######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012055 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار (المتوفى: 471هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 471 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: دلائل الإعجاز في علم المعاني #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012055 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12055 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12055 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمود محمد شاكر أبو فهر #META# 041.EdNUMBER :: الثالثة 1413هـ - 1992م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [دلائل الإعجاز في علم المعاني] # المؤلف: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، ~~الجرجاني الدار (المتوفى: 471ه) # المحقق: محمود محمد شاكر أبو فهر # الناشر: مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة # الطبعة: الثالثة 1413ه - 1992م # عدد الأجزاء: 1 # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] # PageV00P000 # - أ - # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة # تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، والحمد لله الذى ~~هدانا به وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وصلى الله على نبينا محمد الذى نزل ~~القرآن العظيم بلسانه لسانا عربيا مبينا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه، اللهم صل على محمد وعلى أبويه إبرهيم وإسماعيل وسلم تسليما كثيرا. ~~اللهم اغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين. # وبعد فمنذ دهر بعيد، حين شققت طريقى إلى تذوق الكلام المكتوب، منظومه ~~ومنثوره، كان من أوائل الكتب التى عكفت على تذوقها كتاب " ### | دلائل الإعجاز # "، للشيخ الإمام " أبى بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانى "، الأديب ~~النحوي، والفقيه الشافعى، والمتكلم الأشعرى [توفى سنة 471 ه، أو سنة 474 ~~ه]، ويومئذ تنبهت لأربعة أمور: # الأول: أنه بدا لى أن عبد القاهر كان يريد أن يؤسس بكتابه هذا علما جديدا ~~استدركه على من سبقه من الأئمة الذين كتبوا فى " البلاغة " وفى " إعجاز ~~القرآن "، ولكن كان غريبا عندى أشد الغرابة، أنه لم يسر في بناء كتابه سيرة ~~من من يؤسس علما جديدا، كالذى فعله سيبويه فى كتابه العظيم، أو ما فعله أبو ~~الفتح ابن جنى فى كتابه " الخصائص "، أو كالذى فعله عبد القاهر نفسه فى ~~كتابه " أسرار البلاغة "، بل كان عمله وهو يؤسس هذا العلم الجديد، مشوبا ~~بحمية جارفة لا تعرف الأناة فى التبويب والتقسيم والتصنيف، وكأنه كان في ~~عجلة من أمره، وكأن منازعا كان ينازعه عند كل فكرة يريد أن يجليها ببراعته ~~وذكائه وسرعة لمحه، وبقوة حجته ومضاء رأيه. # PageV00P000 # -ب - # الثاني: أني وقفت في كتابه على أقوال كثيرة لم ينسبها بصريح البيان إلى ~~أصحابها، حتى نتبين من يكون هؤلاء؟ وكان ms001 من أعظم ما حيرني قولان رددهما في ~~مواضع كثيرة من كتابه؛ بل إن الكتاب كله يدور على رد هذين القولين وإبطال ~~معناها؛ الأول قول القائل: "إن المعاني لا تتزايد، وإنما تتزايد الألفاظ"، ~~[دلائل الإعجاز: 63، 395] = الثاني، قول القائل: "إن الفصاحة لا تظهر في ~~أفراد الكلمات، ولكن تظهر بالضم على طريقة مخصوصة"، [دلائل الإعجاز: 394، ~~466، 467]. # الثالث: أن عبد القاهر جمع هذين القولين في فصل واحد، [ص: 394، 395]، ~~وجمع معهما قوله: "ثم إن هذه الشائعات التي تقدم ذكرها، تلزم أصحاب ~~الصرفة"، أيضا" [ص: 390]، والقول بالصرفة من أقوال المعتزلة، فبدا لي يومئذ ~~أن بين هذين القولين وأصحاب "الصرفة" من المعتزلة نسبا، ولكني لم أقف على ~~ما يرضيني إن ذهبت هذا المذهب. # الرابع: أن عبد القاهر في مواضع متناثرة كثيرة، قد دأب على التعريض ~~بأصحاب "اللفظ"، وبالذين يقولون: "بالضم على طريقة مخصوصة"، وأوهموا أنه ~~"النظم" الذي ذكره الجاحظ في صفة القرآن [دلائل الإعجاز: 251]، وهو أيضا ~~"النظم" الذي عليه مدار علم عبد القاهر الذي أسسه، فكان مما شغلني، أطول ~~كلام من تعريضه بهم، وهو ما جاءني في أواخر كتابه "دلائل الإعجاز"، وهو ~~قوله: # "واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول إذا كان صدره عن قوم لهم نباهة ~~وصيت وعلو منزلة في نوع من أنواع العلوم غير العمل الذي قالوا ذلك القول ~~فيه، ثم وقع في الألسن، فتداولته ونشرته، وفشا وظهر، وكثر الناقلون له ~~والمشيدون بذكره صار وترك النظر فيه سنة، والتقليد دينا ### | ..... # ,لربما -بل كلما- ظنوا أنه لم يشع ولم يتسع ولم يروه خلف عن سلف إلا لأن ~~له أصلا صحيحا، وأنه أخذ من معدن صدق، واشتق من نبعة كريمة، وأنه لو كان # PageV00P000 # -ج - # مدخولا لظهر الدخل الذي فيه على تقادم الزمان وكرور الأيام. وكم من خطإ ~~ظاهر ورأي فاسد حظي بهذا السبب عند الناس ... ولولا سلطان هذا الذي وصفت ~~على الناس، وأن له أخذة تمنع القلوب عن التدبر، وتقطع عن دواعي التفكر لما ~~كان لهذا الذي ذهب إليه القوم في أمر "اللفظ" هذا التمكن وهذه القوة وكيف ~~لا يكون ms002 في إسار الأخذة، ومحولا بينهم وبين الفكرة، ومن يسلم أن الفصاحة لا ~~تكون في أفراد الكلمات، وإنما تكون فيها إذا ضم بعضها إلى بعض، ثم لا يعلم ~~أن ذلك يقتضي أن تكون وصفا لها من أجل معانيها، لا من أجل أنفسها، ومن حيث ~~هي ألفاظ ونطق لسان؟ " [دلائل الإعجاز: 464 - 467]. وقد اختصرت الكلام هنا، ~~ولكن ينبغي أن تقرأه بطوله في المكان الذي أشرت إليه. # من يكون هؤلاء القوم الذين لهم نباهة صيت وعلو منزلة في نوع من أنواع ~~العلوم، غير علم "الفصاحة" الذي قالوا ذلك القول فيه، وتداولته الألسن ~~ونشرته حتى فشا وظهر، وتمكنت أقوالهم المدخولة هذا التمكن، ورسخت في النفوس ~~هذا الرسوخ، وتشعبت عروقها هذا التشعب، مع ما فيها من التهافت والسقوط وفحش ~~الغلط، والتي إذا نظرت فيها لم تر باطلا فيه شوب من الحق، وزيفا فيه شيء من ~~الفضة، ولكن ترى الغش بحتا، والغيظ صرفا؟، كما يقول عبد القاهر [دلائل ~~الإعجاز: 465، 466] والأمران الثاني والرابع، كان موضع اهتمامي يومئذ، ~~وينبغي أن يكونا موضع اهتمام كل أحد. # وفتشت ونقبت، فلم أظفر بجواب أطمئن إليه، وتناسيت الأمر كله إلا قليلا، ~~نحوا من ثلاثين سنة. # حتى كانت سنة 1381 ه "1961 م"، وطبع كتاب "المغني" للقاضي "أبي الحسن عبد ~~الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسداباذي"، # PageV00P000 # - د - # الفقيه الشافعي، المتكلم المعتزلي [توفي سنة 415]، وكان إمام أهل ~~الاعتزال في زمانه، وعمر دهرا طويلا، وكثر أصحابه، وبعد صيته، ورحل إليه ~~طلاب العلم. # في تلك السنة صدر الجزء السادس عشر من كتاب "المغني"، فإذا هو يتضمن ~~فصولا طويلة في الكلام على "ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي أعجاز ~~القرآن، وسائر المعجزات الظاهرة عليه صلى الله عليه وسلم"، [المغني 16 - ~~143 - 433]، فلما قرأته ارتفع كل شك، وسقط النقاب عن كل مستتر، وإذا ~~التعريض الذي ذكره عبد القاهر حين قال: "واعلم أن القول الفاسد والرأي ~~المدخول، إذا كان صدره عن قوم لهم نباهة وصيت وعلو منزلة في نوع من أنواع ~~العلوم غير العلم الذي ms003 قالوا ذلك القول فيه ... " [انظر ما مضى]، لا يعني ~~بهذا التعريض وبهذه الصفة أحدا سوى قاضي القضاة المعتزلي عبد الجبار، فهو ~~المعتزلي النابه الذكر، البعيد الصيت، العالي المنزلة في علم الكلام ~~والأصول، بيد أنه هو الخامل الذكر، الخالي الوفاض من علم "البلاغة" و ~~"الفصاحة" و "البيان"، ولكنه بهذه البضاعة المزجاة من علم "الفصاحة"، جاء ~~يتكلم في الوجوه التي يقع بها التفاضل في فصاحة الكلام، [المغني: 16: 197 - ~~199 وما بعدها]، وفي "إعجاز القرآن" عامة!! # والدليل الساطع، هو أن الأقوال التي ذكرتها آنفا، وقلت: إن عبد القاهر لم ~~يصرح بنسبتها إلى أحد، هي أقوال القاضي عبد الجبار في كتابه المغني بنصها ~~ولفظها، فهو يقول: # "إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة ~~... "، ثم يقول بعد ذلك: "إن المعاني لا يقع فيها تزايد، وإذن فيجب أن يكون ~~التزايد عنه الألفاظ كما ذكرناه ... "، [المغني16: 199، 200] وهذا القولان ~~هما اللذان يدور كتاب "دلائل الإعجاز" على ردهما وإبطال معناهما. هذا فضلا ~~عن أقوال أخر ذكرها عبد القاهر، ووجدتها مائلة بنصها # PageV00P000 # - ه - # أيضا في هذا الموضع الذي ذكر فيه القاضي المعتزلي "إعجاز القرآن"، كالقول ~~في "جزالة اللفظ"، حيث يقول القاضي: "ولذلك لا يصح عندنا أن يكون اختصاص ~~القرآن بطريقة في النظم دون الفصاحة، التي هي جزالة اللفظ وحسن المعنى" ~~[المغني16: 198 وما قبله]، فيذكرها عبد القاهر في كتابه ثم يقول: "وأما ~~الأخير، فهو أنا لم نر العقلاء قد رضوا من أنفسهم في شيء من العلوم أن ~~يحفظوا كلاما للأولين ويتدارسونه، ويكلم به بعضهم بعضا من غير أن يعرفوا له ~~معنى، ويقفوا منه على غرض صحيح، ويكون عندهم، إن يسألوا عنه، بيان وتفسير ~~إلا "علم الفصاحة" ### | .... # فمن أقرب ذلك أنك تراهم يقولون إذا هم تكلموا في مزية كلام على كلام: "إن ~~ذلك يكون بجزالة اللفظ" وإذا هم تكلموا في زيادة نظم على نظم: "إن ذلك يكون ~~لوقوعه على طريقة مخصوصة، وعلى وجه دون وجه"، ثم لا تجدهم يفسرون "الجزالة" ~~بشيء"، [دلائل الإعجاز: 456]. # ولم أرد ms004 بهذا الاستقصاء، ولكني أردت أن أنبه إلى علاقة لا ينبغي إغفالها ~~أو التهاون فيها، وهي هذه العلاقة بين كلام عبد القاهر، وكلام القاضي عبد ~~الجبار، ذلك أن عبد القاهر منذ بدأ في شق طريقه إلى هذا العلم الجديد الذي ~~أسسه، كان كل همه أن ينقض كلام القاضي في "الفصاحة"، وأن يكشف عن فساد ~~أقواله في مسألة "اللفظ"، بالمعنى المؤقت المحدد في كلامه في كتابه ~~"المغني"، دون المعنى المطلق للفظ من حيث هو لفظ ونطق لسان. وإغفال هذه ~~العلاقة يؤدي -أو قد أدى- إلى غلط فاحش في فهم مسألة "اللفظ" و "المعنى" ~~عند عبد القاهر في كتابه هذا. فلا "اللفظ" فهم على حقيقته عند عبد القاهر، ~~ولا "المعنى" أيضا عرف على حقيقته عنده. # وأنا أرجح أن عبد القاهر كتب كتابه هذا في أواخر حياته، بدليل ما هدتنا ~~إليه النسخة المخطوطة من "الدلائل"، التي رمزت إليها بالحرف "ج"، كما ~~سأبينه فيما بعد، وأنه كان يوشك أن يعيد النظر في كتابه؛ ليجعله تصنيفا في # PageV00P000 # - و - # علم جديد اهتدى إليه، واستدركه على من سبقه، وشق له الطريق ومهده، ولكن ~~اخترمته المنية قبل أن يحقق ما أراد. وأرجح أيضا أن السر في العجلة التي ~~صرفته عن التبويب والتقسيم والتصنيف، وأوجبت أن يبنى الكتاب هذا البناء ~~العجيب، هو فيما أظن، أن طائفة من المعتزلة، من أهل العلم، في بلدته جرجان ~~وفي زمانه، كان لهم شغف ولجاجة وشغب وجدال ومناظرة في مسألة "إعجاز ~~القرآن"، واتكأوا في جدالهم على أقوال القاضي عبد الجبار التي جاءت في ~~كتابه "المغني"، والتي ذكرت مواضعها آنفا، وشققوا الكلام فيها، وكانوا كما ~~وصفهم عبد القاهر بقوله: "فإن أردت الصدق، فإنك لا ترى في الدنيا أعجب من ~~شأن الناس مع "اللفظ"، ولا فساد رأي مازج النفوس وخامرها واستحكم منها وصار ~~كإحدى طبائعها، من رأيهم في "اللفظ". فقد بلغ من ملكيته لهم وقوته عليهم، ~~أن تركهم، وكأنهم إذا نوظروا فيه أخذوا عن أنفسهم، وغيبوا عن عقولهم، وحيل ~~بينهم وبين أن يكون لهم فيما يسمعونه نظر، ويرى ms005 لهم إيراد في الإصغاء ولا ~~صدر، فلست ترى إلا نفوسا قد جعلت ترك النظر دأبها، ووصلت بالهوينا أسبابها، ~~فهي تغتر بالأضاليل، وتتباعد عن التحصيل، وتلقي بأيديها إلى الشبه، وتسرع ~~إلى القول المموه"، [دلائل الإعجاز: 458]. # ومن الدليل أيضا على العلاقة الوثيقة بين كتاب عبد القاهر، وأقوال القاضي ~~عبد الجبار في كتابه "المغني"، أي بين كتابه وبين المعتزلة، أن كتابه خلا ~~من ذكر "الصرفة"، وهي أشهر أقوال المعتزلة؛ لأنها من اختراع شيخهم القديم ~~النظام، إلا في موضع واحد من الكتاب كله [دلائل الإعجاز: 390]؛ وذلك لأن ~~القاضي عبد الجبار نفسه، وهو إمام المعتزلة في زمانه، رد مقالة "الصرفة" ~~ونقضها في كتابه [المغني: 16: 323 - 328]، فأغفلها عبد القاهر أيضا، وخصهم ~~برسالته "الرسالة الشافية" الخارجة من كتاب دلائل الإعجاز، والتي نشرتها ~~ملحقة بالكتاب. # PageV00P000 # - ز - # هذا ما أردت أنبه إليه؛ ليعيد الدارسون النظر في كتاب عبد القاهر، وفي ~~قضية "اللفظ" و "المعنى" التي اختلط الأمر فيها اختلاطا شديدا أدى إلى فساد ~~كبير في زماننا هذا، وبالله التوفيق. # والآن، أنصرف إلى القول في النسخ التي اعتمدت عليها في قراءة كتاب "دلائل ~~الإعجاز"، وفي التعليق عليه تعليقا مختصرا، وجعلت همي أن يكون قارئ الكتاب ~~ماضيا في قراءته دون أن يتعثر أو يتلفت تلفتا يعوقه عن المضي في قراءته، ~~فأعنته بتقسيمه إلى فقر مرقمة، ودللته على سياق كلام عبد القاهر؛ فإن كلامه ~~ربما شق على كثير من أهل زماننا، حين كتب عليهم أن يهجروا كتب أسلافهم من ~~الفحول الأفذاذ. # • النسخة المخطوطة الأولى "ج": وهي من مكتبة "حسين جلبي معاني، بتركية، ~~وعدد أوراقها: 203 ورقة"، ليس فيها اسم ناسخها، ولكن تمت كتابتها في أواسط ~~شهر ربيع الأول سنة ثمان وستين وخمسمائة (568 ه)، أي بعد وفاة عبد القاهر ~~بنحو سبع وتسعين سنة، [دلائل الإعجاز: 557]، ونص كاتبها في أحد الفصول ~~الملحقة بالكتاب أن "هذا آخر ما وجد على سواد الشيخ من هذا الكتاب، كتب في ~~شعبان المبارك سنة ثنتين وسبعين وخمسمائة"، "572 ه" [دلائل الإعجاز: 568]، ~~ثم يذكر في صدر فصل آخر بعده: ms006 "هذا مما نقل من مسودته بخطه بعد وفاته رحمه ~~الله"، [دلائل الإعجاز: 539]، فدلنا هذا على أنه نقل ما نقل من خط عبد ~~القاهر. # ولكني بقي شيء آخر، هو أن علي هذه المخطوطة في هامشها تعليقات بخط ~~كاتبها، استظهرت -وأنا أقرأ الكتاب عند الطبع- أنها من تعليق عبد القاهر ~~نفسه، حتى جاءت مواضع تقطع قطعا مبينا أنها تعليقات عبد القاهر على # PageV00P000 # - ح - # نسخته، فدل هذا، والذي قبله، على أن هذه النسخة منقولة من نسخة عبد ~~القاهر التي كتبها بخطه في آخر حياته، وهذا بيان بأكثر المواضع التي جاءت ~~فيها الحواشي مسلسلة، وفيها الدلالة على ذلك: # ص: 20، تعليق: 2/ 27، تعليق: 5/ 31، تعليق: 2/ 152: تعليق: 4، وفي صدره: ~~"قال عبد القاهر، / 159، تعليق: 4 وهو أسلوب عبد القاهر/ 162، تعليق: 1/ ~~165، تعليق: 2/ 195، تعليق: 1/ 210، تعليق: 3/ 216، تعليق: 4، وهو أسلوب ~~عبد القاهر/ 230، تعليق: 1/ 264، تعليق: 2، أسلوب عبد القاهر/ 276، تعليق: ~~1/ 288، 289، تعليق: 4، أسلوب عبد القاهر/ 290، تعليق: 1 أسلوب عبد القاهر/ ~~301، تعليق: 2/ 310، تعليق: 4/ 313، تعليق: 1/ 318 تعليق: 1/ 340 - 243 ~~تعليق: 2، وكتب الناسخ، "حاشية"، ثم كتب فوقها: "هذه الحاشية مؤخرة في ~~أماليه المدونة"، فهذا نص يقطع بأن جمع الحواشي منقولة من نسخة عبد القاهر، ~~وأيضا؛ فإن هذه الحاشية نفسها ستأتي في نص كلام عبد القاهر بعد قليل في ~~رقم: 405/ 356، تعليق: 2/ 367، تعليق: 1/ 373، تعليق: 2/ 374، تعليق: 2/ ~~380، تعليق: 2/ 383، تعليق: 1، ونص الحاشية: "هذا تعليل لقولي: لم يلزم من ~~إثبات الآلهة"، وهو نص قاطع بأن هذه الحواشي نسخة عبد القاهر/ 447، تعليق: ~~2/ 499، تعليق، 2، وهو بلا شبهة من كلام عبد القاهر: 502، تعليق: 1 # وقد فاتتني حواش أخر كتبها عبد القاهر على هذه النسخة، ولكني لم أحسن ~~قراءتها، فلم أثبت منها شيئا. والذي ذكرته آنفا قاطع كما ترى، بأن ناسخ ~~"ج"، إنما نسخها من نسخة عبد القاهر نفسه، وزاد: فائدة خلت منها جميع ~~النسخ، ولهذا جعلتها هي الأصل الأول الذي اعتمدت عليه. # أما ترتيب هذه النسخة "ج"، فهو كما يلي: ### | 1 - # من ص: 1، إلى ص: 307، نص كتاب "دلائل الإعجاز"، كما دلت على النسخة ~~الأخرى "س"، كما سأبينه، ثم ترك بياضا بين الكلامين وكتب: "بسم الله الرحمن ~~الرحيم"، وهذا القسم ms007 يقع في مطبوعتنا من ص: 1 إلى ص: 478. # PageV00P000 # - ط - ### | 2 - # من ص: 307 - 332، ويبدأ فصل آخر، وهو موجود بهذا الترتيب في مطبوعة رشيد ~~رضا، وهو في مطبوعتنا من ص: 481 - 524. ### | 3 - # من ص: 333 - 343، فصل آخر، موجود في نسخة رشيد رضا، وهو في مطبوعتنا من ~~ص: 525 - 538. ### | 4 - # من ص: 343 - 351، موجود في نسخة رشيد رضا. مؤخرا عن موضعه في المخطوطة، ~~وهو فيها من ص: 393، إلى آخر مطبوعته ص: 402، واتبعته في ذلك، فهو في ~~مطبوعتنا مؤخر أيضا، وهو فيها من ص: 546 إلى ص: 557. ### | 5 - # من ص: 352 - 356، موجود في نسخة رشيد رضا مقدما عن موضعه في المخطوطة، ~~وهو فيها من ص: 389، إلى ص 393، واتبعته أيضا فهو في مطبوعتنا من ص: 539 - ~~إلى ص: 545. ### | 6 - # من أوسط ص: 356، إلى آخر ص: 360، فصول ومسائل ملحقة بالكتاب، ليست في ~~نسخة رشيد رضا، وهي في مطبوعتنا من ص: 561، إلى ص: 569. ### | 7 - # من ص: 361 إلى ص: 366، وبعدها ص: 367، 368 ورقة بيضاء فاصلة: "المدخل في ~~دلائل الإعجاز من إملائه"، وقد قدمها رشيد رضا في أول كتاب "دلائل الإعجاز" ~~وأحسن، فاتبعته وقدمتها في اول هذه المطبوعة أيضا. ### | 8 - # من ص: 369 - 405، "الرسالة الشافية في الإعجاز، هذه الرسالة خارجة من ~~كتابه الموسوم بدلائل الإعجاز"، وقد نشرت من قبل كما سأذكر ذلك، ونشرتها ~~أيضا، وهي في مطبوعتنا من ص: 573 إلى ص: 628 فهذه هي النسخة التي جعلتها ~~أصلا أول؛ لنفاستها وعتقها، ولأنها # PageV00P000 # - ى - # منقولة من خط الشيخ رحمه الله، وعليها حواشيه بخطه، ولم تخل من بعض ~~العيوب، أشرت إليها فى تعليقى على الكتاب. # • النسخة المخطوطة الثانية " س"، وهى من مكتبة أسعد أفندى 3004، بتركية، ~~وليس فيها اسم ناسخها ولا تاريخ كتابتها، والأرجح أنها من خطوط القرن ~~السادس أيضا أو القرن السابع. وهى نسخة نفيسة دقيقة مضبوطة ضبطا كاملا، مع ~~بعض العيوب التى تتخللها، والتى أشرت إليها فى تعليقى على الكتاب، وهى ~~خالية من كل حاشية، وهى التى دلتنى على آخر كتاب " دلائل الاعجاز "، وأن ما ~~بعد ذلك ms008 فى نسخة " ج "، إنما هو " رسائل وتعليقات " نقلها كاتب "ج " من خط ~~عبد القاهر بعد وفاته رحمه الله، والموجودة أيضا فى الأصول التى طبعت عنها ~~نسخة رشيد رضا. وهى تقع فى مطبوعتنا من أول الكتاب ص: 1، إلى ص: 478، ونص ~~كاتبها أنه بهذه النهاية تم كتاب " دلائل الاعجاز ". # فهاتان هما النسختان النفيستان اللتان جعلتهما اصلا لقراءتى وتعليقى. # • مطبوعة الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله سنة 1321، وهى أول مطبوعة صدرت، ~~من كتاب " دلائل الإعجاز"، فكتب فى آخر الكتاب كلمة ذكر فيها أنه نشر كتاب ~~"أسرار البلاغة " لعبد القاهر فى أول سنة 1320، ثم قال: " لما هاجرت إلى ~~مصر لإنشاء مجلة " المنار " الإسلامى فى سنة 1315، وجدت الأستاذ الامام ~~الشيخ محمد عبده، رئيس جمعية إحياء العلوم العربية، ومفتى الديار المصرية، ~~مشتغلا بتصحيح كتاب " دلائل الإعجاز، وقد استحضر نسخة من المدينة المنورة، ~~ومن بغداد، ليقابلها على النسخة التى عنده. وأزيد الآن، أنه قد عنى بتصحيحه ~~أتم عناية، وأشرك معه فيها إمام اللغة وآدابها فى هذا العصر، الشيخ محمد ~~محمود التركزى الشنقيطى، وناهيك بكتاب اجتمع على تصحيح أصله علامتا المعقول ~~والمنقول". # PageV00P000 # - ك- # فهذه المطبوعة إذن، لها ثلاثة أصول مخطوطة لا أعرف عنها شيئا، ولكن لما ~~لها من منزلة التقدم، ولأن الذين تولوا نشرها ثلاثة من كبار علمائنا فى هذا ~~العصر، فقد جعلتها أصلا ثالثا، واتبعت ترتيبها، حتى لا تختل معرفة الناس ~~بهذا الكتاب الجليل الذى بقى فى أيديهم على صورته هذه أكثر من ثمانين سنة. ~~ولكن لابد من الاشارة هنا إلى أن الخطوطتين"ج " و "س" قد صححتا خللا شديدا ~~كان فى بضعة مواضع من الكتاب، وكان شرها وأبشعها ما وقع فى هذه المطبوعة فى ~~ص: 390، 391 وهو واقع فى مطبوعتنا ص: 540 تعليق: 4، فقد كان كلاما لا يعقل ~~ولا يهتدى إلى صوابه، ولا أدرى كيف وقع هذا الخلل. وعندما بدأت قراءة ~~الكتاب ونشره، كانت نيتى أن استبقى جميع تعليقات الشيخ رشيد رحمه الله، ~~ففعلت ذلك فى أوائل الصفحات، ثم أضربت عن ذلك، لقلة فائدة هذه الحواشى، ~~ولكيلا يختلط ms009 عملى بعمل غيرى، ولكنى لم أخل تعليقاتى من الإشارة إلى ~~تعليقاته رحمه الله. # فهذه المطبوعة، إذن، كأنها اعتمدت على خمس مخطوطات: مخطوطة " ج " و " س"، ~~ثم مخطوطة المدينة، ومخطوطة بغداد، ومخطوطة الشيخ محمد عبده، وهى ثلاثة لا ~~أعرف عنها شيئا، إلا ثقة منى بعمل الشيخ رشيد رضا رحمه الله، وغفر لنا وله. # بقى شىء واحد، وهو أنى وضعت فى هامش الكتاب أرقام صفحات المخطوطة " ج" ~~برسم الأعداد العربية المألوف فى بلادنا، وأرقام صفحات الخطوطة " س " برسم ~~الأعداد التى كتب بها الأعاجم أعدادهم، وأما صفحات مطبوعة الشيخ رشيد، فقد ~~وضعت أرقام صفحاتها فى دائرة O هكذا، وهى فاصلة فى سياق الكلام، وآثرت ذلك، ~~لأن هذه المطبوعة بقيت دهرا طويلا فى أيدى العلماء، وأحالوا إلى صفحاتها فى ~~حواشيهم، لأنها أجود نسخة طبعت من كناب " دلائل الاعجاز" حتى تم طبع نسختنا ~~هذه. # PageV00P000 # - ل - # • أما " الرسالة الشافية" المثبتة فى آخر نسخة "ج "، فقد نص الناسخ على ~~أنها " خارجة من كتابه الموسم بدلائل الإعجاز "، وقد نشرها من قبل ~~الأستاذان " محمد خلف الله أحمد " و " محمد زغلول سلام "، فى مجموعة ذخائر ~~العرب، ضمن كتاب بعنوان: " ثلاث رسائل فى إعجاز القرآن، للرماني، والخطابى، ~~وعبد القاهر الجرجانى "، عن نسختنا "ج " نفسها. وقد آثرت أن أعيد نشرها، ~~لأنها قطعة من النسخة "ج " التى جعلتها أصلا معتمدا للنشر، ثم للسبب الذى ~~ذكرته آنفا من أن عبد القاهر، كان ينقض بكتابه قول الطائفة التى اتبعت ~~القاضى عبد الجبار من المعتزلة، وقالت بقوله ورددته، ولم يذكر فيه القائلين ~~من المعتزلة بقول شيخهم القديم النظام فى " الصرفة "، وأفرد لهم هذه " ~~الرسالة الشافية "، ففيها الرد على أهل " الصرفة " وغيرهم من المعتزلة. ~~وكانت أيضا هذه المطبوعة الأولى، غير مطابقة كل المطابقة لما فى المخطوطة، ~~كما أشرت إليه فى التعليق عليها، وأرجو أن كون قد أحسنت. # والحمد لله أولا وآخرا على توفيقه وعظيم إنعامه على، بأن أتولى قراءة هذا ~~السفر الجليل والتعليق عليه، مقرا بالعجز والتقصير، ضارعا إليه أن يغفر لى ~~ما أسأت فيه، وأسأله أن ms010 يعيننى على ما أقحم نفسى فيه من عمل أريد به وجهه ~~سبحانه، ثم ما أضمره من خدمة هذه اللغة الشريفة النبيلة التى شرفها الله ~~وكرمها بتنزيل كتابه بلسان عربى مبين، وصلى الله على النبى الأمى صلاة ~~تزلفنا عنده، صلى الله عليه وسلم، وصلى الله على أبويه الكريمين إبراهيم ~~وإسماعيل وعلى سائر أنبيائه ورسله. اللهم اغفر لنا وارحمنا ويسر لنا كل ~~عسير. # الثلاثاء: 5 جمادى الأولى سنة 1404 # 7 فبراير سنة 1984 # مصر الجديدة/ 3 شارع الشيخ حسين المرصفى # أبو فهر # محمود محمد شاكر # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | فاتحة المصنف في مكانة العلم # حسبي ربي 1: # خطبة الكتاب: # الحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين، نحمده على عظيم نعمائه، وجميل ~~بلائه، ونستكفيه نوائب الزمان، ونوازل الحدثان، ونرغب إليه في التوفيق ~~والعصمة، ونبرأ إليه من الحول والقوة، ونسأله يقينا يملأ الصدر، ويعمر ~~القلب، ويستولي على النفس، حتى يكفها إذا نزغت، ويردها إذا تطلعت، وثقة ~~بأنه عز وجل الوزر، والكالئ والراعي والحافظ، وأن الخير والشر بيده، وأن ~~النعم كلها من عنده، وأن لا سلطان لأحد مع سلطانه، نوجه رغباتنا إليه2، ~~ونخلص نياتنا في التوكل عليه، وأن يجعلنا ممن همه الصدق، وبغيته الحق3، ~~وغرضه الصواب، وما تصححه العقول وتقبله الألباب، ونعوذ به من أن ندعي العلم ~~بشيء لا نعلمه4، وأن نسدي قولا لا نلحمه، وأن نكون ممن يغره الكاذب من ~~الثناء5، وينخدع للمتجوز في الإطراء، وأن يكون سبيلنا سبيل من يعجبه أن ~~يجادل بالباطل6، ويموه على السامع، ولا يبالي إذا PageV01P003 # راج عنه القول أن يكون قد خلط فيه، ولم يسدد في معانيه، ونستأنف الرغبة ~~إليه عز وجل في الصلاة على خير خلقه، والمصطفى من بريته، محمد سيد ~~المرسلين، وعلى أصحابه الخلفاء الراشدين، وعلى آله الأخيار من بعدهم ~~أجمعين. # بيان فضل العلم: ### | 1 - # وبعد فإنا إذا تصفحنا الفضائل لنعرف منازلها في الشرف، ونتبين مواقعها من ~~العظم؛ ونعلم أي أحق منها بالتقديم، وأسبق في استيجاب التعظيم، وجدنا العلم ~~أولاها بذلك، وأولها هنالك؛ إذ لا شرف إلا وهو السبيل ms011 إليه، ولا خير إلا ~~وهو الدليل عليه، ولا منقبة إلا وهو ذروتها وسنامها، ولا مفخرة إلا وبه ~~صحتها وتمامها، ولا حسنة إلا وهو مفتاحها؛ ولا محمدة إلا ومنه يتقد ~~مصباحها، وهو الوفي إذا خان كل صاحب، والثقة إذا لم يوثق بناصح، لولاه لما ~~بان الإنسان من سائر الحيوان إلا بتخطيط صورته، وهيئة جسمه وبنيته، لا، ولا ~~وجد إلى اكتساب الفضل طريقا، ولا وجد بشيء من المحاسن خليقا. ذاك لأنا وإن ~~كنا لا نصل إلى اكتساب فضيلة إلا بالفعل، وكان لا يكون فعل إلا بالقدرة، ~~فإنا لم نر فعلا زان فاعله وأوجب الفضل له، حتى يكون عن العلم صدره، وحتى ~~يتتبين ميسمه عليه وأثره، ولم نر قدرةقط كسبت صاحبها مجدا وأفادته حمدا، ~~دون أن يكون العلم رائدها فيما تطلب، وقائدها حيث يؤم ويذهب، ويكون المصرف ~~لعنانها؛ والمقلب لها في ميدانها. فهي إذا مفتقرة في أن تكون فضيلة إليه، ~~وعيال في استحقاق هذا الاسم عليه، وإذا هي خلت من العلم أو أبت أن تمتثل ~~أمره؛ وتقتفي أثره ورسمه1، PageV01P004 # آلت ولا شيء أحشد للذم على صاحبها منها1. ولا شين أشين من إعماله لها2. ### | 2 - # فهذا من فضل العلم لا تجد عاقلا يخالفك فيه، ولا ترى أحدا يدفعه أو ~~ينفيه، فأما المفاضلة بين بعضه وبعض، وتقديم فن منه على فن، فإنك ترى الناس ~~فيه على آراء مختلفة، وأهواء متعادية، ترى كلا منهم لحبه نفسه، وإيثاره أن ~~يدفع النقص عنها، يقدم ما يحسن من أنواع العلم على ما لا يحسن، ويحاول ~~الزراية على الذي لم يحظ به3 والطعن على أهله والغض منهم. ثم تتفاوت ~~أحوالهم في ذلك، فمن مغمور قد استهلكه هواه، وبعد في الجور مداه، ومن مترجح ~~فيه بين الإنصاف والظلم4، يجور تارة ويعدل أخرى في الحكم، فأما من يخلص في ~~هذا المعنى من الحيف حتى لا يقضي إلا بالعدل، وحتى يصدر في كل أمره عن ~~العقل، فكالشيء الممتنع وجوده. ولم يكن ذلك كذلك، إلا لشرف العلم وجليل ~~محله، وأن محبته مركوزة في الطباع، ms012 ومركبة في النفوس، وأن الغيرة عليه ~~لازمة للجبلة، وموضوعة في الفطرة، وأنه لا عيب أعيب عند الجميع من عدمه، ~~ولا ضعة أوضع من الخلو عنه، فلم يعاد إذن إلا من فرط المحبة، ولم يسمح به ~~إلا لشدة الضن. # علم البيان: ### | 3 - # ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا، وأبسق فرعا، وأحلى جنى، وأعذب وردا، ~~وأكرم نتاجا، وأنور سراجا، من علم البيان، الذي لولاه لم تر PageV01P005 # لسانا يحوك الوشي، ويصوغ الحلي، ويلفظ الدر، وينفث السحر، ويقري الشهد1، ~~ويريك بدائع من الزهر، ويحنيك الحلو اليانع من التمر، والذي لولا تحفيه ~~بالعوم، وعنايته بها، وتصويره إياها، لبقيت كامنة مستورة، ولما استبنت لها ~~يد الدهر صورة2، ولاستمر السرار بأهلتها3، واستولى الخفاء على جملتها، إلى ~~فوائد لا يدركها الإحصاء، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء. # ما لحق علم البيان من الضيم والخطأ: # إلا أنك لن ترى على ذلك نوعا من العلم قد لقي من الضيم ما لقيه، ومني من ~~الحيف بما مني به4، ودخل على الناس من الغلط في معناه ما دخل عليهم فيه، ~~فقد سبقت إلى نفوسهم اعتقادات فاسدة وظنون ردية، وركبهم فيه جهل عظيم وخطأ ~~فاحش، ترى كثيرا منهم لا يرى له معنى أكثر مما يرى للإشارة بالرأس والعين، ~~وما يجده للخط والعقد5، يقول: إنما هو خبر واستخبار، وأمر ونهي، ولكل من ~~ذلك لفظ قد وضع له، وجعل دليلا عليه، فكل من عرف أوضاع لغة من اللغات، ~~عربية كانت أو فارسية، وعرف المغزى من كل لفظة، ثم ساعده اللسان على النطق ~~بها، وعلى تأدية أجراسها وحروفها، فهو بين في تلك اللغة، كامل الأداة، بالغ ~~من البيان المبلغ الذي لا مزيد عليه، منته إلى الغاية التي لا مذهب بعدها ~~يسمع الفصاحة والبلاغة PageV01P006 # والبراعة فلا يعرف لها معنى سوى الإطناب في القول، وأن يكون المتكلم في ~~ذلك جهير الصوت، جاري اللسان، لا تعترضه لكنه، ولا تقف به حبسة1، وأن ~~يستعمل اللفظ الغريب، والكلمة الوحشية، فإن استظهر للأمر وبالغ في النظر، ~~فأن لا يلحن فيرفع في موضع ms013 النصب، أو يخطئ فيجيء باللفظة على غير ما هي ~~عليه في الوضع اللغوي، وعلى خلاف ما ثبتت به الرواية عن العرب. # وجملة الأمر أنه لا يرى النقص يدخل على صاحبه في ذلك2 إلا من جهة نقصه في ~~علم اللغة، لا يعلم أن ههنا دقائق وأسرار طريق العلم بها الروية والفكر، ~~لطائف مستقاها العقل، وخصائص معان ينفرد بها قوم قد هدوا إليها، ودلوا ~~عليها، وكشف لهم عنها، ورفعت الحجب بينهم وبينها3، وأنها السبب في أن عرضت ~~المزية في الكلام، ووجب أن يفضل بعضه بعضا، وأن يبعد الشأو في ذلك، وتمتد ~~الغاية، ويعلو المرتقى، ويعز المطلب، حتى ينتهي الأمر إلى الإعجاز، وإلى أن ~~يخرج من طوق البشر. # من ذم الشعر وعلم الإعراب: ### | 4 - # ولما لم تعرف هذه الطائفة هذه الدقائق، وهذه الخواص واللطائف، لم تتعرض ~~لها ولم تطلبها، ثم عن لها بسوء الاتفاق رأي صار حجازا بينها وبين العلم ~~بها4، وسدا دون أن تصل إليها وهو أن ساء اعتقادها في الشعر الذي هو معدنها، ~~وعليه المعول فيها، وفي علم الإعراب الذي هو لها PageV01P007 # كالناسب الذي ينميها إلى أصولها، ويبين فاضلها من مفضولها، فجعلت تظهر ~~الزهد في كل واحد من النوعين، وتطرح كلا من الصنفين، وترى التشاغل عنهما ~~أولى من الاشتغال بهما، والإعراض عن تدبرهما أصوب من الإقبال على تعلمهما. # ذمهم للشعر: ### | 5 - # أما الشعر فخيل إليها أنه ليس فيه كثير طائل1، وأن ليس إلا ملحة أو ~~فكاهة، أو بكاء منزل أو وصف طلل، أو نعت ناقة أو جمل، أو إسراف قول في مدح ~~أو هجاء، وأنه ليس بشيء تمس الحاجة إليه في صلاح دين أو دنيا. # ذمهم للنحو: ### | 6 - # وأما النحو، فظنته ضربا من التكلف، وبابا من التعسف، وشيئا لا يستند إلى ~~أصل، ولا يعتمد يه على عقل، وأن ما زاد منه على معرفة الرفع والنصب وما ~~يتصل بذلك مما تجده في المبادئ، فهو فضل لا يجدي نفعا، ولا تحصل منه على ~~فائدة، وضربوا له المثل بالملح كما عرفت، إلى أشباه لهذه ms014 الظنون في ~~القبيلين، وآراء لو علموا مغبتها وما تقود إليه، لتعوذوا بالله منها، ~~ولأنفوا لأنفسهم من الرضا بها، وذاك لأنهم بإيثارهم الجهل بذلك على العلم، ~~في معنى الصاد عن سبيل الله، والمبتغي إطفاء نور الله تعالى. # منزلة الشعر والنحو من إعجاز القرآن: ### | 7 - # وذاك أنا إذا كنا نعلم أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت، ~~وبانت وبهرت، هي أن كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر، ومنتهيا إلى ~~غاية لا يطمح إليها بالفكر، وكان محالا أن يعرف كونه كذلك، إلا من عرف ~~الشعر الذي هو ديوان العرب، وعنوان الأدب، PageV01P008 # والذي لا يشك أنه كان ميدان القوم إذا تجاروا في الفصاحة والبيان، ~~وتنازعوا فيهما قصب الرهان، ثم بحث عن العلل التي بها كان التباين في ~~الفضل، وزاد بعض الشعر على بعض1 كان الصاد عن ذلك صادا عن أن تعرف حجة الله ~~تعالى، وكان مثله مثل من يتصدى للناس فيمنعهم عن أن يحفظوا كتاب الله تعالى ~~ويقوموا به ويتلوه ويقرئوه، ويصنع في الجملة صنيعا يؤدي إلى أن يقل حفاظه ~~والقائمون به والمقرئون له. ذاك لأنا لم نتعبد بتلاوته وحفظه، والقيام ~~بأداء لفظه على النحو الذي أنزل عليه، وحراسته من أن يغير ويبدل، إلا لتكون ~~الحجة به قائمة على وجه الدهر، تعرف في كل زمان، ويتوصل إليها في كل أوان، ~~ويكون سبيلها سبيل سائر العلوم التي يرويها الخلف عن السلف، ويأثرها الثاني ~~عن الأول، فمن حال بيننا وبين ما له كان حفظنا إياه، واجتهادنا في أن نؤديه ~~ونرعاه، كان كمن رام أن ينسيناه جملة ويذهبه من قلوبنا دفعة، فسواء من منعك ~~الشيء الذي تنتزع منه الشاهد والدليل، ومن منعك السبيل إلى انتزاع تلك ~~الدلالة، والاطلاع على تلك الشهادة، ولا فرق بين من أعدمك الدواء الذي ~~تستشفي به من دائك، وتستبقي به حشاشة نفسك، وبين من أعدمك العلم بأن فيه ~~شفاء، وأن لك فيه استبقاء. # الرد على حجج المعتزلة في الإعجاز: ### | 8 - # فإن قال منهم قائل: إنك قد أغفلت فيما رتبت، ms015 فإن لنا طريقا إلى إعجاز ~~القرآن غير ما قلت، وهو علمنا بعجز العرب عن أن يأتوا بمثله وتركهم أن ~~يعارضوه، مع تكرار التحدي عليهم، وطول التقريع لهم PageV01P009 # بالعجز عنه. ولأن الأمر كذلك، ما قامت به الحجة على العجم قيامها على ~~العرب1 واستوى الناس قاطبة، فلم يخرج الجاهل بلسان العرب من أن يكون محجوجا ~~بالقرآن. # قيل له: خبرنا عما اتفق عليه المسلمون من اختصاص نبينا صلى الله عليه ~~وسلم بأن كانت معجزته باقية على وجه الدهر، أتعرف له معنى غير أن لا يزال ~~البرهان منه لائحا معرضا لكل من أراد العلم به، وطلب الوصول إليه، والحجة ~~فيه وبه ظاهرة لمن أرادها، والعلم بها ممكنا لمن التسمه؟ فإذا كنت لا تشك ~~في أن لا معنى لبقاء المعجزة بالقرآن إلا أن الوصف الذي له كان معجزا قائم ~~فيه أبدا، وأن الطريق إلى العلم به موجود، والوصول إليه ممكن، فانظر أي رجل ~~تكون إذا أنتع زهدت في أن تعرف حجة الله تعالى، وآثرت فيه الجهل على العلم، ~~وعدم الاستبانة على وجودها، وكان التقليد فيها أحب إليك، والتعويل على علم ~~غيرك آثر لديك، ونح الهوى عنك، وراجح عقلك، واصدق نفسك، يبن لك فحش الغلط ~~فيما رأيت، وقبح الخطأ في الذي توهمت. وهل رأيت رأيا أعجز، واختيارا أقبح ~~ممن كره أن تعرف حجة الله تعالى من الجهة التي إذا عرفت منها كانت أنور ~~وأبهر، وأقوى وأقهر، وآثر أن لا يقوى سلطانها على الشرك كل القوة2، ولا ~~تعلو على الكفر كل العلو؟ والله المستعان. PageV01P010 ### | الكلام في الشعر # فصل: في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه، وذم الاشتغال بعلمه ~~وتتبعه # الرد على من ذم الشعر: ### | 9 - # لا يخلو من كان هذا رأيه من أمور: # أحدها: أن يكون رفضه له وذمه إياه من أجل ما يجده فيه من هزل أو سخف، ~~وهجاء وسب وكذب وباطل على الجملة. # والثاني: أن يذمه؛ لأنه موزون مقفى، ويرى هذا بمجرده عيبا يقتضي الزهد ~~فيه والتنزه عنه. # والثالث: أن يتعلق بأحوال الشعراء ms016 وأنها غير جميلة في الأكثر ويقول: قد ~~ذموا في التنزيل. # وأي كان من هذه رأيا له، فهو في ذلك على خطأ ظاهر وغلط فاحش، وعلى خلاف ~~ما يوجبه القياس والنظر، وبالضد مما جاء به الأثر، وصح به الخبر. ### | 10 - # أما من زعم أن ذمه له من أجل ما يجد فيه من هزل وسخف وكذب وباطل، فينبغي ~~أن يذم الكلام كله، وأن يفضل الخرس على النطق، والعي على البيان، فمنثور ~~كلام الناس على كل حال أكثر من منظومه، والذي زعم أنه ذم الشعر من أجله ~~وعاداه بسببه فيه أكثر1؛ PageV01P011 # لأن الشعراء في كل عصر وزمان معدودون، والعامة ومن لا يقول الشعر من ~~الخاصة عديدة الرمل، ونحن نعلم أن لو كان منثور الكلام يجمع كما يجمع ~~المنظوم، ثم عمد عامد فجمع ما قيل من جنس الهزل والسخف نثرا في عصر واحد، ~~لأربى على جميع ما قاله الشعراء نظما في الأزمان الكثيرة1، ولغمره حتى لا ~~يظهر فيه. # ثم إنك لو لم ترو من هذا الضرب شيئا قط، ولم تحفظ إلا الجد المحض، وإلا ~~ما لا معاب عليك في روايته، وفي المحاضرة به، وفي نسخه وتدوينه، لكان في ~~ذلك غنى ومندوحة، ولوجدت طلبتك ونلت مرادك، وحصل لك ما نحن ندعوك إليه من ~~علم الفصاحة، فاختر لنفسك، ودع ما تكره إلى ما تحب. ### | 11 - # هذا، وراوي الشعر حاك، وليس على الحاكي عيب، ولا عليه تبعة، إذا هو لم ~~يقصد بحكايته أن ينصر باطلا، أو يسوء مسلما، وقد حكى الله تعالى كلام ~~الكفار، فانظر إلى الغرض الذي له روي الشعر، ومن أجله أريد، وله دون، تعلم ~~أنك قد زغت عن المنهج، وأنك مسيء في هذه العداوة، وهو العصبية منك على ~~الشعر2. وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات فيها الفحش، ~~وفيها ذكر الفعل القبيح، ثم لم يعبهم ذلك، إذا كانوا لم يقصدوا إلى ذلك ~~الفحش ولم يريدوه، ولم يرووا الشعر من أجله. PageV01P012 # الحسن البصري وتمثله بالشعر: # قالوا: وكان الحسن البصري رحمه الله يتمثل في مواعظه بالأبيات ms017 من الشعر، ~~وكان من أوجعها عنده: # اليوم عندك دلها وحديثها ... وغدا لغيرك كفها والمعصم1 # تمثل عمر بن الخطاب بشعر: ### | 13 - # وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذكره المرزباني، في كتابه ~~بإسناد، عن عبد الملك بن عمير أنه قال: أتي عمر رضوان الله عليه يحلل من ~~اليمن، فأتاه محمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن ~~طلحة بن عبيد الله، ومحمد بن حاطب، فدخل عليه زيد بن ثابت رضي الله عنه ~~فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء المحمودن بالباب يطلبون الكسوة. فقال: ائذن ~~لهم يا غلام. فدعا بحلل، فأخذ زيد أجودها [حلة] 2 وقال: هذه لمحمد بن حاطب، ~~وكانت أمه عنده، وهو من بني لؤي، فقال عمر رضي الله عنه: أيهات أيهات! ~~وتمثل بشعر عمارة بن الوليد: # أسرك لما صرع القوم نشوة ... خروجي منها سالما غير غارم # بريئا كأني قبل لم أك منهم ... وليس الخداع مرتضى في التنادم PageV01P013 # ردها. ثم قال: ائتني بثوب فألقه على هذه الحلل. وقال: أدخل يدك فخذ حلة ~~وأنت لا تراها، فأعطهم. قال عبد الملك: فلم أر قسمة أعدل منها1. # و"عمارة"، هذا هو "عمارةبن الوليد بن المغيرة"، خطب امرأة من قومه فقالت: ~~لا أتزوجك أو تترك الشراب، فأبى، ثم اشتد وجده بها فحلف لها أن لا يشرب، ثم ~~مر بخمار عند شرب يشربون، فدعوه فدخل عليهم وقد أنفدوا ما عندهم، فنحر لهم ~~ناقته وسقاهم ببرديه، ومكثوا أياما، ثم خرج فأتى أهله، فلما رأته امرأته ~~قالت: ألم تحلف أن لا تشرب؟ فقال: # ولسنا بشرب أم عمرو إذا انتشوا ... ثياب الندامى عندهم كالغنائم # ولكننا يا أم عمرو نديمنا ... بمنزلة الريان ليس بعائم # أسرك ### | .... # البيتين2 ### | 14 - # فإذن رب هزل صار أداة في جد، وكلام جرى في باطل ثم استعين به على حق، كما ~~أنه رب شيء خسيس، توصل به إلى شريف، بأن ضرب مثلا فيه وجعل مثالا له، كما ~~قال أبو تمام: # والله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس3 PageV01P014 # وعلى العكس، ms018 فرب كلمة حق أريد بها باطل، فاستحق عليها الذم، كما عرفت من ~~خبر الخارجي مع علي راضون الله عليه1. ورب قول حسن لم يحسن من قائله حين ~~تسبب به إلى قبيح، كالذي حكى الجاحظ قال: "رجع طاوس يوما عن مجلس محمد بن ~~يوسف2، وهو يومئذ والي اليمن فقال: ما ظننت أن قول: "سبحان الله" يكون ~~معصية لله تعالى حتى كان اليوم، سمعت رجلا أبلغ ابن يوسف عن رجل كلاما، ~~فقال رجل من أهل المجلس: "سبحان الله"، كالمستعظم لذلك الكلام، ليغضب ابن ~~يوسف"3. # فبهذا ونحوه فاعتبر، واجعله حكما بينك وبين الشعر. # الدفاع عن الشعر: ### | 15 - # وبعد، فكيف وضع من الشعر عندك، وكسبه المقت منك، أنك وجدت فيه الباطل ~~والكذب وبعض ما لا يحسن، ولم يرفعه في نفسك، ولم يوجب له المحبة من قبلك، ~~أن كان فيه الحق والصدق والحكمة وفصل الخطاب، وأن كان مجنى ثمر العقول ~~والألباب، ومجتمع فرق الآداب، والذي قيد على الناس المعاني الشريفة، ~~وأفادهم الفوائد الجليلة، وترسل بين الماضي والغابر، ينقل مكارم الأخلاق ~~إلى الولد عن الوالد، ويؤدي ودائع الشرف عن الغائب إلى الشاهد، حتى ترى به ~~آثار الماضين مخلدة في الباقين، وعقول الأولين مردودة في الآخرين، وترى لكل ~~من رام الأدب، PageV01P015 # وابتغى الشرف، وطلب محاسن القول والفعل، منارا مرفوعا، وعلما منصوبا، ~~وهاديا مرشدا، ومعلما مسددا، وتجد فيه للنائي عن طلب المآثر، والزاهد في ~~اكتساب المحامد، داعيا، ومحرضا، وباعثا ومحضضا، ومذكرا ومعرفا، وواعظا ~~ومنفقا. فلو كنت ممن يتصف كان في بعض ذلك ما يغير هذا الرأي منك، وما يحدوك ~~على رواية الشعر وطلبه، ويمنعك أن تعيبه أو تعيب به، ولكنك أبيت إلا ظنا ~~سبق إليك، وإلا بادي رأي عن لك، فأقفلت عليه قلبك، وسددت عما سواه سمعك، ~~فعي الناصح بك1، وعسر على الصديق الخليط تنبيهك. # الأحاديث في ذم الشعر، ومدحه: # نعم، وكيف رويت: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا، فيريه، خير له من أن يمتلئ ~~شعرا" 2، ولهجت به، وتركت قوله صلى الله عليه وسلم: "إن من الشعر لحكمة، ~~وإن ms019 من البيان لسحرا"؟ 3 وكيف نسيت أمره صلى الله عليه وسلم بقول الشعر، ~~ووعده PageV01P016 # عليه الجنة، وقوله لحسان: "قل وروح القدس معك" 1، وسماعه له، واستنشاده ~~إياه، وعلمه صلى الله عليه وسلم به، واستحسانه له، وارتياحه عند سماعه؟ # أمره صلى الله عليه وسلم بقول الشعر وسماعه: ### | 16 - # أما أمره به، فمن المعلوم ضرورة، وكذلك سماعه إياه، فقد كان حسان وعبد ~~الله بن رواحة وكعب بن زهير يمدحونه، ويسمع منهم، ويصغي إليهم، ويأمرهم ~~بالرد على المشركين2 فيقولون في ذلك ويعرضون عليه، وكان عليه السلام يذكر ~~لهم بعض ذلك، كالذي روي من أنه صلى الله عليه وسلم قال لكعب: "ما نسي ربك، ~~وما كان ربك نسيا، شعرا قلته"، قال: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أنشده يا ~~أبا بكر"، فأنشده أبو بكر رضوان الله عليه: # زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب3 # استنشاده الشعر: ### | 17 - # وأما استنشاده إياه فكثير، من ذلك الخبر المعروف استنشاده، حين استسقى ~~فسقي، قول أبي طالب: PageV01P017 # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل # يطيف به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل1 # الأبيات. # وعن الشعبي رضي الله عنه، عن مسروق، عن عبد الله قال: لما نظر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى القتلى يوم بدر مصرعين، فقال صلى الله عليه وسلم ~~لأبي بكر رضي الله عنه: "لو أن أبا طالب حي لعلم أن أسيافنا قد أخذت ~~بالأنامل". قال: وذلك لقول أبي طالب: # كذبتم، وبيت الله، إن جد ما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأنامل # وينهض قوم في الذروع إليهم ... نهوض الروايا في طريق حلاحل2 PageV01P018 # ومن المحفوظ في ذلك حديث محمد بن مسلمة الأنصاري؛ جمعه وابن أبي حدرد ~~الأسلمي الطريق، قال: فتذاكرنا الشكر والمعروف، قال: فقال محمد: كنا يوما ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لحسان بن ثابت: "أنشدني قصيدة من شعر ~~الجاهلية؛ فإن الله تعالى قد وضع عنا آثامها في شعرها وروايته"، فأنشده ~~قصيدة للأعشى هجا بها علقمة بن علاثة: # علقم ما أنت إلى عامر ms020 ... الناقض الأوتار والواتر1 # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا حسان، لا تعد تنشدني هذه القصيدة بعد ~~مجلسك هذا". فقال: يا رسول الله، تنهاني عن رجل مشرك مقيم عند قيصر؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "يا حسان، أشكر الناس للناس أشكرهم لله تعالى، ~~وإن قيصر سأل أبا سفيان بن حرب عني فتناول مني" وفي خبر آخر: "فشعث مني ~~وإنه سأل هذا عني فأحسن القول". فشكره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~ذلك وروي عن وجه آخر أن حسان قال: يا رسول الله، من نالتك يده وجب علينا ~~شكره2. # ومن المعروف في ذلك خبر عائشة رضوان الله عليها أنها قالت: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول: "أبياتك". فأقول: # إرفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوما فتدركه العواقب قد نمى # يجزيك أو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى PageV01P019 # قالت فيقول عليه السلام: "يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده: صنع ~~إليك عبدي معروفا فهل شكرته عليه؟ فيقول: يا رب، علمت أنه منك فشكرتك عليه. ~~قال فيقول الله عز وجل: لم تشكرني، إذ لم تشكر من أجريته على يده" 1. # علمه بالشعر: ### | 18 - # وأما علمه عليه السلام بالشعر، فكما روي أن سودة أنشدت: # عدي وتيم تبتغي من تحالف # فظنت عائشة وحفصة رضي الله عنهما أنها عرضت بها، وجرى بينهن كلام في هذا ~~المعنى، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل عليهن وقال: "يا ويلكن، ليس ~~في عديكن ولا تيمكن قيل هذا، وإنما قيل هذا في عدي تميم وتيم تميم". # وتمام هذا الشعر وهو لقيس بن معدان الكليبي، من بني يربوع: # فخالف ولا والله تهبط تلعة ... من الأرض إلا أنت للذل عارف # ألا من رأى العيدين، أو ذكرا له ... عبد وتيم تتغي من تحالف2 PageV01P020 # وروى الزبير بن بكار قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر ~~رضي الله عنه برجل يقول في بعض أزقة مكة: # يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا نزلت ms021 بآل عبد الدار # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر، أهكذا قال الشاعر؟ " قال: ~~لا، يا رسول الله، ولكنه قال: # يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا سألت عن آل عبد مناف # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هكذا كنا نسمعها" 1. # ارتياحه للشعر: ### | 19 - # وأما ارتياحه صلى الله عليه وسلم للشعر واستحسانه له، فقد جاء فيه الخبر ~~من وجوه. من ذلك حديث النابغة الجعدي قال: أنشدت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قولي: # بلغنا السماء، مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أين المظهر يا أبا ليلى؟ " فقلت: الجنة، ~~يا رسول الله، قال: "أجل إن شاء الله". ثم قال: أنشدني، فأنشدته من قولي: ~~PageV01P021 # ولا خير في حلم، إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا # ولا خير في جهل، إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا # فقال صلى الله عليه وسلم: "أجدت، لا يفضض الله فاك". قال الراوي: فنظرت ~~إليه، فكأن فاه البرد المنهل، ما سقطت له سن ولا انفلت، ترف غروبه1. # ومن ذلك حديث كعب بن زهير روي أن كعبا وأخاه بحيرا خرجا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى بلغا أبرق العزاف، فقال كعب لبجير: الق هذا الرجل ~~وأنا مقيم ههنا، فانظر ما يقول. وقدم بجير على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فعرض عليه الإسلام فأسلم، وبلغ ذلك كعبا، فقال في ذلك شعرا، فأهدر ~~النبي صلى الله عليه وسلم دمه، فكتب إليه بجير يأمره أن يسلم ويقبل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: إن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله، قبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسقط ما كان قبل ذلك، ~~قال: فقدم كعب وأنشد النبي صلى الله عليه وسلم قصيدته المعروفة: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها، لم يفد، مغلول # وما سعاد غداة البين إذا رحلت ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول # تجلو عوارض ذي ms022 ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول2 PageV01P022 # سح السقاة عليها ماء محنية ... من ماء أبطح أضحى وهو مشمول1 # ويلمها خلة لو أنها صدقت ... موعودها أو لو ان النصح مقبول2 # حتى أتى على آخرها، فلما بلغ مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم: # إن الرسول لسيف يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول3 # في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة، لما أسلموا: زولوا4 # زالوا، فما زال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء، ولا ميل معازيل # لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما بهم عن حياض الموت تهليل # شم العرانين أبطال، لبوسهم ... من نسخ داود في الهيجا، سرابيل # أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحلق أن اسمعوا. قال: وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يكون من أصحابه مكان المائدة من القوم، يتحلقون ~~حلقة دون حلقة، فيلتفت إلى هؤلاء وإلى هؤلاء5. # والأخبار فيما يشبه هذا كثيرة، والأثر به مستفييض. PageV01P023 # من ذم الشعر لأنه موزون مقفى: ### | 20 - # وإن زعم أنه دم الشعر من حيث هو موزون مقفى1، حتى كأن الوزن عيب2، وحتى ~~كأن الكلام إذا نظم نظم الشعر، اتضع في نفسه، وتغيرت حاله، فقد أبعد، وقال ~~قولا لا يعرف له معنى، وخالف العلماء في قولهم "إنما لشعر كلام فحسنه حسن، ~~وقبيحه قبيح"، وقد روي ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا أيضا3. # فإن زعم أنه إنما كره الوزن، لأنه سبب، لأن يتغنى في الشعر ويتلهى به، ~~فإذا إذا كنا لم ندعه إلى الشعر من أجل ذلك، وإنما دعوناه إلى اللفظ الجزل، ~~والقول الفصل، والمنطق الحسن، والكلام البين، وإلى حسن التمثيل والاستعارة، ~~وإلى التلويج والإشارة، وإلى صنعة تعمد إلى المعنى الخسيس فشرفه، وإلى ~~الضئيل فتفخمه، وإلى النازل فترفعه، وإلى الخامل فتنوه به، وإلى العاطل ~~فتحليه4، وإلى المشكل فتجليه فلا متعلق له علينا بما ذكر، ولا ضرر علينا ~~فيما أنكر، فليقل في الوزن ما شاء، وليضعه حيث أراد، فليس بعنينا أمره، ولا ~~هو مرادنا من هذا الذي راجعنا القول فيه. # علة منعه ms023 صلى الله عليه وسلم من الشعر: ### | 21 - # وهذا هو الجواب لمتعلق إن تعلق بقوله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي ~~له} [سورة يس: 69] وأراد أن يجعله حجة في المنع من الشعر، ومن PageV01P024 # حفظه وروايته. وذاك أنا نعلم أنه صلى الله عليه وسلم لم يمنع الشعر من ~~أجل أن كان قولا فصلا، وكلاما جزلا، ومنطقا حسنا، وبيانا بينا، كيف؟ وذلك ~~يقتضي أن يكون الله تعالى قد منعه البيان والبلاغة، وحماه الفصاحة ~~والبراعة، وجعله لا يبلغ مبلغ الشعراء في حسن العبارة وشرف اللفظ. وهذا جهل ~~عظيم، وخلاف لما عرفه البلغاء وأجمعوا عليه من أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~أفصح العرب1، وإذا بطلأن يكون المنع من أجل هذه المعاني2، وكنا قد أعلمناه ~~أنا ندعوه إلى الشعر من أجلها، ونحدوه بطلبه على طلبها، وكان الاعتراض ~~بالآية محالا، والتعلق بها خطلا من الرأي وانحلالا. # فإذا قال: إذا قال الله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} [سورة ~~يس: 69] فقد كره النبي صلى الله عليه وسلم الشعر ونزهه عنه بلا شبهة، وهذه ~~الكراهة وإن كانت لا تتوجه إليه من حيث هو كلام، ومن حيث إنه بليغ بين ~~وفصيح حسن ونحو ذلك، فإنها تتوجه إلى الأمر لابد لك من التلبس به في طلب ما ~~ذكرت أنه مرادك من الشعر، وذاك أنه لا سبيل لك إلى أن تمييز كونه كلاما عن ~~كونه شعرا. حتى إذا رويته التبست به من حيث هو كلام، ولم تلتبس به من حيث ~~هو شعر، هذا محال، وإذا كان لابد من ملابسة موضع الكراهة3، فقد لزم العيب ~~برواية الشعر وإعمال اللسان فيه. # قيل له: هذا منك كلام لا يتحصل. وذلك أنه لو كان الكلام إذا وزن حط ذلك ~~من قدره، وأزرى به، وجلب على المفرغ له في ذلك القالب إثما، PageV01P025 # وكسبه ذما، لكان من حق العيب فيه أن يكون على واضع الشعر أو من يريده ~~لمكان الوزن خصوصا، دون من يريده لأمر خارج منه1، ويطلبه لشيء سواه. # تمام الدفاع عن الشعر: # فأما قولك: ms024 إنك لا تستطيع أن تطلب من الشعر ما لا يكره حتى تلتبس مما ~~يكره، فإني إذا لم أقصده من أجل ذلك المكروه، ولم أرده له، وأردته لأعرف به ~~مكان بلاغة، وأجعله مثالا في براعة، أو أحتج به في تفسير كتاب وسنة، وأنظر ~~إلى نظمه ونظم القرآن، فأرى موضع الإعجاز، وأقف على الجهة التي منها كان، ~~وأتبين الفصل والفرقان2 فحق هذا التلبس أن لا يعتد علي ذنبا، وأن لا أؤاخذ ~~به؛ إذ لا تكون مؤاخذة حتى يكون عمد إلى أن تواقع المكروه وقصد إليه3، وقد ~~تتبع العلماء الشعوذة والسحر، وعنوا بالتوقف على حيل المموهين4؛ ليعرفوا ~~فرق ما بين المعجزة والحيلة، فكان ذلك منهم من أعظم البر، إذ كان الغرض ~~كريما والقصد شريفا. # هذا، وإذا نحن رجعنا إلى ما قدمنا من الأخبار، وما صح من الآثار، وجدنا ~~الأمر على خلاف ما ظن هذا السائل، ورأينا السبيل في منع النبي صلى الله ~~عليه وسلم الوزن، وأن ينطلق لسانه بالكلام الموزون، غير ما ذهبوا إليه. ~~وذاك أنه لو كان منع تنزيه وكراهة، لكان ينبغي أن يكره له سماع الكلام ~~موزونا، وأن ينزه سمعه عنه كما نزه لسانه5، ولكان صلى الله عليه وسلم لا ~~يأمر به ولا يحث عليه، وكان الشاعر لا يعان PageV01P026 # على وزن الكلام وصياغته شعرا، ولا يؤيد فيه بروح القدس. # وإذا كان هذا كذلك، فينبغي أن يعلم أن ليس المنع في ذلك منه تنزيه ~~وكراهة، بل سبيل الوزن في منعه عليه السلام إياه سبيل الخط، حين جعل عليه ~~السلام لا يقرأ ولا يكتب، في أن لم يكن المنع من أجل كراهة كانت في الخط؛ ~~بل لأنه تكون الحجة أبهر وأقهر1، والدلالة أقوى وأظهر، ولتكون أكعم ~~للجاحد2، وأقمع للمعاند، وأرد لطالب الشبهة، وأمنع من ارتفاع الريبة3. # تعلق الذام له بأحوال الشعراء: ### | 22 - # وأما التعلق بأحوال الشعراء بأنهم قد ذموا في كتاب الله تعالى4، فما أرى ~~عاقلا يرضى به أن يجعله حجة في ذم الشعر وتهجينه، والمنع منحفظ وروايته، ~~والعلم بما فيه من بلاغة، ms025 وما يختصبه من أدب وحكمه5؛ ذاك لأنه يلزم على قود ~~هذا القول أن يعيب العلماء في استشهادهم بشعر امرئ القيس وأشعار أهل ~~الجاهلية في تفسير القرآن6، وفي غريبه وغريب الحديث، وكذلك يلزمه أن يدفع ~~سائر ما تقدم ذكره من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالشعر، وإصغائه إليه، ~~واستحسانه له. # هذا ولو كان يسوغ ذم القول من أجل قائله، وأنه يحمل ذنب الشاعر على ~~الشعر1 لكان ينبغي أن يخص ولا يعم، وأن يستثنى، فقد قال الله عز وجل: {إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا} ولولا أن القول يجر بعضه ~~بعضا، وأن الشيء يذكر لدخوله في القسمة، لكان حق هذا ونحوه أن لا يتشاغل ~~به، وأن لا يعاد ويبدأ في ذكره. PageV01P027 ### | الكلام في النحو # زهدهم في النحو واحتقارهم له: ### | 23 - # وأما زهدهم في النحو واحتقارهم له2، وإصغارهم أمره، وتهاونهم به، فصنيعهم ~~في ذلك أشنع من صنيعهم في الذي تقدم، وأشبه بأن يكون صدا عن كتاب الله، وعن ~~معرفة معانيه؛ ذاك لأنهم لا يجدون بدا من أن يعترفوا بالحاجة إليه فيه، إذا ~~كان قد علم أن الألفاظ معلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، ~~وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا ~~يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من ~~سقيم حتى يرجع إليه، لا ينكر ذلك إلا من ينكر حسه، وإلا من غالط في الحقائق ~~نفسه، وإذا كان الأمر كذلك، فليت شعري ما عذر من تهاون به وزهد فيه، ولم ير ~~أن يستقيه من مصبه3، ويأخذه من معدنه، ورضى بالنقص والكمال لها معرض، وآثر ~~الغبينة وهو يجد إلى الربح سبيلا. PageV01P028 # فإن قالوا: إنا لم نأب صحة هذا العلم، ولم ننكر مكان الحاجة إليه في ~~معرفة كتاب الله تعالى، وإنما أنكرنا أشياء كثرتموه بها، وفضول قول ~~تكلفتموها، ومسائل عويصة تجشمتم الفكر فيها، ثم لم تحصلوا على شيء أكثر من ~~أن تعربوا على السامعين، وتعايوا بها الحاضرين. # قيل لهم: ms026 خبرونا عما زعمتم أنه فضول قول، وعويص لا يعود بطائل، ما هو؟ ~~فإن بدأوا فذكروا مسائل التصريف التي يضعها النحويون للرياضة، ولضرب من ~~تمكين المقاييس في النفوس، كقولهم: كيف تبني من كذا كذا؟ وكقولهم: ما وزن ~~كذا؟ وتتبعهم في ذلك الألفاظ الوحشية، كقولهم: ما وزن "عزويت"؟ وما ~~"أرونان"؟ وكقولهم في باب ما لا ينصرف: لو سميت رجلا بكذا، كيف يكون الحكم؟ ~~وأشباه ذلك، وقالوا: أتشكون أن ذلك لا يجدي إلا كد الفكر وإضاعة الوقت؟ # قلنا لهم: أما هذا الجنس، فلسنا نعيبكم إن لم تنظروا فيه ولم تعنوا به، ~~وليس يهمنا أمره، فقولوا فيه ما شئتم، وضعوه حيث أردتم. فإن تركوا ذلك ~~وتجاوزوه إلى الكلام على أغراض واضع اللغة، على وجه الحكمة في الأوضاع، ~~وتقرير المقاييس التي اطردت عليها، وذكر العلل التي اقتضت أن تجري على ما ~~أجريت عليه، كالقول في المعتل، وفيما يلحق بالحروف الثلاثة التي هي الواو ~~والياء والألف من التغيير بالإبدال والحذف والإسكان1، أو ككلامنا مثلا على ~~التثنية وجمع السلامة، لم كان إعرابهما على خلاف إعراب الواحد، ولم تبع ~~النصب فيهما الجر؟ وفي "النون" إنه عوض عن الحركة PageV01P029 # والتنوين في حال، وعن الحركة وحدها في حال1 والكلام على ما ينصرف وما لا ~~ينصرف، ولم كان منع الصرف؟ وبيان العلة فيه، والقول على الأسباب التسعة ~~وأنها كلها ثوان لأصول، وأنه إذا حصل منها اثنان في اسم، أو تكرر سبب، صار ~~بذلك ثانيا من جهتين، وإذا صار كذلك أشبه الفعل، لأن الفعل ثان للاسم، ~~والاسم المقدم والأول، وكل ما جرى هذا المجرى؟ # قلنا: إنا نسكت عنكم في هذا الضرب أيضا، ونعذركم فيه ونسامحكم، على علم ~~منا بأن قد أسأتم الاختيار، ومنعتم أنفسكم ما فيه الحظ لكم، ومنعتموها ~~الاطلاع على مدارج الحكمة، وعلى العلوم الجمة. فدعوا ذلك، وانظروا الذي ~~اعترفتم بصحته وبالحاجة إليه، هل حصلتموه على وجهه؟ وهل أحطتم بحقائقه؟ إن ~~أنتم خضتم في التفسير، وتعاطيتم علم التأويل، وازنتم بين بعض الأقوال وبعض، ~~وأردتم أن تعرفوا الصحيح من السقيم، وعدتم في ms027 ذلك وبدأتم، وزدتم ونقصتم؟ # وهل رأيتم إذا قد عرفتم صورة المبتد أوالخبر، وأن إعرابهما الرفع، أن ~~تجاوزوا ذلك إلى أن تنظروا في أقسام خبره، فتعلموا أنه يكون مفردا وجملة، ~~وأن المفرد ينقسم إلى ما يحتمل ضميرا له، وإلى ما يحتمل الضمير، وأن الجملة ~~على أربعة أضرب، وأنه لا بد لكل جملة وقعت خبرا لمبتدإ من أن يكون يما ذكر ~~يعود إلى المبتدأ، وأن هذا الذكر ربما حذف لفظا وأريد معنى، وأن ذلك لا ~~يكون حتى يكون في الحال دليل عليه، إلى سائر ما يتصل بباب الابتداء من ~~المسائل اللطيفة والفوائد الجليلة التي لا بد منها؟ # وإذا نظرتم في الصفة مثلا، فعرفتم أنها تتبع الموصوف، وأن مثالها ~~PageV01P030 # قولك: "جاءني رجل ظريف" و "مررت بزيد الظريف"، هل ظننتم أن وراء ذلك ~~علما، وأن ههنا صفة تخصص، وصفة توضح وتبين، وأن فائدة التخصيص غير فائدة ~~التوضيح، كما أن فائدة الشياع غير فائدة الإبهام1، وأن من الصفة صفة لا ~~يكون يها تخصيص ولا توضيح، ولكن يوتي بها مؤكدة كقولهم: "أمس الدابر" ~~وكقوله تعالى: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة} [سورة الحاقة: 13]، وصفة ~~يراد بها المدح والثناء2، كالصفات الجارية على اسم الله تعالى جده؟ وهل ~~عرفتم الفرق بين الصفة والخبر، وبين كل واحد منهما وبين الحال، وهل عرفتم ~~أن هذه الثلاثة تتفق في أن كافتها لثبوت المعنى للشيء، ثم تختلف في كيفية ~~ذلك الثبوت؟ # وهكذا ينبغي أن تعرض عليهم الأبواب كلها واحدا واحدا، ويسألوا عنها بابا ~~بابا، ثم يقال لهم3: ليس إلا أحد أمرين. # إما أن تقتحموا التي لا يرضاها العاقل، فتنكروا أن يكون بكم حاجة في كتاب ~~الله تعالى، وفي خبير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي معرفة الكلام ~~جملة، إلى شيء من ذلك، وتزعموا أنكم إذا عرفتم مثلا أن الفاعل رفع، لم يبق ~~عليكم في باب الفاعل شيء تحتاجون إلى معرفته4. وإذا نظرتم إلى قولنا: "زيد ~~منطلق"، لم تحتاجوا من بعده إلى شيء تعلمونه في الابتداء والخبر، وحتى ~~تزعموا مثلا أنكم لا ms028 تحتاجون في أن تعرفوا وجه الرفع في {الصابئون} من سورة ~~المائدة [سورة المائدة: 19] إلى ما قاله العلماء فيه، وإلى استشهادهم فيه ~~بقول الشاعر5: PageV01P031 # وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق1 # وحتى كأن المشكل على الجميع غير مشكل عندكم، وحتى كأنكم قد أوتيتم أن ~~تستنبطوا من المسئلة الواحدة من كل باب مسألة كلها، فتخرجوا إلى فن من ~~التجاهل لا يبقى مع كلام. # وإما أن تعلموا أنكم قد أخطأتم حين أصغرتم أمر هذا العلم، وظننتم ما ~~ظننتم فيه، فترجعوا إلى الحق وتسلموا الفضل لأهله، وتدعوا الذي يزري بكم، ~~ويفتح باب العيب عليكم، ويطيل لسان القادح فيكم، وبالله التوفيق. ### | 24 - # هذا2، ولو أن هؤلاء القوم إذ تركوا هذا الشأن تركوه جملة، وإذ زعموا أن ~~قدر المفتقر إليه القليل منه، اقتصروا على ذلك القليل، فلم يأخذوا أنفسهم ~~بالفتوى فيه3، والتصرف فيما لم يتعلموا منه، ولم يخوضوا في التفسير، ولم ~~يتعاطوا التأويل، لكان البلاء واحدا، ولكانوا إذ لم يبنوا لم يهدموا، وإذ ~~لم يصلحوا لم يكونوا سببا للفساد،4 ولكنهم لم يفعلوا، فجلبوا من الداء ما ~~أعيى الطبيب، وحير اللبيب، وانتهى التخليط بما أتوه فيه، إلى حد يئس من ~~تلافيه، فلم يبق للعارف الذي يكره الشغب إلا التعجب والسكوت. وما الآفة ~~العظمى إلا واحدة، وهي أن يجيء من الإنسان ويجري لفظه5، ويمشي له أن ~~PageV01P032 # يكثر في غير تحصيل، وأن يحسن البناء على غير أساس، وأن يقول الشيء لم ~~يقتله علما. ونسأل الله الهداية ونرغب إليه في العصمة. # ذم عبد القاهر لأهل زمانه: ### | 25 - # ثم إنا وإن كنا في زمان هو على ما هو عليه من إحالة الأمور عن جهاتها1، ~~وتحويل الأشياء عن حالاتها، ونقل النفوس عن طباعها، وقلب الخلائق المحمودة ~~إلى أضدادها2، ودهر ليس لفضل وأهله لديه إلا الشر صرفا والغيظ بحتا، وإلا ~~ما يدهش عقولهم ويسلبهم معقولهم، حتى صار أعجز الناس رأيا عند الجميع، من ~~كانت له همة في أن يستفيد علما، أو يزداد فهما، أو يكتسب فضلا، أو يجعل له ~~ذلك بحال ms029 شغلا، فإن الإلف من طباع الكريم3. وإذا كان من حق الصديق عليك، ~~ولا سيما إذا تقادمت صحبته وصحت صداقته، أن لا تجفوه بأن تنكبك الأيام، ~~وتضجرك النوائب، وتخرجك محن الزمان، فتتنا ساه جملة، وتطويه طيا، فالعلم ~~الذي هو صديق لا يحول عن العهد، ولا يدغل في الود4، وصاحب لا يصح عليه ~~النكث والغدر، ولا تظن به الخيانة والمكر أولى منك بذلك وأجدر5، وحقه عليك ~~أكبر. PageV01P033 ### | تمهيد للكلام في الفصاحة والبلاغة # النكث والعذر، ولا نظن به الخيانة والمكر أولى منك بذلك وأجدر1، وحقه ~~عليك أكبر. # سبب تأليفه دلائل الإعجاز: ### | 26 - # ثم إن النوق إلى أن تقر الأمور قرارها2، وتوضع الأشياء مواضعها، والنزاع ~~إلى بيان ما يشكل، وحل ما ينعقد، والكشف عما يخفى، وتلخيص الصفة حتى يزداد ~~السامع ثقة بالحجة3، واستظهارا على الشبهة، واستبانة للدليل، وتبينا ~~للسبيل4، شيء في سوس العقل5، وفي طباع النفس إذا كانت نفسا. ### | 27 - # ولم أزل منذ خدمت العلم أنظر فيما قاله العلماء في معنى "الفصاحة"، و ~~"البلاغة" و "البيان" و "البراعة"، وفي بيان المغزى من هذه العبارات، ~~وتفسير المراد بها، فأجد بعض ذلك كالرمز والإيماء، والإشارة في خفاء، وبعضه ~~كالتنبيه على مكان الخبئ ليطلب، وموضع الدفين ليبحث عنه فيخرج، وكما يفتح ~~لك الطريق إلى المطلوب لتسلكه، وتوضع لك القاعدة لتبني عليها. ووجدت المعول ~~على أن ههنا نظم ا وترتيبا، وتأليفا وتركيبا، وصياغة وتصويرا، ونسجا ~~وتحبيرا، وأن سبيل هذه المعاني في PageV01P034 # الكلام الذي هي مجاز فيه، سبيلها في الأشياء التي هي حقيقة فيها، وأنه ~~كما يفضل هناك النظم النظم، والتأليف التأليف، والنسج النسج، والصياغة ~~الصياغة، ثم يعظم الفضل، وتكثر المزية، حتى يفوق الشيء نظيره والمجانس له ~~درجات كثيرة، وحتى تتفاوت القيم التفاوت الشديد، كذلك يفضل بعض الكلام ~~بعضا، ويتقدم منه الشيء الشيء، ثم يزداد فضله ذلك يوترقى منزلة فوق منزلة1، ~~ويعلو مرقبا بعد مرقب، ويستأنف له غاية بعد غاية، حتى ينتهي إلى حيث تنقطع ~~الأطماع، وتحسر الظنون2، وتسقط القوى، وتستوى الأقدام في العجز. # فاتحة القول في الفصاحة والبلاغة: ms030 ### | 28 - # وهذه جملة قد يرى في أول الأمر وبادئ الظن، أنها تكفي وتعني، حتى إذا ~~نظرنا فيها، وعدنا وبدأنا، وجدنا الأمر على خلاف ما حسبناه، وصادفنا الحال ~~على غير ما توهمناه، وعلمنا أنهم لئن أقصروا اللفظ لقد أطالوا المعنى، وإن ~~لم يعرقوا في النزاع3، لقد أبعدوا على ذلك في المرمى. # وذاك أنه يقال لنا4: ما زدتم على أن سقتم قياسا5، فقلتم: نظم ونظم، ~~وترتيب وترتيب، ونسج ونسج، ثم بنيتم عليه أنه ينبغي أن تظهر المزينة في هذه ~~المعاني ها هنا، حسب ظهورها هناك، وأن يعظم الأمر في ذلك PageV01P035 # كما عظم ثم، وهذا صحيح كما قلتم، ولكن بقي أن تعلمونا مكان المزية في ~~الكلام، وتصفوها لنا، وتذكروها ذكرا كما ينص الشيء ويعين، ويكشف عن وجهه ~~ويبين، ولا يكفي أن تقولوا: "إنه خصوصية في كيفية النظم، وطريقة مخصوصة في ~~نسق الكلم بعضها على بعض"، حتى تصفوا تلك الخصوصية وتبينوها، وتذكروها لها ~~أمثلة، وتقولوا: "مثل كيت وكيت"، كما يذكر من تستوصفه عمل الديباج المنقش ~~ما تعلم به وجه دقة الصنعة، أو يعمله بين يديك، حتى ترى عيانا كيف تذهب تلك ~~الخيوط وتجيء؟ وماذا يذهب منها طولا وماذا يذهب منها عرضا؟ وبم يبدأ وبم ~~يثني وبم يثلث؟ 1 وتبصر من الحساب الدقيق ومن عجيب تصرف اليد، ما تعلم معه ~~مكان الحذق وموضع الأستاذية2. # ولو كان قول القائل لك في تفسير الفصاحة: "إنها خصوصية في نظم الكلم وضم ~~بعضها إلى بعض على طريق مخصوصة، أو على وجوه تظهر بها الفائدة، أو ما أشبه ~~ذلك من القول المجمل، كافيا في معرفتها، ومغنيا في العلم بها، لكفى مثله في ~~معرفة الصناعات كلها. فكان يكفي في معرفة نسج الديباج الكثير التصاوير أن ~~تعلم أنه ترتيب للغزل على وجه مخصوص، وضم لطاقات الأبريسم بعضها إلى بعض ~~على طرق شتى. وذلك ما لا يقوله عاقل. PageV01P036 ### | الكلام في إعجاز القرآن من التمهيد ### | 29 - # وجملة الأمر أنك لن تعلم في شيء من الصناعات علما تمر فيه وتحلي، حتى ~~تكون ممن يعرف الخطأ ms031 فيها من الصواب، ويفصل بين الإساءة والإحسان، بل حتى ~~تفاضل بين الإحسان والإحسان، وتعرف طبقات المحسنين. # وإذا كان هذا هكذا، علمت أنه لا يكفي في علم "الفصاحة" أن تنصب لها قياسا ~~ما، وأن تصفها وصفا مجملا، وتقول فيها قولا مرسلا، بل لا تكون من معرفتها ~~في شيء حتى تفصل القول وتحصل، وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم ~~الكلم وتعدها واحدة واحدة، وتسميها شيئا شيئا، وتكون معرفتك معرفة الصنع ~~الحاذف الذي يعلم علم كل خيط من إلا بريسم الذي في الديباج، وكل قطعة من ~~القطع المنجورة في الباب المقطع، وكل جره من الآجر الذي في البناء البديع. # وإذا نظرت إلى "الفصاحة" هذا النظر، وطلبتها هذا الطلب، احتجت إلى صبر ~~على التأمل، ومواظبة على التدبر، وإلى همة تأبى لك أن تقنع إلا بالتمام، ~~وأن تربع إلا بعد بلوغ الغاية1، ومتى جشمت ذلك2 وأبيت إلا أن تكون هنالك، ~~فقد أممت إلى غرض كريم3، وتعرضت لأمر جسيم، وآثرت التي هي أتم لدينك وفضلك، ~~وأنبل عند ذوي العقول الراجحة لك، وذلك أن تعرف حجة الله تعالى من الوجه ~~الذي هو أضوأ لها وأنوه لها4، PageV01P037 # وأخلق بأن يزداد نورها سطوعا، وكوكبها طلوعا1 وأن تسلك إليها الطريق الذي ~~هو آمن لك من الشك، وأبعد من الريب، وأصح لليقين، وأحرى بأن يبلغك قاصية ~~التبيين. ### | 30 - # واعلم أنه لا سبيل إلى أن تعرض صحة هذه الجملة حتى يبلغ القول غايته، ~~وينتهي إلى آخر ما أردت جمعه لك، وتصويره في نفسك، وتقريره عندك. # دليل الإعجاز والرد على المعتزلة: ### | 31 - # إلا أن ههنا نكتة، إن أنت تأملتها تأمل المثبت، ونظرت فيها نظر المتأني، ~~رجوت أن يحسن ظنك، وأن تنشط للإصغاء إلى ما أورده عليك، وهي إنا إذا سقنا ~~دليل الإعجاز فقلنا: لولا أنهم حين سمعوا القرآن، وحين تحدوا إلى معارضته، ~~سمعوا كلاما لم سمعوا قط مثله، وأنهم رازوا أنفسهم فأحسسوا بالعجز عن أن ~~يأتوا بما يوازيه أو يدانيه أو يقع قريبا منه2 لكان محالا أن يدعوا معارضته ~~وقد تحدوا ms032 إليه، وفرعوا فيه، وطولبوا به، وأن يتعرضوا لشبا الأسنة3، ~~ويقتحموا موارد الموت. PageV01P038 # 1 فقيل لنا: قد سمعنا ما قلتم، فخبرونا عنهم، عما ذا عجزوا؟ أعن معان من ~~دقة معانيه وحسنها وصحتها في العقول؟ أم عن ألفاظ مثل ألفاظه؟ فإن قلتم: ~~"عن الألفاظ"، فماذا أعجزهم من اللفظ، أم ما بهرهم منه؟ # فقلنا: أعجزتم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، ~~وبدائع راعتهم من مبادئ آيه ومقاطعها2، ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب ~~كل مثل، ومساق كل خبر3، وصورة كل عظة وتنبيه، وإعلام وتذكير، وترغيب ~~وترهيب، ومع كل حجة وبرهان، وصفة وتبيان4 وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة، ~~وعشرا عشرا، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة ~~ينكر شانها، أو يرى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى وأخلق، بل وجدوا ~~اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور، ونظاما والتئاما، وإتقانا وإحكاما، لم ~~يدع في نفس بليغ منهم، ولو حك بيافوخه السماء، موضع طمع، حتى خرست الألسن ~~عن أن تدعي وتقول، وخذيت القروم فلم تملك أن تصول5. PageV01P039 ### | 32 - # نعم، فإذا كان هذا هو الذي يذكر في جواب السائل، فبنا أن ننظر: أي أشبه ~~بالفتى في عقله ودينه، وأزيد له في علمه ويقينه1، أن يقلد في ذلك، ويحفظ من ~~الدليل وظاهر لفظه، ولا يبحث عن تفسير المزايا والخصائص ما هي؟ ومن أين ~~كثرت الكثرة العظيمة، واتسعت الاتساع المجاوز لوسع الخلق وطاقة البشر؟ وكيف ~~يكون أن تظهر في ألفاظ محصورة، وكلم معدودة معلومة، بأن يوتى ببعضها في إثر ~~بعض، لطائف لا يحصرها العدد، 2 ولا ينتهي بها الأمد؟ أم أن يبحث عن ذلك ~~كله، ويستقصي النظر في جميعه، ويتتبعه شيئا فشيئا، ويستقصيه بابا فبابا، ~~حتى يعرف كلا منه بشاهده ودليله، وتعلمه بتفسيره وتأويله، ويوثق بتصويره ~~وتمثيله3، ولا يكون كمن قيل فيه: # يقولون أقوالا ولا يعلمونها ... ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا4 # قد قطعت عذر المتهاون، ودللت على ما أضاع من حظه، وهديته لرشده، وصح أن ~~لا غنى بالعاقل عن معرفة ms033 هذه الأمور، والوقوف عليها، PageV01P040 # والإحاطة بها، وأن الجهة التي منها يقف1، والسبب الذي به يعرف، استقراء ~~كلام العرب وتتبع أشعارهم والنظر فيها. وإذا قد ثبت ذلك، فينبغي لنا أن ~~نبتدئ في بيان ما أردنا بيانه، ونأخذ في شرحه والكشف عنه. # استحسان الكلام كيف يكون: ### | 33 - # وجملة ما أردت أن أبينه لك: أنه لا بد لكل كلام تستحسنه، ولفظ تستجيده، ~~من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومة وعلة معقولة وأن يكون لنا إلى العبارة ~~عن ذاك سبيل، وعلى صحة ما أدعيناه من ذلك دليل. # وهو باب من العلم إذا أنت فتحته اطلعت منه على فوائد جليلة، ومعان شريفة، ~~ورأيت له أثرا في الدين عظيما وفائدة جسيمة، ووجدته سببا إلى حسم كثير من ~~الفساد فيما يعود إلى التنزيل وإصلاح أنواع من الخلل فيما يتعلق بالتاويل، ~~وإن ليومنك من أن تغالط في دعواك، وتدافع عن مغزاك2 ويربأ بك عن أن تستبين ~~هدى ثم لا تهدي إليه3، وتدل بعرفان ثم لا تستطيع أن تدل عليه4 وأن تكون ~~عالما في ظاهر مقلد5، ومستبينا في صورة شاك وأن يسألك السائل عن حجة يلقى ~~بها الخصم في آية من كتاب الله تعالى PageV01P041 # أو غير ذلك، فلا ينصرف عنك بمقنع وأن يكون غاية ما لصاحبك منك تحيله على ~~نفسه، وتقول: قط نظرت فرأيت فضلا ومزية، وصادفت لذلك أريحية، فانظر لتعرف ~~كما عرفت، وراجع نفسك، واسبر وذق، لتجد مثل الذي وجدت"، فإن عرف فذاك، وإلا ~~فبينكما التناكر، تنبيه إلى سوء التأمل1، وينسبك إلى فساد في التخيل. # وإنه على الجملة بحث ينتقي لك من علم الإعراب خالصه ولبه2، ويأخذ لك منه ~~أناسى العيون وحباب القلوب، وما لا يدفع الفضل فيه دافع، ولا ينكر رجحانه ~~في موازين العقول منكر. # وليس يتأتى لي أن أعلمك من أول الأمر في ذلك آخره، وأن أسمي لك الفصول ~~التي في نيتي أن أحررها بمشيئة الله عز وجل، حتى تكون على علم بها قبل ~~موردها عليك. فاعمل على أن ههنا فصولا يجيء بعضها في إثر بعض3، ms034 وهذا أولها. ~~PageV01P042 ### | تحقيق القول في البلاغة والفصاحة # فصل- تحقيق القول في البلاغة والفصاحة: ### | 34 - # في تحقيق القول على "البلاغة" و "الفصاحة"، و "البيان" و "البراعة"1، وكل ~~ما شاكر ذلك، مما يعبر به عن فضل بعض القائلين على بعض، من حيث نطقوا ~~وتكلموا، وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد، وواموا أن يعلموهم ما في ~~نفوسهم؛ ويكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم2. # أول قضية "اللفظ" عند المعتزلة وبيان فسادها: ### | 35 - # ومن المعلوم أن لا معنى لهذه العبارات وسائر ما يجري مجراها، مما يفرد ~~فيه اللفظ بالنعت والصفة، وينسب فيه الفضل والمزية إليه دون المعنى3، غير ~~وصف الكلام بحسن الدلالة وتمامها فيما له كانت دلالة، ثم تبرجها في صورة هي ~~أبهى وأزين وآنق وأعجب وأحق بأن تستولي على هوى النفس4، وتنال الحظ الأوفر ~~من ميل القلوب، وأولى بأن تطلق لسان الحامد، وتطيل رغم الحاسد ولا جهة ~~لاستعمال هذه الخصال غير أن تأتي المعنى من الجهة هي أصح لتأديته5، وتختار ~~له اللفظ الذي هو أخص به، وأكشف عنه وأتم له، وأحرى بأن يكسبه نبلا، ويظهر ~~فيه مزية. PageV01P043 # وإذا كان هذا كذلك، فينبغي أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف، ~~وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخبارا وأمرا ونهيا واستخبارا ~~وتعجبا، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضم ~~كلمة إلى كلمة، وبناء لفظة على لفظة1 هل يتصور أن يكون بين اللفظتين تفاضل ~~في الدلالة حتى تكون هذه أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها على ما هي ~~موسومة به2، حتى يقال إن "رجلا" أدل على معناه من "فرس" على ما سمي به وحتى ~~يتصور في الاسمين يوضعان لشيء واحد3، أن يكون هذا أحسن نبأ عنه وأبين كشفا ~~عن صورته من الآخر، فيكون "الليث" مثلا أدل على السبع المعلوم من "الأسد" ~~وحتى إنا لو أردنا الموازنة بين لغتين كالعربية والفارسية، ساغ لنا أن نجعل ~~لفظة "رجل" أدل على الآدمي الذكر من نظيره في الفارسية؟ # وهل يقع في وهم ms035 وإن جهد، أن تتفاضل الكلمتان المفردتان، من غير أن ينظر ~~إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم، بأكثر من أن تكون هذه مألوفة ~~مستعملة، وتلك غريبة وحشية، أو أن تكون حروف هذه أخف، وامتزاجها أحسن، ومما ~~يكد اللسان أبعد؟ # وهل تجد أحدا يقول: "هذه اللفظة فصيحة"، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، ~~وحسن ملائمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لخواتها؟ PageV01P044 # وهل قالوا: "لفظة متمكنة، ومقبولة"، وفي خلافه: "قلقة، ونابية، ~~ومستكرهة"، إلا وغضرهم أن يعبروا ببالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من ~~جهة معناهما، وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم، وأن الأولى لم تلق بالثانية ~~في معناها، وأن السابقة لم تصلح أن تكون لفقا للتالية في مؤادها؟ 1 ### | 36 - # وهل تشك إذا فكرت في قوله تعالى {وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ~~وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين} [هود: ~~44]، فتجلى لك منها الإعجاز، وبهرك الذي ترى وتسمع2 أنك لم تجد ما وجدت من ~~المزية الظاهرة، والفضيلة القاهرة، إلا لمر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم ~~بعضها ببعض، وأن لم يعرض لها الحسن والشرف إلا من حيث لاقت الأولى ~~بالثانية، والثالثة بالرابعة، وهكذا، إلى أن تستقريها إلى آخرها وأن الفضل ~~تناتج ما بينها، وحصل من مجموعها؟ ### | 37 - # إن شككت، فتأمل: هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت، ~~لأدت من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية؟ قل: "إبلعي"، واعتبرها ~~وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وما بعدها، وكذلك فاعتبر سائر ما يليها. # وكيف بالشك في ذلك، ومعلوم أن مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض، ثم أمرت، ~~ثم في أن كان النداء "بيا" دون "أي"، نحو "يا أيتها الأرض"، ثم PageV01P045 # إضافة "الماء" إلى "الكاف"، دون أن يقال: "ابلعي ماءك"1، ثم أن أتبع نداء ~~الأرض وأمرها بما هو من شأنها، نداء السماء وأمرها كذلك، بما يخصها، ثم أن ~~قيل: و {وغيض الماء}، فجاء الفعل على صيغة "فعل" الدالة على أنه لم ms036 يغض إلا ~~بأمر آمر وقدرة قادر، ثم تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى: {وقضي الأمر}، ثم ~~ذكر ما هو فائدة هذه الأمور، وهو: {استوت على الجودي}، ثم إضمار "السفينة" ~~قبل الذكر، كما هو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن، ثم مقابلة "قيل" في ~~الخاتمة "بقيل" في الفاتحة؟ أفترى لشيء من هذه الخصائص التي تملوك بالإعجاز ~~روعة2، وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها3 تعلقا باللفظ من ~~حيث هو صوت مسموع وحروف تتوالى في النطق؟ أم كل ذلك لما بين معاني الألفاظ ~~من الاتساق العجيب؟ # فقد اتضح إذن اتضاحا لا يدع للشك مجالا، أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ~~ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الفضيلة وخلاقها، في ملائمة ~~معنى اللفظة لمعنى التي تليها4، وما أشبه ذلك، مما لا تعلق له بصريح اللفظ. # اللفظ الواحد يقع مقبولا، ومكروها: ### | 38 - # ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها ~~تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر، كلفظ "الأخدع" في بيت الحماسة: PageV01P046 # تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا1 # وبيت البحترى: # وإني وإن بلغني شرف الغنى ... وأعتقت من رق المطامع أخدعي2 # فإن لها في هذين المكانين ما لا يخفى من الحسن، ثم إنك تتأملها في بيت ~~أبي تمام: # يا دهر قوم من اخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك3 # فتجد لها من الثقل على النفس، ومن التبغيص والتكدير، أضعاف ما وجدت هناك ~~من الروح والخفة، ومن الإيناس والبهجة. # ومن أعجب ذلك لفظة "الشيء"، فإنك تراها مقبولة حسنة في موضع، وضعيفة ~~مستكرهة في موضع. وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة ~~المخزومي: # ومن مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالذمي4 # وقوله أبي حية: PageV01P047 # إذا ما تقاضي المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا1 # فإنك تعرف حسنها ومكانها من القبول، ثم انظر إليها فيبيت المتبني: # لو الفلك الدوار أبغضت سعيه ... لعوقه شيء من الدوران2 # فإنك ms037 تراها تقل وتضول، بحسب نبلها وحسنها فيما تقدم. ### | 39 - # وهذا باب واسع، فإنك تجد متى شئت الرجلين قد استعملا كلما بأعيانها، ثم ~~ترى هذا قد فرع السماك3، وترى ذاك قد لصق بالحضيض، فلو كانت الكلمة إذا ~~حسنت حسنت من حيث هي لفظ، وإذا استحقت المزية والشرف استحقت ذلك في ذاتها ~~وعلى انفرادها، دون أن يكون السبب في ذلك حال لها مع أخواتها المجاورة لها ~~في النظم، لما اختلف بها الحال، ولكانت غما أن تحسن أبدا، ولا تحسن أبدا. # ولا ترى قولا يضطرب على قائله حتى لا يدري كيف يعبر، وكيف يورد ويصدر، ~~كهذا القول. بل إن أردت الحق، فإنه من جنس الشيء يجري به الرجل لسانه ~~ويطلقه، فإذا فتش نفسه، وجدها تعلم بطلانه، وتنطوي على خلافه، ذلك لأنه مما ~~لا يقوم بالحقيقة في اعتقاد، ولا يكون له صورة في فؤاد. PageV01P048 # فصل- الفرق بين "حروف منظومة" و"كلم منظومة": ### | 40 - # ومما يجب إحكامه بعقب هذا الفصل، الفرق بين قولنا: "حروف منظومة"، و "كلم ~~منظومة". # وذلك أن "نظم الحروف" هو تواليها في النطق، وليس نظمها بمقتضى عن معنى1، ~~ولا الناظم لها بمقتف في ذلك رسما من العقل اقتضى أن يتحرى في نظمه لها ما ~~تحراه. فلو أن واضع اللغة كان قد قال "ربض" مكان "ضرب"، لما كان في ذلك ما ~~يؤدي إلى فساد، وأما "نظم الكلم" فليس الأمر فيه كذلك، لأنك تتفي في نظمها ~~آثار المعاني، وترتبها على حسب ترتب المعاني في النفس2. فهو إذن نظم يعتبر ~~فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو "النظم" الذي معناه ضم الشيء إلى ~~الشيء كيف جاء واتفق. ولذلك كان عندهم نظيرا للنسخ والتأليف والصياغة ~~والبناء والوشي والتحبير وما أشبه ذلك3، مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع ~~بعض، حتى يكون لوضع كل حيث وضع، علة تقتضي كونه هناك، وحتى لو وضع في مكان ~~غيره لم يصلح. ### | 41 - # والفائدة ي معرفة هذا الفرق: أنك إذا عرفته عرفت أن ليس الغرض بنظم ~~الكلم، أن توالت ألفاظها في النطق4 بل ms038 أن تناسقت دلالتها. PageV01P049 # وتلاقت معانيها، على الوجه الذي اقتضاه العقل. وكيف يتصور أن يقصد به إلى ~~توالي في النطق، بعد أن ثبت أنه نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، ~~وأنه نظير الصياغة والتحبير والتفويف والنقش، 1 وكل ما يقصد به التصوير، ~~وبعد أن كنا لا نشك في أن لا حال للفظة مع صاحبتها تعتبر إذا أنت عزلت ~~دلالتهما جانبا؟ وأي مساغ للشك في أن الألفاظ لا تستحق من حيث هي ألفاظ، أن ~~تنظم على وجه دون وجه؟ ### | 42 - # وفو فرضنا أن تنخلع من هذه الألفاظ، التي هي لغات، دلالتها2، لما كان شيء ~~منها أحق بالتقديم من شيء، ولا تصور أن يجب فيها ترتيب ونظم3. # ولو حفظت ضبيبا شطر "كتاب العين" أو "الجمهرة"، من غير أن تفسر له شيئا ~~منه، وأخذته بأن يضبط صور الألفاظ وهيأتها4، ويؤديها كما يؤدي أصناف أصوات ~~الطيور5، لرأيته ولا يخطر له ببال أن من شانه أن يوخر لفظا ويقدم آخر، بل ~~كان حاله حال من يرم ى الحصبى ويعد الجوز، اللهم إلا أنتسومه أنت أن يأتي ~~بها على حروف المعجم ليحفظ نسق الكتاب. PageV01P050 ### | 43 - # ودليل آخر، وهو أنه لو كان القصد بالنظم إلى اللفظ نفسه، دون أن يكون ~~الغرض ترتيب المعاني في النفس1، ثم النطق بالألفاظ على حذوها، لكان ينبغي ~~أن لا يختلف حال اثنين في العلم بحسن النظم أو غير الحسن فيه، لأنهما ~~يحسبان بتوالي الألفاظ في النطق إحساسا واحدا، ولا يعرف أحدهما في ذلك شيئا ~~يجهله الآخر. # بيان معنى "النظم": ### | 44 - # وأوضح من هذا كله، وهو أن هذا "النظم" الذي يتواصفه البلغاء، وتتفاضل ~~مراتب البلاغة من أجله، صنعة يستعان عليها بالفكرة لا محالة. وإذا كانت مما ~~يستعان عليها بالفكرة2، ويستخرج بالروية، فينبغي أن ينظر في الفكر، بماذا ~~تلبس؟ أبا المعاني أم بالألفاظ؟ فأي شيء وجدته الذي تلبس به فكرك من بين ~~المعاني والألفاظ، فهو الذي تحدث فيه صنعتك3، وتقع فيه صياغتك ونظمك ~~وتصويرك. فمحال أن تتفكر في شيء وأنت لا تصنع فيه ms039 شيئا، وإنما تصنع في ~~غيره. لو جاز ذلك، لجاز أن يفكر البناء في الغزل، ليجعل فكره فيه وصلة إلى ~~أن يصنع من الآجر، وهو من الإحالة المفرطة. ### | 45 - # فإن قيل: "النظم" موجود في الألفاظ على كل حال، ولا سبيل إلى أن يعقل ~~الترتيب الذي تزعمه في المعاني، ما لم تنظم الألفاظ ولم ترتبها على الوجه ~~الخاص. PageV01P051 # قيل: إن هذا هو الذي يعيد هذه الشبهة جذعة أبدا1، والذي يحلها2: أن تنظر: ~~أتتصور أن تكون معتبرا مفكرا في حال اللفظ مع اللفظ حتى تضعه بجنبه أو ~~قبله، وأن تقول: "هذه اللفظية إنما صلت ههنا لكونها على صفة كذا" أم لا ~~يعقل إلا أن تقول: "صلحت ههنا، لأن معناها كذا، ولدلالتها على كذا، ولن ~~معنى الكلام والغرض فيه يوجب كذا، ولأن معنى ما قبلها يقتضي معناها؟ ". # فإن تصورت الأول، فقل ما شئت، واعلم أن كل ما ذكرناه باطل وإن لم تتصور ~~إلا الثاني، فلا تخدعن نفسك بالأضاليل، ودع النظر إلى ظواهر الأمور3، ليس ~~هو الذي طلبته بالفكر، ولكنه شيء يقع بسبب الأول ضرورة، من حيث إن الألفاظ ~~إذا كانت أوعية للمعاني، فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجب ~~لمعنى أن يكون أولا في النفس، وجب للفظ لادال عليه أن يكون مثله أولا في ~~النطق، فأما أن تتصور في الألفاظ أن تكون المقصودة قبل المعاني بالنظم ~~والترتيب، وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواصفه البغاء فكرا نظم الألفاظ، ~~أو أن تحتاج بعد ترتيب المعاني إلى فكر تستأنفه لأن تجيء بالألفاظ على ~~نسقها، فباطل من الظن، ووهم يتخيل إلى من PageV01P052 # لا يوفي النظر حقه. وكيف تكون مفكرا في نظم الألفاظ، وأنت لا تعقل لها ~~أوصافا وأحوالا إذا عرفتها عرفت أن حقها أن تنظم على وجه كذا؟ # رد شبهة في شأن "النظم": ### | 46 - # ومما يلبس على الناظر في هذا الموضع ويغلطه، أنه يستبعد أن يقال: "هذا ~~كلام قد نظمت معانيه"، فالعرف كأنه لم يجر بذلك، إلا أنهم وإن كانوا لم ~~يستعملوا "النظم" في المعاني، ms040 قد استعملوا فيها ما هو بمعناه ونظير له، ~~وذلك قولهم: "إنه يرتب المعاني في نفسه، وينزلها، ويبني بعضها على بعض"، ~~كما يقولون: "يرتب الفروع على الأصول، ويتبع المعنى المعنى، ويلحق النظير ~~بالنظير". # وإذا كنت تعلم أنهم قد استعاروا النسج والوشي والنقش والصياغة لنفس ما ~~استعاروا له "النظم"، وكان لا يشك في أن ذلك كله تشبيه وتمثيل يرجع إلى ~~أمور وأوصاف تتعلق بالمعاني دون الألفاظ، فمن حقك أن تعلم أن سبيل "النظم" ~~ذلك السبيل. ### | 47 - # واعلم أن من سبيلك أن تعتمد هذا الفصل حدا، وتجعل النكت التي ذكرتها فيه ~~على ذكر منك أبدا، فإنها عمد وأصول في هذا الباب1، إذا أنت مكنتها في نفسك، ~~وجدت الشبه تنزاح عنك، والشكوك تنتفي عن قلبك، ولا سيما ما ذكرت من أنه لا ~~يتصور أن تعرف للفظ موضعا PageV01P053 # من غير أن تعرف معناه، ولا أن تتوخى في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيبا ~~ونظما، وأنك تتوخى الترتيب في المعاني وتعمل الفكر هناك، فإذا تم لك ذلك ~~أتبعتها الألفاظ وقفوت بها آثارها، وأنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في ~~نفسك، لم تحتج إلى أن تستأنف فكرا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتب لك ~~بحكم أنها خدم للمعاني، وتابعة لها، ولاحقة بها، وأن العلم بمواقع المعاني ~~في النفس، علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق. # PageV01P054 # فصل- النظم هو توخي معاني الإعراب: ### | 48 - # واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علما لا يعترضه الشك، أن لا نظم في ~~الكلم ولا ترتيب، حتى يعلق بعضها ببعض، ويبني بعضها على بعض، وتجعل هذه ~~بسبب من تلك. هذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفى على أحد من الناس. # وإذا كان كذلك، فبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء، وجعل الواحدة ~~منها بسبب من صاحبتها، ما معناه وما محصوله؟ وإذا نظرنا في ذلك، علمنا أن ~~لا محصول لها غير أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلا لفعل أو مفعولا، أو تعمد ~~إلى اسمين فتجعل أحدهما خبرا عن الآخر أو تتبع الاسم اسما على أن ms041 يكون ~~الثاني صفة للأول، أو تأكيد له، أو بدلا منه أو تجيء باسم بعد تمام كلامك ~~على أن يكون الثاني صفة أو حالا أو تمييزا1 أو تتوخى في كلام هو لإثبات ~~معنى، أن يصير نفيا أو استفهاما أو تمنيا، فتدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك ~~أو تريد في فعلين أن تجعل أحدهما شرطا في الآخر، فتجيء بهما بعد الحرف ~~الموضوع لهذا المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمنت معنى ذلك الحرف، ~~وعلى هذا القياس. # وإذا كان لا يكون في الكلم نظم ولا ترتيب إلا بأن يصنع بها هذا الصنيع ~~ونحوه، وكان ذلك كله مما لا يرجع منه إلى الفظ شيء، ومما لا يتصور أن يكون ~~فيه ومن صفته، بان بذلك أن الأمر على ما قلناه، من أن اللفظ تبع ~~PageV01P055 # للمعنى في النظم، وأن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس، ~~وأنها لو خلت من معانيها حتى تتجرد أصواتا وأصداء حروف، لما وقع في ضمير ~~ولا هجس في خاطر، أن يجب فيها ترتيب ونظم، وأن يجعل لها أمكنة ومنازل، وأن ~~يجب النطق بهذه قبل النطق بتلك. والله الموفق للصواب. # PageV01P056 # فصل- الرد على من يقول: الفصاحة للفظ وتلاؤم الحروف: ### | 49 - # وهذه شبهة أخرى ضعيفة، عسى أن يتعلق بها متعلق ممن يقدم على القول من غير ~~روية: وهي أن يدعي أن لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي، وتعديل مزاج ~~الحروف حتى لا يتلاقى في النطق حروف تثقل على اللسان، كالذي أنشده الجاحظ ~~من قول الشاعر: # وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر1 # وقول ابن يسير2: # لا أذيل الآمال بعدك إني ... بعدها بالآمال جد بخيل # كم لها موقفا بباب صديق ... رجعت من نداه بالتعطيل # لم يضرها والحمد لله شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول3 # قال الجاحظ: فتفقد النصف الأخير من هذا البيت فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ ~~من بعض"4 ويزعم أن الكلام في ذلك على الطبقات فمنه المتناهي في الثقل ~~المفرط فيه، كالذي مضى، ومنه ما هو أخف منه كقول أبي ms042 تمام: PageV01P057 # كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... جميعا ومهما لمته لمته وحدي1 # أي لا أمدحه بشيء إلا صدقني الناس فيه2. # ومنه ما يكون فيه بعض الكلفة على اللسان، إلا أنه لا يبلغ أن يعاب به ~~صاحبه ويشهر أمره في ذلك ويفحظ عليه3 ويزعم أن الكلام إذا سلم من ذلك وصفا ~~من شوبه4، كان الفصيح المشاد به والمشار إليه5، وأن الصفاء أيضا يكون على ~~مراتب يعلو بعضها بعضا، وأن له غاية إذا انتهى إليها كان الإعجاز. # والذي يبطل هذه المشبهة، إن ذهب إليها ذاهب، أنا إن قصرنا صفة "الفصاحة" ~~على كون اللفظ كذلك6، وجعلناه المراد بها، لزمنا أن نخرج "الفصاحة" على كون ~~اللفظ كذلك، وجعلناه المراد بها، لزمنا أن نخرج "الفصاحة" من حيز ~~"البلاغة"، ومن أن تكون نظيرة لها. وإذا فعلنا ذلك، لم نحل من أجد أمرين: ~~إما أن نجعله العمدة في المفاضلة بين العبارتين ولا نعرج على غيره، وإما أن ~~نجعله أحد ما نفاضل به، ووجها من الوجوه التي تقتضي تقديم كلام على كلام7. ~~PageV01P058 # فإن أخذنا بالأول، لزمنا أن نقصر الفضيلة عليه حتى لا يكون الإعجاز إلا ~~به وفيه1، وفي ذلك ما لا يخفى من الشناغة، لأنه يؤدي إلى أن لا يكون ~~للمعاني التي ذكروها في حدود البلاغة: من وضوح الدلالة، وصواب الإشارة، ~~وتصحيح الأقسام، وحسن الترتيب والنظام، والإبداع في طريقة وتوفية الحذف ~~والتأكيد والتقديم والتأخير شروطها2 مدخل فيما له كان القرآن معجزا، حتى ~~يدعي أنه لم يكن معجزا من حيث هو بليغ، ولا من حيث هو قول فصل، وكلام شريف ~~النظم بديع التأليف، وذلك أنه لا تعلق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف. # وإن أخذنا بالثاني، وهو أن يكون تلاؤم الحروف وجها من وجوه الفضيلة، ~~وداخلا في عداد ما يفاضل به بين كلام وكلام على الجملة، لم يكن لهذا الخلاف ~~ضرر علينا، لأنه ليس باكثر أن نعمد إلى "الفصاحة" فتخرجها من حيز "البلاغة ~~والبيان"، وأن تكون نظيرة لها، وفي عداد ما هو شبههما من البراعية والجزالة ~~وأشباه ذلك، ما ينبئ ms043 عن شرف النظم، وعن المزايا التي شرحت لك أمرها، ~~وأعملتك جنسها3 أو نجعلها اسما مشتركا يقع تارة لما تقع له تلك، وأخرى لما ~~يرجع إلى سلامة اللفظ مما يثقل على اللسان. وليس واحد من الأمرين بقادح ~~فيما نحن بصدده. PageV01P059 # وإن تعسف متعسف في تلاؤم الحروف، فبلغ به أن يكون الأصل في الإعجاز، ~~وأخرج سائر ما ذكروه في أقسام البلاغة من أن يكون له مدخل أو تأثير فيما له ~~كان القرآن معجزا، كان الوجه أن يقال له: إنه يلزمك، على قياس قولك، أن ~~تجوز أن يكون ههنا نظم للألفاظ وترتيب، لا على نسق المعاني، ولا على وجه ~~يقصد به الفائدة، ثم يكون مع ذلك معجزا، وكفى به فسادا. ### | 51 - # فإن قال قائل: إني لا أجعل تلاؤم الحروف معجزا حتى يكون اللفظ مع ذلك ~~دالا، وذاك أنه إنما تصعب مراعاة التعادل بين الحروف، إذا احتيج مع ذلك إلى ~~مراعاة المعاني، كما أنه إنما تصعب مراعاة السجع والوزن، ويصعب كذلك ~~التجنيس والترصيع، إذا روعي معه المعنى. # قيل له: فأنت الآن، إن عقلت ما تقول، قد خرجت من مسئلتك، وتركت أن يستحق ~~اللفظ المزية من حيث هو لفظ1، وجئت به تطلب لصعوبة النظم فيما بين المعاني ~~طريقا، وتضع له علة غير ما يعرفه الناس، وتدعي أن ترتيب المعاني سهل، وأن ~~تفاضل الناس في ذلك إلى حد، وأن الفضيلة تزداد وتقوى إذا توخي في حروف ~~الألفاظ التعادل والتلاؤم. وهذا منك وهم. # وذلك أنا لا نعلم لتعادل الحروف معنى سوى أن تسلم من نحو ما تجده في بيت ~~أبي تمام: # كريم متى أمدحه أمدحه والورى PageV01P060 # وبيت ابن يسير: # وانثنت نحو عزف نفس ذهول1 # وليس اللفظ السليم من ذلك بمعوز، ولا بعزيز الوجود، ولا بالشيء لا ~~يستطيعه إلا الشاعر المفلق والخطيب البليغ، فيستقيم قياسه على السجع ~~والتجنيس ونحو ذلك، مما إذا رامه المتكلم صعب عليه تصحيح المعاني وتأدية ~~الأغراض. فقولنا: "أطال الله بقاءك، وأدام عزك، وأتم نعمته عليك، وزاد في ~~إحسانه عندك"، لفظ سليم مما يكد اللسان، ms044 وليس في حروفه استكراه، وهكذا حال ~~كلام الناس في كتبهم ومحاوراتهم، لا تكاد تجد فيه هذا الاستكراه، لأنه إنما ~~هو شيء يعرض للشاعر إذا تكلف وتعمل2، فأما المرسل نفسه على سجيتها، فلا ~~يعرض له ذلك. ### | 52 - # هذا، والمتعلل بمثل ما ذكرت من أنه إنما يكون تلاؤم الحروف معجزا بعد أن ~~يكون اللفظ دالا، لأن مراعاة التعادل إنما تصعب إذا احتيج مع ذلك إلى ~~مراعاة المعاني، إذا تأملت3 يذهب إلى شيء ظريف، وهو أن يصعب مرام اللفظ ~~بسبب المعنى، وذلك محال، لأن الذي يعرفه العقلاء عكس ذلك، وهو أن يصعب مرام ~~المعنى بسبب اللفظ، فصعوبة ما صعب من السجع، هي صعوبة عرضت في المعاني من ~~أجل الألفاظ، وذاك أنه صعب. PageV01P061 # عليك أن توفق بين معاني تلك الألفاظ المسجعة وبين معاني الفصول التي جعلت ~~أردافا لها، فلم تستطع ذلك إلا بعد أن عدلت عن أسلوب إلى أسلوب، أو دخلت في ~~ضرب من المجاز، أو أخذت في نوع من الاتساع، وبعد أن تلطفت على الجملة ضربا ~~من التلطف. وكيف يتصور أن يصعب مرام اللفظ بسبب المعنى، وأنت إن أردت الحق ~~لا تطلب اللفظ بحال، وإنما تطلب المعنى، وإذا ظفرت بالمعنى، فاللفظ معك ~~وإزاء ناظرك؟ وإنما كان يتصور أن يصعب مرام اللفظ من أجل المعنى، أن لو كنت ~~إذا طلبت المعنى فحصلته، احتجت إلى أن تطلب اللفظ على حدة. وذلك محال. ### | 53 - # هذا، وإذا توهم متوهم أنا نحتاج إلى أن نطلب اللفظ، وأن من شأن الطلب أن ~~يكون هناك، فإن الذي يتوهم أنه يحتاج إلى طلبه، هو ترتيب الألفاظ في النطق ~~لا محالة,. وإذا كان كذلك، فينبغي لنا أن نرجع إلى نفوسنا فننظر: هل يتصور ~~أن نرتب معاني أسماء وأفعال وحروف في النفس، ثم يخفى علينا مواقعها في ~~النطق، حتى نحتاج في ذلك إلى فكر وروية؟ وذلك ما لا يشك فيه عاقل إذا هو ~~رجع إلى نفسه. # وإذا بطل أن يكون ترتيب اللفظ مطلوبا بحال، لم يكن المطلوب أبدا إلا ~~ترتيب المعاني، وكان معول ms045 هذا المخالف على ذلك، فقد اضمحل كلامه، وبان أنه ~~ليس لمن حام في حديث المزية والإعجاز حول "اللفظ"، ورام أن يجعله السبب في ~~هذه الفضيلة، إلا التسكع في الحيرة، والخروج عن فاسد من القول إلى مثله. ~~والله الموفق للصواب. ### | 54 - # فإن قيل: إذا كان اللفظ بمعزل عن المزية التي تنازعنا فيها، وكانت # PageV01P062 # مقصورة على المعنى، فكيف كانت "الفصاحة" من صفات اللفظ البتة؟ وكيف امتنع ~~أن يوصف بها المعنى فيقال: "معنى فصيح، وكلام فصيح المعنى"؟ # قيل: إنما اختصت الفصاحة باللفظ وكانت من صفته، من حيث كانت عبارة عن كون ~~اللفظ على وصف إذا كان عليه، دل على المزية التي نحن في حديثها، وإذا كانت ~~لكون اللفظ دالآ، استحال أن يوصف بها المعنى، كما يستحيل أن يوصف المعنى ~~بأنه "دال" مثلا، فاعرفه. # الرد على المعتزلي القاضي عبد الجبار في مسألة "اللفظ": ### | 55 - # فإن قيل: فماذا دعا القدماء إلى أن قسموا الفضيلة بين المعنى واللفظ ~~فقالوا: "معنى لطيف، ولفظ شريف"، وفخموا شأن اللفظ وعظموه حتى تبعهم في ذلك ~~من بعدهم1، وحتى قال أهل النظر: "إن المعاني لا تتزايد، وإنما تتزايد ~~الألفاظ"2، فأطلقوا كما ترى كلاما يوهم كل من يسمعه أن المزية في حاق ~~اللفظ؟ 3. PageV01P063 # قيل له: لما كانت المعاني إنما تتبين بالألفاظ، وكان لا سبيل للمرتب لها ~~والجامع شملها، إلى أن يعلمك ما صنع في ترتيبها بفكره، إلا بترتيب الألفاظ ~~في نطقه، تجوزوا فكنوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ، ثم بالألفاظ بحذف ~~"الترتيب"، ثم أتبعوا ذلك من الوصف والنعت ما أبان الغرض وكشف عن المراد: ~~كقولهم: "لفظ متمكن"، يريدون أنه بموافقة معناه لمعنى ما يليه كالشيء ~~الحاصل في مكان صالح يطمئن فيه "ولفظ قلق ناب"، يريدون أنه من أجل أن معناه ~~غير موافق لما يليه، كالحاصل في مكان لا يصلح له، فهو لا يستطيع الطمأنينة ~~فيه إلى سائر ما يجيء في صفة اللفظ1، مما يعلم أنه مستعار له من معناه، ~~وأنهم نحلوه إياه، بسبب مضمونه ومؤداه. # هذا، ومن تعلق بهذا وشبهه واعترضه الشك ms046 فيه، بعد الذي مضى من الحجج، فهو ~~رجل قد أنس بالتقليد، فهو يدعو الشبهة إلى نفسه من ههنا وثم. ومن كان هذا ~~سبيله، فليس له دواء سوى السكوت عنه، وتركه وما يختاره لنفسه من سوء النظر ~~وقلة التدبر. ### | 56 - # قد فرغنا الآن من الكلام على جنس المزية، وأنها من حيز المعاني دون ~~الألفاظ، وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك، وتستعين بفكرك، ~~وتعمل رويتك، وتراجع عقلك، وتستنجد في الجملة فهمك، وبلغ القول في ذلك ~~أقصاه، وانتهى إلى مداه. وينبغي أن نأخذ الآن في تفصيل أمر المزية، وبيان ~~الجهات التي منها تعرض. وإنه لمرام صعب ومطلب عسير2، ولولا أنه على ذلك، ~~لما وجدت الناس بين منكر له من أصله، PageV01P064 # ومتحيل له على غير وجهه1، ومعتقد أنه باب لا تقوى عليه العبارة، ولا يملك ~~فيه إلا الإشارة، وأن طريق التعليم إليه مسدود، وباب التفهيم دونه مغلق، ~~وأن معانيك فيه معان تأبى أن تبرز من الضمير، وأن تدين للتبيين والتصوير2، ~~وأن ترى سافرة لا نقاب عليها، وبادية لا حجاب دونها3، وأن ليس للواصف لها ~~إلا أن يلوح ويشير، أو يضرب مثلا ينبئ عن حسن قد عرفه على الجملة، وفضيلة ~~قد أحسها، من غير أن يتبع ذلك بيانا، ويقيم عليه برهانا، ويذكر له علة، ~~ويورد فيه حجة. وأنا أنزل لك القول في ذلك وأدرجه شيئا فشيئا، واستعين الله ~~تعالى عليه، وأسأله التوفيق. PageV01P065 ### | الكناية والاستعارة والتمثيل بالاستعارة # فصل: في اللفظ يطلق والمراد به غير ظاهره # بيان في الكناية والمجاز والاستعارة: ### | 57 - # إعلم أن لهذا الضرب اتساعا وتفننا لا إلى غاية، إلا أنه على اتساعه يدور ~~في الأمر الأعم على شيئين: "الكناية" و"المجاز". ### | 58 - # والمراد بالكناية ههنا أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره ~~باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في ~~الوجود1، فيومئ به إليه، ويجعله دليلا عليه، مثال ذلك قولهم: "هو طويل ~~النجاد"، يريدون طويل القامة "وكثير رماد القدر" يعنون كثير القرى وفي ~~المرأة: ms047 "نؤوم الضحى"، والمراد أنها مترفة مخدومة، لها من يكفيها أمرها2، ~~فقد أرادوا في هذا كله، كما ترى، معنى، ثم لم يذكروه بلفظه الخاص به، ~~ولكنهم توصلوا إليه بذكر معنى آخر من شأنه أن يردفه في الوجود، وأن يكون ~~إذا كان. أفلا ترى أن القامة إذا طالت طال النجاد؟ وإذا كثر القرى كثر رماد ~~القدر؟ وإذا كانت المرأة مترفة لها من يكفيها أمرها، ردف ذلك أن تنام إلى ~~الضحى. ### | 59 - # وأما "المجاز"، فقد عول الناس في حده على حديث النقل، وأن كل لفظ نقل عن ~~موضوعه فهو "مجاز"، والكلام في ذلك يطول، وقد ذكرت PageV01P066 # ما هو الصحيح من ذلك في موضع آخر، وأنا أقتصر ههنا على ذكر ما هو أشهر ~~منه وأظهر. والاسم والشهرة فيه لشيئين: "الاستعارة" و "التمثيل". وإنما ~~يكون "التمثيل" مجازا إذا جاء على حد "الاستعارة". ### | 60 - # فالاستعارة: أن تريد تشبيه الشيء بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره، ~~وتجيء إلى اسم المشبه به فتعيره المشبة وتجريه عليه. تريد أن تقول: رأيت ~~رجلا هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه سواء"، فتدع ذلك وتقول: "رأيت أسدا". # وضرب آخر من "الاستعارة"، وهو ما كان نحو قوله: # إذ أصبحت بيد الشمال زمامها1 # هذا الضرب، وإن كان الناس يضمونه إلى الأول حيث يذكرون الاستعارة، فليسا ~~سواء. وذاك أنك في الأول تجعل الشيء الشيء ليس به، وفي الثاني للشيء الشيء ~~ليس له. # تفسير هذا: أنك إذا قلت: "رأيت أسدا"، فقد ادعيت في إنسان أنه أسد، ~~وجعلته إياه، ولا يكون الإنسان أسدا. وإذا قلت: "إذا أصبحت بيد الشمال ~~زمامها"، فقد ادعيت أن للشمال يدا، ومعلوم أنه لا يكون للريح يد. ~~PageV01P067 # أصول في التشبيه والتمثيل: ### | 61 - # وههنا أصل يجب ضبطه وهو أن جعل المشبه المشبه به على ضربين: # أحدهما: أن تنزله منزلة الشيء تذكره بأمر قد ثبت له، فأنت لا تحتاج إلى ~~أن تعمل في إثباته وتزجيته1، وذلك حيث تسقط ذكر المشبه من البين2، ولا ~~تذكره بوجه من الوجوه، كقولك "رأيت أسدا". # والثاني: أن تجعل ذلك كالأمر ms048 الذي يحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته، ~~وذلك حيث تجري اسم المشبه به خبرا على المشبه3، فتقول: "زيد أسد، وزيد هو ~~الأسد" أو تجيء به على وجه يرجع إلى هذا كقولك: "إن لقيته لقيت به أسدا، ~~وإن لقيته ليلقينك منه الأسد" فأنت من هذا كله تعمل في إثبات كونه "أسدا" ~~أو "الأسد"، فأنت في هذا كله تعمل في إثبات كونه "أسدا" أو "الأسد"، وتضع ~~كلامك له. وأما في الأول فتخرجه مخرج ما لا يحتاج فيه إلى إثبات وتقرير. ~~والقياس يقتضي أن يقال في هذا الضرب أعني ما أنت تعمل في إثباته وتزجيته: ~~أنه تشبيه على حد المبالغة، ويقتصر على هذا القدر4، ولا يسمى "استعارة". ### | 62 - # وأما "التمثيل" الذي يكون مجازا لمجيئك به على حد الاستعارة، فمثاله قولك ~~للرجل يتردد في الشيء بين فعله وتركه: "أراك تقدم رجلا وتؤخر PageV01P068 # أخرى" فالأصل في هذا: أراك في ترددك كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى، ثم اختصر ~~الكلام، وجعل كأنه يقدم الرجل ويؤخرها على الحقيقة، كما كان الأصل في قولك: ~~"رأيت أسدا" رأيت رجلا كالأسد، ثم جعل كأنه الأسد على الحقيقة. # وكذلك تقول للرجل يعمل في غير معمل1: "أراك تنفخ في غير فحم، وتخط على ~~الماء"، فتجعله في ظاهر الأمر كأنه ينفخ ويخط، والمعنى على ذلك أنك في فعلك ~~كمن يفعل ذلك، وتقول للرجل يعمل الحيلة حتى يميل صاحبه إلى الشيء قد كان ~~يأباه ويمتنع منه: "ما زال يفتل في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد"، ~~فتجعله بظاهر اللفظ كأنه كان منه فتل في ذروة وغارب، والمعنى على أنه لم ~~يزل يرفق بصاحبه رفقا يشبه حاله فيه حال الرجل يجيء إلى البعير الصعب فيحكه ~~ويفتل الشعر في ذروته وغاربه، حتى يسكن ويستأنس، وهو في المعنى نظير قولهم ~~"فلان يقرد فلانا" يعنى به أن يتطلف له فعل الرجل ينزع القراد من البعير ~~ليلذه ذلك، فيسكن ويثبت في مكانه حتى يتمكن من أخذه، وهكذا كل كلام رأيتهم ~~قد نحوا فيه نحو التمثيل2، ثم لم يفصحوا ms049 بذلك، وأخرجوا اللفظ مخرجه إذا لم ~~يريدوا تمثيلا. PageV01P069 ### | ترجيح الكناية والاستعارة والتمثيل على الحقيقة # فصل في الكناية والاستعارة والتمثيل: ### | 63 - # قد أجمع الجميع على أن "الكناية" أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع من ~~التصريح، وأن للاستعارة مزية وفضلا، وأن المجاز أبدا أبلغ من الحقيقة، إلا ~~أن ذلك، وإن كان معلوم ا على الجملة، فإنه لا تطمئن نفس العاقل في كل ما ~~يطلب العلم به حتى يبلغ فيه غايته، وحتى يغلغل الفكر إلى زواياه، وحتى لا ~~يبقى عليه موضع شبهة ومكان مسئلة. فنحن وإن كنا نعلم أنك إذا قلت: "هو طويل ~~النجاد، وهو جم الرماد"، كان أبهى لمعناك، وأنبل من أن تدع الكناية وتصرح ~~بالذي تريد. وكذا إذا قلت: "رأيت أسدا"، كان لكلامك مزية لا تكون إذا قلت: ~~رأيت رجلا هو والأسد سواء، في معنى الشجاعة وفي قوة القلب وشدة البطش ~~وأشباه ذلك. وإذا قلت: "بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى"، كان أوقع من ~~صريحه الذي هو قولك: بلغني أنك تتردد في أمرك، وأنك في ذلك كمن يقول: أخرج ~~ولا أخرج، فتقدم رجلا وتؤخر أخرى1 ونقطع على ذلك حتى لا يخالجنا شك فيه2 ~~فإنما تسكن أنفسنا تمام السكون، إذا عرفنا السبب في ذلك والعلة، ولم كان ~~كذلك، وهيأنا له عبارة تفهم عنا من نريد إفهامه. وهذا هو قول في ذلك3: ~~PageV01P070 ### | 64 - # إعلم أن سبيلك أولا أن تعلم أن ليست المزية التي تثبتها لهذه الأجناس على ~~الكلام المتروك على ظاهره، والمبالغة التي تدعى لها1 في أنفس المعاني التي ~~يقصد المتكلم إليها بخبره، ولكنها في طريق إثباته لها وتقريره إياها. # تفسير هذا: أن ليس المعنى إذا قلنا: "إن الكناية أبلغ من التصريح"، أنك ~~لما كنيت عن المعنى زدت في ذاته، بل المعنى أنك زدت في إثباته، فجعلته أبلغ ~~وآكد وأشد. فليست المزية في قولهم: "جم الرماد"، أنه دل على قرى أكثر، بل ~~المعنى إنك أثبت له القرى الكثير من وجه هو أبلغ، وأوجبته إيجابا هو أشد، ~~وادعيته دعوى أنت بها أنطق، وبصحتها أوثق. # وكذلك ms050 ليست المزية التي تراها لقولك: "رأيت أسدا" على قولك: رأيت رجلا لا ~~يتميز عن الأسد في شجاعته وجرأته أنك قد أفدت بالأول زيادة في مساواته ~~الأسد، بل أن أفدت تأكيدا وتشديدا وقوة في إثباتك له هذه المساواة، وفي ~~تقريرك لها2. فليس تأثير الاستعارة إذن في ذات المعنى وحقيقته، بل في ~~إيجابه والحكم به. ### | 65 - # وهكذا قياس "التمثيل"، ترى المزية أبدا في ذلك تقع في طريق إثبات المعنى ~~دون المعنى نفسه. فإذا سمعتهم يقولون: إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب ~~المعاني نبلا وفضل ا، وتوجب لها شرفا، وأن تفخمها في نفوس السامعين، وترفع ~~أقدارها عند المخاطبين، فإنهم لا يريدون الشجاعة والقرى وأشباه ذلك من ~~معاني الكلم المفردة، وإنما يعنون إثبات معاني هذه الكلم لمن ثبت له ويخبر ~~بها عنه. PageV01P071 ### | 66 - # هذا ما ينبغي للعاقل أن يجعله على ذكر منه أبدا، وأن يعلم أنه ليس لنا ~~إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة1 مع معاني الكلم المفردة شغل، ولا هي ~~منا بسبيل، وإنما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب. وإذ قد ~~عرفت مكان هذه المزية والمبالغة التي لا تزال تسمع بها، وأنها في الإثبات ~~دون المثبت، فإن لها في كل واحد من هذه الأجناس سببا وعلة. # أما "الكناية"، فإن السبب في أن كان للإثبات بها مزية لا تكون للتصريح2، ~~أن كل عاقل يعلم إذا رجع إلى نفسه، أن إثبات الصفة بإثبات دليلها، وإيجابها ~~بما هو شاهد في وجودها، آكد وأبلغ في الدعوى من أن تجيء إليها فثبتها هكذا ~~ساذجا غفلا. وذلك أنك لا تدعي شاهد الصفة ودليلها إلا والأمر ظاهر معروف، ~~وبحيث لا يشك فيه، ولا يظن بالمخبر التجوز والغلط. # وأما "الاستعارة"، فسبب ما ترى لها من المزية والفخامة3، أنك إذا قلت: ~~"رأيت أسدا"، كنت قد تلطفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة، حتى جعلتها ~~كالشيء الذي يجب له الثبوت والحصول، وكالأمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوده. ~~وذلك أنه إذا كان أسدا، فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة، ms051 وكالمستحيل ~~أو الممتنع أن يعرى عنها. وإذا صرحت بالتشبيه فقلت: "رأيت رجلا كالأسد"، ~~كنت قد أثبتها إثبات. PageV01P072 # الشيء يترجح بين أن يكون وبين أن لا يكون، ولم يكن من حديث الوجوب في ~~شيء. # وحكم "التمثيل"، حكم "الاستعارة" سواء، فإنك إذا قلت: "أراك تقدم رجلا ~~وتؤخر أخرى"، فأوجبت له الصورة التي يقطع معها بالتحير والتردد1، كان أبلغ ~~لا محالة من أن تجري على الظاهر. فتقول: قد جعلت تتردد في أمرك، فأنت كمن ~~يقول: أخرج ولا أخرج، فيقدم رجلا ويؤخر أخرى. PageV01P073 ### | تفاوت الكناية والاستعارة والتمثيل # فصل: الاستعارة وبدائعها ### | 67 - # إعلم أن من شأن هذه الأجناس أن تجرى يه الفضيلة، وأن تتفاوت التفاوت ~~الشديد، أفلا ترى أنك تجد في الاستعارة العامي المبتذل1، كقولنا: "رأيت ~~أسدا، ووردت بحرا، ولقيت بدرا" والخاصي النادر الذي لا تجده إلا في كلام ~~الفحول، ولا يقوى عليه إلا افراد الرجال، كقوله: # وسالت بأعناق المطي الأباطح2 # أراد أنها سارت سيرا حثيثا في غابة السرعة، وكانت سرعة في لين وسلاسة، ~~حتى كأنها كانت سيولا وقعت في تلك الأباطح فجرت بها3. ### | 68 - # ومثل هذه الاستعارة في الحسن واللطف وعلو الطبقة في هذه اللفظة بعينها ~~قول الآخر: # سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره، بوجوه كالدنانير4 PageV01P074 # أراد أنه مطاع في الحي، وأنهم يسرعون إلى نصرته، وأنه لا يدعوهم لحرب أو ~~نازل خطب، إلا أتوه وكثروا عليه، وازدحموا حواليه، حتى تجدهم كالسيول تجيء ~~من ههنا وههنا، وتنصب من هذا المسيل وذلك1، حتى يغص بها الوادي ويطفح منها. ### | 69 - # ومن بديع الاستعارة ونادرها، إلا أن جهة الغرابة فيه غير جهتها في هذا، ~~قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسا له، وأنه مؤدب، وأنه إذا نزل عنه ~~وألقى عنانه في قربوس سرجه، وقف مكانه إلى أن يعود إليه: # عودته فيما أزور حبائبي ... إهماله، وكذاك كل مخاطر # وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر2 # فالغرابة ههنا في الشبه نفسه، وفي أن استدرك أن هيئة العنان في موقعه من ~~قربوس السرج، كالهيئة في موضع ms052 الثوب من ركبة المحتبي. ### | 70 - # وليست الغرابة في قوله: # وسالت بأعناق المطي الأباطح3 # على هذه الجملة4، وذلك أنه لم يغرب لأن جعل المطي في سرعة PageV01P075 # سيرها وسهولته كالماء يجري في الأبطح، فإن هذا شبه معروف ظاهر، ولكن ~~الدقة واللطف في خصوصية أفادها1، بأن جعل "سال" فعلا للأباطح، ثم عداه ~~بالباء، ثم بأن أدخل الأعناق في البين2، فقال: "بأعناق المطي"، ولم يقل: ~~"بالمطي"، ولو قال: "سالت المطي في الأباطح"، لم يكن شيئا. # وكذلك الغرابة في البيت الآخر، ليس في مطلق معنى "سال"، ولكن في تعديته ~~بعلى والباء، وبأن جعله فعلا لقوله "شعاب الحي" ولولا هذه الأمور كلها لم ~~يكن هذا الحسن. وهذا موضع يدق الكلام فيه. ### | 71 - # وهذه أشياء من هذا الفن: # اليوم يومان مذ غيبت عن بصري ... نفسي فداؤك، ماذنبي فأعتذر # أمسي وأصبح لا ألقاك، واحزنا ... لقد تأنق في مكروهي القدر3 # سوار بن المضرب، وهو لطيف جدا: # بعرض تنوفة للريح فيها ... نسيم لا يروع الترب وإن4 # بعض الأعراب: # ولرب خصم جاهدين ذوي شذا ... تقذى صدورهم بهتر هاتر PageV01P076 # لد ظأرتهم على ما ساءهم ... وخسأت باطلهم بحق ظاهر1 # المقصود لفظ: "خسأت"2. # ابن المعتز: # حتى إذا ما عرف الصيد الضار ... وأذن الصبح لنا في الإبصار3 # المعنى: حتى إذا تهيأ لنا أن نبصر شيئا لما كان تعذر الإبصار منعا من ~~الليل، جعل إمكانه عند ظهور الصبح إذنا من الصبح. # وله: # بخيل قد بليت به ... يكد الوعد بالحجج4 # وله: # يناجيني الإخلاف من تحت مطله ... فتختصم الآمال واليأس في صدري5 ~~PageV01P077 # ومما هو في غاية الحسن، وهو من الفن الأول، قول الشاعر أنشده الجاحظ1: # لقد كنت في قوم عليك أشحة ... بنفسك إلا أن ما طاح طائح # يودون لو خاطوا عليك جلودهم ... ولا تدفع الموت النفوس الشحائح # قال: وإليه ذهب بشار في قوله: # وصاحب كالدمل الممد ... حملته في رقعة من جلدي2 ### | 72 - # ومن سر هذا الباب، أنك ترى اللفظة المستعارة قد استعيرت في عدة مواضع، ثم ~~ترى لها في بعض ذلك ملاحة لا تجدها في الباقي. مثال ذلك ms053 أنك تنظر إلى لفظة ~~"الجسر" في قول أبي تمام: # لا يطمع المرء أن يجتاب لجته ... بالقول ما لم يكن جسرا له العمل3 # وقوله: # بصرت بالراحة العظمى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب4 # فترى لها في الثاني حسنا لا تراه في الأول، ثم تنظر إليها في قول ربيعة ~~الرقى: PageV01P078 # قولي نعم ونعم إن قلت واجبة ... قالت عسى وعسى جسر إلى نعم1 # فترى لها لطفا وخلابة وحسنا ليس الفضل فيه بقليل2. ### | 73 - # ومما هو أصل في شرف الاستعارة، أن ترى الشاعر قد نجمع بين عدة استعارات، ~~قصدا إلى أن يلحق الشكل بالشكل، وأن يتم المعنى والشبه فيما يريد، مثاله ~~قول امرئ القيس: # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل3 # لما جعل لليل صلبا قد تمطى به، ثنى ذلك فجعل له أعجازا قد أردف بها ~~الصلب، وثلث فجعل له كلكلا قد ناء به، فاستوفى له جملة أركان الشخص، وراعى ~~ما يراه الناظر من سواده، إذا نظر قدامه، وإذا نظر إلى خلفه، وإذا رفع ~~البصر ومده في عرض الجو. PageV01P079 ### | القول في نظم الكلام ومكان النحو منه # [القول في "النظم" وبتفسيره] 1: # تفسير "النظم" وأسراره ودقائقه: ### | 74 - # واعلم أن ههنا: أسرارا ودقائق، لا يمكن بيانها إلا بعد أن تقدم جملة من ~~القول في "النظم" وفي تفسيره والمراد منه2، وأي شيء هو؟ وما محصوله ومحصول ~~الفضيلة فيه؟ فينبغي لنا أن نأخذ من ذكره، وبيان أمره، وبيان المزية التي ~~تدعى له من أين تأتيه؟ وكيف تعرض فيه؟ وما أسباب ذلك وعلله؟ وما الموجب ~~له؟. # وقد علمت إطباق العلماء على تعظيم شأن "النظم" وتخيم قدره، والتنويه ~~بذكره، وإجماعهم أن لا فضل مع عدمه، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له، ولو ~~بلغ في غرابة معناه ما بلغ3 وبتهم الحكم بأنه الذي لا تمام دونه، ولا قوام ~~إلا به، وأنه القطب الذي عليه المدار، والعمود الذي به الاستقلال. وما كان ~~بهذا المحل من الشرف، وفي هذه المنزلة من الفضل، وموضوعا هذا الموضع من ~~المزية، وبالغا ms054 هذا المبلغ من الفضيلة كان حرى بأن توقظ له الهمم، وتوكل به ~~النفوس، وتحرك له الأفكار، وتستخدم فيه الخواطر4 وكان العاقل جديرا أن لا ~~يرضى من نفسه بأن يجد فيه سبيلا إلى مزية علم، وفضل استبانة، وتلخيص حجة5، ~~وتحرير دليل، ثم يعرض PageV01P080 # عن ذلك صفحا، ويطوي دونه كشحا1 وأن يربأ بنفسه، وتدخل عليه الأنفة من أن ~~يكون في سبيل المقلد الذي لا يبت حكما2، ولا يقتل الشيء علما، ولا يجد ما ~~يبرئ من الشبهة3، ويشفي غليل الشاك، وهو يستطيع أن يرتفع عن هذه المنزلة، ~~ويباين من هو بهذه الصفة، فإن ذلك دليل ضعف الرأي وقصر الهمة ممن يختاره ~~ويعمل عليه. # "النظم" هو توخي معاني النحو، وبيان ذلك: ### | 75 - # إعلم أن ليس "النظم" إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه "علم النحو"، ~~وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ ~~الرسوم التي رسمت لك4، فلا تخل بشيء منها. # وذلك أنا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب ~~وفروقه، فينظر في "الخبر" إلى الوجوه التي تراها في قولك: "زيد منطلق" و ~~"زيد ينطلق"، و "ينطلق زيد" و "منطلق زيد"، و "زيد المنطلق" و "المنطلق ~~زيد" و "زيد هو المنطلق"، وزيد هو منطلق". # وفي "الشرط والجزاء" إلى الوجوه التي تراها في قولك: "إن تخرج أخرج" و ~~"إن خرجت خرجت" و "إن تخرج فأنا خارج" و "أنا خارج إن خرجت" و "أنا إن خرجت ~~خارج". PageV01P081 # وفي "الحال" إلى الوجوه التي تراها في قولك: "جاءني زيد مسرعا"، وجاءني ~~يسرع"، و "جاءني وهو مسرع أو وهو يسرع" و "جاءني قد أسرع" و "جاءني وقد ~~أسرع". # فيعرف لكل من ذلك موضعه، ويجيء به حيث ينبغي له. # وينظر1 في "الحروف" التي تشترك في معنى، ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية ~~في ذلك المعنى، فيضع كلا من ذلك ي خاص معناه، نحو أن يجيء ب "ما" في نفي ~~الحال، ب "لا" إذا أراد نفي الاستقبال , ب "إن" فيما يترجح ms055 بين أن يكون وأن ~~لا يكون، وب "إذا" فيما علم أنه كائن. # وينظر في "الجمل" التي تسرد، فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل، ثم ~~يعرف فيما حقه الوصل موضع "الواو" من موضع "الفاء"، وموضع "الفاء" ومن موضع ~~"ثم"، وموضع "أو" من موضع "أم"، وموضع "لكن" من موضع "بل". # ويتصرف في التعريف، والتنكير، والتقديم والتأخير، في الكلام كله2، وفي ~~الحذف، والتكرار والإضمار، والإظهار، فيصيب بكل من ذلك مكانه3، ويستعمله ~~على الصحة وعلى ما ينبغي له. ### | 76 - # هذا هو السبيل، فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صوابا وخطؤه إن كان ~~خطأ، إلى "النظم"، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو PageV01P082 # معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه أو عومل بخلاف هذه ~~المعاملة، فأزيل عن موضعه، واستعمل في غير ما ينبغي له، فلا ترى كلاما قد ~~وصف بصحة نظم أو فساده، أو وصف بمزية وفضل فيه، إلا وأنت تجد مرجع تلك ~~الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل، إلى معاني النحو وأحكامه، ~~ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه. # شواهد على فساد "النظم": ### | 77 - # هذه جملة لا تزداد فيها نظرا، إلا ازددت لها تصورا، وازدادت عندك صحة، ~~وازددت بها ثقة. وليس من أحد تحركه لأن يقول في أمر "النظم" شيئا، إلا ~~وجدته قد اعترف لك بها أو ببعضها، ووافق فيها درى ذلك أو لم يدر. ويكفيك ~~أنهم قد كشفوا عن وجه ما أردناه حيث ذكروا فساد "النظم"، فليس من أحد يخالف ~~في نحو قول الفرزدق: # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه1 # وقول المتبني: # ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل2 # وقوله: # الطيب أنت إذا أصابك طيبه، ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل # وقوله: # وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا، والدمع أشفاه ساجمه ~~PageV01P083 # وقوله أبي تمام: # ثانيه في كبد السماء، ولم يكن ... كاثنين ثان إذا هما في الغار1 # وقوله: # يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعا ... من راحتيك درى ms056 ما الصاب والعسل # 2 وفي نظائر ذلك مما وصفوه بفساد النظم، وعابوه من جهة سوء التأليف، أن ~~الفساد والخلل كانا من أن تعاطى الشعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير ~~الصواب، وصنع في تقديم أو تأخير، أو حذف وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن ~~يصنعه، وما لا يسوغ ولا يصح على أصول هذا العلم. وإذا ثبت أن سبب فساد ~~النظم واختلاله، وأن لا يعمل بقوانين هذا الشأن، ثبت أن سبب صحته أن يعمل ~~عليها ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا العلم، ثبت أن الحكم كذلك ~~في مزيته والفضيلة التي تعرض فيه، وإذا ثبت جميع ذلك، ثبت أن ليس هو شيئا ~~غير توخي معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين الكلم"3 والله الموفق للصواب. # شواهد على محاسن "النظم": ### | 78 - # وإذا قد عرفت ذلك، فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن4، PageV01P084 # وتشاهدوا له بالفضل، ثم جعلوه كذلك من أجل "النظم" خصوصا، دون غيره مما ~~يستحسن له الشعر أو غير الشعر، من معنى لطيف أو حكمة أو ادب أو استعارة أو ~~تجنيس أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم، وتأمله1، فإذا رأيتك قد ارتحت ~~واهتززت واستحسنت، فانظر إلى حركات الأريحية مم كانت؟ وعند ماذا ظهرت؟ فإنك ~~ترى عيانا أن الذي قلت لك كما قلت. اعمد إلى قول البحتري: # بلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا # هو المرء أبدت له الحادثات ... عزما وشيكا ورأيا صليبا # تنقل في خلقي سؤدد ... سماحا مرجى وبأسا مهيبا # فكالسيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا2 # فإذا رأيتها قد راقتك وكثرت عندك، ووجدت لها اهتزازا في نفسك، فعد فانظر ~~في السبب واستقص في النظر، فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدم وأخر، وعرف ~~ونكر، وحذف وأضمر، وأعاد وكرر، وتوخى على الجملة وجها من الوجوه التي ~~يقتضيها "علم النحو"، فأصاب في ذلك كله، ثم لطف موضع صوابه، وأتى مأتى يوجب ~~الفضيلة. # أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها قوله: "هو المرء أبدت ms057 لها الحادثات" ثم ~~قوله: "تنقل في خلقي سؤدد" بتنكير "السؤدد" وإضافة "الخلقين". PageV01P085 # إليه ثم قوله: "فكالسيف" وعطفه بالفاء مع حذفه المبتدأ، لأن المعنى لا ~~محالة: فهو كالسيف ثم تكريره "الكاف" في قوله: "وكالبحر" ثم أن قرن إلى كل ~~واحد من التشبيهين شرطا جوابه فيه ثم أن أخرج من كل واحد من الشرطين حالا ~~على مثال ما أخرج من الآخر، وذلك قوله "صارخا" هناك "ومستثيبا" ههنا؟ لا ~~ترى حسنا تنسبه إلى النظم ليس سببه ما عددت، أو ما هو في حكم ما عددت، ~~فاعرف ذلك. ### | 79 - # وإن أردت أظهر أمرا في هذا المعنى، فانظره إلى قول إبراهيم بن العباس: # فلو إذ نبا دهر، وأنكر صاحب، ... وسلط أعداء، وغاب نصير # تكون عن الأهواز داري بنجوة، ... ولكن مقادير جرت وأمور # وإني لأرجو بعد هذا محمدا ... لأفضل ما يرجى أخ ووزير1 # فإنك ترى ما ترى من الرونق والطلاوة، ومن الحسن والحلاوة، ثم "إذ نبا" ~~على عامله الذي هو "تكون"، وأن لم يقل: فلو تكون عن الأهواز داري بنجوة إذ ~~نبا دهر ثم أن قال: "تكون"، ولم يقل "كان" ثم أن أنكر الدهر ولم يقل: "إذ ~~نبا الدهر" = ثم أن ساق هذا التنكير في جميع ما أتى به من بعد ثم أن قال ~~وأنكر صاحب ولم يقل وأنكرت صاحبا لا ترى في البيتين الأولين شيئا غير الذي ~~عددته لك تجعله حسنا في "النظم"، وكله من معاني النحو كما ترى. وهكذا ~~السبيل أبدا في كل حسن ومزية رأيتهما قد نسبا إلى "النظم"، وفضل وشرف أحيل ~~فيهما عليه. PageV01P086 ### | مزايا النظم بحسب المعاني والأغراض # فصل: [في أن هذه المزايا في النظم، بحسب المعاني والأغراض التي تؤم] 1 # بيان محاسن النظم: ### | 80 - # وإذ قد عرفت أن مدار أمر "النظم" على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق ~~التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية ~~تقف عندها، ونهاية لا تجد لهال ازديادا بعدها ثم اعلم أن ليست المزية ~~بواجبة لها في أنفسها، ومن حيث هي ms058 على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني ~~والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها ~~مع بعض. # تفسير هذا: أنه ليس إذا راقك التنكير في "سؤدد" من قوله: "تنقل في خلقي ~~سؤدد"2 وفي "دهر" من قوله: "فلو إذ نبا دهر"3، فإنه يجب أن يروقك أبدا وفي ~~كل شيء ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله "وأنكر صاحب"3، فإنه ~~ينبغي أن لا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك ههنا بل ليس من فضل ~~ومزية إلا بحسب الموضع، وبحسب المعنى الذي تريد والغرض الذي تؤم. وإنما ~~سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش، فكما أنك ترى ~~الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج، ~~إلى ضرب من التخير PageV01P087 # والتدبر في أنفس الأصباغ وفي مواقعها ومقاديرها وكيفية مزجه لها وترتيبه ~~إياها، إلى ما لم يتهد إليه صاحبه1، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته ~~أغرب، كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي علمت ~~أنها محصول "النظم". # صفة "النظم": ### | 81 - # واعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه والحسن، كالآجزاء من الصبغ ~~تتلاحق وينضم بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين، فأنت لذلك لا تكبر شأن ~~صاحبه، ولا تقضي له بالحذق والاستاذية وسعة الذرع وشدة المنة2، حتى تستوفي ~~القطعة وتأتي على عدة أبيات. وذلك ما كان من الشعر في طبقة ما أنشدتك من ~~أبيات البحتري3 ومنه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة، ويأتيك منه ما ~~يملأ العين ضربة4 حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من الفضل، وموضعه من ~~الحذق، وتشهد له بفضل المنة وطول الباع، وحتى تعلم، إن لم تعلم القائل، أنه ~~من قبل شاعر فحل5، وأنه خرج من تحت يد صناع، وذلك ما إذا أنشدته وضعت فيه ~~اليد على شيء فقلت: هذا، هذا! وما كان كذلك فهو الشعر PageV01P088 # الشاعر1، والكلام الفاخر، والنمط العالي الشريف والذي لا تجده إلا ms059 في شعر ~~الفحول البزل2، ثم المطبوعين الذين يلهمون القول إلهاما. # شواهد من محاسن النظم: ### | 82 - # ثم إنك تحتاج إلى أن تستقري عدة قصائد، بل أن تفلي ديوانا من الشعر3، حتى ~~تجمع منه عدة أبيات. وذلك ما كان مثل قول الأول، وتمثل به أبو بكر الصديق ~~رضوان الله عليه حين أتاه كتاب خالد بالفتح في هزيمة الأعاجم: # تمنانا ليلقانا بقوم ... تخال بياض لأمهم السرابا4 # فقد لاقيتنا فرأيت حربا ... عوانا تمنع الشيخ الشرابا5 # أنظر إلى موضع "الفاء" في قوله: # فقد لاقيتنا فرأيت حربا PageV01P089 # ومثل قول العباس بن الأحنف: # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا، ... ثم القفول، فقد جئنا خراسانا1 # أنظر إلى موضع "الفاء" و "ثم" قبلها. # ومثل قول ابن الدمينة2: # أبينى أفي يمنى يديك جعلتني ... فأقرح، أم صيرتني في شمالك # أبيت كأني بين شقين من عصا ... حذار الردى، أو خيفة من زيالك # تعاللت كي أشجى، وما بك علة ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلك3 # انظر إلى الفصل والاستئناف في قوله: # تريدين قتلي، قد ظفرت بذلك # ومثل قول أبي حفص الشطرنجي، وقاله على لسان علية أخت الرشيد، وقد كان ~~الرشيد عتب عليها: # لو كان يمنع حسن الفعل صاحبه ... من أن يكون له ذنب إلى أحد # كانت عليه أبرى الناس كلهم ... من أن نكافا بسوء آخر الأبد # ما أعجب الشيء نرجوه فتحرمه ... قد كنت أحسب أني ملأت يدي4 PageV01P090 # انظر إلى قوله: "قد كنت أحسب" وإلى مكان هذا الاستئناف. # ومثل قول أبي داود: # ولقد أغتدي يدافع ركني ... أحوذي ذو ميعة إضريج # سلهب شرجب كأن رماحا ... حملته وفي السراة دموج1 # انظر إلى التنكير في قوله "كأن رماحا". # ومثل قول ابن البواب: # أتيتك عائذا بك من ... ك لما ضاقت الحيل # وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل # فإن سلمت لكم نفسي ... فما لاقيته جلل # وإن قتل الهوى رجلا ... فإني ذلك الرجل2 # أنظر إلى الإشارة والتعريف في قوله: "فإني ذلك الرجل". # ومثل قول عبد الصمد: # مكتئب ذو كبد حرى ... تبكي عليه مقلة عبرى # يرفع يمناه إلى ربه ... يدعو وفوق الكبد ms060 اليسرى3 PageV01P091 # انظر إلى لفظة: "يدعو" وإلى موقعها. # ومثل قول جرير: # لمن الديار ببرقة الروحان ... إذ لا نبيع زماننا بزمان # صدع الغواني إذ رمين، فؤاده ... صدع الزجاجة مالذاك تدان1 # أنظر إلى قوله: "ما لذاك تدان"، وتأمل حال هذا الاستئناف. # ليس من بصير عارف بجوهر الكلام، حساس متفهم لسر هذا الشأن، ينشد أو يقرأ ~~هذه الأبيات، إلا لم يلبث أن يضع يده في كل بيت منها على الموضع الذي أشرت ~~إليه، يعجب ويعجب ويكبر شأن المزية فيه والفضل. PageV01P092 ### | في النظم يتحد في الوضع، ويدق فيه الصنع: # فصل: "في النظم يتحد في الوضع، ويدق فيه الصنع" 1 # شواهد أخرى على دقة النظم: ### | 83 - # واعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر، ويغمض المسلك، في توخي المعاني ~~التي عرفت: أن تتحد أجزاء الكلام ويدخل بعضها في بعض، ويشتد ارتباط ثان ~~منها بأول، وأن تحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعا واحد ا، وأن ~~يكون حالك فيها حال الباني يضع بيمينه ههنا في حال ما يضع بيساره هناك. ~~نعم، وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعهما بعد الأولين. وليس لما شأنه ~~أن يجيء على هذا الوصف حد يحصره، وقانون يحيط به، فإنه يجيء على وجوه شتى، ~~وأنحاء مختلفة. # فمن ذلك أن تزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء معا، كقول البحتري: # إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى، ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر2 # وقوله: # إذا احتريت يوما ففاضت دماؤها، ... تذكره القرى ففاضت دموعها # فهذا نوع. # ونوع منه آخر، قول سليمان بن داود القضاعي: PageV01P093 # فبينا المرء في علياء أهوى ... ومنحط أتيح له اعتلاء # وبينا نعمة إذا حال بوس ... وبوس إذا تعقبه ثراء1 # ونوع ثالث وهو ما كان كقول كثير: # وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت # لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت2 # وكقول البحتري: # لعمرك إنا والزمان كما جنت ... على الأضعف الموهون عادية الأقوى3 # ومنه "التقسيم"، وخصوصا إذا قسمت ثم جمعت، كقول حسان: # قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو ms061 حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا # سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق، فاعلم، شرها البدع4 # ومن ذلك، وهو شيء في غاية الحسن، قول القائل: # لو أن ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا # لكن رأيت الليالي غير تاركة ... ما سر من حادث أو ساء مطردا # فقد سكنت إلى أني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غدا5 PageV01P094 # قوله: "سنستجد خلاف الحالتين غدا"، جميع فيما قسم لطيف، وقد ازداد لطفا ~~بحسن ما بناه عليه، ولطف ما توصل به إليه من قوله: "فقد سكنت إلى أني ~~وأنكم". ### | 84 - # وإذ قد عرفت هذا النمط من الكلام، وهو ما تتحد أجزاؤه حتى يوضع وضعا ~~واحدا، فاعلم أنه النمط العالي والباب الأعظم، والذي لا ترى سلطان المزية ~~يعظم في شيء كعظمه فيه. # ومما ندر منه ولطف مأخذه، ودق نظر واضعه، وجلى لك عن شأو قد تحسر دونه ~~العتاق، وغاية يعيى من قبلها المذاكي الفرح1 الأبيات المشهورة في تشبيه ~~شيئين بشيئين، كبيت امرئ القيس: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي2 # وبيت الفرزدق: # والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار3 PageV01P095 # وبيت بشار: # كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا، ليل تهاوى كواكبه1 # ومما أتى في هذا الباب مأتى أعجب مما مضى كله، قوله زياد الأعجم: # وإنا وما تلقي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق2 # وإنما كان أعجب، لأن عمله أدق، وطريقه أغمض، ووجه المشابكة فيه أغرب3. ### | 85 - # واعلم أن من الكلام ما أنت تعلم إذا تدبرته أن لم يحتج واضعه إلى فكر ~~وروية حتى انتظم، بل ترى سبيله في ضم بعضه إلى بعض، سبيل من عمد إلى لآل ~~فخرطها في سلك، لا يبغي أكثر من يمنعها التفرق5، وكمن نضد أشياء بعضها على ~~بعض، لا يريد في نضده ذلك أن تجيء له منه PageV01P096 # هيئة أو صورة، بل ليس إلا أن تكون مجموعة في رأي العين. وذلك إذا كان ~~معناك، معنى لا تحتاج أن تصنع فيه شيئا غير أن تعطف ms062 لفظا على مثله، كقول ~~الجاحظ: # "جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسبا، وبين ~~الصدق سببا، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، ~~وأشعر قلبك عز الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذل اليأس، وعرفك ما ~~في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلة"1. # وكقول بعضهم: "لله در خطيب قام عندك، يا أمير المؤمنين، ما أفصح لسانه، ~~وأحسن بيانه، وأمضى جنانه، وأبل ريقه، وأسهل طريقة". # ومثل قول النابغة في الثناء المسجوع: "أيفاخرك الملك اللخمي، فوالله ~~لقفاك خير من وجهه، ولشمالك خير من يمينه، ولأخمصك خير من رأسه، ولخطؤك خير ~~من صوابه، ولعيك خير من كلامه، ولخدمك خير من قومه". # وكقول بعض البلغاء في وصف اللسان: "اللسان أداة يظهر بها حسن البيان، ~~وظاهر يخبر عن الضمير، وشاهد ينبئك عن غائب، وحاكم يفصل به الخطاب، وواعظ ~~ينهى عن القبيح، ومزين يدعو إلى الحسن، وزارع يحرث المودة، وحاصد يحصد ~~الضغينة، ومله يونق الأسماع". PageV01P097 # فما كان من هذا وشبهه لم يجب به فضل إذا وجب، إلا بمعناه أو بمتون ~~ألفاظه، دون نظمه وتأليفه، وذلك لأنه لا فضيلة حتى ترى في الأمر مصنعا، ~~وحتى تجد إلى التخير سبيلا، وحتى تكون قد استدركت صوابا. ### | 86 - # فإن قلت: أفليس هو كلاما قد اطرد على الصواب، وسلم من العيب؟ أفما يكون ~~في كثرة الصواب فضيلة؟ # قيل: أما والصواب كما ترى فلا. لأنا لسنا في ذكر تقويم اللسان، والتحرز ~~من اللحن وزيغ الإعراب، فتعتد بمثل هذا الصواب. وإنما نحن في أمور تدرك ~~بالفكر اللطيفة، ودقائق يوصل إليها بثاقب الفهم، فليس درك صواب دركا يما ~~نحن فيه حتى يشرف موضعه، ويصعب الوصول إليه وكذلك لا يكون ترك خطأ تركا حتى ~~يحتاج في التحفظ منه إلى لطف نظر، وفضل روية، وقوة ذهن، وشدة تيقظ. وهذا ~~باب ينبغي أن تراعيه وأن تعنى به، حتى إذا وازنت بين كلام وكلام ودريت كيف ~~تصنع، فضممت إلى كل شكل شكله، وقابلته بما هو نظير له، وميزت ما ms063 الصنعة منه ~~لفي لفظه، مما هو منه في نظمه. # المزية في اللفظ والمزية في النظم كيف تشتبه: ### | 87 - # واعلم أن هذا أعني الفرق بين أن تكون المزية في اللفظ، وبين أن تكون في ~~النظم باب يكثر فيه الغلط، فلا تزال ترى مستحسنا قد أخطأ بالاستحسان موضعه، ~~فينحل اللفظ ما ليس له، ولا تزال ترى الشبهة قد دخلت عليك في الكلام قد حسن ~~من لفظه ونظمه، فظننت أن حسنه ذلك كله للفظ منه دون النظم. ### | 88 - # مثال ذلك، أن تنظر إلى قول ابن المعتز: # وإني على إشفاق عيني من العدى ... لتجمح مني نظرة ثم أطرق1 PageV01P098 # فترى أن هذه الطلاوة وهذا الظرف، إنما هو لأن جعل النظر "يجمح" وليس هو ~~لذلك، بل لأن قال في أول البيت "وإني" حتى دخل اللام في قوله "لتجمح" ثم ~~قوله: "مني" ثم لأن قال "نظرة" ولم يقل "النظر" مثلا ثم لمكان "ثم" في ~~قوله: "ثم أطرق" وللطيفة أخرى نصرت هذه اللطائف، وهي اعتراضه بين اسم "إن" ~~وخبرها بقوله: "على إشفاق عيني من العدي". ### | 89 - # وإن أردت أعجب من ذلك فيما ذكرت لك، فانظر إلى قوله وقد تقدم إنشاده قبل: # سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير1 # فإنك ترى هذه الاستعارة، على لطفها وغرابتها، إنما تم لها الحسن وانتهى ~~إلى حيث انتهى، بما توخي في وضع الكلام من التقديم والتأخير، وتجدها قد ~~ملحت ولطفت بمعاونة ذلك ومؤازرته لها. وإن شككت فاعمد إلى الجارين والظرف، ~~فأزل كلآ منها عن مكانه الذي وضعه الشاعر فيه، فقل: "سالت شعاب الحي بوجوه ~~كالدنانير عليه حين دعا أنصاره"، ثم انظر كيف يكون الحال، وكيف يذهب الحسن ~~والحلاوة؟ وكيف تعدم أريحيتك التي كانت؟ وكيف تذهب النشوة التي كنت تجدها؟ ### | 90 - # وجملة الأمر أن ههنا كلاما حسنه للفظ دون النظم، وآخر حسنه للنظم دون ~~اللفظ، وثالثا قد أتاه الحسن من الجهتين2، ووجبت له PageV01P099 # المزية بكلا الأمرين. والإشكال في هذا الثالث، وهو الذي لا تزال ترى ~~الغلط قد عارضك فيه، وتراك قد حفت ms064 فيه على النظم1، فتركته وطمحت ببصرك إلى ~~اللفظ، وقدرت في حسن كان به وباللفظ، أنه للفظ خاصة. وهذا هو الذي أردت حين ~~قلت لك: "إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من بعد العلم بالنظم ~~والوقوف على حقيقته". # مثال على ما تقع الشبهة فيه بين اللفظ والنظم: ### | 91 - # ومن دقيق ذلك وخفيه، أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: {واشتعل الرأس ~~شيبا} [مريم: 4]، لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف لا ~~إليها، ولم يروا للمزية موجبا سواها، هكذا ترى الأمر في ظ اهر كلامهم. وليس ~~الأمر على ذلك، ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزية الجليلة، وهذه الروعة ~~التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة، ولكن لأن سلك ~~بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء2، وهو لما هو من سببه، فيرفع به ~~ما يسند إليه، ويؤتى بالذي الفعل له في المعنى منصوبا بعده، مبينا أن ذلك ~~الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول، إنما كانا من أجل هذا الثاني، ولما ~~بينه وبينه من الاتصال والملابسة، كقولهم: "طاب زيد نفسا"، و "قر عمرو ~~عينا"، و "تصبب عرقا"، و "كرم أصلا"، و "حسن وجها" وأشباه ذلك مما تجد ~~الفعل فيه منقولا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه. # وذلك أنا نعلم أن "اشتعل" للشيب في المعنى، وإن كان هو للرأس في اللفظ، ~~كما أن "طاب" للنفس، و "قر" للعين، و "تصبب" للعرق، وإن PageV01P100 # أسند إلى ما أسند إليه. يبين أن الشرف كان لأن سلك فيه هذا المسلك، وتوخي ~~به هذا المذهب أن تدع هذا الطريق فيه1، وتأخذ اللفظ فتسنده إلى الشيب صريحا ~~فتقول: "اشتعل شيب الرأس"، أو "الشيب في الرأس"، ثم تنظر هل تجد ذلك الحسن ~~وتلك الفخامة؟ وهل ترى الروعة التي كنت تراها؟ ### | 92 - # فإن قلت: فما السبب في أن كان "اشتعل" إذا استعير للشيب على هذا الوجه، ~~كان له الفضل؟ ولم بان بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة؟ # فإن السبب أنه يفيد، مع لمعان ms065 الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى، ~~الشمول2، وأنه قد شاع فيه، وأخذه من نواحيه، وأنه قد استغرقه وعم جملته3، ~~حتى لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به. وهذا ما لا ~~يكون إذا قيل: "اشتعل شيب الرأس، أو الشيب في الرأس"، بل لا يوجب اللفظ ~~حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة. ووزان هذا أنك تقول: "اشتعل البيت ~~نارا"، فيكون المعنى: أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول، وأنها قد استولت ~~عليه وأخذت في طرفيه ووسطه. وتقول: "اشتعلت النار في البيت"، فلا يفيد ذلك، ~~بل لا يقتضى أكثر من وقوعها فيه، وإصابتها جانبا منه. فأما الشمول. وأن ~~تكون قد استولت على البيت وابتزته، فلا يعقل من اللفظ البتة. PageV01P101 ### | 93 - # ونظير هذا في التنزيل قوله عز وجل: {وفجرنا الأرض عيونا} [القمر: 12]، ~~"التفجير" للعيون في المعنى، وأوقع على الأرض في اللفظ، كما أسند هناك ~~الاشتعال إلى الرأس، وقد حصل بذلك من معنى الشمول ههنا، مثل الذي حصل هناك. ~~وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها، وأن الماء قد كان يفور ~~من كل مكان منها. ولو أجري اللفظ على ظاهره فقيل: "وفجرنا عيون الأرض، أو ~~العيون في الأرض"، لم يفد ذلك ولم يدل عليه، ولكان المفهوم منه أن الماء قد ~~كان فار من عيون متفرقة في الأرض، وتبجس من أماكن منها. # واعلم أن في الآية الأولى شيئا آخر من جنس "النظم"، وهو تعريف الرأس" ~~بالألف واللام، وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة، وهو أحد ما أوجب المزية. ~~ولو قيل: "واشتعل رأسي"، فصرح بالإضافة، لذهب بعض الحسن، فاعرفه. # مثال آخر لذلك في الاستعارة: ### | 94 - # وأنا أكتب لك شيئا مما سبيل "الاستعارة" فيه هذا السبيل، ليستحكم هذا ~~الباب في نفسك، ولتأنس به. # فمن عجيب ذلك قول بعض الأعراب: # الليل داج كنفا جلبابه ... والبين محجور على غرابه1 # ليس كل ما ترى من الملاحة لأن جعل لليل جلبابا، وحجر على الغراب، ولكن في ~~أن وضع الكلام ms066 الذي ترى، فجعل "الليل" مبتدأ، وجعل "داج" خبرا له وفعلا لما ~~بعده وهو "الكنفان"، وأضاف "الجلباب" إلى PageV01P102 # ضمير "الليل"، ولأن جعل كذلك "البين" مبتدأ، وأجرى محجورا خبرا عنه1، وأن ~~أخرج اللفظ على "مفعول". يبين ذلك أنك لو قلت: # "وغراب البين محجور عليه، أو: قد حجر على غراب البين"، لم تجد لههذه ~~الملاحة. وكذلك لو قلت: "قد دجا كنفا جلباب الليل"، لم يكن شيئا. ### | 95 - # ومن النادر فيه قول المتنبي: # غصب الدهر والملوك عليها ... فبناها في وجنة الدهر خالا2 # قد ترى في أول الأمر أن حسنه أجمع في أن جعل للدهر "وجنة"، وجعل البنية ~~"خالا" في الوجنة3، وليس الأمر على ذلك، فإن موضع الأعجوبة في أن أخرج ~~الكلام مخرجه الذي ترى، وأن أتى "بالخال" منصوبا على الحال من قوله ~~"فبناها". أفلا ترى أنك لو قلت: "وهي خال في وجنة الدهر"، لوجدت الصورة غير ~~ما ترى؟ وشبيه بذلك أن ابن المعتز قال: # يا مسكة العطار ... وخال وجه النهار4 # وكانت الملاحة في الإضافة بعد الإضافة، لا في استعارة لفظة "الخال" إذ ~~معلوم أنه لو قال: "يا خالا في وجه النهار" أو "يا من هو خال في وجه ~~النهار"، لم يكن شيئا. PageV01P103 # ما يقال في تتابع الإضافات: ### | 96 - # ومن شأن هذا الضرب أن يدخله الاستكراه، قال الصاحب: "إياك والإضافات ~~المتداخلة1، فإن ذلك لا يحسن"، وذكر أنه يستعمل في الهجاء كقول القائل: # يا علي بن حمزة بن عمارة ... أنت والله ثلجة في خياره2 # ولا شبهة فيثقل ذلك في الأكثر، ولكنه إذا سلم من الاستكراه لطف وملح. # ومما حسن فيه قول ابن المعتز أيضا؟ # وظلت تدير الراح أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح3 # ومما جاء منه حسنا جميلا قول الخالدي في صفة غلام له: # ويعرف الشعر مثل معرفتي ... وهو على أن يزيد مجتهد # وصيرفي القريض، وزان دينار الم ... عاني الدقاق، منتقد4 # ومنه قول أبي تمام: # خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب5 ### | 97 - # ومما أكثر الحسن فيه بسبب النظم، قول المتنبى: PageV01P104 # وقيدت نفسي ms067 في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا1 # الاستعارة في أصلها مبتذلة معروفة، فإنك ترى العامي يقول للرجل يكثر ~~إحسانه إليه وبره له، حتى يألفه ويختار المقام عنده: "قد قيدني بكثرة ~~إحسانه إلي، وجميل فعله معي، حتى صارت نفسي لا تطاوعني على الخروج من ~~عنده"، وإنما كان ما ترى من الحسن، بالمسلك الذي سلك في النظم والتأليف. # PageV01P105 ### | التقديم والتأخير # فصل 1: "القول في التقديم والتأخير" ### | 98 - # هو باب كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية، لا يزال ~~يفتر لك عن بديعة، ويفضي بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه، ~~ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك، أن قدم فيه شيء، ~~وحول اللفظ عن مكان إلى مكان. ### | 99 - # واعلم أن تقديم الشيء على وجهين2: # تقديم يقال إنه على نية التأخير، وذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على ~~حكمه الذي كان عليه، وفي جنسه الذي كان فيه، كخبر المبتدأ إذا قدمته على ~~المبتدأ، والمفعول إذا قدمته على الفاعل كقولك: "منطلق زيد" و "ضرب عمرا ~~زيد"، معلوم أن "منطلق" و "عمرا" لم يخرجا بالتقديم عما كانا عليه، من كون ~~هذا خبر مبتدأ ومرفوعا بذلك، وكون ذلك مفعولا ومنصوبا من أجله كما يكون إذا ~~أخرت. # وتقديم لا على نية التأخير، ولكن على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم، ~~وتجعل له بابا غير بابه3، وإعرابا غير إعرابه، وذلك أن تجيء إلى اسمين ~~PageV01P106 # يحتمل كل واحد منهما أن يكون مبتدأ ويكون الآخر خبرا له، فتقدم تارة هذا ~~على ذاك، وأخرى ذاك على هذا. ومثاله ما تصنعه بزيد والمنطلق، حيث تقول مرة: ~~"زيد المنطلق"، وأخرى، "المنطلق زيد"، فأنت في هذا لم تقدم "المنطلق" على ~~أن يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير، فيكون خبر مبتدأ كما ~~كان، بل على أن تنقله عن كونه خبرا إلى كونه مبتدأ، وكذلك لم تؤخر "زيدا" ~~على أن يكون مبتدأ كما كان، بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبرا. ms068 # وأظهر من هذا قولنا: "ضربت زيدا" و "زيد ضربته"، لم تقدم "زيدا" على أن ~~يكون مفعولا منصوبا بالفعل كما كان، ولكن على أن ترفعه بالابتداء، وتشغل ~~الفعل بضميره، وتجعله في موضع الخبر له. وإذا قد عرفت هذا التقسيم، فإني ~~أتبعه بجملة من الشرح. # التقديم للعناية والاهتمام: ### | 100 - # واعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل، غير العناية ~~والاهتمام. قال صاحب الكتاب، وهو يذكر الفاعل والمفعول1: "كأنهم يقدمون ~~الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم" ~~ولم يذكر في ذلك مثالا. # وقال النحويون: إن معنى ذلك أنه قد يكون من أغراض الناس في فعل ما أن يقع ~~بإنسان بعينه، ولا يبالون من أوقعه، كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجي ~~يخرج فيعيث ويفسد، ويكثر به الأذى، أنهم يريدون قتله، PageV01P107 # ولا يبالون من كان القتل منه، ولا يعنيهم منه شيء. فإذا قتل، وأراد مريد ~~الإخبار بذلك، فإنه يقدم ذكر الخارجي فيقول: "قتل الخارجي زيد"، ولا يقول: ~~"قتل زيد الخارجي"، لأنه يعلم أن ليس للناس في أن يعلموا أن القاتل له ~~"زيد" جدوى وفائدة، فيعنيهم ذكره ويهمهم ويتصل بمسرتهم ويعلم من حالهم أن ~~الذي هم متوقعون له ومتطلعون إليه متى يكون، وقوع القتل بالخارجي المفسد، ~~وأنهم قد كفوا شره وتخلصوا منه. # ثم قالوا: فإن كان رجل ليس له بأس ولا يقدر فيه أنه يقتل، فقتل رجلا، ~~وأراد المخبر أن يخبر بذلك، فإن يقدم ذكر القاتل فيقول: "قتل زيد رجلا"، ~~ذاك لأن الذي يعنيه ويعني الناس من شأن هذا القتل، طرافته وموضع الندرة ~~فيه، وبعده كان من الظن. ومعلوم أنه لم يكن نادرا وبعيدا من حيث كان واقعا ~~بالذي وقع به، ولكن من حيث كان واقعا من الذي وقع منه. # فهذا جيد بالغ، إلا أن الشأن في أنه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدم في موضع ~~من الكلام مثل هذا المعنى، ويفسر وجه العناية فيه هذا التفسير. # لا يكفي أن يقال قدم للعناية: ### | 101 - # وقد وقع ms069 في ظنون الناس أنه يكفي أن يقال: "إنه قدم للعناية، ولأن ذكره ~~أهم"، من غير أن يذكر، من أين كانت تلك العناية؟ وبم كان أهم؟ 1 ولتخيلهم ~~ذلك، قد صغر أمر "التقديم والتأخير" في نفوسهم، وهونوا الخطب فيه، حتى إنك ~~لترى أكثرهم يرى تتبعه والنظر فيه ضربا من التكلف. ولم تر ظنا أزرى على ~~صاحبه من هذا وشبهه2. PageV01P108 ### | مواضع التقديم والتأخير: ### | 102 - # وكذلك صنعوا في سائر الأبواب، فجعلوا لا ينظرون في "الحذف والتكرار" و ~~"الإظهار والإضمار"، و "الفصل والوصل"، ولا في نوع من أنواع الفروق والوجوه ~~إلا نظرك فيما غيره أهم لك، بل فيما إن لم تعلمه لم يضرك. # لا جرم أن ذلك قد ذهب بهم عن معرفة البلاغة، ومنعهم أن يعرفوا مقاديرها، ~~وصد بأوجههم عن الجهة التي هي فيها1، والشق الذي يحويها. والمداخل التي ~~تدخل منها الآفة على الناس في شأن العلم، ويبلغ الشيطان مراده منهم في الصد ~~عن طلبه وإحراز فضيلته كثيرة، وهذه من أعجبها، وإن وجدت متعجبا. # وليت شعري، إن كانت هذه أمورا هينة، وكان المدى فيها قريبا والجدى ~~يسيرا2، من أين كان نظم أشرف من نظم؟ وبم عظم التفاوت، واشتد التباين، ~~وترقى الأمر إلى الإعجاز، وإلى أن يقهر أعناق الجبابرة؟ أو ههنا أمور أخر ~~نحيل في المزية عليها، ونجعل الإعجاز كان بها، فتكون تلك الحوالة لنا عذرا ~~في ترك النظر في هذه التي معنا، والإعراض عنها، وقلة المبالاة بها؟ أو ليس ~~هذا التهاون، إن نظر العاقل، خيانة منه لعقله ودينه، ودخولا فيما يزري بذي ~~الخطر، ويغض من قدر ذوي القدر؟ وهل يكون أضعف رأيا، وأبعد من حسن التدبر، ~~منك إذا أهمك أن تعرف الوجوه في "أأنذرتهم"3، والإمالة في "رأى القمر" ~~وتعرف "الصراط" PageV01P109 # و "الزراط"1، وأشباه ذلك مما لا يعدو علمك فيه اللفظ وجرس الصوت، ولا ~~يمنعك إن لم تعلمه بلاغة2، ولا يدفعك عن بيان، ولا يدخل عليك شكا، ولا يغلق ~~دونك باب معرفة، ولا يفضى بك إلى تحريف وتبديل، وإلى الخطإ في تأويل، وإلى ~~ما يعظم ms070 فيه المعاب عليك، ويطيل لسان القادح فيك3 ولا يعنيك ولا يهمك أن ~~تعرف ما إذا جهلته عرضت نفسك لكل ذلك، وحصلت فيما هنالك، وكان أكثر كلامك ~~في التفسير، وحيث تخوض في التأويل، كلام من لا يينى الشيء على أصله، ولا ~~يأخذه من مأخذه، ومن ربما وقع في الفاحش من الخطإ الذي يبقى عاره، وتشنع ~~آثاره. ونسأل الله العصمة من الزلل، والتوفيق لما هو أقرب إلى رضاه من ~~القول والعمل. # الخطأ في تقسيم التقديم والتأخير، إلى مفيد وغير مفيد: ### | 103 - # واعلم أن من الخطإ أن يقسم الأمر في تقديم الشيء وتأخيره قسمين، فيجعل ~~مفيدا في بعض الكلام، وغير مفيد في بعض وأن يعلل تارة بالعناية، وأخرى بأنه ~~توسعة على الشاعر، والكاتب، حتى تطرد لهذا قوافيه ولذاك سجعه. ذاك لأن من ~~البعيد أن يكون في جملة النظم ما يدل تارة ولا يدل أخرى. فمتى ثبت في تقديم ~~المفعول مثلا على الفعل في كثير من الكلام، أنه قد اختص بفائدة لا تكون تلك ~~الفائدة مع التأخير، فقد وجب أن تكون تلك قضية في كل شيء وكل حال. ومن سبيل ~~من يجعل التقديم وترك التقديم سواء، PageV01P110 # أن يدعي أنه كذلك في عموم الأحوال، فأما أن يجعله شريجين1، فيزعم أنه ~~للفائدة في بعضها، وللتصرف في اللفظ من غير معنى في بعض، فمما ينبغي أن ~~يرغب عن القول به. ### | 104 - # وهذه مسائل لا يستطيع أحد أن يمتنع من التفرقة بين تقديم ما قدم فيها ~~وترك تقديمه. # مسائل الاستفهام بالهمزة والفعل ماض: # ومن أبين شيء في ذلك "الاستفهام بالهمزة"، فإن موضع الكلام على أنك إذا ~~قلت: "أفعلت؟ "، فبدأت بالفعل، كان الشك في الفعل نفسه، وكان غرضك من ~~استفهامك أن تعلم وجوده. # وإذا قلت: "أأنت فعلت؟ "، فبدأت بالاسم، كان الشك في الفاعل من هو، وكان ~~التردد فيه. ومثال ذلك أنك تقول: "أبنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟ "، ~~"أقلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟ "، "أفرغت من الكتائب الذي كنت ~~تكتبه؟ "، تبدأ في هذا ونحوه بالفعل، لأن ms071 السؤال عن الفعل نفسه والشك فيه، ~~لأنك في جميع ذلك متردد في وجود الفعل وانتفائه، مجوز أن يكون. قد كان، وأن ~~يكون لم يكن. # وتقول: "أأنت بنيت هذه الدار؟ "، "أأنت قلت هذا الشعر؟ "، "أأنت كتبت هذا ~~الكتاب؟ "، فتبدأ في ذلك كله بالاسم، ذاك لأنك لم تشك في الفعل أنه كان. ~~كيف؟ وقد أشرت إلى الدار مبنية، والشعر مقولا، والكتاب مكتوبا، وإنما شككت ~~في الفاعل من هو؟ PageV01P111 # فهذا من الفرق لا يدفعه دافع، ولا يشك فيه شاك، ولا يخفى فساد أحدهما في ~~موضع الآخر. # فلو قلت: "أأنت بنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟ "، "أأنت قلت الشعر ~~الذي كان في نفسك أن تقوله؟ "، "أأنت فرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟ "، ~~خرجت من كلام الناس. وكذلك لو قلت: "أبنيت هذه الدار؟ "، "أقلت هذا الشعر؟ ~~"، "أكتبت هذا الكتاب؟ "، قلت ما ليس بقول. ذاك لفساد أن تقول في الشيء ~~المشاهد الذي هو نصب عينيك أموجود أم لا؟ # ومما يعلم به ضرورة أنه لا تكون البداية بالفعل كالبداية بالاسم أنك ~~تقول: "أقلت شعرا قط؟ "، "أرأيت اليوم إنسانا؟ "، فيكون كلاما مستقيما. ولو ~~قلت: "أأنت قلت شعرا قط؟ "، "أأنت رأيت إنسانا"، أحلت1، وذاك أنه لا معنى ~~للسؤال عن الفاعل من هو في مثل هذا، لأن ذلك إنما يتصور إذا كانت الإشارة ~~إلى فعل مخصوص نحو أن تقول: "من قال هذا الشعر؟ "، و "من بنى هذا الدار؟ " ~~و "من أتاك اليوم؟ "، و "من أذن لك من الذي فعلت؟ "، وما أشبه ذلك مما يمكن ~~أن ينص فيه على معين. فأما قيل شعر على الجملة، ورؤية إنسان على الإطلاق، ~~فمحال ذلك فيه، لأنه ليس مما يختص بهذا دون ذاك حتى يسأل عن عين فاعله. # ولو كان تقديم الاسم لا يوجب ما ذكرنا، من أن يكون السؤال عن PageV01P112 # الفاعل من هو؟ وكان يصح أن يكون سؤالا عن الفعل أكان أم لم يكن؟ لكان ~~ينبغي أن يستقيم ذلك1. ### | 105 - # واعلم أن هذا الذي ذكرت لك في "الهمزة وهي للاستفهام" قائم فيها إذا ms072 هي ~~كانت للتقرير. فإذا قلت: "أأنت فعلت ذاك؟ "، كان غرضك أن تقرره بأنه ~~الفاعل. # الاستفهام للتقرير: # يبين ذلك قوله تعالى، حكاية عن قول نمروذ2: {أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ~~إبراهيم} [الأنبياء: 62] لا شبهة في أنهم لم يقولوا ذلك له عليه السلام وهم ~~يريدون أن يقر لهم بأن كسر الأصنام قد كان، ولكن أن يقر بأنه منه كان، ~~وكيف؟ 3 وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم: {أأنت فعلت هذا}، وقال هو عليه ~~السلام في الجواب4: {بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63]، ولو كان التقرير ~~بالفعل لكان الجواب: "فعلت، أو: لم أفعل". # فإن قلت: أو ليس إذا قال "أفعلت؟ " فهو يريد أيضا أن يقرره بأن الفعل كان ~~منه5، لا بأنه كان على الجملة، فأي فرق بين الحالين؟ PageV01P113 # فإنه إذا قال1: "أفعلت؟ " فهو يقرره بالفعل من غير أن يردده بينه وبين ~~غيره2، وكان كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أن ذلك الفعل كان على الحقيقة ~~وإذا قال: "أأنت فعلت؟ "، كان قد ردد الفعل بينه وبين غيره، ولم يكن منه في ~~نفي الفعل تردد3، ولم يكن كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أكان الفعل أم لم ~~يكن، بدلالة أنك تقول لك والفعل ظاهر موجود مشار إليه، كما رأيت في الآية. ### | 106 - # واعلم أن "الهمزة" فيما ذكرنا تقرير بفعل قد كان، وإنكار له لم كان، ~~وتوبيخ لفاعله عليه. # ولها مذهب آخر، وهو أن يكون الإنكار أن يكون الفعل قد كان من أصله. ~~ومثاله قوله تعالى {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم ~~لتقولون قولا عظيما} [الإسراء: 40]، وقوله: عز وجل: {أصطفى البنات على ~~البنين، ما لكم كيف تحكمون} [الصافات: 153، 154]، فهذا رد على المشركين ~~وتكذيب لهم في قولهم ما يؤدي إلى هذا الجهل العظيم، وإذا قدم الاسم فيهذا ~~صار الإنكار في الفاعل. ومثاله قولك للرجل قد انتحل شعرا: "أأنت قلت هذا ~~الشعر؟ كذبت، لست ممن يحسن مثله"، أنكرت أن يكون القائل ولم تنكر الشعر. ~~PageV01P114 # وقد يكون أن يراد إنكار الفعل من أصله1، ثم يخرج ms073 اللفظ مخرجه إذا كان ~~الإنكار في الفاعل. مثال ذلك قوله تعالى: {قل آلله أذن لكم} [يونس: 59]، ~~"الإذن" راجع إلى قوله: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه ~~حراما وحلالا} [يونس: 59]، ومعلوم أن المعنى على إنكار أن يكون قد كان من ~~الله تعالى إذن فيما قالوه، من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير الله، ~~فأضافوه إلى الله، إلا أن اللفظ أخرج مخرجه إذا كان الأمر كذلك، لأن يجعلوا ~~في صورة من غلط فأضاف إلى الله تعالى إذنا كان من غير الله، فإذا حقق عليها ~~ارتدع. # ومثال ذاك قولك للرجل يدعي أن قولا كان ممن تعلم أنه لا يقوله: "أهو قال ~~ذاك بالحقيقة أم أنت تغلط؟ "، تضع الكلام وضعه إذا كنت علمت أن ذلك القول ~~قد كان من قائل، لينصرف الإنكار إلى الفاعل، فيكون أشد لنفي ذلك وإبطاله. # ونظير هذا قوله تعالى: {قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين} [الأنعام: 143]، أخرج اللفظ مخرجه إذا كان قد ثبت تحريم في ~~أحد أشياء، ثم أريد معرفة عين المحرم، مع أن المراد إنكار التحريم من أصله، ~~ونفي أن يكون قد حرم شيء مما ذكروا أنه محرم. وذلك أن الكلام وضع على أن ~~يجعل التحريم كأنه قد كان2، ثم يقال لهم: "أخبرونا عن هذا التحريم الذي ~~زعمتم، فيم هو؟ أفي هذا أم ذاك أم في الثالث؟ " ليتبين بطلان قولهم، ويظهر ~~مكان الفرية منهم على الله تعالى. PageV01P115 # ومثل ذلك قولك للرجل يدعي أمرا وأنت تنكره1: "متى كان هذا؟ أفي ليل أم ~~نهار؟ " وتضع الكلام وضع من سلم أن ذلك قد كان، ثم تطالبه ببيان وقته، لكي ~~يتبين كذبه إذا لم يقدر أن يذكر له وقتا ويفتضح. ومثله قولك: "من أمرك بهذا ~~منا؟ وأينا أذن لك فيه؟ "، وأنت لا تعني أن أمرا قد كان بذلك من واحد منكم، ~~إلا أنك تضع الكلام هذا الوضع لكي تضيق عليه، وليظهر كذبه حين لا يستطيع أن ~~يقول: "فلان"، وأن يحيل على واحد2. ms074 # تقديم الفعل وتقديم الاسم والفعل مضارع في الاستفهام: ### | 107 - # وإذ قد بينا الفرق بين تقديم الفعل وتقديم الاسم، والفعل ماض، فينبغي أن ~~تنظر فيه والفعل مضارع. # والقول في ذلك أنك إذا قلت: "أتفعل؟ " و "أأنت تفعل؟ " لم يخل من أن تريد ~~الحال أو الاستقبال. فإن أردت الحال كان المعنى شبيها بما مضى في الماضي، ~~فإذا قلت: "أتفعل؟ " كان المعنى على أنك أردت أن تقرره بفعل هو يفعله، وكنت ~~كمن يوهم أنه لا يعلم بالحقيقة أن الفعل كائن وإذا قلت: "أأنت تفعل؟ "، كان ~~المعنى على أنك تريد أن تقرره بأنه الفاعل، وكان أمر الفعل في وجوده ظاهرا، ~~وبحيث لا يحتاج إلى الإقرار بأنه كائن وإن أردت ب "تفعل" المستقبل، كان ~~المعنى إذا بدأت بالفعل على أنك تعمد بالإنكار إلى الفعل نفسه، وتزعم أنه ~~لا يكون، أو أنه لا ينبغي أن يكون، فمثال الأول: PageV01P116 # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟ 1 # فهذا تكذيب منه لإنسان تهدده بالقتل2، وإنكار أن يقدر على ذلك ويستطيعه. ~~ومثله أن يطمع طامع في أمر لا يكون مثله، فتجهله في طمعه فتقول: "أيرضى عنك ~~فلان وأنت مقيم على ما يكره؟ أتجد عنده ما تحب وقد فعلت وصنعت؟ "، وعلى ذلك ~~قوله تعالى: {أنلزمكموها وأنتم لها كارهون} [هود: 28]. # ومثال الثاني، قولك لرجل يركب الخطر: "أتخرج في هذا الوقت؟ أتذهب في غير ~~الطريق؟ أتغرر بنفسك" وقولك لرجل يضيع الحق: "أتنسى قديم إحسان فلان؟ أتترك ~~صحبته وتتغير عن حالك معه لأن تغير الزمان؟ " كما قال: # أأترك أن قلت دراهم خالد ... زيارته إني إذا للئيم3 # تفسير تقديم الفعل المضارع: ### | 108 - # وجملة الأمر أنك تنحو بالإنكار نحو الفعل، فإن بدأت بالاسم فقلت: "أأنت ~~تفعل؟ " أو قلت" "أهو يفعل؟ "، كنت وجهت الإنكار إلى نفس المذكور، وأبيت أن ~~تكون بموضع أن يجيء منه الفعل وممن يجيء منه، وأن يكون بتلك المثابة. ~~PageV01P117 # تفسير ذلك، أنك إذا قلت: "أأنت تمنعي؟ "، "أأنت تأخذ على يدي؟ "، صرت ~~كأنك قلت: إن غيرك الذي يستطيع منعي والأخذ على يدي، ولست بذاك، ms075 ولقد وضعت ~~نفسك في غير موضعك هذا، إذا جعلته لا يكون منه الفعل للعجز، ولأنه ليس في ~~وسعه. # وقد يكون أن تجعله لا يجيء منه، لأنه لا يختاره ولا يرتضيه، وأن نفسه نفس ~~تأبى مثله وتكرهه. ومثاله أن تقول: "أهو يسأل فلانا؟ هو أرفع همة من ذلك"، ~~"أهو يمنع الناس حقوقهم؟ هو أكرم من ذاك". # وقد يكون أن تجعله لا يفعله لصغر قدره وقصر همته، وأن نفسه نفس لا تسمو. ~~وذلك قولك: "أهو يسمح بمثل هذا؟ أهو يرتاح للجميل؟ هو أقصرهمة من ذلك1، ~~وأقل رغبة في الخير مما تظن". PageV01P118 ### | مواضع التقديم والتأخير: الاستفهام # تفسير تقديم الاسم والفعل مضارع: ### | 109 - # وجملة الأمر أن تقديم الاسم يقتضي أنك عمدت بالإنكار إلى ذات من قيل "إنه ~~يفعل" أو قال هو "إني أفعل"، وأردت ما تريده إذا قلت: "ليس هو بالذي يفعل، ~~وليس مثله يفعل" ولا يكون هذا المعنى إذا بدأت بالفعل فقلت: "أتفعل؟ ". ألا ~~ترى أن من المحال أن تزعم أن المعنى في قول الرجل لصاحبه: "أتخرج في هذا ~~الوقت؟ أتغرر بنفسك؟ أتمضي في غير الطريق؟ "، أنه أنكر أن يكون بمثابة من ~~يفعل ذلك، وبموضع من يجيء منه ذاك؛ لأن العلم محيط بأن الناس لا يريدونه، ~~وأنه لا يليق بالحال التي يستعمل فيها هذا الكلام. وكذلك محال أن يكون ~~المعنى في قوله جل وعلا: {أنلزمكموها وأنتم لها # PageV01P118 # كارهون} [هود: 28]، أنا لسنا بمثابة من يجيء منه هذا الإلزام، وأن غيرنا ~~من يفعله، جل الله تعالى. # وقد يتوهم المتوهم في الشيء من ذلك أنه يحتمل، فإذا نظر لم يحتمل، فمن ~~ذلك قوله: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي1 # وقد يظن الظان أنه يجوز أن يكون في معنى أنه ليس بالذي يجيء منه أن يقتل ~~مثلي، ويتعلق بأنه قال قبل: # يغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتال # ولكنه إذا نظر علم أنه لا يجوز، وذاك لأنه قال: "والمشرفي مضاجعي" فذكر ~~ما يكون منعا من الفعل، ومحال أن يقول: "هو ممن لا يجيء منه الفعل"، ثم ~~يقول: "إني ms076 أمنعه"، لأن المنع يتصور فيمن يجيء منه الفعل، ومع من يصح منه، ~~لا من هو منه محال، ومن هو نفسه عنه عاجز، فاعرفه. # تفسير الاستفهام الدال على الإنكار: ### | 110 - # واعلم أنا وإن كنا نفسر "الاستفهام" في مثل هذا بالإنكار فإن الذي هو محض ~~المعنى: أنه ليتنبه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتدع ويعيي بالجواب2، ~~إما لأنه قد ادعى القدرة على فعل لا يقدر عليه، فإذا ثبت على دعواه قيل له: ~~"فافعل"، فيفضحه ذلك3 وإما لأنه هم PageV01P119 # بأن يفعل ما لا يستصوب فعله، فإذا روجع فيه تنبه وعرف الخطأ وإما لأنه ~~جوز وجود أمر لا يوجد مثله، فإذا ثبت على تجويزه قبح على نفسه1، وقيل له: ~~"فأرناه في موضع وفي حال، وأقم شاهدا على أنه كان في وقت". # ولو كان يكون للإنكار، وكان المعنى فيه من بدء الأمر2، لكان ينبغي أن لا ~~يجيء فيما لا يقول عاقل إنه يكون، حتى ينكر عليه، كقولهم: "أتصعد إلى ~~السماء؟ "، "أتستطيع أن تنقل الجبال؟ "، "أإلى رد ما مضى سبيل؟ ". ### | 111 - # وإذ قد عرفت ذلك، فإنه لا يقرر بالمحال، وبما لا يقول أحد إنه يكون، إلا ~~على سبيل التمثيل، وعلى أن يقال له: "إنك في دعواك ما ادعيت بمنزلة من يدعي ~~هذا المحال، وإنك في طمعك في الذي طمعت فيه بمنزلة من يطمع في الممتنع". ### | 112 - # وإذ قد عرفت هذا، فمما هو من هذا الضرب قوله تعالى: {أفأنت تسمع الصم أو ~~تهدي العمي} [الزخرف: 40]، ليس سماع الصم مما يدعيه أحد فيكون ذلك ~~للإنكار3، وإنما المعنى فيه التمثيل والتشبيه، وأن ينزل الذي يظن بهم أنهم ~~يسمعون، أو أنه يستطيع إسماعهم، منزلة من يرى أنه يسمع الصم ويهدي العمي ثم ~~المعنى في تقديم الاسم وأن لم يقل: "أتسمع الصم"، هو أن يقال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: "أأنت خصوصا قد أوتيت PageV01P120 # أن تسمع الصم؟ " وأن يجعل في ظنه أنه يستطيع إسماعهم، بمثابة من يظن أنه ~~قد أوتي قدرة على إسماع الصم. # ومن لطيف ذلك قول ابن أبي ms077 عيينة1: # فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير2؟ # جعله كأنه قد ظن أن طنين أجنحة الذباب بمثابة ما يضير، حتى ظن أن وعيده ~~يضير. # تفسير تقديم المفعول على المضارع، وهو فعل لم يكن: ### | 113 - # واعلم أن حال المفعول فيما ذكرنا كحال الفاعل، أعني تقديم إسم المفعول ~~يقتضي أن يكون الإنكار في طريق الإحالة والمنع من أن يكون3، بمثابة أن يوقع ~~به مثل ذلك الفعل، فإذا قلت: "أزيدا تضرب؟ "، كنت قد أنكرت أن يكون "زيد" ~~بمثابة أن يضرب، أو بموضع أن يجترأ عليه ويستجاز ذلك فيه، ومن أجل ذلك قدم ~~"غير" في قوله تعالى: {قل أغير الله أتخذ وليا} [الأنعام: 14] وقوله عز ~~وجل: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون} ~~[الأنعام: 40]، وكان له من الحسن والمزية والفخامة، ما تعلم أنه لا يكون لو ~~أخر فقيل: "قل أأتخذ غير الله وليا". PageV01P121 # و "أتدعون غير الله؟ "1 وذلك لأنه قد حصل بالتقديم معنى قولك: "أيكون غير ~~الله بمثابة أن يتخذ وليا؟ وأيرضى عاقل من نفسه أن يفعل ذلك؟ وأيكون جهل ~~أجهل وعمى أعمى من ذلك؟ "، ولا يكون شيء من ذلك إذا قيل: "أأتخذ غير الله ~~وليا". وذلك لأنه حينئذ يتناول الفعل أن يكون فقط، ولا يزيد على ذلك، ~~فاعرفه. ### | 114 - # وكذلك الحكم في قوله تعالى: {فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه} [القمر: 24] ~~2، وذلك لأنهم كفرهم على أن من كان مثلهم بشرا، لم يكن بمثابة أن يتبع ~~ويطاع، وينتهى إلى ما يأمر، ويصدق أنه مبعوث من الله تعالى، وأنهم مأمورون ~~بطاعته، كما جاء في الأخرى: {إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا} ~~[إبراهيم: 10]، وكقوله عز وجل {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ~~ولو شاء الله لأنزل ملائكة} [المؤنون: 24]. # فهذا هو القول في الضرب الأول، وهو أن يكون "يفعل" بعد الهمزة لفعل لم ~~يكن. # معنى التقديم والفعل موجود: ### | 115 - # وأما الضرب الثاني، وهو أن يكون "يفعل" لفعل موجود، فإن تقديم الاسم ~~يقتضي شبها بما اقتضاه ms078 في "الماضي"3، من الأخذ بأن يقر أنه الفاعل، أو ~~الإنكار أن يكون الفاعل. PageV01P122 # فمثال الأول قولك للرجل يبغي ويظلم: "أأنت تجيء إلى الضعيف فتغضب ماله؟ ~~"، "أأنت تزعم أن الأمر كيت وكيت؟ " وعلى ذلك قوله تعالى: {أفأنت تكره ~~الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99]. # ومثال الثاني: {أهم يقسمون رحمت ربك} [الزخرف: 32]. # PageV01P123 ### | مواضع التقديم والتأخير: النفي # فصل- التقديم والتأخير في النفي: ### | 116 - # وإذا قد عرفت هذه المسائل في "الاستفهام"، فهذه مسائل في "النفي". # إذا قلت: "ما فعلت"، كنت نفيت عنك فعلا لم يثبت أنه مفعول وإذا قلت: "ما ~~أنا فعلت"، كنت نفيت عنك فعلا يثبت أنه مفعول1. # تفسير ذلك: أنك إذا قلت: "ما قلت هذا"، كنت نفيت أن تكون قد قلت ذاك، ~~وكنت نوظرت في شيء لم يثبت أنه مقول؟ # وإذا قلت: "ما أنا قلت هذا"، كنت نفيت أن تكون القائل له، وكانت المناظرة ~~في شيء ثبت أنه مقول. وكذلك إذا قلت: "ما ضربت زيدا"، كنت نفيت عنك ضربه، ~~ولم يجب أن يكون قد ضرب، بل يجوز أن يكون ضربه غيرك، وأن لا يكون قد ضرب ~~أصلا. وإذا قلت: "ما أنا ضربت زيدا"، لم تقله إلا وزيد مضروب، وكان القصد ~~أن تنفي أن تكون أنت الضارب. # ومن أجل ذلك صلح في الوجه الأول أن يكون المنفي عاما كقولك: "ما قلت شعرا ~~قط"، و "ما أكلت اليوم شيئا" و "ما أنا قلت شعرا قط", "ما أنا أكلت اليوم ~~شيئا" و "ما أنا رأيت أحدا من الناس"، وذلك أنه يقتضي المحال، وهو أن يكون ~~ههنا إنسان قد قال كل شعر في الدنيا، وأكل كل شيء يؤكل، ورأى كل أحد من ~~الناس، فنفيت أن تكونه. PageV01P124 ### | 117 - # ومما هو مثال بين في أن تقديم الاسم يقتضي وجود الفعل قوله: # وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارا1 # المعنى، كما لا يخفي، على أن السقم ثابت موجود، وليس القصد بالنفي إليه، ~~ولكن إلى أن يكون هو الجالب له، ويكون قد جره إلى نفسه. # ومثله في الوضوح ms079 قوله: # وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله2 # "الشعر" مقول على القطع، والنفي لأن يكون هو وحده القائل له. ### | 118 - # وههنا أمران يرتفع معهما الشك في وجوب هذا الفرق، ويصير العلم به ~~كالضرورة. # أحدهما: أنه يصح لك أن تقول: "ما قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس"، و "ما ~~ضربت زيدا، ولا ضربه أحد سواي"، ولا يصح ذلك في الوجه الآخر. فلو قلت: "نما ~~أنا قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس" و "ما أنا ضربت زيدا، ولا ضربه أحد ~~سواي"، كان خلفا من القول3، وكان من التناقض بمنزلة أن تقول: "لست الضارب ~~زيدا أمس"، فتثبت أنه قد ضرب، PageV01P125 # ثم يقول من بعده: "وما ضربه أحد من الناس"، و "لست القائل ذلك"، فتثبت ~~أنه قد قيل، ثم تجيء فتقول و "ما قاله أحد من الناس". # والثاني من الأمرين أنك تقول: "ما ضربت إلا زيدا"، فيكون كلاما مستقيما، ~~ولو قلت: "ما أنا ضربت إلا زيدا"، كان لغو من القول، وذلك لأن نقض النفي ب ~~"إلا" يقتضي أن تكون ضربت زيدا وتقديمك ضميرك وإيلاؤه حرف النفي، يقتضي نفي ~~أن تكون ضربته، فهما يتدافعان1.فاعرفه. # تقديم المفعول وتأخيره في النفي: ### | 119 - # ويجيء لك هذا الفرق على وجهه في تقديم المفعول وتأخيره. # فإذا قلت: "ما ضربت زيدا"، فقدمت الفعل، كان المعنى أنك قد نفيت أن يكون ~~قد وقع ضرب منك على زيد، ولم تعرض في أمر غيره لنفي ولا إثبات، وتركته ~~مبهما محتملا. # وإذا قلت: "ما زيدا ضربت"، فقدمت المفعول، كان المعنى على أن ضربا وقع ~~منك على إنسان، وظن أن ذلك الإنسان زيد، فنفيت أن يكون إياه. # فلك أن تقول في الوجه الأول: "ما ضربت زيدا ولا أحدا من الناس"، وليس لك ~~[ذلك] في الوجه الثاني2. فلو قلت: "ما زيدا ضربت ولا أحدا من الناس"، كان ~~فاسدا على ما مضى في الفاعل. PageV01P126 ### | 120 - # ومما ينبغي أن تعلمه1، أنه يصح لك أن تقول: "ما ضربت زيدا، ولكني ~~أكرمته"، فتعقب الفعل المنفي بإثبات فعل هو ضده ms080 ولا يصح أن تقول: "ما زيدا ~~ضربت، ولكني أكرمته"2 وذاك أنك لم ترد أن تقول: لم يكن الفعل هذا ولكن ذاك، ~~ولكنك أردت أنه لم يكن المفعول هذا، ولكن ذاك. فالواجب إذن أن تقول: "ما ~~زيدا ضربت ولكن عمرا". # وحكم الجار مع المجرور في جميع ما ذكرنا حكم المنصوب، فإذا قلت: "ما ~~أمرتك بهذا"، كان المعنى على نفي أن تكون قد أمرته بذلك، ولم يجب أن تكون ~~قد أمرته بشيء آخر وإذا قلت: "ما بهذا أمرتك"، كنت قد أمرته بشيء غيره. ~~PageV01P127 ### | مواضع التقديم والتأخير: الخبر # فصل 1: التقديم والتأخير في الخبر المثبت وهو قسمان: ### | 121 - # واعلم أن الذي بان لك في "الاستفهام" و "النفي" من المعنى في التقديم، ~~قائم مثله في "الخبر المثبت". # فإذا عمدت إلى الذي أردت أن تحدث عنه فعل فقدمت ذكره، ثم بنيت الفعل عليه ~~فقلت: "زيد قد فعل" و "أنا فعلت"، و "أنت فعلت"، اقتضى ذلك أن يكون القصد ~~إلى الفاعل، إلا أن المعنى في هذا القصد ينقسم قسمين: # القسم الجلي: # أحدهما جلي لا يشكل: وهو أن يكون الفعل فعلا قد أردت أن تنص فيه على واحد ~~فتجعله له، وتزعم أنه فاعله دون واحد آخر، أو دون كل أحد. # ومثال ذلك أن تقول "أنا كتبت في معنى فلان وأنا شفعت في بابه"2، تريد أن ~~تدعي الانفراد بذلك والاستبداد به، وتزيل الاشتباه فيه، وترد على من زعم أن ~~ذلك كان من غيرك، أو أن غيرك قد كتب فيه كما كتبت. ومن البين في ذلك قولهم ~~في المثل "أتعلمني بضب أنا حرشته"3. # القسم الثاني وتفسيره: # والقسم الثاني: أن لا يكون القصد إلى الفاعل على هذا المعنى، ولكن على ~~أنك أردت أن تحقق على السامع أنه قد فعل، وتمنعه من الشك، فأنت PageV01P128 # لذلك تبدأ بذكره، وتوقعه أولا ومن قبل أن تذكر الفعل في نفسه1، لكي ~~تباعده بذلك من الشبهة، وتمنعه من الإنكار، أو من أن يظن بك الغلط أو ~~التزيد. ومثاله قولك: "هو يعطي الجزيل"، و "هو يحب الثناء"، لا ms081 تريد أن ~~تزعم أنه ليس هنا من يعطي الجزيل ويحب الثناء غيره، ولا أن تعرض بإنسان ~~وتحطه عنه، وتجعله لا يعطي كما يعطي، ولا يرغب كما يرغب2، ولكنك تريد أن ~~تحقق على السامع أن إعطاء الجزيل وحب الثناء دأبه، وأن تمكن ذلك في نفسه. ### | 121 - # ومثاله في الشعر: # هم يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغالبا3 # لم يرد أن يدعي لهم هذه الصفة دعوى من يفردهم بها، وينص عليهم فيها، حتى ~~كأنه يعرض بقوم آخرين، فينفي أن يكونوا أصحابها. هذا محال. وإنما أراد أن ~~يصفهم بأنهم فرسان يمتهدون صهوات الخيل، وأنهم يقتعدون الجياد منها4، وأن ~~ذلك دأبهم، من غير أن يعرض لنفيه عن غيرهم، إلا أنه بدأ بذكرهم لينبه ~~السامع لهم، ويعلم بديا قصده إليهم بما في نفسه من الصفة5، PageV01P129 # ليمنعه بذلك من الشك، ومن توهم أن يكون قد وصفهم بصفة ليست هي لهم، أو أن ~~يكون قد أراد غيرهم فغلط إليه. ### | 123 - # وعلى ذلك قول الآخر: # هم يضربون الكبش يبرق بيضه، ... على وجهه من الدماء سبائب1 # لم يرد أن يدعي لهم الانفراد، ويجعل هذا الضرب لا يكون إلا منهم، ولكن ~~أراد الذي ذكرت لك، من تنبيه السامع لقصدهم بالحديث من قبل ذكر الحديث، ~~ليحقق الأمر ويؤكده. ### | 124 - # ومن البين فيه قول عروة بن أذينة: # سليمى أزمعت بينا ... فأين نقولها أينا2 # وذلك أنه ظاهر معلوم أنه لم يرد أن يجعل هذا الإزماع لها خاصة، ويجعلها ~~من جماعة لم يزمع البين منهم أحد سواها. هذا محال، ولكنه أراد أن ~~PageV01P130 # يحقق الأمر ويؤكده. فأوقع ذكرها في سمع الذي كلم ابتداء من أول الأمر. # ليعلم قبل هذا الحديث أنه أرادها بالحديث، فيكون ذلك أبعد له من الشك. ### | 125 - # ومثله في الوضوح قوله: # هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما1 # لا شبهة في أنه لم يرد أن يقصر هذه الصفة عليهما، ولكن نبه لهما قبل ~~الحديث عنهما. ### | 126 - # وأبين من الجميع قوله تعالى: {واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا ms082 وهم ~~يخلقون} [الفرقان: 3]، وقوله عز وجل: {وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا ~~بالكفر وهم قد خرجوا به} [المائدة: 61]. # تقديم المحدث عنه يفيد التنبيه والتحقيق: ### | 127 - # وهذا الذي قد ذكرت من أن تقديم ذكر المحدث عنه يفيد التنبيه له، قد ذكره ~~صاحب الكتاب في المفعول إذا قدم فرفع بالابتداء، وبني الفعل الناصب كان له ~~عليه2 وعدي إلى ضميره فشغل به. كقولنا في "ضربت عبد الله": "عبد الله ~~ضربته"، فقال: و "إنما" قلت: "عبد الله"، فنبهته له، ثم بنيت عليه الفعل، ~~ورفعته بالابتداء"3. PageV01P131 ### | 128 - # فإن قلت: فمن أين وجب أن يكون تقديم ذكر المحدث عنه بالفعل، آكد لإثبات ~~ذلك الفعل له، وأن يكون قوله: "هما يلبسان المجد"1، أبلغ فى جعلهما يلبسانه ~~من أن يقال: "يلبسان المجد"؟ # فإن2 ذلك من أجل أنه لا يؤتى بالاسم معرى من العوامل إلا لحديث قد نوي ~~إسناده إليه، وإذا كان كذلك، فإن قلت: "عبد الله"، فقد أشعرت قبله بذلك أنك ~~قد أردت الحديث عنه، فإذا جئت بالحديث فقلت مثلا: "قام" أو قلت: "خرج"، أو ~~قلت: "قدم" فقد علم ما جئت به وقد وطأت له وقدمت الإعلام فيه، فدخل على ~~القلب دخول المأنوس به، وقلبه قبول المهيأ له المطمئن إليه، ولك لا محالة ~~أشد لثبوته، وأتقى للشبهة، وأمنع للشك، وأدخل في التحقيق. ### | 129 - # وجملة الأمر أنه ليس إعلامك الشيء بغتة غفلا، مثل إعلامك له بعد التنبيه ~~عليه والتقدمة له، لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والإحكام. ~~ومن ههنا قالوا: إن الشيء إذا أضمر ثم فسر، كان ذلك أفخم له من أن يذكر من ~~غير تقدمة إضمار3. # ويدل على صحة ما قالوه أننعلم ضرورة في قوله تعالى: {فإنها لا تعمى ~~الأبصار} [الحج: 46] فخامة وشرفا وروعة، لا نجد منها شيئا في قولنا: "فإن ~~PageV01P132 # الأبصار لا تعمى"، وكذلك السبيل أبدا في كل كلام كان فيه ضمير قصة. فقوله ~~تعالى: {إنه لا يفلح الكافرون} [المؤمنون: 117]، يفيد من القوة في نفي ~~الفلاح عن الكافرين، ما لو قيل: "إن الكافرين لا يفلحون"، ms083 لم يستفد ذلك. ~~ولم يكن ذلك كذلك إلا أنك تعلمه إياه من بعد تقدمة وتنبيه، أنت به في حكم ~~من بدأ وأعاد ووطد، ثم بنى ولوح ثم صرح1. ولا يخفى مكان المزية فيما طريقه ~~هذا الطريق. # تقديم المحدث عنه يقتضي تأكيد الخبر: ### | 130 - # ويشهد لما قلنا من أن تقديم المحدث عنه يقتضي تأكيد الخبر وتحقيقه له، ~~أنا إذا تأملنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار من ~~منكر، نحو أن يقول الرجل: "ليس لي علم بالذي تقول" فتقول له: "أنت تعلم أن ~~الأمر على ما أقول، ولكنك تميل إلى خصمي" وكقول الناس: "هو يعلم ذاك وإن ~~أنكر، وهو يعلم الكذب فيما قال وإن حلف عليه" وكقوله تعالى: {ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 75، 78]، فهذا من أبين شيء. وذاك أن ~~الكاذب، لا سيما في الدين، لا يعترف بأنه كاذب، وإذا لم يعترف بأنه كاذب، ~~كان أبعد من ذلك أن يعترف بالعلم بأنه كاذب. # أو يجيء فيما اعترض فيه شك، نحو أن يقول الرجل: "كأنك لا تعلم ما صنع ~~فلان ولم يبلغك"، فيقول: "أنا أعلم، ولكني أداريه". PageV01P133 # أو في تكذيب مدع كقوله عز وجل: {وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر ~~وهم قد خرجوا به} [المائدة: 61]، وذلك أن قولهم: "آمنا"، دعوى منهم أنهم لم ~~يخرجوا بالكفر كما دخلوا به، فالموضع موضع تكذيب. # أو1 فيما القياس في مثله أن لا يكون، كقوله تعالى: {واتخذوا من دونه آلهة ~~لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} [الفرقان: 3]، وذلك أن عبادتهم لها تقتضي أن لا ~~تكون مخلوقة. # وكذلك في كل شيء كان خبرا على خلاف العادة، وعما يستغرب من الأمر نحو أن ~~تقول: "ألا تعجب من فلان؟ يدعي العظيم، وهو يعيى باليسير، ويزعم انه شجاع، ~~وهو يفزع من أدنى شيء". # وجوه تقديم المحدث عنه، ومعانيها: ### | 131 - # ومما يحسن ذلك فيه ويكثر، الوعد والضمان، كقول الرجل: "أنا أعطيك، أنا ~~أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر"، وذلك أن من شأن من تعده وتضمن له، أن يعترضه ms084 ~~الشك في تمام الوعد وفي الوفاء به، فهو من أحوج شيء إلى التأكيد. # وكذلك يكثر في المدح، كقولك: "أنت تعطي الجزيل، أنت تقري في المحل، أنت ~~تجود حين لا يجود أحد"، وكما قال: # ولأنت تقري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري2 PageV01P134 # وكقول الآخر: # نحن في المشتاة ندعو الجفلى1 # وذلك أن من شأن المادح أن يمنع السامعين من الشك فيما يمدح به، ويباعدهم ~~من الشبهة، وكذلك المفتخر. # تقديم المحدث عنه بعد واو الحال: ### | 132 - # ويزيدك بيانا أنه إذا كان الفعل مما لا يشك فيه ولا ينكر بحال، لم يكد ~~يجيء على هذا الوجه، ولكن يؤتى به غير مبني على اسم، فإذا أخبرت بالخروج ~~مثلا عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة قلت: "قد خرج"، ولم تحتج إلى أن ~~تقول: "هو قد خرج"، ذاك لأنه ليس بشيء يشك فيه السامع2، فتحتاج أن تحققه، ~~وإلى أن تقدم فيه ذكر المحدث عنه. وكذلك إذا علم السامع من حال رجل أنه على ~~نية الركوب والمضي إلى موضع، ولم يكن شك وتردد أنه يركب أو لا يركب، كان ~~خبرك فيه أن تقول: "قد ركب"، ولا تقول3: "هو قد ركب". فإن جئت بمثل هذا في ~~صلة كلام، ووضعته بعد واو الحال، حسن حينئذ، وذلك قولك: "جئته وهو قد ركب"، ~~وذاك أن الحكم يتغير إذا صارت الجملة فيمثل هذا الموضع، ويصير الأمر بمعرض ~~PageV01P135 # الشك، وذاك أنه إنما يقول هذا من ظن أنه يصادفه في منزله، وأنه يصل إليه ~~من قبل أن يركب1. # فإن قلت: فإنك قد تقول: "جئته وقد ركب" بهذا المعنى، ومع هذا الشك. # 2 فإن الشك لا يقوى حينئذ قوته في الوجه الأول، أفلا ترى أنك إذا استبطأت ~~إنسانا فقلت: "أتانا والشمس قد طلعت"، كان ذلك أبلغ في استبطائك له من أن ~~تقول: "أتانا وقد طلعت الشمس؟ " وعكس هذا أنك إذا قلت: "أتى والشمس لم ~~تطلع"، كان أقوى في وصفك له بالعجلة والمجيء قبل الوقت الذي ظن أنه يجيء ~~فيه، من ms085 أن تقول: "أتى ولم تطلع الشمس بعد". # هذا، وهو كلام لا يكاد يجيء إلا نابيا، وإنما الكلام البليغ هو أن تبدأ ~~بالاسم وتبني الفعل عليه كقوله: # قد أغتدي والطير لم تكلم3 # فإذا كان الفعل فيما بعد هذه الواو التي يراد بها الحال، مضارعا، لم يصلح ~~إلا مبنيا على اسم كقولك: "رأيته وهو يكتب"، و "دخلت عليه وهو يملي ~~الحديث"4، وكقوله: PageV01P136 # تمزرنها والدين يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا1 # ليس يصلح شيء من ذلك إلا على ما تراه، لو قلت: "رأيته ويكتب" و "دخلت ~~عليه ويملي الحديث"، و "تمززتها ويدعو الديك صباحه"، لم يكن شيئا. ### | 133 - # ومما هو بهذه المنزلة في أنك تجد المعنى لا يستقيم إلا على ما جاء عليه ~~من بناء الفعل على الاسم قوله تعالى: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو ~~يتولى الصالحين} [الأعراف: 196]، وقوله تعالى: {وقالوا أساطير الأولين ~~اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان: 5]، وقوله تعالى: {وحشر ~~لسليمان جنوده من الجن والأنس والطير فهم يوزعون} [النمل: 17]، فإنه لا ~~يخفى على من له ذوق أنه لاو جيء في ذلك بالفعل غير مبني على الاسم فقيل: ~~{إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين}، و {اكتتبها فهي تملى ~~عليه}، و {وحشر لسليمان جنوده من الجن والأنس والطير فهم يوزعون}، لوجد ~~اللفظ قد نبا عن المعنى، والمعنى قد زال عن صورته والحال التي ينبغي أن ~~يكون عليها. PageV01P137 # تقديم المحدث عنه في الخبر المنفي: ### | 134 - # واعلم أن هذا الصنيع يقتضي في الفعل المنفي ما اقتضاه في المثبت، فإذا ~~قلت: "أنت لا تحسن هذا"، كان أشد لنفي إحسان ذلك عنه من أن تقول: "لا تحسن ~~هذا"، ويكون الكلام في الأول من هو أشد إعجابا بنفسه، وأعرض دعوى في أنه ~~يحسن، حتى إنك لو أتيت ب "أنت" فيما بعد "تحسن" فقلت: "لا تحسن أنت"، لم ~~يكن له تلك القوة. # وكذلك قوله تعالى: {والذين هم بربهم لا يشركون} [المؤمنون: 59]، يفيد من ~~التأكيد في نفي الإشراك عنهم، ما لو قيل: ms086 "والذين لا يشركون بربهم، أو: ~~بربهم لا يشركون" لم يفد ذلك. وكذا قوله تعالى: {لقد حق القول على أكثرهم ~~فهم لا يؤمنون} [يس: 7] وقوله تعالى: {فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا ~~يتساءلون} [القصص: 66]، و {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا ~~يؤمنون} [الأنفال: 55]. # PageV01P138 ### | مواضع التقديم والتأخير: مثل وغير # تقديم "مثل" و"غير" كالأمر اللازم: ### | 135 - # ومما يرى تقديم الاسم فيه كاللازم: "مثل"، و "غير"، في نحو قوله: # مثلك يثني الحزن عن صوبه ... ويسترد الدمع عن غربه1 # وقول الناس: "مثلك رعى الحق والحرمة"، وكقول الذي قال له الحجاج: ~~"لأحملنك على الأدهم"، يريد القيد، فقال على سبيل المغالطة: "ومثل الأمير ~~يحمل على الأدهم والأشهب"2، وما أشبه ذلك مما لا يقصد فيه PageV01P138 # ب "مثل" إلى إنسان سوى الذي أضيف إليه، ولكنهم يعنون أن كل من كان مثله ~~في الحال والصفة، كان من مقتضى القياس وموجب العرف والعادة أن يفعل ما ذكر، ~~أو أن يلا يفعل. ومن أجل أن كان المعنى كذلك قال1: # ولم أقل مثلك، أعني به ... سواك، يا فردا بلا مشبه2 ### | 136 - # وكذلك حكم "غير" إذا سلك به هذا المسلك فقيل: "غيري يفعل ذلك"، على معنى ~~أني لا أفعله، لا أن يومئ ب "غير" إلى إنسان فيخبر عنه بأن يفعل، كما قال: # غيري بأكثر هذا الناس ينخدع3 # وذاك أنه معلوم أنه لم يرد أن يعرض بواحد كان هناك فيستنقصه ويصفه بأنه ~~مضعوف يغر ويخدع، بل لم يرد إلا أن يقول: إني لست ممن ينخدع ويغتر. وكذلك ~~لم يرد أبو تمام بقوله: # وغيري يأكل المعروف سحتا ... وتشحب عنده بيض الأيادي4 # أن يعرض مثلا بشاعر سواه، فيزعم أن الذي قرف به عند الممدوح من أنه هجاه، ~~كان من ذلك الشاعر لا منه. هذا محال، بل ليس إلا أنه نفى عن نفسه أن يكون ~~ممن يكفر النعمة ويلؤم. PageV01P139 # واستعمال "مثل" و "غير" على هذا السببيل شيء مركوز في الطباع، وهو جار في ~~عادة كل قوم. فأنت الآن إذا تصفحت الكلام وجدت هذين الاسمين يقدمان ms087 أبدا ~~على الفعل إذا نحي بهما هذا النحو الذي ذكرت لك، وترى هذا المعنى لا يستقيم ~~فيهما إذا لم يقدما. أفلا ترى أنك لو قلت: "يثني الحزن عن صوبه مثلك"1 و ~~"رعى الحق والحرمة مثلك"، و "يحمل على الأدهم والأشهب مثل الأمير"، و ~~"ينخدع غيري بأكثر هذا الناس"، و "يأكل غيري المعروف سحتا"، رأيت كلاما ~~مقلوبا عن جهته، ومغيرا عن صورته، ورأيت اللفظ قد نبا عن معناه، ورأيت ~~الطبع يأبى أن يرضاه. PageV01P140 ### | مواضع التقديم والتأخير: قاعدة عامة # دستور في التقديم والتأخير في الاستفهام والخبر: ### | 137 - # واعلم أن معك دستورا لك فيه، إن تأملت، غني عن كل سواه1، وهو أنه لا يجوز ~~أن يكون لنظم الكلام وترتيب أجزائه في "الاستفهام" معنى لا يكون له ذلك ~~المعنى في "الخبر". وذاك أن "الاستفهام" استخبار، والاستخبار هو طلب من ~~المخاطب أن يخبرك. فإذا كان كذلك، كان محالا أن يفترق الحال بين تقديم ~~الاسم وتأخيره في "الاستفهام"، فيكون المعنى إذا قلت: "أزيد قام؟ " غيره ~~إذا قلت: "أقام زيد؟ "، ثم لا يكون هذا الافتراق في الخبر، ويكون قولك: ~~"زيد قام" و "قام زيد" سواء، ذاك لأنه يؤدي إلى أن تستعمله أمرا لا سبيل ~~فيه إلى جواب، وأن تستثبته المعنى على وجه ليس عنده عبارة يثبته لك بها على ~~ذلك الوجه. PageV01P140 # وجملة الأمر، أن المعنى في إدخالك "حرف الاستفهام" على الجملة من الكلام، ~~وهو أنك تطلبأن يقفك في معنى تلك الجملة ومؤداها على إثبات أو نفي. فإذا ~~قلت: "أزيد منطلق؟ "، فأنت تطلب أن يقول لك: "نعم، هو منطلق" أو يقول: "لا، ~~ما هو منطلق". وإذا كان ذلك كذلك، كان محالا أن تكون الجملة إذا دخلتها ~~همزة الاستفهام استخبارا عن المعنى على وجه، لا تكون هي إذا نزعت منها ~~الهمزة إخبارا به على ذلك الوجه، فاعرفه1. PageV01P141 ### | تقديم النكرة على الفعل وعكسه # فصل: "هذا كلام في النكرة إذا قدمت على الفعل، أو قدم الفعل عليها" # النكرة وتقديمها على الفعل في الاستفهام: ### | 138 - # إذا قلت: "أجاءك رجل؟ "، فأنت تريد أن ms088 تسأله هل كان مجيء من واحد من ~~الرجال إليه1، فإن قدمت الاسم فقلت: "أرجل جاءك؟ "، فأنت تسأله عن جنس من ~~جاءه، أرجل هو أم امرأة؟ ويكون هذا منك إذا كنت علمت أنه قد أتاه آت، ولكنك ~~لم تعلم جنس ذلك الآتي، فسبيلك في ذلك سبيلك إذا أردت أن تعرف عين الآتي ~~فقلت: "أزيد جاءك أم عمرو؟ ". # ولا يجوز تقديم الاسم في المسئلة الأولى2، لأن تقديم الاسم يكون إذا كان ~~السؤال عن الفاعل، والسؤال عن الفاعل يكون إما عن عينه أو عن جنسه، ولا ~~ثالث. وإذا كان كذلك، كان محالا أن تقدم الاسم النكرة وأنت لا تريد السؤال ~~عن الجنس، لأنه لا يكون لسؤالك حينئذ متعلق، من حيث لا يبقى بعد الجنس إلا ~~العين. والنكرة لا تدل على عين شيء فيسأل بها عنه. # فإن قلت: "أرجل طويل جاءك أم قصير؟ "، كان السؤال عن أن الجائي كان3، من ~~جنس طوال الرجال أم قصارهم؟ فإن وصفت النكرة بالجملة فقلت: "أرجل كنت عرفته ~~من قبل أعطاك هذا أم رجل لم تعرفه"، PageV01P142 # كان السؤال عن المعطي، أكان ممن عرفه قبل، أم كان إنسانا لم تتقدم منه ~~معرفة له1. # تقديم النكرة في الخبر ومعناه: ### | 139 - # وإذ قد عرفت الحكم في الابتداء بالنكرة في "الاستفهام" فأين "الخبر" ~~عليه. فإذا قلت: "رجل جاءني": لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل ~~لا امرأة، ويكون كلامك مع من قد عرف أن قد أتاك آت. فإن لم ترد ذاك، كان ~~الواجب أن تقول: "جاءني رجل"، فتقدم الفعل. # وكذلك إن قلت: "رجل طويل جاءني" لم يستقم حتى يكون السامع قد ظن أنه قد ~~أتاك قصير، أو نزلته منزلة من ظن ذلك. # تفسير قولهم: "شر أهر ذاناب": ### | 140 - # وقولههم "شراهر ذا ناب"2، إنما قدم فيه "شر"، لأن المراد أن يعلم أن الذي ~~أهر ذا الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير، فجرى مجرى أن تقول: "رجل جاءني" ~~تريد أنه رجل لا امرأة، وقول العلماء إنه إنما يصلح،3 لأنه بمعنى ms089 "ما أهر ~~ذا ناب إلا شر". # بيان لذلك: ألا ترى أنك لا تقول: "ما أتاني إلا رجل"، إلا حيث يتوهم ~~السامع أنه قد أتتك امرأة، ذاك لأن الخبر ينقض النفي يكون حيث يراد ~~PageV01P143 # أن يقصر الفعل على شيء1، وينفى عما عداه. فإذا قلت: "ما جاءني إلا زيد"، ~~كان المعنى أنك قد قصرت المجيء على زيد، ونفيته عن كل من عداه. وإنما يتصور ~~قصر الفعل على معلوم، ومتى لم يرد بالنكرة الجنس، لم يقف منها السامع على ~~معلوم، حتى تزعم أني أقصر له الفعل عليه، وأخبره أنه كان منه دون غيره. ### | 141 - # واعلم أنا لم نرد بما قلناه2، من أنه إنما حسن الابتداء بالنكرة في ~~قولهم: "شر أهر ذا ناب"، لأنه أريد به الجنس، أن معنى "شر" و "الشر" سواء3، ~~وإنما أردنا أن الغرض من الكلام أن نبين أن الذي أهر ذا الناب هو من جنس ~~الشر لا جنس الخير، كما أنا إذا قلنا في قولهم: "أرجل أتاك أم المرأة أتاك" ~~ولكنا نعني أن المعنى على أنك سألت عن الآتي أهو من جنس الرجال أم جنس ~~النساء؟ فالنكرة إذن على أصلها منكونها لواحد من الجنس، إلا أن القصد منك ~~لم يقع إلى كونه واحدا، وإنما وقع إلى كونه من جنس الرجال. # وعكس هذا أنك إذا قلت: "أرجل أتاك أم رجلان؟ "، كان القصد منك إلى كونه ~~واحدا، دون كونه رجلا، فاعرف ذلك أصلا، وهو أنه قد يكون في PageV01P144 # اللفظ دليل على أمرين، ثم يقع القصد إلى أحدهما دون الآخر، فيصير ذلك ~~الآخر بأن لم يدخل في القصد كأنه لم يدخل في دلالة اللفظ. # وإذا اعتبرت ما قدمته من قول صاحب الكتاب: "إنما قلت: "عبد الله" فنبهته ~~له، ثم بنيت عليه الفعل"1، وجدته يطابق هذا. وذاك أن التنبيه لا يكون إلا ~~على معلوم، كما أن قصر الفعل لا يكون إلا على معلوم، فإذا بدأت بالنكرة ~~فقلت: "رجل"، وأنت لا تقصد بها الجنس، وأن تعلم السامع أن الذي أردت ~~بالحديث رجل لا امرأة، كان ms090 محالا أن تقول: "إني قدمته لأنبه المخاطب له"، ~~لأنه يخرج بك إلى أن تقول: إني أردت أن أنبه السامع لشيء لا يعلمه في جملة ~~ولا تفصيل. وذلك ما لا يشك في استحالته، فاعرفه. PageV01P145 ### | القول في الحذف ### | 142 - # هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ~~ترك الذكر، أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة، أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما ~~تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن1. PageV01P146 ### | القول في حذف المبتدأ ### | 143 - # وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر، وأنا أكتب لك بديئا ~~أمثلة مما عرض فيه الحذف، ثم أنبهك على صحة ما أشرت إليه، وأقيم الحجة من ~~ذلك عليه. أنشد صاحب الكتاب1: # اعتاد قلبك من ليلى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل # ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكل حيران سار ماؤه خضل2 # قال: أراد، "ذاك ربع قواء أو هو ربع". قال: ومثله قول الآخر: # هل تعرف اليوم رسم الدار والطللا ... كما عرفت بحقن الصيقل الخللا # دار لمروة إذ أهلي وأهلهم ... بالكانسية نرعى اللهو والغزلا3 PageV01P146 # كأنه قال: تلك دار. قال شيخنا رحمه الله1: ولم يحمل البيت الأول على أن ~~"الربع" بدل من الطلل"، لأن الربع أكثر من الطلل، والشيء يبدل مما هو مثله ~~أو أكثر منه، فأما الشيء من أقل منه ففاسد لا يتصور2 وهذه طريقة مستمرة لهم ~~إذا ذكروا الديار والمنازل. # حذف الفعل وإضماره: ### | 114 - # وكما يضمرون المبتدأ فيرفعون، قد يضمرون الفعل فينصبون، كبيت الكتاب ~~أيضا: # ديار مية إذ مي تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب3 # أنشده بنصب "ديار" على إضمار فعل، كأنه قال: أذكر ديار مية. # المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ وأمثلته: ### | 145 - # ومن المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ، "القطع الأول، ويستأنفون كلاما ~~آخر، وإذا فعلوا ذلك، أتوا في أكثر الأمر بخبر من غير مبتدإ مثال ذلك قوله: ~~PageV01P147 # وعلمت أني يوم ذا ... ك منازل كعبا ونهدا # قوم إذا لبسوا الحدي ... د تنمروا حلقا وقدا1 # وقوله: # هم حلوا ms091 من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا # بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب الشفاء2 # وقوله: # رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر # ثم قال بعد3: # غلام رماه الله بالخير مقبلا ... له سيمياء لا تشق على البصر4 # وقوله: # إذا ذكر ابنا العنبرية لم تضق ... ذراعي، وألقى باسته من أفاخر ~~PageV01P148 # هلالان، حمالان في كل شتوة ... من الثقل ما لا تستطيع الأباعر1 # "حمالان"، خبر ثان، وليس بصفة، كما يكون لو قلت مثلا: # "رجلان حمالان". ### | 146 - # ومما اعتيد فيه أن يجيء خبرا قد بني على مبتدأ محذوف، قولهم بعد أن ~~يذكروا الرجل: "فتى من صفته كذا"، و "أغر من صفته كيت وكيت" كقوله: # ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى ... ولا عرف إلا قد تولى وأدبرا # فتى حنظلي ما تزال ركابه ... تجود بمعروف وتنكر منكرا2 # وقوله: # سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن، وإن هي جلت # فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت3 # ومن ذلك قول جميل: PageV01P149 # وهل بثينة، يا للناس، قاضيتي ... ديني؟ وفاعلة خيرا فأجزيها؟ # ترنو بعيني مهاة أقصدت بهما ... قلبي عشية ترميني وأرميها # هيفاء مقبلة، عجزاء مدبرة، ... ريا العظام، بلا عيب يرى فيها # من الأوانس مكسال، مبتلة ... خود، غذاها بلين العيش غاديها1 # وقوله أيضا: # إني عشية رحت وهي حزينة ... تشكو إلي صبابة لصبور # وتقول: بنت عندي، فديتك، ليلة ... أشكو إليك، فإن ذاك يسير # غراء مبسام، كأن حديثها ... در تحدر نظمه منثور # مخطوطة المتنين، مضمرة الحشا، ... ريا الروادف، خلقها ممكور2 # وقول الأقيشر في ابن عم له موسر، سأله فمنعه وقال: كم أعطيك مالي وأنت ~~تنفقه فيما لا يغنيك؟ والله لا أعطيتك3. فتكره حتى اجتمع القوم في ناديهم ~~وهو فيهم، فشكاه إلى القوم وذمه، فوثب إليه ابن عمه فلطمه، فأنشأ يقول: # سريع إلى ابن العم يلطم وجهه، ... وليس إلى داعي الندى بسريع # حريص على الدنيا، مضيع لدينه، ... وليس لما في بيته بمضيع4 PageV01P150 ### | 147 - # فتأمل الآن هذه الأبيات كلها، واستقرها واحدا واحدا، ms092 وانظر إلى موقعها في ~~نفسك، وإلى ما تجده من اللطف والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها، ثم ~~فليت النفس عما تجد1، وألطفت النظر فيما تحس به. ثم تكلف أن ترد ما حذف ~~الشاعر، وأن تخرجه إلى لفظك، وتوقعه في سمعك، فإنك تعلم أن الذي قلت كما ~~قلت، وأن رب حذف هو قلادة الجيد، وقاعدة التجويد، وإن أردت ما هو أصدق من ~~ذلك شهادة، وأدل دلالة، فانظر إلى قول عبد الله بن الزبير يذكر غريما له قد ~~ألح عليه: # عرضت على زيد ليأخذ بعض ما ... يحاوله قبل اعتراض الشواغل # فدب دبيب البغل يألم ظهره ... وقال: تعلم، أنني غير فاعل # تثاءب حتى قلت: داسع نفسه ... وأخرج أنيابا له كالمعاول2 # الأصل: حتى قلت: "هو داسع نفسه"، أي حسبته من شدة التثاؤب، ومما به من ~~الجهد، يقذف نفسه من جوفه، ويخرجها من صدره، كما يدسع البعير جرته. ثم إنك ~~ترى نصبة الكلام وهيئته تروم منك أن تنسى هذا المبتدأ، وتباعده عن وهمك، ~~وتجتهد أن لا يدور في خلدك، ولا يعرض لخاطرك، وتراك كأنك تتوقاه توقي الشيء ~~تكره مكانه، والثقيل تخشى هجومه. # أمثلة من لطيف حذف المبتدأ: ### | 148 - # ومن لطيف الحذف قول بكر بن النطاح: PageV01P151 # العين تبدي الحب والغضا ... وتظهر الإبرام والنقضا # درة، ما أنصفتني في الهوى ... ولا رحمت الجسد المنضى # غضبى، ولا والله يا أهلها ... لا أطعم البارد أو ترضى1 # يقوله في جارية كان يحبها2، وسعي به إلى أهلها فمنعوها منه. # والمقصود قوله: "غضبى"، وذلك أن التقدير "هي غضبى" أو "غضبى هي" لا ~~محالة، ألا ترى أنك ترى النفس كيف تتفادى من إظهار هذا المحذوف3، وكيف تأنس ~~إلى إضماره؟ وترى الملاحة كيف تذهب إن أنت رمت التكلم به؟ ### | 149 - # ومن جيد الأمثلة في هذا الباب قول الآخر، يخاطب امرأته وقد لامته على ~~الجود: # قالت سمية: قد غويت بأن رأت ... حقا تناوب مالنا ووفود # غي لعمرك لا أزال أعوده ... ما دام مال عندنا موجود4 # المعنى: "ذاك غي لا أزال أعود إليه، فدعي عنك لومي". ms093 # خلاصة في شأن ما يحذف: ### | 150 - # وإذ عرفت هذه الجملة من حال الحذف في المبتدأ، فاعلم أن ذلك سبيله في كل ~~شيء، فما من اسم أو فعل تجده قد حذف، ثم أصيب به موضعه، وحذف في الحال ~~ينبغي أن يحذف فيها5، إلا وأنت تجد حذفه هناك أحسن من ذكره، وترة إضماره في ~~النفس أولى وآنس من النطق به. PageV01P152 ### | القول في حذف المفعول به ### | 151 - # وإذ قد بدأنا في الحذف بذكر المبتدأ، وهو حذف اسم، إذا لا يكون المبتدأ ~~إلا اسما، فإن أتبع ذلك ذكر المفعول به إذا حذف خصوصا، فإن الحاجة إليه ~~أمس، وهو بما نحن بصدده أخص، واللطائف كأنها فيه أكثر، ومما يظهر بسببه من ~~الحسن والرونق أعجب وأظهر1. # قاعدة ضابطة في معنى حذف الفاعل والمفعول: ### | 152 - # وههنا أصل يجب ضبطه، وهو أنم حال الفعل مع المفعول، الذي يتعدى إليه، ~~حاله مع الفاعل. فكما أنك إذا قلت2: "ضرب زيد، فأسندت الفعل إلى الفاعل، ~~كان غرضك من ذلك أن نثبت الضرب فعلا له، لا أن تفيد وجوب الضرب في نفسه ~~وعلى الإطلاق. كذلك إذا عديت الفعل إلى المفعول فقلت: "ضرب زيد عمرا"، كان ~~غرضك أن تفيد التباس الضرب الواقع من الأول بالثاني ووقوعه عليه، فقد اجتمع ~~الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل فيهما إنما كان من أجل أن يعلم التباس ~~المعنى الذي اشتق منه بهما فعمل الرفع في الفاعل، ليعلم التباس الضرب به من ~~جهة وقوعه منه والنصب في المفعول، ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه. ولم ~~يكن ذلك PageV01P153 # ليعلم وقوع الضرب في نفسه، بل إذا أريد الإخبار بوقوع الضرب ووجوده في ~~الجملة من غير أن ينسب إلى فاعل أو مفعول، أو يتعرض لبيان ذلك، فالعبارة ~~فيه أن يقال: "كان ضرب" أو "وقع ضرب" أو "وجد ضرب" وما شاكل ذلك من ألفاظ ~~تفيد الوجود المجرد في الشيء. # الأغراض في ذكر الأفعال المتعدية وأقسامها: ### | 153 - # وإذ قد عرفت هذه الجملة، فاعلم أن أغراض الناس تختلف في ذكر الأفعال ~~المتعدية، فهم ms094 يذكرونها تارة ومرادهم أن يقتصروا على إثبات المعاني التي ~~اشتقت منها للفاعلين، من غير أن يتعرضوا لذكر المفعولين. فإذا كان الأمر ~~كذلك، كان الفعل المتعدي كغير المتعدي مثلا، في أنك لا ترى له مفعولا لا ~~لفظا ولا تقديرا. # القسم الأول: حذف المفعول، لإثبات معنى الفعل، لا غير: ### | 154 - # ومثال ذلك قول الناس: "فلان يحل ويعقد، ويأمر وينهى، ويضر وينفع"، ~~وكقولهم: "هي يعطي ويجزل، ويقري ويضيف"، المعنى في جميع ذلك على إثبات ~~المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق وعلى الجملة، من غير أن يتعرض لحديث ~~المفعول، حتى كأنك قلت: "صار إليه الحل والعقد، وصار بحيث يكون منه حل ~~وعقد، وأمر ونهي، وضر ونفع"، وعلى هذا القياس. ### | 155 - # وعلى ذلك قوله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} ~~[الزمر: 9]، المعنى: هل يستوي من له علم ومن لا علم له؟ من غير أن يقصد ~~النص على معلوم. وكذلك قوله تعالى {هو الذي يحيي ويميت} [غافر: 68]، وقوله ~~تعالى: {وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيا} [القمر: 43، 44] وقوله ~~{وأنه هو أغنى وأقنى}، [القمر: 48]، المعنى # PageV01P154 # هو الذي منه الإحياء والإماتة والغناء والإقناء. وهكذا كل موضع كان القصد ~~فيه أن تثبت المعنى في نفسه فعلا للشيء، وأن تخبر بأن من شأنه أن يكون منه، ~~أو لا يكون إلا منه، أو لا يكون منه، فإن الفعل لا يعدى هناك، لأن تعديته ~~تنقض الغرض وتغير المعنى. ألا ترى أنك إذا قلت: "هو يعطي الدنانير"، كان ~~المعنى على أنك قصدت أن تعلم السامع أن الدنانير تدخل في عطائه، أو أنه ~~يعطيها خصوصا دون غيرها، وكان غرضك على الجملة بيان جنس ما تناوله الإعطاء، ~~لا الإعطاء في نفسه، ولم يكن كلامك مع من نفى أن يكون كان منه إعطاء بوجه ~~من الوجوه، بل مع من أثبت له إعطاء، إلا لم يثبت إعطاء الدنانير. فاعرف ~~ذلك، فإنه أصل كبير عظيم النفع. # فهذا قسم من خلو الفعل عن المفعول، وهو أن لا يكون له مفعول يمكن النص ~~عليه. # القسم الثاني: ms095 حذف مفعول مقصود، لدلالة الحال عليه، وهو قسمان، أولهما ~~الجلي ### | 156 - # وقسم ثان: وهو أن يكون له مفعول مقصودا قصده معلوم، إلا أنه يحذف من ~~اللفظ لدليل الحال عليه. وينقسم إلى جلي لا صنعة فيه، وخفي تدخله الصنعة. # فمثال الجلي قولهم: "أصغيت إليه"، وهم يريدون "أذني"، و "أغضيت عليه"، ~~والمعنى "جفني". # القسم الثاني: الخفي الذي تدخله الصنعة ومثاله الأول ### | 157 - # وأما الخفي الذي تدخله الصنعة فيتفنن ويتنوع. # فنوع منه، أن تذكر الفعل وفي نفسك له مفعول مخصوص قد علم مكانه، إما بجري ~~ذكر1، أو دليل حال، إلا أنك تنسبه نفسك وتخفيه، PageV01P155 # وتوهم أنك لم تذكر ذلك الفعل، إلا لأن تثبت نفس معناه، من غير أن تعديه ~~إلى شيء، أو تعرض فيه لمفعول. ### | 158 - # ومثاله قول البحتري: # شجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع1 # المعنى، لا محالة: أن يرى مبصر محاسنه، ويسمع واع أخباره وأوصافه، ولكنك ~~تعلم على ذلك أنه كأنه يسرق علم ذلك من نفسه، ويدفع صورته عن وهمه، ليحصل ~~له معنى شريف وغرض خاص. وذاك أنه يمدح خليفة2، وهو المعتز، ويعرض بخليفة ~~وهو المستعين، فأراد أن يقول: إن محاسن المعتز وفضائله، المحاسن والفضائل ~~يكفي فيها أن يقع عليها بصر ويعيها سمع حتى يعلم أنه المستحق للخلافة، ~~والفرد الوحيد الذي ليس لأحد أن ينازعه مرتبتها، فأنت ترى حساده وليس شيء ~~أشجى لهم وأغيظ، من علمهم بأن ههنا مبصرا يرى وسامعا يعي، حتى ليتمنون أن ~~لا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها، وأذن يعي معها، كي يخفى مكان ~~استحقاقه لشرف الإمامة، فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته إياها. # مثال ثان من الخفي: # 159 وهذا نوع آخر منه، وهو أن يكون معك مفعول معلوم مقصود قصده، قد علم ~~أنه ليس للفعل الذي ذكرت مفعول سواه، بدليل الحال أو ما سبق من الكلام، إلا ~~أنك تطرحه وتتناساه وتدعه يلزم ضمير النفس، لغرض غير الذي مضى. وذلك الغرض ~~أن تتوفر العناية على إثبات الفعل للفاعل، وتخلص له، وتنصرف بجملتها وكما ~~هي ms096 إليه. PageV01P156 ### | 160 - # ومثاله قول عمرو بن معدي كرب: # فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت1 # "أجرت" فعل متعد، ومعلوم أنه لو عداه لما عداه إلا إلى ضمير المتكلم نحو: ~~"ولكن الرماح أجرتني" وأنه لا يتصور أن يكون ههنا شيء آخر يتعدى إليه، ~~لاستحالة أن يقول: # فلو أن قومي أنطقتني رماحهم # ثم يقول: "ولكن الرماح أجرت غيري"، إلا أنك تجد المعنى يلزمك أن لا تنطق ~~بهذا المفعول ولا تخرجه إلى لفظك. والسبب في ذلك أن تعديتك له توهم ما هو ~~خلاف الغرض، وذلك أن الغرض هو أن يثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس الألسن ~~عن النطق2، وأن يصحح وجود ذلك. ولو قال: "أجرتني"، جاز أن يتوهم أنه لم يعن ~~بأن يثبت للرماح إجرارا، بل الذي عناه أن يبين أنها أجرته3. فقد يذكر الفعل ~~كثيرا والغرض منه ذكر المفعول، مثاله أنك تقول: "أضربت زيدا؟ " وأنت لا ~~تنكر أن يكون كان من المخاطب أو يستطيعه. فلما كان في تعدية "أجرت" ما يوهم ~~ذلك، وقف فلم يعد البتة، ولم ينطق بالمفعول، لخلص العناية لإثبات الإجرار ~~للرماح وتصحيح أنه كان منها، وتسلم بكليتها لذلك. PageV01P157 ### | 161 - # ومثله قول جرير: # أمنيت المنى وخلبت حتى ... تركت ضمير قلبي مستهاما # الغرض أن يثبت أنه كان منها تمنية وخلابة، وأن يقول لها: أهكذا تصنعين؟ ~~وهذه حيلتك في فتنة الناس؟ # مثال من بارع الحذف الخفي: ### | 162 - # ومن بارع ذلك ونادره، ما تجده في هذه الأبيات. روى المرزباني في "كتاب ~~الشعر" بإسناد، قال: لما تشاغل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأهل الردة، ~~استبطأته الأنصار [فكلموه] 1، فقال: إما كلفتموني أخلاق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم2، فوالله ما ذاك عندي ولا عند أحد من الناس، ولكني والله ما أوتي ~~من مودة لكم ولا حسن رأي فيكم3، وكيف لا نحبكم؟ فوالله ما وجدت مثلا لنا ~~ولكم إلا ما قال طفيل الغنوي لبني جعفر بن كلاب: # جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت # أبوا أن يملونا، ولو ms097 أن أمنا ... تلاقي الذي لاقوه منا لملت # هم خلطونا بالنفوس وألجئوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت4 PageV01P158 # فيها حذف مفعول مقصود قصده في أربعة مواضع قوله: "لملت"، و "ألجئوا" و ~~"أدفأت" و "أظلت"، لأن الأصل: "لملتنا" و "ألجئونا إلى حجرات أدفأتنا ~~وأظلتنا"، إلا أن الحال على ما ذكرت لك، من أنه في حد المتناسي1، حتى كأن ~~لا قصد إلى مفعول، وكأن الفعل قد أبهم أمره فلم يقصد به قصد شيء يقع عليه، ~~كما يكون إذا قلت: "قد مل فلان"، تريد أن تقول: قد دخله الملال، من غير أن ~~تخص شيئا2، بل لا تزيد على أن تجعل الملال من صفته، وكما تقول: "هذا بيت ~~يدفئ ويظل"، تريد أنه بهذه الصفة. ### | 163 - # واعلم أن لك في قوله: "أجرت"، و "لملت"، فائدة أخرى زائدة على ما ذكرت من ~~توفير العناية على إثبات الفعل، وهي أن تقول: كان من سوء بلاء القوم ومن ~~تكذيبهم عن القتال ما يجر مثله3، وما القضية فيه أنه لا يتفق على قوم إلا ~~خرس شاعرهم فلم يستطع نطقا وتعديتك الفعل تمنع من هذا المعنى، لأنك إذا ~~قلت: "ولكن الرماح أجرتني"، لم يمكن أن يتأول على معنى أنه كان منها ما شأن ~~مثله أن يجر، قضية مستمرة في كل شاعر قوم4، بل قد يجوز أن يوجد مثله في قوم ~~آخرين فلا يجر شاعرهم. ونظيره PageV01P159 # أنك تقول: "قد كان منك ما يؤلم"، تريد ما الشرط في مثله أن يؤلم كل أحد ~~وكل إنسان. ولو قلت: "ما يؤلمني" لم يفد ذلك، لأنه قد يجوز أن يؤلمك الشيء ~~لا يؤلم غيرك. # وهكذا قوله: "ولو أن أمنا تلاقي الذي لاقوه منا لملت"، يتضمن أن من حكم ~~مثله في كل أم أن تمل وتسأم، وأن المشقة في ذلك إلى حد يعلم أن الأم تمل له ~~الابن وتتبرم به، مع ما في طباع الأمهات من الصبر على المكاره في مصالح ~~الأولاد. وذلك أنه وإن قال: "أمنا"، فإن المعنى على أن ذلك حكم كل أم مع ~~أولادها1 ولو قلت: ms098 "لملتنا"، لم يحتمل ذلك، لأنه يجري مجرى أن تقول: "لو ~~لقيت أمنا ذلك لدخلها ما يملها منا"، وإذا قلت "ما يملها منا" فقيدت، لم ~~يصلح لأن يراد به معنى العموم وأنه بحيث يمل كل أم من كل ابن. # وكذلك قوله: # إلى حجرات أدفأت وأظلت # لأن فيه معنى قولك: "حجرات من شأن مثلها أن تدفئ وتظل"، أي هي بالصفة ~~التي إذا كان البيت PageV01P160 # عليها أدفأ وأظل. ولا يجيء هذا المعنى مع إظهار المفعول، إذ لا تقول: ~~"حجرات من شأن مثلها أن تدفئنا وتظلنا"، هذا لغو من الكلام. # فاعرف هذه النكتة، فإنك تجدها في كثير من هذا الفن مضمومة إلى المعنى ~~الآخر، الذي هو توفير العناية على إثبات الفعل، والدلالة على أن القصد من ~~كر الفعل أن تثبته لفاعله، لا أن تعلم التباسه بمفعوله. # زيادة بيان في الحذف الخفي: ### | 164 - # وإن أردت أن تزداد تبيينا لهذا الأصل1، أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر ~~العناية على إثبات الفعل لفاعله ولا يدخلها شوب، فانظر إلى قوله تعالى: ~~{ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير، فسقى ~~لهما ثم تولى إلى الظل} [القصص: 23، 24]، فيها حذف مفعول في أربعة مواضع، ~~إذا المعنى: "وجد عليه أمة من الناس يسقون" أغنامهم أو مواشيهم و "امرأتين ~~تذودان" غنمهما و "قالتا لا نسقي" غنمنا "فسقى لهما" غنمهما. # ثم إنه لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره ويؤتى ~~بالفعل مطلقا، وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك ~~الحال سقي، ومن المرأتين ذود، وأنهما قالتا: لا يكون منا سقي حتى يصدر ~~الرعاء، وأنه كان من موسى عليه السلام من عبد ذلك سقي، فأما ما كان المسقي؟ ~~أغنما أم إبلا أم غير ذلك، فخارج عن الغرض، وموهم خلافه. وذاك أنه لو قيل: ~~"وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما"، جاز PageV01P161 # أن ms099 يكون لم ينكر الذود من حيث هو ذود، بل من حيث هو ذود غنم، حتى لو كان ~~مكان الغنم إبل لم ينكر الذود كما أنك إذا قلت:"ما لك تمنع أخاك؟ "، كنت ~~منكرا المنع، لا من حيث هو منع، بل من حيث هو منع أخ، فاعرفه تعلم أنك لم ~~تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الروعة والحسن ما وجدت، إلا لأن في حذفه ~~وترك ذكره فائدة جليلة، وأن الغرض لا يصح إلا على تركه. # مثال آخر للحذف الخفي: ### | 165 - # ومما هو كأنه نوع آخر غير ما مضى، قول البحتري: # إذا بعدت أبلت، وإن قربت شفت ... فهجرانها يبلي، ولقيانها يشفي1 # قد علم أن المعنى: إذا بعدت عني أبلتني، وإن قربت مني شفتني إلا أنك تجد ~~الشعر يأبى ذكر ذلك، ويوجب أطراحه. وذاك لأنه أراد أن يجعل البلى كأنه واجب ~~في بعادها أن يوجبه ويجلبه، وكأنه كالطبيعة فيه، وكذلك حال الشفاء مع ~~القرب، حتى كأنه قال: أتدري ما بعادها؟ هو الداء المضني وما قربها؟ هو ~~الشفاء والبرء من كل داء. ولا سبيل لك إلى هذه اللطيفة وهذه النكتة، إلا ~~بحذف المفعول البتة، فاعرفه. PageV01P162 # وليس لنتائج هذا الحذف، أعني حذف المفعول، نهاية، فإنه طريق إلى ضروب من ~~الصنعة، وإلى لطائف لا تحصى. # نوع آخر، وهو: "الإضمار على شريطة التفسير" ومثاله ### | 166 - # وهذا نوع منه آخر: اعلم أن ههنا بابا من الإضمار والحذف يسمى "الإضمار ~~على شريطة التفسير"، وذلك مثل قولهم: "أكرمني وأكرمت عبد الله"1، أردت: ~~"أكرمني عبد الله، وأكرمت عبد الله"، ثم تركت ذكره في الأول استغناء بذكره ~~في الثاني. فهذا طريق معروف ومذهب ظاهر، وشيء لا يعبأ به، ويظن أنه ليس فيه ~~أكثر مما تريك الأمثلة المذكورة منه وفيه إذا أنت طلبت الشيء من معدنه من ~~دقيق الصنعة ومن جليل الفائدة، ما لا تجده إلا في كلام الفحول. ### | 167 - # فمن لطيف ذلك ونادره قول البحتري: # لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد2 # الأصل لا محالة: لو شئت أن ms100 لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها، ثم حذف ذلك من ~~الأول استغناء بدلالته في الثاني عليه، ثم هو على ما تراه وتعلمه من الحسن ~~والغرابة، وهو على ما ذكرت لك من أن الواجب في حكم البلاغة أن لا ينطق ~~بالمحذوف ولا يظهر إلى اللفظ. فليس يخفى أنك لو رجعت فيه إلى ما هو أصله ~~فقلت: "لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها"، صرت إلى كلام غث، وإلى ~~شيء يمجه السمع، وتعافه النفس. وذلك أن في البيان، PageV01P163 # إذا ورد بعد الإبهام وبعد التحريك له، أبدا لطفا ونبلا لا يكون إذا لم ~~يتقدم ما يحرك. # وأنت إذا قلت: "لو شئت"، علم السامع أنك قد علقت هذه المشيئة في المعنى ~~بشيء، فهو يضع في نفسه أن ههنا شيئا تقتضي مشيئته له أن يكون أو أن لا ~~يكون. فإذا قلت: "لم تفسد سماحة حاتم"، عرف ذلك الشيء ومجيء "المشيئة" بعد ~~"لو" وبعد حروف الجزاء هكذا موقوفة غير معداة إلى شيء، كثير شائع، كقوله ~~تعالى {فلو شاء لهداكم أجمعين} [النحل: 9]، والتقدير في ذلك كله على ما ~~ذكرت. فالأصل: لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى ولو شاء أن يهديكم أجمعين ~~لهداكم إلا أن البلاغة في أن يجاء به كذلك محذوفا. # متى يكون إظهار المفعول أحسن من حذفه: ### | 168 - # وقد يتفق في بعضه أن يكون إظهار المفعول هو الأحسن وذلك نحو قول الشاعر: # ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع1 # فقياس هذا لو كان على حد {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} [الأنعام: 35] ~~أن يقول: "لو شئت بكيت دما"، ولكنه كأنه ترك تلك الطريقة وعدل إلى هذه، ~~لأنها أحسن من هذا الكلام خصوصا. وسبب حسنه أنه كأنه بدع عجيب أن يشاء ~~الإنسان أن يبكي دما2. فلما كان كذلك، كان الأولى أن يصرح بذكره ليقرره في ~~نفس السامع ويؤنسه به. PageV01P164 ### | 169 - # وإذا استقريت وجدت الأمر كذلك أبدا متى كان مفعول "المشيئة" أمرا عظيما، ~~أو بديعا غريبا، كان الأحسن أن يذكر ولا ms101 يضمر. # يقول الرجل يخبر عن عزة1: "لو شئت أن أرد على الأمير رددت" و "لو شئت أن ~~ألقى الخليفة كل يوم لقيت". فإذا لم يكن مما يكبره السامع، فالحذف كقولك: ~~"لو شئت خرجت" و "لو شئت قمت" و "لو شئت أنصفت"، و "لو شئت لقلت"، وفي ~~التنزيل: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} [الأنفال: 31]، وكذلك تقول: "لو شئت كنت ~~كزيد"، قال: # لو شئت كنت ككرز في عبادته ... أو كابن طارق حول البيت والحرم2 # وكذلك الحكم في غيره من حروف المجازاة أن تقول3:: "إن شئت PageV01P165 # قلت" و "إن أردت دفعت"، قال الله تعالى: {فإن يشأ الله يختم على قلبك} ~~[الشورى: 24]، وقال عز اسمه {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم} [الأنعام: 39]، ونظاهر ذلك من الآي، ترى الحذف فيها المستمر. # أمثلة ما يعلم أنه ليس فيه لغير الحذف وجه: ### | 170 - # ومما يعلم أن ليس فيه لغير الحذف وجه قول طرفة: # وإن شئت لم ترقل، وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوي من القد محصد1 # وقول حميد: # إن شئت غنتني بأجزاع بيشة ... أو الزرق من تثليث أو بيلملما # مطوقة ورقاء تسجع كلما ... دنا الصيف وانجاب الربيع فأنجما2 # وقول البحتري: # إذا شاء غادى صرمة أو غدا على ... عقائل سرب أو تقنص ربربا3 # وقوله: # لو شئت عدت بلاد نجد عودة ... فحللت بين عقيقه وزروده4 # معلوم أنك لو قلت: "وإن شئت أن لا ترقل لم ترقل"، أو قلت: "إذا شئت أن ~~تغنيني بأجزاع بيشة غنتني"، "إذا شاء أن يغادي صرمة غادي"، PageV01P166 # و "لو شئت أن تعود بلاد نجد عودة عدتها" أذهب الماء والرونق، وخرجت إلى ~~كلام غث، ولفظ رث. ### | 171 - # وأما قول الجوهري: # فلم يبق مني الشوق غير تفكري ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا1 # فقد نحا به نحو قوله: # ولو شئت أن أبكي دما لبكيته2 # فأظهر مفعول "شئت"، ولم يقل: "فلو شئت بكيت تفكرا"، لأجل أن له غرضا لا ~~يتم إلا بذكر المفعول، وذلك أنه لم يرد أن يقول: "ولو شئت أن أبكي تفكرا ~~بكيت ms102 كذلك"، ولكنه أراد أن يقول: قد أفناني النحول، فلم يبق مني وفي غير ~~خواطر تجول، حتى لو شئت بكاء فمريت شؤوني3، وعصرت عيني ليسيل منها دمع لم ~~أجده، ولخرج بدل الدمع التفكر4. فالبكاء الذي أراد إيقاع المشيئة عليه مطلق ~~مبهم غير معدى إلى "التفكر" البتة، و "البكاء" الثاني مقيد معدى إلى ~~التفكر. وإذا كان الأمر كذلك، صار الثاني كأنه شيء غير الأول، وجرى مجرى أن ~~تقول: "لو شئت أن تعطي درهما أعطيت درهمين" في أن الثاني لا يصلح أن يكون ~~تفسيرا للأول. PageV01P167 # مثال آخر نادر لطيف في الخدمة: ### | 172 - # واعلم أن هذا الذي ذكرنا ليس بصريح: "أكرمت وأكرمني عبد الله"1 لكنه شبيه ~~به في أنه إنما حذف الذي حذف من مفعول "المشيئة" و "الإرادة"، لن الذي يأتي ~~في جواب "لو" وأخواتها يدل عليه. ### | 173 - # وإذا أردت ما هو صريح في ذلك، ثم هو نادر لطيف ينطوي على معنى دقيق ~~وفائدة جليلة، فانظر إلى بيت البحتري: # قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا2 # المعنى: قد طلبنا لك مثلا، ثم حذف، لأن ذكره في الثاني يدل عليه، ثم إن ~~للمجيء به كذلك من الحسن والمزية والروعة ما لا يخفى3. ولو أنه قال: "قد ~~طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده"، لم تر من هذا الحسن ~~الذي تراه شيئا4. وسبب ذلك أن الذي هو الأصل في المدح والغرض بالحقيقة، هو ~~نفي الوجود عن "المثل"، فأما "الطلب"، فكالشيء يذكر ليبنى عليه الغرض ويؤكد ~~به أمره. وإذا كان هذا كذلك، فلو أنه قال: "قد طلبنا لك في السؤدد والمجد ~~والمكارم مثلا فلم نجده"، لكان يكون قد ترك أن يوقع نفي الوجود على صريح ~~لفظ "المثل"، وأوقعه على ضميره. ولن تبلغ الكناية مبلغ التصريح أبدا5. ~~PageV01P168 # مثال آخر، من خطبة قيس بن خارجة بن سنان: ### | 174 - # ويبين هذا، كلام ذكره أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان والتبيين1، وأنا ~~أكتب لك الفصل حتى تستبين الذي هو المراد، قال: "والسنة في خطبة النكاح ms103 أن ~~يطيل الخاطب ويقصر المجيب، ألا ترى أن قيس بن خارجة [بن سنان] لما ضرب ~~بسيفه مؤخرة راحلة الحاملين في شأن حمالة داحس [والغبراء] 2 وقال: مالي ~~فيها أيها العشمتان؟ 3 قالا: بل ما عندك؟ قال: عندي قرى كل نازل، ورضى كل ~~ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل، وأنهى فيها ~~عن التقاطع قالوا: فخطب يوما إلى الليل، فما أعاد كلمة ولا معنى4. فقيل ~~لأبي يعقوب5: هلا اكتفى بالأمر بالتواصل، عن النهي عن التقاطع؟ أو ليس ~~الأمر بالصلة هو النهي عن القطيعة؟ قال: أو ما علمت أن الكناية والتعريض لا ~~يعملان في العقول عمل الإيضاح والتكشيف"6.انتهى الفصل الذي أردت أن أكتبه. ~~فقد بصرك هذا أن لن يكون إيقاع نفي الوجود على صريح لفظ المثل، كإيقاعه على ~~ضميره. PageV01P169 # أمثلة أخرى للحذف: ### | 175 - # وإذ قد عرفت هذا، فإن هذا المعنى بعينه قد أوجب في بيت ذي الرمة أن يضع ~~اللفظ على عكس ما وضعه البحتري1، فيعمل الأول من الفعلين، وذلك قوله: # ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيما، أن يكون أصاب مالا2 # أعمل "لم أمدح"، الذي هو الأول، في صريح لفظ "اللئيم"، و "أرضى"، الذي هو ~~الثاني، في ضميره. وذلك لأن إيقاع نفي المدح على اللئيم صريحا، والمجيء به ~~مكشوفا ظاهرصا، هو الواجب من حيث كان أصل الغرض، وكان الإرضاء تعليلا له. ~~ولو أنه قال: "ولم أمدح لأرضي بشعري لئيما"، لكان يكون قد أبهم الأمر فيما ~~هو الأصل، وأبانه فيما ليس بالأصل، فاعرفه. ### | 176 - # ولهذا الذي ذكرنا من أن للتصريح عملا لا يكون مثل ذلك العمل للكناية، كان ~~فعادة اللفظ في مثل قوله تعالى: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} [الإسراء: ~~105] وقوله تعالى: {قل هو الله أحد، الله الصمد} [الإخلاص: 1، 2] من الحسن ~~والبهجة، ومن الفخامة والنبل، ما لا يخفى موضعه على بصير. وكان لو ترك فيه ~~الإظهار إلى الإضمار فقيل: "وبالحق أنزلناه وبه نزل": و "قل هو الله أحد هو ~~الصمد" لعدمت الذي أنت واجده الآن. PageV01P170 ### | القول في الحذف: نتيجة # فصل: ms104 مثال آخر للحذف: ### | 177 - # قد بان الآن واتضح لمن نظر نظر المتثبت الحصيف الراغب في اقتداح زناد ~~العقل، والازدياد من الفضل، ومن شأنه التوق إلى أن يعرف الأشياء على ~~حقائقها، ويتغلغل إلى دقائقها، ويربأ بنفسه عن مرتبة المقلد الذبي يجري مع ~~الظاهر، ولا يعدو الذي يقع في أول الخاطر1 أن الذي قلت في شأن "الحذف" وفي ~~تفخيم أمره، والتنويه بذكره، وأن مأخذه مأخذ يشبه السحر، ويبهر الفكر، ~~كالذي قلت2. ### | 178 - # وهذا فن آخر من معانيه عجيب، وأنا ذاكره لك3. قال البحتري في قصيدته التي ~~أولها: # أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم4 # وهو يذكر محاماة الممدوح عليه، وصيانته له، ودفعه نوائب الزمان عنه: # وكم ذدت عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم # الأصل لا محالة: حززن اللحم إلى العظم، إلا أن في مجيئه به محذوفا، ~~وإسقاطه له من النطق، وتركه في الضمير، مزية عجيبة وفائدة جليلة. ~~PageV01P171 # وذاك أن من حذق الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعا يمنعه به من ~~أن يتوهم في بدء الأمر شيئا غير المراد، ثم ينصرف إلى المراد، ومعلوم أنه ~~لو أظهر المفعول فقال: "وسورة أيام حززن اللحم إلى العظم"، لجاز أن يقع في ~~وهم السامع إلى أن يجيء إلى قوله: "إلى العظم"، أن، هذا الحز كان في بعض ~~اللحم دون كله، وأنه قطع ما يلي الجلد ولم ينته إلى ما يلي العظم. فلما كان ~~كذلك، وترك ذكر "اللحم" وأسقطه من اللفظ، ليبرئ السامع من هذا الوهم، ~~ويجعله بحيث يقع المعنى منه في أنف الفهم1، ويتصور في نفسه من أول الأمر أن ~~الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلا العظم. # أفيكون دليل أوضح من هذا وأبين وأجلى في صحة ما ذكرت لك، من أنك قد ترى ~~ترك أفصح من الذكر، والامتناع من أن يبرز اللفظ من الضمير، أحسن للتصوير؟ ~~PageV01P172 ### | الفروق في الخبر "تقسيمه" # فصل 1: القول على فروق في الخبر # الخبر الذي هو جزء من الجملة والخبر الذي ليس بجزء منها: ### | 179 - # أول2 ما ms105 ينبغي أن يعلم منه أنه ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم ~~الفائدة دونه3، وخبر ليس بجزء من الجملة، ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له. ~~فالأول خبر المبتدأ، كمنطلق في قولك: "زيد منطلق"، والفعل كقولك: "خرج ~~زيد"، فكل واحد من هذين جزء من الجملة، وهو الأصل في الفائدة والثاني هو ~~الحال: كقولك: "جاءني زيد راكبا"، وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة، من حيث ~~إنك تثبت بها المعنى لذي الحال، كما تثبت بخبر المبتدأ للمبتدأ، وبالفعل ~~للفاعل4. ألا تراك قد أثبت "الركوب" في قولك: "جاءني زيد راكبا" لزيد؟ إلا ~~أن الفرق أنك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، وهو أن تجعله بهذه ~~الهيئة في مجيئه، ولم تجرد إثباتك للركوب ولم تباشره، به، بل ابتدأت فأثبت ~~المجيء، ثم وصلت به الركوب فالتبس به الإثبات على سبيل التبع للمجيء، وبشرط ~~أن يكون في صلته. وأما في الخبر المطلق نحو: "زيد منطلق" و "خرج عمرو"، ~~فإنك مثبت للمعنى إثباتا جردته له، وجعلته يباشره من غير واسطة، ومن غير أن ~~تتسبب بغيره إليه، فأعرفه. PageV01P173 ### | الفروق في الخبر: الاسم والفعل في الإثبات ### | 180 - # وإذ قد عرفت هذا الفرق، فالذي يليه من فروق الخبر، وهو الفرق بين الإثبات ~~إذا كان بالاسم، وبينه إذا كان بالفعل. وهو فرق لطيف تمس الحاجة في علم ~~البلاغة إليه. # الفرق بين الخبر إذا كان بالاسم، وإذا كان بالفعل، وأمثلتها: ### | 181 - # وبيانه، أن موضوع الاسم على أن يثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي ~~تجدده شيئا بعد شيء. ### | 182 - # وأما الفعل فموضوعه على أنه يقتضي تجدد المعنى المثبت به شيئا بعد شيء"1. # فإذا قلت: "زيد منطلق"، فقد أثبت الانطلاق فعلا له، من غير أن تجعله ~~يتجدد ويحدث منه شيئا فشيئا، بل يكون المعنى فيه كالمعنى في قولك: "زيد ~~طويل"، و "عمرو قصير": فكما لا تقصد ههنا إلى أن تجعل الطول أو القصر يتجدد ~~ويحدث، بل توجبهما وتثبتهما فقط، وتقضي بوجودهما على الإطلاق، كذلك لا ~~تتعرض في قولك: ms106 "زيد منطلق" لأكثر من إثباته لزيد. ### | 183 - # وأما الفعل، فإنه يقصد فيه إلى ذلك، فإذا قلت: "زيد ها هو ذا ينطلق"، فقد ~~زعمت أن الانطلاق يقع منه جزءا فجزءا، وجعلته يزاوله ويزجيه. ### | 184 - # وإن شئت أن تحس الفرق بينهما من حيث يلطف، فتأمل هذا البيت: # لا يألف الدرهم المضروب خرقتنا، ... لكن يمر عليها وهو منطلق2 ~~PageV01P174 # هذا هو الحسن اللائق بالمعنى، ولو قلته بالفعل: "لكن يمر عليها وهو ~~ينطلق"، لم يحسن. # الفرق بين الخبر صفة مشبهة، والخبر إذا كان فعلا: ### | 185 - # وإذا أردت أن تعتبره حيث لا يخفى أن أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه1، ~~فانظر إلى قوله تعالى: {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} [الكهف: 18]، فإن أحدا ~~لا يشك في امتناع الفعل ههنا، وأن قولنا: "كلبهم يبسط ذراعيه"، لا يؤدي ~~الغرض، وليس ذلك إلا لأن الفعل يقتضي مزاولة وتجدد الصفة في الوقت، ويقتضي ~~الاسم ثبوت الصفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتزجية فعل، ومعنى ~~يحدث شيئا فشيئا. ولا فرق بين "وكلبهم باسط"، وبين أن يقول: "وكلبهم واحد" ~~مثلا، في أنك لا تثبت مزاولة، ولا تجعل الكلب يفعل شيئا، بل تثبته بصفة هو ~~عليها. فالغرض إذن تأدية هيئة الكلب. # ومتى اعتبرت الحال في الصفات المشبهة وجدت الفرق ظاهرا بينا، ولم يعترضك ~~الشك في أن أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه. فإذا قلت: "زيد طويل"، و "عمرو ~~قصير": لم يصلح مكانه "يطول" و "يقصر"، وإنما تقول: "يطول" و "يقصر"، إذا ~~كان الحديث عن شيء يزيد وينمو كالشجر والنبات والصبي ونحو ذلك، ومما يتجدد ~~فيه الطول أو يحدث فيه القصر. فأما وأنت تحدث عن هيئة ثابتة، وعن شيء قد ~~استقر طوله، ولم يكن ثم تزايد وتجدد، فلا يصلح فيه إلا الاسم. PageV01P175 # أمثلة الفرق بين الخبر إذا كان فعلا، وبينه إذا كان اسما: ### | 186 - # وإذا ثبت الفرق بين الشيء والشيء في مواضع كثيرة1، وظهر الأمر، بأن ترى ~~أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه، وجب أن تقضي بثبوت الفرق حيث ترى أحدهما قد ~~صلح في ms107 مكان الآخر، وتعلم أن المعنى مع أحدهما غيره مع الآخر، كما هو ~~العبرة في حمل الخفي على الجلي. وينعكس لك هذا الحكم أعني أنك كما وجدت ~~الاسم يقع حيث لا يصلح الفعل مكانه، كذلك نجد الفعل يقع ثم لا يصلح الاسم ~~مكانه، ولا يؤدي ما كان يؤديه. ### | 187 - # فمن البين في ذلك قول الأعشى: # لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرق # تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق2 # معلوم أن لو قيل: "إلى ضوء نار متحرقة"3، لنبا عنه الطبع وأنكرته النفس، ~~ثم لا يكون ذاك النبو وذاك الإنكار من أجل القافية وأنها تفسد به، بل من ~~جهة أنه لا يشبه الغرض ولا يليق بالحال. ### | 188 - # وكذلك قوله: # أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلى عريفهم يتوسم4 # وذاك لأن المعنى في بيت الأعشى على أن هناك موقدا يتجدد منه الإلهاب ~~والإشعال حالا فحالا، وإذا قيل: "متحرقة"، كان المعنى أن هناك نارا قد ~~PageV01P176 # ثبتت لها وفيها هذه الصفة، وجرى مجرى أن يقال: "إلى ضوء نار عظيمة" في ~~أنه لا يفيد فعلا يفعل وكذلك الحال في قوله: # بعثوا إلي عريفهم بتوسم # وذلك لأن المعنى على توسم وتأمل ونظر يتجدد من العريف هناك حالا فحالا، ~~وتصفح منه للوجوه واحدا بعد واحد. ولو قيل: "بعثوا إلي عريفهم متوسما"، لم ~~يفد ذلك حق الإفادة. ### | 189 - # ومن ذلك قوله تعالى: {هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} ~~[فاطر: 2]، لو قيل: "هل من خالق غير الله رازق لكم"، لكان المعنى غير ما ~~أريد. ### | 190 - # ولا ينبغي أن يغرك أنا إذا تكلمنا في مسائل المبتدأ والخبر قدرنا الفعل ~~في هذا النحو تقدير الاسم، كما تقول، في "زيد يقوم"، إنه في موضع "زيد ~~قائم"، فإن ذلك لا يقتضي أن يستوي المعنى فيهما استواء لا يكون من بعده ~~افتراق، فإنهما لو استويا هذا الاستواء، لم يكن أحدهما فعلا والآخر اسما، ~~بل كان ينبغي أن يكون جميعا فعلين، أو يكونا اسمين. # PageV01P177 ### | الفروق في الخبر: التعريف ms108 والتنكير في الإثبات # من فروق الخبر في الإثبات، وأمثلته: ### | 191 - # ومن فروق الإثبات أنك تقول: "زيد منطلق" و "زيد المنطلق" و "المنطلق ~~زيد"، فيكون لك في كل واحد من هذه الأحوال غرض خاص وفائدة لا تكون في ~~الباقي. وأنا أفسر لك ذلك. ### | 192 - # إعلم أنك إذا قلت: "زيد منطلق"، كان كلامك مع من لم يعلم أن انطلاقا كان، ~~لا من زيد ولا من عمرو، فأنت تفيده ذلك ابتداء. # وإذا قلت: "زيد المنطلق" كان كلامك مع من عرف أن انطلاقا كان، إا من زيد ~~وإما من عمرو، فأنت تعلمه أنه كان من زيد دون غيره. # PageV01P177 # والنكتة أنك تثبت في الأول الذي هو قولك: "زيد منطلق" فعلا لم يعلم ~~السامع من أصله أنه كان، وتثبت في الثاني الذي هو "زيد المنطلق" فعلا قد ~~علم السامع أنه كان، ولكنه لم يعلمه لزيد، فأفدته ذلك. فقد وافق الأول في ~~المعنى الذي له كان الخبر خبرا، وهو إثبات المعنى للشيء. وليس يقدح في ذلك ~~أنك كنت قد علمت أن انطلاقا كان من أحد الرجلين، لأنك إذا لم تصل إلى القطع ~~على أنه كان من زيد دون عمرو، وكان حالك في الحاجة إلى من يثبته لزيد1، ~~كحالك إذا لم تعلم أنه كان من أصله. ### | 193 - # وتمام التحقيق أن هذا كلام يكون معك إذا كنت قد بلغت أنه كان من إنسان ~~انطلاق من موضع كذا في وقت كذا لغرض كذا، فجوزت أن يكون ذلك كان من زيد. ~~فإذا قيل لك: "زيد المنطلق"، صار الذي كان معلوما على جهة الجواز، معلوما ~~على جهة الوجوب. ثم إنهم إذا أرادوا تأكيد هذا الوجوب أدخلوا الضمير المسمى ~~"فصلا" بين الجزءين فقالوا: "زيد هو المنطلق". # إذا كان الخبر نكرة، جاز أن تعطف على المبتدأ مبتدأ آخر، وتفصيل ذلك: ### | 194 - # ومن الفرق بين المسئلتين، وهو مما تمس الحاجة إلى معرفته، أنك إذا نكرت ~~الخبر جاز أن تأتي بمبتدأ ثان، على أن تشركه بحرف العطف في المعنى الذي ~~أخبرت به عن الأول، وإذا عرفت ms109 لم يجز ذلك. # تفسير هذا أنك تقول: "زيد منطلق وعمرو"، تريد "وعمرو منطلق أيضا"، ولا ~~تقول: "زيد المنطلق وعمرو"، ذلك لأن المعنى مع التعريف على أنك أردت أن ~~تثبت انطلاقا مخصوصا قد كان من واحد، فإذا أثبته لزيد لم يصح إثباته لعمرو. ~~PageV01P178 # ثم إن كان قد كان ذلك الانطلاق من اثنين، فإنه ينبغي أن تجمع بينهما في ~~الخبر فتقول: "زيد وعمرو هما المنطلقان"، لا أن تفرق فتثبته أولا لزيد، ثم ~~تجيء فتثبته لعمرو. # ومن الواضح في تمثيل هذا النحو قولنا: "هو القائل بيت كذا"، كقولك: "جرير ~~هو القائل: # وليس لسيفي في العظام بقية1 # فأنت لو حاولت أن تشرك في هذا الخبر غيره، فتقول: "جرير هو القائل هذا ~~البيت وفلان"، حاولت محالا، لأنه قول بعينه2، فلا يتصور أن يشرك جريرا فيه ~~غيره. PageV01P179 ### | الفروق في الخبر: القصر في التعريف # الخبر معرفا بالألف واللام، نحو "زيد هو الشجاع"، وتفصيل فروق الوجه ~~الأول: ### | 195 - # وعلم أنك تجد "الألف واللام" في الخبر على معنى الجنس، ثم ترى له في ذلك ~~وجوها: # أحدهما: أن تقصر جنس المعنى على المخبر عنه لقصدك المبالغة، وذلك قولك: ~~"زيد هو الجواد" و"عمرو هو الشجاع"، تريد أنه الكامل إلا أنك تخرج الكلام ~~في صورة توهم أن الجود أو الشجاعة لم توجد إلا فيه، وذلك لأنك لم تعتد بما ~~كان من غيره، لقصوره عن أن يبلغ الكمال. فهذا. # PageV01P179 # كالأول في امتناع العطف عليه للإشراك، فلو قلت: "زيد هو الجواد وعمرو"، ~~كان خلفا من القول. # معنى الوجه الثاني: ### | 196 - # والوجه الثاني: أن تقصر جنس المعنى الذي تفيده بالخبر على المخبر عنه، لا ~~على معنى المبالغة وترك الاعتداد بوجوده في غير المخبر عنه، بل على دعوى ~~أنه لا يوجد إلا منه. ولا يكون ذلك إلا إذا قيدت المعنى بشيء يخصصه ويجعله ~~في حكم نوع برأسه، وذلك كنحو أن يقيد بالحال والوقت كقولك: "هو الوفي حين ~~لا تظن نفس بنفس خيرا". وهكذا إذا كان الخبر بمعنى يتعدى، ثم اشترطت له ~~مفعولا مخصوصا، كقول الأعشى: # هو ms110 الواهب المئة المصطفاة، ... إما مخاضا وإما عشارا1 # فأنت تجعل الوفاء في الوقت الذي لا يفي فيه أحد، نوعا خاصا من الوفاء، ~~وكذلك تجعل هبة المئة من الإبل نوعا خاصا، وكذا الباقي. ثم إنك تجعل كل هذا ~~خبرا على معنى الاختصاص، وأنه للمذكور دون من عداه. # ألا ترى أن المعنى في بيت الأعشى: أنه لا يهب هذه الهبة إلا الممدوح؟ ~~وربما ظن الظان أن "اللام" في "هو الواهب المئة المصطفاة" بمنزلتها في نحو ~~"زيد هو المنطلق"، من حديث كان القصد إلى هبة مخصوصة2، كما كان القصد إلى ~~انطلاق مخصوص. وليس الأمر كذلك، لأن القصد ههنا إلى جنس من الهبة مخصوص، لا ~~إلى هبة مخصوصة بعينها. يدلك على ذلك أن المعنى على أنه يتكرر منه، وعلى أن ~~يجعله يهب المئة مرة بعد أخرى3، وأما PageV01P180 # المعنى في قولك: "زيد هو المنطلق"، فعلى القصد إلى انطلاق كان مرة وادة، ~~لا إلى جنس من الانطلاق. فالتكرر هناك غير متصور، كيف؟ وأنت تقول: "جرير هو ~~القائل وليس لسيفي في العظام بقية"1، تريد أن تثبت له قيل هذا البيت ~~وتأليفه. # فأفصل بين أن تقصد إلى نوع فعل، وبين أن تقصد إلى فعل واحد متعين، حاله ~~في المعاني حال زيد في الجرال، في أنه ذات بعينها. # الوجه الثالث: ### | 197 - # والوجه الثالث: أن لا يقصد قصر المعنى في جنسه على المذكور، لا كما كان ~~في "زيد هو الشجاع" تريد أن لا تعتد بشجاعة غيره ولا كما ترى في قوله: "هو ~~الواهب المئة المصطفاة"، ولكن على وجه ثالث، وهو الذي عليه قول الخنساء: # إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا2 # لم ترد أن ما عدا البكاء عليه فليس بحسن ولا جميل، ولم تقيد الحسن بشيء ~~فيتصور أن يقصر على البقاء، كما قصر الأعشى هبة المئة على الممدوح، ولكنها ~~أرادت أن تقره في جنس ما حسنه الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد، ولا يشك فيه ~~شاك. ### | 198 - # ومثله قول حسان: # وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ms111 ووالدك العبد3 PageV01P181 ### | الفروق في الخبر: نكت أخرى للتعريف # الوجه الرابع في الخبر المعرف بالألف واللام وهو مسلك دقيق، وأمثلته، وهو ~~"الموهوم": ### | 199 - # واعلم أن للخبر المعرف "بالألف واللام" معنى غير ما ذكرت لك، وله مسلك ثم ~~دقيق ولمحة كالخلس، يكون المتأمل عنده كما يقال: "يعرف وينكر"، وذلك قولك: ~~"هو البطل المحامي" و "هو المتقي المرنجي"، وأنت لا تقصد شيئا مما تقدم، ~~فلست تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان، ولم يعلم أنه ممن كان كما مضى ~~في قولك: "زيد هو المنطلق" ولا تريد أن تقصر معنى عليه على معنى أنه لم ~~يحصل لغيره على الكمال، كما كان في قولك: "زيد هو الشجاع" ولا أن تقول: ~~ظاهر أنه بهذه الصفة2، كما كان في قوله: "ووالدك العبد" ولكنك تريد أن تقول ~~لصاحبك: هل سمعت بالبطل المحامي؟ وهل خصلت معنى هذه الصفة؟ وكيف ينبغي أن ~~يكون الرجل حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه؟ فإن كنت قتلته علما، وتصورته حق ~~تصوره، فعليك صاحبك واشدد به يدك، فهو ضالتك وعنده بغيتك، وطريقه طريق ~~قولك3: "هل سمعت بالأسد؟ وهل تعرف ما هو؟ فإن كنت تعرفه، فزيد هو هو ~~بعينه". PageV01P182 ### | 200 - # ويزداد هذا المعنى ظهورا بأن تكون الصفة التي تريد الإخبار بها عن ~~المبتدأ مجراة على موصوف، كقوله ابن الرومي: # هو الرجل المشروك في جل ماله ... ولكنه بالمجد والحمد مفرد1 # تقديره، كأنه يقول للسامع: فكر في رجل لا يتميز عفاته وجيرانه ومعارفه ~~عنه في ماله وأخذ ما شاؤوا منه، فإذا حصلت صورته في نفسك، فأعلك أنه ذلك ~~الرجل. ### | 201 - # وهذا فن عجيب الشأن، وله مكان من الفخامة والنبل، وهو من سحر البيان الذي ~~تقصر العبارة عن تأدية حقه. والمعول فيه على مراجعة النفس واستقصاء التأمل، ~~فإذا علمت أنه لا يريد بقوله: "الرجل المشروك في جل ماله" أن يقول: "هو ~~الذي بلغت حديثه، وعرفت من حاله وقصته أن يشرك في جل ماله، على حد قولك: ~~"هو الرجل الذي بلغك أنه أنفق كذا، والذي وهب المئة المصطفاة ms112 من الإبل" ولا ~~أن يقول إنه على معنى: "هو الكامل في هذه الصفة"، حتى كأن ههنا أقواما ~~يشركون في جل أموالهم، إلا أنه في ذلك أكمل وأتم، لأن ذلك لا يتصور. وذاك ~~أن كون الرجل بحيث يشرك في جل ماله، ليس بمعنى يقع فيه تفاضل2، كما أن بذل ~~الرجل كل ما يملك كذلك ولو قيل: "الذي يشرك في ماله"، جاز أن يتفاوت. وإذا ~~كان كذلك، علمت أنه معنى ثالث. وليس إلا ما أشرت إليه من أنه يقول ~~PageV01P183 # للمخاطب: "ضع في نسك معنى قولك: رجل متشروك في جل ماله، ثم تأمل فلانا، ~~فإنك تستملي هذه الصورة منه، وتجده يؤديها لك نصا، ويأتيك بها كملا". ### | 202 - # وإن أردت أن تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصادي إلى برد ~~الماء، فاسمع قوله: # أن الرجل المدعو عاق فقره ... إذا لم تكارمني صروف زماني1 # وإن أردت أعجب من ذلك فقوله: # أهدى إلي أبو الحسين يدا ... أرجو الثواب بها لديه غدا # وكذلك عادات الكريم إذا ... أولى يدا حسبت عليه يدا # إن كان يحسد نفسه أحد، ... فلأزعمك ذلك الأحد2 # فهذا كله على معنى الوهم والتقدير، وأن يصور في خاطره شيئا لم يره ولم ~~يعلمه، ثم يجريه مجرى ما عهد وعلم. # "الذي" ومجيئها في الخبر الموهوم: ### | 203 - # وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من "الذي"، فإنه يجيء كثيرا من أنك ~~تقدر شيئا في وهمك، ثم تعبر عنه "بالذي"، ومثال ذلك قوله: # أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يحبك وإن تغضب إلى السيف يغضب3 PageV01P184 # وقول الآخر: # أخوك الذي إن ريته قال إنما ... أريت وإن غاتبته لان جانبه1 # فهذا ونحوه على أنك قدرت إنسانا هذه صفته وهذا شأنه، وأحلت السامع على من ~~يعن في الوهم2، دون أن يكون قد عرف جرلا بهذه الصفة فأعلمته أن المستحق ~~لاسم الأخوة هو ذلك الذي عرفه، حتى كأنك قلت: "أخوك زيد الذي عرفت أنك إن ~~تدعه لملمة يحبك". ### | 204 - # ولكون هذا الجنس معهودا من طريق الوهم والتخيل، جرى على ما يوصف ms113 ~~بالاستحالة، كقولك للرجل وقد تمنى: "هذا هو الذي لا يكون"، و "هذا ما لا ~~يدخل في الوجود"، وكقوله: # مالا يكون فلا يكون بحيلة ... أبدا وما هو كائن سيكون3 # ومن لطيف هذا الباب قوله: # وإني لمشتاق إلى ظل صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه4 # قد قدر كما ترى ما لم يعلمه موجودا، ولذلك قال المأمون: "خذ مني الخلافة ~~وأعطني هذا الصاحب". فهذا التعريف الذي تراه في الصاحب لا يعرض فيه شك أنه ~~موهوم. PageV01P185 # الفرق بين: "المنطلق زيد" و"زيد المنطلق" والمبتدأ والخبر معرفتان ### | 205 - # وأما قولنا: "المنطلق زيد"، والفرق بينه وبين أن تقول: "زيد المنطلق"1، ~~فالقول في ذلك أنك وإن كنت ترى في الظاهر أنهما سواء من حيث كان الغرض في ~~الحالين إثبات انطلاق قد سبق العلم به لزيد2، فليس الأمر كذلك، بل بين ~~الكلامين فصل ظاهر. # وبيانه: أنك إذا قلت: "زيد المنطلق"، فأنت في حديث انطلاق قد كان، وعرف ~~السامع كونه، إلا أنه لم يعلم أمن زيد كان أم من عمرو؟ فإذا قلت: "زيد ~~المنطلق"، أزلت عنه الشك وجعلته يقطع بأنه كان من زيد، بعد أن كان يرى ذلك ~~على سبيل الجواز. # وليس كذلك إذا قدمت "المنطلق" فقلت: "المنطلق زيد"، بلى يكون المعنى حيئذ ~~على أنك رأيت إنسانا ينطلق بالبعد منك، فلم تثبته3، ولم تعلم أزيد هو أم ~~عمرو، فقال لك صاحبك: "المنطلق زيد"، أي هذا الشخص الذي تراه من بعد هو ~~زيد. # وقد ترى الرجل قائما بين يديك وعليه ثوب ديباج، والرجل ممن عرفته قديما ~~ثم بعد عهدك به فتناسيته، فيقال لك: "اللابس الديباج صاحبك الذي كان يكون ~~عندك في وقت كذا، أما تعرفه؟ لشد ما نسيت"، ولا يكون الغرض أن يثبت له ليس ~~الديباج، لاستحالة ذلك، من حيث إن رؤيتك الديباج عليه تغنيك عن إخبار مخبر ~~وإثبات مثبت لبسه له. PageV01P186 # فمتى رأيت اسم فاعل أو صفة من الصفات قد بدىء به، فجعل مبتدأ، وجعل الذي ~~هو صاحب الصفة في المعنى خبرا، فاعلم أن الغرض هناك، غير الغرض إذا كان ms114 اسم ~~الفاعل أو الصفة خبرا، كقولك: "زيد المنطق". # اختلاف معنى التقديم والتأخير في المعرفتين إذا كانتا مبتدأ وخبرا: ### | 206 - # واعلم أنه ربما اشتبهت الصورة في بعض المسائل من هذا الباب، حتى يظن أن ~~المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبرا، لم يختلف المعنى فيهما بتقديم وتأخير. ~~ومما يوهم ذلك قول النحويين في "باب كان": "إذا اجتمع معرفتان كنت بالخيار ~~في جعل أيهما شئت اسما، والآخر خبرا، كقولك: "كان زيد أخاط" و "كان أخوك ~~زيدا"، فيظن من ههنا أن تكافؤ الاسمين ي التعريف يقتضي أن لا يختلف المعنى ~~بأن نبدأ بهذا وثنتنى بذاك، وحتى كان الترتيب الذي يدعى بين المبتدأ والخبر ~~وما يوضع لهما من المنزلة في التقدم والتأخر، يسقط ويرتفع إذا كان الجزآن ~~معا معرفتين. ### | 207 - # ومما يوهم ذلك أنك تقول: "الأمير زيد"، و "جئتك والخليفة عبد الملك"، ~~فيكون المعنى على إثبات الإمارة لزيد، والخلافة لعبد الملك، كما يكون إذا ~~قلت: "زيد الأمير" و "عبد الملك الخليفة"، وتقوله لمن لا يشاهد1، ومن هو ~~غائب عن حضرة الإمارة ومعدن الخلافة. # وهكذا من يتوهم في نحو قوله: PageV01P187 # أبوك حباب سارق الضيف برده ... وجدي يا حجاج فارس شمرا1 # أنه لا فصل بينه وبين أن يقال: حباب أبوك، وفارس شمر جدي". وهو موضع ~~غامض. # والذي يبين وجه الصواب، ويدل على وجوب الفرق بين المسئلتين: أنك إذا ~~تأملت الكلام وجدت الا يحتمل التسوية، وما تجد الفرق قائما فيه قياما لا ~~سبيل إلى دفعه، هو الأعم الأكثر2. ### | 208 - # وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى ما قدمت لك من قولك: "اللابس الديباج ~~زيد"3، وأنت تشير له إلى رجل بين يديه، ثم انظر إلى قول العرب: "ليس الطيب ~~إلا المسك"4، وقول جرير: # ألستم خير من ركب المطايا5 # ونحو قول المتنبي: # ألست ابن الألى سعدوا وسادوا6 PageV01P188 # وأشباه ذلك مما لا يحصى ولا يعد وأرد المعن على أن يسلم لك مع قلب طرفي ~~الجملة1، وقل: "ليس المسك إلا الطيب"، و "أليس خير من ركب المطايا إياكم؟ ~~"، و "أليس ابن الألى سعدوا ms115 وسادوا إياك"؟ 2 تعلم أن الأمر على ما عرفتك من ~~وجوب اختلاف المعنى بحسب التقديم والتأخير. # المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه والخبر خبر لأنه مسند تثبت به وبيان ذلك: ### | 209 - # وههنا نكتة جيب القطع معها بوجوب هذا الفرق أبدا، وهي أن المبتدأ لم يكن ~~مبتدأ لأنه منطوق به أولا، ولا كان الخبر خبرا لنه مذكور بعد المبتدأ، بل ~~كان المبتدأ مبتدأ لنه مسند إليه ومثبت له المعنى، والخبر خبرا لأنه مسند ~~ومثبت به المعنى. # تفسير ذلك: أنك إذا قلت: "زيد منطلق" فقد أثبت الانطلاق لزيد وأسندته ~~إليه، فزيد مثبت له، ومنطلق مثبت به، وأما تقديم المبتدأ على الخبر لفظا، ~~فحكم واجب من هذه الجهة، أي من جهة أن كان المبتدأ هو الذي يثبت له المعنى ~~ويسند إليه، والخبر هو الذي يثبت به المعنى ويسند. ولو كان المبتدأ مبتدأ ~~لنه في اللفظ مقدم مبدوء به، لكان ينبغي أن يخرج عن كونه مبتدأ بأن يقال: ~~"منطلق زيد"، ولوجب أن يكون قولهم: "إن الخبر مقدم في اللفظ والنية به ~~التأخير"، محالا. وإذا كان هذا كذلك ثم جئت بمعرفتين فجعلتهما متبدأ وخبرا ~~فقد وجب وجوبا أن تكون مثبتا بالثاني معنى للأول. فإذا قلت: "زيدا أخوك"، ~~كنت قد أثبت بأخوك معنى لزيد، وإذا قدمت وأخرت فقلت: PageV01P189 # "أخوك زيد"1، وجب أن تكون مثبتا يزيد معنى لأخوك، وإلا كان تسميتك له ~~الآن متبدأ وإذا ذاك خبرا، تغييرا للاسم عليه من غير معنى، ولأذى إلى أن لا ~~يكون لقولهم "المبتدأ والخير" فائدة غير أن يتقدم اسم في اللفظ على اسم، من ~~غير أن ينفدر كل واحد منما بحكم لا يكون لصاحبه. وذلك مما لا يشك في سقوطه. ### | 210 - # ومما يدل دلالة واضحة على اختلاف المعنى إذا جئت بمعرفتين، ثم جعلت هذا ~~مبتدأ وذاك خبرا تارة، وتارة بالعكس قولهم: "الحبيب أنت"، و "أنت الحبيب"، ~~وذاك أن معنى "الحبيب أنت"، أنه لا فصل بينك وبين من تحبه إذا صدقت المحبة، ~~وأن مثل المتحابين مثل نفس يقتسمها شخصان، كما جاء عن ms116 بعض الحكماء أنه قال: ~~"الحبيب أنت إلا أنه غيرك". فهذا كما ترى فوق لطيف وكنكتة شريفة، ولو حاولت ~~أن تفيدها بقولك: "أنت الحبيب"، حاولت ما لا يصح، لأن الذي يعقل من قولك ~~"أنت الحبيب" هو ما عناه المتنبي في قوله: # أنت الحبيب ولكني أعوذ به ... من أن أكون محبصا غير محبوب2 # ولا يخفى بعد ما بين الغرضين. فالمعنى في قولك: "أنت الحبيب" أنك الذي ~~أختصه بالمحبة من بين الناس، وإذا كان كذلك، عرفت أن الفرق واجب، أبدا، ~~وأنه لا يجوز أن يكون "أخوك زيد" و "زيد اخوك" بمعنى واحد. PageV01P190 ### | 211 - # وههنا شيء يجب النظر فيه، وهو أن قولك: "أنت الحبيب"، كقولنا "أنت ~~الشجاع"، تريد أنه الذي كملت فيه الشجاعة أم كقولنا1: "زيد المنطلق"، تريد ~~أنه الذي كان منه الانطلاق الذي سمع المخاطب به؟ وإذا نظرنا وجدناه لا ~~يحتمل أن يكون كقولنا: "أنت الشجاع"، لأنه يقتضي أن يكون المعنى أنه لا ~~محبة في الدنيا إلا ما هو به حبيب، كما أن المعنى في "هو الشجاع" أنه لا ~~شجاعة في الدنيا إلا ما تجده عنده وما هو شجاع به. وذلك محال. ### | 212 - # وأمر آخر وهو أن الحبيب "فعيل" فمعنى" "مفعول"، فالمحبة إذن ليست هل له ~~بالحقيقة، وإنما هي صفة لغيره قد لابسته وتعلقت به تعلق الفعل بالمفعول. ~~والصفة إذا وصفت بكمال وصفت به على أن يرجع ذلك الكمال إلى من هي صفة له، ~~دون من تلابسه ملابسة المفعول. وإذا كان كذلك، يعد أن تقول: "أنت المحبوب"، ~~على معنى أنت الكامل في كونك محبوبا، كما أن بعيدا أن يقال: "هو المضروب"، ~~على معنى أنه الكامل في كونه مضروبا. # وإن جاء شيء من ذلك جاء على تعسف فيه وتأويل لا يتصور ههنا، وذلك أن يقال ~~مثلا: "زيد هو المظلوم"، على معنى أنه لم يصب أحدا ظلم يبلغ في الشدة ~~والشناعة الظلم الذي لحقه، فصار كل ظلم سواه عدلا في جنبه ولا يجيء هذا ~~التأويل في قولنا: "أنت الحبيب"، لأنا نعلم أنهم لا يريدون بهذا ms117 الكلام أن ~~يقولوا: إن أحدا لم يحب أحدا مجتبى لك، وأن ذلك قد أبطل PageV01P191 # المحبات كلها حتى صبرت الذي لا يعقل للمحبة معنى إلا فيه. وإنما الذي ~~يريدون أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك، وأنه ليس لأحد غيرك حظ في محبة ~~مني. ### | 213 - # وإذا كان كذلك بان أنه لا يكون بمنزلة "أنت الشجاع"، تريد الذي يتكامل ~~الوصف فيه1، إلا أنه ينبغي من بعد أن تعلم أن بين "أنت الحبيب" وبين "زيد ~~المنطلق" فرقا، وهو أن لك في المحبة التي أثبتها طرفا من الجنسية، من حيث ~~كان المعنى أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك، ولم تعمد إلى محبة واحدة من ~~محباتك. ألا ترى أنك قد أعطيت بقولك: "أنت الحبيب" أنك لا تحب غيره، وأن لا ~~محبة لأحد سواه عندك؟ ولا يتصور هذا في "زيد المنطلق"، لأنه وجه هناك ~~للجنسية، إذ ليس ثم إلا انلاطق واحد قد عرف المخاطب أنه كان، واحتاج أن ~~يعين له الذي كان منه وينص له عليه. فإن قلت: "زيد المنطلق في حاجتك"، تريد ~~الذي من شأنه أن يسعى في حاجتك، عرض فيه معنى الجنسية حينئذ على حدها في ~~"أنت الحبيب". # أسماء الأجناس والمصادر تتنوع إذا وصفت: ### | 214 - # وههنا أصل يجب أن تحكمه: وهو أن من شأن أسماء الأجناس كلها إذا وصفت، أن ~~تتنوع بالصفة، فيصير "الرجل" الذي هو جنس واحد إذا وصفته فقلت: "رجل ظريف"، ~~و "رجل طويل"، و "رجل قصير"، و "رجل شاعر"، و "رجل كاتب"، أنواعا مختلفة ~~يعد كل نوع منها شيئا على حدة، وتستأنف في اسم "الرجل" بكل صفة تقرنها إليه ~~جنسية2. PageV01P192 ### | 215 - # وهكذا القول في "المصادر"، تقول: "العلم" و "الجهل" و "الضرب" و "القتل" ~~و "السير" و "القيام" و "القعود"، فتجد كل واحد من هذه المعاني جنسا كالرجل ~~والفرس والحمار. فإذا وصفت فقلت: "علم كذا" و "علم كذا" كقولك: "علم ضروري" ~~و "علم مكتسب"، و "علم جلي" و "علم خفي" و "ضرب شديد" و "ضرب خفيف" و "سير ~~سريع" و "سير بطيء" وما ms118 شاكل ذلك، آتقسم الجنس منها أقاساما، وصار أنواعا، ~~وكان مثلها مثل الشيء والمجموع المؤلف تفرقه فرقا وتشعبه شعبا. وهذا مذهب ~~معروف عندهم، وأصل متعارف فيكل جيل وأمة. # المصادر تتفرق بالصلة، كما تتفرق بالصفة: ### | 216 - # ثم إن ههنا أصلا هو كالمتفرع على هذا الأصل أو كالنظير له، وهو أن من شأن ~~"المصدر" أن يفرق بالصلات كما يفرق بالصفات. # ومعنى هذا الكلام أنك تقول "الضرب"، فتراه جنسا واحدا، فإذا قلت: "الضرب ~~بالسيف"، صار بتعديتك له إلى السيف1، نوعا مخصوصا. ألا تراك تقول: "الضرب ~~بالسيف غير الضرب بالعصا"، تريد أنهما نوعان مختلفان، وأن اجتماعهما في اسم ~~"الضرب" لا يوجب اتفاقهما، لأن الصلة قد فصلت بينهما وفرقتهما. ومن المثال ~~البين في ذلك قول المتنبي: # وتوهموا اللعب الوغى، والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان2 ~~PageV01P193 # لولا أن اختلاف صلة المصدر تقضي اختلافه في نفسه، وأن يحدث فيه انقسام ~~وتنوع، لما كان لهذا الكلام معنى، ولكان في الاستحالة كقولك: و "الطعن غير ~~الطعن". فقد بان إذن أنه إنما كان كل واحد من الطعنين جنسا برأسه غير ~~الآخر، بأن كان هذا في الهيجاء، وذاك في الميدان. # وهكذا الحكم في كل شيء تعدى إليه "المصدر" وتعلق به. فاختلاف مفعولي ~~المصدر يقتضي اختلافه، وأن يكون المتعدي إلى هذا المفعول غير المتعدي إلى ~~ذاك. وعلى ذلك تقول: "ليس إعطاؤك الكثير كإعطائك القليل"، وهكذا إذا عذبته ~~إلى الحال كقولك: "ليس إعطاؤه معسرا كإعطائك موسرا" و "ليس بذلك وأنت مقل، ~~كبذلك وأنت مكثر". # الاسم المشتق أيضا يتفرق بالصلة: ### | 217 - # وإذا قد عرفت هذا من حكم "المصدر" فاعتبر به حكم الاسم المشتق منه. # وإذا اعتبرت ذلك علمت أن قولك: "هو الوفي حين لا يفي أحد"، و "هو الواهب ~~المئة المصطفاة"، وقوله1: # وهو الضارب الكتيبة، والطع ... نة تعلو، والضرب أغلى وأغلى2 # واشباه ذلك كلها أخبار فيها معنى الجنسية، وأنها في نوعها الخاص بمنزلة ~~الجنس المطلق إذا جعلته خبرا فقلت: "أنت الشجاع". # وكما أنك لا تقصد بقولك: "أنت الشجاع" إلى شجاعة بعينها قد PageV01P194 # كانت ms119 وعرفت من إنسان، وأردت أن تعرف ممن كانت بل تريد أن تقصر جنس ~~الشجاعة عليه، ولا تجعل لأحد غيره فيه حظا، كذلك لا تقصد بقولك: "أنت الوفي ~~حين لا يفي أحد" إلى وفاء واحد. كيف؟ وأنت تقول: "حين لا يفي أحد". # وهكذا محال أن تقصد في قوله: "هو الواهب المئة المصطفاة"، إلى هبة واحدة، ~~لأنه يقتضي أن يقصد إلى مئة من الإبل قد وهبها مرة، ثم لم يعد لمثلها. ~~ومعلوم أن خلاف الغرض، لأن المعنى أنه الذي من شأنه أن يهب المئة أبدا، ~~والذي يبلغ عطاره هذا المبلغ، كما تقول: "هو الذي يعطي مادحة الألف ~~والألفين"، وكقوله: # وحاتم الطائي وهاب المئي1 # وذلك أوضح من أن يخفى. # الألف واللام الدالة على الجنسية لها مذهب في الخبر، غيره في المبتدأ ~~ووجوه هذا المعنى: ### | 218 - # وأصل آخر: وهو أن من حقنا أن نعلم أن مذهب الجنسية في الاسم وهو خبر، غير ~~مذهبها وهو مبتدأ. PageV01P195 # تفسير هذا: أنا وإن قلنا إن "اللام" في قولك: "أنت الشجاع" للجنس، كما هو ~~له في قولهم: "السجاع موقي، والجبان ملقي"1، فإن الفرق ينهما عظيم. وذلك أن ~~المعنى في قولك: "الشجاع موقى"، أنك تثبت الوقاية لكل ذات من صفتها ~~الشجاعة، فهو في معنى قولك: الشجعان كلهم موقون. ولست أقول إن الشجاع ~~كالشجعان على الإطلاق، وإن كان ذلك ظن كثير من الناس، ولكني أريد أنك تجعل ~~الوقاية تستغرق الجنس وتشتمله وتشيع فيه. وأما في قولك: "أنت الشجاع"، فلا ~~معنى فيه للاستغراق، إذ لست تريد أن تقول: "أنت الشجعان كلهم" حتى كأنك ~~تذهب به مذهب قولهم: "أنت الخلق كلهم" و "أنت العالم"، كما قال: # وليس الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد2 ### | 219 - # ولكن لحديث "الجنسية" ههنا مأخذ آخر غير ذلك، وهو أنك تعمد بها إلى ~~المصدر المشتق منه الصفة وتوجهها إليه، لا إلى نفس الصفة. ثم لك في توجيهها ~~إليه مسلك دقيق. وذلك أنه ليس القصد أن تأتي إلى شجاعات كثيرة فتجمعها له ~~وتوجدها فيه، ولا أن تقول: إن الشجاعات ms120 التي يتوهم وجودها في الموصوفين ~~بالشجاعة هي موجودة فيه لا فيهم هذا كله محال، بل المعنى على أنك تقول: كنا ~~عقلنا الشجاعة وعرفنا حقيقتها، وما هي؟ وكيف ينبغي أن يكون الإنسان في ~~إقدامه وبطشه حتى يعلم أنه شجاع على PageV01P196 # الكمال: واستقرينا الناس فلم نجد في واحد منهم حقيقة ما عرفناه، حتى إذا ~~صرنا إلى المخاطب، وجدناه قد استكمل هذه الصفة، واستجمع شرائطها، وأخلص ~~جوهرها، ورسخ فيه سنخها1. ويبين لك أن الأمر كذلك اتفاق الجميع على تفسيرهم ~~له بمعنى الكامل، ولو كان المعنى على أنه استغرق الشجاعات التي يتوهم كونها ~~في الوصوفين بالشجاعة، لما قالوا إنه بمعنى الكامل في الشجاعة، لأن الكمال ~~هو أن تكون الصفة على ما ينبغي أن تكون عليه، وأن لا يخالطها ما يقدح فيها، ~~وليس الكمال أن تجتمع آحاد الجنس وينضم بعضها إلى بعض. فالغرض إذان بقولنا: ~~"أنت الشجاع"، هو الغرض بقولهم: "هذه هي الشجاعة على الحقيقة، وما عداها ~~جبن" و "هكذا يكون العلم، وما عداه تخيل"2، و "هذا هو الشعر" وما سواه فليس ~~بشيء". وذلك أظهر من أن يخفى. ### | 220 - # وضرب آخر من الاستدلال في إبطال أن يكون "أنت الشجاع" بمعنى أنك كأنك ~~جميع الشجعان، على حد "أنت الخلق كلهم"3، وهو أنك في قولك: "أنت الخلق" و ~~"أنت الناس كلهم" و "قد جميع العالم منك في واحد"، تدعي له جميع المعاني ~~الشريفة المتفرقة في الناس، من غير أن تبطل تلك المعاني وتنفيها عن الناس، ~~بل على أن تدعي له أمثالها. ألا ترى أنك إذا قلت في الرجل: "إنه معدود بألف ~~رجل"، فلست PageV01P197 # تعني أنه معدود بألف لا معنى فيهم ولا فضيلة لهم بوجه1، بل تريد أنه ~~يعطيك من معاني الشجاعة أو العلم أو كذا أو كذا مجموعا2، ما لا تجد مقداره ~~مفرقا إلا في ألف رجل. وأما في نحو "أنت الشجاع"، فإنك تدعي له مقداره ~~مفرقا إلا في ألف رجل. وأما في نحو "أنت الشجاع"، فإنك تدعي له أن قد انفرد ~~بحقيقة الشجاعة، وأنه قد أوتي ms121 فيها مزية وخاصية لم يؤتها أحد، حتى صار الذي ~~كان يعده الناس شجاعة غير شجاعة، وحتى كأن كل إقدام إحجام، وكل قوة عرفت في ~~الحرب ضعف. وعلى ذلك قالوا: "جاد حتى بخل كل جواد، وحتى منع أن يستحق اسم ~~الجواد أحد"، كما قال: # وإنك لا تجود على جواد ... هباتك أن يلقب بالجواد3 # وكما يقال: "جاد حتى كأن لم يعرف لأحد جود، وحتى كأن قد كذب الواصفون ~~الغيث بالجود"، كما قال: # أعطيت حتى تركت الريح حاسرة ... وجدت حتى كأن الغيث لم يجد4 PageV01P198 ### | الفروق في الخبر: التعريف بالذي # هذا فصل في "الذي" خصوصا: # "الذي"، ومجيئه لوصف المعارف بالجمل، وما تحتها من الأسرار: ### | 211 - # إعلم أن لك في "الذي" علما كثيرا، وأسرار جمة، وخفايا إذا بحثت عنها ~~وتصورتها أطلعت على فوائد تؤنس النفس، وتثلج الصدر، بما يفضي بك إليه من ~~اليقين، ويؤديه إليك من حسن التبيين. # والوجه في ذلك أن تتأمل عبارات لهم فيه لم وضع، ولأي غرض اجتلب، وأشياء ~~وصفوه بها. فمن ذلك قولهم: "إن "الذي" اجتلب ليكون وصلة إلى وصف المعارف ~~بالجمل، كما اجتلب "ذو" ليتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس"، يعنون بذلك ~~أنك تقول: "مررت بزيد الذي أبوه منطلق" و "الرجل الذي كان عندنا أمسي"، ~~فتجدك قد توصلت ب "الذي" إلى أن أبنت زيدا من غيره، بالجملة التي هو قولك: ~~"أبوه منطلق"، ولولا "الذي" لم تصل إلى ذلك كما أنك تقول: "مررت برجل ذي ~~مال" فتتوصل ب "ذي" إلى أن تبين الرجل من غيره بالمال، ولولا "ذو" لم يتأت ~~لك ذلك، إذ لا تستطيع أن تقول: "برجل مالي". ### | 222 - # فهذه جملة مفهومة؟ إلا أن تحتها خبايا تحتاج إلى الكشف عنها. فمن ذلك أن ~~تعلم من أين امتنع أن توصف المعرفة بالجملة، ولم لم يكن حالها في ذلك حال ~~النكرة التي تصفها بها في قولك: "مررت برجل أبوه منطلق": و "رأيت إنسانا ~~تقاد الجنائب بين يديه"1. PageV01P199 # وقالوا: إن السبب في امتناع ذلك: أن الجمل نكرات كلها، بدلالة أنها ~~تستفاد، وإنما يستفاد ms122 المجهول دون المعلوم. قالوا: فلما كانت كذلك، كانت ~~وفق النكرة1، فجاز وصفها بها، ولم يجز أن توصف بها المعرفة، إذا لم تكن ~~وفقا لها. # "الذي" توصل بجملة سبق من السامع العلم بها: ### | 223 - # والقول البين في ذلك أن يقال2: إنه إنما اجتلب حتى إذا كان قد عرف رجل ~~بقصة وأمر جرى له، فتخصص بتلك القصة وبذلك الأمر عند السامع، ثم أريد القصد ~~إليه، ذكر "الذي". # تفسير هذا أنك لا تصل "الذي" إلا بجملة من الكلام قد سبق من السامع علم ~~بها، وأمر قد عرفه له، نحو أن ترى عنده رجلا ينشده شعرا فتقول له من غد: ~~"ما فعل الرجل الذي كان عندك بالأمس ينشدك الشعر؟ ". # هذا حكم الجملة بعد "الذي"، إذا أنت وصفت به شيئا. فكان معنى قولهم: "إنه ~~اجتلب ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل"، أنه جيء به ليفصل بين أن يراد ~~ذكر الشيء بجملة قد عرفها السامع له، وبين أن لا يكون الأمر كذلك. # "الذي" تأتي بعدها أيضا جملة غير معلومة للسامع: ### | 224 - # فإن قلت: قد يؤتى بعد "الذي" بالجملة غير المعلومة للسامع، وذلك حيث يكون ~~"الذي" خبرا"، كقولك: "هذا الذي كان عندك بالأمس" و "هذا الذي قدم رسولا من ~~الحضرة، أنت في هذا وشبهه تعلم المخاطب أمرا لم يسبق له به علم. وتفيده في ~~المشار إليه شيئا لم يكن عنده. ولو لم يكن كذلك، لم يكن "الذي" خبرا، إذ ~~كان لا يكون الشيء خبرا حتى يفاد به. PageV01P200 # فالقول في ذلك: إن الجملة في هذا النحو، وإن كان المخاطب لا يعلمها لعين ~~من أشرت إليه، فإنه لا بد من أن يكون قد علمها على الجملة وحدث بها. فإنك ~~على كل حال لا تقول: "هذا الذي قدم رسولا"، لمن لم يعلم أن رسولا قدم ولم ~~يبلغه ذلك في جملة ولا تفصيل وكذا لا تقول: "هذا الذي كان عندك أمس"، لمن ~~قد نسي أنه كان عنده إنسان وذهب عن وهمه، وإنما تقوله لمن ذاك على ذكر منه، ~~إلا أنه رأى ms123 رجلا يقبل من بعيد، فلا يعلم أنه ذاك، ويظنه إنسانا عيره. ### | 225 - # وعلى الجملة، فكل عاقل يعلم بون ما بين الخبر بالجملة مع "الذي" وبينها ~~مع غير "الذي"، فليس من أحد به طرق إلا وهو لا يشك أن ليس المعنى في قولك1: ~~"هذا الذي قدم رسولا"2، كالمعنى إذا قلت: "هذا قدم رسولا من الحضرة" ولا ~~"الذي يسكن في محلة كذا"، كقولك: "هذا يسكن محلة كذا"، وليس ذاك إلا أنك في ~~قولك: "هذا قدم رسولا من الحضرة" مبتدئ خبرا بأمر لم يبلغ السامع ولم يبلغه ~~ولم يعلمه أصلا وفي قولك: "هذا الذي قدم رسولا"، معلم في أمر قد بلغه أن ~~هذا صاحبه3، فلم يحل إذن من الذي بدأنا به في أمر الجملة مع "الذي"، من أن ~~ينبغي أن تكون جملة قد سبق من السامع علم بها فاعرفه، فإنه من المسائل التي ~~من جهلها جهل كثيرا من المعاني، ودخل عليه الغلط في كثير من الأمور، والله ~~الموفق للصواب. PageV01P201 ### | الفروق في الحال: # فروق في الحال لها فضل تعلق بالبلاغة: # الحال، ومجيئها جملة مع الواو تارة، وبغير الواو تارة: ### | 226 - # إعلم أن أول فرق في الحال أنها تجيء مفردا وجملة، والقصد ههنا إلى ~~الجملة. # وأول ما ينبغي أن يضبط من أمرها أنها تجيء تارة مع "الواو" وأخرى بغير ~~"الواو"، فمثال مجيئها مع الواو قولك: "أتاني وعليه ثوب ديباج"، و "رأيته ~~وعلى كتفه سيف"، و "لقيت الأمير والجند حواليه"1، و "جاءني زيد وهو متقلد ~~سيفه" ومثال مجيئها بغير "واو": "جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه" و "أتاني ~~عمرو يقود فرسه"، وفي تمييز ما يقتضي "الواو" مما لا يقتضيه صعوبة. ### | 227 - # والقول في ذلك أن الجملة إذا كانت من مبتدإ وخبر، فالغالب عليها أن تجيء ~~مع "الواو" كقولك: "جاءني زيد وعمرو أمامه" و "أتاني وسيفه على كتفه"، فإن ~~كان المبتدأ من الجملة ضمير ذي الحال، لم يصلح بغير "الواو" البتة، وذلك ~~كقولك: "جاءني زيد وهو راكب" و "رأيت زيدا وهو جالس"، و "دخلت عليه وهو ~~يملي ms124 الحديث" و "انتهيت إلى الأمير وهو يعبئ الجيش"، فلو تركت "الواو" في ~~شيء من ذلك لم يصلح. فلو قلت: "جاءني زيد هو راكب"، و "دخلت عليه هو يملي ~~الحديث"، لم يكن كلاما. ### | 228 - # فإن كان الخبر في الجملة من المبتدإ والخبر ظرفا، ثم كان PageV01P202 # قد قدم على المبتدإ كقولنا: "عليه سيف" و "في يده سوط"، كثر فيها أن تجيء ~~بغير "واو". فمما جاء منه كذلك قول بشار: # إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ... خرجت مع البازي علي سواد1 # يعني علي بقية من الليل، وقول أمية: # فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا2 # قول الآخر: # لقد صبرت للذل أعواد منبر ... تقوم عليها في يديك قضيب3 # كل ذلك في موضع الحال، وليس فيه "واو" كما ترى، ولا هو محتمل لها إذا ~~نظرت. ### | 229 - # وقد يجيء ترك "الواو" فيما ليس الخبر فيه كذلك، ولكنه لا يكثر، فمن ذلك ~~قولهم: "كلمته فوه إلى في" و "رجع عوده على بدئه"، في قول من رفع ومنه بيت ~~"الإصلاح". # نصف النهار، الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدري4 PageV01P203 # ومن ذلك ما أنشده الشيخ أبو علي في "الإغفال"1: # ولولا جنان الليل ما آب عامر ... إلى جعفر، سرباله لم يمزق2 ### | 230 - # ومما ظاهره أنه منه قوله: # إذا أتيت أبا مروان نسأله ... وجدته حاضراه الجود والكرم3 # فقوله: "حاضراه الجود"، جملة من المبتدأ والخبر كما ترى، وليس فيها ~~"واو"، والموضع موضع حال، ألا تراك تقول: "أتيته فوجدته جالسا"، فيكون ~~"جالسا" حالا، ذاك لأن "وجدت" في مثل هذا من الكلام لا تكون المتعدية إلى ~~مفعولين، ولكن المتعدية إلى مفعول واحد كقولك: "وجدت الضالة" إلا أنه ينبغي ~~أن تعلم أن لتقديمه الخبر الذي هو "حاضراه" تأثيرا في معنى الغنى عن ~~"الواو"، وأنه لو قال: "وجدته، الجود والكرم حاضراه" لم يحسن حسنه الآن، ~~وكان السبب في حسنه مع التقديم، أنه يقرب في المعنى من قولك: "وجدته حاضره ~~الجود والكرم" أو "حاضرا عنده الجود والكرم". # جملة الحال، والفعل مضارع مثت غير منفي لا ms125 تكاد تجيء بالواو: ### | 231 - # وإن كانت الجملة من فعل وفاعل، والفعل مضارع مثبت غير منفي، لم يكد يجيء ~~بالواو، بل ترى الكلام على مجيئها عارية من "الواو"، كقولك: "جاءني زيد ~~يسعى غلامه بين يديه"، وكقوله: PageV01P204 # وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم قديديمة الجوزاء مسموم1 # وقوله: # ولقد أغتدي يدافع ركني ... أحوذي ذو ميعة إضريج2 # وكذلك قولك: "جاءني زيد يسرع"، لا فصل بين أن يكون الفعل ذي الحال، وبين ~~أن يكون لمن هو من سببه، فإن ذلك كله يستمر على الغنى عن "الواو"، وعليه ~~التنزيل والكلام. ومثاله في التنزيل قوله عز وجل: {ولا تمنن تستكثر} ~~[المدثر: 6] وقوله تعالى: {وسيجنبها الأتقى، الذي يؤتي ماله يتزكى} [النمل: ~~17، 18]، وكقوله عز اسمه {ويذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأعراف: 186]. # مجيء جملة الحال فعلا مضارعا ومعه الواو: ### | 232 - # فأما قول ابن همام السلولي: # فلما خشيت أظافيره ... نجوت، وأرهنهم مالكا3 PageV01P205 # في رواية من روى "وأرهنهم"1، وما شبهوه به من قولهم: "فقمت وأصك وجهه" ~~فليست الواو فيها للحال، وليس المعنى "نجوت راهنا مالكا" و "قمت صاكا ~~وجهه"، ولكن "أرهن" و "أصك" حكاية حال، مثل قوله: # ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت، ثمت قلت لا يعنيني2 # فكما أن "أمر" ههنا في معنى "مررت"، كذلك يكون "أرهن" و "أصك" هناك في ~~معنى "رهنت" و "صككت". # ويبين ذلك أنك ترى "الفاء" تجيء مكان "الواو" في مثل هذا، وذلك كنحو ما ~~في الخبر في حديث عبد الله بن عتيك حين دخل على أبي رافع اليهودي حصنه قال: ~~"فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم لا أدري أين هو من البيت، فقلت: أبا ~~رافع! فقال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت، فأضربه بالسيف وأنا دهش"3 فكما أن ~~"أضربه" مضارع قد عطفه بالفاء على ماض، لأنه في المعنى ماض، كذلك يكون ~~"أرهنهم" معطوفا على الماضي قبله وكما لا يشك في أن المعنى في الخبر: ~~"فأهويت فضربت"، PageV01P206 # كذلك يكون المعنى في البيت: "نجوت ورهنت"، إلا أن الغرض في أخراجه على ~~لفظ الحال، أن يحكي الحال في أحد الخبرين، ويدع ms126 الآخر على ظاهره، كما كان ~~ذلك في "ولقد أمر على اللئيم يسبني، فمضيت"، إلا أن الماضي في هذا البيت ~~مؤخر معطوف، وفي بيت ابن همام وما ذكرناه معه، مقدم معطوف عليه. فاعرفه. # مجيء الحال مضارعا منفيا، يجيء بالواو، كثير: ### | 233 - # فإن دخل حرف نفي على المضارع تغير الحكم، فجاء بالواو وبتركها كثيرا، ~~وذلك مثل قولهم: "كنت ولا أخشى بالذئب"1، وقول مسكين الدارمي: # أكسبته الورق البيض أبا ... ولقد كان ولا يدعى لأب2 # وقول مالك بن رفيع، وكان جنى جناية فطلبه مصعب بن الزبير: # يغاني مصعب وبنو أبيه ... فأين أحيد عنهم؟ لا أحيد PageV01P207 # أقادوا من دمي وتوعدوني ... وكنت وما ينهنهني الوعيد1 # "كان" في هذا كله تامة والجلة الداخل عليها "الواو" في موضع الحال. ألا ~~ترى أن المعنى: "وجدت غير خاش للذئب"، و "لقد وجد غير مدعو لأب" و "وجدت ~~غير منهنه بالوعيد وغير مبال به"، ولا معنى لجعلها ناقصة، وجعل "الواو" ~~مزيدة. ### | 234 - # وليس مجيء الفعل المضارع حالا، على هذا الوجه، بعزيز في الكلام، ألا تراك ~~تقول: "جعلت أمشي وما أدري أين أضع رجلي" و "جعل يقول ولا يدري"، وقال أبو ~~الأسود: "يصيب وما يدري"2، وهو شائع كثير. # مجيء المضارع منفيا حالا، بغير الواو كثير: ### | 235 - # فأما مجيء المضارع منفيا حالا من غير "الواو" فيكثر أيضا ويحسن، فمن ذلك ~~قوله: # ثووا لا يريدون الرواح وغالهم ... من الدهر أسباب جرين على قدر3 ~~PageV01P208 # وقال أرطاة بن سهية، وهو لطيف جدا: # إن تلقني، لا ترى غيري بناظرة ... تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد1 # فقوله: "لا ترى" في موضع حال. ومثله في اللطف والحسن قول أعشى همدان، ~~وصحب عباد بن ورقاء إلى أصبهان فلم يحمده فقال: # أتينا أصبهان فهزلتنا ... وكنا قبل ذلك في نعيم # وكان سفاهة مني وجهلا ... مسيري، لا أسير إلى حميم2 # قوله: "لا أسير إلى حميم"، حال من ضمير المتكلم الذي هو "الياء" في ~~"مسير"، وهو فاعل في المعنى، فكأنه قال: وكان سفاهة مني وجهلا أن سرت غير ~~سائر إلى حميم، وأن ذهبت غير متوجه ms127 إلى قريب، وقال خالد بن يزويد بن ~~معاوية: # لو أن قوما لارتفاع قبيلة ... دخلوا السماء دخلتها لا أحجب3 # وهو كثير إلا أنه لا يهتدي إلى وضعه بالموضع المرضي إلا من كان صحيح ~~الطبع. # الماضي يجيء حالا بالواو وغير الواو مقرونا مع "قد": ### | 236 - # ومما يجيء بالواو وغير "الواو"، الماضي، وهو لا يقع حالا إلا مع "قد" ~~مظهرة أو مقدرة. أما مجيئها بالواو فالكثير الشائع، كقولك: "أتاني وقد جهده ~~السير" وأما بغير "الواو" فكقوله: PageV01P209 # متى أرى الصبح قد لاحت مخايله ... والليل قد مزقت عنه السرابيل1 # وقول الآخر: # فآبوا بالرماح مكسرات ... وأبنا بالسيوف قد انحنينا2 # وقال آخر، وهو لطيف جدا: # يمشون قد كسروا الجفون إلى الوغى ... متبسمين وفيهم استبشار3 ### | 237 - # ومما يجيء بالواو في الأكثر الأشيع، ثم يأتي في مواضع بغير "الواو" فيلطف ~~مكانه ويدل على البلاغة، الجملة قد دخلها "ليس" تقول: "أتاني وليس عليه ~~ثوب" و "رأيته وليس معه غيره"، فهذا هو المعروف المستعمل، ثم جاء بغير ~~"الواو" فكان من الحسن على ما ترى، وهو قول الأعرابي: # لنا فتى وحبذا الافتاء ... تعرفه الأرسان والدلاء # إذا جرى في كفه الرشاء ... خلى القليب ليس فيه ماء4 PageV01P210 # مجيء جملة الحال بغير واو: # هذا الباب: أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بغير "واو" ويحسن ذلك1، ثم تنظر ~~فترى ذلك إنما حسن من أجل حرف دخل عليها. مثاله قول الفرزدق: # فقلت عسى أن تبصريني كأنما ... بني حوالي الأسود الحوارد2 # قوله: "كأنما بني" إلى آخره، في موضع الحال من غير شبهة، ولو أنك تركت ~~"كأن" فقلت: "عسى أن تبصريني بني حوالي كالأسود"، رأيته لا يحسن حسنه ~~الآن3، ورأيت الكلام يقتضي "الواو" كقولك: "عسى أن تبصريني وبني حوالي ~~كالأسود الحوارد". ### | 239 - # وشبيه بهذا أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بعقب مفرد، فلطف مكانها، ولو أنك ~~أردت أن تجعلها حالا من غير أن يتقدمها ذلك المفرد لم يحسن، مثال ذلك قول ~~ابن الرومي: PageV01P211 # والله يبقيك لنا سالما ... برداك تبجيل وتعظيم1 # فقوله: "برادك تبجيل"، في موضع حال ثانية، ولو أنك ms128 أسقطت "سالما" من ~~البيت فقلت: "والله يبقيك برداك تبجيل"، لم يكن شيئا. # اختلاف الجمل الواقعة حالا، في مجيئها بالواو وبغيرها: ### | 240 - # وإذ قد رأيت الجمل الواقعة حالا قد اختلف بها الحال هذا الاختلاف الظاهر، ~~فلا بد من أن يكون ذلك إنما كان من أجل علل توجيه وأسباب تقتضيه، فمحال أن ~~يكون ههنا جملة لا تصلح إلا مع "الواو"، وأخرى لا تصلح فيها "الواو"، ~~وثالثة تصلح أن تجيء فيهأ "بالواو" وأن تدعها فلا تجيء بها، ثم لا يكون ~~لذلك سبب وعلة، وفي الوقوف على العلة في ذلك إشكال وغموض، ذلك لأن الطريق ~~إليه غير مسلوك، والجهة التي منها تعرف غير معروفة، وأن أكتب لك أصلا في ~~"الخبر" إذا عرفته انفتح لك وجه العلة في ذلك. # "الخبر" نوعان، جزء من الجملة وخبر ليس بجزء من الجملة: ### | 241 - # اعلم2 أن "الخبر" ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه، ~~وخبر ليس بجزء من الجملة، ولكنه زيادة في خبر آخر، سابق له. فالول خبر ~~المبتدأن كمنطلق في قولك: "زيد منطلق"، والفعل كقولك: "خرج زيد"، وكل واحد ~~من هذين جزء من الجملة، وهو الأصل في الفائدة والثاني هو الحال كقولك: ~~"جاءني زيد راكبا"، وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة، من حيث إنك تثبت بها ~~المعنى لذي الحال كما ثبت بخبر المبتدأ PageV01P212 # للمبتدأ1، وبالفعل للفاعل. ألا تراك قد أثبت الركوب في قولك: "جاءني زيد ~~راكبا" لزيد؟ إلا أن الفرق أنك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، ~~وهو أن تجعله بهذه الهيئة في مجيئه، ولم تجرد إثباتك للركوب ولم تباشره به ~~ابتداء2، بل بدأت فأثبت المجيء، ثم وصلت به الركوب، فالتبس به الإثبات على ~~سبيل التبع لغيره، وبشرط أن يكون في صلته, وأما في الخبر المطلق نحو: "زيد ~~منطلق" و "خرج عمرو"، فإنك أثبت المعنى إثباتا جردته له، وجعلته يباشره من ~~غير واسطة3، ومن غير أن يتسبب بغيره إليه. # جملة الحال وامتناعها من الواو، وتفسير ذلك: ### | 242 - # وإذ قد عرفت هذا، فاعلم ms129 أن كل جملة وقعت حالا ثم امتنعت من "الواو"، فذاك ~~لأجل أنك عمدت إلى الفعل الواقع في صدرها فضممته إلى الفعل الأول في إثبات ~~واحد، وكل جملة جاءت حالا، ثم اقتضت "الواو"، فذاك لأنك مستأنف بها خبرا، ~~وغير قاصد إلى أن تضمها إلى الفعل الأول في الإثبات. ### | 243 - # تفسير هذا: أنك إذا قلت: "جاءني زيد يسرع"، كان بمنزلة قولك: "جاءني زيد ~~مسرعا"، في أنك تثبت مجيئا فيه إسراع، وتصل أحد المعنيين بالآخر، وتجعل ~~الكلام خبرا واحدا، وتريد أن تقول: "جاءني كذلك، وجاءني بهذه الهيئة"، ~~وهكذا قوله: PageV01P213 # وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم قديديمة الجوزاء مسموم1 # كأنه قال: "وقد علوت قتود الرجل بارزا للشمس ضاحيا"، وكذلك قوله: # متى أرى الصبح قد لاحت مخايله2 # لأنه في معنى: "متى أرى الصبح باديا متجليا" وعلى هذا القياس أبدا. وإذا ~~قلت: "جاءني وغلامه يسعى بين يديه" و "رأيت زيدا وسيفه على كتفه"3، كان ~~المعنى على أنك بدأت فأثبت المجيء والرؤية، ثم استأنفت خبرا، وابتدأت ~~إثباتا ثانيا لسعي الغلام بين يديه، ولكون السيف على كتفه، ولما كان المعنى ~~على استئناف الإثبات، احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى، فجيء ~~بالواو كما جيء بها في قولك: "زيد منطلق وعمرو ذاهب" و "العلم حسن والجهل ~~قبيح". وتسميتنا لها" واو حال"، لا يخرجها عن أن تكون مجتلبة لضم جملة إلى ~~جملة. # ونظيرها في هذا "الفاء" في جواب الشرط نحو: "إن تأتني فأنت مكرم"، فإنها ~~وإن لم تكن عاطفة، فإن ذلك لا يخرجها من أن تكون بمنزلة العاطفة في أنها ~~جاءت لتربط جملة ليس من شأنها أن ترتبط بنفسها4، فاعرف ذلك ونزل الجملة في ~~نحو: "جاءني زيد يسرع" و "قد علوت قتود PageV01P214 # الرجل يسفعني يوم"، منزلة الجزاء الذي يستغني عن "الفاء"، لأن من شأنه أن ~~يرتبط بالشرط من غير رابط، وهو قولك: "إن تعطيني أشكرك" ونزل الجملة في ~~"جاءني زيد وهو راكب"، منزلة الجزاء الذي ليس من شأنه أن يرتبط بنفسه، ~~ويحتاج إلى "الفاء"، كالجملة في نحو: "إن تأتني فأنت ms130 مكرم"، قياسا سويا ~~وموازنة صحيحة1. # بيان دخول الواو على الجملة: ### | 244 - # فإن قلت قد علمنا أن علة دخول "الواو" على الجملة أن تستأنف الإثبات، ولا ~~تصل المعنى الثاني بالأول في إثبات واحد، ولا تنزل الجملة منزلة المفرد ~~ولكن بقي أن تعلم لم كان بعض الجمل، بأن يكون تقديرها تقدير المفرد في أن ~~لا يستأنف بها الإثبات، أولى من بعض؟ 2 وما الذي منع في قولك: "جاءني زيد ~~وهو يسرع، أو: وهو مسرع" من أن يدخل الإسراع في صلة المجيء ويضامه في ~~الإثبات، كما كان ذلك حين قلت: "جاءني زيد يسرع"؟ # فالجواب أن السبب في ذلك أن المعنى في قولك: "جاءني زيد وهو يسرع"، على ~~استئناف إثبات للسرعة، ولم يكن ذلك في "جاءني زيد يسرع". وذلك أنك إذا أعدت ~~ذكر "زيد" فجئت بضميره المنفصل المرفوع، كان بمنزلة أن تعيد اسمه صريحا ~~فتقول: "جاءني زيد وزيد يسرع" في أنك لا تجد سبيلا إلى أن تدخل "يسرع" في ~~صلة المجيء، وتضمه إليه في الإثبات. وذلك أن إعادتك ذكر "زيد" لا يكون حتى ~~تقصد استئناف الخبر. PageV01P215 # عنه بأنه يسرع، وحتى تبتدئ إثباتا للسرعة، لأنك إن لم تفعل ذلك، تركت ~~المبتدأ، الذي هو ضمير "زيد" أو اسمه الظاهر، بمضيعة، 1 وجعلته لغوا في ~~البين2، وجرى مجرى أن تقول: "جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه"، ثم تزعم أنك لم ~~تستأنف كلاما ولم تبتدئ للسرعة إثباتا، وأن حال "يسرع" ههنا، حاله إذا قلت: ~~"جاءني زيد يسرع، فجعلت السرعة له، ولم تذكر "عمرا"، وذلك محال. ### | 245 - # فإن قلت: إنما استحال في قولك: "جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه" أن ترد ~~"يسرع" إلى "زيد" وتنزله منزلة قولك: "جاءني زيد يسرع"، من حيث كان في ~~"يسرع" ضمير لعمرو، وتضمنه ضمير عمرو يمنع أن يكون لزيد، وأن يقدر حالا له. ~~وليس كذلك: "جاءني زيد وهو يسرع"، لأن السرعة هناك لزيد لا محالة، فكيف ساغ ~~أن تقيس إحدى المسئلتين على الأخرى؟ # قيل: ليس المانع أن يكون "يسرع" في قولك: "جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه"؟ ms131 ~~حالا من زيد أنه فعل لعمرو، فإنك لو أخرت "عمرا" فرفعته "بيسرع"، وأوليت ~~"يسرع" زيدا فقلت: "جاءني زيد يسرع عمرو أمامه" وجدته قد صلح حالا لزيد، مع ~~أنه فعل لعمرو وإنما المانع ما عرفتك، من أنك تدع "عمرا" بمضيعة3، وتجيء به ~~مبتدأ، ثم لا تعطيه خبرا4. PageV01P216 # ومما يدل على فساد ذلك أن يؤدي إلى أن يكون "يسرع" قد اجتمع في موضعه ~~النصب والرفع، وذلك أن جعله حالا من "زيد" يقتضي أن يكون في موضع نصب وجعله ~~خبرا عن "‘مرو" المرفوع بالابتداء يقتضي أن يكون في موضع رفع. وذلك بين ~~التدافع. ولا يجب هذا التدافع إذا أخرت "عمرا" فقلت: "جاءني زيد يسرع عمرو ~~أمامه"، لأنك ترفعه حينئذ بيسرع1، على أنه فاعل له، وإذا ارتفع به لم يوجب ~~في موضعه إعرابا2، PageV01P217 # فيبقى مفرغا لأن يقدر فيه النصب على أنه حال من "زيد" وجرى مجرى أن تقول ~~"جاءني زيد مسرعا عمرو أمامه". # القياس أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر إلا مع الواو، وعلة ترك ذلك: ### | 246 - # فإن قلت: فقد ينبغي على هذا الأصل أن لا نجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا ~~إلا مع "الواو"، وقد ذكرت قبل أن ذلك قد جاء في مواضع من كلامهم1. # فالجواب أن القياس والأصل أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا إلا مع ~~"الواو"، وأما الذي جاء من ذلك فسبيله سبيل الشيء يخرج عن أصله وقياسه ~~والظاهر فيه، بضرب من التأويل ونوع من التشبيه، فقولهم: "كلمته فوه إلى ~~في"2، إنما حسن بغير "واو" من أجل أن المعنى: كلمته مشافها له وكذلك قولهم: ~~"رجع عوده على بدئه"، 2 إنما جاء الرفع فيه والابتداء من غير "واو"، لأن ~~المعنى: رجع ذاهبا في طريقه الذي جاء فيه وأما قوله: "وجدته حاضراه الجود ~~والكرم"3 فلأن تقديم الخبر الذي هو "حاضراه"، يجعله. PageV01P218 # كأنه قال: "وجدته حاضرا عنده الجود والكرم". # وليس الحمل على المعنى، وتنزيل الشيء منزلة غيره، بعزيز في كلامهم، وقد ~~قالوا: "زيد أضربه"، فأجازوا أن يكون مثال الأمر في موضع ms132 الخبر، لأن المعنى ~~على النصب نحو: "اضرب زيد" ووضعوا الجملة، من المبتدأ والخبر موضع الفعل ~~والفاعل في نحو قوله تعالى1: {أدعوتموهم أم أنتم صامتون} [الأعراف: 193]، ~~لأن الأصل في المعادلة أن تكون الثانية كالأولى نحو: "أدعوتموهم أم صمتم". # ويدل على أن ليس مجيء الجملة من المبتدإ والخبر حالا بغير "الواو" أصلا، ~~قلته2، وأنه لا يجيء إلا في الشيء بعد الشيء. # هذا، ويجوز أن يكون ما جاء من ذلك إنما جاء على إرادة "الواو"، كما جاء ~~الماضي على إرادة "قد". ### | 247 - # واعلم أن الوجه فيما كان مثل قول بشار: # خرجت مع البازي علي سواد3 # أن يؤخذ فيه بمذهب أبي الحسن الأخفش4، فيرفع "سواد" بالظرف دون الابتداء، ~~ويجري الظرف ههنا مجراه إذا جرت الجملة صفة على النكرة PageV01P219 # نحو: "مررت برجل معه صقر صائدا به غدا"1، وذلك أن صاحب الكتاب يوافق أبا ~~الحسن في هذا الموضع فيرفع "صقرا" بما في "معه" من معنى الفعل، فلذلك يجوز ~~أن يجري الحال مجرى الصفة، فيرفع الظاهر بالظرف إذا هو جاء حالا، فيكون ~~ارتفاع "سواد" بما في "علي" من معنى الفعل، لا بالإبتداء. # ثم ينبغي أن يقدر ههنا خصوصا أن الظرف في تقدير اسم فاعل لا فعل، أعني أن ~~يكون المعنى: "خرجت كائنا علي سواد، وباقيا علي سواد، ولا يقدر: "يكون علي ~~سواد"، و "يبقى علي سواد"، اللهم إلا أن تقدر فيه فعلا ماضيا مع "قد" ~~كقولك: "خرجت مع البازي قد بقي علي سواد"، والأول أظهر. ### | 248 - # وإذا تأملت الكلام وجدت الظرف وقد وقع مواقع لا يستقيم فيها إلا أن يقدر ~~تقدير اسم فاعل، ولذلك قال أبو بكر من السراج في قولنا2: "زيد في الدار"، ~~إنك مخير بين أن تقدر فيه فعلا فتقول: "استقر في الدار"، وبين أن تقدر اسم ~~فاعل فتقول: "مستقر في الدار"، وإذا عاد الأمر إلى هذا، كان الحال في ترك ~~"الواو" ظاهرة3، وكان "سواد" ي قوله "خرجت مع البازي علي سواد"، بمنزلة ~~"قضاء الله" في قوله: # سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ms133 ما كان جالبا4 ~~PageV01P220 # في كونه اسما ظاهرا قد ارتفع باسم فاعل قد اعتمد على ذي حال، فعمل عمل ~~الفعل. # ويدلك على أن التقدير فيه ما ذكرت، وأنه من أجل ذلك حسن1، أنك تقول: ~~"جاءني زيد والسيف على كتفه" و "خرج والتاج عليه"، فتجده لا يحسن إلا ~~بالواو، وتعلم أنك لو قلت: "جاءني زيد السيف على كتفه" و "خرج التاج عليه"، ~~كان كلاما نافرا لا يكاد يقع في الاستعمال، وذلك لأنه بمنزلة قولك: "جاءني ~~وهو متقلد سيفه" و"خرج وهو لابس التاج"، في أن المعنى على أنك استأنفت ~~كلاما وابتدأت إثباتا وأنك لم ترد: "جاءني كذلك" ولكن "جاءني وهو كذلك"، ~~فاعرفه. PageV01P221 ### | باب الفصل والوصل # بسم الله الرحمن الرحيم # القول في الفصل والوصل: # 248م- اعلم أن العلم بما ينبغي أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض، ~~أو ترك العطف فيها والمجيء بها منثورة، تستأنف واحدة منها بعد أخرى1 من ~~أسرار البلاغة، ومما لا يتأتى لتمام الصواب فيه إلا الأعراب الخلص2، والإ ~~قوم طبعوا على البلاغة3، وأوتوا فنا من المعرفة في ذوق الكلام هم بها ~~أفراد. وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حدا للبلاغة، فقد جاء عن ~~بعضهم أنه سئل عنها فقال: "معرفة الفصل من الوصل"4، ذاك لغموضه ودقة مسلكه، ~~وأنه لا يكمل لإحراز الفضيلة فيه أحد، إلا كمل لسائر معاني البلاغة. ### | 249 - # واعلم أن سبيلنا أن ننظر إلى فائدة العطف في المفرد، ثم نعود إلى الجملة ~~فننظر فيها ونتعرف حالها. # ومعلوم أن فائدة العطف في المفرد أن يشرك الثاني في إعراب الأول، وأنه ~~إذا أشركه في إعرابه فقد أشركه في حكم ذلك الإعراب، نحو أن المعطوف على ~~PageV01P222 # المرفوع بأنه فاعل مثله، والمعطوف على المنصوب بأنه مفعول به أو فيه أو ~~له شريك له في ذلك. # وإذا كان هذا أصله في المفرد، فإن الجمل المعطوف بعضها على بعض على ~~ضربين: # أحدهما: أن يكون للمعطوف عليها موضع من الإعراب، وإذا كانت كذلك، كان ~~حكمها حكم المفرد، إذ لا يكون للجملة موضع ms134 من الإعراب حتى تكون واقعة موقع ~~المفرد، وإذا كانت الجملة الأولى واقعة موقع المفرد، كان عطف الثانية عليها ~~جاريا مجرى عطف المفرد على المفرد1، وكان وجه الحاجة إلى "الواو" ظاهرا، ~~والإشراك بها في الحكم موجودا، فإذا قلت: "مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح" ~~كنت قد أشركت الجملة الثانية في حكم الأولى، وذلك الحكم كونها في موضع جر ~~بأنها صفة للنكرة. ونظائر ذلك تكثر، والأمر فيها يسهل. # والذي يشكل أمره هو الضرب الثاني، وذلك أن تعطف على الجملة العارية ~~الموضع من الإعراب جملة أخرى، كقولك: "زيد قائم، وعمرو قاعد" و "العلم حسن، ~~والجهل قبيح"، لا سبيل لنا إلى أن ندعي أن "الواو" أشركت الثانية في إعراب ~~قد وجب للأولى بوجه من الوجه. وإذا كان كذلك، فينبغي أن تعلم المطلوب من ~~هذا العطف والمغزى منه، ولم لم يستو الحال بين أن تعطف وبين أن تدع العطف ~~فتقول: "زيد قائم، عمرو قاعد"، بعد أن لا يكون هنا أمر معقول يؤتى بالعاطف ~~ليشرك بين الأولى والثانية فيه؟ PageV01P223 # معاني العطف بالواو والفاء وثم: ### | 250 - # واعلم أنه إنما يعرض الإشكال في "الواو" دون غيرها من حروف العطف، وذاك ~~لأن تلك تفيد مع الإشراك معاني، مثل أن "الفاء" توجب الترتيب من غير تراخ، ~~و "ثم" توجيه مع تراخ، و "أو" تردد الفعل بين شيئين وتجعله لأحدهما لا ~~بعينه، فإذا عطفت بواحدة منها الجملة على الجملة، ظهرت الفائدة، فإذا قلت: ~~"أعطاني فشكرته"، ظهر بالفاء أن الشكر كان معقبا على العطاء ومسببا عنه ~~وإذا قلت: "خرجت ثم خرج زيد"، أفادت "ثم" أن خروجه كان بعد خروجك، وأن مهلة ~~وقعت بينهما وإذا قلت: "يعطيك أو يكسوك"، دلت "أو" على أنه يفعل واحدا ~~منهما لا بعينه. # وليس "للواو" معنى سوى الإشراك في الحكم الذي يقتضيه الإعراب الذي أتبعت ~~فيه الثاني الأول. فإذا قلت: "جاءني زيد وعمرو" لم تقد بالواو شيئا أكثر من ~~إشراك عمرو في المجيء الذي أثبته لزيد، والجمع بينه وبينه، ولا يتصور إشراك ~~بين شيئين حتى يكون هناك معنى ms135 يقع ذلك الإشراك فيه. وإذا كان ذلك كذلك، ولم ~~يكن معنا في قولنا: "زيد قائم وعمرو قاعد" معنى تزعم أن "الواو" أشركت بين ~~هاتين الجملتين فيه، ثبت إشكال المسئلة. ### | 251 - # ثم إن الذي يوجبه النظر والتأمل أن يقال في ذلك: إن اوإن كنا إذا قلنا: ~~"زيد قائم وعمرو قاعد"، فإنا لا نرى ههنا حكما نزعم أن "الواو" جاءت للجمع ~~بين الجملتين فيه، فإنا نرى أمرا آخر نحصل معه على معنى الجمع. وذلك أنا لا ~~نقول: "زيد قائم وعمرو قاعد"، حتى يكون عمرو بسبب من زيد، وحتى يكونا ~~كالنظيرين والشريكين، وبحيث إذا عرف السامع حال الأول عناه أن يعرف حال ~~الثاني. يدلك على ذلك أنك إن جئت فعطفت على الأول شيئا ليس منه بسبب، ولا ~~هو مما يذكر بذكره ويتصل حديثه. # PageV01P224 # بحديثه، لم يستقم. فلو قلت: "خرجت اليوم من داري"، ثم قلت: "وأحسن الذي ~~يقول بيت كذا"، قلت ما يضحك منه. ومن ههنا عابوا أبا تمام في قوله: # لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم1 # وذلك لأنه لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى، ولا تعلق لأحدهما ~~بالآخر، وليس يقتضي الحديث بهذا الحديث بذاك. ### | 252 - # واعلم أنه كما يجب أن يكون المحدث عنه في إحدى الجملتين بسبب من المحدث ~~عنه في الأخرى، كذلك ينبغي أن يكون الخبر عن الثاني مما يجري مجرى الشبيه ~~والنظير أو النقيض للخبر عن الأول. فلو قلت: "زيد طويل القامة وعمرو شاعر"، ~~كان خلقا، لأنه لا مشاكلة ولا تعلق بين طول القامة وبين الشعر، وإنما ~~الواجب أن يقال: "زيد كاتب وعمرو شاعر"، و "زيد طويل القامة وعمرو قصير". # وجملة الأمر أنها لا تجيء حتى يكون المعنى في هذه الجملة لفقا للمعنى في ~~الأخرى ومضاما له، مثل أن "زيدا" و"عمرا" إذا كانا أخوين أو نظيرين أو ~~مشتبكي الأحوال على الجملة، كانت الحال التي يكون عليها أحدهما، من قيام أو ~~قعود أو ما شاكل ذلك، مضمومة في النفس إلى الحال التي عليها الآخر من ms136 غير ~~شك2. وكذا السبيل أبدا. PageV01P225 # والمعاني في ذلك كالأشخاص، فإنما قلت مثلا: "العلم حسن والجهل قبيح"، لأن ~~كون العلم حسنا مضموم في العقول إلى كون الجهل قبيحا. # عطف الجمل بالواو: ### | 253 - # واعلم أنه إذا كان المخبر عنه في الجملتين واحدا كقولنا: "هو يقول ويفعل، ~~ويضر وينفع، ويسيء ويحسن، ويأمر وينهى، ويحل ويعقد، ويأخذ ويعطي، ويبيع ~~ويشتري، ويأكل ويشرب" وأشباه ذلك، ازداد معنى الجمع في "الواو" قوة وظهورا، ~~وكان الأمر حينئذ صريحا. # وذلك أنك إذا قلت: "هو يضر وينفع"، كنت قد أفدت "بالواو" أنك أوجبت له ~~الفعلين جميعا، وجعلته يفعلهما معا، ولو قلت: "يضر ينفع": من غير "واو" لم ~~يجب ذلك، بل قد يجوز أن يكون قولك "ينفع"، رجوعا من قولك "يضر" وإبطالا له. ### | 254 - # وإذا وقع الفعلان في مثل هذه في الصلة، ازداد الاشتباك والاقتران حتى لا ~~يتصور تقدير إفراد في أحدهما عن الآخر، وذلك في مثل قولك: "العجب من أني ~~أحسنت وأسأت" و "يكفيك ما قلت وسمعت" و"أيحسن أن تنهى عن شيء وتأتي مثله؟ ~~"، وذلك أنه لا يشتبه على عاقل أن المعنى على جعل الفعلين في حكم فعل واحد. ~~ومن البين في ذلك قوله: # لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا1 # المعنى: لا تطمعوا أن تروا إكرامنا قد وجد مع إهانتكم، وجامعها في ~~الحصول. PageV01P226 # ومما له مأخذ لطيف في هذا الباب قول أبي تمام: # لهان علينا أن نقول وتفعلا ... ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا1 # الصفة والتأكيد لا تحتاج إلى شيء يصلها بالموصوف أو المؤكد: ### | 255 - # واعلم أنه كماكان من الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله، فيستغني بصلة له ~~عن واصل يصله ورابط يربطه وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها بالموصوف ~~إلى شيء يصلها به، وكالتأكيد الذي لا يفتقر كذلك إلى ما يصله بالمؤكد2 كذلك ~~يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها، وتستغني بربط معناها لها ~~عن حرف عطف يربطها، وهي كل جملة كانت مؤكدة للتي قبلها ومبينة لها، وكانت ~~إذا حصلت لم ms137 تكن شيئا سواها، كما لا تكون الصفة غير الموصوف، والتأكيد غير ~~المؤكد. فإذا قلت: "جاءني زيد الظريف"، و "جاءني القوم كلهم"، لم يكن ~~"الظريف" و "كلهم" غير زيد وغير القوم. # الجملة المؤكدة لا تحتاج إلى عاطف وأمثلة ذلك: ### | 256 - # ومثال ما هو من الجمل كذلك قوله تعالى: {آلم، ذلك الكتاب لا ريب فيه} ~~[البقرة: 1، 2] قوله: "لا ريب فيه"، بيان وتوكيد وتحقيق لقوله: {ذلك ~~الكتاب}، وزيادة تثبيت له، وبمنزلة أن تقول: "هو ذلك الكتاب، هو ذلك ~~الكتاب"، فتعيده مرة ثانية لتثبته، وليس يثبت الخبر غير الخبر، ولا شيء ~~يتميز به عنه فيحتاج إلى ضام يضمه إليه، وعاطف يعطفه عليه. PageV01P227 ### | 257 - # ومثل ذلك قوله تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ~~لا يؤمنون، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب ~~عظيم} [البقرة: 6، 7] قوله تعالى: {لا يؤمنون}، تأكيد لقوله: {سواء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم}، وقوله: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم}، تأكيد ~~ثان أبلغ من الأول، لأن من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم يندر، كان في ~~غاية الجهل، وكان مطبوعا على قلبه لا محالة. ### | 258 - # وكذلك قوله عز وجل: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين، يخادعون الله} [البقرة: 8، 9] إنما قال "يخادعون" ولم يقل: ~~"ويخادعون" لأنه هذه المخادعة ليست شيئا غير قولهم: "آمنا"، من غير أن ~~يكونوا مؤمنين، فهو إذن كلام أكد به كلام آخر هو في معناه، وليس شيئا سواه. ### | 259 - # وهكذا قوله عز وجل: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى ~~شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} [البقرة: 14]، وذلك لن معنى ~~قولهم: "إنا معكم": أنا لم نؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم نترك ~~اليهودية. وقولهم: {إنما نحن مستهزئون} خبر بهذا المعنى بعينه، لأنه لا فرق ~~بين أن يقولوا: "إن لم نقل ما قلناه من أنا آمنا إلا استهزاء"، وبين أن ~~يقولوا: "إن لم نخرج من دينكم وإنا معكم"، بل هما في حكم ms138 الشيء الواحد، ~~فصار كأنهم قالوا: "إن معكم لم تفارقكم" فكما لا يكون "إنا لم نفارقكم" ~~شيئا غير {إنا معكم}، كذلك لا يكون {إنما نحن مستهزئون} غيره، فاعرفه. ### | 260 - # ومن الواضح البين في هذا المعنى قوله تعالى: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى ~~مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا} [لقمان: 7]، لم يأت معطوفا. # PageV01P228 # نحو: {كأن في أذنيه وقرا} لأن المقصود من التشبيه بمن في أذنيه وقر، هو ~~بعينه المقصود من التشيبه بمن في أذنيه وقر، وهو بعينه المقصود من التشبيه ~~بمن لم يسمع، إلا أن الثاني أبلغ وأكد في الذي أريد. # وذلك أن المعنى في التشبيهين جميعا أن ينفي أن يكون لتلاوة ما تلي عليه ~~من الآيات فائدة معه، ويكون لها تأثير فيه، وأن يجعل حاله إذا تليت عليه ~~كحاله إذا لم تتل. ولا شبهة في أن التشبيه بمن في أذنيه وقر ابلغ وآكد في ~~جعله كذلك، من حيث كان من لا يصح منه السمع وإن اراد ذلك، أبعد من أن يكون ~~لتلاوة ما يتلى عليه فائدة، من الذي يصح منه السمع إلا أنه لا يسمع، إما ~~اتفاقا وإما قصدا إلى أن لا يسمع. فاعرفه وأحسن تدبره. ### | 261 - # ومن اللطيف في ذلك قوله تعالى: {ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} [يوسف: ~~21]، وذلك أن قوله: {ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم}، مشابك لقوله: {ما ~~هذا بشرا} ومداخل في ضمنه من ثلاثة أوجه1: وجهان هو فيهما شبيه بالتأكيد، ~~ووجه هو فيه شبيه بالصفة. # فأحد وجهي كونه شبيها بالتأكيد، هو أنه إذا كان ملكا لم يكن بشرا، وإذا ~~كان كذلك كان، إثبات كونه ملكا تحقيقا لا محالة، وتأكيدا لنفي أن يكون ~~بشرا. # والوجه الثاني أن الجاري في العرف والعادة أنه إذا قيل: ما هذا بشرا وما ~~هذا بآدمي" والحال حال تعظيم وتعجب مما يشاهد في الإنسان من حسن خلق أو ~~خلق2 أن يكون الغرض والمراد من الكلام أن يقال إنه ملك، PageV01P229 # وأنه يكنى به عن ذلك، حتى إنه يكون ms139 مفهوم اللفظ1، وإذا كان مفهوما من ~~اللفظ قبل أن يذكر، كان ذكره إذا ذكر تأكيدا لا محالة، لأن حد "التأكيد" أن ~~تحقق باللفظ معنى قد فهم من لفظ آخر قد سبق منك. أفلا ترى: أنه إنما كان ~~"كلهم" في قولك: "جاءني القوم كلهم" تأكيدا من حيث كان الذي فهم منه، وهو ~~الشمول، قد فهم بديئا من ظاهر لفظ "القوم"، ولو أنه لم يكن فهم الشمول من ~~لفظ "القوم"، ولا كان هو من موجبه، لم يكن "كل" تأكيدا، ولكان المشمول ~~مستفادا من "كل" ابتداء. # وأما الوجه الثالث الذي هو فيه شبيه بالصفة، فهو أنه إذا نفي أن يكون ~~بشرا، فقد أثبت له جنس سواه، إذ من المحال أن يخرج من جنس البشر، ثم لا ~~يدخل في جنس آخر. وإذا كان الأمر كذلك، كان إثباته "ملكا" تبيينا وتعيينا ~~لذلك الجنس الذي أريد إدخاله فيه، وإغناء عن أن تحتاج إلى أن تسأل فتقول: ~~"فإن لم يكن بشرا، فما هو؟ وما جنسه؟ " كما أنك إذا قلت: "مررت بزيد ~~الظريف" كان "الظريف" تبيينا وتعيينا للذي اردت من بين من له هذا الاسم، ~~وكنت قد أغنيت المخاطب عن الحاجة إلى أن يقول: "أي الزيدين أردت؟ ". # الإثبات والتأكيد بإن وإلا: ### | 262 - # ومما جاء فيه الإثبات "بإن وإلا" على هذا الحد قوله عز وجل: {ما علمناه ~~الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} [يس: 69] وقوله: {وما ينطق ~~عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3، 4] أفلا ترى أن الإثبات في ~~الآيتين جميعا تأكيد وتثبيت لنفي ما نفي؟ فإثبات ما علمه PageV01P230 # النبي صلى الله عليه وسلم إليه ذكرا وقرآنا، تأكيد وتثبيت لنفي أن يكون ~~قد علم الشعر وكذلك إثبات ما يتلوه عليهم وحيا من الله تعالى1، تأكيد ~~وتقرير لنفي أن يكون نطق به عن هوى2. ### | 263 - # وأعلم أنه ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول فيه: "إنه خفي غامض، ودقيق ~~صعب" إلا وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب. وقد قنع الناس فيه بأن ~~يقولوا ms140 إذا رأوا جملة قد ترك فيها العطف: "إن الكلام قد استؤنف وقطع عما ~~قبله"، لا تطلب أنفسهم منه زيادة على ذلك. ولقد غفلوا غفلة شديدة. # الجملة يظهر فيها وجوب العطف، ثم يترك العطف لعارض: ### | 264 - # ومما هو أصل في هذا الباب أنك قد ترى الجملة وحالها مع التي قبلها حال ما ~~يعطف ويقرن إلى ما قبله، ثم ثراها قد وجب فيها ترك العطف، لأمر عرض فيها ~~صارت به أجنبية مما قبلها. # مثال ذلك قوله تعالى: {الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون} ~~[البقرة: 14]، وذلك أنه ليس بأجنبي منه، بل هو نظير ما جاء معطوفا من قوله ~~تعالى: {يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] وقوله: {ومكروا ومكر الله} ~~[آل عمران: 54]، وما أشبه ذلك مما يرد فيه العجز على الصدر، ثم إنك تجده قد ~~جاء غير معطوف، وذلك لأمر أوجب أن PageV01P231 # لا يعطف، وهو أن قوله: {إنما نحن مستهزئون}، حكاية عنهم أنهم قالوا، وليس ~~يخبر من الله تعالى وقوله تعالى: {الله يستهزئ بهم}، خبر من الله تعالى أنه ~~يجازيهم على كفرهم واستهزائهم. وإذا كان كذلك، كان العطف ممتنعا، لاستحالة ~~أن يكون الذي هو خبر من الله تعالى، معطوفا على ما هو حكاية عنهم، ولإيجاب ~~ذلك أن يخرج من كونه خبرا من الله تعالى، إلى كونه حكاية عنهم، وإلى أن ~~يكونوا قد شهدوا على أنفسهم بأنهم مؤاخدون، وأن الله تعالى معاقبهم عليه1. # وليس كذلك الحال في قوله تعالى: {يخادعون الله وهو خادعهم}، و {مكروا ~~ومكر الله}، لأن الأول من الكلامين فيهما كالثاني، في أنه خبر من الله ~~تعالى وليس بحكاية. وهذا هو العلة في قوله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا ~~في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} ~~[البقرة: 11، 12] إنما جاء {إنهم هم المفسدون} مستأنفا مفتتحا "بألا"، لأنه ~~خبر من الله تعالى بأنهم كذلك والذي قبله من قوله: {إنما نحن مصلحون}، ~~حكاية عنهم. فلو عطف للزم عليه مثل الذي قدمت ذكره من الدخول في الحكاية، ~~ولصار خبرا من ms141 اليهود ووصفا منهم لأنفسهم بأنه مفسدون، ولصار كأنه قيل: ~~قالوا: {إنما نحن مصلحون}، وقالوا إنهم المفسدون، وذلك ما لا يشك في فساده. # وكذلك قوله تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما ~~آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} [البقرة: 13] ولو ~~PageV01P232 # عطف: {إنهم هم المفسدون} على ما قبله، لكان يكون قد أدخل في الحكاية، ~~ولصار حديثا منهم عن أنفسهم بأنهم هم السفهاء، من بعد أن زعموا أنهم إنما ~~تركوا أن يؤمنوا لئلا يكونوا من السفهاء. # لا يعطف الخبر على الاستفهام: ### | 265 - # على أن في هذا أمر آخر، وهو أن قوله: {أنؤمن} استفهام، لا يعطف الخبر على ~~الاستفهام. # فإن قلت: هل كان يجوز أن يعطف قوله تعالى: {الله يستهزئ بهم} على "قالوا" ~~من قوله: {قالوا إنا معكم} لا على ما بعد، وكذلك كان يعفل في {إنهم هم ~~المفسدون}، و {إنهم هم السفهاء}، وكان يكون نظير قوله تعالى: {وقالوا لولا ~~أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر} [الأنعام: 8] وذلك أن قوله: ~~{ولو أنزلنا ملكا} معطوف، من غير شك، على "قالوا" دون ما بعده؟ # قيل: إن حكم العطف على "قالوا" فيما نحن فيه1، مخالف لحكمه في الآية التي ~~كذرت. وذلك أن "قالوا" ههنا جواب شرط، فلو عطف قوله: {الله يستهزئ بهم} ~~عليه، للزم إدخاله في حكمه من كونه جوابا، وذلك لا يصح. # بيان العطف على جواب الشرط: # وذاك أنه متى عطف على جواب الشرط شيء "بالواو" كان ذلك على ضربين: ~~أحدهما: أن يكونا شيئين يتصور وجود كل واحد منهما دون الآخر، ومثاله قولك ~~"إن تأتني أكرمك أعطك وأكسك"2 والثاني: أن يكون PageV01P233 # المعطوف شيئا لا يكون حتى يكون المعطوف عليه، ويكون الشرط لذلك سببا فيه ~~بوساطة كونه سببا للأول1، ومثاله قولك: "إذا رجع الأمير إلى الدار استأذنته ~~وخرجت"، فالخروج لا يكون حتى يكون الاستئذان، وقد صار "الرجوع" سببا في ~~الخروج، من أجل كونه سببا في الاستئذان، فيكون المعنى في مثل هذا على ~~كلامين، نحو: "إذا رجع الأمير استأذنت، ms142 وإذا استأذنت خرجت". # وإذا قد عرفت ذلك، فإنه لو عطف قوله تعالى: {الله يستهزئ بهم} على ~~"قالوا" كما زعمت، كان الذي يتصور فيه أن يكون من هذا الضرب الثاني، وأن ~~يكون المعنى: {وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون}، ~~فإذا قالوا ذلك استهزأ الله بهم ومدهم في طغيانهم يعمهون. # وهذا وإن كان يرى أنه يستقيم، فليس هو بمستقيم. وذلك أن الجزاء إنما هو ~~على نفس الاستهزاء وفعلهم له وإرادتهم إياه في قولهم: "آمنا"، لا على أنهم ~~حدثوا على أنفسهم بأنه مستهزؤون والعطف على "قالوا" يقتضي أن يكون الجزاء ~~على حديثهم عن أنفسهم بالاستهزاء، لا عليه نفسه. # ويبين ما ذكرناه من أن الجزاء ينبغي أن يكون على قصدهم الاستهزاء وفعلهم ~~له، لا على حديثهم عن أنفسهم بأن مستهزؤون2 أنهم لو كانوا قالوا لكبرائهم: ~~{إنما نحن مستهزئون} وهم يريدون بذلك دفعهم عن أنفسهم بهذا الكلام3، وأنت ~~يسلموا من شرهم، وأن يوهموهم أنهم منهم وإن PageV01P234 # لم يكونوا كذلك1 لكان لا يكون عليهم مؤاخذة فيما قالوه، من حيث كانت ~~المؤاخذة تكون على اعتقاد الاستهزاء والخديعة في إظهار الإيمان، لا في قول: ~~"إنا استهزأنا" من غير أن يقتر بذلك القول اعتقاد ونية. # ما يوجب الاستئناف وترك العطف وأمثلته: # هذا، وههنا أمر سوى ما مضى يوجب الاستئناف وترك العطف، وهو أن الحكاية ~~عنهم بأنهم قالوا كيت وكيت، تحرك السامعين لأن يعلموا مصير أمرهم وما يصنع ~~بهم، وأننزل بهم النقمة عاجلا أم لا تنزل ويمهلون2 وتوقع في أنفسهم التمني ~~لأن يتبين لهم ذلك. وإذا كان كذلك، كان هذا الكلام الذي هو قوله: {الله ~~يستهزئ بهم}، فيم عنى ما صدر جوابا عن هذا المقدر مبتدأ غير معطوف، ليكون ~~في صورته إذا قيل: "فإن سألتم قيل لكم": {الله يستهزئ بهم ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون}. ### | 266 - # وإذا استقريت وجدت هذا الذي ذكرت لك، من تنزيلهم الكلام إذا جاء يعقب ما ~~يقتضي سؤالا3، منزلته إذا صريح بذلك السؤال4 كثيرا، فمن لطيف ذلك قوله: # زعم العوال أنني في غمرة، ms143 ... صدقوا، ولكن غمرتي لا تنجلي5 PageV01P235 # لما حكى عن العواذل أنهم قالوا: "هو في غمرة"، وكان ذلك مما يحرك السامع ~~لأن يسأله فيقول: "فما قولك في ذلك، وما جوابك عنه؟ "، أخرج الكلام مخرجه ~~إذا كان ذلك قد قيل له، وصار كأنه قال: "أقول: صدقوا، أنا كما قالوا، ولكن ~~لا مطمع لهم في فلاحي"، ولو قال: "زعم العواذل أنني في غمرة وصدقوا"، لكان ~~يكون لم يصنع في نفسه أنه مسئول1، وأن كلامه كلام مجيب. ### | 267 - # ومثله قول الآخر في الحماسة: # زعم العواذل أن ناقة جندب ... بجنوب خبت عريت وأجمت # كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بالقادسية فلن لج نووذلت2 # وقد زاد هذا أمر القطع والاستئناف وتقدير الجواب، تأكيد بأن وضع الظاهر ~~موضع المضمر، فقال: "كذب العواذل": ولم يقل "كذبن"، وذلك أنه لما أعاد ذكر ~~"العواذل" ظاهرا، كان ذلك أبين وأقوى، لكونه كلاما مستأنفا من حيث وضعه ~~وضعا لا يحتاج فيه إل ىما قبله، وأتى به مأتى ما ليس قبله كلام. ### | 268 - # ومما هو على ذلك قول الآخر: # زعمتم إن إخوانكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف3 PageV01P236 # وذلك أن قوله: "لهم إلف" تكذيب لدعواهم أنهم من قريش، فهو إذن بمنزلة أن ~~يقول: "كذبتم، لهم إلف، وليس لكم ذلك": ولو قال: "زعمتم أن إخوانكم قريش ~~ولهم إلف وليس لكم إلاف"، لصار ممنزلة أن يقول: "زعمتم أن إخواتكم قريش ~~وكذبتم"، في أنه كان خيرج عن أن يكون موضوعا على أنه جواب سائل يقول له: ~~"فماذا تقول في زعمتم ذلك في دعواهم؟ " فاعرفه. # واعلم أنه لو أظهر "كذبتم"، لكان يجوز له أن يعطف هذا الكلام الذي هو ~~قوله: "لهم إلف" عليه بالفاء، فيقول: "كذبتم فلهم إلف، وليس لكم ذلك" فأما ~~الآن فلا مساغ لدخول الفاء البتة، لأنه يصير حينئذ معطوفا بالفاء على قوله: ~~"زعمتم أن إخوانكم قريش"، وذلك يخرج إلى المجال، من حيث يصير كأنه يستشهد ~~بقوله: "لهم إلف"، على أن هذا الزعم كان منهم، كما أنك إذا قلت: "كذبتم ~~فهلم إلف"، كنت قد استشهدت بذلك على ms144 أنهم كذبوا، فاعرف ذلك. ### | 269 - # ومن اللطيف في الاستئناف، على معنى جعل الكلام جوابا في التقدير، قول ~~اليزيدي: # ملكته حبلي ولكنه ... ألقاه من زهد على غاربي # وقال إني في الهوى كاذب ... انتقم الله من الكاذب1 PageV01P237 # استأنف قوله: "انتقم الله من الكاذب"، لأنه جعل نفسه كأنه يجيب سائلا قال ~~له: "فما تقول فيما اتهمك به من أنك كاذب؟ " فقال أقول: "انتقم الله من ~~الكاذب". ### | 270 - # ومن النادر أيضا في ذلك قول الآخر: # قال لي كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل1 # لما كان في العادة إذا قيل للرجل: "كيف أنت؟ " فقال: "عليل"، أن يسأل ~~ثانيا فيقال: "ما بك؟ وما علتك؟ "، قدر كأنه قد قيل له ذلك، فأتى بقوله: ~~"سهر دائم" جوابا عن هذا السؤال المفهوم من فحوى الحال، فاعرفه: ### | 271 - # ومن الحسن البين في ذلك قول المتنبي: # وما عقب الرياح له محلا، ... عفاه من دا بهم وساقا2 # لما نفى أن يكون الذي يرى به من الدروس والعفاء من الرياح، وأن تكون التي ~~فعلت ذلك، وكان في العادة إذا نفي الفعل الموجود الحاصل عن واحد فقيل: "لم ~~يفعله فلان"، أن يقال: "فمن فعله؟ " قدر كأن قائلا قال: "قد زعمت أن الرياح ~~لم تعف له محلا، فما عفاه إذن؟ "، فقال مجيبا له: "عفاه من حدا بهم وساقا". ### | 272 - # ومثله قوله الوليد بن يزيد: # عرفت المنزل الخالي ... عفا من بعد أحوال PageV01P238 # عفاه كل حنان ... عسوف الويل هطال1 # لما قال: "عفا من بعد أحوال"، قدر كأنه قيل له: "فما عفاه؟ " فقال: "عفاه ~~كل حنان". ### | 273 - # واعلم أن السؤال إذا كان ظاهرا مذكورا في مثل هذا، كان الأكثر أن لا يذكر ~~الفعل في الجواب، ويقتصر على الاسم وحده. فأما مع الإضمار فلا يجوز إلا أن ~~يذكر الفعل # تفسير هذا: أنه يجوز لك إذا قيل: "إن كانت الرياح لم تعفه فما عفاه؟ " أن ~~تقول: "من حدابهم وساقا" ولا تقول: "عفاه من حدا"، كما تقول في جواب من ~~يقول: "من فعل هذا؟ ": زيد ولا يجب أن تقول: ms145 "فعله زيد". # وأما إذا لم يكن السؤال مذكورا كالذي عليه البيت، فإنه لا يجوز أن يترك ~~ذكر الفعل. فلو قلت مثلا: "وما عفت الرياح له محلا، من حدابهم وساقا" تزعم ~~أنك أردت "عفاه من حدابهم"، ثم ترك ذكر الفعل، أحلت2، لأنه إنما يجوز تركه ~~حيث يكون السؤال مذكورا، لأن ذكره فيه يدل على إرادته في الجواب، فإذا لم ~~يوت بالسؤال لم يكن إلى العلم به سبيل، فاعرف ذلك. PageV01P239 # ما جاء في التنزيل "قال" غير معطوف وأمثلته: ### | 274 - # واعلم أن الذى تراه في التنزيل من لفظ "قال" مفصولا غير معطوف، هذا هو ~~التقدير فيه، والله أعلم. أعني مثل قوله تعالى: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم ~~المكرمين، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون، فراغ إلى أهله ~~فجاء بعجل سمين، فقربه إليهم قال ألا تأكلون، فأوجس منهم خيفة قالوا لا ~~تخف} [الذاريات: 24 - 28]، جاء على ما يقع في أنفس المخلوقين من السؤال. ~~فلما كان في العرف والعادة فيما بين المخلوقين إذا قيل لهم: "دخل قوم على ~~فلان فقالوا كذا"، أخرج الكلام ذلك المخرج1، لأن الناس خوطبوا بما ~~يتعارفونه، وسلك باللظف معهم المسلك الذي يسلكونه. # وكذلك قوله: {قال ألا تأكلون}، وذلك أن قوله: {فجاء بعجل سمين، فقربه ~~إليهم فجاء بعجل سمين، فقربه إليهم}، يقتضي أن يتبع هذا الفعل بقول: فكأنه ~~قيل والله أعلم: "فما قال حين وضع الطعام بين أيديهم؟ "، فأتى قوله: {قال ~~ألا تأكلون} جوابا عن ذلك. # وكذا: {قالوا لا تخف}، لأن قوله: {فأوجس منهم خيفة}، يقتضي أن يكون من ~~الملائكة كلام في تأنيسه وتسكينه مما خامره، فكأنه قيل: "فما قالوا حين ~~رأوه وقد تغير ودخلته الخيفة؟ " فقيل: "قالوا لا تخف". ### | 275 - # وذلك، والله أعلم، المعنى في جميع ما يجيء منه على كثرته، كالذي يجيء في ~~قصة فرعون عليه اللعنة، وفي رد موسى عليه السلام عليه كقوله: {قال فرعون ~~وما رب العالمين، قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن PageV01P240 # كنتم موقنين، قال لمن حوله ألا تستمعون، قال ربكم ورب آبائكم ms146 الأولين، ~~قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، قال رب المشرق والمغرب وما بينهما ~~إن كنتم تعقلون، قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين، قال أولو ~~جئتك بشيء مبين، قال فأت به إن كنت من الصادقين} [الشعراء: 23 - 31]، جاء ~~ذلك كله، والله أعلم، على تقدير السؤال والجواب كالذي جرت به العادة فيما ~~بين المخلوقين، فلما كان السامع منا إذا سمع الخبر عن فرعون بأنه قال: {وما ~~رب العالمين}، وقع في نفسه أن يقول: "فما قال موسى له؟ " أتى قوله: {قال رب ~~السماوات والأرض}، مأتى الجواب مبتدأ مفصولا غير معطوف. وهكذا التقدير ~~والتفسير أبدا في كل ما جاء فيه لفظ "قال" هذا المجيء، وقد يكون الأمر في ~~بعض ذلك اشد وضوحا. ### | 276 - # فمما هو في غاية الوضوح قوله تعالى {قال فما خطبكم أيها المرسلون، قالوا ~~إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} [الحجر: 57، 58]، وذلك أنه لا يخفى على عاقل ~~أنه جاء على معنى الجواب، وعلى أن نزل السامعون كأنهم قالوا: "فما قال له ~~الملائكة؟ "، فقيل: {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين}. ### | 277 - # وكذلك قوله عز وجل في سورة يس {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها ~~المرسلون، إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم ~~مرسلون، قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا ~~تكذبون، قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون، وما علينا إلا البلاغ المبين، ~~قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم # PageV01P241 # منا عذاب أليم، قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون، وجاء من ~~أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم ~~أجرا وهم مهتدون} [يس: 13 - 21]، التقدير الذي قدرناه من معنى السؤل ~~والجواب بين ظاهر في ذلك كله، ونسأل الله التوفيق للصواب، والعصمة من ~~الزلل. # PageV01P242 # فصل: ### | 278 - # وإذ قد عرفت هذه الأصول والقوانين في شأن فصل الجمل ووصلها، فاعلم أنا قد ~~حصلنا من ذلك على أن الجمل على ثلاث أضرب: # جملة حالها مع ms147 التي قبلها حال الصفة مع الموصوف والتأكيد مع المؤكد، فلا ~~يكون فيها العطف البتة، لشبه العطف فيها، لو عطفت، بعطف الشيء على نفسه. # وجملة حالها مع التي قبلها حال الاسم يكون غير الذي قبله، إلا أنه يشاركه ~~في حكم، ويدخل معه في معنى، مثل أن يكون كلا الاسمين فاعلا أو مفعولا أو ~~مضافا إليه، فيكون حقها العطف. # وجملة ليست في شيء من الحالين، بل سبيلها مع التي قبلها سبيل الاسم مع ~~الاسم لا يكون منه في شيء، فلا يكون إياه ولا مشاركا له في معنى، بل هو شيء ~~إذا ذكر لم يذكر إلا بأمر ينفرد به، ويكون ذكر الذي قبله وترك الذكر سواء ~~في حاله، لعدم التعلق بينه وبينه رأسا. وحق هذا ترك العطف البتة. # فترك العطف يكون إما للاتصال إلى الغاية أو الانفصال إلى الغاية والعطف ~~لما هو واسطة بين الأمرين، وكان له حال بين حالين، فاعرفه. # PageV01P243 # فصل: بيان دقيق في شأن عطف الجمل: ### | 279 - # هذا فن من القول خاص دقيق. إعلم أن مما يقل نظر الناس فيه من أمر "العطف" ~~أنه قد يؤتى بالجملة فلا تعطف على ما يليها، لوكن تعطف على جملة بينها وبين ~~هذه التي تعطف جملة أو جملتان، مثال ذلك قول المتنبي: # تولوا بغتة فكأن بينا ... تهيبني ففاجأني اغتيالا # فكان مسير عيسهم ذميلا ... وسير الدمع إثرهم انهمالا1 # قوله: "فكان مسير عيسهم"، معطوف على "تولوا بغتة"، دون ما يليه من قوله: ~~"ففاجأني"، لأنا إن عطفناه على هذا الذي يليه أفسدنا المعنى، من حيث إنه ~~يدخل في معنى "كأن"، وذلك يؤدي إلى أن لا يكون مسير عيسهم حقيقة، ويكون ~~متوهما، كما كان تهيب البين كذلك. ### | 280 - # وهذا أصل كبير. والسبب في ذلك أن الجملة المتوسطة بين هذه المعطوفة ~~أخيرا، وبين المعطوف عليها الأولى، ترتبط في معناها بتلك الأولى، كالذي ترى ~~أن قوله: "فكأن بيننا تهيبني"، مرتبط بقوله: "تولوا بغتة"، وذلك أن الثانية ~~مسبب والأولى سبب. ألا ترى أن المعنى: "تولوا بغتة فتوهمت أن بيتا تهيبني؟ ~~" ولا شك ms148 أن هذا التوهم كان بسبب أن كان التولي بغتة. وإذا كان كذلك، كانت ~~مع الأولى كالشيء الواحد، وكان منزلتها منها منزلة المعفعول والظرف وسائر ~~ما يجيء بعد تمام الجملة من معمولات الفعل، مما لا يمكن إفراده عن الجملة2، ~~وأن يعتد كلاما على جدته. PageV01P244 ### | 281 - # وههنا شيء ىخر دقيق، وهو أنك إذا نظرت إلى قوله: "فكان مسير عسهم ذميلا"، ~~وجدته لم يعطف هو وحده على ما عطف عليه، ولكن تجد العطف قد تناول جملة ~~البيت مربوطا آخره بأوله. ألا ترى أن الغرض من هذا الكلام أن يجعل توليهم ~~بغتة، وعلى الوجه الذي توهم من أجله أن البين تهيبه، مستدعيا بكاءه1، ~~وموجبا أن ينهمل دمعه، فلم يعنه أن يذكر ذملان العيس إلا لليذكر هملان ~~الدمع، وأن يوفق بينهما. # وكذلك الحكم في الأول، فنحن وإن كنا قلنا إن العطف على "تولوا بغتة"، ~~فإنا لا نعني أن العطف عليه وحده مقطوعا عما بعده، بل العطف عليه مضموما ~~إليه ما بعده إلى أخره، وإنما أردنا بقولنا "إن العطف عليه"، أن تعلمك أنه ~~الأصل والقاعدة، وأن نصرفك عن أن تطرحه، وتجعل العطف على ما يلي هذا الذي ~~تعطفه، فتزعم أن قوله: "فكان مسير عيسهم" معطوف على "فاجأني"، فتقع في ~~الخطأ كالذي أريناك. # فامر العطف إذ، موضوع على أنك تعطف تارة جملة على جملة، وتعمد أخرى إلى ~~جملتين أو جمل بعضا على بعض، ثم تعطف مجموع هذي على مجموع تلك. # بيان في العطف في الشرط والجزاء: ### | 282 - # وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء من هذا المعنى أصلا يعتبر به. # وذلك أنك ترى، متى شئت، جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى، PageV01P245 # ثم جعلنا بمجموعهما شرطا1، ومثال ذلك قوله تعالى: {ومن يكسب خطيئة أو ~~إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا} [النساء: 112]، الشرط ~~كما لا يخفى في مجموع الجملتين لا في كل واحدة منهما على الانفراد، ولا في ~~واحدة دون الأخرى، لأنا إن قلنا إنه في كل واحدة منهما على الانفراد، ~~جعلناهما شرطين، وإذا ms149 جعلناهما شرطين اقتضتا جزاءين، وليس منه إشراك ما ليس ~~بشرط في الجزم بالشرط، وذلك ما لا يخفى فساده. # ثم إنا نعلم من طريق المعنى أن الجزء الذي هو احتمال البهتان والإثم ~~المبين، أمر يتعلق إيجابه لمجموع ما حصل من الجملتين، فليس هو لاكتساب ~~الخطيئة على الانفراد، ولا لرمي البرئ بالخطيئة أو الإثم على الإطلاق، بل ~~لرمي الإنسان البرئ بخطيئة أو إثم كان من الرامي، وكذلك الحكم أبدا. فقوله ~~تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع ~~أجره على الله} [النساء: 100] لم يعلق الحكم فيه بالهجرة على الانفراد، بل ~~بها مقرونا إليها أن يدركه الموت عليها. ### | 283 - # واعلم أن سبيل الجملتين في هذا، وجعلهما بمجموعهما بمنزلة الجملة ~~الواحدة، سبيل الجزءين تعقد منهما الجملة، ثم يجعل المجموع خبرا أو صفة أو ~~حالا، كقولك: "زيد قام غلامه" و "يزيد أبوه كريم" و "مررت برجل أبوه كريم" ~~و "جاءني زيد يعدو به فرسه". فكما يكون الخبر والصفة والحال لا محالة في ~~مجموع الجزءين لا في أحدهما، كذلك يكون الشرط في PageV01P246 # مجموع الجملتين لا في إحداهما، وإذا علمت ذلك في الشرط، فاحتذه في العطف، ~~فإنك تجده مثله سواء. ### | 284 - # ومما لا يكون العطف فيه إلا على هذا الحد قوله تعالى: {وما كنت بجانب ~~الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين، ولكنا أنشأنا قرونا ~~فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا ~~مرسلين} [القصص: 44، 45]، لو جريت على الظاهر فجعلت كل جملة معطوفة على ما ~~يليها، منع منه المعنى. وذلك أنه يلزم منه أن يكون قوله: {وما كنت ثاويا في ~~أهل مدين}، وذلك ما لا يخفى فساده. # وإذا كان كذلك، بان منه أنه ينبغي أن يكون قد عطف مجموع "وما كنت ثاويا ~~في أهل مدين" إلى "مرسلين"، على مجموع قوله: {وما كنت بجانب الغربي إذ ~~قضينا إلى موسى الأمر} إلى قوله "العمر". ### | 285 - # فإن قلت: فهلا قدرت أن يكون: {وما كنت ثاويا ms150 في أهل مدين} معطوفا على: ~~{وما كنت من الشاهدين}، دون أن تزعم أنه معطوف عليه مضموما إليه ما بعده ~~إلى قوله: "العمر"؟ # قيل: لأنا إن قدرنا ذلك، وجب أن ينوى به التقديم على قوله: {ولكنا أنشأنا ~~قرونا} وأن يكون الترتيب "وما كنت بجانب الغربي إذا قضينآ إلى موسى الأمر ~~وما كنت من الشاهدين، وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا # PageV01P247 # ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر ولكنا كنا مرسلين" وفي ذلك إزالة ~~"لكن" عن موضعها الذي ينبغي أن تكون فيه. ذاك لأن سبيل "لكن" سبيل "إلا"، ~~فكما لا يجوز أن تقول: "جاءني القوم وخرج أصحابك إلا زيدا وإلا عمرصا" يجعل ~~"إلا زيدا" استثناء من جانءي القوم" و "إلا عمرا" من "خرج أصحابك"، كذلك لا ~~يجوز أن تصنع مثل ذلك "بلكن" فتقول: "ما جاءني زيد، وما خرج عمرو ولكن بكرا ~~حاضر، ولكن أخاك خارج"، فإذا لم يجز ذلك، وكان تقديرك الذي زعمت يؤدي إليه، ~~وجب أن تحكم بامتناعه. فاعرفه. # هذا، وإنما تجوز نية التأخير في شيء معناه يقتضي له ذلك التأخير، مثل أن ~~كون الاسم مفعولا، يقتضي له أن يكون بعد الفاعل، فإذا قدم على الفاعل نوي ~~به التأخير، ومعنى "لكن" في الآية، يقتضي أن تكون في موضعها الذي هي فيه، ~~فكيف يجوز أن ينوى بها التأخير عنه إلى موضع آخر؟ # PageV01P248 ### | باب اللفظ والنظم # هذه فصول شتى في أمر "اللفظ" و "النظم" فيها فضل شحذ للبصيرة، وزيادة كشف ~~عما فيها من السريرة # فصل: # غلط منكر في شأن البلاغة، والرد عليه: ### | 286 - # وغلط الناس في هذا الباب كثير. فمن ذلك أنك تجد كثيرا ممن يتكلم في شأن ~~البلاغة، إذا ذكر أن للعرب الفضل والمزية في حسن النظم والتأليف، وأن لها ~~في ذلك شأوا لا يبلغه الدخلاء في كلامهم والمولدون، جعل يعلل ذلك بأن يقول: ~~"لا غرو، فإن اللغة لها بالطبع ولنا بالتكلف، ولن يبلغ الدخيل في اللغات ~~والأنسة مبلغ من نشأ عليها، وبدئ من أول خلقه بها"، وأشباه هذا مما ms151 يوهم أن ~~المزية أتتها من جانب العلم باللغة. وهو خطأ عظيم وغلط منكر يفضي بقائله ~~إلى رفع الإعجاز من حيث لا يعلم1. وذلك أنه لا يثبت إعجاز حتى تثبت مزايا ~~تفوق علوم البشر، وتقصر قوى نظرهم عنها، ومعلومات ليس في متن أفكارهم ~~وخواطرهم أن تقضي بهم إليا، وأن تطلعهم عليها، وذلك محال فيما كان علما ~~باللغة، لأنه يؤدي إلى أن يحدث في دلائل اللغة ما لم يتواضع عليه أهل ~~اللغة. وذلك ما لا يخفى امتناعه على عاقل. ### | 287 - # واعلم أنا لم نوجب المزية من أجل العلم بأنفس الفروق والوجوه فتستند إلى ~~اللغة، ولكنا أوجبناها للعلم بمواضعها، وما ينبغي أن يصنع فيها، ~~PageV01P249 # فليس الفضل للعلم بأن "الواو" للجمع، و"الفاء" للتعقيب بغير تراخ، و"ثم" ~~له بشرط التراخي، و"إن" لكذا و"إذا" لكذا، ولكن لأن يتأتى لك إذا نظمت شعرا ~~وألفت رسالة أن تحسن التخير، وأن تعرف لكل من ذلك موضعه. ### | 288 - # وأمر آخر إذا تأمله الإنسان1 أنف من حكاية هذا القول، فضلا عن اعتقاده، ~~وهو أن المزية لو كانت تجب من أجل اللغة والعلم بأوضاعها وما أراده الواضع ~~فيها، لكان ينبغي أن لا تجب إلا بمثل الفرق بين "الفاء" و "ثم" و "إن" و ~~"إذا" وما أشبه ذلك، مما يعبر عنه وضع لغوي، فكانت لا تجب بالفصل وترك ~~العطف، وبالحذف والتكرار، والتقديم والتأخير، وسائر ما هو هيئة يحدثها لك ~~التأليف، ويقتضيها الغرض الذي تؤم، والمعنى الذي تقصد، وكان ينبغي أن لا ~~تجب المزية بما يبتدئه الشاعر والخطيب في كلامه من استعارة اللفظ لشيء لم ~~يستعر له، وأن لا تكون الفضيلة إلا في استعارة قد تعورفت في كلام العرب. ~~وكفى بذلك جهلا. ### | 289 - # ولم يكن هذا الاشتباه وهذا الغلط إلا لأنه ليس في جملة الخفايا والمشكلات ~~أغرب مذهبا في الغموض، ولا أعجب شأنا، من هذه التي نحن بصددها، ولا أكثر ~~تفلتا من الفهم وانسلالا منها وإن الذي قاله العلماء والبلغاء في صفتها ~~والإخبار عنها، رموز لا يفهمها إلا من هو في مثل حالهم من ms152 لطف الطبع، ومن ~~هو مهيأ لفهم تلك الإشارات، حتى كأن تلك الطباع اللطيفة وتلك القرائح ~~والأذهان، قد تواضعت فيما بينها على ما سبيله سبيل الترجمة يتواطأ عليها ~~قوم فلا تعدوهم، ولا يعرفها من ليس منهم. PageV01P250 # كلام الجاحظ في شأن إعجاز القرآن: ### | 290 - # وليت شعري من أين لمن لم يتعب في هذا الشأن، ولم يمارسه، ولم يوفر ~~عنايته، عليه، أن ينظر إلى قول الجاحظ وهو يذكر عجاز القرآن: # "ولو أن رجلا قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة قصيرة أو طويلة، ~~لتبين له في نظامها ومخرجها من لفظها وطابعها، أنه عاجز من مثلها، ولو تحدى ~~بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها"1. # وقوله وهو يذكر رواة الأخبار: # "ورأيت عامتهم، فقد طالت مشاهدتي لهم وهم لا يقفون إلا على الألفاظ ~~المتخيرة، والمعاني المنتخبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى ~~الطبع المتمكن، وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق". # وقوله في بت الحطيئة: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # "وما كان ينبغي أن يمدح بهذا البيت إلا من هو خير أهل الأرض، على أني لم ~~أعجب بمعناه أكثر من عجبي بلفظه، وطبعه، ونحته، وسبكه، فيفهم منه شيئا أو ~~يقف للطابع والنظام والنحت والسبك والمخارج السهلة، على معنى، أو يحلى منه ~~بشيء، وكيف بأن يعرفه؟ ولربما خفي على كثير من أهله". ### | 291 - # واعلم أن الداء الدوي، والذي أعيا أمره في هذا الباب، غلط من قدم الشعر ~~بمعناه، وأقل الاحتفال باللفظ، وجعل لا يعطيه من المزية إن هو PageV01P251 # أعطى إلا ما فضل عن المعنى يقول: "ما في اللفظ لولا المعنى؟ وهل الكلام ~~إلا بمعناه؟ ". فأنت تراه لا يقدم شعرا حتى يكون قد أودع حكمة وأدبا، ~~واشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر، فإن مال إلى اللفظ شيئا، ورأى أن ينحله ~~بعض الفضيلة، لم يعرف غير "الاستعارة"، ثم لا ينظر في حال تلك "الاستعارة" ~~أحسنت بمجرد كونها استعارة، أم من أجل فرق ووجه أم للأمرين؟ لا يحفل بهذا ~~وشبهه، قد قنع ms153 بظواهر الأمور، وبالجمل، وبأن يكون كمن يجلب المتاع للبيع، ~~إنما همه أن يروج عنه. يرى أنه إذا تكلم في الأخذ والسرقة، وأحسن أن يقول: ~~"أخذه من فلان، وألم فيه بقول كذا"، فقد استكمل الفضل، وبلغ أقصى ما يراد. ### | 292 - # واعلم أنا وإن كنا إذا اتبعنا العرف والعادة وما يهجس في الضمير وما عليه ~~العامة، أرانا ذلك أن الصواب معهم، وأن التعويل ينبغي أن يكون على المعنى. ~~وأنه الذي لا يسوغ القول بخلافه1 فإن الأمر بالضد إذا جئنا إلى الحقائق، ~~وإلى ما عليه المحصلون، لأنا لا نرى متقدما في علم البلاغة، مبرزا في ~~شأوها، إلا وهو ينكر هذا الرأي ويعيبه، ويزري على القائل به ويغض منه. # معرفة الشعر وتمييزه، والأخبار في ذلك: ### | 293 - # ومن ذلك ما روي عن البحتري. روي أن عبيد الله بن عبد الله ابن طاهر سأله ~~عن مسلم وأبي نواس: أيهما أشعر؟ فقال: أبو نواس. فقال: إن أبا العباس ثعلبا ~~لا يوافقك على هذا. فقال: ليس هذا من شأن ثعلب PageV01P252 # وذويه، من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك ~~طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته1. ### | 294 - # وعن بعضهم أنه قال: رآني البحتري ومعي دفتر شعر فقال: ما هذا؟ فقلت: شعر ~~الشنفرى. فقال: وإلى أين تمضي؟ فقلت: إلى أبي العباس أقرؤه عليه. فقال: قد ~~رأيت أبا عباسكم هذا منذ أيام عند ابن ثوابة فما رأيته ناقدا للشعر ولا ~~مميزا للألفاظ، ورأيته يستجيد شيئا وينشده، وما هو بأفضل الشعر. فقلت له: ~~أما نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى، ولكنه أعرف الناس بإعرابه وغريبه، فما ~~كان ينشد؟ قال قول الحارث بن وعلة: # قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي # فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي2 # فقلت: والله ما أنشد إلا أحسن شعر في أحسن معنى ولفظ. وقال: أين الشعر ~~الذي فيه عروق الذهب؟ فقلت: مثل ماذا؟ فقال: مثل قول أبي ذؤاب: # إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب # بأشدهم ms154 كلبا على أعدائه ... وأعزهم فقدا على الأصحاب3 PageV01P253 ### | 295 - # وفي مثل هذا قال الشاعر: # زوامل للأشعار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر # لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح ما في الغرائر1 # وقال الآخر: # يا أبا جعفر تحكم في الشع ... ر وما فيك ألة الحكام # إن نقد الدينار إلا على الصي ... رف صعب فكيف نقد الكلام # قد رأيناك لست تفرق في الأش ... عار بين الأرواح والأجسام ### | 296 - # واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا ~~كان أدبا وحكمة وكان غريبا نادرا، فهو أشرف مما ليس كذلك بل عابوه من حيث ~~كان من حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقص، أن لا يعتبر في قضيته ~~تلك إلى الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته، وأن لا ينظر يها إلى ~~جنس آخر، وإن كان من الأولى بسبيل، أو متصلا به اتصال ما لا ينفك منه. # سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة: ### | 297 - # ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأن سبيل المعنى الذي يعبر ~~عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه، كالفضة والذهب يصاغ منهما ~~خاتم أو سوار. فكما أن محالا إذا أنت أردت النظر في PageV01P254 # صوغ الخاتم، وفي جودة العمل ورداءته، أن تنظر إلى الفضة الحاملة تلك ~~الصورة، أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل وتلك الصنعة1 2 كذلك محال إذا ~~أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام، أن تنظر في مجرد معناه وكما ~~أنا لو فضلنا خاتما على خاتم، بأن تكون فضة هذه أجود، أو فصه أنفس، لم يكن ~~ذلك تفضيلا له من حيث هو خاتم كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتا على بيت من أجل ~~معناه، أن لا يكون ذلك تفضيلا له من حيث هو شعر وكلام. وهذا قاطع، فاعرفه. # مقالة الجاحظ في أن المعاني مطروحة في الطريق، وبيان ذلك: ### | 298 - # واعلم أنك لست تنظر في كتاب صنف في شأن البلاغة، وكلام جاء عن القدماء، ~~إلا وجدته يدل ms155 على فساد هذا المذهب، ورأيتهم يتشددون في إنكاره وعيبه ~~والعيب به. # وإذا نظرت في كتب الجاحظ وجدته يبلغ في ذلك كل مبلغ، ويتشدد غاية التشدد، ~~وقد انتهى في ذلك إلى أن جعل العلم بالمعاني مشتركا، وسوى فيه بين الخاصة ~~والعامة فقال: "ورأيت ناسا يبهرجون أشعار المولدين، ويستسقطون من رواها، ~~ولم أر ذلك قط إلا في رواية غير بصير بجوهر ما يروى، ولو كان له بصر لعرف ~~موضع الجيد ممن كان، وفي أي زمان كان. وأنا سمعت أبا عمرو الشيباني، وقد ~~بلغ من استجادته لهذين البيتين ونحن في المسجد الجامع يوم الجمعة، أن كلف ~~رجلا حتى أحضره قرطاسا ودواة حتى كتبهما. قال الجاحظ: وأنا أزعم أن صاحب ~~هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا، ولولا أن PageV01P255 # أدخل في الحكومة بعض الغيب1، لزعمت أن ابنه لا يقول الشعر أيضا، وهما ~~قوله: # لا تحسبن الموت موت البلى ... وإنما الموت سؤال الرجال # كلاهما موت، ولكن ذا ... أشد من ذاك على كل حال # ثم قال: "وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني، والمعاني مطروحة في الطريق ~~يعرفها العجمي والعربي، والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير ~~اللفظ، وسهولة المخرج، وصحة الطبع، وكثرة الماء، وجودة السبك، وإنما الشعر ~~صياغة وضرب من التصوير"2. # فقد تراه كيف أسقط أمر المعاني، وأبى أن يجب لها فضل فقال: "هي مطروحة في ~~الطريق"، ثم قال: "وأنا أزعم أن [ابن] صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا ~~أبدا" فأعلمك أن فضل الشعر بلفظه لا بمعناه، وأنه إذا عدم الحسن في لفظه ~~ونظمه، لم يستحق هذا الاسم بالحقيقة. وأعاد طرفا من هذا الحديث في "البيان" ~~فقال: # "ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتب أشعارا من أفواه جلسائه ليدخلها في ~~باب التحفظ والتذكر3، وربما خيل إلي أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون ~~أبدا أن يقولوا شعرا جيدا، لمكان أعراقهم من أولئك PageV01P256 # الآباء" ثم قال: "ولولا أن أكون عيابا، ثم للعلماء خاصة، لصورت لك بعض ما ~~سمعت من أبي عبيدة، ومن هو أبعد في وهمك من أبي عبيدة"1. ### | 299 ms156 - # واعلم أنهم لم يبلغوا في إنكار هذا المذهب ما بلغوه إلا لأن الخطأ فيه ~~عظيم، وأنه يفضي بصاحبه إلى أن ينكر الإعجاز ويبطل التحدي من حيث لا يشعر. ~~وذلك أنه إن كان العمل على ما يذهبون إليه، من أن لا يجب فضل ومزية إلا من ~~جانب المعنى، وحتى يكون قد قال حكمة أو أدبا، واستخرج معنى غريبا أو تشبيها ~~نادرا2، فقد وجب اطراح جميع ما قاله الناس في الفصاحة والبلاغة، وفي شأن ~~النظم والتأليف، وبطل أن يجب بالنظم فضل، وأن تدخله المزية، وأن تتفاوت فيه ~~المنازل. وإذا بطل ذلك، فقد بطل أن يكون في الكلام معجز، وصار الأمر إلى ما ~~يقوله اليهود ومن قال بمثل مقالهم في هذا الباب، ودخل في مثل تلك الجهالات، ~~ونعوذ بالله من العمى بعد الإبصار. PageV01P257 ### | باب اللفظ والنظم: فصل منه # فصل: إرادة معنى بعبارتين، ما معناه: ### | 300 - # لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى، حتى يكون لها في المعنى تأثير ~~لا يكون لصاحبتها. # فإن قلت: فإذا أفادت هذه ما لا تفيد تلك، فليستا عبارتين عن معنى واحد، ~~بل هما عبارتان عن معنيين اثنين. # قيل لك: إن قولنا "المعنى" في مثل هذا، يراد به الغرض، والذي أراد ~~المتكلم أن يثبته أو ينفيه، نحو إن تقصد تشبيه الرجل بالأسد فتقول "زيد ~~كالأسد"، ثم تريد هذا المعنى بعينه فتقول: "كأن زيدا الأسد"، فتفيد تشبيهه ~~أيضا بالأسد، إلا أنك تزيد في معنى تشبيهه به زيادة لم تكن في الأول، وهي ~~أن تجعله من فرط شجاعته وقوة قلبه، وأنه لا يروعه شيء، بحيث لا يتميز عن ~~الأسد، ولا يقصر عنه، حتى يتوهم أنه أسد في صورة آدمي. # وإذا كان هذا كذلك، فانظر هل كانت هذه الزيادة وهذا الفرق إلا بما توخي ~~في نظم اللفظ وترتيبه، حيث قدم "الكاف" إلى صدر الكلام وركبت مع "أن"؟ وإذا ~~لم يكن إلى الشك سبيل أن ذلك كان بالنظم، فاجعله العبرة في الكلام كله، ~~ورضى نفسك على تفهم ذلك وتتبعه، واجعل فيها أنك تزاول منه ms157 أمرا عظيما لا ~~يقادر قدره، وتدخل في بحر عميق لا يدرك قعره. # PageV01P258 # فصل: هو فن آخره يرجع إلى هذا الكلام # تفصيل آخر، في العبارتين ترى أنهما يؤديان غرضا واحدا: ### | 301 - # قد علم أن المعارض للكلام معارض له من الجهة التي منها ويوصف بأنه فصيح ~~وبليغ، ومتخير اللفظ جيد السبك، ونحو ذلك من الأوصاف التي نسبوها إلى ~~اللفظ. وإذا كان هذا هكذا، فبنا أن ننظر فيما إذا أتي به كان معارضا ما هو؟ ~~أهو أن يجيء بلفظ فيضعه مكان لفظ آخر، نحو أن يقول بدل "أسد" "ليث"، وبدل ~~"بعد" "نأى"، ومكان "قرب" "دنا"، أم ذلك ما لا يذهب إليه عاقل ولا يقوله من ~~به طرق؟ 1 كيف؟ ولو كان ذلك معارضة لكان الناس لا يفصلون بين الترجمة ~~والمعارضة، ولكان كل من فسر كلاما معارضا له. وإذا بطل أن يكون جهة ~~للمعارضة، وأن يكون الواضع نفسه في هذه المنزلة معارضا على وجه من الوجوه، ~~علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى ~~المعاني، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ، دون الألفاظ أنفسها، لأنه إذا لم يكن ~~في القسمة إلا المعاني والألفاظ، وكان لا يعقل تعارض في الألفاظ المجردة2، ~~إلا ما ذكرت، لم يبق إلا أن تكون المعارضة معارضة من جهة ترجع إلى معاني ~~الكلام المعقولة، دون ألفاظه المسموعة. وإذا عادت المعارضة إلى جهة المعنى، ~~وكان الكلام يعارض من حيث هو فصيح وبليغ ومتخير اللفظ، حصل من ذلك ~~"الفصاحة" و"البلاغة" و"تخير اللفظ" عبارة عن خصائص ووجوه تكون PageV01P259 # معاني الكلام عليها، وعن زيادات تحدث في أصول المعاني، كالذي أريتك فيما ~~بين "زيد كالأسد" و "كأن زيدا الأسد"، وبأن لا نصيب للألفاظ من حيث هي ~~ألفاظ فيها بوجه من الوجوه. ### | 302 - # واعلم أنك لا تشفي الغلة ولا تنتهي إلى ثلج اليقين، حتى تتجاوز حد العلم ~~بالشيء مجملا، إلى العلم به مفصلا، وحتى لا يقنعك إلا النظر في زواياه، ~~والتغلغل في مكامنه، وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه، وانتهى في ~~البحث ms158 عن جوهر العود الذي يصنع فيه إلى أن يعرف منبته، ومجرى عروق الشجر، ~~الذي هو منه، وإنا لنراهم يقيسون الكلام في معنى المعارضة على الأعمال ~~الصناعية، كنسج الديباج وصوغ الشنف والسوار وأنواع ما يصاغ1، وكل ما هو ~~صنعة وعمل يد، بعد أن يبلغ مبلغا يقع التفاضل فيه، ثم يعظم حتى يزيد فيه ~~الصانع على الصانع زيادة يكون له بها صيت، ويدخل في حد ما يعجز عنه ~~الأكثرون. # وهذا القياس، وإن كان قياسا ظاهرا معلوما، وكالشيء المركوز في الطباع، ~~حتى ترى العامة فيه كالخاصة فإن فيه أمرا يجب العلم به: وهو أنه يتصور أن ~~يبدأ هذا فيعمل ديباجا ويبدع في نقشه وتصويره، فيجيء آخر ويعمل ديباجا آخر ~~مثله في نقشه وهيئته وجملة صفته، حتى لا يفصل الرائي بينهما، ولا يقع لمن ~~لم يعرف القصة ولم يخبر الحال إلا أنهما صنعة رجل واحد، وخارجان من تحت يد ~~واحدة. وهكذا الحكم في سائر المصنوعات، كالسوار يصوغه هذا، ويجيء ذاك فيعمل ~~سوارا مثله، ويؤدي صفته كما هي2، حتى لا يغادر منها شيئا البتة. ~~PageV01P260 ### | 303 - # وليس يتصور مثل ذلك في الكلام، لأنه لا سبيل إلى أن تجيء إلى معنى بيت من ~~الشعر، أو فصل من النثر، فتؤديه بعينه وعلى خاصيته وصفته بعبارةأخرى1، حتى ~~يكون المفهوم من هذه هو المفهوم من تلك، لا يخالفه في صفة ولا وجه ولا أمر ~~من الأمور. ولا يغرنك قول الناس: "قد أتى بالمعنى بعينه، وأخذ معنى كلامه ~~فأداه على وجهه"، فإنه تسامح منهم، والمراد أنه أدى الغرض، فأما أن يؤدي ~~المعنى بعينه على الوجه الذي يكون عليه في كلام الأول، حتى لا تعقل ههنا ~~إلا ما عقلته هناك، وحتى يكون حالهما في نفسك حال الصورتين المشتبهتين في ~~عينك كالسوارين والشنفين، ففي غاية الإحالة، وظن يفضي بصاحبه إلى جهالة ~~عظيمة، وهي أن تكون الألفاظ مختلفة المعاني إذا فرقت، ومتفقتها إذا جمعت ~~وألف منها كلام. وذلك أن ليس كلامنا فيما يفهم من لفظتين مفردتين نحو "قعد" ~~و "جلس"، ولكن فيما فهم من ms159 مجموع كلام ومجموع كلام آخر، نحو أن تنظر في ~~قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179]، وقول الناس: "قتل البعض ~~إحياء للجميع"2، فإنه وإن كان قد جرت عادة الناس بأن يقولوا في مثل هذا: ~~"إنهما عباراتان معبرهما واحد"، فليس هذا القول قولا يمكن الأخذ بظاهره، أو ~~يقع لعاقل شك أن ليس المفهوم من أحد الكلامين المفهوم من الآخر. ~~PageV01P261 # فصل: # بيان في شأن الكناية والاستعارة والتمثيل: ### | 304 - # الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وذلك ~~إذا قصدت أن تخبر عن "زيد" مثلا بالخروج على الحقيقة، فقلت: "خرج زيد"، ~~وبالانطلاق عن "عمرو" فقلت: "عمرو منطلق"، وعلى هذا القياس. وضرب آخر أنت ~~لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي ~~يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى ~~الغرض. ومدار هذا الأمر على "الكناية" و"الاستعارة" و"التمثيل"، وقد مضت ~~الأمثلة فيها مشروحة مستقصاة1. أو لا ترى أنك إذا قلت: "هو كثير رماد ~~القدر"، أو قلت: "طويل النجاد"، أو قلت في المرأة: "نؤوم الضحى"، فإنك في ~~جميع ذلك لا تفيد غرضك الذي تعني من مجرد اللفظ، ولكن نيدل اللفظ على معناه ~~الذي يوجبه ظاهره، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى، على سبيل الاستدلال، معنى ~~ثانيا هو غرضك، كمعرفتك من "كثير رماد القدر" أنه مضياف، ومن "طويل النجاد" ~~أنه طويل القامة، ومن "نؤوم الضحى" في المرأة أنها مترفة مخدومة، لها من ~~يكفيها أمرها. # وكذا إذا قال: "رأيت أسدا"، ودلك الحال على أنه لم يرد السبع، علمت أنه ~~أراد التشبيه، إلا أنه بالغ فجعل الذي رآه بحيث لا يتميز عن الأسد في ~~شجاعته. PageV01P262 # وكذلك تعلم من قوله: "بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى"، أنه أراد التردد ~~في أمر البيعة واختلاف العزم في الفعل وتركه، على ما مضى الشرح فيه1. # بيان في شرح قوله: "المعنى"، و"معنى المعنى" وهو فصل جيد: ### | 305 - # وإذ قد عرفت هذه الجملة، فههنا عبارة مختصرة وهي أن تقول: ms160 "المعنى"، و ~~"معنى المعنى"، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير ~~واسطة و"بمعنى المعنى"، أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى ~~معنى آخر، كالذي فسرت لك. ### | 306 - # وإذ قد عرفت ذلك، فإذا رأيتهم يجعلون الألفاظ زينة للمعاني وحلية عليها ~~أو يجعلون المعاني كالجواري، والألفاظ كالمعارض لها2، وكالوشي المحبر ~~واللباس الفاخر والكسوة الرائقة، إلى أشباه ذلك مما يفخمون به أمر اللفظ، ~~ويجعلون المعنى ينبل به ويشرف3 فاعلم أنهم يضعون كلاما قد أعطاك المتكلم ~~أغراضه فيه من طريق معنى المعنى4، فكنى وعرض، ومثل واستعار، ثم أحسن في ذلك ~~كله وأصاب، ووضع كل شيء منه في موضعه، وأصاب به شاكلته، وعمد فيما كنى به ~~وشبه ومثل، لما حسن مأخذه، ودق مسلكه، ولطفت إشارته، وأن المعرض وما في ~~معناه، ليس في اللفظ المنطوق به، ولكن معنى اللفظ الذي دللت به على المعنى ~~الثاني، كمعنى قوله: PageV01P263 ### | .... ### | ..... ### | .......... ### | ........ # فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل1 # الذي هو دليل على أنه مضياف، فالمعاني الأول المفهومة من أنفس الألفاظ هي ~~المعارض والوشي والحلي وأشباه ذلك، والمعاني الثواني التي يومأ إليها بتلك ~~المعاني، هي التي تكسى تلك المعارض، وتزين بذلك الوشي والحلي2. PageV01P264 ### | 307 - # وكذلك إذا جعلوا المعنى يتصور من أجل اللفظ بصورة، ويبدو في هيئة، ويتشكل ~~بشكل يرجع المعنى في ذلك كله إلى الدلالات المعنوية، ولا يصلح شيء منه حيث ~~الكلام على ظاهره، وحيث لا يكون كناية ولا تمثل ولا استعارة1، ولا استعانة ~~في الجملة بمعنى على معنى، وتكون الدلالة على الغرض من مجرد اللفظ، فلو أن ~~قائلا قال: "رأيت الأسد"، وقال آخر: "لقيت الليث"، لم يجز أن يقال في ~~الثاني انه صورالمعنى فيغير صورته الأولى، ولا أن يقال أبرزه في معرض سوى ~~معرضه، ولا شيئا من هذا الجنس. # وجملة الأمر أن صور المعاني لا تتغير بنقلها من لفظ إلى لفظ، حتى يكون ~~هناك اتساع ومجاز، وحتى لا يراد من الألفاظ ظواهر ما وضعت له في اللغة، ~~ولكن يشار بمعانيها إلى معان أخر. ### | 308 - # واعلم ms161 أن هذا كذلك ما دام النظم واحدا، فأما إذا تغير النظم فلا بد حينئذ ~~من أن يتغير المعنى، على ما مضى من البيان في "مسائل التقديم والتأخير"2، ~~وعلى ما رأيت في المسئلة التي مضت الآن3، أعني قولك: "إن زيدا كالأسد"، و ~~"كأن زيدا الأسد"، ذاك لأنه لم يتغير من اللفظ شيء، وإنما تغير النظم فقط. ~~وأما فتحك "أن" عند تقديم الكاف وكانت مكسورة فلا اعتداد بها، لأن معنى ~~الكسر باق بحاله. PageV01P265 ### | 309 - # واعلم أن السبب في أن أحالوا في أشباه هذه المحاسن التي ذكرتها لك على ~~اللفظ، أنها ليست بأنفس المعاني، بل هي زيادات فيها وخصائص. ألا ترى أن ~~ليست المزية التي تجدها لقولك: "كأن زيدا الأسد" على قولك: "زيد كالأسد"، ~~لشيء خارج عن التشبيه الذي هو أصل المعنى1، وإنما هو زيادة فيه وفي حكم ~~الخصوصية في الشكل، نحو أن يصاغ خاتم على وجه، وآخر على وجه آخر، تجمعهما ~~صورة الخاتم، ويفترقان بخاصة وشيء يعلم، إلا أنه لا يعلم منفردا. # ولما كان الأمر كذلك، لم يمكنهم أن يطلقوا اسم المعاني على هذه الخصائص، ~~إذا كان لا يفترق الحال حينئذ بين أصل المعنى، وبين ما هو زيادة في المعنى ~~وكيفية له وخصوصية فيه، فلما امتنع ذلك توصلوا إلى الدلالة عليها بأن وصفوا ~~اللفظ في ذلك بأوصاف يعلم أنها لا تكون أوصافا له من حيث هو لفظ، كنحو ~~وصفهم له بأنه لفظ شريف، وأنه قد زان المعنى، وأن له ديباجة، وأن عليه ~~طلاوة، وأن المعنى منه في مثل الوشي، وأنه عليه كالحلي، إلى أشباه ذلك مما ~~يعلم ضرورة أنه لا يعنى بمثله الصوت والحرف. ثم إنه لما جرت به العادة ~~واستمر عليه العرف وصار الناس يقولون اللفظ واللفظ لزم من ذلك بأنفس أقوام ~~بابا من الفساد2، وخامرهم منه شيء لست أحسن وصفه. PageV01P266 # فصل: بيان في استعمال "اللفظ"، والمراد به دلالة المعنى على المعنى: ### | 310 - # ومن الصفات التي تجدهم يجرونها على "اللفظ"، ثم لا تعترضك شبهة ولا يكون ~~منك توقف في أنها ليست ms162 له، ولكن لمعناه، قولهم: "لا يكون الكلام يستحق اسم ~~البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك ~~من معناه إلى قلبك" وقولهم: "يدخل في الأذن بلا إذن"، فهذا مما لا يشك ~~العاقل في أنه يرجع إلى دلالة المعنى على المعنى، وأنه لا يتصور أن يراد به ~~دلالة اللفظ على معناه الذي وضع له في اللغة. # ذاك لأنه لا يخلو السامع من أن يكون عالما باللغة وبمعاني الألفاظ التي ~~يسمعها، أو يكون جاهلا بذلك. فإن كان عالما لم يتصور أن يتفاوت حال الألفاظ ~~معه، فيكون معنى لفظ أسرع إلى قلبه من معنى لفظ آخر وإن كان جاهلا كان ذلك ~~في وصفه أبعد. # وجملة الأمر أنه إنما يتصور أن يكون لمعنى أسرع فهما منه لمعنى آخر، إذا ~~كان ذلك مما يدرك بالفكر، وإذا كان مما يتجدد له العلم به عند سمعه للكلام. ~~وذلك محال في دلالات الألفاظ اللغوية، لأن طريق معرفتها التوقيف، والتقديم ~~بالتعريف. ### | 311 - # وإذا كان ذلك كذلك، علم علم الضرورة أن مصرف ذلك إلى دلالات المعاني على ~~المعاني، وأنهم أرادوا أن من شرط البلاغة أنيكون المعنى الأول الذي تجعله ~~دليلا على المعنى الثاني ووسيطا بينك وبينه، متمكنا في دلالته، مستقلا ~~بوساطته، يسفر بينك وبينه أحسن سفارة، ويشير لك إليه # PageV01P267 # أبين إشارة، حتى يخيل إليك أنك فهمته من حاق اللفظ، وذلك لقلة الكلفة فيه ~~عليك، وسرعة وصوله إليك، فكان من "الكناية" مثل قوله: # لا أمتع العوذ بالفصال، ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل1 # ومن "الاستعارة" مثل قوله: # وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب2 # ومن "التمثيل" مثل قوله: # لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره3 ### | 312 - # وإن أردت أن تعرف ما حاله بالضد من هذا4، فكان منقوص القوة في تأدية ما ~~أريد منه، لأنه يعترضه ما يمنعه أن يقضي حق السفارة فيما بينك وبين معناك، ~~ويوضح تمام الإيضاح عن مغزاك، فانظر إلى قول العباس بن الأحنف: # سأطلب بعد الدار عنكم ms163 لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا5 ~~PageV01P268 # بدأ فدل بسكب الدموع على ما يوجبه الفراق من الحزن والكمد، فأحسن وأصاب، ~~لأن من شأن البكاء أبدا أن يكون أمارة للحزن، وأن يجعل دلالة عليه وكناية ~~عنه، كقولهم: "أبكاني وأضحكني"، على معنى "ساءني وسرني"، وكما قال: # أبكاني الدهر، ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضي1 # ثم ساق هذا القياس إلى نقيضه، فالتمس أن يدل على ما يوجبه دوام التلاقي ~~من السرور بقوله: "لتجمدا"، وظن أن الجمود يبلغ له في إفادة المسرة ~~والسلامة من الحزن ونظر إلى أن الجمود خلو العين من البكاء وانتفاء الدموع ~~عنها، وأنه إذا قال "لتجمدا"، فكأنه قال: "أحزن اليوم لئلا أحزن غدا، وتبكي ~~عيناي جهدهما لئلا تبكيا أبدا" وغلط فيما ظن، وذاك أن الجمود هو أن لا تبكي ~~العين، ويستراب في أن لا تبكي2، ولذلك لا ترى أحدا يذكر عينه بالجمود إلا ~~وهو يشكوها ويذمها وينسبها إلى البخل، ويعد امتناعها من البكاء تركا لمعونة ~~صاحبها على ما به من الهم، ألا ترى إلى قوله: # ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود3 PageV01P269 # فأتى بالجمود تأكيدا لنفي الجود، ومحال أن يجعلها لا تجود بالبكاء وليس ~~هناك التماس بكاء، لأن الجود والبخل يقتضيان مطلوبا يبذل أو يمنع، ولو كان ~~الجمود يصلح لأن يراد به السلامة من البكاء، ويصح أن يدل به على أن الحال ~~حال مسرة وحبور، لجاز أن يدعى به للرجل فيقال: "لا زالت عينك جامدة"، كما ~~يقال: "لا أبكى الله عينك"، وذاك مما لا يشك في بطلانه. # وعلى ذلك قول أهل اللغة: "عين جمود، لا ماء فيها، وسنة جماد، لا مطر ~~فيها، وناقة جماد، لا لبن فيها"، وكما لا تجعل السنة والناقة جمادا إلا على ~~معنى أن السنة بخيلة بالقطر، والناقة لا تسخو بالدر، كذلك حكم العين لا ~~تجعل "جمودا" إلا وهناك ما يقتضي إرادة البكاء منها، وما يجعلها إذا بكت ~~محسنة موصوفة بأن قد جادت وسخت وإذا لم تبك، مسيئة موصوفة بأن قد ضنت ~~وبخلت. ### | 313 - # فإن ms164 قيل: إنه أراد أن يقول: "إني اليوم أتجرع غصص الفراق، وأحمل نفسي على ~~مره، واحتمل ما يؤديني إليه من حزن يفيض الدموع من عيني ويسكبها، لكي أتسبب ~~بذلك إلى وصل يدوم، ومسرة تتصل، حتى لا أعرف بعد ذلك الحزن أصلا، ولا تعرف ~~عيني البكاء، وتصير في أن لا ترى باكية أبدا، كالجمود التي لا يكون لها ~~دمع". # 1فإن ذلك لا يستقيم ولا يستتب، لأنه يوقعه في التناقض، ويجعله كأنه قال: ~~"احتمل البكاء لهذا الفراق عاجلا، لأصير في الآجل بدوام الوصل واتصال ~~السرور في صورة من يريد من عينه أن تبكي ثم لا تبكي، لأنها خلقت جامدة لا ~~ماء فيها"، وذلك من التهافت والاضطراب بحيث لا تنجع الحيلة فيه. ~~PageV01P270 # وجملة الأمر أنا لا نعلم أحدا جعل جمود العين دليل سرورة وأمارة غبطة، ~~وكناية عن أن الحال حال فرح. # فهذا مثال فيما هو بالضد مما شرطوا من أن لا يكون لفظه أسبق إلى سمعك، من ~~معناه إلى قلبك لأنك ترى اللفظ يصل إلى سمعك، وتحتاج إلى أن تحب وتوضع في ~~طلب المعنى. # ويجري لك هذا الشرح والتفسير في "النظم" كما جرى في "اللفظ"، لأنه إذا ~~كان النظم سويا، والتأليف مستقيما، كان وصول المعنى إلى قلبك، تلو وصول ~~اللفظ إلى سمعك. وإذا كان على خلاف ما ينبغي، وصل اللفظ إلى السمع، وبقيت ~~في المعنى تطلبه وتنعب فيه، وإذا أفرط الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي ~~قالوا: "إنه يستهلك المعنى". ### | 314 - # واعلم أن لم تضق العبارة ولم يقصر اللفظ ولم ينغلق الكلام في هذا الباب1، ~~إلا لأنه قد تناهى في الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات، وأنك لا ترى أغرب ~~مذهبا، وأعجب طريقا، وأحرى بأن تضطرب فيه الأراء، منه. وما قولك في شيء قد ~~بلغ من أمره أن يدعى على كبار العلماء أنهم لم يعلموه ولم يفطنوا له؟ فقد ~~ترى أن البحتري قال حين سئل عن مسلم وأبي نواس: أيهما أشعر؟ فقال: أبو ~~نواس. فقيل: فإن أبا العباس ثعلبا لا يوافقك على هذا. فقال: ms165 ليس هذا من شأن ~~ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون PageV01P271 # عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ~~ضروراته1. ### | 315 - # ثم لم ينفك العالمون به والذين هم من أهله، من دخول الشبهة فيه عليهم، ~~ومن اعتراض السهو والغلط لهم. روي عن الأصمعي أنه قال: كنت أشدو من أبي ~~عمرو بن العلاء وخلف الأحمر2، وكانا يأتيان بشارا فيسلمان عليه بغاية ~~الإعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ، ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما، ويسألانه ~~ويكتبان عنه متواضعين له، حتى يأتي وقت الزوال، ثم ينصرفان. وأتياه يوما ~~فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكم. ~~قالوا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب. قال: نعم، بلغني أن سلم بن قتيبة ~~يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف. قالوا: فانشدناها يا أبا ~~معاذ. فأنشدهما: # بكرا صاحبي قبل الهجير ... إذا ذاك النجاح في التبكير # حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان "إن ذاك النجاح في ~~التبكير". PageV01P272 # بكرا فالنجاح في التبكير # كان أحسن. فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية فقلت: إن ذاك النجاح في ~~التبكير، كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت: "بكرا فالنجاح"، كان هذا من ~~كلام المولدين، ولا يشبه ذاك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة. قال: فقام ~~خلف فقبل بين عينيه"1، فهل كان هذا القول من خلف والنقد على بشار، إلا للطف ~~المعنى في ذلك وخفائه؟ # "إن"، تغني غناء "الفاء"، في ربط الجملة بما قبلها: ### | 316 - # واعلم أن من شأن "إن" إذا جاءت على هذا الوجه، أن تغني غناء "الفاء" ~~العاطفة مثلا، وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمرا عجيبا. فأنت ترى ~~الكلام بها مستأنفا غير مستأنف، ومقطوعا موصولا معا. أفلا ترى أنك لو أسقطت ~~"إن" من قوله: "إن ذاك النجاح في التبكير"، لم تر الكلام يلتئم، ولرأيت ~~الجملة الثانية لا تتصل بالأولى ولا تكون منها بسبيلي، حتى تجيء بالفاء ~~فتقول: "بكرا صاحبي قبل الهجير، فذاك ms166 النجاح في التبكير" ومثله قوله بعض ~~العرب: # فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء2 # فانظر إلى قوله: "إن غناء الإبل الحداء"، وإلى ملاءمته الكلام قبله، وحسن ~~تشبثه به، وإلى حسن تعطف الكلام الأول عليه. ثم انظر إذا تركت PageV01P273 # "إن" فقلت: "فغنها وهي لك الفداء، غناء الإبل الحداء"، كيف تكون الصورة؟ ~~وكيف ينبو أحد الكلامين عن الآخر؟ وكيف يشئم هذا ويعرق ذلك؟ حتى لا تجد ~~حيلة في ائتلافهما حتى تجتلب لهما "الفاء" فتقول: "فغنها وهي لك الفداء، ~~فغناء الإبل الحداء"، ثم تعلم أن ليست الألفة بينهما من جنس ما كان، وأن قد ~~ذهبت الأنسة التي كنت تجد، والحسن الذي كنت ترى. # فصل في "كاد"، وتفسير قولهم: "لم يكد يفعل": ### | 317 - # وروي عن [عنبسة] أنه قال: قدم ذو الرمة الكوفة فوقف ينشد الناس بالكناسة ~~قصيدته الحائية التي منها1: # هي البرء، والأسقام، والهم، والمنى، ... وموت الهوى في القلب مني المبرح # وكان الهوى بالنأي يمحى فيمحي، ... وحبك عندي يستجد ويربح # إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح # قال: فلما انتهى إلى هذا البيت ناداه ابن شبرمة: يا غيلان، أراه قد برح! ~~قال: فشنق ناقته وجعل يتأخر بها ويفكر2، ثم قال: # إذا غير النأي المحبين لم أجد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح PageV01P274 # قال: فلما انصرفت حدثت أبي1، قال: أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة ~~ما أنكر2، وأخطأ ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شبرمة، إنما هذا كقول الله ~~تعالى: {ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها} [النور: 40]، ~~وإنما هو: لم يرها ولم يكد3. ### | 318 - # واعلم أن سبب الشبهة في ذلك أنه قد جرى في العرف أن يقال: "ما كاد يفعل" ~~و "لم يكد يفعل" في فعل قد فعل، على معنى أنه لم يفعل إلا بعد الجهد، وبعد ~~أن كان بعيدا الظن أن يفعله، كقوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} ~~[البقرة: 71]، فلما كان مجيء النفي في "كاد" على هذا السبيل، توهم ابن ~~شبرمة ms167 أنه إذا قال: "لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح" فقد زعم: أن الهوى ~~قد برح، ووقع لذي الرمة مثل هذا الظن. # وليس الأمر كالذي ظناه، فإن الذي يقتضيه اللفظ إذا قيل: "لم يكد يفعل" و ~~"ما كاد يفعل"، أن يكون المراد أن الفعل لم يكن من أصله، ولا قارب أن يكون، ~~ولا ظن أنه يكون. وكيف بالشك في ذلك؟ وقد علمنا أن "كاد" موضوع لأن يدل على ~~شدة قرب الفعل من الوقوع، وعلى أنه قد شارف الوجود. وإذا كان كذلك، كان ~~محالا أن يوجب نفيه وجود الفعل، لأنه يؤدي إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل ~~الوجود وجوده4، وأن يكون قولك: PageV01P275 # "ما قارب أن يفعل"، مقتضيا على البت أنه قد فعل1. ### | 319 - # وإذا قد ثبت ذلك، فمن سبيلك أن تنظر. فمتى لم يكن المعنى على أنه قد كانت ~~هناك صورة تقتضي أن لا يكون الفعل، وحال يبعد معها أن يكون، ثم تغير الأمر، ~~كالذي تراه في قوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71]، فليس ~~إلا أن تلزم الظاهر، وتجعل المعنى على أنك تزعم أن الفعل لم يقارب أن يكون، ~~فضلا عن أن يكون. # فالمعنى إذن في بيت ذي الرمة على أن الهوى من رسوخه في القلب، وثبوته فيه ~~وغلبته على طباعه، بحيث لا يتوهم عليه البراح، وأن ذلك لا يقارب أن يكون، ~~فضلا عن أن يكون، كما تقول: "إذا سلا المحبون وفتروا في محبتهم، لم يقع لي ~~في وهم، ولم يجر متى على بال: أنه يجوز علي ما يشبه السلوة، وما بعد فترة، ~~فضلا عن أن يوجد ذلك مني وأصبر إليه. # وينبغي أن تعلم أنهم إنما قالوا في التفسير: "لم يرها ولم يكد"، فبدأوا ~~فنقوا الرؤية، ثم عطفوا "لم يكد" عليه، ليعموك أن ليس سبيل "لم يكد" ههنا ~~سبيل "ما كادوا" في قوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71]، ~~في أنه نفي معقب على إثبات، وأن ليس المعنى على أن رؤية كانت من بعد أن ~~كادت لا تكون، ولكن ms168 المعنى على أن رؤيتها لا تقارب أن تكون، فضلا عن أن ~~PageV01P276 # نكون، ولو كان "لم يكد" يوجب وجود الفعل، لكان هذا الكلام متهم محالا ~~جاريا مجرى أن تقول: "لم يرها ورآها"، فاعرفه. ### | 320 - # وههنا نكتة، وهي أن "لم يكد" فيالآية والبيت واقع في جواب "إذا"، والمضاي ~~إذا وقع في جواب الشرط على هذا السبيل، كان مستقبلا في المعنى فإذا قلت: ~~"إذا خرجت لم أخرج"، كنت قد نفيت خروجا فيما سيتقبل. وغا كان الأمر كذلك، ~~استحال أن يكون المعنى في البيت أو الآية على أن الفعل قد كان، لأنه يؤدي ~~إلى أن يجيء "بلم أفعل" ماضيا صريحا في جواب الشرط فتقول: "إذا خرجت لم ~~أخرج أمس"، وذلك محال. ومما يتضح فيه هذا المعنى قول الشاعر: # ديار لجهمة بالمنحنى ... سقاهن مرتجز باكر # وراح عليهن ذو هيدب ... ضعيف القوى، ماؤه زاخر # إذا رام نهضا بها لم يكد ... كذي الساق أخطأها الجابر1 ### | 321 - # وأعود إلى الغرض. فإذا بلغ من دقة هذه المعاني أن يشتبه الأمر فيها على ~~مثل خلف الأحمر وابن شبرمة، وحتى يشتبه على ذي الرمة في صواب قاله، فيرى ~~أنه غير صواب، فمنا ظنك بغيرهم؟ وما يعجبك من أن يكثر التخليط فيه؟ ~~PageV01P277 # "كل"، وتفصيل القول فيها في النفي والإثبات، وأمثلة ذلك: ### | 322 - # ومن العجب في هذا المعنى قول أبي النجم: # قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع1 # قد حمله الجميع على أنه أدخل نفسه من رفع "كل" في شيء إنما يجوز عند ~~الضرورة، من غير أن كانت به إليه ضرورة. قالوا: لأنه ليس في نصب "كل" ما ~~يكسر له وزنا، أو يمنعه من معنى أراده. وإذا تأملت وجدته لم يرتكبه ولم ~~يحمل نفسه عليه إلا لحاجة له إلى ذلك، وإلا لأنه رأى النصب يمنعه ما يريد. ~~وذاك أنه أراد أنها تدعي عليه ذنبا لم يصنع منه شيئا البتة لا قليلا ولا ~~كثيرا ولابعضا ولا كلا. والنصب يمنع من هذا المعنى، ويقتضي أن يكون قد أتى ~~من الذنب الذي ادعته ms169 بعضه. # وذلك أنا إذا تأملنا وجدنا إعمال الفعل في "كل" والفعل منفي، لا يصلح أن ~~يكون إلا حيث يراد بعضا كان وبعضا لم يكن. تقول: "لم ألق كل القوم"، و "لم ~~آخذ كل الدراهم"، فيكون المعنى أنك لقيت بعضا من القوم ولم تلق الجميع، ~~وأخذت بعضا من الدراهم وتركت الباقي ولا يكون أن تريد أنك لم تلق واحدا من ~~القوم، ولم تأخذ شيئا من الدارهم. # وتعرف ذلك بأن تنظر إلى "كل" في الإثبات وتتعرف فائدته فيه. # وإذا نظرت وجدته قد اجتلب لأن يفيد الشمول في الفعل الذي تسنده إلى ~~الجملة أو توقعه بها. # تفسير ذلك، أنك إنما قلت: "جاءني القوم كلهم"، لأنك لو قلت: "جاءني ~~القوم" وسكت، لكان يجوز أن يتوهم السامع أنه قد تخلف عنك PageV01P278 # بعضهم، إلا أنك لم تعتد بهم، أو أنك جعلت الفعل إذا وقع من بعض القوم ~~فكأنما وقع من الجميع، لكونهم في حكم الشخص الواحد، كما يقال للقبيلة: ~~"فعلتم وصنعتم"، يراد فعل قد كان من بعضهم أو واحد منهم. وهكذا الحكم أبدا. # فإذا قلت: "رأيت القوم كلهم" و "مررت بالقوم كلهم"، كنت قد جئت "بكل" ~~لئلا يتوهم أنه قد بقي عليك من لم تره ولم تمر به. # وينبغي أن يعلم أنا لا نعني بقولنا "يفيد الشمول"، أن سبيله في ذلك سبيل ~~الشيء يوجب المعنى من أصله، وأنه لولا مكان "كل" لما عقل الشمول ولم يكن ~~فيما سبق من اللفظ دليل عليه. كيف؟ ولو كان كذلك لم يكن يسمى "تأكيدا". ~~فالمعنى أنه يمنع أن يكون اللفظ المقتضي الشمول مستعملا على خلاف ظاهره ~~ومتجوزا فيه. ### | 323 - # وإذ قد عرفت ذلك، فههنا أصل، وهو أنه من حكم النفي إذا دخل على كلام، ثم ~~كان في ذلك الكلام تقييد على وجهه من الوجوه، أن يتوجه إلى ذلك التقييد، ~~وأن يقع له خصوصا. # تفسير ذلك: أنك إذا قلت: "أتاني القوم مجتمعين"، فقال قائل: "لم يأتك ~~القوم مجتمعين"، كان نفيه ذلك متوجها إلى الاجتماع الذي هو تقييد في ~~الإتيان دون الإتيان ms170 نفسه، حتى إنه إن أراد أن ينفي الإتيان من أصله، كان ~~من سبيله أن يقول: "إنهم لم يأتوك أصلا، فما معنى قولك: مجتمعين". هذا مما ~~لا يشك فيه عاقل. # PageV01P279 # وإذا كان هذا حكم النفي إذا دخل على كلام فيه تقييد، فإن التأكيد ضرب من ~~التقييد. فمتى نفيت كلاما فيه تأكيد، فإن نفيك ذلك يتوجه إلى التأكيد خصوصا ~~ويقع له. فإذا قلت: "لم أر القوم كلهم" أو "لم يأتني القوم كلهم" أو "لم ~~يأتني كل القوم" أو "لم أر كل القوم"، كنت عمدت بنفيك إلى معنى" كل" خاصة، ~~وكان حكمه حكم "مجتمعين" في قولك: "لم يأتني القوم مجتمعين" وإذا كان النفي ~~يقع "لكل" خصوصا، فواجب إذا قلت: "لم أتني القوم كلهم" أو "لم يأتني كل ~~القوم"، أن يكون قد أتاك بعضهم كما يجب إذا قلت: "لم يأتني القوم مجتمعين"، ~~أن يكونوا قد أتوك أشاتا. وكما يستحيل أن تقول: "لم يأتني القوم مجتمعين"، ~~وأنت تريد أنهم لم يأتوك أصلا لا مجتمعين ولا منفردين كذلك محال أن تقول: ~~"لا يأتني القوم كلهم"، وأنت تريد أنهم لم يأتوك أصلا، فاعرفه. ### | 324 - # واعلم أنك إذا نظرت وجدت الإثبات كالنفي فيما ذكرت لك، ووجدت النفي قد ~~احتذاه فيه وتبعه، وذلك أنك إذا قلت: "جاءني القوم كلهم"، كان "كل" فائدة ~~خبرك هذا، والذي يتوجه إليه إثباتك، بدلالة أن المعنى على أن الشك لم يقع ~~في نفس المجيء أنه كان من القوم على الجملة، وإنما وقع في شموله "الكل"، ~~وذلك الذي عناك أمره من كلامك. ### | 325 - # وجملة الأمر أنه ما من كلام كان فيه أمر زائد على مجرد إثبات المعنى ~~للشيء، إلا كان الغرض الخاص من الكلام، والذي يقصد إليه ويزجى القول فيه. ~~فإذا قلت: "جاءني زيد راكبا"، و "ما جاءني زيد راكبا" كنت قد وضعت كلامك ~~لأن نثبت مجيئه راكبا او ننفي ذلك، لا لأن تثبت المجيء وتنفيه مطلقا. هذا ~~ما لا سبيل إلى الشك فيه. # PageV01P280 ### | 326 - # واعلم أنه يلزم من شك في هذا فتوهم أنه يجوز ms171 أن تقول: "لم أر القوم ~~كلهم"، على معنى أنك لم تر واحدا منهم1 أن يجري النهي هذا المجرى فتقول: ~~"لا تضرب القوم كلهم"، على معنى لا تضرب واحدا منهم وأن تقول: "لا تضرب ~~الرجلين كليهما"، على معنى لا تضرب واحد منهما. فإذا قال ذلك لزمه أن يحيل ~~قول الناس2: لا تضربهما معا، ولكن اضرب أحدهما"، و "لا تأخذهما جميعا، لكن ~~واحدا منهما"، وكفى بذلك فسادا. ### | 327 - # وإذ قد بان لك من حال النصب أنه يقتضي أن يكون المعنى على أنه قد صنع من ~~الذنب بعضا وترك بعضا3، فاعلم أن الرفع على خلاف ذلك، وأنه يقتضي نفي أن ~~يكون قد صنع منه شيئا، وأتى منه قليلا أو كثيرا وأنك إذا قلت: "كلهم لا ~~يأتيك"، و "كل ذلك لا يكون"، و "كل هذا لا يحسن"، كنت نفيت أن يأتيه واحد ~~منهم، وأبيت أن يكون أو يحسن شيء مما أشرت إليه. ### | 328 - # ومما يشهد لك بذلك من الشعر قوله: # فكيف؟ وكل ليس يعدو حمامه ... ولا لامرئ عما قضى الله مزحل4 PageV01P281 # المعنى على نفي أن يعدو أحد من الناس حمامه، بلا شبهة. ولو قلت: "فكيف ~~وليس يعدو كل حمامه": فأخرت "كلا"، لأفسدت المعنى، وصرت كأنك تقول: "إن من ~~الناس من يسمل من الحمام ويبقى خالد ا لا يموت". ### | 329 - # ومثله قول دعبل: # فوالله ما أدري بأي سهامها ... رمتني وكل عندنا ليس بالمكدي # أبا الجيد أم مجرى الوشاح، وإنني ... لأنهم عينيها مع الفاحم الجعد1 # المعنى على نفي أن يكون في سهامها مكد على وجه من الوجوه. ### | 330 - # ومن البين في ذلك ما جاء في حديث ذي اليدين حين قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: "أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "كل ~~ذلك لم يكن". فقال ذو اليدين: بعض ذلك قد كان"2، المعنى لا محالة على نفي ~~PageV01P282 # الأمرين جميعا، وعلى أنه عليه السلام أراد أنه لم يكن واحد منهما، لا ~~القصر ولا النسيان. ولو قيل: "لم يكن كل ذلك"، لكان ms172 المعنى أنه قد كان ~~بعضه. ### | 331 - # واعلم أنه لما كان المعنى مع إعمال الفعل المنفي في "كل" نحو: "لم يأتني ~~القوم كلهم" و "لم أر القوم كلهم"، على أن الفعل قد كان من البعض، ووقع على ~~البعض، قلت: "لم يأتني القوم كلهم، ولكن أتاني بعضهم" و "لم أر القوم كلهم، ~~ولكن رأيت بعضهم" فأثبت بعد ما نفيت، ولا يكون ذلك مع رفع "كل" بالابتداء. ~~فلو قلت: "كلهم لم يأتني، ولكن أتاني بعضهم" و "كل ذلك لم يكن، ولكن كان ~~بعض ذلك"، لم يجز، لأنه يؤدي إلى التناقض، وهو أن تقول: "لم يأتني واحد ~~منهم، ولكن أتاني بعضهم". ### | 332 - # واعلم أنه ليس التأثير لما ذكرنا من إعمال الفعل وترك إعماله على ~~الحقيقة، وإنما التأثير لأمر آخر، وهو دخول "كل" في حيز النفي، وأن لا يدخل ~~فيه. وإنما علقنا الحكم في البيت وسائر ما مضى بإعمال الفعل وترك إعماله1، ~~من حيث كان إعماله فيه يقتضي دخوله في حيز النفي، وترك إعماله يوجب خروجه ~~منه، من حيث كان الحرف النافي في البيت حرفا لا ينفصل عن الفعل، وهو "لم" ~~لا أن كونه معمولا للفعل وغير معمول، PageV01P283 # بمقتضى ما رأيت من الفرق. أفلا ترى أنك لو جئت بحرف نفي يتصور انفصاله عن ~~الفعل، لرأيت المعنى في "كل" مع ترك إعمال الفعل، مثله مع إعماله، ومثال ~~ذلك قوله: # ما كل ما يتمنى المرء يدركه1 # وقول الآخر: # ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشد2 # "كل" كما ترى غير معمل فيه الفعل، ومرفوع، إما بالابتداء، وإما بأنه اسم ~~"ما"، ثم إن المعنى مع ذلك على ما يكون عليه إذا أعملت فيه الفعل فقلت: "ما ~~يدرك المرء كل ما يتمناه"، و "ما يدعو كل رأي الفتى إلى رشد"، وذلك أن ~~التأثير لوقوعه في حيز النفي، وذلك حاصل في الحالين. ولو قدمت "كلا" في هذا ~~فقلت: "كل ما يتمنى المرء لا يدركه" و "كل رأي الفتى لا يدعو إلى رشد" ~~لتغير المعنى، ولصار بمنزلة أن يقال: "إن المرء لا ms173 يدرك شيئا مما يتمناه"، ~~و "لا يكون في رأي الفتى ما يدعو إلى رشد بوجه من الوجوه". ### | 333 - # واعلم أنك إذا أدخلت "كلا" في حيز النفي، وذلك بأن تقدم النفي عليه لفظا ~~أو تقديرا، فالمعنى على نفي الشمول دون نفي الفعل PageV01P284 # والوصف نفسه. وإذا أخرجت "كلا" من حيز النفي ولم تدخله فيه، لا لفظا ولا ~~تقديرا، كان المعنى على أنك تتبعت الجملة، فنفيت الفعل والوصف عنها واحدا ~~واحدا. والعلة في أن كان ذلك كذلك، أنك إذا بدأت "بكل" كنت قد بنيت النفي ~~عليه, وسلطت الكلية على النفي وأعملتها فيه، وإعمال معنى الكلية في النفي ~~يقتضي أن لا يشذ شيء عن النفي، فاعرفه. ### | 334 - # واعلم أن من شأن الوجوه والفروق أن لا يزال يحدث بسببها وعلى حسب الأغراض ~~والمعاني التي تقع فيها، دقائق وخفايا لا إلى حد ونهاية وأنها خفايا تكتم ~~أنفسها جهدها حتى لا يتنبه لأكثرها، ولا يعلم أنها هي، وحتى لا تزال ترى ~~العالم يعرض له السهو فيه، وحتى إنه ليقصد إلى الصواب فيقع في أثناء كلامه ~~ما يوهم الخطأ، كل ذلك لشدة الخفاء وفرط الغموض. # PageV01P285 # فصل: القول في آية: {وجعلوا لله شركاء الجن} ### | 335 - # واعلم أنه إذا كان بينا في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه ~~حتى لا يشكل، وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقه وأنه الصواب، إلى فكر ~~وروية1 فلا مزية, وإنما تكون المزية ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال ~~غير الوجه الذي جاء عليه وجها آخر، ثم رأيت النفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، ~~ورأيت للذي جاء عليه حسنا وقبولا تعدمهما إذا أنت تركته إلى الثاني. ### | 336 - # ومثال ذلك قوله تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن} [الأنعام: 100]، ليس بخاف ~~أن لتقديم "الشركاء" حسنا وروعة ومأخذا من القلوب، أنت لا تجد شيئا منه إن ~~أنت أخرت فقلت: "وجعلوا الجن شركاء الله"، وأنك ترى حالك حال من نقل عن ~~الصورة المبهجة والمنظر الرائق والحسن الباهر، إلى الشيء الغفل الذي لا ~~تحلى منه بكثير ms174 طائل، ولا تصير النفس به إلى حاصل. والسبب في أن كان ذلك ~~كذلك، هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلا لا سبيل إليه مع التأخير. ### | 337 - # بيانه، أنا وإن كنا نرى جملة المعنى ومحصوله أنهم جعلوا الجن شركاء ~~وعبدوهم مع الله تعالى، وكان هذا المعنى يحصل مع التأخير حصوله مع التقديم، ~~فإن تقديم "الشركاء" يفيد هذا المعنى، ويفيد معه معنى آخر، وهو أنه ما كان ~~ينبغي أن يكون لله شريك، لا من الجن ولا غير الجن. PageV01P286 # وإذا أخر فقيل: "جعلوا الجن شركاء الله"، لم يفد ذلك، ولم يكن فيه شيء ~~أكثر من الإخبار عنهم بأنهم عبدوا الجن مع الله تعالى، فأما إنكار أن يعبد ~~مع الله غيره، وأن يكون له شريك من الجن وغير الجن، فلا يكون في اللفظ مع ~~تأخير "الشركاء" دليل عليه. وذلك أن التقدير يكون مع التقديم: أن "شركاء" ~~مفعول أول لجعل، و"الله" في موضع المفعول الثاني، ويكون "الجن" على كلام ~~ثان، وعلى تقدير أنه كأنه قيل: "فمن جعلوا شركاء لله تعالى؟ "، فقيل: ~~"الجن". وإذا كان التقدير في "شركاء" أنه مفعول أول، و "لله" في موضع ~~المفعول الثاني، وقع الإنكار على كون شركاء لله تعالى على الإطلاق، من غير ~~اختصاص شيء دون شيء. وحصل من ذلك أن اتخاذ الشريك من غير الجن قد دخل في ~~الإنكار دخول اتخاذه من الجن، لأن الصفة إذا ذكرت مجردة غير مجراة على شيء، ~~كان الذي تعلق بها من النفي عاما في كل ما يجوز أن تكون له تلك الصفة. # فإذا قلت: "ما في الدار كريم"، كنت نفيت الكينونة في الدار عن كل من يكون ~~الكرم صفة له. وحكم الإنكار أبدا حكم النفي. وإذا أخر فقيل: "وجعلوا الجن ~~شركاء لله"، كان "الجن" مفعولا أول، و "الشركاء" مفعولا ثانيا. وإذا كان ~~كذلك، كان "الشركاء" مخصوصا غير مطلق، من حيث كان محالا أن يجري خبرا على ~~الجن، ثم يكون عاما فيهم وفي غيرهم. وإذا كان كذلك، احتمل أن يكون القصد ~~بالإنكار إلى "الجن" خصوصا، ms175 أن يكونوا "شركاء" دون غيرهم، جل الله تعالى عن ~~أن يكون له شريك وشبيه بحال. ### | 338 - # فانظر الآن إلى شرف ما حصل من المعنى بأن قدم "الشركاء"، واعتبره فإنه ~~ينبهك لكثير من الأمور، ويدلك على عظم شأن # PageV01P287 # "النظم"، وتعلم به كيف يكون الإيجاز به وما صورته؟ 1 وكيف يزاد في المعنى ~~من غير أن يزاد في اللفظ، إذ قد ترى أن ليس إلا تقديم وتأخير، وأنه قد حصل ~~لك بذلك من زيادة المعنى، ما إن حاولت مع تركه لم يحصل لك، واحتجت إلى أن ~~تستأنف له كلاما، نحو أن تقول: "وجعلوا الجن شركاء الله، وما ينبغي أن يكون ~~لله شريك لا من الجن ولا من غيرهم"، ثم لا يكون له إذا عقل من كلامين من ~~الشرف والفخامة ومن كرم الموقع في النفس، ما تجده له الآن وقد عقل من هذا ~~الكلام الواحد. # القول في: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة}: ### | 339 - # ومما ينظر إلى مثل ذلك2، قوله تعالى: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} ~~[البقرة: 96] إذا أنت راجعت نفسك وأذكيت حسك، وجدت لهذا التنكير وأن قيل: ~~"على حياة"، ولم يقل: "على الحياة"3، حسنا وروعة ولطف موقع لا يقادره قدره، ~~وتجدك تعدم ذلك مع التعريف، وتخرج عن الأريحية والأنس إلى خلافهما. والسبب ~~في ذلك أن المعنى على الازدياد من الحياة لا الحياة من أصلها، وذلك أنه لا ~~يحرص عليه إلا الحي، فأما العادم للحياة فلا يصح منه الحرص على الحياة ولا ~~على غيرها3. وإذا كان كذلك، صار كأنه قيل: "ولتجدنهم أحرص الناس، ولو عاشوا ~~ما عاشوا، على أن يزدادوا إلى حياتهم في ماضي الوقت وراهنه، حياة في الذي ~~يستقبل"4. فكما PageV01P288 # أنك لا تقول ههنا: "أن يزدادوا إلى حياتهم الحياة" بالتعريف، وإنما تقول: ~~"حياة" إذ كان التعريف يصلح حيث تراد الحياة على الإطلاق، كقولنا: "كل أحد ~~يحب الحياة، ويكره الموت"، كذلك الحكم في الآية. ### | 340 - # والذي ينبغي أن يراعى: أن المعنى الذي يوصف الإنسان بالحرص عليه، إذا كان ~~موجودا حال وصفك له بالحرص عليه، ms176 لم يتصور أن تجعله حريصا عليه من أصله. ~~كيف؟ ولا يحرص على الراهن ولا الماضي، وإنما يكون الحرص على ما لم يوجد ~~بعد. # تنكير "حياة" في: {ولكم في القصاص حياة} ### | 341 - # وشبيه بتنكير الحياة في هذه الآية تنكيرها في قوله عز وجل: [البقرة: ~~179]، وذلك أن السبب في حسن التنكير، وأن لم يحسن التعريف، أن ليس المعنى ~~على الحياة نفسها، ولكن على أنه لما كان الإنسان إذا علم أنه إذا قتل قتل، ~~ارتدع بذلك عن القتل، فسلم صاحبه، صار حياة هذا المهموم بقتله في مستأنف ~~الوقت، مستفادة بالقصاص1، وصار كأنه قد حيي في باقي عمره به. وإذا كان ~~المعنى على حياة في بعض أوقاته، وجب التنكير وامتنع التعريف، من حيث كان ~~التعريف يقتضي أن تكون الحياة قد كانت بالقصاص من أصلها، وأن يكون القصاص ~~قد كان سببا في كونها في كافة الأوقات. وذلك خلاف المعنى وغير ما هو ~~المقصود. PageV01P289 # ويبين ذلك أنك تقول: "لك في هذا غنى"، فتنكر إذا أردت أن تجعل ذلك من بعض ~~ما يستغنى به، فإن قلت: "لك فيه الغنى"، كان الظاهر أنك جعلت كل غناه به. ### | 342 - # وأمر آخر، وهو أنه لا يكون ارتداع حتى يكون هم وإرادة وليس بواجب أن لا ~~يكون إنسان في الدنيا إلا وله عدو يهم بقتله ثم يردعه خوف القصاص. وإذا لم ~~يجب ذلك، فمن لم يهم إنسان بقتله، فكفي ذلك الهم لخوف القصاص، فليس هو ممن ~~حيي بالقصاص. وإذا دخل الخصوص، فقد وجب أن يقال "حياة" ولا يقال "الحياة"، ~~كما وجب أن يقال "شفاء" ولا يقال "الشفاء" في قوله تعالى: {يخرج من بطونها ~~شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس} [النحل: 69]، حيث لم يكن شفاء للجميع. ### | 343 - # واعلم أنه لا يتصور أن يكون الذي هم بالقتل فلم يقتل خوف القصاص داخلا في ~~الجملة1، وأن يكون القصاص أفاده حياة كما أفاد المقصود قتله. وذلك أن هذه ~~الحياة إنما هي لمن كان يقتل لولا القصاص، وذلك محال في صفة القاصد للقتل، ~~فإنما يصح في ms177 وصفه ما هو كالضد لهذا، وهو أن يقال: إنه كان لا يخاف عليه ~~القتل لولا القصاص، وإذا كان هذا كذلك، كان وجها ثالثا في وجوب التنكير. ~~PageV01P290 # فصل: # الآفة العظمى في ترك البحث عن العلة التي توجب المزية في الكلام: ### | 344 - # واعلم أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعا من السامع، ولا يجد لديه ~~قبولا، حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة، وحتى يكون ممن تحدثه نفسه بأن لما ~~يومئ إليه من الحسن واللطف أصلا، وحتى يختلف الحال عليه عند تأمل الكلام، ~~فيجد الأريحية تارة، ويعرى منها أخرى، وحتى إذا عجبته عجب، وإذا نبهته ~~لموضع المزية انتبه. # فأما من كان الحالان والوجهان عنده أبدا على سواء، وكان لا يفقد من أمر ~~"النظم" إلا الصحة المطلقة، وإلا إعرابا ظاهرا، فما أقل ما يجدي الكلام ~~معه. فليكن من هذه صفته عندك بمنزلة من عدم الإحساس بوزن الشعر، والذوق ~~الذي يقيمه به، والطبع الذي يميز صحيحه من مكسوره، ومزاحفه من سالمه، وما ~~خرج من البحر مما لم يخرج منه1 في أنك لا تتصدى له، ولا تتكلف تعريفه، ~~لعلمك أنه قد عدم الأداة التي معها يعرف، والحاسة التي بها يجد. فليكن قدحك ~~في زند وار، والحك في عود أنت تطمع منه في نار. ### | 345 - # واعلم أن هؤلاء، وإن كانوا هم الآفة العظمى في هذا الباب، فإن من الآفة ~~أيضا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة في قليل ما تعرف المزية ~~PageV01P291 # فيه وكثيره، وأن ليس إلا أن تعلم أن هذا التقديم وهذا التنكير، أو هذا ~~العطف أو هذا الفصل حسن، وأن له موقعا من النفس وحظا من القبول، فأما أن ~~تعلم لم كان كذلك؟ وما السبب؟ فمما لا سبيل إليه، ولا مطمع في الاطلاع ~~عليه، فهو بتوانيه والكسل فيه، في حكم من قال ذلك. ### | 346 - # واعلم أنه ليس إذا لم تمكن معرفة الكل، وجب ترك النظر في الكل. وأن تعرف ~~العلة والسبب فيما يمكنك معرفة ذلك فيه وإن قل فتجعله شاهدا فيما لم تعرف1، ms178 ~~أحرى من أن تسد باب المعرفة على نفسك، وتأخذها عن الفهم والتفهم، وتعودها ~~الكسل والهوينا. قال الجاحظ: # "وكلام كثير قد جرى على ألسنة الناس، وله مضرة شديدة وثمرة مرة. فمن أضر ~~ذلك قولهم: "لم يدع الأول للآخر شيئا"، قال: فلو أن علماء كل عصر مذجرت هذه ~~الكلمة في أسماعهم، تركوا الاستنباط لما لم ينته إليهم عمن قبلهم، لرأيت ~~العلم مختلا. واعلم أن العلم إنما هو معدن2، فكما أنه لا يمنعك أن ترى ألوف ~~وقر قد أخرجت من معدن تبر3، أن تطلب فيه، وأن تأخذ ما تجد ولو كقدر تومة4، ~~كذلك، ينبغي أن يكون رأيك في طلب العلم"5. ومن الله تعالى نسأل التوفيق. ~~PageV01P292 ### | باب اللفظ والنظم: فصل في المجاز الحكمي # فصل: هذا فن من المجاز لم نذكره فيما تقدم # بين في المجاز الحكمي، وأمثلته وهو كنز من كنوز البلاغة: ### | 347 - # إعلم أن طريق المجاز والاتساع في الذي ذكرناه قبل1، أنك ذكرت الكلمة وأنت ~~لا تريد معناها، ولكن تريد معنى ما هو ردف له أو شبيه، فتجوزت بذلك في ذات ~~الكلمة وفي اللفظ نفسه. وإذا قد عرفت ذلك فاعلم أن في الكلام مجازا على غير ~~هذا السبيل، وهو أن يكون التجوز في حكم يجري على الكلمة فقط، وتكون الكلمة ~~متروكة على ظاهرها، ويكون معناها مقصودا في نفسه ومرادا من غير تورية ولا ~~تعريض. ### | 348 - # والمثال فيه قولهم "نهارك صائم وليلك قائم" و "نام ليلي وتجلى همي"، 2 ~~وقوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16]، وقول الفرزدق: # سقتها خروق في المسامع، لم تكن ... علاطا، ولا مخبوطة في الملاغم3 ~~PageV01P293 # أنت ترى مجازا في هذا كله، ولكن لا في ذوات الكلم وأنفس الألفاظ، ولكن في ~~أحكام أجريت عليها. أفلا ترى أنك لم تتجوز في قولك: "نهارك صائم وليلك ~~قائم" في نفس "صائم، و "قائم"، ولكن في أن أجريتهما خبرين على النهار ~~والليل. وكذلك ليس المجاز في الآية في لفظة "ربحت" نفسها، ولكن في إسنادها ~~إلى التجارة. وهكذا الحكم في قوله: "سقتها خروق" ليس التجوز في نفس ms179 ~~"سقتها"، ولكن في أن أسندها إلى الخروق. أفلا ترى أنك لا ترى شيئا منها إلا ~~وقد أريد به معناه الذي وضع له على وجهه وحقيقته، فلم يرد بصائم غير الصوم، ~~ولا بقائم غير القيام، ولا بربحت غير الريح، ولا بسقت غير السقى، كما أريد ~~"بسالت" في قوله: # وسالت بأعناق المطي الأباطح1 # غير السيل. ### | 349 - # واعلم أن الذي ذكرت لك في المجاز هناك2، من أن من شأنه أن يفخم عليه ~~المعنى وتحدث فيه النباهة، قائم لك مثله ههنا، فليس يشتبه على عاقل أن ليس ~~حال المعنى وموقعه في قوله: # فنام ليلي وتجلى همي3 # كحاله وموقعه إذا أنت تركت المجاز وقلت: "فنمت في ليلي وتجلى PageV01P294 # همي"، كما لم يكن الحال في قولك: "رأيت أسدا"، كالحال في "رأيت رجلا ~~كالأسد". ومن الذي يخفى عليه مكان العلو وموضع المزية وصورة الفرقان بين ~~قوله تعالى {فما ربحت تجارتهم}، وبين أن يقال: "فما ربحوا في تجارتهم؟ ". ### | 350 - # وإن أردت أن تزداد للأمر تبينا، فانظر إلى بيت الفرزدق: # يحمي إذا اخترط السيوف نساءنا ... ضرب تطير له السواعد أرعل1 # وإلى رونقه ومائه، وإلى ما عليه من الطلاوة. ثم ارجع إلى الذي هو الحقيقة ~~وقل: "نحمي إذا اخترط السيوف نساءنا بضرب تطير له السواعد أرعل"، ثم اسبر ~~حالك؟ هل ترى مما كنت تراه شيئا؟ ### | 351 - # وهذا الضرب من المجاز على حدته كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق ~~والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان، والاتساع في طرق البيان، وأن يجيء ~~بالكلام مطبوعا مصنوعا، وأن يضعه بعيد المرام، قريبا من الأفهام. ولا يغرنك ~~من أمره أنك ترى الرجل يقول: "أتى بي الشوق إلى لقائك، وسار بي الحنين إلى ~~رؤيتك، وأقدمني بلدك حق لي على إنسان"، وأشباه ذلك مما تجده لسعته وشهرته ~~يجري مجرى الحقيقة التي لا يشكل أمرها، فليس هو كذلك أبدا، بل يدق ويلطف ~~حتى يمتنع مثله إلا على الشاعر المفلق، والكاتب البليغ، وحتى يأتيك بالبدعة ~~لم تعرفها، والنادرة تأنق لها. PageV01P295 ### | 352 - # وجملة الأمر أن سبيله سبيل الضرب الأول الذي ms180 هو مجاز في نفس اللفظ وذات ~~الكلمة، فكما أن من الاستعارة والتمثيل عاميا مثل: "رأيت أسدا" و "وردت ~~بحرا"، و "شاهدت بدرا"، و "سل من رأيه سيفا ماضيا"1، وخاصيا لا يكمل له كل ~~أحد، مثله قوله: # وسالت بأعناق المطي الأباطح2 # كذلك الأمر في هذا المجاز الحكمي. ### | 353 - # واعلم أنه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التقدير إذا أنت نقلت ~~الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة، مثل أنك تقول في: {ربحت تجارتهم} [البقرة: ~~16] 3 "ربحوا في تجارتهم"، وفي "يحمي نسائنا ضرب"4، "نحمي نساءنا بضرب" فإن ~~ذلك لا يتأتى في كل شيء. ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل في قولك: ~~"أقدمني بلدك حق لي على إنسان"5، فاعلا سوى الحق، وكذلك لا تستطيع في قوله: # وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل6 # وقوله: # يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا7 PageV01P296 # أن تزعم أن "لصيرني" فاعلا قد نقل عنه الفعل، فجعل "للهوى" كما فعل ذلك ~~في "ربحت تجارتهم" و "يحمي نساءنا ضرب"، ولا تستطيع كذلك أن تقدر "ليزيد" ~~في قوله: "يزيدك وجهه" فاعلا غير "الوجه"، فالاعتبار إذن بأن يكون المعنى ~~الذي يرجع إليه الفعل موجودا في الكلام على حقيقته. # معنى ذلك أن "القدوم" في قولك: "أقدمي بلدك حق لي على إنسان"، موجود على ~~الحقيقة، وكذلك "الصيرورة" في قوله: "وصيرني هواك"، و "الزيادة" في قوله: ~~"يزيدك وجهه" موجودتان على الحقيقة، وإذا كان معنى اللفظ موجودا على ~~الحقيقة، لم يكن المجاز فيه نفسه، وإذا لم يكن المجاز في نفس اللفظ، كان لا ~~محالة في الحكم. فاعرف هذه الجملة، وأحسن ضبطها، حتى تكون على بصيرة من ~~الأمر. ### | 354 - # ومن اللطيف في ذلك قول حاجز بن عوف: # أبي عبر الفوارس يوم داج ... وعمي مالك وضع السهاما # فلو صاحبتنا لرضيت منا ... إذا لم تعبق المائة الغلاما1 PageV01P297 # يريد إذا كان العام عام جدب وجفت ضروع الإبل، وانقطع الدر، حتى إن حلب ~~منها مئة لم يحصل من لبنها ما يكون غبوق غلام واحد. فالفعل الذي هو "غبق" ms181 ~~مستعمل في نفسه على حقيقته، غير مخرج من معناه وأصله إلى معنى شيء آخر، ~~فيكون قد دخله مجاز في نفسه، وإنما المجاز في أن أسند إلى الإبل وجعل فعلا ~~لها، وإسناد الفعل إلى الشيء حكم في الفعل، وليس هو نفس معنى الفعل، ~~فاعرفه. # ليس كل شيء يصلح للمجاز الحكمي بسهولة، ومثال ذلك: ### | 355 - # واعلم أن من سبب اللطف في ذلك أنه ليس كل شيء يصلح لأن يتعاطى فيه هذا ~~المجاز الحكمي بسهولة، بل تجدك في كثير من الأمر، وأنت تحتاج إلى أن تهيئ ~~الشيء وتصلحه لذلك، بشيء تتوخاه في النظم. وإن أردت مثالا في ذلك فانظر إلى ~~قوله: # تناس طلاب العامرية إذ نأت ... بأسجح مرقال الضحى قلق الضفر # إذا ما أحسته الأفاعي تحيزت ... شواة الأفاعي من مثلمة سمر # تجوب له الظلماء عين كأنها ... زجاجة شرب غير ملأى ولا صفر1 # يصف جملا، ويريد أنه يهتدي بنور عينه في الظلماء، ويمكنه بها أن يخرقها ~~ويمضي فيها، ولولاها لكانت الظلماء كالسد والحاجز الذي لا يجد شيئا ~~PageV01P298 # يفرجه به، ويجعل لنفسه فيه سبيلا. فأت الآن تعلم أن لولا أنه قال: "تجوب ~~له": فعلق "له الحبوب، لما صلحت "العين" لأن يسند "تجوب" إليها، ولكان لا ~~تتبين جهة التجوز في جعل "تجوب" فعلا للعين كما ينبغي. وكذلك تعلم أنه لو ~~قال مثلا: "تجوب له الظلماء عينه"، لم يكن له هذا الموقع، ولاضطرب عليه ~~معناه، وانقطع السلك من حيث كان يعيبه حينئذ أن يصف العين بما وصفها به ~~الآن1 فتأمل هذا واعتبره. فهذه التهيئة وهذا الاستعداد في هذا المجاز ~~الحكمي، نظير أنك تراك في الاستعارة التي هي مجاز في نفس الكلمة وأنت تحتاج ~~في الأمر الأكثر إلى أن تمهد لها وتقدم أو تؤخر ما يعلم به أنك مستعير ~~ومشبه، ويفتح طريق المجاز إلى الكلمة. ### | 356 - # ألا ترى إلى قوله: # وصاعقة من نصله ينكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب2 # عنى بخمس السحائب، أنامله، ولكنه لم يأت بهذه الاستعارة دفعة، ولم يرمها ~~إليك بغتة، بل ذكر ما ينبئ ms182 عنها، ويستدل به عليها، فذكر أن هناك صاعقة، ~~وقال: "من نصله"، فبين أن تلك الصاعقة من نصل سيفه ثم قال: "أروس الأقران"، ~~ثم قال: "خمس"، فذكر "الخمس" التي هي عدد أنامل اليد، فبان من مجموع هذه ~~الأمور غرضه. ### | 357 - # وأنشدوا لبعض العرب: # فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإن في أيماننا نيرانا3 PageV01P299 # يريد أن في أيماننا سيوفا نضربكم بها، ولولا قوله أولا: "فإن تعافوا ~~العدل والإيمان"، وأن في ذلك دلالة على أن جوابه أنهم يحاربون ويقسرون على ~~الطاعة بالسيف، ثم قوله: "فإن في أيماننا"، لما عقل مراده، ولما جاز له أن ~~يستعير النيران للسيوف، لأنه كان لا يعقل الذي يريد، لأنا وإن كنا نقول: ~~"وفي أيديهم سيوف تلمع كأنها شعل نار"1 كما قال: # ناهضتهم والبارقات كأنها ... شعل على أيديهم تتلهب2 # فإن هذا التشبيه لا يبلغ مبلغ ما يعرف مع الإطلاق، كمعرفتنا إذا قال: ~~"رأيت أسدا"، أنه يريد الشجاعة، وإذا قال: "لقيت شمسا وبدرا"، أنه يريد ~~الحسن ولا يقوى تلك القوة، فاعرفه3. # ضرب مما طريق المجاز فيه، هو "الحكم"، ومثال وبيانه: ### | 358 - # ومما طريق المجاز فيه الحكم، قول الخنساء: # ترتع ما رتعت، حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار4 # وذاك أنها لم ترد بالإقبال والإدبار غير معناهما، فتكون قد تجوزت في نفس ~~الكلمة، وإنما تجوزت في أن جعلتها لكثرة ما تقبل وتدبر، ولغلبة ذاك عليها ~~واتصاله منها5، وإنه لم يكن لها حال غيرها، كأنها قد تجسمت من الإقبال ~~PageV01P300 # والإدبار. وإنما كان يكون المجاز في نفس الكلمة، لو أنها كانت قد استعارت ~~"الإقبال والإدبار" لمعنى غير معناهما الذي وضعا له في اللغة. ومعلوم أن ~~ليس الاستعارة مما أرادته في شيء. # تنبيه على فساد من جعل هذا المجاز من باب ما حذف منه المضاف، وأقيم ~~المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه: ### | 359 - # واعلم أن ليس بالوجه أن يعد هذا على الإطلاق معد ما حذف منه المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه، مثل قوله عز وجل: {واسأل القرية} [يوسف: 82]، ومثل قول ~~النابغة الجعدي: # وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته ms183 كأبي مرحب1 # وقول الأعرابي: # حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي ويب غيرك بالعناق2 # وإن كنا نراهم يذكرونه حيث يذكرون حذف المضاف3، ويقولون PageV01P301 # إنه في تقدير: "فإنما هي ذات إقبال وإدبار"، ذاك لأن المضاف المحذوف من ~~نحو الآية والبيتين، في سبيل ما يحذف من اللفظ ويراد في المعنى، كمثل أن ~~يحذف خبر المبتدإ والمبتدأ، إذا دل الدليل عليه إلى سائر ما إذا حذف كان في ~~حكم المنطوق به. # وليس الأمر كذلك في بيت الخنساء، لأنا إذا جعلنا المعنى فيه الآن كالمعنى ~~إذا نحن قلنا: "فإنما هي ذات إقبال وإدبار"، أفسدنا الشعر على أنفسنا ~~وخرجنا إلى شيء معسول، وإلى كلام عامي مرذول، وكان سبيلنا سبيل من يزعم ~~مثلا في بيت المتبني: # بدت قمرا، ومالت خوط بان، ... وفاحت عنبرا، ورنت غزالا1 # أنه في تقدير محذوف، وأن معناه الآن كالمعنى إذا قلت: "بدت مثل قمر، ~~ومالت مثل خوط بان، وفاحت مثل عنبر، ورنت مثل غزال"، في أنا نخرج إلى ~~الغثاثة، وإلى شيء يعزل البلاغة عن سلطانها، ويخفض من شأنها، ويصد أوجهنا ~~عن محاسنها، ويسد باب المعرفة وبلطائفها علينا. # فالوجه أن يكون تقدير المضاف في هذا على المعنى أنه لو كان الكلام قد جيء ~~به على ظاهره ولم يقصد إلى الذي ذكرنا من المبالغة والاتساع، وأن تجعل ~~الناقة كأنها قد صارت بجملتها إقبالا وإدبارا، حتى كأنها قد تجسمت منهما، ~~لكان حقه حينئذ أن يجاء فيه بلفظ "الذات" فيقال: "إنما هي ذات إقبال ~~وإدبار". فأما أن يكون الشعر الآن موضوعا على إرادة ذلك وعلى تنزيله منزلة ~~المنطوق به حتى يكون الحال فيه كالحال في: PageV01P302 # حسبت بغام راحلتي عناقا # حين كان المعنى والقصد أن يقول: "حسبت بغام راحلتي بغام عناق"1، فمما لا ~~مساغ له عند من كان صحيح الذوق صحيح المعرفة نسابة للمعاني. PageV01P303 ### | باب اللفظ والنظم: فصل منه # فصل: # مسألة في تفسير: "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب"، ومعنى "القلب" ### | 360 - # هذه مسئلة قد كنت عملتها قديما، وقد كتبتها ههنا لن لها اتصالا بهذا الذي ms184 ~~صار بنا القول إليه. قوله تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} [ق: ~~27]، أي لمن أعمل قلبه فيما خلق القلب له من التدبر والتفكر والنظر فيما ~~ينبغي أن ينظر فيه. فهذا على أن يجعل الذي لا يعي ولا يسمع ولا ينظر ولا ~~يتفكر، كأنه قد عدم القلب من حيث عدم الانتفاع به، وفاته الذي هو فائدة ~~القلب والمطلوب منه كما يجعل الذي لا ينتفع ببصره وسمعه ولا يفكر فيما ~~يؤديان إليه، ولا يحصل من رؤية ما يرى وسماع ما يسمع على فائدة، بمنزلة من ~~لا سمع له ولا بصر. # فأما تفسير من يفسره على أنه بمعنى "من كان له عقل"، فإنه إنما يصح على ~~أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض على الجملة، فأما أن يؤخذ به على هذا ~~الظاهر حتى كأن "القلب" اسم "للعقل"، كما يتوهمه الحشو ومن لا يعرف مخارج ~~الكلام1، فمحال باطل، لأنه يؤدي إلى إبطال الغرض من الآية، وإلى تحريف ~~الكلام عن صورته، وإزالة المعنى عن جهته. وذاك أن المراد به الحث على ~~النظر، والتقريع على تركه، وذم من يخل به ويغفل عنه. ولا يحصل ذلك إلا ~~بالطريق الذي قدمته، وإلا بأن يكون قد جعل من لا يفقه بقلبه ولا ينظر ولا ~~يتفكر، كأنه ليس بذي قلب، كما يجعل كأنه جماد، وكأنه ميت لا يشعر ولا يحس. ~~وليس سبيل من فسر "القلب" ههنا على "العقل"، إلا سبيل من PageV01P304 # فسر عليه "العين" و "السمع" في قول الناس: "هذا بين لمن كانت له عين، ~~ولمن كان له سمع" وفسر "العمى" و "الصمم" و "الموت" في صفة من يوصف ~~بالجهالة، على مجرد الجهل، وأجرى جميع ذلك على الظاهر، فاعرفه. ### | 361 - # ومن عادة قوم ممن يتعاطى التفسير بغير علم، أن يتوهموا أبدا في الألفاظ ~~الموضوعة على المجاز والتمثيل، أنها على ظواهرها، فيفسدوا المعنى بذلك، ~~ويبطلوا الغرض، ويمنعوا أنفسهم والسامع منهم العلم بموضع البلاغة، ومكان ~~الشرف. وناهيك بهم إذا هم أخذوا في ذكر الوجوه، وجعلوا يكثرون في غير طائل، ms185 ~~هناك ترى ما شئت من باب جهل قد فتحوه، وزند ضلالة قد قدحوا به، ونسأل الله ~~تعالى العصمة والتوفيق. # PageV01P305 # فصل: # فصل دقيق في "الكناية"، وإثبات الصفة عن طريقها، وأمثلة ذلك: ### | 362 - # هذا فن من القول دقيق المسلك، لطيف المأخذ، وهو أنا نراهم كما يصنعون في ~~نفس الصفة بأن يذهبوا بها مذهب الكناية والتعريض، كذلك يذهبون في إثبات ~~الصفة هذا المذهب. وإذا فعلوا ذلك، بدت هناك محاسن تملأ الطرف. ودقائق تعجز ~~الوصف، ورأيت هنالك شعرا شاعرا، وسحرا ساحرا، وبلاغة لا يكمل لها إلا ~~الشاعر المفلق، والخطيب المصقع. وكما أن الصفة إذا لم تأتك مصرحا بذكرها، ~~مكشوفا عن وجهها، ولكن مدلولا عليها بغيرها، كان ذلك أفخم لشأنها، وألطف ~~لمكانها، وكذلك إثباتك الصفة للشيء ثبتها له، إذا لم تلقه إلى السامع ~~صريحا، وجئت إليه من جانب التعريض والكناية والرمز والإشارة، كان له من ~~الفضل والمزية، ومن الحسن والرونق، ما لا يقل قليله، ولا يجهل موضع الفضيلة ~~فيه. ### | 363 - # وتفسير هذه الجملة وشرحها: أنهم يرومون وصف الرجل ومدحه، وإثبات معنى من ~~المعاني الشريفة له، فيدعون التصريح بذلك، ويكنون عن جعلها فيه بجعلها في ~~شيء يشتمل عليه ويتلبس به، ويتوصلون في الجملة إلى ما أرادوا من الإثبات، ~~لا من الجهة الظاهرة المعروفة، بل من طريق يخفى، ومسلك يدق؟ ومثاله قول ~~زياد الأعجم: # إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج1 PageV01P306 # أراد، كما لا يخفى، أن يثبت هذه المعاني والأوصاف خلالا للمدوح وضرائب ~~فيه1، فترك أن يصرح فيقول: "إن السماحة والمروءة والندى لمجموعة في ابن ~~الحشرج، أو مقصورة عليه، أو مختصة به"، وما شاكل ذلك مما هو صريح في إثبات ~~الأوصاف للمذكورين بها، وعدل إلى ما ترى من الكناية والتلويح، فجعل كونها ~~في القبة المضروبة عليه، عبارة عن كونها فيه، وإشارة إليه، فخرج كلامه بذلك ~~إلى ما خرج إليه من الجزالة، وظهر فيه ما أنت ترى من الفخامة، ولو أنه أسقط ~~هذه الواسطة من البين، لما كان إلا كلاما غفلا، وحديثا ساذجا. ### | 364 - # فهذه ms186 الصنعة في طريق الإثبات، هي نظير الصنعة في المعاني، إذا جاءت ~~كنايات عن معان آخر، نحو قوله: # وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل2 # فكما أنه إنما كان من فاخر الشعر، ومما يقع في الاختيار3، لأجل أنه أراد ~~أن يذكر نفسه بالقرى والضيافة، فكنى عن ذلك بجبن الكلب وهزال الفصيل، وترك ~~أن يصرح فيقول: "قد عرف أن جنابي مألوف، وكلبي PageV01P307 # مؤدب لا يهر في وجوه من يغشاني من الأضياف، وأني أنحر المتالي من إبل، ~~وأدع فصالها هزلى"1 كذلك، إنما راقك بيت زياد، لأنه كنى عن إثباته السماحة ~~والمروءة والندى كائنة في الممدوح، بجعلها كائنة في القبة المضروبة عليه. ### | 365 - # هذا، وكما أن من شأن الكناية الواقعة في نفس الصفة أن تجيء على صور ~~مختلفة، كذلك من شأنها إذا وقعت في طريق إثبات الصفة أن تجيء على هذا الحد، ~~ثم يكون في ذلك ما يتناسب، كما كان ذلك في الكناية عن الصفة نفسها. # تفسير هذا: أنك تنظر إلى قول يزيد بن الحكم يمدح به يزيد بن المهلب، وهو ~~في حبس الحجاج: # أصبح في قيدك السماحة والمجد ... وفضل الصلاح والحسب2 # فتراه نظيرا لبيت "زياد"، وتعلم أن مكان "القيد" ههنا هو مكان "القبة" ~~هناك. # كما أنك تنظر إلى قوله: "جبان الكلب"، فتعلم أنه نظير لقوله: # زجرت كلابي أن يهر عقورها3 PageV01P308 # من حيث لم يكن ذلك "الجبن" إلا لأن دام منه الزجر واستمر، حتى أخرج الكلب ~~بذلك عما هو عادته من الهرير والنبح في وجه من يدنو من دار هو مرصد لأن يعس ~~دونها. # وتنظر إلى قوله: "مهزول الفصيل"، فتعلم أنه نظير قول ابن هرمة: # لا أمتع العوذ بالفصال1 # وتنظر إلى قول نصيب: # لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن ظاهره # فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولةعامرة # وكلبك آنس بالزائين ... من الأم بالإبنة الزائره2 # فتعلم أنه من قول الآخر: # يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم3 # وأن بينهما قرابة شديدة ونسبا لاصقا، وأن صورتهما فيفرط التناسب صورة ~~بيتي "زياد" ms187 و"يزيد". ### | 366 - # ومما هو إثبات للصفة على طريق الكناية والتعريض، وقولهم "المجد بين ~~ثوبيه، والكرم في برديه"، وذلك أن قائل هذا يتوصل إلى إثبات المجد ~~PageV01P309 # والكرم للممدوح، بأن يجعلهما في ثوبه الذي يلبسه، كما توصل "زياد" إلى ~~إثبات السماحة والمروءة والندى لابن الحشرج، بأن جعلها في القبة التي هو ~~جالس فيها. ومن ذلك قوله: # وحيثما يك أمر صالح فكن1 # وما جاء في معناه من قوله: # يصير أبان قرين السماح ... والمكرمات معا حيث صارا2 # وقول أبي نواس: # فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير3 # كل ذلك توصل إلى إثبات الصفة في الممدوح بإثباتها في المكان الذي يكون ~~فيه، وإلى لزومها له بلزومها الموضع الذي يحله. وهكذا إن اعتبرت قول ~~الشنفرى يصف امرأة بالعفة: # يبيت بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت4 # وجدته يدخل في معنى بيت "زياد"، وذلك أنه توصل إلى نفي اللوم PageV01P310 # عنها وإبعادها عنه، بأن نفاه عن بيتها وباعد بينه وبينه، وكان مذهبه في ~~ذلك مذهب "زياد" في التوصل إلى جعل "السماحة والمروءة والندى" في ابن ~~الحشرج، بأن جعلها في القبة المضروبة عليه. وإنما الفرق أن هذا ينفي، وذاك ~~يثبت. وذلك فرق لا في موضع الجمع، فهو لا يمنع أن يكونا من نصاب واحد. ### | 367 - # ومما هو حكم المناسب لبيت "زياد" وأمثاله التي ذكرت، وإن كان قد أخرج في ~~صورة أغرب وأبدع، قول حسان رضي الله عنه: # بنى المجد بيتا فاستقرت عماده ... علينا، فأعيى الناس أن يتحولا1 # وقول البحتري: # أوما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول2 # ذاك لأن مدار الأمر على أنه جعل المجد والممدوح في مكان، وجعله يكون حيث ~~يكون. ### | 368 - # واعلم أنه ليس كل ما جاء كناية في إثبات الصفة يصلح أن يحكم عليه ~~بالتناسب. # معنى هذا: أن جعلهم الجود والكرم والمجد يمرض بمرض الممدوح كما قال ~~البحتري: # ظللنا نعود الجود من وعكك الذي ... وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد3 ~~PageV01P311 # وإن كان يكون القصد منه إثبات الجود ms188 والمجد للممدوح، فإنه لا يصح أن يقال ~~إنه نظير لبيت "زياد" كما قلنا ذاك في بيت أبي نواس: # ولكن يصير الجود حيث يصير # وغيره مما ذكرنا أنه نظير له كما أنه لا يجوز أن يجعل قوله: # وكلبك أراف بالزائرين1 # مثلا، نظيرا لقوله: # مهزول الفصيل2 # وإن كان الغرض منهما جميعا الوصف بالقرى والضيافة، وكانا جميعا كنايتين ~~عن معنى واحد، لأن تعاقب الكنايات على المعنى الواحد لا يوجب تناسبها، لأنه ~~في عروض أن تتفق الأشعار الكثيرة في كونها مدحا بالشجاعة مثلا أو بالجود أو ~~ما أشبه ذلك. # كيف تختلف "الكنايتان"، فلا تكون إحداهما نظيرا للأخرى: ### | 369 - # وقد يجتمع في البيت الواحد كنايتان، المغزى منهما شيء واحد، ثم لا تكون ~~إحداهما في حكم النظير للأخرى. مثال ذلك أنه لا يكون قوله: "جبان الكلب" ~~نظير لقوله: "مهزول الفصيل"، بل كل واحدة من هاتين الكنايتين أصل بنفسه، ~~وجنس على حدة، وكذلك قول ابن هرمة: # لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل3 # ليس إحدى كنايتيه في حكم النظير للأخرى، وإن كان المكنى بهما عنه واحدا، ~~فاعرفه. PageV01P312 ### | 370 - # وليس لشعب هذا الأصل وفروعه وأمثلته وصوره وطرقه ومسالكه حد ونهاية. ومن ~~لطيف ذلك ونادره قول أبي تمام: # أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد1 # ومثله، وإن لم يبلغ مبلغه، قول الآخر: # متى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة بن عمرو من تميم2 # وكذلك قول بعض العرب: # إذا لله لم يسق إلا الكرام ... فسقى وجوه بني حنبل # وسقى ديارهم باكرا ... من الغيث في الزمن الممحل3 PageV01P313 # وفن منه غريب، قول بعضهم في البرامكة: # سألت الندى والجود مالي أراكما ... تبدلتما ذلا بعز مؤيد # وما بال ركن المجد أمسى مهدما ... فقالا: أصبنا بابن يحيى محمد # فقلت فهلا متما عند موته ... فقد كنتما عبديه في كل مشهد # فقالا: أقمنا كي نعزى بفقده ... سافة يوم، ثم تتلوه في غد1 PageV01P314 ### | باب اللفظ والنظم: فصل في "إن" ومواقعها # فصل: # خبر الكندي الفيلسوف مع ثعلب وزعمه أن في كلام العرب حشوا: ### | 371 - # واعلم ms189 أن مما أغمض الطريق إلى معرفة ما نحن بصدده، أن ههنا فروقا خفية ~~تجهلها العامة وكثير من الخاصة، ليس أنهم يجهلونها في موضع ويعرفونها في ~~آخر، بل لا يدرون أنها هي، ولا يعلمونها في جملة ولا تفصيل. # روي عن ابن الأنباري أنه قال: ركب الكندي المتفلسف إلى أبي العباس وقال ~~له: إني لأجد في كلام العرب حشوا! فقال له أبو العباس: في أي وضع وجدت ذلك؟ ~~فقال: أجد العرب يقولون: "عبد الله قائم"، ثم يقولون "إن عبد الله قائم"، ~~ثم يقولون: "إن عبد الله لقائم"، فالألفاظ متكررة والمعنى واحد. فقال أبو ~~العباس: بل المعني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم: "عبد الله قائم"، إخبار ~~عن قيامه وقولهم: "إن عبد عبد الله قائم"، جواب عن سؤال سائل وقوله: "إن ~~عبد الله لقائم"، جواب عن إنكار منكر قيامه، فقد تكررت الألفاظ لتكرر ~~المعاني. قال فما أحار المتفلسف جوابا1. # وإذا كان الكندي يذهب هذا عليه حتى يركب فيه ركوب مستفهم أو معترض، فما ~~ظنك بالعامة، ومن هو في عداد العامة، ممن لا يخطر شبه هذا بباله؟ # دخول "إن" في الكلام، وخصائصها: ### | 372 - # واعلم أن ههنا دقائق لو أن الكندي استقرى وتصفح وتتبع مواقع "إن"، ثم ~~ألطف النظر وأكثر التدبر، لعلم علم ضرورة أن ليس سواء دخولها وأن لا تدخل. ~~PageV01P315 # فأول ذلك وأعجبه ما قدمت لك ذكره في بيت بشار: # بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير1 # وما أنشدته معه من قول بعض العرب: # فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء2 # وذلك أنه هل شيء أبين في الفائدة، وأدل على أن ليس سواء دخولها وأن لا ~~تدخل، أنك ترى الجملة إذا هي دخلت ترتبط بما قبلها وتأتلف معه وتتحد به، ~~حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغا واحدا، وكأن أحدهما قد سبك في الآخر؟ # هذه هي الصورة، حتى إذا جئت إلى "إن" فأسقطتها، رأيت الثاني منهما قد نبا ~~عن الأول، وتجافى معناه عن معناه، ورأيته لا يتصل به ولا يكون منه بسبيل، ~~حتى تجيء ms190 "بالفاء" فتقول: "بكرا صاحبي قبل الهجير، فذاك النجاح في ~~التبكير"، و "غنها وهي لك الفداء، فغناء الإبل الحداء"، ثم لا ترى "الفاء" ~~تعيد الجملتين إل ما كانتا عليه من الألفة، ولا ترد عليك الذي كنت تجد ~~"بإن" من المعنى. ### | 373 - # وهذا الضرب كثير في التنزيل جدا، من ذلك قوله تعالى: {يا أيها الناس ~~اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} [الحج: 1]، وقوله عز اسمه {يا بني ~~أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على PageV01P316 # ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان: 17]، وقوله سبحانه {خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} [التوبة: ~~103]، ومن أبين ذلك قوله تعالى: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} ~~[هود: 27/ المؤمنون: 27] وقد يتكرر في الآية الواحدة كقوله عز اسمه: {وما ~~أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم} [يوسف: ~~53]، وهي على الجملة من الكثرة بحيث لا يدركها الإحصاء. # محاسن دخول "إن" على ضمير الشأن وأمثلته: ### | 374 - # ومن خصائصها أنك ترى لضمير الأمر والشأن معها من الحسن واللطف ما لا تراه ~~إذا هي لم تدخل عليه، بل تراه لا يصلح حيث صلح إلا بها، وذلك في مثل قوله ~~تعالى: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} [يوسف: 9]، وقوله ~~{أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم} [التوبة: 63]، وقوله: {أنه من ~~عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب} [الأنعام: 54] وقوله: {إنه لا يفلح الكافرون} ~~[المؤمنون: 117]، ومن ذلك قوله: {فإنها لا تعمى الأبصار} [بالحج: 46] وأجاز ~~أبو الحسن فيها وجها آخر1 وهو أن يكون الضمير في "إنها" للأبصار، أضمرت قبل ~~الذكر على شريطة التفسير. والحاجة في هذا الوجه أيضا إلى "أن" قائمة، كما ~~كانت في الوجه الأول فإنه لا يقال: "هي لا تعمى الأبصار" كما لا يقال: "هو ~~من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع". # فإن قلت: أو ليس قد جاء ضمير الأمر مبتدأ به معرى من العوامل في قوله ~~تعالى: {قل هو ms191 الله أحد}؟ PageV01P317 # قيل: هو وإن جاء ههنا، فإنه لا يكاد يوجد مع الجملة من الشرط والجزاء، بل ~~تراه لا يجيء إلا "بإن" على أنهم قد أجازوا {قل هو الله أحد}، أن لا يكون ~~الضمير للأمر. ### | 375 - # ومن لطيف ما جاء في هذا الباب ونادره، ما تجده في آخر هذه الأبيات، ~~أنشدها الجاحظ لبعض الحجازيين: # إذا طمع يوما عراني قريته ... كتائب بأس كرها وطرادها # أكد ثمادي والمياه كثيرة ... أعالج منها حفرها واكتدادها # وأرضى بها من بحر آخر، إنه ... هو الري أن ترضى النفوس ثمادها1 # المقصود قوله: "إنه هو الري"، وذلك أن الهاء في "إنه" تحتمل أمرين: # أحدهما: أن تكون ضمير الأمر، ويكون قوله: "هو" ضمير: "أن ترضى"، وقد ~~أضمره قبل الذكر على شريطة التفسير. الأصل: "إن الأمر، أن ترضى النفوس ~~ثمادها، الري"، ثم أضمر قبل الذكر كما أضمرت "الأبصار" في "فإنها لا تعمى ~~الأبصار" على مذهب أبي الحسن، ثم أتى بالمضمر مصرحا به في آخر الكلام2، ~~فعلم بذلك أن الضمير السابق له، وأنه المراد به. PageV01P318 # والثاني: أن تكون الهاء في "إنه" ضمير "أنى ترضى" قبل الذكر، ويكون "هو" ~~فصلا، ويكون أصل الكلام: "إن أن ترضى النفوس ثمادها هو الري" ثم أضمر على ~~شريطة التفسير. # وأي الأمرين كان، فإنه لا بد فيه من "إن"، ولا سبيل إلى إسقاطها، لأنك إن ~~أسقطتها أفضى ذلك بك إلى شيء شنيع، وهو أن تقول: "وأرضى بها من بحر آخر هو ~~الرى أن ترضى النفوس ثمادها". # "إن" تربط الجملة بما قبلها: ### | 376 - # هذا، وفي "إن" هذه شيء آخر يوجب الحاجة إليها، وهو أنها تتولى من ربط ~~الجملة بما قبلها نحوا مما ذكرت لك في بيت بشار1. ألا ترى أنك لو أسقطت ~~"إن" والضميرين معا، واقتصرت على ذكر ما يبقى من الكلام، لم تقله إلا ~~"بالفاء" كقولك: "وأرضى بها من بحر آخر، فالري أن ترضى النفوس ثمادها". # فلو أن الفيلسوف قد كان تتبع هذه المواضع2، لما ظن الذي ظن. هذا، وإذا ~~كان خلف الأحمر وهو القدوة، ومن يؤخذ ms192 عنه، ومن هو بحيث يقول الشعر فينحله ~~الفحول الجاهليين فيخفى ذلك له، ويجوز أن يشتبه ما نحن فيه عليه حتى يقع له ~~أن ينتقد على بشار3، فلا غرو أن تدخل الشبهة في ذلك على الكندي. ~~PageV01P319 # "إن"، تهيء النكرة لأن يكون لها حكم المبتدأ في الحديث عنها: ### | 377 - # ومما تصنعه "إن" في الكلام، أنك تراها تهيئ النكرة وتصلحها لأن يكون لها ~~حكم المبتدأ، أعنى أن تكون محدثا عنها بحديث من بعدها. ومثال ذلك قوله: # إن شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون1 # قد ترى حسنها وصحة المعنى معها، ثم إنك إن جئت بها من غير "إن" فقلت: ~~"شواء ونشوة وخبب البازل الأمون" لم يكن كلاما. ### | 378 - # فإن كانت النكرة موصوفة، وكانت لذلك تصلح أن يبتدأ بها، فإن تراها مع ~~"إن" أحسن، وترى المعنى حينئذ أولى بالصحة وأمكن، أفلا ترى إلى قوله: # إن دهرا يلف شملي بسعدى ... لزمان يهم بالإحسان # ليس بخفي وإن كان يستقيم أن تقول: "دهر يلف شملي بسعدى دهر صالح"2 أن ليس ~~الحالان على سواء، وكذلك ليس بخفي أنك لو غمدت إلى قوله: # إن أمرا فادحا ... عن جوابي شغلك3 PageV01P320 # فأسقطت منه "إن" لعدمت منه الحسن والطلاوة والتمكن الذي أنت واجده الآن، ~~ووجدت ضعفا وفتورا. # "إن"، أثرها في الجملة، أنها تغني عن الخبر، ومثال ذلك: ### | 379 - # ومن تأثير "إن" في الجملة، أنها ت غني إذا كانت فيها عن الخبر، في بعض ~~الكلام1. ووضع صاحب الكتاب في ذلك بابا فقال: "هذا باب ما يحسن عليه السكوت ~~في هذه الأحرف الخمسة، لإضمارك ما يكون مستقرا لها وموضعا لو أظهرته. وليس ~~هذا المضمطر بنفس المظهر، وذلك: "إن مالا" و "إن ولدا"، و "إن عددا"، أي: ~~"إن لهم مالا" فالذي أضمرت هو "لهم" ويقول الرجل للرجل: "هل لكم أحد؟ إن ~~الناس ألب عليكم"، فيقول: "إن زيدا وإن عمرا" أي: "لنا"، وقال [الأعشى]: # إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذا مضوا مهلا2 # ويقول: "إن غيرها إبلا وشاء" كأنه قال: "إن لنا، أو: عندنا، غيرها"، قال: ~~وانتصب ms193 "الإبل" و "الشاء" كانتصاب "الفارس" إذا قلت: "ما في الناس مثله ~~فارسا"، وقال: ومثل ذلك قوله: # يا ليت أيام الصبا رواجعا3 # قال: فهذا كقولهم: "ألا ماء باردا"، كأنه قال: "ألا ماء لنا باردا: وكأنه ~~قال: يا ليت أيام الصبا أقبلت رواجع"4. PageV01P321 ### | 380 - # فقد أراك في هذا كله أن الخبر محذوف، وقد نرى حسن الكلام وصحته مع حذفه ~~وترك النطق به. ثم إنك إن عمدت إلى "إن" فأسقطتها، وجدت الذي كان حسن من ~~حذف الخبر، لا يحسن أو لا يسوغ. فلو قلت: "مال"، و "عدد" و "محل" و "مرتحل" ~~و "غيرها إبلا وشاء" لم يكن شيئا. وذلك أن "إن" كانت السبب في أن حسن حذف ~~الذي حذف من الخبر، وأنها حاضنته، والمترجم عنه، والمتكفل بشأنه. # بيان في شأن "إن"، و"الفاء" التي يحتاج إليها إذا أسقطت "إن": ### | 381 - # واعلم أن الذي قلنا في "إن" من أنها تدخل على الجملة1، من شأنها إذا هي ~~أسقطت منها أن يحتاج فيها إلى "الفاء"2 لا يطرد في كل شيء وكل موضع، بل ~~يكون في موضع دون موضع، وفي حال دون حال، فإنك قد تراها قد دخلت على الجملة ~~ليست هي مما يقتضي "الفاء"، وذلك فيما لا يحصى كقوله تعالى: {إن المتقين في ~~مقام أمين، في جنات وعيون}، وذاك أن قبله {إن هذا ما كنتم به تمترون} ~~[الدخان: 50 - 52]. ومعلوم أنك لو قلت: "إن هذا ما كنتم به تمترون، ~~فالمتقون فيج ناب وعيون"، لم يكن كلاما وكذلك قوله: {إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون}، لأنك لو قلت: {لهم فيها زفير وهم فيها لا ~~يسمعون} [الأنبياء100 - 101] فالذين سبقت لهم من الحسنى، لم تجد لإدخالك ~~"الفاء" فيه وجها وكذا قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} [الحج: ~~87]، {الذين آمنوا} PageV01P322 # اسم "إن"، وما بعده معطوف عليه، وقوله: {إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} ~~1 جملة في موضع الخبر، ودخول "الفاء" فيها محال، لأن الخبر لا يعطف على ms194 ~~المبتدأ، ومثله سواء: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من ~~أحسن عملا} [الكهف: 30]. ### | 382 - # فإذن، إنما يكون الذي ذكرنا في الجملة من حديث اقتضاء "الفاء"، إذا كان ~~مصدرها مصدر الكلام يصحح به ما قبله، ويحتج له، ويبين وجه الفائدة. فيه. ~~ألا ترى أن الغرض من قوله: # إن ذاك النجاح في التبكير2 # جله أن يبين المعنى في قوله لصاحبيه: "بكرا"، وأن يحتج لنفسه في الأمر ~~بالتبكير، ويبين وجه الفائدة فيه؟ # وكذلك الحكم في الآي التي تلوناها فقوله: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} 3، ~~بيان للمعنى في قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم}، ولم أمروا بأن ~~يتقوا وكذلك قوله: {إن صلاتك سكن لهم} 3، بيان للمعنى في أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالصلاة، أي بالدعاء لهم. وهذا سبيل كل ما أنت ترى فيه ~~الجملة يحتاج فيها إلى "الفاء"، فاعرف ذلك. ### | 383 - # فأما الذي ذكر عن أبي العباس4، من جعله لها جواب PageV01P323 # سائل إذا كانت وحدها، وجواب منكر إذا كان معها اللام، فالذي يدل على أن ~~لها أصلا في الجواب، أنا رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ والخبر إذا ~~كانت جوابا للقسم، نحو: "والله إن زيدا منطلق" وامتنعوا من أن يقولوا: ~~"والله زيد منطلق". # مجيء "إن" في الجواب عن سؤال سائل، وأمثلته: ### | 384 - # ثم إنا إذا استقرينا الكلام وجدنا الأمر بينا في الكثير من مواقعها، أنه ~~يقصد بها إلى الجواب كقوله تعالى: {ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم ~~منه ذكرا، إنا مكنا له في الأرض} [الكهف: 83، 84]، وكقوله: عز وجل في أول ~~السورة: {نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم} [الكهف: 13]، ~~وكقوله تعالى: {فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} [الشعراء: 216]، وقوله ~~تعالى: {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله} [الأنعام: 56]، ~~[سورة غافر: 66]، وقوله: {وقل إني أنا النذير المبين} [الحجر: 89]، وأشباه ~~ذلك مما يعلم قبه أنه كلام أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجيب به ~~الكفار في بعض ما جادلوا وناظروا فيه. وعلى ذلك ms195 قوله تعالى: {فأتيا فرعون ~~فقولا إنا رسول رب العالمين} [الشعراء: 16]، وذاك أنه يعلم أن المعنى: ~~فأتياه، فإذا قال لكما ما شأنكما؟ وما جاء بكما؟ وما تقولان؟ فقولا: إنا ~~رسول رب العالمين. وكذا قوله: {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب ~~العالمين} [الأعراف: 14]، هذا سبيله. # ومن البين في ذلك قوله تعالى في قصة السحرة: {قالوا إنا إلى ربنا ~~منقلبون} [الأعراف: 125]، وذلك لأنه عيان أنه جواب فرعون عن قوله: {آمنتم ~~به قبل أن آذن لكم} [الأعراف: 123]، فهذا هو وجه القول في نصرة هذه ~~الحكاية. # PageV01P324 # بيان في "إن" ومجيئها للتأكيد: ### | 385 - # ثم إن الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه البناء، هو الذي دون في الكتب، من ~~أنها للتأكيد، وإذا كان قد ثبت ذلك، فإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في ~~خلافه البتة، ولا يكون قد عقد في نسه أن الذي تزعم أنه كائن غير كائن، وأن ~~الذي تزعم أنه لم يكن كائن فأنت لا تحتاج هناك إلى "إن"، وإنما تحتاج إليها ~~إذا كان له ظن في الخلاف، وعقد قلب على نفي ما ثبت أو إثبات ما ننفي. ولذلك ~~تراها تزداد حسنا إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله في الظن، وبشيء قد جرت عادة ~~الناس بخلافه، كقول أبي نواس: # عليك باليأس من الناس ... إن غنى نفسك في الياس1 # فقد ترى حسن موقعها، وكيف قبول النفس لها، وليس ذلك إلا لأن الغالب على ~~الناس أنهم لا يحملون أنفسهم على اليأس، ولا يدعون الرجاء والطمع، ولا ~~يعترف كل أحد ولا يسلم أن الغنى في اليأس. فلما كان كذلك، كان الموضع موضع ~~فقر إلى التأكيد، فلذلك كان من حسنها ما ترى. # ومثله سواء قول محمد بن وهب: # أجارتنا إن التعفف بالياس ... وصبرا على استدرار دنيا بإبساس # حريان أن لا يقذفا بمذلة ... كريما وأن لا يحوجاه إلى الناس # أجارتنا إن القداح كواذب ... وأكثر أسباب النجاح مع الياس2 PageV01P325 # هو: كما لا يخفى، كلام مع من لا يرى أن الأمر كما قال، بل ينكره ويعتقد ~~خلافه. ومعلوم أنه ms196 لم يقله إلا والمرأة تحدوه وتبعثه على التعرض للناس، ~~وعلى الطلب. # "إن"، ومجيئها في التهكم، وشرطها إذا كانت في جواب سائل: ### | 386 - # ومن لطيف مواقعها أن يدعى على المخاطب ظن لم يظنه، ولكن يراد التهكم به، ~~وأن يقال: "إن حالك والذي صنعت يقتضي أن تكون قد ظننت ذلك". ومثال ذلك ~~الأول: # جاء شقيق عارضا محه، ... إن بني عمك فيهم رماح1 # يقول: إن مجيئه هكذا مدلا بنفسه وبشجاعته قد وضع رمحه عرضا، دليل على ~~إعجاب شديد، وعلى اعتقاد منه أنه لا يقوم لهأحد، حتى كأن ليس مع أحد منا ~~رمح يدفعه به، وكأنا كلنا عزل. # وإذا كان كذلك، وجب إذا قيل أنها جواب سائل، أن يشترط فيه أن يكون للسائل ~~ظن في المسئول عنه على خلاف ما أنت تجيبه به. فأما أن يجعل مجرد الجواب ~~أصلا فيه فلا، لأنه يؤدي إلى أن لا يستقيم لنا إذا قال الرجل: "كيف زيد؟ " ~~أن تقول: "صالح"، وإذا قال: "أين هو؟ " أن تقول: "في الدار" وأن لا يصح حتى ~~تقول: "إنه صالح"، "وإنه في الدار"، وذلك ما لا يقوله أحد. PageV01P326 # وأما جعلها إذا جمع بينها وبين "اللام" نحو: "إن عبد الله لقائم" للكلام ~~مع المنكر، فجيد، لأنه إذا كان الكلام مع المنكر، كانت الحاجة إلى التأكيد ~~أشد. وذلك أنك أحوج ما تكون إلى الزيادة في تثبيت خيرك، إذا كان هناك من ~~يدفعه وينكر صحته، إلا أنه ينبغي أن يعلم أنه كما يكون للإنكار قد كان من ~~السامع، فإنه يكون للإنكار يعلم أو يرى أن يكون من السامعين. وجلمة الأمر ~~أنك لا تقول: "إنه لكذلك"، حتى تريد أن تضع كلامك وضع من يزغ فيه عن ~~الإنكار1. # "إن" تدخل للدلالة على أن ظنك الذي ظننت مردود: ### | 387 - # واعلم أنها قد تدخل للدلالة على أن الظن قد كان منك أيها المتكلم في الذي ~~كان أنه لا يكون. وذلك قولك للشيء هو بمرأى من المخاطب ومسمع: "إنه كان من ~~الأمر ما ترى، وكان مني إلى فلان إحسان ومعروف، ثم ms197 إنه جعل جزائي ما رأيت"، ~~فتجعلك كأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت، وتبين الخطأ الذي توهمت. وعلى ~~ذلك، والله أعلم، قوله تعالى حكاية عن أم مريم رضي الله عنهما: {قالت رب ~~إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت} [آل عمران: 36]، وكذلك قوله عز وجل ~~حكاية عن نوح عليه السلام: {قال رب إن قومي كذبون} [الشعراء: 117]، وليس ~~الذي يعرض بسبب هذا الحرف من الدقائق والأمور الخفية، بالشيء يدرك ~~بالهوينا. ونحن نقتصر الآن على ما ذكرنا، ونأخذ في القول عليها إذا اتصلت ~~بها "ما". PageV01P327 ### | باب القصر والاختصاص # : فصل في "إنما" ومواقعها # فصل: في مسائل "إنما" # قول الفارسي في "إنما" في كتابه "الشيرازيات": ### | 388 - # قال الشيخ أبو علي في "الشيرازيات"1: "يقول ناس من النحويين في نحو قوله ~~تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} [الأعراف: 33]، إن ~~المعنى: ما حرم ربي إلا الفواحش. قال: وأصبت ما يدل على صحته قولهم في هذا، ~~وهو قول الفرزدق: # أنا الذائد الحامي الذمار، وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي2 # فليس يخلو هذا الكلام من أن يكون موجبا أو منفيا. فلو كان المراد به ~~الإيجاب لم يستقيم، ألا ترى أنك لا تقول: "يدافع أنا" و "لا يقاتل أنا"، ~~وإنما تقول: "أدافع" و "أقاتل" إلا أن المعنى لما كان: "ما يدافع إلا أنا"، ~~فصلت الضمير كما تفصله مع النفي إذا ألحقت معه "إلا"، حملا على المعنى، ~~وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم} ~~[البقرة: 173، سورة النحل: 115]، النصب في "الميتة" هو القراءة، ويجوز: ~~"إنما حرم عليكم". قال أبو إسحاق: والذي اختاره أن تكون "ما" هي التي تمنع ~~"إن" من العمل، ويكون المعنى: "ما حرم عليكم إلا الميتة"، لأن "إنما" تأتي ~~إثباتا لما يذكر بعدها، ونفيا لما سواه، وقول/ الشاعر/. # وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي # المعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا او مثلي". انتهى كلام أبي علي. ~~PageV01P328 # ليس كل كلام يصلح فيه "ما"، و"إلا" يصلح فيه "إنما": ### | 389 ms198 - # اعلم أنهم، وإن كانوا قد قالوا هذا الذي كتبته لك، فإنه لم يعنوا بذلك أن ~~المعنى في هذا هو المعنى في ذلك بعينه، وأن سبيلهما سبيل اللفظين يوضعان ~~لمعنى واحد. وفرق بين أن يكون في الشيء معنى الشيء، وبين أن يكون الشيء ~~الشيء على الإطلاق. # يبين لك أنهما لا يكونان سواء، أنه ليس كل كلام يصلح فيه "ما" و "إلا"، ~~يصلح فيه "إنما". ألا ترى أنها لا تصلح في مثل قوله تعالى: {وما من إله إلا ~~الله} [آل عمران: 62]، ولا نحو قولنا: "ما أحد إلا وهو يقول ذك"، إذ لو ~~قلت: "إنما من إله الله" و "إنما أحد وهو يقول ذاك"، قلت ما لا يكون له ~~معنى. # فإن قلت: إن ذلك أن "أحدا" لا يقع إلا في النفي وما يجري مجرى النفي من ~~النهي والاستفهام، وأن "من" المزيدة في "ما من إله إلا الله"، كذلك لا تكون ~~إلا في النفي. # قيل: ففي هذا كفاية، فإنه اعتراف بأن ليسا سواء، لأنهما لو كانا سواء ~~لكان ينبغي أن يكون في "إنما" من النفي مثل ما يكون في "ما" و "إلا" وكما ~~وجدت "إنما" لا تصلح فيما ذكرنا، كذلك تجد "ما" و "إلا" لا تصلح في ضرب من ~~الكلام قد صلحت فيه "إنما"، وذلك في مثل قولك:"إنما هو درهم لا دينار"، لو ~~قلت: "ما هو إلا درهم لا دينار"، لم يكن شيئا. وإذ قد بان بهذه الجملة أنهم ~~حين جعلوا "إنما" في معنى "ما" و "إلا"، لم يعنوا أن المعنى فيهما واحد على ~~الإطلاق، وأن يسقطوا الفرق1 فإني أبين لك أمرهما، وما هو أصل في كل واحد ~~منهما، بعون الله وتوفيقه. PageV01P329 # "إنما"، تجيء لخبر لا يجهله المخاطب، وتفسير ذلك: ### | 390 - # إعلم أن موضوع "إنما" على أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته، ~~أو لا ينزل هذه المنزلة1. # تفسير ذلك أنك تقول للرجل: "إنما هو أخوك" و "إنما هو صاحبك القديم": لا ~~تقوله لمن يجهل ذلك ويدفع صحته، ولكن لمن يعلمه ويقر ms199 به، إلا أنك تريد أن ~~تنبهه للذي يجب عليه من حق، الأخ وحرمة الصاحب، ومثله قوله2: # إنما أنت والد، والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولاد3 # لم يرد أن يعلم كافورا أنه والد، ولا ذاك مما يحتاج كافور فيه إلى ~~الإعلام، ولكنه أراد أن يذكره منه بالأمر المعلوم ليبنى عليه استداء ما ~~يوجبه كونه بمنزلة الوالد4. # ومثل ذلك قولهم: "إنما يعجل من يخشى الفوت"، وذلك أن من المعلوم الثابت ~~في النفوس أن من لم يخشى الفوت لم يعجل. # ومثاله من التنزيل قوله تعالى: {إنما يستجيب الذين يسمعون} [الأنعام: ~~36]، وقوله عز وجل: {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} [يس: ~~11]، وقوله تعالى: {إنما أنت منذر من يخشاها} [النازعات: 45]، كل ذلك تذكير ~~بأمر ثابت معلوم. وذلك أن كل عاقل يعلم أنه لا تكون استجابة إلا ممن ~~PageV01P330 # يسمع ويعقل مايقال له ويدعى إليه، وأن من لم يسمع ولم يعقل لم يستجب. ~~وكذلك معلوم أن الإنذار إنما يكون إنذارا ويكون له تأثير، إذا كان مع من ~~يؤمن بالله ويخشاه ويصدق بالبعث والساعة، فأما الكافر الجاهل، فالإنذار ~~وترك الإنذار معه واحد. فهذا مثال ما الخبر فيه خبر بأمر يعلمه المخاطب ولا ~~ينكره بحال. ### | 391 - # وأما مثال ما ينزل هذه المنزلة، 1 فكقوله: # إنما مصعب شهاب من ... الله تجلت عن وجهه الظلماء2 # ادعى في كون الممدوح بهذه الصفة، أنه أمر ظاهر معلوم للجميع، على عادة ~~الشعراء إذا مدحوا أن يدعوا في الأوصاف التي يذكرون بها الممدوحين أنها ~~ثابتة لهم، وأنهم قد شهروا بها، وأنهم لم يصفوا إلا بالمعلوم الظاهر الذي ~~لا يدفعه أحد، كما قال: # وتعدلني أفناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالذي علمت سعد3 # وكما قال البحتري: # لا أدعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه4 # ومثله قولهم: "إنما هو أسد"، و "إنما هو نار"، و "إنما هو سيف ~~PageV01P331 # صارم"، إذا أدخلوا "إنما" جعلوا ذلك في حكم الظاهر المعلوم الذي لا ينكر ~~ولا يدفع ولا يخفى. ### | 392 - # وأما الخبر بانلفي والإثبات نحو: "ما هذا ms200 إلا كذا"، و "إن هو إلا كذا"، ~~فيكون للمر ينكره المخاطب ويشك فيه. فإذا قلت: "ما هو إلا مصيب" أو: "ما هو ~~إلا مخطئ"، قلته لمن يدفع أن يكون الأمر على ما قلت، وإذا رأيت شخصا من ~~بعيد فقلت: "ما هو إلا زيد"، لم تقله إلا وصاحبك يتوهم أنه ليس بزيد، وأنه ~~إنسان آخر، ويجد في الإنكار أن يكون "زيدا". # وإأذا كان الأمر ظاهرا كالذي مضى، لم تقله كذلك، فلا تقول للرجل ترقفه ~~على أخيه وتنبهه للذي يجب عليه من صلة الرحم ومن حسن التحاب1: "ما هو إلا ~~أخوك" وكذلك لا يصلح في "إنما أنت والد": "ما أنت إلا والد"، فأما نحو: ~~"إنما مصعب شهاب"، فيصلح فيه أن تقول: "ما مصعب إلا شهاب"، لأنه ليس من ~~المعلوم على الصحة، وإنما ادعى الشاعر فيه أنه كذلك، وإذا كان هذا هكذا، ~~جاز أن تقول بالنفي والإثبات، إلا أنك تخرج المدح حينئذ عن أن يكون على حد ~~المبالغة، من حيث لا تكون قد ادعيت فيه أنه معلوم، وأنهبحيث لا ينكره منكر، ~~ولا يخالف فيه مخالف. PageV01P332 # "إن"، و"إلا" وبيان المراد فيهما، والفرق بينهما وبين "إنما": ### | 393 - # قوله تعالى: {إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ~~آباؤنا} [إبراهيم: 10] إنما جاء، والله أعلم، "بإن" و "إلا" دون "إنما"، ~~فلم يقل: "إنما أنتم بشر مثلنا"، لأنهم جعلوا الرسل كأنهم بادعائهم النبوة ~~قد أخرجوا أنفسهم عن أن يكونوا بشرا مثلهم، وادعوا أمرا لا يجوز أن يكون ~~لمن هو بشر. ولما كان الأمر كذلك، أخرج اللفظ مخرجه حيث يراد إثبات أمر ~~يدفعه المخاطب ويدعي خلافه، ثم جاء الجواب من الرسل الذي هو قوله تعالى: ~~{قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم} [إبراهيم: 11]، كذلك "بإن" و "إلا" ~~دون "إنما"، لأن من حكم من ادعى عليه خصمه الخلاف في أمر هو لا يخالف فيه، ~~أن يعيد كلام الخصم على وجه، ويجيء به على هيئته ويحكيه كما هو. فإذا قلت ~~للرجل: "أنت من شأنك كيت وكيت"، قال: ms201 "نعم، أنا من شأني كيت وكيت، ولكن لا ~~ضير علي، ولا يلزمني من أجل ذلك ما ظننت أنه يلزم" فالرسل صلوات الله عليهم ~~كأنهم قالوا: "إن ما قلتم من أنا بشر مثلكم كما قلتم، لسنا ننكر ذلك ولا ~~نجهله، ولكن ذلك لا يمنعنا من أن يكون الله تعالى قد من علينا وأكرمنا ~~بالرسالة. # وأما قوله تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم} [الكهف: 110]، [فصلت: 6]، فجاء ~~"بإنما"، لأنه ابتداء كلام قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلغه ~~إياهم ويقوله معهم، وليس هو جوابا لكلام سابق قد قيل فيه: "إن أنت إلا بشر ~~مثلنا"، فيجب أن يؤتى به على وفق ذلك الكلام، ويراعى فيه حذوه، كما كان ذلك ~~في الآية الأولى. ### | 394 - # وجملة الأمر أنك متى رأيت شيئا هو من المعلوم الذي لا يشك # PageV01P333 # فيه قد جاء بالنفي، فذلك لتقدير معنى صار به في حكم المشكوك فيه، فمن ذلك ~~قوله تعالى: {وما أنت بمسمع من في القبور، إن أنت إلا نذير} [فاطر: 22، 23] ~~إنما جاء والله أعلم، بالنفي والإثبات، لأنه لما قال تعالى: {وما أنت بمسمع ~~من في القبور}، وكان المعنى في ذلك أن يقال للنبي صلى الله عليه وسلم "إنك ~~لن تستطيع أن تحول قلوبهم عما هي عليه من الإباء، ولا تملك أن توقع الإيمان ~~في نفوسهم، مع إصرارهم على كفرهم، واستمرارهم على جهلهم، وصدهم بأسماعهم ~~عما تقوله لهم وتتوله عليه"1 كان اللائق بهذا أن يجعل حال النبي صلى الله ~~عليه وسلم حال من قد ظن أنه يملك ذلك، ومن لا يعلم يقينا أنه ليس ي وسعه ~~شيء أكثر من أن ينذر ويحذر، فأخرج اللفظ مخرجه إذا كان الخطاب مع من يشك، ~~فقيل: "إن أنت إلا نذير". ويبين ذلك أنك تقول للرجل يطيل مناظرة الجاهل ~~ومقاولته: "إنك لا تستطيع أن تسمع الميت، وأن تفهم الجماد، وأن تحول الأعمى ~~بصيرا، وليس بيدك إيلا تبين وتحتج، ولست تملك أكثر من ذلك" لا تقول ههنا: ~~"فإنما الذي بيدك أن تبين وتحتج"، ذلك لأنك لم ms202 تقل له "إنك لا تستطيع أن ~~تسمع الميت"، حتى جعلته بماثبة من يظن أنه يملك وراء الاحتجاج والبيان ~~شيئا. وهذا واضح، فاعرفه. # ومثل هذا في أن الذي تقدم من الكلام اقتضى أن يكون اللفظ كالذي تراه، من ~~كونه "بإن" و "إلا"، قوله تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما ~~شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا ~~نذير وبشير لقوم يؤمنون} [الأعراف: 188]. PageV01P334 ### | باب اللفظ والنظم # : بيان في "إنما": # فصل: هذا بيان آخر في "إنما" # "إنما" تفيد إيجاب الفعل لشيء، ونفيه عن غيره: ### | 395 - # اعلم أنها تفيد في الكلام بعدها إيجاب الفعل لشيء، ونفيه عن غيره، فإذا ~~قلت: "إنما جاءني زيد"، عقل منه أنك أردت أن تنفي أن يكون الجاني غيره. ~~فمعنى الكلام معها شبيه بالمعنى في قولك: "جاءني زيد لا عمرو"، إلا أن لها ~~مزية، وهي أنك تعقل معها إيجاب الفعل لشيء ونفيه عن غيره دفعة واحدة في حال ~~واحدة. وليس كذلك الأمر في: "جاءني زيد لا عمرو"، فإنك تعقلهما في حالين ~~ومزية ثانية، وهي أنها تجعل الأمر ظاهرا في أن الجاني "زيد"، ولا يكون هذا ~~الظهور إذا جعلت الكلام "بلا" فقلت: "جاءني زيد لا عمرو". # تفسير أن "لا" العاطفة، تنفي عن الثاني ما وجب للأول: ### | 396 - # ثم اعلم أن قولنا في "لا" العاطفة: "إنها تنفي عن الاثني ما وجب للأول"، ~~ليس المراد به أنها تنفي عن الثاني أن يكون قد شارك الأول في الفعل، بل ~~أنها تنفي أن يكون الفعل الذي قلت إنه كان من الأول، قد كان من الثاني دون ~~الأول. ألا ترى أن ليس المعنى في قولك: "جاءني زيد لا عمرو"، أنه لم يكن من ~~عمرو مجيء إليك مثل ما كان من "زيد"، حتى كأنه عكس قولك: "جاءني زيد ~~وعمرو"، بل المعنى أن الجائي هو زيد لا عمرو، فهو كلام تقوله مع من يغلط في ~~الفعل قد كان من هذا، فيتوهم أنه كان من ذلك. # PageV01P335 # والنكتة أنه ms203 لا شبهة في أن ليس ههنا جائيان، وأنه ليس إلا جاء واحد، ~~وإنما الشبهة في أن ذلك الجائي زيد أم عمرو، فأنت تحقق على المخاطب بقولك: ~~"جاءني زيد لا عمرو"، أنه "زيد" وليس بعمرو. # ونكتة أخرى: وهي أنك لا تقول: "جاءني زيد لا عمرو"، حتى يكون قد بلغ ~~المخاطب أنه كان مجيء إليك من جاء، إلا أنه ظن أنه كان من "عمرو"، فأعلمته ~~أنه لم يكن من "عمرو" ولكن من "زيد". # معاني "لا" العاطفة، قائمة في الكلام "بإنما": ### | 397 - # وإذ عرفت هذه المعاني في الكلام "بلا" العاطفة، فاعلم أنها بجملتها قائمة ~~لك في الكلام "بإنما". فإذا قلت: "إنما جاءني زيد"، لم يكن عرضك أن تنفي أن ~~يكون قد جاء مع "زيد" غيره، ولكن أن تنفي أن يكون المجيء الذي قلت إنه كان ~~منه، كان من "عمرو". وكذلك تكون الشبهة مرتفعة في أن ليس ههنا جائيان، وأن ~~ليس إلا جاء واحد، وإنما تكون الشبهة في أن ذلك الجائي "زيد". وكذلك لا ~~تقول: "إنما جاءني زيد"، حتى يكون قد بلغ المخاطب أن قد جاءك جاء، ولكنه ظن ~~أنه "عمرو" مثلا، فأعلمته أنه "زيد". # فإن قلت: فإنه قد يصح أن تقول: "إنما جاءني من بين القوم زيد وحده، وإنما ~~أتاني من جملتهم عمرو فقط"، فإن ذلك شيء كالتكلف، والكلام هو الأول، ثم ~~الاعتبار به إذا أطلق فلم يقيد "بوحده" وما في معناه. ومعلوم أنك إذا قلت: ~~"إنتما جاءني زيد"، ولم نرد على ذلك، أنه لا يسبق إىل القلب من المعنى إلا ~~ما قدمنا شرحه، من أنك أردت النص على "زيد" أنه الجائي، وان # PageV01P336 ### | باب القصر والاختصاص ### | فصل في "ما" و"إلا": # تبطل ظن المخاطب أن المجيء لم يكن منه، ولكن كان من "عمرو" حسب ما يكون ~~إذا قلت: "جاءني زيد لا عمرو"، فاعرفه. # بيان وأمثلة فيما فيه "ما" و"إلا": ### | 398 - # وإذ قد عرفت هذه الجملة، فإنا نذكر جملة من القول في "ما" و "إلا" وما ~~يكون من حكمهما. # إعلم أنك إذا قلت: "ما جاءني ms204 إلا زيد": احتمل أمرين: # أحدهما: أن تريد اختصاص "زيد" بالمجيء وأن تنفيه عمن غداه، وأن يكون ~~كلاما تقوله، لا لأن بالمخاطب حاجة إلى أن يعلم أن "زيدا" قد جاءك، ولكن ~~لأن به حاجة إلى أن يعلم أنه لم يجىء إليك غيره. # والثاني: أن تريد الذي ذكرناه في "إنما"، ويكون كلاما تقوله ليعلم أن ~~الجائي "زيد" لا غيره. فمن ذلك قولك للرجل يدعي قلت قولا ثم قلت خلافه: "ما ~~قلت اليوم إلا ما قلته أمس بعينه" ويقول: "لم تر زيدا، وإنما رأيت فلانا"، ~~فتقول: "بل لم أر إلا زيدا". وعلى ذلك قوله تعالى: {ما قلت لهم إلا ما ~~أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} [المائدة: 117]، لأنه ليس المعنى: أني ~~لم أزد على ما أمرتني به شيئا، ولكن المعنى: أني لم أدع ما أمرتني به أن ~~أقوله لهم وقلت خلافه. # ومثال ما جاء في الشعر من ذلك قوله: # قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا1 PageV01P337 # المعنى: أن الذي قطر الفارس، وليس المعنى على أنه يريد أن يزعم أنه انفرد ~~بأنقطره، وأنه لم يشركه فيه غيره. # بيان في قوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وتقديم اسمه سبحانه: ### | 399 - # وههنا كلام ينبغي أن تغلمه، إلا أني أكتب لك من قبله مسألة، لأن فيها ~~عونا عليه. قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]، في ~~تقديم اسم الله عز وجل معنى خلاف ما يكون لو أخر. وإنما يبين لك ذلك إذا ~~اعتبرت الحكم في "ما" و "إلا"، وحصلت الفرق بين أن تقول: "ما ضرب زيدا إلا ~~عمرو"، وبين قولك: "ما ضرب عمرو إلا زيدا". # والفرق بينهما أنك إذا قلت: "ما ضرب زيدا إلا عمرو"، فقدمت المنصوب، كان ~~الغرض بيان الضارب من هو، والإخبار بأنه عمرو خاصة دون غيره وإذا قلت: "ما ~~ضرب عمرو إلا زيدا"، فقدمت المرفوع، كان الغرض بيان المضروب من هو، ~~والإخبار بأنه "زيد" خاصة دون غيره. ### | 400 - # وإذ قد عرفت ذلك فاعتبر به الآية، وإذا اعتبرتها به ms205 علمت أن تقديم اسم ~~الله تعالى إنما كان لأجل أن الغرض أن يبين الخاشون من هم، ويخبر بأنهم ~~العلماء خاصة دون غيرهم. ولو أخر ذكر اسم الله وقدم # PageV01P338 # "العلماء" فقيل: "إنما يخشى العلماء الله"، لصار المعنى على ضد ما هو ~~عليه الآن، ولصار الغرض بيان المخشي من هو، والإخبار بأنه الله تعالى دون ~~غيره، ولم يجب حينئذ أن تكون الخشية من الله تعالى مقصورة على العلماء، وأن ~~يكونوا مخصوصين بها كما هو الغرض في الآية، بل كان يكون المعنى أن غير ~~العلماء يخشون الله تعالى أيضا، إلا أنهم مع خشيتهم الله تعالى يخشون معه ~~غيره، والعلماء لا يخشون غير الله تعالى. # وهذا المعنى وإن كان قد جاء في التنزيل في غير هذه الآية كقوله تعالى: ~~{ولا يخشون أحدا إلا الله} [الأحزاب: 29]، فليس هو الغرض في الآية، ولا ~~اللفظ بمحتمل له البتة. ومن أجاز حملها عليه، كان قد أبطل فائدة التقديم، ~~وسوى بين قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}، وبين أن يقال: ~~"إنما يخشى العلماء الله"، وإذا سوى بينهما، لزمه أن يسوي بين قولنا: "ما ~~ضرب زيدا إلا عمرو" وبين: "ما ضرب عمرو إلا زيدا"، وذلك ما لا شبهة في ~~آمتناعه. # "ما" و"إلا" وتقديم المفعول في الجملة وتأخيره، وأن الاختصاص مع "إلا" ~~يقع في الذي تؤخره: ### | 401 - # فهذه هي المسئلة، وإذ قد عرفتها فالأمر فيما بين: أن الكلام "بما" و ~~"إلا" قد يكون في معنى الكلام "بإنما"، ألا ترى إلى وضوح الصورة في قولك: ~~"ما ضرب زيدا إلا عمرو" و "ما ضرب عمرو إلا زيدا"، أنه في الأول لبيان من ~~الضارب، وفي الثاني لبيان منالمضروب، وإن كانا تكلفا أن تحمله على نفي ~~الشركة، فتريد "بما ضرب زيدا إلا عمرو" أنه لم يضربه اثنان، و "بما ضرب ~~عمرو إلا زيدا"، أنه لم يضرب اثنين. ### | 402 - # ثم اعلم أن السبب في أن لم يكن تقديم المفعول في هذا # PageV01P339 # كتأخيره، ولم يكن "ما ضرب زيدا إلا عمرو" و "ما ضرب عمرو إلا ms206 زيدا"، سواء ~~في المعنى أن الاختصاص يقع في واحد من الفاعل والمفعول، ولا يقع فيهما ~~جميعا. ثم إنه يقع في الذي يكون بعد "إلا" منهما دون الذي قبلها، لاستحالة ~~أن يحدث معنى الحرف في الكلمة من قبل أن يجيء الحرف. وإذا كان الأمر كذلك، ~~وجب أن يفترق الحال بين أن تقدم المعفول على "إلا" فتقول: "ما ضرب زيدا إلا ~~عمرو"، وبين أن تقدم الفاعل فتقول: "ما ضرب عمرو إلا زيدا"، لأنا إن زعمنا ~~أن الحال لا يفترق، جعلنا المتقدم كالمتأخر في جواز حدوثه فيه. وذلك يقتضي ~~المحال الذي هو أن يحدث معنى "إلا" في الاسم من قببل أن تجيء بها، فآعرفه. ### | 403 - # وإذا قد عرفت أن الاختصاص مع "إلا" يقع في ذلك تؤخره من الفاعل والمفعول، ~~فكذلك يقع مع "إنما" في المؤخر منهما دون المقدم. فإذا قلت: "إنما ضرب زيدا ~~عمرو"، كان الاختصاص في الضارب، وإذا قلت: "إنما ضرب عمرو زيدا"، كان ~~الاختصاص في المضروب، وكما لا يجوز أن يستوي الحال بين التقديم والتأخير مع ~~"إلا"، كذلك لا يجوز مع "إنما". # العود إلى القول في "إنما" وما يقع فيه الاختصاص بعدها: ### | 404 - # وإذا استبنت هذه الجملة1، عرفت منها أن الذي صنعه # الفرزدق في قوله: # وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي2 PageV01P340 # شيء لو لم يصنعه لم يصح له المعنى. ذاك لأن غرضه أن يخص PageV01P341 # المدافع لا المدافع عنه. ولو قال: "إنما أدافع عن أحسابهم"، لصار المعنى ~~أنه يخص المدافع عنه1، وأنه يزعم أن المدافعة منه تكون عن أحسابهم لا عن ~~أحساب غيرهم، كما يكون إذا قال: "وما أدافع إلا عن أحسابهم"، وليس ذلك ~~معناه، إنما معناه أن يزعم أن المدافع هو لا غيره، فاعرف ذلك، فإن الغلط ~~كما أظن يدخل على كثير ممن تسمعهم يقولون: "إنه فصل الضمير للحمل على ~~المعنى"، فيرى أنه لو لم يفصله، لكان يكون معناه مثله الآن. # هذا ولا يجوز أن ينسب فيه إلى الضرورة، فيجعل مثلا نظير قول الآخر: # كأنا يوم قرى إنما نقتل إيانا2 ms207 # لأنه ليس به ضرورة إلى ذلك، من حيث أن "أدافع" و "يدافع" واحد في الوزن، ~~فاعرف هذا أيضا. PageV01P342 ### | 405 - # وجملة الأمر أن الواجب أن يكون اللفظ على وجه يجعل الاختصاص فيه للفرزدق. ~~وذلك لا يكون إلا بأن يقدم "الأحساب" على ضميره، وهو لو قال: "وإنما أدافع ~~عن أحسابهم"، استكن ضميره في الفعل، فلم يتصور تقديم "الأحساب" عليه، ولم ~~يقع "الأحساب" إلا مؤخرا عن ضمير الفرزدق، وإذا تأخرت انصرف الاختصاص إليها ~~لا محالة. # فإن قلت: إنه كان يمكنه أن يقول1: "وإنما أدافع عن أحسابهم أنا"، فيقدم ~~"الأحساب" على "أنا". # قيل: إذا قال: "أدافع" كان الفاعل الضمير المستكن في الفعل، وكان "أنا" ~~الظاهر تأكيدا له، أعني للمستكن، والحكم يتعلق باملؤكد دون التأكيد، لأن ~~التأكيد كالتكرير، فهو يجيء من بعد نفوذ الحكم، ولا يكون تقديم الجار مع ~~المجرور، الذي هو قوله "عن أحسابهم" على الضمير الذي هو تأكيد، تقديما له ~~على الفاعل، ولا يكون لك إذا قلت: "وإنما أدافع عن أحسابهم"، سبيل إلى أن ~~تذكر المفعول قبل أن تذكر الفاعل، لأن ذكر الفاعل PageV01P343 # ههنا هو ذكر الفعل، من حيث إن الفاعل مستكن في الفعل، فكيف يتصور تقديم ~~شيء عليه، فاعرفه1. # الاختصاص يقع في الذي بعد "إلا" من فاعل أو مفعول، أو جار ومجرور يكون ~~بدل أحد المفعولين: ### | 406 - # واعلم أنك إن عمدت إلى الفاعل والمفعول فأخرتهما جميعا إلى ما بعد "إلا"، ~~فإن الاختصاص يقع حينئذ في الذي يلي "إلا" منهما. فإذا قلت: "ما ضرب إلا ~~عمرو زيدا"، كان الاختصاص في الفاعل، وكان المعنى أنك قلت: "إن الضارب عمرو ~~لا غيره" وإن قلت: "ما ضرب إلا زيدا عمرو"، كان الاختصاص في المفعول، وكان ~~المعنى أنك قلت: "إن المضروب زيد لا من سواه"2 # وحكم المفعولين حكم الفاعل والمفعول فيما ذكرت لك. تقول: "لم يكس إلا ~~زيدا جبة"، فيكون المعنى أنه خص "زيدا" من بين الناس بكسوة الجبة فإن قلت: ~~"لم يكس إلا جبة زيدا"، كان المغنى: أنه خص الجبة من أصناف الكسوة. # وكذلك الحكم حيث ms208 يكون بدل أحد المفعولين جار ومجرور، كقول السيد الحميري: # لو خير المنبر فرسانه ... ما اختار إلا منكم فارسا3 PageV01P344 # الاختصاص في "منكم" دون "فارسا" ولو قلت: "ما اختار إلا فارسا منكم"، صار ~~الاختصاص في "فارسا"1. # حكم المبتدأ والخبر إذا جاء بعد "إثما": ### | 407 - # واعلم أن الأمر في المبتدأ والخبر، إن كانا بعد "إنما" على العبرة التي ~~ذكرت لك فيالفاعل والمفعول، إذا أنت قدمت أحدهما على الآخر. # معنى ذلك: أنك إن تركت الخبر في موضعه فلم تقدمه على المبتدأ، كان ~~الاختصاص فيه وإن قدمته على المبتدأ، صار الاختصاص الذي كان فيه في ~~المبتدأ. # تفسير هذا، أنك تقول: "إنما هذا لك"، فيكون الاختصاص في "لك" بدلالة أنك ~~تقول: "إنما هذا لك لا لغيرك" وتقول: "إنما لك هذا"، فيكون الاختصاص في ~~"هذا"، بدلالة أنك تقول: "إما لك هذا لا ذاك"، والاختصاص يكون أبدا في الذي ~~إذا جئت "بلا" العاطفة كان العطف عليه. # وإذا أردت أن يزداد ذلك عندك وضوحا، فانظر إلى قوله تعالى: {فإنما عليك ~~البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد: 40]، وقوله عز وعلا: {إنما السبيل على الذين ~~يستأذنونك} [التوبة: 92]، فإنك ترى الأمر ظاهرا أن الاختصاص في الآية ~~الأولى في المبتدأ الذي هو "البلاغ" و "الحساب"، دون الخبر الذي هو "عليك" ~~و "علينا" وأنه في الآية الثانية في الخبر الذي هو "على الذين"، دون ~~المبتدأ الذي هو "السبيل". PageV01P345 # عود إلى الاختصاص إذا كان "بما" و"إلا": ### | 408 - # واعلم أنه إذا كان الكلام "بما" و "إلا" كان الذي ذكرته من أن الاختصاص ~~يكون في الخبر إن لم تقدمه، وفي المبتدأ إن قدمت الخبر أوضح وأبين1، تقول: ~~"ما زيد إلا قائم"، فيكون المعنى أنك اختصصت "القيام" من بين الأوصاف التي ~~يتوهم كون زيد عليها بجعله صفة له. وتقول: "ما قائم إلا زيد"، يكون المعنى ~~أنك اختصصت زيدا بكونه موصوفا بالقيام. فقد قصرت في الأول الصفة على ~~الموصوف، وفي الثاني الموصوف على الصفة. ### | 409 - # واعلم أن قولنا في الخبر إذا أخر نحو: "ما زيد إلا قائم"، أنك اختصصت ~~القيام من ms209 بين الأوصاف التي يتوهم كون زيد عليها، ونفيت ما عدا القيام عنه، ~~فإنما تعني أنك نفيت عنه الأوصاف التي تنافي القيام، نحو أن يكون "جالسا" ~~أو "مضطجعا" أو "متكئا" أو ما شاكل ذلك ولم ترد أنك نفيت ما ليس من القيام ~~بسبيل، إذا لسنا ننفي عنه بقولنا: "ما هو إلا قائم" أن يكون "أسود" أو ~~"أبيض" أو طويلا" أو "قصيرا" أو "عالما" أو "جاهلا"، كما أنا إأذا قلنا: ~~"ما قائم إلا زيد"، لم يرد أنه ليس في الدنيا قائم سواه، وإنما نعني ما ~~قائم حيث نحن، وبحضرتنا، وما أشبه ذلك. ### | 410 - # واعلم أن الأمرين في قولنا: "ما زيد إلا قائم"، أن ليس المعنى على نفي ~~الشركة، ولكن على نفي أن لا يكون المذكور، ويكون بذله شيء آخر. ألا ترى أن ~~ليس المعنى أنه ليس له مع "القيام" صفة أخرى، بل المعنى أن ليس له بدل ~~القيام صفة ليست بالقيام، وأن ليس القيام، منفيا عنه، وكائنا مكانه فيه ~~"القعود" أو "لاضطجاع" أو نحوهما. PageV01P346 # فإن قلت: قصورة المعنى إذن صورته إذا وضعت الكلام "بإنما" فقتلت: "إنما ~~هو قائم"، ونحن نرى أنه يجوز في هذا أن تعطف "بلا" فتقول: "إنما هو قائم لا ~~قاعد"، ولا نرى ذلك جائزا مع "ما" و "إلا" إذ ليس من كلام الناس أن ~~يقولوا1: "ما زيد إلا قائم لا قاعد". # 2فإن ذلك إنما لم يجز من حيث إنك إذا قلت: "ما زيد إلا قائم"، فقد نفيت ~~عنه كل صفة تنافي "القيام"، وصرت كأنك قلت: "ليس هو بقاعد ولا مضطجع ولا ~~متكئ"، وهكذا حتى لا تدع صفة يخرج بها من "القيام". فإذا قلت من بعد ذلك ~~"لا قاعد"، كنت قد نفيت "بلا" العاطفة شيئا قد بدأت فنفيته، وهي موضوعة لأن ~~تنفي بها ما بدأت فأوجبته، لالأن تفيد بها النفي في شيء قد نفيته. ومن ثم ~~لم يجز أن تقول: "ما جاءني أحد لا زيد"، على أن تعمد إلى عبض ما دخل في ~~النفي بعموم "أحد" فتنفيه على الخصوص، بل ms210 كان الواجب إذا أردت ذلك أن تقول: ~~"ما جاءني أحد ولا زيد"، فتجيء "البواو" من قبل "لا"، حتى تخرج بذلك على أن ~~تكون عاطفة، فاعرف ذلك. ### | 411 - # وإذ قد عرفت فساد أن تقول: "ما زيد إلا قائم لا قاعد"، فإنك تعرف بذلك ~~امتناع أن تقول: "ما جاءني إلا زيد لا عمرو" و "ما ضربت إلا زيدا لا عمرا" ~~وما شاكل ذلك. وذلك أنك إذا قلت: "ما جاءني إلا زيد"، فقد نفيت أن يكون قد ~~جاءك أحد غيره، فإذا قلت: PageV01P347 # "لا عمرو"، كنت قد طلبت أن تنفي "بلا" العاطفة شيئا قد تقدمت فنفيته، ~~وذلك، كما عرفتك، خروج بها عن المعنى الذي وضعت له إلى خلافه. # بيان آخر في معنى "إنما" في الجملة، في "ما" و"إلا"، وأن حكم "غير" حكم ~~"إلا": ### | 412 - # فإن قيل: فإنك إذا قلت: "إنما جاءني زيد"، فقد نفيت فيه أيضا أن يكون ~~المجيء قد كان من غيره، فكان ينبغي أن لا يجوز فيه أيضا أن تعطف بلا فتقول: ~~"إنما جاءني زيد لا عمرو". # قيل: إن الذي قلته من أنك إذا قلت: "إنما جاءني زيد" فقد نفيت فيه أيضا ~~المجيء قد كان من غيره، فكان ينبغي أن لا يجوز فيه أيضا أن تعطف بلا فتقول: ~~"إنما جاءني زيد لا عمرو". # قيل: إن الذي قلته من أنك إذا قلت: "إنما جاءني زيد" فقد نفيت فيه أيضا ~~المجيء عن غيره غير مسلم لك على حقيقته. وذلك أنه ليس معكط إلا قولك: ~~"جاءني زيد"، وهو كلام كما تراه مثبت ليس فيه نفي البتة، كما كان في قولك: ~~"ما جاءني إلا زيد"، وإنما فيه أنك وضعت يدك على "زيد" فجعلته "الجائي"، ~~وذلك وإن أوجب انتفاء المجيء عن غيره، فليس يوجبه من أجل أن كان ذلك إعمال ~~نفي في شيء، وإنما أوجبه من حيث كان "المجيء" الذي أخبرت به مجيئا مخصوصا، ~~إذ كان لزيد لم يكن لغيره. والذي أبيناه أن تنفي "بلا" العاطفة الفعل عن ~~شيء وقد نفيته عنه لفظا. ### | 413 - # ونظير هذا أنا ms211 نعقل من قولنا: "زيد هو الجائي"، أن هذا المجيء لم يكن من ~~غيره، ثم لا يمنع ذلك من أن تجيء فيه "بلا" العاطفة فتقول: "زيد هو الجائي ~~لا عمرو"، لأنا لم نعقل ما عقلناه من انتفاء المجيء عن غيره، بنفي أوقعناه ~~على شيء، ولكن بأنه لما كان المجيء المقصود مجيئا واحدا، كان النص على ~~"زيد" بأنه فاعله وإثباته له، نفيا له من غيره، ولكن من طريق المعقول، لا ~~من طريق أن كان في الكلام نفي، كما كان ثم، فاعرفه. # PageV01P348 ### | 414 - # فإن قيل: فإنك إذا قلت: "ما جاءني إلا زيد"، ولم يكن غرضك أن تنفي أن ~~يكون قد جاء معه واحد آخر، كان المجيء أيضا مجيئا واحدا. # قيل: وإن كان واحدا، فإنك إنما تثبت أن "زيدا" الفاعل له، بأن نفيت ~~المجيء عن كل من سوى زيد1، كما تصنع إذا أردت أن تنفي أن يكون قد جاء معه ~~جاء آخر. وإذا كان كذلك، كان ما قلناه من أنك إن جئت "بلا" العاطفة فقلت: ~~"ما جاءني إلا زيد لا عمرو"، كنت قد نفيت الفعل عن شيء قد نفيته عنه مرة ~~صحيحا ثابتا، كما قلناه، فاعرفه. ### | 415 - # واعلم أن حكم "غير" في جميع ما ذكرنا، حكم "إلا". فإذا قلت: "ما جاءني ~~غير زيد"، احتمل أن تريد نفي أن يكون قد جاء معه إنسان آخر، وأن تريد نفي ~~أن لا يكون قد جاء، وجاء مكانه واحد آخر2 ولا يصح أن تقول: "ما جاءني غير ~~زيد لاعمرو"، كما لم يجز: "ما جاءني إلا زيد لا عمرو". PageV01P349 # فصل: في نكتة تتصل بالكلام الذي تضعه "بما" و "إلا" # بيان آخر في "ما" و"إلا": ### | 416 - # إعلم أن الذي ذكرناه من أنك تقول: "ما ضرب إلا عمرو زيدا"، فتوقع الفاعل ~~والمفعول جميعا بعد "إلا"1، ليس بأكثر الكلام، وإنما الأكثر أن تقدم ~~المفعول على "إلا"، نحو: "ما ضرب زيدا إلا عمرو"، حتى إنهم ذهبوا فيه أعني ~~في قولك: "ما ضرب إلا عمرو زيدا" إلى أنه على كلامين، وأن "زيدا" منصوب ~~بفعل ms212 مضمر، حتى كأن المتكلم بذلك أيهم في أول أمره فقال: ما ضرب إلا عمرو" ~~ثم قيل له: "من ضرب؟ " فقال: "ضرب زيدا". ### | 417 - # وههنا، إذا تأملت، معنى لطيف يوجب ذلك، وهو أنك إذا قلت: "ما ضرب زيدا ~~إلا عمرو"، كان غرضك أن تختص "عمرا" "بضرب" "زيد"، لا بالطرب على الإطلاق. ~~وإذا كان كذلك، وجب أن تعدي الفعل إلى المفعول من قبل أن تذكر "عمرا" الذي ~~هو الفاعل، لأن السامع لا يعقل عنك أنك اختصصته بالفعل معدى حتى تكون قد ~~بدأت فعديته أعني لا يفهم عنك أنك أردت أن تختص "عمرا" بضرب "زيد"، حتى ~~تذكره له معدى إلى "زيد"، فأما إذا ذكرته غير معدى فقلت: "ما ضرب إلا ~~عمرو"، فإن الذي يقع في نفسه أنك أردت أن تزعم أنه لم يكن من أحد غير ~~"عمرو" ضرب، وأنه ليس ههنا مضروب إلا وضاربه عمرو، فاعرفه أصلا في شأن ~~التقديم والتأخير. PageV01P350 ### | فصل في العود إلى مباحث "إنما": # فصل # زيادة بيان في "إنما"، وهو فصل طويل متشعب، فيه غموض: ### | 418 - # إن قيل: قد مضيت في كلامك كله على أن "إنما" للخبرلا يجهله المخاطب، ولا ~~يكون ذكرك له لأن تفيده إياه1، وإنا لنراها في كثير من الكلام، والقصد ~~بالخبر بعدها أن تعلم السامع أمرا قد غلط فيه بالحقيقة، واحتاج إلى معرفته، ~~كمثل ما ذكرت في أول الفصل الثاني من قولك2: # "إنما جاءني زيد لا عمرو"، وتراها كذلك تدور في الكتب للكشف عن معان غير ~~معلومة، ودلالة المتعلم منها على ما لا يعلم. # قيل: أما ما يجيء في الكلام من نحو: "إنما جاء زيد لا عمرو"، فإنه وإن ~~كان يكون إعلاما لأمر لا يعلمه السامع، فإنه لا بد مع ذلك من أن يدعى هناك ~~فضل انكشاف وظهور في أن الأمر كالذي ذكر. وقد قسمت في أول ما افتتحت القول ~~فيها فقلت: "إنها تجيء للخبر لا يجهله السامع ولا ينكر صحته، أو لما ينزل ~~هذه المنزلة"3. وأما ما ذكرت من أنها تجيء في الكتب لدلالة المتعلم على ms213 ما ~~لم يعلمه، فإنك إذا تأملت مواقعها وجدتها في الأمر الأكثر قد جاءت لأمر قد ~~وقع العلم بموجبه وبشيء يدل عليه. # "إذا قلت: كان زيد، فقد ابتدأت بما هو معروف عنده مثله عندك، PageV01P351 # وإنما ينتظر الخبر. فإذا قلت: "حليما"، فقد أعلمته مثل ما علمت. وإذا ~~قلت: "كان حليما"، فإنما ينتظر أن تعرفه صاحب الصفة"1. # وذاك أنه إذا كان معلوما أنه لا يكون متبدأ من غير خبر، ولا خبر من غير ~~مبتدإ، كان معلوما أنك إذا قلت: "كان زيد" فالمخاطب ينتظر الخبر، وإذا قلت: ~~"كان حليما"، أنه ينتظر الاسم، فلم يقع إذن بعد "إنما" إلا شيء كان معلوما ~~للسامع من قبل أن ينتهي إليه. ### | 419 - # ومما الأمر فيه بين، قوله في باب "ظننت"2: # "وإنما تحكي بعد "قلت" ما كان كلاما لا قولا"3. # وذلك أنه معلوم أنك لا تحكي بعد "قلت"، إذا كنت تنحو نحو المعنى، إلا ما ~~كان جملة مفيدة، فلا تقول: "قال فلان زيد" وتسكت، أللهم إلا أن تريد أنه ~~نطق بالاسم على هذه الهيئة، كأنك تريد أنه ذكره مرفوعا. # ومثل ذلك قولهم: "إنما يحذف الشيء إذا كان في الكلام دليل عليه"، إلى ~~أشباه ذلك مما لا يحصى، فإن رأيتها قد دخلت على كلام هو ابتداء إعلام بشيء ~~لم يعلمه السامع، فلأن الدليل عليه حاضر معه، والشيء بحيث PageV01P352 # يقع العلم به عن كثب. واعلم أنه ليس يكاد ينتهي ما يعرض بسبب هذا الحرف ~~من الدقائق1. # ما لا يحسن فيه العطف بلا: ### | 420 - # ومما يجب أن يعلم: أنه إذا كان الفعل بعدها فعلا لا يصح إلا من المذكور ~~ولا يكون من غيره، كالتذكر الذي يعلم أنه لا يكون إلا من أولي الألباب2 لم ~~يحسن العطف "بلا" فيه، كما يحسن فيما لا يختص بالمذكور وتصح من غيره. # تفسير هذا: أنه لا يحسن أن تقول: "إنما يتذكر أولو الألباب لا الجهال"، ~~كما يحسن أن تقول: "إنما يجيء زيد لا عمرو". # ثم إن النفي فيما نحن فيه3، النفي يتقدم تارة ويتأخر أخرى، فمثال التأخير ms214 ~~ما تراه في قولك: "إنما [جاءني] زيد لا عمرو"4، وكقوله تعالى: {إنما أنت ~~مذكر، لست عليهم بمصيطر} [الغاشية: 21، 22]، وكقول لبيد: # إنما يجزى الفتى ليس الجمل5 PageV01P353 # ومثال التقديم قولك: "ما جاءني زيد، وإنما جاءني عمرو"، وهذا مما أنت ~~تعلم به مكان الفائدة فيها، وذلك أنك تعلم ضرورةأنك لو لم تدخلها وقلت: "ما ~~جاءني زيد وجاءني عمرو"، لكان الكلام مع من ظن أنهما جاءك جميعا، وأن ~~المعنى الآن مع دخولها، أن الكلام مع من غلط في عين الجائي، فظن أنه كان ~~زيدا لا عمرا. # بيان في انضمام "ما" إلى "إن" في "إنما" وقول النحاة هي "كافة": ### | 421 - # وأمر آخر، وهو ليس ببعيد: أن يظن الظان أنه ليس في انضمام "ما" إلى "إن" ~~فائدة أكثر من أنها تبطل عملها، حتى ترى النحويين لا يزيدون في أكثر كلامهم ~~على أنها "كافة"، ومكانها ههنا يزيل هذا الظن ويبطله. وذلك أنك ترى أنك لو ~~قلت: "ما جاءني زيد، وإن عمرا جاءني"، لم يعقل منه أنك أردت أن الجائي ~~"عمرو" لا "زيد" بل يكون دخول "إن" كالشيء الذي لا يحتاج إليه، ووجدت ~~المعنى ينبو عنه. # "إنما" إذا جاءت للتعريض بأمر هو مقتضى الكلام، ومثاله في الشعر: ### | 422 - # ثم اعلم أنك إذا استقريت وجدتها أقوى ما تكون وأعلق ما ترى بالقلب، إذا ~~كان لا يراد بالكلام بعدها نفس معناه، ولكن التعريض بأمر هو مقتضاه، نحو ~~أنا نعلم أن ليس الغرض من قوله تعالى: {إنما يتذكر أولو الألباب} [الرعد: ~~19] [الزمر: 9]، أن يعلم السامعون ظاهر معناه، ولكن أن يذم الكفار، وأن ~~يقال إنهم من فرط العناد ومن غلبة الهوى عليهم، في حكم من ليس بذي عقل، ~~وإنكم إن طمعتم منهم في أن ينظروا ويتذكروا، كنتم كمن طمع في ذلك من غير ~~أولي الألباب. وكذلك قوله: {إنما أنت منذر من يخشاها} [النازعات: 45]، ~~وقوله عز اسمه: {إنما تنذر الذين يخشون ربهم # PageV01P354 # بالغيب} [فاطر: 18]، المعنى على أن من لم تكن له هذه الخشية، فهو كأنه ~~ليس له أذن تسمع وقلب يعقل، فالإنذار معه ms215 كلا إنذار. ### | 423 - # ومثال ذلك في الشعر قوله: # أنا لم أرزق محبتها ... إنما للعبد ما رزقا1 # الغرض أن يفهمك من طريق التعريض أنه قد صار ينصح نفسه، ويعلم أنه ينبغي ~~له أن يقطع الطمع من وصلها2، وييأس من أن يكون منها إسعاف. # ومن ذلك قوله: # وإنما يعذر العشاق من عشقا # يقول: إنه ليس ينبغي للعاشق أن يلوم من يلومه في عشقه، وأنه ينبغي أن لا ~~ينكر ذلك منه، فإنه لا يعلم كنه البلوى في العشق، ولو كان ابتلي به لعرف ما ~~هو فيه فعذره. # وقوله: # ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسباب # فاليوم حاجتنا إليك ... وإنما يدعى الطبيب لساعة الأوصاب3 # يقول في البيت الأول: إنه ينبغي أن أنجح في أمري حين جعلتك السبب ~~PageV01P355 # إليه. ويقول في الثاني: إنا قد وضعنا الشيء في موضعه، وطلبنا الأمر من ~~جهته، حين استعنا بك فيما عرض من الحاجة1، وعولنا على فضلك، كما أن من عول ~~على الطبيب فيما يعرض له من السقم، كان قد أصاب التعويل موضعه، وطلب الشيء ~~من معدنه. ### | 424 - # ثم إن العجب في أن هذا التعريض الذي ذكرت لك، لا يحصل من دون "إنما". فلو ~~قلت: "يتذكر أولو الألباب"، لم يدل ما دل عليه في الآية، وإن كان الكلام لم ~~يتغير في نفسه، وليس إلا أنهن ليس فيه "إنما"2. # والسبب في ذلك أن هذا التعريض، إنما وقع بأن كان من شأن "إنما" أن تضمن ~~الكلام معنى النفي من بعد الإثبات، والتصريح بامتناع التذكر ممن لا يعقل. ~~وإذا أسقطت من الكلام فقيل: "يتذكر أولوا الألباب"، كان مجرد PageV01P356 # وصف لأولي الألباب بأنهم يتذكرون، ولم يكن فيه معنى نفي للتذكر عمن ليس ~~منهم. ومحال أن يقع تعريض لشيء ليس له في الكلام ذكر1، ولا فيه دليل عليه. ~~فالتعريض بمثل هذا أعني بأن تقول: "يتذكر أولو الألباب" بإسقاط "إنما"، يقع ~~إذن إن وقع، بمدح إنسان بالتيقظ، وبأنه فعل ما فعل، وتنبه لما تنبه له، ~~لعقله وحلسن تمييزه، كما يقال: "كذلك يفعل العاقل"، و ms216 "هكذا يفعل الكريم". # وهذا موعض فيه دقة وغموض، وهو مما لا يكاد يقع في نفسه أحد أنه ينبغي أن ~~يتعرض سبببه، ويبحث عن حقيقة الأمر فيه. ### | 425 - # ومما يجب لك أن تجعله على ذكر منك من معاني "إنما"، ما عرفتك أولا من ~~أنها قد تدخل في الشيء على أن يخيل فيه المتكلم أنه معلوم، ويدعي أنه من ~~الصحة بحيث لا يدفع دافع، كقوله: # إنما مصعب شهاب من الله2 # ومن اللطيف في ذلك قول قتب بن حصن3: # ألا أيها الناهي فزارة بعد ما ... أجدت لغزو، إنما أنت حالم4 PageV01P357 # ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن اليهود: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ~~قالوا إنما نحن مصلحون} [البقرة: 11]، دخلت "إنما" لتدل على أنهم حين ادعوا ~~لأنفهسم أنهم مصلحون، أظهروا أنهم يدعون من ذلك أمرا ظاهرا معلوما، ولذلك ~~أكيد الأمر في تكذيبهم والرد عليهم، فجمع بين "ألا" الذي هو للتنبيه، وبين ~~"إن" الذي هو للتأكيد، فقيل: {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} ~~[البقرة: 12]. PageV01P358 ### | باب اللفظ والنظم ### | فصل: إزالة شبهة في شأن "النظم والترتيب" ### | 426 - # اعلم أنه لا يصحل تقدير الحكاية في "النظم والتتريب"، بل لن تعدو الحكاية ~~الألفاظ وأجراس الحروف، وذلك أن الحاكي هو من يأتي بمثل ما أتى به المحكي ~~عنه، ولابد من أن تكون حكايته فعلا له، وأن يكون بها عاملا عملا مثل عمل ~~المحي عنه، نحو أن يصوغ إنسان خاتما فيبدع فيه صنعة، ويأتي في صناعته بخاصة ~~تستعرب، فيعمد واحد آخر فيعل خاتما على تلك الصورة والهيئة، ويجيء بمثل ~~صنعته فيه، ويؤديها كما هي، فيقال عند ذلك: "إنه قد حكى عمل فلان، وصنة ~~فلان". ### | 427 - # و "النظم والترتيب" في الكلام كما بينا، عمل يعمله مؤلف الكلام في معاني ~~الكلام لا في ألفاظها، وهو بما يصنع في سبيل من يأخذ الأصباغ المختلفة ~~فيتوخى فيها ترتيبا يحدث عنه ضروب من النقش والوشي. وإذا كان الأمر كذلك، ~~فإنا إن تعدينا بالحكاية الألفاظ إلى النظم والترتيب، أدى ذلك إلى المحال، ~~وهو أن يكون ms217 المنشد شعر أمرئ القيس، قد عمل في المعاني وترتيبها واستخراج ~~النتائج والفوائد، مثل عمل امرئ القيس، وأن يكون حاله إذا أنشد قوله: # فقلت له: لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل1 # حال الصائغ ينظر إلى صورة قد عملها صائغ من ذهب له أو فضة، فيجيء بمثلها ~~من ذبه وفضته. وذلك يخرج بمرتكب، إن ارتكبه، إلى أن يكون PageV01P359 # الراوي مستحقا لأن يوصف بأنه: "استعار" و "شبه"، وأن يجعل كالشاعر في كل ~~ما يكون به ناظما، فيقال: إنه جعل هذا فاعلا، وذاك مفعولا، وهذا مبتدأ، ~~وذاك خبرا، وجعل هذا حالا، وذاك صفة، وأن يقال: "نفى كذا" و "أثبت كذا"، و ~~"أبدل كذا من كذا". و "أضاف كذا إلى كذا"، وعلى هذا السبيل، كا يقال ذاك في ~~الشاعر. وإذا قيل ذلك، لزمه منه أن يقال فيه: "صدق، وكذب"، كما قال في ~~المحكي عنه، وكفى بهذا بعدا وإحالة. ويجمع هذا كله، أنه يلزم مننه أن يقال: ~~"إنه قال شعرا"، كما يقال فيمن حكى صنعة الصائغ في خاتم قد عمله: "إنه قد ~~صاغ خاتما". # وجملة الحديث أن نعلم ضرورة أنه لا يتأتى لنا أن تنظم كلاما من غير روية ~~وفكر، فإن كان راوي الشعر ومنشده يحكي نظم الشاعر على حقيقته، فينبغي أن لا ~~يتأتى له رواية شعره إلا بروية، وإلا بأن ينظر في جميع ما نظر فيه الشاعر ~~من أمر "النظم". وهذا ما لا يبقى معه موضع عذر للشاك. # إزالة شبهة في حكاية ألفاظ الشعر: ### | 429 - # هذا، وسبب دخول الشبهة على من دخلت عليه، أنه لما رأى المعاني لا تتجلى ~~للسامع إلا من الألفاظ، وكان لا يوقف على الأمور التي بتوخيها يكون ~~"النظم"، إلا بأن ينظر إلى الألفاظ مرتبة على الأنحاء التي يوجب ترتيب ~~المعاني في النفس1 وجرت العادة بأن تكون المعاملة مع الألفاظ فيقال: "قد ~~نظم ألفاظا فأحسن نظمها، وألف كلما فأجاد تأليفها"2 جعل الألفاظ الأصل في ~~"النظم"، وجعله يتوخى فيها أنفسها، وترك PageV01P360 # أن يفكر في الذي بيناه من أن "النظم" هو توخي معاني ms218 النحو في معاني ~~الكلم، وأن توخيها في متون الألفاظ محال. فلما جعل هذا في نفسه، ونشب هذا ~~الاعتقاد به، خرج له من ذلك أن الحاكي إذا أدى ألفاظ الشعر على النسق الذي ~~سمعها عليه، كان قد حكى نظم الشاعر كما حكى لفظه. # وهذه شبهة قد ملكت قلوب الناس، وعششت في صدورهم، وتشربتها نفوسهم، حتى ~~إنك لترى كثيرا منهم وهو من حلوها عندهم محل العلم الضروري، بحيث إن أومأت ~~له إلى شيء مما ذكرناه أشماز لك، وسك سمعه دونك، وأظهر التعجب منك. وتلك ~~جريرة ترك النظر، وأخذ الشيء من غير معدنه، ومن الله التوفيق. # PageV01P361 ### | فصل: النظم والترتيب وتوخي معاني النحو ### | 430 - # إعلم أنا إذا أضفنا الشعر أو غير الشعر من ضروب الكلام إلى قائله، لم تكن ~~إضافتنا له من حيث هو كلم وأوضاع لغة، ولكن من حيث توخي فيها "النظم" الذي ~~بينا أنه عبارة عن توخي معاني النحو في معاني الكلم. وذلك أن من شأن ~~الإضافة الاختصاص، فهي تتناول الشيء من الجهة التي تختص منها بالمضاف إليه، ~~فإذا قلت: "غلام زيد"، تناولت الإضافة التي تختص منها بالمضاف إليه، فإذا ~~قلت: "غلام زيد"، تناولت الإضافة "الغلام" من الجهة التي تختص منها بزيد، ~~وهي كونه مملوكا. # بيان الجهة التي يختص منها الشعر بقائله: ### | 431 - # وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي لنا أن ننظر في الجهة التي يختص منها الشعر ~~بقائله. # وإذا نظرنا وجدناه يختص به من جهة توخيه في معاني الكلم التي ألفه منها، ~~ما توخاه من معاني النحو، ورأينا أنفس الكلم بمعزل عن الاختصاص، ورأينا ~~حالها معه حال الإبريسم مع الذي ينسج منه الديباج، وحال الفضة والذهب مع من ~~يصوغ منهما الحلي. فكما لا يشتبه الأمر في أن الديباج لا يختص بناسجه من ~~حيث الإبريسم، والحلي بصائغها من حيث الفضة والذهب، ولكن من جهة العمل ~~والصنعة، وكذلك ينبغي أن لا يشتبه أن الشعر لا يختص بقائله من جهة أنفس ~~الكلم وأضواع اللغة. ### | 432 - # وتزداد تبينا لذلك بأن تنظر في القائل إذا أضفته إلى ms219 الشعر فقلت: "امرؤ ~~القيس قائل هذا الشعر"، من أين جعلته قائلا له؟ أمن حيث # PageV01P362 # نطق بالكلم وسمعت ألفاظها من فيه، أم من حيث صنع في معانيها ما نصع، ~~وتوخى فيها ما توخى؟ فإن زعمت أنك جعلته قائلا له من حيث إنه نطق بالكلم ~~وسمعت ألفاظها من فيه على النسق المخصوص، فاجعل راوي الشعر قائلا له، فإنه ~~ينطق بها ويخرجها من فيه على الهيئة والصورة التي نطق بها الشاعر. وذلك ما ~~لا سبيل لك إليه. ### | 433 - # فإن قلت: إن الراوي وإن كان قد نطق بألفاظ الشعر على الهيئة والصورة التي ~~نطق بها الشاعر، فإنه هو لم يبتدئ فيها النسق والترتيب، وإنما ذلك شيء ~~ابتدأه الشاعر، فلذلك جعلته القائل له دون الراوي. # قيل لك: خبرنا عنك، أترى أنه يتصور أن يجب لألفاظ الكلم التي تراها في ~~قوله: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل1 # هذا الترتيب، من غير أن يتوخى في معانيها ما تعلم أن امرأ القيس توخاه من ~~كون "نبك" جوابا للأمر، وكون "من" معدية له إلى "ذكرى"، وكون "ذكرى" مضافة ~~إلى "حبيب"، وكون "منزل" معطوفا على "حبيب"، أم ذلك محال؟ # فإن شككت في استحالته لم تكلم2. # وإن قلت: نعم، هو محال. PageV01P363 # قيل لك: فإذا كان محالا أن يجب في الألفاظ ترتيب من غير أن يتوخى في ~~معانيها معاني النحو، كان قولك: "إن الشاعر ابتدأ فيها ترتيبا"، قولا بما ~~لا يتحصل. # لا يكون ترتيب حتى يكون قصد إلى صورة وصفة: ### | 434 - # وجملة الأمر أنه لا يكون ترتيب في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصنعة ~~إن لم يقدم فيه ما قدم، ولم يؤخر ما أخر، وبدئ بالذي ثني به، أو ثني بالذي ~~ثلث به، لم تحصل لك تلك الصورة وتلك الصفة، وإذا كان كذلك، فينبغي أن تنظر ~~إلى الذي يقصد واضع الكلام أن يحصل له من الصورة والصنعة: أفي الألفاظ يحصل ~~له ذلك، أم في معاني الألفاظ؟ وليس في الإمكان أنت يشك عاقل إذا نظر، أن ~~ليس ذلك في الألفاظ، وإنما ms220 الذي يتصور أن يكون مقصودا في الألفاظ هو ~~"الوزن"، وليس هو من كلامنا في شيء، لأنا نحن فيما لا يكون الكلام كلاما ~~إلا به، وليس للوزن مدخل في ذلك. # PageV01P364 # فصل ### | : عود إلى مسألة "اللفظ" و"المعنى" وما يعرض فيه من الفساد ### | 435 - # واعلم أني على طول ما أعدت وأبدأت، وقلت وشرحت، في هذا الذي قام في أوهام ~~الناس من حديث "اللفظ"، لربما ظننت أني لم أصنع شيئا، وذاك أنى ترى الناس ~~كأنه قد قضي عليهم أن يكونوا في هذا الذي نحن بصدده، على التقليد البحت، ~~وعلى التوهم والتخيل، وإطلاق اللفظ من غير معرفة بالمعنى، قد صار ذاك الدأب ~~والديدن، واستحكم الداء منه الاستحكام الشديد، وهذا الذي بيناه وأوضحناه، ~~كأنك ترى أبدا حجازا بينهم بين أن يعرفوه1، وكأنك تسمعهم من شيئا تلفظه ~~أسماعهم، وتنكره نفوسهم2، وحتى كأنه كلما كان الأمر أبين، كانوا عن العلم ~~به، وفي توهم خلافه أقعد، وذاك لأن الاعتقاد الأول قد نشب في قلوبهم، وتأشب ~~فيها، ودخل بعروقه في نواحيها، وصار كالنبات السوء الذي كلما قلعته عاد ~~فنبت3. ### | 436 - # والذي له صاروا كذلك، أنهم حين رأوهم يفردون "اللفظ" عن "المعنى"، ~~ويجعلون له حسنا على حدة، ورأوهم قد قسموا الشعر فقالوا: "إن منه ما حسن ~~لفظه ومعناه، ومنه ما حسن لفظه دون معناه، ومنه ما حسن معناه دون لفظه"، ~~ورأوهم يصفون "اللفظ" بأوصاف لا يصفون بها "المعنى"، ظنوا أن للفظ، من حيث ~~هو لفظ حسنا ومزية ونبلا. PageV01P365 # وشرفا، وأن الأوصاف التي نحلوه إياها هي أوصافه على الصحة، وذهبوا عما ~~قدمنا شرحه من أن لهم في ذلك رأيا وتدبيرا، وهو أن يفصلوا بين المعنى الذي ~~هو الغرض، وبين الصورة التي يخرج فيها، فنسبوا ما كان من الحسن والمزية في ~~صورة المعنى إلى "اللفظ"، ووصفوه في ذلك بأوصاف هي تخبر عن أنفسها أنها ~~ليست له، كقولهم: "إنه حلي المعنى، وإنه كالوشي عليه، وإنه قد كسب المعنى ~~ذلا وشكلا1، وإنه رشيق أنيق، وإنه متمكن، وإنه على قدر المعنى لا فاضل ولا ~~مقصر"، إلى ms221 أشباه ذلك مما لا يشك أنه لا يكون وصفا له من حيث هو لفظ وصدى ~~صوت، إلا أنهم كأنهم رأوا بسلا حراما أن يكون لهم في ذلك فكر وروية2، وأن ~~يميزوا فيه قبيلا من دبير. ### | 437 - # ومما الصفة فيه للمعنى، وإن جرى في ظاهر المعاملة على "اللفظ"، إلا أنه ~~يبعد عند الناس كل البعد أن يكون الأمر فيه كذلك، وأن لا يكون من صفة ~~"اللفظ" بالصحة والحقيقة3 وصفنا اللفظ بأنه "مجاز". # وذاك أن العادة قد جرت بأن يقال في الفرق بين "الحقيقة" و "المجاز": إن ~~"الحقيقة"، أن يقر اللفظ على أصله في اللغة، و "المجاز"، أن يزال عن موضعه، ~~ويستعمل في غير ما وضع له، فيقال: "أسد" ويراد "شجاع"، و "بحر" ويراد جواد. ~~PageV01P366 # وهو وإن كان شيئا قد استحكم في النفوس حتى إنك ترى الخاصة فيه كالعامة، ~~فإن الأمر بعد على خلافه. وذاك أنا إذا حققنا، لم نجد لفظ "أسد" قد استعمل ~~على القطع والبت في غير ما وضع له. ذاك لأنه لم يجعل في معنى "شجاع" على ~~الإطلاق، ولكن جعل الرجل بشجاعته أسدا، فالتجوز في أن ادعيت للرجل أنه في ~~معنى الأسد1، وأنه كأنه هو في قوة قلبه وشدة بطشه، وفي أن الخوف لا يخامره، ~~والذعر لا يعرض له. وهذا إن أنت حصلت، تجوز منك في معنى اللفظ لا اللفظ، ~~وإنما يكون اللفظ مزالا بالحقيقة عن موضعه، ومنقولا عما وضع له. أن لو كنت ~~تجد عاقلا يقول: "هو أسد"، وهو لا يضمر في نفسه تشبيها له بالأسد، ولا يريد ~~إلا ما يريده إذا قال: "هو شجاع". وذلك ما لا يشك في بطلانه. # التجوز في ذكر "اللفظ"، وأنه المراد به "المعنى": ### | 438 - # وليس العجب إلا أنهم لا يذكرون شيئا من "المجاز" إلا قالوا: "إنه أبلغ من ~~الحقيقة". فليت شعري، إن كان لفظ "أسد" قد نقل عما وضع له في اللغة، وأزيل ~~عنه، وجعل يراد به "الشجاع" هكذا غفلا ساذجا، فمن أين يجب أن يكون قولنا: ~~"أسد"، أبلغ من قولنا "شجاع"؟ ms222 # إزالة شبهة في شأن "المجاز": # وهكذا الحكم في "الاستعارة"، هي، وإن كانت في ظاهر المعاملة من صفة ~~"اللفظ"، وكنا نقول: "هذه لفظة مستعارة" و "قد استعير له اسم الأسد" فإن ~~مآل الأمر إلى أن القصد بها إلى المعنى. PageV01P367 # بيان مهم في معنى "جعلته أسدا" ونحو ذلك: ### | 439 - # يدلك على ذلك أن تقول: "جعله أسدا" و "جعله بدرا" و "جعله بحرا"، فلو لم ~~يكن القصد بها إلى المعنى، لم يكن لهذا الكلام وجه، لأن "جعل" لا تصلح إلا ~~حيث يراد إثبات صفة للشيء، كقولنا: "جعلته أميرا" و "جعلته واحد دهره"، ~~تريد أثبت له ذلك. وحكم "جعل" إذا تعدى إلى مفعولين حكم "صير"، فكما لا ~~تقول: "صيرته أميرا"، إلا على معنى أنك أثبت له صفة الإمارة، كذلك لا يصح ~~أن تقول: "جعلته أسدا"، إلا على معنى أنك جعلته في معنى الأسد ولا يقال: ~~"جعلته زيدا"، بمعنى "سميته زيدا"، ولا يقال للرجل: "إجعل ابنك زيدا" ~~بمعنى: "سمه زيدا" و "ولد لفلان ابن فجعله زيدا"، وإنما يدخل الغلط في ذلك ~~على من لا يحصل1. # بيان في قوله: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} ### | 440 - # فأما قوله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} [الزخرف: ~~19]، فإنما جاء على الحقيقة التي وصفتها، وذلك أن المعنى على أنهم أثبتوا ~~للملائكة صفة "الإناث"، واعتقدوا وجودها فيهم. وعن هذا الاعتقاد صدر عنهم ~~ما صدر من الاسم، أعني إطلاق اسم "البنات"، وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظ ~~"الإناث" أو لفظ "البنات" اسما من غير اعتقاد معنى وإثبات صفة. وهذا محال ~~لا يقوله له عاقل. أما تسمع قول الله تعالى: {أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسألون} [الزخرف: 19] فإن كانوا لم يزيدوا على أن أجروا الاسم على ~~الملائكة ولم يعتقدوا إثبات صفة ومعنى بإجرائه عليهم، فأي معنى لأن يقال: ~~"أشهدوا خلقهم"؟ هذا، ولو كانوا PageV01P368 # لم يقصدوا إثبات صفة، ولم يزيدوا على أن وضعوا اسما1، لما استحقوا إلا ~~اليسير من الذم، ولما كان هذا القول منهم كفرا. والأمر في ذلك أظهر من ms223 أن ~~يخفى2. ### | 441 - # وجملة الأمر أنه إن قيل: "إنه ليس في الدنيا علم قد عرض الناس فيه من فحش ~~الغلط، ومن قبيح التورط، ومن الذهاب مع الظنون الفاسدة3 ما عرض لهم في هذا ~~الشأن"4، ظننت أن لا يخشى على من يقوله الكذب. وهل عجب أعجب من قوم عقلاء ~~يتلون قول الله تعالى: {قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] ويؤمنون ~~به، ويدينون بأن القرآن معجز، ثم يصدون بأوجههم عن برهان الإعجاز ودليله، ~~ويسلكون غير سبيله؟ ولقد جنوا، لو دروا ذاك، عظيما. PageV01P369 ### | تمام القول في النظم وأنه توخى معاني النحو ### | 442 - # واعلم أنه وإن كانت الصورة في الذي أعدنا وأبدأنا فيه من أنه لا معنى ~~للنظم غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم، قد بلغت في الوضوح والظهور ~~والانكشاف إلى أقصى الغاية، وإلى أن تكون الزيادة عليه كالتكلف لما لا ~~يحتاج إليه، فإن النفس تنازع إلى تتبع كل ضرب من الشبهة يرى أنه يعرض ~~للمسلم نفسه عند اعتراض الشك. ### | 443 - # وإنا لنرى أن في الناس من إذا رأى أن يجري في القياس وضرب المثل أن تشبه ~~الكلم في ضم بعضها إلى بعض، بضم غزل الإبريسم بعضه إلى بعض ورأى أن الذي ~~ينسج الديباج ويعمل النقش والوشي لا يصنع بالإبريسم الذي ينسج منه1، شيئا ~~غير أن يضم بعضه إلى بعض، ويتخير للأصباغ المختلفة المواقع التي يعلم أنه ~~إذا أوقعها يها حدث له في نسجه ما يريد من النقش والصورة2 جرى في ظنه أن ~~حال الكلم في ضم بعضها إلى بعض، وفي تخير المواقع لها3، حال خيوط الإبريسم ~~سواء، ورأيت كلامه كلام من لا يعلم أنه لا يكون الضم فيها ضما، ولا الموقع ~~موقعا، حتى يكون قد توخى فيها معاني النحو4 وأنك إن عمدت إلى الألفاظ فجعلت ~~تتبع بعضها بعضا من غير أن تتوخى فيها معاني النحو، لم تكن صنعت شيئا تدعي ~~به. PageV01P370 # مؤلفا، وتشبه معه بمن عمل نسجا أو ms224 صنع على الجملة صنيعا، ولم يتصور أن ~~تكون قد تخيرت لها المواقع. # استدلال على أن "النظم" هو توخي معاني النحو، وهو مهم: ### | 444 - # وفساد هذا وشبهه من الظن، وإن كان معلوما ظاهرا، فإن ههنا استدلالا لطيفا ~~تكثر بسببه الفائدة. وهو أن يتصور أن يعمد عامد إلى نظم كلام بعينه فيزيله ~~عن الصورة التي أرادها الناظم له ويفسدها عليه، من غير أن يحول منه لفظا عن ~~موضعه، أو يبدله بغيره، أو يغير شيئا من ظاهر أمره على حال. # مثال ذلك: أنك إن قدرت في بيت أبي تمام: # لعاب الأفاعي القاتلات لغابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل1 # أن "لعاب الأفاعي" مبتدأ و "لعابه" خبر، كما يوهمه الظاهر، أفسدت عليه ~~كلامه، وأبطلت الصورة التي أرادها فيه. وذلك أن الغرض أن يشبه مداد قلمه ~~بلعاب الأفاعي، على معنى أنه إذا كتب في إقامة السياسات أتلف به النفوس، ~~وكذلك الغرض أن يشبه مداده بأري الجني2، على معنى أنه إذا كتب في العطايا ~~والصلات أوصل به إلى النفوس ما تحلو مذاقته عندها، وأدخل السرور واللذة ~~عليها. وهذا المعنى إنما يكون إذا كان "لعابه" مبتدأ، و "لعاب الأفاعي" ~~خبرا، فأما تقديرك أنت يكون "لعاب الأفاعي" مبتدأ PageV01P371 # و "لعابه"، خبرا فيبطل ذلك ويمنع منه البتة، ويخرج بالكلام إلى ما لا ~~يجوز أن يكون مرادا في مثل غرض أبي تمام، وهو أن يكون أراد أن يشبه "لعاب ~~الأفاعي" بالمداد، ويشبه كذلك "الأري" به. # فلو كان حال الكلم في ضم بعضها إلى بعض كحال غزل الإبريسم، لكان ينبغي أن ~~لا تتغير الصورة الحاصلة من نظم كلم، حتى تزال عن مواضعها، كما لا تتغير ~~الصورة الحادثة عن ضم غزل الإبريسم بعضه إلى بعض، حتى نزال الخيوط مواضعها. ### | 445 - # واعلم أنه لا يجوز أن يكون سبيل قوله: "لعاب الأفاعي القاتلات لعابه"، ~~سبيل قولهم: "عتابك السيف". وذلك أن المعنى في بيت أبي تمام على أنك مشبه ~~شيئا بشيء، وجامع بينهما في وصف1، وليس المعنى في: "عتابك السيف"، على أنك ~~تشبه عتابه بالسيف، ولكن ms225 على أن تزعم أنه يجعل "السيف" بدلا من "العتاب". ~~أفلا ترى أنه يصح أن تقول: مداد قلمه قاتل كسم الأفاعي"، ولا يصح أن تقول: ~~"عتابك كالسيف"، اللهم إلا أن تخرج إلى باب آخر، وشيء ليس هو غرضهم بهذا ~~الكلام، فتريد أنه قد عاتب عتابا خشنا مؤلما. ثم إنك إن قلت: "السيف ~~عتابك"، خرجت به إلى معنى ثالث، وهو أن تزعم أن عتابه قد بلغ في إيلامه ~~وشدة تأثيره مبلغا صار له السيف كأنه ليس بسيف. ### | 446 - # واعلم أنه إن نظر ناظر في شأن المعاني والألفاظ إلى حال PageV01P372 # السامع، نفإذا رأي المعاني تقع في نفسه من بعد وقوع الألفاظ في سمعه. ظن ~~لذلك أن المعاني تبع للألفاظ في ترتيبها. فإن هذا الذي بيناه يريه فساد هذا ~~الظن. وذلك أنه لو كانت المعاني تكون تبعا للألفاظ في ترتيبها، لكان محالا ~~أن تتغير المعاني والألفاظ بحالها لم تزل عن ترتيبها. فلما رأينا المعاني ~~قد جاز فيها التغير من غير أن تتغير الألفاظ وتزول عن أماكنها، علمنا أن ~~الألفاظ هي التابعة، والمعاني هي المتبوعة. # الإشكال في معرفتين، هما مبتدأ وخبر، وفصل الإشكال بالمعنى: ### | 447 - # واعلم أنه ليس من كلام يعمد واضعه فيه إلى معرفتين فيجعلهما مبتدأ وخبرا، ~~ثم يقدم الذي هو الخبر، إلا أشكل الأمر عليك فيه، فلم تعلم أن المقدم خبر، ~~حتى ترجع إلى المعنى وتحسن التدبر. # أنشد الشيخ أبو علي في "التذكرة"1: # نم وإن لم أنم كراي كراكا2 # ثم قال: "ينبغي أن يكون "كراي" خبرا مقدما، ويكون الأصل: "كراك كراي"، أي ~~نم، وإن لم أنم فنومك نومي، كما تقول: "قم، وإن PageV01P373 # جلست، فقيامك قيامي، هذا هو عرف الاستعمال في نحوه" ثم قال: "وإذا كان ~~كذلك، فقد قدم الخبر وهو معرفة، وهو ينوى به التأخير من حيث كان خبرا" قال: ~~"فهو كبيت الحماسة: # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد1 # فقدم خبر المبتدأ وهو معرفة، وإنما دل على أنه ينوي التأخير المعنى2، ~~ولولا ذلك لكانت المعرفة، إذا قدمت، هي المبتدأ لتقدمها، فافهم ms226 ذلك". هذا ~~كله لفظه. # بيان السبب في تعدد أوجه تفسير الكلام: ### | 448 - # واعلم أن الفائدة تعظم في هذا الضرب من الكلام، إذا أنت أحسنت النظر فيما ~~ذكرت لك، من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه عن صورة إلى صورة، من غير ~~أن تغير من لظفه شيئا، أو تحول كلمة عن مكانها إلى مكان آخر، وهو الذي وسع ~~مجال التأويل والتفسير، حتى صاروا يتأولون ي الكلام الواحد تأويلين أو ~~أكثر، ويفسرون البيت الواحد عدة تفاسير. وهو، على ذاك3، الطريق المزلة الذي ~~ورط كثيرا من الناس في الهلكة، وهو مما يعلم به العاقل شدة الحاجة إلى هذا ~~العلم، وينكشف معه عوار الجاهل به، ويفتضح عنده المظهر الغنى عنه. ذاك لأنه ~~قد يدفع إلى الشيء لا يصح PageV01P374 # إلا بتقدير غير ما يريه الظاهر، ثم لا يكون له سبيل إلى معرفة ذلك ~~التقدير إذا كان جاهلا بهذا العلم، فيتسكع عند ذلك في العمى، ويقع في ~~الضلال. # مثال في تفسير قوله: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى} ### | 449 - # مثال ذلك أن من نظر إلى قوله تعالى {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ~~ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} [الإسراء: 110] ثم لم يعلم أن ليس المعنى في ~~"ادعوا" الدعاء، ولكن الذكر بالاسم، كقولك: "هو يدعي زيدا" و "يدعي ~~الأمير"، وأن في الكلام محذوفا، وأن التقدير: قل ادعوه الله، أو ادعوه ~~الرحمن، أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى1 كان بغرض أن يقع في الشرك، من ~~حيث إنه إن جرى في خاطره أن الكلام على ظاهره، خرج ذلك به، والعياد بالله ~~تعالى، إلى إثبات مدعوين، تعالى الله عن أن يكون له شريك. وذلك من حيث كان ~~محالا أن تعمد إلى اسمين كلاهما اسم شيء واحد، فتعطف أحدهما على الآخر، ~~فتقول مثلا: "ادع لي زيدا أو الأمير"، و "الأمير" هو زيد. وكذلك محال أن ~~تقول: "أياما ندعوا" وليس هناك إلا مدعو واحد، لأن من شأن "أي" أن تكون ~~أبدا واحدا من اثنين ms227 أو جماعة، ومن ثم لم يكن له بد من الإضافة، إما لفظا ~~وإما تقديرا. # مثال في قوله: {وقالت اليهود عزير ابن الله} بغير تنوين "عزير" ### | 450 - # وهذا باب واسع2. ومن المشكل فيه قراءة من قرأ3: {وقالت اليهود عزير ابن ~~الله} [التوبة: 30]، بغير تنوين. وذلك أنهم قد حملوها على وجهين: ~~PageV01P375 # أحدهما: أن يكون القارئ له أراد التنوين ثم حذفه لالتقاء الساكنين، ولم ~~يحركه، كقراءة من قرأ1: {قل هو الله أحد الله الصمد} [الإخلاص: 1، 2] بترك ~~التنوين من "أحد:، وكما حكي عن عمارة بن عقيل أنه قرأ2: {ولا الليل سابق ~~النهار} [يس: 40]، بالنصب، فقيل له: ما تريد؟ فقال: أريد سابق النهار. قيل: ~~فهلا قلته؟ فقال: فلو قلته لكان أوزن وكما جاء في الشعر من قوله: # فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا3 # إلى نظائر ذلك، فيكون المعنى في هذه القراءة مثله في القراءة الأخرى، ~~سواء. # والوجه الثاني: أن يكون الابن صفة، ويكون التنوين قد سقط على حد سقوطه في ~~قولنا: "جاءني زيد بن عمرو"، ويكون في الكلام محذوف. ثم اختلفوا في ~~المحذوف، فمنهم من جعله مبتدأ فقدر: "وقالت اليهود هو عزير بن الله" ومنهم ~~من جعله خبرا فقدر؟ "وقالت اليهود عزير ابن الله معبودنا". # وفي هذا أمر عظيم، وذلك أنك إذا حكيت عن قائل كلاما أنت تريد أن تكذبه ~~فيه، فإن التكذيب ينصرف إلى ما كان فيه خبرصا، دون ما كان صفة. # تفسير هذا: أنك إذا حكيت عن إنسان أنه قال: "زيد بن عمرو PageV01P376 # سيد"، ثم كذبته فيه، لم تكن قد أنكرت بذلك أن يكون زيد ابن عمرو، ولكن أن ~~يكون سيدا وكذلك إذا قال: "زيد الفقيه قد قدم"، فقلت له: "كذبت" أو "غلطت". ~~لم تكن قد أنكرت أن يكون زيد فقيها، ولكن أن يكون قد قدم1. هذا ما لا شبهة ~~فيه، وذلك أنك إذا كذبت قائلا في كلام أو صدقته، فإنما ينصرف التكذيب منك ~~والتصديق إلى إثباته ونفيه، والإثبات والنفي يتناولات الخبر دون الصفة. ~~يدلك على ذلك أنك تجد الصفة ثابتة ms228 في حال النفي، كثبوتها في حال الإثبات. ~~فإذا قلت: "ما جاءني زيد الظريف"، كان "الظرف" ثابتا لزيد كثبوته إذا قلت: ~~"جاءني زيد الظريف" وذلك أن ليس ثبوت الصفة للذي هي صفة له، بالمتكلم ~~وبإثباته لها فتنتفي بنفيه، وإنما ثبوتها بنفسها، ويتقرر الوجود فيها عند ~~المخاطب، مثله عند المتكلم، لأنه إذا وقعت الحاجة في العلم إلى الصفة، كان ~~الاحتياج إليها من أجل خيفة اللبس على المخاطب. # تفسير ذلك: أنك إذا قلت: "جاءني زيد الظريف"، فإنك إنما تحتج إلى أن تصفه ~~بالظريف، إذا كان فيمن يجيء إليك واحد آخر يسمى "زيدا"، فأنت تخشى إن قلت: ~~"جاءني زيد" ولم تقل: "الظريف"، أن يلتبس على المخاطب فلا يدري أهذا عنيت ~~أم ذاك؟ وإذا كان الغرض من ذكر الصفة إزالة اللبس والتبيين، كان محالا أن ~~تكون غير معلومة عند المخاطب، وغير ثابتة، لأنه يؤدي إلى أن ترم تبيين ~~الشيء للمخاطب بوصف هو لا يعلمه في ذلك الشيء. وذلك ما لا غاية وراءه في ~~الفساد. PageV01P377 # وإذا كان الأمر كذلك، كان جل "الابن" صفة في الآية، مؤديا إلى الأمر ~~العظيم، وهو إخراجه عن موضع النفي والإنكار، إلى موضع الثبوت والاستقرار، ~~جل الله تعالى عن شبه المخلوقين، وعن جميع ما يقول الظالمون، علوا كبيرا. ### | 451 - # فإن قيل: إن هذه قراءة معروفة، والقول بجواز الوصفية في "الابن" كذلك ~~معروف ومدون في الكتب، وذلك يقتضي أن يكونوا قد عرفوا في الآية تأويلا يدخل ~~به "الابن" في الإنكار مع تقدير الوصفية فيه. # قيل: إن القراءة كما ذكرت معروفة، والقول بجواز أن يكون "الابن" صفة مثبت ~~مسطور في الكتب كما قلت، ولكن الأصل الذي قدمناه من أن الإنكار إذا لحق لحق ~~الخبر دون الصفة1 ليس بالشيء الذي يعترض فيه شك أو تتسلط عليه شبهة. فليس ~~يتجه أن يكون "الابن" صفة ثم يلحقه الإنكار مع ذلك، إلا على تأويل غامض، ~~وهو أن يقال: إن الغرض الدلالة على أن اليهود قد كان بلغ من جهلهم ورسوخهم ~~في هذا الشرك، أنهم كانوا يذكرون "عزيرا" هذا ms229 الذكر، كما تقول في قوم تريد ~~أن تصفهم بأنهم قد استهلكوا في أمر صاحبهم وغلوا في تعظيمه: "إني أراهم قد ~~اعتقدوا أمرا عظيما، فهم يقولون أبدا: زيد الأمير"، تريد أنه كذلك يكون ~~ذكرهم إذا ذكروه، إلا أنه إنما يستقيم هذا التأويل فيه، إذا أنت لم تقدر له ~~خبرا معينا، ولكن تريد أنهم كانوا لا يخبرون عنه بخببر إلا كان ذكرهم له ~~هكذا. PageV01P378 # مثال آخر في بيان قوله: {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم} ### | 452 - # ومما هو من هذا الذي نحن فيه قوله تعالى: {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا ~~لكم} [النساء: 171]. وذلك أنهم قد ذهبوا في رفع "ثلاثة" إلى أنها خبر مبتدأ ~~محذوف، وقالوا: إن التقدير: "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة". وليس ذلك بمستقيم. ~~وذلك أنا إذا قلنا: "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"، كان ذلك، والعياذ بالله، ~~شبيه الإثبات أن ههنا آلهة، من حيث إنك إذا نفيت، فإنما تنفي المعنى ~~المستفاد من الخبر عن المبتدأ، ولا تنفي معنى المبتدأ، فإذا قلت: "ما زيد ~~منطلقا" كنت نفيت الانطلاق الذي هو معنى الخبر عن زيد، ولم تنف معنى زيد ~~ولم توجب عدمه. وغذاكان ذلك كذلك، فإذا قلنا: "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"، ~~كنا قد نفينا أن تكون عدة الآلهة ثلاثة، ولم تنف أن تكون آلهة، جل الله ~~تعالى عن الشريك والنظير كما أنك إذا قلت: "ليس أمراؤنا ثلاثة"، كنت قد ~~نفيت أن تكون عدة الأمراء ثلاثة، ولم تنف أن يكون لكم أمراء. هذا ما لا ~~شبهة فيه. وغذا أدى هذا التقدير إلى هذا الفساد، وجب أن يعدل عنه إلى غيره. # والوجه، والله أعلم، أن تكون "ثلاثة" صفة مبتدأ لا خبر مبتدإ، ويكون ~~التقدير: "ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة أو: في الوجود آلهة ثلاثة"، ثم حذف ~~الخبر الذي هو "لنا" أو "في الوجود" كما حذف من: "لا إله إلا الله" و {ما ~~من إله إلا الله} [آل عمران: 62]، فبقي "ولا تقولوا آلهة ثلاثة"، ثم حذف ~~الموصوف الذي هو "آلهة"، فبقي: "ولا تقولوا ثلاثة". وليس في حذف ما ms230 قدرنا ~~حذفه ما يتوقف في صحته. أما حذف الخبر الذي قلنا إنه "لنا" أو "في الوجود"، ~~فمطرد في كل ما معناه التوحيد، ونفي أن يكون مع الله، تعالى عن ذلك، إله. # PageV01P379 # حذف الموصوف بالعدد شائع: ### | 453 - # وأما حذف الموصوف بالعدد، فكذلك شائع، وذلك أنه كما يسوغ أن تقول: "عندي ~~ثلاثة"، وأنت تريد "ثلاثة أثواب"، ثم تحذف، لعلمك أن السامع يعلم ما تريد، ~~كذلك يسوغ أن تقول: "عندي ثلاثة"، وأنت تريد "أثواب ثلاثة"، لأنه لا فصل ~~بين أن تجعل المقصود بالعدد مميزا، وبين أن تجعله موصوفا بالعدد، في أنه ~~يحسن حذفه إذا علم المراد. # يبين ذلك أنك ترى المقصود بالعدد قد ترك ذكره، ثم لا تستطيع أن تقدره إلا ~~موصوفا، وذلك في قولك: "عندي اثنان"، و "عندي واحد"، يكون المحذوف ههنا ~~موصوفا لا محالة، نحو: "عندي رجلان اثنان" و "عندي درهم واحد"، 1 ولا يكون ~~مميزا البتة2، من حيث كانوا قد رفضوا إضافة "الواحد" و "الاثنين" إلى ~~الجنس، فتركوا أن يقولوا: "واحد رجال" و "آثنا رجال" على حد "ثلاثة رجال"، ~~ولذلك كان قول الشاعر: # ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل3 # شاذا PageV01P380 # هذا، ولا يمتنع أن يجعل المحذوف من الآية في موضع التمييز دون موضع ~~الموصوف، فيجعل التقدير، "ولا تقولوا ثلاثة آلهة"، ثم يكون الحكم في الخبر ~~على ما مضى، ويكون المعنى، والله أعلم، ولا تقولوا لنا ثلاثة آلهة، أو في ~~الوجود ثلاثة آلهة"1. ### | 454 - # فإن قلت: فلم صار لا يلزم على هذا التقدير ما لزم على قول من قدر: "ولا ~~تقولوا آلهتنا ثلاثة"؟ # 2 فذاك لأنا إذا جعلنا التقدير3: ولا تقولوا لنا، أو: في الوجود، آلهة ~~ثلاثة، أو ثلاثة آلهة"، كنا قد نفينا الوجود على الآلهة، كما نفيناه في "لا ~~إله إلا الله"، و {ما من إله إلا الله} [آل عمران: 62]. # وإذا زعموا أن التقدير "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"، كانوا قد نفوا أن تكون ~~عدة الآلهة ثلاثة، ولم ينفوا وجود الآلهة. # فإن قيل: فإنه يلزم على تقديرك الفساد من وجه آخر، وذاك ms231 أنه يجوز إذا ~~قلت: "ليس لنا أمراء ثلاثة"، أن يكون المعنى: ليس لنا أمراء ثلاثة4، ولكن ~~لنا أميران اثنان، وإذا كان كذلك: كان تقديرك وتقديرهم جميعا خطأ. ~~PageV01P381 # قيل: إن ههنا أمرا قد أغفلته، وهو أن قولهم {أآلهتنا}، يوجب ثبوت آلهة، ~~جل الله وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وقولنا: "ليس لنا آلهة ~~ثلاثة"، لا يوجب ثبوت اثنين البتة. # فإن قلت: إن كان لا يوجبه، فإنه لا ينفيه. # قيل: ينفيه ما بعده من قوله تعالى: {إنما الله إله واحد} [النساء: 171]. # فإن قيل: فإنه كما ينفي الإلهين، كذلك ينفي الآلهة. وإذا كان كذلك، وجب ~~أن يكون تقديرهم صحيحا كتقديرك. # قيل: هو كما قلت ينفي الآلهة، ولكنهم إذا زعموا أن التقدير: "ولا تقولوا ~~آلهتنا ثلاثة"، وكان ذلك والعياذ بالله من الشرك يقتضي إثبات آلهة، كانوا ~~قد دفعوا هذا النفي وخالفوه وأخرجوا إلى المناقضة. فإذا كان كذلك، كان ~~محالا أن يكون للصحة سبيل إلى ما قالوا. وليس كذلك الحال فيما قدرناه، لأنا ~~لم تقدر شيئا يقتضي إثبات إلهين، تعالى الله، حتى يكون حالنا حال من يدفع ~~ما يوجبه هذا الكلام من نفيهما. # يبين لك ذلك: أنه يصح لنا أن نتبع ما قدرناه نفي الاثنين، ولا يصح لهم. # تفسير ذلك: أنه يصح أن تقول: "ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان"، لأن ~~ذلك يجري مجرى أن تقول: "ليس لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان"، وهذا صحيح ولا يصح ~~لهم أن يقولوا: "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ولا إلهان"1، لأن ذلك يجري ~~PageV01P382 # مجرى أن يقولوا: "ولا تقولوا آلهتنا إلهان". وذلك فاسد، فاعرفه وأحسن ~~تأمله. ### | 455 - # ثم إن ههنا طريقا آخر، وهو أن تقدر: "ولا تقولوا الله والمسيح وأمه ~~ثلاثة"، أي نبعدهما كما نعبد الله. # يبين ذلك قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} ~~[المائدة: 73]، وقد استقر في العرف أنهم إذا أرادوا إلحاق اثنين بواحد في ~~وصف من الأوصاف، وأن يجعلوها شبيهين له، قالوا: "هم ثلاثة"، كما يقولون إذا ~~أرادوا إلحاق واحد بآخر وجعله في معناه، ms232 "هما اثنان"، وعلى هذا السبيل ~~كأنهم يقولون: "هم يعدون معدا واحدا" ويوجب لهم التساوي والتشارك في الصفة ~~والرتبة، وما شاكل ذلك. ### | 456 - # واعلم أنه لا معنى لأن يقال: إن القول حكاية، وإنه إذا كان حكاية لم يلزم ~~منه إثبات الآلهة، لأنه يجري مجرى أن تقول: "إن من دين الكفار أن يقولوا: ~~الآلهة ثلاثة"1، وذلك لأن الخطاب في الاية للنصارى أنسهم. ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ~~إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى PageV01P383 # مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم} ~~[النساء: 171]. وإذا كان الخطاب للنصارى، كان تقدير الحكاية محالا، ف "لا ~~تقولوا" إذن في معنى: "لا تعتقدوا"، وإذا كان في معنى الاعتقاد، لزم إذا ~~قدر "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"، ما قلنا إنه يلزم من إثبات الآلهة. وذلك ~~لأن الاعتقاد يتعلق بالخبر لا بالمخبر عنه. فإذا قلت: "لا تعتقد أن الأمراء ~~ثلاثة"، كنت نهيته عن أن يعتقد كون الأمراء على هذه العدة، لا عن أن يعتقد ~~أن ههنا أمراء. هذا ما لا يشك فيه عاقل. وإنما يكون النهي عن ذلك إذا قلت: ~~"لا تعتقد أن ههنا أمراء"، لأنك حينئذ تصير كأنك قلت: لا تعتقد وجود أمراء. # هذا، ولو كان الخطاب مع المؤمنين، لكان تقدير الحكاية لا يصح أيضا. ذلك ~~لأنه لا يجوز أن يقال: "إن المؤمنين نهوا عن أن يحكموا عن النصارى مقالتهم، ~~ويخبروا عنهم بأنهم يقولون كيت وكيت"، كيف؟ وقد قال الله تعالى: {وقالت ~~اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} [التوبة: 30] ومن أين ~~يصح النهي عن حكاية قول المبطل، وفي ترك حكايته ترك له وكفره، وامتناع من ~~النعي عليه، والإنكار لقوله، والاحتجاج عليه، وإقامة الدليل على بطلانه، ~~لأنه لا سبيل إلى شيء من ذلك إلا من بعد حكاية القول والإفصاح به، فاعرفه. # PageV01P384 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | تحرير القول في الإعجاز والفصاحة والبلاغة ### | 457 - # قد أردنا أن نستأنف ms233 تقريرا نزيد به الناس تبصيرا أنهم في عمياء من أمرهم ~~حتى يسلكوا المسلك الذي سلكناه، ويفرغوا خواطرهم لتأمل ما استخرجناه وأنهم، ~~ما لم يأخذوا أنفسهم بذلك، ولم يجردوا عناياتهم له1 في غرور، كمن يعد نفسه ~~الري من السراب اللامع، ويخادعها بأكاذيب المطامع. # بيان في معنى "التحدي"، وأي شيء طولبوا أن يأتوا به؟ وهو مهم: ### | 458 - # يقال لهم: إنكم تتلون قول الله تعالى: {قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} [هود: 13]، وقوله: {بسورة من مثله} ~~[البقرة: 23]، فقولوا الآن: أيجوز أن يكون تعالى قد أمر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بأن يتحدى العرب إلى أن يعارضوا القرآن بمثله، من غير أن يكونوا قد ~~عرفوا الوصف الذي إذا أتوا بكلام على ذلك الوصف، كانوا قد أتوا بمثله؟ # ولا بد من "لا"، لأنهم إن قالوا: "يجوز"، أبطلوا التحدي، من حيث إن ~~التحدي -كما لا يخفى- مطالبة بأن يأتوا بكلام على وصف، ولا تصح المطالبة ~~بالإتيان به على وصف من غير أن يكون ذلك الوصف معلوما للمطالب2 ويبطل بذلك ~~دعوى الإعجاز أيضا؛ وذلك لأنه لا يتصور أن PageV01P385 # يقال: إنه كان عجز، حتى يثبت معجوز عنه معلوم؛ فلا يقوم في عقل عاقل أن ~~يقول لخصم له: "قد أعجزك أن تفعل مثل فعلي"، وهو لا يشير له إلى وصف يعلمه ~~في فعله، ويراه قد وقع عليه؛ أفلا ترى أنه لو قال رجل لآخر: "إني قد أحدثت ~~في خاتم عملته صنعة أنت لا تستطيع مثلها"، لم تتجه له عليه حجة، ولم يثبت ~~به أنه قد أتى بما يعجزه، إلا من بعد أن يريه الخاتم، ويشير له إلى ما زعم ~~أنه أبدعه فيه من الصنعة، لأنه لا يصح وصف الإنسان بأنه قد عجز عن شيء، حتى ~~يريد ذلك الشيء ويقصد إليه، ثم لا يتأتى له. وليس يتصور أن يقصد إلى شيء لا ~~يعلمه. وأن تكون منه إرادة لأمر لم يعلمه في جملة ولا تفصيل. ### | 459 - # ثم إن هذا الوصف ينبغي أن يكون وصفا ms234 قد تجدد بالقرآن، وأمر لم يوجد في ~~غيره، ولم يعرف قبل نزوله. وإذا كان كذلك؛ فقد وجب أن يعلم أنه لا يجوز أن ~~يكون في "الكلم المفردة"، لأن تقدير كونه فيها يؤدي إلى المحال، وهو أن ~~تكون الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة، قد حدث في مذاقة حروفها ~~وأصدائها أوصاف لم تكن1، لتكون تلك الأوصاف فيها أقبل السامعون عليها إذا ~~كانت متلوة في القرآن، لا يجدون لها تلك الهيئات والصفات خارج القرآن2. ولا ~~يجوز أن تكون في "معاني الكلم المفردة"، التي هي لها بوضع PageV01P386 # اللغة؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون قد تجدد في معنى "الحمد" و"الرب"، ومعنى ~~"العالمين" و"الملك" و"اليوم" و"الذين"، وهكذا، وصف لم يكن قبل نزول ~~القرآن. وهذا ما لو كان ههنا شيء أبعد من الحال وأشنع لكان إياه1. # ولا يجوز أن يكون هذا الوصف في "ترتيب الحركات والسكنات"، حتى كأنهم ~~تحدوا إلى أن يأتوا بكلام تكون كلماته على تواليه في زنة كلمات القرآن، ~~وحتى كأن الذي بان به: القرآن من الوصف في سبيل بينونة بحور الشعر بعضها من ~~بعض، لأنه يخرج إلى ما تعاطه مسيلمة من الحماقة في: "إنا أعطيناك الجماهر، ~~فصل لربك وجاهر"، "والطاحنات طحنا". # وكذلك الحكم إن زعم زاعم "أن الوصف الذي تحدوا إليه هو أن يأتوا بكلام ~~يجعلون له مقاطع، وفواصل، كالذي تراه في القرآن"؛ لأنه أيضا ليس بأكثر من ~~التعويل على مراعاة وزن. وإنما الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر، وقد ~~علمنا اقتدارهم على القوافي كيف هو، فلو لم يكن التحدي إلا إلى فصول من ~~الكلام يكون لها أواخر أشباه القوافي، لم يعوزهم ذلك، ولم يتعذر عليهم. وقد ~~خيل إلى بعضهم إن كان الحكاية صححية شيء من هذا، حتى وضع على ما زعموا فصول ~~كلام أواخرها كأواخر الآي2، مثل "يعلمون" و "يؤمنون" وأشباه ذلك3. ~~PageV01P387 # ولا يجوز أن يكون الإعجاز بأن لم يلتق في حروفه ما يثقل على اللسان. # أي شيء بهر العقول من القرآن، وكلام الوليد بن المغيرة، وابن مسعود، ~~والجاحظ: ### | 460 - # وجملة الأمر ms235 أنه لن يعرض هذا وشبهه من الظنون لمن يعرض له إلا من سوء ~~المعرفة بهذا الشأن، أو للخذلان، أو لشهوة الإغراب في القول. ومن هذا الذي ~~يرضى من نفسه أن يزعم أن البرهان الذي بان لهم، والأمر الذي بهرهم، والهيبة ~~التي ملأت صدورهم1، والروعة التي دخلت عليهم فأزعجتهم حتى قالوا: "إن له ~~لحلاوة، وإن عليه لطولاة، وأن أسفله لمعذق، وإن أعلاه لمثمر2، إنما كان ~~لشيء راعهم من مواقع حركاته، ومن ترتيب بينها وبين سكناته؟ أم لفواصل في ~~أواخر آياته؟ من أين تليق هذه الصفة وهذا التشبيه بذلك؟ # أم ترى ابن مسعود حين قال في صفة القرآن: "لا يتفه ولا يتشان"3، وقال: ~~"إذا وقعت في آل حم، وقعت في روضات دمثات PageV01P388 # أتأنق فيهن"1، أي أتتبع محاسنهن قال ذلك من أجل أوزان الكلمات، ومن أجل ~~الفواصل في أواخر الآيات؟ # أم ترى أنهم لذلك قالوا: "لا تفنى عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد"2. # أم ترى الجاحظ حين قال في كتاب النبوة: "ولو أن رجلا قرأ على رجل من ~~خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة، لتبين له في نظامها ومخرجها، من لفظها ~~وطابعها أنه عاجز عن مثلها، لو تحدى بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها"3 لغا ~~ولغط4. # فليس5 كلامه هذا مما ذهبوا إليه في شيء. ### | 461 - # وينبغي أن تكون موازنتهم بين بعض الآي وبين ما قاله الناس في PageV01P389 # معناها، كموازنتهم بين: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179]، وبين: "قتل ~~البعض إحياء للجميع"1 خطأ مهم2؛ لأنا لا نعلم لحديث التحريك والتسكين وحديث ~~الفاصلة مذهبا في هذه الموازنة، ولا نعلمهم أرادوا غير ما يريده الناس إذا ~~وازنوا بين كلام وكلام في الفصاحة والبلاغة ودقة النظم وزيادة الفائدة. ~~ولولا أن الشطيان قد استحوذ على كثير من الناس في هذا الشأن، وأنهم -بترك ~~النظر، وإهمال التدبر وضعف النية، وقصر الهمة- قد طرقوا له حتى جعل يلقي في ~~نفوسهم كل محال وكل باطل3، وجعلوا هم يعطون الذي يلقيه حظا من قبولهم، ~~ويبوؤونه مكانا من قلوبهم، لما بلغ من قدر هذه الأقوال الفاسدة أن ms236 تدخل في ~~تصنيف، ويعاد ويبدأ في تبيين لوجه الفساد فيها وتعريف. # الحجة على إبطال "الصرفة" وهي مقالة المعتزلة: ### | 462 - # ثم إن هذه الشناعات التي تقدم ذكرها، تلزم أصحاب "الصرفة" أيضا؛ وذاك أنه ~~لو لم يكن عجزهم عن معارضة القرآن وعن أن يأتوا بمثله، لأنه معجز في نفسه؛ ~~لكن لأن أدخل عليهم العجز عنه، وصرفت هممهم وخواطرهم عن تأليف كلام مثله، ~~وكان حالهم على الجملة حال من أعدم العلم بشيء قد كان يعلمه، وحيل بينه ~~وبين أمر قد كان يتسع له4، لكان ينبغي أن لا يتعاظمهم، ولا يكون منهم ما ~~يدل على إكبارهم امره، PageV01P390 # وتعجبهم منه، وعلى أنه قد بهرهم، وعظم كل العظم عندهم؛ بل كان ينبغي أن ~~يكون الإكبار منهم والتعجب للذي دخل من العجز عليهم1، ورأوه من تغير حالهم، ~~ومن أن حيل بينهم وبين شيء قد كان عليهم سهلا، وأن سد دونه باب كان لهم ~~مفتوحا، أرأيت لو أن نبيا قال لقومه: "إن آيتي أن أضع يدي على رأسي هذه ~~الساعة، وتمنعون كلكم من أن تستطيعوا وضع أيديكم على رؤسكم"، وكان الأمر ~~كما قال، مم يكون تعجب القوم، أمن وضعه يده على رأسه، أم من غجزهم أن يضعوا ~~أيديهم على رؤسهم؟ # "النظم" و"الاستعارة" هما موضع الإعجاز: ### | 463 - # ونعود إلى النسق فنقول: فإذا بطل أن يكون الوصف الذي أعجزهم من القرآن في ~~شيء مما عددناه، لم يبق إلا أن يكون في "النظم"؛ لأنه ليس من بعد ما أبطلنا ~~أن يكون فيه إلا "النظم" و"الاستعارة". ولا يمكن أن تجعل "الاستعارة" الأصل ~~في الإعجاز وأن يقصر عليها؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون الإعجاز في آي معدودة ~~في مواضع من السور الطوال مخصوصة، وإذا امتنع ذلك فيها، ثبت أن "النظم" ~~مكانه الذي ينبغي أن يكون فهي. وإذا ثبت أنه في "النظم"، و"التأليف"2، وكنا ~~قد علمنا أن ليس "النظم" شيئا غير PageV01P391 # توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، وأنا إن يقينا الدهر تجهد ~~أفكارنا حتى نعلم، للكلم المفردة سلكا ينظمها، وجامعا يجمع شملها ms237 ويؤلفها، ~~ويجعل بعضها بسبب من بعض، غير توخي معاني النحو وأحكامه فيها1، طلبنا ما كل ~~محال دونه2؛ فقد بان وظهر أن المتعاطي القول في "النظم"، والزاعم أنه يحاول ~~بيان المزية فيه، وهو لا يعرض فيما يعيده ويبديه للقوانين والأصول التي ~~قدمنا ذكرها، ولا يسلك إليه المسالك التي نهجناها3، في عمياء من أمره، وفي ~~غرور من نفسه، وفي خداع من الأماني والأضاليل4؛ ذاك لأنه إذا كان لا يكون ~~"النظم" شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، كان من أعجب ~~العجب أن يزعم زاعم أنه يطلب المزية في PageV01P392 # "النظم"، ثم لا يطلبها في معاني النحو وأحكامه التي "النظم" عبارة عن ~~توخيها فيما بين الكلم. # "الاستعارة" و"الكناية" و"التمثيل" من مقتضيات "النظم": ### | 464 - # فإن قيل: قولك "إلا النظم"1، يقتضي إخراج ما في القرآن من الاستعارة ~~وضروب المجاز من جملة ما هو به معجز؛ وذلك ما لا مساغ له. # قيل: ليس الأمر كما ظننت؛ بل ذلك يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو ~~به معجز؛ وذلك لأن هذه المعاني التي هي "الاستعارة"، و"الكناية" ~~و"التمثيل"، وسائر ضروب "المجاز" من بعدها من مقتضيات "النظم"، وعنه يحدث ~~وبه يكون2؛ لأنه لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخ ~~فيما بينها حكم من أحكام النحو؛ فلا يتصور أن يكون ههنا "فعل" أو "اسم" قد ~~دخلته الاستعارة، من دون أن يكون قد ألف مع غيره؛ أفلا ترى أنه إن قدر في ~~"اشتعل" من قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4]، أن لا يكون ~~"الرأس"، فاعلا له، ويكون "شيبا" منصوبا عنه على التمييز، لم يتصور أن يكون ~~مستعارا؟ وهكذا السبيل في نظائر "الاستعارة"، فاعرف ذلك3. # خطأ المعتزلة في ظنهم أن المزية في "اللفظ"، واضطرابهم في ذلك: ### | 465 - # واعلم أن السبب في أن لم يقع النظر منهم موقعه، أنهم PageV01P393 # حين قالوا: "تطلب المزية"1، ظنوا أن موضعها "اللفظ" بناء على أن "النظم" ~~نظم الألفاظ، وأنه يلحقها دون المعاني وحين ظنوا أن موضعها ذلك واعتقدوه، ~~وقفوا على "اللفظ"، وجعلوا لا ms238 يرمون بأوهامهم إلى شيء سواه؛ إلا أنهم، على ~~ذاك، لم يستطيعوا أن ينطقوا في تصحيح هذا الذي ظنوه بحرف؛ بل لم يتكلموا ~~بشيء إلا كان ذلك نقضا وإبطالا لأن يكون "اللفظ" -من حيث هو لفظ- موضعا ~~للمزية وإلا رأيتهم قد اعترفوا، من حيث لم يذروا، بأن ليس للمزية التي ~~طلبوها موضع ومكان تكون فيه، إلا معاني النحو وأحكامه. # وذلك أنهم قالوا: "إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلمات. وإنما تظهر ~~بالضم على طريقة مخصوصة"2، فقولهم "بالضم"، لا يصح أن يراد به النطق ~~باللفظة بعد اللفظة، من غير اتصال يكون بين مغعنييهما؛ لأنه لو جاز أن يكون ~~لمجرد ضم اللفظ إلى اللفظ تأثير في الفصاحة، لكان ينبغي إذا قيل: "ضحك، ~~خرج" أن يحدث في ضم "خرج" إلى "ضحك" فصاحة! وإذا بطل ذلك، لم يبق إلا أن ~~يكون المعنى في ضم الكلمة إلى الكلمة توخي معنى من معاني النحو فيما ~~بينهما. # وقولهم: "على طريقة مخصوصة"، يوجب ذلك أيضا؛ وذلك أنه لا يكون للطريقة ~~إذا أنت أردت مجرد اللفظ معنى. PageV01P394 # وهذا سبيل كل ما قالوه، إذا أنت تأملته تراهم في الجميع قد دفعوا إلى جعل ~~المزية في معاني النحو وأحكامه من حيث لم يشعروا؛ ذلك لأنه أمر ضروري لا ~~يمكن الخروج منه. # رد قول عبد الجبار المعتزلي: "إن المعاني لا تتزايد؛ وإنما تتزايد ~~الألفاظ" ### | 466 - # ومما تجدهم يعتمدونه ويرجعون إليه قولهم: "إن المعاني لا تتزايد؛ وإنما ~~تتزايد الألفاظ"1، وهذا كلام إذا تأملته لم تجد له معنى يصح عليه؛ غير أن ~~تجعل "تزايد الألفاظ" عبارة على المزايا التي تحدث من توخي معاني النحو ~~وأحكامه فيما بين الكلم؛ لأن التزايد في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ونطق ~~لسان، محال. ### | 467 - # ثم إنا نعلم أن المزية المطلوبة في هذا الباب، مزية فيما طريقه الفكر ~~والنظر من غير شبهة. ومحال أن يكون اللفظ له صفة تستنبط بالفكر، ويستعان ~~عليها بالروية، أللهم إلا أن تريد تأليف النغم. وليس ذلك مما نحن فيه ~~بسبيل. # ومن ههنا لم يجز، إذا عد ms239 الوجوه التي تظهر بها المزية، أن يعد فيها ~~الإعراب؛ وذلك أن العلم بالإعراب مشترك بين العرب كلهم، وليس هو مما يستنبط ~~بالفكر، ويستعان عليه بالروية؛ فليس أحدهم، بأن إعراب الفاعل الرفع أو ~~المفعول النصب، والمضاف إليه الجر، بأعلم من غيره ولا ذاك مما يحتاجون فيه ~~إلى حدة ذهن وقوة خاطر2، إنما الذي تقع الحاجة فيه إلى ذلك، PageV01P395 # العلم بما يوجب الفاعلية للشيء إذا كان إيجابها من طريق المجاز، كقوله ~~تعالى: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16]، وكقول الفرزدق: # سقتها خروق في المسامع1 # وأشباه ذلك، مما يجعل الشيء فيه فاعلا على تأويل يدق، ومن طريق تلطف، ~~وليس يكون هذا علما بالإعراب، ولكن بالوصف الموجب للإعراب. # ومن ثم لا يجوز لنا أن نعتد في شأننا هذا بأن يكون المتكلم قد استعمل من ~~اللغتين في الشيء ما يقال: "إنه أفصحهما"، أو بأن يكون قد تحفظ مما تخطئ ~~فيه العامة، ولا بأن يكون قد استعمل الغريب؛ لأن العلم بجميع ذلك لا يعدو ~~أن يكون علما باللغة، وبأنفس الكلم المفردة، وبما طريقه طريق الحفظ، دون ما ~~يستعان عليه بالنظر، ويوصل إليه بإعمال الفكر، ولئن كانت العامة وأشباه ~~العامة لا يكادون يعرفون الفصاحة غير ذلك؛ فإن من ضعف النحيزة إخطار مثله ~~في الفكر2، وإجراءه في الذكر، وأنت تزعم أنك ناظر في دلائل الإعجاز. أترى ~~أن العرب تحدوا أن يختاروا الفتح في الميم من "الشمع"، والهاء من "النهر" ~~على الإسكان وأن يتحفظوا من تخليط العامة في مثل: "هذا يسوى ألفا"3 أو إلى ~~أن يأتوا بالغريب الوحشي في كلام يعارضون به القرآن؟ 4 كيف؟ وأنت تقرأ ~~السورة من السور الطوال فلا PageV01P396 # تجد فيها من الغريب شيئا، وتتأمل ما جمعه العلماء في غريب القرآن؛ فترى ~~الغريب منه إلا في القليل، إنما كان غريبا من أجل استعارة هي فيه، كمثل ~~{وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: 93]، ومثل: {خلصوا نجيا} [يوسف: 80]، ~~ومثل {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: 94]، دون أن تكون اللفظة غريبة في نفسها؛ ~~إنما ترى ذلك في كلمات معدودة كمثل: {عجل لنا قطنا} [ص: ms240 16] و {ذات ألواح ~~ودسر} [القمر: 13]، و {جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24]. # غريب اللغة، ليس له مكان في الإعجاز: ### | 468 - # ثم إنه لو كان أكثر ألفاظ القرآن غريبا، لكان محالا أن يدخل ذلك في ~~الإعجاز، وأن يصح التحدي به. ذاك لأنه لا يخلو إذا وقع التحدي به من أن ~~يتحدى من له علم بأمثاله من الغريب، أو من لا علم له بذلك. # فلو تحدي به من يعلم أمثاله، لم يتعذر عليه أن يعارضه بمثله. # ألا ترى أنه لا يتعذر عليك إذا أنت عرفت ما جاء من الغريب في معنى ~~"الطويل" أن تعارض من يقول: "الشوقب"، بأن تقول أنت "الشوذب"، وإذا قال: ~~"الأمق" أن تقول "الأشق"؟ 1 وعلى هذا السبيل. # ولو تحدي به من لا علم له بأمثال ما فيه من الغريب، كان ذلك بمنزلة أن ~~يتحدى العرب إلى أن يتكلموا بلسان الترك. ### | 469 - # هذا، وكيف بأن يدخل الغريب في باب الفضيلة، وقد ثبت عنهم أنهم كانوا يرون ~~الفضيلة في ترك استعماله وتجنبه؟ أفلا ترى إلى قول عمر PageV01P397 # رضي الله عنه في زهير: "إنه كان لا يعاظل بين القول، ولا يتتبع حوشي ~~الكلام"؟ فقرن تتبع "الحوشي" وهو الغريب من غير شبهة إلى "المعاظلة" التي ~~هي التعقيد1. # وقال الجاحظ في "كتاب البيان والتبيين"2: "ورأيت الناس يتداولون رسالة ~~يحيى بن يعمر على لسان يزيد بن المهلب إلى الحجاج3: "إنا لقينا العدو ~~فقتلنا طائفة [وأسرنا طائفة، ولحقت طائفة] بعراعر الأودية وأهضام الغيطان، ~~وبتنا بعرعرة الجبل، وبات العدو بحضيضه"؛ فقال الحجاج: ما يزيد بأبي عذر ~~هذا الكلام! [فقيل له: إن يحيى بن يعمر معه! فأمر بأن يحمل إليه؛ فلما ~~"أتاه] قال: أين ولدت؟ فقال: بالأهواز؛ فقال: فأنى لك هذه الفصاحة؟ قال: ~~أخذتها عن أبي"4. # قال: "ورأيتهم يديرون في كتبهم: أن امرأة خاصمت زوجها إلى يحيى بن يعمر؛ ~~فانتهرها مرارا، فقال له يحيى: إن سألتك ثمن شكرها وشبرك، أنشأت تطلها ~~وتضهلها"5. PageV01P398 # ثم قال: "وإن كانوا إنما قد رووا هذا الكلام لكي يدل على فصاحة وبلاغة؛ ~~فقد باعده ms241 الله من صفة البلاغة والفصاحة"1. # أصل فساد مقالة المعتزلة في ظنهم أن أوصاف "اللفظ" أوصاف له في نفسه: ### | 470 - # واعلم أنك كلما نظرت وجدت سبب الفساد واحدا، وهو ظنهم الذي ظنوه في ~~"اللفظ"، وجعلهم الأوصاف التي تجري عليها كلها أوصافا له في نفسه، ومن حيث ~~هو لفظ، وتركهم أن يميزوا بين ما كان وصفا له في نفسه، وبين ما كانوا قد ~~كسبوه إياه من أجل أمر عرض في معناه2. ولما كان هذا دأبهم، ثم رأوا الناس ~~وأظهر شيء عندهم في معنى "الفصاحة"، تقويم الإعراب، والتحفظ من اللحن، لم ~~يشكوا أنه ينبغي أن يعتد به في جملة المزايا التي يفاضل بها بين كلام وكلام ~~في الفصاحة، وذهب عنهم أن ليس هو من "الفصاحة" التي يعنينا أمرها في شيء، ~~وأن كلامنا في فصاحة تجب للفظ لا من أجل شيء يدخل في النطق؛ ولكن من أجل ~~لطائف تدرك بالفهم، وإنا نعتبر في شأننا هذا فضيلة تجب لأحد الكلامين على ~~الآخر، من بعد أن يكونا قد برئا من اللحن، وسلما في ألفاظهما من الخطأ. ### | 471 - # ومن العجب أنا إذا نظرنا في الإعراب، وجدنا التفاضل فيه محالا؛ لأنه لا ~~يتصور أن يكون للرفع والنصب في كلام، مزية عليهما في كلام آخر؛ وإنما الذي ~~يتصور أن يكون ههنا: كلامان قد وقع في إعرابهما خلل، ثم كان أحدهما أكثر ~~صوابا من الآخر، وكلامان قد استمر أحدهما على. PageV01P399 # الصواب ولم يستمر الآخر، ولا يكون هذا تفاضلا في الإعراب، ولكن تركا له ~~في شيء، واستعمالا في آخر، فاعرف ذلك. ### | 472 - # وجملة الأمر أنك لا ترى ظنا هو أنأى بصاحبه عن أن يصح له كلام، أو يستمر ~~له نظام، أو تثبت له قدم، أو ينطق منه إلا بالمحال فم1، من ظنهم هذا الذي ~~حام بهم حول "اللفظ"، وجعلهم لا يعدونه، ولا يرون للمزية مكانا دونه. # قوله: "إن الفصاحة تكون في المعنى" ورد شبهة المعتزلة وغيرهم في فهم ذلك ### | 473 - # واعلم أنه قد يجري في العبارة منا شيء، هو يعيد الشبهة ms242 جذعة عليهم، وهو ~~أنه يقع في كلامنا أن "الفصاحة" تكون في المعنى دون اللفظ، فإذا سمعوا ذلك ~~قالوا: كيف يكون هذا، ونحن نراها لا تصلح صفة إلا للفظ، ونراها لا تدخل في ~~صفة المعنى البتة، لأنا نرى الناس قاطبة يقولون: "هذا لفظ فصيح، وهذه ألفاظ ~~فصيحة"، ولا نرى عاقلا يقول: "هذا معنى فصيح، وهذه معان فصاح". ولو كانت ~~"الفصاحة" تكون في المعنى، لكان ينبغي أن يقال ذلك، كما أنا لما كان الحسن ~~يكون فيه قيل: "هذا معنى حسن، وهذه معان حسنة". # وهذا شيء يأخذ من الغر مأخذا: والجواب عنه أن يقال: إن غرضنا من قولنا: ~~"إن الفصاحة تكون في المعنى"، أن المزية التي من أجلها استحق اللفظ الوصف ~~بأنه "فصيح"، هي في المعنى دون اللفظ، لأنه لو كانت بها المزية التي ~~PageV01P400 # من أجلها يستحق اللفظ الوصف بأنه فصيح، تكون فيه دون معناه1، لكان ينبغي ~~إذا قلنا في اللفظة: "إنها فصيحة"، أن تكون تلك الفصاحة واجبة لها بكل ~~حالي. ومعلوم أن الأمر بخلاف ذلك، فإنا نرى اللفظة تكون في غاية الفصاحة في ~~موضع، ونراها بعينها فيما لا يحصى من المواضع وليس فيها من الفصاحة قليل ~~ولا كثير2. وإنما كان كذلك، لأن المزية التي من أجلها نصف اللفظ في شأننا ~~هذا بأنه فصيح، مزية تحدث من عبد أن لا تكون، وتظهر في الكلم من بعد أن ~~يدخلها النظم. وهذا شيء إن أنت طلبته فيها وقد جئت بها أفرادا لم ترم فيها ~~نظما، ولم تحدث لها تأليفا، طلبت محالا. وإذا كان كذلك، وجب أن يعلم قطعا ~~وضورة أن تلك المزية في المعنى دون اللفظ. ### | 474 - # وعبارة أخرى في هذا بعينه، وهي أن يقال: قد علمنا علما لا تعترض معه ~~شبهة: أن "الفصاحة" فيما نحن فيه، عبارة عن مزية هي بالمتكلم دون واضع ~~اللغة. وغذا كان كذلك، فينبغي لنا أن ننظر إلى المتكلم، هل يستطيع أن يزيد ~~من عند نفسه في اللفظ شيئا ليس هو له في اللغة، حتى يجعل ذلك من صنيعه مزية ms243 ~~يعبر عنها بالفصاحة؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يستطيع أن يصنع باللفظ شيئا ~~أصلا، ولا أن يحدث فيها وصفا. كيف؟ وهو إن فعل. PageV01P401 # ذلك أفسد على نفسه، وأبطل أن يكون متكلما، لأنه لا يكون متكلما حتى ~~يستعمل أوضاع لغة على ما وضعت عليه1. # وإذا ثبت في حاله أنه لا يستطيع أن يصنع بالألفاظ شيئا ليس هو لها في ~~اللغة، وكنا قد اجتمعنا على أن "الفصاحة" فيما نحن فيه، عبارة عن مزية هي ~~بالمتكلم البتة وجب أن تعلم قطعا وضورة أنهم وإن كانوا قد جعلوا "الفصاحة" ~~في ظاهر الاستعمال من صفة اللفظ، فإنهم لم يجعلوها وصفا له في نفسه، ومن ~~حيث هو صدى صوت ونطق لسان، ولكنهم جعلوها عبارة عن مزية أفادها المتكلم في ~~المعنى، لأنه إذا كان اتفاقا أنها عبارة عن مزية أفادها المتكلم، ولم نره ~~أفاد في اللفظ شيئا، لم يبق إلا أن تكون عبارة عن مزية أفادها المتكلم، ولم ~~نره أفاد في اللفظ شيئا، لم يبق إلا أن تكون عبارة عن مزية أفادها في ~~المعن2. # "فصاحة اللفظ"، لا تكون مقطوعة بل موصولة بغيرها مما يليها: ### | 475 - # وجملة الأمر أنا لا نوجب "الفصاحة" للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي ~~هي فيه، ولكنا نوجبها لفها موصولة بغيرها، ومعلقا معناها بمعنى ما يليها. ~~فإذا قلنا في لفظة "اشتعل" من قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4]، ~~إنها في أعلى رتبة من الفصاحة3، لم توجب تلك PageV01P402 # "الفصاحة" لها وحدها، ولكن موصولا بها "الرأس" معرفا بالألف واللام، ~~ومقرونا إليهما "الشيب" منكرا منصوبا. ### | 476 - # هذا، وإنما يقع ذلك في الوهم لمن يقع له أعني أن يوجب الفصاحة للفظة ~~وحدها1 فيما كان "استعارة"، فأما ما خلا من الاستعارة من الكلام الفصيح ~~البليغ، فلا يعرض توهم ذلك فيه لعاقل أصلا. # أفلا ترى أنه لا يقع في نفس من يعقل أدنى شيء، إذا هو نظر إلى قوله عز ~~وجل: {يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم} [المنافقون: 4]، وإلى إكبار ~~الناس شأن هذه الآية في الفصاحة، أن يضع يده على ms244 كلمة كلمة منها فيقول: ~~"إنها فصيحة؟ " كيف؟ وسبب الفصاحة فيها أمور لا شك عاقل في أنها معنوية: # أولها: أن كانت "على" فيها متعلقة بمحذوف في موضع المفعول الثاني. # والثاني: أن كانت الجملة التي هي "هم العدو" بعدها عارية من حرف عطف. # والثالث: التعريف في "العدو" وأن لم يقل: "هم عدو". # ولو أنك علقت "على" بظاهر، وأدخلت على الجملة التي هي "هم العدو" حرف ~~عطف، وأسقطت "الألف والألام" من "العدو" فقلت: "يحسبون كل صيحة واقعة ~~عليهم، وهم عدو"، لرأيت الفصاحة قد ذهبت PageV01P403 # عنها بأسرها، ولو أنك أخطرت ببالك أن يكون "عليهم" متعلقا بنفس "الصيحة"، ~~ويكون حاله معها كحاله إذا قلت: "صحت عليه". لأخرجته على أن يكون كلاما، ~~فضلا عن أن يكون فصيحا. وهذا هو الفيصل لمن عقل. # القول في "مات حتف أنفه": ### | 477 - # ومن العجيب في هذا، ما روي عن أمير المؤمنين علي رضوان الله عليه أنه ~~قال: "ما سمعت كلمة عربية من العرب إلا وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وسمعته يقول: "مات حتف أنفه"، وما سمعتها من عربي قبله"1 لا شبهة في ~~أن وصف اللفظ "بالعربي" في مثل هذا يكون في PageV01P404 # معنى الوصف بأنه فصيح. وإذا كان الأمر كذلك، فانظر هل يقع في وهم متوهم ~~أن يكون رضي الله عنه قد جعلها "عربية" من أجل ألفاظها؟ وإذا نظرت لم تشك ~~في ذلك. # بيان آخر في "النظم" وتوخي معاني النحو: ### | 478 - # واعلم أنك تجد هؤلاء الذين يشكون فيما قلناه، تجري على ألسنتهم ألفاظ ~~وعبارات لا يصح لها معنى سوى توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني ~~الكلم، ثم تراهم لا يعلمون ذلك. # فمن ذلك ما يقوله الناس قاطبة من أن العاقل يرتب في نفسه ما يريد أن ~~يتكلم به. وغذا رجعنا إلى أنفسنا لم نجد لذلك معنى سوى أنه يقصد إلى قولك ~~"ضرب" فيجعله خبرا عن "زيد"، ويجعل "الضرب" الذي أخبر بوقوعه منه واقعا على ~~"عمرو" ويجعل "يوم الجمعة" زمانه الذي وقع فيه، ويجعل "التأديب" غرضه الذي ~~فعل ms245 "الضرب" من أجله، فيقول: "ضرب زيد عمرا يوم الجمعة تأديبا له". وهذا ~~كما ترى هو توخي معاني النحو فيما بين معاني هذه الكلم. # ولو أنك فرضت أن لا تتوخى في "ضرب" أن تجعله خبرا عن "زيد" وفي "عمرو" أن ~~تجعله مفعولا به الضرب، وفي "يوم الجمعة" أن تجعله زمانا لهذا الضرب، وفي ~~"التأديب"، أن تجعله غرض زيد من فعل الضرب ما تصور في عقل، ولا وقع في وهم، ~~أن تكون مرتبا لهذه الكلم، وإذ قد عرفت ذلك، فهو العبرة في الكلام كله، فمن ~~ظن ظنا يؤدي إلى خلافه، ظن ما يخرج به عن المعقول. # ومن ذلك إثباتهم التعلق والاتصال فيما بين الكلم وصواحبها تارة، # PageV01P405 # ونفيهم لهما أخرى. ومعلوم علم الضرورة أن لن يتصور أن يكون للفظة تعلق ~~بلفظة أخرى من غير أن يعتبر حال معنى هذا مع معنى تلك، ويراعى هناك أمر يصل ~~إحداهما بالأخرى، كمراعاة كون: "نبك"، جوابا للأمر في قوله: "قفانبك"، وكيف ~~بالشك في ذلك؟ ولو كنت الألفاظ يتعلق بعضها ببعض من حيث هي ألفاظ، ومع ~~اطراح النظر في معانيها، لأدى ذلك إلى أن يكون الناس حين ضحكوا مما يصنعه ~~المجان من قراءة أنصاف الكتب، ضحكوا عن جهالة، وأن يكون أبو تمام قد أخطأ ~~حين قال: # عذلا شبيها بالجنون كأنما ... قرأت به الورهاء شطر كتاب1 # لأنهم لم يضحكوا إلا من عدم التعلق، ولم يجعله أبو تمام جنونا إلا لذلك. ~~فانظر إلى ما يلزم هؤلاء القوم من طرائف الأمور. PageV01P406 ### | فصل في أن الفصاحة والبلاغة للمعاني # فصل: # دليل آخر على بطلان أن تكون "الفصاحة" صفحة للفظ من حيث هو لفظ: ### | 479 - # وهذا فن من الاستدلال لطيف على بطلان أن تكون "الفصاحة" صفة للفظ من حيث ~~هو لفظ. # لا تخلو "الفصاحة" من أن تكون صفة في اللفظ محسوسة تدرك بالسمع، أو تكون ~~صفة فيه معقولة تعرف بالقلب. فمحال أن تكون صفة في اللفظ محسوسة، لأنها لو ~~كانت كذلك، لكان ينبغي أن يستوي السامعون للفظ الفصيح في العلم بكونه ~~فصيحا. وإذا وجب ms246 الحكم بكونها صفة معقولة، فإنا لا نعرف للفظ صفة يكون طريق ~~معرفتها العقل دون الحس، إلا دلالته على معنى1 وإذا كان كذلك، لزم منه ~~العلم بأن وصفنا اللفظ بالفصاحة، وصف له من جهة معناه، لا من جهة نفسه، ~~وهذا ما لا يبقى لعاقل معه عذر في الشك، والله الموفق للصواب. # بيان آخر في بطلان أن تكون الفصاحة للفظ من حيث هو لفظ: ### | 480 - # وبيان آخر، وهو أن القارئ إذا قرأ قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} ~~[مريم: 4]، فإنه لا يجد الفصاحة التي يجدها إلا من بعد أن ينتهي الكلام إلى ~~آخره. فلو كانت "الفصاحة" "صفة للفظ" "اشتعل"، لكطان ينبغي أن يحسبها ~~القارئ فيه حال نطقه به. فمحال أن تكون للشيء صفة، ثم لا يصح العلم بتلك ~~الصفة إلا من بعد عذمه. ومن ذا رأى صفة يعرى موصوفها عنها PageV01P407 # في حال وجوده، حتى إذا عدم صارت موجودة فيه؟ وهل سمع السامعون، في قديم ~~الدهر وحديثه، بصفة شرط حصولها لموصوفها أن يعدم الموصوف؟ # فإن قالوا: إن الفصاحة التي ادعيناها للفظ "اشتعل" تكون فيه في حال نطقنا ~~به، إلا أنا لا نعلم في تلك الحال أنها فيه، فإذا بلغنا آخر الكلام علمنا ~~حينئذ أنها كانت فيه حين نطقنا به. # قبل: هذا فن آخر من العجب، وهو أن تكون ههنا صفة موجودة في شيء، ثم لا ~~يكون في الإمكان ولا يسع في الجواز، أن يعلم وجود تلك الصفة في ذلك الشيء ~~إلا من بعد أن يعدم، ويكون العلم بها وبكونها فيه محجوبا عنها حتى يعدم، ~~فإذا عدم علمنا حينئذ أنها كانت فيه حين كان. ### | 481 - # ثم إنه لا شبهة في أن هذه الفصاحة التي يدعونها للفظ هي مدعاة لمجموع ~~الكلمة دون آحاد حروفها، إذ ليس يبلغ بهم تهافت الرأي إلى أن يدعوا لكل ~~واحد من حروف "اشتعل" فصاحة، فيجعلوا "الشين" على حدته فصيحا، وكذلك ~~"التاء" و "العين" و "اللام". وإذا كانت الفصاحة مدعاة لمجموع الكلمة، لم ~~يتصور حصولها لها إلا من بعد أن تعدم كلها ms247 وينقضي أمر النطق بها. ذاك لأنه ~~لا يتصور أن تدخل الحروف بجملتها في النطق دفعة واحدة، حتى تجعل "الفصاحة" ~~موجودة فيها في حال وجودها. وما بعد هذا إلا أن نسأل الله تعالى العصمة ~~والتوفيق، فقد بلغ الأمر في الشناعة إلى حد، إذ تنبه العاقل لف رأسه حياء ~~من العقل1، حين يراه قد قال قولا هذا مؤداه، وسك مسلكا إلى هذا مفضاه. ~~PageV01P408 # وما مثل من يزعم أن "الفصاحة" صفة للفظ من حيث هو لفظ ونطق ليسان، ثم ~~يزعم أنه يدعيها لمجموع حروفه دون آحادها، إلا مثل من يزعم أن ههنا غزلا ~~إذا نسيج منه ثوب كان أحمر، وإذا فرق ونظر إليه خيطا خيطا، لم تكن فيه حمرة ~~أصلا! ### | 482 - # ومن طريق أمرهم، أنك ترى كافتهم لا ينكرون أن اللفظ المستعار إذا كان ~~فصيحا، كان فصاحته تلك من أجل استعارته، ومن أجل لطف وغرابة كانا فيها، ~~وتراهم مع ذلك لا يشكون في أن الاستعارة لا تحدث في حروف اللفظ صفة ولا ~~تغير أجراسها عما تكون عليه إذا لم يكن مستعارا، وكان متروكا على حقيقته، ~~وأن التأثير من الاستعارة إنما يكون في المعنى. كيف؟ وهم يعتقدون أن اللفظ ~~إذا استعير لشيء، نقل عن معناه الذي وضع له بالكلية. وإذا كان الأمر كذلك، ~~فلولا إهمالهم أنفسهم وتركهم النظر، لقد كان يكون فيه ذا ما يوقظهم من ~~غفلتهم، ويكشف الغطاء عن أعينهم1. PageV01P409 ### | تحرير القول في الإعجاز والفصاحة والبلاغة # فصل: بيان أن الفكر لا يتعلق بمعاني الكلم مجردة من معاني النحو ### | 483 - # ومما ينبغي أن يعلمه الإنسان ويجعله على ذكر، أنه لا يتصور أن يتعلق ~~الفكر بمعاني الكلم أفرادا ومجردة من معاني النحو، فلا يقوم في وهم ولا يصح ~~في عقل، أن يتفكر متفكر في معنى "فعل" من غير أن يريد إعماله في "اسم"، ولا ~~أن يتفكر في معنى "اسم" من غير أن يريد إعمال "فعل" فيه، وجعله فاعلا له أو ~~مفعولا، أو يريد فيه حكما سوى ذلك من الأحكام1، مثل أن يريد جعله مبتدأ، أو ms248 ~~خبرا، أو صفة أو حالا، أو ما شاكل ذلك. # وإن أردت أن ترى ذلك عيانا فاعمد إلى أي كلام شئت، وأزل أجزاءه عن ~~مواضعها، وضعا يمتنع معه دخول شيء من معاني النحو يها، فقل في: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # "من نبك قفا حبيب ذكرى منزل"، ثم انظر هل يتعلق منك فكر بمعنى كلمة منها؟ ### | 484 - # واعلم أني لست أقول إلى الفكر لا يتعلق بمعاني الكلم المفردة أصلا، ولكن ~~أقول إنه لا يتعلق بها مجردة من معاني النحو، ومنطوقا بها على وجه لا يتأتى ~~معه تقدير معاني النحو وتوخيها فيها، كالذي أريتك، وإلا فإنك PageV01P410 # إذا فكرت في الفعلين أو الاسمين، تريد أن تخبر أحدهما عن الشيء أيهما ~~أولى أن تخبر به عنه وأشبه بغرضك، مثل أن تنظر: أيهما أمدح وأذم، أو فكرت ~~في الشيئين تريد أن تشبه الشيء بأحدهما أيهما أشبه به1 كنت قد فكرت في ~~معاني أنفس الكلم، إلا أن فكرك ذلك لم يكن إلا من بعد أن توخيت يها معنى من ~~معاني النحو، وهو إن أردت جعل الاسم الذي فكرت فيه خبرا عن شيء أردت فيه ~~مدحا أو ذما أو تشبيها، أو غير ذلك من الأغراض2 ولم تجىء إلى فعل أو اسم ~~ففكرت ففيه فردا، ومن غير أن كان لك قصد أن تجعله خيرا أو غير خبر. فاعرف ~~ذلك. # شرح مثال على مقالته الأنفة في بيت بشار، وأدلة ذلك: ### | 485 - # وإن أردت مثالا فخذ بيت بشار: # كأن مثار النقع فوق رؤسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه3 # وانظر هل يتصور أن يكون بشار قد أخطر معاني هذه الكلم بباله أفرادا عارية ~~من معاني النحو التشبيه منه على شيء وأن يكون فكر في "مثال النقع"، من غير ~~أن يكون أراد إضافة الأول إلى الثاني وفكر في "فوق رؤسنا"، من غير أن يكون ~~قد أراد أن يضيف "فوق" إلى "الرؤوس" وفي "الأسياف" من دون أن يكون أراد ~~عطفها بالواو على "مثار" وفي "الواو". PageV01P411 # من دون أن يكون أراد العطف بها وأن ms249 يكون كذلك فكر في "الليل"، من دون أن ~~يكون أراد أن يجعله خبرا "لكأن" وفي تهاوى كواكبه"، من دون أن يكون أراد أن ~~يجعل "تهاوى" فعلا للكواكب1، ثم يجعل الجملة صفة لليل، ليتم الذي أراد من ~~التشبيه؟ 2 أم لم يخطر هذه الأشياء بباله إلا مرادا فيها هذه الأحكام ~~والمعاني التي نراها فيها؟ ### | 486 - # وليت شعري، كيف يتصور وقوع قصد منك إلى معنى كلمة من دون أن تريد تعليقها ~~بمعنى كلمة أخرى؟ ومعنى "القصد إلى معاني الكلم"، أن تعلم السامع بها شيئا ~~لا يعلمه. ومعلوم أنك، أيها المتكلم، لست تقصد أن تعلم السامع الكلم ~~المفردة التي تكلمه بها، فلا تقول: "خرج زيد"، لتعلمه معنى "خرج" في اللغة، ~~ومعنى "زيد". كيف؟ ومحال أن تكلمه بألفاظ لا يعرف هو معانيها كما تعرف. ~~ولهذا لم يكن الفعل وحده من دون الاسم، ولا الاسم وحده من دون اسم آخر أو ~~فعل، كلاما. وكنت لو قلت: "خرج"، ولم تأت باسم، ولا قدرت فيه ضمير الشيء، ~~أو قلت: "زيد"، ولم تأت بفعل ولا اسم آخر ولم تضمره في نفسك، كان ذلك وصوتا ~~تصوته سواء، فاعرفه. # "نظم الكلام"، وتوخي النحو يسبك الكلام سبكا واحدا: ### | 487 - # واعلم أن مثل واضع الكلام مثل من يأخذ قطعا من الذهب PageV01P412 # أو الفضة فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة. وذلك أنك إذا قلت: ~~"ضرب زيد عمرا يوم الجمعة ضربا شديدا تأديبا له"، فإنك تحصل من مجموع هذه ~~الكلم كلها على مفهوم، هو معنى واحد لا عدة معان، كما يتوهمه الناس. وذلك ~~لأنك لم تأت بهذه الكلم لتفيده أنفس معانيها، وإنما جئت بها لتفيده وجوه ~~التعلق التي بين الفعل الذي هو "ضرب"، وبين ما عمل فيه، والأحكام التي هي ~~محصول التعلق. # وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي لنا أن ننظر في المفعولية من "عمرو"، وكون ~~"يوم الجمعة" زمانا للضرب، وكون "الضرب" ضربا شديدا، وكون "التأديب" علة ~~للضرب، أيتصور يها أن تفرد عن المعنى الأول الذي هو أصل الفائدة، وهو إسناد ~~"ضرب" إلى ms250 "زيد"، وإثبات "الضرب" به له، حتى يعقل كون "عمرو" مفعولا به، ~~وكون "يوم الجمعة" مفعلولا فيه، وكون "ضربا شديدا" مصدرا، وكون "التأديب ~~مفعولا له"1 من غير أن يخطر ببالك كون "زيد" فاعلا للضرب؟ # وإذا نظرنا وجدنا ذلك لا يتصور، لأن "عمرا" مفعول لضرب وقع من "زيد" ~~عليه، و "يوم الجمعة" زمان لضرب وقع من زيد، و "ضربا شديدا" بيان لذلك ~~الضرب كيف هو وما صفته، و "التأديب" علة له وبيان أنه كان الغرض منه. وإذا ~~كان ذلك كذلك، بان منه وثبت، أن المفهوم من مجموع الكلم معنى واحد لا عدة ~~معان، وهو إثباتك زيدا فاعلا ضربا لعمرو في وقت PageV01P413 # كذا، وعلى صفة كذا، ولغرض كذا. ولهذا المعنى تقول إنه كلام واحد. # عود إلى بيان ما في بيت بشار وأنه سبيكة واحدة: ### | 488 - # وأإذا قد عرفت هذا، فهو العبرة أبدا. فبيت بشار إذا تأملته وجدته كالحلقة ~~المفرغة التي لا تقبل التقسيم، ورأيته قد صنع في الكلم التي فيه ما يصنعه ~~الصانع حين يأخذ كسرا من الذهب فيذيبها ثم يصبها في قالب، ويخرجها لك سوارا ~~أو خلخالا. وإن أنت حاولت قطع بعض ألفاظ البيت من بعض، كنت كمن يكسر الحلقة ~~ويفصم السوار1. وذلك أنه لم يرد أن يشبه "النقع" بالليل على حدة، و ~~"الأسياف" بالكواكب على حدة، ولكنه أراد أن يشبه النقع والأسياف تجول فيه ~~بالليل في حال ما تنكدر الكواكب وتتهاوى فيه2. فالمفهوم من الجميع مفهوم ~~واحد، والبيت من أوله إلى آخره كلام واحد. # فانظر الآن ما تقول في اتحاد هذه الكلم التي هي أجزاء البيت؟ أتقول: إن ~~ألفاظها اتحدت فصارت لفظة واحدة؟ أم تقول: إن معانيها اتحدت فصارت الألفاظ ~~من أجل ذلك كأنها لفظة واحدة؟ فإن كنت لا تشك أن الاتحاج الذي تراه هو في ~~المعاني، وإذا كان من فساد العقل، ومن الذهاب في الخبل، أن يتوهم متوهم أن ~~الألفاظ يندمج بعضها في بعض حتى تصير لظفة واحدة. PageV01P414 # فقد أراك ذلك، إن لم تكابر عقلك، أن "النظم" يكون في معاني ms251 الكلم دون ~~ألفاظها، وأن نظمها هو توخي معاني النحو فيها. وذلك أنه إذا ثبت الاتحاد، ~~وثبت أنه في المعاني، فينبغي أن تنظر إلى الذي به انحدت المعاني في بيت ~~بشار. وإذا نظرنا لم نجدها اتحدت إلا بأن جعل "مثار النقع" اسم "كأن"، وجعل ~~الظرف الذي هو "فوق رءوسنا" معمولا "لمثار" ومعلقا به، وأشرك "أالأسياف" في ~~"كأن" بعطفه لها على "مثار"، ثم بأن قال: "ليل تهاوى كواكبه"، فأتى بالليل ~~نكرة، وجعل جملة قوله: "تهاوى كواكبه"، خبرا "لكان". # فانظر هل ترى شيئا كان الاتحاد به غير ما عددناه؟ وهل تعرف له موجبا ~~سواه؟ فلولا الإخلاد إلى الهوينا، وترك النظر وغطاء ألقي على عيون أقوام، ~~لكان ينبغي أن يكون في هذا وحده الكفاية وما فوق الكفاية. ونسأل الله تعالى ~~التوفيق. # آفة الذين لهجوا بأمر "اللفظ" من المعتزلة وبيان فساد أقوالهم: ### | 489 - # واعلم أن الذي هو آفة هؤلاء الذين لهجوا بالأباطيل في أمر "اللفظ" أنهم ~~قوم قد أسلموا أنفسهم إلى التخيل، وألقوا مفادتهم إلى الأوهام، حتى عدلت ~~بهم عن الصواب كل معدل، ودخلت بهم من فحش الغلط في كل مدخل، وتعسفت بهم في ~~كل مجهل، وجعلتهم يرتكبون في نصرة رأيهم الفاسد القول بكل محال، ويقتحمون ~~في كل جهالة، حتى إنك لو قلت لهم: "إنه لا يتأتى للناظم نظمه إلا بالفكر ~~والروية، فإذا جعلتم "النظم" في الألفاظ، لزمكم من ذلك أن تجعلوا فكر ~~الإنسان إذا هو فكر في نظم الكلام، فكرا في الألفاظ التي تريد أن ينطق بها ~~دون المعاني1 لم يبالوا أن PageV01P415 # يرتكبوا ذلك، وأن يتعلقوا فيه، بما في العادة ومجرى الجبلة من أن الإنسان ~~يخيل إليه إذا هو فكر، أنه كأنه ينطق في نفسه بالألفاظ التي يفكر في ~~معانيها، حتى يرى أنه يسمعها سماعه لها حين يخرجها من فيه، وحين يجري بها ~~اللسان. # وهذا تجاهل، لأن سبيل ذلك سبيل إنسان يتخيل دائما في الشيء قد رآه وشاهده ~~أنه كأنه يراه وينظر إليه، وأن مثاله نصب عينه، فكما لا يوجب هذا أن يكون ~~رائيا ms252 له، وأن يكون الشيء موجودا في نفسه، كذلك لا يكون تخيله أنه كأنه ~~ينطق بالألفاظ، موجبا أن كون ناطقا بها، وأن تكون موجودة في نفسه، حتى يجعل ~~ذلك سببا إلى جعل الفكر فيها. # فكر الإنسان، هل هو فكر في الألفاظ وحدها؟ أم هو فكر في الألفاظ والمعاني ~~معا؟: ### | 490 - # ثم إنا نعمل على أنه ينطق بالألفاظ في نفسه، وأنه يجدها فيها على ~~الحقيقة، فمن أين لنا أنه إذا فكر كان الفكر منه فيها؟ أماذا يروم، ليت ~~شعري، بذلك الفكر؟ ومعلوم أن الفكر من الإنسان يكون في أن يخبر عن شيء ~~بشيء، أو يصف شيئا بشيء، أو يضيف شيئا إلى شيء، أو يشرك شيئا في حكم شيء، ~~أو يخرج شيئا من حكم قد سبق منه لشيء، أو يجعل وجود شيء شرطا في وجود شيء، ~~وعلى هذا السبيل؟ وهذا كله فكر في امور معقولة زائدة على اللفظ1. ### | 491 - # وإذا كان هذا كذلك، لم يحل هذا الذي يجعل في الألفاظ فكر من أحد أمرين: ~~إما أن يخرج هذه المعاني من أن يكون لواضع الكلام فيها فكر ويجعل الفكر كله ~~في الألفاظ وإما أن يجعل فكرا في اللفظ مفردا عن الفكرة في هذه المعاني. ~~فإن ذهب إلى الأول لم يكلم، وإن ذهب إلى الثاني لزمه PageV01P416 # أن يجوز وقوع فكر من الأعجمي الذي لا يعرف معاني ألفاظ العربية أصلا1، في ~~الألفاظ. وذلك مما لا يخفى مكان الشنعة والفضيحة فيه. # كشف وهم في مسألة ترتب الألفاظ في النفس، والسمع: ### | 492 - # وشبيه بهذا التوهم منهم، إنك قد ترى أحدهم يعتبر حال السامع، فإذا رأى ~~المعاني لا تترتب في نسه إلا بترتب الألفاظ في سمعه، ظن عند ذلك أن المعاني ~~تبع للألفاظ، وأن الترتيب يها مكتسب من الألفاظ، ومن ترتبها في نطق ~~المتكلم. # وهذا ظن فاسد ممن يظنه، فإن الاعتبار ينبغي أن يكون بحال الواضع للكلام ~~والمؤلف له، والواجب أن ينظر إلى حال المعاني معه لا مع السامع، وإذا نظرنا ~~علمنا ضرورة أنه محال أن يكون الترتب فيها ms253 تبعا لترتب الألفاظ ومكتسبا عنه، ~~لأن ذلك يقتضي أن تكون الألفاظ سابقة للمعاني، وأن تقع في نفس الإنسان ~~أولا، ثم تقع المعاني من بعدها وتالية لها، بالعكس مما يعلمه كل عاقل إذا ~~هو لم يؤخذ عن نفسه، ولم يضرب حجاب بينه وبين عقله. وليت شعري، هل كانت ~~الألفاظ إلا من أجل المعاني؟ وهل هي إلا خدم لها، ومصرفة على حكمها؟ أو ~~ليست هي سمات لها، وأوضاعا قد وضعت لتذل عليها؟ فكيف يتصور أن تسبق المعاني ~~وأن تتقدمها في تصور النفس؟ إن جاز ذلك، جاز أن تكون أسامي الأشياء قد وضعت ~~قبل أن عرفت الأشياء، وقيل أن كانت. وما أدري ما أقول في شيء يجر الذاهبين ~~إليه إلى أشباه هذا من فنون المحال، وردئ الأقوال2. PageV01P417 ### | 493 - # وهذا سؤال لهم من جنس آخر في "النظم". قالوا: لو كان "النظم" يكون معاني ~~النحو، لكان البدوي الذي لم يسمع بالنحو قط، ولم يعرف المبتدأ والخبر وشيئا ~~مما يذكرونه، لا يتأتى له نظم كلام. وإنا لنراه يأتي في كلامه بنظم لا ~~يحسنه المتقدم في علم النحو. # رد شبهة للمعتزلة في "النظم"، وأن البدوي، لم يسمع بالنحو قط، والصحابة ~~لا يعرفون ألفاظ المتكلمين: # قيل: هذه شبهة من جنس ما عرض للذين عابوا المتكلمين فقالوا: "إنا نعلم أن ~~الصحابة رضي الله عنهم والعلماء في الصدر الأول، لم يكونوا يعرفون "الجوهر" ~~و "العرض" و "صفة النفس" و "صفة المعنى" وسائر العبارات التي وضعتموها، فإن ~~كان لا تتم الدلالة على حدوث العالم والعلم بوحدانية الله1، إلا بمعرفة هذه ~~اأشياء التي ابتدأتموها، فينبغي لكم أن تدعوا أنكم قد علمتم في ذلك ما لم ~~يعلموه، وأن منزلتكم في العلم أعلى من منازلهم". # وجوابنا هو مثل جواب المتكلمين، وهو أن الاعتبار بمعرفة مدلول العبارات، ~~لا بمعرفة العبارات، فإذا عرف البدوي الفرق بين أن يقول: "جاءني زيد ~~راكبا"، وبين قوله: "جاءني زيد الراكب"، لم يضره أن لا يعرف أنه إذا قال: ~~"راكبا"، كانت عبارة النحويين فيه أن يقولوا في "راكب": "إنه حال"، وإذا ms254 ~~قال: "الراكب"، إنه صفة جارية على "زيد" وإذا عرف في قوله: "زيد منطلق" أن ~~"زيدا" مخبر عنه، و "منطلق" خبر، لم يضره أن لا يعلم أن نسمى "مجدا" مبتدأ ~~وغذاعرف في قولنا: "ضربته تأديبا له"، أن المعنى فيالتأديب أنه غرضه من ~~الضرب، وأنه ضربه ليتأدب، لم يضره أن لا يعلم أن نسمى "التأديب" مفعولا له. ~~PageV01P418 # ولو كان عدمه العلم بهذه العبارات1، بمنعه العلم بما وضعناها له وأردناه ~~بها لكان ينبغي أن لا تكون له سبيل إلى بيان أغراضه، وأن لا يفصل فيما ~~يتكلم به بين نفي وإثبات، وبين "ما" إذا كان استفهاما، وبينه إذا كان بمعنى ~~"الذي"، وإذا كان بمعنى المجازاة، لأنه لم يسمع عبارتنا في الفرق بين هذه ~~المعاني. # أترى الأعرابي حين سمع المؤذن يقول: "أشهد أن محمدا رسول الله" بالنصب، ~~فاأنكر وقال: صنع ماذا؟ أنكر عن غير علم أن النصب يخرجه عن أن يكون خيرا ~~ويجعله والأول في حكم اسم واحد، وأنه إذا صار والأول في حكم اسم واحد، ~~احتيج إلى اسم آخر أو فعل، حتى يكون كلاما، وحتى يكون قد ذكر ما له فائدة؟ ~~إن كان لم يعلم ذلك، فلماذا قال: "صنع ماذا؟ "، فطلب ما يجعله خيرا؟ # بيان في رد شبهة المعتزلة: ### | 494 - # ويكفيك أنه يلزم على ما قالوه أنت يكون امرؤ القيس حين قال: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # قاله وهو لا يعلم ما نعنيه بقولنا: إن "قفا" أمر، و "نبك" جواب الأمر، و ~~"ذكرى" مضاف إلى "حبيب"، و "منزل" معطوف على الحبيب وأن تكون هذه الألفاظ ~~قد ترتبت له من غير قصد منه إلى هذه المعاني2. وذلك يوجب أن يكون قال: ~~"نبك" بالجزم من غير أن يكون عرف معنى يوجب الجزم وأني به مؤخرا عن "قفا"، ~~من غير أن عرف لتأخيره موجبا سوى طلب الوزن. PageV01P419 # ومن أفضت به الحال إلى أمثال هذه الشناعات، ثم لم يرتدع، ولم يتبين أنه ~~على خطأ، فليس إلا تركه والإعراض عنه. ### | 495 - # ولولا أنا نحنب أن ينبس أحد في ms255 معنى السؤال والاعتراض بحروف إلا أريناه ~~الذي استهواه، لكان ترك التشاغل بإيراد هذا وشبهه أولى. # ذاك لأنا قد علمنا علم ضرورة أنا لو بقينا الدهر الأطول تصعد ونصوب1، ~~ونبحث وننقب، نبتغي كلمة قد اتصلت بصاحبة لها، ولفظة قد انتظمت مع أختها، ~~من غير أن توخي فيما بينهما معنى من معاني النحو2، طلبنا ممتنعا، وثنينا ~~مطايا الفكر ظلما. فإن كان ههنا من يشك في ذلك، ويزعم أنه قد علم لاتصال ~~الكلم بعضها ببعض، وانتظام الألفاظ بعضها مع بعض، معاني غير معاني النحو، ~~فإنا نقول له: هات، فبين لنا تلك المعاني، وأرنا مكانها، واهدنا لها، فلعلك ~~قد أوتيت علما قد حجب عنا، وفتح لك باب قد أغلق دوننا: # وذاك له إذا العنقاء صارت ... مرببة وشب ابن الخصى3 PageV01P420 ### | فصل آخر في أن الفصاحة والبلاغة للمعاني # فصل: آفة وشبهة في مسألة التعبير عن المعنى بلفظين أحدها فصيح، والآخر ~~غير فصيح ### | 496 - # قد أردت أن أعيد القول في شيء هو أصل الفساد ومعظم الآفة، والذيصار حجازا ~~بين القوم وبين التأمل، وأخذ بهم عن طريق النظر، وحال بينهم وبين أن يصغوا ~~إلى ما يقال لهم، وأن يفتحوا للذي تبين أعينهم، وذلك قولهم: "إن العقلاء قد ~~اتفقوا على أنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون أحدهما ~~فصيحا، والآخر غير فصيح. وذلك، قالوا، يقتضي أن يكون للفظ نصيب في المزية، ~~لأنها لو كانت مقصورة على المعنى، لكان محالا أن يجعل لأحد اللفظين فضل على ~~الآخر، مع أن المعبر عنه واحد". # وهذا شيء تراهم يعجبون به ويكثروت تردداه، مع أنهم يؤكدونه فيقولون: ~~"لولا أن الأمر كذلك، لكان ينبغي أن لا يكون للبيت من الشعر فضل على تفسير ~~المفسر له، لأنه إن كان اللفظ إنما يشرف من أجل منعناه، فإن لفظ المفسر ~~يأتي على المعنى ويؤديه لا محالة، إذ لو كان لا يؤديه، لكان لا يكون تفسيرا ~~له". # ثم يقولون: "وإذا لزم ذلك في تفسير البيت من الشعر، لزم مثله في الآية من ~~القرآن" وهم إذا انتهوا ms256 في الحجاج إلى هذا الموضع، ظنوا أنهم قد أتوا بما ~~لا يجوز أن يسمع عليهم معه كلام1، وأنه نقض ليس بعده إبراهيم، وربما ~~PageV01P421 # أخرجهم الإعجاب به إلى الضحك والتعجب ممن يرى أن إلى الكلام عليه سبيلا، ~~وأنه يستطيع أن يقيم على بطلان ما قالوه دليلا. ### | 497 - # والجواب، وبالله التوفيق، أن يقال للمحتج بذلك: قولك إنه يصح أن يعبر عن ~~المعنى الواحد بلفظين، يحتمل أمرين: # أحدهما: أن تريد باللفظين كلمتين معناهما واحد في اللغة، مثل "الليث" و ~~"الأسد"، ومثل "شحط" و "بعد"، وأشباه ذلك مما وضع اللفظان فيه لمعنى. # والثاني: أن تريد كلامين. # فإن أردت الأول خرجت من المسألة، لأن كلامنا نحن في فصاحة تحدث من بعد ~~التأليف، دون الفصاحة التي توصف بها اللفظة مفردة، ومن غير أن يعتبر حالها ~~مع غيرها. # وإن أردت الثاني، ولابد لك من أن تريده، فإن ههنا أصلا، من عرفه عرف سقوط ~~هذا الاعتراض. وهو أن يعلم أن سبيل المعاني سبيل أشكال الحلي، كالخاتم ~~والشنف والسوار، فكما أن من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غفلا ~~ساذجا، لم يعمل صانعه فيه شيئا أكثر من أن أتى بما يقع عليه اسم الخاتم إن ~~كان خاتما1، والشنف إن كان شنفا، وأن يكون مصنوعا بديعا قد أغرب صانعه فيه. ~~كذلك سبيل المعاني، أن ترى الواحد منها غفلا ساذجا عاميا موجودا في كلام ~~الناس كلهم، ثم تراه نفسه وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة وإحداث الصور ~~في المعاني، فيصنع فيه ما يصنع الصنع الحاذق، PageV01P422 # حتى يغرب في الصنعة، ويدق في العمل، ويبدع في الصياغة. وشواهد ذلك حاضرة ~~لك كيف شئت، وأمثلته نصب عينك من أين نظرت. # تنظر إلى قول الناس: "الطبع لا يتغير"، و "لست تستطيع أن تخرج الإنسان ~~عما جبل عليه"، فترى معنى غفلا عاميا معروفا في كل جيل وأمه، ثم تنظر إليه ~~في قول المتنبي: # يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل1 # فتجده قد خرج في أحسن صورة، وتراه قد تحول جوهرة بعد أن كان خرزة، ms257 وصار ~~أعجب شيء بعد أن لم يكن شيئا. # رد شبهة المعتزلة هذه وفساد قولهم، وهو فصل جيد: ### | 498 - # وإذ قد عرفت ذلك، فإن العقلاء إلى هذا قصدوا حين قالوا: "إنه يصح أن يعبر ~~عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون أحدهما فصيحا والآخر غير فصيح"، كأنهم ~~قالوا: إنه يصح أن تكون ههنا عبارتان أصل المعنى فيهما واحد، ثم يكون ~~إحداهما في تحسين ذلك المعنى وتزينه، وإحداث خصوصية فيه تأثير لا يكون ~~للأخرى. ### | 499 - # واعلم أن المخالف لا يخلو من أن ينكر أن يكون للمعنى إحدى العبارتين حسن ~~ومزية لا يكونان له في الأخرى، وأن تحدث فيه على الجملة صورة لم تكن2 أو ~~يعرف ذلك. # فإن أنكر لم يكلم، لأنه يؤديه إلى أن لا يجعل للمعنى في قوله: ~~PageV01P423 # وتأتي الطباع على الناقل # مزية على الذي يعقل من قولهم: "الطبع لا يتغير"، و "لا يستطيع أن يخرج ~~الإنسان عما جبل عليه" وأن لا يرى لقول أبي نواس: # وليس الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد1 # مزية على أن يقال: "غير بديع في قدرة الله تعالى أن يجمع فضائل الخلق ~~كلهم في رجل واحد" ومن أداه قول يقوله إلى مثل هذا، كان الكلام معه محالا، ~~وكنت إذا كلفته أن يعرف، كمن يكلف أن يميز بحوز الشعر بعضها من بعض، فيعرف ~~المديد من الطويل، والبسيط من السريع2 من ليس له ذوق يقيم به الشعر من ~~أصله. # وإن اعترف بأن ذلك يكون، قلنا له: أخبرنا عنك، أتقول في قوله: # وتأبى الطباع على الناقل # إنه غاية في الفصاحة؟ فإذا قال: نعم. قيل له: أفكان كذلك عندك من أجل ~~حروفه، أم من أجل حسن ومزية حصلا في المعنى؟ فإن قال: من أجل حروفه: دخل في ~~الهذيان وإن قال: من أجل حسن ومزية حصلا في المعنى، قيل له: فذاك ما أردناك ~~عليه حين قلنا: إن اللفظ يكون فصيحا من أجل مزية تقع في معناه، لا من أجل ~~جرسه وصداه. # "التشبيه"، يكشف شبهة المعتزلة: ### | 500 - # واعلم أنه ليس شيء أبين ms258 وأوضح وأحرى أن يكشف الشبهة PageV01P424 # عن متأمله في صحة ما قلناه1، من "التشبيه". فإنك تقول: "زيد كالأسد" أو ~~"مثل الأسد" أو "شبيه بالأسد"، فتجد ذلك كله تشبيها غفلا ساذجا ثم تقول: ~~"كأن زيدا الأسد"، فيكون تشبيها أيضا، إلا أنك ترى بينه وبين الأول بونا ~~بعيدا، لأنك ترى له صورة خاصة، وتجدك قد فخمت المعنى وزدت فيه، بإن أفدت ~~أنه من الشجاعة وشدة البطش، وأن قلبه قلب لا يخامره الذعر ولا يدخله الروع، ~~بحيث يتوهم أنه الأسد بعينه ثم تقول: "لئن لقيته ليلقينك منه الأسد"، فتجده ~~قد أفاد هذه المبالغة، لكن في صورة أحسن، وصفة أخص، وذلك أنك تجعله في ~~"كأن"، يتوهم أنه الأسد، وتجعله ههنا يرى منه الأسد على القطع، فيخرج الأمر ~~عن حد التوهم إلى حد اليقين ثم إن نظرت إلى قوله: # أإن أرعشت كفا أبيك وأصبحت ... يداك يدي ليث فإنك غالبه2 # وجدته قد بدا لك في صورة أنق وأحسن ثم إن نظرت إلى قول أرطاة ابن سهية: # إن تلقني لا ترى غير بناظرة ... تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد3 # وجدته قد فضل الجميع، ورأيته قد أخرج في صورة غير تلك الصور كلها. ~~PageV01P425 # شبهة المعتزلة في قولهم "اللفظ" واستدلالهم بأن تفسير الشعر يجب أن يكون ~~كالمفسر. ورد الشبهة: ### | 501 - # واعلم أن من الباطل والمحال ما يعلم الإنسان بطلانه واستحالته بالرجوع ~~إلى النفس حتى لا يشك. ثم إنه إذا أراد بيان ما يجد في نفسه والدلالة عليه، ~~رأى المسلك إليه يغمض ويدق. وهذه الشبهة أعني قولهم: "إنه لو كان يجوز أن ~~يكون الأمر على خلاف ما قالوه من أن الفصاحة وصف للفظ من حيث هو لفظ، لكان ~~ينبغي أن لا يكون للبيت من الشعر فضل على تفسير المفسر"1، إلى آخره2 من ~~ذاك. وقد علقت لذلك بالنفوس وقويت فيها، حتى إنك لا تلقى إلى أحد من ~~المتعلقين بأمر "اللفظ" كلمة مما نحن فيه، إلا كان هذا أول كلامه، وإلا عجب ~~وقال: "إن التفسير بيان للمفسر، فلا يجوز أن يبقى من معنى المفسر ms259 شيء لا ~~يؤديه التفسير، ولا يأتي عليه، لأن في تجويز ذلك القول بالمحال، وهو أن لا ~~يزال يبقى من معنى المفسر شيء لا يكون إلى العلم به سبيل. وإذا كان الأمر ~~كذلك. ثبت أن الصحيح ما قلناه، من أنه لا يجوز أن يكون للفظ المفسر فضل من ~~حيث المعنى على لفظ التفسير. وإذا لم يجز أن يكونه الفضل من حيث المعنى، لم ~~يبق إلا أن يكون من حيث اللفظ نفسه". # فهذا جملة ما يمكنهم أن يقولوه في نصرة هذه الشبهة، قد استقصيته لك. وإذ ~~قد عرفته فاسمع الجواب. وإلى الله تعالى الرغبة في التوفيق للصواب. ### | 502 - # إعلم أن قولهم: "إن التفسير يجب أن يكون كالمفسر"، دعوى لا تصح لهم إلا ~~من بعد أن ينكروا الذي بيناه، من أن من شأن المعاني أن تختلف. PageV01P426 # بها الصور، ويدفعوه أصلا، وحتى يدعوا أنه لا فرق بين "الكناية" و ~~"التصريح"، وأن حال المعنى مع "الاستعارة" كحاله مع ترك الاستعارة، وحتى ~~يبطلوا ما أطبق عليه العقلاء من أن "المجاز" يكون أبدا أبلغ من الحقيقة، ~~فيزعموا أن قولنا: "طويل النجاد" و "طويل القامة" واحد، وأن حال المعنى في ~~بيت ابن هرمة. # ولا أبتاع إلا قريبة الأجل1 # كحاله في قولك: أنا مضياف وأنك إذا قلت: "رأيت أسدا"، لم يكن الأمر أقوى ~~من أن تقول: "رأيت رجلا هو من الشجاعة بحيث لا ينقص عن الأسد"، ولم تكن قد ~~زدت في المعنى بأن ادعيت له أنه أسد بالحقيقة ولا بالغت فيه2 وحتى يزعموا ~~أنه لا فضل ولا مزية لقولهم: "ألقيت حبله على غاربه"، على قولك في تفسيره: ~~"خليته وما يريد، وتركته يفعل ما يشاء" وحتى لا يجعلوا للمعنى في قوله ~~تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: 93]، مزية على أن يقال: "اشتدت ~~محبتهم للعجل وغلبت على قلوبهم"، وأن تكون صورة المعنى في قوله عز وجل: ~~{واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4]، صورته في قول من يقول: "وشاب رأسي كله" و ~~"أبيض رأسي كله" وحتى لا يروا فرقا بين قوله تعالى: {فما ربحت ms260 تجارتهم} ~~[البقرة: 16]، وبين: "فما ربحوا في تجارتهم" وحتى يرتكبوا جميع ما أريناك ~~الشناعة فيه، من أن لا يكون فرق بين قول المتنبي: PageV01P427 # وتأبى الطباع على الناقل1 # وبين قولهم: "إنك لا تقدر أن تغير طباع الإنسان" ويجعلوا حال المعنى في ~~قول أبي نواس: # وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد2 # كحاله في قولنا: "إنه ليس ببديع في قدرة الله أن يجع فضائل الخلق كلهم في ~~واحد" ويرتكبوا ذلك في الكلام كله، حتى يزعموا أنا إذا قلنا في قوله تعالى: ~~{ولكم في القصاص حياة} إن المعنى فيها: "أنه لما كان الإنسان إذا هم بقتل ~~آخر لشيء غاظه منه، فذكر أنه إن قتله قتل ارتدع، صار المهموم بقتله كأنه قد ~~استفاد حياة فيما يستقبل بالقصاص3 كنا قد أدينا المعنى في تسيرنا هذا على ~~صورته التي هو عليها في الآية، حتى لا نعرف فضلا، وحتى يكون حال الآية ~~والتفسير حال اللفظين إحداهما غريبة والأخرى مشهورة، فتفسر الغريبة ~~بالمشهورة، مثل أن تقول مثلا في "الشرجب" إنه الطويل4، وفي "القط" إنه ~~الكتاب، وفي "الدسر" إنه المسامير. ومن صار الأمر به إلى هذا، كان الكلام ~~معه محالا. ### | 503 - # واعلم أنه ليس عجب أعجب من حال من يرى كلامين5، PageV01P428 # أجزاء أحدهما مخالفة في معانيها لأجزاء الآخر، ثم يرى أنه يسع في العقل ~~أن يكون معنى أحد الكلامين مثل معنى الآخر، سواء حتى يقعد فيقول1: "إنه لو ~~كان يكون الكلام فصيحا من أجل مزية تكون في معناه، لكان ينبغي أن توجد تلك ~~المزية في تفسيره". ومثله في العجب أنه ينظر إلى قوله تعالى: {فما ربحت ~~تجارتهم} [البقرة: 16]، فيرى إعراب الاسم الذي هو "التجارة"، قد تغير فصار ~~مرفوعا بعد أن كان مجرورا، ويرى أنهن قد حذف من اللفظ بعض ما كان فيه، وهو ~~"الواو" في "ربحوا"، و "في" من قولنا: "في تجارتهم"، ثم لا يعلم أن ذلك ~~يقتضي أن يكون المعنى قد تغير كما تغير اللفظ. # الكلام الفصيح قسمان: مزية اللفظ ومزية النظم ### | 504 - # واعلم أنه ليس للحجج والدلائل ms261 في صحة ما نحن عليه حد ونهاية، وكلما انتهى ~~منه باب انفتح فيه باب آخر، وقد أردت أن آخذ في نوع آخر من الحجاج، ومن ~~البسط والشرح، فتأمل ما أكتبه لك. ### | 505 - # إعلم أن الكلام الفصيح ينقسم قسمين: قسم تعزى المزية والحسن فيه إلى ~~اللفظ وقسم يعزى ذلك فيه إلى النظم2. PageV01P429 # القسم الأول: "الكناية" و"الاستعارة" و"التمثيل على حد الاستعارة" # فالقسم الأول: "الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل الكائن على حد ~~الاستعارة"، وكل ما كان فيه، على الجملة، مجاز واتساع وعدول باللفظ عن ~~الظاهر، فما من ضرب من هذه الضروب إلا وهو إذا وقع على الصواب وعلى ما ~~ينبغي، أوجب الفضل والمزية. # فإذا قلت: "هو كثير رماد القدر"، كان له موقع وحظ من القبول لا يكون إذا ~~قلت: "هو كثير القرى والضيافة". # وكذا إذا قلت: "هو طويل النجاد"، كان له تأثير في النفس لا يكون إذا قلت: ~~"هو طويل القامة". # وكذا إذا قلت: "رأيت أسدا"، كان له مزية لا تكون إذا قلت: "رأيت رجلا ~~يشبه الأسد ويساويه في الشجاعة". # وكذلك إذا قلت: "أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى"، كان له موقع لا يكون إذا ~~قلت: "أراد تتردد في الذي دعوتك إليه، كمن يقول: أخرج ولا أخرج، فيقدم رجلا ~~ويؤخر أخرى". # وكذلك إذا قلت: "ألقى حبله على غاربه"، كان له مأخذ من القلب لا يكون إذا ~~قلت: "هو كالبعير الذي يلقى حبله على غاربة حتى يرعى كيف يشاء ويذهب حيث ~~يريد". # لا يجهل المزية فيه إلا عديم الحس ميت النفس، وإلا من لا يكلم، لأنه من ~~مبادئ المعرفة التي من عدمها لم يكن للكلام معه معنى. # PageV01P430 # النظر في "الكناية": ### | 506 - # وإذ قد عرفت هذه الجملة، فينبغي أن تنظر إلى هذ هالمعاني واحدا واحدا، ~~وتعرف محصولها وحقائقها، وأن تنظر أولا إلى "الكناية"، وإذا نظرت إليها ~~وجدت حقيقتها ومحصول أمرها أنها إثبات لمعنى، أنت تعرف ذلك المعنى من طريق ~~المعقول دون طريق اللفظ. ألا ترى أنك لما نظرت إلى قولهم: "هو كثير رماد ~~القدر"، وعرفت منه ms262 أنهم أرادوا أنه كثير القرى والضيافة، لم تعرف ذلك من ~~اللفظ، ولكنك عرفته بأن رجعت إلى نفسك فقلت: إنه كلام قد جاء عنهم في ~~المدح، ولا معنى للمدح بكثرة الرماد، فليس إلا أنهم أرادوا أن يدلوا بكثرة ~~الرماد على أنه تنصب له القدور الكثيرة، ويطبخ فيها للقرى والضيافة، وذلك ~~لأنه إذا كثر الطبخ في القدور كثر إحراق الحطب تحتها، وإذا كثر إحراق الحطب ~~كثر الرماد لا محالة. وهكذا السبيل في كل ما كان "كناية" فليس من لفظ الشعر ~~عرفت أن ابن هرمة أراد بقوله: # ولا أبتاع إلا قريبة الأجل1 # التمدح بأنه مضياف، ولكنك عرفته بالنظر اللطيف، وبأن علمت أنه لا معنى ~~للتمدح بظاهر ما يدل عليه اللفظ من قرب أجل ما يشتريه، فطلبت له تأويلا، ~~فعلمت أنه أراد أنه يشتري ما يشتريه للأضياف، فإذا أشترى شاة أو بعيرا، كان ~~قد اشترى ما قد دنا أجله، لأنه يذبح وينحر عن قريب. # النظر في "الاستعارة": ### | 507 - # وإذا قد عرفت هذا في "الكناية"، "فالاستعارة" في هذه القضية2. وذاك أن ~~موضوعها على أنك تثبت بها معنى لا يعرف السامع ذاك المعنى من اللفظ، ولكنه ~~يعرفه من معنى اللفظ. PageV01P431 # بيان هذا، أنا نعلم أنك لا تقول، "رأيت أسدا"، إلا وغرضك أن تثبت للرجل ~~أنه مساو للأسد في شجاعته وجرأته، وشدة بطشه وإقدامه، وفي أن الذعر لا ~~يخامره، والخوف لا يعرف له. ثم تعلم أن السامع إذا عقل هذا المعنى لم يعقله ~~من لفظ "أسد"، ولكنه يعقله من معناه، وهو أنه يعلم أنه لا معنى لجعله ~~"أسدا"، مع العلم بأنه "رجل" إلا أنك أردت أنه بلغ من شدة مشابهته للأسد ~~وماواته إياه، مبلغا يتوهم معه أنه أسد بالحقيقة، فاعرف هذه الجملة وأحسن ~~تأملها. # الاستعارة، يراد بها المبالغة لا نقل اللفظ عما وضع له في اللغة: ### | 508 - # واعلم أنك ترى الناس وكأنهم يرون أنك إذا قلت: "رأيت أسدا"، وأنت تريد ~~التشبيه، كنت نقلت لفظ "أسد" عما وضع له في اللغة، واستعملته في معنى غير ~~معناه، حتى كأن ms263 ليس "الاستعارة" إلا أن تعمد إلى اسم الشيء فتجعله اسما ~~لشبيهه، وحتى كأن لا فصل بين "الاستعارة"، وبين تسمة المطر "سماء"، والنبت ~~"غيثا"، والمزادة "راوية"، وأشباه ذلك مما يوقع فيه اسم الشء على ما هو منه ~~بسبب، ويذهبون عما هو مركوز في الطباع من أن المعنى فيه المبالغة1، وأن ~~يدعى في الرجل أنه ليس برجل، ولكنه أسد بالحقيقة، وأنه إنما يعار اللفظ من ~~بعد أن يعار المعنى، وأنه لا يشرك في اسم "الأسد"، إلا من بعد أن يدخل في ~~جنس الأسد. لا ترى أحدا يعقل إلا وهو يعرف ذلك إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع. # ومن أجل أن كان الأمر كذلك، رأيت العقلاء كلهم يثبتون القول بأن من شأن ~~"الاستعارة" أن تكون أبدا أبلغ من الحقيقة، وإلا فإن كان ليس PageV01P432 # ههنا إلا نقل اسم من شيء إلى شيء، فمن أين يجب، ليت شعري، أن تكون ~~الاستعارة أبلغ من الحقيقة، ويكون لقولنا: "رأيت أسدا"، مزية على قولنا: ~~"رأيت شبيها بالأسد"؟ وقد علمنا أنه محال أن يتغر الشيء في نسه، بأن ينقل ~~إليه اسم قد وضع لغيره1، من بعد أن لا يراد من معنى ذلك الاسم فيه شيء بوجه ~~من الوجوه2، بل يجعل كأنه لم يوضع لذلك المعنى الأصلي أصلا. وفي أي عقل ~~يتصور أن يتغير معنى "شبيها بالأسد"، بأن يوضع لفظ "أسد" عليه، وينقل إليه؟ ### | 509 - # واعلم أن العقلاء بنوا كلامهم، إذا قاسموا وشبهوا، على أن الأشياء تستحق ~~الأسامي لخواص معان هي فيها دون ما عداها، فإذا أثبتوا خاصة شيء لشيء، ~~أثبتوا له أسم، فإذا جعلوا "الرجل" بحيث لا تنقص شجاعته عن شجاعة الأسد ولا ~~يعدم منها شيئا، قالوا: "هو أسد" وإذا وصفوه بالتناهي في الخير والخصال ~~الشريفة، أو بالحسن الذي يبهر قالوا: "هو ملك" وإذا وصفوا الشيء بغاية ~~الطيب قالوا: "هو مسك". وكذلك الحكم أبدا. # ثم إنهم إذا استقصوا في ذلك نفوا عن المشبه اسم جنسه فقالوا: "ليس هو ~~بإنسان، وإنما هو أسد"، و "ليس هو آدميا، وإنما هو ملك"، ms264 كما قال الله ~~تعالى: {ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} [يوسف: 31]. PageV01P433 # ثم إن لم يريدوا أن يخرجوه عن جنسه جملة قالوا: "هو أسد في صورة إنسان" و ~~"هو ملك في صورة آدمي" وقد خرج هذا للمتنبي في أحسن عبارة، وذلك في قوله: # نحن ركب ملجن في زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال1 ### | 510 - # ففي هذه الجملة بيان لمن عقل أن ليست "الاستعارة" نقل اسم عن شيء إلى ~~شيء، ولكنها ادعاء معنى الاسم لشيء، إذ لو كانت نقل اسم وكان قولنا: "رأيت ~~أسدا"، بمعنى: رأيت شبيها بالأسد، ولم يكن ادعاء أنه أسد بالحقيقة لكان ~~محالا أن يقال: "ليس هو بإنسان، ولكنه أسد" أو "هو أسد في صورة إنسان"، كما ~~أنه محال أن يقال: "ليس هو بإنسان، ولكنه شبيه بأسد" أو يقال: "هو شبيه ~~بأسد في صورة إنسان". ### | 511 - # واعلم أنه قد كثر في كلام الناس استعمال لفظ "النقل" في "الاستعارة"، فمن ~~ذلك قولهم: "إن الاستعارة تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة ~~على سبيل النقل"2: وقال القاضي أبو الحسن3: "الاستعارة ما اكتفي فيه بالاسم ~~المستعار عن الأصلي، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها"4. PageV01P434 # ومن شأن ما غمض من المعاني ولطف، أن يصعب تصويره على الوجه الذي هو عليه ~~لعامة الناس، فيقع لذلك في العبارات التي يعبر بها عنه، ما يوهم الخطأ، ~~وإطلاقهم في "الاستعارة" أنها "نقل للعبارة عما وضعت له"، من ذلك1، فلا يصح ~~الأخذ به. وذلك أنك إذا كنت لا تطلق اسم "الأسد" على "الرجل"، إلا من بعد ~~أن تدخله في جنس الأسود من الجهة التي بينا، لم تكن نقلت الاسم عما وضع له ~~بالحقيقة، لأنك إنما تكون ناقلا، إذا أنت أخرجت معناه الأصلي من أن يكون ~~مقصودك، ونفضت به يدك. فأما أن تكون اقلا له عن معناه، مع إرادة معناه، ~~فمحال متناقض. # أمثلة على أن "النقل"، لا يتصور في بعض "الاستعارة": ### | 512 - # واعلم أن في "الاستعارة" ما لا يتصور تقدير النقل فيه البتة، ms265 وذلك مثل ~~قول لبيد: # وغداة ربح قد كشفت وقرة ... إذا أصبحت بيد الشمال زمامها2 PageV01P435 # "اليد" قد نقل عن شيء إلى شيء. وذلك أنه ليس المعنى على أنه شبه شيئا ~~باليد، فيمكنك أن تزعم أنه نقل لفظ "اليد" إليه، وإنما لامعنى على أنه أراد ~~أن يثبت للشمال في تصريفها "الغداة" على طبيعتها، شبه الإنسان قد أخذ الشيء ~~بيده يقلبه ويصرفه كيف يريد. فلما أثبت لها مثل فعل الإنسان باليد، استعار ~~لها "اليد". وكما لا يمكنك تقدير "النقل" في لفظ "اليد"، كذلك لا يمكنك أن ~~تجعل الاستعارة فيه من صفة اللفظ، ألا ترى أنه محال أن تقول: إنه استعار ~~لفظ "اليد" للشمال؟ وكذلك سبيل نظائره، مما تجدهم قد أثبتوا فيه للشيء عضوا ~~من أعضاء الإنسان، من أجل إثباتهم له المعنى الذي يكون في ذلك العضو من ~~الإنسان كبيت الحماسة: # إذا هزه في عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك1 # فإنه لما جعل "المنايا" تضحك، جعل لها "الأفواه والنواجذ" التي يكون ~~الضحك فيها وكبيت المتنبي: # خميس بشرق الأرض والغرب زحفه ... وفي أذن الجوزاء منه زمازم2 # لما جعل "الجوزاء" تسمع على عادتهم في جعل النجوم تعقل، ووصفهم لها بما ~~يوصف به الأناسي أثبت لها "الأذن" التي بها يكون السمع من الأناسي. ~~PageV01P436 ### | 513 - # فأنت الآن لاتستطيع أن تزعم في بيت الحماسة أنه استعار لفظ "النواجذ" ~~ولفظ "الأفواه"، لأن ذلك يوجب المحال، وهو أن يكون في المنايا شيء قد شبهة ~~بالنواجذ، وشيء قد شبهه بالأفواه، فليس إلا أن تقول: إنه لما ادعى أن ~~المنايا تسر وتستبشر إذا هو هز السيف، وجعلهخا لسرورها بذلك تضحك1 أراد أن ~~يبالغ في الأمر، فجعلها في صورة من يضحك حتى تبدو نواجذه من شدة السرور. # وكذلك لا تستطيع أن تزعم أن المتنبي قد استعار لفظ "الأذن"، لأنه يوجب أن ~~يكون في "الجوزاء" شيء قد أراد تشبيهه بالأذن. وذلك من شنيع المحال. # تحقيق في معنى "الاستعارة": ### | 514 - # فقد تبين من غير وجه أن "الاستعارة" إنما هي ادعاء معنى الاسم للشيء، لا ~~تقل ms266 الاسم عن الشيء. وإذا ثبت أنها ادعاء معنى الاسم للشيء، علمت أن الذي ~~قالوه من "أنها تعليق للعبارة على غير ما وضعت له في اللغة، وقل لها عما ~~وضعت له"2 كلام قد تسامحوا فيه، لأنه إذا كانت "الاستعارة" ادعاء معنى ~~الاسم، لم يكن الاسم مزالا عما وضع له، بل مقرا عليه. # تفسير معنى "جعل" في الكلام وفي القرآن: ### | 515 - # واعلم أنك تراهم لا يمتنعون إذا تكلموا في "الاستعارة" من أن يقولوا: ~~"إنه أراد المبالغة فجعله أسدا"، بل هم يلجأون إلى القول به. وذلك صريح في ~~أن الأصل فيها المعنى، وأنه المستعار في الحقيقة، وأن قولنا: "استعير له ~~اسم الأسد"، إشارة إلى أنه استعير له معناه، وأنه جعل إياه. PageV01P437 # وذلك أنا لو لم نقل ذلك، لم يكن "لجعل" ههنا معنى، لأن "جعل" لا يصلح إلا ~~حيث يراد إثبات صفة للشيء، كقولنا: "جعلته أميرا" و "جلعته لصا" تريد أنك ~~أثبت له الإمارة، ونسبته إلى اللصوصية وادعيتها عليه ورميته بها. # وحكم "جعل"1، إذا تعدى إلى مفعولين، حكم "صير"، فكما لا تقول" صيرته ~~أميرا"، إلا على معنى أنك أثبت له صفة الإمارة، كذلك لا يصح أن تقول: ~~"جعلته أسدا"، إلا على معنى أنك أثبت له المعنى الأسد2. وأما ما تجده في ~~بعض كلامهم من أن "جعل" يكون بمعنى "سمى"، فمما تسامحوا فيه أيضا، لأن ~~المعنى معلوم، وهو مثل أن تجد الرجل يقول: "أنا لا أسميه إنسانا"، وغرضه أن ~~يقول: إني لا أثبت له المعاني التي بها كان الإنسان إنسانا، فأما أن يكون ~~"جعل" في معنى "سمى"، هكذا غفلا، فمما لا يخفى فساده. ألا ترى أنك لا تجد ~~عاقلا يقول: "جعلته زيدا"، بمعنى: سميته زيدا ولا يقال للرجل: "إجعل ابنك ~~زيدا"، بمعنى: سمه زيدا و "ولد لفلان ابن فجعله عبد الله"، أي: سماه عبد ~~الله3. هذا ما لا يشك فيه ذو عقل إذا نظر. ### | 516 - # وأكثر ما يكون منهم هذا التسامح، أعني قولهم إن "جعل" يكون بمعنى "سمى" ~~في قوله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم ms267 عباد الرحمن PageV01P438 # إناثا} [الزخرف: 19]، فقد ترى في التفسير أن "جعل" يكون بمعنى "سمى"، ~~وعلى ذاك فلا شبهة في أن ليس المعنى على مجرد التسمية، ولكن على الحقيقة ~~التي وصفتها لك. وذاك أنهم اثبتوا للملائكة صفة الإناث واعتقدوا وجودها ~~فيهم، وعن هذا الاعتقاد صدر عنهم ما صدر من الاسم أعني إطلاق اسم "البنات" ~~وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظ "الإناث" ولفظ "البنات"، من غير اعتقاد ~~معنى وإثبات صفة. هذا محال. ### | 517 - # أو لا ترى إلى قوله تعالى: {أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} ~~[الزخرف: 19]، فلو كانوا لم يزيدوا على إجراء الاسم على الملائكة، ولم ~~يعتقدوا إثبات صفة لما قال الله تعالى: {أشهدوا خلقهم}. هذا ولو كانوا لم ~~يقصدوا إثبات صفة، ولم يكن غير أن وضعوا اسما لا يريدون به معنى، لما ~~استحقوا إلا اليسير من الذم، ولما كان هذا القول منهم كفرا. والتفسير ~~الصحيح والعبارة المستقيمة، ما قاله أبو إسحاق الزجاج رحمه الله، فإنه قال: ~~إن "الجعل" ههنا في معغنى القول والحكم على الشيء، تقول: "قد جعلت زيدا ~~أعلم الناس"، أي وصفته بذلك وحكمت به1. # تعرف "الاستعارة" من طريق المعقول دون اللفظ، وكذلك "الكناية": ### | 518 - # ونرجع إلى الغرض فنقول: فإذا ثبت أن ليست "الاستعارة" نقل الاسم، ولكن ~~ادعاء معنى الاسم وكنا إذا عقلنا من قول الرجل: "رأيت أسدا"، أنه أراد به ~~المبالغة في وصفه بالشجاعة، وأن يقول: إنه من قوة القلب، ومن فرط البسالة ~~وشدة البطش، وفي أن الخوف لا يخامره، والذعر لا يعرض PageV01P439 # له، بحيث لا ينقص عن الأسد1 لم نعقل ذلك من لفظ "أسد"، لكن من ادعائه ~~معنى الأسد الذي رآه2 ثبت بذلك أن "الاستعارة" كالكناية، في أنك تعرف ~~المعنى فيها من طريف المعقول دون طريق اللفظ3. ### | 519 - # وإذا قد عرفت أن طريف العلم بالمعنى في "الاستعارة" و "الكناية" معا، ~~المعقول4، فاعلم أن حكم "التمثيل" في ذلك حكمهما، بل الأمر في "التمثيل" ~~أظهر. # وذلك أنه ليس من عاقل يشك إذا نظر في كتاب يزيد بن الوليد إلى مروان بن ~~محمد، ms268 حين بلغه أنه يتلكأ في بيعته: # "أما بعد، فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد ~~على أيتهما شئت، والسلام". # يعلم5 أن المعنى أنه يقول له: بلغني أنك في أمر البيعة بين رأيين ~~مختلفين، ترى تارة أن نبايع، وأخرى أن تمتنع من البيعة، فإذا أتاك كتابي ~~هذا فاعل على أي الرأيين شئت وإنه لم يعرف ذلك من لفظ "التقديم والتأخير"، ~~أو من لفظ "الرجل"، ولكن بأن علم أنه لا معنى لتقديم الرجل PageV01P440 # وتأخيرها في رجل يدعى إلى البيعة، وإن المعنى على أنه أراد أن يقول: إن ~~مثلك في ترددك بين أن تبايع، وبين أن تمتنع، مثل رجل قائم ليذهب في أمر، ~~فجعلت نفسه تريه تارة أن الصواب أن يذهب وأخرى أنه في أن لا يذهب فجعل يقدم ~~رجلا تارة، ويؤخر أخرى. ### | 520 - # وهكذا كل كلام كان ضرب مثل، لا يخفى على من له أدنى تمييز أن الأغراض ~~التي تكون للناس في ذلك لا تعرف من الألفاظ، ولكن تكون المعاني الحاصلة من ~~مجموع الكلام أدلة على الأغراض والمقاصد. ولو كان الذي يكون غرض المتكلم ~~يعلم من اللفظ، ما كان لقولهم: "ضرب كذا مثلا لكذا"، معنى، فما اللفظ "يضرب ~~مثلا" ولكن المعنى. فإذا قلنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إياكم ~~وخضراء الدمن" 1، إنه ضرب عليه السلام "خضراء الدمن" مثلا للمرأة الحسناء ~~في منبت السوء، لم يكن المعنى أنه صلى الله عليه وسلم ضرب لفظ "خضراء ~~الدمن" مثلا. لها. هذا ما لا يظنه من به مس، فضلا عن العاقل. ### | 521 - # فقد زال الشك وارتفع في أن طريق العلم بما يراد إثباته والخبر به في هذه ~~الأجناس الثلاثة، التي هي "الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل" المعقول دون ~~اللفظ2، من حيث يكون القصد بالإثبات فيها إلى معنى ليس PageV01P441 # هو معنى اللفظ، ولكنه معنى يستدل بمعنى اللفظ عليه، ويستنبط منه، كنحو ما ~~ترى من أن القصد في قولهم: "هو كثير رماد القدر"، إلى كثرة القرى، وأنت لا ~~تعرف ذلك من هذا ms269 اللفظ الذي تسمعه، ولكنك تعرفه بأن تستبدل عليه بمعناه، ~~على ما مضى الشرح فيه1. # الفصاحة وصف للكلام بمعناه لا بلفظه مجردا: ### | 522 - # وإذ قد عرفت ذلك، فينبغي أن يقال لهؤلاء الذين اعترضوا علينا في قولنا: ~~"إن الفصاحة وصف يجب للكلام من أجل مزية تكون في معناه، وأنها لا تكون وصفا ~~له من حيث اللفظ مجردا عن المعنى"، واحتجوا بأن قالوا: "إنه لو كان الكلام ~~إذا وصف بأنه فصيح، كان ذلك من أجل مزية تكون في معناه، لوجب أن يكون ~~تفسيره فصيحا مثله"2 أخبرونا عنكم3، أترون أن من شأن هذه الأجناس، إذا كانت ~~في الكلام، أن تكون له بها مزية توجب له الفصاحة، أم لا ترون ذلك؟ # فإن قالوا: لا ترى ذلك لم يكلموا. # وإن قالوا: نرى للكلام، إذا كانت فيه، مزية توجب له الفصاحة، قيل لهم: ~~فأخبرونا عن تلك المزية، أتكون في اللفظ أم في المعنى؟ # فإن قالوا: في اللفظ دخلوا في الجهالة، من حيث يلزم من ذلك أن تكون ~~"الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل" أوصافا للفظ، لأنه لا يتصور أن ~~PageV01P442 # تكون مزيتها في اللفظ حتى تكون أوصافا له. وذلك محال، من حيث يعلم كل ~~عاقل أنه لا يكنى باللفظ عن اللفظ، وأنه إنما يكنى بالمعنى عن المعنى. ~~وكذلك يعلم أنه لا يستعار اللفظ مجردا عن المعنى، ولكن يستعار المعنى، ثم ~~اللفظ يكون تبع المعنى على ما قدمنا الشرح فيه1. ويعلم كذلك أنه محال أن ~~يضرب "المثل" باللفظ، وأن يكون قد ضرب لفظ: "أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى" ~~مثلا لتردده في أمر البيعة. # وإن قالوا: هي في المعنى. # قيل لهم: فهو ما أردناكم عليه، فدعوا الشك عنكم، وانتبهوا من رقدتكم، ~~فإنه علم ضروري قد أدى التقسيم إليه، وكل علم كان كذلك، فإنه يجب القطع على ~~كل سؤال يسأل فيه بأنه خطأ، وأن السائل ملبوس عليه. # كشف الغلط في فصاحة الكلام: ### | 523 - # ثم إن الذي يعرف به وجه دخول الغلط عليهم في قولهم: "إنه لو كان الكلام ~~يكون فصيحا من أجل ms270 مزية تكون في معناه، لوجب أن يكون تفسيره فصيحا مثله"، ~~هو أنك إذا نظرت إلى كلامهم هذا وجدتهم كأنهم قالوا: "إنه لو كان الكلام ~~إذا كان فيه كناية أو استعارة أو تمثيل، كان لذلك فصيحا، لوجب أن يكون إذا ~~لم توجد فيه هذه المعاني فصيحا أيضا". ذاك لأن تفسير "الكناية" أن تتركها ~~ونصرح بالمكنى عنه فنقول: إن المعنى في قولهم: "هو كثير رماد القدر"، أنه ~~كثير القرى وكذلك الحكم في "الاستعارة"، فإن تفسيرها أن تتركها، ونصرح ~~بالتشبيه فنقول في "رأيت أسدا": إن المعنى: رأيت رجلا يساوي الأسد في ~~الشجاعة وكذلك الأمر في "التمثيل"، لأن PageV01P443 # تفسيره أن نذكر المتمثل له فنقول في قوله: "أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى": ~~إن المعنى أنه قال: أراك تتردد في أمر البيعة فتقول تارة أفعل، وتارة لا ~~أفعل، كمن يريد الذهاب في وجه، فتريه نفسه تارة أن الصواب في أن يذهب، ~~وأخرى أنه في أن لا يذهب، فهو يقدم رجلا ويؤخر أخرى1. وهذا خروج عن ~~المعقول، لأنه بمنزلة أن تقول لرجل قد نصب لوصف علة: "إن كان هذا الوصف يجب ~~لهذه العلة، فينبغي أن يجب مع عدمها". ### | 524 - # ثم إن الذي استهواهم، هو أنهم نظروا إلى تفسير ألفاظ اللغة بعضها ببعض، ~~فلما رأوا اللفظ إذا فسر بلفظ، مثل أن يقال في "الشرجب" إنه الطويل، لم يجز ~~أن يكون في المفسر من حيث المعنى، مزية لا تكون في التفسير2 ظنوا أن سبيل ~~ما نحن فيه ذلك السبيل، وذلك غلط منهم، لأنه إنما كان للمفسر، فيما نحن ~~فيه، الفضل والمزية على التفسير، من حيث كانت الدلالة في المفسر دلالة معنى ~~على معنى، وفي التفسير دلالة لفظ على معنى. وكان من المركوز في الطباع، ~~والراسخ في غرائز العقول، أنه متى أريد الدلالة على معنى، فترك أن يصرح به ~~ويذكر باللفظ الذي هو له في اللغة، وعمد إلى معنى آخر فأشير به إليه، وجعل ~~دليلا عليه3 كان للكلام بذلك حسن ومزية لا يكونان إذا لم يصنع ذلك، وذكر ~~بلفظه صريحا. ms271 PageV01P444 # ولا يكون هذا الذي ذكرت أنه سبب فضل المفسر على التفسير، من كون الدلالة ~~في المفسر دلالة معنى على معنى، وفي التفسير دلالة لفظ على معنى1، حتى يكون ~~للفظ المفسر معنى معلوم يعرفه السامع، وهو غير معنى لفظ التفسير في نفسه ~~وحقيقته، كما ترى من أن الذي هو معنى اللفظ في قولهم: "هو كثير رماد ~~القدر"، غير الذي هو معنى اللفظ في قولهم: "هو كثير القرى"، ولو لم يكن ~~كذلك، لم يتصور أن يكون ههنا دلالة معنى على معنى. ### | 525 - # وإذا قد عرفت هذه الجملة، فقد حصل لنا منها أن المفسر يكون له دلالتان: ~~دلالة اللفظ على المعنى، ودلالة المعنى الذي دل اللفظ عليه على معنى لفظ ~~آخر ولا يكون للتفسير إلا دلالة واحدة، وهي دلالة اللفظ، وهذا الفرق هو سبب ~~أن كان للمفسر الفضل والمزية على التفسير. # ومحال أن يكون هذا قضية المفسر والتفسير في ألفاظ اللغة، ذاك لأن معنى ~~المفسر يكون دالا مجهولا عند السامع، ومحال أن يكون للمجهول دلالة. ### | 526 - # ثم إن معنى المفسر يكون هو معنى التفسير بعينه، ومحال إذا كان المعنى ~~واحدا أن يكون للمفسر فضل على التفسير، لأن الفضل كان في مسألتنا بأن دل ~~لفظ المفسر على معنى، ثم دل معناه على معنى آخر. وذلك لا يكون مع كون ~~المعنى واحدا ولا يتصور. # بيان هذا: أنه محال أن يقال إن معنى "الشرجب" الذي هو المفسر، يكون دليلا ~~على معنى تفسيره الذي هو "الطويل" على وزان قولنا PageV01P445 # إن معنى: "كثير رماد القدر"، يدل على معنى تفسيره الذي هو "كثير القرى"، ~~لأمرين: # أحدهما: أنك لا تفسر طالشرجب" حتى يكون معناه مجهولا عند السامع، ومحال ~~أن يكون للمجهول دلالة. # والثاني: أن المعنى في تفسيرنا "الشرجب" بالطويل، أن تعلم السامع أن ~~معناه هو معنى الطويل بعينه. وإذا كان كذلك، كان محالا أن يقال: إن معناه ~~يدل على معنى الطويل، بل الذي يعقل أن يقال: إن معناه هو معنى الطويل. ~~فاعرف ذلك. ### | 527 - # وانظر إلى لعب الغفلة بالقوم، وإلى ms272 ما رأوا في منامهم من الأحلام ~~الكاذبة! ولو أنهم تركوا الاستنامة إلى التقليد، والأخذ بالهوينا، وترك ~~النظر، وأشعروا قلوبهم أن ههنا كلاما ينبغي أن يصغى إليه1 لعلموا، ولعاد ~~إعجابهم بأنفسهم في سؤالهم هذا وفي سائر أقوالهم، عجبا منها ومن تطويج ~~الظنون بها. # الوجوه التي تكون للكلام مزية: ### | 528 - # وإذا قد بان سقوط ما اعترض به القوم وفحش غلطهم، فينبغي أن تعلم أن ليست ~~المزايا التي تجدها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره، والمبالغة ~~التي تحسها2 في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم بخبره إليها، ولكنها في ~~طريق إثباته لها، وتقريره إياها، وأنك إذا سمعتهم يقولون: "إن من ~~PageV01P446 # شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني مزية وفضلا، وتوجب لها شرفا ونبلا، وأن ~~تفحمها في نفوس السامعين"1 فإنهم لا يعنون أنفس المعاني، كالتي يقصد ~~المتكلم بخبره إليها، كالقرى والشجاعة والتردد في الرأي، وإنما يعنون ~~إثباتها لما تثبت له ويخبر بها عنه. فغا جعلوا للكناية مزية على التصريح، ~~لم يجعلوا تلك المزية في المعنى المكنى عنه، ولكن في إثباته للذي يثبت له، ~~وذلك أنا نعلم أن المعاني التي يقصد الخبر بها لا تتغير في أنفسها بأن يكنى ~~عنها بمعان سواها، ويترك أن تذكر بالألفاظ التي هي لها في اللغة. ومن هذا ~~الذي يشك أن معنى طول القامة وكثرة القرى لا يتغيران بأن يكنى عنهما بطول ~~النجاد وكثرة رماد القدر، وتقدير التغير فيهما يؤدي إلى أن لا تكون الكناية ~~عنهما، ولكن عن غيرهما؟ 2. ### | 529 - # وقد ذكرت هذا في صدر الكتاب3، وذكرت أن السبب في أن كان يكون للإثبات إذا ~~كان من طريق "الكناية" مزية لا تكون إذا كان من طريق التصريح4، أنك إذا ~~كنيت عن كثرة القرى بكثرة رماد القدر، كنت قد أثبت كثرة القرى بإثبات ~~شاهدها ودليلها، وما هو علم على وجودها، وذلك PageV01P447 # لا محالة يكون أبلغ من إثباتها بنفسها، وذلك لأنه يكون سبيلها حينئذ سبيل ~~الدعوى تكون مع شاهد. # وذكرت أن السبب في أن كانت "الاستعارة" أبلغ من الحقيقة1، أنك إذا ادعيت ~~للرجل ms273 أنه أسد بالحقيقة، كان ذلك ,اشد في تسويته بالأسد في الشجاعة. ذاك ~~لأنه محال أن يكون من الأسود، ثم لا تكون له شجاعة الأسود. وكذلك الحكم في ~~"التمثيل" فإذا قلت: "أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى"، كان أبلغ في إثبات ~~التردد له من أن تقول: "أنت كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى". ### | 530 - # واعلم أنه قد يهجس في نفس الإنسان شيء يظن من أجله أنه ينبغي أن يكون ~~الحكم في المزية التي تحدث بالاستعارة، أنها تحدث في المثبت دون الإثبات. ~~وذلك أن تقول: إنا إذا نظرنا إلى "الاستعارة" وجدناها إنما كانت أبلغ من ~~أجل أنها تدل على قوة الشبه، وأنه قد تناهى إلى أن صار المشبه لا يتميز عن ~~المشبه به في المعنى الذي من أجله شبه به. وإذا كان كذلك، كانت المزية ~~الحادثة بها حادثة في الشبه. وإذا كانت حادثة في الشبه، كانت في المثبت دون ~~الإثبات. # والجواب عن ذلك أن يقال: إن الاستعارة، لعمري، تقتضي قوة الشبه، وكونه ~~بحيث لا يتميز المشبه عن المشبه به، ولكن ليس ذاك سبب المزية، وذلك لأنه لو ~~كان ذاك سبب المزية، لكان ينبغي إذا جئت به صريحا. PageV01P448 # فقلت1: "رأيت رجلا مساويا للأسد في الشجاعة، وبحيث لولا صورته لظننت أنك ~~رأيت أسدا"، وما شاكل ذلك من ضروب المبالغة أن تجد لكلامك المزية التي ~~تجدها لقولك: "رأيت أسدا". وليس يخفى على عاقل أن ذلك لا يكون. ### | 531 - # فإن قال قائل: إن المزية من أجل أن المساواة تعلم في "رأيت أسدا" من طريق ~~المعنى، وفي "رأيت رجلا مساويا للأسد" من طريق اللفظ. # قيل: قد قلنا فيما تقدم2، إنه محال أن يتغير حال المعنى في نفسه، بأن ~~يكنى عنه بمعنى آخر، وأنه لا يتصور أن يتغير معنى طول القامة بأن يكنى عنه ~~بطول النجاد، ومعنى كثرة القرى بأن يكنى عنه بكثرة الرماد. وكما أن ذلك لا ~~يتصور، فكذلك لا يتصور أن يتغير معنى مساواة الرجل الأسد في الشجاعة، بأن ~~يكنى عن ذلك ويدل عليه بأن تجعله "أسدا". فأنت ms274 الآن إذا نظرت إلى قوله: # فأسبلت لولؤا من نرجس وسقت ... وردا وغضت على العناب بالبرد3 # فرأيته قد أفادك أن "الدمع" كان لا يحرم من شبه الؤلؤ، PageV01P449 # و "العين" من شبه النرجس1 شيئا، فلا تحسبن أن سبب الحسن الذي تراه فيه، ~~والأربحية التي تجدها عنده، أنه أفاذك ذلك فحسب. وذاك أنك تستطيع أن تجيء ~~به صريحا فتقول: "فأسبلت دمعا كأنه اللؤلؤ بعينه، من عين كأنها النرجس ~~حقيقة"، ثم لا ترى من ذلك الحسن شيئا. ولكن اعلم أن سبب أن راقك، وأدخل ~~الأريحية عليك، أنه أفادك في إثبات شدة الشبة مزية، وأوجدك فيه خاصة قد غرز ~~في طبع الإنسان أن يرتاح لها2، ويجد في نفسه هزة عندها، وهكذا حكم نظائره ~~كقول أبي نواس: # تبكي فتذري الدر عن نرجس ... وتلطم الورد بعناب3 # وقول المتبني: # بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت عغزالا4 # إذا ظهر التشبيه في "الاستعارة" فبحت: ### | 532 - # واعلم أن من شأن "الاستعارة" أنك كلما زدت إرادتك التشبيه إخفاء، ازدادت ~~الاستعارة حسنا، حتى إنك تراها أغرب ما تكون إذا كان الكلام قد ألف تأليفا ~~إن أردت أن تفصح فيه بالتشبيه، خرجت إلى شيء تعافه النفس ويلفظه المسع، ~~ومثال ذلك قول ابن المعتز: PageV01P450 # أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنابا1 # ألا ترى أنك لو حملت نفسك على أن تظهر التشبيه وتفصح به، احتجت إلى أن ~~تقول: "أثمرت أصابع يده التي هي كالأغصان لطالبي الحسن، شبيه العناب من ~~أطرافها المخضوبة"، وهذا ما لا تخفى غثاثته. من أجل ذلك كان موقع "العناب" ~~في هذا البيت أحسن منه في قوله: # وعضت على العناب بالبرد # وذاك لأن إظهار التشبيه فيه لا يقبح هذا القبح المفرد، لأنك لو قلت: ~~"وعضت على أطراف أصابع كالعناب بثغر كالبرد"، كان شيئا يتكلم بمثله وإن كان ~~مرذولا. وهذا موضع لا يتبين سره إلا من كان مهلب الطبع حاد القريحة2. وفي ~~الاستعارة علم كثير، ولطائف معان، ودقائق فروق، وسنقول فيها إن شاء الله في ~~موضع آخر. # القسم الثاني: وهو الذي تكون فصاحته في ms275 النظم ### | 533 - # واعلم أنا حين أخذنا في الجواب عن قولهم: "إنه لو كان الكلام يكون فصيحا ~~من أجل مزية تكون في معناه، لكان ينبغي أن يكون تفسيره فصيحا مثله"3، قلنا: ~~"أن الكلام الفصيح ينقسم قسمين، قسم تعزى المزية فيه إلى اللفظ، وقسم تعزى ~~فيه إلى النظم"4، وقد ذكرنا في PageV01P451 # القسم الأول من الحجج ما لا يبقى معه لعاقل، إذا هو تأملها، شك في بطلان ~~ما تعلقوا به، من أنه يلزمنا في قولنا: "إن الكلام يكون فصيحا من أجل مزية ~~تكون في معناه"1، أن يكون تفسير الكلام الفصيح فصيحا مثله، وأنه تهوس منهم، ~~وتفحم في المحالات2. # وأما القسم الذي تعزى فيه المزية إلى "النظم"، فإنهم إن ظنوا أن سؤالهم ~~الذي اغتروا به يتجه لهم فيه، كان أمرهم أعجب، وكان جهلهم في ذلك أغرب. ~~وذلك أن "النظم"، كما بينا، إنما هو توخي معاني النحو وأحكامه وفروقه ~~ووجوهه، والعمل بقوانينه وأصوله، وليست معاني النحو معاني ألفاظ3، فيتصور ~~أن يكون لها تفسير. ### | 534 - # وجملة الأمر، أن "النظم" إنما هو أن "الحمد" من قوله تعالى: {الحمد لله ~~رب العالمين، الرحمن الرحيم} مبتدأ، و "لله" خبره، و "رب" صفة لاسم الله ~~تعالى ومضاف إلى "العالمين" و "العالمين" مضاف إليه، و "الرحمن الرحيم" ~~صفتان كالرب، و "مالك" من قوله: {مالك يوم الدين} صفة صفة أيضا، ومضاف إلى ~~يوم. و "يوم" مضاف إلى "الدين"، و "إياك" ضمير اسم الله تعالى، وهو ضمير ~~يقع موقع الاسم إذا كان الاسم منصوبا، معنى ذلك أنك لو ذكرت اسم الله مكانه ~~لقلت: "الله تعبد"، ثم إن "نعبد" هو المقتضي معنى النصب فيه، وكذلك حكم ~~{وإياك نستعين} معطوف بالواو على جملة {إياك نستعين}، و {الصراط} ~~PageV01P452 # مفعول، و {المستقيم} صفة للصراط، و {صراط الذين} بدل من {الصراط ~~المستقيم}، و {أنعمت عليهم} صلة الذين، {غير المغضوب عليهم} صفة {الذين}، و ~~{الضالين} معطوف على {المغضوب عليهم}. # فانظر الآن هل يتصور في شيء من هذه المعاني أن يكون معنى اللفظ؟ وهل يكون ~~كون "الحمد" مبتدأ معنى لفظ ms276 "الحمد"؟ أم يكون كون "رب" صفة وكونه مضافا إلى ~~"العالمين" معنى لفظ "الرب"؟ ### | 535 - # فإن قيل: إنه إن لم تكن هذه المعاني معاني أنفس الألفاظ، فإنها تعلم على ~~كل حال من ترتب الألفاظ، ومن الإعراب، فالبرقعة في "الدال" من "الحمد" يعلم ~~أنه مبتدأ، وبالجر في "الباء" من "رب" يعلم أنه صفة، وبالياء في "العالمين" ~~يعلم أنه مضاف إليه، وعلى هذا قياس الكل. # قيل: ترتيب اللفظ لا يكون لفظا، والإعراب وإن كان يكون لفظا، فإنه لا ~~يتصور أن يكون ههنا لفظان كلاهما علامة إعراب، ثم يكون أحدهما تفسيرا ~~للآخر. وزيادة القول في هذا من خطل الرأي، فإنه مما يعلمه العقال ببديهة ~~النظر، ومن لم يتنبه له في أول ما يسمع، لم يكن أهلا لأن يكلم. ونعوذ إلى ~~رأس الحديث فنقول. ### | 536 - # قد بطل الآن من كل وجه وكل طريق، أن تكون "الفصاحة" وصفا للفظ من حيث هو ~~لفظ ونطق لسان، وإذا كان هذه صورة الحال وجملة الأمر، ثم لم تر القوم ~~تفكروا في شيء مما شرحناه بحال، ولا أخطروه لهم ببال، بان وظهر أنهم لم ~~يأتوا الأمر من بابه، ولم يطلبوه من معدنه، ولم يسلكوا إليه طريقه، وأنهم ~~لم يزيدوا على أن أوهموا أنفسهم وهما كاذبا أنهم قد أبانوا # PageV01P453 # الوجه الذي به كان القرآن معجزا، والوصف الذي به بان من كلام المخلوقين، ~~من غير أن يكونوا قد قالوا فيه قولا يشفي من شاك غليلا، ويكون على علم ~~دليلا، وإلى معرفة ما قصدوا إليه سبيلا1. # الردة على المعتزلة في مسألة "اللفظ": ### | 537 - # واعلم أنه إذا نظر العاقل إلى هذه الأدلة فرأى ظهروها، استبعد أن يكون قد ~~ظن ظان في "الفصاحة" أنها من صفة اللفظ صريحا، ولعمري إنه لكذلك ينبغي، إلا ~~أنا إنما تنظر إلى جدهم وتشددهم وبتهم الحكم "بأن المعاني لا تتزايد، وإنما ~~تتزايد الألفاظ"2، فلئن كانوا قد قالوا "الألفاظ" وهم لا يريدونها أنفسها، ~~وإنما يريدون لطائف معان تفهم منها، لقد كان ينبغي أن يتبعوا ذلك من قولهم ~~ما ينبئ عن غرضهم، ms277 وأن يذكروا أنهم عتوا بالألفاظ ضربا من المعنى، وأن ~~غرضهم مفهوم خاص. ### | 538 - # هذا، وأمر "النظم" في أنه ليس شيئا غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم، ~~وأن ترتب المعاني في أنه ليس شيئا غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم، ~~وأنك ترتب المعاني، أولا في نفسك، ثم تحذو على ترتيبها الألفاظ في نطقك، ~~وأنا لو فرضنا أن تخلوا الألفاظ من المعاني، لم يتصور أن يجب فيها نظم ~~وترتيب3 في غاية القوة والظهور، ثم ترى الذين لهجوا بأمر "اللفظ" قد أبوا ~~إلا أن يجعلوا "النظم" في الألفاظ. ترى الرجل منهم يرى ويعلم أن الإنسان لا ~~يستطيع أن يجيء بالألفاظ مرتبة إلا من بعد أن يفكر في PageV01P454 # المعاني ويرتبها في نفسه على ما أعلمناك، ثم تفتشه فتراه لا يعرف الأمر ~~بحقيقته، وتراه ينظر إلى حال السامع، فإذا رأى المعاني لا تقع مرتبة في ~~نفسه إلا من بعد أن تقع الألفاظ مرتبة في سمعه، نسي حال نفسه، واعتبر حال ~~من يمسع منه1. وسبب ذلك قصر الهمة، وضعف العناية، وترك النظر، والأنس ~~بالتقليد. وما يغني وضوح الدلالة مع من لا ينظر فيها، وإن الصبح لملأ ~~الأفق، ثم لا يراه النائم ومن قد أطبق جفنه؟ # كلام العلماء في الفصاحة أكثره كالرمز والتعريض دون التصريح: ### | 539 - # واعلم أنك لا ترى في الدنيا علما قد جرى الأمر فيه بديئا وأخيرا على ما ~~جرى عليه في "علم الفصاحة والبيان". # اما البدئ، فهو أنك لا ترى نوعا من أنواع العلوم إلا وإذا تأملت كلام ~~الأولين الذي علموا الناس، وجدت العبارة فيه أكثر من الإشارة، والتصريح ~~أغلب من التلويج. والأمر في "علم الفصاحة" بالضد من هذا. # فإنك إذا قرأت ما قاله العلماء فيه، وجدت جله أو كله رمزا ووحيا، وكناية ~~وتعريضا، وإيماء إلى الغرض من وجه لا يفطن له إلا من غلغل الفكر وأدق ~~النظر، ومن يرجع من طبعه إلى ألمعية يقوى معها على الغامض، ويصل بها إلى ~~الخفي، حتى كان بسلا حراما أن تتجلى معانيهم سافرة الأوجه لا ms278 نقاب لها2، ~~وبادية الصفحة لا حجاب دونها، وحتى كأن الإفصاح بها حرام، وذكرها إلا على ~~سبيل الكناية والتعريض غير سائغ. PageV01P455 # وأما الأخير، فهو أنا لم نر العقلاء قد رضوا من أنفسهم في شيء من العلوم ~~أن يحفظوا كلاما للأولين ويتدارسوه، ويكلم به بعضهم بعضا، من غير أن يعرفوا ~~له معنى، ويقفوا منه على غرض صحيح، ويكون عندهم، إن يسألوا عنه، بيان له ~~وتفسير1 إلا "علم الفصاحة"، فإنك ترى طبقات من الناس يتداولون فيما بينهم ~~ألفاظا للقدماء وعبارات، من غير أن يعرفوا لها معنى أصلا، أو يستطيعوا إن ~~يسألوا عنها أن يذكروا لها تفسير يصح. # بيان معان في وصف "اللفظ"، كقولهم "لفظ متمكن غير قلق": ### | 540 - # فمن أقرب ذلك، أنك تراهم يقولون إذا هم تكلموا في مزية كلام على كلام: ~~"إن ذلك يكون بجزالة اللفظ"2 وإذا تكلموا في زيادة نظم على نظم: "إن ذلك ~~يكون لوقوعه على طريقة مخصوصة وعلى وجوه دون وجه"3، ثم لا تجدهم يفسرون ~~الجزالة بشيء، ويقوون في المراد "بالطريقة" و "الوجه" ما يحلى منه السامع ~~بطائل. ويقرؤون في كتب البلغاء ضروب كلام قد وصفوا "اللفظ" فيها بأوصاف ~~يعلم ضرورة أنها لا ترجع إليه من حيث هو لفظ ونطق لسان وصدى حرف، كقولهم: ~~"لفظ متمكن غير قلق ولا ناب به، موضعه، وأنه جيد السبك صحيح الطابع، وأنه ~~ليس فيه فضل عن معناه" وكقولهم: "إن من حق اللفظ أن يكون طبقا للمعنى، لا ~~يزيد عليه ولا ينقص عنه" وكقول بعض من وصف رجلا من البلغاء: "كانت ألفاظه ~~قوالب لمعانيه"، هذا إذا مدحوه وقولهم إذا ذموه: "هو لفظ معقد، وإنه ~~بتعقيده قد استهلك المعنى" وأشباه لهذا4، ثم لا يخطر ببالهم أنه يجب أن ~~PageV01P456 # يطلب لما قالوه معنى، وتعلم له فائدة، ويجشم فيه فكر، وأن يعتقد على ~~الجملة أقل ما في الباب، أنه كلام لا يصح حمله على ظاهره، وأن يكون المراد ~~"باللفظ" فيه نطق اللسان. # فالوصف بالتمكن والقلق في "اللفظ" محال، فإنما يتمكن الشيء ويقلق إذا كان ~~شيئا يثبت في ms279 مكان، و "الألفاظ" حروف لا يجود منها حرف حتى يعدم الذي كان ~~قبله. وقولهم: "متمكن" أو "قلق" وصف للكلمة بأسرها، لا حرف حرف منها1. # ثم إنه لو كان يصح في حروف الكلمة أن تكون باقية بمجموعها، لكان ذلك فيها ~~محالا أيضا، من حيث إن الشيء إنما يتمكن ويقلق في مكانه الذي يوجد فيه، ~~ومكان الحروف إنما هو الحلق والفم واللسان والشفتان، فلو كان يصح عليها أن ~~توصف بأنها تتمكن وتقلق، لكان يكون ذلك التمكين وذلك القلق منها في أماكنها ~~من الحلق والفم واللسان والشفتين. # وكذلك قولهم: "لفظ ليس فيه فضل عن معناه"، محال أن يكون المراد به ~~"اللفظ"، لأنه ليس ههنا اسم أو فعل أو حرف يزيد على معناه أو ينقص عنه. ~~كيف؟ وليس بالذرع وضعت الألفاظ على المعاني2. # وإذا اعتبرنا المعاني المستفادة من الجمل، فكذلك. وذلك أنه ليس ههنا جملة ~~من مبتدإ وخبر أو فعل وفاعل، يحصل بها الإثبات أو النفي، أثم أو أنقص مما ~~يحصل باخرىز وإنما فضل اللفظ عن المعنى: أن تزيد الدلالة بمعنى على معنى، ~~فتدخل في أثناء ذلك شيئا لا حاجة باملعنى المدلول عليه إليه. PageV01P457 # وكذلك السبيل في "السبك والطابع" وأشباههما، لا يحتمل شيء من ذلك أن يكون ~~المراد به "اللفظ" من حيث هو لفظ. # مسألة "اللفظ" وغلبتها على المعتزلة وغيرهم: ### | 541 - # فإن أردت الصدق، فإنك لا ترى في الدنيا شأنا أعجب من شأن الناس مع ~~"اللفظ"، ولا فساد رأى مازج النفوس وخارمها واستحكم يها وصار كإحدى ~~طبائعها، من رأيهم في "اللفظ". فقد بلغ من ملكته لهم وقوته عليهم، أن تركهم ~~وكأنهم إذا نوظروا فيه أخذوا عن أنفسهم، وغيبوا عن عقولهم، وحيل بينهم وبين ~~أن يكون لهم فيما يسمعونه نظر، ويرى لهم إيراد في الإصغاء وصدر، فلست ترى ~~إلا نفوسا قد جعلت ترك النظر دأبها، ووصلت بالهوينا أسبابها، فهي تعتر ~~بالأضاليل وتتباعد عن التحصيل، وتلقي بأيديها إلى الشبه، وتسرع إلى القول ~~المموه. ### | 542 - # ولقد بلغ من قلة نظرهم أن قوما منهم لما رأوا الكتب المصنفة ms280 في اللغة قد ~~شاع فيها أن توصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، ورأوا أبا العباس ثعلبا قد سمى ~~كتاقبه "الفصيح"، مع أنه لم يذكر فيه اللغة والألفاظ المفردة، وكان محالا ~~إذا قيل: إن "الشمع" بفتح الميم، أفصح من "الشمع" بإسكانه، أن يكون ذلك من ~~أجل المعنى، إذا ليس تفيد الفتحة في الميم شيئا في الذي سمي به1 سبق إلى ~~قلوبهم أن حكم الوصف بالفصاحة أينما كان وفي أي شيء كان، أن لا يكون له ~~مرجع إلى المعنى البتة، وأن يكون وصفا للفظ في نفسه، ومن حيث هو لفظ ونطق ~~لسان، ولم يعلموا أن المعنى في وصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، أنها في ~~اللغة أثبت، وفي استعمال الفصحاء أكثر. PageV01P458 # أو أنها أجرى على مقاييس اللغة والقوانين التي وضعوها. وان الذي هو معنى ~~"الفصاحة" في أصل اللغة، هو الإنابة عن المعنى، بدلالة قولهم: "فصيح" و ~~"أعجم"، وقولهم: "أفصح الأعجمي"، و "فصح اللحان" و "أفصح الرجل بكذا"، إذا ~~صرح به وأنه لو كان وصفهم الكلمات المفردة بالفصاحة من أجل وصف هو لها من ~~حيث هي ألفاظ ونطق لسان، لوجب إذا وجت كلمة يقال إنها كلمة فصيحة على صفة ~~في اللفظ، أن لا توجد كلمة على تلك الصفة، إلا وجب لها أن تكون فصيحة1، ~~وحتى يجب إذا كانت "فقهت الحديث" بالكسر أفصح منه بالفتح، أن يكون سبيل كل ~~فعل مثله في الزنة أن يكون الكسر فيه أفصح من الفتح. # ثم إن فيما أودعه ثعلب كتابه، ما هو أفصح، من أجل أن لم يكن فيه حرف كان ~~فيما جعله أفصح منه2، مثل إن "وقفت" أفصلح من "أوقفت"، أفترى أنه حدث في ~~"الواو" و "القاف" و "الفاء" بأن لم يكن معها الهمزة، فضيلة وجب لها أن ~~تكون أفصح؟ وكفى برأي هذا مؤداه تهافتا وخطلا! # وجملة الأمر أنه لا بد لقولنا "الفصاحة" من معنى يعرف، فإن كان ذلك ~~المعنى وصفا في ألفاظ الكلمات المفردة، فينبغي أن يشار لنا إليه، وتوضع ~~اليد عليه. PageV01P459 # "الاستعارة"، تكون في معنى "اللفظ": ### | 543 - # ومن أبين ms281 ما يدل على قلة نظرهم، أنه لا شبهة على من نظر في كتاب تذكر فيه ~~"الفصاحة"، أن "الاستعارة" عنوان ما يجعل به "اللفظ" فصيحا، وأن "المجاز" ~~جملته، و "الإيجاز" من معظم ما يوجب للفظ الفصاحة. وأنت تراهم يذكرون ذلك ~~يعتمدونه، ثم يذهب عنهم أن إيجابهم "الفصاحة" للفظ بهذه المعاني، اعتراف ~~بصحة ما نحن ندعوهم إلى القول به، من أنه يكون فصيحا لمعناه. # أما "الاستعارة"، فإنهم إن أغفلوا فيها الذي قلنا، من أن المستعار ~~بالحقيقة يكون معنى "اللفظ"، واللفظ تبع، من حيث إنا لا نقول: "رأيت أسدا"، ~~ونحن نعني رجلا، إلا على أنا ندعي أنا رأينا أسدا بالحقيقة، من حيث نجعله ~~لا يتميز عن الأسد في بأسه وبطشه وجزأه قلبه فإنهم على كل حال لا يستطيعون ~~أن يجعلوا "الاستعارة" وصفا للفظ من حيث هو لفظ، مع أن اعتقادهم أنك إذا ~~قلت: "رأيت أسدا"، كنت نقلت اسم "الأسد" إلى "الرجل" أو جعلته هكذا غفلا ~~ساذجا في معنى شجاع. افترى أن لفظ "الأسد" لما نقل عن السبع إلى "الرجل" ~~المشبه به، أحدث هذا النقل في أجراس حروفه ومذاقتها وصفا صار بذلك الوصف ~~فصيحا؟ ### | 544 - # ثم إن من "الاستعارة" قبيلا لا يصح أن يكون المستعار فيه "اللفظ" البتة، ~~ولا يصح أن تقع الاستعارة فيه إلا على المعنى، وذلك ما كان مثل "اليد" في ~~قول لبيد: # وغداة ربح قد كشفت وقرة ... إذا أصبحت بيد الشمال زمامها1 PageV01P460 # ذاك أنه ليس ههنا شيء يزعم أنه شبهه باليد، حتى يكون لفظ "اليد" مستعارا ~~له، وكذلك ليس فيه شيء يتوهم أن يكون قد شبهه بالزمام، وإنما المعنى على ~~أنه شبه "الشمال" في تصريفها "الغداة" على طبيعتها، بالإنسان يكون زمام ~~البعير في يده، فهو يصرفه على إرادته، ولما أراد ذلك جعل للشمال يدا، وعلى ~~الغداة زماما. وقد شرحت هذا قبل شرحا شافيا1. ### | 545 - # وليس هذا الضرب من الاستعارة بدون الضرب الأول في إيجاب وصف "الفصاحة" ~~للكلام، لا بل هو أقوى منه في اقتضائها. والمحاسن التي تظهر به، والصور ~~التي تحدث ms282 للمعاني بسببه، آنق وأعجب. وإن أردت أن تزداد علما بالذي ذكرت لك ~~من أمره، فانظر إلى قوله: # سقته كف الليل أكواس الكرى2 # وذلك أنه ليس يخفى على عاقل أنه لم يرد أن يشبه شيئا بالكف، ولا أراد ذلك ~~في "الأكواس" ولكن لما كان يقال: "سكر الكرى" و "سكر النوم"، استعار للكرى ~~"الأكواس"، كما استعار الآخر "الكأس" في قوله: # وقد سقى القوم كأس النعسة السهر3 # ثم إنه لما كان الكرى يكون في الليل، جعل الليل ساقيا، ولما جعله ساقيا ~~جعل له كفا، إذا كان الساقي يناول الكأس بالكف. PageV01P461 ### | 546 - # ومن اللطيف النادر في ذلك، ما تراه في آخر هذه الأبيات، وهي للحكم بن ~~قنبر: # ولولا اعتصامي بالمنى كلما بدا ... لي اليأس منها، لم يقم بالهوى صبري # ولولا انتظاري كل يوم جدي غد، ... لراح بنعشي الدافنون إلى قبري # وقد رايني وهن المنى وانقباضها ... وبسط جديد اليأس كفيه في صدري # ليس المعنى على أنه استعار لفظ "الكفين" لشيء، ولكن على أنه أراد أن يصف ~~اليأس بأنه قد غلب على نفسه، وتمكن في صدره، ولما أراد ذلك وصفه بما يصفون ~~فيه الرجل بفضل القدرة على الشيء1، وبأنه ممكن منه، وأن يفعل فيه كل ما ~~يريد2، كقولهم: "قد بسط يديه في المال ينفقه ويصنع فيه ما يشاء"، و "قد بسط ~~العامل يده في الناحية وفي ظلم الناس"، فليس لك إلا أن تقول: "إنما لما ~~أراد ذلك، جعل الليأس "كفين"، واستعارهما له، فأما أن توقع الاستعارة فيه ~~على "اللفظ"، فما لا تخفى استحالته على عاقل3. # "المجاز"، كالاستعارة، إلا أنه أعم: ### | 547 - # والقول في "المجاز" هو القول في "الاستعارة"، لأنه ليس هو بشيء غيرها، ~~وغنما الفرق أن "المجاز" أعم من حيث إن كل استعارة مجاز، وليس كل مجاز ~~استعارة. # وإذا نظرنا من "المجاز" يما لا يطلق عليه أن "استعارة" ازداد خطأ القوم ~~PageV01P462 # قبحا وشناعة. وذلك أن يلزم على قياس قولهم أن يكون إنما كان قوله تعالى: ~~{هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا} [يونس: 67]، أفصح ms283 من ~~أصله الذي هو قولنا: "والنهار لتبصروا أنتم فيه، أو مبصرا أنتم فيه"، من ~~أجل أنه حدث في حروف "مبصر" بأن جعل الفعل للنهار على سعة الكلام1 وصف لم ~~يكن وكذلك يلزم أن يكون السبب في أن كان قول الشاعر: # فنام ليلي وتجلى همي2 # أفصح من قولنا: فنمت في ليل3 أن كسب هذا المجاز لفظ "نام" ولفظ "الليل" ~~مذاقة لم تكن لهما. وهذا مما ينبغي للعاقل أن يستحي منه، وأن يأنف من أن ~~يهمل النظر إهمالا يوديه إلى مثله، وتسأل الله تعالى العصمة والتوفيق. # القول في "الإيجاز": ### | 548 - # وإذ قد عرفت ما لزمهم في "الاستعارة" و "المجاز"، فالذي يلزمهم في ~~"الإيجاز" أعجب. وذلك أنه يلزمهم إن كان "اللفظ" فصيحا لأمر يرجع إليه نسه ~~دون معناه أن يكون كذلك موجزا لمر يرجع إلى نفسه، وذلك في المحال الذي يضحك ~~منه، لأنه لا معنى للإيجاز إلا أن يدل بالقليل من اللفظ على الكثير من ~~المعنى، وإذا لم تجعله وصفا للفظ من أجل معناه، أبطلت معناه، أعني أبطلت ~~معنى الإيجاز. PageV01P463 ### | 549 - # ثم إن ههنا معنى شريفا قد كان ينبغي أن تكون قد ذكرناه في أثناء ما مضى ~~من كلامنا، وهو أن العاقل إذا نظر علم علم ضرورة أنه لا سبيل له إلى أن ~~يكثر معاني الألفاظ أو يقللها، لأن المعاني المودعة في الألفاظ لا تتغير ~~على الجملة عما أراده واضع اللغة، وإذا ثبت ذلك، ظهر منه أنه لا معنى ~~لقولنا: "كثرة المعنى مع قلة اللفظ"، غير أن المتكلم يتوصل بدلالة المعنى ~~على المعنى إلى فوائد، لو أنه أراد الدلالة عليها باللفظ لاحتاج إلى لفظ ~~كثير. # الرأي الفاسد وخطره إذا قاله عالم له صيت ومنزلة: ### | 550 - # واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول، إذا كان صدره عن قوم لهم نباهة ~~وصيت وعلو منزلة في أنواع من العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه1، ~~ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته، وفشا وظهر، وكثر الناقلون له والمشيدون ~~بذكره2 صار ترك النظر فيه سنة، والتقليد دينا، ورأيت ms284 الذين هم أهل ذلك ~~العلم وخاصته والممارسون له، والذين هم خلقاء أن يعرفوا وجه الغلط والخطأ ~~فيه لو أنهم نظروا فيه3 كالأجانب الذين ليسوا من أهله، في قبول والعمل به ~~والركون إليه، ووجدتهم قد أععطوه مقادتهم، وألا نوا له جانبهم، وأوهمهم ~~النظر إلى منتماه ومنتسبه، ثم اشتهاره وانتشاره وإطباق الجمع بعد الجمع ~~عليه4 أن الضن به أصوب، والمحامة عليه أولى. ولربما بل كلما ظنوا أنه لم ~~يشع ولم يتسع، ولم يروه خلف عن PageV01P464 # سلف، وأخر عن أول، إلا لأن له أصلا صحيحا، وأنه أخذ من معدن صدق، واشتق ~~من نبعة كريمة، وأنه لو كان مدخولا لظهر الدخل الذي فيه على تقادم الزمان ~~وكرور الأيام. وكم من خطإ ظاهر ورأي فاسد حظي بهذا السبب عند الناس، حتى ~~بوأوه في أخص موضع من قلوبهم، ومنحوه المحبة الصادقة من نفوسهم، وعطفوا ~~عليه عطف الأم على واحدها. وكم من داء دوي قد استحكم بهذه العلة، حتى أعيا ~~علاجه، وحتى بعل به الطبيب1. # ولولا سلطان هذا الذي وصفت على الناس، وأن له أخذه تمنع القلوب على ~~التدبر2، وتقطع عنها ذواعي التفكر لما كان لهذا الذي ذهب إليه القوم في أمر ~~"اللفظ" هذا التمكن وهذه القوة، ولا كان يرسخ في النفوس هذا الرسوخ، وتنشعب ~~عروقه هذا الشعب3، مع الذي بان من تهافته وسقوطه4 وفحش الغلط يه، وأنك لا ~~ترى في أديمه من أين نظرت، وكيف صرفت وقلبت مصحا5، ولا تراه باطلا فيه شوب ~~من الحق، وزيفا فيه PageV01P465 # شيء من الفضة، ولكن ترى الغش بحتا والغيظ صرفا، ونسأل الله التوفيق. # الرد على المعتزلة في مسألة "اللفظ" وبيان تقصيرهم: ### | 551 - # وكيف لا يكون في إسار الأخذة1، ومحولا بينه وبين الفكرة من يسلم أن ~~الفصاحة لا تكون في أفراد الكلمات، وأنها إنما تكون فيها إذا ضم بعضها إلى ~~بعض2، ثم لا يعلم أن ذلك يقتضي أن تكون وصفا لها، من أجل معانيها، لا من ~~أجل أنفسها، ومن حيث هي ألفاظ ونطق لسان؟ # ذاك لأنه ليس من عاقل يفتح عين ms285 قلبه، إلا وهو يعلم ضرورة أن المعنى في ~~"ضم بعضها" إلى بعض"، تعليق بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض، لا أن ~~ينطق بعضها في أثر بعض، من غير أن يكون فيما بينها تعلق3 ويعلم كذلك ضرورة ~~إذا فكر، أن التعلق يكون فيما بين معانيها، لا فيها بينها أنفسها. ألا ترى ~~أنا لو جهدنا كل الجهد أن نتصور تعلقا فيما بين لفظين لا معنى تحتهما، لم ~~نتصور؟ ومن أجل ذلك انقسمت الكلم قسمين: # "مؤتلف" وهو الاسم مع الاسم، والفعل مع الاسم و "غير موتلف" وهو ما عدا ~~ذلك كالفعل مع الفعل، والحرف مع الحرف. ولو كان التعلق يكون بين الألفاظ، ~~لكان ينبغي أن لا يختلف حالها في الائتلاف، وأن لا يكون في الدنيا كلمتان ~~إلا ويصح أن يأتلفا، لأنه تنافي بينهما من حيث هي ألفاظ. PageV01P466 # وإذا كان كل واحد منهم قد أعطى يده بأن الفصاحة لا تكون في الكلم أفرادا، ~~وأنها إنما تكون إذا ضم بعضها إلى بعض، وكان يكون المراد بضم بضعها إلى ~~بعض، تعليق معانيها بعضها ببعض، لا كون بعضها في النطق على أثر بعض1 كان ~~واجبا، إذا علم ذلك، أن يعلم أن الفصاحة تجب لها من أجل معانيها، لا من أجل ~~أنفسها، لأنه محال أن يكون سبب ظهور الفصاحة يها، تعلق معانيها بعضها ببعض، ~~ثم تكون الفصاحة وصفا تجب لها لأنفسها لا لماعنيها. وغذا كان العلم بهذه ~~ضرورة، ثم رأيتهم لا يعلمونه، فليس إلا أن اعتزامهم على التقليد قد حال ~~بينهم وبين الفكرة، وعرض لهم منه شبه الأخذة2. # تعويل المعتزلة على "نسق الألفاظ" في شأن الفصاحة: ### | 552 - # وأعلم أنك إذا نظرت وجدت مثلهم مثل من يرى خيال الشيء فيحسبه الشيء، وذاك ~~أنهم قد اعتمدوا في كل أمرهم على النسق الذي يرونه في الألفاظ، وجعل لا ~~يحفلون بغيره، ولا يعولون في الفصاحة وباللاغة على شيء سواء، حتى انتهوا ~~إلى أن زعموا من عمد إلى شعر فصيح فقرأه ونطق بألفاظه على النسق الذي وضعها ~~الشاعر عليه، كان قد أتى ms286 بمثل ما أتى به الشاعر في فصاحته وبلاغته، إلا ~~أنهم زعموا أنه يكون في إتيانه به محتذيا لا مبتدئا3. PageV01P467 ### | 553 - # ونحن إذا تأملنا وجدنا الذي يكون في الألفاظ من تقديم شيء منها على شيء، ~~إنما يقع في النفس أنه "نسق"، إذا اعتبرنا ما توخي من معاني النحو في ~~معانيها، فأما مع ترك اعتبار ذلك، فلا يقع ولا يتصور بحال، أفلا ترى أنك لو ~~فرضت في قوله: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # أن لا يكون "نبك" جوابا للأمر، ولا يكون معدى "بمن" إلى "ذكرى" ولا يكون ~~"ذكرى" مضافة إلى "حبيب"، ولا يكون "منزل" معطوفا بالواو على "حبيب"1 لخرج ~~ما ترى فيه من التقديم والتأخير عن أن يكون "نسقا"؟ ذاك لأنه إنما يكون ~~تقديم الشيء على الشيء نسقا وترتيبا، إذا كان ذلك التقديم قد كان لموجب ~~أوجب أن يقدم هذا ويؤخر ذاك، فأما أن يكون مع عدم الموجب نسقا، فمحال، لأنه ~~لو كان يكون تقديم اللفظ على اللفظ من غير أن يكون له موجب "نسقا"، لكان ~~ينبغي أن يكون توالي الألفاظ في النطق على أي وجه كان "نسقا"، حتى إنك لو ~~قلت: "نبك قفا حبيب ذكرى من"، لم تكن قد أعدمته النسق والنظم وإنما أعدمته ~~الوزن فقط. وقد تقدم هذا فيما مضى2، ولكنا أعدناه ههنا، لأن الذي أخذنا فيه ~~من إسلام القوم أنفسهم إلى التقليد، اقتضى إعادته. # "الاحتذاء"، و"الأسلوب": ### | 554 - # واعلم أن "الاحتذاء" عند الشعراء وأهل العلم بالشعر وتقديره وتمييزه3، أن ~~يبتدئ الشاعر في معنى له وغرض أسلوبا و "الأسلوب" PageV01P468 # الضرب من النظم والطريقة فيه فيعمد شاعر آخر إلى ذلك "الأسلوب" فيجيء به ~~في شعره، فيشبه بمن يقطع من أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها، ~~فيقال: "قد احتذى على مثاله"، وذلك مثل أن الفرزدق قال: # أنرجو ربيع أن تجديء صغارها ... بخير، وقد أعيا ربيعا كبارها1 # واحتذاه البعيث فقال: # أترجو كليب أن يجيء حديثها ... بخير، وقد أعيا كليبا قديمها2 # وقالوا: إن الفرزدق لما سمع هذا البيت قال: # إذا ما قلت ms287 قافية شرودا ... تنحلها ابن حمراء العجان3 # ومثل ذلك أن البعيث قال في هذه القصيدة: # كليب لئام الناس قد تعلمونه ... وأنت إذا عدت كليب لئيمها4 # وقال البحتري: # بنو هاشم في كل مشرق ومغرب ... كرام بنى الدنيا وأنت كريمها5 PageV01P469 # وحكى العسكري في "صنعة الشعر"1 أن ابن الرومي قال: قال لي البحتري: قول ~~أبي نواس: # ولم أدر من هم غير ما شهدت لهم ... بشرفي ساباط الديار البسابس2 # مأخوذ من قول أبي خراش الهذلي: # ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنه قد سل من ماجد محض3 # قال فقلت: قد اختلف المعنى! فقال: أما ترى حذو الكلام حذوا واحدا؟ # وهذا الذي كتبت من جلى الأخذ في "الحذو"4، ومما هو ي د الخفي قول ~~البحتري: # ولن ينقل الحساد مجدك بعدما ... تمكن رضوى وآطمأن متالع5 # وقول أبي تمام: # ولقد جهدتهم أن تزيلوا عزه ... فإذا أبان قد رسا ويلملم6 PageV01P470 # قد احتذى كل واحد مننهما على قول الفرزدق: # فادفع بكفك، إن أردت بناءنا ... ثهلان ذا الهضبات هل يتحلحل1 # وجملة الأمر أنهم لا يجعلون الشاعر "محتذيا" إلا بما يجعلونه به آخذا ~~ومسترقا، قال ذو الرمة: # وشعر قد أرقت له غريب ... أجنبه المساند والمحالا # فبت أقيمه وأقد منه ... قوافي لا أريد لها مثالا2 # قال يقول: لا أحذوها على شيء سمعته. # فأما أن يجعل إنشاد وقراءته "احتذاء" فما لا يعلمونه كيف؟ وإذا عمد عامد ~~إلى بيت شعر فوضع مكان كل لفظة لفظا في معناه، كثل أن يقول في قوله: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي3 # ذر المآثر لا تذهب لمطلبها ... واجلس فإنك أنت الآكل اللابس4 # لم يجعلوا ذلك "احتذاء" ولم يوهلوا صاحبه لأن يسموه "محتذيا"، ولكن يسمون ~~هذا الصنيع "سلخا"، ويرذلونه ويسحقون المتعاطي له. فمن أين يجوز لنا أن ~~نقول في صبي يقرأ قصيدة أمرئ القيس: إنه احتذاه في قوله: PageV01P471 # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل1 # والعجب من أنهم لم ينظروا فيعلموا أنه لو كان منشد الشعر "محتذيا"2، لكان ~~يكون قائل شعر، كما أن ms288 الذي يحذو النعل بالنعل يكون قاطع نعل. # وهذا تقرير يصلح لأن يحفظ للمناظرة # مناقشة "الاحتذاء" و"النسق" في إعجاز القرآن: ### | 556 - # ينبغي أن يقال لمن يزعم أن المنشدإذا أنشد شعر آمرئ القيس، كان قد أتى ~~بمثله على سبيل "الاحتذاء": أخبرنا عنك؟ لماذا زعمت أن المنشد قد أتى بمثل ~~ما قاله امرئ القيس؟ ألأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها، أم لأنه راعى ~~"النسق" الذي راعاه في النطق بها؟ # فإن قلت: "إن ذلك لأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها"، أحلت، لأنه إنما ~~يصح أن يقال في الثاين إنه أتى بمثل ما أتى به الأول، إذا كان الأول قد سبق ~~إلى شيء فأحدثه ابتداء، وذلك في الألفاظ محجال، إذ ليس يمكن أن يقال: إنه ~~لم ينطق بهذه الألفاظ التي هي في قوله: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # قبل امرئ القيس أحد. PageV01P472 # وإن قلت: إن ذلك لأنه قد راعى في نطقه بهذه الألفاظ "النسق" الذي راعاه ~~امرؤ القس. # قيل: إن كنت لهذا قضيت في المنشد أنه قد أتى بمثل شعره، فأخبرنا عنك؟ إذا ~~قلت: "إن التحدي وقع في القرآن إلى أن يؤتى بمثله على جهة الابتداء"1، ما ~~تعني به؟ أتعني أنه يأتي في ألفاظ غير ألفاظ القرآن، بمثل الترتيب والنسق ~~الذي تراه في ألفاظ القرآن. # فإن قال: ذلك أعني. # قيل له: أعلمت أنه لا يكون الإتيان بالأشياء بعضها في أثر بعض على ~~التوالي نسقا وترتيبا، حتى تكون الأشياء مختلفة في أنفسها، ثم يكون للذي ~~يجيء بها مضموما بعضها إلى بعض، غرض فيها ومقصود، لا يتم ذلك الغرض وذاك ~~المقصود إبلا بأن يتخير لها مواضع، فيجعل هذا أولا، وذاك ثانيصا؟ فإن هذا ~~ما لا شبهة فيه على عاقل. وإذا كان الأمر كذلك، لزمك أن تبين الغرض الذي ~~اقتضى أن تكون ألفاظ القرآن منسوقة النسق الذي تراه. # ولا مخلص له من هذه المطالبة، لأنه إذا أبى أن يكون المقتصى والموجب للذي ~~تراه من النسق، المعاني2 وجعله قد وجب لأمر يرجع PageV01P473 # إلى اللفظ، لم تجد ms289 شيئا يحيل في وجوبه عليه البتة1، اللهم إلا أن يجعل ~~الإعجاز في الوزن، ويزعم أن "النسق" الذي تراه في ألفاظ القرآن إنما كان ~~معجزا، من أجل أن كان قد حدث عنه ضرب من الوزن يعجز الخلق عن أن يأتوا ~~بمثله. # وإذا قال ذلك، لم يمكنه أن يقول: "إن التحدي، وقع إلى أن يأتوا بمثله في ~~فصاحته وبلاغته"، لأن الوزن ليس هو في الفصاحة والبلاغة في شيء، إذا لو كان ~~له مدخل فيهما، لكان يجب في كل قصيدتين افتقتا في الوزن أن تنفقا في ~~الفصاحة والبلاغة. # فإن دعا بعض الناس طوال الإلف لما سمع من أن الإعجاز في اللفظ إلى أن ~~يجعله في مجرد الوزن، كان قد دخل في أمر شنيع، وهو أنه يكون قد جعل القرآن ~~معجزا، لا من حيث هو كلام، ولا بما به كان لكلام فضل على كلام فليس بالوزن ~~ما كان الكلام كلاما، ولا به كان كلام خيرا من كلام. # سهولة "اللفظ" وخفته في شأن إعجاز القرآن: ### | 557 - # وهكذا السبيل إن زعم زاعم أن الوصف المعجز هو "الجريان والسهولة"، ثم ~~يعني بذلك سلامته من أن تلتقي فيه حروف تثقل على اللسان، لأنه ليس بذلك كان ~~الكلام كلاما، ولا هو بالذي يتناهى أمره إن عد في الفضيلة إلى أن يكون ~~الأصل، وإلى أن يكون المعول عليه في المفاضلة بين كلام وكلام، فما به كان ~~الشاعر مفلقا، والخطيب مصقعا، والكاتب بليغا. PageV01P474 ### | 558 - # ورأينا العقلاء1، حيث ذكروا عجز العرب عن معارضة القرآن، قالوا: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تحداهم وفيهم الشعراء والخطباء والذين يدلون بفصاحة ~~اللسان، والبراعة والبيان، وقوة القرائح والأذهان، والذين أوتوا الحكمة ~~وفصل الخطاب2 ولم نرهم قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم تحداهم وهم ~~العارفون بما ينبغي أن يصنع3، حتى يسلم الكلام من أن تلتقي فيه حروف تنقل ~~على اللسان. # ولما ذكروا معجزات الأنبياء عليهم السلام وقالوا: إن الله تعالى قد جعل ~~معجزة كل نبي فيما كان أغلب على الذين بعث فيهم، وفيما كانوا يتباهون به، ms290 ~~وكانت عوامهم تعظم به خواصهم4 قالوا: إنما لما كان السحر الغالب على قوم ~~فرعون، ولم يكن قد استحكم في زمان استحكامه في زمانه، جعل تعالى معجزة موسى ~~عليه السلام في إبطاله وتوهينه ولما كان الغلب على زمان عيسى عليه السلام ~~الطب، جعل الله تعالى معجزته في إبراه الكمه والأبرص وإحياء الموتى ولما ~~انتهوا إلى ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وذكر ما كان الغالب على ~~زمانه، لم يذكوا البلاغة والبيان والتصرف في ضروب النظم. # وقد ذكرت في الذي تقدم غير ما ذكرته ههنا5، مما يدل على سقوط PageV01P475 # هذا القول، وما دعاني إلى إعادة ذكره إلا أنه ليس لتهالك الناس في حديث ~~"اللفظ" والمحاماة على الاعتقاد الذي اعتقدوه فيه وضن أنسهم به1 حد، فأحببت ~~لذلك أن لا أدع شيئا مما يجوز أن يتعلق به متعلق، ويلجأ إليه لاجئ، ويقع ~~منه في نفس سامع شك، إلا استقصيت في الكشف عن بطلانه. ### | 559 - # وههنا أمر عجيب، وهو أنه معلوم لكل من نظر، أن الألفاظ من حيث هي ألفاظ ~~وكلم ونطق لسان، لا تختص بواحد دون آخر، وأنها إنما تختص إذا توخي يها ~~النظم2. وإذا كان كذلك، كان من رفع "النظم" من البين3، وجعل الإعجاز بجملته ~~في سهولة الحروف وجريانها4، جاعلا له فيما لا يصح إضافته إلى الله تعالى. ~~وكفى بهذا دليلا على عدم التوفيق، وشدة الضلال عن الطريق. PageV01P476 ### | خاتمة كتاب دلائل الإعجاز ### | 560 - # قد1 بلغنا في مداواة الناس من دائهم، وعلاج الفساد الذي عرض في آرائهم كل ~~مبلغ، وانتهينا إلى كل غاية، وأخذنا بهم عن المجاهل التي كانوا يتعسفون ~~فيها إلى السنن اللاحب2، ونقلناهم عن الآجن المطروق إلى النمير الذي يشفي ~~غليل الشارب3، ولم ندع لباطلهم عرقا ينبض إلا كويناه، ولا للخلاف لسانا ~~ينطق إلا أخرسناه، ولم نترك غطاء كان على بصر ذي عقل إلا حسرناه، فيا أيها ~~السامع لما قلناه، والناظر فيما كتبناه، والمتصفح لما دوناه، إن كنت سمعت ~~سماع صادق الرغبة في أن تكون في أمرك على بصيرة، ونظرت نظر ms291 تام العناية في ~~أن يورد ويصدر عن معرفة، وتصفحت تصفح من إذا مارس بابا من العلم لم يقنعه ~~إلا أن يكون على ذروة السنام، ويضرب بالمعن من السهام، فقد هديت لضالتك، ~~وفتح لك الطريق إلى بغيتك، وهيئ لك الأداة التي بها تبلغ، وأوتيت الآلة ~~التي معها تصل. فخذ لنفسك بالتي هي أملا ليديك، وأعوذ بالحظ عليك، ووازن ~~بين حالك الآن وقد تنبهت من رقدتك، وأفقت من غفلتك، وصرت تعلم إذا أنت خضت ~~في أمر "اللفظ" و "النظم" معنى ما تذكر، وتعلم كيف نورد PageV01P477 # وتصدر1، وبينها وأنت من أمرها في عمياء، وخابط خبط عشواء، قصاراك أن تكرر ~~ألفاظا لا تعرف لشيء منها تفسيرا وضروب كلام للبلغاء إذا سئلت على أغراضهم ~~فيها لم تستطيع لها تبيينا، فإنك تراك تطيل التعجب من غفلتك، وتكثر ~~الاعتذار إلى عقلك من الذي كنت عليه طول مدتك. ونسأل الله تعالى أن يجعل كل ~~ما نأتيه، ونقصده ننتحيه، لوجهه خالصا، وإلى رضاه عز وجل مؤديا، ولثوابه ~~مقتضيا، وللزلفى عنده موجبا، بمنه وفضله ورحمته2. PageV01P478 ### | "رسائل وتعليقات" # كتبها عبد القاهر الجرجاني # PageV01P479 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | إزالة الشبهة في جعل الفصاحة والبلاغة للألفاظ # بيان مهم في مسألة "اللفظ" و"المعنى": ### | 561 - # إعلم أنه لما كان الغلط الذي دخل على الناس في حديث "اللفظ" كالداء الذي ~~يسري في العروق، ويفسد مزاج البدن، وجب أن يتوخى دائبا فيهم ما يتوخاه ~~الطبيب في الناقه، من تعهده بما يزيد في منته1، ويبقيه على صحته، ويؤمنه ~~النكس في علته2. # وقد علمنا أن أصل الفساد وسبب الآفة، هو ذهابهم عن أن من شأن المعاني أن ~~تختلف عليها الصور، وتحدث فيها خواص وموايا من بعد أن لا تكون. وإنك ترى ~~الشاعر قد عمد إلى معنى مبتذل، فصنع فيه ما يصنع الصانع الحاذق إذا هو أغرب ~~ي صنعة خاتم وعمل شنف وغيرهما من أصناف الحلى. فإن جهلهم بذلك من حالها، هو ~~الذي أغواهم واستهواهم، وورطهم يما تورطوا فيه من الجهالات، وأداهم إلى ~~التعلق بالمحالات. وذلك أنهم لما جهلوا شأن الصورة، ms292 وضعوا لأنفسهم أساسا، ~~وبنوا على قاعدة فقالوا: إنه ليس إلا المعنى واللفظ، ولا ثالث وإنه إذا كان ~~كذلك، وجب إذا كان لأحد الكلامين فضيلة لا تكون للآخر، ثم كان الغرض من ~~أحدهما هو الغرض من صاحبه3 أن يكون مرجع PageV01P481 # تلك الفضيلة إلى اللفظ خاصة، وأن لا يكون لها مرجع إلى المعنى، من حيث إن ~~ذلك، زعموا، يؤدي إلى التناقض، وأن يكون معناهما متغايرا وغير متغاير معا. # ولما أقروا هذا في نفوسهم، حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه ~~الفضيلة إلى "اللفظ" على ظاهره، وأبوا أن ينظروا في الأوصاف التي أتبعوها ~~نسبتهم الفضيلة إلى "اللفظ"، مثل قولهم: "لفظ متمكن غير قلق ولا ناب به ~~موضعه"، إلى سائر ما ذكرناه قبل1، فيعلموا أنهم لم يوجبوا للفظ ما أوجبوه ~~من الفضيلة، وهم يعنون نطق اللسان وأجراس الحروف، ولكن جعلوا كالمواضعة ~~فيما بينهم أن يقولوا "اللفظ"، وهم يريدون الصورة التي تحدث في المعنى، ~~والخاصة التي حدثت فيه، ويعنون الذي عناه الجاحظ حيث قال. # "وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني، والمعاني مطروحة وسط الطريق، يعرفها ~~العربي ولاعجمي، والحضري والبدوي، وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير"2. # وما يعنونه إذا قالوا: "إنه يأخذ الحديث فيشنفه ويقرطه، ويأخذ المعنىخرزة ~~فيرده جوهرة، وعباءة فيجعله ديباجة، ويأخذه عاطلا فيرده حاليصا". وليس كون ~~هذا مرادهم، بحيث كان بنيغي أن يخفى هذا الخفاء ويشتبه هذا الاشتباء، ولكن ~~إذا تعاطى الشيء غير أهله، وتولى الأمر غير البصير به، أعضل الداء، واشتد ~~البلاء. ولو لم يكن من الدليل على أنهم لم ينحلوا "اللفظ" الفضيلة وهم ~~يريدونه نفسه وعلى الحقيقة إلا واحد، وهو وصفهم له بأنه يزين المعنى، وأنه ~~حلى PageV01P482 # له1 لكان فيه الكفاية. وذاك أن الألفاظ أدلة على المعاني، وليس للدليل ~~إلا أن يعلمك الشيء على ما يكون عليه، فأما أن يصير الشيء بالدليل، على صفة ~~لم يكن عليها2، فما لا يقوم في عقل، ولا يتصور في وهم. ### | 562 - # ومما إذا تفكر فيه العاقل أطال التعجب من أمر الناس3، ومن شدة غفلتهم قول ~~العلماء ms293 حيث ذكروا "الأخذ" و "السرقة": "إن من أخذ معنى عاريا، فكساه لفظا ~~من عنده كان أحق به"4، وهو كلام مشهور متداول يقرأه الصبيان في أول كتاب ~~"عبد الرحمن"، ثم لا ترى أحدا من هؤلاء الذين لهجوا بجعل الفضيلة في ~~"اللفظ"، يفكر في ذلك فيقول: من أين يتصور أن يكون ههنا معنى عار من لفظ ~~يدل عليه؟ ثم من أين يعقل أن يجئ الواحد منا لمعنى من المعاني بلفظ من ~~عنده، إن كان المراد باللفظ نطق اللسان؟ # ثم هب أنه يصح له أن يفعل ذلك، فمن أين يجب إذا وضع لفظا على معنى، أن ~~يصير أحق به من صاحبه الذي أخذه منه، إن كانوا هو لا يصنع بالمعنى شيئا، ~~ولا يحدث فيه صفة، ولا يكسبه فضيلة؟ وإذا كان كذلك، فهل يكون PageV01P483 # لكلامهم هذا وجه سوى أن يكون "اللفظ" في قولهم: "فكسناه لفظا من عنده"1، ~~عبارة عن صورة يحدثها الشاعر أو غير الشاعر للمعنى؟ # فإن قالوا: بل يكون، وهو أن يستعير للمعنى لفظا. # قيل: الشأن في أنهم قالوا: "إذا أخذ معنى عاريا فسكاه لفظا من عنده، كان ~~أحق به"1، و "الاستعارة" عندكم مقصورة على مجرد اللفظ، ولا ترون المستعير ~~يصنع بالمعنى شيئا، وترون أنه لا يحدث فيه مزية على وجه من الوجوه، وإذا ~~كان كذلك، فمن أين، ليت شعري، يكون أحق به، فاعرفه. # أمثلة على ما تفعله صنعة الشاعر في الصورة، والمعنى واحد: ### | 563 - # ثم إن أردت مثالا في ذلك، فإن من أحسن شيء فيه، ما صمع أبو تمام في بيت ~~أبي نخيلة، وذلك أن أبا نخيلة قال في مسلمة بن عبد الملك: # أمسلم إني يا ابن كل خليفة ... ويا جبل الدنيا ويا واحد الأرض # شكرتك إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أوليته صالحا يقضي # وأنبهت لي ذكرى وما كان خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض2 # فعمد أبو تمام إلى هذا البيت الأخير فقال: # لقد زدت أوضاحي امتدادا، ولم أكن ... بهيما ولا أرضي من الأرض مجهلا # ولكن أياد صادفتني ms294 جسامها ... أغر فأوفت بي أغر محجلا3 PageV01P484 ### | 564 - # وفي "كتاب الشعر والشعراء" للمرزباني فصل في هذا المعنى حسن. قال. ومن ~~الأمثال القديمة قولهم: "حرا أخاف على جاني كمأة لا قرا"1، يضرب مثلا للذي ~~يخاف من شيء فيسلم منه ويصيبه غيره مما لم يخفه، فأخذ هذا المعنى بعض ~~الشعراء فقال: # وحذرت من أمر فمر بجانبي ... لم ينكني ولقيت ما لم أحذر2 # وقال لبيد: # أخشى على أربد الحتوف لا ... أرهب نوء السماك والأسد3 # قال: وأخذه البحتري فاحسن وطغى اقتدارا على العبارة، واستاعا في المعنى، ~~فقال: # لو أنني أوفي التجارب حقها ... فيما أرت لرجوت ما أخاشه4 PageV01P485 ### | 565 - # وشبيه بهذا الفصل فصل آخر في هذا الكتاب أيضا1، أنشد إبراهيم بن المهدي: # يا من لقلب صيغ من صخرة ... في جسد من لولوء رطب # جرحت خديه بلحظي فما ... برحت حتى اقتصى من قلبي2 # ثم قال: قال علي بن هارون: أخذه أحمد بن أبي فنن معنى ولفظا فقال: # أدميت باللحظات وجنته ... فاقتص ناظره من القلب3 # قال: ولكنه بنقاء عبارته وحسن مأخذه، قد صار أولى به. ### | 566 - # ففي هذا دليل لمن عقل أنهم لا يعنون بحسن العبارة مجرد اللفظ، ولكن صورة ~~وصفة وخصوصية تحدث في المعنى، وشيئا طريق معرفته على الجملة العقل دون ~~السمع، فإنه على كل حال لم يقل في البحتري إنه "أحسن فطغى اقتدارا على ~~العبارة"4، من أجل حروف. # لو أنني أوفي التجارب حقها # وكذلك لم يصف ابن أبي فنن بنقاء العبارة، من أجل حروف. # أدميت باللحظات وجنته ### | 567 - # واعلم أنك إذا سيرت أحوال هؤلاء الذين زعموا أنه إذا كان المعبر عنه ~~واحدا، والعبارة اثنتين، ثم كانت إحدى العبارتين أفصح من الأخرى وأحسن، ~~PageV01P486 # فإنه ينبغي أن يكون السبب في كونها أفصح وأحسن، اللفظ نفسه1 وجدتهم قد ~~قالوا ذلك من حيث قاسوا الكلامين على الكلمتين، فلما رأوا أنه إذا قيل في ~~"الكلمتين" إن معناهما واحد، لم يكن بينهما تفاوت، ولم يكن للمعنى في ~~إحداهما حال لا يكون له في الأخرى2 ظنوا أن سبيل الكلامين هذا السبيل ولقد ~~غلطوا ms295 فأفحشوا، لأنه لا يتصور أن تكون صورة المعنى في أحد الكلامين أو ~~البيتين، ثمل صورته في الآخر البتة، اللهم إلا أن يعمد عامد إلى بيت فيضع ~~مكان كل لفظة منه لفظة في معناها، ولا يعرض لنظمه وتأليفه، كمثل أن يقول في ~~بيت خطيئة3: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # ذر المفاخر لا تذهب لمطلبها ... واجلس فإنك أنت الآكل اللابس # وما كان هذا سبيله، كان بمعزلي من أن يكون به اعتداد، وأن يدخل في قبيل ~~ما يفاضل فيه بين عبارتين، بل لا يصح أن يجعل ذلك عبارة ثانية، ولا أن يجعل ~~الذي تعاطاه بمحل، من يوصف بأنه أخذ معنى. ذلك لأنه لا يكون بذلك صانعا ~~شيئا يستحق أن يدعى من أجله واضع كلام، ومستأنف عبارة واقئل شعر. ذاك لأن ~~بيت خطيئة لم يكن كلاما وشعرا من أجل معاني الألفاظ المفردة التي تراها ~~فيه، مجردة معراة من معاني النظم والتأليف، بل منها متوخى فيها ما ترى من ~~كون "المكارم" مفعولا "لدع"، وكون قوله: "لا ترحل لبغيتها" جملة أكدت ~~PageV01P487 # الجملة قبلها، وكون "اقعد" معطوفا بالواو على مجموع ما مضى، وكون جملة ~~"أنت الطاعم الكاسي"، معطوفة بالفاء على "اقعد"، فالذي يجيء فلا يغير شيئا ~~من هذا الذي به كان كلاما وشعرا، لا يكون قد أتى بكلام ثان وعبارة ثانية، ~~بل لا يكون قد قال من عند نفسه شيئا البتة. ### | 568 - # وجملة الأمر أنه كما لا تكون الفضة أو الذهب خاتما أو سوارا أو غيرهما من ~~أصناف الحلى بأنفسهما، ولكن بما يحدث فيهما من الصورة، كذلك لا تكون الكلم ~~المفردة التي هي أسماء وأفعال وحروف، كلاما وشعرا، من غير أن يحدث فيها ~~النظم الذي حقيقته توخي معاني النحو وأحكامه. # فإذن ليس لمن يتصدى لما ذكرنا، من أن يعمد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة ~~منها لفظة في معناها، إلاأن يسترك عقله1، ويستخف، ويعد معد الذي حكي أنه ~~قال: "إني قلت بيتا هو أشعر من بيت حسان، قال حسان: # يغشون حتى ما ms296 نهر كلابهم، ... لا يسألون عن السواد المقبل2 # وقلت: # يغشون حتى ما نهر كلابهم ... أبدا ولا يسلون من ذا المقبل3 # فقيل: هو بيت حسان، ولكنك قد أفسدته. PageV01P488 ### | الموازنة بين المعنى المتحد واللفظ المتعدد ### | 569 - # واعلم أنه إنما أتي القوم من قلة نظرهم في الكتب التي وضعها العلماء ~~اختلاف العبارتين على المعنى الواحد، وفي كلامهم في أخذ الشاعر من الشاعر، ~~وفي أن يقول الشاعران على الجملة في معنى واحد، وفي الأشعار التي دونوها في ~~هذا المعنى. ولو أنهم كانوا أخذوا أنفسهم بالنظر في تلك الكتب، وتدبروا ما ~~فيها حق التدبر، لكان يكون ذلك قد أيقظهم من غفلتهم، وكشف الغطاء عن ~~أعينهم. # الشاعران يقولان في معنى واحد وهو قسمان: ### | 570 - # وقد أردت أن أكتب جملة من الشعر الذي أنت ترى الشاعرين فيه قد قالا في ~~معنى واحد، وهو ينقسم قسمين: # قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتى بالمعنى غفلا ساذجا، وترى الآخر قد ~~أخرجه في صورة تروق وتعجب. # وقسم أنت ترى كل واحد من الشاعرين قد صنع في المعنى وصور. # القسم الأول: أحدهما غفل، والآخر مصور ### | 571 - # وأبدأ بالقسم الأول الذي يكون المعنى في أحد البيتين غفلا، وفي القسم ~~الأول: الآخر مصورا مصنوعا، ويكون ذلك إما لأن متأخرا قصر عن متقدم، وإما ~~لأن هدى متأخر لشيء لم يهتد إليه المتقدم. # ومثال ذلك قول المتنبي1: # بسئ الليالي سهدت من طربي ... شوقا إلى من يبيت يرقدها2 PageV01P489 # مع قول البحتري: # ليل يصادفني ومرهفة الحشا ... ضدين أسهره لها وتنامه1 # وقول البحتري: # ولو ملكت زماعا ظل يجذبني ... قودا لكان ندى كفيك من عقلي2 # مع قول المتبني: # وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا # وقول المتنبي: # إذا اعتل سيف الدولة اغتلت الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم المحض # مع قول البحتري: # ظللنا نعود الجود من وعكك الذي ... وجدت وقلنا اغتل عضو من المجد # وقول المتنبي: # يعطيك مبتدرا فإن أعجلته ... أعطاك معتذرا كمن قد أجرما3 # مع قول أبي تمام: # أخو عزمات فعله فعل محسن ... إلينا ولكن عذره ms297 عذر مذنب4 PageV01P490 # وقول المتنبي: # كريم مني استوهبت ما أنت راكب ... وقد لقحت حرب فإنك نازل # مع قول البحتري: # ماض على عزمه في الجود لو وهب الش ... باب يوم لقاء البيض ما ندما # وقول المتنبي: # والذي يشهد الوغى ساكن القل ... ب كأن القتال فيها ذمام # مع قول البتحري: # لقد كان ذاك الجأش جأش مسالم ... على أن ذاك الزي زي محارب # وقول أبي تمام: # الصبح مشهور بغير دلائل ... من غيره ابتغيت ولا أعلام # مع قول المتبني: # وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل # وقول أبي تمام: # وفي شرف الحديث دليل صدق ... لمختبر على الشرف القديم1 # مع قول المتنبي: # أفعاله نسب لو لم يقل معها ... جدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن # وقول البحتري: # وأحب آفاق البلاد إلى الفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب2 PageV01P491 # مع قول المتنبي: # وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب # وقول المتنبي: # يقر له بالفضل من لا يوده ... ويقضي له بالسعد من لا ينجم # مع قول البحتري: # لا أدعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه # وقول خالد الكاتب: # رقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر1 # مع قول بشار: # لخدك من كفيك في كل ليلة ... إلى أن ترى ضوء الصباح وساد # تبيت تراعي الليل ترجو نفاده ... وليس لليل العاشقين نفاد2 # وقول أبي تمام: # ثوى بالمشرقين لها ضجاج ... أطار قلوب أهل المغربين3 # وقول البحتري: # تناذر أهل الشرق منه وقائعا ... أطاع لها العاصفون في بلد العرب ~~PageV01P492 # مع قول مسلم: # لما نزلت على أدنى ديارهم ... ألقى إليك الأقاصي بالمقاليد1 # وقول محمد بن بشير: # أفرغ لحاجتنا ما دمت مشغولا ... فلو فرغت لكنت الدهر مبذولا2 # مع قول أبي علي البصير: # فقل لسعيد أسعد الله جده ... لقد رث حتى كاد ينصرم الحبل # فلا تعتذر بالشغل عنا فإنما ... تناط بك الآمال ما اتصل الشغل3 # وقول البحتري: # من غادة منعت وتمنع وصلها ... فلو أنها بذلت لنا لم تبذل4 # مع قول ابن الرومي: # ومن البلية أنني ... علقت ممنوعا منوعا5 # وقول أبي تمام: # لئن ms298 كان ذنبي أن أحسن مطلبي ... أساء ففي سوء القضاء لي العذر ~~PageV01P493 # مع قول البحتري: # إذا محاسني آلاتي أدل بها ... كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر # وقول أبي تمام: # قد يقدم العير من ذغر على الأسد1 # مع قول البحتري: # فجاء مجيء العير قادته حيرة ... إلى أهرت الشدقين تدمى أظافره # وقول معن بن أوس: # إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل # مع قول العباس بن الأحنف: # نقل الجبال الرواسي من أماكنها ... أخف من رد قلب حين ينصرف2 # وقول أمية بن أبي الصلت: # عطاؤك زين لامرئ إن أصبته ... بخير وما كل العطاء يزين3 # مع قول أبي تمام: # تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت ... كانت فخارا لمن يعفوه موتنفا # ما زلت منتظرا أعجوبة عننا ... حتى رأيت سؤالا يجتنى شرفا PageV01P494 # وقول جرير: # بعثن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأسهم أعداء وهن صديق1 # مع قول أبي نواس: # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق # وقول كثير: # إذا ما أرادت خلة أن تزيلنا ... أبينا وقلنا الحاجبية أول2 # مع قول أبي تمام: # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # وقول المتنبي: # وعند من اليوم الوفاء لصاحب ... شبيب وأوفى من ترى أخوان # مع قول أبي تمام: # فلا تحسبا هندا لها الغدر وحدها ... سجية نفس كل غانية هند # وقول البحتري: # فلم أر في زنق الصرى لي موردا ... فحاولت ورد النيل عند احتفاله3 ~~PageV01P495 # مع قول المتنبي: # قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا # وقول المتنبي: # كأنما يولد الندى معهم ... لا عاذر ولا هرم # مع قول البحتري: # عريقون في الإفضال يونتف الندى ... لناشئهم من حيث يونتف العمر # وقول البحتري: # فلا تعلين بالسيف كل غلائه ... ليمضي فإن الكف لا السيف تقطع # مع قول المتنبي: # إذا الهند سوت بين سيفي كريهة ... فسيفكط في كف تزيل التساويا # وقول البحتري: # ساموك من حسد فأفضل منهم ... غير الجواد وجاد غير المفضل # فبذلك فينا ما بذلت سماحة ... وتكرما وبذلت ما لم تبذل # مع قول ms299 أبي تمام: # أرى الناس منهاج الندى بعد ما عفت ... مهايعه المثلى ومحت لواجبه1 # ففي كل نجد في البلاد وغائر ... مواهب ليست منه وهي مواهبه # وقول المتنبي: # بيضاء تطمع فيما تحت حلتها ... وعز ذلك مطلوبا إذا طلبا PageV01P496 # مع قول البحتري: # تبدو بعطفة مطمع حتى إذا ... شغل الحلى ثنت بصدقة موبس # وقول المتنبي: # إذكار مثلك ترك إذكاري له ... إذ لا تريد لما أريد مترجما # مع قول أبي تمام: # وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي # وقول أبي تمام: # فنعمت من شمس إذا حجبت بدت ... من خدرها فكأنها لم تحجب # مع قول قيس بن الخطيم: # قضى لها الله حين صورها ال ... خالق أن لا يكنها سدف1 # وقول المتنبي: # راميات بأسهم ريشها الهد ... ب تشق القلوب قبل الجلود # مع قول كثير: # رمتني بسهم ريشه الكحل لم يجز ... ظواهر جلدي وهو في القلب جارح2 # وقول بعض شعراء الجاهلية، ويعزى إلى لبيد: PageV01P497 # ودعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني فإذا السلامة داء1 # مع قول أبي العتاهية: # أسرع في نقص امرئ تمامه ... تدبر في إقبالها أيامه2 # وقوله: # أقلل زيارتك الحبي ... ب تكون كالثوب استجده # إن الصديق بمله ... أن لا يزال يراك عنده # مع قول أبي تمام: # وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد # وقول الحريمي: # زاد معروفك عندي عظما ... أنه عندك محقور صغير # تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور كبير3 # مع قول المتبني: # تظن من فقدك اعتدادهم ... أنهم أنعموا وما علموا PageV01P498 # وقول البحتري: # ألم تر للنوائب كيف تسمو ... إلى أهل النوافل والفضول # مع قول المتنبي: # أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن # وقول المتنبي: # تذلل لها واخضع على القرب والنوى ... فما عاشق من لا يذل ويخضع # مع قول بعض المحدثين: # كن إذا أحببت عبدا ... للذي تهوى مطيعا # لن تنال الوصل حتى ... تلزم النفس الخضوعا # وقول مضرس بن ربعي: # لعمرك إني بالخليل الذي له ... علي دلال واجب لمفجع # وإني بالمولى الذي ليس نافعي ... ولا ضائري فقدانه لممتع1 # مع قول ms300 المتنبي: # أما تغلط الأيام في بأن أرى ... بغيضا ثنائي أو حبيبا تقرب # وقول المتنبي: # مظلومة القد في تشبيهه غصنا ... مظلومة الريق في تشبيه ضربا2 PageV01P499 ### | القسم الثاني: من الموازنة بين الشعرين، والإجادة فيهما من الجانبين # مع قوله: # إذا نحن شبهناك بالبدر طالعا ... بخسانك حظا أنت أبهى وأجمل # ونظلم إن قسناك بالليث في الوغى ... لأنك أحمى للحريم وأبسل ### | 572 - # ذكر ما أنت ترى فيه في كل واحد من البيتين صنعة وتصويرا واستاذية على ~~الجملة، فمن ذلك، وهو في النادر، قول لبيد: # واكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل1 # مع قول نافع بن لقيط2: # وإذا صدقت النفس لم تترك لها ... أملا ويأمل ما اشتهى المكذوب3 # وقول رجل من الخوارج أتي به الحجاج في جماعة من أصحاب قطري فقتلهم، ومن ~~عليه ليد كانت عنده، وعاد إلى قطري، فقال له قطرىك عاود قتال عدو الله ~~الحججاج. فأبى وقال: PageV01P500 # أأقاتل الحجاج عن سلطانه ... بيد تقر بأنها مولاته # ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصف واحتجت له فعلاته # وتحدث الأقوام أن صنائعا ... غرست لدي فحنظلت نخلاته1 # مع قول أبي تمام: # أسربل هجر القول من لو هجوته ... إذن لهجانى عنه معروفه عندي # وقول النابغة: # إذا ما غزا بالجيش حلق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب # جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الصفان أول غالب2 # مع قول أبي نواس: # وإذا مج القنا علقا ... وتراءى الموت في صوره # راح في ثنيي مفاضته ... أسد يدمى شبا ظفره # تتأيى الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره3 # المقصود البيت الأخير. PageV01P501 ### | 573 - # وحكى المرزباني قال: "حدثني عمرو الوراق قال: رأيت أبا نواس ينشد قصيدته ~~التي أولها: # أيها المنتاب عن عفره1 # فسحدته، فلما بلغ إلى قوله: # تتأيى الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره # قلت له: ما تركت للنابغة شيئا حيث يقول: "إذا ما غدا بالجيش"، البيتين، ~~فقال: اسكت، فلئن كان سبق فما أسأت الاتباع". # وهذا الكلام من أبينواس دليل بين في أن المعنى ينقل من صورة إلى صورة. ~~ذاك لأنه لو كان لا ms301 يكون قد صنع بالمعنى شيئا، لكان قوله: "فما أسأت ~~الاتباع" محالا، لأنه على كل حال لم يتبعه في اللفظ. ثم إن الأمر ظاهر لمن ~~نظر في أنه قد نقل المعنى عن صورته التي هو عليها في شعر النابغة إلى صورة ~~أخرى. وذلك أن ههنا معنيين: # أحدهما: أصل، وهو: علم الطير بأن الممدوح إذا غزا عدوا كان الظفر له، ~~وكان هو الغالب. # والآخر فرع، وهو: طمع الطير في أن تتسع عليها المطاعم من لحوم القتلى. ~~PageV01P502 # وقد عمد النابغة إلى "الأصل"، الذي هو علم الطير بأن الممدوح يكون ~~الغالب، فذكره صريحا، وكشف عن وجهه، واعتمد في "الفرع" الذي هو طمعها في ~~لحوم القتلى، وأنها لذلك تحلق فوقه على دلالة الفحوى. # وعكس أبو نواس القصة، فذكر "الفرع"الذي هو طمعها في لحوم القتلى صريحا، ~~فقال كما ترى: # ثقة بالشبع من جزره # وعول في "الأصل"، الذي هو علمها بأن الظفر يكون للمدوح، على الفحوى. ~~ودلالة الفحوى على علمها أن الظفر يكون للمدوح، هي في أن قال: "من جزره"، ~~وهي لا تثق بأن شبعها يكون في جزر الممدوح، حتى تعلم أن الظفر يكون له. # أفيكون شيء أظهر من هذا في النقل عن صورة إلى صورة؟ ### | 574 - # أرجع إلى النسق ومن ذلك قول أبي العتاهية: # شيم فتحت من المدح ما قد ... كان مستغلقا على المداح1 # مع قول أبي تمام: # نظمت له خرز المديح مواهب ... ينفثن في عقد اللسان المفحم # وقول أبي وجزة: # أتاك المجد من هنا وهنا ... وكنت له بمجتمع السيول2 PageV01P503 # مع قول منصور النمرى: # إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع1 # وقول بشار: # الشيب كره وكره أن يفارقني ... أعجب بشيء على البغضاء مودود2 # مع قول البحتري: # تعيب العانيات علي شيبي ... ومن لي أن أمتع بالمعيب # وقول أبيتمام: # يشتاقه من كماله غده ... ويكثر الوجد نحوه الأمس # مع قول ابن الرومي: # إمام يظل الأمس يعمل نحوه ... تلفت ملهوف ويشتاقه الغد3 # لا تنظر إلى أنه قال: "يشتاقه الغد"، فأعاد لفظ أبي تمام، ولكن انظر إلى ~~قوله: يعمل ms302 نحوه تلفت ملهوف. # وقول أبي تمام: PageV01P504 # لئن ذمت الأعداء سوء صباحها ... فليس يودى شكرها الذئب والنسر # مع قول المتبني: # وأنبت منهم ربيع السباع ... فأثنت بإحسانك الشامل # وقول أبي تمام: # ورب نائي المغاني روحه أبدا ... لصيق روحي ودان ليس بالدانى # مع قول المتنبي: # لنا ولأهله أبدا قلوب ... تلاقى في جسوم ما تلاقى # وقول أبي هفان: # أصبح الدهر مسيئا كله ... ماله إلا ابن يحيى حسنه # مع قول المتنبي: # أزالت بك الأيام عتبي كأنما ... بنوها لها ذنب وأنت لها عذر # وقول علي بن جبلة: # وأرى الليالي ما طوت من قوتي ... ردته في عظتي وفي إفهامي1 # مع قول ابن المعتز: # وما ينتقص من شباب الرجال ... يزد في نهاها وألبابها2 PageV01P505 # وقول بكر بن النطاح: # ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله1 # مع قول المتنبي: # إنك من معشر إذا وهبوا ... ما دون أعمارهم فقد بخلوا # وقول البحتري: # ومن ذاا يلوم البحر أن بات زاخرا ... يفيض وصوب المزن أن راح يهطل # مع قول المتنبي: # وما ثناك كلام الناس عن كرم ... ومن يسد طريق العارض الهطل # وقول الكندي: # عزوا وعز بعزهم من جاوروا ... فهم الذرى وجماجم الهامات # إن يطلبوا بتتراتهم يعطوا بها ... أو يطلبوا لا يدركوا بترات2 # مع قول المتنبي: # تفيت الليالي كل شيء أخذته ... وهن لما يأخذن منك غوارم # وقول أبي تمام: # إذا سيفه أضحى على اللهام حاكما ... غدا العفو منه وهو في السيف حاكم # مع قول المتنبي: # له من كريم الطبع في الحرب منتض ... ومن عادة الإحسان والصفح غامد ~~PageV01P506 ### | 575 - # فانظر الآن نظر من نفى الغفلة عن نفسه، فإنك ترى عيانا أن للمعنى في كل ~~واجد من البيت الآخر وأن العلماء لم يريدوا حيث قالوا: "إن المعنى في هذا ~~هو المعنى في ذاك"، أن الذي يعقل من هذا لا يخالف الذي يعقل من ذاك وأن ~~المعنى عائد عليك في البيت الثاني على هيئته وصفته التي كان عليها في البيت ~~الأول وأن لا فرق ولا فصل ولا تباني بوجه من الوجوه وإن ms303 حكم البيتين مثلا ~~حكم الاسمين قد وضعا في اللغة لشيء واحد، كالليث والأسد1 ولكن قالوا ذلك ~~على حسب ما يقوله العقلاء في الشيئين يجمعهما جنس واحد، ثم يفترقان بخواص ~~ومزايا وصفات، كالخاتم والخاتم، والشنف والشنف، والسوار والسوار، وسائر ~~أصناف الحلى التي يجمعها جنس واحد، ثم يكون بينهما الاختلاف الشديد في ~~الصنعة والعمل. ### | 576 - # ومن هذا الذي ينظر إلى بيت الخارجي وبيت أبي تمام2، فلا يعلم أن صورة ~~المعنى في ذلك غير صورته في هذا؟ كيف، والخارجي يقول: # "واحتجت له فعلاته" # ويقول أبو تمام: # إذن لهجاني عنه معروفه عندي # ومتى كان "احتج" و "هجا" واحدا في المعنى؟ PageV01P507 # وكذلك الحكم في جميع ما ذكرناه، فليس يتصور في نفس عاقل أن يكون قول ~~البحتري: # وأحب آفاق البلاد إلى الفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب # وقول المتنبي: # وكل مكان ينبت العز طيب1 # سواء ### | 577 - # واعلم أن قولنا "الصورة"، إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على ~~الذي نراه بأبصارنا، فلما رأينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة ~~الصورة، فكان تبين إنسان من أنسان وفرس من فرس2، بخصوصية تكون في صورة هذا ~~لا تكون في صورة ذاك، وكذلك كان الأمر في المصنوعات، فكان تبين خاتم من ~~خاتم وسوار من سوار بذلك، ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في ~~الآخر بينونة في عقولنا وفرقا3، عبرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن ~~قلنا: "للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك". وليس العبارة من ذلك بالصورة ~~شيئا نحن ابتدأناه فينكره منكر، بل هو مستعمل مشهور في كلام العلماء، ~~ويكفيك قول الجاحظ: "وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير"4. PageV01P508 ### | 578 - # واعلم أنه لو كان المعنى في أحد البيتين يكون على هيئته وصفته في البيت ~~الآخر، وكان التالي من الشاعرين يجيئك به معادا على وجهه لم يحدث فيه شيئا، ~~ولم يغير له صفة، لكان قول العلماء في شاعر: "إنه أخذ المعنى من صاحبه ~~فأحسن وأجاد"، وفي آخر "إنه أساء وقصر"، لغوا من القول، من حيث كان محالا ms304 ~~يحسن أو يسيء في شيء لا يصنع به شيئا. # وكذلك كان يكون جعلهم البيت نظيرا للبيت ومناسبا له، خطأ منهم، لأنه محال ~~أن يناسب الشيء نفسه، وأن يكون نظيرا لنفسه. # وأمر ثالث: وهو أنهم يقولون في واحد: "إنه أخذ المعنى فظر أخذه"، وفي ~~آخر: "إنه أخذه فأخفى أخذه"، ولو كان المعنى يكون معادا على صورته وهيئته، ~~وكان الأخذ له من صاحبه لا يصنع شيئا غير أن يبدل لفظا مكان لفظ، لكان ~~الإخفاء فيه محالا، لأن اللفظ لا يخفى المعنى، وإنما يخفيه إخراجه في صورة ~~غير التي كان عليها. ### | 579 - # مثال ذلك إن القاضي أبا الحسن1، ذكر فيما ذكر فيه "تناسب المعاني"، بيت ~~أبي نواس: # خليت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتخب2 # وبيت عبد الله بن مصعب: # كأنك جئت محتكما عليهم ... تخير في الأبوة ما تشاء PageV01P509 # وذكر أنهما معا من بيت بشار: # خلقت على ما في غير مخير ... هواي، ولو خيرت كنت المهذبا # والأمر في تناسب هذه الثلاثة ظاهر. ثم إنه ذكر أن أبا تمام قد تناوله ~~فأخفاه وقال: # فلو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع ### | 580 - # ومن العجب في ذلك ما تراه إذا أنت تأملت قول أبي العتاهية: # جزى البخيل على صالحة ... غنى بخفته على ظهري # أعلى وأكرم عن يديه يدي ... فعلت، ونزه قدره قدري # ورزقت من جدواه عافية ... أن لا يضيق بشكره صدري # وغنيت خلوا من تفضله ... أحنوا عليه بأحسن العذر # ما فاتني خير امرئ وضعت ... عني يداه مؤونة الشكر1 # ثم نظرت إلى قول الذي يقول: # أعتقني سوء ما صنعت من الرق ... فيا بردها على كبدي # فصرت عبدا للسوء منك وما ... أحسن سوء قبلي إلى أحد2 PageV01P510 ### | وصف الشعر والإدلال به ### | 581 - # ومما هو في غاية الندرة من هذا الباب، ما صنعه الجاحظ بقول نصيب: # ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # حين نثره فقال، وكتب به إلى ابن الزيات: # "نحن، أعزك الله، نسحر بالبيان، ونموه بالقول، والناس ينظرون إلى الحال، ~~ويقضون بالعيان، فأثر في أمرنا أثرا ينطق إذا ms305 سكتنا، فإن المدعي بغير بينة ~~متعرض للتكذيب". # قول الشعراء في وصف الشعر: ### | 582 - # وهذه جملة من وصفهم الشعر وعمله، وإدلالهم به. # 1أبو حية النميري: # إن القصائد قد علمن بأنني ... صنع اللسان بهن، لا أتنحل # وإذا ابتدأت عروض نسج ربض ... جعلت تذل لما أريد وتسهل PageV01P511 # حتى تطاوعني، ولو يرتاضها ... غيري لحاول صعبة لا تقبل1 ### | 583 - # تميم بن مقبل: # إذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى ... لها قائلا بعدي أطب وأشعرا # وأكثر بيتا سائرا ضربت له ... حزون جبال الشعر حتى تيسرا # أغر غريبا يمسح الناس وجهه ... كما تمسح الأيدي الأغز المشهرا2 ### | 584 - # عدى بن الرقاع: # وقصيدة قد بت أجمع بينها ... حتى أقوم ميلها وسنادها # نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها3 ### | 585 - # كعب بن زهير # فمن للقوافي، شانها من يحوكها ... إذا ما توى كعب وفوز جزول # يقومها حتى تلين متونها ... فيقصر عنها كل ما يتمثل4 ### | 586 - # بشار # عميت جنينا، والذكاء من العمى، ... فجئت عجيب الظن للعلم موئلا ~~PageV01P512 # وغاص ضياء العين للعلم رافدا ... لقلب إذا ما ضيع الناس حصلا # وشعر كنور الروض لاءمت بينه ... بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا1 ### | 587 - # وله # زور ملوك عليه أبهة ... يغرف من شعره ومن خطبه # لله ما راح في جوانحه ... من لولؤ لا ينام عن طلبه # يخرج من فيه للندى، كما ... يخرج ضوء السراج من لهبه2 ### | 588 - # أبو شريح العمير # فإن أهلك فقد أبقيت بعدي ... قوافي تعجب المتمثلينا # لذيذات المقاطع محكمات ... لو أن الشعر يلبس لارتدينا3 ### | 589 - # الفرزدق # بلغنا لشمس حين تكون شرقا ... ومسقط قرنها من حيث غابا PageV01P513 # بكل ثنية وبكل ثغر ... غرائبهن تنتسب انتسابا1 ### | 590 - # ابن ميادة # فجرنا ينابيع الكلام وبحره ... فأصبح فيه ذو الرواية يسبح # وما الشعر إلا شعر قيس وخندف ... وشعر سواهم كلفة وتملح2 ### | 591 - # وقال عقال بن هشام القيني يرد عليه: # ألا أبلغ الرماح نقض مقالة ... بها خطل الرماح أو كان يمزح # لئن كان في قيس وخندف ألسن ... طوال، وشعر سائر ليس يقدح # لقد خرق الحي اليمانون قبلهم ... بحور الكلام تستقى ms306 وهي طفح # وهم علموا من بعدهم فتعلموا ... وهم أعربوا هذا الكلام وأوضحوا # فللسابقين الفضل لا يجحدونه ... وليس لمسبوق عليهم تبجح3 ### | 592 - # أبو تمام # كشفت قناع الشعر عن حر وجهه ... وطيرته عن وكره وهو واقع # بغر يراها ن يراها بسمعه ... ويدنوا إليها ذو الججى وهو شاسع PageV01P514 # يود ودادا أن أعضاء جسمه ... إذا أنشدت شوقا إليها مسامع1 ### | 593 - # وله # حذاء تملأ كل أذن حكمة ... وبلاغة، وتدر كل وريد # كالرد والمرجان ألف نظمه ... بالشذر في عنق الفتاة الرود # كشقيقة البرد المنمنم وشيه ... في أرض مهرة أو بلاد تزيد # يعطى بها البشرىالكريم ويرتدي ... بردائها في المحفل المشهود # بشرى الغني أبي البنات تتابعت ... بشراوه بالفارس المولود2 ### | 594 - # وله: # جاءتك من نظم اللسان قلادة ... سمطان، فيها اللؤلؤ المكنون # أحذاكها صنع الضمير يمده ... جفر إذا نضب الكلام معين3 ### | 595 - # أخذ لفظ "الصنع" من قوله أبي حية: # بأنني صنع اللسان بهن لا أتنحل # ونقله إلى الضمير، وقد جعل حسان أيضا اللسان "صنعا"، وذلك في قوله: # أهدى لهم مدحا قلب موازره ... فيمنا أحب لسان حائك صنع4 PageV01P515 ### | 596 - # ولأبي تمام: # إليك أرحنا عازب الشعر بعد ما ... تمهل في روض المعاني العجائب # غرائب لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب # ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في السنين الذواهب # ولكنه صوب العقول، إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب1 ### | 597 - # البحترى # ألست الموالي فيك نظم قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما # ثناء كأن الروض منه منورا ... ضحى، وكأن الوشي منه منمنما2 ### | 598 - # وله: # أحسن أبا حسن بالشعر، إذا جعلت ... عليك أنجمه بالمدح تنتثر # فقد أئتك القوافي غب فائدة ... كمكا تفتح غب الوابل الزهر3 ### | 599 - # وله # إليك القوافي نازعات قواصدا ... يسير ضاحي وشيها وينمنم # ومشرقة في النظم غر يزينها ... بهاء وحسنا أنها فيك تنظم4 PageV01P516 ### | 600 - # وله # بمنقوشة نقش الدنانير ينتفي ... لها اللفظ مختارا كما ينتقى التبر ### | 601 - # وله # أيذهب هذا الدهر لم ير موضعي ... ولم يدر ما مقدار حلي ولا عقدي # ويكسد مثلى وهو تاجر سودد ms307 ... يبيع ثمينات المكارم والمجد # سوائر شعر جامع بدد العلى ... تعلقن من قبلي وأتعبن من بعدي # يقدر فيها صانع متعمل لأحكامها تقدير داود في السرد1 ### | 602 - # وله # تاله يسهر في مديحك ليله ... متململا وتنام دون ثوابه # يقظان ينتخل الكلام كأنه ... جيش لديه يريد أن يلقى به # فأتى به كالسيف رقرق صيقل ... ما بين قائم سنخه وذبابه2 ### | 603 - # ومن نادر وصفه للبلاغة قوله: # في نظام من البلاغة ما شك ... أمرؤ أنه نظام فريد # وبديع كأنه الزهر الضاحك ... في رونق الربيع الجديد PageV01P517 ### | عود إلى الاحتجاج على بطلان مذهب اللفظ # مشرق في جوانب السمع ما ... يحلقه عوده على المستعيد # حجج تخرس الألد بألفا ... ظ فرادى كالجوهر المعدود # ومعان لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد # جزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجنبن ظلمة التعقيد # وركبن اللفظ القريب فأدركن ... به غاية المراد البعيد # كالعذارى غدون في الحلل الصف ... ر إذا رحن في الخطوط السود1 # عرضه من ذكر وصف الشعراء الشعر، وأنه يدرك بالعقل، لا بمذاقة الحروف: ### | 604 - # الغرض من كتب هذه الأبيات، الاستظهار، حتى إن حمل حامل نفسه على الغرر ~~والتقحم على غير بصيرة، فزعم أن الإعجاز في مذاقة الحروف، وفي سلامتها مما ~~يثقل على اللسان علم بالنظر فيها فساد ظنه وقبح غلطه، من حيث يرى عيانا أن ~~ليس كلامهم كلام من خطر ذلك منه يبالي، ولا صفاتهم صفات تصلح له على حال. ~~إذ لا يخفى على عاقل أن لم يكن ضرب PageV01P518 # "تميم" لحزون جبال الشعر، لأن تسلم ألفاظه من حروف تثقل على اللسان ولا ~~كان تقويم "عدى" لشعره وتشبيهه نظره فيه بنظر المثقف في كعوب قناته لذلك ~~وأنه محال أن يكون له جعل "بشار" نور العين قد غاض فصار إلى قلبه1، وأن ~~يكون الؤلؤ الذي كان لا ينام عن طلبه وأن ليس هو صوب العقول الذي إذا انجلت ~~سحائب منه أعقبت بسحائب وأن ليس هو الدر والمرجان مؤلفا بالشذر في العقد ~~ولا الذي له كان "البحتري" مقدرا "تقدير داود في السرد". كيف؟ وهذه كلها ~~عبارات عما ms308 يدرك بالعقل ويتسنبط بالفكر، وليس الفكر الطريق إلى تمييز ما ~~يثقل على اللسان مما لا يثقل، إنما الطريق إلى ذلك الحس. ### | 605 - # ولولا أن البلوى قد عظمت بهذا الرأي الفاسد، وأن الذين قد استهلكوا قفيه ~~قد صاروا من فرط شعفهم به يصغون إلى كل شيء سمعونه، حتى لو أنا إنسانا قال: ~~"باقلي حار"، يريهم أن يريد نصرة مذهبهم، لأقبلوا بأوجههم عليه وألقوا ~~أسماعهم إليه2 لكان اطراحه وترك الاشتغال به أصوب، لأنه قول لا يتصل منه ~~جانب بالصواب البتة. ذاك لأنه أول شيء يؤدي إلى أن يكون القرآن معجزا، لا ~~بما به كان قرآنا وكلام الله عز وجل، لأنه على كل حال إنما كان قرآنا وكلام ~~الله عز وجل بالنظم الذي هو عليه. ومعلوم أن ليس "النظم" من مذاقة الحروف ~~وسلامتها مما يثقل على اللسان في شيء. PageV01P519 # ثم إنه اتفاق من العقلاء أن الوصف الذي به تناهى القرآن إلى حد عجز عنه ~~المخلوقون، هو الفصاحة والبلاغة. وما رأينا عاقلا جعل القرآن فصيحا أو ~~بليغا، بأن لا يكون في حروفه ما يثقل على اللسان، لأنه لو كان يصح ذلك، ~~لكان يجب أن يكون السوقي الساقط من الكلام، والسفساف الردئ من الشعر، فصيحا ~~إذا خفت حروفه. ### | 606 - # وأعجب من هذا، أنه يلزم منه أن لو عمد عامد إلى حركات الإعراب فجعل مكان ~~كل ضمة وكسرة فتحة فقال: "الحمد لله"، بفتح الدال واللام والهاء، وجرى على ~~هذا في القرآن كله، أن لا يسلبه ذلك الوصف الذي هو معجز به، بل كان ينبغي ~~أن يزيد فيه، لأن الفتحة كما لا يخفى أخف من كل واحدة من الضمة والكسرة. # فإن قال: إن ذلك يحيل المعنى. # قيل له: إذا كان المعنى والعلة في كونه معجزا خفة اللفظ وسهولته، فينبغي ~~أن يكون مع إحالة المعنى معجزا، لأنه إذا كان معجزا لوصف يخص لفظه دون ~~معناه، كان محالا أن يخرج عن كونه معجزا، مع قيام ذلك الوصف فيه. # بيان أن قولهم في اللفظ، يسقط "الكناية" و"الاستعارة" و"التمثيل" ~~و"المجاز" و"الإيجاز": ms309 ### | 607 - # ودع هذا، وهب أنه لا يلزم شيء منه، فإنه يكفي في الدلالة على سقوطه وقلة ~~تمييز القائل به، أنه يقتضي إسقاط "الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل" و ~~"المجاز" و "الإيجاز" جملة، واطراح جميعها رأسا، مع أنها الأقطاب التي تدور ~~البلاغة عليها، والأعضاد التي تستند الفصاحة إليها، والطلبة التي يتنازعها ~~المحسنون، والرهان الذي تجرب فيه الجياد، والنضال الذي تعرف به الأيدي ~~الشداد، وهي التي نوه بذكرها البلغاء، ورفع من أقدارها العلماء، # PageV01P520 # وصنفوا فيها الكتب، ووكلوا بها الهم، وصرفوا إليها الخواطر، حتى صار ~~الكلام فيها نوعا من العلم مفردا، وصناعة على حدة، ولم يتعاط أحد من الناس ~~القول في الإعجاز إلا ذكرها وجعلها العمد والأركان فيما يوجب الفضل ~~والمزية، وخصوصا "الاستعارة" و "الإيجاز"1، فإنك تراهم يجعلونهما عنوان ما ~~يذكرون، وأول ما يوردون. # وتراهم يذكرون من "الاستعارة" قوله عز وجل: {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: ~~4]، وقوله: {وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: 93]، وقوله عز وجل: {وآية ~~لهم الليل نسلخ منه النهار} [يس: 37]، وقوله عز وجل: {فاصدع بما تؤمر} ~~[الحجر: 94]، وقوله: {فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا} [يوسف: 80]، وقوله ~~تعالى: {حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4]، وقوله: {فما ربحت تجارتهم} ~~[البقرة: 16]. # ومن "الإيجاز" قوله تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سواء} [الأنفال: 58]، وقوله تعالى: {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14]، وقوله ~~{فشرد بهم من خلفهم} [الأنفال: 57]، وتراهم على لسان واحد في أن "المجاز" و ~~"الإيجاز" من الأركان في أمر الإعجاز. ### | 608 - # وإذا كان الأمر كذلك عند كافة العلماء الذين تكلموا في المزيا التي ~~للقرآن، فينبغي أن ينظر في أمر الذي يسلم نفسه إلى الغرور، فيزعم أن الوصوف ~~الذي كان له القرآن معجزا، هو سلامة حروفه مما يثقل على اللسان، ~~PageV01P521 # أيصح له القول بذلك إلا من بعد أن يدعي الغلط على العقلاء قاطبة فيما ~~قالوه، والخطأ فيما أجمعوا عليه؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يصح له ذلك إلا بأن ~~يقتحم هذه الجهالة، اللهم إلا أن يخرج إلى الضحكة فيزعم مثلا أن من شأن ~~"الاستعارة" و "الإيجاز" إذا ms310 دخلا الكلام، أن يحدث بهما في حروفه خفة، ~~وتتجدد فيها سهولة، ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق. ### | 609 - # واعلم أنا لا نأتي أن تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان ~~داخلا فيما يوجب الفضيلة، وأن تكون مما يؤكد أمر الإعجاز، وإنما الذي ننكره ~~ونفيل رأي من يذهب إليه1، أن يجعله معجزا به وحده، ويجعله الأصل والعمدة، ~~فيخرج إلى ما ذكرنا من الشناعات. # بيان آخر في شأن "اللفظ"، وفساد القول به: ### | 610 - # ثم إن العجب كل العجب ممن يجعل كل الفضيلة في شيء هو إذا انفرد لم يجب به ~~فضل البتة، ولم يدخل في اعتداد بحال. وذاك أنه لا يخفى على عاقل أنه لا ~~يكون بسهولة الألفاظ وسلامتها مما يثقل على اللسان، اعتداد، حتى يكون قد ~~ألف منهنا كلام، ثم كان ذلك الكلام صحيحا في نظمه والغرض الذي أريد به، ~~وأنه لو عمد عامد إلى ألفاظ فجمعها من غير أن يراعي فيها معنى، ويؤلف منها ~~كلاما، لم تر عاقلا يعتد السهولة فيها فضيلة، لأن الألفاظ لا تراد لأنفسها، ~~وإنما تراد لتجعل أدلة على المعاني. فإذا عدمت الذي له تراد، أو اختل أمرها ~~فيه، لم يعتد بالوصاف التي تكون في أنفسها عليها، وكانت السهولة وغير ~~السهولة فيها واحدا. PageV01P522 # ومن ههنا رأيت العلماء يذمون من يحمله تطلب السجع والتجنيس على أن يضيم ~~لها المعنى1، ويدخل الخلل عليه من أجلها، وعلى أن يتعسف في الاستعارة ~~بسببهما، ويركب الوعورة، ويسلك المسالك المجهولة، كالذي صنع أبو تمام في ~~قوله: # سيف الإمام الذي سمته هييته ... لما تخرم أهل الأرض مخترما # قرت بقران عين الدين وانتشرت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما2 # وقوله: # ذهبت بمذهبه السماحة والتوت ... فيه الظنون أمذهب أم مذهب3 # ويصنعه المتكلفون في الأسجاع. وذلك أنه لا يتصور أن يجب بهما، ومن حيث ~~هما، فضل، ويقع بهما مع الخلو من المعنى اعتداد. وإذا نظرت إلى تجنيس أبي ~~تمام: "أمذهب أم مذهب" فاستضعفته، وإلى تجنيس القائل: # حتى نجا من خوفه وما نجا4 # وقول المحدث: # ناظراها فيما جنى ناظراه ... أو ms311 دعاني أمت بما أودعاني5 PageV01P523 # فاستحسنته، لم تشك بحال أن ذلك لم يكن لأمر يرجع إلى اللفظ، ولكن لأنك ~~رأيت الفائدة ضعفت في الول، وقويت في الثاني. وذلك أنك رأيت أبا تمام لم ~~يزدك بمذهب ومذهب، على أن أسمعك حروفا مكررة لا تجد لها فائدة إن وجدت، إلا ~~متكلفة متمحلة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد ~~أعطاها، ويوهمك أنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفاها. ولهذه النكتة كان ~~التجنيس، وخصوصا المستوفى منه، مثل "نجا" و "نجا"، من حلى الشعر. والقول ~~فيما يحسن وفيما لا يحسن من التجنيس والسجع يطول، ولم يكن غرضنا من ذكرهما ~~شرح أمرهما1، ولكن توكيد ما انتهى بنا القول إليه من استحالة أن يكون ~~الإعجاز في مجرد السهولة وسلامة الألفاظ مما يثقل على السان. ### | 611 - # وجملة المر، أنا ما رأينا في الدنيا عاقلا اطرح النظم والمحاسن التي هو ~~السبب فيها من "الاستعارة" و "الكناية" و "التمثيل"، وضروب "المجاز" و ~~"الإيجاز"، وصد بوجهه عن جميعها، وجعل الفضل كله والمزية أجمعها في سلامة ~~الحروف مما يثقل. كيف؟ وهو يؤدي إلى السخف والخروج من العقل كما بينا. ### | 612 - # واعلم أنه قد آن لنا نعود إلى ما هو الأمر الأعظم والغرض الأهم، والذي ~~كأنه هو الطلبة، وكل ما عداه ذرائع إليه. وهو المرام، وما سواه أسباب ~~للتسلق عليه، وهو بيان العلل التي لها وجب أن يكون لنظم مزية على نظم، وأن ~~يعظم أمر التفاضل فيه وتيناهى إلى الغايات البعيدة2. ونحن نسأل الله تعالى ~~العون على ذلك، والتوفيق له والهداية له. PageV01P524 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | الخبر وما يتحقق به الإسناد # "النظم"، هو توخي معاني النحو، وهو معدن البلاغة: ### | 613 - # ما أظن بك أيها القارئ لكتابنا، إن كنت وفيته حقه من النظر، وتدبرته حق ~~التدبر، إلا أنك قد علمت علما أبى أن يكون للشك فيه نصيب، وللوقف نحوك ~~مذهب، أن ليس "النظم" شيئا إلا توخي معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه ~~فيما بين معاني الكلم1 وأنك قد تبينت أنه إذا ms312 رفع معاني النحو وأحكامه مما ~~بين الكلم حتى لا تراد فيها في جملة ولا تفصيل، خرجت الكلم المنطوق ببعضها ~~في أثر بعض في البيت من الشعر والفصل من النثر2، عن أن يكون لكونها في ~~مواضعها التي وضعت فيها موجب ومقتض3، وعن أن يتصور أن يقال في كلمة منها ~~إنها مرتبطة بصاحبة لها، ومتعلقة بها، وكائنة بسبب منها4 وإن حسن تصورك ~~لذلك، قد ثبت فيك قدمك، وملأ من الثقة نفسك، وباعدك من أن تحن إلى الذي كنت ~~عليه، وأن يجرك الإلف والاعتياد إليه وأنك جعلت ما قلناه نقشا في صدرك، ~~وأثبته في سويداء قلبك، وصادقت بينه وبين نفسك. فإن كان الأمر كما ظنناه. ~~رجونا أن يصادف الذي نريد أن نستأنفه بعون الله تعالى منك نية حسنة تقيك ~~الملل5، ورغبة صادقة تدفع PageV01P525 # عنك السأم، وأريحية يخف معها عليك تعب الفكر وكد النظر، والله تعالى ولي ~~توفيقك وتوفيقنا بمنه وفضله. ونبدأ فنقول: ### | 614 - # فإذا ثبت الآن أن لا شك ولا مرية في أن ليس "النظم" شيئا غير توخي معاني ~~النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم، ثبت من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من ~~نظم القرآن، إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوه وفروقه، ولم ~~يعلم أنها معدنه ومعانه1، وموضعه ومكانه، وأنه لا مستنبط له سواها، وأن لا ~~وجه لطلبه فيما عداها2، غار نفسه بالكاذب من الطمع، ومسلم لها إلى الخدع، ~~وأنه إن أبى أن يكون فيها، كان قد أبى أن يكون القرآن معجزا بنظمه، ولزمه ~~أن يثبت شيئا آخر يكون معجزابه، وأن يلحق بأصحاب "الصرفة" فيدفع الإعجاز من ~~أصله3، وهذا تقرير لا يدفعه إلا معاند يعد الرجوع عن باطل قد اعتقده عجزا، ~~والثبات عليه من بعد لزوم الحجة جلدا4، ومن وضعه نفسه في هذه المنزلة، كان ~~قد باعدها من الإنسانية. ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق. # "الخبر"، أصل في معاني الكلام، في النفي والإثبات: ### | 615 - # وهذه أصول يحتاج إلى معرفتها قبل الذي عمدنا له. # اعلم أن معاني الكلام كلها معان لا تتصور ms313 إلا فيما بين شيئين، والأصل ~~PageV01P526 # والأول هو "الخبر". وإذا أحكمت العلم بهذا المعنى فيه، عرفته في الجميع. ~~ومن الثابت في العقول والقائم في النفوس، أنه لا يكون خبر حتى يكون مخبر به ~~ومخبر عنه، لأنه، ينقسم إلى "إثبات" و "نفي". و "الإثبات"، يقتضي مثبتا ~~ومثبتاله، و "النفي" يقتضي منفيا ومنفيا عنه. فلو حاولت أن تتصور إثبات ~~معنى أو نفيه من دون أن يكون هناك مثبت له ومنفي عنه، حاولت ما لا يصح في ~~عقل، ولا يقع في وهم. ومن أجل ذلك امتنع أنت يكون لك قصد إلى فعل من غير أن ~~تريد إسناده إلى شيء مظهر او مقدر1، وكان لفظك به، إذا أنت لم ترد ذلك، ~~وصوتا توصته سواء2. ### | 616 - # وإن أردت أن تستحكم معرفة ذلك في نفسك، فانظرإليك إذا قبل لك: "ما فعل ~~زيد؟ " فقلت: "خرج"، هل يتصور أن يقع في خلدك من "خرج" معنى من دون أن ينوي ~~فيه ضمير "زيد"؟ وهل تكون، إن أنت زعمت أنك لم تنو ذلك، إلا مخرجا نفسك إلى ~~الهذيان؟ # وكذلك فانظر إذا قيل لك: "كيف زيد؟ "، فقلت: "صالح"، هل يكون لقولك ~~"صالح" أثر في نفسك، من دون أن تريد "هو صالح"؟ أم هل يعقل السامع منه شيئا ~~إن هو لم يعتقد ذلك؟ فإنه مما لا يبقى معه لعاقل شك أن "الخبر" معنى لا ~~يتصور إلا بين شيئين، يكون أحدهما مثبتا، والآخر مثبتا له، أو يكون أحدهما ~~منفيا، والآخر منفيا عنه وأنه لا يتصور مثبت من غير مثبت له، ومنفي من دون ~~منفي عنه. PageV01P527 # ولما كان الأمر كذلك، أوجب ذلك أن لا يعقل إلا من مجموع جملة فعل واسم ~~كقولنا: "خرج زيد"، أو اسم واسم، كقولنا: "زيد منطلق"، فليس في الدنيا خير ~~يعرف من غير هذا السبيل، ويبغير هذا الدليل. وهو شيء يعرفه العقلاء في كل ~~جبل وأمة، وحكم يجري عليه الأمر في كل لسان ولغة. # لابد للخبر من مخبر به، يوصف هو بالصدق والكذب: ### | 617 - # وإذ قد عرفت أنه لا يتصور الخبر ms314 إلا فيما بين شيئين: مخبر به ومخبر عنه، ~~فينبغي أن تعلم أنه يحتاج من بعد هذين إلى ثالث. وذلك أنه كما لا يتصور أن ~~يكون ههنا خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، كذلك لا يتصور أن يكون خبر حتى ~~يكون له "مخبر" يصدر عنه ويحصل من جهته، ويكون له نسبة إليه، وتعود التبعة ~~فيه عليه، فيكون هو الموصوف بالصدق إن كان صدقا، وبالكذب إن كان كذبا. أفلا ~~ترى أن من المعلوم أنه لا يكون إثبات ونفي حتى يكون مثبت وناف يكون مصدرهما ~~من جهته، ويكون هو المزجي لهما، والمبرم والنقاض فيهما، ويكون بهما موافقا ~~ومخالفا، ومصيبا ومخطئا، ومحسنا ومسيئا1. ### | 618 - # وجملة الأمر، إن "الخبر" وجميع الكلام، معان ينشئها الإنسان في نفسه، ~~ويصرفها في فكره، ويناجي بها قلبه، ويارجع فيها عقله، وتوصف بأنها مقاصد ~~وأغراض، وأعظمها شأنا "الخبر"، فهو الذي يتصور بالصور الكثيرة، وتقع فيه ~~الصناعات العجيبة، وفيه يكون، في الأمر الأعم، المزايا التي بها يقع ~~التفاضل في الفصاحة، كما شرحنا فيما تقدم، ونشرحه فيما تقول من بعد إن شاء ~~الله تعالى2. PageV01P528 ### | 619 - # واعلم أنك إذا فتشت أصحاب "اللفظ" عما في نفوسهم، وجدتهم قد تهوهموا في ~~"الخبر" أنه صفة للفظ، وأن المعنى في كونه إثباتا، أنه لفظ يدل على وجود ~~المعنى من الشيء أو فيه وفي كونه نفيا، أنه لفظ يدل على عدمه وانتفائه عن ~~الشيء. وهو شيء قد لزمهم، وسرى في عروقهم، وامتزج بطباعهم، حتى صار الظن ~~بأكثرهم أن القول لا ينجع فيهم. # بطلان دعوى أصحاب "اللفظ" في توهمهم أن "الخبر" صفة "للفظ": ### | 620 - # والدليل على بطلان ما اعتقدوه، أنه محال أن يكون "اللفظ" قد نصب دليلا ~~على شيء، ثم لا يحصل منه العلم بذلك الشيء، إذ لا معنى لكون الشيء دليلا ~~إلا إفادته، إياك العلم بما هو دليل عليه. وإذا كان هذا كذلك، علم منه أن ~~ليس الأمر على ما قالوه، من أن المعنى في وصفنا "اللفظ" بأنه خبر، أنه قد ~~وضع لأن يدل على وجود المعنى أو ms315 عدمه، لنه لو كان كذلك، لكان ينبغي أن لا ~~يقع في سامع شك في خبر يسمعه، وأن لا تسمع الرجل يثبت وينفي إلا علمت وجود ~~ما أثبت وانتفاء ما نفى، وذلك مما لا يشك في بطلانه. فإذا لم يكن ذلك مما ~~يشك في بطلانه، وجب أن يعلم أن مدلول "اللفظ" ليس هو وجود المعنى أو عدمه، ~~ولكن الحكم بوجود المعنى أو عدمه، وأن ذلك، أي الحكم بوجود المعنى أو عدمه، ~~حقيقة الخبر، إلا أنه إذا كان بوجود المعنى من الشيء أو فيه يسمى "إثباتا"، ~~وإذا كان بعدم المعنى وانتفائه عن الشيء يسمى "نفيا". # ومن الدليل على فساد ما زعموه، أنه لوكان معنى "الإثبات"، الدلالة على ~~وجود المعنى وإعلامه السامع أيضا، وكان معنى طالنفي" الدلالة على عدمه ~~وإعلامه السامع أيضا، لكان ينبغي إذا قال واحد: "زيد عالم"، وقال أخر: "زيد ~~ليس بعالم"، أن يكون قد دل هذا على وجود العلم وهذا على عدمه، وإذا قال ~~الموحد: العالم محدث، وقال الملحد: "هو قديم"، أن يكون قد دل الموحد على ~~حدوثه، والملحد على قدمه، وذلك ما لا يقوله عاقل. # PageV01P529 ### | 621 - # تقرير لذلك بعبارة أخرى: # لا يتصور أن تفتقر المعاني المدلول عليها بالجمل المؤلفة إلى دليل يدل ~~عليها زائد على اللفظ. كيف؟ وقد أجمع العقلاء على أن العلم بمقاصد الناس في ~~محاوراتهم علم ضرورة، ومن ذهب مذهبا يقتضي أن لا يكون "الخبر" معنى في نفس ~~المتكلم، ولكن يكون وصفا للفظ من أجل دلالته على وجود المعنى من الشيء أو ~~فيه، أو انتفاء وجوده عنه، كان قد نقض منه الأصل الذي قدمناه، من حيث يكون ~~قد جعل المعنى، المدلول عليه باللفظ، لا يعرف إلا بدليل سوى اللفظ. ذاك ~~لأنا لا نعرف وجود المعنى المثبت وانتفاء المنفي باللفظ، ولكنا نعلمه بدليل ~~يقوم لنا زائد على اللفظ. وما من عاقل إلا وهو يعلم ببديهة النظر أن ~~المعلوم بغير اللفظ، لا يكون مدلول اللفظ. ### | 622 - # طريقة أخرى: الدلالة على الشيء هي لا محالة إعلامك السامع إياه، وليس ~~بدليل ms316 ما أنت لا تعلم به مدلولا عليه. وإذا كان كذلك، وكان مما يعلم ببدائه ~~المعقول أن الناس إنما يكلم بعضهم بعضا ليعرف السامع غرض المتكلم ومقصوده، ~~فينبغي أن ينظر إلى مقصود المخبر من خببره، ما هو؟ أهو أن يعلم السامع ~~المخبر به والمخبر عنه، أم أن يعلمه إثبات المعنى المخبر به للمخبر عنه؟ # فإن قيل: إن المقصود إعلامه السامع وجود المعنى من المخبر عنه، فإذا قال: ~~"ضرب زيد" كان مقصوده أن يعلم السامع وجود الضرب من زيد، وليس الإثبات لا ~~إعلامه السامع وجود المعنى. # قيل له: فالكافر إذا أثبت مع الله، تعالى عما يقول الظالمون، إلها آخر، # PageV01P530 # يكون قاصدا أن يعلم، نعوذ بالله تعالى، أن مع الله تعالى إلها آخر؟ تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا1، وكفى بهذا فضيحة. ### | 623 - # وجملة الأمر، أنه ينبغي أن يقال لهم: أتشكون في أنه لا بد من أن يكون ~~لخبر المخبر معنى يعلمه السامع علما لا يكون معه شك، ويكون ذلك معنى اللفظ ~~وحقيقته؟ # فإذا قالوا: لا نشك. # قيل لهم: فما ذلك المعنى؟ # فإن قالوا: هو وجود المعنى المخبر به من المخبر عنه أو فيه، إذا كان ~~الخبر إثباتا، وانتفاؤه عنه إذا كان نفيا لم يمكنهم أن يقولوا ذلك إلا من ~~بعد أن يكابروا فيدعوا أنهم إذا مسعوا الرجل يقول: "خرج زيد"، علموا علما ~~لا شك معه، وجود الخروج من زيد. وكيف يدعون ذلك، وهو يقتضي أن يكون الخبر ~~على وفق المخبر عنه أبدا، وأنه لا يجوز فيه أن يقع على خلاف المخبر عنه، ~~وأن يكون العقلاء قد غلطوا حين جعلوا من خاص وصفه أن يحتمل الصدق والكذب، ~~وأن يكون الذي قالوه في أخبار الآحاد وأخبار التواتر2 من أن العلم يقع ~~بالتواتر دون دون الآحاد سهوا منهم، ويقتضي الغنى عن المعجزة، لأنه إنما ~~احتيج إليها لي حصل العلم يكون الخبر على وفق المخبر عنه، فإذا كان لا يكون ~~إلا على وفق المخبر عنه، لم تقع الحاجة إلى دليل بدل على كونه كذلك، ~~فاعرفه. PageV01P531 ### | 624 ms317 - # واعلم أنه إنما لزمهم ما قلناه، من أن يكون الخبر على وفق المخبر عنه ~~أبدا، من حيث إنه إذا كان معنى الخبر عندهم، إذا كان إثباتا، أنه لفظ موضوع ~~ليدل على وجود المعنى المخبر به من المخبر عنه أو فيه، وجب أن يكون كذلك ~~أبدا، وأن لا يصح أن يقال: "ضرب زيد"، إلا إذا كان الضرب قد وجد من زيد. ~~وكذلك يجب في النفي أن لا يصح أن يقال: "ما ضرب زيد"، إلا إذا كان الضرب لم ~~يوجد منه، لأن تجويز أن يقال: "ضرب زيد"، من غير أن يكون قد كان منه ضرب، ~~وأنه يقال: "ما ضرب زيد، وقد كان منه ضرب، يوجب على أصلهم إخلاء اللفظ من ~~معناه الذي وضع ليدل عليه. وذلك ما لا يشك في فساده. # ولا يلزمنا ذلك على أصلنا، لأن معنى "اللفظ" عندنا هو الحكم بوجود المخبر ~~به من المخبر عنه أو فيه، إذا كان الخبر إثباتا، والحكم بعدمه إذا كان ~~نفيا، واللفظ عندنا لا ينفك من ذلك لاو يخلو منه. وذلك لأن قولنا: "ضرب" و ~~"ما ضرب"، يدل من قول الكاذب على نفس ما يدل عليه من قول الصادق، لأنا إن ~~لم نقل ذلك، لم يخل من أن يزعم أن الكاذب يخلي اللفظ من المعنى، أو يزعم ~~أنه يجعل للفظ معنى غير ما وضع له، وكلاهما باطل. ### | 625 - # ومعلوم أنه لا يزال يدور في كلام العقلاء في وصف الكاذب: "أنه يثبت ما ~~ليس بثابت، وينفي ما ليس بمنتف"، والقول بما قالوه يؤدي إلى أن يكون ~~العقلاء قد قالوا المحال، من حيث يجب على أصلهم أن يكونوا قد قالوا: إن ~~الكاذب يدل على وجود ما ليس بموجود، وعلى عدم ما ليس بمعدوم. وكفى بهذا ~~تهافتا وخطلا، ودخولا في اللغو من القول. # PageV01P532 # وإذا اعتبرنا أصلنا كان تفسيره: أن الكاذب يحكم بالوجود فيما ليس بموجود، ~~وبالعدم فيما ليس بمعدوم، وهو أسد كلام وأحسنه. ### | 626 - # والدليل على أن اللفظ من قول الكاذب يدل على نفس ما يدل عليه ms318 من قول ~~الصادق، إنهم جعلوا خاص وصف الخبر أنه يحتمل الصدق والكذب، فلولا أن حقيقته ~~فيهما حقيقة واحدة، لما كان لحدهم هذا معنى، ولا يجوز أن يقال: إن الكاذب ~~يأتي بالعبارة على خلاف المعبر عنه لأن ذلك إنما يقال فيمن أراد شيئا، ثم ~~أتى بلفظ لا يصح للذي أراد، ولا يمكننا أن نزعم في الكاذب أنه أراد أمرا، ~~ثم أتى بعبارة لا تصلح لما أراد. # توهمهم أن "المفعول"، زيادة في الفائدة والاحتجاج لبطلانه: ### | 627 - # ومما ينبغي أن يحصل في هذا الباب، أنهم قد أصلوا في "المفعول" وكل ما زاد ~~على جزئي الجملة، أنه يكون زيادة في الفائدة. وقد يتخيل إلى من ينظر إلى ~~ظاهر هذا من كلامهم، أنهم أرادوا بذلك أنك تضم بما تزيده على جزئي الجملة ~~فائدة أخرى، وينبني عليه أن ينقطع على الجملة، حتى يتصور أن يكون فائدة على ~~حدة، وهو ما لا يعقل، إذا لا يتصور في "زيد" من قولك: "ضربت زيدا"، أن يكون ~~شيئا برأسه، حتى تكون بتعديتك "ضربت" إليه قد ضممت فائدة إلى أخرى. وإذا ~~كان ذلك كذلك، وجب أن يعلم أن الحقيقة في هذا: أن الكلام يخرج بذكر ~~"المفعول" إلى معنى غير الذي كان، وأن وزان الفعل قد عدي إلى مفعول معه، ~~وقد أطلق فلم يقصد به إلى مفعول دون مفعول، وزان الاسم المخصص بالصفة مع ~~الاسم المتروك على شياعه، كقولك: "جاءني رجل ظريف"، مع قولك: "جاءني رجل"، ~~في أنك لست في ذلك كمن يضم معنى إلى معنى وفائدة إلى فائدة، ولكن كمن يريد ~~ههنا شيئا وهناك شيئا آخر. فإذا قلت: "ضربت زيدا"، كان المعنى غيره إذا ~~قلت: "ضربت" ولم تزد "زيدا". # PageV01P533 # وهكذا يكون الأمر أبدا، كلما زدت شيئا، وجدت المعنى قد صار غير الذي كان. ~~ومن أجل ذلك صلح المجازاة بالفعل الواحد، إذا أتى به مطلقا في الشطر، ومعدى ~~إلى شيء في الجزاء، كقوله تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} [الإسراء: 7]، ~~وقوله عز وجل: {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} [الشعراء: 130]، مع العلم بأن ~~الشرط ينبغي ms319 أن يكون غير الجزاء، من حيث كان الشرط سببا والجزاء مسببا، ~~وأنه محال أن يكون الشيء سببا لنفسه. فلولا أن المعنى في "أحسنتم" الثانية، ~~غير المعنى في الأولى، وأنها في حكيم فعل ثان، لما ساغ ذلك، كما لا يسوغ أن ~~تقول: "إن قمت قمت، وإن خرجت خرجت"، ومثله من الكلام قوله: "المرء بأصغريه، ~~أن قال قال بيان، وإن صال صال بجنان"1، ويجري ذلك في الفعلين قد عديا ~~جميعا، إلا أن الثاني منهما قد تعدى إلى شيء زاد على ما تعدى إليه الأول، ~~ومثاله قولك: "إن أتاك زيد أتاك لحاجة"، وهو أصل كبير. والأدلة على ذلك ~~كثيرة، ومن أولاها بأن يحفظ: أنك ترى البيت قد استحسنه الناس وقضوا لقائله ~~بالفضل فيه، وبأنه الذي غاص على معناه بفكره، وأنه أبو عذره، ثم لا ترى ذلك ~~الحسن وتلك الغرابة كانا، إلا لما بناه على الجملة دون نفس الجملة. ومثال ~~ذلك قول الفرزدق: # وما حملت أم أمرئ في ضلوعها ... أعق من الجاني عليها هجائيا2 # فلولا أن معنى الجملة يصير بالبناء عليها شيئا غير الذي كان، ويتغير في ~~ذاته، لكان محالا أن يكون البيت بحيث تراه من الحسن والمزية، وأن يكون ~~معناه PageV01P534 # خاصا بالفرزدق، وأن يقضي له بالسبق إليه، إذ ليس في الجملة التي بني ~~عليها ما يوجب شيئا من ذلك، فاعرفه. ### | 628 - # والنكتة التي يجب أن تراعى في هذا، أنه لا تتبين لك صورة المعنى الذي هو ~~معنى الفرزدق، إلا عند آخر حروف من البيت، حتى إن قطعت عنه قوله "هجائيا" ~~بل "الياء" التي هي ضمير الفرزدق، لم يكن الذي تعقله منه مما أراده الفرزدق ~~بسبيل، لأن غرضه تهويل أمر هجائه، والتحذير منه، وأن من عرض أمه له، كان قد ~~عرضها لأعظم ما يكون من الشر. ### | 629 - # وكذلك حكم نظائره من الشعر، فإذا نظرت إلى قول القطامي: # فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي1 # وجدتك لاتحصل على معنى يصح أن يقال إنه غرض الشاعر ومعناه، إلا عند قوله ~~"ذي ms320 الغلة". ### | 630 - # ويزيدك استبصارا فيما قلناه، أن تنظر فيما كان من الشعر جملا قد عطف ~~بعضها على بعض بالواو، كقوله: # النشر مسك، والوجوه دنا ... نير وأطراف الاكف عنم2 # وذلك أنه ترى الذي تعقله من قوله: "النشر مسك"، لا يصير بانضمام قوله: ~~"والوجوه دنانير"، إليه شيئا غير الذي كان، بل تراه باقيا على حاله. # كذلك ترى ما تعقل من قوله: "والوجوه دنانير"، لا يلحقه تغيير بانضمام ~~قوله: و "أطراف الأكف غنم"، إليه. PageV01P535 ### | 631 - # وإذ قد عرفت ما قررناه من أن من شأن الجملة أن يصير معناها بالبناء عليها ~~شيئا غير الذي كان، وأنه يتغير في ذاته، فاعلم أن ما كان من الشعر مثل بيت ~~بشار: # كأن مثار النقع فوق روسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه1 # وقول امرئ القيس: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي2 # وقول زياد: # وإنا وما تلقي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق3 # كان له مزية على قول الفرزدق فيما ذكرنا، لأنك تجد في صدر بيت الفرزدق ~~جملة تؤدي معنى، وإن لم يكن معنى يصح أن يقال إنه معنى فلان، ولا تجد في ~~صدر هذه الأبيات ما يصح أن بعد جملة تؤدي معنى، فضلا عن أن تؤدي معنى يقال ~~إنه معنى فلان. ذاك لأن قوله: "كأن مثار النقع" إلى: "وأسيافنا"، جزء واحد ~~و "ليل تهاوى كواكبه" بجملته الجزء الذي ما لم تأت به لم تكن قد أتيت ~~بكلام. # وهكذا سبيل البيتين الآخرين. فقوله: "كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى ~~وكرها" جزء وقوله: "العناب والحشف البالي" الجزء الثاني وقوله: "وإنا وما ~~تلقي لنا إن هجوتنا" جزء، وقوله: "لكالبحر، الجزء الثاني، وقوله: "مهما تلق ~~في البحر يغرق"، وإن كان جملة مستأنفة ليس لها في الظاهر تعلق بقوله: ~~"لكالبحر"، فإنها لما كانت مبينة لحال هذه التشبيه، صارت كأنها متعلقة بهذا ~~التشبيه، وجرى مجرى أن تقول: "كالبحر في أنه لا يلقى فيه شيء إلا غرق". ~~PageV01P536 ### | الخبر وما يتحقق به الإسناد: فصل منه # فصل: # "الإثبات" معنى تكون به ms321 المزية في الكلام: ### | 632 - # وإذا ثبت أن الجملة إذا بني عليها حصل منها ومن الذي بني عليها في ~~الكثير، معنى يجب فيه أن ينسب إلى واحد مخصوص، فإن ذلك يقتضي لا محالة أن ~~يكون "الخبر" في نفسه معنى هو غير المخبر به والمخبر عنه. ذاك لعلمنا ~~باستحالة أن يكون للمعنى المخبر به نسبة إلى المخبر، وأن يكون المستنبط ~~والمستخرج والمستعان على تصويره بالفكر. # فليس يشك عاقل أنه محال أن يكون للحمل في قوله: "وما حملت أم امرئ في ~~ضلوعها"، نسبة إلى الفرزدق، وأن يكون الفكر منه كان فيه نفسه، وأن يكون ~~معناه الذي قيل إنه استنبطه واستخرجه وغاص عليه. وهكذا السبيل أبدا، لا ~~يتصور أن يكون للمعنى المخبر به نسبة إلى الشعر، وأن يبلغ من أمره أن يصير ~~خاصا به، فاعرفه. ### | 633 - # ومن الدليل القاطع فيه، ما بيناه في "الكناية"، و "الاستعارة" و ~~"التمثيل" وشرحناه، من أن من شأن هذه الأجناس أن توجب الحسن والمزية، وأن ~~المعاني تتصور من أجلها بالصور المختلفة، وأن العلم بإيجابها ذلك ثابت في ~~العقول، ومركوز في غرائز النفوس1. وبينا كذلك أنه محال أن تكون المزايا ~~التي تحدث بها، حادثة في المعنى المخبر به، المثبت أو المنفي، لعلمنا ~~باستحالة أن تكون المزية التي تجدها لقولنا: "هو طويل النجاد" على قولنا ~~"طويل القامة" في الطول، والتي تجدها لقولنا: "هو كثير رماد القدر" على ~~قولنا: "هو كثير القرى PageV01P537 # والضيافة في كثرة القرى1. وإذا كان ذلك محالا، ثبت أن المزية والحسن ~~يكونان في إثبات ما يراد أن يوصف به المذكور، والإخبار به عنه. وإذا ثبت ~~ذلك، ثبت أن "الإثبات" معنى، لأن حصول المزية والحسن فيما ليس بمعنى، ~~محال2. PageV01P538 # هذا مما نقل مسودته بخطه بعد وفاته رحمه الله # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه ثقتي وعيه اعتمادي1 # "ألفاظ اللغة" لم توضع إلا لضم بعضها إلى بعض، ويضمها تكون الفائدة. وهذا ~~موضع "الخبر" و"الإسناد": ### | 634 - # آعلم أن ههنا أصلا أنت ترى الناس فيه في صورة من يعرف من جانب وينكر من ~~آخر، ms322 وهو أن الألفاظ المفردة التي هو أوضاع اللغة، لم توضح لتعرف معانيها ~~في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض، فيعرف فيما بينهما فوائد. وهذا علم ~~شريف، وأصل عظيم. # والدليل على ذلك، أن إن زعمنا أن الألفاظ، التي هي أوضاع اللغة، وإنما ~~وضعت ليعرف بها معانيها في أنفسها، لأدى ذلك إلى ما لا يشك عاقل في ~~استحالته2، وهو أن يكونوا قد وضعوا للأجناس الأسماء التي وضعوها لها ~~لتعرفها بها، حتى كأنهم لو لم يكونوا قالوا: "رجل" و "فرس" و "دار"، لما ~~كان يكون PageV01P539 # لنا علم بهذه الأجناس ولو لم يكونوا وضعوا أمثلة الأفعال لما كان لنا علم ~~بمعانيها1 حتى لو لم يكونوا قالوا: "فعل" و "يفعل"، لما كنا نعرف الخبر في ~~نفسه ومن أصله ولو لم يكونوا قد قالوا: "إفعل"، لما كنا نعرف الأمر من ~~أصله، ولا نجده في نفوسنا وحتى لو لم يكونوا قد وضعوا الحروف، لكنا نجهل ~~معانيها، فلا نعقل نفيا ولا نهيا ولا استفهاما ولا استثناء. كيف؟ والمواضعة ~~لا تكون ولا تتصور إلا على معلوم، فمحال أن يوضع اسم أو غير اسم لغير ~~معلوم، أن المواضعة كالإشارة، فكما أنك إذا قلت: "خذ ذاك"، لم تكن هذه ~~الإشارة لتعرف السامع المشار إليه في نفسه، ولكن ليعلم أنه المقصود من بين ~~سائر الأشياء التي نراها ونبصرها. كذلك حكم "اللفظ" مع ما وضع له. ومن هذا ~~الذي يشك أنا لم نعرف "الرجل~" و "الفرس" و "الضرب" و "القتل" إلا من ~~أساميها؟ 2 لو كان لذلك مساغ في العقل، لكان ينبغي إذا قيل: "زيد" أن تعرف ~~المسمى بهذا الاسم من غير أن تكون قد شاهدته أو ذكر لك بصفة. ### | 635 - # وإذا قلنا في العلم باللغات من متبدأ الأمر أنه كان إلهاما3، فإن الإلهام ~~لا يرجع إلى معاني اللغات4، ولكن إلى كون ألفاظ اللغات سمات PageV01P540 # لتلك المعاني1، وكونها مرادة بها. أفلا ترى إلى قوله تعالى: {وعلم آدم ~~الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم ~~صادقين} [البقرة: 31]، أفترى ms323 أنه قيل لهم: {أنبئوني بأسماء هؤلاء}، وهم لا ~~يعرفون المشار إليهم بهؤلاء؟ ### | 636 - # وإذ قد عرفت هذه الجملة، فاعلم أن معاني الكلام كلها معان لا تتصور إلا ~~فيما بين شيئين، والأصل والأول هو "الخبر"، وإذا أحكمت العلم بهذا المعنى ~~فيه عرفته في الجميع. ومن الثابت في العقول والقائم في النفوس، أنه لا يكون ~~خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، لأنه ينقسم إلى "إثبات" و "نفي"، و ~~"الإثبات" يقتضي مثبتا ومثبتا له، و "النفي" يقتضي منفيا ومنفيا عنه. فلو ~~حاولت أن تتصور إثبات معنى او نفيه، من غير أن يكون هناك مثبت له ومنفي ~~عنه، حاولت ما لا يصح في عقل، ولا يقع في وهم. من أجل ذلك امته أن يكون لك ~~قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء2، وكنت إذا قلت: "ضرب"، لم ~~تستطيع أن تريد منه معنى في نفسك، من غير أن تريد الخبر به عن شيء مظهر أو ~~مقدر، وكان لفظك به، إذا أنت لم ترد ذلك، وصوتا تصوته، سواء3. ### | 367 - # وإن أردت أن يستحكم معرفة ذلك في نفسك، فانظر إليك إذا قيل لك: "ما فعل ~~زيد"؟ فقلت: "خرج"، هل يتصور أن يقع في خلدك من PageV01P541 # "خرج" معنى من دون أن تنوي فيه ضمير "زيد"؟ 1 وهل تكون إن أنت زعمت أنك ~~لم تنو ذلك إلا مخرجا نفسك إلى الهذيان؟ 2 وكذلك فانظر إذا قيل لك: "كيف ~~زيد"؟، فقلت: "صالح": هل يكون لقولك: "صالح" أثر في نفسك من دون أن تريد ~~"هو صالح"3؟ أم هل يعقل السامع شيئا إن هو لم يعتقد ذلك؟ 4. # إذا ثبت ذلك5، فإنه مالا يبقى معه لعاقل شك6، أن الخبر معنى لا يتصور إلا ~~بين شيئين يكون أحدهما مثبتا، والآخر مثبتا له، أو يكون أحدهما منفييا، ~~والآخر منفيا عنه وأنه لا يتصور مثبت من غير مثبت له، ومنفي من دون منفي ~~عنه. فلما كان الأمر كذلك، أوجب ذلك أن لا يعقل إلا من مجموع جملة فعل ~~واسم7، كقولنا: "خرج زيد"، ms324 أو اسم واسم، كقولنا: "زيد منطلق". فليس في ~~الدنيا خبر يعرف من غير هذا السبيل، وبغير هذا الدليل، وهو شيء يعرفه ~~العقلاء في كل جبل وأمة، وحكم يجري عليه الأمر في كل لسان ولغة8. ~~PageV01P542 ### | 638 - # وإذا قد عرفت أنه لا يتصور الخبر إلا فيما بين شيئين: مخبر به ومخبر عنه، ~~فينبغي أن تعلم أنه يحتاج من بعد هذين إلى ثالث، وذلك أنه كما لا يتصور أن ~~يكون ههنا خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، كذلك لا يتصور حتى يكون له مخبر ~~يصدر عنه ويحصل من جهته، وتعود التبعة فيه عليه، فيكون هو الموصوف بالصدق ~~إن كان صدقا، وبالكذب إن كان كذبا. أفلا ترى أن من المعلوم ضرورة أنه لا ~~يكون إثبات ونفي، حتى يكون مثبت وناف يكون مصدرهما من جهته، ويكون هو ~~المزجي لهما، والمبرم والناقض فيهما، ويكون بهما موافقا ومخالفا، ومصيبا ~~ومخطئا، ومسيئا ومحسنا1. # "الخبر" وجميع معاني الكلام، معان ينشئها الإنسان في نفسه: ### | 639 - # وجملة الأمر أن الخبر وجميع معماني الكلام معان ينشئها الإنسان في نفسه، ~~ويصرفها في فكره2، ويناجي بها قلبه، ويارجع فيها عقله، وتوصف بأنها مقاصد ~~وأغراض. وأعظمها شأنا الخبر، فهو الذي يتصور بالصور الكثيرة، وتقع فيه ~~الصناعات العجيبة، وفيه تكون المزايا التي بها يقع التفاضل في الفصاحة على ~~ما شرحنا3. ### | 640 - # ثم إنا نظرنا في المعنى التي يصفها العقلاء بأنها معان مستنبطة، ولطائف ~~مستخرجة، ويجعلون لها اختصاصا بقائل دون قائل، كمثل قولهم في معاني أبيات ~~من الشعر4: "إنه معنى لم يسبق إليه فلان، وأنه الذي فطن له. PageV01P543 # واستخرجه، وإنه الذي غاص عليه بفكره، وإنه أبو عذره، لم تجد تلك المعاني ~~في الأمر الأعم شيئا غير الخبر الذي هو إثبات المعنى للشيء ونفيه عنه. ~~ويدلك على ذلك أنك لا تنظر إلى شيء من المعاني الغريبة التي تختص بقائل دون ~~قائل1، إلا وجدت الأصل فيه والأساس الإثبات والنفي. وإن أردت في ذلك مثالا ~~فانظر إلى بيت الفرزدق: # وما حملت أم أمرئ في ضلوعها ... أعق من الجاني عليها ms325 هجائيا # فإنك إذا نظرت لم تشك في أن الأصل والأساس هو قوله: "وما حملت أم امرئ"، ~~وأن ما جاوز ذلك من الكلمات إلى آخر البيت، مستند إليه ومبني عليه2، وأنك ~~إن رفعته لم تجد لشيء منها بيانا، ولا رأيت لذكرها معنى، بل ترى ذكرك لها ~~إن ذكرتها هذيانا. والسبب الذي من أجله كان كذلك، أن من حكم كل ما عدا جزئي ~~الجملة "الفعل والفاعل" و "المبتدأ والخبر"، أن يكون تخصيصا للمعنى المثبت ~~أو المنفي3، فقوله: "في ضلوعها"، يفيد أولا أنه لم يرد نفي الحمل على ~~الإطلاق، ولكن الحمل في الضلوع، وقوله: "أعق"، يفيد أنه لم يرد هذا الحمل ~~الذي هو حمل في الضلوع أيضا على الإطلاق، ولكن حملا في الضلوع محموله أعق ~~من الجاني عليها هجاءه. وإذا كان ذلك كله تخصيصا للحمل، لم يتصور أن يعقل ~~من دون أن يعقل نفي الحمل، لأنه لا يتصور PageV01P544 # تخصيص شيء لم يدخل في نفي ولا إثبات، ولا ما كان في سبيلهما من الأمر به، ~~والنهي عنه, والاستخبار عنه1. ### | 641 - # وإذ قد ثبت أن الخبر وسائر معاني الكلام، معان ينشئها الإنسان في نفسه، ~~ويصرفها في فكره، ويناجي بها قلبه، ويراجع فيها لبه2، فاعلم أن الفائدة في ~~العلم بها واقعة من المنشئ لها، وصادرة عن القاصد إليها. وإذا قلنا في ~~الفعل: "إنه موضوع للخبر"3 لم يكن المعنى فيه أنه موضوع لن يعلم به الخبر ~~في نفسه وجنسه، ومن أصله، وما هو؟ ولكن المعنى أنه موضوع، حتى إذا ضممته ~~إلى اسم، عقل به ومن ذلك الاسم، الخبر4، بالمعنى الذي اشتق ذلك الفعل منه ~~من مسمى ذلك الاسم5، واقعا منك أيها المتكلم، فاعرفه6. PageV01P545 ### | إدراك البلاغة بالذوق وإحساس النفس # بسم الله الرحمن الرحيم # بيان في "النظم"، ودخول الشبهة في أمره، وأن مرده إلى "الذوق" 1: ### | 642 - # أعلم أنك لن ترى عجبا أعجب من الذي عليه الناس في أمر النظم"، وذلك أنه ~~ما من أحد له أدنى معرفة إلا وهو يعلم أن ههنا نظما أحسن من نظم، ثم تراهم ~~إذا ms326 أنت أردت أن تبصرهم ذلك تسدر أعينهم2، وتضل عنهم أفهامهم. وسبب ذلك ~~أنهم أول شيء عدموا العلم به نفسه، من حيث حسبوه شيئا غير توخي معاني ~~النحو، وجعلوه يكون في الألفاظ دون المعاني. فأنت تلقى الجهد حتى تميلهم عن ~~رأيهم، لأنك تعالج مرضا مزمنا، وداء متمكنا. ثم إذا أنت قدتهم بالخزائم إلى ~~الاعتراف بأن لا معنى له غير توخي معاني النحو3، عرض لهم من بعد خاطر ~~يدهشهم، حتى يكادوا يعودون إلى رأس أمرهم. وذلك أنهم يروننا ندعي المزية ~~والحسن لنظم كلام من غير أن يكون فيه من معاني النحو شيء يتصور أن يتفاضل ~~الناس في العلم به، ويروننا لا نستطيع أن نضع اليد من معاني النحو ووجوه ~~على شيء تزعم أن من شأن هذا أن يوجب المزية لكل كلام يكون فيه، بل يروننا ~~ندعي المزية لكل ما ندعيها له من معاني النحو ووجوه وفروقه في موضع دون ~~موضع، وفي كلام دون كلام، وفي الأقل دون الأكثر، وفي الواحد من الألف. فإذا ~~رأوا الأمر كذلك، دخلتهم الشبهة وقالوا: كيف يصير المعروف مجهولا؟ ومن أين ~~يتصور أن يكون للشيء في كلام مزية عليه في كلام آخر، بعد أن تكون حقيقته ~~فيهما حقيقة واحدة. PageV01P546 # فإذا رأوا التنكير يكون فيما لا يصحى من المواضع ثم لا يقتضي فضلا، ولا ~~يوجب مزية، اتهمونا في دعوانا ما ادعيناه لتنكير الحياة في قوله تعالى: ~~{ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179]، من أن له حسنا ومزية، وأن فيه بلاغة ~~عجيبة، وظنوه وهما منا وتخيلا. # ولسنا نستطيع في كشف الشبهة في هذا عنهم، وتصوير الذي هو الحق عندهم، ما ~~استطعناه في نفس النظم، لأنا ملكنا في ذلك أن نضطرهم إلى أن يعلموا صحة ما ~~نقول. وليس الأمر في هذا كذلك، فليس الداء فيه بالهين، ولا هو بحيث إذا رمت ~~العلاج منه وجدت الإمكان فيه مع كل أحد مسعفا، والسعي منجحا، لأن المزايا ~~التي تحتاج أن تعلمهم مكانها وتصور لهم شأنها، أمور خفيفة، ومعان روحاية، ~~أنت لا تستطيع أن تنبه السامع ms327 لها، وتحدث له علما بها، حتى يكون مهيئا ~~لإدراكها، وتكون فيه طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريجة يجد لهما في ~~نفسه إحساسا بأن من شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيه المزية على الجملة ~~ومن إذا تصفح الكلام وتدبر الشعر، فرق بين موقع شيء منها وشيء، ومن إذا ~~أنشدته قوله: # لي منك ما للناس كلهم ... نظر وتسليم على الطرق1 PageV01P547 # وقول البحتري: # وسأستقل لك الدموع صبابة ... ولو أن دجلة لي عليك دموع1 # وقوله: # رأت فلتات الشيب فابتسمت لها ... وقالت نجوم لو طلعن بأسعد2 # وقول أبي نواس: # ركب تساقوا على الأكوار بينهم ... كأس الكرى، فانتشى المسقي والساقي # كأن أعناقهم، والنوم واضعها ... على المناكب لم تعمد بأعناق3 # وقوله: # يا صاحبي عصيت مصطبحا ... وغدوت للذات مطروحا # فتزودوا مني محادثة ... حذر العصا لم يبق لي مرحا4 # وقول إسمعيل بن يسار: # حتى إذا الصبح بدا ضوءه ... وغبت الجوزاء والمرزم # خرجت والوطء خفي كما ... ينساب من مكمنه الأرقم5 PageV01P548 # أنق لها، وأخذته الأربحية عندها، وعرف لطف موقع "الحذف" و "التنكير" في ~~قوله: # نظر وتسليم على الطرق # وما في قول البحتري: "لي عليك دموع" من شبه السحر، وأن ذلك من أجل تقديم ~~"لي" على "عليك"، ثم تنكير "الدموع" وعرف كذلك شرف قوله: # وقالت نجوم لو طلعن بأسعد # وغلو طبقته، ودقة صنعته. ### | 643 - # والبلاء1، والداء العياء، إن هذا الإحساس قليل في الناس، حتى إنه ليكون ~~أن يقع للرجل الشيء من هذه الفروق والوجوه في شعر يقوله: أو رسالة يكتبها، ~~الموقع الحسن. ثم لا يعلم أنه قد أحسن. فأما الجهل بمكان الإساءة فلا ~~تعدمه، فلست تملك إذا من أمرك شيئا حتى تظفر بمن له طبع إذا قدحته ورى، ~~وقلب إذا أريته رأى، فأما وصاحبك من لا يرى ما تريه، ولا يهتدي للذي تهديه، ~~فأنت رام في غير مرمى، ومعن نفسك في غير جدوى، وكما لا تقيم الشعر في نفس ~~من لا ذوق له، كذلك لا تفهم هذا الشأن من لم يؤت الآلة التي بها يفهم، إلا ~~أنه إنما يكون البلاء ms328 إذا ظن العادم لها أنه أوتيها، وأنه ممن يكمل للحكم، ~~ويصح منه القضاء، فجعل يقول القول لو علم غبه لاستحى منه. فاما الذي يحسن ~~بالنقص من نفسه، ويعلم أنه قد عدم علما قد أوتيته من سواه، فأنت منه في ~~راحة، وهو رجل عاقل قد حماه عقله أن يعدو طوره، وأن يتكلف ما ليس بأهل له. ~~PageV01P549 # وإذا كانت العلوم التي لها أصول معروفة، وقوانين مضبوطة قد اشترك الناس ~~في العلم بها، واتفقوا على أن البناء عليها، إذا أخطأ فيها المخطئ ثم أعجب ~~برأيه، لم تستطع رده عن هواه، وصرفه عن الرأي الذي رآه، إلا بعد الجهد، ~~وإلا بعد أن يكون حصيفا عاقلا ثبتا إذا نبه انتبه، وإذا قيل: إن عليك بقية ~~من النظر، وقف وأصغى، وخشي أن يكون قد غر، فاحتاط باستماع ما يقال له، وأنف ~~من أن يلج من غير بينة، ويستطيل بغير حجة، وكان من هذا وصفه يعز ويقل1 فكيف ~~بأن ترد الناس عن رأيهم في هذا الشأن، وأصلك الذي تردهم إليه، وتعقول في ~~محاجتهم عليه، استشهاد القرائح، وسبر النفوس وقلبها، وما يعرض فيها من ~~الأريحية عندما تمسع، وكان ذلك الذي يفتح لك سمعهم، ويكشف الغطاء عن ~~أعينهم، ويصرف إليك أوجههم، وهم لا يضعون أنفسهم موضع من يرى الرأي ويفتي ~~ويقضي، إلا وعندهم أنهم ممن صفت قريحته، وصح ذوقه، وتمت أداته. فإذا قلت ~~لهم: "إنكم قد أتيتم من أنفسكم"، ردوا عليك مثله وقالوا: "لا، بل قرائحنا ~~أصح، ونظرنا أصدق، وحسنا أذكى، وإنما الآفة فيكم لأنكم خيلتم إلى أنفسكم ~~أمورا لا حاصل لها، وأوهمكم الهوى والميل أن توجبوا لأحد النظمين ~~المتساويين فضلا على الآخر، من غير أن يكون ذلك الفضل معقولا" فتبقى في ~~أيدهم حسيرا لا تملك غير التعجب. فليس الكلام إذن بمعن عنك، ولا القول ~~بنافع، ولا الحجة مسموعة، حتى تجد من فيه عون لك على نفسه، ومن إذا أبى ~~عليك، أبى ذاك طبعه فرده إليك، وفتح سمعه لك، ورفع الحجاب بينك PageV01P550 # وبينه، وأخذ به إلى حيث أنت، وصرف ms329 ناظره إلى الجهة التي إليها أومأت، ~~فاستبدل بالنفار أنسا، وأراك من بعد الإباء قبولا. ### | 644 - # ولم يكن الأمر على هذه الجملة إلا لأنه ليس في أصناف العلوم الخفية، ~~والأمور الغامضة الدقيقة، أعجب طريقا في الخفاء من هذا. وإنك لتتعب في ~~الشيء نفسك، وتكد فيه فكرك، وتجهد فيه كل جهدك، حتى إذا قلت قد قتلته علما، ~~وأحكمته فهما، كنت بالذيلا يزال يتراءى لك فيه من شبهة، ويعرض فيه من شك1، ~~كما قال أبو نواس: # ألا لا أرى مثل امترائي في رسم ... تغص به عيني ويلظفه وهمي # أنت صور الأشياء بيني وبينه ... فظني كلا ظن، وعلمي كلا علم2 ### | 645 - # وإنك لتنظر في البيت دهرا طويلا وتفسره، ولا ترى أنه فيه شيئا لم تعلمه، ~~ثم يبدو لك فيه أمر خفي لم تكن قد علمته، مثال ذلك بيت المتنبي: # خطأ خفي في "النظم": # عجبا له! حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها3 # مضى الدهر الطويل ونحن نقرؤه فلا ننكر منه شيئا، ولا يقع لنا أن فيه خطأ، ~~ثم بان بأخرة أنه قد أخطأ. وذلك أنه كان ينبغي أن يقول: "ما حفظ الأشياء من ~~عادتها"، فيضيف المصدر إلى المفعول، فلا يذكر الفاعل، ذاك لأن المعنى على ~~PageV01P551 # أنه ينفي الحفظ عن أنامله جملة، وأنه يزعم أنه لا يكون منها أصلا، ~~وإضافته الحفظ إلى ضميرها في قوله: "ما حفظها الأشياء"، يقتضي أن يكون قد ~~أثبت لها حفظا1. ونظير هذا أنك تقول: "ليس الخروج في مثل هذا الوقت من ~~عادي"، ولا تقول: "ليس خروجي في مثل هذا الوقت من عادتي"، وكذلك تقول: "ليس ~~ذم الناس من شأني"، ولا تقول: "ليس ذمي الناس من شأني"، لأن ذلك يوجب إثبات ~~الذم ووجوده منك. ولا يصح قياس المصدر في هذا على الفعل، أعني أنه لا ينبغي ~~أن يظن أنه كما يجوز أن يقال: "ما من عادتها أن تحفظ الأشياء"، كذلك ينبغي ~~أن يجوز: "ما من عادتها حفظها الأشياء"، ذاك أن إضافة المضدر إلى الفاعل ~~يقتضي وجوده، وأنه قد كان منه، ms330 يبين ذلك أنك تقول: "أمرت زيدا بأن يخرج ~~غدا"، ولا تقول: "أمرته بخروجه غدا". ### | 646 - # ومما فيه خطأ هو في غاية الخفاء قوله: # ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الخريج إلى الغربان والرخم2 # وذلك أنك إذا قلت: "لا تضجر ضجر زيد"، كانت قد جعلت زيدا يضجر ضربا من ~~الضجر، مثل أن تجعله يفرط فيه أو يسرع إليه. هذا هو موجب العرف. ثم إن لم ~~تعتبر خصوصا وصف، فلا أقل من أن تجعل الضجر على الجملة من عادته، وأن تجعله ~~قد كان منه. وإذا كان كذلك، اقتضى قوله: PageV01P552 # شكوى الجريح إلى الغربان والرخم # أن يكون ههنا "جريح"، قد عرف من حاله أنه يكون له "شكوى إلى الغربان ~~والرخم"، وذاك محال. وإنما العبارة الصحيحة في هذا أن يقال: "لا تشك إلى ~~خلق، فإنك إن فعلت كان مثل ذلك مثل أن تصور في وهمك أن بعيرا دبرا كشف عن ~~جرحه1، ثم شكاه إلى الغربان والرخم". # خطأ آخر في اتباع تأويل لبعض العلماء: ### | 647 - # ومن ذلك ترى من العلماء من قد تأول في الشيء تأويلا وقضى فيه بأمر، ~~فتعتقده اتباعا له، ولا ترتاب أنه على ما قضى وتأول، وتبقى على ذلك ~~الاعتقاد الزمان الطويل، ثم يلوح لك ما تعلم به أن الأمر على خلاف ما قدر. ~~ومثال ذلك أن أبا القاسم الآمدي، ذكر بيت البحتري: # فصاغ ما صاغ من تبر ومن ورق ... وحاك ما حاك من وشي وديباج2 # ثم قال: "صوغ الغيث وحوكه للنبات ليس باستعارة، بل هو حقيقة، ولذلك لا ~~يقال: "هو صائغ" ولا "كأنه صائغ" وكذلك لا يقال: "هو حائك" و "كأنه حائك"، ~~قال: "على أن لفظ "حائك" في غاية الركاكة إذا أخرج على ما أخرجه أبو تمام ~~في قوله: # إذا الغيث غادى نسجه خلت أنه ... خلت حقب حرس له وهو حائك3 # قال: وهذا قبيح جدا"4. PageV01P553 # فقلت: لم ترك الأستاذ هذا البيت؟ فقال: لعل القلم تجاوزه؟ قال: "ثم رآني ~~من بعد فاعتذر بعذر كان شرا من تركه. قال: إنما تركته لأنه أعاد ms331 السيف أربع ~~مرات. قال الصاحب: لو لم يعده أربع مرات فقال:"بجهل كجهل السيف وهو منتضى، ~~حلم كحلم السيف وهو مغمد"، لفسد البيت". # والأمر كما قال الصاحب، والسبب في ذلك أنك إذا حدثت عن اسم مضاف، ثم أردت ~~أن تذكر المضاف إليه، فإن البلاغة تقتضي أن تذكره باسمه الظاهر ولا تضمره. ### | 649 - # تفسير هذا أن الذي هو الحسن الجميل أن تقول: "جاءني غلام زيد وزيد"، ~~ويقبح أن تقول: "جاءني غلام زيد وهو"، ومن الشاهد في ذلك قول دعيل: # أضياف عمران في خصب وفي سعة ... وفي حباء وخير غير ممنوع # وضيف عمرو وعمرو يسهران معا ... عمرو لبطنته والضيف للجوع1 # وقول لآخر: # وإن طرة راقتك فانظر فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر2 PageV01P555 # وقول المنتبى: # بمن نضرب الأمثال أم من نفيسه ... إليك وأهل الدهر دونك والدهر1 # ليس بخفي على من له ذوق أنه لو أتى موضع الظاهر في ذلك كله بالضمير فقيل: ~~"وضيف عمرو وهو يسهران معا"، و "ربما أمر مذاق العود وهو أخضر"، و "أهل ~~الدهر دونك وهو"، لعدم حسن ومزية لا خفاء بأمرهما، ليس لأن الشعر ينكسر، ~~ولكن تنكره النفس. ### | 650 - # وقد يرى في بادئ الرأي أن ذلك من أجل اللبس، وأنك إذا قلت: "جاءني غلام ~~زيد وهو"، كان الذي يقع في نفس السامع أن الضمير للغلام، وأنك على أن تجيء ~~له بخبر، إلا أنه لا يستمر، من حيث إنا نقول: "جاءني غلمان زيد وهو"، فتجد ~~الاستنكار ونبو النفس، مع أن لا لبس مثل الذي وجدناه. وإذا كان كذلك، وجب ~~أن يكون السبب غير ذلك. ### | 651 - # والذي يوجبه التأمل أن يرد إلى الأصل الذي ذكره الجاحظ: من أن سائلا سأل ~~عن قول قيس بن خارجة: "عندي قرى كل نازل، ورضى كل ساخط، وخطبة من لدن تطلع ~~الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل، وأنهى فيها عن التقاطع"، فقال: أليس ~~الأمر بالصلة هو النهي عن التقاطع؟ قال فقال أبو يعقوب: أما علمت أن ~~الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف"، 2 ms332 وذكرت هناك ~~أن هذا الذي ذكر، من أن للتصريح عملا لا يكون PageV01P556 # مثل ذلك العمل للكناية، كان لإعادة اللفظ في قوله تعالى: {وبالحق أنزلناه ~~وبالحق نزل} [الإسراء: 105]، وقوله: {قل هو الله أحد، الله الصمد} ~~[الإخلاص: 1، 2]، عمل لولاها لم يكن. وإذا كان هذا ثابتا معلوما، فهو حكم ~~مسألتنا. ### | 652 - # ومن البين الجلي في هذا المعنى، وهو كبيت ابن الرومي سواء، لأنه تشبيه ~~مثله بيت الحماسة: # شددنا شدة الليث ... غدا والليث غضبان1 # ومن الباب قول النابغة: # نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما2 # لا يخفى على من له ذوق حسن هذا الإظهار، وأن له موقعا في النفس، وباعثا ~~للأربحية، لا يكون إذا قيل: "نفس عصام سودته"، شيء منه البتة. # "تم الكتاب" # "في أواسط شهر ربيع الول سنة ثمان وستين وخمسئة. غفر الله لكاتبه ~~ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات برحمته إنه أرحم الراحمين وخير ~~الغافرين". PageV01P557 ### | فصول ملحقة بالكتاب # مسئلة يرجع فيها الكلام إلى "الإثبات": ### | 653 - # العلم بالإثبات والنفي وسائر معاني الكلام في غرائز النفوس، ولم توضع ~~أمثلة الأفعال لتعلم المعاني في أنفسها، بل لتعلم، واقعة من المتكلم توضع ~~أمثلة الأفعال لتعلم هذه المعاني في أنفسها، بل لتعلم، واقعة من المتكلم ~~وكائنة في نفسه1. فواضع اللغة لما [قال]: "ضرب"، كأنه قال إنه موضوع ~~[للضرب] 2، حتى إذا أردت إثبات "الضرب" لشيء، ضممته إلى اسم ذلك الشيء فعلم ~~بذلك [أن] إثبات الضرب له واقعا منك وكائنا في نفسك، محصول قولنا في "ضرب"، ~~إنه خبر، وانه موضوع ليعرف به. وإذا ضم إلى اسم إثبات "الضرب" لمسمى ذلك ~~الاسم، فهو. موضوع ليدل على وضوع إثبات منك ووجوده في نفسك، وليس في أن ~~"الإثبات" لا يقع إلا متعلقا بشيئين، ما يمنع أن يكون "الإثبات" معنى ~~مستقلا بنفسه معلوما ومثله أنه لا يصح وجود صفة من غير موصوف، ثم لا يمنع ~~ذلك أن تكون "الصفة" في نفسها معلومة. # تفسير ذلك: أنه لا يصح وجود سواد وحركة في غير محل، ثم لم يمنع ذلك أن ~~يكونا معلومين في أنفسهما. # وجملة الأمر أن ms333 حاجة الشيء في وجوده إلى شيء آخر، لا يمنع أن يكون شيئا ~~مستقلا بنفسه معلوما، وليس ههنا شيء أكثر من أن هذا يقتضي ذاك، PageV01P561 # و "الاقتضاء" وصف في المقتضى لا في المقتضى، فاقتضاء "العلم" معلوما، وصف ~~في "العلم" وكائن في حقيقته، وليس بوصف في المعلوم. وإذا كان كذلك، كان ~~محالا أن يظن أنه لا يصح أن يكون "العلم" في نفسه وعلى الانفراد معلوما. # فإن قيل: لو جاز أن يكون "العلم" على الانفراد معلوما، جاز أن يكون على ~~الانفراد موجودا. # قيل: إنا [لا] نعني بقولنا: "إنه يصح أن يكون "العلم" على الانفراد ~~معلوما، "العلم" مطلقا من غير نص على معلوم. ووجود "العلم" مطلقا مبهما ومن ~~غير معلوم منصوص عليه، محال. # PageV01P562 # فصل: ### | 654 - # يصح توهم وجود "السواد" في محل هو في حال التوهم أبيض وتكون حقيقة هذا ~~أنه يتوهم في هذا المحل الأبيض، وجود مثل اللون الذي يراه في المحل الأسود، ~~ولو فرضنا أن لا يكون رأى محلا أسود قط، لم يتصور منه هذا التوهم. وإذا ثبت ~~هذا، فإنه ما من فاعل إلا وهو يجد في نفسه إثبات معنى لشيء، فنحن إذا قلنا ~~في "ضرب" أنه موضع لإثبات المعنى لشيء، كنا أشرنا له إلى هذا المعنى الذي ~~عرفه في نفسه، كما أنا إذا قلنا إن لفظ "رجل" موضوع للآدمي الذكر، كنا ~~أشرنا له إلى ما عرفه بعينه، إلا أن الشأن أنا نشير له في الاسم إلى شيء قد ~~عرفه موجودا. فيجب أن ينظر إذا قلنا: "إن الفعل موضوع لإثبات المعنى ~~للشيء"، أنكون أشرنا إلى معنى قد علمه موجودا، أم إلى شيء يعلم صحة وجوده1. ~~PageV01P563 # فصل: ### | 655 - # إن كان أبو الفتح بن جني قال: ما قال في قول المتنبي: # وفيها قيت يوم للقراد1 # حتى تكون فضيلة يكون بيت المتنبي بها أشعر من بيت الحطيئة2، فمحال أن ~~يكون البيت بزيادة تقع في مجرد الإغراق من دون صنعة تكون في تلك الزيادة3 ~~أشعر من البيت ذي الصنعة، ولا سيما مثل صنعة الخطيئة، التي لا يبلغ ms334 المتأمل ~~لها غاية في الاستحسان، إلا رأى أن يزيد. ومن سلك في الموازنة. PageV01P564 # بين الشعرين هذا المسلك، أداه ذلك إلى ما سخف من الرأى، وهو أن يجعل ~~المتنبي في قوله: # وصدرك في الدنيا ولو دخلت بنا ... وبالجن فيه، ما درت كيف ترجع1 # أشعر من البحترى في قوله: # مفازة صدر لو تطرق لم يكن ... ليسلكها فردا سليك المقانب2 PageV01P565 # فصل: ### | 565 - # إذا قلت: "هذا ينحت من صخر، وذاك يعرف من بحر"، لم تكن شبهت قيل الشعر ~~بالنحت والغرف، لكن تكون قد شبهت هذا في صعوبة قول الشعر عليه، وفي آحتياجه ~~إلى أن يكد نفسه بمن ينحت من الصخر وشبهت الآخر في سهولة قوله عليه، وفي ~~أنه يناله عفوا، بمن يعرف من بحر. # يبين ذلك: أن ليس الشبه بوصف يرجع إلى "النحت" و "الغرف" على ذاك. وإذا ~~كان كذلك، كان المعنى على تشبيه الذي يحتاج إلى أن يكد النفس بالذي ينحت ~~الصخر، والذي يسهل عليه ويأتيه عفوا بالذي يعرف من بحر، لا على تشبيه قول ~~الشعر في نفسه من حيث هو قول شعر وتأليف كلام وإقامة وزن وقافية، بالنحت ~~والغرف، هذا محال. # ثم إن المزية التي تجدها لترك التصريح بالتشبيه، وأنك لم تقل: "هو كمن ~~ينحت من صخر"، ليست لأنك لما قلت: "هو ينحت من صخر" جعلته أشبه بالناحت من ~~الصخر، ولكن بأنك جعلت شبه الناحت من الصخر له أثبت، فاعرفه. # PageV01P566 # "مسئلة": ### | 657 - # قال النمرى في قوله في الحماسة1: # لنا إبل لم تهن ربها ... كرامتها والفتى ذاهب # "يقول: لم يكرمها فتهينه كرامتها، قال: وهذا كقولك: "لم تبدلني صيانة ~~مالي"، أي لم أصنه فأبتدل، لا أنه أكرمها فلم يهنه ذاك. قال ومثله قول ~~النابغة: # مثل الزجاجة، لم تكحل من الرمد2 # أي: لم ترمد فتكحل منه3. # قال الشيخ الإمام: الأولى أن يكون المعنى: لم تمنعنا كرامتها أن تنحرها ~~للأضياف ونسخو بها. ونظر هو إلى ما جرت به العادة من أن يقال في وصف ~~الجواد: إنه لا خطر للمال عنده. وذلك وإن كان معروفا من كلام ms335 الناس، فإنهم ~~يقولونه على معنى أنه كأنه من حيث الحمد والذكر والذكر الجميل، لا يكون ~~النفيس من المال عنده نفيسا، وأنه يبذله بذل الشيء الذي لا يكون له قيمة. ~~وإنهم ليخرجون PageV01P567 # لطلب المبالغة في ذلك إلى أن يزعموا أنه يبغض المال ويريد هلاكه، وأنه ~~يطلبه بترة، وأنه حنق عليه كما قال: # حنقعلى بدرا للجين1 # وكل ذلك على تقدير "كأن". وإلا فلو كان الأمر على الظاهر، لكان ذلك يخرج ~~به إلى أن لا يستحق على بذله الحمد، ولكان يكون ذلك للجهالة بنفاسة النفيس. ~~ومن كان إعطاؤه المال على هذا السبيل، كان مؤوفا. ولهذا قال الفضل بن يحيى: ~~"أيظن الناس أنا لا نجد بأموالنا ما يجد البخلاء؟ ". ولو كان لا يكون ~~النفيس من المال نفيسا عند جواد، لكان قولهم: "إنه يشتري الحمد بالغلاء"، ~~محالا، لأنه لا يكون المشترى الشيء غاليا حتى يبذل فيه من المال ما يكون له ~~خطر عظيم عنده. هذا ويجوز أن يكون المعنى في قوله: "كرامتها"، نفاستها في ~~أنفسها، وأن لا تقدر فيه التعدية، وأن يقال: "كرامتها علينا أو عليه، أي ~~على ربها" كما يقولون: يهينون كرائم أموالهم لأضيافهم، ولا تهينهم بأن ~~تدعوهم إلى الضن بها، فتورثهم الهون والسقوط في أقدارهم، فاعرفه. # هذا آخر ما وجد على سواد الشيخ من هذا الكتاب. # كتب في شعبان المبارك سنة ثنتين وسبعين وخمسمئة PageV01P568 # "مسئلة": ### | 658 - # إذا قلنا في الفعل: "إنه يدل على الزمان"، لم يكن المعنى أنه يدل على ~~الزمان في نفسه، ولكن أنه يدل على كون الزمان الماضي زمانا للمعنى الذي ~~أخبرت به عن "زيد". وإذا كان ذلك كذلك في الحقيقي من الأفعال، فهو كذلك في ~~"كان". فإذا قلنا: إنه عبارة عن الزمان فقط، كان الغرض فيه أنا نستفيد من ~~"كان" أن زمان وقوع الانطلاق من "زيد" هو الزمان الماضي، فاعرفه. # PageV01P569 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | الرسالة الشافية في وجوه الإعجاز # قال الشيخ عبد القاهر بن عبد الرحمن رضي الله عنه: الحمد لله رب العالمين ~~حمد الشاكرين، وصلواته على النبي محمد وآله ms336 أجمعين. ### | 1 - # آعلم أن لكل نوع من المعنى نوعا من اللفظ هو به أخص وأولى، وضروبا من ~~العبارة هو بتأديته أقوم، وهو فيه أجلى، ومأخذا إذا أخذ منه كان إلى الفهم ~~أقرب، وبالقبول أخلق، وكان السمع له أوعى، والنفس إليه أميل. وإذا كان ~~الشيء متعلقا بغيره، ومقيسا على ما سواه، كان من خير ما يستعان به على ~~تقريبه من الأفهام، وتقريره في النفوس، أن يوضع له مثال يكشف عن جهة ويؤنس ~~به، ويكون زماما عليه يمسكه على المتفهم له والطالب علمه. ### | 2 - # وهذه جمل من القول في بيان عجز العرب حين تحدوا إلى معارضة القرآن، ~~وإذعانهم وعلمهم أن الذي سمعوه فائت للقوى البشرية، ومتجاوز للذي يتسع له ~~ذرع المخلوقين وفيما يتصل بذلك مما له اختصاص بعلم أحوال الشعراء والبلغاء ~~ومراتبهم، وبعلم الأدب جملة قد تحريت فيه االإيضاح والتبيين، وحذوت الكلام ~~حذوا هو بعرف علماء العربية أشبه، وفي طريقهم أذهب، وإلى الأفهام جملة ~~أقرب. وأسأل الله التوفيق للصواب والعون عليه، والإرشاد إلى كل ما يزلف ~~لديه، إنه على ما يشاء قدير. ### | 3 - # معلوم أن سبيل الكلام سبيل ما يدخله التفاضل، وأن للتفاضل فيه غايات ينأى ~~بعضها عن بعض، ومنازل يعلو بعضها بعضا، وأن علم ذلك علم يخص أهله، وأن ~~الأصل والقدوة فيه العرب، ومن عداهم نبع لهم، وقاصر فيه عنهم، # PageV01P575 # وأنه لا يجوز أن يدعي للمتأخرين من الخطباء والبلغاء عن زمان النبي صلى ~~الله عليه وسلم الذي نزل فيه الوحي، وكان فيه التحدي1، أنهم زادوا على ~~أولئك الأولين، أو كملوا في علم البلاغة أو تعاطبها لما لم يكملوا له. كيف؟ ~~ونحن نراهم يحملون عنهم أنفسهم2، ويبرأون من دعوى المداناة معهم، فضلا عن ~~الزيادة عليهم. # هذا خالد بن صفوان يقول: "كيف نجاريهم وإنما نحكيهم؟ أم كيف نسابقهم، ~~وإنما نجرى على ما سبق إليينا من أعرافهم؟ ". # ونرى الجاحظ يدعي للعرب الفضل على الأمم كلها في الخطابة والبلاغة، ~~ويناظر في ذلك الشعوبية، ويجهلهم ويسفه أحلامهم في إنكارهم ذلك، ويقضي ~~عليهم بالشفوة وبالتهالك في العصبية، ms337 ويبطل ويطنب، مث يقول: # "ونحن أبقاك الله إذا ادعينا للعرب الفضل على الأمم كلها في أصناف ~~البلاغة، من القصيد والأرجاز، ومن المنثور والأسجاع، ومن المزدوج وما لا ~~يزدوج، فمعنا على أن ذلك لهم3 شاهد صادق، من الديباجة الكريمة، والرونق ~~العجيب، والسبك والنحت الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ولا أرفعهم في ~~البيان أن يقول مثل ذلك، إلا في اليسير والشيء القليل". انتهى كلامه4. ~~PageV01P576 # والأمر في ذلك أظهر من أن يخفى، أو أن ينكره إلا جاهل أو معاند. ### | 4 - # وإذا ثبت أنهم الأصل والقدوة، فإن علمهم العلم. فبنا أن ننظر في دلائل ~~أحوالهم وأقوالهم حين تلى عليهم القرآن وتحدوا إليه، وملئت مسامعهم من ~~المطالبة بأن يأتوا بمثله، ومن التقريع بالعجز عنه، وبت الحكم بأنهم لا ~~يستطيعونه ولا يقدرون عليه. # وإذا نظرنا وجدناها تفصح بأنهم لم يشكوا في عجزهم عن معارضته والإتيان ~~بمثله، ولم تحدثهم أنفسهم بأن لهم إلى ذلك سبيلا على وجه من الوجوه. ### | 5 - 1 # أما "الأحوال" فدلت من حيث كان المتعارف من عادات الناس التي لا تختلف، ~~وطبائعهم التي لا تتبدل، أن لا يسلموا لخصومهم الفضيلة وهم يجدون سبيلا إلى ~~دفعها، ولا ينتحلون العجز وهم يستطيعون قهرهم والظهور عليهم. كيف؟ وإن ~~الشاعر أو الخطيب أو الكاتب يبلغه أن بأقصى الإقليم الذي هو فيه من يبأى ~~بنفسه2، ويدل بشعر يقوله، أو خطبة يقوم بها، أو رسالة يعملها، فيدخله من ~~الأنفة والحمية ما يدعوه إلى معارضته، وإلى أن يظهر ما عنده من الفضل، ~~ويبذل ما لديه من المنة، حتى إنه ليتوصل إلى أن يكتب إليه، وأن يعرض كلامه ~~عليه3، بعض العلل وبنوع من التمحل. هذا، وهو لم ير PageV01P577 # ذلك الإنسان قط، ولم يكن منه إليه ما يهز ويحرك ويهيج على تلك المعارضة، ~~ويدعو إلى ذلك التعرض. # وإن كان المدعي ذلك بمرأى منه ومسمع، كان ذلك أدعى له إلى مباراته، وإلى ~~إظهار ما عنده، وإلى أن يعرف الناس أنه لا يقصر عنه، أو أنه منه أفضل. # فإن انضاف إلى ذلك أن يدعوه ms338 الرجل إلى مماتنته، ويحركه لمقاولته1، فذلك ~~الذي يسهر ليله ويسلبه القرار، حتى يستفرغ مجهوده في جوابه، ويبلغ أقصى ~~الحد في مناقضته. # وقد عرفت قصة جرير والفرزدق، وكل شاعرين جمعهما عصر، ثم عرض بينهما ما ~~يهيج على المقاولة، ويدعو إلى المفاخرة والمنافرة، كيف جعل كل واحد منهما ~~في مغالبة الآخر، وكيف جعل ذلك همه ووكده2، وقصر عليه دهره؟ هذا، وليس به، ~~ولا يخشى، إلا أن يقضي لصاحبه بأنه أشعر منه، وأن خاطره أحد، وقوافيه أشرد، ~~لا ينازعه ملكا، ولا يفتات عليه بغلبته له حقا، ولا يلزمه به إتاوة، ولا ~~يضرب عليه ضريبة؟ ### | 6 - # وإذا كان هذا واجبا بين نفسين لا يروم أحدهما من مباهاة صاحبه إلا ما ~~يجري على الألسن من ذكره بالفضل فقط، فكيف يجوز أن يظهر في صميم العرب، وفي ~~مثل قريش ذوى الأنفس الأبية والهمم العلية، والأنفة والحمية من يدعي ~~النبوة، ويخبر أنه مبعوث من الله تعالى إلى الخلق كافة، وأنه بشير بالجنة ~~PageV01P578 # ونذير بالنار، وأنه قد نسخ به كل شريعة تقدمته، ودين دان به الناس شرقا ~~وغربا، وأنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، إلى سائر ما صدع به صلى الله ~~عليه وسلم1، ثم يقول: "وحجتي أن الله تعالى قد أنزل على كتابا عربيا مبينا، ~~تعرفون ألفاظه، وتفهومون معانيه، إلا أنكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله، ~~ولا بعشر سور منه، ولا بسورة واحدة، ولو جهدتم جهدكم، واجتمع معكم الجن ~~والإنس" ثم لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضه، ويبينوا سرفه في دعواه، مع ~~إمكان ذلك، ومع أنهم لم يسمعوا إلا ما عندهم مثله أو قريب منه؟ # هذا، وقد بلغ بهم الغيظ من مقالته، ومن الذي ادعاه، حدا تركوا معه ~~أحلامهم الراجحة، وخرجوا له عن طاعة عقولهم الفاضلة، حتى واجهوه بكل قبيح، ~~ولقوه بكل أذى ومكروه، ووقفوا له بكل طريق، وكادوه وكل من تبعه بضروب ~~المكايدة، وأرادوهم بأنواع الشر. # وهو سمع قط بذي عقل ومسكة استطاع أن يخرس خصما له قد اشتط في دعواه بكلمة ~~يجيبه بها، فترك ms339 ذلك إلى أمور يسفه فيها، وينسب معها إلى ضيق الذرع والعجز، ~~وإلى أنه مغلوب قد أعوزته الحيلة، وعسر عليه المخلص؟ 2 # أم هل عرف في مجرى العادات، وفي دعواعي النفوس ومبنى الطبائع، أن يدع ~~الرجل ذو اللب حجته على خصمه، فلا يذكرها، ولا يفصح بها، ولا يجلى عن ~~وجهها، ولا يريه الغلط فيما قال، والكذب فيما أدعى، لا، ولا يدعي أن ذلك ~~PageV01P579 # عنده1، وأنه مستطيع له، بل يجعل أول جوابه له ومعارضته إياه، التسرع إليه ~~والسفه عليه، وادام على قطع رحمه، وعلى الإفراط في أذاه؟ # أم هل يجوز أن يخرج خارج من الناس على قوم لهم رياسة، ولهم دين ونحلة، ~~فيولب عليهم الناس، ويدبر في إخراجهم من ديارهم وأموالهم، وفي قتل صناديدهم ~~وكبارهم، وسبى ذرايهم وأولادهم، وعمدته التي يجد بها السبيل إلى تالف من ~~يتألفه2، ودعاء من يدعوه، دعوى له، إذا هي أبطلت بطل أمره كله، وانتقض عليه ~~تدبيره ثم لا يعرض له في تلك الدعوى، ولا يشتغل بإبطالها، مع إمكان ذلك، ~~ومع أنه ليس بمتعذر ولا ممتنع؟ # وهل مثل هذا إلا مثل رجل عرض له خصم من حيث لم يحتسبه، فادعى عليه دعوى ~~إن هي سمعت كان منها على خطر في ماله ونفسه، فأحضر بينة على دعواه تلك، ~~وعند هذا المدعي عليه ما يبطل تلك البينة أو يعارضها، وما يحول على الجملة ~~بينه وبين تنفيذ دعواه، فيدع إظهار ذلك والاحتجاج به، ويضرب عنه جملة، ~~ويدعه وما يريد من إحكام أمره وإتمامه، ثم يصير الحال بينهما إلى المحاربة، ~~وإلى الإخطار بالمهج والنفوس، فيطاوله الحرب، ويقتل فيها أولاده وأعزته، ~~وتنهج عشيرته، وتعنم أمواله، ولا يقع له في أثناء تلك الحال أن يرجع إلى ~~القاضي الذي قضى لخصمه بديا3، ولا إلى القوم الذين سمعوا منه وتصوروه بصورة ~~المحق فيقول: "لقد كانت عندي حين أدعي ما أدعي بينه على فساد دعوه وعلى كذب ~~شهوده، قد تركتها تهاونا بأمره، أو أنسيتها، أو منع مانع دون PageV01P580 # عرضها، وها هي هذه قد جئتكم بها، فانظروا فيها ms340 لتعلموا أنكم قد غررتم؟ ". # ومعلوم بالضرورة أن هذا الرجل لو كان من المجانين، لما صح أن يفعل ذلك، ~~فكيف بقوم هم أرجح أهل زمانهم عقولا، وأكملهم معرفة، وأجزلهم رأيا، وأثقبهم ~~بصيرة؟ فهذه دلالة "الأحوال". ### | 7 - 1 # وأما "الأقوال" فكثيرة: # منها حديث ابن المغيرة2، روى أنه جاء حتى أتى قريشا فقال: إن الناس ~~يجتمعون غدا بالموسم، وقد فشا أمر هذا الرجل في الناس، فهم سائلوكم عنه ~~فماذا تردون عليهم3؟ فقالوا: مجمون يخنق. فقال: يأتونه فيكلمونه فيجدونه ~~صحيحا فصيحا عاقلا4، فيكذبونكم! قالوا نقول: هو شاعر. قال: هم العرب، وقد ~~رووا الشعر، وفيهم الشعراء، وقوله ليس يشبه الشعر، فيكذبونكم! قالوا نقول: ~~هو كاهن. قال: إنهم لقوا الكهان، فإذا سمعوا قوله لم يجدوه يشبه الكهنة، ~~فيكذبونكم! # ثم انصرف إلى منزلة فقالوا: صبأ الوليد يعنون: أسلم، ولئن صبأ لا يبقى ~~أحد إلا صبأ. فقال لهم ابن أخيه أبو جهل بن هشام بن المغيرة: أنا ~~PageV01P581 # أكفيكموه. قال: فأتاه مخزونا فقال: ما لك يا ابن أخ؟ قال: هذه قريش تجمع ~~لك صدقة يتصدقون بها عليك، تستعين بها على كبرك وحاجتك. قال: أولست أكثر ~~قريش مالا؟! قال: بلى، ولكنهم يزعمون أنك صبأت لتصيب من فضل طعام محمد ~~وأصحابه. قال: والله ما يشبعون من الطعام، فكيف يكون لهم فضول؟! # ثم أتى قريشا فقال: أتزعمون أني صبأت؟ ولعمري ما صبأت، إنكم قلتم: محمد ~~مجنون، وقد ولد بين أظهركم لم يغب عنكم ليلة ولا يوما فهل رأيتموه يخنق قط؟ ~~وقلتم: شاعر؟ وأنتم شعراء، فهل أحد منكم يقول ما يقول؟ وقلتم: كاهن، فهل ~~حدثكم محمد في شيء يكون في غد إلا أن يقول إن شاء الله! قالوا: فكيف تقول ~~يا أبا المغيرة؟ قال: أقول هو ساحر: فقالوا: وأي شيء السحر؟ قال: شيء يكون ~~ببابل، من حذقه فرق بين الرجل وامرأته، والرجل وأخيه، إنا لله، أفما تعلمون ~~أن محمدا فرق بين فلان وفلانة زوجته1، وبين فلان وابنه، وبين فلان وأخيه، ~~وبين فلان ومواليه، فلا ينفعهم ولا يلتفت إليهم ولا يأتيهم؟ قالوا: بلى. ~~فاجتمع ms341 رأيهم على أن يقولوا إنه ساحر، وأن يردوا الناس عنه بهذا القول. # وانصرف، فمر بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منطلقا إلى رحله، وهم جلوس ~~في المسجد، فقالوا: هل لك يا أبا المغيرة إلى خير؟ فرجع إليهم فقال: ما ذلك ~~الخير؟ فقال: التوحيد. قال: ما يقول صاحبكم إلا سحرا. وما هو إلا قول البشر ~~يرويه عن غيره. وعبس في وجوهم وبسر، ثم أدبر إلى أهله مكذبا، واستكبر عن ~~حديثهم الذي قالوا له وعن الإيمان، فأنزل الله تعالى: {إنه فكر وقدر، فقتل ~~كيف قدر} [المدثر: 18، 19]، الآية. PageV01P582 ### | 8 - # ومنه ما رواه محمد بن كعب القرظي قال1: حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا ~~حليما قال يوما: ألا أقوم إلى محمد فأكلمه فأعرض عليه أمور لعله أن يقبل ~~منها بعضها، فتعطيه أيها شياء؟ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه، وروا ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكثرون قالوا: بلى يا أبا الوليد! فقام ~~إليه، وهو صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده، فقال: يا ابن أخي! إنك ~~منا حيث علمت من السطة في العشيرة2، والمكان في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر ~~عظيم، فرقت بين جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت آلهتهم، وكفرت من مضى من ~~آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك أن تقبل منها بعضها. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. "قل". قال: إن كنت إنما تريد المال بما ~~جئت به من هذا القول، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت ~~تريد شرفا سودناك حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك ~~علينا، وإن كان هذا الذي بك رئيا لا تستطيع رده عن نفسك3، طلبنا لك الطب، ~~وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى ~~يداوي منه، أو لعل هذا الشعر شعر جاش به صدرك، فإنك لعمري بني عبد المطلب ~~تقدرون من ذلك على ما لا نقدر عليه4. حتى إذا فرغ قال له رسول الله صلى ~~الله عليه ms342 وسلم: "أوقد فرغت"؟ قال: نعم. قال: "فاسمع مني"، قال: قل. قال: ~~"بسم الله الرحمن الرحيم {حم، تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته ~~قرآنا عربيا لقوم يعلمون، بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون} " ~~[فصلت: 1 - 4]، ثم PageV01P583 # مضى فيها يقرؤها، فلما سمعها عتبة أنصت له، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا ~~عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها ~~فسجد، ثم قال له: "قد سمعت ما سمعت فأنت وذاك"! # فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه ~~الذي ذهب به. فلما جلس قالوا: ما وراءك؟ قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما ~~سمعت بمثله قط، وما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش ~~أطيعوني، خلو بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله ~~الذي سمعت نبأ، فإن نصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهره على العرب ~~به، فملكه ملككم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك بلسانه! قال: هذا رأيي ~~فاصنعوا ما بدا لكم. ### | 9 - # ومنه ما جاء في حديث أبي ذر في سبب إسلامه1: روي أنه قال: قال لي أخي ~~أنيس: إن لي حاجة إلى مكة، فانطلق فراث، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلا ~~[يقول] إن الله تعالى أرسله. فقلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، ~~ساحر، كاهن. قال أبو ذر: وكان أنيس أحد الشعراء، قال: والله لقد وضعت قوله ~~على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت قول الكهنة فما هو ~~بقولهم، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. PageV01P584 ### | 10 - # ومن ذلك ما روي أن الوليد [بن عقبة] 1 أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: اقرأ. فقرأ عليه: {إن الله يأمر بالعدل والأحسان وإيتاء ذي القربى ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} [النحل: 90]، فقال: ~~أعد فأعاد، فقال: "والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمعرق، ~~وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر". ### | 11 - # واعلم أنه لا يجوز أن يقال ms343 في هذا وشبهه إنه لا يكون دليلا حتى يكون من ~~قول المشركين بعضهم لبعض، حين خلوا بأنفسهم فتفاوضوا وتحاوروا وأفضى بعضهم ~~بذات نفسه إلى بعض وإن كان منه من كلام المؤمنين، أو ممن قاله ثم آمن، فإنه ~~لا يصح الاحتجاج به في حكم الجدل، من حيث يصير كأنك تحتج على الخصم برأي ~~تراه أنت، وبقول أنت تقوله، وذلك أنه إنما يمتنع أن يدل إذا صدر القول مصدر ~~الدعوى والشيء يدفعه الخصم وينكره، فأما ما كان مخرجه مخرج التنبيه على أمر ~~يعرفه ذوو الخبرة، وأطلقه قائله إطلاق الواثق بأنه معلوم للجمع، وأنه ليس ~~من بصير يعرف مقادير الفضل والنقص إلا وهو يحوج إلى تسليمه والاعتراف به ~~شاء أم أبي فهو دليل بكل حال، ومن قول كل قائل، وحجة من غير مثنوية2، ومن ~~غير أن ينظر إلى قائله أموافق أم مخالف، ذاك لأن PageV01P585 # الدلالة ليست من نفس القول وذاك الصفة، بل في مصدرهما، وفي أن أخرجها ~~مخرج الإخبار عن أمر هو كالشيء البادي للعون، لا يعمل أحد بصره إلا رآه. ### | 12 - # وإذا رأينا "الأحوال" و "الأقوال" منهم قد شهدت1، كالذي بان، باستسلامهم ~~للعجز وعلمهم بالعظيم من الفضل والبائن من المزية، الذي إذا قيس إلى ما ~~يستطيعونه ويقدرون عليه في ضروب النظم وأنواع التصرف، فإنه الفوت الذي لا ~~ينال2، وارتقى إلى حيث لا تطمع إلهي الآمال، فقد وجب القطع بأنه معجز. # ذلك لأنه ليس إلا أحد الأمرين3: فإما أن يكونوا قد علموا المزية التي ~~ذكرنا أنهم علموها على الصحة وإما أن يكونوا قد توهموها في نظم القرآن، ~~وليست هي فيه لغلط دخل عليهم. ودعوى الثاني من الأمرين سخف، فإن ذلك لو ظن ~~بالواحد منهم لبعد، ذلك لأنه لا يتصور أن يتوهم العاقل في نظم كلام، جل ~~مناه ومنى أصحابه أن يستطيع معارضته، وأن يقدر على إسكات خصمه المباهي به، ~~أنه قد بلغ في المزية هذا المبلغ العظيم غلطا وسهوا4، فكيف بأن يشمل هذا ~~الغلط كلهم5، ويدخل على كافتهم؟ وأي عقل يرضى من صاحبه ms344 PageV01P586 # بأن يتوهم عليهم مثل هذا من الغلط، وهم من إذا ذاق الكلام عرف قائله من ~~قبل أن يذكر، ويسمع أحدهم البيت قد استرفده الشاعر فأدخله في أثناء شعر له، ~~فيعرف موضعه وبنيه عليه، كما قال الفرزدق لذي الرمة أهذا شعرك؟ هذا شعر ~~لاكه أشد لحيين منك1 إلى ضروب من دقيق المعرفة يقل هذا في جنبها؟ وإذا لم ~~يصح الغلط عليهم، ولم يجز أن يدعي أنه كان معهم في زمانهم من كان بالأمر ~~أعلم2، وبالذي وقع التحدي إليه أقوم، فما زالت الشبهة في كونه معجزا له. ### | 13 - # وإن قالوا: فإن ههنا أمرا آخر، وهو ما علمنا من تقديمهم شعراء الجاهلية ~~على أنفسهم، وإقرارهم لهم بالفضل، وإجماعهم في امرئ القيس وزهير والنابغة ~~والأعشى أنهم أشعر العرب. وإذا كان ذلك كذلك، فمن أين لنا أن نعلم أنهم لم ~~يكونوا بحيث لو تحدوا إلى معارضة القرآن لقاموا بها واستطاعوها؟ # قيل لهم: هذا الفصل على ما فيه لا يقدح في موضع الحجة، وذلك أنهم كانوا، ~~كما لا يخفى، يروون أشعار الجاهليين وخطبهم، ويعرفون مقاديرهم في الفصاحة ~~معرفة من لا تشكيل جهات الفضل عليه، فلو كانوا يرون فيما رووا وحفظوا مزية ~~على القرآن3، أو رأوه قريبا منه، أو بحيث يجوز أن يعارض بمثله، أو يقع لهم ~~إذا قاسموا وازنوا أن هذا الذي تحدوا إلى معارضته لو تحدى إليه من قبلهم ~~لاستطاعوا أن يأتوا بمثله، لكانوا يدعون ذلك ويذكرون، ولو ذكروه لذكر ~~PageV01P587 # عنهم. ومحال إذا رجعنا إلى أنفسنا واستشففنا حال الناس فيما جبلوا عليه1 ~~أن يكونوا قد عرفوا لما تحدوا إليه وفرعوا بالعجز عنه شبها ونظما، ثم يتلى ~~عليهم: {قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88]، فلا يزيدون في جوابه على ~~الصمت، ولا يقولون: "لقد روينا لمن تقدم ما علمت وعلمنا أنه لا يقصر [عما] ~~أتيت به، فمن أين استجزت أن تدعي هذه الدعوى"؟ # فإذا كان من المعلوم ضرورة أنهم لم يقولوا ذلك، ولا ms345 رأوا أن يقولوا، ولو ~~على سبيل الدفع والتلبيس والتشعب بالباطل2، بل كانوا بين أمرين: إما أن ~~يخبروا عن أنفسهم بالعجز والقصور، وذلك حين يخلو بعضهم ببعض، وكان الحال ~~حال تصادق وإما أن يتعلقوا بما لا يتعلق به إلا من أعورته الحيلة، ومن فل ~~بالحجة3، من نسبته إلى السحر تارة، وإلى أنه مأخوذ من فلان وفلان أخرى4، ~~يسمون أقواما مجهولين لا يعرفون بعلم، ولا يظن بهم أن عندهم علما ليس عند ~~غيرهم5 ثبت أنهم قد كانوا علموا أن صورة أولئك الأوائل صورتهم، وأن التقدير ~~فيهم أنهم لو كانوا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تحدوا إلى ~~معارضته، في مثل حال هؤلاء الكائنين في زمانه حالهم. وإذا كان هذا هكذا، ~~فقد انتفى الشك، وحصل اليقين الذي تسكن معه النفس، ويطمئن PageV01P588 # عنده القلب، أنه معجز ناقض للعادة، وأنه في معنى قلب العصا حية، وإحياء ~~الموتى، في ظهور الحجة به على الخلق كافة، وبان أن قد سعد المؤمنون وتحسر ~~المبطلون1. والحمد لله رب العالمين على أن هدانا لدينه، وأنار قلوبنا ~~ببرهانه ودليله، وإباه جل وعز نسأل التثبيت على ما هدى له، وإتمام النعمة ~~بإدامة ما خوله، بفضله ومنه. PageV01P589 # فصل: ### | 14 - # واعلم أن ههنا بابا من التلبيس أنت تجده يدور في أنس قوم من الأشقياء، ~~وتراهم يومئون إليه، ويهمسون به، ويستهوون الغر الغبي بذكره، وهو قولهم: ~~"قد جرت العادة بأن يبقى في الزمان من يفوت أهله حتى يسلموا له، وحتى لا ~~يطمع أحد في مداناته، وحتى ليقع الإجماع منهم أنه الفرد الذي لا ينازع1. ثم ~~يذكرون أمرأ القيس والشعراء الذين قدموا على من كان معهم من أعصارهم، ومما ~~ذكروا الجاحظ وكل مذكور بأنه كان أفضل من كان في عصره، ولهم في هذا الباب ~~خبط وتخليط لا إلى غاية. وهي نفثة نفثها الشيطان فيهم، وإنما أتوا من سوء ~~تدبرهم لما يسمعون2، وتسرعهم إلى الاعتراض قبل تمام العلم بالدليل. وذلك أن ~~الشرط في المزية الناقضة للعادة، أن يبلغ الأمر فيها إلى حيث المداناة، ~~وحتى لا ms346 تحدث نفس صاحبها بأن يتصدى، ولا يجول في خلد أن الإتيان بمثله ~~يمكن، وحتى يكون يأسهم منه وإحساسهم بالعجز عنه في بعضه، مثل ذلك في كله. ### | 15 - # وليت شعري، من هذا الذي سلم لهم أنه كان في وقت من الأوقات من بلغ أمره ~~في المزية وفي العلو على أهل زمانه هذا المبلغ، وانتهى إلى هذا الحد؟ إن ~~PageV01P590 # قيل: "امرؤ القيس"، فقد كان في وقته من يباريه ويماتنه، بل لا يتحاشى من ~~أن يدعي الفضل عليه. فقد عرفنا حديث "علقمة الفحل"، وأنه لما قال امرؤ ~~القيس، وقد تناشدا: "أينا أشعر؟ "، قال: "أنا"، غير مترث ولا مبال، حتى قال ~~امرؤ القيس: "فقل وانعت فرسك وناقتك، وأقول وأنعت فرسي وناقتي" فقال علقمة: ~~"إني فاعل، والحكم بيني وبينك المرأة من ورائك"، يعني أم جندب امرأة آمرئ ~~القيس، فقال امرؤ القيس: # خليلي مرا بي على أم جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذب1 # وقال علقمة: # ذهبت من الهجران في كل مذهب ... ولم يك حقا كل هذا التجنب2 # وتحاكما إلى المراة، ففضلت علقمة3. PageV01P591 ### | 16 - # وجرى بين امرئ القيس والحارث اليشكرى في تتميمه أنصاف الأبيات التي ~~أولها: # أحار أريك برقا هب وهنا ... كنار مجوس تستعر استعارا # ما هو مشهور، حتى قالوا امرؤ القيس: لا أماتنك بعد هذا1. ### | 17 - # ثم وجدنا الخبار تدل على خلاف لم يزم بين الناس فيه وفي غيره، أي أشعر؟ ~~وعلى أي لم يستقر الأمر في تقديمه قرارا برفع الشك. رووا أن أمير المؤمنين ~~عليا، رضوان الله عليه، كان يفطر الناس في شهر رمضان، فإذا فرغ من العشاء ~~تكلم فأقل، وأوجز فأبلغ. قال: فاختصم الناس ليلة في أشعر الناس، حتى ارتفعت ~~أصواتهم، فقال رضوان الله عليه لأبي الأسود الدؤلي: قل يا أبا الأسود. وكان ~~يتعصب لأبي دؤاد، فقال: أشعرهم الذي يقول: # ولقد اعتدى يدافع ركنى ... أحوذى ذو ميعة إضريج # مخلط مزيل مكر مفر ... منفح مطرح سبوح خروج # سلهب شرجب كأن رماحا ... حملته، وفي السراة دموج2 # فأقبل أمير المؤمنين -رضوان الله عليه- على الناس فقال: كل شعرائكم محسن، ms347 ~~ولو جمعهم، زمان واحد وغاية ومذب واحد في القول، لعلمنا أيهم PageV01P592 # أسبق إلى ذلك، وكلهم قد أصاب الذي أراد وأحسن فيه، وإن يكن أحدهم أفضل، ~~فالذي لم يقل رغبة ولا رهبة: امرؤ القيس بن حجر، كان أصحهم بادرة، وأجودهم ~~نادرة. ### | 18 - # وعن ابن عباس أنه سأل الخطيئة: من أشعر الناس؟ قال: أمن الماضين أم من ~~الباقين؟ فقال: إذن من الماضين، فهو الذي يقول: # ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم # وما الذي يقول: # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب # بدون ذلك، ولكن الضراعة أفسدته كما أفسدت جرولا يعني نفسه والله يا آبن ~~عباس لولا الجشع والطمع لكنت أشعر الماضيين، فأما الباقون فلا أشك أني ~~أشعرهم1. ### | 19 - # وقالوا: كان الأوائل لا يفضلون على زهير أحدا في الشعر ويقولون: "قد ظلمه ~~حقه من جعله كالنابغة". قالوا: "وعامة أهل الحجاز على ذلك". وعن ابن عباس ~~أنه قال: سامرت عمر بن الخطاب -رضوان الله عليه- ذات ليلة فقال: أنشدني ~~لشاعر الشعراء. فقلت: ومن شاعر الشعراء؟ قال: زهير. قلت: PageV01P593 # يا أمير المؤمنين، ولم كان شاعر الشعراء؟ قال: لأنه لا يتتبع وحشى الكلام ~~في شعره، ولا يعاظل بين القول. ### | 20 - # وروى عن أبي عبيدة أنه قال: أشعر الناس ثلاثة: امرؤ القيس بن حجر، وزهير ~~بن أبي سلمى، والنابغة الذبياني، ثم اختلفوا فيهم: فزورت اليمانية تقديما ~~لصاحبهم أخبارا رفعوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى عن يحيى بن ~~سليمان الكاتب أنه قال: بعثني المنصور إلى حماد الرواية أسأله عن أشعر ~~الناس، فأتيته وقلت: إن أمير المؤمنين يسألك عن أشعر الناس. فقال: ذاك ~~الأعشى صناجها. ### | 21 - # فقد علمنا أن امرأ القيس كان أشعرهم عندهم1، وأن تفضيلهم غيره عليه إنما ~~كان على سبيل المبالغة، وعلى جهة الاستحسان للشيء يتمثل به في الوقت ويقع ~~في النفس، وما أشبه ذلك م نالأسباب التي يعطي بها الشاعر أكثر مما يستحق. ~~أليس فيه أنه مما لا يبعد في القياس، وأنه مما يتسع له ms348 الاحتمال، وأنه ليس ~~بالقول الذي يعاب، والحكم الذي يزرى بصاحبه، وأنه فضله عليهم لم يكون ~~بالفضل الذي يمنع أن يكونوا أكفاء له ونظراء، يسوغ للواحد منهم، ويسوغ هو ~~لنفسه، دعوه مساواته والتصدي لمباراته؟ # هذا، وفي حاجة المنصور إلى أن يسأل عن أشعر الشعراء، وقد مضى الدهر بعد ~~الدهر، دليل [على] أن لم يكن الذي روى من تفضيله قولا مجمعا عليه من ~~PageV01P594 # أصله وفي أول ما قيل1، وأنه كان كالرأي يراه قوم وينكره آخرون، وأن ~~الصورة كانت كالصورة مع جرير والفرزدق، وأبي تمام والبحتري. ذاك لأه لو كان ~~القول بأنه أشعر الناس قولا صدر مصدر الإجماع في أوله، وحكما أطبق عليه ~~الكافة حين حكم به، حتى لم يوجد مخالف، ثم استمر كذلك إلى زمام المنصور، ~~لكان يكون محالا أن يخفى عليه حتى يحتاج فيه إلى سؤال حماد وكان يكون كذلك ~~بعيدا من حماد أن يبعث إليه مثل المنصور، في هيبته وسلطانه ودقة نظره وشدة ~~مؤاخذته، يسأله فيجازف له في الجواب، ويقول قولا لم يقله أحد، ثم يطلقه ~~إطلاق الشيء الموثوق بصحته، المتقدم في شهرته، فتدبر ذلك. ### | 22 - # ويزيد الأمر بيانا أن رأيناهم حين طبقوا الشعراء جعلوا امرأ القيس وزهيرا ~~والنابغة والأعشى في طبقة، فأعلموا بذلك أنهم أكفاء ونظراء، وأن فضلا أن ~~كان لواحد منهم، فليس بالذي يوئس الباقين من مداناته2، ومن أن يستطيعوا ~~التعق به والجرى في ميدانه، ويمنعهم أن يدعوا لأنفسهم أو يدعي لهم أنهم ~~ساووه في كثير مما قالوه أو دنوا منه، وأنهم جروا إلى غياته أو كادوا. وإذا ~~كان هذه صورة الأمر، كان من العمى التعلق به، ومن الخسار الوقوع في الشبهة ~~بسببه. ### | 23 - # وطريقة أخرى في ذلك، وتقرير له على ترتيب آخر، وهو أن الفضل يجب ~~والتقديم، إما لمعنى غريب يسبق إليه الشاعر فيستخرجه، أو استعارة بعيدة. ~~PageV01P595 # يفطن لها، أو لطريقة في النظم يخرتعها. ومعلوم أن المعول في دليل الإعجاز ~~على النظم، ومعلوم كذلك أن ليس الدليل في المجيء ينظم لم يوجد من قبل فقط، ~~بل في ms349 ذلك مضموما إلى أن يبين ذلك "النظم" من سائر ما عرف ويعرف من ضروب ~~"النظم"، وما يعرف أهل العصر من أنفسهم أنهم يستطيعونه1، البينونة التي لا ~~يعرض معها شك لواحد منهم أنه لا يستطيعه، ولا يهتدي لكنه أمره، حتى يكونوا ~~في استشعار اليأس من أن يقدروا على مثله، وما يجري مجرى المثل له، على صورة ~~واحدة، وحتى كان قلوبهم في ذلك أفرغت في قالب واحد2. وإذا كان الأمر كذلك ~~لم يصح لهم تعلق بشأن امرئ القيس حتى يدعوا أنه سبق إلى نظم بان من كل نظم ~~عرف لمن قبله ولمن كان معه في زمانه، البينونة التي ذكرنا أمرها. # وهم إذا فعلوا ذلك، ورطوا أنفسهم في أعظم ما يكون من الجهالةن من حيث أن ~~يفضي بهم إلى أن أن يدعوا على من كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الشعراء والبلغاء قاطبة الجهل بمقادير البلاغة، والنقصان في علمها3، ~~ولأنفسهم الزيادة عليهم، وأن يكونوا قد استدركوا في نظم امرئ القيس مزية لم ~~تعلمها قريش والعرب قاطبة، ذلك لما مضى آنفا من أن محالا أن يكون معهم وبين ~~أيديهم نظم يعرفون من حاله أنه مساو في الشرف نظم القرآن، ثم لا يذكرونه ~~ولا يحتجون به على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يخبرهم أن الذي أتى به ~~خارج عن طوق البشر ويتجاوز قواهم. PageV01P596 # هذا، ومن يسلم بأن امرأ القيس زاد في البلاغة وشرف النظم على نظم من كان ~~قبله، ما إذا اعتبر كان في مزية قدر القرآن على نظم من كان في عصر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن من أين لهم هذه الدعوى؟ ألشيء علموه هم في شعره، بان ~~لهم عند قياسه إلى شعر من كان قبله كأبي دواد والأفوه الأودي وغيرهما؟ أم ~~لخبر أتاهم؟ فليرونا مكانه، وليس لهم إلى ذلك سبيل، بل قد أتى الخبر بما ~~يجهلهم في هذه الدعوى ويكذبهم، وهو الذي تقدم من قول أبي الأسود وتفضيله ~~أبا دواد بحضرة أمير المؤمنين على رضوان الله عليه1، ويعد ms350 أن قال له: "قل ~~يا أبا الأسود"، أفيكون أن يكونوا قد عرفوا لامرئ القيس المزية التي ~~ذكروها، وكان فضله على من تقدمه الفضل الذي قالوه، ثم يقول أمير المؤمنين ~~لأبي الأسود: "قل"، بحضرة العرب، وبعقب أن تشاجروا في أشعر الناس، فيؤخره ~~ويقدم أبا دؤاد، ثم لا يسمع نكيرا، كالذي يجب فيمن قال الشيء الظاهر ~~بطلانه، وذهب مذهبا لا مساغ له! وليست تذكر أمثال هذه الزيادة، ويتكلف ~~الجواب عنها، أنها تأخذ موضعا من قلب ذي لب، ولكن الاحتياط بذكر ما يتوهم ~~أن يستروح إليه الغوى، ويغالط به الجاهل. # وإذا كانت الشبهة في أصل الدين، كانت كالداء الذي يخشى منه على الروح، ~~ويخاف منه على النفس، فلا يستقل قليله، ولا يتهاون باليسير منه، ولا يتوهم ~~مكان حركة له إلا استقصى النظر فيه، وأعيد الكي على نواحيه، وكالحيوان ذي ~~السم يعاد الحجر على رأسه، ما دام يرى به حس وإن قل. # والله ولي العصمة، والمسئول أن يجعل كل ما نعيد ونبدئ فيه لوجهه، بفضله ~~ومنه. PageV01P597 ### | 24 - # فاعلم أنهم إذا ذكروا في تعلقهم بلتوابع، ومحاولتهم أن يمنعوا من ~~الاستدلال، مع تسليم عجز العرب عن معارضة القرآن من تراخي زمانه عن زمان ~~النبي صلى الله عليه وسلم، كالجاحظ وأشباهه، كانوا في ذلك أجهل، وكان النقض ~~عليهم أسهل. وذلك أن الشرط في نقض العادة أن يعم الأزمان كلها، وأن يظهر ~~على مدعي النبوة ما لم يستطيعه مملوك قط. # وأما تقدم واحد من أهل العصر سائرهم، ففي معنى تقد واحد من أهل مصر من ~~الأمصار غيره ممن يضمه وإياه ذلك المصر، لا فضل في ذلك بين الأمصار ~~والأعصار إذا حققت النظر، إذ ليس بأكثر من أن واحدا زاد على جماعة معدودين ~~في نوع من الأنواع، فكان أعلمهم أو أكتبهم أو أشعرهم، أو أحذقهم في صنعة، ~~وأبهرهم في عمل من الأعمال. وليس ذلك من الإعجاز في شيء، إنما المعجز ما ~~علم أنه فوق قوى البشر وقدرهم، إن كان من جنس ما يقع التفاضل فيه من جهة ~~القدر، أو ms351 فوق علومهم، إن كان من قبيل ما يتفاضل الناس فيه بالعلم والفهم. ~~وإذا كنا نعلم أن استمداد الجاحظ وأشباه الجاحظ من كلام العرب والبلغاء ~~الذين تقدموا في الأزمنة، وانهم فجروا لهم ينابيع القول فاستقوا، ومثلوا ~~لهم مثلا في البلاغة افحتذروا، إذن لم يبلغ شأو ما بلغ1، ولم يدر لهم من ~~ضروع القول ما ذر، لو أن طباعا لم تشرب من مائهم2، ولم تعذ بجناهم، ولم يكن ~~حالهم في الاكتساب منهم، والاستمداد من ثمار قرائحهم، وتشمم الذي قاح من ~~روائحهم3، حال النحل التي تغتذى بأريح الأنوار وطيب الأزهار، وتملأ ~~PageV01P598 # أجوافها من تلك اللطائف، ثم تمجها أربا وتقذفها ماديا1، إذن لكان الجاحظ ~~وغير الجاحظ في عداد عامة زمانهم الذين لم يروا، ولم يحفظوا، ولم يتتبعوا ~~كلام الأولين، من لدن ظهر الشعر وكان الخطابة إلى وقتهم الذي هم فيه2، ولم ~~يعرفوا إلا ما يتكلم به آباؤهم وإخوانهم ومساكنوهم في الدار والمحلة، أو ~~كانوا لا يزيدون عليهم إن زادوا بمقدار معلوم. فمن أعظم الجهل وأشد ~~الغباوة، أن يجعل تقدم أحدهم لأهل زمانه من باب نقض العادة، وأن يعد معد ~~المعجز3. ### | 25 - # فمثل هذه الطبقة إذن مع الصدر الأول، وقياس هؤلاء الخلف مع أولئك السلف، ~~ما جرى بين ابن ميادة وعقال4، قال ابن ميادة: # فجرنا ينابيع الكلام وبحره ... فأصبح فيه ذو الرواية يسبح # وما الشعر إلا شعر قيس وخندف ... وقول سواهم كلفة وتملح # فقال عقال بجيبه: # ألا أبلغ الرماح نقض مقالة ... بها خطل الرماح أو كان يمزح5 # لقد خرق الحي اليمانون قبلهم ... بحور الكلام تستقي وهي طفح # وقد علموا من بعدهم فتعلموا ... وهم أعربوا هذا الكلام وأوضحوا # فللسابقين الفضل لا تنكرونه ... وليس لملخوق عليهم تبجح PageV01P599 ### | 26 - # وفي الذي قدمت في أول الجزء مفتتح هذه الرسالة من قول خالد ابن صفوان: ~~"كيف تجاريهم، وإنما نحكيهم"1 وما أتبعته من قول الجاحظ في شأن العرب، وفي ~~أن الاقتداء بهم والأخذ منهم والتسليم لهم، وأنهم لا يستطيع أشعر الناس ~~وأرفعهم في البيان أن يضاهيهم، ويقول مثلا لذي قالوه في ms352 جودة السبك والنحت، ~~وكثرة الماء والرونق، إلا في اليسير2 غنى للعاقل وكفاية، اللهم إلا أن ~~يتجاهل متجاهل فيدعي في الجاحظ وأمثاله فضلا لم يدعوه لأنفسهم، أو يزعم ~~أنهم ضاموا أنفسهم تعصبا للعرب، فتشاهدوا لها بأكثر مما عرفوا، وتواصفوها ~~بمزية [ومما] لم يعلموا3، فيفتح بذلك بابا من الركاكة والسخف لا يجاب عن ~~مثله، ولا يشتغل بالإصغاء إليه، فضلا عن الكلام عليه. ### | 27 - # واعلم أنه إن خيل إلى قوم من جهال الملحدة4، أنه كان في المتأخرين من ~~البلغاء كالجاحظ وأشباه الجاحظ، من استطاع معارضة القرآن فترك خوفا، أو ~~أنهم فعلوا ذلك ثم أخفوه، لم يتصور تخيلهم ذلك حتى يقتحموا هذه الجهالة ~~التي ذكرتها، أعني أن يزعموا أنهم كانوا عند أنفسهم أفصح وأبلغ من بلغاء ~~قريش وخطابئهم، وأن خطيبهم كان أخطب من قس وسحبان، وشاعرهم أشعر من امرئ ~~القيس ومن كل شاعر كان في العرب، إلا أنهم صانعوا الناس، PageV01P600 # فمنعوا أنفسهم الفضيلة ونحوها العرب. وذاك أن محالا أن يعتقدوا فيهم، ~~أعنى في العرب، ما اعتدقه الناس، وفي أنفسهم ما أفصحوا به من القصور عن ~~مداناتهم، وشدة الانحطاط عنهم، ثم أن يستطيعوا ما لم يستطعه العرب1، ~~ويكملوا ما لم يكملوا له. # ومن هذا الذي يشك في بطلان دعوى من بلغ بالمصلى غاية وقد انقطع السابق2، ~~وزعم في الناقص الحذق أنه استقل بشيء عى به المشهود له بالحذق والتقدم؟ هذا ~~ما لا يدور في خلد، ولا تنعقد له صورة في وهم، فاعرف ذلك. PageV01P601 # فصل: في فن آخر من السؤال 1 ### | 28 - # وهو أن يقولوا: إنا قد علمنا من عادات الناس وطبائعهم أن الواحد منهم ~~تواتيه العبارة، ويطيعه اللفظ في صنف من المعاني، ثم يمتنع عليه مثل تلك ~~العبارة وذلك اللفظ في صنف آخر1. # فقد يكون الرجل، كما لا يخفى، في المديح أشعر منه في المرائي، وفي الغزل ~~واللهو والصيد أنفذ منه في الحكم الآداب، ونراه يستطيع في الأوصاف ~~والتشبيهات ما لا يستطيع مثله في سائر المعاني، وترى الكاتب وهو في ~~الإخوانيات أبلغ منه في السلطانيات، ms353 وبالعكس. هذا أمر معروف ظاهر لا يشتبه. ~~وإذا كان كذلك، فعلل العجز الذي ظهر فيهم عن معارضته القرآن، لم يظهر لأنهم ~~لا يستطيعون مثل ذلك النظم، ولكن لأنهم لا يستطيعونه في مثل معاني القرآن. # واعلم أن هذا السؤال إذا وقع الجواب عنه وقع عن جملته، وكان الحسم في ~~الداء كله. وذاك أن يقولوا: إنه لا تصح المطالبة إلا بما يتصوره وجوده، وما ~~يدخل في حيز الممكن، وإنا لنعلم من حال المعاني أن الشاعر يسبق في الكثير ~~منها إلى عبارة يعلم ضرورة أنها لا يجيء في ذلك المعنى إلا ما هو دونها ~~ومنحط عنها، حتى يقضي له بأنه قد غلب عليه واستبد به، كما قضى الجاحظ لبشار ~~في قوله: # كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه PageV01P602 # فإنه أنشد هذا البيت نظائره ثم قال: وهذا المعنى قد غلب عليه بشار، كما ~~غلب عنترة على قوله: # وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم # هزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم # قال: فلو أن آمرأ القيس عرض لمذهب عنترة في هذا لافتضح"1. # وليس ذاك لأن بشارا وعنترة قد أوتيا في علم النظم جملة ما لم يوت غيرهما، ~~ولكن لأنه إذا كان في مكان خبئ فعثر عليه إنسان وأخذه، لم يبق لغيره مرام ~~في ذلك المكان، وإذا لم يكن في الصدقة إلا جوهرة واحدة، فعمد إليها عامد ~~فشقها عنها، استحال أن يستام هو او غيره إخراج جوهرة أخرى من تلك الصدفة. ~~وما هذا سبيله في الشعر كثي لا يخفى على من مارس هذا الشأن. فمن البين في ~~ذلك قول القطامي: # فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي2 # وقول آبن حازم: # كفاك بالشيب ذنبا عند غانيه ... وبالشباب شفيعا أيها الرجل3 PageV01P603 # وقول عبد الرحمن بن حسان: # لم تفتها شمس النهار بشيء ... غير أن الشباب ليس يدوم1 # وقول البحتري: # عريقون في الإضال يوتنف الندى ... لناشئهم من حيث يوتنف العمر2 # لا ينظر في هذا وأشباهه عارف إلا علم ms354 أنه لا يوجد في المعنى الذي يرى ~~مثله، وأن الأمر قد بلغ غايته، وأن لم يبق للطالب مطلب. ### | 29 - # وكذلك السبيل في المنثور من الكلام، فإنك تجد فيه متى شئت فصولا تعلم أن ~~لن يستطاع في معانيها مثلهان فمما لا يخفى أنه كذلك قول أمير المؤمنين على ~~بن أبي طالب رضيوان علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: "قيمة كل امرئ ما ~~يحسنه"، وقول الحسن رحمه الله عليه: "ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا ~~يقين فيه من الموت". ولن تعدم ذلك إذا تأملت كلام البلغاء ونظرت في ~~الرسائل. # ومن أخص شيء بأن يطلب ذلك فيه، الكتب المبتدأة الموضوعة في العلوم ~~المستخرجة، فإنا نجد أربابها قد سبقوا في فصول منها إلى ضرب من اللفظ ~~والنظم، أعيا من بعدهم أن يطلبوا مثله، أو يجيئوا بشبيه له، فجعلوا لا ~~يزيدون على أن يحفظوا تلك الفصول على وجوهها، ويودوا ألفاظهم فيها على ~~نظامها وكما هي3. وذلك ما كان مثل قول سيبويه في اول الكتاب: PageV01P604 # "وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى وما يكون ~~ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع"1. # لا نعلم أحدا أتى في معنى هذا الكلام بما يوازنه أو يدانيه، أو يقع قريبا ~~منه، ولا يقع في الوهم أيضا أن ذلك يستطاع، أفلا ترى أنه إنما جاء في معناه ~~قولهم" والفعل ينقسم بأقسام الزمان، ماض وحاضر ومستقبل"، وليس يخفى ضعف هذا ~~في جنبه وقصوره عنه. ومثله قوله2: # "كأنهم يقدمون الذي باينه أهم لهم، وهم بشأنه أغنى، وإن كانا جميعا ~~يهمانهم ويغنيانهم". ### | 30 - # وإذا كان الأمر كذلك، لم يمتنع أن يكون سبيل لفظ القرآن ونظمه هذا ~~السبيل3، وأن يكون عجزهم عن أن يأتوا بمثله في طريق العجز عما ذكرنا ~~ومثلنا، فهذا جملة ما يجئ لهم في هذا الضرب من التعلق قد استوفيته. وإذ قد ~~عرفته، فاسمع الجواب عنه، فإنه يسقطه عنك دفعة، ويحسمه عنك حسما4. ~~PageV01P605 ### | 31 - # واعلم أنهم في هذا كرام قد أضل الهدف، وبان قد ms355 زال عن القاعدة، وذاك أنه ~~سؤال لا يتجه حتى يقدر أن التحدي كان إلى أن يعبروا عن معاني القرآن أنفسها ~~وبأعيانها بلفظ يشبه لفظه، ونظم يوازي نظمه. وهذا تقدير باطل، فإن التحدي ~~كان إلى أن يجيئوا في اي معنى شاءوا من المعاني بنظم يبلغ نظم القرآن في ~~الشرف أو يقرب منه. بدل على ذلك قوله تعالى: {قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات} [هود: 13]، أي مثله في النظم، وليكن المعنى مفترى كما قلتم1، فلا ~~إلى المعنى دعيتم، ولكن إىل النظم، وإذا كان كذلك، كان بينا أنه بناء على ~~غير أساس، ورمى من غير مرمى، لأنه قياس ما امتنعت فيه المعارضة من جهة وفي ~~شيء مخصوص، على ما امتنعت معارضته من الجهات كلها وفي الأشياء أجمعها. # فلو كان إذ سبق الخليل وسيبويه في معاني النحو إلى ما سبقا إليه من اللفظ ~~والنظم، لم يسبق الجاحظ في معانيه التي وضع كتبه لها إلى ما يوازي ذلك ~~ويضاهيه، أو كان بشار إذا سبق في معناه إلى ما سبق إليه، لم يوجد مثل نظمه ~~فيه لشاعر في شيء من المعاني لكان لهم في ذلك متعلق. فأما وليس من نظم ~~يقال: "إنه لم يسبق إليه" في معنى، إلا ويوجد أمثاله أو خير منه في معان ~~آخر، فمن أشد المحال وأبينه الاعتراض به. # واعلم أنا لو سلمان لهم الذي ظنوه على بطلانه من أن التحدي كان إلى أن ~~يعبر عن أنفس معاني القرآن بما يشبه لفظه ونظمه، لم نعدم الحجاج معهم، وأن ~~يكون لنا عليهم كلام في الذي تعلقوا به، ودفع لهم عنه. إلا أن العلماء ~~آثروا أن يكون الجواب من الوجه الذي ذكرت، إذ وفق ما نص عليه في التنزيل، ~~وكان PageV01P606 # فيه سد الباب وحسم الشبه جملة. ومن ضعف الرأي أن تسلك طريقا يغمض، وقد ~~وجدت السنن اللاجب، وأن تطاول المريض في علاجك، ومعك الدواء الذي يشفي من ~~كثب، وأن ترخى من خناق الخصم، وفي قدرتك ألا يملك نفسا، ولا يستطيع نطقا. ### | 32 - # ثم إن أردت ms356 أن تكلمهم على تسليم ذلك، فالطريق فيه أن يقال لهم على أول ~~كلامهم حيث قالوا: "إنا رأينا الرجل يكون في نوع أشعر، وعلى جودة اللفظ ~~والنظم أقدر منه في غيره"1 2 إنه ينبغي أن تعلموا أول شيء أنكم حرفتم كلام ~~الناس في هذا عن موضعه، فإنا إذا تأملنا الحال في تقديمهم الشاعر في فن من ~~الفنون، وجدناهم قد فعلوا ذلك على معنى أنه قد خرج في معاني ذلك الفن ما لم ~~يخرجه غيره، واتسع لما [لم] يتسع له من سواه. فإذا قالوا: "هو أنسب الناس"، ~~فالمعنى أنه قد فطن في معاني الغزل [وما] يدل على شدة الوجد وفرط الحب ~~والهيمان لما لم يفطن له غيره. وكذلك إذا قالوا: "أمدح، أو أهجى"، فالمعنى ~~أنه قد اهتدى في معاني الزين والشين وفي التحسين والتهجين إلى ما لم يهتد ~~إليه نظراؤه، ولو كانوا في اللفظ وانظم يذهبون، لكان محالا أن يقولوا: "هو ~~أنسب"، لأن ذلك في صفة اللفظ والنظم محال. ومن هذا الذي يشك أن لم يكن قول ~~جرير: # ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح3 PageV01P607 # أمدح بيت عند من قال ذلك، من أجل لفظه ونظمه، وأن ذلك كان من أجل معناه؟ ~~هذا ما لا معنى لزيادة القول فيه. ### | 33 - # فإن قالوا: هم، وإن كانوا قد أرادوا المعنى في قولهم: "هذا أمدح، وذاك ~~أهجى، وهذا أنسب، وذاك أوصف"، فإنه لن تتسع المعاني حتى تتسع الألفاظ، ولن ~~تقع مواقعها المؤثرة حتى يحسن النظم. وإذا كان كذلك فموضعنا منه بحاله1. ثم ~~ليس بمنكر ولا مجهول ولا مجهول أن يكون لفظ الشاعر ونظمه إذا تعاطي المدح، ~~أحسن وأفضل منهما إذا هو هجا أو نسب. # قيل: إنا ندع النزاع في هذا ونسلمه لكم، فأخبرونا عن معاني القرآن2، أهي ~~صنف واحد أم أصناف؟ فإن قلتم: "صنف واحد"، تجاهلتم، فقد علمنا الحجج ~~والبراهين، والحكم والآداب، والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، والوصف ~~والتشبيه والأمثال، وذكر الأمم والقرون واقتصاص أحوالهم، والنبأ عما جرى ~~بينهم وبين الأنبياء عليهم السلام، وما لا ms357 يصحى ولا يعد. # وإن قلتم: "هي أصناف"، كما لا بد منه. # قيل لكم: فقد كان ينبغي لشعراء العرب وبلغئها أن يعمد كل منهم إلى الصنف ~~الذي تنفذ قريحته فيه فيعارضه، وأن يجلعوا الأمر في ذلك قسمة بينهم. وفي ~~هذا كفاية لمن عقل. PageV01P608 # وأما قولهم: "إنه قد يكون أن يسبق الشاعر في المعنى إلى ضرب من اللفظ ~~والنظم، يعلم أنه لا يجيء في ذلك المعنى أبدا إلى ما هو منحط عنه" فإنه ~~ينبغي أن يقال لهم: قد سلمنا أن الأمر كما قلتم وعلمتم، أفعلمتم شاعرا او ~~غير اشعر عمد إلى ما لا يحصى كثرة من المعاني، فتأتى له في جيمعها لفظ أو ~~نظم أعيا الناس أن يستطيعوا مثله، أو يجدوه لمن تقدمهم؟ أم ذلك شيء يتفق ~~للشاعر، من كل مئة بيت يقولها، في بيت؟ ولعل [غير] الشاعر على قياس ذلك. ~~وإذا كان لابد من الاعتراف بالثاني من الأمرين، وهو أن لا يكون إلا نادرا ~~وفي القليل، فقد ثبت إعجاز القرآن بنفس ما راموا به دفعه، من حيث كان النظم ~~الذي لا يقدر على مثله قد جاء منه فيما لا يصحى كثرة من المعاني. ### | 35 - # وهكذا القول في الفصول التي ذكروا أنه لم يوجد أمثالها في معانيها1، ~~لأنها لا تستمر ولا تكثر، ولكنك تجدها كالفصوص الثمينة والوسائط النفيسة ~~وأفراد الجواهر2، تعد كثيرا حتى ترى واحدا. فهذا وشبهة من القول في دفعهم ~~مع تسليم ما ظنوه من أن التحدي كان إلى أن يعبر عن معاني القرآن أنفسها ~~ممكن غير متعذر، إلا أن الأولى أن يلزم الجدد الظاهر3، وأن لا يجابوا إلى ~~ما قالوه من أن التحدي كان إلى أن يؤدي في أنفس معانيه بنظم وافظ ~~PageV01P609 # يشابهه ويساويه، ويجزم لهم القول بأنهم تحذوا إلى أن يجيئوا في أي معنى ~~أرادوا مطلقا غير مقيد، وموسعا عليهم غير مضيق، بما يشبه نظم القرآن أو ~~يقرب من ذلك. ### | 36 - # ومما يحيل أن يكون التحدي قد كان إلى ما ذكروه ومع الشرط الذي توهموه، أن ~~العرب قد كانت ms358 تعرف "المعارضة" ما هي وما شرطها، فلو كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد عدل بهم في تحديه لهم إلى ما لا يطالب بمثله، لكان ينبغي أن ~~يقولوا: "إنك قد ظلمتنا، وشرطت في معارضة الذي جئت به ما لا يشترط، أو ما ~~ليس بواجب أن يشترك، وهو أن يكون النظم الذي تعارض به في انفس معاني هذا ~~الذي تحديت إلى معارضته، فدع عنا هذا الشرط، ثم اطلب فإنا نريك حينئذ مما ~~قاله الأولون وقلناه وما نقوله في المستأنف، ما يوازي نظم ما جئت به في ~~الشرف والفضل ويضاهيه، ولا يقصر عنه". وفي هذه كفاية لمن كانت له أذن نعي، ~~وقلب يعقل. # قد ثم الذي أردت في جواب سؤالهم، وبان بطلانه بيانا لا يبقى معه إن شاء ~~الله شك لناظر، وإذا هو نصح نفيه وأذكى حسه، ونظر نظر من يريد الدين، ويرجو ~~مما عبد الله، ويريد فيما يقول ويعمل وجه تقدس أسمه~، وإليه تعالى ترغيب في ~~أن يجعلنا ممن هذه صفته في كل ما ننتحيه وننظر فيه، بفضله ومنه ورحمته، إنه ~~على ما يشاء قدير. # الحمد لله حق حمده، والصلاة على رسوله محمد وآله من بعده. # PageV01P610 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | الرسالة الشافية في وجوه الإعجاز، والقول في الصرفة: # فصل: # في الذي يلزم القائلين بالصرفة: ### | 37 - # اعلم أن الذي يقع في الظن من حديث القول بالصرفة، أن يكون الذي ابتدأ ~~القول بها ابتدأه على توهم أن التحدي كان إلى أن يعبر عن أنفس معاني القرآن ~~بمثل لفظه ونظمه، دون أن يكون قد أطلق لهم وخيوا في المعاني كلها. ذاك لأن ~~في القول بها على غير هذا الوجه أمورا شنيعة، يبعد أن يرتكبها العاقل ويدخل ~~فيها. وذاك أنه يلزم عليه أن تكون العرب قد تارجعت حالها في البلاغة ~~والبيان، وفي جودة النظم وشرف اللفظ وأن يكونوا قد نقصوا في قرائحهم ~~وأذهانهم، وعدموا الكثير مما كانوا يستطيعون وأن تكون أشعارهم التي قالوها، ~~والخطب التي قاموا بها، وكل كلام احتفلوا فيه1، من بعد أن أوحي ms359 إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وتحدوا إلى معارضه القرآن2 قاصرة عما سمع منهم من قبل ~~ذلك القصور الشديد، وأن يكون قد ضاق عليهم في الجملة مجال قد كان يتسع لهم، ~~ونضبت عنهم نمواد قد كانت تعزر3. وخذلتهم قوى قد كانوا يصولون بها، وأن ~~تكون أشعار شعار النبي صلى الله عليه وسلم التي قالوها في مدحه عليه السلام ~~وفي الرد على المشركين ناقصة متقاصرة عن شعرهم في الجاهلية، وأن يشك في ~~الذي روي في شأن حسان من نحو PageV01P611 # قوله عليه السلام1: "قل وروح القدس معك" 2، لأنه لا يكون معانا مؤيدا من ~~عند الله، وهو يعدم مما كان يجده قبل كثيرا، ويتقاصر أنف حاله عن السالف ~~منها تاقصرا شديدا3. ### | 38 - # فإن قالوا: إنه نقصان حدث في فصاحتهم من غير أن يشعروا به. # قيل لهم: فإن كان الأمر كذلك، فلم تقم عليهم حجة، لأنه لا فرق بين أن لا ~~يكونوا قد عدموا شيئا من الفصاحة التي كانوا يعرفونها لأنفسهم قبل التحدي ~~بالقرآن والدعاء إلى معارضته، وبين أن يكونوا قد عدموا ذاك، ثم لم يعلموا ~~أنهم قد عدموه. ذاك لأن الآية بزعمهم إنما كانت في المنع من نظم ولفظ قد ~~كان لهم ممكنا قبل أن تحدوا، ولا يكون منع حتى يرام الممنوع4، ولا يتصور أن ~~يروم الإنسان الشيء ولا يعلمه، ويقصد في قوله له وفعل إلى أن يجيء به على ~~وصف وهو لا يعرف ذلك الوصف ولا يتصوره بحال من الأحوال. وإذا جعلناهم لا ~~يعلمون أن كلامهم الذي يتكلمون به اليوم قاصر عن الذي تكلموا به أمس، وأن ~~قد امتنع عليهم في النظم شيء كان يواتيهم، وسلبوا منه معنى قد كان لهم ~~حاصلا5 استحال PageV01P612 # أن يعلموا أن لنظم القرآن فضلا على كلامهم الذي يسمع منهم، وعلى النظم ~~الواهن الباقي لهم1، ذاك لأن عذر القائل بالصرفة، أن كلامهم قبل أن تحدوا ~~قد كان مثل نظم القرآن، وموازيا له، وفي مبلغه من الفصاحة. ### | 39 - # وإذا كان كذلك، لم يتصور أن يعلموا أن للقرآن مزية على ms360 كلامهم، وعندهم أن ~~كلامهم باق على ما كان عليه في القديم لم ينقص ولم يدخله خلل. وإذا لم ~~يتصور أن يعلموا أن للقرآن مزية على ما يقولونه ويقدرون عليه في الوقت2، لم ~~يتصور أن يحاولوا تلك المزية، وإذا لم يحاولوها لم يحسوا بالمنع منها ~~والعجز عن نيلها، وإذا لم يحسوا بالعجز والمنع لم تقم عليهم حجة به. فالذي ~~يعقل إذن مع هذه الحال، أن يعتقدوا أنهم قد عارضوا القرآن وتكلموا بما ~~يوازيه ويجري مجرى المثل له، من حيث أنه إذا كان عندهم أن كلامهم باق على ~~ما كان عليه في الأصل وقبل نزول القرآن، وكان كلامهم إذا ذاك في حد المثل ~~والمساوى للقرآن، فواجب مع هذا الاعتقاد أن يعتقدوا أن في جملة ما يقولونه ~~في الوقت ويقدرون عليه، ما يشبه القرآن ويوازيه. ### | 40 - # واعلم أنه يلزمهم أن يفضوا في النبي صلى الله عليه وسلم بما قضوا في ~~العرب، من PageV01P613 # دخول النقص على فصاحتهم، وتراجع الحال بهم في البيان، وأن تكون النبوة قد ~~أوجبت أن يمنع شطرا من بيانه، وكثيرا مما عرف له قبلها من شرف اللفظ وحسن ~~النظم. وذلك لأنهم ذا لم يقولوا ذلك، حصل منه أنيكون عليه السلام قد تلا ~~عليهم: {قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] 1، في حال هو يستطيع يها أن ~~يجيء بمثل القرآن ويقدر عليه، ويتكلم ببعض ما يوازيه في شرف اللفظ وعلو ~~النظم. اللهم إلا أن يقتحموا جهالة أخرى، فيزعموا أنه عليه السلام قد كان ~~من الأصل دونهم في الفصاحة، وأن الفضل والمزية التي بها كان كلامهم قبل ~~نزول القرآن في مثل لظفه ونظمه، قد كان لبلغاء العرب دون النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وإذا قالوا ذلك، كانوا قد خرجوا من قبيح القول إلى مثله، فلم ~~يشك أحد أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن منقوصا في الفصاحة، بل الذي أتت به ~~الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب. ms361 ### | 41 - # ومما يلزمهم على أصل المقالة أنه كان ينبغي لهم2 لو أن العرب كانت منعت ~~منزلة من الفصاحة قد كانوا عليها أن يعرفوا ذلك من أنفسهم، كما قدمت، ولو ~~عرفوا لكان يكون قد جاء عنهم ذكر ذلك، ولكانوا قد قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: "إنا كنا نستطيع قبل هذا الذي جئتنا به، ولكنك قد سحرتنا، ~~واحتلت PageV01P614 # في شيء حال بيننا وبينه"، فقد نسبوه إلى السحر في كثير من الأمور، كما لا ~~يخفى، وكان أقل ما يجب في ذلك أن يتذاكروه فيما بينهم، ويشكوه البعض إلى ~~البعض، ويقولوا: "ما لنا قد نقصنا في قرائحنا، وقد حث كلول في أذهاننا" ففي ~~أن لم يرو ولم يذكر أنه كان منهم قول في هذا المعنى، لا ما قل ولا ما كثر، ~~دليل [على] أنه قول فاسد1، ورأى ليس من آراء ذوى التحصيل. ### | 42 - # هذا، وفي سياق آية التحدي ما يدل على فساد هذا القول، وذلك أنه لا يقال ~~عن الشيء منعه الإنسان بعد القدرة عليه، وبعد أن كان يكثر مثله منه: "إني ~~قد جئتكم بما لا تقدرون على مثله ولو احتشدتم له، ودعونهم الإنسان والجن ~~إلى نصرتكم فيه"، وإنما يقال: "إني أعطيت أن أحول بينكم وبين كلام كنتم ~~تستطيعون وأمنعكم إياه، وأن أقحمكم عن القول البليغ، وأعدمكم اللفظ ~~الشريف"، ومما شاكل هذا. ونظيره أن يقال للأشداء وذوي الأيد: "إن الآية أن ~~تعجزوا عن رفع ما كان يسهل عليكم رفعه، وما كان لا يتكاءدكم ولا يثقل ~~عليكم"2. # ثم إنه ليس في العرف ولا في المعقول أن يقال: "لو تعاضدتم واجتمعتم ~~جميعكم لم تقدروا عليه"3، ي شيء قد كان الواحد منهم يقدر على مثله، ~~PageV01P615 # ويسهل عليه ويستقل به، ثم يمنعون منه وإنما يقال ذلك حيث يراد أن يقال: ~~"إنكم لم تستطيعوا مثله قط، ولا تستطيعونه البتة وعلى وجه من الوجوه، حتى ~~إنكم لو استضفتم إلى قواكم وقدركم التي لكم قوى وقدرا، وقد استمددتم من ~~غيركم، لم تستطيعوه أيضا" من حيث إنه لا معنى للمعاضدة والمظافرة ms362 ~~والمعاونة1، إلا أن تضم قدرتك إلى قدرة صاحبك حتى يحصل باجتماع قدرتكما ما ~~لم يكن يحصل. # فقد بان إذن أن لا مساغ لحمل الآية على ما ذهبوا إليه، وأن لا محتمل فيها ~~لذلك على وجه من الوجوه، وظهر به وسائر ما تقدم أن القول بالصرفة، ولا سيما ~~على هذا الوجه، قول في غاية البعد والتهافت، وانه من جنس ما لا يعذرا لعاقل ~~في اعتقاده. ولم أقل: "ولا سيما على هذا الوجه"2، وانا أعني أن للقول بها ~~على الوجه الأول مساغا في الصحة، ولكني أردت أن فساده كأنه أظهر، والشناعة ~~عليه أكثر، وإلا فما هما، إن أردت البلاطن، إلا سواء. ### | 43 - # فإن قلت: فكيف الكلام عليهم، إذا ذهبوا في "الصرفة" إلى الوجه الآخر، ~~فزعموا أن التحدي كان أن يأتوا في أنفس معاني القرآن بمثل نظمه ولفظه؟ وما ~~الذي دل على فساده؟ PageV01P616 # فإن1 على فساد ذلك أدلة منها قوله تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا ~~بعشر سور مثله مفتريات} [هود: 13]، وذاك أنا نعلم أن المعنى2: فأتوا بعشر ~~سور تفترونها أنتم وإذا كان المعنى على ذلك، فبنا أن ننظر في الافتراء إذا ~~وصف المعنى، وإذا لم يرجع إلا إلى المعنى وجب أن يكون المراد3: إن كنتم ~~تزعمون أني قد وضعت القرآن وافتريته، وجئت به من عند نفسي، ثم زعمت أنه وحي ~~من الله، فعضوا أنتم أيضا عشر سور وافتروا معانيها كما زعمتم أني افتريت ~~معاني القرآن. فإذا كان المراد كذلك، كان تقديرهم أن التحدي كان أن يعمدوا ~~إلى أنفس معاين القرآن فيعبروا عنها بلفظ ونظم يشبه نظمه ولفظه4، خروجا عن ~~نص التنزيل وتحريفا له. # وذاك أن حق اللفظ إذا كان المعنى ما قالوه أن يقال: "إن زعمتم أني ~~افتريته، فأتوا أنتم في معاني هذا المفتري بمثل ما ترون من اللفظ والنظم". ~~يبين ذلك أنه لو قال رجل شعرا فأحسن في لظفه ونظمه وأبلغ، وكان له خصم ~~يعانده، فعلم الخصم أنه لا يجد عليه مغمزا في النظم واللفظ، فترك ذلك جانبا ~~وتشاغل عنه، وجعل ms363 يقول: "إني رأيتك سرقت معاني شعرك وانتحلتها وأخذتها من ~~هذا وذاك، فقال له الرجل في جواب هذا الكلام: "إن كنت قد سرقت معاني ~~PageV01P617 # شعري، فقل أنت شعرا مثله مسروق المعاني" لم يعقل منه إلا أنه يقول: "فقل ~~أنت شعرا في معان أخر تسرقها كما سرقت معاني بزعمك" ولم يحتمل أن يريد: ~~"أعمد إلى معاني فقل فيها شعرا مثل شعري", وإنما يعقل ذلك إذا هو قال: "إن ~~كنت قد سرقت معاني شعري، فقل أنت في هذه المعاني المسروقة مثل الذي قلت، ~~وأنظم فيه الكلام مثل نظمي لكلامي، وخبره تحبيري". ### | 44 - # هذه جملة لا تخفي على من عرف مخارج الكلام، وعلم حق المعنى من اللفظ، وما ~~يحتمل مما لا يحتمل. ومنها ما تقدم1، من أنه لا يقال في الشيء قد كان يكثر ~~مثله من الإنسان ثم منع منه: "ايت بمثله، وأجهد جهدك، واستعن عليه، فإنك لا ~~تستطيع ولو أعانك الجن والإنس"2، وإنما يقال ذلك في البديع المتبدأ، أو ~~الذي لم يسبق إليه، ولم يوجد مثله قط. # وهذا المعنى وإن كان يلزمهم في الوجهين، فإنه لهم في هذا الوجه الذي نحن ~~فيه ألزم، وذاك أن قولك للرجل يقدر على مثل الشيء اليوم في كثير من الأحوال ~~والأمور3، ويعوقه عنه عائق في حال واحدة وأمر واحد: "لو اجتمع الإنسن والجن ~~فأعانوك لم تقدر على مثله"4 أبعد وأقبح من قولك ذلك. وقد كان يقدر عليه في ~~سالف الأزمان، ثم منعه جملة، وجعل لايستطيعه البتة. PageV01P618 # 1 ومنها الأخبار التي جاءت عن العرب في تعظيم شأن القرآن وفي وصفه بما ~~وصفوه به من نحو: "إن عليه لطلاوة، وإن له لحلاوة، وإن أسفله لمعذق، وإن ~~أعلاه لمثمر"2، وذاك أن محالا أن يعظموه، وأن يبهتوا عند سماعه، ويستكينوا ~~له، وهم يرون فيما قالوه وقاله الأولون ما يوازيه، ويعلمون أنه لم يتعذر ~~علثيهم لأنهم لا يستطيعون مثله، ولكن وجدوا في أنفسهم شبه الآفة والعارض ~~يعرض للإنسان فيمنعه بعض ما كان سهلا عليه بل الواجب في مثل هذه الحال أن ~~يقولوا: ms364 "إن كنا لا يتهيأ لنا أن تقول في معاني ما جئت به ما يشبه، إنا ~~لتأتيك في غيره من المعاني ما شئت وكيف شئت، بما لا يقصر عنه ولا يكون ~~دونه". ### | 45 - # وجملة الأمر أن علم النبوة عندئذ والبرهان، إنما كان [يكون] في الصرف ~~والمنع عن الإتيان بمثل نظم القرآن لا في نفس النظم3. وإذا كان كذلك، ~~فينبغي إذا تعجب المتعجب وأكبر المكبر، أن يقصد بتعجبه وإكباره إلى المنع ~~الذي فيه الآية والبرهان، لا إلى الممنوع منه. وهذا واضح لا يشكل. ~~PageV01P619 ### | 46 - # فإن قالوا: إنه ليكون أن يستحسن الشاعر الشعر يقوله غيره ويكبر شأنه، ~~ويرى فيه فضلا ومزية على ما قاله هو من قبل، ثم هو لا ييأس من أن يقدر على ~~مثله إذا هو جهد نفسه وتعمل له. فنحن نجعل لفظ القرآن ونظمه على هذا ~~السبيل، وتقول: إنهم سمعوا منه ما بهرهم وعم في نفوسهم، وأنهم [كانوا على ~~حال أنسوا من أنفسهم بأنهم يأتون بمثله إذا هم اجتهدوا1، فحيل بينهم وبين ~~ذلك الاجتهاد، وأخذوا عن طريقه، ومنعوا فضل المنة التي طمعوا معها في أن ~~يجروا إلى تلك الغاية ويبلغوا ذاك الذي أرادوا2 وإذا كنا نعلم أن الشعر ~~المفلق ربما اعتاص القول عليه حتى عييا بقافية، وحتى تنسد عليه المذاهب، ~~وأن الخطيب المصقع يرتج عليه حتى لا يجد مقالا، وحتى لا يفيض بكلمة، لم يكن ~~الذي قلناه وقدرناه بعيدا أن يكون، وأن يسعة الجواز ويحتمله الإمكان. # قيل لهم: أنتم الآن كأنكم أردتم أن تسحنوا امركم3، وأن تغطوا على بعض ~~العوار، وأن تتملصلوا من الذي تلزمون4، وليس لكم في ذلك كبير جدوى إذا حقق ~~الأمر، وإنما هو خداع وضرب من التزيق. # وأول ما يدل على بطلان ما قلتم، وأن الذي عرفنا من حال الناس فيما سبيله ~~ما ذكرتم، الضجر والشكوى، وأن يقولوا: "ما بالنا؟ 5 ومن أين دهينا؟ وكيف ~~PageV01P620 # الصورة؟ إنا وإن كنا نسمع قولا له فضل ومزية على ما قلناه، فإنه ليس ~~بالذي ينبغي أن نعجز عنه هكذا حتى لا ms365 نستطيع في معارضته ما نرضى1، فلا ندري ~~أسحرنا أماذا كان؟ " ففي أن لم يرو عنهم شيء من هذا الجنس على وجه من ~~الوجوه، دليل أن لا أصل لما توهموه، وأنه تلفيق باطل. # ثم إنه ليس في العادة أن يدعن الرجل لخصمه، ويستكين له، ويلقى بيده، ~~ويسكت على تقريعه له بالعجز وترديده لاقول في ذلك، وقدر ما ظهر من المزية ~~قدر قد يطمع الإنسان في مثله2، ويرى أنه يناله إذا هو اجتهد وتعمد3 بل ~~العادة في مثل هذا أن يدفع العجز عن نفسه، وأن يجحد الذي عرف لصاحبه من ~~المزية ويتشدد، كما فعل حسان4، فيدعي في مساواته، وأنه إن كان جرى إلى غاية ~~رأي لنفسه بها تقدما إنه ليجري إلى مثلها، وأن يقول: "لا تغل ولا تفرط ولا ~~تشتط في دعواك، فلئن كنت قد نلت بعض السبق، إنك لم تبعد المدى بعد من لا ~~يداني ولا يشك غباره، فرويدا، وأكفف من غلوائك". ### | 47 - # واعلم أنهم يتمحلهم هذا قد وقعوا في امر يوهي قاعدتهم، ويقدح في أصل ~~مقالتهم، فقد نظروا لأنفسهم من وجه وتركوا النظر لها من آخر. وذاك أن من حق ~~المنع إذا جعل آية وبرهانا، ولا سيما للنبوة، أن يكون في اظهر الأمور، ~~PageV01P621 # وأكثرها وجودا، وأسهلها على الناس، وأخلقها بأن تبين لكل راء وسامع أنه ~~قد كان منع، لا أن يكون المنع من خفي لا يعرف إلا بالنظر، وإلا بعد الفكر، ~~ومن شيء لم يوجد قط ولم يعهد، وإنما يظن ظنال أنه يجوز أن يكون، وأن له ~~مدخلا ي الإمكان إذا آجتهد المجتهد، وهل سمع قط أن نبيا أتى قومه فقال: ~~"حجتي عليكم، والآية في أني نبي إليكم، أن تمنعوا من أمر لم يكن منكم قط، ~~وليس يظهر في بادئ الرأي وظاهر الأمر أنكم تستطيعونه، ولكنه موهوم جوازه ~~منكم، إذا أنتم كددتم أنفسكم، وجمعتم ما لكم، واستفرغتم مجهودكم، وعاودتم ~~الاجتهاد فيه مرة بعد أخرى"؟ أم ذلك ما لا يقوله عاقل، ولا يقدم عليه إلا ~~مجازف لا يدري ما يقول؟ # وإذا ms366 كان كذلك، وكان الذي قالوه من أن المنع كان من نظم لم يوجد منهم قط، ~~إلا أنهم أحسوا في أنفسهم انهم يستطيعونه إذا هم اجتهدوا واستفرغوا الوسع،1 ~~بهذه المنزلة، وداخلا في هذه القضية2 فقد بان أنهم بذلك قد أوهوا قاعدتهم، ~~وقدحوا في أصل المقالة، من حيث جعلوا الآية والبرهان وعلم الرسالة والأمر ~~المعجز للخلق، في المنع من شيء لم يوجد قط، ولم يعلم أنه كان في حال من ~~الأحوال، وليس بأكثر من أن ظن ظنا أنه مما يحتمله الجواز ويدخل في الإمكان، ~~إذا أدمن الطلب، وكثر فيه التعب، واستنزفت قوى الاجتهاد، وأرسلت له الأفكار ~~في كل طريق، وحشدت إليه الخواطر في كل جهة. وكفى بهذا ضعف راي وقلة تحصيل. ~~PageV01P622 # فصل: ### | 48 - # وهذا فصل أختم به: # ينبغي أن يقال: ما هذا الذي أخذتم به أنفسكم؟ وما هذا التأويل منكم في ~~عجز العرب عن معارضة القرآن؟ وما دعاكم إليه؟ وما أردتم منه؟ أأن يكون لكم ~~قول يحكي، وتكونوا أمة على حدة، أم قد أتاكم في هذا الباب علم لم يأت ~~الناس؟ # فإن قالوا: أتانا فيه علم. # قيل: أفمن نظر ذلك العلم أم خبر؟ # فإن قالوا: من نظر. # قيل لهم: فكأنكم تعنون أنكم نظرتم في نظم القرآن ونظم كلام العرب ووازنتم ~~فوجدتموه لا يزيد إلا بالقدر الذي لو خلوا والاجتهاد وإعمال الفكر، ولم ~~تفرق عنهم خواطرهم عند القصد إليه، والمصد له لأتوا بمثله؟ # فإن قالوا: كذلك نقول. # قيل لهم: فأنتم تدعون الآن أن نظركم في الصاحة نظر لا يغيب عنه شيء من ~~أمرها، وأنكم قد أحطتم علما بأسرارها، وأصبحتم ولكم فيها فهم وعلم لم يكن ~~للناس قبلكم. # وإن قالوا: عرفنا ذلك بخبر. # قيل: فهاتوا عرفونا ذلك، وأني لهم تعريف مالم يكن، وتثبيت ما لم يوجد! # PageV01P623 # ولو كان الناس إذا عن لهم القول نظروا في موداه، وتبينوا عاقبته، وتذكروا ~~وصية الحكماء حين نهوا عن الورود حتى يعرف الصدر، وحذروا أن تجيء أعجاز ~~الأمور بغير ما أوهمت الصدور إذا لكفوا البلاء، ولعدم هذا وأشباهه من ms367 فاسد ~~الآراء، ولكن يأتي الذي في طباع الإنسان من التسرع، ثم من حسن الظن بنفسه، ~~والشغف بأن يكون متبوعا في رأيه، إلا أن يخدعه وينسبه أنه موصى بذلك، ومدعو ~~إليه، ومحذر من سوء المغبة إذا هو تركه وقصر فيه. وهي الآفة لا يسلم منها ~~ومن جنايتها إلا من عصم الله1. وإليه عز اسمه الرغبة في أن يوفق للتي هي ~~أهدى، ويعصم من كل ما يوتع الدين2، ويثلم اليقين، إنه ولي ذلك والقادر ~~عليه. PageV01P624 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | 49 - # قول من قال: "إنه يجوز أن يقدر الواحد من الناس من بعد انقضاء زمن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ومضى وقت التحدي، على أن يأتي بما يشبه القرآن ويكون ~~مثله، لأن ذلك لا يخرج عن أن يكون قد كان معجزا في زمان النبي صلى الله ~~عليه وسلم1، وحين تحدى العرب إليه"2 قول لا يصح إلا لمن لا يجعل القرآن ~~معجزا في نفسه3، ويذهب فيه إلى "الصرفة". # فأما الذي عليه العلماء من أنه معجز في نفسه، وأنه في نظمه وتأليفه على ~~وصف لا يهتدي الخلق إلى الإتيان بكلام هو في نظمه وتأليفه على ذلك الوصف، ~~فلا يصح البتة ذاك لا فرق بين أن يكون الفعل معجزا في جنسه كإحياء الموتى، ~~وبين أن يكون معجزا لوقوعه على وصف، وإذا كان كذلك، فكما أنه محال أنه يكون ~~ههنا إحياء ميت لا من فعل الله، كذلك محال أن يكون ههنا نظم مثل نظم القرآن ~~لا من فعله تعالى. فهذا هو. # ثم إنه قول إذ نقر عنه انكشف عن أمر منكر، وهو إخراج أن يكون وحيا من ~~الله، وأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد تلقاه عن جبريل عليه السلام ~~والذهاب إلى أنت يكون قد كان على سبيل الإلهام، وكالشيء يلقى في نفس ~~الإنسان ويهدى له من طريق الخاطر والهاجس الذي يهجس في القلب. وذلك مما ~~يستعاذ بالله منه، فإنه تطرق للإحاد، والله ولي العصمة والتوفيق. ~~PageV01P625 # بسم الله الرحمن الرحيم # فصل: ### | 50 - 1 # اعلم أن البلاء ms368 والداء العياء، أن ليس علم الفصاحة وتمييز بعض الكلام من ~~بعض بالذي تستطيع أن تفهمه من شئت ومتى شئت، وأن لست تملك من أمرك شيئا حتى ~~تظفر بمن له طبع إذا قدحته ورى2، وقلب إذا أريته رأى فأما وصاحبك من لا يرى ~~ما تريه، ولا يهتدي للذي تهديه، فأنت معه كالنافخ في الحم من غير نار، ~~وكالملتمس الشم من أخشم3, وكما لا تقيم الشعر في نفس من لا ذوق له، كذلك لا ~~يفهم هذا الباب من لم يؤت الآلة التي بها يفهم إلا أنه إنما يكون البلاء ~~إذا ظن العادم لها أنه قد أويتها، وأنه ممن يكمل للحكم ويصح منه القضاء، ~~فجعل يخبط ويخلط، ويقول القول لو علم غبه لاستحي منه4. # وأما الذي يحس بالنقص في نفسه5، ويعلم أنه قد عدم علما قد أوتيه من سواه، ~~فأنت منه في راحة، وهو رجل عاقل قد حماه عقله أن يعدو طوره6، وأن يتكلف ما ~~ليس بأهل له. PageV01P626 # وإذا كانت العلوم التي لها أصول معروفة، وقوانين مضبوطة، قد اشترك الناس ~~في العلم بها، واتفقوا على أن البناء عليها والرد إليها، إذا أخطأ فيها ~~المخطئ ثم أعجب برأيه لم تستطيع رده عن هواه، وصرفه عن الرأي الذي رأى، إلا ~~بعد الجهد، وإلا بعد أن يكون حصيفا عاقلا ثبتا، إذا نبه انتبه، وإذا قيل: ~~"إن عليك بقية من النظر"، وقف وأصغى، وخشي أن يكون قد غر، فاحتاط باستماع ~~ما يقال له، وأنف من أن يلج من غير بينة، ويستطيل بغير حجة. وكان من هذا ~~وصفه بعز ويقل: فكيف بأن ترد الناس عن رأيهم في أمر الفصاحة، وأصلك الذي ~~تردهم إليه، وتعول ي محاجتهم عليه، استشهاد القرائح1، وسبر النفوس وفليها ~~وما يعرض فيها من الأريحية عندما تسمع2 وهم لا يضعون أنفسهم موضع من يرى ~~الرأي ويفي ويقضي، إلا وعندهم أنهم ممن صفت قريحته، وصح ذوقه، وتمت أداته. # فإذا قلت لهم: "إنكم أتيتم من أنفسكم، ومن أنكم لا تفطنون"، ردوا مثله ~~عليك، وعابوك، ووقعوا فيك، وقالوا: # "لا، ms369 بل قرائحنا أصح، ونظرنا أصدق، وحسنا أذكى، وإنما الآفة فيكم، فإنكم ~~جئتم فخيلتم إلى أنفسكم أمورا لا حاصل لها، وأوهمكم الهوى والميل أن توجبوا ~~لأحد النظمين المتساويين فضلا عن الآخر، من غير ان يكون له ذلك الفضل"، ~~فتبقى في أيدهم حسيرا لا تملك غير التعجب3. PageV01P627 # فليس الكلام إذن بمعن عنك، ولا القول بنافع، ولا الحجة مسموعة، حتى تجد ~~من فيه عون لك، ومن إذا أبي عليك أبى ذاك طبعه فرده إليك، وفتح سمعه لك، ~~ورفع الحجاب بينه وبينك، وأخذ به إلى حيث أنت، وصرف ناظره إلى الجهة التي ~~إليها أومأت، فاستبدل بالنفار أنسا، وأراك من بعد الإباء قبولا، وبالله ~~التوفيق. # PageV01P628 ### | الفهارس ### | فهرس آيات القرآن العظيم # سورة الفاتحة ### | 2 - 7 # السورة كلها، و "الصراط": 109، 452، 453 # سورة البقرة # 1، 2 "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه": 227 # 6، 7 "إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم ~~الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم": 109، 228 # 8، 9 "ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ~~يخادعون الله": 228 # 11، 12 "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون إلا إنهم ~~هم المفسدون ولكن لا يشعرون": 232، 358 # 13 "وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا ~~إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون": 232، 233 # 14 "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا ~~معكم إنما نحن مستهزؤن": 228، 231، 232، 234 # 15 "الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون": 231، 232، 232، 234 # 15 "الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون": 231، 232، 233، 234، 235 # 16 "فما ربحت تجارتهم": 293 - 295، 296، 396، 427، 429، 521 # 23 "بسورة من مثله": 385 # 31 "وعلم آدم الأسمآء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء ~~هؤلاء إن كنتم صادقين": 541 # 71 "فذبحوها وما كادوا يفعلون": 275، 276 # 93 "وأشربوا في قلوبهم العجل": 397، 427، 521 # PageV01P631 # 96 "ولتجدنهم أحرص الناس على حياة": 288 # 173 "إنما حرم عليكم الميتة والدم": 328 # 179 "ولكم في القصاص حياة": ms370 261، 289، 428، 547 # سورة آل عمران # 36 "قالت رب إني وضعتهآ أنثى والله أعلم بما وضعت": 327 # 54 "ومكروا ومكر الله": 231، # 62 "وما من إله إلا الله": 329 # 75، 78 "ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون": 133 # سورة النساء # 100 "ومن يخرج من بيته مهاجر إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع ~~أجره على الله": 246 # 112 "ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما ~~عظيما": 246 ### | 124 - # "يخادعون الله وهو خادعهم": 231، 232 # 171 "ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم": 179، 383، 384 # "يأهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول ~~الله ولكمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ~~ثلاثة انتهوا خير لكم": 383، 384 # "إنما الله إله واحد": 382 # سورة المائدة ### | 61 - # "وإذا جاءؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا باكلفر وهم قد خرجوا به": 131، 134 # 73 "الصابئون": 31 # 73 "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة": 383 # 117 "ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم": 337 # PageV01P632 # 8 "قالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر": 233 # 14 "قل أغير الله أتخذ وليا": 121 # 35 "ولو شاء الله لجمعهم على الهدى": 164 # 36 "إنما يستجيب الذين يسمعون": 330 # 39 "من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم": 166 # 40 "قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله وأتتكم الساعة أغير الله تدعون": 121 # 54 "أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب": 317 # 56 "قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله": 324 # 77 "رأى القمر": 109 # 100 "وجعلوا لله شركاء الجن": 286 # 143 "قل الذكرين حرم أم الأنثيين أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين: 115 # سورة الأعراف # 33 "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن": 328 # 104 "وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين": 324 # 123 "آمنتم به قبل أن آذن لكم": 324 # 125 "قالوا ms371 إنا إلى ربنا منقلبون": 324 # 186 "ويذرهم في طغيانهم يعمهون": 205 # 188 "قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شآء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون": 334 # 196 "إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين": 137 # سورة الأنفال # 31 "لو نشاء لقلنا مثل هذا": 165 # 55 "إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون": 138 # 57 "فشرد بهم من خلفهم": 521 # 58 "وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء": 521 # PageV01P633 # 30 "وقالت اليهود عزير ابن الله": 375، 384 # 63 "أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم": 317 # 93 "إنما السبيل على الذين يستأذنونك": 345 # 103 "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن ~~لهم": 317 # سورة يونس # 59 "قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حلالا وحراما" = "قل ~~الله أذن لكم": 115 # 67 "هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا": 463 # 99 "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين": 23 # سورة هود # 13 "أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات": 385، 606، 617 # 28 "أنلزمكموها وأنتم لها كارهون": 118، 119 # 37 "ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون": 317 # 44 "وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوى ~~على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين": 45 # سورة يوسف # 9 "إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين": 317 # 31 "ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم": 229، 433 # 53 "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور ~~رحيم": 317 # 80 "فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا": 397، 521 # 82 "واسأل القرية": 301 # سورة الرعد # 19 "إنما يتذكر أولوا الألباب": 353، 354 # PageV01P634 # 40 "فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب": 345 # سورة إبراهيم # 10، 11 "إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا" ms372 ~~"قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم"، الآيتان: 122، 333 # سورة الحجر # 57، 58 "قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين": ~~241 # 89 "وقل إني أنا النذير المبين": 324 # 94 "فاصدع بما تؤمر": 397، 521 # سورة النحل # 9 "ولو شاء لهداكم أجمعين": 164 # 69 "يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس": 290 # 90 "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإتياء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون": 585 # 115 "إنما حرم عليكم الميتة": 328 # سورة الإسراء # 7 "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم": 534 # 40 "أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا ~~عظيما": 114 # 88 "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا" 369، 385، 588، 614 # 105 "وبالحق أنزلناه وبالحق نزل": 170، 557 # 110 "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى": ~~375 # سورة الكهف # 13 "نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم": 324 # PageV01P635 # 18 "وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد": 175 # 30 "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا": 323 # 83، 84 "ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في ~~الأرض": 324 # 110 "قل إنما أنا بشر مثلكم": 333 # سورة مريم # 4 "واشتعل الرأس شيبا": 100، 393، 402، 407، 427، 521 # 24 "جعل ربك تحتك سريا": 397 # سورة الأنبياء # 62، 63 "أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم = "بل فعله كبيرهم هذا": 113 # 100، 101 "لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون إن الذين سبقت لهم من الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون": 322 # سورة الحج # 1 "يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم": 316، 323 # 17 "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذيبن ~~أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة": 322 # 46 "فإنها لا تعمى الأبصار": 132، ### | .... # سورة المؤمنون # 24 "إن هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لنزل ~~ملائكة": 122 # 27 "ولا ms373 تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون": 317 # 59 "والذين هم بربهم لا يشركون": 138 # 117 "إنه لا يفلح الكافرون": 133، 317 # PageV01P636 # سورة النور # 40 "ظلمات بعضها فوق بعض إذآ أخرج يده لم يكد يراها": 275 # سورة الفرقان # 3 "واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون": 131، 134 # 5 "وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا": 137 # سورة الشعراء # 16 "فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين": 324 ### | 23 - 31 # "قال فرعون وما رب العالمين"، الآيات: 240، 241 # 117 "قال رب إن قومي كذبون": 327 # 130 "وإذا بطشتم بطشتم جبارين": 534 # 216 "فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون": 324 # 227 "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا": 28 # سورة النمل # 17 "وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس فهم يوزعون": 137 # سورة القصص # 23، 24 "ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون"، الآيتان: 161 # 44، 45 "وما كنت بجانب الغربي إذا قضينآ إلى موسى الأمر وما كنت من ~~الشاهدين، ولكن أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين ~~تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين": 247 # 66 "فعميت عليهم الأنبآء يومئذ فهم لا يتسآءلون": 138 # سورة لقمان # 7 ""وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يمسعها كأن في أذنيه ~~وقرا": 228 # PageV01P637 # 17 "يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على مآ أصابك ~~إن ذلك من عزم الأمور: "316، 317 # سورة فاطر" # 3 "هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض": 177 # 14 "ولا ينبئك مثل خبير": 521 # 18 "إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب": 354، 355 # 22، 23 "ومآ أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير: 334 # 28 "إنما يخشى الله من عباده العلماء": 338، 339 # سورة يس # 7 "لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون": 138 # 11 "إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب": 330 ### | 13 - 21 # "واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذا جاءها المرسلون"، الآيات: 241، 242 # 37 "وآية لهم ms374 الليل نسلخ منه النهار": 521 # 40 "ولا الليل سابق النهار": 376 # 69 "وما علمناه الشعر وما بنبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين": 24، 25، ~~230 # سورة الصافات # 153، 154 "أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون": 114 # سورة ص # 16 "عجل لنا قطنا": 397 # سورة الزمر # 9 "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون": 154 # سورة غافر # 66 "قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله": 324 # 68 "هو الذي يحيى ويميت": 154 # PageV01P638 # سورة فصلت ### | 1 - 4 # "حم تنزيل من الرحمن الرحيم"، الآيات: 583 # 6 "قل إنما أنا بشر مثلكم": 333 # سورة الشورى # 24 "فإن يشأ الله يختم على قلبه": 166 # سورة الزخرف # 19 "وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا" "أشهدوا خلقهم ستكتب ~~شهادتهم ويسألون": 368، 438، 439 # 32 "أهم يقسمون رحمة ربك": 123 # 40 "أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي": 120 # سورة الدخان ### | 50 - 52 # "إن هذا ما كنتم به تمترون، إن المتقين في جنات وعيون"، الآيات: 322 # سورة محمد # 4 "حتى تضع الحرب أوزارها": 521 # سورة ق # 37 "إن في ذلك لذكى لمن كان له قلب": 304 # سورة الذاريات ### | 24 - 28 # "هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين"، الايات: 240 # سورة النجم # 3، 4 "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى": 230 # PageV01P639 # سورة القمر # 12 "وفجرنا الأرض عيونا": 102 # 13 "ذات ألواح ودسر": 397 # 24 "فقالوا أبشر منا واحدا نتبعه": 122 # 43، 44، 48 "وانه هو أضحك وأبكى وأنه أمات وأحيى" "وأنه هو أغنى وأقنى": ~~154 # سورة المنافقون # 4 "يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدو فاحذرهم": 403 # سورة الحاقة # 13 "فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة": 31 # سورة المدثر # 6 "ولا تمنن تستكثر": 205 # 18، 19 "إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر": 582 # سورة النازعات # 45 "إنما أنت منذر من يخشاها": 330، 345 # سورة الغاشية # 21، 22 "إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر": 353 # سورة الليل # 17، 18 "وسيجنبها الأتقى. الذي يؤتي ماله يتزكى": 205 # سورة الإخلاص # 1، 2 "قل هو الله أحد ms375 الله الصمد" # PageV01P640 ### | فهرس الحديث # "إنما الشعر كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح": 24 # "أياكم وخضراء الدمن": 441 # "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا، فيريه، خير له من أن يمتلئ شعرا": 16 # "إن من الشحر لحكمة، وإن من البيان لسحرا": 16 # "قل وروح القدس معك": 17، 612 # "مانسى ربك، وما كان ربك نسيا، شعرا قلته": 17 # حديث عبد الله بن مسعود في القتلى يوم بدر: 18 # حديث محمد بن سلمة الأنصاري، عن استشاده صلى الله عليه وسلم حسنا شعر ~~الأعشى في هجاء علقمة بن علاقة: 19 # حديث عاءشة، واستشاده صلى الله عليه وسلم شعرا لسعية بن غريض اليهودي: 19 # حديث أم المؤمنين سودة، وإنشادها شعرا، ظنت عائشة وحفصة أنها تعرض بهما، ~~ومعرفته صلى الله عليه وسلم أنه ليس عدي وتيم من قريش: 20 # حديث أبي بكر، وسؤاله صلى الله عليه وسلم عن صواب إنشاد شعر سمعه: 21 # حديث النابغة الجعدي، وإنشاده، وقوله له: "لا يفضض الله فاك": 22 # حديث كعب بن زهير، وخير قصيدته المشهورة: 22 # حديث ذي اليدين حين قال: "أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ ": 282 # حديث إسلام أبي ذر: 584 # PageV01P641 ### | فهرس الشعر # ومنحط أتيح له اعتلاء سليمان بن داود القضاعي "الوافر": 94 # تخبر في الأبوة ما تشاء عبد الله بن مصعب "الوافر": 509 # ومن حسب العشيرة حيث شاءوا أبو البرج قاسم بن حنبل "الوافر": 148 # ليصحنى فإذا السلامة داء لبيد "كامل": 497، 498 # تجلت عن وجهه الظلماء ابن قيس الرقيات "الخفيف": 331 # ولقد كان ولا يدعي لأب مسكين الدارمي "الرمل": 207 # وكل مكان ينبت العز طيب المتنبي "طويل": 492، 508 # بغيضا تنائى أو حبيبا تقرب المتنبي "طويل": 499 # على شعث أي الرجال المهذب النابغة "طويل": 593 # إذا ما بنو نعش دنوا فتوبوا النابغة الجعدي "طويل": 137 # على وجه من الدماء سبائب الأخنس بن شهاب "طويل": 130 # ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب نصيب "طويل"511 # تقوم عليها في يديك قضيب واثلة بن خليفة السدوسي "طويل": 203 # تنتقي منه وتنتخب ابو نواس "المديد": 509 # ولا ms376 يرى مثلها عجم ولا غرب ذو الرمة "بسيط": 147 # شغل على أيمانهم تتهلب البحترى "الكامل": 300 # قيد الظنون أمذهب أم مذهب أبو تمام "الكامل": 523 # دخلوا السماء دخلتها لا أحجب خالد بن يزيد بن معاوية "الكامل": 209 # أملآ ويأمل ما آشتهى المكذوب نافع بن لقيط "الكامل": 500 # كرامتها والفتى ذاهب حزاز بن عمرو "متقارب": 567 # عقائل سرب أو تقنص ربربا البحتري "الطويل": 166 # هواى ولو خيرت كنت المهذبا بشار "الطويل": 510 # وأجرت سباحا بيذ المغالبا "الطويل": 129 # على قضاء الله ما كان جالبا سعد بن ناشب "الطويل": 220 # لجناة الحسن عنابا ابن المعتز "المديد": 451 # وعز ذلك مطلوبا إذا طلبا المتبني "بسيط": 496 # PageV01P642 # مظلومة الريق في تشبيها ضربا المتنبي "بسيط": 499 # تحال بياض لأمهم السرابا زياد بن حنظلة التميمي "الوافر": 89 # ومسقط قرنها من حيث غابا الفرزدق "الوافر": 513 # ولم يلدوا امرءا إلا نجيبا المتنبي "الوافر": 188 # فما إن رأينا لفتح ضريبا ألبحتري "المتقارب": 85 # نقض لبانات الفؤاد المعذب امرؤ القيس "طويل": 591 # إلينا ولكن عذره عذر مذنب أبو تمام "طويل": 490 # بحبك وإن تغضب إلى السيف يغضب حجية بن المضرب "طويل": 184 # ولم يك حقا كل هذا التجنب علقمة "طويل": 591 # على أروس الأقران خمس سحائب البحتري "طويل": 299 # على أن ذاك الزى زى محارب البحتري "طويل": 491 # ليسلكها فردا سليك المقانب البحتري "طويل": 565 # تمهل في روض المعاني العجائب أبو تمام "طويل": 516 # تضاعف فيه الحزن من كل جانب النابغة "طويل": 268 # عصائب طير تهتدي بعصائب النابغة "طويل": 5014 # أطاع لها العاصون في بدل الغرب البحتري "طويل": 492 # تنال إلا على جسر من التعب أبو تمام "البسيط": 78 # من أن أكون محبا غير محبوب المتنبي "البسيط": 190 # ومن لي أن أمتع بالمعيب البحتري "وافر": 504 # أرض ينال بها كريم المطلب البحتري "الكامل": 491، 508 # من خدرها فكأنها لم تحجب أبو تمام "الكامل": 104 # قرأت الورهاء شطر كتاب أبو تمام "الكامل": 406 # بعتيبة بن الحارث بن شهاب أبو ذؤاب ربيعة ms377 الأسدي "الكامل": 253 # وليغلبن مغالب الغلاب كعب بن مالك "الكامل": 17 # فاقتص ناظره من القلب أحمد بن أبي فنن "الكامل": 486 # في جسد من لؤلؤ رطب إبراهيم بن المهدي "السريع": 486 # مجد، وفضل الصلاح والحسب يزيد بن الحكم "المنسرح": 308 # PageV01P643 # ألقاه من زهد على غاربي اليزيدي "يحيى بن المبارك" "السريع": 237 # وتلطم الورد بعناب أبو نواس "السريع": 450 # خلالته كأبي مرحب النابغة الجعدي "متقارب": 301 # وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه بشار "الطويل": 96، 411، 536، 602 # أربت، وإن عاتبته لأن جانبه بشار "الطويل": 185 # مهايعه المثلى ومحت لواحبه أبو تمام "الطويل": 496 # أبو امه حتى أبوه يقاربه الفرزدق "الطويل": 83 # يداك يدى ليث فإنك غالبه الفرزدق "الطويل": 425 # يغرف من شعره ومن خطبه بشار "المنشرح": 513 # ويسترط الدمع من غربه المتنبي "السريع": 138 # متململا وتنام دون ثوابه البحتري "الكامل": 517 # يزد في نهاها وألبابها ابن المعتز "متقارب": 505 # إذا ما بيوت بامللامة حلت الشنفرى "الطويل": 310 # بنا نعلنا في الوطئين فزلت طفيل الغنوى "الطويل": 158 # نطقت ولكن الرماح أجرت عمرو بن معد يكرب "الطويل": 157 # تخليت مما بيننا وتخلت كثير "الطويل": 94 # أيادي لم تمنن وإن هي جلت محمد بن سعد الكاتب "الطويل": 149 # بجنوب خبت عريت وأجمعت جندب "الكامل": 236 # فهم الذرى وجماجم الهامات الكندي "الكامل": 506 # بيد تقر بأنها مولانه عامر بن حطان الخارجي "الكامل": 501، 507 # ما حفظها الأشياء من عاداتها المتبني "الكامل": 551 # أحوذى ذو ميعة إضريج أبو دؤاد الأيادي "الخفيف": 91، 205، 592 # وحال ما حاك من وشى وديباج البحتري "بسيط": 553 # PageV01P644 # يكد الوعد بالحجج ابن المعتز "الوافر": 77 # في قبة ضربت على ابن الحشرج زياد الأعجمي "الكامل": 306، 307 # إن بنى عمك رماح حجل بن نضلة "السريع": 328 # وموت الهوى في القلب منى المبرح ذو الرمة "طويل": 274 # بها خطل الرماح أو كان يمزح عقال بن هشام القينى "طويل": 514، 599 # فأصبح فيه ذو الرواية يسبح ابن ميادة "طويل": 514، 599 # وسألت بأغناق المطي الأباطح "طويل": 74، 75، 294، 296 # بنفسك إلا أن ما طاح طائح الأغر ms378 الشاعر "طويل": 78 # طواهر جلدي وهو في القلب جارح كثير "طويل": 497 # عتاق دنانير الوجوه ملاح ابن المعتز "طويل": 104 # بإساءة وعن المسيء صفوح المتبني "كامل": 568 # وغدوت للذات مطرحا أبو نواس "كامل": 548 # وأندى العالمين بطون راح جرير "الوافر": 188، 607 # كان مستعلقا على المداج أبو العتاهية "الخفيف": 503 # ولكنه بالمجد والحمد مفرد ابن الرومي "الطويل": 183 # تلفت ملهوف ويشتاقه الغد ابن الرومي "طويل": 504 # أتحت ضلوعي جمرة تتوقد ابن الرومي "طويل": 554 # ومن عادة الإحسان والصفح غامد المتنبي "طويل": 506 # بنى حوالي الأسود الحوارد الفرزدق "طويل": 211 # سجية نفس كل غانية هند أبو تمام "طويل": 495 # بنو بنت مخزوم ووالدك العبد حسان "طويل": 181 # وما قلت إلا بالذي علمت سعد الحطيئة "طويل": 331 # خرجت مع البازى على سواد بشار "طويل": 203، 219 # إلى أن ترى ضوء الصباح وسا بشار" "طويل": 492 # عليك بجاري دمعها لجمود أبو عطاء السندى "طويل": 269 # PageV01P645 # فأين أحيد عنهم لا أحيد مالك بن رفيع "الوافر": 207 # حقا تناوب ما لنا ووفود "الكامل": 125 # وهو على أن يزيد مجتهخد الخالدي "المنسرح": 104 # وتسكب عيناى الذموع لتجمدا العباس بن الأحنف "الطويل": 268 # ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا المتنبي "طويل": 105، 490 # أرجو الثواب بها لديه غدا ابن الرومي "الكامل": 184 # ك منازل كعبا ونهدا عمرو بن معد يكرب "الكامل": 148 # ظننت ما أنا فيه دائم أبدا "البسيط": 94 # تبدلتما ذلا بعز مؤيد "الطويل": 314 # وقالت نجوم لو طلعن بأسعد البحتري "الطويل": 548، 549 # لديباجتيه فاغترب تتجدد أبو تمام "الطويل": 498 # تجد خير نار عندها خير موقد الحطيئة "الطويل": 251 # مخافة ملوى من القد محصد طرقة "الطويل": 166 # بنوهن أبناء الرجال الأباعد الفرزدق "الطويل": 374 # وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد البحتري "الطويل": 311، 490 # ولم يدر ما مقدار حلي ولا عقدي البحتري "الطويل": 517 # جميعا، ومهما لمته لمته وحدي أبو تمام "الطويل": 58، 60 # إذا لهجاني عنه معروفة عندي أبو تمام "الطويل": 501، 507 # رمتنى وكل عندنا ليس بالمكدي دعيل أبو تمام "الطويل": ms379 282 # ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشد "بسيط": 284 # تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد أرطأة بن سهية "بسيط": 209، 425 # وجدت حتى كأن الغيث لم يجد البحتري "بسيط": 198 # قد يقدم الغير من ذعر على الأسد أبو تمام "بسيط": 494 # من أن يكون له ذنب إلى أحد أبو حفص الشطرنجي "بسيط": 90 # مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد النابغة "بسيط": 567 # وردا وعضت على العتاب بالبرد الوأواء الدمشقي "بسيط": 449، 451 # مواقع الماء من ذي الغلة الصادي القطامي "بسيط": 535، 603 # أعجب بشيء على البغضاء مودود بشار "مسلم "بسيط": 504 # ألقى إليه الأقاصي بالمقاليد مسلم بن الوليد "بسيط": 49 # PageV01P646 # وتشحب عنده بيض الأيادي أبو تمام "الوافر": 139 # هباتك أن تلقب بالجواد المتنبي "الوافر": 198 # وفيها قيت يوم للقراد المتنبي "الوافر": 564 # وحسبك أن يزرن أبا سعيد أبو تمام "الوافر": 313 # كرما ولم تهدم مآثر خالد البحتري "الكامل": 163 # طلعت بها الركبان كل نجاد الخريمي "الكامل": 511 # وبلاغة وتدر كل وريد أبو تمام "الكامل": 515 # أن يجمع العالم في واحد أبو نواس "السريع": 196، 424، 428 # رق، فيابردها على كبدي "المنسرح": 510 # أرهب نوء السماك والأسد لبيد "المنسرح": 485 # ك امرؤ أنه نظام فريد البحتري "خفيف": 517 # ب تشق القلوب قبل الجلود المتنبي "خفيف": 497 # طع أحنى من واصل الأولاد المتنبي "خفيف": 330 # ب تكون كالثوب استجده أبو العتاهية "الكامل": 498 # فحللت بين عقيقه وزروده البحتري "الكامل": 166 # كتائب يأس، كرها وطرادها بعض الحجازيين "طويل": 318 # حتى أقوم ميلها وستادها عدى بن الرقاع "الكامل": 512 # شوقا إلى من يبيت يرقدها المتنبي "المنسرح": 489 # إلى ماله حالي أسر كما جهر ابن عنقاء الفزاري "الطويل": 148 # لا ترى الآدب فينا ينتفر طرفة "الرمل": 135 # أنه عندك محقور صغير الخريمي "الرمل": 498 # أمر مذاق العود والعود أخضر "طويل": 555 # وفي سائر الدهر الغيوث المواطر "طويل": 182 # ذراعي، وألقى باسته من يفاخر موسى بن جابر الحنفي "طويل": 148، 149 # أصاخت إلى الواشي فلج بن الهجر البحتري "طويل": 93 # لناشئهم من ms380 حيث يؤتنف العمر البحتري "طويل": 496، 604 # PageV01P647 # لها اللفظ مختارا كما ينتقى التبر البحتري "طويل": 517 # أساء ففي سوء القضاء لي العذر أبو تمام "طويل": 493 # فليس يؤدي شكرها الذئب والنسر أبو تمام "طويل": 504، 505 # ولكن لشعري فيك من نفسه شعر المتنبي "طويل" 125 # بنوها لها ذنب وأنت لها عذر المتنبي "طويل": 505 # إليك، وأهل الدهر دونك والدهر المتنبي "طويل": 556 # وسلط أعداء وغاب نصير إبراهيم بن العباس "طويل": 86 # ولكن يصير الجود حيث يصير أبو نواس "طويل": 310، 312 # نفسي فداؤك، ما ذئبي فأعتذر "بسيط": 76 # كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر البحتري "بسيط": 494 # عليك أنجمه بالمدح تنتثر البحتري "بسيط": 516 # وقد سقى القوم كأس النومة السهر أبو دهبل "بسيط": 461 # فإنما هي إقبال وإدبار الخنساء "بسيط": 300 # متبسمين وفيهم استبشار "كامل": 210 # ليل يصيح بجانبيه نهار الفرزدق "كامل": 95 # تشكو إلى صبابة لصبور جميل "كامل": 150 # أطنين أجنحة الذباب يضير ابن أبي عيينة "كامل": 121 # سقاهن مرتجز باكر "متقارب": 277 # لها قائلا بعدي أطب وأشعرا تميم بن أبي بن مقبل "طويل": 512 # وجدي يا حجاج فارس شمرا جميل "طويل": 188 # فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا الجوهري الجرجاني "طويل": 21، 22 # ولا عرف إلا قد تولى وأدبرا أبو حزابة، الوليد بن حنيفة "طويل": 149 # كنار مجوس تستعر استعارا امرؤ القيس، الحارث اليشكري "الوافر": 592 # إذا ما زدته نظرا أبو نواس ": 296 # تبكي علية مقلة عبرى عبد الصمد بن المعدل "السريع": 91 # ولا أنا أضرمت في القلب نارا المتنبي "المتقارب": 125 # ة إما مخاضا وإما عشارا الأعشى "المتقارب": 180 # ج والمكرومات معا حيث صارا الكميت "المتقارب": 310 # PageV01P648 # أتاحت له الأقدار ما لم يحاذر البحتري "طويل": 485 ه # بجيدها إلا كعلم الأباعر مروان بن أبي حفصة "طويل": 254 # بأسجح مرقال الضحى قلق الضفر "طويل": 298 # لي اليأس منها، لم يقم للهوى صبرى الحكم بن قنبر "طويل": 462 # من الدهر أسباب جرين على قدر عكرشة العبسي "طويل": 208 # فتختصم الآمال واليأس في صدري ms381 ابن المعتز "طويل": 77 # أنصاره بوجوه كالدنانير سبيع بن الخطيم "بسيط": 74، 99 # لم ينكنى، ولقيت ما لم أحذر سهم بن حنظلة "الكامل": 485 # تقذى صدورهم بهتر هاتر بعض الأعراب "الكامل": 76 # إهماله، وكذاك كل مخاطر يزيد بن مسلمة "الكامل": 75 # هلا نزلت بآل عبد الدار "الكامل": 21 # كاثنين ثان إذ هما في الغار أبو تمام "الكامل": 84 # ض القوم يحلق ثم لا يفرى زهير "الكامل": 134 # عنى بخفته على ظهري أبو العتاهية "الكامل": 510 # ورفيقه بالغيب لا يدري المسيب بن علس "الكامل": 203 # ألناقض الأوتار والواتر الأعشى "السريع": 19 # وخال وجه النهار ابن المعتز "المجتث": 103 # إن ذاك النجاح في التبكير بشار "الخفيف": 272، 323، 316 # وليل المحب بلا آخر خالد الكاتب "متقارب": 492 # إلى أهرت الشدقين تدمى أظافره البحتري "طويل": 494 # وقلص عن برد الشراب مشافره الخطيئة "طويل": 564 # زجرت كلابي أن يهر عقورها شبيب بن البرصاء "طويل": 308 # بخير وقد أعيا ربيعا كبارها الفرزدق "طويل": 469 # قد بلوت المر ثمره أبو نواس "المديد": 268 # وتراءى الموت في صوره أبو نواس "المديد": 501 - 503 # أنت والله ثلجة في خياره أبو نواس "الخفيف": 104 # وغيرهم نعم ظاهره نصيب "متقارب": 309، 312 # PageV01P649 # واجلس فإنك أنت الآكل اللابس "بسيط": 471، 487 # بشرقي ساباط الديار البسابس أبو نواس "طويل": 470 # ويكثر الوجد نحوه الأمس أبو تمام "المنسرح": 504 # ما اختار إلا منكم فارسا السيد الحميري "السريع": 344 # وصبرا على استدرار دنيا بإبساس محمد بن وهيب "طويل": 325 # واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي الحطيئة "بسيط": 471، 487 # شغل الخلى ثنت بصدفة مويس البحتري "كامل": 497 # مثلا من المشكاة والنبراس أبو تمام "كامل": 14 # إن غنى نفسك في الياس أبو نواس "السريع": 325 # ومن فوقها واليأس والكرم المحض المتنبي "الطويل": 490 # وتظهر الإبراهم والنقضا بكر بن النطاح "السريع": 152 # ويا جبل الدنيا ويا واحد الأرض أبو نخيلة "طويل": 484 # سوى أنه قد سل عن ماجد محض أبو خراش الهذلي ": 470 # أضحكنى الدهر بما يرضى حطان بن المعلى "السريع": 269 # وتقاضيته ms382 بترك التقاضي أبو تمام "خفيف": 497 # يمضي فإن الكف لا السيف يقطع البحتري "طويل": 496 # عليه ولكن ساحة الصبر أوسع الخريمي "طويل": 164 # فما عاشق من لا يذل ويخضع المتبني "طويل": 499 # وبالجن فيها، ما درت كيف ترجع المتنبي "طويل": 565 # على دلال واجب لمفجع مضرس بن ربعي "طويل": 499 # تمكن رضوى واطمأن متالع البحتري "طويل": 470 # وطيرته عن وكره وهو واقع أبو تمام "طويل": 514 # PageV01P650 # فيما أحب لسان حائك صنع أبو تمام "بسيط": 515 # أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا حسان "بسيط": 94 # غيرى بأكثر هذا الناس ينخدع المتنبي "بسيط": 139 # أحلك الله منها حيث تجتمع منصور النمري "بسيط": 504 # ولو أن دجلة لي عليك دموع البحتري "كامل": 548 # وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا الصمة القشيري "طويل": 47 # علقت ممنوعا منوعا ابن الرومي "الكامل": 493 # للذي تهوى مطيعا بعض المحدثين "الرمل": 499 # وأعتقت من رقع المطامع أخدعي البحتري "الطويل": 47 # وليس إلى داعي الندى بسريع الأقيشر "طويل": 150 # وفي حباء وخير غير ممنوع دعبل "بسيط": 555 # على ما فيك من كرم الطباع أبو تمام "وافر": 510 # أن يرى مبصر ويمسع واعي البحتري "الخفيف": 156 # تذكرت القربى ففاضت دموعها البحتري "الطويل": 93 # من الأرض إلا أنت للذل عارف قيس بن معدان الكليبي "الطويل": 20 # أخف من رد قلب حين ينصرف العباس بن الأحنف "بسيط": 494 # لهم إلف وليس لكم إلاف مساور بن هند "الوافر": 236 # وقد جاعت بنو أسد وخافوا "الوافر": 237 ه # خالق أن لا يكنها سدف قيس بن الخطيم "المنسرح": 497 # كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا أبو تمام "بسيط": 494 # فهجرانها يبلى ولقيانها يشفى البحتري "الطويل": 162 # هلا نزلت بآل عبد مناف مطرود بن كعب الخزاعي "الكامل": 21 # إلى ضوء نار في يفاع تحرق الأعشى "الطويل" 176 # PageV01P651 # ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا أنس بن أبي إياس الديلي "طويل": 40 # بأسهم أعداء وهن صديق جرير "طويل": 495 # لكن يمر عليها وهو منطلق النضر بن جوية "البسيط": 174 # إننما ms383 للعبد ما رزقا العباس بن الأحنف "المديد": 355 # وإنما يعذر العشاق من عشقا "بسيط": 355 # تلافي في جسوم ما تلاقى المتنبي "وافر": 505 # لكالبحر، مهما يلق في البحر يغرق زياد الأعجم "الطويل": 96، 536 # إلى جعفر سرباله لم يمزق سلامة بن جندل "طويل": 204 # له عن عدو في ثياب صديق أبو نواس "طويل": 495 # كأس الكرى فانتشى المسقى والساقي أبو نواس "بسيط": 548 # وما هي ويب غيرك بالعناق ذو الخرق الطهوى "الوافر": 301، 303 # نظر وتسليم على الطرق محمد بن أحمد المكي "كامل": 547، 549 # تحسب الدمع خلقة في المآتي المتنبى "الخفيف": 162 ه # عن جوابي شغللك أم السليك بن السلكة "مديد": 320 # أضججت هذا الأنام من خرقك أبو تمام "المنسرح": 47 # خلت حقب حرس له وهو حائك أبو تمام "طويل": 553 # نم وإن لم أنم كراى كراكا أبو تمام "الخفيف": 373 # نجوت وأرهنهم مالكا عبد الله بن همام السلولي "متقارب": 205 # وكيف يكون النوك إلا كذلك أبو الأسود الدؤلي "الطويل": 208 # نواجذ أفواه المنايا الضواحك تأبط شرا "طويل": 436 # فأقرح، أم صيرتنى في شمالك ابن الدمينة "طويل": 90 # إنما يجزى الفتى ليس الجمل لبيد "الرمل": 353 # إن صدق النفس يزرى بالأمل"الرمل": 500 # PageV01P652 # وإنما الموت سؤال الرجال "السريع": 256 # ولا لامرئ مما قضى الله مزحل إبراهيم بن كنيف "طويل": 281 # أبينا وقلنا الحاجبية أول كثير "طويل": 495 # إذا ما نوى كعب وفوز جرول كعب بن زهير "طويل": 512 # بخسناك حظا أنت أبهى واجمل المتنبى "طويل": 500 # يفيض وصوب المزن إن راح يهطل "طويل": 506 # إليه بوجه آخر الدهر تقبل معن بن أوس "طويل": 371 # وقد لقحت حرب فإنك نازل المتنبي "طويل": 491 # لقد رث حتى كاد ينصرم الحبل أبو علي البصير "طويل": 493 # بالقول، لم يكن جسرا له العمل أبو تمام "بسيط": 78 # من راحتيك درى ما الصاب والعسل أبو تمام "بسيط": 84 # وبالشباب شفيعا أيها الرجل ابن حازم الباهلي "بسيط": 603 # وهاج أهواءك المكنونة الطلل عمر بن أبي ربيعة "بسيط": 146 # والليل ms384 قد مزقت عنه الساربيل حندج بن حندج المرى "بسيط": 210، 214 # متيم إثرها لم يفد مكبول كعب بن زهير "بسيط": 22، 23 # ك، لما ضاقت الحيل ابن البواب "الوافر": 91، 296 # أبدا ولا يسلون من ذا المقبل "كامل": 488 # صنع اللسان بهن لا أتحمل أبو حية النميري "كامل": 511، 515 # ضرب تطير له السواعد أرعل الفرزدق "كامل": 295 # ثهلان ذو الهضبات هل يتحلحل الفرزدق "كامل": 83 # من أنها عمل السيوف عوامل المتبني "كامل": 83 # والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل المتنبي "كامل": 83 # ما دون أعمارهم فقد بخلوا المتنبي "المنسرح": 506 # سهر دائم وحزن طويل المتنبي "الخفيف": 238 # فجئت عجيب الظن للعلم موئلا بشار "طويل": 512 # ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا أبو تمام "طويل": 227 # بهيما، ولا أرضى من الأرض مجهلا أبو تمام "طويل": 484 # PageV01P653 # علينا فأعيى الناس أن يتحولا حسان "الطويل": 311 # كما عرفت بجفن الصيقل الخللا عمر بن أبي ربيعة "البسيط": 146 # في رأس غمذان دارا منك محلالا أمية بن أبي الصلت "البسيط": 203 # فلو فرغت لكنت الدهر شغولا محمد بن بشير "البسيط": 493 # أجنبه المساند والمحالا ذو الرمة "الوافر": 471 # تهيبى ففاجأنى اغتيالا المتنبى "الوافر": 244 # وفاحت عنبرا ورنت غزالا المتبي "الوافر": 302، 450 # رأيت بكاءك الحسن الجميلا الخنساء "الوافر": 181 # لئيما أن يكون أصاب مالا البحتري "الكامل": 170 # وإن في السفر إذا مضوا مهلا الأعشى "منسرح": 321 # دد والمجد والمكارم مثلا البحتري "الخفيف": 168 # نة تعلو والضرب أغلى وأغلى المتنبي "الخفيف": 194 # فبناها في وجنة الدهر خالا المتنبي "الخفيف": 103 # ولا ذاكر الله إلا قليلا أبو الأسود الدؤلي "متقارب": 376 # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل امرؤ القيس "طويل": 363، 410، 419، 468 # وأردف أعجازا وناء بكلكل "طويل": 79، 359، 472 # ثمال اليتامى عصمة للأرامل أبو طالب "طويل": 18 # يحاوله قبل اعتراض الشواغل عبد الله بن الزبير "طويل": 151 # لدى وكرها العناب والحشف البالي امرؤ القيس "طويل": 95، 536 # ومسنونة رزق كأنياب أغوال امرؤ القيس "طويل": 117، 119 # ليقتلني والمرء ليس بقتال امرؤ القيس "طويل": 119 # يدافع عن أحسابهم ms385 أنا أو مثلي الفرزدق "طويل": 328، 340 # فؤادا لكان ندى كفيك من عقلي البحتري "بسيط": 490 # ومن يسد طريق العارض الهطل المتبني "بسيط": 506 # جبان الكلب مهزول الفصيل المتنبي "الوافر" 264، 307، 309، 312 # إلى أهل النوافل والفضول البحتري "الوافر": 499 # PageV01P654 # إذا احتاج النهار إلى دليل المتنبي "الوافر": 491 # وكنت له بمجتمع السيول أبو وجزة "الوافر": 503 # صدقوا، ولكن غمرتي لا تنجلي "الكامل": 235 # في آل طلحة ثم لم يتحول البحتري "الكامل": 311 # فلو أنها بذلت لنا لم تبذل البحتري "الكامل": 493 # غير الجواد وجاد غير المفضل البحتري "الكامل": 496 # ما الحب إلا للحبيب الأول أبو تمام "الكامل": 495 # لا يسألون عن السواد المقبل حسان "الكامل"488 # عفا من بعد أحوال الوليد بن يزيد "الهزج": 238 # أبتاع إلا قريبة الأجل ابن هرمة "المنسرح": 264ه، 268، 309، 312، 427، ~~431 # فوق طير لها شخوص الجمال المتبني "الخفيف": 434 # بعدها بالآمال جد بخيل محمد بن يسير "الخفيف": 57، 61 # فسقى وجوه بني حنبل زهير بن عروة، السكب "متقارب": 313 # وتأبى الطباع على الناقل المتنبي "متقارب": 423، 424، 428 # فأثنت بإحسانك الشامل المتنبي "متقارب": 505 # زيادا ولم تقدر على حبائله "طويل": 210 ه # لجاد بها فليتق الله سائله بكر بن النطاح "طويل": 506 # فحاولت ورد النيل عند حتفاله البحتري "طويل": 495 # نير وأطراف الأكف غنم المرقش "سريع": 535 # يسير ضاحي وشبها وينمنم البحتري "طويل": 516 # ويقضي له بالسعد من لا ينجم المتنبي "طويل": 492 # يكلمه من حبه وهو أعجم ابن هرمة "طويل": 309 # PageV01P655 # غدا العفو منه وهو للسيف حاكم أبو تمام "طويل": 506 # أجدت لغزو إنما أنت حالم فتب بن حصن "طويل": 357، 358 # وفي أذن الجوزاء منه زمازم المتنبي "طويل": 436 # وهن لما يأخذن منك غوارم المتنبي "طويل": 506 # زيارته إني إذن للئيم عمارة بن عقيل "طويل": 117 # وجدته حاضراه الجود والكرم "الأخطل" "بسيط": 204 # يوم قديديمة الجوزاء مسموم علقمة بن عبدة "بسيط": 205، 214 # وغدا لغيرك كفها والمعصم "الكامل": 13 # فإذا أبان قد رسا ويلملم أبو تمام "الكامل": 470 # بعثوا إلى عريفهم يتوسم طريف بن ms386 تميم العنبرى "الكامل": 176 # صبر وأن أبا الحسين كريم أبو تمام "الكامل": 225 # وغابت الجوزاء والمرزم إسماعيل بن يسار "السريع": 548 # برداك تبجيل وتعظيم ابن الرومي "السريع": 212 # لا صغر عاذر ولا هرم المتنبي "المنسرح": 496 # أنهم أنعموا وما علموا "المنسرح": 498 # غير أن الشباب ليس يدوم حسان "خفيف": 604 # ب كأن القتال فيها ذمام المتنبي "خفيف": 491 # هي الأنجم اتادت مع الليل أنجما البحتري "طويل": 516 # أو الزرق من تثليث أو بيلملما حميد بن ثور "طويل": 166 # شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما عمرة الخثعمية "طويل": 131 # شباب يوم لقاء البيض ما ندما البحتري "بسيط": 491 # لما تخرم أهل الأرض مختر ما أبو تمام "بسيط": 523 # تركت ضمير قلبي مستهاما جرير "الوافر": 158 # وعمى مالك وضع السهاما حاجز بن عوف الأزدي "الوافر": 297 # أعطاك معتذرا كمن قد أجرما المتنبي "الكامل": 490 # إذا لا تريد لما أريد مترجما "الكامل": 497 # يفره ومن لا يتق الشتم يشتم زهير "طويل": 593 # خروجي منها سالما غير غارم عمارة بن الوليد "طويل": 13، 14 # PageV01P656 # علاطا، ولا مخبوطة في الملاغم الفرزدق "طويل": 293، 396 # أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم البحتري "طويل": 171 # وسورة أيام حززن إلى العظم البحتري "طويل": 171 # تغص به عيني ويلظفه وهمي أبو نواس "طويل": 551 # قالت: عسى، وعسى جسر إلى نعم ربيعة الرقى "البسيط": 79 # أو كابن طارق حول البيت والحرم ابن شرمة القاضي "البسيط": 165 # شكوى الجريح إلى الغربان والرخم المتبني "البسيط": 552 # ومسلمة بن عمرو من تميم "وافر": 313 # وكنا قبل ذلك في نعيم أعشى همدان "وافر": 209 # لمختبر على الشرف القديم أبو تمام "وافر": 491 # ينفثن في عقد اللسان المفحم أبو تمام "الكامل": 503 # غردا كفعل الشارب المترنم عنترة "الكامل": 603 # فإذا رميت يصيبنى سهمي الحارث بن وعلة "الكامل": 253 # من غيره ابتغيت ولا أعلام أبو تمام "الكامل": 491 # ردته في عظتي وفي إفهامي على بن جبلة "الكامل": 505 # ر، وما فيك آلة الحكام "الخفيف": 254 # بأن تسعدا، والدمع أشفاه ms387 ساجمه المتنبي "الطويل": 83 # ضدين أسهره لها وتنامه البحتري "الكامل": 490 # إذا أصبحت بيد الشمال زمامها لبيد "الكامل": 67، 435 # كرام بنى الدنيا وأنت كريمها البحتري "طويل": 469 # وأنت إذا عدت كليب لئيمها البعيث "طويل": 469 # بخير وقد أعيا كليبا قديمها البعيث "طويل": 469 # بخير وما كل العطاء يزين امية بن أبي الصلت "طويل": 494 # تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن المتبني "بسيط": 284 # سمطان فيها اللؤلؤ المكنون أبو تمام "الكامل": 515 # أبدا وما هو كائن سيكون ابن أبي عيينة "الكامل": 185 # غدا والليث غضان الفندالزماني "هزج": 557 # PageV01P657 # وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا الفضل بن العباس "بسيط": 226 # ثم الفول فقد جئنا خراسانا العباس بن الأحنف "بسيط": 90 # وأبنا بالرماح قد أنحنينا عبد الشارق بن عبد العزى "الوافر": 210 # قوافي تعجب المتمثلينا أبو شريح العمير "الوافر": 513 # فأين تقولها أينا عروة بن أذينة "الهزج" [أو الوافر]: 130 # نما نقتل إيانا لبعض اللصوص "الهزج": 342، 343 # ما قطر الفارس إلا أنا عمرو بن معد يكرب "السريع": 337، 338 # إذا لم تكارمني صروف زماني "الطويل": 184 # لعوقة شيء عن الدوران المتنبي "طويل": 48 # شبيب وأوفى من ترى أخوان المتنبي "طويل": 495 # وحيثما يك أمر صالح يكن زهير "بسيط": 310 # جدى الخصيب عرفنا العرق بالغصن المتنبي "بسيط": 491 # يخلو من الهم أخلاهم من الفطن المتنبي "بسيط": 499 # لصيق روحي ودان ليس بالداني أبو تمام "بسيط": 505 # وخبب البازل الأمون سلمى بن ربيعة "بسيط": 320 # نسيم لا يروع الترب وإن سوا بن المضرب "الوافر": 76 # تنحلها ابن حمراء العجان الفرزدق "الوافر": 469 # أطار قلوب أهل المغربين أبو تمام "الوافر": 492 # إذ لا نبيع زماننا بزمان جرير "الكامل": 92 # هيجاء غير الطعن في الميدان المتنبي "الكامل": 193 # فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني شمر بن عمرو الحنفي "الكمل": 206 # لزمان يهم بالإحسان "الخفيف": 320 # أودعاني أمت بما أودعاني شمسويه البصري "الخفيف": 523 # ما له إلا ابن يحيى حسنة أبو هفان "الرمل": 505 # حتى يسلمها إليه عداه البحتري "الكامل": 331، 492 ms388 # فيما أرت، لرجوت ما أخشاه البحتري "الكامل": 485، 486 # PageV01P658 # سواك يا فردا بلا مشبه المتنبي "السريع": 1396 # أعق من الجاني عليها هجائيا الفرزدق "طويل": 534، 544 # وللسيف أشوى وقعة من لسانيا جرير "طويل": 179 # تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا أبو حية النميرى "طويل": 48 # فسيفك في كف تزيل التساويا المتنبي "طويل": 496 # ومن قصد البحر استقل السواقيا المتنبي "طويل": 496 # مريبة وشب ابن الخصى أبو تمام "الوافر": 420 # ديني وفاعلة خيرا فأجزيها جميل "البسيط": 150 # يروق ويصفو إن كدرت عليه أبو العتاهية "الطويل": 185 # الألف المقصورة # إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى عمر بن أبي ربيعة "الطويل": 47 # على الأضعف الموهون عادية الأقوى البحتري "طويل": 94 # يوما فتدركه العواقب قد نمى سعية بن غريض، وغيره "الكامل": 19 # الأرجاز # تعرفه الأرسان والدلاء "رجز": 21 # إن غناء الإبل الحداء "رجز": 273، 316 # والبين محجوز على غرابه "رجز": 102 # حملته في رقعة من جلدي بشار "رجز": 78 # وأذن الصبح لنا في الأبصار ابن المعتز "رجز": 77 # وليس قرب قبر حرب قبر "رجز": 57 # PageV01P659 # على ذنبا كله لم أصنع أبو النجم "رجز": 278 # إنك إن كلفتني ما لم أطق "رجز": 160 ه # ظرف عجوز يه ثنتا حنظل خطام الريح المجاشعي "رجز": 380 # وعلمته الكر والإقداما النابغة "رجز": 557 # فنام ليلى وتجلى همي رؤبة "رجز": 294، 463 # قد أغتدى والطير لم تكلم "رجز": 136 # نذير في إقباله أيامه أبو العتاهية "رجز": 498 # فإن في أيماننا نيرانا بعض العرب "رجز": 299 # وحاتم الطائي وهاب المئى امرأة بن عقيل "رجز": 195 # سقته كف الليل أكواس الكرى "رجز": 461 # حتى نجا من خوفه وما نجا "رجز": 523 # صدور أبيات ذكر تمامها # ألست ابن الألى سعدوا وسادوا المتنبي "الوافر": 188 # ألستم خير من ركب المطايا جرير "الوافر": 188 # حنق على بدر اللجين" المتبني "كامل": 586 # سقتها خروق في المسامع "الفرزدق" "الطويل": 396 # "لا أمتع العوذ بالفصال" ابن هرمة "المنسرح": 264 ه # ما كل ما يتمنى المرء يدركه المبتني "بسيط": 284 # نحن في المشتاة ms389 ندعو الجفلى طرفة "الرمل": 35 # وليس لسيفي في العظام بقية جرير "طويل": 179 # وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله المتنبي "طويل": 125 # "يصيب ولا يدري" أبو الأسود "طويل": 208 # PageV01P660 ### | فهرس الشعراء # إبراهيم بن العباس "الصولي": 86، 149 # إبراهيم بن كنيف النبهاني: 281 # إبراهيم بن المهدي: 486 # إبراهيم بن هرمة "ابن هرمة" # أحمد بن أبي فتن: 286 # الأخطل: 204 # الأخنس بن شهاب التغلبي: 130 # أرطأة بن سهية: 209، 425 # إسحق بن حسان السعدي "الخريمي" # إسماعيل بن يسار: 548 # أبو الأسود الدؤلي: 149، 208، 376، 592، 597 # الأعشى: 19، 176، 180، 194، 321 # أعشى همدان: 209 # الأغر الشاعر: 87 # الأفوه الأودي: 597 # الأقيشر: 150 # امرؤ القيس: 79، 95، 119، 359، 363، 410، 419، 468، 471، 472، 536، 590، ~~591 - 594، 597، 603 # أمية بن أبي الصلت: 203، 494 # أنس بن أبي إياس الديلي: 40 # الباخرزي: 355 # البحتري: 47، 85، 93، 94، 156، 162، 163، 166، 168، 171، 198، 252، 253، ~~299، 300، 311، 469، 470، 485، 491 - 500، 506، 508، 516، 517، 548، 549، ~~553، 554، 565، 595، 604 # بشار بن برد: 78، 96، 185، 203، 219، 272، 316، 319، 410، 492، 504، 510، ~~512، 513، 536، 602، 603 # أبو البرج "القاسم بن حنبل" # بشر بن أبي خازم: 32 # بعض اللصوص: 342، 343 # البعيث: 469 # بكر بن النطاح: 151، 152، 506 # ابن البواب: 91، 296 # تأبط شرا: 436 # أبو تمام: 14، 47، 57، 60، 78، 84، 104، 139، 225، 227، 313، 371، 373، ~~406، 470، 484، 491 - 498، 501، 503، 504، 505، 506، 507، 514، 515، 516، ~~523، 524، 553، 554، 595 # تميم بن أبي بن مقبل: 512 # ثعلبة بن صعير المازني: 77 # PageV01P661 # جرير: 92، 158، 179، 188، 495، 578، 595، 607 # جميل: 149، 150، 188 # جندب بن عمار: 236 # الجوهري "علي بن أحمد الجرجاني": 167 # حاجز بن عوف الأزدي: 297 # الحارث اليشكرى: 592 # ابن حازم "محمد بن حازم": 603 # حجل بن نضلة: 326 # حجية بن المضرب السكوني "أبو حوط": 184 # أبو حرجة الفزاري: 358 # أبو حزابة "الوليد بن حنيفة": 149 # حزاز بن عمرو: 567 # حسان بن ثابت: 17، 19، 94، 181، 311، 488، 515، 604 # حطان بن المعلي: 269 # الحطيئة: 251، 331، 471، 488، 564، 593 # أبو حفص الشطرنجي: 90 # الحكم بن قنبر: 462 # حميد بن ثور: 166 # حندج بن حندج المرى: 210، 214 # أبو حية التميرى: 47، 48، 511، 515 # خالد الكاتب: 492 # خالد بن يزيد بن معاوية: 209 # الخالدي "سعيد بن هاشم": 104 # أبو خارش الهذلي: 470 # الخريمي "أبو يعقوب، إسحاق بن حسان بن قوهي السعدي": 164، 169، 498، 511 # خطام الريح المجاشعي: 380 # الخنساء: 181، 300 - 302 # أبو دؤاد الإيادي: 91، 205، 6 - 3، 597 # دجاجة بن عبد قيس التيمي: 74 # درماء بنت سيار الخثعمية: 131 # دعبل الخزاعي: 282، 555 # ابن الدمينة: 90 # أبو دهبل ms390 الجمحي: 461 # أبو ذؤاب، ربيعة بن عبيد الأسدي: 253 # ذو الإصبع العدواني: 342، 343 # ذو الخرق الطهوي: 301، 303 # ذو الرمة: 147، 170، 274، 275، 276، 471 # رؤية: 293، 463 # ربيعة الرقى: 78، 79 # ابن الرومي: 183، 184، 493، 504، 554 # زياد الأعجم: 96، 306، 536 # زياد بن حنظلة التميمي "الصحابي": 89 # زهير بن أبي سلمى: 134، 310، 593، 594 # زهير بن عروة بن جلهمة "السكب": 313 # سبيع بن الخطيم التيمي: 74، 99 # سعد بن ناشب المازني: 220 # سعية بن غريض اليهودي: 20 # سعيد بن هاشم "الخالدي" # PageV01P662 # أبو سفيان بن الحارث: 208 # السكب "زهير بن عروة بن جلهمة" # سلامة بن جندل: 204 # سلمى بن ربيعة التيمي: 320 # أم السليك بن السلكة: 320 # سليم بن سلام الكوفي المغني: 91 # سليمان بن داود القضاعي: 93، 94 # سهم بن حنظلة: 485 # سوار بن المضرب: 76 # السيد الحميري: 344 # ابن شبرمة "عبد الله بن شبرمة": 165 # شبيب بن البرصاء: 308 # أبو شريح العمير: 513 # أبو الشغب "عكرشة العبسي": 208 # شمر بن عمرو الحنفي: 206 # شمسوية البصرى: 523 # الشنفرى: 253، 310 # الصمة بن عبد الله القشيري: 47 # الصولي "إبراهيم بن العباس": 86 # طرفة: 135، 166 # طريف بن تميم العنبري: 176 # طفيل الغنوي: 158 # عامر بن حطان "أخو عمران" الخارجي: # 501، 507 # عامر بن الطفيل: 19 # العباس بن الأحنف: 90، 268، 355، 494 # عبد الله بن رواحة: 17 # عبد الله بن الزبير الأسدي: 149، 151 # عبد الله بن شبرمة القاضي "ابن شبرمة" # عبد الله بن محمد "ابن أبي عيينة" # عبد الله بن مصعب: 509 # عبد الله بن همام السلولي "ابن همام" # عبد الله بن يحيى بن المبارك "اليزيدي" # عبد الرحمن بن حسان: 604 # عبد الشارق بن عبد العزى الجهني: 210 # عبد الصمد بن المعدل: 91، 274 # أبو العتاهية: 185، 498، 503، 510 # العجاج: 321 # عدي بن الرقاع: 512 # عروة بن أذينة: 130 # أبو عطاء السندي: 269 # عقال بن هشام القينى: 514، 599 # امرأة من بني عقيل: 195 # عكرشة العبسى "أبو الشغب" # علقمة بن عبدة الفحل: 205، 214، 591 # علي بن أحمد الجرجاني "الجوهري" # علي بن جبلة~: 505 # عمارة بن عقيل: 117 # عمر بن أبي ربيعة: 47 # عمرة الخثعمية: 131 # عمرو ms391 بن معد يكرب: 147، 148، 157، 337، 338 # عنترة: 603 # ابن عنقاء الفزاري: 148 # ابن أبي عيينة طعبد الله بن محمد": 121، 185 # PageV01P663 # فرات بن حيان: 208 # الفرزدق: 83، 95، 211، 293، 295، 328، 340، 374، 396، 425، 469، 470، ~~513، 534، 544، 578، 595 # الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: 226 # الفند الزماني: 558 # القاسم بن حنبل المرى "أبو البرج": 148 # قنب بن حصن: 357، 358 # القطامي: 535، 603 # ابن قيس الرقيات: 331، 357 # قيس بن الحطيم: 497 # قيس بن معدان الكليبي: 20 # كثير: 94، 495، 497 # كعب بن زهير: 17، 22، 23، 512 # الكميت: 310 # الكندي الشاعر: 506 # لبيد بن ربيعة: 67، 353، 435، 485، 497، 498، 500 # أبو ليلى "النابغة الجعدي": 21 # مالك بن رفيع: 207 # المتنبي: 48، 83، 103، 104، 125، 138، 139، 162، 188، 190، 193، 194، ~~198، 238، 244، 284، 302، 302، 331، 423، 427، 428، 434، 436، 450، 489، ~~491، 492، 495 500، 505، 506، 508، 510، 551، 552، 556، 564، 565، 568 # محرز بن المكعبر: 74 # محمد بن أحمد بن أبي مرة المكي: 547 # محمد بن بشير: 493 # محمد بن حازم البالهي "ابن حازم": 603 # محمد بن سعد الكاتب التميمي: 149 # محمد بن وهب: 325 # محمد بن يسير الرياشي: 57، 60 # المرقش: 535 # مروان بن أبي حفصة: 254 # مساور بن هند العبسي: 236 # مسكين الدارمي: 207 # مسلم بن الوليد: 252، 271، 493 # المسيب بن علس: 203 # مضرس بن ربعي: 499 # ابن المعتز: 77، 98، 103، 104، 505، # معن بن أوس: 494 # منصور النمري: 504 # موسى بن جابر الحنفي: 148، 149 # ابن ميادة: 514، 599 # النابغة الجعدي "أبو ليلى": 21، 22، 137، 301 # النابغة الذبياني: 97، 268، 501 - 503 557، 567، 593، 594 # نافع "نويفع" بن لقيط الفقعسى: 500 # أبو النجم: 278 # أبو نخيلة: 484 # PageV01P664 # نصيب: 309، 312، 511 # النضر بن جوبة: 174 # أبو نواس: 196، 252، 268، 271، 296، 310، 312، 325، 424، 428، 450، 470، ~~495، 501 - 503، 509/ 548، 553 # ابن هرمة "إبراهيم بن هرمة": 264، 309، 312، 427، 431. # أبو هفان: 505 # ابن همام السلولي "عبد الله بن همام": 205 - 207 # الوأواء الدمشقي: 449، 451 # واثلة بن خليفة السدوسي: 203 # أبو وجزة السعدي: 503 # ورقة بن نوفل: 20 # الوليد بن حنيفة "أبو حزابة" # الوليد بن يزيد: 238 # يحيى بن المبارك العدوي "اليزيدي" # يزيد بن الحكم: 308 # يزيد بن مسلمة بن عبد الملك: 75 # اليزيدي "عبد الله بن يحيى بن المبارك": 91 # اليزييدي "يحيى بن المبارك العدوي": 237 # ابن يسير "محمد": 57 # "أبو يعقوب" "الخريمي" "إسحاق بن حسان ابن قوهي". # PageV01P665 ### | فهرس الأعلام # الآمدي "أبو القاسم": 553 # الأخفش "أبو الحسن": 19، 317 # الأصمعي: 272 # ابن ms392 الأنباري: 315 # الأنصار: 158 # أنيس، أخو أبي ذر: 584 # أهل الردة: 158 # بجير بن زهيربن أبي سلمى: 22 # البرامكة: 314 # البرج بن مسهر الطائي "الخارجي": 15 # أبو بكر السراج: 220 # أبو بكر الصديق، 17، 18، 21، 89، 158 # تيم تميم: 20، 21 # تيم قريش: 20، 21 # ابن ثوابة: 253 # ثعلب أبو العباس: 252، 253، 271، 315، 458، 459 # الجاحظ: 15، 78، 97، 169، 251، 255، 256، 272، 389، 398، 482، 508، 511، ~~576، 590، 600، 606 # بنو جعفر بن كلاب: 185 # أم جندب "امراة امرئ القيس": 591 # ابن جني: 564 # أبو جهل بن هشام بن المغيرة: 581 # الحارث بن وعلة الذهلي: 253 # الحجاج: 308، 398، 500، 501 # ابن أبي حد رد الأسلمي: 19 # الحسن البصري: 19، 317 # أبو الحسن الفارسي "شيخ عبد القاهر": 147 # حفصة أم المؤمنين: 20 # حماد الراوية: 594 # الخارجي "البرج بن مسهر": 15 # خالد بن صفوان: 576، 600 # خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي: 209 # خالد بن الوليد: 89 # خلف الأحمر: 272، 277، 319 # الخليل: 606 # الخوارج: 500 # داحس والغبراء: 169 # أبو ذر: 584 # الرشيد: 90 # الرماني: 434 # الزبير بن بكار: 21 # PageV01P666 # ابن الزيات: 511 # زيد بن ثابت: 13 # أبو سفيان بن حرب: 19 # سودة نبت زمعة أم المؤمنين: 20 # سيبويه: 107، 131، 145، 146، 351، 352، 604 - 606 # ابن شبرمة "عبد الله": 274، 275، 277 الشبعي: 189 # الصاحب بن عباد: 554، 55 # ضمرة بن ضمرة: 534 # أبو طالب: 17، 18 # طاوس: 15 # عائشة أم المؤمنين: 19، 20، 21 # عباد بن ورقاء: 209 # ابن عباس: 593 # أبو العباس "ثعلب" # عبد الله بن عتيك: 404 # عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني: 483 # عبد الملك بن عمير: 13، 14 # عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: 252 # أبو عبيدة: 594 # عتبة بن ربيعة: 583، 584 # عدي تميم: 20، 21 # عدي قريش: 20، 21 # العسكري "أبو هلال": 470 # عصام بن شهبرة الجرمي: 557 # علقمة بن علانة: 19 # أبو علي الفارسي: 204، 328، 373 # علي بن أبي طالب: 15، 404، 592، 597، 600 # علية، أخت الرشيد: 90 # عمارة بن الوليد: 13، 14 # عمر بن الخطاب: 13، 593 # عمرو الوراق: 502 # أبو عمرو الشيباني: 255، 256 # أبو عمرو بن العلاء: 272 # عنبسة: 274 # غريض اليهودي: 20 # "أبو الفضل" ابن العميد: 554، 55 # القاضي عبد الجبار المعتزلي: 63، 394، 395، 454، 456، 466، 467 # القاضي أبو الحسن علي بن عبد ms393 العزيز الجرجاني: # 434، 509 # قطرى بن الفجاءة: 500 # قيس بن خارجة بن سنان: 169 # قيصر: 19 # كرز بن وبرة الحارثي العابد: 165 # الكندي الفيلسوف: 315، 319 # بنو لؤى: 13 # PageV01P667 # محمدبن أبي بكر الصديق: 13 # محمد بن جعفر بن أبي طالب: 13 # محمد بن حاطب: 13 # محمد بن طارق، العابد: 165 # محمد بن طلحة بن عبيد الله: 13 # محمد بن كعب القرظي: 583 # محمد بن مسلمة الأنصاري: 19 # محمد بن يوسف الثقفي "أخو الحجاج": 15 # المرزباني: 13، 158، 485، 502 # مروان بن محمد: 440 # مسروق: 18 # ابن مسعود: 388، 389 # مسلمة بن عبد الملك: 484 # مصعب بن الزبير: 207 # مطرود بن كعب الخزاعي: 21 # المنصور: 594 # النعمان بن المنذر: 534، 557 # نمورذ: 113 # النمري "أبو عبد الله": 567 # الوليد بن عتبة بن المغيرة: 585 # الوليد بن [عقبة]؟: 585 # الوليد بن المغيرة: 388، 581، 585 # يحيى بن يعمر: 398 # يزيد بن المهلب: 308، 398 # يزيد بن الوليد: 440 # PageV01P668 ### | فهرس الأماكن # أبرق العزاف: 22 # إصبهان: 209 # الحجاز "أهل الحجاز": 593 # الكناسة: 274 # اليمن: 13، 15 # يوم بدر: 18 # فهرس الكتب: # "إصلاح المنطق": 203 # "الإغفال"، لأبي على الفارسي: 204 # "الألفاظ الكتابية"، لعبد الرحمن بن عيسى الهمذاني: 483 # "التذكرة"، لأبي على الفارسي: 373 # "الجمهرة"، لابن دريد: 50 # "الشيرازيات"، لأبي على الفارسي: 328 # "صنعة الشعر"، لأبي هلال العسكري: 470 # "الفصيح"، لثعلب: 458 # "الكتاب" "سيبويه" في الإعلام # "كتاب البيان والتبيين": 169 # "كتاب البيان والتبيين"، للجاحظ: 398 # "كتاب الشعر والشعراء"، للمرزباني: 158، 485، 486 # "كتاب العين"، للجاحظ: 389 # PageV01P669 ### | فهرس الأمثال والأقوال # "شر أهر ذا ناب": 143، 144 # "الحبيب أنت إلا أنه غيرك"، بعض الحكماء: 190 # "رجع عوده على بدئه": 218 # "كلمته فوه إلى في": 218 # "قتل البعض إحياء للجميع": 261، 390 # "إن مالا" و "إن ولدا" و "إن عددا" و "إن غيرها إبلا وشاء": 321 # "مات حتف أنفه": 404 # "المرء بأصغريه، إن قال قال بيان، وإن صال صال بجنان"، ضمرة بن ضمرة: 534 # PageV01P670 ### | فهرس دلائل الإعجاز # المقدمة: # المدخل في دلائل الإعجاز، من إملاء عبد القاهر # كتاب "دلائل الإعجاز". ### | 3 - # خطبة الكتاب ### | 4 - # بيان ms394 في فضل العلم ### | 5 - # علم البيان، وما لحقه من الضيم والخطأ، ومقالة من ذم الشعر والنحو، وبيان ~~منزلتها من إعجاز القرآن، والرد على بعض المعتزلة في مقالتهم في إعجاز ~~القرآن. ### | 11 - # فصل، في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه، وذم الاشتغال بعلمه ~~وتعلمه، وحجج عبد القاهر في الرد عليهم. ### | 15 - # الدفاع عن الشعر، وبيان ما جاء في الأحاديث من ذمه ومن مدحه. ### | 17 - # أمره صلى الله عليه وسلم بقول الشعر، وسماعه إياه وإنشاده، وعلمه به ~~وارتياحه لسماعه. ### | 24 - # عله منعه صلى الله عليه وسلم من الشعر ### | 26 - # تمام الدفاع عن الشعر، وتعلق من ذمه بأحوال الشعراء ### | 28 - # تفنيد كلام من زهد في النحو واحتقره ### | 33 - # ذم عبد القاهر لهل زمانه ### | 43 - # سبب تأليف كتاب "دلائل الإعجاز" ### | 35 - # فاتحة القول في "الفصاحة" و "البلاغة" ### | 38 - # دليل الإعجاز، والرد على المعتزلة ### | 41 - # استحسان الكلام كيف يكون ### | 43 - # فصل في تحقيق القول في "الفصاحة" و "البلاغة"، وقضية "اللفظ" عند ~~المعتزلة، وبيان فسادها ### | 46 - # "اللفظ" الواحد يقع مقبولا ومكروها ### | 49 - # فصل في الفرق بين قولنا "حروف منظومة"، و "كلم منظومة"، وبيان معنى ~~"النظم"، ورد شبهة فيه ### | 55 - # فصل، في أن النظم هو توخي معاني الإعراب # PageV01P671 ### | 57 - # فصل، في الرد على من يقول: "الفصاحة للفظ وتلاؤم الحروف" ### | 63 - # الرد على القاضي عبد الجبار المعتزلي في مسالة اللفظ، وقوله: "إن المعاني ~~لا تتزايد، إنما تتزايد الألفاظ" ### | 66 - # فصل في "اللفظ" يطلق والمراد به غير ظاهره، وبيان في "الكناية" و ~~"المجاز" و "الاستعارة"، وقاعدة "التشبيه" و "التمثيل" ### | 70 - # فصل في "الكناية"، و "الاستعارة" و "التمثيل" ### | 74 - # فصل في "الاستعارة" وبدائعها ### | 80 - # القول في "النظم" وتفسيره، وأه توخي معاني النحو ### | 83 - # شواهد على فساد "النظم"، وشواهد على محاسنه ### | 87 - # فصل في أن مزايا "النظم"، تابعة للمعاني والأغراض، وصفة النظم"، وشواهد ~~من محاسنه ### | 93 - # فصل في "النظم" يتحد في الوضع، ويدق5 فيه الصنع، وشواهد على ما يوصف ~~بالفضل لمعناه لا لنظمه ### | 98 - # كيف تشتبه المزية في "اللفظ"، ms395 والمزية في "النظم، وأمثلة هذه الشبهة في ~~"الاستعارة" والقول في تتابع الإضافات ### | 106 - # فصل في القول في التقديم والتأخير، وهو باب كثير الفوائد. بيان في ~~التقديم للعناية والاهتمام، وأنه لا يكفي أن يقال: "قدم للعناية"، وخطأ ~~تقسيم التقديم والتأخير إلى مفيد وغير مفيد. ### | 111 - # مسائل في الاستفهام، في التفرقة بين تقديم ما قدم وتأخير ما أخر، وفي ~~الأسماء والأفعال - "الاستفهام بالهمزة، والفعل ماض" ### | 113 - # "الاستفهام" للتقرير، والإنكار، والتوبيخ، في الأفعالوالأسماء، والفروق ~~في ذلك ### | 116 - # "الاستفهام"، تقديم الفعل وهو مضارع، وتفسير معناه ### | 117 - # "الاستفهام"، تقديم الاسم، والفعل مضارع، وتفسير الاستفهام الدال على ~~الإنكار ### | 121 - # "الاستفهام"، تقديم الاسمالمفعول والفعل مضارع، وأقسامه ### | 124 - # فصل، فيه مسائل في النفي، مع التقديم والتأخير، وتقديم الفاعل، وتقديم ~~المفعول ### | 128 - # فصل في التقديم والتأخير في "الخبر المثبت"، وهو قسمان جلي، وخفي ### | 131 - # تقديم المحدث عنه يفيد التنبيه والتحقيق والتأكيد، ومعاني ذلك ### | 135 - # تقديم المحدث عنه بعد "واو الحال" ### | 138 - # تقديم المحدث عنه في الخبر المنفي تقديم "مثل" و "غير"، لازم، ومعنى ذلك ### | 140 - # دستور في التقديم والتأخير في الاستفهام والخبر # PageV01P672 ### | 142 - # تقديم النكرة على الفعل في الاستفهام، وتقديمها في الخبر ### | 146 - # فصل، القول في "الحذف"، وهو باب دقيق المسلك، حذف المبتدأ، وحذف الفعل ### | 147 - # المواضع التي يطرد فيها المبتدأ، وأمثلته. وخلاصة في شأن ما يحذف ### | 153 - # القول في حذف المفعول به، وقاعدة ضابطة في حذف الفاعل والمفعول ### | 154 - # الأغراض في ذكر الأفعال المتعدية. القسم الول في حذف المفعول، لإثبات ~~معنى الفعل لا غير ### | 155 - # القسم الثاني، حذف مفعول مقصود لدلالة الحال عليه، وهو قسمان: جلي، وخفي ~~- "الخفيط، هو الذي يدخله الصنعة، وأمثلة الخفي وأنواعه وبيانه، و "الإضمار ~~على شريطة التفسير" ### | 164 - # متى يكون إظهار المفعول أحسن من حذفه ### | 166 - # أمثلة ما يعلم أنه ليس فيه لغير الحذف وجه ### | 171 - # فصل، في مثال آخر عجيب في "الحذف" ### | 173 - # فصل، في القول على فروق في "الخبر": خبر جزء من الجملة، وخبر ليس بجزء من ~~الجملة، ولكنه زيادة في خبر ms396 آخر سابق له، كالحال والصفة ### | 174 - # الفرق الثاني، هو الفرق بين الإثبات إذا كان بالاسم، وبينه إذا كان ~~بالفعل، ومثاله ### | 175 - # الفرق بين الخبر إذا كان صفة مشبهة، وإذا كان فعلا ### | 176 - # أمثلة الفرق بين الخبر إذا كان فعلا، وبينه إذا كان اسما ### | 177 - # فروق الخبر في الإثبات وأمثلته ومعناه ### | 178 - # إذا كان الخبر نكرة جاز أنتعطف على المبتدأ مبتدأ آخر ### | 179 - # الخبر معرفا بالألف واللام، على معنى الجنسن، وله وجوه مختلفة # - الوجه الأول: أن تقصر جنس المعنى على المخبر عنه للمبالغة ### | 180 - # الوجه الثاني: أن تقصر جنس المعنى، على دعوى أنه لا يوجد إلا منه ### | 181 - # الوجه الثالث: أن تقره في جنس ما حسن الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد ### | 182 - # الوجه الرابع: وهو دقيق المسلك، وهو الذي سماه الموهوم" وبيانه وأمثلته ### | 184 - # "الموهوم"، وغلبة "الذي" عليه وأمثلته # PageV01P673 ### | 186 - # الفرق بين "المنطق زيد"، و "زيد المنطلق"، والمبتدأ والخبر معرفتان، ~~وأمثلته وبيانه، معرمعرفة أن ليس المتبدأ متبدأ لتقدمه، بل لأنه مسند إليه، ~~والخبر خبر لأنه مسند ثبت به، وبيان ذلك وأمثلته ### | 192 - # أسماء الأجناس تتنوع إذا وصفت، وهو أصل يجب إحكامه ### | 193 - # وأيضا "المصادر" تتفرق بالصلة، كما تتفرق بالصفة، وكذلك الاسم المشتق ~~أيضا ### | 195 - # "الألف واللام" الدالة على الجنسية، لها مذهب في الخبر، غير مذهبا في ~~المبتدأ، ووجوه هذا المعنى ### | 199 - # فصل في "الذي" خصوصا، وفيه أسرار جمة ومجيء "الذي لوصف المعارف بالجمل ### | 200 - # "الذي" ننوصل بجملة معلومة للسامع و "الذي" يأتي بعدها جملة غير معلومة ~~للسامع ### | 202 - # فصل، فروق في الحال، لها فضل تعلق بالبلاغة "الحال" ومجيئها جملة مع ~~الواو تارة وغبير الواو تارة، وأمثلة ذلك ### | 204 - # جملة الحال والفعل مضارع مثبت غير منفي، لا تكاد تجيء بالواو ### | 205 - # مجيء جملة الحال فعلا مضارعا ومعه الواو ### | 207 - # مجيء المحال مضارعا منفيا يكثر في الكلام، وأمثله ### | 208 - # مجيء الحال مضارعا منفيا يكثر أيضا ويحسن، وأمثلته ### | 209 - # الماضي يجيء حالا بالواو وغير الواو مقرونا مع "قد" ### | 210 - # "ليس"، مجيء جملتها حالا، ms397 الأكثر الأشيع اقترانها بالواو، ومثال مجيئها ~~بغير الواو فكان له حسن ومزية ### | 210 - # "ليس" مجيء جملتها حالا، الأكثر الأشيع اقترانها بالواو، ومثال مجيئها ~~بغير الواو فكان له حسن ومزية ### | 211 - # مجيء جملة الحال بغير "واو" من أجل حرف دخل عليها، فصارت لها مزية ### | 212 - # العلة في اختلاف الجمل الواقعة حالا، في مجيئها بالواو وغير الواو، وأن ~~المسلك إليها غامض، وأن الأصل المودي إلى تبين العلة هو "الإثبات"، لا يتم ~~إلا بمعرفة أن الخبر نوعان: خبر جزء من الجملة، وخبر ليس بجزء منها. ### | 213 - # جملة الحال وامثتناعها من الواو، وتفسير ذلك وأمثلته ### | 215 - # دخول الواو على جملة الحال وبيانه وتفسيره ### | 218 - # القياس أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر إلا مع الواو، وعلة ترك مجيء الواو ~~في هذه الجمل ### | 220 - # الكلام في الظرف، وتأويل مجيئه خبرا # PageV01P674 ### | 222 - # فصل، القول في الفصل والوصل # - من أسرار البلاغة، عطف الجمل بعضها على بعض، أو ترك العطف # - عطف المفرد، والجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين: الأول أن يكون ~~للمعطوف عليها موضع في الإعراب، وحكمها حكم المفرد، الثاني: أن تعطف على ~~الجملة العارية الموضع من الإعراب، جملة أخرى، وهو موضع الإشكال في العطف ~~بالواو دون غيرها، وبيان ذلك وتفسيره. ### | 226 - # عطف الجمل بالواو، ومكان الصلة بينهما، والقوانين في فصل الجمل ووصلها ### | 227 - # الصفة والتأكيد لا تحتاج إلى شيء يصلها بالموصوف أو المؤكد، وأمثلة ذلك # 230 الإثبات بالحرفين "إن" و "إلا" ### | 231 - # الجملة يظهر فيها وجوب العطف، ثم يترك العطف لعارض بجعلها كالأجنبية، ~~وأمثلة ذلك ### | 233 - # لا يعطف الخبر على الاستفهام بيان العطف على جواب الشرط ### | 235 - # ما يوجب الاستئاف وترك العطف، وأمثله ### | 240 - # ما جاء في التنزيل من لفظ "قال"، مفصولا غير معطوف ### | 243 - # فصل، في أن ترك العطف يكون إما للاتصال إلى الغاية، أو الانفصال إلى ~~الغاية، والعطف لما هو واسطة بين الأمرين ### | 244 - # فصل دقيق، الجملة لا تعطف على ما يلهيا، ولكن تعطف على جملة بينها وبينها ~~جملة أو جملتان ### | 245 - # بيان في ms398 العطف في الشرط والجزاء، وبيان ذلك ### | 249 - # فصول شتى في أمر "اللفظ" و "النظم"، فيها شحذ للبصيرة، وزيادة كشف عما ~~فيها من السريرة # فصل، غلط بعض من يتكلم في شأن "البلاغة"، لأنه ليس في جملة الخفايا أغرب ~~مذهبا في الغموض من مزايا البلاغة، وأن ما قاله العلماء في صفة "البلاغة" ~~رموز لا يفهمها إلا من هو في مثل حالهم من لطف الطبع، ومثاله. ### | 251 - # كلام الجاحظ في شأن إعجاز القرآن، وما غلط فيه من قدم الشعر باملعنى، ~~وأقل الاحتفال باللفظ ### | 252 - # معرفة الشعر وتمييزه، والأخبار في ذلك # PageV01P675 ### | 254 - # سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة ### | 255 - # قول الجاحظ: إن المعاني مطروحة في الطريق، وتفسير هذا وبيان صحته ### | 258 - # فصل، لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى، حتى يكون لها في المعنى ~~تأثير لا يكو لصاحبتها، ومرجع ذلك إلى أن يتوخى في نظم اللفظ وترتيبه ### | 259 - # فصل، وهو فن يرجع إلى هذا الكلام، وتفصيل البيان في العبارتين تظن أنهما ~~يؤديان معنى واحدا ### | 262 - # فصل، الكلام ضربان: أحدهما تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ، والآخر لا ~~تصل إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك "اللفظ" بمعناه في اللغة، ثم ~~تجد لهذا المعنى دلالة أخرى تصل بها إلى الغرض. # وعلى هذا مدار "الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل"، فهذا هو "المعنى" و ~~"معنى المعنى" ### | 263 - # بيان في شرح قول "المعنى" و "معنى المعنى"، وهو فصل جيد في شأن "النظم" ### | 267 - # فصل في استعمال "اللفظ"، والمراد به دلالة المعنى على المعنى ### | 268 - # قصور "اللفظ" عن أداء المعنى، ومثاله في النقص والتعقيد ### | 272 - # مثال على غموض المسلك إلى معاني "اللفظ"، واشتباهه على العلماء، وأمثلة ~~ذلك ### | 273 - # "إن" تغنى غناء "الفاء في ربط الجملة بما قبلها ### | 274 - # "كاد" ومعناها، وبيان قولهم: "لم يكد يفعل" ### | 276 - # دقة هذه المعاني واشتباهها على العلماء ### | 278 - # "كل" وتفصيل القول فيها، في النفي والإثبات وأحكامهما، وأمثلة ذلك ### | 286 - # فصل في المزية تكون ويجب به االفضل، إذا احتملا لكلام فيظ اهره وجها آخر ~~تنبو عنه ms399 النفس # - مثاله قوله تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن}، وما في التقديم هنا من ~~معنى شريف لا سبيل إليه مع التأخير ### | 288 - # القول في قوله تعالى: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة}، وتنكير "حياة" ### | 289 - # تنكير "حياة" في قوله تعالى: {ولكن في القصاص حياة} ### | 291 - # فصل، الآفة العظمى في ترك البحث عن العلة التي توجب المزية في الكلام، ~~ومضرة قولهم: "ما ترك الأول للآخر شيئا" # PageV01P676 ### | 293 - # فصل، هذا فصل في "المجاز" لم نذكره فيما تقدم # - بيان في "المجاز الحكمي"، وهو كنز من كنوز البلاغة، وأمثلته وبيانه ### | 298 - # ليس كل شيء يصلح للمجاز الحكمي بسهولة، ومثال ذلك ### | 300 - # ضرب مما طريق المجاز فيه الحكم، ومثاله ### | 301 - # تنبيه على فساد قول من جعل هذا المجاز من باب ما حذف منه المضاف، وأقيم ~~المضاف إليه مقامه ### | 304 - # فصل في تفسير قوله تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب}، وخطأ من فسر ~~قوله "قلب" أي "عقل"، وخطأ بعض من يتعاطى التفسير ### | 306 - # فصل، بيان دقيق في "الكناية"، وإثبات الصفة عن طريقها، وأمثلة ذلك ### | 312 - # كيف تختلف الكتابتان، فلا يكون إحداهما نظيرة للأخرى ### | 315 - # فصل في "إن" ومواقعها # - خبر الكندي الفيلسوف مع ثعلب، وزعمه أن في كلام العرب حشوا # - دخول "إن" في الكلام وخصائصها ### | 317 - # محاسن دخول "إن" على ضمير الشأن، وأمثلته ### | 319 - # "إن" تربط الجملة بما قبلها ### | 320 - # "إن" تهيئ النكرة لأن يكون لها حكم المبتدإ في الحديث عنها ### | 321 - # "إن"، أثرها فيا لجملة، وأنها تغنى عن الخبر، وأمثلة ذلك ### | 322 - # بيان في شأن "إن" و "الفاء" التي يحتاج إليها إذا أسقطت "إن" ### | 324 - # مجيء "إن" في الجواب عن سؤال سائل، وأمثلته ### | 325 - # "إن" ومجيئها للتأكيد، وبيان ذلك ### | 326 - # "إن" ومجيئها للتهكم، وشرطها إذا كانت في جواب سائل ### | 327 - # "إن" تدخل للدلالة على أن ظنك الذي ظننت مردود ### | 328 - # القصر والاختصاص # فصل في مسائل "إنما" # قول أبي على الفارسي في "الشيرازيات" في "إنما" # PageV01P677 ### | 329 - # ليس كل كلام يصلحفيه "ما" و "إلا" يصلح فيه "إنما". ms400 ### | 330 - # "إنما" تجئ لخبر لا يجهله المخاطب، وتفسير ذلك ### | 333 - # "إن" و "إلا" وبيان المراد فيهما والفرق بينهما وين "إنا" ### | 335 - # فصل، هذا بيان آخر في "إنما" # - تفسير: أن "لا" العاطفة، تنفي عن الثاني ما وجب للأول ### | 336 - # معاني "لا" العاطفة قائمة في "إنما" ### | 337 - # بياءن وامثلة فيما فيه "ما" و "إلا". ### | 328 - # بيان في قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وتقديم اسمه ~~سبحانه ### | 329 - # "ما" و "إلا"، وتقديم المفعول فيا لجملة وتأخيره، وأن الاختصاص مع "إلا" ~~يقع في الذي تؤخره ### | 340 - # العود إلى القول في "إنما" وما يقع فيه الاختصاص بعدها ### | 344 - # الاختصاص يقع في الذي بعد "إلا" من فاعل أو مفعول، أو جار ومجرور يكون ~~بدل أحد المفعولين ### | 345 - # حكم المبتدأ والخبر إذا جاءنا بعد "إنما" ### | 346 - # عود إلى الاختصاص، إذا كان بالحرفين "ما" و "إلا" ### | 348 - # بيان آخر في معنى "إنما" في الجملة، في "ما" و "إلا"، وأن حكم "غير" حكم ~~"إلا" ### | 350 - # فصل، في نكتة تتصل بالكلام الذي تضعه "بما" و "إلا" ### | 351 - # فصل زيادة بيان في "إنما"، وهو فصل طويل متشعب فيه غموض ### | 353 - # ما لا يحسن فيه العطف "بلا" ### | 354 - # بيان في انضمام "ما" إلى "إن" في "إنما" وقول النحاة: "ما"كافة # - "إنما" إذا جاءت للتعريض بأمر في مقتضى الكلام، ومثاله في الشعر ### | 359 - # فصل وبيان، وإزالة شبهة في شأن "النظم" و "الترتيب"، وهو "الحكاية" ### | 362 - # فصل، بيان الجهة التي يختص منها الشعر بقائله، وهي "النظم" و "الترتيب" ~~وتوخي معاني النحو # - لا يكون "ترتيب" حتى يكون قصد إلى صورة وصفة # PageV01P678 ### | 365 - # فصل، عود إلى مسألة "اللفظ" و "المعنى"، وما يعرض فيه من الفساد ### | 367 - # التجوز في ذكر "اللفظ"، وأن المراد به "المعنى"، وإزالة شبهة في شأن ~~"المجاز" ### | 368 - # بيان مهم في معنى "جعلته أسدا"، ونحوه، وتفسير "جعل" # - بيان في قوله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} # فصل، تمام القول في "النظم"، وأنه توخي معاني النحو، والدليل على ذلك ### | 373 - # الإشكال في ms401 معرفتين هما مبتدأ وخبر، وفصل الإشكال بالممعنى ### | 374 - # بيان السبب في تعدد أوجه تفسير الكلام ### | 375 - # مثال في تفسير قوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} # - مثال في تفسير قوله تعالى: "وقالت اليهود عزير ابن الله" في قراءة من ~~قرأ بغير تنوين ### | 379 - # مثال آخر في بيان قوله تعالى: {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم}. ### | 380 - # حذف الموصوف بالعدد شائع في الكلام، وتمام القول في الآية السالفة ### | 385 - # تحرير القول في إعجاز القرآن، وفي "الفصاحة" و "البلاغة" # - بيان في معنى "التحدي"، وأي شيء طولب العرب أن يأتوا بمثله. وهو مهم ### | 388 - # أي شيء بهر العقول من القرآن، وكلام الوليد بن المغيرة، وابن مسعود، ~~والجاحظ، في صفة القرآن ### | 390 - # الحجة على إبطال "الصرفة"، وهو مقالة المعتزلة ### | 391 - # "النظم" و "الاستعارة" هما مناط الإعجاز ### | 393 - # "الاستعارة" و "الكناية" و "التمثيل" من مقتضيات "النظم" # - خطأ المعتزلة في ظنهم أن المزية في "اللفظ"، واضطرابهم في ذلك ### | 395 - # رد قول القاضي عبد الجبار: "إن المعاني لا تتزايد، إنما تتزايد الألفاظ" ### | 397 - # "غريب اللغة" ليس له مكان في الإعجاز ### | 399 - # أصل فساد مقالة المعتزلة، هو ظنهم أو أوصاف "اللفظ" أوصاف له في نفسه ### | 400 - # قول عبد القاهر "إن الفصاحة تكون في المعنى"، ورد شبهة المعتزلة وغيرهم ~~في فهم كلامه ### | 402 - # "فصاحة اللفظ" لا تكون مقطوعة من الكلام الذي هي فيه، بل موصولة بغيرهما ~~مما يليها # PageV01P679 ### | 404 - # القول في قول صلى الله عليه وسلم: "مات حتف أنفه"ز ### | 405 - # بيان آخر في أن "النظم" ه9وتوخي معاني النحو ### | 407 - # فصل، وهو فن من الاستدلال لطيف، على بطلان أن تكون "الفصاحة" صفة للفظ من ~~حيث هو "لفظ" ### | 410 - # بيان في أن "الفكر" لا يتعلق بمعاني الكلم مجردة من معاني النحو ### | 412 - # "نظم الكلام"، وتوخي معاني، يسبك الكلام سبكا واحدا ### | 415 - # آفة الذين لهجوا بأمر "اللفظ" من المعتزلة، وباين فساد أقوالهم ### | 416 - # فكر الإنسان، هل هو فكر في الألفاظ وحدها، أم هو فكر في الألفاظ والمعاني ~~معا؟ ### | 417 - # كشف وهم ms402 في مسألة ترتيب الألفاظ فيا لنفس والسمع ### | 418 - # رد شبهة للمعتزلة في "النظم"، وقولهم إن البدوي لم يمسع بالنحو قط، وأن ~~الصحابة لا يعرفون ألفاظ المتكلمين ### | 421 - # فصل، آفة وشبهة في مسألة التعبير عن المعنى بلفظين، أحدهما فصيح والاخر ~~غير فصيح، وهذه شبهة للمعتزلة، ورد هذه الشبهة ### | 424 - # "اتشبيه"، يكشف هذه الشبهة ### | 425 - # شبهة المعتزلة في قولهم: "إن التفسير للبيت من الشعر مثلا يجب أن يكون ~~كالمفسر، ورد ذلك ### | 429 - # الكلام الفصيح قسمان: قسم مزينه في "اللفظ"، وقسم مزيته في "النظم" ### | 430 - # القسم الأول، "الكناية" و "الاستعارة" و "التمثيل على حد الاستعارة" ### | 431 - # انلظر في "الكناية" و "النظر في "الاستعارة" ### | 432 - # "الاستعارة"، يراد بها المبالغة، لانقل اللفظ عما وضع له في اللغة ### | 435 - # أمثلة على أن "النقل" لا يتصور في بعض "الاستعارة" ### | 437 - # تحقيق في معنى "الاستعارة" وتفسير معنى "جعل" في الكلام وفي القرآن ### | 439 - # تعرف "الاستعارة" من طريق المعقول دون "اللفظ"، وكذلك "الكناية" ### | 442 - # "الفصاحة" وصف للكلام بمعناه لا بلفظه مجردا ### | 443 - # كشف الغلط في "فصاحة الكلام"، و "التفسير" و "المفسر" ### | 446 - # الوجوه التي يكون بها للكلام مزية # PageV01P680 ### | 450 - # إذا ظهر التشبيه في "الاستعارة"، قبحت ### | 451 - # القسم الثاني، وهو الذي تكون فصاحته في "النظم" ### | 454 - # الرد على المعتزلة في مسألة "اللفظ" ### | 455 - # كلام العلماء في "الفصاحة"، أكثره كالرموز والتعريض دون التصريح ### | 456 - # بيان معان في وصف "اللفظ"، كقولهم: "لفظ متمكن غير قلق" ### | 458 - # مسألة "اللفظ" وغلبتها على المعتزلة وغيرهم ### | 460 - # "الاستعارة" تكون في معنى "اللفظ" ### | 462 - # "المجاز" كالاستعارة، إلا أنه أعم ### | 463 - # القوف في "الإيجاز" ### | 464 - # الرأي الفاسد وخطره إذا قاله عالم له صبيت ومنزلة ### | 466 - # الرد على المعتزلة في مسألة "اللفظ"، وبيان تقصيرهم ### | 467 - # تعويل المعتزلة على "نسق الألفاظ" في شأن الفصاحة، ثم "الاحتداء" و ~~"الابتداء" ### | 468 - # "الاحتذاء" و "الأسلوب" ### | 472 - # فصل، هذا تقريريصلح لأن يحفظ لملناظرة # مناقشة "الاحتذاء" و "الابتداء" و "النسق" في إعجاز القرآن ### | 474 - # سهولة "اللفظ" وخفته في شأن إعجاز القرآن ### | 477 - # خاتمة كتاب "دلائل ms403 الإعجاز"، وتمام نسخة أسعد أفندي ### | 479 - # "رسائل وتعليقات"، كتبها عبد القاهر الجرجاني ### | 481 - 1 # إزالة الشبهة في جعل الفصاحة والبلاغة للألفاظ # - باين مهم في مسألة "اللفظ" و "المعنى" ### | 484 - # أمثلة على ما تفعله صنعة الشارعين في الصورة، والمعنى واحد ### | 489 - # الشاعران يقولون في معنى واحد، وهو قسمان: ### | 489 - # القسم الأول: أحدهما غفل، والآخر مصور # PageV01P681 ### | 500 - # القسم الثاني: في البيتين جميعا صنعة وتصوير ### | 507 - # تعقيب على هذين القسمين ### | 508 - # القوف في معنى "الصورة" و "التصوير" ### | 511 - # جملة من وصفهم العشر وعمله، وإدلالهم به ### | 518 - # غرضه من ذكر وصف الشعراء الشعر، وانه دليل على أن مزيته تدرك بالعقل لا ~~بمذاقة الحروف ### | 520 - # بيان أن قولهم في "اللفظ"، يسقط "الكناية" و "الاستعارة" و "المجاز" و ~~"الإيجاز" ### | 522 - # بيان آخر في شأن "اللفظ"، وفساد القول به. ### | 525 - # مقالة في الخبر والإسناد # "النظم" هو توخي معاني النحو، وهو معدن البلاغة ### | 526 - # أصول يحتاج إلى معرفتها "الخبر" أصل في معاني الكلام في النفي والإثبات ### | 528 - # لابد للخبر من مخبر به، وهو الذي يوصف بالصدق والكذب وأن "الخبر" وجميع ~~الكلام معان ينشئها الإنسان في نفسه ### | 529 - # بطلان دعوى أصحاب "اللفظ" في توهمهم أن "الخبر" صفة "للفظ" ### | 533 - # توهمهم أن "المفعول" زيادة في الفائدة، والاحتجاج لبطلان ذلك ### | 537 - # فصل، "الإثبات" معنى تكون به المزية في الكلام ### | 539 - # هذا ما نقل من مسودة عبد القاهر بخطه بعد وفاته رحمه الله # -ألفاظ اللغة لم توضع إلا لضم بعضها إلى بعض، وبضمها تكون الفائدة، وهذا ~~موضع "الخبر" و "الإسناد" ### | 543 - # "الخبر" وجميع معاني الكلام، معان ينشئها الإنسان في نفسه ### | 546 - # بيان في "النظم"، ودخول الشبهة في أمره، وأن مراده إلى "الذوق" ### | 549 - # البلاء هو أن الإحساس بالمزية قليل في الناس ### | 551 - # خطأ خفي في "النظم"، قد لا تدركه إلا بعد دهر طويل # PageV01P682 ### | 552 - # خطأ خفي آخر في "النظم" ### | 553 - # خطأ آخر في اتباع تأويل بعض العلماء ### | 557 - # تمام كتاب "دلائل الإعجاز" في نسخة "حسين جلبي" ### | 561 - # فصول ملحقة بكتاب "دلائل الإعجاز" ms404 في نسخة "حسين جلبي" # 1 مسألة يرجع فيها الكلام إلى "الإثبات" ### | 563 - 2 # فصل، في الإثبات ### | 564 - 3 # فصل، تعليق على ما قاله ابن جني في بيت للمتنبي ### | 566 - 4 # فصل، في بيان معنى: "هذا ينحت من صخر، وذاك يعرف من بحر" ### | 567 - 5 # مسألة، تعليق على كلام لأبي عبد الله النمري، في كتابه "معاني أبيات ~~الحماسة" ### | 568 - # "هذا آخر ما وجد على سواد الشيخ من هذا الكتاب"، يعني "دلائل الإعجاز". ### | 569 - 6 # مسألة، في تفسير قولهم: "إن الفعل يدل على الزمان" ### | 573 - # "الرسالة الشافية"، لأبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني. # وهذه الرسالة خارجة من كتابه "دلائل الإعجاز" ### | 575 - # جمل من القول في "إعجاز القرآن" # - الأصل والقدوة في إعجاز القرآن هم العرب، ومن عداهم تبع لهم، ~~والمتأخرون من الخطباء والبلغاء بعد زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وقول ~~خالد بن صفوان، والجاحظ: أنهما لا يجاريان العرب الأول ولكن يحاكيانهم ### | 577 - # دلائل "أحوال" العرب و "أقوالهم"، حين نزل القرآن عليهم # - دلائل الأحوال، الدالة على عجزهم حين تحدوا بالقرآن ### | 581 - # دلائل الأقوال، الدالة على عجزهم حين تحدوا بالقرآن ### | 585 - # الاحتجاج لدلالة هذه الأحوال والأقوال على إعجاز القرآن ### | 590 - # فصل في شبهة من قال: "جرت العادة بأن يبقى في الزمان من يفوت أهله حتى ~~يسلموا له، وحتى لا يطمع أحد في مداناته"، والدليل على بطلان ذلك # PageV01P683 ### | 592 - # الأخبار الدالة على اختلاف الناس في أي الشعراء أشعر ### | 595 - # بيان في تقديم الشعراء وتفضيلهم من أي وجه يكون؟ ### | 598 - # الشرط فيما ينقض العادة "يعني المعجزة" أن يعم الأزمان كلها ### | 600 - # قول الملحدة أنه كان في المتأخرين من البلغاء من استطاع معارضة القرآن، ~~فترك إظهاره خوفا ### | 602 - # فصل، في فن آخر من السؤال وهو: من عادات الناس أن الواحد تواتيه العبارة ~~في معنى، وتمتنع عليه في آخر، والقول فيمن غلب على معنى، فلم يبق لغيره ~~مرام فيه ### | 604 - # ما جاء على هذا الوجه من الكلام المنثور ### | 606 - # إبطال الاحتجاج بمثل ذلك من إعجاز القرآن، ms405 وتفصيل القول في معنى "التحدي" ### | 611 - # فصل في الذي يلزم القائلين بالصرفة من المعتزلة في سياق آية التحدي ما ~~يدل على فساد قولهم ### | 623 - # فصل، هو ختام الرسالة الشافية ### | 625 - # فصل، في قول من قال: "إنه يجوز أن يقدر الواحد من الناس بعد مضى وقت ~~التحدي، على أن يأتي بما يشبه القرآن"، وهو قول أصحاب "الصرفة" ### | 626 - # فصل، هو ختام "الرسالة الشافية"، في أن نميز الكلام بعضه من بعض، لا ~~تستطيع أن تفمه من شئت متى شئت # - قال أبو فهر: تم الكتاب بحمد الله وتوفيقه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ~~وصلى الله عليه نبينا محمد وسلم تسليما كثيرا. PageV01P684 ms406