######OpenITI# #META# ad: 476 #META# auth: الشيرازي، أبو إسحاق #META# عدد الأجزاء: 1 #META# bk: الإشارة إلى مذهب أهل الحق #META# bkord: 8113 #META# cat: العقيدة #META# bkid: 33899 #META# المؤلف: أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476 ه) #META# max: 44 #META# الطبعة: الأولى/ 1425 ه #META# idx: 1 #META# archive: 6 #META# authinf: الشيرازي (393 - 476 ه = 1003 - 1083 م) ¶ إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي، أبو إسحاق: العلامة المناظر. ¶ ولد في فيروزآباد (بفارس) وانتقل إلى شيراز فقرأ على علمائها. ¶ وانصرف إلى البصرة ومنها إلى بغداد (سنة 415 ه) فأتم ما بدأ به من الدرس والبحث. ¶ وظهر نبوغه في علوم الشريعة الإسلامية، فكان مرجع الطلاب ومفتي الأمة في عصره، واشتهر بقوة الحجة في الجدل والمناظرة. ¶ وبنى له الوزير نظام الملك المدرسة النظامية على شاطئ دجلة، فكان يدرس فيها ويديرها. ¶ عاش فقيرا صابرا. ¶ وكان حسن المجالسة، طلق الوجه، فصيحا مناظرا، ينظم الشعر. ¶ وله تصانيف كثيرة، منها (التنبيه - ط) و (المهذب - ط) في الفقه، و (التبصرة - خ) في أصول الشافعية، و (طبقات الفقهاء - ط) و (اللمع - ط) في أصول الفقه، وشرحه، و (الملخص) و (المعونة) في الجدل. ¶ مات ببغداد وصلى عليه المقتدي العباسي . ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# تحقيق: محمد حسن إسماعيل #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الإشارة إلى مذهب أهل الحق ¶ المؤلف: أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476 ه) ¶ تحقيق: محمد حسن إسماعيل ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت ¶ الطبعة: الأولى/ 1425 ه ¶ ملاحظة: ¶ ** الكتاب مطبوع ضمن مجموع في العقيدة ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] ¶ أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ndata: الكتاب: 132EE0DC(1/ 94). #META# الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] #META# iso: الاشاره الي مذهب اهل الحق #META# Lng: أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي #META# الكتاب: الإشارة إلى مذهب أهل الحق #META# comp: 1 #META# higrid: 476 #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# authno: 627 #META# أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | AUTO [مقدمة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم «1» # قال الشيخ الإمام أبو إسحاق بن علي بن يوسف الفيروزآبادي- رحمه الله- # أما بعد ... فإني لما رأيت قوما ينتحلون العلم وينسبون إليه، وهم من ~~جهلهم لا يدرون ما هم عليه، ينسبون إلى أهل الحق ما لا يعتقدونه، ولا في ~~كتاب هم يجدونه، لينفروا قلوب العامة من الميل إليهم، ويأمرونهم أبدا ~~بتفكيرهم ولعنهم، أحببت أن أشير إلى بطلان ما ينسب إليهم، بما أذكره من ~~اعتقادهم وأنا مع ذلك مكره لا بطل، ولى دعوى لا عمل، ولكن شرعت فيما شرعت ~~مع اعترافي بالتقصير، وعلمي بأن ناصر الحق كثير، ليرجع الناظر فيما جمعته ~~عن قبول قول المضلين، ويدين الله عز وجل بقول الموحدين المحققين. # فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا لعن آخر هذه الأمة ~~أولها، فمن كان عنده علم فليظهره، فإن كاتم العلم ككاتم ما أنزل الله عز ~~وجل على محمد» «2». # ومقصدي بذلك النصيحة. # فلن يكمل المؤمن إيمانه حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه. ويروي عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «من كتم أخاه نصيحة أو علما يطلبه منه لينفع به ~~حرمه الله فضل ما يرجو» «3» نسأل الله تعالى أن لا يحرمنا رحمته، وأن ~~يدخلنا جنته. PageV01P371 ### | AUTO النظر أول الواجبات # فمن ذلك: أنهم يعتقدون أن أول ما يجب على العاقل البالغ المكلف القصد إلى ~~النظر والاستدلال المؤديين إلى معرفة الله عز وجل «1»؛ لأن الله عز وجل ~~أمرنا بالعبادة، قال عز وجل: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~(البينة: من الآية 5) والعبادة لا تصح إلا بالنية، لقوله علية الصلاة ~~والسلام «إنما الأعمال بالنيات» «2»، والنية هي القصد. تقول العرب: نواك ~~الله بحفظه أي قصدك الله بحفظه. وقصد من لا يعرف محال، فدل ذلك على وجوب ~~النظر والاستدلال، ولأن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يكون واجبا كالواجب، ~~ألا ترى أن الصلاة لما كانت واجبة ثم لا يتوصل إليها إلا بالطهارة صارت ~~الطهارة واجبة كالواجب. فكذلك أيضا في مسألتنا، لأنه إذا كانت ms01 معرفة الرب ~~عز وجل واجبة ثم بالتقليد لا يتوصل إليها دل على وجوب النظر والاستدلال ~~المؤديين إلى ذلك. فقد أمرنا الله عز وجل بذلك، ودعا إليه، فقال عز وجل: قل ~~انظروا ما ذا في السماوات والأرض (يونس: من الآية 101). أفرأيتم ما تمنون* ~~أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (الواقعة: 58، 59) أفرأيتم الماء الذي ~~تشربون* أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون (الواقعة: 68، 69) أفلا ~~ينظرون إلى الإبل كيف خلقت* وإلى السماء كيف رفعت (الغاشية: 17، 18) الآية، ~~وقال عز وجل إخبارا عن إبراهيم- عليه الصلاة والسلام-: فلما جن PageV01P372 ~~عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (الأنعام: ~~76) الآيات. وأمرنا باتباعه فقال عز وجل: فاتبعوا ملة أبيكم إبراهيم هو ~~سماكم المسلمين من قبل (الحج: من الآية 78). # فمن أنكر النظر والاستدلال لا يخلو: إما أن ينكر بدليل، أو بغير دليل، أو ~~بالتقليد فإن أنكره بغير دليل لا يقبل منه، وإن أنكره بالتقليد، فليس تقليد ~~من قلده بأولى من تقليدنا، وإن أنكره بدليل فهو النظر والاستدلال الذي ~~أنكره والنظر لا يزول بالتفكير فبطل دعواه وثبت ما قلناه. ### | AUTO إيمان المقلد # ثم يعتقدون أن التقليد في معرفة الله عز وجل لا يجوز، لأن التقليد قبول ~~قول الغير من غير حجة «1»، وقد ذمه الله تعالى فقال عز وجل: أولو جئتكم ~~بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم (الزخرف: من الآية 24) إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا على آثارهم مقتدون (الزخرف: من الآية 23) ولأن المقتدين تتساوى ~~أقوالهم، فليس بعضهم بأولى من بعض، ولا فرق بين النبي والمتنبي في ذلك. # وإذا كان الأنبياء مع جلالة قدرهم وعلو منزلتهم لم يدعوا الناس إلى ~~تقليدهم من غير إظهار دليل ولا معجزة، فمن نزلت درجته عن درجتهم؛ أولى ~~وأحرى أن لا يتبع فيما يدعو إليه من غير دليل، فعلى هذا لا يجوز تقليد ~~العالم للعالم، ولا تقليد العامي للعامي، ولا تقليد العامي للعالم، ولا ~~تقليد العالم العامي. فإن قيل: لم جوزتم تقليد العامي للعالم في الفروع ولم ~~لا تجيزوها في الأصول؟. # قيل: لأن ms02 الفروع التي هي العبادات دليلها السمع، وقد يصل إلى العالم من ~~السمع ما لا يصل إلى العامي، فلما لم يتساويا في معرفة الدليل جاز له ~~تقليده، وليس كذلك الأصل الذي هو معرفة الرب عز وجل فإن دليله العقل، ~~والعامي والعالم في ذلك سواء، فإن العالم إذا قال للعامي: واحد أكثر من ~~اثنين لا يقبل منه من غير دليل، فإن الفرق بينهما ظاهر «2». PageV01P373 ### | AUTO حدوث العالم # ثم يعتقدون أن لهذا العالم صانعا صنعه، ومحدثا أحدثه، وموجدا أوجده من ~~العدم إلى الوجود لأنه حال وجوده وهو شيء موجود موصوف بالحياة والسمع لا ~~يقدر أن يحدث في ذاته شيئا ففي حال عدمه وهو ليس بشيء أولى وأحرى ألا يوجد ~~نفسه، ولأنه لو كان موجدا لنفسه لم يكن وجوده اليوم بأولى من وجوده غدا، ~~ولا وجوده غدا بأولى من وجوده اليوم، ولا كونه أبيض بأولى من كونه أسود، ~~فدل على أن له مخصصا يخصصه وموجدا يوجده. قال الله تعالى: ومن آياته خلق ~~السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم (الروم: من الآية 22). ### | AUTO صفة الوحدانية # ثم يعتقدون أن محدث العالم هو الله عز وجل، وأنه واحد أحد؛ لأن الاثنين ~~لا يجري أمرهما على النظام، لأنهما إذا أرادا شيئا لا يخلو إما أن يتم ~~مرادهما جميعا أو لا يتم مرادهما جميعا أو يتم مراد أحدهما دون الآخر. # فإن لم يتم مرادهما جميعا؛ بطل أن يكون إلهين، ومحال أن يتم مرادهما ~~جميعا، لأنه قد يريد أحدهما إحياء جسم والآخر يريد إماتته، والإنسان لا ~~يكون حيا أو ميتا في حالة واحدة. # وإن تواطئا فالتواطؤ أيضا لا يكون إلا عن عجز، وإن تم مراد أحدهما دون ~~الآخر، فالذي لم يتم مراده ليس بإله؛ لأن من شروط الإله أن يكون مريدا ~~قادرا؛ فدل على أن الله عز وجل واحدا أحد. # قال الله عز وجل: وإلهكم إله واحد (البقرة: من الآية 163). وقال عز وجل: PageV01P374 # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا (الأنبياء: من الآية 22). ### | AUTO صفة القدم # ثم يعتقدون أن الله عز ms03 وجل قديم أزلي أبدا كان، وأبدا يكون؛ لأنه لو كان ~~محدثا، لافتقر إلى محدث آخر، وذلك المحدث إن كان محدثا، افتقر إلى محدث ~~آخر، ويؤدي ذلك إلى التسلسل، وعدم التناهي، وذلك محال. ### | AUTO مخالفته- تعالى- للحوادث # ثم يعتقدون أن الله عز وجل لا يشبهه شيء من المخلوقات، ولا يشبه شيئا ~~منها؛ لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديما، ولو أشبه شيئا لكان مثله مخلوقا ~~وكلا الحالين محال. قال الله عز وجل: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ~~(الشورى: من الآية 11). ### | AUTO الله تعالى ليس بجسم # ثم يعتقدون أن الله عز وجل ليس بجسم لأن الجسم هو المؤلف وكل مؤلف لا بد ~~له من مؤلف. وليس بجوهر لأن الجوهر لا يخلو من الأعراض كاللون والحركة ~~والسكون، والعرض الذي لا يكون ثم يكون ولا يبقى وقتين. قال الله تعالى: هذا ~~عارض ممطرنا (الأحقاف: من الآية 24) أي لم يكن فكان، وما لم يكن فكان فهو ~~محدث، وما لا ينفك من المحدث فهو محدث كالمحدث. ### | AUTO صفاته تعالى أزلية # ثم يعتقدون أن الله تعالى المحدث للعالم موصوف بصفات ذاتية، وصفات فعلية، ~~فأما الصفات الذاتية فهي ما يصح أن يوصف بها في الأزل وفي لا يزال كالعلم ~~والقدرة، وأما الصفات الفعلية فهي ما لا يصح أن يوصف بها في الأزل وفي لا ~~يزال كالخلق والرزق؛ لا يقال إنه أبدا كان خالقا ورازقا؛ لأن ذلك يؤدي إلى ~~قدم المخلوق والمرزوق، بل يقال إنه أبدا كان قادرا على الخلق والرزق، عالما ~~بمن يخلقه ويرزقه، فإن قيل إنه أبدا الخالق والرازق بالألف واللام جاز. ### | AUTO صفة العلم # ثم يعتقدون أن الله تعالى عالم بعلم واحد قديم أزلي يتعلق بجميع ~~المخلوقات فلا يخرج مخلوق عن عمله؛ لأنه لو لم يكن موصوفا بالعلم لكان ~~موصوفا بضده وهو الجهل، ثم يكون الجهل صفة له قديمة، والقديم يستحيل عدمه، ~~فلا يكون أبدا عالما، PageV01P375 ~~وذلك نقص، والرب عز وجل موصوف بصفات الكمال لا بصفات النقص «1»؛ قال الله ~~عز وجل: والله بكل شيء عليم (الحجرات: من ms04 الآية 16)، وقال تعالى: أنزله ~~بعلمه (النساء: من الآية 166). ### | AUTO صفة القدرة # ثم يعتقدون أن الله عز وجل قادر بقدرة واحدة قديمة أزلية تتعلق بجميع ~~المقدورات، فلا يخرج مقدور عن مقدوراته، لأن ضد القدرة العجز فلو لم يكن في ~~الأزل موصوفا بالقدرة لكان موصوفا بضدها وهو العجز، ثم يكون العجز صفة له ~~قديمة، والقديم يستحيل عدمه كما ذكرنا في العلم فلا يكون أبدا قادرا، وذلك ~~آفة، والرب عز وجل منزه عن الآفات. قال الله عز وجل: والله على كل شيء قدير ~~(آل عمران: من الآية 29). والكلام في إثبات جميع صفاته الذاتية كالكلام ~~فيما ذكرناه من إثبات العلم والقدرة. ### | AUTO صفة الإرادة # ثم يعتقدون أن الله عز وجل مريد بإرادة قديمة أزلية، فجميع ما يجري في ~~العالم من خير أو شر أو نفع أو ضر أو سقم أو صحة أو طاعة أو معصية فبإرادته ~~وقضائه، لاستحالة أن يجري في ملكه ما لم يرده؛ لأن ذلك يؤدي إلى نقصه ~~وعجزه. قال الله تعالى فعال لما يريد (البروج: 16) وقال تعالى فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا (الأنعام: ~~من الآية 125). # والكلام في هذه المسألة مع القدرية يطول لأنهم لا يثبتونها على أصلهم، ~~وهو أن العقل عندهم يوجب ويحسن ويقبح، وعند أهل الحق العقل لا يوجب ولا ~~يحسن ولا يقبح، بل الحسن ما حسنته الشريعة والقبيح ما قبحته الشريعة «2». ~~قال الله عز وجل وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (الإسراء: من الآية 15). ~~فأخبرنا تعالى أنهم آمنوا من العذاب قبل بعث الرسول إليهم، فالواجب فعله ما ~~لا يؤمن أمن في تركه عذاب، فعلم بهذه الآية أن الله تعالى لم يوجب على ~~العقلاء شيئا من جهة العقل، بل أوجب ذلك عند مجيء الرسل من قبل الله تعالى، ~~ولأن العقل صفة للعاقل وهو محدث PageV01P376 ~~مخلوق لله تبارك وتعالى، وليس بقائم بنفسه ولا حي ولا قادر ولا عالم ولا ~~متكلم، وما هذه حالته فلا يصح أن يوجب على العقلاء ولا ms05 على غيرهم شيئا ولا ~~أن يحرم شيئا ولا يقبح شيئا، ولا يعلم به غير المعلومات التي لا تتعلق به ~~كجميع العلوم. إذا كان الأمر كذلك لم تصر الأفعال حسنة واجبة بإيجابه، ولا ~~محرمة قبيحة بتحريمه، ولا مباحة كسائر الحوادث لأنه محدث مخلوق كسائر ~~العلوم والحوادث، ولو وجب عليهم شيء من جهة العقل قبل مجيء الرسل فكان حجة ~~عليهم مجردة في ذلك لما قال: لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ~~(النساء: من الآية 165) # بل كان الواجب أن يقول لئلا يكون لله حجة بعد العقل. ولما بطل ذلك دل على ~~أن العقل ليس له تأثير في شيء مما ذكرناه. # فإن قيل: لم قلتم إن الله عز وجل مريد للمعاصي خالق لها فبأي شيء يستحق ~~العبد العقوبة؟ # يقال لهم: هل تثبتون أن الله عز وجل مريد للطاعة خالق لها أم لا؟ # فإن قيل ليس مريدا لها ولا خالق أيضا فلا كلام معهم والأولى السكوت عنهم؛ ~~لأنهم قد كذبوا الرب في خبره، وقال عز وجل خالق كل شيء (الأنعام: من الآية 102). # وإن قيل: إنه مريد لإيجادها وخالق لها يقال: فالعبد بأي شيء ينال الثواب ~~والدرجات، وكل دليل لهم هنا هو دليل لنا هناك فكما أنه يقدرنا على فعل ~~الطاعة ويخلقها لنا ثم يثيبنا عليها بفضله فكذلك أيضا يقدرنا على المعصية، ~~ويخلقها لنا ثم يعاقبنا عليها بعدله لأنه متصرف في ملكه على الإطلاق. وقد ~~روى في الخبر أن الله عز وجل أوحى إلى أيوب: «لو لم أخلق لك تحت كل شعرة ~~صبرا لما صبرت» ثم بعد ذلك يمدحه ويثنى عليه بقوله إنا وجدناه صابرا نعم ~~العبد (ص: من الآية 44) فإذا كان الرب عز وجل خلق الصبر له فبأي شيء نال ~~هذا المدح والثناء فدل على أن الأمر ما ذكرناه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ~~(الأنبياء: 23). # فإن قيل: وجدنا أحدنا إذا قال لغلامه: اكسر هذا الإناء فكسره ثم عاقبه ~~يكون ظالما، فإذا قلنا إن الله عز وجل مريد للمعاصي ثم يعاقب عليها يكون ms06 ~~ظالما؟. # يقال: حقيقة الظلم هو تجاوز الحد، فالسيد إذا قال لغلامه اكسر هذا الإناء ~~وعاقبه يكون ظالما لأن فوقه آمرا وهو الله عز وجل أمره أن لا يتجاوز مع ~~عبده الحد فإذا تجاوزه يكون ظالما، ثم يقال لهم: هذا السيد أمر عبده بكسر ~~الإناء فكان عقوبته ظلما له والرب عز وجل لم يأمر بالمعاصي قال الله عز وجل ~~إن الله لا يأمر PageV01P377 ~~بالفحشاء (الأعراف: من الآية 28) بل يقول إنه مريد للمعاصي والأمر بخلاف ~~الإرادة ونحن مخاطبون بالأمر لا بالإرادة. # فإن قيل: الأمر والإرادة سواء فما أمر به فقد أراده، وما أراده فقد أمر به. # قيل: هذا ليس بصحيح والدليل عليه إذا قال رجل لغيره إن غلامي هذا لا ~~يطيعني فيما آمره به ولا ينصحني ثم قال لغلامه افعل كيت وكيت فقد أمره ~~بالفعل وهو يريد أن لا يفعل ليبين لذلك الرجل صدق قوله، فدل على أن الأمر ~~بخلاف الإرادة. أمر إبليس بالسجود، وهو لم يرد منه السجود، ولو أراد أن ~~يسجد على رغم أنفه، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأراده أن يأكل منها، وعندهم أن ~~الله عز وجل، أراد إبليس أن يسجد وإبليس ما أراد أن يسجد يكون على قولهم ~~إبليس وصل إلى مراده والرب عز وجل ما وصل إلى مراده. ثم يقال لهم: هل الرب ~~عز وجل قادر على أن يحيل بين هذا العاصي وبين المعصية أم لا؟ وهل هو عالم ~~بأنه إذا رزقه رزقا يتوصل به إلى المعصية أم لا؟ فإن قيل ليس بقادر ولا ~~عالم فقد عطلوا وأبطلوا ونفوا القدرة والعلم وهو أصل مذهبهم، وينتقل الكلام ~~معهم إلى إثبات الصفات. # وإن قيل: إنه عالم وقادر. قيل لهم: لو لم يكن مريدا للمعصية من العاصي مع ~~كونه عالما بأنه سيعصى وقادر أنه يحيل بينه وبينها لما وجدت، وإذا ثبت بأنه ~~عالم بما يكون من العاصي قبل المعصية وقادر أن يحيل بينه وبينها ثم يتركه ~~على المعصية فلا يوصف بالظلم عند عقوبته، فكذلك أيضا يريد المعصية ثم يعاقب ~~عليها ms07 ولا يوصف بالظلم ولو لم يكن مريدا للمعصية مع وجودها لكان عاجزا لأن ~~من يجري في ملكه ما لم يرد لا يكون إلا عاجزا مغلوبا. ولهذا قال بعض ~~أصحابنا: القدرية أرادت أن تعدل الباري فعجزته، والمشبهة أرادت أن تثبت ~~الباري فشبهته. وهذا خلاف النص والإجماع. قال الله تعالى: وما تشاؤن إلا أن ~~يشاء الله (الإنسان: من الآية 30) وأجمعت الأمة على ما شاء الله كان وما لم ~~يشأ لم يكن. وقال عز وجل: # إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب (الرعد: من الآية 27) ويضل الله ~~الظالمين ويفعل الله ما يشاء (إبراهيم: من الآية 27) فأضاف إلى الإضلال إليه. # وقال عز وجل إخبارا عن نوح: ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان ~~الله يريد أن يغويكم (هود: من الآية 34) فأضاف الغواية إليه. وقال إخبارا ~~عن موسى: إن هي إلا فتنتك (الأعراف: من الآية 155) وقال عز وجل ونبلوكم ~~بالشر والخير فتنة (الأنبياء: من الآية 35) فأضاف الخير والشر إليه. وقال ~~عز وجل إخبارا عن إبليس: رب بما أغويتني (الحجر: 39) فلو كان إضافة ذلك إلى الرب PageV01P378 ~~عز وجل لا يجوز لذم الله عز وجل إبليس على ذلك كما ذمه ولعنه عند امتناعه ~~عن السجود. وقد حكي عن بعض أصحابنا أنه قال: إن قوما إبليس أفقه منهم ~~السكوت عنهم أولى من الكلام معهم. # فإن قيل قال الله عز وجل ولا يرضى لعباده الكفر (الزمر: من الآية 7) قيل ~~لهم: أراد به لا يرضى لعباده المؤمنين دون الكافرين. # فإن قيل: قد قال الله إخبارا عن موسى: قال هذا من عمل الشيطان (القصص: من ~~الآية 15) قيل: أراد به هذا مما يخلقه الشيطان بدليل قوله: إن هي إلا فتنتك ~~(الأعراف: من الآية 155)، والفرق بين ما نورده من الآيات وبين ما يوردونه ~~إن ما نورد غير محتمل للتأويل وما يوردونه محتمل لذلك ثم يقال لهم: جميع ~~أعمال الخلق أعراض، فلو كان للمخلوق قدرة على خلق بعضها لكان له قدرة على ~~خلق جميعها، ثم لا فرق بين خلق ms08 الأعراض وبين خلق الأجسام فإن الأعراض التي ~~لا تكون ثم تكون وتفتقر إلى محدث يحدثها ويوجدها، والأجسام كذلك أيضا فلو ~~كان لمخلوق قدرة على خلق الأعراض لكان له قدرة على خلق الأجسام، فمن وصف ~~المخلوقين بالقدرة على خلق جميعها وهذا يؤدي إلى إثبات خالق غير الله تعالى ~~قال الله تعالى: هل من خالق غير الله (فاطر: من الآية 3). # وهذا القول من القدرية أعظم من قول اليهود والنصارى لأن اليهود أثبتت مع ~~الله عز وجل العزير، والنصارى أثبتت المسيح، والقدرية أثبتت مع الله خالقين ~~لا يحصى عددهم بقولهم: إن العبد يخلق ويريد والرب يخلق ويريد وقد شبههم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالمجوس بقوله: «القدرية مجوس هذه الأمة». # فإن قيل: إنهم القدرية لأنكم تقولون الرب عز وجل يقدر على خلق المعاصي. # يقال لهم هذا لا يصح لأن من وصف غيره بالحياكة لا يصير حائكا بالحائك من ~~فعل الحياكة. فقولنا إن الله يقدر لا نسمى بالقدرية بل القدرية الذين يصفون ~~أنفسهم بالقدرة، وقد شبههم النبي صلى الله عليه وسلم بالمجوس ولأن المجوس ~~يقولون بإلهي النار والنور، والقدرية يقولون بخالقين لأن العبد عندهم يخلق ~~والرب يخلق فلهذا شبههم بالمجوس. # وقد حكى أن بعض أهل التوحيد تناظر مع قدري وكانا بقرب شجرة فأخذ القدري ~~ورقة من الشجرة وقال أنا فعلت هذا وخلقته. # فقال له الموحد: إن كان الأمر كما ذكرت فرده كما كان فإن من قدر على شيء ~~قدر على ضده، فانقطع في يده. وقد ذكرنا أن الكلام معهم في هذا يطول ولم يكن ~~غرضي بما ذكرت الرد على المخالف لاعترافي بالتقصير بل كان غرضي بما PageV01P379 ~~ذكرت الرد على المخالف لاعترافي بالتقصير بل كان غرضي أن أشير إلى مذهب أهل ~~الحق لأبين ما هم عليه من التوحيد واتباع السنة، وأرجو أن يكون قد حصل ~~المقصود إن شاء الله تعالى. ### | AUTO صفة السمع والبصر # ثم يعتقدون أن الله عز وجل يسمع بسمع قديم أزلي «1»، ويبصر ببصر قديم ~~أزلي أبدا «2» كان موصوفا بهما وأبدا يكون، لأن ms09 عدمهما يوجب إثبات ضديهما ~~وهما الصمم والعمي وذلك آفة، قال الله عز وجل: وأن الله سميع بصير (الحج: ~~من الآية 61) وقال عز وجل: أسمع وأرى (طه: من الآية 46). ### | AUTO صفة الكلام # ثم يعتقدون أن الله عز وجل متكلم بكلام قديم أزلي أبدي غير مخلوق ولا ~~محدث ولا مفتر ولا مبتدع ولا مخترع بل أبدا كان متكلما به وأبدا يكون، ~~لاستحالة ضد الكلام من الخرس والسكوت عليه، قال الله عز وجل: وكلم الله ~~موسى تكليما (النساء: من الآية 164)، وقال: إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي (الأعراف: 144)، وقال عز وجل فأجره حتى يسمع كلام الله (التوبة: من ~~الآية 6) فأثبت لنفسه الكلام بهذه الآيات، فإذا ثبت أنه متكلم، فكلامه قديم ~~أزلي، والدليل قوله عز وجل الرحمن* علم القرآن* خلق الإنسان (الرحمن 1 - 3) ~~فلو كان مخلوقا لقال: الرحمن خلق القرآن، وخلق الإنسان، فلما لم يقل ذلك؛ ~~فدل على أن الإنسان مخلوق، والقرآن ليس بمخلوق. # ويدل عليه قوله عز وجل: ألا له الخلق والأمر (الأعراف: من الآية 54). # بالواو والأمر كلام الله، فلو كان مخلوقا لقال الإله: الخلق والخلق، ~~ويكون تكرارا من الكلام، فلما فصل بينهما بالواو، دل على أن الخلق مخلوق، ~~والأمر كلام قديم أزلي قال الله عز وجل: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون (النحل: 40) فلو كان قوله كن مخلوقا لافتقر إلى قول قبله، ~~وكذلك ما قبله، ويؤدي ذلك إلى PageV01P380 ~~التسلسل، وعدم التناهي، ويؤدي ذلك إلى عدم المخلوقات، ولأن الرب عز وجل لا ~~يخلق الخلق بالخلق وإنما خلقه بصفته القديمة، وهي قوله" كن" فدل على ما قلناه. # فإن قيل" كن" كاف ونون، ودليل الحدوث فيما بين، لكونهما أحرفا فإن الأحرف ~~لا تخرج إلا من مخارج، فالميم مخرجها من الشفتين، وانطباق عضو على عضو، ~~والحاء مخرجها من الحلق، وكذلك سائر الحروف، فإذا كانت الحروف، فإذا لا ~~تخرج إلا من مخارج، والرب عز وجل منزه عن ذلك، لأنه ليس ذا لفظ ومخارج ~~يتقدم بعضها على بعض، فإنه في حال ما يتكلم بالكاف ms10 النون معدومة، وفي حال ~~ما يوجد النون ويتكلم بها الكاف معدومة، وما هذه صفته لا يكون إلا مخلوقا، ~~ولأن من الكاف والنون نشاهدهما في مصاحفنا أجساما مخلوقة، فتارة تكون ~~بالحبر، وتارة تكون باللازورد، وتارة تنقش بالجص والآجر على المساجد ~~وغيرها، فإذ قلنا بقدمها ونحن لا نشاهد هذه الأجسام، والألوان المخلوقة، ~~فقد قلنا بقدم العالم، ولأن القديم لا يحل في المحدث، ولأن القول بهذا يؤدي ~~إلى القول بما يعتقدونه النصارى لأنهم يقولون إن كلمة الله القديمة حلت في ~~عيسى، فصار عيسى قديما أزليا، بل يكون هذا القائل أعظم قولا من النصارى، ~~لأنهم لم يقولوا بقدم عيسى، والقائل بأن الكاف والنون قديمة يقول بقدم أكثر ~~المخلوقات. وإذا ثبت أن هذه الكاف والنون وجميع الحروف مخلوقة بمشاهدتنا ~~لها في دار الدنيا لأنها لو كانت قديمة لما فارقت الموصوف لأن الصفة لا ~~تفارق الموصوف، لأنها إذا فارقته يكون موصوفا بضدها بطل ما ادعيتموه من القدم. # يقال لهم: إنما يصح لكم التعليق بهذا مع المشبهة الحلولية القائلين بقدم ~~هذه الأحرف والأصوات، لأنهم يوافقونكم في المعنى ويقولون إن كلام الله أحرف ~~وأصوات ثم يوافقوننا في التسمية، ويقولون بقدم القرآن. والمعول على ~~الاعتقاد بالقلب لا على التسمية باللسان، ويحملهم على ذلك الجهل بالفرق بين ~~القديم والمحدث. ثم يقولون: جهلهم بالسبب حملهم على الخطأ. وقال بعض ~~الأدباء: أهتك الناس من إذا لزمه الحق ثقل عليه، وإذا سنح له الباطل أسرع إليه. # والأولى بمن تكلم معهم من أهل الحق في ذلك أن لا يطالبهم في الابتداء إلا ~~بالفرق بين القديم والمحدث، فمن كان جاهلا بذلك فالسكوت عنه أولى من كلامه، ~~ويؤمر بمعرفة ذلك فإن أصل هذه المسألة مبني على ذلك، وأما نحن فلا نوافقهم ~~بأن كلام الله أحرف وأصوات، لأن الأحرف والأصوات نعتنا وصفتنا ومنسوبة ~~إلينا نقرأ بها كلام الله تعالى، ونفهمه بها، والكاف والنون وجميع الحروف، ~~القراءة والمقروء والمفهوم بها كلام الله تعالى أفهمنا بها كلام الله ~~القديم الأزلي، كما أفهم موسى PageV01P381 ~~بالعبرانية، وعيسى بالسريانية، وداود باليونانية، ولا ms11 يقال إن كلام الله عز ~~وجل لغات مختلفة، لأن اللغات صفات المخلوقين بل المفهوم من هذه اللغات كلام ~~الله القديم الأزلي، كما أن العرب يسمونه الله، وغيرهم من العجم والترك ~~خداى وأبودو شكرى ولا يقال إن هذا الاختلاف عائد إلى الرب، لأنه واحد لا ~~خلف فيه، فكذلك كلامه أيضا، بل الاختلاف عائد إلى أفهامنا ولغاتنا. فمن قال ~~بقدم هذه اللغات فلجهله وحمقه؛ لأن المتكلم في حال ما تكلم بالعربية ~~والعبرانية معدومة، وكذلك السريانية واليونانية وما يوجد ويعدم لا يكون قديما. # فإن قيل: إذا قلتم إن كلام الله ليس بصوت ولا حرف ولا تدرك أسماعنا إلا ~~ما هذه صفته فمن ينفي كيف يسمع وكيف يسمع يقال لهم: سماعنا لكلامه كعلمنا به. # فكما أننا لا نملك موجودا إلا جسما أو جوهرا أو عرضا ثم إن الله عز وجل ~~معلوم لنا بخلاف ذلك، فكذلك أيضا سماعنا لكلامه خلاف سماعنا لكلام ~~المخلوقين فنقيس سماعنا لكلامه على العلم به مع القدرية، وأما المشبهة ~~فنقيس معهم سماعنا لكلامه على رؤيتنا له لأنهم يوافقوننا في الرؤية بخلاف ~~القدرية: فيقال لهم: كما أن الله عز وجل يرى لنا غدا وليس يرى جسم لا محدود ~~بخلاف جميع المرئيات التي نشاهدها اليوم فخلق الرب عز وجل لنا بصرا نبصر ~~به، فكذلك خلق لنا سمعا نسمع به كلامه على ما هو عليه بخلاف المسموعات التي ~~ندركها اليوم، والدليل على ما نذكره أن الرب عز وجل يخلق لنا سمعا نسمع به ~~كلامه وبصرا نبصره به بخلاف ما نبصره اليوم ونسمعه، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان ينزل عليه جبريل عليه السلام، والصحابة جلوس فيراه النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويسمع منه، والصحابة لا يبصرونه ولا يسمعون منه، وبصره وبصرهم في ~~الصورة سواء، وكذلك ملك الموت أيضا، فإن الميت يشاهده عند قبضه لروحه، ~~وأهله حضور لا يشاهدونه، وكذلك الجن يروننا ولا نراهم فدل على أن العلة في ~~ذلك، أن الله عز وجل يخلق للبصير بصرا يدرك به ما لم يدركه غيره، فكذلك ms12 ~~يخلق له سمعا يسمع به كلامه، وفهما يفهمه به كما أفهم سليمان منطق الطير ~~وخصه بذلك، وسمعنا وسمعه في الصورة سواء. # فإن قيل: أنتم تثبتون شيئين مختلفين قراءة ومقروءا أحدهما قديم والآخر ~~محدث، ونحن لا نعقل إلا شيئا واحدا، وفي هذا شبهة القدرية والمشبهة، ~~فالقدرية يقولون: # نحن لا نعقل إلا هذه القراءة وهي محدثة، والمشبهة يقولون نحن لا نعقل إلا ~~هذه القراءة وهي محدثة القرآن ثم يثبتون قدمها؟ يقال لهم: لا يمنع أن يكون ~~الإنسان في حال السماع فيسمع الشيئين المختلفين شيئا واحدا، ثم بالدليل ~~يفرق بينهما، كالناظر PageV01P382 ~~إلى السواد والأسود، فإنه في حال المشاهدة لا يشاهد إلا شيئا واحدا، ثم ~~بالدليل يفرق بينهما فيعلم أن السواد عرض لا يقوم بنفسه، والأسود الموصوف ~~بذلك السواد جسم بخلافه، فكذلك في ملتنا أيضا. ونحن قد ثبت عندنا أن كلام ~~الله تعالى قديم أزلي بالأدلة التي قد ذكرنا بعضها، والقديم أبدا ما كان ~~موجودا ويكون أبدا موجودا، ولا يوصف تارة بالوجود وتارة بالرداءة، ولا يضاف ~~إلى المخلوقين، ثم وجدنا القراءة بخلاف ذلك، ففرقنا بينهما، وكما أن الذكر ~~غير المذكور، والعلم غير المعلوم، فإن أحدنا إذا ذكر الله عز وجل، لا يقال ~~إن ذكره قديم لقدم المذكور، ولا علمه قديم لقدم المعلوم، بل هما شيئان ~~مختلفان، فالذكر مخلوق لأنه صفة المخلوق لم توجد قبله، وعلمنا أيضا بالله ~~عز وجل كذلك، فإن الصفة لا تتقدم على الموصوف، فكذلك أيضا قراءتنا وكتابتنا ~~مخلوقة، لأنهما صفتان لم تتقدم علينا، فمن زعم من المشبهة الحلولية أن ~~الكتابة قديمة موجودة قبل الكاتب، والقراءة قديمة موجودة قبل القارئ، يقال له: # فعلى ما ذا يستحق القارئ العقوبة إن كان جنبا، وينال الثواب إن كان طاهرا ~~وهو ما لم يأت بشيء؟ فدل على أن الذي يأتي به ويستحق عليه ما ذكرناه هو ~~القراءة المأمور بها عند الطهارة. قال الله تعالى: فاقرؤا ما تيسر من ~~القرآن (المزمل: من الآية 20) والمنهى عنه عند النجاسة لما روى ابن عمر رضى ~~الله عنهما أن النبي صلى ms13 الله عليه وسلم قال «لا يقرأ الجنب ولا الحائض ~~شيئا من القرآن» والقديم لا يكون تارة طاعة، وتارة معصية؛ لأن الطاعة ~~والمعصية هي ما يكون للمخلوق على فعلها قدرة، والصفة القديمة الذاتية لا ~~توصف بأنها مقدورة لله عز وجل، فأولى وأحرى أن لا تكون مقدورة للمخلوق، وقد ~~أخبر الرب عز وجل أن ما بين السماء والأرض مخلوق، فقال عز وجل: خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما (الفرقان: من الآية 59) وهذه الكتابة نشاهدها ~~بين السماء والأرض، فمن قال بقدمها كذب الرب عز وجل في خبره، ولأن الرب عز ~~وجل أخبر أن كلامه لا ينفد ولا يفنى، فقال عز وجل: ولو أن ما في الأرض من ~~شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله (لقمان: من ~~الآية 27) فأخبر أن كلامه لا يفنى، ولا ينفد، ولا يكون له أول ولا آخر، ثم ~~نجد هذه القراءة تفنى وتنفذ، ولها أول وآخر، والكتابة في المصاحف كذلك أيضا. # ولقد حكى أن عثمان رضي الله عنه أحرق جميع المصاحف المخالفة لمصحفه، أترى ~~أنه أحرق القرآن؟. # ومن الدليل على أن كلام الله قديم أزلي ما يروي عن على بن أبي طالب كرم الله PageV01P383 ~~وجهه، حين أنكر عليه الخوارج التحكيم فقال: والله ما حكمت مخلوقا، وإنما ~~حكمت القرآن، قال الله تعالى: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله ~~وحكما من أهلها (النساء: من الآية 35) وقال عز وجل: يحكم به ذوا عدل ~~(المائدة: من الآية 95) فإذا كان في شقاق يقع بين الزوجين أمر بالتحكيم، ~~وفي أرش قيمته نصف درهم يقتله المحرم أمر بذلك ففي شقاق يقع بين طائفتين من ~~المسلمين التحكيم أولى وأحرى، وجميع الصحابة يسمعون قوله ولم ينكر عليه ~~منكر، وسكتوا عنه كسكوتهم عند حرق عثمان المصاحف ففعل عثمان حجة لنا بأن ~~الكتابة مخلوقة، وقول على كرم الله وجهه حجة لنا بأن المكتوب قديم، ~~والاقتداء بعلي وعثمان رضي الله عنهما أولى وأحرى من اقتداء بالقدرية ~~والمشبهة. # ومن الدليل على أن كلام الله تعالى قديم أزلي، ms14 أنه لو كان مخلوقا لكان لا ~~يخلو إما أن يكون قد خلقه في ذاته، أو خلقه في غيره، أو خلق الكلام قائما ~~بذاته لا في محل، بطل أن يقال خلقه في ذاته، لأنه تعالى ليس بمحل للحوادث، ~~وبطل أن يقال خلقه في غيره لأنه يكون كلام ذلك الغير، وكما لا يجوز أن يقال ~~إنه يخلق علمه وقدرته، فكذلك أيضا لا يخلق كلامه في غيره، لأنه يكون كلام ~~ذلك الغير، ولا يجوز أن يقال إنه خلقه لا في محل لأن الكلام صفته، والصفة ~~لا تقوم إلا بموصوف، وإذا بطلت هذه الأقسام الثلاثة دل على أنه قديم أزلي. # فإن قيل: المتكلم إنما يتكلم ليسمع غيره، أو يتكلم ليستأنس، أو يتكلم ~~ليحفظ، وإذا كان المتكلم خاليا من هذه الثلاثة أقسام يكون كلامه هذيانا ~~ولغوا. والرب عز وجل لم يكن معه في الأزل أحد ليسمع كلامه، ولا يجوز أن ~~يقال إنه تكلم ليحفظ أو تكلم ليستأنس، وإذا بطلت هذه الأقسام الثلاثة، دل ~~على أنه ليس متكلما في الأزل. # يقال لهم: مقصودكم وغرضكم أن تثبتوا لصفاته الذاتية علة وغرضا إذا كانت ~~أفعاله لا لعلة ولا غرض، لأنه لو فعل فعلا لعلة كانت تلك العلة لا تخلو، ~~إما أن تكون قديمة أو محدثة، فإن كانت محدثة افتقرت إلى علة قبلها، وكذلك ~~ما قبلها، ويؤدي ذلك إلى التسلسل وعدم التناهي، ويؤدي ذلك إلى عدم المعلول، ~~وهذا محال أيضا؛ فدل على أن الله عز وجل يفعل ما يفعله لا لعلة وغرض، بل ~~يفعل ما يشاء بما شاء لا لعلة. وإذا ثبت أن صفات فعله لا لعلة وغرض، فصفات ~~ذاته أولى وأحرى أن لا تكون لعلة وغرض وبطل ما قاله. # فإن قيل قد قال الله تعالى: إنا جعلناه قرآنا عربيا (الزخرف: من الآية 3) ~~والجعل بمعنى الخلق، يقال لهم الجعل هاهنا بمعنى التسمية والدليل عليه قوله ~~عز وجل: PageV01P384 # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا (الزخرف: من الآية 19) ومعلوم ~~على أنهم لم يخلقوا الملائكة فدل على أن الأمر بالجعل هاهنا ms15 التسمية، وكذلك ~~قوله عز وجل: الذين جعلوا القرآن عضين (الحجر: 91) لم يرد بها الخلق فدل ~~على ما قلناه. # فإن قيل قد قال الله عز وجل: وكان أمر الله مفعولا (الأحزاب: من الآية ~~37) وكان أمر الله قدرا مقدورا (الأحزاب: من الآية 38) فدل على أن أمر الله ~~مقدور ومفعول، وهذا دليل الحدث. # يقال لهم: الأمر على ضربين، فتارة يقتضي الكلام وهو قوله: إنما قولنا ~~لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (النحل: 40)، وقوله عز وجل لله الأمر ~~من قبل ومن بعد (الروم: من الآية 4) أي من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء، وهذا ~~دليل واضح على قدمه، وتارة يقتضي الفعل وهو قوله وإذا أردنا أن نهلك قرية ~~أمرنا مترفيها ففسقوا فيها (الإسراء: من الآية 16) فهذا الأمر يقتضي الفعل، ~~جاء في التفسير أن الأمر هاهنا بمعنى كثرنا لأن الرب عز وجل لا يأمر ~~بالفحشاء، وإذا كان الأمر كذلك بطل ما قالوه، ويكون المراد بقوله: # وكان أمر الله مفعولا (الأحزاب: من الآية 37) وكان أمر الله قدرا مقدورا ~~(الأحزاب: من الآية 38) فعله. # فإن قيل: الدليل على خلق القرآن أنه معجز النبي صلى الله عليه وسلم وتحدى ~~الأمة به. فالتحدي إنما يكون بما للمتحدي عليه قدرة كإلقاء العصا، وإبراء ~~الأكمه والأبرص، والقديم لا يكون للمخلوق عليه قدرة ولا يكون له في التحدي ~~به حجة؛ فدل على ما قلناه. # يقال لهم: التحدي إنما كان بالقراءة لا بالمقروء وقد بينا الفرق بينهما. ~~فإن قيل: # فقد قال الله تعالى: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث (الأنبياء: من الآية 2). # يقال لهم الذكر قد يكون بمعنى القرآن فقال عز وجل: إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون (الحجر: 9) ويكون الذكر بمعنى الرسول قال الله عز وجل: # ويقولون إنه لمجنون* وما هو إلا ذكر للعالمين (القلم: من الآيتين 51: 52) ~~قال الله عز وجل ذكرا* رسولا (نهاية الآية: 10 وبداية الآية: 11 من سورة ~~الطلاق) فالذكر المحدث هاهنا النبي صلى الله عليه وسلم، والدليل على آخر ~~الآية قوله عز وجل: هل ms16 هذا إلا بشر مثلكم (الأنبياء: من الآية 3) ومعلوم أن ~~الكلام ليس ببشر ويحتمل أن يقال إن المراد بالذكر المحدث هذه القراءة لا ~~المقروء. PageV01P385 # فإن قال قائل من المشبهة: إذا قلتم إن الكتابة مخلوقة يؤدي ذلك إلى أن ~~المصحف ليس له حرمة. # يقال لهم إن الحرمة لا تثبت إلا بما هو قديم ثم لم يكن للمسجد حرمة بحيث ~~يمنع الجنب من اللبث فيه والمرور على مذهب بعض الفقهاء فكما أن المسجد ~~بجميع أجزائه مخلوق وله حرمة لأجل المعهود فيه فكذلك إنما المصحف بجميع ~~أجزائه مخلوق وله حرمة لأجل المكتوب فيه. # فإن قيل: إذا قلتم إن هذه الأحرف محدثة وليست القرآن، فالقرآن أين هو؟. # يقال لهم: فإذا قلتم إن هذه الأحرف هي القرآن، فالقديم أين هو؟. # فإن قيل فقد قال الله عز وجل: الم، طه، طسم، فدل على أن القرآن هو هذه ~~الأحرف. # ويقال لهم: لا فرق بين هذه الآيات وغيرها فإن الألف التي في الحمد والطاء ~~التي في طه كالطاء التي في الطاغوت فجميع الأحرف التي في السور سواء، فما ~~ثبت لبعضها من القدم أو الحدث ثبت لكلها. # ثم يقال لو أن هذه الأحرف قديمة لأجل تخصيصها بالذكر لكان الشمس والقمر ~~والنجوم قديمة لتخصيصها بالذكر قال الله تعالى: والنجم إذا هوى (النجم: 1)، ~~وقال عز وجل: والشمس وضحاها* والقمر إذا تلاها (الشمس: 1، 2) فكما لا يقال ~~إن هذه الأشياء قديمة لتخصيصها بالذكر فكذلك الأحرف أيضا. # ثم يقال لهم: هذه الأحرف التي تثبتون قدمها في القرآن هل هي أحرف أب ت ث ~~أم لا؟ فإن قيل غيرها فهذا دفع للضرورة وإن قيل هي يقال لهم فهل هي التي ~~يكتب بها شعر المتنبي وحسان والنقال أم لا؟. # فإن قيل: غيرها تكتب ما ذكرتموه فهذا محال ودفع لما نعلمه ضرورة، وإن قيل ~~إن الأحرف التي يكتب بها القرآن هي التي يكتب بها ما ذكرناه. فيجب القول ~~بقدمها وأن يكون لها حرمة كحرمة المصحف وهذا خلاف الإجماع، ولو أن هذه ~~الأحرف قديمة وهي القرآن لكان المصلي إذا ms17 أتى بها في الصلاة وقال في الصلاة ~~أب ت ث ج ح خ د ذ لا تبطل صلاته فإن الإتيان بالقرآن في الصلاة في موضعه لا ~~يبطلها، ولكانت تجزئة عن قراءة غيرها، ولكان لها حرمة بحيث لا يجوز للجنب ~~الإتيان بها، فلما لم يصح ذلك دل على أنها مخلوقة، وإذا ترتب بعضها على بعض ~~فهم منها المكتوب بها، فإن كان القرآن صار لها حرمة، وإن كان غير القرآن لم ~~يكن لها حرمة، فالذي يتجدد هو الحرمة لا القدم، فإنه لو جاز أن يصير المحدث ~~قديما لجاز أن يصير PageV01P386 ~~القديم محدثا وهذا محال. # ومن الدليل على أن الكتابة غير المكتوب قوله تعالى: النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل (الأعراف: من الآية 157) فالنبي ~~عليه الصلاة والسلام مكتوب على هذه الحقيقة في التوراة والإنجيل غير حال في ~~التوراة والإنجيل، بل هو مدفون في المدينة أو رفع إلى السماء على اختلاف ~~العلماء في ذلك، فلو أن الكتابة هي المكتوب لكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~موجودا في التوراة والإنجيل هي الأحرف المفهوم بها النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فهي غيره وهو غيرها، لأن حقيقة الغير لا يجوز لأحدهما أن يفارق الآخر ~~والكتابة مفارقة المكتوب منفصلة منه، ولو أن الكتابة هي المكتوب لكان إذا ~~كتب زيد على عمرو وثيقة بدين وشهد فيها الشهود بذلك ثم قبضها يكون قد ~~استوفى دينه فلما لم يصح ذلك دل على أن الكتابة يفهم بها المكتوب وليست هي ~~المكتوب فالشهود مكتوبون في الوثيقة على الحقيقة غير حالين فيها، وكذلك ~~الدين، ولو أن الكتابة هي المكتوب لكان إذا قرأ القارئ يا يحيى خذ الكتاب ~~(مريم: من الآية 12) وأراد به القرآن، ثم قال يا يحيى خذ الكتاب وأراد به ~~إعلام المسيح، أن يفرق بينهما عند السماع، وكذلك في الكتابة أيضا فلما لم ~~يكن ذلك دل على أن الكتابة مخلوقة لا تختلف والمفهوم بها يختلف، ثم يقال ~~لهم إذا قرأ القارئ هل يسمع منه القرآن كما يسمع من الرب عز ms18 وجل أم لا؟ فإن ~~ورد الشرع بأن كلام الله تعالى صوت وحرف سميناه بذلك وإلا فلا. # وإن قيل ليس بينهما فرق وذا ذاك، وذاك ذا فهذا هو التشبيه بعينه ويكون ~~القرآن على قولهم حكاية، لأن المحاكاة المماثلة والمشابهة ولا شبه لكلام ~~الله ولا مثل له، كما أن الله عز وجل لا مثل له ولا شبه له، ولو أن الكتابة ~~هي المكتوب لكان إذا كتب أحدنا في كفه ألف لام ها ما يكون الله عز وجل حالا ~~في كفه، ولما لم يصح ذلك دل على أن الكتابة غير الله عز وجل، ولما جاز على ~~الرب جاز على صفة ذاته، فكما أن الرب عز وجل مكتوب في مصاحفنا، ومعبود في ~~مساجدنا ومعلوم في قلوبنا ومذكور بألسنتنا غير حال في شيء مما ذكرناه فكذلك ~~كلامه أيضا مقروء بألسنتنا على الحقيقة قال الله عز وجل: فاقرؤا ما تيسر من ~~القرآن (المزمل: من الآية 20) ومتلو في محاريبنا على الحقيقة، قال الله عز ~~وجل: واتل ما أوحي إليك من كتاب (الكهف: من الآية 27) ومحفوظ في صدورنا على ~~الحقيقة قال الله عز وجل: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ~~(العنكبوت: من الآية 49) ومسموع محفوظ (البروج: 21) بآذاننا على الحقيقة ~~قال الله عز وجل: بل هو قرآن PageV01P387 ~~مجيد* في لوح (21، 22) غير حال في شيء مما ذكرناه. # وللمصحف حرمة عظيمة ورعاية وكيدة بحيث لا يجوز للمحدث الأصغر والأكبر مس ~~ما فيه وحواشيه ولا كتابته ولا دفتيه ولا حمله ولا مسه ولا بعلاقة احتراما ~~قال الله عز وجل: لا يمسه إلا المطهرون (الواقعة: 79) والأدلة في ذلك أبين ~~من عين الشمس لمن تدبر وعقل لا من اتبع هواه وجهل. فإن كنت قد أكثرت مما لا ~~يحتاج إليه فلا ملام لما قدمت من الاعتراف والسلام. ### | AUTO صفة الحياة # ثم يعتقدون أن الله عز وجل حي بحياة أزلية قديمة لأن الصفات التي ذكرناها ~~لا تقوم إلا بمن هو حي، قال الله عز وجل: الله لا إله إلا هو الحي القيوم ~~(البقرة: ms19 # من الآية 255). ### | AUTO علاقة الصفات بالذات # ثم يعتقدون أن صفات ذاته لا يجوز أن يقال هي هو، ولا هو هي، ولا هو ~~غيرها، ولا هي غيره؛ لأنها لو كانت هي هو لكانت الصفة الواحدة موصوفة بجميع ~~الصفات التي ذكرناها والصفة لا تقوم بالصفات. ولو كان هو هي لم يكن موصوفا ~~بها لأن الصفة معنى زائد على الموصوف ولو كانت غيره وهو غيرها لجاز لأحدهما ~~أن يفارق الآخر لأن حقيقة الغيرين ما يجوز لأحدهما أن يفارق الآخر. بل يقال ~~إنها صفات قائمات بذاته لم يزل موصوفا بها ولا يزال. ### | AUTO صفة الاستواء # ثم يعتقدون أن الله عز وجل مستو على العرش قال الله عز وجل: إن ربكم الله ~~الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش (الأعراف: من ~~الآية 54)، وأن استواءه ليس باستقرار ولا ملاصقة لأن الاستقرار والملاصقة ~~صفة الأجسام المخلوقة، والرب عز وجل قديم أزلي أبدا كان وأبدا يكون، لا ~~يجوز عليه التغيير ولا التبديل ولا الانتقال ولا التحريك، والعرش مخلوق لم ~~يكن فكان، قال الله عز وجل: الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (النمل: ~~26) فلو أن المراد بالاستواء والملاصقة لأدى إلى تغيير الرب وانتقاله من ~~حال إلى حال وهذا محال في حق القديم، فإن كل متغير لا بد له من مغير، ولأن ~~العرش مخلوق محدود فلو كان الرب عز وجل مستقرا عليه لكان لا يخلو إما أن ~~يكون أكبر أو أصغر منه أو مثله، فلو كان أكبر منه يكون متبعضا بعضه خال من ~~العرش، والبعض صفة الأجسام PageV01P388 ~~المؤلفة، وإن كان أصغر منه فيكون العرش مع كونه مخلوقا أكبر منه وذلك نقص، ~~وإن كان مثله يكون محدودا كالعرش فإن كان العرش مربعا فيكون الرب مربعا، ~~وإن كان مخمسا فيكون الرب مخمسا وما هو محدود له شبه، وله مثل ولا يكون ~~قديما، فدل على أنه كان ولا مكان، ثم خلق المكان وهو الآن على ما عليه كان. # فإن قيل: إذا قلتم إنه ليس على العرش ولا ms20 في السماوات ولا في جهة من ~~الجهات فأين هو؟ # يقال لهم: أول جهلكم وصفكم له بأين، لأن أين استخبار عن المكان والرب عز ~~وجل منزه عن ذلك. # ثم يقال لهم: هل تثبتون خلق العرش والسماوات وجميع الجهات أم لا؟ # فإن قالوا ليست مخلوقة فقد قالوا بقدم العالم، وينتقل الكلام معهم إلى ~~القول بحدث العالم، وإن وافقوا أهل الحق وقالوا بخلق جميع الجهات، يقال لهم ~~فهل كان الرب موجودا قبل وجودها وهو الذي أوجدها من العدم إلى الوجود أم لا؟ # فإن قيل: لم يكن موجودا قبلها ولا أوجدها فقد قالوا بحدث الرب عز وجل، ~~وهذا هو الكفر الصراح، وإن وافقوا أهل الحق في القول بوجوده قبل وجود ~~المخلوقات من العالم العلوي والسفلي. قيل لهم: فأخبرونا عما كان عليه قبل ~~وجودها فكل دليل لهم قبل وجودها هو دليل لنا بعد وجودها، فإن الرب عز وجل ~~بعد وجود جميع المخلوقات على ما كان عليه قبل وجودها لا يجوز على الرب ~~التغيير من حال إلى حال ولا الانتقال من مكان إلى مكان. قال الله عز وجل في ~~قصة إبراهيم عليه السلام: فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما ~~أفل- أي انتقل من جهة إلى جهة وتغير من حال إلى حال- قال لا أحب الآفلين ~~(الأنعام: 76) أي لا أحب المنتقلين المتغيرين، فمن وصف القديم بما نفاه عنه ~~إبراهيم فليس من المسلمين. # فإن قيل: إذا لم يكن في جهة فما فائدة رفع الأيدي إلى السماء في الدعاء ~~وعروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء؟. # يقال لهم: لو جاز لقائل أن يقول إن الرب عز وجل في جهة فوق لأجل رفع ~~الأيدي إلى السماء في الدعاء لكان لغيره أن يقول هو في جهة القبلة لأجل ~~استقبالنا إليها في الصلاة أو هو في الأرض لأجل قربنا من الأرض في حال ~~السجود، وقد روى في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون ~~العبد من الله عز وجل إذا سجد» قال الله عز وجل: واسجد ms21 واقترب (العلق: من ~~الآية 19) فلو كان في جهة فوق لما وصف العبد بالقرب منه إذا سجد فكما أن ~~الكعبة قبلة المصلي يستقبلها في الصلاة، ولا يقال إن PageV01P389 ~~الله عز وجل في جهة الكعبة، ومستقبل الأرض بوجهه في السجود، ولا يقال إن ~~الله عز وجل في الأرض، فكذلك أيضا جعلت السماء قبلة الدعاء، لا أن الله عز ~~وجل حال فيها، وكذلك أيضا عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء، لا ~~يدل على أن الله عز وجل في السماء، كما أن عروج موسى عليه الصلاة والسلام ~~إلى الجبل، وسماعه لكلام الله تعالى عنده، لا يدل على أن الله عز وجل حال ~~في الجبل، فعروج النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان زيادة في درجته، وعلوا ~~لمنزلته ليتبين الفرق بينه وبين غيره في المنزلة وعلو الدرجة. # فإن قيل: إذا لم يكن الاستواء بمعنى الاستقرار فما معناه؟. # يقال لهم: قد اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: إن الاستواء بمعنى القهر ~~والغلبة واحتج على القائل بهذا، وقال لو كان المراد القهر والغلبة، لأدى ~~ذلك إلى أن يكون قبله مقهورا مغلوبا، وذلك محال. # ومنهم من قال: الاستواء بمعنى الاستيلاء، استوى على العرش أي استولى عليه ~~يقال: استوى فلان على الملك، أي استولى عليه. # ومنهم من قال: المراد به العلو فقوله: الرحمن على العرش استوى (طه: 5) ~~يريد به الرحمن علا، والعرش به استوى، وهذا أيضا محال؛ لأنه لو كان الأمر ~~كذلك، لكان العرش مرفوعا لا محفوظا، فدل على أن على من حروف الصفات، لا من العلو. # ومنهم من قال: المراد به القصد، كقوله: ثم استوى إلى السماء وهي دخان ~~(فصلت: من الآية 11) أي قصد إلى السماء، وعلى بمعنى إلى، لأن حروف الصفات ~~يقوم بعضها مقام بعض، وتأويلهم في ذلك كثير وكلامهم في ذلك يطول، والواجب ~~من ذلك، أن ننفي عنه ما يؤدي إلى حدوث الرب عز وجل، ثم لا نطالب بما عدا ~~ذلك، كما أنا نعتقد أن الله شيء موجود موصوف بصفاته. ثم ننفي عنه ms22 ما يؤدي ~~إلى حدوثه، من صفة الأجسام والجوانيب والأعراض ثم لا نطالب بما عدا ذلك. # فإن قيل: نحن نجهل هذه الآية وما أشبهها من الآيات كاليدين والوجه ومن ~~الأخبار المرورية عن النبي صلى الله عليه وسلم من النزول والصورة والقدم، ~~ونحملها على الظاهر ولا نتأولها قال الله عز وجل: وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا (آل عمران: من الآية 7) ~~فنؤمن بها ولا نتأولها. # يقال لهم: هذه الآية دليل على القول بالتأويل، لا على نفي التأويل، ~~والدليل عليه قوله عز وجل: والراسخون في العلم يقولون آمنا به (آل عمران: ~~من الآية 7) والإيمان هو التصديق والتصديق بالشيء لا يصح مع الجهل، فدل على أن PageV01P390 ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به أي يعلمونه ويقولون آمنا فيعلمونه مضمر ~~لقوله عز وجل: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب* سلام عليكم (الرعد: من ~~الآيتين 23، 24) أي يقولون سلام عليكم، وإذا كانت الآيات والأخبار التي ~~يقتضي العمل بها، تتأول ولا تحمل على الظاهر كقوله عز وجل: ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها (النساء: من الآية 93) فظاهر الآية يقتضي أن ~~أهل الكبائر يخلدون في النار، ويؤدي ذلك إلى القول بمذهب القدرية، فلا بد ~~من تأويل هذه الآية فيكون المراد، ومن يقتل مؤمنا متعمدا لقتله، مستحلا ~~لدمه، وكذلك في قوله صلى الله عليه وسلم «بين الإسلام وبين الكفر ترك ~~الصلاة، فمن تركها فقد كفر» «1» يتأول على مذهب أكثر الأئمة، ولا يحمل على ~~الظاهر، فالآيات والأخبار التي ظاهرها التشبيه ولا يقتضي العمل بها بل ~~يقتضي العلم أولى وأحرى لأن تتأول، لأنا إذا قلنا على العرش استوى، لا ~~يقتضي العمل ولا له تأويل، فظاهره يقتضي حدوث الرب عز وجل، وتشبيهه بالخلق، ~~فما فائدة إعلامنا به، كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «خلق آدم على صورته» ~~إذا قلنا ليس لها تأول ولا تقتضي العمي فيكون هذيانا وإغواء، ونكون قد ~~صدقنا الكفار في قولهم: معلم مجنون (الدخان: من الآية 14) أي يأتي بشيء لا ms23 ~~معنى له، وغرضهم من نفي التأويل بقاؤهم على التشبيه، فإن لم يقولوا ~~بالتأويل، ونفوا التشبيه لم يطالبوا بغيره، ولم يجب عليهم أكثر من ذلك، لأن ~~الذي يحوجنا ويدعونا إلى التأويل قول المخالف: لا أدري ولا أتأول، أنا أحمل ~~هذا الاستواء على الظاهر ولا أدري هل هو استقرار أو غير استقرار. وكذلك ~~قوله عز وجل: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي (ص: من الآية 75) أحملها على ~~الظاهر، ولا أدري هل هما جارحتان أو غير جارحتين، وهذا جهل منهم بالرب عز ~~وجل، وذلك يؤدي إلى كفره لأن من جهل صفة من صفات معلومة، لم يعرف المعلوم ~~على ما هو به، وقوله لا أدري شك في الله عز وجل، وقلة علمه بما يجوز في حقه ~~وما لا يجوز، لأن حمل هذه الآيات والأخبار التي ظاهرها التشبيه على ظاهرها ~~إنما تصح بعد نفي التشبيه، وهو أن يعتقد أن هذا الاستواء ليس بجلوس ولا ~~استقرار ولا لاصقة. ثم بعد ذلك هو مخير إن شاء تأول، وإن شاء حمله على ~~الظاهر، وكذلك قوله عز وجل: ما منعك أن تسجد PageV01P391 ~~لما خلقت بيدي وقوله عز وجل: أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا ~~أنعاما فهم لها مالكون (يس: 71) يعتقدون أن هذه اليد ليست بجارحة ولا تلمس، ~~فما هي؟. # يقال لهم: قد اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال اليد هاهنا يد قدرة، ~~والمراد بالتثنية الواحد كقول الشاعر خليلي وصاحبي، والدليل عليه أن جميع ~~الموجودات والمخلوقات بقدرته، وخص آدم بالذكر، كما أن المساجد كلها لله، ~~وخص الكعبة بالذكر، والنوق كلها، وخص ناقة صالح بالذكر، فكذلك أيضا خلق آدم ~~وجميع المخلوقات بيده، وخص آدم بالذكر تشريفا وتخصيصا، ومنهم من قال: اليد ~~هاهنا صفة زائدة على القدرة خص بها آدم وخلقه بها، واحتج على القائل بهذا. ~~وقيل: لو أن المراد باليد هاهنا صفة زائدة على القدرة؛ لأدى للرب صفات ~~كثيرة لا نعلمها وهذا يؤدي إلى الجهل بالرب، والواجب من ذلك ما ذكرته، وهي ~~نفي التشبيه، والاعتقاد بأن هذه ms24 اليد ليست بجارحة، ولا تلمس، وكذلك جميع ~~الأخبار التي ظاهرها يقتضي التشبيه، كقوله صلى الله عليه وسلم: «خلق آدم ~~على صورته» «1»، وقوله صلى الله عليه وسلم «إن النار يلقى فيها وتقول هل من ~~مزيد حتى يضع الجبار قدمه فيها» «2»، وقوله عليه الصلاة والسلام «رأيت ربي ~~في أحسن صورة» «3». فالواجب في ذلك الاعتقاد بأن الهاء في قوله خلق آدم على ~~صورته عائدة إلى آدم أو إلى المصورة لا إلى الرب عز وجل؛ لأن الرب عز وجل ~~ليس بصورة، لأن الصورة لا بد لها من مصور، والرب عز وجل منزه عن ذلك، وكذلك ~~القدم أيضا عائد إلى قدم الجبار الكافر قال الله عز وجل: وخاب كل جبار عنيد ~~(إبراهيم: من الآية 15) أو عائد إلى من قدمه الرب عز وجل في السابق أنه من ~~أهل النار. قال الله عز وجل: وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ~~(يونس: من الآية 2) أي سابقة صدق لا إلى الرب عز وجل، قال الله عز وجل: لو ~~كان هؤلاء آلهة ما وردوها (الأنبياء: من الآية 99) فمن يعتقد ويؤمن بأن ~~الله إله، ومع ذلك لا تمتلئ جهنم إلا به، فالسكوت عنه أولى من الكلام معه ~~ومناظرته؛ لأنه لم يستفد من عقله غير التكليف الذي به يستحق العقوبة ~~والتخليد في النار، وإنما العاقل PageV01P392 ~~على الحقيقة من يتوصل بعقله عند نظره واستدلاله إلى الحق، كما بينا أن ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام استدل على خلق الكوكب والشمس والقمر بالتغيير ~~والأفول والانتقال من حال إلى حال، وأمرنا الرب عز وجل باتباعه لإصابته ~~الحق، لا من يعتقد ويصف الرب بالنزول، والانتقال، والتغيير من حال إلى حال ~~ويمر هذه الأخبار على ظاهرها من غير تأويل ولا نفي تشبيه، بجهله وحماقته، ~~وقلة علمه وبصيرته، وتأويل هذه الأخبار يطول شرحه، وليس هذا موضوعه. ### | AUTO نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة # ثم يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم نبوته باقية بعد وفاته؛ كبقائها ~~حال حياته إلى أن يرث الله عز وجل ms25 الأرض ومن عليها، وأن شريعته ناسخة لجميع ~~الشرائع، وجميع الخلق يخاطبون بها، قال الله عز وجل: وما أرسلناك إلا كافة ~~للناس (سبأ: من الآية 28) ومعجزة باقية، وهو القرآن قال الله عز وجل: فأتوا ~~بعشر سور مثله (هود: من الآية 13) فأتوا بسورة من مثله (البقرة: من الآية ~~23) قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله (الإسراء: من الآية 88) وأن معراجه صحيح، وكان في اليقظة لا في ~~المنام، فأسرى به إلى بيت المقدس، قال الله عز وجل: سبحان الذي أسرى بعبده ~~ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى (الإسراء: من الآية 1) ومحال أن ~~يقول أسرى به ولم يسر به، وعرج به إلى السماوات السبع، وإلى العرش، وعرض ~~عليه جميع المخلوقات، قال الله عز وجل: لقد رأى من آيات ربه الكبرى (النجم: ~~18) وسمع كلام الله القديم الأزلي بلا واسطة، كما سمع موسى عليه الصلاة ~~والسلام بلا واسطة، قال الله تعالى: فأوحى إلى عبده ما أوحى (النجم: 10) ~~فالفرق بين نبينا وبين موسى عليهما الصلاة والسلام، أن موسى عليه الصلاة ~~والسلام سمع كلام الرب عز وجل وهو على وجه الأرض من وراء حجاب، ونبينا عليه ~~الصلاة والسلام سمع كلام الله عز وجل، وهو بالأفق الأعلى لا من وراء حجاب، ~~بل مع المشاهدة، قال الله عز وجل: ما كذب الفؤاد ما رأى (النجم: 11) أي ما ~~كذب الفؤاد ما رأى بعين رأسه، وأن جميع ما أخبر به صدق، من قوله عليه ~~الصلاة والسلام «أشرفت على الجنة فوجدت أكثرها البله» «1»، «وأشرفت على ~~النار فوجدت أكثرها النساء» «2»، وهذا دليل PageV01P393 ~~على أن الجنة والنار مخلوقتان قال الله عز وجل: أعدت للمتقين (آل عمران: من ~~الآية 133)، وأعدت للكافرين (البقرة: من الآية 24) محال أن يقول أعدت فمن ~~أنكر ذلك فقد كذب الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم فيما أخبرا به، ~~وذلك كفر. # والمعراج والإسراء غير مستحيل في العقل، فالإيمان به واجب والمنكر له ~~مكذب للشفاعة أيضا، والحوض، والصراط، والميزان قال النبي صلى الله عليه ms26 ~~وسلم: «ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» «2». # وروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «تخرج طائفة من أمتي من النار ~~بشفاعتي وقد صاروا كالحممة» «3». والأخبار الواردة في الحوض «4» والميزان ~~«5» والصراط «6» وعذاب القبر «7» مشهورة معروفة فمن رد خبرا منها كمن رد ~~كلام الله تعالى، قال الله عز وجل: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا (الحشر: من الآية 7). ### | AUTO ترتيب الصحابة في الفضل # ثم يعتقدون أن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم ~~عمر، ثم عثمان، ثم علي رضى الله عنهم، وأن المقدم في الخلافة هو المقدم في ~~الفضيلة؛ لاستحالة تقديم المفضول على الفاضل، لأنهم كانوا يراعون الأفضل ~~فالأفضل، والدليل عليه أن أبا بكر لما نص على عمر، قام إليه طلحة رضي الله ~~عنه فقال: ما تقول إذا لقيت ربك وقد وليت علينا فظا غليظا؟ فقال له أبو بكر ~~رضي الله عنه كركت لي عينيك، وذللت لي عقبيك وحمتني تلفتني عن رأيي، وتصدني ~~عن ديني، بل أقول له إذا سألني: خلفت عليهم خير أهلك. فدل PageV01P394 ~~ذلك أنهم كانوا يراعون الأفضل فالأفضل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يصرح بالنص على أحد، وإنما ثبتت الخلافة بالإجماع لا بالنص. وقد قيل إنها ~~ثبتت بالنص، ولكنه نص خفي يحتاج إلى تأويل وتأمل مثل قوله عليه الصلاة ~~والسلام «مروا أبا بكر فليصل بالناس، لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن ~~يتقدمهم غيره اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» «1»، وكقوله في علي رضي ~~الله عنه: «أنت مني بمنزلة هارون وموسى» «2» «من كنت مولاه فعلى مولاه» «3» ~~والصحيح أنه لم ينص على أحد، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: «إن ~~تولوها أبا بكر تجدوه ضعيفا في نفسه قويا في أمر الله، وإن تولوها عمر ~~تجدوه قويا في بدنه قويا في أمر الله، وإن تولوها عثمان تجدوه هاديا مهديا، ~~وإن تولوها عليا يهدكم إلى الصراط المستقيم» «4» فأخبر أن كل واحد منهم ~~يصلح للإمامة على الانفراد، ولم ينص على أحد لأنه لو ms27 نص على أحد لما قال إن ~~تولوها، ولما قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير، فدل على أن الخلافة بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه بالإجماع لا بالنص، ~~والإجماع حجة. قال الله عز وجل: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (النساء: 115). # فإن قيل: علي أولى بالخلافة لأنه أعلم من أبي بكر وأشجع، وكان أقرب إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أبي بكر؛ لأنه كان ابن عمه. # يقال لهم: هذا ليس بصحيح، والدليل على أن أبا بكر كان أعلم الصحابة بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأشجعهم قوله يوم الردة: ولو منعوني عقالا أو ~~عناقا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه ولو خلاني ~~الناس كلهم لجاهدتهم بنفسي. فقال عمر رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا ~~قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم» «5». فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ~~سمعته يقول إلا بحقها، والزكاة من PageV01P395 ~~حقها، والله لا أفرق بين ما جمع الله عز وجل، قال الله عز وجل: وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة (البقرة: من الآية 43)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~قبل وفاته قد جهز جيشا ثم مات، والجيش مجهز لم يسر، وارتد الناس ثم مات، ~~فقال عمر لأبي بكر رضي الله عنهما: الناس قد ارتدوا، وحماة الإسلام في هذا ~~الجيش، ومن الرأي رده من المسير لما قد جهز له، فقال أبو بكر رضي الله عنه: ~~أشجاع في الجاهلية وخوار في الإسلام، والله لا رددت جيشا جهزه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، قال عمر رضي الله عنه: لم يبق أحد- أنا ولا غيري- إلا ~~ودخله فشل إلا ما كان من أبي بكر رضي الله عنه. ومن الدليل على أن أبا بكر ~~أشجع من علي رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم عليا ms28 بموته ~~فقال له: ابن ملجم يقتلك» «1»، فكان علي رضي الله عنه إذا لقى ابن ملجم ~~يقول: متى تخضب هذه من هذه يعني لحيته من دم رأسه، فكان إذا دخل الحرب ~~فلاقى الخصم يعلم أن ذاك الخصم لا يقتله فهو معه كأنه نائم على فراشه وأبو ~~بكر رضي الله عنه كان إذا دخل الحرب ولاقى الخصم لا يدري هل يقتل، فمن يدخل ~~الحرب وهو لا يدري هل يقتل أم لا ويقاسي من الكر والفر والجزع والفزع ما ~~يقاسي، يكون كمن يدخل الحرب وهو نائم كأنه على فراشه؛ فدل على أن أبا بكر ~~رضي الله عنه كان أشجع. # ثم يقال لهم: الشجاعة ليس فيها فضل، الدليل عليه لو أن الشجاع تخلف عن ~~الجهاد وجاهد الجبان لكان الفضل للجبان لا للشجاع المتخلف، ثم لو جاهدا ~~جميعا وقلنا الفضل للجبان كان غير بعيد، لأن الجبان يقاسي من المشقة ما لا ~~يقاسيه الشجاع الذي له دربة بالحرب، فإذا قلنا إن الجبان أفضل لما يناله من ~~المشقة في كر وفر يكون غير بعيد، وكذلك القرابة أيضا ليس فيها فضل لأن ~~الإنسان يكسب الفضل بما يفعله بنفسه قال الله عز وجل وأن ليس للإنسان إلا ~~ما سعى (النجم: 39) والقرابة شيء إلى الله عز وجل، ليست مما يكتسب العبد ~~فضلا وغيره، والدليل عليه أن والد النبي صلى الله عليه وسلم ووالدته في ~~النار، فلو أن القرابة تفيد شيئا لأفادتهما، لأنهما أقرب من غيرهما. وقد ~~روى في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال-: لفاطمة- عليها السلام- ~~«إن أردت اللحوق بي فعليك بكثرة السجود» «2» أحالها على العمل لا على النسب ~~والقرابة، ولو أن القرابة ينال بها فضلا لكان العباس أفضل من علي، لأن ~~العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، وعلي ابن عمه والعم أقرب من ابن العم، ~~وعلي أفضل من العباس فدل على PageV01P396 ~~أن الفضل بمعنى آخر ليس بالقرابة، وهو ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم ms29 وآدم من تراب ليس لعربي ~~فضل على عجمي» «1» إن أكرمكم عند الله أتقاكم (الحجرات: من الآية 13). # فإن قيل: علي أعلم من أبي بكر رضي الله عنهما لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «أنا مدينة العلم، وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليقصد الباب» ~~«2» يقال لهم: هذا الخبر إما أن يكون علي رواه أو غيره؟ فإن كان غير علي ~~رواه فهذا علم من العلوم قد علمناه من غير الباب وإذا جاز أن يعلم علم من ~~العلوم من غير الباب جاز أن يعلم جميعها أو أكثرها من غير الباب، وإن كان ~~علي قد رواه فهذه شهادته لنفسه وشهادة الرجل لنفسه لا تقبل، فدل على أن ~~الخبر له معنى غير ما ذهبوا إليه وقوله عليه الصلاة والسلام: «أنا مدينة ~~العلم وعلي بابها» «3» لم يرد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وإنما أراد ~~بقوله «علي بابها» أي رفيع بابها وعظيم شأنها كقوله تعالى: هذا صراط علي ~~مستقيم الحجر (41) بقراءة يعقوب الحضرمي، أي رفيع مستقيم، فيكون علي هاهنا ~~بمعنى عال كما قال امرؤ القيس: # مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل # أي من عال، وإذا كان بمعنى عال فلا حجة لهم فيه. # والدليل على أن أبا بكر رضي الله عنه أعلم وأفضل قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «يؤمكم أعلمكم وأفضلكم» «4». # ثم لما وقع صلى الله عليه وسلم في النزع وحضر وقت الصلاة قال: «مروا أبا ~~بكر فليصل بالناس» «5» يقول علي رضي الله عنه: كنت حاضرا بين يدي النبي صلى ~~الله عليه وسلم وما كنت غائبا فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس وتركني، ~~رضينا لدنيانا ما رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا. PageV01P397 # فإن قيل علي أولى بالخلافة من أبي بكر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت ~~مني بمنزلة هارون من موسى» «1» يقال لهم هذا الخبر أيضا لا حجة لكم فيه ~~لأنه إن أراد بقوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى أنت أخي، كما أن هارون ~~أخو موسى، فهذا ms30 لا يصح؛ لأن عليا كان ابن عمه لم يكن أخاه، فإن أراد به أنك ~~الخليفة بعدي كما أن هارون كان الخليفة بعد موسى عليهما الصلاة والسلام ~~فهذا فاسد أيضا، لأن هارون مات قبل موسى، فلم يكن الخليفة بعده، فلو كان ~~المراد به الخلافة لقال منزلتك منى منزلة يوشع بن نون، لأن الخليفة بعد ~~موسى كان يوشع بن نون، فدل على أن الخبر له معنى غير ما ذهبوا إليه، وذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بعض الغزوات، واستخلف عليا في أهله، ~~فقال المنافقون إنما خلفه ... ، فلحق علي رضي الله عنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال: إن المنافقين قالوا كيت وكيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~كذبوا، خلفتك كما خلف موسى هارون، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من ~~موسى، لأن موسى لما توجه لميقات ربه استخلف هارون في قومه، وإذا كان المراد ~~به الخلافة في حال الحياة، فهذا لا حجة لهم فيه، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يستخلف على أهله في كل غزوة يغزوها رجلا من أصحابه، كابن أم ~~مكتوم، وغيره. # فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه فعلى مولاه، ~~يريد من كنت أولى به فعلى أولى به، يقال لهم مولى هاهنا بمعنى الناصر، أي ~~من كنت ناصره فعلى ناصره، قال الله عز وجل: وإن تظاهرا عليه فإن الله هو ~~مولاه وجبريل وصالح المؤمنين (التحريم: من الآية 4) أي ناصره، وقال الشاعر: ~~إذا ذل مولى المرء فهو ذليل أي إذا ذل ناصره، وإذا كان المراد به من كنت ~~ناصره فعلى ناصره فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ناصرا لأبي بكر رضي ~~الله عنه، ولم يكن خاذلا له: بل كان كل واحد منهما ناصرا لصاحبه، ومؤنسا له ~~قال الله عز وجل: إلا تنصروه فقد نصره الله (التوبة: من الآية 40) وعلي بن ~~أبي طالب رضوان الله عليه قد كان ناصرا له أيضا، فإن أبا بكر رضي الله عنه ~~لما قال: ms31 أقيلوني أقيلوني لم يقم غير علي رضي الله عنه فقال: والله ما ~~نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن الذي يؤخرك، ~~رضيك لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟ وجاهد بين يديه وتسرى بالحنفية في أيامه، ~~وولدت له محمد بن الحنفية، ولم يظهر غير الموافقة، والنصرة. # فإن قيل: لو كان أهلا للخلافة لما قال أقيلوني أقيلوني، لأن الإنسان لا يستقيل PageV01P398 ~~من الشيء إلا إذا لم يكن أهلا له، يقال لهم: أقيلوني يدل على زهده وورعه، ~~وخوفه من الزلل في أمر الأمة، يطلب الاستقالة لأجل ذلك، ولأنه سمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم «يلعن إماما أم قوما وهم له كارهون» «1» فخشى أبو بكر ~~رضي الله عنه أن يكون فيمن ولى عليهم من هو كاره له، فقال: أقيلوني ~~أقيلوني، فلما أجابوه بالقبول والاستبشار، ولم ينكر عليه منكر خف عنه بعض ~~ما توهم من كراهة كاره، وهذا روى أنه رأى جبلا فقال للجبل: لو كان بك مثل ~~ما بي لتقطعت. ولأن كل إنسان يطالب بأمر نفسه، والإمام يطالب بأمر نفسه ~~الأمة، فطلب الاستقالة لأجل ذلك. # وقد روى في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ولى على ~~المسلمين رجلا وهو يعلم أن في المسلمين من هو خير منه، فقد خان الله ~~ورسوله» «2»، فلو كان في الصحابة من هو أفضل من أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه، لما أجمعوا على خلافته؛ لأن ذلك يؤدي إلى خيانة الله ورسوله، والأمة ~~لا تجتمع على ضلالة، للخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ومن ~~الدليل على أن أبا بكر رضي الله عنه أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قوله عليه الصلاة والسلام: «ما طلعت الشمس ولا غربت على رجل بعد ~~النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر رضي الله عنه» «3». وهذا صريح كما ترى. # فإن قيل أخبرونا بما جرى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، مع من كان ~~منهما؟. # يقال لهم: اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: ms32 الحق كان مع على لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم «علي على حق، والحق معه حيث دار» «4» ومنهم من قال: كل ~~واحد منهما كان مجتهدا مصيبا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مجتهد ~~مصيب» «5» وأنهما لم يختلفا في الفروع كاختلاف الشافعي رضي الله عنه وأبي ~~حنيفة والناس في ذلك على قولين: فمنهم من PageV01P399 ~~يقول إن الحق في جهة، وإن المخالف في تلك مخطئ له أجر لا أنه خطأ يؤدي إلى ~~كفره، ولا فسقه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام «من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن ~~اجتهد فأخطأ فله أجر» «1»، ومنهم من يقول كل منهما مصيب للخير، وحملوا أمر ~~معاوية وعلي رضي الله عنهما على ذلك، وذلك أن عثمان بن عفان رضى الله عنه ~~كان الخليفة، وهو ابن عم معاوية، فقتل مظلوما، وولى بعده الخلافة علي رضي ~~الله عنه فجاء معاوية وطالبه بدمه، فقال علي رضي الله عنه: من قتل عثمان؟ ~~فقام الخلفاء كلهم فأدى اجتهادهم إلى تركهم ذلك اليوم؛ لأنه لا يمكنه قتل ~~جميعهم، وخشى على نفسه أيضا أن يقتلوه، كما قتلوا عثمان رضي الله عنه، فلما ~~تركهم ظن معاوية وأصحابه أنهم قد تركوا شرطا من شروط الإمامة، وبطلت ~~إمامته؛ لأن من شروط الإمامة استيفاء الحقوق، فإذا لم يستوف الحقوق، فقد ~~ترك شرطا من شروط الإمامة وبطلت إمامته، والعصر لا بد له من إمام، فعقدوا ~~لمعاوية بهذا الاجتهاد، فكل واحد منهما كان مجتهدا مصيبا، والدليل على أنه ~~لم يجر بينهم ما يؤدي إلى الكفر والفسق، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~كان إذا قاتل الكفار يظهر الفرح والاستبشار، وفي حال قتاله أبو الحسن: كل ~~هذا بيننا؟ إلى الله أشكو عجرى وبجرى أي همومي وأحزاني، يا ليتني مت قبل ~~هذا بعشرين سنة وكان يقول لأصحابه: ألا لا يتبع مول ولا يدفف على جريح. فلو ~~وجد منهم ما يؤدي إلى كفرهم وفسقهم، لما أمر أصحابه بذلك. # وروى أن بعض أصحابه قال له: أكفار هم؟ فقال: لا، هم إخواننا بغوا علينا، ~~قال ms33 الله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله (الحجرات: من ~~الآية 9) فسماهم الله في حال القتال مؤمنين، لم يقل: وإن طائفتان مؤمنة، ~~وكافرة قال عز وجل: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم (الحجرات: من ~~الآية 10)، والصلح لا يكون إلا بعد القتال، وإذا كان إخوة يوسف- مع كونهم ~~أنبياء- والأنبياء أفضل من الصحابة يفعلون بيوسف ما فعلوا- ويوسف أخوهم ~~وشقيقهم- حسدا، فيما يتعلق بأمور الدنيا فمن نزلت درجته عن درجتهم، لا ~~يستبعد منهم ما يجري بينهم من قتال أو غيره فيما يتعلق بأمور الدين، ~~والدليل على أن ما جرى بينهم لم يتعلق بأمور الدنيا، أن عمرو بن العاص كان ~~وزير معاوية، فلما قتل عمار بن ياسر، أمسك عن القتال وتابعه على ذلك خلق ~~كثير، فقال له معاوية: لم لا تقاتل؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P400 ~~يقول لعمار بن ياسر: (تقتلك الفئة الباغية) «1» ونحن قتلناه؛ فدل على أن ~~نحن بغاة. # فقال معاوية: ما نحن قتلناه، قتله من أرسله إلينا يقاتلنا، أما نحن دفعنا ~~عن أنفسنا فقتل، فبلغ ذلك عليا رضي الله عنه، فقال: إن كنت أنا قتلته ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم قاتل حمزة حين أرسله إلى قتال الكفار ولهذا قال ~~بعض أصحابنا إن عليا كان مجتهدا مصيبا فله أجران، ومعاوية كان مجتهدا مخطئا ~~فله أجر «2». # والواجب في ذلك الإمساك عما شجر بينهم، وذكر محاسنهم لما روى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سيجري بين أصحابي هنيهة يغفرها الله لهم ~~لسابقتهم، فإياكم وما شجر بينهم، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد ~~أحدكم ولا نصيفه» «3» وقال عز وجل: والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر ~~لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان (الحشر: من الآية 10) وقال عز وجل: ~~والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان (التوبة: ~~من الآية 100) فأسأل الله PageV01P401 ~~البديع أن يحشرنا في زمرتهم، وأن يغفر لنا ولهم بمحبتهم، ويبغض إلينا من ~~يبغضهم، فقد روى ms34 في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن الله عز وجل ~~إذا علم من عبد أنه يبغض صاحب بدعة غفر الله له وإن قل عمله»، وروى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من انتهر صاحب بدعة ملأ الله قلبه ~~إيمانا وأمنا» «1». # وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من أهان صاحب بدعة أمنه الله من ~~الفزع الأكبر» «2» فليس يبغضهم إلا مشرك كافر لما روى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (يا علي يخرج قوم من ~~قبل المشرق يقال لهم الرافضة فإن أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون) «3». # وعلامة ذلك أنهم يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وحكى أن أبا نواس ~~روئى في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟ # فقال: غفر لي. فقيل له: بم؟ # فقال: بأربعة أبيات قلتها. فقيل له: وما هي؟ قال هي: # إني رضيت أبا حفص وشيعته ... كما رضيت عتيقا صاحب الغار # وقد رضيت عليا قدوة علما ... وما رضيت بقتل الشيخ في الدار # كل الصحابة عندي قدوة علما ... فهل علي بهذا القول من عار # إن كنت تعلم أني لا أحبهم ... إلا بوجهك فأعتقني من النار # فكما أن محبتهم واتباعهم توصل إلي الجنة، وإن كثرت الذنوب، فكذلك بغضهم ~~وترك اتباعهم والاقتداء بهم يكون سببا للخلود في النار، وإن كثرت الطاعة، ~~فمن اعتقد غير ما أشرنا إليه من اعتقاد أهل الحق، المنتمين إلى الإمام أبي ~~الحسن الأشعري رضي الله عنه فهو كافر بتكفيره لهم، لما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: (ما كفر رجل رجلا إلا باء PageV01P402 ~~به أحدهما إن كان كافرا إنه لكما قال، كان مسلما لقد كفر بتكفيره إياه) ~~«1»، فمن كان هذا اعتقاده ودينه، فكيف يسجل المسلم أن يغتابه، فضلا أن ~~يكفره ويلعنه، وهل في هذه الاعتقادات ما يجحده أحد، أو يستمر عليه عالم أو ~~عابد إلا ملحد دهري، أو موهم حشوي بدعي، نعوذ بالله من الخذلان، وسوء ~~التوفيق والحرمان، فليت شعري هذا ms35 الذي ينسب إليهم في أي كتاب وجدوه لهم؟ ~~ومتى سمعوه منهم؟ ومن هذا الذي نقله عنهم؟ فالله عز وجل حسبنا وحسبهم. # فإن قيل: أنتم تقولون هذا في الظاهر، وتعتقدون خلافه في الباطن، يقال ~~لهم: لا فرق بيننا وبينكم، وليس في ذلك لبعضنا من بعض إلا الظاهر، وليس ~~مكتوب بين أعيننا صادق ولا كاذب. فإذا قلتم أنتم تعتقدون في الباطن بخلاف ~~أن الله ثالث ثلاثة، فليس تصديقكم فيما تدعونه، بأولى من تصديقنا. وإذا كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم حال المنافقين، وحملهم على الظاهر، حتى ~~نزل عليه جبريل عليه السلام بقوله عز وجل: إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد ~~إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ~~(المنافقون: 1) لو لم يعلم الرب عز وجل بما هم عليه من الباطن، ما علم ~~وكذلك حال بيت أمها مرضت من الهم والغم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يجيء إلى البيت؟، ويقف على الباب، ويقول كيف تيكم؟ ولا يقول عائشة، لما ثقل ~~قلبه عليها حتى نزل براءتها من السماء فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يحمل هذه الأمور على ظاهرها، ولو لم يعلمه الرب عز وجل باطنها، لما علم ~~فكيف من نزلت درجته عن درجته؟ ونحن اليوم، النبي ليس هو عندنا، وجبريل لا ~~ينزل علينا، فليس لبعضنا من بعض إلا الظاهر، والدليل عليه لو أن يهوديا أو ~~نصرانيا جاء وأسلم، حكم بإسلامه ولم يكن لقائل أن يقول له: أنت في الباطن ~~بخلاف ما أظهرت من الإسلام، فإذا كان اليهودى والنصراني الذي قد تحقق منه ~~الكفر، إذا أظهر الإسلام يحمل منه على الظاهر ويقبل منه، فمن لم يتحقق منه ~~إلا الإيمان في عمره كله أولى وأحرى أن لا يكفر بالظن. # فإن قيل: كل دين مكتوب دين مشئوم، ولو أن ما تعتقدونه حق لأظهر تموه. # يقال لهم هذا يتعلق به من لا عقل له ولا علم؛ فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما كان في دار الخيزران ومعه ذلك النفر ms36 القليل، لا يقدرون أن يظهروا ~~ما هم عليه من الإسلام، لا يدل ذلك أنهم على الباطل، بل هم على الحق، بل ~~يدل على ضعفهم وقلتهم، وقوة أهل الباطل وكثرتهم، وقد روي في الخبر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بدأ الإسلام غريبا PageV01P403 ~~وسيعود كما بدأ» «1»، وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا تقوم ~~الساعة إلا على أشرار أمتي» «2» فإظهارهم لما هم عليه من التشبيه، ولغة ~~المسلمين وتكفيرهم، لا يدل أنهم على الحق، كما أن كثرة الروافض وإظهارهم ~~لما هم عليه وسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بلاد الشام وغيرها، ~~وسكوت أهل السنة عنهم، لا يدل أنهم على الحق وأن أهل السنة على الباطل بل ~~يدل على ذلك بجهل اقتراب الساعة وتصديق النبي صلى الله عليه وسلم، فيما ~~أخبر به من قوله صلى الله عليه وسلم بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ، ~~وقوله: «لا تقوم الساعة إلا على أشرار أمتي» «3» ومن شرهم لعنهم لأهل الحق ~~وغيبتهم لهم، وتقبيح اسمهم عند العامة، وتلقيبهم لهم بالأشعرية، وقد روي في ~~الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا لعن الريح فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم «لا تلعنها فإنها مأمورة»، وإن من لعن شيئا ليس له بأهل ~~رجعت اللعنه عليه. وروي في الخبر: «أن رجلا يعطى كتابا يوم القيامة، فلا ~~يرى فيه حسنة، فيقول يا رب أين صلاتي، وصيامي، فيقال ذهب عملك كله باغتيابك ~~للناس» «4»، قال الله عز وجل: ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد ~~الإيمان (الحجرات: من الآية 11)، وأما تلقيبهم لهم بالأشعرية،؟ فإن هذه ~~التسمية لا توجب تكفيرهم، ولا لعنهم، فإنه اسم قبيلة من قبائل العرب، كقيس ~~وفزارة وسليم، وقد روي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«الأزد والأشاعرة هم مني وأنا منهم طيبة أفواههم لا يغلون، ولا يجبنون» «5» ~~وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «يقدم عليكم أقوام هم أرق منكم ~~قلوبا» «6»، فقدم الأشعريون فيهم أبو موسى الأشعري، فلما ms37 اقتربوا من ~~المدينة كانوا يرتجزون، ويقولون: وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل ~~عليه قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه (المائدة: من الآية 54) بقوم يحبهم ويحبونه. فقال ~~بقضيبه الممشوق في ظهر أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: هم قومك PageV01P404 ~~يا أبا موسى أهل اليمن. ومعلوم بأدلة العقول أنه لم يظهر أحد من أولاد أبي ~~موسى الأشعري إلا رد على جميع المبتدعة من المعتزلة والرافضة والمشبهة، ~~وأبطل شبههم وما هم عليه غير الإمام أبي الحسن الأشعري، فأنبأ النبي صلى ~~الله عليه وسلم به في الغيب، كما أنبأ عن الإمام الشافعي رضي الله عنه ~~بقوله: «لا تسبوا قريشا فإن الله عز وجل يظهر فيهم رجلا يملأ الأرض علما» ~~«1». وروي فإن عالمها يملأ الأرض علما. واتفق العلماء كلهم على أنه الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه، لأنه لم يكن في الأئمة قرشي غير الشافعي رضي الله ~~عنه، فأنبأ في الغيب كما أنبأ عن الإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه، ~~فمن كان في الفروع على مذهب الشافعي، وفي الأصول على اعتقاد الأشعري، فهو ~~معلم الطريق وهو على الحق المبين كما أنشد بعض الأصحاب. # فأما قول الجهلة: نحن شافعية الفروع، حنبلية الأصول، فلم يعتد به لأن ~~الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، لم يصنف كتابا في الأصول، ولم ينقل عنه ~~في ذلك شيء أكثر من صبره على الضرب والحسن حين دعته المعتزلة إلى الموافقة ~~بخلق القرآن، فلم يوافق، ودعي إلى المناظر، والاقتداء بمن صنف في ذلك، ~~وتكلم المبتدعة بالأدلة القاطعة والحجج الباهرة، أولى وأحرى، وإذا كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم مع جلالة قدره، وعلم منزلته، وإظهاره المعجزات ~~والدلائل والآيات لم يخل من عدو منافق، وحاسد فاسق ينسب إليه ما ليس هو ~~عليه وأصحابه المقطوع لهم بالجنة، فكذلك فيمن نزلت درجتهم أولى وأحرى أن لا ~~يسلم من ذلك. ينبغي للعاقل المكلف إذا سمع عن هذه الطائفة- أعني الأشعرية- ~~ما ينفر قلبه عنهم، ms38 أن لا يبادر بالتصديق لذلك، فليس تصديق من يصدقه أولى ~~من تصديقهم في إنكارهم فيما ينسب إليهم من خلق القرآن وغيره، ولأن المسلم ~~لا يجوز له أن يكفر المسلم بالتقليد من غير نص في حاله، ولا تثبت في أمره، ~~قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتثبتوا- بقراءة ~~من قرأ- أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين). فمن كان ~~مقصوده معرفة ما أهل الحق عليه، والرجوع عن تكفيرهم ولعنهم، فليدبر ما أشرت ~~إليه يصل إلى مقصوده. # والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا إلى يوم الدين، والله الموفق وعليه التكلان وبه المستعان. PageV01P405 ms39