######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0022664 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار (المتوفى: 471هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 471 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: دلائل الإعجاز في علم المعاني #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0022664 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-22664 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/22664 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: ياسين الأيوبي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتبة العصرية- الدار النموذجية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [دلائل الإعجاز في علم المعاني] # المؤلف: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، ~~الجرجاني الدار (المتوفى: 471ه) # المحقق: ياسين الأيوبي # الناشر: المكتبة العصرية- الدار النموذجية # الطبعة: الأولى # عدد الاجزاء: 1 # [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] # PageV00P000 ### | القسم الأول ### | مقدمة الكتاب: محطات الكتابة ومعطيات البحث: بقلم الدكتور ياسين الأيوبي # أن تقدم على تناول كتاب تراثي: قراءة، وتشكيلا، ودراسة، وتحشية، أمر لا ~~يخلو من الصعوبة والمكابدة. # فكيف إذا كان الكتاب في صميم التراث البلاغي، ولواحد من أعيانه، كتاب ~~اتسم بكثير من العمق والرسوخ في علم هو الأصعب، والأصل في تأسيس الكلام ~~ورصفه وتنضيده، للارتقاء به إلى رتبة الخلق والإبداع؟ # عنيت: سيد الفكر البلاغي، وسادن كعبته، الشيخ عبد القاهر الجرجاني، ~~وكتابه الفرد: دلائل الإعجاز. # فأنت إذن أمام عقبتين أخريين، عليك اجتيازهما بما يشبه المغامرة، لصعوبة ~~مسلكهما، ووعورة الآفاق التي تشكل الإطار العريض لهما. # ولولا أنني مشوق إلى هذا التراث، منذ نعومة أظفاري، ومعني به ومعنى مذ ~~توليت تدريس البلاغة والعروض في أروقة الجامعة، نحوا من ربع القرن، وإقدامي ~~على وضع ثلاثة كتب في البلاغة وحرفة الكتابة، وعدد من البحوث والمقالات ~~المنشورة في عدد من الدوريات المختصة .. لاستحال علي ركوب هذه الموجة ~~الصاخبة، تعصف حولها الرياح من كل حدب وصوب. # ومما ينبغي ذكره في هذا الصدد، التهيب المتجدد في كل مرة أقبل فيها على ~~وضع كتاب، أو كتابة بحث في الميدان البلاغي، لأمر يجب الاعتراف به، ألا ~~وهو: صعوبة الإضافة إلى ما كتبه القدماء، ووثقوا به شروحهم ونظرياتهم، ولا ~~سيما الشواهد الأدبية واللغوية الدالة. # وها أنذا في الحال نفسها وأنا أسطر هذه المقدمة - الدراسة، لكتاب ~~الجرجاني، الذي يحار المرء في المسائل التي ينبغي طرحها، والنقاط التي ~~تستحق التوضيح والإنارة. # - هل أسلك، في التقديم، سلوك معظم من قام بصنيع مماثل، من ذكر الدواعي، ~~والظروف، والغايات التي اقتضت الكتابة والتعليق ... ؟ # - أم أقف وقفة الدارس المسؤول أمام الكتاب، أعرض لأهم مسائله وموضوعاته، ~~وأولي المنهج والأسلوب ما يليق بهما من التأمل، وأحاول تقديم ما توصل ms001 إليه ~~المؤلف؟ # PageV01P001 # لم تطل حيرتي، بل وجدتني أختار المنحى الثاني. ذاك أن مقدمة لا تأخذ بنظر ~~الاعتبار، التطرق إلى لب الموضوع والطواف في جنباته، تبقى قاصرة أمام عظمة ~~العطاء ودويه لكلا الكتاب ومؤلفه ... # وإذا بي أمام عناوين ومحطات من الكتابة، لا بد منها للعبور إلى الضفة ~~الأخرى، لعلي أرشف بعض قطرات السمو والمشاركة، ولو في حدود الملامسة ~~واعتمار العتبات!! # أنا والكتاب # صدر كتاب دلائل الإعجاز في غير طبعة وغير شرح. لكن أفضل الطبعات والشروح ~~هي تلك التي صدرت في مصر سنة 1321 ه ثم أعيد طبعها ونشرها سنة 1331 ه / ~~1912م مصححة على التوالي من الإمام الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، ~~والمحدث الشيخ محمد محمود التركزي الشنقيطي، ثم من الشيخ محمد رشيد رضا ~~الذي علق حواشي الكتاب وصحح طبعته. # وقد اعتمدت هذه الطبعة على شيء من المقابلة والمراجعة مع طبعة أخرى صدرت ~~في دمشق سنة 1983 بتحقيق الدكتورين الشقيقين: محمد رضوان الداية وفايز ~~الداية ... # عنيت الطبعة المصرية بدقة النقل وأمانته وتصحيح الكتاب بعد مقابلة النسخ ~~التي كانت بحوزة الإمام محمد عبده الذي استحضر نسختين له من المدينة ~~المنورة ومن بغداد؛ وذيلت صفحاته بما تحصل للإمام من حواش وشروح أثناء ~~تدريسه الكتاب على طلبة جامعة الأزهر. وبذلك يكون قد تحقق لهذا الكتاب ~~القدر الأوفر لصحة مادته، المتوفرة "بعلامتي المعقول والمنقول" الشيخين ~~عبده والشنقيطي، ثم التدريس الذي يمثل السبيل الأفضل للتصحيح والتصويب ~~والتنقيح، يضاف إلى ذلك جهود الشيخ رضا الذي سهر على الكتاب وأسهم كل ~~الإسهام في إخراجه على الصورة التي وصلتنا. # إلا أن هذا الجهد وذلكما العناية والإشراف، حفلت بكثير من النقص الذي ~~اعتور معظم الكتب الصادرة في تلك المرحلة، والمتمثل بما يلي: # - خلو النص من التشكيل الإعرابي إلا فيما ندر، ما عدا قسم يسير من الآيات ~~القرآنية والأبيات الشعرية، الأمر الذي يربك القارئ ويعيق إفادته. # PageV01P002 # - اقتصار الحواشي على بعض الشروح اللغوية والإعرابية، وتسمية أصحاب ~~الشواهد الشعرية بنسبة ضئيلة، لا تغني عن المتابعة والاستقصاء المؤديين إلى ~~معرفة المصدر الشعري والقصيدة ms002 والمناسبة. الخ ... # - خلو الكتاب من كل الفهارس على أنواعها، والاكتفاء بفهرس الموضوعات. # - خلو المقدمات التي كتبها الشيخ رشيد رضا، وناشر الطبعة الثانية من ~~تناول الكتاب وإخضاعه لشيء من الدراسة والتأمل، باستثناء فقرة كتبها الشيخ ~~رضا في "مكانة الكتاب" التي حدد فيها الخطوط العريضة لأهمية الكتاب ودور ~~مؤلفه في التصدي لعلماء عصره، في سطور قليلة لا تروي غليلا. # - خلو حرف الياء من التنقيط، أنى وجدت، فيما عدا التي ترد في وسط الكلمة. ~~وغير ذلك من أمور، جهدت في تلافيها جميعا، وسد كل ثغرة وإخراج الكتاب بما ~~يليق به وبصاحبه، فعمدت إلى ما يلي: # * ضبط النص ضبطا كاملا حتى الذي كان موضع تردد وإشكال، مفضلا خطأ محتملا ~~على قول: بجهل القراءة. # إذ لا قيمة لتحقيق أي أثر تراثي إن لم يقترن بتشكيل دقيق، لأن من شأن ~~ذلك، الوقوف على دقائق الأفكار ومسارها الإعرابي الصحيح، بحيث لو وضعت ضمة ~~مكان فتحة، أو حركة ما مكان تنوين، أو أهملت علامات الوقف - وهي من مقتضيات ~~التشكيل - تغير المعنى، وضاعت الفائدة. # من هنا كانت العناية الشديدة، والجهد الكبير لوضع العلامات، وحركات ~~الإعراب، مع الاعتراف بأن ما قمت به يظل بحاجة إلى مراجعة وتدقيق. # فقد يعتورني الخطأ في جانب أو آخر، لصعوبة المنحى التأليفي الذي اختطه ~~الجرجاني، ولإطالة الجمل والعبارات، وتداخل أغراض شتى داخل الغرض الرئيسي ~~الذي يصاغ الكلام لأجله. # * تخريج الآيات القرآنية، وربط الجزء بالكل وشرح ما ينبغي شرحه. # PageV01P003 # فقد عنيت بهذا الجانب، لأن الكتاب قائم في الأصل، وفي عمق التصور وكتابة ~~النظرية البلاغية، على النظم القرآني. الأمر الذي اقتضى وضع الشاهد أو ~~المقبوس القرآني في سياق الآية أو السورة، ليفهم القارئ موقع هذا الشاهد، ~~ويدرك حقيقة الإعجاز البلاغي في النص القرآني. إذ لا يكفي أن نعين موقع ~~الشاهد من الآية أو السورة - فقد اضطلع الكومبيوتر عنا بكل ذلك - بل لا بد ~~من استجلاء ما هو أبعد وأعمل، لتحقيق الفائدة البلاغية والفكرية التاريخية ~~المرجوة. # * تخريج الشواهد الشعرية، وربطها بمصادرها في القصيدة والديوان أو في ~~الكتب الأمهات، ms003 لفسح المجال أمام القارئ بمتابعة القراءة والاستمتاع والبحث ~~والإفادة، وهي مهمة عسيرة ولا سيما مع الأبيات غير المنسوبة التي وضعت ~~لأجلها كتب جامعة، وفي مقدمها "معجم شواهد العربية" الذي أعده المحقق ~~العلامة عبد السلام محمد هارون. ولكنه لم يحط بكل الأبيات الشاردة في بطون ~~الكتب والمصنفات القديمة ... # فكان علي البحث في مصادر أخرى، والحصيلة هزيلة في الغالب ... # وفي تخريج الأبيات، والشطور الشعرية، لم أسع إلى حشد كل المصادر أو ~~المصنفات التي عنيت بإثبات الشاهد أو استخدامه، بل اكتفيت بالقليل منها، ~~لأنها ترشد إلى بعضها البعض. كذلك فعلت في ترجمة الشعراء والكتاب، مكتفيا ~~بواحد أو أكثر من كتب التراجم المعروفة، ومعظمها يضع في الحاشية قائمة ~~بيبليوغرافية لترجمة العلم المدروس، وكان كتابي "معجم الشعراء في لسان ~~العرب" أحد المراجع الحديثة التي اعتمدتها لهذا الغرض. # * وضع الفهارس الفنية على اختلافها، استكمالا للفائدة وحرصا على تبويب كل ~~شيء في خانته ... وهو جهد بالغ وحجم كبير من الكلام يكاد يضاهي الجهود ~~الأخرى. # وما أحوجنا إلى مثل هذه الفهارس في الكتب والإصدارات التي تخرجها لنا ~~المطابع ودور النشر التي تبخل على الكتاب وقارئه بالفهارس اللازمة، بحجة ~~الكلفة المادية! # أما النسق الذي اتبعته في إعداد هذا الكتاب فقد راعيت فيه الأمور الآتية: # PageV01P004 ### | 1 - # أبقيت على حواشي الطبعة المصرية سواء ما كان منها للإمام محمد عبده أم ~~للشارح المصحح الشيخ رشيد رضا، حفاظا على أمانة السلف الذين سبقونا إلى درس ~~هذا الكتاب وتناوله، وتوضيح ما أشكل عليهم، ولإتاحة الفرصة أمام القارئ، ~~الاطلاع على النسق والمستوى اللذين كان عليهما علماؤنا، والقدر الذي أسهموا ~~فيه لتقديم تراثنا ونشره لأجيال عصرهم ... وليعرف من بعد، ما قمت به من ~~شروح وتوضيحات، وما أضفته من تخريج وتعريف، ناهيك بالضبط التام لنص المتن، ~~ولحواشي الشارحين، التي نادرا ما ضبط الكلام فيها. # وقد أغفلت بعض الحواشي التي لم أجد لها فائدة تذكر، كالاختلاف في ~~الرواية، أو في ورود المفردات والشروح اللغوية. وكنت أضيف إليها بعض ~~التوضيحات والشروح، واضعا الزيادات بين معقوفتين. ### | 2 - # استحدثت بعض العناوين ms004 الداخلية، وجعلتها فقرات مستقلة لأهميتها. ### | 3 - # كما أنزلت جميع العناوين الموضوعة في أعلى الصفحات، إلى مواضعها داخل ~~الصفحات، لترتيب الكلام وفقا لأغراضه التي حددها الجرجاني. ### | 4 - # ميزت بين حواشي الشارحين وحواشي؛ فجعلت "النجوم" للأولى، و "الأرقام" ~~للثانية. ### | 5 - # سميت بحور الأبيات الشعرية، وجعلتها في مطلع كل واحد منها. ### | 6 - # أما نسق الفهارس، فسوف نبينه في رأس كل فهرس على حدة. # وأما الطبعة الدمشقية التي عني بها محققان جليلان، فكنت أعود إليها من ~~حين لآخر في بعض حالات الإشكال الإعرابي، وربما للاهتداء إلى من عزت علي ~~المصادر في معرفة صاحب الشاهد الشعري؛ فإذا بها لم تعن بتشكيل النص إلا في ~~حدود ضيقة، قلما أفدت منها في هذا الجانب ... وإذا المصادر وأصحاب الشواهد ~~الشعرية هي ذاتها التي عينها عبد السلام محمد هارون في سفره النفيس "معجم ~~شواهد العربية" إلا فيما ندر، باستثناء ما وفقت إليه من دواوين ومجاميع ~~شعرية لم تتوافر لدي. ومع ذلك فلم أعتمد هذه الدواوين احتراما لجهدها ~~وتحصيلها، وللتثبت الشخصي من صحتها؛ فكنت أحيل إلى المصادر والمصنفات ~~العامة ... حتى إذا لم أجد ضالتي أوضحت ذلك في موضعه ... # PageV01P005 # ذلك هو دأبي ومنهجي: احترام جهود الآخرين ونسبها إليهم، واحترام الأمانة ~~العلمية واعتماد الجرأة في قول الحقيقة. فإن "لا أدري" لمن العلم. # بقيت كلمة يجب أن تقال في هذه الطبعة، ألا وهي أن ليس فيها من التحقيق ~~زيادة عما فعلته إلا بعض التوضيحات الهامشية (نسبة إلى الهوامش) لفروق ~~طفيفة بين هذه النسخة وتلك، ولكنها، لم تحد عن نص طبعة الشيخين قيد أنملة، ~~في حدود ملاحظتي ومتابعتي، فيما لا يكاد يلحظ. إلا إذا كانت النسخ التي ~~بحوزة المحققين الكريمين هي عينها التي اعتمدها الإمام محمد عبده. # حتى الخطأ القرآني الذي وقعت فيه طبعة الشيخين، في استخدام الآية ~~القرآنية (130) من سورة الشعراء الواردة في (الدلائل) ص 411، قد اعتمدته ~~الطبعة الدمشقية بحرفيته (ص 359) - والخطأ القرآني هو: # {وإذ بطشتم بطشتم جبارين} [الشعراء: 130] والصحيح: {وإذا بطشتم بطشتم ~~جبارين} [الشعراء: 130] # الكتاب وجهود الشارحين # أوضح الشيخ رشيد رضا، في ms005 مستهل تقديمه للكتاب، حدود صنيعة وطبيعته ~~بالمقارنة والمقابلة مع صنيع الإمام محمد عبده، فأكد أنه - عند هجرته إلى ~~مصر لإنشاء مجلة "المنار" - وجد الإمام عبده مشتغلا بتصحيح كتاب دلائل ~~الإعجاز، وقد أشرك معه في ذلك، إمام اللغة في عصره الشيخ محمد الشنقيطي ... ~~وأن دوره اقتصر على "تصحيح الكتاب المطبوع وتفسير بعض الكلمات الغريبة فيه ~~وفي شواهده بالاختصار" (ص: ح). # وقد وفى الشيخ رضا بما رسمه لنفسه وطلب إليه؛ فقام بالتصحيح، وحافظ على ~~حواشي الإمام بأمانة شديدة ... ولكنه لم يتردد في تسجيل بعض الملاحظات على ~~حواشي الإمام كلما وجد ذلك مناسبا وضروريا. لكن هذه الملاحظات كانت تالية ~~لحواشي الإمام. وكانت له حصة يسيرة من النقد والتعليق الذي يصل حد المخالفة ~~والتصويب لما أبداه الإمام في حواشي نسخته، علما بأنه لم يصرح بذلك ولم ~~يقصد إليه، بل لم ير فيه إلا الاستدراك أو التوضيح لما يحتاج إليه القارئ: # PageV01P006 # "ثم إننا زدنا على ضوابط الأستاذ وهوامشه ما خطر لنا في أثناء تصحيح ~~الطبع أن القارئ يحتاج إليه، وقليل من ذلك يدخل في باب الاستدارك على شيخنا ~~رحمه الله تعالى أو التوضيح لما كتبه". # وترجع حواشي الإمام بمعظمها إلى معاجم اللغة وشروح القصائد في الدواوين ~~والأمهات ولا سيما معجما "القاموس المحيط" و "لسان العرب"، كما بينت غير ~~مرة في شروحي وتعليقاتي. # وما تبقى فهو آراء ولفتات نحوية أو ذاتية، لشرح هذا الاستعمال، أو هذه ~~النكتة، أو تلك المفردة الغريبة. بينما جادت حواشي السيد رضا واتسعت لتشمل ~~شرح الشواهد الشعرية، وتتم بعضها، ولا سيما في القسم الأخير من الكتاب. # "وجملة الأمر" - كما يقول شيخنا الجرجاني في كثير من خلاصاته - أن ما طرز ~~به الكتاب من حواش لكلا العلامتين، يكمل بعضه بعضا، ويشكل إضافة عضوية يصعب ~~تجزئتها، لئن تفاوتت فيما بينها في المنهجية والتوضيح، أو في الإعراب ~~النحوي والبياني واللغوي، فقد اتسقت وائتلفت، لتضيء الكثير من العتمات ~~وتفتح الكثير من المغالق، التي اكتنفت الكتاب. # PageV01P007 ### | موضوعات الكتاب # الناظر في موضوعات "دلائل الإعجاز" التي ضمها فهرسته المنشور في ms006 الصفحات ~~الأولى منه، ينتابه شعور بأن صاحب الكتاب، تفجرت عنده ينابيع المعرفة، ~~فسلكت به شتى الدرس البلاغي الذي راح يلقيه على قراء زمانه، من طلبة وعلماء ~~تفاوتت مداركهم وقدراتهم بين المتقبل المتذوق، والدعي الغبي، فأفرغ جل ما ~~توصل إليه من حقائق ومعلومات صاغها بمنطق المحاضر الموسوعي، لا يسعه ~~الانضواء في موضوع واحد، بل يلتفت إلى هذا الجانب وذاك، وإلى هذا الباب، ~~وهذا الميدان، من أبواب الفكر البلاغي وميادينه المترامية الأطراف. # فعلى الرغم من كون الكتاب قد وضع لتأسيس علم المعاني، وما يقتضيه من ~~مسائل محددة توافق عليها العلماء والدارسون، فإننا أمام سلسلة أو خليط من ~~الموضوعات التي تداخلت وتفرعت، أو اتسقت وافترقت - ولا نقول: ائتلفت ~~واختلفت - لأنها في تضامها، تؤلف الأفق البلاغي الواسع لما سماه: علم ~~المعاني، مفتوحا على علمي البيان والبديع اللذين لم يستقلا عن العلم الأول، ~~إلا في نطاق الاصطلاح والتحديد المتأخرين مع السكاكي أو القزويني، ومن ~~تبعهما وعاصرهما من علماء البلاغة. # وإن أردت محاسبة المؤلف بالمنظور العلمي المختص، وقعت على نسبة ملحوظة من ~~الخروج على الموضوع بسبب عدد غير يسير من الموضوعات التي طرحها وعالجها ~~داخل موضوعات الأبواب والفصول المختصة، وأعني بها تلك التي ترتبط مباشرة ~~بعلم المعاني، كما يتبين لمن تابع معي أهم موضوعات الكتاب وفقا لتسلسلها، ~~وهي على التوالي: # * الكلام في الشعر: روايته وحفظه وذم علمه. # * الكلام في النحو. # * كلام تمهيدي في الفصاحة والبلاغة. # * كلام في المجاز وفروعه ووجوهه. # * نظم الكلام وعلاقته بالنحو والبلاغة، وما يستلزم من معرفة التقديم ~~والتأخير والإسناد والاستفهام والخبر والنكرة. # * موضوعة الحذف: مواضعة وأنواعه، بلاغته. # * كلام ثان في الخبر بين التعريف والتنكير، والإثبات والنفي. # * كلام في الحال ودور واو الحال. # * الفصل والوصل # * باب اللفظ والنظم، متداخل فيه: المجاز الحكمي، والكناية والتعريض. # * القصر والاختصاص: إنما، ما وإلا. # * فصول أخرى في اللفظ والنظم، متداخل فيه: الحقيقة والمجاز. # * القول المبسط والموسع في الإعجاز والفصاحة والبلاغة. # * حقيقة الإعجاز ومعالمه ووجوهه. متداخل فيه: غريب الكلام، وفساد الذوق، ~~الفصاحة والنحو، الاستعارة: وجوهها وأنواعها وسمو المعنى فيها. # * الاحتذاء ms007 والأخذ والسرقة في الشعر. # * الموازنة بين المعنى المتحد في اللفظ المتعدد (في شعر البلغاء). # * السجع والتجنيس المتكلفان وذمهما. # * متعلقات الفعل ومتغيرات معاني الجمل. # * إدراك البلاغة وتحقيقها في الذوق والإحساس الروحاني. # PageV01P008 # كانت هذه أبرز موضوعات الكتاب، صغتها بكثير من الجمع والتلخيص، إن دلت ~~على شيء، فعلى المنحى الدوراني المتشعب حول نقطة مركزية هي إعجاز النظم وما ~~يتعلق به أو يؤدي إليه من دروب وقنوات، كل واحدة منها تمثل مشروع دائرة شبه ~~مستقلة، وما ذاك إلا لغنى العناصر التي يتكون منها الإعجاز البلاغي الذي ~~يحيط بالنظم القرآني وكل نظم آخر يقتدي به أو يقتبس منه، ويسعى لبلوغ ما ~~بلغه من مراتب السمو في الإبداع الفني ... # ولا يسعني ههنا إلا تأكيد ما قلته من قبل بموسوعية الطرح والمعالجة، ~~وبالنظرة شبه الشمولية التي يتطلبها الدرس البلاغي، ويفضي إليها؛ وبخاصة ~~علم المعاني الذي يفترض الإلمام بإحكام، بمختلف علوم اللغة وقواعدها. ذاك ~~أنه الأصل والقاعدة وما سمي بمقتضى الحال. يؤكد ذلك تعريف السكاكي له بما ~~يشبه إحاطة السوار بالمعصم، قائلا: # "هو تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة، وما يتصل بها من الاستحسان ~~وغيره، ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ~~ذكره". # ولو تأملنا معاني المفردات التي يتألف منها هذا التعريف، لظهر لنا المدى ~~البعيد الذي يبلغه هذا العلم والمراحل التي ينبغي اجتيازها لتحقيق مضمونه ~~... وأكتفي بالشطر الأول من التعريف: "تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة" ~~وأترك القارئ ينعم النظر وراء كل مفردة على حدة، فيدرك السبل التي عليه ~~سلوكها أو الإحاطة بها، ولا سيما (تراكيب الكلام) التي لو فتحنا نافذة ~~للتعرف إلى مضمونها وشرائحها التي تتناول الجمل والمفردات وأسس تشكيلها ~~وتركيبها وتأليفها لتصبح نسيجا دارئا ما دونه من معان ومقاصد ... لأطلنا ~~وأفضنا. وقس على ذلك، كلآ من الإفادة، والاستحسان والاحتراز من الخطأ، ~~ومقتضى الحال .. أفلا يتطلب منا ذلك: الطواف المتأني حول مجمل عناصر الكلام ~~ووجوهه وسننه وسبل تحسينه، وإضفاء البهجة والحياة فيمن حوله؟ ... # المنهج والطريقة # PageV01P009 # تندرج كتابة عبد القاهر الجرجاني البلاغية ms008 بعامة، وكتاب دلائل الإعجاز ~~بخاصة، تحت عارضة العقل والمنطق، لأن كل شيء عنده قائم على إبداء الرأي ~~وبسطة والتمثيل له، أو العكس، معتمدا القياس والاستنتاج، محكما عقله ~~وتفكيره، معتمدا المبادئ المعرفية التي يحكم بها البلغاء الحقيقيون، وما ~~يحصله من عيون الشواهد الأدبية، يسبقها أو يواكبها الشاهد القرآني المعجز. # فكان أحيانا مستقرئا، يبحث في التفاصيل والجزئيات وصولا إلى خلاصة الرأي ~~وزبدة النظرية ... وأحيانا مستنتجا، يطرح الرأي، وينصب ميزان الحكم ثم يعرض ~~مفاهيمه وشروحه في بوتقة العقلي المستمد من ثقافته الفكرية التأملية ~~ومقاربته الأشياء، فضلا عن المنطق اليوناني الأرسطي الذي تشربت به طائفة ~~كبيرة من علماء عصره؛ ولكنه خفف من جفاء المنطق ورصانة العقل بما اكتسبه من ~~لطافة الذوق ورهافة الإحساس. لنقرأ له دفاعه عن نظريته في أن الفصاحة لا ~~تكون للفظ إلا باعتبار معناه: # "إن القارئ إذا قرأ قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4] فإنه لا ~~يجد الفصاحة التي تجدها إلا من بعد أن ينتهي الكلام إلى آخره؛ فلو كانت ~~الفصاحة صفة للفظ "اشتعل" لكان ينبغي أن يحسها القارئ فيه حال نطقه به، ~~فمحال أن تكون للشيء صفة، ثم لا يصح العلم بتلك الصفة إلا من بعد عدمه. ومن ~~ذا رأى صفة يعرى موصوفها عنها في حال وجوده، حتى إذا عدم صارت موجودة فيه؟ ~~وهل سمع السامعون في قديم الدهر وحديثه، بصفة شرط حصولها لموصوفها أن يعدم ~~الموصوف؟ " # لا أغالي إذا قلت إن كل رأي صدر عن الجرجاني، وكل نظرية طرحها أو توصل ~~إليها، إنما سلك في سبيلهما هذا المسلك القياسي الاستدلالي الاستقرائي،، في ~~إطار من التحليل المنطقي والتفكير العقلاني ... بغض النظر عما يؤول إليه أو ~~يستنتجه أو يؤسس عليه. ذاك مجال آخر يمكن فيه مناقشته وإخضاع ما يقول ~~لميزان القناعة أو الرفض. إقرأ معي - إن شئت - مثالا آخر؛ تحليله لبيت ~~العباس ابن الأحنف، في بث شجونه ومعاناته في إثر الحبيب: # سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا # PageV01P010 # وافق الجرجاني الشاعر في الشطر الأول، بوجوب سكب الدمع مع الفراق، ms009 لكنه ~~غالطه في مسألة الجمود قائلا: # "إذا قال "لتجمدا" فكأنه قال: أحزن اليوم لئلا أحزن غدا، وتبكي عيناي ~~جهدهما لئلا تبكيا أبدا؛ وغلط فيما ظن؛ وذاك أن الجمود هو أن لا تبكي ~~العين، مع أن الحال حال بكاء، ومع أن العين يراد منها أن تبكي ويشتكى من أن ~~لا تبكي، ولذلك لا نرى أحدا يذكر عينه بالجمود إلا وهو يشكوها ويذمها ~~وينسبها إلى البخل، ويعد امتناعها من البكاء تركا لمعونة صاحبها على ما به ~~من الهم .. # ( ... ) وجملة الأمر أنا لا نعلم أحدا جعل جمود العين دليل سرور وأمارة ~~غبطة، وكناية عن أن الحال حال فرح. فهذا مثال فيما هو بالضد مما شرطوا من ~~أن لا يكون لفظه أسبق إلى سمعك، من معناه إلى قلبك، لأنك ترى اللفظ يصل إلى ~~سمعك وتحتاج إلى أن تخب وتوضع في طلب المعنى". # ربما لا أوافق شيخ البلغاء على نظرته التحليلية لجمود العينين ههنا - ذاك ~~أن حالة الجمود والصورة التي رسمها ابن الأحنف، كامنتان في وجدان الشاعر ~~ومخيلته، إذ قد يكون قصد إقامة معادلة متوازية بين البعد والقرب من جهة، ~~والانسكاب والجمود من جهة ثانية، وأن الجمود حالة شخوص واشتداد نظر تسمر ~~إلى الأفق البعيد، حيث طيف الحبيب، أو إلى ما حوله ... لكن أحدا لا يسعه ~~الجدال في المنطق التحليلي الاستنتاجي الآسر الذي بسطه الشيخ عبد القاهر ~~بكثير من دقة المعاينة وإحكام المساءلة ... # إن العقل عنده سيد الرقابة والتوجيه والحكم في العلاقات والاختيار ~~والتنسيق، وترتيب المعاني وما يناسبها من الألفاظ. كيفما التفت إلى سياق ~~نظريته البلاغية وصياغة أصولها، وجدت العقل رأسا في ذلك، لا يتحول عن مساره ~~أو يخبو له ضوء لدى أية مناقشة أو محاجة. فهو لا يفتأ يذكر العقلاء في كل ~~خلاصة أو استنتاج يعتمدهما في طرح آرائه، وبسط الأدلة والشواهد: حتى ~~الفصاحة، عنده، لا تدرك إلا بالعقل: # PageV01P011 # "هذا فن من الاستدلال لطيف على بطلان أن تكون الفصاحة صفة للفظ من حيث هو ~~لفظ: لا تخلو الفصاحة من أن تكون صفة في اللفظ ms010 محسوسة تدرك بالسمع، أو تكون ~~صفة فيه معقولة تعرف بالقلب. فمحال أن تكون صفة في اللفظ محسوسة؛ لأنها لو ~~كانت كذلك، لكان ينبغي أن يستوي السامعون للفظ الفصيح في العلم بكونه ~~فصيحا. وإذا بطل أن تكون محسوسة، وجب الحكم ضرورة بأنها صفة معقولة، وإذا ~~وجب الحكم بكونها صفة معقولة، فإنا لا نعرف صفة يكون طريق معرفتها العقل ~~دون الحس، إلا دلالته على معناه؛ وإذا كان كذلك، لزم منه العلم بأن وصفنا ~~اللفظ بالفصاحة وصف له، من جهة معناه، لا من جهة نفسه. وهذا ما يبقى لعاقل ~~معه عذر في الشك، والله الموفق للصواب". # أرأيت إلى هذا المنهج العقلاني الدقيق المطرد، وقد اعتمد الاستنتاج فيه ~~عندما انطلق من مقولته - في السطر الأول - "بطلان أن تكون الفصاحة صفة للفظ ~~كلفظ"، ثم راح يبسط نظرته ويعرض لاحتمال ثم يستنتج، بصورة تتابعية موضوعية ~~لا خلل فيها ولا التواء، حتى انتهى إلى ما انتهى إليه وقد استراح قلقه ~~وابتردت طاقاته في البحث والتدليل، كما استراح معه القارئ واستشعر القناعة ~~اللازمة. # أثبت الجرجاني، أنه، في معظم ما شرح وأوضح، وبرهن ودلل وعلل ... كان في ~~وضع الباحث المنهجي، والمحاضر الممتاز يقدم معارفه لطلبته بكل صبر وروية، ~~متوخيا على الدوام الإقناع والإفادة، "متخوفا" أو قل: متوجسا من أن يكون كل ~~ما جهد في سبيله، عرضة للضياع في مهب الريح، حتى وصل به الأمر في مطلع أحد ~~الفصول، في باب اللفظ والنظم، إلى تكرار التنبيه ومعاودة وصاياه المتتابعة، ~~في مطلع كل فصل ونهاية كل فقرة، كأنما هو في واد والقارئ في واد ... فكانت ~~هذه الكلمات التي تزخر باليقظة والإلحاف والتأكيد على كل ما يملك من مشاعر ~~الحرص على سلامة المعارف التي يطرحها قائلا: # PageV01P012 # "واعلم أني على طول ما أعدت وأبدأت، وقلت شرحت في هذا الذي قام في أوهام ~~الناس من حديث اللفظ، لربما ظننت أني لم أصنع شيئا ( ... ) وهذا والذي ~~بيناه وأوضحناه، كأنك ترى أبدا حجابا بينهم وبين أن يعرفوه، وكأنك تسمعهم ~~منه شيئا تلفظه أسماعهم، وتنكره نفوسهم، وحتى ms011 كأنه كلما كان الأمر أبين ~~كانوا عن العلم به أبعد، وفي توهم خلافه أقعد؛ وذاك لأن الاعتقاد الأول قد ~~نشب في قلوبهم وتأشب فيها، ودخل بعروقه في نواحيها، وصار كالنبات السوء ~~الذي كلما قلعته نبت". # لكأنه دائما في حوار جدلي كلامي مع قارئ يتمثله، فيخاطبه ويحاجه في مثل ~~حلقات المتكلمين المسلمين في مطالع عهدهم. ومن الصعب على القارئ مخالفته، ~~لأنه يمسك بأطراف القناعة والبرهان، فيدلي، ويطرح، ويبسط بكل تؤدة وحسن ~~مراجعة. # ولا يفوتنا الطريقة التي لا تختلف في شيء عن الدرس الصفي الذي يقتضي ~~التمهيد والرأي الجزل والمثال العلمي البلاغي، الذي يتناوله من غير جانب، ~~حتى إذا أعوزه الإقناع الكلي، عمد إلى التفسير الإعرابي النحوي المفضي إلى ~~حسن فهم الكلام، وربط أجزائه بعضها ببعض. # ومن الإعراب النحوي، إلى الإعراب الإسنادي الذي يجعله مستوطن البغية ~~التعبيرية؛ وإلا اختل السياق؛ ومثله الإعراب البياني الذي اعتمد - في حيز ~~كبير منه على تحليل لغوي يصل حد الوقوف الدقيق عند بعض الحروف ... وبوسع ~~القارئ الاهتداء إلى مختلف وجوه الإعراب لدى مطالعته لأي فصل، فسيجد ما هو ~~أكثر من ذلك وأبعد، كالإعراب المعنوي (أي تقليب المعاني واستبدال بعض ~~الكلمات، لتبيان ما يذهب إليه) والإعراب النفسي وبخاصة في الصفحات الأخيرة ~~بحيث ينتهي إلى (الفروق والإحساس الروحاني) بما لم يسبق إليه ... # الأساليب # تناولت الفقرة السابقة مسألة المنهج والطريقة من غير فصل بينهما، لشدة ~~ترابطهما وتداخلهما في نسيج يسمح لي بالقول: إنه نسيج وحده. وها أنذا أوضح ~~ما هو أدق وأقرب إلى الشرح التطبيقي لما تضمنته الفقرة السابقة، ولما قلت: ~~"إنه نسيج وحده". # PageV01P013 # في معرض كلامه على الاحتذاء عند الشعراء تعريفا وتطبيقا، عرف الجرجاني ~~الأسلوب بوجازة متناهية فقال: "والأسلوب الضرب من النظم والطريقة فيه". # أمام هذا التعريف المكثف والمقتضب في آن، أتساءل بنسبة عالية من التفكير ~~والتأمل: هل بالإمكان التحقق من تطبيق هذا التعريف على نص الجرجاني و ~~"دلائله"؟ أي: هل يمكن اعتبار الكتاب: نظما آخر على غرار ما أورد من نصوص ~~وأحكام وخلاصات؟ # والجواب: ليس هناك ما يمنع، ms012 إذا قمت بسبر أغوار نسيجه اللغوي المحكم، ~~والنظر إليه بنفس المقياس الذي استخدمه مع عدد كبير من الآيات القرآنية ~~والشواهد الشعرية ... # ولعلي أقترب من الجواب أكثر، إذا استطعت التعامل مع النص بشيء من التحليل ~~المرتكز على تسليط الضوء على خيوط هذا النسيج وتنوع وجوه الحبكة فيه ~~ومقتضيات الصنعة فيه، أعرض ذلك كله وفقا للعناوين والفقرات الآتية: # * الحبك المتشابك وتداخل الجمل # تميز أسلوب الجرجاني بما أسميه الحبك المتشابك المطرد، في جمل متتابعة ~~وأغراض متداخلة، الأمر الذي يورث القلق في المتابعة، والالتباس في القصد. ~~فتجتهد لمعرفة طبيعة الفعل: أهو للمجهول أم للمعلوم، وفي إلحاق الضمير بهذا ~~الاسم أم بغيره ... فتقف حائرا مفكرا في ضبط الكلام وإعرابه وتأويله - لأن ~~كل ما يفهم من السياق، إنما يرتبط بصورة مباشرة بحسن إعرابنا الكلام، وربط ~~جمله وعباراته. ولولا تدخل الإمام عبده والمصحح رضا في تنوير القارئ ببعض ~~الحواشي الموضحة، لبقي كثير من النصوص شبه مقفل، بسبب تعذر تشكيل بعض ~~المفردات، وغياب علامات الترقيم التي تكمل التشكيل وتزيل الالتباس، كأنما ~~بعض العلامات، حركات إعرابية نيرة. # من ذلك وقوفه شبه المستهجن أمام رأي الناس في جعل الاستعارة هي وحدها ~~التي تميزت بالشرف المستمد من الآية الكريمة: {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: ~~4] وجوابه: # PageV01P014 # "وليس الأمر على ذلك - ولا هذا الشرف العظيم ولا هذه المزية الجليلة وهذه ~~الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة، ولكن لأن ~~يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء وهو لما هو من سببه، فيرفع ~~به ما يسند إليه ويؤتى بالذي الفعل له في المعنى منصوبا بعده مبينا أن ذلك ~~الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل هذا الثاني ولما بينه ~~وبينه من الاتصال والملابسة". # لن أشكو من الصعوبة التي اعتورتني وأنا أقرأ هذا المقطع. فالشكوى غير ~~مقبولة من دارس متصد لنص كنص الجرجاني - إنما كان علي القراءة المرة تلو ~~المرة لتشكيل حروفها ووضع علامات الوقف بين الجمل والعبارات ... وقد شئت أن ~~أنقل هذا المقطع من دون ضبط ليدرك ms013 القارئ نمط الكتابة لدى الجرجاني وأسلوبه ~~المتشابك الذي، ولو شكل كما يجب، بقي على قدر من الإشكال والتداخل وبخاصة ~~لقراء: من الدرجة الدنيا حتى درجة جيدة - أي لا بد من نسبة عالية من ~~المعرفة النحوية والتمرس بقراءة نصوص كالتي واجهتني في هذا الكتاب الذي ~~أزعم أن ضبطه وحده، من دون أي عمل آخر، كفيل بتحقيق الفائدة المرجوة وإن ~~متواضعة. فمن يقرأ جيدا يفهم جيدا، فيما خلا بعض المفردات أو المصطلحات ~~التي تكفلت المعاجم وكتب التفسير بشرحها. # وما كان من إضافة الحاشية في سياق المقطع، ونقلها كما جاءت في هامش ~~الصفحة المطبوعة في الطبعة المصرية، إلا إلحاق الإشكال بالإشكال، بسبب غياب ~~التشكيل والترقيم حتى في الحواشي، كالذي يدور على نفسه ولا يتقدم خطوة إلى ~~الأمام. # * تعقيد التركيب اللغوي بسبب دخول (كان) على (كان) غير المحدود في الكتاب # PageV01P015 # في كتاب "فقه اللغة وأسرار العربية" الذي صدر عن المكتبة العصرية مطلع ~~عام 1999 بعنايتي، دونت ملاحظة لغوية لافتة هي: إدخال الثعالبي فعل (كان) ~~الناقص على (كان)، مباشرة، وقلت معلقا على جملة وردت في الكتاب، وهي "وإذا ~~كانت تكون في وسطهن فهي دفون" "لعلها المرة الأولى التي دخل فيها فعل "كان" ~~(بالمضارع) على نفسه بالماضي. وإذا بي أفاجأ بأن هناك عددا كبيرا من ~~المرات، دخلت فيها (كان) على (كان) حتى أصبحت من صلب أسلوب الجرجاني، مع ~~قناعتي بأن هذه الصيغة غير مستساغة، لأنه بالإمكان وضع فعل آخر مكان فعل ~~الكينونة الثاني الذي غالبا ما يعني: وجد، حدث، حصل الخ ... # كقوله، في باب "الفصل والوصل": # "وإن لم يكونوا كذلك، لكان لا يكون عليهم مؤاخذة فيما قالوه من حيث كانت ~~المؤاخذة تكون". # وقوله في فقرة: (الكناية أبلغ من التصريح): # "وذكرت أن السبب في أن كان يكون للإثبات، إذا كان من طريق الكناية، مزية ~~لا تكون إذا كان من طريق التصريح". # أفلا يمكن أن يقال، مثلا # (وذكرت أن السبب في أن كان يحصل للإثبات، إذا كان من طريق الكناية، مزية ~~لا تحصل، إذا كان من طريق التصريح) ms014 ... # وقوله، مطلع الكلام على الفصل الخاص "بكشف الشبهة للقائلين بأن الفصاحة ~~للألفاظ": # "إن كان اللفظ إنما يشرف من أجل معناه فإن لفظ المفسر يأتي على المعنى ~~ويؤديه لا محالة. إذ لو كان لا يؤديه، لكان لا يكون تفسيرا له". # أليس قولنا: (لو كان لا يؤديه لما كان تفسرا له) أسوغ وأعلق، فنتخلص من ~~دخول (لام الجواب) في "ل كان" على مضارع منفي؟ ... وهكذا في عشرات الصيغ ~~التي تشيع في الكتاب من أقصاه إلى أقصاه. # *أسلوب التطويل والتكرار في صيغ الشرح # PageV01P016 # تكرار الكلام والجمل المفسرة الموضحة، سمة غالبة في أسلوب عبد القاهر ~~الذي اختط لنفسه هذا المنحى انطلاقا من فكرة الفلسفي الذي يسعى دائما إلى ~~كشف الحقيقة. فما باله وقد ندب نفسه لتثقيف أبناء عصره، وتفتيح كوى الأذهان ~~نحو علم لم يكن له وجود نظامي من قبل ... ألا وهو علم المعاني الذي نبت على ~~جذوع علم النحو نبات إخصاب وإثمار، لا نباتا طفيليا، فإذا به يستقل عن أصله ~~وجوهر وجوده، ليلتحق بعلوم البلاغة ويتصدر هذه العلوم، بعد أن انصرف النحو ~~بأكبر قدر من عنايته، إلى قضايا الإعراب. الأمر الذي حدا بعبد القاهر إلى ~~إعادة العلاقة إلى أصلها وطبيعتها؛ وحسنا فعل لأنه ما انفك في مختلف فصول ~~الكتاب يربط بإحكام بين "المعاني" والنحو ربطا لا نكاد نشعر باستقلال ~~الواحد عن الآخر، فنسوغ النحو، من جهة، ونفهم علم المعاني، من جهة ثانية. ~~وبمعنى آخر أضفى الجرجاني على الخطاب البلاغي مسحة من الأصولية العربية ~~التي تعبر أفضل تعبير عن غنى القدماء وإقبالهم على كل ما يؤدي إلى ~~الينابيع، واعتبار علوم العربية وحدة متكاملة يؤدي بعضها إلى بعض ويكمل ~~بعضها بعضا: فلا بلاغة من غير "معان"، ولا "معاني" من غير نحو، ومن النحو ~~إلى الصرف، ومنه إلى فقه اللغة، انتهاء بلغة العرب المشروحة في المعاجم ~~والموسوعات اللغوية: حلقة أو قل: سلسلة مترابطة منتظمة في عقد، إن فقدت منه ~~حبة أو جوهرة، انفرط العقد، واختل المسار. # ولم يكتف علامتنا بهذا الإنجاز التاريخي، بل تفوق على نفسه، ms015 فوق تفوقه ~~على علماء زمانه، فأوجد ما سمي النقد الذوقي الجمالي الذي جمعه إلى قواعد ~~النحو وأساسيات البلاغة بمختلف علومها وتفرعاتها، من غير فصل أو مفاضلة ... ~~فكان من الفطرة السليمة والطبع النقي والذوق النادر ما جعله يستنكف عن جفاء ~~الصنعة الكلامية وأسلوبها الفلسفي الذي ساد عصره. # PageV01P017 # وأرى أن هذه الصفحة المشرقة والمدماك الشامخ في صرح العربية قد حاز من ~~الإجلال والإعجاز ما يدفع القارئ إلى تسجيل أية إشارة غير منسجمة مع نسيجه ~~البليغ وفكره السديد، كالتطويل في الجمل من جهة وتكرار صيغ الشرح من جهة ~~أخرى. ومن هذا القبيل قوله في فقرة (عود إلى مباحث إنما) في باب القصر ~~والاختصاص" # " ... وذلك أنك ترى أنك لو قلت: ما جاءني زيد وإن عمرا جاءني: لم يعقل ~~منه أنك أردت أن الجائي عمرو لا زيد". # وكان بإمكانه القول: (لأنك لو قلت) مستغنيا عن الجملة التي سبقت، ومتخلصا ~~من تكرار "أنك" المتتابعة مرتين. # ومثله تعليقه على "إنما" في الآية {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ~~قالوا إنما نحن مصلحون} [البقرة: 11] "دخلت (إنما) لتدل على أنهم حيث ادعوا ~~لأنفسهم أنهم مصلحون أظهروا أنهم يدعون من ذكر أمرا ظاهرا معلوما". # هذا التكرار المتقارب ل "أنهم" يورث الثقل في التركيب - وأفضل لو نوع ~~فاستخدم المصدر المؤول بعدها. مثال: (حين ادعوا لأنفسهم الإصلاح). # ومن التكرار الواضح الذي نطالعه بكثرة وبخاصة في المثال النحوي "الشهير": ~~"ضرب زيد عمرا" الذي لو أحصينا عدد المرات التي ورد فيه كل من [ضرب] و ~~[زيد] و [عمرو] لعيينا عن ذلك ... # ولا أرى ضرورة لضرب مثال على ذلك ... ولكني أورد مثالا لتكرار الفكرة مع ~~لفظها في الصفحة الواحدة، بل في المقطع الواحد؛ وعندما أقول بالتكرار، إنما ~~أقصد إلى هذا المدى الضيق؛ ففي كلامه على (الفرق بين معنى المفسر ومعنى ~~التفسير) نقرأ له: # " ... كان للمفسر فيما نحن الفضل والمزية على التفسير، من حيث كانت دلالة ~~في المفسر دلالة معنى على معنى، وفي التفسير دلالة لفظ على معنى". # ثم يقول، بعد أربعة سطور، من التعقيب: ms016 # "ولا يكون هذا الذي ذكرت أنه سبب فضل المفسر على التفسير من كون الدلالة ~~في المفسر دلالة معنى على معنى، وفي التفسير دلالة لفظ على معنى، حتى يكون ~~للفظ المفسر معنى معلوم يعرفة السامع ... " # PageV01P018 # ومن صيغة التي يستخدمها باستمرار، في الفصل الواحد، وفي الفقرة الواحدة، ~~مفردات وجمل نادرا ما يتخلى عنها أو يبدل فيها، وقد حاولت تعدادها فبلغت ~~نحو ثلاثين صيغة بعضها للبدايات ك "إعلم" و "معلوم أنه" و "لا شبهة في أن" ~~... وبعضها للخواتيم والخلاصات ك "وجملة الأمر" و "فاعرف ذلك" أو فاعرفه" ~~وهي الأكثر شيوعا. # وبعضها في الشرح والتحليل الداخلي وهي الغالبة في الاستعمال، مثال: # "أفلا ترى"، و"إذا كان الأمر كذلك فينبغي"، "مما لا يخفى فساده" و "إذ قد ~~عرفت ذلك" - وهي لا تكاد تخلو منها صفحة واحدة - "المحال"، "الفضل ~~والمزية"، "وإذا كان ذلك كذلك" و "لو أنهم"، "ولو فعلوا"، "لا يخفى على ~~عاقل"، "وإن قال قائل .. قيل .. " "كما بينا"، "يتصور" - التي لا حصر ~~لاستعمالها لديه - "البتة"، "عمد عامد"، "من أجل ذلك"، "معلوم أنه"، "وأنا ~~أفسر لك ذلك"، "ولا شبهة في أن"، "وههنا كلام ينبغي أن تعلمه" الخ ... # هذا الكم المذهل من الصيغ الواردة أعلاه، يشكل لبنة العبارة الجرجانية ~~ومفاتيحها ومغاليقها، ما إن تقرأ وتتابع القراءة حتى تشعر أنك مع كاتب ~~تراثي من طراز خاص، عني بأفكاره ومقاصده عناية خاصة جعلته أمام هذه الصيغة ~~وتلك، كالملوح بالمشاعل في مغربية - والدنيا خافتة الضوء والرؤية - كي يتضح ~~كل شيء على خير ما يرام، ويوضع كل شيء في موضعه الصحيح. # وإن فاتنا شيء في هذا الصدد، فلن يفوتنا تكرار تعريف النظم وقواعده ~~بقوله: (ليس النظم شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم). # * انشغاف المؤلف بصيغة المجهول # PageV01P019 # هناك عدة صيغ أو أبنية للمجهول، أشهرها ما هو في بناء الفعل، وما هو في ~~صيغة أو زنة [مفعول]؛ وقد يكون بصورة غير مباشرة عندما يكون الخطاب أو ~~الكلام موجها إلى كائن غائب غير محدد الهوية، كقولنا: (ومن الناس من يفضل ~~كذا أو ms017 يفعل كذا). أو يكون زنة [تفعل] ك: (تبين) وزنة [انفعل] كقولنا: ~~(ينسحب هذا الرأي على غيره) وغير ذلك من صيغ النحو المتعددة التي تجري على ~~ألسنة الكتاب، فيبتعدون عن التصريح بالفاعل، ويجنحون إلى التعميم والتكنية، ~~لسعة الأفق والتناول، في جانب التعميم، وضيق المدى المنشود، في جانب ~~التصريح .. # وقد استخدم علامتنا في كتابه، مختلف الصيغ المعروفة في تراكيب الكلام، ~~مصرحا أو مكنيا معمما. إلا أن نسبة البناء للمجهول قد تجاوزت عنده الحد ~~المألوف في كتابات القدماء وطبعت كتابته بما يشبه الهاجس من الظهور بمظهر ~~المخاطب (بالكسر) المتسائل، الناقد، الرائي، المستغرب، الملخص، المستنتج ~~(بالكسر) .. أي يتحاشى أن يكون هو مصدر هذه الفعال والقائم بها مباشرة .. ~~فينسبها إلى آخر غائب غير معين ولا معروف، مفردا كان أم جماعة، كقوله في ~~تناوله الأول لموضوعه النحو، واصفا مخبرا، تارة، أو مخاطبا تارة أخرى: # "فإن قالوا: إنا لم نأب صحة هذا العلم، ولم ننكر مكان الحاجة إليه في ~~معرفة كتاب الله تعالى، وإنما أنكرنا أشياء كثرتموه بها، وفضول قول ~~تكلفتموها .. ( ... ) قلنا لهم أما هذا الجنس فلسنا نعيبكم إن لم تنظروا ~~فيه ولم تعنوا به، وليس يهمنا أمره .. " # وقوله، في الكلام على (الاستدلال بالاستعارة والكناية والتمثيل) جامعا ~~معظم الصيغ والضمائر المجهولة: # "يعلم كل عاقل أنه لا يكنى باللفظ عن اللفظ، وإنما يكنى بالمعنى عن ~~المعنى - وكذلك يعلم أنه لا يستعار اللفظ مجردا عن المعنى، ولكن يستعار ~~المعنى ثم اللفظ يكون تبع المعنى ( ... ) وكذلك الأمر في التمثيل لأن ~~تفسيره أن نذكر المتمثل له". # وقوله في فقرة الكلام على (الفرق بين معنى المفسر ومعنى التفسير) مستغرقا ~~في صيغتي المضارع والماضي للمجهول: # PageV01P020 # وكان من المركوز في الطباع والراسخ في غرائز العقول، أنه متى أريد ~~الدلالة على معنى، فترك أن يصرح به ويذكر باللفظ الذي هو له في اللغة، وعمد ~~إلى معنى آخر فأشير به إليه، وجعل دليلا عليه، كان للكلام بذلك حسن ومزية ~~لا يكونان إذا لم يصنع ذلك وذكر بلفظه صريحا". # وإذا كان ما قدمت من شواهد الانشغاف بالمجهول ms018 وصيغه، مسألة جارية في نثر ~~القدماء ومخاطباتهم، فإنني أرى له انشغافا حقيقيا باستخدام الفعل المضارع ~~للمجهول "يتصور" بصورة لافتة تومئ بانشداد خاص لها، لا يكاد يفتر لسانه عن ~~استعمالها مرارا أو تكرارا في الفصل الواحد، والفقرة الواحدة، والصفحة ~~الواحدة. وما على القارئ إلا القراءة والمتابعة ... ومما انتقيته من ~~الأمثلة الساطعة، كلامه في: (الإسناد وتحقيق معنى الخبر) في فضل (التفاضل ~~في نظم الكلام) وكذلك في (الخبر والمخبر به) من الفصل نفسه، ما لا يسع ~~القارئ إلا الحيرة والذهول من كثرة ما ردد وأسرف في استعمال الصيغة ~~المذكورة، حيث بلغ تعداد هذا الاستعمال، في صفحتين متتاليتين: عشر مرات، ما ~~عدا الصيغة التي تؤدي مؤداها "يعقل" و "يعرف" "ويقدر". # * استخدام (أن) المصدرية و (إن وأن وكأن) بصورة غالبة # بقدر ما شاعت عنده صيغ البناء للمجهول، وبخاصة صيغة المضارع "يتصور"، شاع ~~أيضا ورود الحروف المذكورة في عنوان الفقرة، وبنسبة تفوق سابقتها أحيانا ~~كثيرة، تجعل القارئ يتساءل بنفس الحيرة والذهول: لماذا هذا الاحتفاء ب (أن) ~~الناصبة و (إن وأن وكأن) وما هي إلا حروف وصل ووسائط تعبير يؤتى بها ~~لضرورات بلاغية شبه محددة، ووفقا لأحوال ومقتضيات دقيقة؟؟ # قد يفهم خطأ أنني ألفت إلى غلط لغوي وقع فيه الجرجاني أو إلى هشاشة شابت ~~أسلوبه. حاشاه من ذلك، وحاشاي أن أقوم بهذه اللفتة أو المحاسبة! # PageV01P021 # إنه من محصلة القراءة والتأمل في طبيعة النص وخصوصية التعبير فيه، سواء ~~أكان مريحا أم متعبا. وفي اعتقادي، أن السبب في الاحتفاء يعود إلى حرص ~~المؤلف على تخليص خطابه من أي أثر أو عائق يعيق توصيل النظرية إلى قراء ~~جيلة ومن يليهم من الأجيال، ليس بنقل هذه النظرية بأوضح ما يكون من اللغة ~~والأداء فحسب، بل بجعل اللغة التي تتولى النقل والترجمة، نموذجا فنيا ~~بلاغيا يحتذى؛ كون هذه اللغة قد راعت الأصول ونهلت من قبس القرآن، الكثير ~~من سحره البياني ووضوح الأفكار وتتابعها العقلاني. # ومع ذلك فقد بالغ الجرجاني في استعمال هذه الحروف، وبخاصة (أن) الناصبة ~~المؤولة، حتى لنجده يحشدها حشدا في ms019 الصفحة الواحدة، وأحيانا في الجملة ~~الواحدة، كقوله في مطلع فصل (القول في التقديم والتأخير): # "ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه، ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن ~~راقك ولطف عندك أن قدم فيه شيء وحول اللفظ عن مكان إلى مكان". # ألم يكن أخف لفظا وأسوغ تعبيرا، لو قال: (فتجد سبب إعجابك به ولطفه عندك، ~~تقديم شيء فيه وتحويل اللفظ)؟ # وقوله، في الفصل نفسه، في معرض اهتمام الناس بالمهم والأهم، فيقدمونه في ~~الكلام، كهذا المثال المعبر: "قتل الخارجي زيد" ولا يقول: (قتل زيد ~~الخارجي) لأنه يعلم أن ليس للناس في أن يعملوا أن القاتل له زيد، جدوى ~~وفائدة .. " # لاحظ تتابع حرفي النصب والمشبه بالفعل في جملة واحدة لها سياق معنوي واحد ~~هو: (يهم الناس معرفة مقتل الخارجي لكثرة فساده. ولا يهمهم من قتله وكيف) ~~كما يمكن صياغة الجملة على الوجه الآتي تفاديا لثقل تكرار (أن) مرتين و ~~(يعلم) مرتين: # (لأنه يعلم أن ليس للناس فائدة من معرفة القاتل) .. لكنه الأسلوب ~~الجرجاني لا مناص من قبوله والنسج على منواله في كثير من المواضع والحالات ~~التي تتطلب دقة في القصد ونصوعا في أداء الفكرة. # وقوله، وفي نهاية هذا القول هيئة التباس لتداخل أغراض الكلام بين الجمل، ~~ما جاء في فصل: (تقديم النكرة على الفعل وعكسه): # PageV01P022 # "واعلم أن لم نرد بما قلناه من أنه إنما حسن الابتداء بالنكرة في قولهم: ~~"شر أهر ذا ناب"، لأنه أريد به الجنس أن معنى شر والشر سواء، وإنما أردنا ~~أن الغرض من الكلام أن تبين أن الذي أهر ذا الناب، هو جنس الشر لا جنس ~~الخير". # تسع حروف "أن" و "أن " و "إن" بقدر ما عملت على توضيح المراد في قلب ~~الكاتب، أوقعت القارئ في وطأة البحث عن ترابط المعنى واستيعابه بيسر .. # ويمتاز أسلوب الجرجاني في هذا الصدد، بنمط آخر شاع في آثار القدامى، وندر ~~حديثا، ألا وهو ميله إلى ما سميته "الجواب المستدير أو المداور" فيعبر عن ~~المعنى من فوق المعنى أو من حوله، كقوله أثناء ms020 شرحه وتحليله لقول الناس: ~~الشجاع موقى والجبان ملقى": # " ... ليس القصد أن تأتي إلى شجاعات كثيرة ( ... ) بل المعنى على أنك ~~تقول: كنا قد عقلنا الشجاعة وعرفنا حقيقتها ( ... ) ولو كان المعنى على أنه ~~استغرق الشجاعات ... كما قالوا إنه بمعنى الكامل في الشجاعة، لأن الكمال هو ~~أن تكون الصفة على ما ينبغي أن تكون عليه .. ". # يقتضي التعبير المباشر أن يقال: ( ... بل المعنى أن تقول: كنا قد عقلنا ~~.. ولو كان المعنى استغراق الشجاعات، لما قالوا ... )، فلم يرق ذلك لأبي ~~بكر الجرجاني، بل رسم لمقصده الفكري دائرة عرج بها على المعنى، أو قفز من ~~فوقه بوساطة حرف الجر "على" تاركا في فضاء المدى تموجات سؤال حائر عن البعد ~~البلاغي لمثل هذه الصيغة اللغوية المستعلية على ذاتها الباحثة عن غور حقيقة ~~تستقر فيه!! # PageV01P023 # وأخلص إلى القول: إن أسلوب الجرجاني جدول ماء يتدفق في نغمية متنوعة ~~وحركة متفاوتة السرعة بحسب الحالات والمراحل التي يقطعها والأوقات والفصول ~~التي تصاحبه، فهو هادئ مبسط، كالشروح الصفية عندما يتعلق الأمر بالكشف ~~والتوضيح والجري فوق هضاب فسيحة الأرجاء، وضيئة الجنبات. ومكثف متداخل إلى ~~حدود المعاظلة، عند التوقف أمام المسائل الجوهرية التي اختلف فيها مع عامة ~~المتعاملين بالشأن اللغوي البلاغي، فصرف لأجلهم كل طاقاته وحنكته وبراعته ~~في العرض والدفاع ودحض الحجج القوية الراسخة بفعل البلادة الذهنية وسيادة ~~التقليد. ومثله النهر الصاخب المزبد الذي يرتطم بالصخور والنتوءات وهو ينصب ~~من علو شاهق، فيصطفق موجه، وتبيض مياهه، لتعود إلى صفاء ورواء فوق السهوب ~~والمنفسحات السفحية. # كقوله فيما يشبه العزف على شبابة أو رباب مختلجة الخفق: "إنا قد علمنا ~~علم ضرورة أنا لو بقينا الدهر الأطول، نصعد ونصوب، ونبحث وننقب، نبتغي كلمة ~~قد اتصلت بصاحبة لها، ولفظة قد انتظمت مع أختها، من غير أن نتوخى فيما ~~بينهما معنى من معاني النحو، طلبنا ممتنعا، وثنيننا مطايا الفكر ظلعا". # ملاحظ نقدية بين الإعجاب والإغراب # PageV01P024 # إن ما سطره القلم حتى الآن، في هذه المقدمة، لا يخرج عن كونه نظرة أفقية ~~على شيء من التغور، عرضت فيها العناصر التي تكون ms021 منها الكتاب والجهود التي ~~بذلتها، وكذلك المبذولة من الشارحين الإمام عبده والشيخ رضا، معرجا على ~~المنهج المتبع والأساليب المسلوكة .. ولم أقم بتقويم الكتاب ووضعه في ميزان ~~النقد المنهجي الأكاديمي ... ولا أظنني فاعلا شيئا من هذا القبيل، في ~~السطور الآتية، لأن ما أودعه عبد القاهر الجرجاني في هذا السفر النفيس، لا ~~يليق به سطور أو صفحات لتقويمه واستخراج لآلية وفرز الزبد الطافي على ~~السطح. الأحرى أن تدبج لذلك، الكتب والبحوث المعمقة .. جل ما أبتغيه ههنا ~~عرضة نقدية متواضعة أعدد فيها بعض سمات الفضل والمزيد التي تتهادى بها ~~أعطاف الكتاب، فتتمايل ذات اليمين وذات الشمال، وما على العابر إلى تخومه ~~إلا اعتلاء بضع درجات ليصبح القطف على ملمس يديه ومرمى نظره. وما قصدته في ~~العنوان لا تورية فيه ولا إيحاء أو تكثيف. إنها ملاحظ: أي نظرات شبه تأملية ~~في جوانب الحسن والإجادة التي تصل بالقارئ حد الإعجاب، ومثلها في جوانب ~~أخرى شحت فيها قنوات التجلي المبدع وجنحت إلى تعمل في القول وتعسف في الشرح ~~وتقرير الحكم، ستسعى هذه الفقرة إلى تبيانها بالقدر المتاح من غير عنت أو ~~مبالغة. # PageV01P025 ### | أولا: جوانب الإعجاب # * إسهامه المعجب الأول: النظم: نظرية وطبيعة # النظم في اللغة، التأليف، وأصله: جمع الخرز بعضه إلى بعض في سلك واحد. ~~ويدعى النظام. وكل شيء قرنته بآخر أو ضممت بعضه إلى بعض، فقد نظمته. ومنه ~~نظم الشعر وتنظيمه. # النظم إذن، تأليف، أو جمع وإضافة بمثل الاقتران، في نمط أو نسق معين يبعث ~~على الرضى والارتياح، كنظم اللؤلؤ، والخرز، والكلام ومنه الشعر. ذاك هو ~~منطلق الجرجاني ومرتكزه: تأليف بطريقة محكمة العرى، متناسقة الشكل. لكنه ~~أضاف مادة نظمية أخرى، هي آي القرآن الكريم التي رأى فيها النموذج المثالي ~~لأي نظم لغوي، دفعه، كما دفع كل المشتغلين ببلاغة التعبير العربي، إلى عجز ~~الإنسان العربي، بله الأعجمي عن مجاراة هذا النظم أو جزء يسير منه. # أما وقد اقتنع الجميع بذلك، فقد عمدوا لا إلى الاقتداء والمحاكاة أو ~~المجاوزة .. بل إلى درس الحقيقة التي تكتنفه والطبيعة التي تؤلفه ms022 .. فكان ~~لنا إرث لغوي فني جم. منبعه ومصبه: القرآن المحكم، ووجوهه: علوم العربية ~~المختلفة، بينها البلاغة بفروعها، وأفانينها اللامحدودة. # واحد من البلغاء الأجلاء هو عبد القاهر الجرجاني أعطي من القدرة ~~والعبقرية ما جعله ينكب على تراث العربية ونتاج شعرائها فيستخرج منه البنى ~~اللفظية والمعنوية والتصويرية التي جرى بها اللسان وفقا لأصول وأساليب ~~مرسومة ومبتدعة، ويضعها في مقابل النتاج اللغوي الإلهي، فيرى عبقرية ~~العربية التي وضع فيها أجمل الصنائع، وأن ذلك ناشئ عن قانون قديم تفجر بين ~~حرور الرمال المحرقة، وظلال النخيل والواحات الوارفة؛ جعلهم يبدعون قصائد ~~شعرية لا نزال حتى اليوم عاجزين عن الإتيان بمثلها، وأنزل القرآن بهذه ~~اللغة وقانونها فزاد الألق ورقي بهم النسق التعبيري إلى المرتبة التي اقتضت ~~وضع ما سماه الجرجاني: "النظم" استنادا إلى الأصل اللغوي، وإلى القسمات ~~الفنية المتسقة المتقنة التي استجلاها من قرائح الشعراء وعلماء النحو ~~والبلاغة، ووشجها بالمثال القرآني المعجز، وهذه حقيقته التي شرحها غير مرة ~~في كتابه الخالد قائلا: # "إعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل ~~على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم ~~التي رسمت لك فلا تخل بشىء منها. # ( ... ) فلا ترى كلاما قد وصف بصحة نظم أو فساده، أو وصف بمزية وفضل فيه، ~~إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة، وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل، إلى ~~معاني النحو وأحكامه". # ثم يختم كلامه بما أصبح لازمة ومنطلقا لكل شرح وتحليل، ومحط رحال لدى كل ~~جولة وكل محاضرة: # "وإذا ثبت جميع ذلك، ثبت أن ليس [النظم] شيئا غير توخي معاني هذا العلم ~~[النحو] وأحكامه فيما بين الكلم". # PageV01P026 # ولدينا في كتاب "الدلائل" نوعان من "النظم"، الأول إبداعي إنشائي مصدره ~~الشواهد القرآنية والشعرية، والثاني، وصفي نقدي، مصدره الخطاب الأدبي ~~البليغ الذي يصدر عن صاحبه صدور الشهد عن النحل، ولنا الكتاب كله مثالا غير ~~محدود. ولكنني أقتطف مثالين صغيرين سريعين، محيلا إلى فقر لاحقة في هذه ~~المقدمة، موقوفة على مقتطفات من صنيعه الجميل. # المثال الأول: ms023 "وأما زهدهم في النحو، واحتقارهم له، وإصغارهم أمره، ~~وتهاونهم به: فصنيعهم في ذلك أشنع من صنيعهم في الذي تقدم ( ... ) إذ كان ~~قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها، حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، ~~وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا ~~يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من ~~سقيم حتى يرجع إليه". # المثال الثاني: يتعلق بشرح شاهد قرآني، يعتمده لتأكيد علاقة اللفظ ~~بالنظم: "وشبيه بتنكير الحياة في هذه الآية، تنكيرها في قوله عز وجل: {ولكم ~~فى القصاص حياة} [البقرة: 179] وذلك أن السبب في حسن التنكير وأن لم يحسن ~~التعريف، أن ليس المعنى على الحياة نفسها، ولكن على أنه لما كان الإنسان ~~إذا علم أنه إذا قتل قتل، ارتدع بذلك عن القتل فسلم صاحبه، صارت حياة هذا ~~المهموم بقتله، في مستأنف الوقت، مستفادة بالقصاص، وصار كأنه قد حيي في ~~باقي عمره، أي بالقصاص". # نعم الشرح والتحليل، ونعم العقل النير الذي مد صاحبه بهذه الحزمة الضوئية ~~نفذت ببصره إلى ما وراء الألفاظ والمعاني، فأطلع لنا حكمة الآية المحكمة، ~~وجعلتنا نقرأ في (القصاص) حياة على الرغم من كونه قد يكون قتلا آخر .. # وندهش من جديد، وهو يستقصي الحكمة من ورود كلمة "حياة" منكرة، ليقرر ~~مسألة دقيقة لا يلحظها إلا العارف المتأمل، وهي وقف (الحياة) على مرتكب ~~القتل الذي اقتص منه، وليس على أي إنسان: # PageV01P027 # "لا يكون ارتداع حتى يكون هم وإرادة، وليس بواجب أن لا يكون إنسان في ~~الدنيا إلا وله عدو يهم بقتله ثم يردعه خوف القصاص، وإذا لم يجب ذلك، فمن ~~لم يهم بقتله فكفي ذلك الهم لخوف القصاص، فليس هو ممن حي بالقصاص". # من خلال هذه الأمثلة، لا بد من الاعتراف بأن النص المحكم الذي يستخدمه ~~المؤلف هو "نظم" من النسق الرفيع، له جمال وقعه ونكهة تتبعه وتحسس مجرى ~~المعاني في سره وإظهار ذلك للعيان بطريقة أو بأخرى. # ومن شروط النظم وطبيعته، قيامه على الكلمات، لا الحروف، باعتبار ms024 مكانها، ~~وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها. وهذا يعني أن ~~تكون الكلمة فصيحة لا بحروفها ولكن بما ينجم عنها وعن موقعها من أسباب ~~الجمال والتأثير، بحيث لو حدث لها أي خلل مهما صغر، انعكس ذلك سلبا على ~~واقع النص. # "وهل تجد أحدا يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، ~~وحسن ملاءمة معناها لمعنى جاراتها وفضل مؤانستها لجاراتها؟ وهل قالوا: لفظة ~~متمكنة ومقبولة، وفي خلافه؛ قلقلة ونابية، ومستكرهة، إلا وغرضهم أن يعبروا ~~بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناها، وبالقلق والنبو عن سوء ~~التلاؤم، وأن الأولى لم تلق بالثانية في معناها، وأن السابقة لم تصلح أن ~~تكون لفقا للتالية في مؤداها". # ولم يكتف المؤلف بهذا التوضيح الدقيق، بل عمد إلى التفريق بين "الحروف ~~المنظومة" و "الكلم المنظومة" فقال: # "إن نظم الحروف هو تواليها في النطق فقط، وليس نظمها بمقتضى عن معنى .. ( ~~... ) فلو أن واضع اللغة كان قد قال: (ربض) مكان (ضرب) لما كان في ذلك ما ~~يؤدي إلى فساد. وأما نظم الكلم فليس الأمر فيه كذلك، لأنك تقتضي في نظمها ~~آثار المعاني وترتبها على حسب ترتيب المعاني في النفس، فهو إذن نظم يعتبر ~~فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو النظم الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء ~~كيف جاء واتفق". # PageV01P028 # إن الذين يذهبون إلى جعل الحروف متلائمة في تعادلها مع المعاني، يقعون في ~~صعوبة تحقيق التلاؤم المعنوي مع الألفاظ، فإن المعنى لا يدرك بسبب اللفظ، ~~وإنما بسبب التوفيق بين معاني تلك الألفاظ المسجعة، وبين معاني الفصول التي ~~جعلت أردافا لها. ولم يتحقق ذلك إلا بعد أن دخلت في ضروب من المجاز ~~والاتساع والتلطف. # * الإبداع الشعري بمعزل عن علوم النحو # حرص أبو بكر الجرجاني في أثناء تأسيسه لموضوعة النظم ونظريته - القائمة ~~على توخي معاني النحو وأحكامه بين الكلمات - أن لا يجعل النحو وقواعده ~~أساسا جوهريا للإبداع الفني، فأظهر تسامحا في هذا الجانب، ووافق منتقديه ~~على عدم الخوض فيه، اقتناعا منه بأن طريق الإبداع ms025 لا تبدأ بصرف اللغة ~~ونحوها وقواعدها، بل بما هو أعمق وأبعد؛ وهو البعد النفسي الذهني المتكون ~~من عناصر شتى لا تدخل في حصر أو إحاطة .. وقد سبقه إلى ذلك مواطنه القاضي ~~الجرجاني (ت 392ه) الذي اقتفى بدوره خط سلفه قدامة بن جعفر (ت 337ه) وكانا ~~قد رأيا أن جمال الصورة الفنية ليس وليد الصناعة الشعرية الحسنة التقسيم، ~~المتكاملة الأوصاف، المتممة لشروط الحسن، بقدر ما هو في القبول النفسي ~~والتجاوب الروحى، أو ما سميته غير مرة بالارتياح الغامض والقبول العفوي ~~الذاتي. # ورد رأي عبد القاهر المعني هنا، في معرض رده على المتذمرين من التكثر ~~والتكلف في البحث ومراعاة مسائل التصريف الموضوعة للرياضة وتمكين المقاييس، ~~وتتبعهم [في ذلك] الألفاظ الوحشية، وأن ذلك لا يجدي إلا كد الفكر وإضاعة ~~الوقت ... قائلا: # "أما هذا الجنس فلسنا نعيبكم إن تنظروا فيه ولم تعنوا به، وليس يهمنا ~~أمره، فقولوا فيه ما شئتم، وضعوه حيث أردتم .. " # ويعرض لمختلف العلل النحوية المشكو منها: كالمعتل، وحروف العلة، والإبدال ~~والحذف والإسكان والتثنية وجمع السلامة وإعرابهما والنصب بالجر .. الخ .. ~~فيقول بكثير من المسامحة والتقبل: # إنا نسكت عنكم في هذا الضرب أيضا، ونعذركم فيه ونسامحكم، على علم منا بأن ~~قد أسأتم الاختيار، ومنعتم أنفسكم ما فيه الحظ لكم، ومنعتموها الاطلاع على ~~مدارج الحكمة ... ". # PageV01P029 # وقد يستغرق الجرجاني، للقبض على هنيهة إبداع ورشفة حسن، فيقضي لصاحبها ~~"بالحذق والأستاذية وسعة الذرع وشدة المنة". "حتى تعرف من البيت الواحد، ~~مكان الرجل من الفضل، وموضعه من الحذق، وحتى تشهد له بفضل المنة وطول الباع ~~... ثم إنك تحتاج إلى أن تستقري عدة قصائد، بل أن تفلي ديوانا من الشعر حتى ~~تجمع منه عدة أبيات .. ". # ويعرض بضعة شواهد، بينها شاهد لعبد الله بن الدمينة، من ثلاثة أبيات هي: # أبيني، أفي يمنى يديك جعلتني ... فأفرح، أم صيزتني في شمالك # أبيت كأني بين شقين من عصا ... حذار الردى أو خيفة من زيالك # تعاللت كي أشجى وما بك علة ... تريدين قتلي، قد ظفرت بذلك # انظر إلى الفصل والاستئناف في قوله: "تريدين قتلي ms026 قد ظفرت بذلك". # وأرقى أنواع النظم البديع لدى أبي بكر، ما اتحدت فيه الأجزاء حتى وضعت ~~وضعا واحدا. ويسوق بضعة أبيات شعرية دالة، لعدد من الشعراء بينهم بشار بن ~~برد وزياد الأعجم، ويتوقف مليا عند بيت لأحد الأعراب، وجد فيه المثال الذي ~~يجمع بين طياته براعة استخدام النحو ولطف التقاط الصورة الشعرية من غسق ~~المعنى إلى صبح البيان المتشقق بهاء وخيلاء:: # الليل داج كنفا جلبابه ... والبين محجور على غرابه # علق المؤلف على البيت بقوله: # "ليس كل ما ترى من الملاحة لأن جعل لليل جلبابا، وحجر على الغراب، ولكن ~~في أن وضع الكلام الذي ترى: فجعل "الليل" مبتدأ، وجعل "داج" خبرا له وفعلا ~~لما بعده، وهو (الكنفان)، وأضاف (الجلباب) إلى ضمير الليل، ولأن جعل كذلك ~~"البين" مبتدأ، وأجرى "محجورا" خبرا عنه، وأن أخرج اللفظ على مفعول". # * معاناة المؤلف من غباء أهل عصره من علماء البلاغة، وجداله الطويل معهم # PageV01P030 # من أهم ما توصل إليه القارئ، وهو يتابع الجرجاني أن هذا الأخير، قد عانى ~~من الجهل المنتشر في بيئته وعصره، بجمال العربية وبلاغة أفانين القول فيها. ~~فرأيناه دائما يخاطب قارئا مجهولا ويحثه على العلم والمعرفة والدراية ~~والتأمل .. حتى إذا أحس بدوام الغباء والجهل، وكم كبير من سوقية الذوق ~~وغفلة مترامية الأطراف، اعتراه الشعور الشديد بالحزن والنقمة، وصل حد ~~التقريع والتألم. # فهو منذ الصفحات الأولى من كتابه الخارق، الذي وضع لغاية كبرى هي تبيان ~~عظمة النظم القرآني، قد استهل الكتاب بتصدير الفضل والشرف للعلم بعامة، ثم ~~لعلم البيان بخاصة، كما لو أراد أن يدخل في معالجة موضوعه، من أجمل الأبواب ~~وأشرفها. علما بأن البيان قد استخدمه بدلالته العامة التي حض عليها وشرحها ~~القرآن المجيد لا بمدلوله الاصطلاحي. # ونبدأ معه قراءة سفر المعاناة، من هذه التوطئة فنجده، في الصفحة الأولى ~~قد شكا من الإهمال الشديد الذي لقيه هذا العلم، والحيف والضيم اللذين مني ~~بهما؛ أضف إلى ذلك (الاعتقادات الفاسدة، والظنون الرديئة، والجهل العظيم ~~المتفشي والخطأ الفاحش المرتكب)، من جراء اقتصار الناس منه على حفظ المبادئ ms027 ~~العامة والمعلومات العريضة وبعض القواعد الصرفية والنحوية الإعرابية التي ~~تحفظ اللسان من اللحن .. غير عابئين بما هو خلق وإبداع منظم، يتخطى العلوم ~~النظرية المرسومة في الكتب والمعاجم، إلى "دقائق وأسرار طريق العلم بها ~~الرؤية والفكر، ولطائف مستقاها العلم، وخصائص معان ينفرد بها قوم قد هدوا ~~إليها، ودلوا عليها، وكشف لهم عنها، ورفعت الحجب بينهم وبينها، وأنها السبب ~~في أن عرضت المزية في الكلام، ووجب أن يفضل بعضه بعضا، وأن يبعد الشأو في ~~ذلك، وتمتد الغاية، ويعلو المرتقى ويعز المطلب. حتى ينتهي الأمر إلى ~~الإعجاز، وإلى أن يخرج من طوق البشر". # PageV01P031 # ولئن ابتدأ بعلم البيان، فلأنه محطة رئيسة للارتقاء إلى بديع البدائع ~~ورائعة الروائع: عنيت: النظم القرآني، الذي تنوعت السبل الموصلة إليه وشحذت ~~الذائقة الأدبية في استجلاء منارات الإبداع الشعري ومحارات لطائف العربية، ~~حيث أمكن الغوص إليها والتقاطها، حتى في أبسط الأمثلة النحوية المبثوثة في ~~أعطاف هذا الكتاب. # ومن علم البيان وتخبط الناس، إلى ما سماه القرآن "عمى القلوب" وقد اعتمده ~~الجرجاني في ذم الناس الذين يفهمون الكلام على ظاهره ولا ينفذون إلى ما ~~وراء ذلك، ولا سيما أصحاب التفسير الذين وقفوا أمام بعض الألفاظ والجمل ~~وقوف من لا يفقه بقلبه ويرى ببصيرته؛ كأن ليس لهم قلب ولا بصر ولا عقل ~~يتدبرون به ويتفكرون في حقيقة الأشياء، فاستحقوا وصفه لهم "بأهل الحشو ومن ~~لا يعرف مخارج الكلام". # لقد تمادى بعض المفسرين في غيهم وجهالتهم، فوقفوا عند حدود المعنى الظاهر ~~لكلم الآي الحكيم، فوقعوا وأوقعوا قراءهم بمفاهيم بدائية تخطتها الأديان ~~السماوية بأشواط بعيدة، فأفسدوا المعنى، وأبطلوا الغرض الذي من أجله نزل ~~الوحي الإلهي. فكان له معهم هذه الوقفة الزاجرة: # "ومن عادة قوم ممن يتعاطى التفسير بغير علم، أن توهموا أبدا في الألفاظ ~~الموضوعة على المجاز والتمثيل أنها على ظواهرها، فيفسدوا المعنى بذلك، ~~ويبطلوا الغرض، ويمنعوا أنفسهم والسامع منهم العلم بموضع البلاغة وبمكان ~~الشرف. وناهيك بهم إذا هم أخذوا في ذكر الوجوه، وجعلوا يكثرون في غير طائل! ~~هناك ترى ما شئت من باب ms028 جهل قد فتحوه، وزند ضلالة قد قدحوا به". # PageV01P032 # وبعد أن يطوف مع القارئ عشرات الشواهد الشعرية التي تعبق بأريحية الوجدان ~~ونجيع الإحساس المتوهج، لعله يفتح ثقبة ينفذ منها نظر من ضلت به باصرته، ~~فينحسر الديجور وتنقشع الغيوم السوداء، يقف عند مفترق طرق، هو إلى اليأس ~~أقرب منه إلى الأمل، لأن أبناء جيله وجمهرة العلماء المعاصرين، لا يمتلكون ~~الأداة التي تمكنهم من تصور "أمور خفية ومعان روحانية" كما أنهم لا يمتلكون ~~الطبيعة القابلة والذوق والقريحة التي تتيح لهم الإحساس بالفروق الطفيفة ~~بين معاني الألفاظ ومسار الجمل المتشابهة. # "إن هذا الإحساس قليل في الناس، حتى إنه ليكون أن يقع للرجل الشيء من هذه ~~الفروق والوجوه في شعر يقوله أو رسالة يكتبها، الموقع الحسن؛ ثم لا يعلم ~~أنه قد أحسن - أما الجهل بمكان الإساءة فلا تعدمه. فلست تملك إذا من أمرك ~~شيئا حتى تظفر بمن له طبع إذا قدحته ورى، وقلب إذا أريته رأى. فأما وصاحبك ~~من لا يرى ما تريه، ولا يهتدي للذي تهديه، فأنت رام معه في غير مرمى، معن ~~نفسك في غير جدوى. وكما لا تقيم الشعر في نفس من لا ذوق له. كذلك لا تفهم ~~هذا الشأن من لم يؤت الآلة التي بها يفهم؛ إلا أنه إنما يكون البلاء، إذا ~~ظن العادم لها أنه أوتيها، وأنه ممن يكمل للحكم، ويصح منه القضاء، فجعل ~~يقول القول: لو علم غية لاستحيى منه. فأما الذي يحس بالنقص من نفسه، ويعلم ~~أنه قد علم علما قد أوتيه من سواه، فأنت منه في راحة، وهو رجل عاقل قد حماه ~~عقله أن يعدو طوره، أن يتكلف ما ليس بأهل له". # ومن جميل ما وقع لي، وأنا أطالع كتاب الأغاني، أن "اصطحب شيخ وشباب في ~~سفينة من الكوفة، فقال بعض الشباب للشيخ: إن معنا قينة لنا، ونحن نجلك ونحب ~~أن نسمع غناءها. قال: الله المستعان؛ فأنا أرقى على الأطلال وشأنكم، فغنت: # حتى إذا الصبح بدا ضوؤه ... وغارت الجوزاء والمرزم # أقبلت والوطء خفي كما ... ينساب من مكمنه ms029 الأرقم # PageV01P033 # قال: فألقى الشيخ بنفسه في الفرات، وجعل يخبط بيديه ويقول: أنا الأرقم! ~~أنا الأرقم! فأدركوه وقد كاد يغرق؛ فقالوا: ما صنعت بنفسك؟ فقال: إني والله ~~أعلم من معاني الشعر ما لا تعملون". # إلى هذا النوع من الإحساس الخفي قد قصد الجرجاني، يأنق لها القارئ أو ~~السامع، وتأخذهما الأريحية والانسلاخ من واقع قلق مضطرب إلى حيث الخفقان ~~الملائكي. # لا أظن أن هذا الواقع، خاص بعصر الجرجاني، وذياك الإحساس الفردوسي قد ~~اعترى المؤلف وحده، فقد عانت منه مختلف العصور والأزمان، وشكا منه عباقرة ~~الأدب واللغة، فعبروا عن ذلك بكثير من المرارة .. ألم يشع مثل ذلك في زمن ~~أبي نؤاس، فقال بيته الشهير: # فقل لمن يدعي في العلم فلسفة ... حفظت شيئا وغابت عنك أشياء # وقال الجاحظ خطبته الشهيرة مفتتحا بها كتابه النفيس "الحيوان" مخاطبا ~~قارئا جاهلا أدار عليه أفكاره وآراءه في مقدمة أدبيه فكرية من أغنى ما كتب ~~في موضوعها ... وكذلك فعل أبو الطيب المتنبي الذي اضطرمت فيه نار الغربة في ~~موطنه بسبب شيوع داء الجهل والغباء مع الادعاء الباغي فقال، من جملة أشعار ~~كثيرة معبرة: # أذم إلى هذا الزمان أهيله ... فأعلمهم فدم وأحزمهم وغد # وأكرمهم كلب وأبصرهم عم ... وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد # وستبقى الحال على ما هي، وما كانت عليه، في كل زمان ومكان، لأن هناك ~~دائما أفرادا أوتوا من قوة الفهم والذكاء وبعد النظر واستشراف الآفاق ~~واختراق الحجب، ما يجعلهم يثورون على واقعهم ويدعون إلى تغيير المفاهيم ~~السائدة بما يوافق تطلعاتهم ودعواتهم، فتستجيب فئة ويحجم الباقي، وهكذا إلى ~~ما لا نهاية. # PageV01P034 ### | ثانيا: جوانب الإغراب # ولا نقصد به الغموض الذي يتحول فيه الكلام إلى التورية والتعقيد، وما ~~يشبه الأساليب الملتوية التي شاعت لدى فريق كبير من شعراء زمانه وكتابه .. ~~إنما هو استغراب لأشياء لم تجد لدي القبول التام والرضى الكلي، شأنه في ذلك ~~شأن كل من ترك أثرا كبير الأهمية لا يسلم من النقد والتجريح أو التبخيس ~~أحيانا ممن لم يصادف هوى في نفوسهم وذوائقهم. ولا أرى سبيلا لنقد أو تجريح، ms030 ~~فدلائل الإعجاز صرح شامخ في تاريخ الكتابة والعربية. # إن هي إلا نظرات تقديرية تبحث عن مستقر لها فلا تجد، وهي التي امتلأت ~~برغد الطمأنينة والاستقرار، في طول الكتاب وعرضه، من كثرة ما واجهها من ~~بديع الصنع وجليل التصور .. وإليك ما دونه القلم في هذا الجانب .. # * التطرق إلى كل عناصر الكلام لإثبات حكم أو رد حكم. # يسلك الجرجاني في كثير من الأحيان، نحو عرض كل العناصر والأجزاء لإقرار ~~جمال النظم وإثباته فيتطرق إلى كل ما في الشاهد الشعري أو القرآني، من ~~ألفاظ، وتقديم وتأخير، ووجوه إعرابية مختلفة لدرجة يصبح كل ما في البيت أو ~~الآية - بلا استثناء - مدار كلام وإعجاب .. وهذا نوع من لزوم ما يلزم. فهو ~~بغنى عن ذلك كله، وباستطاعته التخير والانتقاء وترك التفاصيل الصغيرة ~~المتعلقة بتقنية التركيب والأداء، وأكتفي بمثال واحد: وقوفه عند بيت ابن ~~المعتز، لتأكيده مزية الحسن في النظم لا اللفظ. "مثال ذلك أن تنظر إلى قول ~~ابن المعتز: # وإني على إشفاق عيني من العدى ... لتجمح مني نظرة ثم أطرق # فترى أن هذه الطلاوة وهذا الظرف - إنما هو لأن جعل النظر يجمح، وليس هو ~~لذلك، بل لأن قال في أول البيت "وإني" حتى دخل (اللام) في قوله "لتجمح"، ثم ~~قوله "مني"، ثم لأن قال: "نظرة" ولم يقل (النظر) مثلا، ثم لمكان "ثم" في ~~قوله: "ثم أطرق" وللطيفة أخرى نصرت هذه اللطائف وهي اعتراضه بين اسم (إن) ~~وخبرها، بقوله: "على إشفاق عيني من العدي" .. ". # PageV01P035 # وهكذا في عرض شامل لجميع ما في البيت من ألفاظ وتقديم وتأخير واعتراض ~~وانتقاء كلام مكان كلام .. ولا أراه ملزما بعرض كل ما عرض، وأن يجد سببا ~~لجمال النظم في هذا البيت في التفاتات أخرى، كلفتته الأولى عند (جموح ~~النظر) وشبيهه، لأننا سنجد هذا النسق من التحليل والمراجعة في أي بيت آخر ~~له عناصره وجمله وصوره. ورويه وأشياء أخرى لا يمكن حصرها. وقد تكرر هذا ~~النمط كثيرا ولا سيما في تقليبات الوجوه الإعرابية ولبعض الآيات القرآنية ~~التي أغدق عليها من المراجعة والتصور المتعدد ms031 الوجوه، بما يشبه التبذل، وهو ~~الخبير بمواضع الجمال وبلاغة القول. # * صعوبة تشكيل النص بسبب التطويل وتشعيب الجمل والمعاني # سبقت الإشارة إلى هذا الأمر، في معرض الكلام على أساليب المؤلف، وأعود ~~إليها الآن لإبداء قلق في ضبط النص الذي خلا من التشكيل وتنقيط الياء، ~~وكثير من علامات الترقيم، وليس ذلك وقفا على نص الجرجاني .. كل النصوص ~~القديمة كذلك، ولكن المشكلة هي في طول الجمل والعبارات التي تبدأ بفعل، ~~وتطوي سطورا عديدة لتعثر على مفعوله، أو مبتدأ، فصل عن خبره بجمل معترضة ~~واستدراكات وتحولات كلام، حتى صارت الإعادة والمراجعة واجبة لمعرفة الجواب ~~أو الخبر، وغير ذلك، فيلتبس إعراب الكلام ويصعب الضبط الدقيق. وكثيرا ما ~~كان يتدخل الشارح الشيخ رضا ويعين فاعلا أو خبرا أو جواب شرط أو عطفا. ~~والأمثلة كثيرة يسهل الوقوف عليها، ولا سيما توضيحات الشارحين وإضاءاتهم. # * إطناب في القول يشبه الحشو # الإطناب في اللغة: المبالغة في مدح أو ذم والإكثار فيه، وهذا ما نقصد ~~إليه هاهنا، لا الإطناب البلاغي الذي يتداخل مع التطويل والإسهاب والتكرير ~~والإيغال والتكميل وغيره مما شرحته في بحث خاص. # وأكثر مظاهر هذا الإطناب تتبدى في (إن وإنما وعلى أن ... الخ) حروف ~~يستخدمها المؤلف لا يكاد يتخلى عنها في معظم جمله وتراكيبه، كقوله متحدثا ~~عن الاستعارة: # "إنا إذا نظرنا إلى الاستعارة وجدناها إنما كانت أبلغ من أجل أنها تدل ~~على قوة الشبه". # والأسلوب الذي أفضله في هذا المضمار قوله: # PageV01P036 # (إنا إذا نظرنا إلى الاستعارة وجدناها أبلغ، لأنها تدل على قوة الشبه، أو ~~لدلالتها على قوة الشبه). # فتتخلص من "إنما كانت" و "من أجل". # وقوله في كلام على شرف الاستعارة والمجاز: # "ثم إن ههنا معنى شريفا قد كان ينبغي أن نكون قد ذكرناه في أثناء ما مضى ~~من كلامنا ... ". # لو كتبه طالب جامعي عندي، لأشرت بالأحمر: (حشو، ومن نافل القول) لأنني ~~أفضل لو قال: (إن هاهنا معنى شريفا كان ينبغي ذكره في كلامنا السابق .. ) ~~فأتخلص من حرف "قد" المتكرر مرتين ومن "أن نكون" و "أثناء ما مضى". # كل ms032 هذه الأمور من زيادات التأكيد والدقة التي لا يسوغها القارئ الحديث ~~ولا ينسخ على منوالها. وقد اعتدنا أو تنكبنا عن لغة التطويل إلى ما يدخل في ~~المفيد، ما لم يكن الموضوع وصفيا تأمليا. أو خطابيا منبريا تكثر فيه ~~المترادفات والأوصاف المتشابهة. # PageV01P037 ### | مقتطفات من محكم صنعته وأدائه البليغ # أردت من هذه الفقرة منح القارئ فسحه تأمل سريع في صنعة الجرجاني المحكمة ~~ونسيجه الأدبي الجزل الذي لم تشبه البحث العلمي الرصين، ولا كلفة البديعي ~~المتهالك على محسن صوتي خاو .. لئن قدمت شيئا منها في طيات هذه المقدمة، ~~فللاستشهاد وتبيان المعالم الدالة. # وقد حرصت أن يكون الاختيار خالصا من تغضنات التقليب والتأويل، وكثرة ~~السؤال التي تسود كثيرا من الفصول والصفحات، بدافع التعليم والنفي والإثبات ~~لما يطرح من أفكار ومفاهيم. ### | 1 - # تفصيل لمزايا إعجاز القرآن # قال مجيبا عن تساؤل العارف الجاهل حول مزايا القرآن: # "أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع ~~راعتهم من مبادي آية ومقاطعها، ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب كل مثل، ~~ومساق كل خبر، وصورة كل عظة وتنبيه وإعلام، وتذكير وترهيب، ومع كل حجة ~~وبرهان، وصفة وتبيان؛ وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة، وعشرا عشرا، وآية آية، ~~فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة ينكر شانها، أو يرى أن ~~غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى وأخلق، بل وجدوا اتساقا بهر العقول، ~~وأعجز الجمهور. ونظاما والتئاما، وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم ~~- ولو حك بيافوخه السماء - موضع طمع، حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول، ~~وخلدت القروم، فلم تملك أن تصول" .. # (دلائل الإعجاز/ ص 32) و "خلدت" بمعنى: أخلدت. والقروم: الفحول. وهي هنا ~~مجاز .. ### | 2 - # النظم: حقيقته وضرورته # ليس النظم شيئا إلا توخي معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه فيما بين ~~الكلم، وأنك قد تبينت أنه إذا رفع معاني النحو وأحكامه مما بين الكلم حتى ~~لا تراد فيها في جملة ولا تفصيل، خرجت الكلم المنطوق ببعضها في أثر ببعض في ~~البيت من الشعر والفصل من النثر، ms033 عن أن يكون لكونها في مواضعها التي وضعت ~~فيها موجب ومقتضى، وعن أن يتصور أن يقال في كلمة منها إنها مرتبطة بصاحبة ~~لها، ومتعلقة بها، وكائنة بسبب منها، وإن حسن تصورك لذلك، ثبت فيه قدمك، ~~وملأ من نفسك، وباعدك من أن تحن إلى الذي كنت عليه، وأن يجرك الإلف ~~والاعتياد إليه، وأنك جعلت ما قلناه: نقشا في صدرك، وأثبته في سويداء قلبك، ~~وصادقت بينه وبين نفسك". # (دلائل الإعجاز/ ص 403 - 404). # ويتابع في السياق نفسه: # PageV01P038 # "ثبت من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن، إذا هو لم يطلبه في ~~معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه، ولم يعلم أنها معدنه ومعانه، وموضعه ~~ومكانه، وأنه لا مستنبط له سواها، وأن لا وجه لطلبه فيما عداها، غار نفسه ~~بالكاذب من الطمع، ومسلم إلى الخدع، وأنه إن أبى يكون فيها، كان قد أبى أن ~~يكون القرآن معجزا بنظمه، ولزمه أن يثبت شيئا آخر يكون معجزا به، وأن يلحق ~~بأصحاب الصرفة، فيدفع الإعجاز من أصله .. " # (نفسه / ص 404. والمعان: المباءة والمنزل). ### | 3 - # نموذج تطبيقي لشرح حقيقة الاستعارة وتحليلها # - من خلال بيت الحماسة، لتأبط شرا - # إذا هزه في عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك # "فأنت الآن لا تستطيع أن تزعم في بيت الحماسة أنه استعار لفظ "النواجذ" ~~ولفظ "الأفواه" لأن ذلك يوجب المحال، وهو أن يكون في المنايا شيء قد شبهة ~~بالنواجذ، وشيء قد شبهه بالأفواه، فليس إلا أن تقول، إنه لما ادعى أن ~~المنايا تسر وتستبشر إذا هو هز السيف، وجعلها لسرورها بذلك تضحك، أراد أن ~~يبالغ في الأمر، فجعلها في صورة من يضحك، حتى تبدو نواجذه من شدة السرور. # ( ... ) فقد تبين من غير وجه، أن الاستعارة إنما هي ادعاء معنى الاسم ~~للشيء. لا نقل الاسم عن الشيء. وإذا ثبت أنها ادعاء معنى الاسم للشيء، علمت ~~أن الذي قالوه من أنها تعليق للعبارة على غير ما وضعت له في اللغة، ونقل ~~لها عما وضعت له، كلام قد تسامحوا فيه، لأنه إذا كانت الاستعارة ادعاء معنى ~~الاسم، ms034 لم يكن الاسم مزالا عما وضع له، بل مقرا عليه". # (نفسه/ ص 335). والقرن: الكفؤ - وتهللت: لاحت وظهرت من البشر والسرور. ### | 4 - # حقيقة الخبر في بلاغة القول # "إن الخبر وجميع الكلام، معان ينشئها الإنسان في نفسه، ويصرفها في فكره، ~~ويناجي بها قلبه، ويراجع فيها عقله، وتوصف بأنها مقاصد وأغراض وأعظمها شأنا ~~الخبر. فهو الذي يتصور بالصور الكثيرة، وتقع فيه الصناعات العجيبة، وفيه ~~يكون في الأمر الأعم، المزايا التي بها يقع التفاضل في الفصاحة". # (دلائل الإعجاز/ ص 406). # PageV01P039 ### | 5 - # نموذج من أسلوبه الأدبي الآسر # * مقدمة فصل (الكناية والتعريض): # "هذا فن من القول دقيق المسلك، لطيف المأخذ. وهو أنا نراهم كما يصنعون في ~~نفس الصفة بأن يذهبوا بها مذهب الكناية والتعريض، كذلك يذهبون في إثبات ~~الصفة هذا المذهب، وإذا فعلوا ذلك، بدت هناك محاسن تملأ الطرف، ودقائق تعجز ~~الوصف، ورأيت هناك شعرا شاعرا، وسحرا ساحرا، وبلاغة لا يكمل لها إلا الشاعر ~~المفلق، والخطيب المصقع، وكما أن الصفة إذا لم تأتك مصرحا بذكرها، مكشوفا ~~عن وجهها، ولكن مدلولا عليها بغيرها، كان ذلك أفخم لشأنها، وألطف لمكانها - ~~كذلك إثباتك الصفة للشيء تثبتها له إذا لم تلقه إلى السامع صريحا، وجئت ~~إليه من جانب التعريض والكناية، والرمز والإشارة، كان له من الفضل والمزية، ~~ومن الحسن والرونق، ما لا يقل قليله، ولا يجهل موضع الفضيلة فيه". # (دلائل الإعجاز/ ص 237). # PageV01P040 ### | فصل مقتضب خاص في كشف الفضل الذي قدمه للقارئ ونضح له في الخوض الدائم في معترك النظم # " قد بلغنا في مداواة الناس من دائهم، وعلاج الفساد الذي عرض في آرائهم، ~~كل مبلغ، وانتهينا إلى كل غاية، وأخذنا بهم عن المجاهل التي كانوا يتعسفون ~~فيها إلى السنن اللاحب، ونقلناهم عن الآجن المطروق، إلى النمير الذي يشفي ~~غليل الشارب، ولم ندع لباطلهم عرقا ينبض إلا كويناه ولا للخلاف لسانا ينطق ~~إلا أخرسناه، ولم نترك غطاء على بصر ذي عقل إلا حسرناه. في أيها السامع لما ~~قلناه، والناظر فيما كتبناه، والمتصفح لما دوناه: إن كنت سمعت سماع صادق ~~الرغبة، في أن تكون ms035 في أمرك على بصيرة، ونظرت نظر تام العناية في أن يورد ~~ويصدر عن معرفة، وتصفحت تصفح من إذا مارس بابا من العلم، لم يقنعه إلا أن ~~يكون على ذروة السنام، ويضرب بالمعلى من السهام؛ فقد هديت لضالتك، وفتح لك ~~الطريق إلى بغيتك، وهيئ لك الأداة التي تبلغ بها، وأوتيت الآلة التي معها ~~تصل؛ فخذ لنفسك بالتي هي أملأ ليديك، وأعود بالحظ عليك، ووازن بين حالك ~~الآن - وقد تنبهت من رقدتك، وأفقت من غفلتك، وصرت تعلم، إذا أنت خضت في أمر ~~اللفظ والنظم، معنى ما تذكر، وتعلم كيف تورد وتصدر - وبينها وأنت من أمرها ~~في عمياء، وخابط خبط عشواء، قصاراك أن تكرر ألفاظا لا تعرف لشيء منها ~~تفسيرا، وضروب كلام للبلغاء إن سئلت عن أغراضهم فيها، لم تستطع لها تبيينا. # فإنك تراك تطيل التعجب من غفلتك، وتكثر الاعتذار إلى عقلك، من الذي كنت ~~عليه طول مدتها. # ونسأل الله تعالى أن يجعل كل ما نأتيه، ونقصده وننتحيه، لوجهه خالصا، ~~وإلى رضاه عز وجل مؤديا، ولثوابه مقتضيا، وللزلفى موجبا، بمنه وفضله ~~ورحمته". # (دلائل الإعجاز/ ص 366 - 376). والسنن اللاحب: الطريق الواضح. والآجن: ~~المتغير الطعم، المطروق: الذي خوضته الإبل وبولت فيه: والنمير: الزاكي ~~الرقراق. # PageV01P041 # ذاك هو نثر الجرجاني الذي يمتاح من ينابيع العربية التي رعرعتها البيداء ~~وحنادسها، وصحاصح فجرها الفردوسي، ووهبها القرآن من وسيع مجازاته ورفيع ~~توقيعاته ومستدق استداراته، وانسلال معانيه من فروج الكلمات انخطافا وإيماء ~~وإيحاء، ما جعله يمتهد صهوة الكلام فارسا لا يشق له غبار، وساحرا مفنا يخلب ~~السمع والأبصار .. لا أقول ذلك هوى طاغيا، فقد أشرت غير مرة إلى تعقيداته ~~وملتبساته وجنوحه إلى التكرار والقصر المربك .. بل هو أدبه الرفيع، ونثره ~~الأصيل الذي لا مطعن فيه ولا مناص من النظر إليه بتقدير وإعجاب لهذه الدقة ~~المتناهية، وتلك المقدرة المذهلة على التعبير عن دقائق الأفكار، بلغة ~~محبوكة حبكا يجمع بين السهولة والامتناع، والجزالة والسلاسة، وقوة الدلالة ~~وبعد المرام، فيما يشبه المقامة الساخرة حينا، والرسالة المنضدة باحرف من ~~بصيرة نافذة، وعقل نير يرصد مواقع ms036 الجمال والقبح، حينا آخر، والدرس الصفي ~~المنهجي المتناهي الوضوح والنتائج، حينا وحينا، ويختم كلام الفصول وأنت ~~شاخص إلى المزيد .. فلا تجد مناصا من معاودة القراءة واستئناف رحلة التمتع ~~والاستفادة. # PageV01P042 ### | عبد القاهر الجرجاني في سيرته الذاتية والعلمية # هو أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، نسبة إلى جرجان، ~~المدينة الفارسية العريقة التي تقع بين طبرستان وخراسان. ينتسب إليها عدد ~~وافر من رجال العلم والأدب والفقه والحديث، عد منهم عمر رضا كحالة خمسة ~~وثلاثين، منهم الفقيه والقاضي والشاعر المحدث والمؤرخ .. وتمتاز هذه ~~المدينة بشدة بردها وحرها، لكن أهلها موصوفون بالوقار والمروءة واليسار ~~والتأني والأخلاق المحمودة. وصفها ياقوت فقال: # هي مدينة حسنة على واد عظيم في ثغور بلدان السهل والجبل والبر والبحر، ~~بها الزيتون والنخل والجوز والرمان وقصب السكر و "الأترج". # ومع ذلك فقد ذمها الصاحب ابن عباد قائلا: # نحن والله من هوائك ياجر ... جان في خطة وكرب شديد # حرها ينضج الجلود فإن هب ... ت شمالا تكدرت بركود # كحبيب منافق كلما ه ... م بوصل أحاله بالصدود # لم يذكر المؤرخون شيئا عن طفولته وأسرته ونشأته، وكثير من أمور حياته، ~~حتى نسبه توقف لديهم، عند جده (محمد). ولم يتوغلوا قيد أنملة فوق ذلك ~~ضاربين صفحا عن كل ما يمت إلى علم مثله، من إحاطة ببيئته وأسرته، وتعلمه ~~وتنقله، وأساتذته وتلاميذه، وشؤون كثيرة تتعلق به من قريب أو بعيد. ويتلخص ~~ما جاء في مصادر ترجمته أنه: أشعري، شافعي، نحوي، بياني متكلم فقيه، مفسر، ~~شاعر وزاد بعضهم: "كان .. ذا نسك ودين، قال السلفي: (أحمد بن محمد السلفي، ~~الحافظ المحدث المتوفى سنة 576 ه/ 1180م) كان ورعا قانعا. دخل عليه لص وهو ~~يصلي، فأخذ ما وجد، وهو ينظر، وهو في الصلاة فما قطعها، وكان آية في ~~النحو". # ويعد كتاب "دمية القصر وعصرة أهل العصر" لأبي الحسن علي بن الحسن ~~الباخزري المتوفي سنة 467 ه أقرب ما يكون لعصره وحياته وبيئته .. ومع ذلك ~~لم يزد في ترجمته له على خمس صفحات، عدد السطور التي خصه فيها ms037 بتعريف ~~وتكريم: تسعة سطور، والباقي منتخبات من شعره الذي لا يزال مخطوطا .. # ومما جاء فيه: # "اتفقت على إمامته الألسنة، وتجملت بمكانه وزمانه الأمكنة والأزمنة، ~~وأثنى عليه طيب العناصر، وثنيت به عقود الخناصر، فهو فرد في علمه الغزير، ~~لا بل هو العلم والفرد في الأئمة المشاهير". # هذا جل ما جاء في مصادر ترجمته، ومعظمها يقتفي أثر الآخر، ولا تكاد تحظى ~~بكلمة واحدة تضيء ظلمة حياته الغابرة. # وأما عن تاريخ مولده، فهو مستنتج استنتاجا ولم يعينه أحد إلا على سبيل ~~الترجيح، لكنهم اتفقوا أن وفاته كانت سنة 471 ه / 1078م وقيل سنة 474 ه. ~~ورجح أن يكون مولده سنة 400 ه / 1010م. # PageV01P043 # وفي كتابه: "عبد القاهر الجرجاني وجهوده في البلاغة العربية" يعمد ~~الدكتور أحمد بدوي، إلى شعره لاستخلاص بعض مزاياه وخصالة ونضاله، ولولا هذا ~~الشعر، لكانت حياة الجرجاني، غائبة كليا عن قارئ اليوم الذي تعود أن يطلع ~~على سير أعلامه بوفرة ويسر، ولكن الأيام لها تصاريفها، فتعتم على بعض ~~النوابغ الأفذاذ، وتفيض بما لا حصر له على كثير من رجال السلطان والنفوذ، ~~وقليل من العظماء الذي تحدوا التاريخ فحفروا سيرهم على صفحاته حفرا لم ~~تستطع قوى الظلام طمسها أو تشويهها .. هذا الكتاب الذي يبلغ 428 صفحة من ~~الحجم الوسط لم نقرأ فيه شيئا عن حياة الجرجاني، فيما خلا الإشارات الخاطفة ~~التي لخصها كتاب التراجم، والومضات الشعرية التي عكست أصداء غير مدوية ~~لواقعه النفسي .. حتى أساتذته، لم يزيدوا على اثنين لقيهما أبو بكر وأخذ ~~عنهما، الأول: أبو الحسين محمد بن الحسن بن عبد الوارث الفارسي النحوي، ابن ~~أخت العالم الشهير أبي علي الفارسي .. والثاني أبو الحسن علي بن عبد العزيز ~~الجرجاني، المعروف بالقاضي الجرجاني المتوفى سنة 392ه/ 1002م، الأمر الذي ~~يدعو إلى الغرابة، في إمكان لقاء أبي بكر به والتمكن من الأخذ عنه؛ وهو ~~الذي لم يعرف عنه الحياة الطويلة .. والأرجح أن يكون عبد القاهر قد اطلع عن ~~كثب على كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه" وفيه يغلب القاضي دفة المتنبي ~~على أبي تمام ms038 وغيره من الشعراء والمنتقدين، فلقي ذلك هوى في نفسه لأنه من ~~هذا الفريق. أما تلاميذه فالحديث عنهم لا يروي غليلا، إذ ذكر له تلميذان ~~فقط، هما علي بن زيد الفصيحي، وأبو نصر أحمد بن محمد الشجري، الذي أخذ عنه ~~كتاب المقتصد" في النحو. # ومن الثابت أن عبد القاهر لم يغادر جرجان إلى بلد آخر، من المهد إلى ~~اللحد، وكان الطلاب والوافدون إليه، يقصدونه من بلاد بعيدة ويقيمون بقربه ~~للاستمتاع إليه والأخذ عنه. # وأما خصاله وطبائعه النفسية، فلم يشر أحد إليها إلا عرضا وبكلمات خاطفة، ~~كقول تاج الدين السبكي: "صار الإمام المشهور المقصود من جميع الجهات مع ~~الدين المتين والورع والسكون". # PageV01P044 # وقد عرض الدكتور أحمد بدوي لبعض ما تراءى له من شعره الذي رسم شيئا من ~~أحواله وعلاقاته ومواقفه غير المعلنة، وألخصها بما يلي: # * سخطه على عصره وعلى الأيام التي تضع من قدر العلماء وترفع من شأن ~~الجهلاء من خلال قولته الشعرية الصادمة: # كبر على العلم، لا ترمه ... ومل إلى الجهل ميل هائم # وعش حمارا تعش سعيدا ... فالسعد في طالع البهائم # أو قوله، على سخط وأنفة مؤلمة: # هذا زمان ليس فيه ... سوى النذالة والجهاله # لم يرق فيه صاعد ... إلا وسلمه النذالة # برمه بالناس وبنفسه وشعور بما يشبه حبسة اللسان. ولم يتوافق ذلك مع ورعه ~~وسكونيته وطول باعه في الكلام المرسل المحكم المتدفق .. # * صمت المؤرخين على وضعه الأسروي، زوجة وولدا، وأما وأبا وأشقاء ... ~~والأرجح أن يكون والدا وزوجا، لكن تفرغه للعلم والدين، ولقاصديه من أهل ~~العلم والمعرفة، شغل الناس عن أمور أسرته، وحصرها بجهاده العلمي المنوع بين ~~نحو وتفسير وأدب وشعر وثقافة فكرية متعددة الينابيع ما بين يونانية وفارسية ~~وهندية، فضلا عن ثقافته العربية القرآنية الواسعة؛ فتنوعت كتاباته ومصنفاته ~~بين نحو وبلاغة وتفسير وفقه وأدب، لذلك وجدنا تراجم له في تراجم الطبقات ~~الشافعية، وطبقات المفسرين، وطبقات النحاة، وطبقات الأدباء والبلغاء. # آثاره # لم يترك الجرجاني آثارا عديدة، ولكنه نوع فيما ترك، وذاع صيت بعض آثاره ~~بما يغني عن التعداد والكثرة. وسأعرض لها تباعا ms039 بحسب انتمائها العلمي. # أ - في النحو ### | 1 - # المغني، كتاب كبير وضعه في ثلاثين مجلدة، كناية عن شرح مبسط لكتاب: ~~"الايضاح في النحو" لأبي علي الفارسي المتوفي سنة 377ه/ 987م وهو كتاب مقسم ~~بين النحو والصرف، أثار من إعجاب الجرجاني أن وضع لأجله أربعة كتب، أولها ~~"المغني" ... ### | 2 - # "المقتصد" ثلاث مجلدات، أو أقسام، وهو ملخص "للمغني" وقد أتمه الجرجاني ~~بخط يده في رمضان سنة454 ه. # PageV01P045 ### | 3 - # "التكملة" أو - التتمة، قيل إن الجرجاني قد أضاف إلى كتاب "الإيضاح" بعض ~~المسائل النحوية - وذكره بروكلمان. فقال: "كتاب التتمة، في الجملة" وأشار ~~إلى رقم مخطوطه في كل من المتحف البريطاني والمكتب الهندي. ### | 4 - # "الإيجاز" وهو مختصر لكتاب "الإيضاح". ويذكر حاجي خليفة عددا كبيرا من ~~الشروح التي عنيت بكتاب "الإيضاح" تتجاوز العشرات. ### | 5 - # "الجمل" وسمي: الجرجانية"، مختصر لعلم النحو، وضعه في خمسة فصول، فصلها ~~حاجي خليفة كما يلي: 1 - في المقدمات. 2 - في عوامل الأفعال. 3 - في عوامل ~~الحروف. 4 - في عوامل الأسماء. 5 - في أشياء منفردة. وذكر له عددا كبيرا من ~~الشروح لكثير من علماء العصور اللاحقة، وصولا حتى منتصف القرن الثامن ~~الهجري. # وذكر بروكلمان، أنه منظومة نحوية، شرحت كثيرا، وقد عدد شراحها وأسماء ~~شروحهم. 6 - التلخيص" وهو شرح الكتاب "الجمل". ### | 7 - # العوامل المائة في النحو" أو: كتاب العوامل المائة، أو مائة عامل. أقبل ~~عليه القراء والعلماء، فشرحوه وبسطوه، علقوا عليه وذكر منهم حاجي خليفة، ما ~~بين شارح ومترجم وناظم ومعرب ومعلق ومختصر: اثني عشر عالما، آخرهم صوفي ~~الأدرنوي المتوفي سنة 1024 ه/. # أما بروكلمان فقد عين ورقم له عشرات المخطوطات في عدد كبير من المكتبات ~~العربية والأجنبية، وذكر له ستة وثلاثين شرحا، وتسع منظومات مخطوطة ~~ومطبوعة. ### | 8 - # "العمدة" في التصريف (أشار إليه "كشف الظنون" دون تعريف). ### | 9 - # كتاب في العروض (أشار إليه "فوات الوفيات" دون تعريف). # ب - في الشرح والتفسير القرآني ### | 10 - # "كتاب المفتاح وشرح الفاتحة" في مجلد واحد. ### | 11 - # المعتضد، شرح كبير لكتاب "إعجاز القرآن" لأبي عبد الله محمد بن زيد ~~الواسطي المتوفي ms040 سنة 306 ه. ### | 12 - # شرح "الإعجاز" الصغير، ذكره حاجي خليفة كما ذكر شرحه الأول المعتضد. # وهناك شروح أخرى لإعجاز القرآن، قام بها علماء أجلاء بينهم فخر الدين ~~الرازي والباقلاني. # PageV01P046 ### | 13 - # الرسالة الشافية كتاب خاص في (بيان عجز العرب عن معارضة القرآن، وإذعانهم ~~وعلمهم أن الذي سمعوه من آي الذكر الحكيم فائت للقوى البشرية ومتجاوز للذي ~~يتسع له ذرع المخلوقين) هكذا قدم لها الجرجاني. وقد نشرت هذه الرسالة مع ~~رسالتين أخريين، واحدة للرماني، والثانية للخطابي، في كتاب واحد، حققه كل ~~من محمد خلف الله ود. محمد زغلول سلام، وصدر عن دار المعارف بمصر سنة 1968 ~~(طبعة ثانية) وعدد صفحات "الرسالة الشافية" تسعون صفحة من الكتاب. ### | 14 - # درج الدرر، في تفسير القرآن ذكره بروكلمان، وأشار إلى مخطوطين له في كل ~~من الأسكوريال والقاهرة. كما ذكره حاجي خليفة على وجه الظن. # ج - في علوم البلاغة ### | 15 - # دلائل الإعجاز، العلامة الفارقة في نتاج الرجل وعصره، والأثر الأنفس بين ~~كتب ومصنفات البلاغة، من قبل ومن بعد. فهو لم يضع أسس علم ركن من علوم ~~البلاغة العربية، بل وضع مصطلحا علميا فنيا أدبيا، قائما على نظرية متكاملة ~~لم يزد عليها العلماء من بعد إلا التبسيط والتنوير ... عنيت مصطلح "النظم" ~~ونظريته ... ### | 16 - # أسرار البلاغة، العلامة الثانية، والمعلم الثاني في نتاج الرجل والعصر، ~~وهو خاص بعلمي: البيان بخاصة، والبديع بعامة. # وقد صدر الكتاب في غير طبعة، أهمها طبعة المنار، التي أشرف عليها الشيخ ~~رشيد رضا، ونشرتها دار المعرفة مصورة عنها، في بيروت سنة 1978. وكان قد صدر ~~محققا من المستشرق ه. ريتر، ثم أعيد نشره مصورا، في دار المسيرة طبعة ثالثة ~~بيروت سنة 1983. ونسقه في الموضوعات والمعالجة والتبويب، شبه بنسقية "دلائل ~~الإعجاز" أي تداخل الموضوعات بعضها ببعض، وتكرار المعالجة للمسألة الواحدة، ~~من زوايا أخرى، والتعويل باستمرار على الشواهد الشعرية التي بلغت في "أسرار ~~البلاغة" نسبة عالية، كذلك الشواهد القرآنية التي لم تكن بنفس النسبة التي ~~كانت في "دلائل الإعجاز". # PageV01P047 ### | 17 - # التذكرة، وهو كتاب منوع الموضوعات، لكنها تتصل بمعظمها بما ms041 طرح في كتاب ~~"دلائل الإعجاز" مما لم يستوف القول فيها هناك. ومما يوحي لنا بذلك، أن عبد ~~القاهر الجرجاني لم يختم كتابه "الدلائل" بما بدأ به من حمد الله وامتنانه، ~~وهكذا معظم كتبه. # د - في الشعر # ترك عبد القاهر في هذا الجانب مصنفا واحدا هو: ### | 18 - # المختار من دواوين المتنبي والبحتري وأبي تمام: اعتنى بنسخه وتصحيحه ~~ومعارضته بالأصول وشرحه: عبد العزيز الميمني، عليكرة - الهند، وصدر ضمن ~~كتاب بعنوان: "الطرائف الأدبية" الذي وضعه الميمني على قسمين، الأول: ~~لدواوين كل من الأفوه الأودي والشنفرى، وتسع قصائد نادرة، والثاني: ~~للمختارات. # صدر الكتاب عن دار الكتب العلمية في بيروت مصورا عن طبعة صدرت في القاهرة ~~سنة 1937؛ وقد وقع الميمني على نسخة من المخطوطة في إحدى قرى الهند في ~~مملكة حيدر آباد .. أخذ الميمني على الجرجاني إغفال قصيدة حكمية للمتنبي - ~~لم يثبتها في المختارات مع أن هذه الأخيرة، قد عدها الجرجاني من بين عيون ~~الشعر الحكمي للشعراء الثلاثة - وهذه القصيدة نونية، مطلعها: # صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ... وعناهم من شأنه ما عنانا # ومما جاء في مقدمة "المختارات". # "هذا اختيار من دواوين المتنبي والبحتري وأبي تمام عمدنا فيه لأشرف أجناس ~~الشعر، وأحقها بأن يحفظ ويروى ويوكل به الهمم، ويفرغ له البال، وتصرف إليه ~~العناية، ويقدم في الدراية، وتعمر به الصدور، ويستودع القلوب، ويعد ~~للمذاكرة، ويحصل للمحاضرة. # وذلك ما كان مثلا سائرا، ومعنى نادرا، وحكمة وأدبا، وقولا فضلا، ومنطقا ~~جزلا .. " # ويقع كتاب "المختارات" من كتاب "الطرائف" في مائة وخمس صفحات، نصيب ~~المختار من شعر البحتري، وحده: في حدود النصف، يليه المتنبي فأبو تمام، مع ~~العلم بأن الجرجاني من المعجبين جدا بشعر المتنبي على سائر الشعراء. ~~وتقديري هو أن نسبة الشعر الكبرى - للبحتري - هاهنا، لا تعود إلى عامل آخر، ~~غير كبر حجم ديوان البحتري الذي يقارب الضعفين لديوان المتنبي. # PageV01P048 # - بقي أثر آخر من آثار الجرجاني - هو شعره، الذي ذكره بعض كتب التراجم،. ~~ولم يشر أحد إلى عنوان واحد له. والمراجح أنه لم يترك ديوانا مجموعا على ~~غرار سائر ms042 كتبه ومصنفاته، ربما لأنه لم يكن لديه ما يوجب جمعه وحفظه في ~~كتاب مستقل. # وما وصل إلينا من هذا الشعر، يقع بعامة في خانة الشعر الحكمي التعليمي ~~الذي يصلح لنظم القواعد والمعارف المبوبة المفرعة. # هكذا رأيناه في "هائيته" التي ختم بها "مدخله" إلى كتابه "دلائل الإعجاز" ~~وهي في ثلاثة وعشرين بيتا، ضمها حقيقة "النظم" التي عرضها بإسهاب في كتابه، ~~وربطها كليا بمعاني النحو وأحكامه ووجوهه، كقوله: # وقد علمنا بأن النظم ليس سوى ... حكم من النحو نمضي في توخيه # لو نقب الأرض باغ غير ذاك له ... معنى وصعد يعلو في ترقيه # ما عاد إلا بخسر في تطلبه ... ولا رأى غير غي في تبغيه # ولو تأملنا المقاطع الشعرية التي أثبتها له كتاب التراجم، ولا سيما "دمية ~~القصر" للباخرزي خرجنا بانطباع خاص، أن هذا الشعر، لا يشكل نتاجا أدبيا ~~قائما بذاته. إن هو إلا نفثات قصيرة النفس لما يحتدم في داخله، عوضا من أن ~~يصوغها نثرا في رسائل ومقامات، نظمها شعرا، أحكم فيه العقل وموازنة ~~الأشياء، وغلب عليه التمثل بعبر الحياة بالقدر الذي أتيح له استشفافها ~~واعتصارها، كقوله: # أي وقت هذا الذي نحن فيه ... قد دجا بالقياس والتشبيه # كلما سارت العقول لكي تق ... طع تيها، تغولت في تيه # وقوله، وقد فاته الابتكار الفكري - على حد وصف الباخرزي لبعض أشعاره - ~~مستعيضا عنه بالصنعة البديعية التي تمثل الاتجاه الشعري العام لكثير من ~~شعراء عصره، والعصور اللاحقة. والقول هنا، من قصيدة في اليأس من الناس: # ليس بالإقبال ما ني ... ل بتقبيل الكلاب # إن باغي الربح والخس ... ران في باب وباب # تلكم هي الآثار التي أمكن الوقوف عندها، ورصد ما فيها من جوانب علمية ~~وفنية، إن فاتني فيها العمق والشمول، فلم تفتني الإحاطة ولو بأطرها ~~العريضة. # PageV01P049 # وبهذه الفقرة من التعريف بآثار الجرجاني، أختم الكلام في هذه المقدمة ~~التي أعتبرها مدخلا عاما لدراسة الجهد البلاغي المتخصص الذي قدمه عبد ~~القاهر الجرجاني، أكثر منه لكتابه "دلائل الإعجاز"؛ جهدت فيه أن أضع الأمور ~~في نصابها، وأسلط الأضواء على أعمال أربعة، ms043 الأول منها هو الأصل والمرتكز، ~~عنيت كتاب "دلائل الإعجاز" والعملان الثاني والثالث، لكل من الشارحين ~~العلامتين: الإمام محمد عبده، والشيخ محمد رشيد رضا .. أما العمل الرابع ~~فهو لصاحب هذه المقدمة الذي يبتهل إلى الله العلي القدير، أن يبوئه شرف ~~المنزلة التي يستحقها إلى جانب المقامات العلمية الثلاثة ... # إنه لا يضيع أجر العاملين المحسنين!! # طرابلس - لبنان - # جمادى الأولى سنة 1420 ه # لموافق الثامن من أيلول # ياسين الأيوبي # PageV01P050 ### | التعريف بكتاب دلائل الإعجاز بقلم الشارح: محمد رشيد رضا # حمدا لمن علم بالقلم، فلولا القلم لما وصل علم الأولين إلى الآخرين، ثم ~~حمدا لمن علم الإنسان من صناعة الطبع ما لم يكن يعلم؛ ولولا الطباعة لما ~~سهل انتشار العلوم في العالمين، وصلاة وسلاما على من أرشد جميع الأمم إلى ~~الاختراع والابتداع في أمور الدنيا، والاتباع في أمر الدين، بقوله: "من سن ~~سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم الدين" وقوله: "عليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين". # وبعد، فيقول ناشر هذا الكتاب ومصححه (محمد رشيد رضا بن السيد علي رضا ~~الحسيني الحسني) منشئ مجلة "المنار" الإسلامي بمصر القاهرة: # إن كتاب "دلائل الإعجاز" الذي ننشره اليوم، هو صنو كتاب "أسرار البلاغة" ~~الذي نشرناه في أول العام الماضي (عام 1320 ه). وقد صدرت ذلك الكتاب، ~~بمقدمة بينت فيها حقيقة معنى اللغة ومعنى "البيان" فيها، ومكانة ذلك الكتاب ~~من البيان وعلمه، ومن سائر كتبه، مع الإلمام بشيء من تاريخ البلاغة أثبت ~~فيه أن الإمام الشيخ عبد القاهر الجرجاني هو مؤسس علمي البلاغة، ومقيم ~~ركنيها "المعاني والبيان" بكتابيه أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز. وأن ~~السكاكي ومن دونه من علماء هذا الشأن عيال عليه؛ وذكرت ثمة أنني لما هاجرت ~~إلى مصر لإنشاء مجلة "المنار" الإسلامي في سنة 1315ه، وجدت الأستاذ الإمام ~~الشيخ محمد عبده، رئيس جمعية إحياء العلوم العربية، ومفتي الديار المصرية، ~~مشتغلا بتصحيح كتاب "دلائل الإعجاز" وقد استحضر نسخة من المدينة المنورة، ~~ومن بغداد، ليقابلها على النسخة التي عنده. # وأزيد الآن: أنه قد عني بتصحيحه أتم عناية وأشرك ms044 معه فيها إمام اللغة ~~وآدابها في هذا العصر (الشيخ محمد محمود التركزي الشنقيطي)؛ وناهيك بكتاب ~~اجتمع على تصحيح أصله علامتا المعقول والمنقول. وبعد أن أتم الأستاذ الإمام ~~تدريس كتاب "أسرار البلاغة" في الجامع الأزهر، عهد إلي بأن أطبع كتاب ~~"دلائل الإعجاز" ليقرأه بعده. فشرعت في الطبع وشرع هو في التدريس. وقد بذلت ~~الجهد في تصحيحه، وفسرت بعض الكلمات الغريبة فيه وفي شواهده بالاختصار، ~~وأشرت إلى اختلاف النسخ، أخذا مما كتبه الأستاذ على هامش النسخة التي طبعنا ~~عنها وقد بدأنا طبع الكتاب في مطبعة الموسوعات، ثم أنشأنا لمجلة "المنار" ~~مطبعة خاصة فأتممنا طبعه فيها. # PageV01P051 # تم طبع الكتاب، ولما يتم الأستاذ الإمام تدريسه، وقد علمنا منه أنه يظهر ~~له فيه أحيانا، قليل من الغلط. فعزمنا على طبع جدول لتصحيح الخطأ الذي ~~يحصيه الإمام في نسخة التدريس، بعد إتمام الكتاب وإعطائه لمن يطلبه من ~~الذين يبتاعونه، بغير ثمن ليصححوا نسخهم عليه. وبذلك يصح لنا أن نحكم أن ~~هذا الكتاب، من أصح الكتب العربية المطبوعة، إن لم نقل أصحها؛ إذ لا طريق ~~إلى كمال التصحيح مثل قراءة الكتاب درسا، لا سيما إذا كان المدرس مثل ~~الأستاذ الإمام في سعة العلم، وصحة الحكم، وحسن التقرير، والحرص على ~~الإفهام، والمعرفة بصناعة الطبع. ولا شك أن من يقرأ الشيء وحده، ويحاول ~~تصحيحه، يكون عرضة للسهو والذهول عن بعض الكلم، ولا سيما إذا كان معنى ~~الكلام الذي يقرأه واضحا جليا كجلاء كلام الشيخ عبد القاهر رحمه الله ~~تعالى. # PageV01P052 ### | مكانة الكتاب بقلم الشارح: محمد رشيد رضا # أما الكتاب، فيعرف مكانته من يعرف معنى البلاغة، وسر تسمية هذا الفن ~~"بالمعاني". وأما من يجهل هذا السر، ويحسب أن البلاغة صناعة لفظية محضة، ~~قوامها انتقاء الألفاظ الرقيقة أو الكلمات الضخمة الغريبة، فمثل هذا يعالج ~~بهذا الكتاب. فإن اهتدى به إلى كون البلاغة ملكة روحية وأريحية نفسية رجي ~~أن يبرأ من علته، ويقف على مكانة الكتاب ورتبته؛ وإن بقي على ضلاله القديمه ~~وجهله المقيم، فاحكم بإعضال دائه، وتعذر شفائه. إنما وضع الكلام لإفادة ms045 ~~المعاني. والبلاغة فيه هي أن تبلغ به ما تريد من نفس المخاطب، من إقناع ~~وترغيب وترهيب، وتشويق، وتعجيب، أو إدخال سرور أو حزن أو غير ذلك وكل هذه ~~المقاصد أمور روحانية، يتوصل إليها بالكلام. فمعرفة قوانين النحو والمعاني ~~والبيان شرط فيها، ولكنها غير كافية للوصول إليها، بل لا بد من الهداية إلى ~~أسباب كون الكلام مؤثرا، وإيراد الشواهد والأمثلة الكثيرة في المعنى ~~الواحد، والموازنة بين الكلامين يتفقان في المعنى، ويختلفان في التأثير، ~~كقول المعبر الأول لذلك الملك الذي رأى في نومه أنه فقد جميع أسنانه، أن ~~جميع أهلك وذوي قرباك يهلكون؛ وقول المعبر الثاني له: الملك يكون أطول أهله ~~عمرا. وهذا المذهب هو الذي ذهب إليه الإمام عبد القاهر في كتابيه (دلائل ~~الإعجاز) و (أسرار البلاغة). وقد خلف من بعده خلف جعلوا البلاغة صناعة ~~لفظية محضة، فقالوا: المسند يعرف لكذا وكذا، وينكر لكذا وكذا الخ. ولم ~~يبينوا السر في ذلك، ولم يوازنوا بين مسند منكر عرفته البلاغة، وآخر أنكرته ~~وهو مثله، ويبينوا السبب في ذلك؛ ولم يعنوا بإيراد الشواهد والأمثلة والبحث ~~في الفروق. وقد اختار أهل هذه الأزمنة الأخيرة، هذه الكتب المجدبة القاحلة، ~~على مثل كتب عبد القاهر الخصبة الحافلة، لكثرة الحدود والرسوم والقواعد ~~والمشاغبات في كتب المتأخرين؛ فكان أثرها فيهم أن حرموا من البلاغة ~~والفصاحة، حتى إن أعلمهم بهذه الكتب، وأكثرهم اشتغالا بها، هم أعياهم ~~وأعجزهم عن الإتيان بالكلام البليغ (بل والصحيح) قولا وكتابة. # ولا غرو، فقد قال أحد كبار مؤلفي هذه الكتب المشهورة: إن بعض فحول هذا ~~الفن (البلاغة) ليسوا بلغاء!! ففصل بين البلاغة وعلمها، وجعله غير مؤد ~~إليها؛ فلم يبق إلا أنه ابتدع ليتعبد به. ولولا أن قيض الله للعربية، في ~~هذا العصر، أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، ~~فطفق يحيى كتب السلف النافعة، وعلومهم، لكنا في يأس من حياة هذه اللغة ~~الشريفة، بعدما قضى عليها حفظتها وأساتها. # نسأل الله تعالى أن يمد في أيامه، ويكثر من أنصاره وأعوانه. آمين. # PageV01P053 ### | القسم الثاني ### | مدخل لكتاب ms046 دلائل الإعجاز # توكلت على الله وحده # قال الشيخ الإمام مجد الإسلام، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد ~~الجرجاني، رحمه الله تعالى: # الحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين، وصلواته على محمد سيد المرسلين، ~~وعلى آله أجمعين؛ هذا كلام وجيز يطلع به الناظر على أصول النحو جملة، وكل ~~ما به يكون النظم دفعة، وينظر منه في مرآة تريه الأشياء المتباعدة الأمكنة ~~قد التقت له، حتى رآها في مكان واحد، ويرى بها مشئما قد ضم إلى معرق، ~~ومغربا قد أخذ بيد مشرق، وقد دخلت بأخرة في كلام، من أصغى إليه وتدبره تدبر ~~ذي دين وفتوة، دعاه إلى النظر في الكتاب الذي وضعناه، وبعثه على طلب ما ~~دوناه. والله تعالى الموفق للصواب، والملهم لما يؤدي إلى الرشاد، بمنه ~~وفضله. # قال رضي الله تعالى عنه: # معلوم أن ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض. ~~والكلم ثلاث: اسم، وفعل، وحرف. وللتعلق فيما بينها طرق معلومة، وهو لا يعدو ~~ثلاثة أقسام - تعلق اسم باسم، وتعلق اسم بفعل، وتعلق حرف بهما. # PageV01P054 # فالاسم يتعلق بالاسم: بأن يكون خبرا عنه أو حالا منه، أو تابعا له صفة أو ~~تأكيدا، أو عطف بيان أو بدلا، أو عطفا بحرف. أو بأن يكون الأول مضافا إلى ~~الثاني، أو بأن يكون الأول يعمل في الثاني عمل الفعل، ويكون الثاني في حكم ~~الفاعل له أو المفعول، وذلك في اسم الفاعل، كقولنا: (زيد ضارب أبوه عمرا)، ~~وكقوله تعالى: {أخرجنا من هاذه القرية الظالم أهلها} [النساء: 75]، وقوله ~~تعالى: {وهم يلعبون * لاهية قلوبهم} [الأنبياء: 1 - 2]، واسم المفعول ~~كقولنا: (زيد مضروب غلمانه) وكقوله تعالى: {ذلك يوم مجموع له الناس} [هود: ~~103] والصفة المشبهة كقولنا: (زيد حسن وجهه، وكريم أصله، وشديد ساعده)، ~~والمصدر كقولنا: (عجبت من ضرب زيد عمرا) وكقوله تعالى: {أو إطعام في يوم ذي ~~مسغبة * يتيما} [البلد: 14 - 15]، أو بأن يكون تمييزا قد جلاه منتصبا عن ~~تمام الاسم. ومعنى تمام الاسم أن يكون فيه ما يمنع من الإضافة، وذلك بأن ~~يكون ms047 فيه "نون" تثنية كقولنا: (قفيزان برا). أو "نون" جمع كقولنا: (عشرون ~~درهما)، أو تنوين، كقولنا: (راقود خلا، وما في السماء قدر راحة سحابا)، أو ~~تقدير تنوين كقولنا: (خمسة عشر رجلا). أو يكون قد أضيف إلى شيء فلا يمكن ~~إضافته مرة أخرى، كقولنا: (لي ملؤه عسلا). وكقوله تعالى: {ملء الأرض ذهبا} ~~[آل عمران: 91]. # PageV01P055 # وأما تعلق الاسم بالفعل: فبأن يكون فاعلا له أو مفعولا، فيكون مصدرا قد ~~انتصب به، كقولك: (ضربت ضربا). ويقال له المفعول المطلق. أو مفعولا به ~~كقولك: (ضربت زيدا). أو ظرفا مفعولا فيه: زمانا أو مكانا، كقولك: (خرجت يوم ~~الجمعة ووقفت أمامك)، أو مفعولا معه كقولنا: (جاء البرد والطيالسة، ولو ~~تركت الناقة وفصيلها لرضعها). أو مفعولا له كقولنا: (جئتك إكراما لك، وفعلت ~~ذلك إرادة الخير بك). وكقوله تعالى: {ومن يفعل ذلك ابتغآء مرضات الله} ~~[النساء: 114] أو بأن يكون منزلا من الفعل منزلة المفعول، وذلك في خبر كان ~~وأخواتها، والحال، والتمييز المنتصب عن تمام الكلام مثل: (طاب زيد نفسا ~~وحسن وجها وكرم أصلا). # ومثله الاسم المنتصب على الاستثناء كقولك: (جاءني القوم إلا زيدا)، لأنه ~~من قبيل ما ينتصب عن تمام الكلام. # وأما تعلق الحرف بهما فعلى ثلاثة أضرب. # أحدها: أن يتوسط بين الفعل والاسم، فيكون ذلك في حروف الجر التي من شأنها ~~أن تعدي الأفعال إلى ما لا تتعدى إليه بأنفسها من الأسماء، مثل أنك تقول ~~(مررت): فلا يصل إلى نحو زيد وعمرو. فإذا قلت: (مررت بزيد أو على زيد)، ~~وجدته قد وصل ب (الباء) أو (على). وكذلك سبيل (الواو) الكائنة بمعنى "مع" ~~في قولنا: (لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها)؛ بمنزلة حرف الجر في التوسط بين ~~الفعل والاسم وإيصاله إليه، إلا أن الفرق: أنها لا تعمل بنفسها شيئا، لكنها ~~تعين الفعل على عمله النصب. وكذلك حكم "إلا" في الاستثناء، فإنها عندهم ~~بمنزلة هذه "الواو" الكائنة بمعنى "مع" في التوسط، وعمل النصب المستثنى ~~للفعل ولكن بوساطتها وعون منها. # والضرب الثاني من تعلق الحرف بما يتعلق به: العطف. وهو أن يدخل الثاني ms048 في ~~عمل العامل في الأول، كقولنا: (جاءني زيد وعمرو، ورأيت زيدا وعمرا، ومررت ~~بزيد وعمرو). # PageV01P056 # والضرب الثالث: تعلق بمجموع الجملة، كتعلق حرف النفي والاستفهام والشرط ~~والجزاء، بما يدخل عليه. وذلك أن من شأن هذه المعاني: أن تتناول ما تتناوله ~~بالتقييد، وبعد أن يسند إلى شيء. معنى ذلك: أنك إذا قلت: (ما خرج زيد وما ~~زيد خارج)، ولم يكن النفي الواقع بها متناولا الخروج على الاطلاق، بل ~~الخروج واقعا من زيد ومسندا إليه. ولا يغرنك قولنا في نحو (لا رجل في ~~الدار) أنها لنفي الجنس، فإن المعنى في ذلك أنها لنفي الكينونة في الدار عن ~~الجنس. ولو كان يتصور تعلق النفي بالاسم المفرد، لكان الذي قالوه في كلمة ~~التوحيد من أن التقدير فيها "لا إله لنا، أو: في الوجود إلا الله" فضلا من ~~القول وتقديرا لما لا يحتاج إليه، وكذلك الحكم أبدا. وإذا قلت: (هل خرج ~~زيد؟) لم تكن قد استفهمت عن الخروج مطلقا، ولكن عنه واقعا من زيد. وإذا ~~قلت: (إن يأتني زيد أكرمه)، لم تكن جعلت الإتيان شرطا بل الإتيان من زيد، ~~وكذا لم تجعل الإكرام على الإطلاق جزاء للإتيان، بل الإكرام واقعا منك. ~~كيف، وذلك يؤدي إلى أشنع ما يكون من المحال؟ وهو أن يكون هاهنا إتيان من ~~غير آت وإكرام من غير مكرم. ثم يكون هذا شرطا وذلك جزاء. # ومختصر كل الأمر: أنه لا يكون كلام من جزء واحد، وأنه لا بد من مسند ~~ومسند إليه، وكذلك السبيل في كل حرف رأيته يدخل على جملة، كإن وأخواتها، ~~ألا ترى أنك إذا قلت "كأن" يقتضي مشبها به، كقولك: (كأن زيدا الأسد). وكذلك ~~إذا قلت "لو" و "لولا" وجدتهما يقتضيان جملتين، تكون الثانية جوابا للأولى. # وجملة الأمر: أنه لا يكون كلام من حرف وفعل أصلا، ولا من حرف واسم إلا في ~~النداء نحو: (يا عبد الله). وذلك أيضا إذا حقق الأمر كان كلاما بتقدير ~~الفعل المضمر الذي هو: أعني، وأريد، وأدعو؛ و "يا" دليل عليه وعلى قيام ~~معناه في ms049 النفس. # فهذه هي الطرق والوجوه في تعلق الكلم بعضها ببعض. وهي كما تراها معاني ~~النحو وأحكامه. # PageV01P057 # وكذلك السبيل في كل شيء كان له مدخل في صحة تعلق الكلم بعضها ببعض، لا ~~ترى شيئا من ذلك يعدو أن يكون حكما من أحكام النحو ومعنى من معانيه. ثم إنا ~~نرى هذه كلها موجودة في كلام العرب، ونرى العلم بها مشتركا بينهم. # وإذا كان ذلك كذلك، فما جوابنا لخصم يقول لنا: إذا كانت هذه الأمور وهذه ~~الوجوه من التعلق، التي هي محصول النظم، موجودة على حقائقها، وعلى الصحة، ~~وكما ينبغي في منثور كلام العرب ومنظومه، ورأيناهم قد استعملوها وتصرفوا ~~فيها وكملو بمعرفتها، وكانت حقائق لا تتبدل ولا يختلف بها الحال، إذ لا ~~يكون للاسم بكونه خبرا لمبتدأ أو صفة لموصوف، أو حالا لذي حال، أو فاعلا أو ~~مفعولا لفعل في كلام، حقيقة هي خلاف حقيقته في كلام آخر، فما هذا الذي تجدد ~~بالقرآن من عظيم المزية، وباهر الفضل، والعجيب من الوصف، حتى أعجز الخلق ~~قاطبة، وحتى قهر من البلغاء والفصحاء القوى والقدر، وقيد الخواطر والفكر، ~~حتى خرست الشقاشق، وعدم نطق الناطق، وحتى لم يجر لسان، ولم يبن بيان، ولم ~~يساعد إمكان، ولم ينقدح لأحد منهم زند، ولم يمض له حد، وحتى أسال الوادي ~~عليهم عجزا، وأخذ منافذ القول عليهم أخذا؛ أيلزمنا أن نجيب هذا الخصم عن ~~سؤاله، ونرده عن ضلاله، وأن نطب لدائه، ونزيل الفساد عن رائه؟ فإن كان ذلك ~~يلزمنا، فينبغي لكل ذي دين وعقل، أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه، ويستقصي ~~التأمل لما أودعناه؛ فإن علم أنه الطريق إلى البيان، والكشف عن الحجة ~~والبرهان، تبع الحق وأخذ به، وإن رأى أن له طريقا غيره أومأ لنا إليه، ~~ودلنا عليه، وهيهات ذلك، وهذه أبيات في مثل ذلك [من البسيط]: # إني أقول مقالا، لست أخفيه ... ولست أرهب خصما إن بدا فيه # ما من سبيل إلى إثبات معجزة ... في النظم إلا بما أصبحت أبديه # فما لنظم كلام أنت ناظمه ... معنى سوى حكم إعراب تزجيه ms050 # إسم يرى، وهو أصل للكلام فما ... يتم من دونه قصد لمنشيه # وآخر هو يعطيك الزيادة في ... ما أنت تثبته، أو أنت تنفيه # PageV01P058 # تفسير ذلك: أن الأصل مبتدأ ... تلقى له خبرا من بعد تثنيه # هذان أصلان، لا تأتيك فائدة ... من منطق لم يكونا من مبانيه # وما يزيدك من بعد التمام. فما ... سلطت فعلا عليه في تعديه # هذي قوانين، يلفي من تتبعها ... ما يشبه البحر فيضا من نواحيه # فلست تأتي إلى باب لتعلمه ... إلا انصرفت بعجز عن تقصيه # هذا كذاك وإن كان الذين ترى ... يرون أن المدى دان لباغيه # ثم الذي هو قصدي: أن يقال لهم ... بما يجيب الفتى خصما يماريه # يقول: من أين أن لا نظم يشبهه؟ ... وليس من منطق في ذاك يحكيه # وقد علمنا بأن النظم ليس سوى ... حكم من النحو نمضي في توخيه # لو نقب الأرض باغ غير ذاك له ... معنى وصعد يعلو في ترقيه # ما عاد إلا بخسر في تطلبه ... ولا رأى غير غي في تبغيه # ونحن ما إن بثثنا الفكر ننظر في ... أحكامه ونروي في معانيه # كانت حقائق يلفى العلم مشتركا ... بها، وكلا تراه نافذا فيه # فليس معرفة من دون معرفة ... في كل ما أنت من باب تسميه # ترى تصرفهم في الكل مطردا ... يجرونه باقتدار في مجاريه # فما الذي زاد في هذا الذي عرفوا ... حتى غدا العجز يهمي سيل واديه # قولوا وإلا فأصغوا للبيان تروا ... كالصبح منبلجا في عين رائيه # PageV01P059 ### | فاتحة المصنف في مكانة العلم # الحمد لله رب العالمين، حمد الشاكرين، نحمده على عظيم نعمائه، وجميل ~~بلائه، ونستكفيه نوائب الزمان، ونوازل الحدثان، ونرغب إليه في التوفيق ~~والعصمة، ونبرأ إليه من الحول والقوة، ونسأله يقينا يملأ الصدر، ويعمر ~~القلب، ويستولي على النفس، حتى يكفها إذا نزعت ويردها إذا تطلعت، وثقة بأنه ~~عز وجل الوزر، والكالئ والراعي والحافظ، وأن الخير والشر بيده، وأن النعم ~~كلها من عنده، وأن لا سلطان لأحد مع سلطانه؛ نوجه رغباتنا إليه، ونخلص ~~نياتنا في التوكل عليه؛ وأن يجعلنا ممن همه الصدق، وبغيته الحق، وغرضه ms051 ~~الصواب، وما تصححه العقول وتقبله الألباب؛ ونعوذ به من أن ندعي العلم بشيء ~~لا نعلمه، وأن نسدي قولا لا نلحمه، وأن نكون ممن يغره الكاذب من الثناء، ~~وينخدع للمتجوز في الإطراء، وأن يكون سبيلنا سبيل من يعجبه أن يجادل ~~بالباطل، ويموه على السامع، ولا يبالي إذا راج عنه القول أن يكون قد خلط ~~فيه، ولم يسده مع معانيه، ونستأنف الرغبة إليه عز وجل في الصلاة على خير ~~خلقه، والمصطفى من بريته، محمد سيد المرسلين، وعلى أصحابه الخلفاء ~~الراشدين، وعلى آله الأخيار من بعدهم أجمعين. # PageV01P060 # وبعد. فإنا إذا تصفحنا الفضائل لنعرف منازلها في الشرف، ونتبين مواقعها ~~من العظم، ونعلم: أي أحق منها بالتقديم، وأسبق في استيجاب التعظيم، وجدنا ~~العلم أولاها بذلك، أولاها بذلك، وأولها هنالك؛ إذ لا شرف إلا وهو السبيل ~~إليه، ولا خير إلا وهو الدليل عليه، ولا منقبة إلا وهو ذروتها وسنامها، ولا ~~مفخرة إلا وبه صحتها وتمامها، ولا حسنة إلا وهو مفتاحها، ولا محمدة إلا ~~ومنه يتقد مصباحها. هو الوفي إذا خان كل صاحب؛ والثقة إذا لم يوثق بناصح؛ ~~لولاه لما بان الإنسان من سائر الحيوان إلا بتخطيط صورته، وهيأة جسمه ~~وبنيته؛ لا ولا وجد إلى اكتساب الفضل طريقا، ولا وجد بشيء من المحاسن ~~خليقا؛ ذاك لأنا وإن كنا لا نصل إلى اكتساب فضيلة إلا بالفعل، وكان لا يكون ~~فعل إلا بالقدرة، فإنا لم نر فعلا، زان فاعله، وأوجب الفضل له، حتى يكون عن ~~العلم صدره، وحتى يتبين ميسمه عليه وأثره؛ ولم نر قدرة قط كسبت صاحبها ~~مجدا، وأفادته حمدا، دون أن يكون العلم رائدها فيما تطلب، وقائدها حيث تؤم ~~وتذهب، ويكون المصرف لعنانها، والمقلب لها في ميدانها، فهي إذن مفتقرة في ~~أن تكون فضيلة إليه، وعيال في استحقاق هذا الاسم عليه. وإذا هي خلت من ~~العلم أو أبت أن تمتثل أمره، وتقتفي رسمه، آلت ولا شيء أحشد للذم على ~~صاحبها منها ولا شيء أشين من إعماله لها. # PageV01P061 # فهذا في فضل العلم، لا تجد عاقلا يخالفك فيه، ولا ms052 ترى أحدا يدفعه أو ~~ينفيه؛ فأما المفاضلة بين بعضه وبعض، وتقديم فن منه على فن، فإنك ترى الناس ~~فيه على آراء مختلفة، وأهواء متعادية؛ ترى كلا منهم لحبه نفسه وإيثاره أن ~~يدفع النقص عنها، يقدم ما يحسن من أنواع العلم على ما لا يحسن، ويحاول ~~الزراية على الذي لم يحظ به، والطعن على أهله، والغض منهم. ثم تتفاوت ~~أحوالهم في ذلك؛ فمن مغمور قد استهلكه هواه، وبعد في الجور مداه، ومن مترجح ~~فيه بين الإنصاف والظلم، يجور تارة ويعدل أخرى في الحكم؛ فأما من يخلص في ~~هذا المعنى من الحيف حتى لا يقضي إلا بالعدل، وحتى يصدر في كل أمره عن ~~العقل، فكالشيء الممتنع وجوده؛ ولم يكن ذلك كذلك، إلا لشرف العلم وجليل ~~محله، وأن محبته مركوزة في الطباع، ومركبة في النفوس، وأن الغيرة عليه ~~لازمة للجبلة، وموضوعه في الفطرة، وأنه لا عيب أعيب عند الجميع من عدمه، ~~ولا ضعة أوضع من الخلو عنه؛ فلم يعاد إذن إلا من فرط المحبة، ولم يسمح به ~~إلا لشدة الضن. # PageV01P062 # ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا، وأبسق فرعا، وأحلى جنى، وأعذب وردا، ~~وأكرم نتاجا، وأنور سراجا، من علم البيان الذي لولاه لم تر لسانا يحوك ~~الوشي، ويصوغ الحلي، ويلفظ الدر، وينفث السحر ويقري الشهد ويريك بدائع من ~~الزهر، ويجنيك الحلو اليانع من الثمر، والذي لولا تحفيه بالعلوم، وعنايته ~~بها، وتصويره إياها، لبقيت كامنة مستورة، ولما استبنت لها يد الدهر صورة ~~ولاستمر السرار بأهلتها، واستولى الخفاء على جملتها، إلى فوائد لا يدركها ~~الإحصاء، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء؛ إلا أنك لن ترى على ذلك نوعا من ~~العلم قد لقي من الضيم مالقيه، ومني من الحيف بما مني به، ودخل على الناس ~~من الغلط في معناه ما دخل عليهم فيه؛ فقد سبقت إلى نفوسهم اعتقادات فاسدة، ~~وظنون ردية، وركبهم فيه جهل عظيم، وخطأ فاحش: ترى كثيرا منهم لا يرى له ~~معنى أكثر مما يرى للإشارة بالرأس والعين، وما يجده للخط والعقد يقول: إنما ~~هو ms053 خبر واستخبار، وأمر ونهي، ولكل من ذلك لفظ قد وضع له، وجعل دليلا عليه؛ ~~فكل من عرف أوضاع لغة من اللغات، عربية كانت أو فارسية، وعرف المغزى من كل ~~لفظة، ثم ساعده اللسان على النطق بها، وعلى تأدية أجراسها وحروفها، فهو بين ~~في تلك اللغة، كامل الأداة، بالغ من البيان المبلغ الذي لا مزيد عليه، منته ~~إلى الغاية التي لا مذهب بعدها، يسمع الفصاحة والبلاغة والبراعة فلا يعرف ~~لها معنى سوى الإطناب في القول، وأن يكون المتكلم في ذلك جهير الصوت، جاري ~~اللسان، لا تعترضه لكنه، ولا تقف به حبسة وأن يستعمل اللفظ الغريب والكلمة ~~الوحشية؛ فإن استظهر للأمر، وبالغ في النظر، فأن لا يلحن فيرفع في موضع ~~النصب، أو يخطئ فيجيء باللفظة على غير ما هي عليه في الوضع اللغوي، وعلى ~~خلاف ما ثبتت به الرواية عن العرب. # PageV01P063 # وجملة الأمر: أنه لا يرى النقص يدخل على صاحبه في ذلك، إلا من جهة نقصه ~~في علم اللغة، لا يعلم أن هاهنا دقائق وأسرارا، طريق العلم بها الروية ~~والفكر، ولطائف مستقاها العقل، وخصائص معان ينفرد بها قوم قد هدوا إليها، ~~ودلوا عليها، وكشف لهم عنها ورفعت الحجب بينهم وبينها، وأنها السبب في أن ~~عرضت المزية في الكلام، ووجب أن يفضل بعضه بعضا، وأن يبعد الشأو في ذلك، ~~وتمتد الغاية، ويعلو المرتقى ويعز المطلب، حتى ينتهي الأمر إلى الإعجاز ~~وإلى أن يخرج من طوق البشر. # ولما لم تعرف هذه الطائفة هذه الدقائق وهذه الخواص واللطائف، لم تتعرض ~~لها ولم تطلبها. ثم عن لها بسوء الاتفاق رأي صار حجازا بينها وبين العلم ~~بها، وسدا دون أن تصل إليها؛ وهو أن ساء اعتقادها في الشعر الذي هو معدنها، ~~وعليه المعول فيها، وفي علم الإعراب الذي هو لها كالناسب الذي ينميها إلى ~~أصولها، ويبين فاضلها من مفضولها، فجعلت تظهر الزهد في كل واحد من النوعين، ~~وتطرح من الصنفين، وترى التشاغل عنهما، أولى من الاشتغال بهما، والإعراض عن ~~تدبرهما، أصوب من الإقبال على تعلمهما. # أما الشعر ms054 فخيل إليها أنه ليس فيه كثير طائل! وأن ليس إلا ملحة أو فكاهة ~~أو بكاء منزل، أو وصف طلل، أو نعت ناقة أو جمل، أو إسراف قول في مدح أو ~~هجاء، وأنه ليس بشيء تمس الحاجة إليه في صلاح دين أو دنيا. # وأما النحو فظنته ضربا من التكلف، وبابا من التعسف، وشيئا لا يستند إلى ~~أصل، ولا يعتمد فيه على عقل، وأن ما زاد منه على معرفة الرفع والنصب، وما ~~يتصل بذلك مما تجده في المبادئ، فهو فضل لا يجدي نفعا، ولا تحصل منه على ~~فائدة، وضربوا له المثل بالملح كما عرفت - إلى أشباه لهذه الظنون في ~~القبيلين، وآراء لو علموا مغبتها وما تقود إليه، لتعوذوا بالله منها، ~~ولأنفوا لأنفسهم من الرضا بها؛ ذاك لأنهم بإيثارهم الجهل بذلك على العلم: ~~في معنى الصاد عن سبيل الله، والمبتغي إطفاء نور الله تعالى. # PageV01P064 # وذاك: أنا إذا كنا نعلم أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت، ~~وبانت وبهرت، هي أن كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر، ومنتهيا إلى ~~غاية الا يطمح إليها بالفكر، وكان محالا أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف ~~الشعر الذي هو ديوان العرب، وعنوان الأدب، والذي لا يشك أنه كان ميدان ~~القوم إذا تجاروا في الفصاحة والبيان، وتنازعوا فيهما قصب الرهان، ثم بحث ~~عن العلل التي بها كان التباين في الفضل، وزاد بعض الشعر على بعض؛ كان ~~الصاد عن ذلك صادا عن أن تعرف حجة الله تعالى. وكان مثله مثل من يتصدى ~~للناس فيمنعهم عن أن يحفظوا كتاب الله تعالى ويقوموا به، ويتلوه ويقرأوه، ~~ويصنع في الجملة صنيعا يؤدي إلى أن يقل حفاظه، والقائمون به والمقرئون له؛ ~~ذاك لأنا لم نتعبد بتلاوته وحفظه، والقيام بأداء لفظه، على النحو الذي أنزل ~~عليه، وحراسته من أن يغير ويبدل، إلا لتكون الحجة به قائمة على وجه الدهر، ~~تعرف في كل زمان، ويتوصل إليها في كل أوان، ويكون سبيلها سبيل سائر العلوم ~~التي يرويها الخلف عن السلف، ويأثرها الثاني ms055 عن الأول؛ فمن حال بيننا وبين ~~ما له كان حفظنا إياه، واجتهادنا في أن نؤديه ونرعاه؛ كان كمن رام أن ~~ينسيناه جملة، ويذهبه من قلوبنا دفعة. فسواء من منعك الشيء الذي ينتزع منه ~~الشاهد والدليل، ومن منعك السبيل إلى انتزاع تلك الدلالة، والاطلاع على تلك ~~الشهادة؛ ولا فرق بين من أعدمك الدواء الذي تسشفي به من دائك، وتستبقي به ~~حشاشة نفسك، وبين من أعدمك العلم بأن فيه شفاء؛ وأن لك فيه استبقاء. # PageV01P065 # فإن قال منهم قائل: إنك قد أغفلت فيما رتبت، فإن لنا طريقا إلى إعجاز ~~القرآن غير ما قلت، وهو علمنا بعجز العرب عن أن يأتوا بمثله، وتركهم أن ~~يعارضوه مع تكرار التحدي عليهم، وطول التقريع لهم بالعجز عنه؛ ولأن الأمر ~~كذلك، ما قامت به الحجة على العجم قيامها على العرب واستوى الناس قاطبة، ~~فلم يخرج الجاهل بلسان العرب من أن يكون محجوجا بالقرآن؛ قيل له: خبرنا عما ~~اتفق عليه المسلمون من اختصاص نبينا عليه السلام، بأن كانت معجزته باقية ~~على وجه الدهر، أتعرف له معنى: غير أن لا يزال البرهان منه لائحا، معرضا ~~لكل من أراد العلم به، وطلب الوصول إليه، والحجة فيه وبه ظاهرة لمن أرادها، ~~والعلم بها ممكنا لمن التمسه؟ # فإذا كنت لا تشك في أن لا معنى لبقاء المعجزة بالقرآن إلا أن الوصف الذي ~~له كان معجزا قائم فيه أبدا، وأن الطريق إلى العلم به موجود، والوصول إليه ~~ممكن، فانظر أي رجل تكون إذا أنت زهدت في أن تعرف حجة الله تعالى وآثرت فيه ~~الجهل على العلم، وعدم الاستبانة على وجودها. وكان التقليد فيها أحب إليك، ~~والتعويل على علم غيرك آثر لديك؛ ونح الهوى عنك، وراجع عقلك، واصدق نفسك، ~~يبن لك فحش الغلط فيما رأيت، وقبح الخطأ في الذي توهمت، وهل رأيت رأيا ~~أعجز، واختيارا أقبح: من كره أن تعرف حجة الله تعالى من الجهة التي إذا ~~عرفت كانت أنور وأبهر، وأقوى وأقهر، وآثر أن لا يقوى سلطانها على الشرك كل ~~القوة، ولا تعلو على ms056 الكفر كل العلو؟ والله المستعان. # PageV01P066 ### | فصل في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه # في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه، وذم الاشتغال بعلمه وتتبعه # لا يخلو من كان هذا رأيه من أمور: # أحدها أن يكون رفضه له وذمه إياه، من أجل ما يجده فيه من هزل أو سخف، ~~وهجاء وسب وكذب وباطل على الجملة. # والثاني: أن يذمه لأنه موزون مقفى. ويرى هذا بمجرده، عيبا يقتضي الزهد ~~فيه والتنزه عنه. # والثالث أن يتعلق بأحوال الشعراء، وأنها غير جميلة في الأكثر ويقول: قد ~~ذموا في التنزيل. # وأي كان من هذا رأيا له، فهو في ذلك على خطأ ظاهر، وغلط فاحش، وعلى خلاف ~~ما يوجبه القياس والنظر، وبالضد مما جاء به الأثر، وصح به الخبر. # أما من زعم أن ذمه له من أجل ما يجد فيه من هزل وسخف وكذب وباطل، فينبغي ~~أن يذم الكلام كله، وأن يفضل الخرس على النطق، والعي على البيان فمنثور ~~كلام الناس على كل حال، أكثر من منظومه. والذي زعم أنه ذم الشعر بسببه، ~~وعاداه بنسبته إليه، أكثر، لأن الشعراء في كل عصر وزمان، معدودون، والعامة ~~ومن لا يقول الشعر من الخاصة عديد الرمل؛ ونحن نعلم أن لو كان منثور الكلام ~~يجمع المنظوم، ثم عمد عامد فجمع ما قيل من جنس الهزل والسخف نثرا في عصر ~~واحد، لأربى على جميع ما قاله الشعراء نظما في الأزمان الكثيرة، ولغمره حتى ~~لا يظهر فيه. ثم إنك لو لم ترو من هذا الضرب شيئا قط، ولم تحفظ إلا الجد ~~المحض، وإلا ما لا معاب عليك في روايته، وفي المحاضرة به، وفي نسخه ~~وتدوينه، لكان في ذلك غنى ومندوحة؛ ولوجدت طلبتك ونلت مرادك، وحصل لك ما ~~نحن ندعوك إليه من علم الفصاحة، فاختر لنفسك ودع ما تكره إلى ما تحب. # هذا وراوي الشعر حاك، وليس على الحاكي عيب، ولا عليه تبعة، إذا هو لم ~~يقصد بحكايته أن ينصر باطلا، أو يسوء مسلما. وقد حكى الله تعالى كلام ~~الكفار؛ ms057 فانظر إلى الغرض الذي له روي الشعر، ومن أجله أريد، وله دون، تعلم ~~أنك قد زغت عن المنهج، وأنك مسيء في هذه العداوة. وهي العصبية منك على ~~الشعر. وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه، بالأبيات فيها الفحش ~~وفيها ذكر الفعل القبيح، ثم لم يعبهم ذلك إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك ~~الفحش، ولم يريدوه ولم يرووا الشعر من أجله. # قالوا: وكان الحسن البصري رحمه الله، يتمثل في مواعظه بالأبيات من الشعر، ~~وكان من أوجعها عنده [من الكامل]: # اليوم عندك دلها وحديثها ... وغدا لغيرك كفها والمعصم # PageV01P067 # وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - ذكره المرزباني في كتابه، ~~بإسناد عن عبد الملك بن عمير - أنه قال: "أتي عمر، رضوان الله عليه، بحلل ~~من اليمن، فأتاه محمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد ~~بن طلحة بن عبيد الله، ومحمد بن حاطب، فدخل عليه زيد بن ثابت رضي الله عنه، ~~فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء المحمدون بالباب يطلبون الكسوة. فقال: ائذن ~~لهم يا غلام! فدعا بحلل، فأخذ زيد أجودها، هذه لمحمد بن حاطب، وكانت أمه ~~عنده، وهو من بني لؤي؛ فقال عمر رضي الله عنه: أيهات أيهات وتمثل بشعر ~~عمارة بن الوليد [من الطويل]: # أسرك لما صرع القوم نشوة ... خروجي منها سالما غير غارم # بريئا كأني قبل لم أك منهم ... وليس الخداع مرتضى في التنادم # ردها. ثم قال: ائتني بثوب، فألقه على هذه الحلل. وقال: أدخل يدك فخذ حلة، ~~وأنت لا تراها فأعطهم. قال عبد الملك: "فلم أر قسمة أعدل منها". # وعمارة هذا: هو عمارة بن الوليد بن المغيرة، خطب امرأة من قومه، فقالت: ~~لا أتزوجك أو تترك الشراب، فأبى، ثم اشتد وجده بها، فحلف لها أن لا يشرب؛ ~~ثم مر بخمار عنده شرب يشربون، فدعوه فدخل عليهم، وقد أنفدوا ما عندهم، فنحر ~~لهم ناقته، وسقاهم ببرديه، ومكثوا أياما، ثم خرج، فأتى أهله، فلما رأته ~~امرأته قالت: ألم تحلف أن لا تشرب؟ فقال: # ولسنا بشرب أم عمرو ms058 إذا انتشوا ... ثياب الندامى عندهم كالغنائم # ولكننا يا أم عمرو نديمنا ... بمنزلة الريان ليس بعائم # أسرك - البيتين. # فإذن: رب هزل صار أداة في جد، وكلام جرى في باطل، ثم استعين به على حق؛ ~~كما أنه رب شيء خسيس، توصل به إلى شريف، بأن ضرب مثلا فيه، وجعل مثالا له: ~~كما قال أبو تمام [من الكامل]: # والله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس # PageV01P068 # وعلى العكس: فرب كلمة حق أريد بها باطل فاستحق عليها الذم، كما عرفت من ~~خبر الخارجي مع علي رضوان الله عليه. ورب قول حسن لم يحسن من قائله، حين ~~تسبب به إلى قبيح، كالذي حكى الجاحظ قال: رجع طاووس يوما عن مجلس محمد بن ~~يوسف - وهو يومئذ والي اليمن - فقال: ما ظننت أن قول "سبحان الله" يكون ~~معصية لله حتى كان اليوم؛ سمعت رجلا أبلغ ابن يوسف عن رجل كلاما، فقال رجل ~~من أهل المجلس: سبحان الله! كالمستعظم لذلك الكلام، ليغضب ابن يوسف. # فبهذا ونحوه فاعتبر، واجعله حكما بينك وبين الشعر. # (وبعد) فكيف وضع من الشعر عندك، وكسبه المقت منك: أنك وجدت فيه الباطل ~~والكذب، وبعض ما لا يحسن، ولم يرفعه في نفسك ولم يوجب له المحبة من قلبك: ~~أن كان فيه الحق والصدق والحكمة وفصل الخطاب؟ وأن كان مجنى ثمر العقول ~~والألباب، ومجتمع فرق الآداب، والذي قيد على الناس المعاني الشريفة، ~~وأفادهم الفوائد الجليلة، وترسل بين الماضي والغابر، ينقل مكارم الأخلاق ~~إلى الولد عن الوالد، ويؤدي ودائع الشرف عن الغائب إلى الشاهد، حتى ترى به ~~آثار الماضين، مخلدة في الباقين، وعقول الأولين، مردودة في الآخرين، وترى ~~لكل من رام الأدب وابتغى الشرف، وطلب محاسن القول والفعل، منارا مرفوعا، ~~وعلما منصوبا، وهاديا مرشدا، ومعلما مسددا، وتجد فيه للنائي عن طلب المآثر، ~~والزاهد في اكتساب المحامد، داعيا ومحرضا، وباعثا ومخصصا، ومذكرا ومعرفا، ~~وواعظا ومثقفا؟ فلو كنت ممن ينصف كان في بعض ذلك ما يغير هذا الرأي منك، ~~وما يحدوك على رواية الشعر وطلبه، ويمنعك أن تعيبه أو ms059 تعيب به. ولكنك أبيت ~~إلا ظنا سبق إليك، وإلا بادىء رأي عن لك، فأقفلت عليه قلبك، وسددت عما سواه ~~سمعك، فعي الناصح بك، وعسر على الصديق الخليط تنبيهك. # PageV01P069 # نعم، وكيف رويت "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا فيريه، خير له من أن يمتلئ ~~شعرا" ولهجت به، وتركت قوله صلى الله عليه وسلم: "إن من الشعر لحكمة، وإن ~~من البيان لسحرا"، وكيف نسيت أمره صلى الله عليه وسلم بقول الشعر، ووعده ~~عليه الجنة؟ وقوله لحسان: "قل وروح القدس معك" وسماعه له، واستنشاده إياه، ~~وعلمه صلى الله عليه وسلم به، واستحسانه له، وارتياحه عند سماعه؟ # أما أمره به فمن المعلوم ضرورة، وكذلك سماعه إياه؛ فقد كان حسان وعبد ~~الله بن رواحة وكعب بن زهير يمدحونه، ويسمع منهم، ويصغي إليهم، ويأمرهم ~~بالرد على المشركين، فيقولون في ذلك ويعرضون عليه؛ وكان عليه السلام يذكر ~~لهم بعض ذلك، كالذي روي من أنه صلى الله عليه وسلم قال لكعب: "ما نسي ربك، ~~وما كان ربك نسيا، شعرا قلته". قال وما هو يا رسول الله؟ قال: "أنشده يا ~~أبا بكر"، فأنشد أبو بكر رضوان الله عليه [من الكامل]: # زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب # (وأما) استنشاده إياه فكثير. من ذلك: الخبر المعروف في استنشاده حين ~~استسقى فسقى، قول أبي طالب [من الطويل]: # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل # يطيف به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل # الأبيات. وعن الشعبي رضي الله عنه، عن مسروق، عن عبد الله، قال: "لما نظر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى القتلى يوم بدر مصرعين، قال صلى الله ~~عليه وسلم، لأبي بكر رضي الله عنه: "لو أن طالب حي لعلم أن أسيافنا قد أخذت ~~بالأنامل". قال: وذلك لقول أبي طالب [من الطويل]: # كذبتم، وبيت الله إن جد ما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأنامل # وينهض قوم في الدروع إليهم ... نهوض الروايا في طريق حلاحل # PageV01P070 # ومن المحفوظ في ذلك حديث محمد بن مسلمة الأنصاري: جمعه وابن أبي حدرد ms060 ~~الأسلمي، الطريق. قال: فتذاكرنا الشكر والمعروف: قال، فقال محمد: كنا يوما ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لحسان بن ثابت: "أنشدني قصيدة من شعر ~~الجاهلية، فإن الله تعالى قد وضع عنا آثامها في شعرها وروايته"! فأنشده ~~قصيدة للأعشى، هجا بها علقمة بن علاثة [من السريع]: # علقم، ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا حسان لا تعد تنشدني هذه القصيدة بعد ~~مجلسك هذا"! فقال: يا رسول الله تنهاني عن رجل مشرك مقيم عند قيصر؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "يا حسان أشكر الناس للناس، أشكرهم لله تعالى ~~وإن قيصر سأل أبا سفيان بن حرب عني، فتناول مني. - وفي خبر آخر فشعث مني - ~~وأنه سأل هذا عني فأحسن القول"؛ فشكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ~~ذلك. وروي من وجه آخر: أن حسان قال: يا رسول الله! من نالتك يده وجب علينا ~~شكره. ومن المعروف في ذلك خبر عائشة، رضوان الله عليها، أنها قالت: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، كثيرا ما يقول: "أبياتك" فأقول [من الكامل]: # إرفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوما، فتدركه العواقب قد نمى # يجزيك أو يثني عليك، وإن من ... أثنى عليك بما فعلت، فقد جزى # قالت، فيقول عليه السلام: "يقول الله تبارك وتعالى، لعبد من عبيده: صنع ~~إليك عبدي معروفا، فهل شكرته عليه؟ فيقول: يا رب علمت أنه منك فشكرتك عليه. ~~قال: فيقول الله عز وجل: لم تشكرني إذ لم تشكر من أجريته على يده". # وأما علمه، عليه السلام، بالشعر، فكما روي أن سودة أنشدت: # عدي وتيم تبتغي من تحالف # PageV01P071 # فظنت عائشة وحفصة رضي الله عنهما، أنها عرضت بهما. وجرى بينهن كلام في ~~هذا المعنى، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل عليهن وقال: "يا ويلكن! ~~ليس في عديكن ولا تيمكن قيل هذا. وإنما قيل هذا في عدي تميم وتيم وتميم"! ~~وتمام هذا الشعر [من الطويل]: # فحالف ولا والله تهبط تلعة ... من الأرض إلا أنت للذل ms061 عارف # ألا من رأى العبدين أو ذكرا له ... عدي وتيم تبتغي من تحالف # وروى الزبير بن بكار قال: "مر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو ~~بكر رضي الله عنه، برجل يقول في بعض أزقة مكة [من الكامل]: # يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا نزلت بآل عبد الدار؟ # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر هكذا قال الشاعر؟ قال: لا يا ~~رسول الله، ولكنه قال: # يا أيها الرجل المحول رحله * هلا سألت عن آل عبد مناف؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هكذا كنا نسمعها". # وأما ارتياحه صلى الله عليه وسلم، للشعر واستحسانه له، فقد جاء فيه الخبر ~~من وجوه، من ذلك: حديث النابغة الجعدي قال: أنشدت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قولي [من الطويل]: # بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أين المظهر يا أبا ليلى؟ "، فقلت: ~~الجنة، يا رسول الله! قال: "أجل إن شاء الله". ثم قال: "أنشدني"! فأنشدته ~~من قولي: # ولا خير في حلم إذا لم تكن له * بوادر تحمي صفوه أن يكدرا # ولا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا # فقال صلى الله عليه وسلم: "أجدت، لا يفضض الله فاك"! قال الراوي: فنظرت ~~إليه فكأن فاه البرد المنهل، ما سقطت له سن ولا انفلت ترف غروبه. # PageV01P072 # ومن ذلك حديث كعب بن زهير: روي أن كعبا وأخاه بجيرا خرجا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، حتى بلغا أبرق العزاف، فقال كعب لبجير: إلق هذا الرجل، ~~وأنا مقيم هاهنا، فانظر ما يقول! وقدم بجير على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فعرض عليه الإسلام، فأسلم وبلغ ذلك كعبا، فقال في ذلك شعرا، فأهدر ~~النبي صلى الله عليه وسلم دمه، فكتب إليه بجير يأمره أن يسلم ويقبل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: إن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله، قبل منه رسول ms062 الله صلى الله عليه وسلم، وأسقط ما كان قبل ذلك. ~~فقدم كعب وأنشد النبي صلى الله عليه وسلم قصيدته المعروفة: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مغلول # وما سعاد غداة البين إذ رحلت ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول # تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح مغلول # سح السقاة عليها ماء محنية ... من ماء أبطح أضحى وهو مشمول # أكرم بها خلة لو أنها صدقت ... موعودها أو لوان النضح مقبول # حتى أتى على آخرها فلما بلغ مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم: # إن الرسول لسيف يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول # في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما، أسلموا: زولوا # زالوا فما زال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل # لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما بهم عن حياض الموت تهليل # شم العرانين أبطال، لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل # أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الخلق أن اسمعوا! قال: وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، يكون من أصحابه مكان المائدة من القوم، يتحلقون ~~حلقة دون حلقة، فيلتفت إلى هؤلاء وإلى هؤلاء. # والأخبار فيما يشبه هذا كثيرة، والأثر به مستفيض. # PageV01P073 # وإن زعم أنه ذم الشعر من حيث هو موزون مقفى، حتى كان الوزن عيبا، وحتى ~~كان الكلام إذا نظم نظم الشعر، اتضع في نفسه وتغيرت حاله، فقد أبعد وقال ~~قولا لا يعرف له معنى، وخالف العلماء في قولهم: "إنما الشعر كلام فحسنه حسن ~~وقبيحه قبيح"، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا. # فإن زعم أنه إنما كره الوزن لأنه سبب لأن يغنى في الشعر ويتلهى به، فإنا ~~إذا كنا لم ندعه إلى الشعر من أجل ذلك، وإنما دعوناه إلى اللفظ الجزل، ~~والقول الفصل، والمنطق الحسن، والكلام البين، وإلى حسن التمثيل والاستعارة، ~~وإلى التلويح والإشارة، وإلى صنعة تعمد إلى المعنى الخسيس فتشرفه، وإلى ~~الضئيل فتفخمه، وإلى النازل فترفعه، وإلى الخامل فتنوه به، وإلى العاطل ~~فتحليه، ms063 وإلى المشكل فتحليه، فلا متعلق له علينا بما ذكر، ولا ضرر علينا ~~فيما أنكر، فليقل في الوزن ما شاء، وليضعه حيث أراد، فليس يعنينا أمره، ولا ~~هو مرادنا من هذا الذي راجعنا القول فيه. # وهذا هو الجواب لمتعلق إن تعلق بقوله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي ~~له} [يس: 69]، وأراد أن يجعله حجة في المنع من الشعر ومن حفظه وروايته؛ ~~وذاك أنا نعلم أنه صلى الله عليه وسلم، لم يمنع الشعر من أجل أن كان قولا ~~فصلا، وكلاما جزلا، ومنطقا حسنا، وبيانا بينا؛ كيف وذلك يقتضي أن يكون الله ~~تعالى قد منعه البيان والبلاغة، وحماه الفصاحة والبراعة، وجعله لا يبلغ ~~مبلغ الشعراء في حسن العبارة وشرف اللفظ؟ وهذا جهل عظيم، وخلاف لما عرفه ~~العلماء، وأجمعوا عليه من أنه صلى الله عليه وسلم، كان أفصح العرب؛ وإذا ~~بطل أن يكون المنع، من أجل هذه المعاني، وكنا قد أعلمناه أنا ندعو إلى ~~الشعر من أجلها، ونحذو بطلبه على طلبها، كان الاعتراض بالآية محالا، ~~والتعلق بها خطلا من الرأي وانحلالا. # PageV01P074 # فإن قال: إذا قال الله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغى له} [يس: 69] ~~فقد كره للنبي صلى الله عليه وسلم الشعر، ونزهه عنه بلا شبهة، وهذه الكراهة ~~وإن كانت لا تتوجه إليه من حيث هو كلام ومن حيث إنه بليغ بين، وفصيح حسن، ~~ونحو ذلك، فإنها تتوجه إلى أمر لا بد لك من التلبس به في طلب ما ذكرت أنه ~~مرادك من الشعر؛ وذاك أنه لا سبيل لك إلى أن تميز كونه كلاما عن كونه شعرا، ~~حتى إذا رويته التبست به من حيث هو كلام ولم تلتبس به من حيث هو شعر. هذا ~~محال، وإذا كان لا بد لك من ملابسة موضع الكراهة، فقد لزم العيب برواية ~~الشعر وإعمال اللسان فيه. # قيل له: هذا منك كلام لا يتحصل. وذلك أنه لو كان الكلام، إذا وزن حط ذلك ~~من قدره وأزرى به، وجلب على المفرغ له في ذلك القالب إثما، وكسبه ذما، لكان ~~من ms064 حق العيب فيه أن يكون على واضع الشعر أو من يريده لمكان الوزن خصوصا، ~~دون من يريده لأمر خارج عنه، ويطلبه لشيء سواه. # فأما قولك: إنك لا تستطيع أن تطلب من الشعر ما لا يكره حتى تلتبس بما ~~يكره، فإني إذن لم أقصده من أجل ذلك المكروه، ولم أرده له، وأردته لأعرف به ~~مكان بلاغة، وأجعله مثالا في براعة، أو أحتج به في تفسير كتاب وسنة، وأنظر ~~إلى نظمه ونظم القرآن، فأرى موضع الإعجاز، وأقف على الجهة التي منها كان، ~~وأتبين الفصل والفرقان. فحق هذا التلبس أن لا يعتد علي ذنبا، وأن لا أؤاخذ ~~به؛ إذ لا تكون مؤاخذة حتى يكون عمد إلى أن تواقع المكروه، وقصد إليه. وقد ~~تتبع العلماء الشعوذة والسحر، وعنوا بالتوقف على حيل المموهين، ليعرفوا فرق ~~ما بين المعجزة والحيلة. فكان ذلك منهم من أعظم البر، إذ كان الغرض كريما ~~والقصد شريفا. # PageV01P075 # "هذا" وإذا نحن رجعنا إلى ما قدمناه من الأخبار، وما صح من الآثار، وجدنا ~~الأمر على خلاف ما ظن هذا السائل، ورأينا السبيل في منع النبي صلى الله ~~عليه وسلم، الوزن، وأن ينطلق لسانه بالكلام الموزون، غير ما ذهبوا إليه، ~~وذاك أنه لو كان منع تنزيه وكراهة، لكان ينبغي أن يكره له سماع الكلام ~~موزونا، وأن ينزه سمعه عنه كما ينزه لسانه، ولكان صلى الله عليه وسلم، لا ~~يأمر به ولا يحث عليه، وكان الشاعر لا يعان على وزن الكلام وصياغته شعرا، ~~ولا يؤيد فيه بروح القدس. وإذا كان هذا كذلك، فينبغي أن يعلم أن ليس المنع ~~في ذلك منع تنزيه وكراهة، بل سبيل الوزن في منعه عليه السلام إياه، سبيل ~~الخط، حين جعل عليه السلام لا يقرأ ولا يكتب، في أن لم يكن المنع من أجل ~~كراهة كانت في الخط، بل لأن تكون الحجة أبهر وأقهر، والدلالة أقوى وأظهر، ~~ولتكون أكعم للجاحد وأقمع للمعاند، وأرد لطالب الشبهة، وأمنع في ارتفاع ~~الريبة. # PageV01P076 # وأما التعلق بأحوال الشعراء: بأنهم قد ذموا في كتاب الله تعالى، فما ms065 أرى ~~عاقلا يرضى به أن يجعله حجة في ذم الشعر وتهجينه، والمنع من حفظه وروايته، ~~والعلم بما فيه من بلاغة، وما يختص به من أدب وحكمه. ذاك لأنه يلزم على قود ~~هذا القول، أن يعيب العلماء في استشهادهم بشعر امرئ القيس، وأشعار أهل ~~الجاهلية في تفسير القرآن، وفي غريبه وغريب الحديث؛ وكذلك يلزمه أن يدفع ~~سائر ما تقدم ذكره من أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، بالشعر وإصغائه إليه ~~واستحسانه له. هذا ولو كان يسوغ ذم القول من أجل قائله، وأن يحمل ذم الشاعر ~~على الشعر، لكان ينبغي أن يخص ولا يعم وأن يستثنى. فقد قال الله عز وجل: ~~{إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا} [الشعراء: 227]. ~~ولولا أن القول يجر بعضه بعضا، وأن الشيء يذكر لدخوله في القسمة لكان حق ~~هذا ونحوه، أن لا يتشاغل به، وأن لا يعاد ويبدأ في ذكره. # PageV01P077 ### | الكلام في النحو # وأما زهدهم في النحو، واحتقارهم له، وإصغارهم أمره وتهاونهم به: فصنيعهم ~~في ذلك، أشنع من صنيعهم في الذي تقدم، وأشبه بأن يكون صدا عن كتاب الله، ~~وعن معرفة معانيه. ذاك لأنهم لا يجدون بدا من أن يعترفوا بالحاجة إليه فيه. ~~إذ كان قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها، حتى يكون الإعراب هو الذي ~~يفتحها، وأن الأغراض كامنة فيها، حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار ~~الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه، حتى يعرض عليه، والمقياس الذي يعرف صحيح ~~من سقيم حتى يرجع إليه، ولا ينكر ذلك إلا من ينكر حسه، وإلا من غالط في ~~الحقائق نفسه. # وإذا كان الأمر كذلك، فليت شعري، ما عذر من تهاون به وزهد فيه، ولم ير أن ~~يستسقيه من مصبه، ويأخذه من معدنه، ورضي لنفسه بالنقص، والكمال لها معرض، ~~وآثر الغبينة وهو يجد إلى الربح سبيلا؟ # فإن قالوا: إنا لم نأب صحة هذا العلم، ولم ننكر مكان الحاجة إليه، في ~~معرفة كتاب الله تعالى، وإنما أنكرنا أشياء كثرتموه بها، وفضول قول ~~تكلفتموها، ومسائل عويصة تجشمتم الفكر فيها، ms066 ثم لم تحصلوا على شيء أكثر من ~~أن تغربوا على السامعين، وتعايوا بها الحاضرين، قيل لهم: خبرونا عما زعمتم ~~أنه فضول قول وعويص لا يعود بطائل، ما هو؟ فإن بدأوا فذكروا مسائل التصريف ~~التي يضعها النحويون للرياضة، ولضرب من تمكين المقاييس في النفوس، كقولهم: ~~كيف تبني من كذا، كذا؟ وكقولهم: ما وزن كذا؟ وتتبعهم في ذلك الألفاظ ~~الوحشية، كقولهم: ما وزن عزويت، وما وزن أرونان؟ وكقولهم في باب ما لا ~~ينصرف: لو سميت رجلا بكذا، كيف يكون الحكم؟ وأشباه ذلك. وقالوا: أتشكون أن ~~ذلك لا يجدي إلا كد الفكر وإضاعة الوقت؟ # PageV01P078 # قلنا لهم: أما هذا الجنس، فلسنا نعيبكم إن لم تنظروا فيه، ولم تعنوا به. ~~وليس يهمنا أمره؛ فقولوا فيه ما شئتم، وضعوه حيث أردتم. فإن تركوا ذلك ~~وتجاوزوه إلى الكلام على أغراض واضع اللغة، وعلى وجه الحكمة في الأوضاع، ~~وتقرير المقاييس التي اطردت عليها، وذكر العلل التي اقتضت أن تجري على ما ~~أجريت عليه، كالقول في المعتل، وفيما يلحق الحروف الثلاثة التي هي: (الواو ~~والياء والألف) من التغيير بالإبدال والحذف والإسكان. أو ككلامنا مثلا على ~~التثنية وجمع السلامة: لم كان إعرابهما على خلاف إعراب الواحد؟ ولم تبع ~~النصب فيهما الجر؟. وفي (النون): إنه عوض عن الحركة والتنوين في حال، وعن ~~الحركة وحدها في حال؟ والكلام على ما ينصرف وما لا ينصرف، ولم كان منع ~~الصرف؟ وبيان العلة فيه، والقول على الأسباب التسعة، وأنها كلها ثوان ~~لأصول؟ وأنه إذا حصل منها اثنان في اسم، أو تكرر سبب، صار بذلك ثانيا من ~~جهتين، وإذا صار كذلك، أشبه الفعل، لأن الفعل ثان للاسم، والاسم المقدم ~~والأول، وكل ما جرى هذا المجرى! # PageV01P079 # قلنا: إنا نسكت عنكم في هذا الضرب أيضا، ونعذركم فيه ونسامحكم، على علم ~~منا بأن قد أسأتم الاختيار، ومنعتم أنفسكم ما فيه الحظ لكم، ومنعتموها ~~الاطلاع على مدارج الحكمة، وعلى العلوم الجمة. فدعوا ذلك، وانظروا في الذي ~~اعترفتم بصحته وبالحاجة إليه: هل حصلتموه على وجهه؟ وهل أحطتم بحقائقه؟ وهل ~~وفيتم كل ms067 باب منه حقه، وأحكمتوه إحكاما يؤمنكم الخطأ فيه، إذا أنتم خضتم في ~~التفسير، وتعاطيتم علم التأويل، ووازنتم بين بعض الأقوال وبعض، وأردتم أن ~~تعرفوا الصحيح من السقيم؛ وعدتم في ذلك وبدأتم، وزدتم ونقصتم؟ وهل رأيتم إذ ~~قد عرفتم صورة المبتدأ والخبر، وأن إعرابهما الرفع، أن تتجاوزوا ذلك إلى أن ~~تنظروا في أقسام خبره، فتعلموا أنه يكون مفردا وجملة، وأن المفرد ينقسم إلى ~~ما يحتمل ضميرا له، وإلى ما لا يحتمل الضمير؛ وأن الجملة على أربعة أضرب، ~~وأنه لا بد لكل جملة وقعت خبرا لمبتدأ، من أن يكون فيها ذكر يعود إلى ~~المبتدأ، وأن هذا الذكر، ربما حذف لفظا وأريد معنى، وأن ذلك لا يكون حتى في ~~الحال دليل عليه؟ إلى سائر ما يتصل بباب الابتداء، من المسائل اللطيفة ~~والفوائد الجليلة التي لا بد منها؟ وإذا نظرتم في الصفة مثلا، فعرفتم أنها ~~تتبع الموصوف، وأن مثالها قولك: (جاءني رجل ظريف، ومررت بزيد الظريف). هل ~~ظننتم أن وراء ذلك أمرا، وأن هاهنا صفة تخصص وصفة توضح وتبين، وأن فائدة ~~التخصيص غير فائدة التوضيح؛ كما أن فائدة الشياع، غير فائدة الإبهام، وأن ~~من الصفة صفة لا يكون فيها تخيصيص ولا توضيح، ولكن يؤتى بها مؤكدة، كقولهم ~~(أمس الدابر)، وكقوله تعالى: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة} [الحاقة: 13]، ~~وصفة يراد بها المدح والثناء، كالصفات الجارية على اسم الله تعالى جده؟. # PageV01P080 # وهل عرفتم الفرق بين الصفة والخبر، وبين كل واحد منها وبين الحال؟ وهل ~~عرفتم أن هذه الثلاثة تتفق في أن كافتها لثبوت المعنى للشيء، ثم تختلف في ~~كيفية ذلك الثبوت؟ # وهكذا ينبغي أن تعرض عليهم الأبواب كلها: واحدا واحدا، ويسألوا عنها بابا ~~بابا، ثم يقال: ليس إلا أحد أمرين: # إما أن تقتحموا التي لا يرضاها العاقل، فتنكروا أن يكون بكم حاجة في كتاب ~~الله، وفي خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي معرفة الكلام جملة إلى ~~شيء من ذلك، وتزعموا أنكم إذا عرفتم مثلا، أن الفاعل رفع، لم يبق عليكم في ~~باب الفاعل، ms068 ما تحتاجون إلى معرفته. وإذا نظرتم إلى قولنا: (زيد منطلق)، لم ~~تحتاجوا من بعده إلى شيء تعلمونه في الابتداء والخبر. وحتى تزعموا مثلا، ~~أنكم لا تحتاجون في أن تعرفوا وجه الرفع في {والصابئون} [المائدة: 69] من ~~سورة المائدة، إلى ما قاله العلماء فيه، وإلى استشهادهم بقول الشاعر: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق # وحتى كان المشكل على الجميع غير مشكل عندكم، وحتى كأنكم قد أوتيتم أن ~~تستنبطوا من المسألة الواحدة من كل باب، مسائله كلها، فتخرجوا إلى فن من ~~التجاهل لا يبقى معه كلام. # وإما أن تعلموا أنكم قد أخطأتم، حين أصغرتم أمر هذا العلم، وظننتم ما ~~ظننتم فيه، فترجعوا إلى الحق وتسلموا الفضل لأهله، وتدعوا الذي يزري بكم، ~~ويفتح باب العيب عليكم، ويطيل لسان القادح فيكم. وبالله التوفيق. # PageV01P081 # هذا - ولو أن هؤلاء القوم، إذ تركوا هذا الشأن، تركوه جملة؛ وإذ زعموا أن ~~قدر المفتقر إليه القليل منه، اقتصروا على ذلك القليل، فلم يأخذوا أنفسهم ~~بالتقوي فيه، والتصرف فيما لم يتعلموا منه، ولم يخوضوا في التفسير ولم ~~يتعاطوا التأويل - لكان البلاء واحدا، ولكانوا إذا لم يبنوا، لم يهدموا، ~~وإذا لم يصلحوا لم يكونوا سببا للفساد، ولكنهم لم يفعلوا؛ فجلبوا من الداء ~~ما أعيى الطبيب، وحير اللبيب، وانتهى التخليط بما أتوه فيه، إلى حد يئس من ~~تلافيه، فلم يبق للعارف الذي يكره الشغب إلا التعجب والسكوت. وما الآفة ~~العظمى إلا واحدة، وهي أن يجيء من الإنسان أن يجري في لفظه، ويمشي له، أن ~~يكثر في غير تحصيل؛ وأن يحسن البناء على غير أساس، وأن يقول الشيء لم يقتله ~~علما. # ونسأل الله الهداية، ونرغب إليه في العصمة. # ثم إنا وإن كنا في زمان، هو على ما هو عليه من إحالة الأمور عن جهاتها، ~~وتحويل الأشياء عن حالاتها، ونقل النفوس عن طباعها، وقلب الخلائق المحمودة ~~إلى أضدادها، ودهر ليس للفضل وأهله لديه، إلا الشر صرفا والغيظ بحتا، وإلا ~~ما يدهش عقولهم، ويسلبهم معقولهم، حتى صار أعجز الناس رأيا عند الجميع، من ms069 ~~كانت له همة في أن يستفيد علما، أو يزداد فهما، أو يكتسب فضلا، أو يجعل له ~~ذلك بحال شغلا، فإن الإلف من طباع الكريم؛ وإذا كان من حق الصديق عليك، ولا ~~سيما إذا تقادمت صحبته، وصحت صداقته - أن لا تجفوه بأن تنكبك الأيام وتضجرك ~~النوائب، وتحرجك محن الزمان، فتتناساه جملة، وتطويه طيا؛ فالعلم الذي هو ~~صديق لا يحول عن العهد، ولا يدغل في الود، وصاحب لا يصح عليه النكث والغدر، ~~ولا يظن به الخيانة والمكر، أولى منه بذلك وأجدر، وحقه عليك أكبر. # تمهيد للكلام في الفصاحة والبلاغة # PageV01P082 # ثم إن التوق إلى أن تقر الأمور قرارها، وتوضع الأشياء مواضعها، والنزاع ~~إلى بيان ما يشكل، وحل ما ينعقد، والكشف عما يخفى، وتلخيص الصفة حتى يزداد ~~السامع ثقة بالحجة، واستظهارا على الشبهة، واستبانة للدليل، وتبيينا ~~للسبيل، شيء في سوس العقل، وفي طباع النفس إذا كانت نفسا. # ولم أزل منذ خدمت العلم، أنظر فيما قاله العلماء في معنى الفصاحة ~~والبلاغة، والبيان والبراعة، وفي بيان المغزى من هذه العبارات، وتفسير ~~المراد بها، فأجد بعض ذلك كالرمز والإيماء، والإشارة في خفاء، وبعضه ~~كالتنبيه على مكان الخبيء ليطلب، وموضع الدفين ليبحث عنه فيخرج، وكما يفتح ~~لك الطريق إلى المطلوب لتسلكه، وتوضع لك القاعدة لتبني عليها؛ ووجدت المعول ~~على أن هاهنا نظما وترتيبا، وتأليفا وتركيبا، وصياغة وتصويرا، ونسجا ~~وتحبيرا، وأن سبيل هذه المعاني في الكلام الذي هو مجاز فيه، سبيلها في ~~الأشياء التي هي حقيقة فيها. وأنه كما يفضل هناك النظم النظم، والتأليف ~~التأليف، والنسج النسج، والصياغة الصياغة، ثم يعظم الفضل، وتكثر المزية، ~~حتى يفوق الشيء نظيره، والمجانس له، درجات كثيرة، وحتى تتفاوت القيم ~~التفاوت الشديد، كذلك يفضل بعض الكلام بعضا، ويتقدم منه الشيء الشيء؛ ثم ~~يزداد من فضله ذلك، ويترقى منزلة فوق منزلة، ويعلو مرقبا بعد مرقب، ويستأنف ~~له غاية بعد غاية، حتى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع، وتحسر الظنون. وتسقط ~~القوى، وتستوي الأقدام في العجز. # PageV01P083 # وهذه جملة، قد يرى في أول الأمر وبادئ الظن: أنها تكفي ms070 وتغني. حتى إذا ~~نظرنا فيها، وعدنا وبدأنا، وجدنا الأمر على خلاف ما حسبناه، وصادفنا الحال ~~على غير ما توهمناه، وعلمنا أنهم لئن أقصروا اللفظ، لقد أطالوا المعنى، وإن ~~لم يغرقوا في النزع. لقد أبعدوا على ذاك في المرمى. وذاك، لأنه يقال لنا: ~~ما زدتم على أن قستم قياسا، فقلتم: نظم ونظم، وترتيب وترتيب، ونسج ونسج. ثم ~~بنيتم عليه، أنه ينبغي أن تظهر المزية في هذه المعاني هاهنا، حسب ظهورها ~~هناك، وأن يعظم الأمر في ذلك كما عظم ثم؛ وهذا صحيح كما قلتم. ولكن بقي أن ~~تعلمونا مكان المزية في الكلام، وتصفوها لنا، وتذكروها ذكرا كما ينص الشيء ~~ويعين، ويكشف عن وجهه ويبين. ولا يكفي أن تقولوا: إنه خصوصية في كيفية ~~النظم، وطريقة مخصوصة في نسق الكلم بعضها على بعض، حتى تصفوا تلك الخصوصية ~~وتبينوها، وتذكروا لها أمثلة وتقولوا: مثل كيت وكيت، كما يذكر لك من ~~تستوصفه عمل الديباج المنقش، ما تعلم به وجه دقة الصنعة، أو يعمله بين ~~يديك، حتى ترى عيانا كيف تذهب تلك الخيوط وتجيء، وماذا يذهب منها طولا، ~~وماذا يذهب منها عرضا؛ وبم يبدأ وبم يثني وبم يثلث. وتبصر من الحساب ~~الدقيق، ومن عجيب تصرف اليد ما تعلم منه مكان الحذق وموضع الأستاذية. # ولو كان قول القائل لك، في تفسير الفصاحة: إنها خصوصية في نظم الكلم وضم ~~بعضها إلى بعض، على طريق مخصوصة، أو على وجوه تظهر بها الفائدة، أو ما أشبه ~~ذلك من القول المجمل، كافيا في معرفتها ومغنيا في العلم بها، لكفى مثله في ~~معرفة الصناعات كلها. فكان يكفي في معرفة نسج الديباج الكثير التصاوير، أن ~~تعلم أنه ترتيب للغزل على وجه مخصوص، وضم لطاقات الإبريسم بعضها إلى بعض، ~~على طرق شتى؛ وذلك ما لا يقوله عاقل. # PageV01P084 # وجملة الأمر: أنك لن تعلم في شيء من الصناعات علما تمر فيه وتحلي، حتى ~~تكون ممن يعرف الخطأ فيها من الصواب، ويفصل بين الإساءة والإحسان؛ بل حتى ~~تفاضل بين الإحسان والإحسان، وتعرف طبقات المحسنين. # وإذا كان هذا هكذا، ms071 علمت أنه لا يكفي في علم الفصاحة أن تنصب لها قياسا ~~ما، وأن تصفها وصفا مجملا، وتقول فيها قولا مرسلا؛ بل لا تكون من معرفتها ~~في شيء حتى تفصل القول وتحصل، وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم ~~الكلم، وتعدها واحدة واحدة، وتسميها شيئا شيئا. وتكون معرفتك معرفة الصنع ~~الحاذق الذي يعلم علم كل خيط من الإبرسيم الذي في الديباج، وكل قطعة من ~~القطع المنجورة في الباب المقطع، وكل آجرة من الآجر الذي في البناء البديع. # وإذا نظرت إلى الفصاحة هذا النظر، وطلبتها هذا الطلب، احتجت إلى صبر على ~~التأمل، ومواظبة على التدبر، وإلى همة تأبى لك أن تقنع إلا بالتمام، وأن ~~تربع إلا بعد بلوغ الغاية. ومتى جشمت ذلك، وأبيت إلا أن تكون هنالك، فقد ~~أممت إلى غرض كريم، وتعرضت لأمر جسيم، وآثرت التي هي أتم لدينك وفضلك، ~~وأنبل عند ذوي العقول الراجحة لك؛ وذلك أن تعرف حجة الله تعالى من الوجه ~~الذي هو أضوأ لها وأنوه لها، وأخلق بأن يزداد نورها سطوعا، وكوكبها طلوعا؛ ~~وأن تسلك إليها الطريق الذي هو آمن لك من الشك، وأبعد من الريب، وأصح ~~لليقين، وأحرى بأن يبلغك قاصية التبيين. # الكلام في إعجاز القرآن من التمهيد # PageV01P085 # واعلم أنه لا سبيل إلى أن تعرف صحة هذه الجملة، حتى يبلغ القول غايته، ~~وينتهي إلى آخر ما أردت جمعه لك، وتصويره في نفسك، وتقريره عندك. إلا أن ~~هاهنا نكتة إن أنت تأملتها، تأمل المتثبت، ونظرت فيها نظر المتأني، رجوت أن ~~يحسن ظنك، وأن تنشط للإصغاء إلى ما أورده عليك، وهي: إنا إذا سقنا دليل ~~الإعجاز فقلنا: لولا أنهم حين سمعوا القرآن، وحين تحدوا إلى معارضته، سمعوا ~~كلاما لم يسمعوا قط مثله، وأنهم قد رازوا أنفسهم فأحسوا بالعجز على أن ~~يأتوا بما يوازيه أو يدانيه، أو يقع قريبا منه، لكان محالا أن يدعوا ~~معارضته، وقد تحدوا إليه، وقرعوا فيه، وطولبوا به، وأن يتعرضوا لشبا ~~الأسنة، ويقتحموا موارد الموت. # PageV01P086 # فقيل لنا: قد سمعنا ما قلتم، فخبرونا عنهم، عماذا ms072 عجزوا؟ أعن معان في دقة ~~معانيه وحسنها وصحتها في العقول؟ أم عن ألفاظ مثل ألفاظه؟ فإن قلتم: عن ~~الألفاظ. فماذا أعجزهم من اللفظ؟ أم ما بهرهم منه؟ فقلنا: أعجزتهم مزايا ~~ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ ~~آيه ومقاطعها، ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب كل مثل، ومساق كل خبر، ~~وصورة كل عظة وتنبيه وإعلام، وتذكير وترغيب وترهيب، ومع كل حجة وبرهان، ~~وصفة وتبيان؛ وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة، وعشرا عشرا، وآية آية، فلم ~~يجدوا في الجميع كلمة ينبوا بها مكانها، ولفظة ينكر شأنها، أو يرى أن غيرها ~~أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى وأخلق؛ بل وجدوا اتساعا بهر العقول، وأعجز ~~الجمهور، ونظاما والتئاما، وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم - ولو ~~حك بيافوخه السماء - موضع طمع، حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول، وخلدت ~~القروم، فلم تملك أن تصول. نعم، فإذا كان هذا هو الذي يذكر في جواب السائل، ~~فبنا أن ننظر أي أشبه بالفتى في عقله ودينه، وأزيد له في علمه ويقينه: أأن ~~يقلد في ذلك، ويحفظ متن الدليل وظاهر لفظه، ولا يبحث عن تفسير المزايا ~~والخصائص، ما هي ومن أين كثرت الكثرة العظيمة، واتسعت الاتساع المجاوز لوسع ~~الخلق وطاقة البشر؟ وكيف يكون أن تظهر في ألفاظ محصورة، وكلم معدودة ~~معلومة، بأن يؤتى ببعضها في إثر بعض، لطائف لا يحصرها العدد، ولا ينتهي بها ~~الأمد؟ أم أن يبحث عن ذلك كله، ويستقصي النظر في جميعه، ويتبعه شيئا فشيئا، ~~ويستقصيه بابا فبابا، حتى يعرف كلا منه بشاهده ودليله، ويعلمه بتفسيره ~~وتأويله، ويوثق بتصوره وتمثيله، ولا يكون كمن قيل فيه [من الطويل]: # PageV01P087 # يقولون أقوالا، ولا يعلمونها ... ولو قيل: هاتوا حققوا لم يحققوا # قد قطعت عذر المتهاون ودللت على ما أضاع من حظه، وهديته لرشده؛ وصح أن لا ~~غنى بالعاقل، عن معرفة هذه الأمور، والوقوف عليها والإحاطة بها؛ وأن الجهة ~~التي منها يقف، والسبب الذي به يعرف استقراء كلام العرب، وتتبع أشعارهم ~~والنظر فيها، وإذ ms073 قد ثبت ذلك، فينبغي لنا أن نبتدئ في بيان ما أردنا بيانه ~~ونأخذ في شرحه والكشف عنه. # PageV01P088 # وجملة ما أردت أن أبينه لك الكلام في إعجاز القرآن أنه لا بد لكل كلام ~~تستحسنه، ولفظ تستجيده، من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومة، وعلة معقوله، ~~وأن يكون لنا إلى العبارة عن ذاك سبيل، وعلى صحة ما أدعيناه من ذلك دليل، ~~وهو باب من العلم، إذا أنت فتحته اطلعت منه على فوائد جليلة، ومعان شريفة، ~~ورأيت له أثرا في الدين عظيما، وفائدة جسيمة، ووجدته سببا إلى حسم كثير من ~~الفساد فيما يعود إلى التنزيل، وإصلاح أنواع من الخلل فيما يتعلق بالتأويل؛ ~~وأنه ليؤمنك من أن تغالط في دعواك، وتدافع عن مغزاك، ويربأ بك عن أن تستبين ~~هدى ثم لا تهتدي إليه، وتدل بعرفان ثم لا تستطيع أن تدل عليه، وأن تكون ~~عالما في ظاهر مقلد، ومستبينا في صورة شاك، وأن يسألك السائل عن حجة يلقى ~~بها الخصم في آية من كتاب الله تعالى أو غير ذلك، فلا ينصرف عنك بمقنع، وأن ~~يكون غاية ما لصاحبك منك أن تحيله على نفسه، وتقول: قد نظرت فرأيت فضلا ~~ومزية، وصادفت لذلك أريحية، فانظر لتعرف كما عرفت، وراجع نفسك، واسبر وذق، ~~لتجد مثل الذي وجدت، فإن عرف فذاك، وإلا فبينكما التناكر، تنسب إلى سوء ~~التأمل، وينسبك إلى فساد في التخيل، وإنه على الجملة بحيث ينتقي لك من علم ~~الإعراب خالصه ولبه، ويأخذ لك منه أناسي العيون، وحبات القلوب، وما لا يدفع ~~الفضل فيه دافع، ولا ينكر رجحانه في موازين العقول منكر، وليس يتأتى لي أن ~~أعلمك من أول الأمر في ذلك آخره، وأن أسمي لك الفصول التي في نيتي أن ~~أحررها بمشيئة الله عز وجل، حتى تكون على علم بها قبل موردها عليك، فاعمل ~~على أن هاهنا فصولا يجيء بعضها في إثر بعض. وهذا أولها: # PageV01P089 ### | فصل: تحقيق القول في البلاغة والفصاحة # في تحقيق القول على البلاغة والفصاحة، والبيان والبراعة، وكل ما شاكل ~~ذلك، مما يعبر به ms074 عن فضل بعض القائلين على بعض، من حيث نطقوا وتكلموا، ~~وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد، وراموا أن يعلموهم ما في نفوسهم، ~~ويكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم ومن المعلوم أن لا معنى لهذه العبارات وسائر ~~ما يجري مجراها مما يفرد فيه اللفظ بالنعت والصفة، وينسب فيه الفضل والمزية ~~إليه دون المعنى: غير وصف الكلام بحسن الدلالة، وتمامها فيما له كانت ~~دلالة، ثم تبرجها في صورة هي أبهى وأزين، وآنق وأعجب، وأحق بأن تستولي على ~~هوى النفس، وتنال الحظ الأوفر من ميل القلوب، وأولى بأن تطلق لسان الحامد، ~~وتطيل رغم الحاسد. ولا جهة لاستعمال هذه الخصال: غير أن يؤتى المعنى من ~~الجهة التي هي أصح لتأديته، ويختار له اللفظ الذي هو أخص به، وأكشف عنه ~~وأتم له، وأحرى بأن يكسبه نبلا، ويظهر فيه مزية. # PageV01P090 # وإذا كان هذا كذلك، فينبغي أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف، ~~وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم: إخبارا وأمرا ونهيا ~~واستخبارا وتعجبا، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى ~~إفادتها إلا بضم كلمة إلى كلمة، وبناء لفظة على لفظة - هل يتصور أن يكون ~~بين اللفظتين تفاضل في الدلالة، حتى تكون هذه أدل على معناها الذي وضعت له ~~من صاحبتها، على ما هي موسومة به، حتى يقال إن "رجلا" أدل على معناه من ~~"فرس" على ما سمي به؟ ... # PageV01P091 # وحتى يتصور في الاسمين الموضوعين لشيء واحد، أن يكون هذا أحسن نبأ عنه، ~~وأبين كشفا عن صورته من الآخر؟ فيكون "الليث" مثلا أدل على السبع المعلوم ~~من "الأسد"، وحتى إنا لو أردنا الموازنة بين لغتين، كالعربية والفارسية، ~~ساغ لنا أن نجعل لفظة "رجل" أدل على الآدمي الذكر من نظيره في الفارسية؟ ~~وهل يقع في وهم - وإن جهد - أن تتفاضل الكلمتان المفردتان، من غير أن ينظر ~~إلى مكان تقعان فيه، من التأليف والنظم، بأكثر من أن تكون هذه مألوفة ~~مستعملة، وتلك غريبة وحشية؟ أو أن تكون حروف هذه أخف، وامتزاجها أحسن؟ ومما ~~يكد اللسان ms075 أبعد؟ وهل تجد أحدا يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر ~~مكانها من النظم، وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها ~~لأخواتها؟ وهل قالوا: لفظة متمكنة ومقبولة، وفي خلافه: قلقة ونابية، ~~ومستكرهة، إلا وغرضهم أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من ~~جهة معناهما، وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم، وأن الأولى لم تلق بالثانية ~~في معناها، وأن السابقة لم تصلح أن تكون لفقا للتالية في مؤداها؟ وهل تشك، ~~إذا فكرت في قوله تعالى: {وقيل ياأرض ابلعي مآءك وياسمآء أقلعي وغيض المآء ~~وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين} [هود: 44]، فتجلى ~~لك منها الإعجاز، وبهرك الذي ترى وتسمع، أنك لم تجد ما وجدت من المزية ~~الظاهرة والفضيلة القاهرة، إلا لأمر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض، ~~وأن لم يعرض لها الحسن والشرف، إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية والثالثة ~~بالرابعة؟ وهكذا، إلى أن تستقريها إلى آخرها، وأن الفضل تناتج ما بينها، ~~وحصل من مجموعها. # PageV01P092 # إن شككت فتأمل! هل ترى لفظة منها، بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت، ~~لأدت من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية؟ قل" إبلعي" واعتبرها ~~وحدها، من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، وكذلك فاعتبر سائر ما ~~يليها! وكيف بالشك في ذلك، ومعلوم أن مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض، ثم ~~أمرت، ثم في أن كان النداء ب "يا" أي نحو: يا أيتها الأرض، ثم إضافة الماء ~~إلى (الكاف) دون أن يقال: ابلعي الماء، ثم أن اتبع نداء الأرض وأمرها بما ~~هو شأنها، نداء السماء وأمرها كذلك بما يخصها، ثم أن قيل: "وغيض الماء"، ~~فجاء الفعل على صيغة "فعل" الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر، وقدرة ~~قادر، ثم تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى: "وقضي الأمر"، ثم ذكر ما هو فائدة ~~هذه الأمور وهو: "استوت على الجودي". ثم إضمار "السفينة" قبل الذكر، كما هو ~~شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن، ثم مقابلة "قيل" في الخاتمة "بقيل" ms076 في ~~الفاتحة. # أفترى لشيء من هذه الخصائص التي تملؤك بالإعجاز روعة، وتحضرك عند تصورها ~~هيبة، تحيط بالنفس من أقطارها تعلقا باللفظ من حيث هو صوت مسموع، وحروف ~~تتوالى في النطق؟ أم كل ذلك، لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب؟ # فقد اتضح إذن، اتضاحا لا يدع للشك مجالا، أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ~~ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة ~~وخلافها، في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، أو ما أشبه ذلك مما لا ~~تعلق له بصريح اللفظ. ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ~~ثم تراها بعينها تثقل عليك، وتوحشك في موضع آخر، كلفظ "الأخدع" في بيت ~~الحماسة [من الطويل]: # تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا # وبيت البحتري [من الطويل]: # وإني وإن بلغتني شرف الغنى ... وأعتقت من رق المطامع أخدعي # PageV01P093 # فإن لها في هذين المكانين ما لا يخفى من الحسن. ثم أنك تتأملها في بيت ~~أبي تمام [من البسيط]: # يا دهر قوم من اخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك # فتجد لها، من الثقل على النفس ومن التنغيص والتكدير، أضعاف ما وجدت هناك ~~من الروح والخفة، والإيناس والبهجة. ومن أعجب ذلك، لفظة "الشيء": فإنك ~~تراها مقبولة حسنة في موضع، وضعيفة مستكرهة في موضع. وإن أردت أن تعرف ذلك، ~~فانظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: # ومن مالىء عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى # وإلى قول أبي حية [من الطويل]: # إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا # فإنك تعرف حسنها ومكانها من القبول. ثم انظر إليها في بيت المتنبي [من ~~الطويل]: # لو الفلك الدوار أبغضت سعيه ... لعوقه شيء عن الدوران # فإنك تراها تقل وتضؤل، بحسب نبلها وحسنها فيما تقدم. # وهذا باب واسع، فإنك تجد متى شئت الرجلين قد استعملا كلما بأعيانها، ثم ~~ترى هذا قد فرع السماك، وترى ذاك قد لصق بالحضيض؛ فلو كانت الكلمة إذا ms077 حسنت ~~حسنت من حيث هي لفظ، وإذا استحقت المزية والشرف، استحقت ذلك في ذاتها وعلى ~~انفرادها، دون أن يكون السبب في ذلك، حال لها مع أخواتها المجاورة لها في ~~النظم، لما اختلف بها الحال، ولكانت: إما أن تحسن أبدا، أو لا تحسن أبدا. ~~ولم تر قولا يضطرب على قائله حتى لا يدري كيف يعبر، وكيف يورد ويصدر، كهذا ~~القول. بل إن أردت الحق، فإنه من جنس الشيء يجري به الرجل لسانه، ويطلقه؛ ~~فإذا فتش نفسه وجدها تعلم بطلانه، وتنطوي على خلافه، ذاك لأنه مما لا يقوم ~~بالحقيقة في اعتقاد، ولا يكون له صورة في فؤاد. # PageV01P094 ### | فصل: تحقيق القول في البلاغة والفصاحة: نظم الكلام بحسب المعاني # ومما يجب إحكامه، بعقب هذا الفصل، الفرق بين قولنا: حروف منظومة، وكلم ~~منظومة. وذلك أن نظم الحروف، هو تواليها في النطق فقط، وليس نظمها بمتقضى ~~عن معنى، ولا الناظم لها بمقتف في ذلك رسما من العقل، اقتضى أن يتحرى في ~~نظمه لها ما تحراه. # فلو أن واضع اللغة، كان قد قال "ربض" مكان "ضرب" لما كان في ذلك ما يؤدي ~~إلى فساد. وأما نظم الكلم، فليس الأمر فيه كذلك، لأنك تقتفي في نظمها آثار ~~المعاني، وترتبها على حسب ترتيب المعاني في النفس؛ فهو إذن نظم يعتبر فيه ~~حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو النظم الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء، ~~كيف جاء واتفق. وكذلك كان عندهم: نظيرا للنسج والتأليف والصياغة والبناء ~~والوشي والتحبير، وما أشبه ذلك، مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض، حتى ~~يكون لوضع كل حيث وضع، علة تقتضي كونه هناك؛ وحتى لو وضع في مكان غيره، لم ~~يصلح. # PageV01P095 # والفائدة في معرفة هذا الفرق، أنك إذا عرفته عرفت أن ليس الغرض بنظم ~~الكلم أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالتها، وتلاقت معانيها ~~على الوجه الذين اقتضاه العقل. وكيف يتصور أن يقصد به إلى توالي الألفاظ في ~~النطق، بعد أن ثبت أنه نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وأنه ms078 نظير ~~الصياغة والتحبير والتفويف والنقش، وكل ما يقصد به التصوير: وبعد أن كنا لا ~~نشك في أن لا حال للفظة مع صاحبتها تعتبر، إذا أنت عزلت دلالتهما جانبا؟ ~~وأي مساغ للشك في أن الألفاظ لا تستحق من حيث هي ألفاظ، أن تنظم على وجه ~~دون وجه؟ ولو فرضنا أن تنخلع من هذه الألفاظ، التي هي لغات، دلالتها، لما ~~كان شيء منها أحق بالتقديم من شيء، ولا يتصور أن يجب فيها ترتيب ونظم. ولو ~~حفظت صبيا شطر "كتاب العين" أو "الجمهرة"، من غير أن تفسر له شيئا منه، ~~وأخذته بأن يضبط صور الألفاظ وهيأتها، ويؤديها كما يؤدي أصناف أصوات ~~الطيور، لرأيته ولا يخطر له ببال، أن من شأنه أن يؤخر لفظا ويقدم آخر. بل ~~كان حاله حال من يرمي الحصى ويعد الجوز، اللهم إلا أن تسومه أنت أن يأتي ~~بها على حروف المعجم، ليحفظ نسق الكتاب. # تحقيق القول في البلاغة أنها تتعلق بالمعنى لا اللفظ # ودليل آخر، وهو أنه، لو كان القصد بالنظم، إلى اللفظ نفسه، دون أن يكون ~~الغرض ترتيب المعاني في النفس، ثم النطق بالألفاظ على حذوها، لكان ينبغي أن ~~لا يختلف حال اثنين في العلم، بحسن النظم أو غير الحسن فيه، لأنهما يحسان ~~بتوالي الألفاظ في النطق إحساسا واحدا ولا يعرف أحدهما في ذلك شيئا يجهله ~~الآخر. # PageV01P096 # وأوضح من هذا كله، وهو أن هذا النظم الذي يتواصفه البلغاء وتتفاضل مراتب ~~البلاغة من أجله، صنعة يستعان عليها بالفكرة لا محالة؛ وإذا كانت مما ~~يستعان عليها بالفكرة، ويستخرج بالروية، فينبغي أن ينظر في الفكر: بماذا ~~تلبس: أبالمعاني. أم بالألفاظ؟ فأي شيء وجدته الذي تلبس به فكرك من بين ~~المعاني والألفاظ، فهو الذي تحدث فيه صنعتك، وتقع فيه صياغتك ونظمك ~~وتصويرك. فمحال أن تفكر في شيء، وأنت لا تصنع فيه شيئا وإنما تصنع في غيره. ~~لو جاز ذلك لجاز أن يفكر البناء في الغزل ليجعل فكره فيه وصلة إلى أن يصنع ~~في الآجر، وهو من الإحالة المفرطة. # PageV01P097 # فإن قيل: النظم موجود ms079 في الألفاظ على كل حال، ولا سبيل إلى أن يعقل ~~الترتيب الذي تزعمه في المعاني، ما لم تنظم الألفاظ ولم ترتبها على الوجه ~~الخاص، قيل: إن هذا هو الذي يعيد هذه الشبهة جذعة أبدا، والذي يحلها أن ~~تنظر: أتتصور أن تكون معتبرا مفكرا في حال اللفظ مع اللفظ، حتى تضعه بجنبه ~~أو قبله، وأن تقول: هذه اللفظة إنما صلحت هاهنا لكونها على صفة كذا؟ أم لا ~~يعقل إلا أن تقول: صلحت هاهنا لأن معناها كذا، ولدلالتها على كذا، ولأن ~~معنى الكلام، والغرض في يوجب كذا، ولأن معنى ما قبلها يقتضي معناها؟ فإن ~~تصورت الأول، فقل ما شئت واعلم أن كل ما ذكرناه باطل، وإن لم تتصور إلا ~~الثاني، فلا تخدعن نفسك بالأضاليل، ودع النظر إلى ظواهر الأمور، واعلم أن ~~ما ترى، أنه لا بد منه من ترتيب الألفاظ وتواليها على النظم الخاص، ليس هو ~~الذي طلبته بالفكر، ولكنه شيء يقع بسبب الأول ضرورة من حيث إن الألفاظ، إذا ~~كانت أوعية للمعاني، فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجب ~~لمعنى أن يكون أولا في النفس، وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولا في ~~النطق؛ فأما أن تتصور في الألفاظ، أن تكون المقصودة قبل المعاني بالنظم ~~والترتيب، وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواصفه البلغاء فكرا في نظم ~~الألفاظ، أو أن تحتاج بعد ترتيب المعاني إلى فكر تستأنفه لأن تجيء بالألفاظ ~~على نسقها، فباطل من الظن ووهم يتخيل إلى من لا يوفي النظر حقه. وكيف تكون ~~مفكرا في نظم الألفاظ وأنت لا تعقل لها أوصافا وأحوالا إذا عرفتها أن حقها ~~أن تنظم على وجه كذا؟ # PageV01P098 # ومما يلبس على الناظر في هذا الموضع ويغلطه، أنه يستبعد أن يقال: هذا ~~كلام قد نظمت معانيه. فالعرف كأنه لم يجر بذلك. إلا أنهم وإن كانوا لم ~~يستعملوا النظم في المعاني، قد استعملوا فيها ما هو بمعناه ونظير له؛ وذلك ~~قولهم: إنه يرتب المعاني في نفسه، وينزلها ويبني بعضها على بعض. كما ~~يقولون: يرتب ms080 الفروع على الأصول، ويتبع المعنى المعنى، ويلحق النظير، ~~بالنظير، وإذا كنت تعلم أنهم استعاروا النسج والوشي والنقش والصياغة، لنفس ~~ما استعاروا له النظم، وكان لا يشك في أن ذلك كله تشبيه وتمثيل يرجع إلى ~~أمور وأوصاف تتعلق بالمعاني دون الألفاظ، فمن حقك أن تعلم أن سبيل النظم، ~~ذلك السبيل. # واعلم أن من سبيلك، أن تعتمد هذا الفصل حدا، وتجعل النكت التي ذكرتها ~~فيه، على ذكر منك أبدا؛ فإنها عمد وأصول في هذا الباب، إذا أنت مكنتها في ~~نفسك، وجدت الشبه تنزاح عنك، والشكوك تنتفي عن قلبك؛ ولا سيما ما ذكرت من ~~أنه لا يتصور أن تعرف للفظ موضعا، من غير أن تعرف معناه، ولا أن تتوخى في ~~الألفاظ، من حيث هي ألفاظ، ترتيبا ونظما، وأنك تتوخى الترتيب في المعاني ~~وتعمل الفكر هناك؛ فإذا تم لك ذلك أتبعتها الألفاظ وقفوت بها آثارها، وأنك ~~إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك، لم تحتج إلى أن تستأنف فكرا في ترتيب ~~الألفاظ، بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني، وتابعة لها ولاحقة بها، ~~وأن العلم بمواقع المعاني في النفس، علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في ~~النطق. # PageV01P099 ### | فصل: تحقيق القول في البلاغة والفصاحة وأنها للمعنى لا للفظ # واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك، علمت علما لا يعترضه الشك، أن لا نظم في ~~الكلم ولا ترتيب، حتى يعلق بعضها ببعض ويبني بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب ~~من تلك. هذا ما لا يجهله عاقل، ولا يخفى على أحد من الناس. وإذا كان كذلك، ~~فبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء، وجعل الواحدة منها، بسبب من ~~صاحبتها، ما معناه وما محصوله، وإذا نظرنا في ذلك، علمنا أن لا محصول لها ~~غير أن تعمد إلى اسم، فتجعله فاعلا لفعل، أو مفعولا، أو تعمد إلى اسمين، ~~فتجعل أحدهما خبرا عن الآخر، أو تتبع الاسم اسما، على أن يكون الثاني صفة ~~للأول، أو تأكيدا له، أو بدلا منه، أو تجيء باسم بعد تمام كلامك، على أن ~~يكون الثاني صفة، ms081 أو حالا أو تمييزا، أو تتوخى في كلام هو لإثبات معنى، أن ~~يصير نفيا أو استفهاما أو تمنيا، فتدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك، أو تريد ~~في فعلين أن تجعل أحدهما شرطا في الآخر فتجيء بهما، بعد الحرف الموضوع لهذا ~~المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمنت معنى ذلك - الحرف وعلى هذا ~~القياس. # وإذا كان لا يكون في الكلم نظم ولا ترتيب، إلا بأن يصنع بها هذا الصنيع ~~ونحوه، وكان ذلك كله مما لا يرجع منه إلى اللفظ شيء، ومما لا يتصور أن يكون ~~فيه ومن صفته - بان بذلك أن الأمر على ما قلناه، من أن اللفظ تبع للمعنى في ~~النظم، وأن الكلم تترتب في النطق، بسبب ترتب معانيها في النفس، وأنها لو ~~خلت من معانيها حتى تتجرد أصواتا وأصداء حروف، لما وقع في ضمير ولا هجس في ~~خاطر أن يجب فيها ترتيب ونظم، وأن يجعل لها أمكنة ومنازل، وأن يجب النطق ~~بهذه قبل النطق بتلك، والله الموفق للصواب. # PageV01P100 ### | فصل تحقيق القول في البلاغة والفصاحة في المعنى واللفظ # وهذه شبهة أخرى ضعيفة، عسى أن متعلق بها متعلق ممن يقدم على القول من غير ~~روية؛ وهي أن يدعي أن لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي، وتعديل مزاج ~~الحروف، حتى لا يتلاقى في النطق حروف تثقل على اللسان، كالذي أنشده الجاحظ ~~من قول الشاعر [من الزجر]: # وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر # وقول ابن يسير [من الخفيف]: # لا أذيل الآمال بعدك إني ... بعدها بالآمال جد بخيل # كم لها موقف بباب صديق ... رجعت من نداه بالتعطيل # لم يضرها والحمد لله شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول # قال الجاحظ: فتفقد النصف الأخير من هذا البيت، فإنك ستجد بعض ألفاظه ~~تتبرأ من بعض. ويزعم أن الكلام في ذلك على طبقات: فمنه المتناهي في الثقل ~~المفرط فيه، كالذي مضى، ومنه ما هو أخف منه كقول أبي تمام [من الطويل]: # كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي، وإذا ما لمته وحدي # ومنه ما يكون فيه ms082 بعض الكلفة على اللسان، إلا أنه لا يبلغ أن يعاب به ~~صاحبه، ويشهر أمره في ذلك، ويحفظ عليه. ويزعم أن الكلام إذا سلم من ذلك، ~~وصفا من شوبه كان الفصيح المشاد به والمشار إليه. وأن الصفاء أيضا يكون على ~~مراتب يعلو بعضها بعضا، وأن له غاية إذا انتهى إليها، كان الإعجاز. # PageV01P101 # والذي يبطل هذه الشبهة - إن ذهب إليها ذاهب - أنا، إن قصرنا صفة الفصاحة ~~على كون اللفظ كذلك، وجعلناه المراد بها، لزمنا أن نخرج الفصاحة من حيز ~~البلاغة ومن أن تكون نظيرة لها. وإذا فعلنا ذلك، لم نخل من أحد أمرين: إما ~~أن نجعله العمدة في المفاضلة بين العبارتين، ولا نعرج على غيره، وإما أن ~~نجعله أحد ما نفاضل به، ووجها من الوجوه التي تقتضي تقديم كلام على كلام؛ ~~فإن أخذنا بالأول، لزمنا أن نقصر الفضيلة عليه، حتى لا يكون الإعجاز إلا ~~به. وفي ذلك ما لا يخفى من الشناعة، لأنه يؤدي إلى أن لا يكون للمعاني التي ~~ذكروها في حدود البلاغة، من وضوح الدلالة، وصواب الإشارة وتصحيح الأقسام، ~~وحسن الترتيب والنظام، والإبداع في طريقة التشبيه والتمثيل، والإجمال ثم ~~التفصيل، ووضع الفصل، والوصل موضعهما، وتوفية الحذف والتأكيد، والتقديم ~~والتأخير، شروطهما - مدخل فيما له كان القرآن معجزا حتى ندعي أنه لم يكن ~~معجزا من حيث هو بليغ، ولا من حيث هو قول فصل، وكلام شريف النظم بديع ~~التأليف، وذلك أنه لا تعلق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف. # وإن أخذنا بالثاني، وهو أن يكون تلاؤم الحروف وجها من وجوه الفضيلة، ~~وداخلا في عداد ما يفاضل به بين كلام وكلام على الجملة، لم يكن لهذا الخلاف ~~ضرر علينا، لأنه ليس بأكثر من أن يعمد إلى الفصاحة فيخرجها من حيز البلاغة ~~والبيان، وأن تكون نظيرة لهما، وفي عداد ما هو شبههما من البراعة والجزالة، ~~وأشباه ذلك ما ينبئ عن شرف النظم، وعن المزايا التي شرحت لك أمرها، وأعلمتك ~~جنسها، أو يجعلها اسما مشتركا، يقع تارة لما تقع له تلك، وأخرى لما يرجع ~~إلى ms083 سلامة، اللفظ، مما يثقل على اللسان. وليس واحد من الأمرين بقادح فيما ~~نحن بصدده. # PageV01P102 # وإن تعسف متعسف في تلاؤم الحروف، فبلغ به أن يكون الأصل في الإعجاز، ~~وأخرج سائر ما ذكروه في أقسام البلاغة من أن يكون له مدخل أو تأثير فيما له ~~كان القرآن معجزا، كان الوجه أن يقال له: إنه يلزمك، على قياس قولك، أن ~~تجوز أن يكون هاهنا نظم للألفاظ وترتيب، لا على نسق المعاني، ولا على وجه ~~يقصد به الفائدة، ثم يكون مع ذلك معجزا، وكفى به فسادا. # فإن قال قائل: إني لا أجعل تلاؤم الحروف معجزا، حتى يكون اللفظ مع ذلك ~~دالا؛ وذاك أنه إنما يصعب مراعاة التعادل بين الحروف، إذا احتيج مع ذلك إلى ~~مراعاة المعاني؛ كما أنه إنما يصعب مراعاة السجع والوزن؛ ويصعب كذلك ~~التجنيس والترصيع، إذا روعي معه المعنى. قيل له: فأنت الآن إن عقلت ما ~~تقول، قد خرجت من مسألتك، وتركت أن يستحق اللفظ المزية من حيث هو لفظ، وجئت ~~تطلب لصعوبة النظم فيما بين المعاني طريقا، وتضع له علة غير ما يعرفه ~~الناس، وتدعي أن ترتيب المعاني سهل، وأن تفاضل الناس في ذلك إلى حد، وأن ~~الفضيلة تزداد وتقوى، إذا توخي في حروف الألفاظ التعادل والتلاؤم؛ وهذا منك ~~وهم؛ وذلك أنا لا نعلم لتعادل الحروف معنى، سوى أن تسلم من نحو ما تجده في ~~بيت أبي تمام [من الرمل]: # كريم متى أمدحه أمدحه والورى # وبيت ابن يسير [من الرمل]: # وانثنت نحو عزف نفس ذهول # PageV01P103 # وليس اللفظ السليم من ذلك بمعوز، ولا بعزيز الوجود، ولا بالشيء لا ~~يستطيعه إلا الشاعر المفلق والخطيب البليغ، فيستقيم قياسه على السجع ~~والتجنيس ونحو ذلك، مما إذا رامه المتكلم، صعب عليه تصحيح المعاني وتأدية ~~الأغراض. فقولنا: أطال الله بقاءك، وأدام عزك، وأتم نعمته عليك، وزاد في ~~إحسانه عندك: لفظ سليم مما يكد اللسان، وليس في حروفه استكراه. وهكذا حال ~~كلام الناس في كتبهم ومحاوراتهم، لا تكاد تجد فيه هذا الاستكراه، لأنه إنما ~~هو شيء يعرض للشاعر ms084 إذا تكلف وتعمل. فأما المرسل نفسه على سجيتها فلا يعرض ~~له ذلك. # وهذا - والمتعلل بمثل ما ذكرت، من أنه يكون تلاؤم الحروف معجزا، بعد أن ~~يكون اللفظ دالا، لأن مراعاة التعادل إنما تصعب إذا احتيج مع مراعاة ~~المعاني - إذا تأملت - يذهب إلى شيء ظريف، وهو أن يصعب مرام اللفظ بسبب ~~المعنى، وذلك محال؛ لأن الذي يعرفه العقلاء عكس ذلك، وهو أن يصعب مرام ~~المعنى بسبب اللفظ؛ فصعوبة ما صعب من السجع، هي صعوبة عرضت في المعاني من ~~أجل الألفاظ؛ وذاك أنه صعب عليك أن توفق بين معاني تلك الألفاظ المسجعة، ~~وبين معاني الفصول التي جعلت أردافا لها، فلم تستطع ذلك إلا بعد أن عدلت عن ~~أسلوب إلى أسلوب، أو دخلت في ضرب من المجاز، أو أخذت في نوع من الاتساع، ~~وبعد أن تلطفت على الجملة ضربا من التلطف. وكيف يتصور أن يصعب مرام اللفظ ~~بسبب المعنى، وأنت إن أردت الحق، لا تطلب اللفظ بحال وإنما تطلب المعنى؛ ~~وإذا ظفرت بالمعنى فاللفظ معك وإزاء ناظرك؟ وإنما كان يتصور أن يصعب مرام ~~اللفظ من أجل المعنى، أن لو كنت إذا طلبت المعنى فحصلته، احتجت إلى أن تطلب ~~اللفظ على حدة، وذلك محال. # PageV01P104 # هذا - وإذا توهم متوهم، أنا نحتاج إلى أن نطلب اللفظ، وأن من شأن الطلب، ~~أن يكون هناك، فإن الذي يتوهم أنه يحتاج إلى طلبه، هو ترتيب الألفاظ في ~~النطق لا محالة؛ وإذا كان كذلك، فينبغي لنا أن نرجع إلى نفوسنا فننظر: هل ~~يتصور أن نرتب معاني أسماء وأفعال وحروف في النفس، ثم يخفى علينا مواقعها ~~في النطق، حتى يحتاج في ذلك إلى فكر وروية؟ وذلك ما لا يشك فيه عاقل إذا هو ~~رجع إلى نفسه. # وإذا بطل أن يكون ترتيب اللفظ مطلوبا بحال، ولم يكن المطلوب أبدا إلا ~~ترتيب المعاني، وكان معول هذا المخالف على ذلك، فقد اضمحل كلامه، وبان أنه ~~ليس لمن حام في حديث المزية والإعجاز حول اللفظ، ورام أن يجعله السبب، في ~~هذه الفضيلة، إلا التسكع في ms085 الحيرة، والخروج عن فاسد من القول إلى مثله، ~~والله الموفق للصواب. # فإن قيل: إذا كان اللفظ بمعزل عن المزية التي تنازعنا فيها، وكان مقصورة ~~على المعنى، فكيف كانت الفصاحة من صفات اللفظ البتة؟ وكيف امتنع أن يوصف ~~بها المعنى، فيقال: معنى فصيح وكلام فصيح المعنى؟ قيل: إنما اختصت الفصاحة ~~باللفظ، وكانت من صفته من حيث كانت عبارة عن كون اللفظ على وصف، إذا كان ~~عليه، دل على المزية التي نحن في حديثها! وإذا كانت لكون اللفظ دالآ، ~~استحال أن يوصف بها المعنى، كما يستحيل أن يوصف المعنى بأنه دال مثلا، ~~فاعرف. # PageV01P105 # فإن قيل: فماذا دعا القدماء إلى أن قسموا الفضيلة بين المعنى واللفظ ~~فقالوا: معنى لطيف ولفظ شريف وفخموا شأن اللفظ وعظموه، حتى تبعهم في ذلك من ~~بعدهم، وحتى قال أهل النظر: إن المعاني لا تتزايد، وإنما تتزايد الألفاظ، ~~فأطلقوا كما ترى، كلاما يوهم كل من يسمعه أن المزية في حاق اللفظ؟ قيل له: ~~لما كان المعاني إنما تتبين بالألفاظ، وكان لا سبيل للمرتب لها، والجامع ~~شملها، إلى أن يعلمك ما صنع في ترتيبها بفكره، إلا بترتيب الألفاظ في نطقه، ~~تجوزوا فكنوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ، ثم بالألفاظ بحذف الترتيب، ~~ثم أتبعوا ذلك من الوصف والنعت ما أبان الغرض، وكشف عن المراد، كقولهم: ~~"لفظ متمكن"، يريدون أنه بموافقة معناه لمعنى ما يليه، كالشيء الحاصل في ~~مكان صالح يطمئن فيه، "ولفظ قلق ناب"، يريدون أنه من أجل أن معناه غير ~~موافق لما يليه، كالحاصل في مكان لا يصلح له، فهو لا يستطيع الطمأنينة فيه ~~- إلى سائر ما يجيء صفة في صفة اللفظ، مما يعلم أنه مستعار له من معناه، ~~وأنهم نحلوه إياه بسبب مضمونه ومؤداه، هذا - ومن تعلق بهذا وشبهه، واعترضه ~~الشك فيه بعد الذي مضى من الحجج، فهو رجل قد أنس بالتقليد، فهو يدعو الشبهة ~~إلى نفسه من هاهنا وثم؛ ومن كان هذا سبيله، فليس له دواء سوى السكوت عنه، ~~وتركه وما يختاره لنفسه من سوء النظر وقلة التدبر. ms086 # قد فرغنا الآن من الكلام على جنس المزية، وأنها من حيز المعاني دون ~~الألفاظ، وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك، وتستعين بفكرك، ~~وتعمل رويتك وتراجع عقلك، وتستنجد في الجملة فهمك، وبلغ القول في ذلك ~~أقصاه، وانتهى إلى مداه. # PageV01P106 # وينبغي أن نأخذ الآن في تفصيل أمر المزية، وبيان الجهات التي منها تعرض؛ ~~وإنه لمرام صعب ومطلب عسير؛ ولولا أنه على ذلك، لما وجدت الناس بين منكر له ~~من أصله، ومتخيل له على غير وجهه، ومعتقد أنه باب لا تقوى عليه دونه مغلق، ~~وأن معانيك فيه، معان تأبى أن تبرز من الضمير، وأن تدين للتبيين والتصوير، ~~وأن ترى سافرة لا نقاب عليها، ونادية لا حجاب دونها، وأن ليس للواصف لها، ~~إلا أن يلوح ويشير، أو يضرب مثلا ينبئ عن حسن قد عرفه على الجملة، وفضيلة ~~قد أحسها من غير أن يتبع ذلك بيانا، ويقيم عليه برهانا، ويذكر له علة، ~~ويورد فيه حجة، وأنا أنزل لك القول في ذلك وأدرجه شيئا فشيئا، واستعين ~~بالله تعالى عليه، وأسأله التوفيق. # PageV01P107 ### | فصل: الكناية والاستعارة والتمثيل بالاستعارة # اعلم أن لهذا الضرب اتساعا وتفننا، لا إلى غاية إلا أنه على اتساعه يدور ~~في الأمر الأعم على شيئين: الكناية والمجاز. # والمراد بالكناية هاهنا: أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا ~~يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في ~~الوجود، فيومئ به إليه، ويجعله دليا عليه؛ مثال ذلك قولهم: "هو طويل ~~النجاد"، يريدون: طويل القامة. "وكثير رماد القدر"، يعنون: كثير القرى، وفي ~~المرأة: "نؤوم الضحى"، والمراد أنها مترفة مخدومة، لها من يكفيها أمرها، ~~فقد أرادوا في هذا كله كما ترى، معنى، ثم لم يذكروه بلفظه الخاص به، ولكنهم ~~توصلوا إليه بذكر معنى آخر، من شأنه أن يردفه في الوجود، وأن يكون، إذا ~~كان. أفلا ترى أن القامة إذا طالت، طال النجاد؟ وإذا كثر القرى، كثر رماد ~~القدر؟ وإذا كانت المرأة مترفة، لها من يكفيها أمرها، ردف ذلك أن تنام ms087 إلى ~~الضحى؟ # وأما المجاز، فقد عول الناس في حده على حديث النقل، وأن كل لفظ نقل عن ~~موضوعه فهو مجاز. والكلام في ذلك يطول. وقد ذكرت ما هو الصحيح من ذلك في ~~موضع آخر. # وأنا أقتصر هاهنا، على ذكر ما هو أشهر منه وأظهر، والاسم والشهرة فيه ~~لشيئين: الاستعارة والتمثيل، وإنما يكون التمثيل مجازا إذا جاء على حد ~~الاستعارة. # فالاستعارة: أن تريد تشبيه الشيء بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره، ~~وتجيء إلى اسم المشبه به، فتعيره المشبة، وتجريه عليه. تريد أن تقول: رأيت ~~رجلا هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه سواء، فتدع ذلك، وتقول: (رأيت أسدا) ~~وضرب آخر من الاستعارة، وهو ما كان نحو قوله [من الكامل]: # إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # هذا الضرب وإن كان الناس يضمونه إلى الأول، حيث يذكرون الاستعارة، فليسا ~~سواء؛ وذاك أنك في الأول، تجعل الشيء، الشيء ليس به، وفي الثاني تجعل ~~للشيء، الشيء له. تفسير هذا أنك إذا قلت: (رأيت أسدا)، فقد ادعيت في إنسان ~~أنه أسد وجعلته إياه، ولا يكون الإنسان أسدا. # وإذا قلت: # إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # فقد ادعيت أن للشمال يدا؛ ومعلوم أنه لا يكون للريح يد. # وهاهنا أصل يجب ضبطه، وهو أن جعل المشبهة، المشبه به على ضربين: أحدهما ~~أن تنزله منزلة الشيء تذكره بأمر قد ثبت له، فأنت لا تحتاج إلى أن تعمل في ~~إثباته وتزجيته، وذلك حيث تسقط ذكر المشبه من الشيئين، ولا تذكره بوجه من ~~الوجوه. كقولك: رأيت أسدا. # PageV01P108 # والثاني أن تجعل ذلك كالأمر الذي يحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته. ~~وذلك حيث تجري اسم المشبه به صراحة على المشبه، فتقول: (زيد أسد وزيد هو ~~الأسد)؛ أو تجيء به على وجه يرجع إلى هذا، كقولك: (إن لقيته لقيت به أسدا، ~~وإن لقيته ليلقينك منه الأسد)؛ فأنت في هذا كله، تعمل في إثبات كونه أسدا ~~أو الأسد، وتضع كلامك له. وأما في الأول، فتخرجه مخرج ما لا يحتاج فيه إلى ~~إثبات وتقرير. والقياس يقتضي أن يقال ms088 في هذا الضرب، أعني ما أنت تعمل في ~~إثباته وتزجيته، أنه تشبيه على حد المبالغة؛ ويقتصر على هذا القدر ولا يسمى ~~استعارة. # وأما التمثيل الذي يكون مجازا، لمجيئك به على حد الاستعارة، فمثاله قولك ~~للرجل، يتردد في الشيء بين فعله وتركه: أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى؛ فالأصل ~~في هذا: أراك في ترددك، كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى؛ ثم اختصر الكلام، وجعل ~~كأنه يقدم الرجل ويؤخرها على الحقيقة، كما كان الأصل في قولك: رأيت أسدا: ~~"رأيت رجلا كالأسد"، ثم جعل كأنه الأسد على الحقيقة. وكذلك تقول للرجل: ~~يعمل غير معمل: أراك تنفخ في غير فحم، وتخط على الماء، فتجعله في ظاهر ~~الأمر، كأنه ينفخ ويخط؛ والمعنىعلى أنك في فعلك كمن يفعل ذلك. وتقول للرجل ~~يعمل الحيلة حتى يميل صاحبه إلى الشيء، وقد كان يأباه ويمتنع منه: (ما زال ~~يفتل في الذروة والغارب، حتى بلغ منه ما أراد) فتجعله بظاهر اللفظ، كأنه ~~كان منه فتل في ذروة وغارب، والمعنى على أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقا يشبه ~~حاله فيه حال الرجل يجيء إلى البعير الصعب فيحكه ويفتل الشعر في ذروته ~~وغاربه حتى يسكن ويستأنس. وهو في المعنى، نظير قولهم: (فلان يقرد فلانا). ~~يعني به: أنه يتلطف له، فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليلذ ذلك، فيسكن ~~ويثبت في مكانه، حتى يتمكن من أخذه. # وهكذا كل كلام رأيتهم قد نحوا فيه التمثيل، لم يفصحوا بذلك، وأخرجوا ~~اللفظ مخرجه، إذا لم يريدوا تمثيلا. # PageV01P109 ### | ترجح الكناية والاستعارة والتمثيل على الحقيقة # قد أجمع الجميع على أن الكناية أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع من ~~التصريح. وأن للاستعارة مزية وفضلا وأن المجاز أبدا أبلغ من الحقيقة. إلا ~~أن ذلك، وإن كان معلوما على الجملة، فإنه لا تطمئن نفس العاقل في كل ما ~~يطلب العلم به، حتى يبلغ فيه غايته، وحتى يغلغل الفكر إلى زواياه، وحتى لا ~~يبقى عليه موضع شبهة ومكان مسألة. # فنحن، وإن كنا نعلم أنك إذا قلت: (هو طويل النجاد، وهو جم الرماد). كان ~~أبهى لمعناك، ms089 وأنبل من أن تدع الكناية، وتصرح بالذي تريد؛ وكذا إذا قلت: ~~(رأيت أسدا) كان لكلامك مزية لا تكون إذا قلت: رأيت رجلا هو والأسد سواء، ~~في معنى الشجاعة، وفي قوة القلب، وشدة البطش وأشباه ذلك. وإذا قلت: بلغني ~~أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى. كان أوقع من صريحه الذي هو قولك: بلغني أنك ~~تتردد في أمرك، وأنك في ذلك كمن يقول: أخرج ولا أخرج، فيقدم رجلا ويؤخر ~~أخرى. ونقطع على ذلك حتى لا يخالجنا شك فيه. فإنما تسكن أنفسنا تمام السكون ~~إذا عرفنا السبب في ذلك والعلة، ولم كان كذلك، وهيأنا له عبارة تفهم عنا من ~~نريد إفهامه، وهذا هو القول في ذلك. # PageV01P110 # إعلم أن سبيلك أولا، أن تعلم أن ليست المزية التي تثبتها لهذه الأجناس ~~على الكلام المتروك على ظاهره، والمبالغة التي تدعى لها في أنفس المعاني ~~التي يقصد المتكلم إليها بخبره، ولكنها في طريق إثباته لها وتقريره إياها. ~~تفسير هذا، أن ليس المعنى إذا قلنا: "إن الكناية أبلغ من التصريح" أنك لما ~~كنيت عن المعنى زدت في ذاته، بل المعنى أنك زدت في إثباته، فجعلته أبلغ ~~وآكد وأشد. فليست المزية في قولهم: "جم الرماد"، أنه دل على قرى أكثر، بل ~~إنك أثبت له القرى الكثير من وجه هو أبلغ، وأوجبته إيجابا هو أشد، وادعيته ~~دعوى أنت بها أنطق، وبصحتها أوثق. # وكذلك ليست المزية التي تراها لقولك: "رأيت أسدا" على قولك "رأيت رجلا لا ~~يتميز عن الأسد في شجاعته وجرأته"، أنك قد أفدت بالأول زيادة في مساواته ~~الأسد، بل أنك أفدت تأكيدا وتشديدا وقوة في إثباتك له هذه المساواة، وفي ~~تقريرك لها. فليس تأثير الاستعارة إذن في ذات المعنى وحقيقته، بل في إيجابه ~~والحكم به. # وهكذا قياس التمثيل: ترى المزية أبدا في ذلك تقع في طريق إثبات المعنى ~~دون المعنى نفسه. فإذا سمعتهم يقولون: إن من شأن هذه الأجناس، أن تكسب ~~المعاني نبلا وفضلا، وتوجب لها شرفا، وأن تفخمها في نفوس السامعين، وترفع ~~أقدارها عند المخاطبين، فإنهم لا يريدون الشجاعة ms090 والقرى وأشباه ذلك، من ~~معاني الكلم المفردة، وإنما يعنون إثبات معاني هذه الكلم لمن تثبت له ويخبر ~~بها عنه. # مزية الاستعارة والكناية على الحقيقة # PageV01P111 # هذا ما ينبغي للعاقل أن يجعله على ذكر منه أبدا، وأن يعلم أن ليس لنا، ~~إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة مع معاني الكلم المفردة، شغل ولا هي ~~منا بسبيل، وإنما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب. وإذ قد ~~عرفت مكان هذه المزية، والمبالغة التي لا تزال تسمع بها، وأنها في الإثبات ~~دون المثبت، فإن لها في كل واحد من هذه الأجناس سببا وعلة. أما الكناية فإن ~~السبب في أن كان للإثبات بها مزية، لا تكون للتصريح، أن كل عاقل يعلم - إذا ~~رجع إلى نفسه - أن إثبات الصفة بإثبات دليلها، وإيجابها بما هو شاهد في ~~وجودها، آكد وأبلغ في الدعوة من أن تجيء إليها فتثبتها هكذا ساذجا غفلا .. ~~وذلك أنك لا تدعي شاهد الصفة ودليلها، إلا والأمر ظاهر معروف، وبحيث لا يشك ~~فيه، ولا يظن بالمخبر التجوز والغلط. # وأما الاستعارة، فسبب ما ترى لها من المزية والفخامة أنك إذا قلت: "رأيت ~~أسدا" كنت قد تلطفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة، حتى جعلتها كالشيء ~~الذي يجب له الثبوت والحصول، وكالأمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوده. وذلك ~~أنه إذا كان أسدا، فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة، وكالمستحيل أو ~~الممتنع أن يعرى عنها، وإذا صرحت بالتشبيه فقلت: "رأيت رجلا كالأسد"، كنت ~~قد أثبتها إثبات الشيء يترجح بين أن يكون، وبين أن لا يكون، ولم يكن من ~~حديث الوجوب في شيء. # وحكم التمثيل حكم الاستعارة، سواء. فإنك إذا قلت: "أراك تقدم رجلا وتؤخر ~~أخرى"، فأوجبت له الصورة التي يقطع معها بالتحير والتردد، كان أبلغ لا ~~محالة، من أن تجري على الظاهر، فتقول: قد جعلت تتردد في أمرك؛ فأنت كمن ~~يقول: أخرج ولا أخرج، فيقدم رجلا ويؤخر أخرى. # PageV01P112 ### | فصل: مزية الكناية والاستعارة والتمثيل على الحقيقة وتفاوتها # إعلم أن من شأن هذه الأجناس، أن تجري فيها ms091 الفضيلة، وأن تتفاوت التفاوت ~~الشديد. أفلا ترى في الاستعارة العامي المبتذل، كقولنا: "رأيت أسدا"، ووردت ~~بحرا، ولقيت بدرا؟ # تفاوت الاستعارة والخاصي النادر منها # والخاصي: النادر الذي لا تجده إلا في كلام الفحول، ولا يقوى عليه إلا ~~افراد الرجال، كقوله: # وسالت بأعناق المطي الأباطح # أراد أنها سارت سيرا حثيثا في غاية السرعة، وكانت سرعة في لين وسلاسة ~~كأنها كانت سيولا وقعت في تلك الأباطح، فجرت بها. # ومثل الاستعارة في الحسن واللطف وعلو الطبقة في هذه اللفظة بعينها، قول ~~الآخر: # سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير # أراد أنه مطاع في الحي، وأنهم يسرعون إلى نصرته، وأنه لا يدعوهم لحرب، أو ~~نازل خطب، إلا أتوه وكثروا عليه، وازدحموا حواليه، حتى تجدهم كالسيول تجيء ~~من هاهنا وهاهنا، وتنصب من هذا وذاك، حتى يغص بها الوادي ويطفح منها. # بديع الاستعارة ووجه حسنه # ومن بديع الاستعارة نادرها - إلا أن جهة الغرابة فيه، غير جهتها في هذا - ~~قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسا له، وأنه مؤدب، وأنه إذا نزل عنه ~~وألقى عنانه في قربوس سرجه، وقف مكانه إلى أن يعود إليه [من الكامل]: # عودته فيما أزور حبائبي ... إهماله، وكذاك كل مخاطر # وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر # فالغرابة هاهنا، في الشبه نفسه وفي أن استدرك أن هيئة العنان في موقعه من ~~قربوس السرج، كالهيئة في موقع الثوب من ركبة المحتبي، وليست الغرابة في ~~قوله: # وسالت بأعناق المطي بالأباطح # PageV01P113 # على هذه الجملة، وذلك أنه لم يغرب لأن جعل المطي، في سرعة سيرها، وسهولته ~~كالماء يجري في الأبطح، فإن هذا شبه معروف ظاهر، ولكن الدقة واللطف في ~~خصوصية أفادها، بأن جعل "سال" فعلا "للأباطح"، ثم عداه (بالباء) ثم بأن ~~أدخل الأعناق في البيت، فقال: "بأعناق المطي"، ولم يقل: بالمطي؛ ولو قال: ~~سالت المطي في الأباطح، لم يكن شيئا. # وكذلك الغرابة في البيت الآخر: ليس في مطلق معنى (سال) ولكن في تعديته ~~"بعلى" و "الباء"، وبأن جعله فعلا لقوله: "شعاب الحي". ms092 ولولا هذه الأمور ~~كلها، لم يكن هذا الحسن. وهذا موضع يدق الكلام فيه. # وهذه أشياء من هذا الفن [من البسيط]: # اليوم يومان مذ غيبت عن بصري ... نفسي فداؤك ما ذنبي فأعتذر # أمسي وأصبح لا ألقاك، واحزنا ... لقد تأنق في مكروهي القدر # سوار بن المضرب، وهو لطيف جدا [من الوافر]: # بعرض تنوفة للريح فيها ... نسيم لا يروع الترب وان # بعض الأعراب [من الكامل]: # ولرب خصم جاهدين ذوي شذا ... تقذي عيونهم بهتر هاتر # لد ظأرتهم على ما ساءهم ... وخسأت باطلهم بحق ظاهر # ابن المعتز [من السريع]: # حتى إذا ما عرف الصيد أنصار ... وأذن الصبح لنا في الإبصار # المعنى: حتى إذا تهيأ لنا أن نبصر شيئا. لما كان تعذر الإبصار منعا من ~~الليل، جعل إمكانه عند ظهور الصبح إذنا من الصبح. # وله [من مجزوء الوافر]: # بخيل قد بليت به ... يكد الوعد بالحجج # وله [من الطويل]: # يناجيني: الإخلاف من تحت مطله ... فتخصم الآمال واليأس في صدري # ومما هو في غاية الحسن وهو من الفن الأول قول الشاعر أنشده الجاحظ [من ~~الطويل]: # لقد كنت في قوم عليك أشحة ... بنفسك إلا أن ما طاح طائح # يودون لو خاطوا عليك جلودهم ... ولا تدفع الموت النفوس الشحائح # قال: وإليه ذهب بشار في قوله [من الزجر]: # وصاحب كالدمل الممد ... حملته في رقعة من جلدي # PageV01P114 # تفاوت الاستعارة في اللفظ الواحد وتعددها للتناسب # ومن سر هذا الباب، أنك ترى اللفظة المستعارة قد استعيرت في عدة مواضع، ثم ~~ترى لها في بعض ذلك، ملاحة لا تجدها في الباقي. مثال ذلك أنك تنظر إلى لفظة ~~"الجسر" في قول أبي تمام [من البسيط]: # لا يطمع المرء أن يجتاب لجته ... بالقول ما لم يكن جسرا له العمل # وقوله [من البسيط]: # بصرت بالراحة العظمى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب # فترى لها في الثاني حسنا، لا تراه في الأول؛ ثم تنظر إليها في قول ربيعة ~~الرقي [من البسيط]: # قولي: "نعم"! و "نعم" إن قلت، واجبة ... قالت: "عسى"! و "عسى" جسر إلى ~~نعم # فترى لها ms093 لطفا وخلابة وحسنا، ليس الفضل فيه بقليل. # ومما هو أصل في شرف الاستعارة، أن ترى الشاعر قد جمع بين عدة استعارات ~~قصدا، إلى أن يلحق الشكل بالشكل وأن يتم المعنى والشبه فيما يريد. مثاله ~~قول امرئ القيس [من الطويل]: # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # لما جعل لليل صلبا قد تمطى به، ثنى ذلك فجعل له أعجازا قد اردف بها ~~الصلب، وثلث فجعل له كلكلا قد ناء به، فاستوفى له جملة أركان الشخص، وراعى ~~ما يراه الناظر من سواده، إذا نظر قدامه، وإذا نظر إلى خلفه، وإذا رفع ~~البصر ومده في عرض الجو. # شرح معنى النظم الذي يظهر فيه سر البلاغة # PageV01P115 # واعلم أن هاهنا أسرارا ودقائق، لا يمكن بيانها إلا بعد أن نعد جملة من ~~القول في النظم، وفي تفسيره والمراد منه، وأي شيء هو، وما محصوله ومحصول ~~الفضيلة فيه! فينبغي لنا أن نأخذ في ذكره، وبيان أمره، وبيان المزية التي ~~تدعى له من أين تأتيه، وكيف تعرض فيه، وما أسباب ذلك وعلله، وما الموجب له؟ ~~وقد علمت إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم وتفخيم قدره، والتنويه بذكره، ~~وإجماعهم أن لا فضل مع عدمه، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له، ولو بلغ في ~~غرابة معناه ما بلغ. وبتهم الحكم بأنه الذي لا تمام دونه، ولا قوام إلا به، ~~وأنه القطب الذي عليه المدار، والعمود الذي به الاستقلال. وما كان الموضع ~~من المزية، وبالغا هذا المبلغ من الفضيلة، كان حرى بأن توقظ له الهمم، ~~وتوكل به النفوس، وتحرك له الأفكار، وتستخدم فيه الخواطر؛ وكان العاقل ~~جديرا أن لا يرضى من نفسه، بأن يجد فيه سبيلا إلى مزية علم، وفضل استبانة ~~وتلخيص حجة، وتحرير دليل، ثم يعرض عن ذلك صفحا، ويطوي دونه كشحا، وأن يربأ ~~بنفسه، وتدخل عليه الأنفة، من أن يكون في سبيل المقلد الذي لا يبت حكما، ~~ولا يقتل الشيء علما، ولا يجد ما يبرئ من الشبهة، ويشفي غليل الشاك، وهو ~~يستطيع أن يرتفع عن ms094 هذه المنزلة، ويباين من بهذه الصفة؛ فإن ذلك دليل ضعف ~~الرأي، وقصر الهمة ممن يختاره ويعمل عليه. # القول في نظم الكلام ومكان النحو منه # PageV01P116 # واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل ~~على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم ~~التي رسميت لك فلا تخل بشيء منها؛ وذلك أنا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم ~~بنظمه، غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه، فينظر في الخبر، إلى الوجوه ~~التي تراها في قولك: "زيد منطلق" و "زيد ينطلق" و "ينطلق زيد" و "منطلق ~~زيد" و "زيد المنطلق" و "المنطلق زيد" و "زيد هو المطلق" و "زيد هو منطلق"؛ ~~وفي الشرط والجزاء، إلى الوجوه التي تراها في قولك: "إن تخرج أخرج" و "إن ~~خرجت خرجت" و "إن تخرج فأنا خارج"، و "أنا خارج إن خرجت" و "أنا إن خرجت ~~خارج". وفي الحال إلى الوجوه التي تراها في قولك: "جاءني زيد مسرعا" و ~~"جاءني يسرع" و "جاءني وهو مسرع أو هو يسرع" و "جاءني قد أسرع" و "جاءني ~~وقد أسرع"؛ فيعرف لكل من ذلك موضعه، ويجيء به حيث ينبغي له. وينظر في ~~الحروف التي تشترك في معنى، ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى، ~~فيضع كلا من ذلك في خاص معناه، نحو أن يجيء ب "ما" في نفي الحال، وب "لا" ~~إذا أراد نفي الاستقبال، وب "إن" فيما يترجح بين أن يكون وأن لا يكون، وب ~~"إذا" فيما علم أنه كائن. وينظر في الجمل التي تسرد فيعرف موضع الفصل فيها ~~من موضع الوصل، ثم يعرف فيما حقه الوصل، موضع "الواو" من موضع "الفاء"، ~~وموضع "الفاء" من موضع "ثم"، وموضع "أو" من موضع "أم"، وموضع "لكن" من موضع ~~"بل". ويتصرف في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير في الكلام كله، وفي ~~الحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، فيضع كلا من ذلك مكانه، ويستعمله على ~~الصحة وعلى ما ينبغي له. # بيان مزية النظم في مراعاة النحو # PageV01P117 # هذا ms095 هو السبيل، فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صوابا وخطؤه إن كان ~~خطأ، إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب ~~به موضعه، ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة فأزيل عن موضعه، أو وصف ~~بمزية وفضل فيه، إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة، وذلك الفساد، وتلك المزية، ~~وذلك الفضل، إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل ~~بباب من أبوابه. # هذه جملة لا تزداد فيها نظرا، إلا ازددت لها تصورا، وازدادت عند صحة ~~وازددت بها ثقة؛ وليس من أحد تحركه، لأن يقول في أمر النظم شيئا، إلا وجدته ~~قد اعترف لك بها أو ببعضها، ووافق فيها: درى ذلك أو لم يدر. ويكفيك أنهم قد ~~كشفوا عن وجه ما أردناه حيث ذكروا فساد النظم؛ فليس من أحد يخالف في نحو ~~قول الفرزدق [من الطويل]: # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # وقول المتنبي [من الكامل]: # ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل # وقوله [من الكامل]: # الطيب أنت إذا أصابك طيبه ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل # وقوله [من الطويل]: # وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه # وقول أبي تمام [من الكامل]: # ثانيه في كبد السماء ولم يكن ... كاثنين ثان إذ هما في الغار # وقوله [من البسيط]: # يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعا ... من راحتيك درى ما الصاب والعسل # PageV01P118 # وفي نظائر ذلك، مما وصفوه بفساد النظم، وعابوه من جهة سوء التأليف، أن ~~الفساد والخلل كانا من أن تعاطى الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير ~~الصواب، وصنع في تقديم أو تأخير أو حذف وإضمار أو غير ذلك ما ليس له أن ~~يصنعه، وما لا يسوغ ولا يصح على أصول هذا العلم. إذا ثبت أن سبب فساد ~~النظام واختلاله، أن لا يعمل بقوانين هذا الشأن، ثبت أن سبب صحته أن يعمل ~~عليها؛ ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا ms096 العلم، ثبت أن الحكم كذلك ~~في مزيته والفضيلة التي تعرض فيه. وإذا ثبت جميع ذلك، ثبت أن ليس هو شيئا، ~~غير توخي معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين الكلم، والله الموفق للصواب. # وإذ قد عرفت ذلك، فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل، ثم ~~جعلوه كذلك، من أجل النظم خصوصا دون غيره، مما يستحسن له الشعر أو غير ~~الشعر من معنى لطيف أو حكمة أو ادب أو استعارة أو تجنيس أو غير ذلك، مما لا ~~يدخل في النظم، وتأمله؛ فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت، فانظر إلى ~~حركات الأريحية مم كانت وعند ماذا ظهرت؟ فإنك ترى عيانا أن الذي قلت لك كما ~~قلت. إعمد إلى قول البحتري [من المتقارب]: # بلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن رأينا "لفتح" ضريبا # هو المرء أبدت له الحادثا ... ت عزما وشيكا ورأيا صليبا # تنقل في خلقي سؤدد ... سماحا مزجى وبأسا مهيبا # فكالسيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا # PageV01P119 # فإذا رأيتها قد راقتك وكثرت عندك، ووجدت لها اهتزازا في نفسك، فعد فانظر ~~في السبب، واستقص في النظر، فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدم وأخر، وعرف ~~ونكر، وحذف وأضمر، وأعاد وكرر، وتوخى على الجملة وجها من الوجوه التي ~~يقتضيها علم النحو، فأصاب في ذلك كله، ثم لطف موضع صوابه، وأتى مأتى يوجب ~~الفضيلة. أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها قوله "هو المرء أبدت له الحادثات" ~~ثم قوله: "تنقلح في خلقي سؤدد"، بتنكير "السؤدد" وإضافة "الخلقين" إليه، ثم ~~قوله "فكالسيف" وعطفه (بالفاء) مع حذفه المبتدأ، لأن المعنى لا محالة فهو ~~كالسيف. ثم تكريره (الكاف) في قوله "وكالبحر"؛ ثم أن قرن إلى كل واحد من ~~التشبيهين شرطا جوابه فيه؛ ثم أن أخرج من كل واحد من الشرطين، حالا على ~~مثال ما أخرج من الآخر، وذلك قوله "صارخا" هناك، "ومستثيبا" هاهنا. لا نرى ~~حسنا تنسبه إلى النظم ليس سببه ما عددت، أو ما هو في حكم ما عددت، فاعرف ~~ذلك! # وإن أردت أظهر أمرا ms097 في هذا المعنى، فانظر إلى قول إبراهيم بن العباس [من ~~الطويل]: # فلو إذ نبا دهر وأنكر صاحب ... وسلط أعداء وغاب نصير # تكون عن الأهواز داري بنجوة ... ولكن مقادير جرت وأمور # وإني لأرجو بعد هذا محمدا ... لأفضل ما يرجى أخ ووزير # PageV01P120 # فإنك ترى ما ترى من الرونق والطلاوة، ومن الحسن والحلاوة، ثم تتفقد السبب ~~في ذلك، فتجده إنما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو "إذ نبا" على عامله ~~الذي هو "تكون"، وأن لم يقل: (فلو تكون عن الأهواز داري بنجوة إذ نبا دهر). ~~ثم أن قال "تكون" ولم يقل "كان"؛ ثم أن نكر "الدهر" ولم يقل "لو إذ نبا ~~الدهر"؛ ثم أن ساق هذا التنكير في جميع ما أتى به من بعد؛ ثم أن قال "وأنكر ~~صاحب"، ولم يقل: (وأنكرت صاحبا)؛ لا نرى في البيتين الأولين شيئا غير الذي ~~عددته لك تجعله حسنا في النظم، وكله من معاني النحو، كما ترى. وهكذا السبيل ~~أبدا في كل حسن ومزية رأيتهما قد نسبا إلى النظم، وفضل وشرف أحيل فيهما ~~عليه. # PageV01P121 ### | فصل: مزايا النظم بحسب المعاني والأغراض # (في أن هذه المزايا في النظم بحسب المعاني والأغراض التي تؤم) # وإذ قد عرفت أن مدار أمر النظم، على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق ~~التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أن الفروق، والوجوه كثيرة، ليس لها غاية ~~تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازديادا بعدها، ثم اعلم أن ليست المزية ~~بواجبة لها في أنفسها، ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني ~~والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها ~~مع بعض. # تفسير هذا أنه ليس إذا راقك التنكير في "سؤدد" من قوله "تنقل في خلقي ~~سؤدد" وفي "دهر" من قوله "فلو إذ نبا دهر"، فإنه يجب أن يروقك أبدا وفي كل ~~شيء. ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله، في قوله "وأنكر صاحب"؛ فإنه ~~ينبغي أن لا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك هاهنا. بل ليس ms098 من فضل ~~ومزية إلا بحسب الموضع، وبحسب المعنى الذي تريد والغرض الذي تؤم؛ وإنما ~~سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش. فكما أنك ترى ~~الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج، ~~إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ وفي مواقعها ومقاديرها، وكيفية ~~مزجه لها، وترتيبه إياها، إلى ما لم يتهد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك ~~أعجب، وصورته أغرب؛ كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو، ~~ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم. # PageV01P122 # واعلم أن من الكلام، ما أنت ترى المزية في نظمه والحسن، كالأجزاء من ~~الصبغ تتلاحق، وينضم بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين؛ فأنت لذلك لا تكبر ~~شأن صاحبه، ولا تقضي له بالحذق والاستاذية وسعة الذرع وشدة المنة، حتى ~~تستوفي القطعة وتأتي على عدة أبيات؛ وذلك ما كان من الشعر في طبقة ما ~~أنشدتك من أبيات البحتري. ومنه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة، ~~ويأتيك منه ما يملأ العين غرابة، حتى تعرف من البيت يهجم الواحد، مكان ~~الرجل من الفضل، وموضعه من الحذق، وتشهد له بفضل المنة وطول الباع، وحتى ~~تعلم - إن لم تعلم القائل - أنه من قبل شاعر فحل، وأنه خرج من تحت يد صناع؛ ~~وذلك ما إذا أنشدته، وصنعت فيه اليد على شيء فقلت: هذا هذا! وما كان كذلك، ~~فهو الشعر الشاعر، والكلام الفاخر، والنمط العالي الشريف، والذي لا تجده ~~إلا في شعر الفحول البزل، ثم المطبوعين الذين يلهمون القول إلهاما؛ ثم إنك ~~تحتاج إلى أن تستقرئ عدة قصائد، بل أن تفلي ديوانا من الشعر، حتى تجمع منه ~~عدة أبيات؛ وذلك ما كان مثل قول الأول، وتمثل به أبو بكر الصديق، رضوان ~~الله عليه، حين أتاه كتاب خالد بالفتح في هزيمة الأعاجم [من الوافر]: # تمنانا ليلقانا بقوم ... تخال بياض لأمهم السرايا # فقد لاقيتنا فرأيت حربا ... عوانا تمنع الشيخ الشرابا # أنظر إلى موضع (الفاء) في قوله: # فقد لاقيتنا فرأيت حربا # ومثل قول ms099 العباس بن الأحنف [من البسيط]: # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسانا # أنظر إلى موضع (الفاء) و "ثم" قبلها. # ومثل قول ابن الدمينة [من الطويل]: # أبيني أفي يمنى يديك جعلتني ... فأفرح أم صيرتني في شمالك # أبيت كأني بين شقين من عصا ... حذار الردى أو خيفة من زيالك # تعاللت كي أشجى وما بك علة ... تريدين قتلي، قد ظفرت بذلك # إنظر إلى الفصل والاستئناف في قوله: # PageV01P123 # تريدين قتلي قد ظفرت بذلك # ومثل قول أبي حفص الشطرنجي، وقاله على لسان علية أخت الرشيد، وقد كان ~~الرشيد عتب عليها [من البسيط]: # لو كان يمنع حسن الفعل صاحبه ... من أن يكون له ذنب إلى أحد # كانت علية أبرى الناس كلهم ... من أن تكافا بسوء آخر الأبد # ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمه ... قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي # أنظر إلى قوله: "قد كنت أحسب". وإلى مكان هذا الاستئناف. # ومثل قول أبي دواد [من الخفيف]: # ولقد أغتدي يدافع ركني ... أخوذي ذو ميعة إضريج # سلهب شرجب كأن رماحا ... حملته وفي السراة دموج # أنظر إلى التنكير في قوله "كأن رماحا". # ومثل قول ابن البواب [من مجزوء الوافر]: # أتيتك عائذا بك من ... ك لما ضاقت الحيل # وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل # فإن سلمت لكم نفسي ... فما لاقيته جلل # وإن قتل الهوى رجلا ... فإني ذلك الرجل # أنظر إلى الإشارة والتعريف في قوله: "فإني ذلك الرجل". # ومثل قول عبد الصمد [من السريع]: # مكتئب ذو كبد حرى ... تبكي عليه مقلة عبرى # يرفع يمناه إلى ربه ... يدعو وفوق الكبد اليسرى # أنظر إلى لفظ "يدعو" وإلى موقعها! # ومثل قول جرير [من الكامل]: # لمن الديار ببرقة الروحان ... إذ لا نبيع زماننا بزمان # صدع الغواني إذ رمين، فؤاده ... صدع الزجاجة ما لذاك تدان # أنظر إلى قوله "ما لذاك تدان" وتأمل حال هذا الاستئناف!. ليس من بصير ~~عارف بجوهر الكلام، حساس متفهم لسر هذا الشأن ينشد أو يقرأ هذه الأبيات إلا ~~لم يلبث أن يضع يده في كل بيت منها، على الموضع ms100 الذي أشرت إليه يعجب ويعجب، ~~ويكبر شأن المزية فيه والفضل. # PageV01P124 ### | فصل: في النظم يتحد في الوضع ويدق فيه الصنع # واعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر، ويغمض المسلك في توخي المعاني التي ~~عرفت، أن تتحد أجزاء الكلام، ويدخل بعضها في بعض، ويشتد ارتباط ثان منها ~~بأول، وأن يحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعا واحدا، وأن يكون ~~حالك فيها، حال الباني يضع بيمينه هاهنا، في حال ما يضع بيساره هناك. نعم ~~وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعهما بعد الأولين. وليس لما شأنه أن ~~يجيء على هذا الوصف، حد يحصره وقانون يحيط به، فإنه يجيء على وجوه شتى ~~وأنحاء مختلفة. # فمن ذلك أن تزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء معا، كقول البحتري [من ~~الطويل]: # إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر # وقوله [من الطويل]: # إذا حتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها # فهذا نوع. ونوع منه آخر قول سليمان بن داود القضاعي [من الوافر]: # فبينا المرء في علياء أهوى ... ومنحط أتيح له اعتلاء # وبينا نعمة إذ حال بؤس ... وبؤس إذ تعقبه ثراء # ونوع ثالث وهو ما كان، كقول كثير [من الطويل]: # وإني وتهيامي بعزة بعد ما ... تخليت مما بيننا وتخلت # لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت # وكقول البحتري [من الطويل]: # لعمرك إنا والزمان كما جنت ... على الأضعف الموهون عادية الأقوى # ومنه التقسيم وخصوصا إذا قسمت ثم جمعت، كقول حسان [من البسيط]: # قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا # سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم: شرها البدع # ومن ذلك، وهو شيء في غاية الحسن، قول القائل [من البسيط]: # لو أن ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا # لكن رأيت الليالي غير تاركة ... ما سر من حادث أو ساء مطردا # فقد سكنت إلى أني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غدا # PageV01P125 # قوله "سنستجد خلاف الحالتين غدا" جمع فيما قسم، لطيف. ms101 وقد ازداد لطفا ~~بحسن ما بناه عليه، ولطف ما توصل به إليه، من قوله "فقد سكنت إلى أني ~~وأنكم". # وإذ قد عرفت هذا النمط من الكلام، وهو ما تتحد أجزاؤه حتى يوضع وضعا ~~واحدا، فاعلم أنه النمط العالي، والباب الأعظم والذي لا ترى سلطان المزية ~~يعظم في شيء، كعظمه فيه. # ومما ندر منه، ولطف مأخذه، ودق نظر واضعه، وجلى لك عن شأو قد تحسر دونه ~~العتاق، وغاية يعيى من قبلها المذاكي القرح، الأبيات المشهورة في تشبيه ~~شيئين بشيئين - بيت أمرئ القيس [من الطويل]: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي # وبيت الفرزدق [من الكامل]: # والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار # وبيت بشار [من الطويل]: # كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا، ليل تهاوى كواكبه # ومما أتى في هذا الباب، مأتى أعجب مما مضى كله، قول زياد الأعجم [من ~~الطويل]: # وإنما ما نلقي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق # وإنما كان أعجب لأن عمله أدق، وطريقه أغمض، ووجه المشابهة فيه أغرب. # واعلم أن من الكلام، ما أنت تعلم إذا تدبرته، أن لم يحتج واضعه إلى فكر ~~وروية حتى انتظم، بل ترى سبيله في ضم بعضه إلى بعض، سبيل من عمد إلى لآل، ~~فخرطها في سلك لا يبغي أكثر من أن يمنعها التفرق. وكمن نضد أشياء بعضها على ~~بعض، لا يريد في نضده ذلك، أن تجيء له منه هيئة أو صورة، بل ليس إلا أن ~~تكون مجموعة في رأي العين. وذلك إذا كان معناك معنى لا يحتاج أن تصنع فيه ~~شيئا، غير أن تعطف لفظا على مثله. # PageV01P126 # كقول الجاحظ: "جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين ~~المعرفة نسبا، وبين الصدق سببا، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك الإنصاف، ~~وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عز الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ~~ذل اليأس، وعرفك ما في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلة". # وكقول بعضهم: "لله در خطيب قام عندك يا ms102 أمير المؤمنين! ما أفصح لسانه، ~~وأحسن بيانه، وأمضى جنانه، وأبل ريقه، وأسهل طريقة! " # ومثل قول النابغة في الثناء المسجوع: "أيفاخرك الملك اللخمي؟ فوالله ~~لقفاك خير من وجهه، ولشمالك خير من يمينه، ولأخمصك خير من رأسه، ولخطؤك خير ~~من صوابه، ولعيك خير من كلامه ولخدمك خير من قومه! " # وكقول بعض البلغاء في وصف اللسان. "اللسان أداة يظهر بها حسن البيان، ~~وظاهر يخبر عن الضمير، وشاهد ينبئك عن غائب، وحاكم يفصل به الخطاب، وواعظ ~~ينهى عن القبيح، ومزين يدعو إلى الحسن، وزارع يحرث المودة، وحاصد يحصد ~~الضغينة، ومله يونق الأسماع". فما كان من هذا وشبهه، لم يجب به فضل إذا ~~وجب، إلا بمعناه أو بمتون ألفاظه، دون نظمه وتأليفه؛ وذلك لأنه لا فضيلة ~~حتى ترى في الأمر مصنعا، وحتى تجد إلى التخير سبيلا، وحتى تكون قد استدركت ~~صوابا. # PageV01P127 # فإن قلت: أفليس هو كلاما قد اطرد على الصواب، وسلم من العيب؟ أفما يكون ~~في كثرة الصواب فضيلة؟ قيل: أما والصواب كما ترى، فلا! لأنا لسنا في ذكر ~~تقويم اللسان، والتحرز من اللحن، وزيغ الإعراب، فنعتد بمثل هذا الصواب، ~~وإنما نحن في أمور تدرك بالفكر اللطيفة، ودقائق يوصل إليها بثاقب الفهم؛ ~~فليس درك صواب دركا فيما نحن فيه حتى يشرف موضعه، ويصعب الوصول إليه؛ وكذلك ~~لا يكون ترك خطأ تركا، حتى يحتاج في التحفظ منه إلى لطف نظر، وفضل روية، ~~وقوة ذهن، وشدة تيقظ. وهذا باب ينبغي أن تراعيه، وأن تعنى به، حتى إذا ~~وازنت بين كلام وكلام، دريت كيف تصنع؛ فضممت إلى كل شكل شكله، وقابلته بما ~~هو نظير له، وميزت ما الصنعة منه في لفظه، مما هي منه في نظمه. # واعلم أن هذا - أعني الفرق بين أن تكون المزية في اللفظ، وبين أن تكون في ~~النظم - باب يكثر فيه الغلط؛ فلا تزال ترى مستحسنا قد أخطأ بالاستحسان ~~موضعه، فينحل اللفظ ما ليس له، ولا تزال ترى الشبهة قد دخلت عليك في ~~الكلام، قد حسن من لفظه ونظمه، فظننت أن حسنه ذلك كله، ms103 للفظ منه دون النظم. # مثال ذلك أن تنظر إلى قول ابن المعتز [من الطويل]: # وإني على إشفاق عيني من العدى ... لتجمح مني نظرة ثم أطرق # فترى أن هذه الطلاوة وهذا الظرف، إنما هو لأن جعل النظر يجمح، وليس هو ~~لذلك، بل لأن قال، في أول البيت "وإني"، حتى دخل اللام في قوله "لتجمح"، ثم ~~قوله "مني"؛ ثم لأن قال "نظرة" ولم يقل (النظر) مثلا، ثم لمكان "ثم" في ~~قوله: "ثم أطرق"، وللطيفة أخرى نصرت هذه اللطائف، وهي اعتراضه بين اسم إن ~~وخبرها، بقوله "على إشفاق عيني من العدى". # وإن أردت أعجب من ذلك، فيما ذكرت لك، فانظر إلى قوله: - وقد تقدم إنشاده ~~قبل -[من البسيط]: # سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير # PageV01P128 # فإنك ترى هذه الاستعارة، على لطفها وغرابتها، إنما تم لها الحسن وانتهى ~~إلى حيث انتهى، بما توخي في وضع الكلام من التقديم والتأخير، وتجدها قد ~~ملحت ولطفت بمعاونة ذلك ومؤازرته لها. وإن شككت، فاعمد إلى الجارين والظرف، ~~فأزل كلآ منها عن مكانه الذي وضعه الشاعر فيه، فقل: (سالت شعاب الحي بوجوه ~~كالدنانير عليه حين دعا أنصاره). ثم انظر كيف يكون الحال، وكيف يذهب الحسن ~~والحلاوة، وكيف تعدم أريحيتك التي كانت، وكيف تذهب النشوة التي كنت تجدها. # وجملة الأمر أن هاهنا كلاما حسنه للفظ دون النظم، وآخر حسنه للنظم دون ~~اللفظ، وثالثا قرى الحسن من الجهتين، ووجبت له المزية بكلا الأمرين؛ ~~والإشكال في هذا الثالث وهو الذي لا تزال ترى الغلط قد عارضك فيه، وتراك قد ~~حفت فيه على النظم فتركته، وطمحت ببصرك إلى اللفظ وقدرت في حسن كان به، ~~وباللفظ أنه للفظ خاصة. وهذا هو الذي أردت حين قلت لك: إن في الاستعارة، ما ~~لا يمكن بيانه إلا من بعد العلم بالنظم، والوقوف على حقيقته. # PageV01P129 # ومن دقيق ذلك وخفيه، أنك ترى الناس، إذا ذكروا قوله تعالى: {واشتعل الرأس ~~شيبا} [مريم: 4] لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلا ~~إليها، ولم يروا للمزية موجبا سواها؛ ms104 هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم؛ وليس ~~الأمر على ذلك. ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزية الجليلة، وهذه الروعة ~~التي تدخل على النفوس، عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة، ولكن لأن يسلك ~~بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء، وهو لما هو، من سببه؛ فيرفع به ~~ما يسند إليه، ويؤتى بالذي الفعل له في المعنى، منصوبا بعده، مبينا أن ذلك ~~الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول، إنما كان من أجل هذا الثاني ولما بينه ~~وبينه من الاتصال والملابسة كقولهم: (طاب زيد نفسا، وقر عمرو عينا، وتصبب ~~عرقا، وكرم أصلا، وحسن وجها). وأشباه ذلك مما تجد الفعل فيه منقولا عن ~~الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه. وذلك أنا نعلم أن "اشتعل" للشيب في ~~المعنى، وإن كان هو للرأس في اللفظ، كما أن "طاب" للنفس، و "قر" للعين، و ~~"تصبب" للعرق وإن أسند إلى ما أسند إليه، يبين أن الشرف كان، لأن سلك فيه ~~هذا المسلك، وتؤخي به هذا المذهب، أن تدع هذا الطريق فيه وتأخذ اللفظ ~~فتسنده إلى الشيب صريحا فتقول: (اشتعل شيب الرأس، والشيب في الرأس)، ثم ~~تنظر: هل تجد ذلك الحسن وتلك الفخامة؟ وهل ترى الروعة التي كنت تراها؟ فإن ~~قلت: فما السبب في أن كان "اشتعل" إذا استعير للشيب، على هذا الوجه، كان له ~~الفضل، ولم بان بالمزية من الوجه الآخر هذ البينونة؟ فإن السبب أنه يفيد، ~~مع لمعان الشيب في الرأس، الذي هو أصل المعنى: الشمول؛ وأنه قد شاع فيه، ~~وأخذه من نواحيه، وأنه قد استقر به، وعم جملته، حتى لم يبق من السواد شيء، ~~أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به؛ وهذا ما لا يكون إذا قيل: (اشتعل شيب ~~الرأس، أو الشيب في الرأس). # PageV01P130 # بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة. ووزان هذا أنك ~~تقول: (اشتعل البيت نارا) فيكون المعنى، أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول، ~~وأنها قد استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه. وتقول: (اشتعلت النار ms105 في ~~البيت) فلا يفيد ذلك، بل لا يقتضى أكثر من وقوعها فيه، وإصابتها جانبا منه. ~~فأما الشمول، وأن تكون قد استولت على البيت وابتزته، فلا يعقل من اللفظ ~~البتة. # ونظير هذا في التنزيل قوله عز وجل: {وفجرنا الأرض عيونا} [القمر: 12] ~~التفجير للعيون في المعنى، وأوقع على الأرض في اللفظ، كما أسند هناك، ~~الاشتعال إلى الرأس. وقد حصل بذلك من معنى الشمول هاهنا، مثل الذي حصل ~~هناك. وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها، وأن الماء قد ~~كان يفور من كل مكان منها. ولو أجري اللفظ على ظاهره فقيل: (وفجرنا عيون ~~الأرض، أو العيون في الأرض)، لم يفد ذلك، ولم يدل عليه، ولكان المفهوم منه، ~~أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض، وتبجس من أماكن منها. # واعلم أن في الآية الأولى، شيئا آخر من جنس النظم، وهو تعريف الرأس ~~(بالألف واللام) وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة، وهو أحد ما أوجب ~~المزية. ولو قيل: (واشتعل رأس) فصرح بالإضافة، لذهب بعض الحسن؛ فاعرفه! ~~وأنا أكتب لك شيئا مما سبيل الاستعارة فيه هذا السبيل، ليستحكم هذا الباب ~~في نفسك، ولتأنس به. # فمن عجيب ذلك قول بعض الأعراب [من الرجز]: # الليل داج كنفا جلبابه ... والبين محجور على غرابه # PageV01P131 # ليس كل ما ترى من الملاحة، لأن جعل لليل جلبابا، وحجر على الغراب، ولكن ~~في أن وضع الكلام الذي ترى؛ فجعل "الليل" مبتدأ، وجعل "داج" خبرا له، وفعلا ~~لما بعده وهو الكنفان، وأضاف (الجلباب) إلى ضمير "الليل" ولأن جعل كذلك ~~"البين" مبتدأ وأجرى "محجورا" خبرا عنه، وأن أخرج اللفظ على مفعول. يبين ~~ذلك، أنك لو قلت: (وغراب البين محجور عليه أو: قد حجر على غراب البين)، لم ~~تجد له هذه الملاحة. وكذلك لو قلت: (قد دجا كنفا جلباب الليل) لم يكن شيئا. # ومن النادر فيه قول المتنبي [من الخفيف]: # غصب الدهر والملوك عليها ... فبناها في وجنة الدهر خالا # قد ترى في أول الأمر أن حسنه أجمع، في أن جعل ms106 للدهر وجنة، وجعل البنية ~~خالا في الوجنة؛ وليس الأمر على ذلك. فإن موضع الأعجوبة في أن أخرج الكلام ~~مخرجه الذي ترى، وأن أتى بالخال منصوبا على الحال، من قوله "فبناها". أفلا ~~ترى أنك لو قلت: (وهي خال في وجنة الدهر)، لوجدت الصورة غير ما ترى؟ # وشبيه بذلك أن ابن المعتز قال [من المجتث]: # يا مسكة العطار ... وخال وجه النهار # وكانت الملاحة في الإضافة بعد الإضافة، لا في استعارة لفظة "الخال". إذ ~~معلوم أنه لو قال: (يا خالا في وجه النهار) أو: (يا من هو خال في وجه ~~النهار)، لم يكن شيئا. ومن شأن هذا الضرب أن يدخله الاستكراه. قال الصاحب: ~~إياك والإضافات المتداخلة، فإن ذلك لا يحسن! وذكر أنه يستعمل في الهجاء ~~كقول القائل [من الخفيف]: # يا علي بن حمزة بن عمارة ... أنت والله ثلجة في خياره # ولا شبهة في ثقل ذلك في الأكثر؛ ولكنه إذا سلم من الاستكراه، لطف وملح. ~~ومما حسن فيه، قول ابن المعتز أيضا [من الطويل]: # وظلت تدير الراح أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح # ومما جاء منه حسنا جميلا، قول الخالدي في صفة غلام له [من المنسرح]: # ويعرف الشعر مثل معرفتي ... وهو على أن يزيد مجتهد # PageV01P132 # وصيرفي القريض وزان دينا ... ر المعاني الدقاق منتقد # ومنه قول أبي تمام [من الكامل]: # خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب # ومما كثر الحسن فيه بسبب النظم، قول المتنبي [من الطويل]: # وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا # الاستعارة في أصلها مبتذلة معروفة، فإنك ترى العامي يقول للرجل، يكثر ~~إحسانه إليه وبره له، حتى يألفه ويختار المقام عنده: (قد قيدني بكثرة ~~إحسانه إلي، وجميل فعله معي، حتى صارت نفسي لا تطاوعني على الخروج من ~~عنده). وإنما كان ما ترى من الحسن بالمسلك الذي سلك في النظم والتأليف. # PageV01P133 ### | فصل: القول في التقديم والتأخير # هو باب كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية، لا يزال ~~يفتر لك عن بديعة، ويفضي بك إلى لطيفة؛ ولا ms107 تزال ترى شعرا يروقك مسمعه، ~~ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك، أن قدم فيه شيء ~~وحول اللفظ عن مكان إلى مكان. # واعلم أن تقديم الشيء على وجهين - تقديم يقال إنه على نية التأخير، وذلك ~~في كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه، وفي جنسه الذي كان ~~فيه، كخبر المبتدأ إذا قدمته على المبتدأ، والمفعول إذا قدمته على الفاعل، ~~كقولك: (منطلق زيد، وضرب عمرا زيد). معلوم أن "منطلق" "وعمرا" لم يخرجا ~~بالتقديم، عما كانا عليه، من كون هذا خبر مبتدأ ومرفوعا بذلك، وكون ذلك ~~مفعولا ومنصوبا من أجله، كما يكون إذا أخرت. وتقديم، لا على نية التأخير، ~~ولكن على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم وتجعله بابا غير بابه، وإعرابا غير ~~إعرابه، وذلك أن تجيء إلى اسمين يحتمل كل واحد منهما أن يكون مبتدأ، ويكون ~~الآخر خبرا له، فتقدم تارة هذا على ذاك، وأخرى ذاك على هذا. ومثاله ما ~~تصنعه (بزيد والمنطلق) حيث تقول مرة: (زيد المنطلق)، وأخرى: (المنطلق زيد). ~~فأنت في هذا لم تقدم (المنطلق) على أن يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه ~~مع التأخير، فيكون خبر مبتدأ كما كان، بل على أن تنقله عن كونه خبرا إلى ~~كونه مبتدأ. وكذلك لم تؤخر (زيدا) على أن يكون مبتدأ كما كان، بل على أن ~~تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبرا. وأظهر من هذا قولنا: (ضربت زيدا، وزيد ~~ضربته)؛ لم تقدم (زيدا) على أن يكون مفعولا منصوبا بالفعل كما كان، ولكن ~~على أن ترفعه بالابتداء، وتشغل الفعل بضميره، وتجعله في موضع الخبر له. وإذ ~~قد عرفت هذا التقسيم فإني أتبعه بجملة من الشرح. # واعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل غير العناية ~~والاهتمام. # PageV01P134 # قال صاحب الكتاب، وهو يذكر الفاعل والمفعول: كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم ~~لهم، وهم بشأنه أعنى، وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم. ولم يذكر في ذلك ~~مثالا. وقال النحويون: إن معنى ذلك أنه قد يكون من ms108 أغراض الناس في فعل ما، ~~أن يقع بإنسان بعينه، ولا يبالون من أوقعه؛ كمثل ما يعلم من حالهم، في حال ~~الخارجي يخرج فيعيث ويفسد ويكثر به الأذى، أنهم يريدون قتله ولا يبالون من ~~كان القتل منه، ولا يعنيهم منه شيء. فإذا قتل وأراد مريد (قتل زيد الخارجي) ~~لأنه يعلم أن ليس للناس، في أن يعلموا أن القاتل له زيد، جدوى وفائدة، ~~فيعنيهم ذكره ويهمهم ويتصل بمسرتهم. ويعلم من حالهم أن الذي هم متوقعون له ~~ومتطلعون إليه، متى يكون، وقوع القتل بالخارجي المفسد، وأنهم قد كفوا شره، ~~وتخلصوا منه. # ثم قالوا: فإن كان رجل ليس له بأس، ولا يقدر فيه أنه يقتل فقتل رجلا، ~~وأراد المخبر أن يخبر بذلك، فإنه يقدم ذكر القاتل فيقول: (قتل زيد رجلا): ~~ذاك لأن الذي يعنيه، ويعني الناس من شأن هذا القتل، طرافته وموضع الندرة ~~فيه. وبعده كان من الظن. ومعلوم أنه لم يكن نادرا وبعيدا من حيث كان واقعا ~~بالذي وقع به، ولكن من حيث كان واقعا من الذي وقع منه. فهذا جيد بالغ؛ إلا ~~الشأن في أنه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدم في موضع من الكلام، مثل هذا ~~المعنى، ويفسر وجه العناية فيه هذا التفسير. # مواضع التقديم والتأخير # وقد وقع في ظنون الناس أنه يكفي أن يقال إنه قدم للعناية، ولأن ذكره أهم، ~~من غير أن يذكر من أين كانت تلك العناية، ولم كان أهم. ولتخيلهم ذلك، قد ~~صغر أمر التقديم والتأخير في نفوسهم، وهونوا الخطب فيه، حتى إنك لترى ~~أكثرهم يرى تتبعه والنظر فيه، ضربا من التكلف؛ ولم تر ظنا أزرى على صاحبه ~~من هذا وشبهه. # PageV01P135 # وكذلك صنعوا في سائر الأبواب؛ فجعلوا لا ينظرون في الحذف والتكرار، ~~والإظهار والإضمار، والفصل والوصل، ولا في نوع من أنواع الفروق والوجوه، ~~إلا نظرك فيما غيره أهم لك، بل فيما إن لم تعلمه لم يضرك. لا جرم أن ذلك قد ~~ذهب بهم عن معرفة البلاغة، ومنعهم أن يعرفوا مقاديرها، وصد أوجههم عن الجهة ~~التي هي ms109 فيها، والشق الذي يحويها. والمداخل التي تدخل منها الآفة على الناس ~~في شأن العلم، ويبلغ الشيطان مراده منهم، في الصد عن طلبه وإحراز فضيلته، ~~كثيرة. # PageV01P136 # وهذه من أعجبها - إن وجدت متعجبا - وليت شعري إن كانت هذه أمورا هينة، ~~وكان المدى فيها قريبا، والجدى يسيرا، من أين كان نظم أشرف من نظم، وبم عظم ~~التفاوت، واشتد التباين، وترقى الأمر إلى الإعجاز، وإلى أن يقهر أعناق ~~الجبابرة؟ أو هاهنا أمور أخر نحيل في المزية عليها، ونجعل الإعجاز كان بها، ~~فتكون تلك الحوالة لنا عذرا في ترك النظر في هذه التي معنا، والإعراض عنها ~~وقلة المبالاة بها؟ أو ليس هذا التهاون - إن نظر العاقل - خيانة منه لعقله ~~ودينه، ودخولا فيما يزري بذي الخطر، ويغض من قدر ذوي القدر؟ وهل يكون أضعف ~~رأيا وأبعد من حسن التدبر منك، إذا همك أن تعرف الوجوه في {أأنذرتهم} [يس: ~~10] والإمالة في {رأى القمر} [الأنعام: 77] وتعرف "الصراط" و "الزراط" ~~وأشباه ذلك، مما لا يعدو علمك فيه اللفظ وجرس الصوت، ولا يمنعك إن لم تعلمه ~~بلاغة، ولا يدفعك عن بيان، ولا يدخل عليك شكا، ولا يغلق دونك باب معرفة، ~~ولا يفضى بك إلى تحريف وتبديل، وإلى الخطإ في تأويل، وإلى ما يعظم فيه ~~المعاب عليك، ويطيل لسان القادح فيك، ولا يعنيك ولا يهمك أن تعرف ما إذا ~~جهلته، عرضت نفسك لكل ذلك، وحصلت فيما هنالك، وكان أكثر كلامك في التفسير، ~~وحيث تخوض في التأويل، كلام من لا يبني الشيء على أصله، ولا يأخذه من ~~مأخذه، ومن ربما وقع في الفاحش من الخطإ الذي يبقى عاره، وتشنع آثاره. # ونسأل الله العصمة من الزلل، والتوفيق لما هو أقرب إلى رضاه، من القول ~~والعمل. # PageV01P137 # واعلم أن من الخطإ أن يقسم الأمر، في تقديم الشيء وتأخيره قسمين، فيجعل ~~مفيدا في بعض الكلام، وغير مفيد في بعض؛ وأن يعلل تارة بالعناية، وأخرى ~~بأنه توسعة على الشاعر والكاتب، حتى تطرد لهذا قوافيه ولذاك سجعه. ذاك لأن ~~من البعيد أن يكون في جملة النظم ما يدل ms110 تارة ولا يدل أخرى. فمتى ثبت في ~~تقديم المفعول مثلا على الفعل، في كثير من الكلام، أنه قد اختص بفائدة لا ~~تكون تلك الفائدة سمع التأخر، فقد وجب أن تكون تلك قضية في كل شيء وكل حال. ~~ومن سبيل من يجعل التقديم وترك التقديم سواء، أن يدعي أنه كذلك في عموم ~~الأحوال. فأما أن يجعله بين بين، فيزعم أنه للفائدة في بعضها، وللتصرف في ~~اللفظ من غير معنى في بعض، فما ينبغي أن يرغب عن القول به. # وهذه مسائل لا يستطيع أحد أن يمتنع من التفرقة بين تقديم ما قدم فيها ~~وترك تقديمه. # PageV01P138 # ومن أبين شيء في ذلك: الاستفهام بالهمزة. فإن موضع الكلام على أنك إذا ~~قلت: (أفعلت؟) فبدأت بالفعل، كان الشك في الفعل نفسه وكان غرضك من ~~استفهامك، أن تعلم وجوده. وإذا قلت: (أأنت فعلت؟)، فبدأت بالاسم، كان الشك ~~في الفاعل، من هو، وكان التردد فيه. ومثال ذلك أنك تقول: (أبنيت الدار التي ~~كنت على أن تبنيها؟ أقلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟ أفرغت من الكتاب ~~الذي كنت تكتبه؟). تبدأ في هذا ونحوه بالفعل، لأن السؤال: عن الفعل نفسه، ~~والشك فيه، لأنك في جميع ذلك، متردد في وجود الفعل وانتفائه، مجوز أن يكون ~~قد كان، وأن يكون لم يكن. وتقول: (أأنت بنيت هذه الدار؟ أأنت قلت هذا ~~الشعر؟ أأنت كتبت هذا الكتاب؟) فتبدأ في ذلك كله بالاسم. ذلك لأنك لم تشك ~~في الفعل أنه كان. كيف، وقد أشرت إلى الدار مبنية، والشعر مقولا والكتاب ~~مكتوبا؟ وإنما شككت في الفاعل من هو. فهذا من الفرق لا يدفعه دافع، ولا يشك ~~فيه شاك، ولا يخفى فساد أحدهما في موضع الآخر. فلو قلت: (أأنت بنيت الدار ~~التي كنت على أن تبنيها؟ أأنت قلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟ أأنت ~~فرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟) خرجت من كلام الناس. وكذلك لو قلت: (أبنيت ~~هذه الدار؟ أقلت هذا الشعر؟ أكتبت هذا الكتاب؟) قلت ما ليس بقول ذاك، لفساد ~~أن ms111 تقول في الشيء المشاهد الذي هو نصب عينيك: أموجود أم لا؟ # PageV01P139 # ومما يعلم به ضرورة، أنه لا تكون البداية بالفعل كالبداية بالاسم، أنك ~~تقول: (أقلت شعرا قط؟ أرأيت اليوم إنسانا؟) فيكون كلاما مستقيما. ولو قلت: ~~(أأنت شعرا قط؟ أأنت رأيت إنسانا) أخطأت. وذاك أنه لا معنى للسؤال عن ~~الفاعل من هو، في مثل هذا؛ لأن ذلك إنما يتصور إذا كانت الإشارة إلى فعل ~~مخصوص. نحو أن تقول: (من قال هذا الشعر؟ ومن بنى هذه الدار؟ ومن أتاك ~~اليوم؟ ومن أذن لك في الذي فعلت؟)، وما أشبه ذلك مما يمكن أن ينص فيه على ~~معين. فأما قيل شعر على الجملة، ورؤية إنسان على الإطلاق، فمحال ذلك فيه. ~~لأنه ليس مما يختص بهذا دون ذاك حتى يسأل عن عين فاعله. ولو كان تقديم ~~الاسم لا يوجب ما ذكرنا، من أن يكون السؤال عن الفاعل من هو، وكان يصح أن ~~يكون سؤالا عن الفعل: أكان أم لم يكن، لكان ينبغي أن يستقيم ذلك. # تقديم المسند إليه مع الاستفهام التقريري والإنكاري # PageV01P140 # واعلم أن هذا الذي ذكرت لك في الهمزة "وهي للاستفهام" قائم فيها، إذا هي ~~كانت للتقرير. فإذا قلت: (أأنت فعلت ذاك)، كان غرضك أن تقرره بأنه الفاعل؛ ~~يبين ذلك قوله تعالى، حكاية عن قول نمروذ {أأنت فعلت هاذا بآلهتنا ~~ياإبراهيم} [الأنبياء: 62] لا شبهة في أنهم لم يقولوا ذلك له عليه السلام، ~~وهم يريدون أن يقر لهم بأن كسر الأصنام قد كان، ولكن أن يقر بأنه منه كان؛ ~~وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم. "أأنت فعلت هذا"؟ وقال هو عليه السلام ~~في الجواب: {بل فعله كبيرهم هاذا} [الأنبياء: 63]. ولو كان التقرير بالفعل، ~~لكان الجواب: فعلت، أو: لم أفعل! فإن قلت: أو ليس إذا قال: "أفعلت"، فهو ~~يريد أيضا أن يقرره بأن الفعل كان منه، لا بأنه كان على الجملة؟ فأي فرق ~~بين الحالين؟ فإنه إذا قال: "أفعلت" فهو يقرره بالفعل من غير أن يردده بينه ~~وبين غيره، وكان كلامه كلام من يوهم أنه ms112 لا يدري أن ذلك الفعل كان على ~~الحقيقة. وإذا قال: (أأنت فعلت؟) كان قد ردد الفعل بينه وبين غيره، ولم يكن ~~منه في نفس الفعل تردد، ولم يكن كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أكان الفعل ~~أم لم يكن. بدلالة أنك تقول ذلك، والفعل ظاهر موجود مشار إليه، كما رأيت في ~~الآية. # واعلم أن الهمزة فيما ذكرنا، تقرير بفعل قد كان، وإنكار له لم كان، ~~وتوبيخ لفاعله عليه. # PageV01P141 # ولها مذهب آخر وهو أن يكون لإنكار أن يكون الفعل قد كان من أصله. ومثاله ~~قوله تعالى: {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون ~~قولا عظيما} [الإسراء: 40]. وقوله عز وجل: {أصطفى البنات على البنين (*) ما ~~لكم كيف تحكمون} [الصافات: 153 - 154]. فهذا رد على المشركين وتكذيب لهم في ~~قولهم ما يؤدي إلى هذا الجهل العظيم. وإذا قدم الاسم في هذا، صار الإنكار ~~في الفاعل، ومثاله، قولك للرجل قد انتحل شعرا: (أأنت قلت هذا الشعر؟ كذبت ~~لست ممن يحسن مثله)، أنكرت أن يكون القائل ولم تنكر الشعر. وقد تكون إذ ~~يراد إنكار الفعل من أصله ثم يخرج اللفظ مخرجه، إذا كان الإنكار في الفاعل. ~~مثال ذلك قوله تعالى: {قلءآلله أذن لكم} [يونس: 59]. الإذن راجع إلى قوله: ~~{قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا} [يونس: 59]. ~~ومعلوم أن المعنى على إنكار أن يكون قد كان من الله تعالى إذن فيما قالوه، ~~من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير الله، فأضافوه إلى الله. إلا أن ~~اللفظ أخرج مخرجه إذا كان الأمر كذلك، لأن يجعلوا في صورة من غلط، فأضاف ~~إلى الله تعالى إذنا، كان من غير الله؛ فإذا حقق عليه ارتدع. ومثال ذلك ~~قولك للرجل يدعي أن قولا كان ممن تعلم أنه لا يقوله: (أهو قال ذاك بالحقيقة ~~أم أنت تغلط؟) تضع الكلام وضعه إذا كنت علمت أن ذلك القول، قد كان من قائل ~~لينصرف الإنكار إلى الفاعل، فيكون أشد لنفي ذلك وإبطاله. # PageV01P142 # ونظير هذا قوله ms113 تعالى: {قلءآلذكرين حرم أم الأنثيين} [الأنعام: 143]، ~~أخرج اللفظ مخرجه، إذا كان قد ثبت تحريم في أحد أشياء، ثم أريد معرفة عين ~~المحرم، مع أن المراد إنكار التحريم من أصله ونفي أن يكون قد حرم كأنه قد ~~كان؛ ثم يقال لهم: أخبرونا عن هذا التحريم الذي زعمتم، فيم هو؟ أفي هذا، أم ~~ذاك، أم في الثالث؟ ليتبين بطلان قولهم ويظهر مكان الفرية منهم على الله ~~تعالى. ومثل ذلك قولك للرجل يدعي أمرا وأنت تنكره: (متى كان هذا، أفي ليل ~~أم نهارا؟) تضع الكلام وضع من سلم أن ذلك قد كان، ثم تطالبه ببيان وقته ~~يتبين كذبه إذا لم يقدر أن يذكر له وقتا ويفتضح. ومثله قولك: (من أمرك بهذا ~~منا، وأينا أذن لك فيه؟) وأنت لا تعني أن أمرا قد كان بذلك من واحد منكم، ~~إلا أنك تضع الكلام هذا الوضع لكي تضيق عليه وليظهر كذبه حين لا يستطيع أن ~~يقول: فلان، وأن يحيل على واحد. # التقديم والتأخير في الاسم والمضارع مع الاستفهام # وإذ قد بينا الفرق بين تقديم الفعل وتقديم الاسم والفعل ماض، فينبغي أن ~~ينظر فيه والفعل مضارع. والقول في ذلك أنك إذا قلت: (أتفعل)، و (أأنت ~~تفعل؟) لم يخل من أن تريد الحال أو الاستقبال. فإن أردت الحال، كان المعنى ~~شبيها بما مضى في الماضي. فإذا قلت: (أتفعل؟) كان المعنى على أنك أردت أن ~~تقرره بفعل هو يفعله، وكنت كمن يوهم أنه لا يعلم بالحقيقة أن الفعل كائن. ~~وإذا قلت: (أأنت تفعل؟) كان المعنى على أنك تريد أن تقرره بأنه الفاعل، ~~وكان أمر الفعل في وجوده ظاهرا، وبحيث لا يحتاج إلى الإقرار بأنه كائن. وإن ~~أردت ب "تفعل" المستقبل، كان المعنى، إذا بدأت بالفعل، على أنك تعمد ~~بالإنكار، إلى الفعل نفسه، وتزعم أنه لا يكون أو أنه لا ينبغي أن يكون. ~~فمثال الأول [من الطويل]: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال # PageV01P143 # فهذا تكذيب منه لإنسان تهدده بالقتل، وإنكار أن يقدر على ذلك ويستطيعه. ~~ومثله أن يطمع طامع ms114 في أمر لا يكون مثله فتجهله في طمعه فتقول: (أيرضى عنك ~~فلان وأنت مقيم على ما يكره؟) (أتجد عنده ما تحب وقد فعلت وصنعت؟) وعلى ذلك ~~قوله تعالى: {أنلزمكموها وأنتم لها كارهون} [هود: 28]. ومثال الثاني، قولك ~~للرجل يركب الخطر: (أتخرج في هذا الوقت؟ أتذهب في غير الطريق؟ أتغرر ~~بنفسك؟) وقولك للرجل يضيع الحق: (أتنسى قديم إحسان فلان؟) أتترك صحبته ~~وتتغير عن حالك معه، لأن تغير الزمان؟) كما قال [من الطويل]: أأترك أن قلت ~~دراهم خالد ... زيارته؟ إني إذا للئيم # وجملة الأمر، أنك تنحو بالإنكار نحو الفعل، فإن بدأت بالاسم فقلت: (أأنت ~~تفعل؟) أو قلت: (أهو يفعل؟) كنت وجهت الإنكار إلى نفس المذكور وأبيت أن ~~تكون بموضع أن يجيء منه الفعل وممن يجيء منه، وأن يكون بتلك المثابة. تفسير ~~ذلك أنك إذا قلت: (أأنت تمنعني؟ أأنت تأخذ على يدي؟) صرت كأنك قلت: إن غيرك ~~الذي يستطيع منعي والأخذ على يدي، ولست بذاك، ولقد وضعت نفسك في غير موضعك. ~~هذا إذا جعلته لا يكون منه الفعل للعجز، ولأنه ليس في وسعه. وقد يكون أن ~~تجعله لا يجيء منه، لأنه لا يختاره ولا يرتضيه، وأن نفسه نفس تأبى مثله ~~وتكرهه. ومثاله أن تقول: (أهو يسأل فلانا؟) هو أرفع همة من ذلك. (أهو يمنع ~~الناس حقوقهم؟) هو أكرم من ذاك. وقد يكون أن تجعله لا يفعله لصغر قدره وقصر ~~همته، وأن نفسه نفس لا تسمو. وذلك قولك: (أهو يسمح بمثل هذا؟) (أهو يرتاح ~~للجميل؟) هو أقصر همة من ذلك، وأقل رغبة في الخير مما تظن. # PageV01P144 # وجملة الأمر أن تقديم الاسم يقتضي أنك عمدت بالإنكار إلى ذات من قيل: إنه ~~يفعل، أو قال هو: إني أفعل. وأردت ما تريده إذا قلت: ليس هو بالذي يفعل، ~~وليس مثله يفعل. ولا يكون هذا المعنى إذا بدأت بالفعل فقلت: أتفعل؟ ألا ترى ~~أن المحال أن تزعم أن المعنى في قول الرجل لصاحبه: (أتخرج في هذا الوقت؟ ~~أتغرر بنفسك؟ أتمضي في غير الطريق؟) أنه أنكر أن يكون بمثابة من ms115 يفعل ذلك ~~وبموضع من يجيء منه ذاك. ذاك لأن العلم محيط بأن الناس لا يريدونه، وأنه لا ~~يليق بالحال التي يستعمل فيها هذا الكلام. وكذلك محال أن يكون المعنى في ~~قوله جل وعلا: {أنلزمكموها وأنتم لها كارهون} [هود: 28] أنا لسنا بمثابة من ~~يجيء منه هذا الإلزام، وأن غيرنا من يفعله - جل الله تعالى - وقد يتوهم ~~المتوهم في الشيء من ذلك أنه يحتمل؛ فإذا نظر لم يحتمل. فمن ذلك قوله: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي؟ # وقد يظن الظان أنه يجوز أن يكون في معنى أنه ليس بالذي يجيء منه أن يقتل ~~مثلي، ويتعلق بأنه قال قبل [من الطويل]: # يغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتال # ولكنه إذا نظر علم أنه لا يجوز؛ وذاك لأنه قال "والمشرفي مضاجعي"، فذكر ~~ما يكون منعا من الفعل. ومحال أن يقول: هو ممن لا يجيء منه الفعل، ثم يقول: ~~إني أمنعه؛ لأن المنع يتصور فيمن يجيء منه الفعل ومع من يصح منه، لا من هو ~~منه محال، ومن هو نفسه عنه عاجز، فاعرفه! # PageV01P145 # واعلم أنا، وإن كنا نفسر الاستفهام في مثل هذا، بالإنكار، فإن الذي هو ~~محض المعنى، أنه ليتنبه السامع حتى يرجع إلى نفسه، فيخجل ويرتدع ويعيا ~~بالجواب، إما لأنه قد ادعى القدرة على فعل لا يقدر عليه، فإذا ثبت على ~~دعواه قيل له: "فافعل"، فيفضحه ذلك؛ وإما لأنه هم بأن يفعل ما لا يستصوب ~~فعله، فإذا روجع فيه، تنبه وعرف الخطأ؛ وإما لأنه جوز وجود أمر لا يوجد ~~مثله، فإذا ثبت على تجويزه وبخ على تعنته وقيل له: فأرناه، في موضع، وفي ~~حال، وأقم شاهدا على أنه كان في وقت. ولو كان يكون للإنكار وكان المعنى فيه ~~من بدء الأمر، لكان ينبغي أن لا يجيء فيما لا يقول عاقل إنه يكون حتى ينكر ~~عليه، كقولهم: (أتصعد إلى السماء؟ أتستطيع أن تنقل الجبال؟ أإلى رد ما مضى ~~سبيل؟) # الاستفهام على سبيل التشبيه والتمثيل # وإذ قد عرفت ذلك، فإنه لا يقرر بالمحال، وبما لا يقول أحد، ms116 إنه يكون، إلا ~~على سبيل التمثيل، وعلى أن يقال له: إنك في دعواك ما ادعيت، بمنزلة من يدعي ~~هذا المحال، وإنك في طمعك في الذي طمعت فيه، بمنزلة من يطمع في الممتنع. # وإذ قد عرفت هذا، فما هو من هذا الضرب، قوله تعالى: {أفأنت تسمع الصم أو ~~تهدي العمي} [الزخرف: 40] ليس إسماع الصم مما يدعيه أحد، فيكون ذلك ~~للإنكار؛ وإنما المعنى فيه التمثيل والتشبيه، وأن ينزل الذي يظن بهم أنهم ~~يسمعون، أو أنه لا يستطيع إسماعهم، منزلة من يرى أنه يسمع الصم ويهدي ~~العمي. ثم المعنى في تقديم الاسم، وأن لم يقل "أتسمع الصم"، هو أن يقال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: (أأنت خصوصا قد أوتيت أن تسمع الصم؟) وأن يجعل ~~في ظنه أنه يستطيع إسماعهم، بمثابة من يظن أنه قد أوتي قدرة على إسماع ~~الصم. ومن لطيف ذلك، قول ابن أبي عيينة [من الكامل]: # PageV01P146 # فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير؟ جعله كأنه قد ~~ظن أن طنين أجنحة الذباب بمثابة ما يضير، حتى ظن أن وعيده يضير. # تقديم المفعول على الفعل على الاستفهام # واعلم أن حال المفعول فيما ذكرنا، كحال الفاعل. أعني: تقديم الاسم ~~المفعول يقتضي أن يكون الإنكار في طريق الإحالة والمنع من أن يكون بمثابة ~~أن يوقع به مثل ذلك الفعل. فإذا قلت: (أزيدا تضرب؟) كنت قد أنكرت أن يكون ~~زيد بمثابة أن يضرب أو بموضع أن يجترأ عليه ويستجاز ذلك فيه. ومن أجل ذلك ~~قدم (غير) في قوله تعالى: {قل أغير الله أتخذ وليا} [الأنعام: 14]، وقوله ~~عز وجل: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون} ~~[الأنعام: 40]. وكان له من الحسن والمزية والفخامة، ما تعلم أنه لا يكون، ~~لو أخر، فقيل: (قل أأتخذ غير الله وليا وأتدعون غير الله؟) وذلك لأنه قد ~~حصل بالتقديم معنى قولك: (أيكون غير الله) بمثابة أن (يتخذ وليا؟) وأيرضى ~~عاقل من نفسه أن يفعل ذلك؟ وأيكون جهل أجهل وعمى أعمى من ذلك؟ ولا يكون شيء ms117 ~~من ذلك إذا قيل: (أأتخذ غير الله وليا). وذلك لأنه حينئذ يتناول الفعل أن ~~يكون فقط، ولا يزيد على ذلك فاعرفه! وكذلك الحكم في قوله تعالى: {فقالوا ~~أبشرا منا واحدا نتبعه} [القمر: 24]، وذلك لأنهم بنوا كفرهم على أن من كان ~~مثلهم بشرا، لم يكن بمثابة أن يتبع ويطاع وينتهى إلى ما يأمر، ويصدق أنه ~~مبعوث من الله تعالى، وأنهم مأمورون بطاعته، كما جاء في الأخرى: {إن أنتم ~~إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا} [إبراهيم: 10] وكقوله عز وجل: {فمن ابتغى ~~ورآء ذلك فأولائك هم العادون} [المؤمنون: 7]. فهذا هو القول في الضرب ~~الأول، وهو أن يكون يفعل بعد الهمزة لفعل لم يكن. # وأما الضرب الثاني وهو أن يكون يفعل لفعل موجود، فإن تقديم الاسم يقتضي ~~شبها بما اقتضاه في الماضي من الأخذ بأن يقر أنه الفاعل، أو الإنكار أن ~~يكون الفاعل. فمثال الأول، قولك للرجل يبغي ويظلم: (أأنت تجيء إلى الضعيف ~~فتغصب ما له؟ أأنت تزعم أن الأمر كيت وكيت؟) وعلى ذلك قوله تعالى: {أفأنت ~~تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99]. ومثال الثاني: {أهم يقسمون رحمت ~~ربك} [الزخرف: 32]. # PageV01P147 ### | فصل: التقديم والتأخير مع النفي # وإذ قد عرفت هذه المسائل في الاستفهام. # فهذه مسائل في النفي: إذا قلت: (ما فعلت). كنت نفيت عنك فعلا لم يثبت أنه ~~مفعول. وإذا قلت: (ما أنا فعلت). كنت نفيت عنك فعلا ثبت أنه مفعول. تفسير ~~ذلك أنك إذا قلت: (ما قلت هذا): كنت نفيت أن تكون قد قلت ذاك، وكنت نوظرت ~~في شيء لم يثبت أنه مقول. وإذا قلت: (ما أنا قلت هذا): كنت نفيت أن تكون ~~القائل له، وكانت المناظرة في شيء ثبت أنه مقول. وكذلك إذا قلت: (ما ضربت ~~زيدا). كنت نفيت عنك ضربه ولم يجب أن يكون قد ضرب، بل يجوز أن يكون قد ضربه ~~غيرك، وأن لا يكون قد ضرب أصلا. وإذا قلت: (ما أنا ضربت زيدا) لم تقله إلا ~~وزيد مضروب، وكان القصد أن تنفي أن تكون أنت الضارب. ومن أجل ذلك، صلح ms118 في ~~الوجه الأول أن يكون المنفي عاما كقولك: (ما قلت شعرا قط، وما أكلت اليوم ~~شيئا، وما رأيت أحدا من الناس): ولم يصلح في الوجه الثاني. فكان خلقا أن ~~تقول: (ما أنا قلت شعرا قط، وما أنا أكلت اليوم شيئا، وما أنا رأيت أحدا من ~~الناس): وذلك لأنه يقتضي المحال، وهو أن يكون هاهنا إنسان قد قال كل شعر في ~~الدنيا، وأكل شيء يؤكل، ورأى كل أحد من الناس، فنفيت أن تكونه ومما هو مثال ~~بين في أن تقديم الاسم يقتضي وجود الفعل قوله [من المتقارب]: # وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارا # PageV01P148 # المعنى، كما لا يخفى، على أن القسم ثابت موجود، وليس القصد بالنفي إليه، ~~ولكن إلى أن يكون هو الجالب له، ويكون قد جره إلى نفسه. ومثله في الوضوح ~~قوله [من الطويل]: # وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله # الشعر مقول على القطع والنفي، لأن يكون هو وحده القائل له. # مواضع التقديم والتأخير - النفي # وهاهنا أمران يرتفع معهما الشك في وجوب هذا الفرق، ويصير العلم به ~~كالضرورة. # (أحدهما) أنه يصح لك أن تقول: (ما قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس)، (وما ~~ضربت زيدا ولا ضربه أحد سواي): ولا يصح ذلك في الوجه الآخر. فلو قلت: (ما ~~أنا قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس، وما أنا ضربت زيدا ولا ضربه أحد ~~سواي)، كان خلفا من القول، وكان في التناقض بمنزلة أن تقول: (لست الضارب ~~زيدا أمس): فتثبت أنه قد ضرب؛ ثم تقول من بعده: (وما ضربه أحد من الناس): ~~ولست القائل ذلك: فتثبت أنه قد قيل، ثم تجيء فتقول. وما قاله أحد من الناس. # والثاني من الأمرين أنك تقول: (ما ضربت إلا زيدا): فيكون كلاما مستقيما، ~~ولو قلت: (ما أنا ضربت إلا زيدا): كان لغوا من القول، وذلك لأن نقض النفي ~~"بإلا"، يقتضي أن تكون ضربت زيدا؛ وتقديمك ضميرك وإيلاؤه حرف النفي، يقتضي ~~نفي أن تكون ضربته، فهما يتدافعان، فاعرفه! # المفعول المنفي # ويجيء ms119 لك هذا الفرق على وجهه في تقديم المفعول وتأخيره؛ فإذا قلت: (ما ~~ضربت زيدا): فقدمت الفعل، كان المعنى أنك قد نفيت أن يكون قد وقع ضرب منك ~~على زيد، ولم تعرض في أمر غيره لنفي ولا إثبات، وتركته مبهما محتملا. وإذا ~~قلت: (ما زيدا ضربت): فقدمت المفعول، كان المعنى على أن ضربا وقع منك على ~~إنسان، وظن أن ذلك الإنسان زيد، فنفيت أن يكون إياه. فلك أن تقول في الوجه ~~الأول: (ما ضربت زيدا ولا أحدا من الناس) وليس لك في الوجه الثاني. فإن ~~قلت: (ما زيدا ضربت ولا أحدا من الناس)، كان فاسدا على ما مضى في الفاعل. # PageV01P149 # ومما ينبغي أن تعلمه، أنه يصح لك أن تقول: (ما ضربت زيدا ولكني أكرمته)، ~~فتعقب الفعل المنفي بإثبات فعل هو ضده. ولا يصح أن تقول: (ما زيدا ضربت ~~ولكني أكرمته)؛ وذاك أنك لم ترد أن تقول: لم يكن الفعل هذا ولكن ذاك. ولكنك ~~أردت أنه لم يكن المفعول هذا ولكن ذاك؛ فالواجب إذن أن تقول: (ما زيدا ضربت ~~ولكن عمرا). # وحكم الجار مع المجرور في جميع ما ذكرنا، حكم المنصوب. فإذا قلت: (ما ~~أمرتك بهذا)، كان المعنى على نفي أن تكون قد أمرته بذلك، ولم يجب أن تكون ~~قد أمرته بذلك، ولم يجب أن تكون قد أمرته بشيء آخر، وإذا قلت: (ما بهذا ~~أمرتك)، كنت قد أمرته بشيء غيره. # واعلم أن هذا الذي بان لك في الاستفهام، والنفي من المعنى، في التقديم، ~~قائم مثله في الخبر المثبت. فإذا عمدت إلى الذي أردت أن تحدث عنه بفعل، ~~فقدمت ذكره، ثم بنيت الفعل عليه، فقلت: (زيد قد فعل، وأنا فعلت، وأنت ~~فعلت)، اقتضى ذلك أن يكون القصد إلى الفاعل؛ إلا أن المعنى في هذا القصد ~~ينقسم قسمين: # أحدهما جلي لا يشكل، وهو أن يكون الفعل فعلا قد أردت أن تنص فيه على ~~واحد، فتجعله له وتزعم أنه فاعله دون واحد آخر أو دون كل أحد. ومثال ذلك أن ~~تقول: (أنا كتبت في معنى ms120 فلان، وأنا شفعت في بابه)، تريد أن تدعي الانفراد ~~بذلك، والاستبداد به، وتزيل الاشتباه فيه وترد على من زعم أن ذلك كان من ~~غيرك، أو أن غيرك قد كتب فيه كما كتبت. ومن البين في ذلك قولهم في المثل: ~~"أتعلمني بضب أنا حرشته؟ " # PageV01P150 # والقسم الثاني أن لا يكون القصد إلى الفاعل، على هذا المعنى، ولكن على ~~أنك أردت أن تحقق على السامع أنه قد فعل، وتمنعه من الشك؛ فأنت لذلك تبدأ ~~بذكره، وتوقعه أولا، ومن قبل أن تذكر الفعل في نفسه، لكي تباعده بذلك من ~~الشهبة وتمنعه من الإنكار، أو من أن يظن بك الغلط أو التزيد. ومثاله قولك: ~~(هو يعطي الجزيل وهو يحب الثناء) لا تريد أن تزعم أنه ليس هاهنا من يعطي ~~الجزيل ويحب الثناء غيره، ولا أن تعرض بإنسان وتحطه عنه، وتجعله لا يعطي ~~كما يعطي ولا يرغب كما يرغب، ولكنك تريد أن تحقق على السامع، أن إعطاء ~~الجزيل وحب الثناء دأبه، وأن تمكن ذلك في نفسه. ومثاله في الشعر [من ~~الطويل]: # هم يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغالبا # لم يرد أن يدعي لهم هذه الصفة، دعوى من يفردهم بها وينص عليهم فيها، حتى ~~كأنه يعرض بقوم آخرين، فينفي أن يكونوا أصحابها. هذا محال! وإنما أراد أن ~~يصفهم بأنهم فرسان يمتهدون صهوات الخيل، وأنهم يقتعدون الجياد منها وأن ذلك ~~دأبهم، من غير أن يعرض لنفيه عن غيرهم؛ إلا أنه بدأ بذكرهم لينبه السامع ~~لهم، ويعلم بديا قصده إليهم، بما في نفسه من الصفة، ليمنعه بذلك من الشك، ~~ومن توهم أن يكون قد وصفهم بصفة ليست هي لهم، أو أن يكون قد أراد غيرهم ~~فغلط إليهم. # التقديم والتأخير - الخبر # وعلى ذلك قول الآخر [من الطويل]: # هم يضربون الكبش ببرق بيضه ... على وجهه من الدماء سبائب # لم يرد أن يدعي لهم الانفراد ويجعل هذا الضرب لا يكون إلا منهم، ولكن ~~أراد الذي ذكرت لك، من تنبيه السامع لقصدهم بالحديث، من قبل ذكر الحديث، ~~ليحقق الأمر ويؤكده. ومن ms121 البين فيه قول عروة بن أذينة [من مجزوء الوافر]: # سليمى أزمعت بينا ... فأين تقولها أينا # PageV01P151 # وذلك أنه ظاهر معلوم أنه لم يرد أن يجعل هذا الإزماع لها خاصة، ويجعلها ~~من جماعة لم يزمع البين منهم أحد سواها، هذا محال. ولكنه أراد أن يحقق ~~الأمر ويؤكده فأوقع ذكرها في سمع الذي كلم ابتداء ومن أول الأمر، ليعلم قبل ~~هذا الحديث أنه أرادها بالحديث، فيكون ذلك أبعد له من الشك. # ومثله في الوضوح قوله [من الطويل]: # هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما # لا شبهة في أنه لم يرد أن يقصر هذه الصفة عليهما، ولكن نبه لهما قبل ~~الحديث عنهما. وأبين من الجميع قوله تعالى: {واتخذوا من دونه آلهة لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون} [الفرقان: 3] وقوله عز وجل: {وإذا جآءوكم قالوا ~~آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} [المائدة: 61]. وهذا الذي قد ذكرت ~~من أن تقديم ذكر المحدث عنه، يفيد التنبيه له، قد ذكره صاحب "الكتاب" في ~~المفعول، إذا قدم فرفع بالابتداء وبني الفعل الناصب، كان له عليه، وعدي إلى ~~ضميره فشغل به، كقولنا في "ضربت عبد الله": (عبد الله، ضربته)، فقال: وإنما ~~قلت (عبد الله) فنبهته له، ثم بنيت عليه الفعل ورفعته بالابتداء. # فإن قلت: فمن أين وجب أن يكون تقديم ذكر المحدث عنه بالفعل، آكد، لإثبات ~~ذلك الفعل له، وأن يكون قوله "هما يلبسان المجد" أبلغ في جعلهما يلبسانه، ~~من أين يقال: يلبسان المجد؟ فإن ذلك من أجل أنه لا يؤتى بالاسم معرى من ~~العوامل، إلا لحديث قد نوي إسناده إليه. وإذا كان كذلك، فإذا قلت "عبد ~~الله"، فقد أشعرت قلبه بذلك أنك قد أردت الحديث عنه. فإذا جئت بالحديث، ~~فقلت مثلا: قام، أو قلت: خرج، أو قلت: قدم، فقد علم ما جئت به، وقد وطأت له ~~وقدمت الإعلام فيه، فدخل على القلب دخول المأنوس به، وقبله قبول المتهيئ له ~~المطمئن إليه؛ وذلك لا محالة، أشد لثبوته وأنفى للشبهة، وأمنع للشك، وأدخل ~~في التحقيق. # PageV01P152 # تقديم ذكر ms122 المحدث عنه بالفعل يفيد تأكيد الخبر # وجملة الأمر أنه ليس إعلامك الشيء بغتة، مثل إعلامك له بعد التنبيه عليه ~~والتقدمة له، لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام، في التأكيد الإحكام. ومن ~~هاهنا قالوا: إن الشيء إذا أضمر ثم فسر، كان ذلك أفخم له من أن يذكر، من ~~غير تقدم إضمار. ويدل على صحة ما قالوه، أنا نعلم ضرورة في قوله تعالى: ~~{فإنها لا تعمى الأبصار} [الحج: 46] فخامة وشرفا وروعة، لا نجد منها شيئا ~~في قولنا: (فإن الأبصار لا تعمى). وكذلك السبيل أبدا في كل كلام كان فيه ~~ضمير قصة. فقوله تعالى: {إنه لا يفلح الكافرون} [المؤمنون: 117] يفيد من ~~القوة في نفي الفلاح عن الكافرين، ما لو قيل: (إن الكافرين لا يفلحون)، لم ~~يفد ذلك. ولم يكن ذلك كذلك إلا لأنك تعلمه إياه من بعد تقدمة وتنبيه أنت به ~~في حكم من بدأ وأعاد ووطد، ثم بين ولوح ثم صرح. ولا يخفى مكان المزية فيما ~~طريقه هذا الطريق. # PageV01P153 # ويشهد لما قلنا، من أن تقديم المحدث عنه يقتضي تأكيد الخبر وتحقيقه له، ~~أنا إذا تأملنا وجدنا هذا الضرب من الكلام، يجيء فيما سبق فيه إنكار من ~~منكر، نحو أن يقول الرجل: (ليس لي علم بالذي تقول). فتقول له: (أنت تعلم أن ~~الأمر على ما أقول ولكنك تميل إلى خصمي). وكقول الناس: هو يعلم ذاك وإن ~~أنكر، وهو يعلم الكذب فيما قال، وإن حلف عليه. وكقوله تعالى: {ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 75]. فهذا من أبين شيء؛ وذاك أن الكاذب ~~لا سيما في الدين، لا يعترف بأنه كاذب، وإذا لم يعترف بأنه كاذب، كان أبعد ~~من ذلك أن يعترف بالعلم بأنه كاذب. أو يجيء فيما اعترض فيه شك، نحو أن يقول ~~الرجل: (كأنك لا تعلم ما صنع فلان ولم يبلغك): فيقول: (أنا أعلم ولكني ~~أداريه). أو في تكذيب مدع، كقوله عز وجل: {وإذا جآءوكم قالوا آمنا وقد ~~دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} [المائدة: 61]. وذلك أن قولهم "آمنا": دعوى ~~منهم أنهم ms123 لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به؛ فالموضع موضع تكذيب. أو فيما ~~القياس في مثله أن لا يكون، كقوله تعالى: {واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون ~~شيئا وهم يخلقون} [الفرقان: 3] وذلك أن عبادتهم لها، تقتضي أن لا تكون ~~مخلوقة، وذلك في كل شيء كان خبرا على خلاف العادة، وعما يستغرب من الأمر، ~~نحو أن نقول: (ألا تعجب من فلان يدعي العظيم، وهو يعيى باليسير، ويزعم أنه ~~شجاع، وهو يفزع من أدنى شيء؟). # إفادة تقديم المسند إليه التأكيد والقوة # PageV01P154 # ومما يحسن ذلك فيه ويكثر: الوعد والضمان، كقول الرجل: (أنا أعطيك، أنا ~~أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر). وذلك أن من شأن من تعده وتضمن له أن يعترضه ~~الشك: في تمام الوعد وفي الوفاء به. فهو من أحوج شيء إلى التأكيد. وكذلك ~~يكثر في المدح، كقولك: (أنت تعطي الجزيل، أنت تقري في المحل، أنت تجود حين ~~لا يجود أحد). وكما قال [من الكامل]: # ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري # وكقول الآخر: # نحن في المشتاة تدعو الجفلى # PageV01P155 # وذلك أن من شأن المادح، أن يمنع السامعين من الشك فيما يمدح به يباعدهم ~~من الشبهة، وكذلك المفتخر: ويزيدك بيانا أنه، إذا كان الفعل مما لا شك فيه ~~ولا ينكر بحال، لم يكد يجيء على هذا الوجه، ولكن يؤتى به غير مبني على اسم. ~~فإذا أخبرت بالخروج مثلا، عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة قلت: (قد ~~خرج). ولم تحتج إلى أن تقول: هو قد خرج، ذاك لأنه ليس بشيء يشك فيه السامع ~~فتحتاج أن تحققه، وإلى أن تقدم فيه ذكر المحدث عنه. وكذلك إذا علم السامع ~~من حال رجل، أنه على نية الركوب والمضي إلى موضع، ولم يكن شك وتردد أنه ~~يركب أو لا يركب، كان خبرك فيه أن تقول: (قد ركب). ولا تقول: هو قد ركب. ~~فإن جئت بمثل هذا في صلة كلام ووضعته بعد (واو الحال) حسن حينئذ. وذلك ~~قولك: (جئته وهو قد ركب). وذاك أن الحكم يتغير ms124 إذا صارت الجملة في مثل هذا ~~الموضع، ويصير الأمر بمعرض الشك، وذاك أنه إنما يقول هذا، من ظن أنه يصادفه ~~في منزله، وأن يصل إليه من قبل أن يركب. فإن قلت، فإنك قد تقول: (جئته وقد ~~ركب)، بهذا المعنى ومع هذا الشك، فإن الشك لا يقوى حينئذ قوته في الوجه ~~الأول. أفلا ترى أنك إذا استبطأت إنسانا فقلت: (أتانا والشمس قد طلعت)، كان ~~ذلك أبلغ، في استبطائك له، من أن تقول: (أتانا وقد طلعت الشمس). وعكس هذا ~~أنك إذا قلت: (أتى والشمس لم تطلع). كان أقوى، في وصفك له بالعجلة والمجيء، ~~قبل الوقت الذي ظن أنه يجيء فيه، من أن تقول: (أتى ولم تطلع الشمس بعد). ~~هذا وهو كلام لا يكاد يجيء إلا نابيا؛ وإنما الكلام البليغ هو أن تبدأ ~~بالاسم وتبني الفعل عليه، كقوله: # قد أعتدي والطير لم تكلم # فإذا كان الفعل، فيما بعد هذه "الواو" التي يراد بها الحال مضارعا، لم ~~يصلح إلا مبنيا على اسم، كقولك: (رأيته وهو يكتب)، و (دخلت عليه وهو يملي ~~الحديث)، وكقوله [من الطويل]: # PageV01P156 # تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا تصوبوا # ليس يصلح شيء من ذلك إلا على ما تراه، لو قلت: (رأيته ويكتب، ودخلت عليه ~~ويملي الحديث، وتمززتها ويدعو الديك صباحه)، لم يكن شيئا. # ومما هو بهذه المنزلة في أنك تجد المعنى لا يستقيم، إلا على ما جاء عليه ~~من بناء الفعل على الاسم، قوله تعالى: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو ~~يتولى الصالحين} [الأعراف: 196] وقوله تعالى: {وقالوا أساطير الأولين ~~اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان: 5] وقوله تعالى: {وحشر ~~لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون} [النمل: 17]. فإنه لا ~~يخفى على من له ذوق، أنه لو جيء في ذلك بالفعل غير مبني على الاسم، فقيل: ~~(إن وليي الله الذي نزل الكتاب ويتولى الصالحين، واكتتبها فتملى عليه وحشر ~~لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فيوزعون)، لوجد اللفظ قد نبا عن ~~المعنى، والمعنى قد زال عن صورته والحال ms125 التي ينبغي أن يكون عليها. # واعلم أن هذا الصنيع يقتضي في الفعل المنفي، ما اقتضاه في المثبت. فإذا ~~قلت: أنت لا تحسن هذا: كان أشد لنفي إحسان ذلك عنه، من أن تقول: لا تحسن ~~هذا: ويكون الكلام في الأول مع من هو أشد إعجابا بنفسه وأعرض دعوى في أنه ~~يحسن، حتى إنك لو أتيت ب "أنت" فيما بعد "تحسن" فقلت: (لا تحسن أنت)، لم ~~يكن له تلك القوة. وكذلك قوله تعالى: {والذين هم بربهم لا يشركون} ~~[المؤمنون: 59]، يفيد من التأكيد من نفي الإشراك عنهم، ما لو قيل: (والذين ~~لا يشركون بربهم أو بربهم لا يشركون)، لم يفد ذلك. وكذا قوله تعالى: {لقد ~~حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون} [يس: 7]. وقوله تعالى: {فعميت عليهم ~~الأنبآء يومئذ فهم لا يتسآءلون} [القصص: 66] و {إن شر الدواب عند الله ~~الذين كفروا فهم لا يؤمنون} [الأنفال: 55]. # PageV01P157 # نكتة تقديم "مثل" و "غير" مسند إليهما # ومما يرى تقديم الاسم فيه كاللازم (مثل) و (غير) في نحو قوله [من ~~السريع]: # مثلك يثني المزن عن صوبه ... ويسترد الدمع عن غربه # وقول الناس: (مثلك رعى الحق والحرمة. وكقول الذي قال له الحجاج: (لأحملنك ~~على الأدهم). يريد القيد، فقال على سبيل المغالطة: (ومثل الأمير يحمل على ~~الأدهم والأشهب)، وما أشبه ذلك، مما لا يقصد فيه ب "مثل" إلى إنسان سوى ~~الذي أضيف إليه، ولكنهم يعنون أن كل من كان مثله في الحال والصفة، كان من ~~مقتضى القياس وموجب العرف والعادة؛ أن يفعل ما ذكر أو أن لا يفعل. ومن أجل ~~أن المعنى كذلك، قال [من السريع]: # ولم أقل "مثلك" أعني به ... سواك يا فردا بلا مشبه # وكذلك حكم (غير) إذا سلك به هذا المسلك فقيل: (غيري يفعل ذاك)، على معنى ~~أني لا أفعله، لا أن يومئ "بغير" إلى إنسان فيخبر عنه بأن يفعل، كما قال ~~[من البسيط]: # غيري بأكثر هذا الناس ينخدع # وذاك أنه معلوم أنه لم يرد أن يعرض بواحد كان هناك، فيستنقصه ويصفه بأنه ~~مضعوف يغر ويخدع، بل ms126 لم يرد إلا أن يقول: إني لست ممن ينخدع ويغتر. # وكذلك لم يرد أبو تمام بقوله [من الوافر]: # وغيري يأكل المعروف سحتا ... وتشحب عنده بيض الأيادي # أن يعرض مثلا، بشاعر سواه، فيزعم أن الذي قرف به عند الممدوح، من أنه ~~هجاه، كان من ذلك الشاعر لا منه، هذا محال؛ بل ليس إلا أنه نفى عن نفسه أن ~~يكون ممن يكفر النعمة ويلؤم. # PageV01P158 # واستعمال "مثل" و "غير" على هذا السبيل، شيء مركوز في الطباع، وهو جار في ~~عادة كل قوم؛ فأنت الآن إذا تصفحت الكلام، وجدت هذين الاسمين يقدمان أبدا ~~على الفعل، إذا نحي بهما هذا النحو الذي ذكرت لك، وترى هذا المعنى لا ~~يستقيم فيهما إذا لم يقدما. أفلا ترى أنك لو قلت "يثني المزن عن صوبه مثلك، ~~ورعى الحق والحرمة، مثلك، ويحمل على الأدهم والأشهب مثل الأمير، وينخدع ~~غيري بأكثر هذا الناس، ويأكل غيري المعروف سحتا"، رأيت كلاما مقلوبا عن ~~جهته، ومغيرا عن صورته، ورأيت اللفظ قد نبا عن معناه، ورأيت الطبع يأبى أن ~~يرضاه. # التقديم والتأخير في الخبر والاستفهام سواء # واعلم أن معك دستورا لك فيه، إن تأملت غنى عن كل ما سواه؛ وهو أنه لا ~~يجوز أن يكون لنظم الكلام وترتيب أجزائه في الاستفهام معنى، لا يكون له ذلك ~~المعنى في الخبر؛ وذاك أن الاستفهام استخبار، والاستخبار هو طلب من المخاطب ~~أن يخبرك؛ فإذا كان كذلك، كان محالا أن يفترق الحال بين تقديم الاسم ~~وتأخيره في الاستفهام. فيكون المعنى إذا قلت: (أزيد قام)، غيره إذا قلت: ~~(أقام زيد؟) ثم لا يكون هذا الافتراق في الخبر ويكون قولك "زيد قام" و "قام ~~زيد" سواء؛ ذاك لأنه يؤدي إلى أن تستعلمه أمرا لا سبيل فيه إلى جواب، وأن ~~تستثبته المعنى على وجه، ليس عنده عبارة يثبته لك بها على ذلك الوجه. # وجملة الأمر أن المعنى في إدخالك حرف الاستفهام على الجملة من الكلام، هو ~~أنك تطلب أن يقفك في معنى تلك الجملة ومؤداها على إثبات أو نفي. فإذا قلت: ms127 ~~(أزيد منطلق)؟ فأنت تطلب أن يقول لك: (نعم هو منطلق). أو يقول: (لا ما هو ~~منطلق). وإذا كان ذلك كذلك، كان محالا أن تكون الجملة إذا دخلتها همزة ~~الاستفهام استخبارا عن المعنى، على وجه لا تكون هي، إذا نزعت منها الهمزة ~~إخبارا به على ذلك الوجه، فاعرفه!. # PageV01P159 ### | فصل: تقديم النكرة على الفعل وعكسه # هذا كلام في النكرة، إذا قدمت على الفعل أو قدم الفعل عليها. # إذا قلت: (أجاءك رجل؟) فأنت تريد أن تسأله: هل كان مجي من أحد من الرجال ~~إليه؟ فإن قدمت الاسم، فقلت: (أرجل جاءك؟) فأنت تسأله عن جنس من جاءه: أرجل ~~هو أم امرأة؟ ويكون هذا منك إذا كنت علمت أنه قد أتاه آت، ولكنك لم تعلم ~~جنس ذلك الآتي. فسبيلك في ذلك: سبيلك إذا أردت أن تعرف عين الآتي، فقلت: ~~أزيد جاءك أم عمرو؟ ولا يجوز تقديم الاسم في المسألة الأولى، لأن تقديم ~~الاسم يكون إذا كان السؤال عن الفاعل، والسؤال عن الفاعل يكون: إما عن عينه ~~أو عن جنسه ولا ثالث؛ وإذا كان كذلك، كان محالا أن تقدم الاسم النكرة وأنت ~~لا تريد السؤال عن الجنس، لأنه لا يكون لسؤالك حينئذ متعلق من حيث لا يبقى ~~بعد الجنس إلا العين. والنكرة لا تدل على عين شيء فيسأل بها عنه. فإن قلت: ~~(أرجل طويل جاءك أم قصير)؟ كان السؤال عن أن الجائي من جنس طوال الرجال أم ~~قصارهم؟ فإن وصفت النكرة بالجملة، فقلت: (أرجل كنت عرفته من قبل، أعطاك ~~هذا، أم رجل لم تعرفه)؟ كان السؤال عن المعطي: أكان ممن عرفه قبل، أم كان ~~إنسانا لم تتقدم منه معرفة. # PageV01P160 # وإذ قد عرفت الحكم في الابتداء بالنكرة في الاستفهام، فابن الخبر عليه. ~~فإذا قلت: (رجل جاءني)، لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك: رجل لا ~~امرأة؛ ويكون كلامك مع من عرف أن قد أتاك آت. فإن لم ترد ذاك، كان الواجب ~~أن تقول: (جاءني رجل) فتقدم الفعل. وكذلك إن قلت: (رجل طويل جاءني)، لم ~~يستقم ms128 حتى يكون السامع قد ظن أنه قد أتاك قصير، أن نزلته منزلة من ظن ذلك. ~~وقولهم: (شر أهر ذا ناب)، إنما قدم فيه (شر) لأن المراد أن يعلم أن الذي ~~أهر ذا الناب، هو من جنس الشر لا جنس الخير، فجرى مجرى أن يقول: (رجل ~~جاءني) تريد أن رجل لا امرأة. وقول العلماء إنه إنما يصلح، لأنه معنى "ما ~~أهر ذا ناب إلا شر"، بيان لذلك. ألا ترى أنك لا تقول: (ما أتاني إلا رجل) ~~إلا حيث يتوهم السامع أن قد أتتك امرأة. ذاك لأن الخبر بنقض النفي، يكون ~~حيث يراد أن يقصر الفعل على شيء وينفى عما عداه. فإذا قلت: (ما جاءني إلا ~~زيد) كان المعنى أنك قد قصرت المجيء على زيد، ونفيته عن كل من عداه وإنما ~~يتصور قصر الفعل على معلوم. ومتى لم يرد بالنكرة الجنس، لم يقف منها السامع ~~على معلوم حتى يزعم أني أقصر له الفعل عليه، وأخبره أنه كان منه دون غيره. # PageV01P161 # واعلم أنا لم نرد بما قلناه. من أنه إنما حسن الابتداء بالنكرة في قولهم ~~"شر أهر ذا ناب"، لأنه أريد به الجنس أن معنى "شر" و "الشر" سواء، وإنما ~~أردنا أن الغرض من الكلام، أن نبين أن الذي أهر ذا الناب هو من جنس الشر لا ~~جنس الخير؛ كما أنا إذا قلنا في قولهم: (أرجل أتاك أم امرأة)، إن السؤال عن ~~الجنس، لم نرد بذلك أنه بمنزلة أن يقال: (الرجل أم المرأة أتاك)، ولكنا ~~نعني أن المعنى على أنك سألت عن الآتي: أهو من جنس الرجال أم جنس النساء؟ ~~فالنكرة إذن على أصلها من كونها لواحد من الجنس، إلا أن القصد منك لم يقع ~~إلى كونه واحدا، وإنما وقع إلى كونه من جنس الرجال. وعكس هذا أنك إذا قلت: ~~(أرجل أتاك أم رجلان)، كان القصد منك إلى كونه واحدا، دون كونه رجلا؛ فاعرف ~~ذلك أصلا: وهو أنه قد يكون في اللفظ دليل على أمرين، ثم يقع القصد إلى ~~أحدهما دون الآخر، فيصير ms129 ذلك الآخر بأن لم يدخل في القصد، كأنه لم يدخل في ~~دلالة اللفظ. وإذا اعتبرت ما قدمته من قول صاحب الكتاب: إنك قلت "عبد الله" ~~فنبهته له، ثم بنيت عليه الفعل، وجدته يطابق هذا. وذاك أن التنبيه لا يكون ~~إلا على معلوم، كما أن قصر الفعل لا يكون إلا على معلوم. فإذا بدأت بالنكرة ~~فقلت: رجل، وأنت لا تقصد بها الجنس، وأن تعلم السامع أن الذي أردت بالحديث: ~~رجل، لا امرأة، كان محالا أن تقول: إني قدمته لأنبه المخاطب له: لأنه يخرج ~~بك إلى أن تقول: إني أردت أن أنبه السامع لشيء لا يعلمه في جملة ولا تفصيل: ~~وذلك ما لا يشك في استحالته، فاعرفه! # PageV01P162 ### | باب الحذف ونكته ### | فصل: القول في الحذف - المبتدأ # هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر؛ فإنك ترى به ~~ترك الذكر، أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة، أزيد للإفادة؛ وتجدك أنطق ما ~~تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن؛ وهذه جملة قد تنكرها حتى ~~تخبر، وتدفعها حتى تنظر. # وأنا أكتب لك بديئا أمثلة مما عرض فيه الحذف، ثم أنبهك على صحة ما أشرت ~~إليه، وأقيم الحجة من ذلك عليه، صاحب الكتاب [من البسيط]: # اعتاد قلبك من ليلى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل # ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكل حيران سار ماؤه خضل # قال: أراد: ذاك ربع قواء، أو هو ربع: قال، ومثله قول الآخر [من البسيط]: # هل تعرف اليوم رسم الدار والطللا ... كما عرفت بجفن الصنيقل الخللا # دار لمروة إذ أهلي وأهلهم ... بالكانسية نرعى اللهو والغزلا # كأنه قال: تلك دار: قال شيخنا رحمه الله: ولم يحمل البيت الأول على أن ~~(الربع) بدل من (الطلل) لأن الربع أكثر من الطلل؛ والشيء يبدل مما هو مثله ~~أو أكثر منه، فأما الشيء من أقل منه، ففاسد لا يتصور. وهذه طريقة مستمرة ~~لهم، إذا ذكروا الديار والمنازل. وكما يضمرون المبتدأ فيرفعون، فقد يضمرون ~~الفعل، فينصبون، كبيت الكتاب أيضا [من البسيط]: # ديار مية إذ ms130 مي تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب # أنشده بنصب "ديار" على إضمار فعل، كأنه قال: أذكر ديار مية. # ومن المواضع التي يطرد فيه حذف المبتدإ: القطع والاستئناف؛ يبدأون بذكر ~~الرجل ويقدمون بعض أمره، ثم يدعون الكلام الأول ويستأنفون كلاما آخر. وإذا ~~فعلوا ذلك أتوا في أكثر الأمر، بخبر من غير مبتدإ. مثال ذلك قوله [من مجزوء ~~الكامل]: # وعلمت أني يوم ذا ... ك منازل كعبا ونهدا # قوم إذا لبسوا الحدي ... د تنمروا حلقا وقدا # وقوله من [الوافر]: # هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاؤوا # PageV01P163 # بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب الشفاء # وقوله [من الطويل]: # رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر # غلام رماه الله بالخير مقبلا ... له سيمياء لا تشق على البصر # وقوله [من الطويل]: # إذا ذكر ابنا العنبرية لم تضق ... ذراعي وألقى باسته من أفاخر # هلالان حمالان في كل شتوة ... من الثقل ما لا تستطيع الأباعر # حمالان: خبر ثان وليس بصفة كما يكون لو قلت مثلا: رجلان حمالان: # ومما اعتيد فيه أن يجيء خبرا قد بني على مبتدأ محذوف، قولهم بعد أن ~~يذكروا الرجل: فتى من صفته كذا، وأغر من صفته كيت وكيت كقوله [من الطويل]: # ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى ... ولا عرف إلا قد تولى وأدبرا # فتى حنظلي ما تزال ركابه ... تجود بمعروف وتنكر منكرا # وقوله [من الطويل]: # سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت # فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت # ومن ذلك قول جميل [من البسيط]: # وهل بثينة ياللناس قاضيتي ... ديني وفاعلة خيرا فأجزيها # ترنو بعيني مهاة أقصدت بهما ... قلبي عشية ترميني وأرميها # هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... ري العظام بلين العيش غاذيها # وقوله [من الكامل]: # إني، عشية رحت وهي حزينة ... تشكو إلي صبابة، لصبور # وتقول بت عندي - فديتك - ليلة ... أشكو إليك فإن ذاك يسير # غراء مبسام كأن حديثها ... در تحدر نظمه منثور # محطوطة المتنين مضمرة الحشا ms131 ... ري الروادف خلقها ممكور # وقول الأقيشر في ابن عم له موسر، سأله فمنعه وقال: (كم أعطيك مالي وأنت ~~تنفقه فيما لا يعنيك والله لا أعطيك!) فتركه حتى اجتمع القوم في ناديهم وهو ~~فيهم، فشكاه إلى القوم وذمه، فوثب إليه ابن عمه، فلطمه. فأنشأ يقول [من ~~الطويل]: # سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع # PageV01P164 # حريص على الدنيا مضيع لدينه ... وليس لما في بيته بمضيع # فتأمل الآن هذه الأبيات كلها، واستقرها واحدا واحدا، وانظر إلى موقعها في ~~نفسك، وإلى ما تجده من اللطف والظرف، إذا أنت مررت بموضع الحذف منها، ثم ~~قلبت النفس عما تجد وألطفت النظر فيما تحس به. ثم تكلف أن ترد ما حذف ~~الشاعر، وأن تخرجه إلى لفظك، وتوقعه في سمعك، فإنك تعلم أن الذي قلت كما ~~قلت، وأن رب حذف هو قلادة الجيد، وقاعدة التجويد؛ وإن أردت ما هو أصدق في ~~ذلك شهادة، وأدل دلالة، فانظر إلى قول عبد الله بن الزبير يذكر غريما له قد ~~ألح عليه [من الطويل]: # عرضت على زيد ليأخذ بعض ما ... يحاوله قبل اعتراض الشواغل # فدب دبيب البغل يألم ظهره ... وقال تعلم أنني غير فاعل # تثاءب حتى قلت: داسع نفسه ... وأخرج أنيابا له كالمعاول # الأصل: حتى قلت: هو داسع نفسه) أي حسبته من شدة التثاؤب، ومما به من ~~الجهد، يقذف نفسه من جوفه، ويخرجها من صدره، كما يدسع البعير جرته. ثم إنك ~~ترى نصبة الكلام وهيئته، تروم منك أن تنسى هذا المبتدأ، أو تباعده عن وهمك، ~~وتجتهد أن لا يدور في خلدك، ولا يعرض لخاطرك؛ وتراك كأنك تتوقاه توقي الشيء ~~يكره مكانه، والثقيل يخشى هجومه. # ومن لطيف الحذف، قول بكر بن النطاح [من السريع]: # العين تبدي الحب والبغضا ... وتظهر الإبرام والنقضا # درة ما أنصفتني في الهوى ... ولا رحمت الجسد المنضى # غضبى ولا والله يا أهلها ... لا أطعم البارد أو ترضى # يقول في جارية كان يحبها وسعي به إلى أهلها، فمنعوها منه. والمقصود قوله ~~(غضبى)، وذلك أن التقدير "هي غضبى" ms132 أو "غضبى هي" لا محالة. إلا أنك ترى ~~النفس كيف تتفادى من إظهار هذا المحذوف، وكيف تأنس إلى إضماره، وترى ~~الملاحة كيف تذهب إن أنت رمت التكلم به. # PageV01P165 # ومن جيد الأمثلة في هذا الباب، قول الآخر يخاطب امرأته وقد لامته على ~~الجود [من الكامل]: # قالت سمية قد غويت بأن رأت ... حقا تناوب ما لنا ووفودا # غي لعمرك لا أزال أعوده ... ما دام مال عندنا موجودا # المعنى "ذاك غي لا أزال أعود إليه فدعي عنك لومي". # وإذ قد عرفت هذه الجملة من حال الحذف في المبتدأ، فاعلم أن ذلك سبيله في ~~كل شيء؛ فما من اسم أو فعل تجده قد حذف، ثم أصيب به موضعه، وحذف في الحال ~~ينبغي أن يحذف فيها، إلا وأنت تجد حذفه هناك أحسن من ذكره، وترى إضماره في ~~النفس أولى وآنس من النطق به. # القول في الحذف - المفعول به # PageV01P166 # وإذ قد بدأنا في الحذف، بذكر المبتدأ، وهو حذف اسم - إذ لا يكون المبتدأ ~~إلا اسما - فإني أتبع ذلك ذكر المفعول به إذا حذف خصوصا؛ فإن الحاجة إليه ~~أمس، وهو بما نحن بصدده أخص، واللطائف كأنها فيه أكثر، وما يظهر بسببه من ~~الحسن والرونق أعجب وأظهر. وهاهنا أصل يجب ضبطه: وهو أن حال الفعل مع ~~المفعول الذي يتعدى إليه، حاله مع الفاعل. وكما أنك إذا قلت: (ضرب زيد)، ~~فأسندت الفعل إلى الفاعل، كان غرضك من ذلك أن تثبت الضرب فعلا له، لا أن ~~تفيد وجود الضرب في نفسه، وعلى الإطلاق. كذلك إذا عديت الفعل إلى المفعول، ~~فقلت: (ضرب زيد عمرا)، كان غرضك أن تفيد التباس الضرب الواقع من الأول ~~بالثاني ووقوعه عليه؛ فقد اجتمع الفاعل والمفعول، في أن عمل الفعل فيهما ~~إنما كان من أجل أن يعلم التباس المعنى الذي اشتق منه بهما. فعمل الرفع في ~~الفاعل، ليعلم التباس الضرب به من جهة وقوعه منه، والنصب في المفعول، ليعلم ~~التباسه به من جهة وقوعه عليه؛ ولم يكن ذلك ليعلم وقوع الضرب في نفسه؛ بل ~~إذا أريد الإخبار ms133 بوقوع الضرب ووجوده في الجملة، من غير أن ينسب إلى فاعل ~~أو مفعول، أو يتعرض لبيان ذلك، فالعبارة فيه أن يقال: (كان ضرب، أو وقع ضرب ~~أو وجد ضرب)، وما شاكل ذلك من ألفاظ تفيد الوجود المجرد في الشيء. # PageV01P167 # وإذ قد عرفت هذه الجملة، فاعلم أن أغراض الناس تختلف في ذكر الأفعال ~~المتعدية. فهم يذكرونها تارة ومرادهم أن يقتصروا على إثبات المعاني التي ~~اشتقت منها للفاعلين، من غير أن يتعرضوا لذكر المفعولين؛ فإذا كان الأمر ~~كذلك، كان الفعل المتعدي كغير المتعدي، مثلا في أنك لا ترى له مفعولا لا ~~لفظا ولا تقديرا. ومثال ذلك قول الناس: (فلان يحل ويعقد، ويأمر وينهى، ويضر ~~وينفع)، وكقولهم: (هو يعطي ويجزل، ويقري ويضيف)؛ المعنى في جميع ذلك، على ~~إثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق وعلى الجملة، من غير أن يتعرض ~~لحديث المفعول، حتى كأنك قلت: صار إليه الحل والعقد، وصار بحيث يكون منه: ~~حل وعقد وأمر ونهي وضر ونفع، وعلى هذا القياس؛ وعلى ذلك قوله تعالى: {قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9]. # المعنى: هل يستوي من له علم ومن لا علم له، من غير أن يقصد النص على ~~معلوم. وكذلك قوله تعالى: {وأنه هو أضحك وأبكى * وأنه هو أمات وأحيا} ~~[النجم: 43 - 44] وقوله: {وأنه هو أغنى وأقنى} [النجم: 48]. المعنى: هو ~~الذي منه الإحياء والإماتة، والإغناء والإقناء. وهكذا كل موضع كان القصد ~~فيه أن يثبت المعنى في نفسه فعلا للشيء، وأن يخبر بأن من شأنه أن يكون منه، ~~أو لا يكون إلا منه، أو لا يكون منه. فإن الفعل لا يعدى هناك، لأن تعديته ~~تنقض الغرض وتغير المعنى. ألا ترى أنك إذا قلت: (هو يعطي الدنانير)، كان ~~المعنى على أنك قصدت أن تعلم السامع أن الدنانير تدخل في عطائه، أو أنه ~~يعطيها خصوصا دون غيرها، وكان غرضك على الجملة، بيان جنس ما تناوله ~~الإعطاء، لا الإعطاء في نفسه، ولم يكن كلامك مع من نفى أن يكون كان منه ~~إعطاء بوجه من ms134 الوجوه، بل مع من أثبت له إعطاء إلا أنه لم يثبت إعطاء ~~الدنانير؛ فاعرف ذلك! فإنه أصل كبير عظيم النفع. # فهذا قسم من خلو الفعل عن المفعول، وهو أن لا يكون له مفعول يمكن النص ~~عليه. # PageV01P168 # وقسم ثان، وهو أن يكون له مفعول مقصود قصده معلوم، إلا أنه يحذف من اللفظ ~~لدليل الحال عليه؛ وينقسم إلى جلي صنعة فيه، وخفي تدخله الصنعة. # فمثال الجلي قولهم: (أصغيت إليه). وهم يريدون: أذني، و: (أغضبت عليه)، ~~والمعنى: جفني. # وأما الخفي الذي تدخله الصنعة، فيتفنن ويتنوع. فنوع منه، أن تذكر الفعل، ~~وفي نفسك له مفعول مخصوص قد علم مكانه إما لجزي ذكر أو دليل حال، إلا أنك ~~تنسيه نفسك وتخفيه، وتوهم أنك لم تذكر ذلك الفعل، إلا لأن تثبت نفس معناه، ~~من غير أن تعديه إلى شيء، أو تعرض فيه لمفعول. ومثاله قول البحتري [من ~~الخفيف]: # شجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع # المعنى، لا محالة، أن يرى مبصر محاسنه ويسمع واع أخباره وأوصافه؛ ولكنك ~~تعلم على ذلك، أنه كان يسرق علم ذلك من نفسه، ويدفع صورته عن وهمه، ليحصل ~~له معنى شريف وغرض خاص؛ وقال إنه يمدح خليفة هو المعتز، ويعرض بخليفة وهو ~~المستعين، فأراد أن يقول: (إن محاسن المعتز وفضائله المحاسن والفضائل، يكفي ~~فيها أن يقع عليها بصر ويعيها سمع، حتى يعلم أنه المستحق للخلافة، والفرد ~~الوحيد الذي ليس لأحد أن ينازعه مرتبتها، فأنت ترى حساده وليس شيء أشجى لهم ~~وأغيظ من علمهم بأن هاهنا مبصرا يرى وسامعا يعي، حتى ليتمنون أن لا يكون في ~~الدنيا من له عين يبصر بها، وأذن يعي معها، كي يخفى مكن استحقاقه لشرف ~~الإمامة، فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته إياها. # (وهذا نوع آخر منه) وهو أن يكون معك مفعول معلوم مقصود، قصده قد علم أنه ~~ليس للفعل الذي ذكرت مفعول سواه، بدليل الحال، أو ما سبق من الكلام، إلا ~~أنك تطرحه وتتناساه، وتدعه يلزم ضمير النفس لغرض غير الذي مضى، وذلك الغرض ~~أن تتوفر ms135 العناية على إثبات الفعل للفاعل وتخلص له وتنصرف بجملتها وكما هي ~~إليه. ومثاله قول عمرو بن معدي كرب [من الطويل]: # PageV01P169 # فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت # "أجرت" فعل متعد، ومعلوم أنه لو عداه لما عداه إلا إلى ضمير المتكلم، نحو ~~"ولكن الرماح أجرتني" وأنه لا يتصور أن يكون هاهنا شيء آخر يتعدى إليه، ~~لاستحالة أن يقول: (فلو أن قومي أنطقتني رماحهم، ثم يقول: ولكن الرماح أجرت ~~غيري). إلا أنك تجد المعنى يلزمك أن لا تنطق بهذا المفعول، ولا تخرجه إلى ~~لفظك؛ والسبب في ذلك أن تعديتك له، توهم ما هو خلاف الغرض؛ وذلك أن الغرض ~~هو أن يثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس الألسن عن النطق، وأن يصحح وجود ~~ذلك. ولو قال: "أجرتني" جاز أن يتوهم أنه لم يعن بأن يثبت للرماح إجرارا، ~~بل الذي عناه أن يتبين أنها أجرته؛ فقد يذكر الفعل كثيرا والغرض منه ذكر ~~المفعول. مثاله أنك تقول: (أضربت زيدا؟) وأنت لا تنكر أن يكون كان من ~~المخاطب ضرب، وإنما تنكر أن يكون وقع الضرب منه على زيد، وأن يستجيز ذلك أو ~~يستطيعه. فلما كان في تعدية "أجرت" ما يوهم ذلك، وقف، فلم يعد البتة، ولم ~~ينطق بالمفعول، لتخلص العناية لإثبات الإجرار للرماح، ويصحح أنه كان منها، ~~وتسلم بكليتها لذلك. # ومثله قول جرير [من الوافر]: # أمنيت المنى وخلبت حتى ... تركت ضمير قلبي مستهاما # الغرض أن يثبت أنه كان منها تمنية وخلابة، وأن يقول لها: أهكذا تصنعين ~~وهذه حيلتك في فتنة الناس؟ # ومن بارع ذلك ونادره، ما تجده في هذه الأبيات: روى المرزباني في "كتاب ~~الشعر" بإسناد قال: لما تشاغل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، بأهل الردة، ~~استبطأته الأنصار، فقال: إما كلفتموني أخلاق رسول الله صلى الله عليه سلم. ~~فوالله ما ذاك عندي ولا عند أحد من الناس. ولكني والله ما أوتي من مودة لكم ~~ولا حسن رأي فيكم؛ وكيف لا نحبكم! فوالله ما وجدت مثلا لنا ولكم إلا ما قال ~~طفيل الغنوي ms136 لبني جعفر بن كلاب [من الطويل]: # PageV01P170 # جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت # أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لاقوه منا لملت # هم خلطونا بالنفوس وألجأوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت # فيها حذف مفعول مقصود قصده في أربعة مواضع قوله [لملت وألجأوا وأدفأت ~~وأظلت)، لأن الأصل "لملتنا وألجأونا إلى حجرات أدفأتنا وأظلتنا" إلا أن ~~الحال على ما ذكرت لك من أنه في حد المتناهي، حتى كأن لا قصد إلى مفعول، ~~وكأن الفعل قد أبهم أمره، فلم يقصد به قصد شيء يقع عليه، كما يكون إذا قلت: ~~(قد مل فلان)، تريد أن تقول: قد دخله الملال: من غير أن تخص شيئا، بل لا ~~تزيد على أن تجعل الملال من صفته. وكما تقول: (هذا بيت يدفئ ويظل). تريد ~~أنه بهذه الصفة. # PageV01P171 # واعلم أن لك في قوله: (أجرت ولملت): فائدة أخرى زائدة على ما ذكرت، من ~~توفير العناية على إثبات الفعل، وهي أن تقول: كان من سوء بلاء القوم ومن ~~تكذيبهم عن القتال، ما يجر مثله، وما القضية فيه أنه لا يتفق على قوم إلا ~~خرس شاعرهم فلم يستطع نطقا: وتعديتك الفعل تمنع من هذا المعنى، لأنك إذا ~~قلت: (ولكن الرماح أجرتني): لم يمكن أن يتأول، على معنى أنه كان منها ما ~~شأن مثله أن يجر قضية مستمرة في كل شاعر قوم؛ بل قد يجوز أن يوجد مثله في ~~قوم آخرين فلا يجر شاعرهم. ونظيره أنك تقول: (قد كان منك ما يؤلم): تريد ما ~~الشرط في مثله أن يؤلم كل أحد وكل إنسان. ولو قلت: (ما يؤلمني):، لم يفد ~~ذلك، لأنه قد يجوز أن يؤلمك الشيء لا يؤلم غيرك وهكذا قوله: (ولو أن أمنا ~~تلاقي الذي لاقوه منا لملت: يتضمن أن من حكم مثله في كل أم أن تمل وتسأم، ~~وأن المشقة في ذلك إلى حد يعلم أن الأم تمل له الابن، وتتبرم به، مع ما في ~~طباع الأمهات من الصبر على المكاره في مصالح الأولاد؛ وذلك أنه ms137 وإن قال ~~(أمنا) فإن المعنى على أن ذلك حكم كل أم مع أولادها. ولو قلت (لملتنا) لم ~~يحتمل ذلك، لأنه يجري مجرى أن تقول: (لو لقيت أمنا ذلك، لدخلها ما يملها ~~منا). وإذا قلت: (ما يملها منا؟) فقيدت، لم يصلح لأن يراد به معنى العموم، ~~وأنه بحيث يمل كل أم من كل ابن. وكذلك قوله: (إلى حجرات أدفأت وأظلت): لأن ~~فيه معنى قولك "حجرات" من شأن مثلها أن تدفئ وتظل؛ أي هي بالصفة التي إذا ~~كان البيت عليها أدفأ وأظل؛ ولا يجيء هذا المعنى مع إظهار المفعول. # PageV01P172 # إذ لا تقول: (حجرات من شأن مثلها أن تدفئنا وتظلنا): هذا لغو من الكلام، ~~وفاعرف هذه النكتة، فإنك تجدها في كثير من هذا الفن، مضمومة إلى المعنى ~~الآخر الذي هو توفير العناية على إثبات الفعل والدلالة على أن القصد من ذكر ~~الفعل، أن تثبته لفاعله، لا أن تعلم التباسه بمفعوله. # وإن أردت أن تزداد تبيينا لهذا الأصل، أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر ~~العناية على إثبات الفعل لفاعله، ولا يدخلها شوب، فانظر إلى قوله تعالى: ~~{ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء وأبونا شيخ كبير * ~~فسقى لهما ثم تولى إلى الظل} [القصص: 23 - 24] ففيها حذف مفعول في أربعة ~~مواضع: إذ المعنى: وجد عليه أمة من الناس يسقون أغنامهم، أو مواشيهم، ~~وامرأتين تذودان غنمهما، وقالتا لا نسقي غنمنا، فسقى لهما غنمهما. ثم إنه ~~لا يخفى على ذي بصر، أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره ويؤتى بالفعل ~~مطلقا، وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقي ~~ومن المرأتين ذود وأنهما قالتا: لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء؛ وأنه كان ~~من موسى عليه السلام، من بعد ذلك سقي. فأما ما كان المسقي أغنما أم إبلا أم ~~غير ذلك، فخارج عن الغرض وموهم خلافه؛ وذاك أنه لو قيل: ms138 وجد من دونهم ~~امرأتين تذودان غنمهما: جاز أن يكون لم ينكر الذود من حيث هو ذود بل من حيث ~~هو ذود غنم، حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذود؛ كما أنك إذا قلت: ~~مالك تمنع أخاك؟ كنت منكرا المنع لا من حيث هو منع بل من حيث هو منع أخ، ~~فاعرفه تعلم أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الروعة والحسن ما ~~وجدت، إلا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة، وأن الغرض لا يصح إلا على ~~تركه. # PageV01P173 # ومما هو كأنه نوع آخر غير ما مضى، قول البحتري [من الطويل]: # إذا بعدت أبلت وإن قربت شفت ... فهجرانها يبلي ولقيانها يشفي # قد علم أن المعنى "إذا بعدت عني أبلتني وإن قربت مني شفتني" إلا أنك تجد ~~الشعر يأبى ذكر ذلك ويوجب أطراحه، وذاك لأنه أراد أن يجعل البلى كأنه واجب ~~في بعادها أن يوجبه ويجلبه وكأنه كالطبيعة فيه، وكذلك حال الشفاء مع القرب ~~حتى كأنه قال: أتدري ما بعادها؟ هو الداء المضني. وما قربها؟ هو الشفاء ~~والبرء من كل داء. ولا سبيل لك إلى هذه اللطيفة وهذه النكتة إلا بحذف ~~المفعول البتة، فاعرفه! وليس لنتائج هذا الحذف، أعني حذف المفعول، نهاية. ~~فإنه طريق إلى ضروب من الصنعة وإلى لطائف لا تحصى. # (وهذا نوع منه آخر). إعلم أن هاهنا بابا من الإضمار والحذف، يسمى: # الإضمار على شريطة التفسير # وذلك مثل قولهم: (أكرمني وأكرمت عبد الله)، أردت "أكرمني عبد الله وأكرمت ~~عبد الله" ثم تركت ذكره في الأول استغناء بذكره في الثاني. فهذا طريق معروف ~~ومذهب ظاهر وشيء لا يعبأ به ويظن أنه ليس فيه أكثر مما تريك الأمثلة ~~المذكورة منه. وفيه إذا أنت طلبت الشيء من معدنه، من دقيق الصنعة ومن جليل ~~الفائدة، ما لا تجده إلا في كلام الفحول. # فمن لطيف ذلك ونادره، قول البحتري [من الكامل]: # لو شئت لم تفسد سماحة "حاتم" ... كرما، ولم تهدم مآثر "خالد" # PageV01P174 # الأصل، لا محالة، لو شئت أن لا تفسد سماحة ms139 حاتم لم تفسدها، ثم حذف ذلك من ~~الأول استغناء بدلالته في الثاني عليه؛ ثم هو على ما تراه وتعلمه من الحسن ~~والغرابة. وهو على ما ذكرت لك من أن الواجب في حكم البلاغة، أن لا ينطق ~~بالمحذوف ولا يظهر إلى اللفظ؛ فليس يخفى أنك لو رجعت فيه إلى ما هو أصله ~~فقلت: (لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها)، صرت إلى كلام غث وإلى شيء ~~يمجه السمع وتعافه النفس، وذلك أن في البيان إذا ورد بعد الإبهام وبعد ~~التحريك له أبدا، لطفا ونبلا لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك، وأنت إذا قلت: ~~"لو شئت": علم السامع أنك قد علقت هذه المشيئة في المعنى بشيء. فهو يضع في ~~نفسه أن هاهنا شيئا تقتضي مشيئته له أن يكون أو أن لا يكون؛ فإذا قلت: "لم ~~تفسد سماحة حاتم"، عرف ذلك الشيء. ومجيء المشيئة بعد "لو" وبعد حروف الجزاء ~~هكذا، موقوفة غير معداة إلى شيء كثير شائع، كقوله تعالى: {ولو شآء الله ~~لجمعهم على الهدى} [الأنعام: 35] {ولو شآء لهداكم أجمعين} [النحل: 9] ~~والتقدير في ذلك كله على ما ذكرت. فالأصل: "لو شاء الله أن يجمعهم على ~~الهدى لجمعهم" "ولو شاء أن يهديكم أجمعين لهداكم". إلا أن البلاغة في أن ~~يجاء به كذلك محذوفا. وقد يتفق في بعضه، أن يكون إظهار المفعول هو الأحسن، ~~وذلك نحو قول الشاعر [من الطويل]: # ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع # فقياس هذا، لو كان على حد "ولو شاء الله لجمعهم على الهدى"، أن يقول: (لو ~~شئت بكيت دما)، ولكنه كأنه ترك تلك الطريقة، وعدل إلى هذه لأنها أحسن في ~~هذا الكلام خصوصا. وسبب حسنه أنه كأنه بدع عجيب أن يشاء الإنسان أن يبكي ~~دما؛ فلما كان كذلك، كان الأولى أن يصرح بذكره ليقرره في نفس السامع ويؤنسه ~~به. # PageV01P175 # وإذا استقريت وجدت الأمر كذلك أبدا؛ متى كان مفعول المشيئة أمرا عظيما أو ~~بديعا غريبا، كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر. يقول الرجل ms140 يخبر عن عزة نفسه: ~~(لو شئت أن أرد على الأمير رددت، ولو شئت أن ألقى الخليفة كل يوم لقيت). ~~فإذا لم يكن مما يكبره السامع، فالحذف. كقولك: لو شئت خرجت، ولو شئت قمت، ~~ولو شئت أنصفت، ولو شئت لقلت. وفي التنزيل {لو نشآء لقلنا مثل هاذا} ~~[الأنفال: 31]. وكذا تقول: لو شئت كنت كزيد، قال [من البسيط]: # لو شئت كنت ككرز في عبادته ... أو كابن طارف حول البيت والحرم # وكذا الحكم في غيره من حروف المجازاة أن تقول: إن شئت قلت، وإن أردت ~~دفعت. قال الله تعالى: {فإن يشإ الله يختم على قلبك} [الشورى: 24] وقال عز ~~اسمه {من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} [الأنعام: 39]. ~~ونظائر ذلك من الآي ترى الحذف فيها المستمر. # ومما يعلم أن ليس فيه لغير الحذف وجه، قول طرفة [من الطويل]: # وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوي من القد محصد # وقول حميد [من الطويل]: # إذا شئت غنتني بأجزاع بيشة ... أو الزرق من تثليث أو بيلملما # مطوقة ورقاء تسجع كلما ... دنا الصيف وانجاب الربيع فأنجما # وقول البحتري [من الطويل]: # إذا شاء غادى صرمة أو غدا على ... عقائل سرب أو تقنص ربربا # وقوله [من الكامل]: # لو شئت عدت بلاد نجد عودة ... فحللت بين عقيقه وزروده # معلوم أنك لو قلت: (وإن شئت أن لا ترقل لم ترقل. أو قلت: إذا شئت أن ~~تغنيني بأجزاع بيشة غنتني، وإذا شاء أن يغادي صرمة غادى، ولو شئت أن تعود ~~بلاد نجد عودة عدتها): أذهبت الماء والرونق، وخرجت إلى كلام غث، ولفظ رث، ~~وأما قول الجوهري [من الطويل]: # فلم يبق مني الشوق غير تفكري ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا # PageV01P176 # فقد نحا به نحو قوله: ولو شئت أن أبكي دما لبكيته، فأظهر مفعول "شئت" ولم ~~يقل: (فلو شئت بكيت تفكرا) لأجل أن له غرضا لا يتم إلا بذكر المفعول؛ وذلك ~~أنه لم يرد أن يقول: (ولو شئت أن أبكي تفكرا، بكيت كذلك)، ولكنه أراد أن ~~يقول: قد أفناني ms141 النحول، فلم يبق مني وفي غير خواطر تجول، وعصرت عيني، ~~ليسيل منها دمع لم أجده، ويخرج بدل الدمع التفكر. فالبكاء الذي أراد إيقاع ~~المشيئة عليه، مطلق مبهم غير معدى إلى التفكر البتة، والبكاء الثاني مقيد ~~معدى إلى التفكر. وإذا كان الأمر كذلك، صار الثاني كأنه شيء غير الأول، ~~وجرى مجرى أن تقول: لوشئت أن تعطي درهما أعطيت درهمين، في أن الثاني لا ~~يصلح أن يكون تفسيرا للأول. # واعلم أن هذا الذي ذكرنا ليس بصريح "أكرمت وأكرمني عبد الله" ولكنه شبيه ~~به في أنه إنما حذف الذي حذف من مفعول المشيئة والإرادة، لأن الذي يأتي في ~~جواب (لو) وأخواتها، يدل عليه. # وإذا أردت ما هو صريح في ذلك، ثم هو نادر لطيف، ينطوي على معنى دقيق ~~وفائدة جليلة، فانظر إلى بيت البحتري [من الخفيف]: # قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا # المعنى قد طلبنا لك (مثلا) ثم حذف، لأن ذكره في الثاني يدل عليه. ثم إن ~~في المجيء به كذلك، من الحسن والمزية والروعة ما لا يخفى، ولو أنه قال: ~~(طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده، لم تر من هذا الحسن ~~الذي تراه شيئا. وسبب ذلك أن الذي هو الأصل في المدح والغرض بالحقيقة، هو ~~نفي الوجود عن المثل، فأما الطلب فكالشيء يذكر ليبنى عليه الغرض ويؤكد به ~~أمره. وإذا كان هذا كذلك، فلو أنه قال: قد طلبنا لك في السؤدد والمجد ~~والمكارم مثلا، فلم نجده، لكان يكون قد ترك أن يوقع نفي الوجود على صريح ~~لفظ "المثل"، وأوقعه على ضميره. ولن تبلغ الكناية مبلغ الصريح أبدا. # PageV01P177 # ويبين هذا كلام ذكره أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان والتبيين وأنا أكتب ~~لك الفصل حتى يستبين الذي هو المراد. قال: # "والسنة في خطبة النكاح أن يطيل الخاطب ويقصر المجيب، ألا ترى أن قيس بن ~~خارجة لما ضرب بسيفه مؤخرة راحلة الحاملين في شأن حمالة داحس، وقال: ما لي ~~فيها أيها العشمتان، قالا: بل ما عندك؟ قال: ms142 عندي قرى كل نازل، ورضى كل ~~ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل، وأنهى فيها ~~عن التقاطع. قالوا: فخطب يوما إلى الليل، فما أعاد كلمة ولا معنى. فقيل ~~لأبي يعقوب: هلا اكتفى بالأمر بالتواصل، عن النهي عن التقاطع؟ أو ليس الأمر ~~بالصلة هو النهي عن القطيعة؟ قال: أو ما علمت أن الكناية والتعريض، لا ~~يعملان في العقول عمل الإيضاح والتكشيف"؟ # انتهى الفصل الذي أردت أن أكتبه؛ فقد بصرك هذا أن لن يكون إيقاع نفي ~~الوجود على صريح لفظ "المثل" كإيقاعه على ضميره. # وإذ قد عرفت هذا، فإن هذا المعنى بعينه، قد أوجب في بيت ذي الرمة، أن يضع ~~اللفظ على عكس، ما وضعه البحتري، فيعمل الأول من الفعلين، وذلك قوله [من ~~الوافر]: # ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيما أن يكون أصاب مالا # PageV01P178 # أعمل "لم أمدح" الذي هو الأول في صريح لفظ اللئيم، و "أرضى" الذي هو ~~الثاني في ضميره، وذلك لأن إيقاع نفي المدح على اللئيم صريحا، والمجيء به ~~مكشوفا ظاهرا، هو الواجب من حيث كان أصل الغرض، وكان الإرضاء تعليلا له. ~~ولو أنه قال: ولم أمدح لأرضي بشعري لئيما، لكان يكون قد أبهم الأمر فيما هو ~~الأصل وأبانه فيما ليس بالأصل، فاعرفه ولهذا الذي ذكرنا من أن للتصريح عملا ~~لا يكون مثل ذلك العمل للكناية، كان لإعادة اللفظ في مثل قوله تعالى: ~~{وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} [الإسراء: 105] وقوله تعالى: {قل هو الله أحد ~~* الله الصمد} [الإخلاص: 1 - 2] من الحسن والبهجة، ومن الفخامة والنبل، ما ~~لا يخفى موضعه على بصير، وكان لو ترك فيه الإظهار إلى الإضمار، فقيل: ~~(وبالحق أنزلناه وبه نزل). و (قل هو الله أحد هو الصمد) لعدمت الذي أنت ~~واجده الآن. # PageV01P179 ### | فصل: القول في الحذف - نتيجة # قد بان الآن واتضح لمن نظر نظر المتثبت الحصيف الراغب في اقتداح زناد ~~العقل، والازدياد من الفضل، ومن شأنه التوق إلى أن يعرف الأشياء على ~~حقائقها، ويتغلغل إلى دقائقها، ويربأ بنفسه عن مرتبة المقلد الذي يجري مع ms143 ~~الظاهر، ولا يعدوا الذي يقع في أول الخاطر، أن الذي قلت في شأن الحذف، وفي ~~تفخيم أمره، والتنويه بذكره، وأن مأخذه مأخذ يشبه السحر، ويبهر الفكر، ~~كالذي قلت: وهذا فن آخر من معانيه عجيب وأنا ذاكر لك: # أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم # وهو يذكر محاماة الممدوح عليه وصيانته له ودفعه نوائب الزمان عنه [من ~~الطويل]: # وكم ذدت عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم # الأصل، لا محالة، (حززن اللحم إلى العظم)، إلا أن في مجيئه به محذوفا، ~~وإسقاطه له من النطق، وتركه في الضمير، مزية عجيبة وفائدة جليلة، وذاك أن ~~من حذق الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعا يمنعه به من أن يتوهم ~~في بدء الأمر شيئا غير المراد، ثم ينصرف إلى المراد؛ ومعلوم أنه لو أظهر ~~المفعول فقال: وسورة أيام حززن اللحم إلى العظم)، لجاز أن يقع في وهم ~~السامع، إلى أن يجيء إلى قوله: "إلى العظم"، أن هذا الحز كان في بعض اللحم ~~دون كله، وأنه قطع ما يلي الجلد ولم ينته إلى ما يلي العظم،؛ فلما كان ~~كذلك، ترك ذكر اللحم وأسقطه من اللفظ ليبرئ السامع من هذا، ويجعله بحيث يقع ~~المعنى منه في أنف الفهم، ويتصور في نفسه من أول الأمر، أن الحز مضى في ~~اللحم حتى لم يرده إلا العظم. أفيكون دليل أوضح من هذا، وأبين وأجلى في صحة ~~ما ذكرت لك، من أنك قد ترى ترك الذكر أفصح من الذكر، والامتناع من أن يبرز ~~اللفظ من الضمير، أحسن للتصوير؟ # PageV01P180 ### | فصل: القول على فروق في الخبر # أول ما ينبغي أن يعلم منه أنه يقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم ~~الفائدة دونه، وخبر ليس بجزء من الجملة، ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له. ~~فالأول خبر المبتدأ: (كمنطلق) في قولك: (زيد منطلق)، والفعل كقولك: (خرج ~~زيد). فكل واحد من هذين جزء من الجملة، وهو الأصل في الفائدة. والثاني هو ~~الحال. كقولك: (جاءني زيد راكبا). وذاك لأن الحال خبر ms144 في الحقيقة، من حيث ~~إنك تثبت بها المعنى لذي الحال، كما تثبته بخبر المبتدأ للمبتدأ، وبالفعل ~~للفاعل. ألا تراك قد أثبت الركوب، في قولك: "جاءني زيد راكبا" لزيد، إلا أن ~~الفرق أنك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، وهو أن تجعله بهذه ~~الهيئة في مجيئه؛ ولم تجرد إثباتك للركوب، ولم تباشره به، بل ابتدأت فأثبت ~~المجيء، ثم وصلت به الركوب، فالتبس به الإثبات على سبيل التبع للمجيء، ~~وبشرط أن يكون في صلته. وأما في الخبر المطلق، نحو "زيد منطلق وخرج عمرو" ~~فإنك مثبت للمعنى إثباتا جردته له، وجعلته يباشره من غير واسطة، ومن غير أن ~~يتسبب بغيره إليه، فاعرفه! # الاسم والفعل في الإثبات # وإذ قد عرفت هذا الفرق، فالذي يليه من فروق الخبر هو الفرق بين الإثبات ~~إذا كان بالاسم، وبينه إذا كان بالفعل؛ وهو فرق لطيف تمس الحاجة في علم ~~البلاغة إليه. وبيانه أن موضوع الاسم، على أن يثبت به المعنى للشيء، من غير ~~أن يقتضي تجدده شيئا بعد شيء. وأما الفعل فموضوعه، على أنه يقتضي تجدد ~~المعنى المثبت به شيئا بعد شيء، فإذا قلت: (زيد منطلق)، فقد أثبت الانطلاق ~~فعلا له، من غير أن تجعله يتجدد ويحدث منه شيئا فشيئا، بل يكون المعنى فيه ~~كالمعنى في قولك: (زيد طويل وعمرو قصير). فكما لا يقصد ههنا إلى أن تجعل ~~الطول أو القصر يتجدد ويحدث، بل توجبهما وتثبتهما فقط، وتقضي بوجودهما على ~~الإطلاق، كذلك لا تتعرض في قولك: (زيد منطلق)، لأكثر من إثباته لزيد. # PageV01P181 # وأما الفعل، فإنه يقصد فيه إلى ذلك. فإذا قلت: (زيد ها هو ذا ينطلق)، فقد ~~زعمت أن الانطلاق يقع منه جزءا فجزءا، وجعلته يزاوله ويزجيه. وإن شئت أن ~~تحس الفرق بينهما، من حيث يلطف، فتأمل هذا البيت [من البسيط]: # لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق # هذا هو الحسن اللائق بالمعنى، ولو قلته بالفعل: (لكن يمر عليها وهو ~~ينطلق)، لم يحسن. وإذا أردت أن تعتبره بحيث لا يخفى أن أحدهما لا ms145 يصلح في ~~موضع صاحبه فانظر إلى قوله تعالى: {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} [الكهف: ~~18] فإن أحدا لا يشك في امتناع الفعل ههنا؛ وأن قولنا: (كلبهم يبسط ~~ذراعيه)، لا يؤدي الغرض. وليس ذلك إلا لأن الفعل يقتضي مزاولة وتجدد الصفة ~~في الوقت، ويقتضي الاسم ثبوت الصفة وحصولها، من غير أن يكون هناك مزاولة ~~وتزجية فعل ومعنى يحدث شيئا فشيئا. ولا فرق بين "وكلبهم باسط" وبين أن ~~يقول: (وكلبهم واحد). مثلا في أنك لا تثبت مزاولة ولا تجعل الكلب يفعل ~~شيئا، بل تثبته بصفة هو عليها. فالغرض إذن تأدية هيئة الكلب. ومتى اعتبرت ~~الحال في الصفات المشبهة وجدت الفرق ظاهرا بينا، ولم يعترضك الشك في أن ~~أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه. فإذا قلت: (زيد طويل وعمرو قصير). لم يصلح ~~مكانه: يطول ويقصر، وإنما تقول: (يطول ويقصر) إذا كان الحديث عن شيء يزيد ~~وينمو، كالشجر والنبات والصبي ونحو ذلك مما يتجدد فيه الطول أو يحدث فيه ~~القصر. فأما وأنت تحدث عن هيئة ثابتة وعن شيء قد استقر طوله، ولم يكن ثم ~~تزايد وتجدد، فلا يصلح فيه إلا الاسم. # PageV01P182 # وإذا ثبت الفرق بين الشيئين في مواضع كثيرة، وظهر الأمر بأن ترى أحدهما ~~لا يصلح في موضع صاحبه، وجب أن تقضي بثبوت الفرق، حيث ترى أحدهما قد صلح في ~~مكان الآخر، وتعلم أن المعنى مع أحدهما، غيره مع الآخر، كما هو العبرة في ~~حمل الخفي على الجلي؛ وينعكس لك هذا الحكم. أعني أنك كما وجدت الاسم يقع ~~حيث لا يصلح الفعل مكانه، كذلك تجد الفعل يقع ثم لا يصلح الاسم مكانه، ولا ~~يؤدي ما كان يؤديه. # فمن البين في ذلك قول الأعشى [من الطويل]: # لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرق # تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق # معلوم أنه لو قيل: (إلى ضوء نار متحرقة) لنبا عنه الطبع وأنكرته النفس، ~~ثم لا يكون ذاك النبو وذاك الإنكار من أجل القافية، وأنها تفسد به، بل من ~~جهة أنه لا يشبه ms146 الغرض ولا يليق بالحال. # وكذلك قوله [من الكامل]: # أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلى عريفهم يتوسم # وذاك لأن المعنى في بيت الأعشى على أن هناك موقدا يتجدد منه الإلهاب ~~والإشعال حالا فحالا. وإذا قيل (متحرقة) كان المعنى أن هناك نارا قد ثبتت ~~لها، وفيها هذه الصفة، وجرى مجرى أن يقال: (إلى ضوء نار عظيمة)، في أنه لا ~~يفيد فعلا يفعل. وكذلك الحال في قوله: (بعثوا إلي عريفهم يتوسم). وذلك لأن ~~المعنى على توسم وتأمل ونظر يتجدد من العريف هناك، حالا فحالا، وتصفح منه ~~للوجوه واحدا بعد واحد. ولو قيل: (بعثوا إلي عريفهم متوسما)، لم يفد ذلك حق ~~الإفادة، ومن ذلك قوله تعالى: {هل من خالق غير الله يرزقكم من السمآء ~~والأرض} [فاطر: 3] لو قيل: (هل من خالق غير الله رازق لكم). لكان المعنى ~~غير ما أريد. # PageV01P183 # ولا ينبغي أن يغرك أنا إذ تكلمنا في مسائل المبتدأ والخبر، قدرنا الفعل ~~في هذا النحو تقدير الاسم كما نقول، في: "زيد يقوم": إنه في موضع "زيد ~~قائم"؛ فإن ذلك لا يقتضي أن يستوي المعنى فيها استواء لا يكون من بعده ~~افتراق. فإنهما لو استويا هذا الاستواء لم يكن أحدهما فعلا والآخر اسما، بل ~~كان ينبغي أن يكونا جميعا فعلين أو يكونا اسمين. # التعريف والتنكير في الإثبات # ومن فروق الإثبات أنك تقول: (زيد منطلق، وزيد المنطلق، والمنطلق زيد). ~~فيكون لك في كل واحد من هذه الأحوال، غرض خاص وفائدة لا تكون في الباقي. ~~وأنا أفسر لك ذلك. # إعلم أنك إذا قلت: (زيد منطلق)، كان كلامك مع من لم يعلم أن انطلاقا كان، ~~لا من زيد ولا من عمرو. فأنت تفيده ذلك ابتداء. وإذا قلت: (زيد المنطلق)، ~~كان كلامك مع من عرف أن انطلاقا كان، إما من زيد، وإما من عمرو؛ فأنت تعلمه ~~أنه كان من زيد دون غيره، والنكتة أنك تثبت في الأول الذي هو قولك: (زيد ~~منطلق)، فعلا لم يعلم السامع من أصله أنه كان، وتثبت في الثاني الذي هو ~~(زيد المنطلق) ms147 فعلا قد علم السامع أنه كان، لكنه لم يعلمه لزيد، فأفدته ~~ذلك؛ فقد وافق الأول في المعنى الذي له كان الخبر خبرا، وهو إثبات المعنى ~~للشيء، وليس يقدح في ذلك أنك كنت قد علمت أن انطلاقا كان من أحد الرجلين، ~~لأنك إذا لم تصل إلى القطع على أنه كان من زيد دون عمرو، كان حالك في ~~الحاجة إلى من كان يثبته لزيد، كحالك إذا لم تعلم أنه كان من أصله. # وتمام التحقيق أن هذا كلام يكون معك إذا كنت قد بلغت أنه كان من إنسان ~~انطلاق من موضع كذا في وقت كذا لغرض كذا، فجوزت أن يكون ذلك كان من زيد. ~~فإذا قيل لك: (زيد المنطلق): صار الذي كان معلوما على جهة الجواز معلوما ~~على جهة الوجوب. ثم إنهم إذا أرادوا تأكيد هذا الوجوب، أدخلوا الضمير ~~المسمى فصلا بين الجزءين فقالو: (زيد هو المنطلق). # PageV01P184 # ومن الفرق بين المسألتين - وهو مما تمس الحاجة إلى معرفته - أنك إذا نكرت ~~الخبر، جاز أن تأتي بمبتدأ ثان على أن تشركه بحرف العطف في المعنى الذي ~~أخبرت به عن الأول. وإذا عرفت، لم يجز ذلك. تفسير هذا أنك تقول: (زيد منطلق ~~وعمرو). تريد: "وعمرو منطلق أيضا" ولا تقول: (زيد المنطلق وعمرو). ذلك، لأن ~~المعنى مع التعريف على أنك أردت أن تثبت انطلاقا مخصوصا، قد كان من واحد. ~~فإذا أثبته لزيد لم يصح إثباته لعمرو، ثم إن كان قد كان ذلك الانطلاق من ~~اثنين، فإنه ينبغي أن تجمع بينهما في الخبر فتقول: (زيد وعمرو هما ~~المنطلقان). لا أن تفرق فتثبته أولا لزيد، ثم تجيء فتثبته لعمرو. ومن ~~الواضح في تمثيل هذا النحو قولنا: هو القائل بيت كذا: كقولك: جرير هو ~~القائل [من الطويل]: # وليس لسيفي في العظام بقية # فأنت لو حاولت أن تشرك في هذا الخبر غيره فتقول: جرير هو القائل هذا ~~البيت وفلان: حاولت محالا، لأنه قوله بعينه. فلا يتصور أن يشرك جريرا فيه ~~غيره. # القصر في التعريف # واعلم أنك تجد الألف واللام في الخبر ms148 على معنى الجنس، ثم ترى له في ذلك ~~وجوها: # (أحدها) أن تقصر جنس المعنى على المخبر عنه لقصدك المبالغة، وذلك قولك: ~~(زيد هو الجواد وعمرو هو الشجاع) تريد أنه الكامل، إلا أنك تخرج الكلام في ~~صورة توهم أن الجود أو الشجاعة لم توجد إلا فيه. وذلك لأنك لم تعتد بما كان ~~من غيره لقصوره عن أن يبلغ الكمال؛ فهذا كالأول في امتناع العطف عليه ~~للإشراك. فلو قلت: (زيد هو الجواد وعمرو): كان خلفا من القول. # PageV01P185 # (والوجه الثاني) أن تقصر جنس المعنى الذي تفيده بالخبر، على المخبر عنه، ~~لا على معنى المبالغة وترك الاعتداد بوجوده في غير المخبر عنه، بل على دعوى ~~أنه لا يوجد إلا منه؛ ولا يكون ذلك إلا إذا قيدت المعنى بشيء يخصصه ويجعله ~~في حكم نوع برأسه، وذلك كنحو أن يقيد بالحال والوقت، كقولك: (هو الوفي حين ~~لا تظن نفس بنفس خيرا): وهكذا إذا كان الخبر بمعنى يتعدى، ثم اشترطت له ~~مفعولا مخصوصا، كقول الأعشى [من المتقارب]: # هو الواهب المائة المصطفا ... ة إما مخاضا وإما عشارا # فأنت تجعل الوفاء في الوقت الذي لا يفي فيه أحد نوعا خاصا من الوفاء؛ ~~وكذلك تجعل هبة المائة من الإبل نوعا خاصا وكذا الباقي. ثم إنك تجعل كل هذا ~~خبرا على معنى الاختصاص، وأنه للمذكور دون من عداه. ألا ترى أن المعنى في ~~بيت الأعشى أنه لا يهب هذه الهبة إلا الممدوح! وربما ظن الظان أن (اللام) ~~في "هو الواهب المائة المصطفاة" بمنزلتها في نحو: زيد هو المنطلق" من حيث ~~كان القصد إلى هبة مخصوصة، كما كان القصد إلى انطلاق مخصوص، وليس الأمر ~~بذلك. لأن القصد ههنا إلى جنس من الهبة مخصوص، لا إلى هبة مخصوصة بعينها. ~~يدلك على ذلك أن المعنى على أنه يتكرر منه وعلى أنه يجعله يهب المائة مرة ~~بعد أخرى. وأما المعنى في قولك: "زيد هو المنطلق": فعلى القصد إلى انطلاق ~~كان مرة واحدة لا إلى جنس من الانطلاق، فالتكرر هناك غير متصور، كيف وأنت ~~تقول: جرير ms149 هو القائل [من الطويل]: # وليس لسيفي في العظام بقية # تريد أن تثبت له قيل هذا البيت وتأليفه. فأفصل بين أن تقصد إلى نوع فعل ~~بين أن تقصد إلى فعل واحد متعين، حاله في المعاني حال زيد في الرجال، في ~~أنه ذات بعينها. # (والوجه الثالث) أن لا يقصد قصر المعنى في جنسه على المذكور لا كما كان ~~في "زيد هو الشجاع" تريد أن لا تعتد بشجاعة غيره، ولا كما ترى في قوله: (هو ~~الواهب المائة المصطفاة) لكن على وجه ثالث وهو الذي عليه قول الخنساء [من ~~الوافر]: # PageV01P186 # إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا # لم ترد أن ما عدا البكاء عليه فليس بحسن ولا جميل، ولم تقيد الحسن بشيء ~~فيتصور أن يقصر على البكاء كما قصر الأعشى هبة المائة على الممدوح، ولكنها ~~أرادات أن تقره في جنس ما حسنه الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد ولا يشك فيه ~~شاك. ومثله قوله حسان [من الطويل]: # وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد # أراد أن يثبت العبودية ثم يجعله ظاهر الأمر فيها ومعروفا بها. ولو قال: ~~(ووالدك عبد)، لم يكن قد جعل حاله في العبودية حالة ظاهرة متعارفة. وعلى ~~ذلك قول الآخر [من الطويل]: # أسود إذا ما أبدت الحرب نابها ... وفي سائر الدهر الغيوث المواطر # نكت أخرى # واعلم أن للخبر المعرف (بالألف واللام) معنى غير ما ذكرت لك، وله مسلك ثم ~~دقيق ولمحة كالخلس يكون المتأمل عنده كما يقال، يعرف وينكر ذلك قولك: (هو ~~البطل المحامي وهو المتقى المرتجى). وأنت لا تقصد شيئا مما تقدم. فلست تشير ~~إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان، ولم يعلم أنه ممن كان، كما مضى في قولك: ~~(زيد هو المنطلق). ولا تريد أن تقصر معنى عليه، على معنى أنه لم يحصل لغيره ~~على الكمال، كما كان في قولك: (زيد هو الشجاع)، ولا أن تقول إنه ظاهر بهذه ~~الصفة كما كان في قوله: (ووالدك العبد)، ولكنك تريد أن تقول لصاحبك: (هل ~~سمعت ms150 بالبطل المحامي؟ وهل حصلت معنى هذه الصفة؟ وكيف ينبغي أن يكون الرجل ~~حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه؟) فإن كنت قلته علما وتصورته حق تصوره، ~~فعليك صاحبك واشدد به يدك، فهو ضالتك وعنده بغيتك، وطريقه كطريق قولك: هل ~~سمعت بالأسد، وهل تعرف ما هو؟ فإن كنت تعرفه فزيد هو هو بعينه. # نكت أخرى في التعريف # * ويزداد هذا المعنى ظهورا بأن تكون الصفة التي تريد الإخبار بها عن ~~المبتدأ، مجراة على موصوف كقول ابن الرومي [من الطويل]: # PageV01P187 # هو الرجل المشروك في جل ماله ... ولكنه بالمجد والحمد مفرد # تقديره، كأنه يقول للسامع: فكر في رجل لا يتميز عفاته وجيرانه ومعارفه ~~عنه في ماله وأخذ ما شاؤوا منه، فإذا حصلت صورته في نفسك، فاعلم أنه ذلك ~~الرجل. وهذا فن عجيب الشأن وله مكان من الفخامة والنبل، وهو من سحر البيان ~~الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه، والمعول فيه على مراجعة النفس واستقصاء ~~التأمل؛ فإذا علمت أنه لا يريد بقوله: "الرجل المشروك في جل ماله"، أن ~~يقول: هو الذي بلغك حديثه وعرفت من حاله وقصته أنه يشرك في جل ماله، على حد ~~قولك: هو الرجل الذي بلغك أنه أنفق كذا والذي وهب المائة المصطفاة من ~~الإبل، ولا أن يقول: إنه على معنى "هو الكامل في هذه الصفة حتى كأن ههنا ~~أقواما يشركون في جل أمواله إلا أنه في ذلك أكمل وأتم" لأن ذلك لا يتصور. ~~وذاك أن كون الرجل بحيث يشرك في جل ماله، ليس معنى يقع فيه تفاضل، كما أن ~~بذل الرجل كل ما يملك كذلك؛ ولو قيل: الذي يشرك في ماله، جاز أن يتفاوت. ~~وإذا كان كذلك علمت أنه معنى ثالث وليس إلا ما أشرت إليه من أنه يقول ~~للمخاطب: ضع في نفسك معنى قولك "رجل مشروك في جل ماله" ثم تأمل فلانا فإنك ~~تستملي هذه الصورة منه وتجده يؤديها لك نصا ويأتيك بها كملا. وإن أردت أن ~~تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصادي إلى برد الماء، ms151 فاسمع ~~قوله [من الطويل]: # أنا الرجل المدعو عاشق فقره ... إذا لم تكارمني صروف زماني # وإن أردت أعجب من ذلك فقوله [من الكامل]: # أهدى إلي أبو الحسين يدا ... أرجو الثواب بها لديه غدا # وكذاك عادات الكريم إذا ... أولى يدا حسبت عليه يدا # إن كان يحسد نفسه أحد ... فلأزعمنك ذلك الأحدا # PageV01P188 # فهذا كله على معنى الوهم والتقدير، وأن يصور في خاطره شيئا لم يره ولم ~~يعلمه، ثم يجريه مجرى ما عهد وعلم. وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من ~~"الذي"، فإنه يجيء كثيرا على أنك تقدر شيئا في وهمك ثم تعبر عنه "بالذي". ~~ومثال ذلك قوله [من الطويل]: # أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب # وقول الآخر [من الطويل]: # أخوك الذي إن ربته قال إنما ... أربت وإن عاتبته لان جانبه # فهذا ونحوه على أنك قدرت إنسانا هذه صفته وهذا شأنه، وأحلت السامع على من ~~يتعين في الوهم، دون أن يكون قد عرف رجلا بهذه الصفة، فأعلمته أن المستحق ~~لاسم الأخوة هو الذي عرفه، حتى كأنك قلت: (أخوك زيد الذي عرفت أنك إن تدعه ~~لملمة يجبك). ولكون هذا الجنس معهودا من طريق الوهم والتخيل، جرى على ما ~~يوصف بالاستحالة، كقولك للرجل وقد تمنى: (هذا هو الذي لا يكون وهذا ما لا ~~يدخل في الوجود). وقوله [من الكامل]: # ما لا يكون فلا يكون بحيلة ... أبدا وما هو كائن سيكون # ومن لطيف هذا الباب قوله [من الطويل]: # وإني لمشتاق إلى ظل صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه # قد قدر كما ترى ما لم يعلمه موجودا، ولذلك قال المأمون: خذ مني الخلافة ~~وأعطني هذا الصاحب: فهذا التعريف الذي تراه في الصاحب، لا يعرض شك أنه ~~موهوم. # PageV01P189 # وأما قولنا: (المنطلق زيد) والفرق بينه وبين "زيد المنطلق"، فالقول في ~~ذلك أنك، وإن كنت ترى في الظاهر أنهما سواء من حيث كون الغرض في الحالين ~~إثبات انطلاق قد سبق العلم به لزيد، فليس الأمر كذلك؛ بل بين الكلامين فصل ~~ظاهر؛ وبيانه أنك إذا قلت: ms152 (زيد المنطلق)، فأنت في حديث انطلاق قد كان، ~~وعرف السامع كونه (إلا أنه لم يعلم أمن زيد كان أم من عمرو؟ فإذا قلت: (زيد ~~المنطلق)، أزلت عنه الشك وجعلته يقطع بأنه كان من زيد بعد أن كان يرى ذلك ~~على سبيل الجواز. وليس كذلك إذا قدمت "المنطلق"، فقلت: (المنطلق زيد). بل ~~يكون المعنى حينئذ على أنك رأيت إنسانا ينطلق بالبعد منك، فلم يثبت ولم ~~تعلم أزيد هو أم عمرو، فقال لك صاحبك: المنطلق زيد. أي هذا الشخص الذي تراه ~~من بعد هو زيد. وقد ترى الرجل قائما بين يديك وعليه ثوب ديباج، والرجل ممن ~~عرفته قديما، ثم بعد عهدك به، فتناسيته، فيقال لك: اللابس الديباج صاحبك ~~الذي كان يكون عندك في وقت كذا، أما تعرفه؟ لشد ما نسيت! ولا يكون الغرض أن ~~يثبت له لبس الديباج لاستحالة ذلك من حيث إن رؤيتك الديباج عليه تغنيك عن ~~إخبار مخبر وإثبات مثبت لبسه له؛ فمتى رأيت اسم فاعل أو صفة من الصفات قد ~~بدئ به فجعل مبتدأ وجعل الذي هو صاحب الصفة في المعنى، خبرا، فاعلم أن ~~الغرض هناك غير الغرض إذا كان اسم الفاعل أو الصفة خبرا كقولك: (زيد ~~المنطلق). # PageV01P190 # واعلم أنه ربما اشتبهت الصورة في بعض المسائل من هذا الباب، حتى يظن أن ~~المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبرا، يختلف المعنى فيهما بتقديم وتأخير؛ ومما ~~يوهم ذلك قول النحويين في (باب كان): إذا اجتمع معرفتان، كنت بالخيار في ~~جعل أيهما شئت اسما والآخر خبرا، كقولك: (كان زيد أخاك وكان أخوك زيدا) ~~فيظن من ههنا أن تكافؤ الاسمين في التعريف، يقتضي أن لا يختلف المعنى بأن ~~تبدأ بهذا وتثني بذاك، وحتى كان الترتيب الذي يدعى بين المبتدأ والخبر وما ~~يوضع لهما من المنزلة في التقدم والتأخر، يسقط ويرتفع إذا كان الجزآن معا ~~معرفتين. # ومما يوهم ذلك أنك تقول: (الأمير زيد وجئتك والخليفة عبد الملك). فيكون ~~المعنى على إثبات الإمارة لزيد، والخلافة لعبد الملك، كما يكون إذا قلت: ~~(زيد الأمير وعبد الملك الخليفة). ms153 وتقوله لمن يشاهد ومن غائب عن حضرة ~~الإمارة ومعدن الخلافة. وهكذا من يتوهم في نحو قوله [من الطويل]: # أبوك حباب سارق الضيف برده ... وجدي يا حجاج فارس شمرا # أنه لا فصل بينه وبين أن يقال: (حباب أبوك وفارس شمر جدي). وهو موضع ~~غامض. والذي يبين وجه الصواب ويدل على وجوب الفرق بين المسألتين، أنك إذا ~~تأملت الكلام وجدت ما لا يحتمل التسوية وما تجد الفرق قائما فيه قياما لا ~~سبيل إلى دفعه، هو الأعم الأكثر. وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى ما قدمت ~~لك من قولك: (اللابس الديباج زيد)؛ وأنت تشير له إلى رجل بين يديه؛ ثم انظر ~~إلى قول العرب: (ليس الطيب إلا المسك). وقول جرير [من الوافر]: # ألستم خير من ركب المطايا # ونحو قول المتنبي [من الوافر]: # ألست ابن الأولى سعدوا وسادوا # وأشباه ذلك مما لا يحصى ولا يعد. وأرد المعنى على أن يسلم لك مع قلب طرفي ~~الجملة وقل: (ليس المسك إلا الطيب): و: "أليس خير من ركب المطايا إياكم) و: ~~(أليس ابن الأولى سعدوا وسادوا إياك؟) تعلم أن الأمر على ما عرفتك من وجوب ~~اختلاف المعنى، بحسب التقديم والتأخير. # PageV01P191 # * وههنا نكتة يجب القطع معها بوجوب هذا الفرق أبدا، وهي أن المبتدأ لم ~~يكن مبتدأ لأنه منطوق به أولا، ولا كان الخبر خبرا لأنه مذكور بعد المبتدأ، ~~بل كان المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه، ومثبت له المعنى، والخبر خبرا لأنه ~~مسند ومثبت به المعنى. تفسير ذلك أنك إذا قلت: (زيد منطلق) فقد أثبت ~~الانطلاق لزيد وأسندته إليه. (فزيد) مثبت له، و (منطلق) مثبت به. وأما ~~تقديم المبتدأ على الخبر لفظا، فحكم واجب من هذه الجهة، أي من جهة أن كان ~~المبتدأ هو الذي يثبت له المعنى ويسند إليه، والخبر هو الذي يثبت به المعنى ~~ويسند. ولو كان المبتدأ مبتدأ لأنه في اللفظ مقدم مبدوء به، لكان ينبغي أن ~~يخرج عن كونه مبتدأ بأن يقال: (منطلق زيد). ولوجب أن يكون قولهم: إن الخبر ~~مقدم في اللفظ والنية ms154 به التأخير: محالا. وإذا كان هذا كذلك ثم جئت ~~بمعرفتين، فجعلتهما مبتدأ وخبرا، فقد وجب وجوبا أن تكون مثبتا بالثاني معنى ~~للأول، فإذا قلت: (زيد أخوك): كنت قد أثبت "بأخوك" معنى لزيد، وإذا قدمت ~~وأخرت فقلت: (أخوك زيد): وجب أن تكون مثبتا بزيد معنى ل "أخوك"، وإلا كان ~~تسميتك له الآن مبتدأ وإذ ذاك، خبرا، تغييرا للاسم عليه من غير معنى، ولأدى ~~إلى أن لا يكون لقولهم "المبتدأ والخبر" فائدة غير أن يتقدم اسم في اللفظ ~~على اسم من غير أن ينفرد كل واحد منهما بحكم لا يكون لصاحبه، وذلك مما لا ~~يشك في سقوطه. # PageV01P192 # ومما يدل دلالة واضحة على اختلاف المعنى - إذا جئت بمعرفتين ثم جعلت هذا ~~مبتدأ وذاك خبرا تارة، وتارة العكس - قولهم: (الحبيب أنت وأنت الحبيب). ~~وذاك أن معنى "الحبيب أنت" أنه لا فصل بينك وبين من تحبه إذا صدقت المحبة، ~~وأن مثل المتحابين مثل نفس يقتسمها شخصان، كما جاء عن بعض الحكماء أنه قال: ~~(الحبيب أنت إلا أنه غيرك). فهذا كما ترى فرق لطيف ونكتة شريفة. ولو حاولت ~~أن تفيدها بقولك: (أنت الحبيب): حاولت ما لا يصح، لأن الذي يعقل من قولك: ~~أنت الحبيب، هو ما عناه المتنبي في قوله [من البسيط]: # أنت الحبيب ولكني أعوذ به ... من أن اكون محبا غير محبوب # ولا يخفى بعد ما بين الغرضين. فالمعنى في قولك: "أنت الحبيب" أنك الذي ~~أختصه بالمحبة من بين الناس. وإذا كان كذلك، عرفت أن الفرق واجب أبدا، وأنه ~~لا يجوز أن يكون "أخوك زيد" و "زيد أخوك" بمعنى واحد. # *وههنا شيء يجب النظر فيه، وهو أن قولك: (أنت الحبيب): كقولنا: (أنت ~~الشجاع) تريد أنه الذي كملت فيه الشجاعة. أو كقولنا: (زيد المنطلق)، تريد ~~أنه الذي كان منه الانطلاق الذي سمع المخاطب به. وإذا نظرنا وجدناه لا ~~يحتمل أن يكون كقولنا: أنت الشجاع، لأنه يقتضي أن يكون المعنى أنه لا محبة ~~في الدنيا إلا ما هو به حبيب، كما أن المعنى في "هو الشجاع" أنه ms155 لا شجاعة ~~في الدنيا إلا ما تجده عنده، وما هو شجاع به. وذلك محال. # PageV01P193 # * وأمر آخر، وهو أن "الحبيب" (فعيل) بمعنى (مفعول). فالمحبة إذن ليست هي ~~له بالحقيقة، وإنما هي صفة لغيره، قد لابسته وتعلقت به تعلق الفعل ~~بالمفعول. والصفة إذا وصفت بكمال، وصفت به على أن يرجع ذلك الكمال إلى من ~~هي صفة له دون من تلابسه ملابسة المفعول. وإذا كان كذلك، بعد أن تقول: (أنت ~~المحبوب) على معنى: أنت الكامل في كونك محبوبا، كما أن بعيدا أن يقال: (هو ~~المضروب) على معنى أنه الكامل في كونه مضروبا؛ وإن جاء شيء من ذلك، جاء على ~~تعسف فيه وتأويل لا يتصور ههنا، وذلك أن يقال مثلا: (زيد هو المظلوم) على ~~معنى أنه لم يصب أحدا ظلم يبلغ في الشدة والشناعة، والظلم الذي لحقه. فصار ~~كل ظلم سواه عدلا في جنبه؛ ولا يجيء هذا التأويل في قولنا: (أنت الحبيب) ~~لأنا نعلم أنهم لا يريدون بهذا الكلام أن يقولوا: إن أحدا لم يحب أحدا ~~محبتي لك، وإن ذلك قد أبطل المحبات كلها، حتى صرت الذي لا يعقل للمحبة معنى ~~إلا فيه. وإنما الذي يريدون: أن المحبة معنى بجملتها، مقصورة عليك، وأنه ~~ليس لأحد غيرك حظ في محبة مني. # وإذا كان كذلك، بان أنه لا يكون بمنزلة "أنت الشجاع"، تريد الذي تكامل ~~الوصف فيه. إلا أنه ينبغي من بعد أن تعلم أن بين "أنت الحبيب" وبين "زيد ~~المنطلق" فرقا، وهو أن لك في المحبة التي أثبتها، طرفا من الجنسية من حيث ~~كان المعنى أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك، ولم تعمد إلى محبة واحدة من ~~محباتك. ألا ترى أنك قد أعطيت بقولك: "أنت الحبيب" أنك لا تحب غيره وأن لا ~~محبة لأحد سواه عندك؛ ولا يتصور هذا في "زيد المنطلق"، لأنه لا وجه هناك ~~للجنسية، إذ ليس ثم إلا انطلاق واحد قد عرف المخاطب أنه كان، واحتاج أن ~~يعين له الذي كان منه وينص له عليه، فإن قلت: زيد المنطلق في حاجتك، تريد ms156 ~~الذي من شأنه أن يسعى في حاجتك، عرض فيه معنى الجنسية حينئذ على حدها في ~~"أنت الحبيب". # PageV01P194 # وههنا أصل يجب أن تحكمه، وهو أن من شأن أسماء الأجناس كلها، إذا وصفت، أن ~~تتنوع بالصفة، فيصير الرجل الذي هو جنس واحد إذا وصفته فقلت "رجل ظريف ورجل ~~طويل ورجل قصير ورجل شاعر ورجل كاتب"، أنواعا مختلفة يعد كل نوع منها شيئا ~~على حدة، ويستأنف في اسم الرجل بكل صفة تقرنها إليه جنسية. وهكذا القول في ~~المصادر تقول: (العلم والجهل والضرب والقتل والسير والقيام والقعود)، فتجد ~~كل واحد من هذه المعاني جنسا، كالرجل والفرس والحمار؛ فإذا وصفت فقلت: "علم ~~كذا وعلم كذا، كقولك: علم ضروري، وعلم مكتسب، وعلم جلي، وعلم خفي، وضرب ~~شديد، وضرب خفيف، وسير سريع، وسير بطيء" وما شاكل ذلك، انقسم الجنس منها ~~أقساما، وصار أنواعا وكان مثلها مثل الشيء المجموع المؤلف تفرقه فرقا ~~وتشعبه شعبا. وهذا مذهب معروف عندهم وأصل متعارف في كل جيل وأمة. # * ثم إن ههنا أصلا، هو كالمتفرع على هذا الأصل، أو كالنظير له، وهو أن من ~~شأن المصدر أن يفرق بالصلات، كما يفرق بالصفات. ومعنى هذا الكلام أنك تقول: ~~"الضرب"، فتراه جنسا واحدا؛ فإذا قلت: "الضرب بالسيف" صار تعديتك له إلى ~~السيف نوعا مخصوصا. ألا تراك تقول: (الضرب بالسيف غير الضرب بالعصا). تريد ~~أنهما نوعان مختلفان، وأن اجتماعهما في اسم الضرب، لا يوجب اتفاقهما، لأن ~~الصلة قد فصلت بينهما وفرقتهما. ومن المثال البين في ذلك قول المتنبي [من ~~الكامل]: # وتوهموا اللعب الوغى والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان # PageV01P195 # لولا أن اختلاف صلة المصدر تقتضي اختلافه في نفسه، وأن يحدث فيه انقسام ~~وتنوع، لما كان لهذا الكلام معنى، ولكان في الاستحالة، كقولك: "والطعن غير ~~الطعن": فقد بان إذن أنه إنما كان كل واحد من الطعنين جنسا برأسه غير ~~الآخر، بأن كان هذا في الهيجاء وذاك في الميدان. وهكذا الحكم في كل شيء ~~تعدى إليه المصدر وتعلق به. فاختلاف مفعولي المصدر يقتضي اختلافه، وأن يكون ms157 ~~المتعدي إلى هذا المفعول غير المتعدي إلى ذاك. وعلى ذلك تقول: (ليس إعطاؤك ~~معسرا كإعطائك موسرا). و (ليس بذلك وأنت مقل كبذلك وأنت مكثر). وإذ قد عرفت ~~هذا من حكم المصدر فاعتبر به حكم الاسم المشتق منه. # وإذا اعتبرت ذلك، علمت أن قولك: (هو الوفي حين لا يفي أحد وهو الواهب ~~المائة المصطفاة) وقوله [من الخفيف]: # وهو الضارب الكتيبة والطع ... نة تغلو والضرب أغلى وأعلى # وأشباه ذلك، كلها أخبار فيها معنى الجنسية وأنها في نوعها الخاص بمنزلة ~~الجنس المطلق إذا جعلته خبرا فقلت: (أنت الشجاع). وكما أنك لا تقصد بقولك: ~~(أنت الشجاع) إلى شجاعة بعينها قد كانت وعرفت من إنسان وأردت أن تعرف ممن ~~كانت، بل تريد أن تقصر جنس الشجاعة عليه، ولا تجعل لأحد غيره فيه حظا، كذلك ~~لا تقصد بقولك: "أنت الوفي حين لا يفي أحد" إلى وفاء واحد، كيف وأنت تقول ~~"حين لا يفي أحد" وهكذا محال أن يقصد في قوله: "هو الواهب المائة المصطفاة" ~~إلى هبة واحدة، لأنه يقتضي أن يقصد إلى المائة من الإبل قد وهبها مرة ثم لم ~~يعد لمثلها، ومعلوم أنه خلاف الغرض، لأن المعنى أنه الذي من شأنه أن يهب ~~المائة أبدا والذي يبلغ عطاؤه هذا المبلغ كما تقول: هو الذي يعطي مادحه ~~الألف والألفين، وكقوله [من الزجر]: # وحاتم الطائي وهاب المئي # وذلك أوضح من أن يخفى. # PageV01P196 # * (وأصل آخر) وهو أن من حقنا أن نعلم أن مذهب الجنسية في الاسم، وهو خبر، ~~غير مذهبها وهو مبتدأ. تفسير هذا أنا وإن قلنا: إن (اللام) في قولك: "أنت ~~الشجاع" للجنس، هو له في قولهم: "الشجاع موقى والجبان ملقى". فإن الفرق ~~بينهما عظيم. وذلك أن المعنى في قولك: الشجاع موقى، أنك تثبت الوقاية لكل ~~ذات من صفتها الشجاعة؛ فهو في معنى قولك: الشجعان كلهم موقون. ولست أقول إن ~~(الشجاع) كالشجعان على الإطلاق، وإن كان ذلك ظن كثير من الناس، ولكني أريد ~~أنك تجعل الوقاية تستغرق الجنس وتشمله وتشيع فيه. وأما في قولك: (أنت ~~الشجاع)، فلا ms158 معنى فيه للاستغراق؛ إذ لست تريد أن تقول: (أنت الشجعان كلهم) ~~حتى كأنك تذهب به مذهب قولهم: (أنت الخلق كلهم، وأنت العالم) كما قال [من ~~السريع]: # ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # PageV01P197 # ولكن لحديث الجنسية ههنا مأخذا آخر غير ذلك، وهو أنك تعمد بها إلى المصدر ~~المشتق منه الصفة، وتوجهها إليه لا إلى نفس الصفة، ثم لك في توجيهها إليه ~~مسلك دقيق؛ وذلك أنه ليس القصد أن تأتي إلى شجاعات كثيرة فتجمعها له ~~وتوجدها فيه، ولا أن تقول: إن الشجاعات التي يتوهم وجودها في الموصوفين ~~بالشجاعة، هي موجودة فيه لا فيهم، هذا كله محال. بل المعنى على أنك تقول: ~~كنا قد عقلنا الشجاعة وعرفنا حقيقتها، وما هي، وكيف ينبغي أن يكون الإنسان ~~في إقدامه وبطشه، حتى يعلم أنه شجاع على الكمال، واستقرينا الناس، فلم نجد ~~في واحد منهم حقيقة ما عرفناه، حتى إذا صرنا إلى المخاطب وجدناه قد استكمل ~~هذه الصفة واستجمع شرائطها، وأخلص جوهرها ورسخ فيه سنخها. ويبين لك أن ~~الأمر كذلك: اتفاق الجميع على تفسيرهم له بمعنى الكامل، ولو كان المعنى على ~~أنه استغرق الشجاعات التي يتوهم كونها في الموصوفين بالشجاعة، لما قالوا ~~إنه بمعنى الكامل في الشجاعة، لأن الكمال هو أن تكون الصفة على ما ينبغي أن ~~تكون عليه، وأن لا يخالطها ما يقدح فيها؛ وليس الكمال أن تجتمع آحاد الجنس ~~وينضم بعضها إلى بعض؛ فالغرض إذن بقولنا: (أنت الشجاع) هو الغرض بقولهم: ~~هذه هي الشجاعة على الحقيقة، وما عداها جبن، وهكذا يكون العلم وما عداه ~~تخيل، وهذا هو الشعر وما سواه فليس بشيء. وذلك أظهر من أن يخفى. # PageV01P198 # * (وضرب آخر) من الاستدلال في إبطال أن يكون: (أنت الشجاع): بمعنى أنك ~~كأنك جميع الشجعان على حد "أنت الخلق كلهم" وهو أنك في قولك: (أنت الخلق، ~~وأنت الناس كلهم، وقد جمع العالم منك في واحد): تدعي له جميع المعاني ~~الشريفة المتفرقة في الناس، من غير أن تبطل تلك المعاني وتنفيها عن الناس، ~~بل على أن ms159 تدعي له أمثالها، ألا ترى أنك إذا قلت في الرجل: إنه معدود بألف ~~رجل، فلست تعني أنه معدود بألف رجل لا معنى فيهم ولا فضيلة لهم بوجه! بل ~~تريد أن تعطيه من معاني الشجاعة أو العلم أو كذا أو كذا، مجموعا ما لا تجد ~~مقداره مفرقا إلا في ألف رجل. وأما في نحو "أنت الشجاع" فإنك تدعي له أنه ~~قد انفرد بحقيقة الشجاعة، وأنه قد أوتي فيها مزية وخاصية لم يؤتها أحد، حتى ~~صار الذي كان يعده الناس شجاعة غير شجاعة، وحتى كأن كل إقدام إحجام، وكل ~~قوة عرفت في الحرب ضعف، وعلى ذلك قالوا: (جاد حتى بخل كل جواد، وحتى منع أن ~~يستحق اسم الجواد أحد). كما قال [من الوافر]: # وإنك لا تجود على جواد ... هباتك أن يلقب بالجواد # وكما يقال: جاد حتى كأن لم يعرف لأحد جود وحتى كأن قد كذب الواصفون الغيث ~~بالجود. كما قال [من البسيط]: # أعطيت حتى تركت الريح حاسرة ... وجدت حتى كأن الغيث لم يجد # PageV01P199 ### | فصل: في الذي خصوصا # إعلم أن لك في "الذي" علما كثيرا وأسرارا جمة وخفايا، إذا بحثت عنها ~~وتصورتها، أطلعت على فوائد تؤنس النفس، وتثلج الصدر، بما يفضي بك إليه من ~~اليقين، ويؤديه إليك من حسن التبيين؛ والوجه في ذلك أن نتأمل عبارات لهم ~~فيه: لم وضع، ولأي غرض اجتلب، وأشياء وصفوه بها. # فمن ذلك قولهم: إن "الذي"، اجتلب ليكون وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، كما ~~اجتلب "ذو" ليتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس: يعنون بذلك أنك تقول: ~~(مررت بزيد الذي أبوه منطلق، وبالرجل الذي كان عندنا أمس). فتجدك قد توصلت ~~بالذي إلى أن أبنت زيدا من غيره بالجملة التي هي قولك "أبوه منطلق" ولولا ~~"الذي" لم تصل إلى ذلك. كما أنك تقول: (مررت برجل ذي مال: فيتوصل ب "ذي"، ~~إلى أن يبين الرجل من غيره بالمال. ولولا "ذو" لم يتأت لك ذلك، إذ لا ~~تستطيع أن تقول: (برجل مال) فهذه جملة مفهومة إلا أن تحتها خبايا تحتاج إلى ~~الكشف ms160 عنها؛ فمن ذلك أن تعلم من أين امتنع أن توصف المعرفة بالجلمة، ولم لم ~~يكن حالها في ذلك حال النكرة التي تصفها بها في قولك: (مررت برجل أبوه ~~منطلق ورأيت إنسانا تقاد الجنائب بين يديه). وقالوا: إن السبب في امتناع ~~ذلك، أن الجمل نكرات كلها بدلالة أنها تستفاد، وإنما يستفاد المجهول دون ~~المعلوم. (قالوا)، فلما كانت كذلك كانت وفقا للنكرة، فجاز وصفها بها ولم ~~يجز أن توصف بها المعرفة إذ لم تكن وفقا لها. # PageV01P200 # والقول المبين في ذلك أن يقال: إنه إنما اجتلب حتى إذا كان قد عرف رجل ~~بقصة وأمر جرى له، فتخصص بتلك القصة وبذلك الأمر عند السامع، ثم أريد القصد ~~إليه، ذكر "الذي". تفسير هذا أنك لا تصل "الذي" إلا بجملة من الكلام قد سبق ~~من السامع علم بها وأمر قد عرفه له، نحو أن ترى عنده رجلا ينشده شعرا، ~~فتقول له من غد: (ما فعل الرجل الذي كان عندك بالأمس ينشدك الشعر؟) هذا حكم ~~الجملة بعد "الذي" إذا أنت وصفت به شيئا؛ فكان معنى قولهم: إنه اجتلب ~~ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل: أنه جيء به ليفصل بين أن يراد ذكر الشيء ~~بجملة قد عرفها السامع له، وبين أن لا يكون الأمر كذلك. فإن قلت: قد يؤتى ~~بعد "الذي" بالجملة غير المعلولة للسامع، وذلك حيث يكون "الذي" خبرا كقولك ~~"هذا الذي كان عندك بالأمس، وهذا الذي قدم رسولا من الحضرة" أنت في هذا ~~وشبهه تعلم المخاطب أمرا لم يسبق له به علم، وتفيده من المشار إليه شيئا لم ~~يكن عنده، ولو لم يكن كذلك، لم يكن "الذي" خبرا، إذ كان لا يكون الشيء خبرا ~~ح تى يفاد به. فالقول في ذلك إن الجملة في هذا النحو، وإن كان المخاطب لا ~~يعلمها لعين من أشرت إليه، فإنه لا بد من أن يكون قد علمها على الجملة، ~~وحدث بها، فإنك على كل حال لا تقول: (هذا الذي قدم رسولا)، لمن لم يعلم أن ~~رسولا قدم، ولم يبلغه ذلك ms161 في جملة ولا تفصيل. وكذا لا تقول: (هذا الذين كان ~~عند أمس)، لمن قد نسي أنه كان عنده إنسان وذهب عن وهمه، وإنما تقوله لمن ~~ذاك على ذكر منه، إلا أنه رأى رجلا يقبل من بعيد، فلا يعلم أنه ذاك، ويظنه ~~إنسانا غيره. # PageV01P201 # وعلى الجملة فكل عاقل يعلم بون ما بين الخبر بالجملة مع "الذي"، وبينها ~~مع غير "الذي". فليس من أحد به طرق إلا وهو لا يشك أن ليس المعنى في قولك: ~~(هذا الذي قدم رسولا من الحضرة) كالمعنى إذا قلت: (هذا قدم رسولا من ~~الحضرة)؛ ولا: (هذا الذي يسكن في محلة كذا). كقولك: (هذا يسكن محلة كذا)، ~~وليس ذاك، إلا أنك في قولك "هذا قدم رسولا من الحضرة" مبتدىء خبرا بأمر لم ~~يبلغ السامع ولم يبلغه، ولم يعلمه أصلا، وفي قولك: (هذا الذي قدم رسولا) ~~معلم في أمر قد بلغه أن هذا صاحبه، فلم يخل إذن من الذي بدأنا به في أمر ~~الجملة مع "الذي"، من ينبغي أن تكون جملة قد سبق من السامع علم بها، ~~فاعرفه! فإنه من المسائل التي من جهلها، جهل كثيرا من المعاني ودخل عليه ~~الغلظ في كثير من الأمور، والله الموفق للصواب. # PageV01P202 ### | فروق في الحال لها فضل تعلق بالبلاغة # الجملة الحالية بالواو وغيره # إعلم أن أول فرق في الحال، أنها تجيء مفردا وجملة، والقصد ههنا إلى ~~الجملة، وأول ما ينبغي أن يضبط من أمرها أنها تجيء تارة مع (الواو) وأخرى ~~بغير (الواو). # فمثال مجيئها مع (الواو) قولك: (أتاني وعليه ثوب ديباج، ورأيته وعلى كتفه ~~سيف، ولقيت الأمير والجند حواليه، وجاءني زيد وهو متقلد سيفه). # ومثال مجيئها بغير (واو) "جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه، وأتاني عمرو ~~يقود فرسه". وفي تمييز ما يقتضي "الواو" مما لا يقتضيه، صعوبة، والقول في ~~ذلك: إن الجملة إذا كانت من مبتدإ وخبر، فالغالب عليها أن تجيء مع "الواو" ~~كقولك: (جاءني زيد وعمرو أمامه، وأتاني وسيفه على كتفه)؛ فإن كان المبتدأ ~~من الجملة ضمير ذي الحال، لم يصلح بغير ms162 "الواو" البتة، وذلك كقولك: (جاءني ~~زيد وهو راكب، ورأيت زيدا وهو جالس، ودخلت عليه وهو يملي الحديث، وانتهيت ~~إلى الأمير وهو يعبىء الجيش). فلو تركت (الواو) في شيء من ذلك لم يصلح؛ فلو ~~قلت: (جاءني زيد هو راكب، ودخلت عليه هو يملي الحديث)، لم يكن كلاما. فإن ~~كان الخبر في الجملة من المبتدإ والخبر، ظرفا، ثم كان قد قدم على المبتدإ ~~كقولنا: (عليه سيف، وفي يده سوط)، كثير فيها أن تجيء بغير (واو). فمما جاء ~~منه كذلك قول بشار [من الطويل]: # إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ... خرجت مع البازي علي سواد # يعني علي بقية من الليل. وقول أمية [من البسيط]: # فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك مخلالا # وقول الآخر [من الطويل]: # لقد صبرت للذل أعواد منبر ... تقوم عليها في يديك قضيب # كل ذلك في موضع الحال وليس فيه "واو" كما ترى، ولا هو محتمل لها إذا ~~نظرت. # وقد يجيء ترك (الواو) فيما ليس الخبر فيه كذلك، ولكنه لا يكثر. فمن ذلك ~~قولهم: (كلمته فوه إلى في، ورجع عوده على بدئه)، في قول من رفع، ومنه بيت ~~الإصلاح [من الكامل]: # نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدري # ومن ذلك ما أنشده الشيخ أبو علي في الإغفال [من الطويل]: # ولولا جنان الليل ما آب عامر ... إلى جعفر سرباله لم يمزق # ومما ظاهره أنه منه قوله [من البسيط]: # إذا أتيت أبا مروان تسأله ... وجدته حاضراه الجود والكرم # PageV01P203 # فقوله: "حاضراه الجود". جملة من المبتدأ والخبر كما ترى، وليس فيها "واو" ~~والموضع موضع حال؛ ألا تراك تقول (أتيته فوجدته جالسا) فيكون "جالسا" حالا، ~~ذاك لأن "وجدت" في مثل هذا من الكلام، لا تكون المتعدية إلى المفعولين، ~~ولكن المتعدية إلى مفعول واحد، كقولك: (وجدت الضالة). إلا أنه ينبغي أن ~~تعلم أن لتقديمه الخبر الذي هو "حاضراه" تأثيرا في معنى الغنى عن (الواو) ~~وأنه لو قال: (وجدته الجود والكرم حاضراه)، لم يحسن حسنه الآن، وكان السبب ~~في حسنه مع التقديم أنه يقرب ms163 في المعنى من قولك: وجدته حاضره الجود والكرم، ~~أو حاضرا عنده الجود والكرم. # وإن كانت الجملة من فعل وفاعل، والفعل مضارع مثبت غير منفي، لم يكد يجيء ~~(بالواو) بل ترى الكلام على مجيئها عارية من "الواو" كقولك: (جاءني زيد ~~يسعى غلامه بين يديه). وكقوله [من البسيط]: # وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم قد يديمة الجوزاء مسموم # وقوله [من الخفيف]: # ولقد أغتدي يدافع ركني ... أحوذي ذو ميعة إضريج # وكذلك قولك: (جاءني زيد يسرع). لا فصل بين أن يكون الفعل لذي الحال، وبين ~~أن يكون لمن هو من سببه؛ فإن ذلك كله يستمر على الغنى عن "الواو" وعليه ~~التنزيل والكلام. ومثاله في التنزيل قوله عز وجل: {ولا تمنن تستكثر} ~~[المدثر: 6]. وقوله تعالى: {وسيجنبها الأتقى * الذى يؤتي ماله يتزكى} ~~[الليل: 1718] وكقوله عز اسمه: {ويذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأعراف: 186]. # فأما قول ابن همام السلولي [من المتقارب]: # فلما خشيت أظافرهم ... نجوت وأرهنهم مالكا # وفي رواية من روى "وأرهنهم" وما شبهوه به من قولهم: (قمت وأصك وجهه). ~~فليست "الواو" فيها للحال. وليس المعنى (نجوت راهنا مالكا وقمت صاكا وجهه) ~~ولكن (أرهن وأصك) حكاية حال مثل قوله [من الكامل]: # ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني # PageV01P204 # فكما أن "أمر" ههنا في معنى "مررت"، كذلك يكون "أرهن وأصك" هناك، في معنى ~~"رهنت وصككت". ويبين ذلك أنك ترى (الفاء) تجيء مكان (الواو) في مثل هذا، ~~وذلك كنحو ما في الخبر في حديث عبد الله بن عتيك حين دخل على أبي رافع ~~اليهودي حصنه قال: "فانتهيت إليه فإذا هو بيت مظلم لا أدري أنى هو من ~~البيت، فقلت: أبا رافع. فقال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه بالسيف وأنا ~~دهش" فكما أن "أضربه" مضارع قد عطفه (بالفاء) على ماض، لأنه في المعنى ماض، ~~كذلك يكون "أرهنهم" معطوفا على الماضي قبله. وكما لا يشك في أن المعنى في ~~الخبر "فأهويت فضربت" كذلك يكون المعنى في البيت "نجوت ورهنت". إلا أن ~~الغرض في إخراجه على لفظ الحال أن يحكي ms164 الحال في أحد الخبرين ويدع الآخر ~~على ظاهره، كما كان ذلك في: "ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت"، إلا أن ~~الماضي في هذا البيت مؤخر معطوف، وفي بيت ابن همام، وما ذكرناه معه، مقدم ~~معطوف عليه، فاعرفه! # فإن دخل حرف نفي على المضارع، تغير الحكم فجاء (بالواو) وبتركها كثيرا، ~~وذلك مثل قولهم: (كنت ولا أخشى بالذئب). # وقول مسكين الدارمي [من الرمل]: # أكسبته الورق البيض أبا ... ولقد كان ولا يدعى لأب # وقول مالك بن رفيع وكان جنى جناية فطلبه مصعب بن الزبير [من الوافر]: # أتاني مصعب وبنوا أبيه ... فأين أحيد عنهم لا أحيد # أقادوا من دمي وتوعدوني ... وكنت وما ينهنهني الوعيد # "كان" في هذا كله تامة، والجملة الداخل عليها (الواو) في موضع الحال؛ ألا ~~ترى أن المعنى: "وجدت غير خاش للذئب. ولقد وجد غير مدعو لأب. ووجدت غير ~~منهنه بالوعيد وغير مبال به". ولا معنى لجعلها ناقصة وجعل (الواو) مزيدة. ~~وليس مجيء الفعل المضارع حالا على هذا الوجه، بعزيز في الكلام؛ ألا تراك ~~تقول: (جعلت أمشي وما أدري أين أضع رجلي، وجعل يقول ولا يدري)؟ وقال أبو ~~الأسود "يصيب وما يدري" وهو شائع كثير. # PageV01P205 # فأما مجيء المضارع منفيا حالا من غير (الواو) فيكثر أيضا ويحسن. فمن ذلك ~~قوله: [من الطويل]: # مضوا لا يريدون الرواح وغالهم ... من الدهر أسباب جرين على قدر # وقال أرطأة ابن سهية وهو لطيف جدا [من البسيط]: # إن تلقني لا ترى غيري بناظرة ... تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد # فقوله: "لا ترى". في موضع حال. ومثله في اللطف والحسن، قول أعشى همدان، ~~وصحب عباد بن ورقاء إلى أصبهان فلم يحمده، فقال [من الوافر]: # أتينا أصبهان فهزلتنا ... وكنا قبل ذلك في نعيم # وكان سفاهة مني وجهلا ... مسيري لا أسير إلى حميم # قوله: (لا أسير إلى حميم) حال من ضمير المتكلم الذي هو (الياء) في ~~"مسيري" وهو فاعل في المعنى، فكأنه قال: (وكان سفاهة مني وجهلا أن سرت غير ~~سائر إلى حميم، وأن ذهبت غير متوجه إلى قريب). وقال خالد بن ms165 يزيد بن معاوية ~~[من الكامل]: # لو أن قوما لارتفاع قبيلة ... دخلوا السماء دخلتها لا أحجب # وهو كثير إلا أنه لا يهتدي إلى وضعه بالموضع المرضي إلا من كان صحيح ~~الطبع. # ومما يجيء (بالواو) وغير (الواو) الماضي، وهو لا يقع حالا إلا مع "قد" ~~مظهرة أو مقدرة؛ أما مجيئها (بالواو) فالكثير الشائع كقولك: (أتاني وقد ~~جهده السير). وأما بغير (الواو) فكقوله [من البسيط]: # متى أرى الصبح قد لاحت مخايله ... والليل قد مزقت عنه السرابيل # وقول الآخر [من الوافر]: # فآبوا بالرماح مكسرات ... وأبنا بالسيوف قد انحنينا # وقال آخر وهو لطيف جدا [من الكامل]: # يمشون قد كسروا الجفون إلى الوغى ... متبسمين وفيهم استبشار # ومما يجيء (بالواو) في الأكثر الأشيع، ثم يأتي في مواضع بغير (الواو)، ~~فيلطف مكانه ويدل على البلاغة: الجملة قد دخلها "ليس"؛ تقول: (أتاني وليس ~~عليه ثوب ورأيته وليس معه غيره). فهذا هو المعروف المستعمل. ثم قد جاء بغير ~~(الواو) فكان من الحسن على ما ترى، وهو قول الأعرابي [من الزاجر]: # PageV01P206 # لنا فتى وحبذا الافتاء ... تعرفه الأرسان، والدلاء # إذا جرى في كفه الرشاء ... خلى القليب ليس فيه ماء # ومما ينبغي أن يراعى في هذا الباب أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بغير ~~(واو) ويحسن ذلك، ثم تنظر فترى ذلك، إنما حسن من أجل حرف دخل عليها مثاله ~~قول الفرزدق [من الطويل]: # فقلت عسى أن تبصريني كأنما ... بني حوالي الأسود الحوارد # قوله "كأنما بني" إلى آخره، في موضع الحال، من غير شبهة. ولو أنك تركت ~~"كأن" فقلت: (عسى أن تبصريني بني حوالي كالأسود)، رأيته لا يحسن حسنه ~~الأول، ورأيت الكلام يقتضي (الواو) كقولك: (عسى أن تبصريني وبني حوالي ~~كالأسود الحوارد). وشبيه بهذا أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بعقب مفرد فلطف ~~مكانها. ولو أنك أردت أن تجعلها حالا من غير أن يتقدمها ذلك المفرد، لم ~~يحسن. مثال ذلك قول ابن الرومي [من السريع]: # والله يبقيك لنا سالما ... برداك تبجيل وتعظيم # فقوله: (براد تبجبل) في موضع حال ثانية. ولو أنك أسقطت "سالما" من ms166 البيت ~~فقلت: (والله يبقيك برداك تبجيل) لم يكن شيئا. # وإذ قد رأيت الجمل الواقعة حالا قد اختلف بها الحال هذا الاختلاف الظاهر، ~~فلا بد من أن يكون ذلك إنما كان من أجل علل توجبه وأسباب تقتضيه. فمحال أن ~~يكون؛ ههنا جملة لا تصلح إلا مع (الواو) وأخرى لا تصلح فيها (الواو) وثالثة ~~تصلح أن تجيء فيهأ (بالواو) وأن تدعها فلا تجيء بها، ثم لا يكون لذلك سبب ~~وعلة. وفي الوقوف على العلة في ذلك إشكال وغموض، ذاك لأن الطريق إليه غير ~~مسلوك والجهة التي منها تعرف غير معروفة. وأنا أكتب لك أصلا في الخبر إذا ~~عرفته انفتح لك وجه العلة في ذلك. # PageV01P207 # واعلم أن الخبر ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه، ~~وخبر ليس بجزء من الجملة، ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له. فالأول خبر ~~المبتدأ "كمنطلق" في قولك: (زيد منطلق) والفعل: كقولك خرج زيد)، وكل واحد ~~من هذين جزء من الجملة وهو الأصل في الفائدة. # والثاني هو الحال، كقولك: (جاءني زيد راكبا). وذاك لأن الحال خبر في ~~الحقيقة من حيث إنك تثبت بها المعنى لذي الحال كما تثبته بالخبر للمبتدأ، ~~وبالفعل للفاعل؛ ألا تراك قد أثبت الركوب في قولك: (جاءني زيد راكبا)، ~~لزيد، إلا أن الفرق أنك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، وهو أن ~~تجعله بهذه الهيئة في مجيئة، ولم تجرد إثباتك للركوب ولم تباشره به ابتداء، ~~بل بدأت فأثبت المجيء، ثم وصلت به الركوب، فالتبس به الإثبات على سبيل ~~التبع لغيره، وبشرط أن يكون في صلته، وأما في الخبر المطلق نحو "زيد منطلق ~~وخرج عمرو" فإنك أثبت المعنى إثباتا جردته له، وجعلته مباشرة من غير واسطة ~~ومن غير أن تتسبب بغيره إليه. # وإذ قد عرفت هذا، فاعلم أن كل جملة وقعت حالا، ثم امتنعت من (الواو) فذاك ~~لأجل أنك عمدت إلى الفعل الواقع في صدرها، فضممته إلى الفعل الأول في إثبات ~~واحد، وكل جملة جاءت حالا ثم اقتضت (الواو) فذاك ms167 لأنك مستأنف بها خبرا وغير ~~قاصد إلى أن تضمها إلى الفعل الأول في الإثبات. # تفسير هذا أنك إذا قلت: (جاءني زيد يسرع) كان بمنزلة قولك: (جاءني زيد ~~مسرعا)، في أنك تثبت مجيئا في إسراع، وتصل أحد المعنيين بالآخر، وتجعل ~~الكلام خبرا واحدا، وتريد أن تقول: جاءني كذلك، وجاءني بهذه الهيئة. وهكذا ~~قوله [من البسيط]: # وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم قديديمة الجوزاء مسموم # كأنه قال: وقد علوت قتود الرحل بارزا للشمس ضاحيا. # وكذلك قوله [من البسيط]: # متى أرى الصبح قد لاحت مخايله # PageV01P208 # لأنه في معنى "متى أرى الصبح باديا لائحا بينا متجليا"! وعلى هذا القياس ~~أبدا. # وإذا قلت: (جاءني وغلامه يسعى بين يديه، ورأيت زيدا وسيفه على كتفه)، كان ~~المعنى على أنك بدأت فأثبت المجيء والرؤية، ثم استأنفت خبرا وابتدأت إثباتا ~~ثانيا لسعي بين يديه، ولكون السيف على كتفه. ولما كان المعنى على استئناف ~~الإثبات، احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى، فجيء (بالواو) كما جيء ~~بها في قولك: (زيد منطلق وعمرو ذاهب والعلم حسن والجهل قبيح). وتسميتنا لها ~~"واو حال" لا يخرجها عن أن تكون مجتلبة لضم جملة إلى جملة. ونظيرها في هذا، ~~(الفاء) في جواب الشرط نحو "إن تأتني فأنت مكرم" فإنها وإن لم تكون عاطفة، ~~فإن ذلك لا يخرجها من أن تكون بمنزلة العاطفة في أنها جاءت لتربط جملة ليس ~~من شأنها أن تربط بنفسها، فاعرف ذلك، ونزل الجملة في نحو "جاءني زيد يسرع، ~~وقد علوت قتود الرحل يسفعني يوم" منزلة الجزاء الذي يستغني عن (الفاء) لأن ~~من شأنه أن يرتبط بالشرط من غير رابط وهو قولك: (إن تعطني أشكرك) ونزل ~~الجملة في "جاءني زيد وهو راكب" منزلة الجزاء الذي ليس من شأنه أن يرتبط ~~بنفسه، ويحتاج إلى (الفاء) كالجملة في نحو "إن تأتني فأنت مكرم" قياسا سويا ~~وموازنة صحيحة. # PageV01P209 # فإن قلت: قد علمنا أن علة دخول (الواو) على الجملة أن تستأنف الإثبات ولا ~~تصل المعنى الثاني بالأول في إثبات واحد، ولا تنزل الجملة منزلة المفرد. ~~ولكن ms168 بقي أن تعلم لم كان بعض الجمل، بأن يكون تقديرها تقدير المفرد في أن ~~لا يستأنف بها الإثبات، أولى من بعض؟ وما الذي منع في قولك: (جاءني زيد وهو ~~يسرع أو وهو مسرع)، أن يدخل الإسراع في صلة المجيء ويضامه في الإثبات، كما ~~كان ذلك حين قلت: (جاءني زيد يسرع)؟ فالجواب أن السبب في ذلك أن المعنى في ~~قولك: (جاءني زيد وهو يسرع) على استئناف إثبات للسرعة ولم يكن ذلك في ~~"جاءني زيد يسرع"، وذلك أنك إذا أعدت ذكر زيد، فجئت بضميره المنفصل ~~المرفوع، كان بمنزلة أن تعيد اسمه صريحا فتقول "جاءني زيد وزيد يسرع" في ~~أنك لا تجد سبيلا إلى أن تدخل "يسرع في صلة المجيء وتضمه إليه في الإثبات، ~~وذلك أن إعادتك ذكر زيد لا يكون، حتى تقصد استئناف الخبر عنه، بأنه يسرع، ~~وحتى تبتدئ إثباتا للسرعة، لأنك إن لم تفعل ذلك تركت المبتدأ الذي هو ضمير ~~زيد أو اسمه الظاهر بمضيعة وجعلته لغوا في البين، وجرى مجرى أن تقول: ~~(جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه) ثم تزعم أنك لم تستأنف كلاما ولم تبتدئ ~~للسرعة إثباتا وأن حال "يسرع" ههنا حاله إذا قلت: (جاءني زيد يسرع). فجعلت ~~السرعة له ولم تذكر عمرا، وذلك محال. # PageV01P210 # فإن قلت إنما استحال في قولك: (جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه)، أن ترد ~~"يسرع" إلى زيد وتنزله منزلة قولك: (جاءني زيد يسرع) من حيث كان في "يسرع" ~~ضمير لعمرو، وتضمنه ضمير "عمرو" يمنع أن يكون لزيد وأن يقدر حالا له؛ وليس ~~كذلك "جاءني زيد وهو يسرع" لأن السرعة هناك لزيد لا محالة؛ فكيف ساغ أن ~~تقيس إحدى المسألتين على الأخرى؟ قيل: ليس المانع أن يكون "يسرع" في قولك: ~~(جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه). حالا من زيد أنه فعل لعمرو، فإنك لو أخرت ~~عمرا فرفعته (بيسرع) وأوليت "يسرع" زيدا فقلت: (جاءني زيد يسرع عمروا ~~أمامه) وجدته قد صلح حالا لزيد مع أنه فعل لعمرو، وإنما المانع ما عرفتك من ~~أنك تدع عمرا بمضيعة، وتجيء به مبتدأ ms169 ثم لا تعطيه خبرا. ومما يدل على فساد ~~ذلك أنه يؤدي إلى أن يكون "يسرع" قد اجتمع في موضعه النصب والرفع، وذلك أن ~~جعله حالا من زيد، يقتضي أن يكون في موضع نصب، وجعله خبرا عن عمرو المرفوع ~~بالابتداء، يقتضي أن يكون في موضع رفع، وذلك بين التدافع؛ ولا يجب هذا ~~التدافع إذا أخرت عمرا فقلت: (جاءني زيد يسرع عمرو أمامه). لأنك ترفعه ب ~~"يسرع" على أنه فاعل له، وإذا ارتفع به لم يوجب في موضعه إعرابا؛ فيقى ~~مفرغا لأن يقدر فيه النصب على أنه حال من زيد، وجرى مجرى أن تقول: (جاءني ~~زيد مسرعا عمرو أمامه). # PageV01P211 # فإن قلت: فقد ينبغي على هذا الأصل ألا تجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا إلا ~~مع (الواو)، وقد ذكرت قبل أن ذلك قد جاء في مواضع من كلامهم، فالجواب: أن ~~القياس والأصل أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا إلا مع (الواو) وأما ~~الذي جاء في ذلك فسبيله سبيل الشيء يخرج عن أصله وقياسه والظاهر فيه بضرب ~~من التأويل ونوع من التشبيه. فقولهم "كلمته فوه إلى في" إنما حسن بغير ~~(واو) من أجل أن المعنى: كلمته مشافها له. وكذلك قولهم "رجع عوده على بدئه" ~~إنما جاء الرفع فيه والابتداء من غير (واو) لأن المعنى رجع ذاهبا في طريقه ~~الذي جاء فيه. وأما قوله: # وجدته حاضراه الجود والكرم # فلأن تقديم الخبر الذي هو "حاضراه" يجعله كأنه قال: وجدته حاضرا عنده ~~الجود والكرم. وليس الحمل على المعنى وتنزيل الشيء منزلة غيره، بعزيز في ~~كلامهم، وقد قالوا: (زيد أضربه). فأجازوا أن يكون مثال الأمر، في موضع ~~الخبر، لأن المعنى على النصب، نحو "اضرب زيدا" ووضعوا الجملة من المبتدأ ~~والخبر موضع الفعل والفاعل، في نحو قوله تعالى: {أدعوتموهم أم أنتم صامتون} ~~[الأعراف: 93]. لأن الأصل في المعادلة أن تكون الثانية كالأولى نحو ~~"أدعوتموهم أم صمتم". ويدل على أن ليس مجيء الجملة من المبتدإ والخبر حالا ~~بغير (الواو) أصلا قلته، وأنه لا يجيء إلا في الشيء بعد الشيء. ms170 هذا ويجوز ~~أن يكون ما جاء من ذلك إنما جاء على إرادة (الواو) كما جاء الماضي على ~~إرادة "قد". # واعلم أن الوجه فيما كان مثل قول بشار: # خرجت مع البازي علي سواد # PageV01P212 # أن يؤخذ فيه بمذهب أبي الحسن الأخفش فيرفع "سواد" بالظرف دون الابتداء، ~~ويجري الظرف ههنا مجراه إذا جرت الجملة صفة على النكرة نحو "مررت برجل معه ~~صقر صائدا به غدا"، وذلك أن صاحب الكتاب يوافق أبا الحسن في هذا الموضع ~~فيرفع "صقر" بما في "معه" من معنى الفعل، فلذلك يجوز أن يجري الحال مجرى ~~الصفة فيرفع الظاهر بالظرف، إذا هو جاء حالا، فيكون ارتفاع "سواد" بما في ~~"علي" من معنى الفعل، لا بالإبتداء؛ ثم ينبغي أن يقدر ههنا خصوصا أن الظرف ~~في تقدير اسم فاعل، لا فعل، أعني أن يكون المعنى "خرجت كائنا علي سواد ~~وباقيا علي سواد" ولا يقدر: "يكون علي سواد ويبقى علي سواد"، اللهم إلا أن ~~تقدر فيه فعلا ماضيا مع "قد" كقولك: (خرجت مع البازي قد بقي علي سواد). ~~والأول أظهر. وإذا تأملت الكلام وجدت الظرف وقد وقع مواقع لا يستقيم فيها ~~إلا أن يقدر تقدير اسم فاعل؛ ولذلك قال أبو بكر بن السراج في قولنا: (زيد ~~في الدار). إنك مخير بين أن تقدر فيه فعلا فتقول: (استقر في الدار) وبين أن ~~تقدر اسم فاعل فتقول: (مستقر في الدار). وإذا عاد الأمر إلى هذا، كان الحال ~~في ترك (الواو) ظاهرة وكان "سواد" في قوله: (خرجت مع البازي علي سواد)، ~~بمنزلة ضاء الله في قوله [من الطويل]: # سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالبا # في كونه اسما ظاهرا قد ارتفع باسم فاعل قد اعتمد على ذي حال، فعمل عمل ~~الفعل. ويدلك على أن التقدير فيه ما ذكرت، وأنه من أجل ذلك حسن، أنك تقول: ~~(جاءني زيد والسيف على كتفه وخرج والتاج عليه). فتجده لا يحسن إلا ~~(بالواو). وتعلم أنك لو قلت: (جاءني زيد السيف على كتفه، وخرج التاج عليه). ~~كان كلاما ms171 نافرا لا يكاد يقع في الاستعمال، وذلك لأنه بمنزلة قولك: (جاءني ~~وهو متقلد سيفه، وخرج وهو لابس التاج، في أن المعنى على أنك استأنفت كلاما ~~وابتدأت إثباتا، وأنك لم ترد: (جاءني كذلك)، ولكن "جاءني وهو كذلك" فاعرفه! # PageV01P213 ### | القول في الفصل والوصل ### | فصل: الجمل في العطف وعدمه: ثلاثة # وإذ قد عرفت هذه الأصول والقوانين في شأن فصل الجمل ووصلها، فاعلم أنا قد ~~حصلنا من ذلك على أن الجمل على ثلاثة أضرب: ### | 1 - # جملة حالها مع التي قبلها، حال الصفة مع الموصوف، والتأكيد مع المؤكد، ~~فلا يكون فيها العطف البتة، لشبه العطف فيها لو عطفت، بعطف الشيء على نفسه. ### | 2 - # وجملة حالها مع التي قبلها، حال الاسم يكون غير الذي قبله، إلا أنه ~~يشاركه في حكم، ويدخل معه في معنى مثل أن يكون كلا الاسمين فاعلا أو مفعولا ~~أو مضافا إليه، فيكون حقها العطف. ### | 3 - # وجملة ليست في شيء من الحالين، بل سبيلها مع التي قبلها سبيل الاسم مع ~~الاسم لا يكون منه في شيء، فلا يكون إياه ولا مشاركا له في معنى بل هو شيء ~~إن ذكر لم يذكر إلا بأمر ينفرد به، ويكون ذكر الذي قبله وترك الذكر سواء في ~~حاله، لعدم التعلق بينه وبينه رأسا. وحق هذا ترك العطف البتة، فترك العطف ~~يكون إما للاتصال إلى الغاية، أو الانفصال إلى الغاية؛ والعطف لما هو واسطة ~~بين الأمرين، وكان له حال بين حالين، فاعرفه! # PageV01P214 ### | فصل: عطف الجملة على قبل ما يليها # هذا فن من القول خاص دقيق. إعلم أن مما يقل نظر الناس فيه من أمر العطف، ~~أنه قد يؤتى بالجملة فلا تعطف على ما يليها، ولكن تعطف على جملة، بينها ~~وبين هذه التي تعطف جملة أو جملتان؛ مثال ذلك قول المتنبي [من الوافر]: # تولو بغتة فكأن بينا ... تهيبني ففاجأني اغتيالا # فكان مسير عيسهم ذميلا ... وسير الدمع إثرهم انهمالا # قوله "فكان مسير عيسهم" معطوف على "تولوا بغتة" دون ما يليه من قوله: ~~(ففاجأني)، لأنا إن عطفناه على هذا الذي يليه، ms172 أفسدنا المعنى من حيث إنه ~~يدخل في معنى (كأن) وذلك يؤدي إلى أن لا يكون مسير عيسهم حقيقة، ويكون ~~متوهما كما كان تهيب البين كذلك؛ وهذا أصل كبير؛ والسبب في ذلك أن الجملة ~~المتوسطة بين هذه المعطوفة أخيرا وبين المعطوف عليها الأولى، ترتبط في ~~معناها بتلك الأولى، كالذي ترى أن قوله "فكأن بينا تهيبني" مرتبط بقوله ~~"تولوا بغتة"، وذلك أن الثانية مسبب والأولى سبب؛ ألا ترى أن المعنى "تولوا ~~بغتة فتوهمت أن بينا تهيبني؟ " ولا شك أن هذا التوهم، كان بسبب أن كان ~~التوالي بغتة. وإذا كان كذلك، كانت مع الأولى كالشيء الواحد، وكان منزلتها ~~منها منزلة المفعول والظرف وسائر ما يجيء بعد تمام الجملة، من معمولات ~~الفعل، مما لا يمكن إفراده على الجملة وأن يتعد كلاما على حدته. # PageV01P215 # وههنا شيء آخر دقيق، وهو أنك إذا نظرت إلى قوله: (فكان مسير عيسهم ~~ذميلا)، وجدته لم يعطف هو وحده على ما عطف عليه، ولكن تجد العطف قد تناول ~~جملة البيت مربوطا آخره بأوله. ألا ترى أن الغرض من هذا الكلام، أن يجعل ~~توليهم بغتة، وعلى الوجه الذي توهم من أجله أن البين تهيبه مستدعيا بكاءه ~~وموجبا أن ينهمل دمعه؛ فلم يعنه أن يذكر ذملان العيس إلا ليذكر هملان ~~الدمع، وأن يوفق بينهما. وكذلك الحكم في الأول. فنحن وإن كنا قلنا: إن ~~العطف على "تولوا بغتة" فإنا لا نعني أن العطف عليه وحده مقطوعا عما بعده، ~~بل العطف عليه مضموما إليه ما بعده إلى آخره، وإنما أردنا بقولنا: "إن ~~العطف عليه أن نعلمك أنه الأصل والقاعدة، وأن نصرفك عن أن تطرحه، وتجعل ~~العطف على ما يلي هذا الذي تعطفه، فتزعم أن قوله: (فكان سير عيسهم)، معطوف ~~على (فاجأني) فتقع في الخطإ كالذي أريناك. فأمر العطف إذن موضوع على أنك ~~تعطف تارة جملة على جملة وتعمد، أخرى، إلى جملتين أو جمل فتعطف بعضا على ~~بعض، ثم تعطف مجموع هذي على مجموع تلك. # PageV01P216 # وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء من هذا المعنى، ms173 أصلا يعتبر به. ~~وذلك أنك ترى متى شئت جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى، ثم جعلنا ~~مجموعهما شرطا؛ ومثال ذلك قوله تعالى: {ومن يكسب خطيائة أو إثما ثم يرم به ~~بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا} [النساء: 112]. الشرط كما لا يخفى: في ~~مجموع الجملتين لا في كل واحدة منهما على الانفراد، ولا في واحدة دون ~~الأخرى، لأنا إن قلنا: إنه في كل واحدة منهما على الانفراد جعلناهما شرطين، ~~وإذا جعلناهما شرطين اقتضتا جزاءين وليس معنا إلى جزاء أحد. وإن قلنا إنه ~~في واحدة منهما دون الأخرى، لزم منه إشراك ما ليس بشرط في الجزم، بالشرط، ~~وذلك ما لا يخفى فساده. ثم إنا نعلم من طريق المعنى، أن الجزاء الذي هو ~~احتمال البهتان والإثم المبين، أمر يتعلق إيجابه لمجموع ما حصل من ~~الجملتين؛ فليس هو لاكتساب الخطيئة على الانفراد، ولا لرمي البريء بالخطيئة ~~أو الإثم على الإطلاق، بل لرمي الإنسان البريء بخطيئة أو إثم كان من ~~الرامي، وكذلك الحكم أبدا. فقوله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ~~ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} [النساء: 100] لم يعلق الحكم ~~فيه بالهجرة على الانفراد، بل بها مقرونا إليها أن يدركه الموت عليها. # واعلم أن سبيل الجملتين في هذا وجعلهما بمجموعهما، بمنزلة الجملة ~~الواحدة، سبيل الجزءين تعقد منهما الجملة، ثم تجعل المجموع خبرا، أو صفة، ~~أو حالا، كقولك: (زيد قام غلامه، وزيد أبوه كريم، ومررت برجل أبوه كريم، ~~وجاءني زيد يعدو به فرسه). فكما يكون الخبر والصفة والحال، لا محالة في ~~مجموع الجزءين لا في أحدهما، كذلك يكون الشرط في مجموع الجملتين لا في ~~إحداهما. وإذا علمت ذلك في الشرط فاحتذه في العطف، فإنك تجده مثله سواء. # PageV01P217 # ومما لا يكون العطف فيه إلا على هذا الحد قوله تعالى: {وما كنت بجانب ~~الغربي إذ قضينآ إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين * ولكنآ أنشأنا قرونا ~~فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا ~~كنا مرسلين} [القصص: ms174 5455]. لو جريت على الظاهر فجعلت كل جملة معطوفة على ~~ما يليها منع منه المعنى، وذلك أنه يلزم منه أن يكون قوله "وما كنت ثاويا ~~في أهل مدين" معطوفا على قوله "فتطاول عليهم العمر"، وذلك يقتضي دخوله في ~~معنى "لكن"، ويصير كأنه قيل: (ولكنك ما كنت ثاويا)، وذلك ما لا يخفى فساده. ~~وإذا كان كذلك، بان منه أنه ينبغي أن يكون قد عطف مجموع "وما كنت ثاويا في ~~أهل مدين" إلى "مرسلين" على مجموع قوله: "وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا ~~إلى موسى الأمر" إلى قوله: "العمر". # فإن قلت: فهلا قدرت أن يكون "وما كنت ثاويا في أهل مدين" معطوفا على "وما ~~كنت من الشاهدين" دون أن تزعم أنه معطوف عليه مضموما إليه ما بعده إلى قوله ~~"العمر"؟ قيل: لأنا إن قدرنا ذلك وجب أن ينوى به التقديم على قوله: (ولكنا ~~أنشأنا قرونا)، وأن يكون الترتيب (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى ~~الأمر، وما كنت من الشاهدين، وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا، ~~ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر، ولكنا كنا مرسلين): وفي ذلك إزالة ~~(لكن) عن موضعها الذي ينبغي أن تكون فيه؛ ذاك لأن سبيل (لكن) سبيل (إلا). ~~فكما لا يجوز أن تقول: (جاءني القوم وخرج أصحابك إلا زيدا وإلا عمرا)، بجعل ~~"إلا زيدا" استثناء من (جاءني القوم) و "إلا عمرا" من (خرج أصحابك)، كذلك ~~لا يجوز أن تصنع مثل ذلك ب (لكن) فتقول: (ما جاءني زيد وما خرج عمرو ولكن ~~بكرا حاضر ولكن أخاك خارج)، فإذا لم يجز ذلك وكان تقديرك الذي زعمت يؤدي ~~إليه، وجب أن تحكم بامتناعه، فاعرفه! # هذا وإنما تجوز نية التأخير في شيء، يقتضي له ذلك التأخير مثل أن كون ~~الاسم مفعولا، يقتضي له أن يكون بعد الفاعل؛ فإذا قدم على الفاعل، نوي به ~~التأخير. ومعنى (لكن) في الآية، يقتضي أن تكون في موضعها الذي هي فيه. فكيف ~~يجوز أن ينوى بها التأخير عنه إلى موضع آخر؟ # PageV01P218 ### | باب اللفظ والنظم ms175 ### | فصل # وغلط الناس في هذا الباب كثير، فمن ذلك أنك تجد كثيرا ممن يتكلم في شأن ~~البلاغة، إذا ذكر أن للعرب الفضل والمزية في حسن النظم والتأليف، وأن لها ~~في ذلك شأوا لا يبلغه الدخلاء في كلامهم والمولدون، جعل يعلل ذلك بأن يقول: ~~لا غرو، فإن اللغة لها بالطبع، ولنا بالتكلف؛ ولن يبلغ الدخيل في اللغات ~~والألسنة مبلغ من نشأ عليها، وبدئ من أول خلقه بها، وأشباه هذا مما يوهم أن ~~المزية أتتها من جانب العلم باللغة؛ وهو خطأ عظيم وغلط منكر يفضي بقائله ~~إلى رفع الإعجاز من حيث لا يعلم. وذلك أنه لا يثبت إعجاز حتى تثبت مزايا ~~تفوق علوم البشر وتقصر قوى نظرهم عنها، ومعلومات ليس في منن أفكارهم ~~وخواطرهم أن تفضي بهم إليها، وأن تطلعهم عليها؛ وذلك محال فيما كان علما ~~باللغة؛ لأنه يؤدي إلى أن يحدث في دلائل اللغة ما لم يتواضع عليه أهل ~~اللغة، وذلك ما لا يخفى امتناعه على عاقل. # PageV01P219 # واعلم أنا لم نوجب المزية من أجل العلم بأنفس الفروق والوجوه فنستند إلى ~~اللغة، ولكنا أوجبناها للعلم بمواضعها وما ينبغي أن يصنع فيها؛ فليس الفضل ~~للعلم بأن (الواو) للجمع و (الفاء) للتعقيب بغير تراخ و "ثم" له بشرط ~~التراخي و "إن" لكذا و "إذا" لكذا؛ ولكن لأن يتأتى لك، إذا نظمت وألفت ~~رسالة، أن تحسن التخير وأن تعرف لكل من ذلك موضعه، وأمر آخر إذا تأمله ~~إنسان أنف من حكاية هذا القول، فضلا عن اعتقاده، وهو أن المزية لو كانت تجب ~~من أجل اللغة والعلم بأوضاعها وما أراده الواضع فيها، لكان ينبغي أن لا تجب ~~إلا بمثل الفرق بين (الفاء) و (ثم) و (إن) و (إذا) وما أشبه ذلك، مما يعبر ~~عنه وضع لغوي؛ فكانت لا تجب بالفصل، وترك العطف، وبالحذف والتكرار والتقديم ~~والتأخير وسائر ما هو هيئة يحدثها لك التأليف، ويقتضيها الغرض الذي تؤم ~~والمعنى الذي تقصد، وكان ينبغي أن لا تجب المزية بما يبتدئه الشاعر والخطيب ~~في كلامه من استعارة اللفظ للشيء ms176 لم يستعر له، وأن لا تكون الفضيلة إلا في ~~استعارة قد تعورفت في كلام العرب وكفى بذلك جهلا. ولم يكن هذا الاشتباه ~~وهذا الغلط، إلا لأنه ليس في جملة الخفايا والمشكلات أغرب مذهبا في الغموض، ~~ولا أعجب شأنا من هذه التي نحن بصددها، ولا أكثر تفلتا من الفهم، وانسلالا ~~منها؛ وإن الذي قاله العلماء والبلغاء في صفتها والإخبار عنها، رموز لا ~~يفهمها إلا من هو في مثل حالهم من لطف الطبع، ومن هو مهيأ لفهم تلك ~~الإشارات، حتى كأن تلك الطباع اللطيفة وتلك القرائح والأذهان، قد تواضعت ~~فيما بينها على ما سبيله سبيل الترجمة يتواطأ عليها قوم، فلا تعدوهم ولا ~~يعرفها من ليس منهم. # PageV01P220 # وليت شعري من أين، لمن لم يتعب في هذا الشأن، ولم يمارسه ولم يوفر عنايته ~~عليه، أن ينظر إلى قول الجاحظ وهو يذكر إعجاز القرآن: "ولو أن رجلا قرأ على ~~رجل من خطبائهم وبلغائهم، سورة قصيرة أو طويلة، لتبين له في نظامها ومخرجها ~~من لفظها وطابعها، أنه عاجز عن مثلها ولو تحدى بها أبلغ العرب، لأظهر عجزه ~~عنها"؛ وقوله وهو يذكر رواة الأخبار "ورأيت عامتهم؛ فقد طالت مشاهدتي لهم ~~وهم لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، والمخارج ~~السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن، وعلى السبك الجيد وعلى كل ~~كلام له ماء ورونق" وقوله في بيت الحطيئة [من الطويل]: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # "وما كان ينبغي أن يمدح بهذا البيت إلا من هو خير أهل الأرض. على أني لم ~~أعجب بمعناه أكثر من عجبي بلفظه وطبعه ونحته وسبكه" فيفهم منه شيئا أو يقف ~~للطابع والنظام والنحت والسبك والمخارج السهلة على معنى، أو يحلى منه بشيء، ~~وكيف بأن يعرفه، ولربما خفي على كثير من أهله. # PageV01P221 # واعلم أن الداء الدوي والذي أعيى أمره في هذا الباب، غلط من قدم الشعر ~~بمعناه، وأقل الاحتفال باللفظ، وجعل لا يعطيه من المزية - إن هو أعطى - إلا ~~ما فضل عن المعنى، يقول: (ما ms177 في اللفظ لولا المعنى، وهل الكلام إلا ~~بمعناه)؟ فأنت تراه لا يقدم شعرا حتى يكون قد أودع حكمة وأدبا، واشتمل على ~~تشبيه غريب ومعنى نادر؛ فإن مال إلى اللفظ شيئا ورأى أن ينحله بعض الفضيلة ~~لم يعرف غير الاستعارة، ثم لا ينظر في حال تلك الاستعارة: أحسنت بمجرد ~~كونها استعارة، أم من أجل فرق ووجه، أم للأمرين؟ لا يحفل بهذا وشبهه. قد ~~قنع بظواهر الأمور وبالجمل، وبأن يكون كمن يجلب المتاع للبيع؛ إنما همه أن ~~يروج عنه. يرى أنه إذا تكلم في الأخذ والسرقة وأحسن أن يقول: أخذه من فلان، ~~وألم فيه بقول كذا، قد استكمل الفضل وبلغ أقصى ما يراد. # PageV01P222 # واعلم أنا وإن كنا إذا اتبعنا العرف والعادة، وما يهجس في الضمير، وما ~~عليه العامة، أرانا ذلك أن الصواب معهم، وأن التعويل ينبغي أن يكون على ~~المعنى، وأنه الذي لا يسوغ القول بخلافه، فإن الأمر بالضد إذا جئنا إلى ~~الحقائق وإلى ما عليه المحصلون، لأنا لا نرى متقدما في علم البلاغة، مبرزا ~~في شأوها، إلا وهو ينكر هذا الرأي ويعيبه ويزري على القائل به، ويغض منه. ~~ومن ذلك ما روي عن البحتري. روي أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر سأله عن ~~مسلم وأبي نواس، أيهما أشعر؟ فقال: أبو نواس! فقال إن أبا العباس ثعلبا لا ~~يوافقك على هذا، فقال: ليس هذا من شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر ~~دون عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في سلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ~~ضروراته. وعن بعضهم أنه قال: رآني البحتري ومعي دفتر شعر، فقال ما هذا؟ ~~فقلت شعر الشنفرى، فقال: وإلى أين تمضي؟ فقلت: إلى أبي العباس أقرأه عليه، ~~فقال: قد رأيت أبا عباسكم هذا منذ أيام، عند ابن ثوابة فما رأيته ناقدا ~~للشعر، ولا مميزا للألفاظ، ورأيته يستجيد شيئا وينشده، وما هو بأفضل الشعر، ~~فقلت له: أما نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى، ولكنه أعرف الناس بإعرابه ~~وغريبه فما كان ينشد؟ قال: قول الحارث بن وعلة ms178 [من الكامل]: # قومي هم قتلوا، أميم، أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي # فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهين عظمي # فقلت: والله ما أنشد إلا أحسن شعر في أحسن معنى ولفظ: فقال: أين الشعر ~~الذي فيه عروق الذهب؟ فقلت: مثل ماذا؟ فقال: مثل قول أبي ذؤاب [من الكامل]: # إن يقتلوك فقد ثللث عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب # بأشدهم كلبا على أعدائهم ... وأعزهم فقدا على الأصحاب # وفي مثل هذا قال الشاعر [من الطويل]: # زوامل للأشعار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر # PageV01P223 # لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح ما في الغرائر # وقال الآخر [من الخفيف]: # يا أبا جعفر تحكم في الشع ... ر وما فيك ألة الحكام # إن نقد الدينار إلا على الصي ... رف صعب فكيف نقد الكلام # قد رأيناك لست تفرق في الأش ... عار بين الأرواح والأجسام # واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه، من حيث جهلوا أن المعنى إذا ~~كان أدبا وحكمة وكان غريبا نادرا، فهو أشرف مما ليس كذلك، بل عابوه من حيث ~~كان من حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقص أن لا يعتبر في قضيته ~~تلك، إلا الأوصاف التي تخص ذلك الجنس، وترجع إلى حقيقته، وأن لا ينظر فيها ~~إلى جنس آخر، وإن كان من الأول بسبيل أو متصلا به اتصال ما لا ينفك منه. ~~ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأن سبيل المعنى الذي يعبر ~~عنه، سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه، كالفضة والذهب يصاغ منهما ~~خاتم أو سوار. فكما أن محالا إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم وفي جودة ~~العمل ورداءته، أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة، أو الذهب الذي وقع ~~فيه العمل وتلك الصنعة - كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في ~~الكلام، أن تنظر في مجرد معناه. وكما أنا لو فضلنا خاتما على خاتم بأن تكون ~~فضة هذا أجود، أو فصه أنفس، لم يكن ذلك تفضيلا له من حيث هو خاتم، ms179 كذلك ~~ينبغي إذا فضلنا بيتا على بيت من أجل معناه أن لا يكون تفضيلا له من حيث هو ~~شعر وكلام، وهذا قاطع فاعرفه!. # PageV01P224 # واعلم أنك لست تنظر في كتاب صنف في شأن البلاغة، وكلام جاء عن القدماء، ~~إلا وجدته يدل على فساد هذا المذهب، ورأيتهم يتشددون في إنكاره وعيبه ~~والعيب به. وإذا نظرت في كتب الجاحظ وجدته يبلغ في ذلك كل مبلغ ويتشدد غاية ~~التشدد، وقد انتهى في ذلك إلى أن جعل العلم بالمعاني مشتركا وسوى فيه بين ~~الخاصة والعامة فقال: "ورأيت ناسا يبهرجون أشعار المولدين ويستسقطون من ~~رواها، ولم أر ذلك قط إلا في رواية غير بصير بجوهر ما يروى، ولو كان له بصر ~~لعرف موضع الجيد ممن كان وفي أي زمان كان. وأنا سمعت أبا عمرو الشيباني، ~~وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين، ونحن في المسجد الجامع يوم الجمعة، أن ~~كلف رجلا حتى أحضره قرطاسا ودواة حتى كتبهما. قال الجاحظ: وأنا أزعم أن ~~صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا، ولولا أن أدخل في الحكومة بعض الغيب، ~~لزعمت أن ابنه لا يقول الشعر أيضا، وهما قوله [من السريع]: # لا تحسبن الموت موت البلى ... وإنما الموت سؤال الرجال # كلاهما موت ولكن ذا ... أشد من ذاك على كل حال" # ثم قال: "وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني والمعاني مطروحة في الطريق، ~~يعرفها العجمي والعربي، والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، ~~وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وصحة الطبع، وكثرة الماء، وجودة السبك، وإنما ~~الشعر صياغة وضرب من التصوير". فقد تراه كيف أسقط أمر المعاني وأبى أن يجب ~~لها فضل فقال: (وهي مطروحة في الطريق) ثم قال: (وأنا أزعم أن صاحب هذين ~~البيتين لا يقول شعرا أبدا)، فأعلمك أن فضل الشعر بلفظه، لا بمعناه، وأنه ~~إذا عدم الحسن في لفظه ونظمه، لم يستحق هذا الاسم بالحقيقة. وأعاد طرفا من ~~هذا الحديث في (البيان) فقال: # PageV01P225 # "ولقد رأيت أبا عمر والشيباني يكتب أشعارا من أفواه جلسائه، ليدخلها في ~~باب التحفظ والتذكر، وربما خيل إلي أن ms180 أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون ~~أبدا أن يقولوا شعرا جيدا لمكان أعراقهم من أولئك الآباء: (ثم قال) ولولا ~~أن أكون عيابا ثم للعلماء خاصة، لصورت لك بعض ما سمعت من أبي عبيدة. ومن هو ~~أبعد في وهمك من أبي عبيدة؟ " # واعلم أنهم لم يبلغوا في إنكار هذا المذهب ما بلغوه إلا لأن الخطأ فيه ~~عظيم وأنه يفضي بصاحبه إلى أن ينكر الإعجاز ويبطل التحدي من حيث لا يشعر، ~~وذلك أنه إن كان العمل على ما يذهبون إليه من أن لا يجب فضل ومزية إلا من ~~جانب المعنى، وحتى يكون قد قال حكمة أو أدبا، واستخرج معنى غريبا أو شبيها ~~نادرا، فقد وجب اطراح جميع ما قاله الناس في الفصاحة والبلاغة، وفي شأن ~~النظم والتأليف، وبطل أن يجب بالنظم فضل وأن تدخله المزية وأن تتفاوت فيه ~~المنازل. وإذا بطل ذلك، فقد بطل أن يكون في الكلام معجز وصار الأمر إلى ما ~~يقوله اليهود، ومن قال بمثل مقالهم في هذا الباب ودخل في مثل تلك الجهالات، ~~ونعوذ بالله من العمى بعد الإبصار! # PageV01P226 ### | فصل منه # لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى، حتى يكون لها في المعنى تأثير ~~لا يكون لصاحبتها، فإن قلت: فإذا أفادت هذه ما لا تفيد تلك، فليستا عبارتين ~~عن معنى واحد، بل هما عبارتان عن معنيين اثنين، قيل لك: إن قولنا "المعنى" ~~في مثل هذا، يراد به الغرض. والذي أراد المتكلم أن يثبته أو ينفيه نحو أن ~~تقصد تشبيه الرجل بالأسد، فتقول: (زيد كالأسد). ثم تريد هذا المعنى بعينه ~~فتقول: (كأن زيدا الأسد). فتفيد تشبيهه أيضا بالأسد، إلا أنك تزيد في معنى ~~تشبيهه به، زيادة لم تكن في الأول، وهي أن تجعله من فرط شجاعته وقوة قلبه، ~~وأنه لا يروعه شيء بحيث لا يتميز عن الأسد، ولا يقصر عنه، حتى يتوهم أنه ~~أسد في صورة آدمي. وإذا كان هذا كذلك، فانظر هل كانت هذه الزيادة وهذا ~~الفرق إلا بما توخي في نظم اللفظ وترتيبه حيث قدم (الكاف) إلى صدر ms181 الكلام ~~وركبت مع "أن". وإذا لم يكن إلى الشك سبيل أن ذلك كان بالنظم، فاجعله ~~العبرة في الكلام كله ورض نفسك على تفهم ذلك وتتبعه، واجعل فيها أنك تزال ~~منه أمرا عظيما لا يقادر قدره، وتدخل في بحر عميق لا يدرك قعره! # PageV01P227 ### | ### | فصل # : هو فن آخر يرجع إلى هذا الكلام # قد علم أن المعارض للكلام، معارض له من الجهة التي منها يوصف بأنه فصيح ~~وبليغ، ومتخير اللفظ، جيد السبك ونحو ذلك من الأوصاف التي نسبوها إلى ~~اللفظ. وإذا كان هذا هكذا، فبنا أن ننظر، فيما إذا أتي به كان معارضا، ما ~~هو؟ أهو أن يجيء بلفظ فيضعه مكان لفظ آخر، نحو أن يقول: بدل "أسد" "ليث" ~~وبدل "بعد" "نأى" ومكان "قرب" "دنا"، أم ذلك ما لا يذهب إليه عاقل ولا ~~يقوله من به طرق؟ كيف، ولو كان ذلك معارضة لكان الناس لا يفصلون بين ~~الترجمة والمعارضة، ولكان كل من فسر كلاما، معارضا له؟ وإذا بطل أن يكون ~~جهة للمعارضة وأن يكون الواضع نفسه في هذه المنزلة معارضا على وجه من ~~الوجوه، علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما، أوصاف راجعة ~~إلى المعاني وإلى ما يدل عليه بالألفاظ دون الألفاظ أنفسها، لأنه إذا لم ~~يكن في القسمة إلا المعاني والألفاظ، وكان لا يعقل تعارض في الألفاظ ~~المجردة إلا ما ذكرت، لم يبق إلا أن تكون المعارضة معارضة من جهة ترجع إلى ~~معاني الكلام المعقولة دون ألفاظه المسموعة. وإذا عادت المعارضة إلى جهة ~~المعنى وكان الكلام يعارض من حيث هو فصيح وبليغ ومتخير اللفظ، حصل من ذلك ~~أن الفصاحة والبلاغة وتخير اللفظ، عبارة عن خصائص ووجوه تكون معاني الكلام ~~عليها، وعن زيادات تحدث في أصول المعاني كالذي أريتك فيما بين "زيد كالأسد" ~~و "كأن زيدا الأسد" وأن لا نصيب للألفاظ من حيث هي ألفاظ فيها بوجه من ~~الوجوه. # PageV01P228 # واعلم أنك لا تشفي العلة ولا تنتهي إلى ثلج اليقين، حتى تتجاوز حد العلم ~~بالشيء مجملا إلى العلم به مفصلا، وحتى لا ms182 يقنعك إلا النظر في زواياه ~~والتغلغل في مكامنه، وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه وانتهى في ~~البحث عن جوهر العود الذي يصنع فيه، إلى أن يعرف منبته ومجرى عروق الشجر ~~الذي هو منه. وإنا لنراهم يقيسون الكلام في معنى المعارضة، على الأعمال ~~الصناعية كنسج الديباج وصوغ الشنف والسوار وأنواع ما يصاغ، وكل ما هو صنعة ~~وعمل يد بعد أن يبلغ مبلغا يقع التفاضل فيه، ثم يعظم حتى يزيد فيه الصانع ~~على الصانع زيادة يكون له بها صيت ويدخل في حد ما يعجز عنه الأكثرون. # PageV01P229 # وهذا القياس وإن كان قياسا ظاهرا معلوما، وكالشيء المركوز في الطباع، حتى ~~ترى العامة فيه كالخاصة، فإن فيه أمرا يجب العلم به، وهو أنه يتصور أن يبدأ ~~هذا فيعمل ديباجا، ويبدع في نقشه وتصويره، فيجيء آخر ويعمل ديباجا آخر مثله ~~في نقشه وهيئته وجملة صفته، حتى لا يفصل الرائي بينهما، ولا يقع لمن لم ~~يعرف القصة ولم يخبر الحال، إلا أنهما صنعة رجل واحد وخارجان من تحت يد ~~واحدة؛ وهكذا الحكم في سائر المصنوعات كالسوار يصوغه هذا، ويجيء ذاك فيعمل ~~سوارا مثله ويؤدي صنعته كما هي، حتى لا يغادر منها شيئا البتة؛ وليس يتصور ~~مثل ذلك في الكلام، لأنه لا سبيل إلى أن تجيء إلى معنى بيت من الشعر أو فصل ~~من النثر فتؤديه بعينه وعلى خاصيته وصنعته، بعبارة أخرى، حتى يكون المفهوم ~~من هذه هو المفهوم من تلك، لا يخالفه في صفة ولا وجه ولا أمر من الأمور، ~~ولا يغرنك قول الناس: (قد أتى بالمعنى بعينه وأخذ معنى كلامه فأداه على ~~وجهه)؛ فإنه تسامح منهم؛ والمراد أنه أدى الغرض فأما أن يؤدي المعنى بعينه ~~على الوجه الذي يكون عليه في كلام الأول، حتى لا تعقل ههنا إلا ما عقلته ~~هناك، وحتى يكون حالهما في نفسك حال الصورتين المشتبهتين في عينك، ~~كالسوارين والشنفين، ففي غاية الإحالة، وظن يفضي بصاحبه إلى جهالة عظيمة ~~وهي أن تكون الألفاظ مختلفة المعاني إذا فرقت، ومتفقتها إذا جمعت وألف ms183 منها ~~كلام؛ وذلك أن ليس كلامنا فيما يفهم من لفظتين مفردتين نحو "قعد وجلس" ولكن ~~فيما فهم من مجموع كلام، ومجموع كلام آخر. نحو أن تنظر في قوله تعالى: ~~{ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] وقول الناس: (قتل البعض إحياء ~~للجميع): فإنه وإن كان قد جرت عادة الناس بأن يقولوا في مثل هذا إنهما ~~عبارتان معبرهما واحد، فليس هذا القول قولا يمكن الأخذ بظاهره أو يقع لعاقل ~~شك أن ليس المفهوم من أحد الكلامين المفهوم من الآخر. # PageV01P230 ### | ### | فصل # # الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وذلك ~~إذا قصدت أن تخبر عن زيد مثلا "بالخروج" على الحقيقة، فقلت: (خرج زيد): و ~~"بالانطلاق" عن عمرو، فقلت: (عمرو منطلق)؛ وعلى هذا القياس. وضرب آخر أنت ~~لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي ~~يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى ~~الغرض، ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل. وقد مضت الأمثلة ~~فيها مشروحة مستقصاة؛ أو لا ترى أنك إذا قلت: (هو كثير رماد القدر)، أو ~~قلت: (طويل النجاد)، أو قلت في المرأة: (نؤوم الضحى) فإنك في جميع ذلك لا ~~تفيد غرضك الذي تعني من مجرد اللفظ، ولكن يدل اللفظ على معناه الذي يوجبه ~~ظاهره، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى، على سبيل الاستدلال، معنى ثانيا هو ~~غرضك، كمعرفتك من (كثير رماد القدر) أنه مضياف، ومن (طويل النجاد) أنه طويل ~~القامة، ومن (نؤوم الضحى) في المرأة، أنها مترفة مخدومة لها - من يكفيها ~~أمرها. وكذا إذا قال: (رأيت أسدا) - ودلك الحال على أنه لم يرد السبع - ~~علمت أنه أراد التشبيه، إلا أنه بالغ فجعل الذي رآه بحيث لا يتميز عن الأسد ~~في شجاعته. وكذلك تعلم من قوله: (بلغني أنك تقدم رجلا وترخر أخرى)، أنه ~~أراد التردد في أمر البيعة واختلاف العزم في الفعل وتركه، على ما مضى الشرح ~~فيه. # وإذ قد عرفت هذه الجملة، فهاهنا عبارة مختصرة وهي: ms184 أن تقول المعنى ومعنى ~~المعنى. تعنى ب "المعنى" المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل إليه بغير ~~واسطة. وب "معنى المعنى" أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى ~~معنى آخر كالذي فسرت لك. # PageV01P231 # وإذ قد عرفت ذلك، فإذا رأيتهم يجعلون الألفاظ زينة للمعاني وحلية عليها، ~~ويجعلون المعاني كالجواري، والألفاظ كالمعارض لها وكالوشي المحبر واللباس ~~الفاخر، والكسوة الرائقة، إلى أشباه ذلك مما يفخمون به أمر اللفظ ويجعلون ~~المعنى ينبل ويشرف، فاعلم أنهم يضعون كلاما قد يفخمون به أمر اللفظ ويجعلون ~~المعنى، أعطاك المتكلم أغراضه فيه من طريق "معنى المعنى"، فكنى، وعرض، ~~ومثل، واستعار، ثم أحسن، في ذلك كله، وأصاب ووضع كل شيء منه في موضعه، ~~وأصاب به شاكلته؛ وعمد فيما كنى به، وشبه ومثل لما حسن مأخذه ودق مسلكه ~~ولطفت إشارته، وأن المعرض وما في معناه، ليس هو اللفظ المنطوق به، ولكن ~~معنى اللفظ الذي دللت به على المعنى الثاني كمعنى قوله [من الوافر]: # ... ... ... ... ... ... ... فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل # الذي هو دليل على أنه مضياف؛ فالمعاني الأول المفهومه من أنفس الألفاظ، ~~هي المعارض والوشي والحلي وأشباه ذلك. والمعاني الثواني التي يومأ إليها ~~بتلك المعاني، هي التي تكسى تلك المعارض وتزين بذلك الوشي والحلي. وكذلك ~~إذا جعل المعنى يتصور من أجل اللفظ بصورة، ويبدو في هيئة ويتشكل بشكل يرجع ~~المعنى في ذلك كله إلى الدلالات المعنوية، ولا يصلح شيء منه حيث الكلام على ~~ظاهره، وحيث لا يكون كناية وتمثيل به، ولا استعارة ولا استعانة في الجملة ~~بمعنى على معنى، وتكون الدلالة على الغرض من مجرد اللفظ. فلو أن قائلا قال: ~~(رأيت الأسد). وقال آخر: (لقيت الليث)، لم يجز أن يقال في الثاني إنه صور ~~المعنى في غير صورته الأولى، ولا أن يقال أبرزه في معرض سوى معرضه، ولا ~~شيئا من هذا الجنس. وجملة الأمر أن صور المعاني، لا تتغير بنقلها من لفظ ~~إلى لفظ حتى يكون هناك اتساع ومجاز، وحتى لا يراد من الألفاظ ظواهر ما وضعت ~~له في ms185 اللغة، ولكن يشار بمعانيها إلى معان أخر. # PageV01P232 # واعلم أن هذا كذلك ما دام النظم واحدا، فأما إذا تغير النظم فلا بد حينئذ ~~من أن يتغير المعنى على ما مضى من البيان في مسائل التقديم والتأخير، وعلى ~~ما رأيت في المسألة التي مضت الآن، أعني قولك: (إن زيدا كالأسد، وكأن زيدا ~~الأسد)، ذاك لأنه لم يتغير من اللفظ شيء وإنما تغير النظم فقط، أما فتحك ~~"أن" عند تقديم (الكاف) وكانت مكسورة، فلا اعتداد بها، لأن معنى الكسر باق ~~بحاله. # واعلم أن السبب في أن أحالوا في أشباه هذه المحاسن التي ذكرتها لك على ~~اللفظ، أنها ليست بأنفس المعاني، بل هي زيادات فيها وخصائص، ألا ترى أن ~~ليست المزية التي تجدها لقولك: (كأن زيدا الأسد)، على قولك: (زيد كالأسد)، ~~شيئا خارجا عن التشبيه الذي هو أصل المعنى، وإنما هو زيادة فيه وفي حكم ~~الخصوصية في الشكل، نحو أن يصاغ خاتم على وجه وآخر على وجه آخر، تجمعهما ~~صورة الخاتم، ويفترقان بخاصة، وشيء يعلم إلا أنه لا يعلم منفردا. ولما كان ~~الأمر كذلك، لم يمكنهم أن يطلقوا اسم المعاني على هذه الخصائص، إذ كان لا ~~يفترق الحال حينئذ بين أصل المعنى، وبين ما هو زيادة في المعنى وكيفية له، ~~وخصوصية فيه. فلما امتنع ذلك، توصلوا إلى الدلالة عليها بأن وصفوا اللفظ في ~~ذلك بأوصاف يعلم أنها لا تكون أوصافا له من حيث هو لفظ كنحو وصفهم له بأنه ~~لفظ شريف، وأنه قد زان المعنى، وأن له ديباجة، وأن عليه طلاوة، وأن المعنى ~~منه في مثل الوشي، وأنه عليه كالحلي، إلى أشباه ذلك مما يعلم ضرورة أنه لا ~~يعنى بمثله الصوت والحرف. ثم إنه لما جرت به العادة واستمر عليه العرف وصار ~~الناس يقولون اللفظ، واللفظ لز ذلك بأنفس أقوام بابا من الفساد وخامرهم منه ~~شيء لست أحسن وصفه. # PageV01P233 ### | ### | فصل # # ومن الصفات التي تجدهم يجرونها على اللفظ، ثم لا تعترضك شبهة ولا يكون ~~منك توقف في أنها ليست له ولكن لمعناه، قولهم: لا ms186 يكون الكلام يستحق اسم ~~البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من ~~معناه إلى قلبك. وقولهم: يدخل في الأذن بلا إذن، فهذا مما لا يشك العاقل في ~~أنه يرجع إلى دلالة المعنى على المعنى، وأنه لا يتصور أن يراد به دلالة ~~اللفظ على معناه الذي وضع له في اللغة؛ ذاك لأنه لا يخلو السامع من أن يكون ~~عالما باللغة وبمعاني الألفاظ التي يسمعها، أو يكون جاهلا بذلك؛ فإن كان ~~عالما لم يتصور أن يتفاوت حال الألفاظ معه فيكون معنى لفظ أسرع إلى قلبه من ~~معنى لفظ آخر؛ وإن كان جاهلا كان ذلك في وصفه أبعد. # وجملة الأمر أنه إنما يتصور أن يكون لمعنى أسرع فهما منه لمعنى آخر، إذا ~~كان ذلك مما يدرك بالفكر، وإذا كان مما يتجدد له العلم به عند سمعه للكلام، ~~وذلك محال في دلالات الألفاظ اللغوية، لأن طريق معرفتها التوقيف، والتقدم ~~بالتعريف. # وإذا كان ذلك كذلك، علم علم الضرورة أن مصرف ذلك إلى دلالات المعاني على ~~المعاني، وأنهم أرادوا أن من شرط البلاغة أن يكون المعنى الأول الذي تجعله ~~دليلا على المعنى الثاني ووسيطا بينك وبينه، متمكنا في دلالته، مستقلا ~~بوساطته، يسفر بينك وبينه أحسن سفارة، ويشير لك إليه أبين إشارة، حتى يخيل ~~إليك أنك فهمته من حاق اللفظ، وذلك لقلة الكلفة فيه عليك، وسرعة وصوله ~~إليك، فكان من الكناية، مثل قوله [من المنسرح]: # لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل # ومن الاستعارة مثل قوله [من الطويل]: # وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب # ومن التمثيل، مثل قوله [من المديد]: # لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره # PageV01P234 # وإن أردت أن تعرف ماله بالضد من هذا فكان منقوص القوة في تأدية ما أريد ~~منه، لأنه يتعرضه ما يمنعه، أن يقضي حق السفارة فيما بينك وبين معناك، ~~ويوضح تمام الإيضاح عن مغزاك، فانظر إلى قول العباس بن الأحنف [من الطويل]: # سأطلب بعد الدار ms187 عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا # بدأ فدل بسكب الدموع على ما يوجبه الفراق من الحزن والكمد، فأحسن وأصاب، ~~لأن من شأن البكاء أبدا أن يكون أمارة للحزن، وأن يجعل دلالة عليه وكناية ~~عنه، كقولهم: أبكاني وأضحكني، على معنى: "ساءني وسرني". # وكما قال [من السريع]: # أبكاني الدهر ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضي # ثم ساق هذا القياس إلى نقيضه، فالتمس أن يدل على ما يوجبه دوام التلاقي ~~من السرور، بقوله "لتجمدا" وظن أن الجمود يبلغ له في إفادة المسرة والسلامة ~~من الحزن، ما بلغ سكب الدمع في الدلالة على الكآبة والوقوع في الحزن. ونظر ~~إلى أن الجمود خلو العين من البكاء، وانتفاء الدموع عنها، وأنه إذا قال ~~"لتجمدا" فكأنه قال: أحزن اليوم لئلا أحزن غدا، وتبكي عيناي جهدهما لئلا ~~تبكيا أبدا؛ وغلط فيما ظن وذاك، أن الجمود هو أن لا تبكي العين، مع أن ~~الحال حال بكاء، ومع أن العين يراد منها أن تبكي ويشتكى من أن لا تبكي، ~~ولذلك لا ترى أحدا يذكر عينه بالجمود، إلا وهو يشكوها ويذمها وينسبها إلى ~~البخل، ويعد امتناعها من البكاء تركا لمعونة صاحبها على ما به من الهم، ألا ~~ترى إلى قوله [من الطويل]: # ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود # PageV01P235 # فأتى بالجمود تأكيدا لنفي الجود؛ ومحال أن يجعلها لا تجود بالبكاء وليس ~~هناك التماس بكاء، لأن الجود والبخل يقتضيان مطلوبا يبذل أو يمنع. ولو كان ~~الجمود يصلح لأن يراد به السلامة من البكاء، ويصح أن يدل به على أن الحال ~~حال مسرة وحبور، لجاز أن يدعى به للرجل فيقال: (لا زالت عينك جامدة) كما ~~يقال: (لا أبكى الله عينك)، وذاك مما لا يشك في بطلانه. وعلى ذلك قول أهل ~~اللغة: عين جمود - لا ماء فيها، وسنة جماد، لا مطر فيها، وناقة جماد - لا ~~لبن فيها. وكما لا تجعل السنة والناقة جمادا إلا على معنى أن السنة بخيلة ~~بالقطر، والناقة لا تسخو بالدر، كذلك حكم العين لا تجعل جمودا ms188 إلا وهناك ما ~~يقتضي إرادة البكاء منها، وما يجعلها إذا بكت، محسنة موصوفة بأن قد جادت ~~وسخت، وإذا لم تبك، مسيئة موصوفة بأن قد ضنت وبخلت. # فإن قيل إنه أراد أن يقول: (إني اليوم أتجرع غصص الفراق، وأحمل نفسي على ~~مره، واحتمل ما يؤديني إليه من حزن يفيض الدموع من عيني ويسكبها لكي أتسبب ~~بذلك إلى وصل يدوم ومسرة تتصل حتى لا أعرف بعد ذلك الحزن أصلا ولا تعرف ~~عيني البكاء، وتصير في أن لا ترى باكية أبدا كالجمود التي لا يكون لها ~~دمع)؛ فإن ذلك لا يستقيم ويستتب، لأنه يوقعه في التناقض ويجعله كأنه قال: ~~(احتمل البكاء لهذا الفراق عاجلا لأصير في الآجل بدوام الوصل واتصال السرور ~~في صورة من يريد من عينه أن تبكي ثم لا تبكي، لأنها خلقت جامدة لا ماء ~~فيها). وذلك من التهافت والاضطراب، بحيث لا تنجع الحيلة فيه. # PageV01P236 # وجملة الأمر أنا لا نعلم أحدا جعل جمود العين دليل سرور وأمارة غبطة، ~~وكناية عن أن الحال حال فرح. فهذا مثال فيما هو بالضد مما شرطوا من أن لا ~~يكون لفظه اسبق إلى سمعك، من معناه إلى قلبك، لأنك ترى اللفظ يصل إلى سمعك ~~وتحتاج إلى أن تخب وتوضع في طلب المعنى. ويجري لك هذا الشرح والتفسير في ~~النظم كما جرى في اللفظ، لأنه إذا كان النظم سويا والتأليف مستقيما، كان ~~وصول المعنى إلى قلبك، تلو وصول اللفظ إلى سمعك؛ وإذا كان على خلاف ما ~~ينبغي، وصل اللفظ إلى السمع وبقيت في المعنى تطلبه وتتعب فيه؛ وإذا أفرط ~~الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي قالوا إنه يستهلك المعنى. # واعلم أن لم تضق العبارة، ولم يقصر اللفظ، ولم ينغلق الكلام في هذا ~~الباب، إلا لأنه قد تناهى في الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات؛ إنك لا ترى ~~أغرب مذهبا، وأعجب طريقا، وأحرى بأن تضطرب فيه الأراء، منه. وما قولك في ~~شيء قد بلغ من أمره أن يدعى على كبار العلماء بأنهم لم يعلموه ولم يفطنوا ~~له؟ فقد ms189 ترى أن البحتري قال حين سئل عن مسلم وأبي نواس، أيهما أشعر؟ فقال: ~~أبو نواس. فقيل: فإن أبا العباس ثعلبا لا يوافقك على هذا، فقال: ليس هذا من ~~شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في ~~مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته. # PageV01P237 # ثم لم ينفك العالمون به والذين هم من أهله، من دخول الشبهة فيه عليهم، ~~ومن اعتراض السهو والغلط لهم؛ روي عن الأصمعي أنه قال: كنت أسير مع أبي ~~عمرو بن العلاء وخلف الأحمر وكانا يأتيان بشارا فيسلمان عليه بغاية الإعظام ~~ثم يقولون؛ (يا أبا معاذ ما أحدثت؟) فيخبرهما وينشدهما، ويسألانه ويكتبان ~~عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الزوال ثم ينصرفان. وأتياه يوما فقالا: ما ~~هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة؟ قال هي التي بلغتكم. قالوا: ~~بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب. قال: نعم، بلغني أن سلم بن قتيبة، يتباصر ~~بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف. قالوا: فانشدناها يا أبا معاذ! ~~فأنشدهما [من الخفيف]: # بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير # حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان: " إن ذاك النجاح في ~~التبكير" بكرا فالنجاح في التبكير كان أحسن. فقال بشار: إنما بنيتها ~~أعرابية وحشية، فقلت: إن ذاك النجاح في التبكير، كما تقول الأعراب ~~البدويون. ولو قلت: "بكرا فالنجاح" كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذاك ~~الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة. قال: فقام خلف فقبل بين عينيه. فهل كان ~~هذا القول من خلف، والنقد على بشار، إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟ # واعلم أن من شأن "إن" إذا جاءت على هذا الوجه، أن تغني غناء (الفاء) ~~العاطفة مثلا، وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها، أمرا عجيبا، فأنت ترى ~~الكلام بها مستأنفا، غير مستأنف، مقطوع موصولا معا. أفلا ترى أنك لو أسقطت ~~"إن" من قوله: "إن ذاك النجاح في التكير" لم تر الكلام يلتئم، ولو رأيت ~~الجملة ms190 الثانية لا تتصل بالأولى ولا تكون منها بسبيل حتى تجيء (بالفاء) ~~فتقول: # بكرا صاحبي قبل الهجير ... فذاك النجاح في التكبير # ومثله قول بعض العرب [من الرجز]: # فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء # PageV01P238 # فانظر إلى قوله: (إن غناء الإبل الحداء). وإلى ملاءمته الكلام قبله، وحسن ~~تشبثه به، وإلى حسن تعطف الكلام الأول عليه! ثم انظر إذا تركت "إن" فقلت: ~~(فغنها وهي لك الفداء، غناء الإبل الحداء) كيف تكون الصورة وكيف ينبو أحد ~~الكلامين عن الآخر، وكيف يشئم هذا ويعرق ذاك، حتى لا تجد حيلة في ~~ائتلافهما. حتى تجتلب لهما (الفاء) فتقول: (فغنها وهي لك الفداء فغناء ~~الإبل الحداء)؛ ثم تعلم أن ليست الألفة بينهما من جنس ما كان، وأن قد ذهبت ~~الأنسة التي كنت تجد، والحسن الذي كنت ترى. # وروي عن عنبسة أنه قال: قدم ذو الرمة الكوفة، فوقف ينشد الناس بالكناسة ~~قصيدته الحائية التي منها [من الطويل]: # هي البزء والأسقام والهم والمنى ... وموت الهوى في القلب مني المبرح # وكان الهوى بالنأي يمحى فيمحي ... وحبك عندي يستجد ويربح # إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح # قال: فلما انتهى إلى هذا البيت، ناداه ابن شبرمة: يا غيلان! أراه قد برح ~~قال: فشنق ناقته وجعل يتأخر بها ويتفكر، ثم قال: # إذا غير النأي المحبين لم أجد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح # قال: فلما انصرفت، حدثت أبي. قال: أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة، ~~وأخطأ ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شبرمة، إنما هذا كقول الله تعالى: ~~{ظلمات بعضها فوق بعض إذآ أخرج يده لم يكد يراها} [النور: 40]. وإنما ولم ~~يرها ولم يكد. # PageV01P239 # واعلم أن سبب الشبهة في ذلك، أنه قد جرى في العرف أن يقال: (ما كاد يفعل ~~ولم يكد يفعل)، في فعل قد فعل، على معنى: أنه لم يفعل إلا بعد الجهد وبعد ~~أن كان بعيدا في الظن أن يفعله. كقوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} ~~[البقرة: 71]. فلما كان مجيء النفي ms191 في (كاد) على هذا السبيل، توهم ابن ~~شبرمة أنه إذا قال: (لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح) فقد زعم أن الهوى ~~قد برح؛ ووقع لذي الرمة مثل هذا الظن. وليس الأمر كالذي ظناه. فإن الذي ~~يقتضيه اللفظ إذا قيل: (لم يكد يفعل وما كاد يفعل) أن يكون المراد أن الفعل ~~لم يكن من أصله، ولا قارب أن يكون، ولا ظن أنه يكون وكيف بالشك في ذلك، وقد ~~علمنا أن "كاد" موضوع لأن يدل على شدة قرب الفعل من الوقوع، وعلى أنه قد ~~شارف الوجود؟ وإذا كان كذلك، كان محالا أن يوجب نفيه وجود الفعل، لأنه يؤدي ~~إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل الوجود وجوده، وأن يكون قولك: (ما قارب أن ~~يفعل)، مقتضيا على البت أنه قد فعل. وإذ قد ثبت ذلك، فمن سبيلك أن تنظر. ~~فمتى لم يكن المعنى على أنه قد كان هناك صورة تقتضي أن لا يكون الفعل، وحال ~~يبعد معها أن يكون، ثم تغير الأمر كالذي تراه في قوله تعالى: {فذبحوها وما ~~كادوا يفعلون} [البقرة: 71] فليس إلا أن تلزم الظاهر وتجعل المعنى على أنك ~~تزعم أن الفعل لم يقارب أن يكون، فضلا عن أن يكون؛ فالمعنى إذن في بيت ذي ~~الرمة، على أن الهوى من رسوخه في القلب وثبوته فيه وغلبته على طباعه، بحيث ~~لا يتوهم عليه البراح، وأن ذلك لا يقارب أن يكون فضلا عن أن يكون؛ كما ~~تقول: إذا سلا المحبون وفتروا في محبتهم، لم يقع لي وهم ولم يجر مني على ~~بال أنه يجوز علي ما يشبه السلوة وما يعد فترة، فضلا عن أن يوجد ذلك مني ~~وأصير إليه. وينبغي أن تعلم أنهم إنما قالوا في التفسير: (لم يرها ولم ~~يكد). # PageV01P240 # فبدأوا فنفوا الرؤية، ثم عطفوا "لم يكد" عليه، ليعلموك أن ليس سبيل "لم ~~يكد" ههنا سبيل "ما كادوا" في قوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} ~~[البقرة: 71] في أنه نفي معقب على إثبات، وأن ليس المعنى على أن رؤية كانت ~~من بعد ms192 أن كادت لا تكون، ولكن المعنى أن رؤيتها لا تقارب أن تكون، فضلا عن ~~ان تكون. ولو كان "لم يكد" يوجب وجود الفعل، لكان هذا الكلام منهم محالا ~~جاريا مجرى أن تقول: "لم يرها، ورآها؛ فاعرفه! # وههنا نكتة وهي أن "لم يكد" في الآية والبيت، واقع في جواب (إذا). ~~والماضي إذا وقع في جواب الشرط، على هذا السبيل، كان مستقبلا في المعنى؛ ~~فإذا قلت: (إذا خرجت لم أخرج) كنت قد نفيت خروجا فيما يستقبل. وإذا كان ~~الأمر كذلك، استحال أن يكون المعنى في البيت أو الآية على أن الفعل قد كان، ~~لأنه يؤدي إلى ن يجيء (لم أفعل) ماضيا صريحا في جواب الشرط، فتقول: (إذا ~~خرجت لم أخرج أمس)، وذلك محال. # ومما يتضح فيه هذا المعنى، قول الشاعر [من المتقارب]: # ديار لجهمة بالمنحنى ... سقاهن مرتجز باكر # وراح عليهن ذو هيدب ... ضعيف القوى ماؤه زاخر # إذا رام نهضا بها لم يكد ... كذي الساق أخطأها الجابر # - وأعود إلى الغرض - فإذا بلغ من دقة هذه المعاني أن يشتبه الأمر فيها ~~على مثل خلف الأحمر وابن شبرمة، وحتى يشتبه على ذي الرمة في صواب قاله فيرى ~~أنه غير صواب، فما ظنك بغيرهم، وما تعجبك من أن يكثر التخليط فيه؟ ومن ~~العجب في هذا المعنى قول أبي النجم [من الرجز]: # قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع # PageV01P241 # قد حمله الجميع على أنه أدخل نفسه من رفع "كل" في شيء إنما يجوز عند ~~الضرورة من غير أن كانت به ضرورة. قالوا لأنه ليس في نصب "كل" ما يكسر له ~~وزنا أو يمنعه من معنى أراده. وإذا تأملت وجدته لم يرتكبه ولم يحمل نفسه ~~عليه إلا لحاجة له إلى ذلك، وإلا لأنه رأى النصب يمنعه ما يريد، وذاك أنه ~~أراد أنها تدعي عليه ذنبا لم يصنع منه شيئا البتة لا قليلا ولا كثيرا، ولا ~~بعضا ولا كلا. # والنصب يمنع من هذا المعنى، ويقتضي أن يكون قد أتى من الذنب الذي ادعته، ~~بعضه، وذلك أنا ms193 إذا تأملنا وجدنا إعمال الفعل في "كل"، والفعل منفي لا يصلح ~~أن يكون إلا حيث يراد أن "بعضا" كان و "بعضا" لم يكن. نقول: (لم ألق كل ~~القوم ولم آخذ كل الدراهم)، فيكون المعنى أنك لقيت بعضا من القوم. ولم تلق ~~الجميع، وأخذت بعضا من الدراهم وتركت الباقي، ولا يكون أن تريد أنك لم تلق ~~واحدا من القوم ولم تأخذ شيئا من الدراهم. وتعرف ذلك بأن تنظر إلى "كل" في ~~الإثبات وتتعرف فائدته فيه. # PageV01P242 # وإذا نظرت وجدته قد اجتلب لأن يفيد الشمول في الفعل الذي تسنده إلى ~~الجملة أو توقعه بها. تفسير أنك إنما قلت: (جاءني القوم كلهم)، لأنك لو ~~قلت: (جاءني القوم) وسكت، لكان يجوز أن يتوهم السامع أنه قد تخلف عنك ~~بعضهم، إلا أنك لم تعتد بهم، أو أنك جعلت الفعل إذا وقع من بعض القوم، ~~فكأنما وقع من الجميع لكونهم في حكم الشخص الواحد كما يقال للقبيلة: (فعلتم ~~وصنعتم)، يراد فعل قد كان من بعضهم أو واحد منهم؛ وهكذا الحكم أبدا. فإذا ~~قلت: (رأيت القوم كلهم، ومررت بالقوم كلهم) كنت قد جئت (بكل) لئلا يتوهم ~~أنه قد بقي عليك من لم تره ولم تمر به. وينبغي أن يعلم أنا لا نعني بقولنا ~~"يفيد الشمول" أن سبيله في ذلك سبيل الشيء يوجب المعنى من أصله وأنه لولا ~~مكان "كل" لما عقل "الشمول"، ولم يكن فيما سبق من اللفظ دليل عليه. كيف، ~~ولو كان كذلك، لم يكن يسمى تأكيدا؛ فالمعنى أنه يمنع أن يكون اللفظ المقتضي ~~الشمول مستعملا على خلاف ظاهر، ومتجوزا فيه. # PageV01P243 # وإذ قد عرفت ذلك، فهاهنا أصل وهو أنه من حكم النفي، إذا دخل على كلام ثم ~~كان في ذلك الكلام تقييد على وجه من الوجوه، أن يتوجه إلى ذلك، التقييد وأن ~~يقع له خصوصا. تفسير ذلك أنك إذا قلت: (أتاني القوم مجتمعين)، فقال قائل: ~~لم يأتك القوم مجتمعين، كان نفيه ذلك متوجها إلى الاجتماع الذي هو تقييد في ~~الإتيان دون الإتيان نفسه، حتى إنه إن أراد ms194 ينفي الإتيان من أصله، كان من ~~سبيله أن يقول: إنهم لم يأتوك أصلا، فما معنى قولك "مجتمعين"؟. هذا مما لا ~~يشك فيه عاقل. وإذا كان هذا حكم النفي إذا دخل على كلام فيه تقييد، فإن ~~التأكيد ضرب من التقييد. فمتى نفيت كلاما فيه تأكيد، فإن نفيك ذلك يتوجه ~~إلى التأكيد خصوصا ويقع له. فإذا قلت: (لم أر القوم كلهم، أو لم يأتني ~~القوم كلهم، أو لم يأتني كل القوم، أو لم أر كل القوم): كنت عمدت بنفيك إلى ~~معنى "كل" خاصة، وكان حكمه حكم "مجتمعين" في قولك: (لم يأتني القوم ~~مجتمعين). وإذا كان النفي يقع (لكل) خصوصا، فواجب إذا قلت: (لم يأتني القوم ~~كلهم، أو لم يأتني كل القوم) أن يكون قد أتاك بعضهم؛ كما يجب إذا قلت: (لم ~~يأتني القوم مجتمعين): أن يكونوا قد أتوك أشتاتا. وكما يستحيل أن يقول: (لم ~~يأتني القوم مجتمعين): وأنت تريد أنهم لم يأتوك أصلا لا مجتمعين ولا ~~منفردين؛ كذلك محال أن تقول: (لم يأتني القوم كلهم): وأنت تريد أنهم لم ~~يأتوك أصلا. فاعرفه! # واعلم أنك إذا نظرت، وجدت الإثبات كالنفي فيما ذكرت لك، ووجدت النفي قد ~~احتذاه فيه وتبعه، وذلك أنك إذا قلت: (جاءني القوم كلهم)، كان "كل" فائدة ~~خبرك هذا والذي يتوجه إليك إثباتك، بدلالة أن المعنى على أن الشك لم يقع في ~~نفس المجيء أنه كان من القوم على الجملة وإنما وقع في شموله "الكل" وذلك ~~الذي عناك أمره من كلامك. # PageV01P244 # وجملة الأمر أنه ما من كلام كان فيه أمر زائد على مجرد إثبات المعنى ~~للشيء، إلا كان الغرض الخاص من الكلام، والذي يقصد إليه ويزجى القول فيه ~~فإذا قلت: (جاءني زيد راكبا وما جاءني زيد راكبا)، كنت قد وضعت كلامك لأن ~~تثبت مجيئه راكبا أو تنفي ذلك، لا لأن تثبت المجيء وتنفيه مطلقا. هذا ما لا ~~سبيل إلى الشك فيه. # واعلم أنه يلزم من شك في هذا، فتوهم أنه يجوز أن تقول: (لم أر القوم ~~كلهم)، على معنى أنك لم ms195 تر واحدا منهم، أن يجري النهي هذا المجرى فتقول: ~~(لا تضرب القوم كلهم): على معنى: لا تضرب واحدا منهم، وأن تقول: (لا تضرب ~~الرجلين كليهما). على معنى: لا تضرب واحدا منهما. فإذا قال ذلك، لزمه أن ~~يختل قول الناس: لا تضربهما معا ولكن اضرب أحدهما، ولا تأخذهما جميعا ولكن ~~واحدا منهما. وكفى بذلك فسادا. # وإذ قد بان لك من حال النصب أنه يقتضي أن يكون المعنى، على أنه قد صنع من ~~الذنب بعضا، وترك بعضا؛ فاعلم أن الرفع على خلاف ذلك، وأنه يقتضي نفي أن ~~يكون قد صنع منه شيئا وأتى منه قليلا أو كثيرا، وأنك إذا قلت: (كلهم لا ~~يأتيك)، و (كل ذلك لا يكون) و (كل هذا لا يحسن)، كنت نفيت أن يأتيه واحد ~~منهم، وأبيت أن يكون، أو يحسن شيء مما أشرت إليه. # ومما يشهد لك بذلك من الشعر، قوله [من الطويل]: # فكيف وكل ليس يعدو حمامه ... ولا لامرئ عما قضى الله مزحل # المعنى على نفي أن يعدو أحد من الناس حمامه بلا شبهة. ولو قلت: (فكيف ~~وليس يعدو كل حمامه). فأخرت (كلا) لأفسدت المعنى وصرت كأنك تقول: (إن من ~~الناس من يسلم من الحمام ويبقى خالدا لا يموت). # ومثله قول دعبل [من الطويل]: # فوالله ما أدري بأي سهامها ... رمتني، وكل عندنا ليس بالمكدي # أبالجيد أم مجرى الوشاح وإنني ... لأنهم عينيها مع الفاحم الجعد # PageV01P245 # المعنى على نفي أن يكون في سهامها مكد على وجه من الوجوه. ومن البين في ~~ذلك ما جاء في حديث ذي اليدين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "أقصرت الصلاة ~~أم نسيت يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "كل ذلك لم يكن" فقال ذو ~~اليدين: "بعض ذلك قد كان". المعنى لا محالة على نفي الأمرين جميعا، وعلى ~~أنه عليه السلام أراد أنه لم يكن واحد منهما: لا القصر ولا النسيان. ولو ~~قيل: (لم يكن كل ذلك) لكان المعنى أنه قد كان بعضه. # واعلم أنه، لما كان المعنى مع إعمال الفعل المنفي ms196 في "كل" نحو: (لم يأتني ~~القوم كلهم، ولم أر القوم كلهم)، على أن الفعل قد كان من البعض ووقع على ~~البعض، قلت: (لم يأتني القوم كلهم ولكن أتاني بعضهم، ولم أر القوم كلهم ~~ولكن رأيت بعضهم)، فأثبت بعد ما نفيت، ولا يكون ذلك مع رفع "كل" بالابتداء. ~~فلو قلت: (كلهم لم يأتني ولكن أتاني بعضهم، وكل ذلك لم يكن ولكن كان بعض ~~ذلك)، لم يجز لأنه يؤدي إلى التناقض، وهو أن تقول: (لم يأتني واحد منهم ~~ولكن أتاني بعضهم). # واعلم أنه ليس التأثير لما ذكرنا من إعمال الفعل، وترك إعماله على ~~الحقيقة، وإنما التأثير لأمر آخر وهو دخول "كل" في حيز النفي وأن لا يدخل ~~فيه، وإنما علقنا الحكم في البيت وسائر ما مضى، بإعمال الفعل وترك إعماله ~~من حيث كان إعماله فيه يقتضي دخوله في حيز النفي، وترك إعماله يوجب خروجه ~~منه من حيث كان الحرف النافي في البيت حرفا لا ينفصل على الفعل وهو "لم"، ~~لا أن كونه معمولا للفعل وغير معمول يقتضي ما رأيت من الفرق. أفلا ترى أنك ~~لو جئت بحرف نفي يتصور انفصاله عن الفعل، لرأيت المعنى في "كل" مع ترك ~~إعمال الفعل مثله مع إعماله؟ ومثال ذلك قوله [من البسيط]: # ما كل ما يتمنى المرء يدركه # وقول الآخر [من البسيط]: # ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشد # PageV01P246 # "كل" كما ترى، غير معمل فيه الفعل ومرفوع إما بالابتداء وإما بأنه اسم ~~"ما". ثم إن المعنى ذلك على ما يكون عليه، إذا أعملت فيه الفعل فقلت: (ما ~~يدرك المرء كل ما يتمناه، وما يدعو كل رأي الفتى إلى رشد)، وذلك أن ~~التأثير، لوقوعه في حيز النفي؛ وذلك حاصل في الحالين. ولو قدمت "كلا" في ~~هذا فقلت: (كل ما يتمنى المرء لا يدركه، وكل رأي الفتى لا يدعو إلى رشد)، ~~لتغير المعنى، ولصار بمنزلة أن يقال: إن المرء لا يدرك شيئا مما يتمناه، ~~ولا يكون في رأي الفتى ما يدعو إلى رشد بوجه من الوجوه. # واعلم أنك ms197 إذا أدخلت "كلا" في حيز النفي، وذلك بأن تقدم النفي عليه لفظا ~~أو تقديرا، فالمعنى على نفي الشمول دون نفي الفعل والوصف نفسه. وإذا أخرجت ~~"كلا" من حيز النفي ولم تدخله فيه، لا لفظا ولا تقديرا، كان المعنى على أنك ~~تتبعت الجملة فنفيت الفعل والوصف عنها واحدا واحدا. والعلة في أن كان ذلك ~~كذلك، أنك إذا بدأت "بكل" كنت قد بنيت النفي عليه، وسلطت (الكلية) على ~~النفي وأعملتها فيه؛ وإعمال معنى الكلية في النفي، يقتضي أن لا يشذ شيء عن ~~النفي، فاعرفه! # واعلم أن من شأن الوجوه والفروق، أن لا يزال يحدث بسببها وعلى حسب ~~الأغراض والمعاني التي تقع فيها، دقائق وخفايا إلى حد ونهاية، وأنها خفايا ~~تكتم أنفسها جهدها حتى لا ينتبه لأكثرها، ولا يعلم أنها هي، وحتى لا تزال ~~ترى العالم يعرض له السهو فيه، وحتى إنه ليقصد إلى الصواب فيقع في أثناء ~~كلامه ما يوهم الخطأ؛ وكل ذلك لشدة الخفاء وفرض الغموض. # PageV01P247 ### | فصل # واعلم أنه إذا كان بينا في الشيء، أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه، ~~حتى لا يشكل وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقه، وأنه الصواب إلى فكر ~~وروية، فلا مزية؛ وإنما تكون المزية ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال ~~غير الوجه الذي جاء عليه وجها آخر، ثم رأيت النفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، ~~ورأيت للذي جاء عليه، حسنا وقبولا يعدمهما إذا أنت تركته إلى الثاني. ومثال ~~ذلك قوله تعالى: {وجعلوا لله شركآء الجن} [الأنعام: 100]، ليس بخاف أن ~~لتقديم "الشركاء" حسنا وروعة ومأخذا من القلوب، أنت لا تجد شيئا منه إن أنت ~~أخرت، فقلت: (وجعلوا الجن شركاء لله). وأنك ترى حالك حال من نقل عن الصورة ~~المبهجة، والمنظر الرائق، والحسن الباهر، إلى الشيء الغفل الذي لا تحلى منه ~~بكثير طائل، ولا تصير النفس به إلى حاصل، والسبب في أن كان ذلك كذلك هو أن ~~للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلا لا سبيل إليه مع التأخير. بيانه أنا، وإن ~~كنا نرى جملة ms198 المعنى ومحصوله، أنهم جعلوا الجن شركاء وعبدوهم مع الله ~~تعالى، وكان هذا المعنى يحصل مع التأخير، حصوله مع التقديم، فإن تقديم ~~"الشركاء" يفيد هذا المعنى ويفيد معه معنى آخر، وهو أنه ما كان ينبغي أن ~~يكون لله شريك لا من الجن ولا غير الجن. وإذا أخر فقيل: (جعلوا الجن شركاء ~~لله). لم يفد ذلك، ولم يكن فيه شيء أكثر من الإخبار عنهم، بأنهم عبدوا الجن ~~مع الله تعالى؛ فأما إنكار أن يعبد مع الله غيره، وأن يكون له شريك من الجن ~~وغير الجن، فلا يكون في اللفظ، مع تأخير "الشركاء"، دليل عليه. وذلك أن ~~التقدير يكون مع التقديم أن "شركاء" مفعول أول لجعل، و "لله" في موضع ~~المفعول الثاني، ويكون "الجن" على كلام ثان وعلى تقدير أنه كأنه قيل: (فمن ~~جعلوا شركاء لله تعالى؟) فقيل: الجن. # PageV01P248 # وإذن كان التقدير في "شركاء" أنه مفعول أول، و"الله" في موضع المفعول ~~الثاني، وقع الإنكار على كون شركاء الله تعالى على الإطلاق من غير اختصاص ~~شيء دون شيء، وحصل من ذلك أن اتخاذ الشريك من غير الجن، قد دخل في الإنكار ~~دخول اتخاذه من الجن، لأن الصفة إذا ذكرت مجردة غير مجراة على شيء، كان ~~الذي يعلق بها من النفي عاما في كل ما يجوز أن تكون له الصفة. فإذا قلت: ~~(ما في الدار كريم)، كنت نفيت الكينونة في الدار عن كل من يكون الكرم صفة ~~له. وحكم الإنكار أبدا حكم النفي. وإذا أخر فقيل: (وجعلوا الجن شركاء لله)، ~~كان "الجن" مفعولا أول والشركاء مفعولا ثانيا. وإذا كان كذلك كان الشركاء ~~مخصوصا غير مطلق من حيث كان محالا أن يجري خبرا على الجن، ثم يكون عاما ~~فيهم وفي غيرهم. وإذا كان كذلك، احتمل أن يكون القصد بالإنكار إلى الجن ~~خصوصا، أن يكونوا شركاء دون غيرهم، جل الله وتعالى عن أن يكون له شريك ~~وشبيه، بحال. # فانظر الآن إلى شرف ما حصل من المعنى بأن قدم "الشركاء"، واعتبره؛ فإنه ~~ينبهك لكثير من الأمور ويدلك على ms199 عظم شأن النظم، وتعلم به كيف يكون الإيجاز ~~به، وما صورته، وكيف يزاد في المعنى من غير أن يزاد في اللفظ، إذ قد ترى أن ~~ليس إلا تقديم وتأخير وأنه قد حصل لك بذلك من زيادة المعنى، ما إن حاولته ~~مع تركه لم يحصل لك، واحتجت إلى أن تستأنف له كلاما نحو أن تقول: (وجعلوا ~~الجن شركاء لله وما ينبغي أن يكون لله شريك لا من الجن ولا من غيرهم): ثم ~~لا يكون له إذا عقل من كلامين من الشرف والفخامة ومن كرم الموقع في النفس، ~~ما تجده له الآن وقد عقل من هذا الكلام الواحد. # PageV01P249 # ومما ينظر إلى مثل ذلك قوله تعالى: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} ~~[البقرة: 96]. وإذا أنت راجعت نفسك وأذكيت حسك، وجدت لهذا التنكير، وأن قيل ~~"على حياة" ولم يقل: (على الحياة)، حسنا وروعة ولطف موقع لا يقادر قدره. ~~وتجدك تعدم ذلك مع التعريف، وتخرج عن الأريحية والأنس إلى خلافهما. والسبب ~~في ذلك أن المعنى على الازدياد من الحياة، لا الحياة من أصلها، وذلك لا ~~يحرص عليه إلا الحي، فأما العادم للحياة، فلا يصح منه الحرص على الحياة ولا ~~غيرها. وإذا كان كذلك، صار كأنه قيل: (ولتجدنهم أحرص الناس ولو عاشوا ما ~~عاشوا على أن يزدادوا إلى حياتهم في ماضي الوقت وراهنه، حياة في الذي ~~يستقبل). فكما أنك لا تقول ههنا أن يزدادا إلى حياتهم الحياة (بالتعريف)، ~~وإنما تقول حياة، إذ كان التعريف يصلح حيث تراد الحياة على الإطلاق كقولنا: ~~(كل أحد يحب الحياة ويكره الموت)، كذلك الحكم في الآية. # والذي ينبغي أن يراعى، أن المعنى الذي يوصف الإنسان بالحرص عليه، إذا كان ~~موجودا حال وصفك له بالحرص عليه، لم يتصور أن تجعله حريصا عليه من أصله. ~~كيف ولا يحرص على الراهن ولا الماضي. وإنما يكون الحرص على ما لم يوجد بعد. # PageV01P250 # وشبيه بتنكير (الحياة) في هذه الآية، تنكيرها في قوله عز وجل: {ولكم في ~~القصاص حياة} [البقرة: 179]. وذلك أن السبب في حسن التنكير وأن لم ms200 يحسن ~~التعريف، أن ليس المعنى على الحياة نفسها، ولكن على أنه لما كان الإنسان ~~إذا علم أنه إذا قتل قتل، ارتدع بذلك عن القتل، فسلم صاحبه، صارت حياة هذا ~~المهموم بقتله في مستأنف الوقت، مستفادة بالقصاص، وصار كأنه قد حيي في باقي ~~عمره به، أي بالقصاص. وإذا كان المعنى على حياة في بعض أوقاته وجب التنكير، ~~وامتنع التعريف من حيث كان التعريف يقتضي أن تكون الحياة قد كانت بالقصاص ~~من أصلها، وأن يكون القصاص قد كان سببا في كونها في كافة الأوقات، وذلك ~~خلاف المعنى وغير ما هو المقصود. ويبين ذلك أنك تقول: (لك في هذا غنى)، ~~فتنكر إذا أردت أن تجعل ذلك من بعض ما يستغنى به. فإن قلت: (لك فيه الغنى) ~~كان الظاهر أنك جعلت كل غناه به. # وأمر آخر، وهو أنه لا يكون ارتداع حتى يكون هم وإرادة. وليس بواجب أن لا ~~يكون إنسان في الدنيا إلا وله عدو يهم بقتله، ثم يردعه خوف القصاص؛ وإذا لم ~~يجب ذلك فمن لم يهم بقتله فكفي ذلك الهم لخوف القصاص، فليس هو ممن حي ~~بالقصاص. وإذا دخل الخصوص فقد وجب أن يقال (حياة) ولا يقال (الحياة)، كما ~~وجب أن يقال (شفاء) ولا يقال (الشفاء) في قوله تعالى: {يخرج من بطونها شراب ~~مختلف ألوانه فيه شفآء للناس} [النحل: 69]، حيث لم يكن شفاء للجميع. # واعلم أنه لا يتصور أن يكون الذي هم بالقتل، فلم يقتل خوف القصاص داخلا ~~في الجملة، وأن يكون القصاص أفاده حياة كما أفاد المقصود قتله. وذلك أن هذه ~~الحياة إنما هي لمن كان يقتل لولا القصاص، وذلك محال في صفة القاصد للقتل، ~~فإنما يصح في وصفه ما هو كالضد لهذا، وهو أن يقال: (إنه كان لا يخاف عليه ~~القتل لولا القصاص، وإذا كان هذا كذلك، كان وجها ثالثا في وجوب التنكير). # PageV01P251 ### | فصل: اشتراط الذوق فيه # واعلم أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعا من السامع، ولا يجد لديه ~~قبولا، حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة، وحتى ms201 يكون ممن تحدثه نفسه بأن لما ~~يومئ إليه من الحسن واللطف أصلا، وحتى يختلف الحال عليه عند تأمل الكلام، ~~فيجد الأريحية تارة ويعرى منها أخرى، وحتى إذا عجبته عجب، وإذا نبهته لموضع ~~المزية انتبه، فأما من كانت الحالان والوجهان عنده أبدا على سواء، وكان لا ~~يتفقد من أمر النظم إلا الصحة المطلقة، وإلا إعرابا ظاهرا، فما أقل ما يجدي ~~الكلام معه! فليكن من هذه صفته عندك، بمنزلة من عدم الإحساس بوزن الشعر ~~والذوق الذي يقيمه به، والطبع الذي يميز صحيحه من مكسوره، ومزاحفه من ~~سالمه، وما خرج من البحر مما لم يخرج منه، في أنك لا تتصدى له، ولا تتكلف ~~تعريفه لعلمك أنه قد عدم الأداة التي معها تعرف، والحاسة التي بها تجد، ~~فليكن قدحك في زند وار، والحك في عود أنت تطمع منه في نار. # واعلم أن هؤلاء، وإن كانوا هم الآفة العظمى في هذا الباب، فإن من الآفة ~~أيضا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة في قليل ما تعرف المزية فيه ~~وكثيره؛ وأن ليس إلا أن تعلم أن هذا التقديم وهذا التنكير، أو هذا العطف أو ~~هذا الفصل حسن، وأن له موقعا من النفس وحظا من القبول. فأما أن تعلم: لم ~~كان كذلك وما السبب؟ فمما لا سبيل إليه، ولا مطمع في الاطلاع عليه؛ فهو ~~بتوانيه والكسل فيه في حكم من قال ذلك. # PageV01P252 # واعلم أنه ليس إذا لم يمكن معرفة الكل وجب ترك النظر في الكل؛ وأن تعرف ~~العلة والسبب فيما يمكنك معرفة ذلك فيه، وإن قل فتجعله شاهدا فيما لم تعرف، ~~أحرى من أن تسد باب المعرفة، على نفسك، وتأخذها عن الفهم والتفهم، وتعودها ~~الكسل والهوينا. قال الجاحظ: وكلام كثير قد جرى على ألسنة الناس وله مضرة ~~شديدة وثمرة مرة. فمن أضر ذلك قولهم: لم يدع الأول للآخر شيئا. (قال): فلو ~~أن علماء كل عصر مذ جرت هذه الكلمة في أسماعهم، تركوا الاستنباط لما لم ~~ينته إليهم عمن قبلهم، لرأيت العلم مختلا. واعلم أن العلم ms202 إنما هو معدن، ~~فكما أنه لا يمنعك أن ترى ألف وقر قد أخرجت من معدن تبر أن تطلب فيه وأن ~~تأخذ ما تجد، ولو كقدر تومة، كذلك ينبغي أن يكون رأيك في طلب العلم، ومن ~~الله تعالى نسأل التوفيق! # PageV01P253 ### | ### | فصل # : في المجاز الحكمي # في المجاز الحكمي هذا فن من المجاز لم نذكره فيما تقدم # إعلم أن طريق المجاز والاتساع في الذي ذكرناه قبل، أنك ذكرت الكلمة وأنت ~~لا تريد معناها، ولكن تريد معنى ما هو ردف له أو شبيه، فتجوزت بذلك في ذات ~~الكلمة وفي اللفظ نفسه. وإذ عرفت ذلك، فاعلم أن في الكلام مجازا على غير ~~هذا السبيل، وهو أن يكون التجوز في حكم يجري على الكلمة فقط، وتكون الكلمة ~~متروكة على ظاهرها، ويكون معناها مقصودا في نفسه ومرادا، من غير تورية ولا ~~تعريض. والمثال في قولهم: (نهارك صائم وليلك قائم، ونام ليلي وتجلى همي). ~~وقوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16] وقول الفرزدق [من الطويل]: # سقاها خروق في المسامع لم تكن ... علاطا ولا مخبوطة في الملاغم # أنت ترمي مجازا في هذا كله، ولكن لا في ذوات الكلم وأنفس الألفاظ ولكن في ~~أحكام أجريت عليها. أفلا ترى أنك لم تتجوز في قولك: (نهارك صائم وليلك ~~قائم)، في نفس (صائم وقائم) لكن في أن أجريتهما خبرين على النهار والليل. ~~وكذلك ليس المجاز في الآية في لفظة "ربحت" نفسها، ولكن في إسنادها إلى ~~التجارة. وهكذا الحكم في قوله: (سقاها خروق): ليس التجوز في نفس "سقاها" ~~ولكن في أن أسندها إلى (الخروق). أفلا ترى أنك لا ترى شيئا منها إلا وقد ~~أريد به معناه الذي وضع له على وجهه وحقيقته؟ فلم يرد (بصائم) غير الصوم، ~~ولا (بقائم) غير القيام، ولا ب (ربحت) غير الربح ولا ب (سقت) غير السقي، ~~كما أريد ب (سالت) في قوله [من الطويل]: # وسالت بأعناق المطي الأباطح # غير السيل. # واعلم أن الذي ذكرت لك في المجاز هناك، من أن من شأنه أن يفخم عليه ~~المعنى، وتحدث فيه النباهة، قائم ms203 لك مثله ههنا. فليس يشتبه على عاقل أن ليس ~~حال المعنى وموقعه في قوله [من الرجز]: # فنام ليلي وتجلى همي # كحاله وموقعه، إذا أنت تركت المجاز وقلت: (فنمت في ليل وتجلى همي) كما لم ~~يكن الحال في قولك: (رأيت أسدا): كالحال في "رأيت رجلا كالأسد". ومن الذي ~~يخفى عليه مكان العلو وموضع المزية وصورة الفرقان بين قوله تعالى: {فما ~~ربحت تجارتهم} [البقرة: 16] وبين أن يقال: (فما ربحوا في تجارتهم)؟ وإن ~~أردت أن تزداد للأمر تبيينا، فانظر إلى بيت الفرزدق [من الكامل]: # يحمي، إذا اخترط السيوف نساءنا ... ضرب تطير له السواعد أرعل # PageV01P254 # وإلى رونقه ومائه وإلى ما عليه من الطلاوة، ثم ارجع إلى الذي هو الحقيقة ~~وقل: (نحمي، إذا اخترط السيوف، نساءنا، بضرب تطير له السواعد أرعل)؛ ثم ~~اسبر حالك، هل ترى مما كنت تراه شيئا؟ وهذا الضرب من المجاز على حدته كنز ~~من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان، ~~والاتساع في طرق البيان؛ وأن يجيء بالكلام مطبوعا مصنوعا، وأن يضعه بعيد ~~المرام، قريبا من الأفهام؛ ولا يغرنك من أمره أنك ترى الرجل يقول: (أتى بي ~~الشوق إلى لقائك، وسار بي الحنين إلى رؤيتك، وأقدمني بلدك حق لي على ~~إنسان)، وأشباه ذلك مما تجده لسعته وشهرته، يجري مجرى الحقيقة التي لا يشكل ~~أمرها؛ فليس هو كذلك أبدا؛ بل يدق ويلطف حتى يمتنع مثله إلا على الشاعر ~~المفلق، والكاتب البليغ، وحتى يأتيك بالبدعة لم تعرفها، والنادرة تأنق لها. # وجملة الأمر أن سبيله سبيل الضرب الأول الذي هو مجاز في نفس اللفظ ذات ~~الكلمة؛ فكما أن من الاستعارة والتمثيل، عاميا مثل: (رأيت أسدا، ووردت ~~بحرا، وشاهدت بدرا، وسل من رأيه سيفا) وخاصيا لا يكمل له كل أحد، مثل قوله: # وسالت بأعناق المطي الأباطح # كذلك الأمر في هذا المجاز الحكمي. # واعلم أنه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التقدير، إذا أنت نقلت ~~الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة، مثل أنك تقول في "ربحت تجارتهم": ربحوا في ~~تجارتهم، ms204 وفي: "يحمي نساءنا ضرب" نحمي نساءنا بضرب، فإن ذلك لا يتأتى في كل ~~شيء. ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل في قولك: (أقدمني بلدك حق لي على ~~إنسان)، فاعلا سوى "الحق"؛ وكذلك لا تستطيع في قوله [من مجزوء الوافر]: # وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل # وقوله [من مجزوء الوافر]: # يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا # PageV01P255 # أن تزعم أن ل (صيرني) فاعلا قد نقل عنه الفعل فجعل للهوى، كما فعل ذلك في ~~"ربحت تجارتهم، ويحمي نساءنا ضرب". ولا تستطيع كذلك أن تقدر ل (يزيد) في ~~قوله: (يزيدك وجهه): فاعلا غير الوجه. فالاعتبار إذن، بأن يكون المعنى الذي ~~يرجع إليه الفعل، موجودا في الكلام على حقيقته. معنى ذلك أن القدوم في ~~قولك: (أقدمني بلدك حق لي على إنسان)، موجود على الحقيقة، وكذلك الصيرورة ~~في قوله: (وصيرني هواك). والزيادة في قوله: (يزيدك وجهه): موجودتان على ~~الحقيقة. وإذا كان معنى اللفظ موجودا على الحقيقة، لم يكن المجاز فيه نفسه؛ ~~وإذا لم يكن المجاز في نفس اللفظ، كان لا محالة في الحكم؛ فاعرف هذه الجملة ~~وأحسن ضبطها حتى تكون على بصيرة من الأمر! ومن اللطيف في ذلك قول حاجز بن ~~عوف [من الوافر]: # أبي عبر الفوارس يوم داج ... وعمي مالك وضع السهاما # فلو صاحبتنا لرضيت عنا ... إذا لم تغبق المائة الغلاما # يريد إذا كان العام عام جدب، وجفت ضروع الإبل، وانقطع الدر، حتى إن حلب ~~منها مائة، لم يحصل من لبنها ما يكون غبوق غلام واحد. فالفعل الذي هو [غبق] ~~مستعمل في نفسه على حقيقته، غير مخرج عن معناه وأصله إلى معنى شيء آخر، ~~فيكون قد دخله مجاز في نفسه، وإنما المجاز في أن أسند إلى الإبل وجعل فعلا ~~لها. وإسناد الفعل إلى الشيء حكم في الفعل، وليس هو نفس معنى الفعل، ~~فاعرفه! # واعلم أن من سبب اللطف في ذلك أنه ليس كل شيء يصلح لأن يتعاطى فيه هذا ~~المجاز الحكمي بسهولة، بل تجدك في كثير من الأمر وأنت تحتاج إلى أن ms205 تهيئ ~~الشيء وتصلحه لذلك بشيء تتوخاه في النظم. وإن أردت مثالا في ذلك فانظر إلى ~~قوله [من الطويل]: # تناس طلاب العامرية إذ نأت ... بأسجح مر قال الضحى قلق الضفر # إذا ما أحسته الأفاعي تحيزت ... شواة الأفاعي من مثلمة سمر # تجوب له الظلماء عين كأنها ... زجاجة شرب غير ملأى ولا صفر # PageV01P256 # يصف جملا ويريد أن يهتدي بنور عينه في الظلماء، ويمكنه بها أن يخرقها ~~ويمضي فيها. ولولاها لكانت الظلماء كالسد والحاجز الذي لا يجد شيئا يفرجه ~~به ويجعل لنفسه فيه سبيلا. فأنت الآن تعلم أنه لولا أنه قال: (تجوب له). ~~فعلق "له" (بتجوب) لما صلحت العين لأن يسند "تجوب" إليها، ولكان لا تتبين ~~جهة التجوز في جعل "تجوب" فعلا للعين كما ينبغي. وكذلك تعلم أنه لو قال ~~مثلا: (تجوب له الظلماء عينه): لم يكن له هذا الموقع، ولاضطرب عليه معناه ~~وانقطع السلك من حيث كان يعيبه حينئذ أن يصف العين بما وصفها به الآن. ~~فتأمل هذا واعتبره! فهذه التهيئة وهذا الاستعداد في هذا المجاز الحكمي، ~~نظير أنك تراك في الاستعارة التي هي مجاز في نفس الكلمة وأنت تحتاج في ~~الأمر الأكثر إلى أن تمهد لها وتقدم أو تؤخر ما يعلم به أنك مستعير ومشبه؛ ~~ويفتح طريق المجاز إلى الكلمة. ألا ترى إلى قوله [من الطويل]: # وصاعقة من نصله ينكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب # عنى (بخمس السحائب) أنامله؛ ولكنه لم يأت بهذه الاستعارة دفعة، ولم يرمها ~~إليك بغتة، بل ذكر ما ينبئ عنها، ويستدل به عليها، فذكر أن هناك صاعقة ~~وقال: (من نصله)، فبين أن تلك الصاعقة من نصل سيفه، ثم قال: (أرؤس ~~الأقران)، ثم قال: (خمس) فذكر الخمس التي هي عدد أنامل اليد، فبان من مجموع ~~هذه الأمور غرضه. وأنشدوا لبعض العرب [من الرجز]: # فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإن في أيماننا نيرانا # يريد: (في أيماننا سيوفا نضربكم بها)، ولولا قوله أولا: (فإن تعافوا ~~العدل والإيمان): وأن في ذلك دلالة على أن جوابه أنهم يحاربون ويقسرون على ~~الطاعة بالسيف، ثم ms206 قوله: (فإن في أيماننا): لما عقل مراده، ولما جاز له أن ~~يستعير النيران للسيوف، لأنه كان لا يعقل الذي يريد، لأنا وإن كنا نقول: ~~(في أيديهم سيوف تلمع كأنها شعل النيران)، كما قال [من الكامل]: # PageV01P257 # ناهضتهم والبارقات كأنها ... شعل على أيديهم تتلهب # فإن هذا التشبيه لا يبلغ مبلغ ما يعرف مع الإطلاق كمعرفتنا إذا قال: ~~(رأيت أسدا): أنه يريد الشجاعة. وإذا قال: (لقيت شسما وبدرا): أنه يريد ~~الحسن، ولا يقوى تلك القوة، فاعرفه! " # ومما طريق المجاز فيه الحكم قول الخنساء [من البسيط]: # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار # وذاك أنها لم ترد ب (الإقبال والإدبار) غير معناهما، فتكون قد تجوزت في ~~نفس الكلمة، وإنما تجوزت في أن جعلتها لكثرة ما تقبل وتدبر ولغلبة ذاك ~~عليها واتصاله بها، وأنه لم يكن لها حال غيرهما، أنها قد تجسمت من الإقبال ~~والإدبار. وإنما كان يكون المجاز في نفس الكلمة لو أنها كانت قد استعارت ~~الإقبال والإدبار لمعنى غير معناهما الذي وضعا له في اللغة، ومعلوم أن ليس ~~الاستعارة مما أرادته في شيء. # واعلم أن ليس بالوجه، أن يعد هذا على الإطلاق، معد ما حذف منه المضاف، ~~وقيم المضاف إليه مقامه، مثل قوله عز وجل: {وسئل القرية} [يوسف: 82]. # ومثل قول النابغة الجعدي [من المتقارب]: # وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب # وقول الأعرابي [من الوافر]: # حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي ويب غيرك بالعناق # وإن كنا نراهم يذكرونه حيث يذكرون حذف المضاف ويقولون إنه في تقدير ~~"فإنما هي ذات إقبال وإدبار" ذاك لأن المضاف المحذوف من نحو الآية ~~والبيتين، في سبيل ما يحذف من اللفظ ويراد في المعنى، كمثل أن يحذف خبر ~~المبتدأ أو المبتدأ، إذا دل الدليل عليه، إلى سائر ما إذا حذف كان في حكم ~~المنطوق به؛ وليس الأمر كذلك في بيت الخنساء، لأنا إذا جعلنا المعنى فيه ~~الآن، كالمعنى إذا نحن قلنا: (فإنما هي ذات إقبال وإدبار)، أفسدنا الشعر ~~على أنفسنا وخرجنا إلى شيء مغسول، وإلى كلام ms207 عامي مرذول، وكان سبيلنا سبيل ~~من يزعم مثلا في بيت المتنبي [من الوافر]: # PageV01P258 # بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا # أنه في تقدير محذوف وأن معناه الآن كالمعنى إذا قلت: (بدت مثل قمر ومالت ~~مثل خوط بان وفاحت مثل عنبر ورنت مثل غزال)، في أنا نخرج إلى الغثاثة وإلى ~~شيء يعزل البلاغة عن سلطانها، ويخفض من شأنها، ويصد أوجهنا عن محاسنها، ~~ويسد باب المعرفة بها وبلطائفها علينا. فالوجه أن يكون تقدير المضاف في ~~هذا، على معنى أنه، لو كان الكلام قد جيء به على ظاهره، ولم يقصد إلى الذي ~~ذكرناه من المبالغة والاتساع، وأن تجعل الناقة كأنها قد صارت بجملتها ~~إقبالا وإدبارا، حتى كأنها قد تجسمت منهما، لكان حقه حينئذ أن يجاء فيه ~~بلفظ الذات فيقال: (إنما هي ذات إقبال وإدبار). فأما أن يكون الشعر الآن ~~موضوعا على إرادة ذلك، وعلى تنزيله منزلة المنطوق به حتى يكون الحال فيه ~~كالحال في: # حسبت بغام راحلتي عناقا # حين كان المعنى والقصد أن يقول: (حسبت بغام راحلتي بغام عناق)، فما لا ~~مساغ له عند من كان صحيح الذوق، صحيح المعرفة، نسابة للمعاني. # PageV01P259 ### | فصل # هذه مسألة قد كنت عملتها قديما، وقد كتبتها ههنا لأن لها اتصالا بهذا ~~الذي صار بنا القول إليه، قوله تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} ~~[ق: 37]، أي لمن كان أعمل قلبه فيما خلق القلب له من التدبر والتفكر والنظر ~~فيما ينبغي أن ينظر فيه. فهذا على أن يجعل الذي لا يعي ولا يسمع ولا ينظر ~~ولا يتفكر، كأنه قد عدم القلب من حيث عدم الانتفاع به، وفاته الذي هو فائدة ~~القلب والمطلوب منه، كما جعل الذي لا ينتفع ببصره وسمعه، ولا يفكر فيما ~~يؤديان إليه، ولا يحصل من رؤية ما يرى وسماع ما يسمع على فائدة بمنزلة من ~~لا سمع له ولا بصر. فأما تفسير من يفسره على أنه بمعنى "من كان له عقل" ~~فإنه إنما يصح على أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض ms208 على الجملة. فأما أن ~~يؤخذ به على هذا الظاهر حتى كأن القلب اسم للعقل كما يتوهمه أهل الحشو ومن ~~لا يعرف مخارج الكلام، فمحال باطل لأنه يؤدي إلى إبطال الغرض من الآية وإلى ~~تحريف الكلام عن صورته، وإزالة المعنى عن جهته. وذاك أن المراد به الحث على ~~النظر، والتقريع على تركه وذم من يخل به ويغفل عنه. ولا يحصل ذلك إلا ~~بالطريق الذي قدمته، وإلا بأن يكون قد جعل من لا يفقه بقلبه ولا ينظر ولا ~~يتفكر، كأنه ليس بذي قلب، كما يجعل كأنه جماد وكأنه ميت لا يشعر ولا يحس. ~~وليس سبيل من فسر القلب ههنا على العقل، إلا سبيل من فسر عليه العين والسمع ~~في قول الناس: (هذا بين لمن كانت له عين ولمن كان له سمع)، وفسر العمى ~~والصمم والموت في صفة من يوصف بالجهالة، على مجرد الجهل، وأجرى جميع ذلك ~~على الظاهر، فاعرفه! ومن عادة قوم ممن يتعاطى التفسير بغير علم أن توهموا ~~أبدا في الألفاظ الموضوعة على المجاز والتمثيل، أنها على ظواهرها؛ فيفسدوا ~~المعنى بذلك، ويبطلوا الغرض ويمنعوا أنفسهم والسامع منهم، العلم بموضع ~~البلاغة وبمكان الشرف. # وناهيك بهم إذا هم أخذوا في ذكر الوجوه وجعلوا يكثرون في غير طائل! هناك ~~ترى ما شئت من باب جهل قد فتحوه، وزند ضلالة قد قدحوا به، ونسأل الله تعالى ~~العصمة والتوفيق. # PageV01P260 ### | فصل: في الكناية والتعريض # هذا فن من القول دقيق المسلك، لطيف المأخذ، وهو أنا نراهم كما يصنعون في ~~نفس الصفة بأن يذهبوا بها مذهب الكناية والتعريض، كذلك يذهبون في إثبات ~~الصفة هذا المذهب. وإذا فعلوا ذلك بدت هناك محاسن تملأ الطرف، ودقائق تعجز ~~الوصف، ورأيت هناك شعرا شاعرا، وسحرا ساحرا، وبلاغة لا يكمل لها إلا الشاعر ~~المفلق، والخطيب المصقع. وكما أن الصفة، إذا لم تأتك مصرحا بذكرها، مكشوفا ~~عن وجهها، ولكن مدلولا عليها بغيرها، كان ذلك أفخم لشأنها، وألطف لمكانها؛ ~~كذلك إثباتك الصفة للشيء تثبتها له إذا لم تلقه إلى السامع صريحا، وجئت ~~إليه من جانب التعريض ms209 والكناية، والرمز والإشارة، كان له من الفضل والمزية، ~~ومن الحسن والرونق، ما لا يقل قليله، ولا يجهل موضع الفضيلة فيه. # وتفسير هذه الجملة وشرحها، أنهم يرمون وصف الرجل ومدحه، وإثبات معنى من ~~المعاني الشريفة له، فيدعون التصريح بذلك، ويكنون عن جعلها فيه بجعلها في ~~شيء يشتمل عليه ويتلبس به، ويتوصلون في الجملة إلى ما أرادوا من الإثبات، ~~لا من الجهة الظاهرة المعروفة، بل من طريق يخفى، ومسلك يدق. ومثاله قول ~~زياد الأعجم [من الكامل]: # إن السماحة والمروء والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج # PageV01P261 # أراد كما لا يخفى، أن يثبت هذه المعاني والأوصاف خلالا للممدوح وضرائب ~~فيه، فترك أن يصرح فيقول: إن السماحة والمروءة والندى لمجموعة في ابن ~~الحشرج، أو مقصورة عليه، أو مختصة به، وما شاكل ذلك مما هو صريح في إثبات ~~الأوصاف للمذكورين بها، وعدل إلى ما ترى من الكناية والتلويح، فجعل كونها ~~في القبة المضروبة عليه، عبارة عن كونها فيه، وإشارة إليه؛ فخرج كلامه بذلك ~~إلى ما خرج إليه من الجزالة، وظهر فيه ما أنت ترى من الفخامة. ولو أنه أسقط ~~هذه الواسطة من البين لما كان إلا كلاما غفلا، وحديثا ساذجا. فهذه الصنعة ~~في طريق الإثبات هي نظير الصنعة في المعاني، إذا جاءت كنايات عن معان آخر ~~نحو قوله [من الوافر]: # وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل # فكما أنه إنما كان من فاخر الشعر ومما يقع في الاختيار لأجل أن أراد أن ~~يذكر نفسه بالقرى والضيافة، فكنى عن ذلك بجبن الكلب وهزال الفصيل وترك أن ~~يصرح فيقول: (قد عرف أن جنابي مألوف وكلبي مؤدب لا يهر في وجوه من يغشاني ~~من الأضياف؛ وإني أنحر المتالى من إبلي وأدع فصالها هزلى). كذلك إنما راقك ~~بيت زياد لأنه كنى عن إثباته السماحة والمروءة والندى، كائنة في الممدوح، ~~بجعلها كائنة في القبة المضروبة عليه. # هذا - وكما أن من شأن الكناية الواقعة في نفس الصفة أن تجيء على صور ~~مختلفة، كذلك من شأنها إذا وقعت في ms210 طريق إثبات الصفة أن تجيء على هذا الحد، ~~ثم يكون في ذلك ما يتناسب كما كان ذلك في الكناية عن الصفة نفسها. تفسير ~~هذا أنك تنظر إلى قول يزيد بن الحكم يمدح به يزيد بن الهلب وهو في حبس ~~الحجاج [من المنسرح]: # أصبح في قيدك السماحة والمج ... د وفضل والصلاح والحسب # فتراه نظيرا لبيت زياد، وتعلم أن مكان "القيد" ههنا هو مكان "القبة" ~~هناك، كما أنك تنظر إلى قوله: (جبان الكلب)، فتعلم أنه نظير لقوله [من ~~الطويل]: # PageV01P262 # زجرت كلابي أن يهر عقورها # من حيث لم يكن ذلك الجبن إلا لأن دام منه الزجر واستمر حتى أخرج الكلب ~~بذلك عما هو عادته، من الهرير والنبح في وجه من يدنو من دار هو مرصد لأن ~~يعس دونها. وتنظر إلى قوله: (مهزول الفصيل)، فتعلم أنه نظير قول ابن هرمة. # لا أمتع العوذ بالفصال # وتنظر إلى قول نصيب [من المتقارب]: # لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن ظاهره # فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره # وكلبك آنس بالزائرين ... من الأم بالإبنة الزائره # فتعلم أنه من قول الآخر [من الطويل]: # يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم # وأن بينهما قرابة شديدة ونسبا لاصقا، وأن صورتهما في فرط التناسب، صورة ~~بيتي زياد ويزيد. # ومما هو إثبات للصفة على طريق الكناية والتعريض قولهم: (المجد بين ثوبيه، ~~والكرم في برديه): وذلك أن قائل هذا يتوصل إلى إثبات المجد والكرم للممدوح، ~~بأن يجعلهما في ثوبه الذي يلبسه، كما توصل زياد إلى إثبات السماحة والمروءة ~~والندى لابن الحشرج، بأن جعلها في القبة التي هو جالس فيها. ومن ذلك قوله ~~[من البسيط]: # وحيثما بك أمر صالح تكن # وما جاء في معناه من قوله [من المتقارب]: # يصير أبان قرين السما ... ح والمكرمات معا حيث صارا # وقول أبي نواس [من الطويل]: # فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير # كل ذلك توصل لإثبات الصفة في الممدوح، بإثباتها في المكان الذي يكون فيه، ~~وإلى لزومها له، بلزومها الموضع الذي ms211 يحله. وهكذا إن اعتبرت قول الشنفرى، ~~يصف امرأة بالعفة [من الطويل]: # يبيت بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت # PageV01P263 # وجدته يدخل في معنى بيت زياد، وذلك أنه توصل إلى نفي اللوم عنها، ~~وإبعادها عنه، بأن نفاه عن بيتها وباعد بينه وبينه، وكان مذهبه في ذلك مذهب ~~زياد في التوصل إلى جعل السماحة والمروءة والندى في ابن الحشرج بأن جعلها ~~في القبة المضروبة عليه. وإنما الفرق أن هذا ينفي وذاك يثبت؛ وذلك فرق لا ~~في موضع الجمع، فهو لا يمنع أن يكونا من نصاب واحد. # ومما هو في حكم المناسب لبيت زياد وأمثاله التي ذكرت وإن كان قد أخرج في ~~صورة أغرب وأبدع، قول حسان رضي الله عنه [من الطويل]: # بنى المجد بيتا فاستقرت عماده ... علينا فأعيى الناس أن يتحولا # وقول البحتري [من الكامل]: # أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول # ذاك لأن مدار الأمر على أنه جعل المجد والممدوح في مكان، وجعله يكون حيث ~~يكون. # واعلم أنه ليس كل ما جاء كناية في إثبات الصفة، يصلح أن يحكم عليه ~~بالتناسب. معنى هذا أن جعلهم الجود والكرم والمجد، يمرض بمرض الممدوح، كما ~~قال البحتري [من الطويل]: # ظللنا نعود الجود من وعكك الذي ... وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد # وإن كان يكون القصد منه إثبات الجود والمجد للممدوح، فإنه لا يصح أن يقال ~~إنه نظير لبيت زياد، كما قلنا ذاك في بيت أبي نواس [من الطويل]: # ولكن يصير الجود حيث يصير # وغيره مما ذكرنا أنه نظير له؛ كما أنه لا يجوز أن يجعل قوله: # وكلبك أراف بالزائرين # PageV01P264 # مثلا، نظيرا لقوله: (مهزول الفصيل): وإن كان الغرض منهما جميعا الوصف ~~بالقرى والضيافة، وكانا جميعا كنايتين عن معنى واحد، لأن تعاقب الكنايات ~~على المعنى الواحد، لا يوجب تناسبها، لأنه في عروض أن تتفق الأشعار الكثيرة ~~في كونها مدحا، بالشجاعة مثلا، أو بالجود أو ما أشبه ذلك. وقد يجتمع في ~~البيت الواحد كنايتان، المغزى منهما شيء واحد؛ ثم لا ms212 تكون إحداهما في حكم ~~النظير للأخرى. مثال ذلك أنه لا يكون قوله: (جبان الكلب): نظيرا لقوله: ~~(مهزول الفصيل). بل كل واحدة من هاتين الكنايتين أصل بنفسه وجنس على حدة. ~~وكذلك قول ابن هرمة [من المنسرح]: # لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل # ليس إحدى كنايتيه في حكم النظير للأخرى، وإن كان المكنى بهما عنه واحدا، ~~فاعرفه! # وليس لشعب هذا الأصل وفروعه، وأمثلته، وصوره وطرقه ومسالكه، حد ونهاية. # ومن لطيف ذلك ونادره قول أبي تمام [من الوافر]: # أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد # ومثله وإن لم يبلغ مبلغه، قول الآخر [من الوافر]: # متى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة بن عمرو من تميم # وكذلك قول بعض العرب [من المتقارب]: # إذا الله لم يسق إلا الكرام ... فسقى وجوه بني حنبل # وسقى ديارهم باكر ... من الغيث في الزمن الممحل # وفن منه غريب قول بعضهم في البرامكة [من الطويل]: # سألت الندى والجود ما لي أراكما ... تبدلتما ذلا بعز مؤبد # وما بال ركن المجد أمسى مهدما ... فقالا أصبنا بابن يحيى محمد # فقلت فهلا متما عند موته ... فقد كنتما عبديه في كل مشهد # فقالا أقمنا كي نعزى بفقده ... مسافة يوم ثم نتلوه في غد # PageV01P265 ### | فصل: في إن ومواقعها # واعلم أن مما أغمض الطريق إلى معرفة ما نحن بصدده، أن ههنا فروقا خفية ~~تجهلها العامة وكثير من الخاصة، ليس أنهم يجهلونها في موضع ويعرفونها في ~~آخر، بل لا يدرون أنها هي، ولا يعلمونها في جملة ولا تفصيل. روي عن ابن ~~الأنباري أنه قال: ركب الكندي المتفلسف إلى أبي العباس وقال له: إني لأجد ~~في كلام العرب حشوا، فقال له أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟ فقال: أجد ~~العرب يقولون: (عبد الله قائم)، ثم يقولون: (إن عبد الله قائم)، ثم يقولون: ~~(إن عبد الله لقائم): فالألفاظ متكررة والمعنى واحد، فقال أبو العباس: بل ~~المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ؛ فقولهم: (عبد الله قائم): إخبار عن قيامه؛ ~~وقولهم: (إن عبد الله قائم): جواب عن سؤال ms213 سائل؛ وقولهم: (إن عبد الله ~~لقائم): جواب عن إنكار منكر قيامه. فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعاني. قال ~~فما حار المتفلسف جوابا. وإذا كان الكندي يذهب هذا عليه حتى يركب فيه ركوب ~~مستفهم أو معترض، فما ظنك بالعامة ومن هو في عداد العامة ممن لا يخطر شبه ~~هذا بباله. # واعلم أن ههنا دقائق لو أن الكندي استقرى وتصفح وتتبع مواقع "إن"، ثم ~~ألطف النظر وأكثر التدبر، لعلم علم ضرورة أن ليس سواء دخولها وأن لا تدخل. ~~فأول ذلك وأعجبه ما قدمت لك ذكره في بيت بشار: # بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير # وما أنشدته معه من قول بعض العرب: # فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء # PageV01P266 # وذلك أنه هل شيء أبين في الفائدة وأدل على أن ليس سواء دخولها وأن لا ~~تدخل، من أنك ترى الجملة إذا هي دخلت ترتبط بما قبلها وتأتلف معه، وتتحد ~~به، حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغا واحدا، وكأن أحدهما قد سبك في الآخر؟ ~~هذه هي الصورة، حتى إذا جئت إلى "إن" فأسقطتها، رأيت الثاني منهما قد نبا ~~عن الأول وتجافى معناه عن معناه، ورأيته لا يتصل به؛ ولا يكون منه بسبيل ~~حتى تجيء ب (الفاء) فتقول: (بكرا صاحبي قبل الهجير فذاك النجاح في ~~التبكير). و: (غنها وهي لك الفداء فغناء الإبل الحداء). ثم لا ترى (الفاء) ~~تعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألفة وترد عليك الذي كنت تجد ب (إن) ~~من المعنى. # وهذا الضرب كثير في التنزيل جدا. من ذلك قوله تعالى: {ياأيها الناس اتقوا ~~ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} [الحج: 1]. وقوله عز اسمه: {يابني أقم ~~الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم ~~الأمور} [لقمان: 17]. وقوله سبحانه: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها وصل عليهم إن صلاوتك سكن لهم والله سميع عليم} [التوبة: 103] ومن أبين ~~ذلك قوله تعالى: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} [هود: 37] وقد ~~يتكرر في الآية الواحدة، ms214 كقوله عز اسمه: {ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسواء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم} [يوسف: 53]. وهي على الجملة من ~~الكثرة بحيث لا يدركها الإحصاء. # PageV01P267 # ومن خصائصها أنك ترى لضمير الأمر والشأن معها، من الحسن واللطف، ما لا ~~تراه إذا هي لم تدخل عليه، بل تراه لا يصلح حيث يصلح إلا بها، وذلك في مثل ~~قوله تعالى: {أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم} [التوبة: 63]، ~~وقول: {أنه من عمل منكم سواءا بجهالة ثم تاب} [الأنعام: 54]، وقوله: {لا ~~يفلح الكافرون} [المؤمنون: 117] ومن ذلك قوله: {فإنها لا تعمى الأبصار} ~~[الحج: 46]. # وأجاز أبو الحسن فيها وجها آخر، وهو أن يكون الضمير في "إنها" (للأبصار) ~~أضمرت قبل الذكر على شريطة التفسير. والحاجة في هذا الوجه أيضا إلى "أن" ~~قائمة كما كانت في الوجه الأول. فإنه لا يقال: (هي لا تعمى الأبصار)، كما ~~لا يقال: (هو من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع). فإن قلت: أو ليس قد جاء ضمير ~~الأمر مبتدأ به معرى من العوامل في قوله تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: ~~1]؟ قيل: "هو" وإن جاء ههنا، فإنه لا يكاد يوجد مع الجملة من الشرط ~~والجزاء، بل تراه لا يجيء إلا ب (إن). على أنهم قد أجازوا في {قل هو الله ~~أحد} [الإخلاص: 1] أن لا يكون الضمير للأمر. # ومن لطيف ما جاء في هذا الباب ونادره، ما تجده في آخر هذه الأبيات التي ~~أنشدها الجاحظ لبعض الحجازيين [من الطويل]: # إذا طمع يوما عراني قريته ... كتائب يأس كرها وطرادها # أكد ثمادي والمياه كثيرة ... أعالج منها حفرها واكتدادها # وأرضى بها من بحر آخر إنه ... هو الري أن ترضى النفوس ثمادها # المقصود قوله: إنه هو الري؛ وذلك أن (الهاء) في (إنه) تحتمل أمرين: # PageV01P268 # أحدهما أن تكون ضمير الأمر ويكون قوله "هو" ضمير "أن ترضى" وقد أضمر قبل ~~الذكر على شريطة التفسير. الأصل: إن الأمر أن ترضى النفوس ثمادها، الري. ثم ~~أضمر قبل الذكر كما أضمرت "الأبصار" في "فإنها لا تعمى الأبصار" ms215 على مذهب ~~أبي الحسن، ثم أتي بالمفسر مصرحا به في آخر الكلام فعلم بذلك أن الضمير ~~السابق له وأنه المراد به. # والثاني أن تكون (الهاء) في "إنه" ضمير "أن ترضى" قبل الذكر، ويكون "هو" ~~فصلا ويكون أصل الكلام: (إن أن ترضى النفوس ثمادها هو الري)، ثم أضمر على ~~شريطة التفسير. وأي الأمرين كان، فإنه لا بد فيه من "إن" ولا سبيل إلى ~~إسقاطها لأنك إن أسقطتها، أفضى ذلك بك إلى شيء شنيع وهو أن تقول: (وأرضى ~~بها من بحر آخر هو هو الري أن ترضى النفوس ثمادها). # هذا وفي "إن" هذه شيء آخر يوجب الحاجة إليها، وهو أنها تتولى من ربط ~~الجملة بما قبلها نحوا مما ذكرت لك في بيت بشار. ألا ترى أنك لو أسقطت "إن" ~~والضميرين معا، واقتصرت على ذكر ما يبقى من الكلام لم تقله إلا (بالفاء) ~~كقولك: (وأرضى بها من بحر آخر فالري أن ترضى النفوس ثمادها)، فلو أن ~~الفيلسوف قد كان تتبع هذه المواضع لما ظن الذي ظن. # هذا، وإذا كان خلف الأحمر، وهو القدوة ومن يؤخذ عنه، ومن هو بحيث يقول ~~الشعر فينحله الفحول الجاهليين، فيخفى ذلك له، يجوز أن يشتبه ما نحن فيه ~~عليه، حتى يقع له أن ينتقد على بشار، فلا غرو أن تدخل الشبهة في ذلك على ~~الكندي. # ومما تصنعه "إن" في الكلام، أنك تراها تهييء النكرة وتصلحها لأن يكون لها ~~حكم المبتدأ، أعنى أن تكون محدثا عنها بحديث من بعدها. ومثال ذلك قوله [من ~~مخلع البسيط]: # إن شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون # PageV01P269 # قد ترى حسنا وصحة المعنى معها، ثم إنك إن جئت بها من غير "إن" فقلت: ~~(شواء ونشوة وخبب البازل الأمون)، لم يكن كلاما. فإن كانت النكرة موصوفة ~~وكانت لذلك تصلح أن يبتدأ بها، فإنك تراها مع "إن" أحسن، وترى المعنى حينئذ ~~أولى بالصحة وأمكن؛ أفلا ترى إلى قوله [من الخفيف]: # إن دهر يلف شملي بسعدى ... لزمان يهم بالإحسان # ليس بخفي - وإن كان يستقيم أن تقول: (دهر يلف شملي ms216 بسعدى دهر صالح) - أن ~~ليس الحالان على سواء. وكذلك ليس بخفي أنك لو عمدت إلى قوله [من مجزوء ~~الرمل]: # إن أمرا فادحا ... عن جوابي شغلك # فأسقطت منه "إن"، لعدمت منه الحسن والطلاوة والتمكن الذي أنت واجده الآن، ~~ووجدت ضعفا وفتورا. # ومن تأثير "إن" في الجملة، أنها تغني إذا كانت فيها، عن الخبر في بعض ~~الكلام؛ ووضع صاحب "الكتاب" في ذلك بابا فقال: هذا باب ما يحسن عليه السكوت ~~في الأحرف الخمسة لإضمارك ما يكون مستقرا لها وموضعا لو أظهرته. وليس هذا ~~المضمر بنفس المظهر، وذلك "إن مالا وإن ولدا وإن عددا" أي: إن لهم مالا؛ ~~فالذي أضمرت هو: "لهم" ويقول الرجل للرجل: هل لكم أحد، إن الناس ألب عليكم؟ ~~فتقول: إن زيدا وإن عمرا: أي لنا. وقال [من المنسرح]: # إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في النفس إن مضوا مهلا # ويقول: (إن غيرها إبلا وشاء)، كأنه قال: (إن لنا أو عندنا غيرها). # (قال) وانتصب (الإبل والشاء) كانتصاب الفارس إذا قلت: ما في الناس مثله ~~فارسا. و (قال) ومثل ذلك قوله [من الرجز]: # يا ليت أيام الصبا رواجعا # (قال) فهذا كقولهم: ألا ماء باردا: كأنه قال: ألا ماء لنا باردا! وكأنه ~~قال: "يا ليت أيام الصبا أقبلت رواجعا". # PageV01P270 # فقد أراك في هذا كله أن الخبر محذوف؛ وقد ترى حسن الكلام وصحته مع حذفه ~~وترك النطق به؛ ثم إنك إن عمدت إلى "إن" فأسقطتها وجدت الذي كان حسن من حذف ~~الخبر، لا يحسن أو لا يسوغ. فلو قلت: (مال وعدد ومحل ومرتحل وغيرها إبلا ~~وشاء): لم يكن شيئا. وذلك أن "إن" كانت السبب في أن حسن حذف الذي حذف من ~~الخبر، وأنها حاضنته والمترجم عنه والمتكفل بشأنه. # واعلم أن الذي قلنا في "إن" من أنها تدخل على الجملة، من شأنها إذا هي ~~أسقطت منها أن يحتاج فيها إلى (الفاء)، لا يطرد في كل شيء وكل موضع، بل ~~يكون في موضع دون موضع، وفي حال دون حال، فإنك قد تراها قد دخلت على الجملة ms217 ~~ليست هي مما يقتضي (الفاء)، وذلك فيما لا يحصى، كقوله تعالى: {إن المتقين ~~في مقام أمين * في جنات وعيون} [الدخان: 5152] وذاك أن قبله: {إن هاذا ما ~~كنتم به تمترون} [الدخان: 50] ومعلوم أنك لو قلت: (إن هذا ما كنتم به ~~تمترون، فالمتقون في جنات وعيون) لم يكن كلاما. وكذلك قوله: {إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى أولائك عنها مبعدون} [الأنبياء: 101] لأنك لو قلت: (لهم ~~فيها زفير وهم فيها لا يسمعون، فالذين سبقت لهم من الحسنى): لم تجد لإدخالك ~~(الفاء) فيه وجها. وكذا قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} [الحج: ~~17] جملة في موضع الخبر، ودخول (الفاء) فيها محال، لأن الخبر لا يعطف على ~~المبتدأ. ومثله سواء {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من ~~أحسن عملا} [الكهف: 30]. # PageV01P271 # فإذن إنما يكون الذي ذكرنا في الجملة، من حديث اقتضاء (الفاء) إذا كان ~~مصدرها مصدر الكلام يصحح به ما قبله ويحتج له ويبين وجه الفائدة فيه. ألا ~~ترى أن الغرض من قوله: (إن ذاك النجاح في التبكير): جله أن يبين المعنى في ~~قوله لصاحبيه "بكرا" وأن يحتج لنفسه الأمر بالتكبير ويبين وجه الفائدة فيه. ~~وكذلك الحكم في الآي التي تلوناها. فقوله: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} ~~[الحج: 1] بيان للمعنى في قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} [الحج: ~~1] ولم أمروا بأن يتقوا؛ وكذلك قوله: {إن صلواتك سكن لهم} [التوبة: 103] ~~بيان للمعنى في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة، أي بالدعاء لهم. ~~وهذا سبيل كل ما أنت ترى فيه الجملة يحتاج فيها إلى (الفاء). فاعرف ذلك! # PageV01P272 # فأما الذي ذكر عن أبي العباس من جعله لها جواب سائل، إذا كانت وحدها، ~~وجواب منكر إذا كان معها (اللام)، فالذي يدل على أن لها أصلا في الجواب، ~~أنا رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ والخبر، إذا كانت جوابا للقسم ~~نحو (والله إن زيدا منطلق) وامتنعوا من أن يقولوا: (والله زيد منطلق) ثم ~~إنا إذا استقرينا ms218 الكلام وجدنا الأمر بينا في الكثير من مواقعها أنه يقصد ~~بها إلى الجواب، كقوله تعالى: {ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ~~ذكرا * إنا مكنا له في الأرض} [الكهف: 8384] وكقوله عز وجل في أول السورة ~~{نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم} [الكهف: 13] وكقوله ~~تعالى: {فإن عصوك فقل إني برياء مما تعملون} [الشعراء: 216] وقوله تعالى: ~~{قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله} [الأنعام: 56] وقوله: {وقل ~~إني أنا النذير المبين} [الحجر: 89] وأشباه ذلك مما يعلم به أنه كلام أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا وناظروا ~~فيه، وعلى ذلك قوله تعالى: {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين} ~~[الشعراء: 16] وذاك أنه يعلم أن المعنى: فأتياه، فإذا قال لكما: ما شأنكما ~~وما جاء بكما وما تقولان؟ فقولا: إنا رسول رب العالمين. وكذا قوله: {وقال ~~موسى يافرعون إني رسول من رب العالمين} [الأعراف: 104]، هذا سبيله. # ومن البين في ذلك قوله تعالى في قصة السحرة {قالوا إنآ إلى ربنا منقلبون} ~~[الأعراف: 125]. وذلك لأنه عيان أنه جواب فرعون عن قوله {آمنتم به قبل أن ~~آذن لكم} [الأعراف: 123]. فهذا هو وجه القول في نصرة هذه الحكاية. # PageV01P273 # ثم إن الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه البناء، هو الذي دون في الكتب من ~~أنها للتأكيد، وإذا كان قد ثبت ذلك، فإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في ~~خلافه البتة، ولا يكون قد عقد في نفسه أن الذي تزعم أنه كائن، غير كائن، ~~وأن الذي تزعم أنه لم يكن، كائن، فأنت لا تحتاج هناك إلى "إن" وإنما تحتاج ~~إليها إذا كان له ظن في الخلاف، وعقد قلب على نفى ما تثبت أو إثبات ما ~~تنفي. ولذلك تراها تزداد حسنا إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله في الظن وبشيء ~~قد جرت عادة الناس بخلافه، كقول أبي نواس [من الرجز]: ... عليك باليأس من ~~الناس ... إن غنى نفسك في الياس # فقد ترى حسن موقعها، وكيف قبول النفس لها؛ ms219 وليس ذلك إلا لأن الغالب على ~~الناس أنهم لا يحملون أنفسهم على اليأس، ولا يدعون الرجاء والطمع، ولا ~~يعترف كل أحد ولا يسلم أن الغنى في اليأس. فلما كان كذلك، كان الموضع موضع ~~فقر إلى التأكيد، فلذلك كان من حسنها ما ترى. ومثله سواء قول محمد بن وهيب ~~[من الطويل]: # أجارتنا إن التعفف بالياس ... وصبر على استذرار دنيا بإبساس # حريان أن لا يقذفا بمذلة ... كريما وأن لا يخوجاه إلى الناس # أجارتنا إن القداح كواذب ... وأكثر أسباب النجاح مع الياس # هو كما لا يخفى كلام مع من لا يرى أن الأمر كما قال، بل ينكره ويعتقد ~~خلافه. ومعلوم أنه لم يقله إلا والمرأة تحدوه وتبعثه على التعرض للناس وعلى ~~الطلب. # ومن لطيف مواقعها، أن يدعى على المخاطب ظن لم يظنه، ولكن يراد التهكم به ~~وأن يقال: إن حالك والذي صنعت، يقتضي أن تكون قد ظننت ذلك ومثال ذلك قول ~~الأول [من السريع]: # جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح # PageV01P274 # يقول: إن مجيئه هكذا مدلا بنفسه وبشجاعته، قد وضع رمحه عرضا، دليل على ~~إعجاب شديد، وعلى اعتقاد منه أنه لا يقوم له أحد، حتى كأن ليس مع أحد منا ~~رمح يدفعه به، وكأنا كلنا عزل. وإذا كان كذلك وجب إذا قيل إنها جواب سائل، ~~أن يشترط فيه أن يكون للسائل ظن في المسؤول عنه، على خلاف ما أنت تجيبه به. ~~فأما أن يجعل مجرد الجواب أصلا فيه فلا، لأنه يؤدي أن لا يستقيم لنا إذا ~~قال الرجل: (كيف زيد؟) أن تقول: (صالح). وإذا قال: (أين هو؟ أن تقول: في ~~الدار). وأن لا يصح حتى تقول: إنه صالح وإنه في الدار. وذلك ما لا يقوله ~~أحد. وأما جعلها إذا جمع بينها وبين (اللام) نحو: (إن عبد الله لقائم): ~~الكلام مع المنكر، فجيد، لأنه إذا كان الكلام مع المنكر، كانت الحاجة إلى ~~التأكيد أشد. وذلك أنك أحوج ما تكون إلى الزيادة في تثبيت خبرك إذا كان ~~هناك من يدفعه وينكر صحته. إلا ms220 أنه ينبغي أن يعلم أنه، كما يكون للإنكار قد ~~كان من السامع، فإنه يكون للإنكار يعلم أو يرى أنه يكون من السامعين. # وجملة الأمر أنك لا تقول: (إنه لكذلك)، حتى تريد أن تضع كلامك وضع من يزع ~~فيه عن الإنكار. # PageV01P275 # واعلم أنها قد تدخل للدلالة على أن الظن قد كان منك أيها المتكلم في الذي ~~كان، أنه لا يكون. وذلك قولك للشيء، هو بمرأى من المخاطب ومسمع: (إنه كان ~~من الأمر ما ترى وكان مني إلى فلان إحسان ومعروف، ثم إنه جعل جزائي ما ~~رأيت)، فتجعلك كأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت، وتبين الخطأ الذي توهمت؛ ~~وعلى ذلك، والله أعلم، قوله تعالى حكاية عن أم مريم رضي الله عنها {قالت رب ~~إني وضعتهآ أنثى والله أعلم بما وضعت} [آل عمران: 36]. وكذلك قوله عز وجل، ~~حكاية عن نوح عليه السلام {قال رب إن قومي كذبون} [الشعراء: 117]. وليس ~~الذي يعرض بسبب هذا الحرف من الدقائق والأمور الخفية بالشيء يدرك بالهوينا. ~~ونحن نقتصر الآن على ما ذكرنا، ونأخذ في القول عليها إذا اتصلت بها (ما). # PageV01P276 ### | باب القصر والاختصاص ### | فصل: في مسائل إنما # قال الشيخ أبو علي في الشيرازيات: يقول ناس من النحويين في نحو قوله ~~تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} [الأعراف: 33]، إن ~~المعنى: ما حرم ربي إلا الفواحش. (قال): وأصبت ما يدل على صحة قولهم في هذا ~~وهو قول الفرزدق [من الطويل]: # أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي # فليس يخلو هذا الكلام من أن يكون موجبا أو منفيا. فلو كان المراد به ~~الإيجاب لم يستقم. ألا ترى أنك لا تقول: (يدافع أنا ولا يقاتل أنا)، وإنما ~~تقول: (أدافع وأقاتل) إلا أن المعنى لما كان: ما يدافع إلا أنا، فصلت ~~الضمير كما تفصله مع النفي إذا ألحقت معه "إلا" حملا على المعنى. وقال أبو ~~إسحاق الزجاج في قوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم} [البقرة: 173]: ~~النصب في "الميتة" هو القراءة. ويجوز: (إنما ms221 حرم عليكم). قال أبو إسحاق: ~~والذي اختاره أن تكون (ما) هي التي تمنع "إن" من العمل، ويكون المعنى: "ما ~~حرم عليكم إلا الميتة" لأن (إنما) تأتي إثباتا لما يذكر بعدها ونفيا لما ~~سواه، وقول الشاعر: # وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي # المعنى: ما يدافع عن أحسابهم، إلا أنا أو مثلي. انتهى كلام أبي علي. # PageV01P277 # إعلم أنهم، وإن كان قد قالوا هذا الذي كتبته لك، فإنهم لم يعنوا بذلك أن ~~المعنى في هذا هو المعنى في ذلك بعينه، وأن سبيلهما سبيل اللفظين يوضعان ~~لمعنى واحد. وفرق بين أن يكون في الشيء معنى الشيء، وبين أن يكون الشيء ~~الشيء على الإطلاق. يبين لك أنهما لا يكونان سواء أنه ليس كل كلام يصلح فيه ~~(ما) و (إلا) يصلح فيه (إنما). ألا ترى أنها لا تصلح في مثل قوله تعالى: ~~{وما من إلاه إلا الله} [آل عمران: 62]. ولا في نحو قولنا: (ما أحد إلا وهو ~~يقول ذاك). إذ لو قلت: (إنما من إله الله، وإنما أحد وهو يقول ذاك): قلت ما ~~لا يكون له معنى. فإن قلت: إن سبب ذلك أن (أحدا) لا يقع إلا في النفي، وما ~~يجري مجرى النفي من النهي والاستفهام، وأن (من) المزيدة في (ما من إله إلا ~~الله)، كذلك لا تكون إلا في النفي، قيل: ففي هذا كفاية؛ فإنه اعتراف بأن ~~ليسا سواء لأنهما لو كانا سواء لكان ينبغي أن يكون في (إنما) من النفي مثل ~~ما يكون في (ما) و (إلا). وكما وجدت (إنما) لا تصلح فيما ذكرنا تجد (ما ~~وإلا) لا تصلح في ضرب من الكلام قد صلحت فيه (إنما)؛ وذلك في مثل قولك: ~~(إنما هو درهم لا دينار). لو قلت: (ما هو إلا درهم لا دينار): لم يكن شيئا. ~~وإذ قد بان بهذه الجملة أنهم حين جعلوا (إنما) في معنى (ما وإلا) لم يعنوا ~~أن المعنى فيهما واحد على الإطلاق، وأن يسقطوا الفرق، فإني أبين لك أمرهما ~~وما هو أصل في كل واحد منهما، بعون ms222 الله وتوفيقه! # إعلم أن موضوع (إنما) على أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب، ولا يدفع صحته ~~أو لما ينزل هذه المنزلة. تفسير ذلك أنك تقول للرجل: (إنما هو هو أخوك ~~وإنما هو صاحبك القديم)، لا تقوله لمن يجهل ذلك ويدفع صحته، ولكن لمن يعلمه ~~ويقر به. إلا أنك تريد أن تنبهه للذي يجب عليه من حق الأخ وحرمة الصاحب. ~~ومثله قول الآخر [من الخفيف]: # إنما أنت والد والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولاد # PageV01P278 # لم يرد أن يعلم كافورا أن والد، ولا ذاك مما يحتاج كافور فيه إلى ~~الإعلام، ولكنه أراد أن يذكره منه بالأمر المعلوم لينبني عليه استدعاء ما ~~يوجبه، كونه بمنزلة الوالد. # ومثل ذلك قولهم: (إنما يعجل من يخشى الفوت) وذلك أن من المعلوم الثابت في ~~النفوس أن من لم يخش الفوت، لم يعجل. ومثاله من التنزيل قوله تعالى: {إنما ~~يستجيب الذين يسمعون} [الأنعام: 36]. وقوله تعالى: {إنما تنذر من اتبع ~~الذكر وخشي الرحمان بالغيب} [يس: 11] وقوله تعالى: {إنمآ أنت منذر من ~~يخشاها} [النازعات: 3] كل ذلك تذكير بأمر ثابت معلوم. وذلك أن كل عاقل يعلم ~~أنه لا تكون استجابة إلا ممن يسمع ويعقل ما يقال له ويدعى إليه؛ وأن من لم ~~يسمع ولم يعقل، لم يستجب؛ وكذلك معلوم أن الإنذار إنما يكون إنذارا، ويكون ~~له تأثير إذا كان مع من يؤمن بالله ويخشاه ويصدق بالبعث والساعة. فأما ~~الكافر الجاهل فالإنذار وترك الإنذار معه، واحد. فهذا مثال ما الخبر فيه ~~خبر بأمر يعلمه المخاطب ولا ينكره بحال، وأما مثال ما ينزل هذه المنزلة، ~~فكقوله [من الخفيف]: # إنما مصعب شهاب من الل ... ه تجلت عن وجهه الظلماء # ادعى في كون الممدوح بهذه الصفة أنه أمر ظاهر معلوم للجميع، على عادة ~~الشعراء، إذا مدحوا أن يدعوا في الأوصاف التي يذكرون بها الممدوحين أنها ~~ثابتة لهم، وأنهم قد شهروا بها، وأنهم لم يصفوا إلا بالمعلوم الظاهر الذي ~~لا يدفعه أحد، كما قال [من الطويل]: # وتعذلني أفناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالذي علمت ms223 سعد # وكما قال البحتري [من الكامل]: # لا أدعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه # ومثله قولهم: (إنما هو أسد وإنما هو نار وإنما هو سيف صارم)، إذا أدخلوا ~~(إنما) جعلوا ذلك في حكم الظاهر المعلوم الذي لا ينكر ولا يدفع ولا يخفى. # PageV01P279 ### | فصل في النفي والإثبات # وأما الخبر بالنفي والإثبات نحو "ما هذا إلا كذا وإن هو إلا كذا"، فيكون ~~للأمر ينكره المخاطب ويشك فيه. فإذا قلت: (ما هو إلا مصيب، أو: ما هو إلا ~~مخطئ): قلته لمن يدفع أن يكن الأمر على ما قلته. وإذا رأيت شخصا من بعيد ~~فقلت: (ما هو إلا زيد): لم تقله إلا وصاحبك يتوهم أنه ليس زيدا وأنه إنسان ~~آخر، ويجد في الإنكار أن يكون زيدا. وإذا كان الأمر ظاهرا كالذي مضى، لم ~~تقله كذلك. فلا تقول للرجل ترققه على أخيه وتنبهه للذي يجب عليه من صلة ~~الرحم ومن حسن التحاب: (ما هو إلا أخوك). وكذلك لا يصلح في "إنما أنت ~~والد": ما أنت إلا والد. فأما نحو: "إنما مصعب شهاب" فيصلح فيه أن تقول: ~~(ما مصعب إلا شهاب)؛ لأنه ليس من المعلوم على الصحة، وإنما ادعى الشاعر فيه ~~أنه كذلك. وإذا كان هذا هكذا، جاز أن تقوله بالني والإثبات. إلا أنك تخرج ~~المدح حينئذ عن أن يكون على حد المبالغة، من حيث لا يكون قد ادعيت فيه أنه ~~معلوم وأنه، بحيث لا ينكره منكر ولا يخالف فيه مخالف. # قوله تعالى: {إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ~~آبآؤنا} [إبراهيم: 10] إنما جاء - والله أعلم - ب (إن) و (إلا) دون (إنما). ~~فلم يقل: (إنما أنتم بشر مثلنا)، لأنهم جعلوا الرسل كأنهم بادعائهم النبوة، ~~قد أخرجوا أنفسهم عن أن يكونوا بشرا مثلهم، وادعوا أمرا لا يجوز أن يكون ~~لمن هو بشر. # PageV01P280 # ولما كان الأمر كذلك، أخرج اللفظ مخرجه حيث يراد إثبات أمر يدفعه المخاطب ~~ويدعي خلافه، ثم جاء الجواب من "الرسل" الذي هو قوله تعالى: {قالت لهم ~~رسلهم إن نحن إلا ms224 بشر مثلكم} [إبراهيم: 11]. كذلك ب (إن وإلا) دون (إنما)، ~~لأن من حكم من ادعى عليه خصمه الخلاف في أمر هو لا يخالف فيه، أن يعيد، ~~كلام الخصم على وجهه، ويجيء به على هيئته ويحكيه كما هو. # فإذا قلت للرجل: (أنت من شأنك كيت وكيت)، قال نعم: (أنا من شأني كيت وكيت ~~ولكن لا ضير علي ولا يلزمني من أجل ذلك ما ظننت أنه يلزم)؛ فالرسل صلوات ~~الله عليهم كأنهم قالوا، إن ما قلتم من أنا بشر مثلكم كما قلتم، لسنا ننكر ~~ذلك، ولا نجهله ولكن ذلك لا يمنعنا من أن يكون الله تعالى قد من علينا ~~وأكرمنا بالرسالة. وأما قوله تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم} [الكهف: 110] ~~فجاءنا ب (إنما) لأنه ابتداء كلام قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن ~~يبلغه إياهم، ويقوله معهم، وليس هو جوابا لكلام سابق قد قيل فيه: إن أنت ~~إلا بشر مثلنا: فيجب أن يؤتى به على وفق ذلك الكلام، ويراعى فيه حذوه كما ~~كان ذلك في الآية الأولى. # PageV01P281 # وجملة الأمر أنك متى رأيت شيئا هو من المعلوم الذي لا يشك فيه قد جاء ~~بالنفي، فذلك لتقدير معنى صار به في حكم المشكوك فيه. فمن ذلك قوله تعالى: ~~{ومآ أنت بمسمع من في القبور * إن أنت إلا نذير} [فاطر: 2223]. إنما جاء - ~~والله أعلم - بالنفي والإثبات لأنه لما قال تعالى: {ومآ أنت بمسمع من في ~~القبور} [فاطر: 22] وكان المعنى في ذلك أن يقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~إنك لن تستطيع أن تحول قلوبهم عما هي عليه من الإباء، لا تملك أن توقع ~~الإيمان في نفوسهم، مع إصرارهم على كفرهم، واستمرارهم على جهلهم، وصدهم ~~بأسماعهم عما تقوله لهم وتتلوه عليهم، كان اللائق بهذا أن يجعل حال النبي ~~صلى الله عليه وسلم، حال من قد ظن أنه يملك ذلك ومن لا يعلم يقينا أنه ليس ~~في وسعه شيء أكثر من أن ينذر ويحذر؛ فأخرج اللفظ مخرجه إذا كان الخطاب مع ~~من يشك فقيل: {إن أنت إلا ms225 نذير} [فاطر: 3]. ويبين ذلك أنك تقول للرجل، يطيل ~~مناظرة الجاهل ومقاولته: (إنك لا تستطيع أن تسمع الميت وأن تفهم الجماد وأن ~~تحول الأعمى بصيرا؛ وليس بيدك إلا أن تبين وتحتج، ولست تملك أكثر من ذلك). ~~لا تقول ههنا: فإنما الذي بيدك أن تبين وتحتج، ذلك لأنك لم تقل له: إنك لا ~~تستطيع أن تسمع الميت حتى جعلته بمثابة من يظن أنه يملك وراء الاحتجاج ~~والبيان، شيئا؛ وهذا واضح فاعرفه! # ومثل هذا، في أن الذي تقدم من الكلام، اقتضى أن يكون اللفظ كالذي تراه من ~~كونه (بإن وإلا)، قوله تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شآء ~~الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السواء إن أنا إلا ~~نذير وبشير لقوم يؤمنون} [الأعراف: 188]. # PageV01P282 ### | فصل: هذا بيان آخر في إنما # اعلم أنها تفيد في الكلام بعدها، إيجاب الفعل لشيء ونفيه عن غيره. فإذا ~~قلت: (إنما جاءني زيد)، عقل منه أنك أردت أن تنفي أن يكون الجائي غيره. ~~فمعنى الكلام معها شبيه بالمعنى في قولك: (جاءني زيد لا عمرو)؛ إلا أن لها ~~مزية وهي أنك تعقل معها إيجاب الفعل لشيء ونفيه عن غيره دفعة واحدة وفي حال ~~واحدة، وليس كذلك الأمر في: (جاءني زيد لا عمرو)؛ فإنك تعقلهما في حالين. ~~ومزية ثانية وهي أنها تجعل الأمر ظاهرا في أن الجائي زيد، ولا يكون هذا ~~الظهور إذا جعلت الكلام ب (لا) فقلت: (جاءني زيد لا عمرو). # "لا" العاطفة و "إنما" # ثم اعلم أن قولنا في (لا) العاطفة: إنها تنفي عن الثاني ما وجب للأول، ~~ليس المراد به أنها تنفي عن الثاني أن يكون قد شارك الأول في الفعل، بل ~~أنها تنفي أن يكون الفعل الذي قلت إنه كان من الأول، قد كان من الثاني دون ~~الأول، ألا ترى أن ليس المعنى في قولك: (جاءني زيد ولا عمرو)، أنه لم يكن ~~من عمرو مجيء إليك مثل ما كان من زيد، حتى كأنه عكس قولك: (جاءني زيد ~~وعمرو)؛ بل المعنى ms226 أن الجائي هو زيد لا عمرو. فهو كلام تقوله مع من يغلط في ~~الفعل، قد كان من هذا، فيتوهم أنه كان من ذلك. والنكتة أنه لا شبهة في أن ~~ليس ههنا جائيان، وأنه ليس إلا جاء واحد. وإنما الشبهة في أن ذلك الجائي ~~زيد أم عمرو، فأنت تحقق على المخاطب بقولك: (جاءني زيد لا عمرو)، أنه زيد ~~وليس بعمرو. ونكتة أخرى وهي أنك لا تقول: (جاءني زيد لا عمرو)، حتى يكون قد ~~بلغ المخاطب أنه كان مجيء إليك من جاء، إلا أنه ظن أنه كان من عمرو فأعلمته ~~أنه لم يكن من عمرو ولكن من زيد. # PageV01P283 # وإذ قد عرفت هذه المعاني في الكلام ب (لا) العاطفة، فاعلم أنها بجملتها، ~~قائمة لك في الكلام ب (إنما). فإذا قلت: (إنما جاءني زيد)، لم يكن غرضك أن ~~تنفي أن يكون قد جاء مع زيد غيره، ولكن أن تنفي أن يكون المجيء الذي قلت ~~إنه كان منه، كان من عمرو، وكذلك تكون الشبهة مرتفعة في أن ليس ههنا ~~جائيان، وأن ليس إلا جاء واحد، وإنما تكون الشبهة في أن ذلك الجائي زيد أم ~~عمرو. فإذا قلت: (إنما جاءني زيد) حققت الأمر في أنه زيد. وكذلك لا تقول: ~~(إنما جاءني زيد)، حتى يكون قد بلغ المخاطب أن قد جاءك جاء، ولكنه ظن أنه ~~عمرو مثلا، فأعلمته أنه زيد. فإن قلت: فإنه قد يصح أن تقول: (إنما جاءني من ~~بين القوم زيد وحده وإنما أتاني من جملتهم عمرو فقط: فإن ذلك شيء كالتكلف، ~~والكلام هو الأول. ثم الاعتبار به إذا أطلق فلم يقيد ب (وحده) وما في ~~معناه. ومعلوم أنك إذا قلت: (إنما جاءني زيد)، ولم تزد على ذلك، أنه لا ~~يسبق إلى القلب من المعنى إلا ما قدمنا شرحه من أنك أردت النص على زيد أنه ~~الجائي وأن تبطل ظن المخاطب أن المجيء لم يكن منه، ولكن كان من عمرو، حسب ~~ما يكون إذا قلت: جاءني زيد لا عمرو: فاعرفه. # النفي والإثبات بما وإلا # وإذ ms227 قد عرفت هذه الجملة، فإنا نذكر جملة من القول في (ما) و (إلا) وما ~~يكون من حكمهما. # إعلم أنك إذا قلت: (ما جاءني إلا زيد). احتمل أمرين: أحدهما أن تريد ~~اختصاص زيد بالمجيء وأن تنفيه عمن عداه. وأن يكون كلاما تقوله لا لأن ~~بالمخاطب حاجة إلى أن يعلم أن زيدا قد جاءك ولكن، لأن به حاجة إلى أن يعلم ~~أنه لم يجئ إليك غيره. # PageV01P284 # والثاني أن تريد الذي ذكرناه في (إنما) ويكون كلاما تقوله ليعلم أن ~~الجائي زيد لا غيره. فمن ذلك قولك للرجل يدعي أنك قلت قولا ثم قلت خلافه: ~~(ما قلت اليوم إلا ما قلته أمس بعينه). ويقول: لم تر زيدا وإنما رأيت ~~فلانا: فتقول: (بل لم أر إلا زيدا). وعلى ذلك قوله تعالى: {ما قلت لهم إلا ~~مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} [المائدة: 117]؛ لأنه ليس المعنى ~~أني لم أزد على ما أمرتني به، شيئا، ولكن المعنى أني لم أدع ما أمرتني به ~~أن أقوله لهم، وقلت خلافه، ومثال ما جاء في الشعر، من ذلك قوله [من ~~السريع]: # قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا # المعنى: أنا الذي قطر الفارس، وليس المعنى على أنه يريد أن يزعم أنه ~~انفرد بأن قطره، وأنه لم يشركه فيه غيره. # وههنا كلام ينبغي أن تعلمه، إلا أني أكتب لك من قبله مسألة لأن فيها عونا ~~عليه. قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]. في تقديم ~~اسم الله عز وجل معنى، خلاف ما يكون لو أخر؛ وإنما يبين لك ذلك إذا اعتبرت ~~الحكم في (ما وإلا) وحصلت الفرق بين أن تقول: (ما ضرب زيدا إلا عمرو)، وبين ~~قولك: (ما ضرب عمرو إلا زيدا). والفرق بينهما أنك إذا قلت: (ما ضرب زيدا ~~إلا عمرو) فقدمت المنصوب، كان الغرض بيان الضارب: من هو، والإخبار بأنه ~~عمرو خاصة دون غيره. وإذا قلت: (ما ضرب عمرو إلا زيدا)، فقدمت المرفوع، كان ~~الغرض بيان المضروب: من هو والإخبار بأنه زيد خاصة ms228 دون غيره. # PageV01P285 # وإذ قد عرفت ذلك فاعتبر به الآية؛ وإذا اعتبرتها به، علمت أن تقديم اسم ~~الله تعالى إنما كان لأجل أن الغرض أن يبين الخاشون من هم، ويخبر بأنهم ~~العلماء خاصة دون غيرهم؛ ولو أخر ذكر اسم الله، وقدم العلماء فقيل: (إنما ~~يخشى العلماء الله)، لصار المعنى على ضد ما هو عليه الآن، ولصار الغرض بيان ~~المخشي من هو والإخبار بأنه الله تعالى دون غيره، ولم يجب حينئذ أن تكون ~~الخشية من الله تعالى مقصورة على العلماء، وأن يكونوا مخصوصين بها، كما هو ~~الغرض في الآية، بل كان يكون المعنى أن غير العلماء يخشون الله تعالى أيضا، ~~إلا أنهم مع خشيتهم الله تعالى، يخشون معه غيره. والعلماء لا يخشون غير ~~الله تعالى. وهذا المعنى وإن كان قد جاء في التنزيل في غير هذه الآية، ~~كقوله تعالى: {ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله} [الأحزاب: 39]، فليس هو ~~الغرض في الآية، ولا اللفظ بمحتمل له البتة. ومن أجاز حملها عليه كان قد ~~أبطل فائدة التقديم، وسوى بين قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء} [فاطر: 28] وبين أن يقال: (إنما يخشى العلماء الله). وإذا سوى ~~بينهما لزمه أن يسوي بين قولنا: (ما ضرب زيدا إلا عمرو). وبين: (ما ضرب ~~عمرو إلا زيدا). وذلك ما لا شبهة في امتناعه. # فهذه هي المسألة. وإذ قد عرفتها فالأمر فيها بين أن الكلام ب (ما وإلا) ~~قد يكون في معنى الكلام ب (إنما)؛ ألا ترى إلى وضوح الصورة في قولك: (ما ~~ضرب زيدا إلا عمرو، وما ضرب عمرو إلا زيدا)، أنه في الأول: لبيان من ~~الضارب، وفي الثاني: لبيان من المضروب، وأن كان تكلفا أن تحمله على نفي ~~الشركة فتريد: ب (ما ضرب زيدا إلا عمرو) أنه لم يضربه اثنان وب (ما ضرب ~~عمرو إلا زيدا) أنه لم يضرب اثنين؟ # PageV01P286 # ثم اعلم أن السبب في أن لم يكن تقديم المفعول في هذا كتأخيره، ولم يكن ~~(ما ضرب زيدا إلا عمرو وما ضرب عمرو إلا زيدا) سواء ms229 في المعنى، أن الاختصاص ~~يقع في واحد من الفاعل والمفعول، ولا يقع فيهما جميعا؛ ثم أنه يقع في الذي ~~يكون بعد "إلا" منهما، دون الذي قبلها، لاستحالة أن يحدث معنى الحرف في ~~الكلمة قبل أن يجيء الحرف. وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن يفترق الحال بين أن ~~تقدم المفعول على (إلا) فتقول: (ما ضرب زيدا إلا عمرو) وبين أن تقدم الفاعل ~~فتقول: (ما ضرب عمرو إلا زيدا)؛ لأنا إن زعمنا أن الحال لا يفترق، جعلنا ~~المتقدم كالمتأخر في جواز حدوثه فيه، وذلك يقتضي المحال الذي هو أن يحدث ~~معنى (إلا) في الاسم من قبل أن تجيء بها، فاعرفه! # وإذ قد عرفت أن الاختصاص مع (إلا) يقع في الذي تؤخره من الفاعل والمفعول، ~~فكذلك يقع مع (إنما) في المؤخر منهما دون المقدم. فإذا قلت: (إنما ضرب زيدا ~~عمرو)، كان الاختصاص في الضارب. وإذا قلت: (إنما ضرب عمرو زيدا)، كان ~~الاختصاص في المضروب. وكما لا يجوز أن يستوي الحال بين التقديم والتأخير مع ~~(إلا) كذلك لا يجوز مع (إنما). وإذا استبنت هذه الجملة عرفت منها أن الذي ~~صنعه الفرزدق في قوله: # وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي # شيء لو لم يصنعه لم يصح له المعنى. ذاك لأن غرضه أن يخص المدافع، لا ~~المدافع عنه؛ وأنه لا يزعم أن المدافعة منه تكون عن أحسابهم لا عن أحساب ~~غيرهم، كما يكون إذا قال: (وما أدافع إلا عن أحسابهم). وليس ذلك معناه. ~~إنما معناه أن يزعم أن المدافع هو، لا غيره، فاعرف ذلك! فإن الغلط - كما ~~أظن - يدخل على كثير ممن تسمعهم يقولون: إنه فصل الضمير للحمل على المعنى ~~فيرى أنه لو لم يفصله لكان يكون معناه مثله الآن. هذا، ولا يجوز أن ينسب ~~فيه إلى الضرورة فيجعل مثلا نظير قول الآخر [من الهزج]: # PageV01P287 # كأنا يوم قرى إن ... ما نقتل إيانا # لأنه ليس به ضرورة إلى ذلك، من حيث إن (أدافع ويدافع) واحد في الوزن، ~~فاعرف هذا أيضا! # وجملة الأمر أن الواجب، أن يكون ms230 اللفظ على وجه يجعل الاختصاص فيه ~~للفرزدق، وذلك لا يكون إلا بأن يقدم (الأحساب) على ضميره. وهو لو قال: ~~وإنما أدافع عن أحسابهم)، استكن ضميره في الفعل. فلم يتصور تقديم (الأحساب) ~~عليه ولم يقع (الأحساب) إلا مؤخرا عن ضمير الفرزدق. وإذا تأخرت انصرف ~~الاختصاص إليها لا محالة. # فإن قلت: إنه كان عليه أن يقول "وإنما أدافع عن أحسابهم أنا" فيقدم ~~(الأحساب) على (أنا)، قيل: إنه إذا قال: "أدافع": كان الفاعل الضمير ~~المستكن في الفعل، وكان (أنا) الظاهر تأكيدا له، أعني للمستكن، والحكم ~~يتعلق بالمؤكد دون التأكيد، لأن التأكيد كالتكرير، فهو يجيء من بعد نفوذ ~~الحكم ولا يكون تقديم الجار مع المجرور، الذي هو قوله (عن أحسابهم) على ~~الضمير الذي هو تأكيد، تقديما له على الفاعل، لأن تقديم المفعول على الفاعل ~~إنما يكون إذا ذكرت المفعول قبل أن تذكر الفاعل؛ ولا يكون لك إذا قلت: ~~(وإنما أدافع عن أحسابهم): سبيل إلى أن تذكر المفعول قبل أن تذكر الفاعل، ~~لأن ذكر الفاعل ههنا هو ذكر الفعل من حيث إن الفاعل مستكن في الفعل، فكيف ~~يتصور تقديم شيء عليه؟ فاعرفه! # PageV01P288 # واعلم أنك إن عمدت إلى الفاعل والمفعول، فأخرتهما جميعا إلى ما بعد (إلا) ~~فإن الاختصاص يقع حينئذ في الذي يلي "إلا" منهما. فإذا قلت: (ما ضرب إلا ~~عمرو زيدا): كان الاختصاص في الفاعل، وكان المعنى أنك قلت: إن الضارب عمرو ~~لا غيره؛ وإن قلت: (ما ضرب إلا زيدا عمرو)، كان الاختصاص في المفعول، وكان ~~المعنى أنك قلت: إن المضروب زيد لا من سواه. وحكم المفعولين حكم الفاعل ~~والمفعول فيما ذكرت لك. تقول: (لم يكس إلا زيدا جبة). فيكون المعنى أنه خص ~~زيدا من بين الناس بكسوة الجبة. فإن قلت: (لم يكس إلا جبة زيدا): كان ~~المعنى أنه خص الجبة من أصناف الكسوة. وكذلك الحكم حيث يكون بدل أحد ~~المفعولين جار ومجرور، كقول السيد الحميري [من السريع]: # لو خير المنبر فرسانه ... ما اختار إلا منكم فارسا # الاختصاص في "منكم" دون "فارسا"، ولو قلت: (ما ms231 اختار إلا فارسا منكم": ~~صار الاختصاص في "فارسا". # PageV01P289 # واعلم أن الأمر في المبتدأ والخبر إن كانا بعد "إنما" على العبرة التي ~~ذكرت لك في الفاعل والمفعول إذا أنت قدمت أحدهما على الآخر، معنى ذلك أنك ~~إن تركت الخبر في موضعه فلم تقدمه على المبتدأ، كان الاختصاص فيه، وإن ~~قدمته على المبتدأ صار الاختصاص الذي كان فيه، في المبتدأ تفسير هذا أنك ~~تقول: (إنما هذا لك): فيكون الاختصاص في "لك" بدلالة أنك تقول: (إنما هذا ~~لك لا لغيرك): وتقول: (إنما لك هذا)، فيكون الاختصاص في "هذا" بدلالة أنك ~~تقول: (إنما لك هذا لا ذاك)، والاختصاص يكون أبدا في الذي إذا جئت ب (لا) ~~العاطفة كان العطف عليه. وإن أردت أن يزداد ذلك عندك وضوحا، فانظر إلى قوله ~~تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد: 40] وقوله عز وعلا: ~~{إنما السبيل على الذين يستأذنونك} [التوبة: 93] فإنك ترى الأمر ظاهرا أن ~~الاختصاص في الآية الأولى، في المبتدأ الذي هو البلاغ والحساب دون الخبر ~~الذي هو عليك وعلينا، وأنه في الآية الثانية في الخبر الذي هو "على الذين" ~~دون المبتدأ الذي هو "السبيل". # واعلم أنه إذا كان الكلام ب (ما وإلا) كان الذي ذكرته من أن الاختصاص ~~يكون في الخبر إن لم تقدمه وفي المبتدأ إن قدمت الخبر، أوضح وأبين: تقول: ~~(ما زيد إلا قائم)، فيكون المعنى أنك اختصصت القيام من بين الأوصاف التي ~~يتوهم كون زيد عليها بجعله صفة له. وتقول: (ما قائم إلا زيد)، فيكون المعنى ~~أنك اختصصت زيدا بكونه موصوفا بالقايم، فقد قصرت في الأول الموصوف على ~~الصفة، وفي الثاني الصفة على الموصوف. # PageV01P290 # واعلم أن قولنا في الخبر إذا أخر نحو "ما زيد إلا قائم": أنك اختصصت ~~القيام من بين الأوصاف التي يتوهم كون زيد عليها، ونفيت ما عدا القيام عنه، ~~فإنما نعني أنك نفيت عنه الأوصاف التي تنافي القيام نحو أن يكون جالسا أو ~~مضطجعا أو متكئا أو ما شاكل ذلك، ولم نرد أنك نفيت ما ليس من القيام بسبيل؛ ~~إذ ms232 لسنا ننفي عنه بقولنا: (ما هو إلا قائم): أن يكون أسود أو أبيض أو طويلا ~~أو قصيرا أو عالما أو جاهلا. كما أنا إذا قلنا: (ما قائم إلا زيد): لم نرد ~~أنه ليس في الدنيا قائم سواه، وإنما نعني: ما قائم حيث نحن وبحضرتنا، وما ~~أشبه ذلك. # PageV01P291 # واعلم أن الأمر بين في قولنا: (ما زيد إلا قائم)، أن ليس المعنى على نفي ~~الشركة، ولكن على نفي أن لا يكون المذكور، ويكون بدله شيء آخر. ألا ترى أن ~~ليس المعنى أنه ليس له مع القيام صفة أخرى، بل المعنى أن ليس له بدل القيام ~~صفة ليست بالقيام، وأن ليس القيام منفيا عنه وكائنا مكانه فيه القعود أو ~~الاضطجاع أو نحوهما. فإن قلت: فصورة المعنى إذن صورته، إذا وضعت الكلام ب ~~(إنما) فقلت: (إنما هو قائم)، ونحن نرى أنه يجوز في هذا أن تعطف ب (لا) ~~فتقول: (إنما هو قائم لا قاعد)، ولا نرى ذلك جائزا مع (ما وإلا) إذ ليس من ~~كلام الناس أن يقولوا: (ما زيد إلا قائم لا قاعد)؛ فإن ذلك إنما لم يجز من ~~حيث إنك إذا قلت: (ما زيد إلا قائم)، فقد نفيت عنه كل صفة تنافي القيام، ~~وصرت كأنك قلت: "ليس هو بقاعد ولا مضطجع ولا متكئ". وهكذا حتى لا تدع صفة ~~يخرج بها من القيام. فإذا قلت من بعد ذلك "لا قاعد" كنت قد نفيت ب (لا) ~~العاطفة شيئا قد بدأت فنفيته، وهي موضوعة لأن تنفي بها ما بدأت فأوجبته، لا ~~لأن تفيد بها النفي في شيء قد نفيته. ومن ثم لم يجز أن تقول: (ما جاءني أحد ~~لا زيد) على أن تعمد إلى بعض ما دخل في النفي بعموم (أحد) فتنفيه على ~~الخصوص، بل كان الواجب إذا أردت ذلك، أن تقول: (ما جاءني أحد ولا زيد)، ~~فتجيء ب (الواو) من قبل (لا) حتى تخرج بذلك عن أن تكون عاطفة، فاعرف ذلك! # PageV01P292 # وإذ قد عرفت فساد أن تقول: (ما زيد إلا قائم لا قاعد): فإنك ms233 تعرف بذلك ~~امتناع أن تقول: ما جاءني إلا زيد لا عمرو)، و (ما ضربت إلا زيدا لا عمرا) ~~وما شاكل ذلك. وذلك أنك إذا قلت: (ما جاءني إلا زيد): فقد نفيت أن يكون قد ~~جاءك أحد غيره. فإذا قلت: لا عمرو: كنت قد طلبت أن تنفي ب (لا) العاطفة ~~شيئا قد تقدمت فنفيته؛ وذلك - كما عرفتك - خروج بها عن المعنى الذي وضعت ~~له، إلى خلافه. فإن قيل: فإنك إذا قلت (إنما جاءني زيد): فقد نفيت فيه أيضا ~~أن يكون المجيء قد كان من غيره. فكان ينبغي أن لا يجوز فيه أيضا أن تعطف ب ~~(لا) فتقول: (إنما جاءني زيد لا عمرو). قيل: إن الذي قلته من أنك إذا قلت ~~"إنما جاءني زيد" فقد نفيت فيه أيضا المجيء عن غيره، غير مسلم لك على ~~حقيقته؛ وذلك أنه ليس معك إلا قولك: (جاءني زيد). وهو كلام كما تراه مثبت ~~ليس فيه نفي البتة، كما كان في قولك: (ما جاءني إلا زيد) وإنما فيه أنك ~~وضعت يدك على (زيد) فجعلته الجائي، وذلك وإن أوجب انتفاء المجيء عن غيره، ~~فليس يوجبه من أجل أن كان ذلك إعمال نفي في شيء، وإنما أوجبه من حيث كان ~~المجيء الذي أخبرت به مجيئا مخصوصا، إذا كان لزيد لم يكن لغيره، والذي ~~أبيناه أن تنفي ب (لا) العاطفة الفعل عن شيء وقد نفيته عنه لفظا. # النفي والإثبات ب "ما" و "غير" # ونظير هذا أنا نعقل من قولنا: (زيد هو الجائي)، أن هذا المجيء لم يكن من ~~غيره، ثم لا يمنع ذلك من أن تجيء فيه ب (لا) العاطفة فتقول: (زيد هو الجائي ~~لا عمرو). لأنا لم نعقل ما عقلنا من انتفاء المجيء عن غيره بنفي أوقعناه ~~على شيء، ولكن بأنه لما كان المجيء المقصود مجيئا واحدا، كان النص على زيد ~~بأنه فاعله وإثباته له، نفيا له عن غيره، ولكن من طريق المعقول لا من طريق ~~أن كان في الكلام نفي كما كان ثم، فاعرفه! # PageV01P293 # فإن قيل: فإنك إذا ms234 قلت: (ما جاءني إلا زيد)، ولم يكن غرضك أن تنفي أن ~~يكون قد جاء معه واحد آخر، كان المجيء أيضا مجيئا واحدا، قيل إنه وإن كان ~~واحدا فإنك إنما بينت أن زيدا الفاعل له بأن نفيت المجيء عن كل من سوى زيد، ~~كما تصنع إذا أردت أن تنفي أن يكون قد جاء معه جاء آخر. وإذا كان كذلك، كان ~~ما قلناه من أنك إن جئت ب (لا) العاطفة فقلت: (ما جاءني إلا زيد لا عمرو)، ~~كنت قد نفيت الفعل عن شيء قد نفيته عنه مرة، صحيحا ثابتا كما قلنا فاعرفه! # واعلم أن حكم (غير) في جميع ما ذكرنا حكم (إلا). فإذا قلت: (ما جاءني غير ~~زيد)، احتمل أن تريد نفي أن يكون قد جاء معه إنسان آخر، وأن تريد نفي أن لا ~~يكون قد جاء، وجاء مكانه واحد آخر ولا يصح أن تقول: ما جاءني غير زيد لا ~~عمرو. كما لم يجز: ما جاءني إلا زيد لا عمرو. # PageV01P294 ### | فصل: في نكة تتصل بالكلام الذي تضعه "ما" و "إلا" # إعلم أن الذي ذكرناه من أنك تقول: (ما ضرب إلا عمرو زيدا)، فتوقع الفاعل ~~والمفعول جميعا بعد (إلا) ليس بأكثر الكلام، وإنما الأكثر أن تقدم المفعول ~~على (إلا) نحو: (ما ضرب زيدا إلا عمرو). حتى إنهم ذهبوا فيه، أعني في قولك: ~~(ما ضرب إلا عمرو زيدا)، إلى أنه على كلامين، وأن زيدا منصوب بفعل مضمر، ~~حتى كأن المتكلم بذلك أبهم في أول أمره فقال: (ما ضرب إلا عمرو) ثم قيل له: ~~(من ضرب؟) فقال: (ضرب زيدا). # وههنا - إذا تأملت - معنى لطيف يوجب ذلك؛ وهو أنك إذا قلت: (ما ضرب زيدا ~~إلا عمرو)، كان غرضك أن تختص عمرا ب (ضرب زيد) لا بالضرب على الإطلاق. وإذا ~~كان كذلك وجب أن تعدي الفعل إلى المفعول من قبل أن تذكر عمرا الذي هو ~~الفاعل، لأن السامع لا يعقل عنك أنك اختصصته بالفعل معدى حتى تكون قد بدأت ~~فعديته؛ أعني لا يفهم عنك أنك أردت أن ms235 تختص عمرا بضرب زيد حتى تذكر له معدى ~~إلى زيد. فأما إذا ذكرته غير معدى فقلت: (ما ضرب إلا عمرو)، فإن الذي يقع ~~في نفسه أنك أردت أن تزعم أنه لم يكن من أحد غير عمرو وضرب، وأنه ليس ههنا ~~مضروب إلا وضاربه عمرو. فاعرفه أصلا في شأن التقديم والتأخير. # PageV01P295 ### | فصل: عود على مباحث "إنما" # إن قيل: مضيت في كلامك كله على أن "إنما" للخبر لا يجهله المخاطب، ولا ~~يكون ذكرك له لأن تفيده إياه، وإنا لنراها في كثير من الكلام والقصد بالخبر ~~بعدها أن تعلم السامع أمرا قد غلط فيه بالحقيقة، واحتاج إلى معرفته، كمثل ~~ما ذكرت في أول الفصل الثاني من قولك: (إنما جاءني زيد لا عمرو). وتراها ~~كذلك تدور في الكتب للكشف عن معان غير معلومة ودلالة المتعلم منها على ما ~~لا يعلم. قيل: أما ما يجيء من الكلام من نحو: (إنما جاء زيد لا عمرو)، فإنه ~~وإن كان يكون إعلاما لأمر لا يعلمه السامع، فإنه لا بد مع ذلك، من أن يدعى ~~هناك فضل انكشاف وظهور في أن الأمر كالذي ذكر. وقد قسمت في أول ما افتتحت ~~القول فيها، فقلت إنها تجيء للخبر لا يجهله السامع ولا ينكر صحته، أو لما ~~تنزل هذه المنزلة. وأما ما ذكرت من أنها تجيء في الكتب لدلالة المتعلم على ~~ما لم يعلمه، فإنك إذا تأملت مواقعها وجدتها في الأمر الأكثر، قد جاءت لأمر ~~قد وقع العلم بموجبه وشيء يدل عليه. مثال ذلك أن صاحب "الكتاب" قال، في باب ~~كان: "إذا قلت: كان زيد، فقد ابتدأت بما هو معروف عنده مثله عندك، وإنما ~~ينتظر الخبر. فإذا قلت: (حليما)، فقد أعلمته ما علمت. وإذا قلت: (كان ~~حليما)، فإنما ينتظر أن تعرفه صاحب الصفة". وذاك أنه إذا كان معلوما أنه لا ~~يكون مبتدأ من غير خبر، ولا خبر من غير مبتدإ، كان معلوما أنك إذا قلت: ~~(كان زيد): فالمخاطب ينتظر الخبر؛ وإذا قلت: (كان حليما) أنه ينتظر الاسم، ~~فلم يقع إذن بعد "إنما" ms236 إلا شيء كان معلوما للسامع من قبل أن ينتهي إليه. # PageV01P296 # ومما الأمر فيه بين، قوله في باب "ظننت": وإنما تحكي بعد "قلت" ما كان ~~كلاما، لا قولا. وذلك أنه معلوم أنك لا تحكي بعد "قلت" إذا كنت تنحو نحو ~~المعنى، إلا ما كان جملة مفيدة. فلا تقول: قال فلان: "زيد"، وتسكت. أللهم ~~إلا أن تريد أنه نطق بالاسم على هذه الهيئة، كأنك تريد أنه ذكره مرفوعا. ~~ومثل ذلك قولهم: إنما يحذف الشيء إذا كان في الكلام دليل عليه. إلى أشباه ~~ذلك مما لا يحصى. فإن رأيتها قد دخلت على كلام هو ابتداء إعلام بشيء لم ~~يعلمه السامع، فلأن الدليل عليه حاضر معه والشيء بحيث يقع العلم به عن كثب. ~~واعلم أنه ليس يكاد ينتهي ما يعرض بسبب هذا الحرف من الدقائق. # ومما يجب أن يعلم أنه، إذا كان الفعل بعدها فعلا لا يصح إلا من المذكور ~~ولا يكون من غيره كالتذكر الذي يعلم أنه لا يكون إلا من أولي الألباب، لم ~~يحسن العطف ب (لا) فيه، كما يحسن فيما لا يختص بالمذكور، ويصح من غيره. ~~تفسير هذا أنه لا يحسن أن تقول: (إنما يتذكر أولو الألباب لا الجهال). كما ~~يحسن أن تقول: (إنما يجيء زيد لا عمرو). ثم إن النفي فيما يجيء فيه النفي، ~~يتقدم تارة ويتأخر أخرى. فمثال التأخير ما تراه في قولك: (إنما يجيء زيد لا ~~عمرو). وكقوله تعالى: {إنمآ أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر} [الغاشية: 2122] ~~وكقول لبيد [من الرمل]: # إنما يجزي الفتى ليس الجمل # ومثال التقديم قولك: (ما جاءني زيد وإنما جاءني عمرو). وهذا مما أنت تعلم ~~به مكان الفائدة فيها، وذلك أنك تعلم ضرورة أنك لو لم تدخلها وقلت: (ما ~~جاءني زيد وجاءني عمرو)، لكان الكلام مع من ظن أنهما جاآك جميعا، وأن ~~المعنى الآن مع دخولها، أن الكلام مع من غلط في عين الجائي فظن أنه كان ~~زيدا لا عمرا. # PageV01P297 # وأمر آخر وهو ليس ببعيد، أن يظن الظان أنه ليس في انضمام "ما" إلى "إن" ms237 ~~فائدة أكثر من تبطل عملها حتى ترى النحويين لا يزيدون في أكثر كلامهم على ~~أنها كافة. ومكانها ههنا يزيل هذا الظن ويبطله، وذلك أنك ترى أنك لو قلت: ~~(ما جاءني زيد وإن عمرا جاءني)، لم يعقل منه أنك أردت أن الجائي عمرو لا ~~زيد، بل يكون دخول (إن) كالشيء الذي لا يحتاج إليه ووجدت المعنى ينبو عنه. # ثم اعلم أنك إذا استقريت، وجدتها أقوى ما تكون وأعلق ما ترى بالقلب، إذا ~~كان لا يراد بالكلام بعدها نفس معناه، ولكن التعريض بأمر هو مقتضاه، نحو ~~أنا نعلم أن ليس الغرض من قوله تعالى: {إنما يتذكر أولوا الألباب} [الرعد: ~~19] أن يعلم السامعون ظاهر معناه، ولكن أن يذم الكفار وأن يقال إنهم من فرط ~~العناد ومن غلبة الهوى عليهم، في حكم من ليس بذي عقل، وإنكم إن طمعتم منهم ~~في أن ينظروا ويتذكروا، كنتم كمن طمع في ذلك من غير (أولي الألباب). وكذلك ~~قوله: {إنمآ أنت منذر من يخشاها} [النازعات: 45]. وقوله عز اسمه: {إنما ~~تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} [فاطر: 18]. المعنى على أن من لم تكن له هذه ~~الخشية، فهو كأنه ليس له أذن تسمع وقلب يعقل. فالإنذار معه كلا إنذار. ~~ومثال ذلك من الشعر قوله [من المديد]: # أنا لم أرزق محبتها ... إنما للعبد ما رزقا # الغرض أن يفهمك من طريق التعريض، أنه قد صار ينصح نفسه ويعلم أنه ينبغي ~~له أن يقطع الطمع من وصلها، وييأس من أن يكون منها إسعاف. ومن ذلك قوله [من ~~البسيط]: # وإنما يعذر العشاق من عشقا # يقول إنه ليس ينبغي للعاشق أن يلوم من يلومه في عشقه، وأنه ينبغي أن لا ~~ينكر ذلك منه، فإنه لا يعلم كنه البلوى في العشق. ولو كان ابتلي به لعرف ما ~~هو فيه، فعذره. وقوله [من الكامل]: # ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسباب # PageV01P298 # فاليوم حاجتنا إليك وإنما ... يدعى الطبيب لساعة الأوصاب # يقول في البيت الأول: إنه ينبغي أن أنجح في أمري حين جعلتك السبب إليه. ~~ويقول في الثاني: ms238 إنا قد وضعنا الشيء في موضعه، وطلبنا الأمر من جهته حين ~~استعنا بك فيما عرض من الحاجة وعولنا على فضلك. كما أن من عول على الطبيب ~~فيما يعرض له من السقم، كان قد أصاب بالتعويل موضعه وطلب الشيء من معدنه. # ثم إن العجب في أن التعريض الذي ذكرت لك، لا يحصل من دون "إنما" فلو قلت: ~~(يتذكر أولو الألباب) لم يدل على ما دل عليه في الآية، وإن كان الكلام لم ~~يتغير في نفسه، وليس إلا أنه ليس فيه "إنما". والسبب في ذلك، أن هذا ~~التعريض إنما وقع بأن كان من شأن (إنما) أن تضمن الكلام معنى النفي من بعد ~~الإثبات والتصريح، بامتناع التذكر ممن لا يعقل. وإذا أسقطت من الكلام فقيل: ~~(يتذكر أولو الألباب)، كان مجرد وصف لأولي الألباب بأنهم يتذكرون، ولم يكن ~~فيه معنى نفي للتذكر عمن ليس منهم. ومحال أن يقع تعريض لشيء ليس له في ~~الكلام ذكر ولا فيه دليل عليه. فالتعريض بمثل هذا، أعني بأن يقول: (يتذكر ~~أولو الألباب) بإسقاط "إنما"، يقع إذن، إن وقع، بمدح إنسان بالتيقظ، وبأنه ~~فعل ما فعل وتنبه لما تنبه له، لعقله ولحسن تمييزه، كما يقال: كذلك يفعل ~~العاقل وهكذا يفعل الكريم. وهذا موضع فيه دقة وغموض، وهو مما لا يكاد يقع ~~في نفس أحد أنه ينبغي أن يتعرف سببه ويبحث عن حقيقة الأمر فيه. # ومما يجب لك أن تجعله على ذكر منك من معاني "إنما" ما عرفتك أولا من أنها ~~قد تدخل في الشيء على أن يخيل فيه المتكلم أنه معلوم ويدعي أنه من الصحة ~~بحيث لا يدفعه دافع، كقوله: # إنما مصعب شهاب من الله # ومن اللطيف في ذلك قول قس بن حصن [من الطويل]: # ألا أيها الناهي فزارة بعدما ... أجدت لغزو، إنما أنت حالم # ومن ذلك قوله (تعالى) حكاية عن اليهود {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ~~قالوا إنما نحن مصلحون} [البقرة: 11]، دخلت (إنما) لتدل على أنهم حين ادعوا ~~لأنفسهم أنهم مصلحون، أظهروا أنهم يدعون من ذلك ms239 أمرا ظاهرا معلوما. ولذلك ~~أكد الأمر في تكذيبهم والرد عليهم، فجمع بين "ألا" الذي هو للتنبيه وبين ~~"إن" الذي هو للتأكيد، فقيل: {ألا إنهم هم المفسدون ولاكن لا يشعرون} ~~[البقرة: 12]. # PageV01P299 ### | فصل: فصل من باب اللفظ والنظم في الحكاية # إعلم أنه لا يصلح تقدير الحكاية في النظم والترتيب. بل لن تعدو الحكاية ~~الألفاظ وأجراس الحروف. وذلك أن الحاكي هو من يأتي بمثل ما أتى به المحكي ~~عنه؛ ولا بد من أن تكون حكايته فعلا له، وأن يكون بها عاملا عملا مثل عمل ~~المحكي عنه، نحو أن يصوغ إنسان خاتما، فيبدع فيه صنعة ويأتي في صناعته ~~بخاصة تستغرب، فيعمد واحد آخر فيعمل خاتما على تلك الصورة والهيئة، ويجيء ~~بمثل صنعته فيه ويؤديها كما هي، فيقال عند ذلك: إنه قد حكى عمل فلان وصنعة ~~فلان. والنظم والترتيب في الكلام، كما بينا، عمل يعمله مؤلف الكلام في ~~معاني الكلم لا في ألفاظها، وهو بما يصنع، في سبيل من يأخذ الأصباغ ~~المختلفة فيتوخى فيها ترتيبا يحدث عنه ضروب من النفش والوشي. وإذا كان ~~الأمر كذلك فإنا، إن تعدينا بالحكاية الألفاظ إلى النظم والترتيب، أدى ذلك ~~إلى المحال، وهو أن يكون المنشد شعر أمرئ القيس قد عمل في المعاني وترتيبها ~~واستخراج النتائج والفوائد، مثل عمل امرئ القيس، وأن يكون حاله، إذا أنشد ~~قوله [من الطويل]: # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # PageV01P300 # حال الصائغ ينظر إلى صورة قد عملها صائغ من ذهب له أو فضة، فيجيء بمثلها ~~من ذهبه وفضته، وذلك يخرج بمرتكب إن ارتكبه، إلى أن يكون الراوي مستحقا لأن ~~يوصف بأنه استعار وشبه وأن يجعل كالشاعر في كل ما يكون به ناظما، فيقال: ~~إنه جعل هذا فاعلا وذاك مفعولا، وهذا مبتدأ وذاك خبرا، وجعل هذا حالا وذاك ~~صفة؛ وأن يقال نفى كذا وأثبت كذا، وأبدل كذا من كذا، وأضاف كذا إلى كذا - ~~وعلى هذا السبيل، كما يقال ذاك في الشاعر. وإذا قيل ذاك، لزم منه أن يقال ~~فيه: صدق وكذب كما يقال ms240 في المحكي عنه وكفى بهذا بعدا وإحالة. ويجمع هذا ~~كله أنه يلزم منه أن يقال إنه قال شعرا، كما يقال فيمن حكى صنعة الصانع من ~~خاتم قد عمله. إنه قد صاغ خاتما. # وجملة الحديث، أنا نعلم ضرورة أنه لا يتأتى لنا أن ننظم كلاما من غير ~~روية وفكر، فإن كان راوي الشعر ومنشده يحكي نظم الشاعر على حقيقته، فينبغي ~~أن لا يتأتى له رواية شعره إلا بروية وإلا بأن ينظر في جميع ما نظر فيه ~~الشاعر من أمر النظم، وهذا ما لا يبقى معه موضع عذر للشاك. # PageV01P301 # هذا، وسبب دخول الشبهة على ما دخلت عليه أنه، لما رأى المعاني لا تتجلى ~~للسامع إلا من الألفاظ، وكان لا يوقف على الأمور التي، بتوخيها، يكون ~~النظم، إلا بأن ينظر إلى الألفاظ مرتبة على الأنحاء التي يوجبها ترتيب ~~المعاني في النفس؛ وجرت العادة بأن تكون المعاملة مع الألفاظ فيقال: قد نظم ~~ألفاظا فأحسن نظمها، وألف كلما، فأجاد تأليفها - جعل الألفاظ الأصل في ~~النظم، وجعله يتوخى فيها أنفسها، وترك أن يفكر في الذي بيناه، من أن النظم ~~هو توخي معاني النحو في معاني الكلم وأن توخيها في متون الألفاظ محال. فلما ~~جعل هذا في نفسه ونشب هذا الاعتقاد به، خرج له من ذلك، أن الحاكي إذا أدى ~~ألفاظ الشعر على النسق الذي سمعها عليه، كان قد حكى نظم الشاعر كما حكى ~~لفظه؛ وهذه شبهة قد ملكت قلوب الناس، وعششت في صدورهم، وتشربتها نفوسهم، ~~حتى إنك لترى كثيرا منهم، وهي من حلولها عندهم محل العلم الضروري، بحيث إن ~~أو مأت له إلى شيء مما ذكرناه أشماز لك، وسك سمعه دونك، وأظهر التعجب منك، ~~وتلك جريرة ترك النظر، وأخذ الشيء من غير معدنه، ومن الله التوفيق. # PageV01P302 ### | فصل: فصل من باب اللفظ والنظم في إضافة القول إلى قائله # إعلم أنا إذا أضفنا الشعر أو غير الشعر، من ضروب الكلام، إلى قائله لم ~~تكن إضافتنا له من حيث هو كلم وأوضاع لغة، ولكن من حيث توخي فيها النظم ms241 ~~الذي بينا أنه عبارة عن توخي معاني النحو في معاني الكلم؛ وذاك أن من شأن ~~الإضافة الاختصاص. فهي تتناول الشيء من الجهة التي تختص منها بالمضاف إليه. ~~فإذا قلت: (غلام زيد). تناولت الإضافة الغلام من الجهة التي يختص منها ~~بزيد، وهو كونه مملوكا. وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي لنا أن ننظر في الجهة ~~التي يختص منها الشعر بقائله، وإذا نظرنا، وجدناه يختص به من جهة توخيه في ~~معاني الكلم التي ألفه منها ما توخاه من معاني النحو، ورأينا أنفس الكلم ~~بمعزل عن الاختصاص، ورأينا حالها معه حال الإبريسم مع الذي ينسج منه ~~الديباج، وحال الفضة والذهب مع من يصوغ منهما الحلي. فكما لا يشتبه الأمر ~~في أن الديباج لا يختص بناسجه من حيث الإبريسم، والحلي بصائغها من حيث ~~الفضة والذهب، ولكن من جهة العمل والصنعة، كذلك ينبغي أن لا يشتبه أن الشعر ~~لا يختص بقائله من جهة أنفس الكلم وأوضاع اللغة. ويزداد تبينا لذلك بأن ~~ينظر في القائل إذا أضفته إلى الشعر فقلت: امرؤ القيس قائل هذا الشعر. من ~~أين جعلته قائلا له؟ أمن حيث نطق بالكلم، وسمعت ألفاظها من فيه، أم من حيث ~~صنع في معانيها ما صنع، وتوخى فيها ما توخى؟ فإن زعمت أنك جعلته قائلا له ~~من حيث إنه نطق بالكلم وسمعت ألفاظها من فيه على النسق المخصوص، فاجعل راوي ~~الشعر قائلا له فإنه ينطق بها ويخرجها من فيه على الهيئة والصورة التي نطق ~~بها الشاعر؛ وذلك ما لا سبيل لك إليه. فإن قلت: إن الراوي وإن كان قد نطق ~~بألفاظ الشعر، على الهيئة والصورة التي نطق بها الشاعر فإنه هو لم يبتدئ ~~فيها النسق والترتيب، وإنما ذلك شيء ابتدأه الشاعر. # PageV01P303 # فلذلك جعلته القائل له دون الراوي: قيل لك: خبرنا عنك، أترى أنه يتصور أن ~~يجب في ألفاظ الكلم التي تراها في قوله [من الطويل]: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # هذا الترتيب من غير أن يتوخى في معانيها ما تعلم أن امرأ القيس توخاه من ~~كون ms242 "نبك" جوابا للأمر وكون "من" معدية له إلى "ذكرى" وكون "ذكرى" مضافة ~~إلى "حبيب" وكون "منزل" معطوفا على "حبيب"، أم ذلك محال؟ فإن شككت في ~~استحالته لم تكلم. وإن قلت: نعم هو محال، قيل لك: فإذا كان محالا أن يجب في ~~الألفاظ ترتيب من غير أن يتوخى في معانيها معاني النحو، كان قولك "إن ~~الشاعر ابتدأ فيها ترتيبا" قولا بما لا يتحصل. # وجملة الأمر أنه لا يكون ترتيب في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصنعة ~~إن لم يقدم فيه ما قدم ولم يؤخر ما أخر، وبدئ بالذي ثني به أو ثني بالذي ~~ثلث به، لم تحصل لك تلك الصورة وتلك الصنعة. وإذا كان كذلك، فينبغي أن ينظر ~~إلى الذي يقصد واضع الكلام أن يحصل له من الصورة والصنعة: أفي الألفاظ يحصل ~~له ذلك أم من معاني الألفاظ؟ وليس في الإمكان أن يشك عاقل إذا نظر أن ليس ~~ذلك في الألفاظ، وإنما الذي يتصور أن يكون مقصودا في الألفاظ، هو الوزن ~~وليس هو من كلامنا في شيء، لأنا نحن فيما لا يكون الكلام كلاما إلا به، ~~وليس للوزن مدخل في ذلك. # PageV01P304 ### | فصل: فصل من باب اللفظ والنظم في فساد ملكة الفهم بالتقليد # واعلم أني على طول ما أعدت وأبدأت، وقلت وشرحت في هذا الذي قام في أوهام ~~الناس من حديث اللفظ، لربما ظننت أني لم أصنع شيئا. وذاك أنك ترى الناس ~~كأنه قد قضي عليهم أن يكونوا في هذا الذي نحن بصدده على التقليد البحت وعلى ~~التوهم والتخيل. وإطلاق اللفظ من غير معرفة بالمعنى، قد صار ذاك الدأب، ~~والديدن، واستحكم الداء منه الاستحكام الشديد. وهذا الذي بيناه وأوضحناه ~~كأنك ترى أبدا حجابا بينهم وبين أن يعرفوه، وكأنك تسمعهم منه شيئا تلفظه ~~أسماعهم، وتنكره نفوسهم؛ وحتى كأنه كلما كان الأمر أبين كانوا عن العلم به ~~أبعد، وفي توهم خلافه أقعد؛ وذاك لأن الاعتقاد الأول قد نشب في قلوبهم ~~وتأشب فيها، ودخل بعروقه في نواحيها، وصار كالنبات السوء الذي كلما قلعته ms243 ~~عاد فنبت. # PageV01P305 # والذي له صاروا كذلك، أنهم حين رأوهم يفردون اللفظ عن المعنى، ويجعلون له ~~حسنا على حدة، ورأوهم قد قسموا الشعر فقالوا إن منه ما حسن لفظه ومعناه، ~~ومنه ما حسن لفظه دون معناه، ومنه ما حسن معناه دون لفظه؛ ورأوهم يصفون ~~اللفظ بأوصاف لا يصفون بها المعنى، ظنوا أن اللفظ من حيث هو لفظ، حسنا ~~ومزية ونبلا وشرفا، وأن الأوصاف التي نحلوه إياها هي أوصافه على الصحة، ~~وذهبوا عما قدمنا شرحه من أن لهم في ذلك رأيا وتدبيرا، وهو أن يفصلوا بين ~~المعنى الذي هو الغرض، وبين الصورة التي يخرج فيها، فنسبوا ما كان من الحسن ~~والمزية في صورة المعنى إلى اللفظ، ووصفوه في ذلك بأوصاف هي تخبر عن أنفسها ~~أنها ليست له، كقولهم إنه حلي المعنى، وإنه كالوشي عليه، وإنه قد كسب ~~المعنى دلا وشكلا، وإنه رشيق أنيق، وإنه متمكن، وإنه على قدر المعنى لا ~~فاضل ولا مقصر - إلى أشباه ذلك مما لا يشك أنه لا يكون وصفا له من حيث هو ~~لفظ وصدى صوت، إلا أنهم كأنهم رأوا بسلا حراما أن يكون لهم في ذلك فكر ~~وروية وأن يميزوا فيه قبيلا من دبير. # غلطهم في معنى الحقيقة والمجاز # PageV01P306 # ومما الصفة فيه للمعنى، وإن جرى في ظاهر المعاملة على اللفظ، إلا أنه ~~يبعد عند الناس كل البعد أن يكون الأمر فيه كذلك، وأن لا يكون من صفة اللفظ ~~بالصحة والحقيقة وصفنا اللفظ بأنه مجاز. وذاك أن العادة قد جرت بأن يقال في ~~الفرق بين الحقيقة والمجاز: إن الحقيقة أن يقر اللفظ على أصله في اللغة، ~~والمجاز أن يزال عن موضعه، ويستعمل في غير ما وضع له، فيقال (أسد) ويراد ~~(شجاع) و (بحر) ويراد (جواد). وهو وإن كان شيئا قد استحكم في النفوس حتى ~~إنك ترى الخاصة فيه كالعامة، فإن الأمر بعد فيه على خلافه. وذاك أنا إذا ~~حققنا لم نجد لفظ (أسد) قد استعمل على القطع والبت في غير ما وضع له. ذاك ~~لأنه لم يجعل في ms244 معنى (شجاع) على الإطلاق، ولكن جعل الرجل بشجاعته: أسدا. ~~فالتجوز: في أن ادعيت للرجل أنه في معنى الأسد وأنه كأنه هو في قوة قلبه ~~وشدة بطشه وفي أن الخوف لا يخامره والذعر لا يعرض له، وهذا - إن أنت حصلت - ~~تجوز منك في معنى اللفظ لا اللفظ، وإنما يكون اللفظ مزالا بالحقيقة عن ~~موضعه ومنقولا عما وضع له، أن لو كنت تجد عاقلا يقول (هو أسد): وهو لا يضمر ~~في نفسه تشبيها له بالأسد، ولا يريد إلا ما يريده إذا قال: هو شجاع. وذلك ~~ما لا يشك في بطلانه. # كون المجاز أبلغ من الحقيقة # PageV01P307 # وليس العجب إلا أنهم لا يذكرون شيئا من المجاز إلا قالوا: إنه أبلغ من ~~الحقيقة. فليت شعري إن كان لفظ "أسد" قد نقل عما وضع له في اللغة وأزيل ~~عنه، وجعل يراد به (الشجاع) هكذا غفلا ساذجا، فمن أين يجب أن يكون قولنا ~~"أسد" أبلغ من قولنا "شجاع"؟ وهكذا الحكم في الاستعارة. هي وإن كانت في ~~ظاهر المعاملة من صفة اللفظ وكنا نقول: هذه لفظة مستعارة، وقد استعير له ~~اسم الأسد: فإن مآل الأمر إلى أن القصد بها إلى المعنى. يدلك على ذلك أنا ~~نقول: (جعله أسدا وجعله بدرا وجعله بحرا). فلو لم يكن القصد بها إلى ~~المعنى، لم يكن لهذا الكلام وجه لأن "جعل" لا تصلح إلا حيث يراد إثبات صفة ~~للشيء كقولنا: (جعلته أميرا وجعلته واحد دهره): تريد: أثبت لك ذلك! وحكم ~~"جعل" إذا تعدى إلى مفعولين حكم "صير". فكما لا تقول: (صيرته أميرا)، إلا ~~على معنى أنك أثبت له صفة الإمارة، كذلك لا يصح أن تقول: (جعلته أسدا) إلا ~~على معنى أنك جعلته في معنى الأسد. ولا يقال: (جعلته زيدا) بمعنى: سميته ~~زيدا، ولا يقال للرجل: (إجعل ابنك زيدا)، بمعنى: سمه زيدا، و (ولد لفلان ~~ابن فجعله زيدا). وإنما يدخل الغلط في ذلك على من لا يحصل. # PageV01P308 # فأما قوله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثا} ~~[الزخرف: 19]، فإنما جاء على الحقيقة التي وصفتها، ms245 وذاك أن المعنى على أنهم ~~أثبتوا للملائكة صفة الإناث، واعتقدوا وجودها فيهم، وعن هذا الاعتقاد صدر ~~عنهم ما صدر من الاسم، أعني إطلاق اسم البنات؛ وليس المعنى أنهم وضعوا لها ~~لفظ الإناث أو لفظ البنات اسما من غير اعتقاد معنى وإثبات صفة. هذا محال لا ~~يقوله عاقل. أما تسمع قول الله تعالى: {أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسألون} [الزخرف: 19]. فإن كانوا لم يزيدوا على أن أجروا الاسم على ~~الملائكة، ولم يعتقدوا إثبات صفة ومعنى بإجرائه عليهم، فأي معنى لأن يقال: ~~(أشهدوا خلقهم)؟ هذا ولو كان لم يقصدوا إثبات صفة، ولم يزيدوا على أن وضعوا ~~اسما، لما استحقوا إلا اليسير من الذم، ولما كان هذا القول منهم كفرا، ~~والأمر في ذلك أظهر من أن يخفى. # وجملة الأمر أنه إن قيل: إنه ليس في الدنيا علم قد عرض للناس فيه من فحش ~~الغلط، ومن قبيل التورط، ومن الذهاب مع الظنون الفاسدة، ما عرض لهم في هذا ~~الشأن، ظننت أن لا يخشى على من يقوله الكذب. وهل عجب أعجب من قوم عقلاء ~~يتلون قول الله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هاذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88]؟ ويؤمنون ~~به ويدينون بأن القرآن معجز، ثم يصدون بأوجههم عن برهان الإعجاز ودليله، ~~ويسلكون غير سبيله، ولقد جنوا لو دروا ذاك عظيما. # PageV01P309 ### | فصل: كون النظم يتوخى معاني النحو # واعلم أنه، وإن كانت الصورة في الذي أعدنا وأبدأنا فيه، من أنه لا معنى ~~للنظم غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم، قد بلغت في الوضوح والظهور ~~والانكشاف إلى أقصى الغاية، وإلى أن تكون الزيادة عليه كالتكلف لما لا ~~يحتاج إليه، فإن النفس تنازع إلى تتبع كل ضرب من الشبهة يرى أنه يعرض ~~للمسلم نفسه عند اعتراض الشك؛ وإنا لنرى أن في الناس من إذا رأى أنه يجري ~~في القياس وضرب المثل أن تشبه الكلم في ضم بعضها إلى بعض بضم غزل الإبريسم ~~بعضه إلى بعض، ورأى أن الذي ينسج ms246 الديباج ويعمل النقش والوشي لا يصنع ~~بالإبريسم الذي ينسج منه شيئا غير أن يضم بعضه إلى بعض ويتخير للأصباغ ~~المختلفة، المواقع التي يعلم أنه إذا أوقعها فيها، حدث له في نسجه ما يريد ~~من النقش والصورة - جرى في ظنه أن حال الكلم في ضم بعضها إلى بعض وفي تخير ~~المواقع لها، حال خيوط الإبريسم سواء، ورأيت كلامه كلام من لا يعلم أنه لا ~~يكون الضم فيها ضما، ولا الموقع موقعا حتى يكون قد توخى فيها معاني النحو، ~~وأنك إن عمدت إلى ألفاظ فجعلت تتبع بعضها بعضا من غير أن تتوخى فيها معاني ~~النحو، لم تكن صنعت شيئا تدعى به مؤلفا، وتشبه معه بمن عمل نسجا أو صنع على ~~الجملة صنيعا، ولم يتصور أن تكون قد تخيرت لها المواقع. # وفساد هذا وشبيهه من الظن، وإن كان معلوما ظاهرا، فإن ههنا استدلالا ~~لطيفا تكثر بسببه الفائدة، أنه يتصور أن يعمد عامد إلى نظم كلام بعينه، ~~فيزيله عن الصورة التي أرادها الناظم له، ويفسدها عليه، من غير أن يحول منه ~~لفظا عن موضعه أو يبدله بغيره، أو يغير شيئا من ظاهر أمره على حال، مثال ~~ذلك أنك إن قدرت في بيت أبي تمام [من الطويل]: # لعاب الأفاعي القاتلات، لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل # PageV01P310 # أن "لعاب الأفاعي" مبتدأ و "لعابه" خبر، كما يوهمه الظاهر، أفسدت عليه ~~كلامه وأبطلت الصورة التي أرادها فيه؛ وذلك أن الغرض أن يشبه مداده بأري ~~الجنى على معنى أنه إذا كتب في العطايا والصلات، أوصل به إلى النفوس ما ~~تحلو مذاقته عندها، وأدخل السرور واللذة عليها؛ وهذا المعنى إنما يكون إذا ~~كان (لعابه) مبتدأ و (لعاب الأفاعي) خبرا. فأما تقديرك أن يكون "لعاب ~~الأفاعي" مبتدأ و "لعابه" خبرا، فيبطل ذلك ويمنع منه البتة، ويخرج بالكلام ~~إلى ما لا يجوز أن يكون مرادا في مثل غرض أبي تمام، وهو أن يكون أراد أن ~~يشبه لعاب الأفاعي بالمداد، ويشبه كذلك الأري به. فلو كان حال الكلم في ضم ~~بعضها إلى بعض، ms247 كحال غزل الإبريسم، لكان ينبغي أن لا تتغير الصورة الحاصلة ~~من نظم كلم حتى تزال عن مواقعها؛ كما لا تتغير الصورة الحادثة عن ضم غزل ~~الإبريسم بعضه إلى بعض حتى تزال الخيوط عن مواضعها. # واعلم أنه لا يجوز أن يكون سبيل قوله: (لعاب الأفاعي القاتلات لعابه). ~~سبيل قولهم: (عتابك السيف)؛ وذلك أن المعنى في بيت أبي تمام على أنك تشبه ~~شيئا بشيء، لجامع بينهما في وصف وليس المعنى في: (عتابك السيف): على أنك ~~تشبه عتابه بالسيف، ولكن على أن تزعم أنه يجعل السيف بدلا من العتاب. أفلا ~~ترى أنه يصح أن تقول: (مداد قلمه قاتل كسم الأفاعي)، ولا يصح أن تقول: ~~(عتابك كالسيف)، اللهم إلا أن تخرج إلى باب آخر، وشيء ليس هو غرضهم بهذا ~~الكلام، فتريد أنه قد عاتب عتابا خشنا مؤلما. ثم إنك إن قلت: (السيف ~~عتابك): خرجت به إلى معنى ثالث وهو أن تزعم أن عتابه قد بلغ في إيلامه وشدة ~~تأثيره مبلغا صار له السيف كأنه ليس بسيف. # PageV01P311 # واعلم أنه إن نظر ناظر في شأن المعاني والألفاظ إلى حال السامع، فإذا رأي ~~المعاني تقع في نفسه من بعد وقوع الألفاظ في سمعه، ظن لذلك أن المعاني تبع ~~للألفاظ في ترتيبها. فإن هذا الذي بيناه يريه فساد هذا الظن. وذلك أنه لو ~~كانت المعاني تكون تبعا للألفاظ في ترتيبها، لكان محالا أن تتغير المعاني ~~والألفاظ بحالها لم تزل عن ترتيبها. فلما رأينا المعاني قد جاز فيها التغير ~~من غير أن تتغير الألفاظ وتزول عن أماكنها، علمنا أن الألفاظ هي التابعة ~~والمعاني هي المتبوعة. # واعلم أنه ليس من كلام يعمد واضعه فيه إلى معرفتين فيجعلهما مبتدأ وخبرا، ~~ثم يقدم الذي هو الخبر، إلا أشكل الأمر عليك فيه، فلم تعلم أن المقدم خبر، ~~حتى ترجع إلى المعنى وتحسن التدبر. أنشد الشيخ أبو علي في التذكرة [من ~~الخفيف]: # نم وإن لم أنم كراي كراكا # ثم قال: ينبغي أن يكون "كراي" خبرا مقدما، ويكون الأصل "كراك كراي" أي: ~~نم لم أنم ms248 فنومك نومي، كما تقول: (قم، وإن جلست فقيامك قيامي). هذا هو عرف ~~الاستعمال في نحوه. (ثم قال) وإذا كان كذلك فقد قدم الخبر وهو معرفة وهو ~~ينوى به التأخير من حيث كان خبرا، (قال) فهو كبيت الحماسة [من الطويل]: # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد # فقدم خبر المبتدأ وهو معرفة. وإنما دل على أنه ينوي التأخير، المعنى. ~~ولولا ذلك لكانت المعرفة إذا قدمت، هي المبتدأ - لتقدمها، فافهم ذلك: - هذا ~~كله لفظه. # PageV01P312 # واعلم أن الفائدة تعظم في هذا الضرب من الكلام، إذا أنت أحسنت النظر فيما ~~ذكرت لك من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه عن صورة إلى صورة، من غير ~~أن تغير من لفظه شيئا، وتحول كلمة عن مكانها إلى مكان آخر وهو الذي وسع ~~مجال التأويل والتفسير، حتى صاروا يتأولون في الكلام الواحد تأويلين أو ~~أكثر، ويفسرون البيت الواحد عدة تفاسير. وهو على ذاك الطريق المزلة الذي ~~ورط كثيرا من الناس في الهلكة؛ وهو مما يعلم به العاقل شدة الحاجة إلى هذا ~~العلم وينكشف معه عوار الجاهل به، ويفتضح عنده المظهر الغنى عنه. ذاك لأنه ~~قد يدفع إلى الشيء لا يصح إلا بتقدير غير ما يريه الظاهر، ثم لا يكون له ~~سبيل إلى معرفة ذلك التقدير إذا كان جاهلا بهذا العلم، فيتسكع عند ذلك في ~~العمى، ويقع في الضلال. مثال ذلك أن من نظر إلى قوله تعالى: {قل ادعوا الله ~~أو ادعوا الرحمان أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى} [الإسراء: 110]؛ ثم لم ~~يعلم أن ليس المعنى في (ادعوا) الدعاء، ولكن الذكر بالاسم، كقولك: (هو يدعى ~~زيدا ويدعى الأمير): وأن في الكلام محذوفا، وأن التقدير: (قل ادعوه الله أو ~~ادعوه الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى)، كان بعرض أن يقع في الشرك ~~من حيث إنه إن جرى في خاطره أن الكلام على ظاهره، خرج ذلك به، والعياذ ~~بالله تعالى، إلى إثبات مدعوين، تعالى الله عن أن يكون له شريك. وذلك من ~~حيث كان محالا أن تعمد ms249 إلى اسمين كلاهما اسم شيء واحد فتعطف أحدهما على ~~الآخر فتقول مثلا: (ادع لي زيدا أو الأمير) - والأمير هو زيد - وكذلك محال ~~أن تقول: "أيا ما تدعو"، وليس هناك إلا مدعو واحد لأن من شأن (أي) أن تكون ~~أبدا واحدا من اثنين أو جماعة ومن ثم لم يكن له بد من الإضافة إما لفظا ~~وإما تقديرا. # PageV01P313 # وهناك باب واسع ومن المشكل فيه قراءة من قرأ {وقالت اليهود عزير ابن ~~الله} [التوبة: 30] (بغير تنوين) وذلك أنهم قد حملوها على وجهين: # أحدهما أن يكون القارئ له أراد التنوين ثم حذفه لالتقاء الساكنين ولم ~~يحركه كقراءة من قرأ {قل هو الله أحد * الله الصمد} [الإخلاص: 12] (بترك ~~التنوين) من (أحد). وكما حكي عن عمارة بن عقيل أنه قرأ {ولا الليل سابق ~~النهار} [يس: 40] (بالنصب) فقيل له: ما تريد؟ فقال: أريد: سابق النهار: ~~قيل: فهلا قلته؟ فقال: فلو قلته لكان أوزن. وكما جاء في الشعر من قوله [من ~~المتقارب]: # فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا # إلى نظائر ذلك. فيكون المعنى في هذه القراءة مثله في القراءة الأخرى ~~سواء. والوجه الثاني أن يكون الابن صفة، ويكون التنوين قد سقط على حد سقوطه ~~في قولنا: (جاءني زيد بن عمرو)، ويكون في الكلام محذوف ثم اختلفوا في ~~المحذوف. فمنهم من جعله مبتدأ فقدر "وقالت اليهود هو عزير ابن الله" ومنهم ~~من جعله خبرا فقدر "وقالت اليهود عزير ابن الله معبودنا". وفي هذا أمر ~~عظيم، وذلك أنك إذا حكيت عن قائل كلاما أنت تريد أن تكذبه فيه، فإن التكذيب ~~ينصرف إلى ما كان فيه خبرا دون ما كان صفة. تفسير هذا أنك إذا حكيت عن ~~إنسان أنه قال: (زيد بن عمرو سيد)، ثم كذبته فيه، لم تكن قد أنكرت بذلك أن ~~يكون زيد بن عمرو، ولكن أن يكون سيدا. وكذلك إذا قال: (زيد الفقيه قد قدم) ~~فقلت له: كذبت أو غلطت، لم تكن قد أنكرت أن يكون زيد فقيها، ولكن أن يكون ~~قد قدم، هذا ما لا ms250 شبهة فيه. وذلك أنك إذا كذبت قائلا في كلام أو صدقته، ~~فإنما ينصرف التكذيب منك والتصديق، إلى إثباته ونفيه. # PageV01P314 # والإثبات والنفي يتناولان الخبر دون الصفة. يدلك على ذلك أنك تجد الصفة ~~ثابتة في حال النفي كثبوتها في حال الإثبات. فإذا قلت: (ما جاءني زيد ~~الظريف): كان الظرف ثابتا لزيد كثبوته إذا قلت: (جاءني زيد الظريف): وذلك ~~أن ليس ثبوت الصفة للذي هي صفة له بالمتكلم وبإثباته لها فتنتفي بنفيه، ~~وإنما ثبوتها بنفسها. ويتقرر الوجود فيها عند المخاطب مثله عند المتكلم، ~~لأنه إذا وقعت الحاجة في العلم إلى الصفة، كان الاحتياج إليها من أجل خيفة ~~اللبس على المخاطب. # تفسير ذلك أنك إذا قلت (جاءني زيد الظريف) فإنك إنما تحتاج إلى أن تصفه ~~بالظريف، إذا كان فيمن يجيء إليك واحد آخر يسمى زيدا. فأنت تخشى إن قلت: ~~(جاءني زيد) ولم تقل (الظريف) أن يلتبس على المخاطب فلا يدري: أهذا عنيت أم ~~ذاك؟ وإذا كان الغرض من ذكر الصفة إزالة اللبس والتبيين، كان محالا أن تكون ~~غير معلومة عند المخاطب، وغير ثابتة، لأنه يؤدي إلى أن تروم تبيينا لشيء ~~للمخاطب، بوصف هو لا يعلمه في ذلك الشيء. وذلك ما لا غاية وراءه في الفساد. # وإذا كان الأمر كذلك، كان جعل الابن صفة في الآية مؤديا إلى الأمر ~~العظيم، وهو إخراجه عن موضع النفي والإنكار، إلى موضع الثبوت والاستقرار، ~~جل الله وتعالى عن شبه المخلوقين، وعن جميع ما يقول الظالمون، علوا كبيرا. # PageV01P315 # فإن قيل: إن هذه قراءة معروفة، والقول بجواز الوصفية في (الابن) كذلك ~~معروف ومدون في الكتب؛ وذلك يقتضي أن يكونوا قد عرفوا في الآية تأويلا يدخل ~~به (الابن) في الإنكار مع تقدير الوصفية فيه، قيل: إن القراءة كما ذكرت، ~~معروفة، والقول بجواز أن يكون (الابن) صفة، مثبت مسطور في الكتب كما قلت: ~~ولكن الأصل الذي قدمناه من أن الإنكار إذا لحق، لحق الخبر دون الصفة، ليس ~~بالشيء الذي يعترض فيه شك أو تتسلط فيه شبهة. فليس يتجه أن يكون (الابن) ~~صفة، ثم ms251 يلحقه الإنكار مع ذلك، إلا على تأويل غامض، وهو أن يقال: إن الغرض: ~~الدلالة على أن اليهود قد كان بلغ من جهلهم ورسوخهم في هذا الشرك، أنهم ~~كانوا يذكرون عزيرا هذا الذكر، كما تقول في قوم، تريد أن تصفهم بأنهم قد ~~استهلكوا في أمر صاحبهم، وغلوا في تعظيمه: (إني أراهم قد اعتقدوا أمرا ~~عظيما). فهم يقولون أبدا، زيد الأمير. تريد أنه كذلك يكون ذكرهم إذا ذكروه، ~~إلا أنه إنما يستقيم هذا التأويل فيه إذ أنت لم تقدر له خبرا معينا ولكن ~~تريد أنهم كانوا لا يخبرون عنه بخبر إلا كان ذكرهم له هكذا. # PageV01P316 # ومما هو من هذا الذي نحن فيه، قوله تعالى: {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا ~~لكم} [النساء: 171]. وذلك أنهم قد ذهبوا في رفع "ثلاثة" إلى أنها خبر مبتدأ ~~محذوف. وقالوا: إن التقدير "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة". وليس ذلك بمستقيم، ~~وذلك أنا إذا قلنا: (ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة): كان ذلك، والعياذ بالله شبه ~~الإثبات أن ههنا آلهة من حيث إنك إذا نفيت، فإنما تنفي المعنى المستفاد من ~~الخبر عن المبتدأ، ولا تنفي معنى المبتدأ. فإذا قلت: (ما زيد منطلقا)، كنت ~~نفيت الانطلاق الذي هو معنى الخبر عن زيد، ولم تنف معنى (زيد) ولم توجب ~~عدمه. وإذا كان ذلك، فإذا قلنا (ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة) كنا قد نفينا أن ~~تكون عدة الآلهة ثلاثة ولم ننف أن تكون آلهة - جل الله تعالى عن الشريك ~~والنظير - كما أنك إذا قلت: (ليس أمراؤنا ثلاثة): كنت قد نفيت أن تكون عدة ~~الأمراء ثلاثة، ولم تنف أن يكون لكم أمراء؛ هذا ما لا شبهة فيه. وإذا أدى ~~هذا التقدير إلى هذا الفساد، وجب أن يعدل عنه إلى غيره. والوجه - والله ~~أعلم - أن تكون (ثلاثة) صفة مبتدإ ويكون التقدير: (ولا تقولوا لنا آلهة ~~ثلاثة أو في الوجود آلهة ثلاثة) ثم حذف الخبر الذي هو لنا أو في الوجود، ~~كما حذف من (لا إله إلا الله) و (ما من إله إلا الله) فبقي: (ولا تقولوا: ~~آلهة ثلاثة) ms252 ثم حذف الموصوف الذي هو "آلهة" فبقي (ولا تقولوا ثلاثة). وليس ~~في حذف ما قدرنا حذفه ما يتوقف في صحته. أما حذف الخبر الذي قلنا إنه (لنا) ~~أو (في الوجود) فمطرد في كل ما معناه التوحيد، ونفي أن يكون مع الله - ~~تعالى عن ذلك - إله. # PageV01P317 # وأما حذف الموصوف بالعدد، فكذلك شائع، وذلك أنه كما يسوغ أن تقول: (عندي ~~ثلاثة)، وأنت تريد: ثلاثة أثواب، ثم تحذف لعلمك أن السامع يعلم ما تريد، ~~كذلك يسوغ أن تقول: (عندي ثلاثة)؛ وأنت تريد (أثواب ثلاثة) لأنه لا فصل بين ~~أن تجعل المقصود بالعدد مميزا، وبين أن تجعله موصوفا بالعدد، في أنه يحسن ~~حذفه إذا علم المراد. ويبين ذلك أنك ترى المقصود بالعدد قد ترك ذكره، ثم لا ~~تستطيع أن تقدره إلا موصوفا، وذلك في قولك: (عندي اثنان وعندي واحد). يكون ~~المحذوف ههنا موصوفا لا محالة، نحو: (عندي رجلان اثنان وعندي درهم واحد). ~~ولا يكون مميزا البتة من حيث كانوا قد رفضوا إضافة الواحد والاثنين إلى ~~الجنس، فتركوا أن يقولوا: (واحد رجال واثنان رجال) على حد "ثلاثة رجال" ~~ولذلك كان قول الشاعر: # ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل # شاذا. # هذا ولا يمتنع أن تجعل المحذوف من الآية في موضع التمييز، دون موضع ~~الموصوف، فتجعل التقدير "ولا تقولوا ثلاثة آلهة"، ثم يكون الحكم في الخبر ~~على ما مضى، ويكون المعنى، والله أعلم "ولا تقولوا لنا أو في الوجود ثلاثة ~~آلهة". # PageV01P318 # فإن قلت: فلم صار لا يلزم على هذا التقدير ما لزم على قول من قدر "ولا ~~تقولوا آلهتنا ثلاثة"؟ فذاك لأنا إذا جعلنا التقدير: ولا تقولوا لنا أو في ~~الوجود آلهة ثلاثة أو ثلاثة آلهة، كنا قد نفينا الوجود عن الآلهة كما ~~نفيناه في "لا إله إلا الله، وما من اله إلا الله". وإذا زعموا أن التقدير ~~"ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة" كانوا قد نفوا أن تكون عدة الآلهة ثلاثة، ولم ~~ينفوا وجود الآلهة. فإن قيل: فإنه يلزم على تقديرك الفساد من وجه آخر، وذاك ~~أنه يجوز إذا ms253 قلت "ليس لنا أمراء ثلاثة" أن يكون المعنى: (ليس لنا أمراء ~~ثلاثة ولكن لنا أميران اثنان) وإذا كان كذلك، كان تقديرك وتقديرهم جميعا، ~~خطأ. قيل إن ههنا أمرا قد أغفلته، وهو أن قولهم: آلهتنا: يوجب ثبوت آلهة، ~~جل الله وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وقولنا: (ليس لنا آلهة ~~ثلاثة)، لا يوجب ثبوت اثنين البتة. فإن قلت: إن كان لا يوجبه، فإنه لا ~~ينفيه، قيل: ينفيه ما بعده من قوله تعالى: {إنما الله إلاه واحد} [النساء: ~~171]. # PageV01P319 # فإن قيل: فإنه كما ينفي الإلهين، كذلك ينفي الآلهة؛ وإذا كان كذلك وجب أن ~~يكون تقديرهم صحيحا، كتقديرك: قيل هو كما قلت: ينفي الآلهة. ولكنهم إذا ~~زعموا أن التقدير "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة" وكان ذلك، والعياذ بالله من ~~الشرك، يقتضي إثبات آلهة كانوا قد دفعوا هذا النفي وخالفوه وأخرجوه إلى ~~المناقضة. فإذا كان كذلك، كان محالا أن يكون للصحة سبيل إلى ما قالوه، وليس ~~كذلك الحال فيما قدرناه، لأنا لم نقدر شيئا يقتضي إثبات إلهين - تعالى الله ~~- حتى يكون حالنا حال من يدفع ما يوجبه هذا الكلام من نفيهما. يبين لك ذلك ~~أنه يصح لنا أن نتبع ما قدرناه نفي الاثنين ولا يصح لهم. تفسير ذلك أنه يصح ~~أن تقول: (ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان)؛ لأن ذلك يجري مجرى أن ~~تقول: (ليس لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان). هذا صحيح. ولا يصح لهم أن يقولوا: ~~(ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ولا إلهان)، لأن ذلك يجري مجرى أن يقولوا: (ولا ~~تقولوا آلهتنا إلهان): وذلك فاسد فاعرفه وأحسن تأمله! # ثم إن ههنا طريقا آخر وهو أن تقدر: (ولا تقولوا الله والمسيح وأمه ثلاثة) ~~أي نعبدهما كما نعبد الله. يبين ذلك قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله ثالث ثلاثة} [المائدة: 74]. وقد استقر في العرف أنهم إذا أرادوا إلحاق ~~اثنين بواحد في وصف من الأوصاف، وأن يجعلوهما شبيهين له، قالوا: هم ثلاثة: ~~كما يقولون، إذا أرادوا إلحاق واحد بآخر وجعله في معناه: هما اثنان. وعلى ~~هذا ms254 السبيل كأنهم يقولون: هم يعدون معدا واحدا ويوجب لهم التساوي والتشارك ~~في الصفة والرتبة وما شاكل ذلك. # PageV01P320 # واعلم أنه لا معنى لأن يقال: إن القول حكاية وإنه إذا كان حكاية، لم يلزم ~~منه إثبات الآلهة، لأنه يجري مجرى أن تقول: (إن من دين الكفار أن يقولوا: ~~الآلهة ثلاثة): وذلك لأن الخطاب في الآية للنصارى أنفسهم. ألا ترى إلى قوله ~~تعالى {ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا ~~بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم} [النساء: 171]. وإذا كان ~~الخطاب للنصارى، كان تقدير الحكاية محالا. ف (لا تقولوا) إذن، في معنى: (لا ~~تعتقدوا). وإذا كان في معنى الاعتقاد، لزم إذا قدر (ولا تقولوا آلهتنا ~~ثلاثة) ما قلنا إنه يلزم من إثبات الآلهة، وذلك لأن الاعتقاد يتعلق بالخبر ~~لا بالمخبر عنه. فإذا قلت: لا تعتقد أن الأمراء ثلاثة: كنت نهيته عن أن ~~يعتقد كون الأمراء على هذه العدة، لا عن أن يعتقد أن ههنا أمراء، هذا ما لا ~~يشك فيه عاقل؛ وإنما يكون النهي عن ذلك إذا قلت: لا تعتقد أن ههنا أمراء. ~~لأنك حينئذ تصير كأنك قلت: لا تعتقد وجود أمراء. هذا ولو كان الخطاب مع ~~المؤمنين، لكان تقدير الحكاية لا يصح أيضا. ذاك لأنه لا يجوز أن يقال: إن ~~المؤمنين نهوا عن أن يحكوا عن النصارى مقالتهم ويخبروا عنهم بأنهم يقولون: ~~كيت وكيت: كيف وقد قال الله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله} [التوبة: 30]. ومن أين يصح النهي عن حكاية قول ~~المبطل، وفي ترك حكايته ترك له وكفره وامتناع من النعي عليه والإنكار لقوله ~~والاحتجاج عليه، وإقامة الدليل على بطلانه، لأنه لا سبيل إلى شيء من ذلك ~~إلا من بعد حكاية القول والإفصاح به، فاعرفه! # PageV01P321 ### | تحرير القول في الإعجاز والفصاحة والبلاغة ### | الإعجاز بنظم الكلام لا بالكلم المفردة # ثم إن هذا الوصف ينبغي أن يكون وصفا قد ms255 تجدد بالقرآن، وأمرا لم يوجد في ~~غيره ولم يعرف قبل نزوله. وإذا كان كذلك، فقد وجب أن يعلم أنه لا يجوز أن ~~يكون في الكلم المفردة، لأن تقدير كونه فيها يؤدي إلى المحال، وهو أن تكون ~~الألفاظ المفردة، التي هي أوضاع اللغة، وقد حدث في حذاقة حروفها وأصدائها، ~~أوصاف لم تكن لتكون تلك الأوصاف فيها قبل نزول القرآن، وتكون قد اختصت في ~~أنفسها بهيئات وصفات يسمعها السامعون عليها إذا كانت متلوة في القرآن، لا ~~يجدون لها تلك الهيئات والصفات خارج القرآن؛ ولا يجوز أن تكون في معاني ~~الكلم المفردة التي هي لها بوضع اللغة، لأنه يؤدي إلى أن يكون قد تجدد في ~~معنى الحمد، والرب، ومعنى العالمين، والملك، واليوم، والدين، وهكذا؛ وصف لم ~~يكن قبل نزول القرآن. وهذا ما لو كان ههنا شيء أبعد من المحال وأشنع، لكان ~~إياه. # PageV01P322 # ونعود إلى النسق، فنقول: فإذا بطل أن يكون الوصف الذي أعجزهم من القرآن ~~شيء مما عددناه، لم يبق إلا أن يكون الاستعارة. ولا يمكن أن تجعل ~~الاستعارة، الأصل في الإعجاز وأن يقصد إليها، لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون ~~الإعجاز في آي معدودة، في مواضع من السور الطوال مخصوصة. وإذا امتنع ذلك ~~فيها، لم يبق إلا أن يكون في النظم والتأليف، لأنه ليس من بعد ما أبطلنا أن ~~يكون فيه إلا النظم. وإذا ثبت أنه في النظم والتأليف، وكنا قد علمنا أن ليس ~~النظم شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، وأنا إن بقينا ~~الدهر نجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة سلكا ينظمها، وجامعا يجمع ~~شملها، ويؤلفها ويجعل بعضها بسبب من بعض، غير توخي معاني النحو وأحكامه ~~فيها - طلبنا ما كل محال دونه. فقد بان وظهر أن المتعاطي القول في النظم، ~~والزاعم أن يحاول بيان المزية فيه، وهو لا يعرض فيما يعيده ويبديه للقوانين ~~والأصول التي قدمنا ذكرها، ولا يسلك إليه المسالك التي نهجناها، في عمياء ~~من أمره، وفي غرور من نفسه، وفي خداع من الأماني والأضاليل. ذاك لأنه ms256 إذا ~~كان لا يكون النظم شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، كان ~~من أعجب العجب أن يزعم زاعم أنه يطلب المزية في النظم ثم لا يطلبها في ~~معاني النحو وأحكامه التي النظم عبارة عن توخيها فيما بين الكلم. # PageV01P323 # فإن قيل: قولك (إلا النظم)، يقتضي إخراج ما في القرآن من الاستعارة وضروب ~~المجاز من جملة ما هو به معجز، وذلك ما لا مساغ له: قيل: ليس الأمر كما ~~ظننت، بل ذلك يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو به معجز؛ وذلك لأن هذه ~~المعاني التي هي الاستعارة، والكناية، والتمثيل، وسائر ضروب المجاز من ~~بعدها، من مقتضيات النظم، وعنها يحدث وبها يكون، لأنه لا يتصور أن يدخل شيء ~~منها في الكلم، وهي أفراد لم يتوخ فيما بينها حكم من أحكام النحو. فلا ~~يتصور أن يكون ههنا فعل أو اسم قد دخلته الاستعارة من دون أن يكون قد ألف ~~مع غيره. أفلا ترى أنه إن قدر في (اشتعل) من قوله تعالى: {واشتعل الرأس ~~شيبا} [مريم: 4]، أن لا يكون (الرأس) فاعلا له، ويكون (شيبا) منصوبا عنه ~~على التمييز، لم يتصور أن يكون مستعارا وهكذا السبيل في نظائر الاستعارة ~~فاعرف ذلك! # PageV01P324 # واعلم أن السبب في أن لم يقع النظر منهم موقعه، أنهم حين قالوا (نطلب ~~المزية) ظنوا أن مواضعها اللفظ، بناء على أن النظم نظم الألفاظ، وأنه ~~يلحقها دون المعاني. وحين ظنوا أن موضعها ذلك، واعتقدوه، وقفوا على اللفظ ~~وجعلوا لا يرمون بأوهامهم إلى شيء سواه. إلا أنهم على ذاك. لم يستطيعوا أن ~~ينطقوا في تصحيح هذا الذي ظنوه بحرف، بل لم يتكلموا بشيء إلا كان ذلك نقضا ~~وإبطالا لأن يكون اللفظ من حيث هو لفظ، موضعا للمزية؛ وإلا رأيتهم قد ~~اعترفوا من حيث لم يدروا، بأن ليس للمزية التي طلبوها موضع ومكان تكون فيه، ~~إلا معاني النحو وأحكامه. وذلك أنهم قالوا: إن الفصاحة لا تظهر في أفراد ~~الكلمات، وإنما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة. فقولهم (بالضم) لا يصح أن ~~يراد به النطق ms257 باللفظة بعد اللفظة، من غير اتصال يكون بين معنييهما، لأنه ~~لو جاز أن يكون لمجرد ضم اللفظ إلى اللفظ تأثير في الفصاحة، لكان ينبغي إذا ~~قيل "ضحك خرج"، أن يحدث من ضم (خرج) إلى (ضحك) فصاحة؛ وإذا بطل ذلك، لم يبق ~~إلا أن يكون المعنى في ضم الكلمة إلى الكلمة توخي معنى من معاني النحو فيما ~~بينهما. وقولهم: (على طريقة مخصوصة): يوجب ذلك أيضا؛ وذلك أنه لا يكون ~~للطريقة - إذا أنت أردت مجرد اللفظ - معنى. وهذا سبيل كل ما قالوه إذا أنت ~~تأملته، تراهم في الجميع، قد دفعوا إلى جعل المزية في معاني النحو وأحكامه، ~~من حيث لم يشعروا؛ ذلك لأنه أمر ضروري لا يمكن الخروج منه. # PageV01P325 ### | التحدي بالقرآن ليس بكلمة ولا قواطعه وفواصله # ولا يجوز أن يكون هذا الوصف في تركيب الحركات والسكنات. حتى كأنهم تحدوا ~~إلى أن يأتوا بكلام تكون كلماته على تواليها في زنة كلمات القرآن، وحتى كأن ~~الذي بان به القرآن من الوصف، في سبيل بينونة بحور الشعر بعضها من بعض، ~~لأنه يخرج إلى ما تعاطاه مسيلمة من الحمامة في: (إنا أعطيناك الجماهر، فصل ~~لربك وجاهر، - والطاحنات طحنا ... ). # وكذلك الحكم إن زعم زاعم أن الوصف الذي تحدوا إليه، هو أن يأتوا بكلام ~~يجعلون له مقاطع وفواصل، كالذي تراه في القرآن. لأنه أيضا ليس بأكثر من ~~التعويل على مراعاة وزن، وإنما الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر. وقد ~~علمنا اقتدارهم على القوافي كيف هو. فلو لم يكن التحدي إلا إلى فصول من ~~الكلام يكون لها أواخر أشباه القوافي، لم يعوزهم ذلك ولم يتعذر عليهم. وقد ~~خيل إلى بعضهم - إن كانت الحكاية صحيحة - شيء من هذا؛ حتى وضع - على ما ~~زعموا - فصول الكلام: أواخرها كأواخر الآي مثل "يعلمون" و "يؤمنون" وأشباه ~~ذلك. ولا يجوز أن يكون الإعجاز بأن لم يلتق في حروفه ما يثقل على اللسان. # PageV01P326 # وجملة الأمر أنه لن يعرض هذا وشبهه من الظنون لمن يعرض له، إلا من سوء ~~المعرفة بهذا الشأن، أو للخذلان أو لشهوة ms258 الإغراب في القول. ومن هذا الذي ~~يرضى من نفسه أن يزعم أن البرهان الذي بان لهم، والأمر الذي بهرهم، والهيئة ~~التي ملأت صدورهم، والروعة التي دخلت عليهم فأزعجتهم، حتى قالوا "إن له ~~لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر"، إنما كان ~~لشيء راعهم من مواقع حركاته، ومن ترتيب بينها وبين سكناته، أو لفواصل في ~~أواخر آياته؟ من أين تليق هذه الصفة وهذا التشبيه بذلك؟ أم ترى أن ابن ~~مسعود حين قال في صفة القرآن: لا يتفه ولا يتشان: وقال: إذا وقعت في آل حم ~~وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن: - أي أتتبع محاسنهن - قال ذلك من أجل ~~أوزان الكلمات، ومن أجل الفواصل في أواخر الآيات؟ أم ترى أنهم لذلك قالوا ~~لا تفنى عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد؟ أم ترى الجاحظ، حين قال في كتاب ~~النبوة: ولو أن رجلا قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة، لتبين له ~~في نظامها ومخرجها من لفظها وطابعها، أنه عاجز عن مثلها. ولو تحدي بها أبلغ ~~العرب لأظهر عجزه عنها لغا ولفظا، نظر إلى مثل ذلك؛ فليس كلامه هذا مما ~~ذهبوا إليه في شيء. وينبغي أن تكون موازنتهم بين بعض الآي وبين ما قاله ~~الناس في معناها، كموازنتهم بين {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] وبين: ~~(قتل البعض إحياء للجميع): خطأ منهم، لأنا لا نعلم لحديث التحريك والتسكين، ~~وحديث الفاصلة مذهبا في هذه الموازنة، ولن نعلمهم أرادوا غير ما يريده ~~الناس إذا وازنوا بين كلام وكلام في الفصاحة والبلاغة، ودقة النظم وزيادة ~~الفائدة. # PageV01P327 # ولولا أن الشيطان قد استحوذ على كثير من الناس في هذه الشأن، وأنهم بترك ~~النظر وإهمال التدبر وضعف النية وقصر الهمة، قد طرقوا له حتى جعل يلقي في ~~نفوسهم كل محال وكل باطل، وجعلوا هم يعطون الذي يلقيه حظا الذي يلقيه حظا ~~من قبولهم، ويبوئونه مكانا من قلوبهم، لما بلغ من قدر هذه الأقوال الفاسدة ~~أن تدخل في تصنيف، ويعاد ويبدأ في تبيين لوجه الفساد فيها، وتعريف. # ثم ms259 إن هذه الشناعات التي تقدم ذكرها تلزم أصحاب الصرفة أيضا. وذاك أنه لو ~~لم يكن عجزهم عن معارضة القرآن، وعن أن يأتوا بمثله لأنه معجز في نفسه، لكن ~~لأن أدخل عليهم العجز عنه، وصرفت هممهم وخواطرهم عن تأليف كلام مثله، وكان ~~حالهم على الجملة حال من أعدم العلم بشيء قد كان يعلمه، وحيل بينه وبين أمر ~~قد كان يتسع له، لكان ينبغي أن لا يتعاظمهم: ولا يكون منهم ما يدل على ~~إكبارهم أمره وتعجبهم منه، وعلى أنه قد بهرهم، وعظم كل العظم عندهم؛ ولكان ~~التعجب، للذي دخل من العجز عليهم، ولما رأوه من تغير حالهم، ومن أن حيل ~~بينهم وبين شيء قد كان عليهم سهلا، وأن سد دونه باب كان لهم مفتوحا. أرأيت ~~لو أن نبيا قال لقومه: "إن آيتي أن أضع يدي على رأسي هذه الساعة وتمنعون ~~كلكم من أن تستطيعوا وضع أيديكم على رؤوسكم"، وكان الأمر كما قال - مم يكون ~~تعجب القوم؟ أمن وضعه يده على رأسه، أم من عجزهم أن يضعوا أيديهم على ~~رؤوسهم؟ # PageV01P328 ### | الإعجاز بنظم الكلام لا بالكلم # ومما تجدهم يعتمدونه ويرجعون إليه قولهم: إن المعاني لا تتزايد وإنما ~~تتزايد الألفاظ: وهذا كلام إذا تأملته، لم تجد له معنى يصح عليه غير أن ~~تجعل تزايد الألفاظ عبارة عن المزايا التي تحدث من توخي معاني النحو ~~وأحكامه فيما بين الكلم، لأن التزايد في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ونطق ~~لسان، محال. # ثم إنا نعلم أن المزية المطلوبة في هذا الباب، مزية فيما طريقه الفكر ~~والنظر من غير شبهة؛ ومحال أن يكون اللفظ له صفة تستنبط بالفكر، ويستعان ~~عليها بالروية، أللهم إلا أن تريد تأليف النغم؛ وليس ذلك مما نحن فيه ~~بسبيل. ومن ههنا لم يجز إذا عد الوجوه التي تظهر بها المزية أن يعد فيها ~~الإعراب، وذلك أن العلم بالإعراب مشترك بين العرب كلهم، وليس هو مما يستنبط ~~بالفكر ويستعان عليه بالروية، فليس أحدهم، بأن إعراب الفاعل الرفع، أو ~~المفعول النصب، والمضاف إليه الجر، بأعلم من غيره، ms260 ولا ذاك المفعول به مما ~~يحتاجون فيه إلى حدة ذهن وقوة خاطر. إنما الذي تقع الحاجة فيه، إلى ذلك ~~العلم بما يوجب الفاعلية للشيء إذا كان إيجابها من طريق المجاز كقوله ~~تعالى: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16] وكقوله الفرزدق: # سقتها خروق في المسامع # PageV01P329 # وأشباه ذلك مما يجعل الشيء فيه فاعلا على تأويل يدق، ومن طريق تلطف؛ وليس ~~يكون هذا علما بالإعراب، ولكن بالوصف الموجب للإعراب. ومن ثم لا يجوز لنا ~~أن نعتد في شأننا هذا، بأن يكون المتكلم قد استعمل من اللغتين في الشيء ما ~~يقال إنه أفصحهما، وبأن يكون قد تحفظ مما تخطئ فيه العامة، ولا بأن يكون قد ~~استعمل الغريب، لأن العلم بجميع ذلك لا يعدوا أن يكون علما باللغة وبأنفس ~~الكلم المفردة، وبما طريقه طريق الحفظ، دون ما يستعان عليه بالنظر، ويوصل ~~إليه بإعمال الفكر. ولئن كانت العامة وأشباه العامة لا يكادون يعرفون ~~الفصاحة غير ذلك، فإن من ضعف النحيزة إخطار مثله في الفكر، وإجراءه في ~~الذكر، وأنت تزعم أنك ناظر في دلائل الإعجاز؛ أترى أن العرب تحدوا أن ~~يختاروا الفتح في (الميم) من "الشمع" و (الهاء) من "النهر" على الإسكان، ~~وأن يتحفظوا من تخليط العامة في مثل "هذا يسوى ألفا"، أو إلى أن يأتوا ~~بالغريب الوحشي في الكلام يعارضون به القرآن؟ كيف وأنت تقرأ السورة من ~~السور الطوال، فلا تجد فيها من الغريب شيئا؟ وتأمل ما جمعه العلماء في غريب ~~القرآن، فترى الغريب منه، إلا في القليل، إنما كان غريبا من أجل استعارة هي ~~فيه، كمثل {وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: 93]، ومثل {خلصوا نجيا} ~~[يوسف: 80]، ومثل {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: 94]، دون أن تكون اللفظة غريبة ~~في نفسها؛ إنما ترى ذلك في كلمات معدودة كمثل {عجل لنا قطنا} [ص: 16]، {ذات ~~ألواح ودسر} [القمر: 13]، و {جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24]. # PageV01P330 # ثم إنه لو كان أكثر ألفاظ القرآن غريبا، لكان محالا أن يدخل ذلك في ~~الإعجاز وأن يصح التحدي به. ذاك لأنه لا يخلو إذا وقع التحدي به، من أن ms261 ~~يتحدى من له علم بأمثاله من الغريب، أو من لا علم له بذلك؛ فلو تحدي به من ~~يعلم أمثاله، لم يتعذر عليه أن يعارضه بمثله. ألا ترى أنه لا يتعذر عليك ~~إذا أنت عرفت ما جاء من الغريب في معنى (الطويل) أن تعارض من يقول (الشوقب) ~~بأن تقول (أنت الشوذب) وإذا قال "الأمق" أن تقول "الأشق"، وعلى هذا السبيل. ~~ولو تحدي به من لا علم له بأمثال ما فيه من الغريب، كان ذلك بمنزلة أن ~~يتحدى العرب، إلى أن يتكلموا بلسان الترك هذا - وكيف بأن يدخل الغريب في ~~باب الفضيلة، وقد ثبت عنهم أنهم كانوا يرون الفضيلة في ترك استعماله ~~وتجنبه؟ أفلا ترى إلى قول عمر رضي الله عنه في زهير: إنه كان لا يعاظل بين ~~القول ولا يتتبع حوشي الكلام: فقرن تتبع الحوشي، وهو الغريب من غير شبهة، ~~إلى المعاظلة التي هي التعقيد. # وقال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين: ورأيت الناس يتداولون رسالة يحيى ~~بن يعمر عن لسان يزيد بن المهلب، إلى الحجاج: "إنا لقينا العدو فقتلنا ~~طائفة بعراعر الأودية وأهضام الغيطان، وبتنا بعرعرة الجبل وبات العدو ~~بحضيضه". فقال الحجاج: ما يزيد بأبي عذر هذا الكلام: فحمل إليه فقال: أين ~~ولدت في كتبهم أن امرأة خاصمت زوجها إلى يحيى بن يعمر، فانتهرها مرارا، ~~فقال له يحيى: إن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها: ثم قال: إن ~~كانوا قد رووا هذا الكلام لكي يدل على فصاحة وبلاغة، فقد باعده الله من صفة ~~البلاغة. # PageV01P331 ### | فساد الذوق والكلام ممن ظنوا أن الفصاحة والبلاغة للألفاظ # واعلم أنك كلما نظرت وجدت سبب الفساد واحدا، وهو ظنهم الذي ظنوه في ~~اللفظ، وجعلهم الأوصاف التي تجري عليه كلها، أوصافا له في نفسه، ومن حيث هو ~~لفظ، وتركهم أن يميزوا بين ما كان وصفا له في نفسه، وبين ما كانوا قد ~~أكسبوه إياه من أجل أمر عرض في معناه. ولما كان هذا دأبهم، ثم رأوا الناس، ~~وأظهر شيء عندهم في معنى الفصاحة تقويم الإعراب والتحفظ من ms262 اللحن، لم يشكوا ~~أنه ينبغي أن يعتد به في جملة المزايا التي يفاضل بها بين كلام وكلام في ~~الفصاحة، وذهب عنهم أن ليس هو من الفصاحة التي يعنينا أمرها في شيء، وأن ~~كلامنا في فصاحة تجب للفظ لا من أجل شيء يدخل في النطق؛ ولكن من أجل لطائف ~~تدرك بالفهم؛ وإنا نعتبر في شأننا هذا فضيلة تجب لأحد الكلامين على الآخر ~~من بعد أن يكونا قد برئا من اللحن، وسلما في ألفاظهما من الخطأ. ومن العجب ~~أنا إذا نظرنا في الإعراب، وجدنا التفاضل فيه محالا، لأنه لا يتصور أن يكون ~~للرفع والنصب في كلام مزية عليهما في كلام آخر، وإنما الذي يتصور أن يكون ~~ههنا كلامان قد وقع في إعرابهما خلل، ثم كان أحدهما أكثر صوابا من الآخر، ~~وكلامان قد استمر أحدهما على الصواب ولم يستمر الآخر؛ ولا يكون هذا تفاضلا ~~في الإعراب ولكن تركا في شيء واستعمالا له في آخر، فاعرف ذلك! # وجملة الأمر أنك لا ترى ظنا هو أنأى بصاحبه عن أن يصح له كلام، أو يستمر ~~له نظام، أو تثبت له قدم، أو ينطق منه إلا بالمحال فم، من ظنهم هذا الذي ~~حام بهم حول اللفظ وجعلهم لا يعدونه، ولا يرون للمزية مكانا دونه. # PageV01P332 # واعلم أنه قد يجري في العبارة منا شيء هو يعيد الشبهة جذعة عليهم وهو أنه ~~يقع في كلامنا أن الفصاحة تكون في المعنى دون اللفظ، فإذا سمعوا ذلك قالوا: ~~كيف يكون هذا ونحن نراها لا تصلح صفة إلا للفظ، ونراها لا تدخل في صفة ~~المعنى البتة؛ لأنا نرى الناس قاطبة يقولون "هذا لفظ فصيح وهذه ألفاظ ~~فصيحة: ولا نرى عاقلا يقول: هذا معنى فصيح وهذه معان فصاح. ولو كانت ~~الفصاحة تكون في المعنى، لكان ينبغي أن يقال ذاك. كما أنه لما كان الحسن ~~يكون فيه قيل "هذا معنى حسن وهذه معان حسنة"، وهذا شيء يأخذ من الغر مأخذا. ~~والجواب عنه أن يقال إن غرضنا من قولنا إن الفصاحة تكون في المعنى، أن ~~المزية ms263 التي من أجلها استحق اللفظ الوصف بأنه فصيح، عائدة في الحقيقة إلى ~~معناه. ولو قيل إنها تكون فيه، دون معناه لكان ينبغي إذا قلنا في اللفظة ~~إنها فصيحة أن تكون تلك الفصاحة واجبة لها بكل حال. ومعلوم أن الأمر بخلاف ~~ذلك؛ فإنا نرى اللفظة تكون في غاية الفصاحة في موضع ونراها بعينها، فيما لا ~~يحصى من المواضع، وليس فيه من الفصاحة قليل ولا كثير، وإنما كان كذلك، لأن ~~المزية التي من أجلها نصف اللفظ في شأننا هذا بأنه فصيح، مزية تحدث من بعد ~~أن لا تكون، وتظهر في الكلم من بعد أن يدخلها النظم؛ وهذا شيء إن أنت طلبته ~~فيها وقد جئت بها أفرادا، لم ترم فيها نظما، ولم تحدث لها تأليفا، طلبت ~~محالا! # PageV01P333 # وإذا كان كذلك، وجب أن تعلم قطعا وضرورة، أن تلك المزية، في المعنى دون ~~اللفظ. وعبارة أخرى في هذا بعينه وهي أن يقال: قد علمنا علما لا تعترض معه ~~شبهة: أن الفصاحة فيما نحن فيه، عبارة عن مزية هي بالمتكلم دون واضع اللغة. ~~وإذا كان كذلك، فينبغي لنا أن ننظر إلى المتكلم: هل يستطيع أن يزيد من عند ~~نفسه في اللفظ شيئا، ليس هو له في اللغة، حتى يجعل ذلك من صنيعه مزية يعبر ~~عنها بالفصاحة؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يستطيع أن يصنع باللفظ شيئا أصلا، ولا ~~أن يحدث فيه وصفا. وكيف وهو إن فعل ذلك أفسد على نفسه وأبطل أن يكون ~~متكلما، لأنه لا يكون متكلما حتى يستعمل أوضاع لغة على ما وضعت هي عليه. ~~وإذا ثبت من حاله أنه لا يستطيع أن يصنع بالألفاظ شيئا ليس هو لها في ~~اللغة، وكنا قد اجتمعنا على أن الفصاحة فيما نحن فيه عبارة عن مزية هي ~~بالمتكلم البتة، وجب أن نعلم قطعا وضرورة، أنهم وإن كانوا قد جعلوا الفصاحة ~~في ظاهر الاستعمال من صفة اللفظ، فإنهم لم يجعلوها وصفا له في نفسه، ومن ~~حيث هو صدى صوت ونطق لسان؛ ولكنهم جعلوها عبارة عن مزية أفادها المتكلم، ~~ولما ms264 لم تزد إفادته في اللفظ شيئا، لم يبق إلا أن تكون عبارة عن مزية في ~~المعنى. # وجملة الأمر أنا لا نوجب الفصاحة للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي هي ~~فيه، ولكنا نوجبها لها موصولة بغيرها، ومعلقا معناها بمعنى ما يليها، فإذا ~~قلنا في لفظه "اشتعل" من قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4]: إنها ~~في أعلى المرتبة من الفصاحة، لم نوجب تلك الفصاحة لها وحدها، ولكن موصولا ~~بها "الرأس" معرفا (بالألف واللام) ومقرونا إليهما (الشيب) منكرا منصوبا. # PageV01P334 # هذا وإنما يقع ذلك في الوهم لمن يقع له - أعني أن توجب الفصاحة للفظة ~~وحدها - فيما كان استعارة. فأما ما خلا من الاستعارة من الكلام الفصيح ~~البليغ، فلا يعرض توهم ذلك فيه لعاقل أصلا. أفلا ترى أنه لا يقع في نفس من ~~يعقل أدنى شيء إذا هو نظر إلى قوله عز وجل {يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو ~~فاحذرهم} [المنافقون: 4]، وإلى إكبار الناس شأن هذه الآية في الفصاحة أن ~~يضع يده على كلمة كلمة منها، فيقول إنها فصيحة؟ كيف وسبب الفصاحة فيها أمور ~~لا يشك عاقل في أنها معنوية: (أولها) أن كانت "على" فيها متعلقة بمحذوف في ~~موضع المفعول الثاني. (والثاني) أن كانت الجملة التي هي "هم العدو" بعدها ~~عارية من حرف عطف. (والثالث) التعريف في (العدو) وأن لم يقل: هم عدو. ولو ~~أنك علقت "على" بظاهر، وأدخلت على الجملة التي هي "هم العدو" حرف عطف، ~~وأسقطت (الألف واللام) من "العدو"، فقلت: (يحسبون كل صيحة واقعة عليه، وهم ~~عدو): لرأيت الفصاحة قد ذهبت عنها بأسرها. ولو أنك أخطرت ببالك أن يكون ~~"عليهم" متعلقا بنفس الصيحة، ويكون حاله معها كحاله إذا قلت: (صحت عليه): ~~لأخرجته عن أن يكون كلاما، فضلا عن أن يكون فصيحا. وهذا هو الفيصل لمن عقل. # ومن العجيب في هذا ما روي: عن أمير المؤمنين علي رضوان الله عليه أنه قال ~~(ما سمعت كلمة عربية من العرب إلا وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم)، وسمعته يقول "مات حتف أنفه". وما ms265 سمعتها من عربي قبله. لا شبهة في ~~أن وصف اللفظ بالعربي في مثل هذا، يكون في معنى الوصف بأنه فصيح. وإذا كان ~~الأمر كذلك، فانظر: هل يقع في وهم متوهم أن يكون رضي الله عنه قد جعلها ~~عربية من أجل ألفاظها؟ وإذا نظرت لم تشك في ذلك. # PageV01P335 # واعلم أنك تجد هؤلاء الذين يشكون فيما قلناه، تجري على ألسنتهم ألفاظ ~~عبارات لا يصح لها معنى سوى توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني ~~الكلم، ثم تراهم لا يعلمون ذلك. فمن ذلك ما يقوله الناس قاطبة من أن العاقل ~~يرتب في نفسه ما يريد أن يتكلم به. وإذا رجعنا إلى أنفسنا لم نجد لذلك معنى ~~سوى أنه يقصد إلى قولك (ضرب) فيجعله خبرا عن "زيد" ويجعل الضرب الذي أخبر ~~بوقوعه منه، واقعا على (عمرو) ويجعل (يوم الجمعة) زمانه الذي وقع فيه، ~~ويجعل (التأديب) غرضه الذي فعل الضرب من أجله، فيقول: (ضرب زيد عمرا يوم ~~الجمعة تأديبا له). وهذا كما ترى هو توخي معاني النحو فيما بين معاني هذه ~~الكلم. ولو أنك فرضت أن لا تتوخى في (ضرب) أن تجعله خبرا عن (زيد)، وفي ~~(عمرو) أن تجعله مفعولا به ل (ضرب)، وفي (يوم الجمعة) أن تجعله زمانا لهذا ~~الضرب، وفي التأديب أن تجعله غرض (زيد) من فعل الضرب، ما تصور في عقل ولا ~~وقع في وهم أن تكون مرتبا لهذه الكلم. وإذ قد عرفت ذلك، فهو العبرة في ~~الكلام كله؛ فمن ظن ظنا يؤدي إلى خلافه، ظن، ما يخرج به عن المعقول. # ومن ذلك إثباتهم التعلق والاتصال فيما بين الكلم وصواحبها تارة، ونفيهم ~~لها أخرى. ومعلوم علم الضرورة أن لن يتصور أن يكون للفظة تعلق بلفظة أخرى، ~~من غير أن تعتبر حال معنى هذه معنى تلك، ويراعى هناك أمر يصل إحداهما ~~بالأخرى، كمراعاة كون "نبك" جوابا للأمر في قوله: (قفا نبك). وكيف بالشك في ~~ذلك؟ ولو كانت الألفاظ يتعلق بعضها ببعض من حيث هي ألفاظ ومع اطراح النظر ~~في معانيها، لأدى ذلك أن ms266 يكون الناس حين ضحكوا مما يصنعه المجان من قراء ~~أنصاف الكتب ضحكوا عن جهالة، وأن يكون أبو تمام قد أخطأ حين قال] من ~~الكامل]: # عذلا شبيها بالجنون كأنما ... قرأت به الورهاء شطر كتاب # لأنهم لم يضحكوا إلا من عدم التعلق، ولم يجعله أبو تمام جنونا إلا لذلك، ~~فانظر إلى ما يلزم هؤلاء القوم من طرائف الأمور! # PageV01P336 ### | فصل: بيان أن الفصاحة تدرك بالعقل لا بالسمع # وهذا فن من الاستدلال لطيف، على بطلان أن تكون الفصاحة صفة للفظ من حيث ~~هو لفظ: لا تخلو الفصاحة من أن تكون صفة في اللفظ محسوسة تدرك بالسمع، أو ~~تكون صفة فيه معقولة تعرف بالقلب، فمحال أن تكون صفة في اللفظ محسوسة، ~~لأنها لو كانت كذلك، لكان ينبغي أن يستوي السامعون للفظ الفصيح في العلم ~~بكونه فصيحا؛ وإذا بطل أن تكون محسوسة، وجب الحكم ضرورة بأنها صفة معقولة، ~~وإذا وجب الحكم بكونها صفة معقولة. فإنا لا نعرف للفظ صفة يكون طريق ~~معرفتها العقل دون الحس، إلا دلالته على معناه؛ وإذا كان كذلك، لزم منه ~~العلم بأن وصفنا اللفظ بالفصاحة وصف له من جهة معناه لا من جهة نفسه. وهذا ~~ما لا يبقى لعاقل معه عذر في الشك. والله الموفق للصواب! # PageV01P337 ### | فصل: إثبات الفصاحة للفظ باعتبار معناه # وبيان آخر، وهو أن القارئ إذا قرأ قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} ~~[مريم: 4] فإنه لا يجد الفصاحة التي يجدها إلا من بعد أن ينتهي الكلام إلى ~~آخره. فلو كانت الفصاحة صفة للفظ "اشتعل" لكان ينبغي أن يحسها القارئ فيه، ~~حال نطقه به؛ فمحال أن تكون للشيء صفة ثم لا يصح العلم بتلك الصفة إلا من ~~بعد عدمه. ومن ذا رأى صفة يعرى موصوفها عنها في حال وجوده، حتى إذا عدم ~~صارت موجودة فيه؟ وهل سمع السامعون في قديم الدهر وحديثه، بصفة شرط حصولها ~~لموصوفها، أن يعدم الموصوف؟ فإن قالوا إن الفصاحة التي ادعينا للفظ "اشتعل" ~~تكون فيه في حال نطقنا به إلا أنا لا نعلم في تلك الحال أنها فيه، ms267 فإذا ~~بلغنا آخر الكلام علمنا حينئذ أنها كانت فيه حين نطقنا: قيل: هذا فن آخر من ~~العجب وهو أن تكون ههنا صفة "موجودة" في شيء ثم لا يكون في الإمكان ولا يسع ~~في الجواز أن نعلم وجود تلك الصفة في ذلك الشيء إلا بعد أن يعدم ويكون ~~العلم بها وبكونها فيه محجوبا عنا حتى يعدم، فإذا عدم علمنا حينئذ أنها ~~كانت فيه حين كان. # PageV01P338 # ثم إنه لا شبهة في أن هذه الفصاحة التي يدعونها للفظ هي مدعاة لمجموع ~~الكلمة دون آحاد حروفها، إذ ليس يبلغ بهم تهافت الرأي إلى أن يدعوا لكل ~~واحد من حروف (اشتعل) فصاحة، فيجعلوا (الشين) على حدته فصيحا، وكذلك (التاء ~~والعين واللام)، وإذا كانت الفصاحة مدعاة لمجموع الكلمة لم يتصور حصولها ~~لها إلا من بعد أن تعدم كلها وينقضي أمر النطق بها. ذلك لأنه لا يتصور أن ~~تدخل الحروف بجملتها في النطق دفعة واحدة، حتى تجعل الفصاحة موجودة فيها في ~~حال وجودها. وما بعد هذا إلا أن نسأل الله تعالى العصمة والتوفيق؛ فقد بلغ ~~الأمر في الشناعة إلى حد إذا انتبه العاقل لف رأسه حياء من العقل حين يراه ~~قد قال قولا هذا مؤداه، وسلك مسلكا إلى هذا مفضاه. وما مثل من يزعم أن ~~الفصاحة صفة للفظ من حيث هو لفظ، ونطق لسان يزعم أنه يدعيها لمجموع حروفه ~~دون آحادها، إلا مثل من يزعم أن ههنا غزلا إذا نسج منه ثوب كان أحمر وإذا ~~فرق ونظر إليه خيطا خيطا لم تكن فيه حمرة أصلا. # ومن طريف أمرهم، أنك ترى كافتهم لا ينكرون أن اللفظ المستعار، إذا كان ~~فصيحا، كانت فصاحته تلك، من أجل استعارته ومن أجل لطف وغرابة كانا فيها؛ ~~وتراهم مع ذلك لا يشكون في أن الاستعارة لا تحدث في حروف اللفظ صفة ولا ~~تغير أجراسها عما تكون عليه، إذا لم يكن مستعارا وكان متروكا على حقيقته، ~~وأن التأثير من الاستعارة إنما يكون في المعنى. كيف وهم يعتقدون أن اللفظ ~~إذا استعير لشيء، نقل عن ms268 معناه الذي وضع له بالكلية، وإذا كان الأمر كذلك، ~~فلولا إهمالهم أنفسهم وتركهم النظر، لقد كان يكون في هذا ما يوقظهم من ~~غفلتهم، ويكشف الغطاء عن أعينهم. # PageV01P339 ### | فصل: عدم تعلق الفكر بمعاني الكلم مجردة من معاني النحو # ومما ينبغي أن يعلمه الإنسان ويجعله على ذكر، أنه لا يتصور أن يتعلق ~~الفكر بمعاني الكلم أفرادا ومجردة من معاني النحو؛ فلا يقوم في وهم ولا يصح ~~في عقل أن يتفكر متفكر في معنى فعل من غير أن يريد إعماله في اسم، ولا أن ~~يتفكر في معنى اسم من غير أن يريد إعمال فعل فيه وجعله فاعلا له أو مفعولا، ~~أو يريد منه حكما سوى ذلك من الأحكام، مثل أن يريد جعله مبتدأ أو خبرا أو ~~صفة أو حالا أو ما شاكل ذلك. وإن أردت أن ترى ذلك عيانا، فاعمد إلى أي كلام ~~شئت وأزل أجزاءه عن مواضعها، وضعها وضعا يمتنع معه دخول شيء من معاني النحو ~~فيها. فقل في: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # (من نبك قفا حبيب ذكرى منزل) ثم انظر هل يتعلق منك فكر، بمعنى كلمة منها؟ # واعلم أني لست أقول إن الفكر لا يتعلق بمعاني الكلم المفردة أصلا، ولكني ~~أقول إنه لا يتعلق بها مجردة من معاني النحو ومنطوقا بها على وجه لا يتأتى ~~معه تقدير معاني النحو وتوخيها فيها، كالذي أريتك؛ وإلا فإنك إذا فكرت في ~~الفعلين أو الاسمين تريد أن تخبر بأحدهما عن الشيء، أيهما أولى أن تخبر به ~~عنه، وأشبه بغرضك، مثل أن تنظر أيهما أمدح وأذم؟ وفكرت في الشيئين تريد أن ~~تشبه الشيء بأحدهما: أيهما أشبه به؟ كنت قد فكرت في معاني أنفس الكلم، إلا ~~أن فكرك ذلك لم يكن إلا من بعد أن توخيت فيها معنى من معاني النحو، وهو إن ~~أردت جعل الاسم الذي فكرت فيه خبرا عن شيء أردت فيه مدحا أو ذما أو تشبيها ~~أو غير ذلك من الأغراض، ولم تجئ إلى فعل أو اسم ففكرت فيه فردا ومن غير ms269 أن ~~كان لك قصد أن تجعله خبرا أو غير خبر، فاعرف ذلك! # وإن أردت مثالا فخذ بيت بشار [من الطويل]: # كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # PageV01P340 # وانظر هل يتصور أن يكون بشار قد أخطر معاني هذه الكلم بباله أفرادا عارية ~~من معاني النحو التي تراها فيها، وأن يكون قد وقع "كأن" في نفسه من غير أن ~~يكون قصد إيقاع التشبيه منه على شيء، وأن يكون فكر في "مثار النقع" من غير ~~أن يكون أراد إضافة الأول إلى الثاني، وفكر في "فوق رؤوسنا" من غير أن يكون ~~قد أراد أن يضيف "فوق" إلى الرؤوس، وفي (الأسياف) من دون أن يكون أراد ~~عطفها ب (الواو) على "مثار" وفي (الواو) من دون أن يكون أراد العطف بها، ~~وأن يكون كذلك فكر في "الليل" من دون أن يكون أراد أن يجعله خبرا لكأن، وفي ~~"تهاوى كواكبه" من دون أن يكون أراد أن يجعل "تهاوى" فعلا للكواكب، ثم يجعل ~~الجملة صفة لليل ليتم الذي أراد من التشبيه؟ أم لم تخطر هذه الأشياء بباله ~~إلا مرادا فيها هذه الأحكام والمعاني التي تراها فيها؟ # وليت شعري، كيف يتصور وقوع قصد منك إلى معنى كلمة من دون أن تريد تعليقها ~~بمعنى كلمة أخرى. ومعنى القصد إلى معاني الكلم أن تعلم السامع بها شيئا لا ~~يعلمه؟ ومعلوم أنك أيها المتكلم لست تقصد أن تعلم السامع معاني الكلم ~~المفردة التي تكلمه بها، فلا تقول: (خرج زيد): لتعلمه معنى [خرج] في اللغة ~~ومعنى [زيد]، كيف ومحال أن تكلمه بألفاظ لا يعرف هو معانيها كما تعرف؟ لهذا ~~لم يكن الفعل وحده من دون الاسم ولا الاسم وحده من دون اسم آخر أوفعل ~~كلاما، وكنت لو قلت "خرج" ولم تأت باسم ولا قدرت فيه ضمير الشيء، أو قلت: ~~(زيد) ولم تأت بفعل ولا اسم آخر، ولم تضمره في نفسك - كان ذلك، وصوتا تصوته ~~سواء، فاعرفه! # PageV01P341 # واعلم أن مثل واضع الكلام مثل من يأخذ قطعا من الذهب أو الفضة، فيذيب ~~بعضها ms270 في بعض حتى تصير قطعة واحدة. وذلك أنك إذا قلت: (ضرب زيد عمرا يوم ~~الجمعة ضربا شديدا تأديبا له)، فإنك تحصل من مجموع هذه الكلم كلها على ~~مفهوم هو معنى واحد لا عدة معان كما يتوهمه الناس، وذلك لأنك لم تأت بهذه ~~الكلم لتفيده أنفس معانيها وإنما جئت بها لتفيده وجوه التعلق التي بين ~~الفعل الذي هو (ضرب) وبين ما عمل فيه والأحكام التي هي محصول التعلق. وإذا ~~كان الأمر كذلك فينبغي لنا أن ننظر في المفعولية من (عمرو) وكون (يوم ~~الجمعة) زمانا للضرب وكون الضرب (ضربا شديدا) وكون (التأديب) علة للضرب. ~~أيتصور فيها أن تفرد عن المعنى الأول الذي هو أصل الفائدة، وهو إسناد (ضرب) ~~إلى (زيد) وإثبات الضرب به له، حتى يعقل كون عمرو مفعولا به وكون يوم ~~الجمعة مفعولا فيه، وكون "ضربا شديدا" مصدرا وكون (التأديب) مفعولا له، من ~~غير أن يخطر ببالك كون (زيد) فاعلا للضرب؟ وإذا نظرنا وجدنا ذلك لا يتصور، ~~لأن عمرا مفعول ل (ضرب) وقع من (زيد) عليه و (يوم الجمعة) زمان لضرب وقع من ~~(زيد) و "ضربا شديدا" بيان لذلك الضرب. كيف هو وما صفته والتأديب علة وبيان ~~أنه كان الغرض منه. وإذا كان ذلك كذلك، بان منه وثبت أن المفهوم من مجموع ~~الكلم معنى واحد لا عدة معان، وهو إثباتك زيدا فاعلا ضربا لعمرو في وقت ~~كذا، وعلى صفة كذا، ولغرض كذا؛ ولهذا المعنى تقول إنه كلام واحد. # PageV01P342 # وإذ قد عرفت هذا فهو العبرة أبدا؛ فبيت بشار إذا تأملته، وجدته كالحلقة ~~المفرغة التي لا تقبل التقسيم، ورأيته قد صنع في الكلم التي فيه ما يصنعه ~~الصانع حين يأخذ كسرا من الذهب فيذيبها، ثم يصبها في قالب ويخرجها لك سوارا ~~أو خلخالا. وإن أنت حاولت قطع بعض ألفاظ البيت عن بعض، كنت كمن يكسر الحلقة ~~ويفصم السوار؛ وذلك أنه لم يرد أن يشبه النقع بالليل على حدة، والأسياف ~~بالكواكب على حدة، ولكنه أراد أن يشبه النقع والأسياف تجول فيه، بالليل في ~~حال ms271 ما تنكدر الكواكب وتتهاوى فيه. فالمفهوم من الجميع مفهوم واحد. والبيت ~~من أوله إلى آخره، كلام واحد. فانظر الآن ما تقول في اتحاد هذه الكلم التي ~~هي أجزاء البيت: أتقول إن ألفاظها اتحدت فصارت لفظة واحدة، أم تقول إن ~~معانيها اتحدت فصارت الألفاظ من أجل ذلك، كأنها لفظة واحدة؟ فإن كنت لا تشك ~~أن الاتحاد الذي تراه هو في المعاني، إذ كان من فساد العقل ومن الذهاب في ~~الخبل أن يتوهم متوهم أن الألفاظ يندمج بعضها في بعض حتى تصير لفظة واحدة، ~~فقد أراك ذلك إن لم تكابر عقلك - أن النظم يكون في معاني الكلم دون ~~ألفاظها، وأن نظمها هو توخي معاني النحو فيها. وذلك أنه إذا ثبت الاتحاد ~~وثبت أنه في المعاني، فينبغي أن تنظر إلى الذي به اتحدت المعاني في بيت ~~بشار؛ وإذا نظرنا لم نجدها اتحدت إلا بأن جعل (مثار النقع) اسم كأن، وجعل ~~الظرف الذي هو "فوق رؤوسنا" معمولا ل (مثار) ومعلقا به، وأشرك الأسياف في ~~(كأن) بعطفه لها على "مثار"، ثم بأن قال: "ليل تهاوى كواكبه": فأتى بالليل ~~نكرة وجعل جملة قوله: (تهاوى كواكبه): له صفة. ثم جعل مجموع: (ليل تهاوى ~~كواكبه) خبرا لكان. # PageV01P343 # فانظر هل ترى شيئا كان الاتحاد به غير ما عددناه؟ وهل تعرف له موجبا ~~سواه؟ فلولا الإخلاد إلى الهوينا وترك النظر وغطاء ألقي على عيون أقوام، ~~لكان ينبغي أن يكون في هذا وحده الكفاية وما فوق الكفاية، ونسأل الله تعالى ~~التوفيق!. # واعلم أن الذي هو آفة هؤلاء الذين لهجوا بالأباطيل في أمر اللفظ، أنهم ~~قوم قد أسلموا أنفسهم إلى التخيل، وألقوا مقادتهم إلى الأوهام، حتى عدلت ~~بهم عن الصواب كل معدل، ودخلت بهم من فحش الغلط في كل مدخل، وتعسفت بهم في ~~كل مجهل، وجعلتهم يرتكبون في نصرة رأيهم الفاسد القول بكل محال، ويقتحمون ~~في كل جهالة، حتى إنك لو قلت لهم: إنه لا يتأتى للناظم نظمه إلا بالفكر ~~والروية، فإذا جعلتم النظم في الألفاظ لزمكم من ذلك أن تجعلوا فكر ms272 الإنسان ~~إذا هو فكر في نظم الكلام فكرا في الألفاظ التي يريد أن ينطق بها دون ~~المعاني: لم يبالوا أن يرتكبوا ذلك وأن يتعلقوا فيه بما في العادة ومجرى ~~الجبلة، من أن الإنسان يخيل إليه إذا هو فكر أنه يسمعها سماعه لها حين ~~يخرجها من فيه، وحين يجري بها اللسان. وهذا تجاهل لأن سبيل ذلك سبيل إنسان ~~يتخيل دائما في الشيء قد رآه وشاهده، أنه كان يراه وينظر إليه، وأن مثاله ~~نصب عينه، فكما لا يوجب هذا أن يكون رائيا له، وأن يكون الشيء موجودا في ~~نفسه، كذلك لا يكون تخيله أنه كان ينطق بالألفاظ موجبا أن يكون ناطقا بها، ~~وأن تكون موجودة في نفسه حتى يجعل ذلك سببا إلى جعل الفكر فيها. # PageV01P344 # ثم إنا نعمل على أنه ينطق بالألفاظ في نفسه، وأنه يجدها فيها على ~~الحقيقة. فمن أين لنا أنه إذا فكر، كان الفكر منه فيها؟ أم ماذا يروم - ليت ~~شعري - بذلك الفكر، ومعلوم أن الفكر من الإنسان، يكون في أن يخبر عن شيء ~~بشيء، أو يصف شيئا بشيء، أو يضيف شيئا إلى شيء، أو يشرك شيئا في حكم شيء، ~~أو يخرج شيئا من حكم قد سبق منه لشيء أو يجعل وجود شيء شرطا في وجود شيء، ~~وعلى هذا السبيل؟ وهذا كله فكر في أمور معلومة معقولة زائدة على اللفظ. # وإذ كان هذا كذلك، لم يخل هذا الذي يحمل في الألفاظ فكرا من أحد أمرين: # إما أن يخرج هذه المعاني من أن يكون لواضع الكلام فيها فكر، ويجعل الفكر ~~كله في الألفاظ. # وإما أن يجعل له فكرا في اللفظ مفردا عن الفكرة في هذه المعاني، فإن ذهب ~~إلى الأول لم يكلم، وإن ذهب إلى الثاني لزمه أن يجوز وقوع فكر من الأعجمي ~~الذي لا يعرف معاني ألفاظ العربية أصلا في الألفاظ؛ وذلك مما لا يخفى مكان ~~الشنعة والفضيحة فيه. # وشبيه بهذا التوهم منهم، إنك قد ترى أحدهم يعتبر حال السامع: فإذا رأى ~~المعاني لا تترتب في نفسه إلا بترتب ms273 الألفاظ في سمعه، ظن عند ذلك أن ~~المعاني تبع للألفاظ، وأن الترتب فيها مكتسب من الألفاظ ومن ترتبها في نطق ~~المتكلم. وهذا ظن فاسد ممن يظنه، فإن الاعتبار ينبغي أن يكون بحال الواضع ~~للكلام والمؤلف له؛ والواجب أن ينظر إلى حال المعاني معه لا مع السامع؛ ~~وإذا نظرنا، علمنا ضرورة أنه محال أن يكون الترتب فيها تبعا لترتب الألفاظ ~~ومكتسبا عنه، لأن ذلك يقتضي أن تكون الألفاظ سابقة للمعاني، وأن تقع في نفس ~~الإنسان أولا، ثم تقع المعاني من بعدها، وتالية لها بالعكس مما يعلمه كل ~~عاقل إذا هو لم يؤخذ عن نفسه، ولم يضرب حجاب بينه وبين عقله. # PageV01P345 # وليت شعري، هل كانت الألفاظ إلا من أجل المعاني؟ وهل هي إلا خدم لها، ~~ومصرفة على حكمها؟ أو ليست هي سمات لها، وأوضاعا قد وضعت لتدل عليها؟ فكيف ~~يتصور أن تسبق المعاني وأن تتقدمها في تصور النفس؟ إن جاز ذلك، جاز أن تكون ~~أسامي الأشياء قد وضعت قبل أن عرفت الأشياء وقبل أن كانت، وما أدري ما أقول ~~في شيء يجر الذاهبين إليه إلى أشباه هذا من فنون المحال، ورديء الأحوال! # شبهة على كون النظم بحسب معاني النحو # PageV01P346 # وهذا سؤال لهم من جنس آخر في النظم - قالوا: لو كان النظم يكون في معاني ~~النحو، لكان البدوي الذي لم يسمع بالنحو قط، ولم يعرف المبتدأ والخبر وشيئا ~~مما يذكرونه، لا يتأتى له نظم كلام. وإنا لنراه يأتي في كلامه بنظم لا ~~يحسنه المتقدم في علم النحو: قيل: هذه شبهة من جنس ما عرض للذين عابوا ~~المتكلمين فقالوا: إنا نعلم الصحابة رضي الله عنهم، والعلماء في الصدر ~~الأول، لم يكونوا يعرفون الجوهر والعرض وصفة النفس وصفة المعنى، وسائر ~~العبارات التي وضعتموها؛ فإن كان لا تتم الدلالة على حدوث العالم والعلم ~~بوحدانية الله إلا بمعرفة هذه الأشياء التي ابتدأتموها، فينبغي لكم أن ~~تدعوا أنكم قد علمتم في ذلك ما لم يعلموه، وأن منزلتكم في العلم أعلى من ~~منازلهم. وجوابنا هو مثل جواب المتكلمين. وهو ms274 أن الاعتبار: بمعرفة مدلول ~~العبارات لا بمعرفة العبارات: فإذا عرف البدوي الفرق بين أن يقول: (جاءني ~~زيد راكبا)، وبين قوله: (جاءني زيد الراكب)، لم يضره أن لا يعرف أنه إذا ~~قال: "راكبا" كانت عبارة النحويين فيه أن يقولوا في "راكب" إنه حال؛ وإذا ~~قال "الراكب" إنه صفة جارية على (زيد). وإذا عرف في قوله: (زيد منطلق): أن ~~"زيدا" مخبر عنه، و "منطلق" خبر، لم يضره أن لا يعلم أنا نسمي "زيدا" ~~مبتدأ. وإذا عرف في قولنا: (ضربته تأديبا له): أن المعنى في (التأديب) أنه ~~غرضه من الضرب، وأن (ضربه) ليتأدب، لم يضره أن لا يعلم أنا نسمي (التأديب) ~~مفعولا له. ولو كان عدم العلم بهذه العبارات يمنعه العلم بما وضعناها له ~~وأردناه بها، لكان ينبغي أن لا يكون له سبيل إلى بيان أغراضه، وأن لا يفصل ~~فيما يتكلم به بين نفي وإثبات، وبين "ما" إذا كان استفهاما، وبينه إذا كان ~~بمعنى الذي، وإذا كان بمعنى المجازاة، لأنه لم يسمع عباراتنا في الفرق بين ~~هذه المعاني. # PageV01P347 # أترى الأعرابي حين سمع المؤذن يقول: (أشهد أن محمدا رسول الله): (بالنصب) ~~فأنكر وقال: صنع ماذا؟ أنكر عن غير علم أن (النصب) يخرجه عن أن يكون خبرا ~~ويجعله والأول في حكم اسم واحد، وأنه إذا صار والأول في حكم اسم واحد احتيج ~~إلى اسم آخر، أو فعل حتى يكون كلاما، وحتى يكون قد ذكر ماله فائدة؟ إن كان ~~لم يعلم ذلك، فلماذا قال: صنع ماذا؟ فطلب ما يجعله خبرا. # ويكفيك أنه يلزم على ما قالوه أن يكون امرؤ القيس حين قال: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # قاله وهو لا يعلم ما نعنيه بقولنا: إن "قفا" أمر و "نبك" جواب الأمر و ~~"ذكرى" مضاف إلى "حبيب" "ومنزل" معطوف على الحبيب، وأن تكون هذه الألفاظ قد ~~رتبت له من غير قصد منه إلى هذه المعاني، وذلك يوجب أن يكون قال: (نبك) ~~بالجزم، من غير أن يكون عرف معنى يوجب الجزم، وأتى به مؤخرا عن (قفا) من ms275 ~~غير أن عرف لتأخيره موجبا سوى طلب الوزن. # ومن أفضت به الحال إلى أمثال هذه الشناعات ثم لم يرتدع ولم يتبين أنه على ~~خطأ، فليس إلا تركه والإعراض عنه. # ولولا أنا نحب أن لا ينبس أحد في معنى السؤال والاعتراض بحرف، إلا أريناه ~~الذي استهواه، لكان ترك التشاغل بإيراد هذا وشبهه أولى؛ ذاك لأنا قد علمنا ~~علم ضرورة أنا لو بقينا الدهر الأطول نصعد ونصوب ونبحث وننقب، نبتغي كلمة ~~قد اتصلت بصاحبة لها، ولفظة قد انتظمت مع أختها، من غير أن نتوخى فيما ~~بينهما معنى من معاني النحو، طلبنا ممتنعا، وثنينا مطايا الفكر ظلعا. فإن ~~كان ههنا من يشك في ذلك ويزعم أنه قد علم لاتصال الكلم بعضها ببعض، وانتظام ~~الألفاظ بعضها مع بعض، معاني غير معاني النحو، فإنا نقول: هات فبين لنا تلك ~~المعاني وأرنا مكانها واهدنا لها، فلعلك قد أوتيت علما قد حجب عنا، وفتح لك ~~باب قد أغلق دوننا [من الوافر]: # وذاك له إذا العنقاء صارت ... مرببة وشب ابن الخصي # PageV01P348 ### | فصل: كشف شبهة أخرى للقائلين بأن الفصاحة للألفاظ # قد أردت أن أعيد القول في شيء هو أصل الفساد، ومعظم الآفة، والذي صار ~~حجازا بين القوم وبين التأمل، وأخذ بهم عن طريق النظر، حال بينهم وبين أن ~~يصغوا إلى ما يقال لهم، وأن يفتحوا للذي تبين أعينهم؛ وذلك قولهم: إن ~~العقلاء قد اتفقوا على أنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون ~~أحدهما فصيحا والآخر غير فصيح: وذلك - قالوا - يقتضي أن يكون للفظ نصيب في ~~المزية، لأنها لو كانت مقصورة على المعنى لكان محالا أن يجعل لأحد اللفظين ~~فضل على الآخر، مع أن المعبر عنه واحد. وهذا شيء تراهم يعجبون به ويكثرون ~~ترداده، مع أنهم يؤكدونه فيقولون: لولا أن الأمر كذلك، لكان ينبغي أن لا ~~يكون للبيت من الشعر فضل على تفسير المفسر له، لأنه إن كان اللفظ إنما يشرف ~~من أجل معناه، فإن لفظ المفسر يأتي على المعنى ويؤديه لا محالة؛ إذ لو كان ~~لا ms276 يؤديه لكان لا يكون تفسيرا له - ثم يقولون - وإذا لزم ذلك في تفسير ~~البيت من الشعر، لزم مثله في الآية من القرآن: وهم إذا انتهوا في الحجاج ~~إلى هذا الموضع، ظنوا أنهم قد أتوا بما لا يجوز أن يسمع عليهم معه لعلة ~~كلام، وأنه نقض ليس بعده إبرام؛ وربما أخرجهم الإعجاب به إلى الضحك والتعجب ~~ممن يرى أن إلى الكلام عليه سبيلا، وأن يستطيع أن يقيم على بطلان ما قالوه ~~دليلا. # والجواب وبالله التوفيق، أن يقال للمحتج بذلك: قولك: إنه يصح أن يعبر عن ~~المعنى الواحد بلفظين، يحتمل أمرين: # أحدهما أن تريد باللفظين كلمتين معناهما واحد في اللغة، مثل (الليث ~~والأسد) ومثل (شحط وبعد) وأشباه ذلك مما وضع اللفظان فيه لمعنى. # PageV01P349 # والثاني أن تريد كلامين. فإن أردت الأول، خرجت من المسألة، لأن كلامنا ~~نحن في فصاحة تحدث من بعد التأليف دون الفصاحة التي توصف بها اللفظة مفردة ~~ومن غير أن يعتبر حالها مع غيرها؛ وإن أردت الثاني، ولا بد لك من أن تريده، ~~فإن ههنا أصلا: من عرفه عرف سقوط هذا الاعتراض، وهو أن يعلم أن سبيل ~~المعاني سبيل أشكال الحلي: كالخاتم والشنف والسوار؛ فكما أن من شأن هذه ~~الأشكال أن يكون الواحد منها غفلا ساذجا لم يعملأ صانعه فيه شيئا أكثر من ~~أن يأتي بما يقع عليه اسم الخاتم إن كان خاتما، والشنف إن كان شنفا، وأن ~~يكون مصنوعا بديعا قد أغرب صانعه فيه، كذلك سبيل المعاني أن ترى الواحد ~~منها غفلا ساذجا عاميا موجودا في كلام الناس كلهم ثم تراه نفسه وقد عمد ~~إليه البصير بشأن البلاغة وإحداث الصور في المعاني، فيصنع فيه ما يصنع ~~الصنع الحاذق، حتى يغرب في الصنعة ويدق في العمل ويبدع في الصياغة؛ وشواهد ~~ذلك حاضرة لك كيف شئت؛ وأمثلته نصب عينيك من أين نظرت، تنظر إلى قول الناس: ~~الطبع لا يتغير ولست تستطيع أن تخرج الإنسان عما جبل عليه؛ فترى معنى غفلا ~~عاميا معروفا في كل جيل وأمه، ثم تنظر إليه في قول ms277 المتنبي [من المتقارب]: # يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل # فتجده قد خرج في أحسن صورة، وتراه قد تحول جوهرة بعد أن كان خرزة، وصار ~~أعجب شيء بعد أن لم يكن شيئا. # وإذ قد عرفت ذلك، فإن العقلاء إلى هذا قصدوا حين قالوا: إنه يصح أن يعبر ~~عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون أحدهما فصيحا والآخر غير فصيح: كأنهم ~~قالوا إنه يصح أن تكون هاهنا عبارتان أصل المعنى فيهما واحد ثم يكون ~~لإحداهما في تحسين ذلك المعنى وتزيينه وإحداث خصوصية فيه، تأثير لا يكون ~~للأخرى. # PageV01P350 # واعلم أن المخالف لا يخلو من أن ينكر أن يكون للمعنى في إحدى العبارتين ~~حسن ومزية لا يكونان له في الأخرى. وأن تحدث فيه على الجملة صورة لم تكن أو ~~يعرف ذلك. فإن أنكر، لم يكلم، لأنه يؤديه إلى أن لا يجعل للمعنى في قوله: # وتأبى الطباع على الناقل # مزية على الذي يعقل من قولهم: الطبع لا يتغير ولا يستطيع أن يخرج الإنسان ~~عما جبل عليه: وأن لا يرى لقول أبي نواس: [من السريع]: # ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # مزية على أن يقال: غير بديع في قدرة الله تعالى أن يجمع فضائل الخلق كلهم ~~في رجل واحد. ومن أداه قول يقوله إلى مثل هذا، وكان الكلام معه محالا؛ وكنت ~~إذا كلفته أن يعرف، كمن يكلف أن يميز بحور الشعر بعضها من بعض، فيعرف ~~المديد من الطويل والبسيط من السريع من ليس له ذوق يقيم به الشعر من أصله؛ ~~وإن اعترف بأن ذلك يكون، قلنا له: أخبرنا عنك أتقول في قوله: # وتأبى الطباع على الناقل # إنه غاية في الفصاحة؟ فإذا قال: نعم! قيل له: أفكان كذلك عندك من أجل ~~حروفه، أم من أجل حسن ومزية حصلا في المعنى؟ فإن قال: من أجل حروفه: دخل في ~~الهذيان، وإن قال: من أجل حسن ومزية حصلا في المعنى: قيل له: فذاك ما ~~أردناك عليه، حين قلنا إن اللفظ يكون فصيحا من أجل مزية تقع ms278 في معناه، لا ~~من أجل جرسه وصداه. # دلالة مراتب التشبيه على أن الفصاحة والبلاغة للمعاني # PageV01P351 # واعلم أنه ليس شيء أبين وأوضح وأحرى أن يكشف الشبهة عن متأمله في صحة ما ~~قلناه من التشبيه. فإنك تقول: (زيد كالأسد أو مثل الأسد أو شبيه بالأسد): ~~فتجد ذلك كله تشبيها غفلا ساذجا. ثم تقول: (كأن زيدا الأسد): فيكون تشبيها ~~أيضا، إلا أنك ترى بينه وبين الأول بونا بعيدا، لأنك ترى له صورة خاصة، ~~وتجدك قد فخمت المعنى وزدت فيه، بإن أفدت أنه من الشجاعة وشدة البطش وأن ~~قلبه قلب لا يخامره الذعر ولا يدخله الروع بحيث يتوهم أنه الأسد بعينه. ثم ~~تقول: لئن لقيته ليلقينك منه الأسد؛ فتجده قد أفاد هذه المبالغة لكن في ~~صورة أحسن وصفة أخص؛ وذلك أنك تجعله في "كأن" يتوهم أنه الأسد، وتجعله ~~هاهنا، يرى منه الأسد على القطع، فيخرج الأمر عن حد التوهم إلى حد اليقين. ~~ثم إن نظرت إلى قوله [من الطويل]: # أإن أرعشت كفا أبيك وأصبحت ... يداك يدي ليث فإنك غالبه # وجدته قد بدا لك في صورة أنق وأحسن. ثم إن نظرت إلى قول أرطاة بن سهية ~~[من البسيط]: # إن تلقني لا ترى غيري بناظرة ... تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد # وجدته قد فضل الجميع، ورأيته قد أخرج في صورة غير تلك الصور كلها. # PageV01P352 # واعلم أن من الباطل والمحال، ما يعلم الإنسان بطلانه واستحالته بالرجوع ~~إلى النفس حتى لا يشك؛ ثم إنه إذا أراد بيان ما يجد في نفسه والدلالة عليه، ~~رأى المسلك إليه يغمض ويدق. وهذه الشبهة - أعني قولهم: إنه لو كان يجوز أن ~~يكون الأمر على خلاف ما قالوه من أن الفصاحة وصف للفظ من حيث هو لفظ، لكان ~~ينبغي أن لا يكون للبيت من الشعر فضل على تفسير المفسر إلى آخره - من ذاك، ~~وقد علقت لذلك بالنفوس وقويت فيها حتى إنك لا تلقى إلى أحد من المتعلقين ~~بأمر اللفظ كلمة مما نحن فيه إلا كان هذا أول كلامه، وإلا عجب وقال: إن ~~التفسير بيان ms279 للمفسر فلا يجوز أن يبقى من معنى المفسر شيء لا يؤديه التفسير ~~ولا يأتي عليه، لأن في تجويز ذلك القول بالمحال وهو أن لا يزال يبقى من ~~معنى المفسر شيء لا يكون إلى العلم به سبيل. وإذا كان الأمر كذلك، ثبت أن ~~الصحيح ما قلناه من أنه لا يجوز أن يكون للفظ المفسر فضل من حيث المعنى على ~~لفظ التفسير، وإذا لم يجز أن يكون الفضل من حيث المعنى، لم يبق إلا أن يكون ~~من حيث اللفظ نفسه: فهذا جملة ما يمكنهم أن يقولوه في نصرة هذه الشبهة قد ~~استقصيته لك؛ وإذ قد عرفته فاسمع الجواب، وإلى الله تعالى الرغبة في ~~التوفيق للصواب! # رد شبهتهم لو كانت الفصاحة للمعاني لكان التفسير كالمفسر # إعلم أن قولهم: إن التفسير يجب أن يكون كالمفسر: دعوى لا تصح لهم إلا من ~~بعد أن ينكروا الذي بيناه من أن من شأن المعاني أن تختلف بها الصور، ~~ويدفعوه أصلا حتى يدعوا أنه لا فرق بين الكناية والتصريح، وأن حال المعنى ~~مع الاستعارة كحاله مع ترك الاستعارة، وحتى يبطلوا ما أطبق عليه العقلاء من ~~أن المجاز يكون أبدا أبلغ من الحقيقة، فيزعموا أن قولنا: (طويل النجاد ~~وطويل القامة): واحد، وأن حال المعنى في بيت ابن هرمة [من المنسرح]: # ولا أبتاع إلا قريبة الأجل # PageV01P353 # كحاله في قولك: (أنا مضياف). وأنك إذا قلت: (رأيت أسدا): لم يكن الأمر ~~أقوى من أن تقول: (رأيت رجلا هو من الشجاعة بحيث لا ينقص عن الأسد). ولم ~~تكن قدرت في المعنى بأن ادعيت له أنه أسد بالحقيقة ولا بالغت فيه؛ وحتى ~~يزعموا أنه لا فضل ولا مزية لقولهم: (ألقيت حبله على غاربه): على قولك في ~~تفسيره: (خليته وما يريد وتركته يفعل ما يشاء). وحتى لا يجعلوا للمعنى في ~~قوله تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: 93] مزية على أن يقال: ~~(اشتدت محبتهم للعجل وغلبت على قلوبهم)، وأن تكون صورة المعنى في قوله عز ~~وجل {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4] صورته في قول من يقول: (وشاب ms280 رأسي كله ~~وأبيض رأسي كله)، وحتى لا يروا فرقا بين قوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم} ~~[البقرة: 16] وبين: (فما ربحوا في تجارتهم)، وحتى يرتكبوا جميع ما أريناك ~~الشناعة فيه، من أن لا يكون فرق بين قول المتنبي: # وتأبى الطباع على الناقل # وبين قولهم: (إنك لا تقدر أن تغير طباع الإنسان)، ويجعلوا حال المعنى في ~~قول أبي نواس [من السريع]: # ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # PageV01P354 # كحاله في قولنا: (إنه ليس ببديع في قدرة الله أن يجمع فضائل الخلق كلهم ~~في واحد)، ويرتكبوا ذلك في الكلام كله حتى يزعموا أنا إذا قلنا، في قوله ~~تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179]: إن المعنى فيها أنه لما كان ~~الإنسان إذا هم بقتل آخر لشيء غاظه منه، فذكر أنه إن قتله قتل، ارتدع، صار ~~المهموم بقتله، كأنه قد استفاد حياة فيما يستقبل بالقصاص، كنا قد أدينا في ~~تفسيرنا هذا على صورته التي هو عليها في الآية، حتى لا نعرف فضلا، وحتى ~~يكون حال الآية والتفسير حال اللفظتين: إحداهما غريبة والأخرى مشهورة، ~~فتفسر الغريبة المشهورة، مثل أن تقول مثلا في "الشوقب" إنه: الطويل، وفي ~~"القط" إنه: الكتاب، وفي "الدسر" إنه المسامير. ومن صار الأمر به إلى هذا، ~~كان الكلام معه محالا. # واعلم أنه ليس عجيب أعجب من حال من يرى كلامين، أجزاء أحدهما مخالفة في ~~معانيها لأجزاء الآخر، ثم يرى أنه يسع في العقل أن يكون معنى أحد الكلامين ~~مثل معنى الآخر سواء، حتى يتصدى فيقول: إنه لو كان يكون الكلام فصيحا من ~~أجل مزية تكون في معناه، لكان ينبغي أن توجد تلك المزية في تفسيره. ومثله ~~في العجب أنه ينظر إلى قوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16] فيرى ~~إعراب الاسم الذي هو "التجارة" قد تغير، فصار مرفوعا بعد أن كان مجرورا، ~~ويرى أنه قد حذف من اللفظ بعض ما كان فيه وهو "الواو" في "ربحوا" و"في" من ~~قولنا: (في تجارتهم). ثم لا نعلم أن ذلك يقتضي أن يكون المعنى قد تغير كما ms281 ~~تغير اللفظ. # واعلم أنه ليس للحجج والدلائل في صحة ما نحن عليه، حد ونهاية. وكلما ~~انتهى منه باب انفتح فيه باب آخر. وقد أردت أن آخذ في نوع آخر من الحجاج ~~ومن البسط والشرح، فتأمل ما أكتبه لك!. # بيان الفصاحة في اللفظ والفصاحة في النظم # PageV01P355 # إعلم أن الكلام الفصيح ينقسم قسمين: قسم تعزى المزية والحسن فيه إلى ~~اللفظ، وقسم يعزى ذلك فيه إلى النظم. # فالقسم الأول: الكناية والاستعارة والتمثيل الكائن على حد الاستعارة، وكل ~~ما كان فيه على الجملة مجاز واتساع وعدول باللفظ عن الظاهر. فما من ضرب من ~~هذه الضروب إلا وهو إذا وقع على الصواب وعلى ما ينبغي، أوجب الفضل والمزية. ~~فإذا قلت: (هو كثير رماد القدر)، كان له موقع وحظ من القبول، لا يكون إذا ~~قلت: (هو كثير القرى والضيافة). وكذا إذا قلت: (هو طويل النجاد)، كان له ~~تأثير في النفس لا يكون إذا قلت: (هو طويل القامة). وكذا إذا قلت: (رأيت ~~أسدا)، كان له مزية لا تكون إذا قلت: (رأيت رجلا يشبه الأسد ويساويه في ~~الشجاعة). وكذلك إذا قلت: (أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى). كان له موقع لا ~~يكون إذا قلت: أراك تتردد في الذي دعوتك إليه، كمن يقول: أخرج ولا أخرج ~~فيقدم رجلا ويؤخر أخرى). وكذلك إذا قلت: (ألقى حبله على غاربه)، كان له ~~مأخذ من القلب لا يكون إذا قلت: (هو كالبعير الذي يلقى حبله على غاربة، حتى ~~يرعى كيف يشاء ويذهب حيث يريد). لا يجهل المزية فيه إلا عديم الحس، ميت ~~النفس، وإلا من لا يكلم، لأنه من مبادىء المعرفة التي من عدمها لم يكن ~~للكلام معه معنى. # فصاحة الكناية عقلية أو معنوية لا لفظية # PageV01P356 # وإذ قد عرفت هذه الجملة، فينبغي أن تنظر إلى هذه المعاني واحدا، وتعرف ~~محصولها وحقائقها، وأن تنظر أولا إلى الكناية. وإذا نظرت إليها وجدت ~~حقيقتها ومحصول أمرها أنها إثبات لمعنى أنت تعرف ذلك المعنى من طريق ~~المعقول دون طريق اللفظ. ألا ترى أنك لما نظرت إلى قولهم: (هو ms282 كثير رماد ~~القدر)، وعرفت منه إنهم أرادوا أنه كثير القرى والضيافة، لم تعرف ذلك من ~~اللفظ، ولكنك عرفته بأن رجعت إلى نفسك فقلت: إنه كلام قد جاء عنهم في ~~المدح، ولا معنى للمدح بكثرة الرماد على أنه تنصب له القدور الكثيرة ويطبخ ~~فيها للقرى والضيافة، وذلك لأنه إذا كثر الطبخ في القدور كثر إحراق الحطب ~~تحتها، وإذا كثر إحراق الحطب كثر الرماد لا محالة. وهكذا السبيل في كل ما ~~كان كناية. فليس من لفظ الشعر. عرفت أن ابن هرمة أراد بقوله: # ولا أبتاع إلا قريبة الأجل # التمدح بأنه مضياف، ولكنك عرفته بالنظر اللطيف وبأن علمت أنه لا معنى ~~للتمدح بظاهر ما يدل عليه اللفظ من قرب أجل ما يشتريه، فطلبت له تأويلا، ~~فعلمت أنه أراد أنه يشتري ما يشتريه للأضياف، فإذا أشترى شاة أو بعيرا كان ~~قد اشترى ما قد دنا أجله لأنه يذبح وينحر عن قريب. # الفصاحة في الاستعارة عقلية أو معنوية لا لفظية # PageV01P357 # وإذ قد عرفت هذا في الكناية، فالاستعارة في هذه القضية. وذاك أن موضوعها، ~~على أنك تثبت بها معنى لا يعرف السامع ذلك المعنى من اللفظ، ولكنه يعرفه من ~~معنى اللفظ. بيان هذا أنا نعلم أنك لا تقول: (رأيت أسدا)، إلا وغرضك أن ~~تثبت للرجل أنه مساو للأسد في شجاعته، وجرأته، وشدة بطشه، وإقدامه، وفي أن ~~الذعر لا يخامره، والخوف لا يعرض له. ثم تعلم أن السامع إذا عقل هذا ~~المعنى، لم يعقله من لفظ "أسد" ولكنه يعقله من معناه، وهو أنه يعلم أنه لا ~~معنى لجعله "أسدا" مع العلم بأنه رجل، إلا أنك أردت أنه بلغ من شدة مشابهته ~~للأسد ومساواته مبلغا يتوهم معه أنه أسد بالحقيقة، فاعرف هذه الجملة وأحسن ~~تأملها! # واعلم أنك ترى الناس وكأنهم يرون أنك إذا قلت: (رأيت أسدا)، وأنت تريد ~~التشبيه كنت نقلت لفظ "أسد" عما وضع له في اللغة، واستعملته في معنى غير ~~معناه، حتى كأن ليس الاستعارة إلا أن تعمد إلى اسم الشيء فتجعله اسما ~~لشبيهه، وحتى كأن ms283 لا فصل بين الاستعارة وبين تسمية المطر سماء، والنبت ~~غيثا، والمزادة رواية، وأشباه ذلك مما يوقع فيه اسم الشيء على ما هو منه ~~بسبب. ويذهبون عما هو مركوز في الطباع من أن المعنى فيها المبالغة، وأن ~~يدعى في الرجل أنه ليس برجل ولكنه أسد بالحقيقة، وأنه إنما يعار اللفظ من ~~بعد أن يعار المعنى، وأنه لا يشرك في اسم الأسد إلا من بعد أن يدخل في جنس ~~الأسد. لا ترى أحدا يعقل إلا وهو يعرف ذلك إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع. # تحقيق معنى الاستعارة وكونها أبلغ من الحقيقة # PageV01P358 # ومن أجل أن كان الأمر كذلك، رأيت العقلاء كلهم يثبتون القول بأن من شأن ~~الاستعارة أن تكون أبدا أبلغ من الحقيقة، وإلا فإن كان ليس هاهنا إلا نقل ~~اسم من شيء إلى شيء، فمن أين يجب - ليت شعري - أن تكون الاستعارة أبلغ من ~~الحقيقة؟ ويكون لقولنا: (رأيت أسدا): مزية على قولنا: (رأيت شبيها ~~بالأسد؟)، وقد علمنا أنه محال أن يتغير الشيء في نفسه بأن ينقل إليه اسم قد ~~وضع لغيره من بعد أن لا يراد من معنى ذلك الاسم فيه شيء بوجه من الوجوه، بل ~~يجعل كأنه لم يوضع لذلك المعنى الأصلي أصلا، وفي أي عقل يتصور أن يتغير ~~معنى "شبيها بالأسد" بأن يوضع لفظ "أسد" عليه وينقل إليه؟ # واعلم أن العقلاء بنوا كلامهم إذ قاسوا وشبهوا على أن الأشياء تستحق ~~الأسامي لخواص معان هي فيها دون ما عداها؛ فإذا أثبتوا خاصة شيء لشيء ~~أثبتوا له اسمه؛ فإذا جعلوا الرجل بحيث لا تنقص شجاعته عن شجاع الأسد ولا ~~يعدم منها شيئا قالوا: (هو أسد). وإذا وصفوه بالتناهي في الخير والخصال ~~الشريفة، أو بالحسن الذي يبهر قالوا: (هو ملك). وإذا وصفوا الشيء بغاية ~~الطيب قالوا: (هو مسك). وكذلك الحكم أبدا. ثم إنهم إذا استقصوا في ذلك نفوا ~~عن المشبه اسم جنسه فقالوا: ليس هو بإنسان وإنما هو أسد، وليس هو آدميا ~~وإنما هو ملك: كما قال الله تعالى: {ما هاذا بشرا إن ms284 هاذآ إلا ملك كريم} ~~[يوسف: 31]. ثم إن لم يريدوا أن يخرجوه عن جنسه جملة، قالوا: هو أسد في ~~صورة إنسان، وهو ملك في صورة آدمي). وقد خرج هذا للمتنبي في أحسن عبارة، ~~وذلك في قوله [من الخفيف]: # نحن ركب ملجن في زي ناس ... فوق طير لها سخوص الجمال # غلط العلماء في تفسير الاستعارة وجعلها من المنقول # PageV01P359 # ففي هذه الجملة بيان لمن عقل ليست الاستعارة نقل اسم عن شيء إلى شيء، ~~ولكنها ادعاء معنى الاسم لشيء. إذ لو كانت نقل اسم وكان قولنا (رأيت أسدا) ~~بمعنى: رأيت شبيها بالأسد، ولم يكن ادعاء أنه أسد بالحقيقة، لكان محالا أن ~~يقال: ليس هو بإنسان ولكنه أسد أو هو أسد في صورة إنسان: كما أنه محال أن ~~يقال: ليس هو بإنسان ولكنه شبيه بأسد: أو يقال: هو شبيه بأسد في صورة ~~إنسان. # وعلم أنه قد كثر في كلام الناس استعمال لفظ النقل في الاستعارة. فمن ذلك ~~قولهم: إن الاستعارة تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على ~~سبيل النقل: وقال القاضي أبو الحسن: الاستعارة ما اكتفي فيه بالاسم ~~المستعار عن الأصلي ونقلت العابرة فجعلت في مكان غيرها، ومن شأن ما غمض من ~~المعاني ولطف، أن يصعب تصويره على الوجه الذي هو عليه لعامة الناس، فيقع ~~لذلك، في العبارات التي يعبر بها عنه، ما يوهم الخطأ، وإطلاقهم، في ~~الاستعارة أنها نقل للعبارة عما وضعت له، من ذلك. فلا يصح الأخذ به. وذلك ~~أنك إذا كنت لا تطلق اسم الأسد على الرجل، إلا من بعد أن تدخله في جنس ~~الأسود، من الجهة التي بينا، لم تكن نقلت الاسم عما وضع له بالحقيقة، لأنك ~~إنما تكون ناقلا إذا أنت أخرجت معناه الأصلي من أن يكون مقصودك ونفضت به ~~يدك؛ فأما أن تكون ناقلا له عن معناه مع إرادة معناه فمحال متناقض. # الاستعارة المكنية لا يظهر فيها النقل # واعلم أن في الاستعارة ما لا يتصور تقدير النقل فيه البتة. وذلك مثل قول ~~لبيد [من الكامل]: ms285 # وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # PageV01P360 # لا خلاف في أن (اليد) استعارة؛ ثم إنك لا تستطيع أن تزعم أن لفظ (اليد) ~~قد نقل عن شيء إلى شيء، وذلك أنه ليس المعنى على أنه شبه شيئا باليد، ~~فيمكنك أن تزعم أنه نقل اليد إليه، وإنما المعنى على أنه أراد أن يثبت ~~(للشمال) في تصريفها (الغداة) على طبيعتها، شبه الإنسان قد أخذ الشيء بيده ~~يقلبه ويصرفه كيف يريد؛ فلما أثبت لها مثل فعل الإنسان باليد، استعار لها ~~اليد. وكما لا يمكنك تقدير النقل في لفظ اليد، كذلك لا يمكنك أن تجعل ~~الاستعارة فيه من صفة اللفظ. ألا ترى أنه محال أن تقول: إنه استعار لفظ ~~"اليد" للشمال؟ وكذلك سبيل نظائره مما تجدهم قد أثبتوا فيه للشيء عضوا من ~~أعضاء الإنسان من أجل إثباتهم له المعنى الذي يكون في ذلك العضو من الإنسان ~~كبيت الحماسة [من الطويل]: # إذا هزه في عظم، قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك # فإنه لما جعل المنايا تضحك، جعل لها الأفواه والنواجذ التي يكون الضحك ~~فيها. وكبيت المتنبي [من الطويل]: # خميس بشرق الأرض والغرب زحفه ... وفي أذن الجوزاء منه زمازم # لما جعل الجوزاء تسمع على عادتهم، في جعل النجوم تعقل، ووصفهم لها بما ~~يوصف بها الأناسي أثبت لها الأذن التي بها يكون السمع من الأناسي؛ فأنت ~~الآن لا تسطيع أن تزعم في بيت الحماسة، أنه استعار لفظ "النواجذ" ولفظ ~~"الأفواه" لأن ذلك يوجب المحال، وهو أن يكون في المنايا شيء قد شبهه ~~بالنواجذ وشيء قد شبهه بالأفواه؛ فليس إلا أن تقول إنه لما ادعى أن المنايا ~~تسر وتستبشر إذا هو هز السيف، وجعلها لسرورها بذلك، تضحك، أراد أن يبالغ في ~~الأمر، فجعلها في صورة من يضحك حتى تبدو نواجذه من شدة السرور. وكذلك لا ~~تستيطع أن تزعم أن المتنبي قد استعار لفظ (الأذن) لأنه يوجب أن يكون في ~~الجوزاء شيء قد أراد تشبيهه بالأذن، وذلك من شنع المحال. # PageV01P361 # تعريف الاستعارة مطلقا # فقد تبين من غير ms286 وجه أن الاستعارة إنما هي ادعاء معنى الاسم للشيء، لا ~~نقل الاسم عن الشيء؛ وإذا ثبت أنها ادعاء معنى الاسم للشيء، علمت أن الذي ~~قالوه من أنها تعليق للعبارة على غير ما وضعت له في اللغة ونقل لها عما ~~وضعت له، كلام قد تسامحوا فيه، لأنه إذا كانت الاستعارة ادعاء معنى الاسم ~~لم يكن الاسم مزالا عما وضع له، مقرا عليه. # الفرق بين معنيي الجعل والتسمية # واعلم أنك تراهم لا يمتنعون، إذا تكلموا في الاستعارة من أن يقولوا: إنه ~~أراد المبالغة فجعله أسدا، بل هم يلجأون إلى القول به. وذلك صريح في أن ~~الأصل فيها المعنى، وأنه المستعار في الحقيقة، وأن قولنا: استعير له اسم ~~الأسد، إشارة لى أنه استعير له معناه، وأنه جعل إياه؛ وذلك لو لم نقل ذلك ~~لم يكن (لجعل) ههانا معنى، لأن (جعل) لا يصلح إلا حيث يراد إثبات صفة ~~للشيء، كقولنا: (جعلته أميرا وجعلته لصا) تريد أنك أثبت له الإمارة ونسبته ~~إلى اللصوصية وادعيتها عليه ورميته بها، وحكم "جعل" إذا تعدى إلى مفعولين، ~~حكم (صير). فكما لا تقول: (صيرته أميرا) إلا على معنى أنك أثبت له صفة ~~الإمارة، كذلك لا يصح أن تقول: (جعلته أسدا) إلا على معنى أنك أثبت له ~~معاني الأسد. وأما ما تجده في بعض كلامهم من أن "جعل" يكون بمعنى "سمى" فما ~~تسامحوا فيه أيضا، لأن المعنى معلوم، وهو مثل أن تجد الرجل يقول: (أنا لا ~~أسميه إنسانا). وعرضه أن يقول إني لا أثبت له المعاني التي بها كان الإنسان ~~إنسانا. ألا ترى أنك لا تجد عاقلا يقول: (جعلته زيدا). بمعنى: سميته زيدا، ~~ولا يقال للرجل: (اجعل ابنك زيدا) بمعنى: سمه زيدا، و (ولد لفلان ابن فجعله ~~عبد الله) أي: سماه عبد الله. # PageV01P362 # هذا ما لا يشك فيه ذو عقل إذا نظر. وأكثر ما يكون منهم هذا التسامح، أعني ~~قولهم إن "جعل" يكون بمعنى "سمى" في قوله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم ~~عباد الرحمان إناثا} [الزخرف: 19]. فقد ترى في التفسير أن ms287 (جعل) يكون بمعنى ~~(سمى) وعلى ذلك فلا شبهة في أن ليس المعنى على مجرد التسمية، ولكن على ~~الحقيقة التي وصفتها لك؛ وذاك أنهم اثبتوا للملائكة صفة الإناث، واعتقدوا ~~وجودها فيهم؛ وعن هذا الاعتقاد صدر عنهم ما صدر من الاسم، أعني إطلاق اسم ~~البنات، وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظ الإناث ولفظ البنات من غير اعتقاد ~~معنى وإثبات صفة. هذا محال. أو لا ترى إلى قوله تعالى: {أشهدوا خلقهم ستكتب ~~شهادتهم ويسألون} [الزخرف: 19]؟ فلو كانوا لم يزيدوا على إجراء الاسم على ~~الملائكة، ولم يعتقدوا إثبات صفة لما قال الله تعالى: {أشهدوا خلقهم}. وهذا ~~ولو كانوا لم يقصدوا إثبات صفة ولم يكن غير وضعوا اسما لا يريدون به معنى، ~~لما استحقوا إلا اليسير من الذم، ولما كان هذا القول منهم كفرا. والتفسير ~~الصحيح والعبارة المستقيمة: ما قاله أبو إسحاق الزجاج رحمه الله فإنه قال: ~~إن الجعل هاهنا في معنى القول والحكم على الشيء. تقول: "قد جعلت زيدا أعلم ~~الناس" أي وصفته بذلك وحكمت به. # فصاحة التمثيل عقلية أو معنوية لا لفظية # ونرجع إلى الغرض فنقول: فإذا ثبت أن ليست الاستعارة نقل الاسم ولكن ادعاء ~~معنى الاسم، وكنا إذا عقلنا من قول الرجل "رأيت أسدا" أنه أراد به المبالغة ~~في وصفه بالشجاعة، وأن يقول إنه من قوة القلب، ومن فرط البسالة وشدة البطش، ~~وفي أن الخوف لا يخامره، والذعر لا يعرض له بحيث لا ينقص عن الأسد، لم نعقل ~~ذلك من لفظ (أسد) ولكن من ادعائه معنى الأسد الذي رآه - ثبت بذلك أن ~~الاستعارة كالكناية في أنك تعرف المعنى فيها من طريق المعقول، دون طريق ~~اللفظ. # PageV01P363 # وإذ قد عرفت أن طريق العلم بالمعنى، في الاستعارة والكناية معا: المعقول، ~~فاعلم أن حكم التمثيل في ذلك حكمها، بل الأمر في التمثيل أظهر. وذلك أنه ~~ليس من عاقل يشك إذا نظر في كتاب يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد حيث ~~بلغه أنه يتلكأ في بيعته: أما بعد، فإني أراد تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فإذا ~~أتاك ms288 كتابي هذا فاعتمد على أيتهما شئت والسلام، يعلم أن المعنى أنه يقول ~~له: بلغني أنك في أمر البيعة بين رأيين مختلفين: ترى تارة أن تبايع وأخرى ~~أن تمتنع من البيعة؛ فإذا أتاك كتابي هذا فاعمل في أي الرأيين شئت: وإنه لم ~~يعرف ذلك من لفظ (التقديم والتأخير) أو من لفظ (الرجل)، ولكن بأن علم أنه ~~لا معنى لتقديم الرجل وتأخيرها، في رجل يدعى إلى البيعة، وإن المعنى على ~~أنه أراد أن يقول إن مثلك في ترددك بين أن تبايع وبين أن تمتنع، مثل رجل ~~قائم ليذهب في أمر، فجعلت نفسه تريه تارة أن الصواب في أن يذهب وأخرى أنه ~~في أن لا يذهب؛ فجعل يقدم رجلا تارة ويؤخر أخرى. # PageV01P364 # وهكذا كل كلام كان ضرب مثل، لا يخفى على من له أدنى تمييز أن الأغراض ~~التي تكون للناس في ذلك، لا تعرف من الألفاظ ولكن تكون المعاني الحاصلة من ~~مجموع الكلام أدلة على الأغراض والمقاصد؛ ولو كان الذي يكون غرض المتكلم ~~يعلم من اللفظ، ما كان لقولهم: (ضرب كذا مثلا لكذا)، معنى، فما اللفظ يضرب ~~مثلا ولكن المعنى. فإذا قلنا في قول النبي عليه السلام "إياكم وخضراء ~~الدمن" إنه ضرب، عليه السلام، (خضراء الدمن) مثلا للمرأة الحسناء في منبت ~~السوء، لم يكن المعنى أنه صلى الله عليه وسلم، ضرب لفظ (خضراء الدمن) مثلا ~~لها. هذا ما لا يظنه من به مس، فضلا عن العاقل. فقد زال الشك وارتفع في أن ~~طريق العلم بما يراد إثباته والخبر به في هذه الأجناس الثلاثة التي هي ~~الكناية والاستعارة والتمثيل: المعقول دون اللفظ من حيث يكون القصد ~~بالإثبات فيها إلى معنى ليس هو معنى اللفظ، ولكنه معنى يستدل بمعنى اللفظ ~~عليه، ويستنبط منه؛ كنحو ما ترى من أن القصد في قولهم: (هو كثير رماد ~~القدر) إلى كثرة القرى، وأنت لا تعرف ذلك من هذا اللفظ الذي تسمعه، ولكنك ~~تعرفه بأن تستدل عليه بمعناه على ما مضى الشرح فيه. # وجه الاستدلال بالاستعارة والكناية والتمثيل في الباب ms289 # PageV01P365 # وإذ قد عرفت ذلك، فنيبغي أن يقال لهؤلاء الذين اعترضوا علينا، في قولنا ~~إن الفصاحة وصف تجب للكلام من أجل مزية تكون في معناه، وأنها لا تكون وصفا ~~له من حيث اللفظ مجردا عن المعنى؛ واحتجوا بأن قالوا: إنه لو كان الكلام ~~إذا وصف بأنه فصيح كان ذلك من أجل مزية تكون في معناه، لوجب أن يكون تفسيره ~~فصيحا مثله: - أخبرونا عنكم: أتررون أن من شأن هذه الأجناس، إذا كانت في ~~الكلام، أن تكون له بها مزية توجب له الفصاحة أم لا ترون ذلك؟ فإن قالوا: ~~لا نرى ذلك، لم يكلموا. وإن قالوا: نرى للكلام إذا كانت فيه مزية توجب له ~~الفصاحة، قيل لهم: فأخبرونا عن تلك الزمية! أتكون في اللفظ أم في المعنى؟ ~~فإن قالوا: في اللفظ، دخلوا في الجهالة من حيث يلزم من ذلك أن تكون الكناية ~~والاستعارة والتمثيل، أوصافا للفظ لأنه لا يتصور أن تكون مزيتها في اللفظ ~~حتى تكون أوصافا له، وذلك محال من حيث يعلم كل عاقل أنه لا يكنى باللفظ عن ~~اللفظ، وأنه إنما يكنى بالمعنى عن المعنى. # وكذلك يعلم أنه لا يستعار اللفظ مجردا عن المعنى، ولكن يستعار المعنى ثم ~~اللفظ يكون تبع المعنى على ما قدمنا الشرح فيه. ويعلم كذلك أنه محال أن ~~يضرب المثل باللفظ، وأن يكون قد ضرب لفظ "أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى" مثلا ~~لتردده في أمر البيعة. وإن قالوا: هي في المعنى، قيل لهم: فهو ما أردناكم ~~عليه؛ فدعوا الشك عنك، وانتبهوا من رقدتكم، فإنه علم ضروري قد أدى التقسيم ~~إليه، وكل علم كان كذلك، فإنه يجب القطع على كل سؤال يسأل فيه، بأنه خطأ، ~~وأن السائل ملبوس عليه. # PageV01P366 # ثم إن الذي يعرف به وجه دخول الغلط عليهم في قولهم: إنه لو كان الكلام ~~يكون فصيحا من أجل مزية تكون في معناه، لوجب أن يكون تفسيره فصيحا مثله: هو ~~أنك إذا نظرت إلى كلامهم هذا، وجدتهم كأنهم قالوا: إنه لو كان الكلام إذا ~~كان فيه كناية أو استعارة ms290 أو تمثيل، كان ذلك فصيحا، لوجب أن يكون إذا لم ~~توجد فيه هذه المعاني، فصيحا أيضا، ذلك لأن تفسير الكناية أن نتركها ونصرح ~~بالمكنى عنه، فنقول إن المعنى في قولهم: (هو كثير رماد القدر)، أنه كثير ~~القرى. وكذلك الحكم في الاستعارة. فإن تفسيرها أن نتركها ونصرح بالتشبيه، ~~فنقول في "رأيت أسدا": إن المعنى: رأيت رجلا يساوي الأسد في الشجاعة. وكذلك ~~الأمر في التمثيل، لأن تفسيره أن نذكر المتمثل له، فنقول في قوله: "أراك ~~تقدم رجلا وتؤخر أخرى" إن المعنى أنه قال: "أراك تتردد في أمر البيعة، ~~فتقول: تارة أفعل وتارة لا أفعل، كمن يريد الذهاب في وجه فتريه نفسه تارة ~~أن الصواب في أن يذهب وأخرى أنه في أن لا يذهب، فيقدم رجلا ويوخر أخرى. ~~وهذا خروج عن المعقول، لأنه بمنزلة أن تقول لرجل قد نصب لوصفه علة: إن كان ~~هذا الوصف يجب لهذه العلة، فنبغي أن يجب مع عدمها. # الفرق بين معنى المفسر ومعنى التفسير # PageV01P367 # ثم إن استهواهم هو أنهم نظروا إلى تفسير ألفاظ اللغة بعضها ببعض، فلما ~~رأوا اللفظ، فسر بلفظ مثل أن يقال في "الشرجب" إنه الطويل، لم يجز أن يكون ~~في المفسر من حيث المعنى مزية لا تكون في التفسير، ظنوا أن سبيل ما نحن فيه ~~ذلك السبيل؛ وذلك غلط منهم، لأنه إنما كان المفسر فيما نحن فيه الفضل ~~والمزية على التفسير من حيث كانت الدلالة في المفسر دلالة معنى على معنى، ~~وفي التفسير دلالة لفظ على معنى، وكان من المركوز في الطباع والراسخ في ~~غرائز العقول، أنه متى أريد الدلالة على معنى فترك أن يصرح به ويذكر باللفظ ~~الذي هو له في اللغة، وعمد إلى معنى آخر فأشير به إليه، وجعل دليلا عليه، ~~كان للكلام بذلك حسن ومزية لا يكونان إذا لم يصنع ذلك وذكر بلفظه صريحا، ~~ولا يكون هذا الذي ذكرت أنه سبب فضل المفسر على التفسير من كون الدلالة في ~~المفسر دلالة معنى على معنى وفي التفسير دلالة لفظ على معنى حتى يكون ms291 للفظ ~~المفسر معنى معلوم يعرفه السامع، وهو غير معنى لفظ التفسير في نفسه ~~وحقيقته، كما ترى من أن الذي هو معنى اللفظ في قولهم (هو كثير رماد القدر) ~~غير الذي هو معنى اللفظ في قولهم: (هو كثير القرى) ولو لم يكن كذلك، لم ~~يتصور أن يكون هاهنا دلالة معنى على معنى. # PageV01P368 # وإذ قد عرفت هذه الجملة فقد حصل لنا منها أن المفسر يكون له دلالتان ~~دلالة اللفظ على المعنى، ودلالة المعنى الذي دل اللفظ عليه على معنى لفظ ~~آخر، ولا يكون للتفسير إلا دلالة واحدة وهي دلالة اللفظ؛ وهذا الفرق هو سبب ~~أن كان للمفسر الفضل والمزية على التفسير، ومحال أن يكون هذا قضية المفسر ~~والتفسير في ألفاظ اللغة. ذاك لأن معنى المفسر يكون مجهولا عند السامع، ~~ومحال أن يكون للمجهول دلالة. ثم إن معنى المفسر يكون هو معنى التفسير ~~بعينه، ومحال إذا كان المعنى واحدا أن يكون للمفسر فضل على التفسير لأن ~~الفضل كان في مسألتنا بأن دل لفظ المفسر على معنى، ثم دل معناه على معنى ~~آخر. وذلك لا يكون مع كون المعنى واحدا ولا يتصور. # التقليد سبب غلط القائلين بأن الفصاحة للفظ # بيان هذا أنه محال أن يقال إن معنى "الشرجب" الذي هو المفسر، يكون دليلا ~~على معنى تفسيره الذي هو الطويل، على وزان قولنا إن معنى "كثير رماد القدر" ~~يدل على معنى تفسيره الذي هو "كثير القرى"، لأمرين: أحدهما أنك لا تفسر ~~(الشرجب) حتى يكون معناه مجهولا عند السامع. ومجال أن يكون للمجهول دلالة. ~~والثاني أن المعنى في تفسيرنا (الشرجب) بالطويل، أن نعلم السامع أن معناه ~~هو معنى الطويل بعينه. وإذا كان كذلك، كان محالا أن يقال أن معناه يدل على ~~معنى الطويل، والذي يعقل أن يقال إن معناه هو معنى الطويل. فاعرف ذلك، ~~وانظر إلى لعب الغفلة بالقوم، وإلى ما رأوا في منامهم من الأحلام الكاذبة؛ ~~ولو أنهم تركوا الاستنامة إلى التقليد، والأخذ بالهوينا وترك النظر، ~~وأشعروا قلوبهم أن ههنا كلاما ينبغي أن يصغى إليه، ms292 لعلموا ولعاد إعجابهم ~~بأنفسهم في سؤالهم هذا وفي سائر أقوالهم، عجبا منها ومن تطويح الظنون بها. # سبب كون الكناية أبلغ من التصريح # PageV01P369 # وإذ قد بان سقوط ما اعترض به القوم، وفحش غلطهم، فينبغي أن تعلم أن ليست ~~المزايا لتي تجدها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره، والمبالغة ~~التي تحسها: في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم بخبره إليها، ولكنها في ~~طريق إثباته لها، وتقريره إياها، وأنك إذا سمعتهم يقولون: إن من شأن هذه ~~الأجناس أن تكسب المعاني مزية وفضلا، وتوجب لها شرفا ونبلا، وأن تفخمها في ~~نفوس السامعين، فإنهم لا يعنون أنفس المعاني التي يقصد المتكلم بخبره ~~إليها، كالقرى والشجاعة والتردد في الرأي، وإنما يعنون إثباتها لما تثبت له ~~ويخبر بها عنه؛ فإذا جعلوا للكناية مزية على التصريح، لم يجعلوا تلك المزية ~~في المعنى المكنى عنه، ولكن في إثباته للذي ثبت له. وذلك أنا نعلم أن ~~المعاني التي يقصد الخبر بها لا تتغير في أنفسها بأن يكنى عنها بمعان ~~سواها، ويترك أن تذكر الألفاظ التي هي لها في اللغة. # PageV01P370 # ومن هذا الذي يشك أن معنى طول القامة، وكثرة القرى، لا يتغيران بأن يكنى ~~عنهما (بطول النجاد وكثرة رماد القدر)، وتقدير التغيير فيها يؤدي إلى أن لا ~~تكون الكناية عنهما ولكن عن غيرهما. وقد ذكرت هذا في صدر الكتاب، وذكرت أن ~~السبب في أن كان يكون للإثبات، إذا كان من طريق الكناية مزية لا تكون إذا ~~كان من طريق التصريح، أنك إذا كنيت عن كثرة القرى بكثرة رماد القدر، كنت قد ~~أثبت كثرة القرى بإثبات شاهدها ودليلها، وما هو علم على وجودها، وذلك لا ~~محالة يكون أبلغ من إثباتها بنفسها، وذلك لأن يكون سبيلها حنيئذ سبيل ~~الدعوى تكون مع شاهد؛ وذكرت أن السبب في أن كانت الاستعارة أبلغ من ~~الحقيقة، أنك إذا ادعيت للرجل أنه أسد بالحقيقة، كان ذلك أبلغ وأشد في ~~تسويته بالأسد في الشجاعة. ذاك لأنه محال أن يكون في الأسود، ثم لا تكون له ~~شجاعة الأسود. وكذلك الحكم ms293 في التمثيل: فإذا قلت: (أراك تقدم رجلا وتؤخر ~~أخرى) كان أبلغ في إثبات التردد له من أن تقول: (أنت كمن يقدم رجلا ويؤخر ~~أخرى). # رأي في سبب بلاغة الاستعارة ورده # PageV01P371 # واعلم أنه قد يهجس في نفس الإنسان شيء يظن من أجله، أنه ينبغي أن يكون ~~الحكم في المزية التي تحدث بالاستعارة، أنها تحدث في المثبت دون الإثبات، ~~وذلك أن تقول: "إنا إذا نظرنا إلى الاستعارة وجدناها إنما كانت أبلغ من أجل ~~أنها تدل على قوة الشبه وأنه قد تناهى إلى أن صار المشبه لا يتميز عن ~~المشبه به في المعنى الذي من أجله شبه به؛ وإذا كان كذلك، كانت المزية ~~الحادثة بها حادثة في الشبه، وإذا كانت حادثة في الشبه كانت في المثبت دون ~~الإثبات: والجواب عن ذلك أن يقال إن الاستعارة، لعمري، تقتضي قوة الشبه ~~وكونه بحيث لا يتميز المشبه عن المشبه به؛ ولكن ليس ذاك سبب المزية، وذلك ~~لأنه لو كان ذاك سبب المزية، لكان ينبغي، إذا جئت به صريحا فقلت: رأيت رجلا ~~مساويا للأسد في الشجاعة، وبحيث لولا صورته لظننت أنك رأيت أسدا، وما شاكل ~~ذلك من ضروب المبالغة، أن تجد لكلامك المزية التي تجدها لقولك: (رأيت ~~أسدا). وليس يخفى على عاقل أن ذلك لا يكون. # فإن قال قائل: إن المزية من أجل أن المساواة تعلم في "رأيت أسدا" من طريق ~~المعنى وفي "رأيت رجلا مساويا للأسد" من طريق اللفظ: قيل قد قلنا فيما ~~تقدم: إنه محال أن يتغير حال المعنى في نفسه بأن يكنى عنه بمعنى آخر، وأنه ~~لا يتصور أن يتغير معنى طول القامة بأن يكنى عنه ب (طول النجاد)، ومعنى ~~كثرة القرى بأن يكنى عنه ب (كثرة الرماد). وكما أن ذلك لا يتصور، فكذلك لا ~~يتصور أن يتغير معنى مساواة الرجل الأسد في الشجاعة، بأن يكنى عن ذلك ويدل ~~عليه بأن تجعله أسدا، فأنت الآن إذا نظرت إلى قوله [من البسيط]: # فأسبلت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد # PageV01P372 # فرأيته قد أفادك ms294 أن الدمع كان لا يحرم من شبه اللؤلؤ، والعين من شبه ~~النرجس شيئا - فلا تحسبن أن سبب الحسن الذي تراه والأريحية التي تجدها عنده ~~أنه أفادك ذلك فحسب، وذاك أنك تستطيع أن تجيء به صريحا فتقول: (فأسبلت دمعا ~~كأنه اللؤلؤ بعينه من عين كأنها النرجس حقيقة) ثم لا ترى من ذلك الحسن ~~شيئا. ولكن اعلم أن سبب أن راقك وأدخل الأريحية عليك، أنه أفادك في إثبات ~~شدة الشبة مزية وأوجدك فيه خاصة قد غرز في طبع الإنسان أن يرتاح لها، ويجد ~~في نفسه هزة عندها، وهكذا حكم نظائره، كقول أبي نواس [من السريع]: # تبكي فتذري الدر عن نرجس ... وتلطم الورد بعناب # وقول المتنبي [من الوافر]: # بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا # واعلم أن من شأن الاستعارة، أنك كلما زدت إرادتك التشبيه إخفاء، ازدادت ~~الاستعارة حسنا، حتى إنك تراها أغرب ما تكون، إذا كان الكلام قد ألف تأليفا ~~إن أردت أن تفصح فيه بالتشبيه خرجت إلى شيء تعافه النفس، ويلفظه السمع. ~~ومثال ذلك قول ابن المعتز [من العديد]: # أثمرت أغصان راحته ... بجنان الحسن عنبا # حسن الاستعارة على قدر إخفاء التشبيه # ألا ترى أنك لو حملت نفسك على أن تظهر التشبيه وتفصح به، احتجت إلى أن ~~تقول: (أثمرت أصابع يده التي هي كالأغصان لطالبي الحسن شبيه العناب من ~~أطرافها المخضوبة)، وهذا ما لا تخفى غثاثته. من أجل ذلك، كان موقع (العناب) ~~في هذا البيت أحسن منه في قوله: # وعضت على العناب بالبرد # وذاك لأن إظهار التشبيه فيه، لا يقبح هذا القبح، المفرط لأنك لو قلت: ~~(وعضت على أطراف أصابع كالعناب بثغر كالبرد)، كان شيئا يتكلم بمثله وإن كان ~~مرذولا. وهذا موضع لا يتبين سره إلا من كان ملتهب الطبع حادا القريحة. وفي ~~الاستعارة علم كثير ولطائف معان ودقائق فروق، وسنقول فيها إن شاء الله في ~~وضع آخر. # PageV01P373 # واعلم أنا حين أخذنا في الجواب عن قولهم: نه لو كان الكلام يكون فصيحا من ~~أجل مزية تكون في معناه، لكان ينبغي ms295 أن يكون تفسيره فصيحا مثله؛ قلنا: إن ~~الكلام الفصيح ينقسم قسمين - قسم تعزى المزية فيه إلى اللفظ، وقسم تعزى فيه ~~إلى النظم. قد ذكرنا في القسم الأول من الحجج ما لا يبقى معه لعاقل إذا هو ~~تأملها شك في بطلان ما تعلقوا به من أنه يلزمنا في قولنا "إن الكلام يكون ~~فصيحا من أجل مزية تكون في معناه أن يكون تفسير الكلام الفصيح فصيحا مثله، ~~وأنه تهوس منهم وتقحم في المجالات. # وأما القسم الذي تعزى فيه المزية إلى النظم، فإنهم إن ظنوا أن سؤالهم ~~الذي اغتروا به يتجه لهم فيه، كان أمرهم أعجب، وكان جهلهم في ذلك أغرب، ~~وذلك أن النظم كما بينا هو توخي معاني النحو وأحكامه وفروقه ووجوهه، والعمل ~~بقوانينه وأصوله، وليست معاني النحو معاني الألفاظ فيتصور أن يكون لها ~~تفسير. # مثال كون الفصاحة في النظم معنوية "بالفاتحة" # PageV01P374 # وجملة الأمر أن النظم إنما هو أن (الحمد) من قوله تعالى: {بسم الله ~~الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 1 - 2] مبتدأ و (لله) ~~خبر و (رب) صفة لاسم الله تعالى، ومضاف إلى (العالمين) و (العالمين) مضاف ~~إليه؛ و (الرحمن الرحيم) صفتان كالرب؛ و (مالك) من قوله {مالك يوم الدين} ~~[الفاتحة: 4] صفة أيضا، ومضاف إلى (يوم) و (يوم) مضاف إلى (الدين)، و ~~(إياك) ضمير اسم الله تعالى مما هو ضمير يقع موقع الاسم إذا كان الاسم ~~منصوبا. معنى ذلك أنك لو ذكرت اسم الله مكانه لقلت: (الله نعبد). ثم إن ~~(نعبد) هو المقتضي معنى النصب فيه؛ وكذلك حكم {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5]. ~~ثم إن جملة {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] معطوف ب (الواو) على جملة {إياك ~~نعبد} [الفاتحة: 5] و (الصراط) مفعول، و (المستقيم) صفة (للصراط)، و {صراط ~~الذين} [الفاتحة: 7] بدل من (الصراط المستقيم)، {أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] ~~صلة (الذين)، و {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] صفة (الذين)، و {ولا ~~الضآلين} [الفاتحة: 7] معطوف على {المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7]. # فانظر الآن هل يتصور في شيء من هذه المعاني، أن يكون معنى اللفظ؟ وهل ~~يكون كون "الحمد" مبتدأ معنى ms296 لفظ (الحمد)؟ أم يكون (رب) صفة وكونه مضافا ~~إلى (العالمين) معنى لفظ الرب؟ # PageV01P375 # فإن قيل: إنه إن لم تكن هذه المعاني، معاني أنفس الألفاظ، فإنها تعلم على ~~كل حال، من ترتيب الألفاظ ومن الإعراب؛ فبالرفع في (الدال) من "الحمد" يعلم ~~أنه مبتدأ، و (بالجر) في (الباء) من "رب" يعلم أنه صفة، و (بالياء) في ~~"العالمين" يعلم أنه مضاف إليه. وعلى هذا قياس الكل؛ قيل: ترتيب اللفظ لا ~~يكون لفظا، والإعراب وإن كان يكون لفظا فإنه لا يتصور أن يكون ههنا لفظان ~~كلاهما علامة إعراب، ثم يكون أحدهما تفسيرا للآخر. وزيادة القول في هذا، من ~~خطل الرأي. فإنه مما يعلمه العاقل ببديهة النظر، ومن لم يتنبه له في أول ما ~~يسمع، لم يكن أهلا لأن يكلم. ونعود إلى رأس الحديث فنقول: # وضوح كون النظم هو توخي معاني النحو # قد بطل الآن من كل وجه وكل طريق، أن تكون الفصاحة وصفا للفظ من حيث هو ~~لفظ ونطق لسان. وإذا كان هذا صورة الحال وجملة الأمر، ثم لم تر القوم ~~تفكروا في شيء مما شرحناه بحال، ولا أخطروه لهم ببال، بان وظهر أنهم لم ~~يأتوا لأمر من بابه، ولم يطلبوه من معدنه، ولم يسلكوا إليه طريقه، وأنهم لم ~~يزيدوا على أن أوهموا أنفسهم وهما كاذبا، أنهم قد أبانوا الوجه الذي به كان ~~القرآن معجزا؛ والوصف الذي به بان من كلام المخلوقين، من غير أن يكونوا قد ~~قالوا فيه قولا يشفي من شاك غليلا، ويكون على علم دليلا، وإلى معرفة ما ~~قصدوا إليه سبيلا. # واعلم أنه إذا نظر العاقل إلى هذه الأدلة فرأى ظهورها، استبعد أن يكون قد ~~ظن ظان في الفصاحة أنها من صفة اللفظ صريحا. ولعمري إنه كذلك ينبغي؛ إلا ~~أنا إنما ننظر إلى جدهم وتشددهم وبتهم الحكم بأن المعاني لا تتزايد وإنما ~~تتزايد الألفاظ، فلئن كانوا قد قالوا: الألفاظ، وهم لا يريدونها أنفسها ~~وإنما يريدون لطائف معان تفهم منها، لقد كان ينبغي أن يتبعوا ذلك من قولهم ~~ما ينبىء عن غرضهم، ms297 وأن يذكروا أنهم عنوا بالألفاظ ضربا من المعنى، وأن ~~غرضهم مفهوم خاص. # PageV01P376 # هذا وأمر النظم في أنه ليس شيئا غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم ~~وأنك ترتب المعاني أولا في نفسك، ثم تحذوا على ترتيبها الألفاظ في نطقك، ~~وأنا لو فرضنا أن تخلو الألفاظ من المعاني، لم يتصور أن يجب فيها نظم ~~وترتيب، في غاية القوة والظهور. وثم ترى الذين لهجوا بأمر اللفظ قد أبوا ~~إلا أن يجعلوا النظم في الألفاظ، فترى الرجل منهم يرى ويعلم أن الإنسان لا ~~يستطيع أن يجيء بالألفاظ مرتبة إلا من بعد أن يفكر في المعاني، ويرتبها في ~~نفسه على ما أعلمناك، ثم تفتشه فتراه لا يعرف الأمر بحقيقته، وتراه ينظر ~~إلى حال السامع، فإذا رأى المعاني لا تقع مرتبة في نفسه، إلا من بعد أن تقع ~~الألفاظ مرتبة في سمعه، نسي حال نفسه واعتبر حال من يسمع منه. وسبب ذلك قصر ~~الهمة، وضعف العناية، وترك النظر والأنس بالتلقيد. وما يغنى وضوح الدلالة ~~مع من لا ينظر فيها، وإن الصبح ليملأ الأفق لا يراه النائم ومن قد أطبق ~~جفنه؟ # إفساد التقليل للذوق والفهم في الفصاحة # واعلم أنك لا ترى في الدنيا علما قد جرى الأمر فيه بديئا وأخيرا، على ما ~~جرى عليه في علم الفصاحة والبيان. # أما البديء فهو أنك لا ترى نوعا من أنواع العلوم إلا وإذا تأملت كلام ~~الأولين الذين علموا الناس وجدت العبارة فيه أكثر من الإشارة، والتصريح ~~أغلب من التلويح؛ والأمر في علم الفصاحة بالضد من هذا. فإنك إذا قرأت ما ~~قاله العلماء فيه وجدت جله أو كله رمزا ووحيا وكناية وتعريضا، وإيماء إلى ~~الغرض من وجه لا يفطن له إلا من غلغل الفكر وأدق النظر، ومن يرجع من طبعه ~~إلى ألمعية يقوى معها على الغامض، ويصل بها إلى الخفي حتى كان بسلا حراما ~~أن تتجلى معانيهم سافرة الأوجه لا نقاب لها، وبادية الصفحة لا حجاب ذونها، ~~وحتى كأن الإفصاح بها حرام، وذكرها إلا على سبيل الكناية والتعريض، غير ~~سائغ. ms298 # PageV01P377 # الخطأ في علم الفصاحة وكلام الأولين في اللفظ # وأما الأخير فهو أنا لم نر العقلاء قد رضوا، من أنفسهم في شيء من العلوم، ~~أن يحفظوا كلاما للأولين ويتدارسوه ويكلم به بعضهم بعضا، من غير أن يعرفوا ~~له معنى، ويقفوا منه على غرض صحيح، ويكون عندهم، إن يسألون عنه، بيان له ~~وتفسير، إلا علم الفصاحة. فإنك ترى طبقات من الناس يتداولون فيما بينهم ~~ألفاظا للقدماء وعبارات من غير أن يعرفوا لها معنى أصلا، أو يستطيعوا إن ~~يسألوا عنها، أن يذكروا لها تفسيرا يصح. # PageV01P378 # فمن أقرب ذلك أنك تراهم يقولون، إذا هم تكلموا في مزية كلام على كلام: إن ~~ذلك يكون بجزالة اللفظ. وإذا تكلموا في زيادة نظم على نظم، إن ذلك يكون ~~لوقوعه على طريقة مخصوصة وعلى وجه دون وجه، ثم لا تجدهم يفسرون الجزالة ~~بشيء ويقولون في المراد بالطريقة والوجه ما يحلى منه السامع بطائل؛ ويقرأون ~~في كتب البلغاء ضروب كلام قد وصفوا اللفظ فيها بأوصاف تعلم ضرورة أنها لا ~~ترجع إليه من حيث هو لفظ ونطق لسان وصدى حرف كقولهم: لفظ متمكن غير قلق ولا ~~ناب به موضعه، وأنه جيد السبك صحيح الطابع، وأنه ليس فيه فضل عن معناه ~~وكقولهم: إن من حق اللفظ أن يكون طبقا للمعنى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه. ~~وكقول بعض من وصف رجلا من البلغاء: (كانت ألفاظه قوالب لمعانيه)، هذا إذا ~~مدحوه - وقولهم إذا ذموه: (هو لفظ معقد، وإنه بتعقيده، قد استهلك المعنى؛ ~~وأشباه لهذا). ثم لا يخطر ببالهم أنه يجب أن يطلب لما قالوه معنى وتعلم له ~~فائدة ويجشم فيه فكر، وأن يعتقد على الجملة، أقل ما في الباب أنه كلام لا ~~يصح حمله على ظاهره، وأن يكون المراد باللفظ فيه نطق اللسان. فالوصف ~~بالتمكن والقلق من اللفظ محال، فإنما يتمكن الشيء ويقلق إذا كان شيئا يثبت ~~في مكان؛ والألفاظ حروف لا يوجد منها حرف حتى يعدم الذي كان قبله. وقولهم ~~(متمكن أو قلق) وصف للكلمة بأسرها، لا حرف منها. ثم إنه ms299 لو كان يصح في حروف ~~الكلمة أن تكون باقية بمجموعها، لكان ذلك فيها محالا أيضا من حيث إن الشيء ~~إنما يتمكن ويقلق في مكانه الذي يوجد فيه، ومكان الحروف إنما هو الحلق ~~والفم واللسان والشفتان؛ فلو كان يصح عليها أن توصف بأنها تتمكن وتقلق، ~~لكان يكون ذلك التمكن وذلك القلق منها في أماكنها من الحلق والفم واللسان ~~والشفتين. # PageV01P379 # وكذلك قولهم: لفظ ليس فيه فضل عن معناه: حال أن يكون المراد به اللفظ، ~~لأنه ليس هاهنا اسم أو فعل أو حرف يزيد على معناه أو ينقص عنه. كيف وليس ~~بالذرع وضعت الألفاظ على المعاني. وإن اعتبرنا المعاني المستفادة من الجمل، ~~فكذلك؛ وذلك أنه ليس هاهنا جملة، من مبتدإ وخبر أو فعل وفاعل يحصل به ~~الإثبات أو النفي، أتم أو أنقص مما يحصل بأخرى، وإنما فضل اللفظ عن المعنى ~~أن تريد الدلالة بمعنى على معنى فتدخل في أثناء ذلك شيئا لا حاجة بالمعنى ~~المدلول عليه، إليه. وكذلك السبيل في السبك والطابع وأشباههما لا يحتمل شيء ~~من ذلك أن يكون المراد به اللفظ من حيث هو لفظ. # جهل القائلين بفصاحة اللفظ وكشف شبهتهم # فإن أردت الصدق، فإنك لا ترى في الدنيا شأنا أعجب من شأن الناس مع اللفظ، ~~ولا فساد رأي مازج النفوس وخامرها، واستحكم فيها وصار كإحدى طبائعها، أغرب ~~من فساد رأيهم في اللفظ؛ فقد بلغ من ملكته لهم وقوته عليهم، أن تركهم ~~وكأنهم إذا نوظروا فيه أخذوا عن أنفسهم، وغيبوا عن عقولهم، وحيل بينهم وبين ~~أن يكون لهم فيما يسمعونه نظر، ويرى لهم إيراد في الإصغاء وصدر، فلست ترى ~~إلا نفوسا قد جعلت ترك النظر دأبها، ووصلت بالهوينا أسبابها؛ فهي تغتر ~~بالأضاليل، وتتباعد عن التحصيل، وتلقي بأيديها إلى الشبه، وتسرع إلى القول ~~المموه. # معنى فصاحة الكلم في "فصيح ثعلب وأمثاله # PageV01P380 # ولقد بلغ من قلة نظرهم أن قوما منهم لما رأوا الكتب المصنفة في اللغة قد ~~شاع فيها أن توصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، ورأوا أبا العباس ثعلبا قد سمى ~~كتابه (الفصيح) مع ms300 أنه لم يذكر فيه إلا اللغة والألفاظ المفردة، وكان محالا ~~إذا قيل: إن "الشمع" (بفتح الميم) أفصح من "الشمع" ب (إسكانه)، أن يكون ذلك ~~من أجل المعنى. إذ ليس تفيد (الفتحة) في (الميم) شيئا في الذي سمي به - سبق ~~إلى قلوبهم أن حكم الوصف بالفصاحة أينما كان، وفي أي شيء كان، أن لا يكون ~~له مرجع إلى المعنى البتة، وأن يكون وصفا للفظ في نفسه ومن حيث هو لفظ ونطق ~~لسان، ولم يعلموا أن المعنى في وصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، أنها في ~~اللغة أثبت، وفي استعمال الفصحاء أكثر، أو أنها أجرى على مقاييس اللغة ~~والقوانين التي وضعوها، وان الذي هو معنى الفصاحة في أصل اللغة هو الإبانة ~~عن المعنى بدلالة قولهم: فصيح وأعجم، وقولهم: أفصح الأعجمي، وفصح اللحان، ~~وأفصح الرجل بكذا: إذا صرح به، وأنه لو كان وصفهم الكلمات المفدرة ~~بالفصاحة، من أجل وصف هو لها من حيث هي ألفاظ ونطق لسان، لوجب، إذ وجدت ~~كلمة يقال إنها كلمة فصيحة على صفة في اللفظ، أن لا توجد كلمة على تلك ~~الصفة إلا وجب لها أن تكون فصيحة، وحتى يجب إذا كان (نقهت الحديث) (بالكسر) ~~أفصح منه (بالفتح)، أن يكون سبيل كل فعل مثله في الزنة أن يكون (الكسر) فيه ~~أفصح من (الفتح). ثم إن فيما أودعه ثعلب كتابه ما هو أفصح من أجل أن لم يكن ~~فيه حرف كان فيما جعله أفصح منه. مثل إن "وقفت" أفصح من "أوقفت". أفترى أنه ~~حدث في (الواو) و (القاف) و (الفاء) بأن لم يكن معها الهمزة، فضيلة وجب لها ~~أن تكون أفصح؟ وكفى برأي هذا مؤداه تهافتا وخطلا. # دلالة الاستعارة ولا سيما المكنية على الفصاحة للمعاني # PageV01P381 # وجملة الأمر أنه لا بد لقولنا "الفصاحة" من معنى يعرف. فإن كان ذلك ~~المعنى وصفا في ألفاظ الكلمات المفردة، فينبغي أن يشار لنا إليه، وتوضع ~~اليد عليه، من أبين ما يدل على قلة نظرهم أنه لا شبهة على من نظر في كتاب ~~تذكر فيه الفصاحة، أن الاستعارة ms301 عنوان ما يجعل به اللفظ فصيحا، وأن المجار ~~جملته، والإيجاز من معظم ما يوجب للفظ الفصاحة. وأنت تراهم يذكرون ذلك ~~ويعتمدونه، ثم يذهب عنهم أن إيجابهم الفصاحة للفظ بهذه المعاني، اعتراف ~~بصحة ما نحن ندعوهم إلى القول به، من أنه يكون فصيحا لمعناه. # أما الاستعارة فإنهم، إن أغفلوا فيها الذي قلناه، من أن المستعار ~~بالحقيقة يكون معنى اللفظ واللفظ تبع من حيث إنا لا نقول: (رأيت أسدا) ونحن ~~نعني رجلا، إلا على أنا ندعي أنا رأينا أسدا بالحقيقة، من حيث نجعله لا ~~يتميز عن الأسد في بأسه وبطشه وجراءة قلبه، فإنهم على كل حال، لا يستطيعون ~~أن يجعلوا الاستعارة وصفا للفظ من حيث هو لفظ، مع أن اعتقادهم أنك إذا قلت: ~~(رأيت أسدا): كنت نقلت اسم الأسد إلى الرجل، أو جعلته هكذا غفلا ساذجا في ~~معنى شجاع؛ افترى أن لفظ "الأسد" لما نقل عن السبع إلى الرجل المشبه به، ~~أحدث هذا النقل في أجراس حروفه ومذاقتها وصفا صار بذلك الوصف فصيحا؟ # ثم إن من الاستعارة قبيلا لا يصح أن يكون المستعار فيه اللفظ البتة، ولا ~~يصح أن تقع الاستعارة فيه إلا على المعنى، وذلك ما كان مثل "اليد" في قول ~~لبيد [من الكامل]: # وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # PageV01P382 # ذاك أنه ليس هاهنا شيء يزعم أنه شبهه باليد، حتى يكون لفظ "اليد" مستعارا ~~له، وكذلك ليس فيه شيء يتوهم أن يكون قد شبهه بالزمام، وإنما المعنى على ~~أنه شبه الشمال في تصريفها الغداة، على طبيعتها، بالإنسان يكون زمام البعير ~~في يده. فهو يصرفه على إرادته. ولما أراد ذلك، جعل للشمال يدا وعلى الغداة ~~زماما وقد شرحت هذا قبل شرحا شافيا. # تفضيل الاستعار بالكناية على غيرها في الفصاحة # وليس هذا الضرب من الاستعارة بدون الضرب الأول في إيجاب وصف الفصاحة ~~للكلام، لا بل هو أقوى منه في اقتضائها؛ والمحاسن التي تظهر به، والصور ~~التي تحدث للمعاني بسببه، آنق وأعجب. وإن أردت أن تزداد علما بالذي ذكرت لك ms302 ~~من أمره، فانظر إلى قوله [من الرجز]: # سقته كف الليل أكؤس الكرى # وذلك أنه ليس يخفى على عاقل أنه لم يرد أن يشبه شيئا بالكف، ولا أراد ذلك ~~في الأكوس، ولكن لما كان يقال: سكر الكرى وسكر النوم: استعار للكرى الأكؤس، ~~كما استعار الآخر الكأس في قوله: # وقد سقى القوم كأس النعسة السهر # ثم إنه لما كان الكرى يكون في الليل، جعل الليل ساقيا. ولما جعله ساقيا، ~~جعل له كفا، إذ كان الساقي يناول الكأس بالكف. # ومن اللطيف النادر في ذلك، ما تراه في آخر هذه الأبيات وهي للحكم بن قنبر ~~[من الطويل]: # ولولا اعتصامي بالمنى كلما بدا ... لي اليأس منها لم يقم بالهوى صبري # ولولا انتظاري كل يوم جدى غد ... لراح ينعشي الدافنون إلى قبري # وقد رابني وهن المنى وانقباضها ... وبسط جديد اليأس كفيه في صدري # PageV01P383 # ليس المعنى على أنه استعار لفظ الكفين لشيء، ولكن على أنه أراد أن يصف ~~اليأس بأنه قد غلب على نفسه، وتمكن في صدره؛ ولما أراد ذلك، وصفه بما يصفون ~~به الرجل بفضل القدرة على الشيء وبأنه متمكن منه، وأنه يفعل فيه كل ما ~~يريد، كقولهم: قد بسط يديه في المال ينفقه ويصنع فيه ما يشاء، وقد بسط ~~العامل يده في الناحية وفي ظلم الناس. فليس لك إلا أن تقول إنه لما أراد ~~ذلك، جعل لليأس كفين واستعارهما له. فأما أن توقع الاستعارة فيه على اللفظ، ~~فما لا تخفى استحالته على عاقل. # والقول في المجاز هو القول في الاستعارة، لأنه ليس هو بشيء غيرها، وإنما ~~الفرق أن المجاز أعم من حيث إن كل استعارة مجاز، وليس كل مجاز استعارة. ~~وإذا نظرنا من المجاز فيما لا يطلق عليه أنه استعارة، إزداد خطأ القوم قبحا ~~وشناعة؛ وذلك أنه يلزم على قياس قولهم، أن يكون إنما كان قوله تعالى: و {هو ~~الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا} [يونس: 67] أفصح من أصله ~~الذي هو قولنا: (والنهار لتبصروا أنتم فيه أو مبصرا أنتم فيه) من أجل أنه ms303 ~~حدث في حروف (مبصر) - بأن جعل الفعل للنهار على سعة الكلام - وصف لم يكن. ~~وكذلك يلزم أن يكون السبب في أن كان قول الشاعر [من الرجز]: # فنام ليلي وتجلى همي # أفصح من قولنا: (فنمت في ليلي)، أن كسب هذا المجاز لفظ "نام" ولفظ ~~"الليل" مذاقة لم تكن لهما. وهذا مما ينبغي للعاقل أن يستحي منه، وأن يأنف ~~من أن يهمل النظر إهمالا يؤده إلى مثله، ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق. # دلالة المجاز والإيجاز على أن الفصاحة للمعاني # PageV01P384 # وإذ قد عرفت ما لزمهم في الاستعارة والمجاز، فالذي يلزمهم في الإيجاز ~~أعجب، وذلك أنه يلزمهم إن كان اللفظ فصيحا لأمر يرجع إليه نفسه دون معناه، ~~أن يكون كذلك موجزا لأمر يرجع إلى نفسه، وذلك من المحال الذي يضحك منه؛ ~~لأنه لا معنى للإيجاز إلا أن يدل بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى؛ ~~وإذا لم تجعله وصفا للفظ من أجل معناه، أبطلت معناه. أعني أبطلت معنى ~~الإيجاز. # ثم إن هاهنا معنى شريفا قد كان ينبغي أن نكون قد ذكرناه في أثناء ما مضى ~~من كلامنا، وهو أن العاقل إذا نظر على علم ضرورة أنه لا سبيل له إلى أن ~~يكثر معاني الألفاظ أو يقللها، لأن المعاني المودعة في الألفاظ لا تتغير ~~على الجملة عما أراده واضع اللغة، وإذا ثبت ذلك، ظهر منه أنه لا معنى ~~لقولنا: كثرة المعنى مع قلة اللفظ: غير أن المتكلم يتوصل بدلالة المعنى على ~~المعنى، إلى فوائد لو أنه أراد الدلالة عليها باللفظ، لا حتاج إلى لفظ ~~كثير. # سبب تقليد العلماء في خطإهم والغرور بهم # PageV01P385 # واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول، إذا كان صدوره عن قوم لهم نباهة ~~وصيت وعلو منزلة في أنواع من العلوم، غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ~~ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته، وفشا وظهر وكثر الناقلون له والمشيدون ~~بذكره، صار ترك النظر فيه سنة والتقليد دينا، ورأيت الذين هم أهل ذلك العلم ~~وخاصته والممارسون له والذين هم خلقاء أن يعرفوا وجه الغلط ms304 والخطأ فيه - لو ~~أنهم نظروا فيه - كالأجانب الذين ليسوا من أهله في قبوله، والعمل به ~~والركون إليه، ووجدتهم قد أعطوه مقادتهم، وألانوا له جانبهم، وأوهمهم النظر ~~إلى منتماه ومنتسبه، ثم اشتهاره وانتشاره وإطباق الجمع بعد الجمع عليه، أن ~~الضن به أصوب، والمحاماة عليه أولى. ولربما بل كلما طنوا أنه لم يشع ولم ~~يتسغ، ولم يروه خلف عن سلف، وآخر عن أول، وإلا لأن له أصلا صحيحا، وأنه أخذ ~~من معدن صدق، واشتق من نبعة كريمة، وأنه لو كان مدخولا لظهر الدخل الذي فيه ~~على تقادم الزمان وكرور الأيام، وكم خطإ ظاهر ورأي فاسد، حظي بهذا السبب ~~عند الناس، حتى بوأوه في أخص موضع في قلوبهم، ومنحوه المحبة الصادقة من ~~نفوسهم، وعطفوه عليه عطف الأم على واحدها. وكم من داء دوي قد استحكم بهذه ~~العلة حتى أعيا علاجه، وحتى بعل به الطبيب. ولولا سلطان هذا الذي وصفت على ~~الناس وأن له أخذة تمنع القلوب عن التدبر، وتقطع عنها دواعي التفكر، لما ~~كان لهذا الذي ذهب إليه القوم في أمر اللفظ هذا التمكن وهذه القوة، ولا كان ~~يرسخ في النفوس هذا الرسوخ، وتتشعب عروقه هذا التشعب، مع الذي بان من ~~تهافته وسقوطه، وفحش الغلط فيه، وأنك لا ترى في أديمه، من أين نظرت وكيف ~~صرفت وقلبت، مصحا، ولا تراه باطلا في شوب من الحق، وزيفا فيه شيء من الفضة، ~~ولكن ترى الغش بحتا، والغلط صرفا، ونسأل الله التوفيق. # PageV01P386 # وكيف لا يكون في إسار الأخذة ومحولا بينه وبين الفكرة، من يسلم أن ~~الفصاحة لا تكون في أفراد الكلمات وأنها إنما تكون فيها إذا ضم بعضها إلى ~~بعض، ثم لا يعلم أن ذلك يقتضي أن تكون وصفا لها من أجل معانيها، لا من أجل ~~أنفسها، ومن حيث هي ألفاظ ونطق لسان؟ ذاك لأنه ليس من عاقل يفتح عين قلبه ~~إلا وهو يعلم ضرورة أن المعنى في ضم بعضها إلى بعض، تعليق بعضها ببعض، وجعل ~~بعضها بسبب من بعض، لا أن ينطق ببعضها في أثر ms305 بعض من غير أن يكون فيما ~~بينهما تعلق، ويعلم كذلك ضرورة - إذا فكر - أن التعلق يكون فيما بين ~~معانيها، لا فيما بينها أنفسها. ألا ترى أنا لو جهدنا كل الجهد أن نتصور ~~تعلقا فيما بين لفظين لا معنى تحتهما، لم نتصور؟ # ائتلاف الكلم بالنظم وتنافرها # ومن أجل ذلك انقسمت الكلم قسمين: # مؤتلف وهو الاسم مع الاسم والفعل مع الاسم. # وغير مؤتلف وهو ما عدا ذلك، كالفعل مع الفعل، والحرف مع الحرف. ولو كان ~~التعلق يكون بين الألفاظ، لكان ينبغي أن يختلف حالها في الائتلاف، وأن لا ~~يكون في الدنيا كلمتان إلا ويصح أن يأتلفا، لأنه لا تنافي بينهما من حيث هي ~~ألفاظ؛ وإذا كان كل واحد منهم قد أعطى يده بأن الفصاحة لا تكون في الكلم ~~أفرادا، وأنها إنما تكون إذا ضم بعضها إلى بعض، وكان يكون المراد بضم بعضها ~~إلى بعض تعليق معانيها بعضها ببعض، لا كون بعضها في النطق على أثر بعض، ~~وكان واجبا إذا علم ذلك أن يعلم أن الفصاحة تجب لها من أجل معانيها لا من ~~أجل أنفسها، لأنه محال أن يكون سبب ظهور الفصاحة فيها تعلق معانيها بعضها ~~ببعض، ثم تكون الفصاحة وصفا يجب لها لأنفسها لا لمعانيها. وإذا كان العلم ~~بهذا ضرورة، ثم رأيتهم لا يعلمونه فليس إلا أن اعتزامهم على التقيد، قد حال ~~بينهم وبين الفكرة، وعرض لهم منه شبه الأخذة. # الاحتذاء في الشعر وأخذ الشعراء بعضهم من بعض # PageV01P387 # وأعلم أنك إذا نظرت وجدت مثلهم مثل من يرى خيال الشيء فيحسبه الشيء، وذاك ~~أنهم قد اعتمدوا في كل أمرهم على النسق الذي يرونه في الألفاظ وجعلوا لا ~~يحفلون بغيره، ولا يعولون في الفصاحة والبلاغة على شيء سواه، حتى انتهوا ~~إلى أن زعموا أن من عمد إلى شعر فصيح فقرأه ونطق بألفاظه على النسق الذي ~~وضعها الشاعر عليه، كان قد أتى بمثل ما أتى به الشاعر في فصاحته وبلاغته. ~~إلا أنهم زعموا أنه يكون في إتيانه به محتذيا لا مبتدئا. ونحن إذا تأملنا ~~وجدنا ms306 الذي يكون في الألفاظ من تقديم شيء منها على شيء، إنما يقع في النفس ~~أنه نسق إذا اعتبرنا ما توخي من معاني النحو في معانيها، فأما مع ترك ~~اعتبار ذلك، فلا يقع ولا يتصور بحال. أفلا ترى أنك لو فرضت في قوله: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # أن لا يكون "نبك" جوابا للأمر، ولا يكون معدى ب (من) إلى"ذكرى"، ولا يكون ~~"ذكرى" مضافة إلى "حبيب"، ولا يكون "منزل" معطوفا ب "الواو" على "حبيب"، ~~لخرج ما ترى فيه من التقديم والتأخير عن أن يكون نسقا؟ ذاك لأنه إنما يكون ~~تقديم الشيء على الشيء نسقا وترتيبا، إذا كان ذلك التقديم قد كان لموجب ~~أوجب أن يقدم هذا ويؤخر ذاك. فأما أن يكون مع عدم الموجب نسقا فمحال، لأنه ~~لو كان يكون تقديم اللفظ على اللفظ، من غير أن يكون له موجب نسقا، لكان ~~ينبغي أن يكون توالي الألفاظ في النطق على أي وجه كان، نسقا، حتى إنك لو ~~قلت: (نبك قفا حبيب ذكرى من): لم تكن قد أعدمته النسق والنظم، وإنما أعدمته ~~الوزن فقط، وقد تقدم هذا فيما مضى. ولكنا أعدناه هاهنا لأن الذي أخذنا فيه ~~من إسلام القوم أنفسهم إلى القليد، اقتضى إعادته. # PageV01P388 ### | فصل: الاحتذاء والأخذ والسرقة الشعرية عند الشعراء # واعلم أن الاحتذاء عند الشعراء وأهل العلم بالشعر، وتقديره وتمييزه، أن ~~يبتدىء الشاعر في معنى له وغرض أسلوبا - والأسلوب الضرب من النظم والطريقة ~~فيه - فيعمد شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب، فجيء به في شعره، فيشبه بمن يقطع من ~~أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها، فيقال قد احتذى علم مثاله، وذلك ~~مثل أن الفرزدق قال [من الطويل]: # أترجو ربيع أن تجيء صغارها ... بخير وقد أعيا ربيعا كبارها؟ # واحتذاه البعيث فقال [من الطويل]: # أترجو كليب أن يجيء حديثها ... بخير وقد أعيا كليبا قديمها؟ # وقالوا إن الفرزدق لما سمع هذا البيت قال [من الوافر]: # إذا ما قلت قافية شرودا ... تنحلها ابن حمراء العجان # ومثل ذلك أن البعيث قال في هذه القصيدة ms307 [من الطويل]: # كليب لئام الناس قد يعلمونه ... وأنت إذا عدت كليب لئيمها # وقال البحتري [من الطويل]: # بنو هاشم في كل شرق ومغرب ... كرام بني الدنيا وأنت كريمها # وحكى العسكري في صنعة الشعر أن ابن الرومي قال: قال لي البحتري: قول أبي ~~نواس [من الطويل]: # ولم أدر من هم غير ما شهدت لهم ... بشرقي ساباط الديار البسابس # مأخوذ من قول أبي خراش (الهذلي) [من الطويل]: # ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنه قد سل من ماجد محض # قال: فقلت قد اختلف المعنى. فقال: أما ترى حذو الكلام حذوا واحدا؟. وهذا ~~الذي كتبت من حلي الأخذ في الحذو. ومما هو في حد الخفي قول البحتري [من ~~الطويل]: # ولن ينقل الحساد مجدك بعدما ... تمكن رضوى واطمأن متالع # وقول أبي تمام [من الكامل]: # ولقد جهدتم أن تزيلوا عزه ... فإذا أبان قد رسا ويلمم # قد احتذى كل واحد منهما على قول الفرزدق [من الكامل]: # فادفع بكفك إن أردت بناءنا ... ثهلان ذا الهضبات هل يتحلحل # PageV01P389 # وجملة الأمر أنهم لا يجعلون الشاعر محتذيا إلا بما يجعلونه به آخذا ~~ومسترقا، قال ذو الرمة [من الوافر]: # وشعر قد أرقت له غريب ... أجنبه المساند والمحالا # فبت أقيمه وأقد منه ... قوافي لا أريد لها مثالا # قال: يقول: لا أحذوها على شيء سمعته "فأما أن يجعل إنشاد الشعر وقراءته ~~احتذاء فما لا يعلمونه؛ كيف وإذا عمد عامد إلى بيت شعر فوضع مكان كل لفظة ~~لفظا في معناه، كمثل أن يقول في قوله: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # ذر المآثر لا تذهب لمطلبها ... واجلس فإنك أنت الآكل اللابس # لم يجعلوا ذلك احذاء ولم يؤهلوا صاحبه لأن يسموه محتذيا، ولكن يسمون هذا ~~الصنيع سلخا ويراذلونه ويسخفون المتعاطي له. فمن أين يجوز لنا أن نقول في ~~صبي يقرأ قصيدة امرىء القيس إنه احتذاه في قوله [من الطويل]: # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # الاحتجاج بالاحتذاء والتحدي على أن الفصاحة بحسب المعنى # والعجب من أنهم لم ينظروا ms308 فيعلموا أنه لو كان منشد الشعر محتذيا، لكان ~~يكون قائل شعر، كما أن الذي يحذوا النعل بالنعل يكون قاطع نعل، وهذا تقرير ~~يصلح لأن يحفظ للمناظرة - ينبغي أن يقال لمن يزعم أن المنشد، إذا أنشد شعر ~~أمرىء القيس كان قد أتى بمثله على سبيل الاحتذاء: أخبرنا عنك: لماذا زعمت ~~أن المنشد قد أتى بمثل ما قاله امرؤ القيس؟ ألأنه نطق بأنفس الألفاظ الت ~~ينطق بها؟ أم لأنه راعى النسق الذي راعاه في النطق بها؟ فإن قلت: إن ذلك ~~لأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها: أحلت، لأنه إنما يصح أن يقال في ~~الثاني إنه أتى بمثل ما أتى به الأول إذا كان الأول قد سبق إلى شيء فأحدثه ~~ابتداء، وذلك في الألفاظ محال؛ إذ ليس يمكن أن يقال إنه لم ينطق بهذه ~~الألفاظ التي هي في قوله، # PageV01P390 # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # قبل امرىء القيس أحد. وإن قلت: إن ذلك لأنه قد راعى في نطقه بهذه الألفاظ ~~النسق الذي راعاه امرؤ القيس: قيل إن كنت لهذا قضيت في المنشد أنه قد أتى ~~بمثل شعره، فأخبرنا عنك إذا قلت إن التحدي وقع في القرآن إلى أن يؤتى بمثله ~~على جهة الابتداء، ما تعني به؟ أتعني أنه يأتي في ألفاظ غير ألفاظ القرآن ~~بمثل الترتيب والنسق الذي تراه في ألفاظ القرآن؟ فإن قال: ذلك أعني. قيل ~~له: أعلمت أنه لا يكون الإتيان بالأشياء بعضها في أثر بعض على التوالي نسقا ~~وترتيبا، حتى تكون الأشياء مختلفة في أنفسها، ثم يكون للذي يجيء بها مضموما ~~بعضها إلى بعض، غرض فيها ومقصود لا يتم ذلك الغرض وذاك المقصود، إلا بأن ~~يتخير لها مواضع فيجعل هذا أولا، وذاك ثانيا؟ فإن هذا ما لا يشبهة فيه على ~~عاقل. # نفي كون إعجاز القرآن بأوزان نظمه وسلامة ألفاظه # PageV01P391 # وإذا كان الأمر كذلك لزمك أن تبين الغرض الذي اقتضى أن تكون ألفاظ القرآن ~~منسوقة النسق الذي تراه. ولا مخلص له من هذه المطالبة، لأنه إذا أبى أن ~~يكون المقضى ms309 والموجب للذي تراه من النسق، المعاني، وجعله قد وجب لأمر يرجع ~~إلى اللفظ، لم تجد شيئا يحيل الإعجاز في وجوبه عليه البتة، اللهم إلا أن ~~يجعل الإعجاز في الوزن ويزعم أن النسق الذي تراه في ألفاظ القرآن إنما كان ~~معجزا من أجل أن كان قد حدث عنه ضرب من الوزن يعجز الخلق ن أن يأتوا بمثله؛ ~~وإذا قال ذلك لم يمكنه أن يقول إن التحدي وقع إلى أن يأتوا بمثله، في ~~فصاحته وبلاغته، لأن الوزن ليس هو من الفصاحة والبلاغة في شيء. إذ لو كان ~~له مدخل فيهما لكان يجب في كل قصيدتين أتفقتا في الوزن أن تتفقا في الفصاحة ~~والبلاغة. فإن دعا بعض الناس طول الإلف لما سمع من أن الإعجاز في اللفظ، ~~إلا أن يجعله في مجرد الوزن، كان قد دخل في أمر شنيع، وهو أنه يكون قد جعل ~~القرآن معجزا لا من حيث هو كلام ولا بما به كان لكلام فضل على كلام؛ فليس ~~بالوزن ما كان الكلام كلاما ولا به كان كلام خيرا من كلام. # وهكذا السبيل إن زعم زاعم أن الوصف المعجز هو الجريان والسهولة، ثم يعني ~~بذلك سلامته من أن تلتقي فيه حروف تثقل على اللسان لأنه ليس بذلك كان ~~الكلام كلاما ولا هو بالذي يتناهى أمره إن عد في الفضيلة إلى أن يكون الأصل ~~وإلى أن يكون المعول عليه في المفاضلة بين كلام وكلام. فما به كان الشاعر ~~مفلقا، والخطيب مصقعا والكاتب بليغا ... # إعجاز القرآن وموافقة آية كل نبي لحال عصره # PageV01P392 # ورأينا العقلاء حيث ذكروا عجز العرب عن معارضة القرآن، قالوا إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تحداهم وفيهم الشعراء والخطباء والذين يدلون بفصاحة ~~اللسان، والبراعة والبيان، وقوة القرائح والأذهان، والذين أوتوا الحكمة ~~وفصل الخطاب، ولم نرهم قالوا إن النبي عليه السلام تحداهم وهم العارفون بما ~~ينبغي أن يصنع حتى يسلم الكلام من أن تلتقي فيه حروف تثقل على اللسان. ولما ~~ذكروا معجزات الأنبياء عليهم السلام، وقالوا: إن الله تعالى قد جعل معجزة ms310 ~~كل نبي فيما كان أغلب على الذين بعث فيهم، وفيما كانوا يتباهون به وكانت ~~عوامهم تعظم به خواصهم، قالوا: إنه لما كان السحر الغالب على قوم فرعون ولم ~~يكن قد استحكم في زمان استحكامه في زمانه، جعل تعالى معجزة موسى عليه ~~السلام في إبطاله وتوهينه. ولما كان الغالب على زمان عيسى عليه السلام ~~الطب، جعل الله تعالى معجزته في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى. ولما ~~انتهوا إلى ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر ما كان الغالب على ~~زمانه لم يذكروا إلا البلاغة والبيان والتصرف في ضروب النظم. وقد ذكرت في ~~الذي تقدم عين ما ذكرته هاهنا مما يدل على سقوط هذا القول. وما دعاني إلى ~~إعادة ذكره إلا أنه ليس تهالك الناس في حديث اللفظ والمحاماة على الاعتقاد ~~الذي اعتقدوه فيه وظن أنفسهم به إلى حد، فأحببت لذلك أن لا أدع شيئا مما ~~يجوز أن يتعلق به متعلق ويلجأ إليه لاجىء ويقع منه في نفس سامع شك، إلا ~~استقصيت في الكشف عن بطلانه. # PageV01P393 # وهاهنا أمر عجيب وهو أنه معلوم لكل من نظر أن الألفاظ من حيث هي ألفظا ~~وكلم ونطق لسان لا تختص بواحد دون آخر، وأنها إنما تختص، إذا توخي فيها ~~النظم. وإذا كان كذلك، كان من رفع النظم من البين، وجعل الإعجاز بجملته في ~~سهولة الحروف وجريانها جاعلا له فيما لا يصح إضافته إلى الله تعالى. وكفى ~~بهذا دليلا على عدم التوفيق، وشدة الضلال عن الطريق. # PageV01P394 ### | فصل بليغ: يصف به عمله في كشف شبهات مسألة اللفظ # قد بلغنا في مداواة الناس من دائهم، وعلاج الفساد الذي عرض في آرائهم، كل ~~مبلغ، وانتهينا إلى كل غاية، وأخذنا بهم عن المجاهل التي كانوا يتعسفون ~~فيها إلى السنن اللاحب، ونقلناهم عن الآجن المطروق إلى النمير الذي يشفي ~~غليل الشارب، ولم ندع لباطلهم عرقا ينبض إلا كويناه، ولا للخلاف لسانا ينطق ~~إلا أخرسناه، ولم نترك غطاء كان على بصر ذي عقل إلا حسرناه؛ في أيها السامع ~~لما قلناه، والناظر فيما ms311 كتبناه، والمتصفح لما دوناه، إن كنت سمعت سماع ~~صادق الرغبة في أن تكون أمرك على بصيرة، ونظرت نظر تام العناية في أن يورد ~~ويصدر عن معرفة، وتصفحت تصفح من إذ مارس بابا من العلم لم يقنعه إلا أن ~~يكون على ذورة السنام، ويضرب بالمعلى من السهام؛ فقد هديت لضالتك، وفتح لك ~~الطريق إلى بغيتك، وهيء لك الأداءة التي تبلغ بها، وأوتيت الآلة التي معها ~~تصل، فخذ لنفسك بالتي هي أملأ ليديك، وأعود بالحظ عليك، ووازن بين حالك ~~الآن، وقد تنبهت من رقدتك، وأفقت من غفلتك، وصرت تعلم - إذا أنت خضت في أمر ~~اللفظ والنظم - معنى ما تذكر، وتعلم كيف تورد وتصدر، وبينها وأنت من أمرها ~~في عمياء، وخابط خبط عشواء؛ قصاراك أن تكرر ألفاظا لا تعرف لشيء منها ~~تفسيرا، وضروب كلام للبلغاء إن سئلت عن أغراضهم فيها، لم تستطع لها تبيينا؛ ~~فإنك تراك تطيل التعجب من غفلتك، وتكثر الاعتذار إلى عقلك، من الذي كنت ~~عليه طول مدتك؛ ونسأل الله تعالى أن يجعل كل ما نأتيه، ونقصده وننتحيه، ~~لوجهه خالصا، وإلى رضاه عز وجل مؤديا، ولثوابه مقتضيا، وللزلفى عنده موجبا، ~~بمنه وفضله ورحمته. # PageV01P395 ### | الفصل الأخير في كشف شبهة جعل الفصاحة للألفاظ # بسم الله الرحمن الرحيم # إعلم أنه لما كان الغلط الذي دخل على الناس في حديث اللفظ، كالداء الذي ~~يسري في العروق، ويفسد مزاج البدن، وجب أن يتوخى دائبا فيهم ما يتواخاه ~~الطبيب في الناقة من تعهده بما يزيد في منته، ويبقيه على صحته، ويؤمنه ~~النكس في علته؛ وقد علمنا أن أصل الفساد وسبب الآفة هو ذهابهم عن أن من شأن ~~المعاني أن تختلف عليها الصور، وتحدث فيها خواص ومزايا بعد أن لا تكون؛ ~~فإنك ترى الشاعر قد عمد إلى معنى مبتذل، فصنع فيه ما يصنع الصانع الحاذق ~~إذا هو أغرب في صنعة خاتم وعمل شنف وغيرهما من أصناف الحلى. فإن جهلهم بذلك ~~من حالها هو الذي أغواهم واستهواهم، وورطهم فيما تورطوا فيه من الجهالات، ~~وأداهم إلى التعلق بالمحالات. وذلك أنهم ms312 لما جهلوا شأن الصورة وضعوا ~~لأنفسهم أساسا وبنوا على قاعدة؛ فقالوا إنه ليس إلا المعنى واللفظ ولا ~~ثالث، وإنه إذا كان كذلك وجب إذا كان لأحد الكلامين فضيلة لا تكون للآخر، ~~ثم كان الغرض من أحدهما هو الغرض من صاحبه أن يكون مرجع تلك - زعموا - يؤدي ~~إلى التناقض، وأن يكون معناهما متغايرا وغير متغاير معا. ولما أقروا هذا في ~~نفوسهم، حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه الفضيلة إلى اللفظ على ~~ظاهره وأبوا أن ينظروا في الأوصاف التي أتبعوها نسبتهم الفضيلة إلى اللفظ ~~مثل قولهم: "لفظ متمكن غير قلق ولا ناب به موضعه). # PageV01P396 # إلى سائر ما ذكرناه قبل، فيعلموا أنهم لم يوجبوا للفظ ما أوجبوه من ~~الفضيلة وهم يعنون نطق اللسان وأجراس الحروف، ولكن جعلوا كالمواضعة فيما ~~بينهم، أن يقولوا وهم يريدون الصورة التي تحدث في المعنى والخاصة التي حدثت ~~فيه؛ ويعنون الذي عناه الجاحظ حيث قال: وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني، ~~والمعاني مطروحة وسط الطريق يعرفها العربي والعجمي والحضري والبدوي، وإنما ~~الشعر صياغة وضرب من التصوير: وما يعنونه إذا قالوا إنه يأخذ الحديث فيشنفه ~~ويقرطه، ويأخذ المعنى خرزة فيرده جوهرة، وعباءة فيجعله ديباجة، ويأخذه ~~عاطلا فيرده حاليا، وليس كون هذا مرادهم بحيث كان ينبغي أن يخفى هذا الخفاء ~~ويشتبه هذا الاشتباه؛ ولكن إذا تعاطى الشيء غير أهله، وتولى الأمر غير ~~البصير به، أعضل الداء، واشتد البلاء. ولو لم يكن من الدليل على أنهم لم ~~ينحلوا اللفظ الفضيلة وهم يريدونه نفسه، وعلى الحقيقة، إلا واحد وهو وصفهم ~~له بأنه يزين المعنى، وأنه حلى له، لكان فيه الكفاية، وذاك أن الألفاظ أدلة ~~على المعاني، وليس للدليل إلا أن يعلمك الشيء على ما يكون عليه. فأما أن ~~يصير الشيء بالدليل على صفة لم يكن عليها، فما لا يقوم في عقل، ولا يتصور ~~في وهم. # الشبهة بأخذ المعنى وسرقته على فصاحة الألفاظ # PageV01P397 # ومما إذا تفكر فيه العاقل، أطال التعجب من أمر الناس، ومن شدة غفلتهم، ~~قول العلماء حيث ذكروا الأخذ والسرقة: إن ms313 من أخذ معنى عاريا فكساه لفظا من ~~عنده كان أحق به. وهو كلام مشهور متداول يقرأه الصبيان في أول كتاب عبد ~~الرحمن ثم لا ترى أحدا من هؤلاء الذين لهجوا بجعل الفضيلة في اللفظ يفكر في ~~ذلك فيقول: من أين يتصور أن يكون هاهنا معنى عار من لفظ يدل عليه؟ ثم من ~~أين يعقل أن يجيء الواحد منا لمعنى من المعاني، بلفظ من عنده إن كان المراد ~~باللفظ نطق اللسان؟ ثم هب أنه يصح له أن يفعل ذلك، فمن أين يجب إذا وضع ~~لفظا على معنى، أن يصير أحق به من صاحبه الذي أخذه منه، إن كان هو لا يصنع ~~بالمعنى شيئا، ولا يحدث فيه صفة، ولا يكسبه فضيلة؟ وإذا كان كذلك، فهل يكون ~~لكلامهم هذا وجه سوى أن يكون اللفظ في قولهم: (فكساه لفظا من عنده) عبارة ~~عن صورة يحدثها الشاعر أو غير الشاعر للمعنى؟ فإن قالوا: (بلى يكون! وهو أن ~~يستعير للمعنى لفظا)، قيل: الشأن في أنهم قالوا "إذا أخذ معنى عاريا فكساه ~~لفظا من عنده كان أحق به" والاستعارة عندكم مقصورة على مجرد اللفظ ولا ترون ~~المستعير يصنع بالمعنى شيئا، وترون أنه لا يحدث فيه مزية على وجه من ~~الوجوه؛ وإذا كان كذلك فمن أين - ليت شعري - يكون أحق به؟ فاعرفه! # ثم إن أردت مثالا في ذلك، فإن من أحسن شيء فيه، ما صنع أبو تمام في بيت ~~أبي نخيلة، وذلك أن أبا نخيلة قال في مسلمة بن عبد الملك [من الطويل]: # أمسلم إني يابن كل خليفة ... ويا جبل الدنيا ويا واحد الأرض # شكرتك إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أوليته صالحا يقضي # وأنبهت لي ذكرى وما كان خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض # فعمد أبو تمام إلى هذا البيت الأخير فقال [من الطويل]: # لقد زدت أوضاحي امتدادا ولم أكن ... بهيما ولا أرضي من الأرض مجهلا # PageV01P398 # ولكن أياد صادفتني جسامها ... أغر فأوفت بي أغر محجلا # وفي كتاب "الشعر والشعراء" للمرزباني فصل في هذا المعنى ms314 حسن قال: "ومن ~~الأمثال القديمة قولهم "حرا أخاف على جاني كمأة لا قرا" يضرب مثلا للذي ~~يخاف من شيء فيسلم منه، ويصيبه غيره مما لم يخفه، فأخذ هذا المعنى بعض ~~الشعراء فقال [من الكامل]: # وحذرت من أمر فمر بجانبي ... لم ينكني ولقيت ما لم أحذر # وقال لبيد [من المنسرح]: # أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السماك والأسد # قال: وأخذه البحتري فأحسن، وطغى اقتدارا على العبارة واتساعا في المعنى ~~فقال [من الكامل]: # لو أنني أوفي التجارب حقها ... فيما أرت لرجوت ما أخشاه # وشبيه بهذا الفصل فصل آخر من هذا الكتاب أيضا. أنشد لإبراهيم ابن المهدي ~~[من السريع]: # يا من لقلب صيغ من صخرة ... في جسد من لؤلؤ رطب # جرحت خديه بلحظي فما ... برحت حتى اقتص من قلبي # ثم قال: قال علي بن هارون أخذه أحمد بن أبي فنن معنى ولفظا فقال [من ~~الكامل]: # أدميت باللحظات وجنته ... فاقتص ناظره من القلب # قال: ولكنه بنقاء عبارته وحسن مأخذه قد صار أولى به: ففي هذا دليل لمن ~~عقل أنهم لا يعنون بحسن العبارة مجرد اللفظ ولكن صورة وصفة وخصوصية في ~~المعنى، وشيئا طريق معرفته على الجملة، العقل دون السمع؛ فإنه على كل حال ~~لم يقل في البحتري إنه أحسن فطغى اقتدارا على العبارة من أجل حروف: # لو أنني أوفي التجارب حقها # وكذلك لم يصف ابن أبي فنن بنقاء العبارة من أجل حروف: # أدميت باللحظات وجنته # غلط قياس الكلام على الكلم في الفصاحة # PageV01P399 # واعلم أنك إذا سبرت أحوال هولاء الذين زعموا أنه إذا كان المعبر عنه ~~واحدا والعبارة اثنتين، ثم كانت إحدى العبارتين أفصح من الأخرى وأحسن، فإنه ~~ينبغي أن يكون السبب في كونها أفصح وأحسن، اللفظ نفسه، وجدتهم قد قالوا ذلك ~~من حيث قاسوا الكلامين على الكلمتين، فلما رأوا أنه إذا قيل في الكلمتين إن ~~معناهما واحد، لم يكن بينهما تفاوت ولم يكن للمعنى في أحدهما حال لا يكون ~~له في الأخرى، ظنوا أن سبيل الكلامين في هذا السبيل. ولقد غلطوا فأفحشوا، ~~لأنه ms315 لا يتصور أن تكون صورة المعنى في أحد الكلامين أو البيتين، مثل صورته ~~في الآخر البتة، اللهم إلا أن يعمد عامد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة من لفظة ~~في معناها، ولا يعرض لنظمه وتأليفه، كمثل أن يقول في بيت الحطيئة [من ~~البسيط]: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # ذر المفاخر لاتذهب لمطلبها ... واجلس فإنك أنت الآكل اللابس # وما كان هذا سبيله، كان بمعزل من أن يكون به اعتداد، وأن يدخل في قبيل ما ~~يفاضل فيه بين عبارتين؛ بل لا يصح أن يجعل ذلك عبارة ثانية، ولا أن يجعل ~~الذي يتعاطاه بمحل من يوصف بأنه أخذ معنى. ذلك لأنه لا يكون بذلك صانعا ~~شيئا يستحق أن يدعى من أجله واضع كلام ومستأنف عبارة وقائل شعر. ذاك لأن ~~بيت الحطيئة لم يكن كلاما وشعرا من أجل معاني الألفاظ المفردة التي تراها ~~فيه مجردة معراة من معاني النظم والتأليف، بل منها متوخى فيها ما ترى من ~~كون (المكارم) مفعولا ل (دع) وكون قوله: (لا ترحل لبغيتها)؛ جملة أكدت ~~الجملة قبلها، وكون "اقعد" معطوفا ب (الواو) على مجموع ما مضى، وكون جملة: ~~أنت الطاعم الكاسى: معطوفة ب (الفاء) على "اقعد"، فالذي يجيء، فلا يغير ~~شيئا من هذا الذي به كان كلاما وشعرا، لا يكون قد أتى بكلام ثان وعبارة ~~ثانية، بل لا يكون قد قال من عند نفسه شيئا البتة. # PageV01P400 # وجملة الأمر أنه، كما لا تكون الفضة خاتما أو الذهب خاتما أو سوارا ~~أوغيرهما، من أصناف الحلى بأنفسهما، ولكن بما يحدث فيهما من الصورة، كذلك ~~لا تكون الكلم المفردة التي هي أسماء وأفعال وحروف، كلاما وشعرا، من غير أن ~~يحدث فيها النظم الذي حقيقته توخي معاني النحو وأحكامه. فإذن ليس لمن يتصدى ~~لما ذكرنا من أن يعمد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة منها لفظة في معناها، إلا ~~أن يسترك عقله ويستخف، ويعد معد الذي حكي أنه قال: إني قلت بيتا هو أشعر من ~~بيت حسان، قال حسان [من ms316 الكامل]: # يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل # وقلت: # يغشون حتى ما تهر كلابهم ... أبدا ولا يسألون من ذا المقبل # فقيل هو بيت حسان، ولكنك قد أفسدته. # واعلم أنه إنما أتي القوم من قلة نظرهم في الكتب التي وضعها العلماء في ~~اختلاف العبارتين على المعنى الواحد، وفي كلامهم في أخذ الشاعر من الشاعر، ~~وفي أن يقول الشاعران على الجملة في معنى واحد وفي الأشعار التي دونوها في ~~هذا المعنى، ولو أنهم كانوا أخذوا أنفسهم بالنظر في تلك الكتب وتدبروا ما ~~فيها حق التدبر، لكان يكون ذلك قد أيقظهم من غفلتهم، وكشف الغطاء عن ~~أعينهم. # PageV01P401 ### | فصل: الموازنة بين المعنى المتحد واللفظ المتعدد # وقد أردت أن أكتب جملة من الشعر الذي أنت ترى الشاعرين فيه قد قالا في ~~معنى واحد، وهو ينقسم قسمين: # قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتى بالمعنى غفلا ساذجا، وترى الآخر قد ~~أخرجه في صورة تروق وتعجب. # وقسم أنت ترى كل واحد من الشاعرين قد صنع في المعنى وصور. # القسم الأول # وأبدأ بالقسم الأول الذي يكون المعنى في أحد البيتين غفلا وفي الآخر ~~مصورا مصنوعا، ويكون ذلك إما لأن متأخرا قصر عن متقدم، وإما لأن هدى متأخر ~~لشيء لم يهتد إليه المتقدم، ومثال ذلك قول المتنبي [من المنسرح]: # بئس الليالي سهرت من طربي ... شوقا إلى من يبيت يرقدها # مع قول البحتري [من الكامل]: # ليل يصادفني ومرهفة الحشا ... ضدين أسهره لها وتنامه # وقول البحتري [من البسيط]: # ولو ملكت زماعا ظل يجذبني ... قودا لكان ندى كفيك من عقلي # مع قول المتنبي [من الطويل]: # وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا # وقول المتنبي [من الطويل]: # إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم المحض # مع قول البحتري [من الطويل]: # ظللنا نعود الجود من وعكك الذي ... وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد # وقول المتنبي [من الكامل]: # يعطيك مبتدئا فإن أعجلته ... أعطاك معتذرا كمن قد أجرما # مع قول أبي تمام [من الطويل]: # أخو عزمات ms317 فعله فعل محسن ... إلينا ولكن عذره عذر مذنب # وقول المتنبي [من الطويل]: # كريم متى استوهبت ما أنت راكب ... وقد لقحت حرب فإنك نازل # مع قول البحتري [من البسيط]: # ماض على عزمه في الجود لو وهب الش ... باب يوم لقاء البيض ما ندما # وقول المتنبي [من الخفيف]: # والذي يشهد الوغى ساكن القل ... ب كأن القتال فيها ذمام # مع قول البحتري [من الطويل]: # لقد كان ذاك الجأش جأش مسالم ... على أن ذاك الزي زي محارب # وقول أبي تمام [من الكامل]: # الصبح مشهور بغير دلائل ... من غيره ابتغيت ولا أعلام # مع قول المتنبي [من الوافر]: # وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل # وقول أبي تمام [من الوافر]: # وفي شرف الحديث دليل صدق ... لمختبر على شرف القديم # مع قول المتنبي [من البسيط]: # PageV01P402 # أفعاله نسب لو لم يقل معها ... جدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن # وقول البحتري [من الكامل]: # وأحب آفاق البلاد إلى فتى ... أرض ينال بها كريم المطلب # مع قول المتنبي [من الطويل]: # وكل امرىء يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب # وقول المتنبي [من الطويل]: # يقر له بالفضل من لا يوده ... ويقضي له بالسعد من لا ينجم # مع قول البحتري [من الكامل]: # لا أدعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه # وقول خالد الكاتب [من المتقارب]: # رقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر # مع قول بشار [من الطويل]: # لخديك من كفيك في كل ليلة ... إلى أن ترى ضوء الصباح وساد # تبيت تراعي الليل ترجو نفاده ... وليس لليل العاشقين نفاد # وقول أبي تمام [من الوافر]: # ثوى بالمشرقين لهم ضجاج ... أطار قلوب أهل المغربين # وقول البحتري [من الطويل]: # تناذر أهل الشرق منه وقائعا ... أطاعا لها العاصون في بلد الغرب # مع قول مسلم [من البسيط]: # لما نزلت على أدنى ديارهم ... ألقى إليك الأقاصي بالمقاليد # وقول محمد بن بشير [من البسيط]: # أفرغ لحاجتنا ما دمت مشغولا ... فلو فرغت لكنت الدهر مبذولا # مع قول أبي علي البصير [من الطويل]: # فقل لسعيد أسعد الله جده ms318 ... لقد رث حتى كاد ينصرم الحبل # فلا تعتذر بالشغل عنا فإنما ... تناط بك الآمال ما اتصل الشغل # وقول البحتري [من الكامل]: # من غادة منعت وتمنع وصلها ... فلو أنها بذلت لنا لم تبذل # مع قول ابن الرومي [من مجزوء الكامل]: # ومن البلية أنني ... علقت ممنوعا منوعا # وقول أبي تمام [من الطويل]: # لئن كان ذنبي أن أحسن مطلبي ... أساء ففي سوء القضاء لي العذر # مع قول البحتري [من البسيط]: # PageV01P403 # إذا محاسني اللاتي أدل بها ... كانت ذنوبي فقل لي: كيف أعتذر؟ # وقول أبي تمام [من البسيط]: # قد يقدم العير من ذعر على الأسد # مع قول البحتري [من الطويل]: # فجاء مجيء العير قادته حيرة ... إلى أهرت الشدقين تدمى أظافره # وقول معن بن أوس [من الطويل]: # إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه، آخر الدهر، تقبل # مع قول العباس بن الأحنف [من البسيط]: # نقل الجبال الرواسي من أماكنها ... أخف من رد قلب حين ينصرف # وقول أمية بن أبي الصلت [من الطويل]: # عطاؤك زين لامرىء إن أصبته ... بخير وما كل العطاء يزين # مع قول أبي تمام [من البسيط]: # تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت ... كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا # ما زلت منتظرا أعجوبة عننا ... حتى رأيت سؤالا يجتنى شرفا # وقول جرير [من الطويل]: # بعثن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأسهم أعداء وهن صديق # مع قول أبي نواس [من الطويل]: # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق # وقول كثير [من الطويل]: # إذا ما أرادت خلة أن تزيلنا ... أبينا وقلنا الحاجبية أول # مع قول أبي تمام [من الكامل]: # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # وقول المتنبي [من الطويل]: # وعند من اليوم الوفاء لصاحب ... شبيب وأوفى من ترى أخوان # مع قول أبي تمام [من الطويل]: # فلا تحسبا هندا لها الغدر وحدها ... سجية نفس: كل غانية هند # وقول البحتري [من الطويل]: # ولم أر في رنق الصرى لي موردا ... فحاولت ورد النيل عند احتفاله # مع قول المتنبي [من الطويل]: # قواصد كافور ms319 توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا # وقول المتنبي [من المنسرح]: # كأنما يولد الندى معهم ... لا صغر عاذر ولا هرم # مع قول البحتري [من الطويل]: # PageV01P404 # عريقون في الإفضال يؤتنف الندى ... لناشئهم من حيث يؤتنف العمر # وقول البحتري [من الطويل]: # فلا تغلين بالسيف كل غلائه ... ليمضي فإن الكف لا السيف تقطع # مع قول المتنبي [من الطويل]: # إذا الهند سوت بين سيفي كريهة ... فسيفك في كف تزيل التساويا # وقول البحتري [من الطويل]: # ساموك من حسد فأفضل منهم ... غير الجواد وجاد غير المفضل # فبذلت فينا ما بذلت سماحة ... وتكرما وبذلت ما لم تبدل # مع قول أبي تمام [من الطويل]: # أرى الناس منهاج الندى بعد ما عفت ... مهايعه المثلى ومحت لواحبه # ففي كل نجد في البلاد وغائر ... مواهب ليست منه وهي مواهبه # وقول المتنبي [من البسيط]: # بيضاء تطمع فيما تحت حلتها ... وعز ذلك مطلوبا إذا طلبا # مع قول البحتري [من الكامل]: # تبدو بعطفة مطمع حتى ... إذا شغل الخلي ثنت بصدفة مؤيس # وقول المتنبي [من الكامل]: # إذكار مثلك ترك إذكاري له ... إذ لا تريد لما أريد مترجما # مع قول أبي تمام [من الخفيف]: # وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي # وقول أبي تمام [من الكامل]: # فنعمت من شمس إذا حجبت بدت ... من خدرها فكأنها لم تحجب # مع قول قيس بن الخطيم [من المنسرح]: # قضى لها الله حين صورها ... (م) الخالق ألا تكنها سدف # وقول المتنبي [من الخفيف]: # راميات بأسهم ريشها الهد ... ب تشق القلوب قبل الجلود # مع قول كثير [من الطويل]: # رمتني بسهم ريشه الكحل لم يجز ... ظواهر جلدي وهو في القلب جارح # وقول بعض شعراء الجاهلية ويعزى إلى لبيد [من الكامل]: # ودعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني فإذا السلامة داء # مع قول أبي العتاهية [من الرجز]: # أسرع في نقص أمرىء تمامه ... تدبر في إقبالها أيامه # وقوله [من مجزوء الكامل]: # أقلل زيارتك الجبي ... ب تكون كالثوب استجده # PageV01P405 # إن الصديق يمله ... أن لا يزال يراك عنده # مع قول أبي تمام [من الطويل]: # وطول مقام ms320 المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد # وقول الخريمي [من الطويل]: # زاد معروفك عندي عظما ... أنه عندك محقور صغير # تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور كبير # مع قول المتنبي [من المنسرح]: # تظن من فقدك اعتدادهم ... أنهم أنعموا وما علموا # وقول البحتري [من الوافر]: # ألم تر للنوائب كيف تسمو ... إلى أهل النوافل والفضول # مع قول المتنبي [من البسيط]: # أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن # وقول المتنبي [من الطويل]: # تذلل لها واخضع على القرب والنوى ... فما عاشق من لا يذل ويخضع # مع قول بعض المحدثين [من مجزوء الرمل]: # كن إذا أخببت عبدا ... للذي تهوى مطيعا # لن تنال الوصل حتى ... تلزم النفس الخضوعا # وقول مضرس بن ربعي [من الطويل]: # لعمرك إني بالخليل الذي له ... علي دلال واجب لمفجع # وإني بالمولى الذي ليس نافعي ... ولا ضائري فقدانه لممتع # مع قول المتنبي [من الطويل]: # أما تغلط الأيام في بأن أرى ... بغيضا تنائي أو حبيبا تقرب؟ # وقول المتنبي [من البسيط]: # مظلومة القد في تشبيهه غصنا ... مظلومة الريق في تشبيهه ضربا # مع قوله [من الطويل]: # إذ نحن شبهناك بالبدر طالعا ... بخسناك حظا أنت أبهى وأجمل # ونظلم إن قسناك بالليث في الوغى ... لأنك أحمى للحريم وأبسل # ... # القسم الثاني # ذكر ما أنت ترى فيه في كل واحد من البيتين صنعة وتصويرا واستاذية على ~~الجملة. فمن ذلك وهو من النادر قول لبيد [من الرمل]: # واكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل # مع قول نافع بن لقيط [من الكامل]: # وإذا صدقت النفس لم تترك لها ... أملا ويأمل ما اشتهى المكذوب # PageV01P406 # وقول رجل من الخوارج أوتي الحجاج في جماعة من أصحاب قطري فقلتهم، ومن ~~عليه ليد كانت عنده؛ وعاد إلى قطري فقال له قطري: عاود قتال عدو الله ~~الحجاج: فأبى وقال [من الكامل]: # أأقاتل الحجاج عن سلطانه ... بيد تقر بأنها مولاته # ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصف واحتجت له فعلاته # وتحدث الأقوام أن صنائعا ... غرست لدي فحنظلت نخلاته # مع قول أبي تمام ms321 [من الطويل]: # أسربل هجر القول من لو هجوته ... إذن لهجاني عنه معروفه عندي # وقول النابغة [من الطويل]: # إذا ما غدا بالجيش حلق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب # جوانح قد أيقن قبيله ... إذا ما التقى الصفان أول غالب # مع قول أبي نواس [من المديد]: # وإذامج القنا علقا ... وتراءى الموت في صوره # راح في ثنيي مفاضته ... أسد يدمى شبا ظفره # يتأبى الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره # المقصود البيت الأخير. وحكى المرزباني، قال حدثني عمرو الوراق: رأيت أبا ~~نواس ينشد قصيدته التي أولها: # أيها المنتاب من عفره # فحسدته. فلما بلغ إلى قوله: # يتأبى الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره # PageV01P407 # قلت له: ما تركت للنابغة شيئا حيث يقول: "إذا ما غدا بالجيش: البيتين - ~~فقال: اسكت! فلئن كان سبق فما أسأت الاتباع". وهذا الكلام من أبي نواس دليل ~~بين في أن المعنى ينقل من صورة إلى صورة؛ ذاك لأنه لو كان لا يكون قد صنع ~~بالمعنى شيئا، لكان قوله: "فما أسأت الاتباع": محالا، لأنه على كل حال لم ~~يتبعه في اللفظ. ثم إن الأمر ظاهر لمن نظر في أنه قد نقل المعنى عن صورته ~~التي هو عليها، في شعر النابغة، إلى صورة أخرى، وذلك أن هاهنا معنيين ~~أحدهما أصل، وهو علم الطير بأن الممدوح إذا غزا عدوا كان الظفر له وكان هو ~~الغالب، والآخر فرع، وهو طمع الطير في أن تتسع عليها المطاعم من لحوم ~~القتلى. وقد عمد النابغة إلى الأصل الذي هو علم الطير بأن الممدوح يكون ~~الغالب، فذكره صريحا وكشف عنه وجهه، واعتمد في الفرع الذي هو طمعها في لحوم ~~القتلى، وأنها لذلك تحلق فوقه، على دلالة الفحوى. وعكس أبو نواس القصة، ~~فذكر الفرع الذي هو طمعها في لحوم القتلى صريحا، فقال كما ترى: # ثقة بالشبع من جزره # وعول في الأصل الذي هو علمها بأن الظفر يكون للممدوح، على الفحوى؛ ودلالة ~~الفحوى على علمها أن الظفر يكون للممدوح، هي في أن قال "من جزره". وهي لا ~~تثق بأن شبعها يكون من جزر ms322 الممدوح، حتى تعلم أن الظفر يكون له، أفيكون شيء ~~أظهر من هذا في النقل عن صورة إلى صورة؟ # الموازنة بين الشعرين، الإجادة فيهما من الجانبين # أرجع إلى النسق. ومن ذلك قول أبي العتاهية [من الخفيف]: # شيم فتحت من المدح ما قد ... كان مستغلقا على المداح # مع قول أبي تمام [من الكامل]: # نظمت له خرز المديح مواهب ... ينفثن في عقد اللسان المفحم # وقول أبي وجزة [من الوافر]: # أتاك المجد من هنا وهنا ... وكنت له كمجتمع السيول # مع قول منصور النمري [من البسيط]: # إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع # وقول بشار [من البسيط]: # PageV01P408 # الشيب كره وكره أن يفارقني ... أعجب بشيء على البغضاء مودود # مع قول البحتري [من الوافر]: # تعيب الغانيات علي شيبي ... ومن لي أن أمتع المعيب؟ # وقول أبي تمام [من المنسرح]: # يشتاقه من كماله غده ... ويكثر الوجد نحوه الأمس # مع قول ابن الرومي [من الطويل]: # إمام يظل الأمس يعمل نحوه ... تلفت ملهوف ويشتاقه الغد # لا تنظر إلى أنه قال: "يشتاقه الغد". فأعاد لفظ أبي تمام، ولكن انظر إلى ~~قوله: "يعمل نحوه تلفت ملهوف". # وقول أبي تمام [من الطويل]: # لئن ذمت الأعداء سوء صباحها ... فليس يؤدي شكرها الذئب والنسر # مع قول المتنبي [من المتقارب]: # وأثبت منهم ربيع السباع ... فأثنت بإحسانك الشامل # وقول أبي تمام [من البسيط]: # ورب نائي المغاني روحه أبدا ... لصيق روحي ودان ليس بالداني # مع قول المتنبي [من الوافر]: # لنا ولأهله أبدا قلوب ... تلاقى في جسوم ما تلاقى # وقول أبي هفان [من الرمل]: # أصبح الدهر مسيئا كله ... ماله إلا ابن يحيى حسنه # مع قول المتنبي [من الطويل]: # أزالت بك الأيام عتبي كأنما ... بنوها لها ذنب وأنت لها عذر # وقول علي بن جبلة [من الكامل]: # وأرى الليالي ما طوت من قوتي ... ردته في عظتي وفي أفهامي # مع قول ابن المعتز [من المتقارب]: # وما ينتقص من شباب الرجال ... يزد في نهاها وألبابها # وقول بكر بن النطاح [من الطويل]: # ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله ms323 سائله # مع قول المتنبي [من المنسرح]: # إنك من معشر إذا وهبوا ... ما دون أعمارهم فقد بخلوا # وقول البحتري [من الطويل]: # ومن ذا يلوم البحر إن بات زاخرا ... بفيض وصوب المزن إن راح يهطل # مع قول المتنبي [من البسيط]: # وما ثناك كلام الناس عن كرم ... ومن يسد طريق العارض الهطل # وقول الكندي [من الكامل]: # PageV01P409 # عزوا وعز بعزهم من جاوروا ... فهم الذرى وجماجم الهامات # إن يطلبوا بتراتهم يعطوا بها ... أو يطلبوا لا يدركوا بترات # مع قول المتنبي [من الطويل]: # تفيت الليالي كل شيء أخذته ... وهن لما يأخذن منك غوارم # وقول أبي تمام [من الطويل]: # إذا سيفه أضحى على الهام حاكما ... غدا العفو منه وهو في السيف حاكم # مع قول المتنبي [من الطويل]: # له من كريم الطبع في الحرب منتض ... ومن عادة الإحسان والصفح غامد # فانظر الآن من نفى الغفلة عن نفسه، فإنك ترى عيانا أن للمعنى في كل واحد ~~من البيتين، من جميع ذلك، صورة وصفة غير صورته وصفته في البيت الآخر، وأن ~~العلماء لم يريدوا حيث قالوا: إن المعنى في هذا هو المعنى في ذاك: أن الذي ~~تعقل من هذا، لا يخالف الذي تعقل من ذاك؛ وأن المعنى عائد عليك في البيت ~~الثاني على هيئته وصفته التي كان عليها في البيت الأول: وأن لا فرق ولا فصل ~~ولا تباين بوجه من الوجوه؛ وإن حكم البيتين مثلا حكم الاسمين قد وضعا في ~~اللغة لشيء واحد، كالليث والأسد. ولكن قالوا ذلك على حسب ما يقوله العقلاء ~~في الشيئين يجمعهما جنس واحد ثم يفترقان بخواص ومزايا وصفات كالخاتمم ~~والخاتم، والشنف والشنف، والسوار والسوار، وسائر أصناف الحلى التي يجمعها ~~جنس واحد، ثم يكون بينها الاختلاف الشديد في الصنعة والعمل. ومن هذا الذي ~~ينظر إلى بيت الخارجي، وبيت أبي تمام، فلا يعلم أن صورة المعنى في ذلك، غير ~~صورته في هذا، كيف والخارجي يقول: (واحتجت له فعلاته). ويقول أبو تمام: # إذن لهجاني عنه معروفه عندي # ومتى كان "احتج" و "هجا" واحدا في المعنى؟ وكذلك الحكم في ms324 جميع ما ~~ذكرناه: فليس يتصور في نفس عاقل أن يكون قول البحتري [من الكامل]: # وأحب آفاق البلاد إلى الفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب # وقول المتنبي [من الطويل] # وكل مكان ينبت العز طيب # سواء. # PageV01P410 # واعلم أن قولنا (الصورة) إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقلونا على الذي ~~نراه بأبصارنا؛ فلما رأينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة، ~~فكان بين إنسان من أنسان وفرس من فرس بخصوصية تكون في صورة هذا لا تكون في ~~صورة ذلك. وكذلك كان الأمر في المصنوعات: فكان بين خاتم من خاتم، وسوار من ~~سوار بذلك. ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في ~~عقولنا وفرقا عبرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا: للمعنى في هذا ~~صورة غير صورته في ذلك: وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئا نحن ابتدأناه، ~~فينكره منكر، بل هو مستعمل مشهور في كلام العلماء، ويكفيك قول الجاحظ: ~~وإنما الشعر صناعة وضرب من التصوير! # واعلم أنه لو كان المعنى في أحد البيتين يكون على هيئته وصفته في البيت ~~الآخر، وكان التالي من الشاعرين يجيئك به معادا على وجهه، لم يحدث فيه شيئا ~~ولم يغير له صفة، لكان قول العلماء في شاعر: إنه أخذ المعنى من صاحبه فأحسن ~~وأجاد: وفي آخر: إنه أساء وقصر: لغوا من القول من حيث كان محالا أن يحسن أو ~~يسيء في شيء لا يصنع به شيئا. وكذلك كان يكون جعلهم البيت نظيرا للبيت ~~ومناسبا له، خطأ منهم، لأنه محال أن يناسب الشيء نفسه وأن يكون نظيرا ~~لنفسه. وأمر ثالث وهو أنهم يقولون في واحد: إنه أخذ المعنى فظهر أخذه: وفي ~~آخر: إنه أخذه فأخفى أخذه. ولو كان المعنى يكون معادا على صورته وهيئته ~~وكان الأخذ له من صاحبه لا يصنع شيئا غير أن يبدل لفظا مكان لفظ، لكان ~~الإخفاء فيه محالا لأن اللفظ لا يخفى المعنى وإنما يخفيه إخراجه في صورة ~~غير التي كان عليها. مثال ذلك: إن القاضي أبا الحسن ذكر فيما ms325 ذكر فيه تناسب ~~المعاني، بيت أب نواس [من المديد]، # خليت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتخب # وبيت عبدالله بن مصعب [من الوافر]: # كأنك جئت محتكما عليهم ... تخير في الأبوة ما تشاء # PageV01P411 # وذكر أنهما معا من بيت بشار [من الطويل]: # خلقت على ما في غير مخير ... هواي ولو خيرت كنت المهذبا # والأمر في تناسب هذه الثلاثة ظاهر. ثم إنه ذكر أن أبا تمام قد تناوله ~~فأخفاه وقال [من الوافر]: # فلو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع # ومن العجب في ذلك ما تراه إذا أنت تأملت قول أبي العتاهية [من الكامل]: # جزي البخيل علي صالحة ... عني لخفته على ظهري # أعلى وأكرم عن يديه يدي ... فعلت ونزه قدره قدري # ورزقت من جدواه عافية ... أن لا يضيق بشكره صدري # وغنيت خلوا من تفضله ... أحنو عليه بأحسن العذر # ما فاتني خير امرىء وضعت ... عني يداه مؤونة الشكر # ثم نظرت إلى قول الذي يقول [من المنسرح]: # أعتقني سوء ما صنعت من الر ... (م) ق فيابردها على كبدي # فصرت عبدا للسوء فيك وما ... أحسن سوء قبلي إلى أحد # ومما هو في غاية الندرة من هذا الباب، ما صنعه الجاحظ بقول نصيب [من ~~الطويل]: # ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # حين نثره فقال وكتب به إلى ابن الزيات: نحن، أعزك الله، نسحر بالبيان، ~~ونموه بالقول، والناس ينظرون إلى الحال، ويقضون بالعيان، فأثر في أمرنا ~~أثرا ينطق إذا سكتنا، فإن المدعي بغير بينة متعرض للتكذيب. # وصف الشعر والإدلال به # وهذه جملة من وصفهم الشعر وعمله وإدلالهم به. # أبو حية النميري [من الكامل]: # إن القصائد قد علمن بأنني ... صنع اللسان بهن لا أتنحل # وإذا ابتدأت عروض نسج ريض ... جعلت تذل لما أريد وتسهل # حتى تطاوعني ولو يرتاضها ... غيري لحاول صعبة لا تقبل # تميم بن مقبل [من الطويل]: # إذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى ... لها قائلا بعدي أطب وأشعرا # وأكثر بيتا سائرا ضربت له ... حزون جبال الشعر حتى تيسرا # أغر غريبا يمسح الناس وجهه ... كما تمسح الأيدي الأغر ms326 المشهرا # عدي بن الرقاع [من الكامل]: # PageV01P412 # وقصيدة قد بت أجمع بينها ... حتى أقوم ميلها وسنادها # نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها # كعب بن زهير [من لطويل]: # فمن للقوافي شانها من يحوكها ... إذا ما توى كعب وفوز جرول # يقومها حتى تلين متونها ... فيقصر عنها كل ما يتمثل # بشار [من الطويل]: # عميت جنينا والذكاء من العمى ... فجئت عجيب الظن للعلم موئلا # وغاض ضياء العين للعلم رافدا ... لقلب إذا ما ضيع الناس حصلا # وشعر كنور الروض لاءمت بينه ... بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا # وله [من المنسرح]: # زور ملوك عليه أبهة ... يغرف من شعره ومن خطبه # لله ما راح في جوانحه ... من لؤلؤ لا ينام عن طلبه # يخرج من فيه للندي كما ... يخرج ضوء النهار من لهبه # أبو شريح العمير [من الوافر]: # فإن أهلك فقد أبقيت بعدي ... قوافي تعجب المتمثلينا # لذيذات المقاطع محكمات ... لو أن الشعر يلبس لارتدينا # الفرزدق [من الوافر]: # بلغن الشمس حين تكون شرقا ... ومسقط قرنها من حيث غابا # بكل ثنية وبكل ثغر ... غرائبهن تنتسب انتسابا # ابن ميادة [من الطويل]: # فجرنا ينابيع الكلام وبحره ... فأصبح فيه ذو الرواية يسبح # وما الشعر إلا شعر قيس وخندف ... وشعر سواهم كلفة وتملح # وقال عقال بن هشام القيني يرد عليه [من الطويل]: # ألا بلغ الرماح نقض مقالة ... بها خطل الرماح أوكان يمزح # لقد خرق الحي اليمانون قبلهم ... بحور الكلام تستقى وهي طفح # وهم علموا من بعدهم فتعلموا ... وهم أعربوا هذا الكلام وأوضحوا # فللسابقين الفضل لا تجحدونه ... وليس لمسبوق عليهم تبجح # أبو تمام [من الطويل]: # كشفت قناع الشعر عن حر وجهه ... وطيرته عن وكره وهو واقع # PageV01P413 # بغر يراها من يراها بسمعه ... ويدنو إليها ذو الحجى وهو شاسع # يود ودادا أن أعضاء جسمه ... إذا أنشدت شوقا إليها مسامع # وله [من الكامل]: # حذاء تملأ كل أذن حكمة ... وبلاغة وتدر كل وريد # كالدر والمرجان ألف نظمه ... بالشذر في عنق الفتاة الرود # كشقيقة البرد المنمنم وشبه ... في أرض مهرة أو بلاد تزيد # يعطى بها البشرى الكريم ويرتدي ms327 ... بردائها في المحفل المشهود # بشرى الغني أبي البنات تتعابعت ... بشراؤه بالفارس المولود # وله [من الطويل]: # جاءتك من نظم اللسان قلادة ... سمطان فيها اللؤلؤ والمكنون # أخذاكها صنع الضمير يمده ... جفر إذاك نضب الكلام معين # أخذ لفظ "الصنع" من قول أبي حية [من الكامل]: # بأنني صنع اللسان بهن لا أتنحل # ونقله إلى الضمير وقد جعل حسان أيضا اللسان صنعا، وذلك في قوله [من ~~البسيط]: # أهدى لهم مدحا قلب مؤازره ... فيما أحب لسان حائك صنع # ولأبي تمام [من الطويل]: # إليك أرحنا عازب الشعر بعدما ... تمهل في روض المعاني العجائب # غرائب لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب # ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في السنين الذواهب # ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب # البحتري [من الطويل]: # ألست الموالي فيك نظم قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما # ثناء كأن الروض منه منورا ... ضحى وكأن الوشي منه منمنما # وله [من البسيط]: # أحسن "أبا حسن" بالشعر إذ جعلت ... عليك أنجمه بالمدح تنتشر # فقد أتتك القوافي غب فائدة ... كما تفتح غب الوابل الزهر # وله [من الطويل]: # إليك القوافي نازعات قواصد ... يسير ضاحي وشيها وينمنم # ومشرقة في النظم غر يزينها ... بهاء وحسنا أنها لك تنظم # وله [من الطويل]: # PageV01P414 # بمنقوشة نقش الدنانير ينتقى ... لها اللفظ مختارا كما ينتقى التبر # وله [من الطويل]: # أيذهب هذا الدهر لم ير موضعي ... ولم يدر ما مقدار حلي ولا عقدي # ويكسد مثلي وهو تاجر سؤدد ... يبيع ثمينات المكارم والمجد # سوائر شعر جامع بدد العلى ... تعلقن من قبلي وأتعبن من بعدي # يقدر فيها صانع متعمل ... لأحكامها تقدير "داود" في السرد # وله [من الكامل]: # لله يسهر في مديحك ليله ... متململا، وتنام دون ثوابه # يقظان ينتحل الكلام كأنه ... جيش لديه يريد أن يلقى به # فأتى به كالسيف رقرق صيقل ... ما بين قائم سنخه وذبابه # ومن نادر وصفه للبلاغة قوله [من الخفيف]: # في نظام من البلاغة ما شك ... (م) أمرؤ أنه نظام فريد # وبديع كأنه الزهر الضاحك ... (م) في ms328 رونق الربيع الجديد # مشرق في جوانب السمع ما يخ ... لقه عوده على المستعيد # حجج تخرس الألد بألفا ... ظ فرادى كالجوهر المعدود # ومعان لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر "جرول" و"لبيد" # حزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجنين ظلمة التعقيد # وركبن اللفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المراد البعيد # كالعذارى غدون في الحلل الصف ... ر إذا رحن في الخطوط السود # PageV01P415 # الغرض من كتب هذه الأبيات، الاستظهار حتى إن حمل حامل نفسه على الغرر ~~والتقحم على غير بصيرة، فزعم أن الإعجاز في مذاقة الحروف، وفي سلامتها مما ~~يثقل على اللسان، علم بالنظر فيها، فساد ظنه وقبح غلطه، من حيث يرى عيانا ~~أن ليس كلامهم كلام من خطر ذلك منه ببال، ولا صفاتهم صفات تصلح له على حال، ~~إذ لا يخفى على عاقل أن لم يكن ضرب تميم لحزون جبال الشعر لأن تسلم ألفاظه ~~من حروف تثقل على اللسان، ولا كان تقويم عدي لشعره، ولا تشبيهه نظره فيه ~~بنظر المثقف في كعوب قناته لذلك، وأنه محال أن يكون له جعل بشار نور العين ~~قد غاض فصار إلى قلبه، وأن يكون اللؤلؤ الذي كان لا ينام عن طلبه، وأن ليس ~~هو صوب العقول الذي إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب، وأن ليس هو الدر ~~والمرجان مؤلفا بالشذر في العقد، ولا الذي له كان البحتري مقدرا تقدير داود ~~في السرد. كيف وهذه كلها عبارات عما يدرك بالعقل ويستنبط بالفكر، وليس ~~الفكر الطريق إلى تمييز ما يثقل على اللسان مما لا يثقل، إنما الطريق إلى ~~ذلك الحس. # ولولا أن البلوى قد عظمت بهذا الرأي الفاسد وأن الذين استهلكوا فيه قد ~~صاروا من فرط شغفهم به يصغون إلى كل شيء يسمعونه، حتى لو أن إنسانا قال: ~~(باقلى حار): يريهم أنه يريد نصرة مذهبهم، لأقبلوا بأوجههم عليه، فألقوا ~~أسماعهم إليه، لكان اطراحه وترك الاشتغال به أصوب، لأنه قول لا يتصل منه ~~جانب بالصواب البتة. # PageV01P416 # ذلك لأنه أول شيء يؤدي إلى أن يكون القرآن معجزا، لا بما به كان قرآنا ~~وكلام الله ms329 عز وجل، لأنه على كل حال إنما كان قرآنا وكلام الله عز وجل: ~~بالنظم الذي هو عليه. ومعلوم أن ليس النظم من مذاقة الحروف وسلامتها مما ~~يثقل على اللسان في شيء. ثم إنه اتفاق من العقلاء أن الوصف الذي به تناهى ~~القرآن إلى حد عجز عنه المخلوقون هو الفصاحة والبلاغة. وما رأينا عاقلا جعل ~~القرآن فصيحا أو بليغا بأن لا يكون في حروفه ما يثقل على اللسان، لأنه لو ~~كان يصح ذلك، لكان يجب أن يكون السوقي الساقط من الكلام والسفساف الرديء من ~~الشعر، فصيحا إذا خفت حروفه، وأعجب من هذا أنه يلزم منه أنه لو عمد عامد ~~إلى حركات الإعراب فجعل مكان كل ضمة وكسرة فتحة فقال: الحمد لله (بفتح ~~الدال واللام والهاء) وجرى على هذا في القرآن كله أن لا يسلبه ذلك الوصف ~~الذي هو معجز به بل كان ينبغي أن يزيد فيه لأن الفتحة - كما لا يخفى - أخف ~~من كل واحدة من الضمة والكسرة، فإن قال إن ذلك يحيل المعنى، قيل له: إذا ~~كان المعنى والعلة في كونه معجزا، خفة اللفظ وسهولته، فينبغي أن يكون مع ~~إحالة المعنى معجزا، لأنه إذا كان معجز الوصف يخص لفظه دون معناه، كان ~~محالا أن يخرج عن كونه معجزا مع قيام ذلك الوصف فيه. # PageV01P417 # ودع هذا وهب أنه لا يلزم شيء منه؛ فإنه يكفي في الدلالة على سقوطه وقلة ~~تمييز القائل به، أنه يقتضي إسقاط الكناية والاستعارة والتمثيل والمجاز ~~والإيجاز جملة، واطراح جميعها رأسا، مع أنها الأقطاب التي تدور البلاغة ~~عليها، والأعضاد التي تستند الفصاحة إليها، والطلبة التي يتنازعها ~~المحسنون، والرهان الذي تجرب فيه الجياد، والنضال الذي تعرف به الأيدي ~~الشداد، وهي التي نوه بذكرها البلغاء، ورفع من أقدارها العلماء وصنفوا فيها ~~الكتب، ووكلوا بها الهمم، وصرفوا إليها الخواطر، حتى صار الكلام فيها نوعا ~~من العلم مفردا، وصناعة على حدة، ولم يتعاط أحد من الناس القول في الإعجاز ~~إلا ذكرها وجعلها العمد والأركان فيما يوجب الفضل والمزية، وخصوصا ~~الاستعارة والإيجاز، فإنك ms330 تراهم يجعلونهما عنوان ما يذكرون وأول ما يوردون. ~~وتراهم يذكرون من الاستعارة قوله عز وجل: {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4] ~~وقوله: {وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: 93] وقوله عز وجل {وآية لهم ~~الليل نسلخ منه النهار} [يس: 37] وقوله عز وجل {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: ~~94] وقوله {فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا} [يوسف: 80] وقوله تعالى: {حتى ~~تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] وقوله {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16]، ومن ~~الإيجاز قوله تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآء} ~~[الأنفال: 58]، وقوله تعالى: {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14] وقوله: {فشرد ~~بهم من خلفهم} [الأنفال: 57] تراهم على لسان واحد في أن المجاز والإيجاز، ~~من الأركان في أمر الإعجاز. # PageV01P418 # وإذا كان الأمر كذلك عند كافة العلماء الذين تكلموا في المزايا التي ~~للقرآن، فينبغي أن ينظر في أمر الذي يسلم نفسه إلى الغرور فيزعم أن الوصف ~~الذي كان له القرآن معجزا، وهو سلامة حروفه مما يثقل على اللسان. أيصح له ~~القول بذلك إلا من بعد أن يدعي الغلط على العقلاء قاطبة فيما قالوه، والخطأ ~~فيما أجمعوا عليه؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يصح له ذلك إلا بأن يقتحم هذه ~~الجهالة، اللهم إلا أن يخرج إلى الضكحة فيزعم مثلا أن من شأن الاستعارة ~~والإيجاز، إذا دخلا الكلام، أن يحدث بهما في حروفه خفة، ويتجد فيها سهولة، ~~ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق!. # واعلم أنا لا نأبى أن تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان، ~~داخلا فيما يوجب الفضيلة، وأن تكون مما يؤكد أمر الإعجاز، وإنما الذي تنكره ~~ونفيل رأي من يذهب إليه، أن يجعله معجزا به وحده ويجعله الأصل والعمدة ~~فيخرج إلى ما ذكرنا من الشناعات. # PageV01P419 # ثم إن العجب كل العجب، ممن يجعل كل الفضيلة في شيء هو إذا انفرد لم يجب ~~به فضل البتة، ولم يدخل في اعتداد بحال، وذلك أنه لا يخفى على عاقل أنه لا ~~يكون بسهولة الألفاظ وسلامتها مما يثقل على اللسان، اعتداد، حتى يكون قد ~~ألف منها كلام، ثم كان ذلك الكلام صحيحا في نظمه والغرض ms331 الذي أريد به، وأنه ~~لو عمد عامد إلى ألفاظ فجمعها من غير أن يراعي فيها معنى ويؤلف منها كلاما، ~~لم تر عاقلا يعتد السهولة فيما فضيلة، لأن الألفاظ لا تراد لأنفسها وإنما ~~تراد لتجعل أدلة على المعاني؛ فإذا عدمت الذي له تراد أو اختل أمرها فيه، ~~لم يعتد بالأوصاف التي تكون في أنفسها عليها، وكانت السهولة وغير السهولة ~~فيها واحدا، ومن هاهنا رأيت العلماء يذمون مضن يحمله تطلب السجع والتجنيس ~~على أن يضم لهما المعنى ويدخل الخلل عليه من أجلهما، وعلى أن يتعسف في ~~الاستعارة بسببهما، ويركب الوعورة، ويسلك المسالك المجهولة، كالذي صنع أبو ~~تمام في قوله [من البسيط]: # سيف الإمام الذي سمته هيبته ... لما تخرم أهل الأرض مخترما # قرت بقران عين الدين وانشترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما # وقوله [من الكامل]: # ذهبت بمذهبه السماحة والتوت ... فيه الظنون أمذهب أم مذهب # ويصنعه المتكلفون في الأسجاع، وذلك أنه لا يتصور أن يجب بهما ومن حيث هما ~~فضل، ويقع بهما، مع الخلو من المعنى، اعتداد. وإذا نظرت إلى تجنيس أبي ~~تمام: (أمذهب أم مذهب) فاستضعته، وإلى تجنيس القائل [من الرجز]: # حتى نجا من خوفه وما نجا # وقول المحدث [من الخفيف]: # ناظراه فيما جنى ناظراه ... أودعاني أمت بما أودعاني # PageV01P420 # فاستحسنته، لم تشك بحال أن ذلك لم يكن لأمر يرجع إلى اللفظ، ولكن لأنك ~~رأيت الفائدة ضعفت في الأول وقويت في الثاني، وذلك أنك رأيت أبا تمام ليم ~~يزدك (بمذهب ومذهب) على أن أسمعك حروفا مكررة لا تجد لها فائدة - إن وجدت - ~~إلا متكلفة ممتحلة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة ~~وقد أعطاها، ويوهمك أنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفاها. ولهذه النكتة كان ~~التجنيس، وخصوصا المستوفى منه مثل "نجا ونجا" من حلى الشعر. والقول فيما ~~يحسن وفيما لا يحسن من التجنس والسجع يطول، ولم يكن غرضنا من ذكرهما شرح ~~أمرهما، ولكن توكيد ما انتهى بنا القول إليه من استحالة أن يكون الإعجاز في ~~مجرد السهولة وسلامة الألفاظ مما يثقل على ms332 اللسان. # وجملة الأمر أنا ما رأينا في الدنيا عاقلا اطرح النظم والمحاسن التي هو ~~السبب فيها من الاستعارة والكناية والتمثيل وضروب المجاز والإيجاز، وصد ~~بوجهه عن جميعها وجعل الفضل كله والمزية أجمعها في سلامة الحروف مما يثقل. ~~كيف وهو يؤدي إلى السخف والخروج من العقل كما بينا؟ # واعلم أنه قد آن لنا أن نعود إلى ما هو الأمر الأعظم والغرض الأهم والذي ~~كأنه هو الطلبة، وكل ما عداه ذرائع إليه، وهو المرام وما سواه أسباب للتسلق ~~عليه، وهو بيان العلل التي لها وجب أن يكون لنظم مزية على نظم، وأن يعم أمر ~~التفاضل فيه، وتناهى إلى الغايات البعيدة، ونحن نسأل الله تعالى العون على ~~ذلك والتوفيق له والهداية إليه. # PageV01P421 ### | باب على التفاضل بين النظم ### | فصل: معنى الخبر غير معنى جزئية المخبر به والمخبر عنه # وإذا ثبت أن الجملة إذا بني عليها، حصل منها ومن الذي بني عليها في ~~الكثير، معنى يجب فيه أن ينسب إلى واحد مخصوص، فإن ذلك يقتضي لا محالة، أن ~~يكون الخبر في نفسه معنى هو غير المخبر به والمخبر عنه. ذاك لعلمنا ~~وباستحالة أن يكون للمعنى المخبر به نسبة إلى المخبر، وأن يكون المستنبط ~~والمستخرج والمستعان على تصويره بالفكر. فليس يشك عاقل أنه محال أن يكون ~~للحمل في قوله. # وما حملت أم امرىء في ضلوعها # نسبة إلى الفرزدق، وأن يكون الفكر منه كان فيه نفسه، وأن يكون معناه الذي ~~قيل إنه استنبطه واستخرجه وغاص عليه. وهكذا السبيل أبدا، لا يتصور أن يكون ~~للمعنى المخبر به نسبة إلى الشاعر، أن يبلغ من أمره أن يصير خاصا به، ~~فاعرفه! # ومن الدليل القاطع فيه ما بيناه في الكناية والاستعارة والتمثيل، وشرحناه ~~من أن من شأن هذه الأجناس أن تجب الحسن والمزية، وأن المعاني تتصور من ~~أجلها بالصور المختلفة، وأن العلم بإيجابها ذلك، ثابت في العقول، ومركوز في ~~غرائز النفوس؛ وبينا كذلك أنه محال أن تكون المزايا التي تحدث بها حادثة، ~~في المعنى المخبر به المثبت أو المنفي، لعلمنا باستحالة ms333 أن تكون المزية ~~التي تجدها لقولنا: (هو طيل النجاد)، على قولنا: (طويل القامة): في الطول، ~~والتي تجدها لقولنا: (هو كثير رماد القدر) على قولنا: (هو كثير القرى ~~والضيافة): في كثرة القرى. وإذا كان ذلك محالا، ثبت أن المزية والحسن ~~يكونان في إثبات ما يراد أن يوصف به المذكور، والإخبار به عنه. وإذا ثبت ~~ذلك، ثبت أن الإثبات معنى لأن حصول المزية والحسن فيما ليس بمعنى، محال. # PageV01P422 ### | فصل: أهمية الكلام وعلة وجوده بنظمه لا بألفاظه المفردة # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه ثقتي وعليه اعتمادي # إعلم أن هاهنا أصلا أنت ترى الناس فيه صورة من يعرف من جانب وينكر من ~~آخر؛ وهو أن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة، لم توضع لتعرف معانيها ~~في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض، فيعرف فيما بينها فوائد. وهذا علم ~~شريف، وأصل عظيم. والدليل على ذلك أنا إن زعمنا أن الألفاظ التي هي أوضاع ~~اللغة إنما وضعت ليعرف بها معانيها في أنفسها، لأدى ذلك إلى ما لا يشك عاقل ~~في استحالته، وهو أن يكونوا قد وضعوا للأجناس الأسماء التي وضعوها لها ~~لتعرفها بها، حتى كأنهم لو لم يكونوا قالوا: (رجل وفرس ودار): لما كان يكون ~~لنا علم بمعانيها، وحتى لو لم يكونوا قالوا: فعل ويفعل: لما كنا نعرف الخبر ~~في نفسه ومن أصله، ولو لم يكونوا قد قالوا: (إفعل): لما كنا نعرف الأمر من ~~أصله ولا نجده في نفوسنا، وحتى لو لم يكونوا قد وضعوا الحروف لكنا نجهل ~~معانيها فلا نعقل نفيا ولا نهيا ولا استفهاما ولا استثناء. وكيف والمواضعة ~~لا تكون ولا تتصور إلا على معلوم؟ فمحال أن يوضع اسم أو غير اسم لغير ~~معلوم، ولأن المواضعة كالإشارة. فكما أنك إذا قلت: (خذ ذاك)، لم تكن هذه ~~الإشارة لتعرف السامع المشار إليه في نفسه، ولكن ليعلم أنه المقصود من بين ~~سائر الأشياء التي تراها وتبصرها؛ كذلك حكم اللفظ مع ما وضع له. ومن هذا ~~الذي يشك أنا لم نعرف الرجل والفرس والضرب والقتل إلا ms334 من أساميها؟ لو كان ~~لذلك مساغ في العقل لكان ينبغي إذا قيل: (زيد): أن تعرف المسمى بهذا الاسم ~~من غير أن تكون قد شاهدته أو ذكر لك بصفة. # PageV01P423 # وإذا قلنا في العلم واللغات من مبتدأ الأمر، إنه كان إلهاما، فإن الإلهام ~~في ذلك، إنما يكون بين شيئين يكون أحدهما مثبتا والآخر مثبتا له، أو يكون ~~أحدهما منفيا والآخر منفيا عنه، وأنه لا يتصور مثبت من غير مثبت له ومنفي ~~من غير منفي عنه. فلما كان الأمر كذلك أوجب ذلك أن لا يعقل إلا من مجموع ~~جملة فعل واسم، كقولنا: (خرج زيد)، أو اسم واسم، كقولنا: (زيد خارج). فما ~~عقلنا منه، وهو نسبة الخروج إلى زيد، لا يرجع إلى معاني اللغات، ولكن إلى ~~كون ألفاظ اللغات سمات لذلك المعنى، وكونها مرادة بها. أفلا ترى إلى قوله ~~تعالى: {وعلمءادم الأسمآء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسمآء ~~هاؤلاء إن كنتم صادقين} [البقرة: 31]. أفترى أنه قيل لهم: (أنبئوني بأسماء ~~هؤلاء) [البقرة: 31] وهم لا يعرفون المشار إليهم بهؤلاء؟ # ثم إنا إذا نظرنا في المعاني التي يصفها العقلاء بأنها معان مستنبطة، ~~ولطائف مستخرجة، ويجعلون لها اختصاصا بقائل دون قائل. كمثل قولهم في معان ~~من الشعر: إنه معنى لم يسبق إليه فلان، وإنه الذي فطن له واستخرجه، وإنه ~~الذي غاص عليه بفكره، وإنه أبو عذره: لم تجد تلك المعاني في الأمر الأعم ~~شيئا غير الخبر الذي هو إثبات المعنى للشيء ونفيه عنه. يدلك على ذلك أنا لا ~~ننظر إلى شيء من المعاني الغريبة التي تختص بقائل دون قائل إلا وجدت الأصل ~~فيه والأساس: الإثبات والنفي، وإن أردت في ذلك مثالا فانظر إلى بيت ~~الفرزدق: # وما حملت أم امرىء في ضلوعها ... أعق من الجاني عليها هجائيا # PageV01P424 # فإنك إذا نظرت، لم تشك في أن الأصل والأساس هو قوله: (وما حملت أم ~~امرىء): وأن ما جاوز ذلك من الكلمات إلى آخر البيت، مستند ومبني عليه، وأنك ~~إن رفعته لم تجد لشيء منها بيانا، ولا رأيت لذكرها معنى، بل ms335 ترى ذكرك لها ~~إن ذكرتها هذيانا؛ والسبب الذي من أجله كان كذلك، أن من حكم كل ما عدا جزءي ~~الجملة - الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر - أن يكون تحقيقا للمعنى المثبت ~~والمنفي. فقوله: "في ضلوعها"، يفيد أولا أنه لم يرد نفي الحمل على الإطلاق، ~~ولكن الحمل في الضلوع. وقوله: "أعق"، يفيد أنه لم يرد هذا الحمل الذي هو ~~حمل في الضلوع أيضا على الإطلاق، ولكن "حملا في الضلوع" محموله أعق من ~~الجاني عليها هجاؤه. وإذا كان ذلك كله تخصيصا للحمل، لم يتصور أن يعقل من ~~دون أن يعقل نفي الحمل، لأنه لا يتصور تخصيص شيء لم يدخل في نفي ولا إثبات، ~~ولا ما كان في سبيلهما من الأمر به والنهي عنه والاستخبار عنه. # وإذ قد ثبت أن الخبر وسائر معاني الكلام معان ينشئها الإنسان في نفسه، ~~ويصرفها في فكره، ويناجي بها قلبه، ويرجع فيها إليه، فاعلم أن الفائدة في ~~العلم بها واقعة من المنشىء لها، صادرة عن القاصد إليها. وإذا قلت في الفعل ~~إنه موضوع للخبر، لم يكن المعنى فيه أنه موضوع لأن يعلم به الخبر في نفسه ~~وجنسه، ومن أصله، وما هو. ولكن المعنى أنه موضوع، حتى إذا ضممته إلى اسم ~~عقل منه، ومن الاسم، أن الحكم بالمعنى الذي اشتق ذلك الفعل منه على مسمى ~~ذلك الاسم، واقع منك أيها المتكلم. # PageV01P425 ### | فصل: الذوق بيان أن العمدة في إدراك البلاغة الذوق والإحساس الروحاني # بسم الله الرحمن الرحيم # إعلم أنك ترى عجبا أعجب من الذي عليه الناس في أمر النظم، وذلك أنه ما من ~~أحد له أدنى معرفة إلا وهو يعلم أن هاهنا نظما أحسن من نظم، ثم تراهم إذا ~~أنت أردت أن تبصرهم ذلك تسدر أعينهم، وتضل عنهم أفهامهم؛ وسبب ذلك أنهم أول ~~شيء عدموا العلم به نفسه من حيث حسبوه شيئا غير توخي معاني النحو، وجلعوه ~~يكون في الألفاظ دون المعاني. فأنت تلقى الجهد حتى تميلهم عن رأيهم، لأنك ~~تعالج مرضا مزمنا، وداء متمكنا. ثم إذا أنت قدتهم بالخزائم إلى الاعتراف ms336 ~~بأن لا معنى له غير توخي معاني النحو، عرض لهم من بعد خاطر يدهشهم، حتى ~~يكادوا يعودون إلى رأس أمرهم، وذلك أنهم يروننا ندعي المزية والحسن لنظم ~~كلام، من غير أن يكون فيه من معاني النحو شيء يتصور أن يتفاضل الناس في ~~العلم به، ويروننا لا نستطيع أن نضع اليد من معاني النحو ووجوهه على شيء ~~نزعم أن من شأن هذا أن يوجب المزية لكل كلام يكون فيه، بل يروننا ندعي ~~المزية لكل ما ندعيها له من معاني النحو ووجوهه وفروقه في موضع دون موضع، ~~وفي كلام دون كلام، وفي الأقل دون الأكثر، وفي الواحد من الألف؛ فإذا رأوا ~~الأمر كذلك دخلتهم الشبهة، وقالوا: كيف يصير المعروف مجهولا، ومن أين يتصور ~~أن يكون للشيء في كلام مزية عليه في كلام آخر بعد أن تكون حقيقته فيهما ~~حقيقة واحدة؟ فإذا رأوا التنكير، يكون فيما لا يحصى من المواضع ثم لا يقتضي ~~فضلا، ولا يوجب مزية، اتهمونا في دعوانا ما ادعيناه لتنكير الحياة في قوله ~~تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] من أن له حسنا ومزية، وأن فيه ~~بلاغة عجيبة، ظنوه وهما منا وتخيلا، ولسنا نستطيع في كشف الشبهة في هذا ~~عنهم، وتصوير الذي هو الحق عندهم، ما استطعناه في نفس النظم، لأنا ملكنا في ~~ذلك أن نضطرهم إلى أن يعلموا صحة ما نقول. # PageV01P426 # وليس الأمر في هذا كذلك، فليس الداء فيه بالهين، ولا هو بحيث إذا رمت ~~العلاج منه وجدت الإمكان فيه مع كل أحد مسعفا، والسعي منجحا، لأن المزايا ~~التي تحتاج أن تعلمهم مكانها، وتصور لهم شأنها، أمور خفية، ومعان روحانية، ~~أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها، وتحدث له علما بها، حتى يكون مهيأ ~~لإدراكها، وتكون فيه طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في ~~نفسه إحساسا بأن من شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيها المزية على ~~الجملة، وممن إذا تصفح الكلام وتدبر الشعر فرق بين موقع شيء منها وشيء، ~~وممن إذا أنشدته قوله [من الكامل]: ms337 # لي منك ما للناس كلهم ... نظر وتسليم على الطرق # وقول البحتري [من الكامل]: # وسأستقل لك الدموع صبابة ... ولو أن "دجلة" لي عليك دموع # وقوله [من الطويل]: # رأت مكنات الشيب فابتسمت لها ... وقالت نجوم لو طلعن بأسعد # وقول أبي نواس [من البسيط]: # ركب تساقوا على الأكوار بينهم ... كأس الكرى فانتشى المسقي والساقي # كأن أعناقهم والنوم واضعها ... على المناكب لم تعمد بأعناق # وقوله [من الكامل]: # يا صاحبي عصيت مصطبحا ... وغدوت للذات مطرحا # فتزودوا مني محادثة ... حذر العصا لم يبق لي مرحا # وقول إسماعيل بن يسار [من السريع]: # حتى إذا الصبح بدا ضوؤه ... وغابت الجوزاء والمرزم # خرجت والوطء خفي كما ... ينساب من مكمنه الأرقم # أنق لها، وأخذته الأريحية عندها، وعرف لطف موقع الحذف والتنكير في قوله: # نظر وتسليم على الطرق # وما في قول البحتري: "لي عليك دموع"، من شبه السحر وأن ذلك من أجل تقديم ~~"لي" على "عليك" ثم تنكير (الدموع)، وعرف كذلك شرف قوله: # وقالت نجوم لو طلعن بأسعد # PageV01P427 # وعلو طبقته، ودقة صنعته، والبلاء والداء العياء. إن هذا الإحساس، قليل في ~~الناس، حتى إنه ليكون أن يقع للرجل الشيء من هذه الفروق والوجوه في شعر ~~يقوله أو رسالة يكتبها الموقع الحسن، ثم لا يعلم أنه قد أحسن، فأما الجهل ~~بمكان الإساءة فلا تعدمه. فلست تملك إذا من أمرك شيئا حتى تظفر بمن له طبع ~~إذا قدحته ورى، وقلب إذا أريته رأى، فأما وصاحبك من لا يرى ما تريه، ولا ~~يهتدي للذي تهديه، فأنت رام معه في غير مرمى، معن نفسك في غير جدوى. وكما ~~لا تقيم الشعر في نفس من لا ذوق له، كذلك لا تفهم هذا الشأن من لم يؤت ~~الآلة التي بها يفهم؛ إلا أنه إنما يكون البلاء إذا ظن العادم لها أنه ~~أوتيها، وأنه ممن يكمل للحكم، ويصح منه القضاء، فجعل يقول القول لو علم غيه ~~لا ستحيى منه. فأما الذي يحس بالنقص من نفسه، ويعلم أنه قد علم علما قد ~~أوتيه من سواه، فأنت منه في راحة، وهو ms338 رجل عاقل قد حماه عقله أن يعدو طوره، ~~وأن يتكلف ما ليس بأهل له. # PageV01P428 # وإذا كانت العلوم التي لها أصول معروفة، وقوانين مضبوطة، قد اشترك الناس ~~في العلم بها، واتفقوا على أن البناء عليها، إذا أخطأ فيه المخطىء، ثم أعجب ~~برأيه لم يستطع رده عن هواه، وصرفه عن الرأي الذي رآه، إلا بعد الجهد، وإلا ~~بعد أن يكون حصيفا عاقلا ثبتا إذا نبه انتبه، وإذا قيل إن عليك بقية من ~~النظر وقف وأصغى، وخشي أن يكون قد غر فاحتاط باستماع ما يقال له، وأنف من ~~أن يلج من غير بينة، ويستطيل بغير حجة، وكان من هذا وصفه يعز ويقل، فكيف ~~بأن ترد الناس عن رأيهم في هذا الشأن، وأصلك الذي تردهم إليه، وتعول في ~~محاجتهم عليه، استشهاد القرائح وسبر النفوس وفليها، ما يعرض فيها من ~~الأريحية عند ما تسمع. وكان ذلك الذي يفتح لك سمعهم، ويكشف الغطاء عن ~~أعينهم، ويصرف إليك أوجههم، وهم لا يضعون أنفسهم موضع من يرى الرأي ويفتي ~~ويقضي إلا وعندهم أنهم ممن صفت قريحته، وصح ذوقه وتمت أداته. فإذا قلت لهم: ~~إنكم قد أتيتم من أنفسكم: ردوا عليك مثله، وقالوا: "لا بل قرائحنا أصح، ~~ونظرنا أصدق، وحسنا أذكى، وإنما الآفة فيكم لأنكم خيلتم إلى نفسكم أمورا لا ~~حاصل لها. # PageV01P429 # وأوهمكم الهوى والميل أن توجبوا لأحد النظمين المتساويين فضلا على الآخر ~~من غير أن يكون ذلك الفضل معقولا، فتبقى في أيديهم حسيرا لا تملك غير ~~التعجب، فليس الكلام إذن بمغن عنك، ولا القول بنافع، ولا الحجة مسموعة، حتى ~~تجد من فيه عون لك على نفسه، ومن إذا أتى عليك، أبى ذاك طبعه فرده إليك، ~~وفتح سمعه لك، ورفع الحجاب بينك وبينه، وأخذ به إلى حيث أنت، وصرف ناظره ~~إلى الجهة التي إليها أومأت، فاستبدل بالنفار أنسا، وأراك من بعد الإباء ~~قبولا، ولم يكن الأمر على هذه الجملة إلا لأنه ليس في أصناف العلوم الخفية، ~~والأمور الغامضة الدقيقة، أعجب طريقا في الخفاء من هذا، وإنك لتتعب في ~~الشيء ms339 نفسك وتكد فيه فكرك، وتجهد فيه كل جهدك، حتى إذا قلت: قد قتلته علما، ~~وأحكمته فهما، كنت الذي لا يزال يتراءى لك فيه شبهة، ويعرض فيه شك، كما قال ~~أبو نواس [من الطويل]: # ألا لا أرى مثل امترائي في رسم ... تغص به عيني ويلفظه وهمي # أتت صور الأشياء بيني وبينه ... فظني كلا ظن وعلمي كلا علم # وإنك لتنظر في البيت دهرا طويلا وتفسره ولا ترى أن فيه شيئا لم تعلمه، ثم ~~يبدو لك فيه أمر خفي لم تكن قد علمته، مثال ذلك بيت المتنبي [من الكامل]: # عجبا له حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها # PageV01P430 # مضى الدهر الطويل ونحن نقرأه فلا ننكر منه شيئا ولا يقع لنا أن فيه خطأ، ~~ثم بان بأخرة أنه قد أخطأ، وذلك أنه كان ينبغي أن يقول: (ماحفظ الأشياء من ~~عاداتها)؛ فيضيف المصدر إلى المفعول فلا يذكر الفاعل، ذاك لأن المعنى على ~~أنه ينفي الحفظ عن أنامله جملة، وأنه يزعم أنه لا يكون منها أصلا. وإضافته ~~(الحفظ) إلى ضميرها في قوله: (ما حفظها الأشياء) يقتضي أن يكون قد أثبت لها ~~حفظا. ونظير هذا أنك تقول: (ليس الخروج في مثل هذا الوقت من عادتي) ولا ~~تقول: ليس خروجي في مثل هذا الوقت من عادتي. وكذلك تقول: (ليس ذم الناس من ~~شأني) ولا تقول ليس ذمي الناس من شأني. لأن ذلك يوجب إثبات الذم ووجوده ~~منك. ولا يصح قياس المصدر في هذا على الفعل، أعني: أنه لا ينبغي أن يظن أنه ~~كما يجوز أن يقال: (ما من عادتها أن تحفظ الأشياء) كذلك ينبغي أن يجوز "ما ~~من عادتها حفظها الأشياء" ذاك أن إضافة المصدر إلى الفاعل يقتضي وجوده وأنه ~~قد كان منه. يبين ذلك أنك تقول: (أمرت زيدا بأن يخرج غدا) ولا تقول: (أمرته ~~بخروجه غدا). # ومما فيه خطأ هو في غاية الخفاء قوله [من البسيط]: # ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم # وذلك أنك إذا قلت: (لا تضجر ضجر زيد) كنت قد ms340 جعلت (زيدا) يضجر ضربا من ~~الضجر مثل أن تجعله يفرط فيه أو يسرع إليه. هذا هو موجب العرف. ثم إن لم ~~تعتبر خصوص وصف، فلا أقل من أن تجعل الضجر على الجملة من عادته، وأن تجعله ~~قد كان منه. وإذا كان كذلك اقتضى قوله: # شكوى الجريح إلى الغربان والرخم # أن يكون هاهنا جريح قد عرف من حاله أن يكون له شكوى إلى الغربان والرخم، ~~وذلك محال. وإنما العبارة الصحيحة في هذا أن يقال: لا تشك إلى خلق فإنك إن ~~فعلت، كان مثل ذلك مثل أن تصور في وهمك أن بعيرا دبرا كشف عن جرحه ثم شكاه ~~إلى الغربان والرخم. # PageV01P431 # ومن ذلك أنك ترى من العلماء من قد تأول في الشيء تأويلا، وقضى فيه بأمر، ~~فتعتقده اتباعا له ولا ترتاب أنه على ما قضى وتأول. وتبقى على ذلك الاعتقاد ~~الزمان الطويل. ثم يلوح لك ما تعلم به أن الأمر على خلاف ما قدر. ومثال ذلك ~~أن أبا القاسم الآمدي ذكر بيت البحتري [من البسيط]: # فصاغ ما صاغ من تبر ومن ورق ... وحاك ما حاك من وشي وديباج # ثم قال "صوغ الغيث وحوكه للنبات ليس باستعارة بل هو حقيقة. وذلك لا يقال: ~~هو صائغ ولا كأنه صائغ". وكذلك لا يقال: هو حائك وكأنه حائك. (قال) على أن ~~لفظ (حائك) في غاية الركاكة، إذا أخرج على ما أخرجه أبو تمام في قوله [من ~~الطويل]: # إذا الغيث غادى نسجه خلت أنه ... خلت حقب حرس له وهو حائك # قال وهذا قبيح جدا. والذي قاله البحتري: (فحاك ما حاك) حسن مستعمل. ~~والسبب في هذا الذي قاله، أنه ذهب إلى أن غرض أبي تمام أن يقصد (بخلت) إلى ~~الحوك، وأنه أراد أن يقول: (خلت الغيث حائكا) وذلك سهو منه لأنه لم يقصد ب ~~(خلت) إلى ذلك. وإنما قصد أن يقول: إنه يظهر في غداة يوم من حوك الغيث ~~ونسجه بالذي ترى العيون من بدائع الأنوار، وغرائب الأزهار، ما يتوهم منه إن ~~الغيث كان في فعل ذلك وفي ms341 نسجه وحوكه حقبا من الدهر. فالحيلولة واقعة على ~~كون زمان الحوك حقبا لا على كون ما فعله الغيث حوكا، فاعرفه! # ومما يدخل في ذلك ما حكي عن الصاحب من أنه قال: كان الأستاذ أبو الفضل ~~يختار من شعر ابن الرومي، وينقط عليه. قال: فدفع إلي القصيدة التي أولها ~~[من الطويل]: # أتحت ضلوعي جمرة تتوقد # وقال: تأملها! فتأملتها، فكان قد ترك خير بيت فيها وهو [من الطويل]: # بجهل كجهل السيف والسيف منتضى ... وحلم كحلم السيف والسيف مغمد # PageV01P432 # فقلت: لم ترك الأستاذ هذا البيت؟ فقال: لعل القلم تجاوزه! (قال) ثم رآني ~~من بعد، فاعتذر بعذر كان شرا من تركه. قال: (إنما تركته لأنه أعاد "السيف" ~~أربع مرات). قال الصاحب "لو لم يعده أربع مرات، فقال: # بجهل كجهل السيف وهو منتضى وحلم كحلم السيف وهو مغمد. # لفسد البيت". # والأمر - كما قال الصاحب والسبب في ذلك - أنك إذا حدثت عن اسم مضاف ثم ~~أردت أن تذكر المضاف إليه، فإن البلاغة تقتضي أن تذكره باسمه الظاهر ولا ~~تضمره. وتفسير هذا أن الذي هو الحسن الجميل أن تقول: (جاءني غلام زيد وزيد) ~~ويقبح أن تقول: (جاءني غلام زيد وهو) ومن الشاهد في ذلك، قول دعبل [من ~~البسيط]: # أضياف عمران في خصب وفي سعة ... وفي حباء وخير غير ممنوع # وضيف عمرو وعمرو يسهران معا ... عمرو لبطنته والضيف للجوع # وقول الآخر [من الطويل]: # وإن طرة راقتك فانظر فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر # وقول المتنبي [من الطويل]: # بمن نضرب الأمثال أم من نقيسه ... إليك وأهل الدهر دونك والدهر؟ # PageV01P433 # ليس بخفي على من له ذوق، أنه لو أتى موضع الظاهر في ذلك كله بالضمير ~~فقيل: (وضيف عمرو وهو يسهران معا)، و (ربما أمر مذاق العود وهو أخضر)، و ~~(أهل الدهر دونك وهو) لعدم حسن ومزية لا خفاء بأمرهما، ليس لأن الشعر ~~ينكسر، ولكن تنكره النفس. وقد يرى في بادىء الرأي أن ذلك من أجل اللبس، ~~وأنك إذا قلت: (جاءني غلام زيد وهو) كان الذي يقع في نفس السامع أن ms342 الضمير ~~للغلام، وأنك على أن تجيء له بخبر؛ إلا أنه لا يستمر من حيث إنا نقول: ~~(جاءني غلمان زيد وهو)، فتجد الاستنكار ونبو النفس، مع أن لا لبس مثل الذي ~~وجدناه. وإذا كان كذلك وجب أن يكون السبب غير ذلك. والذي يوجبه التأمل أن ~~يرد إلى الأصل الذي ذكره الجاحظ من أن سائلا سأل عن قول قيس بن خارجة "عندي ~~قرى كل نازل، ورضى كل ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها ~~بالتواصل، وأنهى فيها عن التقاطع" فقال: أليس الأمر بالصلة هو النهي عن ~~التقاطع؟ قال: فقال أبو يعقوب: أما علمت أن الكناية والتعريض، لا يعملان في ~~العقول عمل الإفصاح والتكشيف؟ وذكرت هناك أن لهذا الذي ذكر من أن للتصريح ~~عملا لا يكون مثل ذلك العمل للكناية كان لإعادة اللفظ في قوله: {وبالحق ~~أنزلناه وبالحق نزل} [الإسراء: 105]، وقوله: {قل هو الله أحد * الله الصمد} ~~[الإخلاص: 1 - 2] عمل لولاها لم يكن. وإذا كان هذا ثابتا معلوما فهو حكم ~~مسألتنا. ومن البين الجلي في هذا المعنى - وهو كبيت ابن الرومي سواء لأنه ~~تشبيه مثله - بيت الحماسة [من الهزج]: # شددنا شدة الليث ... غدا والليث غضبان # ومن الباب قول النابغة [من الرجز]: # نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما # لا يخفى على من له ذوق حسن هذا الإظهار، وأن له موقعا في النفس وباعثا ~~للأريحية، لا يكون إذا قيل: (نفس عصام سودته) شيء منه البتة. PageV01P434 ms343