي رافع ~~اليهودي حصنه قال : ' فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم لا أدري أين هو من ~~البيت . فقلت : أبا رافع . فقال : من هذا ؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه بالسيف ~~، وأنا دهش ' . فكما أن ' أضربه ' مضارع قد عطفه بالفاء على ماض لأنه في ~~المعنى ماض ، كذلك يكون ' أرهنهم ' معطوفا على الماضي قبله . وكما لا يشك ~~في أن المعنى في الخبر : ' فأهويت فضربت ' كذلك يكون المعنى في البيت ' ~~نجوت ورهنت ' . إلا أن الغرض في أخراجه على لفظ الحال أن يحكي الحال في أحد ~~الخبرين ، ويدع الآخر على ظاهره ، كما كان في : ' ولقد أمر على اللئيم ~~يسبني ، فمضيت ' . # إلا أن الماضي في هذا البيت مؤخر معطوف ، وفي بيت ابن همام وما ذكرناه ~~معه مقدم معطوف عليه ، فاعرفه . # فإن دخل حرف نفي على المضارع تغير الحكم فجاء بالواو وبتركها كثيرا ، ~~وذلك مثل قولهم : كنت ولا أخشى بالذئب . وقول مسكين الدارمي ، + من الرمل + ~~: # ( أكسبته الورق البيض أبا % ولقد كان ولا يدعى لأب ) PageV01P164 # وقول مالك بن رفيع ، وكان جنى جناية فطلبه مصعب بن الزبير ، + الوافر + : # ( أتاني مصعب وبنوا أبيه % فأين أحيد عنهم لا أحيد ) # ( أقادوا من دمي وتوعدوني % وكنت وما ينهنهني الوعيد ) # ' كان ' في هذا كله تامة والجملة الداخل عليها الواو في موضع الحال ، ألا ~~ترى أن المعنى ' وجدت غير خاش للذئب . ولقد وجد غير مدعو لأب . ووجدت غير ~~منهنه بالوعيد ، وغير مبال به ' ؟ ولا معنى لجعلها ناقصة ، وجعل الواو ~~مزيدة . وليس مجيء الفعل المضارع حالا على هذا الوجه بعزيز في الكلام . ألا ~~تراك تقول : جعلت أمشي وما أدري أين أضع رجلي ، وجعل يقول ولا يدري ؟ وقال ~~أبو الأسود : # ' ويصيب وما يدري ' وهو شائع كثير . # فأما مجيء المضارع منفيا حالا من غير الواو فيكثر ويحسن . فمن ذلك قوله ، ~~+ الطويل + : # ( مضوا لا يريدون الرواح وغالهم % من الدهر أسباب جرين على قدر ) # وقال أرطاة بن سهية وهو لطيف جدا ، + البسيط + : PageV01P165 # ( إن تلقني لا ترى غيري بناظرة % تنس السلاح وتعرف جبهة ms117 الأسد ) # فقوله : ' لا ترى ' : في موضع حال . ومثله في اللطف والحسن قول أعشى ~~همدان ، وصحب عتاب بن ورقاء إلى أصبهان فلم يحمده فقال ، + الوافر + : # ( أتينا أصبهان فهزلتنا % وكنا قبل ذلك في نعيم ) # ( وكان سفاهة مني وجهلا % مسيري لا أسير إلى حميم ) # قوله : لا أسير إلى حميم . حال من ضمير المتكلم الذي هو الياء في ' مسيري ~~' ، وهو فاعل في المعنى . فكأنه قال : وكان سفاهة مني وجهلا أن سرت غير ~~سائر إلى حميم ، وأن ذهبت غير متوجه إلى قريب . وقال خالد بن يزيد بن ~~معاوية ، + الكامل + : # ( لو أن قوما لارتفاع قبيلة % دخلوا السماء دخلتها لا أحجب ) # وهو كثير ، إلا أنه لا يهتدي إلى وضعه بالموضع المرضي إلا من كان صحيح ~~الطبع . # ومما يجيء بالواو وغير الواو الماضي ، وهو لا يقع حالا إلا مع ' قد ' ~~مظهرة أو مقدرة . أما مجيئها بالواو فالكثير الشائع كقولك : ' أتاني وقد ~~جهده السير ' . وأما بغير الواو فكقوله ، + البسيط + : # ( متى أرى الصبح قد لاحت مخايله % والليل قد مزقت عنه السرابيل ) ~~PageV01P166 # وقول الآخر ، + الوافر + : # ( فآبوا بالرماح مكسرات % وأبنا بالسيوف قد انحنينا ) # وقال آخر وهو لطيف جدا ، + الكامل + : # ( يمشون قد كسروا الجفون إلى الوغى % متبسمين وفيهم استبشار ) # ومما يجيء بالواو في الأكثر الأشيع ، ثم يأتي في مواضع بغير الواو فيلطف ~~مكانه ، ويدل على البلاغة الجملة قد دخلها ' ليس ' تقول : أتاني وليس عليه ~~ثوب ، ورأيته وليس معه غيره . فهذا هو المعروف المستعمل . ثم قد جاء بغير ~~الواو فكان من الحسن على ما ترى وهو قول الأعرابي ، + الرجز + : # ( لنا فتى وحبذا الأفتاء % تعرفه الأرسان والدلاء ) # ( إذا جرى في كفه الرشاء % خلى القليب ليس فيه الماء ) # ومما ينبغي أن يراعى في هذا الباب أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بغير واو ~~ن ويحسن ذلك . ثم تنظر فترى ذلك إنما حسن من أجل حرف دخل عليها ، مثاله قول ~~الفرزدق + الطويل + : PageV01P167 # ( فقلت : عسى أن تبصريني كأنما % بني حوالي الأسود الحوارد ) # قوله : ' كأنما بني ' إلى آخره في موضع الحال من غير شبهة . ولو أنك تركت ~~' كأن ' فقلت ms118 : عسى أن تبصريني بني حوالي كالأسود . رأيته لا يحسن حسنه ~~الأول ، ورأيت الكلام يقتضي الواو كقولك : عسى أن تبصريني وبني حوالي ~~كالأسود الحوارد . # وشبيه بهذا أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بعقب مفرد ، فلطف مكانها . ولو ~~أنك أردت أن تجعلها حالا من غير أن يتقدمها ذلك المفرد لم يحسن . مثال ذلك ~~قول ابن الرومي ، + السريع + : # ( والله يبقيك لنا سالما % برداك تبجيل وتعظيم ) # فقوله : برداك تبجيل ، في موضع حال ثانية . ولو أنك أسقطت ' سالما ' من ~~البيت فقلت ' والله يبقيك برداك تبجيل . لم يكن شيئا . # وإذ قد رأيت الجمل الواقعة حالا قد اختلف بها الحال هذا الاختلاف الظاهر ~~، فلا بد من أن يكون ذلك إنما كان من أجل علل توجبه وأسباب تقتضيه . فمحال ~~أن يكون هاهنا جملة لا تصح إلا مع الواو ، وأخرى لا تصلح فيها الواو ، ~~وثالثة تصلح أن تجيء فيها بالواو ، وأن تدعها فلا تجيء بها . ثم لا يكون ~~لذلك سبب وعلة . وفي الوقوف على العلة في ذلك إشكال وغموض . ذاك لأن الطريق ~~إليه غير مسلوك ، والجهة التي منها تعرف غير معروفة . وأنا أكتب لك أصلا في ~~الخبر إذا عرفته انفتح لك وجه العلة في ذلك . # واعلم أن الخبر ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه ، ~~وخبر ليس بجزء من الجملة ، ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له . فالأول خبر ~~المبتدا كمنطلق في قولك : زيد منطلق . والفعل كقولك : خرج زيد . وكل واحد ~~من هذين جزء من الجملة وهو الأصل في الفائدة . والثاني هو الحال كقولك : ~~جاءني زيد راكبا . وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة من حيث إنك تثبت بها ~~المعنى لذي الحال ، كما تثبته بالخبر للمبتدأ ، وبالفعل للفاعل . ألا تراك ~~قد أثبت الركوب في قولك : جاءني زيد راكبا ؛ لزيد إلا أن الفرق أنك ~~PageV01P168 جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء ، وهو أن تجعله بهذه ~~الهيئة في مجيئه . ولم تجرد إثباتك للركوب ، ولم تباشره به ابتداء ، بل ~~بدأت فأثبت المجيء ، ثم وصلت به الركوب . فالتبس به ms119 الإثبات على سبيل التبع ~~لغيره ، وبشرط أن يكون في صلته . وأما في الخبر المطلق نحو ' زيد منطلق ، ~~وخرج عمر و ' فإنك أثبت المعنى إثباتا جردته له وجعلته يباشره من غير واسطة ~~، ومن غير أن تتسبب بغيره إليه . # وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن كل جملة وقعت حالا ، ثم امتنعت من الواو فذاك ~~لأجل أنك عمدت إلى الفعل الواقع في صدرها ، فضممته إلى الفعل الأول في ~~إثبات واحد . وكل جملة جاءت حالا ، ثم اقتضت الواو فذاك لأنك مستأنف بها ~~خبرا ، وغير قاصد إلى أن تضمها إلى الفعل الأول في الإثبات . # تفسير هذا أنك إذا قلت : جاءني زيد يسرع . كان بمنزلة قولك : جاءني زيد ~~مسرعا . في أنك تثبت مجيئا فيه إسراع ، وتصل أحد المعنيين بالآخر ، وتجعل ~~الكلام خبرا واحدا ، وتريد أن تقول : جاءني كذلك ، وجاءني بهذه الهيئة . ~~وهكذا قوله : # ( وقد علوت قتود الرحل يسفعني % يوم قديديمة الجوزاء مسموم ) # كأنه قال : وقد علوت قتود الرحل بارزا للشمس ضاحيا . وكذلك قوله : # ( متى أرى الصبح قد لاحت مخايله % ) # لأنه في معنى : متى أرى الصبح باديا لائحا بينا متجليا ، وعلى هذا القياس ~~أبدا . وإذا قلت : جاءني وغلامه يسعى بين يديه ورأيت زيدا وسيفه على كتفه . ~~كان المعنى على أنك بدأت فأثبت المجيء والرؤية ، ثم استأنفت خبرا ، وابتدأت ~~إثباتا ثانيا لسعي الغلام بين يديه ، ولكون السيف على كتفه . ولما كان ~~المعنى على استئناف الإثبات احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى ، ~~فجيء بالواو كما جيء بها في قولك : زيد منطلق ، وعمر و ذاهب ، والعلم حسن ، ~~والجهل قبيح . وتسميتنا لها ' واو الحال ' لا يخرجها عن أن تكون مجتلبة لضم ~~جملة إلى جملة . ونظيرها في هذا الفاء في جواب الشرط ، نحو : إن تأتني فأنت ~~مكرم PageV01P169 # فإنها وإن لم تكن عاطفة فإن ذلك لا يخرجها من أن تكون بمنزلة العاطفة في ~~أنها جاءت لتربط جملة ليس من شأنها أن ترتبط بنفسها ، فاعرف ذلك ، ونزل ~~الجملة في نحو : جاءني زيد يسرع وقد علوت قتود الرحل يسفعني يوم ، منزلة ~~الجزاء الذي يستغني ms120 عن الفاء لأن من شأنه أن يرتبط بالشرط من غير رابط وهو ~~قولك : إن تعطني أشكرك . ونزل الجملة في : جاءني زيد وهو راكب ، منزلة ~~الجزاء الذي ليس من شأنه أن يرتبط بنفسه ويحتاج إلى الفاء كالجملة في نحو : ~~إن تأتني فأنت مكرم ، قياسا سويا وموازنة صحيحة . # فإن قلت : لقد علمنا أن علة دخول الواو على الجملة أن تستأنف الإثبات ، ~~ولا تصل المعنى الثاني بالأول في إثبات واحد ، ولا تنزل الجملة منزلة ~~المفرد . ولكن بقي أن تعلم لم كان بعض الجمل بأن يكون تقديرها تقدير المفرد ~~في أن لا يستأنف بها الإثبات أولى من بعض ؟ وما الذي منع في قولك : جاءني ~~زيد وهو يسرع ، أو وهو مسرع ؛ أن يدخل الإسراع في صلة المجيء ، ويضامه في ~~الإثبات ، كما كان ذلك حين قلت : جاءني زيد يسرع . # فالجواب أن السبب في ذلك أن المعنى في قولك : جاءني زيد وهو يسرع ؛ على ~~استئناف إثبات للسرعة ، ولم يكن ذلك في : جاءني زيد يسرع . وذلك أنك إذا ~~أعدت ذكر زيد ، فجئت بضميره المنفصل المرفوع كان بمنزلة أن تعيد اسمه صريحا ~~فتقول : جاءني زيد ، وزيد يسرع . في أنك لا تجد سبيلا إلى أن تدخل ' يسرع ' ~~في صلة المجيء ، وتضمه إليه في الإثبات . وذلك أن إعادتك ذكر زيد لا تكون ~~حتى تقصد استئناف الخبر عنه بأنه يسرع ، وحتى تبتدىء إثباتا للسرعة لأنك إن ~~لم تفعل ذلك تركت المبتدأ الذي هو ضمير زيد أو اسمه الظاهر بمضيعة ، وجعلته ~~لغوا في البين وجرى مجرى أن تقول : جاءني زيد وعمر و يسرع أمامه . ثم تزعم ~~أنك لم تستأنف كلاما ، ولم تبتدىء للسرعة إثباتا ، وأن حال ' يسرع ' هاهنا ~~حاله إذا قلت : جاءني زيد يسرع . فجعلت السرعة له ، ولم تذكر عمرا ، وذلك ~~محال . # فإن قلت : إنما استحال في قولك : جاءني زيد وعمر و يسرع أمامه ؛ أن ترد ' ~~يسرع ' إلى زيد ، وتنزله منزلة قولك : جاءني زيد يسرع ؛ من حيث كان في ' ~~يسرع ' ضمير لعمر و ، PageV01P170 وتضمنه ضمير عمر و يمنع أن يكون لزيد ، ~~وأن يقدر ms121 حالا له . وليس كذلك : جاءني زيد وهو يسرع لأن السرعة هناك لزيد ~~لا محالة ، فكيف ساغ أن تقيس إحدى المسألتين على الأخرى ؟ قيل : ليس المانع ~~أن يكون يسرع في قولك : جاءني زيد وعمر و يسرع أمامه حالا من زيد أنه فعل ~~لعمر و . فإنك لو أخرت عمرا فرفعته بيسرع ، وأوليت ' يسرع ' زيدا فقلت : ~~جاءني زيد يسرع عمر و أمامه . وجدته قد صلح حالا لزيد مع أنه فعل لعمر ، ~~وإنما المانع ما عرفتك من أنك تدع عمرا بمضيعة ، وتجيء به مبتدأ ، ثم لا ~~تعطيه خبرا . ومما يدل على فساد ذلك أنه يؤدي إلى أن يكون ' يسرع ' قد ~~اجتمع في موضعه النصب والرفع ، وذلك أن جعله حالا من زيد يقتضي أن يكون في ~~موضع نصب ، وجعله خبرا عن عمر و المرفوع بالابتداء يقتضي أن يكون في موضع ~~رفع . وذلك بين التدافع . ولا يجب هذا التدافع إذا أخرت عمرا فقلت : جاءني ~~زيد يسرع عمرو أمامه . لأنك ترفعه بيسرع على أنه فاعل له . وإذا ارتفع به ~~لم يوجب في موضعه إعرابا ، فيبقى مفرغا لأن يقدر فيه النصب على أنه حال من ~~زيد ، وجرى مجرى أن تقول : جاءني زيد مسرعا عمر و أمامه . فإن قلت : فقد ~~ينبغي على هذا الأصل أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا إلا مع الواو ، ~~وقد ذكرت قبل أن ذلك قد جاء في مواضع من كلامهم ؛ فالجواب أن القياس والأصل ~~أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا إلا مع الواو . وأما الذي جاء من ذلك ~~فسبيله سبيل الشيء يخرج عن أصله وقياسه والظاهر فيه بضرب من التأويل ، ونوع ~~من التشبيه . فقولهم : ' كلمته فوه إلى في ' ، إنما حسن بغير واو من أجل أن ~~المعنى كلمته مشافها له . وكذلك قولهم : ' رجع عوده على بدئه ' ، إنما جاء ~~الرفع فيه والابتداء من غير واو ، لأن المعنى : رجع ذاهبا في طريقه الذي ~~جاء فيه . وأما قوله : ' وجدته حاضراه : الجود والكرم ' ، فلأن تقديم الخبر ~~الذي هو ' حاضراه ' يجعله كأنه قال : وجدته حاضرا عنده الجود ms122 والكرم . وليس ~~الحمل على المعنى وتنزيل الشيء منزلة غيره بعزيز في كلامهم ، وقد قالوا : ~~زيد اضربه . فأجازوا أن يكون مثال الأمر في موضع الخبر ، لأن المعنى على ~~النصب ، نحو : اضرب زيدا . ووضعوا الجملة من المبتدأ والخبر موضع الفعل ~~والفاعل في نحو قوله تعالى : ( @QB@ أدعوتموهم أم أنتم صامتون @QE@ ) لأن ~~الأصل في المعادلة أن تكون الثانية كالأولى نحو ( أدعوتموهم أم صمتم ) . ~~PageV01P171 # ويدل على أن ليس مجيء الجملة من المبتدأ والخبر حالا بغير الواو أصلا ~~قلته ، وأنه لا يجيء إلا في الشيء بعد الشيء . هذا ويجوز أن يكون ما جاء من ~~ذلك إنما جاء على إرادة الواو ، كما جاء الماضي على إرادة ' قد ' . # واعلم أن الوجه فيما كان مثل قول بشار # ( خرجت مع البازي علي سواد % ) # أن يؤخذ فيه بمذهب أبي الحسن الأخفش فيرفع ' سواد ' بالظرف دون الابتداء ~~، ويجري الظرف هاهنا مجراه إذا جرت الجملة صفة على النكرة ، نحو : مررت ~~برجل معه صقر صائدا به غدا . وذلك أن صاحب الكتاب يوافق أبا الحسن في هذا ~~الموضع ، فيرفع ' صقر ' بما في ' معه ' من الفعل . فلذلك يجوز أن يجري ~~الحال مجرى الصفة ، فيرفع الظاهر بالظرف إذا هو جاء حالا ، فيكون ارتفاع ' ~~سواد ' بما في ' علي ' من معنى الفعل لا بالابتداء . ثم ينبغي أن يقدر ~~هاهنا خصوصا أن الظرف في تقدير اسم فاعل لا فعل ، أعني أن يكون المعنى ' ~~خرجت كائنا علي سواد ، أو باقيا علي سواد ' ولا يقدر ' يكون سواد علي ويبقى ~~علي سواد اللهم إلا أن تقدر فيه فعلا ماضيا مع ' قد ' كقولك : خرجت مع ~~البازي قد بقي علي سواد والأول أظهر . # وإذا تأملت الكلام وجدت الظرف وقد وقع مواقع لا يستقيم فيها إلا أن يقدر ~~تقدير اسم فاعل . ولذلك قال أبو بكر بن السراج في قولنا : زيد في الدار ؛ ~~إنك مخير بين أن تقدر فيه فعلا فتقول : استقر في الدار ، وبين أن تقدر إسم ~~فاعل فتقول : مستقر في الدار . وإذا عاد الأمر إلى هذا كان الحال في ترك ~~الواو ظاهرة ، وكان ' سواد ' في ms123 قوله : خرجت مع البازي علي سواد ، بمنزلة ' ~~قضاء الله ' في قوله + الطويل + : PageV01P172 # ( سأغسل عني العار بالسيف جالبا % علي قضاء الله ما كان جالبا ) # في كونه اسما ظاهرا قد ارتفع باسم فاعل ، قد اعتمد على ذي حال ، فعمل عمل ~~الفعل . ويدلك على أن التقدير فيه ما ذكرت وأنه من أجل ذلك حسن أنك تقول : ~~جاءني زيد والسيف على كتفه ، وخرج والتاج عليه . فتجده لا يحسن إلا بالواو ~~، وتعلم أنك لو قلت : جاءني زيد السيف على كتفه ، وخرج التاج عليه . كان ~~كلاما نافرا لا يكاد يقع في الاستعمال ، وذلك لأنه بمنزلة قولك : جاءني وهو ~~متقلد سيفه وخرج وهو لابس التاج . في أن المعنى على أنك استأنفت كلاما ، ~~وابتدأت إثباتا وأنك لم ترد . جاءني كذلك . ولكن جاءني وهو كذلك ، فاعرفه . ~~PageV01P173 # | بسم الله الرحمن الرحيم # # | القول في الفصل والوصل # اعلم أن العلم بما ينبغي أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض أو ترك ~~العطف فيها ، والمجيء بها منثورة تستأنف واحدة منها بعد أخرى من أسرار ~~البلاغة ومما لا يتأتى لتمام الصواب فيه إلا الأعراب الخلص ، والإ قوم ~~طبعوا على البلاغة ، وأوتوا فنا من المعرفة في ذوق الكلام ، هم بها أفراد . ~~وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حدا للبلاغة ؛ فقد جاء عن بعضهم ~~أنه سئل عنها فقال : معرفة الفصل من الوصل ذاك لغموضه ودقة مسلكه ، وأنه لا ~~يكمل لإحراز الفضيلة فيه أحد إلا كمل لسائر معاني البلاغة . # واعلم أن سبيلنا أن ننظر إلى فائدة العطف في المفرد ، ثم نعود إلى الجملة ~~فننظر فيها ، ونتعرف حالها . ومعلوم أن فائدة العطف في المفرد ، أن يشرك ~~الثاني في إعراب الأول . وأنه إذا أشركه في إعرابه فقد أشركه في حكم ذلك ~~الإعراب ، نحو أن المعطوف على المرفوع بأنه فاعل مثله ، والمعطوف على ~~المنصوب بأنه مفعول به أو فيه أو له ؛ شريك له في ذلك . وإذا كان هذا أصله ~~في المفرد فإن الجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين : أحدهما أن يكون ~~للمعطوف عليها موضع ms124 من الإعراب وإذا كانت كذلك كان حكمها حكم المفرد إذ لا ~~يكون للجملة موضع من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد . وإذا كانت ~~الجملة الأولى واقعة موقع المفرد كان عطف الثانية عليها جاريا مجرى ~~PageV01P174 عطف المفرد ، وكانت وجه الحاجة إلى الواو ظاهرا ، والإشراك بها ~~في الحكم موجودا . فإذا قلت : مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح . كنت قد ~~أشركت الجملة الثانية في حكم الأولى ، وذلك الحكم كونها في موضع جر بأنها ~~صفة للنكرة . ونظائر ذلك تكثر ، والأمر فيها يسهل . # والذي يشكل أمره ، هو الضرب الثاني وذلك أن تعطف على الجملة العارية ~~الموضع من الإعراب جملة أخرى كقولك : زيد قائم وعمر و قاعد ، والعلم حسن ~~والجهل قبيح . لا سبيل لنا إلى أن ندعي أن الواو أشركت الثانية في إعراب قد ~~وجب للأولى بوجه من الوجوه . وإذا كان كذلك فينبغي أن تعلم المطلوب من هذا ~~العطف ، والمغزى منه . ولم لم يستو الحال بين أن تعطف وبين أن تدع العطف ~~فتقول : زيد قائم عمرو قاعد ؟ بعد أن لا يكون هنا أمر معقول يؤتى بالعاطف ~~ليشرك بين الأولى والثانية فيه . # واعلم أنه إنما يعرض الإشكال في الواو دون غيرها من حروف العطف ، وذاك ~~لأن تلك تفيد مع الإشراك معاني مثل أن الفاء توجب الترتيب من غير تراخ ، ~~وثم توجبه مع تراخ ، و ' أو ' تردد الفعل بين شيئين وتجعله لأحدهما لا ~~بعينه ، فإذا عطفت بواحد منها الجملة على الجملة ظهرت الفائدة . فإذا قلت : ~~أعطاني فشكرت ، ظهر بالفاء أن الشكر كان معقبا على العطاء ومسببا عنه . ~~وإذا قلت : خرجت ثم خرج زيد . أفادت ثم أن خروجه كان بعد خروجك ، وأن مهلة ~~وقعت بينهما . وإذا قلت : يعطيك أو يكسوك . دلت أو على أنه يفعل واحدا ~~منهما لا بعينه . وليس للواو معنى سوى الإشراك في الحكم الذي يقتضيه ~~الإعراب الذي أتبعت فيه الثاني الأول . فإذا قلت جاءني زيد وعمرو . لم تفد ~~بالواو شيئا أكثر من إشراك عمر و في المجيء الذي أثبته لزيد ، والجمع بينه ~~وبينه ، ولا يتصور إشراك ms125 بين شيئين حتى يكون هناك معنى يقع ذلك الإشراك فيه ~~. وإذا كان ذلك كذلك ، ولم يكن معنا في قولنا : زيد قائم وعمر و قاعد ، ~~معنى تزعم أن الواو أشركت بين هاتين الجملتين فيه ثبت إشكال المسألة . # ثم إن الذي يوجبه النظر والتأمل أن يقال في ذلك : إنا وإن كنا إذا قلنا : ~~زيد قائم وعمر و قاعد . فإنا لا نرى هاهنا حكما نزعم أن الواو جاءت للجمع ~~بين الجملتين فيه ، فإنا نرى أمرا آخر نحصل معه على معنى الجمع ، وذلك أنا ~~لا نقول : زيد قائم وعمر و قاعد ، PageV01P175 حتى يكون عمر و بسبب من زيد ~~، وحتى يكونا كالنظيرين والشريكين ، وبحيث إذا عرف السامع حال الأول عناه ~~أن يعرف حال الثاني . يدلك على ذلك أنك إن جئت فعطفت على الأول شيئا ليس ~~منه بسبب ولا هو مما يذكر بذكره ويتصل حديثه بحديثه لم يستقم . فلو قلت : ~~خرجت اليوم من داري . ثم قلت : وأحسن الذي يقول بيت كذا . قلت ما يضحك منه ~~. ومن هاهنا عابوا أبا تمام في قوله ، + الكامل + # ( لا والذي هو عالم أن النوى % صبر وأن أبا الحسين كريم ) # وذلك لأنه لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى ، ولا تعلق لأحدهما ~~بالآخر ، وليس يقتضي الحديث بهذا الحديث بذاك . # واعلم أنه كما يجب أن يكون المحدث عنه في إحدى الجملتين بسبب من المحدث ~~عنه في الأخرى ، كذلك ينبغي أن يكون الخبر عن الثاني مما يجري مجرى الشبيه ~~والنظير أو النقيض للخبر عن الأول . فلو قلت : زيد طويل القامة وعمر و شاعر ~~. كان خلقا ، لأنه لا مشاكلة ولا تعلق بين طول القامة وبين الشعر ، وإنما ~~الواجب أن يقال : زيد كاتب ، وعمر و شاعر ، وزيد طويل القامة ، وعمر و قصير ~~. وجملة الأمر أنها لا تجيء حتى يكون المعنى في هذه الجملة لفقا للمعنى في ~~الأخرى ومضاما له ، مثل أن زيدا وعمرا إذا كانا أخوين ، أو نظيرين ، أو ~~مشتبكي الأحوال على الجملة كانت الحال التي يكون عليها أحدهما من قيام أو ~~قعود أو ما ms126 شاكل ذلك مضمومة في النفس إلى الحال التي عليها الآخر من غير شك ~~. وكذا السبيل أبدا ، والمعاني في ذلك كالأشخاص . فإنما قلت مثلا : العلم ~~حسن ، والجهل قبيح . لأن كون العلم حسنا مضموم في العقول إلى كون الجهل ~~قبيحا . # واعلم أنه إذا كان المخبر عنه في الجملتين واحدا كقولنا : هو يقول ويفعل ~~، ويضر وينفع ، ويسيء ويحسن ويأمر وينهى ، ويحل ويعقد ، ويأخذ ويعطي ، ~~ويبيع ويشتري ، ويأكل ويشرب ، واشباه ذلك ازداد معنى الجمع في الواو قوة ~~وظهورا ، وكان الأمر حينئذ صريحا . وذلك أنك إذا قلت : هو يضر وينفع . كنت ~~قد أفدت بالواو أنك أوجبت له الفعلين جميعا ، وجعلته يفعلهما معا . ولو قلت ~~: يضر ينفع ، من غير واو لم يجب ذلك ، بل قد يجوز أن يكون قولك ينفع رجوعا ~~عن قولك يضر وإبطالا له . وإذا وقع الفعلان في مثل هذا PageV01P176 في ~~الصلة ازداد الاشتباك والاقتران حتى لا يتصور تقدير إفراد في أحدهما عن ~~الآخر ، وذلك في مثل قولك : العجب من أني أحسنت وأسأت ويكفيك ما قلت وسمعت ~~، وأيحسن أن تنهى عن شيء وتأتي مثله ؟ وذلك أنه لا يشبه على عاقل أن المعنى ~~على جعل الفعلين في حكم فعل واحد . ومن البين في ذلك قوله : # ( لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم % وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا ) # المعنى : لا تطمعوا أن تروا إكرامنا ، وقد وجد مع إهانتكم وجامعها في ~~الحصول . ومما له مأخذ لطيف في هذا الباب قول أبي تمام ، + الطويل + : # ( لهان علينا أن نقول وتفعلا % ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا ) # وأعلم أنه كما كان في الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله ، فيستغني بصلة ~~معناه له عن واصل يصله ورابط يربطه وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها ~~بالموصوف إلى شيء يصلها به ، وكالتأكيد الذي يفتقر كذلك إلى ما يصله ~~بالمؤكد - كذلك يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها ، وتستغني ~~بربط معناها لها عن حرف عطف يربطها ، وهي كل جملة كانت مؤكدة للتي قبلها ، ~~ومبينة لها . وكانت إذا حصلت لم تكن شيئا سواها ، كما ms127 لا تكون الصفة غير ~~الموصوف والتأكيد غير المؤكد . فإذا قلت : جاءني زيد الظريف ، وجاءني القوم ~~كل هم ؛ لم يكن الظريف وكلهم غير زيد وغير القوم . # ومثال ما هو من الجمل كذلك قوله تعالى ( @QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ~~@QE@ ) . قوله ( @QB@ لا ريب فيه @QE@ ) بيان وتوكيد وتحقيق لقوله : ( @QB@ ~~ذلك الكتاب @QE@ ) ، وزيادة تثبيت له ، وبمنزلة أن تقول : هو ذلك الكتاب هو ~~ذلك الكتاب ، فتعيده مرة ثانية لتثبته . وليس تثبيت الخبر غير الخبر ، ولا ~~شيء يتميز به عنه فيحتاج إلى ضام يضمه إليه ، وعاطف يعطفه عليه . ومثل ذلك ~~قوله تعالى : ( @QB@ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون ختم الله @QE@ ) PageV01P177 ( @QB@ على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم @QE@ ) قوله تعالى : ( @QB@ لا يؤمنون @QE@ ) ~~تأكيد لقوله : ( @QB@ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم @QE@ ) وقوله : ( ~~@QB@ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم @QE@ ) تأكيد ثان أبلغ من الأول ، لأن ~~من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم ينذر كان في غاية الجهل ، وكان ~~مطبوعا على قلبه لا محالة . وكذلك قوله عز وجل ( @QB@ ومن الناس من يقول ~~آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله @QE@ ) إنما قال ( ~~@QB@ يخادعون @QE@ ) ولم يقل : ويخادعون لأن هذه المخادعة ليست شيئا غير ~~قولهم : آمنا من غير أن يكونوا مؤمنين . فهو إذا كلام أكد به كلام آخر هو ~~في معناه ، وليس شيئا سواه ، وهكذا قوله عز وجل ( @QB@ وإذا لقوا الذين ~~آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون ~~@QE@ ) وذلك لأن معنى قولهم : إنا معكم أنا لم نؤمن بالنبي ، ولم نترك ~~اليهودية ، وقولهم : ( @QB@ إنما نحن مستهزؤون @QE@ ) خبر بهذا المعنى ~~بعينه ، لأنه لا فرق بين أن يقولوا : إنا لم نقل ما قلناه من أنا آمنا إلا ~~استهزاء . وبين أن يقولوا : إنا لم نخرج من دينكم ، وإنا معكم . بل هما في ~~حكم الشيء الواحد . فصار كأنهم قالوا : إنا معكم لم نفارقكم . فكما لا يكون ~~إنا لم نفارقكم شيئا غير أنا معكم كذلك لا يكون إنما نحن مستهزئون ms128 غيره ~~فاعرفه . # ومن الواضح البين في هذا المعنى قوله تعالى : ( @QB@ وإذا تتلى عليه ~~آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا @QE@ ) لم يأت معطوفا ~~، نحو وكأن في أذنيه وقرا لأن المقصود من التشبيه بمن في أذنيه وقر هو ~~بعينه المقصود من التشبيه بمن لم يسمع ، إلا أن الثاني أبلغ وأكد في الذي ~~أريد . وذلك أن المعنى في التشبيهين جميعا أن ينفي أن يكون لتلاوة ما تلي ~~عليه من الآيات فائدة معه ، ويكون لها تأثير فيه ، وأن يجعل حاله إذا تليت ~~عليه كحاله إذا لم تتل . ولا شبهة في أن التشبيه بمن في أذنيه وقر ابلغ ~~وآكد في جعله كذلك ، من حيث كان من لا يصح منه السمع - وإن اراد ذلك أبعد ~~من أن يكون لتلاوة ما يتلى عليه PageV01P178 فائدة من الذي يصح منه السمع ، ~~إلا أنه لا يسمع إما اتفاقا وإما قصدا إلى أن لا يسمع فاعرفه وأحسن تدبره . # ومن اللطيف في ذلك قوله تعالى : ( @QB@ ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ~~@QE@ ) وذلك أن قوله : ( @QB@ إن هذا إلا ملك كريم @QE@ ) مشابك لقوله : ( ~~@QB@ ما هذا بشرا @QE@ ) ومداخل في ضمنه من ثلاثة أوجه : وجهان هو فيهما ~~شبيه بالتأكيد ، ووجه هو فيه شبيه بالصفة . فأحد وجهي كونه شبيها بالتأكيد ~~هو أنه إذا كان ملكا لم يكن بشرا ، وإذا كان كذلك كان إثبات كونه ملكا ~~تحقيقا لا محالة ، وتأكيدا لنفي أن يكون بشرا . والوجه الثاني أن الجاري في ~~العرف والعادة أنه إذا قيل : ما هذا بشرا ، وما هذا بآدمي والحال حال تعظيم ~~وتعجب مما يشاهد في الإنسان من حسن خلق أو خلق أن يكون الغرض والمراد من ~~الكلام أن يقال إنه ملك وأن يكنى به عن ذلك ، حتى إنه يكون مفهوم اللفظ . ~~وإذا كان مفهوما من اللفظ قبل أن يذكر كان ذكره إذا ذكر تأكيدا لا محالة ، ~~لأن حد التأكيد أن تحقق باللفظ معنى قد فهم من لفظ آخر قد سبق منك . أفلا ~~ترى أنه إنما كان كلهم في قولك : جاءني ms129 القوم كلهم ؛ تأكيدا من حيث كان ~~الذي فهم منه وهو الشمول قد فهم بديئا من ظاهر لفظ القوم . ولو أنه لم يكن ~~فهم الشمول من لفظ القوم ، ولا كان هو من موجبه لم يكن كل تأكيدا ، ولكان ~~الشمول مستفادا من كل ابتداء . # وأما الوجه الثالث الذي هو فيه شبيه بالصفة فهو أنه إذا نفي أن يكون بشرا ~~فقد أثبت له جنس سواه ، إذ من المحال أن يخرج من جنس البشر ، ثم لا يدخل في ~~جنس آخر ، وإذا كان الأمر كذلك كان إثباته ملكا تبيينا وتعيينا لذلك الجنس ~~الذي أريد إدخاله فيه ، وإغناء عن أن تحتاج إلى أن تسأل فتقول : فإن لم يكن ~~بشرا ، فما هو ؟ وما جنسه ؟ كما أنك إذا قلت : مررت بزيد الظريف ؛ كان ~~الظريف تبيينا وتعيينا للذي اردت من بين من له هذا الاسم ، وكنت قد أغنيت ~~المخاطب عن الحاجة إلى أن يقول : أي الزيدين أردت ؟ # ومما جاء فيه الإثبات بإن وإلا على هذا الحد قوله عز وجل ( @QB@ وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين @QE@ ) وقوله ( @QB@ ~~وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي @QE@ ) PageV01P179 يوحى ) . فلا ترى أن ~~الإثبات في الآيتين جميعا تأكيد وتثبيت لنفي ما نفي . فإثبات ما علمه النبي ~~وأوحي إليه ذكرا وقرآنا تأكيد وتثبيت لنفي أن يكون قد علم الشعر . وكذلك ~~إثبات ما يتلوه عليهم وحيا من الله تعالى تأكيد وتقرير لنفي أن يكون نطق به ~~عن هوى . # وأعلم أنه ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول إنه فيه خفي غامض ودقيق ~~صعب إلا وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب . وقد قنع الناس فيه بأن ~~يقولوا ، إذا رأوا جملة قد ترك فيها العطف : إن الكلام قد استؤنف ، وقطع ~~عما قبله ؛ لا تطلب أنفسهم منه زيادة على ذلك . ولقد غفلوا غفلة شديدة . # ومما هو أصل في هذا الباب أنك ترى الجملة ، وحالها مع التي قبلها حال ما ~~يعطف ، ويقرن إلى ما قبله ، ثم تراها قد وجب فيها ترك العطف ms130 لأمر عرض فيها ~~، صارت به أجنبية مما قبلها ، مثال ذلك قوله تعالى : ( @QB@ الله يستهزئ ~~بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون @QE@ ) الظاهر كما لا يخفى يقتضي أن يعطف على ~~ما قبله من قوله : ( @QB@ إنما نحن مستهزؤون @QE@ ) وذلك أنه ليس باجنبي ~~منه ، بل هو نظير ما جاء معطوفا من قوله تعالى : ( @QB@ يخادعون الله وهو ~~خادعهم @QE@ ) وقوله ( @QB@ ومكروا ومكر الله @QE@ ) . وما أشبه ذلك مما ~~يرد فيه العجز على الصدر . ثم إنك تجده قد جاء غير مطوف ، وذلك لأمر أوجب ~~أن لا يعطف ، وهو أن قوله : ( @QB@ إنما نحن مستهزؤون @QE@ ) حكاية عنهم ~~أنهم قالوا وليس بخبر من الله تعالى . وقوله تعالى : ( @QB@ الله يستهزئ ~~بهم @QE@ ) خبر من الله تعالى أنه يجازيهم على كفرهم واستهزائهم . وإذا كان ~~كذلك كان العطف ممتنعا لاستحالة أن يكون الذي هو خبر من الله تعالى معطوفا ~~على ما هو حكاية عنهم . ولا يجاب ذلك أن يخرج من كونه خبرا من الله تعالى ~~إلى كونه حكاية عنهم ، وإلى أن يكونوا قد شهدوا على أنفسهم بأنهم مؤاخذون ، ~~وأن الله تعالى يعاقبهم عليه . PageV01P180 # وليس كذلك الحال في قوله تعالى : ( @QB@ يخادعون الله وهو خادعهم @QE@ ~~ومكروا ومكر الله ) . لأن الأول من الكلامين فيهما كالثاني في أنه خبر من ~~الله تعالى ، وليس بحكاية . وهذا هو العلة في قوله تعالى : ( @QB@ وإذا قيل ~~لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن ~~لا يشعرون @QE@ ) . إنما جاء ( @QB@ إنهم هم المفسدون @QE@ ) مستأنفا ~~مفتتحا بألا لأنه خبر من الله تعالى بأنهم كذلك والذي قبله من قوله ( @QB@ ~~إنما نحن مصلحون @QE@ ) حكاية عنهم فلو عطف للزم عليه مثل الذي قدمت ذكره ~~من الدخول في الحكاية ولصار خبرا من اليهود ، ووصفا منهم لأنفسهم بأنهم ~~مفسدون . ولصار كأنه قيل : قالوا إنما نحن مصلحون ، وقالوا إنهم هم ~~المفسدون . وذلك ما لا يشك في فساده . وكذلك قوله تعالى : ( @QB@ وإذا قيل ~~لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ~~ولكن لا يعلمون @QE@ ) . ولو عطف ( @QB@ إنهم هم السفهاء @QE@ ) على ما ~~قبله ms131 لكان يكون قد أدخل في الحكاية ، ولصار حديثا منهم عن أنفسهم بأنهم هم ~~السفهاء من بعد أن زعموا أنهم إنما تركوا أن يؤمنوا لئلا يكونوا من السفهاء ~~. على أن في هذا أمرا آخر ، وهو أن قوله : ' أنؤمن ' استفهام ، ولا يعطف ~~الخبر على الاستفهام . # فإن قلت : هل كان يجوز أن يعطف قوله تعالى : ( @QB@ الله يستهزئ بهم @QE@ ~~) على ' قالوا ' من قوله : ( @QB@ قالوا إنا معكم @QE@ ) لا على ما بعده ؟ ~~وكذلك كان يفعل في ( @QB@ إنهم هم المفسدون @QE@ ) و ( @QB@ إنهم هم ~~السفهاء @QE@ ) . وكان يكون نظير قوله تعالى : ( @QB@ وقالوا لولا أنزل ~~عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر @QE@ ) وذلك أن قوله ( @QB@ ولو ~~أنزلنا ملكا @QE@ ) معطوف من غير شك على ' قالوا ' دون ما بعده ؟ قيل إن ~~حكم المعطوف على ' قالوا ' فيما نحن فيه مخالف لحكمه في الآية التي ذكرت ، ~~وذلك أن ' قالوا ' ها هنا جواب شرط . فلو عطف قوله : ( @QB@ الله يستهزئ ~~بهم @QE@ ) عليه للزم إدخاله في حكمه من كونه جوابا ، وذلك لا يصح . وذاك ~~أنه متى عطف على جواب الشرط شيء بالواو كان ذلك على ضربين : # أحدهما : أن يكونا شيئين يتصور وجود كل واحد منهما دون الآخر ، ومثاله ~~قولك : إن تأتني أكرمك أعطك وأكسك . PageV01P181 # والثاني : أن يكون المعطوف شيئا لا يكون حتى يكون المعطوف عليه . ويكون ~~الشرط لذلك سببا فيه بوساطة كونه سببا لأول ، ومثاله قولك : إذا رجع الأمير ~~إلى الدار استأذنته وخرجت فالخروج لا يكون حتى يكون الاستئذان وقد صار ~~الرجوع سببا في الخروج من أجل كونه سببا في الاستئذان . فيكون المعنى في ~~مثل هذا على كلامين نحو : إذا رجع الأمير استأذنت وإذا استأذنت خرجت . # وإذ قد عرفت ذلك فإنه لو عطف قوله تعالى : ( @QB@ الله يستهزئ بهم @QE@ ) ~~على ' قالوا ' كما زعمت كان الذي يتصور فيه أن يكون من هذا الضرب الثاني ، ~~وأن يكون المعنى ( @QB@ وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن ~~مستهزؤون @QE@ ) . فإذا قالوا ذلك استهزأ الله بهم ، ومدهم في طغيانهم ~~يعمهون . وهذا وإن كان يرى أنه يستقيم فليس هو بمستقيم ، وذلك أن الجزاء ms132 ~~إنما هو على نفس الاستهزاء وفعلهم له ، وإرادتهم إياه في قولهم إنا آمنا ، ~~لا على أنهم حدثوا عن أنفسهم بأنهم مستهزئون والعطف على ' قالوا ' يقتضي أن ~~يكون الجزاء على حديثهم عن أنفسهم بالاستهزاء لا عليه نفسه . ويبين ما ~~ذكرناه من أن الجزاء ينبغي أن يكون على قصدهم الاستهزاء ، وفعلهم له لا على ~~حديثهم عن أنفسهم بإنا مستهزئون أنهم لو كانوا قالوا لكبرائهم : ( @QB@ ~~إنما نحن مستهزؤون @QE@ ) : وهم يريدون بذلك دفعهم عن أنفسهم بهذا الكلام ، ~~وأن يسلموا من شرهم ، وأن يوهموهم أنهم منهم ، وإن لم يكونوا كذلك لكان لا ~~يكون عليهم مؤاخذة فيما قالوه من حيث كانت المؤاخذة تكون على اعتقاد ~~الاستهزاء والخديعة في إظهار الإيمان لا في القول : إنا استهزأنا ، من غير ~~أن يقترن بذلك القول اعتقاد ونية . # هذا ، وهاهنا أمر سوى ما مضى يوجب الاستئناف وترك العطف ، وهو أن الحكاية ~~عنهم بأنهم قالوا : كيت وكيت تحرك السامعين لأن يعلموا مصير أمرهم ، وما ~~يصنع بهم ، وأتنزل بهم النقمة عاجلا أم لا تنزل ويمهلون ، وتوقع في أنفسهم ~~التمن ي لأن يتبين لهم ذلك . وإذا كان كذلك كان هذا الكلام الذي هو قوله : ~~( @QB@ الله يستهزئ بهم @QE@ ) في معنى ما صدر جوابا عن هذا المقدر وقوعه ~~في أنفس السامعين . وإذا كان مصدره كذلك كان حقه أن يؤتى به مبتدأ غير ~~معطوف ليكون في صورته إذا قيل : فإن سألتم قيل لكم : ( @QB@ الله يستهزئ ~~بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون @QE@ ) . # وإذا استقريت وجدت هذا الذي ذكرت لك من تنزيلهم الكلام إذا جاء بعقب ما ~~يقتضي PageV01P182 سؤالا منزلته إذا صرح بذلك السؤال كثيرا . فمن لطيف ذلك ~~قوله ، من + الكامل + : # ( زعم العواذل أنني في غمرة % صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي ! ) # لما حكى عن العواذل أنهم قالوا : ' هو في غمرة ' . وكان ذلك مما يحرك ~~السامع لأن يسأله فيقول : فما قولك في ذلك ؟ وما جوابك عنه ؟ أخرج الكلام ~~مخرجه إذا كان ذلك قد قيل له ، وصار كأنه قال : أقول صدقوا أنا كما قالوا ~~ولكن لا مطمع لهم في فلاحي . ولو قال ms133 : زعم العواذل أنني في غمرة وصدقوا ~~لكان يكون لم يصح في نفسه أنه مسؤول ، وأن كلامه كلام مجيب : # ومثله قول الآخر في الحماسة ، + الكامل + : # ( زعم العواذل أن ناقة جندب % بجنوب خبت عريت وأجمت ) # ( كذب العواذل لو رأين مناخنا % بالقادسية قلن : لج وذلت ) # وقد زاد هذا أمر القطع والاستئناف وتقدير الجواب تأكيدا بأن وضع الظاهر ~~موضع المضمر فقال : كذب العواذل ، ولم يقل : ' كذبن ' . وذلك أنه لما أعاد ~~ذكر العواذل ظاهرا كان ذلك أبين وأقوى لكونه كلاما مستأنفا من حيث وضعه ~~وضعا لا يحتاج فيه إلى ما قبله ، وأتى فيه مأتى ما ليس قبله كلام . ومما هو ~~على ذلك قول الآخر ، + الوافر + : # ( زعمتم أن إخوتكم قريش % لهم إلف وليس لكم إلاف ) PageV01P183 # وذلك أن قوله : لهم إلف ، تكذيب لدعواهم أنهم من قريش . فهو إذا بمنزلة ~~أن يقول : كذبتم لهم إلف وليس لكم ذلك . ولو قال : زعمتم أن إخوتكم قريش ~~ولهم إلف وليس لكم إلاف ؛ لصار بمنزلة أن يقول : زعمتم إن إخوتكم قريش ~~وكذبتم في أنه كان يخرج عن أن يكون موضوعا على أ نه جواب سائل يقول له : ~~فماذا تقول في زعمهم ذلك وفي دعواهم ؟ فاعرفه . # واعلم أنه لو أظهر ' كذبتم ' لكان يجوز له أن يعطف هذا الكلام الذي هو ~~قوله : ' لهم إلف ' ، عليه بالفاء فيقول : ' كذبتم فلهم إلف وليس لكم ذلك ' ~~. أما الآن فلا مساغ لدخول الفاء البتة لأنه يصير حينئذ معطوفا بالفاء على ~~قوله : زعمتم أن إخوتكم قريش ؛ وذلك يخرج إلى المحال من حيث يصير كأنه ~~يستشهد بقوله : لهم إلف . على أن هذا الزعم كان منهم ، كما أنك إذا قلت : ~~كذبتم فلهم إلف ، كنت قد استشهدت بذلك على أنهم كذبوا فاعرف ذلك . ومن ~~اللطيف في الاستئناف على معنى جعل الكلام جوابا في التقدير قول اليزيدي ، + ~~السريع + : # ( ملكته حبلي ولكنه % ألقاه من زهد على غاربي ) # ( وقال : إني في الهوى كاذب % انتقم الله من الكاذب ) # استأنف قوله : انتقم الله من الكاذب ؛ لأنه جعل نفسه كأنه يجيب سائلا قال ~~له : فما تقول فيما اتهمك ms134 به من أنك كاذب ؟ فقال : أقول : انتقم الله من ~~الكاذب . ومن النادر أيضا في ذلك قول الآخر ، + الخفيف + : # ( قال لي : كيف أنت ؟ قلت : عليل % سهر دائم وحزن طويل ) # لما كان في العادة إذا قيل للرجل : كيف أنت ؟ فقال : عليل ، أن يسأل ~~ثانيا فيقال : ما بك ؟ وما علتك ؟ قدر كأنه قد قيل له ذلك فأتى بقوله : سهر ~~دائم ؛ جوابا عن هذا السؤال المفهوم من فحوى الحال فاعرفه . PageV01P184 # ومن الحسن البين في ذلك قول المتنبي ، + الوافر + : # ( وما عفت الرياح له محلا % عفاه من حدا بهم وساقا ) # لما نفى أن يكون الذي يرى به من الدروس والعفاء من الرياح . وأن تكون ~~التي فعلت ذلك وكان في العادة إذا نفي الفعل الموجود الحاصل عن واحد فقيل : ~~لم يفعله فلان أن يقال : فمن فعله ؟ قدر كأن قائلا قال : قد زعمت أن الرياح ~~لم تعف له محلا فما عفاه إذا ؟ فقال مجيبا له : عفاه من حدا بهم وساقا # ومثله قول الوليد بن يزيد ، من الهزج : # ( عرفت المنزل الخالي % عفا من بعد أحوال ) # ( عفاه كل حنان % عسوف الوبل هطال ) # لما قال : ' عفا من بعد أحوال ' ، قدر كأنه قيل له : فما عفاه ؟ فقال : ~~عفاه كل حنان . # واعلم أن السؤال إذا كان ظاهرا مذكورا في مثل هذا كان الأكثر أن لا يذكر ~~الفعل في الجواب ، ويقتصر على الاسم وحده . فأما مع الإضمار فلا يجوز إلا ~~أن يذكر الفعل . تفسير هذا أنه يجوز لك إذا قيل : إن كانت الرياح لم تعفه ~~فما عفاه ؟ أن تقول : ' من حدا بهم وساقا ' ، ولا تقول : عفاه من حدا . كما ~~تقول ، في جواب من يقول : من فعل هذا ؟ زيد . ولا يجب أن تقول : فعله زيد . ~~وأما إذا لم يكن السؤال مذكورا كالذي عليه البيت فإنه لا يجوز أن يترك ذكر ~~الفعل . فلو قلت مثلا : وما عفت الرياح له محلا من حدا بهم وساقا ؛ تزعم ~~أنك أردت ' عفاه من حدا بهم ' ، ثم تركت ذكر الفعل أحلت ، لأنه إنما يجوز ~~تركه حيث يكون السؤال مذكورا ، لأن ذكره ms135 فيه يدل على إرادته في الجواب ، ~~فإذا لم يؤت بالسؤال لم يكن إلى العلم به سبيل ، فاعرف ذلك . # واعلم أن الذي تراه في التنزيل من لفظ ' قال ' مفصولا غير معطوف هذا هو ~~التقدير PageV01P185 فيه ، والله أعلم . أعني مثل قوله تعالى : ( @QB@ هل ~~أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم ~~منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس ~~منهم خيفة قالوا لا تخف @QE@ ) جاء على ما يقع في أنفس المخلوقين من السؤال ~~. فلما كان في العرف والعادة فيما بين المخلوقين إذا قيل لهم : دخل قوم على ~~فلان فقالوا كذا ، أن يقولوا : فما قال هو ؟ ويقول المجيب : قال كذا ؛ أخرج ~~الكلام ذلك المخرج لأن الناس خوطبوا بما يتعارفونه ، وسلك باللفظ معهم ~~المسلك الذي يسلكونه . وكذلك قوله : ( @QB@ قال ألا تأكلون @QE@ ) ، وذلك ~~أن قوله : ( @QB@ فجاء بعجل سمين فقربه إليهم @QE@ ) يقتضي أن يتبع هذا ~~الفعل بقول فكأنه قيل ، والله أعلم : فما قال حين وضع الطعام بين أيديهم ؟ ~~فأتى قوله : ( @QB@ قال ألا تأكلون @QE@ ) جوابا عن ذلك . وكذا ( @QB@ ~~قالوا لا تخف @QE@ ) لأن قوله : ( @QB@ فأوجس منهم خيفة @QE@ ) يقتضي أن ~~يكون من الملائكة كلام في تأنيسه وتسكينه مما خامره . فكأنه قيل : فما ~~قالوا حين رأوه وقد تغير ودخلته الخيفة ؟ فقيل : قالوا لا تخف ، وذلك والله ~~أعلم المعنى في جميع ما يجيء منه على كثرته كالذي يجيء في قصة فرعون عليه ~~اللعنة وفي رد موسى عليه السلام كقوله : ( @QB@ قال فرعون وما رب العالمين ~~قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا ~~تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ~~قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري ~~لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من ~~الصادقين @QE@ ) جاء ذلك كله والله أعلم على تقدير السؤال والجواب كالذي ~~جرت به العادة فيما بين المخلوقين ، فلما كان السامع إذا سمع الخبر ms136 عن ~~فرعون بأنه قال : وما رب العالمين ؟ وقع في نفسه أن يقول : فما قال موسى له ~~؟ أتى قوله : ( @QB@ قال رب السماوات والأرض @QE@ ) مأتى الجواب مبتدأ ~~مفصولا غير معطوف . وهكذا التقدير والتفسير أبدا في كل ما جاء فيه لفظ ' ~~قال ' هذا المجيء . وقد يكون الأمر في بعض ذلك اشد وضوحا . # فمما هو في غاية الوضوح قوله تعالى : ( @QB@ قال فما خطبكم أيها المرسلون ~~قالوا إنا @QE@ ) PageV01P186 ( @QB@ أرسلنا إلى قوم مجرمين @QE@ ) وذلك ~~أنه لا يخفى على عاقل أنه جاء على معنى الجواب وعلى أن ينزل السامعون كأنهم ~~قالوا : فما قال له الملائكة ؟ فقيل : ( @QB@ قالوا إنا أرسلنا إلى قوم ~~مجرمين @QE@ ) . وكذلك قوله عز وجل في سورة يس : ( @QB@ واضرب لهم مثلا ~~أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا ~~بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل ~~الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما ~~علينا إلا البلاغ المبين قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ~~وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون ~~وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا ~~يسألكم أجرا وهم مهتدون @QE@ ) التقدير الذي قدرناه من معنى السؤال والجواب ~~بين في ذلك كله ، ونسأل الله التوفيق للصواب والعصمة من الزلل . ~~PageV01P187 & باب الفصل والوصل & # | فصل في الأصول العامة لوصل الجمل وفصلها # وإذ قد عرفت هذه الأصول والقوانين في شأن فصل الجمل ووصلها ، فاعلم أنا ~~قد حصلنا من ذلك على أن الجمل على ثلاثة أضرب . # جملة حالها مع التي قبلها حال الصفة مع الموصوف ، والتأكيد مع المؤكد . ~~فلا يكون فيها العطف البتة لشبه العطف فيها لو عطفت بعطف الشيء على نفسه . # وجملة حالها مع التي قبلها حال الاسم يكون غير الذي قبله إلا أنه يشاركه ~~في حكم ، ويدخل معه في معنى مثل أن يكون كلا الاسمين فاعلا أو مفعولا أو ~~مضافا إليه فيكون حقها العطف . # وحملة ليست في ms137 شيء من الحالين بل سبيلها مع التي قبلها سبيل الاسم مع ~~الاسم ، لا يكون منه في شيء ، فلا يكون إياه ولا مشاركا له في معنى ، بل هو ~~شيء إن ذكر لم يذكر إلا بأمر ينفرد به . ويكون ذكر الذي قبله وترك الذكر ~~سواء في حاله لعدم التعلق بينه وبينه رأسا . وحق هذا ترك العطف البتة ، ~~فترك العطف يكون إما للاتصال إلى الغاية أو الانفصال إلى الغاية ، والعطف ~~لما هو واسطة بين الأمرين ، وكان له حال بين حالين ، فاعرفه . # | فصل في مسائل دقيقة في عطف الجمل # هذا فن من القول خاص دقيق . اعلم أن مما يقل نظر الناس فيه من أمر العطف ~~أنه قد يؤتى بالجملة ، فلا تعطف على ما يليها ولكن تعطف على جملة بينها ~~وبين هذه التي تعطف جملة أو جملتان . مثال ذلك قول المتنبي ، + الوافر + : ~~PageV01P188 # ( تولوا بغتة فكأن بينا % تهيبني ففاجأني اغتيالا ) # ( فكان مسير عيسهم ذميلا % وسير الدمع إثرهم انهمالا ) # قوله : فكان مسير عيسهم ؛ معطوف على ' تولوا بغتة ' دون ما يليه من قوله ~~: ' ففاجأني ' ؛ لأنا إن عطفناه على هذا الذي يليه أفسدنا المعنى من حيث ~~إنه يدخل في معنى كأن ، وذلك يؤدي إلى أن لا يكون مسير عيسهم حقيقة ، ويكون ~~متوهما كما كان تهيب البين كذلك ، وهذا أصل كبير . والسبب في ذلك أن الجملة ~~المتوسطة بين هذه المعطوفة أخيرا ويبن المعطوف عليها الأولى ترتبط في ~~معناها بتلك الأولى ، كالذي ترى أن قوله : ' فكأن بينا تهيبني ' ، مرتبط ~~بقوله : ' تولوا بغتة ' . وذلك أن الثانية مسبب والأولى سبب ؛ ألا ترى أن ~~المعنى ' تولوا بغتة ، فتوهمت أن بينا تهيني ' ؟ ولا شك أن هذا التوهم كان ~~بسبب أن كان التولي بغتة وإذا كان كذلك كانت مع الأولى كالشيء الواحد ، ~~وكان منزلتها منها منزلة المفعول والظرف وسائر ما يجيء بعد تمام الجملة من ~~معمولات الفعل مما لا يمكن إفراده عل الجملة ، وأن يعتد كلاما على حدته . # وهاهنا شيء آخر دقيق . وهو أنك إذا نظرت إلى قوله : فكان مسير عيسهم ~~ذميلا ؛ وجدته لم يعطف هو ms138 وحده على ما عطف عليه ، ولكن تجد العطف قد تناول ~~جملة البيت مربوطا آخره بأوله ، ألا ترى أن الغرض من هذا الكلام أن يجعل ~~توليهم بغتة وعلى الوجه الذي توهم من أجله أن البين تهيبه مستدعيا بكاءه ، ~~وموجبا أن ينهمل دمعه . فلم يعنه أن يذكر ذملان العيس إلا ليذكر هملان ~~الدمع ، وأن يوفق بينهما ؟ وكذلك الحكم في الأول فنحن ، وإن قلنا إن العطف ~~على ' تولوا بغتة ' فإنا لا نعني أن العطف عليه وحده مقطوعا عما بعده ، بل ~~العطف عليه مضموما إليه ما بعده إلى أخره . وإنما أردنا بقولنا : ' إن ~~العطف عليه ' أن نعلمك أنه الأصل والقاعدة ، وأن نصرفك عن أن تطرحه ، وتجعل ~~العطف على ما يلي هذا PageV01P189 الذي تعطفه ، فتزعم أن قوله : فكان مسير ~~عيسهم ؛ معطوف على ' فاجأني ' فتقع في الخطأ كالذي أريناك . فأمر العطف إذا ~~موضوع على أنك تعطف تارة جملة على جملة ، وتعمد أخرى إلى جملتين أو جمل ، ~~فتعطف بعضا على بعض ، ثم تعطف مجموع هذي على مجموع تلك . # وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء من هذا المعنى أصلا يعتبر به . ~~وذلك أنك ترى متى شئت جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى ، ثم جعلنا ~~بمجموعهما شرطا ، ومثال ذلك قوله تعالى : ( @QB@ ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم ~~يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا @QE@ ) الشرط كما لا يخفى في ~~مجموع الجملتين لا في كل واحدة منهما على الانفراد ، ولا في واحدة دون ~~الأخرى ، لأنا إن قلنا إنه في كل واحدة منهما عل الانفراد جعلناهما شرطين ، ~~وإذا جعلناهما شرطين اقتضتا جزاءين وليس معنا إلا جزاء واحد . وإن قلنا إنه ~~في واحدة منهما دون الأخرى لزم منه إشراك ما ليس بشرط في الجزم بالشرط ، ~~وذلك ما لا يخفى فساده . ثم إنا نعلم من طريق المعنى أن الجزاء الذي هو ~~احتمال البهتان والإثم المبين أمر يتعلق إيجابه لمجموع ما حصل من الجملتين ~~. فليس هو الاكتساب الخطيئة على الانفراد ، ولا لرمي البريء بالخطيئة أو ~~الإثم على الإطلاق ، بل لرمي الإنسان ms139 البريء بخطيئة أو إثم كان من الرامي . ~~وكذلك الحكم أبدا ؛ فقوله تعالى : ( @QB@ ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ~~ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله @QE@ ) لم يعلق الحكم فيه ~~بالهجرة على الانفراد ، بل بها مقرونا إليها أن يدركه الموت عليها . # واعلم أن سبيل الجملتين في هذا وجعلهما بمجموعهما بمنزلة الجملة الواحدة ~~سيبل الجزءين تعقد منهما الجملة ، ثم يجعل المجموع خبرا أو صفة أو حالا ~~كقول : زيد قام غلامه ، وزيد أبوه كريم ، ومررت برجل أبوه كريم ، وجاءني ~~زيد يعدو به فرسه . فكما يكون الخبر والصفة والحال لا محالة في مجموع ~~الجزءين لا في أحدهما كذلك يكون الشرط في مجموع الجملتين لا في إحداهما . ~~وإذا علمت ذلك في الشرط فاحتذه في العطف ؛ فإنك تجده مثله سواء . ~~PageV01P190 # ومما لا يكون العطف فيه إلا على هذا الحد قوله تعالى : ( @QB@ وما كنت ~~بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا ~~قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ~~ولكنا كنا مرسلين @QE@ ) . لو جريت على الظاهر فجعلت كل جملة معطوفة على ما ~~يليها منع منه المعنى ، وذلك أنه يلزم منه أن يكون قوله : ( @QB@ وما كنت ~~ثاويا في أهل مدين @QE@ ) معطوفا على قوله ( @QB@ فتطاول عليهم العمر @QE@ ~~) ، وذلك يقتضي دخوله في معنى ' لكن ' ويصير كأنه قيل : ولكنك ما كنت ثاويا ~~، وذلك ما لا يخفى فساده . وإذا كان ذلك بان منه أنه ينبغي أن يكون عطف ~~مجموع ( @QB@ وما كنت ثاويا في أهل مدين @QE@ ) إلى ( @QB@ مرسلين @QE@ ) ~~على مجموع قوله ( @QB@ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر @QE@ ~~) إلى قوله ( @QB@ العمر @QE@ ) . # فإن قلت : فهلا قدرت أن يكون ( @QB@ وما كنت ثاويا في أهل مدين @QE@ ) ~~معطوفا على ( @QB@ وما كنت من الشاهدين @QE@ ) دون أن تزعم أنه معطوف عليه ~~، مضموما إليه ما بعده إلى قوله ' العمر ' ؟ قيل : لأنا إن قدرنا ذلك وجب ~~أن ينوى به التقديم على قوله : ( @QB@ ولكنا أنشأنا قرونا @QE@ ) ، وأن ~~يكون الترتيب : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى ms140 موسى الأمر ، وما كنت من ~~الشاهدين ، وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ، ولكنا أنشأنا ~~قرونا ، فتطاول عليهم العمر ولكنا كنا مرسلين ، وفي ذلك إزالة ( لكن ) عن ~~موضعها الذي ينبغي أن تكون فيه . ذاك لأن سبيل ( لكن ) سبيل ( إلا ) فكما ~~لا يجوز أن تقول : جاءني القوم وخرج أصحابك إلا زيدا وإلا عمرا ؛ بجعل ' ~~إلا زيدا ' استثناء من جاءني القوم ، و ' إلا عمرا ' من خرج أصحابك . كذلك ~~لا يجوز أن تصنع مثل ذلك بلكن فتقول : ما جاءني زيد وما خرج عمرو ، ولكن ~~بكرا حاضر ولكن أخاك خارج : فإذا لم يجز ذلك وكان تقديرك الذي زعمت يؤدي ~~إليه وجب أن تحكم بامتناعه فاعرفه . # وهذا وإنما تجوز نية التأخير في شيء معناه يقتضي له ذلك التأخير ، مثل أن ~~كون الاسم مفعولا لا يقتضي له أن يكون بعد الفاعل فإذا قدم على الفاعل نوي ~~به التأخير . ومعنى ( لكن ) في الآية يقتضي أن تكون في موضعها الذي هي فيه ~~، فكيف يجوز أن ينوى بها التأخير عنه إلى موضع آخر ؟ PageV01P191 # | هذه فصول شتى في أمر اللفظ والنظم فيها فضل شحذ للبصيرة ، وزيادة كشف ~~عما فيها من السريرة # # | فصل ' البلاغة ليس مرجعها إلى العلم باللغة ، بل العلم بمواضع المزايا ~~والخصائص ' # وغلط الناس في هذا الباب كثير ؛ فمن ذلك أنك تجد كثيرا ممن يتكلم في شأن ~~البلاغة إذا ذكر أن للعرب الفضل والمزية في حسن النظم والتأليف ، وأن لها ~~في ذلك شأوا لا يبلغه الدخلاء في كلامهم والمولدون ، جعل يعلل ذلك بأن يقول ~~: لا غرو فإن اللغة لها بالطبع ولنا بالتكلف ، ولن يبلغ الدخيل في اللغات ~~والألسنة مبلغ من نشأ عليها ، وبدأ من أول خلقه بها . وأشباه هذا مما يوهم ~~أن المزية أتتها من جانب العلم باللغة ، وهو خطأ عظيم منكر يفضي بقائله إلى ~~رفع الإعجاز من حيث لا يعلم وذلك أنه لا يثبت إعجاز حتى تثبت مزايا تفوق ~~علوم البشر ، وتقصر قوى نظرتهم عنها ، ومعلومات ليس في منن أفكارهم ~~وخواطرهم أن تفضي ، بهم إليها ، وأن ms141 تطلعهم عليها . وذلك محال فيما كان ~~علما باللغة ، لأنه يؤدي إلى أن يحدث في دلائل اللغة ما لم يتواضع عليه أهل ~~اللغة ، وذلك ما لا يخفى امتناعه على عاقل . # واعلم أنا لم يوجب المزية من أجل العلم بأنفس الفروق والوجوه فنستند إلى ~~اللغة ولكنا أوجبناها للعلم بمواضعها ، وما ينبغي أن يصنع فيها . فليس ~~الفضل للعلم بأن الواو للجمع ، والفاء للتعقيب بغير تراخ ، ' وثم ' له بشرط ~~التراخي . و ' إن ' لكذا ، و ' إذا ' لكذا . PageV01P192 ولكن لأن يتأتى لك ~~إذا نظمت شعرا ، والفت رسالة أن تحسن التخير ، وأن تعرف لكل من ذلك موضعه . # وأمر آخر إذا تأمله الإنسان أنف من حكاية هذا القول فضلا عن اعتقاده ، ~~وهو أن المزية لو كانت تجب من أجل اللغة والعلم بأوضاعها ، وما أراده ~~الواضع فيها لكان ينبغي أن لا تجب إلا بمثل الفرق بين الفاء وثم ، وإن وإذا ~~، وما أشبه ذلك مما يعبر عنه وضع لغوي . فكانت لا تجب بالفصل ، وترك العطف ~~بالحذف ، والتكرار ، والتقديم والتأخير ، وسائر ما هو هيئة يحدثها لك ~~التأليف ، ويقتضيها الغرض الذي تؤم ، والمعنى الذي تقصد وكان ينبغي أن لا ~~تجب المزية بما يبتدئه الشاعر ، والخطيب في كلامه من استعارة اللفظ لشيء لم ~~يستعر له ، وأن لا تكون الفضيلة إلا في استعارة قد تعورفت في كلام العرب ، ~~وكفى بذلك جهلا . # ولم يكن هذا الاشتباه وهذا الغلط إلا لأنه ليس في جملة الخفايا والمشكلات ~~أغرب مذهبا في الغموض ، ولا أعجب شأنا من هذه التي نحن بصددها ، ولا أكثر ~~تفلتا من الفهم وانسلالا منها . وأن الذي قاله العلماء والبلغاء في صفتها ~~والإخبار عنها رموز لا يفهمها إلا من هو في مثل حالهم من لطف الطبع ، ومن ~~هو مهيأ لفهم تلك الإشارات . حتى كأن تلك الطباع اللطيفة ، وتلك القرائح ~~والأذهان قد تواضعت فيما بينها على ما سبيله سيبل الترجمة يتواطأ عليها قوم ~~، فلا تعدوهم ، ولا يعرفها من ليس منهم . # وليت شعري من أين لمن لم يتعب في هذا الشأن ، ولم يمارسه ، ولم يوفر ~~عنايته عليه أن ms142 ينظر إلى قول الجاحظ وهو يذكر إعجاز القرآن : ' ولو أن رجلا ~~قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة قصيرة أو طويلة لتبين له في نظامها ~~ومخرجها من لفظها وطابعها أنه عاجز عن مثلها ، ولو تحدى بها أبلغ العرب ~~لأظهر عجزه عنها ' وقوله وهو يذكر رواة PageV01P193 الأخبار : ' ورأيت ~~عامتهم فقد طالت مشاهدتي لهم - وهم لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة ، ~~والمعاني المنتخبة ، والمخارج السهلة ، والديباجة الكريمة ، وعلى الطبع ~~المتمكن ، وعلى السبك الجيد ، وعلى كل كلام له ماء ورونق ' وقوله في بيت ~~الحطيئة ، + الطويل + : # ( متى تأته تعشو إلى ضوء ناره % تجد خير نار عندها خير موقد ) # ' وما كان ينبغي أن يمدح بهذا البيت إلا من هو خير أهل الأرض . على أني ~~لم أعجب بمعناه أكثر من عجبي بلفظه وطبعه ونحته وسبكه ' ، فيفهم منه شيئا ~~أو يقف للطابع والنظام والنحت والسبك والمخارج السهلة على معنى أو يحلى منه ~~بشيء . وكيف بأن يعرفه ولربما خفي على كثير من أهله . # واعلم أن الداء الدوي والذي أعيا أمره في هذا الباب غلط من قدم الشعر ~~بمعناه وأقل الاحتفال باللفظ وجعل لا يعطيه من المزية إن هو أعطى إلا ما ~~فضل عن المعنى : يقول ما في اللفظ لولا المعنى ، وهل الكلام إلا بمعناه ؟ ~~فأنت تراه لا يقدم شعرا حتى يكون قد أودع حكمة أو أدبا ، واشتمل على تشبيه ~~غريب ومعنى نادر . فإن مال إلى اللفظ شيئا ، ورأى أن ينحله بعض الفضيلة لم ~~يعرف غير الاستعارة ، ثم لا ينظر في حال تلك الاستعارة : أحسنت بمجرد كونها ~~استعارة ، أم من أجل فرق ووجه أم للأمرين ؟ لا يحفل بهذا وشبهه ، قد قنع ~~بظواهر الأمور ، وبالجمل وبأن يكون كمن يجلب المتاع للبيع ، إنما همه أن ~~يروج عنه . يرى أنه إذا تكلم في الأخذ والسرقة وأحسن أن يقول : أخذه من ~~فلان ، وألم فيه بقول PageV01P194 كذا ؛ فقد استكمل الفضل ، وبلغ أقصى ما ~~يراد . # واعلم أنا وإن كنا إذا اتبعنا العرف والعادة وما يهجس في الضمير ، وما ~~عليه العامة أرانا ذلك أن الصواب معهم ms143 ، وأن التعويل ينبغي أن يكون على ~~المعنى ، وأنه الذي لا يسوغ القول بخلافه ، فإن الأمر بالضد إذا جئنا إلى ~~الحقائق ، وإلى ما عليه المحصلون لأنا لم نرى متقدما في علم البلاغة مبرزا ~~في شأوها إلا وهو ينكر هذا الرأي ، ويعيبه ويزري على القائل به ويغض منه . ~~فمن ذلك ما روي عن البحتري : روي أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر سأله عن ~~مسلم وأبي نواس أيهما أشعر ؟ فقال : أبو نواس . فقال : إن أبا العباس ثعلبا ~~لا يوافقك على هذا . فقال : ليس هذا من شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم ~~الشعر دون عمله ، إنما يعلم ذلك من دفع في سلك طريق الشعر إلى مضايقه ، ~~وانتهى إلى ضروراته . وعن بعضهم أنه قال : رآني البحتري ومعي دفتر شعر فقال ~~: ما هذا ؟ فقلت : شعر الشنفرى . فقال : وإلى أين تمضي ؟ فقلت : إلى أبي ~~العباس أقرؤه عليه . فقال : قد رأيت أبا عباسكم هذا منذ أيام عند ابن ثوابة ~~، فما رأيته ناقدا للشعر ، ولا مميزا للألفاظ ، ورأيته يستجيد شيئا وينشده ~~، وما هو بأفضل الشرع . فقلت له : أما نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى ، ~~ولكنه أعرف الناس بإعرابه وغريبه . فما كان ينشد ؟ قال : قول الحارث بن ~~وعلة ، + الكامل + : PageV01P195 # ( قومي هم قتلوا ، أميم ، أخي % فإذا رميت يصيبني سهمي ) # ( فلئن عفوت لأعفون جللا % ولئن سطوت لأوهنن عظمي ) # فقلت : والله ما أنشد إلا أحسن شعر في أحسن معنى ولفظ . فقال : أين الشعر ~~الذي فيه عروق الذهب ؟ فقلت : مثل ماذا ؟ فقال : مثل قول أبي ذؤاب ، + ~~الكامل + : # ( إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم % بعتيبة بن الحارث بن شهاب ) # ( بأشدهم كلبا على أعدائه % وأعزهم فقدا على الأصحاب ) # وفي مثل هذا قال الشاعر ، + الطويل + : ( زوامل للأشعار لا علم عندهم % ~~بجيدها إلا كعلم الأباعر ) # ( لعمرك ما يدري البعير إذا غدا % بأوساقه أو راح ما في الغرائر ) ~~PageV01P196 # وقال الآخر ، + الخفيف + : # ( يا أبا جعفر تحكم في الشعر % وما فيك آلة الحكام ) # ( إن نقد الدينار إلا على الصيرف % صعب ، فكيف نقد الكلام ؟ ) # ( قد رأيناك لست تفرق في الأشعار % بين الأرواح ms144 والأجسام ) # واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا ~~كان أدبا وحكمة ، وكان غريبا نادرا ، فهو أشرف مما ليس كذلك ، بل عابوه من ~~حيث كان من حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقص أن لا يعتبر في قضيته ~~تلك إلا الأوصاف التي تخص ذلك الجنس ، وترجع إلى حقيقته . وأن لا ينظر فيها ~~إلى جنس آخر وإن كان من الأول بسبيل ، أو متصلا به اتصال ما لا ينفك منه . ~~ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة ، وأن سبيل المعنى الذي يعبر ~~عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه كالفضة والذهب ؛ يصاغ منهما ~~خاتم أو سوار . فكما أن محالا إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم وفي جودة ~~العمل ورداءته أن ينظر إلى الفضة الحاملة تلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه ~~العمل ، وتلك الصنعة - كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في ~~الكلام أن تنظر في مجرد معناه . وكما أنا لو فضلنا خاتما على خاتم بأن تكون ~~فضة هذا أجود ، أو فصه أنفس لم يكن ذلك تفضيلا له من حيث هو خاتم . كذلك ~~ينبغي إذا فضلنا بيتا على بيت من أجل معناه أن لا يكون ذلك تفضيلا له من ~~حيث هو شعر وكلام ، وهذا قاطع فاعرفه . # واعلم أنك لست تنظر في كتاب صنف في شأن البلاغة ، وكلام جاء عن القدماء ~~إلا وجدته ، يدل على فساد هذا المذهب . ورأيتهم يتشددون في إنكاره وعيبه ~~والعيب به . وإذا نظرت في كتب الجاحظ وجدته يبلغ في ذلك كل مبلغ ، ويتشدد ~~غاية التشدد . وقد انتهى في ذلك إلى أن جعل العلم بالمعنى مشتركا ، وسوى ~~فيه بين الخاصة والعامة ، فقال : PageV01P197 ' ورأيت ناسا يبهرجون أشعار ~~المولدين ، ويستسقطون من رواها . ولم أر ذلك قط إلا في رواية غير بصير ~~بجوهر ما يروي . ولو كان له بصر لعرف موضع الجيد ممن كان ، وفي أي زمان كان ~~. وأنا سمعت أبا عمرو الشيباني وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين ، ونحن ~~في ms145 المسجد الجامع يوم الجمعة أن كلف رجلا حتى أحضره قرطاسا ودواة حتى ~~كتبهما ' . قال الجاحظ : وأنا أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا ~~، ولولا أن أدخل في الحكومة بعض الغيب لزعمت أن ابنه لا يقول الشعر أيضا . ~~وهما قوله ، + السريع + : # ( لا تحسبن الموت موت البلى % وإنما الموت سؤال الرجال ) # ( كلاهما موت ولكن ذا % أشد من ذاك على كل حال ) # ثم قال : وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني ؛ والمعاني مطروحة في الطريق ، ~~يعرفها العجمي والعربي ، والقروي ، والبدوي . وإنما الشأن في إقامة الوزن ، ~~وتخير اللفظ ، وسهولة المخرج ، وصحة الطبع ، وكثرة الماء ، وجودة السبك . ~~وإنما الشعر صياغة PageV01P198 وضرب من التصوير . فقد تراه كيف اسقط أمر ~~المعاني ، وأبى أن يجب لها فضل . فقال : وهي مطروحة في الطريق . ثم قال : ~~وأنا أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا ؛ فأعلمك أن فضل الشعر ~~بلفظه لا بمعناه ، وأنه إذا عدم الحسن في لفظه ونظمه لم يستحق هذا الاسم ~~بالحقيقة . وأعاد طرفا من هذا الحديث في ' البيان ' فقال : ' ولقد رأيت أبا ~~عمرو الشيباني يكتب أشعارا من أفواه جلسائه ليدخلها في باب التحفظ والتذكر ~~. وربما خيل إلي أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أبدا أن يقولوا شعرا ~~جيدا لمكان أعراقهم من أولئك الآباء . ثم قال : ' ولولا أن أكون عيابا ثم ~~للعلماء خاصة لصورت لك بعض ما سمعت من أبي عبيدة ، ومن هو أبعد في وهمك من ~~أبي عبيدة ' . # واعلم أنهم لم يبلغوا في إنكار هذا المذهب ما بلغوه إلا لأن الخطأ فيه ~~عظيم ، وأنه يفضي بصاحبه إلى أن ينكر الإعجاز ، ويبطل التحدي من حيث لا ~~يشعر . وذلك أنه إن كان العمل على ما يذهبون إليه من أن لا يجب فضل ومزية ~~إلا من جانب المعنى ، وحتى يكون قد قال حكمة أو أدبا واستخرج معنى غريبا أو ~~تشبيها نادرا فقد وجب اطراح جميع ما قاله الناس في الفصاحة والبلاغة وفي ~~شأن النظم والتأليف . وبطل أن يجب بالنظم فضل ، وأن تدخله المزية وأن ~~تتفاوت فيه المنازل . وإذا بطل ms146 ذلك فقد بطل أن يكون في الكلام معجز ، وصار ~~الأمر إلى ما يقوله اليهود ومن قال بمثل مقالهم في هذا الباب ، ودخل في مثل ~~تلك الجهالات . ونعوذ بالله من العمى بعد الإبصار . PageV01P199 # | فصل باب اللفظ والنظم # لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير ~~لا يكون لصاحبتها . فإن قلت : فإذا أفادت هذه ما لا تفيد تلك فليستا ~~عبارتين عن معنى واحد بل هما عبارتان عن معنيين اثنين ؛ قيل لك : إن قولنا ~~: ' المعنى ' في مثل هذا يراد به الغرض . والذي أراد المتكلم أن يثبته أو ~~ينفيه ، نحو : إن تقصد تشبيه الرجل بالأسد فتقول : زيد كالأسد ، ثم تريد ~~هذا المعنى بعينه فتقول : كأن زيدا الأسد . فتفيد تشبيهه أيضا بالأسد إلا ~~أنك تزيد في معنى تشبيهه به زيادة لم تكن في الأول ؛ وهي أن تجعله من فرط ~~شجاعته وقوة قلبه ، وأنه لا يروعه شيء بحيث لا يتميز عن الأسد ، ولا يقصر ~~عنه ، حتى يتوهم أن أسد في صورة أدمي . وإذا كان هذا كذلك فانظر هل كانت ~~هذه الزيادة وهذا الفرق ، إلا بما توخي في نظم اللفظ وترتيبه ؟ حيث قدم ~~الكاف إلى صدر الكلام ، وركبت مع ' أن ' . وإذا لم يكن إلى الشك سبيل أن ~~ذلك كان بالنظم فاجعله العبرة في الكلام كله ، ورض نفسك على تفهم ذلك ~~وتتبعه واجعل فيها أنك تزاول منه أمرا عظيما لا يقادر قدره ، وتدخل في بحر ~~عميق لا يدرك قعره . # | فصل هو فن آخره يرجع إلى هذا الكلام # قد علم أن المعارض للكلام معارض له من الجهة التي منها يوصف بأنه فصيح ~~وبليغ ومتخير اللفظ ، جيد السبك ، ونحو ذلك من الأوصاف التي نسبوها إلى ~~اللفظ . PageV01P200 # وإذا كان هذا هكذا فبنا أن ننظر فيما إذا أتي به كان معارضا ما هو ؟ أهو ~~أن يجيء بلفظ فيضعه مكان لفظ آخر ، نحو أن يقول بدل أسد : ليث ، وبدل بعد : ~~نأى ، ومكان قرب : دنا . أم ذلك م لا يذهب غليه عاقل ، ولا يقوله من به طرق ~~؟ كيف ولو ms147 كان ذلك معارضة لكان الناس لا يفصلون يبن الترجمة والمعارضة . ~~ولكان كل من فسر كلاما معارضا له . وإذا بطل أن يكون جهة للمعارضة ، وأن ~~يكون الواضع نفسه في هذه المنزلة معارضا له . وإذا بطل أن يكون جهة ~~للمعارضة ، وأن يكون الواضع نفسه في هذه المنزلة معارضا على وجه من الوجوه ~~علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى ~~المعاني ، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ دون الألفاظ أنفسها ، لأنه إذا لم يكن ~~في القسمة إلا المعاني والألفاظ ، وكان لا يعقل تعارض في الألفاظ المجردة ~~إلا ما ذكرت لم يبق إلا أن تكون المعارضة معارضة من جهة ترجع إلى معاني ~~الكلام المعقولة دون ألفاظه المسموعة . وإذا عادت المعارضة إلى جهة المعنى ~~، وكان الكلام يعارض من حيث هو فصيح وبليغ ومتخير اللفظ حصل من ذلك أن ~~الفصاحة والبلاغة وتخير اللفظ عبارة عن خصائص ووجوه تكون معاني الكلام ~~عليها ، وعن زيادات تحدث في أصول المعاني ، كالذي أريتك فيما بين : ' زيد ~~كالأسد ' و ' كأن زيدا الأسد ' . وبأن لا نصيب للألفاظ من حيث هي ألفاظ ~~فيها بوجه من الوجوه . # واعلم أنك لا تشفي الغلة ، ولا تنتهي إلى ثلج اليقين حتى تتجاوز حد العلم ~~بالشيء مجملا إلى العلم به مفصلا ، وحتى لا يقنعك إلا النظر في زواياه ~~والتغلغل في مكامنه ، وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه ، وانتهى في ~~البحث عن جوهر العود الذي يصنع فيه إلى أن يعرف منبته ، ومجرى عروق الشجر ~~الذي هو منه . وإنا لنراهم يقيسون الكلام في معنى المعارضة على الأعمال ~~الصناعية كنسج الديباج ، وصوغ الشنف والسوار ، وأنواع ما يصاغ وكل ما هو ~~صنعة وعمل يد بعد أن يبلغ مبلغا يقع التفاضل فيه ، ثم يعظم حتى يزيد فيه ~~الصانع على الصانع زيادة يكون له بها صيت ، ويدخل في حد ما يعجز عنه ~~الأكثرون . PageV01P201 # وهذا القياس وإن كان قياسا ظاهرا معلوما وكالشيء المركوز في الطباع ، حتى ~~ترى العامة فيه كالخاصة . فإن فيه أمرا يجب العلم به ، وهو أنه يتصور ms148 أن ~~يبدأ هذا ، فيعمل ديباجا ، ويبدع في نقشه وتصويره ، فيجيء آخر ويعمل ديباجا ~~آخر مثله في نقشه وهيئته وجملة صفته حتى لا يفصل الرائي بينهما ، ولا يقع ~~لمن لم يعرف القصة ، ولم يخبر الحال ، إلا أنهما صنعة رجل واحد ، وخارجان ~~من تحت يد واحدة . وهكذا الحكم في سائر المصنوعات كالسوار يصوغه هذا ، ~~ويجيء ذاك فيعمل سوارا مثله ويؤدي صنعته كما هي ، حتى لا يغادر منها شيئا ~~البتة . وليس يتصور مثل ذلك في الكلام ، لأنه لا سبيل إلى أن تجيء إلى معنى ~~بيت من الشعر ، أو فصل من النثر فتؤديه بعينه ، وعلى خاصيته وصفته بعبارة ~~أخرى حتى يكون المفهوم من هذه هو المفهوم من تلك ، لا يخالفه في صفة ولا ~~وجه ولا أمر من الأمور . ولا يغرنك قول الناس : قد أتى بالمعنى بعينه ، ~~وأخذ معنى كلامه فأداه على وجهه ؛ فإنه تسامح منهم . والمراد أنه أدى الغرض ~~؛ فأما أن يؤدي المعنى بعينه على الوجه الذي يكون عليه في كلام الأول حتى ~~لا تعقل ها هنا إلا ما عقلته هناك ، وحتى يكون حالهما في نفسك حال الصورتين ~~المشتبهتين في عينك كالسوارين والشنفين ففي غاية الإحالة ، وظن يفضي بصاحبه ~~إلى جهالة عظيمة ؛ وهي أن تكون الألفاظ مختلفة المعاني إذا فرقت ، ومتفقتها ~~إذا جمعت ، وألف منها كلام . وذلك أن ليس كلامنا فيما يفهم من لفظتين ~~مفردتين ، نحو ' قعد وجلس ' . ولكن فيما فهم من مجموع كلام ومجموع كلام آخر ~~نحو أن تنظر في قوله تعالى : ( @QB@ ولكم في القصاص حياة @QE@ ) وقول الناس ~~: قتل البعض إحياء للجميع ؛ فإنه وإن كان قد جرت عادة الناس بأن يقولوا في ~~مثل هذا ، إنهما عبارتان معبرهما واحد ، فليس هذا القول قولا منهم يمكن ~~الأخذ بظاهره أو يقع لعاقل شك أن ليس المفهوم من أحد الكلامين المفهوم من ~~الآخر . PageV01P202 # | فصل الكلام على ضربين # ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده ، وذلك إذا قصدت أن تخبر عن ~~زيد مثلا بالخروج على الحقيقة ، فقلت : خرج زيد ، وبالانطلاق عن عمر و فقلت ~~: عمر و ms149 منطلق ، وعلى هذا القياس . # وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده ، ولكن يدلك اللفظ ~~على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة ، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية ~~تصل بها إلى الغرض . ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل . ~~وقد مضت الأمثله فيها مشروحة مستقصاة ، أو لا ترى أنك إذا قلت : هو كثير ~~رماد القدر ، أو قلت : طويل النجاد ، أو قلت في المرأة : نؤوم الضحا ؛ فإنك ~~في جميع ذلك لا تفيد غرضك الذي تعني من مجرد اللفظ ، ولكن يدل اللفظ على ~~معناه الذي يوجبه ظاهره ، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى على سبيل الاستدلال ~~معنى ثانيا هو غرضك كمعرفتك من كثير رماد القدر أنه مضياف ، ومن طويل ~~النجاد انه طويل القامة ، ومن نؤوم الضحا في المرأة أنه مترفة مخدومة لها ~~من يكفيها أمرها . وكذا إذا قال : رأيت أسدا - ودلك الحال على أنه لم يرد ~~السبع - علمت أنه أراد التشبيه ، إلا أنه بالغ فجعل الذي رآه بحيث لا يتميز ~~من الأسد في شجاعته . وكذلك تعلم في قوله : بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى ~~؛ أنه أراد التردد في أمر البيعة ، واختلاف العزم في الفعل ، وتركه على ما ~~مضى الشرح فيه . # وإذ قد عرفت هذه الجملة فها هنا عبارة مختصرة ، وهي أن تقول المعنى ومعنى ~~المعنى ، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ ، والذي تصل إليه بغير واسطة ~~، وبمعنى PageV01P203 المعنى أن تعقل من اللفظ معنى ، ثم يفضي بك ذلك ~~المعنى إلى معنى آخر كالذي فسرت لك . # وإذ قد عرفت ذلك ، فإذا رأيتهم يجعلون الألفاظ زينة للمعاني ، وحلية ~~عليها ، أو يجعلون المعاني كالجواري ، والألفاظ كالمعارض لها ، وكالوشي ~~المحبر ، واللباس الفاخر ، والكسوة الرائقة ، إلى أشباه ذلك مما يفخمون به ~~أمر اللفظ ، ويجعلون المعنى ينبل به ويشرف . # فاعلم أنهم يضعون كلاما قد يفخمون به أمر اللفظ ، ويجعلون المعنى أعطاك ~~المتكلم أغراضه فيه من طريق معنى المعنى ، فكنى وعرض ومثل واستعار ، ثم ~~أحسن في ذلك كله وأصاب ، ووضع كل شيء مه في موضعه ، وأصاب به ms150 شاكلته ، وعمد ~~فيما كنى به وشبه ومثل لما حسن مأخذه ودق مسلكه ولطفت إشارته . وأن المعرض ~~وما في معناه ليس هو اللفظ المنطوق به ولكن معنى اللفظ الذي دللت به على ~~المعنى الثاني كمعنى قوله ، + الوافر + : # ( . . . . . . . . . . . . . . . . فإني % جبان الكلب مهزول الفصيل ) # الذي هو دليل على أنه مضياف ؛ فالمعاني الأول المفهومة من أنفس الألفاظ ~~هي المعارض ، والوشي ، والحلي ، وأشباه ذلك . والمعاني الثواني التي يومأ ~~إليها بتلك المعاني هي التي تكسى تلك المعارض ، وتزين بذلك الوشي والحلي . ~~وذلك إذا جعلوا المعنى يتصور من أجل اللفظ بصورة ، ويبدو في هيئة ويتشكل ~~بشكل يرجع المعنى في ذلك كله PageV01P204 إلى الدلالات المعنوية ، ولا يصلح ~~شيء منه حيث الكلام على ظاهره ، وحيث لا يكون كناية وتمثيل به ولا استعارة ~~، ولا استعانة في الجملة بمعنى على معنى ، وتكون الدلالة على الغرض من مجرد ~~اللفظ ، فلو أن قائلا قال : رأيت الأسد ، وقال آخر : لقيت الليث ، لم يجز ~~أن يقال في الثاني : إنه صور المعنى في غير صورته الأولى ، ولا أن يقال : ~~أبرزه في معرض سوى معرضه ، ولا شيئا من هذا الجنس . وجملة الأمر أن صور ~~المعاني لا تتغير بنقلها من لفظ إلى لفظ حتى يكون هناك اتساع ومجاز ، وحتى ~~لا يراد من الألفاظ ظواهر ما وضعت له في اللغة ، ولكن يشار بمعانيها إلى ~~معان أخر . # واعلم أن هذا كذلك ما دام النظم واحدا ، فأما إذا تغير النظم فلا بد ~~حينئذ من أن يتغير المعنى على ما مضى من البيان في مسائل التقديم والتأخير ~~، وعلى ما رأيت في المسألة التي مضت الآن ، أعني قولك : إن زيدا كالأسد ، ~~وكأن زيدا الأسد ؛ ذاك لأنه لم يتغير من اللفظ شيء ، وإنما تغير النظم فقط ~~. وأما فتحك ' أن ' عند تقديم الكاف ، وكانت مكسورة فلا اعتداد بها لأن ~~معنى الكسر باق بحاله . # واعلم أن السبب في أن أحالوا في أشباه هذه المحاسن التي ذكرتها لك على ~~اللفظ أنها ليست بأنفس المعاني ، بل هي زيادات فيها وخصائص . ألا ترى أن ~~ليست المزية التي تجدها لقولك ms151 : كأن زيدا الأسد ، على قولك : زيد كالأسد ~~بشيء خارج عن التشبيه الذي هو أصل المعنى ؛ وإنما هو زيادة فيه وفي حكم ~~الخصوصية في الشكل ، نحو أن يصاغ خاتم على وجه ، وآخر على وجه آخر ، ~~تجمعهما صورة الخاتم ويفترقان بخاصة وشيء يعلم إلا أنه لا يعلم منفردا . ~~ولما كان الأمر كذلك لم يمكنهم أن يطلقوا اسم المعاني على هذه الخصائص إذا ~~كان لا يفترق الحال حينئذ بين أصل المعنى ، وبين ما هو زيادة في المعنى ، ~~وكيفية له ، وخصوصية فيه . فلما امتنع ذلك توصلوا إلى الدلالة عليها بأن ~~وصفوا اللفظ في ذلك بأوصاف يعلم أنها لا تكون أوصافا له من حيث هو لفظ كنحو ~~وصفهم له بأنه لفظ شريف ، وأنه قد زان المعنى ، وأن له ديباجة ، وأن عليه ~~طلاوة ، وأن المعنى منه في مثل الوشي ، وأنه عليه كالحلي ، إلى أشباه ذلك ~~مما يعلم ضرورة أنه لا يعنى بمثله الصوت PageV01P205 والحرف ، ثم إنه لما ~~جرت به العادة ، واستمر عليه العرف وصار الناس يقولون : اللفظ واللفظ لز ~~ذلك بأنفس أقوام بابا من الفساد ، وخامرهم منه شيء لست أحسن وصفه . ~~PageV01P206 # | فصل في دلالة المعنى على المعنى # ومن الصفات التي تجدهم يجرونها على اللفظ ، ثم لا تعترضك شبهة ، ولا يكون ~~منك توقف في أنها ليست له ولكن لمعناه قولهم : لا يكون الكلام يستحق اسم ~~البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه . ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك ~~من معناه إلى قلبك ؛ وقولهم : يدخل في الأذن بلا إذن ، فهذا مما لا يشك ~~العاقل في أنه يرجع إلى دلالة المعنى على المعنى ، وأنه لا يتصور أن يراد ~~به دلالة اللفظ على معناه الذي وضع له في اللغة ، ذاك لأنه لا يخلو السامع ~~من أن يكون عالما باللغة ، وبمعاني الألفاظ التي يسمعها ، أو يكون جاهلا ~~بذلك ، فإن كان عالما لم يتصور أن يتفاوت حال الألفاظ معه ، فيكون معنى لفظ ~~أسرع إلى قلبه من معنى لفظ آخر ، وإن كان جاهلا كان ذلك في وصفه أبعد . # وجملة الأمر أنه إنما يتصور ms152 أن يكون لمعنى أسرع فهما منه لمعنى آخر ، إذا ~~كان ذلك مما يدرك بالفكر ، وإذا كان مما يتجدد له العلم به عند سمعه للكلام ~~. وذلك محال في دلالات الألفاظ اللغوية ، لأن طريق معرفتها التوقيف ، ~~والتقدم بالتعريف . # وإذا كان ذلك كذلك علم علم الضرورة أن مصرف ذلك إلى دلالات المعاني على ~~المعاني ، وأنهم أرادوا أن من شرط البلاغة أن يكون المعنى الأول الذي تجعله ~~دليلا على المعنى الثاني ، ووسيطا بينك وبينه ، متمكنا في دلالته ، مستقلا ~~بوساطته ، يسفر بينك وبينه أحسن سفارة ، ويشير لك إليه أبين إشارة ، حتى ~~يخيل إليك أنك فهمته من حاق اللفظ وذلك لقلة الكلفة فيه عليك ، وسرعة وصوله ~~إليك ، فكان من الكناية مثل قوله ، + المنسرح + : PageV01P207 # ( لا أمتع العوذ بالفصال ولا % أبتاع إلا قريبة الأجل ) # ومن الاستعارة مثل قوله ، + الطويل + : # ( وصدر أراح الليل عازب همه % تضاعف فيه الحزن من كل جانب ) # ومن التمثيل مثل قوله ، + المديد + : # ( لا أذود الطير عن شجر % قد بلوت المر من ثمره ) # وإن أردت أن تعرف ما حاله بالضد من هذا فكان منقوص القوة في تأدية ما ~~أريد منه لأنه يعترضه ما يمنعه أن يقضي حق السفارة فيما بينك وبين معناك ، ~~ويوضح تمام الإيضاح عن مغزاك ، فانظر إلى قول العباس بن الأحنف ، من + ~~الطويل + : # ( سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا % وتسكب عيناي الدموع لتجمدا ) # بدأ فدل بسكب الدموع على ما يوجبه الفراق من الحزن والكمد ، فأحسن وأصاب ~~؛ لأن من شأن البكاء أبدا أن يكون أمارة للحزن ، وأن يجعل دلالة عليه ، ~~وكناية عنه كقولهم : PageV01P208 أبكاني وأضحكني ؛ على معنى ' ساءني وسرني ~~' وكما قال ، + السريع + : # ( أبكاني الدهر ويا ربما % أضحكني الدهر بما يرضي ) # ثم ساق هذا القياس إلى نقيضه ، فالتمس أن يدل على ما يوجبه دوام التلاقي ~~من السرور بقوله ' لتجمدا ' . وظن أن الجمود يبلغ له في إفادة المسرة ~~والسلامة من الحزن ، ما بلغ سكب الدمع في الدلالة على الكآبة والوقوع في ~~الحزن . ونظر إلى أن الجمود خلو العين من البكاء ، وانتفاء الدموع عنها . ~~وأنه إذا قال : ' لتجمدا ' فكأنه ms153 قال : أحزن اليوم لئلا أحزن غدا ، وتبكي ~~عيناي جهدهما لئلا تبكيا أبدا . وغلط فيما ظن ، وذاك أن الجمود هو أن لا ~~تبكي العين مع أن الحال حال بكاء . ومع أن العين يراد منها أن تبكي ، ~~ويشتكى من أن لا تبكي ، ولذلك لا ترى أحدا يذكر عينه بالجمود إلا وهو ~~يشكوها ويذمها ، وينسبها إلى البخل ، ويعد امتناعها نم البكاء تركا لمعونة ~~صاحبها على ما به من الهم ، ألا ترى إلى قوله ، + الطويل + : ( ألا إن عينا ~~لم تجد يوم واسط % عليك بجاري دمعها لجمود ) # فأتى بالجمود تأكيدا لنفي الجود ، ومحال أن يجعلها لا تجود بالبكاء . ~~وليس هناك التماس بكاء ، لأن الجود والبخل يقتضيان مطلوبا يبذل أو يمنع . ~~ولو كان الجمود يصلح لأن يراد به السلامة من البكاء ، ويصح أن يدل به على ~~أن الحال حال مسرة وحبور لجاز أن يدعى به للرجل ، فيقال : لا زالت عينك ~~جامدة ، كما يقال : لا أبكى الله عينك . وذاك مما PageV01P209 لا يشك في ~~بطلانه . وعلى ذلك قول أهل اللغة : عين جمود ؛ لا ماء فيها ، وسنة جماد ؛ ~~لا مطر فيها ، وناقة جماد ؛ لا لبن فيها . وكما لا تجعل السنة والناقة ~~جمادا إلا على معنى أن السنة بخيلة بالقطر ، والناقة لا تسخو بالدر . كذلك ~~حكم العين لا تجعل جمودا إلا وهناك ما يقتضي إرادة البكاء منها ، وما ~~يجعلها إذا بكت محسنة موصوفة بأن قد جادت وسخت . وإذا لم تبك مسيئة موصوفة ~~بأن قد ضنت وبخلت . # فإن قيل : إنه أراد أن يقول : إني اليوم أتجرع غصص الفراق ، وأحمل نفسي ~~على مره ، وأحتمل ما يؤديني إليه من حزن يفيض الدموع من عيني ويسكبها ، لكي ~~أتسبب بذلك إلى وصل يدوم ، ومسرة تتصل ، حتى لا أعرف بعد ذلك الحزن أصلا ، ~~ولا تعرف عيني البكاء ، وتصير في أن لا ترى باكية أبدا كالجمود التي لا ~~يكون لها دمع ؛ فإن ذلك لا يستقيم ويستتب لأنه يوقعه في التناقض ويجعله ~~كأنه قال : أحتمل البكاء لهذا الفراق عاجلا لأصير في الآجل بدوام الوصل ، ~~واتصال السرور في صورة ms154 من يريد من عينه أن تبكي ، ثم لا تبكي لأنها خلقت ~~جامدة لا ماء فيها . وذلك من التهافت والاضطراب بحيث لا تنجع الحيلة فيه . # وجملة الأمر أنا لا نعلم أحدا جعل جمود العين دليل سرور ، وأمارة غبطة ~~وكناية عن أن الحال حال فرح . فهذا مثال فيما هو بالضد مما شرطوا من أن لا ~~يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك ، لأنك ترى اللفظ يصل إلى سمعك ~~، وتحتاج إلى أن تخب وتوضع في طلب المعنى . ويجري لك هذا الشرح والتفسير في ~~النظم كما جرى في اللفظ ، لأنه إذا كان النظم سويا ، والتأليف مستقيما ، ~~كان وصول المعنى إلى قلبك تلو وصول اللفظ إلى سمعك . وإذا كان على خلاف ما ~~ينبغي وصل اللفظ إلى السمع ، وبقيت في المعنى تطلبه وتتعب فيه . وإذا أفرط ~~الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي قالوا : إنه يستهلك المعنى . # واعلم أن لم تضق العبارة ، ولم يقصر اللفظ ، ولم ينغلق الكلام في هذا ~~الباب إلا لأنه PageV01P210 قد تناهى في الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات ، ~~وأنك لا ترى أغرب مذهبا وأعجب طريقا ، وأحرى بأن تضطرب فيه الآراء منه . ~~وما قولك في شيء قد بلغ من أمره أن يدعى على كبار العلماء بأنهم لم يعلموه ~~، ولم يفطنوا له ؟ فقد ترى أن البحتري قال حين سئل عن مسلم وأبي نواس : ~~أيهما أشعر ؟ فقال : أبو نواس : فقيل : فإن أبا العباس ثعلبا لا يوافقك على ~~هذا . فقال : ليس هذا من شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله ~~، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه ، وانتهى إلى ~~ضروراته . # ثم لم ينفك العالمون به ، والذين هم من أهله من دخول الشبهة فيه عليهم ، ~~ومن اعتراض السهو والغلط لهم . روي عن الأصمعي أنه قال : كنت أسير مع أبي ~~عمرو بن العلاء وخلف الأحمر . وكانا يأتيان بشارا فيسلمان عليه بغاية ~~الإعظام ، ثم يقولان يا أبا معاذ ما أحدثت ؟ فيخبرهما وينشدهما ، ويسألانه ~~ويكتبان عنه متواضعين له ، حتى يأتي وقت الزوال . ثم ms155 ينصرفان . وأتياه يوما ~~فقالا : ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة ؟ قال : هي التي ~~بلغتكم . قالوا : بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب . قال : نعم بلغني أن سلم ~~بن قتيبة يتباصر بالغريب ، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف . قالوا : ~~فأنشدناها يا أبا معاذ . فأنشدهما ، من الخفيف : # ( بكرا صاحبي قبل الهجير % إن ذاك النجاح في التبكير ) # حتى فرغ منها ، فاقل له خلف : لو قلت يا أبا معاذ مكان ' إن ذاك النجاح ~~في التبكير ' : # ( بكرا فالنجاح في التبكير % ) # كان أحسن . فقال بشار : إنما بنيتها أعرابية وحشية ، فقلت : ' إن ذاك ~~النجاح في التبكير ' ، كما يقول الأعراب البدويون . ولو قلت : ' بكرا ~~فالنجاح ' كان هذا من كلام PageV01P211 المولدين ، ولا يشبه ذاك الكلام ، ~~ولا يدخل في معنى القصيدة . قال : فقام خلف فقبل بشارا بين عينيه . فهل كان ~~هذا القول من خلف ، والنقد على بشار إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه ؟ # واعلم أن من شأن ' إن ' : إذا جاءت على هذا الوجه أن تغني غناء الفاء ~~العاطفة مثلا ، وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمرا عجيبا . فأنت ترى ~~الكلام بها مستأنفا غير مستأنف ، مقطوعا موصولا معا . أفلا ترى أنك لو ~~أسقطت ' إن ' من قوله : إن ذاك النجاح في التبكير ؛ لم تر الكلام يلتئم ؟ ~~ولرأيت الجملة الثانية لا تتصل بالأولى ، ولا تكون منها بسبيل حتى تجيء ~~بالفاء فتقول : بكرا صاحبي قبل الهجير ، فذاك النجاح في التبكير ؟ ومثله ~~قول بعض العرب ، + الرجز + : # ( فغنها وهي لك الفداء % إن غناء الإبل الحداء ) # فانظر إلى قوله : إن غناء الإبل الحداء ، وإلى ملاءمته الكلام قبله ، ~~وحسن تشبثه به ، وإلى حسن تعطف الكلام الأول عليه . ثم انظر إذا تركت ' إن ~~' فقلت : فغنها وهي لك الفداء ، غناء الإبل الحداء ؛ كيف تكون الصورة ؟ ~~وكيف ينبو أحد الكلامين عن الآخر ؟ وكيف يشئم هذا ويعرق ذاك حتى لا تجد ~~حيلة في ائتلافهما ، حتى تجتلب لهما الفاء فتقول : فغنها وهي لك الفداء ، ~~فغناء الإبل الحداء ؟ ثم تعلم أن ليست الألفة بينهما من جنس ما كان ، وأن ~~قد ms156 ذهبت الأنسة التي كنت تجد ، والحسن الذي كنت ترى . وروي عن عنبسة أنه ~~قال : قدم ذو الرمة الكوفة ، فوقف ينشد الناس الكناسة قصيدته الحائية التي ~~منها ، + الطويل + : PageV01P212 # ( هي البرء والأسقام والهم والمنى % وموت الهوى في القلب مني المبرح ) # ( وكان الهوى بالنأي يمحى فيمحي % وحبك عندي يستجد ويربح ) # ( إذا غير النأي المحبين لم يكد % رسيس الهوى من حب مية يبرح ) # قال : فلما انتهى إلى هذا البيت ناداه ابن شبرمة : يا غيلان : أراه قد ~~برح ! قال فشنق ناقته ، وجعل يتأخر بها ويتفكر ثم قال : # ( إذا غير النأي المحبين لم أجد % رسيس الهوى من حب مية يبرح ) # قال : فلما انصرفت حدثت أبي قال : أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة ~~، وأخطأ ذو ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شبرمة ، إنما هذا كقول الله ~~تعالى : ( @QB@ ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها @QE@ ) . ~~وإنما هو لم يرها ، ولم يكد . # واعلم أن سبب الشبهة في ذلك أنه قد جرى في العرف أن يقال : ما كاد يفعل ، ~~ولم يكد يفعل : في فعل قد فعل على معنى أنه لم يفعل إلا بعد الجهد ، وبعد ~~أن كان بعيدا في الظن أن يفعله كقوله تعالى : ( @QB@ فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون @QE@ ) . فلما كان مجيء النفي في PageV01P213 ' كاد ' على هذا ~~السبيل توهم ابن شبرمة أنه إذا قال : لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح ؛ ~~فقد زعم أن الهوى قد برح ، ووقع لذي الرمة مثل هذا الظن . وليس الأمر كالذي ~~ظناه ؛ فإن الذي يقتضيه اللفظ إذا قيل : لم يكد يفعل ، وما كاد يفعل ؛ أن ~~يكون المراد أن الفعل لم يكن من أصله ، ولا قارب أن يكون ، ولا ظن أنه يكون ~~. وكيف بالشك في ذلك وقد علمنا أن ' كاد ' موضوع لأن يدل على شدة قرب الفعل ~~من الوقوع ، وعلى أنه قد شارف الوجود . وإذا كان كذلك كان محالا أن يوجب ~~نفيه وجود الفعل ، لأنه يؤدي إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل الوجود ، وأن ~~يكون قولك : ما قارب أن يفعل ms157 : مقتضيا على البت أنه قد فعل . # وإذ قد ثبت ذلك فمن سبيلك أن تنظر ، فمتى لم يكن المعنى على أنه قد كان ~~هناك صورة تقتضي أن لا يكون الفعل ، وحال يبعد معها أن يكون ، ثم تغير ~~الأمر كالذي تراه في قوله تعالى : ( @QB@ فذبحوها وما كادوا يفعلون @QE@ ) ~~فليس إلا أن تلزم الظاهر ، وتجعل المعنى على أنك تزعم أن الفعل لم يقارب أن ~~يكون فضلا عن أن يكون فالمعنى إذا في بيت ذي الرمة على أن الهوى من رسوخه ~~في القلب ، وثبوته فيه ، وغلبته على طباعه ، بحيث لا يتوهم عليه البراح ، ~~وأن ذلك لا يقارب منه أن يكون فضلا عن أن يكون ، كما تقول : إذا سلا ~~المحبون ، وفتروا في محبتهم ، لم يقع لي وهم ، ولم يجر مني على بال أنه ~~يجوز علي ما يشبه السلوة ، ما يعد فترة فضلا عن أن يوجد ذلك مني ، وأصير ~~إليه . وينبغي أن تعلم أنهم إنما قالوا في التفسير : لم يرها ولم يكد ؛ ~~فبدؤوا فنفوا الرؤية ثم عطفوا ' لم يكد ' عليه ليعلموك أن ليس سبيل ' لم ~~يكد ' هاهنا سبيل ' ما كادوا ' في قوله تعالى : ( @QB@ فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون @QE@ ) في أنه نفي معقب على إثبات ، وأن ليس المعنى على أن رؤية ~~كانت من بعد أن كادت لا تكون ، ولكن المعنى على أن رؤيتها لا تقارب أن تكون ~~فضلا عن أن تكون . ولو كان ' لم يكد ' يوجب وجود الفعل لكان هذا الكلام ~~منهم محالا جاريا مجرى أن تقول : لم يرها ، ورآها . فاعرفه . # وهاهنا نكتة ، وهي أن ' لم يكد ' في الآية والبيت واقع في جواب ' إذا ' ، ~~والماضي إذا وقع في جواب الشرط على هذا السبيل كان مستقبلا في المعنى ؛ ~~فإذا قلت : إذا خرجت لم أخرج ؛ كنت قد نفيت خروجا فيما يستقبل . وإذا كان ~~الأمر كذلك استحال أن يكون المعنى PageV01P214 في البيت أو الآية على أن ~~الفعل قد كان ، لأنه يؤدي إلى أن يجيء بلم أفعل ماضيا صريحا في جواب الشرط ~~، فتقول : إذا خرجت لم أخرج أمس ، وذلك محال . ومما يتضح ms158 فيه هذا المعنى ~~قول الشاعر ، + المتقارب + : # ( ديار لجهمة بالمنحنى % سقاهن مرتجز باكر ) # ( وراح عليهن ذو هيدب % ضعيف القوى ماؤه زاخر ) # ( إذا رام نهضا بها لم يكد % كذي الساق أخطأها الجابر ) # وأعود إلى الغرض ، فإذا بلغ من دقة هذه المعاني أن يشتبه الأمر فيها على ~~مثل خلف الأحمر وابن شبرمة ، وحتى يشتبه على ذي الرمة في صواب قاله ، فيرى ~~أنه غير صواب ، فما ظنك بغيرهم ؟ وما تعجبك من أن يكثر التخليط فيه ؟ ومن ~~العجب في هذا المعنى قول أبي النجم ، + الرجز + : # ( قد أصبحت أم الخيار تدعي % علي ذنبا كله لم أصنع ) # قد حمله الجميع على أنه أدخل نفسه من رفع ' كل ' في شيء ، إنما يجوز عند ~~الضرورة من غير أن كانت به ضرورة . قالوا : لأنه ليس في نصب ' كل ' ما يكسر ~~له وزنا أو يمنعه من معنى أراده . وإذا تأملت وجدته لم يرتكبه ، ولم يحمل ~~نفسه عليه إلا لحاجة له إلى ذلك ، وإلا لأنه رأى النصب يمنعه ما يريد . ~~وذاك أنه أراد أنها تدعي عليه ذنبا لم يصنع منه شيئا البتة ، لا قليلا ولا ~~كثيرا ولا بعضا ولا كلا . والنصب يمنع من هذا المعنى ويقتضي أن يكون قد أتى ~~من الذنب الذي ادعته بعضه . وذلك أنا إذا تأملنا وجدنا إعمال الفعل في ~~PageV01P215 ' كل ' ، والفعل منفي ، لا يصلح أن يكون إلا حيث يراد أن بعضا ~~كان ، وبعضا لم يكن . تقول : لم ألق كل القوم ، ولم آخذ كل الدراهم ؛ فيكون ~~المعنى أنك لقيت بعضا من القوم ، ولم تلق الجميع . وأخذت بعضا من الدراهم ، ~~وتركت الباقي . ولا يكون أن تريد أنك لم تلق واحدا من القوم ، ولم تأخذ ~~شيئا من الدراهم . وتعرف ذلك بأن تنظر إلى ' كل ' في الإثبات ، وتتعرف ~~فائدته فيه . وإذا نظرت وجدته قد اجتلب لأن يفيد الشمول في الفعل الذي ~~تسنده إلى الجملة أو توقعه بها . تفسير ذلك أنك إنما قلت : جاءني القوم ~~كلهم ؛ لأنك لو قلت : جاءني القوم ، وسكت ، لكان يجوز أن يتوهم السامع أنه ~~قد تخلف عنك بعضهم ، إلا ms159 أنك لم تعتد بهم ، أو أنك جعلت الفعل إذا وقع من ~~بعض القوم ، فكأنما وقع من الجميع لكونهم في حكم الشخص الواحد كما يقال ~~للقبيلة : فعلتم وصنعتم ؛ يراد فعل قد كان من بعضهم ، أو واحد منهم . وهكذا ~~الحكم أبدا . فإذا قلت : رأيت القوم كلهم ومررت بالقوم كلهم ؛ كنت قد جئت ~~بكل لئلا يتوهم أنه قد بقي عليك من لم تره ، ولم تمر به . ينبغي أن يعلم ~~أنا لا نعني بقولنا : يفيد الشمول أن سبيله في ذلك سبيل الشيء يوجب المعنى ~~من أصله ، وأنه لولا مكان ' كل ' لما عقل الشمول ، ولم يكن فيما سبق من ~~اللفظ دليل عليه . كيف ولو كان كذلك لم يكن يسمى تأكيدا . فالمعنى أنه يمنع ~~أن يكون اللفظ المقتضي الشمول مستعملا على خلاف ظاهره ، ومتجوزا فيه . # وإذ قد عرفت ذلك فها هنا أصل ، وهو أنه من حكم النفي إذا دخل على كلام ، ~~ثم كان في ذلك الكلام تقييد على وجه من الوجوه أن يتوجه إلى ذلك التقييد ~~وأن يقع له خصوصا . تفسير ذلك أنك إذا قلت : أتاني القوم مجتمعين . فقال ~~قائل : لم يأتك القوم مجتمعين . كان نفيه ذلك متوجها إلى الاجتماع الذي هو ~~تقييد في الإتيان دون الإتيان نفسه ، حتى إنه إن أراد أن ينفي الإتيان من ~~أصله كان من سبيله أن يقول : إنهم لم يأتوك أصلا ، فما معنى قولك ' مجتمعين ~~' ؟ هذا مما لا يشك فيه عاقل . وإذا كان هذا حكم النفي إذا دخل على كلام ~~فيه تقييد فإن التأكيد ضرب من التقييد ، فمتى نفيت كلاما فيه تأكيد فإن ~~نفيك ذلك يتوجه إلى التأكيد خصوصا ، ويقع له . # فإذا قلت : لم أر القوم كلهم ، أو لم يأتني القوم كلهم ، أو لم يأتني كل ~~القوم ، أو لم أر كل القوم ؛ كنت عمدت بنفيك إلى معنى ' كل ' خاصة ، وكان ~~حكمه حكم ' مجتمعين ' في قولك : لم يأتني القوم مجتمعين . وإذا كان النفي ~~يقع لكل خصوصا ، فواجب إذا قلت : PageV01P216 لم يأتني القوم كلهم ، أو لم ~~يأتني كل القوم ، أن يكون قد أتاك ms160 بعضهم . كما يجب إذا قلت : لم يأتني ~~القوم مجتمعين أن يكونوا قد أتوك أشتاتا . وكما يستحيل أن تقول : لم يأتني ~~القوم مجتمعين ، وأنت تريد أنهم لم يأتوك أصلا لا مجتمعين ولا منفردين . ~~كذلك محال أن تقول : لم يأتني القوم كلهم ؛ وأنت تريد أنهم لم يأتوك أصلا ~~فاعرفه . # واعلم أنك إذا نظرت وجدت الإثبات كالنفي فيما ذكرت لك ، ووجدت النفي قد ~~احتذاه فيه وتبعه ، وذلك أنك إذا قلت : جاءني القوم كلهم ، كان ' كل ' ~~فائدة خبرك . هذا والذي يتوجه إليه إثباتك بدلالة أن المعنى على أن الشك لم ~~يقع في نفس المجيء ، أنه كان من القوم على الجملة ، وإنما وقع في شموله ' ~~الكل ' ، وذلك الذي عناك أمره في كلامك . # وجملة الأمر أنه ما من كلام كان فيه أمر زائد على مجرد إثبات المعنى ~~للشيء ، إلا كان الغرض الخاص من الكلام ، والذي يقصد إليه ويزجى القول فيه ~~. فإذا قلت : جاءني زيد راكبا ، وما جاءني زيد راكبا كنت قد وضعت كلامك لأن ~~تثبت مجيئه راكبا ، أو تنفي ذلك لا لأن تثبت المجيء ، وتنفيه مطلقا . هذا ~~ما لا سبيل إلى الشك فيه . # واعلم أنه يلزم من شك في هذا ، فتوهم أنه يجوز أن تقول : لم أر القوم ~~كلهم ؛ على معنى أنك لم تر واحدا منهم ، أن يجري النهي هذا المجرى فتقول : ~~لا تضرب القوم كلهم على معنى لا تضرب واحدا منهم ، وأن تقول : لا تضرب ~~الرجلين كليهما : على معنى لا تضرب واحدا منهما . فإذا قال ذلك لزمه أن ~~يحيل قول الناس : لا تضربهما معا ولكن اضرب أحدهما . ولا تأخذهما جميعا ، ~~ولكن واحدا منهما ، وكفى بذلك فسادا . # وإذ قد بان لك من حال النصب أنه يقتضي أن يكون المعنى على أنه قد صنع من ~~الذنب بعضا ، وترك بعضا ، فاعلم أن الرفع على خلاف ذلك ، وأنه يقتضي نفي أن ~~يكون قد صنع منه شيئا ، وأتى منه قليلا أو كثيرا . وأنك إذا قلت : كلهم لا ~~يأتيك ، وكل ذلك لا يكون ، وكل هذا لا يحسن ؛ كنت نفيت أن يأتيه ms161 واحد منهم ~~، وأبيت أن يكون أو يحسن شيء مما أشرت إليه . ومما يشهد لك بذلك من الشعر ~~قوله ، من + الطويل + PageV01P217 # ( فكيف وكل ليس يعدو حمامه % ولا لامرئ عما قضى الله مزحل ) # المعنى على نفي أن يعدو أحد من الناس حمامه بلا شبهة . ولو قلت : فكيف ~~وليس يعدو كل حمامه ؟ فأخرت ' كلا ' لأفسدت المعنى وصرت كأنك تقول : إن من ~~الناس من يسلم من الحمام ، ويبقى خالدا لا يموت . ومثله قول دعبل ، من + ~~الطويل + : # ( فوالله ما أدري بأي سهامها % رمتني ؟ وكل عندنا ليس بالمكدي ) # ( أبالجيد أم مجرى الوشاح وإنني % لأتهم عينيها مع الفاحم الجعد ) # المعنى على نفي أن يكون في سهامها مكد على وجه من الوجوه . ومن البين في ~~ذلك ما جاء في حديث ذي اليدين قال للنبي : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول ~~الله ؟ فقال : ' كل ذلك لم يكن ' . فقال ذو اليدين : بعض ذلك قد كان . ~~المعنى : لا محالة على نفي الأمرين جميعا ، وعلى أنه عليه السلام أراد أنه ~~لم يكن واحد منهما لا القصر ولا النسيان . ولو قيل : لم يكن كل ذلك ، لكان ~~المعنى أنه قد كان بعضه . # واعلم أنه لما كان المعنى مع إعمال الفعل المنفي في ' كل ' نحو : لم ~~يأتني القوم كلهم ، ولم أر القوم كلهم . على أن الفعل قد كان من البعض ووقع ~~على البعض ، قلت : لم يأتني القوم كلهم ، ولكن أتاني بعضهم . ولم أر القوم ~~كلهم ، ولكن رأيت بعضهم ، فأثبت بعد ما نفيت . ولا يكون ذلك مع رفع ' كل ' ~~بالابتداء . فلو قلت : كلهم لم يأتني ، ولكن أتاني بعضهم . وكل ذلك لم يكن ~~، ولكن كان بعض ذلك ، لم يجز لأنه يؤدي إلى التناقض . PageV01P218 وهو أن ~~تقول : لم يأتني واحد منهم ، ولكن أتاني بعضهم . # واعلم أنه ليس التأثير لما ذكرنا من إعمال الفعل ، وترك إعماله على ~~الحقيقة . وإنما التأثير لأمر آخر ، وهو دخول كل في حيز النفي ، وأن لا ~~يدخل فيه . وإنما علقنا الحكم في البيت وسائر ما مضى بإعمال الفعل ، وترك ~~إعماله من حيث كان إعماله فيه ms162 يقتضي دخوله في حيز النفي ، وتركعماله يوجب ~~خروجه منه من حيث كان الحرف النافي في البيت حرفا لا ينفصل عن الفعل وهو ' ~~لم ' ، لا أن كونه معمولا للفعل وغير معمول يقتضي ما رأيت من الفرق . أفلا ~~ترى أنك لو جئت بحرف نفي يتصور انفصاله عن الفعل لرأيت المعنى في ' كل ' مع ~~ترك إعمال الفعل مثله مع إعماله ، ومثال ذلك قوله ، + البسيط + : # ( ما كل ما يتمنى المرء يدركه % ) # وقول الآخر ، + البسيط + : # ( ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشد % ) # ' كل ' كما ترى غير معمل فيه الفعل ومرفوع ؛ إما بالابتداء ، وإما بأنه ~~اسم ' ما ' . ثم إن المعنى مع ذلك على ما يكون عليه إذا أعملت فيه الفعل ~~فقتل : ما يدرك المرء كل ما يتمناه ، وما يدعو كل رأي الفتى إلى رشد ، وذلك ~~أن التأثير لوقوعه في حيز النفي ، وذلك حاصل في الحالين . ولو قدمت ' كلا ' ~~في هذا فقلت : كل ما يتمنى المرء لا يدركه ، وكل رأي الفتى لا يدعو إلى رشد ~~، لتغير المعنى ولصار بمنزلة أن يقال : إن المرء لا يدرك شيئا مما يتمناه ، ~~ولا يكون في رأي الفتى ما يدعو إلى رشد بوجه من الوجوه . # واعلم أنك إذا أدخلت كلا في حيز النفي ، وذلك بأن تقدم النفي عليه لفظا ~~أو تقديرا فالمعنى على نفي الشمول دون نفي الفعل والوصف نفسه . وإذا أخرجت ~~كلا في حيز PageV01P219 النفي ولم تدخله فيه لا لفظا ولا تقديرا كان المعنى ~~على أنك تتبعت الجملة ، فنفيت الفعل والوصف عنها واحدا واحدا . والعلة في ~~أن كان ذلك كذلك أنك إذا بدأت بكل كنت قد بنيت النفي عليه ، وسلطت الكلية ~~على النفي ، وأعملتها فيه . وإعمال معنى الكلية في النفي يقتضي أن لا يشذ ~~شيء عن النفي فاعرفه . # واعلم أن من شأن الوجوه والفروق أن لا يزال يحدث بسببها ، وعلى حسب ~~الأغراض والمعاني التي تقع فيها دقائق وخفايا لا إلى حد ونهاية ، وأنها ~~خفايا تكتم أنفسها جهدها حتى لا ينتبه لأكثرها ، ولا يعلم أنها هي . وحتى ~~لا تزال ترى العالم يعرض ms163 له السهو فيه ، وحتى إنه ليقصد إلى الصواب ، فيقع ~~أثناء كلامه ما يوهم الخطأ ، وكل ذلك لشدة الخفاء وفرط الغموض . ~~PageV01P220 # | فصل في وجوب تنكير بعض المفردات # واعلم أنه إذا كان بينا في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه ~~حتى لا يشكل ، وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقه ، وأنه الصواب إلى فكر ~~وروية فلا مزية . وإنما تكون المزية ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال ~~غير الوجه الذي جاء عليه وجها آخر ، ثم رأيت النفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر ~~، ورأيت للذي جاء عليه حسنا وقبولا يعدمهما إذا أنت تركته إلى الثاني . # ومثال ذلك قوله تعالى : ( @QB@ وجعلوا لله شركاء الجن @QE@ ) ليس بخاف أن ~~لتقديم الشركاء حسنا وروعة ومأخذا من القلوب أنت لا تجد شيئا منه إن أنت ~~أخرت فقلت : وجعلوا الجن شركاء لله ، وأنك ترى حالك حال من نقل عن الصورة ~~المبهجة والمنظر الرائق والحسن الباهر إلى الشيء الغفل الذي لا تحلى منه ~~بكثير طائل ، ولا تصير النفس به إلى حاصل . والسبب في أن كان ذلك كذلك هو ~~أن للتقديم فائدة شريفة . ومعنى جليلا لا سبيل إليه مع التأخير . بيانه أنا ~~وإن كنا نرى جملة المعنى ومحصوله أنهم جعلوا الجن شركاء ، وعبدوهم مع الله ~~تعالى ، وكان هذا المعنى يحصل مع التأخير حصوله مع التقديم ، فإن تقديم ~~الشركاء يفيد هذا المعنى ، ويفيد معه معنى آخر وهو أنه ما كان ينبغي أن ~~يكون لله شريك لا من الجن ولا غير الجن . وإذا أخر فقيل : جعلوا الجن شركاء ~~لله ، لم يفد ذلك ولم يكن فيه شيء أكثر من الإخبار عنهم بأنهم عبدوا الجن ~~مع الله تعالى . فأما إنكار أن يعبد مع الله غيره وأن يكون له شريك من الجن ~~وغير الجن ، فلا يكون في اللفظ مع تأخير الشركاء دليل عليه . وذلك أن ~~التقدير يكون مع التقديم أن ' شركاء ' مفعول أول لجعل ، و ' لله ' في موضع ~~المفعول الثاني ، ويكون ' الجن ' على كلام ثان على تقدير أنه كأنه قيل فمن ~~جعلوا ms164 شركاء PageV01P221 الله تعالى ؟ فقيل : الجن ؛ وإذا كان التقدير في ' ~~شركاء ' أنه مفعول أول ، و ' لله ' في موضع المفعول الثاني ، وقع الإنكار ~~على كون شركاء الله تعالى على الإطلاق من غير اختصاص شيء دون شيء ، وحصل من ~~ذلك أن اتخاذ الشريك من غير الجن قد دخل في الإنكار دخول اتخاذه من الجن ، ~~لأن الصفة إذا ذكرت مجردة غير مجراة على شيء كان الذي تعلق بها من النفي ~~عاما في كل ما يجوز أن تكون له تلك الصفة . # فإذا قلت : ما في الدار كريم ؛ كنت نفيت الكينونة في الدار عن كل من يكون ~~الكرم صفة له . وحكم الإنكار أبدا حكم النفي . وإذا أخر فقيل : وجعلوا الجن ~~شركاء لله ؛ كان ' الجن ' مفعولا أول و ' الشركاء ' مفعولا ثانيا . وإذا ~~كان كذلك كان ' الشركاء ' مخصوصا غير مطلق من حيث كان محالا أن يجري خبرا ~~على الجن ، ثم يكون عاما فيهم وفي غيرهم ، وإذا كان كذلك احتمل أن يكون ~~القصد بالإنكار إلى الجن خصوصا أن يكونوا شركاء دون غيرهم ، جل الله وتعالى ~~عن أن يكون له شريك وشبيه بحال . # فانظر الآن إلى شرف ما حصل من المعنى بأن قدم الشركاء ، واعتبره فإنه ~~ينبهك لكثير من الأمور ، ويدلك على عظم شأن النظم ، وتعلم به كيف يكون ~~الإيجاز به ؟ وما صورته ؟ وكيف يزاد في المعنى من غير أن يزاد في اللفظ ؟ ~~إذ قد ترى أن ليس إلا تقديم وتأخير ، وأنه قد حصل لك بذلك من زيادة المعنى ~~ما إن حاولت مع تركه لم يحصل لك ، واحتجت إلى أن تستأنف له كلاما نحو أن ~~تقول : وجعلوا الجن شركاء لله ، وما ينبغي أن يكون لله شريك لا من الجن ولا ~~من غيرهم . ثم لا يكون له إذا عقل من كلامين من الشرف والفخامة ، ومن كرم ~~الموقع في النفس ما تجده له الآن وقد عقل من هذا الكلام الواحد . # ومما ينظر إلى مثل ذلك قوله تعالى : ( @QB@ ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ~~@QE@ ) . إذا أنت راجعت نفسك ، وأذكيت حسك وجدت لهذا التنكير ، وأن ms165 قيل ' ~~على حياة ' ولم يقل على الحياة حسنا وروعة ولطف موقع ، لا يقادر قدره . ~~وتجدك تعدم ذلك مع التعريف ، وتخرج عن الأريحية والأنس إلى خلافهما . ~~والسبب في ذلك أن المعنى على الازدياد من PageV01P222 الحياة ، لا الحياة ~~من أصلها ، وذلك لا يحرص عليه إلا الحي . فأما العادم للحياة فلا يصح منه ~~الحرص على الحياة ولا على غيرها . وإذا كان كذلك صار كأنه قيل : ولتجدنهم ~~أحرص الناس ، ولو عاشوا ما عاشوا على أن يزدادوا إلى حياتهم في ماضي الوقت ~~وراهنه حياة في الذي يستقبل . فكما أنك لا تقول هاهنا أن يزدادوا إلى ~~حياتهم الحياة بالتعريف ، وإنما تقول حياة إذ كان التعريف يصلح حيث تراد ~~الحياة على الإطلاق ، كقولنا : كل أحد يحب الحياة ويكره الموت . كذلك الحكم ~~في الآية . # والذي ينبغي أن يراعى أن المعنى الذي يوصف الإنسان بالحرص عليه ، إذا كان ~~موجودا حال وصفك له بالحرص عليه ، لم يتصور أن تجعله حريصا عليه من أصله . ~~كيف ولا يحرص على الراهن ولا الماضي ؟ وإنما يكون الحرص على ما لم يوجد بعد ~~. # وشيبه بتنكير ' الحياة ' في هذه الآية تنكيرها في قوله عز ولج : ( @QB@ ~~ولكم في القصاص حياة @QE@ ) . وذلك أن السبب في حسن التنكير وأن لم يحسن ~~التعريف أن ليس المعنى على الحياة نفسها ، ولكن على أنه لما كان الإنسان ~~إذا علم أنه إذا قتل قتل ارتدع بذلك عن القتل ، فسلم صاحبه صارت حياة هذا ~~المهموم بقتله في مستأنف الوقت مستفادة بالقصاص ، وصار كأنه قد حيي في باقي ~~عمره به أي بالقصاص . # وإذا كان المعنى على حياة في بعض أوقاته وجب التنكير ، وامتنع التعريف من ~~حيث كان التعريف يقتضي أن تكون الحياة قد كانت بالقصاص من أصلها ، وأن يكون ~~القصاص قد كان سببا في كونها في كافة الأوقات ، وذلك خلاف المعنى وغير ما ~~هو المقصود ، ويبين ذلك أنك تقول : لك في هذا غنى ، فتنكر إذا أردت أن تجعل ~~ذلك من بعض ما يستغنى به . فإن قلت : لك في الغنى ، كان الظاهر أنك جعلت ~~غناه به ms166 . # وأمر آخر ، وهو أنه لا يكون ارتداع حتى يكون هم وإرادة . ليس بواجب أن لا ~~يكون إنسان في الدنيا إلا وله عدو يهم بقتله ، ثم يردعه خوف القصاص . وإذا ~~لم يجب ذلك فمن لم يهم إنسان بقتله فكفي ذلك الهم لخوف القصاص ليس هو ممن ~~حيي بالقصاص . وإذا دخل الخصوص فقد وجب أن يقال ' حياة ' ولا يقال ' الحياة ~~' كما وجب أن يقال ' شفاء ' PageV01P223 ولا يقال ' الشفاء ' في قوله تعالى ~~: ( @QB@ يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس @QE@ ) حيث لم ~~يكن شفاء للجميع . # واعلم أنه لا يتصور أن يكون الذي هم بالقتل ، فلم يقتل خوف القصاص داخلا ~~في الجملة ، وأن يكون القصاص أفاده حياة ، كما أفاد المقصود قتله . وذلك أن ~~هذه الحياة إنما هي لمن كان يقتل لولا القصاص ، وذلك محال في صفة القاصد ~~للقتل . فإنما يصح في وصفه ما هو كالضد لهذا ؛ وهو أن يقال إنه كان لا يخاف ~~عليه القتل لولا القصاص وإذا كان هذا كذلك كان وجها ثالثا من وجوب لتنكير . # | فصل في الذوق والمعرفة # واعلم أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعا من السامع ، ولا يجد لديه ~~قبولا ، حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة ، وحتى يكون ممن تحدثه نفسه بأن ~~لما يومىء إليه من الحسن واللطف أصلا ، وحتى يختلف الحال عليه عند تأمل ~~الكلام ، فيجد الأريحية تارة ، ويعرى منها أخرى . وحتى إذا عجبته عجب ، وإذ ~~نبهته لموضع المزية انتبه . فأما من كانت الحالان والوجهان عنده أبدا على ~~سواء وكان لا يفقه من أمر النظم إلا الصحة المطلقة ، وإلا إعرابا ظاهرا فما ~~أقل ما يجدي الكلام معه . فليكن من هذه صفته عندك بمنزلة من عدم الإحساس ~~بوزن الشعر ، والذوق الذي يقيمه به ، والطبع الذي يميز صحيحه من مكسوره ، ~~ومزاحفه من سالمه ، وما خرج من البحر مما لم يخرج منه ، في أنك لا تتصدى له ~~، ولا PageV01P224 تتكلف تعريفه لعلمك أنه قد عدم الأداة التي معها يعرف ، ~~والحاسة التي بها يجد . فليكن قدحك في زند وار ، والحك في ms167 عود أنت تطمع منه ~~في نار . # واعلم أن هؤلاء ، وإن كانوا هم الآفة العظمى في هذا الباب ، فإن من الآفة ~~أيضا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة في قليل ما تعرف المزية فيه ~~وكثيره ، وأن ليس إلا أن تعلم أن هذا التقديم ، وهذا التنكير ، أو هذا ~~العطف ، أو هذا الفصل ، حسن . وأن له موقعا من النفس ، وحظا من القبول . ~~فأما أن تعلم لم كان كذلك ؟ وما السبب ؟ فمما لا سبيل إليه ، ولا مطمع في ~~الاطلاع عليه ، فهو بتوانيه ، والكسل فيه ، في حكم من قال ذلك . # واعلم أنه ليس إذا لم يمكن معرفة الكل وجب ترك النظر في الكل . وأن تعرف ~~العلة والسبب فيما يمكنك معرفة ذلك فيه ، وإن قل فتجعله شاهدا فيما لم تعرف ~~أحرى من أن تسد باب المعرفة على نفسك وتأخذها عن الفهم والتفهم ، وتعودها ~~الكسل والهوينى . قال الجاحظ : ' وكلام كثير قد جرى على ألسنة الناس ، وله ~~مضرة شديدة وثمرة مرة . فمن أضر ذلك قولهم : لم يدع الأول للآخر شيئا . قال ~~: فلو أن علماء كل عصر مذ جرت هذه الكلمة في أسماعهم تركوا الاستنباط لما ~~لم ينته إليهم عمن قبلهم لرأيت العلم مختلا ' . # واعلم أن العلم إنما هو معدن ، فكما أنه لا يمنعك أن ترى ألف وقر قد ~~أخرجت من معدن تبر أن تطلب فيه ، وأن تأخذ ما تجد ولو كقدر تومة كذلك ينبغي ~~أن يكون رأيك في طلب العلم ، ومن الله تعالى نسأل التوفيق . PageV01P225 # | فصل هذا فن من المجاز لم نذكره فيما تقدم # اعلم أن طريق المجاز والاتساع في الذي ذكرناه قبل ، أنك ذكرت الكلمة وأنت ~~لا تريد معناها ، ولكن تريد معنى ما هو ردف له أو شبيه . فتجوزت بذلك في ~~ذات الكلمة ، وفي اللفظ نفسه . وإذ قد عرفت ذلك فاعلم أن في الكلام مجازا ~~على غير هذا السبيل ، وهو أن يكون التجوز في حكم يجري على الكلمة فقط ، ~~وتكون الكلمة متروكة على ظاهرها ، ويكون معناها مقصودا في نفسه ، ومرادا من ~~غير تورية ولا تعريض ms168 . والمثال فيه قولهم : ' نهارك صائم ، وليلك قائم ، ~~ونام ليلي ، وتجلى همي ' . وقوله تعالى : ( @QB@ فما ربحت تجارتهم @QE@ ) ~~وقول الفرزدق ، + الطويل + : # ( سقتها خروق في المسامع لم تكن % علاطا ولا مخبوطة في الملاغم ) # أنت ترى مجازا في هذا كله ، ولكن لا في ذوات الكلم ، وأنفس الألفاظ ولكن ~~في أحكام أجريت عليها ؛ أفلا ترى أنك لم تتجوز في قولك : ' نهارك صائم ، ~~وليلك قائم ' في نفس صائم وقائم ؟ ولكن في أن أجريتهما خبرين على النهار ~~والليل . وكذلك ليس المجاز PageV01P226 في الآية في لفظه ' ربحت ' نفسها ، ~~ولكن في إسنادها إلى التجارة . وهكذا الحكم في قوله : ' سقتها خروق ' ، ليس ~~التجوز في نفس ' سقتها ' ، ولكن في أن أسنده إلى الخروق . أفلا ترى أنك لا ~~ترى شيئا منها إلا وقد أريد به معناه الذي وضع له على وجهه وحقيقته ؟ فلم ~~يرد بصائم غير الصوم ، ولا بقائم غير القيام ، ولا ب ' ربحت ' غير الربح ، ~~ولا ب ' سقت ' غير السقي ، كما أريد ب ' سالت ' في قوله ، + الطويل + : # ( وسالت بأعناق المطي الأباطح % ) # غير السيل . # واعلم أن الذي ذكرت لك في المجاز هناك من أن من شأنه أن يفخم عليه المعنى ~~، وتحدث فيه النباهة قائم لك مثله هاهنا . فليس يشتبه على عاقل أن ليس حال ~~المعنى وموقعه في قوله ، + الرجز + : # ( فنام ليلي وتجلى همي % ) # كحاله وموقعه إذا أنت تركت المجاز وقلت : فنمت في ليلي وتجلى همي ، كما ~~لم يكن الحال في قولك : رأيت رجلا كالأسد . ومن ذا الذي يخفى عليه مكان ~~العلو ، وموضع المزية ، وصورة الفرقان بين قوله تعالى : ( @QB@ فما ربحت ~~تجارتهم @QE@ ) ، وبين أن يقال : ' فما ربحوا في تجارتهم ' ؟ # وإن أردت أن تزداد للأمر تبينا فانظر إلى بيت الفرزدق ، + الكامل + : # ( يحمي ، إذا اخترط السيوف نساءنا ، % ضرب تطير له السواعد أرعل ) ~~PageV01P227 # وإلى رونقه ومائه ، وإلى ما عليه من الطلاوة . ثم ارجع إلى الذي هو ~~الحقيقة ، وقل : ' نحمي إذا اخترط السيوف نساءنا بضرب تطير له السواعد أرعل ~~' ، ثم اسبر حالك هل ترى مما كنت تراه شيئا ؟ # وهذا الضرب من المجاز على حدته كنز من كنوز ms169 البلاغة ، ومادة الشاعر ~~المفلق ، والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان ، والاتساع في طرق البيان . ~~وأن تجيء بالكلام مطبوعا مصنوعا ، وأن يضعه بعيد المرام ، قريبا من الأفهام ~~. ولا يغرنك من أمره أنك ترى الرجل يقول : ' أتى بي الشوق إلى لقائك ، وسار ~~بي الحنين إلى رؤيتك ، وأقدمني بلدك حق لي على إنسان ' ، وأشباه ذلك مما ~~تجده لسعته وشهرته يجري مجرى الحقيقة التي لا يشكل أمرها ، فليس هو كذلك ~~أبدا ، بل يدق ويلطف حتى يمتنع مثله إلا على الشاعر المفلق ، والكاتب ~~البليغ ، وحتى يأتيك بالبدعة لم تعرفها ، والنادرة تأنق بها . # وجملة الأمر أن سبيله سبيل الضرب الأول الذي هو مجاز في نفس اللفظ وذات ~~الكلمة . فكما أن من الاستعارة والتمثيل عاميا مثل : رأيت أسدا ووردت بحرا ~~، وشاهدت بدرا ، وسل من رأيه سيفا ماضيا . وخاصيا لا يكمل له كل أحد مثل ~~قوله : # ( وسالت بأعناق المطي الأباطح % ) # كذلك الأمر في هذا المجاز الحكمي . # واعلم أنه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التقدير ، إذا أنت ~~نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة مثل أن تقول في ( @QB@ ربحت تجارتهم ~~@QE@ ) : ربحوا في تجارتهم ، وفي ' يحمي نساءنا ضرب ' : نحمي نساءنا بضرب ؛ ~~فإن ذلك لا يتأتى في كل شيء . ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل في قولك ~~: أقدمني بلدك حق لي على إنسان : فاعلا سوى الحق ؟ وكذلك لا تستطيع في قوله ~~، + مجزوء الوافر + : # ( وصيرني هواك وبي % لحيني يضرب المثل ) PageV01P228 # وقوله ، + مجزوء الوافر + : # ( يزيدك وجهه حسنا % إذا ما زدته نظرا ) # أن تزعم أن لصيرني فاعلا قد نقل عنه الفعل ، فجعل للهوى كما فعل ذلك في ' ~~ربحت تجارتهم ' ، و ' يحمي نساءنا ضرب ' ، ولا تستطيع كذلك أن تقدر ل ' ~~يزيد ' في قوله : يزيدك وجهه ، فاعلا غير الوجه . فالاعتبار إذا بأن يكون ~~المعنى الذي يرجع إليه الفعل موجودا في الكلام على حقيقته . معنى ذلك أن ~~القدوم في قولك : أقدمني بلدك حق على إنسان ؛ موجود على الحقيقة ، وكذلك ~~الصيرورة في قوله : وصيرني هواك ؛ والزيادة في قوله : ' يزيدك وجهه ' ~~موجودتان على الحقيقة ms170 . وإذا كان معنى اللفظ موجودا على الحقيقة لم يكن ~~المجاز فيه نفسه . وإذا لم يكن المجاز في نفس اللفظ كان لا محالة في الحكم ~~. فاعرف هذه الجملة ، وأحسن ضبطها حتى تكون على بصيرة من الأمر . # ومن اللطيف في ذلك قول حاجز بن عوف ، + الوافر + : # ( أبي عبر الفوارس يوم داج % وعمي مالك وضع السهاما ) # ( فلو صاحبتنا لرضيت عنا % إذا لم تغبق المئة الغلاما ) # يريد إذا كان العام عام جدب ، وجفت ضروع الإبل ، وانقطع الدر حتى إن جلب ~~منها مئة لم يحصل من لبنها ما يكون غبوق غلام واحد . فالفعل الذي هو غبق ~~مستعمل في نفسه على حقيقته ، غير مخرج عن معناه ، وأصله إلى معنى شيء آخر . ~~فيكون قد دخله مجاز في نفسه . وإنما المجاز في أن أسند إلى الإبل ، وجعل ~~فعلا لها . وإسناد الفعل إلى الشيء حكم في الفعل ، وليس هو نفس معنى الفعل ~~، فاعرفه . # واعلم أن من سبب اللطف في ذلك أنه ليس كل شيء يصلح لأن يتعاطى فيه هذا ~~المجاز الحكمي بسهولة ، بل تجدك في كثير من الأمر وأنت تحتاج إلى أن تهيىء ~~الشيء ، PageV01P229 وتصلحه لذلك بشيء تتوخاه في النظم . وإن أردت مثالا في ~~ذلك فانظر إلى قوله ، + الطويل + : # ( تناس طلاب العامرية إذ نأت % بأسجح مرقال الضحى قلق الضفر ) # ( إذا ما أحسته الأفاعي تميزت % شواة الأفاعي في مثلمة سمر ) # ( تجوب له الظلماء عين كأنها % زجاجة شرب غير ملأى ولا صفر ) # يصف جملا ، ويريد أنه يهتدي بنور عينه في الظلماء ، ويمكنه بها أن يخرقها ~~ويمضي فيها . ولولاها لكانت الظلماء كالسد والحاجز الذي لا يجد شيئا يفرجه ~~به ، ويجعل لنفسه فيه سبيلا . فأنت الآن تعلم أنه لولا أنه قال : ' تجوب له ~~' ، فعلق ' له ' ب ' تجوب ' لما صلحت العين لأن يسند ' تجوب ' إليها ، ~~ولكان لا تتبين جهة التجوز في جعل ' تجوب ' فعلا للعين كما ينبغي . وكذلك ~~تعلم أنه لو قال مثلا : تجوب له الظلماء عينه ، لم يكن له هذا الموقع ولا ~~ضرب عليه معناه ، وانقطع السلك من حيث كان يعيبه حينئذ أن ms171 يصف العين بما ~~وصفها به الآن . # فتأمل هذا واعتبره . فهذه التهيئة وهذا الاستعداد في هذا المجاز الحكمي ~~نظير أنك تراك في الاستعارة التي هي مجاز في نفس الكلمة ، وأنت تحتاج في ~~الأمر الأكثر إلى أن تمهد لها ، وتقدم أو تؤخر ما يعلم به أنك مستعير ومشبه ~~، ويفتح طريق المجاز إلى الكلمة . ألا ترى إلى قوله ، + الطويل + : # ( وصاعقة من نصله تنكفي بها % على أرؤس الأقران خمس سحائب ) # عنى بخمس السحائب أنامله ، ولكنه لم يأت بهذه الاستعارة دفعة ، ولم يرمها ~~إليك بغتة ، بل ذكر ما ينبىء عنها ، ويستدل به عليها ؛ فذكر أن هناك صاعقة ~~وقال : ' من نصله ' ، فبين أن تلك الصاعقة من نصل سيفه ، ثم قال : ' على ~~أرؤس الأقران ' ، ثم قال : ' خمس ' ، PageV01P230 فذكر الخمس التي هي عدد ~~أنامل اليد ، فبان من مجموع هذه الأمور غرضه . # وأنشدوا لبعض العرب ، + الرجز + : # ( فإن تعافوا العدل والإيمانا % فإن في أيماننا نيرانا ) # يريد أن في أيماننا سيوفا نضربكم بها . ولولا قوله أولا : ' فإن تعافوا ~~العدل والإيمان ' ، وأن في ذلك دلالة على أن جوابه أنهم يحاربون ويقسرون ~~على الطاعة بالسيف ، ثم قوله : فإن في أيماننا ؛ لما عقل مراده ، ولما جاز ~~أن يستعير النيران للسيوف ، لأنه كان لا يعقل الذي يريد ، لأنا وإن كنا ~~نقول : ' في أيديهم سيوف تلمع كأنها شعل نار ' كما قال ، + الكامل + : # ( ناهضتهم والبارقات كأنها % شعل على أيديهم تتلهب ) # فإن هذا التشبيه لا يبلغ ما يعرف مع الإطلاق كمعرفتنا إذا قال : ' رأيت ~~أسدا ' أنه يريد الشجاعة . وإذا قال : ' لقيت شمسا وبدرا ' أنه يريد الحسن ~~، ولا يقوى تلك القوة ، فاعرفه . # ومما طريق المجاز فيه الحكم قول الخنساء ، + البسيط + : # ( ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت % فإنما هي إقبال وإدبار ) # وذاك أنها لم ترد بالإقبال والإدبار غير معناهما ، فتكون قد تجوزت في نفس ~~الكلمة . وإنما تجوزت في أن جعلتها لكثرة ما تقبل وتدبر ، ولغلبة ذاك عليها ~~واتصاله بها ، وأنه لم يكن لها حال غيرهما كأنها قد تجسمت من الإقبال ~~والإدبار . وإنما كان يكون المجاز في نفس الكلمة لو أنها ms172 كانت قد استعارت ~~الإقبال والإدبار لمعنى غير معناهما الذي وضعا له في اللغة . ومعلوم أن ليس ~~الاستعارة مما أرادته في شيء . PageV01P231 # واعلم أن ليس بالوجه أن يعد هذا على الإطلاق معد ما حذف منه المضاف ، ~~وأقيم المضاف إليه مقامه مثل قوله عز وجل : ( @QB@ واسأل القرية @QE@ ) ~~ومثل قول النابغة الجعدي ، + المتقارب + : # ( وكيف تواصل من أصبحت % خلالته كأبي مرحب ) # وقول الأعرابي ، + الوافر + : # ( حسبت بغام راحلتي عناقا % وما هي ويب غيرك بالعناق ) # وإن كنا نراهم يذكرونه حيث يذكرون حذف المضاف ، ويقولون : إنه في تقدير ' ~~فإنما هي ذات إقبال وإدبار ' ذاك لأن المضاف المحذوف من نحو الآية والبيتين ~~في سبيل ما يحذف من اللفظ ، ويراد في المعنى ، كمثل أن يحذف خبر المبتدأ أو ~~المبتدأ إذا دل الدليل عليه إلى سائر ما إذا حذف كان في حكم المنطوق به ~~وليس الأمر كذلك في بيت الخنساء ، لأنا إذا جعلنا المعنى فيه الآن كالمعنى ~~إذا نحن قلنا : ' فإنما هي ذات إقبال وإدبار ' أفسدنا الشعر على أنفسنا ~~وخرجنا إلى شيء مغسول ، وإلى كلام عامي مرذول . وكان سبيلنا سبيل من يزعم ~~مثلا في بيت المتنبي ، + الوافر + : # ( بدت قمرا ومالت خوط بان % وفاحت عنبرا ورنت غزالا ) PageV01P232 # أنه في تقدير محذوف وأن معناه الآن كالمعنى إذا قلت : بدت مثل قمر ، ~~ومالت مثل خوط بان ، وفاحت مثل عنبر ، ورنت مثل غزال ؛ في أنا نخرج إلى ~~الغثاثة ، وإلى شيء يعزل البلاغة عن سلطانها ، ويخفض من شأنها ، ويصد ~~بأوجهنا عن محاسنها ، ويسد باب المعرفة بها وبلطائفها علينا . فالوجه أن ~~يكون تقدير المضاف في هذا على معنى أنه لو كان الكلام قد جىء به على ظاهره ~~ولم يقصد إلى الذي ذكرنا من المبالغة والاتساع ، وأن تجعل الناقة كأنها قد ~~صارت بجملتها إقبالا وإدبارا ، حتى كأنها قد تجسمت منهما لكان حقه حينئذ أن ~~يجاء فيه بلفظ الذات فيقال : إنما هي ذات إقبال وإدبار . فأما أن يكون ~~الشعر الآن موضوعا على إرادة ذلك ، وعلى تنزيله منزلة المنطوق به حتى يكون ~~الحال فيه كالحال في : # ( حسبت بغام راحلتي ms173 عناقا % ) # حين كان المعنى والقصد أن يقول : حسبت بغام راحلتي بغام عناق . مما لا ~~مساغ له عند من كان صحيح الذوق ، صحيح المعرفة ، نسابة للمعاني . ~~PageV01P233 # | فصل في تهور بعض المفسرين # هذه مسألة قد كنت عملتها قديما ، وقد كتبتها هاهنا لأن لها اتصالا بهذا ~~الذي صار بنا القول إليه . قوله تعالى : ( @QB@ إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب @QE@ ) أي لمن كان أعمل قلبه فيما خلق القلب له من التدبر والتفكر ~~والنظر فيما ينبغي أن ينظر فيه . فهذا على أن يجعل الذي لا يعي ولا يسمع ~~ولا ينظر ولا يتفكر ، كأنه قد عدم القلب من حيث عدم الانتفاع به ، وفاته ~~الذي هو فائدة القلب والمطلوب منه . كما جعل الذي لا ينتفع ببصره وسمعه ، ~~ولا يفكر فيما يؤديان إليه ، ولا يحصل من رؤية ما يرى وسماع ما يسمع على ~~فائدة ، بمنزلة من لا سمع له ولا بصر . # فأما تفسير من يفسره على أنه بمعنى ' من كان له عقل ' فإنه إنما يصح على ~~أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض على الجملة . فأما أن يؤخذ به على هذا ~~الظاهر حتى كأن القلب اسم للعقل كما يتوهمه أهل الحشو ، ومن لا يعرف مخارج ~~الكلام ، فمحال باطل ، لأنه يؤدي إلى إبطال الغرض من الآية ، وإلى تحريف ~~الكلام عن صورته ، وإزالة المعنى عن جهته . وذاك أن المراد به الحث على ~~النظر ، والتقريع على تركه ، وذم من يخل به ، ويغفل عنه . ولا يحصل ذلك إلا ~~بالطريق الذي قدمته ، وإلا بأن يكون قد جعل من لا يفقه بقلبه ، ولا ينظر ~~ولا يتفكر كأنه ليس بذي قلب ، كما يجعل كأنه جماد ، وكأنه ميت ، لا يشعر ~~ولا يحس . وليس سبيل من فسر القلب هاهنا على العقل ، إلا سبيل من فسر عليه ~~العين والسمع في قول الناس : ' هذا بين لمن كانت له عين ، ولمن كان له سمع ~~' . وفسر العمى والصمم والموت في صفة من يوصف بالجهالة على مجرد الجهل ، ~~وأجرى جميع ذلك عل الظاهر ، فاعرفه . PageV01P234 # ومن عادة قوم ممن يتعاطى التفسير ms174 بغير علم أن يتوهموا أبدا في الألفاظ ~~الموضوعة على المجاز والتمثيل أنها على ظواهرها ، فيفسدوا المعنى بذلك ، ~~ويبطلوا الغرض ، ويمنعوا أنفسهم والسامع منهم العلم بموضع البلاغة وبمكان ~~الشرق . وناهيك بهم إذا هم أخذوا في ذكر الوجوه ، وجعلوا يكثرون في غير ~~طائل هناك ترى ما شئت من باب جهل قد فتحوه ، وزند ضلالة قد قدحوا به . ~~ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق . # | فصل في الكناية والتعريض # هذا فن من القول دقيق المسلم لطيف المأخذ وهو أنا نراهم كما يصنعون في ~~نفس الصفة بأن يذهبوا بها مذهب الكناية والتعريض . كذلك يذهبون في إثبات ~~الصفة هذا المذهب . وإذا فعلوا ذلك بدت هناك محاسن تملأ الطرف ، ودقائق ~~تعجز الوصف . ورأيت هناك شعرا شاعرا ، وسحرا ساحرا ، وبلاغة لا يكمل لها ~~إلا الشاعر المفلق ، والخطيب المصقع . وكما أن الصفة إذا لم تأتك مصرحا ~~بذكرها ، مكشوفا عن وجهها ، ولكن مدلولا بغيرها ، كان ذلك أفخم لشأنها ، ~~وألطف لمكانها . كذلك إثباتك الصفة للشيء تثبتها له إذا لم تلقه إلى السامع ~~صريحا ، وجئت إليه من جانب التعريض والكناية ، والرمز والإشارة ، كان له من ~~الفضل والمزية ، ومن الحسن والرونق ، ما لا يقل قليله ، لا يجهل موضع ~~الفضيلة فيه . # وتفسير هذه الجملة وشرحها أنهم يرومون وصف الرجل ومدحه وإثبات معنى من ~~المعاني الشريفة له ، فيدعون التصريح بذلك ويكنون عن جعلها فيه بجعلها في ~~شيء يشتمل عليه ، ويتلبس به . ويتوصلون في الجملة إلى ما أرادوا من الإثبات ~~لا من الجهة الظاهرة المعروفة ، بل من طريق يخفى ، ومسلك يدق . ومثاله قول ~~زياد الأعجم ، + الكامل + : PageV01P235 # ( إن السماحة والمروءة والندى % في قبة ضربت على ابن الحشرج ) # وبعده : # ( ملك أغر متوج ذو نائل % للمعتفين يمينه لم تشنج ) # ( يا خير من صعد المنابر بالتقى % بعد النبي المصطفى المتحرج ) # ( لما أتيتك راجيا لنوالكم % ألفيت باب نوالكم لم يرتج ) # أراد - كما لا يخفى - أن يثبت هذه المعاني والأوصاف خلالا للمدوح ، ~~وضرائب فيه . فترك أن يصرح فيقول : ' إن السماحة والمروءة والندى مجموعة في ~~ابن الحشرج ، أو مقصورة عليه أو مختصة به ' ، وما ms175 شاكل ذلك مما هو صريح في ~~إثبات الأوصاف للمذكورين بها . وعدل إلى ما ترى من الكناية والتلويح ، فجعل ~~كونها في القبة المضروبة عليه عبارة عن كونها فيه ، وإشارة إليه . فخرج ~~كلامه بذلك إلى ما خرج إليه من الجزالة ، وظهر فيه ما أنت ترى من الفخامة . ~~ولو أنه أسقط هذه الواسطة من البيت لما كان إلا كلاما غفلا ، وحديثا ساذجا ~~. فهذه الصنعة في طريق الإثبات هي نظير الصنعة في المعاني إذا جاءت كنايات ~~، عن معان أخر نحو قوله ، + الوافر + : # ( وما يك في من عيب فإني % جبان الكلب مهزول الفصيل ) PageV01P236 # فكما أنه إنما كان من فاخر الشعر ، ومما يقع في الاختيار لأجل أن أراد أن ~~يذكر نفسه بالقرى والضيافة فكن عن ذلك بجبن الكلب ، وهزال الفصيل ، وترك أن ~~يصرح فيقول : قد عرف أن جنابي مألوف ، وكلبي مؤدب لا يهر في وجوه من يغشاني ~~من الأضياف ، وأني أنحر المتالي من إبلي ، وأدع فصالها هزلى . # كذلك إنما راقك بيت زياد لأنه كنى عن إثباته السماحة والمروءة والندى ~~كائنة في الممدوح بجعلها كائنة في القبة المضروبة عليه . هذا - وكما أن من ~~شأن الكناية الواقعة في نفس الصفة أن تجيء على صورة مختلفة كذلك من شأنها ~~إذا وقعت في طريق إثبات الصفة أن تجيء على هذا الحد ، ثم يكون في ذلك ما ~~يتناسب كما كان ذلك في الكناية عن الصفة نفسها . تفسير هذا أنك تنظر إلى ~~قول يزيد بن الحكم يمدح بن يزيد بن المهلب وهو في حبس الحجاج ، + المنسرح + ~~: # ( أصبح في قيدك السماحة % والمجد وفضل الصلاح والحسب ) # فتراه نظيرا لبيت زياد ، وتعلم أن مكان القيد هاهنا هو مكان القبة هناك . ~~كما أنك تنظر إلى قوله : ' جبان الكلب ' فتعلم أنه نظير لقوله ، + الطويل + ~~: # ( زجرت كلابي أن يهر عقورها % ) # من حيث لم يكن ذلك الجبن إلا لأن دام منه الزجر . واستمر حتى أخرج الكلب ~~PageV01P237 بذلك عما هو عادته من الهرير والنبح في وجه من يدنو من دار هو ~~مرصد لأن يعس دونها . وتنظر إلى قوله : ' مهزول الفصيل ms176 ' فتعلم أنه نظير ~~قول ابن هرمة . # ( لا أمتع العوذ بالفصال % ) # وتنظر إلى قول نصيب ، + المتقارب + : # ( لعبد العزيز على قومه % وغيرهم منن ظاهره ) # ( فبابك أسهل أبوابهم % ودارك مأهولة عامره ) # ( وكلبك آنس بالزائرين % من الأم بالابنة الزائره ) # فتعلم أنه من قول الآخر ، + الطويل + : # ( يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا % يكلمه من حبه وهو أعجم ) # وأن بينهما قرابة شديدة ونسبا لاصقا ، وأن صورتهما في فرط التناسب صورة ~~بيتي ' زياد ' و ' يزيد ' . # ومما هو إثبات للصفة على طريق الكناية والتعريض قولهم : المجد بين ثوبيه ~~، والكرم في برديه ؛ وذلك أن قائل هذا يتوصل إلى إثبات المجد والكرم ~~للممدوح بأن يجعلهما في ثوبه الذي يلبسه ، كما توصل زياد إلى إثبات السماحة ~~والمروءة والندى لابن الحشرج ؛ بأن جعلها في القبة التي هو جالس فيها . ومن ~~ذلك قوله + البسيط + : PageV01P238 # ( وحيثما يك أمر صالح فكن % ) # وما جاء في معناه من قوله ، + المتقارب + : # ( يصير أبان قرين السماح % والمكرمات معا حيث صارا ) # وقول أبي نواس ، + الطويل + : # ( فما جازه جود ولا حل دونه % ولكن يصير الجود حيث يصير ) # كل ذلك توصل إلى إثبات الصفة في الممدوح ، بإثباتها في المكان الذي يكون ~~فيه ، وإلى لزومها له بلزومها الموضع الذي يحله . وهكذا إن اعتبرت قول ~~الشنفرى يصف امرأة بالعفة ، + الطويل + : # ( يبيت بمنجاة من اللوم بيتها % إذا ما بيوت بالملامة حلت ) # وجدته يدخل في معنى بيت زياد ، وذلك أنه توصل إلى نفي اللوم عنها ~~وإبعادها عنه : بأن نفاه عن بيتها ، وباعد بينه وبينه . وكان مذهبه في ذلك ~~مذهب زياد في التوصل إلى جعل السماحة والمروءة والندى في ابن الحشرج بأن ~~جعلها في القبة المضروبة عليه . وإنما الفرق أن هذا ينفي وذاك يثبت . وذلك ~~فرق لا في موضع الجمع ، فهو لا يمنع أن يكونا من نصاب واحد . PageV01P239 # ومما هو في حكم المناسب لبيت زياد وأمثاله التي ذكرت ، وإن كان قد أخرج ~~في صورة أغرب وأبدع قول حسان رضي الله عنه ، + الطويل + : # ( بنى المجد بيتا فاستقرت عماده % علينا فأعيا الناس أن يتحولا ) # وقول البحتري ، + الكامل + # ( أو ما ms177 رأيت المجد ألقى رحله % في آل طلحة ثم لم يتحول ؟ ) # ( ذاك لأن مدار الأمر على أنه جعل المجد والممدوح في مكان ، وجعله يكون ~~حيث يكون . # واعلم أنه ليس كل ما جاء كناية في إثبات الصفة يصلح أن يحكم عليه ~~بالتناسب . معنى هذا أن جعلهم الجود والكرم والمجد يمرض بمرض الممدوح كما ~~قال البحتري ، + الطويل + : # ( ظللنا نعود الجود من وعكك الذي % وجدت وقلنا : اعتل عضو من المجد ) # وإن كان يكون القصد منه إثبات الجود والمجد للممدوح ، فإنه لا يصح أن ~~يقال إنه نظير لبيت زياد كما قلنا ذاك في بيت أبي نواس : # ( ولكن يصير الجود حيث يصير % ) # وغيره مما ذكرنا أنه نظير له كما أنه لا يجوز أن يجعل قوله : # ( وكلبك أرأف بالزائرين % ) # مثلا نظيرا لقوله : مهزول الفصيل ، وإن كان الغرض منهما جميعا الوصف ~~بالقرى والضيافة ، وكانا جميعا كنايتين عن معنى واحد ، لأن تعاقب الكنايات ~~على المعنى الواحد لا يوجب تناسبها لأنه في عروض أن تتفق الأشعار الكثيرة ~~في كونها مدحا بالشجاعة مثلا أو الجود ، أو ما أشبه ذلك . وقد يجتمع في ~~البيت الواحد كنايتان ، المغزى منهما شيء واحد ، PageV01P240 ثم لا تكون ~~إحداهما في حكم النظير للأخرى . مثال ذلك أنه لا يكون قوله : جبان الكلب ؛ ~~نظيرا لقوله : مهزول الفصيل ، بل كل واحدة من هاتين الكنايتين أصل بنفسه ، ~~وجنس على حدة . وكذلك قول ابن هرمة ، + المنسرح + : # ( لا أمتع العوذ بالفصال ولا % أبتاع إلا قريبة الأجل ) # ليس إحدى كنايتيه في حكم النظير للأخرى ، وإن كان المكنى بهما عنه واحدا ~~فاعرفه . # وليس لشعب هذا الأصل وفروعه وأمثلته وصوره وطرقه ومسالكه حد ونهاية . ومن ~~لطيف ذلك ونادره قول أبي تمام ، + الوافر + : # أبين فما يزرن سوى كريم % وحسبك أن يزرن أبا سعيد ) # ومثله ، وإن لم يبلغ مبلغه ، قول الآخر ، + الوافر + : # ( متى تخلو تميم من كريم % ومسلمة بن عمر و من تميم ؟ ) # وكذلك قول بعض العرب ، + المتقارب + : # ( إذا الله لم يسق إلا الكرام % فسقى وجوه بني حنبل ) # ( وسقى ديارهم باكرا % من الغيث في الزمن الممحل ) # وفن منه ms178 غريب قول بعضهم في البرامكة ، + الطويل + : # ( سألت الندى والجود : ما لي أراكما % تبدلتما ذلا بعز مؤيد ؟ ) ~~PageV01P241 # ( وما بال ركن المجد أمسى مهدما ؟ % فقالا : أصبنا بابن يحيى محمد ) # ( فقلت : فهلا متما عند موته % فقد كنتما عبديه في كل مشهد ؟ ) # ( فقالا : أقمنا كي نعزى بفقده % مسافة يوم ، ثم نتلوه في غد ) # | فصل في التوكيد وعلاماته # واعلم أن مما أغمض الطريق إلى معرفة ما نحن بصدده أن هاهنا فروقا خفية ~~تجهلها العامة وكثير من الخاصة ، ليس أنهم يجهلونها في موضع ، ويعرفونها في ~~آخر ، بل لا يدرون أنها هي ، ولا يعلمونها في جملة ولا تفصيل . روي عن ابن ~~الأنباري أنه قال : ركب الكندي المتفلسف إلى أبي العباس وقال له : إني لأجد ~~في كلام العرب حشوا : فقال له أبو العباس : في أي موضع وجدت ذلك ؟ فقال : ~~أجد العرب يقولون : عبد الله قائم . ثم يقولون : إن عبد الله قائم ثم ~~يقولون : إن عبد الله لقائم فالألفاظ متكررة والمعنى واحد . فقال أبو ~~العباس : بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ ، فقولهم : عبد الله قائم ~~إخبار عن قيامه ، وقولهم : إن عبد الله قائم ، جوا ب عن سؤال سائل . وقولهم ~~: إن عبد الله لقائم ، جواب عن إنكار منكر قيامه ، فقد تكررت الألفاظ لتكرر ~~المعاني . قال : فما أحار المتفلسف جوابا . وإذا كان الكندي يذهب هذا عليه ~~حتى يركب فيه ركوب مستفهم أو معترض ، فما ظنك بالعامة ؟ ومن هو في عداد ~~العامة ممن لا يخطر شبه هذا بباله ؟ PageV01P242 # واعلم أن هاهنا دقائق لو أن الكندي استقرأ وتصفح وتتبع مواقع ' إن : ثم ~~ألطف النظر ، وأكثر التدبر لعلم علم ضرورة أن ليس سواء دخولها وأن لا تدخل ~~. فأول ذلك وأعجبه ما قدمت لك ذكره في بيت بشار : # ( بكرا صاحبي قبل الهجير % إن ذاك النجاح في التبكير ) # وما أنشدته معه من قول بعض العرب : # ( فغنها وهي لك الفداء % إن غناء الإبل الحداء ) # وذلك أنه هل شيء أبين في الفائدة ، وأدل على أن ليس سواء دخولها ، وأن لا ~~تدخل من أنك ترى الجملة إذا هي دخلت ترتبط ms179 بما قبلها ، وتأتلف معه وتتحد به ~~. حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغا واحدا ، وكأن أحدهما قد سبك في الآخر ؟ # هذه هي الصورة ، حتى إذا جئت إلى ' إن ' فأسقطتها رأيت الثاني منهما قد ~~نبا عن الأول وتجافى معناه عن معناه ، ورأيته لا يتصل به ، ولا يكون منه ~~بسبيل حتى تجيء بالفاء فتقول : بكرا صاحبي قبل الهجير ، فذاك النجاح في ~~التبكير ، وغنها وهي لك الفداء ، فغناء الإبل الحداء . ثم لا ترى الفاء ~~تعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألفة ، ولا ترد عليك الذي كنت تجد ب ~~' إن ' من المعنى . # وهذا الضرب كثير في التنزيل جدا من ذلك قوله تعالى : ( @QB@ يا أيها ~~الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم @QE@ ) وقوله عز اسمه : ( @QB@ ~~يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك ~~من عزم الأمور @QE@ ) وقوله سبحانه : ( @QB@ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم @QE@ ) ومن أبين ذلك قوله تعالى : ~~( @QB@ ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون @QE@ ) وقد يتكرر في الآية ~~الواحدة كقوله عز اسمه : ( @QB@ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ~~ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم @QE@ ) وهي على الجملة من الكثرة بحيث لا ~~يدركها الإحصاء . PageV01P243 # ومن خصائصها أنك ترى لضمير الأمر والشأن معها من الحسن واللطف ما لا تراه ~~إذا هي لم تدخل عليه ، بل تراه لا يصلح حيث صلح إلا بها ، وذلك في مثل قوله ~~تعالى : ( @QB@ إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ ) ~~وقوله : ( @QB@ أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم @QE@ ) وقوله : ( ~~@QB@ أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب @QE@ ) وقوله : ( @QB@ إنه لا ~~يفلح الكافرون @QE@ ) . ومن ذلك قوله : ( @QB@ فإنها لا تعمى الأبصار @QE@ ~~) . وأجاز أبو الحسن فيها وجها آخر ، وهو أن يكون الضمير في ' إنها ' ~~للأبصار أضمرت قبل الذكر على شريطة التفسير . والحاجة في هذا الوجه أيضا ~~إلى ' إن ' قائمة كما كانت في الوجه الأول ؛ فإنه لا يقال : هي لا تعمى ~~الأبصار ms180 ، كما لا يقال : هو من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع . فإن قلت : أو ~~ليس قد جاء ضمير الأمر مبتدأ به معرى من العوامل في قوله تعالى : ( @QB@ قل ~~هو الله أحد @QE@ ) ؟ قيل : وإن جاء هاهنا فإنه لا يكاد يوجد مع الجملة من ~~الشرط والجزاء ، بل تراه لا يجيء إلا ب ' إن ' . على أنهم قد أجازوا في ( ~~@QB@ قل هو الله أحد @QE@ ) أن لا يكون الضمير للأمر . # ومن لطيف ما جاء في هذا الباب ونادره ما تجده في آخر هذه الأبيات التي ~~أنشدها الجاحظ لبعض الحجازيين ، + الطويل + : PageV01P244 # ( إذا طمع يوما عراني قريته % كتائب يأس كرها وطرادها ) # ( أكد ثمادي والمياه كثيرة % أعالج منها حفرها واكتدادها ) # ( وأرضى بها من بحر آخر ، إنه % هو الري أن ترضى النفوس ثمادها ) # المقصود قوله : إنه هو الري ؛ وذلك أن الهاء في ' إنه ' تحتمل أمرين : ~~أحدهما أن تكون ضمير الأمر ويكون قوله ' هو ' ضمير ' أن ترضى ' ، وقد أضمر ~~قبل الذكر على شريطة التفسير الأصل أن الأمر أن ترضى النفوس ثمادها الري ثم ~~أضمر قبل الذكر كما أضمرت الأبصار في ( @QB@ فإنها لا تعمى الأبصار @QE@ ) ~~على مذهب أبي الحسن ثم أتى بالمضمر مصرحا به في آخر الكلام ، فعلم بذلك أن ~~الضمير السابق له ، وأنه المراد به . والثاني أن تكون الهاء في ' إنه ' ~~ضمير أن ترضى قبل الذكر ، ويكون ' هو ' فصلا ، ويكون أصل الكلام : إن أن ~~ترضى النفوس ثمادها هو الري ، ثم أضمر على شريطة التفسير . وأي الأمرين كان ~~فإنه لا بد فيه من ' إن ' ولا سبيل إلى إسقاطها ، لأنك إن أسقطتها أفضى ذلك ~~بك إلى شيء شنيع ، وهو أن تقول : وأرضى بها من بحر آخر وهو الري أن ترضى ~~النفوس ثمادها . # هذا وفي ' إن ' هذه شيء آخر ، يوجب الحاجة إليها ، وهو أنها تتولى من ربط ~~الجملة بما قبلها نحوا مما ذكرت لك في بيت بشار . ألا ترى أنك لو أسقطت ' ~~إن ' والضميرين معا ، واقتصرت على ذكر ما يبقى من الكلام لم تقله إلا ~~بالفاء ؟ كقولك : وأرضى بها من بحر آخر ، فالري ms181 أن ترضى النفوس ثمادها . ~~فلو أن الفيلسوف قد كان تتبع هذه المواضع لما ظن الذي ظن . # هذا ، وإذا كان خلف الأحمر ، وهو القدوة ، ومن يؤخذ عنه ، ومن هو بحيث ~~يقول PageV01P245 الشعر فينحله الفحول والجاهليين ، فيخفى ذلك له . ويجوز ~~أن يشتبه ما نحن فيه عليه حتى يقع له أن ينتقد على بشار . فلا غرو أن تدخل ~~الشبهة في ذلك على الكندي . # ومما تصنعه ' إن في الكلام أنك تراها تهيىء النكرة ، وتصلحها لأن يكون ~~لها حكم المبتدأ ، أعني أن تكون محدثا عنها بحديث من بعدها . ومثال ذلك ~~قوله ، + مخلع البسيط + : # ( إن شواء ونشوة % وخبب البازل الأمون ) # قد ترى حسنها وصحة المعنى معها ، ثم إنك إن جئت بها من غير ' إن ' فقلت : # ( شواء ونشوة وخبب البازل الأمون % ) # لم يكن كلاما . فإن كانت النكرة موصوفة ، وكانت لذلك تصلح أن يبتدأ بها ~~فإنك تراها مع ' إن ' أحسن وترى المعنى حينئذ أولى بالصحة وأمكن . أفلا ترى ~~إلى قوله ، + الخفيف + : # ( إن دهرا يلف شملي بسعدى % لزمان يهم بالإحسان ) # ليس بخفي - وإن كان يستقيم أن تقول : دهر يلف شملي بسعدى دهر صالح : - أن ~~ليس الحالان على سواء . وكذلك ليس يخفى أنك لو عمدت إلى قوله ، + مشطور ~~المديد + : # ( إن أمرا فادحا % عن جوابي شغلك ) # فأسقطت منه ' إن لعدمت منه الحسن والطلاوة والتمكن الذي أنت واجده الآن ، ~~ووجدت ضعفا وفتورا . PageV01P246 # ومن تأثير ' إن ' في الجملة أنها تغني إذا كانت فيها عن الخبر في بعض ~~الكلام . ووضع صاحب الكتاب في ذلك بابا فقال : ' هذا باب ما يحسن عليه ~~السكوت في الأحرف الخمسة ' لإضمارك ما يكون مستقرا لها ، وموضعا لو أضمرته ~~، وليس هذا المضمر بنفس المظهر . وذلك ' إن مالا وإن ولدا وإن عددا ' أي : ~~إن لهم مالا . فالذي أضمرت هو ' لهم ' . ويقول الرجل للرجل : هل لكم أحد إن ~~الناس ألب عليكم ؟ فيقول : إن زيدا وإن عمرا ؛ أي لنا وقال ، + المنسرح + : # ( إن محلا وإن مرتحلا % وإن في السفر إن مضوا مهلا ) # وتقول : إن غيرها إبلا وشاء ؛ كأنه قال : إن لنا أو عندنا غيرها ms182 . قال : ~~وانتصب الإبل والشاء كانتصاب الفارس إذا قلت : ما في الناس مثله فارسا . ~~وقال : ومثل ذلك قوله ، من الرجز : # ( يا ليت أيام الصبا رواجعا % ) # قال : فهذا كقولهم : ألا ماء باردا : كأنه قال : ألا ماء لنا باردا : ~~وكأنه قال : يا ليت أيام الصبا أقبلت رواجع . # فقد أراك في هذا كله أن الخبر محذوف . وقد ترى حسن الكلام وصحته مع حذفه ~~وترك النطق به . ثم إنك إن عمدت إلى ' إن ' فأسقطتها وجدت الذي كان حسن من ~~حذف PageV01P247 الخبر لا يحسن أو لا يسوغ ؛ فلو قلت : مال وعدد ومح ل ~~ومرتحل وغيرها إبلا وشاء لم يكن شيئا . وذلك أن ' إن ' كانت السبب في أن ~~حسن حذف الذي حذف من الخبر ، وأنها حاضنته والمترجم عنه والمتكفل بشأنه . # واعلم أن الذي قلنا في ' إن ' من أنها تدخل على الجملة ، من شأنها إذا هي ~~أسقطت منها أن يحتاج فيها إلى الفاء ، لا يطرد في كل شيء وكل موضع ، بل ~~يكون في موضع ، دون موضع ، وفي حال دون حال . فإنك قد تراها قد دخلت على ~~الجملة ليست هي مما يقتضي الفاء . وذلك فيما لا يحصى كقوله تعالى : ( @QB@ ~~إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون @QE@ ) ، وذاك أن قبله ( @QB@ إن ~~هذا ما كنتم به تمترون @QE@ ) . ومعلوم أنك لو قلت : إن هذا ما كنتم به ~~تمترون ، فالمتقون في جنات وعيون ؛ لم يكن كلاما . وكذلك قوله : ( @QB@ إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون @QE@ ) لأنك لو قلت : ( @QB@ ~~لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون @QE@ ) . فالذين سبقت لهم منا الحسنى ، ~~لم تجد لإدخالك الفاء فيه وجها . وكذا قوله : ( @QB@ إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم ~~القيامة @QE@ الذين آمنوا ) اسم إن وما بعده معطوف عليه ، وقوله : ( @QB@ ~~إن الله يفصل بينهم يوم القيامة @QE@ ) جملة في موضع الخبر . ودخول الفاء ~~فيها محال ، لأن الخبر لا يعطف على المبتدأ . # ومثله سواء ( @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من ~~أحسن عملا @QE@ ) فإذا إنما يكون ms183 الذي ذكرنا في الجملة من حديث اقتضاء ~~الفاء ، إذا كان مصدرها مصدر الكلام يصحح به ما قبله ، ويحتج له ، ويبين ~~وجه الفائدة فيه . ألا ترى أن الغرض من قوله : إن ذاك النجاح في التكبير ، ~~جله أن يبين المعنى في قوله لصاحبيه ' بكرا ' ، وأن يحتج لنفسه في الأمر ~~بالتبكير ويبين وجه الفائدة فيه وكذلك الحكم في الآي التي تلوناها ؛ فقوله ~~: ( @QB@ إن زلزلة الساعة شيء عظيم @QE@ ) بيان لمعنى في قوله تعالى : ( ~~@QB@ يا أيها الناس اتقوا @QE@ ) PageV01P248 ( @QB@ ربكم @QE@ ) ولم أمروا ~~بأن يتقوا ؟ وكذلك قوله : ( @QB@ إن صلاتك سكن @QE@ ) . بيان للمعنى في أمر ~~النبي بالصلاة ، أي بالدعاء لهم . ولهذا سبيل كل ما أنت ترى فيه الجملة ~~يحتاج فيها إلى الفاء . فاعرف ذلك . # فأما الذي ذكر عن أبي العباس من جعله لها جواب سائل ، إذا كانت وحدها . ~~وجواب منكر إذا كان معها اللام . فالذي يدل على أن لها أصلا في الجواب أنا ~~رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ والخبر ، إذا كانت جوابا للقسم نحو : ~~والله إن زيدا منطلق . وامتنعوا من أن يقولوا : والله زيد منطلق . ثم إنا ~~إذا استقرينا الكلام وجدنا الأمر بينا ، في الكثير من مواقعها ، أنه يقصد ~~بها إلى الجواب كقوله تعالى : ( @QB@ ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو ~~عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض @QE@ ) وكقوله عز وجل في أول السورة : ~~( @QB@ نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم @QE@ ) وكقوله ~~تعالى : ( @QB@ فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون @QE@ ) وقوله تعالى : ( ~~@QB@ قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله @QE@ ) وقوله : ( @QB@ ~~وقل إني أنا النذير المبين @QE@ ) وأشباه ذلك مما يعلم به أنه كلام أمر ~~النبي بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا وناظروا فيه . وعلى ذلك قوله ~~تعالى : ( @QB@ فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين @QE@ ) وذاك أنه ~~يعلم أن المعنى : فأتياه فإذا قال لكما ما شأنكما ؟ وما جاء بكما ؟ وما ~~تقولان ؟ فقولا : إنا رسول رب العالمين . وكذا قوله : ( @QB@ وقال موسى يا ~~فرعون إني رسول من رب العالمين @QE@ ) هذا سبيله . PageV01P249 ومن البين ~~في ms184 ذلك قوله تعالى في قصة السحرة : ( @QB@ قالوا إنا إلى ربنا منقلبون @QE@ ~~) . وذاك لأنه عيان أنه جواب فرعون عن قوله : ( @QB@ آمنتم له قبل أن آذن ~~لكم @QE@ ) فهذا هو وجه القول في نصرة هذه الحكاية . # ثم إن الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه البناء هو الذي دون في الكتب من ~~أنها للتأكيد . وإذا كان قد ثبت ذلك ؛ فإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن ~~في خلافه البتة ، ولا يكون قد عقد في نفسه أن الذي تزعم أنه كائن غير كائن ~~، وأن الذي تزعم أنه لم يكن كائن فأنت لا تحتاج هناك إلى ' إن ' ، وإنما ~~تحتاج إليها إذا كان له ظن في الخلاف ، وعقد قلب على نفي ما تثبت ، أو ~~إثبات ما تنفي . ولذلك تراها تزداد حسنا إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله في ~~الظن ، وبشيء قد جرت عادة الناس بخلافه كقول أبي نواس ، + السريع + : # ( إن غنى نفسك في الياس % ) # فقد ترى حسن موقعها ، وكيف قبول النفس لها ، وليس ذلك إلا لأن الغالب على ~~الناس أنهم لا يحملون أنفسهم على اليأس ، ولا يدعون الرجاء والطمع ، ولا ~~يعترف كل أحد ، ولا يسلم أن الغنى في اليأس . فلما كان كذلك كان الموضع ~~موضع إلى التأكيد ، فلذلك كان من حسنها ما ترى . ومثله سواء قول محمد بن ~~وهيب ، + الطويل + : # ( أجارتنا إن التعفف بالياس % وصبرا على استدرار دنيا بإبساس ) # ( حريان أن لا يقذفا بمدلة % كريما وأن لا يحوجاه إلى الناس ) # ( أجارتنا إن القداح كواذب % وأكثر أسباب النجاح مع الياس ) # هو كما لا يخفى كلام مع من لا يرى أن الأمر كما قال ، بل ينكره ويعتقد ~~خلافه . ومعلوم أنه لم يقله إلا والمرأة تحدوه ، وتبعثه على التعرض للناس ~~وعلى الطلب . PageV01P250 # ومن لطيف مواقعها أن يدعى على المخاطب ظن لم يظنه ، ولكن يراد التهكم به ~~وأن يقال : إن حالك ، والذي صنعت يقتضي أن تكون قد ظننت ذلك . ومثال ذلك ~~قول الأول ، + السريع + : # ( جاء شقيق عارضا رمحه % إن بني عمك فيهم رماح ) # يقول : إن مجيئه هكذا مدلا بنفسه وبشجاعته قد ms185 وضع رمحه عرضا دليل على ~~إعجاب شديد ، وعلى اعتقاد منه أنه لا يقوم له أحد ، حتى كأن ليس مع أحد منا ~~رمح يدفعه به ، وكأنا كلنا عزل . وإذا كان كذلك وجب - إذا قيل أنها جواب ~~سائل - أن يشترط فيه أن يكون للسائل ظن في المسؤول عنه ، على خلاف ما أنت ~~تجيبه به ، فأما أن يجعل مجرد الجواب أصلا فيه ، فلا لأنه يؤدي أن لا ~~يستقيم لنا إذا قال الرجل : كيف زيد ؟ أن تقول : صالح . وإذا قال : أين هو ~~؟ أن تقول : في الدار . وأن لا يصح حتى تقول : إنه صالح ، وإنه في الدار . ~~وذلك ما لا يقوله أحد . وأما جعلها إذا جمع بينها وبين اللام نحو : إن عبد ~~الله لقائم ، للكلام مع المنكر فجيد ، لأنه إذا كان الكلام مع المنكر كانت ~~الحاجة إلى التأكيد أشد ، وذلك أنك أحوج ما تكون إلى الزيادة في تثبيت خبرك ~~، إذا كان هناك من يدفعه وينكر صحته . إلا أنه ينبغي أن يعلم أنه كما يكون ~~للإنكار قد كان من السامع فإنه يكون للإنكار أو يرى أن يكون من السامعين . ~~وجملة الأمر أنك لا تقول : إنه لكذلك ، حتى تريد أن تضع كلامك وضع من يزع ~~فيه عن الإنكار . # واعلم أنها قد تدخل للد لالة على أن الظن قد كان منك ، أيها المتكلم في ~~الذي كان ، إنه لا يكون . وذلك قولك للشيء : هو مرأى من المخاطب ومسمع ، ~~إنه كان من الأمر ما ترى ، وكان مني إلى فلان إحسان ومعروف ، ثم إنه جعل ~~جزائي ما رأيت . فتجعلك كأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت ، وتبين الخطأ ~~الذي توهمت . وعلى ذلك والله أعلم قوله تعالى حكاية عن أم مريم رضي الله ~~عنها : ( @QB@ قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما @QE@ ) PageV01P251 ~~( @QB@ وضعت @QE@ ) ، وكذلك قوله عز وجل حكاية عن نوح عليه السلام : ( @QB@ ~~قال رب إن قومي كذبون @QE@ ) . وليس الذي يعرض بسبب هذا الحرف من الدقائق ~~والأمور الخفية يدرك بالهوينا ونحن نقتصر الآن على ما ذكرنا ، ونأخذ في ~~القول عليها إذا اتصلت بها ms186 ما . # | فصل في مسائل إنما # قال الشيخ أبو علي في الشيرازيات : يقول ناس من النحويين في نحو قوله ~~تعالى : ( @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن @QE@ ) : إن ~~المعنى : ما حرم ربي إلا الفواحش . قال وأصبت ما يدل على صحة قولهم في هذا ~~، وهو قول الفرزدق ، + الطويل + : # ( أنا الذائد الحامي الذمار ، وإنما % يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي ) # فليس يخلو هذا الكلام من أن يكون موجبا أو منفيا . فلو كان المراد به ~~الإيجاب لم يستقم . ألا ترى أنك لا تقول : يدافع أنا ولا يقاتل أنا ؟ وإنما ~~تقول : أدافع وأقاتل . ألا أن المعنى لما كان : ما يدافع إلا أنا ، فصلت ~~الضمير كما تفصله مع النفي إذا ألحقت معه إلا حملا على المعنى . وقال أبو ~~إسحاق الزجاج في قوله تعالى : ( @QB@ إنما حرم عليكم الميتة @QE@ ) ~~PageV01P252 ( @QB@ والدم @QE@ ) النصب في الميتة هو القراءة ويجوز : إنما ~~حرم عليكم . قال أبو إسحاق والذي أختاره أن تكون ما هي التي تمنع إن من ~~العمل ، ويكون المعنى : ما حرم عليكم إلا الميتة ؛ لأن إنما تأتي إثباتا ~~لما يذكر بعدها ونفيا لما سواه ، وقول الشاعر : # ( وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي % ) # المعنى : ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي . انتهى أبي كلام أبي علي ~~. # اعلم أنهم وإن كانوا قد قالوا : هذا الذي كتبته لك ، فإنهم لم يعنوا بذلك ~~أن المعنى في هذا هو المعنى في ذلك بعينه ، وأن سبيلهما سبيل اللفظين ~~يوضعان لمعنى واحد . وفرق بين أن يكون في الشيء معنى الشيء وبين أن يكون ~~الشيء للشيء على الإطلاق . يبين لك أنهما لا يكونان سواء أنه ليس كل كلام ~~يصلح فيه ما وإلا يصلح فيه إنما . ألا ترى أنها لا تصلح في مثل قوله تعالى ~~: ( @QB@ وما من إله إلا الله @QE@ ) ولا في نحو قولنا : ما أحد إلا وهو ~~يقول ذاك . إذ لو قلت : إنما من إله الله ، وإنما أحد وهو يقول ذاك ، قلت ~~ما لا يكون له معنى . فإن قلت : إن سبب ذلك أن أحدا لا ms187 يقع إلا في النفي ~~وما يجري مجرى النفي من النهي والاستفهام ، وأن من المزيدة في ما من إله ~~إلا الله كذلك لا تكون إلا في النفي . قيل : ففي هذا كفاية بأنه اعتراف بأن ~~ليسا سواء ، لأنهما لو كانا سواء لكان ينبغي أن يكون في إنما من النفي مثل ~~ما يكون في ما وإلا . وكما وجدت إنما لا تصلح فيما ذكرنا تجد ما وإلا لا ~~تصلح في ضرب من الكلام قد صلحت فيه إنما ، وذلك في مثل قولك : إنما هو درهم ~~، لا ينار . لو قلت : ما هو إلا درهم لا دينار ، لم يكن شيئا . وإذ قد بان ~~بهذه الجملة PageV01P253 أنهم حين جعلوا إنما في معنى ما وإلا لم يعنوا أن ~~المعنى فيهما واحد على الإطلاق ، وأن يسقطوا الفرق ، فإني أبين لك أمرها ~~وما هو أصل في كل واحد منهما بعون الله وتوفيقه . # اعلم أن موضوع إنما على أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ، ولا يدفع صحته ، ~~أو لما ينزل هذه المنزلة . تفسير ذلك أنك تقول للرجل : إنما هو أخوك ، ~~وإنما هو صاحبك القديم ؛ لا تقوله لمن يجهل ذلك ، ويدفع صحته ، ولكن لمن ~~يعلمه ويقر به . إلا أنك تريد أن تنبهه للذي يجب عليه من حق الأخ وحرمة ~~الصاحب . ومثله قول الآخر ، + الخفيف + : # ( إنما أنت والد والأب % القاطع أحنى من واصل الأولاد ) # لم يرد أن يعلم كافورا أنه والد ، ولا ذاك مما يحتاج كافور فيه إلى ~~الإعلام ، ولكنه أراد أن يذكره بالأمر المعلوم لينبني عليه استدعاء ما ~~يوجبه كونه بمنزلة الوالد . ومثل ذلك قولهم : إنما يعجل من يخشى الفوت . ~~وذلك أن من المعلوم الثابت في النفوس أن من لم يخش الفوت لم يعجل . ومثاله ~~من التنزيل قوله تعالى : ( @QB@ إنما يستجيب الذين يسمعون @QE@ ) وقوله ~~تعالى ( @QB@ إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب @QE@ ) وقوله ~~تعالى : ( @QB@ إنما أنت منذر من يخشاها @QE@ ) . كل ذلك تذكير بأمر ثابت ~~معلوم . وذلك أن كل عاقل يعلم أنه لا تكون استجابة إلا ممن يسمع ويعقل ما ~~يقال له ، ويدعى ms188 إليه . وأن من لم يسمع ولم يعقل لم يستجب . وكذلك معلوم أن ~~الإنذار إنما يكون إنذارا ، ويكون له تأثير إذا كان مع من يؤمن بالله ، ~~ويخشاه ، ويصدق بالبعث والساعة . فأما الكافر الجاهل فالإنذار معه واحد . ~~فهذا مثال ما الخبر فيه خبر بأمر يعلمه المخاطب ، ولا ينكره بحال . # وأما مثال ما ينزل هذه المنزلة فكقوله ، + الخفيف + : PageV01P524 # ( إنما مصعب شهاب من الله % تجلت عن وجهه الظلماء ) # ادعى في كون الممدوح بهذه الصفة أنه أمر ظاهر معلوم للجميع على عادة ~~الشعراء ، إذا مدحوا ، أن يدعوا في الأوصاف التي يذكرون بها الممدوحين أنها ~~ثابتة لهم ، وأنهم قد شهروا بها ، وأنهم لم يصفوا إلا بالمعلوم الظاهر الذي ~~لا يدفعه أحد كما قال : # ( وتعذلني أفناء سعد عليهم % وما قلت إلا بالذي علمت سعد ) # وكما قال البحتري : # ( لا أدعي لأبي العلاء فضيلة % حتى يسلمها إليه عداه ) # ومثله قولهم : إنما هو أسد ، وإنما هو نار ، وإنما هو سيف صارم . إذا ~~أدخلوا إنما جعلوا في حكم الظاهر المعلوم الذي لا ينكر ، ولا يدفع ، ولا ~~يخفى . # وأما الخبر بالنفي والإثبات نحو ما هذا إلا كذا ، وإن هو إلا كذا ، فيكون ~~للأمر ينكره المخاطب ويشك فيه . فإذا قلت : ما هو إلا مصيب ، أو : ما هو ~~إلا مخطىء ؛ قلته لمن يدفع أن يكون الأمر على ما قلته . وإذا رأيت شخصا من ~~بعيد فقلت : ما هو إلا زيد ، لم تقله إلا وصاحبك يتوهم أنه ليس بزيد ، وأنه ~~إنسان آخر ، ويجد في الإنكار أن يكون زيدا . وإذا كان الأمر ظاهرا كالذي ~~مضى لم تقله كذلك ، فلا تقول للرجل ترققه على أخيه ، وتنبهه للذي يجب عليه ~~من صلة الرحم ، ومن حسن التحاب : ما هو إلا أخوك . وكذلك لا يصلح في : إنما ~~أنت والد ، ما أنت إلا والد . فأما نحو : إنما مصعب شهاب فيصلح فيه أن تقول ~~: ما مصعب إلا شهاب . لأنه ليس من المعلوم على الصحة ، وإنما ادعى الشاعر ~~فيه أنه كذلك . وإذا كان هذا هكذا جاز أن تقوله بالنفي والإثبات . إلا أنك ~~تخرج المدح ms189 حينئذ عن أن يكون على حد المبالغة من حيث لا تكون قد ادعيت فيه ~~أنه معلوم ، وأنه بحيث لا ينكره منكر ، ولا يخالف فيه مخالف . PageV01P255 # قوله تعالى : ( @QB@ إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان ~~يعبد آباؤنا @QE@ ) . إنما جاء - والله أعلم - بإن وإلا دون إنما فلم يقل : ~~إنما أنتم بشر مثلنا ، لأنهم جعلوا الرسل كأنهم بادعائهم النبوة قد أخرجوا ~~أنفسهم عن أن يكونوا بشرا مثلهم ، وادعوا أمرا لا يجوز أن يكون لمن هو بشر ~~. # ولما كان الأمر كذلك أخرج اللفظ مخرجه ، حيث يراد إثبات أمر يدفعه ~~المخاطب ، ويدعي خلافه . ثم جاء الجواب من الرسل الذي هو قوله تعالى : ( ~~@QB@ قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم @QE@ ) كذلك بإن وإلا دون إنما ~~لأن من حكم من ادعى عليه خصمه الخلاف في أمر ، هو لا يخالف فيه أن يعيد ~~كلام الخصم على وجهه ، ويجيء به على هيئته ، ويحكيه كما هو . فإذا قلت ~~للرجل : أنت من شأنك كيت وكيت . قال : نعم أنا من شأني كيت وكيت ، ولكن لا ~~ضير علي ولا يلزمني من أجل ذلك ما ظننت أنه يلزم . فالرسل صلوات الله عليهم ~~كأنهم قالوا : إن ما قلتم من أنا بشر مثلكم كما قلتم : لسنا ننكر ذلك ولا ~~نجهله ، ولكن ذلك لا يمنعنا من أن يكون الله تعالى قد من علينا وأكرمنا ~~بالرسالة . وأما قوله تعالى : ( @QB@ قل إنما أنا بشر مثلكم @QE@ ) . فجاء ~~بإنما لأنه ابتداء كلام قد أمر النبي بأن يبلغه إياهم ، ويقوله معهم ، وليس ~~هو جوابا لكلام سابق قد قيل فيه : إن أنت إلا بشر مثلنا . فيجب أن يؤتى به ~~على وفق ذلك الكلام ، ويراعى فيه حذوه كما كان ذلك في الآية الأولى . # وجملة الأمر أنك متى رأيت شيئا هو من المعلوم الذي لا يشك فيه قد جاء ~~بالنفي ، فذلك لتقدير معنى صار به في حكم المشكوك فيه . فمن ذلك قوله تعالى ~~: ( @QB@ وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير @QE@ ) إنما جاء ~~والله أعلم بالنفي والإثبات لأنه لما ms190 قال تعالى : ( @QB@ وما أنت بمسمع من ~~في القبور @QE@ ) . وكان المعنى في ذلك أن يقال للنبي : إنك PageV01P256 لن ~~تستطيع أن تحول قلوبهم عما هي عليه من الإباء ، ولا تملك أن توقع الإيمان ~~في نفوسهم مع إصرارهم على كفرهم ، واستمرارهم على جهلهم ، وصدهم بأسماعهم ~~عما تقوله لهم وتتلوه عليهم . كان اللائق بهذا أن يجعل حال النبي حال من قد ~~ظن أنه يملك ذلك ، ومن لا يعلم يقينا أنه ليس في وسعه شيء أكثر من أن ينذر ~~ويحذر . فأخرج اللفظ مخرجه إذا كان الخطاب مع من يشك فقل : ( @QB@ إن أنت ~~إلا نذير @QE@ ) ، ويبين ذلك أنك تقول للرجل يطيل مناظرة الجاهل ومقاولته : ~~إنك لا تستطيع أن تسمع الميت ، وأن تفهم الجماد ، وأن تحول الأعمى بصيرا ، ~~وليس بيدك إلا أن تبين وتحتج ، ولست تملك أكثر من ذلك ؛ لا تقول هاهنا : ~~فإنما الذي بيدك أن تبين وتحتج . ذلك لأنك لم تقل له : إنك لا تستطيع أن ~~تسمع الميت ، حتى جعلته بمثابة من يظن أنه يملك وراء الاحتجاج والبيان شيئا ~~. وهذا واضح فاعرفه . ومثل هذا في أن الذي تقدم من الكلام اقتضى أن يكون ~~اللفظ كالذي تراه من كونه بإن وإلا قوله تعالى : ( @QB@ قل لا أملك لنفسي ~~نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما ~~مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون @QE@ ) . $ فصل هذا بيان آخر ~~في ' إنما ' # اعلم أنها تفيد في الكلام بعدها إيجاب الفعل لشيء ، ونفيه عن غيره . فإذا ~~قلت : إنما جاءني زيد ، عقل منه أنك أردت أن تنفي أن يكون الجائي غيره . ~~فمعنى الكلام معها شبيه بالمعنى في قولك : جاءني زيد لا عمر و إلا أن لها ~~مزية ، وهي أنك تعقل معها إيجاب الفعل لشيء ، ونفيه عن غيره دفعة واحدة ، ~~وفي حال واحدة . وليس كذلك الأمر في : جاءني زيد لا عمر و . فإنك تعقلهما ~~في حالين . ومزية ثانية وهي أنها تجعل الأمر ظاهرا في أن الجائي زيد ، ولا ~~يكون هذا الظهور إذا جعلت الكلام بلا ms191 فقلت : جاءني زيد لا عمرو . # ثم اعلم أن قولنا في ' لا ' العاطفة : إنها تنفي عن الثاني ما وجب للأول ~~، ليس المراد به أنها تنفي عن الثاني أن يكون قد شارك الأول في الفعل ، بل ~~إنها تنفي أن يكون الفعل الذي قلت إنه كان من الأول قد كان من الثاني دون ~~الأول . ألا ترى أن ليس المعنى PageV01P257 في قولك : جاءني زيد لا عمرو ، ~~أنه لم يكن من عمر و مجيء إليك مثل ما كان من زيد ، حتى كأنه عكس قولك : ~~جاءني زيد وعمر و . بل المعنى أن الجائي هو زيد لا عمر و ، فهو كلام تقوله ~~مع من يغلط في الفعل قد كان من هذا ، فيتوهم أنه كان من ذلك . والنكتة أنه ~~لا شبهة في أن ليس ها هنا جائيان ، وأنه ليس إلا جاء واحد ، وإنما الشبهة ~~في أن ذلك الجائي زيد أم عمر و . فأنت تحقق على المخاطب بقولك : جاءني زيد ~~لا عمر و ، أنه زيد وليس بعمر و . ونكتة أخرى وهي أنك لا تقول : جاءني زيد ~~لا عمر و ، حتى يكون قد بلغ المخاطب أنه كان مجيء إليك من جاء . إلا أنه ظن ~~أنه كان من عمر و ، فأعلمته أنه لم يكن من عمر و ، ولكن من زيد . # وإذ قد عرفت هذه المعاني في الكلام ب ' لا ' العاطفة ، فاعلم أنها ~~بجملتها قائمة لك في الكلام بإنما فإذا قلت : إنما جاءني زيد . لم يكن غرضك ~~أن تنفي أن يكون قد جاء مع زيد غيره ، ولكن أن تنفي أن يكون المجيء الذي ~~قلت إنه كان منه كان من عمر و . وكذلك تكون الشبهة مرتفعة في أن ليس هاهنا ~~جائيان ، وأن ليس إلا جاء واحد . وإنما تكون الشبهة في أن ذلك الجائي زيد ~~أم عمر و . فإذا قلت : إنما جاءني زيد . حتى يكون قد بلغ المخاطب أن قد ~~جاءك جاء ، ولكنه ظن أنه عمرو مثلا فأعلمته أنه زيد . فإن قلت : فإنه قد ~~يصح أن تقول : إنما جاءني من بين القوم زيد وحده ms192 ، وإنما أتاني من جملتهم ~~عمر و فقط . فإن ذلك شيء كالتكلف ، والكلام هو الأول . ثم الاعتبار به إذا ~~أطلق فلم يقيد ب ' وحده ' وما في معناه . ومعلوم أنك إذا قلت : إنما جاءني ~~زيد ، ولم تزد على ذلك أنه لا يسبق إلى القلب من المعنى إلا ما قدمنا شرحه ~~من أنك أردت النص على زيد أنه الجائي ، وأن تبطل ظن المخاطب أن المجيء لم ~~يكن منه ، ولكن كان من عمر و ، حسب ما يكون إذا قلت : جاءني زيد لا عمر و ، ~~فاعرفه . # وإذ قد عرفت هذه الجملة فإنا نذكر جملة من القول في ما وإلا ، وما يكون ~~من حكمهما . # اعلم أنك إذا قلت : ما جاءني إلا زيد ، احتمل أمرين ؛ أحدهما : أن تريد ~~اختصاص زيد بالمجيء ، وأن تنفيه عمن عداه . وأن يكون كلاما تقوله لا لأن ~~بالمخاطب حاجة إلى أن تعلم أن زيدا قد جاءك ، ولكن لأن به حاجة إلى أن يعلم ~~أنه لم يجئ إليك غيره . والثاني : أن تريد الذي ذكرناه في ' إنما ' ، ويكون ~~كلاما تقوله ليعلم أن الجائي زيد لا غيره . فمن ذلك قولك للرجل يدعي أنك ~~قلت قولا ثم قلت خلافه : ما قلت اليوم إلا ما قلته أمس بعينه . PageV01P258 ~~ويقول : لم تر زيدا ، وإنما رأيت فلانا . فتقول : بل لم أر إلا زيدا . وعلى ~~ذلك قوله تعالى : ( @QB@ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي ~~وربكم @QE@ ) ، لأنه ليس المعنى أني لم أزد على ما أمرتني به شيئا ، ولكن ~~المعنى أني لم أدع ما أمرتني به أن أقوله لهم وقلت خلافه . ومثال ما جاء في ~~الشعر من ذلك قوله ، + السريع + : # ( قد علمت سلمى وجاراتها % ما قطر الفارس إلا أنا ) # المعنى : أنا الذي قطر الفارس ، وليس المعنى على أنه يريد أن يزعم أنه ~~انفرد بأن قطره ، وأنه لم يشركه فيه غيره . # وهاهنا كلام ينبغي أن تعلمه ، إلا أني أكتب لك من قبله مسألة لأن فيها ~~عونا عليه . قوله تعالى : ( @QB@ إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ ) ~~في تقديم اسم الله ms193 عز وجل معنى ، خلاف ما يكون لو أخر . وإنما يبين لك ذلك ~~إذا اعتبرت الحكم في ' ما ' و ' إلا ' وحصلت الفرق بين أن تقول : ما ضرب ~~زيدا إلا عمر و ، وبين قولك : ما ضرب عمر و إلا زيدا . والفرق بينهما أنك ~~إذا قلت : ما ضرب زيدا إلا عمر و ؛ فقدمت المنصوب كان الغرض بيان الضارب من ~~هو ، والإخبار بأنه عمرو خاصة دون غيره وإذا قلت ما ضرب عمرو إلا زيدا ~~فقدمت المرفوع كان الغرض بيان المضروب من هو والإخبار بأنه زيد خاصة دون ~~غيره . # وإذ قد عرفت ذلك فاعتبر به الآية . وإذا اعتبرتها به علمت أن تقديم اسم ~~الله تعالى إنما كان لأجل أن الغرض أن يبين الخاشون من هم ، ويخبر بأنهم ~~العلماء خاصة دون غيرهم . ولو أخر ذكر اسم ، الله ، وقدم العلماء فقيل : ~~إنما يخشى العلماء الله ، لصار المعنى على ضد ما هو عليه الآن ، ولصار ~~الغرض بيان المخشي من هو ، والإخبار بأنه الله تعالى دون غيره . ولم يجب ~~حينئذ أن تكون الخشية من الله تعالى مقصورة على العلماء ، وأن PageV01P259 ~~يكونوا مخصوصين بها كما هو الغرض في الآية . بل كان يكون المعنى أن غير ~~العلماء يخشون الله تعالى أيضا ، إلا أنهم مع خشيتهم الله تعالى يخشون معه ~~غيره ، والعلماء لا يخشون غير الله تعالى . وهذا المعنى ، وإن كان قد جاء ~~في التنزيل في غير هذه الآية كقوله تعالى : ( @QB@ ولا يخشون أحدا إلا الله ~~@QE@ ) فليس هو الغرض في الآية ، ولا اللفظ بمحتمل له البتة . ومن أجاز ~~حملها عليه كان قد أبطل فائدة التقديم وسوى بين قوله تعالى : ( @QB@ إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء @QE@ ) وبين أن يقال : إنما يخشى العلماء الله ~~. وإذا سوى بينهما لزمه أن يسوي بين قولنا : ما ضرب زيدا إلا عمر و ، وبين ~~: ما ضرب عمر و إلا زيدا . وذلك ما لا شبهة في امتناعه . # فهذه هي المسألة . وإذ قد عرفتها فالأمر فيها بين أن الكلام بما وإلا قد ~~يكون في معنى الكلام بإنما . ألا ترى إلى وضوح ms194 الصورة في قولك : ما ضرب ~~زيدا إلا عمر و ، وما ضرب عمر و إلا زيدا ، أنه في الأول لبيان من الضارب . ~~وفي الثاني لبيان من المضروب ؟ وإن كان تكلفا أن تحمله على نفي الشركة ~~فتريد بما ضرب زيدا إلا عمرو أنه لم يضربه اثنان ، وبما ضرب عمر و إلا زيدا ~~أنه لم يضرب اثنين . # ثم اعلم أن السبب في أن لم يكن تقديم المفعول في هذا كتأخيره ، ولم يكن ~~ما ضرب زيدا إلا عمر و ، وما ضرب عمر و إلا زيدا ، سواء في المعنى أن ~~الاختصاص يقع في واحد من الفاعل والمفعول ، ولا يقع فيهما جميعا . ثم إنه ~~يقع في الذي يكون بعد ' إلا ' منهما دون الذي قبلها ، لاستحالة أن يحدث ~~معنى الحرف في الكلمة قبل أن يجيء الحرف . وإذا كان الأمر كذلك وجب أن ~~يفترق الحال بين أن تقدم المفعول على ' إلا ' فتقول : ما ضرب زيدا إلا عمر ~~و ؛ وبين أن تقدم الفاعل فتقول : ما ضرب عمر و إلا زيدا . لأنا إن زعمنا أن ~~الحال لا يفترق ، جعلنا المتقدم كالمتأخر في جواز حدوثه فيه . وذلك يقتضي ~~المحال الذي هو أن يحدث معنى ' إلا ' في الاسم من قبل أن تجيء بها ، فاعرفه ~~. # وإذ قد عرفت أن الاختصاص مع ' إلا ' يقع في الذي تؤخره من الفاعل ~~والمفعول ، فكذلك يقع مع ' إنما ' في المؤخر منهما دون المقدم . فإذا قلت : ~~إنما ضرب زيدا عمر و ، كان الاختصاص في الضارب . وإذا قلت : إنما ضرب عمر و ~~زيدا ، كان الاختصاص في PageV01P260 المضروب . وكما لا يجوز أن يستوي الحال ~~بين التقديم والتأخير مع ' إلا ' كذلك لا يجوز مع ' إنما ' . وإذا استبنت ~~هذه الجملة عرفت منها أن الذي صنعه الفرزدق في قوله : # ( . . . . . . . . . . . . . . . . وإنما % يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي ~~) # شيء لو لم يصنعه لم يصح له المعنى . ذاك لأن غرضه أن يخص المدافع لا ~~المدافع عنه . وأنه لا يزعم أن المدافعة منه تكون عن أحسابهم لا عن أحساب ~~غيرهم ، كما يكون إذا قال : وما أدافع إلا عن ms195 أحسابهم . وليس ذلك معناه ~~إنما معناه أن يزعم أن المدافع هو لا غيره ، فاعرف ذلك فإن الغلط كما أظن ~~يدخل على كثير ممن تسمعهم يقولون : إنه فصل الضمير للحمل على المعنى . فيرى ~~أنه لو لم يفصله لكان يكون معناه مثله الآن . هذا ولا يجوز أن ينسب فيه إلى ~~الضرورة ، فيجعل مثلا نظير قول الآخر ، + الهزج + : # ( كأنا يوم قرى إنما % نقتل إيانا ! ) # لأنه ليس به ضرورة إلى ذلك من حيث إن أدافع ويدافع واحد في الوزن ، فاعرف ~~هذا أيضا . # وجملة الأمر أن الواجب أن يكون اللفظ على وجه يجعل الاختصاص فيه للفرزدق ~~، وذلك لا يكون إلا بأن يقدم الأحساب على ضميره ، وهو لو قال : وإنما أدافع ~~عن أحسابهم ، استكن ضميره في الفعل ، فلم يتصور تقديم الأحساب عليه ، ولم ~~يقع ' الأحساب ' إلا مؤخرا عن ضمير الفرزدق . وإذا تأخرت انصرف الاختصاص ~~إليها لا محالة . # فإن قلت : إنه كان يمكنه أن يقول : ' وإنما أدافع عن أحسابهم أنا ' فيقدم ~~الأحساب على ' أنا ' . قيل إنه إذا قال : أدافع ، كان الفاعل الضمير ~~المستكن في الفعل ، وكان ' أنا ' الظاهر تأكيدا له ، أعني للمستكن . والحكم ~~يتعلق بالمؤكد دون التأكيد ، لأن التأكيد PageV01P261 كالتكرير ؛ فهو يجيء ~~من بعد نفوذ الحكم ، ولا يكون تقديم الجار مع المجرور الذي هو قوله عن ~~أحسابهم ، على الضمير الذي هو تأكيد تقديما له على الفاعل ، لأن تقديم ~~المفعول على الفاعل إنما يكون إذا ذكرت المفعول قبل أن تذكر الفاعل . ولا ~~يكون لك إذا قلت : ' وإنما أدافع عن أحسابهم ' سبيل إلى أن تذكر المفعول ~~قبل أن تذكر الفاعل ، لأن ذكر الفاعل هاهنا هو ذكر الفعل من حيث إن الفاعل ~~مستكن في الفعل فكيف يتصور تقديم شيء عليه ؟ فاعرفه # واعلم أنك إن عمدت إلى الفاعل والمفعول فأخرتهما جميعا إلى ما بعد إلا ~~فإن الاختصاص يقع حينئذ في الذي يلي ' إلا ' منهما . فإذا قلت : ما ضرب إلا ~~عمر و زيدا ، كان الاختصاص في الفاعل ، وكان المعنى أنك قلت : إن الضارب ~~عمر و لا غيره . وإن قلت : ما ضرب إلا ms196 زيدا عمر و ، كان الاختصاص في ~~المفعول ، وكان المعنى أنك قلت : إن المضروب زيد لا من سواه . وحكم ~~المفعولين حكم الفاعل والمفعول فيما ذكرت لك . تقول : لم يكس إلا زيدا جبة ~~. فيكون المعنى أنه خص الجبة من أصناف الكسوة . وكذلك الحكم حيث يكون بدل ~~أحد المفعولي جار ومجرور كقول السيد الحميري ، + السريع + : # ( لو خير المنبر فرسانه % ما اختار إلا منكم فارسا ) # الاختصاص في ' منكم ' دون ' فارسا ' . ولو قلت : ما اختار إلا فارسا منكم ~~، صار الاختصاص في ' فارسا ' . # واعلم أن الأمر في المبتدأ والخبر إن كانا بعد ' إنما ' على العبرة التي ~~ذكرت لك في الفاعل والمفعول ، إذا أنت قدمت أحدهما على الآخر . معنى ذلك ~~أنك إن تركت الخبر في موضعه فلم تقدمه على المبتدأ كان الاختصاص فيه . وإن ~~قدمته على المبتدأ صار PageV01P262 الاختصاص الذي كان فيه في المبتدأ . ~~تفسير هذا أنك تقول : إنما هذا لك . فيكون الاختصاص في ' لك ' بدلالة أنك ~~تقول : إنما هذا لك لا لغيرك . وتقول إنما لك هذا . فيكون الاختصاص في ' لك ~~' بدلالة أنك تقول : إنما هذا لك لا لغيرك وتقول : إنما لك هذا ، فيكون ~~الاختصاص في ' هذا ' بدلالة أنك تقول : إنما لك هذا لا ذاك : والاختصاص ~~يكون أبدا في الذي إذا جئت بلا العاطفة كان العطف عليه . وإن أردت أن يزداد ~~ذلك عندك وضوحا فانظر إلى قوله تعالى : ( @QB@ فإنما عليك البلاغ وعلينا ~~الحساب @QE@ ) وقوله عز وعلا : ( @QB@ إنما السبيل على الذين يستأذنونك ~~@QE@ ) . فإنك ترى الأمر ظاهرا أن الاختصاص في الآية الأولى في المبتدأ ~~الذي هو البلاغ والحساب دون الخبر الذي هو عليك وعلينا ، وأنه في الآية ~~الثانية في الخبر الذي هو ' على الذين ' دون المبتدأ الذي هو ' السبيل ' . # واعلم أنه إذا كان الكلام بما وإلا كان الذي ذكرته من أن الاختصاص يكون ~~في الخبر ، إن لم تقدمه ، وفي المبتدأ إن قدمت الخبر أوضح وأبين ؛ تقول : ~~ما زيد إلا قائم ؛ فيكون المعنى أنك اختصصت القيام من بين الأوصاف التي ~~يتوهم كون زيد عليها بجعله صفة له . وتقول : ما قائم ms197 إلا زيد ؛ فيكون ~~المعنى أنك اختصصت زيدا بكون موصوفا بالقيام . فقد قصرت في الأول الصفة على ~~الموصوف ، وفي الثاني الموصوف على الصفة . # واعلم أن قولنا في الخبر إذا أخر نحو ' ما زيد إلا قائم ' ؛ أنك اختصصت ~~القيام من بين الأوصاف التي يتوهم كون زيد عليها ، ونفيت ما عدا القيام عنه ~~. فإنما نعني أنك نفيت عنه الأوصاف التي تنافي القيام ، نحو أن يكون جالسا ~~، أو مضطجعا ، أو متكئا أو ما شاكل ذلك . ولم نرد أنك نفيت ما ليس من ~~القيام بسبيل ؛ إذ لسنان ننفي عنه بقولنا : ما هو إلا قائم ؛ أن يكون أسود ~~أو أبيض ، أو طويلا أو قصيرا ، أو عالما أو جاهلا . كما إنا إذا قلنا : ما ~~قائم إلا زيد ؛ لم نرد أنه ليس في الدنيا قائم سواه ، وإنما نعني ما قائم ~~حيث نحن وبحضرتنا ، وما أشبه ذلك . PageV01P263 # واعلم أن الأمر بين في قولنا : ما زيد إلا قائم ؛ أن ليس المعنى على نفي ~~الشركة ، ولكن على نفي أن لا يكون المذكور ، ويكون بدله شيء آخر . ألا ترى ~~أن ليس المعنى أنه ليس له مع القيام صفة أخرى ؟ بل المعنى أن ليس له بدل ~~القيام صفة ليست بالقيام ، وأن ليس القيام منفيا عنه ، وكائنا مكانه فيه ~~القعود أو الاضطجاع أو نحوهما . فإن قلت : فصورة المعنى إذا صورته إذا وضعت ~~الكلام بإنما فقلت إنما هو قائم . ونحن نرى أنه يجوز في هذا أن تعطف بلا ~~فتقول : إنما هو قائم لا قاعد ، ولا نرى ذلك جائزا مع ما وإلا ، إذ ليس من ~~كلام الناس أن يقولوا : ما زيد إلا قائم لا قاعد ، فإن ذلك إنما لم يجز من ~~حيث إنك إذا قلت : ما زيد إلا قائم ، فقد نفيت عنه كل صفة تنافي القيام . ~~وصرت كأنك قلت : ليس هو بقاعد ولا مضطجع ولا متكىء . وهكذا حتى لا تدع صفة ~~يخرج بها من القيام . # فإذا قلت من بعد ذلك : لا قاعد ، كنت قد نفيت بلا العاطفة شيئا قد بدأت ~~فنفيته ، وهي موضوعة لأن تنفي بها ms198 ما بدأت ، فأوجبته لا لأن تفيد بها النفي ~~في شيء قد نفيته . ومن ثم لم يجز أن تقول : ما جاءني أحد لا زيد على أن ~~تعمد إلى بعض ما دخل في النفي بعموم أحد فتنفيه على الخصوص ، بل كان الواجب ~~إذا أردت ذلك أن تقول : ما جاءني أحد ولا زيد ؛ فتجىء بالواو من قبل ' لا ' ~~حتى تخرج بذلك عن أن تكون عاطفة فاعرف ذلك . # وإذ قد عرفت فساد أن تقول : ما زيد إلا قائم لا قاعد ؛ فإنك تعرف بذلك ~~امتناع أن تقول : ما جاءني إلا زيد لا عمر و ، وما ضربت إلا زيدا لا عمرا ، ~~وما شاكل ذلك . وذلك أنك إذا قلت : ما جاءني إلا زيد ؛ فقد نفيت أن يكون قد ~~جاءك أحد غيره . فإذا قلت : لا عمر و ، كنت قد طلبت أن تنفي بلا العاطفة ~~شيئا قد تقدمت فنفيته وذلك - كما عرفتك - خروج بها عن المعنى الذي وضعت له ~~إلى خلافه . فإن قيل : فإنك إذا قلت : إنما جاءني زيد ؛ فقد نفيت فيه أيضا ~~أن يكون المجىء قد كان من غيره ، فكان ينبغي أن لا يجوز فيه أيضا أن تعطف ~~بلا فتقول : إنما جاءني زيد لا عمر و ، قيل : إن الذي قلته من أنك إذا قلت ~~: إنما جاءني زيد ، فقد نفيت فيه أيضا المجىء عن غيره غير مسلم لك على ~~حقيقته ، وذلك أنه ليس معك إلا قولك : جاءني زيد ، وهو كلام كما تراه مثبت ~~ليس فيه نفي البتة ، كما كان في قولك : ما جاءني إلا زيد . وإنما فيه أنك ~~وضعت يدك على زيد ، فجعلته الجائي . وذلك PageV01P264 وإن أوجب انتفاء ~~المجيء عن غيره ، فليس يوجبه من أجل أن كان ذلك إعمال نفي في شيء . وإنما ~~أوجبه من حييث كان المجيء الذي أخبرت به مجيئا مخصوصا ، إذا كان لزيد لم ~~يكن لغيره . والذي أبيناه أن تنفي بلا العاطفة عن شيء ، وقد نفيته عنه لفظا ~~. # ونظير هذا أنا نعقل من قولنا : زيد هو الجائي . أن هذا المجيء لم يكن من ~~غيره ، ثم لا ms199 يمنع ذلك من أن تجيء فيه بلا العاطفة فتقول : زيد هو الجائي ~~لا عمر و . لأنا لم نعقل ما عقلناه من انتفاء المجيء عن غيره بنفي أوقعناه ~~على شيء ، ولكن بأنه لما كان المجيء المقصود مجيئا واحدا كان النص على ' ~~زيد ' بأنه فاعله ، وإثباته له نفيا له عن غيره ، ولكن من طريق المعقول لا ~~من طريق أن كان في الكلام نفي ، كما كان ثم ، فاعرفه . فإن قيل : فإنك إذا ~~قلت : ما جاءني إلا زيد . ولم يكن غرضك أن تنفي أن يكون قد جاء معه واحد ~~آخر كان المجيء أيضا مجيئا واحدا . قيل : إنه وإن كان واحدا فإنك إنما تثبت ~~أن زيدا الفاعل له بأن نفيت المجيء عن كل من سوى زيد ، كما تصنع إذا أردت ~~أن تنفي أن يكون قد جاء معه جاء آخر . وإذا كان كذلك كان ما قلناه من أنك ~~إن جئت بلا العاطفة فقلت : ما جاءني إلا زيد لا عمرو ، كنت قد نفيت الفعل ~~عن شيء قد نفيته عنه مرة صحيحا ثابتا كما قلنا ، فاعرفه . # واعلم أن حكم ' غير ' في جميع ما ذكرنا حكم ' إلا ' ؛ فإذا قلعت : ما ~~جاءني غير زيد ؛ احتمل أن تريد نفي أن يكون قد جاء معه إنسان آخر ، وأن ~~تريد نفي أن لا يكون قد جاء وجاء مكانه واحد آخر . ولا يصح أن تقول : ما ~~جاءني غير زيد لا عمر و . كما لم يجز : ما جاءني إلا زيد لا عمر و . # | فصل في نكتة تتصل بالكلام الذي تضعه ب ' ما ' و ' إلا ' # اعلم أن الذي ذكرناه من أنك تقول : ما ضرب إلا عمر و زيدا . فتوقع الفاعل ~~والمفعول جميعا بعد إلا ليس بأكثر الكلام ، وإنما الأكثر أن تقدم المفعول ~~على ' إلا ' ، نحو : ما ضرب زيدا إلا عمر و . حتى إنهم ذهبوا فيه ، أعني في ~~قولك : ما ضرب إلا عمر و زيدا ، PageV01P265 إلى أنه على كلامين ، وأن زيدا ~~منصوب بفعل مضمر ، حتى كأن المتكلم بذلك أبهم في أول أمره فقال : ما ضرب ~~إلا عمر ms200 و . ثم قيل له : من ضرب ؟ فقال : ضرب زيدا . # وهاهنا - إذا تأملت - معنى لطيف يوجب ذلك ، وهو أنك إذا قلت : ' ما ضرب ~~زيدا إلا عمر و ' كان غرضك أن تختص عمرا بضرب زيد ، لا بالضرب على الإطلاق ~~. وإذا كان كذلك وجب أن تعدي الفعل إلى المفعول من قبل أن تذكر عمرا الذي ~~هو الفاعل ، لأن السامع لا يعقل عنك انك اختصصته بالفعل معدى حتى تكون قد ~~بدأت فعديته . أعني : لا يفهم عنك أنك أردت أن تختص عمرا بضرب زيد حتى ~~تذكره له معدى إلى زيد . فأما إذا ذكرته غير معدى فقلت : ما ضرب إلا عمر و ~~. فإن الذي يقع في نفسه أنك أردت أن تزعم أنه لم يكن من أحد غير عمرو ضرب ، ~~وأنه ليس هاهنا مضروب إلا وضاربه عمر و ، فاعرفه أصلا في شأن التقديم ~~والتأخير . PageV01P266 # | فصل في ' إنما ' و ' ظن ' # إن قيل : مضيت في كلامك كله على أن ' إنما ' للخبر لا يجهله المخاطب ، ~~ولا يكون ذكرك له لأن تفيده إياه . وإنا لنراها في كثير من الكلام . والقصد ~~بالخبر بعدها أن تعلم السامع أمرا قد غلط فيه بالحقيقة ، واحتاج إلى معرفته ~~كمثل ما ذكرت في أول الفصل الثاني من قولك : إنما جاءني زيد لا عمر و . ~~وتراها كذلك تدور في الكتب للكشف عن معان غير معلومة ، ودلالة المتعلم منها ~~على ما لا يعلم . # قيل : أما ما يجيء في الكلام من نحو : إنما جاء زيد لا عمر و ، فإنه وإن ~~كان يكون إعلاما لأمر لا يعلمه السامع فإنه لا بد مع ذلك من أن يدعى هناك ~~فضل انكشاف وظهور في أن الأمر كالذي ذكر . وقد قسمت في أول ما افتتحت القول ~~فيها فقلت إنها تجيء للخبر لا يجهله السامع ، ولا ينكر صحته ، أو لما تنزل ~~هذه المنزلة . وأما ما ذكرت من أنها تجيء في الكتب لدلالة المتعلم على ما ~~لم يعلمه فإنك إذا تأملت مواقعها وجدتها في الأمر الأكثر قد جاءت لأمر قد ~~وقع العلم بموجبه وشيء يدل عليه . مثال ms201 ذلك أن صاحب الكتاب قال في باب كان ~~: ' إذا قلت : كان زيد ؛ قد ابتدأت بما هو معروف عنده مثله عندك ، وإنما ~~ينتظر الخبر . فإذا قلت : حليما ؛ فقد أعلمته مثل ما علمت . وإذا قلت : كان ~~حليما ؛ فإنما ينتظر أن تعرفه صاحب الصفة ' . وذاك أنه إذا كان معلوما أنه ~~لا يكون مبتدأ من غير خبر ، ولا خبر من غير مبتدأ كان معلوما أنك إذا قلت : ~~كان زيد . فالمخاطب ينتظر الخبر . وإذا قلت : كان حليما ، أنه ينتظر الاسم ~~، فلم يقع إذا بعد ' إنما ' إلا شيء كان معلوما للسامع من قبل أن ينتهي ~~إليه . # ومما الأمر فيه بين قوله في باب ظننت : وإنما تحكي بعد ' قلت ' ما كان ~~كلاما لا PageV01P267 قولا . وذلك أنه معلوم أنك لا تحكي بعد ' قلت ' إذا ~~كنت تنحو نحو المعنى ، إلا ما كان جملة مفيدة . فلا تقول : قال فلان : زيد ~~وتسكت ، اللهم إلا أن تريد أنه نطق بالاسم على هذه الهيئة ، كأنك تريد أنه ~~ذكره مرفوعا . ومثل ذلك قولهم : إنما يحذف الشيء إذا كان في الكلام دليل ~~عليه . إلى أشباه ذلك مما لا يحصى . فإن رأيتها قد دخلت على كلام هو ابتداء ~~إعلام بشيء لم يعلمه السامع فلأن الدليل عليه حاضر منعه ، والشيء بحيث يقع ~~العلم به عن كثب . واعلم أنه ليس يكاد ينتهي ما يعرض بسبب هذا الحرف من ~~الدقائق . # ومما يجب أن يعلم أنه إذا كان الفعل بعدها فعلا لا يصح إلا من المذكور ، ~~ولا يكون من غيره كالتذكر الذي يعلم أنه لا يكون إلا من أولي الألباب لم ~~يحسن العطف بلا فيه ، كما يحسن فيما لا يختص بالمذكور ، ويصح من غيره . ~~تفسير هذا أنه لا يحسن أن تقول : إنما يتذكر أولو الألباب لا الجهال . كما ~~يحسن أن تقول : إنما يجيء زيد لا عمر و . ثم إن النفي فيما يجيء فيه النفي ~~يتقدم تارة ويتأخر أخرى . فمثال التأخير ما تراه في قولك : إنما يجيء زيد ~~لا عمر و . وكقوله تعالى : ( @QB@ إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر @QE@ ) . # وكقول لبيد ms202 ، + الرمل + : # ( إنما يجزي الفتى ليس الجمل % ) # ومثال التقديم قولك : ما جاءني زيد ، وإنما جاءني عمر و . وهذا مما أنت ~~تعلم به مكان الفائدة فيها ، وذلك أنك تعلم ضرورة أنك لو لم تدخلها وقلت : ~~ما جاءني زيد ، وجاءني عمر و لكان الكلام مع من ظن أنهما جاءاك جميعا ، وأن ~~المعنى الآن مع دخولها أن الكلام مع من غلط في عين الجائي ، فظن أنه كان ~~زيدا لا عمرا . # وأمر آخر ، وهو ليس ببعيد أن يظن الظان أنه ليس في انضمام ' ما ' إلى ' ~~إن ' فائدة أكثر PageV01P268 من أنها تبطل عملها حتى ترى النحويين لا ~~يزيدون في أكثر كلامهم على أنها كافة . ومكانها هاهنا يزيل هذا الظن ويبطله ~~. وذلك أنك ترى أنك لو قلت : ما جاءني زيد ، وإن عمرا جاءني ؛ لم يعقل منه ~~أنك أردت أن الجائي عمر و لا زيد ، بل يكون دخول إن كالشيء الذي لا يحتاج ~~إليه ، ووجدت المعنى ينبو عنه . # ثم اعلم أنك إذا استقريت وجدتها أقوى ما تكون ، وأعلق ما ترى بالقلب ، ~~إذا كان لا يراد بالكلام بعدها نفس معناه ، ولكن التعريض بأمر هو مقتضاه ، ~~نحو أنا نعلم أن ليس الغرض من قوله تعالى : ( @QB@ إنما يتذكر أولوا ~~الألباب @QE@ ) أن يعلم السامعون ظاهر معناه ، ولكن أن يذم الكفار ، وأن ~~يقال : إنهم من فرط العناد . ومن غلبة الهوى عليهم في حكم من ليس بذي عقل . ~~وإنكم إن طمعتم منهم في أن ينظروا ويتذكروا كنتم كمن طمع في ذلك من غير ~~أولي الألباب . وكذلك قوله : ( @QB@ إنما أنت منذر من يخشاها @QE@ ) وقوله ~~عز اسمه : ( @QB@ إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب @QE@ ) . المعنى على ~~أن من لم تكن له هذه الخشية فهو كأنه ليس له أذن تسمع وقلب يعقل . فالإنذار ~~معه كلا إنذار . ومثال ذلك من الشعر قوله ، + مجزوء الرمل + : # ( أنا لم أرزق محبتها % إنما للعبد ما رزقا ) # الغرض أن يفهمك من طريق التعريض أنه قد صار ينصح نفسه ، ويعلم أنه ينبغي ~~له أن يقطع الطمع من وصلها ، وييأس من أن يكون منها إسعاف . ومن ms203 ذلك قوله ، ~~+ البسيط + : # ( وإنما يعذر العشاق من عشقا % ) PageV01P269 # يقول : إنه ليس ينبغي للعاشق أن يلوم من يلومه في عشقه ، وأنه ينبغي أن ~~لا ينكر ذلك منه ؛ فإنه لا يعلم كنه البلوى في العشق . ولو كان ابتلي به ~~لعرف ما هو فيه فعذره . وقوله ، + الكامل + : # ( ما أنت بالسبب الضعيف وإنما % نجح الأمور بقوة الأسباب ) # ( فاليوم حاجتنا إليك ، وإنما % يدعى الطبيب لساعة الأوصاب ) # يقول في البيت الأول : إنه ينبغي أن أنجح في أمري حين جعلتك السبب إليه . ~~ويقول في الثاني : إنا قد وضعنا الشيء في موضعه ، وطلبنا الأمر من جهته حين ~~استعنا بك فيما عرض من الحاجة ، وعولنا على فضلك . كما أن من عول على ~~الطبيب فيما يعرض له من السقم كان قد أصاب بالتعويل موضعه ، وطلب الشيء من ~~معدنه . # ثم إن العجب في أن هذا التعريض الذي ذكرت لك لا يحصل من دون ' إنما ' فلو ~~قلت : يتذكر أولو الألباب ، لم يدل على ما دل عليه في الآية ، وإن كان ~~الكلام لم يتغير في نفسه ، وليس إلا أنه ليس فيه ' إنما ' . والسبب في ذلك ~~أن هذا التعريض إنما وقع بأن كان من شأن إنما أن تضمن الكلام معنى النفي من ~~بعد الإثبات ، والتصريح بامتناع التذكر ممن لا يعقل . وإذا أسقطت من الكلام ~~فقيل : يتذكر أولو الألباب ، كان مجرد وصف لأولي الألباب بأنهم يتذكرون . ~~ولم يكن فيه معنى نفي للتذكر عمن ليس منهم . ومحال أن يقع تعرض لشيء ليس له ~~في الكلام ذكر ، ولا فيه دليل عليه . فالتعريض بمثل هذا أعني بأن يقول : ~~يتذكر أولو الألباب ، بإسقاط ' إنما ' يقع إذا إن وقع بمدح إنسان بالتيقظ ، ~~وبأنه فعل ما فعل ، وتنبه لما تنبه له لعقله ولحسن تمييزه ، كما يقال : ~~كذلك يفعل العاقل ، وهكذا يفعل الكريم . وهذا موضع فيه دقة وغموض ، وهو مما ~~لا يكاد يقع في نفس أحد أنه ينبغي أن يتعرف سببه ، ويبحث عن حقيقة الأمر ~~فيه . # ومما يجب لك أن تجعله على ذكر منك من معاني ' إنما ' ما عرفتك أولا من ~~أنها ms204 قد PageV01P270 تدخل في الشيء على أن يخيل فيه المتكلم أنه معلوم ، ~~ويدعي أنه من الصحة بحيث لا يدفعه دافع كقوله : # ( إنما مصعب شهاب من الله % ) # ومن اللطيف في ذلك قول قتب بن حصن ، + الطويل + : # ( ألا أيها الناهي فزارة بعدما % أجدت لغزو إنما أنت حالم ) # ومن ذلك قوله ( تعالى ) حكاية عن اليهود : ( @QB@ وإذا قيل لهم لا تفسدوا ~~في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون @QE@ ) دخلت ' إنما ' لتدل على أنهم حين ~~ادعوا لأنفسهم أنهم مصلحون ، أظهروا أنهم يدعون من ذلك أمرا ظاهرا معلوما . ~~وكذلك أكد الأمر في تكذيبهم والرد عليهم ، فجمع بين ' ألا ' الذي هو ~~للتنبيه وبين ' إن ' الذي هو للتأكيد ، فقال : ( @QB@ ألا إنهم هم المفسدون ~~ولكن لا يشعرون @QE@ ) . # | فصل في ' المحاكاة ' و ' النظم ' # أعلم أنه لا يصح تقدير الحكاية في النظم والترتيب ، بل لن تعدو الحكاية ~~الألفاظ وأجراس الحروف ، وذلك أن الحاكي هو من يأتي بمثل ما أتى به المحكي ~~عنه ، ولا بد أن تكون حكايته فعلا له ، وأن يكون بها عاملا عملا مثل عمل ~~المحكي عنه ، نحو أن يصوغ إنسان خاتما فيبدع فيه صنعة ، ويأتي في صناعته ~~بخاصة تستغرب ، فيعمد واحد آخر فيعمل خاتما على تلك الصورة والهيئة ، ويجيء ~~بمثل صنعته فيه ، ويؤديها كما هي ، فيقال عند ذلك : إنه قد حكى عمل فلان ~~وصنعة فلان . والنظم والترتيب في الكلام كما بينا عمل يعمله PageV01P271 ~~مؤلف الكلام في معاني الكلم لا في ألفاظها . وهو بما يصنع في سبيل من يأخذ ~~الأصباغ المختلفة فيتوخى فيها ترتيبا يحدث عنه ضرب من النقش والوشي . وإذا ~~كان الأمر كذلك فإنا إن تعدينا بالحكاية الألفاظ إلى النظم والترتيب أدى ~~ذلك إلى المحال ، وهو أن يكون المنشد شعر امرىء القيس قد عمل في المعاني ~~وترتيبها ، واستخراج النتائج والفوائد مثل عمل امرىء القيس ، وأن يكون حاله ~~إذا أنشد قوله ، + الطويل + # ( فقلت له لما تمطى بصلبه % وأردف أعجازا وناء بكلكل ) # حال الصائغ ؛ ينظر إلى صورة قد عملها صائغ ، من ذهب له أو فضة ، فيجيء ~~بمثلها في ذهبه وفضته . وذلك يخرج بمرتكب ms205 إن ارتكبه إلى أن يكون الراوي ~~مستحقا لأن يوصف بأنه استعار وشبه ، وأن يجعل كالشاعر في كل ما يكون به ~~ناظما ، فيقال إنه جعل هذا فاعلا وذاك مفعولا ، وهذا مبتدأ وذاك خبرا . ~~وجعل هذا حالا وذاك صفة . وأن يقال نفى كذا واثبت كذا ، وأبدل كذا من كذا ، ~~وأضاف كذا إلى كذا ، وعلى هذا السبيل ، كما يقال ذاك في الشاعر . وإذا قيل ~~ذاك لزم منه أن يقال فيه : صدق وكذب ، كما يقال في المحكي عنه ، وكفى بهذا ~~بعدا وإحالة . ويجمع هذا كله أنه يلزم منه أن يقال إنه قال شعرا كما يقال ~~فيمن حكى صنعة الصائغ في خاتم قد عمله : إنه قد صاغ خاتما . # وجملة الحديث أنا نعلم ضرورة أنه لا يتأتى لنا أن ننظم كلاما من غير روية ~~وفكر فإن كان راوي الشعر ومنشده يحكي نظم الشاعر على حقيقته ، فينبغي أن لا ~~يتأتى له رواية شعره إلا بروية ، وإلا بأن ينظر في جميع ما نظر فيه الشاعر ~~من أمر النظم ، وهذا ما لا يبقى معه موضع عذر للشاك . # هذا ، وسبب دخول الشبهة على من دخلت عليه نه لما رأى المعاني لا تتجلى ~~للسامع إلا من الألفاظ وكان لا يوقف على الأمور التي بتوخيها يكون النظم ~~إلا بأن ينظر إلى الألفاظ مرتبة على الأنحاء التي يوجبها ترتيب المعاني في ~~النفس . وجرت العادة بأن تكون المعاملة مع الألفاظ فيقال : قد نظم ألفاظا ، ~~فأحسن نظمها ، وألف كلما فأجاد تأليفها PageV01P272 جعل الألفاظ الأصل في ~~النظم وجعله يتوخى فيها أنفسها ، وترك أن يفكر في الذي بيناه من أن النظم ~~هو توخي معاني النحو في معاني الكلم ، وأن توخيها في متون الألفاظ محال . ~~فلما جعل هذا في نفسه ، ونشب هذا الاعتقاد به خرج له من ذلك أن الحاكي إذا ~~أدى ألفاظ الشعر على النسق الذي سمعها عليه كان قد حكى نظم الشاعر ، كما ~~حكى لفظه . وهذه شبهة قد ملكت قلوب الناس وعششت في صدورهم وتشربتها نفوسهم ~~، حتى إنك لترى كثيرا منهم ، وهو من حلولها عندهم محل ms206 العلم الضروري بحيث ~~إن أومأت له إلى شيء مما ذكرناه اشمأز لك ، وسك سمعه دونك ، وأظهر التعجب ~~منك ، وتلك جريرة ترك النظر ، وأخذ الشيء من غير معدنه . ومن الله التوفيق ~~. # | فصل في ضرورة ترتيب الكلام ونسبته إلى صاحبه # اعلم أنا إذا أضفنا الشعر أو غير الشعر من ضروب الكلام إلى قائله لم تكن ~~إضافتنا له من حيث هو كلم وأوضاع لغة ، ولكن من حيث توخي فيها النظم الذي ~~بينا أنه عبارة عن توخي معاني النحو في معاني الكلم ، وذاك أن من شأن ~~الإضافة الاختصاص ؛ فهي تتناول الشيء من الجهة التي تختص منها بالمضاف إليه ~~. فإذا قلت : غلام زيد ، تناولت الإضافة للغلام من الجهة التي يختص منها ~~بزيد وهو كونه مملوكا . وإذا كان الأمر كذلك فينبغي لنا أن ننظر في الجهة ~~التي يختص منها الشعر بقائله . وإذا نظرنا وجدناه يختص به من جهة توخيه في ~~معاني الكلم التي ألفه منها ما توخاه من معاني النحو . ورأينا أنفس الكلم ~~بمعزل عن الاختصاص ، ورأينا حالها معها حال الإبريسم مع الذي ينسج منه ~~الديباج وحال الفضة والذهب مع من يصوغ منهما الحلي ، فما لا يشتبه الأمر في ~~أن الديباج لا يختص بناسجه من حيث الإبريسم ، والحلي بصائغها من حيث الفضة ~~والذهب ، ولكن من جهة العمل والصنعة ، كذلك ينبغي أن لا يشتبه أن الشعر لا ~~يختص بقائله من جهة أنفس PageV01P273 الكلم وأوضاع اللغة . ويزداد تبينا ~~لذلك بأن ينظر في القائل إذا أضفته إلى الشعر فقلت : امرؤ القيس قائل هذا ~~الشعر . من أين جعلته قائلا له ؟ أمن حيث نطق بالكلم ؟ وسمعت ألفاظها من ~~فيه ؟ أم من حيث صنع في معانيها ما صنع ، وتوخى فيها ما توخى ؟ فإن زعمت ~~أنك جعلته قائلا له من حيث إنه نطق بالكلم ، وسمعت ألفاظها من فيه على ~~النسق المخصوص ، فاجعل راوي الشعر قائلا له ؛ فإنه ينطق بها ويخرجها من فيه ~~على الهيئة والصورة التي نطق بها الشاعر ، وذلك ما لا سبيل لك إليه . فإن ~~قلت : إن الراوي ، وإن كان نطق بألفاظ ms207 الشعر على الهيئة والصورة التي نطق ~~بها الشاعر فإنه لم يبتدئىء فيها النسق والترتيب ، وإنما ذلك شيء ابتدأه ~~الشاعر . لذلك جعلته القائل له دون الراوي . قيل لك : خبرنا عنك أترى أنه ~~يتصور أن يجب لألفاظ الكلم التي تراها في قوله ، + الطويل + # ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل % ) # هذا الترتيب من غير أن يتوخى في معانيها ما تعلم أن أمرا القيس توخاه من ~~كون ' نبك ' جوابا للأمر ، وكون ' من ' معدية له إلى ' ذكرى ' ، وكون ' ~~ذكرى ' ، مضافة إلى ' حبيب ' ، وكون ' منزل ' معطوفا على ' حبيب ' ، أم ذلك ~~محال ؟ فإن شككت في استحالته لم تكلم ، وإن قلت : نعم هو محال . قيل لك : ~~فإذا كان محالا أن يجب في الألفاظ ترتيب من غير أن يتوخى في معانيها معاني ~~النحو كان قولك : ' إن الشاعر ابتدأ فيها ترتيبا ' قولا بما لا يتحصل . # وجملة الأمر أنه لا يكون ترتيب في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصنعة ~~إن لم يقدم فيه ما قدم ، ولم يؤخر ما أخر ، وبدىء بالذي ثني به ، أو ثني ~~بالذي ثلث به لم تحصل لك تلك الصورة وتلك الصنعة . وإذا كان كذلك فينبغي أن ~~ينظر إلى الذي يقصد واضع الكلام أن يحصل له من الصورة والصنعة : أفي ~~الألفاظ يحصل له ذلك أم في معاني الألفاظ ؟ وليس في الإمكان أن يشك عاقل ~~إذا نظر أن ليس ذلك في الألفاظ وإنما الذي يتصور أن يكون مقصودا في الألفاظ ~~هو الوزن ، وليس هو من كلامنا في شيء ، لأنا نحن فيما لا يكون الكلام إلا ~~به وليس للوزن مدخل في ذلك PageV01P274 # | فصل في ضرورة ربط اللفظ بالمعنى # واعلم أني على طول ما عدت وأبدأت ، وقلت وشرحت في هذا الذي قام في أوهام ~~الناس من حديث اللفظ لربما ظننت أني لم أصنع شيئا ، وذاك أنك ترى الناس ~~كأنه قد قضي عليهم أن يكونوا في هذا الذي نحن بصدده على التقليد البحت ، ~~وعلى التوهم والتخيل . وإطلاق اللفظ من غير معرفة بالمعنى قد صار ذاك الدأب ~~والديدن ، واستحكم الداء منه ms208 الاستحكام الشديد . وهذا الذي بيناه وأوضحناه ~~كأنك ترى أبدا حجابا بينهم وبين أن يعرفوه ، وكأنك تسمعهم منه شيئا تلفظه ~~أسماعهم ، وتنكره نفوسهم . وحتى كأنه كلما كان الأمر أبين ، وكانوا عن ~~العلم به أبعد ، وفي توهم خلافه اقعد ، وذاك لأن الاعتقاد الأول قد نشب في ~~قلوبهم وتأشب فيها ، ودخل بعروقه في نواحيها ، وصار كالنبات السوء الذي ~~كلما قلعته عاد فنبت . والذي له صاروا كذلك أنهم حين رأوهم يفردون اللفظ عن ~~المعنى ، ويجعلون له حسنا على حدة ، ورأوهم قد قسموا الشعر ، فقالوا : إن ~~منه ما حسن لفظه ومعناه ، ومنه ما حسن لفظه دون معناه ، ومنه ما حسن معناه ~~دون لفظه ، ورأوهم يصفون اللفظ بأوصاف لا يصفون بها المعنى ؛ ظنوا أن للفظ ~~من حيث هو لفظ حسنا ومزية ونبلا وشرفا ، وأن الأوصاف التي نحلوه إياها هي ~~أوصافه على الصحة . وذهبوا عما قدمنا شرحه من أن لهم في ذلك رأيا وتدبيرا ، ~~وهو أن يفصلوا بين المعنى الذي هو الغرض وبين الصورة التي يخرج فيها ، ~~فنسبوا ما كان من الحسن والمزية في صورة المعنى إلى اللفظ ، PageV01P275 ~~ووصفوه في ذلك بأوصاف هي تخبر عن أنفسها أنها ليست له ، كقولهم إنه حلي ~~المعنى ، وإنه كالوشي عليه ، وإنه قد كسب المعنى دلا وشكلا ، وإنه رشيق ~~أنيق ، وإنه متمكن ، وإنه على قدر المعنى ؛ لا فاضل ولا مقصر ، إلى أشباه ~~ذلك مما لا يشك أنه لا يكون وصفا له من حيث هو لفظ وصدى صوت . إلا أنهم ~~كأنهم رأوا بسلا حراما أن يكون لهم في ذلك فكر وروية ، وأن يميزوا فيه ~~قبيلا من دبير . # ومما الصفة فيه للمعنى ، وإن جرى في ظاهر المعاملة على اللفظ إلا أنه ~~يبعد عند الناس كل البعد أن يكون الأمر فيه كذلك ، وأن لا يكون من صفة ~~اللفظ بالصحة والحقيقة وصفنا اللفظ بأنه مجاز . وذاك أن العادة قد جرت بأن ~~يقال في الفرق بين الحقيقة والمجاز : إن الحقيقة أن يقر اللفظ على أصله في ~~اللغة ، والمجاز أن يزال عن موضعه ، ويستعمل في غير ما وضع ms209 له ؛ فيقال : ~~أسد ، ويراد شجاع . وبحر ويراد جواد . وهو وإن كان شيئا قد استحكم في ~~النفوس ، حتى إنك ترى الخاصة فيه كالعامة ، فإن الأمر بعد فيه على خلافه . ~~وذاك أنا إذا حققنا لم نجد لفظ أسد قد استعمل على القطع والبت في غير ما ~~وضع له . ذاك لأنه لم يجعل في معنى شجاع على الإطلاق ، ولكن جعل الرجل ~~بشجاعته أسدا فالتجوز في أن ادعيت للرجل أنه في معنى الأسد ، وأنه كأنه هو ~~في قوة قلبه وشدة بطشه ، وفي أن الخوف لا يخامره ، والذعر لا يعرض له . ~~وهذا - إن أنت حصلت - تجوز منك في معنى اللفظ ، وإنما يكون اللفظ مزالا ~~بالحقيقة عن موضعه ، ومنقولا عما وضع له أن لو كنت تجد عاقلا يقول : هو أسد ~~، وهو لا يضمر في نفسه تشبيها له بالأسد ، ولا يريد إلا ما يريده إذا قال ~~هو شجاع ؛ وذلك ما لا يشك في بطلانه . # وليس العجب إلا أنهم لا يذكرون شيئا من المجاز إلا قالوا : إنه أبلغ من ~~الحقيقة فليت شعري إن كان لفظ ' أسد ' قد نقل عما وضع له في اللغة ، وأزيل ~~عنه وجعل يراد به الشجاع ، هكذا غفلا ساذجا . فمن أين يجب أن يكون قولنا : ~~أسد ، أبلغ من قولنا شجاع ؟ # وهكذا الحكم في الاستعارة ، هي وإن كانت في ظاهر المعاملة من صفة اللفظ ، ~~PageV01P276 وكنا نقول : هذه لفظة مستعارة ، قد استعير له اسم الأسد ؛ إن ~~مآل الأمر إلى أن القصد بها إلى المعنى . يدلك على ذلك أنا نقول : جعله ~~أسدا ، وجعله بدرا ، وجعله بحرا . فلو لم يكن القصد بها إلى المعنى لم يكن ~~لهذا الكلام وجه ، لأن ' جعل ' لا تصلح إلا حيث يراد إثبات صفة للشيء . ~~كقولنا : جعلته أميرا ، وجعلته واحد دهره ؛ تريد : أثبت له ذلك . وحكم ' ~~جعل ' إذا تعدى إلى مفعولين حكم ' صير ' ؛ فكما لا تقول : صيرته أميرا إلا ~~على معنى أنك أثبت له صفة الإمارة ، كذلك لا يصح أن تقول : جعلته أسدا ، ~~إلا على معنى أنك جعلته في معنى الأسد . ولا يقال : جعلته زيدا ms210 . بمعنى ~~سميته زيدا ، ولا يقال للرجل : اجعل ابنك زيدا ، بمعنى سمه زيدا ، وولد ~~لفلان ابن فجعله زيدا . وإنما يدخل الغلط في ذلك على من لا يحصل # فأما قوله تعالى : ( @QB@ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ~~@QE@ ) فإنما جاء على الحقيقة التي وصفتها ، وذاك أن المعنى على أنهم ~~أثبتوا للملائكة صفة الإناث ، واعتقدوا وجودها فيهم . وعن هذا الاعتقاد صدر ~~عنهم ما صدر من الاسم ، أعني إطلاق اسم البنات . وليس المعنى أنهم وضعوا ~~لها لفظ الإناث ، أو لفظ البنات اسما من غير اعتقاد معنى ، وإثبات صفة . ~~هذا محال لا يقوله عاقل : أما تسمع قول الله تعالى : ( @QB@ أشهدوا خلقهم ~~ستكتب شهادتهم ويسألون @QE@ ) فإن كانوا لم يزيدوا على أن أجروا الاسم على ~~الملائكة ، ولم يعتقدوا إثبات صفة ومعنى بإجرائه عليهم فأي معنى لأن يقال : ~~اشهدوا خلقهم ؟ هذا ولو كانوا لم يقصدوا إثبات صفة ، ولم يزيدوا على أن ~~وضعوه اسما لما استحقوا إلا اليسير من الذم ، ولما كان هذا القول منهم كفرا ~~، والأمر في ذلك أظهر من أن يخفى . # وجملة الأمر أنه إن قيل : إنه ليس في الدنيا علم قد عرض للناس فيه من فحش ~~الغلط ومن قبيح التورط من الذهاب مع الظنون الفاسدة ما عرض لهم في هذا ~~الشأن ، ظننت أن لا يخشى على من يقوله الكذب . وهل عجب أعجب من قوم عقلاء ~~يتلون قول الله تعالى : PageV01P277 ( @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ~~أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ ) ~~، ويؤمنون به ويدينون بأن القرآن معجز ثم يصدون بأوجههم عن برهان الإعجاز ~~ودليله ، ويسلكون غير سبيله . ولقد جنوا - لو دروا ذاك - عظيما . ~~PageV01P278 # | فصل في تحليل بعض الشواهد على اللفظ والمعنى # واعلم أنه ، وإن كانت الصورة في الذي أعدنا وأبدأنا فيه من أن لا معنى ~~للنظم غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم قد بلغت في الوضوح والظهور ~~والانكشاف إلى أقصى الغاية ، وإلى أن تكون الزيادة عليه كالتكلف لما لا ~~يحتاج إليه ، فإن النفس تنازع إلى تتبع كل ضرب ms211 من الشبهة يرى أنه يعرض ~~للمسلم نفسه عند اعتراض الشك . وإنا لنرى أن في الناس من إذا رأى أنه يجري ~~في القياس وضرب المثل أن تشبه الكلم في ضم بعضها إلى بعض بضم غزل الإبريسم ~~بعضه إلى بعض ، ورأى أن الذي ينسج الديباج ، ويعمل النقش والوشي لا يصنع ~~بالإبريسم الذي ينسج منه شيئا غير أن يضم بعضه إلى بعض ويتخير للأصباغ ~~المختلفة المواقع التي يعلم أنه إذا أوقعها فيها حدث له في نسجه ما يريد من ~~النقش والصورة جرى في ظنه أن حال الكلم في ضم بعضها إلى بعض ، وفي تخير ~~المواقع لها حال خيوط الإبريسم سواء ورأيت كلامه كلام من لا يعلم أنه لا ~~يكون الضم فيها ضما ، ولا الموقع موقعا حتى يكون قد توخى فيها معاني النحو ~~، وأنك إن عمدت إلى ألفاظ فجعلت تتبع بعضها بعضا من غير أن تتوخى فيها ~~معاني النحو لم تكن صنعت شيئا تدعى به مؤلفا ، وتشبه معه بمن عمل نسجا ، أو ~~صنع على الجملة صنيعا ، ولم يتصور أن تكون قد تخيرت لها المواقع . # وفساد هذا وشبيهه منا الظن ، وإن كان معلوما ظاهرا ، فإن هاهنا استدلالا ~~لطيفا تكثر بسببه الفائدة ، وهو أنه يتصور أن يعمد عامد إلى نظم كلام بعينه ~~فيزيله عن الصورة التي أرادها الناظم له ، ويفسدها عليه من غير أن يحول منه ~~لفظا عن موضعه ، أو يبدله بغيره ، أو يغير شيئا من ظاهر أمره على حال . ~~مثال ذلك أنك إن قدرت في بيت أبي تمام ، + الطويل + : PageV01P279 # ( لعاب الأفاعي القاتلات لعابه % وأري الجنى اشتارته أيد عواسل % ) # أن ' لعاب الأفاعي ' مبتدأ و ' لعابه ' خبر كما يوهمه الظاهر ، أفسدت ~~عليه كلامه وأبطلت الصورة التي أرادها فيه ؛ وذلك أن الغرض أن يشبه مدار ~~قلمه بلعاب الأفاعي على معنى أنه إذا كتب في إقامة السياسات ، وكذلك الغرض ~~أن يشبه مداده بأري الجني على معنى أنه إذا كتب في العطايا والصلات أوصل به ~~إلى النفوس ما تحلو مذاقته عندها ، وأدخل السرور واللذة عليها . وهذا ~~المعنى إنما يكون إذا ms212 كان ' لعابه ' مبتدأ ولعاب الأفاعي خبرا . فأما ~~تقديرك أن يكون ' لعاب الأفاعي مبتدأ ، و ' لعابه ' خبرا فيبطل ذلك ، ويمنع ~~منه البتة ، ويخرج بالكلام إلى ما لا يجوز أن يكون مرادا في مثل غرض أبي ~~تمام ، وهو أن يكون أراد أن يشبه لعاب الأفاعي بالمداد ، ويشبه كذلك الأري ~~به . فلو كان حال الكلم في ضم بعضها إلى بعض كحال غزل الإبريسم ، لكان ~~ينبغي أن لا تتغير الصورة الحاصلة من نظم كلم ، حتى تزال عن مواضعها . كما ~~لا تتغير الصورة الحادثة عن ضم غزل الإبريسم بعضه إلى بعض ، حتى تزال ~~الخيوط عن مواضعها . # واعلم أنه لا يجوز أن يكون سبيل قوله : # ( لعاب الأفاعي القاتلات لعابه % ) # سبيل قولهم : ' عتابك السيف ' . وذلك أن المعنى في بيت أبي تمام على أنك ~~تشبه شيئا بشيء لجامع بينهما في وصف . وليس المعنى في ' عتابك السيف ' على ~~أنك تشبه عتابه بالسيف ، ولكن على أن تزعم أنه يجعل السيف بدلا من العتاب . ~~أفلا ترى أنه يصح أن تقول : مداد قلمه قاتل كسم الأفاعي ، ولا يصح أن تقول ~~: عتابك كالسيف ؟ اللهم إلا أن تخرج إلى باب آخر وشيء ليس هو غرضهم بهذا ~~الكلام ، فتريد أنه قد عاتب عتابا خشنا مظلما . ثم إنك إن قلت : السيف ~~عتابك خرجت به إلى معنى ثالث ؛ وهو أن تزعم أن عتابه قد بلغ في إيلامه وشدة ~~تأثيره مبلغا صار له السيف كأنه ليس بسيف . # واعلم أنه إن نظر ناظر في شأن المعاني والألفاظ إلى حال السامع ، فإذا ~~رأى المعاني تقع في نفسه من بعد وقوع الألفاظ في سمعه ، ظن لذلك أن المعاني ~~تبع للألفاظ في PageV01P280 ترتيبها . فإن هذا الذي بيناه يريه فساد هذا ~~الظن . وذلك أنه لو كانت المعاني تكون تبعا للألفاظ في ترتيبها ، لكان ~~محالا أن تتغير المعاني والألفاظ بحالها لم تزل عن ترتيبها ، فلما رأينا ~~المعاني قد جاز فيها التغير من غير أن تتغير الألفاظ ، وتزول عن أماكنها ~~علمنا أن الألفاظ هي التابعة والمعاني هي المتبوعة . # واعلم أنه ليس من كلام يعمد واضعه ms213 فيه إلى معرفتين ؛ فيجعلهما مبتدأ ~~وخبرا ، ثم يقدم الذي هو الخبر إلا أشكل الأمر عليك فيه ، فلم تعلم أن ~~المقدم ، خبر حتى ترجع إلى المعنى وتحسن التدبر . أنشد الشيخ أبو علي في ' ~~التذكرة ' ، + الخفيف + : # ( نم وإن لم أنم كراي كراكا % ) # ثم قال : ينبغي أن يكون ' كراي ' خبرا مقدما ، ويكون الأصل ' كراك كراي ' ~~أي نم وإن لم أنم ، فنومك نومي . كما تقول : قم وإن جلست فقيامك قيامي . ~~هذا هو عرف الاستعمال في نحوه . ثم قال : وإذا كان كذلك فقد قدم الخبر ، ~~وهو معرفة وهو ينوي به التأخير من حيث كان خبرا . قال : فهو كبيت الحماسة ، ~~+ الطويل + : # ( بنونا بنو أبنائنا ، وبناتنا % بنوهن أبناء الرجال الأباعد ) # فقدم خبر المبتدأ ، وهو معرفة . وإنما دل على أنه ينوي التأخير المعنى ، ~~ولولا ذلك لكانت المعرفة إذا قدمت هي المبتدأ لتقدمها ، فافهم ذلك . هذا ~~كله لفظه . PageV01P281 # واعلم أن الفائدة تعظم في هذا الضرب من الكلام إذا أنت أحسنت النظر فيما ~~ذكرت لك من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه عن صورة إلى صورة من غير أن ~~تغير من لفظه شيئا ، أو تحول كلمة عن مكانها إلى مكان آخر ، وهو الذي وسع ~~مجال التأويل والتفسير ، حتى صاروا يتأولون في الكلام الواحد تأويلين أو ~~أكثر ، ويفسرون البيت الواحد عدة تفاسير وهو ، على ذاك ، الطريق المزلة ~~الذي ورط كثيرا من الناس في الهلكة . وهو مما يعلم به العاقل شدة الحاجة ~~إلى هذا العلم ، وينكشف معه عوار الجاهل به ، ويفتضح عنده المظهر الغنى عنه ~~. ذاك لأنه قد يدفع إلى الشيء لا يصح إلا بتقدير غير ما يريه الظاهر . ثم ~~لا يكون له سبيل إلى معرفة ذلك التقدير ، إذا كان جاهلا بهذا العلم ، ~~فيتسكع عند ذلك في العمى ، ويقع في الضلال . مثال ذلك أن من نظر إلى قوله ~~تعالى : ( @QB@ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى @QE@ ) . ثم لم يعلم أن ليس المعنى في ' ادعوا ' الدعاء ، ولكن ~~الذكر بالاسم كقولك : هو يدعى زيدا ، ويدعى الأمير . وأن في ms214 الكلام محذوفا ~~، وأن التقدير : قل أدعوه الله ، أو ادعوه الرحمن ؛ أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى ؛ كان بعرض أن يقع في الشرك من حيث إنه إن جرى في خاطره أن ~~الكلام على ظاهره خرج ذلك به - ولعياذ بالله تعالى - إلى إثبات مدعوين ؛ ~~تعالى عن أن يكون له شريك . وذلك من حيث كان محالا أن تعمد إلى اسمين ، ~~كلاهما اسم شيء واحد ، فتعطف أحدهما على الآخر ، فتقول مثلا : ادع لي زيدا ~~الأمير - والأمير هو زيد . وكذلك محال أن تقول : ' أيا تدعو ' وليس هناك ~~إلا مدعو واحد ، لأن من شأن ' أي ' أن تكون أبدا واحدا من اثنين أو جماعة ، ~~ومن لم يكن له بد من الإضافة إما لفظا وإما تقديرا . # وهناك باب واسع من المشكل فيه قراءة من قرأ ( @QB@ وقالت اليهود عزير ابن ~~الله @QE@ ) بغير تنوين ، وذلك أنهم قد حملوها على وجهين : PageV01P282 # أحدهما أن يكون القارىء له أراد التنوين ، ثم حذفه لالتقاء الساكنين ، ~~ولم يحركه كقراءة من قرأ : ( @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد @QE@ ) بترك ~~التنوين من ' أحد ' : وكما حكي عن عمارة بن عقيل أنه قرأ ( @QB@ ولا الليل ~~سابق النهار @QE@ ) بالنصب فقيل له : ما تريد ؟ فقال : أريد ' سابق النهار ~~' . قيل : فهلا قلته . فقال : فلو قلته لكان أوزن . وكما جاء في الشعر من ~~قوله ، + المتقارب + : # ( فألفيته غير مستعتب % ولا ذاكر الله إلا قليلا ) # إلى نظائر ذلك . فيكون المعنى في هذه القراءة مثله في القراءة الأخرى ~~سواء . # والوجه الثاني : أن يكون الابن صفة ، ويكون التنوين قد سقط على حد سقوطه ~~في قولنا : جاءني زيد بن عمر و ، ويكون في الكلام محذوف . ثم اختلفوا في ~~المحذوف ؛ فمنهم من جعله مبتدأ ، فقدر ' وقالت اليهود هو عزير ابن الله ' ، ~~ومنهم من جعله خبرا ، فقدر وقالت اليهود : ' عزير ابن الله معبودنا ' ، وفي ~~هذا أمر عظيم . وذلك أنك إذا حكيت عن قائل كلاما أنت تريد أن تكذبه فيه فإن ~~التكذيب ينصرف إلى ما كان فيه خبرا دون ما كان صفة . تفسير هذا أنك إذا ~~حكيت عن إنسان أنه قال ms215 : زيد بن عمر و سيد ، ثم كذبته فيه ، ولم تكن قد ~~أنكرت بذلك أن يكون زيد بن عمر و ، ولكن أن يكون سيدا . وكذلك إذا قال : ~~زيد الفقيه قد قدم فقلت له : كذبت أو غلطت ، لم تكن قد أنكرت أن يكون زيد ~~فقيها ، ولكن أن يكون قد قدم . # هذا ما لا شبهة فيه ، وذلك أنك إذا كذبت قائلا في كلام أو صدقته فإنما ~~ينصرف التكذيب منك والتصديق إلى إثباته ونفيه . والإثبات والنفي يتناولان ~~الخبر دون الصفة ؛ يدلك على ذلك أنك تجد الصفة ثابتة في حال النفي كثبوتها ~~في حال الإثبات . فإذا قلت : ما جاءني زيد الظريف ، كان الظرف ثابتا لزيد ~~كثبوته إذا قلت : جاءني زيد الظريف . وذلك أن ليس ثبوت الصفة للذي هي صفة ~~له بالمتكلم وبإثباته لها ، فتنتفي بنفيه . وإنما ثبوتها بنفسها ~~PageV01P283 وبتقرر الوجود فيها عند المخاطب مثله عند المتكلم ، لأنه إذا ~~وقعت الحاجة في العلم إلى الصفة كان الاحتياج إليها من أجل خيفة اللبس على ~~المخاطب . تفسير ذلك أنك إذا قلت جاءني زيد الظريف ، فإنك إنما تحتاج إلى ~~أن تصفه بالظريف ، إذا كان فيمن يجيء إليك واحد آخر يسمى زيدا . فأنت تخشى ~~إن قلت : جاءني زيد ، ولم تقل ' الظريف ' أن يلتبس على المخاطب ، فلا يدري ~~: أهذا عنيت أم ذاك ؟ وإذا كان الغرض من ذكر الصفة إزالة اللبس والتبيين ~~كان محالا أن تكون غير معلومة عند المخاطب ، وغير ثابتة . لأنه يؤدي إلى أن ~~تروم تبيين الشيء للمخاطب بوصف هو لا يعلمه في ذلك الشيء ، وذلك ما لا غاية ~~وراءه في الفساد . وإذا كان الأمر كذلك كان جعل الابن صفة في الآية ، مؤديا ~~إلى الأمر العظيم ، وهو إخراجه عن موضع النفي والإنكار ، إلى موضع الثبوت ~~والاستقرار . جل الله تعالى عن شبه المخلوقين ، وعن جميع ما يقول الظالمون ~~علوا كبيرا . # فإن قيل : إن هذه قراءة معروفة ، والقول بجواز الوصفية في الابن كذلك ~~معروف ومدون في الكتب ، وذلك يقتضي أن يكونوا قد عرفوا في الآية تأويلا ~~يدخل به الابن في الإنكار مع ms216 تقدير الوصفية فيه ؛ قيل : إن القراءة كما ~~ذكرت معروفة ، والقول بجواز أن يكون الابن صفة مثبت مسطور في الكتب كما قلت ~~. ولكن الأصل الذي قدمناه من أن الإنكار إذا لحق الخبر دون الصفة ليس ~~بالشيء الذي يعترض فيه شك ، أو تتسلط عليه شبهة . فليس يتجه أن يكون الابن ~~صفة ، ثم يلحقه الإنكار مع ذلك إلا على تأويل غامض وهو أن يقال : إن الغرض ~~الدلالة على أن اليهود قد كان بلغ من جهلهم ورسوخهم في هذا الشرك أنهم ~~كانوا يذكرون عزيرا هذا الذكر . كما تقول في قوم تريد أن تصفهم بأنهم قد ~~استهلكوا في أمر صاحبهم ، وغلوا في تعظيمه : إني أراهم قد اعتقدوا أمرا ~~عظيما ؛ فهم يقولون أبدا زيد الأمير ؛ تريد أنه كذلك يكون ذكرهم إذا ذكروه ~~، إلا أنه إنما يستقيم هذا التأويل فيه إذا أنت لم تقدر له خبرا معينا ، ~~ولكن تريد أنهم كانوا لا يخبرون عنه بخبر إلا كان ذكرهم له هكذا . # ومما هو من هذا الذي نحن فيه قوله تعالى : ( @QB@ ولا تقولوا ثلاثة ~~انتهوا خيرا لكم @QE@ ) . PageV01P284 وذلك أنهم قد ذهبوا في رفع ثلاثة إلى ~~أنها خبر مبتدأ محذوف ، وقالوا : إن التقدير ' ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ' ، ~~وليس ذلك بمستقيم . وذلك أنا إذا قلنا : ' ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ' كان ~~ذلك - والعياذ بالله - شبه الإثبات أن هاهنا آلهة من حيث إنك إذا نفيت ~~فإنما تنفي المعنى المستفاد من الخبر عن المبتدأ ، ولا تنفي معنى المبتدأ . ~~فإذا قلت : ما زيد منطلقا ، كنت نفيت الانطلاق الذي هو معنى الخبر عن زيد ، ~~ولم تنف معنى زيد ، ولم توجب عدمه . وإذا كان ذلك كذلك فإذا قلنا : ' ولا ~~تقولوا آلهتنا ثلاثة ' كنا قد نفينا أن تكون عدة الآلهة ثلاثة ، ولم ننف أن ~~تكون آلهة - جل الله تعالى عن الشريك والنظير - كما أنك إذا قلت : ليس ~~أمراؤنا ثلاثة ، كنت قد نفيت أن تكون عدة الأمراء ثلاثة ، ولم تنف أن يكون ~~لكم أمراء ، هذا ما لا شبهة فيه وإذا إن أدى هذا التقدير إلى الفساد وجب أن ~~يعدل ms217 عنه إلى غيره والوجه - والله أعلم - أن تكون ' ثلاثة ' صفة مبتدأ لا ~~خبر مبتدأ ويكون التقدير : ' ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة أو في الوجود آلهة ~~ثلاثة ثم حذف الخبر الذي هو ' لنا ' أو في الوجود كما حذف من ( @QB@ لا إله ~~إلا الله @QE@ ) و ( @QB@ وما من إله إلا الله @QE@ ) فبقي : ولا تقولوا : ~~آلهة ثلاثة ، ثم حذف المصوف الذي هو آلهة فبقي ' ولا تقولوا ثلاثة ' . وليس ~~في حذف ما قدرنا حذفه ما يتوقف في صحته . أما حذف الخبر الذي قلنا إنه ' ~~لنا ' أو ' في الوجود ' فمطرد في كل ما معناه التوحيد ونفي أن يكون مع الله ~~- تعالى عن ذلك - إله . # وأما حذف المصوف بالعدد ، فكذلك شائع . وذلك أنه كما يسوغ أن تقول : عندي ~~ثلاثة ، وأنت تريد ثلاثة أثواب . ثم تحذف لعلمك أن السامع يعلم ما تريد . ~~كذلك يسوغ أن تقول : عندي ثلاثة ، وأنت تريد ( أثواب ثلاثة ) ، لأنه لا فصل ~~بين أن تجعل المقصود بالعدد مميزا ، وبين أن تجعله موصوفا بالعدد في أنه ~~يحسن حذفه إذا علم المراد . ويبين ذلك أنك ترى المقصود بالعدد قد ترك ذكره ~~، ثم لا تستطيع أن تقدره إلا موصوفا ، وذلك في قولك : عندي اثنان ، وعندي ~~واحد ؛ يكون المحذوف هاهنا موصوفا لا محالة نحو : عندي رجلان اثنان ، وعندي ~~درهم واحد . ولا يكون مميزا البتة من حيث كانوا قد رفضوا إضافة الواحد ~~والاثنين إل الجنس ، فتركوا أن يقولوا : واحد رجال ، واثنان رجال ، على حد ~~' ثلاثة رجال ' . ولذلك كان قول الشاعر ، + الرجز + : PageV01P285 # ( ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل % ) # شاذا . هذا ولا يمتنع أن تجعل المحذوف من الآية في موضع التمييز دون موضع ~~الموصوف ، فتجعل التقدير : ' ولا تقولوا ثلاثة آلهة ' ، ثم يكون الحكم في ~~الخبر على ما مضى ، ويكون المعنى - والله أعلم - ' ولا تقولوا لنا أو في ~~الوجود ثلاثة آلهة ' . # فإن قلت : فلم صار لا يلزم على هذا التقدير ما لزم على قول من قدر : ' ~~ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ' ؟ فذاك لأنا إذا جعلنا التقدير : ولا تقولوا لنا ~~أو في الوجود آلهة ثلاثة أو ms218 ثلاثة آلهة ، كنا قد نفينا الوجود عن الآلهة ~~كما نفيناه في ( @QB@ لا إله إلا الله @QE@ ) ، و ( @QB@ وما من إله إلا ~~الله @QE@ ) . وإذا زعموا أن التقدير ' ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ' كانوا قد ~~نفوا أن تكون عدة الآلهة ثلاثة ، ولم ينفوا وجود الآلهة . فإن قيل : فإن ~~يلزم على تقديرك الفساد من وجه آخر ، وذاك أنه يجوز إذا قلت : ' ليس لنا ~~أمراء ثلاثة ' أن يكون المعنى ليس لنا أمراء ثلاثة ، ولكن لنا أميران اثنان ~~. وإذا كان كذلك كان تقديرك وتقديرهم جميعا خطأ . قيل : إن هاهنا أمرا قد ~~أغفلته ، وهو أن قولهم آلهتنا : يوجب ثبوت آلهة ، جل الله تعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا . # وقولنا : ليس لنا آلهة ، لا يوجب ثبوت اثنين البتة . فإن قلت : إن كان لا ~~يوجبه فإنه لا ينفيه . فقيل : ينفيه ما بعده من قوله تعالى : ( @QB@ إنما ~~الله إله واحد @QE@ ) . فإن قيل : فإنه كما ينفي الإلهين كذلك ينفي الآلهة ~~. وإذا كان كذلك وجب أن يكون تقديرهم صحيحا كتقديرك . قيل : هو كما قلت : ~~ينفي الآلهة . ولكنهم إذا زعموا أن التقدير ' ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ' ، ~~وكان ذلك - والعياذ بالله - من الشرك يقتضي إثبات آلهة كانوا قد دفعوا هذا ~~النفي ، وخالفوه وأخرجوه إلى المناقضة . فإذا كان كذلك كان محالا أن يكون ~~للصحة سبيل إلى ما قالوه ، وليس كذلك الحال فيما قدرناه ، لأنا لم نقدر ~~شيئا يقتضي إثبات إلهين - تعالى الله - حتى يكون حالنا حال من يدفع ما ~~يوجبه هذا الكلام من نفيهما . يبين لك ذلك أنه يصح لنا PageV01P286 أن نتبع ~~ما قدرناه نفي الاثنين ، ولا يصح لهم . تفسير ذلك أنه يصح أن تقول : ' ولا ~~تقولوا لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان ' ، لأن ذلك يجري مجرى أن تقول : ليس لنا ~~آلهة ثلاثة ولا إلهان ، وهذا صحيح . ولا يصح لهم أن يقولوا : ' ولا تقولوا ~~آلهتنا ثلاثة ولا إلهان ' ، لأن ذلك يجري مجرى أن يقولوا : ولا تقولوا ~~آلهتنا إلهان ، وذلك فاسد فاعرفه ، وأحسن تأمله . # ثم إن هاهنا طريقا آخر ، وهو أن تقدر : ولا تقولوا الله والمسيح وأمه ~~ثلاثة ms219 . أي نعبدهما كما نعبد الله . يبين ذلك قوله تعالى : ( @QB@ لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة @QE@ ) . وقد استقر في العرف أنهم إذا ~~أرادوا إلحاق اثنين بواحد في وصف من الأوصاف ، وأن يجعلوهما شبيهين له ~~قالوا : هم ثلاثة . كما يقولون ، إذا أرادوا إلحاق واحد بآخر ، وجعله في ~~معناه : هما اثنان . على هذا السبيل كأنهم يقولون : هم يعدون معدا واحدا . ~~ويوجب لهم التساوي والتشارك في الصفة والرتبة وما شاكل ذلك . # واعلم أنه لا معنى لأن يقال : إن القول حكاية . وإنه إذا كان حكاية لم ~~يلزم منه إثبات الآلهة ، لأنه يجري مجرى أن تقول : ' إن من دين الكفار أن ~~يقولوا الآلهة ثلاثة ' . وذلك لأن الخطاب في الآية للنصارى أنفسهم ، ألا ~~ترى إلى قوله تعالى : ( @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم @QE@ ) ~~. وإذا كان الخطاب للنصارى كان تقدير الحكاية محالا ف ' لا تقولوا ' إذا في ~~معنى لا تعتقدوا . وإذا كان في معنى الإعتقاد لزم إذا قدر ' ولا تقولوا ~~آلهتنا ثلاثة ' ما قلنا إنه يلزم من إثبات الآلهة ، وذلك لأن الإعتقاد ~~يتعلق بالخبر لا بالمخبر عنه . # فإذا قلت : لا تعتقد أن الأمراء ثلاثة نهيته عن أن يعتقد كون الأمراء على ~~هذه العدة لا عن أن يعتقد أن هاهنا أمراء . هذا ما لا يشك فيه عاقل ، وإنما ~~يكون النهي عن ذلك إذا قلت : لا تعتقد أن هاهنا أمراء ، لأنك حينئذ تصير ~~كأنك قلت : لا تعتقد وجود أمراء . هذا ولو كان الخطاب مع المؤمنين لكان ~~تقدير الحكاية لا يصح أيضا . ذاك لأنه لا يجوز أن يقال : إن المؤمنين نهوا ~~عن أن يحكوا عن النصارى مقالتهم ، ويخبروا عنهم بأنهم يقولون كيت وكيت . ~~كيف وقد قال الله تعالى ( @QB@ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن @QE@ PageV01P287 الله ) . ومن أين يصح النهي عن حكاية قول ~~المبطل ؟ وفي ترك حكايته ترك ms220 له وكفر وامتناع من النفي عليه ، والإنكار ~~لقوله والاحتجاج عليه ، وإقامة الدليل على بطلانه . لأنه لا سبيل إلى شيء ~~من ذلك إلا من بعد حكاية القول ، والإفصاح به فاعرفه . PageV01P288 # | بسم الله الرحمن الرحيم فصل # # | في أن الفصاحة في اللفظ لا المعنى # قد أردنا أن نستأنف تقريرا ، نزيد به الناس تبصيرا أنهم في عمياء من ~~أمرهم حتى يسلكوا المسلك الذي سلكناه ، ويفرغوا خواطرهم لتأمل ما استخرجناه ~~، وأنهم ما لم يأخذوا أنفسهم بذلك ولم يجردوا عناياتهم له في غرور ، كمن ~~يعد نفسه الري من السراب اللامع ، ويخادعها بأكاذيب المطامع . يقال لهم ~~إنكم تتلون قول الله تعالى : ( @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله @QE@ ) وقوله عز وجل : ( @QB@ قل ~~فأتوا بعشر سور مثله @QE@ ) وقوله : ( @QB@ بسورة من مثله @QE@ ) . فقالوا ~~: الآن أيجوز أن يكون تعالى قد أمر نبيه بأن يتحدى العرب إلى أن يعارضوا ~~القرآن بمثله من غير أن يكونوا قد عرفوا الوصف الذي إذا أتوا بكلام على ذلك ~~الوصف كانوا قد أتوا بمثله ؟ ولا بد من ' لا ' لأنهم إن قالوا : يجوز ، ~~أبطلوا التحدي من حيث إن التحدي - كما لا يخفى - مطالبة بأن يأتوا بكلام ~~على وصف ولا تصح المطالبة بالإتيان به على وصف من غير أن يكون ذلك الوصف ~~معلوما للمطالب ويبطل بذلك دعوى الإعجاز أيضا . وذلك لأنه لا يتصور أن يقال ~~: إنه كان عجز حتى يثبت معجوز عنه معلوم . فلا يقوم في عقل عاقل أن يقول ~~لخصم له : قد أعجزك أن تفعل مثل فعلي . وهو لا يشير إلى وصف يعلمه في فعله ~~، ويراه قد وقع عليه . أفلا ترى أنه لو قال رجل لآخر : إني قد أحدثت في ~~خاتم عملته صنعة أنت لا تستطيع مثلها ، لم تتجه له عليه حجة ، ولم يثبت به ~~أنه قد أتى بما يعجزه إلا من بعد أن يريه الخاتم ، ويشير له إلى ما زعم أنه ~~أبدعه فيه من الصنعة ، لأنه لا يصح وصف الإنسان بأنه قد عجز عن شيء حتى ~~يريد PageV01P289 ذلك الشيء ms221 ، ويقصد إليه ، ثم لا يتأتى له . وليس يتصور أن ~~يقصد إلى شيء لا يعلمه ، وأن تكون منه إرادة لأمر لم يعلمه في جملة ولا ~~تفصيل . # ثم إن هذا الوصف ينبغي أن يكون وصفا قد تجدد بالقرآن ، وأمرا لم يوجد في ~~غيره ، ولم يعرف قبل نزوله . وإذا كان كذلك فقد وجب أن يعلم أنه لا يجوز أن ~~يكون في الكلم المفردة لأن تقدير كونه فيها يؤدي إلى المحال ، وهو أن تكون ~~الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة قد حدث في حذاقة حروفها وأصدائها ~~أوصاف لم تكن لتكون تلك الأوصاف فيها قبل نزول القرآن ، وتكون قد اختصت في ~~أنفسها بهيئات وصفات يسمعها السامعون عليها إذا كانت متلوة في القرآن لا ~~يجدون لها تلك الهيئات والصفات خارج القرآن . ولا يجوز أن تكون في معاني ~~الكلم المفردة التي هي لها بوضع اللغة لأنه يؤدي إلى أن يكون قد تجدد في ~~معنى الحمد والرب ومعنى العالمين والملك واليوم والدين . وهكذا وصف لم يكن ~~قبل نزول القرآن . وهذا ما لو كان هاهنا شيء أبعد من المحال وأشنع لكان ~~إياه . ولا يجوز أن يكون هذا الوصف في تركيب الحركات والسكنات حتى كأنهم ~~تحدوا إلى أن يأتوا بكلام تكون كلماته على تواليها في زنة كلمات القرآن ، ~~وحتى كأن الذي بان به القرآن من الوصف ، في سبيل بينونة بحور الشعر بعضها ~~من بعض ، لأنه يخرج إلى ما تعاطاه مسيلمة من الحماقة في : إنا أعطيناك ~~الجماهر ، فصل لربك وجاهر ، والطاحنات طحنا . # وكذلك الحكم إن زعم زاعم أن الوصف الذي تحدوا إليه هو أن يأتوا بكلام ~~يجعلون له مقاطع وفواصل كالذي تراه في القرآن ، لأنه أيضا ليس بأكثر من ~~التعويل على مراعاة وزن . وإنما الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر . وقد ~~علمنا اقتدارهم على القوافي ، كيف هو . فلو لم يكن التحدي إلا إلى فصول من ~~الكلام يكون لها أواخر أشباه القوافي لم يعوزهم ذلك ، ولم يتعذر عليهم . ~~وقد خيل إلى بعضهم - إن كانت الحكاية صحيحة - شيء من هذا حتى وضع على ms222 ما ~~زعموا فصول كلام ، أواخرها كأواخر الآي ، مثل ؛ يعلمون ، PageV01P290 ~~ويؤمنون ، وأشباه ذلك . ولا يجوز أن يكون الإعجاز بأن لم يلتق في حروفه ما ~~يثقل على اللسان . # وجملة الأمر أنه لن يعرض هذا وشبهه من الظنون لمن يعرض له إلا من سوء ~~المعرفة بهذا الشأن أو للخذلان ، أو لشهوة الإغراب في القول . ومن هذا الذي ~~يرضى من نفسه أن يزعم أن البرهان الذي بان لهم ، والأمر الذي بهرهم ، ~~والهيئة التي ملأت صدورهم ، والروعة التي دخلت عليهم وأزعجتهم ، حتى قالوا ~~: ' إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أسفله لمغدق ، وإن أعلاه لمثمر ' ~~. إنما كان بشيء راعهم من مواقع حركاته ، ومن ترتيب بينها وبين سكناته ، أو ~~لفواصل في أواخر آياته من أين تليق هذه الصفة ؟ وهذا التشبيه بذلك ؟ أم ترى ~~أن ابن مسعود حين قال في صفة القرآن : ' لا يتفه ولا يتشان ' وقال : ' إذا ~~وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهم ' ، أي أتتبع محاسنهن . قال ~~ذلك من أجل أوزان الكلمات ومن أجل الفواصل في أواخر الآيات ؟ أم ترى أنهم ~~لذلك قالوا : لا تفنى عجائبه ، ولا يخلق على كثرة الرد ؟ أم ترى الجاحظ حين ~~قال في كتاب ' النبوة ' : ' ولو أن رجلا قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم ~~سورة واحدة لتبين له في نظامها ومخرجها من لفظها وطابعها ، أنه عاجز عن ~~مثلها . ولو تحدي بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها لغا ولغط ' . # انظر إلى مثل ذلك ؛ فليس كلامه هذا مما ذهبوا إليه في شيء . # وينبغي أن تكون موازنتهم بين بعض الآي ، وبين ما قاله الناس في معناها ~~كموازنتهم بين : PageV01P291 ( @QB@ ولكم في القصاص حياة @QE@ ) وبين : ' ~~قتل البعض إحياء للجميع ' خطأ منهم لأنا لا نعلم لحديث التحريك والتسكين ~~وحديث الفاصلة مذهبا في هذه الموازنة . ولا نعلمهم أرادوا غير ما يريده ~~الناس إذا وازنوا بين كلام وكلام في الفصاحة والبلاغة ودقة النظم وزيادة ~~الفائدة . ولولا أن الشيطان قد استحوذ على كثير من الناس في هذا ، وأنهم ~~بترك النظر وإهمال التدبر وضعف النية وقصر الهمة ، وقد ms223 طرقوا له ، حتى جعل ~~يلقي في نفوسهم كل محال وكل باطل ، وجعلوا هم يعطون الذي يلقيه حظا من ~~قبولهم ، ويبوؤنه مكانا من قلوبهم ، لما بلغ من قدر هذه الأقوال الفاسدة أن ~~تدخل في تصنيف ، ويعاد ويبدأ في تبيين لوجه الفساد فيها وتعريف . # ثم إن هذه الشناعات التي تقدم ذكرها تلزم أصحاب الصرفة أيضا . وذاك أنه ~~لو لم يكن عجزهم عن معارضة القرآن ، وعن أن يأتوا بمثله لأنه معجز في نفسه ~~، لكن لأن أدخل عليهم العجز عنه ، وصرفت هممهم وخواطرهم عن تأليف كلام مثله ~~. وكان حالهم على الجملة حال من أعدم العلم بشيء قد كان يعلمه ، وحيل بينه ~~ويبن أمر قد كان يتسع له ، لكان ينبغي أن لا يتعاظمهم ، ولا يكون ومنهم ما ~~يدل على إكبارهم أمره ، وتعجبهم منه ، وعلى أنه قد بهرهم ، وعظم كل العظم ~~عندهم ، ولكان التعجب للذي دخل من العجز عليهم ، ولما رأوه من تغير حالهم ، ~~ومن أن حيل بينهم ويبن شيء قد كان عليهم سهلا ، وأن سد دونه باب كان لهم ~~مفتوحا . أرأيت لو أن نبيا قال لقومه : ' إن آيتي أن أضع يدي على رأسي هذه ~~الساعة ، وتمنعون كلكم من أن تستطيعوا وضع أيديكم على رؤوسكم ' ، وكان ~~الأمر كما قال . كم يكون تعجب القوم ؟ أمن وضعه يده على رأسه ؟ أم من عجزهم ~~أن يضعوا أيديهم على رؤوسهم ؟ . # ونعود إلى النسق فنقول : فإذا بطل أن يكون الوصف الذي أعجزهم من القرآن ~~في شيء مما عددناه لم يبق إلا أن يكون في الاستعارة . ولا يمكن أن تجعل ~~الاستعارة الأصل في الإعجاز ، وأن يقصر عليها ، لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون ~~الإعجاز في آي معدودة ، في مواضع من السور الطوال مخصوصة . وإذا امتنع ذلك ~~فيها لم يبق إلا أن يكون في النظم والتأليف ، لأنه ليس من بعد ما أبطلنا أن ~~يكون فيه إلا النظم . وإذا ثبت أنه في النظم PageV01P292 والتأليف ، وكنا ~~قد علمنا أن ليس النظم شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم ، ~~وأنا إن بقينا الدهر نجهد ms224 أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة سلكا ينظمها ، ~~وجامعا يجمع شملها ويؤلفها ، ويجعل بعضها بسبب من بعض غير توخي معاني النحو ~~وأحكامه فيها ، طلبنا ما كل محال دونه . # فقد بان وظهر أن المتعاطي القول في النظم ، والزاعم أنه يحاول بيان ~~المزية فيه ، وهو لا يعرض فيما يعيده ويبديه للقوانين والأصول التي قدمنا ~~ذكرها ، ولا يسلك إليك المسالك التي نهجناها ، في عمياء من أمره ، وفي غرور ~~من نفسه ، وفي خداع من الأماني والأضاليل . ذاك لأنه إذا كان لا يكون النظم ~~شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم كان من أعجب العجب حين ~~يزعم زاعم أنه يطلب المزية في النظم ، ثم لا يطلبها في معاني النحو وأحكامه ~~التي النظم عبارة عن توخيها فيما بين الكلم . # فإن قيل : قولك : ' إلا النظم ' يقتضي إخراج ما في القرآن من الاستعارة ~~وضروب المجاز من جملة ما هو به معجز ، وذلك ما لا مساغ له . قيل : ليس ~~الأمر كما ظننت ، بل ذلك يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو به معجز . ~~وذلك لأن هذه المعاني التي هي الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب ~~المجاز من بعدها من مقتضيات النظم . وعنها يحدث وبها يكون . لأنه لا يتصور ~~أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخ فيما بينها حكم من أحكام ~~النحو ، فلا يتصور أن يكون هاهنا فعل أو اسم قد دخلته الاستعارة من دون أن ~~يكون قد ألف مع غيره . أفلا ترى أنه إن قدر في اشتعل من قوله تعالى : ( ~~@QB@ واشتعل الرأس شيبا @QE@ ) أن لا يكون الرأس فاعلا له ، ويكون ' شيبا ' ~~منصوبا عنه على التمييز ، لم يتصور أن يكون مستعارا . وهكذا السبيل في ~~نظائر الاستعارة فاعرف ذلك . # واعلم أن السبب في إن لم يقع النظر منهم موقعه أنهم حين قالوا : نطلب ~~المزية ، ظنوا أن موضعها اللفظ ، بناء على أن النظم نظم الألفاظ ، وأنه ~~يلحقها دون المعاني . وحين ظنوا أن موضعها ذلك ، واعتقدوه وقفوا على اللفظ ~~، وجعلوا لا يرمون بأوهامهم إلى شيء سواه . إلا أنهم على ذاك لم ms225 يستطيعوا ~~أن ينطقوا في تصحيح هذا الذي ظنوه بحرف ، بل لم يتكلموا بشيء إلا كان ذلك ~~نقضا وإبطالا ، لأن يكون اللفظ من حيث هو لفظ موضعا للمزية ، PageV01P293 ~~وإلا رأيتهم قد اعترفوا من حيث لم يدروا بأن ليس للمزية التي طلبوها موضع ~~ومكان تكون فيه إلا معاني النحو وأحكامه . وذلك أنهم قالوا : إن الفصاحة لا ~~تظهر في أفراد الكلمات ، وإنما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة . فقولهم : ' ~~بالنظم ' لا يصح أن يراد به النطق باللفظة بعد اللفظة من غير اتصال يكون ~~بين معنييهما ، لأنه لو جاز أن يكون لمجرد ضم اللفظ إلى اللفظ تأثير في ~~الفصاحة لكان ينبغي إذا قيل : ' ضحك ، خرج ' أن يحدث من ضم ' خرج ' إلى ' ~~ضحك ' فصاحة . وإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يكون المعنى في ضم الكلمة إلى ~~الكلمة توخي معنى من معاني النحو فيما بينهما . وقولهم : على طريقة مخصوصة ~~، يوجب ذلك أيضا ، وذلك أنه لا يكون للطريقة - إذا أنت أردت مجرد اللفظ - ~~معنى وهذا سبيل كل ما قالوه إذا أنت تأملته ، تراهم في الجميع قد دفعوا إلى ~~جعل المزية في معاني النحو وأحكامه من حيث لم يشعروا ، ذلك ، لأنه أمر ~~ضروري لا يمكن الخروج منه . # ومما تجدهم يعتمدونه ويرجعون إليه قولهم : إن المعاني لا تتزايد ، وإنما ~~تتزايد الألفاظ . وهذا كلام إذا تأملته لم تجد له معنى يصح عليه ، غير أن ~~تجعل تزايد الألفاظ عبارة عن المزايا التي تحدث من توخي معاني النحو ~~وأحكامه فيما بين الكلم ، لأن التزايد في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ونطق ~~لسان محال . # ثم إنا نعلم أن المزية المطلوبة في هذا الباب مزية فيما طريقه الفكر ~~والنظر من غير شبهة . ومحال أن يكون اللفظ له صفة تستنبط بالفكر ، ويستعان ~~عليها بالروية . اللهم إلا أن تريد تأليف النغم ، وليس ذلك مما نحن فيه ~~بسبيل . ومن هاهنا لم يجز إذا عدت الوجوه التي تظهر بها المزية أن يعد فيها ~~الإعراب ، وذلك أن العلم بالإعراب مشترك بين العرب كلهم ، وليس هو مما ~~يستنبط بالفكر ، ويستعان ms226 عليه بالروية . فليس أحدهم بأن إعراب الفاعل ~~يحتاجون فيه إلى حدة ذهن وقوة خاطر ، إنما الذي تقع الحاجة فيه إلى ذلك ~~العلم بما يوجب الفاعلية للشيء إذا كان إيجابها من طريق المجاز كقوله تعالى ~~: ( @QB@ فما ربحت تجارتهم @QE@ ) وكقول الفرزدق . PageV01P294 # ( سقتها خروق في المسامع % ) # وأشباه ذلك مما يجعل الشيء فيه فاعلا على تأويل يدق ، ومن طريق تلطف . ~~وليس يكون هذا علما بالإعراب ، ولكن بالوصف الموجب للإعراب . ومن ثم لا ~~يجوز لنا أن نعتد في شأننا هذا بأن يكون المتكلم قد استعمل من اللغتين في ~~الشيء ما يقال إنه أفصحهما ، وبأن يكون قد تحفظ مما تخطىء فيه العامة ، لا ~~بأن يكون قد استعمل الغريب لأن العلم بجميع ذلك لا يعدو أن يكون علما ~~باللغة بأنفس الكلم المفردة ، وبما طريقه الحفظ ، دون ما يستعان عليه ~~بالنظر ، ويوصل إليه بإعمال الفكر . ولئن كانت العامة وأشباه العامة لا ~~يكادون يعرفون الفصاحة غير ذلك فإن من ضعف النحيزة إخطار مثله في الفكر ، ~~وإجراءه في الذكر . وأنت تزعم أنك ناظر في دلائل الإعجاز ، أترى أن العرب ~~تحدوا أن يختاروا الفتح في الميم من ' الشمع ' ، والهاء من ' النهر ' على ~~الإسكان . وأن يتحفظوا من تخليط العامة في مثل ' هذا يسوى ألفا ' ، أو إلى ~~أن يأتوا بالغريب الوحشي في الكلام معارضون به القرآن ؟ كيف وأنت تقرأ ~~السورة من السور الطوال ، فلا تجد فيها من الغريب شيئا ، وتأمل ما جمعه ~~العلماء في غريب القرآن فترى الغريب منه إلا في القليل ، إنما كان غريبا من ~~أجل استعارة هي فيه كمثل : ( @QB@ وأشربوا في قلوبهم العجل @QE@ ) ومثل : ( ~~@QB@ خلصوا نجيا @QE@ ) ومثل : ( @QB@ فاصدع بما تؤمر @QE@ ) دون أن تكون ~~اللفظة غريبة في نفسها . إنما ترى ذلك في كلمات معدودة كمثل : ( @QB@ عجل ~~لنا قطنا @QE@ ) و ( @QB@ ذات ألواح ودسر @QE@ ) و ( @QB@ جعل ربك تحتك ~~سريا @QE@ PageV01P295 # ثم إنه لو كان أكثر ألفاظ القرآن غريبا لكان محالا أن يدخل في الإعجاز ، ~~وأن يصح التحدي به . ذاك لأنه لا يخلو إذا وقع التحدي به من أن يتحدى من له ~~علم بأمثاله من الغريب ms227 ، أو من لا علم له بذلك . فلو تحدي به من يعلم ~~أمثاله لم يتعذر عليه أن يعارضه بمثله . ألا ترى أنه لا يتعذر عليك إذا أنت ~~عرفت ما جاء من الغريب في معنى + الطويل + أن تعارض من يقول ' الشوقب ' بأن ~~تقول أنت : ' الشوذب ' . وإذا قال : ' الأمق ' أن تقول : ' الأشق ' ، وعلى ~~هذا السبيل . ولو تحدي به من لا علم له بأمثال ما فيه من الغريب كان ذلك ~~بمنزلة أن يتحدى العرب إلى أن يتكلموا بلسان الترك . # هذا وكيف بأن يدخل الغريب في باب الفضيلة ، وقد ثبت عنهم أنهم كانوا يرون ~~الفضيلة في ترك استعماله وتجنبه . أفلا ترى إلى قول عمر رضي الله عنه في ~~زهير : إنه كان لا يعاظل بين القول ، ولا يتتبع حوشي الكلام . فقرن تتبع ~~الحوشي ، وهو الغريب من غير شبهة ، إلى المعاظلة التي هي التعقيد . # وقال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين : ورأيت الناس يتداولون رسالة يحيى ~~بن يعمر عن لسان يزيد بن المهلب إلى الحجاج : ' إنا لقينا العدو فقتلنا ~~طائفة ولحقت طائفة بعراعر الأودية وأهضام الغيطان وبتنا بعرعرة الجبل وبات ~~العدو بحضيضه ' . فقال الحجاج : ما يزيد بأبي عذر هذا الكلام . فحمل إليه ~~فقال : أين ولدت ؟ فقال : بالأهواز : PageV01P296 فقال : فأنى لك هذه ~~الفصاحة ؟ قال : أخذتها عن أبي . قال : ورأيتهم يديرون في كتبهم أن امرأة ~~خاصمت زوجها إلى يحيى بن يعمر ، فانتهرها مرارا . فقال له يحيى : إن سألتك ~~ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها ؟ ثم قال : وإن كانوا قد رووا هذا ~~الكلام لكي يدل على فصاحة وبلاغة فقد باعده الله من صفة البلاغة والفصاحة . # واعلم أنك كلما نظرت وجدت سبب الفساد واحدا ، وهو ظنهم الذي ظنوه في ~~اللفظ ، وجعلهم الأوصاف التي تجري عليه كلها أوصافا له في نفسه ، ومن حيث ~~هو لفظ . وتركهم أن يميزوا بين ما كان وصفا له في نفسه ، ويبن ما كانوا قد ~~أكسبوه إياه من أجل أمر عرض في معناه . ولما كان هذا دأبهم ، ثم رأوا الناس ~~، وأظهر شيء عندهم في معنى الفصاحة : تقويم الإعراب ، والتحفظ ms228 من اللحن ، ~~لم يشكوا أنه ينبغي أن يعتد به في جملة المزايا التي يفاضل بها بين كلام ~~وكلام في الفصاحة . وذهب عنهم أن ليس هو من الفصاحة التي يعنينا أمرها في ~~شيء . وإن كلامنا في فصاحة تجب للفظ لا من أجل شيء يدخل في النطق ، ولكن من ~~أجل لطائف تدرك بالفهم . وإنا نعتبر في شأننا هذا فضيلة تجب لأحد الكلامين ~~على الآخر من بعد أن يكونا قد برئا من اللحن وسلما في ألفاظهما من الخطأ . ~~ومن العجب أنا إذا نظرنا في الإعراب وجدنا التفاضل فيه محالا لأنه لا يتصور ~~أن يكون للرفع والنصب في كلام مزية عليهما في كلام آخر ، وإنما الذي يتصور ~~أن يكون هاهنا كلامان قد وقع في إعرابهما خلل ، ثم كان أحدهما أكثر صوابا ~~من الآخر . وكلامان قد استمر أحدهما على الصواب ، ولم يستمر الآخر . ولا ~~يكون هذا تفاضلا في الإعراب ، ولكن تركا له في شيء ، واستعمالا له في آخر ، ~~فاعرف ذلك . # وجملة الأمر أنك لا ترى ظنا هو أنأى بصاحبه عن أن يصح له كلام ، أو يستمر ~~له نظام ، أو تثبت له قدم أو ينطق منه إلا بالمحال فم ، من ظنهم هذا الذي ~~حام بهم حول اللفظ ، وجعلهم لا يعدونه ، ولا يرون للمزية مكانا دونه . # واعلم أنه قد يجري في العبارة منا شيء هو يعيد الشبهة جذعة عليهم ، وهو ~~أنه يقع PageV01P297 في كلامنا أن الفصاحة تكون في المعنى دون اللفظ ، ~~ونراها لا تدخل في صفة المعنى البتة ، لأنا نرى الناس قاطبة يقولون : هذا ~~لفظ فصيح وهذه ألفاظ فصيحة . ولا نرى عاقلا يقول : هذا معنى فصيح ، وهذه ~~معان فصاح . ولو كانت الفصاحة تكون في المعنى لكان ينبغي أن يقال ذاك . كما ~~أنه لما كان الحسن يكون فيه قيل : ' هذا معنى حسن وهذه معان حسنة ' . وهذا ~~شيء يأخذ من الغر مأخذا . # والجواب عنه أن يقال : إن غرضنا من قولنا : إن الفصاحة تكون في المعنى ، ~~أن المزية التي من أجلها استحق اللفظ الوصف بأنه فصيح ، عائدة في الحقيقة ~~إلى ms229 معناه . ولو قيل إنها تكون فيه دون معناه لكان ينبغي إذا قلنا في ~~اللفظة إنها فصيحة أن تكون تلك الفصاحة واجبة لها بكل حال . ومعلوم أن ~~الأمر بخلاف ذلك ؛ فإنا نرى اللفظة تكون في غاية الفصاحة في موضع ، ونراها ~~بعينها فيما لا يحصى من المواضع ، وليس فيها من الفصاحة قليل ولا كثير . ~~وإنما كان كذلك لأن المزية التي من أجلها نصف اللفظ في شأننا هذا بأنه فصيح ~~، مزية تحدث من بعد أن لا تكون ، وتظهر في الكلم من بعد أن يدخلها النظم . ~~وهذا شيء إن أنت طلبته فيها وقد جئت بها أفرادا لم ترم فيها نظما ، ولم ~~تحدث لها تأليفا ، طلبت محالا . # وإذا كان كذلك وجب أن يعلم قطعا وضرورة أن تلك المزية في المعنى دون ~~اللفظ . وعبارة أخرى في هذا بعينه وهي أن يقال : قد علمنا علما لا تعترض ~~معه شبهة ؛ أن الفصاحة فيما نحن فيه عبارة عن مزية هي بالمتكلم دون واضع ~~اللغة . وإذا كان كذلك فينبغي لنا أن ننظر إلى المتكلم ؛ هل يستطيع أن يزيد ~~من عند نفسه في اللفظ شيئا ليس هو له في اللغة ، حتى يجعل ذلك من صنيعه ~~مزية يعبر عنها بالفصاحة ؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يستطيع أن يصنع باللفظ ~~شيئا أصلا ، ولا أن يحدث فيه وصفا . كيف وهو إن فعل ذلك أفسد عل نفسه ، ~~وابطل أن يكون متكلما لأنه لا يكون متكلما حتى يستعمل أوضاع لغة على ما ~~وضعت هي عليه . وإذا ثبت من حاله أنه لا يستطيع أن يصنع بالألفاظ شيئا ليس ~~هو لها في اللغة . وكنا قد اجتمعنا على أن الفصاحة فيما نحن فيه عبارة عن ~~مزية هي بالمتكلم البتة ، وجب أن نعلم قطعا وضرورة أنهم وإن كانوا قد جعلوا ~~الفصاحة في ظاهر الاستعمال من صفة اللفظ ، فإنهم لم يجعلوها وصفا له في ~~نفسه ، ومن حيث هو صدى صوت ونطق لسان ، ولكنهم جعلوها عبارة عن مزية أفادها ~~المتكلم ، ولما لم تزد إفادته في اللفظ شيئا لم يبق إلا أن تكون عبارة ms230 ~~PageV01P298 عن مزية في المعنى . # وجملة الأمر أنا لا نوجب الفصاحة للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي هي ~~فيه ، ولكنا نوجبها لها موصولة بغيرها ، ومعلقا معناها بمعنى ما يليها . ~~فإذا قلنا في لفظة ' اشتعل ' من قوله تعالى : ( @QB@ واشتعل الرأس شيبا ~~@QE@ ) : إنها في أعلى المرتبة من الفصاحة ، لم نوجب تلك الفصاحة لها وحدها ~~، ولكن موصولا بها الرأس معرفا بالألف واللام ، ومرونا إليها الشيب منكرا ~~منصوبا . # هذا ، وإنما يقع ذلك في الوهم لمن يقع له ، أعني أن توجب الفصاحة للفظة ~~وحدها فيما كان استعارة . فأما ما خلا من الاستعارة من الكلام الفصيح ~~البليغ فلا يعرض توهم ذلك فيه لعاقل أصلا . أفلا ترى أنه لا يقع في نفس من ~~يعقل أدنى شيء إذا هو نظر إلى قوله عز وجل : ( @QB@ يحسبون كل صيحة عليهم ~~هم العدو فاحذرهم @QE@ ) . وإلى إكبار الناس شأن هذه الآية في الفصاحة أن ~~يضع يده على كلمة كلمة منها فيقول : إنها فصيحة ؟ كيف وسبب الفصاحة فيها ~~أمور لا يشك عاقل في أنها معنوية : # أولها : أن كانت ' على ' فيها متعلقة بمحذوف في موضع المفعول الثاني . ~~والثاني : أن كانت الجملة التي هي ' هم العدو ' بعدها عارية من حرف عطف . ~~والثالث : التعريف في العدو ، وأن لم يقل : هم عدو . ولو أنك علقت ' على ' ~~بظاهر ، وأدخلت على الجملة التي هي ' هم العدو ' حرف عطف ، وأسقطت الألف ~~واللام من العدو ، فقلت : يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وهم عدو ؛ لرأيت ~~الفصاحة قد ذهبت عنها بأسرها . ولو أنك أخطرت ببالك أن يكون ' عليهم ' ~~متعلقا بنفس الصيحة ، ويكون حاله معها كحاله إذا قلت : صحت عليه ؛ لأخرجته ~~عن أن يكون كلاما ، فضلا عن أن يكون فصيحا . وهذا هو الفيصل لمن عقل . # ومن العجيب في هذا ما روي عن أمير المؤمنين علي رضوان الله عليه أنه قال ~~: ما سمعت كلمة عربية من العرب إلا وسمعتها من رسول الله . وسمعته يقول : ' ~~مات حتف PageV01P299 أنفه ' وما سمعتها من عربي قبله . لا شبهة في أن وصف ~~اللفظ بالعربي في مثل هذا يكون في معنى الوصف ms231 بأنه فصيح . وإذا كان الأمر ~~كذلك فانظر هل يقع في وهم متوهم أن يكون رضي الله عنه قد جعلها عربية من ~~أجل ألفاظها ؟ وإذا نظرت لم تشك في ذلك . # واعلم أنك تجد هؤلاء الذين يشكون فيما قلناه تجري على ألسنتهم ألفاظ ~~وعبارات لا يصح لها معنى سوى توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني ~~الكلم . ثم تراهم لا يعلمون ذلك . فمن ذلك ما يقوله الناس قاطبة من أن ~~العاقل يرتب في نفسه ما يريد أن يتكلم به . وإذا رجعنا إلى أنفسنا لم نجد ~~لذلك معنى سوى أنه يقصد إلى قولك ضرب فيجعله خبرا عن زيد ويجعل الضرب الذي ~~أخبر بوقوعه منه واقعا عل عمر و ، ويجعل يوم الجمعة زمانه الذي وقع فيه ، ~~ويجعل التأديب غرضه الذي فعل الضرب من أجله فيقول : ضرب زيد عمرا يوم ~~الجمعة تأديبا له . وهذا كما ترى هو توخي معاني النحو فيما بين معاني هذه ~~الكلم . ولو أنك فرضت أن لا تتوخى في ' ضرب ' : أن تجعله خبرا عن زيد ، وفي ~~عمر و أن تجعله مفعولا به لضرب ، وفي يوم الجمعة أن تجعله زمانا لهذا الضرب ~~، وفي التأديب أن تجعله غرض زيد من فعل الضرب ، ما تصور في عقل ، ولا وقع ~~في وهم أن تكون مرتبا لهذه الكلم . وإذ قد عرفت ذلك فهو العبرة في الكلام ~~كله ، فمن ظن ظنا يؤدي إلى خلافه ظن ما يخرج به عن المعقول . # ومن ذلك إثباتهم التعلق والاتصال فيما بين الكلم وصواحبها تارة ونفيهم ~~لهما أخرى . ومعلوم علم الضرورة أن لن يتصور أن يكون للفظة تعلق بلفظة أخرى ~~من غير أن تعتبر حال معنى هذه مع معنى تلك . ويراعى هناك أمر يصل إحداهما ~~بأخرى ، كمراعاة ' نبك ' جوابا للأمر في قوله : قفا نبك : وكيف بالشك في ~~ذلك . ولو كانت الألفاظ يتعلق بعضها ببعض من حيث هي ألفاظ ، ومع اطراح ~~النظر في معانيها لأدى ذلك إلى أن يكون الناس حين ضحكوا مما يصنعه المجان ~~من قراء أنصاف الكتب ضحكوا عن جهالة ، وأن يكون ms232 أبو تمام قد أخطأ حين قال : ~~PageV01P300 # ( عذلا شبيها بالجنون كأنما % قرأت به الورهاء شطر كتاب ) # لأنهم لم يضحكوا إلا من عدم التعلق ولم يجعله أبو تمام جنونا إلا لذلك ، ~~فانظر إلى ما يلزم هؤلاء القوم من طرائف الأمور . # | فصل وهذا فن من الاستدلال لطيف على بطلان أن تكون الفصاحة صفة للفظ من ~~حيث هو لفظ # لا تخلو الفصاحة من أن تكون صفة في اللفظ محسوسة تدرك بالسمع ، أو تكون ~~صفة فيه معقولة تعرف بالقلب . فمحال أن تكون صفة اللفظ محسوسة ، لأنها لو ~~كانت كذلك لكان ينبغي أن يستوي السامعون للفظ الفصيح في العلم بكونه فصيحا ~~. وإذا بطل أن تكون محسوسة ، وجب الحكم ضرورة بأنها صفة معقولة . وإذا وجب ~~الحكم بكونها صفة معقولة فإنا لا نعرف للفظ صفة يكون طريق معرفتها العقل ~~دون الحس إلا دلالته على معناه . وإذا كان كذلك لزم منه العلم بأن وصفنا ~~اللفظ بالفصاحة وصف له من جهة معناه لا من جهة نفسه . وهذا ما لا يبقى ~~لعاقل معه عذر في الشك ، والله الموفق للصواب . PageV01P301 # | فصل في أن الفصاحة في الكلمة لا في حروفها # وبيان آخر ، وهو أن القارىء إذا قرأ قوله تعالى : ( @QB@ واشتعل الرأس ~~شيبا @QE@ ) فإنه لا يجد الفصاحة التي يجدها إلا من بعد أن ينتهي الكلام ~~إلى آخره . فلو كانت الفصاحة صفة للفظ ' اشتعل ' لكان ينبغي أن يحسها ~~القارىء فهي حال نطقه به ، فمحال أن تكون للشيء صفة ثم لا يصح العلم بتلك ~~الصفة إلا من بعد عدمه . ومن ذا رأى صفة يعرى موصوفها عنها في حال وجوده ، ~~حتى إذا عدم صارت موجودة فيه ؟ وهل سمع السامعون في قديم الدهر وحديثه بصفة ~~، شرط حصولها لموصوفها أن يعدم الموصوف ؟ فإن قالوا إن الفصاحة التي ~~ادعيناها للفظ ' اشتعل ' تكون فيه في حال نطقنا به ، إلا أنا نعلم في تلك ~~الحال أنها فيه ، فإذا بلغنا آخر الكلام علمنا حينئذ أنها كانت فيه حين ~~نطقنا . قيل : هذا فن آخر من العجب ، وهو أن تكون هاهنا صفة موجودة في شيء ms233 ~~، ثم لا يكون في الإمكان ، ولا يسع في الجواز أن نعلم وجود تلك الصفة في ~~ذلك الشيء إلا بعد أن يعدم . ويكون العلم بها وبكونها فيه محجوبا عنا حتى ~~يعدم ، فإذا عدم علمنا أنها كانت فيه حين كان . # ثم إنه لا شبهة في أن هذه الفصاحة التي يدعونها للفظ هي مدعاة لمجموع ~~الكلمة دون آحاد حروفها ، إذ ليس يبلغ بهم تهافت الرأي إلى أن يدعوا لكل ~~واحد من حروف ' اشتعل ' فصاحة ؛ فيجعلوا الشين على حدته فصيحا ، وكذلك ~~التاء والعين واللام . وإذا كانت الفصاحة مدعاة لمجموع الكلمة لم يتصور ~~حصولها لها إلا من بعد أن تعدم كلها وينقضي أمر النطق بها . ذلك لأنه لا ~~يتصور أن تدخل الحروف بجملتها في النطق دفعة واحدة حتى تجعل الفصاحة موجودة ~~فيها في حال وجودها ، وما بعد هذا إلا أن نسأل الله تعالى العصمة ~~PageV01P302 والتوفيق . فقد بلغ الأمر في الشناعة إلى حد إذا انتبه العاقل ~~لف رأسه حياء من العقل حين يراه قد قال قولا هذا مؤداه ، وسلك مسلكا إلى ~~هذا مفضاه . وما مثل من يزعم أن الفصاحة صفة اللفظ من حيث هو لفظ ونطق لسان ~~، ثم يزعم أنه يدعيها لمجموع حروفه دون آحادها ، إلا مثل من يزعم أن هاهنا ~~غزلا إذا نسج منه ثوب كان أحمر ، وإذا فرق ونظر إليه خيطا خيطا لم تكن فيه ~~حمرة أصلا . # ومن طريف أمرهم أنك ترى كافتهم لا ينكرون أن اللفظ المستعار إذا كان ~~فصيحا كانت فصاحته تلك من أجل استعارته ومن أجل لطف وغرابة كانا فيها . ~~وتراهم مع ذلك لا يشكون في أن الاستعارة لا تحدث في حروف اللفظ صفة ، ولا ~~تغير أجراسها عما تكون عليه إذا لم يكن مستعارا ، وكان متروكا على حقيقته . ~~وأن التأثير من الاستعارة إنما يكون في المعنى . كيف وهم يعتقدون أن اللفظ ~~إذا استعير لشيء نقل عن معناه الذي وضع له بالكلية . وإذا كان الأمر كذلك ~~فلولا إهمالهم أنفسهم ، وتركهم النظر لقد كان يكون في هذا ما يوقظهم من ~~غفلتهم ، ويكشف الغطاء ms234 عن أعينهم . # | فصل علاقة الفكر بمعاني النحو # ومما ينبغي أن يعلمه الإنسان ، ويجعله على ذكر أنه لا يتصور أن يتعلق ~~الفكر بمعاني الكلم أفرادا ومجردة من معاني النحو ؛ فلا يقوم في وهم ، ولا ~~يصح في عقل أن يتفكر متفكر في معنى فعل من غير أن يريد إعماله في اسم . ولا ~~أن يتفكر في معنى اسم من غير أن يريد إعمال فعل فيه ، وجعله فاعلا له أو ~~مفعولا . أو يريد منه حكما سوى ذلك من الأحكام ، مثل أن يريد جعله مبتدأ أو ~~خبرا أو صفة أو حالا أو ما شاكل ذلك . وإن أردت أن ترى ذلك عيانا فاعمد إلى ~~أي كلام شئت ، وأزل أجزاءه عن مواضعها ، وضعها وضعا يمتنع معه دخول شيء من ~~معاني النحو فيها فقل في : # ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل % ) # ' من نبك قفا حبيب ذكرى منزل ' ، ثم انظر هل يتعلق منك فكر بمعنى كلمة ~~منها ؟ PageV01P303 # واعلم أني لست أقول إن الفكر لا يتعلق بمعاني الكلم المفردة أصلا ، ولكني ~~أقول إنه لا يتعلق بها مجردة من معاني النحو ، ومنطوقا بها على وجه لا ~~يتأتى معه تقدير معاني النحو وتوخيها فيها كالذي أريتك . وإلا فإنك إذا ~~فكرت في الفعلين أو الاسمين تريد أن تخبر بأحدهما عن الشيء أيهما أولى أن ~~تخبر به عنه ، وأشبه بغرضك مثل أن تنظر أيهما أمدح وأذم ، أو فكرت في ~~الشيئين تريد أن تشبه الشيء بأحدهما أيهما أشبه به كنت قد فكرت في معاني ~~أنفس الكلم . إلا أن فكرك ذلك لم يكن إلا من بعد أن توخيت فيها من معاني ~~النحو ، وهو أن أردت جعل الاسم الذي فكرت فيه خبرا عن شيء أردت فيه مدحا أو ~~ذما أو تشبيها أو غير ذلك من الأغراض . ولم تجىء إلى فعل أو اسم فكرت فيه ~~فردا ، ومن غير أن كان لك قصد أن تجعله خبرا أو غير خبر ، فاعرف ذلك . وإن ~~أردت مثالا فخذ بيت بشار ، + الطويل + : # ( كأن مثار النقع فوق رؤوسنا % وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ) # وانظر هل ms235 يتصور أن يكون بشار قد أخطر معاني هذا الكلم بباله أفرادا عارية ~~من معاني النحو التي تراها فيها ؟ وأن يكون قد وقع ' كأن ' : في نفسه من ~~غير أن يكون قصد إيقاع التشبيه منه على شيء ؟ وأن يكون فكر في ' مثار النقع ~~' من غير أن يكون أراد إضافة الأول إلى الثاني ؟ وفكر في ' فوق رؤوسنا ' من ~~غير أن يكون قد أراد أن يضيف ' فوق ' إلى الرؤوس ؟ وفي الأسياف من دون أن ~~يكون أراد عطفها بالواو على ' مثار ' ؟ وفي الواو من دون أن يكون أراد ~~العطف بها ؟ وأن يكون ذلك فكر في ' الليل ' من دون أن يكون أراد أن يجعله ~~خبرا لكأن ؟ وفي ' تهاوى كواكبه ' من دون أن يكون أراد أن يجعل تهاوى فعلا ~~للكواكب ؟ ثم يجعل الجملة صفة لليل ليتم الذي أراد من التشبيه ؟ أم لم تخطر ~~هذه الأشياء بباله إلا مرادا فيه هذه الأحكام والمعاني التي تراها فيها ؟ # وليت شعري كي يتصور وقوع قصد منك إلى معنى كلمة من دون أن تريد تعليقها ~~PageV01P304 بمعنى كلمة أخرى ؟ ومعنى القصد إلى معاني الكلم أن تعلم السامع ~~بها شيئا لا يعلمه ؟ ومعلوم أنك أيها المتكلم لست تقصد أن تعلم السامع ~~معاني الكلم المفردة التي تكلمه بها ؛ فلا تقول : خرج زيد ، لتعلمه معنى ~~خرج في اللغة ، ومعنى زيد ، كيف ، ومحال أن تكلمه بألفاظ لا يعرف هو ~~معانيها كما تعرف ؟ ولهذا لم يكن الفعل وحده من دون الاسم ، ولا الاسم وحده ~~من دون اسم آخر أو فعل كلاما . وكنت لو قلت : ' خرج ' ولم تأت باسم ، ولا ~~قدرت فيه ضمير الشيء ، أو قلت : زيد ولم تأت بفعل ، ولا اسم آخر ولم تضمره ~~في نفسك كان ذلك ، وصوتا تصوته سواء فاعرفه . # واعلم أن مثل واضع الكلام مثل من يأخذ قطعا من الذهب أو الفضة ، فيذيب ~~بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة . وذلك أنك إذا قلت : ضرب زيد عمرا يوم ~~الجمعة ضربا شديدا تأديبا له ؛ فإنك تحصل من مجموع هذه الكلم كلها على ~~مفهوم هو معنى واحد ms236 لا عدة معان ، كما يتوهمه الناس . وذلك لأنك لم تأت ~~بهذه الكلم لتفيده أنفس معانيها ، وإنما جئت بها لتفيده وجوه التعلق التي ~~بين الفعل الذي هو ' ضرب ' وبين ما عمل فيه ، والأحكام التي هي محصول ~~التعلق . وإذا كان الأمر كذلك فينبغي لنا أن ننظر في المفعولية من ' عمر و ~~' ، وكون يوم الجمعة زمانا للضرب ، وكون الضرب ضربا شديدا ، وكون التأديب ~~علة للضرب . أيتصور فيها أن تفرد عن المعنى الأول الذي هو أصل الفائدة ، ~~وهو إسناد ' ضرب ' إلى زيد ، وإثبات الضرب به له حتى يعقل كون عمر و مفعولا ~~به ، وكون يوم الجمعة مفعولا فيه ، وكون ضربا شديدا مصدرا ، وكون التأديب ~~مفعولا له ، من غير أن يخطر ببالك كون زيد فاعلا للضرب ؟ وإذا نظرنا وجدنا ~~ذلك لا يتصور لأن عمرا مفعول لضرب وقع من زيد عليه ، ويوم الجمعة زمان لضرب ~~وقع من زيد ، وضربا شديدا بيان لذلك الضرب ، كيف هو وما صفته ؟ والأديب علة ~~له ، وبيان أنه كان الغرض منه . وإذا كان ذلك كذلك بان منه ، وثبت أن ~~المفهوم من مجموع الكلم معنى واحد لا عدة معان ، وهو إثباتك زيدا فاعلا ~~ضربا لعمرو ، في وقت كذا ، وعلى صفة كذا ، ولغرض كذا . ولهذا المعنى تقول : ~~إنه كلام واحد . # وإذ قد عرفت هذا فهو العبرة أبدا ؛ فبيت بشار إذا تأملته وجدته كالحلقة ~~المفرغة التي لا تقبل التقسيم ، ورأيته قد صنع في الكلم التي فيه ما يصنعه ~~الصانع حين يأخذ كسرا من الذهب ، فيذيبها ثم يصبها في قالب ، ويخرجها لك ~~سوارا أو خلخالا . وإن أنت حاولت قطع PageV01P305 بعض ألفاظ البيت عن بعض ~~كنت كمن يكسر الحلقة ، ويفصم السوار . وذلك أنه لم يرد أن يشبه النقع ~~بالليل على حدة ، والأسياف بالكواكب على حدة . ولكنه أراد أن يشبه النقع ~~والأسياف تجول فيه بالليل في حال ما تنكدر الكواكب ، وتتهاوى فيه . # فالمفهوم من الجميع مفهوم واحد والبيت من أوله إلى آخره كلام واحد . ~~فانظر الآن ما تقول في اتحاد هذه الكلم التي هي أجزاء البيت ؟ أتقول : إن ms237 ~~ألفاظها اتحدت فصارت لفظة واحدة ؟ أم تقول : إن معانيها اتحدت فصارت ألفاظ ~~من أجل ذلك كأنها لفظة واحدة ؟ فإن كنت لا تشك أن الاتحاد الذي تراه هو في ~~المعاني إذ كان من فساد العقل ، ومن الذهاب في الخبل أن يتوهم متوهم أن ~~الألفاظ يندمج بعضها في بعض ، حتى تصير لفظة واحدة . فقد أراك ذلك - إن لم ~~تكابر عقلك - أن النظم يكون في معاني الكلم دون ألفاظها ، وأن نظمها هو ~~توخي معاني النحو فيها . وذلك أنه إذا ثبت الاتحاد ، وثبت أنه في المعاني ~~فينبغي أن تنظر إلى الذي به اتحدت المعاني في بيت بشار . وإذا نظرنا لم ~~نجدها اتحدت إلا بأن جعل مثار النقع اسم كأن ، وجعل الظرف الذي هو ' فوق ~~رؤوسنا ' معمولا لمثار ومعلقا به ، وأشرك الأسياف في كأن بعطفه لها على ~~مثار ، ثم بأن قال : ليل تهاوى كواكبه ، فأتى بالليل نكرة ، وجعل جملة قوله ~~: تهاوى كواكبه له صفة ، ثم جعل مجموع ' ليل تهاوى كواكبه ' خبرا لكأن . ~~فانظر هل ترى شيئا كان الاتحاد به غير ما عددناه ؟ وهل تعرف له موجبا سواه ~~؟ فلولا الإخلاد إلى الهوينا ، وترك النظر وغطاء ألقي على عيون أقوام لكان ~~ينبغي أن يكون في هذا وحده الكفاية وما فوق الكفاية . ونسأل الله تعالى ~~التوفيق . واعلم أن الذي هو آفة هؤلاء الذي لهجوا بالأباطيل في أمر اللفظ ~~أنهم قوم قد أسلموا أنفسهم إلى التخيل ، وألقوا مقادتهم إلى ا لأوهام ، حتى ~~عدلت بهم عن الصواب كل معدل ، ودخلت بهم من فحش الغلط في كل مدخل ، وتعسفت ~~بهم في كل مجهل ، وجعلتهم يرتكبون في نصرة رأيهم الفاسد القول بكل محال ، ~~ويقتحمون في كل جهالة . حتى إنك لو قلت لهم : إنه لا يتأتى للناظم نظمه إلا ~~بالفكر والروية ، فإذا جعلتم النظم في الألفاظ PageV01P306 لزمكم من ذلك أن ~~تجعلوا فكر الإنسان - إذا هو فكر - في نظم الكلام فكرا في الألفاظ التي ~~يريد أن ينطق بها دون المعاني ، لم يبالوا أن يرتكبوا ذلك ، وأن يتعلقوا ~~فيه بما في العادة ومجرى الجبلة من ms238 أن الإنسان يخيل إليه إذا هو فكر ، أنه ~~كان ينطق في نفسه بالألفاظ التي يفكر في معانيها ، حتى يرى أن يسمعها سماعه ~~لها حين يخرجها من فيه ، وحين يجري بها اللسان . وهذا تجاهل لأن سبيل ذلك ~~سبيل إنسان يتخيل دائما في الشيء قد رآه وشاهده أنه كأنه يراه وينظر إليه . ~~وأن مثاله نصب عينيه . فكما لا يوجب هذا أن يكون رائيا له ، وأن يكون الشيء ~~موجودا في نفسه ، كذلك لا يكون تخيله أنه كان ينطق بالألفاظ موجبا أن يكون ~~ناطقا بها . وأن تكون موجودة في نفسه حتى يجعل ذلك سببا إلى جعل الفكر فيها ~~. ثم إنا نعلم أنه ينطق بالألفاظ في نفسه ، وأنه يجدها فيها على الحقيقة . ~~فمن أين لنا أنه إذا فكر كان الفكر منه فيها ؟ أم ماذا يروم ليت شعري بذلك ~~الفكر ؟ ومعلوم أن الفكر من الإنسان يكون في أن يخبر عن شيء بشيء ، أو يصف ~~شيئا بشيء ، أو يضيف شيئا إلى شيء ، أو يشرك شيئا في حكم شيء ، أو يخرج ~~شيئا من حكم قد سبق منه لشيء ، أو يجعل وجود شيء شرطا في وجود شيء ، وعلى ~~هذا السبيل . وهذا كله فكر في أمور معلومة معقولة زائدة على اللفظ . # وإذا كان هذا كذلك لم يخل هذا الذي يجعل في الألفاظ فكرا من أحد أمرين : ~~إما أن يخرج هذه المعاني من أن يكون لواضع الكلام فيها فكر ، ويجعل الفكر ~~كله في الألفاظ . وإما أن يجعل له فكرا في اللفظ مفردا عن الفكرة في هذه ~~المعاني ؛ فإن ذهب إلى الأول لم يكلم ، وإن ذهب إلى الثاني لزمه أن يجوز ~~وقوع فكر من الأعجمي الذي لا يعرف معاني ألفاظ العربية أصلا في الألفاظ ، ~~وذلك مما لا يخفى مكان الشنعة والفضيحة فيه . # وشبيه بهذا التوهم منهم أنك قد ترى أحدهم يعتبر حال السامع ، فإذا رأى ~~المعاني لا تترتب في نفسه إلا بترتب الألفاظ في سمعه ظن عند ذلك أن المعاني ~~تبع للألفاظ ، وأن الترتب فيها مكتسب من الألفاظ ومن ترتبها في نطق ms239 المتكلم ~~. وهذا ظن فاسد ممن يظنه ؛ فإن الاعتبار ينبغي أن يكون بحال الواضع للكلام ~~والمؤلف له . والواجب أن ينظر إلى حال المعاني معه لا مع السامع . وإذا ~~نظرنا علمنا ضرورة أنه محال أن يكون الترتب فيها تبعا لترتب الألفاظ ~~ومكتسبا عنه ، لأن ذلك يقتضي أن تكون الألفاظ سابقة للمعاني وأن تقع في ~~PageV01P307 نفس الإنسان أولا ثم تقع المعاني من بعدها وتالية لها ، بالعكس ~~مما يعلمه كل عاقل إذا هو لم يأخذ عن نفسه ، ولم يضرب حجاب بينه وبين عقله ~~. وليت شعري هل كانت الألفاظ إلا من أجل المعاني ؟ وهل هي إلا خدم لها ، ~~ومصرفة على حكمها ؟ أو ليست هي سمات لها ؟ وأوضاعا قد وضعت لتدل عليها ؟ ~~فكيف يتصور أن تسبق المعاني ؟ وأن تتقدمها في تصور النفس ؟ إن جاز ذلك جاز ~~أن تكون أسامي الأشياء قد وضعت قبل أن عرفت الأشياء ، وقيل أن كانت . وما ~~أدري ما أقول في شيء يجر الذاهبين إليه إلى أشباه هذا من فنون المحال ، ~~ورديء الأقوال ! وهذا سؤال لهم من جنس آخر في النظم : قالوا : لو كان النظم ~~يكون في معاني النحو لكان البدوي الذي لم يسمع بالنحو قط ، ولم يعرف ~~المبتدأ والخبر وشيئا مما يذكرونه لا يتأتى له نظم كلام . وإنا لنراه يأتي ~~في كلامه بنظم لا يحسنه المتقدم في علم النحو . قيل : هذه شبهة من جنس ما ~~عرض للذين عابوا المتكلمين فقالوا : إنا نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم ~~والعلماء في الصدر الأول لم يكونوا يعرفون الجوهر ، والعرض ، وصفة النفس ، ~~وصفة المعنى ، وسائر العبارات التي وضعتموها . فإن كان لا تتم الدلالة على ~~حدوث العالم والعلم بوحدانية الله إلا بمعرفة هذه الأشياء التي ابتدأتموها ~~فينبغي لكم أن تدعوا أنكم قد علمتم في ذلك ما لم يعلموه ، وأن منزلتكم في ~~العلم أعلى من منازلهم . وجوابنا هو مثل جواب المتكلمين ؛ وهو أن الاعتبار ~~بمعرفة مدلول العبارات لا بمعرفة العبارات ، فإذا عرف البدوي الفرق بين أن ~~يقول : جاءني زيد راكبا ، وبين قوله : جاءني زيد الراكب ؛ لم يضره أن ms240 لا ~~يعرف أنه إذا قال : ' راكبا ' كانت عبارة النحويين فيه أن يقولوا في ' راكب ~~' إنه حال . وإذا قال : ' الراكب ' إنه صفة جارية على زيد وإذا عرف في قوله ~~: زيد منطلق ، أن زيدا مخبر عنه ، ومنطلق خبر لم يضره أن لا يعلم أنا نسمي ~~زيدا مبتدأ . وإذا عرف في قولنا : ضربته تأديبا له ، أن المعنى في التأديب ~~أنه غرضه من الضرب ، وأن ضربه ليتأدب لم يضره أن لا يعلم أنا نسمي التأديب ~~مفعولا له ولو كان عدم العلم بهذه العبارات يمنعه العلم بما وضعناها له ، ~~وأردناه بها لكان ينبغي أن لا يكون له سبيل إلى بيان أغراضه ، وأن لا يفصل ~~فيما يتكلم به بين نفي وإثبات ، وبين ' ما ' إذا كان استفهاما ، وبينه إذا ~~كان بمعنى الذي ، وإذا كان بمعنى المجازاة ، لأنه لم يسمع عباراتنا في ~~الفرق بين هذه المعاني . PageV01P308 أترى الأعرابي حين سمع المؤذن يقول : ~~أشهد أن محمدا رسول الله ؛ بالنصب فأنكر وقال : صنع ماذا ؟ أنكر عن غير علم ~~أن النصب يخرجه عن أن يكون خبرا ، ويجعله والأول في حكم اسم واحد ، وأنه ~~إذا صار والأول في حكم اسم واحد احتيج إلى اسم آخر أو فعل حتى يكون كلاما ، ~~وحتى يكون قد ذكر ما له فائدة ؟ إن كان لم يعلم ذلك فلماذا قال : صنع ماذا ~~؟ فطلب ما يجعله خبرا . # ويكفيك أنه يلزم على ما قالوه أن يكون امرؤ القيس حين قال : # ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل % ) # قاله وهو لا يعلم ما نعنيه بقولنا : إن ' قفا ' أمر ، و ' نبك ' جواب ~~الأمر ، و ' ذكرى ' مضاف إلى ' حبيب ' و ' منزل ' معطوف على الحبيب . وأن ~~تكون هذه الألفاظ قد رتبت له من غير قصد منه إلى هذه المعاني . وذلك يوجب ~~أن يكون قال : نبك بالجزم من غير أن يكون عرف معنى يوجب الجزم ، وأتى به ~~مؤخرا عن قفا من غير أن عرف لتأخيره موجبا سوى طلب الوزن . ومن أفضت به ~~الحال إلى أمثال هذه الشناعات ، ثم لم يرتدع ولم يتبين أنه على خطأ ، فليس ms241 ~~إلا تركه والإعراض عنه . # ولولا أنا نحب أن لا ينبس أحد في معنى السؤال والاعتراض بحرف إلا أريناه ~~الذي استهواه لكان ترك التشاغل بإيراد هذا وشبهه أولى . ذاك لأنا قد علمنا ~~علم ضرورة أنا لو بقينا الدهر الأطول نصعد ونصوب ونبحث وننقب ؛ نبتغي كلمة ~~قد اتصلت بصاحبة لها ، ولفظة قد انتظمت مع أختها ، من غير أن نتوخى فيما ~~بينهما معنى من معاني النحو ، طلبنا ممتنعا ، وثنينا مطايا الفكر ظلعا . ~~فإن كان هاهنا من يشك في ذلك ، ويزعم أنه قد علم لاتصال الكلم بعضها ببعض ، ~~وانتظام الألفاظ بعضها مع بعض معاني غير معاني النحو فإنا نقول : هات فبين ~~لنا تلك المعاني ، وأرنا مكانها واهدنا لها ؛ فلعلك قد أوتيت علما قد حجب ~~عنا ، وفتح لك باب قد أغلق دوننا ، + الوافر + : # ( وذاك له إذا العنقاء صارت % مرببة ، وشب ابن الخصي ) PageV01P309 # | فصل في الفصاحة والتشبيه والاستعارة # قد أردت أن أعيد القول في شيء هو أصل الفساد ، ومعظم الآفة ، والذي صار ~~حجازا يبن القوم وبين التأمل . وأخذ بهم عن طريق النظر ، وحال بينهم وبين ~~أن يصغوا إلى ما يقال لهم ، وأن يفتحوا للذي تبين أعينهم ، وذلك قولهم : إن ~~العقلاء قد اتفقوا على أنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين ، ثم يكون ~~أحدهما فصيحا والآخر غير فصيح . وذلك - قالوا - يقتضي أن يكون للفظ نصيب في ~~المزية ، لأنها لو كانت مقصورة على المعنى لكان محالا أن يجعل لأحد اللفظين ~~فضل على الآخر مع أن المعبر عنه واحد . وهذا شيء تراهم يعجبون به ، ويكثرون ~~ترداده مع أنهم يؤكدونه فيقولون : لولا أن الأمر كذلك لكان ينبغي أن لا ~~يكون للبيت من الشعر فضل عل تفسير المفسر له ، لأنه إن كان اللفظ إنما يشرف ~~من أجل معناه فإن لفظ المفسر يأتي على المعنى ، ويؤديه لا محالة . إذ لو ~~كان لا يؤديه لكان لا يكون تفسيرا له . ثم يقولون : وإذا لزم ذلك في تفسير ~~البيت من الشعر لزم مثله في الآية من القرآن . وهم إذا انتهوا في الحجاج ~~إلى هذا ms242 الموضع ، ظنوا أنهم قد أتوا بما لا يجوز أن يسمع عليهم معه كلام ، ~~وأنه نقض ليس بعده إبرام . وربما أخرجهم الإعجاب به إلى الضحك والتعجب ممن ~~يرى أن إلى الكلام عليه سبيلا ، وأن يستطيع أن يقيم على بطلان ما قالوه ~~دليلا . # والجواب وبالله التوفيق أن يقال للمحتج بذلك : قولك : إنه يصح أن يعبر عن ~~المعنى الواحد بلفظين يحتمل أمرين : # أحدهما : أن تريد باللفظين كلمتين معناهما واحد في اللغة ، مثل : الليث ~~والأسد ، ومثل : شحط وبعد ، وأشباه ذلك مما وضع اللفظان فيه لمعنى . # والثاني : أن تريد كلامين . فإن أردت الأول خرجت من المسألة لأن كلامنا ~~نحن في فصاحة تحدث من بعد التأليف دون الفصاحة التي توصف بها اللفظة مفردة ~~، ومن غير أن PageV01P310 يعتبر حالها مع غيرها . وإن أردت الثاني - ولا بد ~~لك من أن تريده - فإن هاهنا أصلا من عرفه عرف سقوط هذا الاعتراض ، وهو أن ~~يعلم أن سبيل المعاني سبيل أشكال الحلي كالخاتم والشنف والسوار . فكما أن ~~من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غفلا ساذجا لم يعمل صانعه فيه شيئا ~~أكثر من أن يأتي بما يقع عليه اسم الخاتم ، إن كان خاتما ، والشنف إن كان ~~شنفا ، وأن يكون مصنوعا بديعا قد أغرب صانعه فيه . كذلك سبيل المعاني أن ~~ترى الواحد منها غفلا ساذجا عاميا موجودا في كلام الناس كلهم . ثم تراه ~~نفسه وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة وإحداث الصور في المعاني فيصنع فيه ~~ما يصنع الصنع الحاذق حتى يغرب في الصنعة ، ويدق في العمل ، ويبدع في ~~الصياغة . وشواهد ذلك حاضرة لك كيف شئت ، وأمثلته نصب عينيك ، من أين نظرت ~~تنظر إلى قول الناس : الطبع لا يتغير ، ولست تستطيع أن تخرج الإنسان عما ~~جبل عليه ؛ فترى معنى غفلا عاميا معروفا في كل جيل وأمة . ثم تنظر إليه في ~~قول المتنبي ، + المتقارب + : # ( يراد من القلب نسيانكم % وتأبى الطباع على الناقل ) # فتجده قد خرج في أحسن صورة ، وتراه قد تحول جوهرة بعد أن كان خرزة ، وصار ~~أعجب شيء بعد أن لم ms243 يكن شيئا . # وإذ قد عرفت ذلك فإن العقلاء إلى هذا قصدوا حين قالوا : إنه يصح أن يعبر ~~عن المعنى الواحد بلفظين ، ثم يكون أحدهما فصيحا والآخر غير فصيح ؛ كأنهم ~~قالوا : إنه يصح أن تكون هاهنا عبارتان ، أصل المعنى فيهما واحد ، ثم يكون ~~لإحداهما في تحسين ذلك المعنى وتزيينه وإحداث خصوصية فيه تأثير لا يكون ~~للأخرى . # واعلم أن المخالف لا يخلو من أن ينكر أن يكون للمعنى في إحدى العبارتين ~~حسن ومزية يكونان له في الأخرى ، وأن تحدث فيه على الجملة صورة لم تكن أو ~~يعرف ذلك . فإن أنكر لم يكلم لأنه يؤديه إلى أن لا يجعل للمعنى في قوله . ~~PageV01P311 # ( وتأبى الطباع على الناقل % ) # مزية على الذي يعقل من قولهم : الطبع لا يتغير ، ولا يستطيع أن يخرج ~~الإنسان عما جبل عليه ، وأن لا يرى لقول أبي نواس ، + السريع + : # ( وليس لله بمستنكر % أن يجمع العالم في واحد ) # مزية على أن يقال : ' غير بديع في قدرة الله تعالى أن يجمع فضائل الخلق ~~كلهم في رجل واحد ' . ومن أداه قول يقول إلى مثل هذا كان الكلام معه محالا ~~. وكنت إذا كلفته أن يعرف كمن يكلف أن يميز بحور الشعر بعضها من بعض ، ~~فيعرف المديد + الطويل + ، والبسيط + السريع + من ليس له ذوق يقيم به الشعر ~~من أصله ، وإن اعترف بأن ذلك يكون ، قلنا له : أخبرنا عنك أتقول في قوله : # ( وتأبى الطباع على الناقل % ) # إنه غاية في الفصاحة ؟ فإذا قال : نعم . قيل له : أو كان كذلك عندك من ~~أجل حروفه أم من أجل حسن ومزية حصلا في المعنى ؟ فإن قال : من أجل حروفه ، ~~دخل في الهذيان . وإن قال : من أجل حسن ومزية حصلا في المعنى قيل له : فذاك ~~ما أردناك عليه حين قلنا إن اللفظ يكون فصيحا من أجل مزية تقع في معناه ، ~~لا من أجل جرسه وصداه . # واعلم أن ليس شيء أيبن وأوضح وأحرى أن يكشف الشبهة عن متأمله في صحة ما ~~قلناه من التشبيه فإنك تقول : زيد كالأسد ، أو شبيه بالأسد . فتجد ذلك كله ms244 ~~تشبيها غفلا ساذجا . ثم تقول : كأن زيدا الأسد . فيكون تشبيها أيضا . إلا ~~أنك ترى بينه وبين الأول بونا بعيدا لأنك ترى له صورة خاصة ، وتجدك قد فخمت ~~المعنى ، وزدت فيه بأن أفدت أنه من الشجاعة وشدة البطش ، وأن قلبه قلب لا ~~يخامره الذعر ، ولا يدخله الروع ، بحيث يتوهم أنه الأسد بعينه . ثم تقول : ~~لئن لقيته ليلقينك منه الأسد فتجده قد أفاد هذه المبالغة ، ولكن في صورة ~~أحسن ، وصفة أخص ، وذلك أنك تجعله في ' كأن ' يتوهم أنه الأسد ، وتجعله ~~هاهنا يرى منه الأسد على القطع ، فيخرج الأمر على حد التوهم إلى حد اليقين ~~. ثم إن نظرت إلى قوله ، + الطويل + : PageV01P312 # ( أأن أرعشت كفا أبيك وأصبحت % يداك يدي ليث فإنك غالبه ؟ ) وجدته قد بدا ~~لك في صورة آنق وأحسن . ثم إن نظرت إلى قول أرطاة بن سهية ، + البسيط + : # ( إن تلقني لا ترى غيري بناظرة % تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد ) # وجدته قد فضل الجميع ، ورأيته قد أخرج في صورة غير تلك الصور كلها . # واعلم أن من الباطل والمحال ما يعلم الإنسان بطلانه واستحالته بالرجوع ~~إلى النفس ، حتى لا يشك . ثم إنه إذا أراد بيان ما يجد في نفسه والدلالة ~~عليه رأى المسلك إليه يغمض ويدق . وهذه الشبهة - أعني قولهم : إنه لو كان ~~يجوز أن يكون الأمر على خلاف ما قالوه من أن الفصاحة وصف للفظ من حيث هو ~~لفظ لكان ينبغي أن لا يكون للبيت من الشعر فضل على تفسير المفسر ، إلى آخره ~~من ذاك . وقد علقت لذلك بالنفوس وقويت فيها حتى إنك لا تلقي إلى أحد من ~~المتعلقين بأمر اللفظ كلمة مما نحن فيه إلا كان هذا أول كلامه ، وإلا عجب ~~وقال : إن التفسير بيان للمفسر ، فلا يجوز أن يبقى من معنى المفسر شيء ، لا ~~يؤديه التفسير ، ولا يأتي عليه لأن في تجويز ذلك القول بالمحال وهو أن لا ~~يزال يبقى من معنى المفسر شيء لا يكون إلى العلم به سبيل . وإذا كان الأمر ~~كذلك ثبت أن الصحيح من أنه لا يجوز أن ms245 يكون للفظ المفسر فضل من حيث المعنى ~~على لفظ التفسير . وإذا لم يجز أن يكون الفضل من حيث المعنى لم يبق إلا أن ~~يكون من حيث اللفظ نفسه . فهذا جملة ما يمكنهم أن يقولوه في نصرة هذه ~~الشبهة قد استقصيته لك . وإذ قد عرفته فاسمع الجواب ، وإلى الله تعالى ~~الرغبة في التوفيق للصواب : اعلم أن قولهم : إن التفسير يجب أن يكون ~~كالمفسر ، دعوى لا تصح لهم إلا من بعد أن ينكروا الذي بيناه من أن من شأن ~~المعاني أن تختلف بها الصور ، ويدفعوه أصلا حتى يدعوا أنه لا فرق بين ~~الكناية والتصريح . وأن حال المعنى مع الاستعارة كحاله مع ترك الاستعارة . ~~وحتى يطلبوا ما أطبق عليه العقلاء من أن المجاز يكون أبدا أبلغ من الحقيقة ~~، PageV01P313 فيزعموا أن قولنا : طويل النجاد وطويل القامة واحد ، وأن حال ~~المعنى في بيت ابن هرمة ، + المنسرح + : # ( . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولا % أبتاع إلا ~~قريبة الأجل ) # كحاله في قولك : أنا مضياف . وأنك إذا قلت : رأيت أسدا ، لم يكن الأمر ~~أقوى من أن تقول : رأيت رجلا هو من الشجاعة بحيث لا ينقص عن الأسد . ولم ~~تكن قد زدت في المعنى بأن ادعيت له أنه أسد بالحقيقة ، ولا بالغت فيه . ~~وحتى يزعموا أنه لا فضل ولا مزية لقوله : ألقيت حبله على غاربه . على قولك ~~في تفسيره : خليته وما يريد ، وتركته يفعل ما يشاء . وحتى لا يجعلوا للمعنى ~~في قوله تعالى : ( @QB@ وأشربوا في قلوبهم العجل @QE@ ) مزية على أن يقال : ~~اشتدت محبتهم للعجل ، وغلبت على قلوبهم . وأن تكون صورة المعنى في قوله عز ~~وجل : ( @QB@ واشتعل الرأس شيبا @QE@ ) صورته في قول من يقول : وشاب رأسي ~~كله ، وابيض رأسي كله . وحتى لا يروا فرقا بين قوله تعالى : ( @QB@ فما ~~ربحت تجارتهم @QE@ ) وبين : فما ربحوا في تجارتهم ، وحتى يرتكبوا جميع ما ~~أريناك الشناعة فيه من أن لا يكون فرق بين قول المتنبي : # ( وتأبى الطباع على الناقل % ) # وبين قولهم : إنك لا تقدر أن تغير طباع الإنسان . ويجعلوا حال المعنى في ~~قول أبي نواس : # ( وليس لله بمستنكر % أن يجمع العالم ms246 في واحد ) # كحاله في قولنا : إنه ليس ببديع في قدرة الله أن يجمع فضائل الخلق كلهم ~~في PageV01P314 واحد . ويرتكبوا ذلك في الكلام كله ، حتى يزعموا أنا إذا ~~قلنا في قوله تعالى : ( @QB@ ولكم في القصاص حياة @QE@ ) : أن المعنى فيها ~~أنه لما كان الإنسان إذا هم بقتل آخر لشيء غاظه منه ، فذكر أنه إن قتله قتل ~~ارتدع صار المهموم بقتله كأنه قد استفاد حياة فيما يستقبل بالقصاص . كما قد ~~أدينا المعنى في تفسيرنا هذا على صورته التي هو عليها في الآية حتى لا نعرف ~~فضلا . وحتى يكون حال الآية والتفسير حال اللفظتين ، إحداهما غريبة والأخرى ~~مشهورة ؛ فتفسر الغريبة بالمشهورة ، مثل أن تقول مثلا في الشرجب إنه + ~~الطويل + وفي القط إنه الكتاب ، وفي الدسر إنه المسامير . ومن صار الأمر به ~~إلى هذا كان الكلام معه محالا . # واعلم أنه ليس عجيب أعجب من حال من يرى كلامين ، أجزاء أحدهما مخالفة في ~~معانيها لأجزاء الآخر ثم يرى أنه يسع في العقل أن يكون معنى أحد الكلامين ~~مثل معنى الآخر سواء ، حتى يتصدى فيقول : إنه لو كان يكون الكلام فصيحا من ~~أجل مزية تكون في معناه لكان ينبغي أن توجد تلك المزية في تفسيره . ومثله ~~في العجب أنه ينظر إلى قوله تعالى : ( @QB@ فما ربحت تجارتهم @QE@ ) فيرى ~~إعراب الاسم الذي هو التجارة قد تغير فصار مرفوعا بعد أن كان مجرورا . ويرى ~~أنه قد حذف من اللفظ بعض ما كان فيه ، وهو الواو في ' ربحوا ' و ' في ' من ~~قولنا : في تجارتهم . ثم لا نعلم أن ذلك يقتضي أن يكون المعنى قد تغير كما ~~تغير اللفظ . # واعلم أنه ليس للحجج والدلائل في صحة ما نحن عليه حد ونهاية . وكلما ~~انتهى منه باب انفتح فيه باب آخر . وقد أردت أن آخذ في نوع آخر من الحجاج ~~ومن البسط والشرح فتأمل ما أكتبه لك : # اعلم أن الكلام الفصيح ينقسم قسمين : قسم تعزى المزية والحسن فيه إلى ~~اللفظ . وقسم يعزى ذلك فيه إلى النظم . فالقسم الأول : الكناية والاستعارة ~~والتمثيل الكائن على حد ms247 الاستعارة ، وكل ما كان فيه على الجملة مجاز واتساع ~~وعدول باللفظ عن الظاهر . فما من ضرب من هذه الضروب إلا وهو إذا وقع على ~~الصواب ، وعلى ما ينبغي أوجب الفضل والمزية . فإذا قلت : هو كثير رماد ~~القدر . كان له موقع وحظ من القبول لا يكون إذا قلت : هو كثير القرى ~~والضيافة . وكذا إذا قلت : هو طويل النجاد كان له تأثير في النفس لا يكون ~~إذا قلت : هو طويل القامة . وكذا إذا قلت : رأيت أسدا . كان له مزية لا ~~تكون إذا قلت : رأيت PageV01P315 رجلا يشبه الأسد ، ويساويه في الشجاعة . ~~وكذلك إذا قلت : أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى . كان له موقع لا يكون إذا قلت ~~: أراك تتردد في الذي دعوتك إليه ؛ كمن يقول : أخرج ولا أخرج ، فيقدم رجلا ~~ويؤخر أخرى . وكذلك إذا قلت : ألقى حبله على غاربه . كان له مأخذ من القلب ~~لا يكون إذا قلت : هو كالبعير الذي يلقى حبله على غاربه حتى يرعى كيف يشاء ~~، ويذهب حيث يريد . لا يجهل المزية فيه إلا عديم الحس ، ميت النفس ، وإلا ~~من لا يكلم ، لأنه من مبادي المعرفة التي من عدمها لم يكن للكلام معه معنى ~~. # وإذ قد عرفت هذه الجملة فينبغي أن تنظر إلى هذه المعاني واحدا واحدا ~~وتعرف محصولها وحقائقها ، وأن تنظر أولا إلى الكناية . وإذا نظرت إليها ~~وجدت حقيقتها ومحصول أمرها أنها إثبات لمعنى أنت تعرف ذلك المعنى من طريق ~~المعقول دون طريق اللفظ . ألا ترى أنك لما نظرت إلى قولهم : هو كثر رماد ~~القدر ، وعرفت منه أنهم أرادوا أنه كثير القرى والضيافة ، لم تعرف ذلك من ~~اللفظ ، ولكنك عرفته بأن رجعت إلى نفسك فقلت : إنه كلام قد جاء عنهم في ~~المدح ، ولا معنى للمدح بكثرة الرماد . فليس إلا أنهم أرادوا أن يدلوا ~~بكثرة الرماد على أنه تنصب له القدور الكثيرة ، ويطبخ فيها للقرى والضيافة ~~، وذلك لأنه إذا كثر الطبخ في القدور كثر إحراق الحطب تحتها . وإذا كثر ~~إحراق الحطب كثر الرماد لا محالة . وهكذا السبيل في كل ما كان ms248 كناية ، فليس ~~من لفظ الشعر عرفت أن ابن هرمة أراد بقوله : # ( . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولا % أبتاع إلا ~~قريبة الأجل ) # التمدح بأنه مضياف . ولكنك عرفته بالنظر اللطيف ، وبأن علمت أنه لا معنى ~~للتمدح بظاهر ما يدل عليه اللفظ من قرب أجل ما يشتريه ، فطلبت له تأويلا . ~~فعلمت أنه أراد أن يشتري ما يشتريه للأضياف . فإذا اشترى شاة أو بعيرا كان ~~قد اشترى ما قد دنا أجله لأنه يذبح وينحر عن قريب . # وإذ قد عرفت هذا في الكناية ، فالاستعارة في هذه القضية وذاك أن موضوعها ~~على أنك تثبت بها معنى لا يعرف السامع ذلك المعنى من اللفظ . ولكنه يعرفه ~~من معنى اللفظ . بيان هذا أنا نعلم أنك لا تقول : رأيت أسدا . إلا وغرضك أن ~~تثبت للرجل أنه مساو للأسد في شجاعته وجرأته وشدة بطشه وإقدامه ، وفي أن ~~الذعر لا يخامره ، والخوف لا يعرض له . ثم تعلم أن السامع إذا عقل هذا ~~المعنى لم يعقله من لفظ أسد ، ولكنه يعقله من معناه ، وهو أنه يعلم أنه لا ~~معنى لجعله أسدا مع العلم بأنه رجل ، إلا أنك أردت أنه بلغ من شدة مشابهته ~~PageV01P316 للأسد ومساواته إياه مبلغا يتوهم معه أنه أسد بالحقيقة ، فاعرف ~~هذه الجملة وأحسن تأملها . # واعلم أنك ترى الناس ، وكأنهم يرون أنك إذا قلت : رأيت أسدا ، وأنت تريد ~~التشبيه كنت نقلت لفظ أسد عما وضع له في اللغة ، واستعملته في معنى غير ~~معناه ، حتى كأن ليس الاستعارة إلا أن تعمد إلى اسم الشيء ، فتجعله اسما ~~لشبيهه ، وحتى كأن لا فصل بين الاستعارة وبين تسمية المطر سماء ، والنبت ~~غيثا ، والمزادة راوية ، وأشباه ذلك مما يوقع فيه اسم الشيء على ما هو منه ~~بسبب . ويذهبون عما هو مركوز في الطباع من أن المعنى فيها المبالغة ، وأن ~~يدعى في الرجل أنه ليس برجل ، ولكنه أسد بالحقيقة . وأنه إنما يعار اللفظ ~~من بعد أن يعار المعنى ، وأنه لا يشرك في اسم الأسد إلا من بعد أن يدخل في ~~جنس الأسد . لا ترى أحدا يعقل إلا وهو يعرف ذلك إذا ms249 رجع إلى نفسه أدنى رجوع ~~. ومن أجل أن كان الأمر كذلك رأيت العقلاء كلهم يثبتون القول بأن من شأن ~~الاستعارة أن تكون أبدا أبلغ من الحقيقة ، وإلا فإن كان ليس هاهنا إلا نقل ~~اسم من شيء إلى شيء فمن أين يجب - ليت شعري - أن تكون الاستعارة أبلغ من ~~الحقيقة ؟ ويكون لقولنا : رأيت أسدا ، مزية على قولنا : رأيت شبيها بالأسد ~~؟ وقد علمنا أنه محال أن يتغير الشيء في نفسه بأن ينقل إليه اسم قد وضع ~~لغيره من بعد أن لا يراد من معنى ذلك الاسم فيه شيء بوجه من الوجوه ، بل ~~يجعل كأنه لم يوضع لذلك المعنى الأصلي أصلا ، وفي أي عقل يتصور أن يتغير ~~معنى ' شبيها بالأسد ' بأن يوضع لفظ أسد عليه وينقل إليه ؟ # واعلم أن العقلاء بنوا كلامهم إذ قاسوا وشبهوا على أن الأشياء تستحق ~~الأسامي لخواص معان هي فيها دون ما عداها . فإذا أثبتوا خاصة شيء لشيء ~~أثبتوا له اسمه . فإذا جعلوا الرجل بحيث لا تنقص شجاعته عن شجاعة الأسد ، ~~ولا يعدم منها شيئا قالوا : هو أسد . وإذا وصفوه بالتناهي في الخير والخصال ~~الشريفة أو بالحسن الذي يبهر قالوا : هو ملك . وإذا وصفوا الشيء بغاية ~~الطيب قالوا : هو مسك ، وكذلك الحكم أبدا . ثم إنهم إذا استقصوا في ذلك ~~نفوا عن المشبه اسم جنسه ، فقالوا : ليس هو بإنسان ، وإنما هو أسد . وليس ~~هو أدميا ، وإنما هو ملك . كما قال الله تعالى : ( @QB@ ما هذا بشرا إن هذا ~~إلا ملك @QE@ PageV01P317 كريم ) . ثم إن لم يريدوا أن يخرجوه عن جنسه جملة ~~قالوا : هو أسد في صورة إنسان ، وهو ملك في صورة آدمي . وقد خرج هذا ~~للمتنبي في أحسن عبارة ، وذلك في قوله ، + الخفيف + : # ( نحن ركب ملجن في زي ناس % فوق طير لها شخوص الجمال ) # ففي هذه الجملة بيان لمن عقل أن ليست الاستعارة نقل اسم عن شيء إلى شيء ، ~~ولكنها ادعاء معنى الاسم لشيء . إذ لو كانت نقل اسم وكان قولنا : رأيت أسدا ~~؛ بمعنى رأيت شبيها بالأسد ، ولم يكن ادعاء أنه أسد ms250 بالحقيقة لكان محالا أن ~~يقال : ليس هو بإنسان ، ولكنه أسد ، أو هو أسد في صورة إنسان . كما أنه ~~محال أن يقال : ليس هو بإنسان ولكنه شبيه بأسد ، أو يقال : هو شبيه بأسد في ~~صورة إنسان . # واعلم أنه قد كثر في كلام الناس استعمال لفظ النقل في الاستعارة . فمن ~~ذلك قولهم : إن الاستعارة تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة ~~على سبيل النقل . وقال القاضي أبو الحسن : الاستعارة ما اكتفي فيه بالاسم ~~المستعار عن الأصلي ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها . ومن شأن ما غمض من ~~المعاني ولطف أن يصعب تصويره على الوجه الذي هو عليه لعامة الناس ، فيقع ~~لذلك في العبارات التي يعبر بها عنه ما يوهم الخطأ . وإطلاقهم في الاستعارة ~~أنها نقل للعبارة عما وضعت له من ذلك ، فلا يصح الأخذ به . وذلك أنك إذا ~~كنت لا تطلق اسم الأسد على الرجل إلا من بعد أن تدخله في جنس الأسود من ~~الجهة التي بينا لم تكن نقلت الاسم عما وضع له بالحقيقة ، لأنك إنما تكون ~~ناقلا إذا أنت أخرجت معناه الأصلي من أن يكون مقصودك ونفضت به يدك . فأما ~~أن تكون PageV01P318 ناقلا له عن معناه مع إرادة معناه فمحال مناقض . # واعلم أن في الاستعارة ما لا يتصور تقدير النقل فيه البتة ، وذلك مثل قول ~~لبيد ، + الكامل + : # ( وغداة ريح قد كشفت وقرة % إذ أصبحت بيد الشمال زمامها ) # لا خلاف في أن اليد استعارة . ثم إنك لا تستطيع أن تزعم أن لفظ ' اليد ' ~~قد نقل عن شيء إلى شيء . وذلك أنه ليس المعنى على أنه شبه شيئا باليد ، ~~فيمكنك أن تزعم أنه نقل لفظ اليد إليه ، وإنما المعنى على أنه أراد أن يثبت ~~للشمال في تصريفها الغداة على طبيعتها شبه الإنسان قد أخذ الشيء بيده يقلبه ~~ويصرفه كيف يريد . فلما أثبت لها مثل فعل الإنسان باليد استعار لها اليد . ~~وكما لا يمكنك تقدير النقل في لفظ اليد كذلك لا يمكنك أن تجعل الاستعارة ~~فيه من صفة اللفظ . ألا ms251 ترى أنه محال أن تقول إنه استعار لفظ اليد للشمال ؟ ~~وكذلك سبيل نظائره مما تجدهم قد أثبتوا فيه للشيء عضوا من أعضاء الإنسان من ~~أجل إثباتهم له المعنى الذي يكون في ذلك العضو من الإنسان كبيت الحماسة ، + ~~الطويل + : # ( إذا هزه في عظم قرن تهللت % نواجذ أفواه المنايا الضواحك ) # فإنه لما جعل المنايا تضحك جعل لها الأفواه والنواجذ التي يكون الضحك ~~فيها ، وكبيت المتنبي ، + الطويل + : # ( خميس بشرق الأرض والغرب زحفه % وفي أذن الجوزاء منه زمازم ) # لما جعل الجوزاء تسمع ، على عادتهم في جعل النجوم تعقل ووصفهم لها لما ~~PageV01P319 يوصف بها الأناسي ، أثبت لها الأذن التي بها يكون السمع من ~~الأناسي . فأنت الآن لا تستطيع أن تزعم في بيت الحماسة أنه استعار لفظ ~~النواجذ ولفظ الأفواه ، لأن ذلك يوجب المحال . وهو أن يكون في المنايا شيء ~~قد شبهه بالنواجذ ، وشيء قد شبهه بالأفواه . فليس إلا أن تقول : إنه لما ~~ادعى أن المنايا تسر وتستبشر إذا هو هز السيف وجعلها لسرورها بذلك تضحك ، ~~أراد أن يبالغ في الأمر ، فجعلها في صورة من يضحك حتى تبدو نواجذه من شدة ~~السرور . وكذلك لا تستطيع أن تزعم أن المتنبي قد استعار لفظ ' الأذن ' لأنه ~~يوجب أن يكون في الجوزاء شيء قد أراد تشبيهه بالأذن ، وذلك من شنيع المحال ~~. # فقد تبين من غير وجه أن الاستعارة إنما هي ادعاء معنى الاسم للشيء لا نقل ~~الاسم عن الشيء . وإذا ثبت أنها ادعاء معنى الاسم للشيء علمت أن الذي قالوه ~~من أنها تعليق للعبارة على غير ما وضعت في اللغة ، ونقل لها عما وضعت له ، ~~كلام قد تسامحوا فيه ، لأنه إذا كانت الاستعارة ادعاء معنى الاسم لم يكن ~~الاسم مزالا عما وضع له بل مقرا عليه . # واعلم أنك تراهم لا يمانعون إذا تكلموا في الاستعارة من أن يقولوا : إنه ~~أراد المبالغة ، فجعله أسدا ، بل هم يلجؤون إلى القول به . وذلك صريح في أن ~~الأصل فيها المعنى ، وأنه المستعار في الحقيقة ، وأن قولنا : استعير له اسم ~~الأسد ، إشارة إلى أنه ms252 استعير له معناه ، وأنه جعل إياه ، وذلك أنا لو لم ~~نقل ذلك لم يكن ل ' جعل ' هاهنا معنى ، لأن ' جعل ' لا يصلح إلا حيث يراد ~~إثبات صفة للشيء ، كقولنا : جعلته أميرا ، وجعلته لصا . تريد أنك أثبت له ~~الإمارة ، ونسبته إلى اللصوصية ، وادعيتها عليه ، ورميته بها . وحكم ' جعل ~~' إذا تعدى إلى مفعولين حكم صير ؛ فكما لا تقول : صيرته أميرا ، إلا على ~~معنى أنك أثبت له صفة الإمارة ، كذلك لا يصح أن تقول : جعلته أسدا ، إلا ~~على معنى أنك أثبت له معاني الأسد . وأما ما تجده في بعض كلامهم من أن ' ~~جعل ' يكون بمعنى ' سمى ' فمما تسامحوا فيه أيضا ، لأن المعنى معلوم وهو ~~مثل أن تجد الرجل يقول : أنا لا أسميه إنسانا . وغرضه أن يقول : إني لا ~~أثبت له المعاني التي بها كان الإنسان إنسانا . فأما أن يكون ' جعل ' في ~~معنى ' سمى ' هكذا غفلا فمما لا يخفى فساده . ألا ترى أنك لا تجد عاقلا ~~يقول : جعلته زيدا ، بمعنى سميته زيدا ؟ ولا يقال للرجل : أجعل ابنك زيدا ، ~~بمعنى سمه زيدا ، و : ولد لفلان ابن فجعله عبد الله ، أي سماه عبد الله . # هذا ما لا يشك فيه ذو عقل إذا نظر . وأكثر ما يكون منهم هذا التسامح ، ~~أعني قولهم : إن ' جعل ' يكون بمعنى ' سمى ' في قوله تعالى : ( @QB@ وجعلوا ~~الملائكة الذين هم عباد الرحمن @QE@ ) PageV01P320 ( @QB@ إناثا @QE@ ) . ~~فقد ترى في التفسير أن جعل يكون بمعنى سمى . وعلى ذاك فلا شبهة في أن ليس ~~المعنى على مجرد التسمية ، ولكن على الحقيقة التي وصفتها لك . وذاك أنهم ~~أثبتوا للملائكة صفة الإناث ، واعتقدوا وجودها فيهم . وعن هذا الإعتقاد صدر ~~عنهم ما صدر من الاسم ؛ أعني إطلاق اسم البنات . وليس المعنى أنهم وضعوا ~~لها لفظ الإناث ولفظ البنات من غير اعتقاد معنى وإثبات صفة . هذا محال . ~~أولا ترى إلى قوله تعالى : ( @QB@ أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون @QE@ ~~) فلو كانوا لم يزيدوا على إجراء الاسم على الملائكة ، ولم يعتقدوا إثبات ~~صفة لما قال الله تعالى : ( @QB@ أشهدوا خلقهم @QE@ ) . هذا ولو كانوا لم ~~يقصدوا إثبات ms253 صفة ، ولم يكن غير أن وضعوا اسما لا يريدون به معنى لما ~~استحقوا إلا اليسير من الذم ، ولما كان هذا القول منهم كفرا . والتفسير ~~الصحيح والعبارة المستقيمة ما قاله أبو إسحاق الزجاج رحمه الله فإنه قال : ~~إن الجعل هاهنا في معنى القول والحكم على الشيء ؛ تقول : ' قد جعلت زيدا ~~أعلم الناس ' أي وصفته بذلك وحكمت به . # ونرجع إلى الغرض فنقول : فإذا ثبت أن ليست الاستعارة نقل الاسم ، ولكن ~~ادعاء معنى الاسم . وكنا إذا عقلنا من قول الرجل : ' رأيت أسدا ' أنه أراد ~~به المبالغة في وصفه بالشجاعة ، وأن يقول : إنه من قوة القلب ، ومن فرط ~~البسالة ، وشدة البطش . وفي أن الخوف لا يخامره ، والذعر لا يعرض له بحيث ~~لا ينقص عن الأسد ، لم نعقل ذلك من لفظ أسد ، ولكن من ادعائه معنى الأسد ~~الذي رآه ثبت بذلك أن الاستعارة كالكناية في أنك تعرف المعنى فيها من طريق ~~المعقول دون طريق اللفظ . # وإذ قد عرفت أن طريق اعلم بالمعنى في الاستعارة والكناية معا المعقول ، ~~فاعلم أن حكم التمثيل في ذلك حكمها ، بل الأمر في التمثيل أظهر ، وذلك أنه ~~ليس من عاقل يشك إذا نظر في كتاب يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد حين ~~بلغه أنه يتلكأ في بيعته : ' أما بعد فإني أراك تقدم رجلا ، وتؤخر أخرى . ~~فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيتهما شئت والسلام ' . يعلم أن المعنى أنه ~~يقول له : بلغني أنك في أمر البيعة بين رأيين مختلفين ، PageV01P321 ترى ~~تارة أن تبايع وأخرى أن تمتنع من البيعة . إذا أتاك كتابي هذا فاعمل على أي ~~الرأيين شئت ، وأنه لم يعرف ذلك من لفظ التقديم والتأخير ، أو من لفظ الرجل ~~، ولكن بأن علم أنه لا معنى لتقديم الرجل وتأخيرها في رجل يدعى إلى البيعة ~~. وأن المعنى على أنه أراد أن يقول : إن مثلك في ترددك بين أن تبايع وبين ~~أن تمتنع مثل رجل قائم ليذهب في أمر ، فجعلت نفسه تريه تارة أن الصواب في ~~أن يذهب ، فجعل يقدم رجلا تارة ويؤخر أخرى ms254 . # وهكذا كل كلام كان ضرب مثل ، لا يخفى على من له أدنى تمييز أن الأغراض ~~التي تكون للناس في ذلك لا تعرف من الألفاظ ، ولكن تكون المعاني الحاصلة من ~~مجموع الكلام أدلة على الأغراض والمقاصد . ولو كان الذي يكون غرض المتكلم ~~يعلم من اللفظ ما كان لقولهم : ضرب كذا مثلا لكذا معنى . فما اللفظ يضرب ~~مثلا ولكن المعنى . فإذا قلنا في قول النبي عليه السلام : ' إياكم وخضراء ~~الدمن ' إنه ضرب عليه السلام خضراء الدمن مثلا للمرأة الحسناء في منبت ~~السوء . لم يكن المعنى انه ضرب لفظ ' خضراء الدمن ' مثلا لها . هذا ما لا ~~يظنه من به مس فضلا عن العاقل . فقد زال الشك ، وارتفع في أن طريق العلم ~~بما يراد إثباته والخبر به في هذه الأجناس الثلاثة التي هي الكناية ~~والاستعارة والتمثيل المعقول دون اللفظ من حيث يكون القصد بالإثبات فيها ~~إلى معنى ليس هو معنى اللفظ ، ولكنه معنى يستدل بمعنى اللفظ عليه ويستنبط ~~منه ، كنحو ما ترى من أن القصد في قولهم : هو كثير رماد القدر ، إلى كثرة ~~القرى . وأنت لا تعرف ذلك من هذا اللفظ الذي تسمعه ولكنك تعرفه بأن تستدل ~~عليه بمعناه على ما مضى الشرح فيه . # وإذ قد عرفت ذلك فينبغي أن يقال لهؤلاء الذي اعترضوا علينا في قولنا إن ~~الفصاحة وصف تجب للكلام من أجل مزية تكون في معناه وأنها لا تكون وصفا له ~~من حيث اللفظ مجردا عن المعنى ، واحتجوا بأن قالوا : إنه لو كان الكلام إذا ~~وصف بأنه فصيح كان ذلك من أجل مزية تكون في معناه لوجب أن يكون تفسيره ~~فصيحا مثله : أخبرونا عنكم أترون أن من شأن هذه الأجناس ، إذا كانت في ~~الكلام أن تكون له بها مزية توجب له الفصاحة أم لا ترون ذلك ؟ فإن قالوا : ~~لا نرى ذلك . لم يكلموا . وإن قالوا : نرى للكلام إذا كانت فيه مزية توجب ~~له الفصاحة ، قيل لهم : فأخبرونا عن تلك المزية أتكون في اللفظ أم في ~~المعنى ؟ فإن قالوا : PageV01P322 في اللفظ . دخلوا في ms255 الجهالة من حيث يلزم ~~من ذلك أن تكون الكناية والاستعارة والتمثيل أوصافا للفظ لأنه لا يتصور أن ~~تكون مزيتها في اللفظ حتى تكون أوصافا له . وذلك محال من حيث يعلم كل عاقل ~~أنه لا يكنى باللفظ عن اللفظ ، وأنه إنما يكنى بالمعنى عن المعنى . # وكذلك يعلم أنه لا يستعار اللفظ مجردا عن المعنى ، ولكن يستعار المعنى ، ~~ثم اللفظ يكون تبع المعنى على ما قدمنا الشرح فيه . ويعلم كذلك أنه محال أن ~~يضرب المثل باللفظ وأن يكون قد ضرب لفظ ' أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى ' مثلا ~~لتردده في أمر البيعة . وإن قالوا : هي في المعنى قيل لهم : فهو ما أردناكم ~~عليه ، فدعوا الشك عنكم ، وانتبهوا من رقدتكم ، فإنه علم ضروري قد أدى ~~التقسيم إليه ، وكل علم كان كذلك فإنه يجب القطع على كل سؤال يسأل فيه بأنه ~~خطأ ، وأن السائل ملبوس عليه . # ثم إن الذي يعرف به وجه دخول الغلط عليهم في قولهم : إنه لو كان الكلام ~~يكون فصيحا من أجل مزية تكون في معناه لوجب أن يكون تفسيره فصيحا مثله : هو ~~أنك إذا نظرت إلى كلامهم هذا وجدتهم كأنهم قالوا إنه لو كان الكلام إذا كان ~~فيه كناية أو استعارة أو تمثيل كان لذلك فصيحا ، لوجب أن يكون إذا لم توجد ~~فيه هذه المعاني فصيحا أيضا ، ذاك لأن تفسير الكناية أن نتركها ونصرح ~~بالمكنى عنه ، فنقول : إن المعنى في قولهم : هو كثير رماد القدر ؛ أنه كثير ~~القرى . وكذلك الحكم في الاستعارة فإن تفسيرها أن نتركها ونصرح بالتشبيه ~~فنقول في ' رأيت أسدا ' : إن المعنى رأيت رجلا يساوي الأسد في الشجاعة . ~~وكذلك الأمر في التمثيل ، لأن تفسيره أن نذكر المتمثل له فنقول في قوله : ' ~~أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى ' : إن المعنى أنه قال : أراك تتردد في أمر ~~البيعة ! فتقول تارة : أفعل ، وتارة لا أفعل ، كمن يريد الذهاب في وجه ~~فتريه نفسه تارة أن الصواب في أن يذهب وأخرى أنه في أن لا يذهب فيقدم رجلا ~~ويؤخر أخرى . وهذا خروج عن المعقول لأنه ms256 بمنزلة أن تقول لرجل قد نصب لوصف ~~علة : إن كان هذا الوصف يجب لهذه العلة فينبغي أن يجب مع عدمها . # ثم إن الذي استهواهم هو أنهم نظروا إلى تفسير ألفاظ اللغة بعضها ببعض . ~~فلما رأوا اللفظ إذا فسر بلفظ مثل أن يقال في الشرجب : إنه + الطويل + لم ~~يجز أن يكون في المفسر من حيث المعنى مزية لا تكون في التفسير . ظنوا أن ~~سبيل ما نحن فيه ذلك السبيل ، وذلك غلط منهم . لأنهم إنما كان للمفسر فيما ~~نحن فيه الفضل والمزية على التفسير من حيث كانت PageV01P323 الدلالة في ~~المفسر دلالة معنى ، وفي التفسير دلالة لفظ على معنى ، وكان من المركوز في ~~الطباع ، والراسخ في غرائز العقول أنه متى أريد الدلالة على معنى فترك أن ~~يصرح به ، ويذكر باللفظ الذي هو له في اللغة ، وعمد إلى معنى آخر فأشير به ~~إليه ، وجعل دليلا عليه ، كان للكلام بذلك حسن ومزية لا يكونان إذا لم يصنع ~~ذلك ، وذكر بلفظه صريحا . ولا يكون هذا الذي ذكرت أنه سبب فضل المفسر على ~~التفسير من كون الدلالة في المفسر دلالة معنى على معنى ، وفي التفسير معنى ~~معلوم يعرفه السامع ، وهو غير معنى لفظ التفسير في نفسه وحقيقته ، كما ترى ~~من أن الذي هو معنى اللفظ في قولهم : هو كثير رماد القدر . غير الذي هو ~~معنى اللفظ في قولهم : هو كثير القرى ، ولو لم يكن كذلك لم يتصور أن يكون ~~هاهنا دلالة معنى على معنى . # وإذ قد عرفت هذه الجملة فقد حصل لنا منها أن المفسر يكون له دلالتان : ~~دلالة اللفظ على المعنى ، ودلالة المعنى الذي دل اللفظ عليه على معنى لفظ ~~آخر . ولا يكون للتفسير إلا دلالة واحدة وهي دلالة اللفظ . وهذا الفرق هو ~~سبب أن كان للمفسر الفضل والمزية على التفسير . ومحال أن يكون هذا قضية ~~المفسر في ألفاظ اللغة . ذاك لأن معنى المفسر يكون مجهولا عند السامع ، ~~ومحال أن يكون للمجهول دلالة . ثم إن معنى المفسر يكون هو معنى التفسير ~~بعينه ، ومحال إذا كان المعنى ms257 واحدا أن يكون للمفسر فضل على التفسير ، لأن ~~الفضل كان في مسألتنا بأن دل لفظ المفسر على معنى ، ثم دل معناه على معنى ~~آخر . وذلك لا يكون مع كون المعنى واحدا ولا يتصور . # بيان هذا أنه محال أن يقال إن معنى الشرجب الذي هو المفسر يكون دليلا على ~~معنى تفسيره الذي هو الطويل على وزان قولنا : إن معنى ' كثير رماد القدر ' ~~يدل على معنى تفسيره الذي هو ' كثير القرى ' لأمرين : # أحدهما : أنك لا تفسر الشرجب حتى يكون معناه مجهولا عند السامع ومحال أن ~~يكون للمجهول دلالة . # والثاني : أن المعنى في تفسيرنا الشرجب بالطويل أن نعلم السامع أن معناه ~~هو معنى الطويل بعينه . وإذا كان كذلك كان محالا أن يقال : إن معناه يدل ~~على معنى الطويل ، والذي يعقل أن يقال إن معناه هو معنى الطويل . فاعرف ذلك ~~، وانظر إلى لعب الغفلة بالقوم . وإلى ما رأوا في منامهم من الأحلام ~~الكاذبة . ولو أنهم تركوا الاستنامة إلى التقليد ، والأخذ PageV01P324 ~~بالهوينا ، وترك النظر . وأشعروا قلوبهم أن هاهنا كلاما ينبغي أن يصغى إليه ~~. لعلموا ، ولعاد إعجابهم بأنفسهم في سؤالهم هذا وفي سائر أقوالهم عجبا ~~منها ومن تطويح الظنون بها . # وإذ قد بان سقوط ما اعترض به القوم ، وفحش غلطهم . فينبغي أن تعلم أن ~~ليست المزايا التي تجدها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره ، ~~والمبالغة التي تحسها في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم بخبره إليها ، ~~ولكنها في طريق إثباته لها ، وتقريره إياها ، وأنك إذا سمعتهم يقولون : إن ~~من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني مزية وفضلا ، وتوجب لها شرفا ونبلا ، ~~وأن تفخمها في نفوس السامعين ، لا يعنون أنفس المعاني التي يقصد المتكلم ~~بخبره إليها كالقرى والشجاعة والتردد في الرأي ، وإنما يعنون إثباتها لما ~~تثبت له ، ويخبر بها عنه . فإذا جعلوا للكناية مزية على التصريح لم يجعلوا ~~تلك المزية في المعنى المكنى عنه ، ولكن في إثباته للذي ثبت له . وذلك أنا ~~نعلم أن المعاني التي يقصد الخبر بها لا تتغير في أنفسها بأن يكنى عنها ~~بمعان ms258 سواها ، ويترك أن تذكر الألفاظ التي هي لها في اللغة . ومن هذا الذي ~~يشك أن معنى طول القامة وكثرة القرى لا يتغيران بأن يكنى عنهما بطول النجاد ~~وكثرة رماد القدر ، وتقدير التغيير فيهما يؤدي إلى أن لا تكون الكناية ~~عنهما ، ولكن عن غيرهما . وقد ذكرت هذا في صدر الكتاب ، وذكرت أن السبب في ~~أن كان يكون للإثبات إذا كان من طريق الكناية مزية لا تكون إذا كان من طريق ~~التصريح أنك إذا كنيت عن كثرة القرى بكثرة رماد القدر كنت قد أثبت كثرة ~~القرى بإثبات شاهدها ودليلها ، وما هو علم على وجودها . وذلك لا محالة يكون ~~أبلغ من إثباتها بنفسها ، وذلك لأنه يكون سبيلها حينئذ سبيل الدعوى تكون مع ~~شاهد . وذكرت أن السبب في أن كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة أنك إذا ادعيت ~~للرجل أنه أسد بالحقيقة كان ذلك أبلغ وأشد في تسويته بالأسد في الشجاعة . ~~وذاك لأنه أن يكون من الأسود ، ثم لا تكون له شجاعة الأسود . وكذلك الحكم ~~في التمثيل فإذا قلت : أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى ، كان أبلغ في إثبات ~~التردد له من أن تقول : أنت كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى . PageV01P325 # واعلم أنه قد يهجس في نفس الإنسان شيء يظن من أجله أنه ينبغي أن يكون ~~الحكم في المزية التي تحدث بالاستعارة أنها تحدث في المثبت دون الإثبات ، ~~وذلك أن تقول : إنا إذا نظرنا إلى الاستعارة وجدناها ، إنما كانت أبلغ من ~~أجل أنها تدل على قوة الشبه ، وأنه قد تناهى إلى أن صار المشبه لا يتميز عن ~~المشبه به في المعنى الذي من أجله شبه به . وإذا كان كذلك كانت المزية ~~الحادثة بها حادثة في الشبه ، وإذا كانت حادثة في الشبه كانت في المثبت دون ~~الإثبات . # والجواب عن ذلك أن يقال إن الاستعارة - لعمري - تقتضي قوة الشبه ، وكونه ~~بحيث لا يتميز المشبه عن المشبه به ، ولكن ليس ذاك سبب المزية ، وذلك لأنه ~~لو كان ذاك سبب المزية لكان ينبغي إذا جئت به صريحا فقلت : رأيت رجلا ~~مساويا ms259 للأسد في الشجاعة ، وبحيث لولا صورته لظننت أنك رأيت أسدا . وما ~~شاكل ذلك من ضروب المبالغة أن تجد لكلامك المزية التي تجدها لقولك أسدا . ~~وليس يخفى على عاقل أن ذلك لا يكون . # فإن قال قائل : إن المزية من أجل أن المساواة تعلم في ' رأيت أسدا ' من ~~طريق المعنى ، وفي ' رأيت رجلا مساويا للأسد ' من طريق اللفظ ، قيل قد قلنا ~~فيما تقدم إنه محال أن يتغير حال المعنى في نفسه بأن يكنى عنه بمعنى آخر ، ~~وأنه لا يتصور أن يتغير معنى طول القامة بأن يكنى عنه بطول النجاد ، ومعنى ~~كثرة القرى بأن يكنى عنه بكثرة الرماد . وكما أن ذلك لا يتصور فكذلك لا ~~يتصور أن يتغير معنى مساواة الرجل الأسد في الشجاعة بأن يكنى عن ذلك ، ويدل ~~عليه بأن تجعله أسدا . فأنت الآن إذا نظرت إلى قوله ، + البسيط + : # ( فأسبلت لؤلؤا من نرجس وسقت % وردا وعضت على العناب بالبرد ) # فرأيته قد أفادك أن الدمع كان لا يحرم من شبه اللؤلؤ ، والعين من شبه ~~النرجس شيئا - فلا تحسبن أن الحسن الذي تراه والأريحية التي تجدها عنده أنه ~~أفادك ذلك فسحب . وذاك أنك تستطيع أن تجيء به صريحا ؟ فتقول : فأسبلت دمعا ~~كأنه اللؤلؤ عينه من عين كأنها PageV01P326 النرجس حقيقة . ثم لا ترى من ~~ذلك الحسن شيئا . ولكن اعلم أن سبب أن راقك ، وأدخل الأريحية عليك ، أنه ~~أفادك في إثبات شدة الشبه مزية ، وأوجدك فيه خاصة قد غرز في طبع الإنسان أن ~~يرتاح لها ، ويجد في نفسه هزة عندها . وهكذا حكم نظائره كقول أبي نواس ، + ~~السريع + : # ( يبكي فيذري الدر عن نرجس % ويلطم الورد بعناب ) # وقول المتنبي ، + الوافر + : # ( بدت قمرا ومالت خوط بان % وفاحت عنبرا ورنت غزالا ) # وأعلم أن من شأن الاستعارة أنك كلما زدت إرادتك التشبيه إخفاء ازدادت ~~الاستعارة حسنا . حتى إنك تراها أغرب ما تكون إذا كان الكلام قد ألف تأليفا ~~، إن أردت أن تفصح فيه بالتشبيه خرجت إلى شيء تعافه النفس ، ويلفظه السمع . ~~ومثال ذلك قول ابن المعتز ، + مجزوء الرمل + : # ( أثمرت أغصان راحته ms260 % بجنان الحسن عنابا ) # ألا ترى أنك لو حملت نفسك على أن تظهر التشبيه ، وتفصح به احتجت إلى أن ~~تقول : أثمرت أصابع يده التي هي كالأغصان لطالبي الحسن شبيه العناب من ~~أطرافها المخضوبة . وهذا ما تخفى غثاثته . ومن أجل ذلك كان موقع العناب في ~~هذا البيت أحسن منه في قوله : # ( وعضت على العناب بالبرد % ) # وذاك لأن إظهار التشبيه فيه لا يقبح هذا القبح المفرط لأنك لو قلت : وعضت ~~على PageV01P327 أطراف أصابع كالعناب بثغر كالبرد ، كان شيئا يتكلم بمثله ، ~~وإن كان مرذولا . وهذا موضع لا يتبين سره إلا من كان ملتهب الطبع ، حاد ~~القريحة . وفي الاستعارة علم كثير ولطائف معان ، ودقائق فروق . وسنقول فيها ~~إن شاء الله في موضع آخر . # واعلم أنا أخذنا في الجواب عن قولهم : إنه لو كان الكلام يكون فصيحا من ~~أجل مزية تكون في معناه لكان ينبغي أن يكون تفسيره فصيحا مثله : قلنا إن ~~الكلام الفصيح ينقسم قسمين : قسم تعزى المزية فيه إلى اللفظ . وقسم تعزى ~~فيه إلى النظم . وقد ذكرنا في القسم الأول من الحجج ما لا يبقى معه لعاقل - ~~إذا هو تأملها - شك في بطلان ما تعلقوا به من أنه يلزمنا في قولنا : ' إن ~~الكلام يكون فصيحا من أجل مزية تكون في معناه ' أن يكون تفسير الكلام ~~الفصيح فصيحا مثله . وأنه تهوس منهم وتقحم في المحالات . # وأما القسم الذي تعزى فيه المزية إلى النظم فإنهم إن ظنوا أن سؤالهم الذي ~~اغتروا به ، يتجه لهم فيه كان أمرهم أعجب ، وكان جهلهم في ذلك أغرب ، وذلك ~~أن النظم كما بيناه هو توخي معاني النحو وأحكامه وفروقه ووجوهه ، والعمل ~~بقوانينه وأصوله ، وليست معاني النحو معاني الألفاظ ، فيتصور أن يكون لها ~~تفسير . # وجملة الأمر أن النظم إنما هو أن ' الحمد ' من قوله تعالى : ( @QB@ الحمد ~~لله رب العالمين الرحمن الرحيم @QE@ ) مبتدأ و ' لله ' خبر ، ورب صفة لاسم ~~الله تعالى ومضاف إلى العالمين ، والعالمين مضاف إليه ، والرحمن الرحيم ~~صفتان كالرب ومالك من قوله : ( @QB@ مالك يوم الدين @QE@ ) صفة أيضا ومضاف ~~إلى يوم ، و ms261 ' يوم ' مضاف إلى الدين . وإياك : ضمير اسم الله تعالى مما هو ~~ضمير يقع موقع الاسم ، إذا كان الاسم منصوبا . معنى ذلك أنك لو ذكرت اسم ~~الله مكانه لقلت : الله نعبد ، ثم أن ' نعبد ' هو المقتضي معنى النصب فيه . ~~وكذلك حكم ' إياك نستعين ' . ثم إن جملة ' إياك نستعين ' معطوف بالواو على ~~جملة ' إياك نعبد ' . و ' الصراط ' مفعول ، و ' المستقيم ' صفة للصراط ، و ~~' صراط الذين ' بدل من الصراط المستقيم ، ' وأنعمت عليهم ' صلة الذين ، ' ~~وغير المغضوب عليهم ' صفة الذين ، ' والضالين ' معطوف على المغضوب عليهم . ~~PageV01P328 # فانظر الآن : هل يتصور في شيء من هذه المعاني أن يكون معنى اللفظ ؟ وهل ~~يكون كون الحمد مبتدأ معنى لفظ الحمد ؟ أم يكون كون رب صفة وكونه مضافا إلى ~~العالمين معنى لفظ الرب ؟ # فإن قيل : إنه إن لم تكن هذه المعاني أنفس الألفاظ فإنها تعلم على كل حال ~~من ترتيب الألفاظ ، ومن الإعراب ؛ فبالرفع في الدال من الحمد يعلم أنه ~~مبتدأ ، وبالجر في الباء من رب يعلم أنه صفة ، وبالياء في العالمين يعلم ~~أنه مضاف إليه . وعلى هذا قياس الكل . قيل : ترتيب اللفظ لا يكون لفظا ، ~~والإعراب وإن كان يكون لفظا فإنه لا يتصور أن يكون هاهنا لفظان كلاهما ~~علامة إعراب ، ثم يكون أحدهما تفسيرا للآخر . وزيادة القول في هذا من خطل ~~الرأي ؛ فإنه مما يعلمه العاقل ببديهة النظر . ومن لم يتنبه له في أول ما ~~يسمع لم يكن أهلا لأن يكلم . ونعود إلى رأس الحديث فنقول : # قد بطل الآن من كل وجه وكل طريق أن تكون الفصاحة وصفا للفظ من حيث هو لفظ ~~ونطق لسان . وإذا كان هذا صورة الحال وجملة الأمر ، ثم لم تر القوم تفكروا ~~في شيء مما شرحناه بحال ، ولا أخطروه لهم ببال ، بان وظهر أنهم لم يأتوا ~~الأمر من بابه ، ولم يطلبوه من معدنه ، ولم يسلكوا إليه طريقه . وأنهم لم ~~يزيدوا على أن أوهموا أنفسهم وهما كاذبا أنهم قد أبانوا الوجه الذي به كان ~~القرآن معجزا ، والوصف الذي به بان من كلام المخلوقين ، من ms262 غير أن يكونوا ~~قد قالوا فيه قولا يشفي من شاك غليلا ، ويكون على علم دليلا ، وإلى معرفة ~~ما قصدوا إليه سبيلا . # واعلم أنه إذا نظر العاقل إلى هذه الأدلة فرأى ظهورها استبعد أن يكون قد ~~ظن ظان في الفصاحة أنها من صفة اللفظ صريحا . ولعمري إنه كذلك ينبغي ، إلا ~~أنا ننظر إلى جدهم وتشددهم وبتهم الحكم بأن المعاني لا تتزايد ، وإنما ~~تتزايد الألفاظ . فلئن كانوا قد قالوا الألفاظ ، وهم لا يريدونها أنفسها ، ~~وإنما يريدون لطائف معان تفهم منها ، لقد كان ينبغي أن يتبعوا ذلك من قولهم ~~ما ينبىء عن غرضهم ، وأن يذكروا أنهم عنوا بألفاظ ضربا من المعنى ، وأن ~~غرضهم مفهوم خاص . # هذا ، وأمر النظم في أنه ليس شيئا غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم ، ~~وأنك ترتب PageV01P329 المعاني أولا في نفسك ، ثم تحذو على ترتيبها الألفاظ ~~في نطقك . وإنا لو فرضنا أن تخلو ألفاظ من المعاني لم يتصور أن يجب فيها ~~نظم وترتيب في غاية القوة والظهور . ثم ترى الذين لهجوا بأمر اللفظ قد أبوا ~~إلا أن يجعلوا النظم في الألفاظ . فترى الرجل منهم يرى ويعلم أن الإنسان لا ~~يستطيع أن يجيء بالألفاظ مرتبة إلا من بعد أن يفكر في المعاني ، ويرتبها في ~~نفسه على ما أعلمناك ، ثم تفتشه فتراه لا يعرف الأمر بحقيقته ، وتراه ينظر ~~إلى حال السامع . فإذا رأى المعاني لا تقع مرتبة في نفسه ، إلا من بعد أن ~~تقع الألفاظ مرتبة في سمعه ، نسي حال نفسه ، واعتبر حال من يسمع منه . سبب ~~ذلك قصر الهمة ، وضعف العناية ، وترك النظر ، والأنس بالتقليد . وما يغني ~~وضوح الدلالة مع من لا ينظر فيها . وإن الصبح ليملأ الأفق ، ثم لا يراه ~~النائم ومن قد أطبق جفنه ؟ # واعلم أنك لا ترى في الدنيا علما قد جرى الأمر فيه بديئا وأخيرا على ما ~~جرى عليه في علم الفصاحة والبيان . أما البديء فهو أنك لا ترى نوعا من ~~أنواع العلوم إلا وإذا تأملت كلام الأولين الذين علموا الناس وجدت لعبارة ~~فيه أكثر من ms263 الإشارة ، والتصريح أغلب من التلويح . والأمر في علم الفصاحة ~~بالضد من هذا ؛ فإنك إذا قرأت ما قاله العلماء فيه وجدت جله أو كله رمزا ~~ووحيا وكناية وتعريضا وإيماء إلى الغرض من وجه لا يفطن له إلا من غلغل ~~الفكر ، وأدق النظر . ومن يرجع من طبعه إلى ألمعية يقوى معها على الغامض ، ~~ويصل بها إلى الخفي ، حتى كان بسلا حراما أن تتجلى معانيهم سافرة الأوجه لا ~~نقاب لها ، وبادية الصفحة لا حجاب دونها . وحتى كأن الإفصاح بها حرام ، ~~وذكرها إلا على سبيل الكناية والتعريض غير سائغ . PageV01P330 # وأما الأخير فهو أنا لم نر العقلاء قد رضوا من أنفسهم في شيء من العلوم ~~أن يحفظوا كلاما للأولين ويتدارسوه ويكلم به بعضهم بعضا من غير أن يعرفوا ~~له معنى ، ويقفوا منه على غرض صحيح ، ويكون عندهم - إن يسألوا عنه - بيان ~~له وتفسير ، إلا علم الفصاحة فإنك ترى طبقات من الناس يتداولون فيما بينهم ~~ألفاظا للقدماء وعبارات من غير أن يعرفوا لها معنى أصلا ، أو يستطيعوا إن ~~سئلوا عنها أن يذكروا لها تفسيرا يصح . # فمن أقرب ذلك أنك تراهم يقولون ، إذا هم تكلموا في مزية كلام على كلام : ~~إن ذلك يكون بجزالة اللفظ . وإذا تكلموا في زيادة نظم على نظم : إن ذلك ~~يكون لوقوعه على طريقة مخصوصة وعلى وجه دون وجه . ثم لا تجدهم يفسرون ~~الجزالة بشيء ، ويقولون في المراد بالطريقة والوجه ما يحلى منه السامع ~~بطائل . ويقرؤون في كتب البلغاء ضروب كلام قد وصفوا اللفظ فيها بأوصاف تعلم ~~ضرورة أنها لا ترجع إليه من حيث هو لفظ ونطق لسان وصدى حرف ، كقولهم : لفظ ~~متمكن غير قلق ولا ناب به موضعه . وإنه جيد السبك ، صحيح الطابع . وإنه ليس ~~فيه فضل عن معناه . وكقولهم : إن من حق اللفظ أن يكون طبقا للمعنى لا يزيد ~~عليه ولا ينقص عنه ؛ كقول بعض من وصف رجلا من البلغاء : كانت ألفاظه قوالب ~~لمعانيه . هذا إذا مدحوه . وقولهم إذا ذموه . هو لفظ معقد ، وإنه بتعقيده ~~قد استهلك المعنى ، وأشباه لهذا . ثم ms264 لا يخطر ببالهم أنه يجب أن يطلب لما ~~قالوه معنى ، وتعلم له فائدة ويجشم فيه فكر ، وأن يعتقد على الجملة أقل ما ~~في الباب أنه كلام لا يصح حمله على ظاهره . وأن يكون المراد باللفظ فيه نطق ~~اللسان . فالوصف بالتمكن ، والقلق في اللفظ محال فإنما يتمكن الشيء ويعلق ~~إذا كان شيئا يثبت في مكان . والألفاظ حروف لا يوجد منها حرف حتى يعدم الذي ~~كان قبله . # وقولهم : متمكن ، أو قلق وصف للكلمة بأسرها ، لا حرف حرف منها . ثم إنه ~~لو كان يصح في حروف الكلمة أن تكون باقية بمجموعها لكان ذلك فيها محالا ~~أيضا من حيث إن الشيء إنما يتمكن ويقلق في مكانه الذي يوجد فيه . ومكان ~~الحروف إنما هو الحلق والفم واللسان والشفتان ، فلو كان يصح عليها أن توصف ~~بأنها تتمكن وتقلق لكان يكون ذلك PageV01P331 التمكن وذلك القلق منها في ~~إمكانها من الحلق والفم واللسان والشفتين . وكذلك قولهم : لفظ ليس فيه فضل ~~عن معناه ؛ محال أن يكون المراد به اللفظ ، لأنه ليس هاهنا اسم أو فعل أو ~~حرف يزيد على معناه أو ينقص عنه . كيف وليس بالذرع وضعت الألفاظ على ~~المعاني ، وإن اعتبرنا المعاني المستفادة من الجمل فكذلك . وذلك أنه ليس ~~هاهنا جملة من مبتدأ وخبر ، أو فعل وفاعل ، يحصل بها الإثبات أو النفي أتم ~~أو أنقص مما يحصل بأخرى . وإنما فضل اللفظ عن المعنى أن تريد الدلالة بمعنى ~~على معنى ، فتدخل في أثناء ذلك شيئا لا حاجة بالمعنى المدلول عليه إليه . ~~وكذلك السبيل ي السبك والطابع وأشباههما لا يحتمل شيء من ذلك أن يكون ~~المراد به اللفظ من حيث هو لفظ . # فإن أردت الصدق فإنك لا ترى في الدنيا شأنا أعجب من شأن الناس مع اللفظ ، ~~ولا فساد رأي مازج النفوس وخامرها ، واستحكم فيها ، وصار كإحدى طبائعها ، ~~أغرب من فساد رأيهم في اللفظ . فقد بلغ من ملكته لهم وقوته عليهم ، أن ~~تركهم ، وكأنهم إذا نوظروا فيه أخذوا عن أنفسهم ، وغيبوا عن عقولهم ، وحيل ~~بينهم وبين أن يكون لهم فيما ms265 يسمعونه نظر ، ويرى لهم إيراد في الإصغاء وصدر ~~. فلست ترى إلا نفوسا قد جعلت ترك النظر دأبها ، ووصلت بالهوينا أسبابها . ~~فهي تغتر بالأضاليل ، وتتباعد عن التحصيل ، وتلقي بأيديها إلى الشبه ، ~~وتسرع إلى القول المموه . # ولقد بلغ من قلة نظرهم أن قوما منهم لما رأوا الكتب المصنفة في اللغة قد ~~شاع فيها أن توصف الألفاظ المفردة بالفصاحة ، ورأوا أبا العباس ثعلبا قد ~~سمى كتابه ' الفصيح ' مع أنه لم يذكر فيه إلا اللغه والألفاظ المفردة . ~~وكان محالا إذا قيل : إن الشمع بفتح الميم أفصح من الشمع بإسكانه أن يكون ~~ذلك من أجل المعنى ؛ إذ ليس تفيد الفتحة في الميم شيئا في الذي سمي به . ~~سبق إلى قلوبهم أن حكم الوصف بالفصاحة أينما كان وفي أي شيء كان أن لا يكون ~~له مرجع إلى المعنى البتة ، وأن يكون وصفا للفظ في نفسه ، ومن حيث هو لفظ ~~ونطق لسان . ولم يعلموا أن المعنى في وصف الألفاظ المفردة بالفصاحة أنها في ~~اللغة أثبت ، وفي استعمال الفصحاء أكثر ، أو أنها أجرى على مقاييس اللغة ~~والقوانين التي وضعوها ، وأن الذي هو معنى الفصاحة في أصل اللغة هو الإبانة ~~عن المعنى بدلالة قولهم : فصيح PageV01P332 وأعجم ، أفصح الأعجمي ، وفصح ~~اللحان ، وأفصح الرجل بكذا : إذا صرح به . وأنه لو كان وصفهم هو لها من حيث ~~هي ألفاظ ونطق لسان لوجب إذا وجدت كلمة يقال : إنها فصيحة على صفة في اللفظ ~~أن لا توجد كلمة على تلك الصفة إلا وجب لها أن تكون فصيحة ، وحتى يجب إذا ~~كان ' فقهت الحديث ' بالكسر أفصح منه بالفتح أن يكون سبيل كل فعل مثله في ~~الزنة أن يكون الكسر فيه أفصح من الفتح . ثم إن فيما أودعه ثعلب كتابه ما ~~هو أفصح من أجل أن لم يكن فيه حرف كان فيما جعله أفصح منه . مثل إن ' وقفت ~~' افصح من ' أوقفت ' ؛ أفترى أنه حدث في الواو والقاف والفاء بأن لم يكن ~~معها الهمزة فضيلة وجب لها أن تكون أفصح ؟ وكفى برأي هذا مؤداه تهافتا ~~وخطلا . # وجملة ms266 الأمر أنه لا بد لقولنا : ' الفصاحة ' من معنى يعرف ، فإن كان ذلك ~~المعنى وصفا في ألفاظ الكلمات المفردة فينبغي أن يشار لنا إليه ، وتوضع ~~اليد عليه ، ومن أبين ما يدل على قلة نظرهم أنه لا شبهة على من نظر في كتاب ~~تذكر فيه الفصاحة أن الاستعارة عنوان ما يجعل به اللفظ فصيحا ، وأن المجاز ~~جملته والإيجاز من معظم ما يوجب للفظ الفصاحة . وأنت تراهم يذكرون ذلك ~~ويعتمدونه . ثم يذهب عنهم أن إيجابهم الفصاحة للفظ بهذه المعاني اعتراف ~~بصحة ما نحن ندعوهم إلى القول به من أنه يكون فصيحا لمعناه # أما الاستعارة فإنهم إن أغفلوا فيها الذي قلناه من أن المستعار بالحقيقة ~~يكون معنى اللفظ ، واللفظ تبع من حيث إنا لا نقول : رأيت أسدا ، ونحن نعني ~~رجلا إلا على أنا ندعي أنا رأينا أسدا بالحقيقة من حيث نجعله لا يتميز عن ~~الأسد في بأسه وبطشه وجراءة قلبه . فإنهم على كل حال لا يستطيعون أن يجعلوا ~~الاستعارة وصفا للفظ من حيث هو لفظ ، مع أن اعتقادهم أنك إذا قلت : رأيت ~~أسدا ، كنت نقلت اسم الأسد إلى الرجل ، أو جعلته هكذا غفلا ساذجا في معنى ~~شجاع . أفترى أن لفظ الأسد لما نقل عن السبع إلى الرجل المشبه به أحدث هذا ~~النقل في أجراس حروفه ومذاقتها وصفا صار بذلك الوصف فصيحا ؟ ثم إن من ~~الاستعارة قبيلا لا يصح أن يكون المستعار فيه اللفظ البتة ، ولا يصح أن تقع ~~الاستعارة فيه إلا على المعنى ، وذلك ما كان مثل اليد في قول لبيد ، + ~~الكامل + : PageV01P333 # ( وغداة ريح قد كشفت وقرة % إذ أصبحت بيد الشمال زمامها ) # ذاك أنه ليس هاهنا شيء يزعم أنه شبهه باليد ، حتى يكون لفظ اليد مستعارا ~~له . وكذلك ليس فيه شيء يتوهم أن يكون قد شبهه بالزمام ، وإنما المعنى على ~~أنه شبه الشمال في تصريفها الغداة على طبيعتها بالإنسان يكون زمام البعير ~~في يده . فهو يصرفه على إرادته . ولما أراد ذلك جعل للشمال يدا ، وعلى ~~الغداة زماما . وقد شرحت هذا قبل شرحا شافيا . # وليس ms267 هذا الضرب من الاستعارة بدون الضرب الأول من إيجاب وصف الفصاحة ~~للكلام ، لا بل هو أقوى منه في اقتضائها . والمحاسن التي تظهر به ، والصور ~~التي تحدث للمعاني بسببه آنق وأعجب . وإن أردت أن تزداد علما بالذي ذكرت لك ~~من أمره فانظر إلى قوله ، + الرجز + : # ( سقته كف الليل أكؤس الكرى % ) # وذلك أنه ليس يخفى على عاقل أنه لم يرد أن يشبه شيئا بالكف ، ولا أراد ~~ذلك في الأكؤس . ولكن لما كان يقال : سكر الكرى وسكر النوم ، واستعار للكرى ~~الأكؤس ، كما استعار الآخر الكأس في قوله ، + البسيط + : # ( وقد سقى القوم كأس النعسة السهر % ) # ثم إنه لما كان الكرى يكون في الليل جعل الليل ساقيا . ولما جعله ساقيا ، ~~جعل له كفا ، إذ كان الساقي يناول الكأس بالكف . ومن اللطيف النادر في ذلك ~~ما تراه في آخر هذه الأبيات وهي للحكم بن قنبر ، + الطويل + PageV01P334 # ( ولولا اعتصامي بالمنى كلما بدا % لي اليأس منها لم يقم بالهوى صبري ) # ( ولولا انتظاري كل يوم جدا غد % لراح بنعشي الدافنون إلى قبري ) # ( وقد رابني وهن المنى وانقباضها % وبسط جديد اليأس كفيه في صدري ) # ليس المعنى على أنه استعار لفظ الكفين لشيء ، ولكن على أنه أراد أن يصف ~~اليأس بأنه قد غلب على نفسه ، وتمكن في صدره . ولما أراد ذلك وصفه بما ~~يصفون به الرجل بفضل القدرة على الشيء ، وبأنه متمكن منه وأنه يفعل فيه كل ~~ما يريد ، كقولهم : قد بسط يديه في المال ينفقه وصنع فيه ما يشاء . وقد بسط ~~العامل يده في الناحية وفي ظلم الناس ؛ فليس لك إلا أن تقول إنه لما أراد ~~ذلك جعل لليأس كفين واستعارهما له فأما أن توقع الاستعارة فيه على اللفظ ~~فمما لا تخفى استحالته على عاقل . # والقول في المجاز هو القول في الاستعارة ، لأنه ليس هو بشيء غيرها . ~~وإنما الفرق أن المجاز أعم من حيث إن كل استعارة مجاز ، وليس كل مجاز ~~استعارة . وإذا نظرنا من المجاز فيما لا يطلق عليه أنه استعارة ازداد خطأ ~~القوم قبحا وشناعة ، وذلك أنه يلزم ms268 على قياس قولهم أن يكون إنما قوله تعالى ~~: ( @QB@ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا @QE@ ) أفصح من ~~أصله الذي هو قولنا : والنهار لتبصروا أنتم فيه ، أو مبصرا أنتم فيه ، من ~~أجل أنه حدث في حروف مبصر - بأن جعل الفعل للنهار على سعة الكلام - وصف لم ~~يكن . وكذلك يلزم أن يكون السبب في أن كان قول الشاعر ، + الرجز + : # ( فنام ليلي وتجلى همي % ) # أفصح من قولنا : فنمت في ليلي . أن كسب هذا المجاز لفظ الليل مذاقة لم ~~تكن لهما . وهذا مما ينبغي للعاقل أن يستحي منه ، وأن يأنف من أن يهمل ~~النظر إهمالا يؤديه إلى مثله . ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق . # وإذا قد عرفت ما لزمهم في الاستعارة والمجاز فالذي يلزمهم في الإيجاز ~~أعجب ، وذلك أنه يلزمهم إن كان اللفظ فصيحا لأمر يرجع إليه نفسه دون معناه ~~أن يكون كذلك موجزا PageV01P335 لأمر يرجع إلى نفسه وذلك من المحال الذي ~~يضحك منه ، لأنه لا معنى للإيجاز إلا أن يدل بالقليل من اللفظ على الكثير ~~من المعنى . وإذ لم تجعله وصفا للفظ من أجل معناه أبطلت معناه ، أعني أبطلت ~~معنى الإيجاز . # ثم إن هاهنا معنى شريفا قد كان ينبغي أن نكون قد ذكرناه في أثناء ما مضى ~~من كلامنا ، وهو أن العاقل إذا نظر علم علم ضرورة أنه لا سبيل له إلى أن ~~يكثر معاني الألفاظ أو يقللها ، لأن المعاني المودعة في الألفاظ لا تتغير ~~على الجملة عما أراده واضع اللغة . وإذا ثبت ظهر منه أنه لا معنى لقولنا : ~~كثرة المعنى مع قلة اللفظ ، غير أن المتكلم يتوصل بدلالة المعنى على المعنى ~~إلى فوائد لو أنه أراد الدلالة عليها باللفظ لاحتاج إلى لفظ كثير . # واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول إذا كان صدوره عن قوم لهم نباهة ~~وصيت وعلو منزلة في أنواع من العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه ، ~~ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته ، وفشا وظهر ، وكثر الناقلون له ~~والمشيدون بذكره ، وصار ترك النظر فيه سنة ، والتقليد دينا . ورأيت ms269 الذين ~~هم أهل ذلك العلم وخاصته والممارسون له والذين هم خلقاء أن يعرفوا وجه ~~الغلط والخطأ فيه - لو أنهم نظروا فيه - كالأجانب الذين ليسوا من أهله في ~~قبوله والعمل به والركون إليه ، ووجدتهم قد أعطوه مقادتهم ، وألانوا له ~~جانبهم ، أو أوهمهم النظر إلى منتماه ومنتسبه ، ثم اشتهاره وانتشاره وإطباق ~~الجمع بعد الجمع عليه ، أن الضن به أصوب ، والمحاماة عليه أولى . ولربما بل ~~كلما ظنوا أنه لم يشع ولم يتسع ، ولم يروه خلف عن سلف ، وأخر عن أول ، إلا ~~لأن له أصلا صحيحا ، وأنه أخذ من معدن صدق ، واشتق من نبعة كريمة ، وأنه لو ~~كان مدخولا لظهر الدخل الذي فيه على تقادم الزمان وكرور الأيام . وكم من ~~خطأ ظاهر ورأي فاسد حظي بهذا السبب عند الناس حتى بوؤوه في أخص موضع من ~~قلوبهم ، ومنحوه المحبة الصادقة من نفوسهم ، وعطفوا عليه عطف الأم على ~~واحدها . وكم من داء دوي قد استحكم بهذه العلة حتى أعيا علاجه ، وحتى بعل ~~به الطبيب . ولولا سلطان هذا الذي وصفت على الناس ، ون له أخذة تمنع القلوب ~~عن التدبر ، وتقطع عنها دواعي التفكر ، لما كان لهذا الذي ذهب إليه القوم ~~في أمر اللفظ هذا التمكن وهذه القوة ، PageV01P336 ولا كان يرسخ في النفوس ~~هذا الرسوخ ، وتتشعب عروقه هذا التشعب ، مع الذي بان من تهافته وسقوطه ، ~~وفحش الغلط فيه ، وأنك لا ترى في أديمه من أين نظرت ، وكيف صرفت وقلبت مصحا ~~؟ ولا تراه باطلا فيه شوب من الحق ، وزيفا فيه شيء من الفضة ، ولكن ترى ~~الغش بحتا ، والغلط صرفا ، ونسأل الله التوفيق # وكيف لا يكون في إسار الأخذة ومحولا بينه وبين الفكرة ، من يسلم أن ~~الفصاحة لا تكون في أفراد الكلمات ، وأنها إنما تكون فيها إذا ضم بعضها إلى ~~بعض ، ثم لا يعلم أن ذلك يقتضي أن تكون وصفا لها من أجل معانيها ، لا من ~~أجل أنفسها ، ومن حيث هي ألفاظ ونطق لسان ؟ ذاك لأنه ليس من عاقل يفتح عين ~~قلبه إلا وهو يعلم ضرورة أن المعنى في ضم ms270 بعضها إلى بعض ، تعليق بعضها ببعض ~~، وجعل بعضها بسبب من بعض ، لا أن ينطق ببعضها في إثر بعض من غير أن يكون ~~فيما بينها تعلق ، ويعلم كذلك ضرورة - إذا فكر - أن التعلق يكون فيما بين ~~معانيها لا فيما بينها أنفسها . ألا ترى أنا لو جهدنا كل الجهد أن نتصور ~~تعلقا فيما بين لفظين لا معنى تحتهما لم نتصور ؟ # ومن أجل ذلك انقسمت الكلم قسمين : مؤتلف وهو الاسم مع الاسم ، والفعل مع ~~الاسم . وغير مؤتلف وهو ما عدا ذلك كالفعل مع الفعل ، والحرف مع الحرف . ~~ولو كان التعلق يكون بين الألفاظ لكان ينبغي أن لا يختلف حالها في الائتلاف ~~، وأن لا يكون في الدنيا كلمتان إلا ويصح أن يأتلفا ، لأنه لا تنافي بينهما ~~من حيث هي ألفاظ . وإذا كان كل واحد منهم قد أعطى يده بأن الفصاحة لا تكون ~~في الكلم أفرادا ، وأنها إنما تكون إذا ضم بعضها إلى بعض . وكان يكون ~~المراد بضم بعضها إلى بعض تعليق معانيها بعضها ببعض ، لا كون بعضها في ~~النطق على أثر بعض ، وكان واجبا إذا علم ذلك أن يعلم أن الفصاحة تجب لها من ~~أجل معانيها لا من أجل أنفسها ، لأنه محال أن يكون سبب ظهور الفصاحة فيها ~~تعلق معانيها بعضها ببعض . ثم تكون الفصاحة وصفا يجب لها لأنفسها لا ~~لمعانيها . وإذا كان العلم بهذا ضرورة ثم رأيتهم لا يعلمونه . فليس إلا أن ~~اعتزامهم على التقليد قد حال بينهم بين الفكرة ، وعرض لهم منه شبه الأخذة . # واعلم أنك إذا نظرت وجدت مثلهم مثل من يرى خيال الشيء فيحسبه الشيء . ~~وذاك PageV01P337 أنهم قد اعتمدوا في كل أمرهم على النسق الذي يرونه في ~~الألفاظ ، وجعلوا لا يحفلون بغيره ولا يعولون في الفصاحة والبلاغة على شيء ~~سواه ، حتى انتهوا إلى أن زعموا أن من عمد إلى شعر فصيح فقرأه ، ونطق ~~بألفاظه على النسق الذي وضعها الشاعر عليه ، كان قد أتى بمثل ما أتى به ~~الشاعر في فصاحته وبلاغته . إلا أنهم زعموا أنه يكون في إتيانه به محتذيا ms271 ~~لا مبتدئا . # ونحن إذا تأملنا وجدنا الذي يكون في الألفاظ من تقديم شيء منها على شيء ، ~~إنما يقع في النفس أنه نسق إذا اعتبرنا ما توخي من معاني النحو في معانيها ~~. فأما مع ترك اعتبار ذلك فلا يقع ولا يتصور بحال . أفلا ترى أنك لو فرضت ~~في قوله : # ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ) # أن لا يكون ' نبك ' جوابا للأمر ، ولا يكون معدى بمن إلى ' ذكرى ' ، ولا ~~يكون ' ذكرى ' مضافة إلى ' حبيب ' ، ولا يكون ' منزل ' معطوفا بالواو على ' ~~حبيب ' ، لخرج ما ترى فيه من التقديم والتأخير عن أن يكون نسقا ؟ ذاك لأنه ~~إنما يكون تقديم الشيء على الشيء نسقا وترتيبا إذا كان التقديم قد كان ~~لموجب أوجب أن يقدم هذا ويؤخر ذاك . فأما أن يكون مع عدم الموجب نسقا فمحال ~~، لأنه لو كان يكون تقديم اللفظ على اللفظ من غير أن يكون له موجب نسقا ، ~~لكان ينبغي أن يكون توالي الألفاظ في النطق على أي وجه كان نسقا . حتى إنك ~~لو قلت : ' نبك قفا حبيب ذكرى من ' : لم تكن قد أعدمته النسق والنظم ، ~~وإنما أعدمته الوزن فقط . وقد تقدم هذا فيما مضى ، ولكنا أعدناه هاهنا لأن ~~الذي أخذنا فيه من إسلام القوم أنفسهم إلى التقليد اقتضى إعادته . # واعلم أن الاحتذاء عند الشعراء وأهل العلم بالشعر وتقديره وتمييزه أن ~~يبتدئىء الشاعر في معنى له وغرض أسلوبا - والأسلوب : الضرب من النظم ~~والطريقة فيه - فيعمد شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب ، فيجيء به في شعره فيشبه ~~بمن يقطع من أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها ، فيقال : قد احتذى ~~على مثاله ، وذلك مثل أن الفرزدق قال ، + الطويل + : # ( أترجو ربيع أن تجيء صغارها % بخير وقد أعيا ربيعا كبارها ؟ ) ~~PageV01P338 # واحتذاه البعيث فقال ، + الطويل + : # ( أترجو كليب أن يجيء حديثها % بخير ، وقد أعيا كليبا قديمها ؟ ) # وقالوا إن الفرزدق لما سمع هذا البيت قال ، من الوافر : # ( إذا ما قلت قافية شرودا % تنحلها ابن حمراء العجان ! ) # ومثل ذلك أن البعيث قال في هذه القصيدة ، + الطويل + : # ( كليب لئام الناس قد ms272 يعلمونه % وأنت إذا عدت كليب لئيمها ) # وقال البحتري ، + الطويل + : # بنو هاشم في كل شرق ومغرب % كرام بني الدنيا وأنت كريمها ) # وحكى العسكري في ' صنعة الشعر ' أن ابن الرومي قال : قال لي البحتري : ~~قول أبي نواس ، + الطويل + : # ( ولم أدر من هم ؟ غير ما شهدت لهم % بشرقي ساباط الديار البسابس ) # مأخوذ من قول أبي خراش الهذلي ، + الطويل + : PageV01P339 # ( ولم أدر من ألقى عليه رداءه % سوى أنه قد سل من ماجد محض ) # قال : فقلت : قد اختلف المعنى ، فقال : أما ترى حذو الكلام حذوا واحدا ؟ # وهذا الذي كتبت من حلي الأخذ في الحذو . # ومما هو في حد الخفي قول البحتري ، + الطويل + : # ( ولن ينقل الحساد مجدك بعدما % تمكن رضوى واطمأن متالع ) # وقول أبي تمام ، + الكامل + : # ( ولقد جهدتم أن تزيلوا عزه % فإذا أبان قد رسا ويلملم ) # قد احتذى كل واحد منهما على قول الفرزدق ، + الكامل + : # ( فادفع بكفك إن أردت بناءنا % ثهلان ذا الهضبات هل يتحلحل ؟ ) # وجملة الأمر أنهم لا يجعلون الشاعر محتذيا إلا بما يجعلونه به آخذا ~~ومسترقا . قال ذو الرمة ، + الوافر + : # ( وشعر قد أرقت له غريب % أجنبه المساند والمحالا ) # ( فبت أقيمه وأقد منه % قوافي لا أريد لها مثالا ) # قال : يقول : لا أحذوها على شيء سمعته . فأما أن يجعل إنشاد الشعر ~~وقراءته احتذاء فمما لا يعلمونه . كيف وإذا عمد عامد إلى يبت شعر فوضع مكان ~~كل لفظ لفظا في معناه PageV01P340 كمثل أن يقول في قوله ، + البسيط + : # ( دع المكارم لا ترحل لبغيتها % واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ) # ( ذر المآثر لا تذهب لمطلبها % واجلس فإنك أنت الآكل اللابس ) # لم يجعلوا ذلك احتذاء ، ولم يؤهلوا صاحبه لأن يسموه محتذيا ، ولكن يسمون ~~هذا الصنيع سلخا ، ويرذلونه ويسخفون المتعاطي له . فمن أين يجوز لنا أن ~~نقول في صبي يقرأ قصيدة امرىء القيس إنه احتذاه في قوله : ( فقلت له لما ~~تمطى بصلبه % وأردف أعجازا وناء بكلكل ؟ ) # والعجب من أنهم لم ينظروا فيعلموا أنه لو كان منشد الشعر محتذيا لكان ~~يكون قائل شعر . كما أن الذي يحذو النعل بالنعل يكون قاطع نعل . وهذا تقرير ms273 ~~يصلح لأن يحفظ للمناظرة ، ينبغي أن يقال لمن يزعم أن المنشد إذا أنشد شعر ~~امرىء القيس : كان قد أتى بمثله على سبيل الاحتذاء : أخبرنا عنك : لماذا ~~زعمت أن المنشد قد أتى بمثل ما قاله امرؤ القيس ؛ ألأنه نطق بأنفس الألفاظ ~~التي نطق بها ؟ أم لأنه راعى النسق الذي راعاه في النطق بها ؟ فإن قلت : إن ~~ذلك لأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها ، أحلت ، لأنه إنما يصح أن يقال ~~في الثاني : إنه أتى بمثل ما أتى به الأول ، إذا كان الأول قد سبق إلى شيء ~~فأحدثه ابتداء ، وذلك في الألفاظ محال ؛ إذ ليس يمكن أن يقال إنه لم ينطق ~~بهذه الألفاظ التي هي في قوله : # ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل % ) # قبل امرىء القيس أحد . وإن قلت : إن ذلك لأنه قد راعى في نطقه بهذه ~~الألفاظ النسق الذي راعاه امرؤ القيس . قيل : إن كنت لهذا قضيت في المنشد ~~أنه قد أتى بمثل شعره أخبرنا عنك ؛ إذا قلت : إن التحدي وقع في القرآن إلى ~~أن يؤتى بمثله على جهة الابتداء ما تعني به ؟ أتعني أنه يأتي في ألفاظ غير ~~ألفاظ القرآن بمثل الترتيب والنسق الذي تراه في PageV01P341 ألفاظ القرآن ؟ ~~فإن قال : ذلك أعني . قيل له : أعلمت أنه لا يكون الإتيان بالأشياء بعضها ~~في إثر بعض على التوالي نسقا وترتيبا ، حتى تكون الأشياء مختلفة في أنفسها ~~؟ ثم يكون للذي يجيء بها مضموما بعضها إلى بعض ، غرض فيها ومقصود لا يتم ~~ذلك الغرض وذاك المقصود إلا بأن يتخير لها مواضع ، فيجعل هذا أولا وذاك ~~ثانيا ؟ فإن هذا ما لا شبهة فيه على عاقل . # وإذا كان الأمر كذلك لزمك أن تبين الغرض الذي اقتضى أن تكون ألفاظ القرآن ~~منسوقة النسق الذي تراه . ولا مخلص له من هذه المطالبة ، لأنه إذا أبى أن ~~يكون المقتضي والموجب للذي تراه من النسق المعاني ، وجعله قد وجب لأمر يرجع ~~إلى اللفظ لم تجد شيئا يحيل الإعجاز في وجوبه عليه البتة . اللهم إلا أنه ~~يجعل الإعجاز في الوزن ، ويزعم ms274 أن النسق الذي تراه في ألفاظ القرآن إنما ~~كان معجزا من أجل أن كان قد حدث عنه ضرب من الوزن يعجز الخلق عن أن يأتوا ~~بمثله ؛ وإذا قال ذلك لم يمكنه أن يقول : إن التحدي وقع إلى أن يأتوا بمثله ~~: في فصاحته وبلاغته . لأن الوزن ليس هو من الفصاحة والبلاغة في شيء ؛ إذ ~~لو كان له مدخل فيهما لكان يجب في كل قصيدتين اتفقتا في الوزن أن تتفقا في ~~الفصاحة والبلاغة . فإن عاد بعض الناس طول الإلف لما سمع من أن الإعجاز في ~~اللفظ إلى أن يجعله في مجرد الوزن كان قد دخل في أمر شنيع ، وهو أن يكون قد ~~جعل القرآن معجزا لا من حيث هو كلام ، ولا بما كان لكلام فضل على كلام ، ~~فليس بالوزن ما كان الكلام كلاما ، ولا به كان كلام خيرا من كلام . # وهكذا السبيل إن زعم زاعم أن الوصف المعجز هو الجريان والسهولة . ثم يعني ~~بذلك سلامته من أن تلتقي فيه حروف تثقل على اللسان ، لأنه ليس بذلك كان ~~الكلام كلاما ، ولا هو بالذي يتناهى أمره إن عد في الفضيلة إلى أن يكون ~~الأصل ، وإلى أن يكون المعول عليه في المفاضلة بين كلام وكلام . فما به كان ~~الشاعر مفلقا ، والخطيب مصقعا والكاتب بليغا . ورأينا العقلاء حيث ذكروا ~~عجز العرب عن معارضة القرآن قالوا : إن النبي تحداهم وفيهم الشعراء ~~والخطباء والذين يدلون بفصاحة اللسان ، والبراعة ، والبيان ، وقوة القرائح ~~والأذهان ، والذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب . ولم نرهم قالوا : أن النبي ~~عليه السلام تحداهم وهم العارفون بما ينبغي أن يصنع حتى يسلم الكلام من أن ~~تلتقي فيه حروف تثقل على اللسان ، ولما ذكروا معجزات الأنبياء عليهم السلام ~~. وقالوا : إن الله تعالى قد جعل PageV01P342 معجزة كل نبي فيما كان أغلب ~~على الذين بعث فيهم ، وفيما كانوا يتباهون به وكانت عوامهم تعظم به خواصهم ~~. قالوا : إنه لما كان السحر الغالب على قوم فرعون ، ولم يكن قد استحكم في ~~زمان استحكامه في زمانه ، جعل تعالى معجزة موسى عليه السلام في ms275 إبطاله ~~وتوهينه . ولما كان الغالب على زمان عيسى عليه السلام الطب جعل الله تعالى ~~معجزته في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى . ولما انتهوا إلى ذكر نبينا ~~محمد وذكر ما كان الغالب على زمانه لم يذكروا إلا البلاغة والبيان والتصرف ~~في ضروب النظم . # وقد ذكرت في الذي تقدم عين ما ذكرته هاهنا مما يدل على سقوط هذا القول . ~~وما دعاني إلى إعادة ذكره إلا أنه ليس تهالك الناس في حديث اللفظ ، ~~والمحاماة على الإعتقاد الذي اعتقدوه ، فيه ، وضن أنفسهم به إلى حد . ~~فأحببت لذلك أن لا أدع شيئا مما يجوز أن يتعلق به متعلق ، ويلجأ إليه لاجىء ~~، ويقع منه في نفس سامع شك إلا استقصيت في الكشف عن بطلانه . # وهاهنا أمر عجيب ، وهو أنه معلوم لكل من نظر أن الألفاظ من حيث هي ألفاظ ~~وكلم ونطق لسان لا تختص بواحد دون آخر ، وأنها إنما تختص إذا توخي فيها ~~النظم . وإذا كان كذلك كان من رفع النظم من البين وجعل الإعجاز بجملته في ~~سهولة الحروف وجريانها ، جاعلا له فيما لا يصح إضافته إلى الله تعالى ، ~~وكفى بهذا دليلا على عدم التوفيق ، وشدة الضلال عن الطريق . # | فصل فيه إجمال وعظة # قد بلغنا في مداواة الناس من دائهم ، وعلاج الفساد الذي عرض في آرائهم ، ~~كل مبلغ ، وانتهينا إلى كل غاية ، وأخذنا بهم عن المجاهل التي كانوا ~~يتعسفون فيها إلى السنن اللاحب ، ونقلناهم ، عن الآجن المطروق إلى النمير ~~الذي يشفي غليل الشارب . ولم PageV01P343 ندع لباطلهم عرقا ينبض إلا كويناه ~~، ولا للخلاف لسانا ينطق إلا أخرسناه . ولم نترك غطاء كان على بصر ذي عقل ~~إلا حسرناه . # فيا أيها السامع لما قلناه ، والناظر فيما كتبناه ، والمتصفح لما دوناه ، ~~إن كنت سمعت سماع صادق الرغبة في أن تكون في أمرك على بصيرة ، ونظرت نظر ~~تام العناية في أن يورد ويصدر عن معرفة ، وتصفحت تصفح من إذا مارس بابا من ~~العلم لم يقنعه إلا أن يكون على ذروة السنام ، ويضرب بالمعلى من السهام ، ~~فقد هديت لضالتك ، وفتح الطريق إلى ms276 بغيتك ، وهي لك الأداة التي بها تبلغ ، ~~وأوتيت الآلة التي معها تصل . فخذ لنفسك بالتي هي أملأ ليديك ، وأعود بالحظ ~~عليك ، ووازن بين حالك الآن وقد تنبهت من رقدتك ، وأفقت من غفلتك ، وصرت ~~تعلم - إذا أنت خضت في أمر اللفظ والنظم - معنى ما تذكر ، وتعلم كيف تورد ~~وتصدر ، وبينها وأنت من أمرها في عمياء ، وخابط خبط عشواء . قصاراك أن تكرر ~~ألفاظا لا تعرف لشيء منها تفسيرا ، وضروب كلام للبلغاء إن سئلت عن أغراضهم ~~فيها لم تستطع لها تبيينا ، فإنك تراك تطيل التعجب من غفلتك ، وتكثر ~~الاعتذار إلى عقلك من الذي كنت عليه طول مدتك . ونسأل الله تعالى أن يجعل ~~كل ما نأتيه ، ونقصده وننتحيه ، لوجهه خالصا ، وإلى رضاه عز وجل مؤديا ، ~~ولثوابه مقتضيا ، وللزلفى عنده موجبا ، بمنه وفضله ورحمته . PageV01P344 # | بسم الله الرحمن الرحيم # # | فصل في اللفظ والاستعارة وشواهد تحليلية للمعنى # اعلم أنه لما كان الغلط الذي دخل على الناس في حديث اللفظ كالداء الذي ~~يسري في العروق ، ويفسد مزاج البدن ، وجب أن يتوخى دائبا فيهم ما يتوخاه ~~الطبيب في الناقه من تعهده بما يزيد في منته ، ويبقيه على صحته ، ويؤمنه ~~النكس في علته . وقد علمنا أن أصل الفساد وسبب الآفة هو ذهابهم عن أن من ~~شأن المعاني أن تختلف عليها الصور ، وتحدث فيها خواص ومزايا من بعد أن لا ~~تكون ، فإنك ترى الشاعر قد عمد إلى معنى مبتذل ، فصنع فيه ما يصنع الصانع ~~الحاذق إذا هو أغرب في صنعة خاتم ، وعمل شنف وغيرهما من أصناف الحلي . فإن ~~جهلهم بذلك من حالها هو الذي أغواهم واستهواهم ، وورطهم فيما تورطوا فيه من ~~الجهالات ، وأداهم إلى التعلق بالمحالات ، وذلك أنهم لما جهلوا شأن الصورة ~~، وضعوا لأنفسهم أساسا ، وبنوا على قاعدة ، فقالوا : إنه ليس إلا المعنى ~~واللفظ ولا ثالث . وإنه إذا كان كذلك وجب إذا كان لأحد الكلامين فضيلة لا ~~تكون للآخر ، ثم كان الغرض من أحدهما هو الغرض من صاحبه أن يكون مرجع تلك ~~الفضيلة إلى اللفظ خاصة ، وأن يكون لها مرجع إلى ms277 المعنى من حيث إن ذلك ~~زعموا يؤدي إلى التناقض ، وأن يكون معناهما متغايرا وغير متغاير معا . ولما ~~أقروا هذا في نفوسهم حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه الفضيلة إلى ~~اللفظ على ظاهره ، وأبوا أن ينظروا في الأوصاف التي أتبعوها نسبتهم الفضيلة ~~إلى اللفظ مثل قولهم : لفظ متمكن غير قلق ولا ناب به موضعه . إلى سائر ما ~~ذكرناه قبل ، فيعلموا أنهم لم يوجبوا للفظ ما أوجبوه من الفضيلة ، وهم ~~يعنون نطق اللسان وأجراس الحروف . ولكن جعلوا كالمواضعة فيما بينهم أن ~~يقولوا اللفظ ، وهم يريدون الصورة PageV01P345 التي تحدث في المعنى ، ~~والخاصة التي حدثت فيه ، ويعنون الذي عناه الجاحظ حيث قال : وذهب الشيخ إلى ~~استحسان المعاني ، والمعاني مطروحة وسط الطريق يعرفها العربي والعجمي ~~والحضري والبدوي ، وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير . وما يعنونه إذا ~~قالوا : إنه يأخذ الحديث ، فيشنفه ويقرطه ، ويأخذ المعنى خرزة فيرده جوهرة ~~، وعباءة فيجعله ديباجة ويأخذه عاطلا فيرده حاليا . وليس كون هذا مرادهم ~~بحيث كان ينبغي أن يخفى هذا الخفاء ، ويشتبه هذا الاشتباه . ولكن إذا تعاطى ~~الشيء غير أهله ، وتولى الأمر غير البصير به ، أعضل الداء ، واشتد البلاء . # ولو لم يكن من الدليل على أنهم لم ينحلوا اللفظ الفضيلة وهم يريدونه نفسه ~~، وعلى الحقيقة إلا واحد وهو وصفهم له بأنه يزين المعنى ، وأنه حلي له لكان ~~فيه الكفاية . وذاك أن الألفاظ أدلة على المعاني ، وليس للدليل إلا أن ~~يعلمك الشيء على ما يكون عليه . فأما أن يصير بالدليل على صفة لم يكن عليها ~~، فمما لا يقوم في عقل ، ولا يتصور في وهم . # ومما إذا تفكر فيه العاقل أطال التعجب من أمر الناس ومن شدة غفلتهم قول ~~العلماء حيث ذكروا الأخذ والسرقة : إن من أخذ معنى عاريا فكساه لفظا من ~~عنده كان أحق به . وهو كلام مشهور متداول يقرؤه الصبيان في أول كتاب عبد ~~الرحمن . ثم لا ترى أحدا من هؤلاء الذين لهجوا بجعل الفضيلة في اللفظ يفكر ~~في ذلك فيقول : من أين يتصور أن يكون هاهنا معنى عار ms278 من لفظ يدل عليه ؟ ثم ~~من أين يعقل أن يجيء الواحد منا لمعنى من المعاني بلفظ من عنده ، إن كان ~~المراد باللفظ نطق اللسان ؟ ثم هب أنه يصح له أن يفعل ذلك ، فمن أين يجب ~~إذا وضع لفظا على معنى أن يصير أحق من صاحبه الذي أخذه منه ، إن كان هولا ~~يصنع بالمعنى شيئا ؟ ولا يحدث فيه صفة ؟ ولا يكسبه فضيلة ؟ وإذا كان كذلك ~~فهل يكون لكلامهم هذا وجه سوى أن يكون اللفظ في قولهم : ' فكساه لفظا من ~~عنده ' عبارة عن صورة يحدثها الشاعر أو غير الشاعر للمعنى ؟ فإن قالوا : ~~بلى يكون ، وهو أن يستعير للمعنى لفظا قيل : الشأن في أنهم قالوا : ' إذا ~~أخذ معنى عاريا ، فكساه لفظا من عنده كان أحق به ' . PageV01P346 ~~والاستعارة عندكم مقصورة على مجرد اللفظ ، ولا ترون المستعير يصنع بالمعنى ~~شيئا ، وترون أنه لا يحدث فيه مزية على وجه من الوجوه . وإذا كان كذلك فمن ~~أين - ليت شعري - يكون أحق به ؟ فاعرفه . ثم إن أردت مثالا في ذلك فإن من ~~أحسن شيء فيه ما صنع أبو تمام في بيت أبي نخيلة . وذلك أن أبا نخيلة قال في ~~مسلمة بن عبد الملك ، + الطويل + : # ( أمسلم إني يابن كل خليفة % ويا جبل الدنيا ويا واحد الأرض ) # ( شكرتك إن الشكر حبل من التقى % وما كل من أوليته صالحا يقضي ) ( وأنبهت ~~لي ذكري وما كان خاملا % ولكن بعض الذكر أنبه من بعض ) # فعمد أبو تمام إلى هذا البيت الأخير فقال ، + الطويل + : # ( لقد زدت أوضاحي امتدادا ولم أكن % بهيما ولا أرضى من الأرض مجهلا ) # ( ولكن أياد صادفتني جسامها % أغر فأوفت بي أغر محجلا ) # وفي كتاب ' الشعر والشعراء ' للمرزباني فصل في هذا المعنى حسن ، قال : ~~ومن الأمثال القديمة قولهم : ' حرا أخاف على جاني كمأة لا قرا ' يضرب مثلا ~~للذي يخاف من PageV01P347 شيء ، فيسلم منه ويصيبه غيره مما لم يخفه ، فأخذ ~~هذا المعنى بعض الشعراء فقال ، + الكامل + : # ( وحذرت من أمر فمر بجانبي % لم ينكني ولقيت ما لم أحذر ) # وقال لبيد ، + المنسرح + : # ( أخشى على أربد ms279 الحتوف ولا % أرهب نوء السماك والأسد ) # قال : وأخذه البحتري فأحسن وطغى اقتدارا على العبارة ، واتساعا في المعنى ~~، فقال ، + الكامل + : # ( لو أنني أوفي التجارب حقها % فيما أرت لرجوت ما أخشاه ) # وشبيه بهذا الفصل فصل آخر من هذا الكتاب أيضا . # أنشد لإبراهيم بن المهدي ، + السريع + : # ( يا من لقلب صيغ من صخرة % في جسد من لؤلؤ رطب ) # ( جرحت خديه بلحظي فيما % برحت حتى اقتص من قلبي ) # ثم قال : قال علي بن هارون : أخذه أحمد بن فنن معنى ولفظا فقال ، + ~~الكامل + : PageV01P348 # ( أدميت باللحظات وجنته % فاقتص ناظره من القلب ) # قال : ولكنه بنقاء عبارته وحسن مأخذه قد صار أولى به . # ففي هذا دليل لمن عقل أنهم لا يعنون بحسن العبارة مجرد اللفظ ، ولكن صورة ~~وصفة وخصوصية تحدث في المعنى ، وشيئا طريق معرفته على الجملة العقل دون ~~السمع ؛ فإنه على كل حال لم يقل في البحتري إنه أحسن فطغى اقتدارا على ~~العبارة من أجل حروف لو أنني أوفي التجارب حقها . # وكذلك لم يصف ابن أبي فنن بنقاء العبارة من أجل حروف : # ( أدميت باللحظات وجنته % ) # واعلم أنك إذا سبرت أحوال هؤلاء الذين زعموا أنه إذا كان المعبر عنه ~~واحدا والعبارة اثنتين ، ثم كانت إحدى العبارتين أفصح من الأخرى وأحسن ، ~~فإنه ينبغي أن يكون السبب في كونها أفصح وأحسن اللفظ نفسه ، وجدتهم قد ~~قالوا ذلك من حيث قاسوا الكلامين على الكلمتين . فلما رأوا أنه إذا قيل في ~~الكلمتين إن معناهما واحد لم يكن بينهما تفاوت ولم يكن المعنى في إحداهما ~~حال لا يكون له في الأخرى ، ظنوا أن سبيل الكلامين هذا السبيل . ولقد غلطوا ~~فأفحشوا لأنه لا يتصور أن تكون صورة المعنى في أحد الكلامين أو البيتين مثل ~~صورته في الآخر البتة ، اللهم إلا أن يعمد عامد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة ~~منه لفظة في معناها ، ولا يعرض لنظمه وتأليفه ، كمثل أن يقول في بيت ~~الحطيئة ، + البسيط + : # ( دع المكارم لا ترحل لبغيتها % واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ) # ( ذر المفاخر لا تذهب لمطلبها % واجلس فإنك أنت الآكل اللابس ) # وما ms280 كان هذا سبيله كان بمعزل من أن يكون به اعتداد ، وأن يدخل في قبيل ما ~~يفاضل فيه بين عبارتين ، بل لا يصح أن يجعل ذلك عبارة ثانية ، ولا أن يجعل ~~الذي يتعاطاه بمحل من يوصف بأنه أخذ معنى . ذلك لأنه لا يكون بذلك صانعا ~~شيئا يستحق أن يدعى من أجله واضع كلام ومستأنف عبارة ، وقائل شعر . ذاك لأن ~~بيت الحطيئة لم يكن كلاما وشعرا من أجل معاني الألفاظ المفردة التي تراها ~~فيه مجردة معراة من معاني النظم والتأليف ، بل منها متوخى فيها ما ترى من ~~كون المكارم مفعولا ل ' دع ' ، وكون قوله : ' لا ترحل لبغيتها ' جملة ~~PageV01P349 أكدت الجملة قبلها ، وكون ' اقعد ' معطوفا بالواو على مجموع ما ~~مضى ، وكون جملة ' أنت الطاعم الكاسي ' معطوفة بالفاء على ' اقعد ' . فالذي ~~يجيء فلا يغير شيئا من هذا الذي به كان كلاما وشعرا ، لا يكون قد أتى بكلام ~~ثان وعبارة ثانية ، بل لا يكون قد قال من عند نفسه شيئا البتة . # وجملة الأمر أنه كما لا تكون الفضة أو الذهب خاتما أو سوارا أو غيرهما من ~~أصناف الحلي بأنفسهما ، ولكن بما يحدث فيهما من الصورة . كذلك لا تكون ~~الكلم المفردة التي هي أسماء وحروف كلاما وشعرا من غير أن يحدث فيها النظم ~~الذي حقيقته توخي معاني النحو وأحكامه . فإذا ليس لمن يتصدى لما ذكرنا من ~~أن يعمد إلى بيت ، فيضع مكان كل لفظة منها لفظة في معناها إلا أن يسترك ~~عقله ويستخف ويعد معد الذي حكي أنه قال : إني قلت بيتا هو أشعر من بيت حسان ~~. قال حسان ، + الكامل + : # ( يغشون حتى ما تهر كلابهم % لا يسألون عن السواد المقبل ) # وقلت : # ( يغشون حتى ما تهر كلابهم % أبدا ولا يسلون من ذا المقبل ) # فقيل : هو بيت حسان ، ولكنك قد أفسدته ! # واعلم أنه إنما أتي القوم من قلة نظرهم في الكتب التي وضعها العلماء في ~~اختلاف العبارتين على المعنى الواحد ، وفي كلامهم في أخذ الشاعر من الشاعر ~~، وفي أن يقول الشاعران على الجملة في معنى واحد ، وفي الأشعار ms281 التي دونوها ~~في هذا المعنى . ولو أنهم كانوا أخذوا أنفسهم بالنظر في تلك الكتب وتدبروا ~~ما فيها حق التدبر لكان يكون ذلك قد أيقظهم من غفلتهم ، وكشف الغطاء عن ~~أعينهم . # وقد أردت أن اكتب جملة من الشعر الذي أنت ترى الشاعرين فيه قد قالا في ~~معنى واحد . وهو ينقسم قسمين : قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتى ~~بالمعنى غفلا ساذجا ، وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب . وقسم أنت ~~ترى كل واحد من الشاعرين قد صنع في المعنى وصور . PageV01P350 # وأبدأ بالقسم الأول الذي يكون المعنى في أحد البيتين غفلا وفي الآخر ~~مصورا مصنوعا ، ويكون ذلك إما لأن متأخرا قصر عن متقدم ، وإما لأن هدي ~~متأخر لشيء لم يهتد إليه المتقدم ، ومثال ذلك قول المتنبي ، + السريع + : # ( بئس الليالي سهدت من طربي % شوقا إلى من يبيت يرقدها ) # مع قول البحتري ، + الكامل + : # ( ليل يصادفني ومرهفة الحشا % ضدين أسهره لها وتنامه ) # وقول البحتري ، + البسيط + : # ( ولو وملكت زماعا ظل يجذبني % قودا لكان ندى كفيك من عقلي ) # مع قول المتنبي ، + الطويل + : # ( وقيدت نفسي في ذراك محبة % ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا ) # وقول المتنبي ، + الكامل + : # ( إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض % ومن فوقها والبأس والكرم المحض ) # مع قول البحتري ، + الكامل + : # ( ظللنا نعود الجود من وعكك الذي % وجدت وقلنا : اعتل عضو من المجد ) # وقول المتنبي ، + الكامل + : PageV01P351 # ( يعطيك مبتدئا فإن أعجلته % أعطاك معتذرا كمن قد أجرما ) # مع قول أبي تمام ، + الكامل + : # ( أخو عزمات فعله فعل محسن % إلينا ولكن عذره عذر مذنب ) # وقول المتنبي ، + الطويل + : # ( كريم متى استوهبت ما أنت راكب % وقد لقحت حرب فإنك نازل ) # مع قول البحتري ، من البسيط : # ( ماض على عزمه في الجود لو وهب الششباب % يوم لقاء البيض ما ندما ) # وقول المتنبي ، + الخفيف + : # ( والذي يشهد الوغى ساكن القلب % كأن القتال فيها ذمام ) # مع قول البحتري ، + الطويل + : # ( لقد كان ذاك الجأش جأش مسالم % على أن ذاك الزي زي محارب ) # وقول أبي تمام ، + الكامل + : # ( الصبح مشهور بغير دلائل % من غيره ابتغيت ولا أعلام ) # مع قول المتنبي ms282 ، + الوافر + : # ( وليس يصح في الأذهان شيء % إذا احتاج النهار إلى دليل ) PageV01P352 # وقول أبي تمام ، + الوافر + : # ( وفي شرف الحديث دليل صدق % لمختبر على الشرف القديم ) # مع قول المتنبي ، + البسيط + : # ( أفعاله نسب لو لم يقل معها % جدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن ) # وقول البحتري ، + الكامل + : # ( وأحب آفاق البلاد إلى الفتى % أرض ينال بها كريم المطلب ) # مع قول المتنبي ، + الطويل + : # ( وكل امرىء يولي الجميل محبب % وكل مكان ينبت العز طيب ) # وقول المتنبي ، + الطويل + : # ( يقر له بالفضل من لا يوده % ويقضي له بالسعد من لا ينجم ) # مع قول البحتري ، + الكامل + : # ( لا أدعي لأبي العلاء فضيلة % حتى يسلمها إليه عداه ) # وقول خالد الكاتب ، + المتقارب + : # ( رقدت ولم ترث للساهر % وليل المحب بلا آخر ) # مع قول بشار ، + الطويل + : # ( لخديك من كفيك في كل ليلة % إلى أن ترى ضوء الصباح وساد ) PageV01P353 # ( تبيت تراعي الليل ترجو نفاده % وليس لليل العاشقين نفاد ) # وقول أبي تمام ، + الوافر + : # ( ثوى بالمشرقين لهم ضجاج % أطار قلوب أهل المغربين ) # وقول البحتري ، + الطويل + : # ( تناذر أهل الشرق منه وقائعا % أطاع لها العاصون في بلد الغرب ) # مع قول مسلم ، + البسيط + : # ( لما نزلت على أدنى ديارهم % ألقى إليك الأقاصي بالمقاليد ) # وقول محمد بن بشير ، + البسيط + : # ( افرغ لحاجتنا ما دمت مشغولا % فلو فرغت لكنت الدهر مبذولا ) # مع قول أبي علي البصير ، + الطويل + : # ( فقل لسعيد أسعد الله جده : % لقد رث حتى كاد ينصرم الحبل ) # ( فلا تعتذر بالشغل عنا ؛ فإنما % تناط بك الآمال ما اتصل الشغل ) # وقول البحتري ، + الكامل + : # ( من غادة منعت وتمنع وصلها % فلو أنها بذلت لنا لم تبذل ) # مع قول ابن الرومي ، + مجزوء الكامل + : # ( ومن البلية أنني % علقت ممنوعا منوعا ) PageV01P354 # وقول أبي تمام ، + الطويل + : # ( لئن كان ذنبي أن أحسن مطلبي % أساء ففي سوء القضاء لي العذر ) # مع قول البحتري ، + البسيط + : # ( إذا محاسني اللاتي أدل بها % كانت ذنوبي فقل لي : كيف أعتذر ؟ ) # وقول أبي تمام ، + البسيط + : # ( قد يقدم العير من ذعر على الأسد % ) # مع قول البحتري ، + الطويل + : # ( فجاء مجيء العير قادته حيرة % إلى أهرت الشدقين تدمى أظافره ) # وقول معن بن أوس ، + الطويل ms283 + : # ( إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد % إليه بوجه آخر الدهر تقبل ) # ( مع قول العباس بن الأحنف ، + البسيط + : # ( نقل الجبال الرواسي من أماكنها % أخف من رد قلب حين ينصرف ) # وقول أمية بن أبي الصلت ، + الطويل + : PageV01P355 # ( عطاؤك زين لامرىء إن أصبته % بخير وما كل العطاء يزين ! ) # مع قول أبي تمام ، + البسيط + : # ( تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت % كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا ) # ( ما زلت منتظرا أعجوبة عننا % حتى رأيت سؤالا يجتنى شرفا ) # وقول جرير ، + الطويل + : # ( بعثن الهوى ثم ارتمين قلوبنا % بأسهم أعداء وهن صديق ) # مع قول أبي نواس ، + الطويل + : # ( إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت % له عن عدو في ثياب صديق ) # وقول كثير ، + الطويل + : # ( إذا ما أرادت خلة أن تزيلنا % أبينا وقلنا : الحاجبية أول ) # مع قول أبي تمام ، + الكامل + : # ( نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول ) # وقول المتنبي ، + الطويل + : # ( وعند من اليوم الوفاء لصاحب % شبيب وأوفى من ترى أخوان ) PageV01P356 # مع قول أبي تمام ، + الطويل + : # ( فلا تحسبا هندا لها الغدر وحدها % سجية نفس ؛ كل غانية هند ) # وقول البحتري ، + الطويل + : # ( ولم أر في رنق الصرى لي موردا % فحاولت ورد النيل عند احتفاله ) # مع قول المتنبي ، + الطويل + : # ( قواصد كافور توارك غيره % ومن قصد البحر استقل السواقيا ) # وقول المتنبي ، من المنسرح : # ( كأنما يولد الندى معهم % لا صغر عاذر ولا هرم ) # مع قول البحتري ، + الطويل + : # ( عريقون في الإفضال يؤتنف الندى % لناشئهم من حيث يؤتنف العمر ) # وقول البحتري ، + الطويل + : # ( فلا تغلين بالسيف كل غلائه % ليمضي ؛ فإن الكف ، لا السيف ، تقطع ) # مع قول المتنبي ، من + الطويل + : # ( إذا الهند سوت بين سيفي كريهة % فسيفك في كف تزيل التساويا ) ~~PageV01P357 # وقول البحتري ، + الكامل + : # ( ساموك من حسد فأفضل منهم % غير الجواد وجاد غير المفضل ) # ( فبذلت فينا ما بذلت سماحة % وتكرما ، وبذلت ما لم يبذل ) # مع قول أبي تمام ، + الطويل + : # ( أرى الناس منهاج الندى بعدما عفت % مهايعه المثلى ومحت لواحبه ) # ( ففي كل نجد في البلاد وغائر % مواهب ليست منه وهي مواهبه ) # وقول المتنبي ، + البسيط + : # ( بيضاء تطمع فيما تحت حلتها % وعز ms284 ذلك مطلوبا إذا طلبا ) # مع قول البحتري ، + الكامل + : # ( تبدو بعطفة مطمع حتى إذا % شغل الخلي ثنت بصدفة مؤيس ) وقول المتنبي ، ~~+ الكامل + : # ( إذكار مثلك ترك إذكاري له % إذ لا تريد لما أريد مترجما ) # مع قول أبي تمام ، + الخفيف + : # ( وإذا المجد كان عوني عل المرء % تقاضيته بترك التقاضي ) PageV01P358 # وقول أبي تمام ، + الكامل + : # ( فنعمت من شمس إذا حجبت بدت % من خدرها فكأنها لم تحجب ) # مع قول قيس بن الخطيم ، من المنسرح : # ( قضى لها الله حين صورها الخالق % ألا يكنها سدف ) # وقول المتنبي ، + الخفيف + : # ( راميات بأسهم ريشها الهدب % تشق القلوب قبل الجلود ) # مع قول كثير ، + الطويل + : # ( رمتني بسهم ريشه كالكحل لم يجز % ظواهر جلدي وهو في القلب جارح ) # وقول بعض شعراء الجاهلية ، ويعزى إلى لبيد ، + الكامل + : # ( ودعوت ربي بالسلامة جاهدا % ليصحني فإذا السلامة داء ) # مع قول أبي العتاهية ، + الرجز + : # ( أسرع في نقص امرىء تمامه % تدبر في إقبالها أيامه ) # وقوله ، + مجزوء الكامل + : # ( أقلل زيارتك الحبيب % تكون كالثوب استجده ) # ( إن الصديق يمله % أن لا يزال يراك عنده ) PageV01P359 # مع قول أبي تمام ، + الطويل + : # ( وطول مقام المرء في الحي مخلق % لديباجتيه فاغترب تتجدد ) # وقول الخريمي ، + الرمل + : # ( زاد معروفك عندي عظما % أنه عندك محقور صغير ) # ( تتناساه كأن لم تأته % وهو عند الناس مشهور كبير ) # مع قول المتنبي ، + المنسرح + : # ( تظن من فقدك اعتدادهم % أنهم أنعموا وما علموا ) # وقول البحتري ، + الوافر + : # ( ألم تر للنوائب كيف تسمو % إلى أهل النوافل والفضول ؟ ) # مع قول المتنبي ، + البسيط + : # ( أفاضل الناس أغراض لذا الزمن % يخلو من الهم أخلاهم من الفطن ) # وقول المتنبي ، + الطويل + : # ( تذلل لها واخضع على القرب والنوى % فما عاشق من لا يذل ويخضع ) # مع قول بعض المحدثين ، + مجزوء الرمل + : PageV01P360 # ( كن إذا أحببت عبدا % للذي تهوى مطيعا ) # ( لن تنال الوصل حتى % تلزم النفس الخضوعا ) # وقول مضرس بن ربعي ، + الطويل + : # ( لعمرك إني بالخليل الذي له % علي دلال واجب لمفجع ) # ( وإني بالمولى الذي ليس نافعي % ولا ضائري فقدانه لممتع ) # مع قول المتنبي ، + الطويل + : # ( أما تغلط الأيام في بأن أرى % بغيضا ثنائي أو حبيبا تقرب ؟ ) # وقول المتنبي ، + البسيط ms285 + : # ( مظلومة القد في تشبيهه غصنا % مظلومة الريق في تشبيهه ضربا ) # مع قوله ، + الطويل + : # ( إذا نحن شبهناك بالبدر طالعا % بخسناك حظا أنت أبهى وأجمل ) # ( ونظلم إن قسناك بالليث في الوغى % لأنك أحمى للحريم وأبسل ) # القسم الثاني # ذكر ما أنت ترى فيه في كل واحد من البيتين صنعة وتصويرا وأستاذية على ~~الجملة فمن ذلك وهو من النادر قول لبيد ، من الرمل : # ( واكذب النفس إذا حدثتها % إن صدق النفس يزري بالأمل ) PageV01P361 # مع قول نافع بن لقيط ، + الكامل + : # ( وإذا صدقت النفس لم تترك لها % أملا ويأمل ما اشتهى المكذوب ) # وقول رجل من الخوارج أتي به الحجاج في جماعة من أصحاب قطري فقتلهم ومن ~~عليه ليد كانت عنده ، وعاد إلى قطري فقال له قطري : عاود قتال عدو الله ~~الحجاج فأبى وقال ، + الكامل + : # ( أأقاتل الحجاج عن سلطانه % بيد تقر بأنها مولاته ؟ ) # ( ماذا أقول إذا وقفت إزاؤه % في الصف واحتجت له فعلاته ؟ ) # ( وتحدث الأقوام أن صنائعا % غرست لدي فحنظلت نخلاته ؟ ) # مع قول أبي تمام ، + الطويل + : # ( أسربل هجر القول من لو هجوته % إذا لهجاني عنه معروفه عندي ) # وقول النابغة ، + الطويل + : # ( إذا ما غدا بالجيش حلق فوقه % عصائب طير تهتدي بعصائب ) PageV01P362 # ( جوانح قد أيقن أن قبيله % إذا ما التقى الصفان أول غالب ) # مع قول أبي نواس ، + مجزوء الرمل + : # ( وإذا مج القنا علقا % وتراءى الموت في صوره ) # ( راح في ثنيي مفاضته % أسد يدمى شبا ظفره ) # ( تتأيا الطير غدوته % ثقة بالشبع من جزره ) # المقصود البيت الأخير . وحكى المرزباني قال : حدثني عمر و الوراق : # رأيت أبا نواس ينشد قصيدته التي أولها : # ( أيها المنتاب عن عفره % ) # فحسدته . فلم بلغ إلى قوله : # ( تتأيا الطير غدوته % ثقة بالشبع من جزره ) # قلت له : ما تركت للنابغة شيئا حيث يقول : إذا ما غدا بالجيش : البيتين - ~~فقال : اسكت ، فلئن كان سبق فما أسأت الاتباع . # وهذا الكلام من أبي نواس دليل بين في أن المعنى ينقل من صورة إلى صورة . ~~ذاك لأنه لو كان لا يكون قد صنع بالمعنى شيئا لكان قوله : فما أسأت الاتباع ~~: محالا . لأنه على كل ms286 حال لم يتبعه في اللفظ . ثم إن الأمر ظاهر لمن نظر ~~في أنه قد نقل المعنى عن صورته التي هو عليها في شعر النابغة إلى صورة أخرى ~~، وذلك أن هاهنا معنيين : أحدهما أصل ، PageV01P363 وهو علم الطير بأن ~~الممدوح إذا غزا عدوا كان الظفر له ، وكان هو الغالب . والآخر فرع ، وهو ~~طمع الطير في أن تتسع عليها المطاعم ، من لحوم القتلى . وقد عمد النابغة ~~إلى الأصل الذي هو علم الطير بأن الممدوح يكون الغالب ، فذكره صريحا ، وكشف ~~عن وجهه . واعتمد في الفرع الذي هو طمعها في لحوم القتلى . وإنها لذلك تحلق ~~فوقه على دلالة الفحوى . وعكس أبو نواس القصة ؛ فذكر الفرع الذي هو طمعها ~~في لحوم القتلى صريحا ، فقال كما ترى : # ( ثقة بالشبع من جزره % ) # وعول في الأصل الذي هو علمها بأن الظفر يكون للممدوح على الفحوى ، ودلالة ~~الفحوى على علمها أن الظفر يكون للممدوح هي في أن قال : ' من جزره ' . وهي ~~لا تثق بأن شبعها يكون منجزر الممدوح ، حتى تعلم أن الظفر يكون له . أفيكون ~~شيء أظهر من هذا في النقل عن صورة إلى صورة ؟ # ( أرجع إلى النسق . ومن ذلك قول أبي العتاهية ، + الخفيف + : # ( شيم فتحت من المدح ما قد % كان مستغلقا على المداح ) # مع قول أبي تمام ، + الكامل + : # ( نظمت له خرز المديح مواهب % ينفثن في عقد اللسان المفحم ) # وقول أبي وجزة ، + الوافر + : # ( أتاك المجد من هنا وهنا % وكنت له كمجتمع السيول ) # مع قول منصور النمري ، + البسيط + : PageV01P364 # ( إن المكارم والمعروف أودية % أحلك الله منها حيث تجتمع ) # وقول بشار ، + البسيط + : # ( الشيب كره وكره أن يفارقني % أعجب بشيء على البغضاء مودود ) # مع قول البحتري ، + الوافر + : # ( تعيب الغانيات علي شيبي % ومن لي أن أمتع بالمعيب ؟ ) # وقول أبي تمام ، + الوافر + : # ( يشتاقه من كماله غده % ويكثر الوجد نحوه الأمس ) # مع قول ابن الرومي ، + الطويل + : # ( إمام يظل الأمس يعمل نحوه % تلفت ملهوف ويشتاقه الغد ) # لا تنظر إلى أنه قال : ' يشتاقه الغد ' ، فأعاد لفظ أبي تمام ، ولكن ~~النظر إلى قوله : يعمل نحوه تلفت ملهوف . # وقول أبي تمام ms287 ، + الطويل + : # ( لئن ذمت الأعداء سوء صباحها % فليس يؤدي شكرها الذئب والنسر ) # مع قول المتنبي ، + المتقارب + : # ( وأنبت منهم ربيع السباع % فأثنت بإحسانك الشامل ) PageV01P365 # وقول أبي تمام ، + البسيط + : # ( ورب نائي المغاني روحه أبدا % لصيق روحي ، ودان ليس بالداني ) # مع قول المتنبي ، + الوافر + ؛ # ( لنا ولأهله أبدا قلوب % تلاقى في جسوم ما تلاقى ) # وقول أبي هفان ، + الرمل + : # ( أصبح الدهر مسيئا كله % ما له إلا ابن يحيى حسنه ) # مع قول المتنبي ، + الطويل + : # ( أزالت بك الأيام عتبي كأنما % بنوها لها ذنب وأنت لها عذر ) # وقول علي بن جبلة ، + الكامل + : # ( وأرى الليالي ما طوت من قوتي % ردته في عظتي وفي إفهامي ) # مع قول ابن المعتز ، + المتقارب + : # ( وما ينتقص من شباب الرجال % يزد في نهاها وألبابها ) # وقول بكر بن النطاح ، + الطويل + : # ( ولو لم يكن في كفه غير روحه % لجاد بها فليتق الله سائله ) PageV01P366 # مع قول المتنبي ، + المنسرح + : # ( إنك من معشر إذا وهبوا % ما دون أعمارهم فقد بخلوا ) # وقول البحتري ، + الطويل + : # ( ومن ذا يلوم البحر أن بات زاخرا % يفيض وصوب المزن أن راح يهطل ) # مع قول المتنبي ، + البسيط + : # ( وما ثناك كلام الناس عن كرم % ومن يسد طريق العارض الهطل ؟ ) # وقول الكندي ، + الكامل + : # ( عزوا وعز بعزهم من جاوروا % فهم الذرى وجماجم الهامات ) # ( إن يطلبوا بتراتهم يعطوا بها % أو يطلبوا لا يدركوا بترات ) # مع قول المتنبي ، + الطويل + : # ( تفيت الليالي كل شيء أخذته % وهن لما يأخذن منك غوارم ) # وقول أبي تمام ، + الطويل + : # ( إذا سيفه أضحى على الهام حاكما % غدا العفو منه وهو في السيف حاكم ) # مع قول المتنبي ، + الكامل + : PageV01P367 # ( له من كريم الطبع في الحرب منتض % ومن عادة الإحسان والصفح غامد ) # فانظر الآن نظر من نفى الغفلة عن نفسه ، فإنك ترى عيانا أن للمعنى في كل ~~واحد من البيتين من جميع ذلك صورة وصفة غير صورته وصفته في البيت الآخر . ~~وأن العلماء لم يريدوا حيث قالوا : إن المعنى في هذا هو المعنى في ذاك ، أن ~~الذي تعقل من هذا لا يخالف الذي تعقل من ذاك . وأن المعنى عائد عليك في ~~البيت الثاني ms288 على هيئته وصفته التي كان عليها في البيت الأول ، وأن لا فرق ~~ولا فصل ولا تباين بوجه من الوجوه ، وأن حكم البيتين مثلا حكم الاسمين قد ~~وضعا في اللغة لشيء واحد كالليث والأسد . ولكن قالوا ذلك على حسب ما يقوله ~~العقلاء في الشيئين يجمعهما جنس واحد ، ثم يفترقان بخواص ومزايا وصفات ~~كالخاتم والخاتم ، والشنف والشنف ، والسوار والسوار ، وسائر أصناف الحلي ~~التي يجمعها جنس واحد ، ثم يكون بينها الاختلاف الشديد في الصنعة والعمل . # ومن هذا الذي ينظر إلى بيت الخارجي وبيت أبي تمام فلا يعلم أن صورة ~~المعنى في ذلك غير صورته في هذا ؟ كيف والخارجي يقول : واحتجت له فعلاته . ~~ويقول أبو تمام : # ( إذا لهجاني عنه معروفه عندي % ) # ومتى كان احتج وهجا واحدا في المعنى ؟ وكذلك الحكم في جميع ما ذكرناه ، ~~فليس يتصور في نفس عاقل أن يكون قول البحتري : # ( وأحب آفاق البلاد إلى الفتى % أرض ينال بها كريم المطلب ) # وقول المتنبي : # ( وكل مكان ينبت العز طيب % ) # سواء . # واعلم أن قولنا : الصورة ، إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على ~~الذي نراه بأبصارنا . فلما رأينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة ~~الصورة فكان بين إنسان PageV01P368 من إنسان ، وفرس من فرس ، بخصوصية تكون ~~في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك . # وكذلك كان الأمر في المصنوعات ؛ فكان تبين خاتم من خاتم ، وسوار من سوار ~~بذلك . ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في ~~عقولنا ، وفرقا عبرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا : ' للمعنى في ~~هذا صورة غير صورته في ذلك ' . وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئا نحن ~~ابتدأناه ، فينكره منكر ، بل هو مستعمل مشهور في كلام العلماء . ويكفيك قول ~~الجاحظ : ' وإنما الشعر صناعة وضرب من التصوير ' . # واعلم أنه لو كان المعنى في أحد البيتين يكون على هيئته وصفته في البيت ~~الآخر ، وكان التالي من الشاعرين يجيئك به معادا على وجهه لم يحدث فيه شيئا ~~، ولم يغير له صفة لكان قول العلماء في شاعر : إنه أخذ المعنى ms289 من صاحبه ~~فأحسن وأجاد . وفي آخر : إنه أساء وقصر لغوا من القول من حيث كان محالا أن ~~يحسن أو يسيء في شيء لا يصنع به شيئا . وكذلك كان يكون جعلهم البيت نظيرا ~~للبيت ومناسبا له خطأ منهم ، لأنه محال أن يناسب الشيء نفسه ، وأن يكون ~~نظيرا لنفسه . وأمر ثالث وهو أنهم يقولون في واحد : ' إنه أخذ المعنى فظهر ~~أخذه ، وفي آخر : إنه أخذه فأخفى أخذه . ولو كان المعنى يكون معادا على ~~صورته وهيئته ، وكان الآخذ له من صاحبه لا يصنع شيئا ، غير أن يبدل لفظا ~~مكان لفظ ، لكان الإخفاء فيه محالا لأن اللفظ لا يخفى المعنى ، وإنما يخفيه ~~إخراجه في صورة غير التي كان عليها . مثال ذلك أن القاضي أبا الحسن ذكر ~~فيما ذكر فيه تناسب المعاني بيت أبي نواس ، + مجزوء الرمل + : # ( حليت والحسن تأخذه % تنتقي منه وتنتخب ) # وبيت عبد الله بن مصعب ، + الوافر + : # كأنك جئت محتكما عليهم % تخير في الأبوة ما تشاء ) # وذكر أنهما معا من بيت بشار ، + الطويل + : PageV01P369 # ( خلقت على ما في غير مخير % هواي ، ولو خيرت كنت المهذبا ) # والأمر في تناسب هذه الثلاثة ظاهر . ثم إنه ذكر أن أبا تمام قد تناوله ~~فأخفاه ، وقال ، + الوافر + : # ( فلو صورت نفسك لم تزدها % على ما فيك من كرم الطباع ) # ومن العجب في ذلك ما تراه إذا أنت تأملت قول أبي العتاهية ، + الكامل + : # ( جزي البخيل علي صالحة % عني لخفته على ظهري ) # ( أعلى وأكرم عن يديه يدي % فعلت ونزه قدره قدري ) # ( ورزقت من جدواه عافية % أن لا يضيق بشكره صدري ) # ( وغنيت خلوا من تفضله % أحنو عليه بأحسن العذر ) # ( ما فاتني خير امرىء وضعت % عني يداه مؤونة الشكر ) # ثم نظرت إلى قول الذي يقول ، + المنسرح + : # ( أعتقني سوء ما صنعت من الررق % فيا بردها على كبدي ) # ( فصرت عبدا للسوء فيك وما % أحسن سوءا قبلي إلى أحد ) # ومما هو في غاية الندرة من هذا الباب ما صنعه الجاحظ بقول نصيب ، + ~~الطويل + : # ( ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب % ) PageV01P370 # حين نثره فقال : وكتب به إلى ابن الزيات : نحن ms290 أعزك الله نسحر بالبيان ، ~~ونموه بالقول . والناس ينظرون إلى الحال ، ويقضون بالعيان . فأثر في أمرنا ~~أثرا ينطق إذا سكتنا ؛ فإن المدعي بغير بينة متعرض للتكذيب . # وهذه جملة من وصفهم للشعر وعمله وإدلالهم به : # أبو حية النمري ، + الكامل + : # ( إن القصائد قد علمن بأنني % صنع اللسان بهن لا أتنحل ) # ( وإذا ابتدأت عروض نسج ريض % جعلت تذل لما أريد وتسهل ) # ( حتى تطاوعني ، ولو يرتاضها % غيري لحاول صعبة لا تقبل ) # تميم بن مقبل ، + الطويل + : # ( إذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى % لها قائلا بعدي أطب وأشعرا ) # ( وأكثر بيتا سائرا ضربت له % حزون جبال الشعر حتى تيسرا ) # ( أغر غريبا يمسح الناس وجهه % كما تمسح الأيدي الأغر المشهرا ) # عدي بن الرقاع ، + الكامل + : # ( وقصيدة قد بت أجمع بينها % حتى أقوم ميلها وسنادها ) # ( نظر المثقف في كعوب قناته % حتى يقيم ثقافه منآدها ) PageV01P371 # كعب بن زهير ، + الطويل + : # ( فمن للقوافي شانها من يحوكها % إذا ما ثوى كعب وفوز جرول ) # ( يقومها حتى تلين متونها % فيقصر عنها كل ما يتمثل ) # بشار ، + الطويل + : # ( عميت جنينا والذكاء من العمى % فجئت عجيب الظن للعلم موئلا ) # ( وغاض ضياء العين للعلم رافدا % لقلب إذا ما ضيع الناس حصلا ) # ( وشعر كنور الروض لاءمت بينه % بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا ) # وله ، + المنسرح + : # ( زور ملوك عليه أبهة % يغرف من شعره ومن خطبه ) # ( لله ما راح في جوانحه % من لؤلؤ لا ينام عن طلبه ) ( يخرج من فيه للندي ~~كما % يخرج ضوء النهار من لهبه ) # أبو شريح العمير ، + الوافر + : # ( فإن أهلك فقد أبقيت بعدي % قوافي تعجب المتمثلينا ) PageV01P372 # ( لذيذات المقاطع محكمات % لو أن الشعر يلبس لارتدينا ) # الفرزدق + الوافر + : # ( بلغن الشمس حين تكون شرقا % ومسقط قرنها من حيث غابا ) # ( بكل ثنية وبكل ثغر % غرائبهن تنتسب أنتسابا ) # ابن ميادة ، من + الطويل + : # ( فجرنا ينابيع الكلام وبحره % فأصبح فيه ذو الرواية يسبح ) # ( وما الشعر إلا شعر قيس وخندف % وشعر سواهم كلفة وتملح ) # وقال عقال بن هاشم القيني يرد عليه ، + الطويل + : # ( ألا بلغ الرماح نقض مقالة % بها خطل الرماح أو كان يمزح ) # ( لئن كان في قيس وخندف ms291 ألسن % طوال وشعر سائر ليس يقدح ) # ( لقد خرق الحي اليمانون قبلهم % بحور الكلام تستقى وهي طفح ) # ( وهم علموا من بعدهم فتعلموا % وهم أعربوا هذا الكلام وأوضحوا ) # ( فللسابقين الفضل لا تجحدونه % وليس لمسبوق عليهم تبجح ) # أبو تمام ، + الطويل + : # ( كشفت قناع الشعر عن حر وجهه % وطيرته عن وكره وهو واقع ) PageV01P373 # ( بغر يراها من يراها بسمعه % ويدنو إليها ذو الحجا وهو شاسع ) # ( يود ودادا أن أعضاء جسمه % إذا أنشدت شوقا إليها مسامع ) # وله ، + الكامل + : # ( حذاء تملأ كل أذن حكمة % وبلاغة ، وتدر كل وريد ) # ( كالدر والمرجان ألف نظمه % بالشذر في عنق الفتاة الرود ) # ( كشقيقة البرد المنمنم وشيه % في أرض مهرة أو بلاد تزيد ) # ( يعطي بها البشرى الكريم ويرتدي % بردائها في المحفل المشهود ) ( بشرى ~~الغني أبي البنات تتابعت % بشراؤه بالفارس المولود ) # وله ، + الكامل + : # ( جاءتك من نظم اللسان قلادة % سمطان فيها اللؤلؤ المكنون ) # ( أحذاكها صنع الضمير يمده % جفر إذا نضب الكلام معين ) # أخذ لفظ الصنع من قول أبي حية : ' بأنني صنع اللسان بهن لا أتنحل ' ، ~~ونقله إلى PageV01P374 الضمير . وقد جعل حسان أيضا اللسان صنعا وذلك في ~~قوله ، + البسيط + : # ( أهدى لهم مدحا قلب مؤازره % فيما أحب لسان حائك صنع ) # ولأبي تمام ، من + الطويل + : # ( إليك أرحنا عازب الشعر بعدما % تمهل في روض المعاني العجائب ) # ( غرائب لاقت في فنائك أنسها % من المجد فهي الآن غير غرائب ) # ( ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت $ % حياضك منه في السنين الذواهب ) # ( ولكنه صوب العقول إذا انجلت % سحائب منه أعقبت بسحائب ) # البحتري ، + الطويل + : # ( ألست الموالي فيك نظم قصائد % هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما ) # ( ثناء كأن الروض منه منورا % ضحى وكأن الوشي منه منمنما ) # وله ، + البسيط + : # ( أحسن أبا حسن بالشعر إذ جعلت % عليك أنجمه بالمدح تنتثر ) # ( فقد أتتك القوافي غب فائدة % كما تفتح غب الوابل الزهر ) # وله ، + الطويل + : PageV01P375 # ( إليك القوافي نازعات قواصد % يسير ضاحي وشيها وينمنم ) # ( ومشرقة في النظم غر يزينها % بهاء وحسنا أنها لك تنظم ) # وله ، + الطويل + : # ( بمنقوشة نقش الدنانير ينتقى % لها اللفظ مختارا كما ينتقى التبر ) # وله ، + الطويل + : # ( أيذهب هذا الدهر ms292 لم ير موضعي % ولم يدر ما مقدار حلي ولا عقدي ؟ ) # ( ويكسد مثلي وهو تاجر سؤدد % يبيع ثمينات المكارم والمجد ) # سوائر شعر جامع بدد العلى % تعلقن من قبلي وأتعبن من بعدي ) # ( يقدر فيها صانع متعمل % لإحكامها تقدير داود في السرد ) # وله ، + الكامل + : # ( الله يسهر في مديحك ليله % متململا ، وتنام دون ثوابه ) # ( يقظان ينتحل الكلام كأنه % جيش لديه يريد أن يلقى به ) # ( فأتى به كالسيف رقرق صيقل % ما بين قائم سنخه وذبابه ) # ومن نادر وصفه للبلاغة قوله + الخفيف + : # ( في نظام من البلاغة ما شكك % امرؤ أنه نظام فريد ) # ( وبديع كأنه الزهر الضاحك % في رونق الربيع الجديد ) # ( مشرق في جوانب السمع ما يخلقه % عوده على المستعيد ) PageV01P376 # ( حجج تخرس الألد بألفاظ % فرادى كالجوهر المعدود ) # ( ومعان لو فصلتها القوافي % هجنت شعر جرول ولبيد ) # ( حزن مستعمل الكلام اختيارا % وتجنبن ظلمة التعقيد ) # ( وركبن اللفظ القريب فأدركن % به غاية المراد البعيد ) # ( كالعذارى غدون في الحلل الصفر % إذا رحن في الخطوط السود ) # الغرض من كتب هذه الأبيات الاستظهار ، حتى إن حمل حامل نفسه على الغرر ~~والتقحم على غير بصيرة ، فزعم أن الإعجاز في مذاقة الحروف ، وفي سلامتها ~~مما يثقل على اللسان ، علم بالنظر فيها فساد ظنه وقبح غلطه ، من حيث يرى ~~عيانا أن ليس كلامهم كلام من خطر ذلك منه ببال ولا صفاتهم صفات تصلح له على ~~حال ؛ إذ لا يخفى على عاقل أن لم يكن ضرب ' تميم ' لحزون جبال الشعر لأن ~~تسلم ألفاظه من حروف تثقل على اللسان ، ولا كان تقويم ' عدي ' لشعره ، ولا ~~تشبيهه نظره فيه بنظر المثقف في كعوب قناته ذلك ، وأنه محال أن يكون له جعل ~~' بشار ' نور العين قد غاض فصار إلى قبله ، وأن يكون اللؤلؤ الذي كان لا ~~ينام عن طلبه ، وأن ليس هو صوب العقول الذي إذا ' انجلت سحائب منه أعقبت ~~بسحائب ' ، وأن ليس هو ' الدر والمرجان ' مؤلفا بالشذر في العقد ، ولا الذي ~~له كان ' البحتري ' مقدرا تقدير داود في السرد . # كيف ، وهذه كلها عبارات عما يدرك بالعقل ، ويستنبط بالفكر ؟ وليس الفكر ms293 ~~الطريق إلى تمييز ما يثقل على اللسان مما لا يثقل ، إنما الطريق إلى ذلك ~~الحس . ولولا أن البلوى قد عظمت بهذا الرأي الفاسد ، وأن الذين قد استهلكوا ~~فيه قد صاروا من فرط شغفهم به يصغون إلى كل شيء يسمعونه . حتى لو أن إنسانا ~~قال : ' باقلى حار ' يريهم أنه يريد نصرة مذهبهم لأقبلوا بأوجههم عليه ، ~~فألقوا أسماعهم إليه ، لكان اطراحه وترك الاشتغال به أصوب ، لأنه قول لا ~~يتصل منه جانب بالصواب البتة . # ذلك لأنه أول شيء يؤدي إلى أن يكون القرآن معجزا ، لا بما به كان قرآنا ~~وكلام الله PageV01P377 عز وجل ، لأنه على كل حال إنما كان قرآنا وكلام ~~الله عز وجل بالنظم الذي هو عليه . ومعلوم أن ليس النظم من مذاقة الحروف ~~وسلامتها مما يثقل على اللسان في شيء . ثم إنه اتفاق من العقلاء أن الوصف ~~الذي به تناهى القرآن إلى حد عجز عنه المخلوقون هو الفصاحة والبلاغة . وما ~~رأينا عاقلا جعل القرآن فصيحا أو بليغا بأن لا يكون في حروفه ما يثقل على ~~اللسان ، لأنه لو كان يصح ذلك لكان يجب أن يكون السوقي الساقط من الكلام ، ~~والسفساف الرديء من الشعر فصيحا إذا خفت حروفه . وأعجب من هذا أنه يلزم منه ~~أنه لو عمد عامد إلى حركات الإعراب ، فجعل مكان كل ضمة وكسرة فتحة فقال : ' ~~الحمد لله ' بفتح الدال واللام والهاء ، وجرى على هذا في القرآن كله أن لا ~~يسلبه ذلك الوصف الذي هو معجز به ، بل كان ينبغي أن يزيد فيه لأن الفتحة ~~كما لا يخفى أخف من كل واحدة من الضمة والكسرة . فإن قال : إن ذلك يحيل ~~المعنى . قيل له : إذا كان المعنى والعلة في كونه معجزا خفة اللفظ وسهولته ~~فينبغي أن يكون مع إحالة المعنى معجزا . لأنه إذا كان معجز الوصف يخص لفظه ~~دون معناه كان محالا أن يخرج عن كونه معجزا مع قيام ذلك الوصف فيه . # ودع هذا ، وهب أنه لا يلزم شيء منه . فإنه يكفي في الدلالة على سقوطه ~~وقلة تمييز القائل به أن ms294 يقتضي إسقاط الكناية والاستعارة والتمثيل والمجاز ~~والإيجاز جملة ، واطراح جميعها رأسا ، مع أنها الأقطاب التي تدور البلاغة ~~عليها ، والأعضاد التي تستند الفصاحة إليها ، والطلبة التي يتنازعها ~~المحسنون والرهان الذي تجرب فيه الجياد ، والنضال الذي تعرف به الأيدي ~~الشداد ، وهي التي نوه بذكرها البلغاء ، ورفع من أقدارها العلماء ، وصنفوا ~~فيها الكتب ، ووكلوا بها الهمم وصرفوا إليها الخواطر ، حتى صار الكلام فيها ~~نوعا من العلم مفردا ، وصناعة على حدة ، ولم يتعاط أحد من الناس القول في ~~الإعجاز إلا ذكرها ، وجعلها العمد والأركان فيما يوجب الفضل والمزية ، ~~وخصوصا الاستعارة والإيجاز . فإنك تراهم يجعلونهما عنوان ما يذكرون ، وأول ~~ما يوردون ، وتراهم يذكرون من الاستعارة قوله عز وجل : ( @QB@ واشتعل الرأس ~~شيبا @QE@ ) وقوله : ( @QB@ وأشربوا في قلوبهم العجل @QE@ ) ، وقوله عز وجل ~~: ( @QB@ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار @QE@ ) وقوله عز وجل : ( @QB@ ~~فاصدع بما تؤمر @QE@ ) وقوله : ( @QB@ فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا @QE@ ) ~~، وقوله تعالى : ( @QB@ حتى تضع الحرب أوزارها @QE@ ) ، وقوله : ( @QB@ فما ~~ربحت @QE@ ) PageV01P378 ( @QB@ تجارتهم @QE@ ) ، ومن الإيجاز قوله تعالى : ~~( @QB@ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء @QE@ ) ، وقوله تعالى ~~: ( @QB@ ولا ينبئك مثل خبير @QE@ ) ، وقوله : ( @QB@ فشرد بهم من خلفهم ~~@QE@ ) . وتراهم على لسان واحد في أن المجاز والإيجاز من الأركان في أمر ~~الإعجاز . # وإذا كان الأمر كذلك عند كافة العلماء الذين تكلموا في المزايا التي ~~للقرآن ، فينبغي أن ينظر في أمر الذي يسلم نفسه إلى الغرور ، فيزعم أن ~~الوصف الذي كان له القرآن معجزا هو سلامة حروفه مما يثقل على اللسان . أيصح ~~له القول بذلك إلا من بعد أن يدعي الغلط على العقلاء قاطبة فيما قالوه ؟ ~~والخطأ فيما أجمعوا عليه ؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يصح له ذلك إلا بأن يقتحم ~~هذه الجهالة . اللهم إلا أن يخرج إلى الضحكة فيزعم مثلا أن من شأن ~~الاستعارة والإيجاز إذا دخلا الكلام أن يحدث بهما في حروفه خفة ، ويتجدد ~~فيها سهولة . ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق . # واعلم أنا لا نأبى أن تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان ، ~~داخلا فيما يوجب الفضيلة ، وأن تكون مما يؤكد أمر ms295 الإعجاز . وإنما الذي ~~ننكره ونفيل رأي من يذهب إليه أن يجعله معجزا به وحده ، ويجعله الأصل ~~والعمدة ، فيخرج إلى ما ذكرنا من الشناعات . # ثم إن العجب كل العجب ممن يجعل كل الفضيلة في شيء ، هو إذا انفرد لم يجب ~~به فضل البتة ، ولم يدخل في اعتداد بحال . وذلك أنه لا يخفى على عاقل أنه ~~لا يكون بسهولة الألفاظ وسلامتها مما يثقل على اللسان اعتداد حتى يكون قد ~~ألف منها كلام . ثم كان ذلك الكلام صحيحا في نظمه ، والغرض الذي أريد به . ~~وأنه لو عمد عامد إلى ألفاظ فجمعها من غير أن يراعي فيها معنى ، ويؤلف منها ~~كلاما ، لم تر عاقلا يعتد السهولة فيها فضيلة . لأن الألفاظ لا تراد ~~لأنفسها ، وإنما تراد لتجعل أدلة على المعاني . فإذا عدمت الذي له تراد ، ~~أو اختل أمرها فيه لم يعتد بالأوصاف التي تكون في أنفسها عليها ، وكانت ~~السهولة وغير السهولة فيها واحدا . ومن هاهنا رأيت العلماء يذمون من يحمله ~~تطلب السجع والتجنيس على أن يضم لهما المعنى ، ويدخل الخلل عليه من أجلهما ~~، وعلى أن يتعسف في الاستعارة بسببهما ، ويركب الوعورة ، ويسلك المسالك ~~المجهولة ، كالذي صنع أبو تمام في قوله ، + البسيط + PageV01P379 # ( سيف الإمام الذي سمته هيبته % لما تخرم أهل الأرض مخترما ) # ( قرت بقران عين الدين وانتشرت % بالأشترين عيون الشرك فاصطلما ) # وقوله ، + الكامل + : # ( ذهبت بمذهبه السماحة والتوت % فيه الظنون أمذهب أم مذهب ) # ويصنعه المتكلفون في الأسجاع ؛ وذلك أنه لا يتصور أن يجب بهما ومن حيث ~~هما فضل ، ويقع بهما مع الخلو من المعنى اعتداد . وإذا نظرت إلى تجنيس أبي ~~تمام : ' أمذهب أم مذهب ' فاستضعفته ، وإلى تجنيس القائل ، + البسيط + : # ( حتى نجا من خوفه وما نجا % ) # وقول المحدث ، + الخفيف + : # ( ناظراه فيما جنى ناظراه % أو دعاني أمت بما أودعاني ) # فاستحسنته ، لم تشك بحال أن ذلك لم يكن لأمر يرجع إلى اللفظ ، ولكن لأنك ~~رأيت الفائدة ضعفت في الأول ، وقويت في الثاني . وذلك أنك رأيت أبا تمام لم ~~يزدك ب ' مذهب ' و ' مذهب ' على أن أسمعك حروفا مكررة لا تجد ms296 لها فائدة - ~~إن وجدت - إلا متكلفة متمحلة . ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك ~~عن الفائدة ، وقد أعطاها . ويوهمك أنه لم يزدك ، وقد أحسن الزيادة ووفاها . ~~ولهذه النكتة كان التجنيس وخصوصا المستوفى منه مثل : ' نجا ونجا ' من حلي ~~الشعر والقول فيما يحسن وفيما لا يحسن من PageV01P380 التجنيس والسجع يطول ~~. ولم يكن غرضنا من ذكرهما شرح أمرهما ، ولكن توكيد ما انتهى بنا القول ~~إليه من استحالة أن يكون الإعجاز في مجرد السهولة وسلامة الألفاظ مما يثقل ~~على اللسان . # وجملة الأمر أنا ما رأينا في الدنيا عاقلا اطرح النظم والمحاسن التي هو ~~السبب فيها في الاستعارة والكناية والتمثيل وضروب المجاز والإيجاز وصد ~~بوجهه عن جميعها ، وجعل الفضل كله ، والمزية أجمعها في سلامة الحروف مما ~~يثقل ، كيف وهو يؤدي إلى السخف والخروج من العقل كما بينا . # واعلم أنه قد آن لنا أن نعود إلى ما هو الأمر الأعظم والغرض الأهم ، ~~والذي كأنه هو الطلبة ، وكل ما عداه ذرائع إليه ، وهو المرام ، وما سواه ~~أسباب للتسلق عليه . وهو بيان العلل التي لها وجب أن يكون لنظم مزية على ~~نظم ، وأن يعم أمر التفاضل فيه ويتناهى إلى الغايات البعيدة . ونحن نسأل ~~الله تعالى العون على ذلك والتوفيق له والهداية إليه . PageV01P382 # | بسم الله الرحمن الرحيم # # | فصل في أهمية السياق للمعنى # ما أظن بك أيها القارىء لكتابنا ، إن كنت وفيته حقه من النظر ، وتدبرته ~~حق التدبر ، إلا أنك قد علمت علما أبى أن يكون للشك فيه نصيب ، وللتوقف ~~نحوك مذهب ، أن ليس النظم شيئا إلا توخي معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه ~~فيما بين معاني الكلم . وأنك قد تبينت أنه إذا رفع معاني النحو وأحكامه مما ~~بين الكلم حتى لا تراد فيها في جملة ولا تفصيل خرجت الكلم المنطوق ببعضها ~~في أثر بعض في البيت من الشعر والفصل من النثر عن أن يكون لكونها في ~~مواضعها التي وضعت فيها موجب ومقتض ، وعن أن يتصور أن يقال في كلمة منها ~~إنها مرتبطة بصاحبة لها ، ومتعلقة بها ، وكائنة بسبب ms297 منها ، وأن حسن تصورك ~~لذلك قد ثبت فيه قدمك ، وملأ من الثقة نفسك ، وباعدك من أن تحن إلى الذي ~~كنت عليه ، وأن يجرك الإلف والاعتياد إليه ، وأنك جعلت ما قلناه نقشا في ~~صدرك ، وأثبته في سويداء قلبك ، وصادقت بينه وبين نفسك . فإن كان الأمر ، ~~كما ظنناه رجونا أن يصادف الذي نريد أن نستأنفه بعون الله تعالى منك نية ~~حسنة تقيك الملل ، ورغبة صادقة تدفع عنك السأم ، وأريحية يخف معها عليك تعب ~~الفكر وكد النظر . والله تعالى ولي توفيقك وتوفيقنا بمنه وفضله . ونبدأ ~~فنقول : # فإذا ثبت الآن أن لا شك ولا مرية في أن ليس النظم شيئا غير توخي معاني ~~النحو وأحكامه فيما يبن معاني الكلم ، ثبت من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من ~~نظم القرآن إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه ، ولم ~~يعلم أنها معدنه ومعانه وموضعه ومكانه ، وأنه لا مستنبط له سواها ، وأن لا ~~وجه لطلبه فيما عداها ، غار نفسه بالكاذب من الطمع ، ومسلم لها إلى الخدع ، ~~وأنه إن أبى أن يكون فيها كان قد أبى أن يكون القرآن معجزا بنظمه ، ولزمه ~~أن يثبت شيئا آخر يكون معجزا به ، وأن يلحق بأصحاب الصرفة ، PageV01P382 ~~فيدفع الإعجاز من أصله . وهذا تقرير لا يدفعه إلا معاند يعد الرجوع عن باطل ~~قد اعتقده عجزا ، والثبات عليه من بعد لزوم الحجة جلدا ، ومن وضع نفسه في ~~هذه المنزلة كان قد باعدها من الإنسانية . ونسأل الله تعالى العصمة ~~والتوفيق . # وهذه أصول يحتاج إلى معرفتها قبل الذي عمدنا به . # اعلم أن معاني الكلام كلها ، معان لا تتصور إلا فيما بين شيئين . والأصل ~~والأول هو الخبر . وإذا أحكمت العلم بهذا المعنى فيه عرفته في الجميع . ومن ~~الثابت في العقول والقائم في النفوس أنه لا يكون خبر حتى يكون مخبر به ~~ومخبر عنه ، لأنه ينقسم إلى إثبات ونفي . والإثبات يقتضي مثبتا ومثبتا له . ~~والنفي يقتضي منفيا ومنفيا عنه . فلو حاولت أن يتصور إثبات معنى أو نفيه من ~~دون أن يكون هناك مثبت له ومنفي ms298 عنه حاولت ما لا يصح في عقل ، ولا يقع في ~~وهم . ومن أجل ذلك امتنع أن يكون لك قصد إلى شيء مظهر أو مقدر مضمر . وكان ~~لفظك به إذا أنت لم ترد ذلك وصوت تصوته سواء . # وإن أردت أن تستحكم معرفة ذلك في نفسك فانظر إليك ، إذا قيل لك : ما فعل ~~زيد ؟ فقلت : خرج . هل يتصور أن يقع في خلدك من ' خرج ' معنى من دون أن ~~تنوي فيه ضمير زيد ؟ وهل تكون إن أنت زعمت أنك لم تنو ذلك إلا مخرجا نفسك ~~إلا الهذيان ؟ وكذلك فانظر إذا قيل لك : كيف زيد ؟ فقلت : صالح ؛ هل يكون ~~لقولك : ' صالح ' أثر في نفسك من دون أن تريد ' هو صالح ' ؟ أم هل يعقل ~~السامع منه شيئا إن هو لم يعتقد ذلك ؟ فإنه مما لا يبقى معه لعاقل شك أن ~~الخبر معنى لا يتصور إلا بين شيئين يكون أحدهما مثبتا والآخر مثبتا له ، أو ~~يكون أحدهما منفيا والآخر منفيا عنه ، وأنه لا يتصور مثبت من غير مثبت له ، ~~ومنفي من دون منفي عنه . ولما كان الأمر كذلك أوجب ذلك أن لا يعقل إلا من ~~مجموع جملة فعل واسم كقولنا : خرج زيد ، أو اسم واسم كقولنا : زيد منطلق . ~~فليس في الدنيا خبر يعرف من غير هذا السبيل ، وبغير هذا الدليل . وهو شيء ~~يعرفه العقلاء في كل جيل وأمة ، وحكم يجري عليه الأمر في كل لسان ولغة . # وإذ قد عرفت أنه لا يتصور الخبر إلا فيما بين شيئين : مخبر به ومخبر عنه ~~، فينبغي أن يعلم أنه يحتاج من بعد هذين إلى ثالث . وذلك أنه كما لا يتصور ~~أن يكون هاهنا خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه . كذلك لا يتصور أن يكون خبر ~~حتى يكون له مخبر يصدر عنه ، ويحصل من جهته ، ويكون له نسبة إليه ، وتعود ~~التبعة فيه عليه . فيكون هو الموصوف PageV01P383 بالصدق إن كان صدقا ، ~~وبالكذب إن كان كذبا . أفلا ترى أن من المعلوم أنه لا يكون إثبات ونفي حتى ~~يكون مثبت وناف يكون مصدرهما ms299 من جهته ، ويكون هو المزجي لهما ، والمبرم ~~والناقض فيهما ، ويكون بهما موافقا ومخالفا ، ومصيبا ومخطئا ، ومحسنا ~~ومسيئا . # وجملة الأمر أن الخبر وجميع الكلام معان ينشئها الإنسان في نفسه ، ~~ويصرفها في فكره ، ويناجي بها قلبه ، ويراجع فيها عقله ، وتوصف بأنها مقاصد ~~وأغراض ، وأعظمها شأنا الخبر ؛ فهو الذي يتصور بالصور الكثيرة ، وتقع فيه ~~الصناعات العجيبة . وفيه يكون في الأمر الأعم المزايا التي بها يقع التفاضل ~~في الفصاحة كما شرحنا فيما تقدم ، ونشرحه فيما نقول من بعد إن شاء الله ~~تعالى . # واعلم أنك إذا فتشت أصحاب اللفظ عما في نفوسهم وجدتهم قد توهموا في الخبر ~~أنه صفة للفظ ، وأن المعنى في كونه إثباتا أنه لفظ يدل على وجود المعنى من ~~الشيء أو فيه ، وفي كونه نفيا أنه لفظ يدل على عدمه وانتفائه عن الشيء . ~~وهو شيء قد لزمهم ، وسرى في عروقهم ، وامتزج بطباعهم ، حتى صار الظن ~~بأكثرهم أن القول لا ينجع فيهم . والدليل على بطلان ما اعتقدوه أنه محال أن ~~يكون اللفظ قد نصب دليلا على شيء ، ثم لا يحصل منه العلم بذلك الشيء ، إذ ~~لا معنى لكون الشيء دليلا إلا إفادته إياك العلم بما هو دليل عليه . # وإذا كان هذا كذلك علم منه أن ليس الأمر على ما قالوه من أن المعنى في ~~وصفنا اللفظ بأنه خبر أنه قد وضع لأن يدل على وجود المعنى أو عدمه ، لأنه ~~لو كان كذلك لكان ينبغي أن لا يقع من سامع شك في خبر يسمعه ، وأن لا تسمع ~~الرجل يثبت وينفي إلا علمت وجود ما أثبت وانتفاء ما نفى . وذلك مما لا يشك ~~في بطلانه . وإذا لم يكن ذلك مما يشك في بطلانه وجب أن يعلم أن مدلول اللفظ ~~ليس هو وجود المعنى أو عدمه ، ولكن الحكم بوجود المعنى أو عدمه ، وأن ذلك ~~أي الحكم بوجود المعنى أو عدمه حقيقة الخبر . إلا أنه إذا كان بوجود المعنى ~~من الشيء أو فيه يسمى إثباتا . وإذا كان بعدم المعنى وانتفائه عن الشيء ~~يسمى نفيا . ومن الدليل على ms300 فساد ما زعموه أنه لو كان معنى الإثبات الدلالة ~~على وجود المعنى ، وإعلامه السامع أيضا لكان ينبغي إذا قال واحد : ' زيد ~~عالم ' ، وقال آخر ' ' زيد ليس بعالم ' ، أن يكون قد دل هذا على وجود العلم ~~، وهذا على عدمه . وإذا قال الموحد : العالم محدث ' ، وقال الملحد : ' هو ~~قديم ' ، أن يكون قد دل الموحد على حدوثه ، والملحد على قدمه ، وذلك ما لا ~~يقوله عاقل . PageV01P384 # تقرير لذلك بعبارة أخرى : لا يتصور أن تفتقر المعاني المدلول عليها ~~بالجمل المؤلفة إلى دليل ، يدل عليها ، زائد على اللفظ . كيف وقد أجمع ~~العقلاء على أن العلم بمقاصد الناس في محاوراتهم علم ضرورة . ومن ذهب مذهبا ~~يقتضي أن لا يكون الخبر معنى في نفس المتكلم ، ولكن يكون وصفا للفظ من أجل ~~دلالته على وجود المعنى من الشيء أو فيه أو انتفاء وجوده عنه ، كان قد نقض ~~منه الأصل الذي قدمناه من حيث يكون قد جعل المعنى المدلول عليه باللفظ لا ~~يعرف إلا بدليل سوى اللفظ ذاك لأنا لا نعرف وجود المعنى المثبت ، وانتفاء ~~المنفي باللفظ . ولكنا نعلمه بدليل يقوم لنا زائد على اللفظ . وما من عاقل ~~إلا وهو يعلم ببديهة النظر أن المعلوم بغير اللفظ لا يكون مدلول اللفظ . # طريقة أخرى : الدلالة على الشيء هي لا محالة إعلامك السامع إياه ، وليس ~~بدليل ما أنت لا تعلم به مدلولا عليه . وإذا كان كذلك وكان مما يعلم ببدائه ~~المعقول أن الناس إنما يكلم بعضهم بعضا ليعرف السامع غرض المتكلم ومقوده ، ~~فينبغي أن ينظر إلى مقصود المخبر من خبره وما هو ؟ أهو أن يعلم السامع وجود ~~المخبر من المخبر عنه ؟ أم أن يعلمه إثبات المعنى المخبر به للمخبر عنه ؟ ~~فإن قيل : إن المقصود إعلامه السامع وجود المعنى من المخبر عنه . فإذا قال ~~: ضرب زيد ، كان مقصوده أن يعلم السامع وجود الضرب من زيد ، وليس الإثبات ~~إلا إعلامه السامع وجود المعنى ، قيل له : فالكافر إذا أثبت مع الله - ~~تعالى عما يقول الظالمون - إلها آخر يكون قاصدا أن يعلم - نعوذ بالله تعالى ~~- أن ms301 مع الله تعالى إلها آخر ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وكفى بهذا ~~فضيحة . # وجملة الأمر أنه ينبغي أن يقال لهم : أتشكون في أنه لا بد من أن يكون ~~لخبر المخبر معنى يعلمه السامع علما لا يكون معه شك ، ويكون ذلك معنى اللفظ ~~وحقيقته ؟ فإذا قالوا : لا نشك . قيل لهم : فما ذلك المعنى ؟ فإن قالوا : ~~هو وجود المعنى المخبر به من المخبر عنه ، أو فيه إذا كان الخبر إثباتا ~~وانتفاؤه عنه إذا كان نفيا ، لم يمكنهم أن يقولوا ذلك إلا من بعد أن ~~يكابروا فيدعوا أنهم إذا سمعوا الرجل يقول : خرج زيد ، علموا علما لا شك ~~معه وجود الخروج من زيد . وكيف يدعون ذلك وهو يقتضي أن يكون الخبر على وفق ~~المخبر عنه أبدا ؟ وأن لا يجوز فيه أن يقع على خلاف المخبر عنه . وأن يكون ~~العقلاء قد غلطوا حين جعلوا من خاص وصفه أنه يحتمل الصدق والكذب ، وأن يكون ~~الذي قالوه في أخبار الآحاد PageV01P385 وأخبار التواتر من أن العلم يقع ~~بالتواتر دون الآحاد سهوا منهم . ويقتضي الغنى عن المعجزة ، لأنه إنما ~~احتيج إليها ليحصل العلم بكون الخبر على وفق المخبر عنه . فإذا كان لا يكون ~~إلا على وفق المخبر عنه لم تقع الحاجة إلى دليل يدل على كونه كذلك ، فاعرفه ~~. # واعلم أنه إنما لزمهم ما قلناه من أن يكون الخبر على وفق المخبر عنه أبدا ~~من حيث إنه إذا كان معنى الخبر عندهم إذا كان إثباتا أنه لفظ موضوع ليدل ~~على وجود المعنى المخبر به من المخبر عنه أو فيه ، وجب أن يكون كذلك أبدا ، ~~وأن لا يصح أن يقال : ضرب زيد ، إلا إذا كان الضرب قد وجد من زيد . وكذلك ~~يجب في النفي أن لا يصح أن يقال : ما ضرب زيد ، إلا إذا كان الضرب لم يوجد ~~منه ، لأن تجويز أن يقال : ضرب زيد ، من غير أن يكون قد كان منه ضرب ، وأن ~~يقال : ' ما ضرب زيد ' . وقد كان منه ضرب يوجب على أصلهم إخلاء اللفظ من ~~معناه ms302 الذي وضع ليدل عليه ، وذلك ما لا يشك في فساده ، ولا يلزمنا على ~~أصلنا لأن معنى اللفظ عندنا هو الحكم بوجود المخبر به من المخبر عنه أو فيه ~~إذا كان الخبر إثباتا ، والحكم بعدمه إذا كان نفيا . واللفظ عندنا لا ينفك ~~من ذلك ولا يخلو منه . وذلك لأن قولنا : ' ضرب وما ضرب ' يدل من قول الكاذب ~~على نفس ما يدل عليه من قول الصادق . لأنا إن لم نقل ذلك لم يخل من أن يزعم ~~أن الكاذب يخلي اللفظ من المعنى ، أو يزعم أنه يجعل للفظ معنى غير ما وضع ~~له ، وكلاهما باطل . # ومعلوم أنه لا يزال يدور في كلام العقلاء في وصف الكاذب أنه يثبت ما ليس ~~بثابت ، وينفي ما ليس بمنتف . والقول بما قالوه يؤدي إلى أن يكون العقلاء ~~قد قالوا المحال من حيث يجب على أصلهم أن يكونوا قد قالوا : إن الكاذب يدل ~~على وجود ما ليس بموجود ، وعلى عدم ما ليس بمعدوم ، وكفى بهذا تهافتا ، ~~وخطلا ، ودخولا في اللغو من القول . وإذا اعتبرنا أصلنا كان تفسيره أن ~~الكاذب يحكم بالوجود فيما ليس بموجود ، وبالعدم فيما ليس بمعدوم . وهو أسد ~~كلام وأحسنه . # والدليل على أن اللفظ من قول الكاذب يدل على نفس ما يدل عليه من قول ~~الصادق إنهم جعلوا خاص وصف الخبر أنه يحتمل الصدق والكذب . فلولا أن حقيقته ~~فيهما حقيقة واحدة لما كان لحدهم هذا معنى . ولا يجوز أن يقال : إن الكاذب ~~يأتي بالعبارة على خلاف المعبر عنه ، لأن ذلك إنما يقال فيمن أراد شيئا ، ~~ثم أتى بلفظ لا يصلح للذي أراد . ولا يمكننا أن نزعم في الكاذب أنه أراد ~~أمرا ، ثم أتى بعبارة لا تصلح لما أراد . PageV01P386 # ومما ينبغي أن يحصل في هذا الباب أنهم قد أصلوا في المفعول وكل ما زاد ~~على جزءي الجملة أن يكون زيادة في الفائدة . وقد يخيل إلى من ينظر إلى ظاهر ~~هذا من كلامهم أنهم أرادوا بذلك أنك تضم بما تزيده على جزءي الجملة فائدة ~~أخرى ، وينبني عليه أن ms303 ينقطع عن الجملة حتى يتصور أن يكون فائدة على حدة ، ~~وهو ما لا يعقل ؛ إذ لا يتصور في زيد من قولك : ضربت زيدا ، أن يكون شيئا ~~برأسه حتى يكون بتعديتك ' ضربت ' إليه قد ضممت فائدة إلى أخرى . وإذا كان ~~ذلك وجب أن يعلم أن الحقيقة في هذا أن الكلام يخرج بذكر المفعول إلى معنى ~~غير الذي كان ، وأن وزان الفعل قد عدي إلى مفعول معه ، وقد أطلق فلم يقصد ~~به إلى مفعول دون مفعول وزان الاسم المخصص بالصفة مع الاسم المتروك على ~~شياعه ، كقولك : ' جاءني رجل ظريف ' مع قولك : ' جاءني رجل ' في أنك لست في ~~ذلك كمن يضم معنى إلى معنى وفائدة إلى فائدة ، ولكن كمن يريد هاهنا شيئا ~~وهناك شيئا آخر . فإذا قلت : ضربت زيدا ، كان المعنى غيره إذا قلت : ' ضربت ~~' ، ولم تزد ' زيدا ' . وهكذا يكون الأمر أبدا كلما زدت شيئا وجدت المعنى ~~قد صار غير الذي كان . ومن أجل ذلك صلح المجازاة بالفعل الواحد إذا أتى به ~~مطلقا في الشرط ومعدى إلى شيء في الجزاء كقوله تعالى : ( @QB@ إن أحسنتم ~~أحسنتم لأنفسكم @QE@ ) وقوله عز وجل : ( @QB@ وإذا بطشتم بطشتم جبارين @QE@ ~~) مع العلم بأن الشرط ينبغي أن يكون غير الجزاء من حيث كان الشرط سببا ~~والجزاء مسببا ، وأنه محال أن يكون الشيء سببا لنفسه . فلولا أن المعنى في ~~' أحسنتم ' الثانية غير المعنى في الأولى ، وأنها في حكم فعل ثان لما ساغ ~~ذلك . كما لا يسوغ أن تقول : إن قمت قمت ، وإن خرجت خرجت . ومثله من الكلام ~~قوله : ' المرء بأصغريه إن قال قال ببيان وإن صال صال بجنان ' ، ويجري ذلك ~~في الفعلين قد عديا جميعا ، إلا أن الثاني منهما قد تعدى إلى شيء زائد على ~~ما تعدى إليه الأول . ومثاله قولك : ' إن أتاك زيد أتاك لحاجة ' . وهو أصل ~~كبير ، والأدلة على ذلك كثيرة ، ومن أولاها بأن يحفظ أنك ترى البيت قد ~~استحسنه الناس ، وقضوا لقائله بالفضل فيه ، وبأنه الذي غاص على معناه ~~PageV01P387 بفكره ، وأنه أبو عذره ، ثم لا ترى الحسن وتلك الغرابة ms304 كانا ~~إلا لما بناه على الجملة دون نفس الجملة . ومثال ذلك قول الفرزدق ، + ~~الطويل + : # ( وما حملت أم امرىء في ضلوعها % أعق من الجاني عليها هجائيا ) # فلولا أن معنى الجملة يصير بالبناء عليها شيئا غير الذي كان ، ويتغير في ~~ذاته لكان محالا أن يكون البيت بحيث تراه من الحسن والمزية . وأن يكون ~~معناه خاصا بالفرزدق ، وأن يقضي له بالسبق إليه ؛ إذ ليس في الجملة التي ~~بني عليها ما يوجب شيئا من ذلك ، فاعرفه # والنكتة التي يجب أن تراعى في هذا أنه لا تتبين لك صورة المعنى الذي هو ~~معنى الفرزدق إلا عند آخر حرف من البيت . حتى إن قطعت عنه قوله : ' هجائيا ~~' بل الياء التي هي ضمير الفرزدق لم يكن الذي تعقله منه مما أراده الفرزدق ~~بسبيل ، لأن غرضه تهويل أمر هجائه ، والتحذير منه . وأن من عرض أمه له كان ~~قد عرضها لأعظم ما يكون من الشر . وكذلك حكم نظائره من الشعر . فإذا نظرت ~~إلى قول القطامي ، + البسيط + : # ( فهن ينبذن من قول يصبن به % مواقع الماء من ذي الغلة الصادي ) # وجدتك لا تحصل على معنى يصح أن يقال إنه غرض الشاعر ومعناه إلا عند قوله ~~: ' ذي الغلة ' . ويزيدك استبصارا فيما قلناه أن تنظر فيما كان من الشعر ~~جملا قد عطف بعضها على بعض بالواو كقوله ، + الكامل + : # ( النشر مسك ، والوجوه دنانير % ، وأطراف الأكف عنم ) # وذلك أنك ترى الذي تعقله من قوله : ' النشر مسك ' لا يصير بانضمام قوله : ~~' والوجوه دنانير ' إليه شيئا غير الذي كان بل تراه باقيا على حاله . كذلك ~~ترى ما تعقل من قوله ' والوجوه دنانير ' لا يلحقه تغير بانضمام قوله : ' ~~وأطراف الأكف عنم ' إليه . PageV01P388 # وإذ قد عرفت ما قررناه من أن من شأن الجملة أن يصير معناها بالبناء عليها ~~شيئا غير الذي كان ، وأنه يتغير في ذاته ، فاعلم أن ما كان من الشعر مثل ~~بيت بشار + الطويل + : # ( كأن مثار النقع فوق رؤوسنا % وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ) # وقول امرىء القيس + الطويل + : # ( كأن قلوب الطير رطبا ويابسا % لدى وكرها العناب والحشف البالي ms305 ) # وقول زياد + الطويل + : # ( وإنا وما تلقي لنا إن هجوتنا % لكالبحر ، مهما يلق في البحر يغرق ) # كان له مزية على قول الفرزدق فيما ذكرنا ، لأنك تجد في صدر بيت الفرزدق ~~جملة تؤدي معنى ، وإن لم يكن معنى يصح أن يقال : ' إنه معنى فلان ' . ولا ~~تجد في صدر هذه الأبيات ما يصح أن يعد جملة تؤدي معنى ، فضلا عن أن تؤدي ~~معنى يقال إنه معنى فلان . ذاك لأن قوله : ' كأن مثار النقع . . إلى : ~~وأسيافنا ' جزء واحد ، و ' ليل تهاوى كواكبه ' بجملته الجزء الذي ما لم تأت ~~به لم تكن قد أتيت بكلام وهكذا سبيل البيتين الأخيرين . فقوله : ' كأن قلوب ~~الطير رطبا ويابسا لدى وكرها ' جزء ، وقوله : ' العناب والحشف البالي ' ~~الجزء الثاني . وقوله : # ( وإنا وما تلقي لنا إن هجوتنا % ) # جزء ، وقوله : ' لكالبحر ' الجزء الثاني . وقوله : ' مهما تلق في البحر ~~يغرق ' وإن كان جملة مستأنفة ، ليس لها في الظاهر تعلق بقوله : ' لكالبحر ' ~~، فإنها لما كانت مبينة لحال هذا التشبيه صارت كأنها متعلقة بهذا التشبيه ، ~~وجرى مجرى أن تقول : ' لكالبحر في أنه لا يلقى فيه شيء إلا غرق ' . ~~PageV01P389 # | فصل في الألفاظ المفردة والوضع والنظم # وإذا ثبت أن الجملة إذا بني عليها حصل منها ومن الذي بني عليها في الكثير ~~معنى يجب فيه أن ينسب إلى واحد مخصوص ؛ فإن ذلك يقتضي لا محالة أن يكون ~~الخبر في نفسه معنى هو غير المخبر به والمخبر عنه . ذاك لعلمنا باستحالة أن ~~يكون للمعنى المخبر به نسبة إلى المخبر ، وأن يكون المستنبط والمستخرج ~~والمستعان على تصويره بالفكر ، فليس يشك عاقل أنه محال أن يكون للحمل في ~~قوله : # ( وما حملت أم امرىء في ضلوعها % ) # نسبة إلى الفرزدق وأن يكون الفكر منه كان فيه نفسه ، وأن يكون معناه الذي ~~قيل إنه استنبطه واستخرجه وغاص عليه . وهكذا السبيل أبدا ؛ لا يتصور أن ~~يكون للمعنى المخبر به نسبة إلى الشاعر ، وأن يبلغ من أمره أن يصير خاصا به ~~فاعرفه . # ومن الدليل القاطع فيه ما يبناه في الكناية والاستعارة والتمثيل ، ~~وشرحناه من أن من ms306 شأن هذه الأجناس أن توجب الحسن والمزية ، وأن المعاني ~~تتصور من أجلها بالصور المختلفة ، وأن العلم بإيجابها ذلك ثابت في العقول ، ~~ومركوز في غرائز النفوس ، وبينا كذلك أنه محال أن تكون المزايا التي تحدث ~~بها حادثة في المعنى المخبر به ، المثبت أو المنفي لعلمنا باستحالة أن تكون ~~المزية التي تجدها لقولنا : ' هو طويل النجاد ' على قولنا : ' طويل القامة ~~' في الطول ، والتي تجدها لقولنا : ' هو كثير رماد القدر ' على قولنا : ' ~~هو كثير القرى والضيفاة ' في كثرة القرى . وإذا كان ذلك محالا ثبت أن ~~المزية والحسن يكونان في إثبات ما يراد أن يوصف به المذكور والإخبار به عنه ~~. وإذا ثبت ذلك ثبت أن الإثبات معنى ، لأن حصول المزية والحسن فيما ليس ~~بمعنى محال . PageV01P390 # | بسم الله الرحمن الرحيم # # | وبه ثقتي وعليه اعتمادي # اعلم أن هاهنا أصلا أنت ترى الناس فيه في صورة من يعرف من جانب وينكر من ~~آخر ، وهو أن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها ~~في أنفسها ، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد ، وهذا علم ~~شريف ، وأصل عظيم . والدليل على ذلك أنا إن زعمنا أن الألفاظ التي هي أوضاع ~~اللغة إنما وضعت ليعرف بها معانيها في أنفسها لأدى ذلك إلى ما لا يشك عاقل ~~في استحالته ، وهو أن يكونوا قد وضعوا للأجناس الأسماء التي وضعوها لها ~~لتعرفها بها ، حتى كأنهم لو لم يكونوا قالوا : رجل وفرس ودار لما كان يكون ~~لنا علم بمعانيها . وحتى لو لم يكونوا قالوا : فعل ويفعل ، لما كنا نعرف ~~الخبر في نفسه ومن أصله . ولو لم يكونوا قد قالوا : افعل ، لما كنا نعرف ~~الأمر من أصله ، ولا نجده في نفوسنا . وحتى لو لم يكونوا قد وضعوا الحروف ~~لكنا نجهل معانيها ، فلا نعقل نفيا ولا نهيا ولا استفهاما ولا استثناء . ~~وكيف والمواضعة لا تكون ، ولا تتصور إلا على معلوم . فمحال أن يوضع اسم أو ~~غير اسم لغير معلوم ، ولأن المواضعة كالإشارة ، فكما أنك إذا قلت : خذ ذاك ~~، لم تكن هذه ms307 الإشارة لتعرف السامع المشار إليه في نفسه ، ولكن ليعلم أنه ~~المقصود من بين سائر الأشياء التي تراها وتبصرها ، كذلك حكم اللفظ مع ما ~~وضع له . ومن هذا الذي يشك أنا لم نعرف الرجل والفرس والضرب والقتل إلا من ~~أساميها ؟ لو كان لذلك مساغ في العقل لكان ينبغي إذا قيل : زيد ، أن تعرف ~~المسمى بهذا الاسم من غير أن تكون قد شاهدته ، أو ذكر لك بصفة . # وإذا قلنا في العلم واللغات من مبتدأ الأمر إنه كان إلهاما ؛ فإن الإلهام ~~في ذلك إنما يكون بين شيئين يكون أحدهما مثبتا والآخر مثبتا له ، أو يكون ~~أحدهما منفيا والآخر منفيا PageV01P391 عنه ، وأنه لا يتصور مثبت من غير ~~مثبت له ، ومنفي من غير منفي عنه . فلما كان الأمر كذلك أوجب ذلك أن لا ~~يعقل إلا من مجموع جملة فعل واسم كقولنا : خرج زيد ، أو اسم واسم كقولنا : ~~زيد خارج . فما عقلناه منه وهو نسبة الخروج إلى زيد لا يرجع إلى معاني ~~اللغات ، ولكن إلى كون ألفاظ اللغات سمات لذلك المعنى ، وكونها مرادة بها . ~~أفلا ترى إلى قوله تعالى : ( @QB@ وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على ~~الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين @QE@ ) أفترى أنه قيل ~~لهم : أنبئوني بأسماء هؤلاء ، وهم لا يعرفون المشار إليهم بهؤلاء ؟ # ثم إنا إذا نظرنا في المعاني التي يصفها العقلاء بأنها معان مستنبطة ، ~~ولطائف مستخرجة ، ويجعلون لها اختصاصا بقائل دون قائل ، كمثل قولهم في معان ~~من الشعر : إنه معنى لم يسبق إليه فلان ، وإنه الذي فطن له واستخرجه ، وإنه ~~الذي غاص عليه بفكره ، وإنه أبو عذره ، لم تجد تلك المعاني في الأمر الأعم ~~شيئا غير الخبر الذي هو إثبات المعنى للشيء ونفيه عنه . يدلك على ذلك أنا ~~لا ننظر إلى شيء من المعاني الغريبة التي تختص بقائل دون قائل إلا وجدت ~~الأصل فيه والأساس الإثبات والنفي . وإن أردت في ذلك مثالا فانظر إلى يبت ~~الفرزدق + الطويل + : # ( وما حملت أم امرىء في ضلوعها % أعق من الجاني عليها هجائيا ) # فإنك إذا نظرت ms308 لم تشك في الأصل والأساس هو قوله : ' وما حملت أم امرىء ' ~~وأن ما جاوز ذلك من الكلمات إلى آخر البيت مستند إليه ومبني عليه ، وأنك إن ~~رفعته لم تجد لشيء منها بيانا ، ولا رأيت لذكرها معنى ، بل ترى ذكرك لها إن ~~ذكرتها هذيانا . والسبب الذي من أجله كان كذلك أن من حكم كل ما عدا جزءي ~~الجملة - الفعل والفاعل ، والمبتدأ والخبر - أن يكون تحقيقا للمعنى المثبت ~~والمنفي . فقوله : في ضلوعها ، يفيد أولا أنه لم يرد نفي الحمل على الإطلاق ~~، ولكن الحمل في الضلوع . وقوله : أعق ، يفيد أنه لم يرد هذا الحمل الذي هو ~~حمل في الضلوع أيضا على الإطلاق ، ولكن حملا في الضلوع محموله أعق من ~~الجاني عليها هجاءه . وإذا كان ذلك كله تخصيصا للحمل لم يتصور أن يعقل من ~~دون أن يعقل نفي الحمل ، لأنه لا يتصور تخصيص شيء لم يدخل في نفي ولا إثبات ~~، ولا ما كان في سبيلهما من الأمر به والنهي عنه والاستخبار عنه . ~~PageV01P392 # وإذ قد ثبت أن الخبر وسائر معاني الكلام معان ينشئها الإنسان في نفسه ، ~~ويصرفها في فكره ، ويناجي بها قلبه ، ويراجع فيها لبه ، فاعلم أن الفائدة ~~في العلم بها واقعة من المنشىء لها ، صادرة عن القاصد إليها ، وإذا قلت في ~~الفعل إنه موضوع للخبر لم يكن المعنى فيه أنه موضوع ، لأن يعلم به الخبر في ~~نفسه وجنسه ومن أصله وما هو . ولكن المعنى أنه موضوع حتى إذا ضممته إلى اسم ~~عقل منه ، ومن الاسم أن الحكم بالمعنى الذي اشتق ذلك الفعل منه على مسمى ~~ذلك الاسم واقع منك أيها المتكلم . PageV01P393 # | بسم الله الرحمن الرحيم # # | نماذج تحليلية لأهمية النظم # أعلم أنك لن ترى عجبا أعجب من الذي عليه الناس في أمر النظم ، وذلك أنه ~~ما من أحد له أدنى معرفة إلا وهو يعلم أن هاهنا نظما أحسن من نظم . ثم ~~تراهم إذا أنت أردت أن تبصرهم ذلك تسدر أعينهم ، وتضل عنهم أفهامهم . وسبب ~~ذلك أنهم أول شيء عدموا العلم به نفسه من حيث حسبوه ms309 شيئا غير توخي معاني ~~النحو ، وجعلوه يكون في الألفاظ دون المعاني . فأنت تلقى الجهد حتى تميلهم ~~عن رأيهم ، لأنك تعالج مرضا مزمنا . وداء متمكنا . ثم إذا أنت قدتهم ~~بالخزائم إلى الاعتراف بأن لا معنى له غير توخي معاني النحو عرض لهم من بعد ~~خاطر يدهشهم ، حتى يكادوا يعودون إلى رأس أمرهم . وذلك أنهم يروننا ندعي ~~المزية والحسن لنظم كلام من غير أن يكون فيه من معاني النحو شيء يتصور أن ~~يتفاضل الناس في العلم به ، ويروننا لا نستطيع أن نضع اليد من معاني النحو ~~ووجوهه على شيء نزعم أن من شأن هذا أن يوجب المزية لكل كلام يكون فيه ، بل ~~يروننا ندعي المزية لكل ما ندعيها له من معاني النحو ووجوهه وفروقه في موضع ~~دون موضع وفي كلام دون كلام ، وفي الأقل دون الأكثر ، وفي الواحد من الألف ~~. فإذا رأوا الأمر كذلك دخلتهم الشبهة ، وقالوا : كيف يصير المعروف مجهولا ~~؟ ومن أين يتصور أن يكون للشيء في كلام مزية عليه في كلام آخر بعد أن تكون ~~حقيقته فيهما حقيقة واحدة ؟ فإذا رأوا التنكير يكون فيما لا يحصى من ~~المواضع ، ثم لا يقتضي فضلا ، ولا يوجب مزية اتهمونا في دعوانا من ادعيناه ~~لتنكير الحياة في قوله تعالى : ( @QB@ ولكم في القصاص حياة @QE@ ) من أن له ~~حسنا ومزية ، وأن فيه بلاغة عجيبة ، وظنوه وهما منا وتخيلا . ولسنا نستطيع ~~في كشف الشبهة في هذا عنهم ، PageV01P394 وتصوير الذي هو الحق عندهم ، ما ~~استطعناه في نفس النظم ، لأنا ملكنا في ذلك أن نضطرهم إلى أن يعلموا صحة ما ~~نقول ، وليس الأمر في هذا كذلك ، فليس الداء فيه بالهين . ولا هو بحيث إذا ~~رمت العلاج منه وجدت الإمكان فيه مع كل أحد مسعفا ، والسعي منجحا ، لأن ~~المزايا التي تحتاج أن تعلمهم مكانها ، وتصور لهم شأنها ، أمور خفية ، ~~ومعان روحانية ، أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها ، وتحدث له علما بها ، ~~حتى يكون مهيأ لإدراكها ، وتكون فيه طبيعة قابلة لها ، ويكون له ذوق وقريحة ~~يجد لهما في نفسه إحساسا ms310 بأن من شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيها ~~المزية على الجملة ، وممن إذا تصفح الكلام وتدبر الشعر فرق بين موقع شيء ~~منها وشيء ، وممن إذا أنشدته قوله ، + السريع + : # ( لي منك ما للناس كلهم % نظر وتسليم على الطرق ) # وقول البحتري ، + الكامل + : # ( وسأستقل لك الدموع صبابة % ولو أن دجلة لي عليك دموع ) # وقوله ، + الطويل + : # ( رأت مكنات الشيب فابتسمت لها % وقالت نجوم لو طلعن بأسعد ) # وقول أبي نواس ، + البسيط + : # ( ركب تساقوا على الأكوار بينهم % كأس الكرى فانتشى المسقي والساقي ) # ( كأن أعناقهم والنوم واضعها % على المناكب لم تعمد بأعناق ) PageV01P395 ~~وقوله ، + الكامل + : # ( يا صاحبي عصيت مصطبحا % وغدوت لللذات مطرحا ) # ( فتزودا مني محادثة % حذر العصا لم يبق لي مرحا ) # وقول إسماعيل بن يسار ، + السريع + : # ( حتى إذا الصبح بدا ضوؤه % وغابت الجوزاء والمرزم ) # ( خرجت والوطء خفي كما % ينساب من مكمنه الأرقم ) # أنق لها ، وأخذته أريحية عندها ، وعرف لطف موقع الحذف والتنكير في قوله : # ( نظر وتسليم على الطرق % ) # وما في قول البحتري : ' لي عليك دموع ' من شبه السحر ، وأن ذلك من أجل ~~تقديم ' لي ' على ' عليك ' ، ثم تنكير الدموع . وعرف كذلك شرف قوله : # ( وقالت نجوم لو طلعن بأسعد % ) # وعلو طبقته ، ودقة صنيعته . والبلاء ، والداء العياء أن هذا الإحساس قليل ~~في الناس ، حتى إنه ليكون أن يقع للرجل الشيء من هذه الفروق والوجوه في شعر ~~يقوله ، أو رسالة يكتبها الموقع الحسن ، ثم لا يعلم أنه قد أحسن . فأما ~~الجهل بمكان الإساءة فلا تعدمه . فلست تملك إذا من أمرك شيئا حتى تظفر بمن ~~له طبع إذا قدحته ورى ، وقلب إذا أريته رأى . فأما وصاحبك من لا يرى ما ~~تريه ، ولا يهتدي للذي تهديه ، فأنت رام معه في غير مرمى ، ومعن نفسك في ~~غير جدوى . وكما لا تقيم الشعر في نفس من لا ذوق له ، كذلك لا تفهم هذا ~~الشأن من لم يؤت الآية التي بها يفهم . إلا أنه إنما يكون البلاء إذا ظن ~~العادم لها PageV01P396 أنه أوتيها ، وأنه ممن يكمل للحكم ، ويصح منه ~~القضاء ، فجعل يقول القول لو علم ms311 غيه لاستحيا منه . فأما الذين يحس بالنقص ~~من نفسه ، ويعلم أنه قد علم علما قد أوتيه من سواه ، فأنت منه في راحة ، ~~وهو رجل عاقل قد حماه عقله أن يعدو طوره ، وأن يتكلف ما ليس بأهل به . # وإذا كانت العلوم التي لها أصول معروفة ، وقوانين مضبوطة ، قد اشترك ~~الناس في العلم بها ، واتفقوا على أن البناء عليها ، إذا أخطأ فيه المخطىء ~~ثم أعجب برأيه لم يستطع رده عن هواه ، وصرفه عن الرأي الذي رآه ، إلا بعد ~~الجهد ، وإلا بعد أن يكون حصيفا عاقلا ثبتا إذا نبه انتبه ، وإذا قيل : إن ~~عليك بقية من النظر وقف وأصغى ، وخشي أن يكون قد غر فاحتاط باستماع ما يقال ~~له ، وأنف من أن يلج من غير بينة ، ويتطيل بغير حجة . وكان من هذا وصفه يعز ~~ويقل ، فكيف بأن ترد الناس عن رأيهم في هذا الشأن ، وأصلك الذي تردهم إليه ~~، وتعول في محاجتهم عليه استشهاد القرائح ، وسبر النفوس وفليها ، وما يعرض ~~فيها من الأريحية عندما تسمع . وكان ذلك الذي يفتح لك سمعهم ، ويكشف الغطاء ~~عن أعينهم ، ويصرف إليك أوجههم . وهم لا يضعون أنفسهم موضع من يرى الرأي ، ~~ويفتي ويقضي إلا وعندهم أنهم ممن صفت قريحته وصح ذوقه ، وتمت أداته . # فإذا قلت لهم : ' إنكم قد أتيتم من أنفسكم ' ، ردوا عليك مثله ، وقالوا : ~~' لا بل قرائحنا اصح ، ونظرنا أصدق ، وحسنا أذكى . وإنما الآفة فيكم ، ~~لأنكم خيلتم إلى نفسكم أمورا لا حاصل لها ، وأوهمكم الهوى والميل أن توجبوا ~~لأحد النظمين المتساويين ، فضلا على الآخر من غير أن يكون ذلك الفضل معقولا ~~' . فتبقى في أيديهم حسيرا ، لا تملك غير التعجب . فليس الكلام إذا بمغن ~~عنك ، ولا القول بنافع ، ولا الحجة مسموعة ، حتى تجد من فيه عون لك على ~~نفسه . ومن أتى عليك ، أبى ذاك طبعه فرده إليك ، وفتح سمعه لك ، ورفع ~~الحجاب بينك وبينه ، وأخذ به إلى حيث أنت ، وصرف ناظره إلى الجهة التي ~~إليها أومأت . فاستبدل بالنفار أنسا ، واراك من بعد الإباء قبولا . ولم يكن ~~الأمر على هذه ms312 الجملة إلا لأنه PageV01P397 ليس في أصناف العلوم الخفية ، ~~والأمور الغامضة الدقيقة ، أعجب طريقا في الخفاء من هذا . وإنك لتتعب في ~~الشيء نفسك ، وتكد فيه فكرك ، وتجهد فيه كل جهدك . حتى إذا قلت : قد قتلته ~~علما ، وأحكمته فهما ، كنت الذي لا يزال يتراءى لك فيه شبهة ، ويعرض فيه شك ~~. كما قال أبو نواس ، + الطويل + : # ( ألا لا أرى مثل امترائي في رسم % تغص به عيني ، ويلفظه وهمي ) # ( أتت صور الأشياء بيني وبينه % فظني كلا ظن وعلمي كلا علم ) # وإنك لتنظر في البيت دهرا طويلا ، وتفسره ولا ترى أن فيه شيئا لم تعلمه . ~~ثم يبدو لك فيه أمر خفي لم تكن قد علمته ، مثال ذلك بيت المتنبي ، + الكامل ~~+ : # ( عجبا له حفظ العنان بأنمل % ما حفظها الأشياء من عاداتها ) # مضى الدهر + الطويل + ونحن نقرؤه ، فلا ننكر منه شيئا ، ولا يقع لنا أن ~~فيه خطأ ، ثم بان بأخرة أنه قد أخطأ . وذلك أنه كان ينبغي أن يقول : ' ما ~~حفظ الأشياء من عاداتها ' فيضيف المصدر إلى المفعول ، فلا يذكر الفاعل ، ~~ذاك لأن المعنى على أنه ينفي الحفظ عن أنامله جملة ، وأنه يزعم أنه لا يكون ~~منها أصلا ، وإضافته الحفظ إلى ضميرها في قوله : ما حفظها الأشياء ، يقتضي ~~أن يكون قد أثبت لها حفظا . # ونظير هذا أنك تقول : ' ليس الخروج في مثل هذا الوقت من عادتي ' ، ولا ~~تقول : ' ليس خروجي في مثل هذا الوقت من عادتي ' . وكذلك تقول : ' ليس ذم ~~الناس من شأني ' ، ولا تقول : ' ليس ذمي الناس من شأني ' . لأن ذلك يوجب ~~إثبات الذم ووجوده منك . # ولا يصح قياس المصدر في هذا على الفعل ، أعني لا ينبغي أن يظن أنه كما ~~يجوز أن PageV01P398 يقال : ' ما من عادتها أن تحفظ الأشياء ' ، كذلك ينبغي ~~أن يجوز : ' ما من عادتها حفظها الأشياء ' . ذاك أن إضافة المصدر إلى ~~الفاعل يقتضي وجوده ، وأنه قد كان منه . يبين ذلك أنك تقول : ' أمرت زيدا ~~بأن يخرج غدا ' ولا تقول : ' أمرته بخروجه غدا ' . # ومما فيه خطأ هو في الخفاء قوله ، + البسيط + : # ( ولا تشك إلى ms313 خلق فتشمته % شكوى الجريح إلى الغربان والرخم ) # وذلك أنك إذا قلت : لا تضجر ضجر زيد ' ، كنت قد جعلت زيدا يضجر ضربا من ~~الضجر مثل أن تجعله يفرط فيه أو يسرع إليه . هذا هو موجب العرف . ثم إن لم ~~تعتبر خصوص وصف فلا أقل من أن تجعل الضجر على الجملة من عادته ، وأن تجعله ~~قد كان منه . وإذا كان كذلك اقتضى قوله : # ( شكوى الجريح إلى الغربان والرخم % ) # أن يكون هاهنا جريح قد عرف من حاله أن يكون له شكوى إلى الغربان والرخم ، ~~وذلك محال . وإنما العبارة الصحيحة في هذا أن يقال : لا تشك إلى خلق فإنك ~~إن فعلت كان مثل ذلك مثل أن تصور في وهمك أن بعيرا دبرا كشف عن جرحه ، ثم ~~شكاه إلى الغربان والرخم . # ومن ذلك أنك ترى من العلماء من قد تأول في الشيء تأويلا ، وقضى فيه بأمر ~~، فتعتقده اتباعا ، ولا ترتاب أنه على ما قضى وتأول . وتبقى على ذلك ~~الاعتقاد الزمان + الطويل + ، ثم يلوح لك ما تعلم به أن الأمر على خلاف ما ~~قدر . # ومثال ذلك أن أبا القاسم الآمدي ذكر بيت البحتري ، + البسيط + : # ( فصاغ ما صاغ من تبر ومن ورق % وحاك ما حاك من وشي وديباج ) # ثم قال : صوغ الغيث وحوكه للنبات ليس باستعارة بل هو حقيقة . ولذلك لا ~~يقال : PageV01P399 هو صائغ ، ولا كأنه صائغ . وكذلك لا يقال : هو حائك ، ~~وكأنه حائك . قال : على أن لفظ حائك في غاية الركاكة إذا أخرج على ما أخرجه ~~أبو تمام في قوله ، + الطويل + : # ( إذا الغيث غادى نسجه خلت أنه % خلت حقب حرس له وهو حائك ) # قال : وهذا قبيح جدا . والذي قاله البحتري : ' فحاك ما حاك ' حسن مستعمل ~~. والسبب في هذا الذي قاله إنه ذهب إلى أن غرض أبي تمام أن يقصد ب ' خلت ' ~~إلى الحوك ، وأنه أراد أن يقول : ' خلت الغيث حائكا ' ، وذلك سهو منه ؛ ~~لأنه لم يقصد ب ' خلت ' إلى لك . وإنما قصد أن يقول : إنه يظهر في غداة يوم ~~من حوك الغيث ونسجه بالذي ترى العيون ms314 من بدائع الأنوار ، وغرائب الأزهار ، ~~ما يتوهم منه أن الغيث كان في فعل ذلك وفي نسجه وحوكه حقبا من الدهر . ~~فالحيلولة واقعة على كون زمان الحوك حقبا ، لا على كون ما فعله الغيث حوكا ~~فاعرفه . # ومما يدخل في ذلك ما حكي عن الصاحب من أنه قال : كان الأستاذ أبو الفضل ~~يختار من شعر ابن الرومي وينقط عليه ، قال : فدفع إلي القصيدة التي أولها ، ~~+ الطويل + : # ( أتحت ضلوعي جمرة تتوقد % ) # وقال : تأملها . فتأملتها ، فكان قد ترك خير بيت فيها ، وهو : # ( بجهل كجهل السيف والسيف منتضى % وحلم كحلم السيف والسيف مغمد ) # فقلت : لم ترك الأستاذ هذا البيت ؟ فقال : لعل القلم تجاوزه . قال : ثم ~~رآني من بعد فاعتذر بعذر كان شرا من تركه ؛ قال : إنما تركته لأنه أعاد ~~السيف أربع مرات . قال PageV01P400 الصاحب : لو لم يعد أربع مرات فقال : # ( بجهل كجهل السيف وهو منتضى % وحلم كحلم السيف وهو مغمد ) # لفسد البيت . # والأمر كما قال الصاحب . والسبب في ذلك أنك إذا حدثت عن اسم مضاف ، ثم ~~أردت أن تذكر المضاف إليه ، فإن البلاغة تقتضي أن تذكره باسمه الظاهر ، ولا ~~تضمره . وتفسير هذا أن الذي هو الحسن الجميل أن تقول : ' جاءني غلام زيد ~~وزيد ' ، ويقبح أن تقول : ' جاءني غلام زيد وهو ' . ومن الشاهد في ذلك قول ~~دعبل ، + البسيط + : # ( أضياف عمران في خصب وفي سعة % وفي حباء غير ممنوع ) # ( وضيف عمر و وعمر و يسهران معا % عمر و لبطنته ، والضيف للجوع ) # وقول الآخر ، + الطويل + : # ( وإن طرة راقتك فانظر فربما % أمر مذاق العود والعود أخضر ) # وقول المتنبي ، + الطويل + : # ( بمن نضرب الأمثال أم من نقيسه % إليك ؟ وأهل الدهر دونك والدهر ) # ليس بخفي على من له ذوق أنه لو أتى موضع الظاهر في ذلك كله بالضمير فقيل ~~: وضيف عمر و وهو يسهران معا ، وربما أمر مذاق العود وهو أخضر ، وأهل الدهر ~~دونك وهو ، لعدم حسن ومزية لا خفاء بأمرهما . ليس لأن الشعر ينكسر ، ولكن ~~تنكره النفس . وقد يرى في بادىء الرأي أن ذلك من أجل اللبس ، وأنك إذا قلت ~~: جاءني ms315 غلام زيد وهو ، كان الذي يقع في نفس السامع أن الضمير للغلام وأنك ~~على أن تجيء له بخبر ، إلا أنه لا PageV01P401 يستمر من حيث إنا نقول : ~~جاءني غلمان زيد وهو ؛ فتجد الاستنكار ونبو النفس ، مع أن لا لبس مثل الذي ~~وجدناه . وإذا كان كذلك وجب أن يكون السبب غير ذلك والذي يوجبه التأمل أن ~~يرد إلى الأصل الذي ذكره الجاحظ من أن سائلا سأل عن قول قيس بن خارجة ' ~~عندي قرى كل نازل ، ورضى كل ساخط ، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب ، ~~آمر فيها بالتواصل ، وأنهى فيها عن التقاطع ' . فقال : أليس الأمر بالصلة ~~هو النهي عن التقاطع ؟ قال : فقال أبو يعقوب : أما علمت أن الكناية ~~والتعريض ، لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف ؟ وذكرت هناك أن لهذا ~~الذي ذكر من أن للتصريح عملا لا يكون مثل ذلك العمل للكناية كان لإعادة ~~اللفظ في قوله تعالى : ( @QB@ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل @QE@ ) ، وقوله : ~~( @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد @QE@ ) عمل لولاها لم يكن . وإذا كان هذا ~~ثابتا معلوما فهو حكم مسألتنا . ومن البين الجلي في هذا المعنى - وهو كبيت ~~ابن الرومي سواء ، لأنه تشبيه مثله - بيت الحماسة ، + الهزج + : # ( شددنا شدة الليث % غدا ، والليث غضبان ) # ومن الباب قول النابغة + الرجز + : # ( نفس عصام سودت عصاما % وعلمته الكر والإقداما ) PageV01P402 # لا يخفى على من له ذوق حسن هذا الإظهار ، وأن له موقعا في النفس وباعثا ~~للأريحية لا يكون إذا قيل : نفس عصام سودته ؛ شيء منه البتة . PageV01P403 ms316