######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0037697 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار (المتوفى: 471هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 471 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: دلائل الإعجاز في علم المعاني #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0037697 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-37697 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/37697 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. عبد الحميد هنداوي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى،1422هـ - 2001 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [دلائل الإعجاز في علم المعاني] # المؤلف: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، ~~الجرجاني الدار (المتوفى: 471ه) # المحقق: د. عبد الحميد هنداوي # الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت # الطبعة: الأولى،1422ه - 2001 م # عدد الأجزاء: 1 # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] # PageV00P000 ### | مقدمة المحقق # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الكريم المنان، الرحيم الرحمن، ذي ~~الطول والإحسان، الذي علم القرآن، وخلق الإنسان، فعلمه البيان. # وأصلي وأسلم على النبي العدنان حامل لواء الفصاحة والبيان، وصاحب المقام ~~المحمود بأشرف مكان، المرسل بالهداية والرحمة إلى الإنس والجان. # وبعد؛ فقد كان من توفيق الله وفضله أن قمت بكتابة بعض التعليقات والحواشي ~~على كتاب أسرار البلاغة لأوحد زمانه في علوم البلاغة العالم الجليل الأديب ~~النحوي الفقيه المتكلم أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني ~~ت 471 أو 474 ه، وهو من هو في رسوخ قدمه وعلو مكانته وتقدمه في هذا العلم ~~الذي تناثرت كتابات الناس فيه قبله وكثرت؛ ولكنها على كثرتها كأن لم تكن ~~شيئا بجانب ما صنف، فصار ينسب إليه وحده تأسيس هذا العلم وإقامة فسطاطه لما ~~كانت له اليد الطولى في ضبطه ونصب فسطاطه. # وكان من توفيق الله ومنه وفضله أن أتم علي نعمته بتيسير التعليق على هذا ~~الكتاب الآخر الفذ الذي لم يصنف مثله في علوم البلاغة وهو كتابنا هذا ~~الموسوم بدلائل الإعجاز، وهو كتاب بديع في بابه، تفرد فيه صاحبه بتأسيس ~~نظرية النظم التي هي عمود الدراسات البلاغية، والتي لولا ما رسمه لها ~~واختطته فيها من علامات هادية للسبيل لضلت خطى الناس من بعده في هذا العلم ~~الضلال المبين. # ولكن يأبى الله الكمال إلا لكتابه فلقد كان يفترض أن يكون هذا الكتاب هو ~~المقدم لدى دارس البلاغة في العصور التالية لزمان مصنفه، فحال دون ذلك ما ~~جاء عليه الكتاب من عدم ترتيب صاحبه له الترتيب اللائق له، والاعتناء ~~بتقسيم مباحثه، وتبويب أبوابه. # وعذر المصنف في ذلك أنه كان منشغلا بالرد على متكلمي زمانه السابقين له ms001 # PageV01P003 # ممن تكلموا في أمر الفصاحة والبلاغة بغير علم كالقاضي عبد الجبار وغيره ~~من أئمة المعتزلة، فكان ذلك هو شغله الشاغل، الذي صرف إليه جل همه وعزمه. # ولو أن المصنف- رحمه الله- قصد إلى أن يكون كتابه كتابا تعليميا لكان على ~~غير هذا الوضع، ولكن هذا شيء لم يقصد إليه. # وهذا ما دعا المتأخرين بعد زمان عبد القاهر الذين أفادوا من كتابي عبد ~~القاهر هذين كل الإفادة، أن يتداركوا هذا الأمر وأن ينظموا ما تناثر من ~~درره في هذين الكتابين في نظام واحد في هذا التقسيم الثلاثي الصارم لعلوم ~~البلاغة الذي أتى به أبو يعقوب يوسف السكاكي في كتابه (مفتاح العلوم) الذي ~~بلغ به الغاية من دقة التقسيم والتبويب والترتيب على ما يؤخذ عليه من ~~المبالغة في هذا التقسيم والترتيب واعتماده فيه حدود المنطق وقواعده. # غير أنه لم يخل من عيب قاتل كذلك وهو جفاف مادته وعبارته، وشدة إيجازه ~~واقتضابه، وقلة شواهده، وعدم اعتنائه بتحليل شواهده تحليلا بلاغيا أدبيا ~~يضارع ما كان عليه أسلوب عبد القاهر من سلاسة ورقة وبهاء ورونق وهيهات ~~هيهات فدونه وعبارة عبد القاهر وأسلوبه كما بين المشرق والمغرب. # ورغم ما قصد إليه أبو يعقوب السكاكي من الغاية التعليمية بجمع القواعد ~~وترتيب المباحث والتقسيم إلى فصول وأبواب وفنون، رغم ذلك كله فقد أخفق في ~~غايته في تذليل علوم البلاغة للدارس بل سلك بها مسلكا مضادا لغاية البلاغة ~~ومقصدها؛ فإذا كانت غاية البلاغة تنمية الذوق الأدبي والارتقاء به؛ فإن ~~طريقة السكاكي ومن سلكوا دربه من بعده قد أورثت الذوق العربي في ذلك الوقت ~~عقما لازمه إلى عصرنا هذا حتى استيقظ الناس من سباتهم تلك القرون وأدركوا ~~أنهم قد ضلوا السبيل إلى الفصاحة والبلاغة والبيان، وقامت صحوة بلاغية عرفت ~~لعبد القاهر حقه فراحت تلتمس خطاه، وتلتقط درره، وتستلهم روحه وأفكاره في ~~بعث بلاغي جديد لحمته وسداه قضية النظم التي ما فتئ عبد القاهر يدندن عليها ~~في كتابه هذا،. ولعل هذا يبين لنا سر الاهتمام بهذين الكتابين الجليلين ~~للإمام عبد القاهر الجرجاني وكثرة ms002 تداولهما، والإقبال على نسخهما من طلاب ~~البلاغة في عصرنا هذا. # وهذا مما حفزني على الإقبال على الاعتناء بتخريج شواهد هذا الكتاب تخريجا ~~مفصلا لا تجده في نشرة من نشراته السابقة، مع الاعتناء بشرح غريبه، وبيان # PageV01P004 # مراد مؤلفه من كلماته وألفاظه ما أمكن، مع ما تجود به القريحة من كلمة أو ~~تعليق عفو الخاطر بعد ذلك، غير أننا قد حجبنا أكثر تعليقاتنا لنشرها في ~~دراسة مستقلة لئلا يطول حجم الكتاب وتثقل تكلفته على مبتغيه من قرائه ~~وطلابه. # ونشير هنا إلى أننا أفدنا كثيرا من تعليقات الفاضلين الشيخ رشيد رضا ~~والشيخ محمود شاكر ونبهنا على ذلك مرارا «1». # والله نسأل أن يوفق القائمين على صفه وضبطه ومراجعته بدار الكتب العلمية ~~للعناية به وإخراجه في ثوبه اللائق به، وأن يجزي كل من أعان في إخراجه خير ~~الجزاء. # وكتبه د. عبد الحميد هنداوي المدرس بكلية دار العلوم غفر الله له ~~ولوالديه وللمسلمين الجيزة في منتصف رمضان المعظم 1421 ه PageV01P005 ### | [المدخل في دلائل الإعجاز- وهو مقدمة الكتاب لمؤلفه] # بسم الله الرحمن الرحيم توكلت على الله وحده قال الشيخ الإمام، مجد ~~الإسلام، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله ~~تعالى. # الحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين، وصلواته على محمد سيد المرسلين، ~~وعلى آله أجمعين. # هذا كلام وجيز يطلع به الناظر على أصول النحو جملة، وكل ما به يكون النظم ~~دفعة «1»، وينظر منه في مرآة تريه الأشياء المتباعدة الأمكنة قد التقت له ~~حتى رآها في مكان واحد، ويرى بها مشئما «2» قد ضم إلى معرق «3»، ومغربا قد ~~أخذ بيد مشرق، وقد وصلت بأخرة «4» إلى كلام من أصغى إليه وتدبره تدبر ذي ~~دين وفتوة «5»، دعاه إلى النظر في الكتاب الذي وضعناه «6»، وبعثه على طلب ~~ما دوناه، والله تعالى الموفق للصواب، والملهم لما يؤدي إلى الرشاد، بمنه ~~وفضله. قال رضي الله تعالى عنه: # معلوم أن ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب «7» من ~~بعض. PageV01P007 # والكلم ثلاث: اسم، وفعل، وحرف. وللتعليق فيما بينها طرق معلومة، ms003 وهو لا ~~يعدو ثلاثة أقسام: تعلق اسم باسم، وتعلق اسم بفعل، وتعلق حرف بهما. # فالاسم يتعلق بالاسم بأن يكون خبرا عنه، أو حالا منه، أو تابعا له صفة أو ~~تأكيدا، أو عطف بيان، أو بدلا، أو عطفا بحرف، أو بأن يكون الأول مضافا إلى ~~الثاني، أو بأن يكون الأول يعمل في الثاني عمل الفعل، ويكون الثاني في حكم ~~الفاعل له أو المفعول. وذلك في اسم الفاعل كقولنا: «زيد ضارب أبوه عمرا» ~~«1». # وكقوله تعالى: أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها [النساء: 75]، وقوله ~~تعالى: # وهم يلعبون. لاهية قلوبهم [الأنبياء: 2 - 3]، واسم المفعول كقولنا: «زيد ~~مضروب غلمانه»، وكقوله تعالى: ذلك يوم مجموع له الناس [هود: 105] والصفة ~~المشبهة كقولنا: «زيد حسن وجهه، وكريم أصله، وشديد ساعده»، والمصدر كقولنا: ~~«عجبت من ضرب زيد عمرا»، وكقوله تعالى: أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ~~[البلد: 14 - 15]، أو بأن يكون تمييزا قد جلاه، ومنتصبا عن تمام الاسم- ~~ومعنى «تمام الاسم»، أن يكون فيه ما يمنع من الإضافة، وذلك بأن يكون فيه ~~نون تثنية، كقولنا: «قفيزان «2» برا»، أو نون جمع كقولنا: «عشرون درهما»، ~~أو تنوين كقولنا: «راقود «3» خلا»، و «ما في السماء قدر راحة سحابا»، أو ~~تقدير تنوين كقولنا: «خمسة عشر رجلا»، أو يكون قد أضيف إلى شيء، فلا يمكن ~~إضافته مرة أخرى، كقولنا: «لي ملؤه عسلا»، وكقوله تعالى: ملء الأرض ذهبا ~~[آل عمران: 91]. # وأما تعلق الاسم بالفعل، فبأن يكون فاعلا له، أو مفعولا، فيكون مصدرا قد ~~انتصب به كقولك: «ضربت ضربا»، ويقال له المفعول المطلق. أو مفعولا به ~~كقولك: «ضربت زيدا»، أو ظرفا مفعولا فيه، زمانا أو مكانا، كقولك: «خرجت يوم ~~الجمعة، ووقفت أمامك»، أو مفعولا معه كقولنا: «جاء البرد والطيالسة» و «لو ~~تركت الناقة وفصيلها لرضعها»، أو مفعولا له «4» كقولنا: «جئتك إكراما لك، ~~وفعلت ذلك PageV01P008 # إرادة الخير بك»، وكقوله تعالى: ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله [النساء: # 114]، أو بأن يكون منزلا من الفعل منزلة المفعول، وذلك في خبر كان ~~وأخواتها، والحال والتمييز المنتصب عن تمام الكلام، مثل: ms004 «طاب زيد نفسا، ~~وحسن وجها، وكرم أصلا»، ومثله الاسم المنتصب على الاستثناء، كقولك: «جاءني ~~القوم إلا زيدا»، لأنه من قبيل ما ينتصب عن تمام الكلام. # وأما تعلق الحرف بهما، فعلى ثلاثة أضرب: # أحدها: أن يتوسط بين الفعل والاسم، فيكون ذلك في حروف الجر التي من شأنها ~~أن تعدي الأفعال إلى ما لا تتعدى إليه بأنفسها من الأسماء، مثل أنك تقول: # «مررت»، فلا يصل «1» إلى نحو «زيد، وعمرو»، فإذا قلت: «مررت بزيد، أو على ~~زيد»، وجدته قد وصل «بالباء» أو «على». وكذلك سبيل الواو الكائنة بمعنى ~~«مع» في قولنا: «لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها»، بمنزلة حرف الجر في ~~التوسط بين الفعل والاسم وإيصاله إليه، إلا أن الفرق أنها لا تعمل بنفسها ~~شيئا، لكنها تعين الفعل على عمله النصب. وكذلك حكم «إلا» في الاستثناء، ~~فإنها عندهم بمنزلة هذه «الواو» الكائنة بمعنى «مع» في التوسط، وعمل النصب ~~في المستثنى للفعل، ولكن بوساطتها وعون منها. # والضرب الثاني من تعلق الحرف بما يتعلق به: «العطف»، وهو أن يدخل الثاني ~~في عمل العامل في الأول، كقولنا: «جاءني زيد وعمرو» و «رأيت زيدا وعمرا»، و ~~«مررت بزيد وعمرو». # والضرب الثالث: تعلق بمجموع الجملة، كتعلق حرف النفي والاستفهام والشرط ~~والجزاء بما يدخل عليه، وذلك أن من شأن هذه المعاني أن تتناول ما تتناوله، ~~وبعد أن يسند إلى شيء. # معنى ذلك: أنك إذا قلت: «ما خرج زيد»، و «ما زيد خارج»، لم يكن النفي ~~الواقع بها متناولا الخروج على الإطلاق، بل الخروج «2» واقعا من «زيد» ~~ومسندا إليه. # ولا يغرنك قولنا في نحو «لا رجل في الدار»: إنها لنفي الجنس، فإن المعنى ~~في ذلك أنها لنفي الكينونة في الدار عن الجنس. ولو كان يتصور تعلق النفي ~~بالاسم PageV01P009 # المفرد، لكان الذي قالوه في كلمة التوحيد من أن التقدير فيها: «لا إله ~~لنا، أو في الوجود، إلا الله»، فضلا من القول، وتقديرا لما لا يحتاج إليه. ~~وكذلك الحكم أبدا. # وإذا قلت: «هل خرج زيد» لم تكن قد استفهمت عن الخروج مطلقا، ولكن ms005 عنه ~~واقعا من «زيد». وإذا قلت: «إن يأتني زيد أكرمه»، لم تكن جعلت الإتيان ~~شرطا، بل الإتيان من «زيد»، وكذا لم تجعل الإكرام على الإطلاق جزاء ~~للإتيان، بل الإكرام واقعا منك. كيف؟ وذلك يؤدي إلى أشنع ما يكون من ~~المحال، وهو أن يكون هاهنا إتيان من غير آت، وإكرام من غير مكرم، ثم يكون ~~هذا شرطا وذلك جزاء. # ومختصر كل الأمر أنه لا يكون كلام من جزء واحد، وأنه لا بد من مسند ومسند ~~إليه، وكذلك السبيل في كل حرف رأيته يدخل على جملة، كإن وأخواتها، ألا ترى ~~أنك إذا قلت: «كأن»، يقتضي مشبها ومشبها به؟ كقولك: «كأن زيدا الأسد». ~~وكذلك إذا قلت «لو» و «لولا»، وجدتهما يقتضيان جملتين، تكون الثانية جوابا ~~للأولى. # وجملة الأمر أنه لا يكون كلام من حرف وفعل أصلا، ولا من حرف واسم، إلا في ~~النداء نحو: «يا عبد الله»، وذلك إذا حقق الأمر كان كلاما بتقدير الفعل ~~المضمر الذي هو «أعني» و «أريد» و «أدعو»، و «يا» دليل عليه، وعلى قيام ~~معناه في النفس. # فهذه هي الطرق والوجوه في تعلق الكلم بعضها ببعض، وهي، كما تراها، معاني ~~النحو وأحكامه. # وكذلك السبيل في كل شيء كان له مدخل في صحة تعلق الكلم بعضها ببعض، لا ~~ترى شيئا من ذلك يعدو أن يكون حكما من أحكام النحو ومعنى من معانيه، ثم إنا ~~نرى هذه كلها موجودة في كلام العرب، ونرى العلم بها مشتركا بينهم. # وإذا كان ذلك كذلك، فما جوابنا لخصم يقول لنا: إذا كانت هذه الأمور وهذه ~~الوجوه من التعلق التي هي محصول النظم، موجودة على حقائقها وعلى الصحة وكما ~~ينبغي في منثور كلام العرب ومنظومه، ورأيناهم قد استعملوها وتصرفوا فيها ~~وكملوا بمعرفتها، وكانت حقائق لا تتبدل ولا يختلف بها الحال؛ إذ لا يكون ~~للاسم- بكونه خبرا لمبتدإ، أو صفة لموصوف، أو حالا لذي حال، أو فاعلا أو ~~مفعولا لفعل في كلام- حقيقة «1» هي خلاف حقيقته في كلام آخر، فما هذا الذي ~~تجدد بالقرآن من PageV01P010 # عظيم المزية، وباهر ms006 الفضل، والعجيب من الرصف، حتى أعجز الخلق قاطبة، وحتى ~~قهر من البلغاء والفصحاء القوى «1» والقدر «2»، وقيد الخواطر والفكر، حتى ~~خرست الشقاشق «3»، وعدم نطق الناطق، وحتى لم يجر لسان، ولم يبن بيان، ولم ~~يساعد إمكان، ولم ينقدح لأحد منهم زند، ولم يمض له حد، وحتى أسال الوادي ~~عليهم عجزا، وأخذ منافذ القول عليهم أخذا؟ أيلزمنا أن نجيب هذا الخصم عن ~~سؤاله، ونرده عن ضلاله، وأن نطب لدائه، ونزيل الفساد عن رائه «4»؟ فإن كان ~~ذلك يلزمنا، فينبغي لكل ذي دين وعقل أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه «5»، ~~ويستقصي التأمل لما أودعناه، فإن علم أنه الطريق إلى البيان، والكشف عن ~~الحجة والبرهان، تبع الحق وأخذ به، وإن رأى له طريقا غيره أومأ لنا إليه، ~~ودلنا عليه، وهيهات ذلك! وهذه أبيات في مثل ذلك: # إني أقول مقالا لست أخفيه ... ولست أرهب خصما، إن بدا، فيه # ما من سبيل إلى إثبات معجزة ... في النظم، إلا بما أصبحت أبديه «6» # فما لنظم كلام أنت ناظمه ... معنى سوى حكم إعراب تزجيه «7» # اسم يرى وهو أصل للكلام، فما ... يتم من دونه قصد لمنشيه # وآخر هو يعطيك الزيادة في ... ما أنت تثبته أو أنت تنفيه # تفسير ذلك: أن الأصل مبتدأ ... تلقى له خبرا من بعد تثنيه # وفاعل مسند، فعل تقدمه، ... إليه، يكسبه «8» وصفا ويعطيه # هذان أصلان، لا تأتيك فائدة ... من منطق لم يكونا من مبانيه # وما يزيدك من بعد التمام، فما ... سلطت فعلا عليه في تعديه PageV01P011 # هذي قوانين تكفي من تشعبها، ... ما يشبه البحر فيضا من نواجيه # فلست تأتي إلى باب لتعلمه، ... إلا انصرفت بعجز عن تقصيه «1» # هذا كذاك، وإن كان الذين ترى ... يرون أن المدى دان لباغيه «2» # ثم الذي هو قصدي أن يقال لهم، ... بما يجيب الفتى خصما يماريه # نقول: من أين أن لا نظم يشبهه ... وليس من منطق في ذاك يحكيه # وقد علمنا بأن النظم ليس سوى ... حكم من النحو نمضي في توخيه «3» # لو نقب الأرض باغ غير ذاك له ... معنى، وصعد «4» يعلو في ترقيه # ما عاد إلا ms007 بخسر في تطلبه ... ولا رأى غير غي في تبغيه «5» # ونحن ما إن بثثنا الفكر ننظر في ... أحكامه ونروي في معانيه # كانت حقائق تلقى العلم مشتركا ... بها، وكلا تراه نافذا فيه # فليس معرفة من دون معرفة ... في كل ما أنت من باب تسميه # ترى تصرفهم في الكل مطردا ... يجرونه باقتدار في مجاريه # فما الذي زاد في هذا الذي عرفوا ... حتى غدا العجز يهمي «6» سيل واديه # قولوا، وإلا فأصغوا للبيان تروا ... كالصبح منبلجا «7» في عين رائيه # الحمد لله وحده، وصلواته على رسوله محمد وآله. PageV01P012 ### | فاتحة المؤلف فى بيان مكانة العلم # بسم الله الرحمن الرحيم حسبي ربي الحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين، ~~نحمده على عظيم نعمائه، وجميل بلائه، ونستكفيه نوائب الزمان، ونوازل ~~الحدثان «1»، ونرغب إليه في التوفيق والعصمة، ونبرأ إليه من الحول والقوة ~~ونسأله يقينا يملأ الصدر، ويعمر القلب، ويستولي على النفس، حتى يكفها إذا ~~نزغت «2»، ويردها إذا تطلعت، وثقة بأنه عز وجل الوزر «3»، والكالئ والراعي ~~والحافظ، وأن الخير والشر بيده، وأن النعم كلها من عنده، وأن لا سلطان لأحد ~~مع سلطانه، نوجه رغباتنا إليه، ونخلص نياتنا في التوكل عليه، وأن يجعلنا ~~ممن همه الصدق، وبغيته الحق، وغرضه الصواب، وما تصححه العقول وتقبله ~~الألباب، ونعوذ به من أن ندعي العلم بشيء لا نعلمه، وأن نسدي «4» قولا لا ~~نلحمه، وأن نكون ممن يغره الكاذب من الثناء، وينخدع للمتجوز في الإطراء، ~~وأن يكون سبيلنا سبيل من يعجبه أن يجادل بالباطل، ويموه # على السامع، ولا يبالي إذا راج عنه القول أن يكون قد خلط فيه، ولم يسدد ~~في معانيه، ونستأنف الرغبة إليه عز وجل في الصلاة على خير خلقه، والمصطفى ~~من بريته، محمد سيد المرسلين، وعلى أصحابه الخلفاء الراشدين، وعلى آله ~~الأخيار من بعدهم أجمعين. # وبعد فإنا إذا تصفحنا الفضائل لنعرف منازلها في الشرف، ونتبين مواقعها من ~~العظم؛ ونعلم أي أحق منها بالتقديم، وأسبق في استيجاب التعظيم، وجدنا العلم ~~أولاها بذلك، وأولها هنالك؛ إذ لا شرف إلا وهو السبيل إليه، ولا خير إلا ~~وهو الدليل ms008 عليه، ولا منقبة «5» إلا وهو ذروتها وسنامها، ولا مفخرة إلا وبه ~~صحتها وتمامها. ولا PageV01P013 # حسنة إلا وهو مفتاحها؛ ولا محمدة إلا ومنه يتقد مصباحها، هو «1» الوفي ~~إذا خان كل صاحب، والثقة إذا لم يوثق بناصح، لو لاه لما بان الإنسان من ~~سائر الحيوان إلا بتخطيط صورته، وهيئة جسمه وبنيته، لا، ولا وجد إلى اكتساب ~~الفضل طريقا، ولا وجد بشيء من المحاسن خليقا. ذاك لأنا وإن كنا لا نصل إلى ~~اكتساب فضيلة إلا بالفعل، وكان لا يكون فعل إلا بالقدرة، فإنا لم نر فعلا ~~زان فاعله وأوجب الفضل له، حتى يكون عن العلم صدره «2»، وحتى يتبين ميسمه ~~«3» عليه وأثره. ولم نر قدرة قط كسبت صاحبها مجدا وأفادته حمدا، دون أن ~~يكون العلم رائدها فيما تطلب، وقائدها حيث يؤم ويذهب، ويكون المصرف لعنانها ~~«4»؛ والمقلب لها في ميدانها. # فهي إذن مفتقرة في أن تكون فضيلة إليه، وعيال في استحقاق هذا الاسم عليه، ~~وإذا هي خلت من العلم أو أبت أن تمتثل أمره؛ وتقتفي أثره ورسمه، آلت ولا ~~شيء أحشد للذم على صاحبها منها، ولا «شين أشين «5»» من أعماله لها. # فهذا في فضل العلم لا تجد عاقلا يخالفك فيه، ولا ترى أحدا يدفعه أو ~~ينفيه. # فأما المفاضلة بين بعضه وبعض، وتقديم فن منه على فن، فإنك ترى الناس فيه ~~على آراء مختلفة، وأهواء متعادية، ترى كلا منهم لحبه نفسه، وإيثاره أن يدفع ~~النقص عنها، يقدم ما يحسن من أنواع العلم على ما لا يحسن، ويحاول الزراية ~~«6» على الذي لم يحظ به، والطعن على أهله والغض منهم، ثم تتفاوت أحوالهم في ~~ذلك، فمن مغمور قد استهلكه هواه، وبعد في الجور مداه، ومن مترجح فيه بين ~~الإنصاف والظلم، يجور تارة ويعدل أخرى في الحكم، فأما من يخلص في هذا ~~المعنى من الحيف حتى لا يقضي إلا بالعدل، وحتى يصدر في كل أمره عن العقل، ~~فكالشيء الممتنع وجوده. ولم يكن ذلك كذلك، إلا لشرف العلم وجليل محله، وأن ~~محبته مركوزة في الطباع، ومركبة في النفوس، وأن الغيرة ms009 عليه لازمة للجبلة، ~~وموضوعة في PageV01P014 # الفطرة، وأنه لا عيب أعيب عند الجميع من عدمه، ولا ضعة أوضع من الخلو ~~عنه، فلم يعاد إذن إلا من فرط المحبة، ولم يسمح به إلا لشدة الضن. # ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا، وأبسق «1» فرعا، وأحلى جنى، وأعذب ~~وردا، وأكرم نتاجا، وأنور سراجا، من علم البيان، الذي لولاه لم تر لسانا ~~يحوك الوشي، ويصوغ الحلي، ويلفظ الدر، وينفث السحر، ويقري الشهد «2»، ويريك ~~بدائع من الزهر، ويجنيك الحلو اليانع من الثمر، والذي لولا تحفيه بالعلوم، ~~وعنايته بها، وتصويره إياها، لبقيت كامنة مستورة، ولما استبنت لها يد الدهر ~~«3» صورة، ولاستمر السرار «4» بأهلتها، واستولى الخفاء على جملتها، إلى ~~فوائد لا يدركها الإحصاء، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء. # إلا أنك لن ترى على ذلك نوعا من العلم قد لقي من الضيم ما لقيه، ومني من ~~الحيف بما مني به، ودخل على الناس من الغلط في معناه ما دخل عليهم فيه، فقد ~~سبقت إلى نفوسهم اعتقادات فاسدة وظنون ردية، وركبهم فيه جهل عظيم وخطأ ~~فاحش، ترى كثيرا منهم لا يرى له معنى أكثر مما يرى للإشارة بالرأس والعين، ~~وما يجده للخط والعقد «5»، يقول: إنما هو خبر واستخبار، وأمر ونهي، ولكل من ~~ذلك لفظ قد وضع له، وجعل دليلا عليه، فكل من عرف أوضاع لغة من اللغات، ~~عربية كانت أو فارسية، وعرف المغزى من كل لفظة، ثم ساعده اللسان على النطق ~~بها، وعلى تأدية أجراسها وحروفها، فهو بين في تلك اللغة، كامل الأداة، بالغ ~~من البيان المبلغ الذي لا مزيد عليه، # منته إلى الغاية التي لا مذهب بعدها. يسمع الفصاحة والبلاغة والبراعة فلا ~~يعرف لها معنى سوى الإطناب في القول، وأن يكون المتكلم في ذلك جهير الصوت، ~~جاري اللسان، لا تعترضه لكنة «6»، ولا تقف به حبسة «7»، PageV01P015 # وأن يستعمل اللفظ الغريب، والكلمة الوحشية، فإن استظهر للأمر وبالغ في ~~النظر، فأن لا يلحن فيرفع في موضع النصب، أو يخطئ فيجيء باللفظة على غير ما ~~هي عليه في الوضع اللغوي، وعلى خلاف ms010 ما ثبتت به الرواية عن العرب. # وجملة الأمر أنه لا يرى النقص يدخل على صاحبه في ذلك، إلا من جهة نقصه في ~~علم اللغة، لا يعلم أن هاهنا دقائق وأسرارا طريق العلم بها الروية والفكر، ~~ولطائف مستقاها العقل، وخصائص معان ينفرد بها قوم قد هدوا إليها، ودلوا ~~عليها، وكشف لهم عنها، ورفعت الحجب بينهم وبينها، وأنها السبب في أن عرضت ~~المزية في الكلام، ووجب أن يفضل بعضه بعضا، وأن يبعد الشأو في ذلك، وتمتد ~~الغاية، ويعلو المرتقى، ويعز المطلب، حتى ينتهي الأمر إلى الإعجاز، وإلى أن ~~يخرج من طوق البشر. # ولما لم تعرف هذه الطائفة هذه الدقائق، وهذه الخواص واللطائف، لم تتعرض ~~لها ولم تطلبها، ثم عن لها بسوء الاتفاق رأي صار حجازا بينها وبين العلم ~~بها وسدا دون أن تصل إليها وهو أن ساء اعتقادها في الشعر الذي هو معدنها، ~~وعليه المعول فيها، وفي علم الإعراب الذي هو لها كالناسب الذي ينميها إلى ~~أصولها، ويبين فاضلها من مفضولها، فجعلت تظهر الزهد في كل واحد من النوعين، ~~وتطرح كلا من الصنفين، وترى التشاغل عنهما أولى من الاشتغال بهما، والإعراض ~~عن تدبرهما أصوب من الإقبال على تعلمهما. # أما الشعر فخيل إليها أنه ليس فيه كثير طائل، وأن ليس إلا ملحة «1» أو ~~فكاهة، أو بكاء منزل أو وصف طلل، أو نعت ناقة أو جمل، أو إسراف قول في مدح ~~أو هجاء، وأنه ليس بشيء تمس الحاجة إليه في صلاح دين أو دنيا. # وأما النحو، فظنته ضربا من التكلف، وبابا من التعسف، وشيئا لا يستند إلى ~~أصل، ولا يعتمد فيه على عقل، وأن ما زاد منه على معرفة الرفع والنصب وما ~~يتصل بذلك مما تجده في المبادئ، فهو فضل لا يجدي نفعا، ولا تحصل منه على ~~فائدة، وضربوا له المثل بالملح كما عرفت «2»، إلى أشباه لهذه الظنون في ~~القبيلين، وآراء لو علموا مغبتها وما تقود إليه؛ لتعوذوا بالله منها، ~~ولأنفوا لأنفسهم من الرضا بها، ذاك PageV01P016 # لأنه بإيثارهم الجهل بذلك على العلم، في معنى ms011 الصاد عن سبيل الله، ~~والمبتغي إطفاء نور الله تعالى. # وذاك أنا إذا كنا نعلم- أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت، ~~وبانت وبهرت، هي أن كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر، ومنتهيا إلى ~~غاية لا يطمح إليها بالفكر، وكان محالا أن يعرف كونه كذلك، إلا من عرف ~~الشعر الذي هو ديوان العرب، وعنوان الأدب، والذي لا يشك أنه كان ميدان ~~القوم إذا تجاروا في الفصاحة والبيان، وتنازعوا فيهما قصب الرهان، ثم بحث ~~عن العلل التي بها كان التباين في الفضل، وزاد بعض الشعر على بعض- كان ~~الصاد «1» عن ذلك صادا عن أن تعرف حجة الله تعالى، وكان مثله مثل من يتصدى ~~للناس فيمنعهم عن أن يحفظوا كتاب الله تعالى ويقوموا به ويتلوه ويقرءوه، ~~ويصنع في الجملة صنيعا يؤدي إلى أن يقل حفاظه والقائمون به والمقرءون له. ~~ذاك لأنا لم نتعبد بتلاوته وحفظه، والقيام بأداء لفظه على النحو الذي أنزل ~~عليه، وحراسته من أن يغير ويبدل، إلا لتكون الحجة به قائمة على وجه الدهر، ~~تعرف في كل زمان، ويتوصل إليها في كل أوان، ويكون سبيلها سبيل سائر العلوم ~~التي يرويها الخلف عن السلف، ويأثرها الثاني عن الأول، فمن حال بيننا وبين ~~ما له كان حفظنا إياه، واجتهادنا في أن نؤديه ونرعاه، كان كمن رام أن ~~ينسيناه جملة ويذهبه من قلوبنا دفعة، فسواء من منعك الشيء الذي تنتزع منه ~~الشاهد والدليل، ومن منعك السبيل إلى انتزاع تلك الدلالة، والاطلاع على تلك ~~الشهادة، ولا فرق بين من أعدمك الدواء الذي تستشفى به من دائك، وتستبقي به ~~حشاشة نفسك، وبين من أعدمك العلم بأن فيه شفاء، وأن لك فيه استبقاء. # فإن قال منهم قائل: إنك قد أغفلت فيما رتبت، فإن لنا طريقا إلى إعجاز ~~القرآن غير ما قلت، وهو علمنا بعجز العرب عن أن يأتوا بمثله وتركهم أن ~~يعارضوه، مع تكرار # التحدي عليهم، وطول التقريع لهم بالعجز عنه «2». ولأن الأمر كذلك، ما «3» ~~قامت به الحجة على العجم قيامها على العرب، واستوى الناس ms012 قاطبة، فلم يخرج ~~الجاهل بلسان العرب من أن يكون محجوجا بالقرآن. # قيل له: خبرنا عما اتفق عليه المسلمون من اختصاص نبينا صلى الله عليه ~~وسلم بأن كانت PageV01P017 # معجزته باقية على وجه الدهر، أتعرف له معنى غير أن لا يزال البرهان منه ~~لائحا معرضا لكل من أراد العلم به، وطلب الوصول إليه، والحجة فيه وبه ظاهرة ~~لمن أرادها، والعلم بها ممكنا لمن التمسه؟ فإذا كنت لا تشك في أن لا معنى ~~لبقاء المعجزة بالقرآن إلا أن الوصف الذي له كان معجزا قائم فيه أبدا، وأن ~~الطريق إلى العلم به موجود، والوصول إليه ممكن، فانظر أي رجل تكون إذا أنت ~~زهدت في أن تعرف حجة الله تعالى، وآثرت فيه الجهل على العلم، وعدم ~~الاستبانة على وجودها، وكان التقليد فيها أحب إليك، والتعويل على علم غيرك ~~آثر لديك، ونح الهوى عنك، وراجع عقلك، واصدق نفسك، يبن لك فحش الغلط فيما ~~رأيت، وقبح الخطأ في الذي توهمت. وهل رأيت رأيا أعجز، واختيارا أقبح، ممن ~~كره أن تعرف حجة الله تعالى من الجهة التي إذا عرفت منها كانت أنور وأبهر، ~~وأقوى وأقهر، وآثر أن لا يقوى سلطانها على الشرك كل القوة، ولا تعلو على ~~الكفر كل العلو؟ والله المستعان. ### | فصل في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه، وذم الاشتغال بعلمه وتتبعه # لا يخلو من كان هذا رأيه من أمور: # أحدها: أن يكون رفضه وذمه إياه من أجل ما يجده فيه من هزل أو سخف، وهجاء ~~وسب وكذب وباطل على الجملة. # والثاني: أن يذمه لأنه موزون مقفى، ويرى هذا بمجرده عيبا يقتضي الزهد فيه ~~والتنزه عنه «1». # والثالث: أن يتعلق بأحوال الشعراء وأنها غير جميلة في الأكثر، ويقول: قد ~~ذموا في التنزيل. # وأي كان من هذه رأيا له، فهو في ذلك على خطأ ظاهر وغلط فاحش، وعلى خلاف ~~ما يوجبه القياس والنظر، وبالضد مما جاء به الأثر، وصح به الخبر. # أما من زعم أن ذمه له من أجل ما يجد فيه من هزل وسخف وكذب ms013 وباطل، ~~PageV01P018 # فينبغي أن يذم الكلام كله، وأن يفضل الخرس على النطق، والعي على البيان. ~~فمنثور كلام الناس على كل حال أكثر من منظومه، والذي زعم أنه ذم الشعر من ~~أجله وعاداه بسببه فيه أكثر، لأن الشعراء في كل عصر وزمان معدودون، والعامة ~~ومن لا يقول الشعر من الخاصة عديد الرمل. ونحن نعلم أن لو كان منثور الكلام ~~يجمع كما يجمع المنظوم، ثم عمد عامد فجمع ما قيل من جنس الهزل والسخف نثرا ~~في عصر واحد، لأربى على جميع ما قاله الشعراء نظما في الأزمان الكثيرة، ~~ولغمره حتى لا يظهر فيه. # ثم إنك لو لم ترو من هذا الضرب شيئا قط، ولم تحفظ إلا الجد المحض، وإلا ~~ما لا معاب عليك في روايته، وفي المحاضرة به، وفي نسخه وتدوينه، لكان في ~~ذلك غنى ومندوحة «1»، ولوجدت طلبتك ونلت مرادك، وحصل لك ما نحن ندعوك إليه ~~من علم الفصاحة، فاختر لنفسك، ودع ما تكره إلى ما تحب. # هذا، وراوي الشعر حاك، وليس على الحاكي عيب، ولا عليه تبعة، إذا هو لم ~~يقصد بحكايته أن ينصر باطلا، أو يسوء مسلما، وقد حكى الله تعالى كلام ~~الكفار. # فانظر إلى الغرض الذي له روي الشعر، ومن أجله أريد، وله دون، تعلم أنك قد ~~زغت عن المنهج، وأنك مسيء في هذه العداوة، وهو العصبية منك على الشعر. وقد ~~استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات فيها الفحش، وفيها ذكر الفعل ~~القبيح، ثم لم يعبهم ذلك؛ إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه، ~~ولم يرووا الشعر من أجله. # قالوا: وكان الحسن البصري رحمه الله يتمثل في مواعظه بالأبيات من الشعر، ~~وكان من أوجعها عنده: [من الكامل] # اليوم عندك دلها وحديثها ... وغدا لغيرك كفها والمعصم «2» # وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذكره المرزباني «3» في كتابه ~~PageV01P019 # بإسناد، عن عبد الملك بن عمير أنه قال: أتي عمر رضوان الله عليه بحلل من ~~اليمن، فأتاه محمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن ms014 ~~طلحة ابن عبيد الله، ومحمد بن حاطب، فدخل عليه زيد بن ثابت رضي الله عنه ~~فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء المحمدون بالباب يطلبون الكسوة. فقال: ائذن ~~لهم يا غلام. # فدعا بحلل، فأخذ زيد أجودها حلة وقال: هذه لمحمد بن حاطب، وكانت أمه ~~عنده، وهو من بني لؤي، فقال عمر رضي الله عنه: أيهات أيهات «1»! وتمثل بشعر ~~عمارة بن الوليد: [من الطويل] # أسرك لما صرع القوم نشوة ... خروجي منها سالما غير غارم # بريئا، كأني قبل لم أك منهم ... وليس الخداع مرتضى في التنادم «2» # ردها. ثم قال: ائتني بثوب فألقه على هذه الحلل. وقال: أدخل يدك فخذ حلة ~~وأنت لا تراها، فأعطهم. قال عبد الملك: فلم أر قسمة أعدل منها «3». # وعمارة، هذا: هو «عمارة بن الوليد بن المغيرة»، خطب امرأة من قومه «4» ~~فقالت لا أتزوجك أو تترك الشراب. فأبى، ثم اشتد وجده بها فحلف لها أن لا ~~يشرب، ثم مر بخمار عنده شرب يشربون، فدعوه فدخل عليهم وقد أنفدوا ما عندهم، ~~فنحر لهم ناقته وسقاهم ببرديه، ومكثوا أياما، ثم خرج فأتى أهله، فلما رأته ~~امرأته قالت: ألم تحلف أن لا تشرب؟ فقال: # ولسنا بشرب أم عمرو إذا انتشوا ... ثياب الندامى عندهم كالغنائم # ولكننا يا أم عمرو نديمنا ... بمنزلة الريان ليس بعائم «5» PageV01P020 # أسرك، البيتين؟ فإذن رب هزل صار أداة في جد، وكلام جرى في باطل ثم استعين ~~به على حق، كما أنه رب شيء خسيس، توصل به إلى شريف، بأن ضرب مثلا فيه، وجعل ~~مثالا له، كما قال أبو تمام: [من الكامل] # والله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس «1» # وعلى العكس، فرب كلمة حق أريد بها باطل «2»، فاستحق عليها الذم، كما عرفت ~~من خبر الخارجي مع علي رضوان الله عليه. ورب قول حسن لم يحسن من قائله حين ~~تسبب به إلى قبيح، كالذي حكى الجاحظ قال: «رجع طاوس «3» يوما عن مجلس محمد ~~بن يوسف «4»، وهو يومئذ والي اليمن فقال: ما ظننت أن قول: # «سبحان الله» يكون معصية لله تعالى حتى كان ms015 اليوم، سمعت رجلا أبلغ ابن ~~يوسف عن رجل كلاما، فقال رجل من أهل المجلس: «سبحان الله»، كالمستعظم لذلك ~~الكلام، «ليغضب ابن يوسف» «5». # فبهذا ونحوه فاعتبر، واجعله حكما بينك وبين الشعر. # وبعد، فكيف وضع من الشعر عندك، وكسبه المقت منك، أنك وجدت فيه الباطل ~~والكذب وبعض ما لا يحسن، ولم يرفعه في نفسك، ولم يوجب له المحبة من قلبك، ~~أن كان فيه الحق والصدق والحكمة وفصل الخطاب، وأن كان مجنى ثمر العقول ~~والألباب، ومجتمع فرق الآداب، والذي قيد على الناس المعاني الشريفة، ~~وأفادهم الفوائد الجليلة، وترسل بين الماضي والغابر، ينقل مكارم الأخلاق ~~إلى الولد عن الوالد، ويؤدي ودائع الشرف عن الغائب إلى الشاهد، حتى ترى به ~~آثار الماضين، مخلدة في الباقين، وعقول الأولين، مردودة في الآخرين، وترى ~~لكل من رام الأدب، وابتغى الشرف، وطلب محاسن القول والفعل، منارا مرفوعا ~~وعلما منصوبا وهاديا مرشدا، # ومعلما مسددا، وتجد فيه للنائي عن طلب المآثر، والزاهد في اكتساب ~~PageV01P021 # المحامد، داعيا ومحرضا، وباعثا ومحضضا، ومذكرا ومعرفا، وواعظا ومثقفا. ~~فلو كنت ممن ينصف كان في بعض ذلك ما يغير هذا الرأي منك، وما يحدوك على ~~رواية الشعر وطلبه، ويمنعك أن تعيبه أو تعيب به، ولكنك أبيت إلا ظنا سبق ~~إليك، وإلا بادي رأي عن لك «1»، فأقفلت عليك قلبك، وسددت عما سواه سمعك، ~~فعي الناصح بك، وعسر على الصديق الخليط تنبيهك. # نعم، وكيف رويت: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا، فيريه، خير له من أن يمتلئ ~~شعرا» «2»، ولهجت به، وتركت قوله صلى الله عليه وسلم: «إن من الشعر لحكمة ~~وإن من البيان لسحرا» «3» وكيف نسيت أمره صلى الله عليه وسلم بقول الشعر، ~~ووعده. عليه الجنة، وقوله لحسان: «قل وروح القدس معك» «4»، وسماعه له، ~~واستنشاده إياه، وعلمه صلى الله عليه وسلم به، واستحسانه له، وارتياحه عند ~~سماعه؟. # أما أمره به، فمن المعلوم ضرورة، وكذلك سماعه إياه، فقد كان حسان وعبد ~~الله بن رواحة وكعب بن زهير يمدحونه، ويسمع منهم، ويصغي إليهم، ويأمرهم ~~بالرد على المشركين، فيقولون في ذلك ويعرضون عليه. ms016 وكان عليه السلام يذكر ~~لهم بعض ذلك، كالذي روي من أنه صلى الله عليه وسلم قال لكعب: «ما نسي ربك، ~~وما كان ربك نسيا، شعرا قلته»، قال: وما هو يا رسول الله؟ قال: أنشده يا ~~أبا بكر. فأنشده أبو بكر رضوان الله عليه: [من الكامل] # زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب «5» # وأما استنشاده إياه فكثير، من ذلك الخبر المعروف في استنشاده، حين استسقى ~~فسقي، قول أبي طالب: [من الطويل] PageV01P022 # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى، عصمة للأرامل # يطيف به الهلاك من آل هاشم، ... فهم عنده في نعمة وفواضل «1» # الأبيات. وعن الشعبي رضي الله عنه، عن مسروق، عن عبد الله قال: لما نظر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القتلى يوم بدر مصرعين فقال صلى الله ~~عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: لو أن أبا طالب حي لعلم أن أسيافنا قد ~~أخذت بالأنامل» «2». قال: وذلك لقول أبي طالب: # كذبتم، وبيت الله، إن جد ما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأنامل # وينهض قوم في الدروع إليهم ... نهوض الروايا في طريق حلاحل «3» # ومن المحفوظ في ذلك حديث محمد بن مسلمة الأنصاري، جمعه وابن أبي حدرد ~~الأسلمي الطريق، قال: فتذاكرنا الشكر والمعروف، قال فقال محمد: كنا يوما ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لحسان بن ثابت: أنشدني قصيدة من شعر ~~الجاهلية، فإن الله تعالى قد وضع عنا آثامها في شعرها وروايته، فأنشده ~~قصيدة للأعشى هجا بها علقمة بن علاثة: [من السريع] PageV01P023 # علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر «1» # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا حسان لا تعد تنشدني هذه القصيدة بعد ~~مجلسك هذا». فقال: يا رسول الله، تنهاني عن رجل مشرك مقيم عند قيصر؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «يا حسان، أشكر الناس للناس أشكرهم لله تعالى، ~~وإن قيصر سأل أبا سفيان ابن حرب عني فتناول مني» - وفي خبر آخر: «فشعث مني» ~~«2» - وإنه سأل هذا عني فأحسن القول. فشكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على ذلك. وروي ms017 من وجه آخر أن حسان قال: # يا رسول الله، من نالتك يده وجب علينا شكره. # ومن المعروف في ذلك خبر عائشة رضوان الله عليها أنها قالت: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول: أبياتك. فأقول: [من الكامل] # ارفع ضعيفك، لا يحربك ضعفه ... يوما فتدركه العواقب قد نمى # يجزيك، أو يثني عليك، وإن من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى «3» # قالت فيقول عليه السلام: يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده: صنع إليك ~~عبدي معروفا فهل شكرته عليه؟ فيقول: يا رب، علمت أنه منك فشكرتك عليه. # قال فيقول الله عز وجل: «لم تشكرني، إذ لم تشكر من أجريته على يده» «4». # وأما علمه عليه السلام بالشعر، فكما روي أن سودة أنشدت «5»: # عدي وتيم تبتغي من تحالف فظنت عائشة وحفصة رضي الله عنهما أنها عرضت ~~بهما، وجرى بينهن كلام في هذا المعنى، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فدخل عليهن وقال: «يا ويلكن، ليس في عديكن «6» ولا تيمكن «7» قيل هذا، ~~وإنما قيل هذا في عدي تميم وتيم تميم». # وتمام هذا الشعر وهو لقيس بن معدان الكليبي، من بني يربوع: [من الطويل] ~~PageV01P024 # فحالف، ولا والله تهبط تلعة ... من الأرض إلا أنت للذل عارف # ألا من رأى العبدين، أو ذكرا له؟ ... عدي وتيم تبتغي من تحالف «1» # وروى الزبير بن بكار «2» قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو ~~بكر رضي الله عنه برجل يقول في بعض أزقة مكة: [من الكامل] # يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا نزلت بآل عبد الدار # فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر، أهكذا قال الشاعر؟ قال: لا، ~~يا رسول الله، ولكنه قال: # يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا سألت عن آل عبد مناف «3» # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا كنا نسمعها. # وأما ارتياحه صلى الله عليه وسلم للشعر واستحسانه له، فقد جاء فيه الخبر ~~من وجوه. من ذلك حديث النابغة الجعدي قال: أنشدت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قولي: [من ms018 الطويل] # بلغنا السماء، مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا «4» # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين المظهر يا أبا ليلى؟ فقلت: الجنة، يا ~~رسول الله. قال: # أجل إن شاء الله. ثم قال: أنشدني، فأنشدته من قولي: # ولا خير في حلم، إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا # ولا خير في جهل، إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا «5» ~~PageV01P025 # فقال صلى الله عليه وسلم: أجدت، لا يفضض الله فاك. قال الراوي: فنظرت ~~إليه، فكأن فاه البرد المنهل، ما سقطت له سن ولا انفلت، ترف غروبه «1». # ومن ذلك حديث كعب بن زهير. روي أن كعبا وأخاه بجيرا خرجا إلى رسول صلى ~~الله عليه وسلم حتى بلغا أبرق العزاف «2»، فقال كعب لبجير: الق هذا الرجل ~~وأنا مقيم هاهنا، فانظر ما يقول. وقدم بجير على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فعرض عليه الإسلام فأسلم، وبلغ ذلك كعبا، فقال فى ذلك شعرا، فأهدر ~~النبي صلى الله عليه وسلم دمه فكتب إليه بجبر يأمره أن يسلم ويقبل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويقول إن من شهد أن لا الله وأن محمدا رسول الله، ~~قبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسقط ما كان قبل ذلك قال: فقدم كعب ~~وأنشد النبي صلى الله عليه وسلم قصيدته المعروفة: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها، لم يفد، مغلول # وما سعاد غداة البين إذ رحلت ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول # تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول # سح السقاة عليها ماء محنية ... من ماء أبطح أضحى وهو مشمول # ويلمها خلة لو أنها صدقت ... موعودها، أو لو أن النصح مقبول «3» ~~PageV01P026 # حتى أتى على آخرها، فلما بلغ مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم: # إن الرسول لسيف يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول # في فتية من قريش قال قائل ... ببطن مكة، لما أسلموا: زولوا # زالوا، فما زال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء، ولا ميل معازيل # لا يقع الطعن ms019 إلا في نحورهم ... وما بهم عن حياض الموت تهليل # شم العرانين أبطال، لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا، سرابيل «1» # أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحلق أن اسمعوا. قال: وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يكون من أصحابه مكان المائدة من القوم، يتحلقون ~~حلقة دون حلقة، فيلتفت إلى هؤلاء وإلى هؤلاء. # والأخبار فيما يشبه هذا كثيرة، والأثر به مستفيض. # وإن زعم أنه ذم الشعر من حيث هو موزون مقفى، حتى كأن الوزن عيب، وحتى كأن ~~الكلام إذا نظم نظم الشعر، اتضع في نفسه، وتغيرت حاله، فقد أبعد، وقال قولا ~~لا يعرف له معنى، وخالف العلماء في قولهم: «إنما الشعر كلام فحسنه حسن، ~~وقبيحه قبيح» «2»، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا أيضا. # فإن زعم أنه إنما كره الوزن، لأنه سبب، لأن يتغنى في الشعر ويتلهى به، ~~فإنا إذا كنا لم ندعه إلى الشعر من أجل ذلك، وإنما دعوناه إلى اللفظ الجزل، ~~والقول الفصل، والمنطق الحسن، والكلام البين، وإلى حسن التمثيل والاستعارة، ~~وإلى التلويح والإشارة، وإلى صنعة تعمد إلى المعنى الخسيس فتشرفه، وإلى ~~الضئيل فتفخمه، وإلى النازل فترفعه، وإلى الخامل فتنوه به، وإلى العاطل «3» ~~فتحليه، وإلى المشكل فتجليه، فلا متعلق له علينا بما ذكر، ولا ضرر علينا ~~فيما أنكر، فليقل في الوزن ما شاء، PageV01P027 # وليضعه حيث أراد، فليس يعنينا أمره، ولا هو مرادنا من هذا الذي راجعنا ~~القول فيه. # وهذا هو الجواب لمتعلق إن تعلق بقوله تعالى: وما علمناه الشعر وما ينبغي ~~له [يس: 69]، وأراد أن يجعله حجة في المنع من الشعر، ومن حفظه وروايته. # وذاك أنا نعلم أنه صلى الله عليه وسلم لم يمنع الشعر من أجل أن كان قولا ~~فصلا، وكلاما جزلا، ومنطقا حسنا، وبيانا بينا، كيف؟ وذلك يقتضي أن يكون ~~الله تعالى قد منعه البيان والبلاغة، وحماه الفصاحة والبراعة، وجعله لا ~~يبلغ مبلغ الشعراء في حسن العبارة وشرف اللفظ. وهذا جهل عظيم، وخلاف لما ~~عرفه البلغاء وأجمعوا عليه من أنه صلى الله ms020 عليه وسلم كان أفصح العرب، وإذا ~~بطل أن يكون المنع من أجل هذه المعاني، وكنا قد أعلمناه أنا ندعوه إلى ~~الشعر من أجلها، ونجدوه بطلبه على طلبها، كان الاعتراض بالآية محالا ~~والتعلق بها خطلا من الرأي وانحلالا. # فإن قال: إذا قال الله تعالى: وما علمناه الشعر وما ينبغي له [يس: 69]، ~~فقد كره للنبي صلى الله عليه وسلم الشعر ونزهه عنه بلا شبهة، وهذه الكراهة ~~وإن كانت لا تتوجه إليه من حيث هو كلام، ومن حيث أنه بليغ بين وفصيح حسن ~~ونحو ذلك، فإنها تتوجه إلى أمر لا بد لك من التلبس به في طلب ما ذكرت أنه ~~مرادك من الشعر، وذلك أنه لا سبيل لك إلى أن تميز كونه كلاما عن كونه شعرا، ~~حتى إذا رويته التبست به من حيث هو كلام، ولم تلتبس به من حيث هو شعر، هذا ~~محال، وإذا كان لا بد من ملابسة موضع الكراهة، فقد لزم العيب برواية الشعر ~~وإعمال اللسان فيه. # قيل له: هذا منك كلام لا يتحصل. وذلك أنه لو كان الكلام إذا وزن حط ذلك ~~من قدره، وأزرى به، وجلب على المفرغ له في ذلك القالب إثما، وكسبه ذما، ~~لكان من حق العيب فيه أن يكون على واضع الشعر، أو من يريده لمكان الوزن ~~خصوصا، دون من يريده لأمر خارج منه، ويطلبه لشيء سواه. # فأما قولك: إنك لا تستطيع أن تطلب من الشعر ما لا يكره حتى تلتبس بما ~~يكره، فإني إذا لم أقصده من أجل ذلك المكروه، ولم أرده له، وأردته لأعرف به ~~مكان بلاغة، وأجعله مثالا في براعة، أو أحتج به في تفسير كتاب وسنة، وأنظر ~~إلى نظمه ونظم القرآن، فأرى موضع الإعجاز، وأقف على الجهة التي منها كان، ~~وأتبين الفصل والفرقان، فحق «1» هذا التلبس أن لا يعتد علي ذنبا، وأن لا ~~أؤاخذ به، إذ لا تكون مؤاخذة حتى يكون عمد إلى أن تواقع المكروه وقصد «2» ~~إليه، وقد تتبع العلماء الشعوذة والسحر، وعنوا بالتوقف على حيل المموهين، ~~ليعرفوا فرق ما ms021 بين PageV01P028 # المعجزة والحيلة، فكان ذلك منهم من أعظم البر؛ إذ كان الغرض كريما والقصد ~~شريفا. # هذا، وإذا نحن رجعنا إلى ما قدمنا من الأخبار، وما صح من الآثار، وجدنا ~~الأمر على خلاف ما ظن هذا السائل، ورأينا السبيل في منع النبي صلى الله ~~عليه وسلم الوزن، وأن ينطلق لسانه بالكلام الموزون، غير ما ذهبوا إليه، ~~وذاك أنه لو كان منع تنزيه وكراهة، لكان ينبغي أن يكره له سماع الكلام ~~موزونا، وأن ينزه سمعه عنه كما نزه لسانه، ولكان صلى الله عليه وسلم لا ~~يأمر به ولا يحث عليه، وكان الشاعر لا يعان على وزن الكلام وصياغته شعرا، ~~ولا يؤيد فيه بروح القدس. # وإذا كان هذا كذلك، فينبغي أن يعلم أن ليس المنع في ذلك منع تنزيه ~~وكراهة، بل سبيل الوزن في منعه عليه السلام إياه سبيل الخط، حين جعل عليه ~~السلام لا يقرأ ولا يكتب، في أن لم يكن المنع من أجل كراهة كانت في الخط، ~~بل لأن تكون الحجة أبهر وأقهر، والدلالة أقوى وأظهر، ولتكون أكعم «1» ~~للجاحد، وأقمع للمعاند، وأرد لطالب الشبهة، وأمنع من ارتفاع الريبة. # وأما التعلق بأحوال الشعراء بأنه قد ذموا في كتاب الله تعالى، فما أرى ~~عاقلا يرضى به أن يجعله حجة في ذم الشعر وتهجينه، والمنع من حفظه وروايته، ~~والعلم بما فيه من بلاغة، وما يختص به من أدب وحكمة، ذاك لأنه يلزم على قود ~~«2» هذا القول أن يعيب العلماء في استشهادهم بشعر امرئ القيس وأشعار أهل ~~الجاهلية في تفسير القرآن، وفي غريبه وغريب الحديث، وكذلك يلزمه أن يدفع ~~سائر ما تقدم ذكره من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالشعر، وإصغائه إليه، ~~واستحسانه له. # هذا ولو كان يسوغ ذم القول من أجل قائله، وأنه يحمل ذنب الشاعر على ~~الشعر، لكان ينبغي أن يخص ولا يعم، وأن يستثنى، فقد قال الله عز وجل: إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا [الشعراء: 227]. ولولا أن ~~القول يجر بعضه بعضا، وأن الشيء يذكر لدخوله في القسمة، لكان ms022 حق هذا ونحوه ~~أن لا يتشاغل به، وأن لا يعاد ويبدأ في ذكره. # وأما زهدهم في النحو واحتقارهم له، وإصغارهم أمره، وتهاونهم به، فصنيعهم ~~PageV01P029 # في ذلك أشنع من صنيعهم في الذي تقدم، وأشبه بأن يكون صدا عن كتاب الله، ~~وعن معرفة معانية، ذاك لأنهم لا يجدون بدا من أن يعترفوا بالحاجة إليه فيه؛ ~~إذ كان قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي ~~يفتحها، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار ~~الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف ~~صحيح من سقيم حتى يرجع إليه، لا ينكر ذلك إلا من ينكر حسه، وإلا من غالط في ~~الحقائق نفسه، وإذا كان الأمر كذلك، فليت شعري ما عذر من تهاون به وزهد ~~فيه، ولم ير أن يستقيه من مصبه، ويأخذه من معدنه، ورضي لنفسه بالنقص ~~والكمال لها معرض، وآثر الغبينة وهو يجد إلى الربح سبيلا. # فإن قالوا: إنا لم نأب صحة هذا العلم، ولم ننكر مكان الحاجة إليه في ~~معرفة كتاب الله تعالى، وإنما أنكرنا أشياء كثر تموه بها، وفضول قول ~~تكلفتموها، ومسائل عويصة تجشمتم الفكر فيها، ثم لم تحصلوا على شيء أكثر من ~~أن تغربوا على السامعين، وتعايوا بها الحاضرين. # قيل لهم: خبرونا عما زعمتم أنه فضول قول، وعويص لا يعود بطائل، ما هو؟ # فإن بدءوا فذكروا مسائل التصريف التي يضعها النحويون للرياضة، ولضرب من ~~تمكين المقاييس في النفوس، كقولهم: كيف تبني من كذا كذا؟ وكقولهم: ما وزن ~~كذا؟ - وتتبعهم في ذلك الألفاظ الوحشية،، كقولهم: ما وزن «عزويت» «1»؟ وما ~~وزن «أرونان» «2»؟ وكقولهم في باب ما لا ينصرف: لو سميت رجلا بكذا، كيف ~~يكون الحكم؟ - وأشباه ذلك، وقالوا: أتشكون أن ذلك لا يجدي إلا كد الفكر ~~وإضاعة الوقت؟. # قلنا لهم: أما هذا الجنس، فلسنا نعيبكم إن لم تنظروا فيه ولم تعنوا به، ~~وليس يهمنا أمره، فقولوا: فيه ما شئتم، وضعوه حيث أردتم، فإن تركوا ذلك ~~وتجاوزوه إلى الكلام على ms023 أغراض واضع اللغة، على وجه الحكمة في الأوضاع، ~~وتقرير المقاييس التي اطردت عليها، وذكر العلل التي اقتضت أن تجرى على ما ~~أجريت عليه، كالقول PageV01P030 # في المعتل، وفيما يلحق الحروف الثلاثة التي هي الواو والياء والألف من ~~التغيير بالإبدال والحذف والإسكان، أو ككلامنا مثلا على التثنية وجمع ~~السلامة، لم كان إعرابهما على خلاف إعراب الواحد، ولم تبع النصب فيهما ~~الجر؟ وفي «النون» أنه عوض عن الحركة والتنوين في حال، وعن الحركة وحدها في ~~حال. # والكلام على ما ينصرف وما لا ينصرف، ولم كان منع الصرف؟ وبيان العلة فيه، ~~والقول على الأسباب التسعة وأنها كلها ثوان لأصول، وأنه إذا حصل منها اثنان ~~في اسم، # أو تكرر سبب، صار بذلك ثانيا من جهتين، وإذا صار كذلك أشبه الفعل، لأن ~~الفعل ثان للاسم، والاسم المقدم والأول، وكل ما جرى هذا المجرى؟. # قلنا: إنا نسكت عنكم في هذا الضرب أيضا، نعذركم فيه ونسامحكم على علم منا ~~بأن قد أسأتم الاختيار، ومنعتم أنفسكم ما فيه الحظ لكم، ومنعتموها الاطلاع ~~على مدارج الحكمة، وعلى العلوم الجمة. فدعوا ذلك، وانظروا في الذي اعترفتم ~~بصحته وبالحاجة إليه، هل حصلتموه على وجهه؟ وهل أحطتم بحقائقه؟ # وهل وفيتم كل باب منه حقه، وأحكمتموه إحكاما يؤمنكم الخطأ فيه إذا أنتم ~~خضتم في التفسير، وتعاطيتم على التأويل، ووازنتم بين بعض الأقوال وبعض، ~~وأردتم أن تعرفوا الصحيح من السقيم، وعدتم في ذلك وبدأتم، وزدتم ونقصتم؟. # وهل رأيتم؛ إذ قد عرفتم صورة المبتدأ والخبر، وأن إعرابهما الرفع، أن ~~تتجاوزوا ذلك إلى أن تنظروا في أقسام خبره، فتعلموا أنه يكون مفردا وجملة، ~~وأن المفرد ينقسم إلى ما يحتمل ضميرا له، وإلى ما لا يحتمل الضمير، وأن ~~الجملة على أربعة أضرب، وأنه لا بد لكل جملة وقعت خبرا لمبتدإ من أن يكون ~~فيها ذكر يعود إلى المبتدأ، وأن هذا الذكر ربما حذف لفظا وأريد معنى، وأن ~~ذلك لا يكون حتى يكون في الحال دليل عليه، إلى سائر ما يتصل بباب الابتداء ~~من المسائل اللطيفة والفوائد الجليلة التي ms024 لا بد منها؟. # وإذا نظرتم في الصفة مثلا، فعرفتم أنها تتبع الموصوف، وأن مثالها قولك: # «جاءني رجل ظريف» و «مررت بزيد الظريف»، هل ظننتم أن وراء ذلك علما، وأن ~~هاهنا صفة تخصص، وصفة توضح وتبين، وأن فائدة التخصيص غير فائدة التوضيح، ~~كما أن فائدة الشياع «1» غير فائدة الإبهام، وأن من الصفة صفة لا يكون فيها ~~PageV01P031 # تخصيص ولا توضيح، ولكن يؤتى بها مؤكدة كقولهم: «أمس الدابر» وكقوله ~~تعالى: # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة [الحاقة: 13]، وصفة يراد بها المدح ~~والثناء، كالصفات الجارية على اسم الله تعالى جده؟ # وهل عرفتم الفرق بين الصفة والخبر، وبين كل واحد منهما وبين الحال؟ وهل ~~عرفتم أن هذه الثلاثة تتفق في أن كافتها لثبوت المعنى للشيء، ثم تختلف في ~~كيفية ذلك الثبوت؟. # وهكذا ينبغي أن تعرض عليهم الأبواب كلها واحدا واحدا، ويسألوا عنها بابا ~~بابا، ثم يقال لهم: ليس إلا أحد أمرين: # إما أن تقتحموا التي لا يرضاها العاقل، فتنكروا أن يكون بكم حاجة في كتاب ~~الله تعالى، وفي خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي معرفة الكلام جملة، ~~إلى شيء من ذلك، وتزعموا أنكم إذا عرفتم مثلا أن الفاعل رفع، لم يبق عليكم ~~في باب الفاعل شيء تحتاجون إلى معرفته. وإذا نظرتم إلى قولنا: «زيد منطلق»، ~~لم تحتاجوا من بعده إلى شيء تعلمونه في الابتداء والخبر، وحتى تزعموا مثلا ~~أنكم لا تحتاجون في أن تعرفوا وجه الرفع في الصابئون من سورة المائدة: ~~[69]، إلى ما قاله العلماء فيه، وإلى استشهادهم فيه بقول الشاعر: [من ~~الوافر] # وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق «1» # وحتى كأن المشكل على الجميع غير مشكل عندكم، وحتى كأنكم قد أوتيتم أن ~~تستنبطوا من المسألة الواحدة من كل باب مسائله كلها، فتخرجوا إلى فن من ~~التجاهل لا يبقى معه كلام. # وإما أن تعلموا أنك قد أخطأتم حين أصغرتم أمر هذا العلم، وظننتم ما ظننتم ~~فيه، فترجعوا إلى الحق وتسلموا الفضل لأهله، وتدعوا الذي يزري بكم، ويفتح ~~باب العيب عليكم، ويطيل ms025 لسان القادح فيكم، وبالله التوفيق. # هذا، ولو أن هؤلاء القوم؛ إذ تركوا هذا الشأن تركوه جملة، وإذ زعموا أن ~~قدر المفتقر إليه القليل منه، اقتصروا على ذلك القليل، فلم يأخذوا أنفسهم ~~بالفتوى فيه، والتصرف فيما لم يتعلموا منه، ولم يخوضوا في التفسير، ولم ~~يتعاطوا التأويل، لكان PageV01P032 # البلاء واحدا، ولكانوا إذ لم يبنوا لم يهدموا، وإذ لم يصلحوا لم يكونوا ~~سببا للفساد، ولكنهم لم يفعلوا، فجلبوا من الداء ما أعيى الطبيب، وحير ~~اللبيب، وانتهى التخليط بما أتوه فيه، إلى حد يئس من تلافيه، فلم يبق ~~للعارف الذي يكره الشغب إلا التعجب والسكوت. وما الآفة العظمى إلا واحدة، ~~وهي أن يجيء من الإنسان ويجري لفظه «1»، ويمشي له أن يكثر في غير تحصيل، ~~وأن يحسن البناء على غير أساس، وأن يقول الشيء لم يقتله علما، ونسأل الله ~~الهداية ونرغب إليه في العصمة. # ثم إنا وإن كنا في زمان هو على ما هو عليه من إحالة الأمور عن جهاتها، ~~وتحويل الأشياء عن حالاتها،، ونقل النفوس عن طباعها، وقلب الخلائق المحمودة ~~إلى أضدادها، ودهر ليس للفضل وأهله لديه إلا الشر صرفا والغيظ بحتا، وإلا ~~ما يدهش عقولهم ويسلبهم معقولهم، حتى صار أعجز الناس رأيا عند الجميع، من ~~كانت له همة في أن # يستفيد علما، أو يزداد فهما، أو يكتسب فضلا، أو يجعل له ذلك بحال شغلا، ~~فإن الإلف من طباع الكريم. وإذا كان من حق الصديق عليك، ولا سيما إذا ~~تقادمت صحبته وصحت صداقته، أن لا تجفوه بأن تنكبك الأيام، وتضجرك النوائب، ~~وتحرجك محن الزمان، فتتناساه جملة، وتطويه طيا، فالعلم- الذي هو صديق لا ~~يحول عن العهد، ولا يدغل «2» في الود، وصاحب لا يصح عليه النكث والغدر، ولا ~~تظن به الخيانة والمكر- أولى منك بذلك وأجدر، وحقه عليك أكبر. # ثم إن التوق إلى أن تقر الأمور قرارها، وتوضع الأشياء مواضعها، والنزاع ~~«3» إلى بيان ما يشكل، وحل ما ينعقد، والكشف عما يخفى، وتلخيص الصفة حتى ~~يزداد السامع ثقة بالحجة، واستظهارا على الشبهة، واستبانة للدليل، وتبينا ~~«4» للسبيل، شيء في ms026 سوس «5» العقل، وفي طباع النفس إذا كانت نفسا. # ولم أزل منذ خدمت العلم أنظر فيما قاله العلماء في معنى «الفصاحة»، و ~~«البلاغة»، و «البيان» و «البراعة»، وفي بيان المغزى من هذه العبارات، ~~وتفسير المراد بها، فأجد بعض ذلك كالرمز والإيماء والإشارة في خفاء، وبعضه ~~كالتنبيه على PageV01P033 # مكان الخبيء ليطلب، وموضع الدفين ليبحث عنه فيخرج، وكما يفتح لك الطريق ~~إلى المطلوب لتسلكه، وتوضع لك القاعدة لتبني عليها. ووجدت المعول على أن ~~هاهنا نظما وترتيبا، وتأليفا وتركيبا، وصياغة وتصويرا، ونسجا وتحبيرا، وأن ~~سبيل هذه المعاني في الكلام الذي هي مجاز فيه، سبيلها في الأشياء التي هي ~~حقيقة فيها، وأنه كما يفضل هناك النظم النظم، والتأليف التأليف، والنسج ~~النسج، والصياغة الصياغة، ثم يعظم الفضل، وتكثر المزية، حتى يفوق الشيء ~~نظيره والمجانس له درجات كثيرة، وحتى تتفاوت القيم التفاوت الشديد، كذلك ~~يفضل بعض الكلام بعضا، ويتقدم منه الشيء الشيء، ثم يزداد فصله ذلك ويترقى ~~منزلة فوق منزلة، ويعلو مرقبا بعد مرقب، ويستأنف له غاية بعد غاية، حتى ~~ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع، وتحسر الظنون «1»، وتسقط القوى، وتستوي ~~الأقدام في العجز. # وهذه جملة قد يرى في أول الأمر وبادئ الظن، أنها تكفي وتغني، حتى إذا ~~نظرنا فيها، وعدنا وبدأنا، وجدنا الأمر على خلاف ما حسبناه، وصادفنا الحال ~~على غير ما توهمناه، وعلمنا أنهم لئن أقصروا اللفظ لقد أطالوا المعنى، وأن ~~لم يغرقوا في النزع «2»، لقد أبعدوا على ذاك في المرمى. # وذاك أنه يقال لنا: ما زدتم على أن سقتم قياسا، فقلتم: نظم ونظم، وترتيب ~~وترتيب، ونسج ونسج، ثم بنيتم عليه أنه ينبغي أن تظهر المزية في هذه المعاني ~~هاهنا، حسب ظهورها هناك، وأن يعظم الأمر في ذلك كما عظم ثم، وهذا صحيح كما ~~قلتم، ولكن بقي أن تعلمونا مكان المزية في الكلام، وتصفوها لنا، وتذكروها ~~ذكرا كما ينص الشيء ويعين، ويكشف عن وجهه ويبين، ولا يكفي أن تقولوا: إنه ~~خصوصية في كيفية النظم، وطريقة مخصوصة في نسق الكلم بعضها على بعض، حتى ~~تصفوا تلك الخصوصية ms027 وتبينوها، وتذكروا لها أمثلة، وتقولوا: «مثل كيت وكيت»، ~~كما يذكر لك من تستوصفه عمل الديباج المنقش ما تعلم به وجه دقة الصنعة، أو ~~يعمله بين يديك، حتى ترى عيانا- كيف تذهب تلك الخيوط وتجيء؟ وماذا يذهب ~~منها طولا وماذا يذهب منها عرضا؟ وبم يبدأ وبم يثني وبم يثلث؟ - وتبصر «3» ~~من الحساب الدقيق ومن عجيب تصرف اليد، ما تعلم معه مكان الحذق وموضع ~~الأستاذية. PageV01P034 # ولو كان قول القائل لك في تفسير الفصاحة: «إنها خصوصية في نظم الكلم وضم ~~بعضها إلى بعض على طريق مخصوصة، أو على وجوه تظهر بها الفائدة»، أو ما أشبه ~~ذلك من القول المجمل، كافيا في معرفتها، ومغنيا في العلم بها، لكفى مثله في ~~معرفة الصناعات كلها. فكان يكفي في معرفة نسج الديباج الكثير التصاوير أن ~~تعلم أنه ترتيب للغزل على وجه مخصوص، وضم لطاقات الإبريسم «1» بعضها إلى ~~بعض على طرق شتى. وذلك ما لا يقوله عاقل. # وجملة الأمر أنك لن تعلم في شيء من الصناعات علما تمر فيه وتحلي، حتى ~~تكون ممن يعرف الخطأ فيها من الصواب، ويفصل بين الإساءة والإحسان، بل حتى ~~تفاضل بين الإحسان والإحسان، وتعرف طبقات المحسنين. # وإذا كان هذا هكذا، علمت أنه لا يكفي في علم «الفصاحة» أن تنصب لها قياسا ~~ما، وأن تصفها وصفا مجملا، وتقول فيها قولا مرسلا، بل لا تكون من معرفتها ~~في شيء، حتى تفصل القول وتحصل، وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم ~~الكلم وتعدها واحدة واحدة، وتسميها شيئا شيئا، وتكون معرفتك معرفة الصنع ~~الحاذق الذي يعلم علم كل خيط من الإبريسم الذي في الديباج، وكل قطعة من ~~القطع المنجورة في الباب المقطع، وكل آجرة من الآجر الذي في البناء البديع. # وإذا نظرت إلى «الفصاحة» هذا النظر، وطلبتها هذا الطلب، احنجت إلى صبر ~~على التأمل، ومواظبة على التدبر، وإلى همة تأبى لك أن تقنع إلا بالتمام، ~~وأن تربع «2» إلا بعد بلوغ الغاية، ومتى جشمت «3» ذلك، وأبيت إلا أن تكون ~~هنالك، فقد أممت «4» إلى غرض كريم، وتعرضت لأمر جسيم، ms028 وآثرت التي هي أتم ~~لدينك وفضلك، وأنبل عند ذوي العقول الراجحة لك، وذلك أن تعرف حجة الله ~~تعالى من الوجه الذي هو أضوأ لها وأنوه «5» لها، وأخلق بأن يزداد نورها ~~سطوعا، وكوكبها طلوعا، وأن تسلك إليها الطريق الذي هو آمن لك من الشك، ~~وأبعد من الريب؛ وأصح لليقين، وأحرى بأن يبلغك قاصية التبيين. PageV01P035 # واعلم أنه لا سبيل إلى أن تعرف صحة هذه الجملة حتى يبلغ القول غايته، ~~وينتهي إلى آخر ما أردت جمعه لك، وتصويره في نفسك، وتقريره عندك. # إلا أن هاهنا نكتة، إن أنت تأملتها تأمل المتثبت، ونظرت فيها نظر ~~المتأني، رجوت أن يحسن ظنك، وأن تنشط للإصغاء إلى ما أورده عليك، وهي أنا ~~إذا سقنا دليل الإعجاز فقلنا: لولا أنهم حين سمعوا القرآن، وحين تحدوا إلى ~~معارضته، سمعوا كلاما لم يسمعوا قط مثله، وأنهم رازوا «1» أنفسهم فأحسوا ~~بالعجز عن أن يأتوا بما يوازيه أو يدانيه أو يقع قريبا منه لكان محلا أن ~~يدعوا معارضته وقد تحدوا إليه، وقرعوا فيه، وطولبوا به، وأن يتعرضوا لشبا ~~الأسنة «2» ويقتحموا موارد الموت. # فقيل لنا: قد سمعنا ما قلتم، فخبرونا عنهم، عما ذا عجزوا؟ أعن معان من ~~دقة معانية وحسنها وصحتها في العقول؟ أم عن ألفاظ مثل ألفاظه؟ فإن قلتم: عن ~~الألفاظ، فماذا أعجزهم من اللفظ، أم ما بهرهم منه؟. # فقلنا: أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، ~~وبدائع راعتهم من مبادئ آية «3» ومقاطعها، ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي ~~مضرب كل مثل، ومساق كل خبر، وصورة كل عظة وتنبيه، وإعلام وتذكير، وترغيب ~~وترهيب، ومع كل حجة وبرهان، وصفة وتبيان. # وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة، وعشرا عشرا، وآية آية، فلم يجدوا في ~~الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة ينكر شأنها، أو يرى أن غيرها أصلح هناك ~~أو أشبه، أو أحرى وأخلق، بل وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور، ~~ونظاما والتئاما، وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم، ولو حك ~~بيافوخه السماء، موضع طمع، حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول، ms029 وخذيت القروم ~~«4» فلم تملك أن تصول. # نعم، فإذا كان هذا هو الذي يذكر في جواب السائل، فبنا أن ننظر: أي أشبه ~~بالفتى في عقله ودينه، وأزيد له في علمه ويقينه، أأن يقلد في ذلك، ويحفظ ~~متن الدليل وظاهر لفظه، ولا يبحث عن تفسير المزايا والخصائص ما هي؟ ومن أين ~~PageV01P036 # كثرت الكثرة العظيمة، واتسعت الاتساع المجاوز لوسع الخلق وطاقة البشر؟ ~~وكيف يكون أن تظهر في ألفاظ محصورة، وكلم معدودة معلومة، بأن يؤتى ببعضها ~~في إثر بعض، لطائف «1» لا يحصرها العدد، ولا ينتهي بها الأمد؟ أم أن يبحث ~~عن ذلك كله، ويستقصي النظر في جميعه، ويتتبعه شيئا فشيئا، ويستقصيه بابا ~~فبابا، حتى يعرف كلا منه بشاهده ودليله، ويعلمه بتفسيره وتأويله، ويوثق ~~بتصويره وتمثيله، ولا يكون كمن قيل فيه: [من الطويل] # يقولون أقوالا ولا يعلمونا ... ولو قيل: هاتوا حققوا، لم يحققوا «2» # قد قطعت عذر المتهاون، ودللت على ما أضاع من حظه، وهدايته لرشده، وصح أن ~~لا غنى بالعاقل عن معرفة هذه الأمور، والوقوف عليها، والإحاطة بها، وأن ~~الجهة «3» التي منها يقف، والسبب الذي به يعرف، استقراء كلام العرب وتتبع ~~أشعارهم والنظر فيها. وإذ قد ثبت ذلك، فينبغي لنا أن نبتدئ في بيان ما ~~أردنا بيانه، ونأخذ في شرحه والكشف عنه. # وجملة ما أردت أن أبينه لك: أنه لا بد لكل كلام تستحسنه، ولفظ تستجيده، ~~من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومة وعلة معقولة وأن يكون لنا إلى العبارة ~~عن ذاك سبيل، وعلى صحة ما ادعيناه من ذلك دليل. # وهو باب من العلم إذا أنت فتحته اطلعت منه على فوائد جليلة، ومعان شريفة، ~~ورأيت له أثرا في الدين عظيما وفائدة جسيمة، ووجدته سببا إلى حسم كثير من ~~الفساد فيما يعود إلى التنزيل وإصلاح أنواع من الخلل فيما يتعلق بالتأويل، ~~وإنه ليؤمنك من أن تغالط في دعواك، وتدافع عن مغزاك، ويربأ بك عن أن تستبين ~~هدى ثم لا تهدي إليه، # وتدل بعرفان ثم لا تستطيع أن تدل عليه «4» وأن تكون عالما «5» في ظاهر ~~مقلد، ومستبينا ms030 في صورة شاك وأن يسألك السائل عن حجة يلقى بها الخصم في آية ~~من كتاب الله تعالى أو غير ذلك، فلا ينصرف عنك بمقنع وأن يكون غاية ما ~~لصاحبك منك أن تحيله على نفسه، وتقول: «قد نظرت فرأيت فضلا ومزية، ~~PageV01P037 # وصادفت لذلك أريحية، فانظر لتعرف كما عرفت، وراجع نفسك، واسبر وذق، لتجد ~~مثل الذي وجدت»، فإن عرف فذاك، وإلا فبينكما التناكر، تنسبه إلى سوء ~~التأمل، وينسبك إلى فساد في التخيل. # وإنه على الجملة بحث ينتقي لك من علم الإعراب خالصه ولبه، ويأخذ لك منه ~~أناسي العيون وحبات القلوب، وما لا يدفع الفضل فيه دافع، ولا ينكر رجحانه ~~في موازين العقول منكر. # وليس يتأتى لي أن أعلمك من أول الأمر في ذلك آخره، وأن أسمي لك الفصول ~~التي في نيتي أن أحررها بمشيئة الله عز وجل، حتى تكون على علم بها قبل ~~موردها عليك. فاعمل على أن هاهنا فصولا يجيء بعضها في إثر بعض وهذا أولها. ### | فصل في تحقيق القول على «البلاغة» و «الفصاحة»، و «البيان» و «البراعة»، # وكل ما شاكل ذلك، مما يعبر به عن فضل بعض القائلين على بعض، من حيث نطقوا ~~وتكلموا، وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد، وراموا أن يعلموهم ما في ~~نفوسهم؛ ويكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم. # ومن المعلوم أن لا معنى لهذه العبارات وسائر ما يجري مجراها، مما يفرد ~~فيه اللفظ بالنعت والصفة، وينسب فيه الفضل والمزية إليه دون المعنى، غير ~~وصف الكلام بحسن الدلالة وتمامها فيما له كانت دلالة، ثم تبرجها في صورة هي ~~أبهى وأزين وآنق وأعجب وأحق بأن تستولي على هوى النفس، وتنال الحظ الأوفر ~~من ميل القلوب، وأولى بأن تطلق لسان الحامد، وتطيل رغم الحاسد ولا جهة ~~لاستعمال هذه الخصال غير أن تأتي المعنى من الجهة التي هي أصح لتأديته، ~~وتختار له اللفظ الذي هو أخص به، وأكشف عنه وأتم له، وأحرى بأن يكسبه نبلا، ~~ويظهر فيه مزية. # وإذا كان هذا كذلك، فينبغي أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف،- ~~وقبل أن ms031 تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخبارا وأمرا ونهيا واستخبارا ~~وتعجبا، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضم ~~كلمة إلى كلمة، وبناء لفظة على لفظة- هل «1» يتصور أن يكون بين اللفظتين ~~تفاضل في PageV01P038 # الدلالة حتى تكون هذه أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها على ما هي ~~موسومة به، حتى يقال إن «رجلا» أدل على معناه من «فرس» على ما سمي به وحتى ~~يتصور في الاسمين يوضعان لشيء واحد، أن يكون هذا أحسن نبأ وأبين كشفا عن ~~صورته من الآخر، فيكون «الليث» مثلا أدل على السبع المعلوم من «الأسد» وحتى ~~أنا لو أردنا الموازنة بين لغتين كالعربية والفارسية، ساغ لنا أن نجعل لفظة ~~«رجل» أدل على الآدمي الذكر من نظيره في الفارسية؟. # وهل يقع في وهم وإن جهد، أن تتفاضل الكلمتان المفردتان، من غير أن ينظر ~~إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم، بأكثر من أن تكون هذه مألوفة ~~مستعملة، وتلك غريبة وحشية، أو أن تكون حروف هذه أخف وامتزاجها أحسن، ومما ~~يكد اللسان أبعد؟. # وهل تجد أحدا يقول: هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، ~~وحسن ملائمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها؟. # وهل قالوا: لفظة متمكنة، ومقبولة، وفي خلافه: قلقة، ونابية، ومستكرهة، ~~إلا وغرضهم أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناهما، ~~وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم، وأن الأولى لم تلق بالثانية في معناها، وأن ~~السابقة لم تصلح أن تكون لفقا «1» للتالية في مؤداها؟. # وهل تشك إذا فكرت في قوله تعالى: وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ~~وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين [هود: ~~44]، فتجلى لك منها الإعجاز، وبهرك الذي ترى وتسمع، أنك لم تجد «2» ما وجدت ~~من المزية الظاهرة، والفضيلة القاهرة، إلا لأمر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم ~~بعضها ببعض، وأن لم يعرض لها الحسن والشرف إلا من حيث لاقت الأولى ~~بالثانية، والثالثة بالرابعة، وهكذا، إلى أن ms032 تستقر بها إلى آخرها، وأن ~~الفضل تناتج ما بينها، وحصل من # مجموعها؟. # إن شككت، فتأمل: هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت، ~~لأدت من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية؟ قل: «ابلعي»، ~~PageV01P039 # واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وما بعدها، وكذلك فاعتبر ~~سائر ما يليها. # وكيف بالشك في ذلك، ومعلوم أن مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض، ثم أمرت، ~~ثم في أن كان النداء «بيا» دون «أي»، نحو «يا أيتها الأرض»، ثم إضافة ~~«الماء» إلى «الكاف»، دون أن يقال: «ابلعي الماء»، ثم أن أتبع نداء الأرض ~~وأمرها بما هو من شأنها، نداء السماء وأمرها كذلك بما يخصها، ثم أن قيل:، ~~«وغيض الماء»، فجاء الفعل على صيغة «فعل» الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر ~~آمر وقدرة قادر، ثم تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى: وقضي الأمر، ثم ذكر ما ~~هو فائدة هذه الأمور، وهو: استوت على الجودي، ثم إضمار «السفينة» قبل ~~الذكر، كما هو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن، ثم مقابلة «قيل» في ~~الخاتمة «بقيل» في الفاتحة؟ أفترى لشيء من هذه الخصائص- التي تملؤك ~~بالإعجاز روعة، وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها- تعلقا «1» ~~باللفظ من حيث هو صوت مسموع وحروف تتوالى في النطق؟ أم كل ذلك لما بين ~~معاني الألفاظ من الاتساق العجيب؟. # فقد اتضح إذن اتضاحا لا يدع للشك مجالا، أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ~~ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الفضيلة وخلافها، في ملائمة ~~معنى اللفظة لمعنى التي تليها، وما أشبه ذلك، مما لا تعلق له بصريح اللفظ. # ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها ~~تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر، كلفظ «الأخدع» في بيت الحماسة: # [من الطويل] # تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا «2» # وبيت البحتري: [من الطويل] PageV01P040 # وإني وإن بلغتني شرف الغنى ... واعتقت من رق المطامع أخدعي «1» # فإن لها في هذين المكانين ما ms033 لا يخفى من الحسن، ثم إنك تتأملها في بيت ~~أبي تمام: [من المنسرح] # يا دهر قوم من أخدعيك، فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك «2» # فتجد لها من الثقل على النفس، ومن التنغيص والتكدير، أضعاف ما وجدت هناك ~~من الروح والخفة، ومن الإيناس والبهجة. # ومن أعجب ذلك لفظة «الشيء»، فإنك تراها مقبولة حسنة في موضع، وضعيفة ~~مستكرهة في موضع. وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة ~~المخزومي: [من الطويل] # ومن مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى «3» # وقول أبي حية: [من الطويل] # إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاها شيء لا يمل التقاضيا «4» # فإنك تعرف حسنها ومكانها من القبول، ثم انظر إليها في بيت المتنبي: [من ~~الطويل] # لو الفلك الدوار أبغضت سعيه ... لعوقه شيئ عن الدوران «5» # فإنك تراها تقل وتضؤل، بحسب نبلها وحسنها فيما تقدم وهذا باب واسع، فإنك ~~تجد متى شئت الرجلين قد استعملا كلما بأعيانها، ثم ترى هذا قد فرع السماك ~~«6»، وترى ذاك قد لصق بالحضيض، فلو كانت الكلمة إذا حسنت حسنت من حيث هي ~~لفظ، وإذا استحقت المزية والشرف استحقت ذلك في ذاتها وعلى انفرادها، دون أن ~~يكون السبب في ذلك حال لها مع أخواتها المجاورة لها في النظم، لما اختلف ~~بها الحال، ولكانت إما أن تحسن أبدا، أو لا تحسن أبدا. PageV01P041 # ولم تر قولا يضطرب على قائله حتى لا يدري كيف يعبر، وكيف يورد ويصدر، ~~كهذا القول. بل إن أردت الحق، فإنه من جنس الشيء يجري به الرجل لسانه ~~ويطلقه، فإذا فتش نفسه، وجدها تعلم بطلانه، وتنطوي على خلافه، ذاك لأنه مما ~~لا يقوم بالحقيقة في اعتقاد، ولا يكون له صورة في فؤاد. ### | فصل ومما يجب إحكامه بعقب هذا الفصل، الفرق بين قولنا: «حروف منظومة»، و «كلم منظومة». # وذلك أن نظم الحروف هو تواليها في النطق، وليس نظمها بمقتضى عن معنى «1»، ~~ولا الناظم لها بمقتف في ذلك رسما من العقل اقتضى أن يتحرى في نظمه لها ما ~~تحراه. ms034 فلو أن واضع اللغة كان قد قال: «ربض» مكان «ضرب»، لما كان في ذلك ما ~~يؤدي إلى فساد. # وأما «نظم الكلم» فليس الأمر فيه كذلك، لأنك تقتفي في نظمها آثار ~~المعاني، وترتبها على حسب ترتب المعاني في النفس. فهو إذن نظم يعتبر فيه ~~حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو «النظم» الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء ~~كيف جاء واتفق. ولذلك كان عندهم نظيرا للنسج والتأليف والصياغة والبناء ~~والوشي والتحبير وما أشبه ذلك، مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض، حتى ~~يكون لوضع كل حيث وضع، علة تقتضي كونه هناك، وحتى لو وضع في مكان غيره لم ~~يصلح. # والفائدة في معرفة هذا الفرق: أنك إذا عرفته عرفت أن ليس الغرض بنظم ~~الكلم، أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها، ~~على الوجه الذي اقتضاه العقل. وكيف يتصور أن يقصد به إلى توالي الألفاظ في ~~النطق، بعد أن ثبت أنه نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وأنه نظير ~~الصياغة والتحبير «2» والتفويف «3» والنقش، وكل ما يقصد به التصوير، وبعد ~~أن كنا لا نشك PageV01P042 # في أن لا حال للفظة مع صاحبتها تعتبر إذا أنت عزلت دلالتهما جانبا؟ وأي ~~مساغ للشك في أن الألفاظ لا تستحق من حيث هي ألفاظ، أن تنظم على وجه دون ~~وجه؟. # ولو فرضنا أن تنخلع من هذه الألفاظ، التي هي لغات، دلالتها لما كان منها ~~أحق بالتقديم من شيء، ولا تصور أن يجب فيها ترتيب ونظم. # ولو حفظت صبيا شطر «كتاب العين» أو «الجمهرة»، من غير أن تفسر له شيئا ~~منه، وأخذته بأن يضبط صور الألفاظ وهيآتها، ويؤديها كما يؤدي أصناف أصوات ~~الطيور، لرأيته ولا يخطر له ببال أن من شأنه أن يؤخر لفظا ويقدم آخر، بل ~~كان حاله حال من يرمي الحصى ويعد الجوز، اللهم إلا أن تسومه أنت أن يأتي ~~بها على حروف المعجم ليحفظ نسق الكتاب. # ودليل آخر، وهو أنه لو كان القصد بالنظم إلى اللفظ نفسه، دون أن يكون ~~الغرض ms035 ترتيب المعاني في النفس، ثم النطق بالألفاظ على حذوها، لكان ينبغي أن ~~لا يختلف حال اثنين في العلم بحسن النظم أو غير الحسن فيه، لأنهما يحسان ~~بتوالي الألفاظ في النطق إحساسا واحدا، ولا يعرف أحدهما في ذلك شيئا يجهله ~~الآخر. # وأوضح من هذا كله، وهو أن هذا «النظم» الذي يتواصفه البلغاء، وتتفاضل ~~مراتب البلاغة من أجله، صنعة يستعان عليها بالفكرة لا محالة. وإذا كانت مما ~~يستعان عليها بالفكرة، ويستخرج بالروية، فينبغي أن ينظر في الفكر، بماذا ~~تلبس؟ # أبالمعاني أم بالألفاظ؟ فأي شيء وجدته الذي تلبس به فكرك من بين المعاني ~~والألفاظ، فهو الذي تحدث فيه صنعتك، وتقع فيه صياغتك ونظمك وتصويرك. # فمحال أن تتفكر في شيء وأنت لا تصنع فيه شيئا، وإنما تصنع في غيره. لو ~~جاز ذلك، لجاز أن يفكر البناء في الغزل، ليجعل فكره فيه وصلة إلى أن يصنع ~~من الآجر، وهو من الإحالة المفرطة. # فإن قيل: «النظم» موجود في الألفاظ على كل حال، ولا سبيل إلى أن يعقل ~~الترتيب الذي تزعمه في المعاني، ما لم تنظم الألفاظ ولم ترتبها على الوجه ~~الخاص. # قيل: إن هذا هو الذي يعيد هذه الشبهة جذعة «1» أبدا، والذي يحلها: أن ~~تنظر أتتصور أن تكون معتبرا مفكرا في حال اللفظ مع اللفظ حتى تضعه بجنبه أو ~~قبله، وأن تقول: «هذه اللفظة إنما صلحت هاهنا لكونها على صفة كذا» أم لا ~~يعقل PageV01P043 # إلا أن تقول: «صلحت هاهنا، لأن معناها كذا، ولدلالتها على كذا، ولأن معنى ~~الكلام والغرض فيه يوجب كذا، ولأن معنى ما قبلها يقتضي معناها؟». # فإن تصورت الأول، فقل ما شئت، واعلم أن كل ما ذكرناه باطل وإن لم تتصور ~~إلا الثاني، فلا تخدعن نفسك بالأضاليل، ودع النظر إلى ظواهر الأمور، واعلم ~~أن ما ترى أنه لا بد منه من ترتب الألفاظ وتواليها على النظم الخاص، ليس هو ~~الذي طلبته بالفكر، ولكنه شيء يقع بسبب الأول ضرورة، من حيث إن الألفاظ؛ إذ ~~كانت أوعية للمعاني، فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها، فإذا ms036 وجب ~~لمعنى أن يكون أولا في النفس، وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولا في ~~النطق. # فأما أن تتصور في الألفاظ أن تكون المقصودة قبل المعاني بالنظم والترتيب، ~~وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواصفه البلغاء فكرا في نظم الألفاظ، أو أن ~~تحتاج بعد ترتيب المعاني إلى فكر تستأنفه لأن تجيء بالألفاظ على نسقها، ~~فباطل من الظن، ووهم يتخيل إلى من لا يوفي النظر حقه. وكيف تكون مفكرا في ~~نظم الألفاظ، وأنت لا تعقل لها أوصافا وأحوالا إذا عرفتها عرفت أن حقها أن ~~تنظم على وجه كذا؟. # ومما يلبس على الناظر في هذا الموضع ويغلطه، أنه يستبعد أن يقال: # «هذا كلام قد نظمت معانيه»، فالعرف كأنه لم يجز بذلك، إلا أنهم وإن كانوا ~~لم يستعملوا «النظم» في المعاني، قد استعملوا فيها ما هو بمعناه ونظير له، ~~وذلك قولهم: «إنه يرتب المعاني في نفسه، وينزلها، ويبني بعضها على بعض»، ~~كما يقولون: «يرتب الفروع على الأصول، ويتبع المعنى المعنى، ويلحق النظير ~~بالنظير». # وإذا كنت تعلم أنهم قد استعاروا النسج والوشي والنقش والصياغة لنفس ما ~~استعاروا له «النظم»، وكان لا يشك في أن ذلك كله تشبيه وتمثيل يرجع إلى ~~أمور وأوصاف تتعلق بالمعاني دون الألفاظ، فمن حقك أن تعلم أن سبيل «النظم» ~~ذلك السبيل. # واعلم أن من سبيلك أن تعتمد هذا الفصل حدا، وتجعل النكت «1» التي ~~PageV01P044 # ذكرتها فيه على ذكر «1» منك أبدا، فإنها عمد «2» وأصول في هذا الباب، إذا ~~أنت مكنتها في نفسك، وجدت الشبه تنزاح عنك، والشكوك تنتفي عن قلبك، ولا ~~سيما ما ذكرت من أنه لا يتصور أن تعرف للفظ موضعا من غير أن تعرف معناه، ~~ولا أن تتوخى في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيبا ونظما، وأنك تتوخى الترتيب ~~في المعاني وتعمل الفكر هناك، فإذا تم لك ذلك أتبعتها الألفاظ وقفوت بها ~~آثارها، وأنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك، لم تحتج إلى أن تستأنف ~~فكرا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني، وتابعة ms037 ~~لها، ولا حقة بها، وأن العلم بمواقع المعاني في النفس، علم بمواقع الألفاظ ~~الدالة عليها في النطق. ### | فصل منه في أن النظم متوقف على التركيب النحوي # واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علما لا يعترضه الشك، أن لا نظم في ~~الكلم ولا ترتيب، حتى يعلق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه ~~بسبب من تلك، هذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفى على أحد من الناس. # وإذا كان كذلك، فبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء، وجعل الواحدة ~~منها بسبب من صاحبتها، ما معناه وما محصوله؟ وإذا نظرنا في ذلك، علمنا أن ~~لا محصول لها غير أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلا لفعل أو مفعولا، أو تعمد ~~إلى اسمين فتجعل أحدهما خبرا عن الآخر، أو تتبع الاسم اسما على أن يكون ~~الثاني صفة للأول، أو تأكيدا له، أو بدلا منه، أو تجيء باسم بعد تمام كلامك ~~على أن يكون صفة أو حالا أو تمييزا، أو تتوخى في كلام هو لإثبات معنى، أن ~~يصير نفيا أو استفهاما أو تمنيا، فتدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك «3» أو ~~تريد في فعلين أن تجعل أحدهما شرطا في الآخر، فتجيء بهما بعد الحرف الموضوع ~~لهذا المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمنت معنى ذلك الحرف «4»، وعلى ~~هذا القياس. # وإذا كان لا يكون في الكلم نظم ولا ترتيب إلا بأن يصنع بها هذا الصنيع ~~ونحوه، وكان ذلك كله مما لا يرجع منه إلى اللفظ شيء، ومما لا يتصور أن يكون ~~PageV01P045 # فيه ومن صفته، بان بذلك أن الأمر على ما قلناه، من أن اللفظ تبع للمعنى ~~في النظم، وأن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس، وأنها لو ~~خلت من معانيها حتى تتجرد أصواتا وأصداء حروف، لما وقع في ضمير ولا هجس في ~~خاطر، أن يجب فيها ترتيب ونظم، وأن يجعل لها أمكنة ومنازل، وأن يجب النطق ~~بهذه قبل النطق بتلك. والله الموفق للصواب. ### | فصل: منه في شبهة الذين حصروا الفصاحة في صفة ms038 اللفظ # وهذه شبهة أخرى ضعيفة، عسى أن يتعلق بها متعلق ممن يقدم على القول من غير ~~روية: وهي أن يدعي أن لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي، وتعديل مزاج ~~الحروف # حتى لا يتلاقى في النطق حروف تثقل على اللسان، كالذي أنشده الجاحظ من قول ~~الشاعر: [من السريع] # وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر «1» # وقول ابن يسير «2»: [من الخفيف] # لا أذيل الآمال بعدك إني ... بعدها بالآمال جد بخيل # كم لها موقفا بباب صديق ... رجعت من نداه بالتعطيل # لم يضرها والحمد لله، شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول «3» # قال الجاحظ: «فتفقد النصف الأخير من هذا البيت، فإنك ستجد بعض ألفاظه ~~يتبرأ من بعض» ويزعم أن الكلام في ذلك على طبقات، فمنه المتناهي في الثقل ~~المفرط فيه، كالذي مضى، ومنه ما هو أخف منه كقول أبي تمام: [من الطويل] # كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... جميعا، ومهما لمته لمته «وحدي» «4» ~~PageV01P046 # أي لا أمدحه بشيء إلا صدقني الناس فيه. # ومنه ما يكون فيه بعض الكلفة على اللسان، إلا أنه لا يبلغ أن يعاب به ~~صاحبه ويشهر أمره في ذلك ويحفظ عليه. # ويزعم أن الكلام إذا سلم من ذلك وصفا من شوبه «1»، كان الفصيح المشاد «2» ~~به والمشار إليه، وأن الصفاء أيضا يكون على مراتب يعلو بعضها بعضا، وأن له ~~غاية إذا انتهى إليها كان الإعجاز. # والذي يبطل هذه الشبهة، إن ذهب إليها ذاهب، أنا إن قصرنا صفة «الفصاحة» ~~على كون اللفظ كذلك، وجعلناه المراد بها، لزمنا أن نخرج «الفصاحة» من حيز ~~«البلاغة»، ومن أن تكون نظيرة لها، وإذا فعلنا ذلك، لم نخل من أحد أمرين: ~~إما أن نجعله العمدة في المفاضلة بين العبارتين ولا نعرج على غيره، وإما أن ~~نجعله أحد ما نفاضل به، ووجها من الوجوه التي تقتضي تقديم كلام على كلام. # فإن أخذنا بالأول، لزمنا أن نقصر الفضيلة عليه حتى لا يكون الإعجاز إلا ~~به وفيه، وفي ذلك ما لا يخفى من الشناعة، لأنه يؤدي إلى أن لا يكون للمعاني ~~التي ms039 ذكروها في حدود البلاغة- من وضوح الدلالة، وصواب الإشارة، وتصحيح ~~الأقسام، وحسن الترتيب والنظام، والإبداع في طريقة التشبيه والتمثيل، ~~والإجمال ثم التفصيل، ووضع الفصل والوصل موضعهما، وتوفية الحذف والتأكيد ~~والتقديم والتأخير شروطهما- مدخل فيما له كان القرآن معجزا، حتى يدعى أنه ~~لم يكن معجزا من حيث هو بليغ، ولا من حيث هو قول فصل، وكلام شريف النظم ~~بديع التأليف، وذلك أنه لا تعلق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف. # وإن أخذنا بالثاني، وهو أن يكون تلاؤم الحروف وجها من وجوه الفضيلة، ~~وداخلا في عداد ما يفاضل به بين كلام وكلام على الجملة، لم يكن لهذا الخلاف ~~ضرر علينا، لأنه ليس بأكثر من أن نعمد إلى «الفصاحة» فنخرجها من حيز ~~«البلاغة والبيان»، وأن تكون نظيرة لهما، وفي عداد ما هو شبههما من البراعة ~~والجزالة وأشباه ذلك، مما ينبئ عن شرف النظم، وعن المزايا التي شرحت لك ~~أمرها، وأعلمتك جنسها، أو نجعلها اسما مشتركا يقع تارة لما تقع له تلك، ~~وأخرى لما يرجع إلى سلامة اللفظ مما يثقل على اللسان. وليس واحد من الأمرين ~~بقادح فيما نحن بصدده. PageV01P047 # وإن تعسف متعسف في تلاؤم الحروف، فبلغ به أن يكون الأصل في الإعجاز، ~~وأخرج سائر ما ذكروه في أقسام البلاغة من أن يكون له مدخل أو تأثير فيما له ~~كان القرآن معجزا، كان الوجه أن يقال له: إنه يلزمك، على قياس قولك، أن ~~تجوز أن يكون هاهنا نظم للألفاظ وترتيب، لا على نسق المعاني، ولا على وجه ~~يقصد به الفائدة، ثم يكون مع ذلك معجزا. وكفى به فسادا. # فإن قال قائل: إني لا أجعل تلاؤم الحروف معجزا حتى يكون اللفظ مع ذلك ~~دالا، وذاك أنه إنما تصعب مراعاة التعادل بين الحروف، إذا احتيج مع ذلك إلى ~~مراعاة المعاني، كما أنه إنما تصعب مراعاة السجع والوزن، ويصعب كذلك ~~التجنيس والترصيع، إذا روعي معه المعنى. # قيل له: فأنت الآن، إن عقلت ما تقول، قد خرجت من مسألتك، وتركت أن يستحق ~~اللفظ المزية من حيث هو لفظ، وجئت تطلب ms040 لصعوبة النظم فيما بين المعاني ~~طريقا، وتضع له علة غير ما يعرفه الناس، وتدعي أن ترتيب المعاني سهل، وأن ~~تفاضل الناس في ذلك إلى حد، وأن الفضيلة تزداد وتقوى إذا توخي في حروف ~~الألفاظ التعادل والتلاؤم. وهذا منك وهم. # وذلك أنا لا نعلم لتعادل الحروف معنى سوى أن تسلم من نحو ما تجده في بيت ~~أبي تمام: # كريم متى أمدحه والورى «1» وبيت ابن يسير: # وانثنت نحو عزف نفس ذهول «2» وليس اللفظ السليم من ذلك بمعوز، ولا بعزيز ~~الوجود، ولا بالشيء لا يستطيعه إلا الشاعر المفلق والخطيب البليغ، فيستقيم ~~قياسه على السجع والتجنيس ونحو ذلك، مما إذا رامه المتكلم صعب عليه تصحيح ~~المعاني وتأدية الأغراض. # فقولنا: «أطال الله بقاءك، وأدام عزك، وأتم نعمته عليك، وزاد في إحسانه ~~عندك»، لفظ سليم مما يكد اللسان، وليس في حروفه استكراه، وهكذا حال كلام ~~الناس في كتبهم ومحاوراتهم، لا تكاد تجد فيه هذا الاستكراه، لأنه إنما هو ~~شيء يعرض للشاعر إذا تكلف وتعمل، فأما المرسل نفسه على سجيتها، فلا يعرض له ~~ذلك. # هذا، والمتعلل بمثل ما ذكرت- من أنه إنما يكون تلاؤم الحروف معجزا بعد ~~PageV01P048 # أن يكون اللفظ دالا، لأن مراعاة التعادل إنما تصعب إذا احتيج مع ذلك إلى ~~مراعاة المعاني، إذا تأملت- يذهب «1» إلى شيء ظريف، وهو أن يصعب مرام اللفظ ~~بسبب المعنى، وذلك محال، لأن الذي يعرفه العقلاء عكس ذلك، وهو أنه يصعب ~~مرام المعنى بسبب اللفظ، فصعوبة ما صعب من السجع، هي صعوبة عرضت في المعاني ~~من أجل الألفاظ، وذاك أنه صعب عليك أن توفق بين معاني تلك الألفاظ المسجعة ~~وبين معاني الفصول التي جعلت أردافا لها، فلم تستطع ذلك إلا بعد أن عدلت عن ~~أسلوب إلى أسلوب، أو دخلت في ضرب من المجاز، أو أخذت في نوع من الاتساع، ~~وبعد أن تلطفت على الجملة ضربا من التلطف. # وكيف يتصور أن يصعب مرام اللفظ بسبب المعنى، وأنت إن أردت الحق لا تطلب ~~اللفظ بحال، وإنما تطلب المعنى، وإذا ظفرت بالمعنى، فاللفظ معك وإزاء ~~ناظرك؟ ms041 وإنما كان يتصور أن يصعب مرام اللفظ من أجل المعنى، أن لو كنت إذا ~~طلبت المعنى فحصلته، احتجت إلى أن تطلب اللفظ على حدة. وذلك محال. # هذا، وإذا توهم متوهم أنا نحتاج إلى أن نطلب اللفظ، وأن من شأن الطلب أن ~~يكون هناك، فإن الذي يتوهم أنه يحتاج إلى طلبه، هو ترتيب الألفاظ في النطق ~~لا محالة. وإذا كان كذلك، فينبغي لنا أن نرجع إلى نفوسنا فننظر، هل يتصور ~~أن نرتب معاني أسماء وأفعال وحروف في النفس، ثم يخفى علينا مواقعها في ~~النطق، حتى نحتاج في ذلك إلى فكر وروية؟ وذلك ما لا يشك فيه عاقل إذا هو ~~رجع إلى نفسه. # وإذا بطل أن يكون ترتيب اللفظ مطلوبا بحال، ولم يكن المطلوب أبدا إلا ~~ترتيب المعاني، وكان معول هذا المخالف على ذلك، فقد اضمحل كلامه، وبان أنه ~~ليس لمن حام في حديث المزية والإعجاز حول «اللفظ»، ورام أن يجعله السبب في ~~هذه الفضيلة، إلا التسكع في الحيرة، والخروج عن فاسد من القول إلى مثله. ~~والله الموفق للصواب. # فإن قيل: إذا كان اللفظ بمعزل عن المزية التي تنازعنا فيها، وكانت مقصورة ~~على المعنى، فكيف كانت «الفصاحة» من صفات اللفظ البتة؟ كيف امتنع أن يوصف ~~بها المعنى فيقال: «معنى فصيح، وكلام فصيح المعنى»؟. # قيل: إنما اختصت الفصاحة باللفظ وكانت من صفته، من حيث كانت عبارة عن كون ~~اللفظ على وصف إذا كان عليه، دل على المزية التي نحن في حديثها، وإذا ~~PageV01P049 # كانت لكون اللفظ دالا، استحال أن يوصف بها المعنى، كما يستحيل أن يوصف ~~المعنى بأنه «دال» مثلا، فاعرفه. # فإن قيل: فماذا دعا القدماء إلى أن قسموا الفضيلة بين المعنى واللفظ ~~فقالوا: # «معنى لطيف، ولفظ شريف»، وفخموا شأن اللفظ وعظموه حتى تبعهم في ذلك من ~~بعدهم، وحتى قال أهل النظر: «إن المعاني لا تتزايد، وإنما تتزايد الألفاظ»، ~~فأطلقوا كما ترى كلاما يوهم كل من يسمعه أن المزية في حاق «1» اللفظ؟. # قيل له: لما كانت المعاني إنما تتبين بالألفاظ، وكان لا سبيل للمرتب ms042 لها ~~والجامع شملها، إلى أن يعلمك ما صنع في ترتيبها بفكره، إلا بترتيب الألفاظ ~~في نطقه، تجوزوا فكنوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ، ثم بالألفاظ بحذف ~~«الترتيب»، ثم أتبعوا ذلك من الوصف والنعت ما أبان الغرض وكشف عن المراد، ~~كقولهم: «لفظ متمكن»، يريدون أنه بموافقة معناه لمعنى ما يليه كالشيء ~~الحاصل في مكان صالح يطمئن فيه. # «ولفظ قلق ناب»، يريدون أنه من أجل أن معناه غير موافق لما يليه، كالحاصل ~~في مكان لا يصلح له، فهو لا يستطيع الطمأنينة فيه إلى سائر ما يجيء في صفة ~~اللفظ، مما يعلم أنه مستعار له من معناه، وأنهم نحلوه إياه، بسبب مضمونه ~~ومؤداه. # هذا، ومن تعلق بهذا وشبهه واعترضه الشك فيه، بعد الذي مضى من الحجج، فهو ~~رجل قد أنس بالتقليد، فهو يدعو الشبهة إلى نفسه من هاهنا وثم. ومن كان هذا ~~سبيله، # فليس له دواء سوى السكوت عنه، وتركه وما يختاره لنفسه من سوء النظر وقلة ~~التدبر. # قد فرغنا الآن من الكلام على جنس المزية، وأنها من حيز المعاني دون ~~الألفاظ، وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك، وتستعين بفكرك، ~~وتعمل رويتك، وتراجع عقلك، وتستنجد في الجملة فهمك، وبلغ القول في ذلك ~~أقصاه، وانتهى إلى مداه، وينبغي أن نأخذ الآن في تفصيل أمر المزية، وبيان ~~الجهات التي منها تعرض. وإنه لمرام صعب ومطلب عسير، ولولا أنه على ذلك، لما ~~PageV01P050 # وجدت الناس بين منكر له من أصله، ومتحيل (1) له على غير وجهه، ومعتقد أنه ~~باب لا تقوى عليه العبارة، ولا يملك فيه إلا الإشارة، وأن طريق التعليم ~~إليه مسدود، وباب التفهيم دونه مغلق، وأن معانيك فيه معان تأبى أن تبرز من ~~الضمير، وأن تدين للتبيين والتصوير، وأن ترى سافرة لا نقاب عليها، وبادية ~~(2) لا حجاب دونها، وأن ليس للواصف لها إلا أن يلوح ويشير، أو يضرب مثلا ~~ينبئ عن حسن قد عرفه على الجملة، وفضيلة قد أحسها، من غير أن يتبع ذلك ~~بيانا، ويقيم عليه برهانا، ويذكر له علة، ويورد ms043 فيه حجة. وأنا أنزل لك ~~القول في ذلك وأدرجه شيئا فشيئا، وأستعين الله تعالى عليه، وأسأله التوفيق. ### | فصل في اللفظ يطلق والمراد به غير ظاهره. # اعلم أن لهذا الضرب اتساعا وتفننا لا إلى غاية، إلا أنه على اتساعه يدور ~~في الأمر الأعم على شيئين: «الكناية» و «المجاز». # والمراد بالكناية هاهنا أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا ~~يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في ~~الوجود، فيومئ به إليه، ويجعله دليلا عليه، مثال ذلك قولهم: «هو طويل ~~النجاد»، يريدون طويل القامة، «وكثير رماد القدر»، يعنون كثير القرى، وفي ~~المرأة: «نؤوم الضحى»، والمراد أنها مترفة مخدومة، لها من يكفيها أمرها، ~~فقد أرادوا في هذا كله، كما ترى، معنى، ثم لم يذكروه بلفظه الخاص به، ~~ولكنهم توصلوا إليه بذكر معنى آخر من شأنه أن يردفه في الوجود، وأن يكون ~~إذا كان. أفلا ترى أن القامة إذ طالت طال النجاد؟ # وإذا كثر القرى كثر رماد القدر؟ وإذا كانت المرأة مترفة لها من يكفيها ~~أمرها، ردف ذلك أن تنام إلى الضحى؟ # وأما «المجاز»، فقد عول الناس في حده على حديث النقل، وأن كل لفظ نقل عن ~~موضوعه فهو «مجاز»، الكلام في ذلك يطول، وقد ذكرت ما هو الصحيح من ذلك في ~~موضع آخر، وأنا أقتصر هاهنا على ذكر ما هو أشهر منه وأظهر. والاسم والشهرة ~~فيه لشيئين: «الاستعارة» و «التمثيل». وإنما يكون «التمثيل» مجازا إذا جاء ~~على حد «الاستعارة». # فالاستعارة: أن تريد تشبيه الشيء بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره، # PageV01P051 # وتجيء إلى اسم المشبه به فتعيره المشبه وتجريه عليه. تريد أن تقول: رأيت ~~رجلا هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه سواء»، فتدع ذلك وتقول: «رأيت أسدا». # وضرب آخر من «الاستعارة»، وهو ما كان نحو قوله: [من الكامل] إذ أصبحت بيد ~~الشمال زمامها «1» هذا الضرب، وإن كان الناس يضمونه إلى الأول حيث يذكرون ~~الاستعارة، فليسا سواء. وذاك أنك في الأول تجعل الشيء الشيء ليس به، وفي ~~الثاني للشيء ms044 الشيء ليس له. # تفسير هذا: أنك إذا قلت: «رأيت أسدا»، فقد ادعيت في إنسان أنه أسد، ~~وجعلته إياه، ولا يكون الإنسان أسدا. وإذا قلت: «إذ أصبحت بيد الشمال ~~زمامها»، فقد ادعيت أن للشمال يدا، ومعلوم أنه لا يكون للريح. # وهاهنا أصل ضبطه وهو أن جعل المشبه المشبه به على ضربين: # أحدهما: أن تنزله منزلة الشيء تذكره بأمر قد ثبت له، فأنت لا تحتاج إلى ~~أن تعمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تسقط ذكر المشبه من البين، ولا تذكره ~~بوجه من الوجوه، كقولك «رأيت أسدا». # والثاني: أن تجعل ذلك كالأمر الذي يحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته، ~~وذلك حيث تجري اسم المشبه به خبرا على المشبه، فتقول: «زيد أسد، وزيد هو ~~الأسد»، أو تجيء به على وجه يرجع إلى هذا كقولك: «إن لقيته لقيت به أسدا، ~~وإن لقيته ليلقينك منه الأسد»، فأنت في هذا كله تعمل في إثبات كونه «أسدا» ~~أو «الأسد»، وتضع كلامك له. وأما في الأول فتخرجه مخرج ما لا يحتاج فيه إلى ~~إثبات وتقرير. والقياس يقتضي أن يقال في هذا الضرب أعني: ما أنت تعمل في ~~إثباته وتزجيته: أنه تشبيه على حد المبالغة، ويقتصر على هذا القدر، ولا ~~يسمى «استعارة». # وأما «التمثيل» الذي يكون مجازا لمجيئك به على حد الاستعارة، فمثاله قولك ~~للرجل يتردد في الشيء بين فعله وتركه: «أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى» «2». # فالأصل في هذا: أراك في ترددك كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى، ثم اختصر ~~الكلام، PageV01P052 # وجعل كأنه يقدم الرجل ويؤخرها على الحقيقة، كما كان الأصل في قولك: «رأيت ~~أسدا»، رأيت رجلا كالأسد، ثم جعل كأنه الأسد على الحقيقة. # وكذلك تقول للرجل يعمل في غير معمل: «أراك تنفخ في غير فحم، وتخط على ~~الماء»، فتجعله في ظاهر الأمر كأنه ينفخ ويخط، والمعنى على أنك في فعلك كمن ~~يفعل ذلك. وتقول للرجل يعمل الحيلة حتى يميل صاحبه إلى الشيء قد كان يأباه ~~ويمتنع منه: «ما زال يفتل في الذروة والغاب حتى بلغ منه ما أراد»، فتجعله ms045 ~~بظاهر اللفظ كأنه كان منه فتل في ذروة وغارب، والمعنى على أنه لم يزل يرفق ~~بصاحبه رفقا يشبه حاله فيه حال الرجل يجيء إلى البعير الصعب فيحكه ويفتل ~~الشعر في ذروته وغاربه، حتى يسكن ويستأنس، وهو في المعنى نظير قولهم: «فلان ~~يقرد فلانا»، يعنى به أنه يتلطف له فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليلذه ~~ذلك، فيسكن ويثبت في مكان حتى يتمكن من أخذه. وهكذا كل كلام رأيتهم قد نحو ~~فيه نحو التمثيل، ثم لم يفصحوا بذلك، وأخرجوا اللفظ مخرجه إذا لم يريدوا ~~تمثيلا. ### | [فصل: في ترجيح الكناية والاستعارة والتمثيل على الحقيقة] # قد أجمع الجميع على أن «الكناية» أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع من ~~التصريح، وأن للاستعارة مزية وفضلا، وأن المجاز أبدا أبلغ من الحقيقة، إلا ~~أن ذلك، وإن كان معلوما على الجملة، فإنه لا تطمئن نفس العاقل في كل ما ~~يطلب العلم به حتى يبلغ فيه غايته، وحتى يغلغل الفكر إلى زواياه، وحتى لا ~~يبقى عليه موضع شبهة ومكان مسألة. فنحن وإن كنا نعلم أنك إذا قلت: «هو طويل ~~النجاد، وهو جم الرماد»، كان أبهى لمعناك، وأنبل من أن تدع الكناية وتصرح ~~بالذي تريد. وكذا إذا قلت: «رأيت أسدا»، كان لكلامك مزية لا تكون إذا قلت: ~~رأيت رجلا هو والأسد سواء، في معنى الشجاعة وفي قوة القلب وشدة البطش ~~وأشباه ذلك. وإذا قلت: # «بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى»، كان أوقع من صريحه «1» الذي هو قولك: # بلغني أنك تتردد في أمرك، وأنك في ذلك كمن يقول: أخرج ولا أخرج، فتقدم ~~رجلا وتؤخر أخرى. ونقطع على ذلك حتى لا يخالجنا شك فيه، فإنما تسكن أنفسنا ~~تمام السكون، إذا عرفنا السبب في ذلك والعلة، ولم كان كذلك، وهيأنا له ~~عبارة تفهم عنا من نريد إفهامه. وهذا هو قول في ذلك: PageV01P053 # اعلم أن سبيلك أولا أن تعلم أن ليست المزية- التي تثبتها لهذه الأجناس ~~على الكلام المتروك على ظاهره، والمبالغة التي تدعي لها- في أنفس المعاني ~~التي يقصد المتكلم إليها بخبره، ولكنها في طريق ms046 إثباته لها وتقريره إياها. # تفسير هذا: أن ليس المعنى إذا قلنا: «إن الكناية أبلغ من التصريح»، أنك ~~لما كنيت عن المعنى زدت في ذاته، بل المعنى أنك زدت في إثباته، فجعلته أبلغ ~~وآكد وأشد. فليست المزية في قولهم: «جم الرماد»، أنه دل على قرى أكثر، بل ~~أنك أثبت له القرى الكثير من وجه هو أبلغ، وأوجبته إيجابا هو أشد، وادعيته ~~دعوى أنت بها أنطق، وبصحتها أوثق. # وكذلك ليست المزية التي تراها لقولك: «رأيت أسدا»، على قولك: رأيت رجلا ~~لا يتميز عن الأسد في شجاعته وجرأته أنك قد أفدت بالأول زيادة في مساواته ~~الأسد، بل أن أفدت «1» تأكيدا وتشديدا وقوة في إثباتك له هذه المساواة، وفي ~~تقريرك لها. فليس تأثير الاستعارة إذن في ذات المعنى وحقيقته، بل في إيجابه ~~والحكم به. # وهكذا قياس «التمثيل»، ترى المزية أبدا في ذلك تقع في طريق إثبات المعنى ~~دون المعنى نفسه. فإذا سمعتهم يقولون: إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب ~~المعاني نبلا وفضلا، توجب لها شرفا، وأن تفخمها في نفوس السامعين، وترفع ~~أقدارها عند المخاطبين، فإنهم لا يريدون الشجاعة والقرى وأشباه ذلك من ~~معاني الكلم المفردة، وإنما يعنون إثبات معاني هذه الكلم لمن تثبت له ويخبر ~~بها عنه. # هذا ما ينبغي للعاقل أن يجعله على ذكر منه أبدا، وأن يعلم أن ليس لنا- ~~إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة- مع معاني الكلم «2» المفردة شغل، ولا ~~هي منا بسبيل، وإنما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب. وإذ قد ~~عرفت مكان هذه المزية والمبالغة التي لا تزال تسمع بها، وأنها في الإثبات ~~دون المثبت، فإن لها في كل واحد من هذه الأجناس سببا وعلة. # أما «الكناية»، فإن السبب في أن كان للإثبات بها مزية لا تكون للتصريح، ~~أن كل عاقل يعلم إذا رجع إلى نفسه، أن إثبات الصفة بإثبات دليلها، وإيجابها ~~بما هو شاهد في وجودها، آكد وأبلغ في الدعوى من أن تجيء إليها فتثبتها هكذا ~~ساذجا PageV01P054 # غفلا. وذلك أنك لا تدعي شاهد الصفة ودليلها إلا والأمر ms047 ظاهر معروف، وبحيث ~~لا يشك فيه، ولا يظن بالمخبر التجوز والغلط. # وأما «الاستعارة»، فسبب ما ترى لها من المزية والفخامة، أنك إذا قلت: # «رأيت أسدا»، كنت قد تلطفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة، حتى ~~جعلتها كالشيء الذي يجب له الثبوت والحصول، وكالأمر الذي نصب له دليل يقطع ~~بوجوده. وذلك أنه إذا كان أسدا، فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة، ~~وكالمستحيل أو الممتنع أن يعرى عنها. وإذا صرحت بالتشبيه فقلت: «رأيت رجلا ~~كالأسد»، وكنت قد أثبتها إثبات الشيء يترجح بين أن يكون وبين أن لا يكون، ~~ولم يكن من حديث الوجوب في شيء. # وحكم «التمثيل»، حكم «الاستعارة» سواء، فإنك إذا قلت: «أراك تقدم رجلا ~~وتؤخر أخرى»، فأوجبت له الصورة التي يقطع معها بالتحير والتردد، كان أبلغ ~~لا محالة من أن تجري على الظاهر. فتقول: قد جعلت تتردد في أمرك، فأنت كمن ~~يقول: أخرج ولا أخرج، فيقدم رجلا ويؤخر أخرى. ### | [فصل: في تفاوت الكناية والاستعارة والتمثيل] # اعلم أن من شأن هذه الأجناس أن تجري فيها الفضيلة، وأن تتفاوت التفاوت ~~الشديد. أفلا ترى أنك تجد في الاستعارة العامي المبتذل، كقولنا: «رأيت ~~أسدا، ووردت بحرا، ولقيت بدرا». والخاصي النادر الذي لا تجده إلا في كلام ~~الفحول، ولا يقوى عليه إلا أفراد الرجال، كقوله: [من الطويل] وسالت بأعناق ~~المطي الأباطح «1» أراد أنها سارت سيرا حثيثا في غاية السرعة، وكانت سرعة ~~في لين وسلاسة، حتى كأنها كانت سيولا وقعت في تلك الأباطح فجرت بها. # ومثل هذه الاستعارة في الحسن واللطف وعلو الطبقة في هذه اللفظة بعينها ~~قول الآخر: [من البسيط] PageV01P055 # سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره، بوجوه كالدنانير «1» # أراد أنه مطاع في الحي، وأنهم يسرعون إلى نصرته، وأنه لا يدعوهم لحرب أو ~~نازل خطب، إلا أتوه وكثروا عليه، وازدحموا حواليه، حتى تجدهم كالسيول تجيء ~~من هاهنا وهاهنا، وتنصب من هذا المسيل وذلك، حتى يغص به الوادي ويطفح منها. # ومن بديع الاستعارة ونادرها، إلا أن جهة الغرابة فيه غير جهتها في هذا، ~~قول ms048 يزيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسا له، وأنه مؤدب، وأنه إذا نزل عنه ~~وألقى عنانه في قربوس سرجه، وقف مكانه إلى أن يعود إليه: [من الكامل] # عودته فيما أزور حبائبي ... إهماله، وكذاك كل مخاطر # وإذا اختبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر «2» # فالغرابة هاهنا في الشبه نفسه، وفي أن استدرك أن هيئة العنان في موقعه من ~~قربوس السرج، كالهيئة في موضع الثوب من ركبة المحتبي. # وليست الغرابة في قوله: [من الطويل] وسالت بأعناق المطي الأباطح «3» على ~~هذه الجملة «4»، وذلك أنه لم يغرب لأن جعل المطي في سرعة سيرها وسهولته ~~كالماء يجري في الأبطح، فإن هذا شبه معروف ظاهر، ولكن الدقة واللطف في ~~خصوصية أفادها، بأن جعل «سال» فعلا للأباطح، ثم عداه بالباء، بأن أدخل ~~الأعناق في البين،: فقال «بأعناق المطي»، ولم يقل: «بالمطي»، ولو قال: ~~«سالت المطي في الأباطح»، لم يكن شيئا. # وكذلك الغرابة في البيت الآخر، ليس في مطلق معنى «سال»، ولكن في تعديته ~~PageV01P056 # بعلى والباء، وبأن جعله فعلا لقوله «شعاب الحي»، ولولا هذه الأمور كلها ~~لم يكن هذا الحسن. وهذا موضع يدق الكلام فيه. # وهذه أشياء من هذا الفن: [من البسيط] # اليوم يومان مذ غيبت عن بصري، ... نفسي فداؤك، ما ذنبي فأعتذر # أمسي وأصبح لا ألقاك، وا حزنا، ... لقد تأنق في مكروهي القدر # سوار بن المضرب، وهو لطيف جدا: [من الوافر] # بعرض تنوفة للريح فيها ... نسيم لا يروع الترب وان «1» # بعض الأعراب: [من الكامل] # ولرب خصم جاهدين ذوي شذا ... تفذي صدورهم بهتر هاتر «2» # لد ظأرتهم على ما ساءهم ... وخسأت باطلهم بحق ظاهر «3» # المقصود لفظ: «خسأت». # ابن المعتز: [من الرجز] # حتى إذا ما عرف الصيد الضار ... وأذن الصبح لنا في الإبصار «4» # المعنى: حتى إذا تهيأ لنا أن نبصر شيئا لما كان تعذر الإبصار منعا من ~~الليل، جعل إمكانه عند ظهور الصبح إذنا من الصبح. # وله: [من المجزوء الموافر] # بخيل قد بليت به ... يكد الوعد بالحجج «5» PageV01P057 # وله: [من الطويل] # يناجيني الإخلاف من تحت مطله ... فتختصم الآمال واليأس ms049 في صدري «1» # ومما هو في غاية الحسن، وهو من الفن الأول، قول الشاعر أنشده الجاحظ: # [من الطويل] # لقد كنت في قوم عليك أشحة ... بنفسك، إلا أن ما طاح طائح # يودون لو خاطوا عليك جلودهم، ... ولا تدفع الموت النفوس الشحائح «2» # قال: وإليه ذهب بشار في قوله: [من الرجز] # وصاحب كالدمل الممد ... حملته في رقعة من جلدي «3» # ومن سر هذا الباب، أنك ترى اللفظة المستعارة قد استعيرت في عدة مواضع، ثم ~~ترى لها في بعض ذلك ملاحة لا تجدها في الباقي. مثال ذلك أنك تنظر إلى لفظة ~~«الجسر» في قول أبي تمام: [من البسيط] # لا يطمع المرء أن يجتاب لجته ... بالقول ما لم يكن جسرا له العمل «4» # وقوله: [من البسيط] # بصرت بالراحة العظمى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب «5» # فترى لها في الثاني حسنا لا تراه في الأول، ثم تنظر إليها في قول ربيعة ~~الرقي: # [من البسيط] PageV01P058 # قولي نعم، ونعم إن قلت واجبة ... قالت: عسى وعسى جسر إلى نعم # فترى لها لطفا وخلابة «1» وحسنا ليس الفضل فيه بقليل. # ومما هو أصل في شرف الاستعارة، أن ترى الشاعر قد جمع بين عدة استعارات، ~~قصدا إلى أن يلحق الشكل بالشكل، وأن يتم المعنى والشبه فيما يريد، مثاله ~~قوله امرئ القيس: [من الطويل] # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل «2» # لما جعل لليل صلبا قد تمطى به، ثنى ذلك فجعل له أعجازا قد أردف بها ~~الصلب، وثلث فجعل له كلكلا قد ناء به، فاستوفى له جملة أركان الشخص، وراعى ~~ما يراه الناظر من سواده، إذا نظر قدامه، وإذا نظر إلى خلفه، وإذا رفع ~~البصر ومده في عرض الجو. # واعلم أن هاهنا أسرارا ودقائق، لا يمكن بيانها إلا بعد أن تقدم جملة من ~~القول في «النظم» وفي تفسيره والمراد منه، وأي شيء هو؟ وما محصوله ومحصول ~~الفضيلة فيه؟ فينبغي لنا أن نأخذ في ذكره، وبيان أمره، وبيان المزية التي ~~تدعى له من أين تأتيه؟ وكيف تعرض فيه؟ وما أسباب ذلك وعلله؟ وما ms050 الموجب له؟ # وقد علمت إطباق العلماء على تعظيم شأن «النظم» وتفخيم قدره، والتنويه ~~بذكره، وإجماعهم أن لا فضل مع عدمه، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له، ولو ~~بلغ في غرابة معناه ما بلغ، وبتهم «3» الحكم بأنه الذي لا تمام دونه، ولا ~~قوام إلا به، وأنه القطب الذي عليه المدار، والعمود الذي به الاستقلال. وما ~~كان بهذا المحل من الشرف، وفي هذه المنزلة من الفضل، وموضوعا هذا الموضع من ~~المزية، وبالغا هذا المبلغ من الفضيلة، كان حري بأن توقظ له الهمم، وتوكل ~~به النفوس، وتحرك له الأفكار، وتستخدم فيه الخواطر، وكان «4» العاقل جديرا ~~أن لا يرضى من نفسه بأن PageV01P059 # يجد فيه سبيلا إلى مزية علم، وفضل استبانة، وتلخيص حجة «1»، وتحرير دليل، ~~ثم يعرض عن ذلك صفحا، ويطوي دونه كشحا «2»، وأن يربأ بنفسه «3»، وتدخل عليه ~~الأنفة من أن يكون في سبيل المقلد الذي لا يبت حكما، ولا يقتل الشيء علما، ~~ولا يجد ما يبرئ من الشبهة، ويشفى غليل الشاك، وهو يستطيع أن يرتفع عن هذه ~~المنزلة، ويباين من هو بهذه الصفة، فإن ذلك دليل ضعف الرأي وقصر الهمة ممن ~~يختاره ويعمل عليه. # اعلم أن ليس «النظم» إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه «علم النحو»، ~~وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ ~~الرسوم التي رسمت لك، فلا تخل بشيء منها. # وذلك أنا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب ~~وفروقه، فينظر في «الخبر» إلى الوجوه التي تراها في قولك: «زيد منطلق» و ~~«زيد ينطلق»، و «ينطلق زيد» و «منطلق زيد»، و «زيد المنطلق» و «المنطلق ~~زيد» و «زيد هو المنطلق»، و «زيد هو منطلق». # وفي «الشرط والجزاء» إلى الوجوه التي تراها في قولك: «إن تخرج أخرج» و ~~«إن خرجت خرجت» و «إن تخرج فأنا خارج» و «أنا خارج إن خرجت» و «أنا إن خرجت ~~خارج». # وفي «الحال» إلى الوجوه التي تراها في قولك: «جاءني زيد مسرعا»، وجاءني ~~يسرع»، و ms051 «جاءني وهو مسرع أو وهو يسرع» و «جاءني قد أسرع» و «جاءني وقد ~~أسرع». # فيعرف لكل من ذلك موضعه، ويجيء به حيث ينبغي له. # وينظر في «الحروف» التي تشترك في معنى، ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية في ~~ذلك المعنى، فيضع كلا من ذلك في خاص معناه، نحو أن يجيء ب «ما» في نفس ~~الحال، ب # «لا» إذا أراد نفي الاستقبال، وب «إن» فيما يترجح بين أن يكون وأن لا ~~يكون، وب «إذا» فيما علم أنه كائن. # وينظر في «الجمل» التي تسرد، فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل، ~~PageV01P060 # ثم يعرف فيما حقه الوصل موضع «الواو» من موضع «الفاء»، وموضع «الفاء» من ~~موضع «ثم»، وموضع «أو» من موضع «أم»، وموضع «لكن» من موضع «بل». # ويتصرف في التعريف، والتنكير، والتقديم، والتأخير، في الكلام كله، وفي ~~الحذف، والتكرار، والإضمار، والإظهار، فيصيب بكل من ذلك مكانه، ويستعلمه ~~على الصحة وعلى ما ينبغي له. # هذا هو السبيل، فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صوابا، وخطؤه إن كان ~~خطأ إلى «النظم»، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد ~~أصيب به موضعه، ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه، ~~واستعمل في غير ما ينبغي له، فلا ترى كلاما قد وصف بصحة نظم أو فساده، أو ~~وصف بمزية وفضل فيه، إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية ~~وذلك الفضل، إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل ~~بباب من أبوابه. # هذه جملة لا تزداد فيها نظرا، إلا ازددت لها تصورا، وازدادت عندك صحة، ~~وازددت بها ثقة. وليس من أحد تحركه لأن يقول في أمر «النظم» شيئا، إلا ~~وجدته قد اعترف لك بها أو ببعضها، ووافق فيها درى ذلك أو لم يدر. ويكفيك ~~أنهم قد كشفوا عن وجه ما أردناه حيث ذكروا فساد «النظم»، فليس من أحد يخالف ~~في نحو قول الفرزدق: [من الطويل] # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي ms052 أبوه يقاربه «1» # وقول المتنبي: [من الكامل] # ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل «2» # وقوله: [من الكامل] # الطيب أنت إذا أصابك طيبه، ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل «3» ~~PageV01P061 # وقوله: [من الطويل] # وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا، والدمع أشفاه ساجمه «1» # وقول أبو تمام: [من الكامل] # ثانيه كبد السماء، ولم يكن ... كاثنين ثان إذ هما في الغار «2» # وقوله: [من البسيط] # يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعا ... من راحتيك درى ما الصاب والعسل «3» # وفي نظائر ذلك «4» مما وصفوه بفساد النظم، وعابوه من جهة سوء التأليف، أن ~~الفساد والخلل كانا من أن تعاطى الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير ~~الصواب، وصنع في تقديم أو تأخير، أو حذف وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن ~~يصنعه، وما لا يسوغ ولا يصح على أصول هذا العلم. وإذا ثبت أن سبب فساد ~~النظم واختلاله، أن لا يعمل بقوانين هذا الشأن، ثبت أن سبب صحته أن يعمل ~~عليها، ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا العلم، ثبت أن الحكم كذلك ~~في مزيته والفضيلة التي تعرض فيه، وإذا ثبت جميع ذلك، ثبت أن ليس هو شيئا ~~غير توخي معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين الكلم، والله الموفق للصواب. # وإذ قد عرفت ذلك، فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل، ثم ~~جعلوه كذلك من أجل «النظم» خصوصا، دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير ~~الشعر، من معنى لطيف أو حكمة أو أدب أو استعارة أو تجنيس أو غير ذلك مما لا ~~يدخل في النظم، وتأمله، فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت، فانظر إلى ~~حركات الأريحية مم كانت؟ وعند ماذا ظهرت؟ فإنك ترى عيانا أن الذي قلت لك ~~كما قلت. اعمد إلى قول البحتري: [من المتقارب] PageV01P062 # بلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا # هو المرء أبدت له الحادثا ... ت عزما وشيكا ورأيا صليبا # تنقل في خلقي سؤدد ... سماحا مرجا وبأسا مهيبا # فكالسيف إن جئته صارخا، ... وكالبحر إن جئته ms053 مستثيبا «1» # فإذا رأيتها قد راقتك وكثرت عندك، ووجدت لها اهتزازا في نفسك، فعد فانظر ~~في السبب واستقص في النظر، فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدم وأخر، وعرف ~~ونكر، وحذف وأمر، وأعاد وكرر، وتوخى على الجملة وجها من الوجوه التي ~~يقتضيها «علم النحو»، فأصاب في ذلك كله، ثم لطف موضع صوابه، وأتى مأتى يوجب ~~الفضيلة. # أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها قوله: «هو المرء أبدت له الحادثات»، ثم ~~قوله: «تنقل في خلقي سؤدد» بتنكير «السؤدد» وإضافة «الخلقين» إليه، ثم ~~قوله: # «فكالسيف» وعطفه بالفاء مع حذفه المبتدأ، لأن المعنى لا محالة: فهو ~~كالسيف ثم تكريره «الكاف» في قوله: «وكالبحر»، ثم أن قرن إلى كل واحد من ~~التشبيهين شرطا جوابه فيه، ثم أن أخرج من كل واحد من الشرطين حالا على مثال ~~ما أخرج من الآخر، وذلك قوله «صارخا» هناك «ومستثيبا» هاهنا؟ لا ترى حسنا ~~تنسبه إلى النظم ليس سببه ما عددت، أو ما هو في حكم ما عددت، فاعرف ذلك. # وإن أردت أظهر أمرا في هذا المعنى، فانظره إلى قول إبراهيم بن العباس: # فلو إذ نبا دهر، وأنكر صاحب، ... وسلط أعداء، وغاب نصير # تكون عن الأهواز داري بنجوة، ... ولكن مقادير جرت وأمور # وإني لأرجو بعد هذا محمدا ... لأفضل ما يرجى أخ ووزير «2» # فإنك ترى ما ترى من الرونق والطلاوة، ومن الحسن والحلاوة، ثم تتفقد السبب ~~في ذلك، فتجده إنما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو «إذ نبا» على ~~PageV01P063 # عامله الذي هو «تكون»، وأن لم يقل: فلو تكون عن الأهواز داري بنجوة إذ ~~نبا دهر، ثم أن ساق هذا التنكير في جميع ما أتى به من بعد، ثم أن قال: ~~«وأنكر صاحب» ولم يقل: وأنكرت صاحبا، لا ترى في البيتين الأولين شيئا غير ~~الذي عددته لك تجعله حسنا في «النظم»، وكله من معاني النحو كما ترى. وهكذا ~~السبيل أبدا في كل حسن ومزية رأيتهما قد نسبا إلى «النظم»، وفضل، وشرف أحيل ~~فيهما عليه. ### | فصل «في أن هذه المزايا في ms054 النظم، بحسب المعاني والأغراض التي تؤم». # وإذ قد عرفت أن مدار أمر «النظم» على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق ~~التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية ~~تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازديادا بعدها، ثم اعلم أن ليست المزية ~~بواجبة لها في أنفسها، ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني ~~والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها ~~مع بعض. # تفسير هذا: أنه ليس إذا راقك التنكير في «سؤدد» «1» من قوله «تنقل في ~~خلقي سؤدد»، وفي «دهر» من قوله: «فلو إذ نبا دهر»، فإنه يجب أن يروقك أبدا ~~وفي كل شيء، ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله «وأنكر صاحب»، ~~فإنه ينبغي أن لا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك هاهنا، بل ليس من ~~فضل ومزية إلا بحسب الموضع، وبحسب المعنى الذي تريد والغرض الذي تؤم. وإنما ~~سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش، فكما أنك ترى ~~الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج، ~~إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ وفي مواقعها ومقاديرها وكيفية ~~مزجه لها وترتيبه إياها، # إلى ما لم يتهد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، ~~كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي علمت أنها ~~محصول «النظم». # واعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه والحسن، كالأجزاء من الصبغ ~~تتلاحق وينضم بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين، فأنت لذلك لا تكبر شأن ~~PageV01P064 # صاحبه، ولا تقضي له بالحذق والأستاذية وسعة الذرع وشدة المنة «1»، حتى ~~تستوفي القطعة وتأتي على عدة أبيات. وذلك ما كان من الشعر في طبقة ما ~~أنشدتك من أبيات البحتري، ومنه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة، ~~ويأتيك منه ما يملأ العين ضربة، حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من ~~الفضل، وموضعه من الحذق، ms055 وتشهد له بفضل المنة وطول الباع، وحتى تعلم، إن لم ~~تعلم القائل، أنه من قيل شاعر فحل، وأنه خرج من تحت يد صناع، وذلك ما إذا ~~أنشدته وضعت فيه اليد على شيء فقلت: هذا، هذا! وما كان كذلك فهو الشعر ~~الشاعر، والكلام الفاخر، والنمط العالي الشريف، والذي لا تجده إلا في شعر ~~الفحول البزل «2»، ثم المطبوعين الذين يلهمون القول إلهاما. # ثم إنك تحتاج إلى أن تستقري عدة قصائد، بل أن تفلي «3» ديوانا من الشعر، ~~حتى تجمع منه عدة أبيات. وذلك ما كان مثل قول الأول، وتمثل به أبو بكر ~~الصديق رضوان الله عليه حين أتاه كتاب خالد بالفتح في هزيمة الأعاجم: [من ~~الوافر] # تمنانا ليلقانا بقوم ... تخال بياض لأمهم السرابا # فقد لاقيتنا فرأيت حربا ... عوانا تمنع الشيخ الشرابا «4» # انظر إلى موضع «الفاء» في قوله: # فقد لاقيتنا فرأيت حربا ومثل قول العباس بن الأحنف: [من البسيط] # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا، ... ثم القفول، فقد جئنا خراسانا «5» ~~PageV01P065 # انظر إلى موضع «الفاء» و «ثم» قبلها. # ومثل قول ابن الدمينة: [من الطويل] # أبيني أفي يمنى يديك جعلتني ... فأفرح، أم صيرتني في شمالك # أبيت كأني بين شقين من عصا ... حذار الردى، أو خيفة من زيالك # تعاللت كي أشجى، وما بك علة، ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلك «1» # انظر إلى الفصل والاستئناف في قوله: «تريدين قتلي، قد ظفرت بذلك». # ومثل قول أبي حفص الشطرنجي، وقال على لسان علية أخت الرشيد، وقد كان ~~الرشيد عتب عليها: [من البسيط] # لو كان يمنع حسن الفعل صاحبه ... من أن يكون له ذنب إلى أحد # كانت علية أبرى الناس كلهم ... من أن تكافا بسوء آخر الأبد # ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمه! قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي «2» انظر إلى ~~قوله: «قد كنت أحسب» وإلى مكان هذا الاستئناف. # ومثل قول أبي دؤاد: [من الخفيف] # ولقد أغتدي يدافع ركني ... أحوذي ذو ميعة إضريج «3» # سلهب شرجب، كأن رماحا ... حملته، وفي السراة دموج «4» PageV01P066 # انظر إلى التنكير في قوله «كأن رماحا». # ومثل قول ابن البواب: ms056 [من مجزوء الوافر] # أتيتك عائذا بك من ... ك لما ضاقت الحيل # وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل # فإن سلمت لكم نفسي ... فما لاقيته جلل # وإن قتل الهوى رجلا، ... فإني ذلك الرجل «1» # انظر إلى الإشارة والتعريف في قوله: «فإني ذلك الرجل». # ومثل قول عبد الصمد: [من السريع] # مكتئب ذو كبد حرى ... تبكي عليه مقلة عبرى # يرفع يمناه إلى ربه ... يدعو، وفوق الكبد اليسرى «2» # انظر إلى لفظة: «يدعو» وإلى موقعها. # ومثل قول جرير: [من الكامل] # لمن الديار ببرقة الروحان ... إذ لا نبيع زماننا بزمان # صدع الغواني؛ إذ رمين، فؤاده ... صدع الزجاجة، ما لذاك تدان «3» # انظر إلى قوله: «ما لذاك تدان»، وتأمل حال هذا الاستئناف. # ليس من بصير عارف بجوهر الكلام، حساس متفهم لسر هذا الشأن، ينشد أو يقرأ ~~هذه الأبيات، إلا لم يلبث أن يضع يده في كل بيت منها على الموضع الذي أشرت ~~إليه، يعجب ويعجب ويكبر شأن المزية فيه والفضل. PageV01P067 ### | فصل «في النظم يتحد في الوضع، ويدق فيه الصنع» # واعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر، ويغمض المسلك، في توخي المعاني ~~التي عرفت: أن تتحد أجزاء الكلام ويدخل بعضها في بعض، ويشتد ارتباط ثان ~~منها بأول، وأن تحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعا واحدا، وأن ~~يكون حالك فيها حال الباني يضع بيمينه هاهنا في حال ما يضع بيساره هناك. ~~نعم. # وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعهما بعد الأولين. وليس لما شأنه أن ~~يجيء على هذا الوصف حد يحصره، وقانون يحيط به، فإنه يجيء على وجوه شتى، ~~وأنحاء مختلفة. # فمن ذلك أن تزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء معا، كقول البحتري: [من ~~الطويل] # إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى، ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر «1» # وقوله: [من الطويل] # إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها، ... تذكرت القربى ففاضت دموعها «2» # فهذا نوع. # ونوع منه آخر، قول سليمان بن داود القضاعي: [من الوافر] # فبينا المرء في علياء أهوى، ... ومنحط أتيح له اعتلاء # وبينا نعمة إذ حال بؤس، ms057 ... وبؤس إذ تعقبه ثراء # ونوع ثالث وهو ما كان كقول كثير: [من الطويل] # وإني وتهيامي بعزة بعد ما ... تخليت مما بيننا وتخلت # لكالمرتجى ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت «3» # وكقول البحتري: [من الطويل] PageV01P068 # لعمرك إنا والزمان كما جنت ... على الأضعف الموهون عادية الأقوى «1» # ومنه «التقسيم»، وخصوصا إذا قسمت ثم جمعت، كقول حسان: [من البسيط] # قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا # سجية تلك منهم غير محدثة، ... إن الخلائق، فاعلم، شرها البدع «2» # ومن ذلك، وهو شيء في غاية الحسن، قول القائل: [من البسيط] # لو أن ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا # لكن رأيت الليالي غير تاركة ... ما سر من حادث أو ساء مطردا # فقد سكنت إلى أني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غدا «3» # قوله: «سنستجد خلاف الحالتين غدا»، جمع فيما قسم لطيف، وقد ازداد لطفا ~~بحسن ما بناه عليه، ولطف ما توصل به إليه من قوله: «فقد سكنت إلى أني ~~وأنكم». # وإذ قد عرفت هذا النمط من الكلام، وهو ما تتحد أجزاؤه حتى يوضع وضعا ~~واحدا، فاعلم أنه النمط العالي والباب الأعظم، والذي لا ترى سلطان المزية ~~يعظم في شيء كعظمه فيه. # ومما ندر- منه ولطف مأخذه، ودق نظر واضعه، وجلى لك معن شأو قد تحسر دونه ~~العتاق «4»، وغاية يعيا من قبلها المذاكي «5» القرح «6» - الأبيات المشهورة ~~في تشبيه شيئين بشيئين، كبيت امرئ القيس: [من الكامل] # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي «7» ~~PageV01P069 # وبيت الفرزدق: [من الكامل] # والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار «1» # وبيت بشار: [من الطويل] # كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا، ليل تهاوى كواكبه «2» # ومما أتى في هذا الباب مأتى أعجب مما مضى كله، قول زياد الأعجم: [من ~~الطويل] # وإنا وما تلقي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر، مهما يلق في البحر يغرق «3» # وإنما كان أعجب، لأن عمله أدق، وطريقه أغمض، ووجه المشابكة فيه أغرب. # واعلم أن من الكلام ما أنت تعلم إذا تدبرته أن لم يحتج واضعه ms058 إلى فكر ~~وروية حتى انتظم، بل ترى سبيله في ضم بعضه إلى بعض، سبيل من عمد إلى لآل ~~فخرطها في سلك، لا يبغي أكثر من أن يمنعها التفرق، وكمن نضد أشياء بعضها ~~على بعض، لا يريد في نضده ذلك أن تجيء له منه هيئة أو صورة، بل ليس إلا أن ~~تكون مجموعة في رأي العين. وذلك إذا كان معناك، معنى لا تحتاج أن تصنع فيه ~~شيئا غير أن تعطف لفظا على مثله، كقول الجاحظ: PageV01P070 # «جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسبا، وبين ~~الصدق سببا، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، ~~وأشعر قلبك عز الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذل اليأس، وعرفك ما ~~في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلة» «1». # وكقول بعضهم: «لله در خطيب قام عندك، يا أمير المؤمنين، ما أفصح لسانه، ~~وأحسن بيانه، وأمضى جنانه، وأبل ريقه، وأسهل طريقه». # ومثل قول النابغة في الثناء المسجوع: «أيفاخرك الملك اللخمي، فو الله ~~لقفاك خير من وجهه، ولشمالك خير من يمينه، ولأخمصك خير من رأسه، ولخطؤك خير ~~من صوابه، ولعيك خير من كلامه، ولخدمك خير من قومه». # وكقول بعض البلغاء في وصف اللسان: «اللسان أداة يظهر بها حسن البيان، ~~وظاهر يخبر عن الضمير، وشاهد ينبئك عن غائب، وحاكم يفصل به الخطاب، وواعظ ~~ينهى عن القبيح، ومزين يدعو إلى الحسن، وزارع يحرث المودة، وحاصد يحصد ~~الضغينة، ومله يونق الأسماع». # فما كان من هذا وشبهه لم يجب به فضل إذا وجب، إلا بمعناه أو بمتون ~~ألفاظه، دون نظمه وتأليفه، وذلك لأنه لا فضيلة حتى ترى في الأمر مصنعا، ~~وحتى تجد إلى التخير سبيلا، وحتى تكون قد استدركت صوابا. # فإن قلت: أفليس هو كلاما قد اطرد على الصواب، وسلم من العيب؟ أفما يكون ~~في كثرة الصواب فضيلة؟ # قيل: أما والصواب كما ترى فلا. لأنا لسنا في ذكر تقويم اللسان، والتحرز ~~من اللحن وزيغ الإعراب، فنعتد بمثل هذا الصواب. وإنما نحن في أمور تدرك ms059 ~~بالفكر اللطيفة، ودقائق يوصل إليها بثاقب الفهم، فليس درك صواب دركا فيما ~~نحن فيه حتى يشرف موضعه ويصعب الوصول إليه، وكذلك لا يكون ترك خطاء تركا ~~حتى يحتاج في التحفظ منه إلى لطف نظر، وفضل روية، وقوة ذهن، وشدة تيقظ. ~~وهذا باب ينبغي أن تراعيه وأن تعنى به، حتى إذا وازنت بين كلام وكلام دريت ~~كيف تصنع، فضممت إلى كل شكل شكله، وقابلته بما هو نظير له، وميزت ما الصنعة ~~منه في لفظه، مما هي منه في نظمه. # واعلم أن هذا- أعني الفرق بين أن تكون المزية في اللفظ، وبين أن تكون في ~~النظم- باب يكثر فيه الغلط، فلا تزال ترى مستحسنا قد أخطأ بالاستحسان ~~موضعه، PageV01P071 # فينحل اللفظ ما ليس له، ولا تزال ترى الشبهة قد دخلت عليك في الكلام قد ~~حسن من لفظه ونظمه، فظننت أن حسنه ذلك كله للفظ منه دون النظم. # مثال ذلك: أن تنظر إلى قول ابن المعتز: [من الطويل] # وإني على إشفاق عيني من العدى ... لتجمح مني نظرة ثم أطرق «1» # فترى أن هذه الطلاوة وهذا الظرف، إنما هو لأن جعل النظر «يجمح» وليس هو ~~لذلك، بل لأن قال في أول البيت «وإني» حتى دخل اللام في قوله «لتجمح»، ثم ~~قوله: «مني» ثم لأن قال «نظرة» ولم يقل «النظر» مثلا، ثم لمكان «ثم» في ~~قوله: # «ثم أطرق»، وللطيفة أخرى نصرت هذه اللطائف، وهي اعتراضه بين اسم «إن» ~~وخبرها بقوله: «على إشفاق عيني من العدى». # وإن أردت أعجب من ذلك فيما ذكرت لك، فانظر إلى قوله، وقد تقدم إنشاده ~~قبل: [من البسيط] # سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير «2» # فإنك ترى هذه الاستعارة، على لطفها وغرابتها، إنما تم لها الحسن وانتهى ~~إلى حيث انتهى، بما توخى في وضع الكلام من التقديم والتأخير، وتجدها قد ~~ملحت ولطفت بمعاونة ذلك ومؤازرته لها. وإن شككت فاعمد إلى الجارين والظرف، ~~فأزل كلا منها من مكانه الذي وضعه الشاعر فيه، فقل: «سالت شعاب الحي بوجوه ~~كالدنانير عليه حين دعا أنصاره»، ثم انظر ms060 كيف يكون الحال، وكيف يذهب الحسن ~~والحلاوة؟ # وكيف تعدم أريحيتك التي كانت؟ وكيف تذهب النشوة التي كنت تجدها؟. # وجملة الأمر أن هاهنا كلاما حسنه للفظ دون النظم، وآخر حسنه للنظم دون ~~اللفظ، وثالثا قد أتاه الحسن من الجهتين، ووجبت له المزية بكلا الأمرين. ~~والإشكال في هذه الثالث، وهو الذي لا تزال ترى الغلط قد عارضك فيه، وتراك ~~قد حفت فيه «3» على النظم، فتركته وطمحت ببصرك إلى اللفظ، وقدرت في حسن كان ~~به وباللفظ، أنه للفظ خاصة. وهذا هو الذي أردت حين قلت لك: «إن في ~~الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من بعد العلم بالنظم والوقوف على حقيقته». ~~PageV01P072 # ومن دقيق ذلك وخفيه، أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: واشتعل الرأس ~~شيبا [مريم: 4]، لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلا ~~إليها، ولم يروا للمزية موجبا سواها. هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم. وليس ~~الأمر على ذلك، ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزية الجليلة، وهذه الروعة ~~التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة، ولكن لأن سلك ~~بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء، وهو لما هو من سببه، فيرفع به ~~ما يسند إليه، ويؤتى بالذي الفعل له في المعنى منصوبا بعده، مبينا أن ذلك ~~الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول، إنما كانا من أجل هذا الثاني، ولما ~~بينه وبينه من الاتصال والملابسة، كقولهم: «طاب زيد نفسا»، و «قر عمرو ~~عينا»، و «تصبب عرقا»، و «كرم أصلا»، و «حسن وجها»، وأشباه ذلك مما تجد ~~الفعل فيه منقولا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه. # وذلك أنا نعلم أن «اشتعل» للشيب في المعنى، وإن كان هو للرأس في اللفظ، ~~كما أن «طاب» للنفس، و «قر» للعين، و «تصبب» للعرق، وإن أسند إلى ما أسند ~~إليه. يبين أن الشرف كان لأن سلك فيه هذا المسلك، وتوخي به هذا لمذهب أن ~~تدع هذا الطريق فيه، وتأخذ اللفظ فتسنده إلى الشيب صريحا فتقول: «اشتعل شيب ~~الرأس»، أو «الشيب ms061 في الرأس»، ثم تنظر هل تجد ذلك الحسن وتلك الفخامة؟ وهل ~~ترى الروعة التي كنت تراها؟ # فإن قلت: فما السبب في أن كان «اشتعل» إذا استعير للشيب على هذا الوجه، ~~كان له الفضل؟ ولم بان بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة؟ # فإن السبب أنه يفيد، مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى، ~~الشمول، وأنه قد شاع فيه، وأخذه من نواحيه، وأنه قد استغرقه وعم جملته، حتى ~~لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به. وهذا ما لا يكون ~~إذا قيل: # «اشتعل شيب الرأس، أو الشيب في الرأس»، بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ~~ظهوره فيه على الجملة. ووزان هذا أنك تقول: «اشتعل البيت نارا» فيكون ~~المعنى: أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول، وأنها قد استولت عليه وأخذت في ~~طرفيه ووسطه. وتقول: «اشتعلت النار في البيت»، فلا يفيد ذلك، بل لا يقتضي ~~أكثر من وقوعها فيه، وإصابتها جانبا منه. فأما الشمول، وأن تكون قد استولت ~~على البيت وابتزته، فلا يعقل من اللفظ البتة. # ونظير هذا في التنزيل قوله عز وجل: وفجرنا الأرض عيونا [القمر: 12]، # PageV01P073 # «التفجير» للعيون في المعنى، وأوقع على الأرض في اللفظ، كما أسند هناك ~~الاشتعال إلى الرأس. وقد حصل بذلك من معنى الشمول هاهنا، مثل الذي حصل ~~هناك. وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها، وأن الماء قد ~~كان يفور من كل مكان منها. ولو أجري اللفظ على ظاهره فقيل: «وفجرنا عيون ~~الأرض، أو العيون في الأرض»، لم يفد ذلك ولم يدل عليه، ولكان المفهوم منه ~~أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض، وتبجس من أماكن منها. # واعلم أن في الآية الأولى شيئا آخر من جنس «النظم»، وهو تعريف «الرأس» ~~بالألف واللام، وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة، وهو أحد ما أوجب المزية. ~~ولو قيل: «واشتعل رأسي»، فصرح بالإضافة، لذهب بعض الحسن، فاعرفه. # وأنا أكتب لك شيئا مما سبيل «الاستعارة» فيه هذا ms062 السبيل، ليستحكم هذا ~~الباب في نفسك، ولتأنس به. # فمن عجيب ذلك قول بعض الأعراب: [من الرجز] # الليل داج كنفا جلبابه ... والبين محجور على غرابه # ليس كل ما ترى من الملاحة لأن جعل لليل جلبابا، وحجر على الغراب، ولكن في ~~أن وضع الكلام الذي ترى، فجعل «الليل» مبتدأ، وجعل «داج» خبرا له وفعلا لما ~~بعده وهو «الكنفان»، وأضاف «الجلباب» إلى ضمير «الليل»، ولأن جعل كذلك ~~«البين» مبتدأ، وأجرى محجورا خبرا عنه، وأن أخرج اللفظ على «مفعول». يبين ~~ذلك أنك لو قلت: «وغراب البيت محجور عليه، أو: قد حجر لي غراب البيت»، لم ~~تجد له هذه الملاحة. وكذلك لو قلت: «قد دجا كنفا جلباب الليل»، لم يكن ~~شيئا. # ومن النادر فيه قول المتنبي: [من الخفيف] # غصب الدهر والملوك عليها ... فبناها في وجنة الدهر خالا «1» PageV01P074 # قد ترى في أول الأمر أن حسنه أجمع في أن جعل للدهر «وجنة»، وجعل البنية ~~«خالا» في الوجنة، وليس الأمر على ذلك، فإن موضع الأعجوبة في أن أخرج ~~الكلام مخرجه الذي ترى، وأن أتى «بالخال» منصوبا على الحال من قوله ~~«فبناها». أفلا ترى أنك لو قلت: «وهي خال في وجنة الدهر»، لوجدت الصورة غير ~~ما ترى؟ وشبيه بذلك أن ابن المعتز قال: [من المجتث] # يا مسكة العطار ... وخال وجه النهار «1» # وكانت الملاحة في الإضافة بعد الإضافة، لا في استعارة لفظة «الخال»؛ إذ ~~معلوم أنه لو قال: «يا خالا في وجه النهار» أو «يا من هو خال في وجه ~~النهار»، لم يكن شيئا. # ومن شأن هذا الضرب أن يدخله الاستكراه، قال الصاحب «2»: «إياك والإضافات ~~المداخلة، فإن ذلك لا يحسن»، وذكر أنه يستعمل في الهجاء كقول القائل: [من ~~الخفيف] # يا علي بن حمزة بن عماره ... أنت والله ثلجة في خياره «3» # ولا شبهة في ثقل ذلك في الأكثر، ولكنه إذا سلم من الاستكراه لطف وملح. # ومما حسن فيه قول ابن المعتز أيضا: [من الطويل] # وظلت تدير الراح أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح «4» # ومما جاء منه حسنا جميلا قول الخالدي في ms063 صفة غلام له: [من المنسرح] ~~PageV01P075 # ويعرف الشعر مثل معرفتي ... وهو على أن يزيد مجتهد # وصيرفي القريض، وزان دينا ... ر المعاني الدقاق، منتقد «1» # ومنه قول أبي تمام: [من الكامل] # خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب «2» # ومما أكثر الحسن فيه بسبب النظم، قول المتنبي: [من الطويل] # وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا «3» # الاستعارة في أصلها مبتذلة معروفة، فإنك ترى العامي يقول للرجل يكثر ~~إحسانه إليه وبره له، حتى يألفه ويختار المقام عنده: «قد قيدني بكثرة ~~إحسانه إلي، وجميل فعله معي، حتى صارت نفسي لا تطاوعني على الخروج من ~~عنده»، وإنما كان ما ترى من الحسن، بالمسلك الذي سلك في النظم والتأليف. ### | فصل «القول في التقديم والتأخير» # هو باب كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية، لا يزال ~~يفتر لك عن بديعة، ويفضي بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه، ~~ويلطف PageV01P076 # لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك، أن قدم فيه شيء، وحول ~~اللفظ عن مكان إلى مكان. # واعلم أن تقديم الشيء على وجهين: # تقديم يقال إنه على نية التأخير، وذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على ~~حكمه الذي كان عليه، وفي جنسه الذي كان فيه، كخبر المبتدأ إذا قدمته على ~~المبتدأ، والمفعول إذا قدمته على الفاعل كقولك: «منطلق زيد» و «ضرب عمرا ~~زيد»، معلوم أن «منطلق» و «عمرا» لم يخرجا بالتقديم عما كانا عليه، من كون ~~هذا خبر مبتدأ ومرفوعا بذلك، وكون ذلك مفعولا ومنصوبا من أجله «1»، كما ~~يكون إذا أخرت. # وتقديم لا على نية التأخير، ولكن على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم، ~~وتجعل له بابا غير بابه، وإعرابا غير إعرابه، وذلك أن تجيء إلى اسمين يحتمل ~~كل واحد منهما أن يكون مبتدأ ويكون الآخر خبرا له، فتقدم تارة هذا على ذاك، ~~وأخرى ذاك على هذا. ومثاله ما تصنعه بزيد والمنطلق، حيث تقول مرة: «زيد ~~المنطلق»، وأخرى، «المنطلق زيد»، فأنت في هذا لم تقدم «المنطلق» ms064 على أن ~~يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير، فيكون خبر مبتدأ كما كان، ~~بل على أن تنقله عن كونه خبرا إلى كونه مبتدأ، وكذلك لم تؤخر «زيدا» على أن ~~يكون مبتدأ كما كان، بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبرا. # وأظهر من هذا قولنا: «ضربت زيدا» و «زيد ضربته»، لم تقدم «زيدا» على أن ~~يكون مفعولا منصوبا بالفعل كما كان، ولكن على أن ترفعه بالابتداء، وتشغل ~~الفعل بضميره، وتجعله في موضع الخبر له؛ وإذ قد عرفت هذا التقسيم، فإني ~~أتبعه بجملة من الشرح. # واعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل، غير العناية ~~والاهتمام. قال صاحب الكتاب «2»، وهو يذكر الفاعل والمفعول: «كأنهم يقدمون ~~الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم»، ~~ولم يذكر في ذلك مثالا. # وقال النحويون: إن معنى ذلك أن قد يكون من أغراض الناس في فعل ما أن يقع ~~PageV01P077 # بإنسان بعينه، ولا يبالون من أوقعه، كمثل ما يعلم من حالهم في حال ~~الخارجي يخرج فيعيث ويفسد، ويكثر به الأذى، أنهم يريدون قتله، ولا يبالون ~~من كان القتل منه، ولا يعنيهم منه شيء. فإذا قتل، وأراد مريد الإخبار بذلك، ~~فإنه يقدم ذكر الخارجي فيقول: «قتل الخارجي زيد»، ولا يقول: «قتل زيد ~~الخارجي»، لأنه يعلم أن ليس للناس في أن يعلموا أن القاتل له «زيد» جدوى ~~وفائدة، فيعنيهم ذكره ويهمهم ويتصل بمسرتهم، ويعلم من حالهم أن الذي هم ~~متوقعون له ومتطلعون إليه متى يكون، وقوع القتل بالخارجي المفسد، وأنهم قد ~~كفوا شره وتخلصوا منه. # ثم قالوا: فإن كان رجل ليس له بأس ولا يقدر فيه أنه يقتل، فقتل رجلا، ~~وأراد المخبر أن يخبر بذلك، فإنه يقدم ذكر القاتل فيقول: «قتل زيد رجلا»، ~~ذاك لأن الذي يعنيه ويعني الناس من شأن هذا القتل، طرافته وموضع الندرة ~~فيه، وبعده كان من الظن. ومعلوم أنه لم يكن نادرا وبعيدا من حيث كان واقعا ~~بالذي وقع به، ولكن من حيث كان ms065 واقعا من الذي وقع منه. # فهذا جيد بالغ، إلا أن الشأن في أنه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدم في موضع ~~من الكلام مثل هذا المعنى، ويفسر وجه العناية فيه هذا التفسير. # وقد وقع في ظنون الناس أنه يكفي أن يقال: «إنه قدم للعناية، ولأن ذكره ~~أهم»، من غير أن يذكر، من أين كانت تلك العناية؟ وبم كان أهم؟، ولتخيلهم ~~ذلك، قد صغر أمر «التقديم والتأخير» في نفوسهم، وهونوا الخطب فيه، حتى إنك ~~لترى أكثرهم يرى تتبعه والنظر فيه ضربا من التكلف. ولم تر ظنا أزرى على ~~صاحبه من هذا وشبهه. # وكذلك صنعوا في سائر الأبواب، فجعلوا لا ينظرون في «الحذف والتكرار»، و ~~«الإظهار والإضمار»، «الفصل والوصل»، ولا في نوع من أنواع الفروق والوجوه ~~إلا نظرك فيما غيره أهم لك، بل فيما إن لم تعلمه لم يضرك. # لا جرم أن ذلك قد ذهب بهم عن معرفة البلاغة، ومنعهم أن يعرفوا مقاديرها، ~~وصد بأوجههم عن الجهة التي هي فيها، والشق الذي يحويها. والمداخل التي تدخل ~~منها الآفة على الناس في شأن العلم، ويبلغ الشيطان مراده منهم في الصد عن ~~طلبه وإحراز فضيلته- كثيرة، وهذه من أعجبها، إن وجدت متعجبا. # وليت شعري، إن كانت هذه أمورا هينة، وكان المدى فيها قريبا، والجدا «1» ~~PageV01P078 # يسيرا، من أين كان نظم أشرف من نظم؟ وبم عظم التفاوت، واشتد التباين، ~~وترقى الأمر إلى الإعجاز، وإلى أن يقهر أعناق الجبابرة؟ أو هاهنا أمور أخر ~~نحيل في المزية عليها، ونجعل الإعجاز كان بها، فتكون تلك الحوالة لنا عذرا ~~في ترك النظر في هذه التي معنا، والإعراض عنها، وقلة المبالاة بها؟ أو ليس ~~هذا التهاون، إن نظر العاقل، خيانة منه لعقله ودينه، ودخولا فيما يزرى بذي ~~الخطر، ويغض من قدر ذوي القدر؟ # وهل يكون أضعف رأيا، وأبعد من حسن التدبر، منك إذ همك أن تعرف الوجوه في: # «أأنذرتهم»، والإمالة في «رأى القمر» وتعرف «الصراط» و «الزراط»، وأشباه ~~ذلك مما لا يعدو علمك فيه اللفظ وجرس الصوت، ولا يمنعك إن لم ms066 تعلمه بلاغة، ~~ولا يدفعك عن بيان، ولا يدخل عليك شكا، ولا يغلق دونك باب معرفة، ولا يفضي ~~بك إلى تحريف وتبديل، وإلى الخطأ في تأويل، وإلى ما يعظم فيه المعاب عليك، ~~ويطيل لسان القادح فيك، ولا يعنيك «1» ولا يهمك أن تعرف ما إذا جهلته عرضت ~~نفسك لكل ذلك، وحصلت فيما هنالك، وكان أكثر كلامك في التفسير، وحيث تخوض في ~~التأويل، كلام من لا يبني الشيء على أصله، ولا يأخذه من مأخذه، ومن ربما ~~وقع في الفاحش من الخطأ الذي يبقى عاره، وتشنع آثاره. ونسأل الله العصمة من ~~الزلل، والتوفيق لما هو أقرب إلى رضاه من القول والعمل. # واعلم أن من الخطأ أن يقسم الأمر في تقديم الشيء وتأخيره قسمين: فيجعل ~~مفيدا في بعض الكلام، وغير مفيد في بعض، وأن يعلل تارة بالعناية، وأخرى ~~بأنه توسعة على الشاعر والكاتب، حتى تطرد لهذا قوافيه ولذاك سجعه. ذاك لأن ~~من البعيد أن يكون في جملة النظم ما يدل تارة ولا يدل أخرى. فمتى ثبت في ~~تقديم المفعول مثلا على الفعل في كثير من الكلام، أنه قد اختص بفائدة لا ~~تكون تلك الفائدة مع التأخير، فقد وجب أن تكون تلك قضية في كل شيء وكل حال. ~~ومن سبيل من يجعل التقديم وترك التقديم سواء، أن يدعي أنه كذلك في عموم ~~الأحوال، فأما أن يجعله شريجين، فيزعم أنه للفائدة في بعضها، وللتصرف في ~~اللفظ من غير معنى في بعض، فمما ينبغي أن يرغب عن القول به. # وهذه مسائل لا يستطيع أحد أن يمتنع من التفرقة بين تقديم ما قدم فيها ~~وترك تقديمه. # ومن أبين شيء في ذلك «الاستفهام بالهمزة»، فإن موضع الكلام على أنك إذا ~~PageV01P079 # قلت: «أفعلت؟»، فبدأت بالفعل، كان الشك في الفعل نفسه، وكان غرضك من ~~استفهامك أن تعلم وجوده. # وإذا قلت: «أأنت فعلت؟»، فبدأت بالاسم، كان الشك في الفاعل من هو، وكان ~~التردد فيه. ومثال ذلك أنك تقول: «أبنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟»، ~~«أقلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟»، ms067 و «أفرغت من الكتاب الذي كنت ~~تكتبه؟»، تبدأ في هذه ونحوه بالفعل، لأن السؤال عن الفعل نفسه والشك فيه، ~~لأنك في جميع ذلك متردد في وجود الفعل وانتفائه، مجوز أن يكون قد كان، وأن ~~يكون لم يكن. # وتقول: «أأنت بنيت هذه الدار؟»، «أأنت قلت هذا الشعر؟»، «أأنت كتبت هذا ~~الكتاب؟»، فتبدأ في ذلك كله بالاسم، ذاك لأنك لم تشك في الفعل أنه كان. # كيف؟ وقد أشرت إلى الدار مبنية، والشعر مقولا، والكتاب مكتوبا، وإنما ~~شككت في الفاعل من هو؟. # فهذا من الفرق لا يدفعه دافع، ولا يشك فيه شاك، ولا يخفى فساد أحدهما في ~~موضع الآخر. # فلو قلت: «أأنت بنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟»، «أأنت قلت الشعر ~~الذي كان في نفسك أن تقوله؟»، «أأنت فرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟»، خرجت ~~من كلام الناس. وكذلك لو قلت: «أبنيت هذه الدار؟»، «أقلت هذا الشعر؟»، ~~«أكتبت هذا الكتاب؟»، قلت ما ليس بقول. ذاك لفساد أن تقول في الشيء المشاهد ~~الذي هو نصب عينيك أموجود أم لا؟ # ومما يعلم به ضرورة أنه لا تكون البداية بالفعل كالبداية بالاسم أنك ~~تقول: # «أقلت شعرا قط؟»، «أرأيت اليوم إنسانا؟»، فيكون كلاما مستقيما. ولو قلت: # «أأنت قلت شعرا قط؟»، «أأنت رأيت إنسانا»، أحلت، وذاك أنه لا معنى للسؤال ~~عن الفاعل من هو في مثل هذا، لأن ذلك إنما يتصور إذا كانت الإشارة إلى فعل ~~مخصوص نحو أن تقول: «من قال هذا الشعر؟»، و «من بنى هذه الدار؟» و «من أتاك ~~اليوم؟»، و «من أذن لك في الذي فعلت؟»، وما أشبه ذلك مما يمكن أن ينص فيه ~~على معين. فأما قيل شعر على الجملة، ورؤية إنسان على الإطلاق، فمحال ذلك ~~فيه، لأنه ليس مما يختص بهذا دون ذاك حتى يسأل عن عين فاعله. # ولو كان تقديم الاسم لا يوجب ما ذكرنا، من أن يكون السؤال عن الفاعل من # PageV01P080 # هو؟ وكان يصح أن يكون سؤالا عن الفعل أكان أم لم يكن؟ لكان ينبغي أن ~~يستقيم ذلك. # واعلم ms068 أن هذا الذي ذكرت لك في «الهمزة وهي للاستفهام» قائم فيها إذا هي ~~كانت للتقرير. فإذا قلت: «أأنت فعلت ذاك؟»، كان غرضك أن تقرره بأنه الفاعل. # يبين ذلك قوله تعالى، حكاية عن قول نمرود: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ~~إبراهيم [سورة الأنبياء: 62]، لا شبهة في أنهم لم يقولوا ذلك له عليه ~~السلام وهم يريدون أن يقر لهم بأن كسر الأصنام قد كان، ولكن أن يقر بأنه ~~منه كان، وكيف؟ # وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم: «أأنت فعلت هذا؟»، وقال هو عليه ~~السلام في الجواب: بل فعله كبيرهم هذا [الأنبياء: 63]، ولو كان التقرير ~~بالفعل لكان الجواب: «فعلت، أو: لم أفعل». # فإن قلت: أو ليس إذ قال «أفعلت؟»، فهو يريد أيضا أن يقرره بأن الفعل كان ~~منه، لا بأنه كان على الجملة، فأي فرق بين الحالين؟. # فإنه إذا قال «1»: «أفعلت؟» فهو يقرره بالفعل من غير أن يردده بينه وبين ~~غيره، وكان كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أن ذلك الفعل كان على الحقيقة ~~وإذا قال: # «أأنت فعلت؟»، كان قد ردد الفعل بينه وبين غيره، ولم يكن منه في نفس ~~الفعل تردد، ولم يكن كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أكان الفعل أم لم يكن، ~~بدلالة أنك تقول ذلك والفعل ظاهر موجود مشار إليه، كما رأيت في الآية. # واعلم أن «الهمزة» فيما ذكرنا تقرير بفعل قد كان، وإنكار له لم كان، ~~وتوبيخ لفاعله عليه. # ولها مذهب آخر، وهو أن يكون الإنكار أن يكون الفعل قد كان من أصله. # ومثاله قوله تعالى: أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم ~~لتقولون قولا عظيما [الإسراء: 40]، وقوله عز وجل: أصطفى البنات على البنين ~~ما لكم كيف تحكمون [الصافات: 153 - 154]، فهذا رد على المشركين وتكذيب لهم ~~في قولهم ما يؤدي إلى هذا الجهل العظيم. وإذا قدم الاسم في هذا صار الإنكار ~~في الفاعل. ومثاله قولك للرجل قد انتحل شعرا: «أأنت قلت هذا الشعر؟ كذبت، ~~لست ممن يحسن مثله»، أنكرت أن يكون القائل ولم تنكر ms069 الشعر. PageV01P081 # وقد يكون أن يراد إنكار الفعل من أصله، ثم يخرج اللفظ مخرجه إذا كان ~~الإنكار في الفاعل. مثال ذلك قوله تعالى: قل آلله أذن لكم [يونس: 59]، ~~«الإذن» راجع إلى قوله: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه ~~حراما وحلالا [يونس: 59]، ومعلوم أن المعنى على إنكار أن يكون قد كان من ~~الله تعالى إذن فيما قالوه، من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير الله، ~~فأضافوه إلى الله، إلا أن اللفظ أخرج مخرجه إذا كان الأمر كذلك، لأن يجعلوا ~~في صورة في غلط فأضاف إلى الله تعالى إذنا كان من غير الله، فإذا حقق عليه ~~ارتدع. # ومثال ذلك قولك للرجل يدعي أن قولا كان ممن تعلم أنه لا يقوله: «أهو قال ~~ذاك بالحقيقة أم أنت تغلط؟»، تضع الكلام وضعه إذا كنت علمت أن ذلك القول قد ~~كان من قائل، # لينصرف الإنكار إلى الفاعل، فيكون أشد لنفي ذلك وإبطاله. # ونظير هذا قوله تعالى: قل آلذكرين حرم أم الأنثيين، أما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين [الأنعام: 143]، أخرج اللفظ مخرجه إذا كان قد ثبت تحريم في ~~أحد أشياء، ثم أريد معرفة عين المحرم، مع أن المراد إنكار التحريم من أصله، ~~ونفي أن يكون قد حرم شيء مما ذكروا أنه محرم. وذلك أن الكلام وضع على أن ~~يجعل التحريم كأنه قد كان، ثم يقال لهم: «أخبرونا عن هذا التحريم الذي ~~زعمتم، فيم هو؟ أفي هذا أم ذاك أم في الثالث؟»، ليتبين بطلان قولهم، ويظهر ~~مكان الفرية منهم على الله تعالى. # ومثل ذلك قولك للرجل يدعي أمرا وأنت تنكره: «متى كان هذا؟ أفي ليل أم ~~نهار؟»، تضع الكلام وضع من سلم أن ذلك قد كان، ثم تطالبه ببيان وقته، لكي ~~يتبين كذبه إذا لم يقدر أن يذكر له وقتا ويفتضح. ومثله قولك: «من أمرك بهذا ~~منا؟ # وأينا أذن لك فيه؟»، وأنت لا تعني أن أمرا قد كان بذلك من واحد منكم، إلا ~~أنك تضع الكلام هذا الوضع لكي تضيق عليه، وليظهر ms070 كذبه حين لا يستطيع أن ~~يقول: # «فلان»، وأن يحيل على واحد. # وإذ قد بينا الفرق بين تقديم الفعل وتقديم الاسم، والفعل ماض، فينبغي أن ~~ننظر فيه والفعل مضارع. # والقول في ذلك أنك إذا قلت: «أتفعل؟» و «أأنت تفعل؟» لم يخل من أن تريد ~~الحال أو الاستقبال. فإن أردت الحال كان المعنى شبيها بما مضى في الماضي، ~~فإذا قلت: «أتفعل؟» كان المعنى على أنك أردت أن تقرره بفعل هو يفعله، وكنت # PageV01P082 # كمن يوهم أنه لا يعلم بالحقيقة أن الفعل كائن، وإذا قلت: «أأنت تفعل؟»، ~~كان المعنى على أنك تريد أن تقرره بأنه الفاعل، وكان أمر الفعل في وجوده ~~ظاهرا، وبحيث لا يحتاج إلى الإقرار بأنه كائن، وإن أردت ب «تفعل» المستقبل، ~~كان المعنى إذا بدأت بالفعل على أنك تعمد بالإنكار إلى الفعل نفسه، وتزعم ~~أنه لا يكون، أو أنه لا ينبغي أن يكون، فمثال الأول: [من الطويل] # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال «1»؟ # فهذا تكذيب منه لإنسان تهدده بالقتل، وإنكار أن يقدر على ذلك ويستطيعه. # ومثله أن يطمع طامع في أمر لا يكون مثله، فتجهله في طمعه فتقول: «أيرضى ~~عنك فلان وأنت مقيم على ما يكره؟ أتجد عنده ما تحب وقد فعلت وصنعت؟»، وعلى ~~ذلك قوله تعالى: أنلزمكموها وأنتم لها كارهون [هود: 28]. # ومثال الثاني، قولك لرجل يركب الخطر: «أتخرج في هذا الوقت؟ أتذهب في غير ~~الطريق؟ أتغرر بنفسك؟»، وقولك للرجل يضيع الحق: «أتنسى قديم إحسان فلان؟ ~~أتترك صحبته وتتغير عن حالك معه لأن تغير الزمان؟» كما قال: [من الطويل] # أأترك أن قلت دراهم خالد ... زيارته؟ إني إذا للئيم «2» # وجملة الأمر أنك تنحو بالإنكار نحو الفعل، فإن بدأت بالاسم فقلت: «أأنت ~~تفعل؟» أو قلت: «أهو يفعل؟»، كنت وجهت الإنكار إلى نفس المذكور، وأبيت أن ~~تكون بموضع أن يجيء منه الفعل وممن يجيء منه، وأن يكون بتلك المثابة. # تفسير ذلك: أنك إذا قلت: «أأنت تمنعني؟»، «أأنت تأخذ على يدي؟» ~~PageV01P083 # صرت كأنك قلت: إن غيرك الذي يستطيع منعي والأخذ على يدي، ولست بذاك، ms071 ولقد ~~وضعت نفسك في غير موضعك، هذا، إذا جعلته لا يكون منه الفعل للعجز، ولأنه ~~ليس في وسعه. # وقد يكون أن تجعله لا يجيء منه، لأنه لا يختاره ولا يرتضيه، وأن نفسه نفس ~~تأبى مثله وتكرهه. ومثاله أن تقول: «أهو يسأل فلانا؟ هو أرفع همة من ذلك»، ~~«أهو يمنع الناس حقوقهم؟ هو أكرم من ذاك». # وقد يكون أن تجعله لا يفعله لصغر قدره وقصر همته، وأن نفسه نفس لا تسمو. ~~وذلك قولك: «أهو يسمح بمثل هذا؟ أهو يرتاح للجميل؟ هو أقصر همة من ذلك، ~~وأقل رغبة في الخير مما تظن». # وجملة الأمر أن تقديم الاسم يقتضي أنك عمدت بالإنكار إلى ذات من قيل «إنه ~~يفعل» أو قال هو «إني أفعل»، وأردت ما تريده إذا قلت: «ليس هو بالذي يفعل، ~~وليس مثله يفعل»، ولا يكون هذا المعنى إذا بدأت بالفعل فقلت: «أتفعل؟». ألا ~~ترى أن من المحال أن تزعم أن المعنى في قول الرجل لصاحبه: «أتخرج في هذا ~~الوقت؟ أتغرر بنفسك؟ أتمضي في غير الطريق؟»، أنه أنكر أن يكون بمثابة من ~~يفعل ذلك، وبموضع من يجيء منه ذاك، لأن العلم محيط بأن الناس لا يريدونه، ~~وأنه لا يليق بالحال التي يستعمل فيها هذا الكلام. وكذلك محال أن يكون ~~المعنى في قوله جل وعلا: أنلزمكموها وأنتم لها كارهون [هود: 28]، أنا لسنا ~~بمثابة من يجيء منه هذا الإلزام، وأن غيرنا من يفعله، جل الله تعالى. # وقد يتوهم المتوهم في الشيء من ذلك أنه يحتمل، فإذا نظر لم يحتمل، فمن ~~ذلك قوله: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي وقد يظن الظان أنه يجوز أن يكون في معنى أنه ليس ~~بالذي يجيء منه أن يقتل مثلي، ويتعلق بأنه قال قبل: [من الطويل] # يغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتال # ولكنه إذا نظر علم أنه لا يجوز، وذاك لأنه قال: «والمشرفي مضاجعي» فذكر ~~ما يكون منعا من الفعل، ومحال أن يقول: «هو ممن لا يجيء منه الفعل»، ثم ~~يقول: # «إني أمنعه»، لأن المنع يتصور فيمن يجيء منه ms072 الفعل، ومع من يصح منه، لا ~~من هو منه محال، ومن هو نفسه عنه عاجز، فاعرفه. # PageV01P084 # واعلم أنا وإن كنا نفسر «الاستفهام» في مثل هذا بالإنكار، فإن الذي هو ~~محض المعنى: أنه ليتنبه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتدع ويعيا ~~بالجواب، إما لأنه قد ادعى القدرة على فعل لا يقدر عليه، فإذا ثبت على ~~دعواه قيل له: «فافعل»، فيفضحه ذلك، وإما لأنه هم بأن يفعل ما لا يستصوب ~~فعله، فإذا روجع فيه تنبه وعرف الخطأ، وإما لأنه جوز وجود أمر لا يوجد ~~مثله، فإذا ثبت على تجويزه قبح على نفسه، وقيل له: «فأرناه في موضع وفي ~~حال، وأقيم شاهدا على أنه كان في وقت». # ولو كان يكون للإنكار، وكان المعنى فيه من بدء الأمر، لكان ينبغي أن لا ~~يجيء فيما لا يقول عاقل إنه يكون، حتى ينكر عليه، كقولهم: «أتصعد إلى ~~السماء؟»، «أتستطيع أن تنقل الجبال؟»، «أإلى رد ما مضى سبيل؟». # وإذ قد عرفت ذلك، فإنه لا يقرر بالمحال، وبما لا يقول أحد إنه يكون، إلا ~~على سبيل التمثيل، وعلى أن يقال له: «إنك في دعواك ما ادعيت بمنزلة من يدعي ~~هذا المحال، وإنك في طمعك في الذي طمعت فيه بمنزلة من يطمع في الممتنع». # وإذ قد عرفت هذا، فمما هو من هذا الضرب قوله تعالى: أفأنت تسمع الصم أو ~~تهدي العمي [الزخرف: 40]، ليس إسماع الصم مما يدعيه أحد فيكون ذلك للإنكار، ~~وإنما المعنى فيه التمثيل والتشبيه، وأن ينزل الذي يظن بهم أنهم يسمعون، أو ~~أنه يستطيع إسماعهم، منزلة من يرى أنه يسمع الصم ويهدى العمي ثم المعنى في ~~تقديم الاسم وأن لم يقل: «أتسمع الصم»، هو أن يقال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: # «أأنت خصوصا قد أوتيت أن تسمع الصم؟»، وأن يجعل في ظنه أنه يستطيع ~~إسماعهم، بمثابة من يظن أنه قد أوتي قدرة على إسماع الصم. # ومن لطيف ذلك قول ابن أبي عيينة: [من الكامل] # فدع الوعيد فما وعيدك ضائري، ... أطنين أجنحة الذباب يضير «1»؟ # جعله كأنه قد ms073 ظن أن طنين أجنحة الذباب بمثابة ما يضير، حتى ظن أن وعيده ~~يضير. PageV01P085 # واعلم أن حال المفعول فيما ذكرنا كحال الفاعل، أعني أن تقديم اسم المفعول ~~يقتضي أن يكون الإنكار في طريق الإحالة والمنع من أن يكون، بمثابة أن يوقع ~~به مثل ذلك الفعل، فإذا قلت: «أزيدا تضرب؟»، كنت قد أنكرت أن يكون «زيد» ~~بمثابة أن يضرب، أو بموضع أن يجترأ عليه ويستجاز ذلك فيه، ومن أجل ذلك قدم ~~«غير» في قوله تعالى: قل أغير الله أتخذ وليا [الأنعام: 14]، وقوله عز وجل: ~~قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون [الأنعام: ~~40]، وكان له من الحسن والمزية والفخامة، ما تعلم أنه لا يكون لو أخر فقيل: ~~«قل أأتخذ غير الله وليا» و «أتدعون غير الله؟» وذلك لأنه قد حصل بالتقديم ~~معنى قولك: «أيكون غير الله بمثابة أن يتخذ وليا؟ وأ يرضى عاقل من نفسه أن ~~يفعل ذلك؟ وأ يكون جهل أجهل وعمى أعمى من ذلك؟»، ولا يكون شيء من ذلك إذا ~~قيل: «أأتخذ غير الله وليا»، وذلك لأنه حينئذ يتناول الفعل أن يكون فقط، ~~ولا يزيد على ذلك، فاعرفه. # وكذلك الحكم في قوله تعالى: فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه [القمر: # 24]، وذلك لأنهم بنوا كفرهم على أن من كان مثلهم بشرا، لم يكن بمثابة أن ~~يتبع ويطاع، وينتهى إلى ما يأمر، ويصدق أنه مبعوث من الله تعالى، وأنهم ~~مأمورون بطاعته، كما جاء في الأخرى: إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن ~~تصدونا [إبراهيم: 10]، وكقوله عز وجل: ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل ~~عليكم ولو شاء الله لأنزل # ملائكة # [المؤمنون: 24]. # فهذا هو القول في الضرب الأول، وهو أن يكون «يفعل» بعد الهمزة لفعل لم ~~يكن. # وأما الضرب الثاني، وهو أن يكون «يفعل» لفعل موجود، فإن تقديم الاسم ~~يقتضي شبيها بما اقتضاه في «الماضي»، من الأخذ بأن يقر أنه الفاعل، أو ~~الإنكار أن يكون الفاعل. # فمثال الأول قولك للرجل يبغي ويظلم: «أأنت تجيء إلى الضعيف فتغصب ماله؟»، ~~«أأنت ms074 تزعم أن الأمر كيت وكيت؟» وعلى ذلك قوله تعالى: أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين [يونس: 99]. # ومثال الثاني: أهم يقسمون رحمت ربك [الزخرف: 32]. # PageV01P086 ### | فصل وإذ قد عرفت هذه المسائل في «الاستفهام»، فهذه مسائل في «النفي». # إذا قلت: «ما فعلت»، كنت نفيت عنك فعلا لم يثبت أنه مفعول، وإذا قلت: # «ما أنا فعلت»، كنت نفيت عنك فعلا يثبت أنه مفعول. # تفسير ذلك: أنك إذا قلت: «ما قلت هذا»، كنت نفيت أن تكون قد قلت ذاك، ~~وكنت نوظرت في شيء لم يثبت أنه مقول؟ # وإذا قلت: «ما أنا قلت هذا»، كنت نفيت أن تكون القائل له، وكانت المناظرة ~~في شيء ثبت أنه مقول. وكذلك إذا قلت: «ما ضربت زيدا»، كنت نفيت عنك ضربه، ~~ولم يجب أن يكون قد ضرب، بل يجوز أن يكون ضربه غيرك، وأن لا يكون قد ضرب ~~أصلا. وإذا قلت: «ما أنا ضربت زيدا»، لم تقله إلا وزيد مضروب، وكان القصد ~~أن تنفي أن تكون أنت الضارب. # ومن أجل ذلك صلح في الوجه الأول أن يكون المنفي عاما كقولك: «ما قلت شعرا ~~قط»، و «ما أكلت اليوم شيئا»، و «ما رأيت أحدا من الناس»، ولم يصلح من ~~الوجه الثاني، فكان خلفا أن تقول: «ما أنا قلت شعرا قط»، و «ما أنا أكلت ~~اليوم شيئا»، و «ما أنا رأيت أحدا من الناس»، وذلك أنه يقتضي المحال، وهو ~~أن يكون هاهنا إنسان قد قال كل شعر في الدنيا، وأكل كل شيء يؤكل، ورأى كل ~~أحد من الناس، فنفيت أن تكونه. # ومما هو مثال بين في أن تقديم الاسم يقتضي وجود الفعل قوله: [من ~~المتقارب] # وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارا «1» # المعنى، كما لا يخفى، على أن السقم ثابت موجود، وليس القصد بالنفي إليه، ~~ولكن إلى أن يكون هو الجالب له، ويكون قد جره إلى نفسه. PageV01P087 # ومثله في الوضوح قوله: [من الطويل] وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله «1» ~~«الشعر» مقول على القطع، والنفي لأن يكون هو ms075 وحده القائل له. # وهاهنا أمران يرتفع معهما الشك في وجوب هذا الفرق، ويصير العلم به ~~كالضرورة. # أحدهما: أنه يصح لك أن تقول: «ما قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس»، و «ما ~~ضربت زيدا، ولا ضربه أحد سواي»، ولا يصح ذلك في الوجه الآخر. فلو قلت: # «ما أنا قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس»، و «ما أنا ضربت زيدا، ولا ضربه ~~أحد سواي»، كان خلفا «2» من القول، وكان في التناقض بمنزلة أن تقول: «لست ~~الضارب زيدا أمس»، فتثبت أنه قد ضرب، ثم تقول من بعده: «وما ضربه أحد من ~~الناس»، و «لست القائل ذلك»، فتثبت أنه قد قيل، ثم تجيء فتقول و «ما قاله ~~أحد من الناس». # والثاني: من الأمرين أنك تقول: «ما ضربت إلا زيدا»، فيكون كلاما مستقيما، ~~ولو قلت: «ما أنا ضربت إلا زيدا»، كان لغوا من القول، وذلك لأن نقض النفي ب ~~«إلا» يقتضي أن تكون ضربت زيدا، وتقديمك ضميرك وإيلاؤه حرف النفي، يقتضي ~~نفي أن تكون ضربته، فهما يتدافعان «3». فاعرفه. # ويجيء لك هذا الفرق على وجهه في تقديم المفعول وتأخيره. # فإذا قلت: «ما ضربت زيدا»، فقدمت الفعل، كان المعنى أنك قد نفيت أن يكون ~~قد وقع ضرب منك على زيد، ولم تعرض في أمر غيره لنفي، ولا إثبات، وتركته ~~مبهما محتملا. PageV01P088 # وإذا قلت: «ما زيدا ضربت»، فقدمت المفعول، كان المعنى على أن ضربا وقع ~~منك على إنسان، وظن أن ذلك الإنسان زيد، فنفيت أن يكون إياه. # فلك أن تقول في الوجه الأول: «ما ضربت زيدا ولا أحدا من الناس»، وليس لك ~~ذلك في الوجه الثاني. فلو قلت: «ما زيدا ضربت ولا أحدا من الناس»، كان ~~فاسدا على ما مضى في الفاعل. # ومما ينبغي أن تعلمه، أنه يصح لك أن تقول: «ما ضربت زيدا، ولكني أكرمته»، ~~فتعقب الفعل المنفي بإثبات فعل هو ضده، ولا يصح أن تقول: «ما زيدا ضربت، ~~ولكني أكرمته»، وذاك أنك لو ترد أن تقول: لم يكن الفعل هذا ولكن ذاك، ولكنك ~~أردت ms076 أنه لم يكن المفعول هذا، ولكن ذاك. فالواجب إذن أن تقول: «ما زيدا ~~ضربت ولكن عمرا». # وحكم الجار مع المجرور في جميع ما ذكرنا حكم المنصوب، فإذا قلت: «ما ~~أمرتك بهذا»، كان المعنى على نفي أن تكون قد أمرته بذلك، ولم يجب أن تكون ~~قد أمرته بشيء آخر، وإذا قلت: «ما بهذا أمرتك»، كنت قد أمرته بشيء غيره. ### | [فصل: الاستفهام له التقديم والصدارة وتقديم ما يقارنه من اسم وفعل] # - واعلم أن الذي بان لك في «الاستفهام» و «النفي» من المعنى في التقديم، ~~قائم مثله في «الخبر المثبت». # فإذا عمدت إلى الذي أردت أن تحدث عنه بفعل فقدمت ذكره، ثم بنيت الفعل ~~عليه فقلت: «زيد قد فعل» و «أنا فعلت»، و «أنت فعلت»،: اقتضى ذلك أن يكون ~~القصد إلى الفاعل، إلا أن المعنى في هذا القصد ينقسم قسمين: # أحدهما: جلي لا يشكل: وهو أن يكون الفعل فعلا قد أردت أن تنص فيه على ~~واحد فتجعله له، وتزعم أنه فاعله دون واحد آخر، أو دون كل أحد. ومثال ذلك ~~أن تقول: «أنا كتبت في معنى فلان «1»، وأنا شفعت في بابه»، تريد أن تدعي ~~الانفراد بذلك والاستبداد به، وتزيل الاشتباه فيه، وترد على من زعم أن ذلك ~~كان من غيرك، أو أن غيرك قد كتب فيه كما كتبت. ومن البين في ذلك قولهم في ~~المثل: «أتعلمني بضب أنا حرشته» «2». PageV01P089 # والقسم الثاني: أن لا يكون القصد إلى الفاعل على هذا المعنى، ولكن على ~~أنك أردت أن تحقق على السامع أنه قد فعل، وتمنعه من الشك، فأنت لذلك تبدأ ~~بذكره، وتوقعه أولا- ومن قبل أن تذكر الفعل «1» - في نفسه، لكي تباعده بذلك ~~عن الشبهة، وتمنعه من الإنكار، أو من أن يظن بك الغلط أو التزيد. ومثاله ~~قولك: # «هو يعطي الجزيل»، و «هو يحب الثناء»، لا تريد أن تزعم أنه ليس هنا من ~~يعطي الجزيل ويحب الثناء غيره، ولا أن تعرض بإنسان وتحطه عنه، وتجعله لا ~~يعطي كما يعطى، ولا يرغب كما يرغب، ولكنك تريد أن تحقق ms077 على السامع أن إعطاء ~~الجزيل وحب الثناء دأبه، وأن تمكن ذلك في نفسه. # ومثاله في الشعر: [من الطويل] # هم يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغالبا «2» # لم يرد أن يدعي لهم هذه الصفة دعوى من يفردهم بها، وينص عليهم فيها، حتى ~~كأنه يعرض بقوم آخرين، فينفي أن يكونوا أصحابها. هذا محال. وإنما أراد أن ~~يصفهم بأنهم فرسان يمتهدون صهوات الخيل، وأنهم يقتعدون الجياد منها، وأن ~~ذلك دأبهم، من غير أن يعرض لنفيه عن غيرهم، إلا أنه بدأ بذكرهم لينبه ~~السامع لهم، ويعلم بديا «3» قصده إليهم بما في نفسه من الصفة، ليمنعه بذلك ~~من الشك، ومن توهم أن يكون قد وصفهم بصفة ليست هي لهم، أو أن يكون قد أراد ~~غيرهم فغلط إليه. # وعلى ذلك قول الآخر: [من الطويل] # هم يضربون الكبش يبرق بيضه، ... على وجهه من الدماء سبائب «4» ~~PageV01P090 # لم يرد أن يدعي لهم الانفراد، ويجعل هذا الضرب لا يكون إلا منهم، ولكن ~~أراد الذي ذكرت لك، من تنبيه السامع لقصدهم بالحديث من قبل ذكر الحديث، ~~ليحقق الأمر ويؤكده. # ومن البين فيه قول عروة بن أذينة: [من الهزج] # سليمى أزمعت بينا ... فأين تقولها أينا «1» # وذلك أنه ظاهر معلوم أنه لم يرد أن يجعل هذا الإزماع لها خاصة، ويجعلها ~~من جماعة لم يزمع البين منهم أحد سواها. هذا محال، ولكنه أراد أن يحقق ~~الأمر ويؤكده، فأوقع ذكرها في سمع الذي كلم ابتداء ومن أول الأمر. ليعلم ~~قبل هذا الحديث أنه أرادها بالحديث، فيكون ذلك أبعد له من الشك. # ومثله في الوضوح قوله: [من الطويل] # هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما «2» # لا شبهة في أنه لم يرد أن يقصر هذه الصفة عليهما، ولكن نبه لهما قبل ~~الحديث عنهما. # وأبين من الجميع قوله تعالى: واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون [الفرقان: 3]، وقوله عز وجل: وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا ~~بالكفر وهم قد خرجوا به [المائدة: 61]. # وهذا الذي قد ذكرت من أن تقديم ذكر المحدث عنه ms078 يفيد التنبيه له، قد ذكره ~~صاحب الكتاب في المفعول إذا قدم فرفع بالابتداء، وبني الفعل الناصب كان له ~~عليه «3»، وعدي إلى ضميره فشغل به. كقولنا في «ضربت عبد الله»: «عبد الله ~~ضربته»، فقال: و «إنما» قلت: «عبد الله»، فنبهته له، ثم بنيت عليه الفعل، ~~ورفعته بالابتداء. # فإن قلت: فمن أين وجب أن يكون تقديم ذكر المحدث عنه بالفعل، آكد لإثبات ~~ذلك الفعل له، وأن يكون قوله: «هما يلبسان المجد»، أبلغ في جعلهما يلبسانه ~~من أن يقال: «يلبسان المجد»؟ PageV01P091 # فإن ذلك «1» من أجل أنه لا يؤتى بالاسم معرى من العوامل إلا لحديث قد نوي ~~إسناده إليه. وإذا كان كذلك، فإذا قلت: «عبد الله»، فقد أشعرت قلبه بذلك ~~أنك قد أردت الحديث عنه، فإذا جئت بالحديث فقلت مثلا: «قام» أو قلت: «خرج»، ~~أو قلت: «قدم» فقد علم ما جئت به وقد وطأت له وقدمت الإعلام فيه، فدخل على ~~القلب دخول المأنوس به، وقبله قبول المهيئ له المطمئن إليه، وذلك لا محالة ~~أشد لثبوته، وأنفى للشبهة، وأمنع للشك، وأدخل في التحقيق. # وجملة الأمر أنه ليس إعلامك الشيء بغتة غفلا، مثل إعلامك له بعد التنبيه ~~عليه والتقدمة له، لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والإحكام. ~~ومن هاهنا قالوا: إن الشيء إذا أضمر ثم فسر، كان ذلك أفخم له من أن يذكر من ~~غير تقدمة إضمار. # ويدل على صحة ما قالوه أنا نعلم ضرورة في قوله تعالى: فإنها لا تعمى ~~الأبصار [الحج: 46]، فخامة وشرفا وروعة، لا نجد منها شيئا في قولنا: «فإن ~~الأبصار لا تعمى»، وكذلك السبيل أبدا في كل كلام كان فيه ضمير قصة. فقوله ~~تعالى: إنه لا يفلح الكافرون [المؤمنون: 117]، يفيد من القوة في نفي الفلاح ~~عن الكافرين، ما لو قيل: «إن الكافرين لا يفلحون»، لم يستفد ذلك. ولم يكن ~~ذلك كذلك إلا لأنك تعلمه إياه من بعد تقدمة وتنبيه، أنت به في حكم من بدأ ~~وأعاد ووطد، ثم بنى ولوح ثم صرح. ولا يخفى مكان المزية فيما طريقه هذا ~~الطريق. ms079 # ويشهد لما قلنا من أن تقديم المحدث عنه يقتضي تأكيد الخبر وتحقيقه له، ~~أنا إذا تأملنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار من ~~منكر، نحو أن يقول الرجل: «ليس لي علم بالذي تقول»، فتقول له: «أنت تعلم أن ~~الأمر على ما أقول، ولكنك تميل إلى خصمي»، وكقول الناس: «هو يعلم ذاك وإن ~~أنكر، وهو يعلم الكذب فيما قال وإن حلف عليه»، وكقوله تعالى: ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون [آل عمران: 75]، فهذا من أبين شيء. وذاك أن الكاذب، ~~لا سيما في الدين، لا يعترف بأنه كاذب، وإذا لم يعترف بأنه كاذب، كان أبعد ~~من ذلك أن يعترف بالعلم بأنه كاذب. # أو يجيء «2» فيما اعترض فيه شك، نحو أن يقول الرجل: «كأنك لا تعلم ما صنع ~~فلان ولم يبلغك»، فيقول: «أنا أعلم، ولكني أداريه». PageV01P092 # أو في تكذيب مدع كقوله عز وجل: وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر ~~وهم قد خرجوا به [المائدة: 61]، وذلك أن قولهم: «آمنا»، دعوى منهم أنهم لم ~~يخرجوا بالكفر كما دخلوا به، فالموضع موضع تكذيب. # أو فيما القياس في مثله أن لا يكون، كقوله تعالى: واتخذوا من دونه آلهة ~~لا يخلقون شيئا وهم يخلقون [الفرقان: 3]، وذلك أن عبادتهم لها تقتضي أن لا ~~تكون مخلوقة. # وكذلك في كل شيء كان خبرا على خلاف العادة، وعما يستغرب من الأمر نحو أن ~~تقول: «ألا تعجب من فلان؟ يدعي العظيم، وهو يعيا باليسير، ويزعم أنه شجاع، ~~وهو يفزع من أدنى شيء». # ومما يحسن ذلك فيه ويكثر، الوعد والضمان، كقول الرجل: «أنا أعطيك، أنا ~~أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر»، وذلك أن من شأن من تعده وتضمن له، أن يعترضه ~~الشك في تمام الوعد وفي الوفاء به، فهو من أحوج شيء إلى التأكيد. # وكذلك يكثر في المدح، كقولك: «أنت تعطي الجزيل، أنت تقري في المحل، أنت ~~تجود حين لا يجود أحد»، وكما قال: [من الكامل] # ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري «1» # وكقول الآخر: [من ms080 الرمل] نحن في المشتاة ندعو الجفلى «2» وذلك أن من شأن ~~المادح أن يمنع السامعين من الشك فيما يمدح به، ويباعدهم من الشبهة، وكذلك ~~المفتخر. PageV01P093 # ويزيدك بيانا أنه إذا كان الفعل مما لا يشك فيه ولا ينكر بحال، لم يكد ~~يجيء على هذا الوجه، ولكن يؤتى به غير مبني على اسم، فإذا أخبرت بالخروج ~~مثلا عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة قلت: «قد خرج»، ولم تحتج إلى أن ~~تقول: «هو قد خرج»، وذاك لأنه ليس بشيء يشك فيه السامع، فتحتاج أن تحققه، ~~وإلى أن تقدم فيه ذكر المحدث عنه. وكذلك إذا علم السامع من حال رجل أنه على ~~نية الركوب والمضي إلى موضع، ولم يكن شك وتردد أنه يركب أو لا يركب، كان ~~خبرك فيه أن تقول: «قد ركب»، ولا تقول: «هو قد ركب». فإن جئت بمثل هذا في ~~صلة كلام، ووضعته بعد واو الحال، حسن حينئذ، وذلك قولك: «جئته وهو قد ركب»، ~~وذاك أن الحكم يتغير إذا صارت الجملة في مثل هذا الموضع، ويصير الأمر بمعرض ~~الشك، وذاك أنه إنما يقول هذا من ظن أنه يصادفه في منزله، وأنه يصل إليه من ~~قبل أن يركب. # فإن قلت «1»: فإنك قد تقول: «جئته وقد ركب» بهذا المعنى، ومع هذا الشك. # فإن الشك لا يقوى حينئذ قوته في الوجه الأول، أفلا ترى أنك إذا استبطأت ~~إنسانا فقلت: «أتانا والشمس قد طلعت»، كان ذلك أبلغ في استبطائك له من أن ~~تقول: «أتانا وقد طلعت الشمس»؟ وعكس هذا أنك إذا قلت: «أتى والشمس لم ~~تطلع»، وكان أقوى في وصفك له بالعجلة والمجيء قبل الوقت الذي ظن أنه يجيء ~~فيه، من أن تقول: «أتى ولم تطلع الشمس بعد». # هذا، وهو كلام لا يكاد يجيء إلا نابيا، وإنما الكلام البليغ هو أن تبدأ ~~بالاسم وتبني الفعل عليه كقوله: [من الكامل] قد أغتدي والطير لم تكلم فإذا ~~كان الفعل فيما بعد هذه الواو التي يراد بها الحال، مضارعا، لم يصلح إلا ~~مبنيا على اسم كقولك: ms081 «رأيته وهو يكتب»، و «دخلت عليه وهو يملي الحديث»، ~~وكقوله: [من الطويل] # تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا # ليس يصلح شيء من ذلك إلا على ما تراه، لو قلت: «رأيته ويكتب» و «دخلت ~~عليه ويملي الحديث»، و «تمززتها ويدعو الديك صباحه»، لم يكن شيئا. # ومما هو بهذه المنزلة في أنك تجد المعنى لا يستقيم إلا على ما جاء عليه ~~من بناء الفعل على الاسم قوله تعالى: إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو ~~يتولى PageV01P094 # الصالحين [الأعراف: 196]، وقوله تعالى: وقالوا أساطير الأولين اكتتبها ~~فهي تملى عليه بكرة وأصيلا [الفرقان: 5]، وقوله تعالى: وحشر لسليمان جنوده ~~من الجن والإنس والطير فهم يوزعون [النمل: 17]، فإنه لا يخفى على من له ذوق ~~أنه لو جيء في ذلك بالفعل غير مبني على الاسم فقيل: «إن وليي الله الذي نزل ~~الكتاب ويتولى الصالحين»، و «اكتتبها فتملى عليه»، و «حشر لسليمان جنوده من ~~الجن والإنس والطير فيوزعون»، لوجد اللفظ قد نبا عن المعنى، والمعنى قد زال ~~عن صورته والحال التي ينبغي أن # يكون عليها. # واعلم أن هذا الصنيع يقتضي في الفعل المنفي ما اقتضاه في المثبت، فإذا ~~قلت: «أنت لا تحسن هذا»، كان أشد لنفي إحسان ذلك عنه من أن تقول: «لا تحسن ~~هذا، ويكون الكلام في الأول مع من هو أشد إعجابا بنفسه، وأعرض دعوى في أنه ~~يحسن حتى إنك لو أتيت ب «أنت» فيما بعد «تحسن» فقلت: «لا تحسن أنت»، لم يكن ~~له تلك القوة. # وكذلك قوله تعالى: والذين هم بربهم لا يشركون [المؤمنون: 59]، يفيد من ~~التأكيد في نفي الاشتراك عنهم، ما لو قيل: «والذين لا يشركون بربهم، أو: # بربهم لا يشركون» لم يفد ذلك. وكذا قوله تعالى: لقد حق القول على أكثرهم ~~فهم لا يؤمنون [يس: 7]، وقوله تعالى: فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا ~~يتساءلون [القصص: 66]، وإن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون ~~[الأنفال: 55]. # ومما يرى تقديم الاسم فيه كاللازم: «مثل»، و «غير»، في نحو قوله: [من ~~السريع] ms082 # مثلك يثني الحزن عن صوبه ... ويسترد الدمع عن غربه «1» # وقول الناس: «مثلك رعى الحق والحرمة»، وكقول الذي قال له الحجاج: ~~PageV01P095 # «لأحملنك على الأدهم» «1»، يريد القيد، فقال على سبيل المغالطة: «ومثل ~~الأمير يحمل على الأدهم والأشهب» «2»، وما أشبه ذلك مما لا يقصد فيه ب ~~«مثل» إلى إنسان سوى الذي أضيف إليه، ولكنهم يعنون أن كل من كان مثله في ~~الحال والصفة، كان من مقتضى القياس وموجب العرف والعادة أن يفعل ما ذكر، أو ~~أن لا يفعل. ومن أجل أن كان المعنى كذلك قال: [من السريع] # ولم أقل مثلك، أعني به ... سواك، يا فردا بلا مشبه «3» # وكذلك حكم «غير» إذا سلك به هذا المسلك فقيل: «غيري يفعل ذاك»، على معنى ~~أني لا أفعله، لا أن يومئ ب «غير» إلى إنسان فيخبر عنه بأن يفعل، كما قال: ~~[من البسيط] غيري بأكثر هذا الناس ينخدع «4» وذاك أنه معلوم أنه لم يرد أن ~~يعرض بواحد كان هناك فيستنقصه ويصفه بأنه مضعوف يغر ويخدع، بل لم يرد إلا ~~أن يقول: إني لست ممن ينخدع ويغتر. وكذلك لم يرد أبو تمام بقوله: [من ~~الوافر] # وغيري يأكل المعروف سحتا ... وتشحب عنده بيض الأيادي «5» PageV01P096 # أن يعرض مثلا بشاعر سواه، فيزعم أن الذي قرف به عند الممدوح من أنه هجاه، ~~كان من ذلك الشاعر لا منه. هذا محال، بل ليس إلا أنه نفى عن نفسه أن يكون ~~ممن يكفر # النعمة ويلؤم. # واستعمال «مثل» و «غير» على هذا السبيل شيء مركوز في الطباع، وهو جار في ~~عادة كل قوم. فأنت الآن إذا تصفحت الكلام وجدت هذين الاسمين يقدمان أبدا ~~على الفعل إذا نحي بهما هذا النحو الذي ذكرت لك، وترى هذا المعنى لا يستقيم ~~فيهما إذا لم يقدما. أفلا ترى أنك لو قلت: «يثني الحزن عن صوبه مثلك»، و ~~«رعى الحق والحرمة مثلك»، و «يحمل على الأدهم والأشهب مثل الأمير»، و ~~«ينخدع غيري بأكثر هذا الناس»، و «يأكل غيري المعروف سحتا»، رأيت كلاما ~~مقلوبا عن جهته، ومغيرا عن صورته، ورأيت اللفظ ms083 قد نبا عن معناه، ورأيت ~~الطبع يأبى أن يرضاه. # واعلم أن معك دستورا لك فيه، إن تأملت، غنى عن كل سواه، وهو أنه لا يجوز ~~أن يكون لنظم الكلام وترتيب أجزائه في «الاستفهام» معنى لا يكون له ذلك ~~المعنى في «الخبر». وذاك أن «الاستفهام»، استخبار، والاستخبار هو طلب من ~~المخاطب أن يخبرك. فإذا كان كذلك، كان محالا أن يفترق الحال بين تقديم ~~الاسم وتأخيره في «الاستفهام»، فيكون المعنى إذا قلت: «أزيد قام؟» غيره إذا ~~قلت: «أقام زيد؟»، ثم لا يكون هذا الافتراق في الخبر، ويكون قولك: «زيد ~~قام» و «قام زيد» سواء، ذاك لأنه يؤدي إلى أن تستعلمه أمرا لا سبيل فيه إلى ~~جواب، وأن تستثبته المعنى على وجه ليس عنده عبارة يثبته لك بها على ذلك ~~الوجه. # وجملة الأمر، أن المعنى في إدخالك «حرف الاستفهام» على الجملة من الكلام، ~~هو أنك تطلب أن يقفك في معنى تلك الجملة ومؤداها على إثبات أو نفي. # فإذا قلت: «أزيد منطلق؟»، فأنت تطلب أن يقول لك: «نعم، هو منطلق» أو ~~يقول: # «لا، ما هو منطلق». وإذا كان ذلك كذلك، كان محالا أن تكون الجملة إذا ~~دخلتها همزة الاستفهام استخبارا عن المعنى على وجه، لا تكون هي- إذا نزعت ~~منها الهمزة «1» - إخبارا به على ذلك الوجه، فاعرفه. PageV01P097 ### | فصل «هذا كلام في النكرة إذا قدمت على الفعل، أو قدم الفعل عليها» # إذا قلت: «أجاءك رجل؟»، فأنت تريد أن تسأله هل كان مجيء من واحد من ~~الرجال إليه، فإن قدمت الاسم فقلت: «أرجل جاءك؟»، فأنت تسأله عن جنس من ~~جاءه، أرجل هو أم امرأة؟ ويكون هذا منك إذا كنت علمت أنه قد أتاه آت، ولكنك ~~لم تعلم جنس ذلك الآتي، فسبيلك في ذلك سبيلك إذا أردت أن تعرف عين الآتي ~~فقلت: «أزيد جاءك أم عمرو؟». # ولا يجوز تقديم الاسم في المسألة الأولى، لأن تقديم الاسم يكون إذا كان ~~السؤال عن الفاعل، والسؤال عن الفاعل يكون إما عن عينه أو عن جنسه، ولا ~~ثالث. # وإذا كان كذلك، كان ms084 محالا أن تقدم الاسم النكرة وأنت لا تريد السؤال عن ~~الجنس، لأنه لا يكون لسؤالك حينئذ متعلق، من حيث لا يبقى بعد الجنس إلا ~~العين. # والنكرة لا تدل على عين شيء فيسأل بها عنه. # فإن قلت: «أرجل طويل جاءك أم قصير؟»، كان السؤال عن أن الجائي كان، من ~~جنس طوال الرجال أم قصارهم؟ فإن وصفت النكرة بالجملة فقلت: «أرجل كنت عرفته ~~من قبل أعطاك هذا أم رجل لم تعرفه»، كان السؤال عن المعطي، أكان ممن عرفه ~~قبل، أم كان إنسانا لم تتقدم منه معرفة [له]. # وإذ قد عرفت الحكم في الابتداء بالنكرة في «الاستفهام»، فابن «الخبر» ~~عليه. # فإذا قلت: «رجل جاءني»: لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لا ~~امرأة، ويكون كلامك مع من قد عرف أن قد أتاك آت. فإن لم ترد ذاك، كان ~~الواجب أن تقول: «جاءني رجل»، فتقدم الفعل. # وكذلك إن قلت: «رجل طويل جاءني»، لم يستقم حتى يكون السامع قد ظن أنه قد ~~أتاك قصير، أو نزلته منزلة من ظن ذلك. # وقولهم: «شر أهر ذا ناب» «1»، إنما قدم فيه «شر»، لأن المراد أن يعلم أن ~~الذي أهر ذا الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير، فجرى مجرى أن تقول: «رجل ~~PageV01P098 # جاءني»، تريد أن رجل لا امرأة، وقول العلماء إنه إنما يصلح «1»، لأنه ~~بمعنى «ما أهر ذا ناب إلا شر». # بيان لذلك: ألا ترى أنك لا تقول: «ما أتاني إلا رجل»، إلا حيث يتوهم ~~السامع أنه قد أتتك امرأة، وذاك لأن الخبر ينقض النفي يكون حيث يراد أن ~~يقصر الفعل على شيء، وينفى عما عداه. فإذا قلت: «ما جاءني إلا زيد»، كان ~~المعنى أنك قد قصرت المجيء على زيد، ونفيته عن كل من عداه. وإنما يتصور قصر ~~الفعل على معلوم، ومتى لم يرد بالنكرة الجنس، لم يقف منها السامع على ~~معلوم، حتى تزعم أني أقصر له الفعل عليه، وأخبره أنه كان منه دون غيره. # واعلم أنا لم نرد بما قلناه، من أنه إنما ms085 حسن الابتداء بالنكرة في قولهم: ~~«شر أهر ذا ناب»، لأنه أريد به الجنس، أن معنى «شر» و «الشر» سواء، وإنما ~~أردنا أن الغرض من الكلام أن نبين أن الذي أهر ذا الناب هو من جنس الشر لا ~~جنس الخير، كما أنا إذا قلنا في قولهم: «أرجل أتاك أم امرأة؟»، أن السؤال ~~عن الجنس، لم نرد بذلك أنه بمنزلة أن يقال: «الرجل أم المرأة أتاك»، ولكنا ~~نعني أن المعنى على أنك سألت عن الآتي أهو من جنس الرجال أم جنس النساء؟ ~~فالنكرة إذن على أصلها من كونها لواحد من الجنس، إلا أن القصد منك لم يقع ~~إلى كونه واحدا، وإنما وقع إلى كونه من جنس الرجال. # وعكس هذا أنك إذا قلت: «أرجل أتاك أم رجلان؟»، كان القصد منك إلى كونه ~~واحدا، دون كونه رجلا، فاعرف ذلك أصلا، وهو أنه قد يكون في اللفظ دليل على ~~أمرين، ثم يقع القصد إلى أحدهما دون الآخر، فيصير ذلك الآخر- بأن لم يدخل ~~في القصد- كأنه لم يدخل في دلالة اللفظ. # وإذا اعتبرت ما قدمته من قول صاحب الكتاب: «إنما قلت: «عبد الله» فنبهته ~~له، ثم بنيت عليه الفعل» «2»، وجدته يطابق هذا. وذاك أن التنبيه لا يكون ~~إلا على معلوم، كما أن قصر الفعل لا يكون إلا على معلوم، فإذا بدأت بالنكرة ~~فقلت: # «رجل»، وأنت لا تقصد بها الجنس، وأن تعلم السامع أن الذي أردت بالحديث ~~رجل لا امرأة، كان محالا أن تقول: «إني قدمته لأنبه المخاطب له»، لأنه يخرج ~~بك إلى أن تقول: إني أردت أن أنبه السامع لشيء لا يعلمه في جملة ولا تفصيل. ~~وذلك ما لا يشك في استحالته، فاعرفه. PageV01P099 # القول في الحذف # هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ~~ترك الذكر، أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة، أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما ~~تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن. # وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر، وأنا أكتب لك بديئا ~~أمثلة ms086 مما عرض فيه الحذف، ثم أنبهك على صحة ما أشرت إليه، وأقيم الحجة من ~~ذلك عليه. أنشد صاحب الكتاب: [من البسيط] # اعتاد قلبك من ليلى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل # ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكل حيران سار ماؤه خضل «1» # قال: أراد، «ذاك ربع قواء أو هو ربع». قال: ومثله قول الآخر: [من البسيط] # هل تعرف اليوم رسم الدار والطللا ... كما عرفت بجفن الصيقل الخللا # دار لمروة إذ أهلي وأهلهم ... بالكانسية نرعى اللهو والغزلا «2» # كأنه قال: تلك دار. قال شيخنا «3» رحمه الله: ولم يحمل البيت الأول على ~~أن «الربع» بدل من «الطلل»، لأن الربع أكثر من الطلل، والشيء يبدل مما هو ~~مثله أو أكثر منه، فأما الشيء من أقل منه ففاسد لا يتصور. وهذه طريقة ~~مستمرة لهم إذا ذكروا الديار والمنازل. # وكما يضمرون المبتدأ فيرفعون، فقد يضمرون الفعل فينصبون، كبيت الكتاب ~~أيضا: [من البسيط] PageV01P100 # ديار مية إذ مي تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب «1» # أنشده بنصب «ديار»، على إضمار فعل، كأنه قال: اذكر ديار مية. # ومن المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ، «القطع والاستئناف»، ويبدءون ~~بذكر الرجل، ويقدمون بعض أمره، ثم يدعون الكلام الأول، ويستأنفون كلاما ~~آخر. # وإذا فعلوا ذلك، أتوا في أكثر الأمر بخبر من غير مبتدأ مثال ذلك قوله: ~~[من مجزوء الكامل] # وعلمت أني يوم ذا ... ك منازل كعبا ونهدا # قوم إذا لبسوا الحدي ... د تنمروا حلقا وقدا «2» # وقوله: [من الوافر] # هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا # بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب الشفاء «3» # وقوله: [من الطويل] # رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر # غلام رماه الله بالخير مقبلا ... له سيمياء لا تشق على البصر «4» # وقوله: [من الطويل] PageV01P101 # إذا ذكر ابنا العنبرية لم تضق ... ذراعي، وألقى باسته من أفاخر # هلالان، حمالان في كل شتوة ... من الثقل ما لا تستطيع الأباعر «1» # «حمالان»، خبر ثان، وليس بصفة، كما يكون لو قلت مثلا: «رجلان حمالان». # ومما اعتيد فيه أن يجيء ms087 خبرا قد بني على مبتدأ محذوف، قولهم بعد أن ~~يذكروا الرجل: «فتى من صفته كذا»، و «أغر من صفته كيت وكيت». # كقوله: [من الطويل] # ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى ... ولا عرف إلا قد تولى وأدبرا # فتى حنظلي ما تزال ركابه ... تجرد بمعروف وتنكر منكرا «2» # وقوله: [من الطويل] # سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن، وإن هي جلت # فتى غير محجوب الغنى عن صديقه، ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت «3» # ومن ذلك قول جميل: [من البسيط] # وهل بثينة، يا للناس، قاضيتي ... ديني؟ وفاعلة خيرا فأجزيها؟ # ترنو بعيني مهاة أقصدت بهما ... قلبي عشية ترميني وأرميها # هيفاء مقبلة، عجزاء مدبرة، ... ريا العظام، بلا عيب يرى فيها # من الأوانس مكسال، مبتلة ... خود، غذاها بلين العيش غاذيها «4» ~~PageV01P102 # وقوله أيضا: [من الكامل] # إني عشية رحت وهي حزينة ... تشكو إلي صبابة لصبور # وتقول: بت عندي، فديتك، ليلة ... أشكو إليك، فإن ذاك يسير # غراء مبسام، كأن حديثها ... در تحدر نظمه منثور # محطوطة المتنين، مضمرة الحشا، ... ريا الروادف، خلقها ممكور «1» # وقول الأقيشر «2» في ابن عم له موسر، سأله فمنعه وقال: كم أعطيك ما لي ~~وأنت تنفقه فيما لا يغنيك؟ والله لا أعطيتك. فتركه حتى اجتمع القوم في ~~ناديهم وهو فيهم، فشكاه إلى القوم وذمه، فوثب إليه ابن عمه فلطمه، فأنشأ ~~يقول: [من الطويل] # سريع إلى ابن العم يلطم وجهه، ... وليس إلى داعي الندى بسريع # حريص على الدنيا، مضيع لدينه، ... وليس لما في بيته بمضيع «3» # فتأمل الآن هذه الأبيات كلها، واستقرها واحدا واحدا، وانظر إلى موقعها في ~~نفسك، وإلى ما تجده من اللطف والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها، ثم ~~فليت النفس عما تجد، وألطفت النظر فيما تحس به. ثم تكلف أن ترد ما حذف ~~الشاعر، وأن تخرجه إلى لفظك، وتوقعه في سمعك، فإنك تعلم أن الذي قلت كما ~~قلت، وأن رب حذف هو قلادة الجيد، وقاعدة التجويد، وإن أردت ما هو أصدق في ~~ذلك شهادة، وأدل دلالة، فانظر إلى قول عبد الله بن الزبير يذكر ms088 غريما له قد ~~ألح عليه: [من الطويل] # عرضت على زيد ليأخذ بعض ما ... يحاوله قبل اعتراض الشواغل # فدب دبيب البغل يألم ظهره ... وقال: تعلم، إنني غير فاعل # تثاءب حتى قلت: داسع نفسه ... وأخرج أنيابا له كالمعاول «4» PageV01P103 # الأصل: حتى قلت: «هو داسع نفسه»، أي حسبته من شدة التثاؤب، ومما به من ~~الجهد، يقذف نفسه من جوفه، ويخرجها من صدره، كما يدسع البعير جرته «1». # ثم إنك ترى نصبة الكلام وهيئته تروم منك أن تنسى هذا المبتدأ، وتباعده عن ~~وهمك، وتجتهد أن لا يدور في خلدك، ولا يعرض لخاطرك، وتراك كأنك تتوقاه توقي ~~الشيء تكره مكانه، والثقيل تخشى هجومه. # ومن لطيف الحذف قول بكر بن النطاح: [من السريع] # العين تبدي الحب والبغضا ... وتظهر الإبرام والنقضا # درة، ما أنصفتني في الهوى، ... ولا رحمت الجسد المنضى # غضبى، ولا والله يا أهلها، ... لا أطعم البارد أو ترضى «2» # يقوله في جارية كان يحبها، وسعي به إلى أهلها فمنعوها منه. والمقصود قوله ~~«غضبى»، وذلك أن التقدير «هي غضبى» أو «غضبى هي» لا محالة، ألا ترى أنك ترى ~~النفس كيف تتفادى من إظهار هذا المحذوف، وكيف تأنس إلى إضماره؟ وترى ~~الملاحة كيف تذهب إن أنت رمت التكلم به؟ # ومن جيد الأمثلة في هذا الباب قول الآخر، يخاطب امرأته وقد لامته على ~~الجود: [من الكامل] # قالت سمية: قد غويت، بأن رأت ... حقا تناوب ما لنا ووفود # غي لعمرك لا أزال أعوده ... ما دام مال عندنا «موجود» # المعنى: «ذاك غي لا أزال أعود إليه، فدعي عنك لومي». # وإذ عرفت هذه الجملة من حال الحذف في المبتدأ، فاعلم أن ذلك سبيله في كل ~~شيء، فما من اسم أو فعل تجده قد حذف، ثم أصيب به موضعه، وحذف في الحال ~~ينبغي أن يحذف فيها، إلا وأنت تجد حذفه هناك أحسن من ذكره، وترى إضماره في ~~النفس أولى وآنس من النطق به. PageV01P104 # وإذ قد بدأنا في الحذف بذكر المبتدأ، وهو حذف اسم، إذ لا يكون المبتدأ ~~إلا اسما، فإني أتبع ذلك ذكر المفعول به ms089 إذا حذف خصوصا، فإن الحاجة إليه ~~أمس، وهو بما نحن بصدده أخص، واللطائف كأنها فيه أكثر، ومما يظهر بسببه من ~~الحسن والرونق أعجب وأظهر. # وهاهنا أصل يجب ضبطه، وهو أن حال الفعل مع المفعول الذي يتعدى إليه، حاله ~~مع الفاعل. فكما أنك إذا قلت: «ضرب زيد»، فأسندت الفعل إلى الفاعل، كان ~~غرضك من ذلك أن تثبت الضرب فعلا له، لا أن تفيد وجوب الضرب في نفسه وعلى ~~الإطلاق. كذلك، إذا عديت الفعل إلى المفعول فقلت: «ضرب زيد عمرا»، كان غرضك ~~أن تفيد التباس الضرب الواقع من الأول بالثاني ووقوعه عليه، فقد اجتمع ~~الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل فيهما إنما كان من أجل أن يعلم التباس ~~المعنى الذي اشتق منه بهما، فعمل الرفع في الفاعل، ليعلم التباس الضرب به ~~من جهة وقوعه منه، والنصب في المفعول، ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه. ~~ولم يكن ذلك ليعلم وقوع الضرب في نفسه، بل إذا أريد الإخبار بوقوع الضرب ~~ووجوده في الجملة من غير أن ينسب إلى فاعل أو مفعول، أو يتعرض لبيان ذلك، ~~فالعبارة فيه أن يقال: # «كان ضرب» أو «وقع ضرب» أو «وجد ضرب» وما شاكل ذلك من ألفاظ تفيد الوجود ~~المجرد في الشيء. # وإذ قد عرفت هذه الجملة، فاعلم أن أغراض الناس تختلف في ذكر الأفعال ~~المتعدية، فهم يذكرونها تارة ومرادهم أن يقتصروا على إثبات المعاني التي ~~اشتقت منها للفاعلين، من غير أن يتعرضوا لذكر المفعولين. فإذا كان الأمر ~~كذلك، كان الفعل المتعدي كغير المتعدي مثلا، في أنك لا ترى له مفعولا لا ~~لفظا ولا تقديرا. # ومثال ذلك قول الناس: «فلان يحل ويعقد، ويأمر وينهى، ويضر وينفع»، ~~وكقولهم: «هو يعطي ويجزل، ويقري ويضيف»، المعنى في جميع ذلك على إثبات ~~المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق وعلى الجملة، من غير أن يتعرض لحديث ~~المفعول، حتى كأنك قلت: «صار إليه الحل والعقد، وصار بحيث يكون منه حل ~~وعقد، وأمر ونهي، وضر ونفع»، وعلى هذا القياس. # وعلى ذلك قوله تعالى: قل هل ms090 يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون [الزمر: ~~9]، المعنى: هل يستوي من له علم ومن لا علم له؟ من غير أن يقصد النص على ~~معلوم. وكذلك قوله تعالى هو الذي يحيي ويميت [غافر: 68]، وقوله # PageV01P105 # تعالى: وأنه هو أضحك وأبكى. وأنه هو أمات وأحيا [القمر: 43 - 44]، وقوله ~~وأنه هو أغنى وأقنى [القمر: 48]، المعنى هو الذي منه الإحياء والإماتة ~~والإغناء والإقناء. وهكذا كل موضع كان القصد فيه أن تثبت المعنى في نفسه ~~فعلا للشيء، وأن تخبر بأن من شأنه أن يكون منه، أو لا يكون إلا منه، أو لا ~~يكون منه، فإن الفعل لا يعدى هناك، لأن تعديته تنقض الغرض وتغير المعنى. ~~ألا ترى أنك إذا قلت: «هو يعطي الدنانير»، كان المعنى على أنك قصدت أن تعلم ~~السامع أن الدنانير تدخل في عطائه، أو أنه يعطيها خصوصا دون غيرها، وكان ~~غرضك على الجملة بيان جنس ما تناوله الإعطاء، لا الإعطاء في نفسه، ولم يكن ~~كلامك مع من نفى أن يكون كان منه إعطاء بوجه من الوجوه بل مع من أثبت له ~~إعطاء، إلا أنه لم يثبت إعطاء الدنانير. فاعرف ذلك، فإنه أصل كبير عظيم ~~النفع. # فهذا قسم من خلو الفعل عن المفعول، وهو أن لا يكون له مفعول يمكن النص ~~عليه. # وقسم ثان: وهو أن يكون له مفعول مقصود قصده معلوم، إلا أنه يحذف من اللفظ ~~لدليل الحال عليه. وينقسم إلى جلي لا صنعة فيه، وخفي تدخله الصنعة. # فمثال الجلي قولهم: «أصغيت إليه»، وهم يريدون «أذني»، و «أغضيت عليه»، ~~والمعنى «جفني». # وأما الخفي الذى تدخله الصنعة فيتفنن ويتنوع. # فنوع منه، أن تذكر الفعل وفي نفسك له مفعول مخصوص قد علم مكانه، إما لجري ~~ذكر، أو دليل حال، إلا أنك تنسيه نفسك وتخفيه، وتوهم أنك لم تذكر ذلك الفعل ~~إلا لأن تثبت نفس معناه، من غير إن تعديه إلى شيء أو تعرض فيه لمفعول. # ومثاله قول البحتري: [من الخفيف] # شجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع «1» # المعني، لا محالة: أن يرى مبصر ms091 محاسنه، ويسمع واع أخباره وأوصافه، ولكنك ~~تعلم على ذلك أنه كأنه يسرق علم ذلك من نفسه، ويدفع صورته عن وهمه، ~~PageV01P106 # ليحصل له معنى شريف وغرض خاص. وذاك أنه يمدح خليفة، وهو المعتز، ويعرض ~~بخليفة وهو المستعين، فأراد أن يقول: إن محاسن المعتز وفضائله، المحاسن ~~والفضائل يكفي فيها أن يقع عليها بصر ويعيها سمع حتى يعلم أنه المستحق ~~للخلافة، والفرد الوحيد الذي ليس لأحد أن ينازعه مرتبتها، فأنت ترى حساده ~~وليس شيء # أشجى لهم وأغيظ، من علمهم بأن هاهنا مبصرا يرى وسامعا يعي، حتى ليتمنون ~~أن لا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها، وأذن يعي معها، كي يخفى مكان ~~استحقاقه لشرف الإمامة، فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته إياها. # وهذا نوع آخر منه، وهو أن يكون معك مفعول معلوم مقصود قصده، قد علم أنه ~~ليس للفعل الذي ذكرت مفعول سواه، بدليل الحال أو ما سبق من الكلام، إلا أنك ~~تطرحه وتتناساه وتدعه يلزم ضمير النفس، لغرض غير الذي مضى. وذلك الغرض أن ~~تتوفر العناية على إثبات الفعل للفاعل، وتخلص له، وتنصرف بجملتها وكما هي ~~إليه. # ومثاله قول عمرو بن معد يكرب: [من الطويل] # فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت «1» # «أجرت» فعل متعد، ومعلوم أنه لو عداه لما عداه إلا إلى ضمير المتكلم نحو: # «ولكن الرماح أجرتني»، وأنه لا يتصور أن يكون هاهنا شيء آخر يتعدى إليه، ~~لاستحالة أن يقول: «فلو أن قومي أنطقتني رماحهم»، ثم يقول: «ولكن الرماح ~~أجرت غيري»، إلا أنك تجد المعنى يلزمك أن لا تنطق بهذا المفعول ولا تخرجه ~~إلى لفظك. والسبب في ذلك أن تعديتك له توهم ما هو خلاف الغرض، وذلك أن ~~الغرض هو أن يثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس للألسن عن النطق، وأن يصحح ~~وجود ذلك. ولو قال: «أجرتني»، وجاز أن يتوهم أنه لم يعن بأن يثبت للرماح ~~إجرارا، بل الذي عناه أن يبين أنها أجرته. فقد يذكر الفعل كثيرا والغرض منه ~~ذكر المفعول، مثاله أنك تقول: «أضربت زيدا؟» ms092 وأنت لا تنكر أن يكون كان من ~~المخاطب ضرب، وإنما تنكر أن يكون وقع الضرب منه على زيد، وأن يستجيز ذلك أو ~~يستطيعه. فلما كان في تعدية «أجرت» ما يوهم ذلك، وقف فلم يعد البتة، ولم ~~ينطق بالمفعول، لتخلص العناية لإثبات الإجرار للرماح وتصحيح أنه كان منها، ~~وتسلم بكليتها لذلك. PageV01P107 # ومثله قول جرير: [من الطويل] # أمنيت المنى وخلبت حتى ... تركت ضمير قلبي مستهاما «1» # الغرض أن يثبت أنه كان منها تمنية وخلابة، وأن يقول لها: أهكذا تصنعين؟ # وهذه حيلتك في فتنة الناس؟ # ومن بارع ذلك ونادره، ما تجده في هذه الأبيات. روى المرزباني في «كتاب ~~الشعر» بإسناد، قال: لما تشاغل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأهل الردة، ~~استبطأته الأنصار فكلموه، فقال: إما كلفتموني أخلاق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فو الله ما ذاك عندي ولا عند أحد من الناس، ولكني والله ما أوتى ~~من مودة لكم ولا حسن رأي فيكم، وكيف لا نحبكم؟ فو الله ما وجدت مثلا لنا ~~ولكم إلا ما قال طفيل الغنوي لبني جعفر ابن كلاب: [من الطويل] # جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت # أبوا أن يملونا، ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لاقوه منا لملت # هم خلطونا بالنفوس وألجئوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت «2» # فيها حذف مفعول مقصود قصده في أربعة مواضع قوله: «لملت»، و «ألجئوا» و ~~«أدفأت» و «أظلت»، لأن الأصل: «لملتنا» و «ألجئونا إلى حجرات أدفأتنا ~~وأظلتنا»، إلا أن الحال على ما ذكرت لك، من أنه في حد المتناسى، حتى كأن لا ~~قصد إلى مفعول، وكأن الفعل قد أبهم أمره فلم يقصد به قصد شيء يقع عليه، كما ~~يكون إذا قلت: «قد مل فلان»، تريد أن تقول: قد دخله الملال، من غير أن تخص ~~شيئا، بل لا تزيد على أن تجعل الملال من صفته، وكما تقول: «هذا بيت يدفئ ~~ويظل»، تريد أنه بهذه الصفة. # واعلم أن لك في قوله: «أجرت»، و «لملت»، فائدة أخرى زائدة على ما ذكرت من ~~توفير ms093 العناية على إثبات الفعل، وهي أن تقول: كان من سوء بلاء القوم ومن ~~تكذيبهم عن القتال «3» ما يجر مثله، وما القضية فيه أنه لا يتفق على قوم ~~إلا خرس شاعرهم فلم يستطع نطقا، وتعديتك الفعل تمنع من هذا المعنى، لأنك ~~إذا قلت: PageV01P108 # «ولكن الرماح أجرتني»، لم يمكن أن يتأول على معنى أنه كان منها ما شأن ~~مثله أن يجر، قضية مستمرة في كل شاعر قوم، بل قد يجوز أن يوجد مثله في قوم ~~آخرين فلا يجر شاعرهم. ونظيره أنك تقول: «قد كان منك ما يؤلم»، تريد ما ~~الشرط في مثله أن يؤلم كل أحد وكل إنسان. ولو قلت: «ما يؤلمني» لم يفد ذلك، ~~لأنه قد يجوز أن يؤلمك الشيء لا يؤلم غيرك. # وهكذا قوله: «ولو أن أمنا تلاقي الذي لاقوه منا لملت»، يتضمن أن من حكم ~~مثله في كل أم أن تمل وتسأم، وأن المشقة في ذلك إلى حد يعلم أن الأم تمل له ~~الابن وتتبرم به، # مع ما في طباع الأمهات من الصبر على المكاره في مصالح الأولاد. # وذلك أنه وإن قال: «أمنا»، فإن المعنى على أن ذلك حكم كل أم مع أولادها. ~~ولو قلت: «لملتنا»، لم يحتمل ذلك، لأنه يجري مجرى أن تقول: «لو لقيت أمنا ~~ذلك لدخلها ما يملها منا»، وإذا قلت «ما يملها منا» فقيدت، لم يصلح لأن ~~يراد به معنى العموم وأنه بحيث يمل كل أم من كل ابن. # وكذلك قوله: «إلى حجرات أدفأت وأظلت»، لأن فيه معنى قولك: «حجرات من شأن ~~مثلها أن تدفئ وتظل»، أي: هي بالصفة التي إذا كان البيت عليها أدفأ وأظل. ~~ولا يجيء هذا المعنى مع إظهار المفعول؛ إذ لا تقول: «حجرات من شأن مثلها أن ~~تدفئنا وتظلنا»، هذا لغو من الكلام. # فاعرف هذه النكتة، فإنك تجدها في كثير من هذا الفن مضمومة إلى المعنى ~~الآخر، الذي هو توفير العناية على إثبات الفعل، والدلالة على أن القصد من ~~ذكر الفعل أن تثبته لفاعله، لا أن تعلم التباسه بمفعوله. # وإن أردت ms094 أن تزداد تبينا لهذا الأصل، أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر ~~العناية على إثبات الفعل لفاعله ولا يدخلها شوب، فانظر إلى قوله تعالى: ~~ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير. فسقى ~~لهما ثم تولى إلى الظل [القصص: 23 - 24]، ففيها حذف مفعول في أربعة مواضع، ~~إذ المعنى: # «وجد عليه أمة من الناس يسقون» أغنامهم أو مواشيهم، و «امرأتين تذودان» ~~غنمهما و «قالتا لا نسقي» غنمنا، «فسقى لهما» غنمهما. # ثم إنه لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره ويؤتى # PageV01P109 # بالفعل مطلقا، وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك ~~الحال سقي، ومن المرأتين ذود، وأنهما قالتا: لا يكون منا سقي حتى يصدر ~~الرعاء، وأنه كان من موسى عليه السلام من بعد ذلك سقي. فأما ما كان المسقي؟ ~~أغنما أم إبلا أم غير ذلك، فخارج عن الغرض، وموهم خلافه. وذاك أنه لو قيل: ~~«وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما»، جاز أن يكون لم ينكر الذود من حيث ~~هو ذود، بل من حيث هو ذود غنم، حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذود، ~~كما أنك إذا قلت: # «مالك تمنع أخاك؟»، كنت منكرا المنع، لا من حيث هو منع، بل من حيث هو منع ~~أخ، فاعرفه تعلم أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الروعة والحسن ما ~~وجدت، إلا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة، وأن الغرض لا يصح إلا على ~~تركه. # ومما هو كأنه نوع آخر غير ما مضى، قول البحتري: [من الطويل] # إذا بعدت أبلت، وإن قربت شفت، ... فهجرانها يبلي، ولقيانها يشفي «1» # قد علم أن المعنى: إذا بعدت عني أبلتني، وإن قربت مني شفتني إلا أنك تجد ~~الشعر يأبى ذكر ذلك، ويوجب اطراحه. وذاك لأنه أرد أن يجعل البلى كأنه واجب ~~في بعادها أن يوجبه ms095 ويجلبه، كأنه كالطبيعة فيه، وكذلك حال الشفاء مع القرب، ~~حتى كأنه قال: أتدري ما بعادها؟ هو الداء المضني، وما قربها؟ هو الشفاء ~~والبرء من كل داء. ولا سبيل لك إلى هذه اللطيفة وهذه النكتة، إلا بحذف ~~المفعول البتة، فاعرفه. # وليس لنتائج هذا الحذف، أعني حذف المفعول، نهاية، فإنه طريق إلى ضروب من ~~الصنعة، وإلى لطائف لا تحصى. # وهذا نوع منه آخر: اعلم أن هاهنا بابا من الإضمار والحذف يسمى «الإضمار ~~على شريطة التفسير»، وذلك مثل قولهم: «أكرمني وأكرمت عبد الله»، أردت: # «أكرمني عبد الله وأكرمت عبد الله»، ثم تركت ذكره في الأول استغناء بذكره ~~في الثاني. فهذا طريق معروف ومذهب ظاهر، وشيء لا يعبأ به، ويظن أنه ليس فيه ~~أكثر مما تريك الأمثلة المذكورة منه. وفيه- إذا أنت طلبت الشيء من معدنه- ~~من دقيق الصنعة ومن جليل الفائدة، ما لا تجده إلا في كلام الفحول. ~~PageV01P110 # فمن لطيف ذلك ونادره قول البحتري: [من الكامل] # لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما، ولم تهدم مآثر خالد «1» # الأصل لا محالة: لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها، ثم حذف ذلك من ~~الأول استغناء بدلالته في الثاني عليه، ثم هو على ما تراه وتعلمه من الحسن ~~والغرابة، وهو على ما ذكرت لك من أن الواجب في حكم البلاغة أن لا ينطق ~~بالمحذوف ولا يظهر إلى اللفظ. فليس يخفى أنك لو رجعت فيه إلى ما هو أصله ~~فقلت: «لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها»، صرت إلى كلام غث، وإلى ~~شيء يمجه السمع، وتعافه النفس. وذلك أن في البيان، إذا ورد بعد الإبهام ~~وبعد التحريك له، أبدا لطفا ونبلا لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك. # وأنت إذا قلت: «لو شئت»، علم السامع أنك قد علقت هذه المشيئة في المعنى ~~بشيء، فهو يضع في نفسه أن هاهنا شيئا تقتضي مشيئته له أن يكون أو أن لا ~~يكون. فإذا قلت: «لم # تفسد سماحة حاتم»، عرف ذلك الشيء، ومجيء «المشيئة» بعد «لو» وبعد حروف ~~الجزاء ms096 هكذا موقوفة غير معداة إلى شيء، كثير شائع، كقوله تعالى: ولو شاء ~~الله لجمعهم على الهدى [الأنعام: 35]، وو لو شاء لهداكم أجمعين [النحل: 9]، ~~والتقدير في ذلك كله على ما ذكرت. فالأصل: لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى ~~لجمعهم، ولو شاء أن يهديكم أجمعين لهداكم، إلا أن البلاغة في أن يجاء به ~~كذلك محذوفا. # وقد يتفق في بعضه أن يكون إظهار المفعول هو الأحسن، وذلك نحو قول الشاعر: ~~[من الطويل] # ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه، ولكن ساحة البصر أوسع «2» # فقياس هذا لو كان على حد ولو شاء الله لجمعهم على الهدى [الأنعام: # 35] أن يقول: «لو شئت بكيت دما»، ولكنه كأنه ترك تلك الطريقة وعدل إلى ~~PageV01P111 # هذه، لأنها أحسن في هذا الكلام خصوصا. وسبب حسنه أنه كأنه بدع عجيب أن ~~يشاء الإنسان أن يبكي دما. فلما كان كذلك، كان الأولى أن يصرح بذكره ليقرره ~~في نفس السامع ويؤنسه به. # وإذا استقريت وجدت الأمر كذلك أبدا متى كان مفعول «المشيئة» أمرا عظيما، ~~أو بديعا غريبا، كان الأحسن أن يذكر ولا يذكر ولا يضمر. يقول الرجل بخبر عن ~~عزة: «لو شئت أن أرد على الأمير رددت» و «لو شئت أن ألقى الخليفة كل يوم ~~لقيت». فإذا لم يكن مما يكبره السامع، فالحذف كقولك: «لو شئت خرجت»، و «لو ~~شئت قمت»، و «لو شئت أنصفت»، و «لو شئت لقلت»، وفي التنزيل: لو نشاء لقلنا ~~مثل هذا [الأنفال: 31]، وكذا تقول: «لو شئت كنت كزيد»، قال: # [من البسيط] # لو شئت كنت ككرز في عبادته ... أو كابن طارق حول البيت والحرم «1» # وكذلك الحكم في غيره من حروف المجازاة أن تقول: «إن شئت قلت» و «إن أردت ~~دفعت»، قال الله تعالى فإن يشإ الله يختم على قلبك [الشورى: 24]، وقال عز ~~اسمه: من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم [الأنعام: 39]، ~~ونظائر ذلك من الآي، ترى الحذف فيها المستمر. # ومما يعلم أن ليس فيه لغير الحذف وجه قول طرفه: [من الطويل] # وإن شئت لم ترقل، ms097 وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوي من القد محصد «2» # وقول حميد: [من الطويل] PageV01P112 # إذا شئت غنتني بأجزاع بيشة ... أو الزرق من تثليث أو بيلملما # مطوقة ورقاء تسجع كلما ... دنا الصيف وانجاب الربيع فأنجما «1» # وقول البحتري: [من الطويل] # إذا شاء غادى صرمة، أو غدا على ... عقائل سرب، أو تقنص ربربا «2» # وقوله: [من الكامل] # لو شئت عدت بلاد نجد عودة، ... فحللت بين عقيقه وزروده «3» # معلوم أنك لو قلت: «وإن شئت أن لا ترقل لم ترقل»، أو قلت: «إذا شئت أن ~~تغنيني بأجزاع بيشة غنتني»، و «إذا شاء أن يغادي صرمة غادى»، و «لو شئت أن ~~تعود بلاد نجد # عودة عدتها» أذهبت الماء والرونق، وخرجت إلى كلام غث، ولفظ رث. # - وأما قول الجوهري: [من الطويل] # فلم يبق مني الشوق غير تفكري، ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا «4» # فقد نحا به نحو قوله: «ولو شئت أن أبكي دما لبكيته»، فأظهر مفعول «شئت»، ~~ولم يقل: «فلو شئت بكيت تفكرا»، لأجل أن له غرضا لا يتم إلا بذكر المفعول. ~~وذلك أنه لم يرد أن يقول: «ولو شئت أن أبكى تفكرا بكيت كذلك»، ولكنه أراد ~~أن يقول: قد أفناني النحول، فلم يبق مني وفي غير خواطر تجول، حتى لو شئت ~~بكاء فمريت «5» شئوني، وعصر عيني ليسيل منها دمع لم أجده، ولخرج بدل الدمع ~~التفكر. فالبكاء الذي أراد إيقاع المشيئة عليه مطلق مبهم غير معدى إلى ~~«التفكر» البتة، و «البكاء» الثاني مقيد معدى إلى التفكر. وإذا كان الأمر ~~كذلك، PageV01P113 # صار الثاني كأنه شيء غير الأول، وجرى مجرى أن تقول: «لو شئت أن تعطي ~~درهما أعطيت درهمين»، في أن الثاني لا يصلح أن يكون تفسيرا للأول. # واعلم أن هذا الذي ذكرنا ليس بصريح: «أكرمت وأكرمني عبد الله»، ولكنه ~~شبيه به في أنه إنما حذف الذي حذف من مفعول «المشيئة» و «الإرادة»، لأنه ~~الذي يأتي في جواب «لو» وأخواتها يدل عليه. # وإذا أردت ما هو صريح في ذلك، ثم هو نادر لطيف ينطوي على معنى دقيق ~~وفائدة جليلة، فانظر إلى بيت ms098 البحتري: [من الخفيف] # قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا «1» # المعنى: قد طلبنا لك مثلا؛ ثم حذف، لأن ذكره في الثاني يدل عليه، ثم إن ~~للمجيء به كذلك من الحسن والمزية والروعة ما لا يخفى. ولو أنه قال: «قد ~~طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده»، لم تر من هذا الحسن ~~الذي تراه شيئا. وسبب ذلك أن الذي هو الأصل في المدح والغرض بالحقيقة، هو ~~نفي الوجود عن «المثل»، فأما «الطلب»، فكالشيء يذكر ليبنى عليه الغرض ويؤكد ~~به أمره. وإذا كان هذا كذلك، فلو أنه قال: «قد طلبنا لك في السؤدد والمجد ~~والمكارم مثلا فلم نجده»، لكان يكون قد ترك أن يوقع نفي الوجود على صريح ~~لفظ «المثل»، وأوقعه على ضميره. ولن تبلغ الكناية مبلغ التصريح أبدا. # ويبين هذا، كلام ذكره أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان والتبيين «2»، ~~وأنا أكتب لك الفصل حتى تستبين الذي هو المراد، قال: # «والسنة في خطبة النكاح أن يطيل الخاطب ويقصر المجيب، ألا ترى أن قيس ابن ~~خارجة بن سنان لما ضرب بسيفه مؤخرة راحلة الحاملين في شأن حمالة داحس ~~والغبراء وقال: ما لي فيها أيها العشمتان «3»؟ قالا: بل ما عندك؟ قال: عندي ~~قرى كل نازل، ورضى كل ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها ~~بالتواصل، وأنهى فيها عن التقاطع قالوا: فخطب يوما إلى الليل، فما أعاد ~~كلمة ولا معنى. فقيل لأبي يعقوب «4»: هلا اكتفى بالأمر بالتواصل، عن النهي ~~عن التقاطع؟ أو PageV01P114 # ليس الأمر بالصلة هو النهي عن القطيعة؟ قل: أو ما علمت أن الكناية ~~والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف» «1». # انتهى الفصل الذي أردت أن أكتبه. فقد بصرك هذا أن لن يكون إيقاع نفي ~~الوجود على صريح لفظ المثل، كإيقاعه على ضميره. # وإذ قد عرفت هذا، فإن هذا المعنى بعينه قد أوجب في بيت ذي الرمة أن يضع ~~اللفظ على عكس ما وضعه البحتري «2»، فيعمل الأول من الفعلين، وذلك قوله: ~~[من الوافر] ms099 # ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيما، أن يكون أصاب مالا «3» # أعمل «لم أمدح»، الذي هو الأول، في صريح لفظ «اللئيم»، و «أرضى»، الذي هو ~~الثاني، في ضميره. وذلك لأن إيقاع نفي المدح على اللئيم صريحا، والمجيء به ~~مكشوفا ظاهرا، هو الواجب من حيث كان أصل الغرض، وكان الإرضاء تعليلا له. ~~ولو أنه قال: «ولم أمدح لأرضي بشعري لئيما»، لكان يكون قد أبهم الأمر فيما ~~هو الأصل، وأبانه فيما ليس بالأصل، فاعرفه. # ولهذا الذي ذكرنا من أن للتصريح عملا لا يكون مثل ذلك العمل للكناية، كان ~~لإعادة اللفظ في مثل قوله تعالى: وبالحق أنزلناه وبالحق نزل [الإسراء: # 105]، وقوله تعالى: قل هو الله أحد. الله الصمد [الإخلاص: 1 - 2]، من ~~الحسن والبهجة، ومن الفخامة والنبل، ما لا يخفى موضعه على بصير. وكان لو ~~ترك فيه الإظهار إلى الإضمار فقيل: «وبالحق أنزلناه وبه نزل»: و «قل هو ~~الله أحد هو الصمد» لعدمت الذي أنت واجده الآن. PageV01P115 ### | فصل [في تحليل مثال آخر للحذف] # قد بان الآن واتضح لما نظر نظر المتثبت- الحصيف الراغب في اقتداح زناد ~~العقل، والازدياد من الفضل، ومن شأنه التوق إلى أن يعرف الأشياء على ~~حقائقها، ويتغلغل إلى دقائقها، ويربأ بنفسه عن مرتبة المقلد الذي يجري مع ~~الظاهر، ولا يعدو الذي يقع في أول الخاطر- أن الذي قلت في شأن «الحذف» وفي ~~تفخيم أمره، والتنويه بذكره، وأن مأخذه مأخذ يشبه السحر، ويبهر الفكر، ~~كالذي قلت. # وهذا فن آخر من معانيه عجيب، وأنا ذاكره لك. قال البحتري في قصيدته التي ~~أولها: [من الطويل] أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم «1» وهو يذكر محاماة ~~الممدوح عليه، صيانته له، ودفعه نوائب الزمان عنه: [من الطويل] # وكم ذدت عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم «2» # الأصل لا محالة: حززن اللحم إلى العظم، إلا أن في مجيئه به محذوفا، ~~وإسقاطه له من النطق، وتركه في الضمير، مزية عجيبة وفائدة جليلة. # وذاك أن من حذق الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعا يمنعه به من ~~أن يتوهم في بدء ms100 الأمر شيئا غير المراد، ثم ينصرف إلى المراد. ومعلوم أنه ~~لو أظهر المفعول فقال: «وسورة أيام حززن اللحم إلى العظم»، لجاز أن يقع في ~~وهم السامع إلى أن يجيء إلى قوله: «إلى العظم»، أن هذا الحز كان في بعض ~~اللحم دون كله، وأنه قطع ما يلي الجلد ولم ينته إلى ما يلي العظم. فلما كان ~~كذلك، ترك ذكر «اللحم» وأسقطه من اللفظ، ليبرئ السامع من هذا الوهم، ويجعله ~~بحيث يقع المعنى منه في أنف «3» الفهم، ويتصور في نفسه من أول الأمر أن ~~الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلا العظم. PageV01P116 # أفيكون دليل أوضح من هذا وأبين وأجلى في صحة ما ذكرت لك، من أنك قد ترى ~~ترك الذكر أفصح من الذكر، والامتناع من أن يبرز اللفظ من الضمير، أحسن ~~للتصوير؟ ### | فصل القول على فروق في الخبر # أول ما ينبغي أن يعلم منه أنه ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم ~~الفائدة دونه، وخبر ليس بجزء من الجملة، ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له. ~~فالأول خبر المبتدأ، كمنطلق في قولك: «زيد منطلق»، والفعل كقولك: «خرج ~~زيد»، فكل واحد من هذين جزء من الجملة، وهو الأصل في الفائدة. # والثاني هو الحال: كقولك: «جاءني زيد راكبا»، وذاك لأن الحال خبر في ~~الحقيقة، ومن حيث أنك تثبت بها المعنى لذي الحال، كما تثبت بخبر المبتدأ ~~للمبتدإ، وبالفعل للفاعل. ألا تراك قد أثبت «الركوب» في قولك: «جاءني زيد ~~راكبا» لزيد؟ إلا أن الفرق أنك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، ~~وهو أن تجعله بهذه الهيئة في مجيئه، ولم تجرد إثباتك للركوب ولم تباشره به، ~~بل ابتدأت فأثبت المجيء، ثم وصلت به الركوب، فالتبس به الإثبات على سبيل ~~التبع للمجيء، وبشرط أن يكون في صلته. وأما في الخبر المطلق نحو: «زيد ~~منطلق» و «خرج عمرو»، فإنك مثبت للمعنى إثباتا جردته له، وجعلته يباشر من ~~غير واسطة، ومن غير أن تتسبب بغيره إليه، فاعرفه. # وإذ قد عرفت هذا الفرق، فالذي يليه ms101 من فروق الخبر، هو الفرق بين الإثبات ~~إذا كان بالاسم، وبينه إذا كان بالفعل. وهو فرق لطيف تمس الحاجة في علم ~~البلاغة إليه. # وبيانه، أن موضوع الاسم على أن يثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي ~~تجدده شيئا بعد شيء. # وأما الفعل فموضوعه على أنه يقتضي تجدد المعنى المثبت به شيئا بعد شيء. # فإذا قلت: «زيد منطلق»، فقد أثبت الانطلاق فعلا له، من غير أن تجعله ~~يتجدد ويحدث منه شيئا فشيئا، بل يكون المعنى فيه كالمعنى في قولك: «زيد ~~طويل»، و «عمرو قصير»: فكما لا تقصد هاهنا إلى أن تجعل الطول أو القصر ~~يتجدد # PageV01P117 # ويحدث، بل توجبهما وتثبتهما فقط، وتقضي بوجودهما على الإطلاق، كذلك لا ~~تتعرض في قولك: «زيد منطلق» لأكثر من إثباته لزيد. # وأما الفعل، فإنه يقصد فيه إلى ذلك. فإذا قلت: «زيد ها هو ذا ينطلق»، فقد ~~زعمت أن الانطلاق يقع منه جزءا فجزءا، وجعلته يزاوله ويزجيه. # وإن شئت أن تحس الفرق بينهما من حيث يلطف، فتأمل هذا البيت: [من البسيط] # لا يألف الدرهم المضروب خرقتنا، ... لكن يمر عليها وهو منطلق «1» # هذا هو الحسن اللائق بالمعنى، ولو قلته بالفعل: «لكن يمر عليها وهو ~~ينطلق»، لم يحسن. # وإذا أردت أن تعتبره حيث لا يخفى أن أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه، فانظر ~~إلى قوله تعالى: وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد [الكهف: 18]، فإن أحدا لا يشك ~~في امتناع الفعل هاهنا، وأن قولنا: «كلبهم يبسط ذراعيه»، لا يؤدي الغرض. ~~وليس ذلك إلا لأن الفعل يقتضي مزاولة وتجدد الصفة في الوقت، ويقتضي الاسم ~~ثبوت الصفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتزجية فعل، ومعنى يحدث ~~شيئا فشيئا. ولا فرق بين «وكلبهم باسط»، وبين أن يقول: «وكلبهم واحد» مثلا، ~~في أنك لا تثبت مزاولة، ولا تجعل الكلب يفعل شيئا، بل تثبته بصفة هو عليها. ~~فالغرض إذن تأدية هيئة الكلب. # ومتى اعتبرت الحال في الصفات المشبهة وجدت الفرق ظاهرا بينا، ولم يعترضك ~~الشك في أن أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه. فإذا قلت: ms102 «زيد طويل»، و «عمرو ~~قصير»: لم يصلح مكانه «يطول» و «يقصر»، وإنما تقول: «يطول» و «يقصر»، إذا ~~كان الحديث عن شيء يزيد وينمو كالشجر والنبات والصبي ونحو ذلك، مما يتجدد ~~فيه الطول أو يحدث فيه القصر. فأما وأنت تحدث عن هيئة ثابتة، وعن شيء قد ~~استقر طوله، ولم يكن ثم تزايد وتجدد، فلا يصلح فيه إلا الاسم. # وإذا ثبت الفرق بين الشيء والشيء في مواضع كثيرة، وظهر الأمر، بأن ترى ~~أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه، وجب أن تقضي بثبوت الفرق حيث ترى ~~PageV01P118 # أحدهما قد صلح في مكان الآخر، وتعلم أن المعنى مع أحدهما غيره مع الآخر، ~~كما هو العبرة في حمل الخفي على الجلي. وينعكس لك هذا الحكم، أعني أنك كما ~~وجدت الاسم يقع حيث لا يصلح الفعل مكانه، كذلك تجد الفعل يقع ثم لا يصلح ~~الاسم مكانه، ولا يؤدي ما كان يؤديه. # فمن البين في ذلك قول الأعشى: [من الطويل] # لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرق # تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق «1» # معلوم أنه لو قيل: «إلى ضوء نار متحرقة»، لنبا عنه الطبع وأنكرته النفس، ~~ثم لا يكون ذاك النبو وذاك الإنكار من أجل القافية وأنها تفسد به، بل من ~~جهة أنه لا يشبه الغرض ولا يليق بالحال. # وكذلك قوله: [من الكامل] # أوكلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلي عريفهم يتوسم «2» # وذلك لأن المعنى في بيت الأعشى على أن هناك موقدا يتجدد منه الإلهاب ~~والإشعال حالا فحالا، وإذا قيل: «متحرقة»، كان المعنى أن هناك نارا قد ثبتت ~~لها وفيها هذه الصفة، وجرى مجرى أن يقال: «إلى ضوء نار عظيمة» في أنه لا ~~يفيد فعلا يفعل وكذلك الحال في قوله: «بعثوا إلي عريفهم يتوسم»، وذلك لأن ~~المعنى على توسم وتأمل ونظر يتجدد من العريف هناك حالا فحالا وتصفح منه ~~الوجوه واحدا بعد واحد: ولو قيل: «بعثوا إلي عريفهم متوسما»، لم يفد ذلك حق ~~الإفادة. PageV01P119 # ومن ذلك قوله تعالى: هل من خالق غير الله ms103 يرزقكم من السماء والأرض [فاطر: ~~3]، لو قيل: «هل من خالق غير الله رازق لكم»، لكان المعنى غير ما أريد. # ولا ينبغي أن يغرك أنا إذا تكلمنا في مسائل المبتدأ والخبر قدرنا الفعل ~~في هذا النحو تقدير الاسم، كما نقول، في «زيد يقوم»، إنه في موضع «زيد ~~قائم»، فإن ذلك لا يقتضي أن يستوي المعنى فيهما استواء لا يكون من بعده ~~افتراق، فإنهما لو استويا هذا الاستواء، لم يكن أحدهما فعلا والآخر اسما، ~~بل كان ينبغي أن يكونا جميعا فعلين، أو يكونا اسمين. # ومن فروق الإثبات أنك تقول: «زيد منطلق» و «زيد المنطلق»، «المنطلق زيد»، ~~فيكون لك في كل واحد من هذه الأحوال غرض خاص وفائدة لا تكون في الباقي. ~~وأنا أفسر لك ذلك. # اعلم أنك إذا قلت: «زيد منطلق»، كان كلامك مع من لم يعلم أن انطلاقا كان، ~~لا من زيد ولا من عمرو، فأنت تفيده ذلك ابتداء. # وإذا قلت: «زيد المنطلق» كان كلامك مع من عرف أن انطلاقا كان، إما من زيد ~~وإما من عمرو، فأنت تعلمه أنه كان من زيد دون غيره. # والنكتة أنك تثبت في الأول الذي هو قولك: «زيد منطلق» فعلا لم يعلم ~~السامع من أصله أنه كان، وتثبت في الثاني الذي هو «زيد المنطلق» فعلا قد ~~علم السامع أنه كان، ولكنه لم يعلمه لزيد، فأفدته ذلك. فقد وافق الأول في ~~المعنى الذي له كان الخبر خبرا، وهو إثبات المعنى للشيء. وليس يقدح في ذلك ~~أنك كنت قد علمت أن انطلاقا كان من أحد الرجلين، لأنك إذا لم تصل إلى القطع ~~على أنه كان من زيد دون عمرو، وكان حالك في الحاجة إلى من يثبته لزيد، ~~كحالك إذا لم تعلم أنه كان من أصله. # وتمام التحقيق أن هذا كلام يكون معك إذا كنت قد بلغت أنه كان من إنسان ~~انطلاق من موضع كذا في وقت كذا لغرض كذا، فجوزت أن يكون ذلك كان من زيد. ~~فإذا قيل لك: «زيد المنطلق»، صار الذي كان معلوما على جهة ms104 الجواز، معلوما ~~على جهة الوجوب. ثم إنهم إذا أرادوا تأكيد هذا الوجوب أدخلوا الضمير المسمى ~~«فصلا» بين الجزءين فقالوا: «زيد هو المنطلق». # ومن الفرق بين المسألتين، وهو مما تمس الحاجة إلى معرفته، أنك إذا نكرت # PageV01P120 # الخبر جاز أن تأتي بمبتدإ ثان، على أن تشركه بحرف العطف في المعنى الذي ~~أخبرت به عن الأول، وإذا عرفت لم يجز ذلك. # تفسير هذا أنك تقول: «زيد منطلق وعمرو»، تريد «وعمرو منطلق أيضا»، ولا ~~تقول: «زيد المنطلق وعمرو»، ذلك لأن المعنى مع التعريف على أنك أردت أن ~~تثبت انطلاقا مخصوصا قد كان من واحد، فإذا أثبته لزيد لم يصح إثباته لعمرو. # ثم إن كان قد كان ذلك الانطلاق من اثنين، فإنه ينبغي أن تجمع بينهما في ~~الخبر فتقول: «زيد وعمرو هما المنطلقان»، لا أن تفرق فتثبته أولا لزيد، ثم ~~تجيء فتثبته لعمرو. # ومن الواضح في تمثيل هذا النحو قولنا: «هو القائل بيت كذا»، كقولك: # جرير هو القائل: [من الطويل] وليس لسيفي في العظام بقية «1» فأنت لو ~~حاولت أن تشرك في هذا الخبر غيره، فتقول: «جرير هو القائل هذا البيت ~~وفلان»، حاولت محالا، لأنه قول بعينه، فلا يتصور أن يشرك جريرا فيه غيره. # واعلم أنك تجد «الألف واللام» في الخبر على معنى الجنس، ثم ترى له في ذلك ~~وجوها: # أحدها: أن تقصر جنس المعنى على المخبر عنه لقصدك المبالغة، وذلك قولك: # «زيد هو الجواد» و «عمرو هو الشجاع»، تريد أنه الكامل، إلا أنك تخرج ~~الكلام في صورة توهم أن الجود أو الشجاعة لم توجد إلا فيه، وذلك لأنك لم ~~تعتد بما كان من غيره، لقصوره عن أن يبلغ الكمال. فهذا كالأول في امتناع ~~العطف عليه للإشراك، فلو قلت: «زيد هو الجواد وعمرو»، كان خلفا من القول. # والوجه الثاني: أن تقصر جنس المعنى الذي تفيده بالخبر على المخبر عنه، لا ~~على معنى المبالغة وترك الاعتداد بوجوده في غير المخبر عنه، بل على دعوى ~~أنه لا يوجد إلا منه. ولا يكون ذلك إلا إذا قيدت المعنى بشيء ms105 يخصصه ويجعله ~~في حكم PageV01P121 # نوع برأسه، وذلك كنحو أن يقيد بالحال والوقت، كقولك: «هو الوفي حين لا ~~تظن نفس بنفس خيرا» «1». وهكذا إذا كان الخبر بمعنى يتعدى، ثم اشترطت له ~~مفعولا مخصوصا، كقول الأعشى: [من المتقارب] هو الواهب المائة المصطفاة، إما ~~مخاضا وإما عشارا «2» فأنت تجعل الوفاء في الوقت الذي لا يفي فيه أحد، نوعا ~~خاصا من الوفاء، وكذلك تجعل هبة المائة من الإبل نوعا خاصا، وكذا الباقي. ~~ثم إنك تجعل كل هذا خبرا على معنى الاختصاص، وأنه للمذكور دون من عداه. # ألا ترى أن المعنى في بيت الأعشى: أنه لا يهب هذه الهبة إلا الممدوح؟ # وربما ظن الظان أن «اللام» في «هو الواهب المائة المصطفاة» بمنزلتها في ~~نحو «زيد هو المنطلق»، من حيث كان القصد إلى هبة مخصوصة، كما كان القصد إلى ~~انطلاق مخصوص. وليس الأمر كذلك، لأن القصد هاهنا إلى جنس من الهبة مخصوص، ~~لا إلى هبة مخصوصة بعينها. يدلك على ذلك أن المعنى على أنه يتكرر منه، وعلى ~~أن يجعله يهب المائة مرة بعد أخرى، وأما المعنى في قولك: «زيد هو المنطلق»، ~~فعلى القصد إلى انطلاق كان مرة واحدة، لا إلى جنس من الانطلاق. فالتكرر ~~هناك غير متصور، كيف؟ وأنت تقول: جرير هو القائل: # وليس لسيفي في العظام بقية تريد أن تثبت له قيل هذا البيت وتأليفه. فافصل ~~بين أن تقصد إلى نوع فعل، وبين أن تقصد إلى فعل واحد متعين، حاله في ~~المعاني حال زيد في الرجال، في أنه ذات بعينها. # والوجه الثالث: أن لا يقصد قصر المعنى في جنسه على المذكور، لا كما كان ~~في «زيد هو الشجاع»، تريد أن لا تعتد بشجاعة غيره ولا كما ترى في قوله: «هو ~~PageV01P122 # الواهب المائة المصطفاة»، ولكن على وجه ثالث، وهو الذي عليه قول الخنساء: # [من الوافر] # إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا «1» # لم ترد أن ما عدا البكاء عليه فليس بحسن ولا جميل، ولم تقيد الحسن بشيء ~~فيتصور أن يقصر على البكاء، كما قصر ms106 الأعشى هبة المائة على الممدوح، ولكنها ~~أرادت أن تقره في جنس ما حسنه الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد، ولا يشك فيه ~~شاك. # ومثله قول حسان: [من الطويل] # وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد «2» # أراد أن يثبت العبودية، ثم يجعله ظاهر الأمر فيها ومعروفا بها، ولو قال: # «ووالدك عبد»، لم يكن قد جعل حاله في العبودية حالة ظاهرة متعارفة وعلى ~~ذلك قول الآخر: [من الطويل] # أسود إذا ما أبدت الحرب نابها ... وفي سائر الدهر الغيوث المواطر # واعلم أن للخبر المعرف «بالألف واللام» معنى غير ما ذكرت لك، وله مسلك ثم ~~دقيق ولمحة كالخلس، يكون المتأمل عنده كما يقال: «يعرف وينكر»، وذلك قولك: ~~«هو البطل المحامي» و «هو المتقى المرتجى»، وأنت لا تقصد شيئا مما تقدم، ~~فلست تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان، ولم يعلم أنه ممن كان كما مضى ~~في قولك: «زيد هو المنطلق»، ولا تريد أن تقصر معنى عليه على معنى أنه لم ~~يحصل لغيره على الكمال، كما كان في قولك: «ووالدك العبد»، ولكنك تريد أن ~~تقول لصاحبك: هل سمعت بالبطل المحامي؟ وهل حصلت معنى هذه الصفة؟ # وكيف ينبغي أن يكون الرجل حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه؟ فإن كنت قتلته ~~علما، وتصورته حق تصوره، فعليك صاحبك واشدد به يدك، فهو ضالتك وعنده بغيتك، ~~وطريقه طريق قولك: «هل سمعت بالأسد؟ وهل تعرف ما هو؟ فإن كنت تعرف، فزيد هو ~~هو بعينه». PageV01P123 # ويزداد هذا المعنى ظهورا بأن تكون الصفة التي تريد الإخبار بها عن ~~المبتدأ مجراة على موصوف، كقول ابن الرومي: [من الطويل] # هو الرجل المشروك في جل ماله ... ولكنه بالمجد والحمد مفرد «1» # تقديره، كأنه يقول للسامع: فكر في رجل لا يتميز عفاته وجيرانه ومعارفه ~~عنه في ماله وأخذ ما شاءوا منه، فإذا حصلت صورته في نفسك، فاعلم أنه ذلك ~~الرجل. # وهذا فن عجيب الشأن، وله مكان من الفخامة والنبل، وهو من سحر البيان الذي ~~تقصر العبارة عن تأدية حقه. والمعول فيه ms107 على مراجعة النفس واستقصاء التأمل، ~~فإذا # علمت أنه لا يريد بقوله: «الرجل المشروك في جل ماله» أن يقول: هو الذي ~~بلغك حديثه، وعرفت من حاله وقصته أنه يشرك في جل ماله، على حد قولك: # «هو الرجل الذي بلغك أنه أنفق كذا، والذي وهب المائة المصطفاة من الإبل» ~~ولا أن يقول إنه على معنى: «هو الكامل في هذه الصفة»، حتى كأن هاهنا أقواما ~~يشركون في جل أموالهم، إلا أنه في ذلك أكمل وأتم؛ لأن ذلك لا يتصور. وذلك ~~أن كون الرجل بحيث يشرك في جل ماله، ليس بمعنى يقع فيه تفاضل، كما أن بذل ~~الرجل كل ما يملك كذلك، ولو قيل: «الذي يشرك في ماله»، جاز أن يتفاوت. وإذا ~~كان كذلك، علمت أنه معنى ثالث. وليس إلا ما أشرت إليه من أنه يقول للمخاطب: # «ضع في نفسك معنى قولك: رجل مشروك في جل ماله، ثم تأمل فلانا، فإنك ~~تستملي هذه الصورة منه، وتجده يؤديها لك نصا، ويأتيك بها كملا». # وإن أردت أن تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصادي إلى برد ~~الماء، فاسمع قوله: [من الطويل] # أنا الرجل المدعو عاشق فقره ... إذا لم تكارمني صروف زماني # وإن أردت أعجب من ذلك فقوله: [من الكامل] # أهدى إلي أبو الحسين يدا ... أرجو الثواب بها لديه غدا # وكذاك عادات الكريم إذا ... أولى يدا حسبت عليه يدا # إن كان يحسد نفسه أحد، ... فلأزعمنك ذلك الأحدا «2» # فهذا كله على معنى الوهم والتقدير، وأن يصور في خاطره شيئا لم يره ولم ~~يعلمه، ثم يجريه مجرى ما عهد وعلم. PageV01P124 # وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من «الذي»، فإنه يجيء كثيرا على أنك ~~تقدر شيئا في وهمك، ثم تعبر عنه «بالذي»، ومثال ذلك قوله: [من الطويل] # أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك، وإن تغضب إلى السيف يغضب «1» # وقول الآخر: [من الطويل] # أخوك الذي إن ربته قال: إنما ... أربت، وإن عاتبته لان جانبه «2» # فهذا ونحوه على أنك قدرت إنسانا هذه صفته وهذا شأنه، وأحلت السامع على ms108 من ~~يعن في الوهم، دون أن يكون قد عرف رجلا بهذه الصفة، فأعلمته أن المستحق ~~لاسم الأخوة هو ذلك الذي عرفه، حتى كأنك قلت: «أخوك زيد الذي عرفت أنك إن ~~تدعه لملمة يجبك». # ولكون هذا الجنس معهودا من طريق الوهم والتخيل، جرى على ما يوصف ~~بالاستحالة، كقولك للرجل وقد تمنى: «هذا هو الذي لا يكون»، و «هذا ما لا ~~يدخل في الوجود»، وكقوله: [من الكامل] # ما لا يكون فلا يكون بحيلة ... أبدا وما هو كائن سيكون «3» # ومن لطيف هذا الباب قوله: [من الطويل] # وإني لمشتاق إلى ظل صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه «4» # قد قدر كما ترى ما لم يعلمه موجودا، ولذلك قال المأمون: «خذ مني الخلافة ~~وأعطني هذا الصاحب». فهذا التعريف الذي تراه في الصاحب لا يعرض فيه شك أنه ~~موهوم. # وأما قولنا: «المنطلق زيد»، والفرق بينه وبين أن تقول: «زيد المنطلق»، ~~فالقول في ذلك أنك وإن كنت ترى في الظاهر أنهما سواء من حيث كان الغرض في ~~PageV01P125 # الحالين إثبات انطلاق قد سبق العلم به لزيد فليس الأمر كذلك، بل بين ~~الكاملين فصل ظاهر. # وبيانه: أنك إذا قلت: «زيد المنطلق»، فأنت في حديث انطلاق قد كان، وعرف ~~السامع كونه، إلا أنه لم يعلم أمن زيد كان أم من عمرو؟ فإذا قلت: «زيد ~~المنطلق»، أزلت عنه الشك وجعلته يقطع بأنه كان من زيد، بعد أن كان يرى ذلك ~~في سبيل الجواز. # وليس كذلك إذا قدمت «المنطلق» فقلت: «المنطلق زيد»، بل يكون المعنى حينئذ ~~على أنك رأيت إنسانا ينطلق بالبعد منك، فلم تثبته، ولم تعلم أزيد هو أم ~~عمرو، فقال لك صاحبك: «المنطلق زيد»، أي هذا الشخص الذي تراه من بعد هو ~~زيد. # وقد ترى الرجل قائما بين يديك وعليه ثوب ديباج، والرجل ممن عرفته قديما ~~ثم بعد عهدك به فتناسيته، فيقال لك: «اللابس الديباج صاحبك الذي كان يكون ~~عندك في وقت كذا، أما تعرفه؟ لشد ما نسيت»، ولا يكن الغرض أن يثبت له لبس ~~الديباج، لاستحالة ذلك، من حيث أن ms109 رؤيتك الديباج عليه تغنيك عن إخبار مخبر ~~وإثبات مثبت لبسه له. # فمتى رأيت اسم فاعل أو صفة من الصفات قد بدئ به، فجعل مبتدأ، وجعل الذي ~~هو صاحب الصفة في المعنى خبرا، فاعلم أن الغرض هناك، غير الغرض إذا كان اسم ~~الفاعل أو الصفة خبرا، كقولك: «زيد المنطلق». # واعلم أنه ربما اشتبهت الصورة في بعض المسائل من هذا الباب، حتى يظن أن ~~المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبرا، لم يختلف المعنى فيهما بتقديم وتأخير. ~~ومما يوهم ذلك قول النحويين في «باب كان»: «إذا اجتمع معرفتان كنت بالخيار ~~في جعل أيهما شئت اسما، والآخر خبرا، كقولك: «كان زيد أخاك» و «كان أخوك ~~زيدا»، فيظن من هاهنا أن تكافؤ الاسمين في التعريف يقتضي أن لا يختلف ~~المعنى بأن تبدأ بهذا وتثني بذاك، وحتى كأن الترتيب الذي يدعى بين المبتدأ ~~والخبر وما يوضع لهما من المنزلة في التقدم والتأخر، يسقط ويرتفع إذا كان ~~الجزآن معا معرفتين. # ومما يوهم ذلك أنك تقول: «الأمير زيد»، و «جئتك والخليفة عبد الملك». # فيكون المعنى على إثبات الإمارة لزيد، والخلافة لعبد الملك، كما يكون إذا ~~قلت: # «زيد الأمير» و «عبد الملك الخليفة»، وتقوله لمن لا يشاهد، ومن هو غائب ~~عن حضرة الإمارة ومعدن الخلافة. # PageV01P126 # وهكذا من يتوهم في نحو قوله: [من الطويل] # أبوك حباب سارق الضيف برده ... وجدي يا حجاج فارس شمرا «1» # أنه لا فصل بينه وبين أن يقال: «حباب أبوك، وفارس شمر جدي». وهو موضع ~~غامض. # والذي يبين وجه الصواب، ويدل على وجوب الفرق بين المسألتين: # أنك إذا تأملت الكلام وجدت ما لا يحتمل التسوية، وما تجد الفرق قائما فيه ~~قياما لا سبيل إلى دفعه، هو الأعم الأكثر. # وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى ما قدمت لك من قولك: «اللابس الديباج ~~زيد»، وأنت تشير له إلى رجل بين يديه، ثم انظر إلى قول العرب: «ليس الطيب ~~إلا المسك»، وقول جرير: [من الوافر] ألستم خير من ركب المطايا «2» ونحو قول ~~المتنبي: [من الوافر] ألست ابن الألى سعدوا وسادوا ms110 «3» وأشباه ذلك مما لا ~~يحصى ولا يعد المعنى على أن يسلم لك مع قلب طرفي الجملة، وقل: «ليس المسك ~~إلا الطيب»، و «أليس خير من ركب المطايا إياكم؟»، «أليس ابن الألى سعدوا ~~وسادوا إياك»؟ تعلم أن الأمر على ما عرفتك من وجوب اختلاف المعنى بحسب ~~التقديم والتأخير. PageV01P127 # وهاهنا نكتة يجب القطع معها بوجوب هذا الفرق أبدا، وهي أن المبتدأ لم يكن ~~مبتدأ لأنه منطوق به أولا، ولا كان الخبر خبرا لأنه مذكور بعد المبتدأ، بل ~~كان المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه ومثبت له المعنى، والخبر خبرا لأنه مسند ~~ومثبت به المعنى. # تفسير ذلك: أنك إذا قلت: «زيد منطلق» فقد أثبت الانطلاق لزيد وأسندته ~~إليه، فزيد مثبت له، ومنطلق مثبت به، وأما تقديم المبتدأ على الخبر لفظا، ~~فحكم واجب من هذه الجهة، أي من جهة أن كان المبتدأ هو الذي يثبت له المعنى ~~ويسند إليه، والخبر هو الذي يثبت به المعنى ويسند. ولو كان المبتدأ مبتدأ ~~لأنه في اللفظ مقدم مبدوء به، لكان ينبغي أن يخرج عن كونه مبتدأ بأن يقال: ~~«منطلق زيد»، ولوجب أن يكون قولهم: «إن الخبر مقدم في اللفظ والنية به ~~التأخير»، محالا. وإذا كان هذا كذلك ثم جئت # بمعرفتين فجعلتهما مبتدأ وخبرا فقد وجب وجوبا أن تكون مثبتا بالثاني معنى ~~للأول. فإذا قلت: «زيد أخوك»، كنت قد أثبت معنى لزيد، وإذا قدمت وأخرت ~~فقلت: «أخوك زيد»، وجب أن تكون مثبتا بزيد معنى لأخوك، وإلا كان تسميتك له ~~الآن مبتدأ وإذ ذاك خبرا، تغييرا للاسم عليه من غير معنى، ولأدى إلى أن لا ~~يكون لقولهم «المبتدأ والخبر» فائدة غير أن يتقدم اسم في اللفظ على اسم، من ~~غير أن ينفرد كل واحد منهما بحكم لا يكون لصاحبه. وذلك مما لا يشك في ~~سقوطه. # ومما يدل دلالة واضحة على اختلاف المعنى، إذا جئت بمعرفتين، ثم جعلت هذا ~~مبتدأ وذلك خبرا تارة، وتارة بالعكس، قولهم: «الحبيب أنت»، و «أنت الحبيب»، ~~وذاك أن معنى «الحبيب أنت»، أنه لا فصل بينك وبين ms111 من تحبه إذا صدقت المحبة، ~~وأن مثل المتحابين مثل نفس يقتسمها شخصان، كما جاء عن بعض الحكماء أنه قال: ~~«الحبيب أنت إلا أنه غيرك». فهذا كما ترى فرق لطيف ونكتة شريفة، ولو حاولت ~~أن تفيدها بقولك: «أنت الحبيب»، حاولت ما لا يصح، لأن الذي يعقل من قولك: ~~«أنت الحبيب» هو ما عناه المتنبي في قوله: [من البسيط] # أنت الحبيب ولكني أعوذ به ... من أن أكون محبا غير محبوب «1» PageV01P128 # ولا يخفى بعد ما بين الغرضين. فالمعنى في قولك: «أنت الحبيب» أنك الذي ~~أختصه بالمحبة من بين الناس، وإذا كان كذلك، عرفت أن الفرق واجب أبدا، وأنه ~~لا يجوز أن يكون «أخوك زيد» و «زيد أخوك» بمعنى واحد. # وهاهنا شيء يجب النظر فيه، وهو أن قولك: «أنت الحبيب»، كقولنا «أنت ~~الشجاع»، تريد أنه الذي كملت فيه الشجاعة، أم كقولنا: «زيد المنطلق»، تريد ~~أنه الذي كان منه الانطلاق الذي سمع المخاطب به؟ وإذا نظرنا وجدناه لا ~~يحتمل أن يكون كقولنا: «أنت الشجاع»، لأنه يقتضي أن يكون المعنى أنه لا ~~محبة في الدنيا إلا ما هو به حبيب، كما أن المعنى في «هو الشجاع» أنه لا ~~شجاعة في الدنيا إلا ما تجده عنده وما هو شجاع به. وذلك محال. # وأمر آخر وهو أن الحبيب «فعيل» بمعنى «مفعول»، فالمحبة إذن ليست هي له ~~بالحقيقة، وإنما هي صفة لغيره قد لابسته وتعلقت به تعلق الفعل بالمفعول. # والصفة إذا وصفت بكمال وصفت به على أن يرجع ذلك الكمال إلى من هي صفة له، ~~دون من تلابسه ملابسة المفعول. وإذا كان كذلك، بعد أن تقول: «أنت المحبوب»، ~~على معنى أنت الكامل في كونك محبوبا، كما أن بعيدا أن يقال: «هو المضروب»، ~~على معنى أنه الكامل في كونه مضروبا. # وإن جاء شيء من ذلك جاء على تعسف فيه وتأويل لا يتصور هاهنا، وذلك أن ~~يقال مثلا: «زيد هو المظلوم»، على معنى أنه لم يصب أحدا ظلم يبلغ في الشدة ~~والشناعة الظلم الذي لحقه، فصار كل ظلم سواه عدلا في ms112 جنبه، ولا يجيء هذا ~~التأويل في قولنا: «أنت الحبيب»، لأنا نعلم أنهم لا يريدون بهذا الكلام أن ~~يقولوا: # إن أحدا لم يحب أحدا محبتي لك، وأن ذلك قد أبطل المحبات كلها حتى صرت ~~الذي لا يعقل للمحبة معنى إلا فيه، وإنما الذي يريدون أن المحبة مني ~~بجملتها مقصورة عليك، وأنه ليس لأحد غيرك حظ في محبة مني. # وإذا كان كذلك بان أنه لا يكون بمنزلة «أنت الشجاع»، تريد الذي يتكامل ~~الوصف فيه، إلا أنه ينبغي من بعد أن تعلم أن بين «أنت الحبيب» وبين «زيد ~~المنطلق» فرقا، وهو أن لك في المحبة التي أثبتها طرفا من الجنسية، من حيث ~~كان المعنى أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك، ولم تعمد إلى محبة واحدة من ~~محباتك. ألا ترى أنك قد أعطيت بقولك: «أنت الحبيب» أنك لا تحب غيره، وأن لا ~~محبة لأحد سواه عندك؟ ولا يتصور هذا في «زيد المنطلق»، لأنه لا وجه هناك # PageV01P129 # للجنسية، إذ ليس ثم إلا انطلاق واحد قد عرف المخاطب أنه كان، واحتاج أن ~~يعين له الذي كان منه وينص له عليه. فإن قلت: «زيد المنطلق في حاجتك»، تريد ~~الذي من شأنه أن يسعى في حاجتك، عرض فيه معنى الجنسية حينئذ على حدها في ~~«أنت الحبيب». # وهاهنا أصل يجب أن تحكمه: وهو أن من شأن أسماء الأجناس كلها إذا وصفت، أن ~~تتنوع بالصفة، فيصير «الرجل» الذي هو جنس واحد إذا وصفته فقلت: # «رجل ظريف»، و «رجل طويل»، و «رجل قصير»، «رجل شاعر»، و «رجل كاتب»، ~~أنواعا مختلفة يعد كل نوع منها شيئا على حدة، وتستأنف في اسم «الرجل» بكل ~~صفة تقرنها إليه جنسية. # وهكذا القول في «المصادر»، تقول: «العلم» و «الجهل» و «الضرب» و «القتل» ~~و «السير» و «القيام» و «القعود»، فتجد كل واحد من هذه المعاني جنسا كالرجل ~~والفرس والحمار. فإذا وصفت فقلت: «علم كذا» و «علم كذا» كقولك: # «علم ضروري» و «علم مكتسب»، و «علم جلي» و «علم خفي» و «ضرب شديد» و «ضرب ~~خفيف» و ms113 «سير سريع» و «سير بطيء» وما شاكل ذلك، انقسم الجنس منها أقساما، ~~وصار أنواعا، وكان مثلها مثل الشيء المجموع المؤلف تفرقه فرقا وتشعبه شعبا. ~~وهذا مذهب معروف عندهم، وأصل متعارف في كل جيل وأمة. # ثم إن هاهنا أصلا هو كالمتفرع على هذا الأصل أو كالنظير له، وهو أن من ~~شأن «المصدر» أن يفرق بالصلات كما يفرق بالصفات. # ومعنى هذا الكلام أنك تقول «الضرب»، فتراه جنسا واحدا، فإذا قلت: # «الضرب بالسيف»، صار بتعديتك له إلى السيف، نوعا مخصوصا. ألا تراك تقول: # «الضرب بالسيف غير الضرب بالعصا»، تريد أنهما نوعان مختلفان، وأن ~~اجتماعهما في اسم «الضرب» لا يوجب اتفاقهما، لأن الصلة قد فصلت بينهما ~~وفرقتهما. ومن المثال البين في ذلك قول المتنبي: [من الكامل] # وتوهموا اللعب الوغى، والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان «1» ~~PageV01P130 # لولا أن اختلاف صلة المصدر تقتضي اختلافه في نفسه، وأن يحدث فيه انقسام ~~وتنوع، لما كان لهذا الكلام معنى، ولكان في الاستحالة كقولك: و «الطعن غير ~~الطعن». فقد بان إذن أنه إنما كان كل واحد من الطعنين جنسا برأسه غير ~~الآخر، بأن كان هذا في الهيجاء، وذاك في الميدان. # وهكذا الحكم في كل شيء تعدى إليه «المصدر» وتعلق به. فاختلاف مفعولي ~~المصدر يقتضي اختلافه، وأن يكون المتعدي إلى هذا المفعول غير المتعدي إلى ~~ذاك. وعلى ذلك تقول: «ليس إعطاؤك الكثير كإعطائك القليل»، وهكذا إذا عديته ~~إلى الحال كقولك: «ليس إعطاؤك معسرا كإعطائك موسرا» و «ليس بذلك وأنت مقل، ~~كبذلك وأنت مكثر». # وإذ قد عرفت هذا من حكم «المصدر»، فاعتبر به حكم الاسم المشتق منه. # وإذا اعتبرت ذلك علمت أن قولك: «هو الوفي حين لا يفي أحد»، و «هو الواهب ~~المائة المصطفاة» «1»، وقوله: [من الخفيف] # وهو الضارب الكتيبة، والطع ... نة تغلو، والضرب أغلى وأغلى «2» # وأشباه ذلك كلها أخبار فيها معنى الجنسية، وأنها في نوعها الخاص بمنزلة ~~الجنس المطلق إذا جعلته خبرا فقلت: «أنت الشجاع». # وكما أنت لا تقصد بقولك: «أنت الشجاع» إلى شجاعة بعينها قد كانت وعرفت من ms114 ~~إنسان، وأردت أن تعرف ممن كانت، بل تريد أن تقصر جنس الشجاعة عليه، ولا ~~تجعل لأحد غيره فيه حظا، كذلك لا تقصد بقولك: «أنت الوفي حين لا يفي أحد» ~~إلى وفاء واحد. كيف؟ وأنت تقول: «حين لا يفي أحد». # وهكذا محال أن يقصد في قوله: «هو الواهب المائة المصطفاة»، إلى هبة ~~واحدة، لأنه يقتضي أن يقصد إلى مائة من الإبل قد وهبها مرة، ثم لم يعد ~~لمثلها. # ومعلوم أنه خلاف الغرض، لأن المعنى أنه الذي من شأنه أن يهب المائة أبدا، ~~والذي يبلغ عطاؤه هذا المبلغ، كما تقول: «هو الذي يعطي مادحه الألف ~~والألفين»، وكقوله: [من الرجز] PageV01P131 # وحاتم الطائي وهاب المئي «1» وذلك أوضح من أن يخفى. # وأصل آخر: وهو أن من حقنا أن نعلم أن مذهب الجنسية في الاسم وهو خبر، غير ~~مذهبها وهو مبتدأ. # تفسير هذا: أنا وإن قلنا إن «اللام» في قولك: «أنت الشجاع» للجنس، كما هو ~~له في قولهم: «الشجاع موقى، والجبان ملقى» «2»، فإن الفرق بينهما عظيم. # وذلك أن المعنى قولك: «الشجاع موقى»، أنك تثبت الوقاية لكل ذات من صفتها ~~الشجاعة، فهو في معنى قولك: الشجعان كلهم موقون. ولست أقول إن الشجاع ~~كالشجعان على الإطلاق، وإن كان ذلك ظن كثير من الناس، ولكني أريد أنك تجعل ~~الوقاية تستغرق الجنس وتشمله وتشيع فيه، وأما في قولك: «أنت الشجاع»، فلا ~~معنى فيه للاستغراق، إذ لست تريد أن تقول: «أنت الشجعان كلهم» حتى كأنك ~~تذهب به مذهب قولهم: «أنت الخلق كلهم» و «أنت العالم»، كما قال: [من ~~السريع] # وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد «3» # ولكن لحديث «الجنسية» هاهنا مأخذ آخر غير ذلك، وهو أنك تعمد بها إلى ~~المصدر المشتق منه الصفة وتوجهها إليه، لا إلى نفس الصفة. ثم لك في توجيهها ~~إليه مسلك دقيق. وذلك أنه ليس القصد أن تأتي إلى شجاعات كثيرة فتجمعها له ~~وتوجدها فيه، ولا أن تقول: إن الشجاعات التي يتوهم وجودها في الموصوفين ~~بالشجاعة هي موجودة فيه لا فيهم، هذا كله محال، بل المعنى ms115 على أنك تقول: ~~كنا PageV01P132 # قد عقلنا الشجاعة وعرفنا حقيقتها، وما هي؟ وكيف ينبغي أن يكون الإنسان في ~~إقدامه وبطشه حتى يعلم أنه شجاع على الكمال؟ واستقرينا الناس فلم نجد في ~~واحد منهم حقيقة ما عرفناه، حتى إذا صرنا إلى المخاطب، وجدناه قد استكمل ~~هذه الصفة، واستجمع شرائطها، وأخلص جوهرها، ورسخ فيه سنخها «1». ويبين لك ~~أن الأمر كذلك، اتفاق الجميع على تفسيرهم له بمعنى الكامل، ولو كان المعنى ~~على أنه استغرق الشجاعات التي يتوهم كونها في الموصوفين بالشجاعة، لما ~~قالوا إنه بمعنى الكامل في الشجاعة، لأن الكمال هو أن تكون الصفة على ما ~~ينبغي أن تكون عليه، وأن لا يخالطها ما يقدح فيها، وليس الكمال أن تجتمع ~~آحاد الجنس وينضم بعضها إلى بعض. فالغرض إذن بقولنا: «أنت الشجاع»، هو ~~الغرض بقولهم: «هذه هي الشجاعة على الحقيقة، وما عداها جبن» و «هكذا يكون ~~العلم، وما عداه تخيل»، و «هذا هو الشعر، وما سواه فليس بشيء». وذلك أظهر ~~من أن يخفى. # وضرب آخر من الاستدلال في إبطال أن يكون «أنت الشجاع» بمعنى أنك كأنك ~~جميع الشجعان، على حد «أنت الخلق كلهم»، وهو أنك في قولك: «أنت الخلق» و ~~«أنت الناس كلهم» و «قد جمع العالم منك في واحد»، تدعي له جميع المعاني ~~الشريفة المتفرقة في الناس، من غير أن تبطل تلك المعاني وتنفيها عن الناس، ~~بل على أن تدعي له أمثالها. ألا ترى أنك إذا قلت في الرجل: «إنه معدود بألف ~~رجل»، فلست تعني أنه معدود بألف رجل لا معنى فيهم ولا فضيلة لهم بوجه، بل ~~تريد أنه يعطيك من معاني الشجاعة أو العلم أو كذا أو كذا مجموعا، ما لا تجد ~~مقداره مفرقا إلا في ألف رجل، وأما في نحو «أنت الشجاع»، فإنك تدعي له أنه ~~قد انفرد بحقيقة الشجاعة، وأنه قد أوتي فيها مزية وخاصية لم يؤتها أحد، حتى ~~صار الذي كان يعده الناس شجاعة غير شجاعة، وحتى كأن كل إقدام إحجام، وكل ~~قوة عرفت في الحرب ضعف. وعلى ذلك قالوا: ms116 «جاد حتى بخل كل جواد، وحتى منع أن ~~يستحق اسم الجواد أحد»، كما قال: [من الوافر] # وأنك لا تجود على جواد ... هباتك أن يلقب بالجواد «2» PageV01P133 # وكما يقال: «جاد حتى كأن لم يعرف لأحد جود، وحتى كأن قد كذب الواصفون ~~الغيث بالجود»، كما قال: [من البسيط] # أعطيت حتى تركت الريح حاسرة ... وجدت حتى كأن الغيث لم يجد «1» # هذا فصل في «الذي» خصوصا # اعلم أن لك في «الذي» علما كثيرا، وأسرارا جمة، وخفايا إذا بحثت عنها ~~وتصورتها اطلعت على فوائد تؤنس النفس وتثلج الصدر بما يفضي بك إليه من ~~اليقين، ويؤديه إليك من حسن التبيين. # والوجه في ذلك أن تتأمل عبارات لهم فيه لم وضع، ولأي غرض اجتلب، وأشياء ~~وصفوه بها. فمن ذلك قولهم: «إن الذي» اجتلب ليكون وصلة إلى وصف المعارف ~~بالجمل «2»، كما اجتلب «ذو» ليتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس»، يعنون ~~بذلك أنك تقول: «مررت بزيد الذي أبوه منطلق» و «بالرجل الذي كان عندنا ~~أمس»، فتجدك قد توصلت ب «الذي» إلى أن أبنت زيدا من غيره، بالجملة التي هي ~~«أبوه منطلق» ولولا «الذي» لم تصل إلى ذلك كما أنك تقول: «مررت برجل ذي ~~مال» فتتوصل ب «ذي» إلى أن تبين الرجل من غيره بالمال، ولولا «ذو» لم يتأت ~~لك ذلك، إذ لا تستطيع أن تقول: «برجل مال» فهذه جملة مفهومة؟ إلا أن تحتها ~~خبايا تحتاج إلى الكشف عنها. فمن ذلك أن تعلم من أين امتنع أن توصف المعرفة ~~بالجملة، ولم لم يكن حالها في ذلك حال النكرة التي تصفها بها في قولك: ~~«مررت برجل أبوه منطلق»: و «رأيت إنسانا تقاد الجنائب «3» بين يديه». # وقالوا: إن السبب في امتناع ذلك: أن الجمل نكرات كلها، بدلالة أنها ~~PageV01P134 # تستفاد، وإنما يستفاد المجهول دون المعلوم. قالوا: فلما كانت كذلك، كانت ~~وفق «1» النكرة، فجاز وصفها بها، ولم يجز أن توصف بها المعرفة، إذ لم تكن ~~وفقا لها. # والقول البين في ذلك أن يقال: إنه إنما اجتلب حتى إذا كان قد عرف رجل ~~بقصة وأمر جرى ms117 له، فتخصص بتلك القصة وبذلك الأمر عند السامع، ثم أريد القصد ~~إليه، ذكر «الذي». # تفسير هذا أنك لا تصل «الذي» إلا بجملة من الكلام قد سبق من السامع علم ~~بها، وأمر قد عرفه له، نحو أن ترى عنده رجلا ينشده شعرا فتقول له من غد: ~~«ما فعل الرجل الذي كان عندك بالأمس ينشدك الشعر؟». # هذا حكم الجملة بعد «الذي»، إذا أنت وصفت به شيئا. فكان معنى قولهم: # «إنه اجتلب ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل»، أنه جيء به ليفصل بين أن ~~يراد ذكر الشيء بجملة قد عرفها السامع له، وبين أن لا يكون الأمر كذلك. # فإن قلت: قد يؤتى بعد «الذي» بالجملة غير المعلومة للسامع، وذلك حيث يكون ~~«الذي» خبرا، كقولك: «هذا الذي كان عندك بالأمس» و «هذا الذي قدم رسولا من ~~الحضرة»، أنت في هذا وشبهه تعلم المخاطب أمرا لم يسبق له به علم، وتفيده في ~~المشار إليه شيئا لم يكن عنده، ولو لم يكن كذلك، لم يكن «الذي» خبرا، إذ ~~كان لا يكون الشيء خبرا حتى يفاد به. # فالقول في ذلك: أن الجملة في هذا النحو، وإن كان المخاطب لا يعلمها لعين ~~من أشرت إليه، فإنه لا بد من أن يكون قد علمها على الجملة وحدث بها. فإنك ~~على كل حال لا تقول: «هذا الذي قدم رسولا»، لمن لم يعلم أن رسولا قدم ولم ~~يبلغه ذلك في جملة ولا تفصيل، وكذا لا تقول: «هذا الذي كان عندك أمس»، لمن ~~قد نسي أنه كان عنده إنسان وذهب عن وهمه، وإنما تقوله لمن ذاك على ذكر منه، ~~إلا أنه رأى رجلا يقبل من بعيد، فلا يعلم أنه ذاك، ويظنه إنسانا غيره. # وعلى الجملة، فكل عاقل يعلم بون ما بين الخبر بالجملة مع «الذي» وبينها ~~مع غير «الذي»، فليس من أحد به طرق «2» إلا وهو لا يشك أن ليس المعنى في ~~قولك: «هذا الذي قدم رسولا»، كالمعنى إذا قلت: «هذا قدم رسولا من الحضرة» ~~PageV01P135 # ولا «الذي يسكن في محلة كذا»، كقولك: ms118 «هذا يسكن محلة كذا»، وليس ذاك إلا ~~أنك في قولك: «هذا قدم رسولا من الحضرة» مبتدئ خبرا بأمر لم يبلغ السامع ~~ولم يبلغه ولم يعلمه أصلا وفي قولك: «هذا الذي قدم رسولا»، معلم في أمر قد ~~بلغه أن هذا صاحبه، فلم يخل إذن من الذي بدأنا به في أمر الجملة مع «الذي»، ~~من أنه ينبغي أن تكون جملة قد سبق من السامع علم بها فاعرفه، فإنه من ~~المسائل التي من جهلها جهل كثيرا من المعاني، ودخل عليه الغلط في كثير من ~~الأمور، والله الموفق للصواب. # فروق في الحال لها فضل تعلق بالبلاغة # اعلم أن أول فرق في الحال أنها تجيء مفردا وجملة، والقصد هاهنا إلى ~~الجملة. # وأول ما ينبغي أن يضبط من أمرها أنها تجيء تارة مع «الواو» وأخرى بغير ~~«الواو»، فمثال مجيئها مع الواو قولك: «أتاني وعليه ثوب ديباج»، و «رأيته ~~وعلى كتفه سيف»، و «لقيت الأمير والجند حواليه»، و «جاءني زيد وهو متقلد ~~سيفه»، ومثال مجيئها بغير «الواو»: «جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه» و ~~«أتاني عمرو يقود فرسه»، وفي تمييز ما يقتضي «الواو» مما لا يقتضيه صعوبة. # والقول في ذلك أن الجملة إذا كانت من مبتدأ وخبر، فالغالب عليها أن تجيء ~~مع «الواو» كقولك: «جاءني زيد وعمرو أمامه» و «أتاني وسيفه على كتفه»: فإن ~~كان المبتدأ من الجملة ضمير ذي الحال، لم يصلح بغير «الواو» البتة، وذلك ~~كقولك: «جاءني زيد وهو راكب» و «رأيت زيدا وهو جالس»، و «دخلت عليه وهو ~~يملي الحديث» و «انتهيت إلى الأمير وهو يعبئ الجيش»، فلو تركت «الواو» في ~~شيء من ذلك لم يصلح. فلو قلت: «جاءني زيد هو راكب»، و «دخلت عليه هو يملي ~~الحديث»، لم يكن كلاما. # فإن كان الخبر في الجملة من المبتدأ والخبر ظرفا، ثم كان قد قدم على ~~المبتدأ كقولنا: «عليه سيف» و «في يده سوط»، كثر فيها أن تجيء بغير «واو». ~~فمما جاء منه كذلك قول بشار: [من الطويل] # إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ... خرجت مع ms119 البازي علي سواد «1» PageV01P136 # يعني علي بقية من الليل، وقول أمية: [من البسيط] # فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا «1» # وقول الآخر: [من الطويل] # لقد صبرت للذل أعواد منبر ... تقوم عليها في يديك قضيب «2» # كل ذلك في موضع الحال، وليس فيه «واو» كما ترى، ولا هو محتمل لها إذا ~~نظرت. وقد يجيء ترك «الواو» فيما ليس الخبر فيه كذلك، ولكنه لا يكثر، فمن ~~ذلك قولهم: «كلمته فوه إلى في» و «رجع عوده على بدئه»، في قول من رفع، ومنه ~~بيت «الإصلاح» «3»: [من الكامل] # نصف النهار، الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدري «4» # ومن ذلك ما أنشده الشيخ أبو علي في «الإغفال» «5»: [من الطويل] # ولولا جنان الليل ما آب عامر ... إلى جعفر، سرباله لم يمزق «6» # ومما ظاهره أنه منه قوله: [من البسيط] PageV01P137 # إذا أتيت أبا مروان تسأله ... وجدته، حاضراه الجود والكرم # فقوله: «حاضراه الجود»، جملة من المبتدأ والخبر كما ترى، وليس به «واو»، ~~والموضع موضع حال، ألا تراك تقول: «أتيته فوجدته جالسا»، فيكون «جالسا» ~~حالا، ذاك لأن «وجدت» في مثل هذا من الكلام لا تكون المتعدية إلى مفعولين، ~~ولكن المتعدية إلى مفعول واحد كقولك: «وجدت الضالة» إلا أنه ينبغي أن تعلم ~~أن لتقديمه الخبر الذي هو «حاضراه» تأثيرا في معنى الغنى عن «الواو»، وأنه ~~لو قال: # «وجدته، الجود والكرم حاضراه» لم يحسن حسنه الآن، وكان السبب في حسنه مع ~~التقديم، أنه يقرب في المعنى من قولك: «وجدته حاضره الجود والكرم» أو ~~«حاضرا عنده الجود والكرم». # وإن كانت الجملة من فعل وفاعل، والفعل مضارع مثبت غير منفي، لم يكد يجيء ~~بالواو، بل ترى الكلام على مجيئها عارية من «الواو»، كقولك: «جاءني زيد ~~يسعى غلامه بين يديه»، وكقوله: [من البسيط] # وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم قديديمة الجوزاء مسموم «1» # وقوله: [من الخفيف] # ولقد أغتدي يدافع ركني ... أحوذي ذو ميعة إضريج «2» # وكذلك قولك: «جاءني زيد يسرع»، لا فصل بين أن يكون الفعل لذي الحال، وبين ~~أن يكون لمن هو من سببه، فإن ms120 ذلك كله يستمر على الغنى عن «الواو»، وعليه ~~التنزيل والكلام، ومثاله في التنزيل قوله عز وجل: ولا تمنن تستكثر [المدثر: ~~6]، وقوله تعالى: وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى [الليل: 17 - 18]، ~~وكقوله عز اسمه: ويذرهم في طغيانهم يعمهون [الأعراف: 186]. # فأما قول ابن همام السلولي: [من المتقارب] # فلما خشيت أظافيره ... نجوت، وأرهنهم مالكا «3» PageV01P138 # في رواية من روى «وأرهنهم»، وما شبهوه به من قولهم: «قمت وأصك «1» وجهه» ~~فليست الواو فيها للحال، وليس المعنى «نجوت راهنا مالكا»، و «قمت صاكا ~~وجهه»، ولكن «أرهن» و «أصك» حكاية حال، مثل قوله: [من الكامل] # ولقد أمر على اللئيم يسبني، ... فمضيت، ثمت قلت: لا يعنيني «2» # فكما أن «أمر» هاهنا في معنى «مررت»، كذلك يكون «أرهن» و «أصك» هناك في ~~معنى «رهنت» و «صككت». # ويبين ذلك أنك ترى «الفاء» تجيء مكان «الواو» في مثل هذا، وذلك كنحو ما ~~في الخبر في حديث عبد الله بن عتيك «3» حين دخل على أبي رافع اليهودي حصنه ~~قال: «فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم لا أدري أنى هو من البيت، فقلت: ~~أبا رافع! فقال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت، فأضربه بالسيف وأنا دهش»، فكما ~~أن «أضربه» مضارع قد عطفه بالفاء على ماض، لأنه في المعنى ماض، كذلك يكون ~~«أرهنهم» معطوفا على الماضي قبله، وكما لا يشك في أن المعنى في الخبر: # «فأهويت فضربت»، كذلك يكون المعنى في البيت: «نجوت ورهنت»، إلا أن الغرض ~~في إخراجه على لفظ الحال، أن يحكى الحال في أحد الخبرين، ويدع الآخر على ~~ظاهره، كما كان ذلك في «ولقد أمر على اللئيم يسبني، فمضيت»، إلا أن الماضي ~~في هذا البيت مؤخر معطوف، وفي بيت ابن همام وما ذكرناه معه، مقدم معطوف ~~عليه. فاعرفه. # فإن دخل حرف نفي على المضارع تغير الحكم، فجاء بالواو وبتركها كثيرا، ~~وذلك مثل قولهم: «كنت ولا أخشى بالذئب» «4»، وقول مسكين الدارمي: [من ~~الرمل] PageV01P139 # أكسبته الورق البيض أبا ... ولقد كان ولا يدعى لأب «1» # وقول مالك بن رفيع، وكان جنى جناية فطلبه مصعب بن الزبير: [من ms121 الوافر] # بغاني مصعب وبنو أبيه، ... فأين أحيد عنهم؟ لا أحيد # أقادوا من دمي وتوعدوني، ... وكنت وما ينهنهني الوعيد «2» # «كان» في هذا كله تامة والجملة الداخل عليها «الواو» في موضع الحال. ألا ~~ترى أن المعنى: «وجدت غير خاش للذئب»، و «لقد وجد غير مدعو لأب» و «وجدت ~~غير منهنه بالوعيد وغير مبال به»، ولا معنى لجعلها ناقصة، وجعل «الواو» ~~مزيدة. # وليس مجيء الفعل المضارع حالا، على هذا الوجه، بعزيز في الكلام، ألا تراك ~~تقول: «جعلت أمشي وما أدري أين أضع رجلي» و «جعل يقول ولا يدري»، وقال أبو ~~الأسود: «يصيب وما يدري»، وهو شائع كثير. # فأما مجيء المضارع منفيا حالا من غير «الواو» فيكثر أيضا ويحسن، فمن ذلك ~~قوله: [من الطويل] # ثووا لا يريدون الرواح، وغالهم ... من الدهر أسباب جرين على قدر «3» # وقال أرطأة بن سهية، وهو لطيف جدا: [من البسيط] # إن تلقني، لا ترى غيري بناظرة ... تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد «4» ~~PageV01P140 # فقوله: «لا ترى» في موضع حال. ومثله في اللطف والحسن قول أعشى همدان، ~~وصحب عباد بن ورقاء إلى أصبهان فلم يحمده فقال: [من الوافر] # أتينا أصبهان فهزلتنا ... وكنا قبل ذلك في نعيم # وكان سفاهة مني وجهلا ... مسيري، لا أسير إلى حميم «1» # قوله: «لا أسير إلى حميم»، حال من ضمير المتكلم الذي هو «الياء» في ~~«مسيري»، وهو فاعل في المعنى، فكأنه قال: وكان سفاهة مني وجهلا، أن سرت غير ~~سائر إلى حميم، وأن ذهبت غير متوجه إلى قريب: وقال خالد بن يزيد بن معاوية: ~~[من الكامل] # لو أن قوما لارتفاع قبيلة ... دخلوا السماء دخلتها لا أحجب «2» # وهو كثير إلا أنه لا يهتدي إلى وضعه بالموضع المرضي إلا من كان صحيح ~~الطبع. # ومما يجيء بالواو وغير «الواو»، الماضي، وهو لا يقع حالا إلا مع «قد» ~~مظهرة أو مقدرة. أما مجيئها بالواو فالكثير الشائع، كقولك: «أتاني وقد جهده ~~السير»، وأما بغير «الواو» فكقوله: [من البسيط] # متى أرى الصبح قد لاحت مخايله ... والليل قد مزقت عنه السرابيل «3» # وقول الآخر: [من الوافر] # فآبوا بالرماح ms122 مكسرات ... وأبنا بالسيوف قد انحنينا «4» # وقال آخر، وهو لطيف جدا: [من الكامل] # يمشون قد كسروا الجفون «5» إلى الوغى ... متبسمين وفيهم استبشار # ومما يجيء بالواو في الأكثر الأشيع، ثم يأتي في مواضع بغير «الواو» فيلطف ~~مكانه ويدل على البلاغة، الجملة قد دخلها «ليس» تقول: «أتانى وليس عليه ~~ثوب» PageV01P141 # و «رأيته وليس معه غيره»، فهذا هو المعروف المستعمل، ثم قد جاء بغير ~~«الواو» فكان من الحسن على ما ترى، وهو قول الأعرابي: [من الرجز] # لنا فتى وحبذا الأفتاء ... تعرفه الأرسان والدلاء # إذا جرى في كفه الرشاء ... خلى القليب ليس فيه ماء «1» # ومما ينبغي أن يراعى في هذا الباب: أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بغير ~~«واو» ويحسن ذلك، ثم تنظر فترى ذلك إنما حسن من أجل حرف دخل عليها. # مثاله قول الفرزدق: [من الطويل] # فقلت عسى أن تبصريني كأنما ... بني حوالي الأسود الحوارد «2» # قوله: «كأنما بني» إلى آخره، في موضع الحال من غير شبهة، ولو أنك تركت ~~«كأن» فقلت: «عسى أن تبصريني بني حوالي كالأسود»، رأيته لا يحسن حسنه الآن، ~~ورأيت الكلام يقتضي «الواو» كقولك: «عسى أن تبصريني وبني حوالي كالأسود ~~الحوارد». # وشبيه بهذا أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بعقب مفرد، فلطف مكانها، ولو أنك ~~أردت أن تجعلها حالا من غير أن يتقدمها ذلك المفرد لم يحسن، مثال ذلك قول ~~ابن الرومي: [من السريع] # والله يبقيك لنا سالما، ... برداك تبجيل وتعظيم «3» # فقوله: «برداك تبجيل»، في موضع حال ثانية، ولو أنك أسقطت «سالما»، من ~~البيت فقلت: «والله يبقيك برداك تبجيل»، لم يكن شيئا. # وإذا قد رأيت الجمل الواقعة حالا قد اختلف بها الحال هذا الاختلاف ~~الظاهر، فلا بد من أن يكون ذلك إنما كان من أجل علل توجبه وأسباب تقتضيه، ~~فمحال أن يكون هاهنا جملة لا تصلح إلا مع «الواو»، وأخرى لا تصلح فيها ~~«الواو»، وثالثة تصلح أن تجيء فيها «بالواو» وأن تدعها فلا تجيء بها، ثم لا ~~يكون لذلك سبب وعلة، وفي الوقوف على العلة في ذلك إشكال وغموض، ذاك لأن ms123 ~~الطريق إليه غير PageV01P142 # مسلوك، والجهة التي منها تعرف غير معروفة، وأنا أكتب لك أصلا في «الخبر» ~~إذا عرفته انفتح لك وجه العلة في ذلك. # اعلم أن «الخبر» ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه، ~~وخبر ليس بجزء من الجملة، ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له. فالأول خبر ~~المبتدأ، كمنطلق في قولك: «زيد منطلق»، والفعل كقولك: «خرج زيد»، وكل واحد ~~من هذين جزء من الجملة، وهو الأصل في الفائدة. والثاني هو الحال كقولك: ~~«جاءني زيد راكبا»، وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة، من حيث أنك تثبت بها ~~المعنى لذي الحال كما تثبت بخبر المبتدأ للمبتدإ، وبالفعل للفاعل. ألا تراك ~~قد أثبت الركوب في قولك: «جاءني زيد راكبا» لزيد؟ إلا أن الفرق أنك جئت به ~~لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، وهو أن تجعله بهذه الهيئة في مجيئه، ولم ~~تجرد إثباتك للركوب ولم تباشره به ابتداء، بل بدأت فأثبت المجيء، ثم وصلت ~~به الركوب، فالتبس به الإثبات على سبيل التبع لغيره، وبشرط أن يكون في ~~صلته. وأما في الخبر المطلق نحو: «زيد منطلق» و «خرج عمرو»، فإنك أثبت ~~المعنى إثباتا جردته له، وجعلته يباشره من غير واسطة، ومن غير أن يتسبب ~~بغيره إليه. # وإذا قد عرفت هذا، فاعلم أن كل جملة وقعت حالا ثم امتنعت من «الواو»، ~~فذاك لأجل أنك عمدت إلى الفعل الواقع في صدرها فضممته إلى الفعل الأول في ~~إثبات واحد، وكل جملة جاءت حالا، ثم اقتضت «الواو» فذاك لأنك مستأنف بها ~~خبرا، وغير قاصد إلى أن تضمها إلى الفعل الأول في الإثبات. # وتفسير هذا: أنك إذا قلت: «جاءني زيد يسرع»، كان بمنزلة قولك: «جاءني زيد ~~مسرعا»، في أنك تثبت مجيئا فيه إسراع، وتصل أحد المعنيين بالآخر، وتجعل ~~الكلام خبرا واحدا، وتريد أن تقول: «جاءني كذلك، وجاءني بهذه الهيئة»، ~~وهكذا قوله: [من البسيط] # وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم قديديمة الجوزاء مسموم # كأنه قال: «وقد علوت قتود الرحل بارزا للشمس ضاحيا»، وكذلك قوله: [من ~~البسيط] ms124 متى أرى الصبح قد لاحت مخايله لأنه في معنى: «متى أرى الصبح باديا ~~لائحا بينا متجليا»، على هذا القياس أبدا. وإذا قلت: «جاءني وغلامه يسعى ~~بين يديه» و «رأيت زيدا وسيفه على كتفه»، # PageV01P143 # كان المعنى على أنك بدأت فأثبت المجيء والرؤية، ثم استأنفت خبرا، وابتدأت ~~إثباتا ثانيا لسعي الغلام بين يديه، ولكون السيف على كتفه. ولما كان المعنى ~~على استئناف الإثبات، احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى، فجيء ~~بالواو كما جيء بها في قولك: «زيد منطلق وعمرو ذاهب» و «العلم حسن والجهل ~~قبيح»، وتسميتنا لها «واو حال»، لا يخرجها عن أن تكون مجتلبة لضم جملة إلى ~~جملة. # ونظيرها في هذا «الفاء» في جواب الشرط نحو: «إن تأتني فأنت مكرم»، فإنها ~~وإن لم تكن عاطفة، فإن ذلك لا يخرجها من أن تكون بمنزلة العاطفة في أنها ~~جاءت لتربط جملة ليس من شأنها أن ترتبط بنفسها، فاعرف ذلك، ونزل الجملة في ~~نحو: # «جاءني زيد يسرع» و «قد علوت قتود الرحل يسفعني يوم»، منزلة الجزاء الذي ~~يستغني عن «الفاء»، لأن من شأنه أن يرتبط بالشرط من غير رابط، وهو قولك: ~~«إن تعطني أشكرك»، ونزل الجملة في «جاءني زيد وهو راكب»، منزلة الجزاء الذي ~~ليس من شأنه أن يرتبط بنفسه، ويحتاج إلى «الفاء»، كالجملة في نحو: «إن ~~تأتني فأنت مكرم»، قياسا سويا وموازنة صحيحة. # فإن قلت: قد علمنا أن علة دخول «الواو» على الجملة أن تستأنف الإثبات، ~~ولا تصل المعنى الثاني بالأول في إثبات واحد، ولا تنزل الجملة منزلة ~~المفرد، ولكن بقي أن تعلم لم كان بعض الجمل، بأن يكون تقديرها تقدير المفرد ~~في أن لا يستأنف بها الإثبات، أولى من بعض؟ وما الذي منع في قولك: «جاءني ~~زيد وهو يسرع، أو «وهو مسرع» أن يدخل الإسراع في صلة المجيء ويضمه في ~~الإثبات، كما كان ذلك حين قلت: «جاءني زيد يسرع»؟. # فالجواب أن السبب في ذلك أن المعنى في قولك: «جاءني زيد وهو يسرع»، على ~~استئناف إثبات للسرعة، ولم يكن ذلك في «جاءني ms125 زيد يسرع». وذلك أنك إذا أعدت ~~ذكر «زيد» فجئت بضميره المنفصل المرفوع، كان بمنزلة أن تعيد اسمه صريحا ~~فتقول: «جاءني زيد وزيد يسرع» في أنك لا تجد سبيلا إلى أن تدخل «يسرع» في ~~صلة المجيء، وتضمه إليه في الإثبات. وذلك أن إعادتك ذكر «زيد» لا يكون حتى ~~تقصد استئناف الخبر عنه بأنه يسرع، وحتى تبتدئ إثباتا للسرعة، لأنك إن لم ~~تفعل ذلك، تركت المبتدأ، الذي هو ضمير «زيد» أو اسمه الظاهر، بمضيعة، ~~وجعلته لغوا في البين، وجرى مجرى أن تقول: «جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه»، ~~ثم تزعم أنك لم تستأنف كلاما ولم تبتدئ للسرعة إثباتا، وأن حال «يسرع» ~~هاهنا، حاله إذا قلت: «جاءني زيد يسرع»، فجعلت السرعة له، ولم تذكر «عمرا»، ~~وذلك محال. # PageV01P144 # فإن قلت: إنما استحال في قولك: «جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه» أن ترد ~~«يسرع» إلى «زيد» وتنزله منزلة قولك: «جاءني زيد يسرع»، من حيث كان في ~~«يسرع» ضمير لعمرو، وتضمنه ضمير عمرو يمنع أن يكون لزيد، وأن يقدر حالا له، ~~وليس كذلك: «جاءني زيد وهو يسرع»، لأن السرعة هناك لزيد لا محالة، فكيف ساغ ~~أن تقيس إحدى المسألتين على الأخرى؟. # قيل: ليس المانع أن يكون «يسرع» في قولك: «جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه»؟ ~~حالا من زيد أنه فعل لعمرو، فإنك لو أخرت «عمرا» فرفعته «بيسرع»، وأوليت ~~«يسرع» زيدا فقلت: «جاءني زيد يسرع عمرو أمامه» وجدته قد صلح حالا لزيد، مع ~~أنه فعل لعمرو، وإنما المانع ما عرفتك، من أنك تدع «عمرا» بمضيعة، وتجيء به ~~مبتدأ، ثم لا تعطيه خبرا. # ومما يدل على فساد ذلك أنه يؤدي إلى أن يكون «يسرع» قد اجتمع في موضعه ~~النصب والرفع، وذلك أن جعله حالا من «زيد» يقتضي أن يكون في موضع نصب، ~~وجعله خبرا عن «عمرو» المرفوع بالابتداء يقتضي أن يكون في موضع رفع. # وذلك بين التدافع. ولا يجب هذا التدافع إذا أخرت «عمرا» فقلت: «جاءني زيد ~~يسرع عمرو أمامه»، لأنك ترفعه حينئذ بيسرع، على أنه فاعل له، وإذا ارتفع به ms126 ~~لم يوجب في موضعه إعرابا، فيبقى مفرغا لأن يقدر فيه النصب على أنه حال من ~~«زيد» وجرى مجرى أن تقول: «جاءني زيد مسرعا عمرو أمامه». # فإن قلت: فقد ينبغي على هذا الأصل أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا ~~إلا مع «الواو»، وقد ذكرت قبل أن ذلك قد جاء في مواضع من كلامهم. # فالجواب أن القياس والأصل أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا إلا مع ~~«الواو»، وأما الذي جاء من ذلك فسبيله سبيل الشيء يخرج عن أصله وقياسه ~~والظاهر فيه، بضرب من التأويل ونوع من التشبيه، فقولهم: «كلمته فوه إلى ~~في»، إنما حسن بغير «واو» من أجل أن المعنى: كلمته مشافها له، وكذلك قولهم: ~~«رجع عوده على بدئه»، إنما جاء الرفع فيه والابتداء من غير «واو»، لأن ~~المعنى: رجع ذاهبا في طريقه الذي جاء فيه، وأما قوله: «وجدته حاضراه الجود ~~والكرم» فلأن تقديم الخبر الذي هو «حاضراه»، يجعله كأنه قال: «وجدته حاضرا ~~عنده الجود والكرم». # وليس الحمل على المعنى، وتنزيل الشيء منزلة غيره، بعزيز في كلامهم، وقد ~~قالوا: «زيد اضربه»، فأجازوا أن يكون مثال الأمر في موضع الخبر، لأن المعنى ~~على # PageV01P145 # النصب نحو: «اضرب زيدا»، ووضعوا الجملة، من المبتدأ والخبر موضع الفعل ~~والفاعل في نحو قوله تعالى: أدعوتموهم أم أنتم صامتون [الأعراف: 193]، لأن ~~الأصل في المعادلة أن تكون الثانية كالأولى نحو: «أدعوتموهم أم صمتم». # ويدل على أن ليس مجيء الجملة من المبتدأ والخبر حالا بغير «الواو» أصلا، ~~قلته «1»، وأنه لا يجيء إلا في الشيء بعد الشيء. # هذا، ويجوز أن يكون ما جاء من ذلك إنما جاء على إرادة «الواو»، كما جاء ~~الماضي على إرادة «قد». # واعلم أن الوجه فيما كان مثل قول بشار: [من الطويل] خرجت مع البازي علي ~~سواد «2» أن يؤخذ فيه بمذهب أبي الحسن الأخفش، فيرفع «سواد» بالظرف دون ~~الابتداء، ويجري الظرف هاهنا مجراه إذا جرت الجملة صفة على النكرة نحو: # «مررت برجل معه صقر صائدا به غدا»، وذلك أن صاحب الكتاب يوافق أبا الحسن ms127 ~~في هذا الموضع فيرفع «صقرا» بما في «معه» من معنى الفعل، فلذلك يجوز أن ~~يجرى الحال مجرى الصفة، فيرفع الظاهر بالظرف إذا هو جاء حالا، فيكون ارتفاع ~~«سواد» بما في «علي» من معنى الفعل، لا بالابتداء. # ثم ينبغي أن يقدر هاهنا خصوصا أن الظرف في تقدير اسم فاعل لا فعل، أعني ~~أن يكون المعنى: «خرجت كائنا علي سواد، وباقيا علي سواد»، ولا يقدر: # «يكون علي سواد»، و «يبقى علي سواد»، اللهم إلا أن تقدر فيه فعلا ماضيا ~~مع «قد» كقولك: «خرجت مع البازي قد بقي علي سواد»، والأول أظهر. # وإذا تأملت الكلام وجدت الظرف وقد وقع مواقع لا يستقيم فيها إلا أن يقدر ~~تقدير اسم فاعل، ولذلك قال أبو بكر بن السراج في قولنا: «زيد في الدار»، ~~أنك مخير بين أن تقدر فيه فعلا فتقول: «استقر في الدار»، وبين أن تقدر اسم ~~فاعل فتقول: «مستقر في الدار»، وإذا عاد الأمر إلى هذا، كان الحال في ترك ~~«الواو» ظاهرة، وكان «سواد» في قوله: «خرجت مع البازي علي سواد»، بمنزلة ~~«قضاء الله» في قوله: [من الطويل] PageV01P146 # سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالبا «1» # في كونه اسما ظاهرا قد ارتفع باسم فاعل قد اعتمد على ذي حال، فعمل عمل ~~الفعل. # ويدلك على أن التقدير فيه ما ذكرت، وأنه من أجل ذلك حسن، أنك تقول: # «جاءني زيد والسيف على كتفه» و «خرج والتاج عليه»، فتجده لا يحسن إلا ~~بالواو، وتعلم أنك لو قلت: «جاءني زيد السيف على كتفه» و «خرج التاج عليه»، ~~كان كلاما نافرا لا يكاد يقع في الاستعمال، وذلك لأنه بمنزلة قولك: «جاءني ~~وهو متقلد سيفه» و «خرج وهو لابس التاج»، في أن المعنى على أنك استأنفت ~~كلاما وابتدأت إثباتا، # وأنك لم ترد: «جاءني كذلك» ولكن «جاءني وهو كذلك»، فاعرفه. PageV01P147 # بسم الله الرحمن الرحيم # لقول في الفصل والوصل # اعلم أن العلم- بما ينبغي أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض، أو ترك ~~العطف فيها والمجيء بها منثورة، ms128 تستأنف واحدة منها بعد أخرى- من أسرار ~~البلاغة «1»، ومما لا يتأتى لتمام الصواب فيه إلا الأعراب الخلص، وإلا قوم ~~طبعوا على البلاغة، وأوتوا فنا من المعرفة في ذوق الكلام هم بها أفراد. وقد ~~بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حدا للبلاغة، فقد جاء عن بعضهم أنه سئل ~~عنها فقال: «معرفة الفصل من الوصل»، ذاك «2» لغموضه ودقة مسلكه، وأنه لا ~~يكمل لإحراز الفضيلة فيه أحد، إلا كمل لسائر معاني البلاغة. # واعلم أن سبيلنا أن ننظر إلى فائدة العطف في المفرد، ثم نعود إلى الجملة ~~فننظر فيها ونتعرف حالها. # ومعلوم أن فائدة العطف في المفرد أن يشرك الثاني في إعراب الأول، وأنه ~~إذا أشركه في إعرابه فقد أشركه في حكم ذلك الإعراب، نحو أن المعطوف على ~~المرفوع بأنه فاعل مثله، والمعطوف على المنصوب بأنه مفعول به أو فيه أو له ~~شريك له في ذلك. # وإذا كان هذا أصله في المفرد، فإن الجمل المعطوف بعضها على بعض على ~~ضربين: # أحدهما: أن يكون للمعطوف عليها موضع من الإعراب، وإذا كانت كذلك كان ~~حكمها حكم المفرد، إذ لا يكون للجملة موضع من الإعراب حتى تكون واقعة موقع ~~المفرد، وإذا كانت الجملة واقعة موقع المفرد، كان عطف الثانية عليها جاريا ~~مجرى عطف المفرد على المفرد، وكان وجه الحاجة إلى «الواو» ظاهرا، والإشراك ~~بها PageV01P148 # في الحكم موجودا. فإذا قلت: «مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح» كنت قد ~~أشركت الجملة الثانية في حكم الأولى، وذلك الحكم كونها في موضع جر بأنها ~~صفة للنكرة. ونظائر ذلك تكثر، والأمر فيها يسهل. # والذي يشكل أمره هو الضرب الثاني، وذلك أن تعطف على الجملة العارية ~~الموضع من الإعراب جملة أخرى، كقولك: «زيد قائم، وعمرو قاعد» و «العلم حسن، ~~والجهل قبيح»، لا سبيل لنا إلى أن ندعي أن «الواو» أشركت الثانية في إعراب ~~قد وجب للأولى بوجه من الوجوه. وإذا كان كذلك، فينبغي أن تعلم المطلوب من ~~هذا العطف والمغزى منه، ولم لم يستو الحال بين أن تعطف وبين أن تدع العطف ms129 ~~فتقول: «زيد قائم، عمرو قاعد»، بعد أن لا يكون هنا أمر معقول يؤتى بالعاطف ~~ليشرك بين الأولى والثانية فيه؟. # واعلم أنه إنما يعرض الإشكال في «الواو» دون غيرها من حروف العطف، وذاك ~~لأن تلك تفيد مع الإشراك معاني، مثل أن «الفاء» توجب الترتيب من غير تراخ، ~~و «ثم» توجبه مع تراخ، و «أو» تردد الفعل بين شيئين وتجعله لأحدهما لا ~~بعينه، فإذا عطفت بواحدة منها الجملة على الجملة، ظهرت الفائدة. فإذا قلت: ~~«أعطاني فشكرته»، ظهر بالفاء أن الشكر كان معقبا على العطاء ومسببا عنه، ~~وإذا قلت: # «خرجت ثم خرج زيد»، أفادت «ثم» أن خروجه كان بعد خروجك، وأن مهلة وقعت ~~بينهما، وإذا قلت: «يعطيك أو يكسوك»، دلت «أو» على أنه يفعل واحدا منهما لا ~~بعينه. # وليس «للواو» معنى سوى الإشراك في الحكم الذي يقتضيه الإعراب الذي أتبعت ~~فيه الثاني الأول. فإذا قلت: «جاءني زيد وعمرو» لم تفد بالواو شيئا أكثر من ~~إشراك عمرو في المجيء الذي أثبته لزيد، والجمع بينه وبينه، ولا يتصور إشراك ~~بين شيئين حتى يكون هناك معنى يقع ذلك الإشراك فيه وإذا كان ذلك كذلك، ولم ~~يكن معنا في قولنا: «زيد قائم وعمرو قاعد» معنى تزعم أن «الواو» أشركت بين ~~هاتين الجملتين فيه، ثبت إشكال المسألة. # ثم إن الذي يوجبه النظر والتأمل أن يقال في ذلك: إنا وإن كنا إذا قلنا: ~~«زيد قائم وعمرو قاعد»، فإنا لا نرى هاهنا حكما نزعم أن «الواو» جاءت للجمع ~~بين الجملتين فيه، فإنا نرى أمرا آخر نحصل معه على معنى الجمع. وذلك أنا لا ~~نقول: # «زيد قائم وعمرو قاعد»، حتى يكون عمرو بسبب من زيد، وحتى يكونا كالنظيرين # PageV01P149 # والشريكين، وبحيث إذا عرف السامع حال الأول عناه أن يعرف حال الثاني. ~~يدلك على ذلك أنك إن جئت فعطفت على الأول شيئا ليس منه بسبب، ولا هو مما ~~يذكر بذكره ويتصل حديثه بحديثه، لم يستقم. فلو قلت: «خرجت اليوم من داري»، ~~ثم قلت: «وأحسن الذي يقول بيت كذا»، قلت ما يضحك منه، ومن ms130 هنا عابوا أبا ~~تمام في قوله: [من الكامل] # لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم «1» # وذلك لأنه لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى، ولا تعلق لأحدهما ~~بالآخر، وليس يقتضي الحديث بهذا الحديث بذاك. # واعلم أنه كما يجب أن يكون المحدث عنه في إحدى الجملتين بسبب من المحدث ~~عنه في الأخرى، كذلك ينبغي أن يكون الخبر عن الثاني مما يجري مجرى الشبيه ~~والنظير أو النقيض للخبر عن الأول. فلو قلت: «زيد طويل القامة وعمرو شاعر»، ~~كان خلفا، لأنه لا مشاكلة ولا تعلق بين طول القامة وبين الشعر، وإنما ~~الواجب أن يقال: «زيد كاتب وعمرو شاعر»، و «زيد طويل القامة وعمرو قصير». # وجملة الأمر أنها لا تجيء حتى يكون المعنى في هذه الجملة لفقا «2» لمعنى ~~في الأخرى ومضاما له، مثل أن «زيدا» و «عمرا» إذا كانا أخوين أو نظيرين أو ~~مشتبكي الأحوال على الجملة، كانت الحال التي يكون عليها أحدهما، من قيام أو ~~قعود أو ما شاكل ذلك، مضمومة في النفس إلى الحال التي عليها الآخر من غير ~~شك. # وكذا السبيل أبدا. # والمعاني في ذلك كالأشخاص، فإنما قلت مثلا: «العلم حسن والجهل قبيح»، لأن ~~كون العلم حسنا مضموم في العقول إلى كون الجهل قبيحا. # واعلم أنه إذا كان المخبر عنه في الجملتين واحدا كقولنا: «هو يقول ويفعل ~~ويضر وينفع، ويسيء ويحسن، ويأمر وينهى، ويحل ويعقد، ويأخذ ويعطى، ويبيع ~~PageV01P150 # ويشتري، ويأكل ويشرب» وأشباه ذلك، ازداد معنى الجمع في «الواو» قوة ~~وظهورا، وكان الأمر حينئذ صريحا. # وذلك أنك إذا قلت: «هو يضر وينفع»، كنت قد أفدت «بالواو» أنك أوجبت له ~~الفعلين جميعا، وجعلته يفعلهما معا. ولو قلت: «يضر ينفع»: من غير «واو» لم ~~يجب ذلك، بل قد يجوز أن يكون قولك «ينفع» رجوعا عن قولك «يضر» وإبطالا له. # وإذا وقع الفعلان في مثل هذا في الصلة، ازداد الاشتباك والاقتران حتى لا ~~يتصور تقدير إفراد في أحدهما عن الآخر، وذلك في مثل قولك: «العجب من أني ~~أحسنت وأسأت» و ms131 «يكفيك ما قلت وسمعت» و «أيحسن أن تنهى عن شيء وتأتي ~~مثله؟»، وذلك أنه لا يشتبه على عاقل أن المعنى على جعل الفعلين في حكم فعل ~~واحد. ومن البين في ذلك قوله: [من البسيط] # لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم، ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا «1» # المعنى: لا تطمعوا أن تروا إكرامنا قد وجد مع إهانتكم، وجامعها في ~~الحصول. # ومما له مأخذ لطيف في هذا الباب قول أبي تمام: [من الطويل] # لهان علينا أن نقول وتفعلا ... ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا «2» # واعلم أنه كما كان في الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله، فيستغني بصلة ~~معناه له عن واصل يصله ورابط يربطه، وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها ~~بالموصوف إلى شيء يصلها به، وكالتأكيد الذي لا يفتقر كذلك إلى ما يصله ~~بالمؤكد، كذلك يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها، وتستغني ~~بربط معناها لها عن حرف عطف يربطها. وهي كل جملة كانت مؤكدة للتي قبلها ~~ومبينة لها، وكانت إذا حصلت لم تكن شيئا سواها، كما لا تكون الصفة غير ~~الموصوف، والتأكيد غير المؤكد. فإذا قلت: «جاءني زيد الظريف»، و «جاءني ~~القوم كلهم»، لم يكن «الظريف» و «كلهم» غير زيد وغير القوم. # ومثال ما هو من الجمل كذلك قوله تعالى: الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه ~~PageV01P151 # [البقرة: 1 - 2] قوله: «لا ريب فيه»، بيان وتوكيد وتحقيق لقوله «ذلك ~~الكتاب»، وزيادة تثبيت له، وبمنزلة أن تقول: «هو ذلك الكتاب، هو ذلك ~~الكتاب»، فتعيده مرة ثانية لتثبته، وليس يثبت الخبر غير الخبر، ولا شيء ~~يتميز به عنه فيحتاج إلى ضام يضمه إليه، وعاطف يعطفه عليه. # ومثل ذلك قوله تعالى: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ~~لا يؤمنون. ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب ~~عظيم [البقرة: 6 - 7] قوله تعالى: لا يؤمنون، تأكيد لقوله سواء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم، وقوله: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، تأكيد ثان ~~أبلغ من الأول، لأن من كان حاله إذا ms132 أنذر مثل حاله إذا لم ينذر، كان في ~~غاية الجهل، وكان مطبوعا على قلبه لا محالة. # وكذلك قوله عز وجل: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين يخادعون الله [البقرة: 8 - 9]، إنما قال: «يخادعون» ولم يقل: # «ويخادعون» لأن هذه المخادعة ليست شيئا غير قولهم: «آمنا»، من غير أن ~~يكونوا مؤمنين، فهو إذن كلام أكد به كلام آخر هو في معناه، وليس شيئا سواه. # وهكذا قوله عز وجل: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى ~~شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن [البقرة: 14]، وذلك لأن معنى ~~قولهم: «إنا معكم»: إنا لم نؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم نترك ~~اليهودية. وقولهم: إنما نحن مستهزؤن، خبر بهذا المعنى بعينه، لأنه لا فرق ~~بين أن يقولوا: «إنا لم نقل ما قلناه من أنا آمنا إلا استهزاء»، وبين أن ~~يقولوا: «إنا لم نخرج من دينكم وإنا معكم»، بل هما في حكم الشيء الواحد، ~~فصار كأنهم قالوا: «إنا معكم لم نفارقكم» فكما لا يكون «إنا لم نفارقكم» ~~شيئا غير «إنا معكم»، كذلك لا يكون «إنما نحن مستهزءون» غيره، فاعرفه. # ومن الواضح البين في هذا المعنى قوله تعالى: وإذا تتلى عليه آياتنا ولى ~~مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا [لقمان: 7]، لم يأت معطوفا نحو ~~«وكأن في أذنيه وقرا»، لأن المقصود من التشبيه بمن في أذنيه وقر، هو بعينه ~~المقصود من التشبيه بمن لم يسمع، إلا أن الثاني أبلغ وآكد في الذي أريد. ~~وذلك أن المعنى في التشبيهين جميعا أن ينفي أن يكون لتلاوة ما تلي عليه من ~~الآيات فائدة معه، ويكون لها تأثير فيه، وأن يجعل حاله إذا تليت عليه كحاله ~~إذا لم تتل. # PageV01P152 # ولا شبهة في أن التشبيه بمن في أذنيه وقر أبلغ وآكد في جعله كذلك، من حيث ~~كان من لا يصح منه السمع وإن أراد ذلك، أبعد من أن يكون لتلاوة ما يتلى ~~عليه فائدة، من الذي يصح منه السمع إلا أنه لا يسمع، إما ms133 اتفاقا وإما قصدا ~~إلى أن لا يسمع. # فاعرفه وأحسن تدبره. # ومن اللطيف في ذلك قوله تعالى: ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم [يوسف: ~~31]، وذلك أن قوله: «إن هذا إلا ملك كريم»، مشابك لقوله: «ما هذا بشرا» ~~ومداخل في ضمنه من ثلاثة أوجه: وجهان هو فيهما شبيه بالتأكيد، ووجه هو فيه ~~شبيه بالصفة. # فأحد وجهي كونه شبيها بالتأكيد، هو أنه إذا كان ملكا لم يكن بشرا، وإذا ~~كان كذلك كان، إثبات كونه ملكا تحقيقا لا محالة، وتأكيدا لنفي أن يكون ~~بشرا. # والوجه الثاني أن الجاري في العرف والعادة أنه إذا قيل: «ما هذا بشرا، ~~وما هذا بآدمي»، والحال حال تعظيم وتعجب مما يشاهد في الإنسان من حسن خلق ~~أو خلق، أن يكون الغرض والمراد من الكلام أن يقال إنه ملك، وأنه يكنى به عن ~~ذلك، حتى أنه يكون مفهوم اللفظ، وإذا كان مفهوما من اللفظ قبل أن يذكر، كان ~~ذكره إذا ذكر تأكيدا لا محالة، لأن حد «التأكيد» أن تحقق باللفظ معنى قد ~~فهم من لفظ آخر قد سبق منك. أفلا ترى: أنه إنما كان «كلهم» في قولك: «جاءني ~~القوم كلهم» تأكيدا من حيث كان الذي فهم منه، وهو الشمول، قد فهم بديئا من ~~ظاهر لفظ «القوم»، ولو أنه لم يكن فهم الشمول من لفظ «القوم»، ولا كان هو ~~من موجبه، لم يكن «كل» تأكيدا، ولكان الشمول مستفادا من «كل» ابتداء. # وأما الوجه الثالث الذي هو فيه شبيه بالصفة، فهو أنه إذا نفي أن يكون ~~بشرا، فقد أثبت له جنس سواه، إذ من المحال أن يخرج من جنس البشر، ثم لا ~~يدخل في جنس آخر. وإذا كان الأمر كذلك، كان إثباته «ملكا» تبيينا وتعيينا ~~لذلك الجنس الذي أريد إدخاله فيه، وإغناء عن أن تحتاج إلى أن تسأل فتقول: ~~«فإن لم يكن بشرا، فما هو؟ وما جنسه؟» كما أنك إذا قلت: «مررت بزيد الظريف» ~~كان «الظريف» تبيينا وتعيينا للذي أردت من بين من له هذا الاسم، وكنت قد ~~أغنيت المخاطب ms134 عن الحاجة إلى أن يقول: «أي الزيدين أردت؟». # ومما جاء فيه الإثبات «بإن وإلا» على هذا الحد قوله عز وجل: وما علمناه ~~الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين [يس: 69]، وقوله: وما ينطق عن # PageV01P153 # الهوى. إن هو إلا وحي يوحى [النجم: 3 - 4]، أفلا ترى أن الإثبات في ~~الآيتين جميعا تأكيد وتثبيت لنفي ما نفي؟ فإثبات ما علمه النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأوحي إليه ذكرا وقرآنا، تأكيد وتثبيت لنفي أن يكون قد علم الشعر ~~وكذلك إثبات ما يتلوه عليهم وحيا من الله تعالى، تأكيد وتقرير لنفي أن يكون ~~نطق به عن هوى. # واعلم أنه ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول فيه: «إنه خفي غامض، ودقيق ~~صعب» إلا وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب. وقد قنع الناس فيه بأن ~~يقولوا إذا رأوا جملة قد ترك فيها العطف: «إن الكلام قد استؤنف وقطع عما ~~قبله»، لا تطلب أنفسهم منه زيادة على ذلك. ولقد غفلوا غفلة شديدة. # ومما هو أصل في هذا الباب أنك قد ترى الجملة وحالها مع التي قبلها حال ما ~~يعطف ويقرن إلى ما قبله، ثم تراها قد وجب فيها ترك العطف، لأمر عرض فيها ~~صارت به أجنبية مما قبلها. # مثال ذلك قوله تعالى: الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون [البقرة: ~~15]، الظاهر كما لا يخفى يقتضي أن يعطف على ما قبله من قوله: إنما نحن ~~مستهزؤن [البقرة: 14]، وذلك أنه ليس بأجنبي منه، بل هو نظير ما جاء معطوفا ~~من قوله تعالى: يخادعون الله وهو خادعهم [النساء: 142]، وقوله: # ومكروا ومكر الله [آل عمران: 54]، وما أشبه ذلك مما يرد فيه العجز على ~~الصدر، ثم إنك تجده قد جاء غير معطوف، وذلك لأمر أوجب أن لا يعطف، وهو أن ~~قوله: «إنما # نحن مستهزءون»، حكاية عنهم أنهم قالوا، وليس بخبر من الله تعالى، وقوله ~~تعالى: الله يستهزئ بهم، خبر من الله تعالى أنه يجازيهم على كفرهم ~~واستهزائهم. وإذا كان كذلك، كان العطف ممتنعا، لاستحالة أن يكون الذي ms135 هو ~~خبر من الله تعالى، معطوفا على ما هو حكاية عنهم، ولإيجاب ذلك أن يخرج من ~~كونه خبرا من الله تعالى، إلى كونه حكاية عنهم، وإلى أن يكونوا قد شهدوا ~~على أنفسهم بأنهم مؤاخذون، وأن الله تعالى معاقبهم عليه. # وليس كذلك الحال في قوله تعالى: يخادعون الله وهو خادعهم و «مكروا ومكر ~~الله»، لأن الأول من الكلامين فيهما كالثاني، في أنه خبر من الله تعالى ~~وليس بحكاية. وهذا هو العلة في قوله تعالى: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في ~~الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ~~[البقرة: 11 - 12]، إنما جاء «إنهم هم المفسدون» مستأنفا مفتتحا «بألا»، ~~لأنه خبر من الله تعالى بأنهم # PageV01P154 # كذلك، والذي قبله من قوله: «إنما نحن مصلحون»، حكاية عنهم. فلو عطف للزم ~~عليه مثل الذي قدمت ذكره من الدخول في الحكاية، ولصار خبرا من اليهود ووصفا ~~منهم لأنفسهم بأنهم مفسدون، ولصار كأنه قيل: قالوا: «إنما نحن مصلحون، ~~وقالوا إنهم المفسدون»، وذلك ما لا يشك في فساده. # وكذلك قوله تعالى: وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن ~~السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون [البقرة: 13]، ولو عطف: «إنهم ~~هم السفهاء» على ما قبله، لكان يكون قد أدخل في الحكاية، ولصار حديثا منهم ~~عن أنفسهم بأنهم هم السفهاء، من بعد أن زعموا أنهم إنما تركوا أن يؤمنوا ~~لئلا يكونوا من السفهاء. # على أن في هذا أمرا آخر، وهو أن قوله: «أنؤمن» استفهام، لا يعطف الخبر ~~على الاستفهام. # فإن قلت: هل كان يجوز أن يعطف قوله تعالى: الله يستهزئ بهم على «قالوا» ~~من قوله: «قالوا إنا معكم» لا على ما بعده، وكذلك كان يفعل في «إنهم هم ~~المفسدون»، و «إنهم هم السفهاء»، وكان يكون نظير قوله تعالى: وقالوا لولا ~~أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر [الأنعام: 8]، وذلك أن قوله: ~~«ولو أنزلنا ملكا» معطوف، من غير شك، على «قالوا» دون ما بعده؟. # قيل: إن حكم العطف على «قالوا» فيما ms136 نحن فيه، مخالف لحكمه في الآية التي ~~ذكرت. وذلك أن «قالوا» هاهنا جواب شرط، فلو عطف قوله: «الله يستهزئ بهم» ~~عليه، للزم إدخاله في حكمه من كونه جوابا، وذلك لا يصح. # وذاك أنه متى عطف على جواب الشرط شيء «بالواو» كان ذلك على ضربين: # أحدهما: أن يكونا شيئين يتصور وجود كل واحد منهما دون الآخر، ومثاله قولك ~~«إن تأتني أكرمك أعطك وأكسك»، والثاني: أن يكون المعطوف شيئا لا يكون حتى ~~يكون المعطوف عليه، ويكون الشرط لذلك سببا فيه بوساطة كونه سببا للأول، ~~ومثاله قولك: «إذا رجع الأمير إلى الدار استأذنته وخرجت»، فالخروج لا يكون ~~حتى يكون الاستئذان، وقد صار «الرجوع» سببا في الخروج، من أجل كونه سببا في ~~الاستئذان، فيكون المعنى في مثل هذا على كلامين، نحو: «إذا رجع الأمير ~~استأذنت، وإذا استأذنت خرجت». # وإذا قد عرفت ذلك، فإنه لو عطف قوله تعالى: الله يستهزئ بهم على # PageV01P155 # «قالوا» كما زعمت، كان الذي يتصور فيه أن يكون من هذا الضرب الثاني، وأن ~~يكون المعنى: «وإذا خلو إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون»، ~~فإذا قالوا ذلك استهزأ الله بهم ومدهم في طغيانهم يعمهون. # وهذا وإن كان يرى أنه يستقيم، فليس هو بمستقيم. وذلك أن الجزاء إنما هو ~~على نفس الاستهزاء وفعلهم له وإرادتهم إياه في قولهم: «آمنا»، لا على أنهم ~~حدثوا على أنفسهم بأنهم مستهزءون، والعطف على «قالوا» يقتضي أن يكون الجزاء ~~على حديثهم عن أنفسهم بالاستهزاء، لا عليه نفسه. # ويبين ما ذكرناه من أن الجزاء ينبغي أن يكون على قصدهم الاستهزاء وفعلهم ~~له، لا على حديثهم عن أنفسهم بأنا مستهزءون، أنهم لو كانوا قالوا لكبرائهم: ~~«إنما نحن مستهزءون» وهم يريدون بذلك دفعهم عن أنفسهم بهذا الكلام، وأن ~~يسلموا من شرهم، وأن يوهموهم أنهم منهم وإن لم يكونوا كذلك «1»، لكان لا ~~يكون عليهم مؤاخذة فيما قالوه، من حيث كانت المؤاخذة تكون على اعتقاد ~~الاستهزاء والخديعة في إظهار الإيمان، لا في قول: «إنا استهزأنا» من غير أن ~~يقترن بذلك القول اعتقاد ms137 ونية. # هذا، وهاهنا أمر سوى ما مضى يوجب الاستئناف وترك العطف، وهو أن الحكاية ~~عنهم بأنهم قالوا كيت وكيت، تحرك السامعين لأن يعلموا مصير أمرهم وما يصنع ~~بهم، وأتنزل بهم النقمة عاجلا أم لا تنزل ويمهلون، وتوقع في أنفسهم التمني ~~لأن يتبين لهم ذلك. وإذا كان كذلك، كان هذا الكلام الذي هو قوله: «الله ~~يستهزئ بهم»، في معنى ما صدر جوابا عن هذا المقدر وقوعه في أنفس السامعين. ~~وإذا كان مصدره كذلك، كان حقه أن يؤتى به مبتدأ غير معطوف، ليكون في صورته ~~إذا قيل: # «فإن سألتم قيل لكم: «الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون». # وإذا استقريت وجدت هذا الذي ذكرت لك، من تنزيلهم الكلام إذا جاء بعقب ما ~~يقتضي سؤالا، منزلته إذا صرح بذلك السؤال، كثيرا، فمن لطيف ذلك قوله: [من ~~الكامل] # زعم العواذل أنني في غمرة، ... صدقوا، ولكن غمرتي لا تنجلي «2» # لما حكى عن العواذل أنهم قالوا: «هو في غمرة»، وكان ذلك مما يحرك ~~PageV01P156 # السامع لأن يسأله فيقول: «فما قولك في ذلك، وما جوابك عنه؟»، أخرج الكلام ~~مخرجه إذا كان ذلك قد قيل له، وصار كأنه قال: «أقول: صدقوا، أنا كما قالوا، ~~ولكن لا مطمع لهم في فلاحي»، ولو قال: «زعم العواذل أنني في غمرة وصدقوا»، ~~لكان يكون لم يضع في نفسه أنه مسئول، وأن كلامه كلام مجيب. # ومثله قول الآخر في الحماسة: [من الكامل] # زعم العواذل أن ناقة جندب ... بجنوب خبت عريت وأجمت # كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بالقادسية قلن: لج وذلت «1» # وقد زاد هذا أمر القطع والاستئناف وتقدير الجواب، تأكيدا بأن وضع الظاهر ~~موضع المضمر، فقال: «كذب العواذل»: ولم يقل «كذبن»، وذلك أنه لما أعاد ذكر ~~«العواذل» ظاهرا، كان ذلك أبين وأقوى، لكونه كلاما مستأنفا من حيث وضعه ~~وضعا لا يحتاج فيه إلى ما قبله، وأتى به مأتى ما ليس قبله كلام ومما هو على ~~ذلك قول الآخر: [من الوافر] زعمتم أن إخوتكم قريش! * لهم إلف، وليس لكم ~~إلاف «2» وذلك أن قوله: «لهم إلف» تكذيب ms138 لدعواهم أنهم من قريش، فهو إذن ~~بمنزلة أن يقول: «كذبتم، لهم إلف، وليس لكم ذلك»: ولو قال: «زعمتم أن ~~إخوتكم قريش ولهم إلف وليس لكم إلاف»، لصار بمنزلة أن يقول: «زعمتم أن ~~أخواتكم قريش وكذبتم»، في أنه كان يخرج عن أن يكون موضوعا على أنه جواب ~~سائل يقول له: «فماذا تقول في زعمهم ذلك وفي دعواهم؟» فاعرفه. # واعلم أنه لو أظهر «كذبتم»، لكان يجوز له أن يعطف هذا الكلام الذي هو ~~قوله: «لهم إلف» عليه بالفاء، فيقول: «كذبتم فلهم إلف، وليس لكم ذلك». فأما ~~الآن فلا مساغ لدخول الفاء البتة، لأنه يصير حينئذ معطوفا بالفاء على قوله: ~~«زعمتم PageV01P157 # أن إخوتكم قريش»، وذلك يخرج إلى المحال، من حيث يصير كأنه يستشهد بقوله: # «لهم إلف»، على أن هذا الزعم كان منهم، كما أنك إذا قلت: «كذبتم فلهم ~~إلف»، كنت قد استشهدت بذلك على أنهم كذبوا، فاعرف ذلك. # ومن اللطيف في الاستئناف، على معنى جعل الكلام جوابا في التقدير، قول ~~اليزيدي: [من السريع] # ملكته حبلي، ولكنه ... ألقاه من زهد على غاربي # وقال إني في الهوى كاذب، انتقم الله من الكاذب «1» استأنف قوله: «انتقم ~~الله من الكاذب»، لأنه جعل نفسه كأنه يجيب سائلا قال له: «فما تقول فيما ~~اتهمك به من أنك كاذب؟» فقال أقول «انتقم الله من الكاذب». # ومن النادر أيضا في ذلك قول الآخر: [من الخفيف] # قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل، ... سهر دائم وحزن طويل «2» # لما كان في العادة إذا قيل للرجل: «كيف أنت؟» فقال: «عليل»، أن يسأل ~~ثانيا فيقال: «ما بك؟ وما علتك»، قدر كأنه قد قيل له ذلك، فأتى بقوله: «سهر ~~دائم» جوابا عن هذا السؤال المفهوم من فحوى الحال، فاعرفه: # ومن الحسن البين في ذلك قول المتنبي: [من الوافر] # وما عفت الرياح له محلا، ... عفاه من حدا بهم وساقا «3» PageV01P158 # لما نفى أن يكون الذي يرى به من الدروس والعفاء من الرياح، وأن تكون التي ~~فعلت ذلك، وكان في العادة إذا نفي الفعل الموجود الحاصل عن واحد فقيل: «لم ms139 ~~يفعله فلان»، أن يقال: «فمن فعله؟» قدر كأن قائلا قال: «قد زعمت أن الرياح ~~لم تعف له محلا، فما عفاه إذن؟»، فقال مجيبا له: «عفاه من حدا بهم وساقا». # ومثله قول الوليد بن يزيد: [من الهزج] # عرفت المنزل الخالي ... عفا من بعد أحوال # عفاه كل حنان ... عسوف الوبل هطال «1» # لما قال: «عفا من بعد أحوال»، قدر كأنه قيل له: «فما عفاه؟» فقال: «عفاه ~~كل حنان». # واعلم أن السؤال إذا كان ظاهرا مذكورا في مثل هذا، كان الأكثر أن لا يذكر ~~الفعل في الجواب، ويقتصر على الاسم وحده. فأما مع الإضمار فلا يجوز إلا أن ~~يذكر الفعل. # تفسير هذا: أنه يجوز لك إذا قيل: «إن كانت الرياح لم تعفه فما عفاه؟» أن ~~تقول: «من حدا بهم وساقا» ولا تقول: «عفاه من حدا»، كما تقول في جواب من ~~يقول: «من فعل هذا؟»: زيد، ولا يجب أن تقول: «فعله زيد». # وأما إذا لم يكن السؤال مذكورا كالذي عليه البيت، فإنه لا يجوز أن يترك ~~ذكر الفعل. فلو قلت مثلا: «وما عفت الرياح له محلا، من حدا بهم وساقا»: ~~تزعم أنك أردت «عفاه من حدا بهم»، ثم تركت ذكر الفعل، أحلت «2»، لأنه إنما ~~يجوز تركه حيث يكون السؤال مذكورا، لأن ذكره فيه يدل على إرادته في الجواب، ~~فإذا لم يؤت بالسؤال لم يكن العلم به سبيل، فاعرف ذلك. # واعلم أن الذي تراه في التنزيل من لفظ «قال» مفصولا غير معطوف، هذا هو ~~التقدير فيه، والله أعلم. أعني مثل قوله تعالى: هل أتاك حديث ضيف إبراهيم ~~المكرمين. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون. فراغ إلى أهله ~~فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون. فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف ~~[الذاريات: PageV01P159 ### | 24 - 28 # ]، جاء على ما يقع في أنفس المخلوقين من السؤال. فلما كان العرف والعادة ~~فيما بين المخلوقين إذا قيل لهم: «دخل قوم على فلان فقالوا كذا»، أن ~~يقولوا: «فما قال هو؟»، ويقول المجيب: «قال كذا»، أخرج الكلام ذلك المخرج، ~~لأن ms140 الناس خوطبوا بما يتعارفونه، وسلك باللفظ معهم المسلك الذي يسلكونه. # وكذلك قوله: «قال ألا تأكلون»، وذلك أن قوله: «فجاء بعجل سمين. فقربه ~~إليهم»، يقتضي أن يتبع هذا الفعل بقول، فكأنه قيل والله أعلم: «فما قال حين ~~وضع الطعام بين أيديهم؟»، فأتى قوله: «قال ألا تأكلون»، جوابا عن ذلك. # وكذا «قالوا لا تخف»، لأن قوله: «فأوجس منهم خيفة»، يقتضي أن يكون من ~~الملائكة كلام في تأنيسه وتسكينه مما خامره، فكأنه قيل: «فما قالوا حين ~~رأوه وقد تغير ودخلته الخيفة؟» فقيل: «قالوا لا تخف». # وذلك، والله أعلم، المعنى في جميع ما يجيء منه على كثرته، كالذي يجيء في ~~قصة فرعون عليه اللعنة، وفي رد موسى عليه السلام عليه كقوله: قال فرعون وما ~~رب العالمين. قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. قال لمن ~~حوله ألا تستمعون. قال ربكم ورب آبائكم الأولين. قال إن رسولكم الذي أرسل ~~إليكم لمجنون. قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون. قال لئن ~~اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين. قال أولو جئتك بشيء مبين. قال فأت ~~به إن كنت من الصادقين [الشعراء: 23 - 31]، جاء ذلك كله، والله أعلم، على ~~تقدير السؤال والجواب كالذي جرت به العادة فيما بين المخلوقين، فلما كان ~~السامع منا إذا سمع الخبر عن فرعون بأنه قال: «وما رب العالمين؟»، وقع في ~~نفسه أن يقول: # «فما قال موسى له؟» أتى قوله: «قال رب السماوات والأرض»، مأتى الجواب ~~مبتدأ مفصولا غير معطوف. وهكذا التقدير والتفسير أبدا في كل ما جاء فيه لفظ ~~«قال» هذا المجيء، وقد يكون الأمر في بعض ذلك أشد وضوحا. # - فمما هو في غاية الوضوح قوله تعالى: قال فما خطبكم أيها المرسلون. ~~قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين [الحجر: 57 - 58]، وذلك لأنه لا يخفى على ~~عاقل أنه جاء على معنى الجواب، وعلى أن نزل السامعون كأنهم قالوا: «فما قال ~~له الملائكة؟»، فقيل: «قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين». # وكذلك قوله عز وجل في سورة يس: واضرب لهم مثلا أصحاب ms141 القرية إذ # PageV01P160 # جاءها المرسلون. إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا ~~إليكم مرسلون. قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم ~~إلا تكذبون. قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ ~~المبين قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب ~~أليم قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم # قوم مسرفون وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين. ~~اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون # [يس: 13 - 21]، التقدير الذي قدرناه من معنى السؤال والجواب بين ظاهر في ~~ذلك كله، ونسأل الله التوفيق للصواب، والعصمة من الزلل. ### | [فصل: في نكتة عطف الجملة على ما قبل التي تليها] # وإذ قد عرفت هذه الأصول والقوانين في شأن فصل الجمل ووصلها، فاعلم أنا قد ~~حصلنا من ذلك على أن الجمل على ثلاثة أضرب: # جملة حالها مع التي قبلها حال الصفة مع الموصوف والتأكيد مع المؤكد، فلا ~~يكون فيها العطف البتة، لشبه العطف فيها، لو عطفت، بعطف الشيء على نفسه. # وجملة حالها مع التي قبلها حال الاسم يكون غير الذي قبله، إلا أنه يشاركه ~~في حكم، ويدخل معه في معنى، مثل أن يكون كلا الاسمين فاعلا أو مفعولا أو ~~مضافا إليه، فيكون حقها العطف. # وجملة ليست في شيء من الحالين، بل سبيلها مع التي قبلها سبيل الاسم مع ~~الاسم لا يكون منه في شيء، فلا يكون إياه ولا مشاركا له في معنى، بل هو شيء ~~إن ذكر لم يذكر إلا بأمر ينفرد به، ويكون ذكر الذي قبله وترك الذكر سواء في ~~حاله، لعدم التعلق بينه وبينه رأسا. وحق هذا ترك العطف البتة. # فترك العطف يكون إما للاتصال إلى الغاية أو الانفصال إلى الغاية، والعطف ~~لما هو واسطة بين الأمرين، وكان له حال بين حالين، فاعرفه. ### | [فصل منه في أن امتياز العبارة بالتأثير] # هذا فن من القول خاص دقيق. اعلم أن مما يقل نظر الناس فيه من أمر «العطف» ~~أنه قد ms142 يؤتى بالجملة فلا تعطف على ما يليها، ولكن تعطف على جملة بينها وبين ~~هذه التي تعطف جملة أو جملتان، مثال ذلك قول المتنبي: [من الوافر] # PageV01P161 # تولوا بغتة، فكأن بينا ... تهيبني، ففاجأني اغتيالا # فكان مسير عيسهم ذميلا، ... وسير الدمع إثرهم انهمالا «1» # قوله: «فكان مسير عيسهم»، معطوف على «تولوا بغتة»، دون ما يليه من قوله: ~~«ففاجأني»، لأنا إن عطفناه على هذا الذي يليه أفسدنا المعنى، من حيث أنه ~~يدخل في معنى «كأن»، وذلك يؤدي إلى أن لا يكون مسير عيسهم حقيقة، ويكون ~~متوهما، كما كان تهيب البين كذلك. # وهذا أصل كبير. والسبب في ذلك أن الجملة المتوسطة بين هذه المعطوفة ~~أخيرا، وبين المعطوف عليها الأولى، ترتبط في معناها بتلك الأولى، كالذي ترى ~~أن قوله: «فكأن بينا تهيبني»، مرتبط بقوله: «تولوا بغتة»، وذلك أن الثانية ~~مسبب والأولى سبب. ألا ترى أن المعنى: «تولوا بغتة فتوهمت أن بينا تهيبني؟» ~~ولا شك أن هذا التوهم كان بسبب أن كان التولي بغتة. وإذا كان كذلك، كانت مع ~~الأولى كالشيء الواحد، وكان منزلتها منها منزلة المفعول والظرف وسائر ما ~~يجيء بعد تمام الجملة من معمولات الفعل، مما لا يمكن إفراده عن الجملة، وأن ~~يعتد كلاما على حدته. # وهاهنا شيء آخر دقيق، وهو أنك إذا نظرت إلى قوله: «فكان مسير عيسهم ~~ذميلا»، وجدته لم يعطف هو وحده على ما عطف عليه، ولكن تجد العطف قد تناول ~~جملة البيت مربوطا آخره بأوله. ألا ترى أن الغرض من هذا الكلام أن يجعل ~~توليهم بغتة، وعلى الوجه الذي توهم من أجله أن البين تهيبه، مستدعيا بكاءه، ~~وموجبا أن ينهمل دمعه، فلم يعنه أن يذكر ذملان العيس إلا ليذكر هملان ~~الدمع، وأن يوفق بينهما. # وكذلك الحكم في الأول، فنحن وإن كنا قلنا إن العطف على «تولوا بغتة»، ~~فإنا لا نعني أن العطف عليه وحده مقطوعا عما بعده، بل العطف عليه مضموما ~~إليه ما بعده إلى آخره، وإنما أردنا بقولنا «إن العطف عليه»، أن نعلمك أن ~~الأصل PageV01P162 # والقاعدة، وأن نصرفك عن أن تطرحه، ms143 وتجعل العطف على ما يلي هذا الذي ~~تعطفه، فتزعم أن قوله: «فكان مسير عيسهم» معطوف على «فاجأني»، فتقع في ~~الخطأ كالذي أريناك. # فأمر العطف إذن، موضوع على أنك تعطف تارة جملة على جملة، وتعمد أخرى إلى ~~جملتين أو جمل فتعطف بعضا على بعض، ثم تعطف مجموع هذي على مجموع تلك. # وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء من هذا المعنى أصلا يعتبر به. # وذلك أنك ترى، متى شئت، جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى، ثم جعلتا ~~بمجموعهما شرطا، ومثال ذلك قوله تعالى: ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به ~~بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا [النساء: 112]، الشرط كما لا يخفى في ~~مجموع الجملتين لا في كل واحدة منهما على الانفراد، ولا في واحدة دون ~~الأخرى، لأنا إن قلنا أنه في كل واحدة منهما على الانفراد، جعلناهما شرطين، ~~وإذا جعلناهما شرطين اقتضتا جزاءين، وليس معنا إلا جزاء واحد. وإن قلنا إنه ~~في واحدة منهما دون الأخرى، لزم منه إشراك ما ليس بشرط في الجزم بالشرط، ~~وذلك ما لا يخفى فساده. # ثم إنا نعلم من طريق المعنى أن الجزاء الذي هو احتمال البهتان والإثم ~~المبين، أمر يتعلق إيجابه لمجموع ما حصل من الجملتين، فليس هو لاكتساب ~~الخطيئة على الانفراد، ولا لرمي البريء بالخطيئة أو الإثم على الإطلاق، بل ~~لرمي الإنسان البريء بخطيئة أو إثم كان من الرامي، وكذلك الحكم أبدا. فقوله ~~تعالى: ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع ~~أجره على الله [النساء: # 100]، لم يعلق الحكم فيه بالهجرة على الانفراد، بل بها مقرونا إليها أن ~~يدركه الموت عليها. # واعلم أن سبيل الجملتين في هذا، وجعلهما بمجموعهما بمنزلة الجملة ~~الواحدة، سبيل الجزءين تعقد منهما الجملة، ثم يجعل المجموع خبرا أو صفة أو ~~حالا، كقولك: «زيد قام غلامه» و «زيد أبوه كريم» و «مررت برجل أبوه كريم» و ~~«جاءني زيد يعدو به فرسه». فكما يكون الخبر والصفة والحال لا محالة في ~~مجموع الجزءين لا في أحدهما، ms144 كذلك يكون الشرط في مجموع الجملتين لا في ~~إحداهما. وإذا علمت ذلك في الشرط، فاحتذه في العطف، فإنك تجده مثله سواء. # PageV01P163 # ومما لا يكون العطف فيه إلا على هذا الحد قوله تعالى: وما كنت بجانب ~~الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين. ولكنا أنشأنا قرونا ~~فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا ~~كنا مرسلين [القصص: 44 - 45]، لو جريت على الظاهر فجعلت كل جملة معطوفة على ~~ما يليها، منع منه المعنى. وذلك أنه يلزم منه أن يكون قوله: «وما كنت ثاويا ~~في أهل مدين»، معطوفا على قوله: «فتطاول عليهم العمر»، وذلك يقتضي دخوله في ~~معنى «لكن»، ويصير كأنه قيل: «ولكنك ما كنت ثاويا»، وذلك ما لا يخفى فساده. # وإذا كان كذلك، بان منه أنه ينبغي أن يكون قد عطف مجموع «وما كنت ثاويا ~~في أهل مدين» إلى «مرسلين»، على مجموع قوله: «وما كنت بجانب الغربي إذ ~~قضينا إلى موسى الأمر» إلى قوله «العمر». # فإن قلت: فهلا قدرت أن يكون «وما كنت ثاويا في أهل مدين» معطوفا على «وما ~~كنت من الشاهدين»، دون أن تزعم أنه معطوف عليه مضموما إليه ما بعده إلى ~~قوله «العمر»؟ # قيل: لأنا إن قدرنا ذلك، وجب أن ينوى به التقديم على قوله: «ولكنا أنشأنا ~~قرونا» وأن يكون الترتيب «وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ~~وما كنت من الشاهدين، وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا ~~أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر ولكنا كنا مرسلين»، وفي ذلك إزالة «لكن» ~~عن موضعها الذي ينبغي أن تكون فيه. ذاك لأن سبيل «لكن» سبيل «إلا»، فكما لا ~~يجوز أن تقول: «جاءني القوم وخرج أصحابك إلا زيدا وإلا عمرا» بجعل «إلا ~~زيدا» استثناء «من جاءني القوم»، و «إلا عمرا» من «خرج أصحابك»، كذلك لا ~~يجوز أن تصنع مثل ذلك «بلكن» فتقول: «ما جاءني زيد، وما خرج عمرو ولكن بكرا ~~حاضرا، ولكن أخاك خارج»، فإذا لم يجز ذلك، وكان ms145 تقديرك الذي زعمت يؤدي ~~إليه، وجب أن تحكم بامتناعه. فاعرفه. # هذا، وإنما تجوز نية التأخير في شيء معناه يقتضي له ذلك التأخير، مثل أن ~~كون الاسم مفعولا، يقتضي له أن يكون بعد الفاعل، فإذا قدم على الفاعل نوي ~~به التأخير، ومعنى «لكن» في الآية، يقتضي أن تكون في موضعها الذي هي فيه، ~~فكيف يجوز أن ينوى بها التأخير عنه إلى موضع آخر؟. # PageV01P164 # هذه فصول شتى في أمر «اللفظ» و «النظم» فيها فصل شحذ للبصيرة، وزيادة كشف ~~عما فيها من السريرة ### | [فصل منه في أن معارضة الكلام في البلاغة بحسب معناه لا لفظه] # وغلط الناس في هذا الباب كثير. فمن ذلك أنك تجد كثيرا ممن يتكلم في شأن ~~البلاغة، إذا ذكر أن للعرب الفضل والمزية في حسن النظم والتأليف، وأن لها ~~في ذلك شأوا لا يبلغه الدخلاء في كلامهم والمولدون، جعل يعلل ذلك بأن يقول: ~~«لا غرو، فإن اللغة لها بالطبع ولنا بالتكلف، ولكن يبلغ الدخيل في اللغات ~~والألسنة مبلغ من نشأ عليها، وبدئ من أول خلقه بها»، وأشباه هذا مما يوهم ~~أن المزية أتتها من جانب العلم باللغة. وهو خطأ عظيم وغلط منكر يفضي بقائله ~~إلى رفع الإعجاز من حيث لا يعلم. وذلك أنه لا يثبت إعجاز حتى تثبت مزايا ~~تفوق علوم البشر، وتقصر قوى نظرهم عنها، ومعلومات ليس في منن «1» أفكارهم ~~وخواطرهم أن تفضي بهم إليها، وأن تطلعهم عليها، وذلك محال فيما كان علما ~~باللغة، لأنه يؤدي إلى أن يحدث في دلائل اللغة ما لم يتواضع عليها أهل ~~اللغة. وذلك ما لا يخفى امتناعه على عاقل. # واعلم أنا لم نوجب المزية من أجل العلم بأنفس الفروق والوجوه فنستند إلى ~~اللغة، ولكنا أوجبناها للعلم بمواضعها، وما ينبغي أن يصنع فيها، فليس الفضل ~~للعلم بأن «الواو» للجمع، و «الفاء» للتعقيب بغير تراخ، و «ثم» له بشرط ~~التراخي، و «إن» لكذا و «إذا» لكذا، ولكن لأن يتأتى لك إذا نظمت شعرا وألفت ~~رسالة أن تحسن التخير، وأن تعرف لكل من ذلك موضعه. ms146 # وأمر آخر إذا تأمله الإنسان أنف من حكاية هذا القول، فضلا عن اعتقاده، ~~وهو أن المزية لو كانت تجب من أجل اللغة والعلم بأوضاعها وما أراده الواضع ~~فيها، لكان ينبغي أن لا تجب إلا بمثل الفرق بين «الفاء» و «ثم» و «إن» و ~~«إذا» وما أشبه ذلك، مما يعبر عنه وضع لغوي، فكانت لا تجب بالفضل وترك ~~العطف، وبالحذف والتكرار، والتقديم والتأخير، وسائر ما هو هيئة يحدثها لك ~~التأليف، ويقتضيها الغرض الذي تؤم، والمعنى الذي تقصد، وكان ينبغي أن لا ~~تجب المزية بما يبتدئه الشاعر والخطيب في كلامه من استعارة اللفظ للشيء لم ~~يستعر له، وأن لا تكون الفضيلة إلا في استعارة قد تعورفت في كلام العرب. ~~وكفى بذلك جهلا. PageV01P165 # ولم يكن هذا الاشتباه وهذا الغلط إلا لأنه ليس في جملة الخفايا والمشكلات ~~أغرب مذهبا في الغموض، ولا أعجب شأنا، من هذه التي نحن بصددها، ولا أكثر ~~تفلتا من الفهم وانسلالا منها، وأن الذي قاله العلماء والبلغاء في صفتها ~~والإخبار عنها، رموز لا يفهمهما إلا من هو في مثل حالهم من لطف الطبع، ومن ~~هو مهيأ لفهم تلك الإشارات، حتى كأن تلك الطباع اللطيفة وتلك القرائح ~~والأذهان، قد تواضعت فيما بينها على ما سبيله سبيل الترجمة يتواطأ عليها ~~قوم فلا تعدوهم، ولا يعرفها من ليس منهم. # وليت شعري من أين لمن لم يتعب في هذا الشأن، ولم يمارسه، ولم يوفر عنايته ~~عليه، أن ينظر إلى قول الجاحظ وهو يذكر إعجاز القرآن: # «ولو أن رجلا قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة قصيرة أو طويلة، ~~لتبين له في نظامها ومخرجها من لفظها وطابعها، أنه عاجز عن مثلها، ولو تحدي ~~بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها» «1». # وقوله وهو يذكر رواة الأخبار: # «ورأيت عامتهم، فقد طالت مشاهدتي لهم، وهم لا يقفون على الألفاظ ~~المتخيرة، والمعاني المنتخبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى ~~الطبع المتمكن، وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق» «2». # وقوله في بيت الحطيئة: [من الطويل] # متى تأته تعشو إلى ضوء ms147 ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # «وما كان ينبغي أن يمدح بهذا البيت إلا من هو خير أهل الأرض، على أني لم ~~أعجب بمعناه أكثر من عجبي بلفظه، وطبعه، ونحته، وسبكه، فيفهم منه شيئا أو ~~يقف للطابع والنظام والنحت والسبك والمخارج السهلة، على معنى، أو يحلى منه ~~بشيء، وكيف بأن يعرفه؟ ولربما خفي على كثير من أهله». # واعلم أن الداء الدوي «3»، والذي أعيى أمره في هذا الباب، غلط من قدم ~~الشعر بمعناه، وأقل الاحتفال باللفظ، وجعل لا يعطيه من المزية إن هو أعطى ~~إلا ما فضل عن المعنى يقول: «ما في اللفظ لولا المعنى؟ وهل الكلام إلا ~~بمعناه؟». فأنت تراه لا PageV01P166 # يقدم شعرا حتى يكون قد أودع حكمة وأدبا، واشتمل على تشبيه غريب ومعنى ~~نادر، فإن مال إلى اللفظ شيئا، ورأى أن ينحله بعض الفضيلة، لم يعرف غير ~~«الاستعارة»، ثم لا ينظر في حال تلك «الاستعارة» أحسنت بمجرد كونها ~~استعارة، أم من أجل فرق ووجه أم للأمرين؟ لا يحفل بهذا وشبهه، قد قنع ~~بظواهر الأمور، وبالجمل، بأن يكون كمن يجلب المتاع للبيع، وإنما همه أن ~~يروج عنه. يرى أنه إذا تكلم في الأخذ والسرقة، وأحسن أن يقول: «أخذه من ~~فلان، وألم فيه بقول كذا»، فقد استكمل الفضل، وبلغ أقصى ما يراد. # واعلم أنا وإن كنا إذا اتبعنا العرف والعادة وما يهجس في الضمير وما عليه ~~العامة، أرانا ذلك أن الصواب معهم، وأن التعويل ينبغي أن يكون على المعنى، ~~وأنه الذي لا يسوغ القول بخلافه، فإن الأمر بالضد إذا جئنا إلى الحقائق، ~~وإلى ما عليه المحصلون، لأنا لا نرى متقدما في علم البلاغة، مبرزا في ~~شأوها، إلا وهو ينكر هذا الرأي ويعيبه، ويزري على القائل به ويغض منه. # ومن ذلك ما روي عن البحتري. روي أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر سأله ~~عن مسلم وأبي نواس: أيهما أشعر؟ فقال: أبو نواس. فقال: إن أبا العباس ثعلبا ~~لا يوافقك على هذا. فقال: ليس هذا من شأن ثعلب وذويه، من ms148 المتعاطين لعلم ~~الشعر دون عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه ~~وانتهى إلى ضروراته. # وعن بعضهم أنه قال: رآني البحتري ومعي دفتر شعر فقال: ما هذا؟ فقلت: # شعر الشنفرى. فقال: وإلى أين تمضي؟ فقلت: إلى أبي العباس أقرؤه عليه. ~~فقال: قد رأيت أبا عباسكم هذا منذ أيام عند ابن ثوابة فما رأيته ناقدا ~~للشعر ولا مميزا للألفاظ، ورأيته يستجيد شيئا وينشده، وما هو بأفضل الشعر. ~~فقلت له: أما نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى، ولكنه أعرف الناس بإعرابه ~~وغريبه، فما كان ينشد؟ قال قول الحارث بن وعلة: [من الكامل] # قومي هم قتلوا أميم، أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي # فلئن عفوت لأعفون جللا، ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي «1» PageV01P167 # فقلت: والله ما أنشد إلا أحسن شعر في أحسن معنى ولفظ. فقال: أين الشعر ~~الذي فيه عروق الذهب؟ فقلت: مثل ماذا؟ فقال: مثل قول أبي ذؤاب: [من الكامل] # إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب # بأشدهم كلبا على أعدائه ... وأعزهم فقدا على الأصحاب «1» # - وفي مثل هذا قال الشاعر: [من الطويل] # زوامل للأشعار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر # لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح ما في الغرائر «2» # وقال الآخر «3»: [من الخفيف] # يا أبا جعفر تحكم في الشع ... ر وما فيك آلة الحكام # إن نقد الدينار إلا على الصي ... رف صعب، فكيف نقد الكلام # قد رأيناك لست تفرق في الأش ... عار بين الأرواح والأجسام # واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا ~~كان أدبا وحكمة وكان غريبا نادرا، فهو أشرف مما ليس كذلك، بل عابوه من حيث ~~كان من حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقص، أن لا يعتبر في قضيته ~~تلك إلا الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته، وأن لا ينظر فيها ~~إلى جنس آخر، وإن كان من الأول بسبيل، أو متصلا به اتصال ما لا ينفك منه. # ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل ms149 التصوير والصياغة، وأن سبيل المعنى الذي يعبر ~~عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه، كالفضة والذهب يصاغ منهما ~~خاتم أو سوار. فكما أن محالا إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم، وفي جودة ~~العمل ورداءته، أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة، أو الذهب الذي وقع ~~فيه PageV01P168 # ذلك العمل وتلك الصنعة، كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية ~~في الكلام، أن تنظر في مجرد معناه، وكما أنا لو فضلنا خاتما على خاتم، بأن ~~تكون فضة هذا أجود، أو فصه أنفس، لم يكن ذلك تفضيلا له من حيث هو خاتم، ~~كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتا على بيت من أجل معناه، أن لا يكون تفضيلا له من ~~حيث هو شعر وكلام. وهذا قاطع، فاعرفه. # واعلم أنك لست تنظر في كتاب صنف في شأن البلاغة، وكلام جاء عن القدماء، ~~إلا وجدته يدل على فساد هذا المذهب، ورأيتهم يتشددون في إنكاره وعيبه ~~والعيب به. # وإذا نظرت في كتب الجاحظ وجدته يبلغ في ذلك كل مبلغ، ويتشدد غاية التشدد، ~~وقد انتهى في ذلك إلى أن جعل العلم بالمعاني مشتركا، وسوى فيه بين الخاصة ~~والعامة فقال «1»: «ورأيت ناسا يبهرجون أشعار المولدين، ويستسقطون من ~~رواها، ولم أر ذلك قط إلا في راوية غير بصير بجوهر ما يروي، وو لو كان له ~~بصر لعرف موضع الجيد ممن كان، وفي أي زمان كان. وأنا سمعت أبا عمرو ~~الشيباني، وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين ونحن في المسجد الجامع يوم ~~الجمعة، أن كلف رجلا حتى أحضره قرطاسا ودواة حتى كتبهما. قال الجاحظ: وأنا ~~أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا، ولولا أن أدخل في الحكومة ~~بعض الغيب، لزعمت أن ابنه لا يقول الشعر أيضا، وهما قوله: [من السريع] # لا تحسبن الموت موت البلى ... وإنما الموت سؤال الرجال # كلاهما موت، ولكن ذا ... أشد من ذاك على كل حال # ثم قال: «وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني، والمعاني مطروحة في الطريق ~~يعرفها العجمي والعربي، والقروي والبدوي، وإنما الشأن ms150 في إقامة الوزن وتخير ~~اللفظ، وسهولة المخرج، وصحة الطبع، وكثرة الماء، وجودة السبك، وإنما الشعر ~~صياغة وضرب من التصوير». # فقد تراه كيف أسقط أمر المعاني، وأبى أن يجب لها فضل: «وهي مطروحة في ~~الطريق»، ثم قال: «وأنا أزعم أن ابن صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا»، ~~فأعلمك أن فضل الشعر بلفظه لا بمعناه، وأنه إذا عدم الحسن في لفظه ونظمه، ~~لم يستحق هذا الاسم بالحقيقة. وأعاد طرفا من هذا الحديث في البيان» فقال ~~«2»: PageV01P169 # «ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتتب أشعارا من أفواه جلسائه ليدخلها في ~~باب التحفظ والتذكر، وربما خيل إلي أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون ~~أبدا أن يقولوا # شعرا جيدا، لمكان أعراقهم من أولئك الآباء»، ثم قال: «ولولا أن أكون ~~عيابا، ثم للعلماء خاصة، لصورت لك بعض ما سمعت من أبي عبيدة، ومن هو أبعد ~~في وهمك من أبي عبيدة». # واعلم أنهم لم يبلغوا في إنكار هذا المذهب ما بلغوه إلا لأن الخطأ فيه ~~عظيم، وأنه يفضي بصاحبه إلى أن ينكر الإعجاز ويبطل التحدي من حيث لا يشعر. ~~وذلك أنه إن كان العمل على ما يذهبون إليه، من أن لا يجب فضل ومزية إلا من ~~جانب المعنى، وحتى يكون قد قال حكمة أو أدبا، واستخرج معنى غريبا أو تشبيها ~~نادرا، فقد وجب اطراح جميع ما قاله الناس في الفصاحة والبلاغة، وفي شأن ~~النظم والتأليف، وبطل أن يجب بالنظم فضل، وأن تدخله المزية، وأن تتفاوت فيه ~~المنازل. # وإذا بطل ذلك، فقد بطل أن يكون في الكلام معجز، وصار الأمر إلى ما يقوله ~~اليهود ومن قال بمثل مقالهم في هذا الباب، ودخل في مثل تلك الجهالات، ونعوذ ~~بالله من العمى بعد الإبصار. ### | [فصل: لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير] # لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى، حتى يكون لها في المعنى تأثير ~~لا يكون لصاحبتها. # فإن قلت: فإذا أفادت هذه ما لا تفيد تلك، فليستا عبارتين عن معنى واحد، ~~بل هما عبارتان ms151 عن معنيين اثنين. # قيل لك: إن قولنا «المعنى» في مثل هذا، يراد به الغرض، والذي أراد ~~المتكلم أن يثبته أو ينفيه، نحو أن تقصد تشبيه الرجل بالأسد فتقول «زيد ~~كالأسد»، ثم تريد هذا المعنى بعينه فتقول: «كأن زيدا الأسد»، فتفيد تشبيه ~~أيضا بالأسد، إلا أنك تزيد في معنى تشبيهه به زيادة لم تكن في الأول، وهي ~~أن تجعله من فرط شجاعته وقوة قلبه، وأنه لا يروعه شيء، بحيث لا يتميز عن ~~الأسد، ولا يقصر عنه، حتى يتوهم أنه أسد في صورة آدمي. # وإذا كان هذا كذلك، فانظر هل كانت هذه الزيادة وهذا الفرق إلا بما توخي ~~في نظم اللفظ وترتيبه، حيث قدم «الكاف» إلى صدر الكلام وركبت مع «أن»؟ وإذا # PageV01P170 # لم يكن إلى الشك سبيل أن ذلك كان بالنظم، فاجعله العبرة في الكلام كله، ~~ورض نفسك على تفهم ذلك وتتبعه، واجعل فيها أنك تزاول منه أمرا عظيما لا ~~يقادر قدره، وتدخل في بحر عميق لا يدرك قعره. ### | فصل هو فن آخر يرجع إلى هذا الكلام # قد علم أن المعارض للكلام معارض له من الجهة التي منها يوصف بأنه فصيح ~~وبليغ، ومتخير اللفظ جيد السبك، ونحو ذلك من الأوصاف التي نسبوها إلى ~~اللفظ. # وإذا كان هذا هكذا، فبنا أن ننظر فيما إذا أتي به كان معارضا ما هو؟ أهو ~~أن يجيء بلفظ فيضعه مكان لفظ آخر، نحو أن يقول بدل «أسد» «ليث»، وبدل «بعد» ~~«نأى»، ومكان «قرب» «دنا»، أم ذلك ما لا يذهب إليه عاقل ولا يقوله من به ~~طرق «1»؟ كيف؟ ولو كان ذلك معارضة لكان الناس لا يفصلون بين الترجمة ~~والمعارضة، ولكان كل من فسر كلاما معارضا له. وإذا بطل أن يكون جهة ~~للمعارضة، وأن يكون الواضع نفسه في هذه المنزلة معارضا على وجه من الوجوه، ~~علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى ~~المعاني، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ، دون الألفاظ أنفسها، لأنه إذا لم يكن ~~في القسمة إلا المعاني والألفاظ، وكان لا يعقل تعارض ms152 في الألفاظ المجردة، ~~إلا ما ذكرت، لم يبق إلا أن تكون المعارضة معارضة من جهة إلى معاني الكلام ~~المعقولة، دون ألفاظه المسموعة. وإذا عادت المعارضة إلى جهة المعنى، وكان ~~الكلام يعارض من حيث هو فصيح وبليغ ومتخير اللفظ، حصل من ذلك أن «الفصاحة» ~~و «البلاغة» و «تخير اللفظ» عبارة عن خصائص ووجوه تكون معاني الكلام عليها، ~~وعن زيادات تحدث في أصول المعاني، كالذي أريتك فيما بين «زيد كالأسد» و ~~«كأن زيدا الأسد»، وبأن لا نصيب للألفاظ من حيث هي ألفاظ فيها بوجه من ~~الوجوه. # واعلم أنك لا تشفي العلة ولا تنتهي إلى ثلج اليقين، حتى تتجاوز حد العلم ~~بالشيء مجملا، إلى العلم به مفصلا، وحتى لا يقنعك إلا النظر في زواياه، ~~والتغلغل في مكامنه، وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه، وانتهى في ~~البحث عن جوهر العود الذي يصنع فيه إلى أن يعرف منبته، ومجرى عروق الشجر ~~الذي هو منه. PageV01P171 # وإنا لنراهم يقيسون الكلام في معنى المعارضة على الأعمال الصناعية، كنسج ~~الديباج وصوغ الشنف «1» والسوار وأنواع ما يصاغ، وكل ما هو صنعة وعمل يد، ~~بعد أن يبلغ مبلغا يقع التفاضل فيه، ثم يعظم حتى يزيد فيه الصانع على ~~الصانع زيادة يكون له بها صيت، ويدخل في حد ما يعجز عنه الأكثرون. # وهذا القياس، وإن كان قياسا ظاهرا معلوما، وكالشيء المركوز في الطباع، ~~حتى ترى العامة فيه كالخاصة، فإن فيه أمرا يجب العلم به: وهو أنه يتصور أن ~~يبدأ هذا فيعمل ديباجا ويبدع في نقشه وتصويره، فيجيء آخر ويعمل ديباجا آخر ~~مثله في نقشه وهيئته وجملة صفته، حتى لا يفصل الرائي بينهما، ولا يقع لمن ~~لم يعرف القصة ولم يخبر الحال إلا أنهما صنعة رجل واحد، وخارجان من تحت يد ~~واحدة. # وهكذا الحكم في سائر المصنوعات كالسوار يصوغه هذا، ويجيء ذاك فيعمل سوارا ~~مثله، ويؤدي صفته كما هي، حتى لا يغادر منها شيئا البتة. # وليس يتصور مثل ذلك في الكلام، لأنه لا سبيل إلى أن تجيء إلى معنى بيت من ms153 ~~الشعر، أو فصل من النثر، فتؤديه بعينه وعلى خاصيته وصفته بعبارة أخرى، حتى ~~يكون المفهوم من هذه هو المفهوم من تلك، لا يخالفه في صفة ولا وجه ولا أمر ~~من الأمور. ولا يغرنك قول الناس: «قد أتى بالمعنى بعينه، وأخذ معنى كلامه ~~فأداه على وجه»، فإنه تسامح منهم، والمراد أنه أدى الغرض، فأما أن يؤدي ~~المعنى بعينه على الوجه الذي يكون عليه في كلام الأول، حتى لا تعقل هاهنا ~~إلا ما عقلته هناك، وحتى يكون حالهما في نفسك حال الصورتين المشتبهتين في ~~عينك كالسوارين والشنفين، في غاية الإحالة، وظن يفضي بصاحبه إلى جهالة ~~عظيمة، وهي أن تكون الألفاظ مختلفة المعاني إذا # فرقت، ومتفقتها إذا جمعت وألف منها كلام. وذلك أن ليس كلامنا فيما يفهم ~~من لفظتين مفردتين نحو «قعد» و «جلس»، ولكن فيما فهم من مجموع كلام ومجموع ~~كلام آخر، نحو أن تنظر في قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة [البقرة: 179]، ~~وقول الناس: «قتل البعض إحياء للجميع»، فإنه وإن كان قد جرت عادة الناس بأن ~~يقولوا في مثل هذا: «إنهما عبارتان معبرهما واحد»، فليس هذا القول قولا ~~يمكن الأخذ بظاهره، أو يقع لعاقل شك أن ليس المفهوم من أحد الكلامين ~~المفهوم من الآخر. PageV01P172 ### | فصل: الكلام ضربان # الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وذلك ~~إذا قصدت أن تخبر عن «زيد» مثلا بالخروج على الحقيقة، فقلت: «خرج زيد»، ~~وبالانطلاق عن «عمرو» فقلت: «عمرو منطلق»، وعلى هذا القياس- ضرب آخر أنت لا ~~تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي ~~يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى ~~الغرض. ومدار هذا الأمر على «الكناية» و «الاستعارة» و «التمثيل»، وقد مضت ~~الأمثلة فيها مشروحة مستقصاة. أو لا ترى أنك إذا قلت: «هو كثير رماد ~~القدر»، أو قلت: «طويل النجاد»، أو قلت في المرأة: «نؤوم الضحى»، فإنك في ~~جميع ذلك لا تفيد غرضك الذي تعني من مجرد اللفظ، ولكن يدل ms154 اللفظ على معناه ~~الذي يوجبه ظاهره، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى، على سبيل الاستدلال، معنى ~~ثانيا هو غرضك، كمعرفتك من «كثير رماد القدر» أنه مضياف، ومن «طويل النجاد» ~~أنه طويل القامة، ومن «نؤوم الضحى» في المرأة أنها مترفة مخدومة، لها من ~~يكفيها أمرها. # وكذا إذا قال: «رأيت أسدا»، ودلك الحال على أنه لم يرد السبع، علمت أنه ~~أراد التشبيه، إلا أنه بالغ فجعل الذي رآه بحيث لا يتميز عن الأسد في ~~شجاعته. # وكذلك تعلم من قوله: «بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى»، أنه أراد التردد ~~في أمر البيعة واختلاف العزم في الفعل وتركه، على ما مضى الشرح فيه. # وإذ قد عرفت هذه الجملة، فهاهنا عبارة مختصرة وهي أن تقول: «المعنى»، و ~~«معنى المعنى»، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير ~~واسطة، و «بمعنى المعنى»، أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى ~~إلى معنى آخر، كالذي فسرت لك. # وإذ قد عرفت ذلك، فإذا رأيتهم يجعلون الألفاظ زينة للمعاني وحلية عليها، ~~أو يجعلون المعاني كالجواري، والألفاظ كالمعارض «1» لها، وكالوشي المحبر ~~«2» واللباس الفاخر والكسوة الرائقة، إلى أشباه ذلك مما يفخمون به أمر ~~اللفظ، ويجعلون المعنى ينبل به ويشرف، فاعلم «3» أنه يصفون كلاما قد أعطاك ~~المتكلم أغراضه فيه من طريق PageV01P173 # معنى المعنى، فكنى وعرض، ومثل واستعار، ثم أحسن في ذلك كله وأصاب، ووضع ~~كل شيء منه في موضعه، وأصاب به شاكلته، وعمد فيما كنى به وشبه ومثل، لما ~~حسن مأخذه، ودق مسلكه، ولطفت إشارته، وأن المعرض وما في معناه، ليس هو ~~اللفظ المنطوق به، ولكن معنى اللفظ الذي دللت به على المعنى الثاني، كمعنى ~~قوله: [من الوافر] فإني، جبان الكلب مهزول الفصيل الذي هو دليل على أنه ~~مضياف، فالمعاني الأول المفهومة من أنفس الألفاظ هي المعارض والوشي والحلي ~~وأشباه ذلك، والمعاني الثواني التي يومأ إليها بتلك المعاني، هي التي تكسى ~~تلك المعارض، وتزين بذلك الوشي والحلي. # وكذلك إذا جعلوا المعنى يتصور من أجل اللفظ بصورة، ويبدو في ms155 هيئة، ويتشكل ~~بشكل يرجع المعنى في ذلك كله إلى الدلالات المعنوية، ولا يصلح شيء منه حيث ~~الكلام على ظاهره، وحيث لا يكون كناية ولا تمثيل ولا استعارة، ولا استعانة ~~في الجملة بمعنى على معنى، وتكون الدلالة على الغرض من مجرد اللفظ، فلو أن ~~قائلا قال: «رأيت الأسد»، وقال آخر: «لقيت الليث»، لم يجز أن يقال في ~~الثاني أنه صور المعنى في غير صورته الأولى، ولا أن يقال أبرزه في معرض سوى ~~معرضه، ولا شيئا من هذا الجنس. # وجملة الأمر أن صور المعاني لا تتغير بنقلها من لفظ إلى لفظ، حتى يكون ~~هناك اتساع ومجاز، وحتى لا يراد من الألفاظ ظواهر ما وضعت له في اللغة، ~~ولكن يشار بمعانيها إلى معان أخر. # واعلم أن هذا كذلك ما دام النظم واحدا، فأما إذا تغير النظم فلا بد حينئذ ~~من أن يتغير المعنى، على ما مضى من البيان في «مسائل التقديم والتأخير»، ~~وعلى ما رأيت في المسألة التي مضت الآن، أعني قولك: «إن زيدا كالأسد»، و ~~«كأن زيدا الأسد»، ذاك لأنه لم يتغير من اللفظ شيء، وإنما تغير النظم فقط. ~~وأما فتحك «إن» عند تقديم الكاف وكانت مكسورة فلا اعتداد بها، لأن معنى ~~الكسر باق بحاله. # واعلم أن السبب في أن أحالوا في أشباه هذه المحاسن التي ذكرتها لك على ~~اللفظ، أنها ليست بأنفس المعاني، بل هي زيادات فيها وخصائص. ألا ترى أن ~~ليست المزية التي تجدها لقولك: «كأن زيدا الأسد» على قولك «زيد كالأسد»، ~~لشيء خارج عن التشبيه الذي هو أصل المعنى، وإنما هو زيادة فيه وفي حكم # PageV01P174 # الخصوصية في الشكل، نحو أن يصاغ خاتم على وجه، وآخر على وجه آخر، تجمعهما ~~صورة الخاتم، ويفترقان بخاصة وشيء يعلم، إلا أنه لا يعلم منفردا. # ولما كان الأمر كذلك، لم يمكنهم أن يطلقوا اسم المعاني على هذه الخصائص، ~~إذ كان لا يفترق الحال حينئذ بين أصل المعنى، وبين ما هو زيادة في المعنى ~~وكيفية له وخصوصية فيه. فلما امتنع ذلك توصلوا إلى الدلالة عليها ms156 بأن وصفوا ~~اللفظ في ذلك بأوصاف يعلم أنها لا تكون أوصافا له من حيث هو لفظ، كنحو ~~وصفهم له بأنه لفظ شريف، وأنه قد زان المعنى، وأن له ديباجة، وأن عليه ~~طلاوة، وأن المعنى منه في مثل الوشي، وأنه عليه كالحلي، إلى أشباه ذلك مما ~~يعلم ضرورة أنه يعنى بمثله الصوت والحرف. ثم إنه لما جرت به العادة واستمر ~~عليه العرف، وصار الناس يقولون اللفظ واللفظ، لز «1» من ذلك بأنفس أقوام ~~باب من الفساد، وخامرهم منه شيء لست أحسن وصفه. ### | ### | فصل # [من دلالة المعنى على المعنى] # ومن الصفات التي تجدهم يجرونها على «اللفظ»، ثم لا تعترضك شبهة ولا يكون ~~منك توقف في أنها ليست له، ولكن لمعناه، قولهم: «لا يكون الكلام يستحق اسم ~~البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك ~~من معناه إلى قلبك»، وقولهم: «يدخل في الأذن بلا إذن»، فهذا مما لا يشك ~~العاقل في أنه يرجع إلى دلالة المعنى على المعنى، وأنه لا يتصور أن يراد به ~~دلالة اللفظ على معناه الذي وضع له في اللغة. # ذاك لأنه لا يخلو السامع من أن يكون عالما باللغة وبمعاني الألفاظ التي ~~يسمعها، أو يكون جاهلا بذلك .. فإن كان عالما لم يتصور أن يتفاوت حال ~~الألفاظ معه، فيكون معنى لفظ أسرع إلى قلبه من معنى لفظ آخر، وإن كان جاهلا ~~كان ذلك في وصفه أبعد. # وجملة الأمر أنه إنما يتصور أن يكون لمعنى أسرع فهما منه لمعنى آخر، إذا ~~كان ذلك مما يدرك بالفكر، وإذا كان مما يتجدد له العلم به عند سمعه للكلام. # وذلك محال في دلالات الألفاظ اللغوية، لأن طريق معرفتها التوقيف، والتقدم ~~بالتعريف. PageV01P175 # وإذا كان ذلك كذلك، علم علم الضرورة أن مصرف ذلك إلى دلالات المعاني على ~~المعاني، وأنهم أرادوا أن من شرط البلاغة أن يكون المعنى الأول الذي تجعله ~~دليلا على المعنى الثاني ووسيطا بينك وبينه، متمكنا في دلالته، مستقلا ~~بوساطته، يسفر بينك وبينه أحسن سفارة، ويشير لك إليه أبين إشارة، ms157 حتى يخيل ~~إليك أنك فهمته من حاق «1» اللفظ، وذلك لقلة الكلفة فيه عليك، وسرعة وصوله ~~إليك، فكان من «الكناية» مثل قوله: [من المنسرح] # لا أمتع العوذ بالفصال، ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل «2» # ومن «الاستعارة» مثل قوله: [من الطويل] # وصدر أراح الليل عازب همه، ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب «3» # ومن «التمثيل» مثل قوله: [من المديد] # لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره «4» # إن أردت أن تعرف ما حاله بالضد من هذا، فكان منقوص القوة في تأدية ما ~~أريد منه، لأنه يعترضه ما يمنعه أن يقضي حق السفارة فيما بينك وبين معناك، ~~ويوضح تمام الإيضاح عن مغزاك، فانظر إلى قول العباس بن الأحنف: [من الطويل] # سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا «5» ~~PageV01P176 # بدأ فدل بسكب الدموع على ما يوجبه الفراق من الحزن والكمد، فأحسن وأصاب، ~~لأن من شأن البكاء أبدا أن يكون أمارة للحزن، وأن يجعل دلالة عليه وكناية ~~عنه، # كقولهم: «أبكاني وأضحكني»، على معنى «ساءني وسرني»، وكما قال: [من ~~السريع] # أبكاني الدهر، ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضي «1» # ثم ساق هذا القياس إلى نقيضه، فالتمس أن يدل على ما يوجبه دوام التلاقي ~~من السرور بقوله: «لتجمدا»، وظن أن الجمود يبلغ له في إفادة المسرة ~~والسلامة من الحزن، ما بلغ سكب الدمع في الدلالة على الكآبة والوقوع في ~~الحزن ونظر إلى أن الجمود خلو العين من البكاء وانتفاء الدموع عنها، وأنه ~~إذا قال «لتجمدا»، فكأنه قال: «أحزن اليوم لئلا أحزن غدا، وتبكي عيناي ~~جهدهما لئلا تبكيا أبدا»، وغلط فيما ظن. وذاك أن الجمود هو أن لا تبكي ~~العين، مع أن الحال حال بكاء، ومع أن العين يراد منها أن تبكي، ويستراب في ~~أن لا تبكي، ولذلك لا ترى أحدا يذكر عينه بالجمود إلا وهو يشكوها ويذمها ~~وينسبها إلى البخل، ويعد امتناعها من البكاء تركا لمعونة صاحبها على ما به ~~من الهم، ألا ترى إلى قوله: [من الطويل] # ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري ms158 دمعها لجمود «2» # فأتى بالجمود تأكيدا لنفي الجود، ومحال أن يجعلها لا تجود بالبكاء وليس ~~هناك التماس بكاء، لأن الجود والبخل يقتضيان مطلوبا يبذل أو يمنع، ولو كان ~~الجمود يصلح لأن يراد به السلامة من البكاء، ويصح أن يدل به على أن الحال ~~حال مسرة وحبور، لجاز أن يدعى به للرجل فيقال: «لا زالت عينك جامدة»، كما ~~يقال: # «لا أبكى الله عينك»، وذاك مما لا يشك في بطلانه. # وعلى ذلك قول أهل اللغة: «عين جمود، لا ماء فيها، وسنة جماد، لا مطر ~~فيها، وناقة جماد، لا لبن فيها»، وكما لا تجعل السنة والناقة جمادا إلا على ~~معنى أن السنة بخيلة بالقطر، والناقة لا تسخو بالدر «3»، كذلك حكم العين لا ~~تجعل «جمودا» PageV01P177 # إلا وهناك ما يقتضي إرادة البكاء منها، ما يجعلها إذا بكت محسنة موصوفة ~~بأن قد جادت وسخت، وإذا لم تبك، مسيئة موصوفة بأن قد ضنت وبخلت. # فإن قيل: إنه أراد أن يقول: «إن اليوم أتجرع غصص الفراق، وأحمل نفسي على ~~مره، وأحتمل ما يؤديني إليه من حزن يفيض الدموع من عيني ويسكبها، لكي أتسبب ~~بذلك إلى وصل يدوم، ومسرة تتصل، حتى لا أعرف بعد ذلك الحزن أصلا، ولا تعرف ~~عيني البكاء، وتصير في أن لا ترى باكية أبدا، كالجمود التي لا يكون لها ~~دمع». # فإن ذلك «1» لا يستقيم ولا يستتب، لأنه يوقعه في التناقض، ويجعله كأنه ~~قال: # «أحتمل البكاء لهذا الفراق عاجلا، لأصير في الآجل بدوام الوصل واتصال ~~السرور في صورة من يريد من عينه أن تبكي ثم لا تبكي، لأنها خلقت جامدة لا ~~ماء فيها»، وذلك من التهافت والاضطراب بحيث لا تنجع الحيلة فيها. # وجملة الأمر أنا لا نعلم أحدا جعل جمود العين دليل سرور وأمارة غبطة، ~~وكناية عن أن الحال حال فرح. # فهذا مثال فيما هو بالضد مما شرطوا من أن لا يكون لفظه أسبق إلى سمعك، من ~~معناه إلى قلبك لأنك ترى اللفظ يصل إلى سمعك، وتحتاج إلى أن تخب وتوضع في ~~طلب المعنى. # ويجري لك هذا ms159 الشرح والتفسير في «النظم» كما جرى في «اللفظ»، لأنه إذا ~~كان النظم سويا، والتأليف مستقيما، كان وصول المعنى إلى قلبك، تلو وصول ~~اللفظ إلى سمعك. وإذا كان على خلاف ما ينبغي، وصل اللفظ إلى السمع، وبقيت ~~في المعنى تطلبه وتتعب فيه، وإذا أفرط الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي ~~قالوا: «إنه يستهلك المعنى». # واعلم أن لم تضق العبارة ولم يقصر اللفظ ولم ينغلق الكلام في هذا الباب، ~~إلا لأنه قد تناهى في الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات، وأنت لا ترى أغرب ~~مذهبا، وأعجب طريقا، وأحرى بأن تضطرب فيه الآراء منه. وما قولك في شيء قد ~~بلغ من أمره أن يدعى على كبار العلماء أنهم لم يعلموه ولم يفطنوا له؟ فقد ~~ترى أن البحتري قال حين سئل عن مسلم وأبي نواس: أيهما أشعر؟ فقال: أبو ~~نواس. فقيل: فإن أبا العباس ثعلبا لا يوافقك على هذا. فقال: ليس هذا من شأن ~~ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون علمه، إنما يعلم ذلك من دفع في ~~مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته. PageV01P178 # ثم لم ينفك العالمون به والذين هم من أهله، من دخول الشبهة فيه عليهم، ~~ومن اعتراض السهو والغلط لهم. روي عن الأصمعي أنه قال «1»: كنت أشدو من أبي ~~عمرو بن العلاء وخلف الأحمر، وكان يأتيان بشارا فيسلمان عليه بغاية الإعظام ~~ثم يقولان: يا أبا معاذ، ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما، ويسألانه ويكتبان ~~عنه متواضعين له، حتى يأتي وقت الزوال، ثم ينصرفان. وأتياه يوما فقالا: ما ~~هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكم. قالوا: ~~بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب. قال: نعم، # بلغني أن سلم بن قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف. ~~قالوا: فأنشدناها يا أبا معاذ. فأنشدهما: [من الخفيف] # بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير «2» # حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان «إن ذاك النجاح في ~~التبكير»: # بكرا فالنجاح في التبكير كان ms160 أحسن. فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية ~~فقلت: إن ذاك النجاح في التبكير، كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت: ~~«بكرا فالنجاح»، كان هذا من كلام المولدين، ولا يشبه ذاك الكلام، ولا يدخل ~~في معنى القصيدة. قال: فقام خلف فقبل بين عينيه» «3»، فهل كان هذا القول من ~~خلف والنقد على بشار، إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟. # واعلم أن من شأن «إن» إذا جاءت على هذا الوجه، أن تغني غناء «الفاء» ~~العاطفة مثلا، وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمرا عجيبا. فأنت ترى ~~الكلام بها مستأنفا غير مستأنف، ومقطوعا موصولا معا. أفلا ترى أنك لو أسقطت ~~«إن» من قوله: «إن ذاك النجاح في التبكير»، لم تر الكلام يلتئم، ولرأيت ~~الجملة الثانية لا تتصل بالأولى ولا تكون منها بسبيل، حتى تجيء بالفاء ~~فتقول: «بكرا صاحبي قبل الهجير، فذاك النجاح في التبكير»، ومثله قول بعض ~~العرب: [من الرجز] PageV01P179 # فغنها، وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء «1» # فانظر إلى قوله: «إن غناء الإبل الحداء»، وإلى ملاءمته الكلام قبله، وحسن ~~تشبثه به، وإلى حسن تعطف الكلام الأول عليه. ثم انظر إذا تركت «إن» فقلت: # «فغنها وهي لك الفداء، غناء الإبل الحداء»، كيف تكون الصورة؟ وكيف ينبو ~~أحد الكلامين عن الآخر؟ وكيف يشئم هذا ويعرق ذاك؟ حتى لا تجد حيلة في ~~ائتلافهما حتى تجتلب لهما «الفاء» فتقول: «فغنها وهي لك الفداء، فغناء ~~الإبل الحداء»، ثم تعلم أن ليست الألفة بينهما من جنس ما كان، وأن قد ذهبت ~~الأنسة التي كنت تجد، والحسن الذي كنت ترى. # وروي عن عنبسة «2» أنه قال: قدم ذو الرمة الكوفة فوقف ينشد الناس ~~بالكناسة قصيدته الحائية التي منها: [من الطويل] # هي البرء، والأسقام، والهم، والمنى، ... وموت الهوى في القلب مني المبرح # وكان الهوى بالنأي يمحى فيمحي، ... وحبك عندي يستجد ويربح # إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح «3» # قال: فلما انتهى إلى هذا البيت ناداه ابن شبرمة «4»: يا غيلان «5»، أراه ~~قد برح! قال: فشنق ناقته «6» وجعل يتأخر ms161 بها ويفكر، ثم قال: PageV01P180 # إذا غير النأي المحبين لم أجد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح # قال: فلما انصرفت حدثت أبي، قال: أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة ~~ما أنكر، وأخطأ ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شبرمة، إنما هذا كقول الله ~~تعالى: ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها [النور: 40]، وإنما ~~هو: لم يرها ولم يكد «1». # واعلم أن سبب الشبهة في ذلك أنه قد جرى في العرف أن يقال: «ما كاد يفعل» ~~و «لم يكد يفعل» في فعل قد فعل، على معنى أنه لم يفعل إلا بعد الجهد، وبعد ~~أن كان بعيدا في الظن أن يفعله، كقوله تعالى: فذبحوها وما كادوا يفعلون ~~[البقرة: 71]، فلما كان مجيء النفي في «كاد» على هذا السبيل، توهم ابن ~~شبرمة أنه إذا قال: «لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح» فقد زعم: أن الهوى ~~قد برح، ووقع لذي الرمة مثل هذا الظن. # وليس الأمر كالذي ظناه، فإن الذي يقتضيه اللفظ إذا قيل: «لم يكد يفعل» و ~~«ما كاد يفعل»، أن يكون المراد أن الفعل لم يكن من أصله، ولا قارب أن يكون، ~~ولا ظن أنه يكون. وكيف بالشك في ذلك؟ وقد علمنا أن «كاد» موضوع لأن يدل على ~~شدة قرب الفعل من الوقوع، وعلى أنه قد شارف الوجود. وإذا كان كذلك، كان ~~محالا أن يوجب نفيه وجود الفعل، لأنه يؤدي إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل ~~الوجود وجوده، وأن يكون قولك: «ما قارب أن يفعل»، مقتضيا على البت أنه قد ~~فعل. وإذ قد ثبت ذلك، فمن سبيلك أن تنظر. فمتى لم يكن المعنى على أنه قد ~~كانت هناك صورة تقتضي أن لا يكون الفعل، وحال يبعد معها أن يكون، ثم تغير ~~الأمر، كالذي تراه في قوله تعالى: فذبحوها وما كادوا يفعلون [البقرة: 71]، ~~فليس إلا أن تلزم الظاهر، وتجعل المعنى على أنك تزعم أن الفعل لم يقارب أن ~~يكون، فضلا عن أن يكون. # فالمعنى إذن في بيت ذي ms162 الرمة على أن الهوى من رسوخه في القلب، وثبوته فيه ~~وغلبته على طباعه، بحيث لا يتوهم عليه البراح، وأن ذلك لا يقارب أن يكون، ~~فضلا عن أن يكون، كما تقول: «إذا سلا المحبون وفتروا في محبتهم، لم يقع لي ~~في وهم، ولم يجر مني على بال: أنه يجوز علي ما يشبه السلوة، وما يعد فترة، ~~فضلا عن أن يوجد ذلك مني وأصير إليه. PageV01P181 # وينبغي أن تعلم أنهم إنما قالوا في التفسير: «لم يرها ولم يكد»، فبدءوا ~~فنفوا الرؤية، ثم عطفوا «لم يكد» عليه، ليعلموك أن ليس سبيل «لم يكد» هاهنا ~~سبيل «ما كادوا» في قوله تعالى: فذبحوها وما كادوا يفعلون [البقرة: 71] في ~~أنه نفي معقب على إثبات، وأن ليس المعنى على أن رؤية كانت من بعد أن كادت ~~لا تكون، ولكن المعنى على أن رؤيتها لا تقارب أن تكون، فضلا عن أن تكون. ~~ولو كان «لم يكد» يوجب وجود الفعل، لكان هذا الكلام منهم محالا جاريا مجرى ~~أن تقول: «لم يرها ورآها»، فاعرفه. # وهاهنا نكتة، وهي أن «لم يكد» في الآية والبيت واقع في جواب «إذا»، ~~والماضي إذا وقع في جواب الشرط على هذا السبيل، كان مستقبلا في المعنى فإذا ~~قلت: «إذا خرجت لم أخرج»، كنت قد نفيت خروجا فيما يستقبل. وإذا كان الأمر ~~كذلك، استحال أن يكون المعنى في البيت أو الآي على الفعل قد كان، لأنه يؤدي ~~إلى أن يجيء «بلم أفعل» ماضيا صريحا في جواب الشرط فتقول: «إذا خرجت لم ~~أخرج أمس»، وذلك محال. ومما يتضح فيه هذا المعنى قول الشاعر: [من المتقارب] # ديار لجهمة بالمنحنى ... سقاهن مرتجز باكر # وراح عليهن ذو هيدب ... ضعيف القوى، ماؤه زاخر # إذا رام نهضا بها لم يكد ... كذي الساق أخطأها الجابر «1» # وأعود إلى الغرض. فإذا بلغ من دقة هذه المعاني أن يشتبه الأمر فيها على ~~مثل خلف الأحمر وابن شبرمة، وحتى يشتبه على ذي الرمة في صواب قاله، فيرى ~~أنه غير صواب، فما ظنك بغيرهم؟ وما يعجبك من أن يكثر التخليط ms163 فيه؟ ومن ~~العجب في هذا المعنى قول أبي النجم: [من الرجز] # قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع «2» PageV01P182 # قد حمله الجميع على أنه أدخل نفسه من رفع «كل» في شيء إنما يجوز عند ~~الضرورة، من غير أن كانت به إليه ضرورة. قالوا: لأنه ليس في نصب «كل» ما ~~يكسر له وزنا، أو يمنعه من معنى أراده. وإذا تأملت وجدته لم يرتكبه ولم ~~يحمل نفسه عليه إلا لحاجة له إلى ذلك، وإلا لأنه رأى النصب يمنعه ما يريد. ~~وذاك أنه أراد أنها تدعي عليه ذنبا لم يصنع منه شيئا البتة لا قليلا ولا ~~كثيرا ولا بعضا ولا كلا. والنصب يمنع من هذا المعنى، ويقتضي أن يكون قد أتى ~~من الذنب الذي ادعته بعضه. # وذلك أنا إذا تأملنا وجدنا إعمال الفعل في «كل» والفعل منفي، لا يصلح أن ~~يكون إلا حيث يراد أن بعضا كان وبعضا لم يكن. تقول: «لم ألق كل القوم»، و ~~«لم آخذ كل الدراهم»، فيكون المعنى أنك لقيت بعضا من القوم ولم تلق الجميع، ~~وأخذت بعضا من الدراهم وتركت الباقي ولا يكون أن تريد أنك لم تلق واحدا من ~~القوم، ولم تأخذ شيئا من الدراهم. # وتعرف ذلك بأن تنظر إلى «كل» في الإثبات وتتعرف فائدته فيه. وإذا نظرت ~~وجدته قد اجتلب لأن يفيد الشمول في الفعل الذي تسنده إلى الجملة أو توقعه ~~بها. # تفسير ذلك، أنك إنما قلت: «جاءني القوم كلهم»، لأنك لو قلت: «جاءني ~~القوم» وسكت، لكان يجوز أن يتوهم السامع أنه قد تخلف عنك بعضهم، إلا أنك لم ~~تعتد بهم، أو أنك جعلت الفعل إذا وقع من بعض القوم فكأنما وقع من الجميع، ~~لكونهم في حكم الشخص الواحد، كما يقال للقبيلة: «فعلتم وصنعتم»، يراد فعل ~~قد كان من بعضهم أو واحد منهم. وهكذا الحكم أبدا. # فإذا قلت: «رأيت القوم كلهم» و «مررت بالقوم كلهم»، كنت قد جئت «بكل» ~~لئلا يتوهم أنه قد بقي عليك من لم تره ولم تمرر به. # وينبغي أن يعلم ms164 أنا لا نعني بقولنا «يفيد الشمول»، أن سبيله في ذلك سبيل ~~الشيء يوجب المعنى من أصله، وأنه لولا مكان «كل» لما عقل الشمول ولم يكن ~~فيما سبق من اللفظ دليل عليه. كيف؟ ولو كان كذلك لم يكن يسمى «تأكيدا». # فالمعنى أنه يمنع أن يكون اللفظ المقتضي الشمول مستعملا على خلاف ظاهره ~~ومتجوزا فيه. # وإذ قد عرفت ذلك، فهاهنا أصل، وهو أن من حكم النفي إذا دخل على كلام، ثم ~~كان في ذلك الكلام تقييد على وجه من الوجوه، أن يتوجه إلى ذلك التقييد، وأن ~~يقع له خصوصا. # PageV01P183 # تفسير ذلك: أنك إذا قلت: «أتاني القوم مجتمعين»، فقال قائل: «لم يأتك ~~القوم مجتمعين»، كان نفيه ذلك متوجها إلى الاجتماع الذي هو تقييد في ~~الإتيان دون الإتيان نفسه، حتى إنه إن أراد أن ينفي الإتيان من أصله، كان ~~من سبيله أن يقول: «إنهم لم يأتوك أصلا، فما معنى قولك: مجتمعين». هذا مما ~~لا يشك فيه عاقل. # وإذا كان هذا حكم النفي إذا دخل على كلام فيه تقييد، فإن التأكيد ضرب من ~~التقييد. فمتى نفيت كلاما فيه تأكيد، فإن نفيك ذلك يتوجه إلى التأكيد خصوصا ~~ويقع له. فإذا قلت: «لم أر القوم كلهم» أو «لم يأتني القوم كلهم» أو «لم ~~يأتني كل القوم» أو «لم أر كل القوم»، كنت عمدت نفيك إلى معنى «كل» خاصة، ~~وكان حكمه حكم «مجتمعين» في قولك: «لم يأتني القوم مجتمعين». وإذا كان ~~النفي يقع «لكل» خصوصا فواجب إذا قلت: «لم يأتني القوم كلهم» أو «لم يأتني ~~كل القوم»، أن يكون قد أتاك بعضهم كما يجب إذا قلت: «لم يأتني القوم ~~مجتمعين»، أن يكونوا قد أتوك أشتاتا. وكما يستحيل أن تقول: «لم يأتني القوم ~~مجتمعين»، وأنت تريد أنهم لم يأتوك أصلا لا مجتمعين ولا منفردين كذلك محال ~~أن تقول: «لم يأتني القوم كلهم»، وأنت تريد أنهم لم يأتوك أصلا، فاعرفه. # واعلم أنك إذا نظرت وجدت الإثبات كالنفي فيما ذكرت لك، ووجدت النفي قد ~~احتذاه فيه وتبعه. وذلك أنك إذا قلت: ms165 «جاءني القوم كلهم»، كان «كل» فائدة ~~خبرك هذا، والذي يتوجه إليه إثباتك، بدلالة أن المعنى على أن الشك لم يقع ~~في نفس المجيء أنه كان من القوم على الجملة، وإنما وقع في شموله «الكل»، ~~وذلك الذي عناك أمره من كلامك. # وجملة الأمر أنه ما من كلام كان فيه أمر زائد على مجرد إثبات المعنى ~~للشيء، إلا كان الغرض الخاص من الكلام، والذي يقصد إليه ويزجى القول فيه. ~~فإذا قلت: # «جاءني زيد راكبا»، و «ما جاءني زيد راكبا» كنت قد وضعت كلامك لأن تثبت ~~مجيئه راكبا أو تنفي ذلك، لا لأن تثبت المجيء وتنفيه مطلقا. هذا ما لا سبيل ~~إلى الشك فيه. # واعلم أنه يلزم من شك في هذا فتوهم أنه يجوز أن تقول: «لم أر القوم ~~كلهم»، على معنى أنك لم تر واحدا منهم أن تجري النهي هذا المجرى فتقول: «لا ~~تضرب القوم كلهم»، على معنى لا تضرب واحدا منهم وأن تقول: «لا تضرب # PageV01P184 # الرجلين كليهما»، على معنى لا تضرب واحدا منهما. فإذا قال ذلك لزمه أن ~~يحيل قول الناس: «لا تضربهما معا، ولكن اضرب أحدهما»، و «لا تأخذهما جميعا، ~~ولكن واحدا منهما»، وكفى بذلك فسادا. # وإذ قد بان لك من حال النصب أنه يقتضي أن يكون المعنى على أنه قد صنع من ~~الذنب بعضا وترك بعضا، فاعلم أن الرفع على خلاف ذلك، وأنه يقتضي نفي أن ~~يكون قد صنع منه شيئا، وأتى منه قليلا أو كثيرا، وأنك إذا قلت: «كلهم لا ~~يأتيك»، و «كل ذلك لا يكون»، و «كل هذا لا يحسن»، كنت نفيت أن يأتيه واحد ~~منهم، وأبيت أن يكون أو يحسن شيء مما أشرت إليه. # ومما يشهد لك بذلك من الشعر قوله: [من الطويل] # فكيف؟ وكل ليس يعدو حمامه ... ولا لامرئ عما قضى الله مزحل «1» # المعنى على نفي أن يعدو أحد من الناس حمامه، بلا شبهة. ولو قلت: # «فكيف وليس يعدو كل حمامه»: فأخرت «كلا»، لأفسدت المعنى، وصرت كأنك تقول: ~~«إن من الناس من يسلم من الحمام ms166 ويبقى خالدا لا يموت». # ومثله قول دعبل: [من الطويل] # فو الله ما أدري بأي سهامها ... رمتني، وكل عندنا ليس بالمكدي # أبا الجيد، أم مجرى الوشاح، وإنني ... لأتهم عينيها مع الفاحم الجعد «2» # المعنى على نفي أن يكون في سهامها مكد على وجه من الوجوه. # ومن البين في ذلك ما جاء في حديث ذي اليدين حين قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: # «أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: كل ذلك لم ~~يكن. فقال ذو اليدين: بعض ذلك قد كان» «3»، المعنى لا محالة على نفي ~~الأمرين جميعا، وعلى أنه PageV01P185 # عليه السلام أراد أنه لم يكن واحد منهما، لا القصر ولا النسيان. ولو قيل: ~~«لم يكن كل ذلك»، لكان المعنى أنه قد كان بعضه. # واعلم أنه لما كان المعنى مع إعمال الفعل المنفي في «كل» نحو: «لم يأتني ~~القوم كلهم» و «لم أر القوم كلهم»، على أن الفعل قد كان من البعض، ووقع على ~~البعض، قلت: «لم يأتني القوم كلهم، ولكن أتاني بعضهم» و «لم أر القوم كلهم، ~~ولكن رأيت بعضهم» فأثبت بعد ما نفيت، ولا يكون ذلك مع رفع «كل» بالابتداء. # فلو قلت: «كلهم لم يأتني، ولكن أتاني بعضهم» و «كل ذلك لم يكن، ولكن كان ~~بعض ذلك»، لم يجز، لأنه يؤدي إلى التناقض، وهو أن تقول: «لم يأتني واحد ~~منهم، ولكن أتاني بعضهم». # واعلم أنه ليس التأثير لما ذكرنا من إعمال الفعل وترك إعماله على ~~الحقيقة، وإنما التأثير لأمر آخر، وهو دخول «كل» في حيز النفي، وأن لا يدخل ~~فيه. وإنما علقنا الحكم في البيت «1» وسائر ما مضى بإعمال الفعل وترك ~~إعماله، من حيث كان إعماله فيه يقتضي دخوله في حيز النفي، وترك إعماله يوجب ~~خروجه منه، من حيث كان الحرف النافي في البيت حرفا لا ينفصل عن الفعل، وهو ~~«لم» لا أن كونه معمولا للفعل وغير معمول، يقتضي ما رأيت من الفرق. أفلا ~~ترى أنك لو جئت بحرف نفي يتصور انفصاله عن الفعل، لرأيت المعنى ms167 في «كل» مع ~~ترك إعمال الفعل، مثله مع إعماله، ومثال ذلك قوله: [من البسيط] ما كل ما ~~يتمنى المرء يدركه «2» وقول الآخر: [من البسيط] ما كل رأي الفتى يدعو إلى ~~رشد «3» PageV01P186 # «كل» كما ترى غير معمل فيه الفعل، ومرفوع، إما بالابتداء، وإما بأنه اسم ~~«ما»، ثم إن المعنى مع ذلك على ما يكون عليه إذا أعملت فيه الفعل فقلت: «ما ~~يدرك المرء كل ما يتمناه»، «ما يدعو كل رأي الفتى إلى رشد»، وذلك أن ~~التأثير لوقوعه في حيز النفي، وذلك حاصل في الحالين. ولو قدمت «كلا» في هذا ~~فقلت: # «كل ما يتمنى المرء لا يدركه» و «كل رأي الفتى لا يدعو إلى رشد» لتغير ~~المعنى، ولصار بمنزلة أن يقول: «إن المرء لا يدرك شيئا مما يتمناه»، و «لا ~~يكون في رأي الفتى ما يدعو إلى رشد بوجه من الوجوه». # واعلم أنك إذا أدخلت «كلا» في حيز النفي، وذلك بأن تقدم النفي عليه لفظا ~~أو تقديرا، فالمعنى على نفي الشمول دون نفي الفعل والوصف نفسه. وإذا أخرجت ~~«كلا» من حيز النفي ولم تدخله فيه، لا لفظا ولا تقديرا، كان المعنى على أنك ~~تتبعت الجملة، فنفيت الفعل والوصف عنها واحدا واحدا. والعلة في أن كان ذلك ~~كذلك، أنك إذا بدأت «بكل» كنت قد بنيت النفي عليه، وسلطت الكلية على النفي ~~وأعملتها فيه، وإعمال معنى الكلية في النفي يقتضي أن لا يشذ شيء عن النفي، ~~فاعرفه. # واعلم أن من شأن الوجوه والفروق أن لا يزال تحدث بسببها وعلى حسب الأغراض ~~والمعاني التي تقع فيها، دقائق وخفايا لا إلى حد ونهاية وأنها خفايا تكتم ~~أنفسها جهدها حتى لا يتنبه لأكثرها، ولا يعلم أنها هي، وحتى لا تزال ترى ~~العالم يعرض له السهو فيه، وحتى إنه ليقصد إلى الصواب فيقع في أثناء كلامه ~~ما يوهم الخطأ، كل ذلك لشدة الخفاء وفرط الغموض. ### | فصل # واعلم أنه إذا كان بينا في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه ~~حتى لا يشكل، وحتى لا يحتاج في ms168 العلم بأن ذلك حقه وأنه الصواب، إلى فكر ~~وروية فلا مزية. وإنما تكون المزية ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال غير ~~الوجه الذي جاء عليه وجها آخر، ثم رأيت النفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، ~~ورأيت للذي جاء عليه حسنا وقبولا تعدمهما إذا أنت تركته إلى الثاني. # مثال ذلك قوله تعالى: وجعلوا لله شركاء الجن [الأنعام: 100]، ليس بخاف أن ~~لتقديم «الشركاء» حسنا وروعة ومأخذا من القلوب، أنت لا تجد شيئا منه إن أنت ~~أخرت فقلت: «وجعلوا الجن شركاء لله»، وأنك ترى حالك حال من نقل عن # PageV01P187 # الصورة المبهجة والمنظر الرائق والحسن الباهر، إلى الشيء الغفل الذي لا ~~تحلى منه بكثير طائل، ولا تصير النفس به إلى حاصل. والسبب في أن كان ذلك ~~كذلك، هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلا لا سبيل إليه مع التأخير. # بيانه، أنا وإن كنا نرى جملة المعنى ومحصوله أنهم جعلوا الجن شركاء ~~وعبدوهم مع الله تعالى، وكان هذا المعنى يحصل مع التأخير حصوله مع التقديم، ~~فإن تقديم «الشركاء» يفيد هذا المعنى ويفيد معه معنى آخر، وهو أنه ما كان ~~ينبغي أن يكون لله شريك، لا من الجن ولا غير الجن. # وإذا أخر فقيل: «جعلوا الجن شركاء لله»، لم يفد ذلك، ولم يكن فيه شيء ~~أكثر من الإخبار عنهم بأنهم عبدوا الجن مع الله تعالى، فأما إنكار أن يعبد ~~مع الله غيره، وأن يكون له شريك من الجن وغير الجن، فلا يكون في اللفظ مع ~~تأخير «الشركاء» دليل عليه. وذلك أن التقدير يكون مع التقديم: أن «شركاء» ~~مفعول أول لجعل، و «لله» في موضع المفعول الثاني، ويكون «الجن» على كلام ~~ثان، وعلى تقدير أنه كأنه قيل: «فمن جعلوا شركاء لله تعالى؟»، فقيل: ~~«الجن». وإذا كان التقدير في «شركاء» أنه مفعول أول، و «لله» في موضع ~~المفعول الثاني، وقع الإنكار على كون شركاء لله تعالى على الإطلاق، من غير ~~اختصاص شيء دون شيء. وحصل من ذلك أن اتخاذ الشريك من غير الجن قد دخل في ~~الإنكار ms169 دخول اتخاذه من الجن، لأن الصفة إذا ذكرت مجردة غير مجراة على شيء، ~~كان الذي تعلق بها من النفي عاما في كل ما يجوز أن تكون له تلك الصفة. # فإذا قلت: «ما في الدار كريم»، كنت نفيت الكينونة في الدار عن كل من يكون ~~الكرم صفة له. وحكم الإنكار أبدا حكم النفي. وإذا أخر فقيل: «وجعلوا الجن ~~شركاء لله»، كان «الجن» مفعولا أول، و «الشركاء» مفعولا ثانيا. وإذا كان ~~كذلك، كان «الشركاء» مخصوصا غير مطلق، من حيث كان محالا أن يجرى خبرا على ~~الجن، ثم يكون عاما فيهم وفي غيرهم. وإذا كان كذلك، احتمل أن يكون القصد ~~بالإنكار إلى «الجن» خصوصا، أن يكونوا «شركاء» دون غيرهم، جل الله تعالى عن ~~أن يكون له شريك وشبيه بحال. # فانظر الآن إلى شرف ما حصل من المعنى بأن قدم «الشركاء»، واعتبره فإنه ~~ينبهك لكثير من الأمور، ويدلك على عظم شأن «النظم»، وتعلم به كيف يكون ~~الإيجاز به وما صورته؟ وكيف يزاد في المعنى من غير أن يزاد في اللفظ، إذ قد ~~ترى أن ليس إلا # PageV01P188 # تقديم وتأخير، وأنه قد حصل لك بذلك من زيادة المعنى، ما إن حاولته مع ~~تركه لم يحصل لك، واحتجت إلى أن تستأنف له كلاما، نحو أن تقول: «وجعلوا ~~الجن شركاء لله، وما ينبغي أن يكون لله شريك لا من الجن ولا من غيرهم»، ثم ~~لا يكون له إذا عقل من كلامين من الشرف والفخامة ومن كرم الموقع في النفس، ~~ما تجده له الآن وقد عقل من هذا الكلام الواحد. # ومما ينظر إلى مثل ذلك، قوله تعالى: ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ~~[البقرة: 96]، إذا أنت راجعت نفسك وأذكيت حسك، وجدت لهذا التنكير وأن قيل: ~~«على حياة»، ولم يقل: «على الحياة»، حسنا وروعة ولطف موقع لا يقادر قدره، ~~وتجدك تعدم ذلك مع التعريف، وتخرج عن الأريحية والأنس إلى خلافهما. # والسبب في ذلك أن المعنى على الازدياد من الحياة لا الحياة من أصلها، ~~وذلك أنه لا يحرص عليه إلا الحي، فأما ms170 العادم للحياة فلا يصح منه الحرص على ~~الحياة ولا على غيرها. وإذا كان كذلك، صار كأنه قيل: «ولتجدنهم أحرص الناس، ~~ولو عاشوا ما عاشوا، على أن يزدادوا إلى حياتهم في ماضي الوقت وراهنه، حياة ~~في الذي يستقبل». فكما أنك لا تقول هاهنا: «أن يزدادوا إلى حياتهم الحياة» ~~بالتعريف، وإنما تقول: «حياة» إذ كان التعريف يصلح حيث تراد الحياة على ~~الإطلاق، كقولنا: # «كل أحد يحب الحياة، ويكره الموت»، كذلك الحكم في الآية. # والذي ينبغي أن يراعى: أن المعنى الذي يوصف الإنسان بالحرص عليه، إذا كان ~~موجودا حال وصفك له بالحرص عليه، لم يتصور أن تجعله حريصا عليه من أصله. ~~كيف؟ ولا يحرص على الراهن ولا الماضي، وإنما يكون الحرص على ما لم يوجد ~~بعد. # وشبيه بتنكير الحياة في هذه الآية تنكيرها في قوله عز وجل: ولكم في ~~القصاص حياة [البقرة: 179]، وذلك أن السبب في حسن التنكير، وأن لم يحسن ~~التعريف، أن ليس المعنى على الحياة نفسها، ولكن على أنه لما كان الإنسان ~~إذا علم أنه إذا قتل قتل، ارتدع بذلك عن القتل، فسلم صاحبه، صار حياة هذا ~~المهموم بقتله «1» في مستأنف الوقت، مستفادة بالقصاص، وصار كأنه قد حيي في ~~باقي عمره به. وإذا كان المعنى على حياة في بعض أوقاته، وجب التنكير وامتنع ~~التعريف، من حيث كان التعريف يقتضي أن تكون الحياة قد كانت بالقصاص من ~~PageV01P189 # أصلها، وأن يكون القصاص قد كان سببا في كونها في كافة الأوقات. وذلك خلاف ~~المعنى وغير ما هو المقصود. # ويبين ذلك أنك تقول: «لك في هذا غنى»، فتنكر إذا أردت أن تجعل ذلك من بعض ~~ما يستغني به، فإن قلت: «لك فيه الغنى»، كان الظاهر أنك جعلت كل غناه به. # وأمر آخر، وهو أنه لا يكون ارتداع حتى يكون هم وإرادة، وليس بواجب أن لا ~~يكون إنسان في الدنيا إلا وله عدو يهم بقتله ثم يردعه خوف القصاص. وإذا لم ~~يجب ذلك، فمن لم يهم إنسان بقتله، فكفي ذلك الهم لخوف القصاص، فليس هو ممن ms171 ~~حي بالقصاص. وإذا دخل الخصوص، فقد وجب أن يقال «حياة» ولا يقال «الحياة»، ~~كما وجب أن يقال «شفاء» ولا يقال «الشفاء» في قوله تعالى: يخرج من بطونها ~~شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس [النحل: 69]، حيث لم يكن شفاء للجميع. # واعلم أنه لا يتصور أن يكون الذي هم بالقتل فلم يقتل خوف القصاص داخلا في ~~الجملة، وأن يكون القصاص أفاده حياة كما أفاد المقصود قتله. وذلك أن هذه ~~الحياة إنما هي لمن كان يقتل لولا القصاص، وذلك محال في صفة القاصد للقتل، ~~فإنما يصح في وصفه ما هو كالضد لهذا، وهو أن يقال: إنه كان لا يخاف عليه ~~القتل لولا القصاص. # وإذا كان هذا كذلك، كان وجها ثالثا في وجوب التنكير. ### | فصل: منه في اشتراط الذوق والأريحية في هذا الباب # واعلم أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعا من السامع، ولا يجد لديه ~~قبولا، حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة، وحتى يكون ممن تحدثه نفسه بأن لما ~~يومئ إليه من الحسن واللطف أصلا، وحتى يختلف الحال عليه عند تأمل الكلام، ~~فيجد الأريحية تارة، ويعرى منها أخرى، وحتى إذا عجبته عجب، وإذا نبهته ~~لموضع المزية انتبه. # فأما من كان الحالان والوجهان عنده أبدا على سواء، وكان لا يتفقد من أمر ~~«النظم» إلا الصحة المطلقة، وإلا إعرابا ظاهرا، فما أقل ما يجدي الكلام ~~معه. فليكن من هذه صفته عندك بمنزلة من عدم الإحساس بوزن الشعر، والذوق ~~الذي يقيمه به، والطبع الذي يميز صحيحه من مكسوره، ومزاحفه من سالمه، وما ~~خرج من البحر مما لم يخرج منه في أنك لا تتصدى له، ولا تتكلف تعريفه، لعلمك ~~أنه قد عدم الأداة # PageV01P190 # التي معها يعرف، والحاسة التي بها يجد. فليكن قدحك في زند وار، والحك في ~~عود أنت تطمع منه في نار. # واعلم أن هؤلاء، وإن كانوا هم الآفة العظمى في هذا الباب، فإن من الآفة ~~أيضا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة في قليل ما تعرف المزية فيه ~~وكثيره، وأن ليس إلا ms172 أن تعلم أن هذا التقديم وهذا التنكير، أو هذا العطف أو ~~هذا ال ### | فصل # حسن، وأن له موقعا من النفس وحظا من القبول، فأما أن تعلم لم كان كذلك؟ ~~وما السبب؟ فمما لا سبيل إليه، ولا مطمع في الاطلاع عليه، فهو بتوانيه ~~والكسل فيه، في حكم من قال ذلك. # واعلم أنه ليس إذا لم تمكن معرفة الكل، وجب ترك النظر في الكل. وأن تعرف ~~العلة والسبب فيما يمكنك معرفة ذلك فيه وإن قل فتجعله شاهدا فيما لم تعرف، ~~أحرى من أن تسد باب المعرفة على نفسك، وتأخذها عن الفهم والتفهم، وتعودها ~~الكسل والهوينا. قال الجاحظ: # «وكلام كثير قد جرى على ألسنة الناس، وله مضرة شديدة وثمرة مرة. فمن أضر ~~ذلك قولهم: «لم يدع الأول للآخر شيئا»، قال: فلو أن علماء كل عصر مذ جرت ~~هذه الكلمة في أسماعهم، تركوا الاستنباط لما لم ينته إليهم عمن قبلهم، ~~لرأيت العلم مختلا. # واعلم أن العلم إنما هو معدن، فكما أنه لا يمنعك أن ترى ألوف وقر «1» قد ~~أخرجت من معدن تبر «2»، أن تطلب فيه، وأن تأخذ ما تجد ولو كقدر تومة «3»، ~~كذلك، ينبغي أن يكون رأيك في طلب العلم». ومن الله تعالى نسأل التوفيق. ### | فصل هذا فن من المجاز لم نذكره فيما تقدم # اعلم أن طريق المجاز والاتساع في الذي ذكرناه قبل، أنك ذكرت الكلمة وأنت ~~لا تريد معناها، ولكن تريد معنى ما هو ردف له أو شبيه، فتجوزت بذلك في ذات ~~الكلمة وفي اللفظ نفسه. وإذا قد عرفت ذلك فاعلم أن في الكلام مجازا على غير ~~هذا السبيل، وهو أن يكون التجوز في حكم يجرى على الكلمة فقط، وتكون الكلمة ~~PageV01P191 # متروكة على ظاهرها، ويكون معناها مقصودا في نفسه ومرادا من غير تورية ولا ~~تعريض. # والمثال فيه قولهم: «نهارك صائم وليلك قائم» و «نام ليلي وتجلى همي»، ~~وقوله تعالى: فما ربحت تجارتهم [البقرة: 16]، وقول الفرزدق: [من الطويل] # سقتها خروق في المسامع، لم تكن ... علاطا، ولا مخبوطة في الملاغم «1» # أنت ترى مجازا في هذا ms173 كله، ولكن لا في ذوات الكم وأنفس الألفاظ، ولكن في ~~أحكام أجريت عليها. أفلا ترى أنك لم تتجوز في قولك: «نهارك صائم، وليلك ~~قائم» في نفس «صائم» و «قائم»، ولكن في أن أجريتهما خبرين على النهار ~~والليل. # وكذلك ليس المجاز في الآية في لفظة «ربحت» نفسها، ولكن في إسنادها إلى ~~التجارة. # وهكذا الحكم في قوله: «سقتها خروق» ليس التجوز في نفس «سقتها»، ولكن في ~~أن أسندها إلى الخروق. أفلا ترى أنك لا ترى شيئا منها إلا وقد أريد به ~~معناه الذي وضع له على وجهه وحقيقته، فلم يرد بصائم غير الصوم، ولا بقائم ~~غير القيام، ولا بربحت غير الربح، ولا بسقت غير السقي، كما أريد «بسالت» في ~~قوله: [من الطويل] وسالت بأعناق المطي الأباطح «2» غير السيل. # واعلم أن الذي ذكرت لك في المجاز هناك، من أن من شأنه أن يفخم عليه ~~المعنى وتحدث فيه النباهة، قائم لك مثله هاهنا، فليس يشتبه على عاقل أن ليس ~~حال المعنى وموقعه في قوله: [من الرجز] فنام ليلي وتجلى همي «3» كحاله ~~وموقعه إذا أنت تركت المجاز وقلت: «فنمت في ليلي وتجلى همي»، كما لم يكن ~~الحال في قولك: «رأيت أسدا»، كالحال في «رأيت رجلا كالأسد». # ومن الذي يخفى عليه مكان العلو وموضع المزية وصورة الفرقان بين قوله ~~تعالى: # فما ربحت تجارتهم، وبين أن يقال: «فما ربحوا في تجارتهم؟». PageV01P192 # وإن أردت أن تزداد للأمر تبينا، فانظر إلى بيت الفرزدق: [من الكامل] # يحمي إذا اخترط السيوف نساءنا ... ضرب تطير له السواعد أرعل «1» # وإلى رونقه ومائه، وإلى ما عليه من الطلاوة. ثم ارجع إلى الذي هو الحقيقة ~~وقل: «نحمي إذا اخترط السيوف نساءنا بضرب تطير له السواعد أرعل»، ثم اسبر ~~حالك؟ هل ترى مما كنت تراه شيئا؟ # وهذا الضرب من المجاز على حدته كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق ~~والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان، والاتساع في طرق البيان، وأن يجيء ~~بالكلام مطبوعا مصنوعا، وأن يضعه بعيد المرام، قريبا من الأفهام. ولا يغرنك ~~من أمره أنك ترى ms174 الرجل يقول: «أتى بي الشوق إلى لقائك، وسار بي الحنين إلى ~~رؤيتك، وأقدمني بلدك حق لي على إنسان»، وأشباه ذلك مما تجده لسعته وشهرته ~~يجري مجرى الحقيقة التي لا يشكل أمرها، فليس هو كذلك أبدا، بل يدق ويلطف ~~حتى يمتنع مثله إلا على الشاعر المفلق، والكاتب البليغ، وحتى يأتيك بالبدعة ~~لم تعرفها، والنادر تأنق لها. # وجملة الأمر أن سبيله سبيل الضرب الأول الذي هو مجاز في نفس اللفظ وذات ~~الكلمة، فكما أن من الاستعارة والتمثيل عاميا مثل: «رأيت أسدا» و «وردت ~~بحرا»، و «شاهدت بدرا»، و «سل من رأيه سيفا ماضيا»، وخاصيا لا يكمل له كل ~~أحد، مثل قوله: # وسالت بأعناق المطي الأباطح كذلك الأمر في هذا المجاز الحكمي. # واعلم أنه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التقدير إذا أنت نقلت ~~الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة، مثل أنك تقول في: ربحت تجارتهم [البقرة: # 16]، «ربحوا في تجارتهم»، وفي «يحمي نساءنا ضرب»، «نحمي نساءنا بضرب» فإن ~~ذلك لا يتأتى في كل شيء. ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل في قولك: # «أقدمني بلدك حق لي على إنسان»، فاعلا سوى الحق، وكذلك لا تستطيع في ~~قوله: # [من مجزوء الوافر] PageV01P193 # وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل «1» # وقوله: [من مجزوء الوافر] # يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا «2» # أن تزعم أن «لصيرني» فاعلا قد نقل عنه الفعل، فجعل «للهوى» كما فعل ذلك ~~في «ربحت تجارتهم» و «يحمي نساءنا ضرب»، ولا تستطيع كذلك أن تقدر «ليزيد» ~~في قوله: «يزيدك وجهه» فاعلا غير «الوجه»، فالاعتبار إذن بأن يكون المعنى ~~الذي يرجع إليه الفعل موجودا في الكلام على حقيقته. # معنى ذلك أن «القدوم» في قولك» «أقدمني بلدك حق لي على إنسان»، موجود على ~~الحقيقة، وكذلك «الصيرورة» في قوله: «وصيرني هواك»، و «الزيادة» في قوله: # «يزيدك وجهه» موجودا على الحقيقة، وإذا كان معنى اللفظ موجودا على ~~الحقيقة، لم يكن المجاز فيه نفسه، وإذا لم يكن المجاز في نفس اللفظ، كان لا ~~محالة في الحكم. ms175 فاعرف هذه الجملة، وأحسن ضبطها، حتى تكون على بصيرة من ~~الأمر. # ومن اللطيف في ذلك قول حاجز بن عوف: [من الوافر] # أبي عبر الفوارس يوم داج ... وعمي مالك وضع السهاما # فلو صاحبتنا لرضيت منا ... إذا لم تغبق المائة الغلاما «3» # يريد إذا كان العام عام جدب وجفت ضروع الإبل، وانقطع الدر، حتى إن حلب ~~منها مائة لم يحصل من لبنها ما يكون غبوق غلام واحد. فالفعل الذي هو «غبق» ~~مستعمل في نفسه على حقيقته، غير مخرج عن معناه وأصله إلى معنى شيء آخر، ~~فيكون قد دخله مجاز في نفسه، وإنما المجاز في أن أسند إلى الإبل وجعل فعلا ~~لها، وإسناد الفعل إلى الشيء حكم في الفعل، وليس هو نفس معنى الفعل، ~~فاعرفه. # واعلم أن من سبب اللطف في ذلك أنه ليس كل شيء يصلح لأن يتعاطى فيه ~~PageV01P194 # هذا المجاز الحكمي بسهولة، بل تجدك في كثير من الأمر، وأنت تحتاج إلى أن ~~تهيئ الشيء وتصلحه لذلك، بشيء تتوخاه في النظم. وإن أردت مثالا في ذلك ~~فانظر إلى قوله: [من الطويل] # تناس طلاب العامرية إذ نأت ... بأسجح «1» مرقال «2» الضحى قلق الضفر «3» # إذا ما أحسته الأفاعي تحيزت ... شواة «4» الأفاعي من مثلمة سمر «5» # تجوب له الظلماء عين كأنها ... زجاجة شرب «6» غير ملأى ولا صفر # يصف جملا، ويريد أنه يهتدي بنور عينه في الظلماء، ويمكنه بها أن يخرقها ~~ويمضي فيها، ولولاها لكانت الظلماء كالسد والحاجز الذي لا يجد شيئا يفرجه ~~به، ويجعل لنفسه فيه سبيلا. فأنت الآن تعلم أنه لولا أن قال: «تجوب له»: ~~فعلق «له» تجوب، ولما صلحت «العين» لأن يسند «تجوب» إليها، ولكان لا تتبين ~~جهة التجوز في جعل «تجوب» فعلا للعين كما ينبغي. وكذلك تعلم أنه لو قال ~~مثلا: # «تجوب له الظلماء عينه»، لم يكن له هذا الموقع، ولاضطرب عليه معناه، ~~وانقطع السلك من حيث كان يعييه حينئذ أن يصف العين بما وصفها به الآن. ~~فتأمل هذا واعتبره. فهذه التهيئة وهذا الاستعداد في هذا المجاز الحكمي، ~~نظير أنك تراك في الاستعارة التي هي ms176 مجاز في نفس الكلمة وأنت تحتاج في ~~الأمر الأكثر إلى أن تمهد لها وتقدم أو تؤخر ما يعلم به أنك مستعير ومشبه، ~~ويفتح طريق المجاز إلى الكلمة. # ألا ترى إلى قوله: [من الطويل] # وصاعقة من نصله ينكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب «7» ~~PageV01P195 # عنى بخمس السحائب، أنامله، ولكنه لم يأت بهذه الاستعارة دفعة، ولم يرمها ~~إليك بغتة، بل ذكر ما ينبئ عنها، ويستدل بها عليه، فذكر أن هناك صاعقة، ~~وقال: # «من نصله»، فبين أن تلك الصاعقة من نصل سيفه ثم قال: «أرؤس الأقران»، ثم ~~قال: «خمس»، فذكر «الخمس» التي هي عدد أنامل اليد، فبان من مجموع هذه ~~الأمور غرضه. # وأنشدوا لبعض العرب: [من الرجز] # فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإن في أيماننا نيرانا «1» # يريد أن في أيماننا سيوفا نضربكم بها، ولولا قوله أولا: «فإن تعافوا ~~العدل والإيمان»، وأن في ذلك دلالة على أن جوابه أنهم يحاربون ويقسرون على ~~الطاعة بالسيف، ثم قوله: «فإن في أيماننا»، لما عقل مراده، ولما جاز له أن ~~يستعير النيران للسيوف، لأنه كان لا يعقل الذي يريد، لأنا وإن كنا نقول: ~~«في أيديهم سيوف تلمع كأنها شعل نار» كما قال: [من الكامل] # ناهضتهم والبارقات كأنها ... شعل على أيديهم تتلهب «2» # فإن هذا التشبيه لا يبلغ مبلغ ما يعرف مع الإطلاق، كمعرفتنا إذا قال: ~~«رأيت أسدا»، أنه يريد الشجاعة، وإذا قال: «لقيت شمسا وبدرا»، أنه يريد ~~الحسن ولا يقوي تلك # القوة، فاعرفه. # ومما طريق المجاز فيه الحكم، قول الخنساء: [من البسيط] # ترتع ما رتعت، حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار «3» # وذاك أنها لم ترد بالإقبال والإدبار غير معناهما، فتكون قد تجوزت في نفس ~~الكلمة، وإنما تجوزت في أن جعلتها لكثرة ما تقبل وتدبر، ولغلبة ذاك عليها ~~واتصاله منها، وأنه لم يكن لها حال غيرهما، كأنها قد تجسمت من الإقبال ~~والإدبار. وإنما PageV01P196 # كان يكون المجاز في نفس الكلمة، لو أنها كانت قد استعارت «الإقبال ~~والإدبار» لمعنى غير معناهما الذي وضعا له في اللغة. ومعلوم أن ليس ~~الاستعارة مما أرادته ms177 في شيء. # واعلم أن ليس بالوجه أن يعد هذا على الإطلاق معد ما حذف منه المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه، مثل قوله عز وجل: وسئل القرية [يوسف: 82]، ومثل قوله ~~النابغة الجعدي: [من المتقارب] # وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب «1» # وقول الأعرابي: [من الوافر] # حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي ويب غيرك بالعناق «2» # وإن كنا نراهم يذكرونه حيث يذكرون حذف المضاف، ويقولون إنه في تقدير: ~~«فإنما هي ذات إقبال وإدبار»، ذاك لأن المضاف المحذوف من نحو الآية ~~والبيتين، في سبيل ما يحذف من اللفظ ويراد في المعنى، كمثل أن يحذف خبر ~~المبتدأ والمبتدأ، إذا دل الدليل عليه إلى سائر ما إذا حذف كان في حكم ~~المنطوق به. # وليس الأمر كذلك في بيت الخنساء، لأنا إذا جعلنا المعنى فيه الآن كالمعنى ~~إذا نحن قلنا: «فإنما هي ذات إقبال وإدبار»، أفسدنا الشعر على أنفسنا، ~~وخرجنا إلى شيء مغسول، وإلى كلام عامي مرذول، وكان سبيلنا سبيل من يزعم ~~مثلا في بيت المتنبي: [من الوافر] # بدت قمرا، ومالت خوط بان، ... وفاحت عنبرا، ورنت غزالا «3» PageV01P197 # أنه في تقدير محذوف، وأن معناه الآن كالمعنى إذا قلت: «بدت مثل قمر، ~~ومالت مثل خوط بان، وفاحت مثل عنبر، ورنت مثل غزال»، في أنا نخرج إلى ~~الغثاثة، وإلى شيء يعزل البلاغة عن سلطانها ويخفض من شأنها، ويصد أوجهنا عن ~~محاسنها، ويسد باب المعرفة بها وبلطائفها علينا. # فالوجه أن يكون تقدير المضاف في هذا على معنى أنه لو كان الكلام قد جيء ~~به على ظاهره ولم يقصد إلى الذي ذكرنا من المبالغة والاتساع، وأن تجعل ~~الناقة كأنها قد صارت بجملتها إقبالا وإدبارا، حتى كأنها قد تجسمت منهما، ~~لكان حقه حينئذ أن يجاء فيه بلفظ «الذات» فيقال: «إنما هي ذات إقبال ~~وإدبار». فأما أن يكون الشعر الآن موضوعا على إرادة ذلك وعلى تنزيله منزلة ~~المنطوق به حتى يكون الحال فيه كالحال في: # حسبت بغام راحلتي عناقا حين كان المعنى والقصد أن يقول: «حسبت بغام ~~راحلتي بغام عناق»، فمما لا مساغ له ms178 عند من كان صحيح الذوق صحيح المعرفة، ~~نسابة للمعاني. ### | فصل # هذه مسألة قد كنت عملتها قديما، وقد كتبتها هاهنا لأن لها اتصالا بهذا ~~الذي صار بنا القول إليه. قوله تعالى: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب [ق: # 37]، أي لمن أعمل قلبه فيما خلق القلب له من التدبر والتفكر والنظر فيما ~~ينبغي أن ينظر فيه. فهذا على أن يجعل الذي لا يعي ولا يسمع ولا ينظر ولا ~~يتفكر، كأنه قد عدم القلب من حيث عدم الانتفاع به، وفاته الذي هو فائدة ~~القلب والمطلوب منه، كما يجعل الذي لا ينتفع ببصره وسمعه ولا يفكر فيما ~~يؤديان إليه، ولا يحصل من رؤية ما يرى وسماع ما يسمع على فائدة، بمنزلة من ~~لا سمع له ولا بصر. # فأما تفسير من يفسره على أنه بمعنى «من كان له عقل»، فإنه إنما يصح على ~~أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض على الجملة. فأما أن يؤخذ به على هذا ~~الظاهر حتى كأن «القلب» اسم «للعقل»، كما يتوهمه الحشو ومن لا يعرف مخارج ~~الكلام، فمحال باطل، لأنه يؤدي إلى إبطال الغرض من الآية، وإلى تحريف ~~الكلام عن صورته، وإزالة المعنى عن جهته. وذاك أن المراد به الحث على ~~النظر، والتقريع على تركه، وذم من يخل به ويعقل عنه. ولا يحصل ذلك إلا ~~بالطريق الذي قدمته، وإلا بأن يكون # PageV01P198 # قد جعل من لا يفقه بقلبه ولا ينظر ولا يتفكر، كأنه ليس بذي قلب، كما يجعل ~~كأنه جماد، وكأنه ميت لا يشعر ولا يحس وليس سبيل من فسر «القلب» هاهنا على ~~«العقل»، إلا سبيل من فسر عليه «العين» و «السمع» في قول الناس: «هذا بين ~~لمن كانت له عين، ولمن كان له سمع»، وفسر «العمى» و «الصمم» و «الموت» في ~~صفة من يوصف بالجهالة، على مجرد الجهل، وأجرى جميع ذلك على الظاهر، فاعرفه. # ومن عادة قوم ممن يتعاطى التفسير بغير علم، أن يوهموا أبدا في الألفاظ ~~الموضوعة على المجاز والتمثيل، أنها على ظواهرها، فيفسدوا المعنى بذلك، ~~ويبطلوا ms179 الغرض، ويمنعوا أنفسهم والسامع منهم العلم بموضع البلاغة، وبمكان ~~الشرف. وناهيك بهم إذا هم أخذوا في ذكر الوجوه، وجعلوا يكثرون في غير طائل، ~~هناك ترى ما شئت من باب جهل قد فتحوه، وزند ضلالة قد قدحوا به، ونسأل الله ~~تعالى العصمة والتوفيق. ### | [فصل: في الكناية والتعريض] # هذا فن من القول دقيق المسلك، لطيف المأخذ، وهو أنا نراهم كما يصنعون في ~~نفس الصفة بأن يذهبوا بها مذهب الكناية والتعريض، كذلك يذهبون في إثبات ~~الصفة هذا المذهب. وإذا فعلوا ذلك، بدت هناك محاسن تملأ الطرف، ودقائق تعجز ~~الوصف، ورأيت هنالك شعرا شاعرا، وسحرا ساحرا، وبلاغة لا يكمل لها إلا ~~الشاعر المفلق، والخطيب المصقع. وكما أن الصفة إذا لم تأتك مصرحا بذكرها، ~~مكشوفا عن وجهها، ولكن مدلولا عليها بغيرها، وكان ذلك أفخم لشأنها، وألطف ~~لمكانها، كذلك إثباتك الصفة للشيء تثبتها له، إذا لم تلقه إلى السامع ~~صريحا، وجئت إليه من جانب التعريض والكناية والرمز والإشارة، كان له من ~~الفضل والمزية، ومن الحسن والرونق، ما لا يقل قليله، ولا يجهل موضع الفضيلة ~~فيه. # وتفسير هذه الجملة وشرحها: أنهم يرومون وصف الرجل ومدحه، وإثبات معنى من ~~المعاني الشريفة له، فيدعون التصريح بذلك، ويكنون عن جعلها فيه بجعلها في ~~شيء يشتمل عليه ويتلبس به، ويتوصلون في الجملة إلى ما أرادوا من الإثبات، ~~لا من الجهة الظاهرة المعروفة، بل من طريق يخفى، ومسلك يدق؟ ومثاله قول ~~زياد الأعجم: [من الكامل] # PageV01P199 # إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج «1» # أراد، كما لا يخفى، أن يثبت هذه المعاني والأوصاف خلالا للممدوح وضرائب ~~«2»، فترك أن يصرح فيقول: «إن السماحة والمروءة والندى لمجموعة في ابن ~~الحشرج، أو مقصورة عليه، أو مختصة به»، وما شاكل ذلك مما هو صريح في إثبات ~~الأوصاف للمذكورين بها، وعدل إلى ما ترى من الكناية والتلويح فيجعل كونها ~~في القبة المضروبة عليه، عبارة عن كونها فيه، وإشارة إليه، فخرج كلامه بذلك ~~إلى ما خرج إليه من الجزالة، وظهر فيه ما أنت ترى من الفخامة، ولو ms180 أنه أسقط ~~هذه الواسطة من البين، لما كان إلا كلاما غفلا، وحديثا ساذجا. # فهذه الصنعة في طريق الإثبات، هي نظير الصنعة في المعاني، إذا جاءت ~~كنايات عن معان أخر، نحو قوله: [من الوافر] # وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل «3» # فكما أنه إنما كان من فاخر الشعر، ومما يقع في الاختيار «4»، لأجل أنه ~~أراد أن يذكر نفسه بالقرى والضيافة، فكنى من ذلك بجبن الكلب وهزال الفصيل، ~~وترك أن يصرح فيقول: «قد عرف أن جنابي مألوف، وكلبي مؤدب لا يهر في وجوه من ~~يغشاني من الأضياف، وأني أنحر المتالي «5» من إبلي وأدع فصالها هزلى» كذلك، ~~إنما راقك بيت زياد، لأنه كنى عن إثباته السماحة والمروءة والندى كائنة في ~~الممدوح، بجعلها كائنة في القبة المضروبة عليه. PageV01P200 # هذا، وكما أن من شأن الكناية الواقعة في نفس الصفة أن تجيء على صور ~~مختلفة، كذلك من شأنها إذا وقعت في طريق إثبات الصفة أن تجيء على هذا الحد، ~~ثم يكون في ذلك ما يتناسب، كما كان ذلك في الكناية عن الصفة نفسها. # تفسير هذا: أنك تنظر إلى قول يزيد بن الحكم «1» يمدح به يزيد بن المهلب، ~~وهو في حبس الحجاج: [من المنسرح] # أصبح في قيدك السماحة والمج ... د وفضل الصلاح والحسب # فتراه نظيرا لبيت «زياد»، وتعلم أن مكان «القيد» هاهنا هو مكان «القبة» ~~هناك. # كما أنك تنظر إلى قوله: «جبان الكلب»، فتعلم أنه نظير لقوله: [من الطويل] ~~زجرت كلابي أن يهر عقورها «2» من حيث لم يكن ذلك «الجبن» إلا لأن دام منه ~~الزجر واستمر، حتى أخرج الكلب بذلك عما هو عادته من الهرير والنبح في وجه ~~من يدنو من دار هو مرصد لأن يعس دونها. # وتنظر إلى قوله: «مهزول الفصيل»، فتعلم أنه نظير قول ابن هرمة: # لا أمتع العوذ بالفصال وتنظر إلى قول نصيب: [من المتقارب] # لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن ظاهره # فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره # وكلبك آنس بالزائرين ... من الأم بالابنة الزائره «3» PageV01P201 # فتعلم أنه من قول الآخر: [من ms181 الطويل] # يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم «1» # وأن بينهما قرابة شديدة ونسبا لاصقا، وأن صورتهما في فرط التناسب صورة ~~بيتي «زياد» و «يزيد». # ومما هو إثبات للصفة على طريق الكناية والتعريض، قولهم: «المجد بين ~~ثوبيه، والكرم في برديه»، وذلك أن قائل هذا يتوصل إلى إثبات المجد والكرم ~~للممدوح، بأن يجعلهما في ثوبه الذي يلبسه، كما توصل «زياد» إلى إثبات ~~السماحة والمروءة والندى لابن الحشرج، بأن جعلها في القبة التي هو جالس ~~فيها. # ومن ذلك قوله: [من البسيط] وحيثما يك أمر صالح فكن «2» وما جاء في معناه ~~من قوله: [من المتقارب] # يصير أبان قرين السماح ... والمكرمات معا حيث صارا «3» # وقول أبي نواس: [من الطويل] # فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير «4» PageV01P202 # كل ذلك توصل إلى إثبات الصفة في الممدوح بإثباتها في المكان الذي يكون ~~فيه، وإلى لزومها له بلزومها الموضع الذي يحله. وهكذا إن اعتبرت قول ~~الشنفرى يصف امرأة بالعفة: [من الطويل] # يبيت بمنجاة من اللؤم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت «1» # وجدته يدخل في معنى بين «زياد»، وذلك أنه توصل إلى نفي اللؤم عنها ~~وإبعادها عنه، بأن نفاه عن بيتها وباعد بينه وبينه، وكان مذهبه في ذلك مذهب ~~«زياد» في التوصل إلى جمع «السماحة والمروءة والندى» في ابن الحشرج، بأن ~~جعلها في القبة المضروبة عليها. وإنما الفرق أن هذا ينفي، وذاك يثبت. وذلك ~~فرق لا في موضع الجمع، فهو لا يمنع أن يكونا من نصاب واحد. # ومما هو في حكم المناسب لبيت «زياد» وأمثاله التي ذكرت، وإن كان قد أخرج ~~في صورة أغرب وأبدع، قول حسان رضي الله عنه: [من الطويل] # بنى المجد بيتا فاستقرت عماده ... علينا، فأعيى الناس أن يتحولا «2» # وقول البحتري: [من الكامل] # أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول «3» # ذاك لأن مدار الأمر على أنه جعل المجد والممدوح في مكان، وجعله يكون حيث ~~يكون. PageV01P203 # واعلم أنه ليس كل ما جاء كناية في إثبات ms182 الصفة يصلح أن يحكم عليه ~~بالتناسب. # معنى هذا: أن جعلهم الجود والكرم والمجد يمرض بمرض الممدوح كما قال ~~البحتري: [من الطويل] # ظللنا نعود الجود من وعك الذي ... وجدت، وقلنا اعتل عضو من المجد «1» # وإن كان يكون القصد منه إثبات الجود والمجد للممدوح، فإنه لا يصح أن يقال ~~إنه نظير لبيت «زياد» كما قلنا ذاك في بيت أبي نواس: # ولكن يصير الجود حيث يصير وغيره مما ذكرنا أنه نظير له كما أنه لا يجوز ~~أن يجعل قوله: # وكلبك أرأف بالزائرين «2» مثلا، نظيرا لقوله: # مهزول الفصيل وإن كان الغرض منهما جميعا الوصف بالقرى والضيافة، وكانا ~~جميعا كنايتين عن معنى واحد، لأن تعاقب الكنايات على المعنى الواحد لا يوجب ~~تناسبها، لأنه في عروض أن تتفق الأشعار الكثيرة في كونها مدحا بالشجاعة ~~مثلا أو بالجود أو ما أشبه ذلك. وقد يجتمع في البيت الواحد كنايتان، المغزى ~~منهما شيء واحد، ثم لا تكون إحداهما في حكم النظير للأخرى. مثال ذلك أنه لا ~~يكون قوله: «جبان الكلب» نظيرا لقوله: «مهزول الفصيل»، بل كل واحدة من ~~هاتين الكنايتين أصل بنفسه، وجنس على حدة، وكذلك قول ابن هرمة: [من ~~المنسرح] # لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل «3» # ليس إحدى كنايتيه في حكم النظير للأخرى، وإن كان المكني بهما عنه واحدا، ~~فاعرفه. # وليس لشعب هذا الأصل وفروعه وأمثلته وصوره وطرقه ومسالكه حد ونهاية. # ومن لطيف ذلك ونادره قول أبي تمام: [من الوافر] PageV01P204 # أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد «1» # ومثله، وإن لم يبلغ مبلغه، قول الآخر: [من الوافر] # متى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة بن عمرو من تميم # وكذلك قول بعض العرب: [من المتقارب] # إذا الله لم يسق إلا الكرام ... فسقى وجوه بني حنبل # وسقى ديارهم باكرا ... من الغيث في الزمن الممحل «2» # وفن منه غريب، قول بعضهم في البرامكة: [من الطويل] # سألت الندى والجود: ما لي أراكما ... تبدلتما ذلا بعز مؤيد # وما بال ركن المجد أمسى مهدما؟ ... فقالا: أصبنا بابن يحيى محمد # فقلت: فهلا ms183 متما عند موته ... فقد كنتما عبديه في كل مشهد؟ # فقالا: أقمنا كي نعزى بفقده ... مسافة يوم، ثم نتلوه في غد «3» ~~PageV01P205 ### | فصل [من التوكيد] # واعلم أن مما أغمض الطريق إلى معرفة ما نحن بصدده، أن هاهنا فروقا خفية ~~تجهلها العامة وكثير من الخاصة، ليس أنهم يجهلونها في موضع ويعرفونها في ~~آخر، بل لا يدرون أنها هي، ولا يعلمونها في جملة ولا تفصيل. # روي عن ابن الأنباري «1» أنه قال: ركب الكندي «2» المتفلسف إلى أبي ~~العباس «3» وقال له: إني لأجد في كلام العرب حشوا! فقال له أبو العباس: في ~~أي موضع وجدت ذلك؟ فقال: أجد العرب يقولون: «عبد الله قائم»، ثم يقولون «إن ~~عبد الله قائم»، ثم يقولون: «إن عبد الله لقائم»، فالألفاظ متكررة والمعنى ~~واحد. # فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ فقولهم: «عبد الله ~~قائم»، إخبار عن قيامه وقولهم: «إن عبد الله قائم»، جواب عن سؤال سائل ~~وقوله: «إنه عبد الله لقائم»، جواب عن إنكار منكر قيامه، فقد تكررت الألفاظ ~~لتكرر المعاني. قال فما أحار المتفلسف جوابا. # وإذا كان الكندي يذهب هذا عليه حتى يركب فيه ركوب مستفهم أو معترض، فما ~~ظنك بالعامة، ومن هم في عداد العامة، ممن لا يخطر شبه هذا بباله؟. # واعلم أن هاهنا دقائق لو أن الكندي استقرى وتصفح وتتبع مواقع «إن»، ثم ~~ألطف النظر وأكثر التدبر، لعلم علم ضرورة أن ليس سواء دخولها وأن لا تدخل. ~~فأول ذلك # وأعجبه ما قدمت لك ذكره في بيت بشار: [من الخفيف] # بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير «4» # وما أنشدته معه من قول بعض العرب: [من الرجز] # فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء «5» PageV01P206 # وذلك أنه هل شيء أبين في الفائدة، وأدل على أن ليس سواء دخولها وأن لا ~~تدخل، أنك ترى الجملة إذا هي دخلت ترتبط بما قبلها وتأتلف معه وتتحد به، ~~حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغا واحدا، وكأن أحدهما قد سبك في الآخر؟ # هذه هي الصورة، حتى إذا جئت إلى «إن» فأسقطتها، ms184 ورأيت الثاني منهما قد ~~نبا عن الأول، وتجافى معناه عن معناه، ورأيته لا يتصل به ولا يكون منه ~~بسبيل، حتى تجيء «بالفاء» فتقول: «بكرا صاحبي قبل الهجير، فذاك النجاح في ~~التبكير»، و «غنها وهي لك الفداء، فغناء الإبل الحداء»، ثم لا ترى «الفاء» ~~تعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألفة، ولا ترد عليك الذي كنت تجد ~~«بإن» من المعنى. # وهذا الضرب كثير في التنزيل جدا، من ذلك قوله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ~~ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم [الحج: 1]، وقوله عز اسمه: يا بني أقم ~~الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم ~~الأمور [لقمان: 17]، وقوله سبحان: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ~~وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم [التوبة: 103]، ومن أبين ذلك قوله تعالى: ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون [هود: 37] [المؤمنون: # 27]، وقد يتكرر في الآية الواحدة كقوله عز اسمه: وما أبرئ نفسي إن النفس ~~لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم [يوسف 53]، وهي على الجملة ~~من الكثرة بحيث لا يدركها الإحصاء. # ومن خصائصها أنك ترى لضمير الأمر والشأن معها من الحسن واللطف ما لا تراه ~~إذا هي لم تدخل عليه، بل تراه لا يصلح حيث صلح إلا بها، وذلك في مثل قوله ~~تعالى: إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين [يوسف: 9] وقوله: # أنه من يحادد الله ورسوله، فأن له نار جهنم [التوبة: 63]، أنه من عمل ~~منكم سوءا بجهالة ثم تاب [الأنعام: 54]، وقوله: إنه لا يفلح الكافرون ~~[المؤمنون: 117]، ومن ذلك قوله: فإنها لا تعمى الأبصار [الحج: 46]، وأجاز ~~أبو الحسن «1» فيها وجها آخر، وهو أن يكون الضمير في «إنها» للأبصار، أضمرت ~~قبل الذكر على شريطة التفسير. والحاجة في هذا الوجه أيضا إلى «إن» قائمة، ~~كما كانت في الوجه الأول فإنه لا يقال: «هي لا تعمى الأبصار» كما لا يقال: # «هو من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع». PageV01P207 # فإن قلت: أو ليس قد جاء ضمير ms185 الأمر مبتدأ به معرى من العوامل في قوله ~~تعالى: قل هو الله أحد؟. # قيل: هو وإن جاء هاهنا، فإنه لا يكاد يوجد مع الجملة من الشرط والجزاء، ~~بل تراه لا يجيء إلا «بإن»، على أنهم قد أجازوا في «قل هو الله أحد»، أن لا ~~يكون الضمير للأمر. # ومن لطيف ما جاء في هذا الباب ونادره، ما تجده في آخر هذه الأبيات، ~~أنشدها الجاحظ لبعض الحجازيين: [من الطويل] # إذا طمع يوما عراني قريته ... كتائب يأس، كرها وطرادها # أكد ثمادي، والمياه كثيرة ... أعالج منها حفرها واكتدادها # وأرضى بها من بحر آخر، إنه ... هو الري أن ترضى النفوس ثمادها «1» # المقصود قوله: «إنه هو الري»، وذلك أن الهاء في «إنه» تحتمل أمرين: # أحدهما: أن تكون ضمير الأمر، ويكون قوله: «هو» ضمير «أن ترضى»، وقد أضمره ~~قبل الذكر على شريطة التفسير. الأصل: «إن الأمر، أن ترضى النفوس ثمادها، ~~الري»، ثم # أضمر قبل الذكر كما أضمرت «الأبصار» في «فإنها لا تعمى الأبصار» على مذهب ~~أبي الحسن، ثم أتى بالمضمر مصرحا به في آخر الكلام، فعلم بذلك أن الضمير ~~السابق له، وأنه المراد به. # والثاني: أن تكون الهاء في «إنه» ضمير «أن ترضى» قبل الذكر، ويكون «هو» ~~فصلا، ويكون أصل الكلام: «إن أن ترضى النفوس ثمادها هو الري» ثم أضمر على ~~شريطة التفسير. # وأي الأمرين كان، فإنه لا بد فيه من «إن»، ولا سبيل إلى إسقاطها، لأنك إن ~~أسقطتها أفضى ذلك بك إلى شيء شنيع، وهو أن تقول: «وأرضى بها من بحر آخر هو ~~هو الري أن ترضى النفوس ثمادها». هذا، وفي «إن» هذه شيء آخر يوجب الحاجة ~~إليها، وهو أنها تتولى من ربط الجملة بما قبلها نحوا مما ذكرت لك في بيت ~~بشار. # ألا ترى أنك لو أسقطت «إن» والضميرين معا، واقتصرت على ذكر ما يبقى من ~~PageV01P208 # الكلام، لم تقله إلا «بالفاء» كقولك: «وأرضى بها من بحر آخر، فالري أن ~~ترضى النفوس ثمادها». # فلو أن الفيلسوف قد كان تتبع هذه المواضع، لما ظن الذي ظن. هذا، ms186 وإذا كان ~~خلف الأحمر وهو القدوة، ومن يؤخذ عنه، ومن هو بحيث يقول الشعر فينحله ~~الفحول الجاهليين فيخفى ذلك له، ويجوز أن يشتبه ما نحن فيه عليه حتى يقع له ~~أن ينتقد على بشار، فلا غرو أن تدخل الشبهة في ذلك على الكندي. # ومما تصنعه «إن» في الكلام، أنك تراها تهيئ النكرة وتصلحها لأن يكون لها ~~حكم المبتدأ، أعني أن تكون محدثا عنها بحديث من بعدها. ومثال ذلك قوله: # [من البسيط المنخلع] # إن شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون «1» # قد ترى حسنها وصحة المعنى معها، ثم إنك إن جئت بها من غير: «إن» فقلت: ~~«شواء ونشوة وخبب البازل الأمون» لم يكن كلاما. # فإن كانت النكرة موصوفة، وكانت لذلك تصلح أن يبتدأ بها، فإنك تراها مع ~~«إن» أحسن، وترى المعنى حينئذ أولى بالصحة وأمكن، أفلا ترى إلى قوله: [من ~~الخفيف] # إن دهرا يلف شملي بسعدى ... لزمان يهم بالإحسان «2» # ليس بخفي وإن كان يستقيم أن تقول: «دهر يلف شملي بسعدى دهر صالح» أن ليس ~~الحالان على سواء، وكذلك ليس بخفي أنك لو عمدت إلى قوله: [من المديد ~~المشطور] # إن أمرا فادحا ... عن جوابي شغلك «3» # فأسقطت منه «إن» لعدمت منه الحسن والطلاوة والتمكن الذي أنت واجده الآن، ~~ووجدت ضعفا وفتورا. PageV01P209 # ومن تأثير «إن» في الجملة، أنها تغني إذا كانت فيها من الخبر، في بعض ~~الكلام. ووضع صاحب الكتاب في ذلك بابا فقال: «هذا باب ما يحسن عليه السكوت ~~في هذه الأحرف الخمسة، لإضمارك ما يكون مستقرا لها وموضعا لو أظهرته. وليس ~~هذا المضمر بنفس المظهر، وذلك: «إن مالا» و «إن ولدا»، و «إن عددا»، أي: ~~«إن لهم مالا» فالذي أضمرت هو «لهم» ويقول الرجل للرجل: «هل لكم أحد؟ إن ~~الناس ألب عليكم؟»، فتقول: «إن زيدا وإن عمرا» أي: «لنا»، وقال الأعشى: [من ~~المنسرح] # إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضوا مهلا «1» # ويقول: «إن غيرها إبلا وشاء» كأنه قال: «إن لنا، أو: عندنا، غيرها»، قال: # وانتصب «الإبل» و «الشاء» كانتصاب «الفارس» إذا قلت: ms187 «ما في الناس مثله ~~فارسا»، وقال: ومثل ذلك قوله: [من الرجز] يا ليت أيام الصبا رواجعا «2» ~~قال: فهذا كقولهم: «ألا ماء باردا»، كأنه قال: «ألا ماء لنا باردا» وكأنه ~~قال: # «يا ليت أيام الصبا أقبلت رواجع». # فقد أراك في هذا كله أن الخبر محذوف، وقد ترى حسن الكلام وصحته مع حذفه ~~وترك النطق به. ثم إنك إن عمدت إلى «إن» فأسقطتها، وجدت الذي كان حسن من ~~حذف الخبر، لا يحسن أو لا يسوغ. فلو قلت: «مال»، و «عدد» و «محل» و «مرتحل» ~~PageV01P210 # و «غيرها إبلا وشاء» لم يكن شيئا. وذلك أن «إن» كانت السبب في أن حسن حذف ~~الذي حذف من الخبر، وأنها حاضنته، والمترجم عنه، والمتكفل بشأنه. # واعلم أن الذي قلنا في «إن» من أنها تدخل على الجملة، من شأنها إذا هي ~~أسقطت منها أن يحتاج فيها إلى «الفاء» لا يطرد في كل شيء وكل موضع، بل يكون ~~في موضع دون موضع، وفي حال دون حال، فإنك قد تراها قد دخلت على الجملة ليست ~~هي مما يقتضي «الفاء»، وذلك فيما لا يحصى كقوله تعالى: إن المتقين في مقام ~~أمين. في جنات وعيون، وذاك أن قبله إن هذا ما كنتم به تمترون [الدخان: 50 - ~~52]. ومعلوم أنك لو قلت: «إن هذا ما كنتم به تمترون، فالمتقون في جنات ~~وعيون»، لم يكن كلاما وكذلك قوله: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون، لأنك لو قلت: «لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون [الأنبياء: 100 - ~~101] فالذين سبقت لهم منا الحسنى»، لم تجد لإدخالك «الفاء» فيه وجها وكذلك ~~قوله: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين ~~أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة [الحج: 17]، «الذين آمنوا» اسم ~~«إن»، وما بعده معطوف عليه، وقوله «إن الله يفصل بينهم يوم القيامة»، جملة ~~في موضع الخبر، ودخول «الفاء» فيها محال، لأن الخبر لا يعطف على المبتدأ ~~ومثله سواء: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ~~[الكهف: 30]. # فإذا، إنما ms188 يكون الذي ذكرنا في الجملة من حديث اقتضاء «الفاء»، إذا كان ~~مصدرها مصدر الكلام يصحح به ما قبله، يحتج له، ويبين وجه الفائدة فيه. ألا ~~ترى أن الغرض من قوله: # إن ذاك النجاح في التبكير جله أن يبين المعنى في قوله لصاحبيه: «بكرا»، ~~وأن يحتج لنفسه في الأمر بالتبكير، ويبين وجه الفائدة فيه؟ # وكذلك الحكم في الآي التي تلوناها فقوله: إن زلزلة الساعة شيء عظيم، بيان ~~للمعنى في قوله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم، ولم أمروا بأن يتقوا ~~وكذلك قوله إن صلاتك سكن لهم، بيان للمعنى في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالصلاة، أي بالدعاء لهم. وهذا سبيل كل ما أنت ترى فيه الجملة يحتاج فيها ~~إلى «الفاء»، فاعرف ذلك. # PageV01P211 # فأما الذي ذكر عن أبي العباس «1»، من جعله لها جواب سائل إذا كانت وحدها، ~~وجواب منكر إذا كان معها اللام، فالذي يدل على أن لها أصلا في الجواب، أنا ~~رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ والخبر إذا كانت جوابا للقسم، نحو: ~~«والله إن زيدا منطلق»، وامتنعوا من أن يقولوا: «والله زيد منطلق». # ثم إنا إذا استقرينا الكلام وجدنا الأمر بينا في الكثير من مواقعها، أنه ~~يقصد بها إلى الجواب كقوله تعالى: ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم ~~منه ذكرا. إنا مكنا له في الأرض [الكهف: 83 - 84]، وكقوله عز وجل في أول ~~السورة: # نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم) [الكهف: 13]، وكقوله ~~تعالى: فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون [الشعراء: 216]، وقوله تعالى: # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله [الأنعام: 56] [غافر: 66]، ~~وقوله: وقل إني أنا النذير المبين [الحجر: 89]، وأشباه ذلك مما يعلم به أنه ~~كلام أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا ~~وناظروا فيه. وعلى ذلك قوله تعالى: فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ~~[الشعراء: 16]، وذاك أنه يعلم أن المعنى: فأتياه، فإذا قال لكما ما شأنكما؟ ~~وما جاء بكما؟ وما تقولان؟ # فقولا: إنا رسول ms189 رب العالمين. وكذا قوله: وقال موسى يا فرعون إني رسول من ~~رب العالمين [الأعراف: 104]، هذا سبيله. # ومن البين في ذلك قوله تعالى في قصة السحرة: قالوا إنا إلى ربنا منقلبون ~~[الأعراف: 125]، وذلك لأنه عيان أنه جواب فرعون عن قوله: آمنتم به قبل أن ~~آذن لكم [الأعراف: 123]، فهذا هو وجه القول في نصرة هذه الحكاية. # ثم إن الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه البناء، هو الذي دون في الكتب، من ~~أنها للتأكيد، وإذا كان قد ثبت ذلك، فإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في ~~خلافه البتة، ولا يكون قد عقد في نفسه أن الذي تزعم أنه كائن غير كائن، وأن ~~الذي تزعم أنه لم يكن كائن- فأنت لا تحتاج هناك إلى «إن»، وإنما تحتاج ~~إليها إذا كان له ظن في الخلاف، وعقد قلب على نفي ما تثبت أو إثبات ما ~~تنفي. ولذلك تراها تزداد حسنا إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله في الظن، ولشيء ~~قد جرت عادة الناس بخلافه، كقول أبي نواس: [من السريع] PageV01P212 # عليك باليأس من الناس ... إن غنى نفسك في الياس «1» # فقد ترى حسن موقعها، وكيف قبول النفس لها، وليس ذلك إلا لأن الغالب على ~~الناس أنهم لا يحملون أنفسهم على اليأس، ولا يدعون الرجاء والطمع، ولا ~~يعترف كل أحد ولا يسلم أن الغنى في اليأس. فلما كان كذلك، كان الموضع موضع ~~فقر إلى التأكيد، فلذلك كان من حسنها ما ترى. # - ومثله سواء قول محمد بن وهيب: [من الطويل] # أجارتنا إن التعفف بالياس ... وصبرا على استدرار دنيا بإبساس # حريان أن لا يقذفا بمذلة ... كريما، وأن لا يحوجاه إلى الناس # أجارتنا إن القداح كواذب ... وأكثر أسباب النجاح مع الياس «2» # هو: كما لا يخفى، كلام مع من لا يرى أن الأمر كما قال، بل ينكره ويعتقد ~~خلافه. ومعلوم أنه لم يقله إلا والمرأة تحدوه وتبعثه على التعرض للناس، ~~وعلى الطلب. # ومن طيف مواقعها أن يدعى على الخاطب ظن لم يظنه، ولكن يراد التهكم به، ~~وأن يقال: «إن حالك والذي صنعت يقتضي ms190 أن تكون قد ظننت ذلك». ومثال ذلك قول ~~الأول: [من السريع] # جاء شقيق عارضا رمحه، ... إن بني عمك فيهم رماح «3» # يقول: إن مجيئه هكذا مدلا بنفسه وبشجاعته قد وضع رمحه عرضا، دليل على ~~إعجاب شديد، وعلى اعتقاد منه أنه لا يقوم له أحد، حتى كأن ليس مع أحد منا ~~رمح يدفعه به، وكأنا كلنا عزل. # وإذا كان كذلك، وجب إذا قيل إنها جواب سائل، أن يشترط فيه أن يكون ~~PageV01P213 # للسائل ظن في المسئول عنه على خلاف ما أنت تجيبه به. فأما أن يجعل مجرد ~~الجواب أصلا فيه فلا، لأنه يؤدي إلى أن لا يستقيم لنا إذا قال الرجل: «كيف ~~زيد؟» أن تقول: «صالح»، وإذا قال: «أين هو؟» أن تقول: «في الدار» - وأن لا ~~يصح حتى تقول: «إنه صالح»، «إنه في الدار»، وذلك ما لا يقوله أحد. # وأما جعلها إذا جمع بينها وبين «اللام» نحو: «إن عبد الله لقائم» - ~~للكلام مع المنكر، فجيد، لأنه إذا كان الكلام مع المنكر، كانت الحاجة إلى ~~التأكيد أشد. # وذلك أنك أحوج ما تكون إلى الزيادة في تثبيت خبرك، إذا كان هناك من يدفعه ~~وينكر صحته، إلا أنه ينبغي أن يعلم أنه كما يكون للإنكار قد كان من السامع، ~~فإنه يكون للإنكار يعلم أو يرى أنه يكون من السامعين. وجملة الأمر أنك لا ~~تقول: «إنه لكذلك»، حتى تريد أن تضع كلامك وضع من يزع «1» فيه عن الإنكار. # واعلم أنها قد تدخل للدلالة على أن الظن قد كان منك أيها المتكلم في الذي ~~كان أنه لا يكون. وذلك قولك للشيء هو بمرأى من المخاطب ومسمع: «إنه كان من ~~الأمر ما ترى، وكان مني إلى فلان إحسان ومعروف، ثم أنه جعل جزائي ما رأيت»، ~~فتجعلك كأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت، وتبين الخطأ الذي توهمت. # وعلى ذلك، والله أعلم، قوله تعالى حكاية عن أم مريم رضي الله عنها: قالت ~~رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت [آل عمران: 36]، وكذلك قوله عز وجل ~~حكاية عن نوح عليه ms191 السلام: قال رب إن قومي كذبون [الشعراء: 117]. وليس الذي ~~يعرض بسبب هذا الحرف من الدقائق والأمور الخفية، بالشيء يدرك بالهوينا. # ونحن نقتصر الآن على ما ذكرنا، ونأخذ في القول عليها إذا اتصلت بها «ما». ### | فصل في مسائل «إنما» # قال الشيخ أبو علي في «الشيرازيات» «2»: «يقول ناس من النحويين في نحو ~~قوله تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن [الأعراف: 33]، ~~PageV01P214 # إن المعنى: ما حرم ربي إلا الفواحش. قال: وأصبت ما يدل على صحة قولهم في ~~هذا، وهو قول الفرزدق: [من الطويل] # أنا الذائد الحامي الذمار، وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي «1» # فليس يخلو هذا الكلام من أن يكون موجبا أو منفيا. فلو كان المراد به ~~الإيجاب لم يستقم، ألا ترى أنك لا تقول: «يدافع أنا» و «لا يقاتل أنا»، ~~وإنما تقول: # «أدافع» و «أقاتل» إلا أن المعنى لما كان: «ما يدافع إلا أنا»، فصلت ~~الضمير كما تفصله مع النفي إذا ألحقت معه «إلا»، حملا على المعنى. وقال أبو ~~إسحاق الزجاج في قوله تعالى: إنما حرم عليكم الميتة والدم [البقرة: 173]، ~~[النحل: 115]، النصب في «الميتة» هو القراءة، ويجوز: «إنما حرم عليكم». قال ~~أبو إسحاق: والذي أختاره أن تكون «ما» هي التي تمنع «إن» من العمل، ويكون ~~المعنى: «ما حرم عليكم إلا الميتة»، لأن «إنما» تأتي إثباتا لما يذكر ~~بعدها، ونفيا لما سواه، وقول الشاعر: # وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي المعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أو ~~مثلي». انتهى كلام أبي علي. # اعلم أنهم، وإن كانوا قد قالوا هذا الذي كتبته لك، فإنهم لم يعنوا بذلك ~~أن المعنى في هذا هو المعنى في ذلك بعينه، وأن سبيلهما سبيل اللفظين يوضعان ~~لمعنى واحد. وفرق بين أن يكون في الشيء معنى الشيء، وبين أن يكون الشيء ~~الشيء على الإطلاق. # يبين لك أنهما لا يكونان سواء، أنه ليس كل كلام يصلح فيه «ما» و «إلا»، ~~يصلح فيه «إنما». ألا ترى أنها لا تصلح في مثل قوله تعالى: وما من إله ms192 إلا ~~الله [آل عمران: 62]، ولا في نحو قولنا: «ما أحد إلا وهو يقول ذاك»، إذ لو ~~قلت: «إنما من إله الله» و «إنما أحد وهو يقول ذاك»، قلت ما لا يكون له ~~معنى. PageV01P215 # فإن قلت: إن سبب ذلك أن «أحدا» لا يقع إلا في النفي وما يجري مجرى النفي ~~من النهي والاستفهام، وأن «من» المزيدة في «ما من إله إلا الله»، كذلك لا ~~تكون إلا في النفي. # قيل: ففي هذا كفاية، فإنه اعتراف بأن ليسا سواء، لأنهما لو كانا سواء ~~لكان ينبغي أن يكون في «إنما» من النفي مثل ما يكون في «ما» و «إلا» وكما ~~وجدت «إنما» لا تصلح فيما ذكرنا، كذلك تجد «ما» و «إلا» لا تصلح في ضرب من ~~الكلام قد صلحت فيه «إنما، وذلك في مثل قولك: «إنما هو درهم لا دينار»، لو ~~قلت: «ما هو إلا درهم لا دينار»، لم يكن شيئا. وإذ قد بان بهذه الجملة أنهم ~~حين جعلوا «إنما» في معنى «ما» و «إلا»، لم يعنوا أن المعنى فيهما واحد على ~~الإطلاق، وأن يسقطوا الفرق فإني أبين لك أمرهما، وما هو أصل في كل واحد ~~منهما، بعون الله وتوفيقه. # اعلم أن موضع «إنما» على أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته، ~~أو لما ينزل هذه المنزلة. # تفسير ذلك أنك تقول للرجل: «إنما هو أخوك» و «إنما هو صاحبك القديم»: # لا تقوله لمن يجهل ذلك ويدفع صحته، ولكن لمن يعلمه ويقر به، إلا أنك تريد ~~أن تنبهه للذي يجب عليه من حق الأخ وحرمة الصاحب، ومثله قوله: [من الخفيف] # إنما أنت والد، والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولاد «1» # لم يرد أن يعلم كافورا أنه والد، ولا ذاك مما يحتاج كافور فيه إلى ~~الإعلام، ولكنه أراد أن يذكره منه بالأمر المعلوم ليبني عليه استدعاء ما ~~يوجبه كونه بمنزلة الوالد. # ومثل ذلك قولهم: «إنما يعجل من يخشى الفوت»، وذلك أن من المعلوم الثابت ~~في النفوس أن من لم يخش الفوت لم يعجل. # ومثاله ms193 من التنزيل قوله تعالى: إنما يستجيب الذين يسمعون [الأنعام: # 36]، وقوله عز وجل: إنما تنذر من اتبع الذكر، وخشي الرحمن بالغيب [يس: ~~PageV01P216 # 11]، وقوله تعالى: إنما أنت منذر من يخشاها [النازعات: 45]، كل ذلك تذكير ~~بأمر ثابت معلوم. وذلك أن كل عاقل يعلم أنه لا تكون استجابة إلا ممن يسمع ~~ويعقل ما يقال له ويدعى إليه، وأن من لم يسمع ولم يعقل لم يستجب وكذلك ~~معلوم أن الإنذار إنما يكون إنذار ويكون له تأثير، إذا كان مع من يؤمن ~~بالله ويخشاه ويصدق بالبعث والساعة، فأما الكافر الجاهل، فالإنذار وترك ~~الإنذار معه واحد. فهذا مثال ما الخبر فيه خبر بأمر يعلمه المخاطب ولا ~~ينكره بحال. # وأما مثال ما ينزل هذه المنزلة، فكقوله: [من الخفيف] # إنما مصعب شهاب من الل ... ه تجلت عن وجهه الظلماء «1» # ادعى في كون الممدوح بهذه الصفة، أنه أمر ظاهر معلوم للجميع، على عادة ~~الشعراء إذا مدحوا أن يدعوا في الأوصاف التي يذكرون بها الممدوحين أنها ~~ثابتة لهم، وأنهم قد شهروا بها، وأنهم لم يصفوا إلا بالمعلوم الظاهر الذي ~~لا يدفعه أحد، كما قال: [من الطويل] # وتعذلني أفناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالذي علمت سعد «2» # وكما قال البحتري: # لا أدعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه «3» # ومثله قولهم: «إنما هو أسد»، و «إنما هو نار»، و «إنما هو سيف صارم»، ~~وإذا أدخلوا «إنما» جعلوا ذلك في حكم الظاهر المعلوم الذي لا ينكر ولا يدفع ~~ولا يخفى. PageV01P217 # وأما الخبر بالنفي والإثبات نحو: «ما هذا إلا كذا»، و «إن هو إلا كذا»، ~~فيكون للأمر ينكره المخاطب ويشك فيه. فإذا قلت: «ما هو إلا مصيب» أو «ما هو ~~إلا مخطئ»، قلته لمن يدفع أن يكون الأمر على ما قلت، وإذا رأيت شخصا من ~~بعيد فقلت: «ما هو إلا زيد»، لم تقله إلا وصاحبك يتوهم أنه ليس بزيد، وأنه ~~إنسان آخر، ويجد في الإنكار أن يكون «زيدا». # وإذا كان الأمر ظاهر كالذي مضى، لم تقله كذلك، فلا تقول للرجل ترققه على ~~أخيه وتنبهه ms194 للذي يجب عليه من صلة الرحم ومن حسن التحاب: «ما هو إلا أخوك» ~~وكذلك لا يصلح في «إنما أنت والد»: «ما أنت إلا والد»، فأما نحو: «إنما ~~مصعب شهاب»، فيصلح فيه أن تقول: «ما مصعب إلا شهاب»، لأنه ليس من المعلوم ~~على الصحة، وإنما ادعى الشاعر فيه أنه كذلك. وإذا كان هذا هكذا، جاز أن ~~تقوله بالنفي والإثبات، إلا أنك تخرج المدح حينئذ عن أن يكون على حد ~~المبالغة، من حيث لا تكون قد ادعيت فيه أنه معلوم، وأنه بحيث لا ينكره ~~منكر، ولا يخالف فيه مخالف. # - قوله تعالى: إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ~~آباؤنا [إبراهيم: 10] إنما جاء، والله أعلم، «بإن» و «إلا» دون «إنما»، فلم ~~يقل: # «إنما أنتم بشر مثلنا»، لأنهم جعلوا الرسل كأنهم بادعائهم النبوة قد ~~أخرجوا أنفسهم عن أن يكونوا بشرا مثلهم، وادعوا أمرا لا يجوز أن يكون لمن ~~هو بشر. ولما كان الأمر كذلك، أخرج اللفظ مخرجه حيث يراد إثبات أمر يدفعه ~~المخاطب ويدعى خلافه، ثم جاء الجواب من الرسل الذي هو قوله تعالى: قالت لهم ~~رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم [إبراهيم: 11]، كذلك «بإن» و «إلا» دون «إنما»، ~~لأن من حكم من ادعى عليه خصمه الخلاف في أمر هو لا يخالف فيه، أن يعيد كلام ~~الخصم على وجهه، ويجيء به على هيئته ويحكيه كما هو. فإذا قلت للرجل: «أنت ~~من شأنك كيت وكيت»، قال: «نعم، أنا من شأني كيت وكيت، ولكن لا ضير علي، ولا ~~يلزمني من أجل ذلك ما ظننت أنه يلزم»، فالرسل صلوات الله عليهم كأنهم ~~قالوا: # «إن ما قلتم من أنا بشر مثلكم كما قلتم، لسنا ننكر ذلك ولا نجهله، ولكن ~~ذلك لا يمنعنا من أن يكون الله تعالى قد من علينا وأكرمنا بالرسالة. # وأما قوله تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم [الكهف: 110]، [فصلت: 6] فجاء ~~«بإنما»، لأنه ابتداء كلام قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلغه ~~إياهم ويقوله معهم، وليس # PageV01P218 # هو جوابا لكلام سابق ms195 قد قيل فيه: «إن أنت إلا بشر مثلنا»، فيجب أن يؤتى ~~به على وفق ذلك الكلام، ويراعى فيه حذوه، كما كان ذلك في الآية الأولى. # وجملة الأمر أنك متى رأيت شيئا هو من المعلوم الذي لا يشك فيه قد جاء ~~بالنفي، فذلك التقدير معنى صار به في حكم المشكوك فيه، فمن ذلك قوله تعالى: # وما أنت بمسمع من في القبور. إن أنت إلا نذير [فاطر: 22 - 23] إنما جاء، ~~والله أعلم، بالنفي والإثبات، لأنه لما قال تعالى: وما أنت بمسمع من في ~~القبور، وكان المعنى في ذلك أن يقال للنبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لن ~~تستطيع أن تحول قلوبهم عما هي عليه من الإباء، ولا تملك أن توقع الإيمان في ~~نفوسهم، مع إصرارهم على كفرهم، واستمرارهم على جهلهم، وصدهم بأسماعهم عما ~~تقوله لهم وتتلوه عليهم» كان اللائق بهذا أن يجعل حال النبي صلى الله عليه ~~وسلم حال من قد ظن أنه يملك ذلك، ومن لا يعلم يقينا أنه ليس في وسعه شيء ~~أكثر من أن ينذر ويحذر، فأخرج اللفظ مخرجه إذا كان الخطاب مع من يشك، فقيل: ~~«إن أنت إلا نذير». ويبين ذلك أنك تقول للرجل يطيل مناظرة الجاهل ومقاولته: ~~«إنك لا تستطيع أن تسمع الميت، وأن تفهم الجماد، وأن تحول الأعمى بصيرا، ~~وليس بيدك إلا تبين وتحتج، ولست تملك أكثر من ذلك» لا تقول هاهنا: «فإنما ~~الذي بيدك أن تبين وتحتج»، ذلك لأنك لم تقل له «إنك لا تستطيع أن تسمع ~~الميت»، حتى جعلته بمثابة من يظن أنه يملك وراء الاحتجاج والبيان شيئا. # وهذا واضح، فاعرفه. # ومثل هذا في أن الذي تقدم من الكلام اقتضى أن يكون اللفظ كالذي تراه، ومن ~~كونه «بإن» و «إلا»، قوله تعالى: قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء ~~الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير ~~وبشير لقوم يؤمنون [الأعراف: 188]. ### | فصل هذا بيان آخر في «إنما» # اعلم أنها تفيد في الكلام بعدها إيجاب ms196 الفعل لشيء، ونفيه عن غيره، فإذا ~~قلت: «إنما جاءني زيد»، عقل منه أنك أردت أن تنفي أن يكون الجائي غيره. # فمعنى الكلام معها شبيه بالمعنى في قولك: «جاءني زيد لا عمرو»، إلا أن ~~لها مزية، # PageV01P219 # وهي أنك تعقل معها إيجاب الفعل لشيء ونفيه عن غيره دفعة واحدة في حال ~~واحدة. وليس كذلك الأمر في: «جاءني زيد لا عمرو»، فإنك تعقلهما في حالين ~~ومزية ثانية، وهي أنها تجعل الأمر ظاهرا في أن الجائي «زيد»، ولا يكون هذا ~~الظهور إذا جعلت الكلام «بلا» فقلت: «جاءني زيد لا عمرو». # ثم اعلم أن قولنا في «لا» العاطفة: «إنها تنفي عن الثاني ما وجب للأول»، ~~ليس المراد به أنها تنفي عن الثاني أن يكون قد شارك الأول في الفعل، بل ~~أنها تنفي أن يكون الفعل الذي قلت إنه كان من الأول، قد كان من الثاني دون ~~الأول. ألا ترى أن ليس المعنى في قولك: «جاءني زيد لا عمرو»، أنه لم يكن من ~~عمرو مجيء إليك مثل ما كان من «زيد»، حتى كأنه عكس قولك: «جاءني زيد ~~وعمرو»، بل المعنى أن الجائي هو زيد لا عمرو، فهو كلام تقوله مع من يغلط في ~~الفعل قد كان من هذا، فيتوهم أنه كان من ذلك. # والنكتة أنه لا شبهة في أن ليس هاهنا جائيان، وأنه ليس إلا جاء واحد، ~~وإنما الشبهة في أن ذلك الجائي زيد أم عمرو، فأنت تحقق على المخاطب بقولك: # «جاءني زيد لا عمرو»، أنه «زيد» وليس بعمرو. # ونكتة أخرى: وهي أنك لا تقول: «جاءني زيد لا عمرو»، حتى يكون قد بلغ ~~المخاطب أنه كان مجيء إليك من جاء، إلا أنه ظن أنه كان من «عمرو»، فأعلمته ~~أنه لم يكن من «عمرو» ولكن من «زيد». # وإذ عرفت هذه المعاني في الكلام «بلا» العاطفة، فاعلم أنها بجملتها قائمة ~~لك في الكلام «بإنما». فإذا قلت: «إنما جاءني زيد»، لم يكن غرضك أن تنفي أن ~~يكون قد جاء مع «زيد» غيره، ولكن أن تنفي أن يكون المجيء الذي ms197 قلت إنه كان ~~منه، كان من «عمرو». وكذلك تكون الشبهة مرتفعة في أن ليس هاهنا جائيان، وأن ~~ليس إلا جاء واحد، وإنما تكون الشبهة في أن ذلك الجائي «زيد» أم «عمرو». ~~فإذا قلت: «إنما جاءني زيد»، حققت الأمر في أنه «زيد». وكذلك لا تقول: ~~«إنما جاءني زيد»، حتى يكون قد بلغ المخاطب أن قد جاءك جاء، ولكنه ظن أنه ~~«عمرو» مثلا، فأعلمته أنه «زيد». # فإن قلت: فإنه قد يصح أن تقول: «إنما جاءني من بين القوم زيد وحده، وإنما ~~أتاني من جملتهم عمرو فقط»، فإن ذلك شيء كالتكلف، والكلام هو الأول، ثم ~~الاعتبار به إذا أطلق فلم يقيد «بوحده» وما في معناه. ومعلوم أنك إذا قلت: ~~«إنما جاءني زيد»، ولم تزد على ذلك، أنه لا يسبق إلى القلب من المعنى إلا ~~ما قدمنا # PageV01P220 # شرحه، من أنك أردت النص على «زيد» أنه الجائي، وأن تبطل ظن المخاطب أن ~~المجيء لم يكن منه، ولكن كان من «عمرو» حسب ما يكون إذا قلت: «جاءني زيد لا ~~عمرو»، فاعرفه. # وإذ قد عرفت هذه الجملة، فإنا نذكر جملة من القول في «ما» و «إلا» وما ~~يكون من حكمهما. # اعلم أنك إذا قلت: «ما جاءني إلا زيد»: احتمل أمرين: # أحدهما: أن تريد اختصاص «زيد» بالمجيء وأن تنفيه عمن عداه، وأن يكون ~~كلاما تقوله، لا لأن بالمخاطب حاجة إلى أن يعلم أن «زيدا» قد جاءك، ولكن ~~لأن به حاجة إلى أن يعلم أنه لم يجئ إليك غيره. # والثاني: أن تريد الذي ذكرناه في «إنما»، ويكون كلاما تقوله ليعلم أن ~~الجائي «زيد» لا غيره. فمن ذلك قولك للرجل يدعي أنك قلت قولا ثم قلت خلافه: ~~«ما قلت اليوم إلا ما قلته أمس بعينه» ويقول: «لم تر زيدا، وإنما رأيت ~~فلانا»، فتقول: # «بل لم أر إلا زيدا». وعلى ذلك قوله تعالى: ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ~~أن اعبدوا الله ربي وربكم [المائدة: 117]، لأنه ليس المعنى: إني لم أزد على ~~ما أمرتني به شيئا، ولكن المعنى: إني لم ms198 أدع ما أمرتني به أن أقوله لهم ~~وقلت خلافه. # ومثال ما جاء في الشعر من ذلك قوله: [من السريع] # قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا «1» # المعنى: أنا الذي قطر الفارس، وليس المعنى على أنه يريد أن يزعم أنه ~~انفرد بأن قطره، وأنه لم يشركه فيه غيره. # وهاهنا كلام ينبغي أن تعلمه، إلا أني أكتب لك من قبله مسألة، لأن فيها ~~عونا عليه. قوله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر: 28]، في ~~تقديم اسم الله عز وجل معنى خلاف ما يكون لو أخر. وإنما يبين لك ذلك إذا ~~اعتبرت الحكم في «ما» و «إلا»، وحصلت الفرق بين أن تقول: «ما ضرب زيدا إلا ~~عمرو»، وبين قولك: «ما ضرب عمرو إلا زيدا». PageV01P221 # والفرق بينهما أنك إذا قلت: «ما ضرب زيدا إلا عمرو»، فقدمت المنصوب، كان ~~الغرض بيان الضارب من هو، والإخبار بأنه عمرو خاصة دون غيره وإذا قلت: «ما ~~ضرب عمرو إلا زيدا»، فقدمت المرفوع، كان الغرض بيان المضروب من هو، ~~والإخبار بأنه «زيد» خاصة دون غيره. # وإذا قد عرفت ذلك فاعتبر به الآية، وإذا اعتبرتها به علمت أن تقديم اسم ~~الله تعالى إنما كان لأجل أن الغرض أن يبين الخاشون من هم، ويخبر بأنهم ~~العلماء خاصة دون غيرهم. ولو أخر ذكر اسم الله وقدم «العلماء» فقيل: «إنما ~~يخشى العلماء الله»، لصار المعنى على ضد ما هو عليه الآن، ولصار الغرض بيان ~~المخشي من هو، والإخبار بأنه الله تعالى دون غيره، ولم يجب حينئذ أن تكون ~~الخشية من الله تعالى مقصورة على العلماء، وأن يكونوا مخصوصين بها كما هو ~~الغرض في الآية، بل كان يكون المعنى أن غير العلماء يخشون الله تعالى أيضا ~~إلا أنهم مع خشيتهم الله تعالى يخشون معه غيره، والعلماء لا يخشون غير الله ~~تعالى. # وهذا المعنى وإن كان قد جاء في التنزيل في غير هذه الآية كقوله تعالى: ~~ولا يخشون أحدا إلا الله [الأحزاب: 39]، فليس هو الغرض في الآية، ولا اللفظ ~~بمحتمل له البتة. ms199 ومن أجاز حملها عليه، كان قد أبطل فائدة التقديم، وسوى ~~بين قوله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء) وبين أن يقال: «إنما ~~يخشى العلماء الله»، وإذا سوى بينهما، لزمه أن يسوي بين قولنا: «ما ضرب ~~زيدا إلا عمرو» وبين: «ما ضرب عمرو إلا زيدا»، وذلك ما لا شبهة في امتناعه. # فهذه هي المسألة، وإذ قد عرفتها فالأمر فيها بين: أن الكلام «بما» و ~~«إلا» قد يكون في معنى الكلام «بإنما»، ألا ترى إلى وضوح الصورة في قولك: ~~«ما ضرب زيدا إلا عمرو» و «ما ضرب عمرو إلا زيدا»، أنه في الأول لبيان من ~~الضارب، وفي الثاني لبيان من المضروب، وإن كان تكلفا أن تحمله على نفي ~~الشركة، فتريد «بما ضرب زيدا إلا عمرو» أنه لم يضربه اثنان، و «بما ضرب ~~عمرو إلا زيدا»، أنه لم يضرب اثنين. # ثم اعلم أن السبب في أن لم يكن تقديم المفعول في هذا كتأخيره، ولم يكن ~~«ما ضرب زيدا إلا عمرو» و «ما ضرب عمرو إلا زيدا»، سواء في المعنى أن ~~الاختصاص يقع في واحد من الفاعل والمفعول، ولا يقع فيهما جميعا. ثم إنه يقع ~~في الذي يكون بعد «إلا» منهما دون الذي قبلها، لاستحالة أن يحدث معنى الحرف # PageV01P222 # في الكلمة من قبل أن يجيء الحرف. وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن يفترق ~~الحال بين أن تقدم المفعول على «إلا» فتقول: «ما ضرب زيدا إلا عمرو»، وبين ~~أن تقدم الفاعل فتقول: «ما ضرب عمرو إلا زيدا»، لأنا إن زعمنا أن الحال لا ~~يفترق، جعلنا المتقدم كالمتأخر في جواز حدوثه فيه. وذلك يقتضي المحال الذي ~~هو أن يحدث معنى «إلا» في الاسم من قبل أن تجيء بها، فاعرفه. # وإذا قد عرفت أن الاختصاص مع «إلا» يقع في الذي تؤخره من الفاعل ~~والمفعول، فكذلك يقع مع «إنما» في المؤخر منهما دون المقدم. فإذا قلت: ~~«إنما ضرب زيدا عمرو»، كان الاختصاص في الضارب، وإذا قلت: «إنما ضرب عمرو ~~زيدا»، كان الاختصاص في المضروب، وكما لا يجوز ms200 أن يستوي الحال بين التقديم ~~والتأخير مع «إلا»، كذلك لا يجوز مع «إنما». # وإذا استبنت هذه الجملة، عرفت منها أن الذي صنعه الفرزدق في قوله: # وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي «1» شيء لو لم يصنعه لم يصح له ~~المعنى. ذاك لأن غرضه أن يخص المدافع لا المدافع عنه. ولو قال: «إنما أدافع ~~عن أحسابهم»، لصار المعنى أنه يخص المدافع عنه، وأنه يزعم أن المدافعة منه ~~تكون عن أحسابهم لا عن أحساب غيرهم، كما يكون إذا قال: «وما أدافع إلا عن ~~أحسابهم»، وليس ذلك معناه، إنما معناه أن يزعم أن المدافع هو لا غيره، ~~فاعرف ذلك، فإن الغلط كما أظن يدخل على كثير ممن تسمعهم يقولون: «إنه فصل ~~الضمير للحمل على المعنى»، فيرى أنه لو لم يفصله، لكان يكون معناه مثله ~~الآن. # هذا ولا يجوز أن ينسب فيه إلى الضرورة، فيجعل مثلا نظير قول الآخر: [من ~~الهزج] # كأنا يوم قرى إن ... ما نقتل إيانا «2» PageV01P223 # لأنه ليس به ضرورة إلى ذلك، من حيث أن «أدافع» و «يدافع» واحد في الوزن، ~~فاعرف هذا أيضا. # وجملة الأمر أن الواجب أن يكون اللفظ على وجه يجعل الاختصاص فيه للفرزدق. ~~وذلك لا يكون إلا بأن يقدم «الأحساب» على ضميره، وهو لو قال: «وإنما أدافع ~~عن أحسابهم»، استكن ضميره في الفعل، فلم يتصور تقديم «الأحساب» عليه، ولم ~~يقع «الأحساب» إلا مؤخرا عن ضمير الفرزدق، وإذا تأخرت انصرف الاختصاص إليها ~~لا محالة. # فإن قلت: إنه كان يمكنه أن يقول: «وإنما أدافع عن أحسابهم أنا»، فيقدم ~~«الأحساب» على «أنا». # قيل: إنه إذا قال: «أدافع» كان الفاعل الضمير المستكن في الفعل، وكان ~~«أنا» الظاهر تأكيدا له، أعني للمستكن، والحكم يتعلق بالمؤكد دون التأكيد، ~~لأن التأكيد كالتكرير، # فهو يجيء من بعد نفوذ الحكم، ولا يكون تقديم الجار مع المجرور، الذي هو ~~قوله «عن أحسابهم» على الضمير الذي هو تأكيد، تقديما له على الفاعل، لأن ~~تقديم المفعول على الفاعل إنما يكون إذا ذكرت المفعول قبل أن تذكر الفاعل، ~~ولا يكون لك ms201 إذا قلت: «وإنما أدافع عن أحسابهم»، سبيل إلى أن تذكر المفعول ~~قبل أن تذكر الفاعل، لأن ذكر الفاعل هاهنا هو ذكر الفعل، من حيث أن الفاعل ~~مستكن في الفعل، فكيف يتصور تقديم شيء عليه، فاعرفه. # واعلم أنك إن عمدت إلى الفاعل والمفعول فأخرتهما جميعا إلى ما بعد «إلا»، ~~فإن الاختصاص يقع حينئذ في الذي يلي «إلا» منهما. فإذا قلت: «ما ضرب إلا ~~عمرو زيدا»، كان الاختصاص في الفاعل، وكان المعنى أنك قلت: «إن الضارب عمرو ~~لا غيره» وإن قلت: «ما ضرب إلا زيدا عمرو»، كان الاختصاص في المفعول، وكان ~~المعنى أنك قلت: «إن المضروب زيد لا من سواه». # وحكم المفعولين حكم الفاعل والمفعول فيما ذكرت لك. تقول: «لم يكس إلا ~~زيدا جبة»، فيكون المعنى أنه خص «زيدا» من بين الناس بكسوة الجبة فإن قلت: ~~«لم يكس إلا جبة زيدا»، كان المعنى: أنه خص الجبة من أصناف الكسوة. # وكذلك الحكم حيث يكون بدل أحد المفعولين جار ومجرور، كقول السيد الحميري: ~~[من السريع] # PageV01P224 # لو خير المنبر فرسانه ... ما اختار إلا منكم فارسا «1» # الاختصاص في «منكم» دون «فارسا» ولو قلت: «ما اختار إلا فارسا منكم»، صار ~~الاختصاص في «فارسا». # واعلم أن الأمر في المبتدأ والخبر، إن كانا بعد «إنما» على العبرة التي ~~ذكرت لك في الفاعل والمفعول، إذا أنت قدمت أحدهما على الآخر. # معين ذلك: أنك إن تركت الخبر في موضعه فلم تقدمه على المبتدأ، كان ~~الاختصاص فيه وإن قدمته على المبتدأ، صار الاختصاص الذي كان فيه في ~~المبتدأ. # تفسير هذا، وأنك تقول: «إنما هذا لك»، فيكون الاختصاص في «لك» بدلالة أنك ~~تقول: «إنما هذا لك لا لغيرك» وتقول: «إنما لك هذا»، فيكون الاختصاص في ~~«هذا»، بدلالة أنك تقول: «إنما لك هذا لا ذاك»، والاختصاص يكون أبدا في ~~الذي إذا جئت «بلا» العاطفة كان العطف عليه. # وإن أردت أن يزداد ذلك عندك وضوحا، فانظر إلى قوله تعالى: فإنما عليك ~~البلاغ وعلينا الحساب [الرعد: 40]، وقوله عز وعلا: إنما السبيل على الذين ~~يستأذنونك [التوبة: 93]، فإنك ms202 ترى الأمر ظاهرا أن الاختصاص في الآية الأولى ~~في المبتدأ الذي هو «البلاغ» و «الحساب»، دون الخبر الذي هو «عليك» و ~~«علينا» وأنه في الآية الثانية في الخبر الذي هو «على الذين»، دون المبتدأ ~~الذي هو «السبيل». # واعلم أنه إذا كان الكلام «بما» و «إلا» كان الذي ذكرته من أن الاختصاص ~~يكون في الخبر إن لم تقدمه، وفي المبتدأ إن قدمت الخبر أوضح وأبين، تقول ~~«2»: # «ما زيد إلا قائم»، فيكون المعنى أنك اختصصت «القيام» من بين الأوصاف ~~التي يتوهم كون زيد عليها بجعله صفة له. وتقول: «ما قائم إلا زيد»، فيكون ~~المعنى أنك اختصصت زيدا بكونه موصوفا بالقيام. فقد قصرت في الأول الصفة على ~~الموصوف، وفي الثاني الموصوف على الصفة. # واعلم أن قولنا في الخبر إذا أخر نحو: «ما زيد إلا قائم»، أنك اختصصت ~~القيام من بين الأوصاف التي يتوهم كون زيد عليها، ونفيت ما عدا القيام عنه، ~~فإنما نعني PageV01P225 # أنك نفيت عنه الأوصاف تنافي القيام، نحو أن يكون «جالسا» أو «مضطجعا» أو ~~«متكئا»، أو ما شاكل ذلك ولم ترد أنك نفيت ما ليس من القيام بسبيل، إذ لسنا ~~ننفي عنه بقولنا: «ما هو إلا قائم» أن يكون «أسود» أو «أبيض» أو «طويلا» أو ~~«قصيرا» أو «عالما» أو «جاهلا»، كما أنا إذا قلنا: «ما قائم إلا زيد»، لم ~~نرد أنه ليس في الدنيا قائم سواه، وإنما نعني ما قائم حيث نحن، وبحضرتنا، ~~وما أشبه ذلك. # واعلم أن الأمر بين في قولنا: «ما زيد إلا قائم»، أن ليس المعنى على نفي ~~الشركة، ولكن على نفي أن لا يكون المذكور، ويكون بدله شيء آخر. ألا ترى أن ~~ليس المعنى أنه ليس له مع «القيام» صفة أخرى، بل المعنى أن ليس له بدل ~~القيام صفة ليست بالقيام، وأن ليس القيام، منفيا عنه، وكائنا مكانه فيه ~~«القعود» أو «الاضطجاع» أو نحوهما. # فإن قلت: فصورة المعنى إذن صورته إذا وضعت الكلام «بإنما» فقلت: «إنما هو ~~قائم»، ونحن نرى أنه يجوز في هذا أن تعطف «بلا» ms203 فتقول: «إنما هو قائم لا ~~قاعد»، ولا نرى ذلك جائزا مع «ما» و «إلا»، إذا ليس من كلام الناس أن ~~يقولوا: «ما زيد إلا قائم لا قاعد». # فإن ذلك إنما لم يجز من حيث أنك إذا قلت: «ما زيد إلا قائم»، فقد نفيت ~~عنه كل صفة تنافي «القيام»، وصرت كأنك قلت: «ليس هو بقاعد ولا مضطجع ولا ~~متكئ»، وهكذا حتى لا تدع صفة يخرج بها من «القيام». فإذا قلت من بعد ذلك ~~«لا قاعد»، كنت قد نفيت «بلا» العاطفة شيئا قد بدأت فنفيته، وهي موضوعة لأن ~~تنفي بها ما بدأت فأوجبته، لا لأن تفيد بها النفي في شيء قد نفيته. ومن ثم ~~لم يجز أن تقول: «ما جاءني أحد لا زيد»، على أن تعمد إلى بعض ما دخل في ~~النفي بعموم «أحد» فتنفيه على الخصوص، بل كان الواجب إذا أردت ذلك أن تقول: ~~«ما جاءني أحد ولا زيد»، فتجيء «بالواو» من قبل «لا»، حتى تخرج بذلك من أن ~~تكون عاطفة، فاعرف ذلك. # وإذ قد عرفت فساد أن تقول: «ما زيد إلا قائم لا قاعد»، فإنك تعرف بذلك ~~امتناع أن تقول: «ما جاءني إلا زيد لا عمرو» و «ما ضربت إلا زيدا لا عمرا»، ~~وما شاكل ذلك. وذلك أنك إذا قلت: «ما جاءني إلا زيد»، فقد نفيت أن يكون قد ~~جاءك أحد غيره، فإذا قلت: «لا عمرو»، كنت قد طلبت أن تنفي «بلا» العاطفة ~~شيئا قد تقدمت فنفيته، وذلك، # كما عرفتك، خروج بها عن المعنى الذي وضعت له إلى خلافه. # PageV01P226 # فإن قيل: فإنك إذا قلت: «إنما جاءني زيد»، فقد نفيت فيه أيضا أن يكون ~~المجيء قد كان من غيره، فكان ينبغي أن لا يجوز فيه أيضا أن تعطف بلا فتقول: # «إنما جاءني زيد لا عمرو». # قيل: إن الذي قلته من أنك إذا قلت: «إنما جاءني زيد» فقد نفيت فيه أيضا ~~المجيء عن غيره غير مسلم لك على حقيقته. وذلك أنه ليس معك إلا قولك: # «جاءني زيد»، وهو كلام كما تراه مثبت ms204 ليس فيه نفي البتة، كما كان في ~~قولك: «ما جاءني إلا زيد»، وإنما فيه أنك وضعت يدك على «زيد» فجعلته ~~«الجائي»، وذلك وإن أوجب انتفاء المجيء عن غيره، فليس يوجبه من أجل أن كان ~~ذلك إعمال نفي في شيء، وإنما أوجبه من حيث كان «المجيء» الذي أخبرت به ~~مجيئا مخصوصا، إذا كان لزيد لم يكن لغيره. والذي أبيناه أن تنفي «بلا» ~~العاطفة الفعل عن شيء وقد نفيته عنه لفظا. # ونظير هذا أنا نعقل من قولنا: «زيد هو الجائي»، أن هذا المجيء لم يكن من ~~غيره، ثم لا يمنع ذلك من أن تجيء فيه «بلا» العاطفة فتقول: «زيد هو الجائي ~~لا عمرو»، لأنا لم نعقل ما عقلناه من انتفاء المجيء عن غيره، وبنفي أوقعناه ~~على شيء، ولكن بأنه لما كان المجيء المقصود مجيئا واحدا، كان النص على ~~«زيد» بأنه فاعله وإثباته له، نفيا له عن غيره، ولكن من طريق المعقول، لا ~~من طريق أن كان في الكلام نفي، كما كان ثم، فاعرفه. # فإن قيل: فإنك إذا قلت: «ما جاءني إلا زيد»، ولم يكن غرضك أن تنفي أن ~~يكون قد جاء معه واحد آخر، كان المجيء أيضا مجيئا واحدا. # قيل: إنه وإن كان واحدا، فإنك إنما تثبت أن «زيدا» الفاعل له، بأن نفيت ~~المجيء عن كل من سوى زيد، كما تصنع إذا أردت أن تنفي أن يكون قد جاء معه ~~جاء آخر. وإذا كان كذلك، كان ما قلناه من أنك إن جئت «بلا» العاطفة فقلت: ~~«ما جاءني إلا زيد لا عمرو»، كنت قد نفيت الفعل عن شيء قد نفيته عنه مرة ~~صحيحا ثابتا، كما قلناه، فاعرفه. # اعلم أن حكم «غير» في جميع ما ذكرنا، حكم «إلا». فإذا قلت: «ما جاءني غير ~~زيد»، احتمل أن تريد نفي أن يكون قد جاء معه إنسان آخر، وأن تريد نفي أن لا ~~يكون قد جاء، وجاء مكانه واحد آخر ولا يصح أن تقول: ما جاءني غير زيد لا ~~عمرو»، كما لم يجز: «ما جاءني إلا زيد ms205 لا عمرو». # PageV01P227 ### | فصل في نكتة تتصل بالكلام الذي تضعه «بما» و «إلا» # اعلم أن الذي ذكرناه من أنك تقول: «ما ضرب إلا عمرو زيدا»، فتوقع الفاعل ~~والمفعول جميعا بعد «إلا»، ليس بأكثر الكلام، وإنما الأكثر إن تقدم المفعول ~~على «إلا»، نحو: «ما ضرب زيدا إلا عمرو»، حتى أنهم ذهبوا فيه أعني في قولك: ~~«ما ضرب إلا عمرو زيدا» إلى أنه على كلامين، وأن «زيدا» منصوب بفعل مضمر، ~~حتى كأن المتكلم بذلك أبهم في أول أمره فقال: «ما ضرب إلا عمرو» ثم قيل له: ~~«من ضرب؟» فقال: «ضرب زيدا». # وهاهنا، إذا تأملت، معنى لطيف يوجب ذلك، وهو أنك إذا قلت: «ما ضرب زيدا ~~إلا عمرو»، كان غرضك أن تختص «عمرا» «بضرب» «زيد»، لا بالضرب على الإطلاق. ~~وإذا كان كذلك، وجب أن تعدي الفعل إلى المفعول من قبل أن تذكر «عمرا» الذي ~~هو الفاعل، لأن السامع لا يعقل عنك أنك اختصصته بالفعل معدى حتى تكون قد ~~بدأت فعديته أعني لا يفهم عنك أنك أردت أن تختص «عمرا» بضرب «زيد»، حتى ~~تذكره له معدى إلى «زيد»، فأما إذا ذكرته غير معدى فقلت: # «ما ضرب إلا عمرو»، فإن الذي يقع في نفسه أنك أردت أن تزعم أنه لم يكن من ~~أحد غير «عمرو» ضرب، وأنه ليس هاهنا مضروب إلا وضاربه عمرو، فاعرفه أصلا في ~~شأن التقديم والتأخير. ### | فصل [من إنما] # إن قيل: قد مضيت في كلامك كله على أنه «إنما» للخبر لا يجهله المخاطب، ~~ولا يكون ذكرك له لأن تفيده إياه، وإنا لنراها في كثير من الكلام، والقصد ~~بالخبر بعدها أن تعلم السامع أمرا قد غلط فيه بالحقيقة، واحتاج إلى معرفته، ~~كمثل ما ذكرت في أول الفصل الثاني من قولك: «إنما جاءني زيد لا عمرو»، ~~وتراها كذلك تدور في الكتب للكشف عن معان غير معلومة، ودلالة المتعلم منها ~~على ما لا يعلم. # قيل: أما ما يجيء في الكلام من نحو: «إنما جاء زيد لا عمرو»، فإنه وإن ~~كان يكون إعلاما لأمر لا يعلمه السامع، ms206 فإنه لا بد مع ذلك من أن يدعى هناك ~~فضل # PageV01P228 # انكشاف وظهور في أن الأمر كالذي ذكر. وقد قسمت في أول ما افتتحت القول ~~فيها فقلت: «إنها تجيء للخبر لا يجهله السامع ولا ينكر صحته، أو لما ينزل ~~هذه المنزلة». وأما ما ذكرت من أنها تجيء في الكتب لدلالة المتعلم على ما ~~لم يعلمه، فإنك إذا تأملت مواقعها وجدتها في الأمر الأكثر قد جاءت لأمر قد ~~وقع العلم بموجبه وبشيء يدل عليه. # مثال ذلك: أن صاحب الكتاب قال في باب «كان»: # «إذا قلت: كان زيد، فقد ابتدأت بما هو معروف عنده مثله عندك، وإنما ينتظر ~~الخبر. فإذا قلت: «حليما»، فقد أعلمته مثل ما علمت. وإذا قلت: «كان حليما»، ~~فإنما ينتظر أن تعرفه صاحب الصفة» «1». # وذاك أنه إذا كان معلوما أنه لا يكون مبتدأ من غير خبر، ولا خبر من غير ~~مبتدأ، كان معلوما أنك إذا قلت: «كان زيد» فالمخاطب ينتظر الخبر، وإذا قلت: # «كان حليما»، أنه ينتظر الاسم، فلم يقع إذن بعد «إنما» إلا شيء كان ~~معلوما للسامع من قبل أن ينتهي إليه. # ومما الأمر فيه بين، قوله في باب «ظننت»: # «وإنما تحكي بعد «قلت» ما كان كلاما لا قولا» «2». # وذلك أنه معلوم أنك لا تحكي بعد «قلت»، إذا كنت تنحو نحو المعنى، إلا ما ~~كان جملة مفيدة، فلا تقول: «قال فلان زيد» وتسكت، اللهم إلا أن تريد أنه ~~نطق بالاسم على هذه الهيئة، كأنك تريد أنه ذكره مرفوعا. # ومثل ذلك قولهم: «إنما يحذف الشيء إذا كان في الكلام دليل عليه»، إلى ~~أشباه ذلك مما لا يحصى، فإن رأيتها قد دخلت على كلام هو ابتداء إعلام بشيء ~~لم يعلمه السامع، فلأن الدليل عليه حاضر معه، والشيء بحيث يقع العلم به عن ~~كثب. # واعلم أنه ليس يكاد ينتهي ما يعرض بسبب هذا الحرف «3» من الدقائق. # ومما يجب أن يعلم: أنه إذا كان الفعل بعدها فعلا لا يصح إلا من المذكور ~~ولا يكون من غيره، كالتذكر الذي يعلم أنه لا يكون إلا ms207 من أولي الألباب لم ~~يحسن العطف «بلا» فيه، كما يحسن فيما لا يختص بالمذكور ويصح من غيره. ~~PageV01P229 # تفسير هذا: أنه لا يحسن أن تقول: «إنما يتذكر أولو الألباب لا الجهال»، ~~كما يحسن أن تقول: «إنما يجيء زيد لا عمرو». # ثم إن النفي فيما نحن فيه، النفي يتقدم تارة ويتأخر أخرى، فمثال التأخير ~~ما تراه في قولك: «إنما جاءني زيد لا عمرو»، وكقوله تعالى: إنما أنت مذكر. ~~لست عليهم بمصيطر [الغاشية: 21، 22]، وكقول لبيد: [من الرمل] إنما يجزي ~~الفتى ليس الجمل «1» ومثال التقديم قولك: «ما جاءني زيد، وإنما جاءني ~~عمرو»، وهذا مما أنت تعلم به مكان الفائدة فيها، وذلك أنك تعلم ضرورة أنك ~~لو لم تدخلها وقلت: «ما جاءني زيد وجاءني عمرو»، لكان الكلام مع من ظن ~~أنهما جاءاك جميعا، وأن المعنى الآن مع دخولها، أن الكلام مع من غلط في عين ~~الجائي، فظن أنه كان زيدا لا عمرا. # وأمر آخر، وهو ليس ببعيد: أن يظن الظان أنه ليس في انضمام «ما» إلى «إن» ~~فائدة أكثر من أنها تبطل عملها، حتى ترى النحويين لا يزيدون في أكثر كلامهم ~~على أنها «كافة»، ومكانها هاهنا يزيد هذا الظن ويبطله. وذلك أنك ترى أنك لو ~~قلت: # «ما جاءني زيد، وإن عمرا جاءني»، لم يعقل منه أنك أردت أن الجائي «عمرو» ~~لا «زيد»، بل يكون دخول «إن» كالشيء الذي لا يحتاج إليه، ووجدت المعنى ينبو ~~عنه. # ثم اعلم إذا استقريت وجدتها أقوى ما تكون وأعلق ما ترى بالقلب، إذا كان ~~لا يراد بالكلام بعدها نفس معناه، ولكن التعريض بأمر هو مقتضاه، نحو أنا ~~نعلم أن ليس الغرض من قوله تعالى: إنما يتذكر أولوا الألباب [الرعد: 19] ~~[الزمر: 9]، أن يعلم السامعون ظاهر معناه، ولكن أن يذم الكفار، وأن يقال ~~إنهم من فرط العناد ومن غلبة الهوى عليهم، في حكم من ليس بذي عقل، وإنكم إن ~~طمعتم منهم في أن ينظروا ويتذكروا، كنتم كمن طمع في ذلك من غير أولي ~~الألباب. وكذلك قوله: # إنما أنت منذر من يخشاها [النازعات: ms208 45]، وقوله عز اسمه: PageV01P230 # إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب [فاطر: 18]، المعنى على أن من لم تكن ~~له هذه الخشية، فهو كأنه ليس له إذن تسمع وقلب يعقل، فالإنذار معه كلا ~~إنذار. # ومثال ذلك من الشعر قوله: [من مجزوء الرمل] # أنا لم أرزق محبتها، ... إنما للعبد ما رزقا «1» # الغرض أن يفهمك من طريق التعريض أنه قد صار ينصح نفسه، ويعلم أنه ينبغي ~~له أن يقطع الطمع من وصلها، وييأس من أن يكون منها إسعاف. # ومن ذلك قوله: [من البسيط] وإنما يعذر العشاق من عشقا «2» يقول: إنه ليس ~~ينبغي للعاشق أن يلوم من يلومه في عشقه، وأنه ينبغي أن لا ينكر ذلك منه، ~~فإنه لا يعلم كنه البلوى في العشق، ولو كان ابتلي به لعرف ما هو فيه فعذره. # وقوله: [من الكامل] # ما أنت بالسبب الضعيف، وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسباب # فاليوم حاجتنا إليك، وإنما ... يدعى الطيب لساعة الأوصاب «3» # يقول في البيت الأول: إنه ينبغي أن أنجح في أمري حين جعلتك السبب إليه. # ويقول في الثاني: إنا قد وضعنا الشيء في موضعه، وطلبنا الأمر من جهته، ~~حين استعنا بك فيما عرض من الحاجة، وعولنا على فضلك، كما أن من عول على ~~الطبيب فيما يعرض له من السقم، كان قد أصاب بالتعويل موضعه، وطلب الشيء من ~~معدنه. # ثم إن العجب في أن هذا التعريض الذي ذكرت لك، لا يحصل من دون «إنما». فلو ~~قلت: «يتذكر أولو الألباب»، لم يدل ما دل عليه في الآية، وإن كان الكلام لم ~~يتغير في نفسه، وليس إلا أنه ليس فيه «إنما». PageV01P231 # والسبب في ذلك أن هذا التعريض، إنما وقع بأن كان من شأن «إنما» أن تضمن ~~الكلام معنى النفي من بعد الإثبات، والتصريح بامتناع التذكر ممن لا يعقل. ~~وإذا أسقطت من الكلام فقيل: «يتذكر أولو الألباب»، كان مجرد وصف لأولي ~~الألباب بأنهم يتذكرون، ولم يكن فيه معنى نفي للتذكر عمن ليس منهم. ومحال ~~أن يقع تعريض لشيء ليس له في الكلام ذكر، ولا فيه دليل عليه. فالتعريض ms209 بمثل ~~هذا أعني بأن تقول: «يتذكر أولو الألباب» بإسقاط «إنما»، يقع إذن إن وقع، ~~بمدح إنسان بالتيقظ، وبأنه فعل ما فعل، وتنبه لما تنبه له، لعقله ولحسن ~~تمييزه، كما يقال: # «كذلك يفعل العاقل»، و «هكذا يفعل الكريم». # وهذا موضع فيه دقة وغموض، وهو مما لا يكاد يقع في نفس أحد أنه ينبغي أن ~~يتعرف سببه، ويبحث عن حقيقة الأمر فيه. # ومما يجب لك أن تجعله على ذكر منك من معاني «إنما»، ما عرفتك أولا من ~~أنها قد تدخل في الشيء على أن يخيل فيه المتكلم أنه معلوم، ويدعي أنه من ~~الصحة بحيث لا يدفعه دافع، كقوله: [من الخفيف] إنما مصعب شهاب من الله «1» ~~ومن اللطيف في ذلك قول قتب بن حصن: [من الطويل] # ألا أيها الناهي فزارة بعد ما ... أجدت لغزو، إنما أنت حالم «2» # ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن اليهود: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ~~قالوا إنما نحن مصلحون [البقرة: 11]، دخلت «إنما» لتدل على أنهم حين ادعوا ~~لأنفسهم أنهم مصلحون، أظهروا أنهم يدعون من ذلك أمرا ظاهرا معلوما، ولذلك ~~أكد الأمر في تكذيبهم والرد عليه، فجمع بين «ألا» الذي هو للتنبيه، وبين ~~«إن» الذي هو التأكيد، فقيل: ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون [البقرة: ~~12]. PageV01P232 ### | فصل [في الحكاية والنظم والترتيب] # اعلم أنه لا يصلح تقدير الحكاية في «النظم والترتيب»، بل لن تعدو الحكاية ~~الألفاظ وأجراس الحروف، وذاك أن الحاكي هو من يأتي بمثل ما أتى به المحكي ~~عنه، ولا بد من أن تكون حكايته فعلا له، وأن يكون بها عاملا عملا مثل عمل ~~المحكي عنه، نحو أن يصوغ إنسان خاتما فيبدع فيه صنعة، ويأتي في صناعته ~~بخاصة تستغرب، فيعمد واحد فيعمل خاتما على تلك الصورة والهيئة، ويجيء بمثل ~~صنعته فيه، ويؤديها كما هي، فيقال عند ذلك: «إنه قد حكى عمل فلان، وصنعة ~~فلان». # و «النظم والترتيب» في الكلام كما بينا، عمل يعمله مؤلف الكلام في معاني ~~الكلم لا في ألفاظها، وهو بما يصنع في سبيل من يأخذ ms210 الأصباغ المختلفة ~~فيتوخى فيها ترتيبا يحدث عنه ضروب من النقش والوشي. وإذا كان الأمر كذلك، ~~فإنا إن تعدينا بالحكاية الألفاظ إلى النظم والترتيب، أدى ذلك إلى المحال، ~~وهو أن يكون المنشد شعر امرئ القيس، قد عمل في المعاني وترتيبها واستخراج ~~النتائج والفوائد، مثل عمل امرئ القيس، وأن يكون حاله إذا أنشد قوله: [من ~~الطويل] # فقلت له، لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل «1» # حال الصائغ ينظر إلى صورة قد عملها صائغ من ذهب له أو فضة، فيجيء بمثلها ~~من ذهبه وفضته. وذلك يخرج بمرتكب، إن ارتكبه، إلى أن يكون الراوي مستحقا ~~لأن يوصف بأنه: «استعار» و «شبه»، وأن يجعل كالشاعر في كل ما يكون به ~~ناظما، فيقال: إنه جعل هذا فاعلا، وذاك مفعولا، وهذا مبتدأ، وذاك خبرا، ~~وجعل هذا حالا، وذاك صفة، وأن يقال: «نفى كذا» و «أثبت كذا»، و «أبدل كذا ~~من كذا». # و «أضاف كذا إلى كذا»، وعلى هذا السبيل، كما يقال ذاك في الشاعر. وإذا ~~قيل ذلك، لزم منه أن يقال فيه: «صدق، وكذب»، كما قال في المحكي عنه، وكفى ~~بهذا بعدا وإحالة. ويجمع هذا كله، أنه يلزم منه أن يقال: «إنه قال شعرا»، ~~كما يقال فيمن حكى صنعة الصائغ في خاتم قد عمله: «إنه قد صاغ خاتما». ~~PageV01P233 # وجملة الحديث أنا نعلم ضرورة أنه لا يتأتى لنا أن ننظم كلاما من غير روية ~~وفكر، فإن كان راوي الشعر ومنشده يحكي نظم الشاعر على حقيقته، فينبغي أن لا ~~يتأتى له رواية شعره إلا بروية، وإلا بأن ينظر في جميع ما نظر فيه الشاعر ~~من أمر «النظم». وهذا ما لا يبقى معه موضع عذر للشاك. # وهذا، وسبب دخول الشبهة على من دخلت عليه، أنه لما رأى المعاني لا تتجلى ~~للسامع إلا من الألفاظ، وكان لا يوقف على الأمور التي بتوخيها يكون ~~«النظم»، إلا بأن ينظر إلى الألفاظ مرتبة على الأنحاء التي يوجبها ترتيب ~~المعاني في النفس وجرت العادة «1» بأن تكون المعاملة مع الألفاظ فيقال: «قد ~~نظم ألفاظا فأحسن نظمها، ms211 وألف كلما فأجاد تأليفها» جعل الألفاظ الأصل في ~~«النظم»، وجعله يتوخى فيها أنفسها، وترك أن يفكر في الذي بيناه من أن ~~«النظم» هو توخي معاني النحو في معاني الكلم، وأن توخيها في متون الألفاظ ~~محال. فلما جعل هذا في نفسه، ونشب هذا الاعتقاد به، خرج له من ذلك أن ~~الحاكي إذا أدى ألفاظ الشعر على النسق الذي سمعها عليه، كان قد حكى نظم ~~الشاعر كما حكى لفظه. # وهذه شبهة قد ملكت قلوب الناس، وعششت في صدورهم، وتشربتها نفوسهم، حتى ~~إنك لترى كثيرا منهم وهو من حلولها عندهم محل العلم الضروري، بحيث إن أومأت ~~له إلى شيء مما ذكرناه اشمأز لك، وسك «2» سمعه دونك، وأظهر التعجب منك. ~~وتلك جريرة ترك النظر، وأخذ الشيء من غير معدنه، ومن الله التوفيق. ### | فصل [في النظم والترتيب] # اعلم أنا إذا أضفنا الشعر أو غير الشعر من ضروب الكلام إلى قائله، لم تكن ~~إضافتنا له من حيث هو كلم وأوضاع لغة، ولكن من حيث توخي فيها «النظم» الذي ~~بينا أنه عبارة عن توخي معاني النحو في معاني الكلم. وذاك أن من شأن ~~الإضافة الاختصاص، فهي تتناول الشيء من الجهة التي تختص منها بالمضاف إليه. ~~فإذا قلت: «غلام زيد»، تناولت الإضافة «الغلام» من الجهة التي تختص منها ~~بزيد، وهي كونه مملوكا. PageV01P234 # وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي لنا أن ننظر في الجهة التي يختص منها الشعر ~~بقائله. # وإذا نظرنا وجدناه يختص به من جهة توخيه في معاني الكلم التي ألفه منها، ~~ما توخاه من معاني النحو، ورأينا أنفس الكلم بمعزل عن الاختصاص، ورأينا ~~حالها معه حال الإبريسم مع الذي ينسج منه الديباج، وحال الفضة والذهب مع من ~~يصوغ منهما الحلي. فكما لا يشتبه الأمر في أن الديباج لا يختص بناسجه من ~~حيث الإبريسم، والحلي بصائغها من حيث الفضة والذهب، ولكن من جهة العمل ~~والصنعة، كذلك ينبغي أن لا يشتبه أن الشعر لا يختص بقائله من جهة أنفس ~~الكلم وأوضاع اللغة. # وتزداد تبينا لذلك بأن تنظر في القائل إذا ms212 أضفته إلى الشعر فقلت: «امرؤ ~~القيس قائل هذا الشعر»، من أين جعلته قائلا له؟ أمن حيث نطق بالكلم وسمعت ~~ألفاظها من فيه، أم من حيث صنع في معانيها ما صنع، وتوخى فيها ما توخى؟ فإن ~~زعمت أنك جعلته قائلا له من حيث أنه نطق بالكلم وسمعت ألفاظها من فيه على ~~النسق المخصوص، فاجعل راوي الشعر قائلا له، فإنه ينطق بها ويخرجها من فيه ~~على الهيئة والصورة التي نطق بها الشاعر، وذلك ما لا سبيل لك إليه. # فإن قلت: إن الراوي وإن كان قد نطق بألفاظ الشعر على الهيئة والصورة التي ~~نطق بها الشاعر، فإنه هو لم يبتدئ فيها النسق والترتيب، وإنما ذلك شيء ~~ابتدأه الشاعر، فلذلك جعلته القائل له دون الراوي. # قيل لك: خبرنا عنك، أترى أنه يتصور أن يجب لألفاظ الكلم التي تراها في ~~قوله: [من الطويل] قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل «1» هذا الترتيب، من غير أن ~~يتوخى في معانيها ما تعلم أن امرأ القيس توخاه من كون «نبك» جوابا للأمر، ~~وكون «من» معدية له إلى «ذكرى»، وكون «ذكرى» مضافة إلى «حبيب»، وكون «منزل» ~~معطوفا على «حبيب»، أم ذلك محال؟. PageV01P235 # فإن شككت في استحالته لم تكلم. وإن قلت: نعم، هو محال. # قيل لك: فإذا كان محالا أن يجب في الألفاظ ترتيب من غير أن يتوخى في ~~معانيها معاني النحو، كان قولك: «إن الشاعر ابتدأ فيها ترتيبا»، قولا بما ~~لا يتحصل. # وجملة الأمر أنه لا يكون ترتيب في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصفة ~~إن لم يقدم فيه ما قدم، ولم يؤخر ما أخر، وبدئ بالذي ثني به، أو ثني بالذي ~~ثلث به، لم تحصل لك تلك الصورة وتلك الصفة. وإذا كان كذلك، فينبغي أن تنظر ~~إلى الذي يقصد واضع الكلام أن يحصل له من الصورة والصفة: أفي الألفاظ يحصل ~~له ذلك، أم في معاني الألفاظ؟ وليس في الإمكان أن يشك عاقل إذا نظر، أن ليس ~~ذلك في الألفاظ، وإنما الذي يتصور أن يكون مقصودا في الألفاظ ms213 هو «الوزن»، ~~وليس هو من كلامنا في شيء، لأنا نحن فيما لا يكون الكلام كلاما إلا به، ~~وليس للوزن مدخل في ذلك. ### | فصل [في ربط اللفظ بالمعنى] # واعلم أني على طول ما أعدت وأبدأت، وقلت وشرحت، في هذا الذي قام في أوهام ~~الناس من حديث «اللفظ»، لربما ظننت أني لم أصنع شيئا، وذاك أنك ترى الناس ~~كأنه قد قضي عليهم أن يكونوا في هذا الذي نحن بصدده، على التقليد البحت، ~~وعلى التوهم والتخيل، وإطلاق اللفظ من غير معرفة بالمعنى، قد صار ذاك الدأب ~~والديدن، واستحكم الداء منه الاستحكام الشديد. وهذا الذي بيناه وأوضحناه، ~~كأنك ترى أبدا حجازا بينهم وبين أن يعرفوه، وكأنك تسمعهم منه شيئا تلفظه ~~أسماعهم، وتتكرهه نفوسهم، وحتى كأنه كلما كان الأمر أبين، كانوا عن العلم ~~به أبعد، وفي توهم خلافه أقعد، وذاك لأن الاعتقاد الأول قد نشب في قلوبهم، ~~وتأشب «1» فيها، ودخل بعروقه في نواحيها، وصار كالنبات السوء الذي كلما ~~قلعته عاد فنبت. # والذي له صاروا كذلك، أنهم حين رأوهم يفردون «اللفظ» عن «المعنى»، ~~ويجعلون له حسنا على حدة، ورأوهم قد قسموا الشعر فقالوا: «إن منه ما حسن ~~PageV01P236 # لفظه ومعناه، ومنه ما حسن لفظه دون معناه، ومنه ما حسن معناه دون لفظه»، ~~ورأوهم يصفون «اللفظ» بأوصاف لا يصفون بها «المعنى»، ظنوا أن للفظ، من حيث ~~هو لفظ حسنا ومزية ونبلا وشرفا، وأن الأوصاف التي نحلوه إياها هي أوصافه ~~على الصحة، وذهبوا عما قدمنا شرحه من أن لهم في ذلك رأيا وتدبيرا، وهو أن ~~يفصلوا بين المعنى الذي هو الغرض، وبين الصورة التي يخرج فيها، فنسبوا ما ~~كان من الحسن والمزية في صورة المعنى إلى «اللفظ»، ووصفوه في ذلك بأوصاف هي ~~تخبر عن أنفسها أنها ليست له، كقولهم: «إنه حلي المعنى، وإنه كالوشي عليه، ~~وإنه قد كسب المعنى دلا «1» وشكلا «2»، وإنه رشيق أنيق، وإنه متمكن، وإنه ~~على قدر المعنى لا فاضل ولا مقصر»، إلى أشباه ذلك مما لا يشك أنه لا يكون ~~وصفا له من حيث هو لفظ ms214 وصدى صوت، إلا أنهم كأنهم رأوا بسلا «3» حراما أن ~~يكون لهم في ذلك فكر وروية، وأن يميزوا فيه قبيلا من دبير. # ومما الصفة فيه للمعنى، وإن جرى في ظاهر المعاملة على «اللفظ»، إلا أنه ~~يبعد عند الناس كل البعد أن يكون الأمر فيه كذلك، وأن لا يكون من صفة ~~«اللفظ» بالصحة والحقيقة وصفنا اللفظ بأنه «مجاز». # وذاك أن العادة قد جرت بأن يقال في الفرق بين «الحقيقة» و «المجاز»: إن ~~«الحقيقة»، أن يقر اللفظ على أصله في اللغة، و «المجاز»، أن يزال عن موضعه، ~~ويستعمل في غير ما وضع له، فيقال: «أسد» ويراد «شجاع»، و «بحر» ويراد جواد. # وهو وإن كان شيئا قد استحكم في النفوس حتى إنك ترى الخاصة فيه كالعامة، ~~فإن الأمر بعد على خلافه. وذاك أنا إذا حققنا، لم نجد لفظ «أسد» قد استعمل ~~على القطع والبت في غير ما وضع له. ذاك لأنه لم يجعل في معنى «شجاع» على ~~الإطلاق، ولكن جعل الرجل بشجاعته أسدا. فالتجوز في أن ادعيت للرجل أنه في ~~معنى الأسد، وأنه كأنه هو في قوة قلبه وشدة بطشه، وفي أن الخوف لا يخامره، ~~والذعر لا يعرض له. وهذا إن أنت حصلت، تجوز منك في معنى اللفظ لا اللفظ، ~~وإنما يكون اللفظ مزالا بالحقيقة عن موضعه، ومنقولا عما وضع له، أن لو كنت ~~تجد عاقلا يقول: «هو أسد»، وهو لا يضمر في نفسه تشبيها له بالأسد، ولا يريد ~~إلا ما يريده إذا قال: «هو شجاع». وذلك ما لا يشك في بطلانه. PageV01P237 # وليس العجب إلا أنهم لا يذكرون شيئا من «المجاز» إلا قالوا: «إنه أبلغ من ~~الحقيقة». فليت شعري، إن كان لفظ «أسد» قد نقل عما وضع له في اللغة، وأزيل ~~عنه، وجعل يراد به «الشجاع» هكذا غفلا ساذجا، فمن أين يجب أن يكون قولنا: # «أسد»، أبلغ من قولنا «شجاع»؟. # وهكذا الحكم في «الاستعارة»، هي، وإن كانت في ظاهر المعاملة من صفة ~~«اللفظ»، وكنا نقول: «هذه لفظة مستعارة» و «قد استعير له اسم الأسد» ms215 فإن ~~مآل الأمر إلى أن القصد بها إلى المعنى. # يدلك على ذلك أنا نقول: «جعله أسدا» و «جعله بدرا»، و «جعله بحرا»، فلو ~~لم يكن القصد بها إلى المعنى، لم يكن لهذا الكلام وجه، لأن «جعل» لا تصلح ~~إلا حيث يراد إثبات # صفة للشيء، كقولنا: «جعلته أميرا» و «جعلته واحد دهره»، تريد أثبت له ~~ذلك. وحكم «جعل» إذا تعدى إلى مفعولين حكم «صير»، فكما لا تقول: # «صيرته أميرا»، إلا على معنى أنك أثبت له صفة الإمارة، كذلك لا يصح أن ~~تقول: # «جعلته أسدا»، إلا على معنى أنك جعلته في معنى الأسد ولا يقال: «جعلته ~~زيدا»، بمعنى «سميته زيدا»، ولا يقال للرجل: «اجعل ابنك زيدا» بمعنى: «سمه ~~زيدا» و «ولد لفلان ابن فجعله زيدا»، وإنما يدخل الغلط في ذلك على من لا ~~يحصل. # فأما قوله تعالى: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا [الزخرف: # 19]، فإنما جاء على الحقيقة التي وصفتها، وذلك أن المعنى على أنهم أثبتوا ~~للملائكة صفة «الإناث»، واعتقدوا وجودها فيهم. وعن هذا الاعتقاد صدر عنهم ~~ما صدر من الاسم، أعني إطلاق اسم «البنات»، وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظ ~~«الإناث» أو لفظ «البنات» اسما من غير اعتقاد معنى وإثبات صفة. هذا محال لا ~~يقوله له عاقل. أما تسمع قول الله تعالى: أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسئلون [الزخرف: 19]؟ فإن كانوا لم يزيدوا على أن أجروا الاسم على ~~الملائكة ولم يعتقدوا إثبات صفة ومعنى بإجرائه عليهم، فأي معنى لأن يقال: ~~«أشهدوا خلقهم»؟ هذا، ولو كانوا لم يقصدوا إثبات صفة، ولم يزيدوا على أن ~~وضعوا اسما، لما استحقوا إلا اليسير من الذم، ولما كان هذا القول منهم ~~كفرا. والأمر في ذلك أظهر من أن يخفى. # وجملة الأمر أنه إن قيل: «إنه ليس في الدنيا علم قد عرض للناس فيه من فحش ~~الغلط، ومن قبيح التورط، ومن الذهاب مع الظنون الفاسدة ما عرض لهم في هذا # PageV01P238 # الشأن»، ظننت أن لا يخشى على من يقوله الكذب. وهل عجب أعجب من قوم عقلاء ~~يتلون قول ms216 الله تعالى: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [الإسراء: 88] ويؤمنون به، ~~ويدينون بأن القرآن معجز، ثم يصدون بأوجههم عن برهان الإعجاز ودليله، ~~ويسلكون غير سبيله؟ ولقد جنوا، لو دروا ذاك، عظيما. ### | [فصل: غلط الناس في معنى الحقيقة والمجاز.] # واعلم أنه وإن كانت الصورة في الذي أعدنا وأبدأنا فيه من أنه لا معنى ~~للنظم غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم، قد بلغت في الوضوح والظهور ~~والانكشاف إلى أقصى الغاية، وإلى أن تكون الزيادة عليه كالتكلف لما لا ~~يحتاج إليه، فإن النفس تنازع إلى تتبع كل ضرب من الشبهة يرى أنه يعرض ~~للمسلم نفسه عند اعتراض الشك. # وإنا لنرى أن في الناس من إذا رأى أنه يجري في القياس وضرب المثل أن تشبه ~~الكلم في ضم بعضها إلى بعض، بضم غزل الإبريسم بعضه إلى بعض، ورأى أن الذي ~~ينسج الديباج ويعمل النقش والوشي لا يصنع بالإبريسم الذي ينسج منه، شيئا ~~غير أن يضم بعضه إلى بعض، ويتخير للأصباغ المختلفة المواقع التي يعلم أنه ~~إذا أوقعها فيها حدث له في نسجه ما يريد من النقش والصورة جرى «1» في ظنه ~~أن حال الكلم في ضم بعضها إلى بعض، وفي تخير المواقع لها، حال خيوط ~~الإبريسم سواء، ورأيت كلامه كلام من لا يعلم أنه لا يكون الضم فيها ضما، ~~ولا الموقع موقعا، حتى يكون قد توخي فيها معاني النحو، وأنك إن عمدت إلى ~~ألفاظ فجعلت تتبع بعضها بعضا من غير أن تتوخى فيها معاني النحو، لم تكن ~~صنعت شيئا تدعى به مؤلفا، وتشبه معه بمن عمل نسجا أو صنع على الجملة صنيعا، ~~ولم يتصور أن تكون قد تخيرت لها المواقع. # وفساد هذا وشبهه من الظن، وإن كان معلوما ظاهرا، فإن هاهنا استدلالا ~~لطيفا تكثر بسببه الفائدة، وهو أنه يتصور أن يعمد عامد إلى نظم كلام بعينه ~~فيزيله عن الصورة التي أرادها الناظم له ويفسدها عليه، من غير أن يحول منه ~~لفظا ms217 عن موضعه، أو يبدله بغيره، أو يغير شيئا من ظاهر أمره على حال. ~~PageV01P239 # مثال ذلك: أنك إن قدرت في بيت أبي تمام: [من الطويل] # لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل «1» # أن «لعاب الأفاعي» مبتدأ و «لعابه» خبر، كما يوهمه الظاهر، أفسدت عليه ~~كلامه، وأبطلت الصورة التي أرادها فيه. وذلك أن الغرض أن يشبه مداد قلمه ~~بلعاب الأفاعي، على معنى أنه إذا كتب في إقامة السياسات أتلف به النفوس، ~~وكذلك الغرض أن يشبه مداده بأري الجنى، على معنى أنه إذا كتب في العطايا ~~والصلات أوصل به إلى النفوس ما تحلو مذاقته عندها، وأدخل السرور واللذة ~~عليها. وهذا المعنى إنما يكون إذا كان «لعابه» مبتدأ، و «لعاب الأفاعي» ~~خبرا. فأما تقديرك أن يكون «لعاب الأفاعي» مبتدأ و «لعابه»، خبرا فيبطل ذلك ~~ويمنع منه البتة، ويخرج بالكلام إلى ما لا يجوز أن يكون مرادا في مثل غرض ~~أبي تمام، وهو أن يكون أراد أن يشبه «لعاب الأفاعي» بالمداد، ويشبه كذلك ~~«الأري» به. # فلو كان حال الكلم في ضم بعضها إلى بعض كحال غزل الإبريسم، لكان ينبغي أن ~~لا تتغير الصورة الحاصلة من نظم كلم، حتى تزال عن مواقعها كما لا تتغير ~~الصورة الحادثة عن ضم غزل الإبريسم بعضه إلى بعض، حتى تزال الخيوط عن ~~مواضعها. # واعلم أنه لا يجوز أن يكون سبيل قوله: «لعاب الأفاعي القاتلات لعابه»، ~~سبيل قولهم: «عتابك السيف». وذلك أن المعنى في بيت أبي تمام على أنك مشبه ~~شيئا بشيء، وجامع بينهما في وصف، وليس المعنى في «عتابك السيف»، على أنك ~~تشبه عتابه بالسيف، ولكن على أن تزعم أنه يجعل «السيف» بدلا من «العتاب». # أفلا ترى أنه يصح أن تقول: «مداد قلمه قاتل كسم الأفاعي»، ولا يصح أن ~~تقول: # «عتابك كالسيف»، اللهم إلا أن تخرج إلى باب آخر، وشيء ليس هو غرضهم بهذا ~~الكلام، فتريد أنه قد عاتب عتابا خشنا مؤلما. ثم إنك إن قلت: «السيف ~~عتابك»، خرجت به إلى معنى ثالث، وهو أن تزعم أن عتابه ms218 قد بلغ في إيلامه ~~وشدة تأثيره مبلغا صار له السيف كأنه ليس بسيف. PageV01P240 # واعلم أنه إن نظر ناظر في شأن المعاني والألفاظ إلى حال السامع، فإذا رأى ~~المعاني تقع في نفسه من بعد وقوع الألفاظ في سمعه، ظن لذلك أن المعاني تبع ~~للألفاظ في ترتيبها. فإن هذا الذي بيناه يريه فساد هذا الظن. وذلك أنه لو ~~كانت المعاني تكون تبعا للألفاظ في ترتيبها، لكان محالا أن تتغير المعاني ~~والألفاظ بحالها لم تزل عن ترتيبها. فلما رأينا المعاني قد جاز فيها التغير ~~من غير أن تتغير الألفاظ وتزول عن إمكانها، علمنا أن الألفاظ هي التابعة، ~~والمعاني هي المتبوعة. # واعلم أنه ليس من كلام يعمد واضعه فيه إلى معرفتين فيجعلهما مبتدأ وخبرا، ~~ثم يقدم الذي هو الخبر، إلا أشكل الأمر عليك فيه، فلم تعلم أن المقدم خبر، ~~حتى ترجع إلى المعنى وتحسن التدبر. # أنشد الشيخ أبو علي في «التذكرة» «1»: [من الخفيف] نم وإن لم أنم كراي ~~كراكا «2» ثم قال: «ينبغي أن يكون «كراي» خبرا مقدما، ويكون الأصل: «كراك ~~كراي»، أي نم، وإن لم أنم فنومك نومي، كما تقول: «قم، وإن جلست، فقيامك ~~قيامي، هذا هو عرف الاستعمال في نحوه» ثم قال: «وإذا كان كذلك، فقد قدم ~~الخبر وهو معرفة، وهو ينوي به التأخير من حيث كان خبرا» قال: «فهو كبيت ~~الحماسة: # [من الطويل] # بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد # فقدم خبر المبتدأ وهو معرفة، وإنما دل على أنه ينوي التأخير المعنى، ~~ولولا ذلك لكانت المعرفة، إذا قدمت، هي المبتدأ لتقدمها، فافهم ذلك». هذا ~~كله لفظه. # واعلم أن الفائدة تعظم في هذا الضرب من الكلام، إذا أنت أحسنت النظر فيما ~~ذكرت لك، من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه عن صورة إلى صورة، من غير ~~PageV01P241 # أن تغير من لفظه شيئا، أو تحول كلمة عن مكانها إلى مكان آخر، وهو الذي ~~وسع مجال التأويل والتفسير، حتى صاروا يتأولون في الكلام الواحد تأويلين أو ~~أكثر، ويفسرون البيت الواحد عدة تفاسير. وهو، على ms219 ذاك، الطريق المزلة الذي ~~ورط كثيرا من الناس في الهلكة، وهو مما يعلم به العاقل شدة الحاجة إلى هذا ~~العلم، ويكشف معه عوار الجاهل به، ويفتضح عنده المظهر الغنى عنه. ذاك لأنه ~~قد يدفع إلى الشيء لا يصح إلا بتقدير غير ما يريه الظاهر، ثم لا يكون له ~~سبيل إلى معرفة ذلك التقدير إذا كان جاهلا بهذا العلم، فيتسكع عند ذلك في ~~العمى، ويقع في الضلال. # مثال ذلك أن من نظر إلى قوله تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ~~ما تدعوا فله الأسماء الحسنى [الإسراء: 110]، ثم لم يعلم أن ليس المعنى في ~~«ادعوا» الدعاء، ولكن الذكر بالاسم، كقولك: «هو يدعى زيدا» و «يدعى ~~الأمير»، وأن في الكلام محذوفا، وأن التقدير: قل ادعوه الله، أو ادعوه ~~الرحمن، أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى كان بعرض أن يقع في الشرك، من حيث ~~أنه إن جرى في خاطره أن الكلام على ظاهره، خرج ذلك به، والعياذ بالله ~~تعالى، إلى إثبات مدعوين، تعالى الله عن أن يكون له شريك. وذلك من حيث كان ~~محالا أن تعمد إلى اسمين كلاهما اسم شيء واحد، فتعطف أحدهم على الآخر، ~~فتقول مثلا: «ادع لي زيدا أو الأمير»، و «الأمير» هو زيد. وكذلك محال أن ~~تقول: «أيا ما تدعوا» وليس هناك إلا مدعو واحد، لأن من شأن «أي» أن تكون ~~أبدا واحدا من اثنين أو جماعة، ومن ثم لم يكن له بد من الإضافة، إما لفظا ~~وإما تقديرا. # وهذا باب واسع. ومن المشكل فيه قراءة من قرأ: وقالت اليهود عزير ابن الله ~~[التوبة: 30]، بغير تنوين. وذلك أنهم قد حملوها على وجهين: # أحدهما: أن يكون القارئ له أراد التنوين ثم حذفه لالتقاء الساكنين، ولم ~~يحركه، كقراءة من قرأ: قل هو الله أحد. الله الصمد [الإخلاص: 1 - 2]، بترك ~~التنوين من «أحد»، وكما حكي عن عمارة بن عقيل أنه قرأ: ولا الليل سابق ~~النهار [يس: 40]، بالنصب، فقيل له: ما تريد؟ فقال: أريد سابق النهار. قيل: # فهلا قلته؟ فقال: فلو قلته ms220 لكان أوزن وكما جاء في الشعر من قوله: [من ~~المتقارب] # فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا «1» PageV01P242 # إلى نظائر ذلك، فيكون المعنى في هذه القراءة مثله في القراءة الأخرى، ~~سواء. # والوجه الثاني: أن يكون الابن صفة، ويكون التنوين قد سقط على حد سقوطه في ~~قولنا: «جاءني زيد بن عمرو»، ويكون في الكلام محذوف. ثم اختلفوا في ~~المحذوف، فمنهم من جعله مبتدأ فقدر: «وقالت اليهود هو عزيز بن الله» ومنهم ~~من جعله خبرا فقدر؟ «وقالت اليهود عزيز بن الله معبودنا». # وفي هذا أمر عظيم، وذلك أنك إذا حكيت عن قائل كلاما أنت تريد أن تكذبه ~~فيه، فإن التكذيب ينصرف إلى ما كان فيه خبرا، دون ما كان صفة. # تفسير هذا: أنك إذا حكيت عن إنسان أنه قال: «زيد بن عمرو سيد»، ثم كذبته ~~فيه، لم تكن قد أنكرت بذلك أن يكون زيد بن عمرو، ولكن أن يكون سيدا. # وكذلك إذا قال: «زيد الفقيه قد قدم»، فقلت له: «كذبت» أو «غلطت». لم تكن ~~قد أنكرت أن يكون زيد فقيها، ولكن أن يكون قد قدم. هذا ما لا شبهة فيه، ~~وذلك أنك إذا كذبت قائلا في كلام أو صدقته، فإنما ينصرف التكذيب منك ~~والتصديق إلى إثباته ونفيه، والإثبات والنفي يتناولان الخبر دون الصفة. ~~يدلك على ذلك أنك تجد الصفة ثابتة في حال النفي، كثبوتها في حال الإثبات. ~~فإذا قلت: «ما جاءني زيد الظريف»، كان «الظرف» ثابتا لزيد كثبوته إذا قلت: ~~«جاءني زيد الظريف» وذلك أن ليس ثبوت الصفة للذي هي صفة له، بالمتكلم ~~وبإثباته لها فتنتفي بنفيه، وإنما ثبوتها بنفسها، وبتقرر الوجود فيها عند ~~المخاطب، مثله عند المتكلم، لأنه إذا وقعت الحاجة في العلم إلى الصفة، كان ~~الاحتياج إليها من أجل خيفة اللبس على المخاطب. # تفسير ذلك: أنك إذا قلت: «جاءني زيد الظريف»، فإنك إنما تحتاج إلى أن ~~تصفه بالظريف، إذا كان فيمن يجيء إليك واحد آخر يسمى «زيدا»، فأنت تخشى إن ~~قلت: «جاءني زيد» ولم تقل «الظريف»، أن يلتبس على المخاطب ms221 فلا يدري أهذا ~~عنيت أم ذاك؟ وإذا كان الغرض من ذكر الصفة إزالة اللبس والتبيين، كان محالا ~~أن تكون غير معلومة عند المخاطب، وغير ثابتة، لأنه يؤدي إلى أن تروم تبيين ~~الشيء للمخاطب بوصف هو لا يعلمه في ذلك الشيء. وذلك ما لا غاية وراءه في ~~الفساد. # وإذا كان الأمر كذلك، كان جعل «الابن» صفة في الآية، مؤديا إلى الأمر ~~العظيم، # PageV01P243 # وهو إخراجه عن موضع النفي والإنكار، إلى موضع الثبوت والاستقرار، جل الله ~~وتعالى عن شبه المخلوقين، وعن جميع ما يقول الظالمون، علوا كبيرا. # فإن قيل: إن هذه قراءة معروفة، والقول بجواز الوصفية في «الابن» كذلك ~~معروف ومدون في الكتب، وذلك يقتضي أن يكونوا قد عرفوا في الآية تأويلا يدخل ~~به «الابن» في الإنكار مع تقدير الوصفية فيه. # قيل: إن القراءة كما ذكرت معروفة، والقول بجواز أن يكون «الابن» صفة مثبت ~~مسطور في الكتب كما قلت، ولكن الأصل الذي قدمناه من أن الإنكار إذا لحق لحق ~~الخبر دون الصفة ليس بالشيء الذي يعترض فيه شك أو تتسلط عليه شبهة. فليس ~~يتجه أن يكون «الابن» صفة ثم يلحقه الإنكار مع ذلك، إلا على تأويل غامض، ~~وهو أن يقال: إن الغرض الدلالة على أن اليهود قد كان بلغ من جهلهم ورسوخهم ~~في هذا الشرك، أنهم كانوا يذكرون «عزيرا» هذا الذكر، كما تقول في قوم تريد ~~أن تصفهم بأنهم قد استهلكوا في أمر صاحبهم وغلوا في تعظيمه: «إني أراهم قد ~~اعتقدوا أمرا عظيما، فهم يقولون أبدا: زيد الأمير»، تريد أنه كذلك يكون ~~ذكرهم إذا ذكروه، إلا أنه إنما يستقيم هذا التأويل فيه، إذا أنت لم تقدر له ~~خبرا معينا، ولكن تريد أنهم كانوا لا يخبرون عنه بخبر إلا كان ذكرهم له ~~هكذا. # ومما هو من هذا الذي نحن فيه قوله تعالى: ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا ~~لكم [النساء: 171]. وذلك أنهم قد ذهبوا في رفع «ثلاثة» إلى أنها خبر مبتدأ ~~محذوف، وقالوا: إن التقدير: «ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة». وليس ذلك بمستقيم. # وذلك أنا إذا ms222 قلنا: «ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة»، كان ذلك، والعياذ بالله، ~~شبه الإثبات أن هاهنا آلهة، من حيث أنك إذا نفيت، فإنما تنفي المعنى ~~المستفاد من الخبر عن المبتدأ، ولا تنفي معنى المبتدأ، فإذا قلت: «ما زيد ~~منطلقا»، كنت نفيت الانطلاق الذي هو معنى الخبر عن زيد، ولم تنف معنى زيد ~~ولم توجب عدمه. وإذا كان ذلك كذلك، فإذا قلنا: «ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة»، ~~كنا قد نفينا أن تكون عدة الآلهة ثلاثة، ولم ننف أن تكون آلهة، جل الله ~~تعالى عن الشريك والنظير كما أنك إذا قلت: # «ليس أمراؤنا ثلاثة»، كنت قد نفيت أن تكون عدة الأمراء ثلاثة، ولم تنف أن ~~يكون لكم أمراء. هذا ما لا شبهة فيه. وإذا أدى هذا التقدير إلى هذا الفساد، ~~وجب أن يعدل عنه إلى غيره. # والوجه، والله أعلم، أن تكون «ثلاثة» صفة مبتدأ لا خبر مبتدأ، ويكون # PageV01P244 # التقدير: «ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة- أو: في الوجود آلهة ثلاثة»، ثم حذف ~~الخبر الذي هو «لنا» أو «في الوجود» كما حذف من: «لا إله إلا الله» وما من ~~إله إلا الله [آل عمران: 62]، فبقي «ولا تقول آلهة ثلاثة»، ثم حذف الموصوف ~~الذي هو «آلهة»، فبقي: «ولا تقولوا ثلاثة». وليس في حذف ما قدرنا حذفه ما ~~يتوقف في صحته. أما حذف الخبر الذي قلنا أنه «لنا» أو «في الوجود»، فمطرد ~~في كل ما معناه التوحيد، ونفي أن يكون مع الله، تعالى عن ذلك، إله. # وأما حذف الموصوف بالعدد، فكذلك شائع، وذلك أنه كما يسوغ أن تقول: # «عندي ثلاثة»، وأنت تريد «ثلاثة أثواب»، ثم تحذف، لعلمك أن السامع يعلم ~~ما تريد، كذلك يسوغ أن تقول: «عندي ثلاثة»، وأنت تريد «أثواب ثلاثة، لأنه ~~لا فصل بين أن تجعل المقصود بالعدد مميزا، وبين أن تجعله موصوفا بالعدد، في ~~أنه يحسن حذفه إذا علم المراد. # يبين ذلك أنك ترى المقصود بالعدد قد ترك ذكره، ثم لا تستطيع أن تقدره إلا ~~موصوفا، وذلك في قولك: «عندي اثنان»، و «عندي واحد»، يكون المحذوف هاهنا ~~موصوفا ms223 لا محالة، نحو: «عندي رجلان اثنان» و «عندي درهم واحد»، ولا يكون ~~مميزا البتة، من حيث كانوا قد رفضوا إضافة «الواحد» و «الاثنين» إلى الجنس، ~~فتركوا أن يقولوا: «واحد رجال» و «اثنا رجال» على حد «ثلاثة رجال»، ولذلك ~~كان قول الشاعر: [من الرجز] ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل «1» شاذا. هذا، ولا ~~يمتنع أن يجعل المحذوف من الآية في موضع التمييز دون موضع الموصوف، فيجعل ~~التقدير: «ولا تقولوا ثلاثة آلهة»، ثم يكون الحكم في الخبر على ما مضى، ~~ويكون المعنى، والله أعلم، «ولا تقولوا لنا ثلاثة آلهة، أو في الوجود ثلاثة ~~آلهة». # فإن قلت: فلم صار لا يلزم على هذا التقدير ما لزم على قول من قدر: «ولا ~~تقولوا آلهتنا ثلاثة»؟. # فذاك لأنا إذا جعلنا التقدير: «ولا تقولوا لنا، أو: في الوجود، آلهة ~~ثلاثة، أو PageV01P245 # ثلاثة آلهة»، كنا قد نفينا الوجود عن الآلهة، كما نفيناه في «لا إله إلا ~~الله»، وما من إله إلا الله [آل عمران: 62] وإذا زعموا أن التقدير «ولا ~~تقولوا آلهتنا ثلاثة»، كانوا قد نفوا أن تكون عدة الآلهة ثلاثة، ولم ينفوا ~~وجود الآلهة. # فإن قيل: فإنه يلزم على تقديرك الفساد من وجه آخر، وذاك أنه يجوز إذا ~~قلت: # «ليس لنا أمراء ثلاثة»، أن يكون المعنى: ليس لنا أمراء ثلاثة، ولكن لنا ~~أميران اثنان. # وإذا كان كذلك: كان تقديرك وتقديرهم جميعا خطأ. # قيل: إن هاهنا أمرا قد أغفلته، وهو أن قولهم «آلهتنا»، يوجب ثبوت آلهة، ~~جل الله وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وقولنا: «ليس لنا آلهة ~~ثلاثة»، لا يوجب ثبوت اثنين البتة. # فإن قلت: إن كان لا يوجبه، فإنه لا ينفيه. # قيل: ينفيه ما بعده من قوله تعالى: إنما الله إله واحد [النساء: 171]. # فإن قيل: فإنه كما ينفي الإلهين، كذلك ينفي الآلهة. وإذا كان كذلك، وجب ~~أن يكون تقديرهم صحيحا كتقديرك. # قيل: هو كما قلت ينفي الآلهة، ولكنهم إذا زعموا أن التقدير: «ولا تقولوا ~~آلهتنا ثلاثة»، وكان ذلك- والعياذ بالله من الشرك- يقتضي إثبات آلهة، كانوا ~~قد دفعوا هذا ms224 النفي وخالفوه وأخرجوه إلى المناقضة. فإذا كان كذلك، كان ~~محالا أن يكون للصحة سبيل إلى ما قالوه. وليس كذلك الحال فيما قدرناه، ~~لأننا لم نقدر شيئا يقتضي إثبات إليهن، تعالى الله، حتى يكون حالنا حال من ~~يدفع ما يوجبه هذا الكلام من نفيهما. # يبين لك ذلك: أنه يصح لنا أن نتبع ما قدرناه نفي الاثنين، ولا يصح لهم. # تفسير ذلك: أنه يصح أن تقول: «ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان»، لأن ~~ذلك يجري مجرى أن تقول: «ليس لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان»، وهذا صحيح ولا يصح ~~لهم أن يقولوا: «ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ولا إلهان»، لأن ذلك يجري مجرى أن ~~يقولوا: # «ولا تقولوا آلهتنا إلهان». وذلك فاسد، فاعرفه وأحسن تأمله. # ثم إن هاهنا طريقا آخر، وهو أن تقدر: «ولا تقولوا الله والمسيح وأمه ~~ثلاثة»، أي نعبدهما كما نعبد الله. # PageV01P246 # يبين ذلك قوله تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة [المائدة: # 73] وقد استقر في العرف أنهم إذا أرادوا إلحاق اثنين بواحد في وصف من ~~الأوصاف، وأن يجعلوهما شبيهين له، قالوا: «هم ثلاثة»، كما يقولون إذا ~~أرادوا إلحاق واحد بآخر وجعله في معناه: «هما اثنان»، وعلى هذا السبيل ~~كأنهم يقولون: # «هم يعدون معدا واحدا»، ويوجب لهم التساوي والتشارك في الصفة والرتبة، ~~وما شاكل ذلك. # واعلم أنه لا معنى لأن يقال: إن القول حكاية، وأنه إذا كان حكاية لم يلزم ~~منه إثبات الآلهة، لأنه يجري مجرى أن تقول: «إن من دين الكفار أن يقولوا: ~~الآلهة ثلاثة»، وذلك لأن الخطاب في الآية للنصارى أنفسهم. ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا ~~بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم [النساء: 171]. وإذا كان ~~الخطاب للنصارى، كان تقدير الحكاية محالا، «فلا تقولوا» إذن في معنى: «لا ~~تعتقدوا»، وإذا كان في معنى الاعتقاد، لزم إذا قدر «ولا تقولوا آلهتنا ms225 ~~ثلاثة»، ما قلنا إنه يلزم من إثبات الآلهة. وذلك لأن الاعتقاد يتعلق بالخبر ~~لا # بالمخبر عنه. فإذا قلت: «لا تعتقد أن الأمراء ثلاثة»، كنت نهيته عن أن ~~يعتقد كون الأمراء على هذه العدة، لا عن أن يعتقد أن هاهنا أمراء. هذا ما ~~لا يشك فيه عاقل. وإنما يكون النهي عن ذلك إذا قلت: «لا تعتقد أن هاهنا ~~أمراء»، لأنك حينئذ تصير كأنك قلت: لا تعتقد وجود أمراء. # هذا، ولو كان الخطاب مع المؤمنين، لكان تقدير الحكاية لا يصح أيضا. ذاك ~~لأنه لا يجوز أن يقال: «إن المؤمنين نهوا عن أن يحكوا عن النصارى مقالتهم، ~~ويخبروا عنهم بأنهم يقولون كيت وكيت»، كيف؟ وقد قال الله تعالى: وقالت ~~اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله [التوبة: 30]؟ ومن أين ~~يصح النهي عن حكاية قول المبطل، وفي ترك حكايته ترك له وكفره، وامتناع من ~~النعي عليه، والإنكار لقوله، والاحتجاج عليه، وإقامة الدليل على بطلانه، ~~لأنه لا سبيل إلى شيء من ذلك إلا من بعد حكاية القول والإفصاح به، فاعرفه. # PageV01P247 # [تنبيه] # بسم الله الرحمن الرحيم قد أردنا أن نستأنف تقريرا نزيد به الناس تبصيرا ~~أنهم في عمياء من أمرهم حتى يسلكوا المسلك الذي سلكناه، يفرغوا خواطرهم ~~لتأمل ما استخرجناه، وأنهم- ما لم يأخذوا أنفسهم بذلك، ولم يجردوا عناياتهم ~~له- في غرور، كمن يعد نفسه الري من السراب اللامع، ويخادعها بأكاذيب ~~المطامع. # يقال لهم: إنكم تتلون قول الله تعالى: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله [الإسراء: 88]، وقوله عز وجل: قل ~~فأتوا بعشر سور مثله [هود: 13]، وقوله: بسورة من مثله [البقرة: 23]، فقولوا ~~الآن: أيجوز أن يكون تعالى قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتحدى العرب ~~إلى أن يعارضوا القرآن بمثله، من غير أن يكونوا قد عرفوا الوصف الذي إذا ~~أتوا بكلام على ذلك الوصف، كانوا قد أتوا بمثله؟. # ولا بد من «لا»، لأنهم إن قالوا: «يجوز»، أبطلوا التحدي، من حيث أن ~~التحدي، كما لا يخفى، مطالبة بأن ms226 يأتوا بكلام على وصف، ولا تصح المطالبة ~~بالإتيان به على وصف من غير أن يكون ذلك الوصف معلوما للمطالب، ويبطل بذلك ~~دعوى الإعجاز أيضا. وذلك لأنه لا يتصور أن يقال: «إنه كان عجز، حتى يثبت ~~معجوز عنه معلوم. فلا يقوم في عقل عاقل أن يقول لخصم له: «قد أعجزك أن تفعل ~~مثل فعلي»، وهو لا يشير له إلى وصف يعلمه في فعله، ويراه قد وقع عليه. أفلا ~~ترى أنه لو قال رجل لآخر: «إني قد أحدثت في خاتم عملته صنعة أنت لا تستطيع ~~مثلها»، لم تتجه له عليه حجة، ولم يثبت به أنه قد أتى بما يعجزه، إلا من ~~بعد أن يريه الخاتم، ويشير له إلى ما زعم أنه أبدعه فيه من الصنعة، لأنه لا ~~يصح وصف الإنسان بأنه قد عجز عن شيء، حتى يريد ذلك الشيء ويقصد إليه، ثم لا ~~يتأتى له. وليس يتصور أن يقصد إلى شيء لا يعلمه، وأن تكون منه إرادة لأمر ~~لم يعلمه في جملة ولا تفصيل. # ثم إن هذا الوصف ينبغي أن يكون وصفا قد تجدد بالقرآن، وأمرا لم يوجد في ~~غيره، ولم يعرف قبل نزوله. وإذا كان كذلك، فقد وجب أن يعلم أنه لا يجوز أن ~~يكون في «الكلم المفردة»، لأن تقدير كونه فيها يؤدي إلى المحال، وهو أن ~~تكون # PageV01P248 # الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة، قد حدث في مذاقة حروفها وأصدائها ~~أوصاف لم تكن، لتكون تلك الأوصاف فيها قبل نزول القرآن، وتكون قد اختصت في ~~أنفسها بهيئات وصفات يسمعها السامعون عليها إذا كانت متلوة في القرآن، لا ~~يجدون لها تلك الهيئات والصفات خارج القرآن. # ولا يجوز أن تكون في «معاني الكلم المفردة»، التي هي لها بوضع اللغة، ~~لأنه يؤدي إلى أن يكون قد تجدد في معنى «الحمد» و «الرب»، ومعنى «العالمين» ~~و «الملك» و «اليوم» و «الدين»، وهكذا، وصف لم يكن قبل نزول القرآن. وهذا ~~ما لو كان هاهنا شيء أبعد من المحال وأشنع لكان إياه. # ولا يجوز أن يكون هذا الوصف ms227 في «ترتيب الحركات والسكنات»، حتى كأنهم ~~تحدوا إلى أن يأتوا بكلام تكون كلماته على تواليه في زنة كلمات القرآن، ~~وحتى كأن الذي بان به القرآن من الوصف في سبيل بينونة بحور الشعر بعضها من ~~بعض، لأنه يخرج إلى ما تعاطاه مسيلمة من الحماقة في: «إنا أعطيناك الجماهر، ~~فصل لربك وجاهر»، «والطاحنات طحنا». # وكذلك الحكم إن زعم زاعم «أن الوصف الذي تحدوا إليه هو أن يأتوا بكلام ~~يجعلون له مقاطع، وفواصل، كالذي تراه في القرآن»، لأنه أيضا ليس بأكثر من ~~التعويل على مراعاة وزن. وإنما الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر، وقد ~~علمنا اقتدارهم على القوافي كيف هو، فلو لم يكن التحدي إلا إلى فصول من ~~الكلام يكون لها أواخر أشباه القوافي، لم يعوزهم ذلك، ولم يتعذر عليهم. وقد ~~خيل إلى بعضهم- إن كان الحكاية صحيحة- شيء من هذا، حتى وضع على ما زعموا ~~فصول كلام أواخرها كأواخر الآي، مثل «يعلمون» و «يؤمنون» وأشباه ذلك. # ولا يجوز أن يكون الإعجاز بأن لم يلتق في حروفه ما يثقل على اللسان. # وجملة الأمر أنه لن يعرض هذا وشبهه من الظنون لمن يعرض له إلا من سوء ~~المعرفة بهذا الشأن، أو للخذلان، أو لشهوة الإغراب في القول. ومن هذا الذي ~~يرضى من نفسه أن يزعم أن البرهان الذي بان لهم، والأمر الذي بهرهم، والهيبة ~~التي ملأت صدورهم، والروعة التي دخلت عليهم فأزعجتهم حتى قالوا: إن له ~~لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمعذق، وإن أعلاه لمثمر» «1»، إنما كان ~~لشيء راعهم من مواقع PageV01P249 # حركاته، ومن ترتيب بينها وبين سكناته؟ أم لفواصل في أواخر آياته؟ من أين ~~تليق هذه الصفة وهذا التشبيه بذلك؟. # أم ترى أن ابن مسعود حين قال في صفة القرآن: «لا يتفه ولا يتشان» «1»، ~~وقال: «إذا وقعت في آل حم، وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن» «2»، أي أتتبع ~~محاسنهن، قال ذلك من أجل أوزان الكلمات، ومن أجل الفواصل في أواخر الآيات؟. # أم ترى أنهم لذلك قالوا: «لا تفنى عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد». # أم ms228 ترى الجاحظ حين قال في كتاب النبوة: «ولو أن رجلا قرأ على رجل من ~~خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة، لتبين له في نظامها ومخرجها، من لفظها ~~وطابعها أنه عاجز عن مثلها، لو تحدي بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها»، لغا ~~ولغط فليس كلامه «3» هذا مما ذهبوا إليه في شيء. # وينبغي أن تكون موازنتهم بين بعض الآي وبين ما قاله الناس في معناها، ~~كموازنتهم بين: ولكم في القصاص حياة [البقرة: 179]، وبين: «قتل البعض إحياء ~~للجميع»، خطأ منهم، لأنا لا نعلم لحديث التحريك والتسكين وحديث الفاصلة ~~مذهبا في هذه الموازنة، ولا نعلمهم أرادوا غير ما يريده الناس إذا وازنوا ~~بين كلام وكلام في الفصاحة والبلاغة ودقة النظم وزيادة الفائدة، ولولا أن ~~الشيطان قد استحوذ على كثير من الناس في هذا الشأن، وأنهم بترك النظر، ~~وإهمال التدبر وضعف النية، وقصر الهمة، قد طرقوا له حتى جعل يلقي في نفوسهم ~~كل محال وكل باطل، وجعلوا هم يعطون الذي يلقيه حظا من قبولهم، ويبوءونه ~~مكانا من قلوبهم، لما بلغ من قدر هذه الأقوال الفاسدة أن تدخل في تصنيف، ~~ويعاد ويبدأ في تبيين لوجه الفساد فيها وتعريف. # ثم إن هذه الشناعات التي تقدم ذكرها، تلزم أصحاب «الصرفة» «4» أيضا، وذاك ~~PageV01P250 # أنه لو لم يكن عجزهم عن معارضة القرآن وعن أن يأتوا بمثله، لأنه معجز في ~~نفسه، لكن لأن أدخل عليهم العجز عنه، وصرفت هممهم وخواطرهم عن تأليف كلام ~~مثله، وكان حالهم على الجملة حال من أعدم العلم بشيء قد كان يعلمه، وحيل ~~بينه وبين أمر قد كان يتسع له، لكان ينبغي أن لا يتعاظمهم، ولا يكون منهم ~~ما يدل على إكبارهم أمره، وتعجبهم منه، وعلى أنه قد بهرهم، وعظم كل العظم ~~عندهم، بل كان ينبغي أن يكون الإكبار منهم والتعجب للذي دخل من العجز ~~عليهم، ورأوه من تغير حالهم، ومن أن حيل بينهم وبين شيء قد كان عليهم سهلا، ~~وأن سد دونه باب كان لهم مفتوحا، أرأيت لو أن نبيا قال لقومه: «إن آيتي أن ~~أضع يدي على ms229 رأسي هذه الساعة، وتمنعون كلكم من أن تستطيعوا وضع أيديكم على ~~رءوسكم»، وكان الأمر كما قال، مم يكون تعجب القوم، أمن وضعه يده على رأسه، ~~أم من عجزهم أن يضعوا أيديهم على رءوسهم؟. # ونعود إلى النسق فنقول: فإذا بطل أن يكون الوصف الذي أعجزهم من القرآن في ~~شيء مما عددناه، لم يبق إلا أن يكون في «النظم»، لأنه ليس من بعد ما أبطلنا ~~أن يكون فيه إلا «النظم» و «الاستعارة»، ولا يمكن أن تجعل «الاستعارة» ~~الأصل في الإعجاز وأن يقصر عليها، لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون الإعجاز في آي ~~معدودة في مواضع من السور الطوال مخصوصة، وإذا امتنع ذلك فيها، ثبت أن ~~«النظم»، مكانه الذي ينبغي أن يكون فيه. وإذا ثبت أنه في «النظم»، و ~~«التأليف»، وكنا قد علمنا أن ليس «النظم» شيئا غير توخي معاني النحو ~~وأحكامه فيما بين الكلم، وأنا إن بقينا الدهر نجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم ~~المفردة سلكا ينظمها، وجامعا يجمع شملها ويؤلفها، ويجعل بعضها بسبب من بعض، ~~غير توخي معاني النحو وأحكامه فيها، طلبنا ما كل محال دونه، فقد بان وظهر ~~أن المتعاطي القول في «النظم»، والزاعم أنه يحاول بيان المزية فيه، وهو لا ~~يعرض فيما يعيده ويبديه للقوانين والأصول التي قدمنا ذكرها، ولا يسلك إليه ~~المسالك التي نهجناها، في عمياء من أمره، وفي غرور من نفسه، وفي خداع من ~~الأماني والأضاليل. ذاك لأنه إذا كان لا يكون «النظم» شيئا غير توخي معاني ~~النحو وأحكامه فيما بين الكلم، كان من أعجب العجب أن يزعم زاعم أنه يطلب ~~المزية في «النظم»، ثم لا يطلبها في معاني النحو وأحكامه التي «النظم» ~~عبارة عن توخيها فيما بين الكلم. # فإن قيل: قولك «إلا النظم»، يقتضي إخراج ما في القرآن من الاستعارة وضروب ~~المجاز من جملة ما هو به معجز، وذلك ما لا مساغ له. # PageV01P251 # قيل: ليس الأمر كما ظننت، بل ذلك يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو ~~به معجز. وذلك لأن هذه المعاني التي هي «الاستعارة»، و «الكناية» ms230 و ~~«التمثيل»، وسائر ضروب «المجاز» من بعدها من مقتضيات «النظم»، وعنه يحدث ~~وبه يكون، لأنه لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخ فيما ~~بينها حكم من أحكام النحو،. فلا يتصور أن يكون هاهنا «فعل» أو «اسم» قد ~~دخلته الاستعارة، من دون أن يكون قد ألف مع غيره، أفلا ترى أنه إن قدر في ~~«اشتعل» من قوله تعالى: # واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4]، أن لا يكون «الرأس»، فاعلا له، ويكون ~~«شيبا» منصوبا عنه على التمييز، لم يتصور أن يكون مستعارا؟ وهكذا السبيل في ~~نظائر «الاستعارة»، فاعرف ذلك. # واعلم أن السبب في أن لم يقع النظر منهم موقعه، أنهم حين قالوا: «نطلب ~~المزية»، ظنوا أن موضعها «اللفظ» بناء على أن «النظم نظم الألفاظ، وأنه ~~يلحقها دون المعاني، # وحين ظنوا أن موضعها ذلك واعتقدوه، وقفوا على «اللفظ»، وجعلوا لا يرمون ~~بأوهامهم إلى شيء سواه. إلا أنهم، على ذاك لم يستطيعوا أن ينطقوا في تصحيح ~~هذا الذي ظنوه بحرف، بل لم يتكلموا بشيء إلا كان ذلك نقضا وإبطالا لأن يكون ~~«اللفظ»، من حيث هو لفظ، موضعا للمزية، وإلا رأيتهم قد اعترفوا، من حيث لم ~~يدروا، بأن ليس للمزية التي طلبوها موضع ومكان تكون فيه، إلا معاني النحو ~~وأحكامه. # وذلك أنهم قالوا: «إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلمات، وإنما تظهر ~~بالضم على طريقة مخصوصة»، فقولهم: «بالضم»، لا يصح أن يراد به النطق ~~باللفظة بعد اللفظة، من غير اتصال يكون بين معنييهما، لأنه لو جاز أن يكون ~~لمجرد ضم اللفظ إلى اللفظ تأثير في الفصاحة، لكان ينبغي إذا قيل: «ضحك، ~~خرج» أن يحدث في ضم «خرج» إلى «ضحك» فصاحة! وإذا بطل ذلك، لم يبق إلا أن ~~يكون المعنى في ضم الكلمة إلى الكلمة توخي معنى من معاني النحو فيما ~~بينهما. # وقولهم: «على طريقة مخصوصة»، يوجب ذلك أيضا، وذلك أنه لا يكون للطريقة ~~إذا أنت أردت مجرد اللفظ معنى. # وهذا سبيل كل ما قالوه، إذا أنت تأملته تراهم في الجميع قد دفعوا ms231 إلى جعل ~~المزية في معاني النحو وأحكامه من حيث لم يشعروا، ذلك لأنه أمر ضروري لا ~~يمكن الخروج منه. # PageV01P252 # ومما تجدهم يعتمدونه ويرجعون إليه قولهم: «إن المعاني لا تتزايد، وإنما ~~تتزايد الألفاظ»، وهذا كلام إذا تأملته لم تجد له معنى يصح عليه، غير أن ~~تجعل «تزايد الألفاظ» عبارة عن المزايا التي تحدث من توخي معاني النحو ~~وأحكامه فيما بين الكلم، لأن التزايد في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ونطق ~~لسان، محال. # ثم إنا نعلم أن المزية المطلوبة في هذا الباب، مزية فيما طريقه الفكر ~~والنظر من غير شبهة، ومحال أن يكون اللفظ له صفة تستنبط بالفكر، ويستعان ~~عليها بالروية، اللهم إلا أن تريد تأليف النغم، وليس ذلك مما نحن فيه ~~بسبيل. # ومن هاهنا لم يجز، إذا عد الوجوه التي تظهر بها المزية، أن يعد فيها ~~الإعراب، وذلك أن العلم بالإعراب مشترك بين العرب كلهم، وليس هو مما يستنبط ~~بالفكر، ويستعان عليه بالروية. فليس أحدهم، بأن إعراب الفاعل الرفع أو ~~المفعول النصب، والمضاف إليه الجر، بأعلم من غيره، ولا ذاك مما يحتاجون فيه ~~إلى حدة ذهن وقوة خاطر، إنما الذي تقع الحاجة فيه إلى ذلك، العلم بما يوجب ~~الفاعلية للشيء إذا كان إيجابها من طريق المجاز، كقوله تعالى: فما ربحت ~~تجارتهم [البقرة: 16]، وكقول الفرزدق: [من الطويل] سقتها خروق في المسامع ~~«1» وأشباه ذلك، مما يجعل الشيء فيه فاعلا على تأويل يدق، ومن طريق تلطف، ~~وليس يكون هذا علما بالإعراب، ولكن بالوصف الموجب للإعراب. # ومن ثم لا يجوز لنا أن نعتد في شأننا هذا بأن يكون المتكلم قد استعمل من ~~اللغتين في الشيء ما يقال «إنه أفصحهما»، أو بأن يكون قد تحفظ مما تخطئ فيه ~~العامة، ولا بأن يكون قد استعمل الغريب، لأن العلم بجميع ذلك لا يعدو أن ~~يكون علما باللغة، وبأنفس الكلم المفردة، وبما طريقه طريق الحفظ، دون ما ~~يستعان عليه بالنظر، ويوصل إليه بإعمال الفكر. ولئن كانت العامة وأشباه ~~العامة لا يكادون يعرفون الفصاحة غير ذلك، فإن من ضعف النحيزة ms232 «2» إخطار ~~مثله في الفكر، وإجراءه في الذكر، وأنت تزعم أنك ناظر في دلائل الإعجاز، ~~أترى أن العرب تحدوا أن يختاروا الفتح في الميم من «الشمع»، والهاء من ~~«النهر» على الإسكان، وأن يتحفظوا من PageV01P253 # تخليط العامة في مثل: «هذا يسوى ألفا»، أو إلى أن يأتوا بالغريب الوحشي ~~في كلام يعارضون به القرآن؟ كيف وأنت تقرأ السورة من السور الطوال فلا تجد ~~فيها من الغريب شيئا، وتتأمل ما جمعه العلماء في غريب القرآن، فترى الغريب ~~منه إلا في القليل، إنما كان غريبا من أجل استعارة هي فيه، كمثل وأشربوا في ~~قلوبهم العجل [البقرة: 93]، ومثل: خلصوا نجيا [يوسف: 80]، ومثل: فاصدع بما ~~تؤمر [الحجر: 94]، دون أن تكون اللفظة غريبة في نفسها، إنما ترى ذلك في ~~كلمات معدودة كمثل: عجل لنا قطنا [ص: 16]، وذات ألواح ودسر [القمر: 13]، ~~وجعل ربك تحتك سريا [مريم: 24]. # ثم إنه لو كان أكثر ألفاظ القرآن غريبا، لكان محالا أن يدخل ذلك في ~~الإعجاز، وأن يصح التحدي به. ذاك لأنه لا يخلو إذا وقع التحدي به من أن ~~يتحدى من له علم بأمثاله من الغريب، أو من لا علم له بذلك. # فلو تحدي به من يعلم أمثاله، لم يتعذر عليه أن يعارضه بمثله. ألا ترى أنه ~~لا يتعذر عليك إذا أنت عرفت ما جاء من الغريب في معنى «الطويل» أن تعارض من ~~يقول: «الشوقب» «1»، بأن تقول أنت «الشوذب» «2»، وإذا قال «الأمق» «3» أن ~~تقول «الأشق» «4»؟ وعلى هذا السبيل. # ولو تحدي به من لا علم له بأمثال ما فيه من الغريب، كان ذلك بمنزلة أن ~~يتحدى العرب إلى أن يتكلموا بلسان الترك. # هذا، وكيف بأن يدخل الغريب في باب الفضيلة، وقد ثبت عنهم أنهم كانوا يرون ~~الفضيلة في ترك استعماله وتجنبه؟ أفلا ترى إلى قول عمر رضي الله عنه في ~~زهير: «إنه كان لا يعاظل بين القول، ولا يتتبع حوشي الكلام»؟ فقرن تتبع ~~«الحوشي»، وهو الغريب من غير شبهة إلى «المعاظلة» التي هي التعقيد. # وقال الجاحظ في «كتاب البيان والتبيين»: «ورأيت الناس يتداولون رسالة ms233 ~~يحيى بن يعمر على لسان يزيد بن المهلب إلى الحجاج: «إنا لقينا العدو فقتلنا ~~طائفة وأسرنا طائفة، ولحقت طائفة بعراعر الأودية وأهضام الغيطان، وبتنا ~~بعرعرة PageV01P254 # الجبل، وبات العدو بحضيضه». فقال الحجاج: ما يزيد بأبي عذر هذا الكلام ~~فقيل له: إن يحيى بن يعمر معه! فأمر بأن يحمل إليه، فلما أتاه قال: أين ~~ولدت؟ فقال: # بالأهواز. فقال: فأنى لك هذه الفصاحة؟ قال: أخذتها عن أبي» «1». # قال: «ورأيتهم يديرون في كتبهم: أن امرأة خاصمت زوجها إلى يحيى بن يعمر، ~~فانتهرها مرارا، فقال له يحيى: أن سألتك ثمن شكرها وشبرك، أنشأت تطلها ~~وتضهلها» «2». # ثم قال: «وإن كانوا إنما قد رووا هذا الكلام لكي يدل على فصاحة وبلاغة، ~~فقد باعده الله من صفة البلاغة والفصاحة «3». # واعلم أنك كلما نظرت وجدت سبب الفساد واحدا، وهو ظنهم الذي ظنوه في ~~«اللفظ»، وجعلهم الأوصاف التي تجري عليه كلها أوصافا له في نفسه، ومن حيث ~~هو لفظ، وتركهم أن يميزوا بين ما كان وصفا له في نفسه، وبين ما كانوا قد ~~كسبوه إياه من أجل أمر عرض في معناه. ولما كان هذا دأبهم، ثم رأوا الناس ~~وأظهر شيء عندهم في معنى «الفصاحة»، تقويم الإعراب، والتحفظ من اللحن، لم ~~يشكوا أنه ينبغي أن يعتد به في جملة المزايا التي يفاضل بها بين كلام وكلام ~~في الفصاحة، وذهب عنهم أن ليس هو من «الفصاحة» التي يعنينا أمرها في شيء، ~~وأن كلامنا في فصاحة تجب للفظ لا من أجل شيء يدخل في النطق، ولكن من أجل ~~لطائف تدرك بالفهم، وأنا نعتبر في شأننا هذا فضيلة تجب لأحد الكلامين على ~~الآخر، من بعد أن يكونا قد برئا من اللحن، وسلما في ألفاظهما من الخطأ. # ومن العجب أنا إذا نظرنا في الإعراب، وجدنا التفاضل فيه محالا، لأنه لا ~~يتصور أن يكون للرفع والنصب في كلام، مزية عليهما في كلام آخر، وإنما الذي ~~يتصور أن يكون هاهنا: كلامان قد وقع في إعرابهما خلل، ثم كان أحدهما أكثر ~~صوابا من الآخر، وكلامان قد استمر أحدهما ms234 على الصواب ولم يستمر الآخر، ولا ~~يكون هذا تفاضلا في الإعراب، ولكن تركا له في شيء، واستعمالا له في آخر، ~~فاعرف ذلك. PageV01P255 # وجملة الأمر أنك لا ترى ظنا هو أنأى بصاحبه عن أن يصح له كلام، أو يستمر ~~له نظام، أو تثبت له قدم، أو ينطق منه إلا بالمحال فم، من ظنهم هذا الذي ~~حام بهم حول «اللفظ»، وجعلهم لا يعدونه، ولا يرون للمزية مكانا دونه. # واعلم أنه قد يجري في العبارة منا شيء، هو يعيد الشبهة جذعة عليهم، وهو ~~أنه يقع في كلامنا أن «الفصاحة» تكون في المعنى دون اللفظ، فإذا سمعوا ذلك ~~قالوا: كيف يكون هذا، ونحن نراها لا تصلح صفة إلا للفظ، ونراها لا تدخل في ~~صفة المعنى البتة، لأنا نرى الناس قاطبة يقولون: «هذا لفظ فصيح، وهذه ألفاظ ~~فصيحة»، ولا نرى عاقلا يقول: «هذا معنى فصيح، وهذه معان فصاح». ولو كانت ~~«الفصاحة» تكون في المعنى، لكان ينبغي أن يقال ذاك، كما أنا لما كان الحسن ~~يكون فيه قيل: # «هذا معنى حسن، وهذه معان حسنة». وهذا شيء يأخذ من الغر مأخذا: # والجواب عنه أن يقال: إن غرضنا من قولنا: «إن الفصاحة تكون في المعنى»، ~~أن المزية التي من أجلها استحق اللفظ الوصف بأنه «فصيح»، هي في المعنى دون ~~اللفظ، لأنه لو كانت بها المزية التي من أجلها يستحق اللفظ الوصف بأنه ~~فصيح، تكون فيه دون معناه لكان ينبغي إذا قلنا في اللفظة: «إنها فصيحة»، أن ~~تكون تلك الفصاحة واجبة لها بكل حال. ومعلوم أن الأمر بخلاف ذلك، فإنا نرى ~~اللفظة تكون في غاية الفصاحة في موضع، ونراها بعينها فيما لا يحصى من ~~المواضع وليس فيها من الفصاحة قليل ولا كثير. وإنما كان كذلك، لأن المزية ~~التي من أجلها نصف اللفظ في شأننا هذا بأنه فصيح، مزية تحدث من بعد أن لا ~~تكون، وتظهر في الكلم من بعد أن يدخلها النظم. وهذا شيء إن أنت طلبته فيما ~~وقد جئت بها أفرادا لم ترم فيها نظما، ولم تحدث لها ms235 تأليفا، وطلبت محالا. ~~وإذا كان كذلك، وجب أن يعلم قطعا وضرورة أن تلك المزية في المعنى دون ~~اللفظ. # وعبارة أخرى في هذا بعينه، وهي أن يقال: قد علمنا علما لا تعترض معه ~~شبهة: أن «الفصاحة» فيما نحن فيه، عبارة عن مزية هي بالمتكلم دون واضع ~~اللغة. # وإذا كان كذلك، فينبغي لنا أن ننظر إلى المتكلم، هل يستطيع أن يزيد من ~~عند نفسه في اللفظ شيئا ليس هو له في اللغة حتى يجعل ذلك من صنيعه مزية ~~يعبر عنها بالفصاحة؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يستطيع أن يصنع باللفظ شيئا ~~أصلا، ولا أن يحدث فيه وصفا. كيف؟ وهو إن فعل ذلك أفسد على نفسه، وأبطل أن ~~يكون متكلما، لأنه لا # يكون متكلما حتى يستعمل أوضاع لغة على ما وضعت عليه. # PageV01P256 # وإذا ثبت من حاله أنه لا يستطيع أن يصنع بالألفاظ شيئا ليس هو لها في ~~اللغة، وكنا قد اجتمعنا على أن «الفصاحة» فيما نحن فيه، عبارة عن مزية هي ~~بالمتكلم البتة وجب أن نعلم قطعا وضرورة أنهم وإن كانوا قد جعلوا «الفصاحة» ~~في ظاهر الاستعمال من صفة اللفظ، فإنهم لم يجعلوها وصفا له في نفسه، ومن ~~حيث هو صدى صوت ونطق لسان، ولكنهم جعلوها عبارة عن مزية أفادها المتكلم في ~~المعنى، لأنه إذا كان اتفاقا أنها عبارة عن مزية أفادها المتكلم، ولم نره ~~أفاد في اللفظ شيئا، لم يبق إلا أن تكون عبارة عن مزية أفادها في المعنى. # وجملة الأمر أنا لا نوجب «الفصاحة» للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي ~~هي فيه، ولكنا نوجبها لها موصولة بغيرها، ومعلقا معناها بمعنى ما يليها. ~~فإذا قلنا في لفظة «اشتعل» من قوله تعالى: واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4]، ~~أنها في أعلى رتبة من الفصاحة، لم توجب تلك «الفصاحة» لها وحدها، ولكن ~~موصولا بها «الرأس» معرفا بالألف واللام، ومقرونا إليهما «الشيب» منكرا ~~منصوبا. # هذا، وإنما يقع ذلك في الوهم لمن يقع له أعني أن يوجب الفصاحة للفظة ~~وحدها فيما كان «استعارة»، فأما ما خلا من الاستعارة من ms236 الكلام الفصيح ~~البليغ، فلا يعرض توهم ذلك فيه لعاقل أصلا. # أفلا ترى أنه لا يقع في نفس من يعقل أدنى شيء، إذا هو نظر إلى قوله عز ~~وجل: يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدو فاحذرهم [المنافقون: 4]، وإلى إكبار ~~الناس شأن هذه الآية في الفصاحة، أن يضع يده على كلمة كلمة منها فيقول: # «إنها فصيحة؟» وسبب الفصاحة فيها أمور لا يشك عاقل في أنها معنوية: # أولها: أن كانت «على» فيها متعلقة بمحذوف في موضع المفعول الثاني. # والثاني: أن كانت الجملة التي هي «هم العدو» بعدها عارية من حرف عطف. # والثالث: التعريف في «العدو» وأن لم يقل: «هم عدو». # ولو أنك علقت «على» بظاهر، وأدخلت على الجملة التي هي «هم العدو» حرف ~~عطف، وأسقطت «الألف واللام» من «العدو» فقلت: «يحسبون كل صيحة واقعة عليهم، ~~وهم عدو»، لرأيت الفصاحة قد ذهبت عنها بأسرها. ولو أنك أخطرت ببالك أن يكون ~~«عليهم» متعلقا بنفس «الصيحة»، ويكون حاله معها كحاله إذا قلت: «صحت عليه»، ~~لأخرجته عن أن يكون كلاما، فضلا عن أن يكون فصيحا. # وهذا هو الفيصل لمن عقل. # PageV01P257 # ومن العجيب في هذا، ما روي عن أمير المؤمنين علي رضوان الله عليه أنه ~~قال: «ما سمعت كلمة عربية من العرب إلا وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وسمعته يقول: «مات حتف أنفه» «1»، وما سمعتها من عربي قبله، لا شبهة ~~في أن وصف اللفظ «بالعربي» في مثل هذا يكون في معنى الوصف بأنه فصيح. وإذا ~~كان الأمر كذلك، فانظر هل يقع في وهم متوهم أن يكون رضي الله عنه قد جعلها ~~«عربية» من أجل ألفاظها؟ وإذا نظرت لم تشك في ذلك. # واعلم أنك تجد هؤلاء الذين يشكون فيما قلناه، تجري على ألسنتهم ألفاظ ~~وعبارات لا يصح لها معنى سوى توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني ~~الكلم، ثم تراهم لا يعلمون ذلك. # فمن ذلك ما يقوله الناس قاطبة من أن العاقل يرتب في نفسه ما يريد أن ~~يتكلم به. وإذا رجعنا إلى أنفسنا لم نجد ms237 لذلك معنى سوى أنه يقصد إلى قولك ~~«ضرب» فيجعله خبرا عن «زيد»، ويجعل «الضرب» الذي أخبر بوقوعه منه واقعا على ~~«عمرو» ويجعل «يوم الجمعة» زمانه الذي وقع فيه، ويجعل «التأديب» غرضه الذي ~~فعل «الضرب» من أجله، فيقول: «ضرب زيد عمرا يوم الجمعة تأديبا له». وهذا ~~كما ترى هو توخي معاني النحو فيما بين معاني هذه الكلم. # ولو أنك فرضت أن لا تتوخى في «ضرب» أن تجعله خبرا عن «زيد» وفي «عمرو» أن ~~تجعله مفعولا به الضرب، وفي «يوم الجمعة» أن تجعله زمانا لهذا الضرب، وفي ~~«التأديب»، أنه تجعله غرض زيد من فعل الضرب ما تصور في عقل، ولا وقع في ~~وهم، أن تكون مرتبا لهذه الكلم. وإذ قد عرفت ذلك، فهو العبرة في الكلام ~~كله، فمن ظن ظنا يؤدي إلى خلافه، ظن ما يخرج به عن المعقول. ومن ذلك ~~إثباتهم التعلق والاتصال فيما بين الكلم وصواحبها تارة، ونفيهم لهما أخرى ~~ومعلوم علم الضرورة أن لن يتصور أن يكون للفظة تعلق بلفظة أخرى من غير أن ~~يعتبر حال PageV01P258 # معنى هذه مع معنى تلك، ويراعى هناك أمر يصل إحداهما بالأخرى، كمراعاة ~~كون: # «نبك»، جوابا للأمر في قوله: «قفا نبك»، وكيف بالشك في ذلك؟ ولو كانت ~~الألفاظ يتعلق بعضها ببعض من حيث هي ألفاظ، ومع اطراح الناظر في معانيها، ~~ولأدى ذلك إلى أن يكون الناس حين ضحكوا مما يصنعه المجان من قراءة أنصاف ~~الكتب، ضحكوا عن جهالة، وأن يكون أبو تمام قد أخطأ حين قال: [من الكامل]. # عذلا شبيها بالجنون كأنما ... قرأت به الورهاء شطر كتاب «1» # لأنهم لم يضحكوا إلا من عدم التعلق، ولم يجعله أبو تمام جنونا إلا لذلك. # فانظر إلى ما يلزم هؤلاء القوم من طرائف الأمور. ### | فصل [في أن الفصاحة والبلاغة للمعاني] # وهذا فن من الاستدلال لطيف على بطلان أن تكون «الفصاحة» صفة للفظ من حيث ~~هو لفظ. # لا تخلو «الفصاحة» من أن تكون صفة في اللفظ محسوسة تدرك بالسمع، أن تكون ~~صفة فيه معقولة تعرف بالقلب. فمحال أن تكون ms238 صفة في اللفظ محسوسة، لأنها لو ~~كانت كذلك، لكان ينبغي أن يستوي السامعون للفظ الفصيح في العلم بكونه ~~فصيحا. وإذا بطل أن تكون محسوسة، وجب الحكم ضرورة بأنها صفة معقولة. وإذا ~~وجب الحكم بكونها صفة معقولة، فإنا لا نعرف للفظ صفة يكون طريق معرفتها ~~العقل دون الحس، إلا دلالته على معنى. وإذا كان كذلك، لزم منه العلم بأن ~~وصفنا اللفظ بالفصاحة، وصف له من جهة معناه، لا من جهة نفسه، وهذا ما لا ~~يبقى لعاقل معه عذر في الشك، والله الموفق للصواب. # وبيان آخر، وهو أن القارئ إذا قرأ قوله تعالى: واشتعل الرأس شيبا [مريم: # 4]، فإنه لا يجد الفصاحة التي يجدها إلا من بعد أن ينتهي الكلام إلى ~~آخره. فلو PageV01P259 # كانت «الفصاحة» صفة للفظ «اشتعل»، لكان ينبغي أن يحسها القارئ فيه حال ~~نطقه به. فمحال أن تكون للشيء صفة، ثم لا يصح العلم بتلك الصفة إلا من بعد ~~عدمه. ومن ذا رأى صفة يعرى موصوفها عنها في حال وجوده، حتى إذا عدم صارت ~~موجودة فيه؟ وهل سمع السامعون، في قديم الدهر وحديثه، بصفة شرط حصولها ~~لموصوفها أن يعدم الموصوف؟ # فإن قالوا: إن الفصاحة التي ادعيناها للفظ «اشتعل» تكون فيه في حال نطقنا ~~به، إلا أنا لا نعلم في تلك الحال أنها فيه، فإذا بلغنا آخر الكلام علمنا ~~حينئذ أنها كانت فيه حين نطقنا به. # قيل: هذا فن آخر من العجب، وهو أن تكون هاهنا صفة موجودة في شيء، ثم لا ~~يكون في الإمكان ولا يسع في الجواز، أن يعلم وجود تلك الصفة في ذلك الشيء ~~إلا من بعد أن يعدم، ويكون العلم بها وبكونها فيه محجوبا عنا حتى يعدم، ~~فإذا عدم علمنا حينئذ أنها كانت فيه حين كان. # ثم إنه لا شبهة في أن هذه الفصاحة التي يدعونها للفظ هي مدعاة لمجموع ~~الكلمة دون آحاد حروفها، إذ ليس يبلغ بهم تهافت الرأي إلى أن يدعو لكل واحد ~~من حروف «اشتعل» فصاحة، فيجعلوا «الشين» على حدته فصيحا، وكذلك «التاء»، و ~~«العين» ms239 و «اللام». وإذا كانت الفصاحة مدعاة لمجموع الكلمة، لم يتصور ~~حصولها لها إلا من بعد أن تعدم كلها وينقضي أمر النطق بها. ذاك لأنه لا ~~يتصور أن تدخل الحروف بجملتها في النطق دفعة واحدة، حتى تجعل «الفصاحة» ~~موجودة فيها في حال وجودها. وما بعد هذا إلا أن نسأل الله تعالى العصمة ~~والتوفيق، فقد بلغ الأمر في الشناعة إلى حد، إذا تنبه العاقل لف رأسه حياء ~~من العقل، حين يراه قد قال قولا هذا مؤداه، وسلك مسلكا إلى هذا مفضاه. # وما مثل من يزعم أن «الفصاحة» صفة للفظ من حيث هو لفظ ونطق لسان، ثم يزعم ~~أنه يدعيها لمجموع حروفه دون آحادها، إلا مثل من يزعم أن هاهنا غزلا إذا ~~نسج منه ثوب كان أحمر، وإذا فرق ونظر إليه خيطا خيطا، لم تكن فهي حمرة ~~أصلا! ومن طريق أمرهم، أنك ترى كافتهم لا ينكرون أن اللفظ المستعار إذا كان ~~فصيحا، كانت فصاحته تلك من أجل استعارته، ومن أجل لطف وغرابة كانا فيها، ~~وتراهم مع ذلك لا يشكون في أن الاستعارة لا تحدث في حروف اللفظ صفة ولا ~~تغير أجراسها عما تكون عليه إذا لم يكن مستعارا وكان متروكا على حقيقته، ~~وأن التأثير من الاستعارة # PageV01P260 # إنما يكون في المعنى. كيف؟ وهم يعتقدون أن اللفظ إذا استعير لشيء، نقل عن ~~معناه الذي وضع له بالكلية. وإذا كان الأمر كذلك، فلولا إهمالهم أنفسهم ~~وتركهم النظر، لقد كان يكون في هذا ما يوقظهم من غفلتهم، ويكشف الغطاء عن ~~أعينهم. ### | فصل [في علاقة الفكر بمعاني النحو] # ومما ينبغي أن يعلمه الإنسان ويجعله على ذكر، أنه لا يتصور أن يتعلق ~~الفكر بمعاني الكلم أفرادا ومجردة من معاني النحو، فلا يقوم في وهم ولا يصح ~~في عقل، أن يتفكر متفكر في معنى «فعل» من غير أن يريد إعماله في «اسم»، ولا ~~أن يتفكر في معنى «اسم» من غير أن يريد إعمال «فعل» فيه، وجعله فاعلا له أو ~~مفعولا، أو يريد فيه حكما سوى ذلك من الأحكام، مثل أن ms240 يريد جعله مبتدأ، أو ~~خبرا، أو صفة أو حالا، أو ما شاكل ذلك. # وإن أردت أن ترى ذلك عيانا فاعمد إلى أي كلام شئت، وأزل أجزاءه عن ~~مواضعها، وضعها وضعا يمتنع معه دخول شيء من معاني النحو فيها، فقل في: [من ~~الطويل] # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل «1» # «من نبك قفا حبيب ذكرى منزل»، ثم انظر هل يتعلق منك فكر بمعنى كلمة منها؟ # واعلم أني لست أقول إن الفكر لا يتعلق بمعاني الكلم المفردة أصلا، ولكني ~~أقول إنه لا يتعلق بها مجردة من معاني النحو، ومنطوقا بها على وجه لا يتأتى ~~معه تقدير معاني النحو وتوخيها فيها، كالذي أريتك، وإلا فإنك إذا فكرت في ~~الفعلين أو الاسمين، تريد أن تخبر بأحدهما عن الشيء أيهما أولى أن تخبر به ~~عنه وأشبه بغرضك، مثل أن تنظر: أيهما أمدح وأذم، أو فكرت في الشيئين تريد ~~أن تشبه الشيء بأحدهما أيهما أشبه به كنت قد فكرت في معاني أنفس الكلم، إلا ~~أن فكرك ذلك لم يكن إلا من بعد أن توخيت فيها معنى من معاني النحو، وهو أن ~~أردت جعل الاسم الذي فكرت فيه خبرا عن شيء أردت فيه مدحا أو ذما أو تشبيها، ~~أو غير ذلك PageV01P261 # من الأغراض ولم تجيء إلى فعل أو اسم ففكرت فيه فردا، ومن غير أن كان لك ~~قصد أن تجعله خبرا أو غير خبر. فاعرف ذلك. # وإن أردت مثالا فخذ بيت بشار: [من الطويل] # كأن مثال النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه «1» # وانظر هل يتصور أن يكون بشار قد أخطر معاني هذه الكلم بباله أفردا عارية ~~من معاني النحو التي تراها فيها وأن يكون قد وقع «كأن» في نفسه من غير أن ~~يكون قصد إيقاع التشبيه منه على شيء وأن يكون فكر في «مثار النقع»، من غير ~~أن يكون أراد إضافة الأول إلى الثاني وفكر في «فوق رءوسنا»، من غير أن يكون ~~قد أراد أن يضيف «فوق» إلى «الرءوس» وفي «الأسياف» من دون أن يكون أراد ~~عطفها ms241 بالواو على «مثار» وفي «الواو» من دون أن يكون أراد العطف بها وأن ~~يكون كذلك فكر في «الليل»، من دون أن يكون أراد أن يجعله خبرا «لكأن» وفي ~~«تهاوى كواكبه»، من دون أن يكون أراد أن يجعل «تهاوى» فعلا للكواكب، ثم ~~يجعل الجملة صفة لليل، ليتم الذي أراد من التشبيه؟ أم لم يخطر هذه الأشياء ~~بباله إلا مرادا منها هذه الأحكام والمعاني التي تراها فيها؟ # وليت شعري، كيف يتصور وقوع قصد منك إلى معنى كلمة من دون أن تريد تعليقها ~~بمعنى كلمة أخرى؟ ومعنى «القصد إلى معاني الكلم»، أن تعلم السامع بها شيئا ~~لا يعلمه. ومعلوم أنك، أيها المتكلم، لست تقصد أن تعلم السامع معاني الكلم ~~المفردة التي تكلمه بها، فلا تقول: «خرج زيد»، لتعلمه معنى «خرج» في اللغة، ~~ومعنى «زيد». كيف؟ ومحال أن تكلمه بألفاظ لا يعرف هو معانيها كما تعرف. ~~ولهذا لم يكن الفعل وحده من دون الاسم، ولا الاسم وحده من دون اسم آخر أو ~~فعل، كلاما. وكنت لو قلت «خرج»، ولم تأت باسم، ولا قدرت فيه ضمير الشيء، أو ~~قلت: «زيد»، ولم تأت بفعل ولا اسم آخر ولم تضمره في نفسك، كان ذلك وصوتا ~~تصوته سواء، فاعرفه. # واعلم أن مثل واضع الكلام مثل من يأخذ قطعا من الذهب أو الفضة فيذيب ~~PageV01P262 # بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة. وذلك أنك إذا قلت: «ضرب زيد عمرا يوم ~~الجمعة ضربا شديدا تأديبا له»، فإنك تحصل من مجموع هذه الكلم كلها على ~~مفهوم، هو معنى واحد لا عدة معان، كما يتوهمه الناس. وذلك لأنك لم تأت بهذه ~~الكلم لتفيده أنفس معانيها، وإنما جئت بها لتفيده وجوه التعلق التي بين ~~الفعل الذي هو «ضرب»، وبين ما عمل فيه، والأحكام التي هي محصول التعلق. # وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي لنا أن ننظر في المفعولية من «عمرو»، وكون ~~«يوم الجمعة» زمانا للضرب، وكون «الضرب» ضربا شديدا، وكون «التأديب» علة ~~للضرب، أيتصور فيها أن تفرد عن المعنى الأول الذي هو أصل الفائدة، وهو ms242 ~~إسناد «ضرب» إلى «زيد»، وإثبات «الضرب» به له، حتى يعقل كون «عمرو» مفعولا ~~به، وكون «يوم الجمعة» مفعولا فيه وكون «ضربا شديدا» مصدرا، وكون «التأديب ~~مفعولا له من غير أن يخطر ببالك كون «زيد» فاعلا للضرب؟ # وإذا نظرنا وجدنا ذلك لا يتصور، لأن «عمرا» مفعول لضرب وقع من زيد عليه، ~~و «يوم الجمعة» زمان لضرب وقع من زيد، و «ضربا شديدا» بيان لذلك الضرب كيف ~~هو وما صفته، و «التأديب» علة له وبيان أنه كان الغرض منه. وإذا كان ذلك ~~كذلك، بان منه وثبت، أن المفهوم من مجموع الكلم معنى واحد لا عدة معان، وهو ~~إثباتك زيدا فاعلا ضربا لعمرو في وقت كذا، وعلى صفة كذا، ولغرض كذا. ولهذا ~~المعنى قول إنه كلام واحد. # وإذ قد عرفت هذا، فهو العبرة أبدا. فبيت بشار إذا تأملته وجدته كالحلقة ~~المفرغة التي لا تقبل التقسيم، ورأيته قد صنع في الكلم التي فيه ما يصنع ~~الصانع حين يأخذ كسرا # من الذهب فيذيبها ثم يصبها في قالب، ويخرجها لك سوارا أو خلخالا. وإن أنت ~~حاولت قطع بعض ألفاظ البيت عن بعض، كنت كمن يكسر الحلقة ويفصم السوار. وذلك ~~أنه لم يرد أن يشبه «النقع» بالليل على حدة، و «الأسياف» بالكواكب على حدة، ~~ولكنه أراد أن يشبه النقع والأسياف تجول فيه بالليل في حال ما تنكدر «1» ~~الكواكب وتتهاوى فيه. فالمفهوم من الجميع مفهوم واحد، والبيت من أوله إلى ~~آخره كلام واحد. # فانظر الآن ما تقول في اتحاد هذه الكلمة التي هي أجزاء البيت؟ أتقول: إن ~~ألفاظها اتحدت فصارت لفظة واحدة؟ أم تقول: إن معانيها اتحدت فصارت الألفاظ ~~PageV01P263 # من أجل ذلك كأنها لفظة واحدة؟ فإن كنت لا تشك أن الاتحاد الذي تراه هو في ~~المعاني، إذ كان من فساد العقل، ومن الذهاب في الخبل، أن يتوهم متوهم أن ~~الألفاظ يندمج بعضها في بعض حتى تصير لفظة واحدة. # فقد أراك ذلك، إن لم تكابر «1» عقلك، أن «النظم» يكون في معاني الكلم دون ~~ألفاظها، وأن نظمها هو توخي معاني ms243 النحو فيها. وذلك أنه إذا ثبت الاتحاد، ~~وثبت أنه في المعاني، فينبغي أن تنظر إلى الذي به اتحدت المعاني في بيت ~~بشار. وإذا نظرنا لم نجدها اتحدت إلا بأن جعل «مثار النقع» اسم «كأن»، وجعل ~~الظرف الذي هو «فوق رءوسنا» معمولا «لمثار» ومعلقا به، وأشرك «الأسياف» في ~~«كأن» بعطفه لها على «مثار»، ثم بأن قال: «ليل تهاوى كواكبه»، فأتى بالليل ~~نكرة، وجعل جملة قوله: «تهاوى كواكبه» له صفة، ثم جعل مجموع: «ليل تهاوى ~~كواكبه»، خبرا «لكأن». # فانظر هل ترى شيئا كان الاتحاد به غير ما عددناه؟ وهل تعرف له موجبا ~~سواه؟ # فلولا الإخلاد إلى الهوينا، وترك النظر وغطاء ألقي على عيون أقوام، لكان ~~ينبغي أن يكون في هذا وحده الكفاية وما فوق الكفاية. ونسأل الله تعالى ~~التوفيق. # واعلم أن الذي هو آفة هؤلاء الذين لهجوا بالأباطيل في أمر «اللفظ» أنهم ~~قوم قد أسلموا أنفسهم إلى التخيل، وألقوا مقادتهم إلى الأوهام، حتى عدلت ~~بهم عن الصواب كل معدل، ودخلت بهم من فحش الغلط في كل مدخل، وتعسفت بهم في ~~كل مجهل، وجعلتهم يرتكبون في نصرة رأيهم الفاسد القول بكل محال، ويقتحمون ~~في كل جهالة، حتى أنك لو قلت لهم: إنه لا يتأتى للناظم نظمه إلا بالفكر ~~والروية، فإذا جعلتم «النظم» في الألفاظ، لزمكم من ذلك أن تجعلوا فكر ~~الإنسان إذا هو فكر في نظم الكلام، فكرا في الألفاظ التي يريد أن ينطق بها ~~دون المعاني لم يبالوا أن يرتكبوا ذلك، وأن يتعلقوا فيه بما في العادة ~~ومجرى الجبلة من أن الإنسان يخيل إليه إذا هو فكر، أنه كأنه ينطق في نفسه ~~بالألفاظ التي يفكر في معانيها، حتى يرى أنه يسمعها سماعة لها حين يخرجها ~~من فيه، وحين يجري بها اللسان. # وهذا تجاهل، لأن سبيل ذلك سبيل إنسان يتخيل دائما في الشيء قد رآه وشاهده ~~أنه كأنه يراه وينظر إليه، وأن مثاله نصب عينيه. فكما لا يوجب هذا أن ~~PageV01P264 # يكون رائيا له، وأن يكون الشيء موجودا في نفسه، كذلك لا يكون تخيله ms244 أنه ~~كأنه ينطق بالألفاظ، موجبا أن يكون ناطقا بها، وأن تكون موجودة في نفسه، ~~حتى يجعل ذلك سببا إلى جعل الفكر فيها. # ثم إنا نعمل على أنه ينطق بالألفاظ في نفسه، وأنه يجدها فيها على ~~الحقيقة، فمن أين لنا أنه إذا فكر كان الفكر منه فيها؟ أم ماذا يروم، ليت ~~شعري، بذلك الفكر؟ # ومعلوم أن الفكر من الإنسان يكون في أن يخبر عن شيء بشيء، أو يصف شيئا ~~بشيء، أو يضيف شيئا إلى شيء، أو يشرك شيئا في حكم شيء، أو يخرج شيئا من حكم ~~قد سبق منه لشيء، أو يجعل وجود شيء شرطا في وجود شيء، وعلى هذا السبيل؟ ~~وهذا كله فكر في أمور معقولة زائدة على اللفظ. # وإذا كان هذا كذلك، لم يخل هذا الذي يجعل في الألفاظ فكرا من أحد أمرين: ~~إما أن يخرج هذه المعاني من أن يكون لواضع الكلام فيها فكر ويجعل الفكر كله ~~في الألفاظ وإما أن يجعل له فكرا في اللفظ مفردا عن الفكرة في هذه المعاني. # فإن ذهب إلى الأول لم يكلم، وإن ذهب إلى الثاني لزمه أن يجوز وقوع فكر من ~~الأعجمي الذي لا يعرف معاني ألفاظ العربية أصلا، في الألفاظ. وذلك مما لا ~~يخفى مكان الشنعة «1» والفضيحة فيه. # وشبيه بهذا التوهم منهم، أنك قد ترى أحدهم يعتبر حال السامع، فإذا رأى ~~المعاني لا تترتب في نفسه إلا بترتب الألفاظ في سمعه، ظن عند ذلك أن ~~المعاني تبع للألفاظ، وأن الترتب فيها مكتسب من الألفاظ، ومن ترتبها في نطق ~~المتكلم. # وهذا ظن فاسد ممن يظنه، فإن الاعتبار ينبغي أن يكون بحال الواضع للكلام ~~والمؤلف له، والواجب أن ينظر إلى حال المعاني معه لا مع السامع، وإذا نظرنا ~~علمنا ضرورة أنه محال أن يكون الترتب فيها تبعا لترتب الألفاظ ومكتسبا عنه، ~~لأن ذلك يقتضي أن تكون الألفاظ سابقة للمعاني، وأن تقع في نفس الإنسان ~~أولا، ثم تقع المعاني من بعدها وتالية لها، بالعكس مما يعلمه كل عاقل إذا ~~هو لم يؤخذ عن ms245 نفسه، ولم يضرب حجاب بينه وبين عقله. وليت شعري، هل كانت ~~الألفاظ إلا من أجل المعاني؟ وهل هي إلا خدم لها، ومصرفة على حكمها؟ أو ~~ليست هي سمات لها، وأوضاعا قد وضعت لتدل عليها؟ فكيف يتصور أن تسبق المعاني ~~وأن تتقدمها في تصور النفس؟ إن جاز ذلك، جاز أن تكون أسامي الأشياء قد وضعت ~~قبل أن PageV01P265 # عرفت الأشياء، وقبل أن كانت. وما أدري ما أقول في شيء يجر الذاهبين إليه ~~إلى أشباه هذا من فنون المحال، ورديء الأقوال. # هذا سؤال لهم من جنس آخر في «النظم». قالوا: لو كان «النظم» يكون في ~~معاني النحو، لكان البدوي الذي لم يسمع بالنحو قط، ولم يعرف المبتدأ والخبر ~~وشيئا مما يذكرونه، لا يتأتى له نظم كلام. وإنا لنراه يأتي في كلامه بنظم ~~لا يحسنه المتقدم في علم النحو. # قيل: هذه شبهة من جنس ما عرض للذين عابوا المتكلمين فقالوا: «إنا نعلم أن ~~الصحابة رضي الله عنهم والعلماء في الصدر الأول، لم يكونوا يعرفون «الجوهر» ~~و «العرض»، و «صفة النفس» و «صفة المعنى» وسائر العبارات التي وضعتموها، ~~فإن كان لا تتم الدلالة على حدوث العالم والعلم بوحدانية الله، إلا بمعرفة ~~هذه الأشياء التي ابتدأتموها، فينبغي لكم أن تدعوا أنكم قد علمتم في ذلك ما ~~لم يعلموه، وأن منزلتكم في العلم أعلى من منازلهم. # وجوابنا هو مثل جواب المتكلمين، وهو أن الاعتبار بمعرفة مدلول العبارات، ~~لا بمعرفة العبارات. فإذا عرف البدوي الفرق بين أن يقول: «جاءني زيد ~~راكبا»، وبين قوله: «جاءني زيد الراكب»، لم يضره أن لا يعرف أنه إذا قال: ~~«راكبا»، كانت عبارة النحويين فيه أن يقولوا في «راكب»: «إنه حال»، وإذا ~~قال: «الراكب»، أنه صفة جارية على «زيد» وإذا عرف في قوله: «زيد منطلق» أن ~~«زيدا» مخبر عنه، و «منطلق» خبر، لم يضره أن لا يعلم أنا نسمي «زيدا» مبتدأ ~~وإذا عرف في قولنا: «ضربته تأديبا له»، أن المعنى في التأديب أنه غرضه من ~~الضرب، وأنه ضربه ليتأدب، لم يضره أن لا يعلم ms246 أنا نسمي «التأديب» مفعولا ~~له. # ولو كان عدمه العلم بهذه العبارات، يمنعه العلم بما وضعناها له وأردناه ~~بها لكان ينبغي أن لا يكون له سبيل إلى بيان أغراضه، وأن لا يفصل فيما ~~يتكلم به بين نفي وإثبات، وبين «ما» إذا كان استفهاما وبينه إذا كان بمعنى ~~«الذي»، وإذا كان بمعنى المجازاة، لأنه لم يسمع عباراتنا في الفرق بين هذه ~~المعاني. # أترى الأعرابي حين سمع المؤذن يقول: «أشهد أن محمدا رسول الله» بالنصب، ~~فأنكر وقال: صنع ماذا؟ أنكر عن غير علم أن النصب يخرجه عن أن يكون خبرا ~~ويجعله والأول في حكم اسم واحد، وأنه إذا صار والأول في حكم اسم واحد، ~~احتيج إلى اسم آخر أو فعل، حتى يكون كلاما، وحتى يكون قد ذكر ما له فائدة؟ ~~إن كان لم يعلم ذلك، فلماذا قال: «صنع ماذا؟»، فطلب ما يجعله خبرا؟ # PageV01P266 # ويكفيك أنه يلزم على ما قالوه أن يكون امرؤ القيس حين قال: [من الطويل] ~~قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل «1» قاله وهو لا يعلم ما نعنيه بقولنا: أن ~~«قفا» أمر، و «نبك» جواب الأمر، و «ذكرى» مضاف إلى «حبيب»، و «منزل» معطوف ~~على الحبيب وأن تكون هذه الألفاظ قد ترتبت له من غير قصد منه إلى هذه ~~المعاني. وذلك يوجب أن يكون قال: # «نبك» بالجزم من غير أن يكون عرف معنى يوجب الجزم، وأتى به مؤخرا عن ~~«قفا»، من غير أن عرف لتأخيره موجبا سوى طلب الوزن. # ومن أفضت به الحال إلى أمثال هذه الشناعات، ثم لم يرتدع، ولم يتبين أنه ~~على خطأ، فليس إلا تركه والإعراض عنه. # ولولا أنا نحب أن لا ينبس أحد في معنى السؤال والاعتراض بحرف إلا أريناه ~~الذي استهواه، لكان ترك التشاغل بإيراد هذا وشبهه أولى. ذاك لأنا قد علمنا ~~علم ضرورة أنا لو بقينا الدهر الأطول نصعد ونصوب، ونبحث وننقب، نبتغي كلمة ~~قد اتصلت بصاحبة لها، ولفظة قد انتظمت مع أختها، من غير أن توخي فيما ~~بينهما معنى من معاني النحو، طلبنا ممتنعا، وثنينا ms247 مطايا الفكر ظلعا. فإن ~~كان هاهنا من يشك في ذلك، ويزعم أنه قد علم لاتصال الكلم بعضها ببعض، ~~وانتظام الألفاظ بعضها مع بعض، معاني غير معاني النحو، فإنا نقول له: هات، ~~فبين لنا تلك المعاني، وأرنا مكانها، واهدنا لها، فلعلك قد أوتيت علما قد ~~حجب عنا، وفتح لك باب قد أغلق دوننا: [من الوافر] # وذاك له إذا العنقاء صارت ... مرببة وشب ابن الخصي «2» PageV01P267 ### | فصل [في مسألة التعبير عن المعنى بلفظين أحدهما فصيح والآخر غير فصيح] # قد أردت أن أعيد القول في شيء هو أصل الفساد ومعظم الآفة، والذي صار ~~حجازا بين القوم وبين التأمل، وأخذ بهم عن طريق النظر، وحال بينهم وبين أن ~~يصغوا إلى ما يقال لهم، وأن يفتحوا للذي تبين أعينهم، وذلك قولهم: «إن ~~العقلاء قد اتفقوا على أنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون ~~أحدهما فصيحا، والآخر غير فصيح. وذلك، قالوا، يقتضي أن يكون للفظ نصيب في ~~المزية، لأنها لو، كانت مقصورة على المعنى، لكان محالا أن يجعل لأحد ~~اللفظين فضل على الآخر، مع أن المعبر عنه واحد». # وهذا شيء تراهم يعجبون به ويكثرون ترداده، مع أنهم يؤكدونه فيقولون: # «لولا أن الأمر كذلك، لكان ينبغي أن لا يكون للبيت من الشعر فضل على ~~تفسير المفسر له، لأنه إن كان اللفظ إنما يشرف من أجل معناه، فإن لفظ ~~المفسر يأتي على المعنى ويؤديه لا محالة، إذ لو كان لا يؤديه، لكان لا يكون ~~تفسيرا له». # ثم يقولون: «وإذا لزم ذلك في تفسير البيت من الشعر، لزم مثله في الآية من ~~القرآن» وهم إذا انتهوا في الحجاج إلى هذا الموضع، ظنوا أنهم قد أتوا بما ~~لا يجوز أن يسمع عليهم معه كلام، وأنه نقض ليس بعده إبرام، وربما أخرجهم ~~الإعجاب به إلى الضحك والتعجب ممن يرى أن إلى الكلام عليه سبيلا، وأنه ~~يستطيع أن يقيم على بطلان ما قالوه دليلا. # والجواب، وبالله التوفيق، أن يقال للمحتج بذلك: قولك إنه يصح أن يعبر عن ~~المعنى الواحد بلفظين، ms248 يحتمل أمرين: # أحدهما: أن تريد باللفظين كلمتين معناهما واحد في اللغة، مثل «الليث» و ~~«الأسد»، ومثل «شحط» و «بعد»، وأشباه ذلك مما وضع اللفظان فيه لمعنى. # والثاني: أن تريد كلامين. # فإن أردت الأول خرجت من المسألة، لأن كلامنا نحن في فصاحة تحدث من بعد ~~التأليف، دون الفصاحة التي توصف بها اللفظة مفردة، ومن غير أن يعتبر حالها ~~مع غيرها. # PageV01P268 # وإن أردت الثاني، ولا بد لك من أن تريده، فإن هاهنا أصلا، من عرفه عرف ~~سقوط هذا الاعتراض. وهو أن يعلم أن سبيل المعاني سبيل أشكال الحلي، كالخاتم ~~والشنف والسوار، فكما أن من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غفلا ~~ساذجا، لم يعمل صانعه فيه شيئا أكثر من أن أتى بما يقع عليه اسم الخاتم إن ~~كان خاتما، والشنف إن كان شنفا، وأن يكون مصنوعا بديعا قد أغرب صانعه فيه. # كذلك سبيل المعاني، أن ترى الواحد منها غفلا ساذجا عاميا موجودا في كلام ~~الناس كلهم، ثم تراه نفسه وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة وإحداث الصور ~~في المعاني، فيصنع فيه ما يصنع الصنع الحاذق، حتى يغرب في الصنعة، ويدق في ~~العمل، ويبدع في الصياغة. وشواهد ذلك حاضرة لك كيف شئت، وأمثلته نصب عينيك ~~من أين نظرت. # تنظر إلى قول الناس: «الطبع لا يتغير»، و «لست تستطيع أن تخرج الإنسان ~~عما جبل عليه»، فترى معنى غفلا عاميا معروفا في كل جيل وأمة، ثم تنظر إليه ~~في قول المتنبي: [من المتقارب] # يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل «1» # فتجده قد خرج في أحسن صورة، وتراه قد تحول جوهرة بعد أن كان خرزة، وصار ~~أعجب شيء بعد أن لم يكن شيئا. # وإذ قد عرفت ذلك، فإن العقلاء إلى هذا قصدوا حين قالوا: «إنه يصح أن يعبر ~~عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون أحدهما فصيحا والآخر غير فصيح»، كأنهم ~~قالوا: إنه يصح أن تكون هاهنا عبارتان أصل المعنى فيهما واحد، ثم يكون ~~لإحداهما في تحسين ذلك المعنى وتزيينه، وإحداث خصوصية فيه تأثير لا ms249 يكون ~~للأخرى. # واعلم أن المخالف لا يخلو من أن ينكر أن يكون للمعنى في إحدى العبارتين ~~حسن ومزية لا يكونان له في الأخرى، وأن تحدث فيه على الجملة صورة لم تكن أو ~~يعرف ذلك، فإن أنكر لم يكلم، لأنه يؤديه إلى أن لا يجعل للمعنى في قوله: # وتأبى الطباع على الناقل PageV01P269 # مزية على الذي يعقل من قولهم: «الطبع لا يتغير»، و «لا يستطيع أن يخرج ~~الإنسان عما جبل عليه» وأن لا يرى لقول أبي نواس: [من السريع] # وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # مزية على أن يقال: «غير بديع في قدرة الله تعالى أن يجمع فضائل الخلق ~~كلهم في رجل واحد». ومن أداه قول يقوله إلى مثل هذا، كان الكلام معه محالا، ~~وكنت إذا كلفته أن يعرف، كمن يكلف أن يميز بحور الشعر بعضها من بعض، فيعرف ~~المديد من الطويل، والبسيط من السريع من ليس له ذوق يقيم به الشعر من أصله. # وإن اعترف بأن ذلك يكون، قلنا له: أخبرنا عنك، أتقول في قوله: # وتأبى الطباع على الناقل «1» أنه غاية في الفصاحة؟ فإذا قال: نعم. قيل ~~له: أفكان كذلك عندك من أجل حروفه، أم من أجل حسن ومزية حصلا في المعنى فإن ~~قال: من أجل حروفه: دخل في الهذيان وإن قال: من أجل حسن ومزية حصلا في ~~المعنى، قيل له: فذاك ما أردناك عليه حين قلنا: إن اللفظ يكون فصيحا من أجل ~~مزية تقع في معناه، لا من أجل جرسه وصداه. # واعلم أنه ليس شيء أبين وأوضح وأحرى أن يكشف الشبهة عن متأمله في صحة ما ~~قلناه، من «التشبيه». فإنك تقول: «زيد كالأسد» أو «مثل الأسد» أو «شبيه ~~بالأسد»، فتجد ذلك كله تشبيها غفلا ساذجا ثم تقول: «كأن زيدا الأسد»، فيكون ~~تشبيها أيضا، إلا أنك ترى بينه وبين الأول بونا بعيدا، لأنك ترى له صورة ~~خاصة، وتجدك قد فخمت المعنى وزدت فيه، بأن أفدت أنه من الشجاعة وشدة البطش، ~~وأن قلبه قلب لا يخامره الذعر ولا يدخله الروع، ms250 بحيث يتوهم أنه الأسد بعينه ~~ثم تقول: «لئن لقيته ليلقينك منه الأسد»، فتجده قد أفاد هذه المبالغة، لكن ~~في صورة أحسن، وصفة أخص، وذلك أنك تجعله في «كأن»، يتوهم أنه الأسد، وتجعله ~~هاهنا يرى منه الأسد على القطع، فيخرج الأمر عن حد التوهم إلى حد اليقين ثم ~~نظرت إلى قوله: [من الطويل] PageV01P270 # أأن أرعشت كفا أبيك وأصبحت ... يداك يدي ليث فإنك غالبه «1» # وجدته قد بدا لك في صورة آنق وأحسن ثم نظرت إلى قول أرطاة بن سهية: # [من البسيط] # إن تلقني لا ترى غيري بناظرة ... تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد «2» # وجدته قد فضل الجميع، ورأيته قد أخرج في صورة غير تلك الصور كلها. # واعلم أن من الباطل والمحال ما يعلم الإنسان بطلانه واستحالته بالرجوع ~~إلى النفس حتى لا يشك. ثم إنه إذا أراد بيان ما يجد في نفسه والدلالة عليه، ~~رأى المسلك إليه يغمض ويدق. وهذه الشبهة أعني قولهم: «إنه لو كان يجوز أن ~~يكون الأمر على خلاف ما قالوه من أن الفصاحة وصف للفظ من حيث هو لفظ، لكان ~~ينبغي أن لا يكون للبيت من الشعر فضل على تفسير المفسر»، إلى آخره من ذاك. # وقد علقت لذلك بالنفوس وقويت فيها، حتى إنك لا تلقي إلى أحد من المتعلقين ~~بأمر «اللفظ» كلمة مما نحن فيه، إلا كان هذا أول كلامه، وإلا عجب وقال: «إن ~~التفسير بيان للمفسر، فلا يجوز أن يبقى من معنى المفسر شيء لا يؤديه ~~التفسير ولا يأتي عليه، لأن في تجويز ذلك القول بالمحال، وهو أن لا يزال ~~يبقى من معنى المفسر شيء لا يكون إلى العلم به سبيل. وإذا كان الأمر كذلك، ~~ثبت أن الصحيح ما قلناه، من أنه لا يجوز أن يكون للفظ المفسر فضل من حيث ~~المعنى على لفظ التفسير. وإذ لم يجز أن يكون الفضل من حيث المعنى، لم يبق ~~إلا أن يكون من حيث اللفظ نفسه». # فهذا جملة ما يمكنهم أن يقولوه في نصرة هذه الشبهة، قد استقصيته لك. # وإذ قد عرفته ms251 فاسمع الجواب، وإلى الله تعالى الرغبة في التوفيق للصواب. ~~PageV01P271 # اعلم أن قولهم: «إن التفسير يجب أن يكون كالمفسر»، دعوى لا تصح لهم إلا ~~من بعد أن ينكروا الذي بيناه، من أن من شأن المعاني أن تختلف بها الصور، ~~ويدفعوه أصلا، وحتى يدعوا أنه لا فرق بين «الكناية» و «التصريح»، وأن حال ~~المعنى مع «الاستعارة» كحاله مع ترك الاستعارة، وحتى يبطلوا ما أطبق عليه ~~العقلاء من أن «المجاز» يكون أبدا أبلغ من الحقيقة، فيزعموا أن قولنا: ~~«طويل النجاد» و «طويل القامة» واحد، وأن حال المعنى في بيت ابن هرمة. [من ~~المنسرح] ولا أبتاع إلا قريبة الأجل «1» كحاله في قولك: أنا مضياف وأنك إذا ~~قلت: «رأيت أسدا»، لم يكن الأمر أقوى من أن تقول: «رأيت رجلا هو من الشجاعة ~~بحيث لا ينقص عن الأسد»، ولم تكن قد زدت في المعنى بأن ادعيت له أنه أسد ~~بالحقيقة ولا بالغت فيه وحتى يزعموا أنه لا فضل ولا مزية لقولهم: «ألقيت ~~حبله على غاربه»، على قولك في تفسيره: «خليته وما يريد، وتركته يفعل ما ~~يشاء» وحتى لا يجعلوا للمعنى في قوله تعالى: وأشربوا في قلوبهم العجل ~~[البقرة: 93]، مزية على أن يقال: «اشتدت محبتهم للعجل وغلبت على قلوبهم» - ~~وأن تكون صورة المعنى في قوله عز وجل: # واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4]، صورته في قول من يقول: «وشاب رأسي كله» و ~~«ابيض رأسي كله» وحتى لا يروا فرقا بين قوله تعالى: فما ربحت تجارتهم ~~[البقرة: 16]، وبين: «فما ربحوا في تجارتهم» وحتى يرتكبوا جميع ما أريناك ~~الشناعة فيه، من أن لا يكون فرق بين قول المتنبي: # وتأبى الطباع على الناقل «2» وبين قولهم: «إنك لا تقدر أن تغير طباع ~~الإنسان» ويجعلوا حال المعنى في قول أبي نواس: [من السريع] # وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # كحاله في قولنا: «إنه ليس ببديع في قدرة الله أن يجمع فضائل الخلق كلهم ~~في واحد» ويرتكبوا ذلك في الكلام كله، حتى يزعموا أنا إذا قلنا في قوله ~~تعالى: # ولكم في القصاص حياة ms252 أن المعنى فيها: «أنه لما كان الإنسان إذا هم بقتل ~~آخر PageV01P272 # لشيء غاظه منه، فذكر أنه إن قتله قتل ارتدع، صار المهموم بقتله كأنه قد ~~استفاد حياة فيما يستقبل بالقصاص» كنا قد أدينا المعنى في تفسيرنا هذا على ~~صورته التي هو عليها في الآية، حتى لا نعرف فضلا، وحتى يكون حال الآية ~~والتفسير حال اللفظتين إحداهما غريبة والأخرى مشهورة، فتفسر الغريبة ~~بالمشهورة، مثل أن تقول مثلا في «الشرجب» «1» إنه الطويل، وفي «القط» إنه ~~الكتاب، وفي «الدسر» إنه المسامير. ومن صار الأمر به إلى هذا، كان الكلام ~~معه محالا. # واعلم أنه ليس عجب أعجب من حال من يرى كلامين، أجزاء أحدهما مخالفة في ~~معانيها لأجزاء الآخر، ثم يرى أنه يسع في العقل أن يكون معنى أحد الكلامين ~~مثل معنى الآخر سواء، حتى يقعد فيقول: «إنه لو كان يكون الكلام فصيحا من ~~أجل مزية تكون في معناه، لكان ينبغي أن توجد تلك المزية في تفسيره». ومثله ~~في العجب أنه ينظر إلى قوله تعالى: فما ربحت تجارتهم [البقرة: 16]، فيرى ~~إعراب الاسم الذي هو «التجارة»، قد تغير فصار مرفوعا بعد أن كان مجرورا، ~~ويرى أنه قد حذف من اللفظ بعض ما كان فيه، وهو «الواو» في «ربحوا»، و «في» ~~من قولنا: «في تجارتهم»، ثم لا يعلم أن ذلك يقتضي أن يكون المعنى قد تغير ~~كما تغير اللفظ!! واعلم أنه ليس للحجج والدلائل في صحة ما نحن عليه حد ~~ونهاية، وكلما انتهى منه باب انفتح فيه باب آخر. وقد أردت أن آخذ في نوع ~~آخر من الحجاج، ومن البسط والشرح، فتأمل ما أكتبه لك. # اعلم أن الكلام الفصيح ينقسم قسمين: قسم تعزى المزية والحسن فيه إلى ~~اللفظ وقسم يعزى ذلك فيه إلى النظم. # فالقسم الأول: «الكناية» و «الاستعارة» و «التمثيل الكائن على حد ~~الاستعارة»، وكل ما كان فيه، على الجملة، مجاز واتساع وعدول باللفظ عن ~~الظاهر، فما من ضرب من هذه الضروب إلا وهو إذا وقع على الصواب وعلى ما ~~ينبغي، أوجب الفضل والمزية. # فإذا ms253 قلت: «هو كثير رماد القدر»، كان له موقع وحظ من القبول لا يكون إذا ~~قلت: «هو كثير القرى والضيافة». # وكذا إذا قلت: «هو طويل النجاد»، كان له تأثير في النفس لا يكون إذا قلت: # «هو طويل القامة». PageV01P273 # وكذا إذا قلت: «رأيت أسدا»، كان له مزية لا تكون إذا قلت: «رأيت رجلا ~~يشبه الأسد ويساويه في الشجاعة». # وكذلك إذا قلت: «أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى»، كان له موقع لا يكون إذا ~~قلت: «أراك تتردد في الذي دعوتك إليه، كمن يقول: أخرج ولا أخرج، فيقدم رجلا ~~ويؤخر أخرى». # وكذلك إذا قلت: «ألقى حبله على غاربه»، كان له مأخذ من القلب لا يكون إذا ~~قلت: «هو كالبعير الذي يلقى حبله على غاربه حتى يرعى كيف يشاء ويذهب حيث ~~يريد». # لا يجهل المزية فيه إلا عديم الحس ميت النفس، وإلا من لا يكلم، لأنه من ~~مبادئ المعرفة التي من عدمها لم يكن للكلام معه معنى. # وإذ قد عرفت هذه الجملة، فينبغي أن تنظر إلى هذه المعاني واحدا واحدا، ~~وتعرف محصولها وحقائقها، وأن تنظر أولا إلى «الكناية»، وإذا نظرت إليها ~~وجدت حقيقتها ومحصول أمرها أنها إثبات لمعنى، أنت تعرف ذلك المعنى من طريق ~~المعقول دون طريق اللفظ. ألا ترى أنك لما نظرت إلى قولهم: «هو كثير رماد ~~القدر»، وعرفت منه أنهم أرادوا أنه كثير القرى والضيافة، لم تعرف ذلك من ~~اللفظ، ولكنك عرفته بأن رجعت إلى نفسك فقلت: إنه كلام قد جاء عنهم في ~~المدح، ولا معنى للمدح بكثرة الرماد، فليس إلا أنهم أرادوا أن يدلوا بكثرة ~~الرماد على أنه تنصب له القدور الكثيرة، ويطبخ فيها للقرى والضيافة. وذلك ~~لأنه إذا كثر الطبخ في القدور كثر إحراق الحطب تحتها، وإذا كثر إحراق الحطب ~~كثر الرماد لا محالة. # وهكذا السبيل في كل ما كان «كناية». فليس من لفظ الشعر عرفت أن ابن هرمة ~~أراد بقوله: # ولا أبتاع إلا قريبة الأجل «1» التمدح بأنه مضياف، ولكنك عرفته بالنظر ~~اللطيف، وبأن علمت أنه لا معنى للتمدح بظاهر ما يدل ms254 عليه اللفظ من قرب أجل ~~ما يشتريه، فطلبت له تأويلا، فعلمت أنه أراد أنه يشتري ما يشتريه للأضياف، ~~فإذا اشترى شاة أو بعيرا، كان قد اشترى ما قد دنا أجله، لأنه يذبح وينحر عن ~~قريب. PageV01P274 # وإذ قد عرفت هذا في «الكناية»، «فالاستعارة» في هذه القضية. وذاك أن ~~موضوعها على أنك تثبت بها معنى لا يعرف السامع ذلك المعنى من اللفظ، ولكنه ~~يعرفه من معنى اللفظ. # بيان هذا، أنا نعلم أنك لا تقول: «رأيت أسدا، إلا وغرضك أن تثبت للرجل ~~أنه مساو للأسد في شجاعته وجرأته، وشدة بطشه وإقدامه، وفي أن الذعر لا ~~يخامره، والخوف # لا يعرض له. ثم تعلم أن السامع إذا عقل هذا المعنى، لم يعقله من لفظ ~~«أسد»، ولكنه يعقله من معناه، وهو أنه يعلم أنه لا معنى لجعله «أسدا»، مع ~~العلم بأنه «رجل»، إلا أنك أردت أنه بلغ من شدة مشابهته للأسد ومساواته ~~إياه، مبلغا يتوهم معه أنه أسد بالحقيقة. فاعرف هذه الجملة وأحسن تأملها. # واعلم أنك ترى الناس وكأنهم يرون أنك إذا قلت: «رأيت أسدا»، وأنت تريد ~~التشبيه، كنت نقلت لفظ «أسد» عما وضع له في اللغة، واستعملته في معنى غير ~~معناه، حتى كأن ليس «الاستعارة» إلا أن تعمد إلى اسم الشيء فتجعله اسما ~~لشبيه، وحتى كأن لا فصل بين «الاستعارة»، وبين تسمية المطر «سماء»، والنبت ~~«غيثا»، والمزادة «راوية»، وأشباه ذلك مما يوقع فيه اسم الشيء على ما هو ~~منه بسبب، ويذهبون عما هو مركوز في الطباع من أن المعنى فيه المبالغة، وأن ~~يدعي في الرجل أنه ليس برجل، ولكنه أسد بالحقيقة، وأنه إنما يعار اللفظ من ~~بعد أن يعار المعنى، وأنه لا يشرك في اسم «الأسد»، إلا من بعد أن يدخل في ~~جنس الأسد. لا ترى أحدا يعقل إلا وهو يعرف ذلك إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع. # ومن أجل أن كان الأمر كذلك، رأيت العقلاء كلهم يثبتون القول بأن من شأن ~~«الاستعارة» أن تكون أبدا أبلغ من الحقيقة، وإلا فإن كان ليس هاهنا إلا ms255 نقل ~~اسم من شيء إلى شيء، فمن أين يجب، ليت شعري، أن تكون الاستعارة أبلغ من ~~الحقيقة، ويكون لقولنا: «رأيت أسدا»، مزية على قولنا: «رأيت شبيها بالأسد»؟ ~~وقد علمنا أنه محال أن يتغير الشيء في نفسه، بأن ينقل إليه اسم قد وضع ~~لغيره، من بعد أن لا يراد من معنى ذلك الاسم فيه شيء بوجه من الوجوه، بل ~~يجعل كأنه لم يوضع لذلك المعنى الأصلي أصلا. وفي أي عقل يتصور أن يتغير ~~معنى «شبيها بالأسد»، بأن يوضع لفظ «أسد» عليه، وينقل إليه؟ # واعلم أن العقلاء بنوا كلامهم، إذا قاسوا وشبهوا، على أن الأشياء تستحق ~~الأسامي لخواص معان هي فيها دون ما عداها، فإذا أثبتوا خاصة شيء لشيء، ~~أثبتوا له # PageV01P275 # اسمه، فإذا جعلوا «الرجل» بحيث لا تنقص شجاعته عن شجاعة الأسد ولا يعدم ~~منها شيئا، قالوا: «هو أسد» وإذا وصفوه بالتناهي في الخير والخصال الشريفة، ~~أو بالحسن الذي يبهر قالوا: «هو ملك» وإذا وصفوا الشيء بغاية الطيب قالوا: ~~«هو مسك». # وكذلك الحكم أبدا. # ثم إنهم إذا استقصوا في ذلك نفوا عن المشبه اسم جنسه فقالوا: «ليس هو ~~بإنسان، وإنما هو أسد»، و «ليس هو آدميا، وإنما هو ملك»، كما قال الله ~~تعالى: # ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم [يوسف: 31]. # ثم إن لم يريدوا أن يخرجوه عن جنسه جملة قالوا: «هو أسد في صورة إنسان» و ~~«هو ملك في صورة آدمي». وقد خرج هذا للمتنبي في أحسن عبارة، وذلك في قوله: ~~[من الخفيف] # نحن ركب ملجن في زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال «1» # ففي هذه الجملة بيان لمن عقل أن ليست «الاستعارة» نقل اسم عن شيء إلى ~~شيء، ولكنها ادعاء معنى الاسم لشيء، إذ لو كانت نقل اسم وكان قولنا: «رأيت ~~أسدا»، بمعنى: رأيت شبيها بالأسد، ولم يكن ادعاء أنه أسد بالحقيقة لكان ~~محالا أن يقال: «ليس هو بإنسان، ولكنه أسدا» أو «هو أسد في صورة إنسان»، ~~كما أنه محال أن يقال: «ليس هو بإنسان، ولكنه شبيه بأسد» أو ms256 يقال: «هو شبيه ~~بأسد في صورة إنسان». # واعلم أنه قد كثر في كلام الناس استعمال لفظ «النقل» في «الاستعارة»، فمن ~~ذلك قولهم: «إن الاستعارة تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة ~~على سبيل النقل»: وقال القاضي أبو الحسن «2»: «الاستعارة ما اكتفي فيه ~~بالاسم المستعار عن الأصلي، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها». ~~PageV01P276 # ومن شأن ما غمض من المعاني ولطف، أن يصعب تصويره على الوجه الذي هو عليه ~~لعامة الناس، فيقع لذلك في العبارات التي يعبر بها عنه، ما يوهم الخطأ، ~~وإطلاقهم في «الاستعارة» أنها «نقل للعبارة عما وضعت له»، من ذلك، فلا يصح ~~الأخذ به. وذلك أنك إذا كنت لا تطلق اسم «الأسد» على «الرجل»، إلا من بعد ~~أن تدخله في جنس الأسود من الجهة التي بينا، لم تكن نقلت الاسم عما وضع له ~~بالحقيقة، لأنك إنما تكون ناقلا، إذا أنت أخرجت معناه الأصلي من أن يكون ~~مقصودك، ونفضت به يدك. فأما أن تكون ناقلا له عن معناه، مع إرادة معناه، ~~فمحال متناقض. # واعلم أن في «الاستعارة» ما لا يتصور تقدير النقل فيه البتة، وذلك مثل ~~قول لبيد: [من الكامل] # وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها «1» # لا خلاف في أن «اليد» استعارة، ثم إنك لا تستطيع أن تزعم أن لفظ «اليد» ~~قد نقل عن شيء إلى شيء. وذلك أنه ليس المعنى على أنه شبه شيئا باليد، ~~فيمكنك أن تزعم أنه نقل لفظ «اليد» إليه، وإنما المعنى على أنه أراد أن ~~يثبت للشمال في تصريفها «الغداة» على طبيعتها، شبه الإنسان قد أخذ الشيء ~~بيده يقبله ويصرفه كيف يريد. فلما أثبت لها مثل فعل الإنسان باليد، استعار ~~لها «اليد». وكما لا يمكنك تقدير «النقل» في لفظ «اليد»، كذلك لا يمكنك أن ~~تجعل الاستعارة فيه من صفة اللفظ. ألا ترى أنه محال أن تقول: إنه استعار ~~لفظ «اليد» للشمال؟ وكذلك سبيل نظائره، مما تجدهم قد أثبتوا فيه للشيء عضوا ~~من أعضاء الإنسان، من أجل إثباتهم له ms257 المعنى الذي يكون في ذلك العضو من ~~الإنسان كبيت الحماسة: [من الطويل] # إذا هزه في عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك «2» # فإنه لما جعل «المنايا» تضحك، جعل لها «الأفواه والنواجذ» التي يكون ~~الضحك فيها وكبيت المتنبي: [من الطويل] PageV01P277 # خميس بشرق الأرض والغرب زحفه ... وفي أذن الجوزاء منه زمازم «1» # لما جعل «الجوزاء» تسمع على عادتهم في جعل النجوم تعقل، ووصفهم لها بما ~~يوصف به الأناسي أثبت لها «الأذن» التي بها يكون السمع من الأناسي. # فأنت الآن لا تستطيع أن تزعم في بيت الحماسة أنه استعار لفظ «النواجذ» ~~ولفظ «الأفواه»، لأن ذلك يوجب المحال، وهو أن يكون في المنايا شيء قد شبهه ~~بالنواجذ، وشيء قد شبهه بالأفواه، فليس إلا أن تقول: إنه لما ادعى أن ~~المنايا تسر وتستبشر إذا هو هز السيف، وجعلها لسرورها بذلك تضحك أراد أن ~~يبالغ في الأمر، فجعلها في صورة من يضحك حتى تبدو نواجذه من شدة السرور. # وكذلك لا تستطيع أن تزعم أن المتنبي قد استعار لفظ «الأذن»، لأنه يوجب أن ~~يكون في «الجوزاء» شيء قد أراد تشبيهه بالأذن. وذلك من شنيع المحال. # فقد تبين من غير وجه أن «الاستعارة» إنما هي ادعاء معنى الاسم للشيء، لا ~~نقل الاسم عن الشيء. وإذا ثبت أنها ادعاء معنى الاسم للشيء، علمت أن الذي ~~قالوه من «أنها تعليق للعبارة على غير ما وضعت له في اللغة، ونقل لها عما ~~وضعت له» كلام قد تسامحوا فيه، لأنه إذا كانت «الاستعارة» ادعاء معنى ~~الاسم، لم يكن الاسم مزالا عما وضع له، بل مقرا عليه. # واعلم أنك تراهم لا يمتنعون إذا تكلموا في «الاستعارة» من أن يقولوا: ~~«إنه أراد المبالغة فجعله أسدا»، بل هم يلجئون إلى القول به. وذلك صريح في ~~أن الأصل فيها المعنى، وأنه المستعار في الحقيقة، وأن قولنا: «استعير له ~~اسم الأسد»، إشارة إلى أنه استعير له معناه، وأنه جعل إياه. # وذلك أنا لو لم نقل ذلك، لم يكن «لجعل» هاهنا معنى، لأن «جعل» لا يصلح ~~إلا حيث يراد ms258 إثبات صفة للشيء، كقولنا: «جعلته أميرا» و «جعلته لصا»، تريد ~~أنك أثبت له الإمارة، ونسبته إلى اللصوصية وادعيتها عليه ورميته بها. # وحكم «جعل»، إذا تعدى إلى مفعولين، حكم «صير»، فكما لا تقول: PageV01P278 # «صيرته أميرا»، إلا على معنى أنك أثبت له صفة الإمارة، كذلك لا يصح أن ~~تقول: # «جعلته أسدا»، إلا على معنى أنك أثبت له معاني الأسد. وأما ما تجده في ~~بعض كلامهم من أن «جعل» يكون بمعنى «سمى»، فمما تسامحوا فيه أيضا، لأن ~~المعنى معلوم، وهو مثل أن تجد الرجل يقول: «أنا لا أسميه إنسانا»، وغرضه أن ~~يقول: إني لا أثبت له المعاني التي بها كان الإنسان إنسانا. فأما أن يكون ~~«جعل» في معنى «سمى»، هكذا غفلا، فمما لا يخفى فساده. ألا ترى أنك لا تجد ~~عاقلا يقول: # «جعلته زيدا»، بمعنى: سميته زيدا ولا يقال للرجل: «اجعل ابنك زيدا»، ~~بمعنى: # سمه زيدا و «ولد ابن فجعله عبد الله»، أي: سماه عبد الله. هذا ما لا يشك ~~فيه ذو عقل إذا نظر. # وأكثر ما يكون منهم هذا التسامح، أعني قولهم إن «جعل» يكون بمعنى «سمى» ~~في قوله تعالى: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا [الزخرف: # 19]، فقد ترى في التفسير أن «جعل» يكون بمعنى «سمى»، وعلى ذاك فلا شبه في ~~أن ليس المعنى على مجرد التسمية، ولكن على الحقيقة التي وصفتها لك. وذاك ~~أنهم أثبتوا للملائكة صفة الإناث، واعتقدوا وجودها فيهم، وعن هذا الاعتقاد ~~صدر عنهم ما صدر من الاسم أعني إطلاق اسم «البنات» وليس المعنى أنهم وضعوا ~~لها لفظ «الإناث» ولفظ «البنات»، من غير اعتقاد معنى وإثبات صفة. هذا محال. # أو لا ترى إلى قوله تعالى: أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون [الزخرف: ~~19]، فلو كانوا لم يزيدوا على إجراء الاسم على الملائكة، ولم يعتقدوا إثبات ~~صفة لما قال الله تعالى: أشهدوا خلقهم. هذا ولو كانوا لم يقصدوا إثبات صفة، ~~ولم يكن غير أن وضعوا اسما لا يريدون به معنى، لما استحقوا إلا اليسير من ~~الذم، ولما كان هذا القول منهم ms259 كفرا. والتفسير الصحيح والعبارة المستقيمة، ~~ما قاله أبو إسحاق الزجاج رحمه الله، فإنه قال: إن «الجعل» هاهنا في معنى ~~القول والحكم على الشيء، تقول: «قد جعلت زيدا أعلم الناس»، أي وصفته بذلك ~~وحكمت به. # ونرجع إلى الغرض فنقول: فإذا ثبت أن ليست «الاستعارة» نقل الاسم، ولكن ~~ادعاء معنى الاسم وكنا إذا عقلنا من قول الرجل: «رأيت أسدا»، أنه أراد به ~~المبالغة في وصفه بالشجاعة، وأن يقول: إنه من قوة القلب، ومن فرط البسالة ~~وشدة البطش، وفي أن الخوف لا يخامره، والذعر لا يعرض له، بحيث لا ينقص عن ~~الأسد لم نعقل ذلك من لفظ «أسد»، ولكن من ادعائه معنى الأسد الذي رآه ثبت ~~بذلك أن «الاستعارة كالكناية، في أنك تعرف المعنى فيها من طريق المعقول دون ~~طريق اللفظ. # PageV01P279 # وإذ قد عرفت أن طريق العلم بالمعنى في «الاستعارة» و «الكناية» معا، ~~المعقول، فاعلم أن حكم «التمثيل» في ذلك حكمهما، بل الأمر في «التمثيل» ~~أظهر. # وذلك أنه ليس من عاقل يشك إذا نظر في كتاب يزيد بن الوليد «1» إلى مروان ~~ابن محمد، حين بلغه أنه يتلكأ في بيعته: # «أما بعد، فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد ~~على أيتهما شئت، والسلام» «2». # يعلم أن المعنى أنه يقول له: بلغني أنك في أمر البيعة بين رأيين مختلفين، ~~ترى تارة أن تبايع،، وأخرى أن تمتنع من البيعة، فإذا أتاك كتابي هذا فاعمل ~~على أي الرأيين شئت وأنه لم يعرف ذلك من لفظ «التقديم والتأخير»، أو من لفظ ~~«الرجل»، ولكن بأن علم أنه لا معنى لتقديم الرجل وتأخيرها في رجل يدعى إلى ~~البيعة، وأن المعنى على أنه أراد أن يقول: إن مثلك في ترددك بين أن تبايع، ~~وبين أن تمتنع، مثل رجل قائم ليذهب في أمر، فجعلت نفسه تريه تارة أن الصواب ~~في أن يذهب، وأخرى أنه في أن لا يذهب، فجعل يقدم رجلا تارة، ويؤخر أخرى. # وهكذا كل كلام كان ضرب مثل، لا يخفى على من له أدنى تمييز أن الأغراض ms260 ~~التي تكون للناس في ذلك لا تعرف من الألفاظ، ولكن تكون المعاني الحاصلة من ~~مجموع الكلام أدلة على الأغراض والمقاصد. ولو كان الذي يكون غرض المتكلم ~~يعلم من اللفظ، ما كان لقولهم: «ضرب كذا مثلا لكذا»، معنى، فما اللفظ «يضرب ~~مثلا» ولكن المعنى. فإذا قلنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم ~~وخضراء الدمن» «3»، إنه ضرب عليه السلام «خضراء الدمن» مثلا للمرأة الحسناء ~~في منبت السوء، لم يكن المعنى أنه صلى الله عليه وسلم ضرب لفظ «خضراء ~~الدمن» مثلا لها. هذا ما لا يظنه من به مس، فضلا عن العاقل. # فقد زال الشك وارتفع في أن طريق العلم بما يراد إثباته والخبر به في هذه ~~الأجناس الثلاثة، التي هي «الكناية» و «الاستعارة» و «التمثيل» المعقول دون ~~اللفظ، PageV01P280 # من حيث يكون القصد بالإثبات فيها إلى معنى ليس هو معنى اللفظ، ولكنه معنى ~~يستدل بمعنى اللفظ عليه، ويستنبط منه، كنحو ما ترى من أن القصد في قولهم: # «هو كثير رماد القدر»، إلى كثرة القرى، وأنت لا تعرف ذلك من هذا اللفظ ~~الذي تسمعه، ولكنك تعرفه بأن تستدل عليه بمعناه، وعلى ما مضى الشرح فيه. # وإذ قد عرفت ذلك، فينبغي أن يقال لهؤلاء الذين اعترضوا علينا في قولنا: ~~«إن الفصاحة وصف يجب للكلام من أجل مزية تكون في معناه، وأنها لا تكون وصفا ~~له من حيث اللفظ مجردا عن المعنى»، واحتجوا بأن قالوا: «إنه لو كان الكلام ~~إذا وصف بأنه فصيح، كان ذلك من أجل مزية تكون في معناه، لوجب أن يكون ~~تفسيره فصيحا مثله» أخبرونا عنكم، أترون أن من شأن هذه الأجناس، إذا كانت ~~في الكلام، أن تكون له بها مزية توجب له الفصاحة، أم لا ترون ذلك؟ # فإن قالوا: لا نرى ذلك لم يكلموا وإن قالوا: نرى للكلام، إذا كانت فيه، ~~مزية توجب له الفصاحة. # قيل لهم: فأخبرونا عن تلك المزية، أتكون في اللفظ أم في المعنى؟ # فإن قالوا: في اللفظ دخلوا في الجهالة، من حيث يلزم من ذلك أن ms261 تكون ~~«الكناية» و «الاستعارة» و «التمثيل» أوصافا للفظ، لأنه لا يتصور أن تكون ~~مزيتها في اللفظ حتى تكون أوصافا له. وذلك محال، من حيث يعلم كل عاقل أنه ~~لا يكنى باللفظ عن اللفظ، وأنه إنما يكنى بالمعنى عن المعنى. وكذلك يعلم ~~أنه لا يستعار اللفظ مجردا عن المعنى، ولكن يستعار المعنى، ثم اللفظ يكون ~~تبع المعنى، على ما قدمنا الشرح فيه. ويعلم كذلك أنه محال أن يضرب «المثل» ~~باللفظ، وأن يكون قد ضرب لفظ: «أراك تقدم رجلا # وتؤخر أخرى» مثلا لتردده في أمر البيعة. # وإن قالوا: هي في المعنى. # قيل لهم: فهو ما أردناكم عليه، فدعوا الشك عنكم، وانتبهوا من رقدتكم، ~~فإنه علم ضروري قد أدى التقسيم إليه، وكل علم كان كذلك، فإنه يجب القطع على ~~كل سؤال يسأل فيه بأنه خطأ، وأن السائل ملبوس عليه. # ثم إن الذي يعرف به وجه دخول الغلط عليهم في قولهم: «إنه لو كان الكلام ~~يكون فصيحا من أجل مزية تكون في معناه، لوجب أن يكون تفسيره فصيحا مثله»، ~~هو أنك إذا نظرت إلى كلامهم هذا وجدتهم كأنهم قالوا: «إنه لو كان الكلام ~~إذا كان # PageV01P281 # فيه كناية أو استعارة أو تمثيل، كان لذلك فصيحا، لوجب أن يكون إذا لم ~~توجد فيه هذه المعاني فصيحا أيضا». ذاك لأن تفسير «الكناية» أن نتركها ~~ونصرح بالمكني عنه فنقول: إن المعنى في قولهم: «هو كثير رماد القدر»، أنه ~~كثير القرى وكذلك الحكم في «الاستعارة»، فإن تفسيرها أن نتركها، ونصرح ~~بالتشبيه فنقول في «رأيت أسدا»: إن المعنى: رأيت رجلا يساوي الأسد في ~~الشجاعة وكذلك الأمر في «التمثيل»، لأن تفسيره أن نذكر المتمثل له فنقول في ~~قوله: «أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى»: إن المعنى أنه قال: أراك تتردد في أمر ~~البيعة فتقول تارة أفعل، وتارة لا أفعل، كمن يريد الذهاب في وجه، فتريه ~~نفسه تارة أن الصواب في أن يذهب، وأخرى أنه في أن لا يذهب، فهو يقدم رجلا ~~ويؤخر أخرى. وهذا خروج عن المعقول، لأنه بمنزلة أن تقول لرجل ms262 قد نصب لوصف ~~علة: «إن كان هذا الوصف يجب لهذه العلة، فينبغي أن يجب مع عدمها». # ثم إن الذي استهواهم، هو أنهم نظروا إلى تفسير ألفاظ اللغة بعضها ببعض، ~~فلما رأوا اللفظ إذا فسر بلفظ، مثل أن يقال في «الشرجب» إنه الطويل، لم يجز ~~أن يكون في المفسر من حيث المعنى، مزية لا تكون في التفسير ظنوا أن سبيل ما ~~نحن فيه ذلك السبيل. وذلك غلط منهم، لأنه إما كان للمفسر، فيما نحن فيه، ~~الفضل والمزية على التفسير، من حيث كانت الدلالة في المفسر دلالة معنى على ~~معنى، وفي التفسير دلالة لفظ على معنى. وكان من المركوز في الطباع، والراسخ ~~في غرائز العقول، أنه متى أريد الدلالة على معنى، فترك أن يصرح به ويذكر ~~باللفظ الذي هو له في اللغة، وعمد إلى معنى آخر فأشير به إليه، وجعل دليلا ~~عليه كان للكلام بذلك حسن ومزية لا يكونان إذا لم يصنع ذلك، وذكر بلفظه ~~صريحا. # ولا يكون هذا الذي ذكرت أنه سبب فضل المفسر على التفسير، من كون الدلالة ~~في المفسر دلالة معنى على معنى، وفي التفسير دلالة لفظ على معنى، حتى يكون ~~للفظ المفسر معنى معلوم يعرفه السامع، وهو غير معنى لفظ التفسير في نفسه ~~وحقيقته، كما ترى من أن الذي هو معنى اللفظ في قولهم: «هو كثير رماد ~~القدر»، غير الذي هو معنى اللفظ في قولهم: «هو كثير القرى»، ولو لم يكن ~~كذلك، لم يتصور أن يكون هاهنا دلالة معنى على معنى. # وإذ قد عرفت هذه الجملة، فقد حصل لنا منها أن المفسر يكون له دلالتان: # دلالة اللفظ على المعنى، ودلالة المعنى الذي دل اللفظ عليه على معنى لفظ ~~آخر ولا # PageV01P282 # يكون للتفسير إلا دلالة واحدة، وهي دلالة اللفظ. وهذا الفرق هو سبب أن ~~كان للمفسر الفضل والمزية على التفسير. # ومحال أن يكون هذا قضية المفسر والتفسير في ألفاظ اللغة، ذاك لأن معنى ~~المفسر يكون دالا مجهولا عند السامع، ومحال أن يكون للمجهول دلالة. # ثم إن معنى المفسر يكون ms263 هو معنى التفسير بعينه، ومحال إذا كان المعنى ~~واحدا أن يكون للمفسر فضل على التفسير، لأن الفضل كان في مسألتنا بأن دل ~~لفظ المفسر على معنى، ثم دل معناه على معنى آخر. وذلك لا يكون مع كون ~~المعنى واحدا ولا يتصور. # بيان هذا: أنه محال أن يقال إن معنى «الشرجب» الذي هو المفسر، يكون دليلا ~~على معنى تفسير الذي هو «الطويل» على وزان قولنا إن معنى: «كثير رماد ~~القدر»، يدل على معنى تفسيره الذي هو «كثير القرى»، لأمرين: # أحدهما: أنك لا تفسر «الشرجب» حتى يكون معناه مجهولا عند السامع، ومحال ~~أن يكون للمجهول دلالة. # والثاني: أن المعنى في تفسيرنا «الشرجب» بالطويل، أن نعلم السامع أن ~~معناه هو معنى الطويل بعينه. وإذا كان كذلك، كان محالا أن يقال: إن معناه ~~يدل على معنى الطويل، بل الذي يعقل أن يقال: إن معناه هو معنى الطويل. ~~فاعرف ذلك. # وانظر إلى لعب الغفلة بالقوم، وإلى ما رأوا في منامهم من الأحلام ~~الكاذبة! ولو أنهم تركوا الاستنامة إلى التقليد، والأخذ بالهوينا، وترك ~~النظر، وأشعروا قلوبهم أن هاهنا كلاما ينبغي أن يصغى إليه لعلموا، ولعاد ~~إعجابهم بأنفسهم في سؤالهم هذا وفي سائر أقوالهم، عجبا منها ومن تطويح ~~الظنون بها. # وإذ قد بان سقوط ما اعترض به القوم وفحش غلطهم، فينبغي أن تعلم أن ليست ~~المزايا التي تجدها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره، والمبالغة ~~التي تحسها في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم بخبره إليها، ولكنها في طريق ~~إثباته لها، وتقريره إياها، وأنك إذا سمعتهم يقولون: «إن من شأن هذه ~~الأجناس أن تكسب المعاني مزية وفضلا، وتوجب لها شرفا ونبلا، وأن تفخمها في ~~نفوس السامعين» فإنهم لا يعنون أنفس المعاني، كالتي يقصد المتكلم بخبره ~~إليها، كالقرى والشجاعة والتردد في الرأي، وإنما يعنون إثباتها لما تثبت له ~~ويخبر بها عنه. # فإذا جعلوا للكناية مزية على التصريح، لم يجعلوا تلك المزية في المعنى ~~المكني # PageV01P283 # عنه، ولكن في إثباته للذي يثبت له، وذلك أنا نعلم أن المعاني التي يقصد ms264 ~~الخبر بها لا تتغير في أنفسها بأن يكنى عنها بمعان سواها، ويترك أن تذكر ~~بالألفاظ التي هي # لها في اللغة. ومن هذا الذي يشك أن معنى طول القامة وكثرة القرى لا ~~يتغيران بأن يكنى عنهما بطول النجاد وكثرة رماد القدر، وتقدير التغيير ~~فيهما يؤدي إلى أن لا تكون الكناية عنهما، ولكن عن غيرهما؟ # وقد ذكرت هذا في صدر الكتاب، وذكرت أن السبب في أن كان يكون للإثبات إذا ~~كان من طريق «الكناية» مزية لا تكون إذا كان من طريق التصريح، أنك إذا كنيت ~~عن كثرة القرى بكثرة رماد القدر، كنت قد أثبت كثرة القرى بإثبات شاهدها ~~ودليلها، وما هو علم على وجودها، وذلك لا محالة يكون أبلغ من إثباتها ~~بنفسها، وذلك لأنه يكون سبيلها حينئذ سبيل الدعوى تكون مع شاهد. # وذكرت أن السبب في أن كانت «الاستعارة» أبلغ من الحقيقة، أنك إذا ادعيت ~~للرجل أنه أسد بالحقيقة، كان ذلك أبلغ وأشد في تسويته أنك إذا ادعيت للرجل ~~أنه أسد بالحقيقة، كان ذلك أبلغ وأشد في تسويته بالأسد في الشجاعة. ذاك ~~لأنه محال أن يكون من الأسود، ثم لا تكون له شجاعة الأسود. وكذلك الحكم في ~~«التمثيل»، فإذا قلت: «أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى»، كان أبلغ في إثبات ~~التردد له من أن تقول: «أنت كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى». # واعلم أنه قد يهجس في نفس الإنسان شيء يظن من أجله أنه ينبغي أن يكون ~~الحكم في المزية التي تحدث بالاستعارة، أنها تحدث في المثبت دون الإثبات. # وذلك أن تقول: إنا إذا نظرنا إلى «الاستعارة»، وجدناها إنما كانت أبلغ من ~~أجل أنها تدل على قوة الشبه، وأنه قد تناهى إلى أن صار المشبه لا يتميز عن ~~المشبه به في المعنى الذي من أجله شبه به. وإذا كان كذلك، كانت المزية ~~الحادثة بها حادثة في الشبه. وإذا كانت حادثة في الشبه، كانت في المثبت دون ~~الإثبات. # والجواب عن ذلك أن يقال: إن الاستعارة، لعمري، تقتضي قوة الشبه، وكونه ~~بحيث لا يتميز المشبه عن ms265 المشبه به، ولكن ليس ذاك سبب المزية. وذلك لأنه لو ~~كان ذاك سبب المزية، لكان ينبغي إذا جئت به صريحا فقلت: «رأيت رجلا مساويا ~~للأسد في الشجاعة، وبحيث لولا صورته لظننت أنك رأيت أسدا»، وما شاكل ذلك من ~~ضروب المبالغة، أن تجد لكلامك المزية التي تجدها لقولك: «رأيت أسدا». # وليس يخفى على عاقل أن ذلك لا يكون. # PageV01P284 # فإن قال قائل: إن المزية من أجل أن المساواة تعلم في «رأيت أسدا» من طريق ~~المعنى، وفي «رأيت رجلا مساويا للأسد» من طريق اللفظ. # قيل: قد قلنا فيما تقدم، إنه محال أن يتغير حال المعنى في نفسه، بأن يكنى ~~عنه بمعنى آخر وأنه لا يتصور أن يتغير معنى طول القامة بأن يكنى عنه بطول ~~النجاد، ومعنى كثرة القرى بأن يكنى عنه بكثير الرماد. وكما أن ذلك لا ~~يتصور، فكذلك لا يتصور أن يتغير معنى مساواة الرجل الأسد في الشجاعة، بأن ~~يكنى عن ذلك ويدل عليه بأن تجعله «أسدا». فأنت الآن إذا نظرت إلى قوله: [من ~~البسيط] # فأسبلت لؤلؤا من نرجس، وسقت ... وردا، وعضت على العناب بالبرد «1» # فرأيته قد أفادك أن «الدمع» كان لا يخرم من شبه اللؤلؤ، و «العين» من شبه ~~النرجس شيئا، فلا تحسبن أن سبب الحسن الذي تراه فيه، والأريحية التي تجدها ~~عنده، أنه أفادك ذلك فحسب. وذاك أنك تستطيع أن تجيء به صريحا فتقول: # «فأسبلت دمعا كأنه اللؤلؤ بعينه، من عين كأنها النرجس حقيقة»، ثم لا ترى ~~من ذلك الحسن شيئا. ولكن اعلم أن سبب أن راقك، وأدخل الأريحية عليك، أنه ~~أفادك في إثبات شدة الشبه مزية، وأوجدك فيه خاصة قد غرز في طبع الإنسان أن ~~يرتاح لها، ويجد في نفسه هزة عندها، وهكذا حكم نظائره كقول أبي نواس: [من ~~السريع] # تبكي فتذري الدر عن نرجس، ... وتلطم الورد بعناب «2» # وقول المتنبي: [من الوافر] # بدت قمرا، ومالت خوط بان، ... وفاحت عنبرا، ورنت غزالا «3» # واعلم أن منشأ «الاستعارة» أنك كلما زدت إرادتك التشبيه إخفاء، ازدادت ~~الاستعارة حسنا، حتى إنك تراها أغرب ما ms266 تكون إذا كان الكلام قد ألف تأليفا ~~إن PageV01P285 # أردت أن تفصح فيه بالتشبيه، خرجت إلى شيء تعافه النفس ويلفظه السمع، ~~ومثال ذلك قول ابن المعتز: [من مجزوء الكامل] # أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنابا «1» # ألا ترى أنك لو حملت نفسك على أن تظهر التشبيه وتفصح به، احتجت إلى أن ~~تقول: «أثمرت أصابع يده التي هي كالأغصان لطالبي الحسن، شبيه العناب من ~~أطرافها المخضوبة»، وهذا ما لا تخفى غثاثته. من أجل ذلك كان موقع «العناب» ~~في هذا البيت أحسن منه في قوله: # وعضت على العناب بالبرد وذاك لأن إظهار التشبيه فيه لا يقبح هذا القبح ~~المفرط، لأنك لو قلت: # «وعضت على أطراف أصابع العناب بثغر كالبرد»، كان شيئا يتكلم بمثله وإن ~~كان مرذولا. وهذا موضع لا يتبين سره إلا من كان ملهب الطبع حاد القريحة. ~~وفي الاستعارة علم كثير، ولطائف معان، ودقائق فروق، وسنقول فيها إن شاء ~~الله في موضع آخر. # واعلم أنا حين أخذنا في الجواب عن قولهم: «إنه لو كان الكلام يكون فصيحا ~~من أجل مزية تكون في معناه، لكان ينبغي أن يكون تفسيره فصيحا مثله»، قلنا: # «إن الكلام الفصيح ينقسم قسمين، قسم تعزى المزية فيه إلى اللفظ، وقسم ~~تعزى فيه إلى النظم»، وقد ذكرنا في القسم الأول من الحجج ما لا يبقى معه ~~لعاقل، إذا هو تأملها، شك في بطلان ما تعلقوا به، من أنه يلزمنا في قولنا: ~~«إن الكلام يكون فصيحا من أجل مزية تكون في معناه»، أن يكون تفسير الكلام ~~الفصيح فصيحا مثله، وأنه تهوس منهم، وتقحم في المحالات. # وأما القسم الذي تعزى فيه المزية إلى «النظم» فإنهم إن ظنوا أن سؤالهم ~~الذي اغتروا به يتجه لهم فيه، كان أمرهم أعجب، وكان جهلهم في ذلك أغرب. ~~وذلك أن «النظم»، كما بينا، إنما هو توخي معاني النحو وأحكامه وفروقه ~~ووجوهه، والعمل PageV01P286 # بقوانينه وأصوله، وليست معاني النحو معاني ألفاظ، فيتصور أن يكون لها ~~تفسير. # وجملة الأمر، أن «النظم» إنما هو أن «الحمد» من قوله تعالى: الحمد لله رب ms267 ~~العالمين. الرحمن الرحيم مبتدأ، و «لله» خبره، و «رب» صفة لاسم الله تعالى ~~ومضاف إلى «العالمين» و «العالمين» مضاف إليه، و «الرحمن الرحيم» صفتان ~~كالرب، و «مالك» من قوله: «مالك يوم الدين» صفة أيضا، ومضاف إلى يوم. و ~~«يوم» مضاف إلى «الدين»، و «إياك» ضمير اسم الله تعالى، وهو ضمير يقع موقع ~~الاسم إذا كان الاسم منصوبا، معنى ذلك أنك لو ذكرت اسم الله مكانه لقلت: ~~«الله نعبد»، ثم إن «نعبد» هو المقتضى معنى النصب فيه، وكذلك حكم «إياك ~~نستعين». ثم إن جملة «إياك نستعين» معطوف بالواو على جملة «إياك نعبد»، و ~~«الصراط» مفعول، و «المستقيم» صفة للصراط، و «صراط الذين» بدل من «الصراط ~~المستقيم»، «وأنعمت عليهم» صلة الذين، «وغير المغضوب عليهم» صفة «الذين»، و ~~«الضالين» معطوف على «المغضوب عليهم». # فانظر الآن هل يتصور في شيء من هذه المعاني أن يكون معنى اللفظ؟ وهل يكون ~~كون «الحمد» مبتدأ معنى لفظ الحمد؟ أم يكون كون «رب» صفة وكونه مضافا إلى ~~«العالمين» معنى لفظ «الرب»؟. # فإن قيل: إنه إن لم تكن هذه المعاني أنفس الألفاظ، فإنها تعلم على كل حال ~~من ترتيب الألفاظ، ومن الإعراب، فبالرفعة في «الدال» من «الحمد» يعلم أنه ~~مبتدأ، وبالجر في «الباء» من «رب» يعلم أنه صفة، وبالياء في «العالمين» ~~يعلم أنه مضاف إليه، وعلى هذا قياس الكل. # قيل: ترتيب اللفظ لا يكون لفظا، والإعراب وإن كان يكون لفظا، فإنه لا ~~يتصور أن يكون هاهنا لفظان كلاهما علامة إعراب، ثم يكون أحدهما تفسيرا ~~للآخر. وزيادة القول في هذا من خطل الرأي، فإنه مما يعلمه العاقل ببديهة ~~النظر، ومن لم يتنبه له في أول ما يسمع، لم يكن أهلا لأن يكلم. ونعود إلى ~~رأس الحديث فنقول: # قد بطل الآن من كل وجه وكل طريق، أن تكون «الفصاحة» وصفا للفظ من حيث هو ~~لفظ ونطق لسان. وإذا كان هذا صورة الحال وجملة الأمر، ثم لم تر القوم ~~تفكروا في شيء مما شرحناه بحال، ولا أخطروه لهم ببال، بان وظهر أنهم ms268 لم ~~يأتوا الأمر من بابه، ولم يطلبوه من معدنه، ولم يسلكوا إليه طريقه، وأنهم ~~لم يزيدوا على # PageV01P287 # أن أوهموا أنفسهم وهما كاذبا أنهم قد أبانوا الوجه الذي به كان القرآن ~~معجزا، والوصف الذي به بان من كلام المخلوقين، من غير أن يكونوا قد قالوا ~~فيه قولا يشفى من شاك غليلا، ويكون على علم دليلا، وإلى معرفة ما قصدوا ~~إليه سبيلا. # واعلم أنه إذا نظر العاقل إلى هذه الأدلة فرأى ظهورها، استبعد أن يكون قد ~~ظن ظان في «الفصاحة» أنها من صفة اللفظ صريحا. ولعمري إنه لكذلك ينبغي، إلا ~~أنا إنما ننظر إلى جدهم وتشددهم وبتهم الحكم «بأن المعاني لا تتزايد وإنما ~~تتزايد الألفاظ»، فلئن كانوا قد قالوا «الألفاظ» وهم لا يريدونها أنفسها، ~~وإنما يريدون لطائف معان تفهم منها، لقد كان ينبغي أن يتبعوا ذلك من قولهم ~~ما ينبئ عن غرضهم، وأن يذكروا أنهم عنوا بالألفاظ ضربا من المعنى، أن غرضهم ~~مفهوم خاص. # هذا، وأمر «النظم» في أنه ليس شيئا غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم، ~~وأنك ترتب المعاني، أولا في نفسك، ثم تحذو على ترتيبها الألفاظ في نطقك، ~~وأنا لو فرضنا # أن تخلو الألفاظ من المعاني، لم يتصور أن يجب فيها نظم وترتيب في غاية ~~القوة والظهور، ثم ترى الذين لهجوا بأمر «اللفظ» قد أبوا إلا أن يجعلوا ~~«النظم» في الألفاظ. ترى الرجل منهم يرى ويعلم أن الإنسان لا يستطيع أن ~~يجيء بالألفاظ مرتبة إلا من بعد أن يفكر في المعاني ويرتبها في نفسه على ما ~~أعلمناك، وثم تفتشه فتراه لا يعرف الأمر بحقيقته، وتراه ينظر إلى حال ~~السامع، فإذا رأى المعاني لا تقع مرتبة في نفسه إلا من بعد أن تقع الألفاظ ~~مرتبة في سمعه، نسي حال نفسه، واعتبر حال من يسمع منه. وسبب ذلك قصر الهمة، ~~وضعف العناية، وترك النظر، والأنس بالتقليد. وما يغني وضوح الدلالة مع من ~~لا ينظر فيها، وإن الصبح ليملأ الأفق، ثم لا يراه النائم ومن قد أطبق ~~جفنه؟. # واعلم أنك لا ترى ms269 في الدنيا علما قد جرى الأمر فيه بديئا وأخيرا على ما ~~جرى عليه في «علم الفصاحة والبيان». # أما البديء، فهو أنك لا ترى نوعا من أنواع العلوم إلا وإذا تأملت كلام ~~الأولين الذين علموا الناس، وجدت العبارة فيه أكثر من الإشارة، والتصريح ~~أغلب من التلويح. والأمر في «علم الفصاحة» بالضد من هذا. فإنك إذا قرأت ما ~~قاله العلماء فيه، وجدت جله أو كله رمزا ووحيا، وكناية وتعريضا، وإيماء إلى ~~الغرض من وجه لا يفطن له إلا من غلغل الكفر وأدق النظر، ومن يرجع من طبعه ~~إلى ألمعية يقوى معها على الغامض، ويصل بها إلى الخفي، حتى كأن بسلا حراما ~~أن تتجلى معانيهم سافرة # PageV01P288 # الأوجه لا نقاب لها، وبادية الصفحة لا حجاب دونها، وحتى كأن الإفصاح بها ~~حرام، وذكرها إلا على سبيل الكناية والتعريض غير سائغ. # وأما الأخير، فهو أنا لم نر العقلاء قد رضوا من أنفسهم في شيء من العلوم ~~أن يحفظوا كلاما للأولين ويتدارسوه، ويكلم به بعضهم بعضا، من غير أن يعرفوا ~~له معنى، ويقفوا منها على غرض صحيح، ويكون عندهم، إن يسألوا عنه، بيان له ~~وتفسير إلا «علم الفصاحة»، فإنك ترى طبقات من الناس يتداولون فيما بينهم ~~ألفاظا للقدماء وعبارات، من غير أن يعرفوا لها معنى أصلا، أو يستطيعوا- إن ~~يسألوا عنها- أن يذكروا لها تفسيرا يصح. # فمن أقرب ذلك، أنك تراهم يقولون إذا هم تكلموا في مزية كلام على كلام: # «إن ذلك يكون بجزالة اللفظ» وإذا تكلموا في زيادة نظم على نظم: «إن ذلك ~~يكون لوقوعه على طريقة مخصوصة وعلى وجه دون وجه»، ثم لا تجدهم يفسرون ~~الجزالة بشيء، ويقولون في المراد «بالطريقة» و «الوجه» ما يحلى منه السامع ~~بطائل. # ويقرءون في كتب البلغاء ضروب كلام قد وصفوا «اللفظ» فيها بأوصاف يعلم ~~ضرورة إليه من حيث هو لفظ ونطق لسان وصدى حرف، وكقولهم: «لفظ متمكن غير قلق ~~ولا ناب به موضعه، وإنه جيد السبك صحيح الطابع، وأنه ليس فيه فضل عن معناه» ~~وكقولهم: «إن من حق اللفظ أن يكون ms270 طبقا للمعنى، لا يزيد عليه ولا ينقص عنه» ~~وكقول بعض من وصف رجلا من البلغاء: «كانت ألفاظه قوالب لمعانيه»، هذا إذا ~~مدحوه وقولهم إذا ذموه: «هو لفظ معقد، وإنه بتعقيده قد استهلك المعنى»، ~~وأشباه لهذا، ثم لا يخطر ببالهم أنه يجب أن يطلب لما قالوه معنى، وتعلم له ~~فائدة، ويجشم فيه فكر، وأن يعتقد على الجملة أقل ما في الباب، أنه كلام لا ~~يصح حمله على ظاهره، وأن يكون المراد «باللفظ» فيه نطق اللسان. # فالوصف بالتمكن والقلق في «اللفظ» محال، فإنما يتمكن الشيء ويقلق إذا كان ~~شيئا يثبت في مكان، و «الألفاظ» حروف لا يوجد منها حرف حتى يعدم الذي كان ~~قبله. وقولهم: «متمكن» أو «قلق» وصف للكلمة بأسرها، لا حرف حرف منها. # ثم إنه لو كان يصح في حروف الكلمة أن تكون باقية بمجموعها، لكان ذلك فيها ~~محالا أيضا، من حيث أن الشيء إنما يتمكن ويقلق في مكان الذي يوجد فيه، ~~ومكان الحروف إنما هو الحلق والفم واللسان والشفتان، فلو كان يصح عليها أن ~~توصف بأنها تتمكن وتقلق، لكان يكون ذلك التمكن وذلك القلق منها في أماكنها ~~من الحلق والفم واللسان والشفتين. # PageV01P289 # وكذلك قولهم: «لفظ ليس فيه فضل عن معناه»، محال أن يكون المراد به ~~«اللفظ»، لأنه ليس هاهنا اسم أو فعل أو حرف يزيد على معناه أو أن ينقص عنه. # كيف؟ وليس بالذرع وضعت الألفاظ على المعاني. # وإن اعتبرنا المعاني المستفادة من الجمل، فكذلك. وذلك أنه ليس هاهنا جملة ~~من مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل، يحصل بها الإثبات أو النفي، أتم أو أنقص مما ~~يحصل بأخرى. وإنما فضل اللفظ عن المعنى: أن تزيد الدلالة بمعنى على معنى، ~~فتدخل في أثناء ذلك شيئا لا حاجة بالمعنى المدلول عليه إليه. وكذلك السبيل ~~في «السبك والطابع» وأشباههما، لا يحتمل شيء من ذلك أن يكون المراد به ~~«اللفظ» من حيث هو لفظ. # فإن أردت الصدق، فإنك لا ترى في الدنيا شأنا أعجب من شأن الناس مع ~~«اللفظ»، ولا فساد رأي مازج النفوس ms271 وخامرها واستحكم فيها وصار كإحدى ~~طبائعها، من رأيهم في «اللفظ». فقد بلغ من ملكته لهم وقوته عليهم، أن تركهم ~~وكأنهم إذا نوظروا فيه أخذوا عن أنفسهم، وغيبوا عن عقولهم، وحيل بينهم وبين ~~أن يكون لهم فيما يسمعونه نظر، ويرى لهم إيراد في الإصغاء وصدر، فلست ترى ~~إلا نفوسا قد جعلت ترك النظر دأبها، ووصلت بالهوينا أسبابها، فهي تغتر ~~بالأضاليل وتتباعد عن التحصيل، وتلقي بأيديها إلى الشبه، وتسرع إلى القول ~~المموه. # ولقد بلغ من قلة نظرهم أن قوما منهم لما رأوا الكتب المصنفة في اللغة قد ~~شاع فيها أن توصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، ورأوا أبا العباس ثعلبا قد سمى ~~كتابه «الفصيح» «1»، مع أنه لم يذكر فيه إلا اللغة والألفاظ المفردة، وكان ~~محالا إذا قيل: إن «الشمع» بفتح الميم، أفصح من «الشمع» بإسكانه، وأن يكون ~~ذلك من أجل المعنى، إذ ليس تفيد الفتحة في الميم شيئا في الذي سمي به سبق ~~إلى قلوبهم أن حكم الوصف بالفصاحة أينما كان وفي أي شيء كان، أن لا يكون له ~~مرجع إلى المعنى البتة، وأن يكون وصفا للفظ في نفسه، ومن حيث هو لفظ ونطق ~~لسان ولم يعلموا أن المعنى في وصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، أنها في اللغة ~~أثبت، وفي استعمال الفصحاء أكثر. # أو أنها أجرى على مقاييس اللغة والقوانين التي وضعوها، وأن الذي هو معنى ~~«الفصاحة» في أصل اللغة، هو الإبانة عن المعنى، بدلالة قولهم: «فصيح» و ~~«أعجم»، PageV01P290 # وقولهم: «أفصح الأعجمي»، و «فصح اللحان» و «أفصح الرجل بكذا»، إذا صرح به ~~وأنه لو كان وصفهم الكلمات المفردة بالفصاحة من أجل وصف هو لها من حيث هي ~~ألفاظ ونطق لسان، لوجب إذا وجدت كلمة يقال إنها كلمة فصيحة على صفة في ~~اللفظ؛ أن لا توجد كلمة على تلك الصفة، إلا وجب لها أن تكون فصيحة، وحتى ~~يجب إذا كانت «فقهت الحديث» بالكسر أفصح منه بالفتح، أن يكون سبيل كل فعل ~~مثله في الزنة أن يكون الكسر فيه أفصح من الفتح. # ثم إن فيما أودعه ثعلب ms272 كتابه، ما هو أفصح، من أجل أن لم يكن فيه حرف كان ~~فيما جعله أفصح منه، ومثل أن «وقفت» أفصح من «أوقفت»، أفترى أنه حدث في ~~«الواو» و «القاف» و «الفاء» بأن لم يكن معها الهمزة، فضيلة وجب لها أن ~~تكون أفصح؟ وكفى برأي هذا مؤداه تهافتا وخطلا! وجملة الأمر أنه لا بد ~~لقولنا «الفصاحة» من معنى يعرف، فإن كان ذلك المعنى وصفا في ألفاظ الكلمات ~~المفردة، فينبغي أن يشار لنا إليه، وتوضع اليد عليه. # ومن أبين ما يدل على قلة نظرهم، أنه لا شبهة على من نظر في كتاب تذكر فيه ~~«الفصاحة»، أن «الاستعارة» عنوان ما يجعل به «اللفظ» فصيحا، وأن «المجاز» ~~جملته، و «الإيجاز» من معظم ما يوجب للفظ الفصاحة. وأنت تراهم يذكرون ذلك ~~ويعتمدونه، ثم يذهب عنهم أن إيجابهم «الفصاحة» للفظ بهذه المعاني، اعتراف ~~بصحة ما نحن ندعوهم إلى القول به، من أنه يكون فصيحا لمعناه. # أما «الاستعارة»، فإنهم إن أغفلوا فيها الذي قلناه، من أن المستعار ~~بالحقيقة يكون معنى «اللفظ»، واللفظ تبع، من حيث أنا لا نقول: «رأيت أسدا»، ~~ونحن نعني رجلا، إلا على أنا ندعي أنا رأينا أسدا بالحقيقة، من حيث نجعله ~~لا يتميز عن الأسد في بأسه وبطشه وجرأة قلبه فإنهم على كل حال لا يستطيعون ~~أن يجعلوا «الاستعارة» وصفا للفظ من حيث هو لفظ، مع أن اعتقادهم أنك إذا ~~قلت: «رأيت أسدا»، كنت نقلت اسم «الأسد» إلى «الرجل»، أو جعلته هكذا غفلا ~~ساذجا في معنى شجاع. أفترى أن لفظ «الأسد» لما نقل عن السبع إلى «الرجل» ~~المشبه به، أحدث هذا النقل في أجراس حروفه ومذاقتها وصفا صار بذلك الوصف ~~فصيحا؟ # ثم إن من «الاستعارة» قبيلا «1» لا يصح أن يكون المستعار فيه «اللفظ» ~~البتة، PageV01P291 # ولا يصح أن تقع الاستعارة فيه إلا على المعنى. وذلك ما كان مثل «اليد» في ~~قول لبيد: [من الكامل] # وغداة ريح قد كشفت وقرة، ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها «1» # ذاك أنه ليس هاهنا شيء يزعم أن شبهه باليد، حتى يكون ms273 لفظ «اليد» مستعارا ~~له، وكذلك ليس فيه شيء يتوهم أن يكون قد شبهه بالزمام، وإنما المعنى على ~~أنه شبه «الشمال» في تصريفها «الغداة» على طبيعتها، بالإنسان يكون زمام ~~البعير في يده، فهو يصرفه على إرادته، ولما أراد ذلك جعل للشمال يدا، وعلى ~~الغداة زماما. # وقد شرحت هذا قبل شرحا شافيا. # وليس هذا الضرب من الاستعارة بدون الضرب الأول في إيجاب وصف «الفصاحة» ~~للكلام، لا بل هو أقوى منه في اقتضائها. والمحاسن التي تظهر به، والصور ~~التي تحدث للمعاني بسببه، آنق وأعجب. وإن أردت أن تزداد علما بالذي ذكرت لك ~~من أمره، فانظر إلى قوله: [من الرجز] سقته كف الليل أكواس الكرى «2» وذلك ~~أنه ليس يخفى على عاقل أنه لم يرد أن يشبه شيئا بالكف، ولا أراد ذلك في ~~«الأكواس»، ولكن لما كان يقال: «سكر الكرى»، و «سكر النوم»، استعار للكرى ~~«الأكواس»، كما استعار الآخر «الكاس» في قوله: [من البسيط] وقد سقى القوم ~~كأس النعسة السهر «3» ثم إنه لما كان الكرى يكون في الليل، جعل الليل ~~ساقيا، ولما جعله ساقيا جعل له كفا، إذ كان الساقي يناول الكأس بالكف. # ومن اللطيف النادر في ذلك، ما تراه في آخر هذه الأبيات، وهي للحكم بن ~~قنبر: [من الطويل] # ولولا اعتصامي بالمنى كلما بدا ... لي اليأس منها، لم يقم بالهوى صبري # ولولا انتظاري كل يوم جدى غد، ... لراح بنعشي الدافنون إلى قبري ~~PageV01P292 # وقد رابني وهن المنى وانقباضها ... وبسط جديد اليأس كفيه في صدري # ليس المعنى على أنه استعار لفظ «الكفين» لشيء، ولك على أنه أراد أن يصف ~~اليأس بأنه قد غلب على نفسه، وتمكن في صدره. لو ما أراد ذلك وصفه بما يصفون ~~فيه الرجل # بفضل القدرة على الشيء. وبأنه ممكن منه، وأن يفعل فيه كل ما يريد، ~~كقولهم: «قد بسط يديه في المال ينفقه ويصنع فيه ما يشاء»، و «قد بسط العمل ~~يده في الناحية وفي ظلم الناس»، فليس لك إلا أن تقول: إنه لما أراد ذلك، ~~جعل لليأس «كفين»، واستعارهما له، فأما ms274 أن توقع الاستعارة فيه على «اللفظ»، ~~فما لا تخفى استحالته على عاقل. # والقول في «المجاز» هو القول في «الاستعارة»، لأنه ليس هو بشيء غيرها، ~~وإنما الفرق أن «المجاز» أعم، من حيث أن كل استعارة مجاز، وليس كل مجاز ~~استعارة. # وإذا نظرنا من «المجاز» فيما لا يطلق عليه أنه «استعارة»، ازداد خطأ ~~القوم قبحا وشناعة. وذلك أنه يلزم على قياس قولهم أن يكون إنما كان قوله ~~تعالى: هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا [يونس: 67]، أفصح ~~من أصله الذي هو قولنا: «والنهار لتبصروا أنتم فيه، أو مبصرا أنتم فيه»، من ~~أجل أنه حدث في حروف «مبصر» بأن جعل الفعل للنهار على سعة الكلام وصف لم ~~يكن. وكذلك يلزم أن يكون السبب في أن كان قول الشاعر: [من الرجز] فنام ليلي ~~وتجلى همي «1» أفصح من قولنا: فنمت في ليلي أن كسب هذا المجاز لفظ «نام» ~~ولفظ «الليل» مذاقة لم تكن لهما. وهذا مما ينبغي للعاقل أن يستحي منه، وأن ~~يأنف من أن يهمل النظر إهمالا يؤديه إلى مثله، ونسأل الله تعالى العصمة ~~والتوفيق. # وإذ قد عرفت ما لزمهم في «الاستعارة» و «المجاز»، فالذي يلزمهم في ~~«الإيجاز» أعجب. وذلك أنه يلزمهم إن كان «اللفظ» فصيحا لأمر يرجع إليه نفسه ~~دون معناه أن يكون كذلك موجزا لأمر يرجع إلى نفسه. وذلك من المحال الذي ~~يضحك منه، لأنه لا معنى للإيجاز إلا أن يدل بالقليل من اللفظ على الكثير من ~~المعنى، وإذا لم تجعله وصفا للفظ من أجل معناه، أبطلت معناه، أعني أبطلت ~~معنى الإيجاز. PageV01P293 # ثم إن هاهنا معنى شريفا قد كان ينبغي أن نكون قد ذكرناه في أثناء ما مضى ~~من كلامنا، وهو أن العاقل إذا نظر علم علم ضرورة أنه لا سبيل له إلى أن ~~يكثر معاني الألفاظ أو يقللها، لأن المعاني المودعة في الألفاظ لا تتغير ~~على الجملة عما أراده واضع اللغة، وإذا ثبت ذلك، ظهر منه أنه لا معنى ~~لقولنا: «كثرة المعنى مع قلة اللفظ»، غير أن «المتكلم يتوصل ms275 بدلالة المعنى ~~على المعنى إلى فوائد، لو أنه أراد الدلالة عليها باللفظ لاحتاج إلى لفظ ~~كثير. # واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول، إذا كان صدره عن قوم لهم نباهة ~~وصيت وعلو منزلة في أنواع من العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ~~ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته، وفشا وظهر، وكثر الناقلون له والمشيدون ~~بذكره صار ترك النظر فيه سنة، والتقليد دينا، ورأيت الذين هم أهل ذلك العلم ~~وخاصته والممارسون له، والذين هم خلقاء أن يعرفوا وجه الغلط والخطأ فيه لو ~~أنهم نظروا فيه كالأجانب الذين ليسوا من أهله، في قبوله والعمل به والركون ~~إليه، ووجدتهم قد أعطوه مقادتهم، وألانوا له جانبهم، وأوهمهم النظر إلى ~~منتماه ومنتسبه، ثم اشتهاره وانتشاره وإطباق الجمع بعد الجمع عليه أن الضن ~~به أصوب، والمحاماة عليه أولى. ولربما بل كلما ظنوا أنه لم يشع ولم يتسع، ~~ولم يروه خلف عن سلف، وآخر عن أول، إلا لأن له أصلا صحيحا، وأنه أخذ من ~~معدن صدق، واشتق من نبعة كريمة، وأنه لو كان مدخولا لظهر الدخل «1» الذي ~~فيه على تقادم الزمان وكرور الأيام. وكم من خطأ ظاهر ورأي فاسد حظي بهذا ~~السبب عند الناس، حتى بوءوه في أخص موضع من قلوبهم، ومنحوه المحبة الصادقة ~~من نفوسهم، وعطفوا عليه عطف الأم على واحدها. وكم من داء دوي قد استحكم ~~بهذه العلة، حتى أعيا علاجه، وحتى بعل به «2» الطبيب. # ولولا سلطان هذا الذي وصفت على الناس، وأن له أخذة تمنع القلوب عن ~~التدبر، وتقطع عنها دواعي التفكر لما كان لهذا الذي ذهب إليه القوم في أمر ~~«اللفظ» هذا التمكن وهذه القوة، ولا كان يرسخ في النفوس هذا الرسوخ، وتنشعب ~~عروقه هذا الشعب، مع الذي بان من تهافته وسقوطه وفحش الغلط فيه، وأنك لا ~~ترى في أديمه من أين نظرت، وكيف صرفت وقلبت مصحا، ولا تراه باطلا فيه شوب ~~من الحق، وزيفا فيه شيء من الفضة، ولكن ترى الغش بحتا والغيظ صرفا، ونسأل ~~الله التوفيق. PageV01P294 # وكيف لا يكون في ms276 إسار الأخذة، ومحولا بينه وبين الفكرة من يسلم أن ~~الفصاحة لا تكون في أفراد الكلمات، وأنها إنما تكون فيها إذا ضم بعضها إلى ~~بعض، ثم لا يعلم أن ذلك يقتضي أن تكون وصفا لها، من أجل معانيها، لا من أجل ~~أنفسها، ومن حيث هي ألفاظ ونطق لسان؟ # ذاك لأنه ليس من عاقل يفتح عين قلبه، إلا وهو يعلم ضرورة أن المعنى في ~~«ضم بعضها إلى بعض»، تعليق بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض، لا أن ينطق ~~بعضها في أثر بعض، من غير أن يكون فيما بينها تعلق، ويعلم كذلك ضرورة إذا ~~فكر، أن التعلق يكون فيما بين معانيها، لا فيما بينها أنفسها. ألا ترى أنا ~~لو جهدنا كل الجهد أن نتصور تعلقا فيما بين لفظين لا معنى تحتهما، لم ~~نتصور؟ ومن أجل ذلك انقسمت الكلم قسمين: «مؤتلف» وهو الاسم مع الاسم، ~~والفعل مع الاسم، و «غير مؤتلف» وهو ما عدا ذلك كالفعل مع الفعل، والحرف مع ~~الحرف. ولو كان التعلق يكون بين الألفاظ، لكان ينبغي أن لا يختلف حالها في ~~الائتلاف، وأن لا يكون في الدنيا كلمتان إلا ويصح أن يأتلفا، لأنه لا تنافي ~~بينهما من حيث هي ألفاظ. # وإذا كان كل واحد منهم قد أعطى يده بأن الفصاحة لا تكون في الكلم أفرادا، ~~وأنها إنما تكون إذا ضم بعضها إلى بعض، وكان يكون المراد بضم بعضها إلى ~~بعض، تعليق معانيها بعضها ببعض، لا كون بعضها في النطق على إثر بعض كان ~~واجبا، وإذا علم ذلك، أن يعلم أن الفصاحة تجب لها من أجل معانيها، لا من ~~أجل أنفسها، لأنه محال أن # يكون سبب ظهور الفصاحة فيها، تعلق معانيها بعضها ببعض، ثم تكون الفصاحة ~~وصفا يجب لها لأنفسها لا لمعانيها. وإذا كان العلم بهذا ضرورة، ثم رأيتهم ~~لا يعلمونه، فليس إلا أن اعتزامهم على التقليد قد حال بينهم وبين الفكرة، ~~وعرض لهم منه شبه الأخذة. # واعلم أنك إذا نظرت وجدت مثلهم مثل من يرى خيال الشيء فيحسبه الشيء. # وذاك ms277 أنهم قد اعتمدوا في كل أمرهم على النسق الذي يرونه في الألفاظ، ~~وجعلوا لا يحفلون بغيره، ولا يعولون في الفصاحة والبلاغة على شيء سواه، حتى ~~انتهوا إلى أن زعموا أن من عمد إلى شعر فصيح فقرأه ونطق بألفاظه على النسق ~~الذي وضعها الشاعر عليه، كان قد أتى بمثل ما أتى به الشاعر في فصاحته ~~وبلاغته إلا أنهم زعموا أنه يكون في إتيانه به محتذيا لا مبتدئا. # ونحن إذا تأملنا وجدنا الذي يكون في الألفاظ من تقديم شيء منها على # PageV01P295 # شيء، إنما يقع في النفس أنه «نسق»، إذا اعتبرنا ما توخي من معاني النحو ~~في معانيها، فأما مع ترك اعتبار ذلك، فلا يقع ولا يتصور بحال. أفلا ترى أنك ~~لو فرضت في قوله: [من الطويل] قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل «1» أن لا يكون ~~«نبك» جوابا للأمر، ولا يكون معدى «بمن» إلى «ذكرى»، ولا يكون «ذكرى» مضافة ~~إلى «حبيب»، ولا يكون «منزل» معطوفا بالواو على «حبيب» لخرج ما ترى فيه من ~~التقديم والتأخير عن أن يكون «نسقا»؟ ذاك لأنه إنما يكون تقديم الشيء على ~~الشيء نسقا وترتيبا، إذا كان ذلك التقديم قد كان لموجب أوجب ن يقدم هذا ~~ويؤخر ذاك، فأما أن يكون مع عدم الموجب نسقا، فمحال، لأنه لو كان يكون ~~تقديم اللفظ على اللفظ من غير أن يكون له موجب «نسقا»، لكان ينبغي أن يكون ~~توالي الألفاظ في النطق على أي وجه كان «نسقا»، حتى إنك لو قلت: «نبك قفا ~~حبيب ذكرى من»، لم تكن قد أعدمته النسق والنظم، وإنما أعدمته الوزن فقط. ~~وقد تقدم هذا فيما مضى، ولكنا أعدناه هاهنا، لأن الذي أخذنا فيه من إسلام ~~القوم أنفسهم إلى التقليد، اقتضى إعادته. # واعلم أن «الاحتذاء» عند الشعراء وأهل العلم بالشعر وتقديره وتمييزه، أن ~~يبتدئ الشاعر في معنى له وغرض أسلوبا- و «الأسلوب» الضرب من النظم والطريقة ~~فيه فيعمد شاعر آخر إلى ذلك «الأسلوب» فيجيء به في شعره، فيشبه بمن يقطع من ~~أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها، ms278 فيقال: «قد احتذى على مثاله»، ~~وذلك مثل أن الفرزدق قال: [من الطويل] # أترجو ربيع أن تجيء صغارها ... بخير، وقد أعيا ربيعا كبارها «2» # واحتذاه البعيث فقال: [من الطويل] # أترجو كليب أن يجيء حديثها ... بخير، وقد أعيا كليبا قديمها «3» ~~PageV01P296 # وقالوا: إن الفرزدق لما سمع هذا البيت قال: [من الوافر] # إذا ما قلت قافية شرودا ... تنحلها ابن حمراء العجان «1» # ومثل ذلك أن البعيث قال في هذه القصيدة: [من الطويل] # كليب لئام الناس قد تعلمونه ... وأنت إذا عدت كليب لئيمها # وقال البحتري: [من الطويل] # بنو هاشم في كل شرق ومغرب ... كرام بني الدنيا وأنت كريمها # وحكى العسكري في «صنعة الشعر» «2» أن ابن الرومي قال: قال لي البحتري: # قول أبي نواس: [من الطويل] # ولم أدر من هم غير ما شهدت لهم ... بشرقي ساباط الديار البسابس «3» # مأخوذ من قول أبي خراش الهذلي: [من الطويل] # ولم أدر من ألقى عليه رداءه؟ ... سوى أنه قد سل من ماجد محض # قال فقلت: قد اختلف المعنى! فقال: أما ترى حذو الكلام حذوا واحدا؟ # وهذا الذي كتبت من جلي الأخذ في «الحذو»، ومما هو في حد الخفي قول ~~البحتري: [من الطويل] # ولن ينقل الحساد مجدك بعد ما ... تمكن رضوى واطمأن متالع «4» # وقول أبي تمام: [من الكامل] # ولقد جهدتم أن تزيلوا عزه ... فإذا أبان قد رسا ويلملم «5» # قد احتذى كل واحد منهما على قول الفرزدق: [من الكامل] PageV01P297 # فادفع بكفك، إن أردت بناءنا، ... ثهلان ذا الهضبات، هل يتحلحل؟ «1» # وجملة الأمر أنهم لا يجعلون الشاعر «محتذيا» إلا بما يجعلونه به آخذا ~~ومسترقا، قال ذو الرمة: [من الوافر] # وشعر قد أرقت له غريب ... أجنبه المساند والمحالا # فبت أقيمه وأقد منه ... قوافي لا أريد لها مثالا «2» # قال يقول: لا أحذوها على شيء سمعته. # فأما أن يجعل إنشاد الشعر وقراءته «احتذاء»، فما لا يعلمونه كيف؟ وإذا ~~عمد عامد إلى بيت شعر فوضع مكان كل لفظة لفظا في معناه، كمثل أن يقول في ~~قوله: # [من البسيط] # دع المكارم لا ترحل لبغيتها، ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # ذر المآثر ms279 لا تذهب لمطلبها، ... واجلس فإنك أنت الآكل اللابس «3» # لم يجعلوا ذلك «احتذاء» ولم يؤهلوا صاحبه لأن يسموه «محتذيا»، ولكن يسمون ~~هذا الصنيع «سلخا» «4»، ويرذلونه ويسخفون المتعاطي له. فمن أين يجوز لنا أن ~~نقول في صبي يقرأ قصيدة امرئ القيس: إنه احتذاه في قوله: PageV01P298 # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل «1» # والعجب من أنهم لم ينظروا فيعلموا أنه لو كان منشد الشعر «محتذيا»، لكان ~~يكون قائل شعر، كما أن الذي يحذو النعل بالنعل يكون قاطع نعل. # وهذا تقرير يصلح لأن يحفظ للمناظرة ينبغي أن يقال لمن يزعم أن المنشد إذا ~~أنشد شعر امرئ القيس، كان قد أتى بمثله على سبيل «الاحتذاء»: أخبرنا عنك؟ ~~لماذا زعمت أن المنشد قد أتى بمثل ما قاله امرؤ القيس؟ ألأنه نطق بأنفس ~~الألفاظ التي نطق بها، أم لأنه راعى «النسق» الذي راعاه في النطق بها؟. # فإن قلت: «إن ذلك لأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها»، أحلت، لأنه إنما ~~يصح أن يقال في الثاني أنه أتى بمثل ما أتى بمثل ما أتى به الأول، إذا كان ~~الأول قد سبق إلى # شيء فأحدثه ابتداء، وذلك في الألفاظ محال، إذ ليس يمكن أن يقال: إنه لم ~~ينطق بهذه الألفاظ التي هي في قوله: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل «2» قبل امرئ القيس أحد. # وإن قلت: إن ذلك لأنه قد راعى في نطقه بهذه الألفاظ «النسق» الذي راعاه ~~امرؤ القيس. # قيل: إن كنت لهذا قضيت في المنشد أنه قد أتى بمثل شعره، فأخبرنا عنك؟ # إذا قلت: «إن التحدي وقع في القرآن إلى أن يؤتى بمثله على جهة الابتداء»، ~~ما تعني به؟ أتعني أنه يأتي في ألفاظ غير ألفاظ القرآن، بمثل الترتيب ~~والنسق الذي تراه في ألفاظ القرآن؟ # فإن قال: ذلك أعني. # قيل له: أعلمت أنه لا يكون الإتيان بالأشياء بعضها في أثر بعض على ~~التوالي PageV01P299 # نسقا وترتيبا، حتى تكون الأشياء مختلفة في أنفسها، ثم يكون للذي يجيء بها ~~مضموما بعضها إلى بعض، غرض فيها ومقصود، لا يتم ms280 ذلك الغرض وذلك المقصود إلا ~~بأن يتخير لها مواضع، فيجعل هذا أولا، وذلك ثانيا؟ فإن هذا ما لا شبهة فيه ~~على عاقل. وإذا كان الأمر كذلك، لزمك أن تبين الغرض الذي اقتضى أن تكون ~~ألفاظ القرآن منسوقة النسق الذي تراه. # ولا مخلص له من هذه المطالبة، لأنه إذا أبى أن يكون المقتضي والموجب للذي ~~تراه من النسق، المعاني وجعله قد وجب لأمر يرجع إلى اللفظ، لم تجد شيئا ~~يحيل في وجوبه عليه البتة، اللهم إلا أن يجعل الإعجاز في الوزن، يزعم أن ~~«النسق» الذي تراه في ألفاظ القرآن إنما كان معجزا، من أجل أن كان قد حدث ~~عنه ضرب من الوزن يعجز الخلق عن أن يأتوا بمثله. # وإذا قال ذلك، لم يمكنه أن يقول: «إن التحدي، وقع إلى أن يأتوا بمثله في ~~فصاحته وبلاغته»، لأن الوزن ليس هو من الفصاحة والبلاغة في شيء، إذ لو كان ~~له مدخل فيهما، لكان يجب في كل قصيدتين اتفقتا في الوزن أن تتفقا في ~~الفصاحة والبلاغة. # فإن دعا بعض الناس طول الإلف لما سمع من أن الإعجاز في اللفظ، إلى أن ~~يجعله في مجرد الوزن كان قد دخل في أمر شنيع، وهو أن يكون قد جعل القرآن ~~معجزا، لا من حيث هو كلام، ولا بما به كان لكلام فضل على كلام! فليس بالوزن ~~ما كان الكلام كلاما، ولا به كان كلام خيرا من كلام. # وهكذا السبيل إن زعم زاعم أن الوصف المعجز هو «الجريان والسهولة»، ثم ~~يعني بذلك سلامته من أن تلتقي فيه حروف تثقل على اللسان لأنه ليس بذلك كان ~~الكلام كلاما، ولا هو بالذي يتناهى أمره إن عد في الفضيلة إلى أن يكون ~~الأصل، وإلى أن يكون المعول عليه في المفاضلة بين كلام وكلام، فما به كان ~~الشاعر مفلقا، والخطيب مصقعا، والكاتب بليغا. # ورأينا العقلاء حيث ذكروا عجز العرب عن معارضة القرآن، قالوا: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تحداهم وفيهم الشعراء والخطباء والذين يدلون بفصاحة ~~اللسان، والبراعة والبيان، وقوة القرائح والأذهان، ms281 والذين أوتوا الحكمة ~~وفصل الخطاب ولم نرهم قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم تحداهم وهم ~~العارفون بما ينبغي أن يصنع، حتى يسلم الكلام من أن تلتقي فيه حروف تثقل ~~على اللسان. # PageV01P300 # ولما ذكروا معجزات الأنبياء عليهم السلام وقالوا: إن الله تعالى قد جعل ~~معجزة كل نبي فيما كان أغلب على الذين بعث فيهم، وفيما كانوا يتباهون به، ~~وكانت عوامهم تعظم به خواصهم قالوا: إنه لما كان السحر الغالب على قوم ~~فرعون، ولم يكن قد استحكم في زمان استحكامه في زمانه، جعل تعالى معجزة موسى ~~عليه السلام في إبطاله وتوهينه ولما كان الغالب على زمان عيسى عليه السلام ~~الطب، جعل الله تعالى معجزته في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ولما ~~انتهوا إلى ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وذكر ما كان الغالب على ~~زمانه، لم يذكروا إلا البلاغة والبيان والتصرف في ضروب النظم. # وقد ذكرت في الذي تقدم غير ما ذكرته هاهنا، مما يدل على سقوط هذا القول، ~~وما دعاني إلى إعادة ذكره إلا أنه ليس لتهالك الناس في حديث «اللفظ»، ~~والمحاماة على الاعتقاد الذي اعتقدوه فيه وضن أنفسهم به حد، فأحببت لذلك أن ~~لا أدع شيئا مما يجوز أن يتعلق به متعلق، ويلجأ إليه لاجئ، ويقع منه في نفس ~~سامع شك، إلا استقصيت في الكشف عن بطلانه. # وهاهنا أمر عجيب، وهو أنه معلوم لكل من نظر، أن الألفاظ من حيث هي ألفاظ ~~وكلم ونطق لسان، لا تختص بواحد دون آخر، وأنها إنما تختص إذا توخى فيها ~~النظم. وإذا كان كذلك، كان من رفع «النظم» من البين، وجعل الإعجاز بجملته ~~في سهولة الحروف وجريانها، جاعلا له فيما لا يصح إضافته إلى الله تعالى. ~~وكفى بهذا دليلا على عدم التوفيق، وشدة الضلال عن الطريق. ### | فصل [في ختام كتابه دلائل الإعجاز يصف به عمله] # قد بلغنا في مداواة الناس من دائهم، وعلاج الفساد الذي عرض في آرائهم كل ~~مبلغ، وانتهينا إلى كل غاية، وأخذنا بهم عن المجاهل التي كانوا يتعسفون ~~فيها ms282 إلى السنن اللاحب، ونقلناهم عن الآجن المطروق إلى النمير الذي يشفي ~~غليل الشارب، ولم ندع لباطلهم عرقا ينبض إلا كويناه، ولا للخلاف لسانا ينطق ~~إلا أخرسناه، ولم نترك غطاء كان على بصر ذي عقل إلا حسرناه، فيا أيها ~~السامع لما قلناه، والناظر فيما كتبناه، والمتصفح لما دوناه، إن كنت سمعت ~~سماع صادق الرغبة في أن تكون في أمرك على بصيرة، ونظرت نظر تام العناية في ~~أن يورد ويصدر عن معرفة، وتصفحت # PageV01P301 # تصفح من إذا مارس بابا من العلم لم يقنعه إلا أن يكون على ذروة السنام، ~~ويضرب بالمعلى من السهام، فقد هديت لضالتك، وفتح لك الطريق إلى بغيتك، وهيئ ~~لك الأداة التي بها تبلغ بها، وأوتيت الآلة التي معها تصل. فخذ لنفسك بالتي ~~هي أملأ ليديك، وأعوذ بالحظ عليك، ووازن بين حالك الآن وقد تنبهت من رقدتك، ~~وأفقت من غفلتك، وصرت تعلم إذا أنت خضت في أمر «اللفظ» و «النظم» معنى ما ~~تذكر، وتعلم كيف تورد وتصدر، وبينها وأنت من أمرها في عمياء، وخابط خبط ~~عشواء، قصاراك أن تكرر ألفاظا لا تعرف لشيء منها تفسيرا، وضروب كلام ~~للبلغاء إن سئلت عن أغراضهم فيها لم تستطع لها تبيينا، فإنك تراك تطيل ~~التعجب من غفلتك، وتكثر الاعتذار إلى عقلك من الذي كنت عليه طول مدتك. ~~ونسأل الله تعالى أن يجعل كل ما نأتيه، ونقصده وننتحيه، لوجهه خالصا، وإلى ~~رضاه عز وجل مؤديا، ولثوابه مقتضيا، وللزلفى عنده موجبا، بمنه وفضله ~~ورحمته. # PageV01P302 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | فصل [في كشف شبهة جعل الفصاحة للألفاظ] # اعلم أنه لما كان الغلط الذي دخل على الناس في حديث «اللفظ» كالداء الذي ~~يسري في العروق، ويفسد مزاج البدن، وجب أن يتوخى دائبا فيهم ما يتوخاه ~~الطبيب في الناقة، من تعهده بما يزيد في منته، ويبقيه على صحته، ويؤمنه ~~النكس في علته. # وقد علمنا أن أصل الفساد وسبب الآفة، هو ذهابهم عن أن من شأن المعاني أن ~~تختلف عليها الصور، وتحدث فيها خواص ومزايا من بعد أن لا تكون. # وإنك ms283 ترى الشاعر قد عمد إلى معنى مبتذل، فصنع فيه ما يصنع الصانع الحاذق ~~إذا هو أغرب في صنعة خاتم وعمل شنف وغيرهما من أصناف الحلي. فإن جهلهم بذلك ~~من حالها، هو الذي أغواهم واستهواهم، وورطهم فيما تورطوا فيه من الجهالات، ~~وأداهم إلى التعلق بالمحالات. وذلك أنهم لما جهلوا شأن الصورة، وضعوا ~~لأنفسهم أساسا، وبنوا على قاعدة فقالوا: إنه ليس إلا المعنى واللفظ، ولا ~~ثالث- وإنه إذا كان كذلك، وجب إذا كان لأحد الكلامين فضيلة لا تكون للآخر، ~~ثم كان الغرض من أحدهما هو الغرض من صاحبه أن يكون مرجع تلك الفضيلة إلى ~~اللفظ خاصة، وأن لا يكون لها مرجع إلى المعنى، من حيث أن ذلك، زعموا، يؤدي ~~إلى التناقض، وأن يكون معناهما متغايرا وغير متغاير معا. # ولما أقروا هذا في نفوسهم، حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه ~~الفضيلة إلى «اللفظ» على ظاهره، وأبوا أن ينظروا في الأوصاف التي أتبعوها ~~نسبتهم الفضيلة إلى «اللفظ»، مثل قولهم: «لفظ متمكن غير قلق ولا ناب به ~~موضعه»، إلى سائر ما ذكرناه قبل، فيعلموا أنهم لم يوجبوا للفظ ما أوجبوه من ~~الفضيلة، وهم يعنون نطق اللسان وأجراس الحروف، ولكن جعلوا كالمواضعة فيما ~~بينهم أن يقولوا «اللفظ»، وهم يريدون الصورة التي تحدث في المعنى، والخاصة ~~التي حدثت فيه، ويعنون الذي عناه الجاحظ حيث قال. # PageV01P303 # «وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني، والمعاني مطروحة وسط الطريق، يعرفها ~~العربي والعجمي، والحضري والبدوي، وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير». # وما يعنونه إذا قالوا: «إنه يأخذ الحديث فيشنفه ويقرطه، ويأخذ المعنى ~~خرزة فيرده جوهرة، وعباءة فيجعله ديباجة، ويأخذه عاطلا فيرده حاليا». وليس ~~كون هذا مرادهم، بحيث كان ينبغي أن يخفى هذا الخفاء ويشتبه هذا الاشتباه، ~~ولكن إذا تعاطى الشيء غير أهله، وتولى الأمر غير البصير به، أعضل الداء، ~~واشتد البلاء. ولو لم يكن من الدليل على أنهم لم ينحلوا «اللفظ» الفضيلة ~~وهم يريدونه نفسه وعلى الحقيقة إلا واحد، وهو وصفهم له بأنه يزين المعنى، ~~وأنه حلي له لكان فيه الكفاية. # وذاك ms284 أن الألفاظ أدلة على المعاني، وليس للدليل إلا أن يعلمك الشيء على ~~ما يكون عليه، فأما أن يصير الشيء بالدليل، على صفة لم يكن عليها، فما لا ~~يقوم في عقل، ولا يتصور في وهم. # ومما إذا تفكر فيه العاقل أطال التعجب من أمر الناس، ومن شدة غفلتهم قول ~~العلماء حيث ذكروا «الأخذ» و «السرقة»: «إن من أخذ معنى عاريا، فكساه لفظا ~~من عنده كان أحق به» «1»، وهو كلام مشهور متداول يقرأه الصبيان في أول كتاب ~~«عبد الرحمن»، ثم لا ترى أحدا من هؤلاء الذين لهجوا بجعل الفضيلة في ~~«اللفظ»، يفكر في ذلك فيقول: من أين يتصور أن يكون هاهنا معنى عار من لفظ ~~يدل عليه؟ ثم من أين يعقل أن يجيء الواحد منا لمعنى من المعاني بلفظ من ~~عنده، إن كان المراد باللفظ نطق اللسان؟ # ثم هب أنه يصح له أن يفعل ذلك، فمن أين يجب إذا وضع لفظا على معنى، أن ~~يصير أحق به من صاحبه الذي أخذه منه، إن كان هو لا يصنع بالمعنى شيئا، ولا ~~يحدث فيه صفة، ولا يكسبه فضيلة؟ وإذا كان كذلك، فهل يكون لكلامهم هذا وجه ~~سوى أن يكون «اللفظ» في قولهم «فكساه لفظا من عنده» «2»، عبارة عن صورة ~~يحدثها الشاعر أو غير الشاعر للمعنى؟ # فإن قالوا: بلى يكون، وهو أن يستعير للمعنى لفظا. # قيل: الشأن في أنهم قالوا: «إذا أخذ معنى عاريا فكساه لفظا من عنده، كان ~~أحق به»، و «الاستعارة» عندكم مقصورة على مجرد اللفظ، ولا ترون المستعير ~~يصنع PageV01P304 # بالمعنى شيئا، وترون أنه لا يحدث فيه مزية على وجه من الوجوه. وإذا كان ~~كذلك، فمن أين، ليت شعري، يكون أحق به؟ فاعرفه. # ثم إن أردت مثالا في ذلك، فإن من أحسن شيء فيه، ما صنع أبو تمام في بيت ~~أبي نخيلة، وذلك أن أبا نخيلة قال في مسلمة بن عبد الملك: [من الطويل] # أمسلم، إني يا ابن كل خليفة، ... ويا جبل الدنيا، ويا واحد الأرض # شكرتك، إن الشكر حبل من التقى، ... وما ms285 كل من أوليته صالحا يقضي # وأنبهت لي ذكري، وما كان خاملا، ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض «1» # فعمد أبو تمام إلى هذا البيت الأخير فقال: [من الطويل] # لقد زدت أوضاحي امتدادا، ولم أكن ... بهيما، ولا أرضي من الأرض مجهلا # ولكن أياد صادفتني جسامها ... أغر، فأوفت بي أغر محجلا «2» # وفي «كتاب الشعر والشعراء» للمرزباني فصل في هذا المعنى حسن. قال: # ومن الأمثال القديمة قولهم: «حرا أخاف على جاني كمأة لا قرا» «3»، يضرب ~~مثلا للذي يخاف من شيء فيسلم منه ويصيبه غيره مما لم يخفه، فأخذ هذا المعنى ~~بعض الشعراء فقال: [من الكامل] # وحذرت من أمر فمر بجانبي ... لم ينكني، ولقيت ما لم أحذر «4» PageV01P305 # وقال لبيد: [من المنسرح] # أخشى على أربد الحتوف، ولا ... أرهب نوء السماك والأسد «1» # قال: وأخذه البحتري فأحسن وطغى اقتدارا على العبارة، واتساعا في المعنى، ~~فقال: [من الكامل] # لو أنني أوفي التجارب حقها ... فيما أرت، لرجوت ما أخشاه # وشبيه بهذا الفصل فصل آخر من هذا الكتاب «2» أيضا، أنشد لإبراهيم بن ~~المهدي: [من السريع] # يا من لقلب صيغ من صخرة ... في جسد من لؤلؤ رطب # جرحت خديه بلحظي، فما ... برحت حتى اقتص من قلبي «3» # ثم قال: قال علي بن هارون: أخذه أحمد بن أبي فنن معنى ولفظا فقال: # أدميت باللحظات وجنته ... فاقتص ناظره من القلب «4» # قال: ولكنه بنقاء عبارته وحسن مأخذه، قد صار أولى به. # ففي هذا دليل لمن عقل أنهم لا يعنون بحسن العبارة مجرد اللفظ، ولكن صورة ~~وصفة وخصوصية تحدث في المعنى، وشيئا طريق معرفته على الجملة العقل دون ~~السمع، فإنه على كل حال لم يقل في البحتري أنه «أحسن فطغى اقتدارا على ~~العبارة»، من أجل حروف. PageV01P306 # لو أنني أوفي التجارب حقها وكذلك لم يصف ابن أبي فنن بنقاء العبارة، من ~~أجل حروف. # أدميت باللحظات وجنته واعلم أنك إذا سبرت أحوال هؤلاء الذين زعموا أنه ~~إذا كان المعبر عنه واحدا، والعبارة اثنتين، ثم كانت إحدى العبارتين أفصح ~~من الأخرى وأحسن، فإنه ينبغي أن يكون السبب في كونها أفصح ms286 وأحسن، اللفظ ~~نفسه وجدتهم قد قالوا ذلك من حيث قاسوا الكلامين على الكلمتين، فلما رأوا ~~أنه إذا قيل في «الكلمتين» إن معناهما واحد، لم يكن بينهما تفاوت، ولم يكن ~~للمعنى في إحداهما حال لا يكون له في الأخرى ظنوا أن سبيل الكلامين هذا ~~السبيل. ولقد غلطوا فأفحشوا، لأنه لا يتصور أن تكون صورة المعنى في أحد ~~الكلامين أو البيتين، مثل صورة في الآخر البتة، اللهم إلا أن يعمد عامد إلى ~~بيت فيضع مكان كل لفظة منه لفظة في معناها، ولا يعرض لنظمه وتأليفه، كمثل ~~أن يقول في بيت حطيئة: [من البسيط] # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # ذر المفاخر لا تذهب لمطلبها ... واجلس فإنك أنت الآكل اللابس «1» # وما كان هذا سبيله كان بمعزل من أن يكون به اعتداد، وأن يدخل في قبيل ما ~~يفاضل فيه بين عبارتين، بل لا يصح أن يجعل ذلك عبارة ثانية، ولا أن يجعل ~~الذي يتعاطاه بمحل من يوصف بأنه أخذ معنى. ذلك لأنه لا يكون ذلك صانعا شيئا ~~يستحق أن يدعى من أجله واضع كلام، ومستأنف عبارة وقائل شعر. ذاك لأن بيت ~~حطيئة لم يكن كلاما وشعرا من أجل معاني الألفاظ المفردة التي تراها فيه، ~~مجردة معراة من معاني النظم والتأليف، بل منها متوخى فيها ما ترى من كون ~~«المكارم» مفعولا «لدع»، وكون قوله «لا ترحل لبغيتها» جملة أكدت الجملة ~~قبلها، وكون «اقعد» معطوفا بالواو على مجموع ما مضى، وكون جملة «أنت الطاعم ~~الكاسي»، معطوفة بالفاء على «اقعد»، فالذي يجيء فلا يغير شيئا من هذا الذي ~~به كان كلاما وشعرا، لا يكون قد أتى بكلام ثان وعبارة ثانية، بل لا يكون قد ~~قال من عند نفسه شيئا البتة. # وجملة الأمر أنه كما لا تكون الفضة أو الذهب خاتما أو سوارا أو غيرهما من ~~PageV01P307 # أصناف الحلي بأنفسهما، ولكن بما يحدث فيهما من الصورة، كذلك لا تكون ~~الكلم المفردة التي هي أسماء وأفعال وحروف، وكلاما وشعرا، من غير أن يحدث ~~فيها النظم الذي ms287 حقيقته توخي معاني النحو وأحكامه. # فإذن ليس لمن يتصدى لما ذكرنا، من أن يعمد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة ~~منها لفظة في معناها، إلا أن يسترك عقله، ويستخف، ويعد معد الذي حكي أنه ~~قال: «إني قلت بيتا هو أشعر من بيت حسان، قال حسان: [من الكامل] # يغشون حتى ما تهر كلابهم، ... لا يسألون عن السواد المقبل «1» # وقلت: # يغشون حتى ما تهر كلابهم ... أبدا ولا يسلون من ذا المقبل # فقيل: هو بيت حسان، ولكنك قد أفسدته. # واعلم أنه إنما أتي القوم من قلة نظرهم في الكتب التي وضعها العلماء في ~~اختلاف العبارتين على المعنى الواحد، وفي كلامهم في أخذ الشاعر من الشاعر، ~~وفي أن يقول الشاعران على الجملة في معنى واحد، وفي الأشعار التي دونوها في ~~هذا المعنى. ولو أنهم كانوا أخذوا أنفسهم بالنظر في تلك الكتب، وتدبروا ما ~~فيها حق التدبر، لكان يكون ذلك قد أيقظهم من غفلتهم، وكشف الغطاء عن ~~أعينهم. # وقد أردت أن أكتب جملة من الشعر الذي أنت ترى الشاعرين فيه قد قالا في ~~معنى واحد، وهو ينقسم قسمين: # قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتى بالمعنى غفلا ساذجا، وترى الآخر قد ~~أخرجه في صورة تروق وتعجب. # وقسم أنت ترى كل واحد من الشاعرين قد صنع في المعنى وصور. # وأبدا بالقسم الأول الذي يكون المعنى في أحد البيتين غفلا، وفي الآخر ~~مصورا PageV01P308 # مصنوعا، ويكون ذلك إما لأن متأخرا قصر عن متقدم، وإما لأن هدي متأخر لشيء ~~لم يهتد إليه المتقدم. # ومثال ذلك قول المتنبي: [من السريع] # بئس الليالي سهدت من طربي ... شوقا إلى من يبيت يرقدها «1» # مع قول البحتري: [من الكامل] # ليل يصادفني ومرهفة الحشا ... ضدين أسهره لها وتنامه «2» # وقول البحتري: [من البسيط] # ولو ملكت زماعا ظل يجذبني ... قودا لكان ندى كفيك من عقلي «3» # مع قول المتنبي: [من الطويل] # وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا «4» # وقول المتنبي: [من الكامل] # إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم المحض «5» ~~PageV01P309 # مع ms288 قول البحتري: [من الكامل] # ظللنا نعود الجود من وعكك الذي ... وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد «1» # وقول المتنبي: [من الكامل] # يعطيك مبتدرا فإن أعجلته ... أعطاك معتذرا كمن قد أجرما «2» # مع قول أبي تمام: [من الكامل] # أخو عزمات فعله فعل محسن ... إلينا ولكن عذره عذر مذنب «3» # وقول المتنبي: [من الطويل] # كريم متى استوهبت ما أنت راكب ... وقد لقحت حرب فإنك نازل «4» # مع قول البحتري: [من البسيط] # ماض على عزمه في الجود لو وهب الش ... باب يوم لقاء البيض ما ندما «5» # وقول المتنبي: [من الخفيف] # والذي يشهد الوغى ساكن القل ... ب كأن القتال فيها ذمام «6» PageV01P310 # مع قول البحتري: [من الطويل] # لقد كان ذاك الجأش جأش مسالم ... على أن ذاك الزي زي محارب «1» # وقول أبي تمام: [من الكامل] # الصبح مشهور بغير دلائل ... من غيره ابتغيت ولا أعلام «2» # مع قول المتنبي: [من الوافر] # وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل «3» # وقول أبي تمام: [من الوافر] # وفي شرف الحديث دليل صدق ... لمختبر على الشرف القديم «4» # مع قول المتنبي: [من البسيط] # أفعاله نسب لو لم يقل معها ... جدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن «5» ~~PageV01P311 # وقول البحتري: [من الكامل] # وأحب آفاق البلاد إلى الفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب «1» # مع قول المتنبي: [من الطويل] # وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب «2» # وقول المتنبي: [من الطويل] # يقر له بالفضل من لا يوده ... ويقضي له بالسعد من لا ينجم «3» # مع قول البحتري: [من الكامل] # لا أدعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه «4» # وقول خالد الكاتب: [من المتقارب] # رقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر «5» # مع قول بشار: [من الطويل] # لخدك من كفيك في كل ليلة ... إلى أن ترى ضوء الصباح وساد # تبيت تراعي الليل ترجو نفاده ... وليس لليل العاشقين نفاد «6» ~~PageV01P312 # وقول أبي تمام: [من الوافر] # ثوى بالمشرقين لها ضجاج ... أطار قلوب أهل المغربين «1» # وقول البحتري: [من الطويل] # تناذر أهل الشرق منه وقائعا ... أطاع لها العاصون في بلد الغرب «2» # مع قول مسلم: [من البسيط] ms289 # لما نزلت على أدنى ديارهم ... ألقى إليك الأقاصي بالمقاليد «3» # وقول محمد بن بشير: [من البسيط] # افرغ لحاجتنا ما دمت مشغولا ... فلو فرغت لكنت الدهر مبذولا «4» # مع قول أبي علي البصير: [من الطويل] # فقل لسعيد أسعد الله جده ... لقد رث حتى كاد ينصرم الحبل # فلا تعتذر بالشغل عنا فإنما ... تناط بك الآمال ما اتصل الشغل «5» # وقول البحتري: [من الكامل] # من غادة منعت، وتمنع وصلها ... فلو انها بذلت لنا لم تبذل «6» # مع قول ابن الرومي: [من مجزوء الكامل] # ومن البلية أنني ... علقت ممنوعا منوعا «7» # وقول أبي تمام: [من الطويل] PageV01P313 # لئن كان ذنبي أن أحسن مطلبي ... أساء ففي سوء القضاء لي العذر «1» # مع قول البحتري: [من البسيط] # إذا محاسني اللاتي أدل بها ... كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر «2» # وقول أبي تمام: [من البسيط] قد يقدم العير من ذعر على الأسد «3» مع قول ~~البحتري: [من الطويل] # فجاء مجيء العير قادته حيرة ... إلى أهرت الشدقين تدمى أظافره «4» # وقول معن بن أوس: [من الطويل] # إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل «5» # مع قول العباس بن الأحنف: [من البسيط] # نقل الجبال الرواسي من أماكنها ... أخف من رد قلب حين ينصرف «6» # وقول أمية بن أبي الصلت: [من الطويل] # عطاؤك زين لامرئ إن أصبته ... بخير وما كل العطاء يزين «7» PageV01P314 # مع قول أبي تمام: [من البسيط] # تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت ... كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا # ما زلت منتظرا أعجوبة عنتا ... حتى رأيت سؤالا يجتني شرفا «1» # وقول جرير: [من الطويل] # بعثن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأسهم أعداء وهن صديق «2» # مع قول أبي نواس: [من الطويل] # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق «3» # وقول كثير: [من الطويل] # إذا ما أرادت خلة أن تزيلنا ... أبينا وقلنا الحاجبية أول «4» # مع قول أبي تمام: [من الكامل] # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول «5» # وقول المتنبي: [من الطويل] # وعند من اليوم الوفاء لصاحب ... شبيب وأوفى من ترى أخوان «6» PageV01P315 # مع قول أبي ms290 تمام: [من الطويل] # فلا تحسبا هندا لها الغدر وحدها ... سجية نفس كل غانية هند «1» # وقول البحتري: [من الطويل] # فلم أر في رنق الصرى لي موردا ... فحاولت ورد النيل عند احتفاله «2» # مع قول المتنبي: [من الطويل] # قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا «3» # وقول المتنبي: [من المنسرح] # كأنما يولد الندى معهم ... لا صغر عاذر ولا هرم «4» # مع قول البحتري: [من الطويل] # عريقون في الإفضال يؤتنف الندى ... لناشئهم من حيث يؤتنف العمر «5» ~~PageV01P316 # وقول البحتري: [من الطويل] # فلا تغلين بالسيف كل غلائه ... ليمضي فإن الكف لا السيف تقطع «1» # مع قول المتنبي: [من الطويل] # إذا الهند سوت بين سيفي كريهة ... فسيفك في كف تزيل التساويا «2» # وقول البحتري: [من الكامل] # ساموك من حسد فأفضل منهم ... غير الجواد وجاد غير المفضل # فبذلت فينا ما بذلت سماحة ... وتكرما وبذلت ما لم تبذل «3» # مع قول أبي تمام: [من الطويل] # أرى الناس منهاج الندى بعد ما عفت ... مهايعه المثلى ومحت لواحبه # ففي كل نجد في البلاد وغائر ... مواهب ليست منه وهي مواهبه «4» # وقول المتنبي: [من البسيط] # بيضاء تطمع فيما تحت حلتها ... وعز ذلك مطلوبا إذا طلبا «5» # مع قول البحتري: [من الكامل] PageV01P317 # تبدو بعطفة مطمع حتى إذا ... شغل الخلي ثنت بصدفة مؤيس «1» # وقول المتنبي: [من الكامل] # إذكار مثلك ترك إذكاري له ... إذ لا تريد لما أريد مترجما «2» # مع قول أبي تمام: [من الخفيف] # وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي «3» # وقول أبي تمام: [من الكامل] # فنعمت من شمس إذا حجبت بدت ... من خدرها فكأنها لم تحجب «4» # مع قول قيس بن الخطيم: [من المنسرح] # قضى لها الله حين صورها ال ... خالق أن لا يكنها سدف «5» # وقول المتنبي: [من الخفيف] # راميات بأسهم ريشها الهد ... ب تشق القلوب قبل الجلود «6» # مع قول كثير: [من الطويل] # رمتني ريشه الكحل لم يجز ... ظواهر جلدي وهو في القلب جارح «7» ~~PageV01P318 # وقول بعض شعراء الجاهلية، ويعزى إلى لبيد: [من الكامل] # ودعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني فإذا السلامة داء «1» # مع قول أبي العتاهية: [من ms291 الرجز] # أسرع في نقص امرئ تمامه ... تدبر في إقبالها أيامه «2» # وقوله: [من مجزوء الكامل] # أقلل زيارتك الحبي ... ب تكون كالثوب استجده # إن الصديق يمله ... أن لا يزال يراك عنده «3» # مع قول أبي تمام: [من الطويل] # وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد «4» # وقول الخريمي: [من الرمل] # زاد معروفك عندي عظما ... أنه عندك محقور صغير # تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور كبير «5» # مع قول المتنبي: [من المنسرح] # تظن من فقدك اعتدادهم ... أنهم أنعموا وما علموا «6» PageV01P319 # وقول البحتري: [من الوافر] # ألم تر للنوائب كيف تسمو ... إلى أهل النوافل والفضول «1» # مع قول المتنبي: [من البسيط] # أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن «2» # وقول المتنبي: [من الطويل] # تذلل لها واخضع على القرب والنوى ... فما عاشق من لا يذل ويخضع «3» # مع قول بعض المحدثين: [من مجزوء الكامل] # كن إذا أحببت عبدا ... للذي تهوى مطيعا # لن تنال الوصل حتى ... تلزم النفس الخضوعا «4» # وقول مضرس بن ربعي: [من الطويل] PageV01P320 # لعمرك إني بالخليل الذي له ... علي دلال واجب لمفجع # وإني بالمولى الذي ليس نافعي ... ولا ضائري فقدانه لممتع «1» # مع قول المتنبي: [من الطويل] # أما تغلط الأيام في بأن أرى ... بغيضا تنائي أو حبيبا تقرب «2» # وقول المتنبي: [من البسيط] # مظلومة القد في تشبيهه غصنا ... مظلومة الريق في تشبيهه ضربا «3» # مع قوله: [من الطويل] # إذا نحن شبهناك بالبدر طالعا ... بخسناك حظا أنت أبهى وأجمل # ونظلم إن قسناك بالليث في الوغى ... لأنك أحمى للحريم وأبسل «4» # [القسم الثاني في البيتين صنعة وتصويرا] # ذكر ما أنت ترى فيه في كل واحد من البيتين صنعة وتصويرا وأستاذية على ~~الجملة فمن ذلك، وهو من النادر، قول لبيد: [من الرمل] PageV01P321 # واكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل «1» # مع قول نافع بن لقيط: # وإذا صدقت النفس لم تترك لها ... أملا ويأمل ما اشتهى المكذوب «2» # وقول رجل من الخوارج أتي به الحجاج في جماعة من أصحاب قطري فقتلهم، ومن ~~عليه ليد كانت عنده، وعاد إلى قطري، فقال له ms292 قطري: عاود قتال عدو الله ~~الحجاج. فأبى وقال: [من الكامل] # أأقاتل الحجاج عن سلطانه ... بيد تقر بأنها مولاته # ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصف واحتجت له فعلاته # وتحدث الأقوام أن صنائعا ... غرست لدي فحنظلت نخلاته «3» # مع قول أبي تمام: [من الطويل] # أسربل هجر القول من لو هجوته ... إذن لهجاني عنه معروفه عندي «4» # وقول النابغة: [من الطويل] # إذا ما غدا بالجيش حلق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب # جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الصفان أول غالب «5» ~~PageV01P322 # مع قول أبي نواس: [من الرمل المجزوء] # وإذا مج القنا علقا ... وتراءى الموت في صوره # راح في ثنيي مفاضته ... أسد يدمى شبا ظفره # تتأيى الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره «1» # المقصود البيت الأخير. # وحكى المرزباني قال: «حدثني عمرو الوراق قال: رأيت أبا نواس ينشد قصيدته ~~التي أولها: [من الرمل المجزوء] أيها المنتاب عن عفره «2» فحسدته، فلما بلغ ~~إلى قوله: # تتأيى الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره «3» # قلت له: ما تركت للنابغة شيئا حيث يقول: «إذا ما غدا بالجيش»، البيتين، ~~فقال: اسكت، فلئن كان سبق فما أسأت الأتباع». # وهذا الكلام من أبي نواس دليل بين في أن المعنى ينقل من صورة إلى صورة. ~~PageV01P323 # ذاك لأنه لو كان لا يكون قد صنع بالمعنى شيئا، لكان قوله: «فما أسأت ~~الاتباع» محالا، لأنه على كل حال لم يتبعه في اللفظ. ثم إن الأمر ظاهر لمن ~~نظر في أنه قد نقل المعنى عن صورته التي هو عليها في شعر النابغة إلى صورة ~~أخرى. وذلك أن هاهنا معنيين: # أحدهما: أصل، وهو: علم الطير بأن الممدوح إذا غزا عدوا كان الظفر له، ~~وكان هو الغالب. # والآخر فرع، وهو: طمع الطير في أن تتسع عليها المطاعم من لحوم القتلى. # وقد عمد النابغة إلى «الأصل»، الذي هو علم الطير بأن الممدوح يكون ~~الغالب، فذكره صريحا، وكشف عن وجهه، واعتمد في «الفرع» الذي هو طمعها في ~~لحوم القتلى، وأنها لذلك تحلق فوقه على دلالة الفحوى. # وعكس أبو نواس القصة، فذكر «الفرع» الذي ms293 هو طمعها في لحوم القتلى صريحا، ~~فقال كما ترى: # ثقة بالشبع من جزره «1» وعول في «الأصل»، الذي هو علمها بأن الظفر يكون ~~للممدوح، على الفحوى. # ودلالة الفحوى على علمها أن الظفر يكون للممدوح، هي في أن قال: «من ~~جزره»، وهي لا تثق بأن شبعها يكون من جزر الممدوح، حتى تعلم أن الظفر يكون ~~له. # أفيكون شيء أظهر من هذا في النقل عن صورة إلى صورة؟ # أرجع إلى النسق- ومن ذلك قول أبي العتاهية: [من الخفيف] # شيم فتحت من المدح ما قد ... كان مستغلقا على المداح «2» # مع قول أبي تمام: [من الكامل] # نظمت له خرز المديح مواهب ... ينفثن في عقد اللسان المفحم «3» ~~PageV01P324 # وقول أبي وجزة: [من الوافر] # أتاك المجد من هنا وهنا ... وكنت له بمجتمع السيول «1» # مع قول منصور النمري: [من البسيط] # إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع «2» # وقول بشار: [من البسيط] # الشيب كره وكره أن يفارقني ... أعجب بشيء على البغضاء مودود «3» # مع قول البحتري: [من الوافر] # تعيب الغانيات علي شيبي ... ومن لي أن أمتع بالمعيب «4» # وقول أبي تمام: [من الوافر] # يشتاقه من كماله غده ... ويكثر الوجد نحوه الأمس «5» # مع قول ابن الرومي: [من الطويل] # إمام يظل الأمس يعمل نحوه ... تلفت ملهوف ويشتاقه الغد «6» PageV01P325 # لا تنظر إلى أنه قال: «يشتاقه الغد»، فأعاد لفظ أبي تمام، ولكن انظر إلى ~~قوله: # يعمل نحوه تلفت ملهوف وقول أبي تمام: [من الطويل] # لئن ذمت الأعداء سوء صباحها ... فليس يؤدي شكرها الذئب والنسر «1» # مع قول المتنبي: [من المتقارب] # وأنبت منهم ربيع السباع ... فأثنت بإحسانك الشامل «2» # وقول أبي تمام: [من البسيط] # ورب نائي المغاني روحه أبدا ... لصيق روحي ودان ليس بالداني «3» # مع قول المتنبي: [من الوافر] # لنا ولأهله أبدا قلوب ... تلاقى في جسوم ما تلاقى «4» PageV01P326 # وقول أبي تمام: [من الكامل] # إذا سيفه أضحى على الهام حاكما ... غدا العفو منه وهو في السيف حاكم «1» # مع قول المتنبي: [من الكامل] # له من كريم الطبع في الحرب منتض ... ومن عادة الإحسان والصفح غامد «2» # فانظر الآن نظر من نفى ms294 الغفلة عن نفسه، فإنك ترى عيانا أن للمعنى في كل ~~واحد من البيتين من جميع ذلك، صورة وصفة غير صورته وصفته في البيت الآخر ~~وأن العلماء لم يريدوا حيث قالوا: «إن المعنى في هذا هو المعنى في ذاك»، أن ~~الذي يعقل من هذا لا يخالف الذي يعقل من ذاك وأن المعنى عائد عليك في البيت ~~الثاني على هيئته وصفته التي كان عليها في البيت الأول وأن لا فرق ولا فصل ~~ولا تباين بوجه من الوجوه وأن حكم البيتين مثلا حكم الاسمين قد وضعا في ~~اللغة لشيء واحد، كالليث والأسد ولكن قالوا ذلك على حسب ما يقوله العقلاء ~~في الشيئين يجمعهما جنس واحد، ثم يفترقان بخواص ومزايا وصفات، كالخاتم ~~والخاتم، والشنف والشنف، والسوار والسوار، وسائر أصناف الحلي التي يجمعها ~~جنس واحد، ثم يكون بينهما الاختلاف الشديد في الصنعة والعمل. # ومن هذا الذي ينظر إلى بيت الخارجي وبيت أبي تمام، فلا يعلم أن صورة ~~المعنى في ذلك غير صورته في هذا؟ كيف، والخارجي يقول: # «واحتجت له فعلاته» «3» PageV01P329 # ويقول أبو تمام: # «إذن لهجاني عنه معروفه عندي» «1» ومتى كان «احتج» و «هجا» واحدا في ~~المعنى؟ # وكذلك الحكم في جميع ما ذكرناه، فليس يتصور في نفس عاقل أن يكون قول ~~البحتري: [من الكامل] # وأحب آفاق البلاد إلى الفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب «2» # وقول المتنبي: # وكل مكان ينبت العز طيب «3» - سواء واعلم أن قولنا «الصورة»، إنما هو ~~تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا، فلما رأينا ~~البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة، فكان تبين إنسان من إنسان ~~وفرس من فرس، بخصوصية تكون في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك، وكذلك كان ~~الأمر في المصنوعات، فكان تبين خاتم من خاتم وسوار من سوار بذلك، ثم وجدنا ~~بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقا، عبرنا ~~عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا: «للمعنى في هذا صورة غير صورته في ~~ذلك». وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئا نحن ms295 ابتدأناه فينكره منكر، بل هو ~~مستعمل مشهور في كلام العلماء، ويكفيك قول الجاحظ: «وإنما الشعر صياغة وضرب ~~من التصوير». PageV01P330 # واعلم أنه لو كان المعنى في أحد البيتين يكون على هيئته وصفته في البيت ~~الآخر، وكان التالي من الشاعرين يجيئك به معادا على وجهه لم يحدث فيه شيئا، ~~ولم يغير له صفة، لكان قول العلماء في شاعر: «إنه أخذ المعنى من صاحبه ~~فأحسن وأجاد»، وفي آخر: «إنه أساء وقصر»، ولغوا من القول، من حيث كان محالا ~~أن يحسن أو يسيء في شيء لا يصنع به شيئا. # وكذلك كان يكون جعلهم البيت نظيرا للبيت ومناسبا له، خطأ منهم، لأنه محال ~~أن يناسب الشيء نفسه، وأن يكون نظيرا لنفسه. # وأمر ثالث، وهو أنهم يقولون في واحد: «إنه أخذ المعنى فظهر أخذه»، وفي ~~آخر: «إنه أخذه فأخفى أخذه»، ولو كان المعنى يكون معادا على صورته وهيئته، ~~وكان الآخذ له من صاحبه لا يصنع شيئا غير أن يبدل لفظا مكان لفظ، لكان ~~الإخفاء فيه محالا، لأن اللفظ لا يخفي المعنى، وإنما يخفيه إخراجه في صورة ~~غير التي كان عليها. # مثال ذلك أن القاضي أبا الحسن «1»، ذكر فيما ذكر فيه «تناسب المعاني»، ~~بيت أبي نواس: [من الرمل المجزوء] # خليت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتخب «2» # وبيت عبد الله بن مصعب: [من الوافر] # كأنك جئت محتكما عليهم ... تخير في الأبوة ما تشاء «3» # وذكر أنهما معا من بيت بشار: [من الطويل] # خلقت ما في غير مخير ... هواي، ولو خيرت كنت المهذبا «4» # والأمر في تناسب هذه الثلاثة ظاهر. ثم إنه ذكر أن أبا تمام قد تناوله ~~فأخفاه وقال: [من الوافر] PageV01P331 # فلو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع «1» # ومن العجب في ذلك ما تراه إذا أنت تأملت قول أبي العتاهية: [من الكامل] # جزي البخيل علي صالحة ... عني بخفته على ظهري # أعلى وأكرم عن يديه يدي ... فعلت، ونزه قدره قدري # ورزقت من جدواه عافية ... أن لا يضيق بشكره صدري # وغنيت خلوا من تفضله ... أحنو عليه بأحسن العذر # ما ms296 فاتني خير امرئ وضعت ... عني يداه مئونة الشكر «2» # ثم نظرت إلى قول الذي يقول: [من المنسرح] # أعتقني سوء ما صنعت من الرق ... فيا بردها على كبدي # فصرت عبدا للسوء منك وما ... أحسن سوء قبلي إلى أحد «3» # ومما هو في غاية الندرة من هذا الباب، ما صنعه الجاحظ بقول نصيب: [من ~~الطويل] ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب «4» حين نثره فقال، وكتب به إلى ابن ~~الزيات: «نحن أعزك الله نسحر بالبيان، ونموه بالقول، والناس ينظرون إلى ~~الحال، ويقضون بالعيان، فأثر في أمرنا أثرا ينطق إذا سكتنا، فإن المدعي ~~بغير بينة متعرض للتكذيب». وهذه جملة من وصفهم الشعر وعمله وإدلالهم به- ~~أبو حية النميرى: [من الكامل] # إن القصائد قد علمن بأنني ... صنع اللسان بهن، لا أتنحل # وإذا ابتدأت عروض نسج ريض ... جعلت تذل لما أريد وتسهل # حتى تطاوعني، ولو يرتاضها ... غيري لحاول صعبة لا تقبل «5» PageV01P332 # تميم بن مقبل: [من الطويل] # إذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى ... لها قائلا بعدي أطب وأشعرا # وأكثر بيتا سائرا ضربت له ... حزون جبال الشعر حتى تيسرا # أغر غريبا يمسح الناس وجهه ... كما تمسح الأيدي الأغر المشهرا «1» # عدي بن الرقاع: [من الكامل] # وقصدة قد بت أجمع بينها ... حتى أقوم ميلها وسنادها # نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافة منادها «2» # كعب بن زهير: [من الطويل] # فمن اللقوافي، شانها من يحوكها، ... إذا ما توى كعب وفوز جرول «3» # يقومها حتى تلين متونها ... فيقصر عنها كل ما يتمثل «4» # بشار: [من الطويل] # عميت جنينا، والذكاء من العمى، ... فجئت عجيب الظن للعلم موئلا # وغاص ضياء العين للعلم رافدا ... لقلب إذا ما ضيع الناس حصلا # وشعر كنور الروض لاءمت بينه ... بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا «5» ~~PageV01P333 # وله: [من المنسرح] # زور ملوك عليه أبهة ... يغرف من شعره ومن خطبه «1» # لله ما راح في جوانحه ... من لؤلؤ لا ينام عن طلبه # يخرج من فيه للندى، كما ... يخرج ضوء السراج من لهبه «2» # أبو شريح العمير: [من الوافر] # فإن أهلك فقد أبقيت بعدي ... قوافي تعجب المتمثلينا # لذيذات المقاطع محكمات ms297 ... لو أن الشعر يلبس لارتدينا «3» # الفرزدق: [من الوافر] # بلغنا الشمس حين تكون شرقا ... ومسقط قرنها من حيث غابا # بكل ثنية وبكل ثغر ... غرائبهن تنتسب انتسابا «4» # ابن ميادة: [من الطويل] PageV01P334 # فجرنا ينابيع الكلام وبحره ... فأصبح فيه ذو الرواية يسبح # وما الشعر إلا شعر قيس وخندف ... وشعر سواهم كلفة وتملح «1» # وقال عقال بن هشام القيني يرد عليه: [من الطويل] # ألا أبلغ الرماح نقض مقالة ... بها خطل الرماح أو كان يمزح # لئن كان في قيس وخندف ألسن ... طوال وشعر سائر ليس يقدح # لقد خرق الحي اليمانون قبلهم ... بحور الكلام تستقى وهي طفح # وهم علموا من بعدهم فتعلموا ... وهم أعربوا هذا الكلام وأوضحوا # فللسابقين الفضل لا يجحدونه ... وليس لمسبوق عليهم تبجج «2» # أبو تمام: [من الطويل] # كشفت قناع الشعر عن حر وجهه ... وطيرته عن وكره وهو واقع # بغر يراها من يراها بسمعه ... ويدنو إليها ذو الحجى وهو شاسع # يود ودادا أن أعضاء جسمه ... إذا أنشدت، شوقا إليها، مسامع «3» ~~PageV01P335 # وله: [من الكامل] # حذاء تملأ كل أذن حكمة ... وبلاغة، وتدر كل وريد # كالدر والمرجان ألف نظمه ... بالشذر في عنق الفتاة الرود # كشقيقة البرد المنمنم وشيه ... في أرض مهرة أو بلاد تزيد # يعطي بها البشرى الكريم ويرتدي ... بردائها في المحفل المشهود # بشرى الغني أبي البنات تتابعت ... بشرائه بالفارس المولود «1» # وله: [من الكامل] # جاءتك من نظم اللسان قلادة ... سمطان، فيها اللؤلؤ المكنون # أحذاكها صنع الضمير يمده ... جفر إذا نضب الكلام معين «2» # أخذ لفظ «الصنع» من قول أبي حية: # بأنني صنع اللسان بهن، لا أتنحل «3» ونقله إلى الضمير. وقد جعل حسان أيضا ~~اللسان «صنعا»، وذلك في قوله: [من البسيط] # أهدى لهم مدحا قلب مؤازره ... فيما أحب لسان حائك صنع «4» PageV01P336 # ولأبي تمام: [من الطويل] # إليك أرحنا عازب الشعر بعد ما ... تمهل في روض المعاني العجائب # غرائب لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب # ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في السنين الذواهب # ولكنه صوب العقول، إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب «1» # البحتري [من الطويل] # ألست ms298 الموالي فيك نظم قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما # ثناء كأن الروض منه منورا ... ضحى، وكأن الوشي منه منمنما «2» # وله: [من البسيط] # أحسن أبا حسن بالشعر، إذ جعلت ... عليك أنجمه بالمدح تنتشر # فقد أتتك القوافي غب فائدة ... كما تفتح غب الوابل الزهر «3» # وله: [من الطويل] # إليك القوافي نازعات قواصدا ... يسير ضاحي وشيها وينمنم # ومشرقة في النظم غر يزينها ... بهاء وحسنا أنها فيك تنظم «4» # وله: [من الطويل] # بمنقوشة نقش الدنانير ينتقى ... لها اللفظ مختارا كما ينتقى التبر «5» ~~PageV01P337 # وله: [من الطويل] # أيذهب هذا الدهر لم ير موضعي ... ولم يدر ما مقدار حلي ولا عقدي # ويكسد مثلي وهو تاجر سؤدد ... يبيع ثمينات المكارم والمجد # سوائر شعر جامع بدد العلى ... تعلقن من قبلي وأتعبن من بعدي # يقدر فيها صانع متعمل ... لإحكامها تقدير داود في السرد «1» # وله: [من الكامل] # تالله يسهر في مديحك ليله ... متململا وتنام دون ثوابه # يقظان ينتخل الكلام كأنه ... جيش لديه يريد أن يلقى به # فأتى به كالسيف رقرق صيقل ... ما بين قائم سنخه وذبابه «2» # ومن نادر وصفه للبلاغة قوله: [من الخفيف] # في نظام من البلاغة ما شك ... امرؤ أنه نظام فريد # وبديع كأنه الزهر الضاحك ... في رونق الربيع الجديد # مشرق في جوانب السمع ما يخ ... لقه عوده على المستعيد # حجج تخرس الألد بألفا ... ظ فرادى كالجوهر المعدود # ومعان لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد # جزن مستعمل الكلام اختيارا ... ونجنبن ظلمة التعقيد # وركبن اللفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المراد البعيد # كالعذارى غدون في الحلل الصف ... ر إذا رحن في الخطوط السود «3» ~~PageV01P338 # الغرض من كتب هذه الأبيات، الاستظهار، حتى إن حمل حامل نفسه على الغرر ~~والتقحم على غير بصيرة، فزعم أن الإعجاز في مذاقة الحروف، وفي سلامتها مما ~~يثقل على اللسان علم بالنظر فيها فساد ظنه وقبح غلطه، من حيث يرى عيانا أن ~~ليس كلامهم كلام من خطر ذلك منه ببال، ولا صفاتهم صفات تصلح له على حال. # إذ لا يخفى على عاقل أن لم يكن ضرب «تميم» لحزون جبال ms299 الشعر، لأن تسلم ~~ألفاظه من حروف تثقل على اللسان ولا كان تقويم «عدي» لشعره وتشبيهه نظره ~~فيه بنظر المثقف في كعوب قناته لذلك وأنه محال أن يكون له جعل «بشار» نور ~~العين قد غاض فصار إلى قلبه، وأن يكون اللؤلؤ الذي كان لا ينام عن طلبه وأن ~~ليس هو صوب العقول «1» الذي إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب وأن ليس هو ~~الدر والمرجان مؤلفا بالشذر في العقد ولا الذي له كان «البحتري» مقدرا ~~«تقدير داود في السرد». كيف؟ وهذه كلها عبارات عما يدرك بالعقل ويستنبط ~~بالفكر، وليس الفكر الطريق إلى تمييز ما يثقل على اللسان مما لا يثقل، إنما ~~الطريق إلى ذلك الحس. # ولولا أن البلوى قد عظمت بهذا الرأي الفاسد، وأن الذين قد استهلكوا فيه ~~قد صاروا من فرط شغفهم به يصغون إلى كل شيء يسمعونه، حتى لو أن إنسانا قال: # «باقلى «2» حار»، يريهم أنه يريد نصرة مذهبهم، لأقبلوا بأوجههم عليه ~~وألقوا أسماعهم إليه لكان اطراحه وترك الاشتغال به أصوب، لأنه قول لا يتصل ~~منه جانب بالصواب البتة. ذاك لأنه أول شيء يؤدي إلى أن يكون القرآن معجزا، ~~لا بما به كان قرآنا وكلام الله عز وجل، لأنه على كل حال إنما كان قرآنا ~~وكلام الله عز وجل بالنظم الذي هو عليه. ومعلوم أن ليس «النظم» من مذاقة ~~الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان في شيء. # ثم إنه اتفاق من العقلاء أن الوصف الذي به تناهى القرآن إلى حد عجز عنه ~~المخلوقون، هو الفصاحة والبلاغة. وما رأينا عاقلا جعل القرآن فصيحا أو ~~بليغا، بأن PageV01P339 # لا يكون في حروفه ما يثقل على اللسان، لأنه لو كان يصح ذلك، لكان يجب أن ~~يكون السوقي الساقط من الكلام، والسفساف الرديء من الشعر، فصيحا إذا خفت ~~حروفه. # وأعجب من هذا، أنه يلزم منه أن لو عمد عامد إلى حركات الإعراب فجعل مكان ~~كل ضمة وكسرة فتحة فقال: «الحمد لله»، بفتح الدال واللام والهاء، وجرى على ~~هذا في القرآن كله، أن لا يسلبه ذلك ms300 الوصف الذي هو معجز به، بل كان ينبغي ~~أن يزيد فيه، لأن الفتحة كما لا يخفى أخف من كل واحدة من الضمة والكسرة. # فإن قال: إن ذلك يحيل المعنى. # قيل له: إذا كان المعنى والعلة في كونه معجزا خفة اللفظ وسهولته، فينبغي ~~أن يكون مع إحالة المعنى معجزا، لأنه إذا كان معجزا لوصف يخص لفظه دون ~~معناه، كان محالا أن يخرج عن كونه معجزا، مع قيام ذلك الوصف فيه. # ودع هذا، وهب أنه لا يلزم شيء منه، فإنه يكفي في الدلالة على سقوطه وقلة ~~تمييز القائل به، أنه يقتضي إسقاط «الكناية» و «الاستعارة» و «التمثيل» و ~~«المجاز» و «الإيجاز» جملة، واطراح جميعها رأسا، مع أنها الأقطاب التي تدور ~~البلاغة عليها، والأعضاد التي تستند الفصاحة إليها، والطلبة التي يتنازعها ~~المحسنون، والرهان الذي تجرب فيه الجياد، والنضال الذي تعرف به الأيدي ~~الشداد، وهي التي نوه بذكرها البلغاء ورفع من أقدارها العلماء، وصنفوا فيها ~~الكتب، ووكلوا بها الهمم، وصرفوا إليها الخواطر، حتى صار الكلام فيها نوعا ~~من العلم مفردا، وصناعة على حدة، ولم يتعاط أحد من الناس القول في الإعجاز ~~إلا ذكرها وجعلها العمد والأركان فيما يوجب الفضل والمزية، وخصوصا ~~«الاستعارة» و «الإيجاز»، فإنك تراهم يجعلونهما عنوان ما يذكرون، وأول ما ~~يوردون. # وتراهم يذكرون من «الاستعارة» قوله عز وجل: واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4]، ~~وقوله: وأشربوا في قلوبهم العجل [البقرة: 93]، وقوله عز وجل: # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار [يس: 37]، وقوله عز وجل: فاصدع بما تؤمر ~~[الحجر: 94]، وقوله: فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا [يوسف: 80]، وقوله ~~تعالى: حتى تضع الحرب أوزارها «1» [محمد: 4]، وقوله: فما ربحت تجارتهم ~~[البقرة: 16]. PageV01P340 # ومن «الإيجاز» قوله تعالى: وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ~~«1» [الأنفال: 58]، وقوله تعالى: ولا ينبئك مثل خبير [فاطر: 14]، وقوله: ~~فشرد بهم من خلفهم # «2» # [الأنفال: 57]، وتراهم على لسان واحد في أن «المجاز» و «الإيجاز» من ~~الأركان في أمر الإعجاز. # وإذا كان الأمر كذلك عند كافة العلماء الذين تكلموا في المزايا التي ~~للقرآن، فينبغي أن ينظر في ms301 أمر الذي يسلم نفسه إلى الغرور، فيزعم أن الوصف ~~الذي كان له القرآن معجزا، هو سلامة حروفه مما يثقل على اللسان، أيصح له ~~القول بذلك إلا من بعد أن يدعي الغلط على العقلاء قاطبة فيما قالوه، والخطأ ~~فيما أجمعوا عليه؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يصح له ذلك إلا بأن يقتحم هذه ~~الجهالة، اللهم إلا أن يخرج إلى الضحكة فيزعم مثلا أن من شأن «الاستعارة» و ~~«الإيجاز» إذا دخلا الكلام، أن يحدث بهما في حروفه خفة، وتتجدد فيها سهولة، ~~ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق. # واعلم أنا لا نأبى أن تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان ~~داخلا فيما يوجب الفضيلة، وأن تكون مما يؤكد أمر الإعجاز، وإنما الذي ننكره ~~ونفيل رأي من يذهب إليه، أن يجعله معجزا به وحده، ويجعله الأصل والعمدة، ~~فيخرج إلى ما ذكرنا من الشناعات. # ثم إن العجب كل العجب ممن يجعل كل الفضيلة في شيء هو إذا انفرد لم يجب به ~~فضل البتة، ولم يدخل في اعتداد بحال. وذلك أنه لا يخفى على عاقل أنه لا ~~يكون بسهولة الألفاظ وسلامتها مما يثقل على اللسان اعتداد، حتى يكون قد ألف ~~منها كلام، ثم كان ذلك الكلام صحيحا في نظمه والغرض الذي أريد به، وأنه لو ~~عمد عامد إلى ألفاظ فجمعها من غير أن يراعي فيها معنى، ويؤلف منها كلاما، ~~لم تر عاقلا يعتد السهولة فيها فضيلة، لأن الألفاظ لا تراد لأنفسها، وإنما ~~تراد لتجعل أدلة على المعاني. فإذا عدمت الذي له تراد، أو اختل أمرها فيه، ~~لم يعتد بالأوصاف التي تكون في أنفسها عليها، وكانت السهولة وغير السهولة ~~فيها واحدا. # ومن هاهنا رأيت العلماء يذمون من يحمله تطلب السجع والتجنيس على أن ~~PageV01P341 # يضم لهما المعنى، ويدخل الخلل عليه من أجلهما، وعلى أن يتعسف في ~~الاستعارة بسببهما، ويركب الوعورة، ويسلك المسالك المجهولة، كالذي صنع أبو ~~تمام في قوله: [من البسيط] # سيف الإمام الذي سمته هييته ... لما تخرم أهل الأرض مخترما # قرت بقران عين الدين وانتشرت ... بالأشترين عيون الشرك ms302 فاصطلما «1» # وقوله: [من الكامل] # ذهبت بمذهبه السماحة والتوت ... فيه الظنون، أمذهب أم مذهب «2» # ويصنعه المتكلفون في الأسجاع. وذلك أنه لا يتصور أن يجب بهما، ومن حيث ~~هما، فضل، ويقع بهما مع الخلو من المعنى اعتداد. وإذا نظرت إلى تجنيس أبي ~~تمام: «أمذهب أم مذهب»، فاستضعفته، وإلى تجنيس القائل: [من البسيط] حتى نجا ~~من خوفه وما نجا «3» وقول المحدث: [من الخفيف] # ناظراه فيما جنى ناظراه، ... أو دعاني أمت بما أو دعاني «4» # فاستحسنته، لم تشك بحال أن ذلك لم يكن لأمر يرجع إلى اللفظ، ولكن لأنك ~~رأيت الفائدة ضعفت في الأول، وقويت في الثاني. وذلك؛ أنك رأيت أبا تمام لم ~~يزدك بمذهب ومذهب، على أن أسمعك حروفا مكررة لا تجد لها فائدة إن وجدت، إلا ~~متكلفة متمحلة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن PageV01P342 # الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك أن لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفاها. ولهذه ~~النكتة كان التجنيس، وخصوصا المستوفى منه، مثل «نجا» و «نجا»، من حلي ~~الشعر. # والقول فيما يحسن وفيما لا يحسن من التجنيس والسجع يطول، ولم يكن غرضنا ~~من ذكرهما شرح أمرهما، ولكن توكيد ما انتهى بنا القول إليه من استحالة أن ~~يكون الإعجاز في مجرد السهولة وسلامة الألفاظ مما يثقل على اللسان. # وجملة الأمر، أنا ما رأينا في الدنيا عاقلا اطرح النظم والمحاسن التي هو ~~السبب فيها من «الاستعارة» و «الكناية» و «التمثيل»، وضروب «المجاز» و ~~«الإيجاز»، وصد بوجهه عن جميعها، وجعل الفضل كله والمزية أجمعها في سلامة ~~الحروف مما يثقل. كيف؟ وهو يؤدي إلى السخف والخروج من العقل كما بينا. # واعلم أنه قد آن لنا نعود إلى ما هو الأمر الأعظم والغرض الأهم، والذي ~~كأنه هو الطلبة، وكل ما عداه ذرائع إليه. وهو المرام، وما سواه أسباب ~~للتسلق عليه، وهو بيان العلل التي لها وجب أن يكون لنظم مزية على نظم، وأن ~~يعظم أمر التفاضل فيه ويتناهى إلى الغايات البعيدة. ونحن نسأل الله تعالى ~~العون على ذلك، والتوفيق له والهداية إليه. # بسم الله الرحمن ms303 الرحيم ### | ### | فصل # [في أن النظم هو توخي المعاني] # ما أظن بك أيها القارئ لكتابنا، إن كنت وفيته حقه من النظر، وتدبرته حق ~~التدبر، إلا أنك قد علمت علما أبى أن يكون للشك فيه نصيب، وللتوقف نحوك ~~مذهب، أن ليس «النظم» شيئا إلا توخي معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه ~~فيما بين معاني الكلم وأنك قد تبينت أنه إذا رفع معاني النحو وأحكامه مما ~~بين الكلم حتى لا تراد فيها في جملة ولا تفصيل، خرجت الكلم المنطوق ببعضها ~~في إثر بعض في البيت من الشعر والفصل من النثر، عن أن يكون لكونها في ~~مواضعها التي وضعت فيها موجب ومقتض، وعن أن يتصور أن يقال في كلمة منها ~~إنها مرتبطة بصاحبة لها، ومتعلقة بها، وكائنة بسبب منها وأن حسن تصورك ~~لذلك، قد ثبت فيه قدمك، وملأ من الثقة نفسك، وباعدك من أن تحن إلى الذي كنت ~~عليه، وأن يجرك الإلف والاعتياد إليه وأنك جعلت ما قلناه نقشا في صدرك، ~~وأثبته في سويداء قلبك، وصادقت بينه وبين نفسك. فإن كان الأمر كما ظنناه، ~~رجونا أن يصادف الذي نريد # PageV01P343 # أن نستأنفه بعون الله تعالى منك نية حسنة تقيك الملل، ورغبة صادقة تدفع ~~عنك السأم، وأريحية يخف معها عليك تعب الفكر وكد النظر، والله تعالى ولي ~~توفيقك وتوفيقنا بمنه وفضله. ونبدأ فنقول: # فإذا ثبت الآن أن لا شك ولا مرية في أن ليس «النظم» شيئا غير توخي معاني ~~النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم، ثبت من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من ~~نظم القرآن، إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه، ولم ~~يعلم أنها معدنه ومعانه «1»، وموضعه ومكانه، وأنه لا مستنبط له سواها، وأن ~~لا وجه لطلبه فيما عداها، غار نفسه بالكاذب من الطمع، ومسلم لها إلى الخدع، ~~وأنه إن أبى أن يكون فيها، كان قد أبى أن يكون القرآن معجزا بنظمه، ولزمه ~~أن يثبت شيئا آخر يكون معجزا به، وأن يلحق بأصحاب «الصرفة» «2» فيدفع ~~الإعجاز عن أصله، وهذا تقرير لا يدفعه إلا ms304 معاند يعد الرجوع عن باطل قد ~~اعتقده عجزا، والثبات عليه من بعد لزوم الحجة جلدا، ومن وضع نفسه في هذه ~~المنزلة، كان قد باعدها من الإنسانية. ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق. # وهذه أصول يحتاج إلى معرفتها قبل الذي عمدنا له. # اعلم أن معاني الكلام كلها معان لا تتصور إلا فيما بين شيئين، والأصل ~~والأول هو «الخبر». وإذا أحكمت العلم بهذا المعنى فيه، عرفته في الجميع. ~~ومن الثابت في العقول والقائم في النفوس، أنه لا يكون خبر حتى يكون مخبر به ~~ومخبر عنه، لأنه ينقسم إلى «إثبات» و «نفي». و «الإثبات»، يقتضي مثبتا ~~ومثبتا له، و «النفي» يقتضي منفيا ومنفيا عنه. فلو حاولت أن تتصور إثبات ~~معنى أو نفيه من دون أن يكون هناك مثبت له ومنفي عنه، حاولت ما لا يصح في ~~عقل، ولا يقع في وهم. ومن أجل ذلك امتنع أن يكون لك قصد إلى فعل من غير أن ~~تريد إسناده إلى شيء مظهر أو مقدر مضمر، وكان لفظك به، إذا أنت لم ترد ذلك، ~~وصوتا تصوته سواء. # وإن أردت أن تستحكم معرفة ذلك في نفسك، فانظر إليك إذا قيل لك: «ما فعل ~~زيد»؟ فقلت: «خرج»، هل يتصور أن يقع في خلدك من «خرج» معنى من دون أن ينوى ~~فيه ضمير «زيد»؟ وهل تكون، إن أنت زعمت أنك لم تنو ذلك، إلا مخرجا نفسك إلى ~~الهذيان؟ PageV01P344 # وكذلك فانظر إذا قيل لك: «كيف زيد؟»، فقلت: «صالح»، هل يكون نقولك «صالح» ~~أثر في نفسك من دون أن تريد «هو صالح»؟ أم هل يعقل السامع منه شيئا إن هو ~~لم يعتقد ذلك؟ فإنه مما لا يبقى معه لعاقل شك أن «الخبر» معنى لا يتصور إلا ~~بين شيئين، يكون أحدهما مثبتا، والآخر مثبتا له، أو يكون أحدهما منفيا، ~~والآخر منفيا عنه وأنه لا يتصور مثبت من غير مثبت له، ومنفي من دون منفي ~~عنه. # ولما كان الأمر كذلك، أوجب ذلك أن لا يعقل إلا من مجموع جملة فعل واسم ~~كقولنا: «خرج زيد»، أو ms305 اسم واسم، كقولنا: «زيد منطلق»، فليس في الدنيا خبر ~~يعرف من غير هذا السبيل، وبغير هذا الدليل. وهو شيء يعرفه العقلاء في كل ~~جيل وأمة، وحكم يجري عليه الأمر في كل لسان ولغة. # وإذ قد عرفت أنه لا يتصور الخبر إلا فيما بين شيئين: مخبر به ومخبر عنه، ~~فينبغي أن تعلم أنه يحتاج من بعد هذين إلى ثالث. وذلك أنه كما لا يتصور أن ~~يكون هاهنا خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، وكذلك لا يتصور أن يكون خبر ~~حتى يكون له «مخبر» يصدر عنه ويحصل من جهته، ويكون له نسبة إليه، وتعود ~~التبعة فيه عليه، فيكون هو الموصوف بالصدق إن كان صدقا، وبالكذب إن كان ~~كذبا. أفلا ترى أن من المعلوم أنه لا يكون إثبات ونفي حتى يكون مثبت وناف ~~يكون مصدرهما من جهته، ويكون هو المزجي لهما، والمبرم والناقض فيهما، ويكون ~~بهما موافقا ومخالفا، ومصيبا ومخطئا، ومحسنا ومسيئا. # - وجملة الأمر، أن «الخبر» وجميع الكلام، معان ينشئها الإنسان في نفسه، ~~ويصرفها في فكره، ويناجي بها قلبه، ويراجع فيها عقله، وتوصف بأنها مقاصد ~~وأغراض، وأعظمها شأنا «الخبر»، فهو الذي يتصور بالصور الكثيرة، وتقع فيه ~~الصناعات العجيبة، وفيه يكون، في الأمر الأعم، المزايا التي بها يقع ~~التفاضل في الفصاحة، كما شرحنا # فيما تقدم، ونشرحه فيما نقول من بعد إن شاء الله تعالى. # واعلم أنك إذا فتشت أصحاب «اللفظ» عما في نفوسهم، وجدتهم قد توهموا في ~~«الخبر» أنه صفة للفظ، وأن المعنى في كونه إثباتا، أنه لفظ يدل على وجود ~~لمعنى من الشيء أو فيه وفي كونه نفيا، أنه لفظ يدل على عدمه وانتفائه عن ~~الشيء. # وهو شيء قد لزمهم، وسرى في عروقهم، وامتزج بطباعهم، حتى صار الظن بأكثرهم ~~أن القول لا ينجع فيهم. # والدليل على بطلان ما اعتقدوه، أنه محال أن يكون «اللفظ» قد نصب دليلا # PageV01P345 # على شيء، ثم لا يحصل منه العلم بذلك الشيء، إذ لا معنى لكون الشيء دليلا ~~إلا إفادته إياك العلم بما هو دليل عليه. وإذا كان ms306 هذا كذلك علم منه أن ليس ~~الأمر على ما قالوه، من أن المعنى في وصفنا «اللفظ» بأنه خبر، أنه قد وضع ~~لأن يدل على وجود المعنى أو عدمه، لأنه لو كان كذلك، لكان ينبغي أن لا يقع ~~من سامع شك في خبر يسمعه، وأن لا تسمع الرجل يثبت وينفي إلا علمت وجود ما ~~أثبت وانتفاء ما نفى، وذلك مما لا يشك في بطلانه. فإذا لم يكن ذلك مما يشك ~~في بطلانه، وجب أن يعلم أن مدلول «اللفظ» ليس هو وجود المعنى أو عدمه، ولكن ~~الحكم بوجود المعنى أو عدمه، وأن ذلك، أي الحكم بوجود المعنى أو عدمه، ~~حقيقة الخبر، إلا أنه إذا كان بوجود المعنى من الشيء أو فيه يسمى «إثباتا»، ~~وإذا كان بعدم المعنى وانتفائه عن الشيء يسمى «نفيا». # ومن الدليل على فساد ما زعموه، أنه لو كان معنى «الإثبات»، الدلالة على ~~وجود المعنى وإعلامه السامع أيضا، وكان معنى «النفي» الدلالة على عدمه ~~وإعلامه السامع أيضا، لكان ينبغي إذا قال واحد: «زيد عالم»، وقال آخر: «زيد ~~ليس بعالم»، أن يكون قد دل هذا على وجود العلم وهذا على عدمه، وإذا قال ~~الموحد: «العالم محدث» وقال الملحد: «هو قديم»، أن يكون قد دل الموحد على ~~حدوثه، والملحد على قدمه، وذلك ما لا يقوله عاقل. # تقرير لذلك بعبارة أخرى: # لا يتصور أن تفتقر المعاني المدلول عليها بالجمل المؤلفة إلى دليل يدل ~~عليها زائد على اللفظ. كيف؟ وقد أجمع العقلاء على أن العلم بمقاصد الناس في ~~محاوراتهم علم ضرورة، ومن ذهب مذهبا يقتضي أن لا يكون «الخبر» معنى في نفس ~~المتكلم، ولكن يكون وصفا للفظ من أجل دلالته على وجود المعنى من الشيء أو ~~فيه، أو انتفاء وجوده عنه، كان قد نقض منه الأصل الذي قدمناه، من حيث يكون ~~قد جعل المعنى المدلول عليه باللفظ، لا يعرف إلا بدليل سوى اللفظ. ذاك لأنا ~~لا نعرف وجود المعنى المثبت وانتفاء المنفي باللفظ، ولكنا نعلمه بدليل يقوم ~~لنا زائد على اللفظ. وما من عاقل ms307 إلا وهو يعلم ببديهة النظر أن المعلوم ~~بغير اللفظ، لا يكون مدلول اللفظ. # طريقة أخرى: الدلالة على الشيء هي لا محالة إعلامك السامع إياه، وليس ~~بدليل ما أنت لا تعلم به مدلولا عليه. وإذا كان كذلك، وكان مما يعلم ببدائه # PageV01P346 # المعقول أن الناس إنما يكلم بعضهم بعضا ليعرف السامع غرض المتكلم ~~ومقصوده، فينبغي أن ينظر إلى مقصود المخبر من خبره، ما هو؟ أهو أن يعلم ~~السامع المخبر به والمخبر عنه، أم أن يعلمه إثبات المعنى المخبر به للمخبر ~~عنه؟ # فإن قيل: إن المقصود إعلامه السامع وجود المعنى من المخبر عنه، فإذا قال: # «ضرب زيد» كان مقصوده أن يعلم السامع وجود الضرب من زيد، وليس الإثبات ~~إلا إعلامه السامع وجود المعنى. # قيل له: فالكافر إذا أثبت مع الله تعالى عما يقول الظالمون، إلها آخر، ~~يكون قاصدا أن يعلم، نعوذ بالله تعالى، أن مع الله تعالى إلها آخر؟ تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا، وكفى بهذا فضيحة. # وجملة الأمر، أنه ينبغي أن يقال لهم: أتشكون في أنه لا بد من أن يكون ~~لخبر المخبر معنى يعلمه السامع علما لا يكون معه شك، ويكون ذلك معنى اللفظ ~~وحقيقته؟ # فإذا قالوا: لا نشك. # قيل لهم: فما ذلك المعنى؟ # فإن قالوا: هو وجود المعنى المخبر به من المخبر عنه أو فيه، إذا كان ~~الخبر إثباتا، وانتفاؤه عنه إذا كان نفيا لم يمكنهم أن يقولوا ذلك إلا من ~~بعد أن يكابروا فيدعوا أنهم إذا سمعوا الرجل يقول: «خرج زيد»، علموا علما ~~لا شك معه، وجود الخروج من زيد. وكيف يدعون ذلك، وهو يقتضي أن يكون الخبر ~~على وفق المخبر عنه أبدا، وأن لا يجوز فيه أن يقع على خلاف المخبر عنه، وأن ~~يكون العقلاء قد غلطوا حين جعلوا من خاص وصفه أنه يحتمل الصدق والكذب، وأن ~~يكون الذي قالوه في أخبار الآحاد وأخبار التواتر من أن العلم يقع بالتواتر ~~دون الآحاد سهوا منهم، ويقتضي الغنى عن المعجزة، لأنه إنما احتيج إليها ~~ليحصل العلم بكون الخبر على ms308 وفق المخبر عنه، فإذا كان لا يكون إلا على وفق ~~المخبر عنه، لم تقع الحاجة إلى دليل يدل على كونه كذلك، فاعرفه. # واعلم أنه إنما لزمهم ما قلناه، من أن يكون الخبر على وفق المخبر عنه ~~أبدا، من حيث أنه إذا كان معنى الخبر عندهم، إذا كان إثباتا، أنه لفظ موضوع ~~ليدل على وجود المعنى المخبر به من المخبر عنه أو فيه، وجب أن يكون كذلك ~~أبدا، وأن لا # PageV01P347 # يصح أن يقال: «ضرب زيد»، إلا إذا كان الضرب قد وجد من زيد. وكذلك يجب في ~~النفي أن لا يصح أن يقال: «ما ضرب زيد»، إلا إذا كان الضرب لم يوجد منه، ~~لأن تجويز أن يقال: «ضرب زيد»، من غير أن يكون قد كان منه ضرب، وأن يقال: ~~«ما ضرب زيد»، وقد كان منه ضرب، يوجب على أصلهم إخلاء اللفظ من معناه الذي ~~وضع ليدل عليه. وذلك ما لا يشك في فساده. # ولا يلزمنا ذلك على أصلنا، لأن معنى «اللفظ» عندنا هو الحكم بوجود المخبر ~~به من المخبر عنه أو فيه، إذا كان الخبر إثباتا، والحكم بعدمه إذا كان ~~نفيا، واللفظ عندنا لا ينفك من ذلك ولا يخلو منه. وذلك لأن قولنا: «ضرب» و ~~«ما ضرب»، يدل من قول الكاذب على نفس ما يدل عليه من قول الصادق، لأنا إن ~~لم نقل ذلك، لم يخل من أن يزعم أن الكاذب يخلي اللفظ من المعنى، أو يزعم ~~أنه يجعل للفظ معنى غير ما وضع له، وكلاهما باطل. # ومعلوم أنه لا يزال يدور في كلام العقلاء في وصف الكاذب: «أنه يثبت ما ~~ليس بثابت، وينفي ما ليس بمنتف»، والقول بما قالوه يؤدي إلى أن يكون ~~العقلاء قد قالوا المحال، من حيث يجب على أصلهم أن يكونوا قد قالوا: إن ~~الكاذب يدل على وجود ما ليس بموجود، وعلى عدم ما ليس بمعدوم. وكفى بهذا ~~تهافتا وخطلا، ودخولا في اللغو من القول. # وإذا اعتبرنا أصلنا كان تفسيره: أن الكاذب يحكم بالوجود فيما ليس بموجود، ~~وبالعدم ms309 فيما ليس بمعدوم، وهو أسد كلام وأحسنه. # والدليل على أن اللفظ من قول الكاذب يدل على نفس ما يدل عليه من قول ~~الصادق، أنهم جعلوا خاص وصف الخبر أنه يحتمل الصدق والكذب، فلولا أن حقيقته ~~فيهما حقيقة واحدة، لما كان لحدهم هذا معنى. ولا يجوز أن يقال: إن الكاذب ~~يأتي بالعبارة على خلاف المعبر عنه، لأن ذلك إنما يقال فيمن أراد شيئا، ثم ~~أتى بلفظ لا يصلح للذي أراد، ولا يمكننا أن نزعم في الكاذب أنه أراد أمرا، ~~ثم أتى بعبارة لا تصلح لما أراد. # ومما ينبغي أن يحصل في هذا الباب، أنهم قد أصلوا في «المفعول» وكل ما زاد ~~على جزئي الجملة، أنه يكون زيادة في الفائدة. وقد يتخيل إلى من ينظر إلى ~~ظاهر هذا من كلامهم، أنهم أرادوا بذلك أنك تضم بما تزيده على جزئي الجملة ~~فائدة أخرى، وينبني عليه أن ينقطع عن الجملة، حتى يتصور أن يكون فائدة على # PageV01P348 # حدة، وهو ما لا يعقل، إذ لا يتصور في «زيد» من قولك» «ضربت زيدا»، أن ~~يكون شيئا برأسه، حتى تكون بتعديتك «ضربت» إليه قد ضممت فائدة إلى أخرى. ~~وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يعلم أن الحقيقة في هذا: أن الكلام يخرج بذكر ~~«المفعول» إلى معنى غير الذي كان، وأن وزان الفعل قد عدي إلى مفعول معه، ~~وقد أطلق فلم يقصد به إلى مفعول دون مفعول، وزان الاسم المخصص بالصفة مع ~~الاسم المتروك على شياعه، كقولك: «جاءني رجل ظريف»، مع قولك: «جاءني رجل»، ~~في أنك لست في ذلك كمن يضم معنى إلى معنى وفائدة إلى فائدة، ولكن كمن يريد ~~هاهنا شيئا وهناك شيئا آخر. فإذا قلت: «ضربت زيدا»، كان المعنى غيره إذا ~~قلت: «ضربت» ولم تزد «زيدا». # وهكذا يكون الأمر أبدا، كلما زدت شيئا، وجدت المعنى قد صار غير الذي كان. ~~ومن أجل ذلك صلح المجازاة بالفعل الواحد، إذا أتي به مطلقا في الشرط، ومعدى ~~إلى شيء في الجزاء، كقوله تعالى: إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم [الإسراء: 7]، ~~وقوله عز ms310 وجل: وإذا بطشتم بطشتم جبارين [الشعراء: 130]، مع العلم بأن الشرط ~~ينبغي أن يكون غير الجزاء، من حيث كان الشرط سببا والجزاء مسببا، وأنه محال ~~أن يكون الشيء سببا لنفسه. فلولا أن المعنى في «أحسنتم» الثانية، غير ~~المعنى في الأولى، وأنها في حكم فعل ثان، لما ساغ ذلك، كما لا يسوغ أن ~~تقول: «إن قمت قمت، وإن خرجت خرجت»، ومثله من الكلام قوله: «المرء بأصغريه، ~~إن قال قال ببيان، وإن صال صال بجنان»، ويجري ذلك في الفعلين قد عديا ~~جميعا، إلا أن الثاني منهما قد تعدى إلى شيء زائد على ما تعدى إليه الأول، ~~ومثاله قولك: «إن أتاك زيد أتاك لحاجة»، وهو أصل كبير. والأدلة على ذلك ~~كثيرة، ومن أولاها بأن يحفظ: أنك ترى البيت قد استحسنه الناس وقضوا لقائله ~~بالفضل فيه، وبأن الذي غاص على معناه بفكره، وأنه أبو عذره، ثم لا ترى ذلك ~~الحسن وتلك الغرابة كانا، إلا لما بناه على الجملة دون نفس الجملة. ومثال ~~ذلك قول الفرزدق: # [من الطويل] # وما حملت أم امرئ في ضلوعها ... أعق من الجاني عليها هجائيا «1» # فلولا أن معنى الجملة يصير بالبناء عليها شيئا غير الذي كان، ويتغير في ~~ذاته، لكان محالا أن يكون البيت بحيث تراه من الحسن والمزية، وأن يكون ~~معناه خاصا PageV01P349 # بالفرزدق، وأن يقتضى له بالسبق إليه، إذ ليس في الجملة التي بنى عليها ما ~~يوجب شيئا من ذلك، فاعرفه. # والنكتة التي يجب أن تراعى في هذا، أنه لا تتبين لك صورة المعنى الذي هو ~~معنى الفرزدق، إلا عند آخر حرف من البيت، حتى إن قطعت عنه قوله «هجائيا» بل ~~«الياء» التي هي ضمير الفرزدق، لم يكن الذي تعقله منه مما أراده الفرزدق ~~بسبيل، لأن غرضه تهويل أمر هجائه، والتحذير منه، أن من عرض أمه له، كان قد ~~عرضها لأعظم ما يكون من الشر. # وكذلك حكم نظائره من الشعر، فإذا نظرت إلى قول القطامي: [من البسيط] # فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي «1» # وجدتك لا ms311 تحصل على معنى يصح أن يقال إنه غرض الشاعر ومعناه، إلا عند قوله ~~«ذي الغلة». # ويزيدك استبصارا فيما قلناه، أن تنظر فيما كان من الشعر جملا قد عطف ~~بعضها على بعض بالواو، كقوله: [من الكامل] # النشر مسك، والوجوه دنا ... نير، وأطراف الأكف عنم «2» # وذلك أنك ترى الذي تعقله من قوله: «النشر مسك»، لا يصير بانضمام قوله: # «والوجوه دنانير»، إليه شيئا غير الذي كان، بل تراه باقيا على حاله. كذلك ~~ترى ما تعقل من قوله: «والوجوه دنانير»، لا يلحقه تغيير بانضمام قوله: و ~~«أطراف الأكف عنم»، إليه. # وإذ قد عرفت ما قررناه من أن من شأن الجملة أن يصير معناها بالبناء عليها ~~PageV01P350 # شيئا غير الذي كان، وأنه يتغير في ذاته، فاعلم أن ما كان من الشعر مثل ~~بيت بشار: # [من الطويل] # كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه «1» # وقول امرئ القيس: [من الطويل] # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي «2» # وقول زياد: [من الطويل] # وإنا وما تلقي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر، مهما يلق في البحر يغرق «3» # كان له مزية على قول الفرزدق فيما ذكرنا، لأنك تجد في صدر بيت الفرزدق ~~جملة تؤدي معنى، وإن لم يكن معنى يصح أن يقال إنه معنى فلان، ولا تجد في ~~صدر هذه الأبيات ما يصح أن يعد جملة تؤدي معنى، فضلا عن أن تؤدي معنى يقال ~~إنه معنى فلان. ذاك لأن قوله: «كأن مثار النقع» إلى: «وأسيافنا»، جزء واحد ~~و «ليل تهاوى كواكبه» بجملته الجزء الذي ما لم تأت به لم تكن قد أتيت ~~بكلام. وهكذا سبيل البيتين الآخرين. فقوله: «كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ~~لدى وكرها»، جزء وقوله: «العناب والحشف البالي» الجزء الثاني وقوله: «وإنا ~~وما تلقي لنا إن هجوتنا» جزء، وقوله: «لكالبحر، الجزء الثاني، وقوله: «مهما ~~تلق في البحر يغرق»، وإن كان جملة مستأنفة ليس لها في الظاهر تعلق بقوله: ~~«لكالبحر»، فإنها لما كانت مبينة لحال هذا التشبيه، صارت كأنها متعلقة بهذا ~~التشبيه، وجرى مجرى أن تقول: # «لكالبحر ms312 في أنه لا يلقى فيه شيء إلا غرق». PageV01P351 ### | ### | فصل # # وإذا ثبت أن الجملة إذا بني عليها حصل منها ومن الذي بني عليها في ~~الكثير، معنى يجب فيه أن ينسب إلى واحد مخصوص، فإن ذلك يقتضي لا محالة أن ~~يكون «الخبر» في نفسه معنى هو غير المخبر به والمخبر عنه. ذاك لعلمنا ~~باستحالة أن يكون للمعنى المخبر به نسبة إلى المخبر، وأن يكون المستنبط ~~والمستخرج والمستعان على تصويره بالفكر. فليس يشك عاقل أنه محال أن يكون ~~للحمل في قوله: # وما حملت أم امرئ في ضلوعها «1» نسبة إلى الفرزدق، وأن يكون الفكر منه ~~كان فيه نفسه، وأن يكون معناه الذي قيل إنه استنبطه واستخرجه وغاص عليه. ~~وهكذا السبيل أبدا، لا يتصور أن يكون للمعنى المخبر به نسبة إلى الشاعر، ~~وأن يبلغ من أمره أن يصير خاصا به، فاعرفه. # ومن الدليل القاطع فيه، ما بيناه في «الكناية»، و «الاستعارة» و ~~«التمثيل» وشرحناه، من أن من شأن هذه الأجناس أن توجب الحسن والمزية، وأن ~~المعاني تتصور من أجلها بالصور المختلفة، وأن العلم بإيجابها ذلك ثابت في ~~العقول، ومركوز في غرائز النفوس. وبينا كذلك أنه محال أن تكون المزايا التي ~~تحدث بها، حادثة في المعنى المخبر به، المثبت أو المنفي، لعلمنا باستحالة ~~أن تكون المزية التي تجدها لقولنا: «هو طويل النجاد» على قولنا «طويل ~~القامة» في الطول، والتي تجدها لقولنا: «هو كثير رماد # القدر» على قولنا: «هو كثير القرى والضيافة» في كثرة القرى. وإذا كان ذلك ~~محالا، ثبت أن المزية والحسن يكونان في إثبات ما يراد أن وصف به المذكور، ~~والإخبار به عنه. وإذا ثبت ذلك، ثبت أن «الإثبات» معنى، لأن حصول المزية ~~والحسن فيما ليس بمعنى، محال. # هذا مما نقل من مسودته بخطه بعد وفاته رحمه الله. PageV01P352 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [فصل] # وبه ثقتي وعليه اعتمادي اعلم أن هاهنا أصلا أنت ترى الناس فيه في صورة من ~~يعرف من جانب وينكر من آخر، وهو أن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة، ~~لم توضع ms313 لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض، فيعرف فيما ~~بينهما فوائد. وهذا علم شريف، وأصل عظيم. # والدليل على ذلك، أنا إن زعمنا أن الألفاظ، التي هي أوضاع اللغة، إنما ~~وضعت ليعرف بها معانيها في أنفسها، لأدى ذلك إلى ما لا يشك عاقل في ~~استحالته، وهو أن يكونوا قد وضعوا للأجناس الأسماء التي وضعوها لها لتعرفها ~~بها، حتى كأنهم لو لم يكونوا قالوا: «رجل» و «فرس» و «دار»، لما كان يكون ~~لنا علم بهذه الأجناس ولو لم يكونوا وضعوا أمثلة الأفعال لما كان لنا علم ~~بمعانيها حتى لو لم يكونوا قالوا: # «فعل» و «يفعل»، لما كنا نعرف الخبر في نفسه ومن أصله- ولو لم يكونوا قد ~~قالوا: # «افعل»، لما كنا نعرف الأمر من أصله، ولا نجده في نفوسنا وحتى لو لم ~~يكونوا قد وضعوا الحروف، لكنا نجهل معانيها، فلا نعقل نفيا ولا نهيا ولا ~~استفهاما ولا استثناء. كيف؟ والمواضعة لا تكون ولا تتصور إلا على معلوم، ~~فمحال أن يوضع اسم أو غير اسم لغير معلوم، لأن المواضعة كالإشارة، فكلما ~~أنك إذا قلت: «خذ ذاك»، لم تكن هذه الإشارة لتعرف السامع المشار إليه في ~~نفسه، ولكن ليعلم أنه المقصود من بين سائر الأشياء التي تراها وتبصرها. ~~كذلك حكم «اللفظ» مع ما وضع له. ومن هذا الذي يشك أنا لم نعرف «الرجل» و ~~«الفرس» و «الضرب» و «القتل» إلا من أساميها؟ لو كان لذلك مساغ في العقل، ~~لكان ينبغي إذا قيل: «زيد» أن تعرف المسمى بهذا الاسم من غير أن تكون قد ~~شاهدته أو ذكر لك بصفة. # وإذا قلنا في العلم باللغات من مبتدأ الأمر أنه كان إلهاما، فإن الإلهام ~~لا يرجع إلى معاني اللغات، ولكن إلى كون ألفاظ اللغات سمات لتلك المعاني، ~~وكونها مرادة بها. أفلا ترى إلى قوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها ثم ~~عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين [البقرة: ~~31]، أفترى أنه قيل لهم: # «أنبئوني بأسماء هؤلاء»، وهم لا يعرفون المشار إليهم بهؤلاء؟ # وإذ ms314 قد عرفت هذه الجملة، فاعلم أن معاني الكلام كلها معان لا تتصور إلا # PageV01P353 # فيما بين شيئين، والأصل والأول هو «الخبر»، وإذا أحكمت العلم بهذا المعنى ~~فيه عرفته في الجميع. ومن الثابت في العقول والقائم في النفوس، أنه لا يكون ~~خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، لأنه ينقسم إلى «إثبات» و «نفي»، و ~~«الإثبات» يقتضي مثبتا ومثبتا له، و «النفي» يقتضي منفيا ومنفيا عنه. فلو ~~حاولت أن تتصور إثبات معنى أو نفيه، من غير أن يكون هناك مثبت له ومنفي ~~عنه، حاولت ما لا يصح في عقل، ولا يقع في وهم. من أجل ذلك امتنع أن يكون لك ~~قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء، وكنت إذا قلت: «ضرب»، لم تستطع ~~أن تريد منه معنى في نفسك، من غير أن تريد الخبر به عن شيء مظهر أو مقدر، ~~وكان لفظك به، إذا أنت لم ترد ذلك، وصوتا تصوته، سواء. # وإن أردت أن يستحكم معرفة ذلك في نفسك، فانظر إليك إذا قيل لك: «ما فعل ~~زيد»؟ فقلت: «خرج»، هل يتصور أن يقع في خلدك من «خرج» معنى من دون أن تنوي ~~فيه ضمير «زيد»؟ وهل تكون إن أنت زعمت أنك لم تنو ذلك إلا مخرجا نفسك إلى ~~الهذيان؟ وكذلك فانظر إذا قيل لك: «كيف زيد»؟، فقلت: «صالح»: # هل يكون لقولك: «صالح» أثر في نفسك من دون أن تريد «هو صالح»؟ أم هل يعقل ~~السامع شيئا إن هو لم يعتقد ذلك؟ # إذا ثبت ذلك، فإنه ما لا يبقى معه لعاقل شك، أن الخبر معنى لا يتصور إلا ~~بين شيئين يكون أحدهما مثبتا، والآخر مثبتا له، أو يكون أحدهما منفيا، ~~والآخر منفيا عنه وأنه لا يتصور مثبت من غير مثبت له، ومنفي من دون منفي ~~عنه. فلما كان الأمر كذلك، أوجب ذلك أن لا يعقل إلا من مجموع جملة فعل ~~واسم، كقولنا: «خرج زيد»، أو اسم واسم، كقولنا: «زيد منطلق». فليس في ~~الدنيا خبر يعرف من غير هذا السبيل، وبغير ms315 هذا الدليل، وهو شيء يعرفه ~~العقلاء في كل جيل وأمة، وحكم يجري عليه الأمر في كل لسان ولغة. # وإذ قد عرفت أنه لا يتصور الخبر إلا فيما بين شيئين: مخبر به ومخبر عنه، ~~فينبغي أن تعلم أنه يحتاج من بعد هذين إلى ثالث، وذلك أنه كما لا يتصور أن ~~يكون هاهنا خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، وكذلك لا يتصور حتى يكون له ~~مخبر يصدر عنه ويحصل من جهته، وتعود التبعة فيه عليه، فيكون هو الموصوف ~~بالصدق إن كان صدقا، وبالكذب إن كان كذبا. أفلا ترى أن من المعلوم ضرورة ~~أنه لا يكون إثبات ونفي، حتى يكون مثبت وناف يكون مصدرهما من جهته، ويكون # PageV01P354 # هو المزجي لهما، والمبرم والناقض فيهما. ويكون بهما موافقا ومخالفا، ~~ومصيبا ومخطئا، ومسيئا ومحسنا. # وجملة الأمر أن الخبر وجميع معاني الكلام معان ينشئها الإنسان في نفسه، ~~ويصرفها في فكره، ويناجي بها قلبه، ويراجع فيها عقله، وتوصف بأنها مقاصد ~~وأغراض. وأعظمها شأنا الخبر، فهو الذي يتصور بالصور الكثرة، وتقع فيه ~~الصناعات العجيبة، وفيه تكون المزايا التي بها يقع التفاضل في الفصاحة على ~~ما شرحنا. # ثم إنا نظرنا في المعاني التي يصفها العقلاء بأنها معان مستنبطة.، ولطائف ~~مستخرجة ويجعلون لها اختصاصا بقائل دون قائل، وكمثل قولهم في معاني أبيات ~~من الشعر: «إنه معنى لم يسبق إليه فلان، وأنه الذي فطن له واستخرجه، وأنه ~~الذي غاص عليه بفكره، وأنه أبو عذره، لم تجد تلك المعاني في الأمر الأعم ~~شيئا غير الخبر الذي هو إثبات المعنى للشيء ونفيه عنه. يدلك على ذلك أنك لا ~~تنظر إلى شيء من المعاني الغريبة التي تختص بقائل دون قائل، إلا وجدت الأصل ~~فيه والأساس الإثبات والنفي. وإن أردت في ذلك مثالا فانظر إلى بيت الفرزدق: ~~[من الطويل] # وما حملت أم امرئ في ضلوعها ... أعق من الجاني عليها هجائيا «1» # فإنك إذا نظرت لم تشك في أن الأصل والأساس هو قوله: «وما حملت أم امرئ»، ~~وأن ما جاوز ذلك من الكلمات إلى آخر البيت، مستند ms316 إليه ومبني عليه، وأنك إن ~~رفعته لم تجد لشيء منها بيانا، ولا رأيت لذكرها معنى، بل ترى ذكرك لها إن ~~ذكرتها هذيانا. والسبب الذي من أجله كان كذلك، أن من حكم كل ما عدا جزئي ~~الجملة «الفعل والفاعل» و «المبتدأ والخبر»، أن يكون تخصيصا للمعنى المثبت ~~أو المنفي، فقوله: «في ضلوعها»، يفيد أولا أنه لم يرد نفي الحمل على ~~الإطلاق، ولكن الحمل في الضلوع، وقوله: «أعق»، يفيد أنه لم يرد هذا الحمل ~~الذي هو حمل في الضلوع أيضا على الإطلاق، ولكن حملا في الضلوع محموله أعق ~~من الجاني عليها هجاءه. وإذا كان ذلك كله تخصيصا للحمل، لم يتصور أن يعقل ~~من دون أن يعقل نفي الحمل، لأنه لا يتصور تخصيص شيء لم يدخل في نفي ولا ~~إثبات، ولا ما كان في سبيلهما من الأمر به، والنهي عنه، والاستخبار عنه. # وإذ قد ثبت أن الخبر وسائر معاني الكلام، معان ينشئها الإنسان في نفسه، ~~ويصرفها في فكره، ويناجي بها قلبه، ويراجع فيها لبه، فاعلم أن الفائدة في ~~العلم بها PageV01P355 # واقعة من المنشئ لها، وصادرة عن القاصد إليها. وإذا قلنا في الفعل: «إنه ~~موضوع للخبر»، لم يكن المعنى فيه أنه موضوع لأن يعلم به الخبر في نفسه ~~وجنسه، ومن أصله، وما هو؟ ولكن المعنى أنه موضوع، حتى إذا ضممته إلى اسم، ~~عقل به ومن ذلك الاسم، الخبر، بالمعنى الذي اشتق ذلك الفعل منه من مسمى ذلك ~~الاسم، واقعا منك أيها المتكلم، فاعرفه. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | فصل [تحليلي للنظم] # اعلم أنك لن ترى عجبا أعجب من الذي عليه الناس في أمر النظم»، وذلك أنه ~~ما من أحد له أدنى معرفة إلا وهو يعلم أن هاهنا نظما أحسن من نظم، ثم تراهم ~~إذا أنت أردت أن تبصرهم ذلك تسدر أعينهم «1»، وتضل عنهم أفهامهم. وسبب ذلك ~~أنهم أول شيء عدموا العلم به نفسه، من حيث حسبوه شيئا غير توخي معاني ~~النحو، وجعلوه يكون في الألفاظ دون المعاني. فأنت تلقي الجهد حتى تميلهم عن ~~رأيهم، لأنك ms317 تعالج مرضا مزمنا، وداء متمكنا. ثم إذا أنت قدتهم بالخزائم «2» ~~إلى الاعتراف بأن لا معنى له غير توخي معاني النحو، عرض لهم من بعد خاطر ~~يدهشهم، حتى يكادوا يعودون إلى رأس أمرهم. وذلك أنهم يروننا ندعي المزية ~~والحسن لنظم كلام من غير أن يكون فيه من معاني النحو شيء يتصور أن يتفاضل ~~الناس في العلم به، ويروننا لا نستطيع أن نضع اليد من معاني النحو ووجوهه ~~على شيء نزعم أن من شأن هذا أن يوجب المزية لكل كلام يكون فيه، بل يروننا ~~ندعي المزية لكل ما ندعيها له من معاني النحو ووجوهه وفروقه في موضع دون ~~موضع، وفي كلام دون كلام، وفي الأقل دون الأكثر، وفي الواحد من الألف. فإذا ~~رأوا الأمر كذلك، دخلتهم الشبهة وقالوا: كيف يصير المعروف مجهولا؟ ومن أين ~~يتصور أن يكون للشيء في كلام مزية عليه في كلام آخر، بعد أن تكون حقيقته ~~فيهما حقيقة واحدة؟ # فإذا رأوا التنكير يكون فيما لا يحصى من المواضع ثم لا يقتضي فضلا، ولا ~~يوجب مزية، اتهمونا في دعوانا ما ادعيناه لتنكير الحياة في قوله تعالى: ~~PageV01P356 # ولكم في القصاص حياة [البقرة: 179]، من أن له حسنا ومزية، وأن فيه بلاغة ~~عجيبة، وظنوه وهما منا وتخيلا. # ولسنا نستطيع في كشف الشبهة في هذا عنهم، وتصوير الذي هو الحق عندهم، ما ~~استطعناه في نفس النظم، لأنا ملكنا في ذلك أن نضطرهم إلى أن يعلموا صحة ما ~~نقول. وليس الأمر في هذا كذلك، فليس الداء فيه بالهين، ولا هو بحيث إذا رمت ~~العلاج منه وجدت الإمكان فيه مع كل أحد مسعفا، والسعي منجحا، لأن المزايا ~~التي تحتاج أن تعلمهم # مكانها وتصور لهم شأنها، أمور خفية، ومعان روحانية، أنت لا تستطيع أن ~~تنبه السامع لها، وتحدث له علما بها، حتى يكون مهيئا لإدراكها، تكون فيه ~~طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في نفسه إحساسا بأن من شأن ~~هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيها المزية على الجملة ومن إذا تصفح الكلام ~~وتدبر الشعر، ms318 فرق بين موقع شيء منها وشيء، ومن إذا أنشدته قوله: [من ~~السريع] # لي منك ما للناس كلهم ... نظر وتسليم على الطرق «1» # وقول البحتري: [من الكامل] # وسأستقل لك الدموع صبابة ... ولو أن دجلة لي عليك دموع «2» # وقوله: [من الطويل] # رأت فلتات الشيب فابتسمت لها ... وقالت: نجوم لو طلعن بأسعد «3» # وقول أبي نواس: [من البسيط] PageV01P357 # ركب تساقوا على الأكوار بينهم ... كأس الكرى، فانتشى المسقي والساقي # كأن أعناقهم، والنوم واضعها ... على المناكب، لم تعمد بأعناق «1» # وقوله: [من الكامل] # يا صاحبي عصيت مصطبحا ... وغدوت للذات مطرحا # فتزودوا مني محادثة، ... حذر العصا لم يبق لي مرحا «2» # وقول إسماعيل بن يسار: [من السريع] # حتى إذا الصبح بدا ضوؤه ... وغابت الجوزاء والمرزم # خرجت والوطء خفي كما ... ينساب من مكمنه الأرقم «3» # - أنق لها، وأخذته الأريحية عندها، وعرف لطف موقع «الحذف» و «التنكير» في ~~قوله: # نظر وتسليم على الطرق وما في قول البحتري: «لي عليك دموع» من شبه السحر، ~~وأن ذلك من أجل تقديم «لي» على «عليك»، ثم تنكير «الدموع» وعرف كذلك شرف ~~قوله: # وقالت: نجوم لو طلعن بأسعد وعلو طبقته، ودقة صنعته. # والبلاء، والداء العياء، أن هذا الإحساس قليل في الناس، حتى إنه ليكون أن ~~يقع للرجل الشيء من هذه الفروق والوجوه في شعر يقوله، أو رسالة يكتبها، ~~الموقع PageV01P358 # الحسن. ثم لا يعلم أنه قد أحسن. فأما الجهل بمكان الإساءة فلا تعدمه، ~~فلست تملك إذا من أمرك شيئا حتى تظفر بمن له طبع إذا قدحته وري، وقلب إذا ~~أريته رأى، فأما وصاحبك من لا يرى ما تريه، ولا يهتدي للذي تهديه، فأنت رام ~~في غير مرمى، ومعن نفسك في غير جدوى، وكما لا تقيم الشعر في نفس من لا ذوق ~~له، كذلك لا تفهم هذا الشأن من لم يؤت الآلة التي بها يفهم، إلا أنه إنما ~~يكون البلاء إذا ظن العادم لها أنه أوتيها، وأنه ممن يكمل للحكم، ويصح منه ~~القضاء، فجعل يقول القول لو علم غبه لا ستحيى منه. فأما الذي يحس بالنقص من ~~نفسه، ويعلم أنه ms319 قد عدم علما قد أوتيه من سواه، فأنت منه في راحة، وهو رجل ~~عاقل قد حماه عقله أن يعدو طوره، وأن يتكلف ما ليس بأهل له. # وإذا كانت العلوم التي لها أصول معروفة، وقوانين مضبوطة قد اشترك الناس ~~في العلم بها، واتفقوا على أن البناء عليها، إذا أخطأ فيها المخطئ ثم أعجب ~~برأيه، لم تستطع رده عن هواه، وصرفه عن الرأي الذي رآه، إلا بعد الجهد، ~~وإلا بعد أن يكون حصيفا عاقلا ثبتا إذا نبه انتبه، وإذا قيل: إن عليك بقية ~~من النظر، وقف وأصغى، وخشي أن يكون قد غر، احتاط باستماع ما يقال له، وأنف ~~من أن يلج من غير بينه، ويستطيل بغير حجة، وكان من هذا وصفه يعز ويقل فكيف ~~بأن ترد الناس عن رأيهم في هذا الشأن، وأصلك الذي تردهم إليه، وتعول في ~~محاجتهم عليه، استشهاد القرائح، وسبر النفوس وفليها، وما يعرض فيها من ~~الأريحية عند ما تسمع، وكان ذلك الذي يفتح لك سمعهم، ويكشف الغطاء عن ~~أعينهم، ويصرف إليك أوجههم، وهم لا يضعون أنفسهم موضع من يرى الرأي ويفتي ~~ويقضي، إلا وعندهم أنهم ممن صفت قريحته، وصح ذوقه، وتمت أداته. فإذا قلت ~~لهم: «إنكم قد أتيتم من أنفسكم»، ردوا عليك مثله وقالوا: «لا، بل قرائحنا ~~أصح، ونظرنا أصدق، وحسنا أذكى، وإنما الآفة فيكم لأنكم خيلتم إلى أنفسكم ~~أمورا لا حاصل لها، وأوهمكم الهوى والميل أن توجبوا لأحد النظمين ~~المتساويين فضلا على الآخر، من غير أن يكون ذلك الفضل معقولا» فتبقى في ~~أيديهم حسيرا لا تملك غير التعجب. فليس الكلام إذن بمغن عنك، ولا القول ~~بنافع، ولا الحجة مسموعة، حتى تجد من فيه عون لك على نفسه،. ومن إذا أبى ~~عليك أبى ذاك طبعه فرده إليك، وفتح سمعه لك، ورفع الحجاب بينك وبينه، وأخذ ~~به إلى حيث أنت، وصرف ناظره إلى الجهة التي أومأت، فاستبدل بالنفار أنسا، ~~وأراك من بعد الإباء قبولا. # ولم يكن الأمر على هذه الجملة إلا لأن ليس في أصناف العلوم الخفية، ~~والأمور # PageV01P359 # الغامضة ms320 الدقيقة، أعجب طريقا في الخفاء من هذا. وإنك لتتعب في الشيء ~~نفسك، وتكد فيه فكرك، وتجهد فيه كل جهدك، حتى إذا قلت قتلته علما، وأحكمته ~~فهما، كنت بالذي لا يزال يتراءى لك فيه من شبهة، ويعرض فيه من شك، كما قال ~~أبو نواس: [من الطويل] # ألا لا أرى مثل امترائي في رسم ... تغص به عيني ويلفظه وهمي # أتت صور الأشياء بيني وبينه ... فظني كلا ظن، وعلمي كلا علم «1» # وإنك لتنظر في البيت دهرا طويلا وتفسره، ولا ترى أن فيه شيئا لم تعلمه، ~~ثم يبدو لك فيه أمر خفي لم تكن قد علمته، مثال ذلك بيت المتنبي: [من ~~الكامل] # عجبا له! حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها «2» # مضى الدهر الطويل ونحن نقرؤه فلا ننكر منه شيئا، ولا يقع لنا أن فيه خطأ، ~~ثم بان بأخرة أنه قد أخطأ. وذلك أنه كان ينبغي أن يقول: «ما حفظ الأشياء من ~~عاداتها»، فيضيف المصدر إلى المفعول، فلا يذكر الفاعل، ذاك لأن المعنى على ~~أنه ينفي الحفظ عن أنامله جملة، وأنه يزعم أنه لا يكون منها أصلا، وإضافته ~~الحفظ إلى ضميرها في قوله: «ما حفظها الأشياء»، ويقتضي أن يكون قد أثبت لها ~~حفظا. # ونظير هذا أنك تقول: «ليس الخروج في مثل هذا الوقت من عادتي»، ولا تقول: # «ليس خروجي في مثل هذا الوقت من عادتي»، وكذلك تقول: «ليس ذم الناس من ~~شأني»، ولا تقول: «ليس ذمي الناس من شأني»، لأن ذلك يوجب إثبات الذم ووجوده ~~منك. ولا يصح قياس المصدر في هذا على الفعل، أعني أنه لا ينبغي أن يظن أنه ~~كما يجوز أن يقال: «ما من عادتها أن تحفظ الأشياء»، كذلك ينبغي أن يجوز: ~~«ما من عادتها حفظها الأشياء»، ذاك أن إضافة المصدر إلى الفاعل يقتضي ~~PageV01P360 # وجوده، وأنه قد كان منه، يبين ذلك أنك تقول: «أمرت زيدا بأن يخرج غدا»، ~~ولا تقول: «أمرته بخروجه غدا». # ومما فيه خطأ هو في غاية الخفاء قوله: [من البسيط] # ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح ms321 إلى الغربان والرخم «1» # وذلك أنك إذا قلت: «لا تضجر ضجر زيد»، كنت قد جعلت زيدا يضجر ضربا من ~~الضجر، مثل أن تجعله يفرط فيه أو يسرع إليه. هذا هو موجب العرف. ثم إن لم ~~تعتبر خصوص وصف، فلا أقل من أن تجعل الضجر على الجملة من عادته، وأن تجعله ~~قد كان منه. وإذا كان كذلك، اقتضى قوله: # شكوى الجريح إلى الغربان والرخم أن يكون هاهنا «جريح»، قد عرف من حاله أن ~~يكون له «شكوى إلى الغربان والرخم»، وذلك محال. وإنما العبارة الصحيحة في ~~هذا أن يقال: «لا تشك إلى خلق، فإنك إن فعلت كان مثل ذلك أن تصور في وهمك ~~أن بعيرا دبرا كشف عن جرحه، ثم شكاه إلى الغربان والرخم». # ومن ذلك أنك ترى من العلماء من قد تأول في الشيء تأويلا وقضى فيه بأمر، ~~فتعتقده اتباعا له، ولا ترتاب أنه على ما قضى وتأول، وتبقى على ذلك ~~الاعتقاد الزمان الطويل، ثم يلوح لك ما تعلم به أن الأمر على خلاف ما قدر. ~~ومثال ذلك أن أبا القاسم الآمدي، ذكر بيت البحتري: [من البسيط] # فصاغ ما صاغ من تبر ومن ورق ... وحاك ما حاك من وشي وديباج «2» # ثم قال «3»: «صوغ الغيث وحوكه للنبات ليس باستعارة، بل هو حقيقة، ولذلك ~~لا يقال: «هو صائغ» ولا «كأنه صائغ»، وكذلك لا يقال: «هو حائك» PageV01P361 # و «كأنه حائك»، قال: «على أن لفظ «حائك» في غاية الركاكة إذا أخرج على ما ~~أخرجه أبو تمام في قوله: [من الطويل] # إذا الغيث غادى نسجه خلت أنه ... خلت حقب حرس له وهو حائك «1» # قال: وهذا قبيح جدا». # والذي قاله البحتري: «فحاك ما حاك»، حسن مستعمل، والسبب في هذا الذي قاله ~~أنه ذهب إلى أن غرض أبي تمام أن يقصد «بخلت» إلى «الحوك»، وأنه أراد أن ~~يقول: «خلت الغيث حائكا»، وذلك سهو منه، لأنه لم يقصد «بخلت» إلى ذلك، ~~وإنما قصد أن يقول: إنه يظهر في غداة يوم من حوك الغيث ونسجه بالذي ترى ~~العيون من بدائع الأنوار ms322 وغرائب الأزهار، ما يتوهم معه أن الغيث كان في فعل ~~ذلك وفي نسجه وحوكه، حقبا من الدهر. فالخيلولة واقعة على كون زمان الحوك ~~حقبا، لا على كون ما فعله الغيث حوكا، فاعرفه. # ومما يدخل في ذلك ما حكي عن الصاحب من أنه قال: «كان الأستاذ أبو الفضل ~~«2» يختار من شعر ابن الرومي وينقط عليه، قال فدفع إلي القصيدة التي أولها: # [من الطويل] أتحت ضلوعي جمرة تتوقد «3» وقال: تأملها فتأملتها، فكان قد ~~ترك خير بيت فيها، وهو: [من الطويل] # بجهل كجهل السيف والسيف منتضى ... وحلم كحلم السيف والسيف مغمد «4» # فقلت: لم ترك الأستاذ هذا البيت؟ فقال: لعل القلم تجاوزه؟» قال: «ثم رآني ~~من بعد فاعتذر بعذر كان شرا من تركه. قال: إنما تركته لأنه أعاد السيف أربع ~~مرات. قال الصاحب: لو لم يعده أربع مرات فقال: «بجهل كجهل السيف وهو منتضى، ~~حلم كحلم السيف وهو مغمد»، لفسد البيت. PageV01P362 # والأمر كما قال الصاحب، والسبب في ذلك أنك إذا حدثت عن اسم مضاف، ثم أردت ~~أن تذكر المضاف إليه، فإن البلاغة تقتضي أن تذكره باسمه الظاهر ولا تضمره. # تفسير هذا أن الذي هو الحسن الجميل أن تقول: «جاءني غلام زيد وزيد»، ~~ويقبح أن تقول: «جاءني غلام زيد وهو»، ومن الشاهد في ذلك قول دعبل: [من ~~البسيط] # أضياف عمران في خصب وفي سعة ... وفي حباء وخير غير ممنوع # وضيف عمرو وعمرو يسهران معا، ... عمرو لبطنته والضيف للجوع «1» # وقول الآخر: [من الطويل] # وإن طرة راقتك فانظر، فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر «2» # وقول المتنبي # بمن نضرب الأمثال أم من نقيسه ... إليك، وأهل الدهر دونك والدهر «3» # ليس بخفي على من له ذوق أنه لو أتى موضع الظاهر في ذلك كله بالضمير فقيل: ~~«وضيف عمرو وهو يسهران معا»، و «ربما أمر مذاق العود وهو أخضر»، و «أهل ~~الدهر دونك وهو»، لعدم حسن ومزية لا خفاء بأمرهما، وليس لأن الشعر ينكسر، ~~ولكن تنكره النفس. # وقد يرى في بادئ الرأي أن ذلك من أجل اللبس، وأنك إذا قلت: «جاءني ms323 غلام ~~زيد وهو»، كان الذي يقع في نفس السامع أن الضمير للغلام، وأنك على أن تجيء ~~له بخبر، إلا أنه لا يستمر، من حيث أنا نقول: «جاءني غلمان زيد وهو»، فتجد ~~الاستنكار ونبو النفس، مع أن لا لبس مثل الذي وجدناه. وإذا كان كذلك، وجب ~~أن يكون السبب غير ذلك. PageV01P363 # والذي يوجبه التأمل أن يرد إلى الأصل الذي ذكره الجاحظ: من أن سائلا سأل ~~عن قول قيس بن خارجة: «عندي قرى كل نازل، ورضى كل ساخط، وخطبة من لدن تطلع ~~الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل، وأنهى فيها من التقاطع»، فقال: # أليس الأمر بالصلة هو النهي عن التقاطع؟ قال فقال أبو يعقوب: أما علمت أن ~~الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف»، وذكرت هناك ~~أن هذا الذي ذكر، من أن للتصريح عملا لا يكون مثل ذلك العمل للكناية، كان ~~لإعادة اللفظ في قوله تعالى: وبالحق أنزلناه وبالحق نزل [الإسراء: 105]، ~~وقوله: # قل هو الله أحد. الله الصمد [الإخلاص: 1 - 2]، عمل لولاها لم يكن. وإذا ~~كان هذا ثابتا معلوما، فهو حكم مسألتنا. # ومن البين الجلي في هذا المعنى وهو كبيت ابن الرومي سواء، لأنه تشبيه ~~مثله بيت الحماسة: [من الهزج] # شددنا شدة الليث ... غدا والليث غضبان «1» # ومن الباب قول النابغة: [من الرجز] # نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما «2» # لا يخفى على من له ذوق حسن هذا الإظهار، وأن له موقعا في النفس، وباعثا ~~للأريحية، لا يكون إذا قيل: «نفس عصام سودته» شيء منه البتة. # «تم الكتاب» «في أواسط شهر ربيع الأول سنة ثمان وستين وخمسمائة غفر الله ~~لكاتبه ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات برحمته إنه أرحم الراحمين وخير ~~الغافرين» PageV01P364 ms324