######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000214 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الشيرازي #META# 010.AuthorNAME :: إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي أبو إسحاق #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 476 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: التبصرة في أصول الفقه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه :: الكتب الجامعة لأصول الفقه :: كتب أصول الفقه الإسلامي #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: التبصرة #META# 030.LibURI :: JK_000214 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. محمد حسن هيتو #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفكر #META# 044.EdPLACE :: دمشق #META# 045.EdYEAR :: 1403 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # & $ مسألة 1 # الأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه PageV01P017 # وقالت المعتزلة هو إرادة الفعل بالقول ممن هو دونه # لنا هو أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل ولهذا ~~قال في الحكاية عن إسماعيل @QB@ يا أبت افعل ما تؤمر @QE@ ولم يرد منه ذلك ~~لأنه لو أراد منه ذلك لوقع منه على أصلهم لأنه لا يجوز أن يريد أمرا ولا ~~يوجد ولما جاز أن ينهاه على أصلهم لأن الأمر بالشيء يدل على حسن المأمور به ~~ولا يجوز أن ينهاه عن الحسن # فإن قيل الذي أمر به مقدمات الذبح من الاضجاع وتله للجبين وقد فعل ذلك # قلنا هذا خلاف الظاهر الذي في القرآن @QB@ إني أرى في المنام أني أذبحك ~~@QE@ # ولأنه لو كان المأمور به هو المقدمات لم يكن في ذلك بلاء مبين ولا احتاج ~~PageV01P018 فيه إلى صبر وقد قال عز وجل @QB@ إن هذا لهو البلاء المبين ~~@QE@ وقال @QB@ ستجدني إن شاء الله من الصابرين @QE@ فدل على أن الأمر ~~تناول جميع ذلك # ولأنه لو كان المأمور به مقدمات الذبح لما احتاج فيه إلى الفداء لأنه قد ~~فعل ذلك وقد قال الله تعالى @QB@ وفديناه بذبح عظيم @QE@ فبطل ما قالوه # فإن قيل فقد فعل الذبح ولكن كلما قطع جزءا التحم # قلنا لو كان هذا صحيحا لكان قد ذكره الله سبحانه وأخبر عنه لأن ذلك من ~~المعجزات والآيات الباهرة الظاهرة # ولأنه لو كان كما ذكروه لكان لا يفتقر إلى الفداء لأنه قد امتثل الأمر # وأيضا فإن السيد من العرب إذا قال لعبده افعل كذا سموا ذلك أمرا وإن لم ~~يعلم مراده ولو كان شرط الأمر الإرادة لما أطلقوا عليه هذا الاسم قبل أن ~~تعلم إرادته # وأيضا أنه لو كان الأمر يقتضي الإرادة لما حسن أن يقول الرجل لعبده أمرتك ~~بكذا ولم أرده كما لا يجوز أن يقول أردت منك كذا ولم أرده ولما جاز أن يقول ~~أمرتك بكذا ولم أرده ولم يعد متناقضا دل على أن الأمر لا يقتضي الإرادة # ولأنه لو كان الأمر يقتضي ms001 الإرادة لوجب أن لا يكون أمرا لا مريدا ولما ~~رأينا من يأمر وليس بمريد وهو المكره دل على أنه لا يقتضي الإرادة # واحتجوا بأن هذه الصفة ترد والمراد بها الأمر كقوله تعالى @QB@ وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ PageV01P019 # وترد والمراد بها التهديد كقوله تعالى @QB@ اعملوا ما شئتم @QE@ # وترد والمراد بها التكوين كقوله تعالى @QB@ كونوا قردة خاسئين @QE@ # وترد والمراد بها التعجيز كقوله تعالى @QB@ فأتوا بسورة من مثله @QE@ # وإنما ينفصل الأمر بها عما ليس بأمر بالإرادة فدل على أن الإرادة شرط في ~~كون الصيغة أمرا # الجواب أنا لا نسلم أن الأمر يميز عما ليس بأمر بالإرادة وإنما يتميز ~~بالاستدعاء فقوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة @QE@ استدعاء فكان أمرا وسائر ~~الصيغ الأخر لم تكن استدعاء فلم تكن أمرا وإذا جاز أن يكون الأمر يتميز بما ~~ذكرناه بطل احتجاجهم # قالوا لو لم يكن من شرطه الإرادة لوجب أن يصح الأمر من البهيمة ولما لم ~~يصح منها دل على أنه إنما لم يصح لعدم الإرادة # قلنا لا نسلم هذا بل أيضا إنما لم يصح لعدم القول ومن شرط الأمر ~~PageV01P020 الاستدعاء بالقول ممن هو دونه ولهذا نقول إن المجنون إذا قال ~~لمن هو دونه افعل كذا كان ذلك أمرا وإن لم تكن له إرادة # قالوا ولأن العرب لا تفرق بين قولهم أريد منك كذا وبين قولهم افعل كذا # قلنا لا نسلم هذا أيضا بل قوله أريد إخبار عن مراده من غير استدعاء وقوله ~~افعل كذا استدعاء ألا ترى أنه يدخله الصدق والكذب في قوله أريد ولا يدخل ~~ذلك في قوله افعل # ولأنه لا يصح أن يقول أريد منك كذا وليس أريده ويصح أن يقول افعل كذا ~~وليس أريده فدل على أن مقتضى أحدهما غير مقتضى الآخر # واحتجوا بأن النهي إنما كان نهيا لكراهية المنهي عنه فكذلك يجب أن يكون ~~الأمر أمرا لإرادة المأمور به # قلنا لا نسلم بل النهي إنما كان نهيا لاستدعاء الترك بالقول ممن هو دونه ~~لا فرق بينه وبين الأمر PageV01P021 $ مسألة 2 # للأمر صيغة موضوعة في اللغة ms002 وهو قول الرجل لمن هو دونه افعل # وقالت الأشعرية ليس للأمر صيغة وقوله افعل لا يدل على الأمر إلا بقرينة # لنا هو أن السيد من العرب إذا قال لعبده اسقني ماء فلم يسقه عاقبه على ~~ذلك ووبخه عليه واستحسن عقلاء العرب توبيخه وعقوبته ولو لم تكن هذه الصيغة ~~موضوعة للاستدعاء لما حسن عقوبة هذا العبد على تركه الإسقاء PageV01P022 # فإن قيل إنما استحق العبد العقوبة لأن المراد بقرينة اقترنت باللفظ من ~~شاهد الحال دلت على مراد المولى # قلنا لم توجد هناك قرينة ولا شيء سوى هذه الصيغة فدل على أن العقوبة ~~تعلقت بمخالفتها # ويدل عليه أيضا هو أن أهل العلم باللسان قسموا الكلام أقساما فقالوا أمر ~~ونهي وخبر واستخبار فالأمر قولهم افعل والنهي قولهم لا تفعل والخبر زيد في ~~الدار والاستخبار أزيد في الدار ولم يشرطوا في إثبات الأمر قرينة تدل على ~~كونه أراد فدل على أن الصيغة بمجردها أمر # فإن قيل فلم يشرطوا أيضا أن تكون هذه الصيغة من الأعلى للأدنى ولا خلاف ~~أن ذلك شرط في كونه أمرا # قلنا قد بينوا ذلك فإنهم سموا هذا الخطاب من الأدني للأعلى مسألة وطلبا ~~وذكروا ذلك في أقسام الكلام أيضا فعلمنا أن الرتبة شرط وأما القرينة في كون ~~الصيغة موضوعة للاستدعاء فما ذكرها أحد فبطل اعتبارها PageV01P023 # ولأن قوله افعل متصرف من قوله فعلت والمتصرف من كل فعل لا يدل إلا على ما ~~يدل عليه الفعل ثم ثبت أن قوله فعلت يقتضي وجود الفعل فوجب أن يكون قوله ~~افعل يقتضي إيجاد الفعل # احتجوا بأن هذه الصيغة ترد والمراد بها الأمر كما قلتم وترد والمراد بها ~~التهديد وترد والمراد بها التعجيز وترد والمراد بها التكوين على ما مضى في ~~المسألة قبلها وليس حمله على بعض هذه الأحوال بأولى من بعض فوجب التوقف ~~فيها كما يتوقف في الأسماء المشتركة مثل اللون والعين وغيرها # والجواب أن هذه الصيغة بمجردها موضوعة للاستدعاء وإنما تحمل على ما عداها ~~بقرينة من شاهد الحال وغيره وتفارق اللون والعين فإن تلك ms003 الأشياء لم توضع ~~لشيء معين ولهذا لو أمر عبده أن يصبغ له الثوب بلون لم يستحق الذم بأي صبغ ~~صبغه ولو قال لعبده اسقني ماء استحق الذم بترك الإسقاء ولو كان قوله اسقني ~~مشتركا بين الفعل والترك كاشتراك اللون بين السواد والبياض لما استحق الذم ~~والتوبيخ بتركه # ولأن أهل اللغة لم يجعلوا اللون لشيء بعينه بل جعلوا ذلك اسما للون غير ~~معين وعولوا في التعيين على الوصف فقالوا لون أحمر ولون أصفر ولون أسود # وليس كذلك ههنا # فإن أهل اللغة والنحو جعلوا قوله افعل للاستدعاء ووضعوا للترك لفظا آخر ~~فافترقا # قالوا إثبات الصيغة للأمر لا يخلو إما أن يكون بالعقل ولا مجال له فيه ~~PageV01P024 # أو بالنقل ولا يخلو # إما أن يكون آحادا فلا يقبل في أصل من الأصول # أو متواترا ولا أصل له لأنه لو كان لعلمناه كما علمتم ولما لم يعلم دل ~~على أنه لا أصل له فلا معنى لإثبات الصيغة # قلنا هذا يقلب عليكم في إثبات الاشتراك في قوله افعل فإنه لا يخلو إما أن ~~يكون بالعقل ولا مجال له فيه أو بالنقل ولا يجوز أن يكون أحادا لأن ذلك ~~إثبات أصل فلا يجوز بخبر الواحد أو بالتواتر ولا أصل له فلا معنى لدعوى ~~الاشتراك # وعلى أنا نقلنا ذلك من طريقين # أحدهما إجماع عقلاء العرب وأهل اللسان على ذم العبد بمخالفة هذه الصيغة # والثاني اتفاق أهل اللغة والنحو على التمييز بين الأمر والنهي في أقسام ~~الكلام وهم الواسطة بيننا وبين العرب فبطل ما قالوا PageV01P025 $ مسألة 3 # إذا تجردت صيغة الأمر اقتضت الوجوب PageV01P026 # وقالت الأشعرية إذا ثبت كون الصيغة للاستدعاء وجب التوقف فيها ولا تحمل ~~على الوجوب ولا على غيره إلا بدليل # وقالت المعتزلة يقتضي الأمر الندب ولا يحمل على الوجوب إلا بدليل وهو قول ~~بعض أصحابنا # لنا قوله عز وجل @QB@ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك @QE@ فوبخ الله تعالى ~~إبليس على ترك السجود ومخالفة الأمر فدل على أنه يقتضي الوجوب # فإن قيل يجوز أن يكون الأمر الذي وبخه ms004 على مخالفته قارنته قرينة تقتضي ~~الوجوب فخالف ذلك فلهذا استحق الذم والتوبيخ # والجواب أن الظاهر يقتضي تعلق التوبيخ بمجرد الأمر من غير قرينة ألا تراه ~~قال @QB@ إذ أمرتك @QE@ ولم يذكر قرينة فمن ادعى انضمام قرينة إلى الأمر ~~فقد خالف الظاهر PageV01P027 # وجواب آخر وهو أن الله سبحانه ذكر الأمر في موضع آخر فقال @QB@ وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس @QE@ وليس معه قرينة فالظاهر أنه ~~وبخه على مخالفته هذا الأمر # ويدل عليه قوله عز وجل @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ~~أو يصيبهم عذاب أليم @QE@ فتواعد على مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فدل على أن أوامره كلها تقتضي الوجوب # وأيضا قوله تعالى @QB@ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ~~أن يكون لهم الخيرة @QE@ فهذا نص في إيجاب الأمر ونفي التخيير بين الفعل ~~والترك # فإن قيل هذا يدل على وجوب أوامر الله تعالى وأوامر الرسول عليه السلام ~~وكلامنا في مقتضى اللفظ في اللغة # قلنا القصد بهذه المسألة أوامر الله تعالى وأوامر رسوله عليه السلام وإذا ~~ثبت الوجوب في أمرهما حصل المقصود # ويدل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا رجلا فلم يجبه وهو في ~~الصلاة فقال له ? < ما منعك أن تجيبني قال كنت في الصلاة فقال له ألم تسمع ~~الله PageV01P028 يقول > ? @QB@ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم @QE@ فوبخه على مخالفة الأمر فدل على أن الأمر يقتضي ~~الوجوب # فإن قيل نحن لا نمنع أن يكون في الشرع أمر مخصوص يقتضي الوجوب ويستحق ~~التوبيخ على مخالفته وإنما الخلاف في مقتضى اللفظ في الجملة فلا يجوز ~~الاحتجاج عليه بأوامر مخصوصة # والجواب أنه ليس عندهم أمر يستحق التوبيخ على مخالفته لكونه أمرا والخبر ~~يقتضي تعلق التوبيخ بترك الأمر فحسب # ويدل عليه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة كنت لو راجعته ~~فإنه أبو ولدك فقالت بأمرك يا رسول الله فقال لا إنما أنا شفيع فقالت لا ~~حاجة ms005 لي فيه فمعلوم أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يشفع فيه ~~مستحقة فلما فرق بين الأمر والشفاعة دل على أنه لو أمر لاقتضى الوجوب # وأيضا قوله عليه السلام لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل ~~صلاة فدل على أنه لو أمر به لوجب وأن شق PageV01P029 # ويدل عليه أن السيد من العرب إذا قال لعبده اسقني ماء فلم يسقه استحق ~~التوبيخ واللوم بإجماع عقلاء أهل اللسان ولو لم يقتض الأمر الإيجاب لما حسن ~~لومه وتوبيخه # فإن قيل إنما استحق اللوم لأنه قد اقترن بالأمر ما اقتضى الإيجاب من شاهد ~~الحال # قلنا لم يوجد أكثر من مجرد الصيغة فدل على أن اللوم تعلق بمخالفتها # وأيضا فإن أهل اللسان فرقوا بين السؤال والأمر فقالوا إذا قال لمن هو ~~دونه افعل أن هذا أمر وإذا قال لمن هو فوقه افعل قالوا هذا سؤال ولو كان ~~الأمر لا يقتضي الوجوب لم يكن لهذا الفرق معنى # والذي يدل على إبطال قول المعتزلة خاصة أن المنهي يقتضي ترك المنهي عنه ~~على سبيل الوجوب فكذلك الأمر يجب أن يقتضي فعل المأمور به على سبيل الوجوب ~~لأن كل واحد منهما أمر إلا أن أحدهما أمر بالفعل والآخر أمر أمر بالترك # فإن قيل النهي عندنا لا يقتضي وجوب ترك المنهي عنه بنفسه وإنما يقتضي ~~كراهية المنهي عنه كما أن الأمر يقتضي إرادة المأمور به غير أن الكراهية من ~~الحكيم تقتضي قبح المنهي عنه فوجب تركه والإرادة تقتضي حسن المأمور به من ~~الحكيم والحسن قد يكون واجبا وقد يكون نفلا فلم يجب فعله # والجواب أن الحكيم قد يكره الشيء كراهة تنزيه وهو أن يكون تركه أولى من ~~فعله ولا يكون قبيحا كنهيه عن الالتفات في الصلاة وغير ذلك مما يكره ~~PageV01P030 كراهية التنزيه وقد ينهى عما هو قبيح كنهيه عن الزنا والسرقة ~~وغير ذلك فلم يكن حمله على التحريم بأولى من حمله على التنزيه ولما حملوه ~~على التحريم دل على أن مقتضى الأمر الإيجاب # وجواب آخر وهو أنه ms006 إن كان النهي يقتضي الوجوب لما ذكروه وجب أن يقتضي ~~الأمر الوجوب لأنه ما من أمر إلا وهو يتضمن النهي عن ضده والنهي عن ضده ~~يقتضي قبحه لأن الحكيم لا ينهى إلا عن قبيح ولا يمكن تركه إلا بفعل المأمور ~~به فوجب أن يكون مقتضى الأمر الإيجاب # ولأن الأمر موضوع لاقتضاء الفعل فوجب أن يحمل على وجه يحصل معه الفعل ~~ومتى حملناه على الندب جوزنا له تركه ولا يمكن إلا بفعل ذلك يوجب الإخلال ~~بموضوع اللفظ # احتج من قال بالوقف بأن هذه الصيغة ترد والمراد بها الإيجاب وترد والمراد ~~بها الاستحباب وترد والمراد بها الإباحة وليس حملها على أحد هذه الوجوه ~~بأولى من حملها على الوجه الآخر فوجب التوقف فيها كاللون والعين # والجواب أن هذا يبطل بقوله أوجبت وفرضت فإنه قد يستعمل في غير الوجوب وهو ~~قوله عليه السلام غسل الجمعة واجب على كل محتلم PageV01P031 # وقوله عليه السلام المضمضة والاستنشاق فريضتان في الجنابة ثلاثا ثم ~~إطلاقه يحمل على الوجوب وعلى أن هذا اللفظ بمجرده موضوع للإيجاب ويرد ~~والمراد به الندب بقرينة تقترن به كالحمار موضوع بمجرده موضوع للبهيمة ~~ويستعمل في الرجل البليد بقرينة والأسد موضوع للبهيمة المفترسة ويستعمل في ~~الرجل الشجاع بقرينة فكذلك ههنا ويفارق ما ذكروه من اللون والعين وغيرهما ~~من الأسماء المشتركة فإن ذلك غير موضوع بمجرده لشيء بعينه وقد بينا أن هذا ~~اللفظ بمجرده موضوع في اللغة للإيجاب فإذا حمل على الندب كان بقرينة تقترن ~~به ودلالة تدل عليه # فإن قيل ما الفرق بينك وبين المعتزلة أن لفظ الأمر بمجرده موضوع للندب ثم ~~نحمله على الوجوب بدليل القرينة # قلنا القرآن فصل بينهما وهو قوله تعالى @QB@ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ~~@QE@ وقول السيد من العرب لعبده اسقني ماء وهذان الدليلان فصل بينهما # واحتجوا بأن دعوى الإيجاب في هذه الصيغة لا يخلو إما أن تكون بالعقل أو ~~بالنقل # والعقل لا يوجب ذلك # والنقل لا يخلو إما أن يكون متواترا أو أحادا # وليس يقبل فيه الآحاد لأنه من مسائل ms007 الأصول PageV01P032 # وليس فيه تواتر لأنه لو كان لأوجب العلم ضرورة لنا ولكم ولما لم يقع ~~العلم دل على أنه ليس فيها تواتر فلا معنى لحملها على الإيجاب # والجواب أن هذا ينقلب عليهم في دعواهم أن هذا اللفظ مشترك بين الوجوب ~~والاستحباب والإباحة فإنهم أثبتوا هذا الاشتراك وليس معهم في ذلك واحد من ~~الطريقين على ما ساقوه # وجواب آخر وهو أنا قد بينا ذلك بالاستدلال من أفعالهم على مقاصدهم وعلمنا ~~بضربهم العبيد على المخالفة أنهم وضعوا هذه الصيغة للإيجاب # ولأنهم إن كلمونا في أوامر صاحب الشرع فقد بينا من القرآن والسنة ~~المتلقاة بالقبول ما يدل على الوجوب فوجب حملها على ذلك # واحتجوا بأن استعمال هذا اللفظ في الندب والإباحة أكثر من استعماله في ~~الوجوب ولا يجوز أن يكون موضوعا للوجوب ثم يستعمل في غير موضعه أكثر # قلنا لا نمنع أن يكون موضوعا للوجوب ثم يستعمل في غيره أكثر ألا ترى أن ~~الوطء اسم للدوس في اللغة حقيقة ثم صار استعماله في الجماع أكثر فكذلك ههنا ~~لا يمتنع أن يكون مثله # واحتج المعتزلة بأن الأمر من الحكيم يقتضي حسن المأمور به إذ لا يجوز أن ~~يريد الإباحة في دار التكليف وحسنه لا يقتضي أكثر من الندب وأما الزيادة ~~على ذلك فلا تقتضيه فحملناه على أدنى ما يقتضيه اللفظ PageV01P033 # والجواب أن هذه ددعوى وشرح لمذهبهم وأنه لا يقتضي أكثر من ذلك # وليس قولهم في هذا هذا إلا كقول من يقول في قوله أوجبت عليك أنه لا يقتضي ~~أكثر من ذلك فلا يحمله على الإيجاب # ثم هذا يبطل بالنهي فإنه يدل من الحكيم على كراهية المنهي عنه وكراهيته ~~لا تقتضي التحريم لأنه قد يكره كراهية تنزيه ثم لم يحمل على أدنى ما ~~تتناوله الكراهة فبطل ما قالوه # وجواب آخر وهو أنه إن كان الأمر يقتضي حسن المأمور به فهو يقتضي قبح ضده ~~ولا يمكنه ترك ضده إلا بفعل المأمور به فوجب أن يكون واجبا # واحتج بأنه لو كان ذلك يقتضي الوجوب لما حسن من ms008 الولد مع والده والعبد مع ~~سيده وقد رأينا الجميع يتخاطبون بينهم بذلك فدل على أنه لا يقتضي الوجوب ~~ألا ترى أن قوله فرضت وألزمت لما اقتضى الوجوب لم يتخاطب به العبيد والسادة # قلنا هذا يبطل بلفظ النهي فإن الجميع يتخاطبون به فيما بينهم ثم ظاهره ~~الوجوب # ولأن استعمال اللفظ في بعض المواضع التي لا تحتمل الوجوب لا يدل على أنه ~~غير موضوع للوجوب # ألا ترى أن الحمار يستعمل في موضع لا يحتمل البهيمة كقولهم في البليد هذا ~~حمار ثم لا يدل على أنه غير موضوع للبهيمة المخصوصة وكذلك ها هنا مثله ~~PageV01P034 # قالوا ولأن قوله افعل لمن هو فوقه يقتضي الإرادة دون الوجوب فكذلك لمن هو ~~دونه وجب أن يقتضي الإرادة دون الوجوب # قلنا يبطل بالنهي ثم هذا اللفظ لمن هو فوقه يسمى سؤالا وطلبا ولمن هو ~~دونه يسمى أمرا فدل على الفرق بينهما # واحتجوا بأن قوله افعل وقوله أريد منك أن تفعل واحد لأن كل واحد منهما ~~يقتضي إرادة المأمور به فإذا لم يقتض أحدهما الإيجاب لم يقتضي الآخر # قلنا لا نسلم هذا بل معنى قوله افعل استدعاء الفعل ومعنى قوله أريد منك ~~أن تفعل إخباره عما يريده ولهذا يدخل الصدق والكذب في أحدهما دون الآخر ~~ولأن قوله أريد يسمى مسألة وطلبا وقوله افعل يسمى أمرا فافترقا PageV01P035 ~~$ مسألة 4 # المندوب إليه غير مأمور به في أحد الوجهين ومأمور به في الوجه الثاني # فوجه الأول ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبريرة كنت لو ~~راجعته فإنه أبو ولدك قالت يأمرك يا رسول الله فقال لا إنما أنا شفيع ~~وإجابة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يشفع فيه مندوب إليه فلو كان المندوب ~~مأمورا به لما امتنع من كونه أمرا # وأيضا فإنه لو كان المندوب إليه مأمورا به لحسن أن يقال لكل من ترك ~~مستحبا من إماطة الأذى عن الطريق وصلاة التطوع وصوم التطوع عصيت الله ~~PageV01P036 تعالى وخالفت أمره كما يحسن أن يقال ذلك لكل من ترك الواجب ms009 # ولما لم يجز أن يقال هذا دل على أنه غير مأمور به # واحتج من قال بالوجه الثاني بأنه طاعة فكان مأمورا به كالواجب # والجواب أن الواجب لم يكن مأمورا به لكونه طاعة وإنما صار مأمورا به لأنه ~~يجب فعله ويعصى بتركه وفي مسألتنا لا يجب فعله ولا يعصى بتركه فافترقا # قالوا ولأن الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه والندب ما يثاب على ~~فعله ولا يعاقب على تركه فإذا حمل على الندب فقد حمل على بعض ما يشتمل عليه ~~الواجب فكان حقيقة فيه كما لو حملوا العموم على بعض ما يتناوله # قلنا لا نسلم أن معنى الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه وإنما ~~الواجب ما يعاقب على تركه ويدخل الثواب على فعله على وجه التبع وهو أنه لما ~~امتثل الأمر صار مثابا عليه ويخالف العموم فإن لفظه يتناول الجنس كله فإذا ~~خرج بعضه بالدليل بقي اللفظ متناولا للباقي فكان حقيقة فيه PageV01P037 $ ~~مسألة 5 # إذا ورد الأمر بعد الحظر متجردا على القرائن اقتضى الوجوب # ومن أصحابنا من قال يقتضي الإباحة وهو ظاهر قول الشافعي # لنا قوله تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره @QE@ ولم يفصل بين أن ~~يتقدمه حظر أو لا يتقدمه حظر # ويدل عليه هو أن الأمر ورد متجردا عن القرائن فاقتضى الوجوب كما لو لم ~~يتقدمه حظر # فإن قيل لا نسلم أنه ورد متجردا عن القرائن بل تقدم الحظر عليه قرينة ~~تصرف اللفظ عن ظاهره وذلك أن الظاهر أنه يرفع ما تقدم من الحظر PageV01P038 # والجواب أن القرينة ما يبين معنى اللفظ ويفسره وذلك إنما يكون بما يوافق ~~اللفظ ويماثله فأما ما يخالفه ويضاده فلا يجوز أن يكون بيانا له فلا يجوز ~~أن يجعل قرينة # وأيضا أنه لا خلاف أن النهي بعد الأمر يقتضي الحظر فكذلك الأمر بعد النهي ~~وجب أن يقتضي الوجوب # ولأن كل واحد من اللفظين مستقل بنفسه فلا يتغير معه مقتضى الثاني بتقدم ~~الأول كما لو قال حرمت عليك كذا ثم قال أوجبت عليك كذا ms010 ولا يلزم قولهم فلان ~~بحر حيث حملنا البحر على وصف الرجل دون الماء الكثير لأن البحر غير مستقل ~~بنفسه فاعتبر حكمه بنفسه ألا ترى أنه لو لم يصله بما قبله لم يفد فجعل وصفا ~~لما قبله وههنا الكلام مستقل بنفسه فاعتبر حكمه بنفسه # واحتجوا بأن الظاهر من هذا الأمر أنه قصد به رفع الجناح فيما حظر عليه # يدل عليه أن السيد إذا منع عبده من فعل شيء ثم قال له افعله كان المعقول ~~من هذا الخطاب إسقاط التحريم دون غيره فكذلك ههنا # الجواب أنا لا نسلم ما ذكروه بل الظاهر أنه قصد الإيجاب لأن اللفظ موضوع ~~للإيجاب والمقاصد تعلم بالألفاظ # ولأن هذا نسخ للحظر والحظر قد ينسخ بإباحة وقد ينسخ بالإيجاب وليس حمله ~~على الإباحة بأولى من حمله على الإيجاب فتعارض الاحتمالان في ذلك وبقي ~~اللفظ على مقتضاه في الإيجاب # ولأنه لو جاز أن يقال هذا في الأمر بعد الحظر إن القصد به رفع الجناح فلم ~~يقتض الجواب لجاز أن يقال في النهي بعد الأمر إن القصد منه إسقاط الوجوب ~~وإباحة الترك فلا يقتضي الحظر # واحتجوا بأن كل أمر ورد في الشرع بعد الحظر فالمراد به الإباحة كقوله ~~PageV01P039 عز وجل @QB@ وإذا حللتم فاصطادوا @QE@ @QB@ فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا @QE@ @QB@ فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله @QE@ فدل على أن ~~هذا مقتضاه # فالجواب أنه قد ورد أيضا والمراد به الوجوب وهو قوله تعالى @QB@ فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين @QE@ # وعلى أنا إنما حملنا هذه الأوامر على الإباحة بدلالات دلت عليها وهذا لا ~~يدل على أن ذلك مقتضاها ألا ترى أن أكثر ألفاظ العموم في الشرع محمولة على ~~الخصوص ثم لا يدل على أن مقتضاها الخصوص فكذلك ههنا # واحتجوا بأن الأشياء في الأصل على الإباحة فإذا ورد بعد الحظر ارتفع ~~الحظر وعاد إلى الأصل وهو الإباحة # والجواب أنا لا نسلم أن الأشياء في الأصل على الإباحة بل هي على الوقف في ~~أصح الوجوه # وعلى أن هذا يبطل به إذا قال بعد الحظر أوجبت فإنه ms011 يحمل على الوجوب ولا ~~يقال إن الأشياء في الأصل على الإباحة فيرتفع الحظر بهذا اللفظ ويعود إلى ~~الأصل وهو الإباحة # ولأنه لو جاز أن يقال هذا في الأمر بعد الحظر لجاز أن يقال في النهي بعد ~~الأمر إنه لا يقتضي التحريم لأن الأشياء في الأصل على الإباحة فإذا ورد ~~النهي بعد الأمر ارتفع الوجوب وعاد إلى أصله وهو الإباحة ولما لم يصح هذا ~~في النهي بعد الأمر لم يصح في الأمر بعد النهي PageV01P040 $ مسألة 6 # الأمر المجرد لا يقتضي التكرار في قول أكثر أصحابنا ومنهم من قال إنه ~~يقتضي التكرار PageV01P041 # لنا أن قوله صل أمر كما أن قوله صلى خبر عنه ثم ثبت أن قوله صلى لا يقتضي ~~التكرار فكذالك قوله صل # وأيضا أن قوله صل وصم لا يقتضي أكثر من إيجاد ما يسمى صلاة وصوما # يدل عليه أنه إذا فعل صوما وصلاة حسن أن يقول صمت وصليت فإذا فعل ما ~~يقتضيه اللفظ لم تلزمه زيادة إلا بدليل # ويدل عليه أنه لو حلف ليفعلن كذا بر بفعل مرة واحدة ولو كان اللفظ يقتضي ~~التكرار لما بر بفعل مرة واحدة كما لو حلف ليفعلن كذا على الدوام # وأيضا أنه لو قال لوكيله طلق امرأتي لم يجز أن يطلق أكثر من طلقة فلو كان ~~الأمر يقتضي التكرار لملك الوكيل إيقاع ثلاث تطليقات كما لو قال طلق ما شئت ~~أو كل ما أملكه # فإن قيل مقتضى اللفظ في اللغة في ما ذكرتم من اليمين والتوكيل التكرار ~~وإنما تركنا مقتضى اللفظ بالشرع ويجوز أن يكون اللفظ في اللغة يقتضي أمرا ~~ثم يقرر الشرع فيه على غير مقتضاه في اللغة فيحمل على ذلك ولا يدل على أن ~~ما في لم يقرر الشرع فيه شيئا لا يحمل على مقتضاه في اللغة كما لو حلف لا ~~يأكل الرؤوس فإنا نحمل ذلك بالشرع على رؤوس النعم خاصة ثم لا يدل على أن ~~الرؤوس في اللغة لا يقتضي سائر الرؤوس # والجواب عنه أن الأمر في اليمين والوكالة محمول على ms012 موجب اللغة والشرع ~~ورد فيهما بمراعاة موجب اللغة ولهذا لو قيد كل واحد منهما بما يقتضي ~~التكرار لحمل على التكرار وهو أن يقول والله لأفعلن كذا أبدا أو يقول ~~لوكيله طلق امرأتي كل ما أملكه من الطلاق فلو لم يكن مقتضى اللفظ في اللغة ~~ما ذكرناه لم يحمل عليه PageV01P042 # وأما إذا حلف على أكل الرؤوس فإنما حملناه على رؤوس النعم لأن في عرف أهل ~~اللغة لا يطلق اسم الرؤوس إلا على هذه الرؤوس فراعينا في ذلك أيضا موجب ~~اللغة وعرف أهل اللسان فيجب أن يكون هاهنا أيضا يراعى موجب اللغة وعرف ~~اللسان # واحتجوا بما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شارب الخمر اضربوه ~~فكرروا عليه الضرب ولو لم يكن مقتضى الأمر التكرار لما كرروا عليه الضرب # والجواب أنهم إنما حملوا اللفظ على التكرار لقرينة اقترنت باللفظ وهو ~~شاهد الحال وذلك أنهم علموا أن قصده الردع والزجر وأن ذلك لا يحصل إلا ~~بتكرار الضرب وخلافنا في الأمر المتجرد عن القرائن # وأيضا ما روي عن الأقرع بن حابس قال للنبي صلى الله عليه وسلم أحجنا هذا ~~في كل سنة أم في العمر مرة واحدة # فلو كان الأمر يقتضي مرة واحدة لم يكن لهذا السؤال معنى # قلنا هذا مشترك الدليل فإنه لو كان مقتضاه التكرار لم يكن لهذا السؤال ~~معنى # فكل جواب لهم عن سؤاله عن التكرار واللفظ موضوع له فهو جوابنا عن سؤاله ~~مرة واحدة واللفظ موضوع له PageV01P043 # ولأنه إنما حسن السؤال لأن اللفظ يحتمل التكرار ومع الاحتمال يحسن السؤال ~~فبطل تعلقهم به # واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أمرتكم بأمر فأتوا ~~منه ما استطعتم # والجواب أنه إنما أمر بأن يؤتى من الأمر ما استطاع منه وعندنا الدفعة ~~الثانية ليست من الأمر وإنما الأمر من الدفعة الأولى فيجب أن نأتي منها بما ~~نستطيع # واحتجوا بأن أكثر أوامر الشرع على التكرار فدل على أن ذلك مقتضى الأمر # قلنا هذا يبطل بألفاظ العموم فإن أكثرها على ms013 التخصيص ولا يدل على أن ذلك ~~مقتضاها # وعلى أنا إنما حملنا تلك الأوامر على التكرار لقيام الدلالة عليها ~~وخلافنا في الأمر المتجرد عن الدليل # وعلى أن ما ذكروه دليل لنا فإن الأوامر التي ذكروها لم نحملها على ~~التكرار على الدوام وإنما حملناها على التكرار في أوقات مخصوصة وعندهم أن ~~الأمر يقتضي التكرار على الدوام فبطل ما قالوه # قالوا لا خلاف أن النهي يقتضي التكرار فكذلك الأمر # قلنا فرق بين اللفظ الموضوع للنفي وبين اللفظ الموضوع للإثبات # ألا ترى أنه لو قال والله لا فعلت كذا لم يبر إلا بالتكرار والدوام ولو ~~قال والله لأفعلن كذا بر بمرة واحدة فدل على الفرق بينهما PageV01P044 # ويدل عليه أنه لو كان النفي في الخبر بأن قال ما فعلت كذا اقتضى التكرار ~~ولو كان للإثبات في الخبر بأن قال فعلت كذا اقتضى ما يقع عليه الاسم # ولأن النهي لو قيده بمرة واحدة اقتضى التكرار ولو قيد الأمر بمرة واحدة ~~لم يقتض التكرار فدل على الفرق بينهما # واحتجوا بأن قوله صل يحتمل صلاة وأكثر من صلاة على طريق الحقيقة ألا ترى ~~أنه يجوز أن يفسر بالجميع فوجب أن يحمل اللفظ على الكل # والجواب أنه يبطل بقوله صليت لأنه يحتمل صلاة وأكثر على ما ذكروه ثم لا ~~يحمل إطلاقه إلا على أدنى ما يتناوله الاسم # واحتجوا بأنه لو قال احفظ هذا فحفظه ساعة ثم ترك حفظه استحق التوبيخ ~~والعقوبة ولو لم يقتض الدوام لما حسن توبيخه وعقوبته # والجواب أن معنى الحفظ أن لا يضيع فإذا حفظه ساعة ثم تركه صار مضيعا فلم ~~يجعل ممتثلا للأمر فلهذا أوجب عليه على الدوام وليس كذلك إذا قال صل فإن ~~ذلك يقتضي تحصيل ما يسمى صلاة وذلك يحصل بفعل صلاة واحدة فافترقا # ويدل عليه أنه لو حفظ ساعة ثم خلاه لم يحسن منه أن يقول حفظت ولو صلى ~~صلاة واحدة حسن أن يقول صليت فافترقا # ولأن البر في اليمين على الحفظ لا يحصل إلا بالمداومة والبر في اليمين ~~على الصلاة وسائر ms014 الأفعال يحصل بأدنى ما يتناوله الاسم فدل على الفرق ~~بينهما # واحتجوا بأن الأمر يقتضي وجوب الفعل ووجوب الإعتقاد ثم اعتقاد الفعل يجب ~~تكراره فكذلك الفعل # قلنا لا يمنع أن يجب تكرار الإعتقاد دون الفعل كما لو قال صل مرة فإن ~~الإعتقاد يتكرر وجوبه والفعل لا يتكرر وجوبه PageV01P045 # ولأن الإعتقاد ليس يجب بالأمر وإنما يجب بمعنى آخر وهو أن الأمر يتضمن ~~الخبر بوجوبه فإذا ذكر المكلف الأمر ولم يعتقد وجوبه صار مكذبا له في خبره ~~فيصير كافرا بذلك فوجب عليه اعتقاد الوجوب كلما ذكر الأمر وليس كذلك الفعل ~~فإنه يجب بالأمر وقد بينا أن اللفظ لا يقتضي إلا أدنى ما يتناوله الاسم ~~فافترقا # قالوا الأمر بالصلاة عام في جميع الزمان كما أن لفظ العموم عام في ~~الأعيان # والذي يدل عليه أنه يصح استثناء ما شاء من الأوقات كما يصح في العموم ~~استثناء ما شاء من الأعيان ثم ثبت أن العموم في الأعيان يقتضي استغراق ~~جميعهم فكذلك الأمر في الأزمان وجب أن يقتضي استغراق جميعها وفي إثبات هذا ~~إثبات التكرار # والجواب أن لفظ الأمر لا يتناول الزمان وإنما يتناول الفعل غير أن الفعل ~~لا يقع إلا في زمان فلم يجب حمله على العموم فيما لم يتناوله ويخالف في هذا ~~العموم في الأعيان بأن اللفظ يتناول الأعيان فحمل على عمومه # يدل عليه أنه لو قال والله لأقتلن المشركين حمل ذلك على عامتهم ولو قال ~~والله لأقتلن لم يحمل ذلك على جميع الأعيان بل إذا قتل واحدا بر فافترقا ~~PageV01P046 $ مسألة 7 # إذا علق الأمر بشرط وقلنا إن مطلق الأمر لا يقتضي التكرار ففي المعلق ~~بشرط وجهان # أصحهما لا يقتضي التكرار # ومن أصحابنا من قال يقتضيه PageV01P047 # لنا هو أن كل أمر اقتضى مرة واحدة إذا كان مطلقا اقتضى مرة واحدة وإن كان ~~معلقا هو شرط كما لو قال صل وصم # ولأنه إذا كان المطلق لا يقتضي التكرار فالمعلق بشرط مثله لأن الشرط إنما ~~يفيد تعلق المطلق عليه فقط فإذا لم يقتض المطلق التكرار وجب أن ms015 لا يقتضي ~~المعلق بشرط # ولأن أهل اللسان فرقوا بين قولهم افعل كذا إذا طلعت الشمس وبين قولهم ~~افعل كذا كلما طلعت الشمس ولهذا قال الفقهاء فيمن قال لزوجته أنت طالق إذا ~~طلعت الشمس فإنه يقع الطلاق عليه مرة واحدة ولا يعود ولو قال أنت طالق كلما ~~طلعت الشمس تكرر وقوع الطلاق لتكرر الشرط ولم يفرقوا بين اللفظين إلا ~~لاختلافهما في موجب اللغة # وأيضا فإن تعليق الأمر بالشرط يقتضي تخصيصه فإذا كان مطلقه في الأحوال ~~كلها لا يقتضي التكرار فالمخصوص ببعض الأحوال أولى بذلك # واحتج القائل الآخر بأن تعلق الحكم بالشرط كتعلقه بالعلة إذ كل واحد ~~منهما سبب فيه فإذا كان تكرار العلة يوجب تكرار الحكم فكذلك تكرار الشرط # قيل لا نسلم هذا بل بينهما فرق ظاهر وهو أن العلة دلالة تقتضي الحكم ~~فتكرر الحكم بتكررها والشرط ليس بدلالة على الحكم ألا ترى أنه لا يقتضيه ~~وإنما هو مصحح له فدل على الفرق بينهما PageV01P048 # واحتج بأن أوامر الله تعالى المعلقة بالشروط كلها على التكرار كقوله ~~تعالى @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ وكقوله @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم @QE@ ونحو ذلك فدل على أن ذلك مقتضاه # والجواب أن في أوامره المعلقة على الشرط ما لا يقتضي التكرار كالأمر ~~بالحج # ولأن أوامر الشرع اقترنت بها أدلة تقتضي التكرار من الإجماع والقياس ~~وغيرهما وليس فيما اختلفا فيه دلالة تقتضي التكرار فبقي على ظاهره # واحتج أيضا بأن النهي المعلق بالشرط يقتضي التكرار فكذلك الأمر # والجواب هو أن من أصحابنا من سوى بين الأمر والنهي إذا تعلق بالشرط # وإن سلمنا فإن الأمر مخالف للنهي ألا ترى أن الأمر المطلق لا يقتضي ~~التكرار والنهي المطلق يقتضيه # ولأنا بينا الفرق بينهما فيما مضى بما يغني عن الإعادة PageV01P049 $ ~~مسألة 8 # تكرار الأمر بالشيء يقتضي تكرار المأمور به PageV01P050 # وقال الصيرفي لا يقتضي التكرار # لنا أن كل واحد من اللفظين يقتضي إيجاد الفعل عند الانفراد فإذا اجتمعا ~~وجب أن يقتضيا التكرار كما لو كانا بفعلين مختلفين # وأيضا أن المقتضي للفعل هو الأمر ms016 والثاني كالأول في الإفادة فوجب أن يكون ~~كالأول في الإيجاب # واحتج بأن أوامر الله تعالى في القرآن قد تكررت ولم تقتض تكرار الفعل # والجواب أنا تركنا الظاهر في تلك الأوامر للدلالة # قالوا ولأن الأمر الثاني يحتمل الاستئناف ويحتمل التأكيد فلا نوجب فعلا ~~مستأنفا بالشك # والجواب أنا لا نسلم أن ذلك شك بل هو ظاهر فإن الظاهر أنه ما كرر إلا ~~للاستئناف فيجب أن يحمل عليه # واحتج أيضا بأن السيد إذا قال لعبده اسقني ماء ثم كرر ذلك لم يقتض ~~التكرار فكذلك ههنا # قلنا لا نسلم هذا إلا أن يكون في الحال ما يدل على أنه قصد التأكيد فيحمل ~~عليه لدلالة الحال # وإن سلمنا فلأن الأمر منا لا غرض له في تفريق الأمر فلو كان أراد شيئين ~~لجعلهما في لفظ واحد وصاحب الشرع قد يرى المصلحة في تفريق الأمر فحمل ذلك ~~على شيئين مختلفين PageV01P051 $ مسألة 9 # الأمر المطلق لا يقتضي الفعل على الفور في قول أكثر أصحابنا # وقال أبو بكر الصيرفي والقاضي أبو حامد PageV01P052 # إنه يقتضي الفور وهو قول أكثر أصحاب أبي حنيفة # وقال بعض المتكلمين يتوقف فيه إلى أن يقوم الدليل على ما أريد به من ~~الفور أو التراخي # لنا أن الأمر يقتضي استدعاء الفعل وليس للزمان فيه ذكر ففي أي وقت فعله ~~وجب أن يصير ممتثلا # يدل عليه أنه لما اقتضى الفعل ولم يكن لحال الدخول فيه ذكر جاز فعله في ~~كل حال من أحواله فيصير ممتثلا كذلك في الزمان مثله # ويدل عليه أن الأمر لا يقتضي زمانا ولا مكانا وإنما يحتاج إلى زمان ومكان ~~لأن أفعال المخلوقين لا تقع إلا في زمان ومكان ثم ثبت أنه في أي مكان فعل ~~صار ممتثلا وكذلك في أي زمان فعل وجب أن يصير ممتثلا # ويدل عليه أن الامتثال في الأمر كالبر في اليمين ثم لو قال والله ~~PageV01P053 لأفعلن كذا صار بارا في اليمين وإن أخر الفعل عن حال اليمين ~~فكذلك يجب أن يصير ممتثلا في الأمر وإن أخره عن حال الأمر ms017 # ويدل عليه أن قوله اقتل مطلق في الأزمان كما أنه مطلق في الأعيان ثم إنه ~~لا خلاف أنه يصير ممتثلا بقتل من شاء فوجب أن يصير متمثلا بالقتل في أي وقت ~~شاء ولهذا قال عمر بن الخطاب لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما وقد صدوا عن ~~البيت يوم الحديبية أليس قد وعدنا الله بالدخول فكيف صدونا فقال له أبو بكر ~~الصديق إن الله تعالى وعد بذلك ولكن لم يقل في أي وقت فدل على أن اللفظ لا ~~يقتضي الوقت الأول # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم @QE@ وفي فعل الطاعة ~~مغفرة فوجبت المسارعة إليها # الجواب أن المراد بالآية التوبة من الذنوب والإنابة إلى الله تعالى # والذي يدل عليه هو أن التوبة هي التي تتعلق بها المغفرة في الحقيقة فوجب ~~حمل الآية عليها # واحتجوا بأنه أحد نوعي خطاب التكليف فكان على الفور كالنهي # قلنا النهي يتناول الانتهاء في جميع الأوقات على الدوام والاتصال فيعلق ~~PageV01P054 بالوقت الأول كما يعلق بجميع الأوقات وليس كذلك الأمر فإنه لا ~~يقتضي أكثر من وقت واحد وليس الوقت الأول بأولى من الوقت الثاني فكان جميع ~~الأوقات فيه واحدا # واحتجوا أيضا بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده ولا يصير منتهيا عن ضده إلا ~~بفعل المأمور به على الفور # والجواب أنه يبطل به إذا قال له افعل في أي وقت شئت فإنه يجوز له التأخير ~~وإن أدى إلى ما ذكروه # وجواب آخر وهو أنه لو كان هذا صحيحا لوجب أن يحمل الأمر على التكرار لأن ~~الأمر بالشيء نهي عن ضده فيجب أن يداوم على الفعل ليصير منتهيا على الدوام # وجواب آخر وهو أن الأمر بالشيء ليس بنهي عن ضده من طريق اللفظ فيراعى فيه ~~موجب لفظ النهي وإنما هو نهي من طريق المعنى فإنه لا يجوز أن يكون مأمورا ~~بالشيء إلا وضده محرم عليه فلم يتعلق ذلك إلا بما يفوت به المأمور فإذا كان ~~الأمر بفعل واحد اقتضى ذلك تحريم ما يفوت به الفعل وذلك لا يقتضي المسارعة ms018 ~~إلى المأمور به # واحتجوا بأن الأمر يقتضي ثلاثة أشياء الفعل والعزم عليه واعتقاد الوجوب ~~ثم العزم والاعتقاد على الفور فكذلك الفعل # والجواب عن الإعتقاد ما قضي في مسألة الأمر هل يقتضي التكرار وأما العزم ~~فلم يكن على الفور بموجب اللفظ بل كان على الفور لأن المكلف لا ينفك من ~~العزم على الفعل والترك فالعزم على الترك معصية وعناد لصاحب PageV01P055 ~~الشرع فتعين العزم على الفعل وأما الفعل فهو موجب اللفظ وليس في اللفظ ما ~~يوجب التعجيل فافترقا # ولأنه لو قيد الأمر بالتراخي لوجب العزم على الفور والفعل على التراخي ~~فدل على الفرق بينهما # واحتجوا بأن قوله افعل يقتضي إيجاد الفعل فلو قلنا أنه على التراخي ~~لأثبتنا تخييرا لا يدل عليه اللفظ # والجواب أنه يبطل به إذا قال اقتل فإنه ليس في اللفظ تخيير ثم يتخير في ~~أعيان المقتولين # ولأن هذا يعارضه أن اللفظ يقتضي إيجاد الفعل فمن جعله على الفور فقد زاد ~~في اللفظ زيادة وأثبت تخصيصا لا يدل عليه اللفظ وهذا لا يجوز # واحتجوا بأن السيد إذا قال لعبده اسقني ماء فلم يسقه على الفور استحق ~~التوبيخ فدل على أن مقتضاه الفور # والجواب أنه إن لم تكن هناك قرينة تقتضي الفور لم يستحق التوبيخ وإنما ~~يستحق ذلك إذا اقترن بالأمر قرينة يعلم بها الفور فيستحق التوبيخ على ذلك ~~لمكان الدلالة # واحتجوا بأنا أجمعنا على كون الفعل قربة في أول الوقت فمن أثبت القربة في ~~الوقت الثاني احتاج إلى دليل # والجواب أن الذي اقتضى كون الفعل قربة في الوقت الأول تناول الأمر وقد ~~بينا أن تناوله للوقت الثاني والأول واحد فوجب أن يكون قربة في الجميع ~~PageV01P056 # واحتجوا بأنه لو قال له افعل وعجل صح وكان ذلك حقيقة فيه ولو لم يكن ذلك ~~حقيقة في الأمر لوجب أن يكون مجازا # والجواب أن هذا حجة عليهم فإنه لو كان الأمر يفوت بترك التعجيل لما حسن ~~أن يقول له افعل وعجل ألا ترى أن الصوم لما فات بفوات الوقت لم يحسن أن ~~يقول صم ms019 وعجل ولما حسن أن يقول له افعل كذا وعجل دل على أنه لا يفوت ~~بالتأخير # ثم هذا يبطل به إذا قال اقتل زيدا فإنه يصح ويكون حقيقة ثم لا يقال إن ~~مقتضى اللفظ المطلق منه قتل زيد خاصة لأنه لو لم يكن ذلك مقتضاه لوجب أن ~~يصير مجازا # وعلى أن اللفظ إنما يصير مجازا إذا وضع لشيء بعينه ثم استعمل في غيره ~~كالحمار موضوع للبهيمة المخصوصة فإذا استعمل في الرجل البليد كان مجازا # وأما لفظ الأمر فإنه غير موضوع لزمان ولا متناولا له من حيث اللفظ وإنما ~~يتناول الفعل فحسب والزمان إنما يحتاج إليه لضرورة فعل المكلف ففي أي وقت ~~استعمل لم يصر مجازا # قالوا ولأنه استدعاء فعل بقول مطلق فاقتضى التعجيل كالإيجاب في البيع # قلنا الإيجاب لم يقتض القبول على الفور من جهة اللغة وإنما اقتضى ذلك من ~~جهة الشرع ولهذا لو رضي البائع أن يقبل على التراخي لم يجز وكلامنا في ~~مقتضى اللفظ في اللغة فلا يجوز أن يستدل عليه بالشرعيات # واحتجوا بأنه إذا لم يفعل المأمور به حتى مات لم يخل إما أن لا يعصي بذلك ~~فيخرج الفعل عن أن يكون واجبا ويلحق بالنوافل أو يعصي فلا يخلو إما أن يعصي ~~بعد الموت وهذا لا يجوز لأنه لا طريق له إلى فعل PageV01P057 المأمور به ~~بعد الموت فلا يجوز أن يلحقه العصيان أو يعصي إذا غلب على ظنه أنه إذا أخره ~~فاته الأمر وهذا لا يجوز لأنه قد يموت بغتة ويخترم فجأة ولا يجوز أن يكون ~~عاصيا فثبت أنه عصى من أول حال الإمكان وهذا يدل على أنه وجب على الفور # والجواب أن هذا يبطل بقضاء رمضان والكفارات وما أخبرنا خبره من العبادات ~~فإن هذا التقسيم موجود فيه ثم وجوبها على التراخي # وجواب آخر وهو أن أبا علي بن أبي هريرة قال لا يعصي إذا مات ولا يلحق ~~بالنوافل لأنا نوجب عليه العزم على الفعل في الفرائض وفي النوافل لا يجب ~~ذلك # ومن أصحابنا من قال إنه يعصي ms020 إذا غلب على ظنه فواته فإن اخترم بغتة لم ~~يعص وهذا لا يمنع ألا ترى أن الوصية كانت واجبة قبل النسخ وكان وجوبها ~~متعلقا بهذا المعنى فلو اخترم فجأة لم يعص بتركها ولم يدل ذلك أنها غير ~~واجبة # واحتجوا بأنه لو لم يتعلق الأمر بالوقت الأول لتعلق بوقت مجهول وذلك لا ~~يجوز كما لا يجوز تعليقه بوقت معين مجهول # والجواب هو أن فيما ذكروه لا يمكن امتثال الأمر فلم يجز وههنا يمكن ~~امتثال الأمر لأنه مخير في الأوقات كلها فجاز # يدل عليه هو أنه لا يجوز أن يعلق الأمر على قتل رجل بعينه غير معلوم وإن ~~علقه على رجل من المشركين غير معين جاز فافترقا PageV01P058 # ومن قال بالوقف استدل بأنه يحتمل أن يجوز أراد به الإيجاب في الوقت الأول ~~ويحتمل الوقت الآخر ويحتمل ما بينهما ولا مزية لبعضهما على بعض فوجب الوقف ~~كما وجب في ألفاظ العموم # والجواب هو أن الوقف لا ذكر له في اللفظ وما ليس له ذكر وجب إسقاطه ولا ~~يجوز الوقف بسببه ألا ترى أنه إذا قال صل لم يجز أن يقف على معرفة أحوال ~~المكلف من كونه صائما أو مفطرا حاضرا أو مسافرا وإن لم يكن لبعض هذه ~~الأحوال مزية على بعض واحتمل الأمر الجميع احتمالا واحدا # وأما العموم فعندنا لا يتوقف فيه ثم الوقف في العموم أقرب من الوقف في ~~الأمر وذلك أن هنالك لفظ يحتمل العموم والخصوص فجاز أن يتوقف فيه إلى أن ~~نعلم المراد وليس للزمان لفظ يقتضيه والأصل عدمه فسقط الوقف لأجله كما سقط ~~الوقف لأجل المكان PageV01P059 $ مسألة 10 # إذا أمر بعبادة في وقت أوسع من قدر العبادة كالصلاة تعلق الوجوب بأول ~~الوقت PageV01P060 # وقال أكثر أصحاب أبي حنيفة يتعلق بآخر الوقت # وقال أبو الحسين الكرخي يتعلق بوقت غير معين ويتعين بالفعل # لنا هو أن المقتضي للوجوب الأمر وهو قوله @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس ~~@QE@ وهذا تناول أول الوقت فاقتضى الوجوب فيه # وأيضا فإن تناول الأمر لأول الوقت كتناوله لآخره ولهذا يجوز فعل ms021 العبادة ~~فيهما بحكم الأمر فإذا اقتضى الوجوب في آخره وجب أن يقتضي الوجوب في أوله # فإن قيل لا يمنع أن يتناول الأمر الوقتين ثم يختلف حكمهما في الوجوب ~~PageV01P061 ألا ترى أن الأمر قد تناولهما ثم اختلفا فتعلق الإثم بالتأخير ~~عن آخر الوقت ولم يتعلق بأوله # قيل تساويهما في الأمر يقتضي التسوية بينهما في الإيجاب لأن مقتضى الأمر ~~الوجوب فأما جواز التأخير وعدم جوازه فمن صفات الوجوب ويجوز أن تختلف صفة ~~الوجوب فتكون في أحدهما على الفور وفي الآخر على التراخي ويستويان في ~~الوجوب كما أن الأمر بالصوم والأمر بالحج يستويان في الإيجاب وإن كان في ~~أحد الوصفين على التراخي وفي الآخر على الفور # واحتجوا بأنه لو كان واجبا في أول الوقت لأثم بتأخيره ألا ترى أن في آخر ~~الوقت لما كان واجبا أثم بالتأخير ولما لم يأثم بالتأخير دل على أنه غير ~~واجب كالنفل # والجواب أن هذا يبطل بقضاء رمضان والكفارة لأنه لا يأثم بتأخيرهما ثم هما ~~واجبان # وعلى أن جواز التأخير إنما يدل على نفي الوجوب إذا لم يكن عذر وأما إذا ~~جوزنا تركه بعذر لم يدل على أنه غير واجب ألا ترى أن ترك غسل الرجل إلى مسح ~~الخف لما كان لعذر لم يدل على أنه غير واجب وفي مسألتنا إنما يترك الصلاة ~~في أول الوقت لعذر ظاهر وهو أنا لو ألزمناه فعلها في أول الوقت على الفور ~~لكان في ذلك مشقة شديدة لأنه يلزم لناس أن ينقطعوا عن أشغالهم بمراعاة أول ~~الوقت ليصادفوه بالعبادة وفي ذلك ضرر فسمح لهم بالتأخير لذلك وهذا المعنى ~~لا يوجد في آخر الوقت ولهذا يخالف النفل فإنه يجوز تركه من غير عذر فلم يكن ~~واجبا # ولأن جواز التأخير إنما يدل على نفي الوجوب إذا لم يجب العزم عليه فأما ~~مع وجوب العزم فلا يدل وههنا يجوز له التأخير بشرط أن يعزم على فعله في ~~PageV01P062 الثاني فلم يدل على نفي الوجوب ولهذا يخالف النفل فإنه يجوز ~~تركه من غير عذر ومن غير عزم ms022 على فعله فلم يكن واجبا # ولأن جواز التأخير إنما يدل على نفي الوجوب إذا كان ذلك عن جميع الوقت ~~كالنفل الذي ذكروه فأما إذا جوزنا التأخير عن بعض الوقت دون بعض فلا وههنا ~~يجوز له التأخير عن بعض الوقت فلم يدل على نفي الوجوب # واحتج من قال إنه يتعلق بوقت غير معين بأنه مخير في الأوقات كلها فتعلق ~~الوجوب فيها بغير معين كما نقول في كفارة اليمين # والجواب أن كفارة اليمين حجة عليهم فإن الكفارة واجبة عليه عند الحنث وإن ~~خيرناه في أعيانها فيجب أن تكون الصلاة واجبة عند دخول الوقت وإن خيرناه في ~~أوقاتها PageV01P063 $ مسألة 11 # إذا فات وقت العبادة سقطت ولا يجب قضاؤها إلا بأمر ثان # ومن أصحابنا من قال لا تسقط # لنا هو أن ما بعد الوقت لم يتناوله الأمر فلم يجب فيه الفعل كما قبل ~~الوقت # ولأن تخصيص الأمر بالوقت كتخصيصه بالشرط ولو علق الأمر بالشرط لم يجب مع ~~عدمه كذلك إذا علق بوقت PageV01P064 # وأيضا هو أن النهي المؤقت يسقط بفوات الوقت وإذا ترك الانتهاء في الوقت ~~لم يجب قضاؤه في وقت آخر فكذلك الأمر # ولأنه لو علق الأمر بمكان بعينه لم يجب فعله بمكان آخر فكذلك إذا علقه ~~بزمان بعينه # فإن قيل المكان لا يفوت فأمكن اتخاذ الفعل فيه فلا يجب في غيره والزمان ~~يفوت فوجب القضاء في غيره # قلنا المكان أيضا ربما تعذر إيقاع الفعل فيه كما يتعذر بالزمان بأن يسبع ~~أو يعلوه الماء ثم إذا تعذر في المكان المعين لم يجب الفعل في غيره فكذلك ~~إذا تعذر في الزمان # واحتجوا بقوله عليه السلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ~~وهذه الهاء كناية عن الصلاة المنسية فدل على أنه يجب قضاؤها # قلنا هو حجة لنا لأنه لو وجب القضاء بذلك الأمر لما احتاج إلى الأمر ~~بقضائها # واحتجوا بأن أوامر الشرع كلها يجب قضاؤها فدل على أن ذلك بمقتضى الأمر # والجواب هو أن كثيرا منها لا يدخلها القضاء فليس تعلقهم بما يقضى ms023 بأولى ~~من تعلقنا بما لا يقضى # وعلى أن القضاء فيما يجب قضاؤه إنما يجب بالأدلة التي هي قامت عليه لا ~~بموجب الأمر PageV01P065 # قالوا ولأن الأمر موضوع لإيجاب الفعل وإسقاط القضاء يسقط إيجاب الفعل # والجواب هو أن الأمر يقتضي إيجاب الفعل في وقت مخصوص لا في جميع الأوقات # ولأن هذا يبطل به إذا علقه على الشرط فإنه لا يجب فعله مع عدم الشرط وإن ~~كان مقتضى الأمر الإيجاب # واحتجوا بأن المأمور به هو الفعل وأما الوقت فإنما يراد لإيقاع الفعل فلم ~~يسقط بفواته # والجواب هو أن المأمور به هو الفعل في وقت مخصوص لا فعلا على الإطلاق ألا ~~ترى أن لفظه لا يتناول ما بعد الوقت فمن ادعى الوجوب فيه احتاج إلى دليل # واحتجوا بأنه لا خلاف أن ذلك يسمى قضاء ولو كان ذلك فرضا آخر يجب بأمر ~~ثان لما سمي قضاء لما تركه # قلنا إنما سمي قضاء لما تركه لأنه قام مقام المتروك لا أنه يجب بأمره ~~PageV01P066 $ مسألة 12 # الصوم واجب على المريض والمسافر والحائض في حال المرض والسفر والحيض وما ~~يأتون به عند زوال العذر فهو قضاء لما وجب عليهم في حال العذر # وقال أهل العراق لا يجب على الحائض والمريض ويجب على المسافر # وقالت الأشعرية لا يجب على المريض والحائض وأما المسافر فعليه صوم أحد ~~الشهرين إما شهر الأداء وإما شهر القضاء وأيهما صام كان أصلا كالأنواع ~~الثلاثة في كفارة اليمين PageV01P067 # لنا قوله تعالى @QB@ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ~~@QE@ ومعناه فأفطر فعدة من أيام أخر فدل على أن الفطر أوجب عليه ذلك # ولأنه لو لم يجب عليه ذلك لما وجبت عليه إلا إذا تكرر وقت مثله كالصلاة ~~في حال الحيض ولما ثبت أنها تخاطب بالقضاء عند زوال العذر دل على أن الوجوب ~~ثابت في حال الفطر # وأيضا هو أن ما يأتي به يسمى قضاء وهذا يدل على أنه بدل عنه # وأيضا فإنه ينوي في القضاء أنه يقضي صوم رمضان فدل على أنه ms024 قضاء لما فاته # ولأنه مقدر بما تركه لا يزيد عليه ولا ينقص منه ولو لم يكن قضاء لما تركه ~~لما تقدر به كما أن الأنواع الثلاثة في كفارة اليمين لما لم يكن كل واحد ~~PageV01P068 منها قضاء لما تركه لم يقدر به ولما نقدرها ها هنا بالمتروك دل ~~على أنه قضاء له ويدل عنه كغرامات المتلفات # واحتجوا بأنه لو كان واجبا لما جاز تركه كالصوم في حق غير المعذور ولما ~~ثبت جواز تركه دل على أنه غير واجب كصوم النفل # قلنا قد بينا الجواب في إيجاب الصلاة في أول الوقت # قالوا الحائض لا يصح منها فعل الصوم ولا التوصل إلى فعله فلم يجز أن تكون ~~من أهل الوجوب # قلنا ينكسر بالمحدث فإنه لا يمكنه فعل الصلاة قبل الطهارة ثم هو من أهل ~~وجوبها فبطل ما قالوه PageV01P069 $ مسألة 13 # إذا أمر بشيئين أو بثلاثة أشياء وخير فيها كان الواجب منها واحدا غير ~~معين # وقالت المعتزلة الجميع واجب PageV01P070 # لنا أنه لو ترك الجميع لم يعاقب إلا على واحد منها ولو كان الجميع واجبا ~~لعوقب على الكل ألا ترى أن الصلوات الخمس لما كانت واجبة عوقب على ترك ~~الجميع # فإن قيل إنما عوقب على الجميع فيما ذكرتم لأن الجميع واجب على طريق الجمع ~~وليس كذلك هاهنا فإن الجميع واجب على طريق التخيير فلم يستحق العقوبة على ~~الجميع # قلنا لو كان الجميع واجبا لاستحق العقوبة على الجميع وإن لم يكن على سبيل ~~الجمع # ألا ترى أن فرض الكفاية لما كان واجبا على الكافة استحق الكل العقوبة على ~~تركه وإن لم يلزمهم ذلك على سبيل الجمع # وأيضا فإن التخيير ثبت بمرة بعموم اللفظ ومرة بخصوصه والنص عليه ثم ثبت ~~أن الثابت بالعموم لا يوجب جميع ما هو مخير فيه وهو إذا قال اقتل رجلا من ~~المشركين وأعتق رقبة وهو يقدر على رجال كثير ورقاب كثيرة كذلك الثابت ~~بالصريح والنص لا يوجب ما هو مخير فيه # واحتجوا بأنه لا مزية لبعضها على بعض فوجب أن يستوي الجميع ms025 في الوجوب كما ~~لو أمر بفعل الجميع من غير تخيير # والجواب هو أن استواء الجميع لا يوجب استواء الوجوب ألا ترى أنه لم يوجب ~~استواءه في العقاب فكذلك لا يوجب استواءه في الوجوب # ويخالف هذا ما أمر بفعله من غير تخيير فإن هناك لما وجب الجميع عوقب على ~~ترك الجميع # وفي مسألتنا لما لم يعاقب على ترك الجميع لم يجب الجميع # ولأن استواء الجميع على وجه التخيير مخالف لاستوائه على وجه الجمع # ألا ترى أنه ما وجب الجمع فيه بلفظ العموم يجب الجمع وهو إذا قال ~~PageV01P071 اقتلوا المشركين وما يجب على وجه التخيير فيه بلفظ العموم لا ~~يجب الجمع وهو إذا قال اقتل رجلا من المشركين فدل على الفرق بينهما # واحتجوا أيضا بأنه لو كان الواجب واحد منها لعين وبين ولنصب عليه دليلا ~~وجعل إليه سبيلا وميزه من بين الجميع فلم يجعل ذلك إلى اختيار المكلف إذ ~~المكلف لا يعرف ما فيه المصلحة مما فيه المفسدة # والجواب أن هذا يبطل بما خيره فيه بلفظ العموم فإنه لم ينصب عليه دليلا ~~ولم يميزه بل جعله إلى اختيار المكلف ثم لم يكن الجميع واجبا # ثم هذا يبطل بالعقاب فإنه لا يستحق إلا على واحد غير معين ولم يميزه ولم ~~يجعل إليه سبيلا وما استحق عليه العقوبة يجب أن يكون معلوما معينا # ولأنه إنما يجب البيان إذا كان الوجوب متعلقا بمعين غير مبين # وأما إذا كان متعلقا بغير معين لم يجب البيان لأن المصلحة في الجميع ~~موجودة فترك البيان فيه لا يؤدي إلى أن يتخطى المصلحة ويتعداها # واحتجوا أيضا بأن فروض الكفايات تجب على الكافة ثم بفعل بعضهم تسقط عن ~~الباقين فكذلك الكفارات الثلاث يجب الجميع وبفعل بعضها يسقط الجميع # والجواب أن فرض الكفايات حجة عليهم فإنه لما وجب على الكافة خوطب الجميع ~~بفعلها وعوقب الجميع على تركها فلو كان في مسألتنا يجب الجميع لخوطب بفعل ~~الجميع وعوقب على ترك الجميع # وجواب آخر وهو أنه إنما وجب فرض الكفايات على الجميع لأنه لو ms026 لم يجب ~~عليهم لعول بعضهم على بعض فكان يؤدي إلى ترك الفعل وفي مسألتنا إيجاب واحد ~~منها لا يؤدي إلى ترك الواجب لأنه يعلم أن فرضه لا يسقط بفعل غيره فلا معنى ~~لإيجاب الجميع PageV01P072 $ مسألة 14 # لا يدخل الآمر في الأمر # ومن أصحابنا من قال يدخل النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر به أمته # لنا أنه استدعاء للفعل فلا يدخل المستدعي فيه كالسؤال والطلب ولأن الأمر ~~في اللغة استدعاء للفعل بالقول ممن هو دونه وهذه الحقيقة لا توجد في حق ~~الآمر لأنه لا يجوز أن يكون دون نفسه # وأيضا فإنا لا نعلم خلافا بين علماء أهل اللسان أن السيد إذا أمر عبده ~~فقال اسقني ماء لا يدخل هو في هذا الأمر فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~مثله PageV01P073 # ولأنه لو جاز دخوله مع غيره لجاز أن يدخل في أمره لنفسه وحده وهو أن يقول ~~افعل كذا ولما ثبت أنه لا يجوز أن يخص نفسه بالأمر فيكون أمرا ومأمورا كذلك ~~لا يجوز أن يدخل في عموم الأمر # ولأن المأمور لا يجوز أن يكون آمرا فكذلك الآمر لا يجوز أن يكون مأمورا # واحتجوا بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم يتضمن الإخبار عن وجوبه في ~~الشرع فصار بمنزلة ما لو قال هذه العبادة واجبة # والجواب أنه يتضمن الإخبار عن وجوبه على غيره وأما الوجوب على الإطلاق ~~فلا وأما الأصل فلا يسلم وإن سلمنا كان المعنى فيه أن قوله هذه العبادة ~~واجبة إيجابا مطلقا فاقتضى العموم وفي مسألتنا إيجاب خاص للمخاطبين فوزانه ~~من مسألتنا أن يقول فرضت عليكم وأوجبت عليكم فلا يدخل هو فيه # وجواب آخر وهو أن نقول إن الإخبار عن نفسه وحده يجوز كما لو قال كتب علي ~~ولم يكتب عليكم وفي مسألتنا لا يجوز أن يأمر نفسه وحدها كذلك لا يجوز أن ~~يأمرها مع غيرها # ولأن في الخبر لا تعتبر الرتبة وفي الأمر تعتبر الرتبة وذلك لا يوجب في ~~نفسه PageV01P074 $ مسألة 15 # يدخل العبيد في مطلق أمر صاحب الشرع ms027 # وقال بعض أصحابنا لا يدخلون فيه إلا بدليل # لنا صلاح الخطاب لهم كصلاحيته للأحرار فإذا دخل الأحرار فيه دخل العبيد ~~فيه # ولأنه مكلف فجاز أن يدخل في الأمر المطلق كالحر # ولأنه يدخل في الخطاب الخاص له فدخل في الأمر العام كالحر # واحتجوا بأنهم لا يدخلون في أكثر الأوامر في الشرع كالجمعة والحج والجهاد ~~فدل على أن إطلاق الخطاب لا يتناولهم # والجواب أن ما دخلوا فيه من الخطاب أكثر PageV01P075 # ألا ترى أنهم دخلوا في الأمر بسائر الصلوات ودخلوا في الأمر بالصوم وغير ~~ذلك # ولأن ما لم يدخلوا فيه إنما لم يدخلوا فيه لأدلة دلت على تخصيصهم وكلامنا ~~في الأمر المجرد # واحتجوا بأن منافعهم مستحقة للموالي فلا يجوز أن يكونوا داخلين في الأمر # والجواب أنه يبطل به إذا خصهم بالأمر فإنهم يدخلون فيه مع وجود هذا ~~المعنى فبطل ما قالوه # ولأن أوقات العبادات تقع مستثناة فلا تكون منافعهم فيها مستحقة ~~PageV01P076 $ مسألة 16 # لا يدخل النساء في خطاب الرجال # وقال ابن داود يدخلن في جمع الرجال وهو مذهب أصحاب أبي حنيفة # لنا ما روي عن أم سلمة أن النساء قلن يا رسول الله ما نرى الله تعالى ~~يذكر إلا الرجال فأنزل الله تعالى @QB@ إن المسلمين والمسلمات @QE@ الآية ~~PageV01P077 # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ~~ولا يتوضؤون فقالت عائشة رضي الله عنها هذا للرجال أرأيت النساء وهذا يدل ~~على أن إطلاق خطاب الرجال لا يدخل فيه النساء # فإن قيل المراد به أنه لم يذكر النساء بلفظ يخصهن # قلنا هذا خلاف الظاهر فإن الخبر يقتضي أنهن لم يذكرن لا بلفظ الخصوص ولا ~~بلفظ العموم # ولأنه لو كان المراد به ما ذكره لم يختص النساء بذلك فإن الرجال ما ذكروا ~~بلفظ الخصوص فإن لفظ الذكور مشترك عندهم بين الرجال والنساء # ولأن حديث عائشة رضي الله عنها لا يحتمل ما ذكروه فإنه لو كان النساء ~~يدخلن في خطاب الرجال على سبيل العموم لما استفهمت منه حكم النساء بعد ذلك # وأيضا ms028 هو أنه موضوع للذكور فلا يدخل فيه الإناث كلفظ الواحد # ولأن أهل اللسان فرقوا بينهما في اسم الجمع كما فرقوا بينهما في اسم ~~الواحد وإذا لم يدخلن في اسم الواحد لم يدخلن في اسم الجمع # ولأن الرجال لا يدخلون في جمع النساء وكذلك النساء يجب أن لا يدخلن في ~~جمع الرجال # واحتجوا بأنهن يدخلن في أوامر الشرع كلها فدل على أن إطلاق الخطاب ~~يتناولهن # والجواب هو أنا لا نقول إنهن يدخلن في لفظ الأمر وإنما نقول شاركن الرجال ~~في الحكم بدليل قام عليه PageV01P078 # قالوا وأيضا هو أن من أراد الجمع بين الرجال والنساء عبر عنهن بعبارة ~~الرجال فدل على أن لفظ الجمع موضوع للجميع # قلنا نحن إنما نحمل اللفظ على النساء إذا علم من قصد المتكلم أنه أراد ~~الجنسين وأما إذا لم يعلم هذا من قصده حملنا اللفظ على الرجال كما تقول في ~~الحمار إنه يحمل على الرجل البليد إذا علم هذا المراد من قصد المتكلم فأما ~~إذا لم يعلم من قصده حملنا اللفظ على البهيمة المخصوصة # فإن قيل لو لم يكن هذا اللفظ متناولا للجنسين لكان لا يجوز تغليب الذكور ~~عند إرادة الجنسين # قلنا هذا يبطل بما ذكرناه من قولهم في البليد حمار فإنه يعبر به عن ~~البليد مع القصد ثم إطلاق اللفظ لا يقتضيه PageV01P079 $ مسألة 17 # الكفار مخاطبون بالشرعيات في قول أكثر أصحابنا # وقال بعضهم لا يدخلون في الخطاب بالشرعيات وهو اختيار الشيخ أبي حامد ~~رحمه الله PageV01P080 # وقال بعض الناس هم مخاطبون بالمنهيات دون المأمورات # لنا قوله تعالى @QB@ ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم ~~المسكين وكنا نخوض مع الخائضين @QE@ وهذا يدل على أنهم مخاطبون بالصلاة ~~والزكاة إذ لو لم يكونوا مخاطبين بها لما حسن عقوبتهم على ذلك # فإن قيل المراد بذلك لم نكن من معتقدي الصلاة والزكاة # قيل هذا خلاف الظاهر فإن اللفظ حقيقة في فعل الصلاة وفعل الإطعام ولا ~~يحمل على الإعتقاد من غير دليل # ولأن العقوبة على ترك الإعتقاد قد ms029 علم من قوله @QB@ وكنا نكذب بيوم الدين ~~@QE@ فيجب أن يحمل الأول على غيره # فإن قيل الظاهر يقتضي استحقاق العقوبة بمجموع هذه الأشياء وهي ترك الصلاة ~~والزكاة والتكذيب بيوم الدين # قلنا لو لم يكن كل واحد منها يستحق العقوبة على تركها لما جمع بينهم في ~~استحقاق العقوبة # ولأن بالتكذيب بيوم الدين يستحق العقوبة من غير أن يضم إليه معنى آخر ~~PageV01P081 وكذلك بترك الصلاة والزكاة يجب أن يستحق العقوبة من غير أن ~~ينضم إليه معنى آخر # ويدل عليه أنه لفظ مطلق فدخل الكفار فيه كالأمر بالإيمان # ولأن من تناوله الأمر بالإيمان تناوله الأمر بالعبادات كالمسلم ويدل عليه ~~هو أن المسلم إنما دخل في الأمر لصلاح اللفظ له في اللغة وهذا المعنى موجود ~~في الكافر فيجب أن يكون داخلا في الأمر ويدل عليه أنه ليس فيه أكثر من ~~الكفر وهو يقدر على إزالته ومن قدر على شرط الفرض كان مخاطبا بالفرض ~~كالمحدث إذا دخل عليه وقت الصلاة # فإن قيل الحدث لا ينافي صحة الصلاة ألا ترى صح أن المتيمم يصلي وهو محدث ~~وليس كذلك الكفر فإنه ينافي صحة الصلاة ألا ترى أنها لا تصح مع الكفر بحال # قلنا الحدث أيضا ينافي صحة الصلاة مع القدرة على الماء ثم هذا المعنى لا ~~يمنع من توجه الخطاب بفرض الصلاة فبطل ما قالوه # وأما ما يدل على فساد قول الطائفة الأخرى فنقول # النهي أمر بالترك والأمر أمر بالفعل فإذا دخل الكافر في أحد الأمرين دخل ~~في الأمر الآخر # فإن قيل الأمر بالترك لما دخل فيه تعلق عليه أحكامه من الحدود وغيرها ~~ولما لم يتعلق عليه أحكام الأمر بالفرض من صحة الفعل ووجوب القتل على تركها ~~والقضاء بفواتها دل على أنه لم يدخل في الأمر # قيل العقوبة على المخالفة ووجوب القضاء بالفوات ليس يتعلق بالأمر ~~PageV01P082 بل يفتقر إلى أمر ثان وذلك لم يوجد فسقط وهذا لا ينفي الوجوب ~~في الابتداء كقضاء صلاة الجمعة يسقط عن المسافر لعدم الدليل على وجوبه ثم ~~لم يدل على أن الأمر بها ms030 لم يتوجه في الابتداء # فإن قيل النهي يصح منه امتثاله وهو الترك فدخل فيه الأمر والأمر لا يصح ~~منه امتثاله فلم يدخل في خطابه # قيل هذا يبطل بالأمر بالصلاة في حق المحدث فإنه لا يصح منه امتثاله ثم هو ~~داخل فيه # واحتجوا بأنه لو كان الكافر مخاطبا بالشرعيات لوجب أن يصح ذلك منه في حال ~~الكفر ولوجب عليه القضاء في حال الإسلام ولما لم يصح في الحال ولم يجب ~~القضاء في ثاني الحال دل على أنه غير مخاطب بها كالحائض في الصلاة # والجواب أنه إنما لم يصح منه لعدم الشرط وهو الإسلام وهذا لا ينفي توجه ~~الخطاب كالمحدث لا يصح منه فعل الصلاة ولا يدل على أنه غير مخاطب بها وأما ~~القضاء فإنما يجب بدليل غير الأمر وذلك لم يوجد فسقط وهذا لا ينفي الخطاب ~~في الابتداء كما قلنا في قضاء الجمعة تسقط عن المسافر لعدم الدليل ثم لا ~~يدل على أن الأمر بها لم يتوجه عليه # وأما الحائض فالمعنى فيها أنها لا تقدر على إزالة المانع وتحصيل الشرط ~~وليس كذلك الكافر فإنه يقدر على إزالة الكفر فهو كالمحدث في الصلاة # واحتجوا أيضا بأن خطابه بالعبادات خطاب بما لا منفعة له فيه والتكليف لا ~~يتوجه بما لا ينتفع به المكلف PageV01P083 # والجواب هو أنا نخاطبه على وجه ينتفع به وهو أن يقدم الإيمان ومتى دخل ~~على هذا الوجه انتفع به فوجب أن يتوجه إليه الخطاب # قالوا ولأنه لو كان مخاطبا بفعل الصلاة معاقبا على تركها لعوقب على تركها ~~بالدنيا في القتل والضرب كسائر المسلمين # قلنا إنما لم يقتل ولم يضرب لأنه مجتهد في وجوب ذلك عليه ومع الاجتهاد لا ~~تجب العقوبة وليس كذلك المسلم فإن وجوب ذلك عليه غير مجتهد فيه فاستحق ~~العقوبة على الترك في الدارين # ثم هذا يبطل بأهل الذمة فإنهم مخاطبون بالإيمان معاقبون على تركه في ~~الآخرة ثم لا يعاقبون عليه في الدنيا # ويبطل بشربه الخمر فإن الذمي لا ينهى عنه ثم لا يحد PageV01P084 $ مسألة ~~18 # الأمر بالشيء ms031 يدل على إجزاء المأمور به # وقال بعض المعتزلة لا يدل بل يفتقر إجزاؤه إلى دليل آخر PageV01P085 # لنا هو أن الفعل إنما لزمه بالأمر فإذا فعل ذلك على حسب ما يتناوله الأمر ~~زال الأمر وعاد كما كان قبل الأمر ويدل عليه أنه لو نهي عن فعل شيء فتركه ~~ولم يتعرض له عاد كما كان قبل النهي فكذلك إذا أمر بفعل شيء ففعله # واحتجوا بأن كثيرا من العبادات أمر الإنسان بفعلها ثم لم تجزئه كالمضي في ~~الحج الفاسد والإمساك في يوم ظن أنه في يوم من شعبان فبان أنه من رمضان ~~والصلاة بغير طهارة عند عدم الماء والتراب فدل على أن الإجزاء يقف على دليل ~~آخر # والجواب هو أن الذي أتى به المفسد للحج والممسك في رمضان والعادم للماء ~~والتراب بالأمر يجزئه عن ذلك الأمر وإنما لزمه القضاء بأمر ثان إذ لا يجوز ~~أن يؤمر بفعل شيء على صفة ثم لا يجزئه # وجواب آخر وهو أنه في تلك المواضع لم يأت بالمأمور على حسب ما تناوله ~~الأمر فبقي الفرض عليه وفي مسألتنا أتى بالمأمور على حسب ما اقتضاه الأمر ~~وتناوله فعاد كما كان قبل الأمر # قالوا وأيضا هو أن الأمر لا يدل على أكثر من الإيجاب وإرادة المأمور به ~~وأما الإجزاء وسقوط الفرض فلا يدل عليه اللفظ فافتقر ذلك إلى دليل آخر # والجواب هو أن الأمر لا يدل على ما ذكروه ولكنه يدل على أنه أراد فعل ~~المأمور به على الوجه الذي أمر به فدل على أن الأمر قد زال عنه وزوال الأمر ~~يوجب سقوط الفرض وأنه لا يجب عليه غيره إلا بدليل PageV01P086 $ مسألة 19 # إذا فعل زيادة على ما تناوله الاسم من الفعل المأمور به مثل أن يزيد على ~~ما يقع عليه اسم الركوع أو يزيد على ما يقع عليه اسم القراءة فالواجب منه ~~ما يتناوله الاسم وما زاد عليه فهو نفل # وقال بعض الناس كل ذلك واجب وحكى ذلك عن أبي الحسن الكرخي # لنا أن لفظ الأمر بالركوع لا يقتضي ms032 أكثر مما يسمى ركوعا فإذا فعل ذلك فقد ~~فعل ما اقتضاه الأمر فوجب أن تكون الزيادة نفلا يدلك عليه هو أنه لما لم ~~يقتض أكثر من مرة واحدة كان ما زاد على ذلك نفلا فكذلك ما زاد على قدر ~~الفرض # ولأنه إذا فعل من ذلك ما يقع عليه الاسم حسن أن يخبر عن نفسه فيقول فعل ~~كذا وكذا ولو كان اللفظ يقتضي أكثر من ذلك لما حسن الإخبار عن نفسه بالفعل ~~كما لا يحسن إذا فعل ما لا يقع عليه الاسم # ولأن الزيادة على ما يقع عليه الاسم يجوز للمكلف تركها من غير بدل ومن ~~غير أن يفعل مثها في وقت آخر وما هذا سبيله لم يكن واجبا كسائر النوافل ~~PageV01P087 # واحتجوا بأن الاسم يتناول أواخر الفعل كما يتناول أوائله فإذا كانت ~~الأوائل واجبة كانت الأواخر مثلها # قلنا لو كانت الأواخر كالأوائل لأثم بتركها كما أثم بترك الأوائل # قالوا ولأنه لو قال لوكيله تصدق من مالي جاز له أن يتصدق بالقليل منه ~~والكثير فدل على أن الأمر قد تعلق بالجميع # قلنا لا نسلم هذا بل لا يجوز أن يتصدق إلا بأدنى ما يتناوله الاسم وإن ~~سلمنا فالفرق بينهما أن الأمر منا إذا أراد التصدق بقدر معلوم بين ذلك ~~وقدره فلما لم يبين علمنا أنه أراد ما شاء المأمور وليس كذلك أوامر صاحب ~~الشرع لأنه لا عادة في أوامر الشرع فيراعى حكمها فلم تقتض إلا ما يقع عليه ~~الاسم PageV01P088 $ مسألة 20 # الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق المعنى PageV01P089 # وقالت المعتزلة ليس هو بنهي عن ضده وهو قول بعض أصحابنا # لنا هو أنه لا يمكنه فعل المأمور به إلا بترك الضد فوجب أن يكون الأمر ~~يتضمن النهي عن ضده # ألا ترى أنه لما لم يمكنه فعل الصلاة إلا بما يتوصل به إليها كالطهارة ~~واستقبال القبلة واستقاء الماء وغير ذلك كان الأمر بالصلاة متضمنا للأمر ~~بكل ما يتوصل به إليها كذلك ههنا ويدل عليه هو أن الأمر بالشيء عندهم يقتضي ~~إرادة المأمور به ms033 وحسنه وإرادة الشيء وحسنه يقتضي كراهية ضده وقبحه وذلك ~~يقتضي تحريمه فيجب أن يكون الأمر بالشيء تحريما لضده # فإن قيل يبطل بالنوافل فإن الأمر بها يقتضي إرادتها وحسنها ثم لا يقتضي ~~ذلك كراهية الضد وقبحه PageV01P090 # والجواب هو أنا ألزمناهم على أصلهم فلا يلزمنا ما توجه عليهم وأما على ~~مذهبنا فإن الأمر بالنوافل يقتضي استدعاء المأمور به وحسنه على سبيل ~~الاستحباب وهو يقتضي النهي عن ضدها على سبيل الاستحباب أيضا # ولأن السيد إذا قال لعبده قم فقعد حسن توبيخه ولومه ولو لم يكم الأمر ~~بالقيام اقتضى النهي عن ضده لما جاز توبيخه على القعود # واحتجوا بأن صيغة الأمر خلاف صيغة النهي فلا يجوز أن يكون لفظ أحدهما ~~مقتضيا للآخر # والجواب هو أن هذا إنما يمتنع لو قلنا إن الأمر بالشيء نهي عن ضده من ~~طريق اللفظ وأما إذا قلنا إنه نهي من طريق المعنى لم يمتنع # ألا ترى أن لفظ الأمر بالصلاة خلاف لفظ الأمر بالطهارة من طريق اللفظ ثم ~~الأمر بالصلاة يتضمن الأمر بالطهارة من طريق المعنى كذلك ههنا # قالوا الأمر والنهي متضادان كتضاد العلم والجهل ثم العلم بالشيء لا يكون ~~جهلا بضده كذلك الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن ضده # قلنا العلم بالشيء لا ينافي العلم بضده والأمر بالشيء ينافي الأمر بضده # ألا ترى أنه يجوز أن يكون عالما بكل واحد منهما وليس كذلك الأمر فإنه ~~ينافي فعل ضده ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون فاعلا للمأمور به إلا بترك ضده ~~فدل على الفرق بينهما # واحتجوا بأن النهي عن الشيء ليس بأمر بضده وكذلك الأمر بالشيء ليس بنهي ~~عن ضده PageV01P091 # والجواب أنا لا نسلم هذا بل هو أمر بضده فإن كان له ضد واحد فهو أمر به ~~وإن كان له أضداد فهو أمر بضد من أضداده فلا فرق بينهما PageV01P092 $ ~~مسألة 21 # الأمر بفعل العبادة لا يقتضي فعلها على وجه مكروه ولا يدخل فيه كالطواف ~~بغير طهارة لا يدخل في قوله @QB@ وليطوفوا بالبيت العتيق @QE@ # وقال أصحاب أبي حنيفة يدخل ms034 فيه # لنا أن الأمر يقتضي الإيجاب والاستحباب والمكروه لا يجب ولا يستحب فمن ~~المحال أن يكون داخلا في الأمر ويدل عليه أن المكروه منهي عن فعله فلا يدخل ~~في لفظ الأمر كالمحرم # احتجوا بأن الأمر بالطواف لا يتناول أكثر من الجولان حول البيت فأما ~~الطهارة فليس في اللفظ ما يقتضيها فإذا طاف بلا طهارة فقد فعل ما يقتضيه ~~اللفظ فوجب أن يكون ممتثلا للأمر # قلنا اللفظ لا يتقضي الطهارة إلا أنهم أجمعوا على أن المراد به طواف ~~بطهارة فإذا طاف بغير طهارة لم يفعل المأمور به فوجب أن لا يكون ممتثلا ~~للأمر PageV01P093 $ مسألة 22 # الفرض والواجب واحد وهو ما يعاقب على تركه # وقال أصحاب أبي حنيفة الفرض أعلى رتبة من الواجب فالفرض ما ثبت وجوبه ~~بطريق مقطوع به بكتاب أو سنة متواترة أو إجماع والواجب ما ثبت وجوبه بغير ~~ذلك من الأدلة # لنا قوله تعالى @QB@ فمن فرض فيهن الحج @QE@ وأراد به أوجب الحج # ولأنه لو كان الفرض ما ثبت بطريق مقطوع به لوجب أن تكون النوافل تسمى ~~فرائضا لأنها تثبت أيضا بطريق مقطوع به # ولأن تخصيص الفرض بما ثبت بطريق مقطوع به دعوى لا دليل عليها من جهة ~~الشرع ولا من جهة اللغة فكان باطلا PageV01P094 # ولأن لفظ الوجوب في الإيجاب أكثر من لفظ الفرض لأن الفرض يحتمل من ~~المعاني ما لا يحتمله الواجب ألا ترى أن الفرض مستعمل في التقدير ولهذا ~~يقال فرض الحاكم نفقة المرأة إذا قدرها ويستعمل في الإنزال قال الله تعالى ~~@QB@ إن الذي فرض عليك القرآن @QE@ أي أنزل ويستعمل في البيان كقوله تعالى ~~@QB@ سورة أنزلناها وفرضناها @QE@ أي بيناها ويستعمل في فرض القوس وهو إذا ~~حز طرفيه والواجب لا يحتمل إلا معنى واحدا وهو سقوطه عليه من قولهم وجب ~~الحائط ووجبت الشمس فإذا قيل هذا واجب كان معناه أنه سقط عليه سقوطا لا بد ~~من فعله وكان ما قالوه بالعكس أولى PageV01P095 $ مسألة 23 # إذا دل الدليل على أنه لم يرد بالأمر الوجوب لم يجز أن يحتج به على ms035 ~~الجواز في أحد الوجهين # ومن أصحابنا من قال يجوز الاحتجاج به على ذلك # لنا هو أن اللفظ غير موضوع للجواز وإنما هو موضوع للوجوب والجواز تابع له ~~يعلم من ضمنه من جهة الاستدلال وهو أنه لا يجوز أن يكون واجبا ولا يجوز ~~فعله وإذا سقط الوجوب سقط ما في ضمنه من الجواز # واحتج من قال بالوجه الآخر بأن اللفظ يدل على الوجوب والجواز فإذا دل ~~الدليل على سقوط أحدهما بقي الآخر كما تقول في العموم إذا خص منه بعض ما ~~تناوله # قلنا العموم يتناول كل واحد من الجنس بلفظ فإذا خرج بعضه بدليل بقي ~~الباقي وليس كذلك ههنا فإن اللفظ PageV01P096 PageV01P097 الكف عن الفعل ~~وترد والمراد بها التهديد على الترك والحث على الفعل فوجب أن يتوقف فيها ~~حتى يقوم الدليل على ما يراد به كما نقول في الأسماء المشتركة كاللون ~~والعين # قلنا اللفظ بإطلاقه موضوع للكف والإحجام وإنما يحمل على ما سواه من الفعل ~~والإقدام بضرب من الدليل من شاهد حال أو غيره كالبحر موضوع للماء المجتمع ~~وإن كان يستعمل في الرجل العالم والرجل السخي والفرس والجواد ويخالف ما ~~ذكروه من الأسماء المشتركة فإن تلك الأسماء لم توضع لشيء بعينه وهذا اللفظ ~~موضوع للكف # والذي يدل عليه هو أن أهل اللسان عولوا في الأسماء المشتركة على ما يقرن ~~بها من البيان من الوصف والإضافة وغيرهما وعولوا في النهي على مجرد الصيغة ~~ولهذا عاقب السيد عبده على التوقف ولا يعاقب فيما أتى به من الأسماء ~~المشتركة فدل على الفرق بينهما PageV01P098 $ مسألة 3 # النهي يقتضي التحريم # وقالت الأشعرية لا يقتضي التحريم ويتوقف فيه إلى أن يرد الدليل # لنا هو أن الصحابة رضي الله عنهم رجعت في التحريم إلى مجرد النهي # روي عن ابن عمر أنه قال كنا نخابر أربعين سنة ولا نرى بذلك بأسا حتى ~~أخبرنا رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة فتركناها ~~لقول رافع # ولأن السيد من العرب إذا قال لعبده لا تفعل كذا فخالفه استحق ms036 التوبيخ ~~والعقوبة فدل على أن إطلاقه يقتضي التحريم # واحتجوا بأن هذه الصيغة توجد ويراد بها التحريم وتوجد والمراد بها ~~الكراهة فلا تحمل على واحد منهما إلا بدليل # والجواب أن هذا يبطل باسم البحر فإنه يرد والمراد به الماء الكثير ~~المجتمع ويرد والمراد به الرجل السخي أو العالم ثم إطلاقه يحمل على الماء ~~الكثير المجتمع فبطل ما قالوه PageV01P099 $ مسألة 4 # النهي يقتضي فساد المنهي عنه في قول عامة أصحابنا # وقال أبو بكر القفال لا يقتضي الفساد وهو قول أبي الحسن PageV01P100 ~~الكرخي من أصحاب أبي حنيفة ومذهب عامة المتكلمين # لنا قوله عليه السلام من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وروي من أدخل في ~~ديننا ما ليس منه فهو رد والمنهي عنه ليس عليه أمره فيجب أن يكون ردا # فإن قيل هذا من أخبار الآحاد فلا يجوز أن يستدل به على مسائل الأصول # قيل هو وإن كان من أخبار الآحاد إلا أنه متلقى بالقبول فهو كالمتواتر # ولأن هذا وإن كان من مسائل الأصول إلا أنها من مسائل الاجتهاد فهي بمنزلة ~~سائر الفروع # فإن قيل الرد ضد القبول وهو ما لا يثاب عليه ولهذا يقال هذا عمل مقبول ~~وهذا عمل مردود ولهذا يقال في دعاء شهر رمضان ليت شعري من المقبول منا ~~فنهنيه ومن المردود فنعزيه وكأنه قال من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو غير ~~مقبول ونحن نقول إن ذلك غير مقبول على معنى أنه لا يثاب عليه # قلنا الرد يستعمل في ضد القبول كما ذكروه ويستعمل في معنى الإبطال ~~والإفساد # ألا ترى أنك تقول رددت على فلان كذا إذا أفسدته وأبطلته ويقال في ~~PageV01P101 بعض الكتب على المخالفين الرد على فلان وإذا كان اللفظ مستعملا ~~في الأمرين وجب أن يحمل اللفظ على الجميع # فإن قيل الذي ليس من ديننا هو الشيء المنهي عنه من الالتفات في الصلاة ~~والغيبة في الصوم وذلك عندنا مردود باطل والخلاف فيما يقع فيه المنهي عنه ~~كالصوم والصلاة وذلك من ديننا فلم يكن ردا # قلنا فعل ms037 العبادة على وجه النهي أيضا ليس من الدين ولهذا لا يثاب عليه ~~ولا يجوز فعلها فوجب أن يكون مردودا ويدل عليه هو أن الصحابة رضي الله عنهم ~~احتجوا في الإبطال بالنهي روي عن ابن عمر أنه قال نكاح المشركات باطل لقوله ~~تعالى @QB@ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن @QE@ # وأيضا هو أن الأمر اقتضى اشتغال الذمة بعبادة متجردة عن النهي إذ لا يجوز ~~أن يكون المنهي عنه هو الذي ورد الأمر به فإذا فعل على الوجه المنهي عنه لم ~~يأت بالمأمور به وإنما أتى بغيره فبقي الفرض في ذمته كما كان وصار بمنزلة ~~ما لو أمر بفعل الصلاة فأتى بالصوم # ولأن الحكم بصحة العبادة وإجزائها للأمر المنهي عنه لم يتعلق به الأمر ~~فلم يجز أن يحكم له بالصحة # واحتجوا بأن النهي يقتضي قبح المنهي عنه وقبحه لا يدل على بطلانه كالطلاق ~~في حال الحيض والوضوء بالماء المغصوب # والجواب هو أن النهي يقتضي معنى يدل على القبح وهو أن ما يفعله غير ما ~~ورد به الشرع وذلك يوجب بطلانه على ما بيناه # وأما الطلاق في حال الحيض والوضوء بالماء المغصوب فإنما حكمنا بصحتها ~~PageV01P102 لقيام الدلالة عليه وليس إذا ترك ظاهر اللفظ في بعض المواضع ~~لقيام الدليل دل على بطلان مقتضاه ويجب أن يترك في كل موضع # ألا ترى أن النهي قد يرد في بعض المواضع ولا يراد به التحريم ثم لا يدل ~~ذلك على أن إطلاقه لا يقتضي التحريم # قالوا لو كان النهي يقتضي فساد المنهي عنه لوجب إذا تناول ما ليس بفاسد ~~أن يكون مجازا ولما وجدنا النهي على سبيل الحقيقة في كثير من المواضع ولا ~~يقتضي الفساد دل على أنه لا يقتضي ذلك # والجواب أنا لا نقول إنه مجاز لأن المجاز ما نقل عن جميع موجبه وهو ها ~~هنا لم ينقل عن جميع موجبه بل حمل على بعض موجبه وذلك أن النهي يقتضي ~~التحريم وفساد المنهي عنه فإذا دل الدليل على أنه غير فاسد بقي حقيقة في ~~الباقي كالعموم إذا خص ms038 بعضه # قالوا ولأنه ليس في اللفظ ما يوجب إعادة الفعل فمن ادعى وجوب الإعادة ~~احتاج إلى دليل # والجواب أن الذي دل على وجوب الإعادة هو الأمر بالفعل وذلك أن الأمر ~~يتناول عبادة لا يتعلق بها نهي وهو لم يفعل ذلك فكان الأمر بإيجاب الفعل ~~باقيا كما كان # قالوا ولأنه ليس في فعله على وجه النهي أكثر من فعله منهيا عنه وقولكم ~~إنه فاسد زيادة صفة يحتاج في إثباته إلى دليل # قلنا معنى قولنا فاسد أنه لا يعتد به عما تعلق الأمر عليه وليس يحتاج في ~~ذلك إلى دليل أكثر مما يتناوله وهو أنه لم يفعل المأمور به فيجب أن يكون ~~المأمور به باقيا في الذمة PageV01P103 $ مسألة 5 # وإذا نهى عن أحد شيئين كان ذلك نهيا عن الجمع بينهما ويجوز فعل أحدهما # وقالت المعتزلة يكون نهيا عنهما فلا يجوز فعل واحد منهما # لنا أنه أمر بترك أحدهما فلا يجب تركهما كما لو أمر بفعل أحدهما لم يجب ~~فعلهما # واحتجوا بأن ما كان منهيا عنه مع غيره كان منهيا عنه بانفراده كسائر ~~المحظورات # قلنا هذا يبطل بنكاح إحدى الأختين فإنه منهي عنه مع نكاح أختها وليس ~~بمنهي عنه عند الانفراد # قالوا ولأن أو فى النهي يقتضي الجمع والدليل عليه قوله تعالى @QB@ ولا ~~تطع منهم آثما أو كفورا @QE@ والمراد به وكفورا # قلنا لا نسلم ما ذكروه من الآية وإنما حملنا على ما ذكروه بدليل ~~PageV01P104 & مسائل العموم والخصوص $ مسألة 1 # للعموم صيغة بمجردها تدل على استغراق الجنس والطبقة # وقالت الأشعرية ليس للعموم صيغة وما يرد من ألفاظ الجمع فلا يحمل على ~~العموم ولا على الخصوص إلا بدليل # ومن الناس من قال إن كان ذلك في الأخبار فلا صيغة له وإن كان ذلك في ~~الأمر والنهي فله صيغة تحمل على الجنس PageV01P105 # وقال بعض المتكلمين تحمل ألفاظ الجمع على أقل الجمع ويتوقف فيما زاد وهو ~~قول أبي هاشم ومحمد بن شجاع الثلجي # لنا قوله تعالى في قصة نوح عليه السلام @QB@ ونادى نوح ربه فقال رب إن ms039 ~~ابني من أهلي وإن وعدك الحق @QE@ فحكى الله تعالى عن نوح أنه تعلق بعموم ~~اللفظ ولم يعقب ذلك بنكير بل ذكر أنه أجاب بأنه ليس من أهله فقال @QB@ إنه ~~ليس من أهلك إنه عمل غير صالح @QE@ فدل على أن مقتضى اللفظ العموم # وأيضا ما روى أنه لما نزل قوله تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم أنتم لها واردون @QE@ قال عبد الله بن الزبعرى لأخصمن محمدا فجاء ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قد عبدت الملائكة وعبد المسيح ~~أفيدخلون النار فأنزل الله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون @QE@ فاحتج على النبي صلى الله عليه وسلم بعموم اللفظ ولو لم ~~يقتض اللفظ العموم لما احتج به ولأنكر النبي عليه احتجاجه PageV01P106 # فإن قيل إنما تعلق باللفظ فيما ذكرتم لأن اللفظ يصلح للعموم # قلنا لو كان لصلاح اللفظ لكان لا يقطع بأنه يخصم محمدا عليه السلام لأنه ~~بالصلاح لا يمكنه أن يخصم # وأيضا إجماع الصحابة رضي الله عنهم روى أن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه في مانعي الزكاة كيف تقاتلهم وقد قال النبي عليه ~~السلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فاحتج بعموم اللفظ ~~ولم ينكر عليه أبو بكر ولا أحد من الصحابة بل عدل أبو بكر في الجواب إلى ~~الاستثناء المذكور في الخبر وهو قوله إلا بحقها وإن الزكاة من حقها # وروى ابن عمر وعليا عليهما السلام قالا في الجمع بين الأختين بملك اليمين ~~أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى فحملا اللفظين على العموم ثم رجحا ~~لفظ التحريم # وروى أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أنشد % ألا كل شيء ما خلا الله باطل ~~% وكل نعيم لا محالة زائل % $ # فقال كذب فإن نعيم أهل الجنة لا يزول ولو لم يكن قول الشاعر اقتضى العموم ~~لما جاز تكذيبه PageV01P107 # فإن قيل هذه أخبار الآحاد فلا يحتج بها في مسائل الأصول # قلنا وإن كانت من أخبار الآحاد ms040 إلا أن الأمة أجمعت على قبولها وإن اختلفت ~~في العمل بها فصارت مقطوعا بصحتها # ويدل عليه هو أن العرب وضعت للواحد صيغة وللاثنين صيغة وللثلاثة صيغة ~~فقالوا رجل ورجلان ورجال وفرقت بينها كما فرقت بين الأعيان في الاسم فقالوا ~~فرس وحمار وبغل فلو كان احتمال لفظ للاثنين كاحتماله لما زاد لم يكن لهذا ~~التفريق في الوضع معنى # وأيضا هو أنه يصح أن يستثنى من ألفاظ الجمع كل واحد من الجنس فتقول رأيت ~~الناس إلا زيدا وإلا عمرا ولو لم يقتض اللفظ جميع الجنس لم يصح الاستثناء ~~لأن الاستثناء يخرج من اللفظ ما لولاه لدخل فيه ولهذا لا يصح أن تستثنى ~~البهائم من الناس حين لم يدخل في اللفظ # فإن قيل إنما حسن الاستثناء لصلاح اللفظ لكل واحد من الجنس # قيل هذا لا يصح لأن الاستثناء لا يخرج إلا ما اقتضاه اللفظ فإنه مأخوذ من ~~قولهم ثنيت عنان الدابة إذ صرفته وقيل إنه يسمى بذلك لأنه تثنية الخبر بعد ~~الخبر وأيهما كان اقتضى دخول المستثنى في اللفظ حين نصرفه عنه في قول بعضهم ~~وثنى الخبر بعد الخبر في قول البعض # ولأنه لو كان حسن الاستثناء لجواز أن يكون دخلا في اللفظ لوجب أن يصح من ~~النكرات كما يصح من المعارف المقتضية للجنس فلما لم يحسن ذلك في النكرات دل ~~على بطلان ما ذكروه # وأيضا هو أنه إذا قال لرجل من عندك حسن أن يجيب بكل واحد من PageV01P108 ~~جنس العقلاء ولو لم يكن اللفظ عاما في الجنس لما صار مجيبا بكل واحد من ~~الجنس لجواز أن يكون المسؤول عنه غير الذي أجاب به # فإن قيل إنما حسن أن يجيب بكل واحد من الجنس لأن اللفظ يصلح لكل واحد ~~منهم # قيل اللفظ يصلح لمن أجاب به ولغيره فيجب أن لا يصح الجواب حتى يعلم مراد ~~السائل ويدل عليه أنه لو قال من دخل الدار فله درهم أو من رد عبدي الآبق ~~فله درهم استحق كل من وجد ذلك منه العطاء فدل على أن ms041 اللفظ يقتضي الكل # وأيضا هو أن العموم مما تدعو الحاجة إلى العبارة عنه وتعم البلوى به في ~~مصالح الدين والدنيا فيجب أن يكون وضع له لفظ يدل عليه كما وضعوا لسائر ما ~~دعت الحاجة إلى العبارة عنه من الأعيان وغيرها # فإن قيل فقد وضع له ما يدل عليه وهو التأكيد # قيل إذا سلمتم أن ألفاظ التأكيد تدل على العموم فقد سلمتم المسألة لأن ~~التأكيد لا يدل إلا على ما يدل عليه المؤكد ولا يفيد إلا ما أفاده فإذا كان ~~لفظ التأكيد يقتضي العموم دل على أن المؤكد اقتضاه # فإن قيل نعلم العموم بالأحوال والعادات فيستغني بها عن لفظ يوضع له # قيل هذا لا يصح لأن هذا يختص بمن بيننا وبينه عادة في الخطاب فأما من جهة ~~الله تعالى فلا يمكن معرفة العموم إذ لا عادة بيننا وبينه وكذلك لا يمكن ~~معرفة ذلك فيما ينقل إلينا من الأخبار لأنها لا تنقل مع أحوالها ولا عادة ~~بيننا وبين المتكلم فيما ينقل إلينا # فإن قيل هذا يبطل بالطعوم والروائح فإن الحاجة ماسة إلى تمييزها والعبارة ~~عنها ثم لم يضعوا لكل واحد منها عبارة تدل عليه # قيل قد وضعوا لذلك ما يدل عليه وهو الإضافة فقالوا طعم الشهد PageV01P109 ~~وطعم السفرجل وطعم الخبز وطعم الماء وحلاوة السكر وحلاوة العسل ورائحة ~~المسك ورائحة الكافور وغير ذلك # فأما من فرق بين الأخبار وبين الأمر والنهي فلا وجه لقوله لأن ما وضع ~~للعموم في اللفظ لم يختلف فيه الخبر والأمر والنهي # ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول من دخل الدار فأكرمه وبين أن يقول من دخل ~~الدار أكرمته وإن كان أحدهما أمرا والآخر خبرا فدل على فساد ما قالوه # واحتجوا بأنه لا يخلو إثبات صيغة العموم من أن يكون بالعقل أو بالنقل # ولا يجوز إثباتها بالعقل لأنه لا مجال له في إثبات اللغات # ولا يجوز أن يكون بالنقل لأن النقل تواتر وآحاد ولا تواتر فيه لأنه لو ~~كان لعلمناه كما علمتم والآحاد لا يقبل في مسائل ms042 الأصول فبطل إثباتها # قلنا هذا ينقلب عليكم في إثبات الاشتراك بين الخصوص والعموم في هذه ~~الألفاظ فإنه لا يخلو من أن يكون بالعقل ولا مجال له فيه أو بالنقل والنقل ~~تواتر وآحاد ولا تواتر فيه لأنه لو كان لعلمناه كما علمتم والآحاد لا يقبل ~~في إثبات اللغة # وعلى أنا قد بينا ذلك بطرق من جهة النقل تجري مجرى التواتر وقد بيناها ~~فأغنى عن الإعادة # قالوا ولأن هذه الألفاظ ترد والمراد بها البعض وترد والمراد بها الكل فلم ~~يكن حملها على أحدهما بأولى من الآخر فوجب التوقف فيها كما تقول في الأسماء ~~المشتركة من اللون والعين وغيرها # قلنا لا يمنع أن يستعمل اللفظ فيهما ثم هو حقيقة في أحدهما دون الآخر ~~PageV01P110 كالحمار يستعمل في الرجل البليد ويستعمل في البهيمة المعروفة ~~ثم هو حقيقة في البهيمة وكذلك البحر يستعمل في الرجل الجواد وفي الماء ~~المجتمع الكثير ثم هو حقيقة في الماء المجتمع # قالوا ولأن هذه الألفاظ لا تستعمل في أكثر المواضع إلا في البعض دون الكل # ألا ترى أنه يقال أغلق الناس وفتح الناس وافتقر الناس وجمع السلطان ~~التجار والمراد في ذلك كله البعض ولو كان اللفظ حقيقة في العموم لكان أكثر ~~كلام الناس مجازا # قلنا يجوز أن يكون اللفظ حقيقة في معنى ثم يستعمل في غيره # ألا ترى أن الغائط حقيقة في الموضع المطمئن من الأرض ثم يستعمل أكثر في ~~الخارج من الإنسان وكذلك الشجاع حقيقة في الحية ثم أكثر ما يستعمل في الرجل ~~البطل فبطل ما قالوه # قالوا ولأنه لو كان اللفظ حقيقة في الجنس لما حسن فيه الاستفهام فتقول ~~أردت به الكل كما لا يحسن في الأعداد كالعشرة وغيرها # قلنا حسن الاستفهام لا يدل على أن اللفظ ليس بحقيقة في شيء بعينه # ألا ترى أنه إذا قال رأيت بحرا حسن فيه الاستفهام بأن تقول رأيت ماء ~~كثيرا أو رجلا جوادا ثم هو حقيقة في الماء الكثير وكذلك إذا قال أعط فلانا ~~مائة ألف حسن أن يستفهم فيقول مائة ألف ms043 درهم ولا يدل على أن ذلك ليس بحقيقة ~~فيه # ولأنه إنما حسن الاستفهام لأن اللفظ يحتمل العموم وغيره فجاز أن يستفهم ~~ليزول الاحتمال # قالوا ولأنه لو كانت هذه الألفاظ حقيقة في الجنس لوجب إذا دل الدليل على ~~أنه أراد به البعض أن يصير مجازا لأنه يستعمل في غير ما وضع له PageV01P111 # قلنا المجاز ما تجوز به عما وضع له كالحمار حقيقة في البهيمة ثم يتجوز به ~~في الرجل البليد فيكون مجازا فيه وأما لفظ العموم فما تجوز به عما وضع له ~~وإنما حمل على بعض ما يقتضيه فلم يصر مجازا فيما تبقى كما لو قال علي عشرة ~~إلا خمسة # قالوا ولأنه لو كان اللفظ يقتضي استغراق الجنس لوجب أن يكون تخصيص بعضه ~~يوجب كذب المتكلم به كما إذا قال رأيت عشرة ثم بان أنه رأى خمسة عد كاذبا # قلنا هذا يبطل به إذا قال أقبل عشرة أنفس ثم خص بعضهم فإن اللفظ تناول ~~العشرة ثم تخصيصه لا يوجب الكذب # ولأن على قول من قال من أصحابنا تأخير البيان عن وقت الخطاب لا يجوز له ~~لأنه يؤدي إلى الكذب لأنه يكون مقارنا للفظ فيصير كالاستثناء مع المستثنى ~~منه وعلى قول من أجاز تأخير البيان لا يلزم لأن الصدق والكذب إنما هو في ~~الأخبار وعلى قول أصحابنا لا يجوز تخصيص الأخبار وإنما يجوز تخصيص الأمر ~~والنهي والصدق والكذب لا يدخلان في ذلك فإذا خص شيء منه كان نسخا له ومن ~~أصحابنا من أجاز تخصيص الأخبار فعلى هذا أيضا لا يؤدي إلى الكذب لأم كلام ~~صاحب الشرع وإن تأخر بعضه عن بعض كالاستثناء مع المستثنى منه فلا يؤدي إلى ~~ما ذكروه ولهذا يطلق الأمر في الشرع ثم يرد ما يسقطه وهو النسخ ولا يعد ذلك ~~بداء ولو كان في غير ألفاظ صاحب الشرع أو ورد مثل هذا عد بداء # قالوا ولأنه لو كان هذا اللفظ موضوعا للعموم لما جاز تخصيصه من الكتاب ~~بالسنة والقياس لأنه إسقاط ما ثبت بالقرآن وذلك لا يجوز بالسنة ms044 والقياس كما ~~لا يجوز النسخ بهما PageV01P112 # قلنا النسخ إسقاط اللفظ فلم يجز إلا بمثله أو بما هو أقوى منه والتخصيص ~~بيان حكم اللفظ فجاز بما دونه # قالوا ولأنه لو كان اللفظ يقتضي الجنس لكان لا يوجد إلا وهو يقتضيه كما ~~أن العلة لما كانت مقتضية للحكم لم يجز وجودها إلا وهي مقتضية له # قلنا هذا الدليل إنما يصح لو لم يجز استعمال اللفظ في غير ما وضع له فأما ~~إذا جاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له لم يكن وجود الصيغة غير مقتضية ~~للعموم دليلا على أن الصيغة غير موضوعة للعموم # ولأنه لو جاز أن يقال هذا لوجب أن يقال إن الحمار ليس بموضوع للبهيمة ~~المخصوصة لأنه قد يستعمل في غير البهيمة وهو الرجل البليد وفي إجماعنا على ~~فساد هذا دليل على بطلان ما ذكروه على أن اللفظ المقتضي للاستغراق هو ~~الصيغة المجردة عن القرينة وذلك لا يجوز أن يوجد إلا وهي تقتضي الجنس كما ~~لا يجوز أن توجد العلة ألا وهي تقتضي الحكم فأما ما اقترن به قرينة التخصيص ~~فغير مقتضية للجنس فهي بمنزلة وجود العلة يجوز وجوده غير مقتض للحكم # واحتج من حمل اللفظ على الثلاثة ووقف فيما زاد بأن الثلاثة أقل الجمع ~~فحملنا اللفظ عليه وما زاد مشكوك فيه فلا يحمل اللفظ عليه من غير دليل # الجواب أن قولهم إن الثلاثة أقل الجمع مسلم وأن ما زاد عليه مشكوك فيه ~~دعوى تحتاج إلى دليل على أن الذي اقتضى حمل اللفظ على الثلاثة يقتضي حمله ~~على ما زاد وذلك أن اللفظ موضوع للثلاثة ولما زاد عليه لا يختص ببعض ~~الأعداد دون بعض فوجب حمله على الجميع # ولأنه لو جاز أن يقتصر على ثلاثة لأنه متيقن لوجب أن يقال في أسماء ~~الأعداد كالعشرات والمائين إنها تحمل على ثلاثة لأنها متيقنة ويتوقف في ~~الزيادة وهذا لا يقوله أحد فبطل ما قالوه PageV01P113 # قالوا ولأنه لو كان لفظ الجمع يقتضي العموم لوجب إذا قال لفلان علي دراهم ~~أن لا يقبل منه ms045 ثلاثة # الجواب أن قوله لفلان علي دراهم نكرة ومثل هذا لا يقتضي عندنا الجنس ~~وإنما الذي يقتضي الجنس إذا تعرف بالألف واللام # على أنا لم نحمل ذلك على الجنس في الإقرار بدليل دل عليه وهو أنه يعلم ~~بطريق العرف والعادة أنه لا يجوز أن يكون مراده جنس الدراهم إذ لا يجوز أن ~~يكون قد أتلف عليه كل درهم في الأرض واستقرض ذلك منه فلم يحمل على العموم ~~لدلالة العرف وليس إذا لم يحمل اللفظ على مقتضاه لدلالة اقترنت به لم يحمل ~~على مقتضاه فيما لم تقترن به دلالة وقد قيل إن الإقرار إنما لم يحمل على ~~الجنس لأنه قام عليه دليل أنه لم يرد به الجنس وهو التمييز فوزانه في ~~مسألتنا أن يرد له لفظ العموم ثم نقول الدلالة على الخصوص فيحمل عليه ~~وهاهنا تجرد اللفظ عن الدلالة فهو كما لو أقر بالدراهم ولم يحلف فيحمل ~~اللفظ على ما يدعيه المدعي من قليل وكثير PageV01P114 $ مسألة 2 # الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام فهو للجنس والطبقة # ومن أصحابنا من قال هو للعهد وهو قول أبي يحيى الحباني PageV01P115 # لنا أن الألف واللام لا يدخل على الاسم إلا للجنس ولهذا قال الله تعالى ~~@QB@ قتل الإنسان ما أكفره @QE@ وقال @QB@ وخلق الإنسان ضعيفا @QE@ @QB@ ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا @QE@ وقال تعالى @QB@ كلا إن الإنسان ~~ليطغى @QE@ وأراد في هذا كله الجنس ويقال أهلك الناس الدينار والدرهم وملك ~~الشاء والبعير ويراد به الجنس فدل على أنه موضوع له # ولأنه يحسن فيه الاستثناء بلفظ الجمع كما قال تعالى @QB@ والعصر إن ~~الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ فاقتضى الجنس كأسماء ~~الجموع # ولأنه لو دخل الألف واللام على أسماء الجموع كالمسلمين والمشركين اقتضى ~~الجنس فكذلك إذا دخل على الاسم المفرد # ولأنه لو كان يقتضي العهد لوجب أن لا يصح الابتداء به حتى يتقدم بين ~~المخاطب والمخاطب معهود يرجع اللفظ إليه ولما رأينا ذلك مستعملا في خطاب ~~الله تعالى وليس بيننا وبينه عهد متقدم يرجع اللفظ إليه دل ms046 على أنه لا ~~يقتضي المعهود PageV01P116 # ولأن الألف واللام يدخلان للتعريف وليس هاهنا معرفة يحمل اللفظ عليه غير ~~الجنس فوجب أن يحمل عليه # واحتجوا بأن الألف واللام لا يدخلان إلا للعهد ولهذا قال الله عز وجل ~~@QB@ كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول @QE@ وأراد به العهد ~~وقال عز وجل @QB@ فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا @QE@ وأراد به العهد ~~ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه ولن يغلب عسر واحد يسرين أبدا وتقول دخلت ~~السوق فرأيت رجلا ثم عدت إلى السوق فرأيت الرجل وتريد به العهد فدل على أن ~~مقتضاه العهد # قلنا إنما حملناه فيما ذكروه على العهد لأنه قد تقدمه نكرة فرجع التعريف ~~إليها وليس كذلك هاهنا فإنه لم تتقدمه نكرة فحمل على تعريف الجنس لأن الألف ~~واللام يدخلان للتعريف وليس هاهنا معرفة يحمل اللفظ عليها غير الجنس فوجب ~~أن يحمل عليه # قالوا ولأن الألف واللام لا تفيد أكثر من تعريف النكرة فإذا كانت النكرة ~~من الاسم المفرد لا تقتضي إلا واحدا من الجنس فإذا دخلت عليه الألف واللام ~~وجب أن لا تقتضي إلا واحدا من الجنس # قلنا هذا يبطل به إذا دخلت على اسم الجمع فإنها لا تفيد أكثر من تعريف ~~النكرة ثم إذا دخلت على اسم الجمع اقتضت الجنس وعلى أنه إنما يقتضي تعريف ~~النكرة إذا تقدمه نكرة فأما إذا لم يتقدمه نكرة اقتضى تعريف الجنس وهاهنا ~~لم يتقدمه نكرة فوجب أن يكون تعريفا للجنس PageV01P117 $ مسألة 3 # أسماء الجموع إذا تجردت عن الألف واللام لم تقض العموم # ومن أصحابنا من قال تقتضي العموم وهو قول الجبائي # لنا أنه نكرة في الإثبات فلم يقتض العموم كالاسم المفرد # ولأنه لو كان مقتضيا للجنس كله لما كان يسمى نكرة لأن الجنس كله معروف ~~ولهذا لا يسمى نكرة إذا دخله الألف واللام # وأيضا هو أنه يصح تأكيد ب ما فتقول أعط رجالا ما فلو كان موضوعا للجنس ~~لما صح فيه التأكيد ب ما كما لا يجوز في العرف بالألف واللام ms047 # واحتجوا بأنه يصح استثناء كل واحد من الجنسين من هذا اللفظ فدل على أنه ~~يقتضي الجنس # والجواب هو أنا لا نسلم فإن الاستثناء لا يصح من أسماء الجموع إذا تجردت ~~عن الألف واللام فإذا قال كلم رجالا إلا زيدا فهو مجاز PageV01P118 $ مسألة ~~4 # إذا ورد لفظ من ألفاظ العموم لم يجز اعتقاد عمومه حتى ينظر في الأصول فإن ~~لم يجد ما يخصه اعتقد عمومه في قول أبي العباس PageV01P119 # وقال أبو بكر الصيرفي يعتقد في الحال عمومه # لنا هو أن الذي يقتضي اعتقاد العموم تجرد هذه الصيغة عما يخصها لأنها إذا ~~وردت ولم تتجرد عن دليل التخصيص لم تقتض العموم ولا نعلم تجردها عما يخصها ~~إلا بالنظر والبحث فلم يجز اعتقاد عمومها قبل النظر والبحث يدل عليه أن ~~الشهادة لما كانت بينة عند التجرد عن الفسق لم يحكم بكونها بينة قبل البحث ~~عن حالها فكذلك هاهنا # احتجوا بأن اللفظ موضوع للجنس والطبقة فوجب اعتقاد موجبه قبل النظر ~~كأسماء الحقائق لما كانت موضوعة لما وضعت له من الأعيان وجب اعتقاد موجبها ~~في الحال كذلك هاهنا # قلنا اللفظ موضوع للجنس إذا تجرد عما يخصه وهذا غير معلوم قبل البحث فلا ~~يصح هذا الإطلاق وأما أسماء الحقائق فيحتمل أن يقال إنها لا تحمل على ~~مسمياتها قبل البحث وإن سلمنا فالفرق بينهما هو أن الحقائق إذا استعملت في ~~غيرها صارت مجازا فلم يجز ترك الحقيقة إلى المجاز من غير دليل وليس كذلك ~~لفظ العموم فإنه إذا حمل على الخصوص لم يصر مجازا فوجب التوقف فيه ~~PageV01P120 # قالوا ولأن هذا القول يؤدي إلى التوقف أبدا لأنه إذا نظر فخفى عليه دليل ~~التخصيص جوز أن يلحق في النظر الثاني ما خفى عليه في الأول ويلحق في النظر ~~الثالث ما خفى عليه في الثاني فيجب التوقف فيه أبدا وهذا لا يجوز # قلنا هذا يبطل بطلب النص في الحادثة فإنه يجب وإن جوزنا أن يلحق بالنظر ~~الثاني ما خفى عليه في الأول ويلحق بالثالث ما خفي عليه في الثاني ويبطل ms048 ~~أيضا بالسؤال عن حال الشهود فإنه يجب عليه وإن كان يجوز أن يظهر له في ~~السؤال الثاني ما خفي عليه في الأول وفي السؤال الثالث ما خفي عليه في ~~الثاني # قالوا ولأنه في حال سماع اللفظ لا يخلو من اعتقاده ولا يمكنه أن يعتقد ~~الخصوص فوجب أن يعتقد العموم # قلنا يعتقد أنه عام إذا تجرد عما يخصه ولا يقطع فيه بالعموم ولا بالخصوص # قالوا ولأن اللفظ مخصوص في الأعيان والأزمان ثم يجب حمله على العموم في ~~جميع الأزمان وإن جاز أن يكون منسوخا في بعض الأزمان فكذلك يجب حمله على ~~العموم في الأعيان وإن جاز أن يكون مخصوصا في بعض الأعيان # قلنا النسخ إنما يرد بعد اللفظ فلا يجب التوقف لأجله كما إذا عرف عدالة ~~الشهود لم يجب التوقف لما يرد عليهم من الفسق وليس كذلك في التخصيص فإنه قد ~~يكون مقارنا للعموم وقد يكون متقدما عليه فوجب التوقف لأجله كما يجب في حال ~~الشهود قبل الكشف عن حالهم # قالوا ولأن هذا يؤدي إلى الوقف في العموم وقد أنكرتم ذلك على أهل التوقف # قلنا هذا مخالف لوقف أهل الوقف وذلك أنا إذا لم نجد في الأصول ما يوجب ~~التخصيص حملناه على العموم وأهل الوقف إذا لم يجدوا ما يوجب التخصيص وقفوا ~~أبدا حتى يجدوا دليلا على المراد فبان الفرق بين القولين PageV01P121 $ ~~مسألة 5 # العموم إذا خص لم يصر مجازا فيما بقي # وقالت المعتزلة يصير مجازا سواء خص بلفظ متصل أو بلفظ منفصل وهو قول عيسى ~~بن أبان # وقال أبو الحسن الكرخي إن خص بلفظ متصل لم يصر مجازا PageV01P122 وإن خص ~~بلفظ منفصل صار مجازا # لنا هو أن الأصل في الاستعمال الحقيقة وقد وجد الاستثناء والشرط والغاية ~~في الاستعمال أكثر من أن يعد ويحصى فدل على أن ذلك حقيقة # ولأن فوائد اللفظ تختلف بما يدخل عليها من الزيادة والنقصان ألا ترى أنك ~~تقول زيد في الدار فيكون خبرا ثم تزيد فيه ألف الاستفهام فتقول أزيد في ~~الدار فيصير استخبارا فلو قلنا ms049 إن ما اتصل باللفظ من الشروط والاستثناء ~~يجعل الكلام مجازا فيما بقي لوجب أن يكون قوله أزيد في الدار حجازا في ~~الاستفهام لأنه لو سقط منه ألف الاستفهام لكان حقيقة في الخبر وفي ركوب هذا ~~إبطال لفوائد الألفاظ # ولأن الكلام إنما يكون مجازا إذا عرف أنه حقيقة في شيء ثم استعمل في غيره ~~كالحمار حقيقة في البهيمة المعروفة ثم يستعمل في الرجل البليد فيكون مجازا ~~والعموم مع الاستثناء ما استعمل في غير هذا الوضع على سبيل الحقيقة فلا ~~يجوز أن يجعل مجازا في هذا الوضع PageV01P123 # والدليل على من فرق بين اللفظ المتصل والمنفصل هو أن للمتصل لفظا يقتضي ~~تخصيص العموم فلم يصيره مجازا في الباقي دليله الشرط والاستثناء # ويدل عليه هو أن اللفظ اقتضى استغراق الجنس أجمع فإذا دل الدليل على أن ~~بعض الجنس غير مراد بقي الباقي على مقتضى اللفظ فوجب أن يكون حقيقة فيه # واحتجوا بأن اللفظ موضوع لاستغراق الجنس فإذا خص صار مستعملا في غير ما ~~وضع له فصار مجازا كاستعمال الأسد في الرجل الشجاع والحمار في الرجل البليد # قلنا هذا يبطل به إذا قيده بالشرط والغاية أو خصه بالاستثناء على قول من ~~سلم ذلك فإنه موضوع للجنس وقد استعمل الاستثناء في غير ما وضع له ثم لم يصر ~~مجازا # فإن قيل هو مع الاستثناء موضوع للخصوص لا للعموم فما استعمل إلا فيما وضع ~~له # قيل وكذلك عندنا لفظ العموم مع دلالة التخصيص موضوع للخصوص فما استعمل ~~إلا فيما وضع له # ويخالف هذا ما ذكروه من استعمال الأسد في الرجل الشجاع والحمار في الرجل ~~البليد فإن الأسد لم يوضع للرجل الشجاع ولا الحمار للرجل البليد في اللغة ~~فإذا استعمل في ذلك علمنا أنه مجاز وليس كذلك لفظ العموم فإنه متناول لكل ~~واحد من الجنس فإذا استعمل في الخصوص فقد استعمل فيما يقتضيه اللفظ يدل ~~عليه أن القرينة فيما ذكروه تبين ما أريد باللفظ والقرينة فيما اختلفنا فيه ~~تبين ما لا يراد باللفظ فبقي الباقي على مقتضى اللفظ ms050 PageV01P124 $ مسألة 6 # يجوز تخصيص أسماء الجموع إلى أن يبقى واحد من قول أكثر أصحابنا # وقال أبو بكر القفال يجوز تخصيصها إلى أن يبقى ثلاثة ولا يجوز أكثر من ~~ذلك PageV01P125 # لنا أنه لفظ من ألفاظ العموم فجاز تخصيصه إلى أن يبقى أقل من ثلاثة # دليله من وما ولأن ما جاز تخصيص العموم به إلى الثلاثة جاز التخصيص به ~~إلى الواحد دليله الاستثناء # واحتجوا بأن اسم الجمع لا يستعمل فيما دون الثلاثة فالحمل عليه إسقاط له ~~فلم يصح إلا بما يصح به الشرط # قلنا لا نسلم فإنه يجوز أن يستعمل لفظ الجمع فيما دون الثلاثة ولهذا قال ~~الله تعالى @QB@ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم @QE@ وأراد به ~~نعيما وقال تعالى @QB@ أولئك مبرؤون مما يقولون @QE@ وأراد به عائشة رضي ~~الله عنها وحدها # وعلى أن هذا يفسد به إذا خصه بالاستثناء فإنه يجوز وإن كان اللفظ لا ~~يستعمل إلا فيما دونه PageV01P126 $ مسألة 7 # أقل الجمع ثلاثة # ومن أصحابنا من قال اثنان وهو مذهب ابن داود PageV01P127 ونفطويه والقاضي ~~أبي بكر الأشعري # لنا ما روى أن ابن عباس احتج على عثمان رضي الله عنهما في أن الأخوين لا ~~يحجبان الأم من الثلث إلى السدس بقوله تعالى @QB@ فإن كان له إخوة فلأمه ~~السدس @QE@ قال وليس الأخوان إخوة في لسان قومك فقال له عثمان رضي الله عنه ~~لا أستطيع أن أنقض أمرا كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأمصار # فلو لم يكن ذلك مقتضى اللفظ لما صح احتجاجه ولما أقره عليه عثمان وهما من ~~فصحاء العرب وأرباب اللسان # فإن قيل فقد روي عن زيد بن ثابت أنه قال الأخوان أخوة فصار مخالفا له ~~PageV01P128 # قلنا المراد بتلك أنهما كالأخوة في الحجب والذي يدل عليه أن أحدا لا يقول ~~إن لفظ التثنية يتناول الجمع حقيقة وإنما اختلفوا في لفظ الجمع هل يتناول ~~الاثنين حقيقة # وأيضا هو أن أهل اللغة فرقوا بين الواحد والاثنين والجمع فقالوا رجل ~~ورجلان ورجال ولو كان الاثنان جمعا لكان لفظ التثنية مساويا لما ms051 زاد عليه ~~كما كان لفظ الثلاثة مساويا لما زاد عليه # فإن قيل لا يمتنع أن يكون للتثنية أسماء تخصها ويكون اسم الجمع أيضا ~~متناولا لها كالأسد له اسم يخصه ومع ذلك اسم السبع حقيقة فيه # قيل السبع والأسد لم يوضع للتمييز بين شيئين وإنما جعل أحدهما اسما للجنس ~~والآخر اسما للنوع وليس كذلك لفظ التثنية والجمع فإنهما وضعا لنوعين ~~مختلفين من العدد على وجه التمييز بينهما فدل على أن كل واحد منهما يختص ~~بما يميز به كالأسد والحمار لما وضع لجنسين من الحيوان كان كل واحد منهما ~~اسما لما وضع له خاصة # ولأنه لو كان اسم الجمع حقيقة في الاثنين لكان لا يصح نفيه لأن الحقائق ~~لا يصح نفيها عن مسمياتها ولما جاز أن يقول ما رأيت رجالا وإنما رأيت رجلين ~~دل على أن حقيقته ما ذكرناه # ولأنه لا خلاف بين أصحابنا أنه إذا قال لفلان علي دراهم لزمه ثلاثة ولو ~~كان أقل الجمع اثنين لما لزمه أكثر من اثنين # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه ~~غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين @QE@ فرد الكناية إلى الاثنين بلفظ الجمع ~~وبقوله تعالى @QB@ إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا ~~تخف خصمان بغى بعضنا على بعض @QE@ فاستعمل في الاثنين لفظ الجمع ~~PageV01P129 # قلنا أما الآية الأولى فقد قيل إن المراد بها حكم الأنبياء عليهم السلام ~~وهو جماعة كثيرة وقيل المراد بها داود وسليمان والمحكوم له لأن ذكر الحاكم ~~يقتضي ذكر المحكوم له فلهذا رد الكناية إليهم بلفظ الجمع # وأما الآية الثانية فلا حجة فيها لأن الخصم يقع على الواحد والجماعة ~~ولهذا قال الله تعالى @QB@ هذان خصمان اختصموا في ربهم @QE@ فجعل أحدهم ~~المؤمنين والآخر الكفار # ولأنه يجوز أن يكون مع جبريل عليه السلام وميكال عليه السلام جماعة من ~~الملائكة عليهم السلام # واحتجوا بقول النبي عليه السلام الاثنان فما فوقهم جماعة # والجواب أن هذا دليل لنا فإنه لو كان الاثنان جمعا حقيقة لما احتاج إلى ~~البيان لأنهم ms052 يعرفون من اللغة ما يعرفه وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أفصح العرب ولما بين دل على أن الاثنين ليس بجمع في اللغة فيجب أن يحمل ~~الخبر على أنه قصد بيان حكم شرعي وأن الاثنين في حكم الجماعة في الصلاة # قالوا ولأن الجمع إنما سمي جمعا لما فيه من جمع الآحاد وذلك يوجد في ~~الاثنين فوجب أن يكون جمعا # قلنا ويجوز أن يكون اشتقاقه من ذلك ثم لا يسمى به كل ما وجد فيه هذا ~~المعنى بل يختص بشيء مخصوص كالقارورة سميت بذلك لأنها يستقر فيها الشيء ثم ~~يختص ذلك بظرف مخصوص وإن كان هذا المعنى يوجد في غيره وكذلك سميت الدابة ~~لأنها تدب على وجه الأرض ثم يختص ذلك ببهيمة مخصوصة وإن كان المعنى يوجد في ~~غيرها فكذلك هاهنا PageV01P130 # قالوا ولأن الاثنين يخبران عن أنفسهما فيقولان فعلنا كما يخبر الثلاثة ~~فيقولون فعلنا فدل على أن الجمع فيهما واحد # قلنا هذا يعارضه أنهم فرقوا بينهما في فعل الغائب والمواجهة فقالوا في ~~الغائب ضربا في الاثنين وضربوا في الثلاثة وفي المواجهة ضربتما في الاثنين ~~وضربتم للجماعة وليس لهم أن يتعلقوا بما ذكروه إلا ولنا أن نتعلق بما ~~ذكرناه # ولأنه لا يمتنع أن يكون لفظهما في الإخبار عن أنفسهما واحدا يكون لفظهما ~~في الجمع يختلف ألا ترى أن المذكر والمؤنث في الإخبار عن أنفسهما سواء ثم ~~لفظهما في الجمع يختلف فكذلك ههنا PageV01P131 $ مسألة 8 # يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد # وقال بعض المتكلمين لا يجوز # وقال عيسى ابن أبان ما خص بدليل جاز تخصيصه بأخبار PageV01P132 الآحاد ~~وإن لم يخص لم يجز تخصيصه بأخبار الآحاد # لنا هو أن المسلمين أجمعوا على تخصيص آية المواريث بقوله عليه السلام لا ~~يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم وعلى تخصيص قوله @QB@ فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء @QE@ بقوله صلى الله عليه وسلم لا تنكح المرأة على عمتها ولا ~~على خالتها # واحتج أبو بكر الصديق رضي الله عنه على فاطمة رضي الله عنها بقوله صلى ~~الله عليه ms053 وسلم إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة وهذا تخصيص لعموم ~~من القرآن بجبر الواحد فدل على جواز ذلك # فإن قيل فقد رد عمر رضي الله عنه حديث فاطمة بنت قيس أن PageV01P133 ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها نفقة ولا سكنى لما خالف قوله الله ~~تعالى @QB@ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم @QE@ وقال لا ندع قول كتاب الله ~~بقول امرأة # قيل إنما رد خبرها لأنها اتهمها ولهذا قال امرأة لا ندري صدقت أم كذبت ~~وكلامنا فيما صح من الأخبار وسكنت نفس المجتهد إليه # ولأنهما دليلان أحدهما أخص من الآخر فقدم الخاص منهما على العام كما لو ~~كانا من الكتاب والسنة # ولأن في هذا جمعا بين دليلين فكان أولى من إسقاط أحدهما كما لو كانا من ~~الكتاب أو السنة # ولأن خصوص القرآن أو السنة إنما قدم على عمومهما لأنه يتناول الحكم ~~بخصوصه على وجه لا يحتمل غير ما تناوله وعمومهما يتناول الحكم بعمومه على ~~وجه يحتمل أن يكون المراد به غير ما تناوله الخصوص وهذا المعنى موجود في ~~خصوص السنة وعموم القرآن فوجب أن يقدم عليه # واحتجوا بأن الكتاب مقطوع به وخبر الواحد غير مقطوع به فلا يجوز ترك ~~المقطوع به بغيره كالإجماع لا يترك بخبر الواحد PageV01P134 # قلنا خبر الواحد وإن كان من طريق الظن إلا أن وجوب العمل به معلوم بدليل ~~مقطوع به فكان حكمه وحكم ما قطع بصحته واحد # ولأن الكتاب إنما يقطع بورود لفظه عاما فأما مقتضاه من العموم فغير مقطوع ~~به لأنه يحتمل أن يراد به غير ما تناوله خصوص السنة والخاص لا يحتمل غير ما ~~تناوله فوجب أن يقدم عليه يبين صحة هذا هو أنه لو قطع بعمومه لقطع على كذب ~~الخبر وهذا لا يقوله أحد ويخالف ما ذكروه من الإجماع إذا عارضه خبر الواحد ~~فإن الإجماع لا إجمال فيما تناوله وخبر الواحد يحتمل أن يكون منسوخا فقدمنا ~~الإجماع عليه وهاهنا عموم القرآن محتمل لما يقتضيه وخصوص السنة غير محتمل ~~فقدم خصوص السنة ms054 # قالوا ولأنه إسقاط بعض ما يقتضيه عموم القرآن بالسنة فلم يجز كالنسخ # قلنا النسخ إسقاط لموجب اللفظ فلم يجز إلا بمثله أو بما هو أقوى منه ~~والتخصيص بيان ما أريد باللفظ فجاز بما دونه # واحتج عيسى بن أبان بأنه إذا دخله التخصيص صار مجازا فقيل خبر الواحد في ~~تخصيصه كما قبل في بيان المجمل وإذا لم يدخله التخصيص بقي على حقيقته فلم ~~يخص خبر الواحد # والجواب هو أن المجمل مالا يعقل المراد منه بنفسه والعموم وإن خص فمعناه ~~معقول وامتثاله ممكن واللفظ متناول لما يبقى بعد التخصيص فكان حكمه وحكم ~~مالم يخص واحد PageV01P135 $ مسألة 9 # يجوز تخصيص عموم السنة بالكتاب # ومن الناس من قال لا يجوز # لنا قوله تعالى @QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ ولم يفصل # ولأنه لفظ خاص عارض لفظا عاما فخصه دليله إذا كانا من الكتاب أو كانا من ~~السنة # ولأن الكتاب مقطوع بطريقه والسنة غير مقطوع بها فإذا جاز تخصيص الكتاب ~~بالسنة فتخصيص السنة بالكتاب أولى # واحتجوا بقوله @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ فجعل السنة بيانا ~~للقرآن # قلنا هذا محمول على ما يفتقر إلى البيان أو نحمله على أن المراد به ~~الإظهار يدلك عليه أنه علقه على جميع القرآن فالذي يفتقر إليه جميع القرآن ~~هو الإظهار فأما التخصيص فلا يحتاج إليه جميعه PageV01P136 $ مسألة 10 # يجوز تخصيص العموم بالقياس الخفي PageV01P137 # ومن أصحابنا من قال لا يجوز ذلك وهو قول أبي علي الجبائي # وقال أصحاب أبي حنيفة إن خص بغيره جاز التخصيص به PageV01P138 وإن لم يخص ~~بغيره لم يجز # لنا هو أنه دليل ينافي بعض ما شمله العموم بصريحه فوجب أن يخص به كاللفظ ~~الخاص ويدل عليه هو أن العلة معنى النطق فإذا كان النطق الخاص يخص به ~~العموم فكذلك معناه # ولأن ما ذكرناه جمعا بين دليلين فكان أولى من إسقاط أحدهما كاللفظ الخاص ~~مع النطق العام # ولأن القياس الخفي دليل فكان حكمه حكم الجلي من جنسه في تخصيص العموم ~~كخبر الواحد لما كان دليلا كان حكمه حكم ms055 الجلي من جنسه وهو المتواتر # والدليل على أصحاب أبي حنيفة هو أن ما جاز أن يراد به في التخصيص جاز أن ~~يبتدأ به التخصيص كالنطق # ولأن التخصيص إنما جاز بالقياس لأنه يتناول الحكم بخصوصه فقدم على العام ~~وهذا موجود في الابتداء فوجب أن يقدم عليه # واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ رضي الله عنه ~~فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أجتهد رأيي ولو آلو ~~فدل على أن القياس لا يعمل به مع السنة # قلنا القدر الذي يخرجه القياس من العموم ليس من السنة عندنا ولأنه ~~PageV01P139 كما رتب القياس على السنة فقد رتب السنة على الكتاب ثم لا خلاف ~~أن تخصيص الكتاب بالسنة جائز فكذلك تخصيص السنة بالقياس # قالوا ولأنه إسقاط لما تناوله العموم فلا يجوز بالقياس كالنسخ وربما ~~قالوا تخصيص الأعيان أحد نوعي تخصيص العموم فلا يجوز بالقياس كتخصيص الزمان # قلنا لا يمتنع أن لا يجوز به النسخ ويجوز به التخصيص ألا ترى أن نسخ ~~القرآن لا يجوز بخبر الواحد وتخصيصه جائز ولأن النسخ إسقاط موجب اللفظ ~~والتخصيص جمع بينه وبين غيره فافترقا # قالوا ولأنه تخصيص عموم بالقياس فلم يجز كما لو كان القياس بعلة مستنبطة ~~من العموم # قلنا هذا يبطل بالتخصيص بالقياس الجلي ثم لا يمتنع أن لا يجوز بما انتزع ~~منه ويجوز بما انتزع من غيره كما لا يجوز التخصيص بنفسه ويجوز التخصيص ~~بغيره من الألفاظ # ولأنه المطلوب هناك علة الحكم الذي اقتضاه العموم فإن اقتضت العلة ~~التخصيص لم يكن ذلك علة الحكم لأنه مسقط له وليس كذلك هاهنا لأن المطلوب ~~علة حكم مخالف له فجاز أن يخص به # قالوا ولأن القياس فرع النطق فلا يجوز أن يسقط الفرع أصله # قلنا نحن إنما نخص به عموما ليس بأصله فلا يكون ذلك إسقاط أصل بفرع # قالوا ولأن ما قدم عليه القياس الجلي في الحكم لا يخص به العموم كاستصحاب ~~الحال PageV01P140 # قلنا استصحاب الحال ليس بدليل وإنما هو ms056 بقاء على حكم الأصل إلى أن يرد ~~الدليل عليه فلا يترك له ما هو دليل وليس كذلك القياس فإنه دليل من جهة ~~الشرع يستدعي الحكم بصريحه فقدم على ما يقتضي الحكم بعمومه كخبر الواحد # قالوا ولأن قياس الشبه مختلف فيه بين القائلين بالقياس فلا يخص به العموم ~~كالخبر المرسل لما كان مختلفا فيه بين القائلين بخبر الواحد لم يخص به ~~العموم # قلنا نحن إنما نتكلم مع من قال بقياس الشبه ومن قال به وجعله دليلا لزمه ~~التخصيص به وإن كان في الناس من لا يقول به ألا ترى أن القياس الجلي لما ~~كان حجة عند القائلين بالقياس وجب تخصيص العموم به وإن كان مختلفا فيه ~~ويخالف الخبر المرسل فإن ذلك ليس بحجة عندنا فلا يجوز تخصيص العموم به ~~وقياس الشبه حجة على المذهبين فجاز تخصيص العموم به كالقياس الجلي # قالوا ولأن القياس يقتضي الظن وعموم الكتاب يوجب العلم فلا يجوز أن يعترض ~~به عليه # قلنا يبطل بالقياس إذا ورد على براءة الذمة بالعقل فإنه يوجب الظن ثم ~~يعترض به عليه وإن كان ما يوجبه العقل من براءة الذمة مقطوع به # فإن قيل العقل يقتضي براءة الذمة بشرط وهو أن لا يرد سمع والعموم يقتضي ~~الحكم على إطلاقه # قيل وكذا اللفظ العام يقتضي العموم ما لم يرد ما هو أقوى منه والقياس ~~الخاص أقوى منه في تناول الحكم فقضى به عليه # ولأن القياس وإن كان طريقه الظن والاجتهاد إلا أن الدليل على وجوب العمل ~~PageV01P141 به مقطوع بصحته فقد صار كالعموم في هذا الباب وزاد عليه بأنه ~~يكشف عن المراد بالعموم ويتناول الحكم بخصوصه فكان أولى منه # واحتج أصحاب أبي حنيفة بأنه إسقاط دلالة اللفظ فلم يجز بالقياس كالنسخ ~~ولا تلزم الزيادة بالتخصيص لأنها ليست بإسقاط لدلالة اللفظ لأن الدلالة قد ~~سقطت بغيره # قلنا لا يمتنع أن لا يجوز النسخ ويجوز التخصيص ألا ترى أن نسخ الكتاب لا ~~يجوز بخبر الواحد ويجوز التخصيص به ولأن النسخ إسقاط اللفظ وهذا جمع بينه ~~وبين ms057 غيره فافترقا PageV01P142 $ مسألة 11 # يجوز تخصيص الخبر كما يجوز تخصيص الأمر والنهي # ومن أصحابنا من قال تخصيص الخبر لا يجوز # لنا هو أنه يجوز أن يكون المراد بعض ما تناوله العموم كما يجوز ذلك في ~~الأمر والنهي فإذا جاز التخصيص هناك جاز ههنا # واحتجوا بأنه أحد نوعي التخصيص فلم يجز في الخبر كالنسخ # قلنا النسخ يسقط جميع مقتضى اللفظ فلو دخل في الخبر صار كذبا والتخصيص لا ~~يسقط جميع ما اقتضاه وإنما يبين ما يراد به فافترقا PageV01P143 $ مسألة 12 # إذا ورد العام على سبب خاص واللفظ مستقل بنفسه حمل PageV01P144 على عمومه ~~ولم يقتصر على سببه # وقال مالك يقتصر على السبب وهو قول المزني وأبي ثور وأبي بكر القفال ~~والدقاق # لنا هو أن الدليل قول صاحب الشريعة فاعتبر عمومه كما لو تجرد عن السبب ~~PageV01P145 # ولأن كل لفظ لو تجرد عن سؤال خاص حمل على عمومه فكذلك إذا تقدمه سؤال خاص # الدليل عليه إذا قالت المرأة لزوجها طلقني فقال كل امرأة لي طالق ويدل ~~عليه هو أن الحكم يتعلق بجواب النبي عليه السلام كما أن الطلاق يتعلق بقول ~~الزوج ثم الاعتبار بعموم كلام الزوج دون خصوص السؤال فكذلك يجب أن يكون ~~الاعتبار بعموم كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا بخصوص السؤال # ولأنه لو كان السؤال عاما والجواب خاصا اعتبر خصوص الجواب دون عموم ~~السؤال فكذلك إذا كان السؤال خاصا والجواب عاما وجب أن يعتبر عموم الجواب # ولأنه لو وقع السؤال عن جواز شيء فخرج الجواب بإيجابه اعتبر الجواب فكذلك ~~إذا كان السؤال خاصا والجواب عاما وجب أن يعتبر عموم الجواب # ولأن قول السائل ليس بحجة فلا يجوز أن يخص به عموم السنة كقول غيره # ولأنه لو كان الاعتبار بخصوص السؤال لوجب أن يختص السائل بالجواب حتى لا ~~يدخل غيره فيه وقد أجمع المسلمون على عموم آية القذف وإن كانت نزلت في شأن ~~عائشة رضي الله عنها خاصة وعموم آية اللعان وإن كانت نزلت في شان هلال بن ~~أمية وامرأته وعموم آية ms058 الظهار وإن كانت نزلت في شأن رجل بعينه فدل على أنه ~~لا اعتبار بالسبب # واحتجوا بأن السؤال مع الجواب كالجملة الواحدة بدليل أن السؤال هو ~~المقتضي للجواب وبدليل أن الجواب إذا كان مبهما أحيل في بيانه على السؤال ~~فإذا ثبت أنهما كالجملة الواحدة وجب أن يصير السؤال مقدرا في الجواب فيخص ~~الحكم PageV01P146 # قلنا لا نسلم أنهما كالجملة الواحدة بل هما جملتان متفرقتان واستدلالهم ~~عليه بأن الجواب مقتضى السؤال لا يسلم فكيف يكون الجواب مقتضى السؤال وهو ~~أعم منه # وإن سلمنا لهم فالجواب عنه وإن كان مقتضاه فإنه يجوز أن يكون زائدا عليه ~~فيجيب بما هو أعم منه وربما اشتمل الجواب عما لم يقع السؤال عنه كما قال ~~الله تعالى @QB@ وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها ~~على غنمي ولي فيها مآرب أخرى @QE@ فأجاب عما سئل وزاد كما قال عليه السلام ~~وقد سئل عن ماء فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته # وقولهم إنه يجوز أن يكون الجواب محالا على السبب في البيان يبطل بالكتاب ~~مع السنة فإنه يجوز أن يحال بأحدهما على الآخر في البيان ثم هما جملتان ~~مختلفتان وعلى أن خلافنا في جواب مستقل بنفسه غير مفتقر إلى السؤال في ~~البيان فلا يجوز أن يجعل ذلك مع السؤال جملة واحدة ثم هذا يبطل بما ذكرناه ~~من مسألة الطلاق فإن السؤال هو المقتضي للطلاق ويجوز أن يكون الجواب محالا ~~على السؤال في البيان ثم لا يجعل السؤال مع الجواب كالجملة الواحدة # قالوا ولأنه جواب خرج على سؤال خاص فكان مقصورا عليه كما لو لم يستقل إلا ~~بالسبب # قلنا المعنى هناك أن اللفظ لم يتناول غير ما وقع عنه السؤال وليس كذلك ~~هاهنا فإن اللفظ عام مما وقع عنه السؤال وغيره فحمل على عمومه # قالوا ولما ورد الخطاب فيه على السبب دل على انه بيان لحكمه خاصا إذ لو ~~كان بيانا لغيره لبينه قبل السؤال PageV01P147 # قلنا يجوز أن يرد السؤال عليه ويبين حكمه وحكم غيره كما سئل ms059 عن ماء البحر ~~خاصة فبين حكمه وحكم ميتته ثم هذا يعارضه أنه لو كان بيانا لحكم السبب خاصة ~~لخصه بالجواب ولما أطلق وعم دل على أنه قصد بيانه وبيان غيره # قالوا السبب هو الذي أثار الحكم فيعلق به كالعلة # قلنا العلة مقتضية للحكم فوزانها من السبب أن يكون مقتضيا للحكم فيتعلق ~~به الحكم وليس كذلك هاهنا لأن السبب غير مقتض له لأنه لا يجوز أن يكون ~~مقتضيا له وهو أعم منه فلم يجز تعليقه عليه PageV01P148 $ مسألة 13 # تخصيص العموم بقول الراوي ومذهبه لا يجوز ولا يجوز أيضا ترك شيء من ~~الظواهر بقوله # وقال بعض أصحاب أبي حنيفة يجوز # لنا هو أن الراوي محجوج بالخبر فلا يجوز التخصيص بقوله كغيره # ولأن تخصيصه الخبر يجوز أن يكون بخبر آخر ويحتمل أن يكون بضرب من الرأي ~~اعتقد صحته وهو فاسد فلا يجوز ترك الظاهر بالشك # ولأن هذا يؤدي إلى أن يصير قول الراوي حجة ويخرج قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يكون حجة وذلك محال # واحتجوا بأن الظاهر أن الراوي لا يترك ما رواه إلا وقد عرف من جهة الرسول ~~عليه السلام ما يوجب التخصيص # قلنا الظاهر أنه لم يخصصه من جهة النقل والرواية لأنه لو كان معه نقل ~~PageV01P149 لذكره في وقت من الأوقات وعلى أنه يحتمل ما ذكروه ويحتمل أن ~~يكون قد ذهب إلى رأي باطل واستدلال فاسد فلا يجوز ترك الظاهر # قالوا ولأنه لا يخلو إما أن يكون خصه بخبر أو قياس وبأيهما كان وجب ~~المصير إليه # قلنا إنما يجب ذلك إذا عرفنا المخصص فأما إذا لم نعلمه لم يجز لأنه يجوز ~~أن يكون قد خصه بقياس فاسد وطريق باطل فلا يجوز ترك الخبر # قالوا إذا قبلتم قوله أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نهانا وغير ~~ذلك من الألفاظ وجب أن تقبلوا قوله فيما يوجب التخصيص # قلنا هذه الألفاظ رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ونقل عنه فوزانه من ~~مسألتنا أن ينقل إلينا عن النبي صلى الله ms060 عليه وسلم ما يوجب تخصيصه ~~فافترقنا PageV01P150 $ مسألة 14 # إذا تعارض لفظان خاص وعام بنى العام على الخاص # وقال بعض المتكلمين لا يقضى على العام بالخاص بل يتعارض الخاص وما قابله ~~من العام وهو اختيار أبي بكر الأشعري وأبي بكر الدقاق # لنا هو أنه دليل عام قابله دليل خاص وليس في تخصيصه إبطال له فوجب تخصيصه ~~به كخبر الواحد إذا ورد مخالفا لدليل العقل فإنه يخص بدليل العقل # ولأن الخاص أقوى من العام لأن الخاص يتناول الحكم بخصوصه على وجه لا ~~احتمال فيه والعام يتناول الحكم على وجه محتمل لأنه يجوز أن يكون المراد به ~~غير ما تناوله الخاص بخصوصه فوجب أن يقدم الخاص عليه # ولأن الأدلة إنما وردت للاستعمال فكان الجمع بينهما أولى من إسقاط بعضها ~~والتوقف فيها PageV01P151 # ولأن ما تفرق من ألفاظ صاحب الشرع بمنزلة المجموع موضعا واحدا ولو جمع ~~النبي عليه السلام بين اللفظين لجمع بينهما ورتب أحدهما على الآخر فكذلك ~~إذا تفرق # واحتجوا بأنه ليس الخاص فيما تناوله بأولى مما عارضه من العام فوجب ~~التوقف فيه # قلنا قد بينا بأن الخاص فيما تناوله أولى من العام لأن الخاص يقتضي الحكم ~~بصريحه على وجه لا احتمال فيه والعام يتناوله بظاهره وعمومه على وجه يحتمل ~~أن يكون المراد به غير ظاهره فوجب تقديم الأقوى منهما كما قدمنا دليل العقل ~~على عموم خبر الواحد # ولأن فيما قلناه استعمال دليلين وفيما قلتم إسقاط أحدهما فكان ما قلناه ~~أولى PageV01P152 $ مسألة 15 # إذا تعارض عام وخاص بني العام على الخاص وإن كان الخاص متقدما على العام # وقال بعض المعتزلة وبعض أصحاب أبي حنيفة متى تقدم الخاص نسخه العام ولم ~~يبن أحدهما على الآخر وإن تقدم تاريخهما بني العام على الخاص في قول بعضهم # وقال عيسى بن أبان والكرخي والبصري إذا عدم تاريخهما رجع بالأخذ بأحدهما ~~إلى دليل كالعمومين إذا تعارضا بأحدهما # لنا بأنه تعارض دليلان عام وخاص فبني العام على الخاص كما لو لم يتقدم ~~الخاص ولأنه يمكن الجمع بين الدليلين فلم يجز ms061 إسقاط أحدهما بالآخر كما لو ~~لم يتقدم الخاص # ولأنه إذا لم يتقدم الخاص قضي به على العام لأنه يتناول الحكم بصريحه من ~~غير احتمال والعموم يتناوله مع الاحتمال وهذا المعنى موجود فيه وإن تقدم ~~الخاص فوجب أن يقضي به PageV01P153 # ولأن ما أوجب تخصيص العموم لا فرق بين أن يتأخر أو يتقدم كالقياس لا فرق ~~بين أن يكون مستنبطا من أصل متقدم أو أصل متأخر فكذلك هاهنا # ولأن الخبر الخاص أقوى من القياس فإذا جاز تخصيص العموم بقياس مستنبط من ~~أصل متقدم وروده على العموم فلأن يجوز بالخبر الخاص أولى # ولأنه لا خلاف أن تخصيص العموم بأدلة العقل جائز وإن كانت متقدمة عليه ~~فكذلك هاهنا # فإن قيل أدلة العقل لا يمكن نسخها فقضي بها على العموم والخاص يصح نسخه ~~فنسخ به # والجواب أنه إن كان لا ينسخ دليل العقل فلا ينسخ الخاص أيضا إلا بمثله ~~والعام ليس مثل الخاص في القوة فلا يجب أن ينسخ به # ولأن الخاص المتقدم متيقن ونسخه بما ورد من اللفظ العام غير متيقن فلا ~~يجوز نسخ المتيقن بغير متيقن # ولأنه لا فرق في اللغة بين قوله لا تعط فلانا حقه وأعط الناس حقوقهم وبين ~~قوله أعط الناس حقوقهم ولا تعط فلانا حقه # فإنه يعقل من الكلامين تخصيص العام منهما وبنى أحد اللفظين على الآخر ~~فوجب أن يكونا فيما اختلفا فيه مثله # واحتجوا فيما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال كنا نأخذ من أوامر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأحدث فالأحدث # والجواب هو أنا نأخذ بالأحدث فالأحدث على حسب ما يقتضيه والذي يقتضيه هو ~~القدر الذي يبقى معه التخصيص على أنه يعارضه قوله عز وجل @QB@ ويقولون نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض @QE@ فذم من عمل بالبعض دون البعض وهم PageV01P154 يأخذون ~~بالمتأخير ويتركون المتقدم ثم يحمل ما رواه على لفظين لا يمكن استعمالهما ~~فيؤخذ بالأحدث منهما # قالوا ولأنهما لفظان متعارضان فنسخ الأول منهما بالثاني كالنصين # قلنا المعنى في النصين أنه لا يمكن الجمع بينهما فنسخ الأول ms062 منهما ~~بالثاني وفي مسألتنا يمكن الجمع بينهما فلا يجوز إسقاط أحدهما بالآخر # قالوا ولأن العام إذا تناول الجنس لعمومه كان كعدة ألفاظ يتناول كل واحد ~~منهما واحدا من الجنس ثم ثبت أن ما ورد اللفظ به خاصا في كل واحد منهما إذا ~~تقدم ثم ورد ما يخالفه بألفاظ خاصة نسخه كذلك إذا ورد اللفظ الخاص ثم ورد ~~عام يخالفه وجب أن ينسخه # قلنا لو كان جمع الجنس بلفظ واحد كإفراد كل واحد منه بلفظ يخصه كان جمعه ~~بلفظ كإفراد كل واحد منهما بلفظ في المنع من التخصيص بالقياس ولما بطل هذا ~~بإجماع بطل ما قالوه # ولأنه لو كان جمع الجنس بلفظ عام كإفراد كل واحد منه بلفظ خاص لكان لا ~~يجوز ورود لفظ عام مخالفا لدليل العقل كما لا يجوز أن يرد لفظ خاص يخالف ~~دليل العقل # ولأنه إذا وردت به ألفاظ مفردة لم يكن الجمع بينها وبين ما يعارضها فوجب ~~نسخ المتقدم بالمتأخر وليس كذلك هاهنا فإنه إذا ورد اللفظ عاما أمكن الجمع ~~بينه وبين ما يعارضه فبني أحدهما على الآخر # قالوا ولأنه الخاص إذا تقدم على العام كان ذلك بيانا للعام بعده على ~~قولكم والبيان لا يجوز أن يتقدم على المبين كما لا يجوز أن يتقدم التفسير ~~على المفسر والاستثناء على الجملة # قلنا لا يمتنع أن يكون بيانا ويتقدم على المبين كما نقول في أدلة العقل ~~يخص بها العموم ويبين بها وإن كانت متقدمة عليه # على أنه يجوز أن يجعل الشيء بيانا لما يرد بعده من الألفاظ ألا ترى أنه ~~PageV01P155 يجوز أن يقول الرجل لغيره إذا قلت لك أعط فلانا عشرة دنانير ~~فأعطه عشرة دراهم فيجعل هذا دلالة وبيانا لما يرد بعده من الكلام # قالوا ولأن الخاص والعام متضادان كتضاد الحركة والسكون والعلم والجهل ~~وسائر المعاني ثم كل واحد من هذه المعاني يبطل ما ورد بعده من أضداده فكذلك ~~الخصوص يبطل بما يوجد بعده من العموم # قلنا لو كان هذا صحيحا لوجب أن يكون ما يرد من العموم ms063 يوجب إبطال ما ~~يقتضيه التخصيص من أدلة العقل اعتبارا بما ذكرتم على أن الحركة والسكون ~~والعلم والجهل معان متضادة فنافى كل واحد منها ضده فأبطله وليس كذلك هاهنا ~~فإنها ألفاظ عامة وأدلة خاصة وليس من الألفاظ العامة والأدلة الخاصة تناف ~~ولهذا يصح وجودهما في النقل والرواية فلم يجز إبطال الأول منهما بالثاني ~~كالعموم مع أدلة العقل PageV01P156 $ مسألة 16 # يجب بناء العام على الخاص وإن كان العام متفقا على استعماله والخاص ~~مختلفا فيه # وقال أصحاب أبي حنيفة العام المتفق على استعماله يقدم على الخاص المختلف ~~فيه # لنا هو أنه تعارض دليلان عام وخاص فبني العام على الخاص دليله إذا اتفق ~~على استعمالهما # ولأن فيما ذكرناه جمعا بين دليلين فكان أولى من إسقاط أحدهما كما لو كانا ~~متفقا عليهما # ولأن الخاص يتناول الحكم بصريحه على وجه لا احتمال فيه والعام يتناوله ~~بعمومه لا يجوز أن يكون المراد به غير ما تناوله الخاص فوجب أن يقضى بما لا ~~يحتمل على المحتمل # واحتجوا بأن العام المتفق على استعماله أقوى من الخاص المختلف فيه فوجب ~~تقديمه عليه # قلنا لا نسلم أنه متفق على استعماله في القدر الذي تناوله الخاص منه ~~وإنما هو متفق على استعماله فيما لا يتناوله الخاص بخصوصه وهذا لا يمنع من ~~جواز تخصيصه ألا ترى أن استصحاب الحال في براءة الذمة متفق عليه في الجملة ~~PageV01P157 فيما يتناوله دليل شرعي ثم إذا ورد دليل شرعي نقل عنه وإن كان ~~الدليل مختلفا فيه # ولأنهم ناقضوا في هذا فإنهم قضوا بالنهي في أكل السمك الطافي وإن كان ~~مختلفا فيه على قوله صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان وإن كان ~~مجمعا عليه PageV01P158 $ مسألة 17 # إذا تعارض خبران وأمكن استعمالهما بني أحدهما على الآخر # وقال أهل الظاهر إذا تعارض خبران سقطا # لنا هو أنهما لفظان عام وخاص يمكن استعمالهما فوجب استعمالهما وبناء ~~أحدهما على الآخر # دليله الآيتان وذلك مثل قوله تعالى @QB@ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا ~~جان @QE@ وقوله تعالى @QB@ فوربك لنسألنهم أجمعين عما ms064 كانوا يعملون @QE@ ~~فقال ابن عباس رضي الله عنه يسألون في موضع ولا يسألون في موضع آخر # ولأنهما دليلان يمكن بناء أحدهما على الآخر فوجب استعمالهما ولا يجوز ~~إسقاطهما # دليله عموم خبر الواحد إذا ورد مخالفا لدليل العقل # فإن قيل أدلة العقل لا تحتمل التأويل والظاهر يحتمل التأويل فرتب وفي ~~مسألتنا تأويل كل واحد من اللفظين كتأويل الآخر فلم يكن أحدهما بأولى من ~~الآخر PageV01P159 # قلنا هذا يبطل بالآيتين فإنهما مستعملتان وإن كان تأويل أحدهما كتأويل ~~الأخرى ويدل عليه أن ما زاد من العموم على الخصوص لا يعارضه مثله ولا ما هو ~~أقوى منه فوجب أن لا يتوقف فيه كما لو روي في أحد الخبرين ما في الآخر ~~وزيادة حكم # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا @QE@ وهذا التعارض اختلاف فدل على أنه ليس من عند الله # قلنا لا نسلم أن بينهما اختلافا بل هما متفقان عند البناء والترتيب # وعلى أنه لو كان هذا الاختلاف يوجب أن لا يكون ذلك من عند الله لوجب أن ~~يقال مثل ذلك في الآيات إذا تعارضت ولما أجمعنا على أن ذلك لا يعد اختلافا ~~في الآيات لإمكان البناء كذلك في الإخبار # قالوا ولأنه إذا تعارض لفظان وأمكن فيه وجهان من الاستعمال كنهيه عن ~~الصلاة في أوقات النهي وأمره في القضاء لمن نام عن صلاة أو نسيها لم يكن ~~أحد الوجهين في الاستعمال بأولى من الآخر فوجب إسقاط الجميع # قلنا نحن إنما نستعملهما إذا أمكن وجها واحدا في الاستعمال فأما إذا أمكن ~~وجهان لم يقدم أحد الوجهين على الآخر إلا بضرب من الترجيح # قالوا لأن البناء والجمع إنما يكون بنفس اللفظ واللفظ لا يدل عليه أو ~~بدليل آخر وليس معكم في الجمع دليل فوجب التوقف فيه # قلنا هذا يبطل ببناء أحد الآيتين على الآخر فإنه يجوز وإن لم يدل عليه ~~اللفظ ولا دليل آخر يقتضي الجمع بينهما PageV01P160 # وعلى أن الدليل اقتضى الجمع بينهما قد دل على وجوب العمل بكل واحد من ms065 ~~الدليلين وكلام صاحب الشرع لا يتناقض فلم يبق إلا الجمع والترتيب # قالوا ولأنه يحتمل أن يكون أحدهما منسوخا بالآخر ويحتمل أن يكون مرتبا ~~عليه فلا يجوز تقديم أحدهما على الآخر كما لو احتمل وجهين من الترتيب لا ~~مزية لأحدهما على الآخر # قلنا هذا يبطل بالآيتين فإنه يحتمل أن تكون إحداهما منسوخة بالأخرى ~~ويحتمل أن تكون مرتبة عليها ثم قدمنا الاستعمال والبناء على النسخ ولم يجعل ~~ذلك بمنزلة آيتين تعارض فيهما ترتيبان مختلفان # ولأنه وإن احتمل النسخ إلا أن الترتيب والبناء أظهر لأن فيه استعمال دليل ~~والنسخ إسقاط دليل والاستعمال أولى لأن الخبر إنما ورد للاستعمال والظاهر ~~بقاء حكمه # قالوا ولأن أدلة الشرع فروع لأدلة العقل ثم التعارض في أدلة العقل لا ~~يقتضي الترتيب فكذلك التعارض في أدلة الشرع # قلنا الترتيب في أدلة العقل لا يمكن لأنها لا تحتمل التأويل فهي بمنزلة ~~نصين تعارضا وفي مسألتنا يحتمل أحد اللفظين التأويل وأن يكون المراد به بعض ~~ما تناوله الآخر فجاز فيه البناء والترتيب ولهذا المعنى جوزنا الترتيب في ~~الآيتين ولم يجز ذلك في أدلة العقل # قالوا ولأن الشهادتين إذا تعارضتا سقطتا فكذلك الخبران # قلنا إن أمكن استعمال الشهادتين استعملناهما وهي إذا شهد شاهدان بمائة ~~وشهد آخران بقضاء خمسين منها فيجمع بينهما كما يجمع بين الخبرين وإن لم ~~يمكن سقطتا كالخبرين إذ لم يمكن استعمالهما PageV01P161 & مسائل الاستثناء ~~$ مسألة 1 # لا يصح الاستثناء إلا إذا اتصل الكلام # وروي عن ابن عباس أنه قال يصح الاستثناء إلى سنة PageV01P162 # وروي عن الحسن وعطاء أنه يصح ما دام المجلس # لنا هو أن أهل اللسان لا يسمون ما انفصل عن الكلام وتراخى عنه استثناء في ~~عرفهم وعادتهم # ألا ترى أنه لو قال رأيت الناس ثم قال بعد شهر إلا زيدا لكان ذلك لغوا ~~فدل على أن ذلك لا يجوز # ولأنه لو جاز هذا لم يوثق بأحد في وعد ولا وعيد لجواز أن يستثنى بعد زمان ~~ما يسقط حكم الكلام وفي اتفاق أهل اللسان على خلاف هذا دليل على ms066 بطلان هذا ~~القول # ولأن من جوز الاستثناء إلى سنة لم ينفصل عن من جوزه إلى سنتين وثلاث فوجب ~~أن يكون الجميع باطلا PageV01P163 # واحتجوا بأنه تخصيص عموم فجاز أن يتأخر عن العموم كالتخصيص بغير ~~الاستثناء # قلنا لا نسلم الأصل على قول من لم يجوز من أصحابنا تأخير البيان عن وقت ~~الخطاب # فإن سلمنا ذلك فإنا نقلب عليهم فنقول تخصيص عموم فاستوى فيه السنة وما ~~زاد دليله التخصيص بغير الاستثناء PageV01P164 $ مسألة 2 # الاستثناء من غير جنس المستثنى منه لا يكون استثناء حقيقة # وقال بعض أصحابنا يكون حقيقة وهو قول بعض المتكلمين # لنا هو أنه أحد ما يختص به اللفظ العام فلم يصح فيما لم يدخل في العموم ~~كالتخصيص بغير الاستثناء # ولأنه قيل إن الاستثناء مأخوذ من قولهم ثنيت فلانا عن رأيه وثنيت عنان ~~الدابة إذا صرفتها # وقيل إنه مأخوذ من تثنية الخبر بعد الخبر وهذا لا يوجد إلا فيما دخل في ~~الكلام حتى يثنيه على القول الأول ويثني فيه الخبر على القول الثاني ~~PageV01P165 # ولأن ألفاظ الاستثناء كقوله إلا وغير وسوى لا تستقل بأنفسها ولا يصح ~~الابتداء بها فدل على أنه يتعلق بالمستثنى منه وليس لتعلقه به وجه أكثر من ~~أنها تخرج بعض ما اقتضاه # ولأنه يقبح في الكلام أن يقال خرج الناس إلا الحمير ورأيت الناس إلا ~~الكلاب فدل على أنه ليس بحقيقة # واحتجوا بأن الاستثناء من غير جنسه لغة العرب والدليل عليه قوله تعالى ~~@QB@ فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس @QE@ وقال تعالى @QB@ فإنهم عدو ~~لي إلا رب العالمين @QE@ وهذا كله استثناء من غير الجنس # وقال الشاعر % وبلدة ليس بها أنيس % إلا اليعافير وإلا العيس % $ # فاستثنى اليعافير والعيس من الأنيس # وقال الآخر % ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم % بهن فلول من قراع الكتائب % $ ~~PageV01P166 # والفلول من قراع الكتائب ليس بعيب وقد استثناه من العيب # والجواب هو أنه قوله سبحانه @QB@ فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ~~@QE@ استثناء من جنسه لأن إبليس من جنس الملائكة # فإن قيل فكيف يكون من جملتهم وقد قال إنه من ms067 الجن # قيل روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال هو من جملة الملائكة # وقيل إنه كان من خزان الجنة وكان رئيسهم وإنما سمي بذلك اشتقاقا من الجنة ~~فبطل ما قالوه # وأما قوله @QB@ إلا رب العالمين @QE@ فالمراد به لكن رب العالمين # وأما قول الشاعر % إلا اليعافير ولا العيس % $ فهو استثناء من جنسه لأن ~~ذلك كله مما يستأنس به # وأما قوله ولا عيب فيهم فهو أيضا استثناء من جنسه لأن الفلول عيب في نفسه ~~وإن كان قد جعل ذلك نسيبا يمدح به قراع الكتائب PageV01P167 $ مسألة 3 # يصح الاستثناء الأكبر من الجملة # وقال أحمد لا يصح استثناء النصف فما زاد عليه وبه قال ابن درستويه # لنا قوله تعالى @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين @QE@ PageV01P168 ثم قال @QB@ فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك ~~منهم المخلصين @QE@ فاستثنى الغاوين من العباد والعباد من الغاوين وأيهما ~~كان أكثر فقد استثناه من الآخر فدل على جوازه # ولأنه معنى يخرج من العموم ما لولاه لدخل فجاز في الأكثر كالتخصيص ولأنه ~~استثناء بعض ما اقتضاه العموم فصح كالأقل # واحتجوا بأن طريق الاستثناء اللغة ولم يسمع ذلك في الأكثر فوجب أن لا ~~يجوز # قلنا لا نسلم بل قد سمع ذلك في اللغة قال الشاعر % أدوا التي نقضت تسعين ~~من مائة % ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا % $ # وهذا في معنى الاستثناء لأنه تقديره مائة إلا تسعين # ولأنه وإن لم يسمع من أهل اللغة إلا أن القرآن قد نزل به على ما بيناه ~~والقرآن أقوى ما رجع إليه في معرفة اللغة # ولأنه لو لم يسمع لكان ذلك في معنى المسموع لأن القصد من الاستثناء ~~الاستدراك على نفسه فيما أورده من القول وذلك موجود في القليل والكثير فكان ~~حكم أحدهما كحكم الآخر يبين صحة هذا هو أنا لم نسمع منهم الاستثناء في كل ~~جنس وفي كل عدد لكن لما عرفنا غرضهم فيما سمعناه من كلامهم حملنا عليه كل ~~عدد وكل جنس فكذلك هاهنا # قالوا ولأن كلام العرب موضوع على ms068 الاختصار وليس من الاختصار أن يقول له ~~علي عشرة إلا تسعة ونصفا ويمكنه أن يقول علي نصف درهم # قلنا هم يبسطون الكلام تارة ويختصرونه أخرى ولهم بالجميع عادة فلا يجوز ~~إسقاط إحدى العادتين بالأخرى PageV01P169 # ولأنه لو كان في هذا دليل على أنه لا يجوز استثناء الأكثر لم يجز أن يجعل ~~دليلا على أنه يجوز استثناء الأقل لأنه ليس من الاختصار أنه يجمع بين النفي ~~والإثبات ويذكر عددين فيقول علي عشرة إلا أربعة ويمكنه أن يقتصر على ~~الإثبات فيقول له علي ستة ولما أجمعنا على جواز ذلك دل على بطلان ما قالوه # قالوا ولأن عادة العرب في الكلام إذا ضموا مجهولا إلى معلوم أن يبنوا ~~الأمر على التقريب فإذا كان المجهول قريبا من العقد ذكروا العقد واستثنوا ~~المجهول وإن كان بعيدا منه ضموه إلى ما قبله من العدد ولم يستثنوه فيقولون ~~فيما قرب من العقد كران إلا شيئا وفيما بعد من العقد كر حنطة وشيء ولهذا ~~حمل الشافعي رحمه الله قول ابن جريج في تقدير القلة بالقربتين وشيء الشيء ~~على دون النصف ثم بلغ به النصف احتياطا للماء فدل على أنه لا يستثني إلا ~~الأقل # قلنا هذا هو الدليل عليكم لأنهم إذا ضموا مجهولا إلى عقد ثم فسر ذلك بما ~~يقارب العقد الثاني جاز وهو أن يقول له علي كر وشيء ثم يفسر الشيء بأكثر من ~~النصف # وإن كانت العادة أن لا يضم المجهول إلى العقد الأول إلا إذا كان أقل من ~~PageV01P170 النصف فكذلك يجوز استثناء المجهول من العقد الثاني ثم يفسر ذلك ~~بما زاد على النصف وإن كانت العادة فيه خلاف ذلك # ولأنه لو كان جواز الاستثناء يعتبر بما يعتادونه من كلامهم من ضم المجهول ~~إلى الجملة واستثنائه منها لوجب أن لا يجوز استثناء الشيء اليسير من الجملة ~~فإنهم لا يقولون في العادة علي عشرة إلا شيئا ويريدون به استثناء أربعة ~~منها ولما أجمعنا على جواز استثناء أربعة من العشرة دل على بطلان ما ذكروه ~~PageV01P171 $ مسألة 4 # إذا تعقب الاستثناء ms069 جملا عطف بعضها على بعض رجع الاستثناء إلى الجميع ~~PageV01P172 # وقال أصحاب أبي حنيفة يرجع إلى أقرب المذكور فقط # وقال الأشعرية هو موقوف على الدليل # لنا هو أن الاستثناء معنى يقتضي التخصيص لا يستقل بنفسه فإذا تعقب جملا ~~رجع إلى الجميع كالشرط وهو إذا قال امرأتي طالق وعبدي حر ومالي صدقة إن شاء ~~الله كان هذا الشرط يرجع إلى الجميع فكذلك الاستثناء # ولأن ما جاز أن يرجع إلى كل واحدة من الجمل إذا انفردت عاد إلى جميعها ~~إذا عطف بعضها على بعض كالشرط الذي ذكرناه ويبين صحة هذا هو أن الاستثناء ~~في معنى الشرط ألا ترى أنه لا فرق بين قوله تعالى @QB@ ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا @QE@ وبين قوله تعالى @QB@ ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا @QE@ وإنما ~~اختلف لفظهما فإذا رجع الشرط إلى الجميع وجب أن يرجع الاستثناء إلى الجميع ~~PageV01P173 # ولأنه يصلح عوده إلى كل واحدة من الجمل وليس بعضها بأولى من البعض فوجب ~~أن يرجع إلى الجميع كالعموم لما صلح لفظه لكل واحد من الجنسين ولم يكن ~~بعضهما بأولى من البعض حمل على الكل كذلك هاهنا # ولأن المعطوف بالواو كالمذكور جملة واحدة يدلك عليه هو أنه لا فرق بين أن ~~يقول اقتلوا اليهود والنصارى والمجوس وبين أن يقول اقتلوا المشركين # ثم ثبت أن الاستثناء إذا تعقب المذكور جملة عامة رجع إلى الجميع مثل أن ~~يقول اقتلوا المشركين إلا من أدى الجزية فكذلك إذا أفرد بعضها عن بعض وعطف ~~بالواو # فإن قيل فرق بين المذكور جملة واحدة وبين المعطوف بالواو ألا ترى لو قال ~~لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا طلقة يصح استثناؤه ولو قال أنت طالق وطالق ~~وطالق إلا تطليقة لم يصح # قلنا هذه المسألة فيها وجهان فلا نسلم على أحدهما # وإن سلمنا فلأن هناك لا يجوز أن ترد إلى كل واحد من الجملة عند الانفراد ~~فكذلك لا يجوز عند الاجتماع وفي مسألتنا بخلافه # فإن قيل إذا ذكر جملة عامة ms070 ثم استثناء لم يفصل بين الاستثناء والمستثنى ~~منه بما يمنع الرجوع وإذا عطف بعضها على بعض فقد فصل بين الاستثناء والجملة ~~الأولى بما يمنع الرجوع وهو الجملة المعطوفة # قيل الواو تقتضي الجمع والتشريك والمذكور بالعطف كالمجموع بلفظ عام فإذا ~~رجع الاستثناء في أحدهما إلى الجميع فكذلك في الآخر PageV01P174 # واحتجوا بأنه فصل بالجملة الثانية بين الجملة الأولى وبين الاستثناء فلم ~~يرجع الاستثناء إليهما كما لو فصل بينهما بقطع الكلام وإطالة السكوت # قلنا الفصل بين الجملة والاستثناء بالكلام لا يمنع من عود الاستثناء وإن ~~كان الفصل بالإطالة والسكوت يمنع ألا ترى أنه لو فصل بين الجملة والاستثناء ~~بالخبر بأن يقول أعط بني تميم وبني طيء كل واحد دينارا إلا الكفار لم يمنع ~~ذلك من رجوع الاستثناء إلى الجميع ولم يجعل ذلك بمنزلة ما لو فصل بينهما ~~بالسكوت # قالوا ولأنه استثناء تعقب جملتين فلم يرجع بظاهره إليهما كما لو قال أنت ~~طالق ثلاثا ثلاثا إلا أربعا # قلنا إنما يرجع فيما ذكروه إلى الجميع لأن الاستثناء يرفع المستثنى منه ~~وهاهنا لا يرفع المستثنى منه يدلك عليه أن فيما ذكروه لو انفردت كل واحدة ~~من هذه الجمل وتعقبها الاستثناء لم يرجع إليها وهاهنا لو انفردت كل واحدة ~~من هذه الجمل وتعقبها الاستثناء رجع إليها فدل على الفرق بينهما # قالوا ولأن العموم قد ثبت في كل واحدة من هذه الجمل وتعقبها الاستثناء ~~وتخصيص جميعها بالاستثناء مشكوك فيه فلا يجوز تخصيص العموم بالشك # قلنا لا نسلم ثبوت العموم مع اتصال الاستثناء بالكلام ثم هذا يبطل ~~بالجملة الواحدة إذا تناولت أشياء ثم تعقبها استثناء بأن العموم قد ثبت لكل ~~واحدة من الجمل على زعمهم ثم الاستثناء يعود إلى الجميع # وعلى أنا نعارضهم بمثله فنقول القدر الذي حصل عليه الوفاق أصل داخل في ~~عموم الجملتين بيقين وهو لم يتناوله الاستثناء بالإجماع وما زاد عليه مشكوك ~~فيه فلا يحمل اللفظ عليه بالشك PageV01P175 قالوا ولأن الاستثناء إنما رد ~~إلى ما تقدم لأنه لا يستقل بنفسه فإذا رد إلى ما يليه استقل ms071 فلم تجز ~~الزيادة عليه إلا بدليل # قلنا هذا باطل بالشرط فإنه إنما علق على ما يتصل به من الكلام لأنه لا ~~يستقل بنفسه وإذا رد إلى ما يليه استقل ثم لا يقتصر عليه # قالوا لأنه لو قال امرأتي طالق وأعط فلانا عشرة دراهم إن دخل الدار لم ~~يرجع إلى الطلاق فكذلك هاهنا # قلنا فيما ذكرتم عدل عن لفظ الخبر إلى الأمر وقطع حكم الكلام الأول فروعي ~~حكم الشرط فيما استأنف وليس كذلك في مسألتنا فإنه لم يقطع ما تقدم بغيره ~~فوزانه من الشرط أن يقول امرأتي طالق ولفلان على عشر دراهم إن دخلا الدار ~~فيرجع الشرط إلى الجميع # واحتج من ذهب إلى الوقف بأنه يجوز أن يكون عائدا إلى البعض ويجوز أن يكون ~~عائدا إلى الجميع فوجب التوقف فيه # قلنا هو وإن احتمل أن يكون عائدا إلى البعض إلا أن عوده إلى الكل هو ~~الظاهر وقد دللنا عليه فوجب حمل الكلام عليه وإن احتمل غيره PageV01P176 & ~~مسائل المجمل والمفصل $ مسألة 1 # في القرآن مجاز # وقال بعض أهل الظاهر ليس في القرآن مجاز PageV01P177 لنا هو أن المجاز ما ~~تجوز عن موضوعه إما بزيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير أو استعارة وقد وجد ~~جميع ذلك في القرآن # فالزيادة كقوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ والمراد ليس مثله شيء # والنقصان كقوله @QB@ واسأل القرية @QE@ والمراد به أهل القرية # والتقديم والتأخير كقوله @QB@ والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى @QE@ ~~والمراد به أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء # والاستعارة كقوله تعالى @QB@ يوم يكشف عن ساق @QE@ فعبر عن شدة الحال ~~بكشف الساق لأن عند الشدائد يكشف عن الساق # وأمثال ذلك في القرآن أكثر من أن يحصى # وقد ألزم أبو العباس بن سريج ابن داود في المناظرة له في قوله تعالى @QB@ ~~لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد @QE@ فعبر عن الصلوات بالمساجد لأن الصلوات ~~لا يتأتى هدمها PageV01P178 # وألزمه قوله تعالى @QB@ جدارا يريد أن ينقض @QE@ والإرادة لا تصح من ~~الجدار فلم يجد عن ذلك محيصا # واحتجوا بأن استعمال المجاز لموضع الضرورة وتعالى الله بأن ms072 يوصف ~~بالاضطرار # والجواب أنا لا نسلم أن استعمال المجاز لموضع الضرورة بل ذلك عادة العرب ~~في الكلام وهو عندهم مستحسن ولهذا تراهم يستعملون ذلك في كلامهم مع القدرة ~~على الحقيقة والقرآن نزل بلغتهم فجرى الأمر فيه على عادتهم # قالوا القرآن كله حق ولا يجوز أن يكون حقا ولا يكون حقيقة # والجواب أنه ليس الحق من الحقيقة بسبيل بل الحق في الكلام أن يكون صدقا ~~وأن يجب العمل به والحقيقة أن يستعمل اللفظ فيما وضع له سواء كان ذلك صدقا ~~أو كذبا ويدل عليه أن قول النصارى @QB@ الله ثالث ثلاثة @QE@ وهو حقيقة ~~فيما أرادوه وقوله عليه السلام لرجاله يا أنجشة ارفق بالقوارير وليس بحقيقة ~~فيما استعمل فيه وهو صدق وحق فدل على أن أحدهما غير الآخر PageV01P179 $ ~~مسألة 2 # ليس في القرآن شيء غير العربية # وقال بعض المتكلمين في القرآن كلمات بغير العربية كالمشكاة PageV01P180 ~~والقسطاس والسجيل والإستبرق وغير ذلك # لنا قوله تعالى @QB@ إنا أنزلناه قرآنا عربيا @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولو ~~جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي @QE@ وهذا نص في ~~أنه ليس فيه غير العربي # ولأن الله تعالى جعل القرآن معجزة نبيه صلى الله عليه وسلم ودلالة صدقه ~~ليتحداهم به فلو كان فيه غير العربي لما صح التحدي به لأن الكفار يجدون إلى ~~رده طريقا بأن يقولوا أن فيما أتيت به غير العربي ونحن لا نقدر على كلام ~~بعضه عربي وبعضه عجمي وإنما نقدر على معارضة العربي المحض # واحتجوا بأنا وجدنا في كتب الله تعالى ألفاظا بغير العربية كالمشكاة كوة ~~بالهندبة والإستبرق والسجيل بالفارسية وربما قالوا إن فيه ما لا يعرفه ~~العرب وهو الأب في قوله تعالى @QB@ وفاكهة وأبا @QE@ فدل على أن فيه غير ~~العربي PageV01P181 # والجواب أنا لا نسلم فيه كلمات بغير العربية بل كل ذلك بلغة العرب وإنما ~~وافقتها الفرس والهند في النطق بها كما وافقوا في كثير من كلامهم فيقولون ~~حراج مكان السراج والشراويل مكان السراويل والفرس يقولون في السماء اسمان ~~وفي الجبال أوجبا وغير ذلك من الأسماء # والذي ms073 يدل عليه هو أن الله تعالى أضاف ذلك إليهم فدل على أنهم سبقوا إلى ~~ذلك وتبعهم الفرس والهند # وقولهم إن فيه ما لا تعرفه العرب وهو الأب غلط فإن الأب الحشيش فليس إذا ~~لم يعرفه بعضهم خرج أن يكون ذلك لغة العرب # لأن لغة العرب أوسع اللغات فيجوز أن يخفى بعضها على بعض لكثرتها ولهذا ~~روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال لم أعلم أن معنى قوله سبحانه @QB@ ~~فاطر السماوات والأرض @QE@ حتى سمعت امرأة تقول أنا فطرته فعلمت أنه أراد ~~به منشىء السموات والأرض # قالوا وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الكافة فيجب أن يكون ~~في الكتاب من كل لغة # قلنا فهذا يقتضي أن يكون فيه من جميع اللغات من الزنجية والتركية ~~والرومية وفي إجماعنا على خلاف هذا دليل على بطلان ما قالوه # ولأنه لو كان كذلك لكان يجب أن يكون فيه من هذه اللغات قدرا يعلم به ~~المراد ويقع به التبليغ فأما هذه الكلمات الشاذة فلم يعلم بها شيء ولا يقع ~~بها بيان # ولأنه وإن كان مبعوثا إلى الكافة إلا أن القصد إعجاز العرب فإنهم أهل ~~PageV01P182 اللسان والفصاحة والبيان فإذا ظهر عجزهم عن الإتيان بمثله دل ~~على أن غيرهم عن ذلك أعجز وثبت صدقه في حق الجميع وعلى هذا الترتيب أجرى ~~الله تعالى أمر معجزات الأنبياء فبعث موسى إلى أحذق الناس بالسحر في زمان ~~كانوا يدعون السحر فجعل معجزته من جنس يدعونه حتى إذا عجزوا عن مثله دل على ~~أن غيرهم أعجز # وبعث عيسى صلى الله عليه وسلم في زمن الأطباء وجعل معجزته من جنس ما ~~يتعاطونه حتى إذا اعترفوا بالعجز عن مثله دل على أن غيرهم عن ذلك أعجز # فكذلك هاهنا لما أن كانت العرب في ذلك الزمان أفصح الناس لسانا وأحسنهم ~~بيانا جعل المعجزة من جنس ما كانوا يدعونه ليكون ذلك أظهر في الإعجاز وأبين ~~في الدليل PageV01P183 $ مسألة 3 # يجوز أن يراد باللفظ الواحد معنيان مختلفان كالأقراء يراد به الحيض ~~والطهر واللمس ms074 يراد به الجماع واللمس باليد وبه قال أبو علي الجبائي # وقال أصحاب أبو حنيفة لا يجوز أن يراد باللفظ الواحد معنيان مختلفان وهو ~~قول أبي هاشم PageV01P184 # لنا أن كل معنيين جاز إرادتهما بلفظين جاز إرادتهما بلفظ يصلح لهما ~~كالمعنيين المتفقين وذلك أن تقول إذا أحدثت فتوضأ تريد به البول والغائط # ولأن المنع من ذلك لا يخلو إما أن يكون لاستحالة اجتماعهما في الإرادة ~~كاستحالة العموم والخصوص والإيجاب والإسقاط أو لأن اللفظ لا يصلح لهما ولا ~~يجوز أن يكون للوجه الأول لأنه لا يستحيل أن يريد بقوله @QB@ أو لامستم ~~النساء @QE@ الملامستين ولا أن يريد بقوله ثلاثة أقراء كلا القرأين ولهذا ~~يصح أن يصرح بهما فيقول إذا لمست باليد وجامعت فتطهر وإذا طلقت فاعتدي ~~بثلاثة أقراء من الحيض والطهر # ولا يجوز أن يكون لأن اللفظ لا يصلح لهما لأن اللفظ يصلح لهما إما على ~~سبيل الحقيقة أو على سبيل المجاز فلم يكن للمنع منه وجه # واحتجوا بأن العبارة الواحدة لا يجوز أن يراد بها ما وضعت له حقيقة وما ~~لم توضع له حقيقة ولهذا لا يجوز أن يراد بلفظ الأمر الإيجاب والتهديد فكذلك ~~هاهنا # قلنا هذا يبطل بالماء المذكور في آية التيمم فإن المخالف لنا في هذا حمله ~~على الماء والنبيذ وهو حقيقة في أحدهما دون الآخر # فأما الإيجاب والتهديد فلا يجوز اجتماعهما في الإرادة في شيء واحد في ~~حالة واحدة بل عليه أنه لا يصلح أن يصرح بهما جميعا وليس كذلك هاهنا فإنه ~~يصلح اجتماعهما في الإرادة على ما بيناه واللفظ يصلح لهما فصح إرادتهما ~~كالمعنيين المتفقين # قالوا ولأنه لو جاز أن يراد بلفظ واحد معنيان مختلفان لجاز أن يراد ~~باللفظ الواحد تعظيم الرجل والاستخفاف به ولما لم يجز ذلك لم يجز هذا # قلنا التعظيم والاستخفاف معنيان متضادان ولا تصح إرادتهما باللفظ ~~PageV01P185 الواحد ولهذا لو صرح بما يقتضي الاستخفاف والتعظيم في حالة ~~واحدة لما صح وليس كذلك هاهنا فإنهما لا يتضادان في الإرادة ألا ترى أنه لو ~~صرح بهما في لفظين ms075 جاز ذلك فبان الفرق بينهما # قالوا ولأن طريق هذا اللغة ولم نر أهل اللغة استعملوا اللفظ الواحد في ~~معنيين مختلفين في أحدهما حقيقة وفي الآخر مجازا وفي أحدهما صريحا وفي ~~الآخركناية فدل على أن ذلك لا يجوز # قلنا لا نسلم فإن ذلك في الاستعمال ظاهر ألا ترى أنه يصح أن يقول من لم ~~يلمس امرأته فلا طهر عليه ويريد به نفي جنس اللمس في الجماع وما دونه وإذا ~~صح ذلك في النفي صح في الإثبات إذ لا فرق بينهما # ويدل عليه أنه يجوز أن يقول نهيتك عن مسيس النساء ويريد به اللمس باليد ~~والجماع وإن كان لمعنيين مختلفين فدل أن ذلك جائز PageV01P186 $ مسألة 4 # العموم إذا دخله التخصيص لم يصر مجملا ويصح الاحتجاج به فيما بقي من ~~اللفظ وبه قال بعض أصحاب أبي حنيفة وهو قول المعتزلة # وقال عيسى بن أبان إذا دخله التخصيص صار مجملا فلا يجوز التعلق بظاهره ~~وحكى ذلك عن أبي ثور # وقال أبو الحسن الكرخي إذا خص بالاستثناء أو بكلام متصل PageV01P187 صح ~~التعلق به وإن خص بدليل منفصل لم يصح التعلق به وقال أبو عبد الله البصري ~~إن كان الحكم الذي يتناوله العموم يحتاج إلى شرائط وأوصاف لا ينبىء اللفظ ~~عنها كقوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة @QE@ صار مجملا وجرى في الحاجة إلى ~~البيان مجرى قوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة @QE@ فلا يحتج به إلا بدليل # لنا أن فاطمة رضي الله عنها احتجت على أبي بكر الصديق رضي الله عنه بقوله ~~تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ ولم ينكر ~~أبو بكر ولا أحد من الصحابة احتجاجها بالآية وإن كان قد دخلها التخصيص في ~~الرقيق والكافر والقاتل # ولأنه لو كان دخول التخصيص في اللفظ يمنع الاحتجاج به لوجب التوقف في ~~PageV01P188 كل ما يرد من ألفاظ العموم لأنه ما من خطاب إلا وقد اعتبر في ~~إثبات حكمه صفات في المخاطب من تكليف وإيمان وغير ذلك فيؤدي ذلك إلى قول ~~أهل الوقف وقد أجمعنا على بطلان قول أهل الوقف # فإن ms076 قيل أنتم أيضا توقفتم في العموم على تعرف ما يوجب تخصيصه ولم يصر ذلك ~~في معنى قول أهل الوقف # قلنا نحن نتوقف في الخطاب إلى غاية وهو إلى أن ينظر في الأصول فإذا لم ~~نجد ما يخصصه حملناه على العموم وأنتم تتوقفون في كل ما يرد من العموم فلا ~~تعملون به إلا بأدلة فصار ذلك كقول أهل الوقف # وأما الدليل على البصري فهو أن المجمل ما لا يعقل المراد من لفظه وما ~~يراد بآية السرقة معقول من ظاهر اللفظ فصار بمنزلة قوله @QB@ فاقتلوا ~~المشركين @QE@ # ولأن هذا الخطاب لو حملناه على ظاهره لم نخطىء إلا في ضم ما لم يرد على ~~ما أريد فإذا بين ما لم يرد بقي على ظاهره في الباقي فوجب المصير إليه ~~والعمل به كما تقول في سائر العمومات # واحتجوا بأن هذا مبني على أصلنا وهو أن العموم إذا خص صار مجازا وقد ~~دللنا عليه في موضعه فإذا ثبت هذا لم يكن حمله على بعض الوجوه بأولى من ~~البعض فوجب أن يفتقر إلى البيان PageV01P189 # والجواب أنا لا نسلم هذا الأصل وقد بينا الكلام عليه في موضعه فأغنى عن ~~الإعادة # قالوا ولأنه إذا دخله التخصيص لم يوجب حكمه فبطل الاحتجاج به كما قلتم في ~~العلل # والجواب هو أنه لو كان هذا دليلا علينا فهو دليل عليكم فإن تخصيص العلل ~~لا يمنع الاحتجاج بها عندهم فيجب أن يكون تخصيص العموم لا يمنع من الاحتجاج ~~به # وعلى أن عندنا إنما لم يجز الاحتجاج بما خص من العلل لأنها تظهر من جهة ~~المستدل ولا يعلم صحتها إلا بدليل ولا شيء يدل عليه إلا السلامة والجريان ~~وليس كذلك العموم فإنه يظهر من جهة صاحب الشرع فلا يحتاج في صحته إلى دليل ~~فافترقا # قالوا ولأنه إذا دخل التخصيص صار كأنه أورد لفظ العموم ثم قال أردت به ~~بعض ما يتناوله وما هذا سبيله لا يحتج به فيما أريد به كما تقول في قوله ~~تعالى @QB@ إن بعض الظن إثم @QE@ فإنه لا يعلم من لفظه ms077 ما فيه إثم إلا ~~بدليل # قلنا إنما لم يعلم المراد من الآية التي ذكروها لأنه علق ذلك على بعض ~~مجهول فاحتيج في معرفته إلى دليل آخر وفي مسألتنا علق الحكم على لفظ يعلم ~~منه الجنس فإذا تبين ما ليس بمراد بقي الباقي على ظاهره # واحتج البصري بأن آية السرقة لا يمكن العمل بها حتى تنضم إليها شرائط لا ~~ينبىء اللفظ عنها والحاجة إلى بيان الشرائط التي يتم بها الحكم كالحاجة إلى ~~بيان الحكم وقد ثبت أن ما يفتقر إلى بيان الحكم مجمل كقوله تعالى @QB@ ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ فكذلك ما يفتقر إلى شرائط الحكم ~~PageV01P190 # والجواب أن هذا يبطل بقوله @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ فإنه لا يمكن ~~العمل بها حتى ينضم إليها شرائط لا ينبىء اللفظ عنها كالعقل والبلوغ وغير ~~ذلك ثم لا يجعل الحاجة إلى ذلك كالحاجة إلى بيان المراد في الإجمال # فإن قيل تلك الآية إنما تفتقر إلى بيان من لا يراد بها من الصبيان ~~والمجانين فحملت في الباقي على ظاهرها وهاهنا تفتقر إلى بيان ما أريد ~~بالآية من شرائط القطع ولهذا اشتغل الفقهاء بذكر شرائط القطع دون ما يسقط ~~القطع فافترقا # قيل لا فرق بين الموضعين فإن آية السرقة أيضا تفتقر إلى بيان ما لا يراد ~~وهو من سرق دون النصاب أو سرق من غير حرز أو كان والدا أو ولدا # وأما ما ذكر الفقهاء فيه شرائط القطع فلا اعتبار به فإنهم يسلكون في ذلك ~~طريق الاختصار فيذكرون الشرائط التي يتعلق بها القطع لتعرف بذلك من لا يجب ~~عليه القطع وإنما الاعتبار بما يقتضيه اللفظ وما أخرج منه ومعلوم أن الظاهر ~~يقتضي وجوب القطع على كل من سرق ودل الدليل إنما دل على إخراج من ليس بمراد ~~من صبي أو مجنون ووالد وولد وغير ذلك فصار ذلك بمنزلة ما ذكرناه من آية ~~القتل التي تقتضي بظاهرها إيجاب القتل على كل مشرك ثم دل على الدليل على من ~~ليس بمراد منها # وأما قوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ ففيه وجهان من ms078 ~~أصحابنا من قال هي عامة فتحمل على كل دعاء إلا ما أخرجه الدليل ومنهم من ~~قال إنها مجملة وتفتقر إلى بيان فعلى هذا الفرق بينهما أن المراد بالصلاة ~~لا يصلح له اللفظ ولا يدل عليه وما يراد بالسارق يصلح له اللفظ في اللغة ~~ويعقل منه # ألا ترى أنه إذا أخرج من آية السرقة من لا يراد قطعه أمكن قطع من أريد ~~PageV01P191 قطعه بظاهر الآية وإذا أخرج من آية الصلاة من ليس بمراد لم ~~يمكن أن يحمل على المراد بالآية فافترقا # وربما احتج بأن القطع يحتاج إلى أوصاف سوى السرقة من النصاب والحرز وغير ~~ذلك فصار بمنزلة ما لو احتاج إلى فعل غير السرقة ولو افتقر إيجاب القطع إلى ~~فعل غير السرقة لم يمكن التعلق بظاهره فكذلك إذا افتقر إلى أوصاف سوى ~~السرقة # والجواب هو أن هذا يبطل بآية القتل فإنها تفتقر إلى أوصاف غير الشرك ~~كالبلوغ والعقل وغير ذلك ثم لا يضر ذلك بمنزلة ما لو احتاج القتل إلى فعل ~~آخر في إجمال الآية والمنع من التعلق بها ويخالف هذا إذا افتقر الحكم إلى ~~فعل آخر فإن هناك لو خلينا وظاهر الآية لم يمكن لنفيد شيئا من الأحكام ~~فافتقر أصلها إلى البيان وهاهنا لو خلينا والظاهر لم نخطىء إلا في ضم ما لم ~~يرد إلى ما أريد باللفظ فعلمنا أنه ظاهر في الباقي PageV01P192 $ مسألة 5 # يصح الاحتجاج بعموم اللفظ وإن اقترن بذكر المدح أو الذم كقوله تعالى @QB@ ~~والذين هم لفروجهم حافظون @QE@ وقوله @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم @QE@ # وقال بعض أصحابنا إذا قرن بذكر المدح أو الذم صار مجملا فلا يحتج بعمومه # لنا هو أن صيغة العموم قد وجدت متجردة عن دلالة التخصيص فأشبه إذا تجردت ~~عن ذكر المدح أو الذم # ولأن اقتران المدح به لا ينافي القصد إلى بيان الحكم فلم يمنع التعلق ~~بعمومه كاقتران حكم آخر به PageV01P193 # ولأن اقتران المدح به يؤكد حكم الإباحة واقتران الذم يؤكد حكم التحريم ~~فهو بجواز الاحتجاج ms079 به أولى # ولأنه لو كان اقتران ذكر المدح به يمنع من حملها على العموم لكان اقتران ~~ذكر العقاب به يمنع من ذلك وهذا يؤدي إلى إبطال التعلق بآية السرقة والربا ~~وغيرهما من العمومات # واحتجوا بأن القصد من هذه الآيات المدح والذم على الفعل دون بيان ما ~~يتعلق به الحكم من الشرائط والأوصاف فلا يجوز التعلق بعمومها فيما يستباح ~~وفيما تجب فيه الزكاة كما قلنا في قوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده ~~@QE@ لما كان القصد بهذا بيان إيجاب حق من الزرع لم يجز الاحتجاج بعمومه ~~بالمقدار والجنس # والجواب هو أن لا نسلم أن القصد بها هو المدح دون الحكم بل القصد بها ~~بيان الجميع لأن المقاصد إنما تعلم بالألفاظ وقد وجدنا اللفظ فيهما والظاهر ~~أنه قصدهما # ولأنه لو جاز أن يقال أن ذكر المدح يمنع من كون الحكم مقصودا جاز أن يقلب ~~ذلك عليهم فيقال أن ذكر الحكم يمنع كون المدح مقصودا وهذا باطل بالإجماع ~~فبطل ما قالوه PageV01P194 $ مسألة 6 # الوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحج أسماء منقولة من اللغة إلى معان ~~وأحكام شرعية إذا أطلقت حملت على تلك الأحكام والمعاني # ومن أصحابنا من قال إنه لم ينقل شيء من ذلك عما وضع له اللفظ في اللغة ~~وإنما ورد الشرع بشرائط وأحكام مضافة إلى ما وضع له اللفظ في اللغة وهو قول ~~الأشعرية PageV01P195 # لنا هو أن هذه الأسماء إذا أطلقت لم يعقل منها إلا هذه العبادات في الشرع ~~ولهذا يقال أحرم فلان بالصلاة إذا كبر وأحرم بالحج إذا نوى الحج وإن لم يأت ~~بشيء مما وضع له الاسم في اللغة # ويدل عليه هو أنه لو كانت الصلاة عبارة عما وضع له اللفظ في اللغة من ~~الدعاء لوجب إذا عرى عن ذلك أن لا تسمى صلاة ولما أجمعنا على تسمية صلاة ~~الأخرس صلاة وإن لم يأت فيها بشيء من الدعاء دل على أنه اسم منقول # ويدل عليه هو أن الزكاة في اللغة هي الزيادة والنماء ولهذا يقول العرب ~~إذا كثرت المؤتفكات زكى الزرع ms080 أي إذا كثرت الرياح زاد الزرع ثم جعل في ~~الشرع اسما لإخراج جزء من المال وذلك في الحقيقة نقصان وليس بزيادة فدل على ~~أنه منقول # وأيضا هو أنه لما حدث في الشرع عبادات وهيئات وأفعال ولم يكن لها اسم في ~~اللغة دعت الحاجة إلى أن يوضع لها اسم في الشرع يعرف بها كما وضع أهل ~~الصنائع لكل ما استحدثوه من الأدوات اسما يعرفونها به عند الحاجة إلى ذكرها # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا @QE@ وبقوله سبحانه ~~@QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه @QE@ والصلاة بلسان العرب هي ~~الدعاء والصوم هو الإمساك والحج هو القصد فإذا ورد الشرع وجب أن تحمل على ~~ما يقتضيه لسان العرب # والجواب هو أن هذه الآيات تقتضي أنه خاطبها بلسان العرب ونحن نقول بذلك ~~لأن هذه الأسماء كلها عربية والخطاب بها خطاب بلغة العرب وليس إذا استعمل ~~ذلك في غير ما وضعته العرب يخرج عن أن يكون خطابا بلسان العرب ألا ترى أن ~~الحمار قد استعمل في غير ما وضعه العرب وهو الرجل البليد والبحر في ~~PageV01P196 غير ما وضعته العرب وهو الرجل الجواد ولا يخرج الخطاب بذلك عن ~~أن يكون خطابا بلسان العرب فكذلك هاهنا # قالوا ولأنه لو كان في الأسماء شيء منقول لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بيانا يقع به العلم ولو فعل ذلك لعلمناه كما علمتم ولما لم يعلم ذلك دل على ~~أنه لم ينقل # قلنا قد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بيانا تاما ألا ترى أن كل موضع ~~ذكر الصلاة لم يرد به إلا هذه الأفعال ولكن ليس من شرط البيان أن يقع به ~~العلم لكل أحد ألا ترى أنه بين الحج بيانا تاما ثم لم يقع العلم به لكل أحد ~~حتى اختلف العلماء في إحرامه فقال بعضهم كان مفردا وقال بعضهم كان قارنا ~~فكذلك هاهنا PageV01P197 $ مسألة 7 # قوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ آية مجملة وكذلك قوله ~~تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا @QE@ # ومن ms081 أصحابنا من قال هي عامة فتحمل الصلاة على كل دعاء والحج على كل قصد ~~إلا ما أخرجه الدليل # لنا هو أن المجمل مالا يعقل معناه من لفظه وهذه الآيات لا يعقل معناها من ~~لفظها لأن الصلاة في اللغة هي الدعاء والزكاة هي الزيادة والحج هو القصد ~~والمراد بذلك هي أفعال مخصوصة لا ينبىء اللفظ عنها فكان مجملا كقوله تعالى ~~@QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ PageV01P198 # واحتجوا بأن الصلاة هي الدعاء في اللغة والزكاة هي الزيادة والحج هو ~~القصد فوجب أن تحمل الصلاة على كل دعاء والزكاة على كل زيادة والحج على كل ~~قصد إلا ما خصه الدليل كسائر العمومات # والجواب أنا قد ذكرنا فيما تقدم أنه ليس المراد بالصلاة الدعاء ولا ~~بالزكاة الزيادة ولا بالحج القصد وإنما المراد بها معان أخر لا ينبىء اللفظ ~~عنها فلا يصح حملها على العموم فيما ليس بمراد PageV01P199 $ مسألة 8 # قوله تعالى @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ آية عامة يصح الاحتجاج ~~بظاهرها # ومن أصحابنا من قال هي مجملة # لنا أن البيع معقول في اللغة وما كان معقول المراد من لفظه في اللغة لم ~~يكن مجملا كقوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ # واحتج المخالف بأن الله تعالى حكاه عن العرب وهم أهل اللسان بأن البيع ~~مثل الربا ثم أحل الله البيع وحرم الربا فصار الحلال مشتبها بالحرام فافتقر ~~إلى البيان # والجواب أنهم وإن شبهوا البيع بالربا إلا أن البيع متميز عن الربا فإن ~~الربا هو الزيادة وذلك لا يوجد في كل بيع فوجب أن يحمل قوله تعالى @QB@ ~~وأحل الله البيع @QE@ على كل بيع إلا ما أخرجه الدليل # قالوا ولأن قوله تعالى @QB@ وأحل الله البيع @QE@ يقضي إحلال البيع ~~والبيع يجوز في أشياء مع التفاضل وقوله @QB@ وحرم الربا @QE@ يقتضي تحريم ~~التفاضل فأجملت إحدى اللفظتين بالأخرى # والجواب هو أن هذا بيان تخصيص دخل في الآية ومتى كان اللفظ معقول المراد ~~في اللغة لم يجز أن يصير مجملا بدخول التخصيص فيه فكذلك هاهنا ألا ترى أن ~~قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ لما كان معقول المراد ms082 في اللغة لم ~~يصر مجملا بدخول التخصيص فيه فكذلك هاهنا PageV01P200 $ مسألة 9 # الألفاظ التي علق التحليل والتحريم فيها على الأعيان كقوله تعالى @QB@ ~~حرمت عليكم الميتة @QE@ و @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ ظاهرة في تحريم ~~التصرف وليست بمجملة # ومن أصحابنا من قال هي مجملة فلا يجوز الاحتجاج بها وهو قول أبي عبدالله ~~البصري من أصحاب أبي حنيفة # لنا هو أن التحريم إذا أطلق في مثل هذا فهم منه تحريم الأفعال في اللغة ~~والدليل عليه هو أنه لما بلغ الصحابة رضي الله عنهم تحريم الخمر أراقوها ~~وكسروا ظروفها ولما أباح النبي صلى الله عليه وسلم الانتفاع بإهاب الميتة ~~قيل له إنها ميتة فقال إنما حرم من الميتة أكلها فدل على أنهم فهموا من ~~تحريم الميتة تحريم الانتفاع بها PageV01P201 # ويدل عليه هو أن رجلا لو قال لغيره أبحت لك طعامي أو حرمت عليك طعامي فهم ~~المخاطب منه تحريم الانتفاع به والتصرف فيه وما فهم المراد من لفظه في ~~اللغة لم يكن مجملا كسائر الظواهر # وأيضا هو أنه لا خلاف لو علق حكما على ما ملكه الإنسان من الأعيان كقوله ~~تعالى @QB@ أو ما ملكت أيمانكم @QE@ لم يكن مجملا وإن كان لا يملك إلا ~~الأفعال في الأعيان والتصرف فيها بالمنافع ودفع المضار ولكن لما تعورف ~~استعمال هذه الألفاظ في التصرف المعروف في المال حمل إطلاقه عليه فكذلك ~~هاهنا # واحتجوا بأن الأعيان لا تدخل في المقدور لأنها موجودة كائنة وما لا يدخل ~~في المقدور لا يجوز أن يقع التعبد به فوجب أن يكون التحريم فيها راجعا إلى ~~الأفعال التي تدخل تحت المقدور وذلك غير مذكور فجرى مجرى قوله @QB@ واسأل ~~القرية @QE@ # والجواب هو أن هذا يبطل بملك الأعيان فإن الأعيان لا تدخل في ملك المقدور ~~على ما ذكروه وما لا يدخل في المقدور لا يجوز أن يملكه الإنسان ثم إذا أطلق ~~لفظ الملك حمل على ما يتعارف من التصرف ويخالف هذا قوله @QB@ واسأل القرية ~~@QE@ لأن القرية لا يعبر بها عن أهلها في العرف والعادة وليس كذلك الأعيان ~~فإنها تستعمل ms083 في موضع الأفعال في عرف أهل اللسان فصار كسائر الحقائق # قالوا ولأن أنواع التصرف في العين كثيرة والحمل على الجميع لا يجوز لأنها ~~دعوى فيما لا ذكر له والعموم من صفات اللفظ والحمل على البعض لا يجوز لأنه ~~ليس بعضها بأولى من بعض فوجب التوقف فيه حتى يرد البيان # والجواب أن هذا يبطل بما ذكرناه من ملك العين فإن ما يملك من العين كثير ~~والحمل على الجميع دعوى فيما لا ذكر له ثم كان اللفظ ظاهرا في بيانه ~~PageV01P202 $ مسألة 10 # إذا علق النفي في شيء على صفة كقوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا ~~بفاتحة الكتاب وقوله لا نكاح إلا بولي و إنما الأعمال بالنيات وغير ذلك من ~~الألفاظ التي تستعمل في نفي وإثبات أو رفع وإسقاط حمل ذلك على نفي الشيء ~~ومنع الاعتداد به في الشرع # ومن أصحابنا من قال إن ذلك مجمل فلا يحمل على شيء إلا بدليل وهو قول ~~البصري من أصحاب أبي حنيفة PageV01P203 # لنا هو أن هذا اللفظ عند أهل اللسان موضوع للتأكيد في نفي الصفات ورفع ~~الأحكام # ألا ترى أنه يقال ليس في البلد سلطان وليس في الناس ناظر وليس لهم مدبر ~~والمراد في ذلك كله نفي الصفات التي تقع بها الكفاية ومنع الاعتداد به فيما ~~لهم من الأمور # وإذا كان هذا مقتضاه وجب إذا استعمل ذلك في عبادة أو غيرها أن يحمل على ~~نفي الكفاية ومنع الاعتداد بها # وأيضا هو أن النبي عليه السلام لا يقصد بهذه الألفاظ النفي من طريق اللغة ~~والمشاهدة وإنما يقصد ببيان الشرع لأنه بعث مبينا للشرع فيجب أن يحمل على ~~نفي كل ما يحمله الشرع من كامل أو جائز كما إذا قال لا رجل في الدار لما ~~كان القصد نفي ما يسمى رجلا في اللغة حمل على كل ما يحتمله الرجل من طويل ~~أو قصير فكذلك هاهنا # ولأن قوله لا صلاة نفي لنفس الصلاة في الشرع فمتى صححنا الصلاة فقد ~~أثبتنا ما نفاه وذلك خلاف الظاهر # واحتجوا بأن ms084 النفي في هذه الألفاظ لا يجوز أن يكون راجعا إلى المذكور من ~~النكاح والعمل فإن ذلك كله موجود فوجب أن يكون راجعا إلى غيره وذلك الغير ~~يحتمل الجواز والفضيلة وليس أحدهما بأولى من الآخر والحمل عليهما لا يجوز ~~لأنه دعوى عموم في المضمر والعموم من أحكام اللفظ وصفاته # ولأن الحمل عليهما لا يجوز لأنه يؤدي إلى التناقض لأن حمله على نفي ~~الفضيلة والكمال يقتضي صحة الفعل وجوازه وحمله على نفي الجواز يمنع صحة ~~الفعل PageV01P204 # ولأن الفضيلة والجواز معنيان مختلفان فلا يجوز حمل اللفظ الواحد على ~~معنيين مختلفين فوجب التوقف فيه حتى يرد البيان # والجواب أن من أصحابنا من قال النفي راجع إلى نفس المذكور وهو النكاح ~~الشرعي والعمل الشرعي ونحن ننفي ذلك على سبيل الحقيقة فنقول إن النكاح ~~الشرعي ما وجد والعمل الشرعي ما وجد ومتى سلكنا هذا الطريق استغنينا عن ~~ادعاء العموم في المضمر وحمل الكلام على التناقض وعلى معنيين مختلفين # ومن أصحابنا من قال إن النفي يرجع إلى أحكام المذكور وصفاته وهي وإن لم ~~تكن مذكورة إلا أنها معقولة منه من ظواهر اللفظ # ألا ترى أنه إذا قال الرجل لغيره رفعت عنك جنايتك عقل من ذلك أحكام ~~الجناية وما يتعلق بها وما كان معقولا من اللفظ كان بمنزلة المنطوق به # ألا ترى أن فحوى الخطاب لما كان معقولا من ظاهر اللفظ حمل الكلام عليه ~~وإن لم يكن مذكورا # وقولهم إن الحمل على الجميع دعوى عموم في المضمر وذلك لا يجوز غير مسلم ~~لأن المضمر كالمظهر ويجوز دعوى العموم فيه كما يجوز في المظهر # وقوله إن الحمل عليها يؤدي إلى التناقض غلط لأنه لو كان متناقضا لما صح ~~الجمع بينهما بصريح النطق كما لا يجوز في سائر المعاني المتناقضة ولما صح ~~أن يقول لا نكاح كامل ولا جائز إلا بولي دل على أنه غير متناقض # وقولهم إنهما معنيان مختلفان فلا يحمل اللفظ عليهما لا يسلم أيضا فإن ~~عندنا يجوز حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين وقد بينا ذلك فيما ms085 تقدم ~~فأغنى عن الإعادة PageV01P205 # قالوا أحكام العين غير معقولة عند العرب ومالا يعقل في اللغة من ظاهر ~~اللفظ لم يجز حمل الكلام عليه من غير دليل كسائر المجملات # قلنا لا نسلم أن الأحكام لا تعقل بل ذلك معقول عندهم # ألا ترى أنه إذا قال لعبده رفعت عنك جريرتك وأسقطت عنك جنايتك عقل من ذلك ~~أحكام الفعل فبطل ما قالوه PageV01P206 $ مسألة 11 # يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة في قول المزني وأبي ~~العباس وعامة أصحابنا # وقال بعضهم لا يجوز ذلك وهو قول المعتزلة # وقال بعض شيوخنا يجوز تأخير بيان المجمل ولا يجوز تأخير بيان العموم ~~PageV01P207 # وقال بعضهم يجوز تأخير بيان العموم ولا يجوز تأخير بيان المجمل # ومن الناس من قال يجوز ذلك في الأخبار دون الأمر والنهي # ومنهم من عكس ذلك فأجاز في الأمر والنهي دون الأخبار # لنا قوله تعالى @QB@ الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت @QE@ وقوله @QB@ فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه @QE@ وثم تقتضي المهلة والتراخي فدل ~~على أن التفصيل والبيان يجوز أن يتأخر عن الخطاب # وأيضا هو أن الله تعالى أوجب الصلوات الخمس ولم يبين أوقاتها ولا أفعالها ~~حتى نزل جبريل عليه السلام فبين للنبي صلى الله عليه وسلم كل صلاة في وقتها ~~وبين النبي صلى الله عليه وسلم أفعالها للناس في أوقاتها وقال صلوا كما ~~رأيتموني أصلي وكذلك أمر بالحج وأخر النبي صلى الله عليه وسلم بيانه إلى أن ~~حج ثم قال خذوا عني مناسككم ولو لم يجز التأخير لما أخر عن وقت الخطاب # ويدل عليه هو أن البيان إنما يحتاج إليه الفعل المأمور به كما يحتاج إلى ~~PageV01P208 القدرة لفعل المأمور به ثم يجوز تأخير الاقتدار عن وقت الخطاب ~~إلى وقت الحاجة فكذلك تأخير البيان # وأيضا هو أن النسخ تخصيص الأزمان كما أن التخصيص تخصيص الأعيان ثم تأخير ~~بيان النسخ يجوز عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة وكذلك تأخير بيان التخصيص # فإن قيل لا نسلم النسخ فإنه لا يجوز تأخير بيانه حتى يشعر ms086 عند الخطاب ~~بنسخه # قيل إن أردتم بذلك أنه لا يجوز حتى يشعر بوقت النسخ فهذا لا يقوله أحد ~~ومتى قرن بالخطاب بيان الوقت لم يعد ذلك نسخا ولهذا لم يقل أحد إن قوله ~~تعالى @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ يصير منسوخا بدخول الليل # وإن أردتم به أنه لا بد من أن يشعر بالنسخ في الجملة فخطأ لأن الله تعالى ~~أمر بأشياء ثم نسخها كالتوجه إلى بيت المقدس وغيرها ولم يقرن بشيء منها ~~الأشعار بأنه ينسخه فيما بعد فدل على أن ذلك لا يجب # وعلى أن وقت النسخ لا يجب بيانه عند الخطاب فيجب أن يكون المخصوص من ~~العموم لا يجب بيانه عند الخطاب # فإن قيل تأخير بيان النسخ لا يخل بصحة الأداء فيما مضى من الزمان وتأخير ~~بيان التخصيص يخل بصحة الأداء # قلنا لا يخل بصحة الأداء لأنه بينه عند الحاجة إلى الفعل فيتأدى الفعل ~~على حسب المراد # واحتجوا بأن المراد يخص مرة بالاستثناء ومرة بالدليل ثم التخصيص ~~بالاستثناء لا يجوز أن يتأخر عن العموم وكذلك التخصيص بالدليل PageV01P209 # قلنا الاستثناء لا يستقل بنفسه ولا يفيد معنى فلم يجز تأخيره والتخصيص ~~بالدليل يستقل بنفسه مفيدا فجاز تأخيره # ويدلك عليه أن الاستثناء لو تقدم على الخطاب لم يجز ولو تقدم الدليل ~~الموجب للتخصيص جاز فافترقا # قالوا ولأن البيان مع المبين بمنزلة الجملة الواحدة ألا ترى أنهما ~~لمجموعهما يدلان على المقصود فهما كالمبتدأ والخبر ولا خلاف أنه لا يحسن ~~تأخير الخبر عن المبتدأ بأن يقول زيد ثم يقول بعد حين قائم فكذلك تأخير ~~البيان # قلنا فيما ذكرتم إنما لم يصح لأن التفريق بينهما ليس من أقسام الخطاب ~~وأنواع كلامهم وليس كذلك إطلاق العموم والمجمل فإنه من أقسام خطابهم وأنواع ~~جوابهم لأنهم يتكملون بالعموم والمجمل وإن افتقر إلى البيان فافترقا # قالوا ولأنه إذا ورد اللفظ العام وتأخر بيانه اعتقد السامع عمومه وذلك ~~اعتقاد جهل فيجب أن لا يجوز # قلنا يبطل به إذا أخر بيان النسخ فإن السامع يعتقد عمومه وهو اعتقاد جهل ~~وقد جوزناه ms087 على أن عندنا يعتقد عمومه بشرط أن لا يكون هناك ما يخصه وإذا ~~ورد التخصيص علمنا أن المخصوص لم يدخل في العموم # قالوا ولأنه إذا خوطب بلفظ والمراد به غير ظاهره فقد خاطب بغير ما يقتضيه ~~اللفظ وذلك لا يجوز كما لو قال اقتلوا المسلمين والمراد به المشركين أو قال ~~قوموا والمراد اقعدوا # قلنا هذا يبطل بتأخير بيان النسخ فإنه خاطب بغير ما يقتضيه اللفظ لأن ~~اللفظ يقتضي التأبيد ثم يجوز PageV01P210 # وأما إذا قال اقتلوا المسلمين والمراد به المشركين وقوموا والمراد به ~~اقعدوا فإنما لم يجز لأن أحد هذين اللفظين لا يستعمل في موضع الآخر بوجه من ~~وجوه الاستعمال لا على وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز والخطاب بأحدهما في ~~موضع الآخر خارج عن أقسام كلامهم وليس كذلك العام المخصوص والمجمل المفتقر ~~إلى البيان فإنه معتاد في كلامهم جار في خطابهم فافترقا # قالوا ولأنه إذا أخر البيان لم يدل الكلام على المقصود ولا يجوز أن يخاطب ~~بشيء ولا يدل على المقصود به كما لو خاطب العربي بالعجمية والفارسي ~~بالتركية # قلنا هذا يبطل به إذا أطلق الخطاب ولم يبين وقت النسخ فإنه لم يدل على ~~المقصود ومع ذلك فإنه يجوز # وأما خطاب العربي بالعجمية والفارسي بالتركية فهو حجة عليهم لأن الله ~~تعالى خاطب العجم بالعربية وإن لم يدلهم على المقصود حال الخطاب فيجب أن ~~يجوز بالعام والمجمل وإن لم يدل فيهما على المقصود # قالوا ولأن المجمل إذا تأخر بيانه لم يفد شيئا فصار كالخطاب بلفظ مهمل # قلنا لا نسلم أنه لا يفيد شيئا بل يفيد فائدة صحيحة # ألا ترى أن العربي إذا سمع قوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ عقل ~~من ذلك تعلق حق بالزرع في يوم الحصاد وإن لم يعرف جنسه وقدره ويخالف اللفظ ~~المهمل فإنه لا يفيد معنى أصلا فلم يجز الخطاب به # قالوا لو جاز تأخير البيان لجاز للرسول عليه السلام تأخير البلاغ عن الله ~~تعالى وقد أمره الله بالتبليغ فقال @QB@ بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن ms088 لم ~~تفعل فما بلغت رسالته @QE@ # والجواب أن عندنا تأخير البلاغ جائز والأمر الوارد في ذلك لا يقتضي الفور ~~بإطلاقه PageV01P211 & مسائل المطلق والمقيد $ مسألة 1 # لا يحمل المطلق على المقيد في حكمين مختلفين كآية الظهار والقتل من غير ~~دليل # ومن أصحابنا من قال يحمل المطلق على المقيد بنفس اللفظ # لنا هو أن اللفظ المقيد لا يتناول المطلق فلا يجوز أن يحكم فيه بحكمه من ~~غير علة # ألا ترى أن البر لما لم يتناول الأرز لم يجز أن يحكم فيه بحكمه من غير ~~علة فكذلك هاهنا # ولأن اللفظ المطلق لا يتناول المقيد فلو جاز أن يجعل المطلق مقيدا لتقييد ~~PageV01P212 غيره لجاز أن يجعل القيد مطلقا لإطلاق غيره ولما لم يجز أحدهما ~~لم يجز الآخر # وأيضا هو أنه لو جاز أن يجعل ما أطلق مقيدا لتقييد غيره لجاز أن يجعل ~~العام خاصا لتخصيص غيره ولوجب أن يجعل المطلق مشروطا لدخول الشرط في غيره ~~وهذا يمنع التقييد بالكلام ويبطل الفرق بين العام والخاص وهذا لا يجوز # واحتجوا بأن حمل المطلق على المقيد من جهة اللفظ لغة العرب # ألا ترى أن الله تعالى قال @QB@ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات @QE@ وأراد نقص من الأنفس ونقص من الثمرات ولكنه ~~لما قيده بالأنفس اكتفى به في الباقي وقال الله تعالى @QB@ والذاكرين الله ~~كثيرا والذاكرات @QE@ فقيافي أحد الجنسين واكتفى به في الجنس الآخر وقال ~~الشاعر % وما أدري إذا يممت أرضا % أريد الخير أيهما يليني % % هو الخير ~~الذي أنا أبتغيه % أم الشر الذي هو يبتغيني % $ # فاكتفى بأحدهما عن الآخر وقال الآخر PageV01P213 % أنا الرجل الحامي ~~الذمار وإنما % يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي % $ # فاكتفى بأحدهما عن الآخر # والجواب أن فيما ذكروه إنما يحمل المطلق على المقيد لأنه لو لم يحمل ~~الثاني على الأول لالتبس الكلام ولم يفد فحمل أحدهما على الآخر لموضع ~~الضرورة وليس هاهنا ضرورة تقتضي الحمل ولفظ أحدهما لا يتناول الآخر فحمل كل ~~واحد منهما على ظاهره # واحتجوا بأن القرآن من فاتحته إلى خاتمته ms089 كالكلمة الواحدة فوجب ضم بعضه ~~إلى بعض # قلنا هذا دعوى فكيف يكون كذلك وهو يشتمل على معان مختلفة وأصناف شتى من ~~القصص والأمثال والأحكام وغير ذلك # ثم لو كان هذا يوجب حمل بعضه على بعض لوجب أن يخص كل عام فيه لأن فيه ما ~~هو مخصوص ويجعل كل أمر فيه ندبا لأن فيه ما هو مندوب وللزم أن يجعل ما قيده ~~فيه مطلقا ولم يكن حمل المطلق على المقيد بأولى من حمل المقيد على المطلق ~~ولما بطل هذا بطل ما قالوه PageV01P214 $ مسألة 2 # يجوز حمل المطلق في أحد الحكمين على المقيد في الحكم الآخر PageV01P215 ~~من جهة القياس كالرقبة المطلقة في كفارة الظهار على الرقبة المقيدة في ~~كفارة القتل بالإيمان # وقال أصحاب أبي حنيفة لا يجوز # لنا هو أن هذا تخصيص عموم لأن قوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة @QE@ عام في ~~الرقبة المؤمنة والكافرة فإذا قلنا إن الكافرة لا تجوز خصصنا الكافرة من ~~العموم بالقياس وتخصيص العموم بالقياس جائز كسائر العمومات # واحتجوا بأن هذه زيادة في النص والزيادة في النص نسخ عندنا والنسخ ~~بالقياس لا يجوز # والجواب أن هذا ليس بزيادة وإنما هو نقصان بالحقيقة لأن اللفظ المطلق ~~يقتضي جواز كل رقبة مؤمنة كانت أو كافرة فإذا منعنا الكافرة فقد أخرجنا بعض ~~ما يقتضيه الظاهر وذلك نقصان وتخصيص فأما أن يكون زيادة فلا # فإن قيل التخصيص هو أن يخرج من اللفظ بعض ما تناوله وقوله تعالى @QB@ ~~فتحرير رقبة @QE@ لا يتناول الإيمان فمن اعتبر ذلك فقد زاد شرطا لا يقتضيه ~~اللفظ فدل على أنه زيادة # قلنا اللفظ وإن لم يتناول الإيمان فقد تناول الكافرة فإذا قلنا إن ~~الكافرة لا تجزي فقد أخرجنا من اللفظ بعض ما تناوله بعمومه فكان ذلك تخصيصا # وعلى أن الزيادة عندنا ليست بنسخ فلا يصح ما بنوا عليه من الدليل ~~PageV01P216 # قالوا ولأن الرقبة في الظهار منصوص عليها وفي القتل منصوص عليها وقياس ~~المنصوص على المنصوص لا يجوز ولهذا لم يجز قياس صوم التمتع على صوم الظهار ~~في إيجاب التتابع ولا ms090 صوم الظهار على صوم التمتع في إيجاب التفريق # ولهذا لم يجز قياس حد السرقة على حد قاطع الطريق في إيجاب قطع الرجل # ولهذا لم يجز قياس التيمم على الوضوء في إيجاب مسح الرأس والرجل # والجواب أن في صوم التمتع وصوم الظهار نص على حكمين متضادين فحمل أحدهما ~~على الآخر إبطال للنص وليس كذلك هاهنا فإن اللفظ في الظهار مطلق وفي القتل ~~مقيد وفي أحدهما عام مطلق وفي الآخر خاص مبين فيحمل أحدهما على الآخر # وأما حد السرقة فإنما لم يحمل على قطاع الطريق ولا آية التيمم على آية ~~الوضوء في مسح الرأس والرجل لأن الإجماع منع منه ومن شرط القياس أن لا ~~يعارضه إجماع وهاهنا لم يعارضه إجماع ولا غيره فجاز قياس أحدهما على الآخر ~~كقياس التيمم على الوضوء في إيجاب المرفقين لما لم يعارضه إجماع ولا غيره ~~أجزناه PageV01P217 & مسائل دليل الخطاب $ مسألة 1 # إذا علق الحكم في الشيء على صفة من صفاته دل على أن ما عداها يخالفه # وقال أبو العباس بن سريج وأبو بكر القفال والقاضي أبو حامد رحمهم الله ~~وقوم من المتكلمين لا يدل على المخالفة وهو قول أصحاب أبي حنيفة ~~PageV01P218 # وحكي عن بعضهم أنه فرق بين المعلق على غاية والمعلق على غير غاية # وحكي عن بعضهم أنه فرق بين أن يكون بلفظ الشرط وبين أن لا يكون بلفظ ~~الشرط # لنا ما روي أن يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ما بالنا ~~نقصر وقد أمنا وقد قال الله تعالى @QB@ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا @QE@ فقال عمر ~~عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله ~~بها عليكم فاقبلوا صدقته وهذا دليل على أن تعليق القصر بالخوف اقتضى أن حال ~~الأمن لا يجوز حتى عجب منه عمر ويعلى وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ~~ذلك # وروي أن ابن عباس خالف الصحابة في توريث الأخت مع ms091 البنت واحتج بقوله ~~تعالى @QB@ إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك @QE@ وهذا تعلق ~~بدليل الخطاب وأنه لما ثبت ميراث الأخت عند عدم الولد دل على أن عند وجوده ~~لا تستحقه وهو من فصحاء الصحابة وعلمائهم ولم ينكر أحد استدلاله فدل على أن ~~ذلك مقتضى اللغة PageV01P219 وأيضا هو من الأنصار قالوا لا غسل من التقاء ~~الختانين واحتجوا بقوله عليه السلام الماء من الماء وهذا استدلال بدليل ~~الخطاب # ومن قال منهم أنه يجب الغسل أجاب بأن الماء من الماء منسوخ وهذا اتفاق ~~منهم على دليل الخطاب # فإن قيل لا نسلم أنهم رجعوا في هذه المواضع إلى دليل الخطاب وإنما رجعوا ~~إلى الأصل وذلك أنهم أثبتوا القصر والميراث والغسل في المواضع التي تناولها ~~الخطاب بالنطق ورجعوا فيما لا خطاب فيه إلى الأصل وهو أنه لا قصر ولا ميراث ~~ولا غسل # قلنا لم يرجعوا في هذه المواضع إلا إلى موجب النطق ودليل الخطاب # ألا ترى أن يعلى بن أمية قال لعمر ما بالنا نقصر وقد أمنا وقد قال الله ~~تعلى @QB@ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا @QE@ فتعلق بموجب النطق ولم يقل ~~والأصل هو الإتمام # وقالت الصحابة رضي الله عنهم قوله الماء من الماء كان رخصة وقد نسخ ~~وأرادوا دليل الخطاب ولو رجعوا في ذلك إلى الأصل لما وصفوه بالنسخ لأن ~~النسخ رفع ما ثبت بالشرع فأما ما كانوا عليه في الأصل ونقل إلى غيره فلا ~~يقال إنه منسوخ فدل على أن المحتج منهم إنما احتج بدليل الخطاب # وأيضا هو أن ضم الصفة إلى الاسم يقتضي المخالفة والتمييز في كلام العرب # ألا ترى أنهم لا يقولون أعط زيدا الطويل وعمرا القصير والطويل والقصير ~~عندهم واحد فدل على أن موضوع اللفظ المخالفة والتمييز PageV01P220 # ولأن تقييد الاسم العام بالصفة يقتضي التخصيص ألا تراه لو لم يقيد الغنم ~~بالسوم اقتضى السائمة والمعلوفة فإذا قيدها بالسوم منع هذا التقييد دخول ~~المعلوفة واقتضى اختصاص الزكاة بالسائمة وكل ما اقتضى تخصيص الاسم العام ~~وجب أن يقتضي ms092 المخالفة والدليل عليه سائر الألفاظ التي يخص بها العموم # ولأنه قيد الحكم بما لو انتزع منه لعم فوجب أن يتضمن النفي والإثبات ~~كالاستثناء والغاية # وأيضا فإنه إذا قال طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا ~~إحداهن بالتراب أفاد تعليق الطهارة بالسبع فمتى طهرناه بما دون السبع خرج ~~السبع عن أن يكون مطهرا لأن الغسلة السابعة ترد والمحل محكوم بطهارته وهكذا ~~إذا قال في سائمة الغنم زكاة # أفاد تعلق الوجوب بالسائمة فمتى أوجبنا الزكاة في المعلوفة أخرجنا ~~السائمة عن أن يتعلق بها الوجوب # واحتجوا بأن إثبات الحكم بدليل الخطاب إما أن يكون بالعقل ولا مجال له ~~فيه أو بالنقل ولا يخلو إما أن يكون ذلك تواترا أو آحادا ولا يجوز أن يكون ~~تواترا لأنه لو كان فيه تواتر لعلمناه كما علمتم ولا يجوز أن يكون آحادا ~~لأنه من مسائل الأصول ولا يكفي في إثباتها خبر الواحد # قلنا قد أثبتناها بالنقل وهو ما رويناه عن الصحابة رضي الله عنهم ~~PageV01P221 # فإن قيل إلا أنه من طريق الآحاد فلا تثبت به مسائل الأصول # قيل هو وإن كان من أخبار الآحاد إلا أنه يجري مجرى التواتر لأن الأمة ~~تلقته بالقبول فاتفقت على صحته وإن اختلفت في العمل به # قالوا وأيضا هو أن الصفات وضعت للتمييز بين الأنواع كما وضعت الأسماء ~~للتمييز بين الأجناس ثم تعليق الحكم على الاسم لا يقتضي نفيه عما عداه ~~فكذلك تعليقه على الصفة # والجواب أن من أصحابنا من قال أن تعليق الحكم على الاسم يقتضي نفيه عما ~~عداه وهو قول أبي بكر الدقاق فعلى هذا لا نسلم # وإن سلمنا ذلك على ظاهر المذهب فالفرق بينهما من وجوه # أحدها هو أن العرب قد تجمع بين الأجناس المختلفة في الحكم وتنص على اسم ~~كل واحد منها ألا تراها تقول اشتر لحما وتمرا وخبزا ولا تقيد الحكم بالصفة ~~والموصوف بتلك الصفة وضدها واحد ألا تراها لا تقول اشتر لحما مشويا والمشوي ~~والنيء عندها سواء ولا اشتر تمرا برنيا والبرني وغيره عندهم ms093 سواء # والثاني أن تعليق الحكم على بعض الأسماء لا يمنع تعليقه بغيرها من ~~الأسماء # ألا ترى أنه إذا أجب الزكاة في الغنم ثم أوجبها في البقر لم يمنع تعلقها ~~بالبقر من تعلقها بالغنم وتعليق الحكم على أحد صفتي الشيء يمنع تعلقه بضدها ~~ألا ترى أنه إذا علق الزكاة على سائمة الغنم ثم أوجبها في المعلوفة خرج عن ~~أن يكون الوجوب متعلقا بالسائمة وبقيت الزكاة معلقة على الاسم فقط ~~PageV01P222 # والثالث هو أن تعليق الحكم بالاسم لا يقتضي تخصيص اسم عام فلم يقتض ~~المخالفة وتعليقه بالصفة يقتضي تخصيص اسم عام والتخصيص لا يكون إلا بما ~~يقتضي المخالفة كالاستثناء والغاية # ولأن الاسم لا يجوز أن يكون علة في الحكم فتعليق الحكم عليه لا يقتضي ~~المخالفة والصفة يجوز أن تكون علة في الحكم فتعليق الحكم عليه يقتضي ~~المخالفة # قالوا لو كان إيجاب الزكاة في السائمة يوجب نفي الزكاة عن المعلوفة لكان ~~التسوية بينهما في إيجاب الزكاة مناقضة ولما جاز أن يقول في سائمة الغنم ~~زكاة وفي معلوفتها الزكاة دل على أن الإيجاب في أحد النوعين لا يقتضي النفي ~~عن النوع الآخر # قلنا يبطل بالغاية فإنها تقتضي المخالفة على قول كثير منهم وإن جاز أن ~~يصرح فيما بعدها بحكم ما قبلها وعلى أن اللفظ يجوز أن يدل بظاهره على معنى ~~ثم يترك ظاهره بما هو أقوى منه كالأمر يدل ظاهره على الإيجاب ثم يدل الدليل ~~على أن المراد به الاستحباب فيترك ظاهره ولا يدل على أن في الأصل لا يقتضي ~~الوجوب فكذلك هاهنا اللفظ بظاهره يدل على النفي والإثبات ثم إذا صرح في ~~الوجهين بالتسوية ترك الظاهر وحمل على ما اقتضاه التصريح # قالوا ولأنه ليس في كلام العرب كلمة تدل على شيئين متضادين وعندكم أن هذا ~~اللفظ يدل على إثبات الحكم ونفيه وهذا خلاف اللغة # قلنا هذا يبطل بلفظ الغاية وأنه قد دل على إثبات الحكم فيما قبل الغاية ~~ونفيه عما بعدها وهما متضادان فكذلك الأمر بالشيء يدل على وجوب المأمور ~~والانتهاء عن ضده وهما ms094 متضادان # قالوا ولأن دليل الخطاب مفهوم الخطاب ومفهوم الخطاب ما وافقه كالتنبيه ~~والقياس ودليل الخطاب ضد الخطاب فلا يجوز أن يكون مفهوما منه PageV01P223 # قلنا هذا يبطل بالأمر بالشيء فإنه يفهم منه النهي عن ضده وإن كان ضد ~~اللفظ # وأما القياس والتنبيه فإنهما وافقا الخطاب لأنهما مفهومان من معناه ~~والدليل مفهوم من جهة التخصيص فكان مخالفا له كحكم ما بعد الغاية # قالوا ولأنه لو كان للنطق دليل لكان معه بمنزلة الخطابين ولو كان كذلك ~~لما جاز تركه بالقياس كما لا يجوز ترك الخطاب ولوجب إذا نسخ الخطاب أن يبقى ~~الدليل كما إذا نسخ أحد الخطابين بقي الخطاب الآخر # قلنا لا نقول إن الدليل مع الخطاب بمنزلة الخطابين بل هو بعض مقتضاه وإذا ~~كان ذلك بعض مقتضاه جاز تركه بالقياس كما يجوز ترك بعض ما اقتضاه العموم ~~بالقياس # وأما إذا نسخ الخطاب فمن أصحابنا من قال يبقى حكم الدليل والصحيح أنه ~~يسقط الدليل لأن الدليل مقتضى الخطاب ومفهومه فإذا بطل الخطاب بطل المفهوم ~~كما تقول الأمر بالشيء لما كان النهي عن ضده مقتضاه ومفهومه فمتى سقط الأمر ~~سقط النهي كذلك هاهنا ويخالف النطقين إذا نسخ أحدهما لأن أحدهما غير متعلق ~~بالآخر فنسخ أحدهما لا يوجب نسخ الآخر وهاهنا الدليل تابع للنطق ومستفاد ~~منه فإذا سقط الأصل سقط تابعه كما قلنا في النهي المستفاد من الأمر # قالوا لو كان دليل الخطاب يقتضي الحكم لكان ذلك مستنبطا من اللفظ وما ~~استنبط من اللفظ لا يجوز تخصيصه كالعلة # قلنا لا نقول أن الدليل مستنبط من اللفظ بل اللفظ يدل عليه بنفسه في ~~PageV01P224 اللغة وما يدل عليه اللفظ في اللغة جاز تخصيصه كسائر الألفاظ # قالوا لو كان تعليق الحكم على صفة الشيء يدل على نفيه عما عداها لوجب أن ~~لا يحسن فيه الاستفهام كما لا يحسن في نفس النطق # قلنا إنما حسن فيه الاستفهام لأنه يجوز أن يكون قد علق الحكم على أحد ~~صفتيه ليدل على المخالفة ويجوز أن يكون قد خص أحد وصفيه بالحكم للشرف ms095 ~~والفضيلة فحسن الاستفهام ليزول هذا الاحتمال ويخالف هذا النطق لأنه لا ~~احتمال فيه فلم يحسن فيه الاستفهام PageV01P225 $ مسألة 2 # إذا علق الحكم على صفة في جنس كقوله عليه السلام في سائمة الغنم الزكاة ~~دل على نفيه عما عداها في ذلك الجنس ولا يدل على النفي عما عداها في سائر ~~الأجناس # ومن أصحابنا من قال يدل على نفيه عما عداها في الأجناس كلها # لنا هو أن الدليل يقتضي النطق فإذا تناول النطق في سائمة الغنم وجب أن ~~يكون دليله يتناول معلوفة الغنم فقط # واحتجوا بأن السوم يجري مجرى العلة في تعليق الحكم عليها والعلة حيث وجدت ~~تعلق الحكم بها فكذلك هذا # قلنا لا نسلم أن السوم بمنزلة العلة ألا ترى أنه علق الحكم على مجموعها ~~ومتى تعلق الحكم بوصفين كان كل واحد منهما بعض العلة فلا يجوز تعلق الحكم ~~على أحدهما على الانفراد PageV01P226 $ مسألة 3 # قوله تعالى @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ يدل على المنع من الضرب من ناحية ~~المعنى # وكذلك قوله تعالى @QB@ إن الله لا يظلم مثقال ذرة @QE@ يدل على ما زاد ~~عليه من ناحية المعنى # وقال بعض أصحابنا يدل على ذلك من ناحية اللغة وهو قول عامة المتكملين ~~وبعض أهل الظاهر # لنا هو أن التأفيف في اللغة غير موضوع للضرب والذرة غير موضوعة لما زاد ~~عليها فوجب أن يكون المنع مما زاد مفهوما من طريق المعنى # واحتجوا بأن أهل اللسان يفهمون من هذا الكلام المنع مما زاد عليه ولهذا ~~PageV01P227 إذا قال لعبده إياك أن تقول لفلان عقل منه المنع عما زاد عليه # والجواب أنا لا نسلم أنهم يفهمون ذلك من اللفظ وكيف يفهم ذلك من اللفظ ~~واللفظ غير موضوع له وإنما يفهم ذلك من طريق المعنى لكن المعنى إذا كان ~~جليا اشترك الخاص والعام في إدراكه # وحكى أن ابن داود قال لأبي العباس بن سريج أن ذرتين فصاعدا ذرة وذرة فكل ~~ذرة منهما داخلة تحت الاسم فيكون اللفظ دالا على ما زاد فألزمه أبو العباس ~~نصف ذرة وقال لا يسمى ms096 نصف ذرة ذرة على أن المعنى دل عليه PageV01P228 $ ~~مسألة 4 # الاستدلال بالقران لا يجوز # ومن أصحابنا من قال يجوز وهو قول المزنى # لنا هو أن كل واحد من اللفظين المقترنين يقتضي غير ما يقتضيه الآخر فلا ~~يحمل أحدهما على ما يحمل عليه الآخر من جهة اللفظ كما لو وردا غير مقترنين ~~ويدل عليه هو أنه إذا جمعت بين شيئين علة في حكم لم يجب أن يستويا في جميع ~~الأحكام فكذلك إذا جمعهما لفظ صاحب الشرع لم يجب أن يستويا في جميع الأحكام # واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم لا يفرق بين مجتمعين ولم يفرق # والجواب هو أن هذا وارد في باب الزكاة وأن النصاب المجتمع في ملك رجلين ~~لا يفرق بينهما # واحتجوا بما روي عن أبي الصديق رضي الله عنه أنه قال في قتال PageV01P229 ~~مانعي الزكاة لا أفرق بين ما جمع الله قال الله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة @QE@ # وبما روي عن ابن عباس في العمرة إنها لقرينة الحج في كتاب الله تعالى قال ~~الله تعالى @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ # والجواب هو أن أبا أنا بكر رضي الله عنه أراد لا أفرق بين ما جمع الله في ~~الإيجاب بالأمر وكذلك ابن عباس إنها لقرينة الحج في الأمر والأمر يقتضي ~~الوجوب فكان الاحتجاج في الحقيقة بظاهر الأمر لا بالاقتران PageV01P230 $ ~~مسألة 5 # الواو تقتضي الترتيب في قول بعض أصحابنا وهو مذهب ثعلب وأبي عمر الزاهد ~~غلام ثعلب PageV01P231 # ومن أصحابنا من قال لا تقتضي الترتيب وهو قول أصحاب أبي حنيفة # لنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول من يطع الله ~~ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال له عليه السلام بئس الخطيب أنت قل ~~ومن يعص الله ورسوله فلو كانت الواو تفيد الجمع دون الترتيب لكان قد نهاه ~~عن شيء وأمره بمثله وذلك لا يجوز # وأيضا ما روي أن عبد بني الحسحاس أنشد عمر رضي الله عنه قوله % عميرة ودع ~~إن تجهزت غاديا % كفى الشيب والإسلام للمرء ms097 ناهيا % $ PageV01P232 # فقال عمر رضي الله عنه لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك فدل على أن ~~الواو اقتضت الترتيب # وأيضا ما روي أن رجلا قال لابن عباس رضي الله عنه كيف تقدم العمرة على ~~الحج وقد قدم الله الحج على العمرة فقال ابن عباس كما تقدم الدين على ~~الوصية فدل على أنهم فهموا من التقديم في اللفظ التقديم في الحكم # وأيضا هو أن رجلا لو كتب كتابا في معنى رجلين وقال أنفذت إليك فلانا ~~وفلانا سبق إلى فهم كل أحد من أهل اللغة أن المقدم في الذكر هو المقدم في ~~الرتبة فدل على أن الواو اقتضت الترتيب # ولأن المعنى نتيجة اللفظ واللفظ في أحدهما سابق فكان المعنى سابقا # ولأنه لو قال لامرأته التي لم يدخل بها أنت طالق وطالق وقعت الأولى دون ~~الثانية فلو كانت الواو للجمع دون الترتيب لوقعت الطلقتان كما لو قال أنت ~~طالق تطليقتين ولما وقعت الأولى دون الثانية دل على أن الأولى سبقت في ~~الوقوع ثم جاءت الثانية فصادفتها وهي بائن فلم تقع PageV01P233 # واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول ما شاء الله ~~وشئت فقال أمثلان أنتما قل ما شاء الله ثم شئت ولو كانت الواو تقتضي ~~الترتيب لما نقله عن الواو إلى ثم لأنهما في الترتيب سواء # والجواب هو إنما نقله عن الواو إلى ثم لأن الواو وإن اقتضت الترتيب فإنها ~~لا تقتضي المهلة وثم تقتضي المهلة فنقله عما لا يقتضي المهلة إلى ما يقتضي ~~المهلة في الاسمين المتفقين # قالوا ولأن الواو تدخل في الاسمين المختلفين بدلا من التثنية في الاسمين ~~المتفقين فإذا كان لفظ في الاسمين المتفقين لا يقتضي الترتيب وجب أن تكون ~~الواو في الاسمين المختلفين لا تقتضي الترتيب # والجواب أن هذه دعوى لا دليل عليها ثم هو باطل بتكرير الطلاق على من لم ~~يدخل بها # قالوا ولأنه لو كانت الواو تقتضي الترتيب لجاز أن تجعل في جواب الشرط ~~كالفاء ولما لم يجز أن تجعل جوابا للشرط دل على ms098 أنها لا تقتضي الترتيب # قلنا يبطل بثم فإنها لا تستعمل في جواب الشرط ثم تقتضي الترتيب # فإن قيل إنما لم يجعل ثم جوابا للشرط لأنها تقتضي المهلة ومن حكم ~~PageV01P234 الجواب أن لا يتأخر عن الشرط والواو لا تقتضي ذلك ولو اقتضت ~~الترتيب لجاز أن تجعل جوابا للشرط # قيل إن كانت ثم تقتضي المهلة فلم تجعل جوابا للشرط حتى لا يتأخر الجزاء ~~عن الشرط فكذلك الواو ولم تجعل جوابا للشرط لأنها تحتمل التراخي ومن حكم ~~الجزاء أن لا يتأخر عن الشرط فلم يجز أن تجعل جوابا للشرط لذلك # قالوا ولأنا رأينا الواو تستعمل في مواضع تحتمل الترتيب كقوله تعالى @QB@ ~~وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة @QE@ @QB@ وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا ~~@QE@ فلو رتبت الواو لم يجز أن يقدم في أحد الموضعين ما أخره في الموضع ~~الآخر وكقول الشاعر % ومنهل فيه الغراب ميت % كأنه من الأجون زيت % % سقيت ~~منه القوم واستقيت % $ # ومعلوم أنه استقى أولا ثم سقى فدل على أنه لا يقتضي الترتيب # قلنا ليس إذا استعملت في مواضع لا تحتمل الترتيب دل على أنها غير موضوعة ~~للترتيب ألا ترى أن ثم استعملت في مواضع لا تحتمل الترتيب كقوله تعالى @QB@ ~~فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون @QE@ والمراد به والله شهيد # وقول الشاعر PageV01P235 % كهز الرديني تحت العجاج % جرى في الأنابيب ثم ~~اضطرب % $ # ومعلوم أن الاهتزاز والاضطراب لا يفترقان ولا يدل على أن ثم غير موضوعة ~~للترتيب والتفريق # وعلى أن البيت الذي ذكره لا حجة فيه لأنه يحتمل أن يكون ذلك إخبارا عن ~~أفعال متفرقة لا يتعلق بعضها ببعض فتكون على الترتيب # قالوا لو كانت الواو ترتب لما حسن استعمال لفظ المقارنة فيه بأن تقول جاء ~~زيد وعمرو معا كما لا يجوز جاء زيد ثم عمر معا # قلنا يجوز أن يكون اللفظ يقتضي معنى ثم يتغير ذلك بما يدخل عليه من ~~الحروف والألفاظ # ألا ترى أن قوله زيد في الدار يقتضي الإخبار ثم تدخل عليه الألف فنقول ~~أزيد في الدار فيصير استفهاما فكذلك هاهنا ms099 PageV01P236 $ مسألة 6 # الباء إذا دخلت على فعل يتعدى من غير باء اقتضت التبعيض في قول بعض ~~أصحابنا وذلك مثل قوله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ # وقال أصحاب أبي حنيفة لا تقتضي التبعيض # لنا أن أهل اللسان فرقوا بين قولهم أخذت قميص فلان وبين قولهم أخذت بقميص ~~فلان فيحملون الأول على أخذ جميعه والثاني على التعلق ببعضه # ويدل عليه هو أنه إذا قال مسحت يدي بالمنديل ومسحت يدي بالحائط عقل من ~~ذلك كله التبعيض فدل على أن ذلك مقتضاه PageV01P237 # واحتجوا بأن الباء موضوعة لإلصاق الفعل بالمفعول يدلك عليه أنك تقول مررت ~~بزيد وكتبت بالقلم وطفت بالبيت فتفيد الباء إلحاق الفعل بالمفعول # والجواب عن ذلك كله هو أن في المرور والكتابة إنما حملا على الإلصاق لأن ~~الفعل لا يتعدى بغير الباء ألا ترى أنه لو قال مررت زيدا وكتبت القلم لم ~~يكن ذلك كلاما صحيحا فكان دخولها للإلصاق وهاهنا الفعل يتعدى إلى المفعول ~~ويلحق به من غير الباء فكان دخولها للتبعيض # وأما قولهم طفت بالبيت فإنا لا نحمله على التبعيض لأن الطواف عبارة عن ~~الجولان حول جميع البيت ألا ترى أنه إذا فاتته طائفة من البيت لم يسم طائفا ~~فروعي مقتضى اللفظ فجعلت الباء مزيدة في الكلام وليس كذلك قوله مسحت بالرأس ~~لأن الفعل يستعمل في البعض والكل فإذا دخلت الباء وجب أن يحمل على البعض ~~كما قلنا في قوله أخذت بقميصه PageV01P238 $ مسألة 7 # إنما تدخل في الكلام لإثبات الحكم في المذكور وحده ونفيه عما عداه وبه ~~قال القاضي أبو حامد مع نفيه لدليل الخطاب # وقال كثير من المتكلمين لا يقتضي نفي الحكم عما عداه # لنا هو أن هذا اللفظ لا يستعمل في عرف أهل اللسان إلا فيما ذكرناه يدلك ~~عليه هو أن رجلا لو قال لغيره هل في الدار غير زيد فقال له إنما في الدار ~~زيد كان ذلك بمنزلة قوله ليس في الدار غير زيد ولو لم يقتض إثبات الحكم في ~~المذكور والنفي عما عداه لما صار بذلك مجيبا ويدلك عليه قوله ms100 تعالى @QB@ ~~إنما الله إله واحد @QE@ والمراد به لا إله إلا واحد وقول الشاعر % أنا ~~الرجل الحامي الذمار وإنما % يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي % $ # والمراد به ما ذكرناه # واحتجوا بأن هذه الكلمة تدخل في الكلام لتأكيد المذكور أما في نفي أو ~~إثبات وقد بينا أن النفي لا يدل على الإثبات والإثبات لا يدل على النفي # والجواب أنا قد بينا أنه يدخل لإثبات الحكم المذكور بعده ونفي ما عداه ~~فسقط ما قالوه PageV01P239 & مسائل الأفعال $ مسألة 1 # ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وعلم أنه فعله على وجه الوجوب أو ~~الاستحباب أو الإباحة شاركته الأمة فيه # وكذلك ما أمر به شاركته الأمة فيه ما لم يدل الدليل على تخصيصه # وقالت الأشعرية لا تشاركه فيه الأمة إلا بدليل PageV01P240 # لنا قوله تعالى @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ فاتبعوه @QE@ وقوله تعالى @QB@ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ~~لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا @QE@ ~~فأخبر أنه زوجه بامرأة زيد ليدل على أنه يجوز لكل أحد أن يتزوج امرأة من ~~تبناه # وأيضا ما روي أن رجلا سأل أم سلمة رضي الله عنها عمن قبل امرأته وهو صائم ~~فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ألا أخبرته أني أفعل ذلك # فدل على أن ما كان مباحا له فهو مباح لأمته # وأيضا هو أن الصحابة رضي الله عنهم كانت ترجع في الاستدلال على الأشياء ~~إلى أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم فدل على ما ذكرناه # واحتجوا بأن ما فعله أو أمر به يجوز أن يكون مصلحة له خاصة لا مصلحة ~~لغيره فيه فجيب أن لا يتعدى إلى غيره إلا بدليل # والجواب هو أنه لا يجوز ذلك لأن الشرع ورد باتباعه فيه والاقتداء به فوجب ~~أن يتبع # قالوا ما وجد فيه من الفعل لا يتعداه وما أمر به لا يتناول غيره فوجب أن ~~لا يشاركه فيه غيره إلا بدليل # والجواب هو أنا قد دللنا على وجوب ms101 اتباعه والتسوية بينه وبين غيره في ~~الأحكام فبطل ما قالوه PageV01P241 $ مسألة 2 # ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلم على وجه فعله وجب التوقف ~~فيه حتى يقوم الدليل عليه في قول أكثر أصحابنا وحكى ذلك عن أبي بكر الدقاق ~~وهو قول أكثر المتكلمين # ومن أصحابنا من قال يقتضي الندب حكى ذلك عن أبي بكر الصيرفي والقفال ~~والقاضي أبي حامد # وقال بعضهم يحمل ذلك على الوجوب حكي ذلك عن أبي PageV01P242 العباس وأبي ~~سعيد وابن خيران وهو مذهب مالك # لنا أن فعله يحتمل الوجوب والاستحباب والإباحة # والدليل عليه هو أن صورة الفعل في الجميع واحدة وإذا احتمل هذه الوجوه لم ~~يكن حمله على بعضها بأولى من الحمل على الباقي فوجب التوقف # ولأن القطع فيه بالوجوب أو الندب لا يخلو إما أن يكون من غير اعتبار ~~الوجه الذي وقع عليه الفعل فيجب أن يقطع بذلك وإن علم أنه فعله على غير ذلك ~~الوجه وهذا لا يقوله أحد وإما أن يكون القطع مع اعتبار الوجه الذي وقع عليه ~~الفعل فيجب أن لا يقطع ما لم يعلم الوجه الذي وقع عليه الفعل # واحتج من قال بالندب بقوله تعالى @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة @QE@ وحسن التأسي يقتضي الندب والاستحباب PageV01P243 # قلنا هذا دليل لنا لأن التأسي هو أن تفعل كفعله وهذا لا يعلم من صورة ~~الفعل فيجب التوقف فيه حتى يرد الدليل # قالوا الندب متيقن لأنه أقل أحوال القرب فوجب أن يحمل اللفظ عليه # قلنا هذا يعارضه بأن في الإيجاب احتياط فوجب أن يحمل اللفظ عليه لأنه ~~ربما كان واجبا فلا يخرج منه إلا الفعل وإذا بطل هذا في الإيجاب بطل ما ~~قالوه في الندب # واحتج من ذهب إلى الوجوب بقوله عز وجل @QB@ فاتبعوه @QE@ # قلنا الاتباع أن يفعل كفعله # يدلك عليه هو أنه لو فعله على وجه الوجوب وفعلناه على وجه الندب لم نكن ~~متبعين له وإذا ثبت هذا فإن ما يمكن فيه الاتباع إذا علم وجه الفعل الذي ~~وقع عليه ms102 الفعل فنتبعه فيه فأما ما لم يعلم فيه وجه الفعل فلا يمكن فيه ~~الاتباع # فإن قيل الخبر يقتضي وجوب المتابعة في الفعل وذلك يمكن وإن لم يعلم حال ~~الفعل كما تقول في الصلاة فإن تصح المتابعة فيها وإن لم تعلم نية الإمام # قلنا هذا مخالف للمتابعة في الصلاة لأن هناك المتابعة تقع في الأفعال ~~الظاهرة وذلك يمكن وإن لم تعلم نية الإمام وهاهنا تقع في الفعل على جهته ~~ألا ترى أنه لو فعله واجبا لم يجز فعله ندبا ولو صلى الإمام صلاة فرض جاز ~~أن نتبعه في النفل فافترقا # واحتجوا بقول الله تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره @QE@ والأمر ~~يقع على القول وعلى الفعل والدليل عليه قوله تعالى @QB@ وأمرهم شورى بينهم ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض @QE@ والمراد بذلك ~~كله الفعل PageV01P244 # والجواب هو أن إطلاق الأمر يتناول القول خاصة ولا يحمل على الفعل من غير ~~دليل # وعلى أن قوله @QB@ عن أمره @QE@ كناية والكناية ترجع إلى أقرب مذكور ~~وأقرب مذكور هو الله تعالى لأنه قال @QB@ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم ~~لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره @QE@ والظاهر أن الكناية عائدة إليه ~~وأمر الله تعالى هو الذي يستدعي به الفعل وذلك واجب # ولأن هذا يقتضي أمرا تصح فيه الموافقة وترك المخالفة وهو الذي علم صفته ~~فيوافقه فيه وهذا إنما يكون فيما علم منه وجه الفعل # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول @QE@ التغابن 6412 ~~ولم يفرق # قلنا الطاعة موافقة الأمر والعصيان مخالفته وهذا إنما يكون فيما علم وجه ~~الفعل فيه ونحن لا نعلم حال هذا الفعل فلا يدخل في الآية # واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعله في الصلاة فخلع ~~الناس نعالهم ثم قالوا رأيناك خلعت نعلك فخلعنا نعالنا فدل على أن متابعته ~~فيما يفعل واجبة # قلنا هذا خبر الواحد فلا يجوز أن يستدل به على إثبات أصل من الأصول # وعلى أنهم إنما تبعوه في خلع النعل لأنه كان قد أمرهم باتباعه في الصلاة ~~ألا ms103 تراه قال صلوا كما رأيتموني أصلي فلما خلع نعله ظنوا أن ذلك مما شرع في ~~الصلاة فتبعوه امتثالا لقوله عليه السلام # قالوا روي أن أم سلمة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية انحر ~~هديك حيث وجدته واحلق فإنهم يحلقون فتبعوه فدل على أن فعله يقتضي الوجوب ~~PageV01P245 # قلنا إنما تبعوه في الحلق والذبح لأنه اقترن به دليل من جهة القول وهو ~~قوله عليه السلام اذبحوا واحلقوا وكلامنا في الفعل المجرد هل يقتضي الوجوب # قالوا أيضا إن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في التقاء الختانين هل يوجب ~~الغسل فرجعوا إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث روت عائشة رضي الله ~~عنها فعلته أنا ورسول الله عليه السلام فاغتسلنا # والجواب هو روي أنها روت إذا التقى الختانان وجب الغسل فصاروا في الإيجاب ~~إلى القول # قالوا ولأنا لا نأمن من أن يكون واجبا فنتركه وذلك لا يجوز فيجب إيجابه ~~احتياطا # قلنا ولأنا لا نأمن أن لا يكون واجبا فيعتقد وجوبه وذلك لا يجوز # قالوا ولأن البيان تارة يقع بالقول وتارة بالفعل ثم ثبت أن القول يقتضي ~~الوجوب فكذلك الفعل # قلنا القول له صيغة تدل على الاستدعاء فحمل عليه والفعل ليس له صيغة تدل ~~على الاستدعاء فوزانه من الأقوال ما لا يدل على الإيجاب كالخبر عن غيره فلا ~~يحمل على الإيجاب علينا # قالوا ولأنه عليه السلام لا يفعل إلا حقا وصوابا فوجب أن يتبع فيه # قلنا الاتباع إنما يكون بأن تفعل على حسب فعله حتى يكون ذلك حقا وصوابا ~~وهذا لا يمكن فيما لا نعلم فيه حال الفعل فوجب التوقف PageV01P246 $ مسألة ~~3 # البيان يصح بالفعل وهو أن يفعل بعض ما دخل تحريمه في العموم ويدل ذلك على ~~تخيص العموم # ومن أصحابنا من قال لا يجوز البيان بالفعل ولا يخص به العموم وحكي ذلك عن ~~أبي إسحاق وهو قول أبي الحسن الكرخي # لنا قوله تعالى @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة @QE@ ولم يفصل ~~وقوله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم ms104 @QE@ ولم يفرق بين القول والفعل # ويدل عليه هو أنه لما ذكر له أن قوما يكرهون استقبال القبلة فقصد بفروجهم ~~أمر بأن تحول مقعدته إلى القبلة إلى بيان تخصيص العموم الوارد في التحريم ~~بفعله فدل على أن التخصيص يقع به # ويدل عليه هو أن ما خرج منه ابتداء فهو شرع له ولغيره فكذلك ما خرج بعد ~~العموم # واحتجوا بأن تخصيص العموم أحد نوعي البيان فلا يجوز بفعله كالنسخ ~~PageV01P247 # والجواب أن من أصحابنا من أجاز النسخ بفعله وإن سلمنا لم يمتنع لأن لا ~~يجوز النسخ ويجوز التخصيص ألا ترى أن نسخ الكتاب بالسنة لا يجوز ويجوز ~~تخصيصه بها فدل على أن الفرق بينهما # قالوا ولأن ما فعله يحتمل أن يكون تخصيصا له ويحتمل أن يكون هو وغيره فيه ~~سواء فلا يترك العموم المتيقن بأمر محتمل # قلنا هو وإن احتمل الوجهين إلا أن الظاهر أنه هو وغيره فيه سواء فوجب أن ~~يحمل الأمر على الظاهر PageV01P248 $ مسألة 4 # إذا تعارض القول والفعل في البيان فالقول أولى من الفعل # ومن أصحابنا من قال الفعل أولى # وذهب بعض المتكلمين إلى أنهما سواء # لنا هو أن القول يدل على الحكم بنفسه والفعل لا يدل بنفسه وإنما يستدل به ~~على الحكم بواسطة وهو أن يقال لو لم يجز ذلك لما فعل لأنه صلى الله عليه ~~وسلم لا يجوز أن يفعل مالا يجوز فكان ما دل على الحكم بنفسه أولى مما دل ~~عليه بواسطة # وأيضا فإن القوى يتعدى والفعل مختلف فيه فمن الناس من قال لا يتعدى حكمه ~~إلى غيره إلا بدليل فكان ما يتعدى بنفسه بإجماع أولى # ولأن البيان بالقول يستغني بنفسه عن الفعل والبيان بالفعل لا يستغني عن ~~البيان بالقول ألا ترى أنه عليه السلام لما حج وبين المناسك للناس قال لهم ~~خذوا عني مناسككم ولما صلى وبين أفعال الصلاة قال صلوا كما رأيتموني أصلي ~~ولما صلى جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم وبين له المواقيت ~~قال PageV01P249 الوقت ما بين هذين فلم يكتف في هذه ms105 المواضع بالفعل حتى ضم ~~إليه القول فكان تقديم القول أولى # واحتج من قال إن البيان بالفعل أولى بأن النبي عليه السلام سئل عن مواقيت ~~الصلاة فلم يبين قولا بل قال للسائل اجعل صلاتك معنا وبين له ذلك بالفعل ~~وكذلك بين المناسك والصلاة بالفعل فدل على أن الفعل آكد # والجواب هو أن هذا يدل على جواز البيان بالفعل ونحن نقول بذلك وإنما ~~الكلام في تقديم أقوى البيانين وليس في هذا ما يدل على أن الفعل أقوى # قالوا ولأن مشاهدة الفعل آكد في البيان من القول لأن في الفعل من الهيئات ~~مالا يمكن الخبر عنها بالقول ولا يوقف منه على الغرض إلا بالمشاهدة والوصف ~~فدل على أن الفعل آكد وأبلغ في البيان # قلنا هذا لا يصح لأنه ما من فعل إلا ويمكن العبارة عن وصفه بالقول حتى ~~يصير كالمشاهد ولهذا علم النبي صلى الله عليه وسلم المسيء صلاته بالقول ~~وعبر عما يحتاج إليه من الأفعال # وأما من قال إنهما سواء فاحتج بأن كل واحد منهما يقع به البيان كما يقع ~~بالآخر وقد بين النبي عليه السلام مرة بالقول ومرة بالفعل فدل على أنهما ~~سواء # والجواب هو أنهما وإن استويا في البيان إلا أن القول هو الأصل في البيان ~~والفعل إنما يصير بيانا بغيره والقول مجمع على وقوع البيان به والفعل مختلف ~~فيه فكان القول أولى بالتقديم PageV01P250 & مسائل النسخ $ مسألة 1 # النسخ جائز ولا يمنع منه عقل ولا شرع # وقال أبو مسلم عمرو بن يحيى الأصبهاني النسخ لا يجوز PageV01P251 وهو قول ~~بعض اليهود # لنا قوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية @QE@ وهذا دليل على جواز ~~النسخ # ولأن نكاح الأخوات كان جائزا في شرع آدم صلوات الله عليه ثم حرم ذلك في ~~شرع غيره فدل على جواز النسخ # ولأن التكليف وإن كان على وجه المصلحة كما قال بعض الناس فيجب أن يجوز ~~النسخ لأنه يجوز أن تكون المصلحة للعباد في فعل ms106 الشيء إلى وقت ثم المصلحة ~~لهم في تركه في وقت آخر # وإن كان التكليف غير مشروط في المصلحة كما قاله آخرون وإنما يكلف الله ~~عباده ما شاء وجب أن يجوز النسخ أيضا لأنه يجوز أن يكلفهم في وقت شيئا وفي ~~وقت آخر غيره # ولأنه إذا جاز أن يخلق الله تعالى خلقه على صفة ثم ينقلهم إلى صفة أخرى ~~ولم يمنع ذلك من العقل جاز أن يكلفهم فعل العبادة في وقت ثم يسقط ذلك عنهم ~~في وقت آخر PageV01P252 # ولأنه إذا جاز أن يطلق الأمر والمراد به أن يعجز عنه بمرض أو غيره جاز أن ~~يطلق والمراد به إلى أن ينسخه عنه # ولأنه إذا جاز أن لا يجب الشيء برهة من الزمان لم يرد الشرع بإيجابه جاز ~~أن يجب برهة من الزمان لم يرد الشرع برفعه وإسقاطه # واحتجوا بأن جواز النسخ يؤدي إلى البداء على الله تعالى وهنا لا يجوز # والجواب هو أن البداء أن يظهر له ما كان خفيا ونحن لا نقول فيما ينسخ إنه ~~ظهر له ما كان خافيا عليه بل تقول إنه أمر به وهو عالم أنه يرفعه في وقت ~~النسخ وإن لم يطلعنا عليه فلا يكون ذلك بداء # على أنه لو جاز أن يقال إن ذلك بداء لجاز أن يقال إنه إذا خلق الخلق على ~~صفة من الطفولية والصغر ثم نقلهم إلى غير ذلك من الأحوال إن ذلك بداء ولما ~~بطل هذا فيما ذكرناه بطل فيما اختلفنا فيه # قالوا إذا أمر الله تعالى بشيء دل على حسنه وإذا نهى عنه دل ذلك على قبحه ~~ولا يجوز أن يكون الشيء الواحد حسنا قبيحا # قلنا إنما يصح هذا إذا قلنا إن النهي تعلق بما تعلق الأمر به فأما إذا ~~قلنا إن النهي تعلق بما لم يتعلق الأمر لم يؤد إلى ما ذكروه ومتى أمر بشيء ~~ثم نسخه علمنا بأن الأمر كان إلى ذلك الوقت فلا يكون النهي مما تعلق به ~~الأمر # ولأنه لو كان هذا دليلا على إبطال النسخ لوجب ms107 أن يجعل دليلا على إبطال ~~التخصيص فيقال إنه إذا أمر بقتل المشركين لا يجوز أن ينهى عن قتل أهل الذمة ~~لأن الأمر بالقتل يدل على حسنه والنهي عنه يدل على قبحه ولا يجوز أن يكون ~~الشيء الواحد حسنا قبيحا ولما لم يصلح أن يقال هذا في إبطال التخصيص لم ~~يصلح أن يقال مثله في إبطال النسخ # قالوا القول بالنسخ يؤدي إلى اعتقاد الجهل لأنه يعتقد وجوب الأمر على ~~التأبيد وهو على خلاف ما يعتقد PageV01P253 # قلنا لا يعتقد الوجوب على التأبيد بل يعتقد وجوبه مالم ينسخ عنه فلا يؤدي ~~إلى ما ذكروه # واحتج قوم من اليهود بأن موسى عليه السلام قال لهم شريعتي مؤبدة وهذا ~~يمنع من النسخ # والجواب أن هذا كذب منهم فإن موسى عليه السلام ما قال لهم هذا وإنما ~~لقنهم ذلك ابن الراوندي # والدليل عليه أنه لو كان هذا أصلا لكان قد احتج به أحبار اليهود على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولما لم يقل هذا أحد من قدمائهم أنه ذكره دل على ~~كذب ابتدعوه PageV01P254 $ مسألة 2 # يجوز النسخ وإن اقترن بالمنسوخ ذكر التأبيد # وقال بعض المتكلمين لا يجوز النسخ إلا في خطاب مطلق فأما إذا قيد ~~بالتأبيد فلا يجوز نسخه # لنا هو أنه إذا جاز نسخ اللفظ المطلق وإن كان ظاهره التأبيد جاز نسخ ما ~~اقترن به ذكر التأبيد لأن التأبيد يستعمل فيما لا يراد به التأبيد ألا ترى ~~أنك تقول لازم غريمك أبدا وتريد إلى وقت وكذلك هاهنا يجوز أن يقيد بالتأبيد ~~والمراد به إلى وقت النسخ # ولأنه لو كان ذكر التأبيد في الزمان يمنع النسخ لكان ذكر الكل في الأعيا ~~يمنع التخصيص ولما جاز أن يقول اقتلوا المشركين كلهم ثم يخص بعده من ~~المشركين جاز أن يقول افعلوا هذا أبدا ثم ينسخ # ولأنه إذا جاز أن يقيد الخطاب بالتأييد ثم يرد بعده الشرط والاستثناء جاز ~~أن يرد بعده النسخ # ولأنه إذا جاز أن يقيد الخطاب بالتأبيد ويكون معناه ما لم يعجزوا عنه ~~بمرض وغيره جاز ms108 أن يقيده بالتأبيد ويكون معناه افعلوا أبدا مالم ينسخ عنكم ~~PageV01P255 # واحتجوا بأنه لو جاز النسخ مع ذكر التأييد لم يكن إلى معرفة مالم ينسخ من ~~الخطاب سبيل ومتى جوزتم ذلك لزمكم أن تقولوا أنه لا يعلم ختم النبوة برسول ~~الله # والجواب هو أنه يمكن معرفة ذلك بأن نقول المصلحة في هذا الحكم لا تتغير ~~ما دمتم مكلفين فنعلم بذلك أنه لا يرد عليه النسخ وبمثل هذا يعلم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وأن شرعه مؤبد PageV01P256 $ مسألة 3 # يجوز النسخ وإن لم يشعر عند التكليف بالنسخ # وقال بعض الناس لا يجوز إلا أن يقترن بالخطاب ما يدل على النسخ في الجملة # لنا هو أنه لو كان يجب الإشعار بما يزيل الأمر من النسخ لوجب الإشعار بما ~~يحدث من الأمراض المسقطة للأمر ولما لم يجب بيان ذلك لم يجب بيان النسخ # ولأنه لو وجب الإشعار بالنسخ لوجب بيان وقته ولما لم يجب بيان وقته لم ~~يجب بيانه في الجملة # ولأن البيان إنما يجب للحاجة ولا حاجة إلى ذلك عند التكليف فلم يجب # واحتجوا بأن تجويز هذا الأمر يؤدي إلى اعتقاد الجهل فإنه يعتقد وجوب ~~الأمر على الدوام وهو على خلاف ما يعتقد # والجواب هو أنه لا يعتقد وجوب ذلك على الدوام بل يعتقد وجوبه بشرط أن لا ~~يرد عليه ما ينسخه فلا يؤدي إلى اعتقاد الجهل PageV01P257 $ مسألة 4 # يجوز نسخ الشيء إلى مثله وإلى أخف منه وإلى أغلظ منه # ومن أصحابنا من قال لا يجوز النسخ إلى الأغلظ وهو قول أهل الظاهر # لنا هو أن الله تعالى خير الناس في ابتداء الإسلام بين الصوم وبين الفطر ~~ثم نسخ ذلك بالانحتام وكذلك أمر بحبس الزاني في البيوت ثم نسخه بالجلد ~~والرجم وذلك أغلظ من المنسوخ # ولأن التكليف إن كان على وجه المصلحة فيجوز أن تكون المصلحة في النقل إلى ~~الأغلظ PageV01P258 # وإن لم يكن على وجه المصلحة بل يكلف عباده ما شاء فيجوز أن يسقط عنهم ~~شيئا ويكلفهم ما هو أغلظ ms109 منه # ولأنه إذا جاز أن يبتدىء إيجاب تغليظ بعد أن لم يكن واجبا جاز أن يسقط ~~واجبا ويوجب ما هو أغلظ منه # واحتجوا بأن الله تعالى نسخ آية المصابرة بالتخفيف فقال @QB@ الآن خفف ~~الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا @QE@ ونسخ قيام الليل بالتخفيف فقال @QB@ ~~فاقرؤوا ما تيسر منه @QE@ # والجواب هو أن هذا يدل على جواز النسخ إلى الأخف ونحن نجيز ذلك وكلامنا ~~في النسخ إلى الأغلظ وليس فيه ما يمنع منه PageV01P259 $ مسألة 5 # يجوز نسخ الشيء قبل وقت فعله # وقال الصيرفي لا يجوز وهو قول المعتزلة # لنا هو أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه ثم نسخ ذلك قبل ~~أن يفعله فدل على جوازه # فإن قيل إنما أمره بمقدمات الذبح وهو الإضجاع وتله للجبين وقد فعل ذلك ~~ولهذا قال الله تعالى @QB@ قد صدقت الرؤيا @QE@ فدل على أنه فعل المأمور # قيل المأمور به هو الذبح والدليل عليه قوله تعالى @QB@ إني أرى في المنام ~~أني أذبحك @QE@ # ولأنه لو كان المأمور به هو المقدمات لما أظهر إبراهيم عليه السلام الجزع ~~وقد PageV01P260 أظهر الجزع من ذلك فقال @QB@ إني أرى في المنام أني أذبحك ~~فانظر ماذا ترى @QE@ # ولأن إسماعيل عليه السلام أظهر التجلد والصبر فقال @QB@ ستجدني إن شاء ~~الله من الصابرين @QE@ والمقدمات لا يحتاج فيها إلى الصبر والتجلد # ولأنه قال @QB@ إن هذا لهو البلاء المبين @QE@ وليس في المقدمات بلاء # ولأنه لو كان المأمور به قد فعل لما احتاج إلى الفداء وقد قال الله تعالى ~~@QB@ وفديناه بذبح عظيم @QE@ وأما قوله @QB@ قد صدقت الرؤيا @QE@ فالمراد ~~به أنك قد آمنت بذلك وعزمت على فعله فدل عليه التصديق إنما يكون بالقلب # فإن قيل قد فعل المأمور به وهو الذبح ولكن كلما قطع جزءا التحم # قيل ولو كان هذا صحيحا لكان قد ذكره الله تعالى فإن ذلك من الآيات ~~العظيمة # ولأنه لو كان كذلك لما احتاج إلى الفداء ويدل عليه هو أنه إذا جاز أن ~~يأمر بأفعال متكررة في الأزمان لم ينسخ ذلك في بعض الأزمان وإن لم ms110 يمض وقت ~~جميع ما تناوله الأمر جاز أن يأمر بفعل واحد ثم ينسخ ذلك قبل دخول وقته # ولأنه إن كان التكليف على حسب المصلحة كما قال بعضهم جاز أن تكون المصلحة ~~في إيجاب الإعتقاد وإظهار الطاعة في الالتزام والعزم على الفعل # وإن كان على حسب ما يشاء من غير اعتبار المصلحة كما قال آخرون فيجوز أن ~~يكون قد شاء أن يكلفهم ما ذكرناه ولا يشاء الفعل ولهذا أمر إبراهيم عليه ~~السلام بذبح ابنه ولم يرد الفعل وإنما أراد منه ما ذكرناه # ولأنه إذا جاز أن يأمر الإنسان بفعل العبادة مع علمه بأنه يموت أو يعجز ~~عنه PageV01P261 قبل أن يدخل وقتها ولم يقبح جاز أن يأمر بفعلها ثم يسقط ~~ذلك عنه قبل فعلها # واحتجوا بأن الأمر من الله سبحانه يدل على أن المأمور به صلاح للمأمور ~~وما كان صلاحا لهم لا يجوز للحكيم أن ينهاهم عنه ويمنعهم منه # والجواب هو أن الأمر يدل على الصلاح ما دام الأمر قائما فإذا نهى عنه ~~علمنا أنه كان الصلاح إلى غاية # ولأنه لو كان هذا دليلا على المنع من النسخ قبل الفعل لوجب أن يجعل دليلا ~~على إبطال النسخ أصلا فيقال إن الأمر من الحكيم يدل على كونه صلاحا للعبيد ~~وما كان صلاحا للعبيد لم يجز للحكيم أن ينهاهم عنه وإذا بطل هذا في إبطال ~~النسخ بطل فيما ذكروه # وربما قالوا إن الأمر بالشيء يقتضي حسن المأمور به والنهي عنه يقتضي قبحه ~~ولا يجوز أن يكون الشيء الواحد حسنا قبيحا # والجواب نحو ما تقدم # قالوا لأن هذا يؤدي إلى البداء على الله تعالى وذلك لا يجوز # فالجواب هو أن البداء أن يظهر ما كان خافيا عليه والله تعالى لما أمر كان ~~عالما بالوقت الذي ينسخه عنهم فلا يؤدي إلى ما ذكروه # قالوا ولأنه لو جاز أن ينسخ الشيء قبل وقت الفعل لجاز أن يرد الأمر مع ~~النهي موضعا واحد فيقول افعلوا كذا وكذا ولا تفعلوه ولما لم يجز هذا لم يجز ~~ما نحن فيه ms111 # قلنا إذا ورد الأمر مقرونا بالنهي لم يفد شيئا وليس كذلك هاهنا فإنه إذا ~~تراخى النهي كان الأمر مفيدا لأنه يتضمن وجوب الإعتقاد والعزم على الفعل ~~فافترقا PageV01P262 # قالوا مقتضى الأمر الفعل فإذا لم يرد مقتضاه كان لغوا فلم يصلح الخطاب ~~كما لو قال اقتلوا وأراد به لا تقتلوا # قلنا هذا يبطل بالأمر المطلق في الأزمان فإن مقتضاه الفعل على الدوام ~~فإذا نسخ بعد الفعل لم يرد مقتضاه ثم لا يصير لغوا # وعلى أنا لا نسلم أن مقتضى هذا الأمر الفعل فإن أوامر صاحب الشرع مشروطة ~~بما يقوم عليه الدليل من نسخ وعجز وغير ذلك فمتى قام الدليل على النسخ ~~علمنا أن مقتضى الأمر مالم يرد النهي عنه فإذا نهى عنه فقد أراد باللفظ ما ~~اقتضاه فلا يكون هذا لغوا ويخالف هذا إذا قال اقتلوا وأراد به لا تقتلوا ~~لأن هذا المراد لا يصح شرطه في الكلام ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول اقتلوا ~~لا تقتلوا وليس كذلك هاهنا فإنه يصح أن يشترط في الأمر ما يرد بعده من ~~النهي بأن يقول افعلوا إلى أن أنهاكم عنه فدل على الفرق بينهما PageV01P263 ~~$ مسألة 6 # لا يجوز نسخ القرآن بالسنة آحادا كانت أو متواترة # وقال أبو العباس بن سريج يجوز بالسنة المتواترة ولكنه لم يوجد في الشرع ~~PageV01P264 # وذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى جواز ذلك بالأخبار المتواترة # وذهب بعض الناس إلى جواز ذلك بالمتواترة والآحاد وهو مذهب بعض أهل الظاهر # لنا قوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ~~@QE@ فأخبر أنه لا ينسخ آية إلا بمثلها أو بخير منها والسنة ليست مثل ~~القرآن ولا هي خير منه فوجب أن لا يجوز النسخ بها # فإن قيل المراد نأت بخير منها أو مثلها في الثواب وقد يكون في السنة ما ~~هو خير من المنسوخ في الثواب # قيل هذا لا يصلح لوجوه # منها أنه قال @QB@ نأت بخير منها @QE@ وهذا يقتضي أن يكون هو الذي يأتي ~~به والسنة إنما يأتي بها النبي ms112 عليه السلام # ولأنه قال في سياق الآية @QB@ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير @QE@ ~~والذي يختص الله بالقدرة عليه هو القرآن PageV01P265 # ولأن المثل يقتضي أن يكون المثل من جنس المنسوخ كما إذا قال لا آخذ منك ~~ثوبا إلا أعطيتك خيرا منه اقتضى خيرا منه من جنسه # ولأنه قال نأت بخير منها أو مثلها وهذا يقتضي أن يكون المثل من جنس ~~المنسوخ كما إذا قال لا أخذ منك ثوبا إلا أعطيتك خيرا منه اقتضى خيرا منه ~~من جنسه # ولأن المثل يقتضي أن يكون مثله من كل وجه والسنة قط لا تماثل القرآن في ~~الثواب في تلاوته ولا في الدلالة على صدق النبي عليه السلام بنظمه # فإذا قيل لو كانت السنة لا تماثل القرآن فالقرآن أيضا لا يكون بعضه خيرا ~~من بعض فيجب أن يكون المراد به الأحكام # قيل قد يكون بعض القرآن خيرا من بعض في الثواب ألا ترى أن سورة الإخلاص ~~ويس وغيرهما أفضل من غيرهما من القرآن في الثواب وقد يكون بعضها أظهر في ~~الإعجاز من بعض ألا ترى أن قوله عز وجل @QB@ وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا ~~سماء أقلعي @QE@ أبلغ في الإعجاز من غيره # فإن قيل قوله @QB@ نأت بخير منها @QE@ ليس فيه أن ما يأتي به هو الناسخ ~~ويجوز أن يكون الناسخ غيره # قلنا قوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية @QE@ شرط وقوله @QB@ نأت بخير منها ~~@QE@ جزاء ولهذا جزم قوله @QB@ ما ننسخ @QE@ وإذا كان كذلك وجب أن يكون ما ~~يأتي به لأجله وبدلا عنه كما إذا قال ما تصنع اصنع وما آخذه أعط مثله اقتضى ~~أن يكون الجزاء لأجل الشرط وبدلا عنه فدل على أنه هو الناسخ PageV01P266 # فإن قيل النسخ إنما يقع في الحكم لا في التلاوة ولا مفاضلة بين حكم ~~الكتاب وحكم السنة وإنما المفاضلة بين لفظيهما والنسخ لا يقع إلا في اللفظ # قيل الخلاف في نسخ التلاوة والحكم واحد فإن عندهم لو تواترت السنة بنسخ ~~التلاوة وجب النسخ بها ولا مماثلة بينهما وعلى أن نسخ ms113 الحكم أيضا يقتضي نسخ ~~الآية ألا ترى أنه إذا نسخ حكم الآية قيل هذه آية منسوخة فيجب أن لا يكون ~~ذلك إلا بمثلها أو بخير منها # ويدل عليه هو أن السنة فرع للقرآن ألا ترى أنه لولا القرآن لما ثبتت ~~السنة فلو جوزنا نسخ القرآن بها لرفعنا الأصل بفرعه وهذا لا يجوز ولأن ~~السنة دون القرآن في الرتبة ألا ترى أنها لا تساويه في الإعجاز في لفظه ولا ~~في الثواب في تلاوته فلم يجز نسخ بها ويدلك عليه أن القياس لما كان دون ~~الخبر في الرتبة لم يجز نسخه به فكذلك هاهنا # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ~~@QE@ والنسخ بيان للمنزل فيجب أن يكون ذلك بيانا له # والجواب هو أن البيان يراد به الإظهار والتبليغ ألا ترى أنه علقه على ~~جميع القرآن والنسخ لا يجوز أن يتعلق بجميع القرآن فدل على أن المراد به ما ~~ذكرناه # ولأن النسخ ليس بيانا للمنسوخ وإنما هو إسقاط ورفع فلا يدخل في الآية # قالوا ولأنه دليل مقطوع بصحته فجاز نسخ القرآن به كالقرآن PageV01P267 # قلنا هذا يبطل بالإجماع فإنه مقطوع بصحته ثم لا يجوز النسخ به # وعلى أنه لا يمتنع أن يتساوى القرآن والسنة في القطع ثم يجوز النسخ ~~بأحدهما دون الآخر ألا ترى أن الخبر والقياس يتساويان في أن كل واحد منهما ~~مظنون ثم يصح النسخ بأحدهما دون الآخر # ثم المعنى في القرآن أنه يماثل المنسوخ في التلاوة والإيجاز فجاز نسخه به ~~وليس كذلك هاهنا فإن السنة دون القرآن في الثواب والإعجاز فلم يجز نسخه بها # قالوا ولأن النسخ إنما يتناول الحكم والكتاب والسنة المتواترة في إثبات ~~الحكم واحد وإن اختلفا في الإعجاز فيجب أن يتساويا في النسخ # قلنا هما وإن تساويا في إثبات الحكم إلا أن أحدهما أعلى رتبة من الآخر ~~فجاز أن يختلفا في النسخ ألا ترى أن الخبر والقياس يتساويان في إثبات الحكم ~~ثم يجوز نسخ السنة بأحدهما دون الآخر لما اختلفا في الرتبة فكذلك هاهنا ms114 # قالوا ولأن المانع من ذلك لا يخلو إما أن يكون فضله على السنة في الثواب ~~أو فضله عليها في الإعجاز ولا يجوز أن يكون المانع بفضل الثواب لأنه يجوز ~~نسخ أكثر الآيتين ثوابا بأقلهما ولا يجوز أن يكون المانع فضل الإعجاز لأنه ~~يجوز نسخ الآية المعجزة بالآية التي لا إعجاز فيها وإذا بطل هذان الوجهان ~~لم يبق ما يتعلق به المنع فوجب أن يجوز PageV01P268 # قلنا المانع عندنا معنى آخر وهو رفع كلام الله تعالى بغير كلامه وهذا لم ~~يدلوا على إبطاله # أو المانع من ذلك رفع الأصل بفرعه وهذا أيضا لم يدلوا عليه # ولأنا لو جعلنا المانع ما ذكروه من فضل القرآن على السنة بالإعجاز لصح ~~وما ذكروه من نسخ الآية المعجزة بغير المعجزة لا يصح لأن الناسخ كالمنسوخ ~~في الإعجاز ألا ترى أن كل واحد منهما إذا طال وكثر كان معجزا وإذا لم يطل ~~لم يكن معجزا # واحتج من أجاز النسخ بأخبار الآحاد خاصة أن ما جاز نسخ السنة به جاز نسخ ~~القرآن به كالقرآن # والجواب هو أنه ليس إذا أجاز أن يسقط به مثله جاز أن يسقط به ما هو أقوى ~~منه ألا ترى أن القياس يجوز أن يعارض مثله ولا يجوز أن يعارض الخبر # قالوا ولأن النسخ إسقاط لبعض ما يقتضيه ظاهر القرآن فجاز بالسنة كالتخصيص # والجواب هو أنه لا يمتنع أن يجوز التخصيص به ولا يجوز النسخ به ألا ترى ~~أن تخصيص الخبر بالقياس جائز ونسخه به لا يجوز # ولأن التخصيص إسقاط بعض ما اشتمل عليه اللفظ بعمومه فجاز تركه بخبر ~~الواحد وليس كذلك النسخ فإنه إسقاط اللفظ بالكلية فلم يجز بما دونه # قالوا ولأنه إذا جاز النسخ إلى غير بدل فجوازه إلى بدل ثبت بلفظ دونه ~~أولى # قلنا لو كان هذا صحيحا لوجب أن يجوز بالقياس فيقال إنه إذا جاز رفعه إلى ~~غير بدل فلأن يجوز إلى بدل يثبت بالقياس أولى # ولأن النسخ إلى غير بدل لا يؤدي إلى إسقاط القرآن بما دونه لأنه يجوز ms115 أن ~~PageV01P269 يكون قد نسخ بمثله أو بما هو أقوى منه والنسخ بالسنة يؤدي إلى ~~إسقاط القرآن ورفعه بما هو دونه وهذا لا يجوز # قالوا ولأنه قد وجد في القرآن آيات منسوخة بأخبار الآحاد ووجود ذلك يدل ~~على جوازه فمن ذلك # الوصية للوالدين والأقربين نسخه قوله عليه السلام لا وصية لوارث # ونسخ الحبس في حق الزاني بقوله عليه السلام والبكر بالبكر جلد مئة وتغريب ~~عام والثيب بالثيب جلد مئة والرجم # ونسخ قوله تعالى @QB@ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام @QE@ بقوله عليه ~~السلام اقتلوا ابن خطل وإن كان متعلقا بأستار الكعبة # ونسخ قوله @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة @QE@ بما روي أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من ~~الطيور PageV01P270 # ونسخ قوله @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ بقوله عليه السلام لا تنكح ~~المرأة على عمتها ولا على خالتها # والجواب هو أن الوصية نسخت بآية المواريث ولهذا قال عليه السلام إن الله ~~أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث # وآية الحبس نسخت في البكر بقوله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة @QE@ وفي الثيب بآية الرجم التي كانت في الكتاب ونسخ ~~رسمها وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله # وقوله @QB@ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام @QE@ نسخ بقوله @QB@ فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم @QE@ # وقوله @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما @QE@ فالمراد به ما هو مستطاب ~~عندهم وليس ذلك من الخبائث فهو عموم دخله التخصيص # وقوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ فهو عموم دخل التخصيص ~~بالخبر وإذا أمكن البناء والجمع لم يصح حمله على النسخ فسقط ما قالوه ~~PageV01P271 $ مسألة 7 # يجوز نسخ السنة بالقرآن في أحد القولين وفيه قول آخر أنه لا يجوز # لنا هو أنه قد وجد ذلك في الشرع فإن النبي عليه السلام صالح قريشا على رد ~~من جاءه من المسلمين فرد جماعة ثم جاءته امرأة فمنعه الله تعالى من ردها ~~ونسخ ذلك بقوله ms116 تعالى @QB@ فلا ترجعوهن إلى الكفار @QE@ وكذلك كانت ~~PageV01P272 الصلوات تؤخر عن أوقاتها في حال الخوف ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ~~@QB@ فإن خفتم فرجالا أو ركبانا @QE@ فدل على جوازه # ولأن القرآن أقوى من السنة فإذا جاز نسخ السنة بالسنة فبالقرآن أولى # واحتجوا بأن الله تعالى جعل السنة مبينة للكتاب فقال @QB@ لتبين للناس ما ~~نزل إليهم @QE@ فلا يجوز أن يجعل الكتاب مبينا للسنة # قلنا يجوز أن تكون السنة مبينة للكتاب ثم تبين السنة بالكتاب كما أن ~~السنة تخص الكتاب ثم تخص السنة بالكتاب # قالوا ولأنه نسخ شيء بغير جنسه فلا يجوز كنسخ الكتاب بالسنة # قلنا إنما لم يجز نسخ الكتاب بالسنة لأن الكتاب أعلى رتبة من السنة لا ~~لأنه من غير جنسه يدلك عليه أن نسخ المتواتر بخبر الواحد لا يجوز حين ~~اختلفا في الرتبة وإن كانا من جنس واحد فدل على أن العلة فيه ما ذكرنا ~~PageV01P273 $ مسألة 8 # لا يجوز النسخ بالقياس # وقال أبو القاسم الأنماطي يجوز بالقياس الجلي # لنا هو أنه قياس فلا ينسخ به كالقياس الخفي ولأن النص يسقط القياس إذا ~~عارضه وما أسقط غيره لم يجز نسخه به كنص القرآن لما أسقط نص السنة لم يجز ~~نسخه بالسنة كذلك ههنا # واحتجوا بأن القياس الجلي في معنى النص بدليل أنه ينقض به حكم الحاكم ~~فإذا جاز النسخ بالنص جاز به # قلنا النص لا يسقط النص إذا عارضه فجاز النسخ به وليس كذلك القياس فإنه ~~لو عارضه أسقطه فلم يجز نسخه به PageV01P274 $ مسألة 9 # إذا ثبت الحكم في عين لعلة وقيس عليها غيرها ثم نسخ الحكم في تلك العين ~~بطل الحكم في فروعه # ومن أصحابنا من قال لا يبطل الحكم في فروعه وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة # لنا أن الحكم في الفرع إنما ثبت لثبوته في الأصل فإذا بطل الحكم في الأصل ~~وجب أن يبطل في الفرع # ألا ترى أن الحكم إذا ثبت بالنص لما كان ثبوته لأجله إذا نسخ النص سقط ~~الحكم به كذلك هاهنا # ولأن الحكم في الفرع ms117 يفتقر إلى أصل وإلى علة ثم ثبت أن زوال العلة يوجب ~~زوال الحكم فكذلك زوال الأصل يجب أن يوجب زوال الحكم # واحتجوا بأن هذا إثبات نسخ في الفرع بالقياس على الأصل والنسخ بالقياس لا ~~يجوز # والجواب أنا لا نقول أن ذلك نسخ بالقياس وإنما هو إزالة حكم لزوال موجبه ~~ولو كان ذلك نسخا بالقياس لوجب إذا زالت العلة وزال حكمها أن يقال إن ذلك ~~نسخ من غير ناسخ وهذا لا يجوز ولما لم يصح أن يقال هذا في العلة إذا زالت ~~لم يصح أن يقال ذلك في الأصل إذا زال # قالوا ولأن الفرع لما ثبت فيه الحكم صار أصلا فيجب أن لا يزول الحكم فيه ~~بزواله في غيره # قلنا لا نسلم أنه صار أصلا بذلك وإنما هو تابع لغيره ثبت الحكم فيه لأجله ~~فإذا سقط حكم المتبوع سقط حكم التابع PageV01P275 $ مسألة 10 # الزيادة في النص ليست بنسخ # وقال أصحاب أبي حنيفة إن كانت الزيادة توجب تغيير الحكم المزيد عليه في ~~المستقبل كان نسخا وإن لم تقتض ذلك لم يكن نسخا ومنعوا بذلك زيادة التغريب ~~في آية الجلد وزيادة الغرم في آية السرقة وزيادة النية والترتيب في آية ~~الوضوء بأخبار الآحاد والقياس # وقال بعض المتكلمين إن كانت الزيادة شرطا في المزيد حتى لا يجزىء ما كان ~~مجزئا إلا بالزيادة وإذا لم تنضم إليه وجب PageV01P276 الاستئناف كزيادة ~~ركعتين على ركعتين كان نسخا وإن لم تكن الزيادة شرطا في المز لم تكن نسخا # لنا هو أن النسخ في اللغة هو الرفع والإزالة ثم خص في الشرع ببعض ما ~~تناوله الاسم فقيل هو رفع الحكم الثابت بالنص وهذه الحقيقة لا توجد فيما ~~زيد فيه لأن الحكم الثابت بالنص باق كما كان لم يزل ولم يرتفع وإنما لزمه ~~زيادة فلم يكن ذلك نسخا يدلك عليه أنه لو كان في الكيس مئة درهم فزيد عليه ~~شيء آخر لم يكن ذلك رفعا لما في الكيس كذلك هاهنا # وأيضا هو أنه لو كانت الزيادة في الحكم نسخا لحكم ms118 المزيد عليه لوجب إذا ~~أوجب الله تعالى الخمس صلوات ثم أوجب صوم شهر رمضان أن يكون ذلك نسخا ~~للصلوات ولما لم يكن ذلك نسخا بالإجماع وجب أن لا تكون هذه الزيادة نسخا ~~لأن النسخ ما لم يمكن الجمع بينه وبين المنسوخ في اللفظ كما لو قال صل إلى ~~بيت المقدس ولا تصل لم يكن كلاما وهنا لو جمع بين الزيادة والمزيد عليه صح ~~ووجب الجمع بينهما فدل على أن ذلك ليس بنسخ # ولأن النسخ أن يتناول الناسخ ما تناوله المنسوخ وإيجاب الزكاة لا يتناول ~~حكم المنسوخ فلا يجوز أن يكون ذلك نسخا له # ولأن الغرض في هذه المسألة إثبات الزيادة في القرآن بخبر الواحد والقياس ~~PageV01P277 والدليل على جواز ذلك هو أن ما جاز تخصيص القرآن به جازت ~~الزيادة به فيه كالقرآن والخبر المتواتر # ولأنه إذا جاز التخصيص به وهو إسقاط بعض ما تناوله فالزيادة بذلك أولى # ولأن الزيادة على النص لا يتناولها لفظ النص فكان حكمها حكم ما قبل ورود ~~النص فجاز إثباته بخبر الواحد والقياس # واحتج أصحاب أبي حنيفة بأن النسخ تغيير الحكم عما كان عليه وقد وجد ~~التغيير بالزيادة لأنه إذا زاد في حد القذف عشرين فقد صار الثمانون بعض ~~الواجب وكان يتعلق به رد الشهادة وصار لا يتعلق به رد الشهادة فصار كسائر ~~أنواع النسخ # والجواب هو أنا لا نسلم أن النسخ هو التغيير بل النسخ هو الإزالة والرفع ~~من قولهم نسخت الشمس الظل إذا أزالته ونسخت الرياح الآثار إذا ذهبت بها ~~وهذا لا يوجد إلا في إسقاط ما كان بتاتا # ولو سلمنا أن النسخ هو التغيير لم نسلم أن الواجب تغير عما كان عليه بل ~~هو على ما كان عليه # وأما قوله إذا صار الواجب بعض الواجب وكان ترد به الشهادة وصار لا ترد به ~~الشهادة يبطل به إذا أمر بالصلاة ثم أمر بالصوم لأن الأول كان جميع الواجب ~~وصار بعض الواجب وكان تقبل الشهادة بفعلها فصار لا تقبل الشهادة إلا بفعلها ~~مع غيرها ثم لا ms119 يكون ذلك نسخا PageV01P278 # ويبطل به إذا سقط بعض الثمانين من الحد فإنه قد صار الباقي كل الواجب ~~وكان بعض الواجب فترد به الشهادة وقد كان لا ترد به ثم لا يكون ذلك نسخا ~~للباقي # قالوا إذا ثبتت الزيادة صار جزءا من المزيد عليه وحكمه حكمه فيجب أن لا ~~يثبت إلا بما ثبت به المزيد عليه # قلنا لعمري إنه يصير جزاء منه على معنى أنه يجب ضمه إليه ولكن لا يجب أن ~~يثبت بالطريق الذي ثبت به المزيد عليه # يدلك عليه أن كونه جزءا منه ليس بأكثر من إثبات صفة المزيد عليه ويجوز أن ~~تكون الصفة تخالف الموصوف في طريقه فيثبت الشيء بطريق مقطوع به وصفته من ~~الإيجاب وغيره يثبت بطريق غير مقطوع به # قالوا ولأن التقدير بالعدد موضوع للمنع من الزيادة فإذا وردت الزيادة ~~أفادت إيجاب ما كان ممنوعا منه وهذا حقيقة النسخ وهو أن يجعل ما كان محظورا ~~مباحا أو واجبا # قلنا هذا على أصلكم لا يصح لأن التقدير بالعدد لا يقتضي المنع من الزيادة ~~وإنما يصح هذا على أصلنا فلا جرم إذا ورد على ذلك زيادة جعلنا ذلك نسخا ~~للمنع من الزيادة ونحن لا ننكر نسخ الزيادة فيما أفاد الخطاب حكما في ~~الزيادة وإنما ننكر أن نجعل الزيادة ناسخة للمزيد عليه وهذا لا سبيل إليه # قالوا لا خلاف أن النقصان من النصوص عليه يوجب النسخ فكذلك الزيادة # قلنا قد جعل النقصان حجة لنا لأنه لا يوجب حكم الباقي من الحد ~~PageV01P279 فيجب أن تكون الزيادة مثله وإنما جعلنا النقصان نسخا لما نقص ~~لأنه إسقاط حكم ثابت باللفظ وهاهنا زيادة على الحكم الثابت فلم يكن نسخا # يدلك عليه هو أنه لو أوجب الصلاة ثم رفعها كان ذلك نسخا لها ولو زاد على ~~الصلاة الصوم لم يكن ذلك نسخا للصلاة # واحتجت الطائفة الأخرى أنه إذا كانت الزيادة شرطا كانت مغيرة لحكم المزيد ~~ألا ترى أنه إذا زاد في الصلاة ركعتين ثم صلى بعد الزيادة ركعتين لم يجزه ~~وقد كان يجزي ولا ms120 يجوز أن يسلم من ركعتين وقد كان يجوز ذلك وهذا حقيقة ~~النسخ # والجواب أن المزيد عليه باق كما كان لم يتغير وما تعلق بالزيادة من ~~الإجزاء وعدم الإجزاء والصحة وعدم الصحة لا يوجب النسخ مع بقاء المزيد عليه ~~ألا ترى أنه إذا زيد في عدد الحد فقد تغير بهذه الزيادة حكم وهو أنه ما كان ~~مطهرا صار غير مطهر وما كان مكفر صار غير مكفر ثم لا يوجب ذلك نسخ المزيد ~~عليه # وكذلك إذا زيد في العدة صار ما كان مبيحا غير مبيح ثم لا يعد ذلك نسخا ~~فبطل ما قالوه # وعلى أنه يبطل بزيادة شرط في الصلاة منفصل عنها أو نقصان شرط كالطهارة في ~~الصلاة فإنه سلم هذا القائل أنه ليس نسخ للصلاة ومعلوم أنه قد صار ما كان ~~مجزئا غير مجزىء وما كان صحيحا غير صحيح فسقط ما قالوه PageV01P280 $ مسألة ~~11 # إذا نسخ بعض العبادة لم يكن ذلك نسخا للباقي وبه قال الكرخي والبصري # وذهب بعضهم إلى أن النقصان من العبادة نسخ للباقي # وقال بعض المتكلمين إن كان ذلك نسخ شرط منفصل عن الجملة لم يكن نسخا ~~للجملة # وإن كان نسخ بعض الجملة كالقبلة والركوع والسجود من الصلاة كان نسخا ~~للعبادة # لنا ما بيناه في المسألة قبلها وأن الباقي من الجملة على ما كان الحكم ~~عليه لم يزل فلم يجز أن يكون الجميع منسوخا كما لو أمر بصلاة وصوم ثم نسخ ~~أحدهما # ولأنه لو كان نسخ بعضها نسخا للجميع لكان تخصيص بعضها تخصيصا للجميع ولما ~~بطل أن يقال هذا في التخصيص بطل أن يقال مثله في النسخ # واحتج المخالفون في هذه المسألة بما بيناه في المسألة قبلها وقد مضى ~~الجواب عنه فأغنى عن الإعادة PageV01P281 $ مسألة 12 # إذا نزل النسخ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت النسخ في حق النبي ~~عليه السلام وفي حق الأمة في قول بعض أصحابنا # ومن أصحابنا من قال لا يثبت في حق الأمة قبل أن يتصل ذلك بهم وهو قول ~~أصحاب أبي ms121 حنيفة # لنا هو أنه إسقاط حق لا يعتبر فيه رضاء من يسقط عنه فلا يعتبر فيه علمه ~~كالطلاق والعتاق والإبراء # ولأنه إباحة لمحظور عليه فجاز أن يثبت حكمه قبل العلم كما إذا قال لزوجته ~~إن خرجت بغير إذني فأنت طالق وأذن لها وهي لا تعلم ثم خرجت فإنه يثبت حكم ~~الإباحة ولا يقع الطلاق فكذلك هاهنا PageV01P282 # ولأن الإباحة تارة تكون من الله تعالى وتارة تكون من جهة الآدمي ثم ~~الإباحة من جهة الآدمي يثبت حكمها قبل العلم وهو إذا قال أبحت ثمرة بستاني ~~لكل أحد فكذلك الإباحة من جهة الله تعالى # واحتجوا بأن أهل منى بلغهم القبلة وقد صلوا ركعة فاستداروا في صلاتهم ولم ~~يؤمروا بالإعادة ولو كان قد ثبت حكمه في حقهم قبل أن يتصل بهم لبطلت صلاتهم ~~ولأمروا بالإعادة # والجواب هو أن القبلة يجوز تركها بالأعذار ألا ترى أنه يجوز تركها مع ~~العلم بها في النوفل في السفر ولهذا لم يؤمروا فيها بالإعادة وليس كذلك ~~غيرها من الأحكام فإنه لا يجوز تركها مع العلم بها فلم يجز أن يسقط حكمها ~~بالجهل بها # قالوا ولأن من لا علم له بالخطاب لا يثبت الخطاب في حقه كالنائم والمجنون # والجواب هو أن النائم والمجنون حجة لنا فإن الخطاب قد ثبت في حقهما وإن ~~لم يعلما بالخطاب ألا ترى أن كثيرا من العبادات يثبت وجوبها في حقهما ويجب ~~عليهما فعلها بعد الانتباه والإفاقة ولو لم يثبت الخطاب في حقهما لما وجبت ~~تلك العبادات عليهما بعد الانتباه والإفاقة # قالوا ولأنه لو جاز ثبوت الخطاب قبل العلم به لثبت ذلك قبل نزول الوحي به ~~ولما لم يثبت ذلك قبل نزول الوحي لم يثبت قبل العلم PageV01P283 # قلنا قبل نزول الوحي لم يثبت له أحكام الدنيا وليس كذلك بعد نزول الوحي ~~به فإنه قد ثبت كونه شرعا فثبت في حق كل أحد # قالوا ولأنه لو ثبت حكم الخطاب قبل العلم به لتعلق المأثم بمخالفته كما ~~تعلق به بعد العلم ولما لم يتعلق المأثم بمخالفته دل على ms122 أنه لا يثبت حكمه # قلنا لا يمتنع أن لا يثبت المأثم ويثبت حكم الخطاب ألا ترى أنه إذا علم ~~بالخطاب ثم نسيه أو نام عنه لم يلحقه المأثم ثم حكم الخطاب يثبت في حقه # قالوا ولأنه مخاطب بالمنسوخ وإذا تركه صار عاصيا فلا يجوز أن يكون حكم ~~الناسخ ثابتا في حقه # والجواب هو أنه ليس إذا كان مخاطبا بالأمر الأول وتعلق العصيان بمخالفته ~~دل على أن الخطاب الثاني غير ثابت في الحكم في حقه # ألا ترى أن المرأة بعد الطلاق وقبل أن يتصل ذلك بها مخاطبة بأحكام ~~الزوجية وعاصية بالمخالفة ثم حكم الطلاق ثابت في حقها فكذلك هاهنا يجوز أن ~~يكون مخاطبا بالأمر الأول عاصيا بمخالفته ثم حكم الخطاب الثاني قائم في حقه ~~PageV01P284 $ مسألة 13 # شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما ثبت نسخه # وقال بعض أصحابنا شرع من قبلنا ليس بشرع لنا # ومنهم من قال شرع إبراهيم خاصة شرع لنا وما سواه ليس بشرع لنا ~~PageV01P285 # لنا قوله تعالى @QB@ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ # فإن قيل المراد به التوحيد والدليل عليه هو أنه أضافه إلى الجميع والذي ~~يشترك الجميع فيه هو التوحيد فأما الأحكام فإن الشرائع فيها مختلفة فلا ~~يمكن اتباع الجميع فيه # قيل اللفظ عام في التوحيد وفي الأحكام فيجب أن يحمل على الجميع إلا ما ~~خصه الدليل # ولأن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مناف لما تقدم من الشرائع ~~وكل شرع لم يرد عليه ما ينافيه وجب البقاء عليه والدليل عليه شريعة الرسول ~~عليه السلام # ولأنه يمكن الجمع بين ما جاء به الرسول عليه السلام وبين ما قبله وكل ~~حكمين أمكن الجمع بينهما لم يصح إسقاط أحدهما بالآخر كإيجاب الصوم والصلاة ~~في شريعتنا # ولأن الله تعالى حكى شرع من قبلنا ولو لم يقصد التسوية بيننا وبينهم لم ~~يكن لذكرها فائدة # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ فدل على أن ~~كل واحد منهم ينفرد بشرع لا يشاركه فيه غيره # والجواب هو أن مشاركتهم في ms123 بعض الأحكام لا يمنع من أن يكون لكل واحد منهم ~~شرع يخالف شرع الآخر كما أن مشاركتهم في التوحيد لا تمنع انفراد كل واحد ~~منهم بشريعة تخالف شريعة غيره # واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عمرا رضي الله عنه ومعه ~~شيء PageV01P286 من التوراة ينظر فيه فقال لو كان موسى حيا ما وسعه إلا ~~اتباعي فدل على نسخ ما تقدم # والجواب هو أنه إنما نهاه عن النظر في التوراة لأنه مبدل مغير وكلامنا ~~فيما حكى الله عن دينهم في الكتاب أو ثبت عنهم بخبر الرسول عليه السلام # قالوا ولأن الشرائع إنما شرعت لمصلحة المكلفين وربما كانت المصلحة لمن ~~قبلنا في شيء والمصلحة لنا في غيره فلا يجوز إجراء حكمهم علينا # قلنا فيجب أن تقولوا يقتضي هذا الدليل أن ما شرع للصحابة لا يكون شرعا ~~للتابعين لأنه يجوز أن تكون المصلحة للصحابة في ذلك دون التابعين ولما بطل ~~هذا بالإجماع بطل ما ذكروه # وعلى أن الظاهر أن المصلحة لنا فيما شرع لهم إذ لو كانت المصلحة لنا في ~~غيره لنسخ ذلك ولما لم ينسخ ذلك دل على أننا وهم في المصلحة سواء # قالوا لو كان شرعا لنا لوجب اتباع أدلتهم وتتبع كتبهم كما يجب ذلك في ~~شرعنا ولما لم يجب ذلك دل على أن شرعهم لا يلزمنا # قلنا نحن إنما نجعل شرعهم شرعا لنا فيما ثبت بخبر الله تعالى وخبر رسوله ~~عليه السلام واتباع ذلك واجب وتتبع ما يوصل إلى معرفته واجب فأما مالم يثبت ~~فليس شرعا لنا فلا يلزمنا اتباعه والكشف عنه # وربما قالوا لو كان شرعهم شرعا لوجب أن يعرف شرعهم أو معاني كلامهم لجواز ~~أن يكون هنالك ما هو منسوخ أو مخصوص PageV01P287 # والجواب عنه أنه إنما يجب من شرعهم ما أخبر الله تعالى عنه وما أخبر الله ~~تعالى عنه لفظه معروف والظاهر أنه غير منسوخ ولا مخصوص فوجب العمل به # قالو العبادات في شريعتهم مختلفة فلا يمكن اتباع الجميع فيها فسقطت # قلنا إنما يجب المصير ms124 عندنا إلى مالم يثبت فيه اختلاف وأما ما اختلف في ~~ذلك عمل بالمتأخر منهما كما يفعل ذلك في شرعنا # قالوا ولأن كل شريعة من الشرائع مضافة إلى قوم وهذه الإضافة تمنع أن يكون ~~غيرهم مشاركا لهم فيها # قلنا ما أنكرتم أن يكون أضيف كل شرع من ذلك إلى قوم لأنهم أول من خوطبوا ~~به فعرف الشرع بهم وأسند إليهم ويحتمل أن يكون أضيف كل شرع إلى قوم لأنهم ~~متعبدون بجميعه وغيرهم يشاركهم في بعض الأحكام فلم يضف إليهم وإذا احتمل أن ~~تكون الإضافة لما ذكرنا سقط التعليق به # قالوا ولأنه لو كان النبي عليه السلام متعبدا بشريعة من قبلنا لوجب أن لا ~~يقف الظهار والميراث لانتظار الوحي لأن هذه الحوادث أحكامها في التوراة ~~ظاهرة # قلنا إنما توقف لأن التوراة مغيرة مبدلة فلم يمكن الرجوع إلى ما فيها ~~فانتظر الحكم من جهة الوحي # وعلى أنه إن كان في بعض الأحكام توقف ففي بعضها عمل بما ثبت من شرع من ~~قبله ألا ترى أنه صلى إلى بيت المقدس بشرع من قبله فسقط ما قالوا ~~PageV01P288 & مسائل الأخبار $ مسألة 1 # للخبر صيغة تدل عليه بنفسه في اللغة # وقالت الأشعرية ليس للخبر صيغة تدل عليه بنفسه # وقالت المعتزلة الخبر إنما يصير خبرا بشرط أن ينضم إلى اللفظ قصد المخبر ~~إلى الإخبار به كما قالوا في الأمر والنهي # لنا هو أن أهل اللسان قسموا الكلام فقالوا أمر ونهي وخبر واستخبار # فالأمر قولك افعل # والنهي قولك لا تفعل # والخبر قولك زيد في الدار # والاستخبار قولك أزيد في الدار # وهذا يدل على أن اللفظ موضوع للخبر يدل عليه بنفسه # واحتجوا بأن هذه الصيغة ترد ويراد بها الخبر كما قلتم وترد والمراد بها ~~غير الخبر كقوله تعالى @QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء @QE@ فإذا ~~ورد PageV01P289 مطلقا وجب التوقف فيه حتى يدل الدليل عليه كما قلنا في ~~الأسماء المشتركة كاللون والعين وغيرهما # والجواب هو أن هذا موضوع بإطلاقه للخبر ويستعمل في غيره بدليل كما قلنا ~~في البحر إنه موضوع بإطلاقه للماء ms125 الكثير المجتمع ويستعمل في الرجل الجواد ~~بدليل كذلك هاهنا PageV01P290 $ مسألة 2 # يقع العلم بالأخبار المتواترة # وقالت البراهمة لا يقع العلم بالأخبار المتواترة # لنا هو أن الإنسان يجد نفسه عالمة بما يسمع من أخبار البلدان النائية ~~والأمم السالفة كما يجدها عالمة بما يحس بها من المحسوسات ومن أنكر ذلك كان ~~بمنزلة من أنكر المشاهدات # واحتجوا أن كل واحد من العدد المتواتر يجوز عليه الصدق والكذب فإذا انضم ~~بعضهم إلى بعض لم يتغير حاله في خبره فوجب أن لا يقع العلم بخبرهم # قلنا ليس إذا جاز ذلك على كل واحد منهم إذا انفرد جاز عليهم الاجتماع ألا ~~ترى أن كل واحد من الجماعة إذا انفرد يجوز أن يعجز عن حمل الشيء الثقيل ثم ~~لا يجوز أن يعجزوا عن ذلك عند الاجتماع # ولأنه عند الانفراد يجوز أن يدعو كل واحد منهم إلى الكذب فيكذب وعند ~~الاجتماع لا يجوز أن تتفق دواعيهم على الكذب PageV01P291 # قالوا ولأن كل واحد منهم عند الاجتماع يقدر على الكذب كما يقدر عند ~~الانفراد فإذا لم يقع العلم بخبرهم حال الانفراد لم يقع على الاجتماع # قلنا وإن كانوا قادرين على الكذب إلا أنه مع كثرتهم واختلاف هممهم لا ~~يتفقون على فعله كما أن كل واحد منهم يقدر على السرقة والزنا والقتل ولا ~~يتفقون على فعلها # قالوا ولأنه إذا جاز اتفاق الجماعة الكثيرة على الخطأ من حيث الاجتهاد ~~وهم أصحاب الطبائع والفلاسفة جاز اتفاقهم على الخطأ في خبرهم # قلنا ذاك يدرك بالاجتهاد فجاز أن يغلطوا فيه والخبر طريقه السماع ~~والمشاهدة فلا يجوز أن يتفق الخلق العظيم على الخطأ فيه # قالوا ولأنه لو كان العلم يقع بالأخبار لوجب أن يقع العلم بخبر اليهود عن ~~موسى عليه السلام والنصارى عن عيسى والمجوس عن إدريس والروافض عن أئمتها # قلنا من شرط التواتر أن يكون النقلة عددا لا يصح التواطؤ منهم على الكذب ~~وأن يستوي طرفاه ووسطه وهذه الشروط لم تتكامل فيما يروونه هؤلاء لأن ~~روايتهم ترجع إلى عدد يسير فلهذا لم يقع العلم بخبرهم ms126 # قالوا لو كان العلم يقع بالخبر المتواتر لوجب إذا تعارض خبران على ~~التواتر أن يقع به علمان متضادان وهذا محال # قلنا لا يتصور أن يتفق خبران في شيء واحد متضادان فسقط ما قالوه ~~PageV01P292 $ مسألة 3 # العلم الذي يقع بالخبر المتواتر ضرورة # وقال البلخي من المعتزلة العلم الذي يقع به اكتساب وهو قول الدقاق # لنا هو أن ما يعلم الإنسان بذلك من أخبار البلاد النائية والأمم السالفة ~~يعلمه علما لا يمكنه نفيه بالشك والشبهة فصار بمنزلة العلم الواقع بالحواس # ولأنه لو كان العلم يقع بها من جهة الاستدلال لوجب أن لا يقع بها ~~PageV01P293 للصبيان لأنه لا يصح منهم النظر والاستدلال ولما وقع لهم العلم ~~بذلك دل على أن العلم بها يصح ضرورة # واحتجوا بأنه لو كان يقع العلم به ضرورة لاشترك الناس كلهم في إدراكه ~~ولما رأينا العقلاء ينكرون العلم به دل على أن العلم من جهته عن استدلال # قلنا نحن لا نعتد بخلاف من خالف في ذلك كما لا نعتد بخلاف من خالف في ~~المحسوسات من السوفسطائية # ثم لو جاز أن يجعل ذلك دليلا على نفي العلم به ضرورة لجاز أن يجعل خلاف ~~من خالف في المحسوسات دليلا على أن العلم لا يقع من جهة الحواس ضرورة ولما ~~بطل هذا بالإجماع بطل ما قالوه أيضا # قالوا ولأن الإنسان يسمع الشيء من الواحد والاثنين ولا يقع به العلم إلى ~~أن يتكاثروا فيبلغوا التواتر فيقع له حينئذ العلم فكان ذلك استدلالا كالعلم ~~الواقع بالنظر في العالم والاستدلال على حدثه # قلنا ليس إذا لم يقع العلم في ابتداء السماع لم يكن العلم الحاصل له عند ~~الانتهاء ضرورة ألا ترى أن الإنسان يرى الشيء من بعيد فلا يقع له العلم به ~~على التفصيل ثم يقرب منه فيعلم حقيقته على التفصيل ثم لا يقال إن ذلك العلم ~~استدلال # قالوا ولأن العلم لا يقع بأخبارهم إلا على صفات تصحبهم يستدل بها على ~~صدقهم فصار كالعلم بحدث العالم لما وقع عن الصفات التي تصحب العالم من ~~الاجتماع ms127 والافتراق كان اكتسابا فكذلك هاهنا # والجواب هو أن الأخبار وإن اعتبر فيها صفات إلا أن العلم بصدقهم لا يفتقر ~~إلى اعتبار الصفات ألا ترى أنه يجوز أن يقع العلم لمن لا ينظر في الصفات ~~ويخالف هذا العلم الواقع عن العالم فإن بذلك لا يقع إلا بعد النظر في ~~المعاني التي تصحب العالم والاستدلال بها فلذلك كان اكتسابا وفي الأخبار ~~يقع العلم من غير نظر واعتبار فافترقا PageV01P294 $ مسألة 4 # ليس في التواتر عدد محصور # وقال بعض الناس هم خمسة فصاعدا ليزيدوا على عدد الشهود وهو قول الجبائي # وقال بعضهم اثنا عشر بعدد النقباء # وقال بعضهم سبعون بعدد أصحاب موسى # وقال بعضهم ثلاثمائة وكسر بعدد أصحاب رسول الله يوم بدر # لنا هو أن التواتر ما وقع العلم الضروري بخبره وهذا لا يختص بعدد وإنما ~~يوجد ذلك في جماعة لا يصح منها التواطؤ على الكذب فوجب أن يكون الاعتبار ~~بذلك PageV01P295 # ولأنه لو كان ذلك يقتضي عددا محصورا لاقتضى اعتبار صفتهم كما قلنا في ~~الشهادة ولما لم تعتبر صفات الرواة ولم تختلف باختلاف حالهم من الكفر ~~والإسلام والعدالة والفسوق دل على أنه لا اعتبار فيه بعدد محصور # وأما المخالفون فليس لهم شبهة يرجعون إليها إلا هذه الأعداد التي وردت في ~~المواضع التي ذكروها وهذا لا يصح لأنه لا ليس معهم أن هذه الأعداد اعتبرت ~~في المواضع التي ذكروها للتمييز بين ما يوجب العلم وبين مالا يوجب وإذا لم ~~يثبت هذا لم يتم الدليل PageV01P296 $ مسألة 5 # لا يعتبر الإسلام في رواة التواتر ويقع العلم بتواتر الكفار # ومن أصحابنا من قال لا يقع العلم بتواتر الكفار # ومنهم من قال إن لم يطل الزمان وقع وإن طال الزمان وأمكن وقوع المراسلة ~~والتواطؤ لم يقع # لنا أن العلم يقع للسامع بأخبارهم إذا وجدت على الشروط المعتبرة كما يقع ~~بأخبار المسلمين فدل على أنه لا اعتبار بالإسلام # واحتجوا بأنه لما اختص المسلمون بالإجماع وجب أن يختصوا بالتواتر أيضا # والجواب هو أن هذا جمع من غير علة فلا يلزم على ms128 أن الإجماع إنما صار حجة ~~بالشرع والشرع ورد في المسلمين دون الكفار وليس كذلك الأخبار فإنها توجب ~~العلم من طريق العادة وما طريقه العادة لا يختلف فيه المسلمون والكفار # قالوا ولأنه لو كان يقع العلم بتواترهم لوقع لنا العلم بما أخبرت به ~~النصارى من صلب عيسى عليه السلام ولما لم يقع لنا العلم بذلك دل على أن ~~خبرهم لا يوجب العلم # قلنا إنما لم يقع هناك العلم لأن شرائط التواتر فيه لم تتكامل وهو استواء ~~طرفي العدد ووسطه فإن النقل في الأصل يرجع إلى عدد يسير فلم يقع العلم ~~بخبرهم وفي مسألتنا تكاملت شرائط الخبر من استواء طرفي العدد والوسط فوقع ~~به العلم PageV01P297 $ مسألة 6 # أخبار الآحاد لا توجب العلم # وقال بعض أهل الظاهر توجب العلم # وقال بعض أصحاب الحديث فيها ما يوجب العلم كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر ~~وما أشبهه # وقال النظام فيها ما يوجب العلم وهو ما قارنه سبب PageV01P298 # لنا هو أنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم لأوجب خبر كل واحد ولو كان كذلك ~~لوجب أن يقع العلم بخبر من يدعي النبوة ومن يدعي مالا على غيره ولما لم يقل ~~هذا أحد دل على أنه ليس فيه ما يوجب العلم # ولأنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم لما اعتبر فيه صفات المخبر من ~~العدالة والإسلام والبلوغ وغير ذلك كما لم يعتبر ذلك في أخبار التواتر # ولأنه لو كان يوجب العلم لوجب أن يقع التبري بين العلماء فيما فيه خبر ~~واحد كما يقع التبري فيما فيه خبر متواتر # ولأنه لو كان يوجب العلم لوجب إذا عارضه خبر متواتر أن يتعارضا ولما ثبت ~~أنه يقدم عليه المتواتر دل على أنه غير موجب للعلم # وأيضا هو أنه يجوز السهو والخطأ والكذب على الواحد فيما نقله فلا يجوز أن ~~يقع العلم بخبرهم # واحتج أهل الظاهر بأنه لو لم يوجب العلم لما وجب العمل به إذ لا يجوز ~~العمل بما لا يعلمه ولهذا قال الله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس ms129 لك به علم ~~@QE@ # والجواب هو أنه لا يمتنع أن يجب العمل بما لا يوجب العلم كما يقولون في ~~شهادة الشهود وخبر المفتى وترتيب الأدلة بعضها على بعض فإنه يجب العمل بذلك ~~كله وإن لم يوجب العلم PageV01P299 # وأما قوله عز وجل @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ فالجواب أن المراد ~~به ما ليس لك به علم من طريق القطع ولا من طريق الظاهر وما يخبر به الواحد ~~وإن لم يقطع به فهو معلوم من طريق الظاهر والعمل به عمل بالعلم # واحتج أصحاب الحديث بأن أصحاب هذه الأخبار على كثرتها لا يجوز أن تكون ~~كلها كذبا وإذا وجب أن يكون فيها صحيح وجب أن يكون ذلك ما اشتهر طريقه ~~وعرفت عدالة رواته # قلنا يبطل به إذا اختلف علماء العصر في حادثة على أقوال لا يحتمل غيرها ~~فإنا نعلم أنه لا يجوز أن تكون كلها باطلا ثم لا يمكن أن نقطع بصحة واحد ~~منها بعينه فبطل ما قالوه # واحتج النظام بأن خبر الواحد يوجب العلم وهو إذا أقر على نفسه بما يوجب ~~القتل والقطع فيقع العلم به لكل من سمع منه وكذلك إذا خرج الرجل من داره ~~مخرق الثياب وذكر أن أباه مات وقع العلم لكل من سمع ذلك منه فدل على أن فيه ~~ما يوجب العلم # والجواب هو أن لا نسلم أن العلم يقع بسماعه لأنه يجوز أن يظهر ذلك لغرض ~~وجهل يحمل عليه وقد شوهد من قتل نفسه بيده وصلب نفسه وأخبر بموت أبيه لغرض ~~يصل إليه وأمر يلتمسه فإذا احتمل ما ذكرناه لم يجز أن يقع العلم به ~~PageV01P300 $ مسألة 7 # يجوز التعبد بأخبار الآحاد # وقال بعض أهل البدع لا يجوز ذلك من جهة العقل # لنا هو أنه إذا جاز في العقل أن يعلق وجوب العبادات على شرائط إذا وجدت ~~تعلق بها الوجوب جاز أن يعلق وجوب العبادة على ما يخبر به العدل ولا فرق ~~بينهما # ولأنه إذا جاز أن يكون فرض الإنسان ما يخبر به المفتي ويشهد به الشاهد ms130 ~~وان جاز عليهم السهو والخطأ ولم يقبح ذلك في العقل جاز أن يرد التعبد ~~بالرجوع إلى قوله في احكام الشرع # ولأن ما يفتى به المفتي اخبار عن دليل من أدلة الشرع وربما كان ذلك نصا ~~وربما كان استنباطا فإذا جاز الرجوع إلى خبره مع الاحتمال الذي ذكرناه فلأن ~~يجوز الرجوع إلى خبر من روى قول النبي عليه السلام أولى # ولأن الشرع قد ورد بالتعبد به ونحن ندل عليه ولو لم يجز ورود التعبد به ~~لما ورد # واحتجوا بأن التكليف لا يجوز أن يتعلق إلا بما فيه المصلحة للمكلف ~~PageV01P301 والمصلحة لا يعلمها إلا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإذا ~~كان المخبر عنهما واحدا لم نعلم المصلحة لأنه يجوز عليه السهو والخطأ فوجب ~~أن لا يقبل # قلنا المصلحة تتعلق بما علق التكليف عليه وهو خبر العدل وإذا وجدنا ذلك ~~علمنا ما تعلق به المصلحة وإن لم نعلم حقيقة الحال فيما أخبر به وهذا كما ~~تقول في الحاكم إذا شهد عنده شاهدان بحق ثبت عنده عدالتهما جاز له أن يحكم ~~به وكان ذلك الحكم الذي أوجب الله تعالى وإن لم يعلم حال المشهود به في ~~الباطن # وجواب آخر وهو أنه لو كان هذا طريقا في رد الخبر لوجب أن يجعل ذلك طريقا ~~في رد الفتوى فيقال إن التعبد لا يتعلق إلا بما فيه مصلحة المكلف وذلك لا ~~يعلم بقول الواحد فيجب أن لا يقبل ولما لم يصح أن يقال هذا في الفتوى لم ~~يصح أن يقال ذلك في الأخبار # ولأنه لو كان خبر الواحد لا يجوز أن يتعلق به التكليف لجواز السهو والخطأ ~~على المخبر لوجب أن لا يجوز التعبد بطريق الاجتهاد وبناء دليل على دليل ~~وترتيب لفظ على لفظ لأن السهو والخطأ في ذلك كله يجوز وهذا لا يقوله أحد ~~فبطل ما قالوه # قالوا لو جاز التعبد بما يخبر به الواحد وإن لم يقع العلم بخبره لجاز أن ~~يقبل خبر الفاسق والمجنون # قلنا لو ورد التعبد بقبوله لقبلناه # ثم ليس إذا ms131 لم يقبل من الفاسق والمجنون لم يقبل ممن لا يقع العلم بخبره ~~كما تقول في الشهادة والفتوى لا تقبل من الفاسق والمجنون ثم تقبل ممن لا ~~يقع العلم بخبره # ولأن العقلاء يرجعون إلى من يوثق بخبره في أمورهم ولا يرجعون إلى من لا ~~يوثق به من المجانين والفساق فدل على الفرق بينهما PageV01P302 $ مسألة 8 # يجب العمل بخبر الواحد من جهة الشرع # ومن أصحابنا من قال يجب العمل به من جهة العقل والشرع # وقال القاساني لا يجب العمل به وهو قول ابن داود والرافضة PageV01P303 # لنا قوله تعالى @QB@ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ~~ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون @QE@ فأوجب الحذر مما تنذر به ~~الطائفة # فإن قيل وجوب الإنذار لا يدل على وجوب الرجوع إلى قول المنذر وحده بل ~~يجوز أن يفتقر الرجوع إلى آخر كما يجب على الشاهد أن يشهد بما عنده ثم لا ~~يجب العمل بقوله حتى يشهد معه غيره # قيل قد أوجب الإنذار وأوجب الحذر من المخالفة وهذا يقتضي وجوب الحذر ~~بمجرد الإنذار # فإن قيل الحذر هو أن ينظر ويعمل بما يقتضيه الدليل لا أن يعمل بما أخبر ~~به # قيل إذا تعلق الوعيد بترك أمر فالحذر عن مخالفته هو أن يفعل ذلك الشيء ~~فأما إذا لم يفعل فلم يحذر فلم يكن ممتثلا لما اقتضاه الظاهر # وأيضا قوله تعالى @QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ فدل على أنه إذا ~~جاءه عدل لم يتبين في خبره # وأيضا فإن النبي عليه السلام كان بعث أصحابه إلى البلدان أمراء وعمالا ~~وقضاة واحدا واحدا ولو لم يجز العمل بخبر كل واحد منهم لما بعثهم آحادا # فإن قيل يجوز أن يكون قد بعثهم إلى قوم في أحكام علموها بالتواتر قبل ~~بعثة الرسول كما علموا في قولكم وجوب العمل بخبر الواحد قبل بعث الرسل # قيل لو كان نقل إليهم في ذلك تواتر لنقل إلينا وعلمناه كما علمنا كل ما ~~تواتر به الخبر وأما وجوب العمل بخبر الواحد فقد علموه بما تواتر ms132 به الخبر ~~من بعثة الرسل إلى كل جهة PageV01P304 # فإن قيل فقد كان أيضا يبعث ويدعو إلى الإيمان وإن لم يكن معلوما من جهة ~~الرسل فكذلك في الأحكام # قيل عندنا لم يعلم وجوب الإيمان إلا من جهة الشرع وعندهم يعلم ذلك بالعقل ~~فبعث من ينبههم على أعمال الفكر والنظر في الدليل ويدل عليه إجماع الصحابة ~~رضي الله عنهم فإنهم عملوا بأخبار الواحد في مسائل مختلفة وأحكام شتى # روى أن أبا بكر رضي الله عنه عمل بخبر المغيرة ومحمد بن مسلمة في ميراث ~~الجدة # وعمل عمر رضي الله عنه بخبر عبد الرحمن في أخذ الجزية من المجوس وبخبر ~~حمل بن مالك في دية الجنين وقالوا لولا هذا لقضينا بغيره PageV01P305 ~~وبحديث الضحاك بن سفيان في توريث المرأة من دية زوجها # وعمل عثمان رضي الله عنه بخبر فريعة بنت مالك في سكنى المتوفى عنها زوجها # وعن علي كرم الله وجهه أنه قال كان إذا حدثني أحد عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بشيء أحلفته فإن حلف صدقته إلا أن أبا بكر رضي الله عنه فإنه ~~حدثني وصدق أبو بكر # وعمل ابن عمر في ترك المخابرة بحديث رافع بن خديج # وعمل ابن عباس رضي الله عنه بحديث أبي سعيد الخدري في الربا في النقد # وعمل زيد بن ثابت رضي الله عنه بخبر امرأة من الأنصار أن الحائض تنفر ~~بغير وداع PageV01P306 # وعلموا كلهم بحديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه إن الأئمة من قريش وبحديث ~~عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين فدل على وجوب العمل به # فإن قيل هذه أخبار آحاد فلا يحتج بها في إثبات خبر الواحد # قيل هذا تواتر من طريق المعنى فإنها وإن وردت في قصص مختلفة فهي متفقة ~~على إثبات خبر الواحد فصار ذلك كالأخبار المتواترة في سخاء حاتم وشجاعة علي ~~كرم الله وجهه # فإن قيل يجوز أن يكون قد علموا بذلك لأسباب اقترنت بها # قيل لم ينقل غير الأخبار والرجوع إليها فمن ادعى زيادة على ذلك احتاج إلى ~~دليل ms133 # ولأنه لو كان هناك سبب آخر يوجب العمل به لنقل ولم يخل به # فإن قيل إنما رجعوا إلى تلك الأخبار لأنها نقلت بحضرة الصحابة رضي الله ~~عنهم ولم ينكر على رواتها فصار ذلك إجماعا منهم على قبولها فوجب المصير ~~إليها لأجل الإجماع # قيل لو كانت تلك الأخبار عند جماعتهم لما أشكلت عليهم الأحكام قبل ~~روايتها # فإن قيل إن كان قد نقل عنهم العمل بخبر الواحد فقد نقل عنهم أيضا الرد ~~لخبر الواحد PageV01P307 # ألا ترى أن أبا بكر رضي الله عنه لم يقبل خبر المغيرة حتى شهد معه محمد ~~بن مسلمة # ورد عمر رضي الله عنه خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان حتى شهد معه أبو ~~سعيد الخدري # ورد علي عليه السلام حديث أبي سنان في المفوضة # قيل قبولهم على ما بيناه دليل على وجوب العمل به وردهم لا يدل على أنه لا ~~يجوز العمل به لأنه يجوز الرد إذا وجد علة تقتضي الرد # ألا ترى أن الخبر المتواتر يجب العمل به بالإجماع ثم رددنا تواتر النصارى ~~أن المسيح صلب ولا يمنع ذلك العمل بالمتواتر لا سيما وقد روى في بعض ~~المواضع التي ذكروها العلة التي اقتضت الرد والتوقف فروي عن عمر أنه قال في ~~الاستئذان لأبي موسى فعلت ذلك لكي لا يجترأ على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # وقال علي عليه السلام في خبر أبي سنان أعرابي بوال على عقبيه أي لا يعرف ~~الأحكام فلا يعول على روايته PageV01P308 # ويدل عليه هو أنه إخبار عن حكم شرعي فوجب قبول خبر الواحد فيه كالفتوى # ولأنه لو لم يجب العمل بخبر الواحد لوجب أن يكون ما بين النبي عليه ~~السلام طول عمره يختص به من سمع ذلك منه لا يلزم غيره اعتقاده والعمل به ~~لأنه لم ينقل إلى غيره نقل تواتر وهذا لا يقوله أحد # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ وما أخبر به ~~الواحد لا علم له به فيجب أن لا يقفو # قلنا إن كان العمل بخبر ms134 الواحد عملا بما لا علم له به فرده أيضا عمل بما ~~لا علم له به فيجب أن لا يرد وعلى أن العمل بخبر الواحد عندنا عمل لما ~~يعلمه لأن الذي دل على وجوب العمل به موجب للعلم قاطع للعذر وإن كان ما ~~يخبر به يجوز فيه الصدق والكذب وهذا كما تقول في الرجوع إلى قول الشاهد ~~وقول المفتي إنه رجوع إلى العلم والعمل به وإن كان ما يشهد به الشاهد ويفتى ~~به المفتي يجوز أن يكون صحيحا ويجوز أن يكون باطلا # قالوا ولأنه لو جاز أن يقبل من غير دليل لوجب أن يقبل قول من ادعى النبوة ~~من غير دليل # قلنا نعارضكم بمثله فنقول ولو جاز رد خبر الواحد من غير دليل لجاز رد قول ~~النبي عليه السلام من غير دليل # ولأنه إذا جاز أن يقبل قول المفتي وخبر الشاهد من غير حجة وإن لم تقبل ~~دعوى النبوة من غير حجة جاز أيضا أن يقبل خبر الواحد وإن لم تقبل دعوى ~~النبوة من غير حجة # وعلى أن خبر الواحد لا يقبل إلا بدليل وهو ما دللنا به على وجوب العمل به ~~من الكتاب والسنة والإجماع ويخالف دعوى النبوة فإن هناك لو نعلم نبوته إلا ~~من جهته ولم يقم دليل على صحته فلم يثبت وهاهنا الشرع قد ثبت قبله وعلم من ~~جهته قبوله فوجب المصير إليه PageV01P309 # قالوا ولأنه لو جاز قبول خبر الواحد في فروع الدين لجاز قبوله في الأصول ~~من التوحيد وإثبات الصفات # قلنا في مسائل الأصول أدلة توجب القطع من طريق العقل فلا يعدل عنها إلى ~~خبر الواحد كما أن من عاين القبلة لا يرجع إلى الاجتهاد في طلبها وليس كذلك ~~الفروع فإنه ليس فيها طريق يوجب القطع فجاز الرجوع فيها إلى الظن كما نقول ~~في الغائب عن القبلة # قالوا ولأن براءة الذمة متيقنة وخبر الواحد موضع شك فلا يجوز إزالة ~~اليقين بالشك # قلنا نحن لا نزيل اليقين إلا بيقين مثله ووجوب العمل بخبر الواحد يقين ~~وإن كان ما ms135 تضمنه غير متيقن # ولأنه لو كان هذا صحيحا في رد الخبر لوجب أن يجعل طريقا في إبطال الشهادة ~~والفتاوى فيقال براءة الذمة متيقنة والشهادة والفتوى موضع شك وشبهة فلا ~~يترك اليقين بالشك # وعلى أن حكم الأصل غير متيقن بعد ورود الخبر بل هو حال شك وشبهة لأنا ~~نجوز أن يكون الأمر قد تغير عما كان عليه في الأصل فلا يكون العمل بالخبر ~~إزالة يقين بالشك # قالوا ولأن المخبر كالمفتي ثم ثبت أن ما يفتي به المفتي لا يلزم العالم ~~العمل به حتى يعلم صحته فكذلك ما يخبر المخبر يجب أن لا يلزم العمل به حتى ~~تعلم صحته # قلنا إن كان لا يجوز للعالم أن يعمل بفتواه قبل العلم بصحته فيجوز للعامي ~~أن يعمل به قبل العلم بصحته فليس لهم أن يتعلقوا بأحد الفريقين إلا ولنا أن ~~نتعلق بالفريق الآخر # ولأن العالم لا مشقة عليه في معرفة ما أفتى به لأن له اجتهادا يرجع إليه ~~PageV01P310 وليس كذلك هاهنا فإنا لو ألزمنا الناس أن يعرفوا ما سمعوه من ~~الأخبار من طريق التواتر لشق على الناس فصار بمنزلتهم في ذلك من الفتوى ~~منزلة العامي لما شق عليهم الانقطاع إلى الفقه جوز لهم التقليد في الفتوى ~~وإن لم يعلموا صحة ما أفتوا به # قالوا ولأنه لو كان العمل بخبر الواحد واجبا لوجب التوقف عنه وعن سائر ~~أدلة الشرع لأنه إذا أراد العمل بخبر الواحد جوز أن يكون هناك ما هو أولى ~~من أخبار الآحاد فيحتاج أن يتوقف عن العمل به حتى يحيط علمه بجميع ما روى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا سبيل إليه فوجب أن يكون العمل به ~~باطلا # قلنا لو كان تجويز ما هو أولى منه من الأدلة يجوز أن يمنع العمل بما وقع ~~إليه منها لوجب أن لا يجوز للحاكم أن يحكم بشهادة شاهد ولا للعامي أن يعمل ~~بفتوى فقيه لجواز أن يكون هناك ما هو أولى منه ولما بطل هذا بطل ما ذكروه # ولأنه لو جاز أن يكون ms136 هذا طريقا للمنع من الأخبار لوجب أن يجعل طريقا إلى ~~المنع من العمل بالاجتهاد لأنه متى رتب دليلا على دليل باجتهاده جوز أن ~~يكون هناك ما هو أولى منه فيؤدي إلى إبطاله ولما لم يجز أن يقال هذا في ~~إبطال الاجتهاد لم يجز أن يقال في إبطال الأخبار PageV01P311 $ مسألة 9 # يجب العمل بخبر الواحد وإن انفرد الواحد بروايته # وقال أبو علي الجبائي لا يجوز حتى يرويه اثنان عن اثنين إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم # وقال بعض الناس لا يقبل أقل من أربعة # لنا قوله تعالى @QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ فدل على أنهم إذا ~~جاءهم عدل لم يتبينوا # وأيضا هو أن النبي عليه السلام كان يبعث عماله وقضاته إلى البلاد آحادا ~~فبعث معاذا إلى اليمن وبعث عتاب بن أسيد إلى مكة وبعث مصعب بن عمير إلى ~~المدينة وبعث عمر وأبي بن كعب وأبا هريرة على الصدقات واحدا واحدا ~~PageV01P312 # وأيضا فإن الصحابة رجعت في التقاء الختانين إلى حديث عائشة رضي الله عنها ~~وحدها # ولأنه خبر عن حكم شرعي فلم يعتبر فيه العدد كالفتوى ولأن مالا يشترط في ~~الفتوى لا يشترط في قبول الخبر كالحرية والذكورة # ولأنه خبر لا تشترط فيه الحرية فلا يعتبر فيه لاعدد كالخبر في الأذن في ~~دخول الدار وقبول الهدية # ولأنه طريق لإثبات الحكم فلا يشترط فيه العدد دليله الأصول التي يقاس ~~عليها # ولأنا لو اعتبرنا رواية اثنين عن اثنين إلى أن يتصل بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم لشق ذلك فوجب أني سقط اعتباره # واحتجوا بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لم يعمل بخبر المغيرة في ميراث ~~الجدة حتى شهد عنده محمد بن مسلمة وعمر لم يعمل بخبر أبي موسى في الاستئذان ~~حتى شهد معه أبو سعيد الخدري فدل على أنه لا بد من العدد # والجواب هو أنه يجوز أن يكونا طلبا الزيادة احتياطا ولهذا روي عن عمر رضي ~~الله عنه أنه قال لأبي موسى الأشعري لا أتهمك ولكني أردت أن لا يجترىء أحد ~~على رسول ms137 الله صلى الله عليه وسلم # والذي يدل عليه أنا روينا عن عمر رضي الله عنه الرجوع إلى خبر الواحد فدل ~~على أن التوقف كان لما ذكرناه # قالوا ولأنه خبر شرط فيه العدالة فاعتبر فيه العدد أصله الشهادات # قلنا هذا يبطل بالفتوى فإنه يعتبر فيه العدالة ولا يعتبر فيه العدد # على أنه لو كان بمنزلة الشهادات لوجب أن لا يقبل من العبيد والنساء في ~~الحدود ولوجب أن يختلف عدده باختلاف الأحكام كما اختلفت الشهادات باختلاف ~~الحقوق ولما قبل ذلك من العبيد والنساء ولم يختلف باختلاف الأحكام دل على ~~أنه بمنزلة الفتوى PageV01P313 $ مسألة 10 # يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى # وقال أصحاب أبي حنيفة لا يقبل # لنا هو أن الصحابة رضي الله عنهم رجعت إلى حديث عائشة في التقاء الختانين ~~وهو مما تعم به البلوى # وقال ابن عمر كنا نخاير أربعين سنة ولا نرى بذلك بأسا حتى أتانا رافع ابن ~~خديج فأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك فتركناه لقول رافع # ولأنه حكم شرعي يسوغ فيه الاجتهاد فجاز إثباته بخبر الواحد # دليله ما لا تعم به البلوى # ولأنه كل دليل ثبت به ما لا تعم به البلوى ثبت به ما تعم به البلوى ~~كالسنة المتواترة # ولأن كل حكم ثبت بالقياس ثبت بخبر الواحد # دليله ما لا تعم به البلوى PageV01P314 # ولأن القياس فرع مستنبط من خبر الواحد فإذا جاز إثبات ما تعم به البلوى ~~بالقياس فلأن يجوز بخبر الواحد الذي هو أصله أولى # ولأن وجوب العمل بخبر الواحد ثبت بدليل قاطع وهو إجماع الصحابة فصار ~~كالقرآن المقطوع بصحته فإذا جاز إثبات ما تعم به البلوى بالقرآن جاز إثباته ~~أيضا خبر الواحد # واحتجوا بأن ما تعم به البلوى يكثر السؤال عنه وإذا كثر السؤال عنه كثر ~~الجواب وإذا كثر الجواب كثر النقل فلما رأينا النقل قد قل دل على أنه لا ~~أصل له ولهذا المعنى رددنا حديث الرافضة في النص على إمامة علي عليه السلام ~~وقلنا أنه لو كان صحيحا ms138 لكثر النقل فيه # والجواب هو أنا لا نسلم أنه إذا كثر الجواب كثر النقل بل يجوز أن يكثر ~~الجواب ولا يكثر النقل وذلك أن نقل الأخبار على حسب الدواعي ولهذا حج النبي ~~عليه السلام في الجم الغفير والعدد الكثير وبين المناسك بيانا عاما ثم لم ~~يروه إلا نفر منهم ولهذا كان كثير من الصحابة لا يؤثرون رواية الأخبار فإذا ~~كان كذلك جاز أن يكثر الجواب ولا يكثر النقل # ويخالف هذا ما ذكروه من جهة الإمامة فإن ذلك عندهم يجب على كل أحد أن ~~يعلمه ويقطع به فلا يجوز أن يثبت بنقل خاص وليس كذلك هاهنا فإنه من مسائل ~~الاجتهاد ويجوز أن ينفرد به البعض بعلمه ويكون فرض الباقين الاجتهاد أو ~~التقليد فافترقا PageV01P315 $ مسألة 11 # يقبل خبر الواحد وإن كان مخالفا للقياس ويقدم عليه # وقال أصحاب مالك إذا كان مخالفا للقياس لم يقدم # وقال أصحاب أبي حنيفة إن كان مخالفا لقياس الأصول لم يقبل PageV01P316 # لنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بم تحكم قال بكتاب ~~الله تعالى قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن ~~لم تجد قال أجتهد رأيي ولا آلو فقال النبي عليه السلام الحمد لله الذي وفق ~~رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يحبه ويرضاه رسول الله فرتب العمل ~~بالقياس على السنة فدل على أن السنة مقدمة # ويدل عليه أن عمر رضي الله عنه ترك القياس في الجنين لحديث حمل بن مالك ~~بن النابغة وقال لولا هذا لقضينا بغيره # وروي أنه كان يقسم ديات الأصابع على قدر منافعها ثم ترك ذلك بقوله عليه ~~PageV01P317 السلام في كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل ولم ينكر عليه أحد # ولأن القياس يدل على قصد صاحب الشرع من طريق الظن والخبر يدل على قصده من ~~طريق الصريح فكان الرجوع إلى الصريح أولى # ولأن الاجتهاد في الخبر في عدالة الراوي فقط وفي القياس علة الأصل ثم في ~~إلحاق الفرع به لأن ms139 من الناس من منع إلحاق الفرع به إلا بدليل آخر فكان ~~المصير في ما قل فيه من جهة الاجتهاد أولى لأنه أسلم من الغرر # وأيضا هو أنه لو سمع القياس والنص المخالف له من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لقدم النص فيما يتناوله على القياس فلأن يقدم على قياس لم يسمع من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى # ولأن النص ينقض به حكم الحاكم فيما فيه خلاف والقياس لا ينقض به فدل على ~~أن النص أقوى فلا يجوز تركه لما هو دونه # وأما أصحاب أبي حنيفة فيقال لهم ما الذي تريدون بمخالفة الأصول فإن قالوا ~~نريد به معاني الأصول فهو كقول أصحاب مالك وقد بينا فساده # ولأنهم ناقضوا في هذا فإنهم يتركون القياس بخبر الواحد ويسمونه موضع ~~الاستحسان ولهذا قال أبو حنيفة القياس أن من أكل ناسيا بطل صومه إلا أني ~~أتركه لحديث أبي هريرة # وقالوا القياس أنه لا يجوز التوضؤ بنبيذ التمر ولكنا تركناه لحديث ابن ~~مسعود وأمثال ذلك على أصلهم كثير PageV01P318 # وإن أرادوا بالأصول الكتاب والسنة والإجماع وافقناهم عليه إلا أنهم ~~يذكرون ذلك في مواضع لا كتاب فيها ولا سنة ولا إجماع وهو في خبر المصراة ~~والتفليس والقرعة فبطل ما قالوه 1 واحتج أصحاب مالك بأن القياس يتعلق ~~باستدلاله والخبر رجوع إلى قول الغير وهذا بفعله أوثق منه بفعل غيره فكان ~~الرجوع إليه أولى ولهذا قدمنا اجتهاده على اجتهاد غيره من العلماء # قلنا لا فرق بينهما لأنه يرجع في عدالة الراوي ومعرفة صدقه إلى أفعاله ~~التي قد شاهدها منه كما يرجع إلى المعنى الذي أودعه صاحب الشريعة في الأصل ~~فيحكم به في الفرع بل طريق معرفة العدالة أظهر لأنه رجوع إلى العيان ~~والمشاهدة وطريق معرفة العلة الفكر والنظر فكان الرجوع إلى الخبر أولى # قالوا ولأن الأصول وإن اتفقت على إيجاب حكم لم تحتمل إلا وجها واحدا وخبر ~~الواحد يحتمل السهو على رواته فلا يجوز ترك مالا يحتمل بما هو محتمل كنص ~~القرآن بالسنة إذا تعارضا # قلنا ms140 إنما يجوز ترجيح أحد الأمرين على الآخر بنفي الاحتمال إذا ثبت أنهما ~~دليلان وفي مسألتنا القياس ليس بدليل إذا عارضه النص فلا يجوز أن يرجع على ~~النص بنفي الاحتمال # على أن هذا يبطل بنص السنة إذا عارضه مقتضى العقل في براءة الذمة فإن ~~براءة الذمة في العقل لا تحتمل إلا وجها واحدا ونص السنة يحتمل السهو على ~~رواته ثم يقدم على مقتضى العقل الذي لا احتمال فيه # قالوا إذا اتفقت الأصول على شيء واحد دلت على صحة العلة قطعا ويقينا فلو ~~قبلنا خبر الواحد في مخالفته لنقضنا العلة وصاحب الشرع لا يتناقض في علله ~~فيجب أن يحمل الخبر على أن الراوي سها فيه ولهذا رددنا ما خالف أدلة العقول ~~من الأخبار المروية في السنة لما أوجب نقض أدلة قاطعة PageV01P319 # قلنا لا نسلم أنه إذا خالف النص كان ذلك علة لصاحب الشرع حتى لا يجوز أن ~~يتناقض فيه فيجب أن يثبتوا علة حتى يصح هذا الدليل # ثم يبطل به إذا عارضه نص كتاب أو خبر متواتر فإنه يؤدي إلى نقض علة صاحب ~~الشرع على زعمهم ثم يقبل ويقدم على القياس # وعلى أنه متى خالف النص زدنا فيه وصفا آخر فمنع من دخول النقض ويخالف هذا ~~إذا ورد النص مخالفا لأدلة العقل فإنه لا يمكن الزيادة في أدلة العقل ~~وهاهنا يمكن فافترقا # ولأن الشرع لا يجوز أن يرد بما يخالف أدلة العقول فعلمنا أنه خطأ من ~~الراوي وليس كذلك هاهنا فإنه يجوز أن يرد النص بما يخالف القياس فافترقا ~~PageV01P320 # إذا روى الخبر اثنان وتفرد أحدهما بزيادة قبلت الزيادة PageV01P321 # وقال بعض أصحاب الحديث لا تقبل الزيادة أصلا # لنا هو أن هذه الزيادة لا تنافي المزيد عليه فهو كما لو انفرد أحدهما ~~بزيادة حديث لا يرويه الآخر # ولأنه يجوز أن يكون أحدهما سمع الحديث من أوله إلى آخره والآخر سمع بعضه ~~أو أحدهما ذكر الحديث كله والآخر نسي بعضه فلا يجوز رد الزيادة بالشك # ولأن الخبر كالشهادة ثم في الشهادة لو شهد شاهدان على ms141 رجل أنه أقر بألف ~~وشهد آخران أنه أقر بألف وخمسمائة فإنه تثبت الزيادة فكذلك في الخبر # ولأنه لو كان ما انفرد به أحدهما مما لا يقبل لوجب أن لا يقبل ما انفرد ~~به أبي وابن مسعود في القراءات لأنها روايات انفردوا بها عن الصحابة # واحتجوا بأنهما مشتركان في السماع فلو كانت الزيادة صحيحة لاشتركا فيها # قلنا تبطل بما ذكرناه من الشهود على أنا بينا أنه يجوز سماع البعض دون ~~البعض ويجوز أن يشتركا في الجميع وينسى أحدهما بعضه وإذا احتمل هذا لم يجز ~~رد الزيادة # قالوا ولأن في التقويم يقدم قول من قوم بالنقصان فكذلك في الخبر # قلنا هذا مخالف للتقويم فإن شهادة المقوم معارضة في الزيادة ألا ترى أن ~~من قوم بالنقصان يذكر أنه عرف السلعة وسعر السوق ولا تساوي إلا PageV01P322 ~~كذا ومن قوم بالزيادة يذكر أنه عرف السلعة وسعر السوق وهو يساوي كذا وليس ~~كذلك في الخبر فإن من روى الخبر ناقصا لا يمنع الزيادة فلا يقدح في صحتها ~~فوجب الأخذ بها # قالوا ما اتفقنا عليه من الخبر يقين والزيادة مشكوك فيها فلا يترك اليقين ~~بالشك # قلنا فيجب إذا انفرد أحدهما بخبر لم يروه الآخر أن لا يقبل فيقال أحد ~~الخبرين يقين والآخر مشكوك فيه فلا يترك اليقين بالشك # على أنا لا نقول إن الزيادة مشكوك فيها بل هي ثابتة على مقتضى الظاهر ~~لأنه ثقة فلو لم يسمع لما ذكر والأخذ بالظاهر من الأخبار واجب # قالوا إذا انفرد واحد من الجماعة بزيادة فقد خالف إجماع أهل العصر فهو ~~كالواحد إذا خالف الإجماع # قلنا المعنى هناك أن أهل الاجتهاد أجمعوا على خطئه فوزانه من مسألتنا أن ~~يجمع أهل الاجتهاد على إبطال الزيادة فتسقط وأما هاهنا فإنهم لم يقطعوا ~~بإبطال الزيادة فوجب الأخذ بها # قالوا لو كان لهذه الزيادة أصل لما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعضهم بها لأن في ذلك ترعيضا للباقين للخطأ # قلنا لا نقول إنه خص بعضهم بالزيادة بل حدث الجميع بالحديث كله ولكن نسي ms142 ~~بعضهم بعض الحديث أولم يحضر بعضهم من أول الحديث إلى آخره # وعلى أنه يجوز أن لا يحدث بعضهم بجميع الحديث على التفصيل إذا لم تدع ~~الحاجة إلى البيان وإنما لا يجوز ذلك عند الحاجة فسقط ما قالوه # قالوا ولأنه قد جرت عادة الرواة بتفسير الأحاديث وإدراج ذلك في جملة ~~الخبر فلا يؤمن أن تكون هذه الزيادة من هذا الجنس فيجب أن لا تقبل ~~PageV01P323 # قلنا إذا أسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم فالظاهر أن الجميع من قوله ~~صلى الله عليه وسلم # على أنه لو كان هذا دليلا في إبطال الزيادة لوجب أن يجعل ذلك طريقا في رد ~~الأخبار أصلا فيقال إن الرواة يغلطون فيروون عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما ليس عنه فلا يؤمن أن تكون هذه الأخبار من ذلك الجنس فلما بطل هذا في رد ~~الخبر أصلا بطل في رد الزيادة PageV01P324 $ مسألة 13 # إذا روى الثقة حديثا مسندا وأرسله غيره لم يقدح ذلك في الرواية وكذلك إذا ~~رفعه أحدهما ووقه الآخر على الصحابي # وقال بعض أصحاب الحديث إن ذلك يقدح في رواية من وصله وأسنده # لنا هو أنه من أرسل ذلك منهما يجوز أن يكون قد أغفل من سمع منه واختار ~~إرساله لغرض # والذي وقفه يجوز أن يكون قد سمع فتوى الصحابي عن نفسه فإن من عنده حديث ~~يجوز أن يرويه مرة ويفتي به أخرى فلا يجوز رد ما أسنده الثقة # واحتجوا بأنه لو كان أحدهما مسندا أو مرفوعا لشاركه الآخر في إسناده ~~ورفعه كما شاركه في سماعه # والجواب هو أنه يجوز أن يكون قد أرسله ووقفه لما بيناه فلا يجوز أن يجعل ~~ذلك قدحا في روايته PageV01P325 $ مسألة 14 # مراسيل غير الصحابة ليست بحجة # وقال مالك وأبو حنيفة هو حجة وهو قول المعتزلة # وقال عيسى بن أبان تقبل مراسيل الصحابة والتابعين وتابع التابعين ولا ~~تقبل مراسيل من بعدهم إلا أن يكون إماما # لنا ما استدل به الشافعي رضي الله عنه وهو أن الخبر كالشهادة والدليل ~~عليه أن العدالة ms143 معتبرة في كل واحد منهما ثم ثبت أن الإرسال في الشهادة ~~يمنع صحتها فكذلك هاهنا في الخبر PageV01P326 # فإن قيل الشهادة آكد من الخبر ألا ترى أن الشهادة لا تقبل من العبد ولا ~~من شهود الفرع مع حضور شهود الأصل والأخبار تقبل من العبد وتقبل من الراوي ~~مع حضور المروي عنه فدل على الفرق بينهما # قيل هما وإن افترقا فيما ذكرتم إلا أنهما يتساويان في اعتبار العدالة ~~والإرسال يمنع ثبوت العدالة فيهما فيجب أن يمنع صحتهما # وأيضا هو أن من شرط الخبر عدالة الراوي فإذا روى مرسلا جهلت عدالة الراوي ~~فيجب أن لا يقبل # فإن قيل الظاهر أنه لم يرو إلا عن عدل # قيل ليس الظاهر ما ذكرتم بل يجوز أن يروى عن عدل وغير عدل وقد جرت عادة ~~أصحاب الحديث بالرواية عن كل أحد ولهذا قال ابن سيرين لا تأخذوا بمراسيل ~~الحسن وأبي العالية فإنهما لا يباليان ممن أخذا وعلى أن عندهم لو أرسل عمن ~~لا يعرفه ولا يعرف عدالته لجاز العمل به فسقط ما قالوه # واحتجوا بأن الراوي لا يرسل الحديث إلا ممن يقطع بصحته وثبوت طريقه ولهذا ~~روي عن إبراهيم أنه قال إذا رويت عن عبد الله وأسندت فقد حدثني واحد وإذا ~~أرسلت فقد حدثني جماعة PageV01P327 # وقال الحسن وقد أرسل حديثا فسئل عنه فقال حدثني به سبعون بدريا فدل على ~~أن المرسل كالمسند وأقوى منه # قلنا يجوز أن يكون قد أرسل لما ذكرتم ويجوز أن يكون قد أرسل لأنه نسي ~~المروي عنه وهذا هو الأكثر لأنه جرت العادة أنهم يقولون عند النسيان قال ~~النبي عليه السلام وعند الذكر والحفظ يذكرون الإسناد ويجوز أن يكون قد أرسل ~~لأنه لم يرض الرواية عنه أو يستنكف عن الرواية عنه وإذا احتمل هذا سقط ما ~~ذكروه # وعلى أن أكثر ما في هذا أن يكون المروي عنه عنده ثقة فأرسل عنه وبهذا ~~القدر لا يلزمنا العمل به حتى يبينه لنا فننظر في عدالته # قالوا ولأن الظاهر أنه لا يرسل إلا عند صحة الحديث ms144 لأنه متى شك بين ~~إسناده حتى تلزمه عهدته فلما رأيناه أرسل دل على صحة الحديث # والجواب أنا قد بينا أنه يحتمل إرساله لما ذكروه ويحتمل ما بيناه والجميع ~~معتاد متعارف فلا يصح حمل الأمر على أحد الوجهين دون الآخر # وعلى أن هذا كله يبطل بالشهادة على الشهادة فإنه إذا لم يسم شاهد الفرع ~~شاهد الأصل لم يصح وإن كان الظاهر أنه ما ترك تسميته إلا لصحة الأمر عنده # قالوا ولأن المروي عنه لا يخلو إما أن يكون على صفة يقبل خبره أو لا يقبل ~~خبره ولا يجوز أن يكون على صفة لا يقبل خبره لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ~~الإرسال عنه يقدح في دين الراوي عنه حتى لا يقبل مسنده ولما ثبت أن مسنده ~~يقبل دل على أن المروي عنه على صفة يقبل خبره فوجب قبول المرسل عنه # قلنا يجوز أن يكون على صفة لا يقبل خبره ولكن لا يقدح ذلك في سند الراوي ~~عنه لأنه يجوز أن لا يعرفه وهو ممن يعتقد جواز الرواية عن المجاهيل ويجوز ~~أن يكون قد نسي اسمه فلا يجب أن القدح في عدالته PageV01P328 # وعلى أن أكثر ما فيه أن يكون المروي عنه عدلا عنده فأرسله لذلك وعدالته ~~عنده لا تكفي في وجوب العمل حتى ينظر في حاله # وعلى أنه لو كان هذا دليلا في إرسال الخبر لوجب أن يجعل دليلا في إرسال ~~الشهادة فيقال المشهود على شهادته لا يخلو من أن يكون مردود الشهادة فيجب ~~أن يوجب ذلك قدحا في عدالة هذا الشاهد فلا تقبل شهادته في شيء أو مقبول ~~الشهادة فيجب قبول الشهادة عليه مع الإرسال ولما بطل هذا في الشهادة بطل في ~~الأخبار # قالوا من قبل مسنده قبل مرسله كالصحابة # والجواب أن أبا إسحق الإسفراييني لم يسلم هذا لا تقبل مراسيل الصحابة كما ~~لا تقبل مراسيل التابعين والمذهب أنه تقبل مراسيلهم لأنهم لا يرسلون إلا عن ~~الصحابة وقد ثبتت عدالتهم فلا يحتاج إلى النظر في أحوالهم والتابعون يروي ~~بعضهم عن ms145 بعض وعدالتهم غير ثابتة فوجب الكشف عن حالهم # قالوا ولأنه إرسال فأشبه إرسال ابن المسيب # قلنا من أصحابنا من قال مراسيله ومراسيل غيره سواء والشافعي رضي الله عنه ~~استحسن مراسيله في الترجيح بها ومنهم من سلم لأنها تتبعت فوجدت مسانيدا عن ~~الصحابة وهذا المعنى لم يثبت في مراسيل غيره فافترقا # قالوا لو لم يكن المرسل حجة لما اشتغل الناس بروايته وكتبه PageV01P329 # قلنا يجوز أن يكون قد اشتغلوا بروايته وكتبه للترجيح به أو ليعرف كما كتب ~~أخبار الفساق ومن لا يثبت بروايته حديث ولهذا قال الشعبي حدثني الحارث ~~الأعور وكان والله كذابا # ولأنا نشتغل برواية النسوخ من الأحكام وإن لم يتعلق بها حكم PageV01P330 ~~$ مسألة 15 # إذا قال الصحابي أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو من السنة كذا فهو كالمسند ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقال أبو بكر الصيرفي لا حجة في ذلك وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة # لنا هو أن إطلاق الأمر والنهي والسنة يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # والدليل عليه أن أنس بن مالك كان يقول أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر ~~الإقامة ولم يقل له أحد من الآمر بذلك فدل على أن إطلاق الأمر يقتضي ما ~~ذكرناه # ولأنه لا خلاف أنه لو قال أرخص لنا في كذا لرجع ذلك إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فكذلك إذا قال أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا ولا فرق بينهما # واحتجوا بأن السنة قد تطلق والمراد بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتطلق والمراد بها سنة غيره والدليل عليه قول علي عليه السلام في الخمر جلد ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر أربعين وجلد أبو بكر رضي الله عنه ~~أربعين وجلد عمر PageV01P331 ثمانين وكل سنة فأطلق السنة على ما فعله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعلى ما فعله أبو بكر وعلى ما فعله عمر رضي الله ~~عنهما # وقال عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدين أبي بكر ~~وعمر ms146 # والجواب أن عليا عليه السلام أراد بالسنة سنة النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأن الزيادة على الأربعين كانت تعزيرا والضرب بالتعزير ثبت بالسنة # وأما قوله عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي فهي سنة مقيدة ~~منسوبة إلى أبي بكر وعمر وكلامنا في السنة المطلقة وحكم المطلق مخالف لحكم ~~المقيد # قالوا ولأن الصحابي قد يجتهد في الحادثة فيؤديه اجتهاده إلى حكم ويضيف ~~ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه يقيس على ما سمع منه ويستنبط ~~مما أخذ عنه وإذا احتمل هذا لم يجز أن يجعل ذلك سنة مسندة كما لو قال هذا ~~حكم الله تعالى لم يجز أن يصير ذلك كآية من القرآن # والجواب هو أنه وإن جاز أن يسمى ما عرف بالقياس سنة إلا أن الظاهر من ~~السنة ما حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واللفظ يجب أن يحمل على ~~الظاهر فبطل ما قالوه والله أعلم PageV01P332 $ مسألة 16 # إذا قال الصحابي كنا نفعل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا ~~فهو كالمسند إلى رسول الله # وقال بعض أصحاب أبي حنيفة ليس كالمسند # لنا أن الظاهر من حال الصحابة أن لا يقدموا على أمر من أمور الدين والنبي ~~صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم إلا عن أمره فصار ذلك كالمسند إليه # ولأنه إنما يضاف ذلك إلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لفائدة وهو أن ~~يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك ولم ينكره فوجب أن يصير كالمسند # واحتجوا بأنهم كانوا يفعلون في عهد النبي عليه السلام مالا يكون مسندا ~~ألا ترى أنهم لما اختلفوا في التقاء الختانين قال بعضهم كنا نجامع على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكسل فلا نغتسل فقال له عمر أو علم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذلك فأقركم عليه فقال لا فقال فمه # وقال جابر كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P333 # قلنا أما التقاء الختانين فما كان يجب ms147 به الغسل في ابتداء الإسلام وكانوا ~~يجامعون ولا يغتسلون ثم نسخ ذلك فكان ذلك مفعولا في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلما نسخ لم يعلم بعضهم بالنسخ واستمر على ذلك وحال الاستدامة ~~والاستمرار يجوز أن يخفى أمره # فأما الإقدام على ابتداء الشيء فلا يفعل إلا عن إذن النبي عليه السلام # وأما حديث جابر فالمراد به أمهات الأولاد في غير ملك اليمين وهو أن يتزوج ~~جارية لهم وذلك جائز PageV01P334 $ مسألة 17 # إذا قال الصحابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كالمسند إليه ~~سماعا منه # وذهب بعض الناس إلى أنه ليس كالمسند إليه سماعا وهو قول الأشعرية # لنا هو أن الظاهر أنه ما قطع بأنه قال النبي عليه السلام إلا وقد سمع منه ~~فوجب أن يحمل الأمر على السماع # واحتجوا بأنه يجوز أن تكون بينهما واسطة فيضيف إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم من جهتهم ولهذا قال أنس ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # وقيل إنه ليس مما يرويه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أربعة ~~أحاديث # والجواب أنه يحتمل ما ذكرتم ولكن الظاهر ما ذكرناه # والدليل عليه أن أنسا قال ليس كل ما نحدثكم به سمعناه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهذا يدل على أن ظاهر الرواية يقتضي السماع ولولا ذلك ما ~~احتاج إلى هذا البيان فإذا كان هذا هو الظاهر وجب أن يحمل الخبر عليه ~~PageV01P335 $ مسألة 18 # إذا قال حدثني فلان عن فلان فالظاهر أنه متصل # ومن الناس من قال حكمه حكم المرسل # لنا هو أن الظاهر أنه سمع كل واحد منهم ممن يروى عنه لأنه لو كان بينهما ~~واسطة لبين ذلك # واحتجوا أن الرواية عنه لا تقتضي السماع منه ألا ترى أنه يقال روى فلان ~~عن فلان وإن كان بينهما واسطة كما يقال روى عنه وإن لم يكن بينهما واسطة ~~وإذا كان اللفظ يطلق على الأمرين لم يكن حمله على الاتصال بأولى من حمله ms148 ~~على الإرسال # قلنا اللفظ وإن كان يستعمل في في الأمرين جميعا إلا أن الظاهر منه السماع ~~والاتصال لأن الأصل عدم الوسائط فوجب أن يحمل الأمر عليه PageV01P336 $ ~~مسألة 19 # لا يقبل الخبر إلا ممن تعرف عدالته # وقال أبو حنيفة إذا عرف إسلامه جاز قبول روايته # لنا هو أن كل خبر لا يقبل من الفاسق لم يقبل من مجهول الحال كالشهادة # ولأنا لو جوزنا قبول الأخبار ممن جهلت عدالته لم يبق أحد من أهل البدع ~~إلا روى ما يوافق بدعته فتتسع البدع ويكثر الفساد وهذا لا يجوز # واحتجوا بأن النبي عليه السلام قال للأعرابي الذي شهد عنده بالهلال أتشهد ~~أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال نعم وأمر بالصوم ولم يسأل عن ~~العدالة # والجواب هو أنه يحتمل أن يكون قد عرف عدالته فلم يسأل عنها # قالوا ولأن الأصل في المسلم العدالة فوجب أن يحمل الأمر عليه PageV01P337 # قلنا لا نسلم بل الأصل في الصبيان عدم العدالة لعله التحصيل والعقل وبعد ~~البلوغ يحتمل أن يكون عدلا ويحتمل أن يكون فاسقا فوجب التوقف فيه حتى نعلم ~~باطن الحال # ولأن هذا يبطل بالشهادة فإنها لا تقبل من المجهول وإن كان الأصل في الناس ~~العدالة فسقط ما قالوه PageV01P338 $ مسألة 20 # إذا روى الثقة عن المجهول لم يدل ذلك على عدالته # ومن أصحابنا من قال يدل على عدالته # لنا هو أن شهادة الفرع لا تدل على شهادة الأصل فكذلك رواية العدل لا تدل ~~على عدالة المروي عنه # ولأن العدل قد يروي عن الثقة وعن غير الثقة ولهذا قال الشعبي حدثني ~~الحارث الأعور وكان والله كذابا فلم يجز أن يستدل بالرواية على العدالة # واحتجوا لو كان هذا المجهول غير ثقة لبين العدل ذلك في روايته حتى لا ~~يغتر بروايته كما بين الشعبي ولما لم يبين ذلك دل على عدالته # والجواب هو أنه يجوز أن يترك البيان ثقة بعدالته ويحتمل أنه تركه لأنه لا ~~يعرفه وهو ممن يرى الناس أنه على العدالة ويحتمل أن يترك البيان ليجتهد ~~الفقيه ms149 الذي يعمل بحديثه في حاله فإذا احتمل أنه ترك البيان من هذه الوجوه ~~لم يدل ذلك على العدالة # وجواب آخر وهو أن أكثر ما في ذلك أن يدل على عدالته عنده وهذا لا يكفي في ~~ثبوت العدالة حتى ننظر في حاله كما نظر ونعرفه كما عرف # ولأن هذا يبطل بشاهد الفرع إذا شهد على شهادة مجهول فإنه لا يدل على ~~عدالته ولا يقال أنه لو كان غير ثقة لبين ذلك حتى لا تعتبر شهادته فسقط ما ~~قالوه PageV01P339 $ مسألة 21 # إذا روى الصحابي لغيره شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رأى ~~المروي له رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلزمه أن يسأله عما حدث عنه # وقال بعض الناس يلزمه أن يسأل عن ذلك # لنا هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث السعاة والقضاة إلى أهل ~~البلاد لتبليغ الشرع وبيان الأحكام ثم يقدمون أولئك على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا يسألونه عما حدثوا عنه فدل على أنه لا يجب # واحتجوا بأنه إذا لقى النبي عليه السلام أمكنه معرفة الحكم من جهة القطع ~~فلا يجوز أن يعول على الظن كما أن المكي إذا أمكنه التوجه إلى القبلة لم ~~يجز أن يجتهد # قلنا فيجب على هذا إذا كان على بحر أن لا يجوز له الوضوء بما معه من ~~الماء لأنه يقدر على ما يقطع بطهارته وهو ماء البحر ولما أجمعوا على جواز ~~ذلك دل على بطلان ما قالوه # وأما القبلة فهو حجة لنا عليهم لأن الغائب عنها إذا علم الجهة بدليل فصلى ~~إليها لم يلزمه إذا قدم مكة اعتبار الجهات المتيقنة وكذلك هاهنا إذا علم ~~بقول العدل ثم لقي النبي عليه السلام يجب أن لا يلزمه سؤاله PageV01P340 $ ~~مسألة 22 # إذا نسي المروي عنه الحديث والراوي عنه ثقة لم يسقط الحديث # وقال أصحاب أبي حنيفة يسقط الحديث # لنا أن سهيل بن أبي صالح روى عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن حديث الشاهد ~~واليمين ثم نسيه فكان ms150 يقول حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي هريرة ولم ~~ينكر عليه أحد من التابعين # وصنف أبو الحسن الدارقطني جزءا فيمن نسي ثم روى عمن روى عنه وهذا يدل على ~~أنه إجماع على جواز ذلك PageV01P341 ولأن المروي عنه لا يعلم بطلان الحديث ~~والراوي عنه ثقة فوجب العمل به كما لو لم ينس # ولأنه موته أعظم من نسيانه فإذا كان موته لا يبطل رواية الثقة عنه ~~فنسيانه أولى # واحتجوا بأن الخبر كالشهادة ثم إنكار شهود الأصل الشهادة يبطل الشهادة ~~فكذلك إنكار المروي عنه الخبر يجب أن يبطل الخبر # والجواب هو أن باب الشهادة آكد من باب الخبر ألا ترى أن شهادة العبيد لا ~~تقبل وأخبارهم تقبل فدل على الفرق بينهما PageV01P342 $ مسألة 23 # إذا ترك الراوي العمل بالحديث وأفتى بغيره لم يسقط الحديث # وقال أصحاب أبي حنيفة يسقط الحديث # لنا هو أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة وقول الراوي ليس بحجة ~~فلا تعارض الحجة بما ليس بحجة # واحتجوا بأن الصحابي مع فضله ودينه لا يجوز أن يترك الحديث ويعمل بخلافه ~~إلا وقد علم نسخ الخبر فوجب أن يسقط الاحتجاج به # والجواب أنه يحتمل أن يكون علم نسخه ويحتمل أنه نسيه أو تأوله فلا تترك ~~سنة ثابتة بتجويز النسخ # ولأن الظاهر أنه ليس معه ما ينسخه لأنه لو كان معه ناسخ لرواه في وقت من ~~الأوقات ولما لم يظهر ذلك دل على أنه نسيه PageV01P343 $ مسألة 24 # إذا وجد سماعه على كتاب ولم يذكر أنه سمعه جاز له أن يرويه # وقال بعض أصحابنا لا يجوز حتى يذكره وهو قول أبي حنيفة # لنا هو أن الأخبار تحمل على الظاهر وحسن الظن ولهذا قبلناها من العبيد ~~والنساء ومن لا نعرف عدالته في الباطن فالظاهر من هذا السماع الصحة فوجب أن ~~تجوز له الرواية # واحتجوا بأنه لا يجوز الرجوع إلى الخط في الشهادة فكذلك في الخبر # والجواب أن باب الشهادة آكد من باب الأخبار وقد بينا هذا بما يغني عن ~~الإعادة PageV01P344 $ مسألة 25 # إذا ms151 كتب إليه رجل بحديث جاز أن يرويه عنه فيقول أخبرني فلان بهذا مكاتبة # ومن الناس من قال لا تجوز له الرواية عنه # لنا هو أن أمر الأخبار مبني على الظاهر وحسن الظن والظاهر صحة ما كتب ~~إليه فجاز أن يعول عليه في الرواية # فإن احتجوا بأنه لو كتب إليه بشهادة لم يجز أن يشهد عليه فكذلك إذا كتب ~~إليه بخبر # والجواب أن باب الشهادة آكد من باب الأخبار وقد بينا ذلك في غير موضع ~~فأغنى عن الإعادة PageV01P345 $ مسألة 26 # تجوز رواية الحديث على المعنى إذا كان عالما بمعنى الحديث # وقال بعض أصحابنا لا يجوز ذلك # لنا أن النبي عليه السلام سئل عن ذلك فقال إذا أصيب المعنى # ولأن القصد هو المعنى دون اللفظ وقد أتى بالمقصود فوجب أن يجوز كما نقول ~~في نقل الشهادة والأقارير PageV01P346 # واحتجوا بقوله عليه السلام رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وأدى ~~كما سمع فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وهذا يقتضي ~~حفظ الألفاظ # والجواب هو أن هذا يدل على الفضيلة والاستحباب ألا ترى أنه رغب فيه ~~بالدعاء ولم يتواعد على تركه # قالوا ولأنا لا نأمن أن يكون قد قصد النبي عليه السلام معنى فاستعمل فيه ~~لفظا على سبيل المجاز فينقل الراوي ذلك إلى لفظ لا يؤدي معنى الأول فيغير ~~المقصود # والجواب هو أنا إنما نجيز ذلك لمن علم معنى الحديث وأحاط به علمه فلا ~~يغير المقصود # قالوا ولأن القرآن لا يجوز أن يقرأ على المعنى فكذلك السنة # قلنا لأن اللفظ مقصود في القرآن ألا ترى أنه يثاب على تلاوته وليس كذلك ~~هاهنا فإن القصد هو المعنى دون اللفظ فشابه ما ذكرنا من الشهادة والإقرار ~~PageV01P347 $ مسألة 27 # يرجح أحد الخبرين على الآخر بكثرة الرواة في أحد المذهبين ولا يرجح في ~~المذهب الآخر وهو مذهب بعض الناس # لنا هو أن رواية الاثنين أقرب إلى الصحة وأبعد من السهو والغلط فإن الشيء ~~عند الجماعة أحفظ منه عند الواحد ولهذا قال ms152 الله تعالى @QB@ أن تضل إحداهما ~~فتذكر إحداهما الأخرى @QE@ وقال عليه السلام الشيطان مع الواحد وهو مع ~~الاثنين أبعد فوجب أن يرجح ما كثر رواته # وأيضا فإن ما كثر رواته أقرب إلى التواتر فوجب أن يكون أولى من غيره # واحتجوا بأن في الشهادات لا يرجح بكثرة العدد فكذلك في الأخبار # والجواب هو أن الشهادات مقدرة في الشرع فلم يرجح بكثرة العدد والأخبار ~~غير مقدرة فرجع فيها إلى الأقوى في الظن يدلك عليه أن الشهادات لا ترجح ~~بالسن ولا بالقرب ولا بالعلم والأخبار ترجح بذلك كله فدل على الفرق بينهما ~~PageV01P348 & مسائل الإجماع $ مسألة 1 # إجماع العلماء على حكم الحادثة حجة مقطوع بها # وقال النظام والإمامية ليس بحجة غير أن الإمامية قالت إن المسلمين إذا ~~أجمعوا على حكم وجب المصير إليه لأن فيهم من قوله حجة وهو الإمام والإجماع ~~عندهم ليس بحجة ولكن فيه حجة # لنا ما احتج به الشافعي رحمه الله وهو قوله تعالى @QB@ ومن يشاقق الرسول ~~من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ~~وساءت مصيرا @QE@ فتواعد على مخالفة سبيل المؤمنين فدل على أن اتباعهم واجب ~~ومخالفتهم حرام وأن ما عداه باطل PageV01P349 # فإن قيل إنما علق الوعيد على مخالفة النبي عليه السلام وترك سبيل ~~المؤمنين ونحن نقول إن الوعيد يتعلق بذلك # قيل لو لم يحرم كل واحد منهما على الانفراد لما علق الوعيد عليهما على ~~الاجتماع فلما علق الوعيد عليهما دل على تحريم كل واحد منهما على الانفراد # ألا ترى أنه لما قال @QB@ ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما @QE@ رجع هذا الوعيد إلى الأمرين جميعا القتل ~~والزنا وكل واحد منهما منفرد عن الآخر فكذلك هاهنا # ولأنه لا خلاف أن الوعيد يتعلق بمشاقة الرسول على الانفراد وإن لم يكن ~~هناك مؤمن فدل على أن الوعيد معلق بترك سبيل المؤمنين على الانفراد # فإن قيل المراد به ترك اتباع المؤمنين في مشاقة الرسول فيكون الوعيد على ~~مشاقة الرسول ms153 عليه السلام فقط # قيل هذا تخصيص من غير دليل فإنه لم يقل ويتبع غير سبيل المؤمنين في أمر ~~دون أمر فوجب أن يحمل على العموم # ولأن هذا يؤدي إلى حمل اللفظ على التكرار وذلك أن استحقاق الوعيد بمشاقة ~~الرسول قد عرف من قوله @QB@ ومن يشاقق الرسول @QE@ فيجب أن يكون الوعيد في ~~ترك اتباع المؤمنين يتعلق بمعنى آخر # فإن قيل الوعيد إنما لحقه بترك سبيل المؤمنين بعدما علموا الدليل # ألا ترى أنه قال @QB@ من بعد ما تبين له الهدى @QE@ وبعد قيام الدليل ~~وبيان الهدى يستحق الوعيد على ترك سبيلهم # والجواب أنه لا يجوز أن يكون المراد ترك سبيلهم فيما أقاموا عليه الدليل ~~لأنه إذا قام الدليل على الحكم ثبت الوعيد بمخالفته وإن لم يكن ترك سبيل ~~المؤمنين PageV01P350 # وقولهم إنه شرط فيه تبين الهدى غلط لأن ذلك إنما شرط في مشاقة النبي عليه ~~السلام واستحقاق الوعيد بمشاقته موقوف على تبين الهدى وقيام الدليل على ~~ثبوته وأما في ترك سبيل المؤمنين فقد أطلق الوعيد فوجب أن يتعلق ذلك ~~بمخالفتهم بكل حال # قالوا ولأن هذا استدلال بدليل الخطاب وذلك أنه لما علق الوعيد على اتباع ~~غير سبيلهم وحرمه استدللتم من ذلك على أن اتباعهم واجب ومثل هذه المسألة لا ~~يجوز إثباتها بدليل الخطاب وهي من مسائل الاجتهاد # والجواب هو أنا نتعلق من الآية بالنطق لا بالدليل وذلك أنه ألحق الوعيد ~~بمن يتبع غير سبيلهم وعند المخالف أنه لا يلحق الوعيد باتباع غير سبيلهم ~~فكان مذهبهم مخالفا لنطق الآية # وجواب آخر وهو أنا استدللنا من الآية بتقسيم عقلي لا محيد عنه ولا محيص ~~منه وذلك أنه ليس هاهنا أكثر من سبيل المؤمنين وغير سبيلهم فلما تواعد على ~~اتباع غير سبيلهم تعين وجوب اتباع سبيلهم # والذي يدل عليه هو أنه لو نص على حكم واحد في القسمين لم يجز فإنه لا ~~يجوز أن يقال ومن ترك سبيل المؤمنين وغير سبيلهم فهو في النار إذ ليس ها ~~هنا إلا سبيلهم وغير سبيلهم ولو نص على دليل الخطاب ms154 في الشيء وضده على حكم ~~واحد بأن قال في سائمة الغنم ومعلوفتها الزكاة جاز فدل على ما قلناه # فإن قيل المراد بالآية ترك سبيل المؤمنين في ما صاروا به مؤمنين وهو ~~الإيمان يدل عليه أنه لو قال للقائل اتبع سبيل أهل الخير والدين كان معناه ~~اتباعهم فيما صاروا به من أهل الخير والدين فصار تقدير الآية ويتبع سبيل ~~الكفار وهذا مستحق الوعيد عليه # قيل هذا لا يصح بل هي عامة في كل ما هو سبيل لهم # ألا ترى أنه لو قال افعل أفعال العلماء اقتضى ذلك اتباعهم في جميع ~~أفعالهم مما صاروا به علماء ومما لم يصيروا به من أفعالهم وعاداتهم ~~PageV01P351 # ولأن تحريم الكفر وترك اتباع المؤمنين فيه قد علم من مشاقة الرسول فإن من ~~شاقه كان كافرا مستحقا للعقوبة فيجب أن يكون محمولا على ترك اتباعهم في غير ~~الإيمان # فإن قيل الآية تقتضي سبيلا واحدا وفي سبيل المؤمنين ما يحرم تركه # قلنا هذا جهل من قائله فإن السبيل معرف بالإضافة فاقتضى جميع سبيلهم ~~وإنما الذي يقتضي واحدا هو السبيل المنكر فأما إذا عرفه بالإضافة كان ~~بمنزلة المعرف بالألف واللام # فإن قيل السبيل حقيقة في الطريق فأما في الأقوال فمجاز فلا يصح الاحتجاج ~~به في أحكام الحوادث # قيل السبيل حقيقة فيهما # ألا ترى أن الله تعالى قال @QB@ قل هذه سبيلي @QE@ والمراد به القرآن ~~وقال @QB@ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة @QE@ والمراد به الدين # ولأنه لو كان مجازا لكان في معنى الحقيقة لكثرة الاستعمال فيه وكثرة ~~الاستعمال تجعل اللفظ كالحقيقة في الاستعمال وربما صار المجاز أحق به ~~كالغائط اسم للمكان المنخفض ثم لكثرة الاستعمال في النجو صار كالحقيقة حتى ~~إذا ورد اللفظ به حمل على النجو دون المكان # قالوا إنما علق الوعيد على ترك سبيل المؤمنين ونحن لا نعلم أن أهل ~~الإجماع مؤمنون فلا يلزمنا حكم الوعيد على مخالفتهم # قلنا المؤمن في حكم الشرع هو الذي التزم أحكام الشرع وآمن بها وهذا معروف ~~معلوم فوجب أن يلحق الوعيد بترك اتباعه PageV01P352 # وجواب آخر ms155 وهو أنه إذا اجتمع أهل القبلة من أهل العصر على حكم قطعنا بأن ~~فيهم مؤمن فيجب أن يلحق الوعيد بمخالفتهم لأنه ترك سبيل المؤمنين قطعا ~~ويقينا # فإن قيل عندنا إذا ترك سبيل المؤمنين قطعا ألحقنا به الوعيد فإن في ~~جملتهم الإمام المعصوم فيلحق الوعيد بمخالفته # قلنا الظاهر يقتضي استحقاق الوعيد بمخالفة المؤمنين وذلك يقتضي الجماعة ~~وعندهم إذا خالف أهل القبلة كلهم استحق الوعيد على ترك سبيل مؤمن واحد دون ~~الباقين # قالوا هذا يقتضي أن يترك سبيل جميع المؤمنين إلى يوم القيامة فيستحق ~~الوعيد وهذا لا يعتبر في الإجماع # والجواب أن المراد بالآية بعض المؤمنين يدل عليه هو أنه يقتضي تابعا ~~ومتبوعا ولو كان المراد به جميع المؤمنين لم يكن في المؤمنين تابع # ولأنه لو كان المراد به جميع المؤمنين لتأخر التكليف إلى يوم القيامة ~~فيجب أن يكون المراد به بعض المؤمنين # ولأن الآية تقتضي ترك اتباع من هو مؤمن في الحقيقة والذي هو مؤمن في ~~الحقيقة هم أهل العصر فأما من مات منهم أو لم يخلق منهم فلا يطلق عليه اسم ~~المؤمنين فدل على أن المراد به البعض # فإن قيل لو كان المراد به من هو مؤمن في الحقيقة وجب أن يعتبر اتفاق ~~العلماء والعامة # قلنا قد بينا أنه جعل البعض تابعا والبعض متبوعا فيجب أن يكون المراد به ~~علماء العصر # ومما يدل على أن الإجماع حجة قوله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر @QE@ فيجب أن يكون ما يأمرون به معروفا ~~PageV01P353 وما ينهون عنه منكرا وعند المخالفين أنهم يأمرون بما ليس ~~بمعروف وينهون عما ليس بمنكر # وأيضا قوله تعالى @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ~~@QE@ والوسط العدل قال الشاعر % هم وسط يرضى الأنام بحكمهم % إذا نزلت إحدى ~~الليالي بمعظم % $ فعدلهم وجعلهم شهداء فدل على أن قبول قولهم واجب إذ لا ~~يجوز أن يعدلهم ويجعلهم شهداء على الناس ثم لا يكون قولهم حجة عليهم # فإن قيل إثبات العدالة لهم لا يدل على أنه لا ms156 يجوز عليهم الخطأ كما لا ~~يدل على انه لا يجوز عليهم الصغائر # قلنا لم عد لهم وجعلهم شهداء دل على انى قولهم مقبول عليهم كما أنه لما ~~عدل الشاهد في الحقوق وجعله شاهدا على المدعى عليه كان قوله حجة عليهم وإن ~~لم يقتض تعديله رفع الصغائر عنه # فإن قيل المراد بها شهادة هذه الأمة على سائر الأمم يوم القيامة # قيل هذه عامة في الجميع فنحملها عليه # ويدل عليه من السنة ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تجتمع ~~أمتي على ضلالة # وروى لا تجتمع أمتي على الخطأ # وقال لم يكن الله ليجمع هذه الأمة على الخطأ PageV01P354 # وقال ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو ~~عند الله قبيح # وقال من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية # وقال من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه # وروى أنه عليه السلام نهى عن الشذوذ وقال من شذ شذ في النار # وقال عليكم بالجماعة فإن الذئب يأكل القاصية من الغنم # وقال عليكم بالسواد الأعظم # وقال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي # وهذا كله يدل على صحة الإجماع ونفي الخطأ عنه # فإن قيل هذه أحاديث آحاد فلا يصح إثبات الإجماع بها وهو من مسائل الأصول # قيل هذا تواتر من طريق المعنى فإن ألفاظها وإن اختلفت فقد PageV01P355 ~~اتفق الجميع على إيجاب المصير إلى الإجماع وعصمة الأمة من الخطأ وصار ذلك ~~موجبا للعلم وبهذا الطريق علمنا شجاعة علي عليه السلام وسخاء حاتم وفصاحة ~~الجاحظ فإن الأخبار قد كثرت عنهم في الدلالة على هذه المعاني فأوجب لنا ~~العلم بتلك كذلك هاهنا # ولأنه لا يجوز أن تكون هذه الأخبار على كثرتها كلها كذبا كما أن الخلق ~~العظيم إذا أخبروا عن اعتقاد الإسلام لم يجز أن يكونوا كلهم كفارا قد ~~أبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام بل يجب أن يكون فيهم من يصدق في خبره وكذلك ~~هاهنا يجب أن يكون في جماعة هذه الأخبار الكثيرة خبر واحد صحيح وإذا ms157 ثبت ~~صحة خبر منها وجب المصير إليه والعمل به # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ~~@QE@ ولم يأمر بالرد إلى الإجماع وعندكم يرد إلى إجماع من تقدم # قلنا الآية دلالة لنا لأنه شرط في الرد إلى الكتاب والسنة وجود الشارع ~~فدل على أن دليل الحكم عند عدم الشارع هو الإجماع إذ لا بد للحكم من دلالة # ولأن الرجوع إلى الإجماع رد إلى الكتاب والسنة وقد بيناه # واحتجوا بما روي أن النبي عليه السلام لما بعث معاذا إلى اليمن قال له بم ~~تقضي قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال فإن لم تجد قال أجتهد رأيي ولم يذكر الإجماع # والجواب هو أن هذا كان في زمان النبي عليه السلام ولا إجماع في زمانه ~~فلهذا لم يذكره PageV01P356 # واحتجوا بما روي عن النبي عليه السلام أنه قال لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض وهذا يدل على جواز الضلال عليهم # والجواب أنا لا نعرف هذا الخبر فيجب أن يثبتوه ليعمل به # ولأنه يحتمل أن يكون خطابا لقوم بأعيانهم ويجوز الخطأ والضلالة عليهم # واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم لتركبن سنن من كان قبلكم حذو ~~القذة بالقذة # والجواب أنا نحمله على ما ذكرناه # واحتجوا بأنه اتفاق أمة فلم يكن حجة دليله اتفاق الأمم السابقة # والجواب أن من أصحابنا من لم يسلم هذا الأصل وقال إجماع الأمة وسائر ~~الأمم السالفة سواء وهو اختيار أبي إسحاق الإسفراييني رحمه الله # وإن سلمنا على قول غيره فالفرق بينهما هو أن عصمة الأمم طريقها الشرع ~~والشرع لم يرد بعصمة سائر الأمم وورد الشرع بعصمة هذه الأمة ونفي الخطأ ~~عنها على ما بيناه # ولأن النسخ في سائر الأديان يجوز فلم يحتج فيها إلى عصمة ولا يجوز ذلك في ~~شريعتنا فإنها مؤبدة فعصمت أمتها ليرجع إليها عند الخطأ والنسيان وليحفظ به ~~الشرع # قالوا ولأن الإجماع لا يتصور انعقاده لأنه لا يمكن ضبط أقاويل العلماء ~~على تباعد ms158 البلاد وكثرة العلماء فإذا لم يتصور لم يجز الرجوع إليه ~~PageV01P357 # قلنا يمكن تصور ذلك بسماع أقاويل الحاضرين والنقل عن الغائبين كما يعرف ~~اتفاق المسلمين على الصلاة والزكاة والصوم وغير ذلك في سائر البلاد على ~~كثرة المسلمين وتباعد البلاد # ولأن الاعتبار في الإجماع بعلماء العصر وأهل الاجتهاد وهم كالأعلام في ~~الاشتهار فيمكن معرفة أقاويلهم # ولأن عندهم إجماع الصحابة ليس بحجة وقد كان عددهم محصورا ومواضعهم معروفة ~~وضبط أقاويلهم ممكن فدل على بطلان ما قالوه # قالوا ولأن ما وجب الحكم فيه بالدليل لم يجز الرجوع فيه إلى مجرد قول أهل ~~العصر كالتوحيد # قلنا التوحيد لم يثبت عن أصل قبله والإجماع عرف ثبوته بأصل قبله فشابه ~~النبي عليه السلام PageV01P358 $ مسألة 2 # إجماع أهل كل عصر حجة # وقال داود إجماع غير الصحابة ليس بحجة # لنا قوله تعالى @QB@ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين @QE@ ولم يفصل # وأيضا قوله عليه السلام لا تجتمع أمتي على الضلالة ولم يفصل # ولأنه اتفاق علماء العصر على حكم النازلة فكان حجة قياسا على اتفاق ~~الصحابة # ولأنه لما كان العصر الأول والثاني فيما ينقل من الأخبار سواء وجب أن ~~يكونوا فيما يتفقون عليه من الأحكام سواء PageV01P359 # واحتج المخالف بقوله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر @QE@ فخص الصحابة بذلك # والجواب أنا لا نسلم أن ذلك خطاب لهم خاصة بل هو خطاب لسائر المؤمنين كما ~~كان قوله عز وجل @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ وسائر ما ورد به ~~الشرع من هذا الجنس خطابا لجميع المؤمنين # ويدل عليه هو أنه لا خلاف أن من لم يكن بلغ من الصحابة عند هذا الخطاب ~~إذا بلغ تناوله الخطاب وإن لم يكن موجودا عند وروده # واحتج أيضا بأن عصمة الأمة طريقها الشرع لأن العقل يجوز الخطأ عليهم وقد ~~ورد الشرع بعصمة الصحابة فبقى من عداها على الأصل # والجواب هو أن الدليل الذي اقتضى عصمة الصحابة اقتضى عصمة علماء سائر ~~الأعصار وقد بيناه # واحتج أيضا بأن إجماع ms159 غير الصحابة لا يتصور لكثرة العلماء وتباعد هم ~~وتعذر ضبط أقاويل الجميع فيجب أن لا يكون ذلك حجة # والجواب ما بيناه في المسألة قبلها PageV01P360 $ مسألة 3 # إذا قالت الصحابة قولا وخالفهم واحد أو اثنان لم يكن ذلك إجماعا # وقال محمد بن جرير هو إجماع PageV01P361 # لنا قوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ وقد ~~تنازعوا هاهنا فيجب الرد إلى الكتاب والسنة # ولأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه خالف سائر الصحابة في قتال المرتدين ~~فأقروه على ذلك ولم يقولوا أن قولنا حجة عليك بل ناظروه واستدلوا عليه ~~بالسنة # وعبد الله بن العباس خالف الصحابة في خمس مسائل من الفرائض تفرد بها # وكذلك عبد الله بن مسعود ولم ينكر عليه بقية الصحابة فدل على ما قلناه # ولأنه لم يحصل اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة فلم يكن إجماعا دليله ~~إذا خالف جماعة كبيرة # ولأن الإجماع طريقه الشرع والشرع ورد بعصمة جميع الأمة دون معظمها فوجب ~~أن يجوز الخطأ عليهم # ولأن من قال إن خلاف الواحد والاثنين لا يعتد به لا ينفصل عمن قال خلاف ~~الخمسة والعشرة لا يعتد به حتى يبلغ حد المساواة وإذا لم ينفصل بعضها عن ~~بعض بطل الجميع # فإن قيل فيجب على مقتضى هذا الدليل أن لا يقدم الخبر المتواتر على خبر ~~الواحد ويقال إن خبر الواحد والاثنين وما زاد إلى أن يبلغ حد التواتر كلها ~~واحد لا ينفصل بعضها عن بعض ولما أجمعنا على فساد هذا دل على بطلان ما ~~ذكروه # قيل فيما ألزمتم معنى يوجب الفصل بين العددين وهو أن ما بلغ حد التواتر ~~يقع العلم عند سماعه ضرورة وأما دونه لا يقع العلم عند سماعه ضرورة وليس ~~كذلك فيما اختلفنا فيه لأن جواز الخطأ على كل واحد من هذه الأعداد سواء ~~فكان حكم الجميع واحدا PageV01P362 # واحتجوا بقوله عليه السلام الاثنان فما فوقهما جماعة وبقوله عليه السلام ~~الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد # والجواب أن الخبر الأول إنما ورد في جماعة الصلاة ويدل ms160 عليه أن أحدا لا ~~يقول إن إجماع الاثنين حجة # والخبر الثاني ورد في الأسفار بدليل أن أحدا كان لا يقول إن إجماع ~~الاثنين حجة فدل على أن المراد به ما قلناه # واحتج أيضا بقوله عليه السلام عليكم بالجماعة وعليكم بالسواد الأعظم # والجواب هو أن المراد بذلك الأمة كلها فنحمله عليه بدليل ما ذكرناه # واحتجوا أيضا بأن الناس عولوا في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه على ~~الإجماع وقد خالفوه في ذلك علي وسعد ولم يلتفت إلى خلافهما # والجواب أنا لا نسلم أن عليا خالف في ذلك وأنكر ما قيل عنه إنه لم يحضر ~~في الابتداء وليس من شرط الإجماع الحضور بل يكفي أن يسكت فيدل على الرضا # وأما سعد فإنه ما خالف ولكنه كان ظن أنه يعقد له الأمر فلما روى أبو ~~PageV01P363 بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الأئمة من ~~قريش سكت فأما أن يكون قد خالف في ذلك فلا # واحتج بأن خبر الجماعة مقدم على خبر الواحد فكذلك قول الجماعة مقدم على ~~قول الواحد # والجواب أنه إن أردتم في ذلك الخبر المتواتر فذلك يوجب العلم ضرورة فكان ~~مقدما على خبر الواحد وهاهنا الخطأ يجوز على كلا الفرقين على وجه واحد فلا ~~يجوز تقديم أحدهما على الآخر # وإن أرادوا به أنه تعارض خبران من أخبار الآحاد فمن أصحابنا من لم يرجح ~~لكثرة العدد وإن سلمنا لم يمنع أن يرجح الخبر بما لا ترجح به أقاويل ~~المجتهدين # ألا ترى أن رواية الاثنين والأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم ~~وقول الاثنين والأقرب لا يقدم في الاجتهاد # ولأن الأخبار طريقها الظن فما كان أقوى في الظن كان أولى وليس كذلك هاهنا ~~فإن طريق الإجماع عصمة الأمة عن الخطأ والخطأ يجوز على الفريقين فاستويا ~~يدلك عليه إن رواية الخمسة ورواية العشرة إذا تعارضتا قدمت رواية العشرة ~~على الخمسة وفي الإجماع لا يقدم قول العشرة على الخمسة فافترقا PageV01P364 ~~$ مسألة 4 # إجماع أهل المدينة ليس بحجة # وروى ms161 عن مالك رحمه الله أنه قال إجماعهم حجة # لنا جميع ما ذكرناه في المسألة قبلها # ولأن الاعتبار بالعلم ومعرفة الأصول وقد استوى فيه أهل المدينة وغيرهم # ولأنه أحد الحرمين فلم يقدم إجماع أهله كإجماع أهل مكة PageV01P365 # وأيضا هو أن هذا يؤدي إلى أمر محال وهو أن يكون قولهم حجة ما داموا ~~بالمدينة فإذا خرجوا منها لم يكن حجة وهذا محال لأن من كان قوله حجة في ~~مكان كان في سائر الأمكنة حجة كالنبي صلى الله عليه وسلم # واحتجوا بقوله عليه السلام المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد ~~والخطأ من الخبث فكان منفيا عن أهل المدينة # وقوله عليه السلام إن الإسلام يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها # وقوله عليه السلام لا يكايد أحد أهل المدينة إلا أنماع كما ينماع الملح ~~في الماء # والجواب أن هذه الأخبار آحاد فلا يثبت بها أصل من أصول الدين # على أن قوله المدينة تنفي خبثها عام في الخطأ وغيره ونحمله على غير الخطأ # على أن قوله عليه السلام إن الإسلام يأرز إلى المدينة يقتضي جميع الإسلام ~~وإذا حصل فيها جميع الإسلام صار إجماع أهلها حجة # وقوله عليه السلام لا يكايد أحد أهل المدينة الخبر فلا حجة فيه لأن ~~المكايدة والمغايرة لا تستعمل في الإجماع والاختلاف فلا يدخل في الخبر ما ~~نحن فيه # واحتجوا بأن المدينة مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضع القبر ~~والوحي ومستقر الإسلام ومجمع الصحابة رضي الله عنهم فلا يجوز أن يخرج الحق ~~عن قول أهلها PageV01P366 # والجواب هو أن هذه دعوى لأنه يجوز مع وجود هذه المعاني أن يخرج الحق من ~~أهلها # وعلى أن هذا يبطل بمكة فإنها موضع المناسك ومولد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومبعثه ومولد إسماعيل ومنزل إبراهيم عليه السلام ولا يدل ذلك على أن ~~قول أهلها حجة # واحتجوا بأن رواية أهل المدينة تقدم على رواية غيرهم فكذلك قولهم يقدم ~~على قول غيرهم # قلنا هذا أيضا دعوى لا دليل عليها ولا علة تجمع بينهما ms162 # ثم الترجيح في الأخبار لا يوجب الترجيح في أقوال المجتهدين # ألا ترى أن رواية الجماعة تقدم على رواية الواحد والجميع في الاجتهاد ~~سواء # ولأن الأخبار تدرك بحاسة السمع فمن قرب منهم وشاهده كان أضبط وأهل ~~المدينة أقرب منهم لما سمعوه وشاهدوه وأضبط والاجتهاد نظر القلب فلا يقدم ~~فيه الأقرب ولهذا قال عليه السلام فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه فلا ~~يقدم فيه قول الأقرب PageV01P367 $ مسألة 5 # اتفاق أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بحجة # وقالت الرافضة هو حجة # لنا قوله تعالى @QB@ ويتبع غير سبيل المؤمنين @QE@ فعلق الوعيد على ترك ~~سبيل المؤمنين فدل على أنه لا يتعلق ذلك بترك سبيل بعضهم # وأيضا قوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وهذا يدل ~~على أنه إذا ترك عليا عليه السلام وقلد غيره يكون مهتديا # فإن قيل هذا خبر واحد ونحن لا نقول به # قلنا نحن نبني على أصلنا فإن خبر الواحد حجة وإذا ثبت ذلك صح استدلالنا ~~به # ويدل عليه هو أن عليا خالفته الصحابة في مسائل مشهورة لا تحصى كثيرة ولم ~~يقل لأحد منهم إن قولي عليكم حجة فدل على ما ذكرناه PageV01P368 # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا @QE@ والخطأ من الرجس فيجب أن يكونوا مطهرين منه # والجواب وهو أن أهل البيت يتناولون كل من في البيت من الأزواج ولا يقول ~~أحد أن اتفاق الأزواج حجة فثبت أنه أراد نفي العار والقباحة عنهم دون الخطأ ~~في الاجتهاد # فإن قيل المراد بأهل البيت علي وفاطمة والحسن والحسين # والدليل عليه ما روى أنه لما نزلت هذه الآية أدار النبي صلى الله عليه ~~وسلم كساء على هؤلاء وقال هؤلاء أهل بيتي # والجواب هو أن هذا من أخبار الآحاد وعندهم لا يقبل كيف وهو مخالف لظاهر ~~القرآن وذلك أن الله تعالى قال في أول الآية @QB@ يا نساء النبي @QE@ ثم ~~قال @QB@ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا @QE@ ~~والظاهر أن المراد به ms163 من تقدم ذكره من الأزواج # ولأنه لو صح ما ذكروه لكان تأويل الآية ما قدمناه من نفي القبح عنهم # واحتجوا أيضا بقوله عليه السلام إني تارك فيكم الثقلين فإن تمسكتم بهما ~~لم تضلوا كتاب الله وعترتي PageV01P369 # والجواب ما بيناه أن هذا من أخبار الآحاد فلا يحتج به في مسائل الأصول # واحتجوا أيضا بأن أهل البيت اختصهم بأنهم من أهل بيت الرسالة ومعدن ~~النبوة فاختصوا بالعصمة # قلنا ليس فيما ذكرتم ما يوجب لهم العصمة فبكم حاجة إلى إقامة الدليل على ~~ذلك # ثم يبطل هذا بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فإنهن اختصصن بما ذكروه ~~واختصصن بتضعيف الثواب على الطاعة وتضعيف العقوبة على المعاصي وسمعن من ~~العلم ما لم يسمع غيرهن ولا يوجب ذلك عصمتهن في الأحكام فبطل ما قالوه ~~PageV01P370 $ مسألة 6 # لا يعتبر في صحة الإجماع اتفاق العامة # وقال بعض المتكلمين اتفاق العامة مع العلماء شرط في صحة الإجماع وهو قول ~~أبي بكر الأشعري # وقال بعضهم يعتبر اتفاق الأصوليين # لنا هو أنه ليس من أهل الاجتهاد فلا يعتبر رضاه في صحة الإجماع كالصبي ~~والمجنون # ولأنه لا يجوز تقليده في الحوادث فلا يعتد بخلافه دليله الصبي والمجنون # ومن قال إنه يعتبر اتفاق الأصوليين فالدليل عليه هو أن الأصوليين ليس هم ~~من أهل الاجتهاد لأنهم لا يعرفون أحكام الفقه ومعانيها فهم كالعامة # واحتجوا بقوله عليه السلام لا تجتمع أمتي على خطأ عن جميع الأمة والعامة ~~من الأئمة # والجواب هو أنه عام فنخصه بما خصصنا به الصبي والمجنون PageV01P371 $ ~~مسألة 7 # يصح انعقاد الإجماع عن القياس # وقال ابن جرير وداود لا يجوز # فأما داود فقد بنى ذلك على أصله وأن القياس ليس بدليل والكلام معه يجيء ~~إن شاء الله تعالى # وأما ابن جرير فالدليل على فساد قوله هو أن القياس علم على الأحكام فجاز ~~أن ينعقد الإجماع من جهته كالكتاب والسنة # فإن قيل الكتاب والسنة طريقهما السمع فجاز اتفاق الجميع عليه والقياس ~~طريقه الرأي ورأي الجماعة لا يتفق على معنى واحد فلم ينعقد الإجماع من ms164 جهته # قيل القياس وإن كان طريقه الرأي إلا أن على معانيه أمارات تدل عليه وما ~~كان عليه أمارات يجوز اتفاق الكل عليه وإن كان طريقه الرأي # ألا ترى أن طلب القبلة طريقه الرأي والاجتهاد ثم يجوز اتفاق الجميع عليها ~~لما كانت عليها أمارات تدل عليها كذلك هاهنا PageV01P372 # ويدل عليه أن الناس اجمعوا على مسائل من جهة القياس فيمن ذلك أن الصحابة ~~رضي الله عنهم أجمعوا على قتال مانعي الزكاة قياسا على الصلاة ومثلا أن أبا ~~بكر رضي الله عنه قال والله لا فرقت بين ما جمع الله قال تعالى @QB@ ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ # وأجمعوا على إمامة أبي بكر قياسا على تقديم النبي عليه السلام إياه في ~~الصلاة ألا ترى أن عمر قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قدمه في الصلاة ~~التي هي عماد الدين فارضوه لدنياكم ما رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لدينكم # وأجمعت الأمة على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه # وأجمعوا على تقويم الأمة في العتق قياسا على العبد # وأجمعوا أيضا على إراقة الشيرج إذا وقعت فيه الفأرة وكان مائعا وإلقائها ~~وما حولها إذا كان جامدا قياسا على السمن وغير ذلك مما لا تحصى كثرته # فإن قيل يجوز أن يكونوا وجدوا فيه نصا # قلنا فيما رويناه عن الصحابة لم يحيلوا بالحكم إلا على القياس وقد بيناه ~~ولو كان فيه نص لظهر وعرف ولما لم يظهر دل على أنه لا نص فيه # واحتجوا بأنه ما من عصر إلا وفيه قوم من نفاة القياس فلا يتصور إجماعهم ~~من جهة القياس # قلنا نحن لا نسلم ذلك فإنه لم يكن في عصر الصحابة من ينفي القياس وإنما ~~حدث هذا الخلاف بعد ذلك # ولأن هذا يبطل بأخبار الآحاد فإن الخلاف في ردها ظاهر والمخالف فيها يرجع ~~إلى شبهة يرويها عن السلف ثم ينعقد الإجماع من جهتها # واحتجوا بأن ما طريقه الظن لا يجوز أن تتفق الخواطر المختلفة والآراء ~~المشتبهة عليه كما لا يجوز أن يتفق الجميع على شهوة واحدة وغرض ms165 واحد ~~PageV01P373 # والجواب هو أن هذا يبطل بخبر الواحد فإن تعديل الراوي وتزكيته طريقه الظن ~~ثم يجوز اتفاق الجميع عليه # ولأنه إذا جاز اتفاق الجم الغفير والعدد الكثير من جهة شبهة وهم اليهود ~~والنصارى على كثرتهم على دين استحسنوه فلأن يجوز اتفاق الجماعة من جهة ~~الأمارة أولى # ويفارق هذا ما قالوه من الأغراض والشهوة لأنه ليس هناك ما يجمعهم على ~~واحد لأن طباع الناس مختلفة وليس كذلك هاهنا فإن على الحكم أمارة تجمعهم ~~عليه ودلالة تدلهم إليه فهو بمنزلة جواز اتفاقهم على حضور الأعياد والجمع ~~وتجهيز الجيوش في وقت بعينه إلى جهة بعينها # قالوا القياس تغمض طريقه وتدق فلا يجوز أن يتفق الكل على إدراكه # قيل إدراك الحكم من جهة القياس أسهل من إدراكه من جهة النص لأن المعول ~~فيه على ما يقتضيه الفهم أقرب إلى الإدراك مما يقتضيه النص # ثم هذا يبطل بالأخبار واستعمالها وترتيب بعضها على بعض فإنها تغمض وتدق ~~ثم يجوز اتفاق الإجماع من جهتها والله الموفق للصواب PageV01P374 $ مسألة 8 # انقراض العصر ليس بشرط في صحة الإجماع في أصح الوجوه # ومن اصحابنا من قال هو شرط # ومن أصحابنا من قال إن كان قولا من الجميع لم يشترط فيه انقراض العصر وإن ~~كان قولا من بعضهم وسكوتا من الباقين اشترط فيه انقراض العصر # فوجه الأول قوله تعالى @QB@ ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله ~~جهنم @QE@ ولم يفرق بين أن ينقرض العصر عليه وبين أن لا ينقرض PageV01P375 # وأيضا قوله عليه السلام أمتي لا تجتمع على الخطأ ولم يفصل # ولأنه حصل اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة وكان ذلك جهة دليله إذا ~~انقرض العصر عليه # ويدل عليه هو أن اعتبار انقراض العصر عليه يؤدي إلى إبطال الإجماع لأن ~~العصر الأول لا ينقرض حتى يلحق به قوم من أهل العصر الثاني وهم من أهل ~~الاجتهاد فيعتبر رضاهم فيما أجمعوا عليه ثم لا ينقرض هؤلاء حتى يلحق بهم ~~آخرون من العصر الثالث وعلى هذا أبدا يتسلسل ولا يستقر الإجماع في مسألتنا # ولأن ms166 كل من جعل قوله حجة لم يشترط موته في كونه حجة دليله النبي عليه ~~السلام # واحتج من قال بالوجه الثاني بقوله تعالى @QB@ لتكونوا شهداء على الناس ~~@QE@ فلو لم يشترط فيه انقراض العصر لكانوا شهداء على أنفسهم وهذا خلاف ~~الظاهر # والجواب أن هذا يقتضي أن يكونوا شهداء على أنفسهم وعلى غيرهم لأنهم من ~~الناس كما أن غيرهم من الناس # ولأنه قد قيل إن المراد بهذه الآية شهادة هذه الأمة على سائر الأمم يوم ~~القيامة فلا تكون فيها حجة # واحتج أيضا بما روي عن النبي عليه السلام قال لا يخلو عصر من قائم لله ~~بحجة فدل على أن بعض العصر يخلو عن ذلك # والجواب هو أن لا نعرف هذا الحديث فيجب أن يثبتوه ليعمل به # وجواب آخر وهو أنا نقول بنطقه وأن العصر لا يخلو من قائم لله تعالى بحجة ~~ويترك دليله ببعض ما ذكرناه فإنه أقوى منه PageV01P376 # واحتج أيضا بأن الصحابة رضي الله عنهم رجعت عن أقاويلها بعد اتفاقهم # ألا ترى أن عليا عليه السلام قال اجتمع رأبي ورأيي الجماعة أن أمهات ~~الأولاد لا يبعن ثم إني رأيت أن يبعن فقال له عبيدة السلماني رأيك مع ~~الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك # والجواب أن الصحيح من هذا الخبر أنه قال كان رأيي ورأي أمير المؤمنين عمر ~~رضي الله عنهما أن لا يبعن أمهات الأولاد وهذا ليس بإجماع # قالوا ولأن من جعل في قوله حجة لم يستقر إلا بموته كالنبي عليه السلام # قلنا جعلنا قول النبي عليه السلام حجة لنا على ما بيناه وإنما لم يستقر ~~إلا بموته لأنه إذا نسخ ما قاله لم يؤد إلى الخطأ فيما قاله وليس كذلك ~~هاهنا فإن رجوع المجمعين عما قالوه يؤدي إلى الخطأ فيما أجمعوا عليه وذلك ~~لا يجوز # ومن قال بالوجه الثالث احتج بأن المجتهد قد سكت لأنه في رواية النظر ~~والفكر وإذا أظهر الخلاف علمنا أنه لم يكن إجماعا وإذا مات قبل إظهار ~~الخلاف علمنا أنه راض بقولهم فانعقد الإجماع # قلنا فيجب على ms167 هذا إذا مات في الحال أن يجوز لغيره الرجوع عما أفتى به مع ~~الجهالة لأنا لا نعلم حصول الإجماع ولما ثبت أنه لا يجوز لأحد الرجوع عما ~~أفتى به مع الجماعة دل على أن الإجماع قد حصل بسكوته فصار بمنزلة ما لو ~~أفتى معه PageV01P377 $ مسألة 9 # إذا اختلفت الصحابة في الحادثة على قولين ثم أجمع التابعون على أحدهما لم ~~تصر المسألة إجماعا في قول عامة أصحابنا # وقال أبو علي بن خيران وأبو بكر القفال يصير إجماعا ويسقط القول الآخر ~~وهو قول المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة # لنا قوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ ولم ~~يفرق بين أن يجمع التابعون بعد ذلك أو لم يجمعوا # وقوله صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولم يفرق ~~PageV01P378 # ولأن اختلاف الصحابة في المسألة على قولين إجماع منهم على تسويغ الاجتهاد ~~وجواز تقليد كل واحد من الفريقين وإقراره عليه فلم يجز للتابعين إبطال هذا ~~الإجماع كما لو أجمعوا في الحادثة على قول واحد ولا يلزم على هذا إذا اختلف ~~الصحابة في الحادثة على قولين ثم أجمعوا على أحد القولين # فأما إذا قلنا إن انقراض العصر شرط في صحة الإجماع لم نسلم أن هناك ~~إجماعا # وإن قلنا انقراض العصر ليس بشرط لم نسلم جواز الاتفاق على أحد القولين ~~بعد الاختلاف # فإن قيل لا يمتنع أن يتفقوا على تسويغ الاجتهاد بشرط أن لا يظهر إجماع ~~فإذا ظهر إجماع سقط ذلك الاتفاق كما أنهم اتفقوا على أن فرض العادم للماء ~~التيمم ما لم يجد الماء فإذا وجد الماء زال ذلك الاتفاق # قلنا هذا لا يشبه ما ذكرناه وذلك أن إجماعهم فيما ذكروه مشروط بعدم الماء ~~فلهذا زال بوجوده وليس كذلك هاهنا فإنهم أجمعوا على تسويغ النظر على ~~الإطلاق من غير شرط فهو بمنزلة إجماعهم على قول واحد فلا يجوز أن يزول ذلك ~~بإجماعهم بعده ولا بخلاف بعده # ولأن زوال الإجماع برؤية الماء لا يوجب بطلان ما أجمعوا عليه والخطأ فيما ~~اتفقوا عليه وفي ms168 مسألتنا إجماعهم على أحد القولين يوجب بطلان ما أجمعوا ~~عليه والخطأ على أهل الإجماع لا يجوز فافترقا # وأيضا هو أنه لا خلاف أن الإجماع إذا حصل واستقر لم يتغير باختلاف كذلك ~~إذا حصل الخلاف واستقر وجب أن لا يتغير بالإجماع # فإن قيل إنما لم يجز أن يتغير الإجماع باختلاف لأنه يؤدي إلى إبطال ~~الإجماع PageV01P379 # قلنا وفي مسألتنا متى جوزنا أن يتغير ما اختلفوا فيه بالإجماع أدى إلى ~~إبطال الإجماع فإنهم أجمعوا على تسويغ الاجتهاد وجواز تقليد الفريقين وهذا ~~الإجماع يبطل ما أجمعوا عليه وذلك لا يجوز # ولأن كل واحد من الفريقين كالأحياء الباقين في كل عصر ولهذا تحفظ أقوالهم ~~وتنقل ويحتج لهم وعليهم فإذا كانوا بمنزلة الأحياء وجب أن لا ينعقد الإجماع ~~مع اختلافهم # فإن قيل لو كانوا كالأحياء لوجب أن لا ينعقد الإجماع بعد موتهم في شيء من ~~الحوادث لأنه لا تعرف فيه أقوالهم ولوجب أن يجوز تقليدهم كما يجوز تقليد ~~الأحياء # قيل هم كالأحياء فيما أفتوا به فأما فيما لم يفتوا به وحدث بعدهم فلا ~~وهذا كما نقول أنهم أجمعوا على قول واحد ثم ماتوا عمل بأقوالهم بعد الموت ~~ووجب المصير إليه كما لو كانوا أحياء فأفتوا بذلك لم يجعلوا كالأحياء فيما ~~يحدث بعدهم من الحوادث فكذلك فيما اختلفوا فيه مثله # ولأن هذا الحكم كان يسوغ فيه الاجتهاد ولا يجوز نقض الحكم على من حكم به ~~من العصر الأول فإذا صح الإجماع بعد ذلك صار مما لا يسوغ فيه الاجتهاد ووجب ~~نقض الحكم على من حكم به بخلاف الإجماع وهذا نقض بعد انقطاع الوحي فذلك لا ~~يجوز # ولأنه اختلاف حصل من الصحابة رضي الله عنهم فلا يزول ذلك بإجماع التابعين ~~كما لو اختلفت الصحابة على قولين وأجمع التابعون على قول ثالث # ولأنه لو كان إجماع التابعين على أحد القولين يسقط ما تقدم من الخلاف ~~PageV01P380 لوجب أن ينتقض كل حكم حكم به في عهد الصحابة رضي الله عنهم ~~بخلافه لأنهم مقطوع ببطلانه فإن ارتكبوا هذا وقالوا إنه ينتقض فقد ms169 أبطلوا ~~وذلك أن الصحابة أجمعت على صحة ذلك ونفوذه وكل حكم أجمعت الصحابة عليه لم ~~يجز للتابعين الإجماع على خلافه كسائر الأحكام التي أجمعوا عليها # وأيضا فإن هذا يؤدي إلى أن يكون قد ذهب أهل العصر الأول إلى ما نوجب في ~~هذا الحكم من القطع وهذا لا يجوز # واحتجوا بقوله @QB@ ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ~~وساءت مصيرا @QE@ ولم يفصل بين أن يتقدم إجماعهم خلاف أو لا يتقدم # والجواب هو أن هذا مشترك الدلالة وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا ~~على جواز الاجتهاد في الحادثة وجواز تقليد كل واحد من الفريقين فمن قطع ~~الاجتهاد فيه فقد ترك سبيل المؤمنين وكان الوعيد لاحقا به # ثم هي عامة فنخصها بما ذكرناه # واحتجوا بقوله عليه السلام لا تجتمع أمتي على الضلالة # والجواب عنه ما مضى على الآية # قالوا ولأنه اتفاق من علماء العصر على حكم الحادثة فوجب أن يكون حجة ~~مقطوعا بها # دليله إذا لم يتقدم خلاف # قلنا لا نجوز اعتبار ما يتقدمه الخلاف بما لا يتقدمه الخلاف # ألا ترى أن الاختلاف فيما لم يتقدمه إجماع جائز ولا يجوز ذلك فيما يتقدمه ~~PageV01P381 إجماع فكذلك لا يمتنع أن يجوز الإجماع فيما لم يتقدمه خلاف ولا ~~يجوز ذلك فيما تقدمه خلاف # ولأن المعنى في الإجماع الذي لم يتقدمه خلاف أنه اتفاق لا يؤدي إلى إبطال ~~إجماع قبله وفي مسألتنا اتفاق العصر الثاني يؤدي إلى إبطال الإجماع قبله ~~فصار كما لو أجمع الصحابة على قول ثم أجمع التابعون على غيره # قالوا ولأنه إجماع تعقب خلافا فأسقط حكم الخلاف كما لو اختلفت الصحابة ثم ~~أجمعوا وذلك مثل اختلافهم في قتال مانعي الزكاة ثم إجماعهم عليه # والجواب أن على قول من لم يعتبر انقراض العصر في صحة الإجماع لا نسلم ~~الأصل فإنهم إذا اختلفوا لم يجز أن يجمعوا على أحد القولين # وأما قصة مانعي الزكاة فلم يحصل فيه اختلاف في الحقيقة وإنما كانوا في ~~طلب الدليل ومهلة النظر ولم ينقل بينهم فيه خلاف # ومن ms170 قال إن انقراض العصر معتبر في صحة الإجماع أسقط الاختلاف بالإجماع ~~وفرق بين الموضعين فإنهم إذا أجمعوا بعد الخلاف صارت المسألة على قول واحد ~~فيسقط القول الآخر لأن القائل به قد رجع عنه وأقر ببطلانه وليس كذلك هاهنا ~~لأنهم إذا ماتوا على اختلاف كان قول المخالف منهم باقيا وهو كالحي القائم ~~فلم يجز إسقاطه بالإجماع بعده # ولأن الصحابة لو أجمعت على أمر جاز أن يختلفوا فيه كما قال علي عليه ~~السلام كان رأيي ورأي أمير المؤمنين عمر ورأي الجماعة أن لا تباع أمهات ~~الأولاد وأرى الآن أن يبعن ولو أجمعت الصحابة على قول ثم أراد التابعون ~~الاتفاق على خلافه لم يجز فافترقا # قالوا ولأن الإجماع حجة والاختلاف ليس بحجة فلم يترك ماهو حجة بما ليس ~~بحجة كالكتاب والسنة PageV01P382 # قلنا لا نسلم أن الإجماع بعد الخلاف حجة وإنما يكون حجة إذا لم يتقدم ~~خلاف وهذا كما نقول في القياس أنه حجة إذا لم يعارضه نص فأما إذا عارضه نص ~~لم يكن حجة كذلك هاهنا # على أنه إن كان ما حصل من الإجماع حجة فما تقدم من الاختلاف حجة في جواز ~~الاجتهاد والأخذ بكل واحد من القولين وليس لهم مراعاة أحد الإجماعين إلا ~~ولنا مراعاة الآخر وما قلنا أولى لأن إجماع العصر الأول حجة على العصر ~~الثاني والثاني لا يكون حجة على العصر الأول # قالوا ولأن كل حكم لا يجوز لعامة عصر التابعين العمل به لم يجز لمن بعدهم ~~العمل به كالمنسوخ من أحكام الشرع # قلنا لا نسلم الوصف فإن من استفتى منهم الصحابة يجوز له العمل به في عصر ~~التابعين ثم نعارضهم بمثله فنقول كل حكم جاز لعامة عصر الصحابة العمل به ~~جاز لعامة عصر التابعين العمل به دليله إذا لم يجمع التابعون على أحد ~~القولين # قالوا ولأنه إذا تعارض خبران ثم اتفق أهل عصر على ترك أحدهما والقول ~~بالآخر سقط المتروك منهما وكذلك هاهنا إذا اتفق أهل العصر الثاني على ترك ~~أحد القولين والعمل بالآخر وجب أن يسقط المتروك منهما ms171 # قلنا إنما يسقط المتروك من الخبرين لأنه لم يذهب إليه أحد من أهل العصر ~~قبله وليس كذلك المتروك من القولين فإنه قد صار إليه أحد فريقي الصحابة ~~فجاز الأخذ به فوزانه من الخبر أن يذهب إلى كل واحد منهما فريق من الناس ~~فلا يجوز إسقاطه بالإجماع بعده # ولأن الخبرين وردا ممن يصح منه نسخ أحدهما بالآخر فإذا اجتمع الناس على ~~ترك أحدهما علمنا بأنهم علموا نسخه من جهته وليس كذلك القولان لأنهما وردا ~~من طائفتين لا يصح نسخ قول أحدهما بالآخر فلا يصح إسقاط أحدهما بالآخر ~~وبالله التوفيق PageV01P383 $ مسألة 10 # إذا أدرك التابعي عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد اعتبر رضاه في صحة ~~الإجماع # ومن أصحابنا من قال لا اعتبار به ولا يعتد بخلافه معهم # لنا قوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ ولم ~~يأمرنا بالرجوع إلى أقاويل الصحابة # ولأنه من أهل الاجتهاد وقت الحادثة فاعتبر رضاه في صحة الإجماع كأصاغر ~~الصحابة رضي الله عنهم # ولأن الاعتبار بالعلم لا بالصحبة بدليل أن من ليس من أهل العلم لم يعتبر ~~قوله في صحة الإجماع ولهذا قال عليه السلام نضر الله أمرا سمع مقالتي ~~فوعاها ثم أداها كما سمع فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو ~~أفقه PageV01P384 منه وإن كان الاعتبار بالعلم وجب أن يعتد بخلاف التابعي ~~ووفاته لأنه عالم # واحتجوا بأن عليا عليه السلام نقض الحكم على شريح حين قضى بين ابني عم ~~أحدهما أخ لأم وجعل المال كله لابن العم الذي هو أخ لأم # ولأن عائشة رضي الله عنها أنكرت على أبي سلمة حين خالف ابن عباس في عدة ~~المتوفى عنها زوجها وقالت مثلك مثل الفروج يسمع الديكة تصيح فصاح لصياحها # والجواب أن حديث علي عليه السلام حجة عليهم فإنه ولاه القضاء ورضي به في ~~الاجتهاد فدل على أنه من أهله # وأما نقض الحكم عليه فيجوز أن يكون لأنه انعقد عليه إجماع قبل أن يصير ~~شريح من أهل الاجتهاد فلا يعتد بقوله فيه ms172 ولهذا لا يخرج عن كونه مساويا لهم ~~في الاجتهاد فيما يحدث من الحوادث PageV01P385 # وأما عائشة فقد خالفها أبو هريرة فإنه روي أنه قال في هذه القضية قولي ~~فيها مثل قول ابن أخي أبي سلمة فأقره على الخلاف # وعلى أنه ليس في قولها ما يدل على أنه لا يعتد بخلافه ويجوز أن يكون قد ~~رفع صوته على ابن عباس وادعى منزلته وطلب مساواته فأنكرت عائشة عليه ذلك # واحتجوا أيضا بأن الصحابة أعلم بالأحكام من التابعين فإنهم شاهدوا الوحي ~~والتنزيل وعرفوا المقاصد والأغراض فكانوا مع التابعين بمنزلة العلماء مع ~~العامة # والجواب هو أنا لا نسلم أنهم أعلم بالأحكام والدليل عليه أن أنسا كان ~~يحيل بالمسائل على الحسن البصري # وابن عمر كان يحيل بالمسائل على ابن المسيب # وروي عن ابن عمر أنه قال في سعيد هو والله أحد المفتين # ولهذا قال النبي عليه السلام رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها ~~كما سمع فرب حامل فقه غير فقيه الخبر # وما ذكروه من الترجيح لا يمنع من مساواة التابعين لهم في الاجتهاد # ألا ترى أن من طالت صحبته من أكابر الصحابة وعلمائها لهم من المزية بطول ~~الصحبة وقوة الآنسة بكرم النبي عليه السلام ما ليس لصغارها ومتأخريها ثم ~~الجميع في الاجتهاد واحد فبطل ما قالوه # ولأن هذا الترجيح إنما كان يصح أن لو كانت الأحكام كلها مأخوذة من ~~المسموع من رسول الله عليه السلام فأما إذا كان فيها ما يؤخذ من الكتاب وما ~~يؤخذ من الأصول وما يؤخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن لمن شهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم مزية على غيره PageV01P386 $ مسألة 11 # إذا اختلف الصحابة على قولين لم يجز للتابعين إحداث قول ثالث # وقال بعض المتكلمين وبعض أصحاب أبي حنيفة يجوز ذلك # لنا هو أن اختلافهم على قولين إجماع على أن كل قول سواهما باطل لأنه لا ~~يجوز أن يفوتهم الحق فلو جوزنا إحداث قول ثالث لجوزنا الخطأ عليهم في ~~القولين وهذا لا يجوز PageV01P387 # وأيضا فإن ms173 التابعين أجمعوا على حصر الأقاويل وضبط المذاهب ولو جاز إحداث ~~مذهب آخر لم يكن لضبط الأقاويل ولا حصر المذاهب معنى # واحتجوا بأن اختلافهم فيها على قولين يوجب جواز الاجتهاد فجاز إحداث قول ~~ثالث كما لو لم يستقر الخلاف # والجواب هو أن اختلافهم في ذلك يوجب جواز الاجتهاد في طلب الحق من ~~القولين فأما إحداث قول ثالث فلا وهذا كما لو أجمعوا في حادثة على إبطال ~~حكم فيها فينقطع الاجتهاد في ذلك الحكم ثم لا يمنع ذلك من الاجتهاد فيها ~~على غير ما أجمعوا على بطلانه كذلك هاهنا # ويخالف هذا إذا لم يستقر الخلاف لأن الإجماع قبل الاستقرار لا يمنع من ~~الخلاف وبعد الاستقرار يمنع فكذلك الاختلاف مثله # واحتجوا أيضا بأنه يجوز إحداث دليل آخر لم يذكره الصحابة فكذلك يجوز ~~إحداث قول آخر لم يقله الصحابة # قلنا ليس إذا جاز إحداث دليل آخر جاز إحداث قول آخر # ألا ترى أنهم لو أجمعوا على دليل واحد جاز إحداث دليل ثان ولا يجوز إحداث ~~قول ثان # ولأن إحداث دليل ثالث يؤيد ما استدل به الصحابة وإحداث قول ثالث يخالف ما ~~أجمعوا عليه فافترقا # واحتجوا بأن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في زوج وأبوين وامرأة وأبوين ~~على قولين فجاء ابن سيرين فأحدث قولا ثالثا فقال في امرأة وأبوين يقول ابن ~~عباس وفي زوج وأبوين بقول سائر الصحابة وأقره الناس على هذا الخلاف ~~PageV01P388 # والجواب هو أنا لا نقره على ذلك بل نجعله محجوجا بإجماع الصحابة فلا يقبل ~~منه هذا القول # وجواب آخر وهو أن ابن سيرين عاصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد وخلاف ~~التابعين في قول بعض أصحابنا يعتد به مع الصحابة إذا عاصرهم وهو من أهل ~~الاجتهاد وعلى الوجه الذي يعتبر انقراض العصر في صحة الإجماع PageV01P389 $ ~~مسألة 12 # إذا اختلفت الصحابة في مسألتين على قولين فذهبت طائفة منهما إلى حكم واحد ~~وصرحت بالتسوية بينهما وذهبت الطائفة الأخرى إلى حكم آخر وصرحت بالتسوية ~~بينهما فهل يجوز لمن بعدهما أن يأخذ بقول أحدهما في مسألة وبقول ms174 الآخر في ~~المسألة الأخرى فيه وجهان # أحدهما لا يجوز # والثاني يجوز # ووجه الأول هو أن هذا إحداث قول ثالث لأن الجميع أجمعوا على التسوية ~~بينهما وهذا التفصيل يمنع من التسوية فكان ذلك بمنزلة ما لو أجمعوا على قول ~~واحد فلا يجوز إحداث قول ثان # ووجه الآخر أنهم لم يجمعوا على التسوية بين المسألتين في حكم واحد وإنما ~~سووا بينهما في حكمين مختلفين فجاز لمن بعدهما الأخذ بالتفصيل # والجواب هو أنه وإن كان ذلك في حكمين إلا أن الإجماع قد حصل على التسوية ~~بينهما فكان التفريق بينهما مخالفا للإجماع PageV01P390 $ مسألة 13 # إذا قال الصحابي قولا وظهر ذلك في علماء الصحابة وانتشر ولم يعرف له ~~مخالف كان ذلك إجماعا مقطوعا به PageV01P391 # ومن أصحابنا من قال هو حجة وليس بإجماع # وقال أبو علي بن أبي هريرة إن كان ذلك حكما من حاكم منهم ولم يكن ذلك ~~إجماعا # وقال القاضي أبو بكر الأشعري ليس بحجة أصلا وهو مذهب داود # لنا هو أن سكوتهم دليل على الرضا بما قاله والدليل عليه هو أن العادة أن ~~النازلة إذا نزلت فزع أهل العلم إلى الاجتهاد وطلب الحكم وإظهار ما عندهم ~~فيها فلما لم يظهر خلاف ذلك مع طول الزمان وارتفاع الموانع دل على أنهم ~~راضون بذلك فصار بمنزلة ما لو أظهروا الرضا بالقول والفعل PageV01P392 # وأما الدليل على بطلان قول من قال إنه حجة وليس بإجماع فهو أن سكوتهم لا ~~يخلو إما أن يكون دليلا على الرضا فيجب أن يصير إجماعا أو لا يكون ذلك ~~دليلا على الرضا فيجب أن لا يكون حجة وإما أن يكون حجة ولا يكون إجماعا فلا ~~معنى له # واحتجوا بأن سكوتهم لا يدل على الرضا لأنه يجوز أن يكونوا لم يجتهدوا أو ~~اجتهدوا ولم ينته نظرهم أو لم يظهر الخلاف لهيبة القائل كما قال ابن عباس ~~في خلاف عمر في العول هبته وكان أمرا مهيبا أو لاعتقادهم بأن كل مجتهد مصيب ~~وإذا احتمل هذه الوجوه لم يجز أن يحمل سكوتهم على الرضا والموافقة ms175 # والجواب هو أنه لا يجوز ترك الاجتهاد لأن العادة نظر الناس في الحادثة ~~عند حدوثها إذ لا مانع لهم من ذلك فلا يجوز دعوى خلاف العادة ولا ترك ~~الاجتهاد لأنه يؤدي إلى محال وذلك أنه إذا أخطأ المجتهد منهم وترك الباقون ~~الاجتهاد فقد أخطأ الجميع وخلا العصر عن الحق وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يخلو عصر من الأعصار من قائم لله تعالى بحق # ولا يجوز أن لا يظهروا الخلاف لأن ذلك أيضا خلاف العادة # ولا يجوز أن يكونوا في مهلة النظر لأن ذلك لا يمتد إلى أن ينقرض العصر # ولا يجوز أن لا يظهروا الخلاف للهيبة لأن الهيبة لا تمنع إظهار الخلاف في ~~الأحكام ولهذا ردت امرأة على عمر رضي الله عنه في المغالاة في الصداق فقالت ~~أيعطينا الله وتمنعنا يا ابن الخطاب وروي انها قالت يا عمر قال الله تعالى ~~@QB@ وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا @QE@ فقال عمر رضي الله عنه ~~امرأة خاصمت عمر فخصمته PageV01P393 # وقال عبيدة السلماني لعلي عليه السلام رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك ~~وحدك وغير ذلك من المواضع التي أظهروا فيها الخلاف ولم يحتشموا القائل # وأما ابن عباس فقد أغلظ في الإنكار وشدد في القول فروي أنه قال أول من ~~أعال الفرائص عمر رضي الله عنه وأيم الله لو قدم من قدمه الله وأخر من أخره ~~الله لما عالت فريضة قط قال له زفر بن قيس ما منعك أن تشير بهذا على عمر ~~فقال هبته وكان أمرا مهيبا ومثل هذا الإنكار إنما هابه أن يواجهه به لا ~~سيما وابن عباس كان صغير السن وهو أيضا من أصحابه # ولأنه لو كان لا يظهره للهيبة لأظهره بعد ذلك كما أظهر ابن عباس رضي الله ~~عنه # ولا يجوز أن يكون لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب لأنه لم يكن في الصحابة من ~~يذهب إلى هذا بل كان مذهبهم أن الحق في واحد ولهذا خطأ بعضهم بعضا # ولأن العادة مع هذا الإعتقاد إظهار الخلاف ms176 فدل على بطلان ما قالوه # واحتج أبو علي بن أبي هريرة بأنه إذا كان ذلك قضاء من حاكم لم يدل السكوت ~~على الرضا لأن في الإنكار افتياتا عليه # ولأنا نحضر مجالس الحكام فنراهم يقضون بخلاف مذاهبنا فلا ننكره ولا يدل ~~ذلك على الرضا # والجواب هو أن العادة قد جرت عند الحكام إظهار الخلاف والذي يدل عليه أن ~~الصحابة قد كان يحضر بعضهم بعضا عند الحكم فينكر ما يحكم إذا كان مخالفا ~~لما يعتقده # وأما سكوتنا عن إظهار الخلاف عند الحاكم فلأن الخلاف قد ظهر وعرف فلا ~~يعاد اكتفاء بما تقدم ولهذا نحضر مجالس الفقهاء أيضا فنراهم يفتون بمذاهبهم ~~فلا ننكر ولا يدل ذلك على أن السكوت عند الفتيا يدل على الرضا ولكنا نسكت ~~عن الخلاف اكتفاء بما عرف من الخلاف المتقدم وأما عند نزول النوازل فلا بد ~~من إظهار الخلاف من طريق العادة فبطل ما قالوه PageV01P394 $ مسألة 14 # إذا قال الصحابي قولا ولم ينتشر لم يكن ذلك حجة ويقدم القياس عليه في ~~قوله الجديد # وقال في القديم هو حجة يقدم على القياس ويخص العموم به وهو قول مالك ~~وأحمد وإسحق وهو مذهب أبي علي الجبائي # لنا أنه قول ممن يقر على الخطأ فلا يجوز ترك القياس له # دليله قوله التابعي # ولأن التابعي والصحابي متساويان في آلة الاجتهاد وجواز الخطأ على كل واحد ~~منهما فلا يجوز لأحدهما ترك اجتهاده لقول الآخر كالصحابيين والتابعيين ~~PageV01P395 # ولأن القياس دليل على الحكم من جهة الشرع فكان مقدما على قول الصحابي ~~دليله الكتاب والسنة # ولأن ما قضى به على عموم القرآن كان مقدما على قول الصحابي # دليله خبر الواحد # ولأنه قياس فقدم على قول الصحابي كالقياس الجلي # ولأنه لو كان قوله يقدم على القياس لوجب إذا عارضه خبر أن يتعارضا أو ~~ينسخ أحدهما بالآخر كما يفعل في نصين متعارضين # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر @QE@ فإذا كان ما يأمرون به معروفا وجب المصير إليه # قلنا هذا أخبار عن جماعتهم ms177 وما تأمر به الجماعة عندنا يجب قبوله وإنما ~~الخلاف فيما انفرد به الواحد منهم # واحتجوا بقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقوله ~~عليه السلام اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر # والجواب أنا نشاركهم في الاستدلال بهذا لأن الاقتداء بهم أن نعمل بمقتضى ~~الاجتهاد ونفزع في الحوادث إلى القياس كما فعلوا وهذا يمنع من التقليد # ولأن هذا خطاب للعامة لأن العلماء في زمن النبي عليه السلام أصحابه ولا ~~يجوز أن يأمر أصحابه بتقليد غيرهم فيجب أن يكون ذلك أمرا للعامة بتقليدهم # واحتجوا أيضا بأن الصحابي إن كان قد أفتى عن توقيف كان حجة PageV01P396 ~~وإن كان عن اجتهاد فاجتهاده أولى لأنه شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسمع كلامه فكان أعرف بمعانيه وما قصده فكان بمنزلة العالم مع العامي # قلنا أما دعوى التوقيف فلا تجوز من غير دليل بل الظاهر أنه أفتى من غير ~~توقيف لأنه لو كان عن توقيف لرواه في هذه الحالة أو في غيرها من الأحوال # وأما دعوى قوة الاجتهاد فلا تصح لأنه يجوز أن يسمع من النبي عليه السلام ~~ويكون غيره أعلم بمعانيه وقصده ولهذا قال عليه السلام نضر الله أمرأ سمع ~~مقالتي فوعاها وأداها كما سمع فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه # ولأنه يحتمل أن يكون أخذ حكم الحادثة من القرآن أو سمعه من غير رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيكون هو والتابعي فيه واحد فلا يكون من هو أقوى فيه من ~~غيره # ولأنه لو كان صحيحا لوجب أن يجب على من لم تطل صحبته أن يقلد من طالت ~~صحبته لقوة الأنس بكلام النبي عليه السلام ومعرفة قصده ولما لم يجب ذلك دل ~~على بطلان ما اعتمدوه # واحتجوا بأنه صحابي فجاز تقليده دليله إذا كان مع قوله قياس ضعيف # والجواب هو أنا لا نسلم هذا الأصل فإن القياس مقدم عليه وإن عاضد قوله ~~قياس ضعيف # قالوا ولأن قوله لو انتشر لوجب العمل به فقدم على القياس كخبر الواحد # قلنا هذا ms178 يبطل بقول التابعي فإنه لو انتشر لوجب العمل به ثم لا يقدم من ~~غير انتشار على القياس # وعلى أنه لو كان هذا بمنزلة الخبر لوجب إذا عارضه خبر أن يتعارضا أو ينسخ ~~أحدهما بالآخر كالخبر إذا عارضه خبر PageV01P397 # ولأن الخبر إذا قابله القياس الجلي قدم الخبر عليه ولو قابل قول الصحابي ~~قياس جلي قدم القياس عليه فدل على الفرق بينهما # قالوا ولأن قول الصحابي والقياس جنسان يترك أقواهما لأقوى الآخر فيترك ~~أضعفهما لأضعف الآخر كالسنة والقياس # قلنا يبطل هذا بقول التابعي مع القياس فإن أقواهما يترك لأقوى الآخر ~~وأضعفهما لا يترك لأضعف الآخر # ثم الخبر لو عارضه أقوى القياسين لأسقطه ولو عارض قول الصحابي أقوى ~~القياسين قدم القياس عليه فإذا عارضه أضعفهما قدم عليه PageV01P398 $ مسألة ~~15 # إذا قال واحد من الصحابة قولا يخالف القياس لم يجعل ذلك توقيفا ويقدم ~~القياس عليه # وقال أصحاب أبي حنيفة هو حجة يصير كالسنة المستندة إلى النبي عليه السلام ~~ويقدم على القياس # لنا هو أن الصحابي غير معصوم فيجوز أن يكون قد قاله عن توقيف ويجوز أن ~~يكون قد ذهب فيه إلى اجتهاد بعيد فلا يجوز إثبات السنة بالشك # ولأنه لو ثبت بقوله سنة لثبت ذلك بقول التابعي ولما لم يثبت بقول التابعي ~~لم يثبت أيضا بقول الصحابي # ولأن الظاهر أنه لم يقل ذلك عن سنة لأنه لو كان قد قاله عن سنة لأظهر ذلك ~~عند الفتيا أو في وقت من الأوقات ولو فعل ذلك لعرف ولما لم يعرف ذلك بحال ~~دل على أنه ليس عنده فيه سنة # ولأنه لو كان عن سنة لوجب إذا عارضه خبر أن يتعارضا ويصير كالخبرين ~~المتعارضين ولما قدم الخبر عليه دل على بطلان ما ذكروه # واحتجوا بأن الظاهر أنه لم يعدل عن القياس مع الثقة به في معرفة القياس ~~وطرقه إلا إلى سنة فوجب أن يجعل ذلك توقيفا عن النبي عليه السلام ~~PageV01P399 # قلنا إنما يصح هذا لو كان لا يجوز عليه الخطأ فأما إذا جاز عليه الخطأ ~~احتمل أن ms179 يكون قد ذهب إلى سنة لا تدل على الحكم أو أخطأ فيه فلا يجوز أن ~~يجعل قوله حجة # ولأنه لو جاز هذا في حق الصحابي لجاز في حق التابعين وسائر الفقهاء إذا ~~رأينا الواحد منهم قد ذهب إلى خلاف القياس لجاز أن يحمل أمره في ذلك على ~~أنه ذهب إلى سنة عن النبي عليه السلام صحت عنده # ولأنه يبطل به إذا عارضه نص فإن قوله يسقط وإن كان الظاهر ما ذكروه والله ~~أعلم PageV01P400 & مسائل التقليد $ مسألة 1 # التقليد في أصول الديانات لا يجوز # وقال بعض الناس يجوز ذلك وحكي ذلك عن عبد الله بن الحسن العنبري # لنا قوله تعالى @QB@ إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ~~@QE@ فذم قوما قلدوا آباءهم في أديانهم فدل على أن ذلك لا يجوز # ولأن طريق معرفة الأصول العقل والعقلاء كلهم يشتركون في العقل فلا يجوز ~~لبعضهم تقليد البعض # ولأنه فرض على كل أحد أن يعلم هذه الأصول ويقطع بها والعلم والقطع لا ~~يحصل بقول المقلد فوجب أن لا يجوز فيه التقليد PageV01P401 # واحتجوا بأنه إذا جاز التقليد في الفروع جاز في الأصول # وربما قالوا إن التقليد إنما جاز في الفروع لأن في معرفة أدلتها وطرقها ~~مشقة وهذا المعنى موجود في معرفة أدلة الأصول ولعل في أدلة الأصول ما هو ~~أغمض وأخفى من أدلة الفروع فيجب أن يجوز فيها التقليد # والجواب هو أن ما يتوصل به إلى معرفة الفروع هو العلم بطرق المسائل من ~~الكتاب والسنة والإجماع والقياس فلو ألزمنا الناس معرفة ذلك لأدى إلى ~~الانقطاع عن المعاش وإلى أن ينقطع الحرث والنسل فجوز فيها التقليد وما ~~يتوصل به إلى معرفة الأصول هو العقل والناس كلهم يشتركون في ذلك فلم يجز ~~لهم التقليد فيه # ولأن الفروع طريقها الظن والظن يحصل بقول من يقلده والأصول طريقها العلم ~~والقطع وذلك لا يحصل له بقول من يقلده فافترقا PageV01P402 $ مسألة 2 # لا يجوز للعالم تقليد العالم # ومن الناس من قال يجوز ذلك وهو قول أحمد وإسحق # وقال محمد بن ms180 الحسن يجوز له تقليد من هو أعلم منه ولا يجوز له تقليد مثله ~~PageV01P403 # لنا قوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ ~~والرد إليهما لا يمكن فثبت أنه أراد به حكم الله ورسوله # فإن قيل تقليد العالم حكم الله لأنه أعلم بطريق الظن # قلنا إذا ترك ما يقتضيه ظاهر الكتاب وظاهر السنة وقلد غيره فقد ترك حكم ~~الله تعالى ولم يعمل به فيجب أن لا يجوز # وأيضا قوله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ ولا علم للمقلد بما ~~أفتى به العالم فيجب أن لا يقفه # وأيضا قوله عليه السلام اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له ولم يفصل # ولأن معه آلة يتوصل بها إلى حكم الحادثة فلا يجوز له التقليد فيه # دليله العقليات # ولا يلزم قبول قول النبي عليه السلام لأن ذلك ليس بتقليد لأن التقليد ~~PageV01P404 قبول قول الغير حجة وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة # ولا يلزم عليه إذا حكم عليه الحاكم بشيء فإن ذلك أيضا ليس بتقليد لأنه لا ~~يلزم أن يقبله ويعتقده وإنما يلزمه طاعته فيما لزمه وليس ذلك بتقليد # فإن قيل لا يمتنع أن يكون معه ما يتوصل به إلى المطلوب ثم يجوز له تركه ~~إلى غيره # ألا ترى أن من قدر على سماع الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوز ~~له تركه والسماع ممن يخبره عنه # قلنا ليس هذا تركا لقول رسول صلى الله عليه وسلم وإنما ترك طريقا إلى ~~غيره فهو بمنزلة المجتهد يلوح له دليل في المسألة يقتضي حكما شرعيا فيتركه ~~إلى دليل آخر يقتضي ذلك الحكم فيجوز وفي مسألتنا يترك اجتهاده المقتضي لحكم ~~إلى اجتهاد يقتضي حكما غيره فوزانه مما ذكروه أن يقدر على نص عن النبي عليه ~~السلام فيتركه إلى حكم يخالفه فلا يجوز ذلك # ولأن الحكم بالتقليد يؤدي إلى إبطاله لأنه ينبغي أن يقلد من يمنع من ذلك ~~ويحكم بإبطاله وما أدى إثباته إلى نفيه كان باطلا # وأما الدليل على أصحاب أبي حنيفة ms181 خاصة وأن ما لا يجوز له أن يقلد فيه ~~مثله لم يجز له أن يقلد فيه من هو أعلم منه كالعقليات # ولا يلزم عليه العامي حيث لم يقلد مثله وقلد من هو أعلم منه لأن قولنا ~~PageV01P405 من هو أعلم منه يقتضي أن يكون هو عالما وهذا لا يوجد في حق ~~العامي # فإن قيل لو كان هذا كالعقليات لما جاز تقليد العامي فيها كما لا يجوز في ~~العقليات # قلنا إنما استوى العامي والعالم في العقليات لأنهما متساويان في آلة ~~الاجتهاد فيها وطلب الدليل عليها وفي الشرعيات العالم معه آلة الاجتهاد ~~والعامي ليس معه ذلك فافترقا # فإن قيل طريق العقليات القطع واليقين فلا يجوز الرجوع فيها إلى اجتهاد ~~الغير وليس كذلك هاهنا فإن الشرعيات طريقها الظن وظن الأعلم أقوى فجاز ~~الرجوع إليه يدلك عليه أنه يجوز أن يقلد في الشرعيات ما يقتضي الظن من خبر ~~الواحد والقياس ولا يجوز مثل ذلك في العقليات # قلنا لا نسلم أن ظن الأعلم أقوى بل ظن نفسه أقوى لأنه على علم وإحاطة من ~~ظنه وليس على إحاطة من ظن الأعلم فلا يجوز أن يكون ما لم يحط به علمه أقوى ~~مما أحاط به علمه ووقف عليه # ولأنه لا خلاف أنه يجوز له ترك قول الأعلم باجتهاده ومن جاز له ترك قوله ~~باجتهاده لم يجز له ترك اجتهاده لقوله كالمجتهد في القبلة وعكسه قول الله ~~تعالى وقول الرسول # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ وهذا ~~قبل أن يجتهد لا يعلم حكم الحادثة فجاز له أن يسأل # قلنا المراد بالآية العامة يدل عليه أنه أوجب السؤال والذي يجب عليه ~~السؤال هو العامي وأما العالم فلا يجب عليه بالإجماع أن يسأل لأن له أن ~~يجتهد لنفسه فيعمل باجتهاده ولا يسأل أهل الذكر # ولأنه أمر بسؤال أهل الذكر وهذا يقتضي أن يكون المخاطب بالسؤال غير أهل ~~الذكر فيجب أن تكون الآية خاصة في العامة فلم يكن فيها حجة PageV01P406 # ولأنا نشاركهم في الاستدلال بها لأنها تقتضي أنه ms182 إذا أفتاه العالم وهو لا ~~يعلم ما اقتضى ذلك الحكم أن يسأله عن دليله في الخطاب وفي إيجاب ذلك إبطال ~~التقليد # فإن قيل لا خلاف أن العامة داخلة في هذا الخطاب ولا يجب عليهم السؤال عن ~~الدليل # قيل الظاهر يقتضي وجوب السؤال في حق الجميع لكنا تركنا وجوب السؤال في حق ~~العامة للإجماع وبقي العالم على ظاهرها # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~@QE@ ولم يفصل # قلنا المراد بالآية الطاعة في أمور الدنيا والتجهيز والغزوات والسرايات ~~وغير ذلك والدليل أنه خص به أولي الأمر والذي يختص به أولو الأمر ما ذكرناه ~~من تجهيز الجيوش وتدبير الأمور # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون @QE@ ولم يفصل # الجواب أن المراد بذلك قبول الأخبار وما سمعوه من النبي صلى الله عليه ~~وسلم فنحملها عليه أو نحملها على العامة بدليل ما ذكرناه # واحتجوا بأن الصحابة رضي الله عنهم رجعت إلى التقليد ألا ترى أن عبد ~~الرحمن لما بايع عثمان قال له عثمان أبايعك على كتاب الله وسنة رسول الله ~~عليه السلام وسيرة الشيخين فقال له نعم فبايعه فدل على جوازه # وروي عن عثمان عليه السلام أنه قال رأيت في الجد رأيا فاتبعوني فدل على ~~جواز التقليد PageV01P407 # قلنا المراد به سيرة الشيخين من حراسة الإسلام والذب عنه والاجتهاد فيه ~~والذي يدل عليه هو أن سيرة الشيخين في أحكام الحوادث مختلفة فلا يمكن ~~اتباعها فيه فدل على أن المراد به ما ذكرناه # ولأنه يحتمل أن يكون أن المراد به العمل بسيرتهما في الاجتهاد والبحث عن ~~الدليل والحكم بما يقتضيه الاجتهاد على حسب ما فعلاه لا أنه يقلدهما في ~~أعيان المسائل وتفاصيل الحوادث وحمله على هذا الاحتمال يبطل التقليد ويمنع ~~منه فليس لهم أن يحملوا على أتباعهما في أعيان المسائل فيدل على جواز ~~التقليد إلا ولنا أن نحمله على أتباعهما في البحث والاجتهاد فيدل على إبطال ~~التقليد # وأما قول عمر رضي ms183 الله عنه في الجد اتبعوني فإنما أراد به اتباعه في ~~الدليل كما يدعو بعضنا بعضا إلى ما يعتقده من المذاهب بالدليل دون التقليد # ولأن عليا عليه السلام خالفهم في ذلك لأنه قال لعبد الرحمن لما دعا إلى ~~اتباع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لا إلا على جهدي وطاقتي # قالوا ولأنه حكم يسوغ فيه الاجتهاد في الجملة فجاز فيه التقليد كما نقول ~~في العامي # قلنا العامي لا طريق له إلى إدراك حكم الحادثة لأنه ليس معه آلة يتوصل ~~بها إليه فلو ألزمناه معرفة ذلك لانقطع عن المعاش فكان فرضه التقليد وليس ~~كذلك العالم لأن له طريقا يتوصل به إلى حكم الحادثة من جهة الاجتهاد فلا ~~يجوز له التقليد كالعامي في العقليات PageV01P408 # ولأن العامي لما جاز له التقليد وجب ذلك عليه ولو كان هذا العالم مثله ~~للزمه التقليد # قالوا ولأن النبي عليه السلام يفتي بما أنزل عليه من القرآن وبما يدل ~~عليه الاجتهاد وللعالم طريق إلى معرفة ذلك من طريق الاجتهاد ثم يجوز له ترك ~~الاجتهاد والعمل بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم كذلك هاهنا مثله # قلنا لو كان بمنزلة ما سمعه من النبي عليه السلام لوجب أن لا يجوز له ~~تركه بالاجتهاد كما لا يجوز له ترك قول النبي عليه السلام # ولأن قول النبي عليه السلام حجة مقطوع بصحتها لأنه إن كان عن وحي فهو ~~مقطوع بصحته وإن كان عن اجتهاد فهو مقطوع بصحته أيضا لأنه لا يخطىء في قول ~~بعض أصحابنا وفي قول البعض يجوز أن يخطىء ولكن لا يقر عليه فإذا أقر على ~~قضية علمنا أنه حق وصواب فوجب المصيرإليها والعمل بها وليس كذلك ما يقضي به ~~العالم لأنه لا يقطع بصحته فلم يجز للعالم ترك الاجتهاد له # قالوا إذا جاز تقليد الأمة فيما أفتوا به وإن لم يعلموا الطريق الذي ~~أفتوا به فكذلك تقليد آحادها # قلنا إذا أجمعوا على شيء كان قولهم حجة لأن الدليل قد دل على نفي الخطأ ~~عنهم فصار قولهم في ذلك ms184 كالكتاب والسنة وليس كذلك آحادهم لأن الخطأ عليهم ~~جائز فلم يجز للعالم قبوله # قالوا ولأنه لو كان التقليد لا يجوز لجواز الخطأ على من يقلده لوجب أن لا ~~يقبل خبر الواحد لجواز الخطأ على ناقله # قلنا خبر الواحد ظهر من غير نكير فهو بمنزلة قول واحد من الصحابة إذا ~~انتشر من غير خلاف وفي مسألتنا اختلف الناس في المسألة وتعارضت فيها ~~الأقوال PageV01P409 فوزانه مما ذكروه أن يروى خبران متعارضان فلا جرم أنه ~~لا يجوز المصير إلى واحد منهما قبل النظر والاجتهاد # ولأنا لو أوجبنا عليه البحث عن الرواية وجهة سماعه حتى يساوي الراوي في ~~طريقه لأدى إلى المشقة العظيمة وربما تعذر ذلك عليه بتعذر الطريق بينه وبين ~~المروي عنه أو موته فسقط عنه ذلك كما سقط عن العامي الاجتهاد وليس كذلك ~~هاهنا فإن العالم لا مشقة عليه في إدراك الحادثة باجتهاده والنظر فيها كما ~~نظر المقلد فلزمه الاجتهاد والنظر # قالوا ولأن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات كالجهاد ثم يجوز في الجهاد أن ~~يتكل البعض على البعض إذا حصلت الكفاية فكذلك في الاجتهاد # قلنا لا نسلم أن مع الاختلاف كفاية وإنما الكفاية عند الاتفاق فيجوز فيه ~~الاتكال وأما حال الاختلاف فلا كفاية فوزانه من الجهاد أن يضعف القيم منهم ~~بأمر الحرب فلا يجوز للباقين الاتكال عليه بل يلزمهم قصد الجهاد # واحتج أصحاب أبي حنيفة بقصة أهل الشورى وأن عبد الرحمن دعا عليا عليهما ~~السلام إلى تقليد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلم يجب لأنه اعتقد أنه لا ~~ينقص عنهما في العلم ودعا عثمان رضي الله عنه إلى ذلك فأجاب لأنه اعتقد أنه ~~دونهما في العلم # والجواب عندنا ما مضى # قالوا اجتهاد الأعلم له مزية لكثرة علمه وحسن معرفته بطريق الاجتهاد ~~واجتهاد من دونه له مرتبة من وجه آخر وهو أنه على ثقة وإحاطة من جهل الدليل ~~وما يقتضي الحكم وليس على ثقة من اجتهاد الأعلم فإذا اجتمعا تساويا فيخير ~~بينهما # قلنا هذا يبطل باجتهاد من طالت صحبته للنبي عليه السلام ms185 مع اجتهاد من لم ~~تطل صحبته فإن من طالت صحبته له مزية بطول الصحبة وكثرة السماع PageV01P410 ~~وطول الأنس بكلام النبي عليه السلام ثم لا يجوز لمن لم تطل صحبته أن يقلده ~~إذا تساويا في العلم # ويبطل أيضا باجتهاد الصحابي والتابعي فإن للصحابي مزية بالصحبة ومشاهدة ~~التنزيل ولا يجوز للتابعي تقليده إذا تساويا في الاجتهاد وكان أعلم منه # ولأنه إذا نظر في الدليل فأداه إلى حكم كان عالما بما يعمل به فإذا قلده ~~كان جاهلا بما يعمل به فلا يجوز التسوية بينهما PageV01P411 $ مسألة 3 # إذا نزلت بالعالم نازلة وخاف فوت وقتها لم يجز له تقليد غيره # وقال أبو العباس بن سريج يجوز # لنا هو أنه معه آلة الاجتهاد فلا يجوز له التقليد كما لو لم يخف الفوت # ولأن من لا يجوز له التقليد إذا لم يخف الفوت لم يجز له وإن خاف الفوت # دليله العقليات فإنه لو خشي أن أشتغل بالنظر أن يموت لم يجز له التقليد # ولأن اجتهاده شرط في صحة العبادة فلا يسقط بخوف فواتها كالطهارة للصلاة # واحتج المخالف بقوله تعالى @QB@ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ~~@QE@ وهذا غير عالم فجاز له أن يقلد العالم # قلنا هذا خطاب للعامة ألا ترى أنه قال @QB@ إن كنتم لا تعلمون @QE@ ~~والمراد به لا تعلمون طرق الاجتهاد لأنه ذكر البينات والزبر التي هي طرق ~~الأحكام وهذا العالم يعلم البينات والزبر فلا يجوز له التقليد PageV01P412 # واحتجوا بأنه لا يتوصل إلى معرفة النازلة من طريق الاجتهاد فهو كالعامي # قلنا لا نسلم أنه لا يتوصل لأنه إذا نظر وتأمل توصل إلى معرفة الحكم ~~ويفارق العامي فإن العامي لا طريق له إلى ذلك # ألا ترى أنه لو كرر النظر ألف مرة لم يعرف الحكم من طريقه ولهذا نجوز له ~~التقليد مع اتساع الوقت بخلاف العالم # واحتج بأنه مضطر إلى التقليد فإذا اجتهد فاتته العبادة وتأخرت وذلك لا ~~يجوز # والجواب هو أنه إن كان ذلك مما يجوز تأخيره لعذر صار إشكال الحادثة عليه ~~عذرا له في التأخير ms186 # وإن كان مما لا يجوز تأخيره كالصلاة أداها على حسب حاله ثم يعيد فلا ~~ضرورة إلى التقليد PageV01P413 $ مسألة 4 # يجوز للعامي تقليد العالم # وقال أبو علي الجبائي إن كان ذلك في المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد جاز ~~له وإن كان مما لا يسوغ فيها الاجتهاد لم يجز # وقال بعض المتكلمين لا يجوز حتى يعرف علة الحكم # لنا قوله تعالى @QB@ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ # ولأنه ليس معه آلة الاجتهاد فجاز له التقليد قياسا على ما يسوغ فيه ~~الاجتهاد # ولأنا لو ألزمناه معرفة الدليل لشق ذلك على الناس وانقطعوا عن المعاش ~~وانقطع الحرث والنسل فوجب أن لا يلزمهم ذلك # واحتجوا بأن أكثر ما في هذا أن الأدلة تغمض عليه وتدق وهذا لا يبيح ~~التقليد كما نقول في العقليات # والجواب أن في العقليات معه الآلة التي يتوصل بها إلى الأحكام وهي العقل ~~وفي الشرعيات ليس معه آلة يتوصل بها إلى الأحكام فلو ألزمناه تعرف ذلك لأدى ~~إلى المشقة فافترقا # واحتج أبو علي بأن ما كان فيه طريق مقطوع به لم يجز للعامي التقليد فيه ~~كالعقليات # والجواب عنه ما قلناه PageV01P414 $ مسألة 5 # يجوز للعامي تقليد من شاء من العلماء # وقال أبو العباس والقفال يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين ولا يقلد إلا ~~الأعلم الأدين # لنا قوله تعالى @QB@ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ ولم يفصل # ولأن من جاز تقليده إذا كان منفردا جاز تقليده وإن اجتمع مع غيره كما لو ~~كانا متساويين # ولأنا إنما جوزنا للعامي أن يقلد لأن في إيجاب معرفة العلم مشقة وإضرار ~~وهذا المعنى موجود في إيجاب معرفة الأعلم # ولأن الناس يتفاوتون في الاجتهاد مع التساوي في الحفظ وقد يكون أحدهما ~~أحفظ والآخر أعلم بالاجتهاد وفي معرفة ذلك مشقة فيجب أن لا يلزمهم # واحتجوا بأن هذا طريقه الظن والظن في تقليد الأعلم أقوى فوجب المصير إليه # والجواب أن هذا يوجب أن يتعلم الفقه ويعلم به لأن رجوعه إلى الاجتهاد ~~أقوى ولما أجمعنا على أنه لا يجب ذلك دل ms187 على بطلان ما ذكروه PageV01P415 & ~~مسائل القياس $ مسألة 1 # القياس والاستدلال طريق لإثبات الأحكام في العقليات # وذهب بعض الناس إلى إبطال ذلك # لنا أنا نرى في مسائل الأصول مذاهب مختلفة وأقاويل متكافئة لا طريق إلى ~~معرفة الصحيح منها من الفاسد إلا بالنظر والاستدلال فدل على أن ذلك واجب ~~PageV01P416 # فإن قيل يقلد فيها ولا يحتاج إلى النظر # قيل ليس تقليد أحد الخصمين بأولى من الآخر فوجب الرجوع فيه إلى النظر لأن ~~المقلد فيه يجوز أن يكون صادقا ويجوز أن يكون كاذبا فلا يمكن إدراك الحق من ~~جهته ويدل عليه هو أنه لو لم يصح النظر والاستدلال لما علم النبوات لأن من ~~جاء يدعي النبوة يحتمل أن يكون صادقا ويحتمل أن يكون كاذبا وليس لأحد ~~الاحتمالين على الآخر مزية فلا بد من الرجوع إلى ما يدل على صدقه ولا يعلم ~~ما يدل على صدقه إلا بالنظر فدل على صحته # ولأن من ينفي ذلك لا يخلو إما أن ينفيه بالنظر فقد اعترف بصحة ما أبطله ~~أو بالتقليد فيجب أن يقلدنا في جواز النظر # ولأن نفيه للنظر لا يخلو إما أن يكون بالضرورة أو بالنظر والاستدلال ولا ~~يجوز أن يكون نفيه بالضرورة لأنه لو كان قد علم ذلك ضرورة لعلمناه كما علم ~~وإن كان ينفيه بالنظر والاستدلال فقد اعترف بصحة ما أنكره # واحتجوا بأنه لو كان النظر طريقا لمعرفة الأحكام لوجب أن يتقدم عند النظر ~~والاستدلال قول نعمل عليه ومذهب نرجع إليه # ألا ترى أن المقابلة في الأوزان والأعداد لما كان طريقا لمعرفة المقادير ~~تقدر به عند الاعتبار أمر يزول معه الخطأ # قلنا لا نسلم فإن بالنظر يتقرر الحق ويبطل الباطل ولهذا نرى كثيرا ممن ~~ينظر ويستدل يرجع عند النظر والاستدلال عما كان عليه من قبل وأما من لا ~~يرجع فلأنه لم يستوف النظر ولو استوفى ذلك لبان له ورجع # واحتجوا بأنه لو كان النظر طريقا للمعرفة لوجب إذا وقع له شيء من ذلك عن ~~دليل أن لا ينتقل عنه إلى غيره وقد رأينا من ms188 يكون على مذهب يعتقد صحته ثم ~~ينتقل إلى غيره ويعتقد بطلان ما كان عليه وهذا يدل على أن النظر ليس بطريق ~~للإدراك # قلنا الانتقال عن الشيء إلى غيره لا يدل على أن النظر ليس بطريق لتميز ~~PageV01P417 الحق عن الباطل كما أن الإنسان يتخايل له السراب فيظن أنه ماء ~~ثم يتبين أنه ليس بماء ولا يدل ذلك على أن نظر العين ليس بطريق لإدراك ~~المرئيات كذلك هاهنا # قالوا ولأن النظر هو رد الفرع إلى الأصل والاستدلال بالشاهد على الغائب ~~وجعل الضروري أصلا للعقلي وذلك لا يجوز # قلنا ولم لا يجوز أن يجعل الشاهد أصلا للغائب والضروري أصلا للعقلي وهل ~~هذا إلا دعوى مجردة # وعلى أنه يلزمه أن لا تصح المقابلة في الحساب فإنه حمل خفي على جلي ورد ~~غامض إلى ظاهر ولما صح ذلك بطل ما قالوه # وعلى أن جميع ما ذكروه نظر واستدلال على إبطال النظر والاستدلال وهذا ~~متناقض PageV01P418 $ مسألة 2 # يجوز ورود التعبد بالقياس في الشرعيات # وقال النظام لا يجوز ورود التعبد به وهو مذهب قوم من المعتزلة البغداديين ~~وهو قول الإمامية والمغربي والقاساني # لنا هو أنه إذا جاز في العقليات أن يثبت الحكم في الشيء لعلة ويعرف ذلك ~~العلة بالدليل وهو التقسيم والمقابلة ثم يقاس عليه غيره جاز أن يثبت الحكم ~~في الشرعيات في عين من الأعيان لعلة وينصب على تلك العلة دليل يدل عليها ثم ~~يقاس غيره عليه PageV01P419 # وأيضا هو أنه لا خلاف أنه يجوز أن يقول صاحب الشرع حرمت عليكم الخمر لأنه ~~شراب فيه شدة مطربة فقيسوا عليه كل ما كان فيه هذا المعنى فكذلك يجوز أن ~~يحرم الخمر لهذه العلة وينصب عليها دلالة ويأمرنا بالقياس عليها # يدل عليه أنه لما جاز أن يأمرنا بالتوجه إلى الجهة التي فيها الكعبة لمن ~~عاينها لأن فيها الكعبة جاز أن ينصب عليها دلالة لمن غاب عنها ويتعبد ~~بالتوجه إليها بالاستدلال عليها # واحتجوا بأنه لو جاز التعبد بالقياس في الفروع لجاز التعبد به في الأصول ~~حتى يعرف جميع الأحكام بالقياس ms189 # قلنا يجوز التعبد بالقياس في الأصول إذا كان هناك أصل يستدل به عليه فأما ~~إذا لم يكن هناك أصل آخر فلا يجوز لأنه تعبد بما لم يجعل إلى معرفته طريقا ~~ولم ينصب عليه دليلا وهذا كما تقول في البصير أنه يجوز أن يتعبد بالاجتهاد ~~في طلب القبلة حيث جعل له إلى معرفتها طريق ولا يجوز أن يتعبد به الأعمى ~~حيث لم يجعل له ذلك طريق كذلك هاهنا # قالوا ولأن التكليف إنما جعل لمصلحة المكلف والمصالح لا تعلم إلا بالنص ~~فأما القياس فلا تعلم لأن القياس ربما أخطأ المصلحة # قلنا المصالح لا تعرف بالقياس ولكن ما عرف بالقياس فهو معلوم بالنص لأن ~~النص هو الذي دل على القياس فما أدى إليه مأخوذ من النص وإن كان قد يتوصل ~~إلى ذلك بضرب من الاستدلال # على أنه لو كان هذا دليلا على منع التعبد بالقياس لوجب أن يجعل ذلك دليلا ~~على إبطال التعبد بالاجتهاد في الظواهر وترتيب الأدلة بعضها على بعض ولوجب ~~أن يبطل أيضا الاجتهاد في القبلة فيقال إن طريق التكليف المصلحة وربما أخطأ ~~المصلحة في هذا كله فيجب أن لا يجوز الاجتهاد ولما جاز ذلك بالإجماع دل على ~~بطلان ما قالوه # قالوا لو كان في الشرع علة تقتضي الحكم لتعلق الحكم بما قبل الشرع ~~PageV01P420 وبعده كما نقول في العقليات ولما وجدنا هذه المعاني موجودة قبل ~~الشرع ولا توجب الحكم دل على أنه لا توجب بعده # قلنا هذا يبطل به إذا نص عليها وأمرنا بالقياس فإنها لا تقتضي الحكم قبل ~~الشرع وتقتضيه بعد الشرع # قالوا ولأنه لو كان في الشرع علل توجب الحكم لوجب أن يوجد الحكم بوجودها ~~ويزول بزوالها كما نقول في العلل العقلية ولما ثبت أنه يجوز أن ترتفع العلة ~~ويبقى الحكم دل على أنها لا توجب # قلنا علل العقل موجبة للأحكام لأنفسها فلا يجوز أن ترتفع وحكمها باق وعلل ~~الشرع إنما صارت عللا بالوضع فوزانها من العقليات ما كانت عللا بالوضع مثل ~~أن تقول اضرب من كان خارج الدار ms190 فيجوز أن ترتفع هذه العلة ويبقى حكمها # ولأن علل العقل موجبة للأحكام بالكون فلا يجوز أن تفارق معلولاتها ~~كالحياة في إيجاب كون الشخص حيا وعلل الشرع أمارات على الأحكام فجاز أن ~~تفارق أحكامها كالنطق في الدلالة على كون الشخص حيا فإنه لو كان أمارة جاز ~~أن يزول ذلك وتبقى الحياة # قالوا لو جاز أن تعلم الأحكام بالقياس لجاز أن يعلم ما يكون بالقياس فلما ~~لم يجز هذا لم يجز ذلك # قلنا لو نصب على ذلك دليل لجاز أن يعلم ولهذا جوزنا العلم باقتراب الساعة ~~بما نصب عليها من الأمارات والدلائل وإن كان ذلك على ما يكون في المستقبل ~~فسقط ما قالوه # قالوا القياس فعل القائس ومصالح العباد لا يجوز أن تتعلق بفعل القائس # قلنا لو كان هذا دليلا في إبطال القياس في الشرع لوجب أن يجعل دليلا في ~~إبطال القياس في العقل فيقال إن القياس فعل الإنسان وحقائق الأمور لا يجوز ~~أن تتعلق بفعل الإنسان فيجب أن يبطل ذلك ولما صح ذلك بطل ما قالوه ~~PageV01P421 # ولأنه لو كان هذا صحيحا لوجب أن لا يجوز الاجتهاد في الظواهر ولا في طلب ~~القبلة لأن ذلك فعل المجتهد فلا يجوز أن تتعلق به مصالح المكلفين # قالوا ولأن أحكام الشرع وأدلتها تتعلق بقصد المتعبد ويجوز أن يخالف ~~المتعبد بين الأحكام مع الاتفاق في المعاني ويوافق بينها مع الاختلاف في ~~المعاني فإذا جاز هذا لم يجز أن يوافق بين الأحكام لاتفاق المعاني إلا بأن ~~ينص له على ذلك ومتى ورد النص استغنى عن القياس # قلنا الأحكام تتعلق بقصد المتعبد كما قلتم ولكن قصده يعلم مرة بالأسامي ~~ومرة بالمعاني والظاهر أنه إذا اتفقت المعاني أن تتفق الأحكام كما إذا ~~اتفقت الأسامي اتفقت الأحكام فلو كان جواز اختلافها مانعا من الجمع لمنع ~~ذلك من التسوية بين الأسماء المتفقة بجواز اختلافها في الحكم ولما بطل أن ~~يقال هذا في الأسماء بطل ذلك فى المعاني # قالوا ولأن العلم بالقياس يؤدي إلى مناقضة الأحكام فإن الفرع إذا تجاذبه ~~أصلان وأخذ ms191 شبها من كل واحد منهما وجب إلحاقه بكل واحد منهما بحق الشبه ~~وذلك متناقض # قلنا فيجب أن لا يجوز القياس في العقليات لأن في أحكام العقل ما يتجاذبه ~~أصلان فيؤدي القياس إلى التناقض لأنه إذا تجاذبه أصلان ألحقناه بأشبههما ~~وأقربهما إليه فلا يؤدي إلى التناقض # قالوا القياس أدنى البيانين فلا يجوز مع إمكان أظهرهما أن يقتصر على ~~الأدنى # قلنا يجوز أن يفعل ذلك ليتوفر الأجر في الاجتهاد ويكثر الثواب في الطلب # ثم هذا يقتضي أن لا يكون في الشرع مجمل ولا متشابه فإن المفصل المحكم ~~أظهر في البيان وفي علمنا بجواز ذلك دليل على بطلان ما ذكروه PageV01P422 # واحتج النظام بأن الشرع ورد على وجوه لا يجوز القياس معها وذلك أنه ورد ~~بالتفرقة بين المتساويين والتسوية بين المتفرقين # ألا ترى أنه أباح النظر إلى وجه المرأة وحرم النظر إلى صدرها مع تساويهما # وأسقط الصلاة عن الحائض وأوجب عليها قضاء الصوم مع اتقاقهما # وأجب الغسل من المني وهو طاهر وأسقطه في البول وهو نجس # وهذا كله مخالف لموجب القياس # فالجواب هو أن هذا لو كان يوجب إبطال القياس في الشرعيات لوجب أن يوجب ~~بطلان القياس في العقليات فيقال إن ذلك يؤدي إلى الجمع بين المتفرقين ~~والتفرقة بين المتساويين ثم لم يمنع ذلك صحة القياس فيها # على أنا لا نسلم ما ذكروه فإنه ما افترق حكم متشابهين إلا لافتراقهما في ~~معنى يوجب الفرق بينهما ولا استوى حكم مفترقين إلا لتساويهما في معنى يوجب ~~التسوية بينهما # فأما إباحة النظر إلى وجه المرأة فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك في المعاملات ~~والشهادات وغير ذلك وهذه الحاجة لا توجد في الصدر وغيره # وأما إسقاط الصلاة عن الحائض فإنما تسقط لأن الصلوات تكثر فلو أوجبنا ~~عليها القضاء إذا طهرت أدى إلى المشقة والصوم في السنة مرة فلا يشق إيجاب ~~قضائه # وأما إيجاب الغسل من المني فلأنه يلتذ به جميع البدن وهذا المعنى لا يوجد ~~في البول وغيره # وعلى هذا المثال يجري حال كل متشابهين فرق بينهما الشرع وكل ms192 متفرقين سوى ~~بينهما فسقط ما قالوه PageV01P423 $ مسألة 3 # القياس طريق الأحكام الشرعية # وذهب داود وأهل الظاهر إلى أن القياس لا يجوز في الشرع وهو قول النظام ~~والإمامية PageV01P424 # لنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له ~~بم تحكم قال بكتاب الله قال فإن لم تجد في كتاب الله قال بسنة رسول الله ~~قال فإن لم تجد في سنة رسول الله قال أجتهد رأيي ولا آلو فقال صلى الله ~~عليه وسلم الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فدل على جواز الاجتهاد وصحة الرأي # فإن قيل هذا من أخبار الآحاد فلا يجوز أن يثبت به أصل من الأصول # قيل هو وإن كان من أخبار الآحاد إلا أن الأمة تلقته بالقبول فبعضهم يعمل ~~به وبعضهم يتأوله فهو كالخبر المتواتر # ولأنه إذا جاز إثبات أحكام الشرع كلها من تحليل وتحريم وإيجاب وإسقاط ~~وتصحيح وإبطال وإقامة الحدود وضرب الرقاب بخبر الواحد فلأن يثبت به القياس ~~والمقصود به إثبات هذه الأحكام أولى # وأيضا إجماع الصحابة رضي الله عنهم # فروي عن ميمون بن مهران أنه قال كان أبو بكر الصديق رضي الله PageV01P425 ~~عنه إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به وإن ~~لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن وجد فيها ~~ما يقضي به قضى به فإن أعياه ذلك سأل الناس هل علمتم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قضى فيه بقضاء وربما قام إليه القوم فيقولون قضى فيه بكذا وكذا ~~فإن لم يجد سنة من النبي عليه السلام جمع رؤساء الناس وعلماءهم واستشارهم ~~فإذا أجمع رأيهم على شيء قضى به قال وكان عمر يفعل ذلك # وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري الفهم الفهم فيما ~~أدلي إليك مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قس الأمور عند ذلك ms193 واعرف الأمثال ~~والأشباه ثم اعمد فيها إلى أحبها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق وهذا الكتاب ~~تلقته الأمة بالقبول # وروي أنه قال لعثمان رضي الله عنه إني رأيت في الجد رأيا فاتبعوني فقال ~~له عثمان أن نتبعك فرأيك سديد وإن نتبع رأي من كان قبلك فنعم ذو الرأي الذي ~~كان # وروى زاذان عن عليه عليه السلام أنه قال سألني أمير المؤمنين عمر عن ~~المخيرة فقلت إن اختارت زوجها فهي واحدة وزوجها أحق بها وإن اختارت نفسها ~~فهي واحدة بائنة فقال ليس كذلك ولكن إن اختارت نفسها فهي واحدة وهو أحق بها ~~فبايعته على ذلك فلما خلص الأمر إلي وعرفت أني PageV01P426 أسأل عن الفروج ~~عدت إلى ما كنت أرى فقلت والله لأمر جامعت عليه أمير المؤمنين وتركت رأيك ~~له أحب إلينا من رأي انفردت به فضحك وقال أما إنه قد أرسل إلى زيد بن ثابت ~~وخالفني وإياه وقال إن اختارت زوجها فهي واحدة وزوجها أحق بها وإن اختارت ~~نفسها فهي ثلاث # وقد روي عنه أنه قال كان رأيي ورأي أمير المؤمنين عمر أن لا يباع أمهات ~~الأولاد ثم رأيت بعد بيعهن فقال له عبيدة السلماني رأيك مع أمير المؤمنين ~~أحب إلينا من رأيك وحدك # وروي عن ابن مسعود أنه قال في قصة بروع بنت وأشق الأشجعية أقول فيها ~~برأيي فإن كان صوابا فمن الله تعالى وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان # وروي عن ابن عباس أنه قال في ديات الأسنان لما قسمها عمر رضي الله عنه ~~على المنافع فقال هلا اعتبرتها بالأصابع عقلها سواء وإن اختلفت منافعها # وروي عنه أنه قال ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا ~~يجعل أب الأب أبا # وهذا كله يدل على صحة القياس # فإن قيل يحتمل أن يكونوا أرادوا بالرأي الاجتهاد والنظر في موجب الكتاب ~~والسنة PageV01P427 # قيل هذا لا يصح لأنا قد روينا أنهم كانوا يجتهدون إذا لم يجدوا ذلك في ~~الكتاب والسنة # ولأن عمر رضي الله عنه صرح بالقياس في كتاب ms194 أبي موسى الأشعري # وابن عباس وابن مسعود صرحا بما لا يحتمل غير القياس والاستدلال # وطريقة أخرى جهة الإجماع وهو أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل ~~كثيرة كالجد والأخوة والخرقاء والمشتركة والحرام والخيار وكثرت أقاويلهم ~~فيها وسلكوا كلهم فيها طريق القياس والاجتهاد حتى إن بعضهم في مسألة الجد ~~شبه بغصن شجرة وبعضهم شبه بالساقية وهذا يدل على ما ذكرناه من صحة القياس # فإن قيل يجوز أن يكونوا قد حكموا فيها بنصوص وقعت إليهم واستصحبوا فيها ~~موجب العقل قبل ورود الشرع # قيل لا يجوز أن يكون معهم نصوص لأنه لو كان معهم في ذلك نص لأظهروه عند ~~الخلاف # وأيضا فإنا روينا أنهم سلكوا فيها طرق الاجتهاد والقياس ولا يجوز أن ~~يكونوا قضوا فيها بموجب العقل لأن ما قضوا فيه ليس بموجب العقل قبل ورود ~~الشرع PageV01P428 # ولأنا بينا أنهم تعلقوا فيه بالقياس والرجوع إلى النظائر # فإن قيل إن كان قد نقل عنهم العمل بالقياس فقد نقل عنهم رد القياس والرأي # روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا ~~قلت في كتاب الله برأيي # وقال عمر رضي الله عنه إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم ~~الأحاديث أن يعوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا # وقال علي عليه السلام لو كان الدين بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح ~~من ظاهره # وقال ابن سيرين أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس # وقال مسروق إني لا أقيس شيئا بشيء إني أخاف أن نزل قدمي # وقال أبو وائل لا تجالسوا أهل الرأي فليس لكم أن تتعلقوا بما رويتم إلا ~~ولنا أن نتعلق بما روينا # قلنا إنما ذموا الرأي المخالف للسنة ويجب عندنا أن ذلك مذموم يدل ~~PageV01P429 عليه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال إذا قلت في كتاب الله ~~وهذا يدل على أن في كتاب الله تعالى حكم المسألة # وقال عمر رضي الله عنه أعيتهم الأحاديث أن يعوها فدل على أنهم عملوا ~~بالقياس مع وجود ms195 الأحاديث # وقال علي عليه السلام لكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهره # وابن سيرين ذم قياس إبليس وكان قياسه مع وجود النص فسقط ما قالوه # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ # والجواب أن العمل بالقياس عمل بما علمناه لأن الدليل قد دل على صحته وصار ~~كالعمل بشهادة الشاهدين وخبر الواحد وتقويم المقوم فإن ذلك كله لما دل ~~الدليل عليه كان حكما لما علم فكذلك هاهنا # وعلى أن هذا نجعله حجة عليهم في رد القياس فإنهم ردوا ذلك فأبطلوه من غير ~~علم فوجب أن لا يجوز # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ إن الظن لا يغني من الحق شيئا @QE@ والقياس ظن ~~PageV01P430 # والجواب أن المراد بذلك الظن الذي لا يستند إلى أمارة وهو الحدس والتخمين ~~والذي يدل عليه أنا حكمنا بالظن في الشهادة والتقويم وغير ذلك فدل على أن ~~المراد ما قلناه # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ وبقوله تعالى ~~@QB@ اليوم أكملت لكم دينكم @QE@ وهذا يدل على أن الأحكام كلها مبينة في ~~الكتاب وليس فيها ما يحتاج فيه إلى القياس # والجواب هو أنا نقول بموجب الآية وأنه أكمل الدين ولم يفرط في الكتاب من ~~شيء ولكن القياس دل عليه الكتاب وأكمل به الدين كما أن ما بين بالأخبار ~~والإجماع مما دل عليه الكتاب وأكمل به الدين # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ~~@QE@ وبقوله @QB@ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله @QE@ # والجواب أن الرجوع إلى القياس رد إلى الله وإلى الرسول فإن الكتاب والسنة ~~دلا على وجوب العمل به # واستدلوا بما روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال تعمل هذه الأمة ~~برهة بكتاب الله وبرهة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرهة بالرأي ~~فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا وهذا نص في إبطال الرأي # والجواب أن المراد به الرأي المخالف للنص وذلك عندنا ضلالة PageV01P431 # واحتجوا أيضا بما روي عن النبي عليه السلام ms196 أنه قال ستفترق أمتي فرقا ~~أعظمهم فتنة قوم يقيسون الأمور بالرأي # والجواب عنه ما بيناه من الرأي المخالف لنص الكتاب والسنة # قالوا ولأن إثبات القياس لا يخلو إما أن يكون بالعقل أو بالنقل ولا يجوز ~~أن يكون بالعقل لأنه لا مجال له فيه ولا يجوز أن يكون بالنقل لأن النقل لا ~~يخلو من أن يكون تواترا أو آحادا ولا يجوز أن يكون تواترا لأنه لو كان فيه ~~تواتر لعلمناه كما علمتم ولا يجوز أن يكون آحادا لأنه من مسائل الأصول ولا ~~يجوز إثباته بخبر الواحد كإثبات الصفات وغيرها # قلنا نقلب عليهم هذا في إبطال القياس فنقول لا يخلو إبطاله إما أن يكون ~~بالعقل أو بالنقل وكل جواب لهم عن ذلك فهو جوابنا عما ألزمونا # ولأنا لا نسلم أن ذلك لا يثبت بخبر الواحد بل يجوز إثبات جميع الأحكام ~~المقصودة بالقياس بخبر الواحد وخالف ما ذكروه من الصفات لأن هناك أدلة ~~تقطعه فلم نعمل فيها بخبر الواحد وليس في هذه المسألة إلا مثل ما في سائر ~~المسائل من الطرق فافترقا # وعلى أنا روينا في ذلك أخبارا متلقاة بالقبول والأخبار المتلقاة بالقبول ~~بمنزلة التواتر # قالوا ولأن القياس إنما يصح إذا ثبتت علة الأصل وأنتم تقيسون الفرع على ~~الأصل من غير أن تثبت لكم علة الأصل وهذا لا يجوز # قلنا نحن لا نقيس حتى تثبت علة الأصل ويقوم الدليل على صحتها # قالوا القياس عندكم حمل الفرع على الأصل بضرب من الشبه وما من شيئين ~~يتفقان في وجه من الشبه إلا ويفترقان في غيره فإن وجب إلحاق أحدهما بالآخر ~~لما بينهما من الشبه وجب الفرق بينهما لما بينهما من الفرق وليس أحد ~~الأمرين بأولى من الآخر فوجب التوقف عن القياس PageV01P432 # والجواب أنا نحمل الفرع على الأصل إذا اتفقا على علة الحكم ومتى حصل ~~الاتفاق في العلة لم يؤثر افتراقهما في غيرها كما إذا اتفق شيئان في ~~العقليات في علة الحكم وجب الجمع بينهما وإن افترقا في كثير من الأشياء # قالوا ولأن أكثر ما تدعون ms197 أن تثبت لكم العلة التي تعلق بها الحكم في ~~المنصوص وثبوت ذلك لا يوجب قياس غيره عليه حتى يرد الدليل بالقياس # ألا ترى أن رجلا لو قال أعتقت فلانا لأنه أسود لم يجب عتق كل عبد له أسود # قلنا إذا ثبت وجوب القياس في الجملة وعرف علة الحكم لم يفتقر في كل مسألة ~~إلى دليل يدل على القياس كما إذا ثبت وجود العمل بخبر الواحد لم يفتقر في ~~كل مسألة إلى دليل يدل على وجوب العمل به # ويخالف هذا ما ذكروه من قول الرجل أعتقت فلانا لأنه أسود لأنه تجوز عليه ~~المناقضة فجاز أن يناقض في علته وصاحب الشرع لا تجوز عليه المناقضة فإذا ~~وجدت علته وجب أن تطرد # قالوا ولأن الأحكام مأخوذة من صاحب الشرع وهو إنما خاطبنا بلغة العرب ~~والعرب لا تعقل من الخطاب إلا ما دل عليه اللفظ فأما المعاني والعلل فلا ~~تعقلها فيجب أن يكون الحكم مقصورا على ما يقتضيه الخطاب # قلنا لعمري إن الأحكام مأخوذة من صاحب الشرع وأنه خاطبنا بلغة العرب غير ~~أنا لا نسلم أن العرب لا تعرف من اللفظ إلا ما دل عليه صريحه بل تعرف ما ~~يدل عليه اللفظ مرة بالصريح ومرة بالتنبيه وكل ذلك تعرفه ولهذا إذا قال ~~لغيره إياك أن تكلم فلانا عقل منه المنع من ضربه # قالوا القياس إنما يراد عندكم ليعلم به حكم ما لا يعلم بغيره وليس عندنا ~~مسألة إلا وحكمها معلوم من جهة النص فلا يحتاج إلى القياس PageV01P433 قلنا ~~هذا غلط فإن هاهنا مسائل لا نص فيها ولا نعرف حكمها إلا من جهة القياس من ~~ذلك # أن قتل الزنبور يجوز في الحل والحرم وليس فيه نص وإنما عرف بالقياس على ~~العقرب # ومن ترك الصلاة عامدا وجب عليه القضاء وليس فيها نص وإنما عرف ذلك ~~بالقياس على الناسي والنائم # وإذا ماتت الفأرة في غير السمن أو مات السنور ألقي وما حولها إن كان ~~جامدا وأريق إن كان مائعا وليس في ذلك نص وإنما قيس على الفأرة ms198 تقع في ~~السمن # وأمثال ذلك لا يحصى كثرة # فإن قيل إنما حرمنا ذلك بالإجماع # قيل الإجماع لا يجوز أن ينعقد من غير دليل وليس في هذه المسائل دليل غير ~~القياس فدل على أن الإجماع انعقد فيها على القياس # قالوا لو كان القياس دليلا لوجب أن لا يترك لخبر الواحد لأنهما في إيجاب ~~الظن واحتمال الشبه سواء # قلنا هما وإن استويا فيما ذكرتم إلا أن القياس أدنى رتبة منه من وجهين # أحدهما أنه مأخوذ من وجه فيه من الشبه مثل ما في الذي عارضه # والثاني أن القياس فرع للمنصوص في الجملة ولإثبات الفروع مع وجود الأصول ~~كما لإثبات النظر العقلي مع الضروري # قالوا ولأن القول بالقياس يؤدي إلى نفيه وذلك أنه إذا قال لم يثبت ~~PageV01P434 الحكم في الأصل وجب أن يكون الفرع مثله اعتبارا بالأصل لم ~~ينفصل عمن قال له لما لم يثبت الحكم في الأصل إلا من جهة النص وجب أن يكون ~~في الفرع مثله اعتبارا بالأصل فتكافأ القولان في ذلك فوجب أن يبطل الجميع # والجواب هو أنه لو كان هذا طريقا في إبطال إثبات القياس في الشرعيات لوجب ~~أن يكون طريقا في إبطال القياس في العقليات فيقال لمن استدل به إذا كان ~~العقلي كالضروري ثم كان الحكم في الضروري مستفادا بالحس وجب أن يكون في ~~موضع الخلاف مستفادا بالحس وذلك يوجب بطلان القياس ولما بطل هذا في القياس ~~في العقليات بطل ذلك في القياس في الشرعيات PageV01P435 $ مسألة 4 # إذا حكم صاحب الشرع بحكم في عين ونص على علته وجب إثبات الحكم في كل موضع ~~وجدت فيه العلة وهو قول النظام والقاشاني والنهرواني وغيره من نفاة القياس ~~وهو مذهب الكرخي PageV01P436 # ومن أصحابنا من قال لا يجوز إجراء العلة في كل موضع وجدت حتى يدل الدليل ~~على ذلك وهو قول البصري من أصحاب أبي حنيفة # لنا هو أنه إذا قال لا تأكل السكر لأنه حلو عقل منه تحريم كل ما هو حلو ~~وإذا قال لا تأكل العسل لأنه حار عقل منه ms199 تحريم كل ما كان حارا ولهذا إذا ~~سمع الناس ذلك من رجل ثم لم يطردوه أسرعوا إلى مناقضته فدل على أن مقتضاه ~~الطرد والجريان # ولأنه لو لم يقصد إثبات الحكم في كل موضع وجدت فيه العلة لم يفد ذكر ~~التعديل شيئا وصار لغوا # واحتجوا بأن الأحكام إنما شرعت لمصلحة المكلفين فيجوز أن تكون حلاوة ~~السكر تدعو الإنسان إلى تناوله وحلاوة غيره لا تدعو إلى تناوله لأن الداعي ~~إذا دعا إلى شيء لا يجب أن يدعو إلى كل ما شاركه في ذلك المعنى ولهذا يجوز ~~أن تدعوه الشهوة إلى أكل السكر ولا تدعوه إلى أكل العسل وإن اشتركا في ~~الحلاوة فإذا كان ذلك كذلك جاز أن يعلل تحريم السكر في الحلاوة لما في ~~تحريمه من PageV01P437 المصلحة إلا أنه جعله أمارة على التحريم حيث وجدت ~~فلا يجوز قياس غيره عليه إلا بدليل # قلنا لو كان القصد به ما ذكرتم لاقتصر على بيان الحكم ولما ذكر الحكم ~~وعلته دل على أنه قصد إجراءها حيث وجدت # قالوا لو كان ذكر التعليل في شيء يقتضي الطرد والجريان لوجب إذا قال ~~الرجل أعتقت عبدي فلانا لأنه أسود أن يعتق عليه كل عبد أسود ولما بطل أن ~~يقال هذا دل على أن ذكر العلة لا يقتضي الطرد والجريان # ولأنه لو لم يقصد إثبات الحكم في كل موضع وجدت فيه العلة لم يفد ذكر ~~التعديل شيئا وصار لغوا # قلنا إنما لم يلزم من ذلك في حق الواحد منا لأنه تجوز عليه المناقضة في ~~أقواله وأفعاله فأما صاحب الشرع فلأنه لا تجوز عليه المناقضة في أقواله ~~وأفعاله فإذا علل بعلة وجب طردها # قالوا ولكن ما جعل علة في الحكم غير موجب للحكم بنفسه لأنه قد كان موجودا ~~قبل ذلك ولم يوجد الحكم # وأيضا صار موجبا بجعل جاعل فيجب أن لا يكون علة إلا حيث جعلها علة # قلنا لو كان هذا صحيحا لوجب أن لا يكون علة إلا في الزمان الذي جعله فيه ~~علة لأنه صار علة بجعله فيجب أن ms200 يكون مقصورا على الزمان الذي جعله فيه علة ~~ولما لم يصح أن يقال هذا في الزمان لم يصح أن يقال ذلك في الأعيان # قالوا لو كان ذكر العلة في عين يوجب ثبوت الحكم في كل عين لوجب إذا قال ~~حرمت السكر لحلاوته وأحللت العسل أن يكون ذلك مناقضة فلما جاز أن يقول ذلك ~~ولم يقبح دل على أن العلة لا تقتضي الطرد PageV01P438 # قلنا إذا قال حرمت السكر لأنه حلو فالظاهر أن ذلك جميع العلة فإذا قال ~~بعد ذلك وأحللت العسل علمنا أنه ذكر بعض العلة وأنه أراد الحلاوة مع الجنس ~~وليس إذا حمل اللفظ على غير الظاهر بدلالة اقترنت به دل على بطلان ظاهره ~~إذا تجرد PageV01P439 $ مسألة 5 # يجوز إثبات الحدود والكفارات والمقدرات بالقياس # وقال أصحاب أبي حنيفة لا يجوز # لنا ما روي عن معاذ أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن ~~أجتهد رأيي فصوبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يفرق بين هذه ~~الأحكام وبين غيرها PageV01P440 # ولأنه حكم ليس فيه دليل قاطع فجاز إثباته بالقياس أصله سائر الأحكام # ولأن كل دليل ثبت فيه غير هذه الأحكام ثبت فيه هذه الأحكام كخبر الواحد # ويدل عليه هو أن القياس في معنى خبر الواحد ألا ترى أن كل واحد منهما ~~يقتضي الحكم من طريق الظن ويجوز السهو والخطأ في كل واحد منهما وإذا جاز ~~إثبات هذه الأحكام بخبر الواحد جاز إثباتها بالقياس # ولأنهم أوجبوا الكفارة على الأكل في رمضان قياسا على المجامع # وأوجبوا الحد في المحاربة قياسا على الردء في استحقاق الغنيمة فدل على ~~جواز ذلك # فإن قيل الكفارة في رمضان واجبة بالإجماع وكذلك الحد في المحاربة وإنما ~~أثبتنا موضعها بالقياس وذلك جائز وإنما الذي لا يجوز إيجاب ذلك في غير ~~الباب الذي ثبت فيه كإيجاب القطع على المختلس والحد على اللائط # قيل هو وإن كان إيجابا في الباب الذي وجب فيه إلا أن المانع عندهم من ~~إيجاب ذلك بالقياس هو أن مقدار المأثم وما ms201 يفتقر إلى الحد في الردع لا يدرك ~~بالقياس ولا يعلمه إلا الله تعالى وهذا موجود فيما ألزمناهم فيجب أن لا ~~يقاس فيه # فإن قيل نحن لم نوجب ذلك بالقياس وإنما أوجبناه بالتنبيه والاستدلال ~~بالأولى فإن مأثم الأكل أكثر من مأثم الجماع فإذا وجبت الكفارة في الجماع ~~ففي الأكل أولى PageV01P441 # قيل الاستدلال بالأولى لا يوجد في إيجاب الحد على الردء لأن الردء ليس ~~بأكثر إثما من المباشرة وقد أوجبتموه # وعلى أن مثل هذا موجود في اللواط فإن إثمه أعظم من مأثم الزنا لأنه لا ~~يستباح بحال وقد منعتم من إيجاب الحد فيه بالقياس على الزنا # واحتجوا بأن الحد شرع للزجر والردع عن المعاصي والكفارة وضعت لتكفير ~~المأثم وما يقع به الردع والزجر من المعاصي ويتعلق به التكفير عن المأثم لا ~~يعلمه إلا الله تعالى فكذلك اختصاص الحكم بقدر دون قدر لا يعلمه إلا الله ~~تعالى ولا يجوز إثبات شيء من ذلك بالقياس # الجواب هو أن هذا لو كان طريقا في نفي القياس في هذه الأحكام لوجب أن ~~يجعل مثل ذلك طريقا في نفي القياس في سائر الأحكام كما فعله نفاة القياس ~~فقالوا إن الأحكام شرعت لمصلحة المكلفين والمصلحة لا يعلمها إلا الله تعالى ~~فيجب أن لا يعمل فيها بالقياس ولما بطل هذا في نفي القياس في سائر الأحكام ~~بطل في نفي القياس في هذه الأحكام # على أنا إنما نقيس إذا علمنا معنى الأصل بدليل وإذا ثبت ذلك بالدليل صار ~~بمنزلة التوقيف # واحتجوا بأن القياس موضع شبهة لأنه إلحاق فرع بأشبه الأصلين فيكون الأصل ~~الآخر شبهة فلا يجوز إيجاب الحد مع الشبهات # والجواب هو أن هذا يبطل بخبر الواحد وشهادة الشهود فإنها لموضع شبهة لأنه ~~يجوز الخطأ والسهو فيها ثم يجوز إثبات الحدود بهما # وعلى أنا إنما نوجب إذا ترجح أحد الأصلين فيبطل الأصل الآخر ويصير وجوده ~~كعدمه # ثم هذا يبطل بإيجاب ذلك في الباب الذي وضع فيه فإنهم جوزوه بالقياس وإن ~~كان موضع شبهة PageV01P442 $ مسألة 6 # يجوز ابتداء الأحكام بالقياس وإن ms202 لم يكن عليها نقل في الجملة # وقال أبو هاشم لا يجوز أن يثبت بالقياس إلا ما نص عليه بالجملة ثم يثبت ~~تفصيله بالقياس # لنا قول معاذ بن جبل للنبي صلى الله عليه وسلم أجتهد رأيي ولم يفصل بين ~~إثبات الجملة وبين إثبات التفصيل # ولأن الصحابة رضي الله عنهم ابتدؤوا الحكم في قولهم أنت حرام بالقياس وإن ~~لم يكن منصوصا عليه في الجملة ولأن كل حكم جاز إثباته بخبر الواحد جاز ~~إثباته بالقياس كالحكم في التفصيل # واحتجوا بأنه لو كان إثبات الجمل بالقياس لجاز إثبات صلاة سادسة بالقياس ~~فلما لم يجز ذلك بالإجماع دل على أنه لا يجوز إثبات الجمل بالقياس # والجواب أن القياس فيما ذكروه إنما لم يصح لأنه يخالف النص والإجماع وليس ~~إذا لم يصح القياس عند مخالفة النص والإجماع لم يصح مع عدم مخالفتهما # ألا ترى أن القياس في أحكام التفصيل إذا خالف النص والإجماع لم يصح ثم لا ~~يدل على أنه لا يصح مع عدم المخالفة فكذلك هاهنا PageV01P443 $ مسألة 7 # يجوز إثبات الأسامي بالقياس في قول كثير من أصحابنا # ومنهم من قال لا يجوز وهو مذهب أبي حنيفة وكثير من المتكلمين # لنا أنا رأينا العرب قد سموا أعيانا بأسامي كالإنسان والفرس والحمار وغير ~~ذلك ثم انقرضوا وانقرضت تلك الأعيان واتفقت الناس على تسمية أمثالها بتلك ~~الأسماء فدل على أنهم قاسوا على المسموع PageV01P444 # فإن قيل ليس هذا من جهة القياس وإنما هو من جهة الوضع فإنهم وضعوا هذه ~~الأسماء لهذه الأجناس # قلنا لم يحفظ عنهم أنهم قالوا إن هذه الأسماء لهذه الأجناس ولا سبيل لأحد ~~إلى نقل ذلك عنهم فسقط ما قالوه # وأيضا هو أن أهل النحو أجمعوا على أن كل فاعل مرفوع وكل مفعول به منصوب ~~ولم يسمع ذلك من العرب وإنما عرف ذلك بالقياس والاستدلال وذلك أنهم لما ~~استمروا في كل فاعل ذكروه على الرفع وفي كل مفعول على النصب علم أنهم إنما ~~رفعوا في موضع الرفع لكونه فاعلا ونصبوا في موضع النصب لكونه مفعولا فحملوا ms203 ~~عليه كل فاعل وكل مفعول قياسا فهكذا فعلوا في جميع وجوه الإعراب فدل على ما ~~ذكرناه # ولأن الطريق الذي يعلم به الحكم من جهة القياس هو أن ينظر القائس فيما ~~تعلق به الحكم من النصوص ويستدل عليه بالسلب والوجود ثم يجد ذلك في غيره ~~فيحمل عليه وهذا موجود في الاسم فإنا إذا رأينا عصير العنب قبل الشدة لا ~~نسميه خمرا ثم تحدث الشدة فيسمى خمرا ثم تزول الشدة فلا يسمى خمرا علمنا أن ~~الموجب لهذه التسمية وجود الشدة المطربة وهذا المعنى موجود في النبيذ فيجب ~~أن يسمى خمرا # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ وعلم آدم الأسماء كلها @QE@ وقيل في الخبر أنه ~~علمه حتى القصعة والقصيعة فدل على أن الرجوع في الأسماء إلى التوقيف # قلنا ليس فيه أنه علمه كلها بالنص ويجوز أن يكون قد علمه البعض بالنص ~~والبعض بالتنبيه والقياس # وعلى أن هذا خاص لآدم عليه السلام ويجوز أن يكون قد علمه ذلك كله نصا ~~ونحن نعرفه قياسا # قالوا ولأنه ما من شيء إلا وله اسم في اللغة فلا يجوز أن يثبت له اسم آخر ~~PageV01P445 بالقياس كما إذا ثبت للشيء حكم بالنص لا يجوز أن يثبت له حكم ~~آخر بالقياس # قلنا الأحكام تتنافى فإذا ثبت للشيء حكم لم يجز أن يثبت له حكم آخر ~~يخالفه والأسماء لا تتنافى فيكون للشيء اسم ويجعل له اسم آخر يدلك عليه أنه ~~يجوز أن يكون للشيء الواحد اسمان وثلاثة وأكثر من طريق التوقيف ولا يجوز أن ~~يكون للشيء الواحد حكمان متضادان من طريق النص فافترقا # قالوا القياس إنما يصح في اللغة إذا ثبت أنهم وضعوا ذلك على المعنى ثم ~~أذنوا في القياس عليه وهذا لا سبيل إلى إثباته فيجب أن لا يصح القياس فيها # قلنا نحن إنما نقيس فيما وضعوا على المعنى وذلك يعلم باستقراء كلامهم ~~واستمرارهم في الشيء على طريقة واحدة فيعلم بذلك قصدهم كما يعلم قصد صاحب ~~الشرع # وأما الإذن فلا يحتاج إليه مع العلم بالمعنى إذ لا فرق بين أن يقول ~~سميتها خمرا ms204 للشدة المطربة وبين أن يقول كل شديد مطرب فهو خمر # قالوا ولأن الاسم لم يوضع على القياس ألا ترى أنهم خالفوا بين المتشاكلين ~~في الاسم فسموا الفرس الأسود أدهم ولم يسموا الحمار الأسود أدهم ويسمون ~~الفرس الأبيض أشهب ولم يسموا الحمار الأبيض أشهب فدل على أنه لا مجال ~~للقياس فيه # قلنا لو كان هذا طريقا في إبطال القياس في الأسامي في اللغة لكان طريقا ~~في إبطال القياس في الشرعيات فيقال إنها وضعت على غير القياس ألا ترى أنه ~~فرق بين المتشاكلين وهو المذي والمني فأوجب الغسل بأحدهما دون الآخر فيجب ~~أن يبطل القياس ولما بطل هذا في الشرعيات بطل ما قالوه في الأسماء واللغات # قالوا لو جاز إثبات الأسماء المشتبهة بالقياس لجاز إثبات الألقاب ولما لم ~~يجز ذلك لم يجز هذا # قلنا الألقاب لم توضع على المعنى ولا يمكن قياس غيرها عليها والمشتقة ~~وضعت على المعنى فأمكن قياس غيرها عليها فافترقا PageV01P446 $ مسألة 8 # يجوز إثبات القياس على ما ثبت بالإجماع # وقال بعض أصحابنا لا يجوز إلا على ما ثبت بالكتاب والسنة # لنا هو أن الإجماع أصل في إثبات الأحكام فجاز القياس على ما ثبت به كالنص # ولأنه إذا جاز القياس على ما ثبت بخبر الواحد وهو مظنون فلأن يجوز على ما ~~ثبت بالإجماع وهو مقطوع بصحته أولى # واحتجوا بأن الأمة لا تشرع وإنما تجمع عن دليل فيجب طلب ذلك الدليل فإنه ~~ربما يكون لفظا يتناول الفرع فيغني عن القياس وربما كان معنى لا يتعدى موضع ~~الإجماع فيمنع القياس # قلنا لا حاجة بنا إلى النظر في الدليل لأنه إن كان الدليل نطقا بينا ~~بتناول الفرع لم يمنع ذلك من القياس لأن أكثر ما فيه أن يكون قد استدل في ~~المسألة بالقياس مع إمكان الاستدلال بالنص وذلك جائز وإن كان الدليل معنى ~~لا يتعدى موضع الإجماع لم يمنع أيضا القياس لأن الإجماع عن معنى لا يتعدى ~~لا يمنع أن يكون هناك معنى آخر يتعدى إلى الفرع فيقاس عليه وإذا لم يكن في ms205 ~~واحد من الحالين ما يمنع القياس لم يجب طلب الدليل PageV01P447 $ مسألة 9 # يجوز القياس على ما ورد به الخبر مخالفا للقياس وهو الذي يسميه أصحاب أبي ~~حنيفة موضع الاستحسان # وقال أصحاب أبي حنيفة لا يجوز إلا أن يرد الخبر معللا أو مجمعا على ~~تعليله أو هناك أصل آخر يوافقه فيجوز القياس # لنا هو ما ورد به الخبر أصل يجوز العمل به فجاز أن يستنبط منه معنى ويقاس # الدليل عليه إذا لم يكن مخالفا للقياس # ولأنه لا خلاف أن المخصوص من العموم يجوز القياس عليه ولا يمنع منه ~~العموم فكذلك المخصوص من الأصول يجب أن يجوز القياس عليه ولا تمنع منه ~~الأصول PageV01P448 # ولأن ما ورد به الخبر لو نص على تعليله جاز القياس عليه فإذا ثبت تعليله ~~بدليل من جهة الاستنباط وجب أن يجوز القياس عليه لأن ما ثبت بالدليل بمنزلة ~~المنصوص عليه # وأيضا فإن ما ورد به الخبر أصل كما أن ما ثبت بالقياس أصل وليس رد هذا ~~الأصل لمخالفته ذلك الأصل بأولى من رد ذلك الأصل لمخالفته هذا الأصل فوجب ~~إجراء كل واحد منهما في القياس عليه على ما يقتضيه # واحتجوا بأن ما ثبت بقياس الأصول مقطوع به وما يقتضيه هذا القياس مظنون ~~فلا يجوز إبطال المقطوع به بأمر مظنون # قلنا هذا يبطل المخصوص من عموم القرآن بخبر الواحد فإنه يجوز القياس عليه ~~وإن كان فيه إبطال مقطوع به بأمر مظنون ويبطل أيضا بالخبر إذا ورد مخالفا ~~للأصول وهو معلل فإنه يثبت من طريق الظن ثم يقاس غيره عليه ويترك له قياس ~~الأصول الذي طريقه القطع PageV01P449 $ مسألة 10 # إذا ثبت الحكم في الفرع بالقياس على أصل جاز أن يجعل هذا الفرع أصلا لفرع ~~آخر يقاس عليه بعلة أخرى في أحد الوجهين وهو قول أبي عبد الله البصري من ~~أصحاب أبي حنيفة رحمه الله # ومن أصحابنا من قال لا يجوز وهو قول أبي الحسن الكرخي # لنا هو أن الفرع لما ثبت الحكم به بالقياس صار أصلا بنفسه فجاز أن يستنبط ms206 ~~منه معنى ويقاس عليه غيره كالأصل الثابت بالنص PageV01P450 # واحتجوا بأن العلة التي ثبت بها الحكم في الفرع هو المعنى الذي انتزع من ~~الأصل وقيس عليه الفرع وهذا المعنى غير موجود في الفرع الثاني فلا يجوز ~~إثبات الحكم فيه بالقياس # قلنا ليس إذا لم يوجد في الفرع الثاني ما ثبت به الحكم في الفرع الأول لم ~~يجز قياسه عليه ألا ترى أن ما ثبت به الحكم في الأصل من النص غير موجود ~~فيما يقاس عليه ولا يمنع ذلك صحة القياس عليه فكذلك هاهنا يجوز أن لا يوجد ~~في الفرع الثاني معنى الفرع الأول ثم يصح القياس عليه # قالوا ولأنكم إذا عللتم السكر بأنه مطعوم فيحرم فيه الربا كالبر ثم عللتم ~~السكر بأنه موزون وقستم عليه الرصاص خرجتم عن أن تكون العلة في السكر أنه ~~مطعوم # قلنا لا يخرج عن أن يكون الطعم علة فيه بل الطعم علة فيه والوزن علة ~~ويجوز أن يثبت الحكم في العين الواحدة بعلتين PageV01P451 $ مسألة 11 # العلة الواقفة صحيحة # وقال أصحاب أبي حنيفة هي باطلة وهو قول بعض أصحابنا # لنا هو أن القياس أمارة شرعية فجاز أن تكون خاصة وعامة # دليله النص # ولأن كل علة جاز أن تكون متعدية جاز أن تكون واقفة كما لو نص عليها صاحب ~~الشرع # ولأن العلل العقلية آكد من العلل الشرعية بدليل أن العلل العقلية يعتبر ~~فيها الطرد والعكس ولا تعتبر في الشرعية فإذا جاز أن تكون العقلية واقفة ~~فالشرعية بذلك أولى PageV01P452 # واحتجوا بأن الواقفة لا تفيد شيئا لأن حكمها ثابت بالنص وما لا فائدة فيه ~~لم يكن لانتزاعه معنى # قلنا يبطل بالواقفة إذا نص عليها فإنها لا تفيد شيئا ومع ذلك فإنها تصح # وعلى أنها وإن لم تفد في فرع يلحق بأصل أفادت بيان علة الأصل ووجه الحكمة ~~والمعنى الذي تتعلق به المصلحة # وأيضا ربما حدث فرع يوجد فيه ذلك المعنى فيلحق به # ولأنه إذا عرف أن العلة واقفة على الأصل منع من قياس غيره عليه كما إذا ~~عرف أنها متعدية ms207 استفيد به قياس غيره وهذه فائدة صحيحة PageV01P453 $ مسألة ~~12 # يجوز أن يجعل الاسم علة للحكم # ومن أصحابنا من قال لا يجوز # ومنهم من قال يجوز أن يجعل الاسم المشتق علة ولا يجوز أن يجعل الاسم ~~اللقب علة # لنا هو أنه إن ما جاز أن يعلق الحكم عليه نطقا جاز أن يستنبط ويعلق الحكم ~~عليه كالصفات والمعاني # ولأن بالاستنباط يتوصل إلى معرفة قصد صاحب الشريعة وإذا جاز أن ينص صاحب ~~الشريعة على تعليق الحكم بالاسم جاز أن يستنبط ذلك بالدليل ويعلق عليه ~~الحكم # واحتجوا بأن الاسم لا يحتاج إلى الاستنباط فلا يجوز أن يجعل علة الحكم ~~PageV01P454 # والجواب أن هذا خطأ لأن تعليق الحكم على الاسم وجعلة علة للحكم يفتقر إلى ~~الاستنباط كما تفتقر سائر الصفات فسقط ما قالوه # وربما قالوا إن الحكم إنما يتعلق بالمعاني والأسماء ليست بمعان # والجواب أن هذه دعوى لا برهان عليها # قالوا ولأن العلل لا تكون إلا حقيقة والأسماء تدخلها الحقيقة والمجاز فلا ~~يجوز أن تجعل علة # قلنا هذا يبطل به إذا نص عليه صاحب الشرع فإنه يجعل علة ويعلق الحكم عليه ~~وإن دخله الحقيقة والمجاز فسقط ما قالوه PageV01P455 $ مسألة 13 # يجوز أن يجعل نفي صفة علة الحكم # ومن أصحابنا من قال لا يجوز وحكى ذلك عن القاضي أبي حامد رحمه الله # لنا هو أن ما جاز أن ينص عليه في التعليل جاز أن يستنبط بالدليل ويعلق ~~الحكم عليه كالإثبات # ولأنه إذا جاز أن يكون الحكم مرة إثباتا ومرة نفيا جاز أن تكون العلة مرة ~~إثباتا ومرة نفيا # واحتجوا بأن الذي يوجب الحكم وجود معنى فأما إذا عدم المعنى فلا يجوز أن ~~يوجب الحكم والنفي عدم معنى فلا يجوز أن يوجب الحكم PageV01P456 # والجواب هو أن هذا مجرد الدعوى فلا يقبل من غير دليل # قالوا ولأن من شرط العلة أن يشترك فيها الأصل والفرع والاشتراك في النفي ~~لا يصح # قلنا لا نسلم فإن الاشتراك يصح في النفي كما يصح في الإثبات على أن النفي ~~يتضمن الإثبات والاشتراك فيه ms208 فصح PageV01P457 $ مسألة 14 # لا يصح رد الفرع إلا الأصل إلى بعلة مقتضية للحكم أو شبه يدل عليه # وقال بعض أصحاب أبي حنيفة يصح رد الفرع إلى الأصل بضرب من الشبه # لنا هو أنه إثبات حكم من جهة القياس فاعتبر فيه معنى مخصوصا كالقياس في ~~العقليات # ولأنه لو جاز رد الفرع إلى الأصل من غير علة مخصوصة لما احتيج إلى النظر ~~والفكر ولو كان كذلك لاشترك العلماء والعامة في القياس وهذا لا يقوله أحد ~~فدل على أنه لا بد من شبه مخصوص للحكم به يعلق # ولأنه لو جاز رد الفرع إلى الأصل بمجرد الشبه لم يكن حمل الفرع على بعض ~~الأصول بأولى من حمله على البعض لأنه ما من فرع تردد بين أصلين إلا وفيه ~~شبه من كل واحد من الأصلين PageV01P458 # واحتجوا بأن الصحابة رضي الله عنهم لم يعتبروا فيما نقل عنهم من القياس ~~أكثر من مجرد الشبه فدل على أن هذا القدر يكفي # والجواب أن هذا غير مسلم بل اعتبروا المعاني والعلل ألا ترى أن عمر رضي ~~الله عنه قال لأبي بكر عليهما السلام رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لديننا أفلا نرضاك لدنيانا # وقال علي في شارب الخمر إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فأرى أن ~~يحد حد المفتري فدل على أنهم اعتبروا المعنى المقتضي للحكم والشبه المؤثر ~~فيه PageV01P459 $ مسألة 15 # الطرد والجريان شرط في صحة العلة وليس بدليل على صحتها # ومن أصحابنا من قال طردها وجريانها يدل على صحتها وهو قول أبي بكر ~~الصيرفي PageV01P460 # وقال بعض أصحابنا إذا لم يردها نص ولا أصل دل على صحتها # لنا هو أن العلة هو المعنى المقتضى للحكم في الشرع مأخوذ من قولهم في ~~المرض إنه علة لأنها تقتضي تغير حال المريض ولا نعلم كونها مقتضية للحكم ~~بمجرد الطرد لأنه قد يطرد مع الحكم ويجري معه ما ليس بعلة فلم يكن ذلك ~~دليلا على كونه علة # ولأن الطرد فعل القائس لأنه يزعم أنه يطرد ذلك حيث وجد ولا ms209 يتناقض وفعله ~~لا يدل على أحكام الشرع # ولأن الجريان فرع العلة وموجبها فلا يجوز أن يجعل دليلا على صحتها لأن ~~الدليل يجب أن يتقدم المدلول عليه # ويعبر عن هذا بعبارة أخرى وهو أن الجريان في الفروع إنما ثبت بالعلة إذا ~~صح أنها علة في الأصل ولهذا إذا قيل له لم جعلت ذلك علة في هذا الفرع قال ~~لأنه تعلق الحكم بها في الأصل فثبت كونها علة في الفرع بثبوته في الأصل ~~وإذا كان كذلك لم يجزه أن يجعل الدليل على صحتها في الأصل ثبوتها في الفرع ~~فيكون الدليل على صحتها في الفرع ثبوتها في الأصل والدليل على صحتها في ~~الأصل ثبوتها في الفرع والدليل على صحتها في الأصل ثبوتها في الفرع كما أن ~~شهادة الشاهدين لما ثبتت بتزكية المزكين لم يجز إذا جهل الحاكم حال المزكين ~~أن يثبت عدالتهما بتزكية الشاهدين ويثبت عدالة الشاهدين بالمزكين وعدالة ~~المزكين بالشاهدين فكذلك هاهنا # ولأن الطرد زيادة في الدعوى لأنه ادعى العلة في الأصل فلما طولب بصحتها ~~دل عليها بأنها علة في الأصل وحيث وجدت فلم ترد إلا دعوى على دعوى ~~PageV01P461 # ولأنه لو كان الطرد دليلا على صحة العلة لتكافأت الأدلة لأنه ما من أحد ~~يذكر علة مطردة إلا ويمكن مقابلته بمثلها فلا يكون ما ذكروه أولى مما قابله ~~به الخصم # ولأن أدنى أحوال الدليل أن يوجب الظن وقد رأينا الطرد في علل لا يغلب على ~~الظن تعلق الحكم بها واتباعه لها كقول من قال في إزالة النجاسة إنه مائع لا ~~تبنى عليه القناطر ولا يصاد فيه السمك فأشبه الدهن والمرقة # وكقول من قال من أصحاب أبي حنيفة في مس الذكر إنه طويل مشقوق فاشبه البوق ~~أو معلق منكوس فأشبه الدبوس وغير ذلك مما لا يحسن الاشتغال بذكره فدل على ~~أن الطرد ليس بدليل على الصحة # واحتج المخالف بقوله تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا @QE@ فدل على أن ما ليس فيه اختلاف فهو من عند الله والعلة ~~إذا اطردت ms210 فهي متفقة لا اختلاف فيها فوجب أن تكون من عند الله # قلنا إن الآية تدل على أن ما فيه اختلاف فليس من عند الله ونحن نقول به ~~فإن الاختلاف في العلل هو الناقض وذلك يدل على أنه ليس من عند الله وليس ~~فيه أن ما ليس فيه اختلاف فهو من عند الله فلا حجة فيها # قالوا عدم الطرد يدل على فسادها وهو النقض فوجب أن يكون وجود الطرد يدل ~~على صحتها # قلنا عدمه إنما يدل على فساد العلة لأن وجوده شرط في صحتها وهذا لا يدل ~~على أن وجوده يدل على الصحة ألا ترى أن الطهارة لما كانت شرطا في صحة ~~الصلاة دل عدمها على فساد الصلاة ثم لا يدل وجودها على صحة الصلاة حتى ينضم ~~إليها غيرها فكذلك هاهنا # ولأن الشيء يجوز أن يثبت بمعنى ولا يثبت ضده بعدم ذلك المعنى PageV01P462 # ألا ترى أن الحكم تثبت صحته بالإجماع ثم لا يثبت فساده بعدمه فكذلك يجوز ~~أن يثبت فساد العلة لعدم الطرد ولا تثبت صحتها لوجوده # قالوا ولأن الطرد والجريان هو الاستمرار على الأصول من غير أن يرده أصل ~~وهذا شهادة من الأصول لها بالصحة فوجب أن يدل على صحتها # قلنا بهذا القدر لا يعلم كونه علة لأنه قد يجري ويستمر مع الحكم ما ليس ~~بعلة # ألا ترى أن العلم يكون المتحرك متحركا يجري مع التحرك ويستمر معه ثم لا ~~يدل على أن ذلك علة في كونه متحركا # قالوا ولأنها إذا اطردت فقد عدم ما يفسدها وإذا علم ما يوجب فسادها وجب ~~أن يحكم بصحتها لأنه ليس بين الصحيح والفاسد قسم آخر # قلنا لا نسلم أنه عدم ما يفسدها فإن عدم ما يصححها أحد ما يفسدها ثم نقلب ~~عليهم ذلك فنقول إذا لم يدل على صحتها فقد عدم ما يوجب صحتها وإذا عدم ما ~~يوجب صحتها دل على فسادها لأنه ليس بين الصحيح وبين الفاسد قسم # وعلى أنه لو كان هذا دليلا على صحة العلة لوجب إذا ادعى رجل النبوة ms211 من ~~غير دليل أن يحكم بصحة نبوته فيقال أنه عدم ما يفسد دعواه فوجب أن يحكم ~~بصحتها لأنه ليس بين الصحيح وبين الفاسد قسم آخر ولما بطل هذا بالإجماع بطل ~~ما قالوه أيضا PageV01P463 $ مسألة 16 # إذا أثرت العلة في موضع من الأصول دل على صحتها وإن لم يكن ذلك أصل العلة ~~PageV01P464 # ومن أصحابنا من قال يعتبر تأثيرها في الأصل # لنا هو أن العلة هي المعنى المقتضي للحكم ففي أي موضع من الأصول أثرت علم ~~أنها مقتضية للحكم # ولأنه إذا علم تأثيرها في موضع من الأصول علمنا أنها مؤثرة في الأصل حيث ~~وجدت لأنه يجوز أن تكون علة في موضع ولا تكون علة في موضع آخر # واحتج المخالف بأنه إذا لم تؤثر في الأصل لم يكن ذلك علة في الأصل ورد ~~الفرع إلى الأصل بغير علة الأصل لا يجوز # قلنا لا نسلم أنها إذا لم تؤثر في الأصل لم يكن ذلك علة في الأصل بل إذا ~~أثرت في موضع من الأصول دل على أنها علة في الأصل وفي كل موضع وجدت ولكن ~~ربما لم يظهر تأثيرها في الأصل لاجتماعها مع علة أخرى وهذا لا يدل على أنه ~~ليس بعلة # ألا ترى أن الحيض إذا صادف الإحرام أو الردة أو العدة ولم يظهر تأثيره في ~~إثبات التحريم لا يدل على أنه ليس بعلة # قالوا ولأنه إذا ذكر وصفين لم يؤثر أحدهما في الأصل صار ذلك حشوا في ~~الأصل وزيادة في علته فيجب إسقاطه وإذا سقط انتقضت العلة # قلنا إذا أثر في موضع من الأصول ودل الدليل على تأثيره بان بأنه ليس بحشو ~~في الأصل وحيث وجد فلا يجب إسقاطه من العلة يدلك عليه أن الحيض لما ثبت ~~تأثيره في تحريم الوطء كان علة في تحريمه حيث وجد فلا يجب أن يظهر ذلك في ~~بعض المواضع كذلك هاهنا إذا ثبت الوصف في الحكم وجب أن يكون مؤثرا حيث وجد ~~وإن لم يظهر الأصل PageV01P465 $ مسألة 17 # لا يجوز تخصيص العلة المستنبطة وتخصيصها نقض لها ms212 # وقال أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب مالك يجوز وتخصيصها ليس بنقض لها وهو ~~قول أكثر المتكلمين PageV01P466 # لنا قوله تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~@QE@ فجعل وجود الاختلاف دليلا على أنه ليس من عند الله وإذا وجدت العلة من ~~غير حكم فقد وجد الاختلاف فدل على أنه ليس من عند الله # ولأنه علة مستنبطة فكان تخصيصها نقضا لها كالعلل العقليات # فإن قيل العلل العقلية توجب الحكم بنفسها فلم يجز وجودها غير موجبة للحكم ~~وعلل الشرع غير موجبة للحكم بنفسها ألا ترى أنها موجودة قبل الشرع غير ~~موجبة للحكم وإنما صارت بالشرع عللا فجاز أن توجب في موضع دون موضع # قلنا هي وإن صارت عللا بالشرع إلا أنها قد صارت عللا بمنزلة العقلية في ~~إيجاب الحكم بوجودها فوجب أن تكون بمنزلتها في ان تخصيصها يوجب فسادها # ولأنه لو جاز وجود العلة من غير حكم لكان تعلق الحكم في العلة في الأصل ~~لا يوجب تعلقه بها في الفرع إلا بدليل مستأنف يدل على تعلقه بها لأنه ما من ~~فرع نريد أن نثبت فيه حكم العلة إلا ويجوز أن يكون مخصوصا وإذا افتقر ذلك ~~إلى دليل خرج عن أن يكون علة # ولأن وجود التخصيص في العلة يدل على أن المستدل لما لم يذكر الدلالة على ~~الصفة تعلق الحكم بها في الشرع ومتى لم يذكر الدلالة على الوجه الذي علق ~~الحكم PageV01P467 عليه في الشرع لم يجب العمل به لأنه لم يذكر دليل الحكم ~~فلا يجوز أن يثبت المدلول # ولأن القول بتخصيص العلة يؤدي إلى تكافؤ الأدلة وأن يتعلق بالعلة الواحدة ~~حكمان متضادان وذلك أنه إذا وجدت العلة في أصلين واقتضت التحليل في أحدهما ~~دون الآخر لم ينفصل من علق عليها التحليل في الفرع اعتبارا بأحد الأصلين ~~ممن علق عليها التحريم في ذلك الفرع اعتبارا بالأصل الآخر فيتكافأ الدليلان ~~ويستوي القولان وهذا لا يجوز # واحتج المخالف بأن هذه أمارة شرعية فجاز تخصيصها كالعموم # قلنا العموم لا تسقط دلالته بالتخصيص لأنه إنما ms213 كان دليلا لأنه قول صاحب ~~الشرع فإذا خص بعضه بقي الباقي على ظاهره وليس كذلك العلة فإن تخصيصها يسقط ~~دلالتها لأنها تعرف من جهة المستدل فإذا وجدت مع عدم الحكم علمنا أنه لم ~~يستوف الأمارة التي يتعلق الحكم بها في الشرع فسقط الاحتجاج بها # ولأن صاحب الشرع لا يطلق اللفظ العام إلا وقد دل على ما يوجب التخصيص ~~والبيان فأمكن التعلق بظاهره وليس كذلك المجتهد فإنه قد يطلق لفظ العلة وقد ~~أخل بما يقف ثبوت الحكم عليه ولعل ذلك يمنع دخول الفرع فيما أطلق من العلة ~~فلم يصح التعلق به # قالوا ولأنه علة شرعية فجاز تخصيصها كالعلة المنصوص عليها # قلنا من أصحابنا من قال لا يجوز تخصيص العلة المنصوص عليها ومتى وجدناها ~~مع عدم الحكم علمنا أنه بعض العلة غير أن إطلاقها يجوز لأن صاحب الشرع قد ~~ثبتت حكمته أنه لا يتناقض بإطلاقه فإذا أطلق وصفا علمنا أنه أراد ما يقتضي ~~التخصيص والمعلل متى لم تثبت حكمته ويجوز أن يتناقض فإذا أطلق وصفا ودخله ~~التخصيص علمنا أنه لم يستوف دلالة الحكم # ومن أصحابنا من أجاز تخصيص العلل المنصوصة وفرق بينها وبين العلل ~~المستنبطة بما ذكرناه في العموم فلا حاجة إلى إعادته PageV01P468 # قالوا العلل الشرعية غير موجبة للحكم بأنفسها وإنما صارت أمارات على ~~الأحكام بجعل جاعل وقصد قاصد فجاز أن يجعلها أمارة للحكم في عين دون عين ~~كما جاز أن يجعلها أمارة للحكم في وقت دون وقت # قلنا هذا هو الحجة عليكم وذلك أنه إذا صارت أمارة بقصد قاصد لم يجز ~~التعلق بها إلا على الوجه الذي جعله أمارة ومتى أخل ببعض الأوصاف لم يأت ~~بما جعله أمارة عن الحكم فيجب أن لا يصح # وعلى أنه إذا تعلق الحكم بالعلل بقصد القاصد وهو يخص مرة ويعم أخرى لم ~~يأمن أن يكون موضع الخلاف مخصوصا من العلة فلا يجوز أن يتعلق الحكم بها على ~~الإطلاق # قالوا إذا جاز أن يصل بالمعنى ما يمنع البعض جاز أيضا أن يؤخره عنه كبيان ~~المدة التي ms214 تتعلق بها العبادة # قلنا بيان المدة إنما يراد لإسقاط الحكم فلا حاجة إلى بيانه عند الإيجاب ~~وليس كذلك الوصف المضموم إلى الوصف لأن كل واحد منهما شرط لإيجاب الحكم فلا ~~يجوز تأخير أحدهما عن الآخر # قالوا لما جاز تأخير الحكم من غير علة جاز وجود العلة أيضا من غير حكم # ألا ترى أن العلل العقلية لما لم يجز وجود العلة من غير حكم لم يجز وجود ~~الحكم من غير علة ولما جاز هاهنا أحدهما وجب أن يجوز الآخر # قلنا وجود الحكم من غير علة لا يمنع كون العلة علة في الموضع الذي جعله ~~علة ووجود العلة من غير حكم يمنع أن يكون ما ذكره علة حتى يضاف إليه وصف ~~آخر لأن وجود الحكم من غير علة يدل على أن للحكم علة أخرى وثبوت علة لا ~~يمنع ثبوت علة أخرى لأن العلة تخلف العلة في إثبات الحكم ووجودها من غير ~~الحكم يدل على أنه ذكر بعض العلة وبعض العلة لا يخلف جميعها في إثبات الحكم ~~فافترقا PageV01P469 $ مسألة 18 # التسوية بين الأصل والفرع في مسألة النقض لا يدفع النقض # وقال بعض أصحاب أبي حنيفة يدفع النقض # ومن أصحابنا من قال إن كان قد صرح بالحكم لم يدفع النقض وإن كان جعل حكم ~~العلة التشبيه دفعت من النقض # لنا هو أن النقض وجود العلة ولا حكم وهذا العنى يوجد وإن استوى الفرع ~~والأصل فيه فوجب أن تنتقض العلة # ولأن ما أفسد العلة إذا لم يستو فيه الأصل والفرع أفسدها وإن استويا فيه ~~الأصل والفرع كالممانعة وعدم التأثير # ولأن التسوية بين الأصل والفرع زيادة نقض على نقض وهذا يقتضي تأكيد ~~الفساد # واحتج أصحاب أبي حنيفة إن من أصلنا أن تخصيص العلة جائز وأن وجود العلة ~~ولا حكم لا يفسدها إلا في القدر الذي التزمنا فيه الاحتراز وما لم نلتزمه ~~يجب أن يبقى على الأصل في جواز التخصيص PageV01P470 # قلنا أما هذا الأصل فقد دللنا على بطلانه فلا وجه لإعادته # وعلى أنكم قد تركتم هذه الطريقة ms215 ودخلتم معنا في اعتبار الطرد والاحتراز ~~من النقض ولهذا احترزتم من كثير من النقوض فلا يجوز الرجوع إلى التخصيص بعد ~~القول بالطرد والجريان # قالوا ولأن قصد المعلل هو التسوية بين الفرع والأصل وإجراء أحدهما مجرى ~~الآخر وقد سوى بين الفرع والأصل فيما التزم فلا يلزمه شيء # قلنا الذي نقصد إيجاب الحكم بوجود العلة دون التسوية بين الأصل والفرع ~~وقد وجدت العلة ولم يوجد الحكم فبطل ما قالوه # ولأنه إذا كان قصده التسوية بين الأصل والفرع افتقر إلى أصل آخر يستوي ~~فيه حكم الموضعين # واحتج القائل الآخر بأن النقض وجود العلة ولا حكم وإذا كان حكم العلة ~~الشبه بالأصل فقد وجدت العلة مع الحكم في مسألة النقض فإن الفرع قد شابهه ~~الأصل في ذلك ولم توجد حقيقة النقض # قلنا إن كان حكم العلة تشبيه الفرع بالأصل فقد صار الأصل عن تمام الحكم ~~ونقيض العلة من غير أصل وهذا لا يجوز PageV01P471 $ مسألة 19 # لا يجوز للمستدل أن ينقض علة السائل بأصل نفسه # ومن أصحابنا من أجاز ذلك وهو قول الجرجاني من أصحاب أبي حنيفة # لنا هو أن العلة حجة على المستدل في الموضع الذي ينقض به العلة فلا يجوز ~~نقض الحجة بالدعوى # ولأنه لو جاز نقض العلة بمذهبه لجاز أن ينقضها بموضع الخلاف ولما لم يجز ~~هذا لم يجز ذلك # ولأن قوله إن هذه العلة تنتقض بأصلي معناه إني لا أقول بهذه العلة في هذا ~~الموضع وفي موضع آخر وهذا لا يسقط الدليل كما لو استدل عليه بخبر فقال أنا ~~لا أقول بهذا الخبر في هذا الموضع ولا في موضع آخر # واحتج المخالف بأنه لو جاز للمسؤول في الابتداء أن يبني على أصله فيقول ~~إن سلمت هذا الأصل ثبتت علته وإلا دللت عليه جاز أن ينقض على أصله فيقول إن ~~سلمت هذا انتقضت به العلة وإن لم تسلم دللت عليه # قلنا في الابتداء يجوز ذلك لأنه لا يلزم الكلام في موضع بعينه وليس كذلك ~~هاهنا لأنه قد التزم الكلام في موضع بعينه ms216 وتعين عليه نصرته فلا يجوز أن ~~ينتقل عنه إلى غيره يدلك عليه أن في الابتداء يجوز له أن يستدل بما شاء ~~PageV01P472 ولو استدل بشيء بعينه ثم أراد أن ينتقل بعد ذلك إلى دليل آخر ~~لم يجز فدل على الفرق بينهما # قالوا ولأنه لما جاز أن ينقض على أصل السائل وحده جاز أن ينقض على أصل ~~المسؤول وحده # قلنا إذا نقض على أصل السائل بأن فساد الدليل على أصله فلا يجوز أن يحتج ~~بما يعتقد فساده وهاهنا لم يبن فساد الدليل على أصله فلزم العمل به يدلك ~~عليه أن السائل لو عارضه بخبر لا يقول به لم تصح معارضته ولو عارضه بخبر لا ~~يقول به المسؤول لم يمنع ذلك معارضته فافترقا PageV01P473 $ مسألة 20 # لا يجوز للسائل أن يعارض المسؤول بعلة منتقضة على أصله # ومن أصحابنا من قال يجوز ذلك # لنا هو أنه إذا انتقضت العلة على قوله فقد اعتقد بطلانها ومن اعتقد بطلان ~~دليل لم يجز أن يطالب الخصم بالعمل به كالمسؤول إذا ذكر علة منتقضة على ~~أصله # واحتج المخالف بأنه لما جاز أن تنتقض علته بما لا يقول به جاز أن يعارضه ~~بما لا يقول به # قلنا الناقض غير محتج بالنقض ولا يثبت الحكم من جهته وإنما يبين فساد ~~دليل على أصل من احتج به وليس كذلك هاهنا فإنه يحتج بالقياس فيثبت الحكم من ~~جهته فلا يجوز أن يثبت من جهة يعتقد بطلانه # قالوا السائل لا مذهب له وإنما هو مسترشد فلا يعتبر فساده عنده # قلنا هذا هو الحجة عليكم فإنه إذا كان مسترشدا يجب أن لا يسأل إلا عما ~~أشبه عليه وهو يعلم فساد هذا الدليل فلا يجوز أن يلتزمه # ولأنه قد جاوز رتبة المسترشد بالاستدلال والمعارضة وحصل في رتبة المستدل ~~فلا يجوز أن يستدل بما يعتقد فساده PageV01P474 $ مسألة 21 # القلب معارضة صحيحة # ومن أصحابنا من قال لا يصح # لنا هو أن المستدل لا يمكنه الجمع بين حكمته وحكم القلب فصار كما لو ~~عارضه من أصل آخر # ولأنه إذا ms217 جاز أن يستدل بلفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يشاركه ~~السائل في الاحتجاج به جاز أن يستدل بعلة ثم يشاركه السائل في الاستدلال ~~بها # واحتج المخالف بأن القلب لا يمكن إلا بفرض مسألة على المستدل وليس للسائل ~~فرض مسألة على المسؤول لأنه تابع له # قلنا هذا يبطل بالمشاركة في الخبر فإنه يجوز وإن لم يمكن ذلك إلا بفرض ~~مسألة على المستدل # قال ولأن هذا وإن كان في حكم آخر إلا أنه في معنى الحكم الذي فرض فيه ~~PageV01P475 الدلالة ألا ترى أنه لا يمكن الجمع بينه وبين حكمه كما لا يمكن ~~الجمع بينه وبين ضده # ولأن أوصاف علة المستدل لا تصلح لحكم القلب ولا تؤثر فيه فيجب أن لا يصح ~~القلب # قلنا إنما يصح القلب إذا كان صلاح الوصف لأحد الحكمين كصلاحه الآخر ~~وتأثيره في أحدهما كتأثيره في الآخر وأما إذا لم يصلح الوصف لحكم القالب ~~ولم يؤثر فيه حكمنا ببطلانه PageV01P476 $ مسألة 22 # قلب التسوية صحيح وذلك مثل أن يقول المخالف في مسألة النية في الوضوء ~~إنها طهارة بمائع فلم تفتقر إلى النية كإزالة النجاسة فيقول الشافعي رضي ~~الله عنه أقلب علته فأقول طهارة بمائع فاستوى حكمها وحكم الجامد في النية ~~كإزالة النجاسة # ومن أصحابنا من قال لا يصح # لنا هو أن المستدل بالعلة منهما لايمكنه الجمع بين حكمه وحكم القالب كما ~~لو كان مصرحا به ويدل عليه هو أن الأصل والفرع في الحكم المعلق على العلة ~~سواء وهو التسوية وإنما يختلفان في التفصيل ومتى اتفق الأصل والفرع في حكم ~~العلة صح الجمع وإن اختلفا في التفصيل يدل عليه أنه لو صرح بالحكم لصح ~~القياس وإن كان حكم الأصل مخالفا لحكم الفرع في التفصيل فكذلك هاهنا # واحتج المخالف بأن حكم الفرع في مثل هذا مخالف لحكم الأصل PageV01P477 # ألا ترى أن فيما ذكرنا من المثال نريد التسوية بين الجامد والمائع في ~~الأصل في إسقاط النية وفي الفرع في إيجابها ومن حكم القياس أن يتعدى حكم ~~الأصل إلى الفرع # قلنا إن ms218 حكم الأصل هو التسوية وقد تعدى ذلك إلى الفرع وإنما يختلفان في ~~كيفية التسوية وكيفية التسوية حكم غير التسوية # يدلك عليه هو أنه يجوز أن يرد الشرع بوجوب التسوية ين الجامد والمائع في ~~باب النية فينقطع فيه حكم الاجتهاد ثم يبقى النظر والاجتهاد في كيفية ~~التسوية بين الإيجاب والإسقاط وإذا ثبت أن كيفية التسوية غير التسوية لم ~~يلزم استواء الأصل والفرع فيهما # قالوا ولأن القصد من هذا القلب معارضة المستدل ومساواته في الدليل وقلب ~~التسوية لا يساوي عليه المستدل لأن حكم المستدل مصرح به وحكم القالب مبهم ~~يحتاج إلى البيان والمصرح أبدا يقدم على المبهم كما فعلنا في ألفاظ صاحب ~~الشرع # قلنا التصريح إنما يعتبر في حكم المطلوب بالدلالة لا في حكم آخر وهاهنا ~~الدلالة هو التسوية وقد صرح بها في حكم العلة كما صرح المعلل بحكمه # وعلى أن المصرح إنما يقدم على المبهم إذا احتمل المبهم الأمرين والمصرح ~~به أمر واحد فيقضى بما لا يحتمل على ما يحتمل كما ذكروه في ألفاظ صاحب ~~الشرع وأما في مسألتنا فإن قلب التسوية لا يحتمل إلا إبطال مذهب المعلل كما ~~لا يحتمل حكم المعلل إلا إبطال مذهب القالب فلم يكن لأحدهما على الآخر مزية ~~كاللفظين الصريحين إذا تعارضا PageV01P478 $ مسألة 23 # جعل المعلول علة والعلة معلولا لا يمنع من صحة العلة وذلك مثل أن يقول ~~الشافعي رضي الله عنه في ظهار الذمي من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم فيقول ~~الحنفي المسلم لم يصح ظهاره لأنه يصح طلاقه بل صح طلاقه لأنه يصح ظهاره # وقال أصحاب أبي حنيفة يمنع هذا صحة العلة وهو مذهب القاضي أبي بكر # لنا أن علل الشرع أمارات على الأحكام بجعل جاعل ونصب ناصب وهو صاحب الشرع ~~وإذا كان كذلك لم يمنع أن يجعل صاحب الشرع كل واحد من الحكمين أمارة للحكم ~~الآخر فيقول متى رأيتم من صح منه الطلاق فاحكموا له بصحة الظهار وإذا رأيتم ~~من صح ظهاره فاحكموا له بصحة طلاقه فأيهما رأينا صحيحا استدللنا به على صحة ms219 ~~الآخر ويدل عليه هو أن الشرع قد ورد بمثل هذا ألا ترى أن النبي عليه السلام ~~أمر من أعطى أحد ولديه شيئا أن يعطي الآخر مثله فجعل عطية كل واحد منهما ~~دلالة وأمارة لعطية الآخر فأيهما بدأ بعطيته اقتضى ذلك عطية الآخر فكذلك ~~هاهنا يجوز أن يجعل صحة كل واحد من الحكمين دليلا على صحة الآخر فأيهما ~~رأيناه صحيحا دلنا على صحة الآخر # واحتج المخالف بأنه إذا جعل كل واحد منهما علة للآخر وقف ثبوت كل ~~PageV01P479 واحد منهما على ثبوت الآخر فلا يثبت واحد منهما كما لو قال لا ~~يدخل زيد الدار حتى يدخل عمرو ولا يدخل عمرو حتى يدخل زيد فلا يمكن دخول ~~واحد منهما كذلك هاهنا # قلن إنما يقف ثبوت كل واحد منهما على ثبوت الآخر في العقليات لأن الحكم ~~الواحد منهما لا يجوز أن يثبت بأكثر من علة واحدة فإذا جعل كل واحد منهما ~~علة للآخر وقف كل واحد منهما على الآخر فاستحال ثبوتهما وأما في أحكام ~~الشرع فإنه يجوز أن يثبت الحكم الواحد منهما بعلل فإذا جعل كل واحد منهما ~~علة للآخر لم يقف ثبوت كل واحد منهما على ثبوت الآخر لجواز أن يثبت أحدهما ~~بطريق مستدل به على الحكم الآخر ويخالف هذا ما ذكروه من الدخول فإن هناك ~~منع أن يكون لكل واحد منهما طريق غير دخول الآخر فوقف أحدهما على الآخر وفي ~~مسألتنا يجوز أن يكون لكل واحد من الحكمين أمارة غير الآخر يثبت بها ثم ~~يستدل به على ثبوت الحكم الآخر فوزانه أن نقول إن دخل زيد الدار فليدخل ~~عمرو وإن دخل عمرو فليدخل زيد ثم دخل أحدهما بسبب من الأسباب فيصير دلالة ~~على دخول الآخر فكذلك هاهنا # قالوا إذا جعلتم كل واحد منهما علة للآخر جعلتم الموجب موجبا وذلك لا ~~يجوز # قلنا إنما لا يجوز إذا جعلنا كل واحد منهما علة موجبة للآخر فيصير كل ~~واحد منهما موجبا ونحن لا نفعل ذلك وإنما جعلنا صحة كل واحد من الحكمين ~~أمارة ودلالة على ms220 صحة الآخر وفي الدلائل يجوز أن يجعل كل واحد من الأمرين ~~دليلا على الآخر إذا كان طريق ثبوتهما واحدا # ألا ترى أنه إذا كان للرجل ولدان جاز أن يستدل بإرث كل واحد منهما على ~~إرث الآخر فيكون كل واحد منهما دليلا على الآخر حين كان طريقهما في ~~الاستحقاق واحدا فكذلك إذا عرف من عادة الإنسان أنه إذا وهب لأحد بنيه شيئا ~~وهب للآخر مثل ذلك جاز أن يستدل بعطية كل واحد منهما على عطية الآخر فكذلك ~~هاهنا لما كان ثبوت طريق الطلاق والظهار النكاح جاز أن يجعل صحة كل واحد ~~منهما دليلا على صحة الآخر PageV01P480 $ مسألة 24 # إذا تعارضت في الأصل علتان إحداهما تقتضي حمل الفرع عليه والأخرى لا ~~تقتضي حمل الفرع عليه جاز القول بهما إذا لم يتنافيا # ومن أصحابنا من قال لا يجوز # لنا هو أن العلل أمارات وعلامات وأدلة فجاز أن يتفق إثبات عام وخاص على ~~إثبات حكم واحد في عين واحدة كالكتاب والسنة # ولأن الطري التي تدل على صحة العلة من النص والإجماع والتأثير قد وجد في ~~العلتين جميعا فدل على صحتهما # ولأنه إن كانت العلة هي المعنى التي تعلق بها الصلاح في الحكم كما قال ~~بعض الناس فيجوز أن يتعلق العلة بكل واحد من العلتين وإن كانت أمارة على ~~PageV01P481 الحكم كما قال آخرون فيجوز أيضا أن تجتمع أمارات في إثبات ~~الحكم فوجب أن يجوز القول بالعلتين # واحتج المخالف بأنهما يتنافيان في المعنى لأن إحداهما تقتضي حمل الفرع ~~على الأصل والأخرى تمنع من ذلك فصارتا كالعلتين المتنافيتين في الحكم # قلنا لا نسلم أن بينهما تنافيا # وقولهم إن إحداهما تمنع حمل الفرع على الأصل غير حصحي لأن كل واحد منهما ~~يمنع حمل الفرع على الأصل وإنما لا يتعدى إحداهما فأما أن يكون هناك علة ~~أخرى تقتضي حمل الفرع على الأصل فلا يجوز # قالوا ولأن القول بهما يؤدي إلى تنافي الحكم في العلة لأنك إذا عكست إحدى ~~العلتين في الفرع أوجبت ضد حكم المعلل فصار كالعلتين المتنافيتين # قلنا ms221 إن العلل الشرعية إنما تقتضي وجود الحكم لوجودها ولا تقتضي انتفاءه ~~بانتفائها فلا يؤدي إلى التنافي في الحكم في العلتين PageV01P482 $ مسألة ~~25 # إذا تعارضت علتان إحداهما ناقلة والأخرى مبقية على الأصل فالناقلة أولى # ومن أصحابنا من قال هما سواء # لنا هو أن الناقلة تفيد حكما شرعيا والأخرى لا تفيد إلا ما كان قبل ذلك ~~فكان ما تفيد حكما شرعيا أولى لأنهما دليلان تعارضا فقدم الناقل منهما على ~~المبقي كالخبرين # واحتج المخالف بأن الناقلة تفيد تعلق الحكم بمعنى لم يكن متعلقا به قبل ~~ذلك فتعلق الحكم بمعنى مخالف لبقائه بحكم الأصل واستصحاب الحال # ألا ترى أن بقاءه بحكم الأصل لا يقع به تخصيص ولا ترك دليل ونقله ~~بالتعليل يوجب تخصيص ما عارضه من العموم وتأويل ما عارضه من الظواهر # قلنا يبطل بالخبرين إذا تعارضا وأحدهما ناقل والآخر مبق على الأصل فإن ~~المبقي منهما يفيد بقاء الحكم بدليل لا يوجب التخصيص والتأويل ثم يقدم ~~الناقل عليه # ولأن الناقلة ساوتها في جميع ما ذكروه وانفردت بأنها تفيد حكما شرعيا لم ~~يكن قبل ذلك فوجب أن تقدم PageV01P483 $ مسألة 26 # إذا كانت إحدى العلتين تقتضي الحظر والأخرى تقتضي الإباحة فالتي تقتضي ~~الحظر أولى في قول بعض أصحابنا وهو قول أبي الحسن الكرخي # ومن أصحابنا من قال هما سواء # لنا هو أن التعارض إذا حصل اشتبه الحكم عنده ومتى اشتبه المباح بالمحظور ~~غلب الحظر كذكاة المجوسي والمسلم والأخت والأجنبية ويدل عليه هو أن الحظر ~~والإباحة إذا اجتمعا غلب الحظر على الإباحة كالجارية المشتركة بين الرجلين ~~لا يحل لواحد منهما وطؤها كذلك هاهنا # ولأن الحظر أحوظ لأن في الإقدام على المحظور إثما وليس في ترك المباح إثم # واحتج المخالف بأن تحريم المباح كإباحة المحظور فلم يكن لأحدهما على ~~الآخر مزية # قلنا هما وإن استويا فيما ذكروه إلا أن للمحظور مزية وهو أنه يأثم بفعله ~~ولا يأثم بترك المباح فكان الحظر أولى PageV01P484 $ مسألة 27 # إذا كانت إحدى العلتين توجب الحد والأخرى تسقطه فهما سواء # ومن أصحابنا من قال ms222 المسقط للحد أولى # لنا هو أن الشهبة لا تؤثر في إثبات الحد في الشرع والدليل عليه أنه يجوز ~~إثباته بخبر الواحد والقياس مع وجود الشبهة فإذا تعارض فيه علتان وجب أن ~~يكونا سواء كما تقول في سائر الأحكام # واحتج المخالف بقوله عليه السلام ادرؤوا الحدود بالشبهات وادرؤوا الحد ما ~~استطعتم ولأن يخطىء الإمام في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة # قلنا إن هذا إنما ورد عند القضاء والاستفتاء ولهذا قال فإن الإمام لأن ~~يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة PageV01P485 # قالوا ولأنه لو تعارض بينتان في ذلك سقطتا فكذلك إذا تعارض دليلان # قلنا إحدى البيئتين توجب الاستيفاء والأخرى توجب الإسقاط فجعل ذلك شبهة ~~فأسقطتا وهاهنا إحدى الدليلين دل على أنه شرع والآخر دل على أنه ليس بشرع ~~والشبهة لا تؤثر في ذلك فلم يكن لأحدهما على الآخر مزية بذلك عليه إذ في ~~الاتسيفاء لا تقبل شهادة واحد وفي إثبات الحدود يقبل خبر الواحد والقياس ~~فافترقا PageV01P486 $ مسألة 28 # إذا كانت إحدى العلتين تقتضي العتق والأخرى لا تقتضيه فهما سواء # وقال بعض المتكلمين التي تقتضي العتق أولى # لنا هو أنه لا مزية للعتق على الرق في كونه شرعا فكان التعارض بينهما ~~كالتعارض في غيرهما # واحتج المخالف بأن العتق مبناه على القوة ألا ترى أنه يسري إلى غيره وإذا ~~وقع لم يلحقه الفسخ فوجب أن يقدم ما يقتضي العتق على ما يقتضي الرق # قلنا قوة العتق على الرق في الوقوع فأما في كونه شرعا في إثبات حكم الشرع ~~فالعتق والرق واحد فلا يقدم أحدهما على الآخر PageV01P487 $ مسألة 29 # إذا كانت إحدى العلتين أكثر فروعا من الأخرى كانت أكثرهما فروعا أولى # ومن أصحابنا من قال هما سواء وهو قول أصحاب أبي حنيفة # لنا هو أن أكثرهما فروعا تفيد من الأحكام مالا تفيد الأخرى فكانت أولى # ولأن كثرة الفروع تجري مجرى شهادة الأصول فيجب أن تكون أولى # واحتج المخالف بأنه لو تعارض لفظان يدخل في أحدهما من المسميات أكثر مما ~~يدخل في ms223 الآخر لم يقع بذلك ترجيح فكذلك العلتان # قلنا لو كانتا كاللفظين لوجب أن يكون ما قل فروعه أولى كما كان الأخص من ~~اللفظين أولى من الأعم منهما # ولأن اللفظ الخاص والعام إذا تعارضا أمكن بناء أحدهما على الآخر ولا يمكن ~~ذلك في العلتين فقدم أكثرهما فائدة PageV01P488 $ مسألة 30 # إذا كانت إحدى العلتين أقل أوصافا من الأخرى فالقليلة الأوصاف أولى # ومن أصحابنا من قال هما سواء # لنا هو ما قلت أوصافها أجرى على الأصول وأسلم من الفساد فكانت أولى # ولأن ما قلت أوصافها تشابه العقليات فكانت أولى # واحتج المخالف بأن ذات الأوصاف وذات الوصف الواحد سواء في إثبات الحكم ~~فكانتا سواء عند التعارض # قلنا ينكسر بالخبر والقياس فإنهما يتساويان في إثبات الحكم ثم يقدم الخبر ~~على القياس عند التعارض PageV01P489 $ مسألة 31 # إذا كانت إحدى العلتين منتزعة من أصلين والأخرى من أصل واحد قدمت من ~~أصلين في قول بعض أصحابنا # ومنهم من قال هما سواء # لنا هو أنه إذا كثرت الأصول كثرت شواهد الصحة فيجب أن يكون أولى كما لو ~~عاضد إحداهما ظاهر ولم يعاضد الأخرى # واحتج المخالف بأنه إذا كانت العلة واحدة فكثرة الأصول لا تؤثر ألا ترى ~~أن العلة إذا فسدت فسدت في الأصول كلها ولم تنفع كثرة الأصول # قلنا هذا يبطل به إذا عاضد إحدى العلتين عموم فإنها إذا فسدت لم تنفع ~~معاضدة العموم لها ثم تقدم على الأخرى PageV01P490 $ مسألة 32 # إذا كانت إحدى العلتين صفة ذاتية والأخرى حكمية فالحكمية أولى ومن ~~أصحابنا من قال الذاتية أولى # لنا هو أن المطلوب هو الحكم والحكم أخص بالحكم من الصفة الذاتية فكانت ~~الحكمية أولى # ولأن الصفة الذاتية قد توجد ولا يتعلق بها الحكم وذلك قبل الشرع ولا توجد ~~الحكمية إلا والحكم متعلق بها فكانت الحكمية أولى # واحتج المخالف بأن الصفات معان لا يفتقر وجودها إلى ما تفتقر إليه ~~الأحكام في الشرع فكان تعليق الحكم على الصفات أولى # قلنا الأحكام وإن افتقر ثبوتها إلى الشرع إلا أنها إذا ثبتت كانت كالصفات ~~في ms224 الثبوت ولا مزية للصفات عليها من هذا الوجه وقد بينا ترجيح الحكم على ~~الصفة فوجب أن يكون أولى # قالوا ولأن الصفات تشابه العقليات فكانت أقوى # قلنا في العقليات المقصود طلب أحكام العقل والصفات أخص بها وهاهنا ~~المقصود طلب حكم الشرع فكان الحكم أخص به PageV01P491 $ مسألة 33 # القول بالاستحسان باطل وهو ترك القياس لما يستحسن الإنسان من غير دليل # وحكى الشافعي رضي الله عنه وبشر المريسي القول عن أبي حنيفة بالاستحسان ~~وهو ترك القياس لما استحسنه الإنسان من غير دليل PageV01P492 # وأنكر المتأخرون ذلك من مذهبه # فقال أبو الحسن الكرخي الاستحسان العدول بحكم المسألة عن حكم نظائرها ~~بدليل يخصها PageV01P493 # وقال بعضهم هو القول بأقوى الدليلين # وقال بعضهم هو تخصيص العلة # فإن كان المذهب ما حكاه الشافعي وبشر المريسي فدليلنا قوله تعالى @QB@ ~~ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ وما يستحسن من غير دليل لا علم له به # ولأن القياس دليل من أدلة الشرع فلا يجوز تركه لما يستحسنه الإنسان من ~~غير دليل كالكتاب والسنة # ولو جاز الرجوع إلى ما يستحسنه الإنسان من غير دليل لوجب أن يستوي ~~العلماء والعامة في ذلك لأنهم يستحسنون كما يستحسن العلماء # وإن كان الأمر على ما فسره أصحابه فإنه لا مخالفة في معناه فإن ترك أضعف ~~الدليلين لأقواهما واجب وترك القياس بدليل أقوى منه واجب ولكنهم لم يجروا ~~على هذا الطريق فإنهم تركوا القياس في مواضع ليس معهم فيها دليل أقوى مما ~~تركوه وسموها مواضع الاستحسان فمن ذلك إيجاب الحد بشهود الزوايا فإنه ترك ~~اختلاف الشهادات وألفاظها برأيه من غير دليل وأوجب فيها الحد فدل على بطلان ~~ما قاله المتأخرون # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ الله نزل أحسن الحديث @QE@ # وقوله تعالى @QB@ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم @QE@ PageV01P494 # قلنا هذا أمر بالاتباع لما أنزل وكلامنا فيما يستحسنه الإنسان من تلقاء ~~نفسه من غير دليل # فإن قيل روى عن ابن عباس أنه قال ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن # قلنا المراد به ما أجمع الناس عليه ألا ترى ms225 أنه علق ذلك على استحسان جميع ~~المسلمين وعندما استحسنه أهل الإجماع فهو حسن عند الله تعالى فيجب المصير ~~إليه والعمل به PageV01P495 & مسائل الاجتهاد $ مسألة 1 # الحق من قول المختلفين في أصول الديانات واحد وما عداه باطل # وحكي عن عبد الله بن الحسن العنبري أنه قال كل مجتهد مصيب # وحكي عن بعضهم أنه قال ذلك فيما يجري مجرى القول في القدر والإرجاء ~~والآثار PageV01P496 # لنا هو أن مسائل الأصول عليها أدلة قاطعة على أن الأمر فيها على صفة ~~واحدة فمن اعتقد فيها خلاف ما هي عليه كان اعتقاده جهلا والخبر عنه كذبا ~~والجهل والكذب قبيحان فلا يجوز أن يكون صوابا # ويدل عليه هو أن كل قولين لا يجوز ورود الشرع بصحة واحدة منهما لم يجز أن ~~يكون القول بهما صوابا كقول المسلمين إن الله تعالى واحد لا شريك له وفي ~~قول النصارى إنه ثالث ثلاثة # واحتج بأنه إذا جاز أن يكون كل مجتهد في الفروع مصيبا جاز مثله في الأصول # قلنا لا نسلم فإن الحق عندنا من قول المجتهدين في واحد وما عداه باطل # وإن سلمنا ذلك فالفرق بينهما ظاهر وذلك أن الفروع ليس عليها أدلة قاطعة ~~وليس كذلك هاهنا فإن على الأصول أدلة قاطعة فلم يجز أن يكون كل مجتهد فيها ~~مصيبا ولأن في الفروع يجوز أن يرد الشرع بحكمين متضادين فجاز أن يجعل واحد ~~من المجتهدين مصيبا بخلاف الأصول فإنه لا يجوز أن يرد الشرع به بحكمين ~~متضادين فلا يجوز أن يكون كل مجتهد فيها مصيبا PageV01P497 $ مسألة 2 # الحق من قول المجتهدين في الفروع واحد وعلى ذلك دليل يجب طلبه وإصابته ~~وما سواه باطل وهو قول أبي إسحاق الإسفراييني # وذهب بعض أصحابنا إلى أن الحق في واحد ولم يكلف إصابته وإنما كلفنا ~~الاجتهاد في طلبه # وذهب كثير من الأشعرية إلى أن كل مجتهد مصيب وهو قول أكثر المعتزلة وهو ~~مذهب أبي حنيفة غير أنهم اختلفوا في ذلك PageV01P498 # فذكر الكرخي أن هناك أشبه مطلوب في الحقيقة ولم يكلف المجتهد إصابته ~~وإنما ms226 كلف حكم اجتهاده وذكر أنه مذهب أبي حنيفة وأصحابه # وقال أبو هاشم ليس هناك أشبه مطلوب أكثر من أن الحكم بما هو أولى عنده أن ~~يحكم به وهي إحدى الروايتين عن أبي علي # لنا قوله عليه السلام إذا اجتهد الحاكم وأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ ~~فله أجر واحد فدل على أنه يصيب مرة ويخطىء أخرى # فإن قيل المراد به إصابة النص والإجماع والخطأ بهما PageV01P499 # قيل اللفظ عام فوجب أن يحمل على عمومه ولأن استحقاق الأجرين لا يختص ~~بإصابة النص والإجماع فإن ما فيه نص وإجماع ومالا نص فيه ولا إجماع في ~~الأجر سواء فدل على أنه عام في الجميع # ويدل عليه إجماع الصحابة رضي الله عنهم روي عن أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه أنه قال في الكلالة أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن ~~خطأ فمني وأستغفر الله # وروي عن عمر رضي الله عنه أنه حكم بحكم فقال له رجل حضره هذا والله الحق ~~ثم حكم بحكم آخر فقال له الرجل هذا والله هو الحق فقال له عمر رضي الله عنه ~~إن عمر لا يعلم أنه أصاب الحق لكنه لا يألو جهدا # وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لكاتبه اكتب هذا ما رأى عمر فإن كان ~~خطأ فمنه وإن كان صوابا فمن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال في المرأة التي أجهضت ذا بطنها إن كانا ~~قد اجتهدا فقد أخطأ # وروي أنه قال له عبيدة السلماني رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك # وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال في المفوضة أقول فيها برأيي فإن ~~كان صوابا فمن الله ورسوله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه ~~بريئان PageV01P500 # وروي أن عليا رضي الله عنه وابن مسعود وزيدا خطؤوا ابن عباس في ترك القول ~~بالعول حتى قال ابن عباس من شاء باهلته إن الذي أحصى رمل عالج عددا لم ms227 يجعل ~~في مال واحد نصفا ونصفا وثلثا قد ذهب النصفان بالمال فأين موضع الثلث # وروي عن ابن عباس أنه قال ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ~~ابنا ولا يجعل أب الأب أبا # وهذا إجماع ظاهر على تخطئة بعضهم بعضا في مسائل الاجتهاد فدل على أن الحق ~~من هذه الأقوال في واحد وما سواه باطل # ويدل عليه إجماع الأمة على وجوب النظر والاستدلال في ترتيب الأدلة وبناء ~~بعضها على بعض ولو كان الجميع حقا وصوابا لم يكن للنظر والاجتهاد معنى # وربما عبر عن هذا بأن الناس قد اتفقوا على حسن النظر وعقد المجالس به ولو ~~كان الجميع حقا وصوابا لم يكن للنظر معنى ولا لعقد المجالس بسببه وجه إذ لا ~~يجوز أن يناظر بعضهم بعضا على أمر هو حق وصواب كما لا يجوز أن يناظر بعضهم ~~بعضا على ترك ما أجمعوا عليه من الأحكام # فإن قيل لا نسلم أن النظر والاجتهاد يجب في مسائل الاجتهاد بل الإنسان ~~عندنا بالخيار بين الأقاويل فيأخذ بما شاء منها كما تقول في الكفارات # قلنا هذا خلاف الكتاب فإن الله عز وجل قال @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله والرسول @QE@ وأمر بالرجوع إلى الدليل PageV01P501 # ولأن هذا خلاف الإجماع فإن أحدا لم يقل بالتخيير فالقول مخالف للإجماع # ولأنه لو كان الأمر على ما قال هذا القائل لاشتراك العامي والعالم في ~~جواز الفتوى والحكم وهذا لا يقوله أحد فسقط # فإن قيل إنما يتناظرون ويجتهدون في ذلك لمعرفة النص والإجماع حتى لا ~~يقدموا على مخالفتهما # قلنا هذا خطأ لأنهم يجتهدون فيما لا نص فيه ولا إجماع فدل على أن ذلك كما ~~ذكرناه # فإن قيل يحتمل أن يكون نظرهم في ذلك واجتهادهم لطلب الأحصلح دون معرفة ~~الفاسد والصحيح # قلنا لا يصح لأن الأصلح في المنفعة لا يتعلق بأدلة الشرع والنظر في ترجيح ~~الأصول فبطل أن يكون لما ذكروه # فإن قيل نظرهم لطلب الأشبه # قلنا إن كان الأشبه ما قاله الكرخي من أشبه مطلوب عند الله ms228 في الحادثة ~~فقد سلمتم المسألة لأنه إذا كان هاهنا أشبه مطلوب دل على أن الحق واحد وما ~~سواء ليس بحق وإن كان الأشبه ما قاله أبو هاشم وهو أن الحكم بما هو أولى ~~عنده فهذا مالا فائدة فيه في النظر لأجله لأنه إذا كان الجميع حقا وصوابا ~~لم يكن للنظر بحكم دون حكم معنى أكثر من إتعاب الفكر والنفس وتقطيع الزمان ~~من غير فائدة # ويدل عليه أن القولين المتضادين في مسائل الاجتهاد كالتحليل والتحريم ~~والإيجاب والإسقاط والتصحيح والإفساد لا يخلو إما أن يكونا صحيحين أو ~~فاسدين أو أحدهما صحيحا والآخر فاسدا ولا يجوز أن يكونا صحيحين لأن ذلك ~~يوجب أن يكون الشيء الواحد حلالا وحراما صحيحا فاسدا حسنا قبيحا وذلك ~~مستحيل ولا يجوز أن يكونا فاسدين لأن ذلك يؤدي إلى إجماع الأمة على الخطأ ~~فثبت أن أحدهما صحيح والآخر باطل PageV01P502 # فإن قيل إنما لا يجوز أن يكونا صحيحين في حق كل واحد وأما في حق اثنين ~~فلا يمتنع # ألا ترى أنه يحل أكل الميتة للمضطر ويحرم على المختار ويحل الفطر للمسافر ~~ويحرم على الحاظر فكذلك هاهنا يجوز أن يكون الشيء الواحد حلالا في حق من ~~أداه الاجتهاد إلى تحليله حراما في حق من أداه الاجتهاد إلى تحريمه # قلنا هذا يجوز فيما ورد النص فيه على سبيل التفصيل والمخالفة كما ذكروه ~~في الميتة في حق المضطر والمختار والفطر في حق الحائض والمسافر وأما فيما ~~ورد الدليل فيه على سبيل الإطلاق والعموم فلا يجوز # ومعلوم أن ما ورد من الدليل في هذه المسائل عام في حق جميع الناس فلا ~~يجوز أن يقتضي الحكم على سبيل التخصيص والتفصيل # فإن قيل الدليل الذي يدل على الحكم بظن المجتهد فأما الأمارات فإنها تقع ~~متكافئة وظن كل مجتهد يخصه لا يتناول غيره # قلنا هذا خطأ بل الدليل الكتاب والسنة والقياس قال الله تعالى @QB@ فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ فرد إلى الكتاب والسنة والقياس ~~وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن ms229 بم تقضي فذكر الكتاب ~~والسنة والقياس ولم يذكر الظن # ولأن أهل العلم عند حدوث الحادثة لا يفزعون إلا إلى الكتاب والسنة ~~والقياس فدل على أنها هي الأدلة دون الظن # ولأنه لو كان هذا الدليل هو الظن لما صح احتجاج أحد على أحد بالكتاب ~~والسنة والقياس لأن ذلك كله غير الدليل الذي يلزمه حكمه PageV01P503 # ولأنه لو كان الديل هو الظن لاستوى العلماء والعامة في الحكم لأنهم في ~~الظن واحد # فإن قيل لو كان الدليل ما ذكرتم لوجب إذا نظر الحنفي فيما نظر فيه ~~الشافعي من الدليل أن يقع له ما وقع للشافعي # قلنا هذا يبطل بمسائل الأصول فإن كل واحد من الخصمين ينظر فيما ينظر فيه ~~الآخر فلا يقع له ما وقع لخصمه ثم لا يدل على أنه ليس هناك دليل غير النظر # ويرد هذا الدليل على وجه آخر وهو أن تحليل الشيء وتحريمه وإفساده وتصحيحه ~~لا يجوز ورود الشرع به ولو جاز ذلك لورد النص به فيقول النبيذ حلال حرام ~~والنكاح بلا ولي باطل صحيح على هذه الصفة ومالا يجوز ورود الشرع به لم يجز ~~أن يرد عليه النظر والاجتهاد بين صحة هذا أن النظر والاجتهاد نتيجة النص ~~والإجماع فإذا استحال أن يدل النص والإجماع على تحليل الشيء وتحريمه على ~~الإطلاق استحال أن يدل عليهما النظر والاجتهاد إذ لا يجوز أن تدل نتيجة ~~الشيء على مالا يدل عليه أصله # فإن قيل إنما تسحيل ورود الشرع من جهة النص بالتحريم والتحليل والإفساد ~~والتصحيح في حق واحد ومثله يستحيل من جهة النظر والاجتهاد فأما في حق اثنين ~~فلا يستحيل ألا ترى أن النص قد ورد بتحليل الميتة للمضطر وتحريمها على ~~المختار وإحلال الفطر للمسافر وتحريمه على الحاضر فكذلك هاهنا يجوز أن يحل ~~الشيء في حق مجتهد ويحرم في حق غيره ويفسد العقد في حق مجتهد ويصح في حق ~~غيره # قلنا نحن لا ننكر ورود الشيء بتحريم الشيء على شخص وتحليله لغيره ~~PageV01P504 فيقضي فيه بحسب ما تقتضيه الدلالة من التفصيل والتخصيص وإنما ~~ننكر ms230 ورود الشرع بتحليل الشيء وتحريمه وإفساد عقد وتصحيحه على سبيل الإطلاق ~~والعموم وذلك لا يجوز من جهة النص والإجماع فكذلك لا يجوز من جهة النظر ~~والاجتهاد # واحتج المخالف بأن الصحابة رضي الله عنهم اختلفت في مسائل كثيرة وحوادث ~~شتى وأقر بعضهم بعضا على الخلاف ولم يظهر منهم في ذلك تبري ولا تغليظ في ~~القول ولو كان الحق في واحد لما أقر بعضهم بعضا على ذلك كما لم يقروا من ~~أباح الخمر منهم على قوله وأظهروا التغليظ وتبرأ بعضهم من بعض كما فعلوا ~~ذلك في مانعي الزكاة ولما لم ينقل عنهم في الفروع شيء من ذلك دل على أن كل ~~مجتهد مصيب # قلنا إجماع الصحابة حجة عليكم فإنهم صرحوا على أن الحق في واحد وما سواه ~~خطأ وقد بينا ذلك فأغنى عن الإعادة # وأما ترك التبري والتغليظ في القول حسب ما فعلوا في ترك الصلاة فلا يدل ~~على أن الجميع حق كما أن ترك التبري والتغليظ بالقول على من فعل الصغائر من ~~الذنوب والمخالفة بينه وبين من ارتكب الكبائر معهم في ذلك لا يدل على أن ~~ذلك حق وصواب # وعلى أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفت في مسائل أجمعوا فيها بعد الخلاف ~~أن الحق في واحد وما عداه باطل كاختلافهم في معانعي الزكاة ولم يظهروا ~~التبري في حال الاختلاف ولا التغليظ في القول على من خالف منهم ثم لا يدل ~~على أن الجميع حق وصواب # ولأنه إنما يجب التبري والتغليظ فيما يعلم بطريق مقطوع به وصرح بدليله ~~وانقطع عذر من خالف فيه فيجب التغليظ عليه والتبري منه كالأحكام التي ~~ذكروها فأما فيما يعلم بطريق لا يقطع به وكثرت فيه وجوه الشبه وتزاحمت فيه ~~صروف التأويل والترجيح فلا يجب ذلك فيه وما اختلفت فيه الصحابة رضي الله ~~عنهم من هذا القبيل فلهذا تركوا فيه التبري والتغليظ PageV01P505 # قالوا ولأنه لو كان الحق في واحد لكان الله تعالى قد نصب عليه دليلا ولو ~~كان فعل ذلك لسقط عذر المخالف فيه ولوجب أن يجعل كل ms231 من خالف ذلك آثما فاسقا ~~كما نقول في العقليات # قلنا كذا نقول إن الله تعالى قد نصب على الحق دليلا وأبان به خطأ المخالف ~~ولكنه لا يأثم ولا يفسق لأن طريق المأثم والفسق الشرع وقد ورد الشرع بإسقاط ~~الإثم عن المجتهد وترك تفسيقه # وعلى أنه يحتمل أن يكون قد أسقط عنه المأثم والفسق لخفاء الأدلة بكثرة ~~وجود الشبه فأكمل الله تعالى التفضل على المجتهد بأن أسقط عنه الإثم وأثابه ~~على قصده واجتهاده # قالوا لو كان الحق في واحد لكان ينقض به كل حكم يخالفه كما قال الأصم ~~وبشر المريسي ولما قلتم إنه لا ينقض الحكم بخلافه دل على أن الجميع حق ~~وصواب # والجواب أنه ليس إذا لم ينقض الحكم الواقع بأحد القولين دل على أنه حق ~~وصواب # ألا ترى أن من باع في حال النداء لم ينقض بيعه ولا يدل أن ذلك حق وصواب # ولأنه إذا لم ينقض الحكم لجواز أن يكون هناك آخر لم يؤده اجتهاده إليه ~~فلا يجوز الإقدام على بعضه # وعلى أنه إن كان المنع من نقض الحكم دليلا على أن الكل حق فوجوب ~~PageV01P506 الانتقال إلى غيره عند تغير الاجتهاد دليل على أن الحق واحد ~~فليس لهم أن يتعلقوا بترك النقض إلا ولنا أن نتعلق بوجوب الانتقال عند تغير ~~الاجتهاد # وعلى أنه إنم لم تنقض الأحكام لأن ذلك يؤدي إلى أن لا يستقر لأحد مالك في ~~الشرع ولا يثبت به حق لأنه متى حكم له حاكم بملك أو حق جاء غيره فنقض ذلك ~~ويجيء آخر فينقض على الثاني وعلى هذا أبدا فلا يستقر لأحد ملك على شيء وهذا ~~فيه فساد عظيم # قالوا لو كان الحق في واحد لما سوغ للعامي تقليد من شاء من العلماء # قلنا نحن لا نسوغ له تقليد من خالف الحق بل نقول له قلد عالما بشرط أن ~~يكون مصيبا كما نقول له قلد عالما بشرط أن يخالف النص # على أنا لو منعنا العامي أن يقلد إلا من معه الصواب لم يجد إلى معرفة ms232 ذلك ~~سبيلا إلا بأن يتعلم الفقه وفي إيجاب ذلك على كل أحد مشقة وفساد فسمح له ~~بتقليد الأوثق في نفسه # قالوا لو لم يكن كل مجتهد مصيبا لما جاز استخلاف المخالفين في القضايا ~~والأحكام مع العلم بأنهم يحكمون بخلاف ما يعتقده المستخلف # قلنا نحن لا نستخلف من يعتقد في قضاياه مذهب نفسه فيحكم به وإنما نستخلف ~~من هو من أهل الاجتهاد يجدد اجتهاده في كل قضية فيحكم بما يقتضيه الدليل # قالوا لا خلاف أن المجتهد إذا بذل وسعه في الاجتهاد وطلب الحكم وجب عليه ~~اعتقاد ما أداه الاجتهاد إليه ومتى ترك ذلك استحق الذم فلو لم يكن المأمور ~~به ما أداه اجتهاده إليه لما استحق الذم على تركه وإذا ثبت أن ذلك هو ~~المأمور به وجب أن يكون حقا وصوابا # قلنا لا نسلم أنه يجب عليه بالإجماع وكيف يدعى الإجماع في هذا مع إنكار ~~مخالفته عليهم ومنعهم منه وإظهار الاحتجاج على فساده PageV01P507 # ولو سلمنا ذلك تسليم نظر لم يتم الدليل لأنا إنما نوجب ذلك بشرط الصحة ~~والسلامة فإذا أدى إلى خلاف ذلك الحق نسبناه إلى الخطأ كما يجوز الرمي إلى ~~الهدف بشرط السلامة فإذا أدى إلى الهلاك نسبناه إلى التفريط وعلمنا خطأه ~~فيه # ثم هذا يبطل به إذا أداه الاجتهاد إلى خلاف النص مع الجهل به فإنه مأمور ~~بما أدى الاجتهاد إليه ثم لا نقول بأن ذلك حق وصواب # وعلى أن هذا حجة عليهم لأنه متى أداه الاجتهاد إلى شيء وقام الدليل عليه ~~لم يجز له اعتقاد غيره ولو كان الجميع حقا وصوابا لجاز تركه إلى غيره كما ~~يجوز ترك العتق في كفارة اليمين إلى الإطعام والكسوة حيث كان الجميع مأمورا ~~به ولما لم يجز ذلك دل على أن الحق في واحد وما عداه باطل # قالوا ولأنه لا خلاف أن ترجيح الظواهر المتقابلة يجوز لما لا يجوز أن ~~يثبت الحكم بنفسه وهذا يدل على أن دليل الحكم هو الذي وقع له المقابلة وأنه ~~إذا تعارض ظاهران فقد قام دليل كل ms233 واحد من الخصمين على الحكم فدل على أن ~~الجميع حق # قلنا لا نسلم فإنه لا يرجح عندنا أحد الدليلين على الآخر إلا بما يجوز أن ~~يجعل دليلا عند الكشف والتقرير # وعلى أن هذا هو الحجة عليهم فإنه لو كان الجميع صوابا لما طلب تقديم أحد ~~اللفظين على الآخر بصروف من الترجيح ولما عدلوا عند التقابل إلى الترجيح دل ~~على أنه لا يجوز أن يكون ما اقتضاه الظاهر أن الجميع حق # قالوا ولأن أدلة الأحكام في مسائل الخلاف تقع متكافئة ليس فيها ما يقتضي ~~القطع # ألا ترى أن كل واحد من الخصمين يمكنه أن يتأول دليل خصمه بضرب من الدليل ~~ويصرف عن ظاهره بوجه من الدليل بحيث لا يكون لأحد منهما على الآخر مزية في ~~البناء والتأويل فوجب أن يكون الجميع حقا وصوابا PageV01P508 # قلنا لا نسلم أنهما يتساويان في البناء والتأويل بل لا بد أن يكون ~~لأحدهما على الآخر مزية في البناء والترتيب والاستعمال والترجيح ولهذا إذا ~~تناظر الخصمان بأن لمن يحضر ممن يعتقد أن كل مجتهد مصيب أن أحد الكلامين ~~أظهر من الآخر # وعلى أن هذا لو كان دليلا على أن كل مجتهد مصيب في الفروع لوجب أن يجعل ~~دليلا على أن كل مجتهد مصيب في الأصول فإن الأشعرية والمعتزلة إذا تكلموا ~~في مسألة تخليد الفساق استدل كل واحد منهم بظاهر القرآن ويتأول ظاهر خصمه ~~بضرب من الدليل وكذلك في مسألة إثبات الرؤية وخلق الأفعال وكثير من مسائلهم ~~ثم لا يقال إن الحق في جميع ذلك فإن الظواهر فيها متعارضة والتأويلات فيها ~~متقابلة فكذلك في مسألتنا # قالوا ولأن حمل الناس على مذهب واحد يؤدي إلى التضييق فوجب أن يجعل ~~الجميع حقا ليتوسع الناس فيها # قلنا لو كان هذا دليلا على أن الجميع حق لوجب على أن لا يلزم العمل بما ~~ورد به النص والإجماع من الأحكام المغلقة لأن في ذلك تغليظا وتشديدا ولما ~~بطل هذا بالإجماع بطل ما ذكروه أيضا # ولأن المصلحة في الشرع لا تتعلق بما يميل إليه الطبع ms234 حتى يبني الأمر فيه ~~على ما يميل الطبع إليه بل المصلحة متعلقة بما حكم الله عز وجل به فيجب أن ~~يطلب ذلك بالدليل # وعلى أنا نقلب هذا عليهم فنقول حمل الناس على قول واحد نفع لهم وأصلح ~~فإنهم يتوافرون على طلبه وتمييزه من غيره فيتوفر أجرهم ويعظم ثوابهم فيجب ~~أن يجعل الحق في واحد PageV01P509 $ مسألة 3 # لا يجوز أن يتكافأ دليلان في الحادثة بل لا بد أن يكون لأحدهما مزية على ~~الآخر وترجيح # وقال أبو علي وأبو هاشم يجوز أن يتكافأ دليلان في الحادثة فيتخير المجتهد ~~عند ذلك فيعمل بما شاء # لنا أن المسألة مبنية على أن الحق في قول المجتهدين في واحد وما عداه ~~باطل وقد دللنا على ذلك وإذا ثبت هذا لم يجز أن تتكافأ فيه الأدلة ~~كالعقليات # واحتج المخالف بأن الحادثة قد تأخذ شبها من أصلين فيكون شبهها بكل واحد ~~منهما كشبهها بالآخر من غير أن يكون لأحد الشبهين مزية فدل على جواز ذلك # قلنا لا نسلم بل لا بد من ضرب من الترجيح يقترن بأحدهما ودليل يدل على ~~تقديم أحدهما على الآخر فلا يصح ما ادعوه PageV01P510 $ مسألة 4 # تخريج الشافعي رضي الله عنه المسألة على قولين جائز # وذهب من لا يعتد بخلافه أن ذلك لا يجوز # وربما قالوا إن ذلك لا يجوز من جهة أنه لا يجوز أن يعتقد المجتهد في ~~الحادثة قولين متضادين ولا سيما على قوله إن الحق من قول المجتهدين في واحد ~~وما عداه باطل # وربما قالوا إن تخريج المسألة على قولين يدل على نقصان الآلة وقلة العلم ~~حتى لم يعلم الحق من القولين ويحتاج أن يخرج المسألة على قولين # وهذا خطأ PageV01P511 # لأن ما ذكر عن الشافعي رحمه الله فيه قولان على وجوه ليس في شيء منها ما ~~يتوجه عليه اعتراض # فمنها أن يذكر قولا في القديم ثم يذكر قولا آخر في الجديد فيكون مذهبه ~~الثاني منهما والأول مرجوع عنه ويكون القولان له رحمه الله كالروايتين عن ~~الإمامين أبي حنيفة ومالك وسائر الفقهاء ms235 رحمهم الله # ومنها أن يذكر قولين ثم يدل على تصحيح مذهبه منهما بأن يقول هذا أشبه ~~بالحق وأقرب إلى الصواب أو يفسد الآخر ويقول هو مدخول فيه أو منكسر فيبين ~~أن مذهبه هو الآخر أو يفرع على أحدهما ويترك الآخر فيعلم أنه هو المذهب فما ~~كان منه على هذا الوجوه لا اعتراض عليه فيه لأنه لم يجمع بين القولين في ~~الاختيار فينسب إلى أنه اعتقد قولين متضادين في مسألة واحدة ولا توقف عن ~~القطع بأحدهما فيقال إنه قصر عن إدراك الحق # فإن قيل إذا كان مذهبه أحد القولين على ما ذكرتم فما الفائدة في ذكر ~~القولين # قلنا إنما ذكر ذلك ليعلم أصحابه طرق العلل واستخراجها والتمييز بين ~~الصحيح من الفاسد من الأقاويل وهذه فائدة كبيرة وغرض صحيح وقد يكون من ذلك ~~ما ينص فيه على قولين ولا يبين مذهبه منهما قال القاضي أبو حامد ولا نعرف ~~له ما هذا سبيله إلا في ست عشرة مسألة أو سبع عشرة مسألة فهذا أيضا لا ~~اعتراض عليه فيه لأنه لم يذكرهما على أنه معتقد لهما وكيف يقال هذا وهما ~~PageV01P512 قولان منصوصان وإنما ذكرهما لأن الحادثة تحتمل عنده هذين ~~القولين ولم يرجح بعد إحداهما على الآخر فذكرهما ليطلب منهما الصواب فأدركه ~~الموت قبل البيان وليس في ذلك نقض على المجتهد بل يدلك ذلك على غزارة علمه ~~وكمال فضله حين تزاحمت عنده الأصول وترادفت الشبه حتى احتاج إلى التوقيف ~~إلى أن ينكشف له وجه الصواب منهما فيحكم به # فإن قيل إذا لم يبن له الحق من القولين ولم يكن مذهبه القولين فما ~~الفائدة في ذكر القولين # قلنا فائدته أن الحق في واحد من هذين القولين غير خارج منهما وأن ما ~~عداهما من الأقاويل باطل وفي ذلك فائدة كثيرة وغرض صحيح ولهذا جعل أمير ~~المؤمنين عمر رضي الله عنه الأمر شورى في ستة ولم ينص على واحد بعينه ليبين ~~أن الإمامة لا تخرج منهم ولا تطلب من غيرهم فكذلك هاهنا PageV01P513 $ ~~مسألة 5 # إذا ذكر في القديم ms236 قولا ثم ذكر في الجديد غيره فمذهبه هو الثاني والأول ~~مرجوع عنه # ومن أصحابنا من قال لا يكون رجوعا عن الأول ما لم يصرح بالرجوع # لنا أنهما قولان متضادان فالثاني منهما ترك الأول كما تقول في النصين ~~المتضادين عن النبي صلى الله عليه وسلم # ولأنه إذا أفتى في القديم بإحلال شيء ثم أفتى في الجديد بتحريمه فقد أفتى ~~ببطلان الأول فلا يجوز أن يكون ذلك قولا له كما لو صرح بالرجوع عنه # واحتج المخالف بأنه يجوز أن يجمع بين القولين في حالة واحدة ويكونا قولين ~~له فكذلك يجوز أن يذكر القولين في وقتين ويكون ذلك قولين له # قلنا إذا ذكر في موضع واحد قولين لم يمكن أن يجعل أحدهما رجوعا عن الآخر ~~فيحمل ذلك على أنه ذكرهما لينظر بهما وفي مسألتنا ذكر أحدهما بعد الآخر ~~فجعل الثاني رجوعا عن الأول يدل عليه أن صاحب الشرع لو ذكر قولين متضادين ~~في وقت واحد لم يجعل أحدهما ناسخا للآخر بل يجمع بينهما ويرتب أحدهما على ~~الآخر ولو أنه ذكر ذلك في وقتين مختلفين جعل الثاني ناسخا للأول كذلك في ~~مسألتنا PageV01P514 $ مسألة 6 # إذا نص الشافعي رحمه الله في مسألة على قولين ثم أعاد المسألة وذكر فيها ~~أحد القولين أو فرع على أحد القولين كان ذلك اختيارا للقول المعاد والقول ~~المفرع عليه في قول المزني رحمه الله # ومن أصحابنا من قال ليس في ذلك دليل على الاختيار # لنا أن الظاهر أن مذهبه هو الذي أعاده أو فرع عليه لأنه لو كان مقيما على ~~القولين لأعادهما وفرع عليهما ولما أفرد أحدهما بالإعادة والتفريع دل على ~~أنه هو الذي يذهب إليه ويختاره من القولين # واحتج المخالف بأنه يجوز أن لا يعيد أحد القولين اكتفاء بما عرف له من ~~القولين ويجوز أن يفرع على أحدهما على معنى أن هذا القول أوضح فلا يكون ذلك ~~اختيارا له قطعا # قلنا يحتمل ما ذكروه ولكن الظاهر ما قلناه ولأن الإنسان لا يفتي إلا بما ~~ذهب إليه ولا يفرع إلا ms237 على مذهبه PageV01P515 $ مسألة 7 # إذا نص رحمه الله في مسألة على حكم ونص في غيرها على حكم آخر وأمكن الفصل ~~بين المسألتين لم ينقل جواب إحداهما إلى الأخرى بل تحمل كل واحدة منهما على ~~ظاهرها # ومن أصحابنا من قال ينقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى فيخرج المسألتين ~~على قولين # لنا أن القول إنما يجوز أن يضاف إلى الإنسان إذا قاله أو دل عليه بما ~~يجري مجرى القول فأما ما لم يقله ولم يدل عليه فلا يحل أن ينسب إليه # ولأن الظاهر أن مذهبه في إحدى المسألتين خلاف مذهبه في الأخرى لأنه نص ~~فيهما على المخالفة فلا يجوز الجمع بين ما خالف # واحتج المخالف بأنه لما نص في إحدى المسألتين على قول وفي نظائرها على ~~غيره وجب أن تحمل إحداهما على الأخرى # ألا ترى أن الله تعالى لما نص في كفارة القتل على الإيمان وأطلق في كفارة ~~الظهار قسنا إحداهما على الأخرى واعتبرنا الإيمان فيهما كذلك هاهنا # قلنا نص على الإيمان في إحدى الكفارتين وأطلق في الأخرى فقسنا ما أطلق ~~على ما قيد وفي مسألتنا صرح في كل واحدة من المسألتين بخلاف الأخرى فلا ~~يجوز حمل إحداهما على الأخرى كما تقول في صيام الظهار والتمتع لما نص على ~~التتابع في إحداهما وعلى التفريق في الأخرى لم يجعل حمل إحداهما على الآخر ~~PageV01P516 $ مسألة 8 # لا يجوز أن ينسب إلى الشافعي رضي الله عنه ما يخرج على قوله فيجعل قولا ~~له # ومن أصحابنا من قال يجوز # لنا هو أن قول الإنسان ما نص عليه أو دل عليه بما يجري مجرى النص وما لم ~~يقله ولم يدل عليه فلا يحل أن يضاف إليه ولهذا قال الشافعي رحمه الله ولا ~~ينسب إلى ساكت قول # واحتج المخالف بأن ما اقتضاه قياس قوله جاز أن ينسب إليه كما ينسب إلى ~~الله عز وجل وإلى رسوله ما دل عليه قياس قولهما # قلنا ما دل عليه القياس في الشرع لا يجوز أن يقال إنه قول الله عز وجل ms238 ~~ولا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يقال إن هذا دين الله ودين ~~رسوله عليه السلام بمعنى أنهما دلا عليه ومثل هذه الإضافة لا تصح في قول ~~إلى الشافعي فسقط ما قالوه # قالوا لا خلاف أنه لو قال فيمن باع شقصا مشاعا من دار أن للشفيع فيه ~~الشفعة كان ذلك قوله في الأرض والبستان والحانوت وإن لم يذكرهما فكذلك ~~هاهنا # قلنا إنما جعلنا قوله في الدار قوله في سائر ما ذكرتم من العقار لأن طريق ~~الجمع متساوية والفرق بين الدار وغيرها لا يمكن فجوابه في بعضها جوابه في ~~الجميع وكلامنا في مسألتين يمكن الفرق بينهما فأجاب في إحداهما بجواب فلا ~~يجوز أن يجعل ذلك قوله في الأخرى PageV01P517 $ مسألة 9 # إذا قال الشافعي رحمه الله في مسألة بقول ثم قال ولو قال قائل بكذا كان ~~مذهبا لم يجز أن يجعل ذلك قولا له # ومن أصحابنا من جعل ذلك قولا له # لنا أن قوله ولو قال قائل بكذلك كان مذهبا ليس فيه دليل على أنه مذهبه ~~وإنما هو إخبار عن بيان احتمال المسألة لما فيها من وجوه الاجتهاد فلا يجوز ~~أن يجعل له هذا القول قولا # واحتجوا بأن قوله ولو قال قائل بكذا كان مذهبا ظاهر أنه يحتمل هذا القول ~~ويحتمل ما ذكروه فصار كما لو قال هذه المسألة تحتمل قولين # والجواب أن أكثر ما فيه أنه دل على ذلك فيحتمل في الاجتهاد وهذا لا يدل ~~على أنه مذهب له # ألا ترى أنا نقول أبدا في مسائل الخلاف هذه مسألة يسوغ فيها الاجتهاد ثم ~~لا يقتضي ذلك أن تكون تلك المذهب أقوالا له PageV01P518 $ مسألة 10 110 # يجوز الاجتهاد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم # ومن أصحابنا من قال لا يجوز وقول قول بين المتكلمين # ومن الناس من قال يجوز بالإذن ولا يجوز لغير الإذن # لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سعد بن معاذ أن يحكم في بني قريظة ~~باجتهاده وهو حاضر # وروي أنه أمر عمرو بن العاص أن ms239 يحكم بين نفسين على أنه من أصاب فله عشر ~~حسنات فقال يا رسول الله أجتهد وأنت حاضر فقال نعم فدل على جواز ذلك # ولأن ما جاز الحكم فيه في غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز الحكم ~~به في حضرته كالكتاب والسنة PageV01P519 # ولأنه إذا جاز الاجتهاد في غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطؤه لا ~~يستدرك فبحضرته أولى لأنه إذا أخطأ استدرك خطأه فيحضر وينبه عليه # احتجوا بأن الحكم بالاجتهاد يعلم بغالب الظن فلا يجوز مع إمكان الرجوع ~~إلى العلم والقطع # والجواب أنه لا يمتنع أن يحكم الحاكم بغلبة الظن وإن أمكن الرجوع إلى ~~العلم # ألا ترى أنه يجوز العمل بخبر الواحد وإن أمكنه الرجوع إلى خبر جماعة يقع ~~العلم بخبرهم فكذلك يجوز أن يحكم بما بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قديما وإن أمكنه الرجوع إلى قوله فيقطع بصحته # وعلى أن الحكم بحضرته بالاجتهاد حكم بالعلم لأنه إن أخطأ منعه فيجب أن ~~يجوز ذلك PageV01P520 $ مسألة 11 # كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجتهد في الحوادث ويحكم فيها بالاجتهاد ~~وكذلك سائر الأنبياء عليهم السلام # ومن أصحابنا من قال ما كان له ذلك وبه قال بعض المعتزلة # لنا قوله عز وجل @QB@ لتحكم بين الناس بما أراك الله @QE@ ولم يفرق بين ~~ما أراه بالنص أو بالاجتهاد # ولأن داود وسليمان عليهما السلام حكما باجتهادهما ولم ينكر الله عز وجل ~~عليهما فدل على جوازه # ولأن القياس دليل عن الله عز وجل في الأحكام فجاز لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم أن يستفيد الحكم من جهته كالكتاب PageV01P521 # ولأن القياس استنباط معنى الأصل ورد الفرع إليه والنبي عليه السلام أعلم ~~بذلك من غيره فهو أولى # ولأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ الآية وعرف منها الحكم وعلة الحكم ~~لم يخل أما إنه يعتقد ما تقتضيه العلة أو لا يعتقد ذلك # فإن اعتقد ذلك فهو عمل بالاجتهاد وصار إلى ما قلناه # وإن لم يعتقد صار مخطئا وذلك منفي عنه # ولأن الاجتهاد موضع ms240 لرفع المنازل والزيادة في الدرجات وأحق الناس بذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجب أن يكون له مدخل فيه # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ فدل ~~على أنه لا يحكم إلا عن وحي # والجواب أن الحكم بالاجتهاد حكم عن وحي وليس عن الهوى لأن الهوى ما تهواه ~~النفس وتشتهيه من غير دليل فقد قلنا بموجب الآية # قالوا الاجتهاد طريقه الظن وهو قادر على إظهار الحكم على جهة العلم ~~والوحي فلا يجوز أن يصير إلى الظن ولهذا لا يجوز في طلب القبلة لمن عاينها ~~حيث قدر على الإدراك من جهة العلم # قلنا إنما يحكم عند انقطاع الوحي والوحي متعذر في حالة الحكم فيجب أن ~~يجوز له الاجتهاد # وعلى أن اجتهاده عليه السلام مقطوع بصحته لأنه معصوم من الخطأ في الأحكام ~~فلا يكون حكمه بالاجتهاد غلبة ظن بل هو حكم عن علم وقطع # قالوا ولأن من خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكمه صار كافرا فلو ~~جوزنا له أن يحكم بالاجتهاد لم يمكن تكفير من خالفه فيه لأن الاجتهاد طريقه ~~الظن فلا يجوز أن يكفر من خالفه فيه ولهذا لما نزل باجتهاده في بعض المنازل ~~خالفه بعض PageV01P522 أصحابه فقيل له في ذلك فرحل عنه وقد أجمعت الأمة على ~~تكفير من خالفه في الحكم فدل على أنه لا يجوز له أن يحكم من طريق الاجتهاد # الجواب أنا نكفر من خالفه في الأحكام # وقولهم إنه لا يمكن تكفيره فيما طريقه الظن غير صحيح لأن ما يحكم به ~~النبي صلى الله عليه وسلم مقطوع بصحته وإن كان عن اجتهاده لأنه معصوم فيه ~~عن الخطأ محروس عن الزلل ويخالف هذا ما ذكروه في أمر المنزل لأن ذلك من ~~أمور الدنيا وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أنتم أعرف بأمر ~~دنياكم وأنا أعرف بأمر دينكم # قالوا ولأن النبي عليه السلام كان يسأل عن أشياء فيتوقف فيها إلى أن يرد ~~الوحي كالظهار واللعان ولو جاز ms241 الاجتهاد لما توقف # والجواب أنه إنما يجوز له أن يجتهد فيما له أصل من الكتاب فيحمل غيره ~~عليه من طريق الاجتهاد وأما فيما لا أصل له فلا سبيل إلى الاجتهاد وأما ~~الظهار واللعان فلم يكن لهما أصل في القرآن فيجتهد في حكمهما فلذلك انتظر ~~النص # وعلى أنه إن كان قد توقف فيما ذكروه فقد اجتهد في مواضع # ألا ترى أنه قضى في أسارى بدر بالفداء من جهة الاجتهاد وقضى في بني قريظة ~~بالاجتهاد فقتل من أنبت منهم واسترق من لم ينبت فليس لهم أن يتعلقوا بما ~~ذكروه إلا ولنا أن نتعلق بما ذكرناه # قالوا ولأن الاجتهاد رد الشيء إلى نظيره وللنبي عليه السلام أن يخالف بين ~~المتفقين في الحكم ويترك موجب القياس وإذا كان كذلك لم يكن للقياس في حقه ~~معنى # والجواب أن تقدير هذا الدليل حجة عليهم لأنه إذا جاز أن يخالف بين متفقين ~~ويحكم بما خالف القياس فلأن يجوز له أن يحكم بما يقتضيه القياس أولى # على أنا لا نسلم هذا الأصل فإنه عليه السلام لا يجمع بين مختلفين ولا ~~يفرق بين متفقين إلا عن نص أو معنى مستنبط من النص وإذا ثبت هذا سقط ما ~~قالوه PageV01P523 $ مسألة 12 # يجوز الخطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم في اجتهاده إلا أنه لا يقرأ ~~عليه بل ينبه عليه # ومن أصحابنا من قال لا يجوز عليه الخطأ # لنا قوله عز وجل @QB@ عفا الله عنك لم أذنت لهم @QE@ وهذا يدل على أنه ~~كان قد أخطأ في الأذن لهم # وأيضا قوله في أهل بدر لما فاداهم @QB@ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما ~~أخذتم عذاب عظيم @QE@ فقال عليه السلام لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه ~~إلا ابن الخطاب فدل على أنه كان أخطأ بالفداء # ولأه يجوز عليهم السهو والنسيان في أفعاله فجاز الخطأ عليه في اجتهاده ~~كآحاد الأمة PageV01P524 # واحتجوا بأن تجويز الخطأ عليه يوجب التوقف في قوله والشك عند سماعه وذلك ~~فسق ولهذا قال الله تعالى @QB@ ثم لا يجدوا ms242 في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما @QE@ # والجواب أن تجويز الخطأ لا يوجب التوقف في قوله # ألا ترى أن المفتي منا يجوز عليه الخطأ في اجتهاده ثم لا يجوز التوقف في ~~قوله ولا الشك عند سماعه # وليس لقائل أن يقول إن تجويز الخطأ عليه يوجب التوقف في قوله ولا الشك ~~عند سماعه فيجب أن يكون منزها عن الخطأ فكذلك هاهنا # قالوا إذا كانت الأمة معصومة من الخطأ فلأن يكون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم معصوما منه أولى # قلنا هذه دعوى لا دليل عليها لأنه ليس إذا كانت الأمة معصومة عن الخطأ ~~وجب أن يكون النبي عليه السلام بذلك أولى وما الذي يدل على ذلك # ثم نقول لهم ما أنكرتم على من يقول إن الأمة إنما عصمت لانقطاع الوحي ~~عنها فلو جوزنا عليها الخطأ في اجتهادها استمر ذلك ولم يكن للناس من يبين ~~لهم الخطأ فيحكمون في دين الله بغير حكمه وهذا لا يجوز وليس كذلك الرسول ~~عليه السلام فإن الوحي غير منقطع عنه فإذا أخطأ في اجتهاده عرف ذلك ونبه ~~فلا يؤدي إلى أن يحكم في دين الله تعالى بغير حكمه فافترقا PageV01P525 $ ~~مسألة # استصحاب حكم الإجماع في موضع الخلاف ليس بدليل # وقال المزني وأبو ثور وداود والصيرفي هو دليل # لنا أن موضع الخلاف غير موضع الإجماع فلا يجوز الاحتجاج بالإجماع من غير ~~علة كما لو وقع الخلاف في مسألة لا يجوز الاحتجاج فيها بالإجماع في مسألة ~~أخرى PageV01P526 # ولأن الإجماع غير موجود في موضع الخلاف وما كان حجة لا يصح الاحتجاج به ~~في الموضع الذي لا يوجد فيه كألفاظ صاحب الشرع إذا تناولت موضعا خاصا لم ~~يجز الاحتجاج بها في الموضع الذي تتناوله فكذلك هاهنا # ولأن المستصحب للحال ليس معه في موضع الخلاف دليل من جهة العقل ولا من ~~جهة الشرع ولا يجوز له إثبات الحكم كما لو لم يتقدم موضع الخلاف إجماع # ولأن الاحتجاج لاستصحاب الحال يؤدي إلى التكافؤ والتعارض وذلك أن ما من ~~أحد يستصحب حال الإجماع في ms243 موضع الخلاف في صحة فعل وسقوط فرض إلا ولخصمه أن ~~يسصحب حال الإجماع في اشتغال ذمته بالشرع وبقاء العبادة فيتساويان في ~~استصحاب حال الإجماع فيتكافآن وبيان ذلك # أنه من قال في المتيمم إذا رأى الماء في صلاته إن صلاته لا تبطل لأنا ~~أجمعنا على صحة صلاته في انعقاد إحرامه ولا يجوز إبطال ما أجمعوا عليه إلا ~~بدليل قيل قد أجمعنا على اشتغال ذمته بفرض الصلاة فلا يجوز إسقاط ما أجمعوا ~~عليه إلا بدليل ولا يكون التعلق بأحد الإجماعين بأولى من التعلق بالإجماع ~~الآخر وما أدى إلى مثل هذا كان باطلا # واحتجوا بقوله تعالى @QB@ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ~~@QE@ فدل على أن ما ثبت لا يجوز نقضه # والجواب أن الآية تقتضي المنع من نقض ما هو ثابت وما أجمعوا عليه في موضع ~~الخلاف غير ثابت فلا يدخل في الآية # قالوا ولأن الإجماع يقين والخلاف شك فلا يجوز أن يزال اليقين بالشك # ألا ترى أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث لم يزل اليقين بالشك ولهذا ~~PageV01P527 قال عليه السلام إن الشيطان ليأتي أحدكم ينفسخ بين ألييه فلا ~~ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا فأمر بالبقاء على الأصل والبناء على ~~اليقين فكذلك هاهنا # الجواب أنا لا نسلم أن اليقين لا يزال بالشك غير أنه ليس معنا في موضع ~~الخلاف يقين قد زال بوقوع الخلاف # ويخالف هذا ما ذكروه من يقين الطهارة فإنا قد تيقنا الطهارة ولم نتيقن ~~زوالها والظاهر بقاءها وليس كذلك في مسألتنا لأن ما تيقناه من الإجماع قد ~~تيقنا زواله فوزانه مما قالوه أن نتيقن زوال الطهارة بالحدث فلا يستصحب حكم ~~الطهارة # قالوا ولأن ما أجمعوا عليه من الحكم لا يجوز عليه الغلط والخلاف يجوز ~~عليه الغلط فلا يجوز ترك ما لا يجوز عليه الغلط بما يجوز عليه الغلط كما ~~نقول في ترك الإجماع بالقياس # قلنا فيجب على مقتضى هذا الدليل أن لا يستدل بالقياس أصلا في المواضع ~~التي نقدمها فيقال أن ما أجمعوا عليه لا ms244 يجوز عليه الغلط فلا يجوز تركه ~~بالقياس الذي يجوز عليه الغلط ولما جاز هذا بالإجماع سقط ما قالوه # وجواب آخر وهو أن الإجماع لا يترك بالقياس لأن الإجماع موجود والقياس ~~دونه فلا يجوز ترك أعلى الدليلين بأدونهما وليس كذلك في مسألتنا لأن ~~الإجماع قد زال بوقوع الخلاف فلم يجب البقاء على حكمه من غير دليل # قالوا ولأن قول المجمعين حجة فوجب استصحابه في موضع الخلاف والدليل عليه ~~قول النبي عليه السلام PageV01P528 # والجواب أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم موجود في موضع الخلاف ~~متناول له فوجب العمل به وليس كذلك في مسألتنا لأن الإجماع قد زال في موضع ~~الخلاف فوزانه من قوله عليه السلام أن يرد اللفظ خاصا في موضع ولا يجب ~~استصحابه في الموضع الذي لا يتناوله # قالوا ولأن الإجماع يصدر عن لفظ وإن لم يظهر ذك فالاستدلال به كالاستدلال ~~باللفظ وقد ثبت أن اللفظ يجب العمل به في موضع الخلاف فكذلك الإجماع # والجواب أن الإجماع قد يصدر عن لفظ فيجب البقاء على حكمه وقد يصدر عن ~~معنى فلا يجب البقاء على حكمه وليس لهم أن يحملوا ذلك على أحد الأمرين إلا ~~ولنا أن نحمله على الأمر الآخر # وعلى أنه إن كان ذلك عن لفظ فيجوز أن يكون ذلك عن لفظ مقصور على موضع ~~الإجماع لا يتعداه فلا يجوز إثبات حكمه في موضع الخلاف بالشك # قالوا ولأن ما ثبت بالعقل من براءة الذمة يجب استصحابه في موضع الخلاف ~~فكذلك ما ثبت بالإجماع # قلنا إنما وجب استصحاب براءة الذمة لأن دليل العقل في براءة الذمم قائم ~~في موضع الخلاف فوجب استصحاب حكمه وليس كذلك هاهنا لأن الإجماع الذي أوجب ~~الحكم قد زال في موضع الخلاف فوجب طلب الدليل على إثبات حكمه PageV01P529 $ ~~مسألة # النافي للحكم عليه الدليل # ومن الناس من قال لا دليل عليه وهو قول بعض أصحابنا # لنا قوله عز وجل @QB@ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه @QE@ فذمهم الله ~~تعالى بأن قطعوا بالنفي من غير دليل # ولأن القطع بالنفي ms245 لا يكون إلا عن طريق كما أن القطع في الإثبات لا يكون ~~إلا عن طريق فلما وجب على المثبت إظهار ما اقتضاه الإثبات عنده وجب على ~~النافي إظهار ما اقتضاه النفي عنده # واحتجوا بأن من أنكر النبوة لا دليل عليه وإنما يجب الدليل على مدعي ~~النبوة وكذلك من أنكر الحق لا بينة عليه وإنما البينة على مدعي الحق فكذلك ~~هاهنا يجب أن يكون الدليل على من أثبت الحق دون من نفاه PageV01P530 # والجواب أن من ينكر النبوة إذا انقطع بالنفي وقال لست بنبي فإنه يجب عليه ~~إقامة الدلالة على نفيه وهو أن يقول لو كنت نبيا مبعوثا لكان معك دليل على ~~صدقك لأن الله تعالى لا يبعث نبيا إلا ومعه ما يدل على صدقه فلما لم أر معك ~~دليلا دل على أنك لست بنبي وإن لم يقطع بالنفي بل قال لا أعلم أنك نبي أو ~~لست بنبي فهذا لا دليل عليه لأنه لم يقطع بالنفي بل هو شاك والشاك لا دليل ~~عليه وفي مسألتنا قطع بالنفي فلا يجوز أن يقطع بذلك إلا عن طريق يقتضيه ~~ودليل يوجبه فوجب إظهاره # وأما منكر الحق فإنه يجب عليه إقامة البينة على إنكاره وهو اليمين فلا ~~نسلم ما ذكروه # وجواب آخر وهو أنه إن كان المدعى عينا فاليد بينة له وإن كان دينا فبراءة ~~الذمة بالعقل بينة له وليس كذلك هاهنا لأن نفيه لم يقم على نفيه ما يدل على ~~صحته فلم يصح نفيه # قالوا ولأنه لو نفى صلاة سادسة لم يكن عليه دليل فكذلك هاهنا # قلنا لا بد في نفيها من دليل وهو أن يقول إن الله تعالى لا يتعبد الخلق ~~بفرض إلا ويجعل إلى معرفته طريقا من جهة الدليل فلما لم نجد ما يدل على ~~الوجوب دلنا ذلك على أنه لا واجب هناك فيستدل بعدم الدليل على نفي الوجوب ~~PageV01P531 $ مسألة # الأعيان المنتفع بها قبل أن يرد الشرع على الوقف في قول كثير من أصحابنا ~~فلا نقول إنها مباحة ولا محظورة وهو قول الصيرفي ms246 وأبي علي الطبري ومذهب ~~الأشعري # وقال أبو علي بن أبي هريرة هي على الحظر إلا أن يرد الشرع PageV01P532 ~~بإباحتها وهو مذهب المعتزلة البغداديين # وقال القاضي أبو حامد هي على الإباحة وهو قول المعتزلة البصريين # لنا أن المباح ما أذن فيه صاحب الشرع والمحظور ما حرمه صاحب الشرع فإذا ~~لم يرد الشرع وجب أن لا يكون مباحا ولا محظورا فوجب أن يكون على الوقف # ولأن هذه الأعيان ملك لله تعالى له أن يمنع من الانتفاع بها وله أن ينسخ ~~الانتفاع بها وله أن يوجب الانتفاع بها وقبل أن يرد الشرع لا مزية لأحد هذه ~~الوجود على الباقي فوجب التوقف في الجميع # ولأنه لو كان العقل يوجب حكما معينا في هذه الأعيان من تحليل أو تحريم ~~لما جاز ورود الشرع فيها بخلاف ذلك لأنه لا يجوز أن يرد الشرع بخلاف ما ~~يوجبه العقل ويقتضيه ولما جاز ورود الشرع بالتحليل والتحريم دل على أن ~~العقل لم يوجب فيها حكما معينا # فإن قيل إن كان هذا دليلا على إبطال القول بالحظر والإباحة فيجب أن يكون ~~دليلا على إبطال القول بالوقف لأن الشرع لا يجوز أن يرد بخلاف ما يقتضيه ~~العقل ولما جاز عندكم أن يكون على الوقف لم يرد الشرع بالتحليل والتحريم ~~جاز أن يكون على الحظر ويرد الشرع فيه بالإباحة أو على الإباحة ويرد فيه ~~الشرع بالحظر # قلنا ليس القول بالوقف من القول بالحظر والإباحة بسبيل لأن من قال ~~PageV01P533 بالحظر أو بالإباحة جعل ذلك حكما يوجب بالعقل فيستحيل أن يرد ~~الشرع بما يخالفه وليس كذلك من قال بالوقف بعدم الدليل المقتضي للحظر أو ~~الإباحة والوقف بعدم الدليل يجوز أن يرد عليه ما يزيل الوقف بالكشف عن ~~الدليل # وأيضا إن الشرع ورد أيضا بتحريم أشياء وتحليل أشياء فلو كان الأصل في ~~الأشياء قبل ورود الشرع الحظر لما ورد الشرع بالإباحة لأن الحظر معلوم ~~بالعقل فلو كانت الأشياء في الأصل على الإباحة لما ورد الاتباع إلا بالحظر ~~لأن الإباحة معلومة بالعقل ولما ورد الشرع بالحظر ms247 مرة وبالإباحة أخرى دل ~~على أن العقل ما أوجب حظرا ولا إباحة يدل على ذلك أن من قال الأصل في ~~الأشياء الحظر لا ينفصل عمن قال إن الأصل فيها الإباحة وإذا عارض أحد ~~القولين الآخر بطل الجمع وصح القول بالوقف # واحتج من قال بالحظر أن هذه الأعيان ملك الله تعالى والانتفاع بملك الغير ~~لا يجوز بغير إذنه كما نقول في أملاك الآدميين # والجواب أن أملاك الآدميين إنما لم يجز الانتفاع بها بالشرع وكلامنا فيما ~~لم يرد الشرع به فتكون منزلته من أموال الآدميين قبل أن يرد الشرع فنقول ~~إنها على الوقف # ولأن أملاك الآدميين حجة عليهم فإن ما لا ضرر على المالك فيه لا يمنع من ~~الانتفاع به كالاستظلال بظله والأنس بصحبته والمسير في ضوء سراجه فيجب أن ~~لا يحرم ها هنا الانتفاع بما هو لله عز وجل من الأعيان لأنه لا ضرر عليه في ~~الانتفاع بها وفي هذا إبطال قولهم # ثم نقول إن كان الانتفاع بهذه الأعيان لا يجوز لأنها لله تعالى فلا يجوز ~~الإقدام عليها من غير إذن اعتبارا بأملاك الآدميين والناس عبيد الله تعالى ~~فيجب أن لا يمنعوا من الانتفاع بما يحتاجون إليه لصلاح أبدانهم وأحوالهم ~~اعتبارا بعبيد الآدميين حين لم يمنعوا من الانتفاع بمال الموالي بما ~~يحتاجون إليه لصلاح أبدانهم PageV01P534 وأحوالهم فيلزمهم نقضيه وسبيلهم أن ~~لا يحظروا الانتفاع بهذه الأعيان وفي ذلك إبطال لقولهم وإفساد مذهبهم # قالوا ولأنا إذا أقدمنا على الانتفاع بهذه الأعيان لم نأمن أن يعاقبنا ~~الله تعالى على ذلك فيجب أن نتجنب ذلك خوفا من العقوبة على فعله # قلنا نقلب هذا عليكم فنقول إذا لم نقدم عليه لم نأمن أن يعاقبنا على تركه ~~فإن له أن يعاقب على الترك كما أن له أن يعاقب على الفعل فيجب أن يقدم على ~~الفعل على أن هذا لو كان طريقا صحيحا في إثبات الحظر لوجب أني جعل ذلك ~~دليلا على إيجاب الصوم والحج وسائر العبادات قبل ورود الشرع ويقال إنا لا ~~نأمن من العقاب على تركها ms248 فيجب أن يكون ذلك واجبا قبل الشرع ولما لم يصح ~~هذا بالإجماع لم يصح ما ذكروه # واحتج من قال بالإباحة بقوله عز وجل @QB@ قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق @QE@ فدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة # والجواب أنا نحمل ذلك على ما ورد الشرع بإباحته من الطيبات بدليل ما ~~ذكرناه # وعلى أنه يعارضه قوله تعالى @QB@ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام @QE@ فمنع الله تعالى من الحكم في الشيء بأنه حلال أو حرام ~~فدل على أنه متوقف على ما يرد الشرع # قالوا الانتفاع بملك الغير على وجه لا ضرر عليه فيه جائز كالمشي في ضوئه ~~والاستظلال بظله وهذه الأعيان لا ضرر على الله في الانتفاع بها فوجب أن لا ~~يكون الانتفاع بها جائزا # قلنا لو كان هذا طريقا في إباحة الانتفاع بها قبل ورود الشرع لوجب أن ~~يقال لا يجوز ورود الشرع بتحريم الانتفاع بها لأن ما لا ضرر على المالك فيه ~~PageV01P535 لا يجوز أن يمنع من الانتفاع به كما لا يجوز للواحد منا أن ~~يسمي غيره من المشي في ضوئه والاستظلال بظله ولما أجمعنا على جواز المنع من ~~الانتفاع بها دل على بطلان ما ذكروه # واحتجوا بأن الحكيم لا يخلق شيئا إلا لغرض ووجه من الحكمة يقتضي خلقه وقد ~~خلق هذه الأعيان فلا يخلو إما أن يكون خلقها ليضربها وهذا لا يليق بالحكيم ~~أو لينتفع بها فلو يخلو إما أن يكون قصد نفع نفسه وهذا محال لأنه غير محتاج ~~إلى شيء فثبت أنه إنما خلقها لينتفع بها الناس وإلا خرج عن أن يكون خلقها ~~بحكمة وصار عبثا فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وعلى هذا يدل قوله تعالى ~~@QB@ الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا @QE@ فأخبر أنه خلق الجميع لنا فدل ~~على ما قلناه # الجواب أنهم بنوا ذلك على أصلهم في تعليل أفعال الله تعالى ونحن لا نقول ~~بذلك ثم هذا يقتضي أن لا يجوز تحريم الخمر والخنزير ويقال إنه لا ms249 يخلو من ~~أن يكون خلقهما ليضربهما وهذا لا يجوز في الحكمة بهما أو لينفع نفسه وهو ~~غير محتاج إلى شيء أو لينفع بهما الناس فقد حرمهما عليهم فيجب أن يكون عبثا ~~ولما بطل هذا بعد التحريم بالشرع بطل قبل التحريم بالشرع # وعلى أنه يجوز أن يكون خلقهما ليمتحنهم بالكف عنها ليثبتهم على ذلك أو ~~خلقها ليستدل بها على أن لها خالقا أو خلقها لقوم آخرين يأتون بعدهم أو ~~خلقها ليوصلهم إلى الانتفاع بها على صفة مخصوصة كما خلق لهم الجنة ليوصلهم ~~إليها على صفة مخصوصة وإذا احتمل هذه الوجوه لم يجز أن يحمل الأمر فيها على ~~الإباحة ولا على الحظر ولا على العبث # وأما الآية فنحن نقول بها لأنه خلق ذلك لنا ولكن ليوصله إلينا على الوجه ~~الذي بيناه فسقط ما قالوه # قالوا ولأن المباح ما لا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه PageV01P536 ~~وعندكم أن من فعل شيئا قبل ورود الشرع لم يستحق عليه ثوابا ولا عقابا فهذا ~~اسم له حكم الإباحة # والجواب أن المباح ما أخبر صاحب الشرع بأنه لا ثواب فيه ولا عقاب عليه ~~وهو وإن قلنا إنه لا ثواب عليه فإنا لا نقول إنه مباح لأن الشرع لم يرد فيه ~~بالثواب والعقاب وهذا كما نقول في أفعال البهيمة إنه لا ثواب فها ولا عقاب ~~ثم لا نقول إن ذلك مباح ولا محظور حيث لم يرد الشرع فيها بالثواب والعقاب ~~فكذلك هاهنا # قالوا ولأن القول بالوقف يؤدي إلى ترك الوقف وذلك أن القول به لا يخلو من ~~أن يكون حقا يجب اعتقاده والقول به أو باطلا فلا يجوز اعتقاده # فإن كان حقا يجب اعتقاده بطل القول بالوقف لأنه وجب الإعتقاد # وإن كان باطلا لم يجز القول به # قلنا الوقف هو الحق ومعناه أنه لا عقاب على أحد فيها بفعله ولا ثواب في ~~شيء بفعله ولا وجوب في شيء من الأشياء حتى يرد الشرع به في الوقف الذي ~~قلناه وليس إذا كان ذلك هو الحق وجب فيه الإعتقاد ms250 إذا لم يكن على صفة ~~الوجوب فيجب أن يقيم الدليل على ذلك وأنه إذا كان حقا وجب اعتقاده وليس ~~هناك ما يوجب الإعتقاد # وعلى أنه يجوز أن يكون الشيء على صفة من الصفات ثم لا يجب على الإنسان ~~فيه معرفة ولا اعتقاد # ألا ترى أن كثيرا من المخلوقات لها صفات هي عليها في الحقيقة ثم لا يجب ~~البحث عنها والكشف عن حقيقتها وصفتها ثم لا يقال إنه لما لم تجب معرفتها ~~على حقيقتها وصفاتها لم تكن تلك الصفات ثابتة لها في الحقيقة فكذلك هاهنا ~~والله أعلم PageV01P537 ms251