######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008536 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 476 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: اللمع في أصول الفقه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008536 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8536 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8536 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الطبعة الثانية 2003 م - 1424 هـ. #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # ... # خطبة الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم # اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # الحمد لله كما هو أهله وصلواته على محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين. # سألني بعض إخواني أن أصنف له مختصرا في المذهب في أصول الفقه، ليكون ذلك ~~مضافا إلى ما عملت من التبصرة في الخلاف، فأجبته إلى ذلك إيجابا لمسألته ~~وقضاء لحقه وأشرت فيه إلى ذكر الخلاف وما لا بد منه من الدليل فربما وقع ~~ذلك إلى من ليس عنده ما عملت من الخلاف وإلى الله تعالى أرغب أن يوفقني ~~للصواب ويجزل لي الأجر والثواب إنه كريم وهاب. # ولما كان الغرض بهذا الكتاب أصول الفقه وجب بيان العلم والظن وما يتصل ~~بهما، لأن بهما يدرك جميع ما يتعلق بالفقه، ثم نذكر النظر والدليل وما يتصل ~~بهما، لأن بذلك يحصل العلم والظن، ثم نبين الفقه وأصول الفقه إن شاء الله ~~عز وجل. # باب بيان العلم والظن # ونقدم على ذلك بيان الحد لأن به يعرف حقيقة كل ما نريد ذكره، والحد هو ~~عبارة على المقصود بما يحصره ويحيط به إحاطة تمنع أن يدخل فيه ما ليس منه ~~أو يخرج منه ما هو منه ومن حكم الحد أن يطرد وينعكس فيوجد المحدود بوجوده ~~وينعدم بعدمه. # PageV01P003 # فصل # فأما العلم فهو معرفة المعلوم على ما هو عليه. وقالت المعتزلة: هو اعتقاد ~~الشيء على ما هو به مع سكون النفس إليه وهذا غير صحيح لأن هذا يبطل باعتقاد ~~العاصي فيما يعتقده فإن هذا المعنى موجود فيه وليس ذلك بعلم. # فصل # والعلم ضربان: قديم ومحدث. فالقديم علم الله عز وجل وهو متعلق بجميع ~~المعلومات ولا يوصف ذلك بأنه ضروري ولا مكتسب، والمحدث علم الخلق وقد يكون ~~ذلك ضروريا وقد يكون مكتسبا، فالضروري كل علم لزم المخلوق على وجه لا يمكنه ~~دفعه عن نفسه بشك ولا شبهة وذلك كالعلم الحاصل عن الحواس الخمس التي هي ~~السمع والبصر والشم والذوق واللمس والعلم بما تواترت به الأخبار من ذكر ~~الأمم السالفة والبلاد النائية وما ms001 يحصل في النفس من العلم بحال نفسه من ~~الصحة والسقم والغم والفرح وما يعلمه من غيره من النشاط والفرح والغم ~~والترح وخجل الخجل ووجل الوجل وما أشبهه مما يضطر إلى معرفته، والمكتسب كل ~~علم يقع على نظر واستدلال كالعلم بحدوث العالم وإثبات الصانع وصدق الرسل ~~ووجوب الصلاة وأعدادها ووجوب الزكاة ونصبها وغير ذلك مما يعلم بالنظر ~~والاستدلال. # فصل # وحد الجهل تصور المعلوم على خلاف ما هو به، والظن تجويز أمرين أحدهما ~~أظهر من الآخر كاعتقاد الإنسان فيما يخبر به الثقة أنه على ما أخبر به وإن ~~جاز أن يكون بخلافه وظن الإنسان في الغيم المشف الثخين أنه يجيء منه المطر ~~وإن جوز أن ينقشع عن غير مطر واعتقاد المجتهدين فيما يفتون به في مسائل ~~الخلاف وإن جوزوا أن يكون الأمر بخلاف ذلك وغير ذلك مما لا يقطع به. # فصل # والشك تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر كشك الإنسان في الغيم # PageV01P004 # غير المشف أنه يكون منه مطر أم لا وشك المجتهد فيما لم يقطع به من ~~الأقوال وغير ذلك من الأمور التي لا يغلب فيها أحد التجوزين على الآخر. # باب النظر والدليل # والنظر هو الفكر في حال المنظور فيه وهو طريق إلى معرفة الأحكام إذا وجد ~~بشروطه، ومن الناس من أنكر النظر وهذا خطأ لأن العلم يحصل بالحكم عند وجوده ~~فدل على أنه طريق له. # فصل # وأما شروطه فأشياء. أحدها: أن يكون الناظر كامل الآلة على ما نذكره في ~~باب المفتي إن شاء الله تعالى. والثاني: أن يكون نظره في دليل لا في شبهة. ~~والثالث: أن يستوفي الدليل ويرتبه على حقه فيقدم ما يجب تقديمه ويؤخر ما ~~يجب تأخيره. # فصل # وأما الدليل فهو المرشد إلى المطلوب ولا فرق في ذلك بين ما يقع به من ~~الأحكام وبين مالا يقع به. وقال أكثر المتكلمين: لا يستعمل الدليل إلا فيما ~~يؤدي إلى العلم، فأما فيما يؤدي إلى الظن فلا يقال له دليل وإنما يقال له ~~أمارة وهذا خطأ لأن العرب لا تفرق ms002 في تسمية بين ما يؤدي إلى العلم أو الظن ~~فلم يكن لهذا الفرق وجه. # وأما الدال فهو الناصب للدليل وهو الله عز وجل، وقيل: هو والدليل واحد ~~كالعالم والعليم وإن كان أحدهما أبلغ والمستدل هو الطالب للدليل ويقع على ~~السائل لأنه يطلب الدليل من المسؤول وعلى المسؤول لأنه يطلب الدليل من ~~الأصول. والمستدل عليه هو الحكم الذي هو التحريم والتحليل. والمستدل له يقع ~~على الحكم لأن الدليل يطلب له ويقع على السائل لأن الدليل يطلب له، ~~والاستدلال هو طلب الدليل وقد يكون ذلك من السائل للمسؤول وقد يكون من ~~المسؤول في الأصول. # PageV01P005 # باب بيان الفقه وأصول الفقه # والفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، والأحكام الشرعية ~~وهي الواجب والمندوب، والمباح والمحظور، والمكروه؛ والصحيح والباطل. ~~فالواجب ما تعلق العقاب بتركة كالصلوات الخمس والزكاوات ورد الودائع ~~والمغصوب وغير ذلك. والمندوب ما يتعلق الثواب بفعله ولا يتعلق العقاب بتركه ~~كصلوات النفل وصدقات التطوع وغير ذلك من القرب المستحبة. والمباح ما لا ~~ثواب بفعله ولا عقاب في تركه كأكل الطيب ولبس الناعم والنوم والمشي وغير ~~ذلك من المباحات. والمحظور ما تعلق العقاب بفعله كالزنا وللواط والغصب ~~والسرقة وغير ذلك من المعاصي. والمكروه ما تركه افضل من فعله كالصلاة مع ~~الالتفات والصلاة في أعطان الإبل واشتمال الصماء وغير ذلك مما نهى عنه على ~~وجه التنزيه. والصحيح ما تعلق به النفوذ وحصل به المقصود كالصلوات الجائزة ~~والبيوع الماضية. والباطل ما لا يتعلق به النفوذ ولا يحصل به المقصود ~~كالصلاة بغير طهارة وبيع ما لا يملك غير ذلك مما لا يعتد به من الأمور ~~الفاسدة. # فصل # وأما أصول الفقه فهي الأدلة التي يبنى عليها الفقه وما يتوصل بها إلى ~~الأدلة على سبيل الإجمال. والأدلة هاهنا خطاب الله عز وجل، وخطاب رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وأفعاله وإقراره، وإجماع الأمة والقياس والبقاء على حكم ~~الأصل عند عدم هذه الأدلة، وفتيا العالم في حق العامة، وما يتوصل به إلى ~~الأدلة فهو الكلام على تفصيل هذه الأدلة ووجهها وترتيب بعضها ms003 على بعض. # وأول ما يبدأ به الكلام على خطاب الله عز وجل وخطاب رسوله صلى الله عليه ~~وسلم لأنهما أصل لما سواهما من الأدلة ويدخل في ذلك أقسام الكلام والحقيقة ~~والمجاز والأمر والنهي والعموم والخصوص المجمل والمبين والمفهوم والمؤول ~~والناسخ والمنسوخ ثم الكلام في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P006 # وإقراره لأنهما يجريان مجرى أقواله في البيان، ثم الكلام في الأخبار ~~لأنها طريق إلى معرفة ما ذكرناه من الأقوال والأفعال ثم الكلام في الإجماع ~~لأنه ثبت كونه دليلا بخطاب الله عز وجل وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وعنهما ينعقد، ثم الكلام في القياس لأنه ثبت كونه دليلا بما ذكر من الأدلة ~~واليها يستند، ثم نذكر حكم الأشياء في الأصل لأن المجتهد إنما يفزع إليه ~~عند عدم هذه الأدلة ثم نذكر فتيا العالم وصفة المفتي والمستفتي لأنه إنما ~~يصير طريقا للحكم بعد العلم بما ذكرناه ثم نذكر الاجتهاد وما يتعلق به إن ~~شاء الله تعالى. # باب أقسام الكلام # جميع ما يتلفظ به من الكلام ضربان: مهمل ومستعمل، فالمهل: ما لم يوضع ~~للإفادة والمستعمل ما وضع للإفادة وذلك ضربان: أحدهما ما يفيد معنى فيما ~~وضع له وهي الألقاب كزيد وعمرو وما أشبهه. والثاني ما يفيد معنى فيما وضع ~~له ولغيره وذلك ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف على ما يسميه أهل النحو، فالاسم ~~كل كلمة دلت على معنى في نفسها مجرد عن زمان مخصوص كالرجل والفرس والحمار ~~وغير ذلك، والفعل كل كلمة دلت على معنى في نفسها مقترن بزمان كقولك ضرب ~~ويقوم وما أشبهه، والحرف ما لا يدل على معنى في نفسه ودل على معنى في غيره ~~كمن وإلى وعلى وأمثاله وأقل كلام مفيد ما بني من أسمين كقولك زيد قائم ~~وعمرو أخوك أو ما بني من اسم وفعل كقولك خرج زيد ويقوم عمرو: وأما ما بني ~~من فعلين أو من حرفين أو من حرف واسم أو حرف وفعل فلا يفيد إلا أن يقدر فيه ~~شيء مما ذكرناه كقولك يا زيد ms004 فإن معناه أدعو زيدا. # باب في الحقيقة والمجاز # والكلام المفيد ينقسم إلى حقيقة ومجاز وقد وردت اللغة بالجميع ونزل به ~~القرآن ومن الناس من أنكر المجاز في اللغة. وقال ابن داود: ليس في القرآن ~~مجاز وهذا خطأ لقوله تعالى: {جدارا يريد أن ينقض فأقامه} 1 ونحن نعلم ضرورة ~~أنه PageV01P007 # لا إرادة للجدار وقال تعالى: {واسأل القرية} 1ونحن نعلم ضرورة أن القرية ~~لا تخاطب فدل على أنه مجاز. # فأما الحقيقة فهي الأصل وحدها: كل لفظ يستعمل فيما وضع له من غير نقل ~~وقيل ما استعمل فيما اصطلح على التخاطب به، وقد يكون للحقيقة مجاز كالبحر ~~حقيقة للماء المجتمع الكثير ومجاز في الفرس الجواد والرجل العالم فإذا ورد ~~اللفظ حمل على الحقيقة بإطلاقه ولا يحمل على المجاز إلا بدليل وقد لا يكون ~~له مجاز وهو أكثر اللغات فيحمل على ما وضع له. # وأما المجاز فحده ما نقل عما وضع له وقل التخاطب به وقد يكون ذلك بزيادة ~~ونقصان وتقديم وتأخير واستعارة فالزيادة كقوله عز وجل: {ليس كمثله شيء} ~~2.والمعنى ليس مثله شيء والكاف زائدة والنقصان كقوله تعالى: {واسأل القرية} ~~والمراد أهل القرية فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والتقديم والتأخير ~~كقوله عز وجل: {والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى} 3. والمراد أخرج المرعى ~~أحوى فجعله غثاء فقدم وأخر والاستعارة كقوله تعالى {جدارا يريد أن ينقض} 4 ~~فاستعار فيه لفظ الإرادة وما من مجاز إلا وله حقيقة لأنا قد بينا أن المجاز ~~ما نقل عما وضع له وما وضع له هو الحقيقة. # فصل: # ويعرف المجاز من الحقيقة بوجوه من أن يصرحوا بأنه مجاز وقد بين أهل اللغة ~~ذلك وصنف أبو عبيدة كتاب المجاز في القرآن وبين جميع ما فيه من المجاز، ~~ومنها أن يستعمل اللفظ فيما لا يسبق إلى الفهم عند سماعه كقولهم في البليد ~~حمار والأبله تيس ومنها أن يوصف الشيء ويسمى بما يستحيل وجوده كقوله {واسأل ~~القرية} 5 ومنها أن لا يجري ولا يطرد كقولهم في الرجل PageV01P008 # الثقيل جبل ثم لا يقال ms005 ذلك في غيره وفي الطويل نخلة ثم لا يقال ذلك في ~~غير الآدمي، ومنها أن لا يتصرف فيما استعمل فيه كتصرفه فيما وضع له حقيقة ~~كالأمر في معنى الفعل لا تقول فيه أمر يأمر كما تقول في الأمر بمعنى القول. # باب بيان الوجوه التي تؤخذ منها الأسماء واللغات # اعلم أن الأسماء واللغات تؤخذ من أربع جهات من اللغة والعرف والشرع ~~والقياس. فأما اللغة فما تخاطب به العرب من اللغات وهي على ضربين، فمنها ما ~~يفيد معنى واحدا فيحمل على ما وضع له اللفظ كالرجل والفرس والتمر والبر ~~وغير ذلك، ومنه ما يفيد معاني وهو على ضربين. # أحدهما: ما يفيد معاني متفقة كاللون يتناول البياض والسواد وسائر الألوان ~~والمشرك يتناول اليهودي والنصراني فيحمل على جميع ما يتناوله أما على سبيل ~~الجمع إن كان اللفظ يقتضي الجمع أو على كل واحد منه على سبيل البدل إن لم ~~يقتض اللفظ الجمع إلا أن يدل الدليل على أن المراد شيء بعينه فيحمل على ما ~~دل عليه الدليل. # والثاني: ما يفيد معاني مختلفة كالبيضة تقع على الخوذة وبيض الدجاجة ~~والنعامة، والقرء يقع على الحيض والطهر فإن دل الدليل على أن المراد به ~~واحد منهما بعينه حمل عليه وأن دل الدليل على أن المراد به، أحدهما ولم ~~يعين لم يحمل على واحد منهما إلا بدليل إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر وإن ~~لم يدل الدليل على واحد منهما حمل عليهما وقال أصحاب أبي حنيفة وبعض ~~المعتزلة لا يجوز حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين والدليل على جواز ~~ذلك انه لا تنافي بين المعنيين واللفظ يحتملهما فوجب الحمل عليهما كما قلنا ~~في القسم الذي قبله. # فصل # وأما العرف: فهو ما غلب الاستعمال فيه على ما وضع له في اللغة بحيث إذا ~~أطلق سبق الفهم إلى ما غلب عليه دون ما وضع له كالدابة وضع في # PageV01P009 # الأصل لكل ما دب ثم غلب عليه الاستعمال في الفرس، والغائط وضع في الأصل ~~للموضع المطمئن من الأرض ثم غلب عليه الاستعمال ms006 فيما يخرج من الإنسان فيصير ~~حقيقة فيما غلب عليه فإذا أطلق حمل على ما يثبت له من العرف. # فصل # وأما الشرع فهو ما غلب الشرع فيه على ما وضع له اللفظ في اللغة بحيث إذا ~~أطلق لم يفهم منه إلا ما غلب عليه الشرع كالصلاة اسم للدعاء في اللغة ثم ~~جعل في الشرع اسما لهذه المعروفة. والحج اسم للقصد ثم نقل في الشرع إلى هذه ~~الأفعال فصار حقيقة فيما غلب عليه الشرع فإذا أطلق حمل على ما يثبت له من ~~عرف الشرع، ومن أصحابنا من قال ليس في الأسماء شيء منقول إلى الشرع بل كلها ~~مبقاة على موضوعها في اللغة، فالصلاة اسم للدعاء وإنما الركوع والسجود ~~زيادات أضيفت إلى الصلاة وليست من الصلاة كما أضيفت إلى الطهارة وليست منها ~~وكذلك الحج اسم للقصد والطواف والسعي زيادات أضيفت إلى الحج وليست من الحج ~~فإذا أطلق اسم الصلاة حمل على الدعاء وإذا أطلق اسم الحج حمل على القصد وهو ~~قول الأشعرية والأول أصح والدليل عليه أن هذه الأسماء إذا أطلقت في الشرع ~~لم يعقل منها المعاني التي وضعت لها في اللغة فدل على أنها منقولة. # فصل # إذا ورد لفظ قد وضع في اللغة لمعنى وفي العرف لمعنى حمل على ما ثبت له في ~~العرف لأن العرف طارئ على اللغة فكان الحكم له، وإن كان قد وضع في اللغة ~~لمعنى وفي الشرع لمعنى حمل على عرف الشرع لأنه طارئ على اللغة ولأن القصد ~~بيان حكم الشرع فالحمل عليه أولى. # فصل # وأما القياس فهو مثل تسمية اللواط زنا قياسا على وطء النساء وتسمية # PageV01P010 # النبيذ خمرا قياسا على عصير العنب وقد اختلف أصحابنا فيه. فمنهم من قال: ~~يجوز إثبات اللغات والأسماء بالقياس وهو قول أبي العباس وأبي علي بن أبي ~~هريرة ومنهم من قال: لا يجوز ذلك والأول أصح لأن العرب سمت ما كان في ~~زمانها من الأعيان بأسماء ثم انقرضوا وانقرضت تلك الأعيان وأجمع الناس على ~~تسمية أمثالها بتلك الأسماء فدل على أنهم قاسوها ms007 على الأعيان التي سموها. # PageV01P011 ### | الكلام في الأمر والنهي ### | باب القول في بيان الأمر وصيغته # أعلم أن الأمر قول يستدعي به الفعل ممن هو دونه ومن أصحابنا من زاد فيه ~~على سبيل الوجوب فأما الأفعال التي ليست بقول فإنها تسمى أمرا على سبيل ~~المجاز ومن أصحابنا من قال ليس بمجاز قال الشيخ الإمام أيده الله وقد نصرت ~~ذلك في التبصرة والأول أصح لأنه لو كان حقيقة في الفعل كما هو حقيقة في ~~القول لتصرف في الفعل كما تصرف في القول فيقال أمر يأمر كما يقال ذلك إذا ~~أريد به القول. # فصل # وكذلك ما ليس فيه استدعاء كالتهديد مثل قوله عز وجل: {اعملوا ما شئتم} 1 ~~والتعجيز كقوله تعالى: {قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} 2 والإباحة مثل ~~قوله عز وجل: {وإذا حللتم فاصطادوا} 3 # فذلك كله ليس بأمره وقال البلخي من المعتزلة: الإباحة أمر وهذا خطأ لأن ~~الإباحة هي الإذن وذلك لا يسمى أمرا ألا ترى أن العبد إذا استأذن مولاه في ~~الاستراحة وترك الخدمة فأذن له في ذلك لا يقال انه أمره بذلك. ### | 2- # فصل # وكذلك ما كان من النظير للنظير ومن الأدنى للأعلى فليس بأمر وإن ~~PageV01P012 # كان صيغته صيغة أمر وذلك كقول العبد لربه اغفر لي وارحمني فإن ذلك مسألة ~~ورغبة. # فصل # وأما الاستدعاء على وجه الندب فليس بأمر حقيقة ومن أصحابنا من قال هو أمر ~~حقيقة والدليل على أنه ليس بأمر قوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على ~~أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". ومعلوم أن السواك عند كل صلاة مندوب ~~إليه وقد أخبر أنه لم يأمر به فدل على أن المندوب إليه غير مأمور به. # فصل # للأمر صيغة موضوعة في اللغة تقتضي الفعل وهو قوله افعل وقالت الأشعرية: ~~ليست للأمر صيغة والدليل على أن له صيغة أن أهل اللسان قسموا الكلام فقالوا ~~في جملتها أمر ونهي فالأمر قولك افعل والنهي قولك لا تفعل فجعلوا قوله افعل ~~بمجرده أمرا فدل على أن له صيغة. # PageV01P013 ### | باب ما يقتضي ms008 الأمر من الإيجاب # إذا تجردت صيغة الأمر اقتضت الوجوب في قول أكثر أصحابنا ثم اختلف هؤلاء ~~فمنهم من قال يقتضي الوجوب بوضع اللغة ومنهم من قال يقتضي الوجوب بالشرع ~~ومن أصحابنا من قال يقتضي الندب. وقال بعض الأشعرية لا يقتضي الوجوب ولا ~~غيره إلا بدليل وقالت المعتزلة الأمر يقتضي إرادة الفعل فإن كان ذلك من ~~حكيم اقتضت الندب وإن كان من غيره لم يقتض أكثر من الإرادة، والدليل على ~~أنها تقتضي الوجوب قوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة". فدل على أنه لو أمر لوجب ولو شق ولأن السيد من العرب ~~إذا قال لعبده اسقني ماء فلم يسقه استحق الذم والتوبيخ فلو لم يقتض الوجوب ~~لما استحق الذم عليه. # فصل # سواء وردت هذه الصيغة ابتداء أو وردت بعد الحظر فإنها تقتضي # PageV01P013 # الوجوب. وقال بعض أصحابنا: إذا وردت بعد الحظر اقتضت الإباحة والدليل على ~~أنها تقتضي الوجوب أن كل لفظ اقتضى الإيجاب إذا لم يتقدمه حظر اقتضى ~~الإيجاب وإن تقدمه حظر كقوله: أوجبت وفرضت. # فصل # إذا دل الدليل على أنه لم يرد بالأمر الوجوب لم يجز الاحتجاج به في ~~الجواز ومن أصحابنا من قال يجوز والأول أظهر لأن الأمر لم يوضع للجواز ~~وإنما وضع للإيجاب والجواز يدخل فيه على سبيل التبع فإذا سقط الوجوب سقط ما ~~دخل فيه على سبيل التبع. # PageV01P014 ### | باب في أن الأمر يقتضي الفعل مرة واحدة أو التكرار # إذا وردت صيغة الأمر لإيجاب فعل وجب العزم على الفعل ويجب تكرار ذلك كلما ~~ذكر الأمر لأنه إذا ذكر ولم يعزم على الفعل صار مصرا على العناد وهذا لا ~~يجوز وأما الفعل المأمور به فإن كان في اللفظ ما يدل على تكراره وجب تكراره ~~وإن كان مطلقا ففيه وجهان. ومن اصحابنا من قال: يجب تكراره على حسب الطاقة ~~ومنهم من قال: لا يجب أكثر من مرة واحدة إلا بدليل يدل على التكرار وهو ~~الصحيح، والدليل على أن إطلاق الفعل يقتضي ما يقع ms009 عليه الاسم ألا ترى أنه ~~لو حلف ليفعلن بر بمرة واحدة فدل على أن الإطلاق لا يقتضي أكثر من ذلك. # فصل # فأما إذا علق الأمر بشرط بأن يقول إذا زالت الشمس فهل يقتضي التكرار إن ~~قلنا إن مطلق الأمر يقتضي التكرار فالمعلق بالشرط مثله؛ وإن قلنا إن مطلقه ~~لا يقتضي التكرار ففي المعلق بالشرط وجهان. ومن أصحابنا من قال: يقتضي ~~التكرار كلما تكرر الشرط ومنهم من قال لا يقتضي وهو الأصح لأن كل ما لا ~~يقتضي التكرار إذا كان مطلقا لم يقتض التكرار إذا # PageV01P014 # كان بالشرط كالطلاق لا فرق بين أن يقول أنت طالق وبين أن يقول إذا زالت ~~الشمس فأنت طالق. # فصل # فأما إذا تكرر الأمر بالفعل الواحد بأن قال: صل ثم قال: صل فإن قلنا إن ~~مطلق الأمر يقتضي التكرار فتكرار الأمر يقتضي التأكيد، وإن قلنا أنه يقتضي ~~الفعل مرة واحدة ففي التكرار وجها: أحدهما أنه تأكيد وهو قول الصيرفي. ~~والثاني: إنه استئناف وهو الصحيح، والدليل عليه أن كل واحد من الأمرين ~~يقتضي إيجاد الفعل عند الانفراد فإذا اجتمعا أوجبا التكرار كما لو كانا ~~فعلين. # PageV01P015 ### | باب في أن الأمر هل يقتضي الفعل على الفور أم لا # إذا ورد الأمر بالفعل مطلقا وجب العزم على الفعل على الفور كما مضى في ~~الباب قبله وهل يقتضي الفعل على الفور بنية على التكرار، فإن قلنا إن الأمر ~~يقتضي التكرار على حسب الاستطاعة وجب على الفور لأن الحالة الأولى داخلة في ~~الاستطاعة فلا يجوز إخلاؤها من الفعل، وإن قلنا إن الأمر يقتضي مرة واحدة ~~فهل يقتضي ذلك على الفور أم لا؟ فيه وجهان لأصحابنا. أحدهما أنه لا يقتضي ~~الفعل على الفور ومن أصحابنا من قال يقتضي ذلك على الفور وهو قول الصيرفي ~~والقاضي أبي حامد والأول أصح لأن قوله أفعل يقتضي إيجاد الفعل من غير تخصيص ~~بالزمان الأول دون الثاني فإذا صار ممتثلا بالفعل في الزمان الأول وجب أن ~~يصير ممتثلا بالفعل في الزمان الثاني. # فصل # فأما إذا ورد الأمر مقيدا بزمان ms010 نظرت فإن كان الزمان يستغرق العبادة ~~كالصوم في شهر رمضان لزمه فعلها على الفور عند دخول الوقت وإن كان الزمان ~~أوسع من قدر العبادة كصلاة الزوال ما بين الظهر إلى أن يصير ظل كل # PageV01P015 # شيء مثله وجب الفعل في أول الوقت وجوبا موسعا، ثم اختلفوا هل يجب العزم ~~في أول الوقت بدلا عن الصلاة فمنهم من لم يوجب ومنهم من أوجب العزم بدلا عن ~~الفعل في أول الوقت. # وقال أبو الحسن الكرخي: يتعلق الوجوب أحد شيئين إما بالفعل أو بأن يضيق ~~الوقت. وقال أكثر أصحاب أبي حنيفة: يتعلق الوجوب بآخر الوقت. واختلف هؤلاء ~~فيمن صلى في أول الوقت، فمنهم من قال أن ذلك نفل فإن جاء آخر الوقت وليس من ~~أهل الوجوب فلا كلام في أن ما فعله كان نفلا وإن كان من أهل الوجوب منع ذلك ~~النفل الذي فعله من توجه الفرض عليه في آخر الوقت، ومنهم من قال فعله في ~~أول الوقت مراعى فإن جاء آخر الوقت وهو من أهل الوجوب علمنا أنه فعل واجبا ~~وإن لم يكن من أهل الوجوب علمنا أنه فعل نفلا والدليل على ما قلناه أن ~~المقتضي للوجوب هو الأمر وقد تناول ذلك أول الوقت بقوله {أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس} 1 فوجب أن يجب في أوله. # فصل # فإن فات الوقت الذي علق عليه العبادة فلم يفعل فهل يجب القضاء أم لا؟ فيه ~~وجهان من أصحابنا من قال يجب ومنهم من قال لا يجب إلا بأمر ثان وهو الأصح ~~لأن ما بعد الوقت لم يتناوله الأمر فلا يجب الفعل فيه كما قبل الوقت. # فصل # إذا أمر بأمر بعبادة في وقت معين في وقت معين ففعلها في ذلك الوقت سمي ~~أداء على سبيل الحقيقة ولا يسمى قضاء إلا مجازا كما قال الله تعالى: {فإذا ~~قضيتم مناسككم} 2 وكما قال: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في PageV01P016 # الأرض} 1 أما إذا دخل فيها فأفسدها أو نسي شرطا من شروطها فأعادها والوقت ~~باق سمي إعادة وأداء وإن فات الوقت ففعلها ms011 بعد فوات الوقت سمي قضاء. ~~PageV01P017 ### | باب الأمر بأشياء على جهة التخيير والترتيب # إذا خير الله تعالى بين أشياء مثل كفارة اليمين خير فيها بين العتق ~~والإطعام والكسوة فالواجب منها واحد غير معين فأيها فعل فقد فعل الواجب وإن ~~فعل الجميع سقط الفرض عنه بواحد منها والباقي تطوع، وقالت المعتزلة: ~~الثلاثة كلها واجبة فإن أرادوا بوجوب الجميع تساوي الجميع في الخطاب فهو ~~وفاق وإنما يحصل الخلاف في العبارة دون المعنى وإن أرادوا بوجوب الجميع أنه ~~مخاطب بفعل الجميع فالدليل على فساده أنه إذا ترك الجميع لم يعاقب على ~~الجميع ولو كان الجميع واجبا لعوقب على الجميع فلما لم يعاقب إلا على واحد ~~دل على أنه هو الواجب. # فصل # فأما إذا أمر بأشياء على الترتيب كالمظاهر أمر بالعتق عند وجود الرقبة ~~وبالصيام عند عدمها بالإطعام عند العجز عن الجميع فالواجب من ذلك واحد معين ~~على حسب حاله فإن كان موسرا ففرضه العتق وإن كان معسرا ففرضه الصيام وإن ~~كان عاجزا ففرضه الإطعام فإن جمع من فرضه العتق بين الجميع سقط الفرض عنه ~~بالعتق وما عداه تطوع وإن جمع من فرضه الصيام بين الجميع ففرضه أحد الأمرين ~~من العتق أو الصيام والإطعام تطوع وإن جمع من فرضه الإطعام بين الجميع ~~ففرضه واحد من الثلاثة كالكفارة المخيرة. # PageV01P018 # مشروطا بذلك الغير كالاستطاعة في الحج والمال في الزكاة لم يكن الأمر ~~بالحج والزكاة أمرا بتحصيل لأن الأمر بالحج لم يتناول من لا استطاعة له وفي ~~الزكاة من لا مال له فلو ألزمناه تحصيل ذلك ليدخل في الأمر لأسقطنا شرط ~~الأمر وهذا لا يجوز وإن كان الأمر مطلقا غير مشروط كان الأمر بالفعل أمرا ~~به وبما لا يتم إلا به وذلك كالطهارة للصلاة الأمر بالصلاة أمر بالطهارة أو ~~كغسل شيء من الرأس لاستيفاء الفرض عن الوجه، فلو لم يلزمه ما يتم به الفعل ~~المأمور به أقسطنا الوجوب في المأمور ولهذا قلنا فيمن نسي صلاة من صلوات ~~اليوم والليلة ولم يعرف عينها أنه يجب عليه قضاء خمس صلوات ms012 لتدخل المنسية ~~فيها. # فصل # وأما إذا أمر بصفة عبادة فإن كانت الصفة واجبة كالطمأنينة في الركوع دل ~~على وجوب الركوع لأنه لا يمكنه أن يأتي بالصفة الواجبة إلا بفعل الموصوف ~~وإن كانت الصفة ندبا كرفع الصوت بالتلبية لم يدل ذلك على وجوب التلبية ومن ~~الناس من قال: تدل على وجوب التلبية وهذا خطأ لأنه قد يندب إلى صفة ما هو ~~واجب وما هو ندب فلم يكن في الندب دليل على وجوب الأصل. # فصل # وإذا أمر بشيء كان ذلك نهيا عن ضده من جهة المعنى فإن كان ذلك الأمر ~~واجبا كان النهي عن ضده على سبيل الوجوب. وإن كان ندبا كان النهي عن ضده ~~على سبيل الندب ومن أصحابنا من قال ليس بنهي عن ضده وهو قول المعتزلة ~~والدليل على ما قلناه انه لا يتوصل إلى فعل المأمور إلا بترك الضد فهو ~~كالطهارة في الصلاة. # فصل # فأما إذا أمر باجتناب شيء ولم يمكنه الاجتناب إلا باجتناب غيره فهذا على ~~ضربين. # PageV01P018 # أحدهما: أن يكون في اجتناب الجميع مشقة فيسقط حكم المحرم فيه فيسقط عنه ~~فرض الاجتناب وهو كما إذا وقع في الماء الكثير نجاسة أو اختلطت أخته بنساء ~~بلد فلا يمنع من الوضوء بالماء ولا من نكاح نساء ذلك البلد. # والثاني: أن لا يكون في اجتناب الجميع مشقة فهذا على ضربين. # أحدهما: أن يكون المحرم مختلطا بالمباح كالنجاسة في الماء القليل ~~والجارية المشتركة بين الرجلين فيجب اجتناب الجميع. # والثاني: أن يكون غير مختلط إلا أنه لا يعرف المباح بعينه فهذا على ~~ضربين: ضرب يجوز فيه التحري وهو كالماء الطاهر إذا اشتبه بالماء النجس ~~فيتحرى "صفحة 10" فيه وضرب لا يجوز فيه التحري وهو الأخت إذا اختلطت ~~بأجنبية والماء إذا اشتبه بالبول فيجب اجتناب الجميع. # PageV01P019 ### | باب إيجاب ما لا يتم المأمور إلا به # إذا أمر بفعل ولم يتم ذلك الفعل إلا بغيره نظرت فإن كان ذلك الأمر # PageV01P017 ### | باب الأمر يدل على إجراء المأمور به # واعلم أنه إذا أمر الله تعالى بفعل لم يخل المأمور ms013 إما أن يفعل المأمور ~~به على الوجه الذي تناوله الأمر أو يزيد على ما تناوله الأمر أو ينقص، فإن ~~فعل على الوجه الذي تناوله الأمر أجزأه ذلك بمجرد الأمر وقال بعض المعتزلة: ~~الأمر لا يدل على الإجزاء بل يحتاج الآخر إلى دليل آخر وهذا خطأ لأنه قد ~~فعل المأمور به على الوجه الذي تناوله الأمر فوجب أن يعود إلى ما كان قبل ~~الأمر. # فصل # فأما إذا زاد على المأمور بأن يأمره بالركوع فيزيد على ما يقع عليه الاسم ~~سقط الفرض عنه بأدنى ما يقع عليه الاسم والزيادة على ذلك تطوع لا يدخل في ~~الأمر وقال بعض الناس: الجميع واجب داخل في الأمر وهذا باطل لأن ما زاد على ~~الاسم يجوز له تركه على الإطلاق فإذا فعله لم يكن واجبا كسائر النوافل. # PageV01P019 # فصل # فأما إذا نقص عن المأمور نظرت فإن نقص منه ما هو شرط في صحته كالصلاة ~~بغير قراءة لم يجزه ولم يدخل في الأمر لأنه لم يأت بالمأمور على الوجه الذي ~~أمر به وإن نقص منه ما ليس بشرط كالتسمية في الطهارة أجزأه في المأمور وهل ~~يدخل ذلك في الأمر الظاهر؟ من قول أصحابنا أنه لا يدخل في الأمر وقال أصحاب ~~أبي حنيفة: يدخل في الأمر وهذا غير صحيح لأن المكروه منهي عنه فلا يجوز أن ~~يدخل في لفظ الأمر كالمحرم. # PageV01P020 ### | باب من يدخل في الأمر ومن لا يدخل فيه # اعلم أن الساهي لا يجوز أن يدخل في الأمر والنهي لأن القصد إلى التقرب ~~بالفعل والترك يتضمن العلم به حتى يصح القصد إليه وهذا يستحيل في حق الناسي ~~ألا ترى أنه لو قيل له: لا تتكلم في صلاتك وأنت ساه لوجب أن يقصد إلى ترك ~~ما يعلم أنه ساه فيه وعلمه بأنه ساه يمنع كونه ساهيا فبطل خطابه على هذه ~~الصفة. # فصل # وكذلك لا يجوز خطاب النائم ولا المجنون ولا السكران لأنه لو جاز خطابهم ~~مع زوال العقل لجاز خطاب البهيمة والطفل في المهد وهذا لا يقوله أحد. # فصل ms014 # وأما المكره فيصح دخوله في الخطاب والتكليف وقالت المعتزلة لا يصح دخوله ~~تحت التكليف وهذا خطأ لأنه لو لم يصح تكليفه لما كلف ترك القتل مع الإكراه ~~ولأنه عالم قاصد إلى ما يفعله فهو كغير المكره. # فصل # وأما الصبي فلا يدخل في خطاب التكليف فإن الشرع قد ورد بإسقاط # PageV01P020 # التكليف عنه وأما إيجاب الحقوق في ماله فيجوز أن يدخل فيه كالزكوات ~~والنفقات فإن التكليف والخطاب في ذلك على وليه دونه. # فصل # وأما العبيد فإنهم يدخلون في الخطاب ومن أصحابنا من قال: لا يدخلون في ~~خطاب الشرع إلا بدليل وهذا خطأ لأن الخطاب يصلح لهم كما يصلح للأحرار. # فصل # وأما الكفار فإنهم يدخلون أيضا في الخطاب ومن أصحابنا من قال لا يدخلون ~~في الشرعيات ومن الناس من قال يدخلون في المنهيات دون المأمورات والدليل ~~على أنهم يدخلون في الجميع قوله عز وجل {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من ~~المصلين} 1 ولو لم يكونوا مخاطبين بالصلاة لما عاقبهم عليها ولأن صلاح ~~الخطاب لهم كصلاحه للمسلمين فكما دخل المسلمون وجب أن يدخل الكفار. # فصل # وأما النساء: فإنهن لا يدخلن في خطاب الرجال وقال أبو بكر بن داود وأصحاب ~~أبي حنيفة يدخلن وهذا خطأ لأن للنساء لفظا مخصوصا كما أن للرجال لفظا ~~مخصوصا فكما لم تدخل الرجال في خطاب النساء لم تدخل النساء في خطاب الرجال. # فصل # وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يدخل في كل خطاب خوطب به الأمة ~~كقوله تعالى {يا أيها الناس} و {يا أيها الذين آمنوا} وغير ذلك لأن صلاح ~~اللفظ له كصلاحه لكل أحد من الأمة فكما دخلت الأمة دخل النبي PageV01P021 # صلى الله عليه وسلم وأما إذا خوطب النبي صلى الله عليه وسلم بخطاب خاص لم ~~يدخل معه غيره إلا بدليل كقوله تعالى: {يا أيها المزمل قم الليل} 1 وقوله: ~~{يا أيها النبي قل لأزواجك} 2 ومن الناس من قال ما ثبت أنه شرع له دخل غيره ~~معه فيه وهذا خطأ لأن الخطاب مقصور عليه ms015 فمن زعم أن غيره يدخل فيه فقد خالف ~~مقتضى الخطاب. # فصل # فأما إذا أمر صلى الله عليه وسلم أمته بشيء لم يدخل هو فيه ومن أصحابنا ~~من قال يدخل فيما يأمر به الأمة وهذا خطأ لأن ما خاطب به الأمة من الخطاب ~~لا يصح له فلا يجوز أن يدخل فيه من غير دليل. # فصل # وأما ما خاطب الله عز وجل به الخلق خطاب المواجهة كقوله تعالى {يا أيها ~~الناس} و {يا أيها الذين آمنوا} فإنه لا يدخل فيه سائر من لم يخلق من جهة ~~الصيغة واللفظ لأن هذا الخطاب لا يصلح إلا لمن هو موجود على الصفة التي متى ~~ذكرها فأما من لم يخلق فلا يصلح له هذا الخطاب وكذلك إذا خاطب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بخطاب لم يدخل غيره فيه من جهة اللفظ لأن الذي خاطبه به ~~لا يتناول غيره وإنما يدخل الغير في حكم ذلك الخطاب بدليل وهو قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "حكمي على واحد حكمي على الجماعة". والقياس وهو أن يوجد ~~المعنى الذي حكم به فيمن حكم عليه في غيره فيقاس عليه. # فصل # إذا ورد الخطاب بلفظ العموم دخل فيه كل من صلح له الخطاب ولا يسقط ذلك ~~الفعل عن بعضهم بفعل البعض إلا فيما ورد الشرع به وقرره أنه PageV01P022 # فرض كفاية كالجهاد وتكفين الميت والصلاة عليه ودفنه فإنه إذا قام به من ~~يقع به الكفاية سقط عن الباقين. # PageV01P023 ### | باب بيان الفرض والواجب والسنة والندب # والواجب والفرض والمكتوبة واحد وهو ما يعلق العقاب بتركه. وقال أصحاب أبي ~~حنيفة الواجب ما ثبت وجوبه بدليل مجتهد فيه كالوتر والأضحية عندهم والفرض ~~ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به كالصلوات الخمس والزكوات المفروضة وما أشبهها ~~وهذا خطأ لأن طريق الأسماء الشرع واللغة والاستعمال وليس في شيء من ذلك فرق ~~بين ما ثبت بدليل مقطوع به أو بطريق مجتهد فيه. # فصل # وأما السنة فما رسم ليحتذي به على سبيل الاستحباب وهي والنفل والندب ~~بمعنى واحد، ومن الناس من قال ms016 السنة ما ترتب كالسنن الراتبة مع الفرائض ~~والنفل والندب ما زاد على ذلك وهذا لا يصح لأن كل ما ورد الشرع باستحبابه ~~فهو سنة سواء كان راتبا أو غير راتب فلا معنى لهذا الفرق. # فصل # إذا قال الصحابي أمر رسول صلى الله عليه وسلم بكذا وجب قبوله ويصير كما ~~لو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت بكذا، وقال داود لا يقبل حتى ~~ينقل لفظه والدليل على ما قلناه هو أن الراوي مصدق فيما يرويه وهو عارف ~~بالأمر والنهي لأنه لغته فوجب أن يقبل كسائر ما يرويه. # فصل # وكذلك إن قال من السنة كذا حمل على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما ~~إذا قال أمر فلان بكذا أو أمرنا أو نهينا ولم يسم الآمر حمل ذلك على الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يحمل على ذلك إلا # PageV01P023 # بدليل وهو قول أبي بكر الصيرفي وهذا غير صحيح لأن الذي يحتج بأمره ونهيه ~~وسنته هو الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا أطلق الصحابي ذلك وجب أن يحمل ~~عليه. # PageV01P024 ### | باب القول في النهي # فصل # النهي يقارب الأمر في أكثر ما ذكرناه إلا أني أشير إليه على جهة الاختصار ~~وأبين ما يخالف الأمر فيه إن شاء الله تعالى وبه الثقة، فأما حقيقته فهو ~~القول الذي يستدعي به ترك الفعل ممن هو دونه ومن أصحابنا من زاد فيه على ~~سبيل الوجوب كما ذكرناه في الأمر. # فصل # وله صيغة تدل عليه في اللغة وهو قوله: لا تفعل وقالت الأشعرية: ليس له ~~صيغة وقد مضى الدليل عليه في الأمر. # فصل # وإذا تجردت صيغته اقتضت التحريم وقالت الأشعرية: لا تقتضي لتحريم ولا ~~غيره إلا بدليل، والدليل على ما قلناه أن السيد من العرب إذا قال لعبده: لا ~~تفعل كذا ففعل استحق الذم والتوبيخ فدل على أنه ينبغي التحريم. # فصل # وإذا تجردت صيغته اقتضت الترك على الدوام وعلى الفور بخلاف الأمر وذلك أن ~~الأمر يقتضي إيجاد الفعل فإذا فعل مرة في أي زمان ms017 فعل سمي ممتثلا وفي النهي ~~لا يسمى منتهيا إلا إذا سارع إلى الترك على الدوام. # فصل # وإذا نهى عن شيء فإن كان له ضد واحد فهو أمر بذلك الضد كالصوم # PageV01P024 # في العيدين وإن كان له أضداد كالزنا فهو أمر بضد من أضداد ه لأنه لا ~~يتوصل إلى ترك المنهي عنه إلا بما ذكرناه. # فصل # وإذا نهى عن أحد شيئين كان ذلك نهيا عن الجمع بينهما ويجوز له فعل أحدهما ~~وقالت المعتزلة: يكون ذلك نهيا عنهما فلا يجوز فعل واحد منهما والدليل على ~~ما قلناه هو أن النهي أمر بالترك كما أن الأمر أمر بالفعل ثم الأمر بفعل ~~أحدهما لا يقتضي وجوبهما فكذلك الأمر بترك أحدهما لا يقتضي وجوب تركهما. # فصل # والنهي يدل على فساد المنهي عنه في قول أكثر أصحابنا كما يدل الأمر على ~~أجزاء المأمور به، ثم اختلف هؤلاء فمنهم من قال: يقتضي الفساد من جهة الوضع ~~في اللغة ومنهم من قال: يقتضي الفساد من جهة الشرع ومن أصحابنا من قال: ~~النهي لا يدل على الفساد وحكي عن الشافعي رحمه الله ما يدل عليه وهو قول ~~طائفة من أصحاب أبي حنيفة وأكثر المتكلمين واختلف القائلون بذلك في الفصل ~~بين ما يفسد وبين ما لا يفسد فقال بعضهم: إن كان في فعل المنهي إخلال بشرط ~~في صحته إن كان عبادة أو في نفوذه إن كان عقد أوجب القضاء بفساده وقال ~~بعضهم إن كان النهي يختص بالفعل المنهي عنه كالصلاة في المكان النجس اقتضى ~~الفساد وإن لم يختص المنهي عنه كالصلاة في الدار المغصوبة لم يقتض الفساد: ~~والدليل على أن النهي يقتضي الفساد على الإطلاق أنه إذا أمر بعبادة مجردة ~~عن النهي ففعل على وجه منهي عنه فإنه لم يأت بالمأمور على الوجه الذي ~~اقتضاه الأمر فوجب أن تبقى العبادة عليه كما كانت. # PageV01P025 ### | باب القول في العموم والخصوص # ذكر حقيقة العموم وبيان مقتضاه # والعموم كل لفظ عم شيئين فصاعدا وقد يكون متناولا لشيئين كقولك عممت زيدا ~~وعمرا بالعطاء وقد يتناول جميع ms018 الجنس كقولك عممت الناس بالعطاء وأقل ما ~~يتناول شيئين وأكثره ما استغرق الجنس. # فصل # وألفاظه أربعة أنواع: # أحدها اسم الجمع إذا عرف بالألف واللام كالمسلمين والمشركين والأبرار ~~والفجار وما أشبه ذلك: وأما المنكر منه كقولك مسلمون ومشركون وأبرار وفجار ~~فلا يقتضي العموم ومن أصحابنا من قال هو للعموم وهو قول أبي علي الجبائي ~~والدليل على فساد ذلك أنه نكرة فلم يقتض الجنس كقولك رجل ومسلم. # فصل # والثاني اسم الجنس إذا عرف بالألف واللام كقولك الرجل والمسلم ومن ~~أصحابنا من قال: هو للعهد دون الجنس والدليل على أنه للجنس قوله عز وجل ~~{والعصر إن الأنسان لفي خسر} 1 والمراد به الجنس ألا ترى أنه استثنى منه ~~الجمع فقال {إلا الذين آمنوا} وتقول العرب: أهلك الناس الدينار والدرهم ~~ويريدون الجنس. # فصل # والثالث: الأسماء المبهمة وذلك من فيمن يعقل وما فيما لا يعقل في ~~الاستفهام والشرط والجزاء تقول في الاستفهام: من عندك وما عندك وفي ~~PageV01P026 # الجزاء تقول من أكرمني أكرمته ومن جاءني رفعته، وأي فيما يعقل وفيما لا ~~يعقل في الاستفهام وفي الشرط والجزاء تقول في الاستفهام أي شيء عندك وفي ~~الشرط والجزاء: أي رجل أكرمني أكرمته وأين وحيث في المكان، ومتى في الزمان ~~تقول اذهب أين شئت وحيث شئت واطلبني متى شئت. # فصل # والرابع: النفي في النكرات تقول: ما عندي شيء ولا رجل في الدار. # فصل # أقل الجمع ثلاثة فإذا ورد لفظ الجمع كقوله: مسلمون ورجال حمل على ثلاثة ~~ومن أصحابنا من قال: هو اثنان وهو قول مالك وابن داود ونفطويه وطائفة من ~~المتكلمين والدليل على ما قلناه أن ابن عباس رضي الله عنهما احتج على عثمان ~~رضي الله عنه في حجب الأم بالأخوين وقال: ليس الأخوان أخوة في لسان قومك ~~فقال عثمان: لا أستطيع أن أنقض أمرا كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في ~~الأمصار فادعى ابن عباس أن الأخوين ليس بأخوة فأقره عثمان كرم الله وجهه ~~على ذلك وإنما اعتذر عنه بالإجماع ولأنهم فرقوا بين الواحد والاثنين والجمع ~~فقالوا: رجل ورجلان ms019 ورجال فلو كان الاثنان جمعا كالثلاثة لما خالفوا بينهما ~~في اللفظ. # فصل # إذا تجردت ألفاظ العموم التي ذكرناها اقتضت العموم واستغراق الجنس ~~والطبقة وقالت الأشعرية: ليس للعموم صيغة موضوعة وهذه الألفاظ تحتمل العموم ~~والخصوص فإذا وردت وجب التوقف فيها حتى يدل الدليل على ما يراد بها من ~~الخصوص والعموم ومن الناس من قال: لا تحمل على العموم في الأخبار وتحمل في ~~الأمر والنهي ومن الناس من قال: تحمل على أقل الجمع ويتوقف فيما زاد ~~والدليل على ما ذكرناه أن العرب فرقت بين الواحد والاثنين والثلاثة فقالوا: ~~رجل ورجلان ورجال كما فرقت بين الأعيان في الأسماء # PageV01P027 # فقالوا: رجل وفرس وحمار فلو كان احتمال لفظ الجمع للواحد والاثنين ~~كاحتماله لما زاد لم يكن لهذا التفريق معنى ولأن العموم مما تدعو الحاجة ~~إلى العبارة عنه في مخاطباتهم فلا بد أن يكونوا قد وضعوا له لفظا يدل عليه ~~كما وضعوا لكل ما يحتاجون إليه من الأعيان فأما من قال أنه يحمل على الثلاث ~~ويتوقف فيما زاد فالدليل عليه أن تناول اللفظ للثلاث ولما زاد عليه واحد ~~فإذا وجب الحمل على الثلاث وجب الحمل على ما زاد. # فصل # ولا فرق في ألفاظ العموم بين ما قصد بها المدح أو الذم أو قصد بها الحكم ~~في الحمل على العموم ومن أصحابنا من قال: أن قصد بها المدح كقوله عز وجل: ~~{والذين هم لفروجهم حافظون} 1 والذم كقوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب ~~والفضة} 2 لم يحمل على العموم وهذا خطأ لأن ذكر المدح والذم يؤكد في الحث ~~عليه والزجر عنه فلا يجوز أن يكون مانعا من العموم. # فصل # وإذا وردت ألفاظ العموم فهل يجب اعتقاد عمومها والعمل بموجبها قبل البحث ~~عما يخصها اختلف أصحابنا فيه فقال أبو بكر الصيرفي: يجب العمل بموجبها ~~واعتقاد عمومها ما لم يعلم ما يخصها وذهب عامة أصحابنا أبو العباس وأبو ~~سعيد الأصطخري وأبو إسحاق المروزي إلى أنه لا يجب اعتقاد عمومها حتى يبحث ~~عن الدلائل فإذا بحث فلم يجد ما يخصها اعتقد ms020 حينئذ عمومها وهو الصحيح ~~والدليل عليه أن المقتضى للعموم وهو الصيغة المتجردة ولا يعلم التجرد إلا ~~بعد النظر والبحث فلا يجوز اعتقاد العموم قبله. PageV01P028 ### | باب بيان ما يصح دعوى العموم فيه وما لا يصح # وجملته أن العموم يصح دعواه في نطق ظاهر يستغرق الجنس بلفظه كالألفاظ ~~التي ذكرناها في الباب الأول وأما الأفعال فلا يصح فيها دعوى # PageV01P028 # العموم لأنها تقع على صفة واحدة فإن عرفت تلك الصفة اختص الحكم بها وإن ~~لم تعرف صار مجملا مما عرف صفته مثل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~جمع بين الصلاتين في السفر فهذا مقصور على ما روي فيه وهو السفر لا يحمل ~~على العموم فيما لم يرد فيه وما لم يعرف مثلما روى أنه جمع بين الصلاتين في ~~السفر فلا يعلم أنه كان في سفر طويل أو سفر قصير إلا أنه معلوم أنه لم يكن ~~إلا في سفر واحد فإذا لم يعلم ذلك بعينه وجب التوقف فيه حتى يعرف ولا يدعى ~~فيه العموم. # فصل # وكذلك القضايا في الأعيان لا يجوز دعوى العموم فيها وذلك مثل أن يروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة للجار وقضى في الإفطار بالكفارة وما ~~أشبه ذلك فلا يجوز دعوى العموم فيها بل يجب التوقف فيه لأنه يجوز أن يكون ~~قضى بالشفعة لجار لصفة يختص بها وقضى بكفارة بإفطار في جماع أو غيره مما ~~يختص به المحكوم له وعليه فلا يجوز أن يحكم على غيره إلا أن يكون في الخبر ~~لفظ يدل على العموم. ومن الناس من قال: إن كان قد روى أنه قضى بكفارة ~~بالإفطار وبالشفعة للجار لم يدع فيه العموم وإن كان قد روى أنه قضى بأن ~~الكفارة في الإفطار وبأن الشفعة للجار تعلق بعمومه لأن ذلك حكاية قول فكأنه ~~قال: الكفارة في الإفطار والشفعة للجار وقال بعضهم: إن روى أنه كان يقضي ~~تعلق بعمومه لأن ذلك للدوام ألا ترى أنه يقال: فلان كان يقري الضيف ويصنع ~~المعروف وقال الله تعالى: # {وكان ms021 يأمر أهله بالصلاة} 1 وأراد التكرار والصحيح أنه لا فرق بين أن ~~يكون بلفظ إن أو غيره لأنه قد يروى لفظة إن في القضاء بمعنى الحكم في القصة ~~المقضي فيها ولا يقتضي الحكم في غيرها ولا فرق أيضا بين أن يقول كان وبين ~~غيره لأنه وإن اقتضى الكرار إلا أنه يجوز أن يكون التكرار على صفة مخصوصة ~~لا يشاركها فيه سائر الصفات. PageV01P029 # فصل # وكذلك المجمل من القول المفتقر إلى إضماره لا يدعى في إضماره العموم وذلك ~~مثل قوله عز وجل: # {الحج أشهر معلومات} 1 فإنه يفتقر إلى إضماره فبعضهم يضمر وقت إحرام الحج ~~أشهر معلومات وبعضهم يضمر وقت أفعال الحج أشهر معلومات فالحمل عليهما لا ~~يجوز بل يحمل على ما يدل الدليل على أنه يراد به لأن العموم من صفات النطق ~~فلا يجوز دعواه في المعاني وعلى هذا من جعل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، ولا نكاح إلا بولي، ولا أحل المسجد لجنب ~~ولا لحائض، ورفع القلم عن ثلاثة". وما أشبهه مجملا منع من دعوى العموم فيه ~~لأنه يجعل المراد معنى غير مذكور ويجوز أن يريد شيئا دون شيء فلا يجوز دعوى ~~العموم فيه ومن الفقهاء من يحمل في مثل هذا على العموم في كل ما يحتمله ~~لأنه أعم فائدة ومنهم من يحمله على الحكم المختلف فيه لأن ما سواه معلوم ~~بالإجماع وهذا كله خطأ لما بيناه من أن الحمل على الجميع لا يجوز وليس هناك ~~لفظ يقتضي العموم ولا يجوز حمله على موضع الخلاف لأن احتماله لموضع الخلاف ~~ولغيره واحد فلا يجوز تخصيصه لموضع الخلاف.. PageV01P030 ### | باب القول في الخصوص # التخصيص تمييز بعض الجملة بالحكم ولهذا نقول خص رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بكذا وخص الغير بكذا. وأما تخصيص العموم فهو بيان ما لم يرد باللفظ ~~العام. # فصل # ويجوز دخول التخصيص في جميع ألفاظ العموم من الأمر والنهي والخبر، ومن ~~الناس من قال: لا يجوز التخصيص في الخبر كما لا يجوز النسخ ms022 وهذا خطأ لأنا ~~قد بينا أن التخصيص ما لم يرد باللفظ العام وهذا يصح في الخبر كما يصح في ~~الأمر والنهي # PageV01P030 # فصل # ويجوز التخصيص إلى أني يبقى من اللفظ العام واحد وقال أبو بكر القفال من ~~أصحابنا: يجوز التخصيص في أسماء الجموع إلى أن يبقى ثلاثة ولا يجوز أكثر ~~منه والدليل على جواز ذلك هو أنه لفظ من ألفاظ العموم فجاز تخصيصه إلى أن ~~يبقى واحد دليله الأسماء المبهمات ك "من" "وما". # فصل # وإذا خص من العموم شيء لم يصر اللفظ مجازا فيما بقي. وقالت المعتزلة: ~~يصير مجازا. وقال الكرخي: إن خص بلفظ متصل كالاستثناء والشرط لم يصر مجازا ~~وإن خص بلفظ منفصل صار مجازا وهو قول القاضي أبي بكر الأشعري فالدليل على ~~المعتزلة خاصة هو أن الأصل في الاستعمال الحقيقة وقد وجدنا الاستثناء ~~والشرط في الاستعمال كغيرهما من أنواع الكلام فدل على أن ذلك حقيقة والدليل ~~على الجميع أن اللفظ تناول كل واحد من الجنس فإذا خرج بعضه بالدليل بقي ~~الباقي على ما اقتضاه اللفظ وتناوله فكان حقيقة فيه. # PageV01P031 ### | باب ذكر ما يجوز تخصيصه وما لا يجوز # وجملته أنه يجوز تخصيص ألفاظ العموم. وأما تخصيص ما عرف من فحوى الخطاب ~~كتخصيص ما عرف قوله عز وجل: {فلا تقل لهما أف} 1 فلا يجوز لأن التخصيص إنما ~~يلحق القول وهذا معنى القول ولأن تخصيصه نقض للمعنى الذي تعلق المنع به ألا ~~ترى أنه لو قال: ولا تقل لهما أف ولكن أضربهما كان ذلك مناقضة فصار كتخصيص ~~القياس. # فصل # وأما تخصيص دليل الخطاب فيجوز لأنه كالنطق فجاز تخصيصه فإذا قال في سائمة ~~الغنم زكاة فدل على أنه لا زكاة في المعلوفة جاز أن يخص لا زكاة في ~~المعلوفة فيحمل على معلوفة دون معلوفة. PageV01P031 # فصل # وأما النص: فلا يجوز تخصيصه كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة: "يجزئك ~~ولا يجزئ أحدا بعدك". لأن التخصيص أن يخرج بعض ما تناوله وهذا لا يصح في ~~النص على شيء بعينه. # فصل # وكذلك ما وقع من ms023 الأفعال لا يجوز تخصيصه لما بينا فيما تقدم أن الفعل لا ~~يجوز أن يقع على صفتين فيخرج إحداهما بدليل فإن دل الدليل على أنه لم يقع ~~إلا على صفة من الصفتين لم يكن ذلك تخصيصا. # PageV01P032 ### | باب بيان الأدلة التي يجوز التخصيص بها وما لا يجوز # والأدلة التي يجوز التخصيص بها ضربان: متصل ومنفصل فالمتصل هو الاستثناء ~~والشرط والتقييد بالصفة ولها أبواب تأتي إن شاء الله تعالى وبه الثقة. وأما ~~المنفصل فضربان من جهة العقل ومن جهة الشرع فالذي من جهة العقل ضربان ~~أحدهما: لا يجوز ورود الشرع بخلافه وذلك ما يقتضيه العقل من براءة الذمة ~~فهذا لا يجوز التخصيص به لأن ذلك إنما يستدل به لعدم الشرع فإذا ورد الشرع ~~سقط الاستدلال به وصار الحكم للشرع. والثاني: ما لا يجوز ورود الشرع بخلافه ~~وذلك مثل ما دل عليه العقل من نفي الخلق عن صفاته فيجوز التخصيص به ولهذا ~~خصصنا قوله تعالى {الله خالق كل شيء} 1 في الصفات وقلنا المراد ما خلا ~~الصفات لأن العقل قد دل على أنه لا يجوز أن يخلق صفاته فخصصنا العموم به. # فصل # وأما الذي من جهة الشرع فوجوه نطق الكتاب والسنة ومفهومهما وأفعال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإقراره وإجماع الأمة والقياس. فأما الكتاب ~~PageV01P032 # فيجوز تخصيص الكتاب به كقوله تعالى {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} 1 ~~خص به قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} 2 ويجوز تخصيص السنة به ~~ومن الناس من قال لا يجوز والدليل على جوازه هو أن الكتاب مقطوع بصحة طريقه ~~والسنة غير مقطوع بطريقها فإذا جاز تخصيص الكتاب به فتخصيص السنة به أولى. # فصل # فأما السنة: فيجوز تخصيص الكتاب بها وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~يرث القاتل". خص به قوله عز وجل: {يوصيكم الله في أولادكم} 3 وقال بعض ~~المتكلمين: لا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد. وقال عيسى بن أبان: إن دخله ~~التخصيص بدليل جاز تخصيصه بخبر الواحد وإن لم يدخله التخصيص لم يجز؛ ~~والدليل على ms024 جواز ذلك أنهما دليلان أحدهما خاص والآخر عام فقضى بالخاص ~~منهما على العام كما لو كانا من الكتاب والدليل على من فرق بين أن يكون قد ~~خص بغيره أو لم يخص هو أنه إنما خص به إذا دخله التخصيص لأنه يتناول الحكم ~~بلفظ غير محتمل والعموم يتناوله بلفظ محتمل وهذا المعنى موجود وإن لم يدخله ~~التخصيص. ويجوز تخصيص السنة بالسنة وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "هلا ~~أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به". يخص به قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تنتفعوا من الميتة بشيء". ومن الناس من قال: لا يجوز من جهة أن السنة جعلت ~~بيانا فلا يجوز أن يفتقر البيان إلى بيان. وقال بعض أهل الظاهر: يتعارض ~~الخاص والعام وهو قول القاضي أبي بكر الأشعري والدليل على ما قلناه يجيء إن ~~شاء الله تعالى. # فصل # وأما المفهوم فضربان: فحوى الخطاب ودليل الخطاب. # فأما فحوى الخطاب: فهو التنبيه ويجوز التخصيص به كقوله تعالى: {فلا ~~PageV01P033 # تقل لهما أف ولا تنهرهما} 1 لأن هذا في قول الشافعي رحمة الله عليه يدل ~~على الحكم بمعناه إلا أنه معنى جلي وعلى قوله يدل على الحكم بلفظه فهو ~~كالنص. # وأما دليل الخطاب الذي هو مقتضى النطق فيجوز تخصيص العموم به وقال أبو ~~العباس ابن سريج: لا يجوز التخصيص به وهو قول أهل العراق لأن عندهم أنه ليس ~~بدليل والكلام معهم يجيء إن شاء الله تعالى وعندنا هو دليل كالنطق في أحد ~~الوجهين وكالقياس في الوجه الآخر وأيهما كان في جاز التخصيص. # فصل في تعارض اللفظين # إذا تعارض لفظان فلا يخلو إما أن يكونا خاصين أو عامين أو أحدهما خاصا ~~والآخر عاما أو كل واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه فإن كانا خاصين مثل ~~أن يقول: لا تقتلوا المرتد واقتلوا المرتد وصلوا ما لها سبب عند طلوع الشمس ~~ولا تصلوا ما لا سبب لها عند طلوع الشمس فهذا لا يجوز أن يرد إلا في وقتين ~~ويكون أحدهما ناسخا للآخر، فإن عرف التاريخ نسخ ms025 الأول بالثاني وإن لم يعرف ~~وجب التوقف وإن كانا عامين مثل أن يقول: من دينه فاقتلوه ومن بدل دينه فلا ~~تقتلوه وصلوا عند طلوع الشمس ولا تصلوا عند طلوع الشمس فهذا إن أمكن ~~استعمالهما في حالين استعملا كما قال صلى الله عليه وسلم: "خير الشهود من ~~شهد قبل أن يستشهد". وقال: "شر الشهود من شهد قبل أن يستشهد". فقال ~~أصحابنا: الأول محمول عليه إذا شهد وصاحب الحق لا يعلم أن له شاهدا فإن ~~الأولى أن يشهد وإن لم يستشهد ليصل المشهود له إلى حقه والثاني محمول عليه ~~إذا علم من له الحق أن له شاهدا فلا يجوز للشاهد أن يبدأ بالشهادة قبل أن ~~يستشهد وإن لم يمكن PageV01P034 # استعمالهما وجب التوقف كالقسم الذي قبله وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا ~~مثل قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} 1. مع قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما ~~إهاب دبغ فقد طهر". وقوله: "فيما سقت السماء العشر". مع قوله: "ليس فيما ~~دون خمسة أوسق من التمر صدقة". فالواجب في مثل هذا وأمثاله أن يقضى بالخاص ~~على العام ومن أصحابنا من قال: كان الخاص متأخرا والعام متقدما نسخ الخاص ~~من العموم بقدره بناء على أن تأخير البيان عن وقت الخطاب لا يجوز وهذا قول ~~المعتزلة. وقال بعض أهل الظاهر: يتعارض الخاص والعام وهو قول أبي بكر ~~الأشعري، وقال أصحاب أبي حنيفة إن كان الخاص مختلفا فيه والعام مجمعا عليه ~~لم يقض به على العام وإن كان متفقا عليه قضى به. والدليل على ما ذكرناه أن ~~الخاص هو أقوى من العام لأن الخاص يتناول الحكم بلفظ لا احتمال فيه والعام ~~يتناوله بلفظ محتمل فوجب أن يقضي بالخاص عليه. # وأما إذا كان واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه يمكن أن يخص بكل واحد ~~منهما عموم الآخر مثل ما روى: أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن الصلاة ~~عند طلوع الشمس". مع قوله صلى الله عليه وسلم: "من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها". فإنه ms026 يحمل أن يكون المراد بالنهي عن الصلاة عند طلوع ~~الشمس ما لا سبب لها من الصلوات بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "من نام عن ~~صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها". ويحتمل أن يكون المراد بقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها في غير طلوع الشمس". بدليل ما ~~روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس فالواجب في ~~مثل هذا أن لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بدليل شرعي من غيرهما يدل على ~~المخصوص منهما أو ترجيح يثبت لأحدهما على الآخر كما روى عن عثمان وعلي رضي ~~الله عنهما في الجمع بين الأختين بملك اليمين أحلتهما آية وحرمتهما آية ~~والتحريم أولى وهل يجوز أن يخلوا PageV01P035 # مثل هذا من الترجيح من الناس من قال لا يجوز ومنهم من قال يجوز، وإذا خلى ~~تعارضا وسقطا ورجع المجتهد إلى براءة الذمة. # فصل # وأما أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجوز التخصيص بها وذلك مثل أن ~~يحرم أشياء بلفظ عام ثم يفعل بعضها فيخص بذلك العام ومن الناس من قال: لا ~~يجوز التخصص بها وهو قول بعض أصحابنا لأنه يجوز أن يكون مخصوصا به والأول ~~أصح لأنه وإن جاز أن يكون مخصوصا إلا أن الأصل مشاركة الأمة في الأحكام ~~ولهذا قال الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} 1. # فصل # وأما الإقرار فيجوز التخصيص به كما رأى قيسا يصلي ركعتي الفجر بعد الصبح ~~فأقره عليه فيخص به نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد الصبح لأنه لا ~~يجوز أن يرى منكرا فيقر عليه فلما أقره دل على جوازه. # فصل # وأما الإجماع فيجوز التخصيص به لأنه أقوى من الظواهر فإذا جاز التخصيص ~~بالظواهر فبالإجماع أولى. # فصل # وأما قول الواحد من الصحابة إذا انتشر ولم يعرف له مخالف فهو حجة يجوز ~~التخصيص به وإن لم ينشر فإن كان له مخالف لم يجز التخصيص به وإن لم يكن له ~~مخالف فهل يجوز التخصيص ms027 به يبنى على القولين في أنه حجة أم لا فإذا قلنا ~~ليس بحجة لم يجز التخصيص به وإذا قلنا أنه حجة فهل يجوز التخصيص به. فيه ~~وجهان أحدهما. يجوز. والثاني لا يجوز. PageV01P036 # فصل # وأما القياس فيجوز التخصيص به. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز التخصيص به ~~وهو قول أبي علي الجبائي واختيار القاضي أبي بكر الأشعري. وقال عيسى بن ~~أبان: إذا ثبت تخصيصه بدليل يوجب العلم جاز التخصيص به، وإن لم يثبت تخصيصه ~~بدليل يوجب العلم لم يجز. وقال بعض أهل العراق: إن دخله التخصيص بدليل غير ~~القياس جاز التخصيص به وإن لم يدخله التخصيص بغيره لم يجز. والدليل على ~~جواز ذلك أن القياس يتناول الحكم فيما يخصه بلفظ غير محتمل فخص به العموم ~~كاللفظ الخاص. # فصل # وأما قول الراوي: فلا يجوز تخصيص العموم به. وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه ~~الله: يجوز. والدليل على أنه لا يجوز هو أن تخصيصه يجوز أن يكون بدليل ~~ويجوز أن يكون بشبهة فلا يترك الظاهر بالشك وكذلك لا يجوز ترك شيء من ~~الظواهر بقوله مثل أن يحتمل الخبر أمرين وهو في أحدهما اظهر فيصرفه الراوي ~~إلى الآخر فلا يقبل ذلك منه لما بيناه في تخصيص العموم. وأما إذا احتمل ~~اللفظ أمرين احتمالا واحدا فصرفه إلى أحدهما مثل ما روى عن عمر كرم الله ~~وجهه أنه حمل قوله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب ربا" إلا هاء وهاء ~~على القبض في المجلس فقد قيل إنه يقبل ذلك لأنه أعرف بمعنى الخطاب. وقال ~~الشيخ الإمام رحمه الله وفيه نظر عندي. # فصل # وأما العرف والعادة فلا يجوز تخصيص العموم به لأن الشرع لم يوضع على ~~العادة وإنما وضع في قول بعض الناس على حسب المصلحة وفي قول الباقين على ما ~~أراد الله تعالى وذلك لا يقف على العادة. # فصل # وأما تخصيص أول الآية بآخرها وآخرها بأولها فلا يجوز ذلك مثل قوله # PageV01P037 # تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} 1 وهذا عام في الرجعية ~~وغيرها ثم قال في آخر ms028 الآية: {وبعولتهن أحق بردهن} 2 وهذا خاص بالرجعيات ~~فيحمل أول الآية على العموم وآخرها على الخصوص ولا يخص أولها بآخرها لجواز ~~أن يكون قصد بآخر الآية بيان بعض ما اشتمل عليه أول الآية فلا يجوز ترك ~~العموم بأولها. PageV01P038 ### | باب القول في اللفظ الوارد على سبب # وجملته أن اللفظ الوارد على سبب لم يجز أن يخرج السبب منه لأنه يؤدي إلى ~~تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك لا يجوز وهل يدخل فيه غيره نظرت فإن كان ~~اللفظ لا يستقل بنفسه كان ذلك مقصورا على ما ورد فيه من السبب ويصير الحكم ~~مع السبب كالجملة الواحدة فإن كان لفظ السائل عاما مثل أن قال: أفطرت قال: ~~أعتق. حمل الجواب على العموم في كل مفطر كأنه قال: من أفطر فعليه العتق من ~~جهة المعنى لا من جهة اللفظ وذلك أنه لما لم يستفصل دل على أنه لا يختلف أو ~~لما نقل السبب وهو الفطر فحكم فيه بالعتق صار كأنه علل بذلك لأن ذكر السبب ~~في الحكم تعليل وإن كان خاصا مثل إن قال: جامعت فقال اعتق حمل الجواب على ~~الخصوص في المجامع لا يتعدى إلى غيره من المفطرين فكأنه قال من جامع في ~~رمضان فعليه العتق وأما إذا كان اللفظ يستقل بنفسه اعتبر حكم اللفظ فإن كان ~~خاصا حمل على خصوصه وإن كان عاما حمل على عمومه ولا يخص بالسبب الذي ورد ~~فيه وذلك مثل ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن بئر بضاعة فقيل: إنك ~~تتوضأ من بئر بضاعة وأنه يطرح فيها المحائض ولحوم الكلاب وما ينحى الناس ~~فقال صلى الله عليه وسلم: "الماء طهور لا ينجسه شيء" فهذا يحمل على عمومه ~~ولا يخص بما ورد فيه من السبب. وقال المزني وأبو ثور وأبو بكر الدقاق من ~~أصحابنا يقصر على ما ورد فيه من السبب. والدليل على ما # PageV01P038 # قلناه هو أن الحجة في قول الرسول صلى الله عليه وسلم دون السبب فوجب أن ~~يعتبر عمومه. # PageV01P039 ### | باب القول في الاستثناء # والاستثناء يجوز ms029 تخصيص اللفظ به وهو مأخوذ من قولهم: ثنيت فلانا عن رأيه ~~إذا صرفته عنه. وقيل: أنه مأخوذ من تثنية الخبر بعد الخبر ومن شرطه أن يكون ~~متصلا بالمستثنى منه. وحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما جواز تأخيره وحكي عن ~~قوم جواز تأخيره إذا أورد معه كلام يدل على أن ذلك استثناء مما تقدم وهو أن ~~يقول: جاءني الناس ثم يقول بعد زمان إلا زيدا وهو استثناء مما كنت قلت فأما ~~المحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما فالظاهر أنه لا يصح عنه وهو بعيد لأنهم ~~لا يستعملون الاستثناء إلا متصلا بالكلام ألا ترى أنه إذا قال جاءني الناس ~~ثم قال بعد شهر إلا زيدا لم يعد ذلك كلاما فدل على بطلانه وما حكي عن غيره ~~خطأ لأنه لو جاز ذلك على الوجه الذي قاله لجاز أن يؤخر خبر المبتدأ ثم يخبر ~~به مع كلام يدل عليه بأن يقول زيد ثم يقول بعد حين قائم ويقرنه بما يدل على ~~انه خبر عنه وهذا مما لا يقوله أحد ولا يعد كلاما في اللغة فبطل. # فصل # ويجوز أن يتقدم الاستثناء على المستثنى منه كما يجوز أن يتأخر كقول ~~الكميت: # فمالي إلا آل أحمد شيعة ... ومالي إلا مشعب الحق مشعب # فصل # ويجوز الاستثناء من جنسه كقولك: رأيت الناس إلا زيدا وكذلك استثناء بعض ~~ما دخل تحت الاسم كقولك: رأيت زيدا إلا وجهه. وأما الاستثناء من غير الجنس ~~فهو مستعمل وقد ورد به القرآن والأشعار. قال الله # PageV01P039 # عز وجل: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس} 1 فاستثنى إبليس من ~~الملائكة وليس من الملائكة وقال الشاعر: # وقفت فيها أصيلا لا أسائلها ... أعيت جوابا وما بالربع من أحد # ألا أوارى لأيا ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد # فاستثنى الأوارى من الناس وهل هو حقيقة أم لا فيه وجهان. من أصحابنا من ~~قال: هو حقيقة، ومنهم من قال. هو مجاز وهذا الأظهر لأن الاستثناء مشتق من ~~قولهم ثنيت عنان الدابة إذا صرفتها أو من تثنية الخبر بعد ms030 الخبر وهذا لا ~~يوجد إلا فيما دخل في الكلام ثم يخرج منه. # فصل # ويجوز أن يستثنى الأكثر من الجملة وقال أحمد لا يجوز وهو قول القاضي أبي ~~بكر الأشعري وابن درستويه. والدليل على جوازه أن القرآن ورد به قال الله ~~تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} 2 ثم قال: ~~{فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} 3 فاستثنى الغاوين من ~~العباد واستثنى العباد من الغاوين وأيهما كان أكثر فقد استثناه من الآخر ~~ولأن الاستثناء معنى يوجب تخصيص اللفظ العام فجاز في القليل والكثير ~~كالتخصيص بالدليل المنفصل. # فصل # إذا تعقب الاستثناء جملا عطف بعضها على بعض وجمع ذلك إلى الجميع وذلك مثل ~~قوله عز وجل: # {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا} 4 وقال ~~أصحاب أبي حنيفة رحمه الله: يرجع إلى ما يليه، وقال القاضي أبو بكر: يتوقف ~~فيه ولا يرد إلى شيء منهما إلا بدليل والدليل على ما PageV01P040 # قلناه هو أن الاستثناء كالشرط في التخصيص ثم الشرط يرجع إلى الجميع وهو ~~إذا قال: امرأتي طالق وعبدي حر ومالي صدقة إن شاء الله تعالى فكذلك ~~الاستثناء. # فصل # وإن دل الدليل على أنه لا يجوز رجوعه إلى جملة من الجمل المذكورة في آية ~~القذف فإن الدليل على أنه لا يجوز أن يرجع الاستثناء فيها إلى الحد رجع إلى ~~ما بقي من الجمل، وكذا أن تعقب الاستثناء جملة واحدة ودل الدليل على أنه لا ~~يجوز رجوعه إلى بعضها كقوله عز وجل: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة} إلى قوله تعالى: {إلا أن يعفون} 1 فإنه قد دل الدليل على ~~أن الاستثناء لا يجوز رجوعه إلى الصغار والمجانين رجع إلى ما بقي من الجملة ~~لأن ترك الظاهر فيما قام عليه الدليل لا يوجب تركه فيما لم يقم عليه ~~الدليل. PageV01P041 ### | باب التخصيص في الشرط # واعلم أن الشرط ما لا يصح ms031 المشروط إلا به وقد ثبت ذلك بدليل منفصل ~~كاشتراط القدرة في العبادات واشتراط الطهارة في الصلاة وقد دخل ذلك فيما ~~ذكرناه من تخصيص العموم وقد يكون متصلا بالكلام وذلك قد يكون بلفظ الشرط ~~كقوله تعالى {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} إلى قوله: {فمن لم يستطع ~~فإطعام ستين مسكينا} 2 وقد يكون بلفظ الغاية كقوله تعالى: {حتى يعطوا ~~الجزية عن يد} 3 # ويجوز تخصيص الحكم بالجميع فيكون الصيام لمن لم يجد الرقبة والقتل فيمن ~~لم يؤد الجزية. # فصل # يجوز أن يتقدم الشرط في اللفظ، ويجوز أن يتأخر كما يجوز PageV01P041 # في الاستثناء ولهذا لم يفرق بين قوله أنت طالق إن دخلت الدار وبين قوله ~~إن دخلت الدار فأنت طالق. # فصل # وإذا تعقب الشرط جملا رجع إلى جميعها كما قلنا في الاستثناء ولهذا إذا ~~قال امرأتي طالق وعبدي حر إن شاء الله لم تطلق المرأة ولم يعتق العبد. # فصل # فأما إذا دخل الشرط في بعض الجمل المذكورة دون بعض لم يرجع الشرط إلا إلى ~~المذكورة وذلك مثل قوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} إلى قوله ~~تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} 1 فشرط الحمل في الإنفاق دون ~~السكن فيرجع الشرط إلى الإنفاق ولا يرجع إلى السكن وهكذا لو ثبت الشرط ~~بدليل منفصل في بعض الجمل لم يجب إثباته فيما عداه كقوله عز وجل: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} إلى قوله: {وبعولتهن أحق بردهن} 2 ~~فإن الدليل قد دل على أن الرد في الرجعيات فيرجع ذلك إلى الرجعيات ولا يوجب ~~ذلك تخصيص أول الآية وهكذا إذا ذكر جملا وعطف بعضها على بعض لم يقتض الوجوب ~~في الجميع أو يقتضي العموم في الجميع ثم دل الدليل على أن في بعضها لم يرد ~~الوجوب أو في بعضها ليس على العموم لم يجب حمله في الباقي على غير الوجوب ~~ولا "صفحة 23" على غير العموم وذلك مثل قوله تعالى: {كلوا من ثمره إذا أثمر ~~وآتوا حقه يوم حصاده} 3 فأمر بالأكل وإيتاء الحق والأكل ms032 لا يجب والإيتاء ~~واجب والأكل عام في القليل والكثير والإيتاء خاص في خمسة أوسق، فما قام ~~الدليل عليه خرج من اللفظ وبقي الباقي على ظاهره. PageV01P042 # فصل # وهكذا كل شيئين قرن بينهما في اللفظ ثم ثبت لأحدهما حكم بالإجماع لم يجب ~~أن يثبت ذلك الحكم للآخر من غير لفظ يوجب التسوية بينهما أو علة توجب الجمع ~~بينهما ومن أصحابنا من قال إذا ثبت لأحدهما نفع حكم ثبت لقرينه مثله وهذا ~~غير صحيح لأن الحكم الذي ثبت لأحدهما ثبت بدليل يخصه من لفظ أو إجماع وذلك ~~غير موجود في الآخر فلا تجب التسوية بينهما إلا بعلة تتجمع بينهما. # PageV01P043 ### | باب القول في المطلق والمقيد # واعلم أن تقييد العام بالصفة يوجب التخصيص كما يوجب الشرط والاستثناء ~~وذلك مثل قوله تعالى: # {فتحرير رقبة مؤمنة} 1 فإنه لو أطلق الرقبة لعم المؤمنة والكافرة فلما ~~قيده بالمؤمنة وجب التخصيص. # فصل # فإن ورد الخطاب مطلقا لا مقيد له حمل على إطلاقه وإن ورد مقيدا لا مطلق ~~له حمل على تقييده وإن ورد مطلقا في موضع ومقيدا في موضع آخر نظرت فإن كان ~~ذلك في حكمين مختلفين مثل أن يقيد الصيام بالتتابع ويطلق الإطعام لم يحمل ~~أحدهما على الآخر بل يعتبر كل واحد منهما بنفسه لأنهما لا يشتركان في لفظ ~~ولا معنى، وإن كان ذلك في حكم واحد وسبب واحد مثل أن يذكر الرقبة في كفارة ~~القتل مقيدة بالإيمان ثم يعيدها في القتل مطلقة كان الحكم للمقيد لأن ذلك ~~حكم واحد استوفى بيانه في أحد الموضعين ولم يستوف في الموضع الآخر، وإن كان ~~في حكم واحد وشيئين مختلفين نظرت في المقيد فإن عارضه مقيد آخر لم يحمل ~~المطلق على واحد من القيدين وذلك مثل الصوم في الظهار قيده بالتتابع وفي ~~التمتع قيده بالتفريق وأطلق في كفارة اليمين فلا يحمل المطلق في اليمين على ~~الظهار ولا على التمتع بل PageV01P043 # يعتبر بنفسه إذ ليس حمله على أحدهما بأولى من الحمل على الآخر وإن لم ~~يعارض المقيد مقيد آخر كالرقبة في كفارة ms033 القتل والرقبة في الظهار قيدت ~~بالإيمان في القتل وأطلقت في الظهار حمل المطلق على المقيد، فمن أصحابنا من ~~قال يحمل من جهة اللغة لأن القرآن من فاتحته إلى خاتمته كالكلمة الواحدة-1- ~~ومنهم من قال يحمل من جهة القياس وهو الأصح وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه: ~~الله لا يجوز حمل المطلق على المقيد لأن ذلك زيادة في النص وذلك نسخ ~~بالقياس وربما قال لأنه حمل منصوص والدليل على أنه لا يحمل من جهة اللغة أن ~~اللفظ الذي ورد فيه التقييد وهو القتل لا يتناول المطلق وهو الظهار فلا ~~يجوز أن يحكم فيه بحكمه من غير علة كلفظ البر لما لم يتناول الأرز لم يجز ~~أن يحكم فيه بحكمه من غير علة فكذلك هاهنا، والدليل على أنه يحمل عليه ~~بالقياس هو أن حمل المطلق على المقيد تخصيص عموم بالقياس فصار كتخصيص سائر ~~العمومات. # PageV01P044 ### | باب القول في مفهوم الخطاب # اعلم أن مفهوم الخطاب على اوجه: # أحدها فحوى الخطاب وهو ما دل عليه اللفظ من جهة التنبيه كقوله عز وجل: ~~{فلا تقل لهما أف} وقوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده ~~إليك} 1 وما أشبه ذلك مما ينص فيه على الأدنى لينبه به على الأعلى وعلى ~~الأعلى لينبه به على الأدنى وهل يعلم ما دل عليه التنبيه من جهة اللغة أو ~~من جهة القياس فيه وجهان: أحدهما أنه من جهة اللغة وهو قول أكثر المتكلمين ~~وأهل الظاهر. ومنهم من قال: هو من جهة القياس الجلي ويحكى ذلك عن الشافعي ~~وهو الأصح لأن لفظ التأفيف لا يتناول الضرب وإنما يدل عليه بمعناه وهو ~~الأدنى فدل على أنه قياس. # فصل # والثاني: لحن الخطاب وهو ما دل عليه اللفظ من الضمير الذي لا يتم ~~PageV01P044 # الكلام إلا به وذلك مثل قوله عز وجل: {اضرب بعصاك الحجر فانفجرت} 1 ~~ومعناه: فضرب فانفجرت ومن ذلك أيضا حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ~~كقوله عز وجل: {واسأل القرية} 2 # ومعناه أهل القرية ولا خلاف إن هذا كالمنطوق به في ms034 الإفادة والبيان ولا ~~يجوز أن يضمر فيمثل هذا إلا ما تدعو الحاجة إليه فإن استقل الكلام بإضمار ~~واحد لم يجز أن يضاف إليه غيره إلا بدليل فإن تعارض فيه إضماران أضمر ما دل ~~عليه الدليل منهما وقد حكينا في مثل هذا الخلاف عمن يقول أنه يضمر فيه ما ~~هو أعم فائدة أو موضع الخلاف وبينا فساد ذلك. # فصل # والثالث دليل الخطاب وهو أن يعلق الحكم على إحدى صفتي الشيء فيدل على أن ~~ما عداها بخلافه كقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} 3 فيدل على أنه ~~إن جاء عدل لم يتبين وكقوله صلى الله عليه وسلم: "في سائمة الغنم زكاة". ~~فيدل على أن المعلوفة لا زكاة، فيها وقال عامة أصحاب أبي حنيفة رحمه الله ~~وأكثر المتكلمين: لا يدل على أن ما عداه بخلافه بل حكم ما عداه موقوف على ~~الدليل، وقال أبو العباس بن سريج: إن كان بلفظ الشرط كقوله تعالى: {إن ~~جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} دل على أن ما عداه بخلافه وإن لم يكن بلفظ الشرط ~~لم يدل وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، والدليل على ما قلناه أن ~~الصحابة اختلفت في إيجاب الغسل من الجماع من غير إنزال فقال بعضهم لا يجب ~~واحتجوا بدليل الخطاب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الماء من الماء" ~~وأنه لما أوجب من الماء دل على أنه لا يجب من غير ماء ومن أوجب ذكر أن ~~"الماء من الماء" منسوخ فدل على ذكرناه ولأن تقييد الحكم بالصفة يوجب تخصيص ~~الخطاب فاقتضى بإطلاقه النفي والإثبات كالاستثناء. PageV01P045 # فصل # وأما إذا علق الحكم بغاية فإنه يدل على أن ما عداها بخلافها وبه قال أكثر ~~من أنكر القول بدليل الخطاب. ومنهم من قال: لا يدل والدليل على ما قلناه هو ~~أنه لو جاز أن يكون حكم ما بعد الغاية موافقا لما قبلها خرج عن أن يكون ~~غاية وهذا لا يجوز. # فصل # وأما إذا علق الحكم على صفة بلفظ إنما كقوله صلى الله عليه وسلم: ms035 "إنما ~~الأعمال بالنيات". وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الولاء لمن اعتق". دل ~~أيضا على أن ما عداها بخلافها وبه قال كثير ممن لم يقل بدليل الخطاب. وقال ~~بعضهم: لا يدل على أن ما عداها بخلافها وهذا خطأ لأن هذه اللفظة لا تستعمل ~~إلا لإثبات المنطوق به ونفي ما عداه. ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول إنما ~~في الدار زيد، وبين أن يقول ليس في الدار إلا زيد وبين أن يقول إنما الله ~~واحد وبين أن يقول لا إله إلا واحد فدل على أنه يتضمن النفي والإثبات. # فصل # فأما إذا علق الحكم على صفة في جنس كقوله صلى الله عليه وسلم: "في سائمة ~~الغنم زكاة". دل ذلك على نفي الزكاة عن معلوفة الغنم دون ما عداها، ومن ~~أصحابنا من قال يدل على نفيها عما عداها في جميع الأجناس وهذا خطأ لأن ~~الدليل يقتضي النطق فإذا اقتضى النطق الإيجاب في سائمة الغنم وجب أن يقتضي ~~الدليل نفيها عن معلوفة الغنم. # فصل # فأما إذا علق الحكم على مجرد الاسم مثل أن يقول: في الغنم زكاة فإن ذلك ~~لا يدل على نفي الزكاة عما عدا الغنم، ومن أصحابنا من قال يدل كالصفة، ~~والمذهب الأول لأنه قد يخص اسم بالذكر وهو وغيره سواء. ألا # PageV01P046 # ترى أنهم يقولون: اشتر غنما وإبلا وبقرا فينص على كل واحد منها مع إرادة ~~جميعها ولا يضم الصفة إلى الاسم وهي وغيرها سواء، ألا ترى أنهم لا يقولون ~~اشتر غنما سائمة وهي والمعلوفة عندهم سواء فافترقا. # فصل # إذا أدى القول بالدليل إلى إسقاط الخطاب سقط الدليل وذلك مثل قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "لا تبع ما ليس عندك" فإن دليله يقتضي جواز بيع ما هو عنده ~~وإن كان غائبا عن العين وإذا اجزنا ذلك لزمنا ألا نجيز بيع ما ليس عنده لأن ~~أحدا لم يفرق بينهما وإذا اجزنا ذلك سقط الخطاب وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا تبع مال ليس عندك" فيسقط الدليل ويبقى الخطاب لأن الدليل ms036 فرع ~~الخطاب ولا يجوز أن يعترض الفرع على الأصل بالإسقاط. # PageV01P047 ### | الكلام في المجمل والمبين ### | باب ذكره وجوه المبين # فأما المبين: فهو ما استقل بنفسه في الكشف عن المراد ولا يفتقر في معرفة ~~المراد إلى غيره وذلك على ضربين: ضرب يفيد بنطقه، وضرب يفيد بمهفومه، فالذي ~~يفيد بنطقه هو النص والظاهر والعموم، فالنص كل لفظ دل على الحكم بصريحه على ~~وجه لا احتمال فيه وذلك مثل قوله عز وجل: {محمد رسول الله} 1 وكقوله تعالى: ~~{ولا تقربوا الزنى} 2 {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} 3 وكقوله ~~صلى الله عليه وسلم: "في كل خمس شاة، في أربع وعشرين من الإبل فما دونها ~~الغنم" وغير ذلك من الألفاظ الصريحة في بيان الأحكام. # فصل # وأما الظاهر فهو كل لفظ احتمل أمرين وفي أحدهما أظهر كالأمر والنهي وغير ~~ذلك من أنواع الخطاب الموضوعة للمعاني المخصوصة المحتملة لغيرها. # فصل # والعموم كل لفظ عم شيئين فصاعدا كقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} 4 وقوله ~~تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} 5وغير PageV01P048 # ذلك فهذه كلها من المبين الذي لا يفتقر في معرفة المراد إلى غيره وإنما ~~يفتقر إلى غيره في معرفة ما ليس بمراد به فيصح الاحتجاج بهذه الأنواع. وقال ~~أبو ثور وعيسى بن أبان العموم إذا دخله التخصيص صار مجملا لا يحتج بظاهره. ~~وقال أبو الحسن الكرخي إن خص بدليل متصل لم يصر مجملا وإن خص بدليل منفصل ~~صار مجملا وقال أبو عبد الله البصري إن كان حكمه يفتقر إلى شروط كآية ~~السرقة فهي مجملة لا يحتج بها إلا بدليل وإن لم يفتقر إلى شروط لم يصر ~~مجملا والدليل على ما قلناه هو أن المجمل ما لا يعقل معناه من لفظه ويفتقر ~~في معرفة المراد إلى غيره وهذه الآيات يعقل معناها من لفظها ولا يفتقر في ~~معرفة المراد بها إلى غيرها فهي كغيرها من الآيات. # فصل # وأما ما يفيد بمفهومه فهو فحوى الخطاب ولحن الخطاب ودليل الخطاب وقد ~~بينتها قبل هذا الباب فأغنى عن الإعادة # PageV01P049 ### | باب ذكر ms037 وجوه المجمل # وأما المجمل فهو ما لا يعقل معناه من لفظه ويفتقر في معرفة المراد إلى ~~غيره وذلك على وجوه: # منها أن يكون اللفظ لم يوضع للدلالة على شيء بعينه كقوله تعالى: {وآتوا ~~حقه يوم حصاده} 1 وكقوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ~~فإن الحق مجهول الجنس والقدر فيفتقر إلى البيان. # فصل # ومنها أن يكون اللفظ في الوضع مشتركا بين شيئين كالقرء يقع على الحيض ~~ويقع على الطهر فيفتقر إلى البيان. PageV01P049 # فصل # ومنها أن يكون اللفظ موضوعا لجملة معلومة إلا أنه دخلها استثناء مجهول ~~كقوله عز وجل: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد} ~~1 فإنه قد صار مجملا بما دخله من الاستثناء ومن هذا المعنى العموم إذا علم ~~أنه مخصوص ولم يعلم ما خص منه فهذا أيضا مجمل لأنه لا يمكن العمل به قبل ~~معرفة ما خص منه. # فصل # ومن ذلك أيضا أن يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا يحتمل وجهين ~~احتمالا واحدا مثل ما روي أنه جمع في السفر فإنه مجمل لأنه يجوز أن يكون في ~~سفر طويل أو في سفر قصير فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل. ~~وكذلك إذا قضى في عين تحتمل حالين احتمالا واحدا مثل أن يروي أن الرجل أفطر ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة فهو مجمل فإنه يجوز أن يكون أفطر ~~بجماع ويجوز أن يكون أفطر بأكل فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا ~~بدليل فهذه الوجوه لا يختلف المذهب في إجمالها وافتقارها إلى البيان. # فصل # واختلف المذهب في ألفاظ فمنها قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} ~~2 وفيه قولان قال في أحدهما هو مجمل لأن الله تعالى أحل البيع وحرم الربا، ~~والربا هو الزيادة وما من بيع إلا وفيه زيادة وقد أحل الله البيع وحرم ~~الربا فافتقر إلى بيان ما يحل مما يحرم. ms038 وقال في القول الثاني ليس بمجمل ~~وهو الأصح لأن البيع معقول في اللغة فحمل على العموم إلا فيما خصه لدليل. ~~PageV01P050 # فصل # ومنها الآيات التي ذكر فيها الأسماء الشرعية وهو قوله عز وجل: {وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة} 1 وقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} 2 وقوله تعالى: ~~{ولله على الناس حج البيت} 3 فمن أصحابنا من قال: هي عامة غير مجملة فتحمل ~~الصلاة على كل دعاء والصوم على كل إمساك والحج على كل قصد إلا ما قام ~~الدليل عليه وهذه طريقة من قال ليس في الأسماء شيء منقول، ومنهم من قال: هي ~~مجملة لأن المراد بها معان لا يدل اللفظ عليها في اللغة وإنما تعرف من جهة ~~الشرع فافتقر إلى البيان كقوله عز وجل: {وآتوا حقه يوم حصاده} 4 وهذه طريقة ~~من قال: إن هذه الأسماء منقولة وهو الأصح. # فصل # ومنها الألفاظ التي علق التحليل والتحريم فيها على أعيان كقوله تعالى: ~~{حرمت عليكم الميتة} 5 فقال بعض أصحابنا: إنها مجملة لأن العين لا توصف ~~بالتحليل والتحريم وإنما الذي يوصف بذلك أفعالنا وأفعالنا غير مذكورة ~~فافتقر إلى بيان ما يحرم من الأفعال مما لا يحرم، ومنهم من قال إنها ليست ~~بمجملة وهو الأصح لأن التحليل والتحريم في مثل هذا إذا أطلق عقل منها ~~التصرفات المقصودة في اللغة، ألا ترى أنه إذا قال لغيره حرمت عليك هذا ~~الطعام عقل منه تحريم الأكل وما عقل المراد من لفظه لم يكن مجملا. # فصل # وكذلك اختلفوا في الألفاظ التي تتضمن نفيا وإثباتا كقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا ~~بولي" وما أشبهه فمنهم من قال: إن ذلك مجمل لأن الذي نفاه هو PageV01P051 # العمل والنكاح وذلك موجود فيجب أن يكون المراد به نفي صفة غير مذكورة ~~فافتقر إلى بيان تلك الصفة، ومنهم من قال: ليس بمجمل وهو الأصح لأن صاحب ~~الشرع لا ينفي ولا يثبت المشاهدات وإنما ينفي ويثبت الشرعيات فكأنه قال لا ~~عمل في الشرع إلا ms039 بنية ولا نكاح في الشرع إلا بولي وذلك معقول من اللفظ فلا ~~يجوز أن يكون مجملا. # فصل # وكذلك اختلفوا في قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ~~فمنهم من قال: هو مجمل لأن الذي رفعه هو الخطأ وذلك موجود فيجب أن يكون ~~المراد بها معنى غير مذكور فافتقر إلى البيان، ومنهم من قال غير مجمل هو ~~الأصح لأنه معقول المعنى في اللغة ألا ترى أنه إذا قال لعبده رفعت عنك ~~جنايتك عقل منه رفع المؤاخذة بكل ما يتعلق بالجناية من التبعات فدل على أنه ~~مجمل. # فصل # وأما المتشابه فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: هو والمجمل واحد. ومنهم ~~من قال: المتشابه ما استأثر الله تعالي بعلمه وما لم يطلع عليه أحدا من ~~خلقه. ومن الناس من قال: المتشابه هو القصص والأمثال والحكم والحلال ~~والحرام. ومنهم من قال: المتشابه الحروف المجموعة في أوائل السور ك "المص" ~~و "المر" وغير ذلك والصحيح هو الأول لأن حقيقة المتشابه ما اشتبه معناه ~~وأما ما ذكروه فلا يوصف بذلك. # PageV01P052 ### | باب الكلام في البيان ووجوهه # اعلم أن البيان هو الدليل الذي يتوصل بصحيح النظر إلى ما هو دليل عليه، ~~وقال بعض أصحابنا: هو إخراج الشيء من حيز الأشكال إلى حيز التجلي # PageV01P052 # فصل # ويقع البيان بالقول. ومفهوم القول. والفعل. والإقرار. والإشارة. ~~والكتابة. والقياس. فأما البيان بالقول كقوله صلى الله عليه وسلم: "في ~~الرقة ربع العشر" وقوله صلى الله عليه وسلم: "في خمس من الإبل شاة". # وأما المفهوم فقد يكون تنبيها كقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} فيدل على ~~أن الضرب أولى بالمنع وقد يكون دليلا كقوله صلى الله عليه وسلم: "في سائمة ~~الغنم زكاة" فيدل على أنه لا زكاة في المعلوفة. # وأما بالفعل فمثل بيان مواقيت الصلاة وأفعالها والحج ومناسكه بفعله صلى ~~الله عليه وسلم. # وأما الإقرار: فهو كما روى أنه رأى قيسا يصلي بعد الصبح ركعتين فسأله ~~فقال ركعتا الفجر ولم ينكر فدل على جواز التنفل بعد الصبح. # وأما بالإشارة فكما قال صلى ms040 الله عليه وسلم: "الشهر هكذا وهكذا" وحبس ~~إبهامه في الثالثة. # وأما الكتابة فكما بين فرائض الزكاة وغيرها من الأحكام في كتب كتبها. # وأما القياس فكما نص على أربعة أعيان في الربا ودل القياس على أن غيرها ~~من المطعومات مثلها. # PageV01P053 ### | باب تأخير البيان # ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأنه لا يمكن الاحتفال من غير بيان، ~~وأما تأخيره عن وقت الخطاب ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز وهو قول أبي ~~العباس وأبي سعيد الأصطخري وأبي بكر القفال، والثاني: أنه لا يجوز # PageV01P053 # وهو قول أبي بكر الصيرفي وأبي إسحاق المروزي وهو قول المعتزلة. والثالث: ~~أنه يجوز تأخير بيان المجمل ولا يجوز تأخير بيان العموم وهو قول أبي الحسن ~~الكرخي، ومن الناس من قال: يجوز ذلك في الإخبار دون الأمر والنهي ومنهم من ~~قال يجوز في الأمر والنهي دون الأخبار، والصحيح أنه يجوز في جميع ما ذكرناه ~~ولأن تأخيرها لا يخل بالامتثال فجاز كتأخير بيان النسخ. # PageV01P054 ### | الكلام في النسخ ### | باب بيان النسخ # والنسخ في اللغة يستعمل في الرفع والإزالة. يقال: نسخت الشمس الظل ونسخت ~~الرياح الآثار إذا إزالتها ويستعمل في النقل. يقال: نسخت الكتاب إذا نقلت ~~ما فيه وإن لم تزل شيئا عن موضعه. وأما في الشرع على الوجه الأول في اللغة ~~وهو الإزالة فحده الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم ~~على وجه لولاه لكان ثابتا به مع تراخيه عنه ولا يلزم ما سقط عن الإنسان ~~بالموت فإن ذلك ليس بنسخ لأنه ليس بخطاب ولا يلزم رفع ما كانوا عليه كشرب ~~الخمر وغيره فإنه ليس بنسخ لأنه لم يثبت بخطاب ولا يلزم ما أسقطه بكلام ~~متصل كالاستثناء والغاية كقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} 1 فإنه ~~ليس بنسخ لأنه غير متراخ عنه. وقالت المعتزلة: هو الخطاب الدال على أن مثل ~~الحكم الثابت بالمنسوخ غير ثابت على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الأول وهذا ~~فاسد لأنه إذا حد بهذا لم يكن الناسخ مزيلا لما ثبت بالخطاب الأول، لأن مثل ~~الحكم ما ms041 ثبت بالمنسوخ حتى يزيله بالناسخ وقد بينا أن النسخ في اللغة هو ~~الإزالة والرفع. # فصل # والنسخ جائز في الشرع، وقالت طائفة من اليهود: لا يجوز. وبه قال شرذمة من ~~المسلمين وهذا خطأ لأن التكليف في قول بعض الناس إلى الله تعالى يفعل فيه ~~ما يشاء وعلى قول بعضهم التكليف على سبيل المصلحة فإن كان إلى مشيئته فيجوز ~~أن يشاء في وقت تكليف فرض وفي وقت إسقاطه وإن كان PageV01P055 # على وجه المصلحة فيجوز أن تكون المصلحة في وقت في أمر وفي وقت آخر في ~~غيره فلا وجه للمنع منه. # فصل # وأما البداء فهو أن يظهر له ما كان خفيا عليه من قولهم: بدا لي الفجر إذا ~~ظهر له وذلك لا يجوز في الشرع. وقال بعض الرافضة: يجوز البداء على الله ~~تعالى وقال منهم زرارة بن أعين في شعره: # ولولا البدا سميته غير هائب ... وذكر البدا نعت لمن يتقلب # ولولا البدا ما كان فيه تصرف ... وكان كنار دهرها تتلهب # وكان كضوء مشرق بطبيعة ... وبالله عن ذكر الطبائع يرغب # وزعم بعضهم أنه يجوز على الله تعالى البداء فيما لم يطلع عليه عباده وهذا ~~خطأ لأنهم إن أرادوا بالبداء ما بيناه من أنه يظهر له ما كان خفيا عنه فهذا ~~كفر وتعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا وإن كانوا أرادوا به تبديل ~~العبادات والفروض فهذا لا ننكره إلا أنه لا يسمى بداء لأن حقيقة البداء ما ~~بينا ولم يكن لهذا القول وجه. # فصل # فأما نسخ الفعل قبل دخول وقته فيجوز وليس ذلك ببداء ومن أصحابنا من قال: ~~لا يجوز ذلك وهو قول المعتزلة وزعموا أن ذلك بداء، والدليل على جواز ذلك أن ~~الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه ثم نسخه قبل وقت الفعل فدل ~~على جوازه، والدليل على أنه ليس ببداء ما بيناه من أن البداء ظهور ما كان ~~خفيا عنه وليس في النسخ قبل الوقت هذا المعنى. # PageV01P056 ### | باب بيان ما يجوز نسخه من الأحكام وما لا يجوز # أعلم أن ms042 النسخ لا يجوز إلا فيما يصح وقوعه على وجهين كالصوم والصلاة ~~والعبادات الشرعية فأما ما لا يجوز أن يكون إلا على وجه واحد مثل التوحيد ~~وصفات الذات كالعلم والقدرة وغير ذلك فلا يجوز فيه النسخ وكذلك ما # PageV01P056 # أخبر الله عز وجل عنه من أخبار القرون الماضية والأمم السالفة فلا يجوز ~~فيها النسخ وكذلك ما أخبر عن وقوعه في المستقبل كخروج الدجال وغير ذلك لم ~~يجز فيه النسخ: وحكي عن أبي بكر الدقاق أنه قال: ما ورد من الأمر بصيغة ~~الخبر كقوله عز وجل: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} 1 # يجوز نسخه. وقال بعض الناس: يجوز {والمطلقات يتربصن} وإن كان لفظه لفظ ~~الخبر إلا أنه أمر، ألا ترى أنه يجوز أن يقع فيه المخالفة ولو كان خبرا لم ~~يصح أن يقع فيه المخالفة وإذا ثبت أنه أمر جاز نسخه كسائر الأوامر والدليل ~~على القائل الآخر أنا إذا جوزنا النسخ في الخبر صار أحد الخبرين كذبا وهذا ~~لا يجوز. # فصل # وكذلك لا يجوز نسخ الإجماع لأن الإجماع لا يكون إلا بعد موت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والنسخ لا يجوز بعد موته. # فصل # وكذلك لا يجوز نسخ القياس لأن القياس تابع الأصول والأصول ثابتة فلا يجوز ~~نسخ تابعها، فأما إذا ثبت الحكم في عين بعلة وقيس عليها غيرها ثم نسخ الحكم ~~في تلك العين بطل الحكم في الفرع المقيس عليه، ومن أصحابنا من قال: لا يبطل ~~وهو قول أصحاب أبي حنيفة رحمه الله وهذا غير صحيح لأن الفرع تابع للأصل ~~فإذا بطل الحكم في الأصل بطل في الفرع. PageV01P057 ### | باب بيان وجوه النسخ # فصل # اعلم أن النسخ يجوز في الرسم2 دون الحكم كآية الشيخ والشيخة إذا زنيا ~~فارجموهما البتة فهذا نسخ رسمه وحكمه باق ويجوز في الحكم دون الرسم ~~PageV01P057 # كالعدة كانت1 حولا ثم نسخت بأربعة اشهر وعشرا ورسمها باق وهو قوله: ~~{متاعا إلى الحول غير إخراج} 2 ويجوز في الرسم والحكم كتحريم الرضاع كان ~~بعشر رضعات وكان مما يتلى3 فنسخ الرسم والحكم ms043 جميعا وذهب طائفة إلى أنه لا ~~يجوز نسخ الحكم وبقاء التلاوة لأنه يبقى الدليل ولا مدلول معه وقالت طائفة: ~~لا يجوز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم لأن الحكم تابع التلاوة فلا يجوز أن ~~يرتفع الأصل ويبقى التابع وهذا خطأ4 لأن التلاوة والحكم في الحقيقة حكمان ~~فجاز رفع أحدهما وتبقية الآخر كما تقول في عبادتين يجوز أن تنسخ إحداهما ~~وتبقي الأخرى. # فصل # ويجوز النسخ إلى غير بدل كالعدة نسخ ما زاد على أربعة أشهر وعشرا إلى غير ~~بدل ويجوز النسخ إلى بدل كنسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ويجوز النسخ ~~إلى أخف من المنسوخ كنسخ مصابرة الواحد للعشرة نسخ إلى اثنين ويجوز إلى ما ~~هو أغلظ منه كالصوم كان مخيرا بينه وبين الفطر ثم نسخ إلى الانحتام بقوله ~~عز وجل: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} 5 ويجوز النسخ في الحظر إلى الإباحة ~~كقوله تعالى: # {لم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن} ~~6 حرم عليهم المباشرة. ثم أبيح لهم ذلك وقال بعض أصحابنا لا يجوز النسخ إلى ~~ما هو أغلظ من المنسوخ وهو قول أهل الظاهر وهذا خطأ لأنا قد وجدنا ذلك في ~~الشرع وهو التخيير بين الصوم والفطر إلى انحتام الصوم ولأنه إذا جاز أن ~~يوجب تغليظا لم يكن فلأن يجوز أن ينسخ واجبا بما هو أغلظ أولى. PageV01P058 ### | باب ما يجوز به النسخ وما لا يجوز # ... # بان ما يجوز به النسخ وما لا يجوز # ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب لقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت ~~بخير منها أو مثلها} 1. # فصل # وكذلك يجوز نسخ السنة بالسنة كما يجوز نسخ الكتاب بالكتاب الآحاد بالآحاد ~~والتواتر بالتواتر والآحاد بالتواتر، فأما التواتر بالآحاد فلا يجوز لأن ~~التواتر يوجب العلم فلا يجوز نسخه بما يوجب الظن. # فصل # ويجوز نسخ الفعل بالفعل لأنهما كالقول مع القول وكذلك نسخ القول بالفعل ~~والفعل بالقول، ومن الناس من قال لا يجوز نسخ القول بالفعل والدليل على ~~جوازه أن الفعل كالقول في البيان ms044 فكما يجوز بالقول جاز بالفعل. # فصل # أما نسخ السنة بالقرآن ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز لأن الله تعالى جعل ~~السنة بيانا للقرآن فقال تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} 2 فلو جوزنا ~~نسخ السنة بالقرآن لجعلنا القرآن بيانا للسنة. والثاني: أنه يجوز وهو ~~الصحيح لأن القرآن أقوى من السنة فإذا جاز نسخ السنة بالسنة فلأن يجوز ~~بالقرآن أولى. # فصل # وأما نسخ القرآن بالسنة: فلا يجوز من جهة السمع ومن أصحابنا من قال: لا ~~يجوز من جهة السمع ولا من جهة العقل والأول أصح. وقال أصحاب أبي حنيفة: ~~يجوز بالخبر المتواتر وهو قول أكثر المتكلمين وحكي ذلك عن أبي PageV01P059 # العباس بن سريج والدليل على ذلك من جهة العقل أنه ليس في العقل ما يمنع ~~جوازه والدليل على أنه لا يجوز من جهة السمع قوله تعالى: {ما ننسخ من آية ~~أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} والسنة ليست من مثل القرآن. ألا ترى أنه ~~لا يثاب على تلاوة السنة كما يثاب على تلاوة القرآن ولا إعجاز في لفظه كما ~~في لفظ القرآن فدل على أنه ليس مثله. # فصل # وأما النسخ بالإجماع فلا يجوز لأن الإجماع حادث بعد موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلا يجوز أن ينسخ ما يتقرر في شرعه ولكن يستدل بالإجماع على ~~النسخ فإن الأمة لا تجتمع على الخطأ، فإذا رأيناهم قد أجمعوا على خلاف ما ~~ورد به الشرع دلنا ذلك على أنه منسوخ. # فصل # ويجوز النسخ بدليل الخطاب لأنه معنى النطق على المذهب الصحيح. ومن ~~أصحابنا من جعله كالقياس فعلى هذا لا يجوز النسخ به والأول أظهر، وأما ~~النسخ بفحوى الخطاب وهو التنبيه فلا يجوز لأنه قياس ومن أصحابنا من قال: ~~النسخ به لأنه كالنطق. # فصل # ولا يجوز النسخ بالقياس وقال بعض أصحابنا: يجوز بالجلي منه دون الخفي ومن ~~الناس من قال: يجوز بكل دليل يقع به البيان والتخصيص وهذا خطأ لأن القياس ~~إنما يصح إذا لم يعارضه نص فإذا كان هناك نص يخالف القياس لم يكن ms045 للقياس ~~حكم فلا يجوز النسخ به. # فصل # ولا يجوز النسخ بأدلة العقل لأن دليل العقل ضربان: ضرب لا يجوز أن يرد ~~الشرع بخلافه فلا يتصور نسخ الشرع به، وضرب يجوز أن يرد الشرع بخلافه # PageV01P060 # وهو البقاء على حكم الأصل وذلك إنما يوجب العمل به عند عدم الشرع فإذا ~~وجد الشرع بطلت دلالته فلا يجوز النسخ به. # PageV01P061 ### | باب ما يعرف به الناسخ من المنسوخ # واعلم أن النسخ قد يعلم بصريح النطق كقوله عز وجل: {الآن خفف الله عنكم} ~~1 وقد يعلم بالإجماع وهو أن تجمع الأمة على خلاف ما ورد من الخبر فيستدل ~~بذلك على أنه منسوخ لأن الأمة لا تجتمع على الخطأ، وقد يعلم بتأخير أحد ~~اللفظين عن الآخر مع التعارض وذلك مثل ما روي أنه قال: "الثيب بالثيب جلد ~~مائة والرجم" ثم روي أنه رجم ماعزا ولم يجلده فدل على أن الجلد منسوخ. # فصل # ويعلم التأخير في الأخبار بالنطق كقوله صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم ~~عن زيارة القبور فزوروها" ويعلم بأخبار الصحابة أن هذا نزل بعد هذا وورد ~~هذا بعد هذا، كما روي أنه كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ترك الوضوء مما مست النار. فأما إذا كان راوي أحد الخبرين أقدم صحبة ~~والآخر أحدث صحبة كابن مسعود وابن عباس لم يجز نسخ خبر الأقدم بخبر الأحدث، ~~لأنهما عاشا إلى أن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجوز أن يكون الأقدم ~~سمع ما رواه بعد سماع الأحدث، ولأنه يجوز أن يكون الأحدث أرسله عمن قدمت ~~صحبته ولا تكون روايته متأخرة عن رواية الأقدم فلا يجوز النسخ مع الاحتمال. ~~وأما إذا كان راوي أحد الخبرين أسلم بعد موت الآخر أو بعد قصته مثل ما روى ~~طلق بن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مس الذكر وهو يبني مسجد ~~المدينة فلم يوجب منه الوضوء وروى أبو هريرة إيجاب الوضوء وهو أسلم عام ~~حنين بعد بناء المسجد، فيحتمل أن ينسخ حديث طلق بحديثه ms046 لأن الظاهر أنه لم ~~يسمع ما رواه إلا بعد PageV01P061 # هذه القصة فنسخه، ويحتمل أن لا ينسخ لجواز أن يكون قد سمعه قبل أن يسلم ~~وأرسله عمن قدم إسلامه. # فصل # فأما إذا قال الصحابي هذه الآية منسوخة أو هذا الخبر منسوخ لم يقبل منه ~~حتى يبين الناسخ فينظر فيه، ومن الناس من قال: ينسخ بخبره ويقلد فيه. ومنهم ~~من قال: إن ذكر الناسخ لم يقلد بل ينظر فيه وإن لم يذكر الناسخ نسخ وقلد ~~فيه، والدليل على أنه لا يقبل هو أنه يجوز أن يكون قد اعتقد النسخ بطريق لا ~~يوجب النسخ ولا يجوز أن يترك الحكم الثابت من غير نظر وبالله التوفيق. # PageV01P062 ### | باب الكلام في نسخ بعض العبادة والزيادة فيها # إذا نسخ شيئا يتعلق بالعبادة لم يكن ذلك نسخا للعبادة، ومن الناس من قال: ~~إن ذلك نسخ للعبادة، ومن الناس من قال: إن كان ذلك بعضا من العبادة كالركوع ~~والسجود من الصلاة كان ذلك نسخا لها، وإن كان شيئا منفصلا منها كالطهارة لم ~~يكن نسخا لها، وقال بعض المتكلمين: إن كان ذلك مما لا تجزئ العبادة قبل ~~النسخ به إلا به كان نسخا لها سواء كان جزأ منها أو منفصلا عنها، وإن كان ~~مما تجزئ العبادة قبل النسخ مع عدمه كالوقوف على يمين الإمام ودعاء التوجه ~~وما أشبهه لم يكن ذلك نسخا لها، والدليل على أن ذلك ليس بنسخ. أن الباقي من ~~الجملة على ما كان عليه لم يزل فلم يجز أن يجعل منسوخا كما لو أمر بصوم ~~وصلاة ثم نسخ أحدهما. # فصل # فأما إذا زاد في العبادة شيئا لم يكن ذلك نسخا وقال أهل العراق إن كانت ~~الزيادة توجب تعيين الحكم المزيد عليه كإيجاب النية في الوضوء، والتغريب في ~~الحد كان نسخا وإن كان ذلك في نص القرآن لم يجز بخبر الواحد والقياس. وقال ~~بعض المتكلمين: إن كانت الزيادة شرطا في المزيد كزيادة # PageV01P062 # ركعة الصلاة كانت نسخا وإن لم تكن شرطا في المزيد لم تكن نسخا، والدليل ~~على ما ms047 قلناه هو أن النسخ هو الرفع والإزالة، وهذا لم ذلك نسخا. # PageV01P063 ### | باب القول في شرع من قبلنا وما ثبت في الشرع ولم يتصل بالأمة # اختلف أصحابنا في شرع من قبلنا على ثلاثة أوجه: فمنهم من قال: ليس بشرع ~~لنا. ومنهم من قال: هو شرع لنا إلا ما ثبت نسخه. ومنهم من قال: شرع إبراهيم ~~صلوات الله عليه وحده شرع لنا دون غيره. ومنهم من قال: شرع موسى شرع لنا ~~إلا ما نسخ بشريعة عيسى صلوات الله عليه. ومنهم من قال: شريعة عيسى صلى ~~الله عليه وسلم شرع لنا دون غيره. # وقال الشيخ الإمام رحمه الله ونور ضريحه: والذي نصرت في التبصرة أن ~~الجميع شرع لنا إلا ما ثبت نسخه والذي يصح الآن عندي أن شيئا من ذلك ليس ~~بشرع لنا، والدليل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرجع في شيء من ~~الأحكام ولا أحد من الصحابة إلى شيء من كتبهم ولا إلى خبر من أسلم منهم، ~~ولو كان ذلك شرعا لنا لبحثوا عنه ورجعوا إليه ولما لم يفعلوا ذلك دل ذلك ~~على ما قلناه. # فصل # ما ورد به الشرع أو نزل به الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يتصل ~~بالأمة من حكم مبتدأ أو نسخ أمر كانوا عليه فهل يثبت ذلك من حق الأمة فيه ~~وجهان. من أصحابنا من قال: إنه يثبت في حق الأمة فإن كانت في عبادة وجب ~~القضاء، ومنهم من قال: لا يجب القضاء وهو الصحيح لأن القبلة قد حولت إلى ~~الكعبة وأهل قباء يصلون إلى بيت المقدس فأخبروا بذلك وهم في الصلاة، ~~فاستداروا ولم يؤمروا بالإعادة فلو كان قد ثبت في حقهم ذلك لأمروا بالقضاء. # PageV01P063 ### | باب القول في حروف المعاني # واعلم أن الكلام في هذا الباب كلام في باب من أبواب النحو غير أنه لما ~~كثر احتياج الفقهاء إليه ذكرها الأصوليون وأنا أشير إلى ما يكثر من ذلك إن ~~شاء الله تعالى فمن ذلك. # من: ذلك من ويدخل ذلك في الاستفهام ms048 والشرط والجزاء والخبر. وتقول في ~~الاستفهام من عندك ومن جاءك وتقول في الشرط والجزاء من جاءني أكرمته ومن ~~عصاني عاقبته وتقول في الخبر جاءني من أحبه ويختص بذلك من يعقل دون من لا ~~يعقل. # فصل # وأي: تدخل في الاستفهام والشرط والجزاء والخبر تقول في الاستفهام أي شيء ~~تحبه وأي شيء عندك، وفي الشرط والجزاء تقول أي رجل جاءني أكرمته، وفي الخبر ~~أيهم قام ضربته ويستعمل ذلك فيمن يعقل وفيما لا يعقل. # فصل # وما: تدخل للنفي والتعجب والاستفهام تقول في النفي: ما رأيت زيدا وفي ~~التعجب تقول: ما احسن زيدا. وفي الاستفهام: ما عندك ويدخل في الاستفهام عما ~~لا يعقل وقد قيل: أنه يدخل أيضا لما يعقل كقوله تعالى: {والسماء وما بناها} ~~1. # فصل # ومن: تدخل لابتداء الغاية والتبعيض والصلة تقول في ابتداء الغاية سرت من ~~البصرة وورد الكتاب من فلان وفي التبعيض تقول: خذ من هذه PageV01P064 # الدراهم وأخذت من علم فلان وفي الصلة تقول ما جاءني من أحد، وما بالربع ~~من أحد. # وإلى: تدخل لانتهاء الغاية كقولك ركبت إلى زيد وقد تستعمل بمعنى مع إلا ~~أنه لا تحمل على ذلك إلا بدليل كقوله عز وجل: {وأيديكم إلى المرافق} ~~والمراد به مع المرافق. وزعم قوم من أصحاب أبي حنيفة أنه يستعمل في معنى مع ~~على سبيل الحقيقة وهذا خطأ لأنه لا خلاف أنه لو قال لفلان على من درهم إلى ~~عشرة لم يلزمه الدرهم العاشر وكذلك إذا قال لامرأته أنت طالق من واحد إلى ~~ثلاث لم تقع الطلقة الثالثة فدل على أنه للغاية. # فصل # والواو: للجمع والتشريك في العطف. وقال بعض أصحابنا: هي للترتيب وهذا خطأ ~~لأنه لو كان للترتيب لما جاز أن يستعمل فيه لفظ المقارنة وهو أن تقول جاءني ~~زيد وعمرو معا كما لا يجوز أن يقال: جاءني زيد ثم عمرو معا، وتدخل بمعنى رب ~~في ابتداء الكلام كقوله: # ومهمه مغبرة أرجاؤه # أي: ورب مهمه، وفي القسم تقوم مقام الباء تقول والله بمعنى بالله. # فصل # والفاء: للتعقيب والترتيب تقول: جاءني ms049 زيد فعمرو ومعناه جاءني عمرو عقيب ~~زيد، وإذا دخلت السوق فاشتر كذا يقتضي ذلك عقيب الدخول. # فصل # وثم: للترتيب مع المهلة والتراخي وتقول جاءني زيد ثم عمرو ويقتضي أن يكون ~~بعده بفصل. # فصل # وأم: للاستفهام تقول: أكلت أم لا وتدخل بمعنى أو تقول: سواء أحسنت أم لم ~~تحسن. # PageV01P065 # فصل # وأو: تدخل في الشك للخبر تقول كلمني زيد أو عمرو، وتدخل في التخيير في ~~الأمر كقوله تعالى: # {إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم} 1 وقال بعضهم: ~~في النهي تدخل للجمع والأول هو الأصح لأن النهي أمر بالترك كالأمر أمر ~~بالفعل فإذا لم يقتض الجمع في الأمر لم يقتض في النهي. # فصل # والباء: تدخل للإلصاق كقولك: مررت بزيد وكتبت بالقلم وتدخل للتبعيض كقولك ~~مسحت بالرأس. وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله: لا تدخل للتبعيض وهذا غير ~~صحيح لأنهم أجمعوا على الفرق بين قوله أخذت قميصه وبين قوله أخذت بقميصه ~~فعقلوا من الأول أخذ جميعه ومن الثاني الأخذ ببعضه فدل على ما قلناه. # فصل # واللام: تقتضي التمليك وقال بعض أصحاب أبي حنيفة رحمه الله: تقتضي ~~الاختصاص دون الملك وهذا غير صحيح لأنه لا خلاف أنه لو قال هذه الدار لزيد ~~اقتضى أنها ملكه فدل على أن ذلك مقتضاه، وتدخل أيضا للتعليل كقوله عز وجل: ~~{لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} 2 وتدخل للغاية فيه والصيرورة ~~كقوله عز وجل: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} 3. # فصل # وعلى: للإيجاب كقوله لفلان علي كذا ومعناه واجب. PageV01P066 # فصل # وفي: للظرف تقول على تمر في جراب ومعناه أن ذلك فيه. # فصل # ومتى: ظرف زمان تقول متى رأيته. # فصل # وإذ، وإذا: ظرف للزمان إلا أن إذ لما مضى تقول: أنت طالق إذ دخلت الدار ~~معناه في الماضي، وإذا للمستقبل تقول: أنت طالق إذا دخلت الدار ومعناه في ~~المستقبل. # فصل # وحتى: للغاية كقوله تعالى: {حتى مطلع الفجر} 1 وتدخل للعطف كالواو إلا ~~أنه لا يعطف به إلا على وجه التعظيم والتحقير تقول في ms050 التعظيم جاءني الناس ~~حتى السلطان وتقول في التحقير كلمني كل أحد حتى العبيد وتدخل ليبتدأ الكلام ~~بعده كقولك: قام الناس حتى زيد قائم. # فصل # وإنما: للحصر وهو جمع الشيء فيما أشير إليه ونفيه عما سواه تقول إنما في ~~الدار زيد أي ليس فيها غيره، وإنما الله واحد أي لا إله إلا واحد. ~~PageV01P067 ### | باب الكلام في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم # وجملته أن الأفعال لا تخلو إما أن تكون قربة أو ليس بقربة فإن لم تكن ~~قربة كالأكل والشرب واللبس والقيام والقعود فهو يدل على الإباحة لأنه لا ~~يقر على الحرام فإن كان قربة لم يخل من ثلاثة أوجه. # PageV01P067 # أحدها: أن يفعل بيانا لغيره فحكمه مأخوذ من المبين فإن كان المبين واجبا ~~كان البيان واجبا وإن كان ندبا كان البيان ندبا، ويعرف بأنه بيان لذلك بأن ~~يصرح بأن ذلك بيان لذلك، أو يعلم في القرآن آية مجملة تفتقر إلى البيان ولم ~~يظهر بيانها بالقول فيعلم أن هذا الفعل بيان لها. # والثاني: أن يفعل امتثالا لأمر فيعتبر أيضا بالأمر فإن كان على الوجوب ~~علمنا أنه فعل واجبا وإن كان على الندب علمنا أنه فعل ندبا. # والثالث: أن يفعل ابتداء من غير سبب فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه على الوجوب إلا أن يدل الدليل على غيره وهو قول أبي العباس ~~وأبي سعيد وهو مذهب مالك وأكثر أهل العراق. # والثاني: أنه على الندب إلا أن يدل الدليل على الوجوب. # والثالث: أنه على الوقف فلا يحمل على الوجوب ولا على الندب إلا بدليل وهو ~~قول أبي بكر الصيرفي وهو الأصح، والدليل عليه أن احتمال الفعل للوجوب ~~كاحتماله للندب فوجب التوقف فيه حتى يدل الدليل. # فصل # إذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا وعرف أنه فعله على وجه الوجوب ~~أو على وجه الندب كان ذلك شرعا لنا إلا أن يدل الدليل على تخصيصه بذلك، ~~وقال أبو بكر الدقاق: لا يكون ذلك شرعا لنا إلا بدليل، والدليل على فساد ~~ذلك ms051 قوله عز وجل: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} 1 ولأن الصحابة ~~كانوا يرجعون فيما أشكل عليهم إلى أفعاله فيقتدون به فيها فدل على انه شرع ~~في حق الجميع. PageV01P068 # فصل # ويقع بالفعل جميع أنواع البيان من بيان المجمل وتخصيص العموم وتأويل ~~الظاهر والنسخ. فأما بيان المجمل فهو كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للصلاة والحج فكان في فعله بيان المجمل الذي في القرآن. وأما تخصيص العموم ~~فكما روى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ~~ثم روى أنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر صلاة لها سبب فكان في ذلك ~~تخصيص عموم النهي. وأما تأويل الظاهر فكما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~نهى عن القود في الطرف قبل الاندمال فيعلم أن المراد بالنهي الكراهية دون ~~التحريم. وأما النسخ فكما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "البكر ~~بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". ثم روى أنه ~~صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا ولم يجلده فدل على أن ذلك منسوخ. # فصل # وإن تعارض قول وفعل في البيان ففيه أوجه: من أصحابنا من قال: القول أولى، ~~ومنهم من قال: الفعل أولى، ومنهم من قال: هما سواء والأول أصح لأن الأصل في ~~البيان هو القول: ألا تراه يتعدى بصيغته والفعل لا يتعدى إلا بدليل فكان ~~القول أولى. # PageV01P069 ### | باب القول في الإقرار والسكت عن الحكم # والإقرار: أن يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فلا ينكره أو يرى ~~فعلا فلا ينكره مع عدم الموانع فيدل ذلك على جوازه، وذلك مثل ما روى أنه ~~سمع رجلا يقول الرجل يجد مع امرأته رجلا إن قتل قتلتموه وإن تكلم جلدتموه ~~وإن سكت، سكت على غيظ أم كيف يصنع ولم ينكر عليه فدل ذلك على أنه إذا قتل ~~قتل وإذا قذف جلد وكما روى أنه صلى الله عليه وسلم: رأى قيسا يصلي ركعتي ~~الفجر بعد الصبح فلم ينكر عليه ms052 فدل على # PageV01P069 # جواز ما لها سبب بعد الصبح لأنه يجوز أن يرى منكرا فلا ينكره مع القدرة ~~عليه لأن في ترك الإنكار إيهام أن ذلك جائز. # فصل # وأما ما فعل في زمانه صلى الله عليه وسلم فلم ينكره فإنه ينظر فيه فإن ~~كان ذلك مما لا يجوز أن يخفى عليه من طريق العادة كان بمنزلة ما لو رآه فلم ~~ينكره، وذلك مثل ما روى أن معاذا كان يصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم يأتي قومه في بني سلمى فيصلي بهم هي له تطوع ولهم فريضة العشاء ~~فيدل ذلك على جواز الافتراض خلف المتنفل وإن كان مثل ذلك لا يجوز أن يخفى ~~عليه فإن كان لا يجوز لأنكر. وأما ما يجوز إخفاؤه عليه وذلك مثل ما روى عن ~~بعض الأنصار أنه قال كنا نجامع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكسل ~~ولا نغتسل فهذا لا يدل على الحكم لأن ذلك يفعل سرا ويجوز أن لا يعلم به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم لا يغتسلون لأن الأصل أن لا يجب الغسل ~~فلا يحتج به في إسقاط الغسل ولهذا قال علي كرم الله وجهه: حين روي له ذلك ~~أو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقركم عليه فقالوا: لا فقال: فمه1. # فصل # وأما السكت عن الحكم: فهو أن يرى رجلا يفعل فعلا فلا يوجب فيه حكما فينظر ~~فيه فإن لم يكن ذلك موضع حاجة ولم يكن في سكوته دليل على الإيجاب ولا إسقاط ~~لجواز أن يكون قد أخر البيان إلى وقت الحاجة وإن كان موضع حاجة مثل ~~الأعرابي الذي سأله عن الجماع في رمضان فأوجب عليه العتق ولم يوجب على ~~المرأة دل سكوته على أنه واجب عليه لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا ~~يجوز. PageV01P070 ### | باب القول في الأخبار # بيان الخبر وإثبات صيغته # الخبر الذي لا يخلو من أن يكون صدقا أو كذبا وله صيغة موضوعة في اللغة ~~تدل عليه وهو قوله: زيد قائم وعمرو ms053 قاعد وما أشبههما. وقالت الأشعرية: لا ~~صيغة له والدليل على فساد ذلك أن أهل اللغة قسموا الكلام أربعة أقسام ~~فقالوا: أمر ونهي وخبر واستخبار. فالأمر قولك: افعل. والنهي قولك: لا تفعل. ~~والخبر قولك: زيد في الدار. والاستخبار قولك: أزيد في الدار فدل على ما ~~قلناه. # PageV01P071 ### | باب القول في الخبر المتواتر # اعلم أن الخبر ضربان: متواتر وآحاد. فأما الآحاد فله باب يأتي الكلام فيه ~~إن شاء الله تعالى وبه الثقة. وأما المتواتر فهو كل خبر علم مخبره ضرورة ~~وذلك ضربان تواتر من جهة اللفظ كالأخبار المتفقة عن القرون الماضية والبلاد ~~النائية وتواتر من طريق المعنى كالأخبار المختلفة عن سخاء حاتم وشجاعة علي ~~رضي الله عنه وما أشبه ذلك ويقع العلم بكلا الضربين وقال البراهمة: لا يقع ~~العلم بشيء من الأخبار وهذا جهل فأنا نجد أنفسنا عالمة بما يؤدي إليها ~~الخبر المتواتر أخبار مكة وخراسان وغيرهما كما نجدها عالمة بما تؤدي إليه ~~الحواس فكما لا يجوز إنكار العلم الواقع بالحواس لم يجز إنكار العلم الواقع ~~بالأخبار. # فصل # والعلم الذي يقع به ضروري. وقال البلخي من المعتزلة: العلم الواقع به ~~الكتاب وهو قول أبي بكر الدقاق وهذا خطأ لأنه لا يمكن نفي ما يقع به من ~~العلم عن نفسه بالشك والشبهة فكان ضروريا كالعلم الواقع عن الحواس. # فصل # ولا يقع العلم الضروري بالتواتر إلا بثلاث شرائط. # PageV01P071 # إحداها: أن يكون المخبرون عددا لا يصح منهم التواطؤ على الكذب وإن يستوي ~~طرفاه ووسطه فيروي هذا العدد عن مثله إلى أن يتصل بالمخبر عنه. وأن يكونا ~~لخبر في الأصل عن مشاهدة أو سماع. # فأما إذا كان عن نظر واجتهاد مثل أن يجتهد العلماء فيؤديهم الاجتهاد إلى ~~شيء لم يقع العلم الضروري بذلك ومن أصحابنا من اعتبر أن يكون العدد مسلمين ~~ومن الناس من قال: لا يجوز أن يكون العدد أقل من اثني عشر ومنهم من قال ~~أقله سبعون ومنهم من قال: ثلاثمائة وأكثر وهذا كله خطأ لأن وقوع العلم به ~~لا يختص بشيء مما ذكروه فسقط ms054 اعتبار ذلك. # PageV01P072 ### | باب القول في أخبار الآحاد # واعلم أن خبر الواحد ما انحط عن حد التواتر وهو ضربان مسند ومرسل. فأما ~~المرسل فله باب يجيء إن شاء الله تعالى. وأما المسند فضربان: # أحدهما: يوجب العلم وهو على أوجه منها خبر الله عز وجل وخبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ومنها أن يحكي الرجل بحضرة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شيئا ويدعي علمه فلا ينكر عليه فيقطع به على صدقه؛ ومنها أن يحكي ~~الرجل شيئا بحضرة جماعة كثيرة ويدعي علمهم فلا ينكرونه فيعلم بذلك صدقه، ~~ومنها خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول فيقطع بصدقه سواء عمل الكل به ~~أو عمل البعض وتأوله البعض فهذه الأخبار توجب العمل ويقع العلم بها ~~استدلالا. # والثاني: يوجب العمل ولا يوجب العلم وذلك مثل الأخبار المروية في السنن ~~والصحاح وما أشبهها. وقال بعض أهل العلم: توجب العلم وقال بعض المحدثين ما ~~يحكى إسناده أوجب العلم وقال النظام يجوز أن يوجب العلم إذا قارنه سبب مثل ~~أن يرى رجل مخرق الثياب فيجيء ويخبر بموت قريب له وقال القاشاني وابن داود: ~~لا يوجب العلم وهو مذهب الرافضة ثم اختلف هؤلاء فمنهم من قال: العقل يمنع ~~العمل به ومنهم من قال العقل لا يمنع إلا أن الشرع لم يرد به فالدليل على ~~أنه لا يوجب العلم أنه لو كان # PageV01P072 # يوجب العلم لوقع العلم بخبر كل مخبر ممن يدعي النبوة أو مالا على غيره ~~ولما لم يقع العلم بذلك دل على انه لا يوجب العلم. وأما الدليل على أن ~~العقل لا يمنع من التعبد به هو أنه إذا جاز التعبد بخبر المفتي وشهادة ~~الشاهد ولم يمنع العقل منه جاز بخبر المخبر وأما الدليل على وجوب العمل به ~~من جهة الشرع أن الصحابة رضي الله عنهم رجعت إليهما في الأحكام فرجع عمر ~~إلى حديث حمل بن مالك في دية الجنين وقال: لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره ~~ورجع عثمان كرم الله وجهه في السكنى إلى حديث فريعة بنت مالك ms055 وكان علي كرم ~~الله وجهه يرجع إلى أخبار الآحاد ويستظهر فيها باليمين وقال إذا حدثني أحد ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلفته فإذا حلف لي صدقته إلا أبا بكر ~~وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر، ورجع ابن عمر إلى خبر رافع بن خديج في ~~المخابرة ورجعت الصحابة إلى حديث عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين، ~~فدل على وجوب العمل به. # فصل # ولا فرق بين أن يرويه واحد أو اثنان وقال أبو علي الجبائي: لا يقبل حتى ~~يرويه اثنان عن اثنين وهذا خطأ لأنه إخبار عن حكم شرعي فجاز قبوله من واحد ~~كالفتيا. # فصل # ويجب العمل به فيما تعم به البلوى وفيما لا تعم وقال أصحاب أبي حنيفة ~~رحمه الله لا يجوز العمل به فيما تعم به البلوى والدليل على فساد ذلك أنه ~~حكم شرعي يسوغ فيه الاجتهاد فجاز إثابته بخبر الواحد قياسا على ما لا تعم ~~به البلوى. # فصل # ويقبل أن خالف القياس ويقدم عليه وقال أصحاب مالك رحمه الله: إذا خالف ~~القياس لم يقبل. وقال أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه: إذا خالف # PageV01P073 # القياس الأصول لم يقبل وذكروا ذلك في خبر التفليس والقرعة والمصراة ~~والدليل على أصحاب مالك أن الخبر يدل على قصد صاحب الشرع بصريحه والقياس ~~يدل على قصده بالاستدلال والصريح أقوى فيجب أن يكون بالتقديم أولى. وأما ~~أصحاب أبي حنيفة رحمه الله فإنهم إن أرادوا بالأصول القياس على ما ثبت ~~بالأصول فهو الذي قاله أصحاب مالك وقد دللنا على فساده، وإن أرادوا نفس ~~الأصول التي هي الكتاب والسنة والإجماع فليس معهم في المسائل التي ردوا ~~فيها خبر الواحد كتاب ولا سنة ولا إجماع فسقط ما قالوه. # PageV01P074 # رضي الله عنه استئناسا بها لا أنها حجة، فأما إذا قال أخبرني الثقة عن ~~الزهري فهو كالمرسل لأن الثقة مجهول عندنا فهو بمنزلة من لم يذكره أصلا ~~وأما خبر العنعنة إذا قال أخبرنا مالك عن الزهري فهو مسند ومن الناس من قال ~~حكمه حكم المرسل وهذا خطأ لأن ms056 الظاهر أنه سماع عن الزهري وإن كان بلفظ ~~العنعنة فوجب أن يقبل. # فصل # وأما إذا قال أخبرني عمر بن شعيب عن أبيه1 عن جده عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيحتمل أن يكون ذلك عن الجد الأدنى وهو محمد بن عبد الله بن عمرو ~~فيكون مرسلا ويحتمل أن يكون عن جده الأعلى فيكون مسندا فلا يحتج به لأنه ~~يحتمل الإرسال والإسناد فلا يجوز إثباته بالشك إلا أن يثبت أنه ليس يروي ~~إلا عن جده الأعلى فحينئذ يحتج به. PageV01P075 ### | باب القول في المراسيل # والمرسل ما انقطع إسناده وهو أن يروي عمن لم يسمع منه فيترك بينه وبينه ~~واحد في الوسط فلا يخلو ذلك من أحد أمرين: إما أن يكون مراسيل الصحابة أو ~~من غيرها فإن كان من مراسيل الصحابة وجب العمل به لأن الصحابة رضي الله ~~عنهم مقطوع بعدالتهم. # فصل # وإن كان من مراسيل غيرهم نظرت فإن كان من مراسيل غير سعيد بن المسيب لم ~~يعمل به وقال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما: يعمل به كالمسند وقال عيسى ~~بن أبان: إن كان من مراسيل التابعين وتابعي التابعين قبل وإن كان من مراسيل ~~غيرهم لم يقبل إلا أن يكون المرسل إماما فالدليل على ما قلناه أن العدالة ~~شرط في صحة الخبر والذي ترك تسميته يجوز أن يكون عدلا ويجوز أن لا يكون ~~عدلا فلا يجوز قبول خبره حتى يعلم. # فصل # وإن كان من مراسيل ابن المسيب فقد قال الشافعي رضي الله عنه مراسيله ~~عندنا حسن فمن أصحابنا من قال مراسيله حجة لأنها تتبعت فوجدت كلها مسانيد ~~ومنهم من قال: هي كغيرها وإنما استحسنها الشافعي # PageV01P073 ### | باب صفة الراوي ومن يقبل خبره # واعلم أنه لا يقبل الخبر حتى يكون الراوي في حال السماع مميزا ضابطا لأنه ~~إذا لم يكن بهذه الصفة عند السماع لم يعلم ما يرويه وإن لم يكن بالغا عند ~~السماع جاز ومن الناس من قال يعتبر أن يكون في حال السماع بالغا وهذا خطأ ~~لأن المسلمين اجمعوا على قبول خبر ms057 أحداث الصحابة والعمل بما سمعوه في حال ~~الصغر كابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهم فدل على ما قلناه. # فصل # وينبغي أن يكون عدلا مجتنبا للكبائر متنزها عن كل ما يسقط المروءة من ~~المجون والسخف والأكل في السوق والبول في قارعة الطريق لأنه إذا لم يكن ~~بهذه الصفة لم يؤمن من أن يتساهل في رواية مالا أصل له ولهذا رد أمير # PageV01P075 # المؤمنين علي كرم الله وجهه حديث أبي سنان الأشجعي وقال: بوال على عقبيه. # فصل # وينبغي أن يكون ثقة مأمونا لا يكون كذابا ولا ممن يزيد في الحديث ما ليس ~~منه فإن عرف بشيء من ذلك لم يقبل حديثه لأنه لا يؤمن أن يضيف إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما لم يقله. # فصل # وكذلك يجب أن يكون غير مبتدع يدعو الناس إلى البدعة فإنه لا يؤمن أن يضع ~~الحديث على وفق بدعته، وأما إذا لم يدع الناس إلى البدعة فقد قيل أن روايته ~~تقبل. # قال الشيخ الإمام رحمه الله: والصحيح عندي أنها لا تقبل لأن المبتدع فاسق ~~فلا يجوز أن يقبل خبره. # فصل # وينبغي أن يكون غير مدلس والتدليس هو أن يروي عمن لم يسمع منه ويوهم أنه ~~سمع منه ويروى عن رجل يعرف بنسب أو اسم فيعدل عن ذلك إلى ما لا يعرف به من ~~أسمائه يوهم أنه غير ذلك الرجل المعروف، وقال كثير من أهل العلم يكره ذلك ~~إلا أنه لا يقدح ذلك في روايته وهو قول بعض أصحابنا لأنه لم يصرح بكذب. ومن ~~الناس من قال يرد حديثه لأنه في الإيهام عمن لم يسمع توهيم ما لا أصل له ~~فهو كالمصرح بالكذب وفي العدول عن الاسم المشهور إلى غيره تغرير بالرواية ~~عمن لعله غير مرضي فوجب التوقف عن حديثه. # فصل # ويجب أن يكون ضابطا حال الرواية محصلا لما يرويه فأما إذا كان مغفلا لم ~~يقبل خبره فإنه لا يؤمن أن يروي بما لم يسمعه فإن كان له حال غفلة # PageV01P076 # وحال تيقظ فما يرويه في ms058 حال تيقظه مقبول، وإن روي عنه حديثا ولم يعلم أنه ~~رواه في حال التيقظ أو الغفلة لم يعمل به. # PageV01P077 ### | باب القول في الجرح والتعديل # وجملته أن الراوي لا يخلو إما أن يكون معلوم العدالة أو معلوم الفسق أو ~~مجهول الحال، فإن كانت عدالته معلومة كالصحابة رضي الله عنهم أو أفاضل ~~التابعين كالحسن وعطاء والشعبي والنخعي وأجلاء الأئمة كمالك وسفيان وأبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق ومن يجري مجراهم وجب قبول خبره ولم يجب البحث ~~عن عدالته، وذهبت المعتزلة والمبتدعة إلى أن في الصحابة فساقا وهم الذين ~~قتلوا عليا كرم الله وجهه من أهل العراق وأهل الشام حتى اجترءوا ولم يخافوا ~~الله عز وجل وأطلقوا هذا القول على طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم وهذا ~~قول عظيم في السلف والدليل على فساد قولهم أن عدالتهم قد ثبتت ونزاهتهم قد ~~عرفت فلا يجوز أن تزول عما عرفناه إلا بدليل قاطع ولأنهم لم يظهر منهم ~~معصية اعتمدوها وإنما دارت بينهم حروب كانوا فيها متأولين ولهذا امتنع خلق ~~كثير من خيار الصحابة والتابعين عن معاوية في قتال علي كرم الله وجهه على ~~ذلك واستعفوا عن القتال معه لما دخل عليهم من الشبهة في ذلك كسعد بن أبي ~~وقاص وأصحاب ابن مسعود وغيرهم ولهذا كان علي رحمة الله عليه يأذن في قبول ~~شهادتهم والصلاة معهم فلا يجوز أن يقدح ذلك في عدالتهم. # فصل # فأما أبو بكرة ومن جلد معه في القذف فإن أخبارهم تقبل لأنهم لم يخرجوا ~~مخرج القذف بل أخرجوه مخرج الشهادة وإنما جلدهم عمر كرم الله وجهه باجتهاده ~~فلم يجز أن يقدح بذلك في عدالتهم ولم يرد خبرهم. # فصل # وإن كان معلوم الفسق لم يقبل خبره سواء كان فسق بتأويل أو بغير # PageV01P077 # تأويل، وقال بعض المتكلمين يقبل الفاسق بتأويل إذا كان أمينا في دنيه حتى ~~الكافر. والدليل على ما قلناه قوله عز وجل: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} 1 ~~ولم يفرق، ولأنه إذا لم يخرجه التأويل عن كونه كافرا أو فاسقا لم يخرجه عن ms059 ~~أن يكون مردود الخبر. # الفصل # فإذا كان مجهول الحال لم يقبل حتى تثبت عدالته، وقال أصحاب أبي حنيفة ~~رحمه الله يقبل، والدليل على ما قلناه أن كل خبر لم يقبل من الفاسق لم يقبل ~~من مجهول العدالة كالشهادة. # فصل # ويجب البحث عن العدالة الباطنة كما يجب ذلك في الشهادة، ومن أصحابنا من ~~قال يكفي السؤال عن العدالة في الظاهر فإن مبناه على الظاهر وحسن الظن ~~ولهذا يجوز قبوله من العبد. # فصل # فإن اشترك رجلان في الاسم والنسب وأحدهما عدل والآخر فاسق فروي خبر عن ~~هذا الاسم لم يقبل حتى يعلم أنه عن العدل. # فصل # ويثبت التعديل والجرح في الخبر بواحد، ومن أصحابنا من قال لا يثبت إلا من ~~نفسين كتزكية الشهود والأول أصح لأن الخبر يقبل من واحد فكذلك تزكية ~~المخبر. # فصل # ولا يقبل التعديل إلا ممن يعرف شروط العدالة وما يفسق به الإنسان ~~PageV01P078 # لأنا لو قبلنا ممن لا يعرف لم نأمن أن نشهد بعدل من هو فاسق أو فسق من هو ~~عدل. # فصل # ويكفي في التعديل أن يقول هو عدل. ومن أصحابنا من قال يحتاج أن يقول هو ~~عدل على ولي ومن الناس من قال لا بد من ذكر ما صار به عدلا، والدليل على ~~انه يكفي قوله عدل أن قوله عدل يجمع أنه عدل عليه وله ولا يحتاج إلى ~~الزيادة عليه، والدليل على أنه لا يحتاج إلى ذكر ما يصير به عدلا أنا لا ~~نقبل إلا قول من تعرف فيه شروط العدالة فلا يحتاج إلى بيان شروط العدالة. # فصل # ولا يقبل الجرح إلا مفسرا فأما إذا قال هو ضعيف أو فاسق لم يقبل، وقال ~~أبو حنيفة رحمه الله: إذا قال هو فاسق قبل من غير تفسير وهذا غير صحيح لأن ~~الناس يختلفون فيما يرد به الخبر ويفسق به الإنسان فربما اعتقد في أمر أنه ~~جرح وليس بجرح فوجب بيانه. # فصل # فإن عدله واحد وجرحه آخر قدم الجرح على التعديل لأن مع شاهد الجرح زيادة ~~علم فقدم على المزكى. ms060 # فصل # فإن روي عن المجهول عدل لم يكن ذلك تعديلا وقال بعض أصحابنا: إن ذلك ~~تعديل والدليل على فساد ذلك هو أنا نجد العدول يروون عن المدلسين والكذابين ~~ولهذا قال الشعبي: أخبرني الحارث الأعور وكان والله كذابا فلم يكن في ~~الرواية عنه دليل على التعديل. # فصل # فأما إذا عمل العدل بخبره وصرح بأنه بخبره فهو تعديل لأنه يجوز # PageV01P079 # أن يعمل به إلا وقد قبله وإن عمل بموجب خبره ولم يسمع منه أنه عمل بالخبر ~~لم يكن ذلك تعديلا لأنه قد يعمل بموجب الخبر من جهة القياس ودليل غيره فلم ~~يكن ذلك تعديلا. # PageV01P080 ### | باب القول في حقيقة الرواية وما يتصل به # والاختيار في الرواية أن يروي الخبر بلفظه لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداعها" كما سمع: "رب حامل أفقه منه" ~~فإن أورد الرواية بالمعنى نظرت فإن كان ممن لا يعرف معنى الحديث لم يجز ~~لأنه لا يؤمن أن يغير معنى الحديث وإن كان ممن يعرف معنى الحديث نظرت فإن ~~كان ذلك في خبر محتمل لم يجز أن روي بالمعنى لأنه ربما نقل بلفظ لا يؤدي ~~مراد الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يتصرف فيه وإن كان خبرا ظاهرا ~~ففيه وجهان: من أصحابنا من قال: لا يجوز لأنه ربما كان التعبد باللفظ ~~كتكبير للصلاة. والثاني: أنه يجوز وهو الأظهر لأنه يؤدي معناه فقام مقامه ~~ولهذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أصبت المعنى فلا ~~بأس". # فصل # والأولى أن يروى الحديث بتمامه فإن روي البعض وترك البعض لم يجز ذلك على ~~قول من يقول إن نقل الحديث بالمعنى لا يجوز وأما على قول من قال إن ذلك ~~جائز فقد اختلفوا في هذا. فمنهم من قال: إن كان قد نقل ذلك هو أو غيره ~~بتمامه مرة جاز أن ينقل البعض وإن لم يكن قد نقل ذلك لا هو ولا غيره لم ~~يجز، ومنهم من قال: إن كان يتعلق بعضه ببعض لم ms061 يجز فإن كان الخبر يشتمل على ~~حكمين لا يتعلق أحدهما بالآخر جاز نقل أحد الحكمين بترك الآخر وهو الصحيح، ~~ومن الناس من قال: لا يجوز بكل حال والدليل على الصحيح هو أنه إذا تعلق ~~بعضه ببعض كان في ترك بعضه تقرير لأنه ربما عمل بظاهره فيخل بشرط من شروط ~~الحكم وإذا لم يتعلق بعضه ببعض فهو كالخبرين يجوز نقل أحدهما دون الآخر. # PageV01P080 # فصل # وينبغي لمن لا يحفظ الحديث أن يرويه من الكتاب فإن كان يحفظ فالأولى أن ~~يرويه من كتاب لأنه أحوط فإن رواه من حفظه جاز، وأما إذا لم يحفظ وعنده ~~كتاب وفيه سماعه بخطه وهو يذكر أنه سمع جاز أن يرويه وإن لم يذكر كل حديث ~~فيه وإن لم يذكر أنه سمع هذا الخبر فهل يجوز أن يرويه؟ فيه وجهان: أحدهما: ~~يجوز وعليه يدل قوله في الرسالة. والثاني: لا يجوز وهو الصحيح لأنه لا يأمن ~~أن يكون قد زور على خطه فلا تجوز الرواية بالشك. # فصل # فإذا روى عن شيخ ثم نسى الشيخ الحديث لم يسقط الحديث، وقال الكرخي من ~~أصحاب أبي حنيفة رحمه الله: يسقط الحديث وهذا غير صحيح لأن الراوي عنه ثقة ~~ويجوز أن يكون الشيخ قد نسى فلا تسقط رواية صحيحة في الظاهر فأما إ ذا جحد ~~الشيخ الحديث وكذب الراوي عنه سقط الحديث لأنه قطع بالجحود ورد الحديث ~~فتعارض روايته جحود الشيخ فسقطا ولا يكون هذا التكذيب قدحا في الرواية عنه ~~لأنه كما يكذبه الشيخ فهو أيضا يكذب الشيخ. # فصل # فإذا قرأ الشيخ الحديث عليك جاز أن تقول سمعته وحدثني وأخبرني وقرأ علي. ~~سواء قال أروه عني أو لم يقل وإن أملى عليك جاز جميع ما ذكرناه ويجوز أن ~~يقول أملى علي لأن جميع ذلك صدق فأما إذا قرأت عليه الحديث وهو ساكت يسمع ~~لم يجز أن تقول سمعته ولا حدثني ولا أخبرني ومن الناس من قال يجوز ذلك وهذا ~~خطأ لأنه لم يوجد شيء من ذلك فإن قال له هو كما قرأت عليك ms062 فأقرأ به جاز أن ~~يقول أخبرني ولا يقول حدثني لأن الأخبار يستعمل في كل ما يتضمن الإعلام، ~~والحديث لا يستعمل إلا فيما سمعه مشافهة، فأما إذا أجازه لم يجز أن يقول ~~حدثني ولا أخبرني ويجوز أن يقول أجازني وأخبرني إجازة ويجب العمل به وقال ~~بعض أهل الظاهر لا يجب # PageV01P081 # العمل به وهذا خطأ لأن القصد أن يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلا فرق بين النطق وبين ما يقوم مقامه فأما إذا كتب إليه رجل وعرف خطه جاز ~~أن يقول كتب إلي به فأخبرني كتابة، ومن أصحابنا من قال لا يعمل بالخط كما ~~لا يعمل في الشهادة وهذا غير صحيح لأن الأخبار مبناها على حسن الظن. # PageV01P082 ### | باب بيان ما يرد به خبر الواحد # إذا روي الخبر ثقة رد بأمور: # أحدها: أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه لأن الشرع إنما يرد بمجوزات ~~العقول وأما بخلاف العقول فلا. # والثاني: أن يخالف نص كتاب أو سنة متواترة فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ. # والثالث: أن يخالف الإجماع فيستدل به على أنه منسوخ أو لا أصل له لأنه لا ~~يجوز أن يكون صحيحا غير منسوخ وتجمع الأمة على خلافه. # والرابع: أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على الكافة علمه فيدل ذلك على ~~أنه لا أصل له لأنه لا يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من بين الخلق ~~العظيم. # والخامس: أن ينفرد برواية ما جرت العادة أن ينقله أهل التواتر فلا يقبل ~~لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية فأما إذا ورد مخالفا للقياس أو ~~أنفرد الواحد برواية ما يعم به البلوى لم يرد وقد حكينا الخلاف في ذلك ~~فأغنى عن الإعادة. # فصل # فأما إذا انفرد بنقل حديث واحد لا يرويه غيره لم يرد خبره وكذلك لو انفرد ~~بإسناد ما أرسله غيره أو رفع ما وقفه غيره أو بزيادة لا ينقلها غيره وقال ~~بعض أصحاب الحديث: يرد. وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله إذالم ينقل # PageV01P082 # الأصل لم يقبل ms063 وهذا خطأ لأنه يجوز أن يكون أحدهم سمع الحديث كله والآخر ~~سمع بعضه أو أحدهم سمعه مسندا أو مرفوعا فلا تترك رواية الثقة لذلك. # PageV01P083 ### | باب القول في ترجيح أحد الخبرين على الآخر # وجملته أنه إذا تعارض خبران وأمكن الجمع بينهما وترتيب أحدهما على الآخر ~~في الاستعمال فعل وإن لم يكن ذلك وأمكن نسخ أحدهما بالآخر فعل على ما بينه ~~في باب بيان الأدلة التي يجوز التخصيص لها وما لا يجوز فإن لم يكن ذلك رجح ~~أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح والترجيح يدخل في موضعين: أحدهما في ~~الإسناد والآخر في المتن. فأما الترجيح في الإسناد فمن وجوه. # أحدها: أن يكون أحد الراويين صغيرا والآخر كبيرا فيقدم رواية الكبير لأنه ~~أضبط ولهذا قدم ابن عمر روايته في الإفراد على رواية أنس فقال إن أنسا كان ~~صغيرا يتولج على النساء وهن متكشفات وأنا آخذ بزمام ناقة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يسيل علي لعابها. # والثاني: أن يكون أحدهما أفقه من الآخر فيقدم على من دونه لأنه أعرف بما ~~يسمع. # والثالث: أن يكون أحدهما أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقدم ~~لأنه أوعى. # والرابع: أن يكون أحدهما مباشرا للقصة أو تتعلق القصة به فيقدم لأنه أعرف ~~من الأجنبي. # والخامس: أن يكون أحد الخبرين أكثر رواة فيقدم على الخبر الآخر، ومن ~~أصحابنا من قال لا يقدم كما لا تقدم الشهادة بكثرة العدد والأول أصح لأن ~~قول الجماعة أقوى في الظن وأبعد عن السهو ولهذا قال الله تعالى: {أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} 1. PageV01P083 # والسادس: أن يكون أحد الروايين أكثر صحبة فروايته أولى لأنه اعرف بما دام ~~من السنن. # والسابع: أن يكون أحدهما أحسن سياقا للحديث فيقدم لحسن عنايته بالخبر. # والثامن: أن يكون أحدهما متأخر الإسلام فيقدم لأنه يحفظ آخر الأمرين من ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك إذا كان أحدهما متأخر الصحبة كابن عباس ~~وابن مسعود فرواية المتأخر منهما تقدم، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة رحمه الله ~~لا يقدم بالتأخير ms064 لأن المتقدم عاش حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فساوى المتأخر في الصحبة وزاد عليه بالتقدم وهذا غير صحيح لأنه وإن كان قد ~~ساوى المتأخر في الصحبة إلا أن سماع المتأخر متحقق التأخر وسماع المتقدم ~~يحتمل التأخر والتقدم فما تأخر بيقين أولى، ولهذا قال ابن عباس كنا نأخذ من ~~أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأحدث فالأحدث. # والتاسع: أن يكون أحد الروايين أورع أو أشد احتياطا فيما يروى فتقدم ~~روايته لاحتياطه في النقل. والعاشر: أن يكون أحدهما قد اضطرب لفظه والآخر ~~لم يضطرب فيقدم من لم يضطرب لفظه لأن اضطراب لفظه يدل على ضعف حفظه. # والحادي عشر: أن يكون أحد الخبرين من رواية أهل المدينة فيقدم على رواية ~~غيرهم لأنهم يرثون أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته التي مات ~~عليها فهم أعرف بذلك من غيرهم. # والثاني عشر: أن يكون راوي أحد الخبرين قد اختلفت الرواية عنه والآخر لم ~~تختلف عنه فاختلف أصحابنا في ذلك فمنهم من قال تتعارض الروايتان عمن اختلفت ~~الرواية عنه وتسقطان وتبقى رواية من لم تختلف عنه الرواية، ومنهم من قال ~~ترجح إحدى الروايتين عمن اختلفت الرواية عنه على الرواية الأخرى برواية من ~~لم تختلف الرواية عنه. # PageV01P084 # فصل # وأما ترجيح المتن فمن وجوه. # أحدها: أن يكون أحد الخبرين موافقا لدليل آخر من كتاب أو سنة أو قياس ~~فيقدم على الآخر لمعاضدة الدليل له. # والثاني: أن يكون أحد الخبرين عمل به الأئمة فهو أولى لأن عملهم به يدل ~~على أنه آخر الأمرين وأولاهما، وهكذا إذا عمل بأحد الخبرين أهل الحرمين فهو ~~أولى لأن عملهم به يدل على أنه قد استقر عليه الشرع وورثوه. # والثالث: أن يكون أحدهما يجمع النطق والدليل فيكون أولى ما يجمع أحدهما ~~لأنه أبين. # والرابع: أن يكون أحدهما نطقا والآخر دليلا فالنطق أولى من الدليل لأن ~~النطق مجمع عليه والدليل مختلف فيه. # والخامس: أن يكون أحدهما قولا وفعلا والآخر أحدهما فالذي يجمع القول ~~والفعل أولى لأنه أقوى لتظاهر الدليلين وإن ms065 كان أحدهما قولا والآخر فعلا ~~ففيه أوجه قد مضت في باب الأفعال. # والسادس: أن يكون أحدهما قصد به الحكم والآخر لم يقصد به الحكم فالذي قصد ~~به الحكم أولى لأنه ابلغ في بيان الغرض وإفادة المقصود. # والسابع: أن يكون أحدهما ورد على سبب والآخر ورد على غير سبب فالذي ورد ~~على غير سبب أولى لأنه متفق على عمومه والوارد على سبب مختلف في عمومه. # والثامن: أن يكون أحد الخبرين قضى به على الآخر فالذي قضى به منهما أولى ~~لأنه ثبت له حق التقدم. والتاسع: أن يكون أحدهما إثباتا والآخر نفيا فيقدم ~~الإثبات، لأن مع المثبت زيادة علم فالأخذ بروايته أولى. # PageV01P085 # والعاشر: أن يكون أحدهما ناقلا والآخر منفيا فالناقل أولى لأنه يفيد حكما ~~شرعيا. # والحادي عشر: أن يكون لأحدهما احتياطا فيقدم على الذي لا احتياط فيه لأن ~~الأحوط للدين أسلم. والثاني عشر: أن يكون أحدهما يقتضي الحظر والآخر ~~الإباحة ففيه وجهان: أحدهما: أنهما سواء. والثاني: أن الذي يقتضي الحظر ~~أولى وهو الصحيح لأنه أحوط. # PageV01P086 ### | القول في الإجماع ### | باب ذكر معنى الإجماع وإثباته # الإجماع في اللغة يحتمل معنيين أحدهما الإجماع على الشيء والثاني العزم ~~على الأمر والقطع به من قولهم: أجمعت على الشيء إذا عزمت عليه، وأما في ~~الشرع فهو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة. # فصل # وهو حجة من حجج الشرع ودليل من أدلة الأحكام مقطوع على مغيبه. وذهب ~~النظام والرافضة إلى أنه ليس بحجة ومنهم من قال: لا يتصور انعقاد الإجماع ~~ولا سبيل إلى معرفته فالدليل على أنه يتصور انعقاده هو أن الإجماع إنما ~~ينعقد عن دليل من نص أو استنباط وأهله مأمورون بطلب ذلك الدليل ودواعيهم ~~متوفرة في الاجتهاد وفي إصابته فصح اتفاقهم على إدراكه والإجماع موجبة كما ~~يصح اجتماع الناس على رؤية الهلال والصوم والفطر بسببه والدليل على إمكان ~~معرفة ذلك من جهتهم صحة السماع ممن حضروا الإخبار عمن غاب يعرف بذلك ~~اتفاقهم كما تعرف أديان أهل الملل مع تفرقهم في البلاد وتباعدهم في ~~الأوطان، والدليل على أنه ms066 حجة قوله عز وجل: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما ~~تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت ~~مصيرا} 1 فتوعد على اتباع غير سبيلهم فدل على أن إتباع سبيلهم واجب ~~ومخالفتهم حرام وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على الخطأ" ~~وروى: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" وقوله صلى PageV01P087 # الله عليه وسلم: "من فارق الجماعة ولو قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من ~~عنقه" ونهى عن الشذوذ وقال: "من شذ شذ في النار" فدل على وجوب العمل ~~بالإجماع. # فصل # والإجماع حجة من جهة الشرع، ومن الناس من قال هو حجة من جهة العقل والشرع ~~جميعا وهذا خطأ لأن العقل لا يمنع إجماع الخلق الكثير على الخطأ وبهذا اجمع ~~اليهود على كثرتهم والنصارى على كثرتهم على ما هم عليه من الكفر والضلال ~~فدل على أن ذلك ليس بحجة من جهة العقل. # PageV01P088 ### | باب ذكر ما ينعقد به الإجماع وما جعل حجة فيه # اعلم أن الإجماع لا ينعقد إلا على دليل فإذا رأيت إجماعهم على حكم علمنا ~~أن هناك دليلا جمعهم سواء عرفنا ذلك الدليل أو لم نعرفه ويجوز أن ينعقد عن ~~كل دليل يثبت به الحكم كأدلة العقل في الأحكام ونص الكتاب والسنة وفحواهما ~~وأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره والقياس وجميع وجوه الاجتهاد، ~~وقال داود وابن جرير: لا يجوز أن ينعقد الإجماع من جهة القياس فأما داود ~~فبناه على أن القياس ليس بحجة ويجيء الكلام عليه إن شاء الله تعالى. وأما ~~ابن جرير فالدليل على فساد قوله هو أن القياس دليل من أدلة الشرع فجاز أن ~~ينعقد الإجماع من جهته كالكتاب والسنة. # فصل # والإجماع حجة في جميع الأحكام الشرعية كالعبادات والمعاملات وأحكام ~~الدماء والفروج وغير ذلك من الحلال والحرام والفتاوى والأحكام. فأما ~~الأحكام العقلية فعلى ضربين. # أحدهما: يجب تقديم العمل به على العلم بصحة الشرع كحدوث العالم وإثبات ~~الصانع وإثبات صفاته وإثبات النبوة وما أشبهها فلا يكون الإجماع حجة فيه ~~لأن ms067 قد بينا أن الإجماع دليل شرعي ثبت بالسمع فلا يجوز أن يثبت # PageV01P088 # حكما يجب معرفته قبل السمع كما لا يجوز أن يثبت الكتاب بالسنة والكتاب ~~يجب العمل به قبل السنة. والثاني: ما لا يجب تقديم العمل به على السمع وذلك ~~مثل جواز الرؤية وغفران الله تعالى للمذنبين وغيرهما مما يجوز أن يعلم بعد ~~السمع فالإجماع حجة فيها لأنه يجوز أن يعلم بعد الشرع والإجماع من أدلة ~~الشرع فجاز إثبات ذلك به. وأما أمور الدنيا كتجيهز الجيوش وتدبير الحروب ~~والعمارة والزراعة وغيرها من مصالح الدنيا فالإجماع ليس بحجة فيها لأن ~~الإجماع فيها ليس بأكثر من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبت أن ~~قوله إنما هو حجة في إجماع الشرع دون مصالح الدنيا ولهذا روي أنه صلى الله ~~عليه وسلم نزل منزلا فقيل له إنه ليس برأي فتركه. # PageV01P089 ### | باب ما يعرف به الإجماع # اعلم أن الإجماع يعرف بقول وفعل وقول وإقرار وفعل وإقرار. # فأما القول فهو أن يتفق قول الجميع على الحكم بأن يقولوا كلهم هذا حلال ~~أو حرام والفعل أن يفعلوا كلهم الشيء وهل يشترط انقراض العصر في هذا أم لا؟ ~~فيه وجهان من أصحابنا من قال: يشترط فيه انقراض العصر وإذا لم ينقرض العصر ~~لم يكن إجماعا ولا حجة ومنهم من قال: إنه إجماع ولا يشترط فيه انقراض العصر ~~وهو الأصح لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ولأن من ~~جعل قوله حجة لم يعتبر موته في كونه حجة كالرسول صلى الله عليه وسلم فإذا ~~قلنا: أن ذلك إجماع فإذا أجمعت الصحابة على قول ولم ينقرضوا لم يجز لأحد ~~منهم أن يرجع عما اتفقوا عليه وإن كبر منهم صغير وصار من أهل الاجتهاد بعد ~~إجماعهم لم يعتبر قوله ولم تجز له مخالفتهم وإذا قلنا إنه ليس بإجماع وأن ~~انقراض العصر شرط جاز لهم الرجوع عما اتفقوا عليه وجاز لمن كبر منهم وصار ~~من أهل الاجتهاد أن يخالفهم. # فصل # وأما القول والإقرار فهو أن يقول ms068 بعضهم قولا فينشروا في الباقين # PageV01P089 # فيسكتوا عن مخالفته والفعل والإقرار: هو أن يفعل بعضهم شيئا فيتصل ~~بالباقين فيسكتوا عن الإنكار عليه فالمذهب أن ذلك حجة وإجماع بعد انقراض ~~العصر. وقال الصيرفي هو حجة ولكن لا يسمى إجماعا وقال أبو علي بن أبي هريرة ~~إن كان ذلك فتيا فقيه فسكتوا عنه فهو حجة وإن كان حكم إمام أو حاكم لم يكن ~~حجة وقال داود ليس بحجة بحال والدليل على ما قلناه أن العادة أن أهل ~~الاجتهاد إذا سمعوا جوابا في حادثة حدثت اجتهدوا فاظهروا ما عندهم فلما لم ~~يظهروا الخلاف فيه دل على انهم راضون بذلك، وأما قبل انقراض العصر ففيه ~~طريقان. من أصحابنا من قال: ليس بحجة وجها واحدا ومنهم من قال هو على وجهين ~~كالإجماع من جهة القول والفعل. # PageV01P090 ### | باب ما يصح من الإجماع وما لا يصح ومن يعتبر قوله ومن لا يعتبر # واعلم أن إجماع سائر الأمم سوى هذه الأمة ليس بحجة وقال بعض الناس إجماع ~~كل أمة حجة وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق الاسفرائيني والدليل على فساد ذلك ~~ما بينا أن الإجماع إنما صار حجة بالشرع والشرع لم يرد إلا بعصمة هذه الأمة ~~فوجب جواز الخطأ على من سواها من الأمم. # فصل # وأما هذه الأمة فإجماع علماء كل عصر منهم حجة على العصر الذي بعدهم وقال ~~داود: إجماع غير الصحابة ليس بحجة والدليل على ما قلنا قوله تعال: {ومن ~~يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} 1 # الآية ولم يفرق قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يخلو عصر من قائم لله عز ~~وجل بحجة" ولأنه اتفاق من علماء العصر على حكم الحادثة فأشبه الصحابة. ~~PageV01P090 # فصل # ويعتبر في صحة الإجماع اتفاق جميع علماء العصر على الحكم فإن خالف بعضهم ~~لم يكن ذلك إجماعا ومن الناس من قال: إن كان المخالفون أقل عددا من ~~الموافقين لم يعتد بخلافهم. وقال: بعضهم إن كان المخالفون عدد لا يقع العلم ~~بخبرهم لم يعتد بهم ومن الناس من قال: إذا أجمع أهل ms069 الحرمين مكة والمدينة ~~والمصرين والبصرة والكوفة لم يعتد بخلاف غيرهم وقال مالك: إذا اجتمع أهل ~~المدينة لم يعتد بخلاف غيرهم وقال الأبهري من أصحابه إنما أراد به فيما ~~طريقه الأخبار كالأجناس والصاع. وقال بعض أصحابه: إنما أراد به الترجيح ~~بنقلهم وقال بعضهم إنما أراد به في زمن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. ~~وقال بعض الفقهاء: إذا أجمع الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم لم يعتد ~~بغيرهم وقال الرافضة إذا قال علي كرم الله وجهه شيئا لم يعتد بغيره والدليل ~~على فساد هذه الأقاويل أن الله سبحانه إنما أخبر عن عصمة جميع الأمة فدل ~~على جواز الخطأ على بعضهم. # فصل # ويعتبر في صحة الإجماع اتفاق كل من كان من أهل الاجتهاد سواء كان مدرسا ~~مشهورا أو خاملا مستورا وسواء كان عدلا أمينا أو فاسقا متهتكا لأن المعول ~~في ذلك على الاجتهاد والمهجور كالمشهور والفاسق كالعدل في ذلك. # فصل # ولا فرق بين أن يكون المجتهد من أهل عصرهم أو لحق بهم من العصر الذي ~~بعدهم وصار من أهل الاجتهاد وعند الحادثة كالتابعي إذا أدرك الصحابة في حال ~~حدوث الحادثة وهو من أهل الاجتهاد ومن أصحابنا من قال: لا يعتد بقول ~~التابعين مع الصحابة والدليل على ما قلناه هو أن سعيد بن المسيب والحسن ~~وأصحاب عبد الله بن مسعود كشريح والأسود وعلقمة كانوا يجتهدون في زمن ~~الصحابة ولم ينكر عليهم أحد ولأنه من أهل الاجتهاد عند حدوث الحادثة فاعتد ~~بقوله كأصاغر الصحابة. # PageV01P091 # فصل # وأما من خرج من الملة بتأويل أو من غير تأويل فلا يعتد بقوله في الإجماع ~~فإن أسلم وصار من أهل الاجتهاد عند الحادثة اعتبر قوله وإن انعقد الإجماع ~~وهو كافر ثم أسلم وصار من أهل الاجتهاد فإن قلنا أن انقراض العصر ليس بشرط ~~لم يعتبر قوله وإن قلنا إنه شرط اعتبر قوله فإن خالفهم لم يكن إجماعا. # فصل # وأما من لم يكن من أهل الاجتهاد في الأحكام كالعامة والمتكلمين ~~والأصوليين لم يعتبر قولهم في الإجماع. وقال بعض المتكلمين: يعتبر قول ~~العامة في ms070 الإجماع وقال بعضهم يعتبر قول المتكلمين والأصوليين وهذا غير ~~صحيح لأن العامة لا يعرفون طرق الاجتهاد فهم كالصبيان وأما المتكلمون ~~والأصوليين فلا يعرفون جميع طرق الأحكام فلا يعتبر قولهم كالفقهاء إذا لم ~~يعرفوا أصول الفقه. # PageV01P092 ### | باب الإجماع بعد الخلاف # إذا اختلف الصحابة في المسألة على قولين وانقرض العصر جاز للتابعين أن ~~يتفقوا على أحدهما ومن أصحابنا من قال: لا يتصور ذلك لأن اختلافهم على ~~قولين حجة في جواز الأخذ بكل واحد منهما لا يجوز عليها الخطأ وإجماع ~~التابعين على تحريم أحدهما حجة لا يجوز عليها الخطأ فلا يصح اجتماعهما وهذا ~~غير صحيح لأن صحابة إذا اجتمعت على جواز الأخذ بكل واحد من القولين صار ~~التابعون في القول بتحريم أحدهما بعض الأمة والخطأ جائز على بعض الأمة. # فصل # وإذا اجتمع التابعون على أحد القولين لم يزل بذلك خلاف الصحابة ويجوز ~~لتابع التابعين الأخذ بكل واحد من القولين وقال ابن خيرون والقفال: يزول # PageV01P092 # الخلاف وتصير المسألة إجماعا وهو قول المعتزلة والدليل على ما قلناه أن ~~اختلافهم على قولين إجماع على جواز الأخذ بكل واحد من القولين وما اجتمعت ~~الصحابة على جوازه لا يجوز تحريمه بإجماع التابعين كما إذا اجمعوا على ~~تحليل شيء لم يجز تحريمه بإجماع التابعين. # فصل # وأما إذا اختلفت الصحابة على قولين ثم اجتمعت على أحدهما نظرت فإن كان ~~ذلك قبل أن يبرد الخلاف ويستقر كخلاف الصحابة لأبي بكر رضي الله عنه في ~~قتال مانعي الزكاة وإجماعهم بعد ذلك زال الخلاف وصارت المسألة بعد ذلك ~~إجماعا بلا خلاف وإن كان ذلك بعدما برد الخلاف واستقر فإن قلنا إنه إذا ~~اجتمع التابعون زال الخلاف بإجماعهم فبإجماعهم أولى أن يزول وإذا قلنا أن ~~بإجماع التابعين لا يزول الخلاف بنيت على انقراض العصر فإن قلنا أن ذلك شرط ~~في صحة الإجماع جاز لأن اختلافهم على قولين ليس بأكثر من اجتماعهم على قول ~~واحد فإذا جاز لهم أن يرجعوا قبل انقراض العصر فرجوعهم عما اختلفوا فيه ~~أولى وإذا قلنا أن انقراض العصر ليس بشرط ms071 لم يجز أن يجمعوا. لأن اختلافهم ~~على قولين حجة لا يجوز عليها الخطأ في تجويز الأخذ بكل واحد من القولين فلا ~~يجوز الإجماع على ترك حجة لا يجوز عليها الخطأ. # PageV01P093 ### | باب القول في اختلاف الصحابة على قولين # واعلم أنه إذا اختلفت الصحابة في المسألة على قولين وانقرض العصر عليه لم ~~يجز للتابعين إحداث قول ثالث. وقال بعض أهل الظاهر: يجوز ذلك، والدليل على ~~فساد ذلك هو أن اختلافهم على قولين إجماع على إبطال كل قول سواهما، كما أن ~~إجماعهم على قول كل واحد إجماع على إبطال كل قول سواه فلما لم يجز إحداث ~~قول ثان فيما أجمعوا فيه على قول واحد لم يجز إحداث قول ثالث فيما أجمعوا ~~فيه على قولين. # PageV01P093 # فصل # فأما إذا اختلفت الصحابة في مسألتين على قولين فقالت طائفة فيهما ~~بالتحليل وقالت طائفة فيهما بالتحريم ولم يصرحوا بالتسوية بينهما في الحكم ~~جاز للتابعي أن يأخذ في إحدى المسألتين بقول طائفة وفي المسألة الأخرى بقول ~~الطائفة الأخرى فيحكم بالتحليل في إحدى المسألتين وبالتحريم في المسألة ~~الأخرى. ومن الناس من زعم أن هذا إحداث قول ثالث وهذا خطأ لأنه وافق في كل ~~واحد من المسألتين فريقا من الصحابة. وأما إذا صرح الفريقان بالتسوية بين ~~المسألتين فقال أحد الفريقين الحكم فيهما واحد وهو التحريم وقال الفريق ~~الآخر الحكم فيهما واحد وهو التحليل وأخذ بقول فريق في أحدهما وبقول فريق ~~في الآخر فقال شيخنا القاضي أبو الطيب رحمه الله يحتمل أن يجوز ذلك لأنه لم ~~يحصل الإجماع على التسوية بينما في حكم الأول أصح لأن الإجماع قد حصل من ~~الفريقين على التصريح بالتسوية بينهما فمن فرق بينهما فقد خالف الإجماع ~~وذلك لا يجوز. # PageV01P094 ### | باب القول في قول الواحد من الصحابة وترجيح بعضهم على بعض # إذا قال بعض الصحابة قولا ولم ينتشر ذلك في علماء الصحابة ولم يعرف له ~~مخالف لم يكن ذلك إجماعا، وهل هو حجة أم ل؟ فيه قولان: قال في القديم: هو ~~حجة ويقدم على القياس وهو قول جماعة ms072 من الفقهاء وهو قول أبي علي الجبائي ~~وقال في الجديد: ليس بحجة وهو الصحيح وقال أصحاب أبي حنيفة: إذا خالف ~~القياس فهو توقيف يقدم على القياس وذكروا ذلك من كل وجه في قول ابن عباس ~~فيمن نذر ذبح ابنه وفي قول عائشة رضي الله عنها في قصة زيد بن أرقم وغير ~~ذلك من المسائل والدليل على أنه ليس بحجة أن الله سبحانه وتعالى إنما أمر ~~باتباع سبيل جميع المؤمنين فدل على أن إتباع بعضهم لا يجب ولأنه قول عالم ~~يجوز إقراره على الخطأ فلم يكن حجة كقول التابعي والدليل على أنه ليس ~~بتوقيف أنه لو كان توقيفا لنقل في وقت من # PageV01P094 # الأوقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لم ينقل دل على أنه ليس ~~بتوقيف. # فصل # وإذا قلنا بقوله القديم وأنه حجة قدم على القياس ويلزم التابعي العمل به ~~ولا يجوز له مخالفته وهل يخص العموم به فيه وجهان: أحدهما يخص به لأنه إذا ~~قدم على القياس فتخصيص العموم أولى. والثاني: لا يخص به لأنهم كانوا يرجعون ~~إلى العموم ويتركون ما كانوا عليه فدل على أنه لا يجوز التخصيص به. وإذا ~~قلنا أنه ليس بحجة فالقياس مقدم عليه ويسوغ للتابعي مخالفته، وقال الصيرفي ~~إن كان معه قياس ضعيف كان قوله مع القياس الضعيف أولى من قياس قوي، وهذا ~~خطأ لأن قوله ليس بحجة، والقياس الضعيف ليس بحجة، فلا يجوز أن يترك ~~بمجموعهما قياس هو حجة. # فصل # فأما إذا اختلفوا على قولين بنيت على القولين في أنه حجة أو ليس بحجة، ~~فإذا قلنا أنه ليس بحجة لم يكن قول بعضهم حجة على البعض ولم يجز تقليد واحد ~~في الفريقين بل يجب الرجوع إلى الدليل وإذا قلنا إنه حجة فيهما فهما دليلان ~~تعارضا فيرجح أحد القولين على الآخر بكثرة العدد فإذا كان على أحد القولين ~~أكثر أصحابه وعلى القول الآخر الأقل قدم ما عليه الأكثر لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "عليكم بالسواد الأعظم" فإن استويا في العدد قدم بالأئمة فإن ms073 ~~كان على أحدهما إمام وليس على الآخر قدم الذي عليه الإمام لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" فإن كان على ~~أحدهما الأكثر وعلى الآخر الأقل إلا أن مع الأقل إماما فهما سواء لأن مع ~~أحدهما زيادة عدد ومع الآخر إماما فتساويا وإن استويا في العدد والأئمة إلا ~~أن في أحدهما أحد الشيخين وفي الآخر غيرهما ففيه وجهان أحدهما أنهما سواء ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" والثاني ~~أن الذي فيه أحد الشيخين أولى لقوله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا بالذين من ~~بعدي أبي بكر وعمر " فخصهما بالذكر. # PageV01P095 ### | الكلام في القياس ### | باب بيان حد القياس # واعلم أن القياس حمل فرع على أصل في بعض أحكامه بمعنى يجمع بينهما وقال ~~بعض أصحابنا: القياس هو الأمارة على الحكم وقال بعض الناس: هو فعل القائس ~~وقال بعضهم القياس هو اجتهاد والصحيح هو الأول لأنه يطرد وينعكس ألا ترى ~~أنه يوجد بوجوده القياس وبعدمه يعدم القياس فدل على صحته فأما الأمارة فلا ~~تطرد ألا ترى أن زوال الشمس أمارة على دخول الوقت وليس بقياس وفعل القائس ~~أيضا لا معنى له لأنه لو كان ذلك صحيحا لوجب أن يكون كل فعل يفعله القائس ~~من المشي والقعود قياسا وهذا لا يقوله أحد فبطل تحديده بذلك وأما الاجتهاد ~~فهو أعم من القياس لأن الاجتهاد بذل المجهود في طلب الحكم وذلك يدخل فيه ~~حمل المطلق على المقيد وترتيب العام على الخاص وجميع الوجوه التي يطلب منها ~~الحكم وشيء من ذلك ليس بقياس فلا معنى لتحديد القياس به. # PageV01P096 ### | باب إثبات القياس وما جعل حجة فيه # وجملته أن القياس حجة في إثبات الأحكام العقلية وطريق من طرقها وذلك مثل ~~حدوث العالم وإثبات الصانع وغير ذلك ومن الناس من أنكر ذلك والدليل على ~~فساد قوله إن إثبات هذه الأحكام لا يخلو إما أن يكون بالضرورة أو ~~بالاستدلال، والقياس لا يجوز أن يكون بالضرورة، لأنه لو كان كذلك لم يختلف ~~العقلاء فيها، فثبت ms074 أن إثباتها بالقياس والاستدلال بالشاهد على الغائب. # PageV01P096 # فصل # وكذلك هو حجة في الشرعيات وطريق لمعرفة الأحكام ودليل من أدلتها من جهة ~~الشرع. وقال أبو بكر الدقاق: هو طريق من طرقها يجب العمل به من جهة العقل ~~والشرع وذهب النظام والشيعة وبعض المعتزلة البغداديين إلى أنه ليس بطريق ~~للأحكام الشرعية، ولا يجوز ورود التعبد به من جهة العقل وقال داود وأهل ~~الظاهر: يجوز أن يرد التعبد به من جهة العقل إلا أن الشرع ورد بحظره والمنع ~~منه والدليل على أنه لا يجب العمل به من جهة العقل أن تعليق تحريم التفاضل ~~على الكيل أو الطعم في العقل ليس بأولى تعليق التحليل عليهما ولهذا يجوز أن ~~يرد الشرع بكل واحد من الحكمين بدلا عن الآخر، وإذا استوى الأمران في ~~التجويز بطل أن يكون العقل موجبا لذلك. وأما الدليل على جواز ورود التعبد ~~به من جهة العقل هو أنه إذا جاز أن يحكم في الشيء بحكم لعلة منصوص عليها ~~جاز أن يحكم فيه بعلة غير منصوص عليها وينصب عليها دليلا يتوصل به إليها ~~ألا ترى أنه لما جاز أن يؤمر من عاين القبلة بالتوجه إليها جاز أيضا أن ~~يؤمر من غاب عنها أن يتوصل بالدليل أليها وأما الدليل على ورود الشرع به ~~ووجوب العمل فإجماع الصحابة. # وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب ~~الله عز وجل ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجد جمع رؤساء ~~الناس فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به وكتب عمر رضي الله عنه ~~إلى أبي موسى الأشعري رحمه الله في الكتاب الذي اتفق الناس على صحته: الفهم ~~الفهم فيما أدى إليك مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قس الأمور عند ذلك. وقال ~~لعثمان رضي الله عنه: إني رأيت في الجد رأيا فاتبعوني فقال له عثمان إن ~~نتبع رأيك فرأيك رشيد وإن نتبع رأي من قبلك فنعم ذا الرأي كان. # وقال علي كرم ms075 الله وجهه: كان رأيي ورأي أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ~~أن لا تباع أمهات الأولاد ورأيي الآن أن يبعن فقال له عبيدة السلماني: رأي # PageV01P097 # ذوي عدل أحب إلينا من رأيك وحدك، وفي بعض الروايات من رأي عدل واحد، فدل ~~على جواز العمل بالقياس. # فصل # ويثبت بالقياس جميع الأحكام الشرعية جملها وتفصيلها وحدودها وكفاراتها ~~ومقدراتها وقال أبو هاشم: لا يثبت بالقياس إلا تفصيل ما ورد النص عليه وإما ~~إثبات جمل لم يرد بها النص فلا يجوز بالقياس وذلك كميراث الأخ لا يجوز أن ~~يبتدأ إيجابه بالقياس ولكن إذا ثبت بالنص ميراثه جاز إثبات إرثه مع الجد ~~بالقياس وقال أصحاب أبي حنيفة: لا مدخل للقياس في إثبات الحدود والكفارات ~~والمقدرات كالنصب في الزكوات والمواقيت في الصلوات وهو قول الجبائي، ومنهم ~~من قال: يجوز ذلك بالاستدلال دون القياس، والدليل على ما قلناه أن هذه ~~الأحكام يجوز إثباتها بخبر الواحد فجاز إثباتها بالقياس كسائر الأحكام. # فصل # فأما الأسماء واللغات فهل يجوز إثباتها بالقياس فيه وجهان: أصحهما أنه ~~يجوز وقد مضى في أول الكتاب. # فصل # وأما ما طريقه العادة والخلقة كأقل الحيض وأكثره وأقل النفاس وأكثره، ~~وأقل الحمل وأكثره فلا مجال للقياس فيه لأن معناها لا يعقل بل طريق إثابتها ~~خبر الصادق، وكذلك ما طريقه الرواية والسماع كقران النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإفراده ودخوله إلى مكة صلحا أو عنوة فهذا كله لا مجال للقياس فيه. # PageV01P098 ### | باب أقسام القياس # قال الشيخ الإمام الأوحد نور الله قبره وبرد مضجعه: قد ذكرت في الملخص في ~~الجدل أقسام القياس مشروحا وأنا أعيد القول في ذلك هاهنا على # PageV01P098 # ما يقتضيه هذا الكتاب إن شاء الله تعالى فأقول وبالله التوفيق: إن القياس ~~على ثلاثة اضرب: قياس علة. وقياس دلالة. وقياس شبه. # فأما قياس العلة: فهو أن يرد الفرع إلى الأصل بالبينة التي علق الحكم ~~عليها في الشرع، وقد يكون ذلك معنى يظهر وجه الحكمة فيه للمجتهد كالفساد ~~الذي في الخمر وما فيها من الصد عن ذكر الله عز وجل ms076 وعن الصلاة وقد يكون ~~معنى استأثر الله عز وجل بيانه فيه بوجه الحكمة كالطعم في تحريم الربا ~~والكيل وهذا الضرب من القياس ينقسم قسمين جلي وخفي. # فأما الجلي فهو ما لا يحتمل إلا معنى واحدا وهو ما ثبتت عليته بدليل قاطع ~~لا يحتمل التأويل وهو أنواع بعضها أجلى من بعض فأجلاها ما صرح فيه بلفظ ~~التعليل كقوله تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} 1. وكقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "إنما نهيتكم لأجل الدافة" فصرح بلفظ التعليل ويليه ما دل ~~عليه التنبيه من جهة الأولى كقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} فنبه على أن ~~الضرب أولى بالمنع وكنهيه عن التضحية بالعوراء فإنه يدل على أن العمياء ~~أولى بالمنع ويليه ما فهم من اللفظ من غير جهة الأولى كنهيه عن البول في ~~الماء الراكد الدائم والأمر بإراقة السمن الذائب إذا وقعت فيه الفأرة فإنه ~~يعرف من لفظه أن الدم مثل البول والشيرج مثل السمن وكذلك كل ما استنبط من ~~العلل وأجمع المسلمون عليها فهو جلي كإجماعهم على أن الحد للردع والزجر عن ~~ارتكاب المعاصي ونقصان حد العبد عن حد الحر لرقه فهذا الضرب من القياس لا ~~يحتمل إلا معنى واحدا وينقض به حكم الحاكم إذا خالفه كما ينقض إذا خالف. ~~النص والإجماع. # فصل # وأما الخفي: فهو ما كان محتمل وهو ما ثبت بطريق محتمل وهو أنواع بعضها ~~أظهر من بعض فأظهرها ما دل عليه ظاهر مثل الطعم في الربا فإنه PageV01P099 # علم من نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع المطعوم في قوله: "لا تبيعوا ~~الطعام بالطعام إلا مثل بمثل" فإنه علق النهي على الطعم فالظاهر أنه علة ~~وكما روى أن بريرة أعتقت فكان زوجها عبدا فخيرها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فالظاهر أنه خيرها لعبودية الزوج ويليه ما عرف بالاستنباط ودل عليه ~~التأثير كالشدة المطربة في الخمر فإنه لما وجد التحريم بوجودها وزال ~~بزوالها دل على أنها هي العلة، وهذا الضرب من القياس لأنه محتمل أن يكون ~~الطعام أراد به ms077 ما يطعم ولكن حرم فيه التفاضل لمعنى غير الطعم وكذلك حديث ~~بريرة يحتمل أنه أثبت الخيار لرقه ويحتمل أن يكون لمعنى آخر ويكون ذكر رق ~~الزوج تعريفا وكذلك التحريم في الخمر يجوز أن يكون للشدة المطربة ويجوز أن ~~يكون لاسم الخمر فإن الاسم يوجد بوجود الشدة ويزول بزوالها فهذا لا ينقض به ~~حكم الحاكم. # فصل # وأما الضرب الثاني من القياس: وهو قياس الدلالة فهو أن ترد الفرع إلى ~~الأصل بمعنى غير المعنى الذي علق عليه الحكم في الشرع إلا أنه يدل على وجود ~~علة الشرع وهذا على اضرب: منها أن يستدل بخصيصة من خصائص الحكم على الحكم ~~وذلك مثل أن يستدل على منع وجوب سجود التلاوة بجواز فعلها على الراحلة فإن ~~جوازه على الراحلة من أحكام النوافل ويليه ما يستدل بنظير الحكم على الحكم ~~كقولنا في وجوب الزكاة في مال الصبي أنه يجب العشر في زرعه فوجبت الزكاة في ~~ماله كالبالغ وكقولنا في ظهار الذمي إنه يصح طلاقه يصح ظهاره فيستدل بالعشر ~~على ربع العشر وبالطلاق على الظاهر لأنهما نظيران فيدل أحدهما على الآخر ~~وهذا الضرب من القياس يجري مجرى الخفي من قياس العلة في الاحتمال إلا أن ~~يتفق فيه ما يجمع على دلالته فيصير كالجلي في نقض الحكم به. # فصل # والضرب الثالث: هو قياس الشبه وهو أن تحمل فرعا على الأصل بضرب # PageV01P100 # من الشبه وذلك مثل أن يتردد الفرع بين أصلين يشبه أحدهما في ثلاثة أوصاف ~~ويشبه الآخر في وصفين فيرد إلى أشبه الأصلين به وذلك كالعبد يشبه الحر في ~~أنه آدمي مخاطب مثاب معاقب ويشبه البهيمة في أنه مملوك مقوم فيلحق بما هو ~~أشبه به وكالوضوء يشبه التيمم في إيجاب النية من جهة أنه طهارة عن حدث ~~ويشبه إزالة النجاسة في أنه طهارة بمائع فيلحق بما هو أشبه به فهذا اختلف ~~أصحابنا فيه فمنهم من قال إن ذلك يصح وللشافعي ما يدل عليه ومنهم من قال: ~~لا يصح وتأول ما قال الشافعي على أنه أراد به أنه يرجح ms078 به قياس العلة بكثرة ~~الشبه. واختلف القائلون بقياس الشبه فمنهم من قال الشبه الذي يرد الفرع إلى ~~الأصل يجب أن يكون حكما ومنهم من قال: يجوز أن يكون حكما ويجوز أن يكون صفة ~~قال الشيخ الإمام رحمه الله: والأشبه عندي قياس الشبه لا يصح لأنه ليس بعلة ~~الحكم عند الله تعالى ولا دليل على العلة، فلا يجوز تعليق الحكم عليه. # فصل # وأما الاستدلال فإنه يتفرع على ما ذكرنه من أقسام القياس وهو على أضرب ~~منها الاستدلال ببيان العلة وذلك ضربان: # أحدهما: أن يبين علة الحكم في الأصل ثم يبين أن الفرع يساويه في العلة ~~مثل أن يقول إن العلة إيجاب القطع والردع والزجر عن أخذ الأموال فهذا ~~المعنى موجود في سرقة الكفن فوجب أن يجب فيه القطع. والثاني: أن يبين علة ~~الحكم في الأصل ثم يبين أن الفرع يساويه في العلة ويزيد عليه مثل أن يقول ~~أن الكفارة إنما وجبت القتل بالقتل الحرام هذا المعنى يوجد في العمد ويزيد ~~عليه بالإثم فهو بإيجاب الكفارة أولى. فهذا حكمه حكم القياس في جميع أحكامه ~~وفرق أصحاب أبي حنيفة رحمه الله بين القياس وبين الاستدلال فقالوا الكفارة ~~لا يجوز إثابتها بالقياس ويجوز إثباتها بالاستدلال، وذكروا في إيجاب ~~الكفارة بالأكل أن الكفارة تجب بالإثم ومأثم الأكل كمأثم الجماع وربما ~~قالوا هو أعظم فهو بالكفارة أولى. وهذا سهو عن # PageV01P101 # معنى القياس وذلك أنهم حملوا الأكل على الجماع لتساويهما في العلة التي ~~تجب فيها الكفارة وهذا حقيقة القياس. # ومنها الاستدلال بالتقسيم وذلك ضربان: # أحدهما: أن يذكر جميع أقسام الحكم فيبطل جميعها ليبطل الحكم له كقولنا في ~~الإيلاء إنه لا يوجب وقوع الطلاق بانقضاء المدة لأنه لا يخلو إما أن يكون ~~صريحا أو كناية فلا يجوز أن يكون صريحا ولا يجوز أن يكون كناية فإذا لم يكن ~~صريحا ولا كناية لم يجز إيقاع الطلاق به. # والثاني: أن يبطل جميع الأقسام إلا واحدا ليصح ذلك الواحد وذلك مثل أن ~~يقول أن القذف يوجب رد الشهادة لأنه إذا حد ms079 ردت شهادته فلا يخلو إما أن ~~يكون ردت شهادته للحد أو للقذف أولهما فلا يجوز أن يكون للحد ولا لهم فثبت ~~أنه إنما رد للقذف وحده. # ومنها: الاستدلال بالعكس وذلك مثل أن يقول لو كان دم الفصد ينقض الوضوء ~~لوجب أن يكون قليله ينقض الوضوء كما نقول في البول والغائط والنوم وسائر ~~الأحداث. واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إنه لا يصح لأنه استدلال على ~~الشيء بعكسه ونقضه ومنهم من قال: يصح وهو الأصح لأنه قياس مدلول على صحته ~~بشهادة الأصول. # PageV01P102 ### | باب الكلام في بيان ما يشتمل القياس عليه على التفصيل # وجملته أن القياس يشتمل على أربعة أشياء: على الأصل، والفرع، والعلة، ~~والحكم. فأما الفرع فهو ما ثبت حكمه بغيره وقد بينا ذلك في باب إثبات ~~القياس وما جعل القياس حجة فيه والكلام هنا في بيان الأصل والعلة والحكم ~~وفي كل واحد من ذلك باب مفرد. # PageV01P102 ### | باب بيان الأصل وما يجوز أن يكون أصلا وما لا يجوز # اعلم أن الأصل تستعمله الفقهاء في أمرين: أحدهما في أصول الأدلة # PageV01P102 # وهي الكتاب والسنة والإجماع. ويقولون: هي الأصل وما سوى ذلك من القياس ~~ودليل الخطاب وفحوى الخطاب معقول الأصل وقد بينت هذا في الملخص في الجدل ~~ويستعملونه في الشيء الذي يقاس عليه كالخمر أصل النبيذ والبر أصل للأرز ~~وحده ما عرف حكمه بلفظ تناوله أو ما عرف حكمه بنفسه. وقال بعض أصحابنا: ما ~~عرف به حكم غيره وهذا لا يصح لأن الأثمان أصل في الربا وإن لم يعرف بها حكم ~~غيرها. # فصل # واعلم أن الأصل قد يعرف بالنص وقد يعرف بالإجماع فما عرف بالنص فضربان ~~ضرب يعقل معناه وضرب لا يعقل معناه فما لا يعقل معناه كعدد الصلوات والصيام ~~وما أشبههما لا يجوز القياس عليه لأن القياس لا يجوز إلا بمعنى يقتضي الحكم ~~فإذا لم يعقل ذلك المعنى لم يصح القياس وأما ما يعقل معناه فضربان ضرب يوجد ~~معناه في غيره وضرب لا يوجد معناه في غيره فما لا يوجد معناه في غيره ms080 لا ~~يجوز قياس غيره عليه وما يوجد معناه في غيره فما لا يوجد معناه في غيره لا ~~يجوز قياس غيره عليه وما يوجد معناه في غيره جاز القياس عليه سواء كان ما ~~ورد به النص مجمعا على تعليله أو مختلفا فيه مخالفا لقياس الأصول أو موافقا ~~له وقال بعض الناس: لا يجوز القياس إلا على أصل مجمع على تعليله. وقال ~~الكرخي وغيره من أصحاب أبي حنيفة: لا يجوز القياس على أصل مخالف للقياس إلا ~~أن يثبت تعليله بنص أو إجماع أو هناك أصل آخر يوافقه ويسمون ذلك القياس على ~~موضع الاستحسان فالدليل على جواز القياس على الأصل وإن لم يكن مجمعا على ~~تعليله هو أنه لا يخلو إما أن يعتبر إجماع الأمة كلها فهذا يوجب إبطال ~~القياس لأن نفاة القياس من الأمة وأكثرهم على أن الأصول غير معللة أو يعتبر ~~إجماع مثبتي القياس فذلك لا معنى له لأن إجماعهم ليس بحجة على الانفراد ~~فكان القياس على ما اجمعوا عليه كالقياس على ما اختلفوا فيه. وأما الدليل ~~على الكرخي ومن قال بقوله: هو أن ما ورد به النص مخالفا للقياس أصل ثابت ~~كما أن ما ورد به النص موافقا للقياس أصل ثابت فإذا جاز القياس على ما كان ~~موافقا للقياس جاز على ما كان مخالفا. # PageV01P103 # فصل # وأما ما عرف بالإجماع فحكمه حكم ما ثبت بالنص في جواز القياس عليه على ~~التفصيل الذي قدمه في النص ومن أصحابنا من قال لا يجوز القياس عليه ما لم ~~يعرف النص الذي أجمعوا لأجله وهذا غير صحيح لأن الإجماع أصل في إثبات ~~الأحكام كالنص فإذا جاز القياس على ما ثبت بالنص جاز على ما ثبت بالإجماع. # فصل # وأما ما ثبت بالقياس على غيره فلا خلاف أنه يجوز أن يستنبط منه المعنى ~~الذي ثبت به ويقاس عليه غيره وهل يجوز أن يستنبط منه معنى غير المعنى الذي ~~قيس به على غيره ويقاس عليه غيره مثل أن يقاس الأرز على البر في الربا بعلة ~~أنه مطعوم ثم ms081 يسقط من الأرز أنه نبت لا يقطع الماء عنه ثم يقاس عليه ~~النيلوفر فيه وجهان: من أصحابنا من قال: يجوز ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ~~وهو قول أبي الحسن الكرخي وقد نصرت في التبصرة جواز ذلك، والذي يصح عندي ~~أنه لا يجوز لأنه إثبات حكم في الفرع بغير علة الأصل وذلك أن علة الأصل هي ~~الطعم، فمتى قسنا النيلوفر عليه بما ذكرناه رددنا الفرع إلى الأصل بغير علة ~~وهذا لا يجوز. # فصل # وأما ما لم يثبت من الأصول بأحد هذه الطرق أو كان قد ثبت ثم نسخ فلا يجوز ~~القياس عليه لأن الفرع إنما يثبت بأصل ثابت فإذا كان الأصل غير ثابت لم يجز ~~إثبات الفرع من جهته. # PageV01P104 ### | باب القول في بيان العلة وما يجوز أن يعلل به وما لا يجوز # واعلم أن العلة في الشرع هي المعنى الذي يقتضي الحكم وأما المعلول ففيه ~~وجهان: من أصحابنا من قال: هو العين التي تحلها العلة كالخمر والبر. ومنهم # PageV01P104 # من يقول: هو الحكم. وأما المعلل فهو الأصل. وأما المعلل له فهو الحكم. ~~وأما المعلل فهو الناصب للعلة وأما المعتل فهو المستدل بالعلة. # فصل # واعلم أن العلة الشرعية أمارة على الحكم ودلالة عليه ومن أصحابنا من قال: ~~موجبة للحكم بعدما جعلت علة ألا ترى أنه يجب إيجاد الحكم بوجودها ومنهم من ~~قال: ليست بموجبة لأنها لو كانت موجبة لما جاز أن توجد في حال ولا توجه ~~كالعلل العقلية ونحن نعلم أن هذه العلل كانت موجودة قبل الشرع ولم تكن ~~موجبة للحكم فدل على أنها غير موجبة. # فصل # ولا تدل العلة إلا على الحكم الذي نصبت له. فإن نصبت للإثبات لم تدل على ~~النفي أو أن نصبت للنفي لم تدل على الإثبات وإن نصبت للنفي والإثبات وهي ~~العلة الموضوعة لجنس الحكم دلت على النفي والإثبات فيجب أن يوجد الحكم ~~بوجودها ويزول بزوالها ومن الناس من قال: إن كل علة تدل على حكمين على ~~الإثبات والنفي فإذا نصبت للإثبات اقتضت الإثبات عند وجودها والنفي ms082 عند ~~عدمها وإن نصبت للنفي اقتضت النفي عند وجودها والإثبات عند عدمها وهذا خطأ ~~لأن العلة الشرعية دليل ولهذا كان يجوز أن لا يوجب ما علق عليها من الحكم ~~والدليل العقلي الذي يدل بنفسه يجوز أن يدل على وجود الحكم في الموضع الذي ~~وجد فيه ثم يعدم ويثبت الحكم بدليل آخر والدليل الشرعي الذي صار دليلا بجعل ~~جاعل أولى بذلك. # فصل # ويجوز أن يثبت الحكم الواحد بعلتين وثلاثة وأكثر. كالقتل يجب بالقتل ~~والزنا والردة وتحريم الوطء يثبت بالحيض والإحرام والصوم والاعتكاف والعدة. # PageV01P105 # فصل # وكذلك يجوز أن يثبت بعلة واحدة أحكام متماثلة كالإحرام يوجب تحريم الوطء ~~والطيب واللباس وغير ذلك وكذلك يجوز أن يثبت بالعلة الواحدة أحكام مختلفة ~~كالحيض يوجب تحريم الوطء وإحلال ترك الصلاة، ولكن لا يجوز أن يثبت بالعلة ~~الواحدة أحكام متضادة كتحريم الوطء وتحليله لتنافيهما. # فصل # وكذلك يجوز أن تكون العلة لإثبات الحكم في الابتداء كالعدة في منع النكاح ~~وقد تكون بعلة الابتداء والاستدامة كالرضاع في إبطال النكاح. # فصل # ولا بد في رد الفرع إلى الأصل من علة يجمع بها بينهما. وقال بعض الفقهاء ~~من أهل العراق: يكفي في القياس تشبيه الفرع بالأصل بما يغلب على الظن أنه ~~مثله فإن كان المراد بهذا أنه لا يحتاج إلى علة موجبة للحكم يقطع بصحتها ~~كالعلل العقلية فلا خلاف في هذا وإن أرادوا أنه يجوز بضرب من الشبه على ما ~~يقول القائلون بقياس الشبه فقد بينا ذلك في أقسام القياس وإن أرادوا أنه ~~ليس ها هنا معنى مطلوب يوجب إلحاق الفرع بالأصل فهذا خطأ لأنه لو كان الأمر ~~على هذا لما احتيج إلى الاجتهاد بل كان يجوز رد الفرع إلى كل أصل من غير ~~فكر. وهذا مما لا يقوله أحد فبطل القول به. # فصل # والعلة التي يجمع بها بين الفرع والأصل ضربان منصوص عليها ومستنبطة. # فالمنصوص عليها مثل أن يقول: حرمت الخمر للشدة المطربة فهذا يجوز أن يجعل ~~علة والنص عليها يغني عن طلب الدليل على صحتها من جهة الاستنباط والتأثير، ms083 ~~ومن الناس من قال: لا يجوز أن يجعل المنصوص عليه علة وهو قول بعض نفاة ~~القياس، ومن الناس من قال: هو علة في العين المنصوص # PageV01P106 # عليها ولا يكون علة في غيرها إلا بأمر ثان. فالدليل على أنه علة هو أنه ~~إذا جاز أن يعرف بالاستنباط أن الشدة المطربة علة للتحريم في الخمر ويقاس ~~غيرها عليها جاز بالنص ويقاس غيرها عليها. وأما الدليل على من قال أنه علة ~~في العين التي وجد فيها دون غيرها هو أنه إذا لم يصر علة فيها وفي غيرها ~~إلا بالنص عليها سقط النظر والاجتهاد لأنه إذا نص على انه علة فيها وفي ~~غيرها استغنينا بالنص عن الطلب والاجتهاد. # فصل # وأما المستنبطة فهو كالشدة المطربة في الخمر فإنها عرفت بالاستنباط فهذا ~~يجوز أن يكون علة، ومن الناس من قال: لا يجوز أن تكون العلة إلا ما ثبت ~~بالنص أو الإجماع وهذا خطأ لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لمعاذ رحمه الله: "بم تحكم قال بكتاب الله" قال: فإن لم تجد قال: بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن لم تجد قال: "اجتهد رأيي" فلو كان لا ~~يجوز التعليل إلا بما ثبت بنص أو إجماع لم يبق بعد الكتاب والسنة ما يجتهد ~~فيه. # فصل # وقد تكون العلة معنى مؤثرا في الحكم يوجد الحكم بوجوده ويزول بزواله ~~كالشدة المطربة في تحريم الخمر والإحرام بالصلاة في تحريم الكلام وقد تكون ~~دليلا ولا تكون نفس العلة كقولنا في إبطال النكاح الموقوف إنه نكاح لا يملك ~~الزوج المكلف إيقاع الطلاق فيه وفي ظهار الذمي إنه يصح طلاقه فصح ظهاره ~~كالمسلم، وهل يجوز أن يكون شبها لا يزول الحكم بزواله ولا يدل على الحكم ~~كقولنا في الترتيب في الوضوء إنه عبادة يبطلها النوم فوجب فيها الترتيب ~~كالصلاة على ما ذكرناه من الوجهين في قياس الشبه. # فصل # وقد يكون وصف العلة معنى يعرف به وجه الحكمة في تعلق الحكم به # PageV01P107 # كالشدة المطربة في الخمر وقد يكون معنى ms084 لا يعرف وجه الحكمة في تعلق الحكم ~~به كالطعم في البر. # فصل # وقد يكون وصف العلة صفة كقولنا في البر إنه مطعوم وقد يكون اسما كقولنا ~~تراب وماء وقد يكون حكما شرعيا كقولنا يصح وضوءه أو تصح صلاته ومن الناس من ~~قال: لا يجوز أن يكون الاسم علة وهذا خطأ لأن كل معنى جاز أن يعلق الحكم ~~عليه من جهة النص جاز أن يستنبط من الأصل ويعلق الحكم عليه كالصفات ~~والأحكام. # فصل # ويجوز أن يكون الوصف نفيا أو إثباتا فالإثبات كقولنا لأنه وارث والنفي ~~كقولنا لأنه ليس بوارث وليس بتراب، ومن الناس من قال: لا يجوز أن يجعل ~~النفي علة والدليل على ما قلناه أن ما جاز أن يعلل به نصا جاز أن يعلل به ~~استنباطا كالإثبات. # فصل # ويجوز أن تكون العلة ذات وصف ووصفين وأكثر وليس لها عدد محصور، وحكى عن ~~بعض الفقهاء أنه قال لا يزاد على خمسة أوصاف وهذا لا وجه له لأن العلل ~~شرعية فإذا جاز أن يعلق الحكم في الشرع على خمسة أوصاف جاز أن يعلق على ما ~~فوقها. # فصل # ويجوز أن تكون العلة واقفة كعلة أصحابنا في الذهب والفضة ويجوز أن تكون ~~متعدية وقال بعض أصحاب أبي حنيفة رحمه الله لا يجوز أن تكون الواقفة علة ~~وهذا غير صحيح لما بينا أن العلل إمارات شرعية فيجوز أن تجعل الأمارة معنى ~~لا يتعدى، كما يجوز أن تجعل معنى يتعدى. # PageV01P108 ### | باب بيان الحكم # اعلم أن الحكم هو الذي تعلق على العلة من التحليل والتحريم والإسقاط وهو ~~على ضربين مصرح به ومبهم. # فالمصرح به أن نقول: فجاز أن يجب أو فوجب أن يجب وما أشبهه ذلك والمبهم ~~على أضرب منها أن نقول فأشبه كذا فمن الناس من قال: إن ذلك لا يصح لأنه حكم ~~مبهم ومنهم من قال: إنه يصح وهو الأصح لأن المراد به فأشبه، كذا في الحكم ~~الذي وقع السؤال عنه وذلك حكم معلوم بين السائل والمسؤول فيجوز أن يمسك عن ~~بيانه اكتفاء بالعرف القائم ms085 بينهما ومنها أن يعلق عليها التسوية بين حكمين ~~كقولنا في إيجاب النية في الوضوء إنه طهارة فاستوى جامدها ومائعها في النية ~~كإزالة النجاسة ومن أصحابنا من قال: إن ذلك لا يصح لأنه يريد به التسوية ~~بين المائع والجامد في الأصل في إسقاط النية وفي الفرع في إيجاب النية وهما ~~حكمان متضادان، والقياس أن يشتق حكم الشيء من نظيره لا من ضده ونقيضه ومنهم ~~من قال: إن ذلك يصح وهو الصحيح لأن حكم العلة هو التسوية بين المائع ~~والجامد في أصل النية والتسوية بين المائع والجامد في النية موجود في الأصل ~~والفرع من غير اختلاف، وإنما نظهر الاختلاف بينهما في التفصيل وليس ذلك حكم ~~علته؛ ومنها أن يكون حكم العلة إثبات تأثير لمعنى مثل قولنا: في السواك ~~للصائم أنه تطهير يتعلق بالفم من غير نجاسة، فوجب أن يكون للصوم تأثير فيه ~~كالمضمضة فهذا يصح لأن للصوم تأثيرا في المضمضة وهو منع المبالغة كما أن ~~للصوم تأثيرا في السواك وهو في المنع منه بعد الزوال وإن كان تأثيرهما ~~مختلفا واختلافهما في كيفية التأثير لا يمنع صحة الجمع لأن الغرض إثبات ~~تأثير الصوم في كل واحد منهما وقد استويا في التأثير فلا يضر اختلافهما في ~~التفصيل. # PageV01P109 ### | باب بيان ما يدل على صحة العلة # وجملته أن العلة لا بد من الدلالة على صحتها لأن العلة شرعية كما أن ~~الحكم شرعي فكما لا بد من الدلالة على الحكم فكذلك لا بد من الدلالة على ~~صحة العلة. # PageV01P109 # فصل # والذي يدل على صحة العلة شيئان: أصل واستنباط فأما الأصل فهو قول الله عز ~~وجل وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله والإجماع فأما قول الله ~~تعالى وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فدلالتهما من وجهين: أحدهما: من ~~جهة النطق. والثاني: من جهة الفحوى والمفهوم فأما دلالتهما من جهة النطق ~~فمن وجوه بعضها أجلى من بعض فأجلاها ما صرح فه بلفظ التعليل كقوله تعالى: ~~{من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} 1. وكقوله صلى الله عليه وسلم: ms086 "إنما ~~نهيتكم لأجل الدافة" وقوله: "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر". وقوله: ~~"أينقص الرطب إذا يبس فقيل نعم فقال: فلا إذن". أي من أجله فهذا صريح في ~~التعليل ويليه في البيان والوضوح أن يذكر صفة لا يفيد ذكرها غير التعليل ~~كقوله تعالى في الخمر: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء} ~~2. الآية وقوله صلى الله عليه وسلم في دم الاستحاضة: "إنه دم عرق". وكقوله ~~في الهرة: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات". وقوله صلى الله عليه وسلم ~~حين قيل له: إن في دار فلان هرة فقال: "الهرة سبع". وفي بعضها: "الهرة ليست ~~بنجسة". فهذه الصفات وإن لم يصرح فيها بلفظ التعليل إلا أنها خارجة مخرج ~~التعليل إذ لا فائدة في ذكرها سوى التعليل. ويليه في البيان أن يعلق الحكم ~~على عين موصوفة بصفة فالظاهر أن تلك الصفة علة وقد يكون هذا بلفظة الشرط ~~كقوله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} 3 وكقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "من باع نخلا بعد أن يؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع" ~~فالظاهر أن الحمل علة لوجوب النفقة والتأبير علة لكون الثمرة للبائع وقد ~~تكون بغير لفظ الشرط كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} 4 ~~وكقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل" ~~فالظاهر أن السرقة علة لوجوب القطع والطعم علة لتحريم التفاضل وأما ~~دلالتهما من PageV01P110 # جهة الفحوى والمفهوم فبعضها أيضا أجلى من بعض فأجلاها ما دل عليه التنبيه ~~كقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} وكنهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية ~~بالعوراء فيدل بالتنبيه عند سماعه أن الضرب أولى بالمنع وأن العمياء أولى ~~بالمنع ويليه في البيان أن يذكر صفة فيفهم من ذكرها المعنى التي تتضمنه تلك ~~الصفة من غير جهة التنبيه كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقض القاضي وهو ~~غضبان" وكقوله صلى الله عليه وسلم في الفأرة تقع في السمن: "إن كان جامدا ~~فالقوها وما حولها وإن كان مائعا فأريقوه". فيفهم بضرب من الفكر أنه إنما ms087 ~~منع الغضبان من القضاء لاشتغال قلبه وأن الجائع والعطشان مثله وإنه إنما ~~أمر بإلقاء ما حول الفأرة من السمن إن كان جامدا وإراقته إن كان مائعا ~~لكونه جامدا أو مائعا وإن الشيرج والزيت مثله. # فصل # وأما دلالة أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم فهو أن يفعل شيئا عند وقوع ~~معنى من جهته أو من جهة غيره فيعلم أنه لم يفعل ذلك إلا لما ظهر من المعنى ~~فيصير ذلك علة فيه وهذا مثل ما روي: أنه سها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسجد فيعلم أن السهو علة للسجود وأن أعرابيا جامع في رمضان فأوجب عليه عتق ~~رقبة فيعلم أن الجماع علة لإيجاب الكفارة. # فصل # وأما دلالة الإجماع فهو أن تجمع الأمة على التعليل به كما روى عن عمر رضي ~~الله عنه أنه قال في قسمة السواد: لو قسمت بينكم لصارت دولة بين أغنيائكم ~~ولم يخالفوه وكما قال علي كرم الله وجهه في شارب الخمر إنه إذا شرب سكر ~~وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فأرى أن يحد حد المفترى فلم يخالفه أحد في هذا ~~التعليل. # فصل # وأما الضرب الثاني من الدليل على صحة العلة فهو الاستنباط وذلك من وجهين ~~أحدهما التأثير والثاني شهادة الأصول فأما التأثير فهو أن يوجد # PageV01P111 # الحكم بوجود معنى فيغلب على الظن أنه لأصله ثبت الحكم، ويعرف ذلك من ~~وجهين. # أحدهما" بالسلب والوجود وهو أن يوجد الحكم بوجوده ويزول بزواله وذلك مثل ~~قوله: "في الخمر إنه شراب فيه شدة مطربة" فإنه قبل حدوث الشدة كان حلالا. ~~ثم حدثت الشدة فحرم ثم زالت الشدة فحل فعلم أنه هو العلة. # والثاني" بالتقسيم وهو أن يبطل كل معنى في الأصل إلا واحدا: فيعلم أنه هو ~~العلة وذلك مثل أن يقول في الخبز إنه يحرم فيه الربا فلا يخلو إما أن يكون ~~للكيل أو للطعم أو للوزن ثم يبطل أن يكون للكيل والوزن فيعلم أنه للطعم. # فصل # وأما شهادة الأصول فيختص بقياس الدلالة وهو أن يدل على صحة العلة شهادة ~~الأصول ms088 وذلك أن يقول في القهقهة إن ما لا ينقض الطهر خارج الصلاة لم ينقض ~~داخل الصلاة كالكلام فيدل عليها بأن الأصول تشهد بالتسوية بين داخل الصلاة ~~وخارجها ألا ترى أن ما ينقض الوضوء داخل الصلاة ينقض خارجها كالأحداث كلها ~~وما لا ينقض خارج الصلاة لا ينقض داخلها فيجب أن تكون القهقهة مثلها. # فصل # وما سوى هذه الطرق فلا يدل على صحة العلة، وقال بعض الفقهاء: إذا لم يجد ~~ما يعارضها ولا ما يفسدها دل على صحتها، وقال أبو بكر الصيرفي في طردها يدل ~~على صحتها فأما الدليل على من قال أن عدم ما يفسدها دليل على صحتها فهو أنه ~~لو جاز أن يجعل هذا دليلا على صحتها لوجب إذا استدل بخير لا يعرف صحته أن ~~يقال عدم ما يعارضه وما يفسده يدل على صحته وهذا لا يقوله أحد وأما الدليل ~~على الصيرفي فهو أن الطرد فعل القائس وفعل القائس ليس بحجة في الشرع ولأن ~~قوله إنها مطردة معناه أنه ليس هاهنا نقض يفسدها وقد بينا أن عدم ما يفسد ~~لا يدل على الصحة # PageV01P112 ### | باب بيان ما يفسد العلة # قال الشيخ الإمام الأوحد رحمه الله ورضي عنه: قد ذكرت في الملخص في الجدل ~~فيما يفسد العلة خمسة عشر نوعا وأنا أذكرها هنا ما يليق بهذا الكتاب إن شاء ~~الله تعالى فأقول إن الذي يفسد العلة عشرة أشياء: # أحدها: أن لا يكون على صحتها دليل فيدل ذلك على فسادها لأني قد بينت في ~~الباب قبله أن العلة شرعية فإذا لم يكن على صحتها دليل من جهة الشرع دل على ~~أنها ليست بعلة فوجب الحكم بفسادها. # فصل # والثاني: أن تكون العلة منصوبة لما لا يثبت بالقياس كأقل الحيض وأكثره ~~وإثبات الأسماء واللغات على قول من لا يجيز إثابتها بالقياس وغير ذلك من ~~الأحكام التي لا مدخل للقياس فيها على ما تقدم شرحها فيدل ذلك على فسادها. # فصل # والثالث: أن تكون العلة منتزعة من أصل لا يجوز انتزاع العلة منه مثل أن ~~يقيس على ms089 أصل غير ثابت كأصل منسوخ أو أصل لم يثبت الحكم فيه لأن الفرع لا ~~يثبت إلا بالأصل فإذا لم يثبت الأصل لم يجز إثبات الفرع من جهته، وهكذا لو ~~كان الأصل قد ورد الشرع بتخصيصه ومنع القياس عليه مثل قياس أصحاب أبي حنيفة ~~رحمه الله غير رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في جواز النكاح بلفظ الهبة، وقد ورد الشرع بتخصيصه بذلك فهذا أيضا لا ~~يجوز القياس عليه لأن القياس إنما يجوز على ما لم يرد الشرع بالمنع منه، ~~فأما إذا ورد الشرع بالمنع منه فلا يجوز، ولهذا لا يجوز القياس إذا منع منه ~~نص أو إجماع. # فصل # والرابع: أن يكون الوصف الذي جعل علة لا يجوز التعليل به مثل أن تجعل # PageV01P113 # العلة اسم لقب أو نفي صفة على قول من يجيز ذلك أو شبها على قول من لا ~~يجيز قياس الشبه أو وصفا لمن يثبت وجوده في الأصل وفي الفرع فيدل على ~~فسادها لأن الحكم تابع للعلة وإذا كانت العلة لا تفيد الحكم أو لم تثبت لم ~~يجز إثبات الحكم من جهتها. # فصل # والخامس: أن لا تكون العلة مؤثرة في الحكم فيدل ذلك على فسادها ومن ~~أصحابنا من قال: إن ذلك لا يوجب فسادها وهي طريقة من قال: إن طردها يدل على ~~صحتها وقد دللت على فساده ومن أصحابنا من قال: إن دفعه للنقض تأثير صحيح ~~وهذا خطأ لأن المؤثر ما تعلق الحكم به في الشرع ودفع النقض عن مذهب المعلل ~~ليس بدليل على تعلق الحكم به في الشرع وإنما يدل على تعلق الحكم به عنده ~~وليس المطلوب علة المعلل وإنما المطلوب علة الشرع فسقط هذا القول وفي أي ~~موضع يعتبر تأثير العلة فيه وجهان من أصحابنا من قال: يطلب تأثيرها في ~~الأصل لأن العلة تتفرع من الأصل أولا ثم يقاس الفرع عليه فإذا لم يؤثر في ~~الأصل لم تثبت العلة فيه فكأنه رد الفرع إلى الأصل بغير علة الأصل ومنهم من ms090 ~~قال: يكفي أن يؤثر في وضع من الأصول وهو اختيار شيخنا القاضي أبي الطيب ~~الطبري رحمه الله وهو الصحيح عندي لأنها إذا أثرت في موضع من الأصول دل على ~~صحتها وإذا صحت في موضع وجب تعليق الحكم عليها حيث وجدت. # فصل # والسادس: أن تكون منتقضة وهي أن توجد ولا حكم معها وقال أصحاب أبي حنيفة ~~وجود العلة من غير حكم ليس بنقض لها بل هو تخصيص لها وليس بنقض والدليل على ~~فساد ذلك هو أنها علة مستنبطة فإذا وجدت من غير حكم وجب الحكم بفسادها ~~دليله العلل العقلية وأما وجود معنى العلة ولا حكم وهو الذي سمته المتفقهة ~~الكسر والنقض من طريق المعنى وهو أن تبدل العلة أو بعض أوصافها بما هو في ~~معناه ثم يوجد ذلك من # PageV01P114 # غير حكم فهذا ينظر فيه فإن كان الوصف الذي أبدله غير مؤثر في الحكم دل ~~على فساد العلة لأنه إذا لم يكن مؤثرا وجب إسقاطه وإذا سقط لم يبق شيء فأما ~~أن لا يبقى شيء فيسقط الدليل أو يبقى شيء فينتقض فيكون الفساد راجعا إلى ~~عدم التأثير أو النقض وقد بيناهما وإن كان الوصف الذي أبدله مؤثرا في الحكم ~~لم تفسد العلة لأن المؤثر في الحكم لا يجوز إسقاطه فلا يتوجه على العلة من ~~جهته فساد، فأما وجود الحكم من غير علة فينظر فيه فإن كانت العلة لجنس ~~الحكم فهو نقض وذلك مثل أن نقول: العلة في وجوب النفقة التمكين في ~~الاستمتاع فأي موضع وجبت النفقة من غير تمكين فهو نقض وأي موضع وجد التمكين ~~من غير نفقة فهو نقض لأنه زعم أن التمكين علة هذا الحكم أجمع لا علة له ~~سواه فكأنه قال: أي موضع وجد وجب وأي موضع فقد سقط فإذا وجد ولم يجب أو فقد ~~ولم يسقط فقد أنتقض التعليل وإن كانت العلة للحكم في أعيان لا لجنس الحكم ~~لم يكن ذلك نقضا لأنه يجوز أن يكون في الموضع الذي وجدت العلة يثبت الحكم ~~بوجود هذه العلة وفي الموضع ms091 الذي عدمت يثبت لعلة أخرى كقولنا في الحائض ~~يحرم وطؤها للحيض ثم يعدم الحيض في المحرمة والمعتدة ويثبت التحريم لعلة ~~أخرى. # فصل # والسابع: أن يمكن قلب العلة وهو أن يعلق عليها نقيض ذلك الحكم ويقاس على ~~الأصل فهذا قد يكون بحكم مصرح وقد يكون بحكم مبهم. فأما المصرح فهو أن نقول ~~عضو من أعضاء الوضوء فلا يتقدر فرضه بالربع كالوجه فيقول المخالف عضو من ~~أعضاء الوضوء فلا يجز فيه ما يقع عليه الاسم كالوجه فهذا يفسد العلة، ومن ~~أصحابنا من قال: إن ذلك لا يفسد العلة ولا يقدح فيها لأنه فرض مسألة على ~~المعلل، ومنهم من قال إن ذلك كالمعارضة بعلة أخرى فيصار فيهما إلى الترجيح ~~والصحيح أنه يوجب الفساد. والدليل على أنه يقدح أنه عارضه بما لا يمكن ~~الجمع بينه وبين علته فصار كما لو عارضه بعلة مبتدأة والدليل على أنه يوجب ~~الفساد أنه يمكن أن يعلق عليها حكمان متنافيان فوجب الحكم بالفساد. وأما ~~القلب بحكم مبهم فهو قلب التسوية # PageV01P115 # وذلك مثل أن يقول الحنفي: طهارة بمائع فلم يفتقر إلى النية كإزالة ~~النجاسة فيقول الشافعي رحمه الله: طهارة بمائع فكان مائعها كجامدها في وجوب ~~النية كإزالة النجاسة فمن أصحابنا من قال: أن ذلك لا يصح لأنه يريد التسوية ~~بين المائع والجامد في الأصل في إسقاط النية وفي الفرع في إيجاب النية، ~~ومنهم من قال إن ذلك يصح وهو الأصح لأن التسوية بين المائع والجامد تنافى ~~علة المستدل في إسقاط النية فصار كالحكم المصرح به. # فصل # والثامن: أن لا يوجب العلة حكمها في الأصل وذلك على ضربين: # أحدهما: أن يفيد الحكم في الفرع بزيادة أو نقصان عما يفيدها في الأصل ~~ويدل على فسادها وذلك مثل أن يقول الحنفي في إسقاط تعيين النية في صوم ~~رمضان لأنه مستحق العين فلا يفتقر إلى التعيين كرد الوديعة فهذا لا يصح ~~لأنه يفيد في الفرع غير حكم الأصل لأنه يفيد في الأصل إسقاط التعيين مع ~~النية رأسا وفي الفرع يفيد إسقاط التعيين ومن حكم ms092 العلة أن يثبت الحكم في ~~الأصل ثم يتعدى إلى الفرع فينقل حكم الأصل إليه فإذا لم ينقل ذلك الحكم ~~إليه دل على بطلانها. # والثاني: أن لا يفيد الحكم في نظائره على الوجه الذي أفاد في الأصل وذلك ~~مثل أن يقول الحنفي في إسقاط الزكاة في مال الصبي أنه غير معتقد للإيمان ~~فلا تجب الزكاة في مال كالكافر فإن هذا فاسد لأنه لا يوجب الحكم في النظائر ~~على الوجه الذي يوجب في الأصل، ألا ترى أنه لا يوجب إسقاط العشر في زرعه ~~ولا زكاة الفطر في ماله، كما يوجب في الأصل فدل على فسادها لأنها لو كانت ~~توجب الحكم في الفرع لأوجبت الحكم في نظائره على الوجه الذي أوجب في الأصل. # فصل # والتاسع: أن يعتبر حكما يحكم مع اختلافها في الموضع وهو الذي تسميه ~~المتفقهة فساد الاعتبار ويعرف ذلك من طريقين من جهة النطق بأن يرد # PageV01P116 # الشرع بالتفرقة بينهما فيدل ذلك على بطلان الجمع بينهما مثل أن يعتبر ~~الطلاق بالعدة في أن الاعتبار فيه في رق المرأة وحريتها فهذا فاسد لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما في ذلك فقال: "الطلاق بالرجال والعدة ~~بالنساء" فيكون الجمع باطلا بالنص ويعرف بالأصول. وهو أن يعتبر ما بني على ~~التخفيف في إيجاب التخفيف كاعتبار العمد بالسهو والضمان بالحد، أو ما بني ~~على التأكيد في الإسقاط بما بنى على التضعيف كاعتبار العتق بالرق والضمان ~~بالحد، أو بما بني على التغليظ في التغليظ كاعتبار السهو بالعمد أو ما بني ~~على التغليظ بما بني على التخفيف، أو ما بني على التضعيف بما بنى على ~~التأكيد في الإيجاب كاعتبار الرق بالحرية والحد بالضمان، فيدل ذلك على ~~فسادها لأن اختلافهما في الوضع يدل على اختلاف علتهما، وقد قيل: إن ذلك لا ~~يدل على الفساد إذا دلت الدلالة على صحة العلة. # فصل # والعاشر: أن يعارضها ما هو أقوى منها من نص كتاب أو سنة أو إجماع، فيدل ~~ذلك على فسادها لأن هذه الأدلة مقطوع بصحتها فلا يثبت القياس معها. ms093 # PageV01P117 ### | باب القول في تعارض العلتين # إذا تعارضت العلتان لم يخل إما أن يكونا من أصل واحد أو من أصلين فإن ~~كانتا من أصلين وذلك مثل علتنا في إيجاب النية والقياس على التيمم وعلتهم ~~في إسقاط النية والقياس على إزالة النجاسة وجب إسقاط إحداها بما ذكرناه من ~~وجوه الإفساد أو ترجيح إحداهما على الأخرى بما نذكره إن شاء الله تعالى، ~~وإن كانتا من أصل واحد لم يخل إما أن تكون إحداهما داخلة في الأخرى أو ~~تتعدى إحداهما إلى ما لا تتعدى إليه الأخرى، فإن كانت إحداهما داخلة في ~~الأخرى نظرت فإن أجمعوا على أنه ليس له إلا علة واحدة وذلك مثل أن يعلل ~~الشافعي رضي الله عنه البر بأنه مطعوم جنس ويعلل المالكي بأنه مقتات جنس لم ~~يجز القول بالعلتين بل يصار إلى الإبطال أو الترجيح. وإن لم يجمعوا على أن ~~له علة واحدة مثل أن يعلل الشافعي رضي الله في مسألة ظهار # PageV01P117 # الذمي بأنه يصح طلاقه فصح ظهاره كالمسلم، ويعلل الحنفي في المسلم بأنه ~~يصح تكفيره وقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين: فمنهم من قال: نقول بالعلتين ~~لأنهما لا يتنافيان بل هما متفقان على إثبات حكم واحد. ومنهم من قال: لا ~~نقول بهما بل يصار إلى الترجيح والأول أصح لأنه يجوز أن يكون في الحكم ~~علتان وثلاثة وبعضها يتعدى وبعضها لا يتعدى، وإن كانت كل واحدة منهما تتعدى ~~إلى فروع لا تتعدى إليها الأخرى مثل أن يعلل الشافعي البر بأنه مطعوم جنس، ~~ويعلل الحنفي بأنه مكيل جنس فهاتان مختلفتان في فروعهما فلا يمكن القول ~~بهما فيكون حكمهما حكم العلتين من أصلين، فإما أن يفسد إحداهما إما أن ترجح ~~إحداهما على الأخرى. # PageV01P118 ### | باب القول في ترجيح إحدى العلتين على الأخرى # واعلم أن الترجيح لا يقع بين دليلين موجبين للعلم ولا بين علتين موجبتين ~~للعلم لأن العلم لا يتزايد إن كان بعضه أقوى من بعض، وكذلك لا يقع الترجيح ~~بين دليل موجب للعلم أو علة موجبة للعلم وبين دليل أو علة موجبة ms094 للظن لما ~~ذكرناه ولأن المقتضى للظن لا يبلغ رتبة الموجب للعلم ولو رجح بما رجح لكان ~~الموجب للعلم مقدما عليه فلا معنى للترجيح. # فصل # ومتى تعارضت علتان واحتيج فيهما إلى الترجيح رجح إحداهما على الأخرى بوجه ~~من وجوه الترجيح وذلك من وجوه. # أحدها: أن تكون إحداهما منتزعة من أصل مقطوع به والأخرى من أصل غير مقطوع ~~به والمنتزعة من المقطوع به أولى لأن أصلها أقوى. # والثاني: أن يكون أصل إحداهما مع الإجماع عليه قد عرف دليله على التفصيل ~~فيكون أقوى ممن أجمعوا عليه ولم يعرف دليله على التفصيل لأن ما عرف دليله ~~يمكن النظر في معناه وترجيحه على غيره. # والثالث: أن يكون أصل إحداهما قد عرف بنطق الأصل وأصل الأخرى بمفهوم أو ~~استنباط فما عرف بالنطق أقوى والمنتزع منه أقوى. # PageV01P118 # والرابع: أن يكون أصل إحداهما عموما ما يخص وأصل الأخرى عموم دخله ~~التخصيص فالمنتزع مما لم يدخله التخصيص أولى لأن ما دخله التخصيص أضعف لأن ~~من الناس من قال قد صار مجازا بدخول التخصيص فيه. # والخامس: أن يكون أصل إحداهما قد نص على القياس عليه وأصل الأخرى لم ينص ~~على القياس عليه فما ورد النص بالقياس عليه أقوى. # والسادس: أن يكون أصل إحداهما من جنس الفرع فقياسه عليه أولى على ما ليس ~~من جنسه. والسابع أن تكون إحداهما مردودة إلى أصل والأخرى إلى أصول فما ردت ~~إلى أصول أولى ومن أصحابنا من قال هما سواء والأول أظهر لأن ما كثرت أصوله ~~أقوى. # والثامن: أن تكون إحدى العلتين صفة ذاتية والأخرى صفة حكمية فالحكمية ~~أولى. ومن أصحابنا من قال الذاتية أولى لأنها أقوى والأول أصح لأن الحكم ~~بالحكم أشبه فهو بالدلالة عليه أولى. # والتاسع: أن تكون إحداهما منصوصا عليها والأخرى غير منصوص عليها فالعلة ~~المنصوص عليها أولى لأن النص أقوى من الاستنباط. # والعاشر: أن تكون إحداهما نفيا والأخرى إثباتا فالإثبات أولى لأن النفي ~~مختلف في كونه علة أو تكون إحداهما صفة والأخرى اسما فالصفة أولى لأن من ~~الناس من قال الاسم ms095 لا يجوز أن يكون علة. # والحادي عشر: أن تكون إحداهما أقل أوصافا والأخرى أكثر أوصافا فمن ~~أصحابنا من قال القليلة الأوصاف أولى لأنها اسلم. ومنهم قال ما كثرت أوصافه ~~أولى لأنها أكثر مشابهة للأصل. # والثاني عشر: أن تكون إحداهما أكثر فروعا من الأخرى فمن أصحابنا من قال ~~ما كثرت فروعه أولى لأنها أكثر فائدة، ومنهم من قال هما سواء. # PageV01P119 # والثالث عشر: أن تكون إحداهما متعدية والأخرى واقفة فالمتعدية أولى لأنها ~~مجمع على صحتها والواقفة مختلف في صحتها. # والرابع عشر: أن تكون إحداهما تطرد وتنعكس والأخرى تطرد ولا تنعكس فالتي ~~تطرد وتنعكس أولى لأن العكس دليل على الصحة بلا خلاف والطرد ليس بدليل على ~~قول الأكثر. # والخامس عشر: أن تكون إحداهما تقتضي احتياطا في فرض والأخرى لا تقتضي ~~الاحتياط فالتي تقتضي الاحتياط أولى لأنها أسلم في الموجب. # والسادس عشر: أن تكون إحداهما تقتضي الحظر والأخرى تقتضي الإباحة فمن ~~أصحابنا من قال هما سواء ومنهم من قال التي تقتضي الحظر أولى لأنها أحوط. # والسابع عشر: أن تكون إحداهما تقتضي النقل عن الأصل إلى شرع والأخرى أولى ~~تقتضي البقاء على الأصل فالناقلة أولى. ومن أصحابنا من قال المبقية أولى ~~والأول أصح لأن الناقلة تفيد حكما شرعيا. والثامن عشر: أن تكون إحداهما ~~توجب حدا والأخرى تسقطه أو إحداهما توجب العتق والأخرى تسقطه فمن الناس من ~~قال إن ذلك يرجح لأن الحد مبني على الدرء والعتق على الإيقاع والتكميل، ~~ومنهم من قال إنه لا يرجح لأن إيجاب الحد وإسقاطه والعتق والرق في حكم ~~الشرع سواء. والتاسع عشر: أن تكون إحداهما يوافقها عموم والأخرى لا يوافقها ~~فما يوافقها العموم أولى ومن الناس من قال التي توجب التخصيص أولى والأول ~~أصح، لأن العموم دليل نفسه فإذا انضم إلى القياس قواه. والعشرون: أن يكون ~~مع إحداهما قول صحابي فهو أولى لأن قول الصحابي حجة في قول بعض العلماء ~~فإذا انضم إلى القياس قواه. # PageV01P120 ### | باب القول في الاستحسان # الاستحسان المحكي عن أبي حنيفة رحمه الله هو الحكم بما يستحسنه ms096 من غير ~~دليل. واختلف المتأخرون من أصحابه في معناه، فقال بعضهم: هو تخصيص العلة ~~بمعنى يوجب التخصيص وقال بعضهم: تخصيص بعض الجملة بدليل يخصها. وقال بعضهم: ~~هو قول بأقوى الدليلين وقد يكون هذا الدليل إجماعا وقد يكون نصا وقد يكون ~~قياسا وقد يكون استدلالا. # فالنص: مثل قولهم: إن القياس أن لا يثبت الخيار في البيع لأنه غرر ولكن ~~استحسناه للخبر. # والإجماع: مثل قولهم: إن القياس أن لا يجوز دخول الحمام إلا بأجرة معلومة ~~لأنه انتفاع مكان ولا الجلوس فيه إلا قدرا معلوما ولكن استحسناه للإجماع. # والقياس: مثل قولهم: فيمن حلف أنه لا يصلي: أن القياس انه يحنث بالدخول ~~في الصلاة لأنه يسمى مصليا ولكن استحسنا أنه لا يحنث إلا أن يأتي بأكثر ~~الركعة لأن ما دون أكثر الركعة لا يعتد به فهو بمنزلة ما لو لم يكبر. ~~والاستدلال مثل قولهم إن القياس أن من قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو ~~نصراني أنه لا يكون حالفا لأنه لم يحلف بالله تعالى ولكن استحسنا أنه يحنث ~~بضرب من الاستدلال وهو أن الهاتك للحرمة بهذا القول بمنزلة الهاتك لحرمة ~~قوله والله وهذا أيضا قياسا إلا أنهم يزعمون أن هذا استدلال ويفرقون بين ~~القياس والاستدلال فإن كان الاستحسان هو الحكم بما يهجس في نفسه ويستحسنه ~~من غير دليل فهذا ظاهر الفساد لأن ذلك حكم بالهوى واتباع للشهوة والأحكام ~~مأخوذة من أدلة الشرع لا مما يقع في النفس وإن كان الاستحسان ما يقوله ~~أصحابه من أنه تخصيص العلة فقد مضى القول في ذلك ودللنا على فساده وإن كان ~~تخصيص بعض الجملة من الجملة بدليل يخصها أو الحكم بأقوى الدليلين فهذا مما ~~لا ينكره أحد فيسقط الخلاف في المسألة ويحصل الخلاف في أعيان الأدلة التي ~~يزعمون أنها أدلة خصوا بها الجملة أو دليل أوقى من دليل. # PageV01P121 ### | باب القول فبي بيان الأشياء قبل الشرع واستصحاب الحال والقول بأقل ما قيل وإيجاب الدليل على الباقي # واختلف أصحابنا في الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع، فمنهم من قال ms097 ~~أنها على الوقف لا يقضي فيها بحظر ولا إباحة وهو قول أبي علي الطبري وهو ~~مذهب الأشعرية، ومن أصحابنا من قال هو على الإباحة وهو قول أبي العباس وأبي ~~إسحاق، فإذا رأى شيئا جاز له تملكه وتناوله وهو قول المعتزلة البصريين، ~~ومنهم من قال هو على الحظر فلا يحل له الانتفاع بها ولا التصرف فيها وهو ~~قول أبي علي بن أبي هريرة وهو قول المعتزلة البغداديين والأول أصح لأنه لو ~~كان العقل يوجب في هذه الأعيان حكما من حظر أو إباحة لما ورد الشرع فيها ~~بخلاف ذلك ولما جاز ورود الشرع بالإباحة مرة وبالحظر مرة أخرى دل على أن ~~العقل لا يوجب في ذلك حظرا ولا إباحة. # فصل # وأما استصحاب الحال فضربان: استصحاب حال العقل واستصحاب حال الإجماع. # فأما استصحاب حال العقل فهو الرجوع إلى براءة الذمة في الأصل وذلك طريق ~~يفزع إليه المجتهد عند عدم أدلة الشرع ولا ينتقل عنها إلا بدليل شرعي ينقله ~~عنه فإن وجد دليلا من أدلة الشرع انتقل عنه سواء كان ذلك الدليل نطقا أو ~~مفهوما أو نصا أو ظاهرا لأن هذه الحال إنما استصحبها لعدم دليل شرعي فأي ~~دليل ظهر من جهة الشرع حرم عليه استصحاب الحال بعده. # فصل # والضرب الثاني: استصحاب حال الإجماع وذلك مثل أن يقول الشافعي رضي الله ~~عنه في المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته إنه يمضي فيها لأنهم أجمعوا ~~قبل رؤية الماء على انعقاد صلاته فيجب أن تستصحب هذه الحال بعد # PageV01P122 # رؤية الماء حتى يقوم دليل ينقله عنه فهذا اختلف أصحابنا فيه. فمنهم من ~~قال: أن ذلك دليل وهو قول أبي بكر الصيرفي من أصحابنا. ومنهم من قال: إن ~~ذلك ليس بدليل وهو الصحيح لأن الدليل هو الإجماع والإجماع إنما حصل قبل ~~رؤية وإذا رأى الماء فقد زال الإجماع فلا يجوز أن يستصحب حكم الإجماع في ~~موضع الخلاف من غير علة تجمع بينهما. # فصل # فأما القول بأقل ما قيل فهو أن يختلف الناس في حادثة على قولين أو ms098 ثلاثة ~~فقضى بعضهم فيها بقدر وقضى بعضهم فيها بأقل من ذلك القدر وذلك مثل اختلافهم ~~في دية اليهودي والنصراني. فمنهم من قال: تجب فيه دية مسلم. ومنهم من قال: ~~تجب فيه نصف دية مسلم. ومنهم من قال: تجب فيه ثلث دية مسلم، فهذا الاستدلال ~~به من وجهين أحدهما من جهة استصحاب الحال في براءة الذمة وهو أن يقول الأصل ~~براءة الذمة إلا فيما دل الدليل عليه من جهة الشرع، وقد دل الدليل على ~~اشتغال ذمته بثلث الدية وهو الإجماع وما زاد عليه باق على براءة الذمة فلا ~~يجوز إيجابه إلا بدليل فهذا استدلال صحيح لأنه استصحاب حال العقل في براءة ~~الذمة. والثاني أن يقول هذا القول متيقن وما زاد مشكوك فيه فلا يجوز إيجابه ~~بالشك، فهذا لا يصح لأنه لا يجوز إيجاب الزيادة بالشك فلا يجوز أيضا إسقاط ~~الزيادة بالشك. # فصل # وأما النافي للحكم فهو كالمثبت في وجوب الدليل عليه ومن أصحابنا من قال ~~النافي لا دليل عليه. ومن الناس من قال إن كان ذلك في العقليات فعليه ~~الدليل وإن كان في الشرعيات لم يكن عليه دليل والدليل على ما قلناه هو أن ~~القطع بالنفي لا يعلم إلا عن دليل كما أن القطع بالإثبات لا يعلم إلا عن ~~دليل وكما لا يقبل الإثبات إلا بدليل فكذلك النفي. # PageV01P123 ### | باب في بيان ترتيب استعمال الأدلة واستخراجها # واعلم أنه إذا نزلت بالعالم نازلة وجب عليه طلبها في النصوص والظواهر في ~~منطوقها ومفهومها وفي أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وإقراره وفي إجماع ~~علماء الأمصار فإن وجد في شيء من ذلك ما يدل عليه قضى به وإن لم يجد طلبه ~~في الأصول والقياس عليها وبدأ في طلب العلة بالنص فإن وجد التعليل منصوصا ~~عليه عمل به، وإن لم يجد المنصوص عليه ضم إليه غيره من الأوصاف التي دل ~~الدليل عليها فإن لم يجد في النص عدل إلى المفهوم فإن لم يجد في ذلك نظر في ~~الأوصاف المؤثرة في الأصول من ذلك الحكم واختبرها منفردة ms099 ومجتمعة فما سلم ~~منها منفردا أو مجتمعا علق الحكم عليه وإن لم يجد علل بالأشباه الدالة على ~~الحكم على ما قدمناه فإن لم يجد علل بالأشبه وإن كان ممن يرى مجرد الشبه ~~وإن لم تسلم له علة في الأصل علم أن الحكم مقصور على الأصل لا يتعداه فإن ~~لم يجد في الحادثة دليلا يدله عليها من جهة الشرع لا نصا ولا استنباطا ~~أبقاه على حكم الأصل في العقل على ما قدمناه. # PageV01P124 ### | القول في التقليد ### | باب بيان ما يسوغ فيه التقليد وما لا يسوغ # ومن يسوغ له التقليد ومن لا يسوغ # قد بينا الأدلة التي يرجع إليها المجتهد في معرفة الحكم وبقي الكلام في ~~بيان ما يرجع إليه العامل في العمل وهو التقليد، وجملته أن التقليد قبول ~~القول من غير دليل. والأحكام على ضربين عقلي وشرعي. # فأما العقلي فلا يجوز فيه التقليد كمعرفة الصانع وصفاته ومعرفة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الأحكام العقلية وحكي عن أبي عبيد الله بن ~~الحسن العنبري أنه قال يجوز التقليد في أصول الدين وهذا خطأ لقول الله ~~تعالى: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} 1. فذم قوما ~~اتبعوا آباءهم في الدين فدل على أن ذلك لا يجوز لأن طريق هذه الأحكام العقل ~~والناس كلهم يشتركون في العقل فلا معنى للتقليد فيه. # فصل # وأما الشرعي فضربان: ضرب يعلم ضرورة من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ~~كالصلوات الخمس والزكوات وصوم شهر رمضان والحج وتحريم الزنا وشرب الخمر وما ~~أشبه ذلك، فهذا لا يجوز التقليد فيه لأن الناس كلهم يشتركون في إدراكه ~~والعلم به، فلا معنى للتقليد فيه، وضرب لا يعلم إلا بالنظر والاستدلال، ~~كفروع العبادات والمعاملات والفروج والمناكحات وغير ذلك من الأحكام فهذا ~~يسوغ فيه التقليد. وحكي عن أبي علي الجبائي أنه قال: إن PageV01P125 # كان ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد جاز وإن كان مما لا يجوز فيه الاجتهاد لم ~~يجز. والدليل على ما قلناه قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ms100 ~~تعلمون} 1 ولأنا لو منعنا التقليد فيه لاحتاج كل أحد أن يتعلم ذلك، وفي ~~إيجاب ذلك قطع عن المعاش وهلاك الحرث والزرع فوجب أن يسقط. # فصل # وأما من يسوغ له التقليد فهو العامي وهو الذي لا يعرف طرق الأحكام ~~الشرعية فيجوز له أن يقلد عالما ويعمل بقوله. وقال بعض الناس: لا يجوز حتى ~~يعرف علة الحكم والدليل على ما قلناه هو أنا لو ألزمناه معرفة العلة أدى ~~إلى ما ذكرناه من الانقطاع عن المعيشة وفي ذلك خراب الدنيا فوجب أن لا يجب. # فصل # وأما العالم فينظر فيه فإن كان الوقت واسعا عليه يمكنه الاجتهاد لزمه طلب ~~الحكم بالاجتهاد، ومن الناس من قال: يجوز له تقليدا لعالم وهو قول أحمد ~~وإسحاق، وسفيان الثوري وقال محمد بن الحسن: يجوز له تقليد من هو أعلم منه، ~~ولا يجوز له تقليد مثله، ومن الناس من قال إن كان في حادثة نزلت به جاز له ~~أن يقلد ليعمل به، وإن كان في حادثة نزلت بغيره لم يجز أن يقلد ليحكم به أو ~~يفتي به فالدليل على ما قلناه هو أن معه آلة يتوصل بها إلى الحكم المطلوب ~~فلا يجوز له تقليد غيره كما قلناه في العقليات. # فصل # وإن كان قد ضاق عليه الوقت، وخشي فوت العبادة إن اشتغل بالاجتهاد ففيه ~~وجهان: أحدهما لا يجوز، وهو قول أبي إسحاق، والثاني يجوز وهو قول أبي ~~العباس والأول أصح لأن معه آلة يتوصل بها إلى الاجتهاد فأشبه إذا كان الوقت ~~واسعا. PageV01P126 # باب صفة المفتي والمستفتي # وينبغي أن يكون المفتي عارفا بطرق الأحكام، وهي الكتاب، والذي يجب أن ~~يعرف من ذاك ما يتعلق بذكر الأحكام والحلال والحرام دون ما فيه من القصص ~~والأمثال والمواعظ والأخبار، ويحيط بالسنن المروية عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في بيان الأحكام ويعرف الطرق التي يعرف بها ما يحتاج إليه من ~~الكتاب والسنة من أحكام الخطاب وموارد الكلام ومصادره من الحقيقة، والمجاز، ~~والعام، والخاص، والمجمل، والمفصل، والمطلق، والمقيد، والمنطوق، والمفهوم، ~~ويعرف من اللغة ms101 والنحو ما يعرف به مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله ~~عليه وسلم في خطابهما، ويعرف أحكام أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ~~تقتضيه، ويعرف الناسخ من ذلك من المنسوخ وأحكام النسخ وما يتعلق به ويعرف ~~إجماع السلف وخلافهم ويعرف ما يعتد به من ذلك ما لا يعتد به ويعرف القياس ~~والاجتهاد والأصول التي يجوز تعليلها وما لا يجوز والأوصاف التي يجوز أن ~~يعلل بها وما لا يجوز وكيفية انتزاع العلل. ويعرف ترتيب الأدلة بعضها على ~~بعض وتقديم الأولى منها ووجوه الترجيح ويجب أن يكون ثقة مأمونا لا يتساهل ~~في أمر الدين. # فصل # ويجب عليه أن يفتي من استفتاه ويعلم من طلب منه التعليم فإن لم يكن في ~~الإقليم الذي هو فيه غيره يتعين عليه التعليم والفتيا وإن كان هناك غيره لم ~~يتعين عليه بل كان ذلك من فروض الكفاية إذا قام به بعضهم سقط الفرض عن ~~الباقين ويجب أن يبين الجواب، فإن كان الذي نزلت به النازلة حاضرا وعرف منه ~~النازلة على جهتها جاز أن يجيب على حسب ما علم من حال المسألة وإن لم يكن ~~حاضرا واحتملت المسألة تفصيلا فصل الجواب وبين وإن لم يعرف المستفتي لسان ~~المفتي قبل فيه ترجمة عدل وإن اجتهد في حادثة مرة فأجاب فيها ثم نزلت تلك ~~الحادثة مرة أخرى فهل يجب عليه إعادة الاجتهاد أم لا فيه وجهان: من أصحابنا ~~من قال: يفتي بالاجتهاد الأول، ومنهم من قال: يحتاج أن يجدد الاجتهاد ~~والأول أصح. # PageV01P127 # فصل # وأما المستفتي فلا يجوز أن يستفتي من شاء على الإطلاق لأنه ربما استفتى ~~من لا يعرف الفقه بل يجب أن يتعرف حال الفقيه في الفقه والأمانة ويكفيه في ~~معرفة ذلك خبر العدل الواحد فإذا عرف أنه فقيه نظر فإن كان وحده قلده وإن ~~كان هناك غيره فهل يجب عليه الاجتهاد فيه وجهان: من أصحابنا من قال: يقلد ~~من شاء منهم وقال أبو العباس والقفال: يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين ~~فيقلد أعلمهم وأورعهم والأول أصح لأن ms102 الذي يجب عليه أن يرجع إلى قول عالم ~~ثقة وقد فعل ذلك فيجب أن يكفيه. # فصل # فإن استفتى رجلين نظرت فإن اتفقا في الجواب عمل بما قالا وإن اختلفا ~~فأفتاه أحدهما بالحظر والآخر بالإباحة فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه ~~منهم من قال: يأخذ بما شاء منهما ومنهم من قال: يجتهد فيمن يأخذ بقوله ~~منهما ومنهم من قال: يأخذ بأغلظ الجوابين لأن الحق ثقيل والصحيح هو الأول ~~لأنا قد بينا أنه لا يلزمه الاجتهاد والحق أيضا لا يختص بأغلظ الجوابين بل ~~قد يكون الحق في الأخف كيف وقد قال الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر} 1 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت بالحنيفية ~~السهلة ولم أبعث بالرهبانية المبتدعة". PageV01P128 ### | القول في الاجهاد ### | باب القول في أقوال المجتهدين وأن الحق منهما في واحد أو كل مجتهد مصيب # ... # باب القول في أقوال المجتهدين وأن الحق منهما في واحد أو كل مجتهد مصيب # الاجتهاد في عرف الفقهاء: استفراغ الوسع وبذل المجهود في طلب الحكم ~~الشرعي. والأحكام ضربان: عقلي وشرعي. # فأما العقلي: فهو كحدوث العالم وإثبات الصانع وإثبات النبوة وغير ذلك من ~~أصول الديانات والحق في هذه المسائل في واحد وما عداه باطل، وحكي عن عبيد ~~الله بن الحسن العنبري أنه قال كل مجتهد في الأصول مصيب ومن الناس من حمل ~~هذا القول منه على أنه إنما أراد في أصول الديانات التي يختلف فيها أهل ~~القبلة ويرجع المخالفون فيها إلى آيات وآثار محتملة للتأويل كالرؤية وخلق ~~الأفعال والتجسيم وما أشبه ذلك دون ما يرجع إلى الاختلاف بين المسلمين ~~وغيرهم من أهل الأديان والدليل على فساد قوله هو أن هذه الأقوال المخالفة ~~للحق من التجسيم ونفي الصفات لا يجوز ورود الشرع بها فلا يجوز أن يكون ~~المخالف فيها مصيبا كالقول بالتثليث وتكذيب الرسل. # فصل # وأما الشرعية فضربان: ضرب يسوغ فيه الاجتهاد وضرب لا يسوغ فيه الاجتهاد ~~فأما ما لا يسوغ فيه الاجتهاد فعلى ضربين. # أحدهما: ما علم من دين الرسول ms103 صلى الله عليه وسلم ضرورة كالصلوات ~~المفروضة والزكوات الواجبة وتحريم الزنا واللواط وشرب الخمر وغير ذلك فمن # PageV01P129 # خالف في شيء من ذلك بعد العلم فهو كافر لأن ذلك معلوم من دين الله تعالى ~~ضرورة فمن خالف فيه فقد كذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في ~~خبرهما فحكم بكفره. # والثاني: ما لم يعلم من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ضرورة كالأحكام ~~التي تثبت بإجماع الصحابة وفقهاء الإعصار ولكنها لم تعلم من دين الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ضرورة فالحق من ذلك في واحد وهو ما أجمع الناس عليه فمن ~~خالف في شيء من ذلك بعد العلم به فهو فاسق. # وأما ما يسوغ فيه الاجتهاد وهو المسائل التي اختلف فيها فقهاء الأمصار ~~على قولين وأكثر فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: الحق من ذلك كله في ~~واحد وما عداه باطل إلا أن الإثم موضوع عن المخطئ فيه وذكر هذا القائل أن ~~هذا هو مذهب الشافعي رحمه الله لا قول له غيره، ومن أصحابنا من قال: فيه ~~قولان أحدهما: ما قلناه والثاني: أن كل مجتهد مصيب وهو ظاهر قول مالك رحمه ~~الله وأبي حنيفة رحمه الله وهو مذهب المعتزلة وأبي الحسن الأشعري. # وحكي القاضي أبو بكر الأشعري عن أبي علي بن أبي هريرة من أصحابنا إنه كان ~~يقول: باخرة أن الحق من هذه الأقاويل في واحد مقطوع به عند الله تعالى وأن ~~مخطئه مأثوم والحكم بخلافه منصوص وهو قول الأصم بن علية وبشر المريسي. ~~واختلف القائلون من أصحابنا أن الحق في واحد في أنه هل الكل مصيب في ~~اجتهاده أم لا فقال بعضهم: إن المخطئ في الحكم مخطئ في الاجتهاد وقال ~~بعضهم: أن الكل مصيب في الاجتهاد وإن جاز أن يخطئ في الحكم حكي ذلك عن أبي ~~العباس واختلف القائلون بأن كل مجتهد مصيب فقال بعض أصحاب أبي حنيفة رحمه ~~الله: أن عند الله عز وجل أشبهه مطلوب ربما أصابه المجتهد وربما أخطأ ه ~~ومنهم من أنكر ذلك والقائلون ms104 بالأشبه اختلفوا في تفسيره فمنهم من أبى ~~تفسيره بأكثر من أنه أشبه. # وحكي عن بعضهم أنه قال: الأشبه عند الله في حكم الحادثة قوة الشبه بقوة ~~الإمارة وهذا تصريح بأن الحق في واحد يجب طلبه. وقال بعضهم: الأشبه # PageV01P130 # عند الله تعالى أن عنده في هذه الحادثة حكما لو نص عليه وبينه لم ينص إلا ~~عليه والصحيح من مذهب أصحابنا هو الأول وأن الحق في واحد وما سواه باطل وأن ~~الإثم مرفوع عن المخطئ والدليل على ذلك وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا ~~اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" ولأنه لو كان ~~الجميع حقا وصوابا لم يكن للنظر والبحث معنى، وأما الدليل على وضع المأثم ~~عن المخطئ فما ذكرناه من الخبر ولأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعت على تسويغ ~~الحكم بكل واحد من الأقاويل المختلف فيها وإقرار المخالفين على ما ذهبوا ~~إليه من الأقاويل فدل على أنه لا مأثم على واحد منهم. # فصل # لا يجوز أن تتكافأ الأدلة في الحادثة بل لا بد من ترجيح أحد القولين على ~~الآخر وقال أبو علي وأبو هاشم: يجوز أن تتكافأ الأدلة فيتخير المجتهد عند ~~ذلك من القولين المختلفين فيعمل بما شاء منهم والدليل على ما قلناه أنه إذا ~~كان الحق في واحد على ما بيناه لم يجز أن تتكافأ الأدلة فيه كالعقليات. # PageV01P131 ### | باب القول في تخريج المجتهد المسألة على قولين # يجوز للمجتهد أن يخرج المسألة على قولين وهو أن يقول هذه المسألة تحتمل ~~قولين على معنى أن كل قول سواهما باطل. وذهب قوم لا يعتد بهم إلى أنه لا ~~يجوز ذلك وهذا خطأ لأنه إن كان المراد بالمنع من تخريج القولين أن يكون له ~~قولان على وجه الجمع مثل أن يقول هذا الشيء حلال وحرام على سبيل الجمع، ~~فهذا لا يجوز أيضا عندنا وإن كان المراد أن يكون له قولان في الشيء أنه ~~حلال أو حرام على سبيل التخيير فيأخذ بما شاء منهما فهذا أيضا لا يجوز أن ~~يقول ms105 هذه المسألة تحتمل قولين ليبطل ما سواهما فهذا جائز والدليل عليه أن ~~المجتهد قد يقوم له الدليل على إبطال كل قول سوى قولين ولا يظهر له الدليل ~~في تقديم أحد القولين في الحال فيخرج على قولين ليدل به على أن ما سوهما ~~باطل وهذا كما فعل عمر رضي الله عنه في الشورى فإنه قال الخليفة بعدي أحد ~~هؤلاء الستة ليدل على أنه لا يجوز أن تكون الخلافة فيمن سواهم وأما تخريج ~~الشافعي رحمه الله المسائل على قولين فعلى أضرب. # PageV01P131 # منها ما قال: فيها قولين في وقتين فقال في القديم: فيها بحكم وفي الجديد ~~رجع عنه فهذا جائز بلا كلام لما وري عن علي كرم الله وجهه أنه قال كان رأيي ~~ورأي أمير المؤمنين عمر أن لا تباع أمهات الأولاد ورأيي الآن أن يبعن وعلى ~~الروايات التي عن أبي حنيفة رحمه الله ومالك رحمه الله فإنه روي عنهما ~~روايات ثم رجعوا عنها إلى غيرها. # ومنها ما قال في وقت واحد هذه المسألة على قولين ثم بين الصحيح منهما بأن ~~يقول إلا أن أحدهما مدخول أو منكسر وغير ذلك من الوجوه التي يعرف بها ~~الصحيح من الفاسد فهذا أيضا جائز لتبيين طرق الاجتهاد إنه احتمل هذين ~~القولين إلا أن أحدهما يلزم عليه كذا وكذا فتركته فيفيد بذلك تعلم طرق ~~الاجتهاد كما قال أبو حنيفة رحمه الله: القياس يقتضي كذا وكذا إلا إني ~~تركته للخبر. # ومنها ما نص على قولين في موضعين فيكون ذلك على اختلاف حالين فلا يكون ~~هذا اختلاف قول في مسألة بل هذا في مسألتين فيصير كالقولين عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في موضعين على معنيين مختلفين ومنها ما نص فيه على ~~قولين ولم يبين الصحيح منهما حتى مات رحمه الله تعالى ويقال إن هذا لم يوجد ~~إلا في سبعة عشر مسألة وهذا جائز لأنه يجوز أن يكون قد دل الدليل عنده على ~~إبطال كل قول سوى القولين وبقي له النظر في القولين فمات قبل أن يبين كما ms106 ~~رويناه في قصة عمر رضي الله عنه في أمر الشورى وكما قال أبو حنيفة رحمه ~~الله في الشك في سؤر الحمار. # فصل # فأما إذا ذكر المجتهد قولا ثم ذكر قولا آخر بعد ذلك كان ذلك رجوعا عن ~~الأول ومن أصحابنا من قال ليس ذلك برجوع بل هو تخريج للمسألة على قولين ~~وهذا غير صحيح لأن الثاني من القولين يناقض الأول فكان ذلك رجوعا عن الأول ~~كالنصين في الحادثة. # PageV01P132 # فصل # فأما إذا نص على قولين ثم أعاد للمسألة فأعاد أحد القولين كان ذلك ~~اختيارا للقول المعاد ومن أصحابنا من قال: ليس ذلك باختيار والأول أصح لأن ~~الثاني يضاد القول الأول فصار كما لو نص في الابتداء على أحد القولين ثم نص ~~على القول الآخر. # فصل # فأما إذا قال المجتهد في الحادثة بقول ثم قال ولو قال قائل كذا وكذا كان ~~مذهبا لم يجز أن يجعل ذلك قولا له، ومن أصحابنا من قال: يجعل ذلك قولا آخر ~~وهذا غير صحيح لأن هذا إخبار عن احتمال المسألة قولا آخر فلا يجوز ذلك ~~مذهبا له. # فصل # وأما ما يقتضيه قياس قول المجتهد فلا يجوز أن يجعل قولا له ومن أصحابنا ~~من قال يجوز أن يجعل ذلك قولا له وهذا غير صحيح لأن القول ما نص عليه وهذا ~~لم ينص عليه فلا يجوز أن يجعل قولا له. # فصل # إذا نص في حادثة على حكم ونص في مثلها على ضد ذلك الحكم لم يجز نقل القول ~~في أحد المسألتين إلى الأخرى. ومن أصحابنا من قال: يجوز نقل الجواب في كل ~~واحدة من المسألتين إلى الأخرى وتخرجيهما على قولين وهذا غير صحيح لأنه لم ~~ينص في كل واحدة منهما إلا على قول فلا يجوز أن ينسب إليه ما لم ينص عليه ~~ولأن الظاهر أنه قصد الفرق بين المسألتين فمن جمع بينهما فقد خالفه. # PageV01P133 ### | باب القول في اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم والاجتهاد بحضرته # يجوز الاجتهاد بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن أصحابنا من ms107 قال: ~~لا يجوز. دليلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سعدا أن يحكم في بني ~~قريظة # PageV01P133 # فاجتهد بحضرته ولأن ما جاز الحكم به في غيبة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جاز الحكم به في حضرته كالنص. # فصل # وقد كان يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم في الحوادث ~~بالاجتهاد ومن أصحابنا من قال: ما كان له ذلك. لنا هو أنه إذا جاز لغيره من ~~العلماء الحكم بالاجتهاد فلأن يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم وهو أكمل ~~اجتهادا أولى. # فصل # وقد كان الخطأ جائزا عليه إلا أنه لا يقر عليه ومن أصحابنا من قال ما كان ~~يجوز عليه الخطأ وهذا خطأ لقوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} 1 # فدل على أنه أخطأ ولأن من جاز عليه السهو والنسيان جاز عليه الخطأ كغيره. # فصل # ويجوز أن يتعبد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بوضع الشرع فيقول له ~~افرض وسن ما ترى أنه مصلحة للخلق وقال أكثر القدرية: لا يجوز وهذا خطأ لأنه ~~ليس في ذلك تجويز إحالة ولا فساد فوجب أن يكون جائزا، والله اعلم. # تم الكتاب # وجدفي الأصل المطبوع عليه مانصه قوبل على أصله المنتسخ منه مع مراجعة ~~نسختين منه في المكتبة العمومية بدمشق جيدتين تاريخ إحداهما عام 574 في صفر ~~والأخرى بالعام نفسه من شهر ربيع الآخر. وكتبه الفقير جمال الدين القاسمي ~~حامدا ومصليا في 26 ربيع الآخر سنة 1325 PageV01P134 ms108