######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0005449 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحجاج، يوسف بن سليمان بن عيسى الشنتمري الأندلسي المعروف بالأعلم (المتوفى: 476هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 476 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أشعار الشعراء الستة الجاهليين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0005449 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-5449 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/5449 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | امرؤ القيس الشاعر الجاهلي المتوفي عام 560م - 80 ق. ه ### | ترجمة الشاعر # - 1 - هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية ~~بن الحارث الأكبر. وهو من قبيلة كندة. وكندة قبيلة يمنية، كانت تسكن قبل ~~الإسلام غربي حضرموت؛ وكانت على اتصال بالحميريين. وفي عهد حسان بن تبع ملك ~~حمير كان حجر بن عمرو سيد كندة في حاشية حسان. وقد فتح حسان فتوحا كثيرة في ~~جزيرة العرب، فولى حجرا بعض قبائلها ودانت كلها لحجر الكندي؛ كما دان حجر ~~بالولاء لحمير، ونزل حجر نجدا؛ وكان اللخميون ملوك الحيرة قد بسطوا نفوذهم ~~على تلك البلاد؛ وخاصة بلاد بكر بن وائل؛ فحارب حجر اللخميين وأزال نفوذهم. # وفي عهد الحارث بن عمرو بن حجر اتسع سلطان كندة؛ واتصل الحارث بقباذ ملك ~~الفرس فولاه الحيرة مكان اللخميين؛ ونشر نفوذه - وسط الجزيرة - على كثير من ~~قبائل العرب؛ وفرق الملك في أبنائه الأربعة: فولى ابنه حجرا (أبا امرئ ~~القيس) بني أسد؛ وابنه شرحبيل بكر بن وائل؛ وابنه معد يكرب قبيلة قيس ~~وكنانة وابنه سلمة قبيلتي تغلب والنمر بن قاسط. # ولكن هذا النفوذ لم يدم طويلا؛ فقد عاد اللخميون إلى نفوذهم في الحيرة ~~وقربهم من ملك فارس؛ ودسوا الدسائس لأولاد الحارث فقتل سلمة وشرحبيل وتنكر ~~بنو أسد لحجر؛ ونبذوا طاعته؛ وأمسكوا عن دفع الأتاوة له. واستعان حجر بجند ~~من ربيعة وأعمل في بني أسد السيف؛ واستباح أموالهم؛ وحبس أسرافهم؛ ومنهم ~~عبيد بن الأبرص الشاعر؛ ثم رق لهم وأطلق سراحهم فحقدوا عليه واغتالوه. # وفي أخبار الرومان أن حجرا وأخاه معد يكرب قاما ببعض غزوات على حدود ~~المملكة البيزنطية من أواخر القرن الخامس الميلادي. # وبموت حجر تضعضعت سلطة كندة. # - 2 - نشأ امرؤ القيس في بيت ملك واسع الجاه، وكان من صباح ذكيا متوقد ~~الذهن فلما ترعرع أخذ يقول الشعر ويصور به عواطفه وأحلامه. نشأ نشأت ترف؛ ~~يحب اللهو ويشبب بالنساء ويقول في ذلك الشعر الماجن. فطرده أبوه وآلى ألا ~~يقيم معه فكان يسير في أحياء ms001 العرب، ومعه طائفة من شباب القبائل الأخرى؛ ~~كطيئ وكلب، وبكر بن وائل، يجتمعون على الشراب والغناء عند روضة أو غدير، ~~ويخرج هو للصيد فيصيد ويطعمهم من صيده. وظل كذلك حتى جاءه نعي أبيه وهو ~~بدمون (قرية بالشام وقيل في اليمن) ، فرووا أنه قال: "ضيعني أبي صغيرا، ~~وحملني دمه كبيرا، لا صحو اليوم، ولا سكر غدا، اليوم خمر، وغدا أمر". # رحل امرؤ القيس يستنصر القبائل للأخذ بثأر أبيه من بني أسد فاستنجد ~~بقبيلتي بكر وتغلب فأعانوه وأوقعوا ببني أسد؛ وقتلوا منهم، واكتفت بكر ~~وتغلب بذلك وقالوا له قد أصبت ثأرك وتركوه. ولكن امرؤ القيس كان يريد ~~التنكيل ببني أسد ويحاول أن يعيد لنفسه ملك أبيه، فلم يقنعه ما فعلت بكر ~~وتغلب، فذهب إلى أهله باليمن يستنصرهم، فأعانوه بجنود ذهب بهم إلى بني أسد، ~~ولكن ملك الحيرة أخذ يؤلب عليه ويدس الدسائس له حتى فشل.. وظل شريدا يتنقل ~~بين أمراء العرب حتى نزل أخيرا على السموءل بتيماء فأجاره. وطلب إليه امرؤ ~~القيس أن يكتب إلى الحارث - أمير الغساسنة بالشام - ليوصله إلى قيصر ملك ~~الرومان ويمهد لامرئ القيس السبيل للسفر إلى القسطنطينية؛ يطلب المعونة منه ~~ليعيد ملكه فأجاب السموءل طلبه فأودعه امرؤ القيس امرأته ودروعا له كان ~~يتوارثها ملوك كندة، ورحل إلى قيصر. وكان ذلك في عهد القيصر (يوستنيانوس) . # ويرى أن القيصر أحسن وفادته، وكان السبب في ذلك - على ما يظهر - أن امرأ ~~القيس كان طريد اللخميين في الحيرة، وأمراء الحيرة في كنف الفرس. والفرس ~~أعداء الروم. فلعل (يوستنيانوس) أراد أن يعينه ويجعل منه ومن أعوانه جيشا ~~ينتقم بهم من أمراء الحيرة، ويصطنعه كما اصطنع غساسنة الشام. # وقد ذكر بعض مؤرخي الرومان خبر رحلته إلى القسطنطينية، وسموه "قيسا" لا ~~امرأ القيس، وذكروا أن القيصر وعده بإعادة ملكه ثم ولاه فلسطين، ولكن هذا ~~لم يرض امرأ القيس فقفل راجعا. # ولكن مؤرخي العرب يروون أن القيصر قبل وفادته وضم إليه جيشا وفيهم جماعة ~~من أبناء الملك؛ وأن قوما من أصحاب قيصر قالوا له: "إن العرب ms002 قوم غدر ولا ~~تأمن أن يظفر بما يريد ثم يغزوك بمن بعثت معه". # PageV01P001 # وآخرون يروون أن بعض العرب ممن كان مع امرئ القيس ذكروا للقيصر أن امرأ ~~القيس قال لقومه إنه كان يراسل ابنتك ويواصلها، فأرسل قيصر إليه حلة مسمومة ~~فلما لبسها أسرع فيه السم وسقط جلده؛ ومن أجل هذا سمي "ذا القروح" ومات ~~بأنقرة وهو عائد من القسطنطينية. والظاهر أن امرأ القيس أصيب أثناء عودته ~~بمرض جلدي سبب له قروحا. # كان دين امرئ القيس الوثنية وكان غير مخلص لها. فقد روي أنه لما خرج ~~للأخذ بثأر أبيه مر بصنم للعرب تعظمه يقال له ذو خلصة. فاستقسم بقداحه وهي ~~ثلاثة: الآمر والناهي والمتربص. فأجالها فخرج الناهي. فعل ذلك ثلاثا فجمعها ~~وكسرها. وضرب بها وجه الصنم. وقال: "لو كان أبوك قتل ما عقتني". # وكان امرؤ القيس يلقب بالملك الضليل؛ وبذي القروح؛ لما أصيب به في مرضه ~~على ما ذكرناه. # - 3 - ### | ألوان من حياة امرئ القيس # كان حجر في بني أسد، وكانت له عليهم إتاوة في كل سنة مؤقتة فغبر ذلك ~~دهرا، ثم بعث إليهم جابيه الذي كان يجيبهم؛ فمنعوه ذلك - وحجر يومئذ بتهامة ~~- وضربوا رسله؛ وضرجوهم ضرجا شديدا قبيحا. # فبلغ ذلك حجرا، فسار إليهم بجند من ربيعة وقبس وكنانة. فأتاهم وأخذ ~~سراتهم. فجعل يقتلهم بالعصا. وأباح الأموال؛ وصيرهم إلى تهامة؛ وآلى بالله ~~ألا يساكنوهم في بلد أبدا؛ وحبس منهم عمرو بن مسعود الأسدي، وكان سيدا؛ ~~وعبيد بن الأبرص الشاعر؛ فسارت بنو أسد ثلاثا. # ثم إن عبيد بن الأبرص قام فقال: أيها الملك اسمع مقالتي: # يا عين فابكي من بني ... أسد فهم أهل الندامة # أهل القباب الحمر والن ... عم المؤبل والمدامة # وذوي الجياد الجرد والأ ... سل المثقفة المقامة # حلا أبيت اللعن حلا ... إن فيما قلت آمة # في كل واد بين يث ... رب فالقصور إلى اليمامة # تطريب عان أو صيا ... ح محرق أو صوت هامة # ومنعتهم نجدا فقد ... حلو على وجل تهامة # برمت بنو أسد كما ... برمت ببيضتها الحمامة # جعلت لها عودين من ms003 ... نشم وآخر من ثمامة # إما تركت عف ... وا أو قتلت فلا ملامة # أنت المليك عليهم ... وهم العبيد إلى القيامة # ذلوا لسوطك مثل ما ... ذل الأشيقر ذو الخزامة # فرق لهم حجر حين سمع قوله، فبعث في أثرهم فأقبلوا، حتى إذا كانوا على ~~مسيرة يوم من تهامة تكهن كاهنهم فقال لبني أسد: من الملك الأصهب، الغلاب ~~غير المغلب، في الإبل كأنها الربرب، لا يعلق رأسه الصخب؟ هذا دمه ينثعب ~~وهذا غدا أول من يسلب. # قالوا: من هو؟ قال: لولا أن تجيش نفس جاشية؛ لأخبرتكم أنه حجر ضاحية. # فركبوا كل صعب وذلول، فما أشرق لهم النهار حتى أتوا على عسكر حجر فهجموا ~~على قبته، وهزموا أصحابه وأسروه فحبسوه، وتشاور القوم على قتله، فقال لهم ~~كاهن من كهنتهم بعد أن حبسوه ليروا رأيهم فيه: أي قوم! لا تعجلوا بقتل ~~الرجل حتى أزجر لكم. # فانصرف عن القوم لينظر لهم في قتله، فلما رأى ذلك علباء بن الحارث ~~الكاهلي خشي أن يتواكلوا في قتله، فدعا غلاما من بني كاهل - وكان ابن أخته ~~- فقال: يا بني، أعندك خير فتثأر بأبيك، وتنال شرف الدهر، وإن قومك لن ~~يقتلوك؟!. # فلم يزل بالغلام حتى حربه، ودفع إليه حديدة وقد شحذها وقال: ادخل عليه مع ~~قومك، ثم اطعنه في مقتله. # فعمد الغلام إلى الحديدة فخبأها، ثم دخل على حجر في قبته التي حبس فيها. # فلما رأى الغلام غفلة وثب عليه فقتله؛ فوثب القوم على الغلام فقالت بنو ~~كاهل: ثأرنا وفي أيدينا!. # فقال الغلام: إنما ثأرت بأبي، فخلوا عنه. # وأقبل كاهنهم المزدجر فقال: أي قوم! قتلتموه! ملك شهر، وذل دهر، أما ~~والله لا تحظون عند الملوك بعده أبدا. # ولما طعن الغلام حجرا ولم يجهز عليه، أوصى ودفع كتابه إلى رجل وقال له: ~~انطلق إلى ابني نافع. وكان أكبر ولده - فإن بكى وجزع فاله عنه؛ واستقرهم ~~واحدا واحدا؛ حتى تأتي امرأ القيس - وكان أصغرهم - فأيهم لم يجزع؛ فادفع ~~إليه سلاحي وخيلي وقدوري ووصيتي، وبين في وصيته من قتله؛ وكيف كان خبره. # PageV01P002 # فانطلق الرجل ms004 بوصيته إلى نافع ابنه، فأخذ التراب فوضعه على رأسه؛ ثم ~~استقراهم واحدا واحدا، فكلهم فعل ذلك؛ حتى أتى امرأ القيس فوجده مع نديم له ~~يشرب الخمر ويلاعبه بالنرد؛ فقال له: قتل حجر، فلم يلتفت إلى قوله، وأمسك ~~نديمه. فقال له امرؤ القيس، اضرب فضرب، حتى إذا فزع قال: ما كنت لأسد عليك ~~دستك. # ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كله، فأخبره؛ فقال الخمر علي والنساء حرام، ~~حتى أقل من بني أسد مائة وأجز نواصي مائة. # وكان امرؤ القيس قد طرده أبو حجر، وآلى ألا يقيم معه أنفة من قوله الشعر ~~- وكانت الملوك تأنف من ذلك - فكان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ ~~العرب: من طيئ وكلب وبكر بن وائل، فإذا صادف غديرا أو روضة أو موضع صيد ~~أقام فذبح لمن معه في كل يوم؛ وخرج للصيد فتصيد فأكل وأكلوا معه. وشرب ~~الخمر وسقاهم. وغنته قيانه. # ولا يزال كذلك حتى ينفذ ماء ذلك الغدير. ثم ينتقل عنه إلى غيره. فأتاه ~~خبر أبيه ومقتله وهو بدمون من أرض اليمن. فقال: # تطاول الليل على دمون ... دمون إنا معشر يمانون # وإننا لأهلنا محبون # ثم قال: ضيعني صغيرا، وحملني دمه كبيرا. لا صحو اليوم؛ ولا سكر غدا، ~~"اليوم خمر، وغدا أمر". ثم قال: # خليلي لا في اليوم مصحى لشارب ... ولا في غد إذ ذاك ما كان يشرب. # وقدم على امرئ القيس بن حجر الكندي بعد مقتل أبيه رجالات من بني أسد، ~~فيهم المهاجر بن خداش؛ وعبيد بن الأبرص، وقبيصة بن نعيم - وكان رجلا مقيما ~~في بني أسد ذا بصيرة بمواقع الأمور وردا وإصدارا، يعرف ذلك له من كان محيطا ~~بأكناف بلده من العرب. # فلما علم امرؤ القيس بمكانهم أمر بإنزالهم، وتقدم في إكرامهم والإفضال ~~عليهم. واحتجب عنهم ثلاثا. # فقالوا لمن ببابه من رجال كندة: ما بال الرجل لا يخرج إلينا؟ فقيل لهم: ~~هو في شغل بإخراج ما في خزائن حجر من العدة والسلاح! فقالوا: اللهم غفرا! ~~إنما قدمنا في أمر نتناسى به ذكر ms005 ما سلف. ونستدرك به ما فرط. فليبلغ ذلك ~~عنا. # فخرج إليهم بعد ثلاث في قباء وخف غمامة سوداء - وكانت العرب لا تعتم ~~بالسواد إلا في التراث - فلما رأوه نهضوا له. وبدر إليه قبيصة فقال: إنك في ~~المحل والقدر والمعرفة بتصرف الدهر. وما تحدثه أيامه وتتنقل به أحواله، ~~بحيث لا تحتاج إلى تبصير واعظ. ولا تذكرة مجرب. ولك من سؤدد منصبك، وشرف ~~أعراقك، وكرم أصلك في العرب محتمل يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة، ~~والرجوع عن الهفوة ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك فوجدت عندك من ~~فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصفح ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها. # وقد كان الذي كان من الخطب الجليل، الذي عمت رزيته نزارا واليمن. ولم ~~تخصص به كندة دوننا للشرف البارع الذي كان لحجر، ولولا كان يفدى هالك ~~بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا على مثله ببذل ذلك، ولفديناه منه. ~~ولكن مضى به سبيل لا يرجع أولاه على أخراه ولا يلحق أقصاه أدناه. # فأحمد الحالات في ذلك: أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث إما أن ~~اخترت من بني أسد أشرفها بيتا وأعلاها في بناء المكرمات صوتا فقدناه إليك ~~بنسعة تذهب مع شفرات حسامك بباقي قصرته. فيقال: رجل امتحن بهلك عزيز عليه. ~~فلم تستل سخيمته إلا بتمكينه من الانتقام أو فداء بما يروح على بني أسد من ~~نعمها فهي ألوف تجاوز الحسبة وكان ذلك فداء ترجع به القضب إلى أجفانها لم ~~يردده تسليط الإحن على البراء وإما أن توادعنا حتى تضع الحوامل فتسدل الأزر ~~وتعقد الخمر فوق الرايات. # فبكى امرؤ القيس ساعة ثم رفع طرفه إليهم فقال قد علمت العرب أن لا كفء ~~لحجر في دم وأني لن أعتاض به ناقة أو جملا فأكتسب بذلك سبة الأبد وفت العضد ~~وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها وإني لن أكون لعطبها سبيا ~~وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل في القلوب حنقا وفوق الأسنة علقا. # إذا جالت الخيل في مأزق ... تصافح فيه ms006 المنايا النفوسا # أتقيمون أم تنصرفون؟ قالوا بل ننصرف بأسوأ الاختيار لحرب وبلية، ومكروه ~~وأذية. ثم نهضوا عنه وقبيصة يقول متمثلا: # لعلك أن تستوخم الموت إن غدت ... كتائبنا في مأزق الموت تمطر # PageV01P003 # فقال امرؤ القيس لا والله لا أستوخمه ولكن أستعذبه فرويدا ينكشف لك دجاها ~~عن فرسان كندة وكتائب حمير. ولقد كان ذكر غير هذا أولى بي، إذ كنت نازلا ~~بربعي، ومتحرما بذمامي، ولكنك قلت فأجبت. # قال قبيصة: إن ما نتوقع فوق قدر المعاتبة والإعتاب. قال امرؤ القيس: هو ~~ذاك!. # ثم شرب امرؤ القيس سبعا، فلما صحا آلى ألا يأكل لحما، ولا يشرب خمرا، ولا ~~يدهن بدهن، ولا يصب امرأة حتى يدرك بثأره، فلما جنه الليل رأى برقا فقال: # أرقت لبرق بليل أهل ... يضيء سناه بأعلى الجبل # أتاني حديث فكذبته ... بأمر تزعزع منه القلل # بقتل بني أسد ربهم ... ألا كل شيء سواه جلل # فأين ربيعة عن ربها ... وأين تميم وأين الخول # ألا يحضرون لدى بابه ... كما يحضرون إذا ما أكل # وارتحل امرؤ القيس حتى نزل بكرا وتغلب، فسألهم النصر، وبعث العيون على ~~بني أسد، فلما كان الليل قال لهم علباء: يا معشر بني أسد، تعلمون والله أن ~~عيون امرئ القيس قد أتتكم، ورجعت إليه بخبركم، فارحلوا بليل، ولا تعلموا ~~بني كنانة، ففعلوا. # وأقبل امرؤ القيس بمن معه من بكر وتغلب، حتى انتهى إلى بني كنانة، وهو ~~يحسبهم بني أسد، فوضع السلاح فيهم، وقال: يا لثارات الملك! يا لثارات ~~الهمام. فخرجت إليه عجوز من بني كنانة فقالت: أبيت اللعن! لسنا لك بثأر، ~~ونحن من كنانة فدونك ثأرك فاطلبهم؛ فإن القوم ساروا بالأمس. # فتبع بني أسد ففاتوه ليلتهم تلك؛ فقال: # ألا يا لهف هند إثر قوم ... هم كانوا الشفاء فلم يصابوا # وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب # وأفلتهن علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطاب # وأدركهم ظهرا، وقد تقطعت خيله، وقطع أعناقهم العطش، وبنو أسد جامون على ~~الماء؛ فنهد إليهم فقالتهم حتى كثرت الجرحى والقتلى فيهم وحجز الليل بينهم ~~وهربت بنو أسد. ms007 # فلما أصبحت بكر وتغلب أبوا أن يتبعوهم؛ وقالوا له: لقد أصبت ثأرك. قال: ~~والله ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل ولا من غيرهم من بني أسد أحدا. قالوا: ~~بلى، ولكنك رجل مشؤوم، وكرهوا قتالهم، وانصرفوا عنه، فمضى هاربا لوجهه حتى ~~لحق بحمير. # فاستأجر من قبائل العرب رجالا، فسار بهم إلى بني أسد، ومر بتبالة وبها ~~صنم للعرب تعظمه، فاستقسم عنده بقداحة، وهي ثلاثة: الآمر، والناهي، ~~والمتربص. فأجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، فجمعها فكسرها وضرب ~~بها وجه الصنم وقال: لو أبوك قتل ما عقني، ثم خرج فظفر ببني أسد. # وألح المنذر في طلب امرئ القيس، ووجه الجيوش في طلبه من إياد وبهراء ~~وتنوخ، وأمده أنو شروان بجيش من الأساورة فسرحهم في طلبه، فلم يكن لامرئ ~~القيس بهم طاقة؛ وتفرقت حمير ومن كان معه عنه، فنجا في عصبه من بني آكل ~~المرار؛ ونزل ببعض رؤساء القبائل يستجير بهم وصار يتحول عنهم إلى غيرهم؛ ~~حتى نزل برجل من بني فزارة يقال له عمرو بن جابر بن مازن، فطلب منه الجوار، ~~حتى يرى ذات عيبه. # فقال له الفزاري: يابن حجر؛ إني أراك في خلل من قومك؛ وأنا أنفس بمثلك من ~~أجل الشرف؛ وقد كدت بالأمس تؤكل في دار طيئ؛ وأهل البادية أهل وبر؛ لا أهل ~~حصون تمنعهم، وبينك وبين أهل اليمن ذؤبان من قيس، أفلا أدلك على بلد! فقد ~~جئت قيصر، وجئت النعمان، فلم أر لضيف نازل ولا لمجتد مثله ولا مثل صاحبه. # قال: من هو؟ وأين منزله؟ قال: السموءل بتيماء، هو يمنع ضعفك حتى ترى ~~عيبك، وهو في حصن حصين وحسب كبير. # فقال له امرؤ القيس: وكيف لي به؟ قال أو صلك إلى من يوصلك إليه. # فصحبه إلى رجل من بني فزارة يقال له الربيع بن ضبع الفزاري ممن يأتي ~~السموءل فيحمله ويعطيه. # فلما صار إليه قال له الفزاري: إن السموءل يعجبه الشعر؛ فتعال نتناشد له ~~أشعارا؛ فقال امرؤ القيس: قل حتى أقول. فقال الربيع: # قل للمنية أي حين نلتقي ms008 ... بفناء بيتك في الحضيض المزلق # ولقد أتيت بني المصاص مفاخرا ... وإلى السموءل زرته بالأبلق # فأتيت أفضل من تحمل حاجة ... إن جئته في غارم أو مرهق # عرفت له الأقوام كل فضيلة ... وحوى المكارم سابقا لم يسبق # فقال امرؤ القيس: # طرقتك هند بعد طول تجنب ... وهنا ولم تك قبل ذلك تطرق # PageV01P004 # ثم مضى القوم حتى قدموا إلى السموءل فأنشدوه الشعر؛ وعرف لهم حقهم؛ ثم ~~إنه طلب إليه أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ليوصله إلى قيصر. ~~ومضى حتى انتهى إلى قيصر؛ فقبله وأكرمه؛ وكانت له عنده منزلة. # ثم إن قير ضم إليه جيشا كثيفا؛ فيه جماعة من أبناء الملوك، فلما فصل قال ~~لقيصر قوم من أصحابه: إن العرب قوم غدر، ولا تأمن أن يظفر بما يريد؛ ثم ~~يغزوك بمن بعثت معه. # فبعث إليه حينئذ بحلة وشى مسمومة منسوجة بالذهب، وقال له إني أرسلت إليك ~~بحلتي كنت ألبسها تكرمة لك؛ فإذا وصلت إليك فالبسها باليمن والبركة، واكتب ~~إلي بخبرك من منزل إلى منزل. # فلما وصلت إليه لبسها، واشتد سروره بها، فأسرع فيه السم وسقط جلده، فقال: # لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني مما يلبس أبؤسا # فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا # ويروى أن امرأ القيس آلى بألية ألا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية ~~وأربعة واثنتين؛ فجعل يخطب النساء، فإذا سألهن عن هذا قلن: أربعة عشر. # فبينا هو يسير في جوف الليل إذ هو برجل يحمل ابنة له صغيرة كائنها البدر ~~ليلة تمامه، فأعجبته؛ فقال لها: يا جارية! ما ثمانية وأربعة واثنتان؟ ~~فقالت: أما ثمانية فأطباء الكلبة؛ وأما أربعه فأخلاف الناقة، وأما اثنتان ~~فثديا المرأة. # فخطبها إلى أبيها، فزوجه إياها وشرطت عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث ~~خصال، فجعل لها ذلك، وأن يسوق إليها مائة من الإبل وعشرة أعبد وعشر وصائف ~~وثلاثة أفراس، ففعل ذلك. # ثم إنه بعث عبدا له إلى المرأة، وأهدى إليها نحيا من سمن ونحيا من عسل ~~وحلة من عصب، فنزل العبد ms009 ببعض المياه فنشر الحلة ولبسها فتعلقت بعشرة ~~فانشقت؛ وفتح النحيين فطعم أهل الماء منهما فنقصا. # ثم قدم على حي المرأة وهم خلوف فسألها عن أبيها وأمها وأخيها ودفع إليها ~~هديتها، فقالت له: أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيدا ويبعد قريبا، وأن أمي ~~ذهبت تشق النفس نفسين، وأن أخي يرعى الشمس؛ وأن سماءكم انشقت، وأن وعاءيكم ~~نضبا. # فقدم الغلام على مولاه فأخبره. فقال: أما قولها: إن أبي ذهب يقرب بعيدا ~~ويبعد قريبا، فإن أباها ذهب يحالف قوما على قومه. وأما قولها: ذهبت أمي تشق ~~النفس نفسين، فإن أمها ذهبت تقبل امرأة نفساء. وأما قولها: إن أخي يرعى ~~الشمس، فإن أخاها في سرح له يرعاه فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به. وأما ~~قولها: إن سماءكم انشقت؛ فإن البرد الذي بعثت به انشق. وأما قولها: إن ~~وعاءيكم نضبا؛ فإن النحيين الذين بعثت بهما نقصا فاصدقني!. # فقال: يا مولاي، إني نزلت بماء من مياه العرب، فسألوني من نسبي فأخبرتهم ~~أني ابن عمك، ونشرت الحلة فانشقت، وفتحت النحيين فأطعمت منها أهل الماء. ~~فقال: أولى لك!. ثم ساق مائة من الإبل وخرج نحوها ومعه الغلام، فنزلا ~~منزلا، فخرج الغلام يسقي الإبل فعجز، فأعانه امرؤ القيس، فرمى به الغلام في ~~البئر، وخرج حتى أتى أهل المرأة بالإبل وأخبرهم أنه زوجها، فقيل لها: قد ~~جاء زوجك، فقالت: والله ما أدري أزوجي هو أم لا! ولكن انحروا له جزورا ~~وأطعموه من كرشها وذنبها، ففعلوا فأكل ما أطعموه، فقالت: اسقوه لبنا حازرا، ~~فسقوه فشرب. فقالت: افرشوا له عند الفرث والدم، ففرشوا له فنام. # فلما أصبحت أرسلت إليه: إني أريد أن أسألك، فقال: سلي عما شئت، فسألته ~~فلم يعجبها جوابه، فقالت: عليكم العبد فشدوا أيديكم به؛ ففعلوا. # قال: ومر قوم فاستخرجوا امرأ القيس من البئر، فرجع إلى حيه، فاستاق مائة ~~من الإبل وأقبل إلى امرأته، فقال لها: قد جاء زوجك! فقالت: والله ما أدري ~~أهو زوجي أم لا، ولكن انحروا له جزورا فأطعموه من كرشها وذنبها ففعلوا. ~~فلما أتوه بذلك ms010 قال: وأين الكبد والسنام والملحاء! وأبى أن يأكل. فقالت: ~~اسقوه لبنا حازرا؛ فأبى أن يشربه وقال: فأين الصريف والرثئة؟ فقالت: افرشوا ~~له عند الفرث والدم، فأبى أن ينام وقال: افرشوا لي فوق التلعة الحمراء، ~~واضربوا عليها خباء.. ثم أرسلت إليه: هلم شريطتي عليك في المسائل الثلاثة ~~فأرسل إليها أن سلي عما شئت. فسألته، فأعجبها جوابه فقالت: هذا زوجي ~~لعمركم؛ عليكم به، واقتلوا العبد، فقتلوه ودخل امرؤ القيس بالجارية. # - 4 - ### | شعر امرئ القيس # PageV01P005 # امرؤ القيس أسبق شعراء العربية إلى ابتداع المعاني والتعبير عنها، افتتح ~~أبوابا من الشعر ووفق إلى تشبيهات وطوق موضوعات لم يسبق إليها. ففتح باب ~~الغزل وأطال الوصف، وأمعن فيه، وأبدع تصويره هذا إلى لفظ جزل موجز. وسبك ~~محكم يتخلله مثل مرسل، وحكمة بالغة. # وكان شعره مرآة لحياته، وتاريخ قومه. فقد ذكرنا أنه كان لاهيا مولعا ~~بالشراب. فكذلك كان شعره في شبابه صورة لحياته. # يمثل شعره حياته وترفه في بدء شبابه. فقد كان يخرج إلى الصيد بالطهاة ~~يطهون له ولصحبه ما يصيد: # وظل طهاة اللحم ما بين منضج ... صفيف شواه أو قدير معجل # حتى إذا انتهت حياة اللهو والترف وحمل عبء أبيه كان شعره صورة لآماله: # فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني، ولم أطلب، قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # وهو يصف حزنه على أبيه. وتهديده لقتلته بني أسد: # تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلى ولم ترقد # وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد # وذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود # ولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد # لقلت من القول ما لايزا ... ل يؤثر عني يد المسند # فإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا تقعد # وإن تقتلونا نقتلكمو ... وإن تقصدوا لدم نقصد # وأعددت للحرب وثابة ... جواد المحثة والمرود # وهو يتردد في القبائل يتصرخها، يمدح من نصره، ويذم من خذله، فيمدح سعد بن ~~ضباب الإيادي. وكان قد نزل به فأنجده: # سأشكرك الذي دافعت عني ... وما يجزيك مني ms011 غير شكري # فما جاء بأوثق منك جارا ... ونصرك للفريد أعز نصر # ويهجو سبيع بن عوف: # أبلغ سبيعا إن عرضت رسالة ... إني كظنك إن عشوت أمامي # أقصر إليك من الوغيد فإنني ... مما ألاقي لا أشد حزامي # ثم هو يذهب إلى قيصر فيصف ذلك في شعره: # بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا # فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # وهكذا كان شعره صورة لما روي من حياته. # وأشهر شعره معلقته، ومطلعها: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل # وتقع في واحد وثمانين بيتا. وقد نظمها في أيام شبابه ولهوه وموضوعها ~~الغزل في بنت عمه عنيزة. # وله مطولات أخرى ذكرت في ديوانه وهو على كل حال قد امتاز بجودة الوصف، ~~ولاسيما النساء والفرس والصيد. كما امتاز بكثرة متشبيه المبكر فشبه النساء ~~بالظباء والبيض وشبه الخيل بالعقبان والعصي إلى كثير من أمثال ذلك. وقل أن ~~ترى له أبياتا خلت من التشبيه. وكان لرحلاته الكثيرة إلى الشام واليمن ~~وغيرهما أثر في سعة خياله وحسن تصويره واستعماله ألفاظا جديدة، فشبه في ~~معلقته إشراق محبوبته بسراج الراهب، وحسن تصويره، وشبه ترائبها (وهي موضع ~~القلادة منها) بالسجنجل (وهي كلمة رومية معناها المرآة) ، وهكذا. # وأورث امرؤ القيس الأدب العربي أبيانا كثيرة يتمثل بها كقوله: (وحسبك من ~~غنى شبع ورى) ، وقوله: # وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب # وقوله: # بنو أسد قتلوا ربهم ... ألا كل شيء سواه الجلل # وقوله: # وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب # وقوله: # كذلك جدى لا أصاحب صاحبا ... من الناس إلا خانني وتغيرا # وديوان امرئ القيس مشروح عدة شروح وطبع في باريس ومصر. وجمع أشعار امرئ ~~القيس عدة من العلماء، وطبع ديوانه العلامة دي ستان في باريس سنة 1828 مع ~~ترجمة لاتينية. وجمع الأب لويس شيخو اليسوعي أهم أخبار وأشعار امرئ القيس ~~من كتب عديدة وسردها في كتابه المعروف بشعراء النصرانية المطبوع في بيروت ~~سنة 1890. # PageV01P006 # ويعد امرؤ القيس أفحل ms012 شعراء الجاهلية وإمامهم ويقولون إنه كان أول من ~~ابتدأ في شعره بذكر طلول محبوبته وباليقين في الأوصاف حتى إنه بلغ في ذلك ~~مبلغا عظيما وانه طبع في كل قصيدة من قصائده صورا كثيرة من حياة البدو ~~أنشدها على نسق واحد بديع مقبول فإن تشبيهات واستعاراته حسنة جدا ولم يصل ~~أحد إلى ما وصل إليه امرؤ القيس في المديح والهجو وأحسن صنعة في شعره هو ~~وصفه جواده، فليس له في ذلك مثيل، ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب ~~والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب وهو أحد الأربعة الذين وقع الاتفاق على ~~أنهم أشعر شعراء العرب: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى واختلفوا في ~~أيهم أشعر وأحسن ديباجة شعر والأكثرون على أنه امرؤ القيس. # قال لبيد: أشعر الناس ذو القروح. وقال الفرزدق: كان الشعر جملا فنحر فجاء ~~امرؤ القيس فأخذ رأسه. وقال جرير: اتخذ الخبيث الشعر نعلين. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرئ القيس: إنه يقدم بلواء الشعر ~~إلى النار. وقال علي بن أبي طالب: رأيت امرأ القيس أحسن الشعراء نادرة ~~وأسبقهم بادرة وأنه لم يقل لرغبة ولا لرهبة. # وقد أجاد امرؤ القيس في الغزل والوصف ووصف الخيل والصيد وتشبيه النساء ~~بالظباء والمها إلى غير ذلك مما ابتكره من معان واهتدى إليه من أغراض. وله ~~أبيات وقصائد غير صحيحة النسبة إليه وينكر بعض الرواة أبياته في معلقته: # وقربة قوم قد جعلت عصامها ... على كاهل مني ذلول مرحل # إلى آخر هذه الأبيات. ### | آراء النقاد في شعره # أقبل قوم من أهل اليمن يريدون النبي صلى الله عليه وسلم فضلوا الطريق ~~ووقعوا على غيرهما ومكثوا ثلاثا لا يجدون الماء، ثم أقبل راكب فسمع بعضهم ~~ينشد: # ولما رأت أن الشريعة همها ... وأن البياض من فرائصها دامي # تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي # فقال: من يقول هذا؟ قيل امرؤ القيس. قال: والله ما كذب هذا عارض عندكم. ~~وأشار لهم إليه فوصلوه فإذا ماء عذب وإذا عليه العرمض والظل يفيء عليه ms013 ~~فشربوا منه وحملوا ولما أتوا النبي قالوا يا رسول الله أحيانا الله عز وجل ~~ببيتين من شعر امرئ القيس وأنشدوهما. فقال صلى الله عليه وسلم: "ذلك رجل ~~مذكور في الدنيا شريف فيها متسي في الآخرة خامل فيها يجيء يوم القيامة معه ~~لواء الشعر إلى النار". # وسأل العباس بن عبد المطلب عمر بن الخطاب عن الشعراء، فقال امرؤ القيس ~~سابقهم خسف لهم عين الشعر فافتقر من معان عور أصح بصر. # وقال علي بن أبي طالب: "رأيت امرأ القيس أحسن الشعراء نادرة وأسبقهم ~~بادرة وأنه لم يقل لرغبة ولا رهبة". # ومر لبيد بالكوفة على مجلس وهو يتوكأ على محجن له فسألوه عن أشعر العرب ~~فقال: الملك الضليل ذو القروح. # وسئل جرير رأيه في امرئ القيس فقال: "اتخذ الخبيث الشعر نعلين"، وهذا رأي ~~يمثل اقتدار امرئ القيس على الشعر وشدة تمكنه منه. # وقيل للفرزدق من أشعر الناس يا أبا فراس؟ فقال: ذو القروح. قيل حين يقول ~~ماذا؟ قال: حين يقول: # وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب # وقال ابن يحيى: سمعت من لا أحصى من الرواة يقولون: "أحسن الناس ابتداء في ~~الجاهلية امرؤ القيس حيث يقول: "ألا عم صباحا أيها الطلل البالي"؛ وحيث ~~يقول: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"؛ وفي الإسلام القطامى حيث يقول: "إنا ~~محيوك فاسلم أيها الطلل"؛ ومن المحدثين بشار حيث يقول: # أبى طلل بالجزع أن يتكلما ... وماذا عليه لو أجاب متيما # وقال بشار: لم أزل منذ سمعت قول امرئ القيس في تشبيهه بشيئين في بيت واحد ~~حيث يقول: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي # أعمل نفسي في تشبيه شيئين بشيئين في بيت واحد حتى قلت: # كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # وكان أبو عبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحي يقول: أنسب بيت قالته العرب ~~قول امرئ القيس: # وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل # PageV01P007 # وقال حماد بن إسحق قال لي أبو ربيعة لو لم تكن هذه القصيدة ms014 "بزينب ألمم" ~~لنصيب؛ شعر من كانت تشبه؟ قلت: شعر امرئ القيس "لأنها جزلة الكلام جيدة. ~~فقال: سبحان الله قلت: ما شأنك؟ قال: سألت أباك عن هذا فقال لي مثل ما قلت" ~~فعجبت من اتفاقكما. # وفي أسطورة أدبية رواها صاحب الجمهرة سئل جني من أشعر العرب؟ فقال: # ذهب ابن حجر بالقريض وقوله ... ولقد أجاب فما يعاب زياد # ويقول الآمدي: "وفضل امرؤ القيس لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع ~~الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة؛ فوق ما استعار سائر الشعراء منه في ~~الجاهلية والإسلام. ولولا لطيف المعاني واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله ~~عليها لما تقدم على غيره ولكان كسائر شعراء أهل زمانه. ألا ترى أن العلماء ~~بالشعر إنما احتجوا في تقديمه بأن قالوا هو أول من شبه الخيل بالعصا وذكر ~~الوحش والطير وأول من قال قيد الأوابد الخ. فهل هذا التقديم إلا لأجل ~~معانيه. # ومن آثار شعر الطبيعة عند امرئ القيس وصفه الجميل الرائع لليل وطوله: # وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # ألا أيها الليل الطويل ألا انحلي ... بصبح وما الأصباح منك بأمثل # فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل # والقارئ يقف أمام هذه القطعة الفنية الجميلة متأملا معجبا مشدوها من روعة ~~البيان وجمال التصوير ورقة التعبير وقوة التأثير ومن هذه الشخصية الفنية ~~الكاملة التي تبرز من هذه الأبيات في وضوح وقوة وجمال. # الليل رهيب، ظلماته كالموج، اللجى؛ وقد أقبل على الشاعر، فأثار في نفسه ~~الذكريات، وهاج كوامن الأحزان وبعث الهموم من مرقدها، وترك النفس موزعة ~~حيرى مفزعة. # واستمرت صور الماضي وأحداث الحاضر تتراءى أمام عينيه يتذكرها ويذكرها، ~~يتذكر حياته اللاهية العابثة في صباح، وهذه الآمال والآلام التي تعتلج في ~~صدره وذكريات الحب والأحباب المؤثرة الباقية. # وطال الليل على الشاعر وطال، وامتد وامتد، فرسم لطوله هذه الصورة البارعة ~~التي تجدها في البيت الثاني، فكأنه يتمطى بصلبة، وكأن أعجازه وأواخره يردف ~~بعضها بعضا، وكأنه يقع بصدره ms015 على المهمومين والمحزونين ليوسعهم ألما وشقاء. # ويتمنى الشاعر أن يذهب الليل بظلمته ورهبته؛ وأن يشرق الصبح بضوئه وجماله ~~ولكنه يعود فيتذكر أن أحزانه كامنة في نفسه فلن يسري عنها إشراق الصباح ولا ~~ضجيج الحياة في أول النهار. # وتستمر الصور والذكريات تطوف بخيال الشاعر وأمام عينيه اليقظتين والليل ~~كما هو لم يذهب ولم يطلع الصباح الجميل، وكأنه لا يريد أن يذهب بل كأنه ~~مشدود بحبال قوية شدت بصخرة من صخور هذا الجبل الغليظ. # صور جميلة لا يعدل جمالها جمال، وخيال يقظ مشبوب لا يماثله في استنباط ~~دقائق التصوير خيال. # وهكذا كان امرؤ القيس وبحق ما كان زعيم الشعراء في الجاهلية. # ويرى الأصمعي أن أحسن الناس تشبيها امرؤ القيس في قوله: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي # وفي قوله: # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب # وفي قوله: # ولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد # وفي قوله: # سموت إليها بعدما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال # وأن أبدع تشبيهاته قوله يصف فرسا: # كأن تشوفه بالضحى ... تشوف أزرق ذي مخلب # إذا قرعته جلال له ... تقول سلبت ولم تسلب # فقال الرشيد للأصمعي: هذا حسن؛ وأحسن منه قوله: # فرحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طورا وترتقي # واجتمع عبيد الأبرص وامرؤ القيس يوما فقال عبيد: كيف معرفتك بالأوابد؟ ~~فقال قل ما شئت تجدني كما أحببت. فقال عبيد: # ما حية ميتة قامت بميتتها ... درداء ما أنبتت نابا وأضراسا # فقال امرؤ القيس: # تلك الشعير تسقى في سنابها ... قد أخرجت بعد طول المكث أكداسا # فقال عبيد: # ما السرد والبيض والأسماء واحدة ... لا يستطيع لهن الناس تمساسا # فقال امرؤ القيس: # تلك السحائب والرحمن أنشأها ... روى بها من محول الأبيض أبياسا # فقال عبيد: # PageV01P008 # ما مرتجات على هول مراكبها ... يقطعن بعد المدى سيرا وأمراسا # فقال امرؤ القيس: # تلك النجوم إذا حانت مطالعها ... شبهتها في سواد الليل أقباسا # فقال عبيد: # ما القاطعات لأرض لا أنيس بها ... تأتي سراعا وما يرجعن ms016 أنكاسا # فقال امرؤ القيس: # تلك الرياح إذا هبت عواصفها ... كفى بأذيالها للترب كناسا # فقال عبيد: # ما الفاجعات جهارا في علانية ... أشد من فيلق ملمومة باسا # فقال امرؤ القيس: # تلك المنايا فما يبقين من أحد ... يأخذن حمقا وما يبقين أكياسا # فقال عبيد: # ما السابقات سراع الطير في مهل ... لا يشتكين ولو طال المدى باسا # فقال امرؤ القيس: # تلك الجياد عليها القوم مذ نتجت ... كانوا لهن غداة الروع أحلاسا # فقال عبيد: # ما القاطعات لأرض الجو في طلق ... قبل الصباح وما يسوين قرطاسا # فقال امرؤ القيس: # تلك الأماني يتركن الفتى ملكا ... دون السماء ولم ترفع له راسا # فقال عبيد: # ما الحاكمون بلا سمع ولا بصر ... ولا لسان فصيح يعجب الناسا # فقال امرؤ القيس # تلك الموازين والرحمن أرسلها ... رب البرية بين الناس مقياسا # ومما يتصل بشعر امرئ القيس ما يروى من أنه وصل إلى حضرة سيف الدولة رجل ~~من أهل بغداد، وكان ينقر العلماء والشعراء بما لم يدفعه الخصم ولا ينكره ~~الوهم. فتلقاه سيف الدولة باليمن، وأعجب به إعجابا شديدا، فقال يوما: أخطأ ~~امرؤ القيس في قوله: # كأني لم أركب جواد اللذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبأ الزق الروى ولم أقل ... لخيلي كرى كرة بعد إجفال # وهذا معدول عن وجهه ولاشك فيه. # فقيل: وكيف ذلك؟ قال إنما سبيله أن يقول: # كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كرى كرة بعد إجفال # ولم أسبأ الزق الروى للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # فيقترن ذكر الخيل بما يشاكلها في البيت كله، ويقترن ذكر الشراب واللهو ~~بالنساء؛ ويكون قوله "للذة" في الشرب أطبع منه في الركوب! فبهت الحاضرون، ~~واهتز سيف الدولة، وقال: هذا النهدي وحق أبي!. فقال له بعض الحاضرين من ~~العلماء: أنت أخطأت وطعنت في القرآن إن كنت تعمدت!. # فقال سيف الدولة: وكيف ذلك؟ فقال: قال الله تعالى: إن لك ألا تجوع فيها ~~ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى"، وعلى قياسه يجب أن يكون: إن لك أن ~~تجوع فيها ولا تظمأ ولا ms017 تعرى فيها ولا تضحى! وإنما عطفه امرؤ القيس بالواو ~~التي لا توجب تعقيبا، ولا ترتب.. فخجل وانقطع!. ### | شرح المختار من شعر امرئ القيس # - 1 - قال امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي من معلقته المشهورة: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل # لتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمال # ترى بعر الآرام في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حب فلفل # كأني غداة البين يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل # وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل # وإن شفائي عبرة مهراقة ... فهل عند رسم دارس من معول # كدأبك من أم الحريثرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل # ففاضت دموع العين مني صبابة ... على النحر حتى بل دمعي مخملي # ألا رب يوم لك منهن صالح ... ولاسيما يوم بدارة جلجل # ويوم عقرت للعذارى مطيتي ... فيا عجبا من كورها المتحمل # فظل العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدمقس المفتل # ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مرجلي # تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيري ياامرأ القيس فانزل # فقلت لها سيري وأرخى زمامه ... ولا تبعديني من جناك المعلل # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم مخول # إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وشقى تحتها لم يحول # ويوما على ظهر الكثيب تعذرت ... علي وآلت حلفة لم تحلل # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي # وإن تك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # PageV01P009 # أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل # وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل # وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل # تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا ... علي حراصا لو يسرون مقتلي # إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل # فجئت وقد فضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل # فقالت يمين الله مالك حيلة ... وما إن أرى عنك الغواية تنجلي # خرجت بها ms018 نمشي نجر وراءها ... على أثرينا ذيل مرط مرحل # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل # هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... علي هضيم الكشح ريا المخلخل # إذا التفتت نحوي تضوع ريحها ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل # مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل # كبكر مقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل # تصد وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل # وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل # وفرع يغشى المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل # غدائره مستشزرات إلى العلى ... تضل المذارى في مثنى ومرسل # وكشح لطيف كالجديل مخصر ... وساق كأنبوب السقي المذلل # وتغطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل # تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممسى راهب متبتل # وتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نئوم الضحى لم تنطق عن تفضل # إلى مثلها يرنو الحليم صبابة ... إذا مااسبكرت بين درع ومجول # تسلت عمايات الرجال عن الصبا ... وليس صباي عن هواها بمنسل # ألا رب خصم فيك ألوى رددته ... نصيح على تعذاله غير مؤتل # وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل # فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار القتل شدت بيذبل # كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كنان إلى صم جندل # وقد اغتدى والطير في وكنانها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل # مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل # كميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل # مسح إذا ما السابحات على الونى ... أثرن غبارا بالكديد المركل # على العقب جياش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلا مرجل # يطير الغلام الخف عن صهواته ... ويلوى بأثواب العنيف المتبل # درير كخذروف الوليد أغره ... تقلب كفيه بخيط موصل # له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل # كأن على الكتفين منه إذا انتحى ... مداك عروس أو صلاية حنظل # وبات عليه ms019 سرجه ولجامه ... وبات بعيني قائما غير مرسل # فعن لنا سرب كأن نعاجه ... عذارى دوار في الملاء المذيل # فأدبرن كالجرع المفصل بينه ... بجيد معم في العشيرة مخول # فألحقنا بالهاديات ودونه ... جواجرها في صرة لم تزيل # فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيغسل # وظل طهاة اللحم ما بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل # ورحنا وراح الطرف ينفض رأسه ... متى ما ترق العين فيه تسفل # كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مرجل # وأنت إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل # أحار ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل # يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أهان السليط في الدبا والمفتل # قعدت له وصخبتي بين حامر ... وبين إكام بعد ما متأمل # وأضحى يسج الماء عن كل فيقة ... يكب على الأذقان دوح الكنهبل # وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أطما إلا مشيدا بجندل # كأن ذرى رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغثاء قلكة مغزل # PageV01P010 # كأن أبانا في أفانين ودقه ... كبير أناس في بجاد مزمل # وألقى بصحراء الغبيط بعاعه ... نزول اليماني ذي العياب المخول # كأن سباعا فيه غرقى غدية ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل # على قطن بالبشيم أيمن صوته ... وأيسره على الستار فيذبل # وألقى ببسيان مع الليل بركه ... فأنزل منه الغضم من كل منزل ### | تحليل القصيدة # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسيط الورى بين الدخول فحومل مطلع معلقة امرئ ~~القيس الرائعة الشهرة، والتي تدل على شخصية صاحبها المرحة وروحه الموهوب، ~~مجوته المأثور، وأسلوب القصيدة أسلوب جزل فيه أسر وقوة في عذوبة حينا مع ~~الجمال والصدق والتنقل في الخيال ومع سحر المطلع وفخامته. # ومعانيها قريبة لا تعقيد فيها تنكئ على الحسن والمشاهدات، فهو حين يتحدث ~~عن الحب يصف جمال المرأة ومحاسنها، وحين يصف الفرس يتحدث عن ساقه ومتنه ~~وشعره وحين يتحدث عن المطر يصف كثرته وأنه ألقى مياهه على جبل كذا وكذا ~~ففزعت العصم وهدمت البيوت وسقطت جذوع النخل، دون أن يتحدث الشاعر عما وراء ~~هذه الأوصاف الحسية في الخيل ms020 والمطر أو عن عواطفه الإنسانية في حبه وغزله. # وتمتاز المعلقة بأنها مظهر للبلاغة العربية، وبما فيها من أساليب البيان، ~~ومناهج الأداء وصور التعبير، وألوان الرسم والخيال والتفكير، فيها تشبيهات ~~بليغة عذبة كثيرة واستعارات جميلة بالغة، وكنايات أنيقة ساحرة، وسوى ذلك من ~~أدوات التعبير والبيان. ولتفصيل ذلك كله نقول: للمعلقة مطلعها الساحر القوي ~~وأسلوبها الجزل، وخيالها البدوي الموهوب وتشبيهاتها الحسية الساذجة ~~المكرورة أحيانا، وفيها فوق ذلك وبرغم الكثير من ألفاظها البدوية الجافة ~~ورقة النسيب ودقة الوصف وتنوع الأغراض وبراعة التصوير والبيان، وفيها جل ما ~~ابتكره امرؤ القيس من المعاني الشعرية التي فضل بها على غيره من الشعراء ~~وعدبها أميرهم وقائدهم، ففيها بكاء للديار واستيقاف للصحب وتجويد في النسيب ~~وتصوير لاستهتاره ومجونه، وقص لذكرياته وأيامه، وإبداع في وصف الليل وطوله ~~"والفرس ومحاسنه، والبرق، والمطر وآثاره". # وفي المعلقة الكثير من التشبيهات الجميلة، كتشبيه موقفه حين رحيل أحبابه ~~بموقف الحنظل، وغزارة ما ينهمر منهما من دموع، وكتشبيه عبق الرائحة من ~~حبيبه بعبق رائة النسيم، قد جاء بريا القرنفل. وتشبيه شحم ناقته بهداب ~~الدمقس المفتل، والثغر بالأقحوان المنور، وتعرض الثريا في السماء بتعرض ~~أثناء الوشاح المفصل، وتشبيه ترائب المرأة بالمرآة المجلوة، وجيدها بجيد ~~الظباء، وبنانها بأساريع الظبي، وجمالها المشرق بمنارة الراهب المتبتل، ~~وتشبيه الليل بموج البحر واهتزام الفرس بغلي المرجل. فقد أخذ الحسن من جميع ~~الحيوانات، أخذ من الظبي خاصرته، ومن النعامة ساقها، ومن الذئب والثعيلب ~~مشيهما، فهو جواد ويا له من جواد ضافي الذيل مستقيم العسيب، لماع الظهر كما ~~تلمع صلاية الحنظل مما يعلق بها من الدهن اللامع، أو صلاية عروس تدق فيها ~~العطر والطيب، وكأن دماء هوادي فرائسه في نحره المخضوب عصارة حناء في شيب ~~مسرح. # وتمتاز المعلقة بكناياتها الساحرة، كنؤوم الضحى في وصف المرأة بالترف ~~والنعمة وقوله "لم تنتطق عن تفضل" في وصفها بأنها عزيزة منعمة لم تعز بعد ~~ذل ولم تنعم بعد شقاء، وقوله "إذا ما اسبكرت بين درع ومجول" يريد إذا بلغت ~~سن الشباب لأنه الدرع هو قميص المرأة والمجول ms021 ثوب تلبسه الفتاة وتجول فيه ~~قبل أن تخدر، وقوله "قيد الأوابد" في وصف الفرس بسرعة العدو، وقوله: ولم ~~ينضح بماء فيغسل في وصفه بالنشاط. ومنها كثير من المجازات الجميلة ~~والاستعارات المبدعة كقوله "فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي" يريد بالثياب القلب ~~أو الصداقة. وقوله "وبيضة خدر" يريد امرأة كريمة مخدرة. وقوله في وصف الليل ~~بالطول "فقلت له لما تمطى بصلبه" وقوله "وتتقي بناظرة من وحش وجرة" وكذلك ~~قوله "له أيطلا ظبي وساقا نعامة" من أساليب التجريد أو التشبيه الجميلة. # PageV01P011 # وقد تجد في المعلقة تنقلا في الخيال وفي رسم الصور الشعرية، ولكن لا ضير ~~في ذلك، لأن الشعر فن والفنون تأبى أن تخضع لقيود المنطق والفلسفة وحريتها ~~في التعبير والتصوير هو سر جمالها وخلودها وفق ذلك فإن الشعر صورة للحياة ~~العربية في سذاجتها وبساطتها فضلا عن أثر الارتجال والبديهة في نظم الشعر ~~وإنشاده وخاصة في العصر الجاهلي. # وفي المعلقة وصف لما يحبه العربي من مظاهر الجمال في المرأة وفي الفرس ~~وفيها بيان مفصل لزينة المرأة وترفها وفيها نواة للقصص الشعري وخاصة في ~~الغزل، مما نهج نهجه عمر بن أبي ربيعة ثم بشار وأبو نواس. وليس فيها أثر ~~للمدح لأن شخصية امرئ القيس العظيمة أرفع من المدح، ولأن المعلقة لم تنظم ~~إلا لوصف ذكرياته ولهوه وترفه ومجونه، مما يرجع أنها نظمت في أيام صبواته ~~وشبابه قبل أن يحمل عبء الأخذ بثأر والده، حيث تجدها خالية من ذكر الأحداث ~~التي طافت به بعد ذلك. وتعدد الأعراض والفنون في القصيدة يتفق ونهج العرب ~~والشعراء الجاهليين في صياغة قصائدهم؛ حيث كانوا يروحون عن أنفسهم وسامعيهم ~~بهذا الاستطراد الجميل وبتعدد نواحي القصيدة ومراميها حتى تكون أشد أثرا ~~وسحرا. # وروح الشاعرية في المعلقة متحدة متناسقة إلا في أبيات يضيفها بعض الرواة ~~إليها وهي: # وقربة أقوام جعلت عصامها ... على كاهلي مني ذلول مرحل # وما بعده من أبيات، مما تخالف روحها روح المعلقة. والصحيح أن هذه الأبيات ~~لتأبط شرا وأنكرها الكثير من الرواة، وقيل هي لامرئ القيس في عصر مشيبه ms022 ~~وكهولته وأضيفت إلى المعلقة إضافة، فهي لا تمثل روحه في فترة شبابه اللاهية ~~الماجنة التي نراها في معلقته. # وتمثل هذه المعلقة الحياة العربية في كثير من نواحيها المختلفة، كما تصور ~~حياة امرئ القيس وترفه وروحه اللاهي المسرف في العبث والمجون أتم التصوير، ~~فهي صورة جميلة واضحة لحياة الشاعر وقومه، وأثر أدبي كبير نستطيع أن نفهم ~~منه الكثير من عادات العرب وأخلاقهم. # نشأ امرؤ القيس في بيت سؤدد ومجد ونعمة، فخب في سبل اللهو وذاق أفاويق ~~الجمال والحب وقضى أيام شبابه في مغازلة الغيد الحسان؛ فكانت له معهن أيام ~~وذكريات قص الكثير منها في هذه المعلقة، وما برح في لهوه ومجونه حتى ضاق به ~~والده ذرعا فأبعده عنه، فأقام مع أمثاله من أهل البطالة واللهو حتى قتل ~~أبوه فذهبت سكرته وطالت حسرته، وهب للأخذ بثأره حتى قضى عليه أخيرا إسرافه ~~في الانتقام. # ذلك هو امرؤ القيس قائد الشعراء في الجاهلية، وحامل لواء الشعر في ذلك ~~العصر البعيد، والمفتن في أبواب الشعر وأغراضه، والمجلى في بيان أسرار ~~الجمال واللهو وفي رقة الأسلوب وسحره، وفي جزالة اللفظ وأسره، وفي روائع ~~التشبيه وبدائع الخيال، وفي ابتداع الكثير من المعاني الشعرية الطريفة التي ~~قلده فيها سواء من الشعراء وتتناول المعلقة كثيرا من فنون الشعر، وتحوي ~~الكثير من الأفكار المنوعة، ففيها بكاء لديار أحبابه في ثلاثة أبيات وتصوير ~~لحيرته وذهوله يوم رحيلهن واستيقاف لأصحابه ليحملوا معه عبء الحزن والشجى ~~في بيتين وفيها شرح للهوه وعبثه وقص لذكرياته وأشجانه مع محبوباته ووصف ~~للجمال العربي وزينة المرأة في الجاهلية ولأثر الجمال وسحره في النفوس وذلك ~~في عشرين بيتا، وفيها مناجاة الليل وذكر لطوله وآلامه فيه في خمسة أبيات ~~ووصف دقيق لفرسه في ثمانية عشر بيتا، وللبرق والمطر ونشوة الطبيعة في عشرة ~~أبيات فأبياتها تبلغ الستين أو تزيد وهي كلها في درجة عالية من الإحسان. # ويقول الزوزني في سبب إنشاد هذه القصة: "السبب في إنشادها هو قصة غدير ~~دارة جلجل حيث كان امرؤ القيس يحب ابنة عمه عنيزة فتركها ms023 تستحم في هذا ~~الغدير مع أتراب لها وجمع ملابسهن ثم لم يعطها لهن إلا بعد مرورهن أمامه ~~عاريات، ثم ذبح لهن ناقته وقسم متاعه عليهن يحملنه وركب مع عنيزة في ~~هودجها". # وقد بدأها ببكاء الديار بمطلع جميل ساحر ثم يستمر في وصف الديار وآثارها ~~حتى يقول: وقوفا بها صحبي على مطيهم. # ثم يصف ذكريات لهوه وعبثه وغزله. ثم يصف الليل وطوله، وطوله والفرس وقوته ~~ويذكر الصيد الذي صاده وطهى الطهاة له وسط الصحراء ويصف البرق والمطر في ~~عذوبة وسحر وجمال. # - 2 - وقال أيضا: # ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي # PageV01P012 # وهل يعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال # وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال # ديار لسلمى عافيات بذي خال ... ألح عليها كل أسحم هطال # وتحسب سلمى لا تزال ترى طلا ... من الوحش أو بيضا بميثاء شملال # وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا ... بواد الخزامى أو على رس أو عال # ليالي سلمى إذ تريك منصبا ... وجيدا كجيد الرئم ليس بمعطال # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي # كذبت لقد أصبى على المرء عرسه ... وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي # ويا رب يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنها خط تمثال # يضيء الفراش وجهها لضجيعها ... كمصباح زيت في قناديل ذبال # كأن على لباتها جمر مصطل ... أصاب غضى جزلا وكف بأجذال # وهبت له ريح بمختلف الصوا ... صبا وشمال في منازل قفال # ومثلك بيضاء العوارض طفلة ... لعوب تنسيني إذا قمت سربالي # إذا ما الضجيع ابتزها من ثيابها ... تميل عليه هونة غير مجبال # كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه ... بما احتسبا من لين مس وتسهال # لطيفة طي الكشح غير مفاضة ... إذا انفلتت مرتجة غير متفال # تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال # نظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشب لفقال # سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال # فقالت سباك الله، إنك فاضحي ... ألست ترى ms024 السماء والناس أحوالي # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال # فلما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال # وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال # فأبحت معشوقا وأصبح بعلها ... عليه القتام سيئ الظن والبال # يغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتال # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أعوال # وليس بذي رمح فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبال # أيقتلني وقد شغفت فؤادها ... كما شغف المهنوءة الرجل الطالي # وقد علمت سلمى وإن كان بعلها ... بأن الفتى يهذي وليس بفعال # وماذا عليه أن ذكرت أوانسا ... كغزلان رمل في محاريب أقيال # وبيت عذارى يوم دحن ولجته ... يطفن بحباء المرافق مكسال # سباط البنان والعرانين والقنا ... لطاف الخصور في تمام وإكمال # نواعم يتبعن الهوى سبل الردى ... يقلن لأهل الحلم ضل بتضلال # صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ... ولست بمقلي الخلال ولا قال # كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبإ الزرق الروى ولم أقل ... لخليلي كري كرة بعد إجفال # ولم أشهد الخيل المغيرة بالضحى ... على هيكل عبل الجزارة جوال # سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا ... لع حجبات مشرفات على الفال # وصم صلاب ما يقين من الوحي ... كأن مكان الردف منه على رال # وقد أغتدي والطير في وكناتها ... لغيث من الوسمي رائده خال # تحاماه أطراف الرماح تحاميا ... وجاد عليه كل أسحم هطال # بعجلزة قد أترز الجري لحمها ... كميت كأنها هراوة منوال # ذعرت بها سربا نقيا جلوده ... وأكرعه وشي البرود من الخال # كأن الصوار إذ تجهد عدوه ... على جمزى خيل تجول بأجلال # فجال الصوار واتقين بقرهب ... طويل الفرا والروق أخنس ذيال # فعادى عداء بين ثور ونعجة ... وكان عداء الوحش مني على بال # كأني بفتحاء الجناحين لقوة ... صيود من العقبان طأطأت شملالي # تخطف خزان الشربة بالضحى ... وقد حجرت منها ثعالب أورال # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدي وكرها العناب والحشف البالي # فلو أن ms025 ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # PageV01P013 # وطر المرء مادامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا آلي # - 3 - وقال امرؤ القيس أيضا: # خليلي مرا بي على أم جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذب # فإنكما إن تنظراني ساعة ... من الدهر تنفعني لدى أم جندب # ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # عقيلة أتراب لها لا دميمة ... ولا ذات خلق إن تأملت جأنب # ألا ليست شعري كيف حادث وصلها ... وكيف تراعى وصلة للتغيب # أقامت على ما بيننا من مودة ... أميمة أم صارت لقول المخبب # فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها ... فإنك مما أحدثت بالمجرب # وقالت متى يبخل عليك ويعتلل ... يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب # تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... سوالك نقبا بين حزمى شعبعب # علون بأنطاكية فوق عقمة ... كجرمة نخل أو كجنة يثرب # ولله عينا من رأى من تفرق ... أشت وأنأى من فراق المحصب # فريقان منهم جازع بطن نخلة ... وآخر منهم قاطع بحد كبكب # فعيناك غربا جدول في مفاضة ... كمر الخليج في صفيح مصوب # وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب # وإنك لم تقطع لبانة عاشق ... بمثل غدو أو رواح مؤوب # بأدماء حرجوج كأن قتودها ... على أبلق الكشحين ليس بمغرب # يغرد بالأسحار في كل سدفة ... تغرد مياح الندامى المطرب # أقب رباع من حمير عماية ... يمج لعاع البقل في كل مشرب # بمحنية قد آزر الضال نبتها ... مجر جيوش الغانمين وخيب # وقد أغتدي والطير في وكناتها ... وماء الندى يجري على كل مذنب # بمنجرد قيد الأوابد لاحه ... طراد الهوادي كل شأو مغرب # على الأين جياش كان سراته ... على الضمر والتعداء سرحة مرقب # يباري الخنوف المستاقل زماعه ... ترى شخصه كأنه عود مشحب # له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وصهوة عير قائم فوق مرقب # ويخطو على ضم صلاب كأنها ... حجارة غيل وارسات بطحلب # له كفل كالدعص لبده الندى ... إلى حارك مثل الغبيط المذأب # وعين كمرآة الصناع تديرها ... لمحجرها من ms026 النصيف المنقب # له أذنان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورة وسط ربرب # ومستفلك الذفرى كأن عنانه ... ومثناته في رأس جذع مشذب # وأسحم ريان العسيب كأنه ... عثاكيل قنو من سميحة مرطب # إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزير الريح مرت بأثأب # يدير قطاة كالمحالة أشرفت ... إلى سند مثل الغبيط المذأب # ويخضد في الاري حتى كأنما ... به غرة من طائف غير معقب # فيوما على سرب نقي جلوده ... ويوما على بيدانة أم تولب # فبينا نعاج يرتعين خميلة ... كمشي العذارى في الملاء المهدب # فكان تنادينا وعقد عذاره ... وقال صحابي قد شأونك فاطلب # فلأيا بلأي ما حملنا غلامنا ... على ظهر محبوك السراة محنب # وولى كشؤبوب العشي بوابل ... ويخرجن من جعد ثراه منصب # فللساق ألهوب وللسوط درة ... وللزجر منه وقع أهوج منعب # فأدرك لم تجهد ولم يثن شأوه ... يمر كخذروف الوليد المثقب # ترى الفأر في مستنقع القاع لاجبا ... على جدد الصحراء من شد ملهب # خفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من عشي مجلب # فعادى عداء بين ثور ونعجة ... وبين شبوب كالقضيمة قرهب # وظل لثيران الصريم غماغم ... يداعسها بالسمهري المعلب # فكاب على حر الجبين ومتق ... بمذرية كأنها ذاق مشعب # وقلنا لفتيان كرام ألا انزلوا ... فعالوا علينا فضل ثوب مطنب # وأوتاده ماذية وعماده ... ردينية فيها أسنة قعضب # وأطنابه أشطان خوض نجائب ... وصهوته من أتحمى مشرعب # فلما دخلناه أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاري جديد مشطب # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب # نمش بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب # ورحنا كأنا من جؤائي عشية ... نعالى النعاج بين عدل ومحقب # PageV01P014 # وراح كتيس الربل ينفض رأسه ... أذاة به من صائك متحلب # كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مخضب # وأنت إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأصهب # - 4 - وقال أيضا حين توجه إلى قيصر: # سما لك شوق بعدما كان أقصرا ... وحلت سليمى بطن قو فعرعرا # كنانية بانت وفي الصدر ودها ... مجاورة غسان والحي يغمرا # بعيني ظعن الحي لما تحملوا ... لدى جانب الأفلاج من ms027 جنب تيمرى # فشبهتهم في الآل لما تكمشوا ... حدائق دوم أو سفينا مقيرا # أو المكرعات من نخيل ابن يامن ... دوين الصفا اللآلئ يلين المشقرا # سوامق جبار أثيث فروعه ... وعالين قنوانا من البسر أحمرا # حمته بنو الربداء من آل يامن ... بأسيافهم حتى أقو وأوقرا # وأرضى بني الربداء واعتم زهوه ... وأكمامه حتى إذا ما تهصرا # أطافت به جيلان عند قطاعه ... تردد فيه العين حتى تحيرا # كأن دمى شغف على ظهر مرمر ... كسا مزبد الساجوم وشيا مصورا # غرائر في كن وصون ونعمة ... يحلين ياقوتا وشذرا مفقرا # وريح سنا في حقه حميرية ... تخص بمفروك من المسك أذفرا # وبانا وألويا من الهند ذاكيا ... ورندا ولبنى والكباء المقترا # غلقن برهن من حبيب به ادعت ... سليمى فأمسى حبلها قد تبترا # وكان لها في سالف الدهر خله ... يسارق بالطرف الخباء المسترا # إذ نال منها نظرة ريع قلبه ... كما ذعرت كأس الصبوح المخمرا # نزيف إذا قامت لوجه تمايلت ... تراشى الفؤاد الرخص ألا تخترا # أأسماء أمسى ودها قد تغيرا ... سنبدل إن أبدلت بالود آخرا # تذكرت أهلي الصالحين وقد أتت ... على خملي خوص الركاب وأوجرا # فلما بدا حوران والآل دونه ... نظرت فلم تنظر بعينيك منظرا # تقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا # بسير يضج العود منه يمنه ... أخو الجهد لا يلوى على من تعذرا # ولم ينسى ما قد لقيت ظعائنا ... وخملا لها كالقر يوما مخدرا # كأثل من الأعراض من دون بيثشة ... ودون الغمير عامدات لغضورا # فدع ذا وسل اللهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا # تقطع غيطانا كأن متونها ... إذا أظهرت تكسى ملاء منشرا # بعيدة بين المنكبين كأنما ... ترى عند مجرى الضفر هرا مشجرا # تطاير ظران الحصى بمناسم ... صلاب العجى ملثومها غير أمعرا # كأن الحصى من خلفها وأمامها ... إذا نجلته رجلها حذف أعسرا # كأن صليل المروحين تشده ... صليل زيوف ينتقدن بعبقرا # عليها فتى لم تحمل الأرض مثله ... أبر بميثاق وأوفى وأصبرا # هو المنزل الآلاف من جونا عط ... بني أسد حزنا من الأرض أوعرا # ولو شاء كان الغزو من أرض حمير ms028 ... ولكنه عمدا إلى الروم أنفرا # بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا # فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # وإني زعيم إن رجعت مملكا ... بسير ترى منه الفرانق أزورا # على لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا # على كل مقصوص الذنابي معاود ... يريد السرى بالليل من خيل بربرا # أقب كسرحان الغضى متمطر ... ترى الماء من أعطافه قد تحدرا # إذا زعته من جانبيه كليهما ... مشى الهيدبى في دفه ثم فرفرا # إذا قلت زوحنا أرن فرانق ... على جلعد واهي الأباجل أبترا # لقد أنكرتني بعلبك وأهلها ... ولابن جريج في قرى حمص أنكرا # نشيم يروق المزن أين مصابه ... ولا شيء يشفي منك يا ابنة عفزرا # من القاصرات الطرف لو دب مخول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا # له الويل إن أمسى ولا أم هاشم ... قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا # أرى أم عمرو دمعها قد تحدرا ... بكاء على عمرو وما كان أصبرا # إذا نحن سرنا خمس عشرة ليلة ... وراء الحساء من مدافع قيصرا # إذا قلت هذا صاحب قد رضيته ... وقرت به العينان بدلت آخرا # PageV01P015 # كذلك جدي ما أصاحب صاحبا ... من الناس إلا خانني وتغيرا # وكنا أناسا قبل غزوة قرمل ... ورثنا الغنى والمجد أكبر أكبرا # وما جبنت خيلي ولكن تذكرت ... مرابطها في بربعيص وميسرا # ألا رب يوم صالح قد شهدته ... بتادف ذات التل من فوق طرطرا # ولا مثل يوم في قداران ظلته ... كأني وأصحابي على قرن أعفرا # ونشرب حتى نحسب الخيل حولنا ... نقادا وحتى نحسب الجون أشقرا # - 5 - قال أيضا: # أعني على برق أراه وميض ... يضيء حبيا في شماريخ بيض # ويهدأ تارات سناه وتارة ... ينوء كتعتاب الكسير المهيض # وتخرج منه لامعات كأنها ... أكف تلقى الفوز عند المفيض # قعدت له وصحبتي بين ضارج ... وبين تلاع يثلث فالعريض # أصاب قطاتين فسال لواهما ... فوادي البدي فانتحى للأريض # بلاد عريضة وأرض أريضة ... مدافع غيث في فضاء عريض # فأضحى يسح الماء عن كل فيقة ... يحوز الضباب في صفاصف بيض # فأسقى به أختي ms029 ضعيقة إذ نأت ... وإذ بعد المزار غير القريض # ومرقبة كالزج أشرفت فوقها ... أقلب طرفي في فضاء عريض # فظلت وظل الجون عندي بلبده ... كأني أعدي عن جناح مهيض # فلما أجن الشمس عني غيارها ... نزلت إليه قائما بالحضيض # يباري شباة الرمح خد مذلق ... كصفح السنان الصلبي النحيض # أخفضه بالنقر لما علوته ... ويرفع عزفا غير جاف غضيض # وقد أعتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد عبل اليدين قبيض # له قصريا عير وساقا نعامة ... كفحل الهجان ينتجى للعضيض # يجم على الساقين بعد كلاله ... جموم عيون الحسى بعد المخيض # ذعرت بها سربا نقيا جلودها ... كما ذعر السرحان جنب الربيض # ووالى ثلاثا واثنتين وأربعا ... وغادر أخرى في قناة الرفيض # فآب إيابا غير نكد مواكل ... وأخلف ماء بعد ماء فضيض # وسن كسنيق سناء وسنما ... ذعرت بمدلاج الهجير نهوض # أرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضا ... كإحراض بكر في الديار مريض # كأن الفتى لم يغن في الناس ساعة ... إذا اختلف اللحيان عند الجريض # - 6 - وقال أيضا: # غشيت ديار الحي بالبكرات ... فعارمة فبرقة العيرات # فغول فحليت فنفى فمنعج ... إلى عاقل فالجب ذي الأمرات # ظللت ردائي فوق رأسي قاعدا ... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي # أعني على التهمام والذكرات ... يبتن على ذي الهم معتكرات # بليل التمام أو وصلن بمثله ... مقايسة أيامها نكرات # كأني وردفي والقراب ونمرقي ... على ظهر عير وارد الخبرات # أرن على عقب حيال طروقة ... كذود الأجير الأربع الأشرات # عنيف بتجميع الضرائر فاحش ... شتيم كدلق الزج ذي ذمرات # ويأكلن بهمى جعدة حبشية ... ويشربن برد الماء في السبرات # فأوردها ماء قليلا أنيسه ... يحاذرن عمرا صاحب القترات # تلت الحصى لتا بسمر رزينة ... موازن لا كزم ولا معرات # ويرخين أذنابا كأن فروعها ... عرا خلل مشهورة ضفرات # وعنس كألواح الإران فسألتها ... على لاحب كالبرد ذي الخبرات # فغادرتها من بعد بدن ردية ... تغالى على عوج لها عود لها كدنات # وأبيض كالمخراق بليت حده ... وهبته في الساق والقصرات # - 7 - وقال أيضا يمدح غوير بن شجنة بن عطارد من بني تميم، وبني عوف رهطه: # ألا إن قوما كنتم أمس دونهم ms030 ... هم منعوا جاراتكم آل غدران # عوير ومن مثل العوير ورهطه ... وأسعد في ليل البلايل صفوان # ثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غران # هم أبلغوا الحي المضلل أهلهم ... وساروا بهم بين العراق ونجوان # فقد أصبحوا والله أصفاهم به ... أبر بميثاق وأوفى بجيران # - 8 - وقال أيضا: # لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عصيب بمان # ديار لهند والرباب وفرتني ... ليالينا بالنعف من بدلان # ليالي يدعوني الهوى فأجيبه ... وأعين من أهوى إلي رواني # PageV01P016 # فإن أمس مكروبا فيا رب بهمة ... كشفت إذا ما اسود وجه الجبان # وإن أمس مكروبا فيا رب قينة ... منعمة أعملتها بكران # لها مزهر يعلو الخميس بصوته ... أجش إذا ما حركته اليدان # وإن أمس مكروبا فيا رب غارة ... شهدت على أقب رخو اللبان # على ربذ يزداد عفوا إذا جرى ... مسح حثيث الركض والذألان # ويخدى على صم صلاب ملاطس ... شديدات عقد لينات المثاني # وغيث من الوسمي حو تلاعه ... تبطنته بشيظم صلتان # مكر مفر مقبل مدبر معا ... كتيس ظباء الحلب الغذوان # إذا ما جنبناه تأود متنه ... كعرق الرخامى اهتز في الهجلان # تمتع من الدنيا فإنك فاني ... من النشوات والنساء الحسان # من البيض كالآرام والأدم كالدمى ... حواصنها والمبرقات الرواني # أمن ذكر نبهانية حل أهلها ... بجزع الملا عيناك تبتدران # فدمعهما سكب وسح وديمة ... ورش وتوكاف وتنهملان # كأنهما مزادتا متعجن ... فريان لما تسلقا بدهان # - 9 - وقال أيضا: # قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان ... ورسم عفت آياته منذ أزمان # أتت حجج بعدي عليها فأصبحت ... كخط زبور في مصاحف رهبان # ذكرت بها الحي الجميع فهيجت ... عقابيل سقم من ضمير وأشجان # فسحت دموعي في الرداء كأنها ... ثكلى من شعيب ذات سح وتهتان # إذا المرء لم يحزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان # فإما تريني في رحالة جابر ... على حرج كالقر تخفق أكفاني # فيا رب مكروب كررت وراءه ... وعان فككت الغل عنه ففداني # وفتيان صدق قد بعثت بسخرة ... فقاموا جميعا بين عاث ونشوان # وخرق بعيد قد قطعت نياطه ... على ذات لوث سهوة المشي مذعان # وغيث كألوان الفنا ms031 قد هبطته ... تعاون فيه كل أوطف حنان # على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كز ولا وان # كتيس الظباء الأعفر انضرجت له ... عقاب تدلت من شماريخ ثهلان # وخرق كجوف العير قفر مضلة ... قطعت بسام ساهم الوجه حسان # يدافع أعطاف المطايا بركنه ... كما مال غصن ناعم فوق أغصان # ومجر كغلان الأنيعم بالغ ... ديار العدو ذي زهار وأركان # مطوت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان # وحتى ترى الجون الذي كان بادنا ... عليه عواف من نسور وعقبان # - 10 - وقال أيضا يمدح جارية بن مر أبا حنبل، ويذم خالد بن سدوس بن أصمع ~~النبهاني: # دع عنك نهبا صبح في حجراته ... ولكن حديثا ما حديث الرواحل # كأن دثارا حلقت بلبونه ... عقاب تنوفي لا عقاب القواعل # تلعب باعث بذمة خالد ... وأودى عصام في الخطوب الأوائل # وأعجبني مشي الحزقة خالد ... كمشي أتان حلئت بالمناهل # أبت أجأ أن تسلم العام جارها ... فمن شاء فلينهض لها من مقاتل # تبيت لبوني بالقرية أمنا ... وأسرحها غبا بأكناف خائل # بنو ثعل جيرانها وحماتها ... وتمنع من رماة سعد ونائل # تلاعب أولاد الوعول رباعها ... دوين السماء في رؤوس المجادل # مكللة حمراء ذات أسرة ... لها حبك كأنها من وصائل # - 11 - وقال أيضا: # أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب # عصافير وذبان ودود ... وأجرأ من مجلحة الذئاب # فبعض اللوم عاذلني فإني ... ستكفيني التجارب وانتسابي # إلى عرق الثرى وشجت عروقي ... وهذا الموت يسلبني شبابي # ونفسي سوف يسلبها وجرمي ... فيلحقني وسيكا بالتراب # ألم أفض المطي بكل خرق ... أمق الطول لماع السراب # وأركب في اللهام المجر حتى ... أنال مآكل القحم الرغاب # وكل مكارم الأخلاق صارت ... إليه همتي وربه اكتسابي # وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب # أبعد الحارث الملك ابن عمرو ... وبعد الخير حجر ذي القباب # أرجي من صروف الدهر لينا ... ولم تغفل عن الصم الهضاب # وأعلم أنني عما قريب ... سأنشب في شبا ظفر وناب # PageV01P017 # كما لاقى أبي حجر وجدي ... ولا أنسى قتيلا بالكلاب # - 12 - وقال: # أماوي هل لي عندكم من معرس ... أم ms032 الصرم تختارين بالوصل نيأس # أبيني لنا إن الصريمة راحة ... من الشك ذي المخلوجة المتلبس # كأني ورحلي فوق أحقب قارح ... بشربة أوطاف بعرنان موجس # تعشى قليلا ثم أنحى ظلوفه ... يشير التراب عن مبيت ومكنس # يهيل ويذري تربها ويثيره ... إثارة نباث الهواجر مخمس # فبات على خد أحم ومنكب ... وضجعته مثل الأسير المكردس # وبات إلى أرطأة حقف كأنها ... إذا التقتها غبية بيت معرس # فصبحه عند الشروق غدية ... كلاب ابن مر أو كلاب ابن سنبس # مغرثة زرقا كأن عيونها ... من الذمر والإيحاء نوار عضرس # فأدبر يكسوها الرغام كأنها ... على الصمد والآكام جذوة مقبس # وأيقن إن لاقينه أن يومه ... بذي الرمث إن ماوتنه يوم أنفس # فأدركنه يأخذن بالساق والنسا ... كما شبرق الولدان ثوب المقدس # وغورن في ظل الغضى وتركنه ... كقرم الهجان القادر المتشمس # - 13 - وقال: # ألما على الربع القديم بعسعسا ... كأني أنادي أو أكلم أخرسا # فلو أن أهل الدار فيها كعهدنا ... وجدت مقيلا عندهم ومعرسا # فلا تنكروني إنني أنا ذاكم ... ليالي حل الحي غولا فألعسا # فإما تريثي لا أغمض ساعة ... من الليل إلا أن أكب فأنعسا # تأوبي دائي القديم فغلسا ... أحاذر أن يرتد دائي فأنكسا # فيا رب مكروب كررت وراءه ... وطاعنت عنه الخيل حتى تنفسا # ويا رب يوم قد أروح مرجلا ... حبيبا إلى البيض الكواعب أملسا # يرعن إلى صوتي إذا ما سمعنه ... كما ترعوي عيط إلى صوت أعيسا # أراهن لا يحببن من قل ماله ... ولا من رأين الشيب فيه وقوسا # وما خفت تبريح الحياة كما أرى ... تضيق ذراعي أن أقوم فألبسا # فلو أنها نفس تموت جميعة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا # وبدلت قرحا داميا بعد صحة ... فيا لك من نعمى تحولن أبؤسا # لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا # ألا إن بعد العدم للمرء قنوة ... وبعد المشيب طول عمر وملبسا # - 14 - وقال: # لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر ... ولا مقصر يوما فيأتيني بقر # ألا إنما الدهر ليال وأعصر ... وليس على شيء قويم بمستمر # ليال بذات الطلح عند محجر ... أحب إلينا من ليال ms033 على أقر # أعادي الصبوح عند هر وفرتني ... وليدا وهل أفنى شبابي غير هر # إذا ذقت فاه قلت طعم مدامة ... معتقة مما تجيء به التجر # هما نعجتان من نعاج تبالة ... لذي جؤذرين أو كبعض دمى هكر # إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريح من القطر # كأن التجار أصعدوا بسبيئة ... من الخص حتى أنزلوها على يسر # فلما استطابا صب في الصحن نصفه ... وشجت بماء غير طرق ولا كدر # بماء سحاب زل عن متن صخرة ... إلى بطن أخرى طيب ماؤها خصر # لعمرك ما إن ضرني وسط حمير ... وأقوالها إلا المخيلة والشكر # وغير الشقاء المستبين فليتني ... أجر لساني يوم ذلكم مجر # لعمرك ما سعد بخلة آثم ... ولا نأنإ يوم الحفاظ ولا حصر # لعمري لقوم قد نرى أمس فيهم ... مرابط للأمهار والعكر الدثر # أحب إلينا من أناس بقنة ... يروح على آثار شأنهم النمر # يفاكهنا سعد ويغدو لجمعنا ... بمثنى الزقاق المترعات وبالجزر # لعمري لسعد حيث حلت دياره ... أحب إلينا منك فافرس حمر # وتعرف فيه من أبيه شمائلا ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر # سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر # - 15 - وقال يجيب سبيع بن عوف بن مالك: # لمن الديار غشيتها بسحام ... فعمايتين فهضب ذي أقدام # فصفا الأطيط فصاحتين فغاضر ... تمشي النعاج بها مع الآرام! # دار لهند والرباب وفرتني ... وبليس قبل حوادث الأيام # عوجا على الطلل المحيل لاننا ... نبكي الديار كما بكى ابن خذام # PageV01P018 # أو ما ترى أظعانهن بواكرا ... كالنخل من شوكان حين صرام # حور تعلل بالعبير جلودها ... بيض الوجوه نواعم الأجسام # فظلت في دمن الديار كأنني ... نشوان باكره صبوح مدام # أنف كلون دم الغزال معتق ... من خمر عانة أو كروم شبام # وكأن شاربها أصاب لسانه ... موم يخالط جسمه بسقام # ومجدة نسأتها فتكمشت ... رتك النعامة في طريق حام # تخدى على العلات سام رأسها ... روعاء منسمها رثيم دام # جالت لتصرعني فقلت لها اقصري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام # فجزيت خير جزاء ناقة واحد ... ورجعت سالمة القرا بسلام # وكأنما بدر وصيل ms034 كتيفة ... وكأنما من عاقل أرمام # أبلغ سبيعا إن عرضت رسالة ... إني كهمك إن عشوت أمامي # أقصر إليك من الوعيد فإنني ... مما ألاقي لا أشد حزامي # وأنا المنبه بعد ما قد نوموا ... وأنا المعالن صفحة النوام # وأنا الذي عرفت معد فضله ... ونشدت عن حجر ابن أم قطام # وأنازل البطل الكريه نزاله ... وإذا أناضل لا تطيش سهامي # خالي ابن كبشة قد علمت مكانه ... وأبو يزيد ورهطه أعمامي # وإذا أذيت ببلدة ودعتها ... ولا أقيم بغير دار مقام # - 16 - وقال: # يا دار ماوية بالحائل ... فالسهب فالخبتين من عاقل # صم صداها وعفا رسمها ... واستعجمت عن منطق السائل # قولا لدودان عبيد العصا ... ما غركم بالأسد الباسل # قد قرت العينان من مالك ... ومن بني عمرو ومن كاهل # ومن بني غنم بن دودان إذ ... نقذف أعلاهم على السافل # نطعنهم سلكي ومخلوجة ... لفتك لأمين على نابل # إذ هن أقساط كرجل الدبى ... أو كقطا كاظمة الناهل # حتى تركناهم لدى معرك ... أرجلهم كالخشب الشائل # حلت لي الخمر وكنت امرأ ... عن شربها في شغل شاغل # فاليوم أسقى غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل # - 17 - وقال: # رب رام من بني ثعل ... مثلج كفيه في قتره # عارض زوراء من نشم ... غير باناة على وتره # قد أتته الوحش واردة ... فتنحى النزع في يسره # فرماها في فرائصها ... بإزاء الحوض أو عقره # برهيش من كنانته ... كتلظي الجمر في شرره # راشه من ريش ناهضة ... ثم أمهاه على حجره # فهو لا تنمى رميته ... ماله لا عد من نفره # مطعم للصيد ليس له ... غيرها كسب على كبره # وخليل قد أفارقه ... ثم لا أبكي على أثره # وابن عم قد تركت له ... صفو ماء الحوض عن كدره # وحديث الركب يوم هنا ... وحديث ما على قصره # - 18 - وقال: # يا هند لا تنكحي بوهة ... عليه عقيقته أحسبا # مرسعة بين أرساغه ... به عسم يبتغي أرنبا # ليجعل في رجله كعبها ... حذار المنية أن يعطبا # ولست بخزرافة في القعود ... ولست بطياخة أحدبا # ولست بذي رثية إفر ... إذا قيد مستكرها أصحبا # وقالت بنفسي شباب له ... ولمته قبل ms035 أن يشجبا # وإذ هي سوداء مثل الفحيم ... تغشى المطانب والمنكبا # - 19 - وقال في قتل شرحبيل بن عمرو بن حجر عمه ويهجو البراجم من بني تميم ~~ويربوعا ودارما: # ألا قبح الله البراجم كلها ... وجدع يربوعا وعفر دارما # وآثر بالملحاة آل مجاشع ... رقاب إماء يقتنين المفارما # فما قاتلوا عن ربهم وربيبهم ... ولا آذنوا جارا فيظفر سالما # وما فعلوا فعل العوير بجاره ... لدى باب هند إذ تجرد قائما # - 20 - وقال يمدح العوير بن شجنة وقؤمة بني عوف: # إن بني عوف ابتنوا حسبا ... ضيعه الدخللون إذ غدروا # إدوا إلى جارهم خفارته ... ولم يضع بالمغيب من نصروا # لم يفعلوا فعل آل حنظلة ... إنهم جير بئس ما ائتمروا # لا حميري وفي ولا عدس ... ولا أست عير يحكها النفر # لكن عوير وفي بذمته ... لا عور شانه ولا قصر # - 21 - وقال حين بلغه أن بني أسد قتلت أباه: # تالله لا يذهب سيخي باطلا # حتى أبير مالكا وكاهلا # القاتلين الملك الحلاحلا # PageV01P019 # خير معد حسبا ونائلا # يا لهف هند إذ خطئن كاهلا # نحن جلبنا القرح القوافلا # يحملننا والأسل النواهلا # مستفرمات بالحصى جوافلا # تستنفر الأواخر الأوائلا # - 22 - وقال لما ذهبت إبله: # ألا إلا تكن إبل فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي # وجاد لها الربيع بواقصات ... فآرام وجاد لها الولي # إذا مشت حوالبها أرنت ... كأن الحي صبحهم نعي # تروح كأنها مما أصابت ... معلقة بأحقبها الدلي # فتوسع أهلها أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وري # - 23 - وقال حين غزا بني أسد فأخطأهم وأوقع ببني كنانة وهو لا يدري: # ألا يا لهف هند إثر قوم ... هم كانوا الشفاء فلم يصابوا # وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب # وأفلتهن علباء جريصا ... ولو أدركنه صفر الوطاب # - 24 - وقال يمدح المعلى أحد بني تميم ب- 24 -ن ثعلبة من جديلة طيئ وكان ~~أجاره والمنذر بن ماء السماء يطلبه فمنعه ووفى له: # كأني إذ نزلت على المعلى ... نزلت على البواذخ من شمام # فما ملك العراق على المعلى ... بمقتدر ولا ملك الشآم # أشد نشاص ذي القرنين حتى ... تولى عارض الملك ms036 الهمام # أقر حشا امرئ القيس بن حجر ... بنو تيم مصابيح الظلام # - 25 - وقال يمدح طريف بن مالك: # لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... طريف بن مال ليلة الجوع والخصر # إذا البازل الكوماء راحت عشية ... تلاوذ من صوت المبسين بالشجر # - 26 - وقال يصف تقلب الزمان ودورانه: # أبعد الحارث الملك بن عمرو ... له ملك العراق إلى عمان # مجاورة بن شمحى بن جرم ... هوانا ما أتيح من الهوان # ويمنعها بنو شمحى بن جرم ... معيزهم خانك ذا الحنان # - 27 - وقال يصف الغيث # ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرى وتدر # تخرج الود إذا ما أشجدت ... وتواريه إذا ما تشتكر # وترى الضب خفيفا ماهرا ... ثانيا برثنه ما ينعفر # وترى الشجراء في ربقه ... كروس قطعت فيها الخمر # ساعة ثم انتحاها وابل ... ساقط الأكناف واه منهمر # راح تمريه الصبا ثم انتحى ... فيه شؤبوب جنوب منفجر # ثج حتى ضاق عن آذيه ... عرض خيم فجفاف فيسر # قد غدا يحملني في أنفه ... لاحق الإطلين محبوك ممر # - 28 - وقال ينازع الحارث التوءم اليشكري قال امرؤ القيس: أحار ترى بريقا ~~حب وهنا فقال الحارث بن التوءم: كنار مجوس تستعر استعارا ثم قال امرؤ ~~القيس: أرقت له ونام أبو شريح فقال الحارث: إذا ما قلت قد هدأ استطارا فقال ~~امرؤ القيس: كان هزيزه بوراء غيب فقال الحارث: عشار وله لاقت عشارا فقال ~~امرؤ القيس: فلما أن دنا لقفا أضاخ فقال الحارث: وهت أعجاز ريقه فحارا فقال ~~امرؤ القيس: فلم يترك بذات السر ظبيا فقال الحارث: ولم يترك بجلهتها حمارا ~~- 29 - وقال: # أحار بن عمر وكأني خمر ... ويعدوا على المرء ما يأتمر # لا وأبيك ابنة العامر ... ي لا يدعي القوم أني أفر # تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعا صبر # إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر # تروح من الحي أم تبتكر ... وماذا عليك بأن تنتظر # أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر # وفيمن أقام عن الحي هر ... أم الظاعنون بها في الشطر # وهر تصيد قلوب الرجال ... وأفلت منها ابن عمرو ms037 حجر # رمتني بسهم أصاب الفؤاد ... غداة الرحيل فلم أنتصر # فأسبل دمعي كفض الجمان ... أو الدر رقراقه المنحدر # وإذ هي تمشي كمشي النزي ... ف يصرعه بالكثيب البهر # برهرهة رؤدة رخصة ... كخرعوبة البانة المنفطر # فتور القيام قطيع الكلا ... م تفتر عن ذي غروب خصر # كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر # يعل به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المستحر # فبت أكابد ليل التما ... م والقلب من خشية مقتشعر # فلما دنوت تسديتها ... فثوبا نسيت وثوبا أجر # PageV01P020 # ولم يرنا كالئ كاشح ... ولم يفش منا لدى البيت سر # وقد رابني قولها يا هنا ... ه ويحك ألحقت شرا بشر # وقد اغتدى معي القانصان ... وكل بمربأة مقتفر # فيدركنا فغم داجن ... سميع بصير طلوب نكر # ألص الضروس حتى الضلوع ... تبوع طلوب نشيط آشر # فأنشب أظفاره في النسا ... فقلت هبلت ألا تنتصر # فكر إليه بمبراته ... كما خل ظهر اللسان المجر # فظل يرنح في غيطل ... كما يستدير الحمار النعر # وأركب في الروع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر # لها حافز مثل قعب الولي ... د ركب فيه وظيف عجر # لها ثنن كخوافي العقا ... ب سود يفئن إذا تزبئر # وساقان كعباهما أصمعا ... ن لحم حماتيهما منبتر # لها عجز كصفاة المسي ... ل أبرز عنها جحاف مضر # لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد بها فرجها من دبر # لها متنتان خظاتاكما ... أكب على ساعديه النمر # لها عذر كقرون النسا ... ء ركبن في يوم ريح وصر # وسالفة كسحوق الليا ... ن أضرم فيها الغوى السعر # لها جبهة كسراة المج ... ن حذفه الصانع المقتدر # لها منخر كوجار الضباع ... فمنه تريح إذا تنبهر # وعين لها حذرة بدرة ... وشقت مآقيها من أخر # إذا أقبلت قلت دباءة ... من الخضر مغموسة في الغدر # وإن أدبرت قلت أثفية ... ململمة ليس فيها أثر # وإن أعرضت قلت سرعوفة ... لها ذنب خلفها مسبطر # وللسوط فيها مجال كما ... تنزل ذو برد منهمر # لها وثبات كصوب السحاب ... فواد خطاء وواد مطر # وتعدو كعدو نجاة الظبا ... ء أخطأها الحاذف المقتدر # - 30 - وقال: # ألا انعم صباحا أيها الربع وانطق ... وحدث ms038 حديث الركب إن شئت واصدق # وحدث بأن زالت بليل حمولهم ... كنخل من الأعراض غير منبق # جعلن حوايا واقتعدن قعائدا ... وخففن من حوك العراق المنمق # وفوق الحوايا غزلة وجآذر ... تضمخن من مسك ذكي وزنبق # فأتبعتهم طرفي وقد حال دونهم ... غوارب رمل ذي ألاء وشبرق # على إثر حي عامدين لنية ... فحلوا العقيق أو ثنية مطرق # فعزيت نفسي حين بانوا بجسرة ... أمون كبنيان اليهودي خيفق # إذا زجرت ألفيتها مشمعلة ... تنيف بعذق من غرس ابن معنق # تروح إذا راحت رواح جهامة ... بإثر جهام رائح متفرق # كأن بها هرا جنيبا تجره ... بكل طريق صادفته ومأزق # كأني ورحلي والقراب وتمرقي ... يرفئ ذي زوائد نقنق # تروح من أرض لأرض نطية ... لذكرة قيض حول بيض مفلق # يجول بآفاق البلاد مغربا ... وتسحقه ريح الصبا كل مسحق # وبيت يفوح المسك في حجراته ... بعيد من الآفات غير مروق # دخلت على بيضاء جم عظامها ... تعفى بذيل الدرع إذ جئت مودقي # وقد ركدت وسط السماء نجومها ... ركود نوادي الربرب المتورق # وقد أغتدي قبل العطاس بهيكل ... شديد مشك الجنب فعم المنطق # بعشا ربيئا قبل ذاك مخملا ... كذئب الغضى يمشي الضراء ويتقي # فظل كمثل الخشف يرفع رأسه ... وسائره مثل التراب المدقق # وجاء خفيا يسفن الأرض بطنه ... ترى الترب منه لاصقا كل ملصق # وقال ألا هذا صوار وعانة ... وخيط نعام.. يرتعي متفرق # فقمنا بأشلاء اللجام ولم نقد ... إلى غصن بان ناضر لم يحرق # نزاوله حتى حملنا غلامنا ... على ظهر ساط كالصليف المعرق # كأن غلامي إذ علا حال متنه ... على ظهر باز في السماء محلق # رأى أرنبا فانقض يهوى أمامه ... إليها وجلاها بطرف ملقلق # فقلت له صوب ولا تجهدنه ... فيدرك من أعلى القطاه فتنزلق # فأدبرن كالجزع المفصل بينه ... بجيد الغلام ذي القميص المطوق # وأدركهن ثانيا من عنانه ... كغيث العشي الأقهب المتودق # فصاد لنا عيرا وثورا وخاضبا ... عداء ولم ينضح بماء فيعرق # وظل غلامي يضجع الرمح حوله ... لكل مهاة أو لأحقب سهوق # وقام طوال الشخص إذ يخضبونه ... قيام العزيز الفارسي المنطق # PageV01P021 # فقلنا ألا قد كان صيد لقانص ... فخبوا ms039 علينا كل ثوب مزرق # وظل صحابي يشتوون بنعمة ... يصفون غارا باللكيك الموشق # ورحنا كأنا من جؤاثى عشية ... نعالي النعاج بين عدل ومشنق # ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طورا وترتقي # وأصبح زهلولا يزل غلامنا ... كقدح النضي باليدين المفوق # كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مفرق # - 31 - وقال: # أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص # وكم دونها من مهمة ومفازة ... وكم أرض جدب دونها ولصوص # تراءت لنا يوما بجنب عنيزة ... وقد حان منها رحلة فقلوص # بأسود ملتف الغدائر وارد ... وذي أشر تشوفة وتشوص # منابته مثل السدوس ولونه ... كشوك السيال فهو عذب يفيض # فهل تسلين الهم عنك شملة ... مداخلة صم العظام أصوص # تظاهر فيها الني لا هي بكرة ... ولا ذات ضغن في الزمام قموص # أؤوب نعوب لا يواكل نهزها ... إذا قيل سير المدلجين نصيص # كأني ورحلي والقراب وغرقي ... إذا شب للمرو والصغار وبيص # على نقنق هيق له ولعرسه ... بمنعرج الوعساء بيض رصيص # إذا راح للأدحي أوبا يفنها ... تحاذر من إدراكه وتحيص # أذلك أم جون يطارد آتنا ... فأربى حملهن دروص # طواء اضطمار الشد فالبطن شارب ... معالي إلى المتنين فهو خميص # بحاجبه كدح من الضرب جالب ... وحاركه من الكدام حصيص # كأن سرته وجدة ظهره ... كنائن يجري بينهن دليص # ويأكلن من قو لعاعا وربة ... تجبر بعد الأكل فهو نميص # تطير عفاء من نسيل كأنه ... مسدس أطارته الرياح وخوص # تصيفها حتى إذا لم يسغ لها ... حلي بأعلى حائل وقصيص # تغالبن فيه الجزء لولا هواجر ... جنادبها صرعى لهن فصيص # أرن عليها قاربا وانتحت له ... طوالة أرساغ اليدين نحوص # فأوردها من آخر الليل مشربا ... بلائق خضرا ماؤهن قليص # فيشربن أنفاسا وهن خوائف ... وترعد منهن الكلى والفريص # فأصدرها تعلو النجاد عشية ... أقب كمقلاء الوليد خميص # فجحش على أدبارهن مخلف ... وجحش لدى مكرهن وقيص # وأصدرها بادي النواجذ قارح ... أقب كسكر الأندري محيص # - 32 - وقال: # تطاول ليلك بالأثمد ... نام الخلي ولم ترقد # وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد # وذلك من نبأ جاءني ... وحبرته ms040 عن أبي الأسود # ولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد # لقلت من القول ما لايزا ... ل يؤثر عني يد المسند # بأي علاقتنا ترغبون ... أعن دم عمرو على مرثد # فإن تدفنوا الداء لا تخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد # فإن تقتلونا نقتلكم ... وإن تقصدوا لدم نقصد # متى عهدنا بطعان الكما ... ة والحمد والمجد والسؤدد # وبني القباب وملء الجفا ... ن والنار والحطب المفاد # وأعددت للحرب وثابة ... جواد المحثة والمرود # سبوحا جموحا وإحضارها ... كمعمعة السعف الموقد # ومشدودة السك موضونة ... تضاءل في الطي كالمبرد # تفيض على المرء أردانها ... كفيض الأتي على الجدجد # ومطردا كرشاء الجرو ... ر من خلب النخلة الأحرد # وذا شطب غامضا كلمه ... إذا صاب بالعظم لم ينأد # - 33 - وقال: # حي الحمول بجانب العزل ... إذ لا يلائم شكلها شكلي # ماذا يشق عليك من ظعن ... إلا صباك وقلة العقل # منيتنا بغد وبعد غد ... حتى بخلت كأسوأ البخل # يا رب غانية لهوت بها ... ومشيت متئدا على رسلي # لا استقيد لمن دعا لصبا ... قسرا ولا أصطاد بالختل # وتنوفة جرداء مهلكة ... جاوزتها بنجائب فتل # فيبتن ينهشن الجبوب بها ... وأبيت مرتفقا على رحلي # متوسدا عضبا مضاربه ... في متنه كمدبة النمل # يدعى صقيلا وهو ليس له ... عهد بتمويه ولا صقل # عفت الديار فما بها أهلي ... ولوت شموس بشاشة البذل # PageV01P022 # نظرت إليك بعين جازئة ... حوراء حانية على طفل # فلها مقلدها ومقتلها ... ولها عليه سراوة الفضل # أقبلت مقتصدا وراجعني ... حلمي وسدد للتقى فعلي # الله أنجدح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل # ومن الطريقة جائر وهدى ... قصد السبيل ومنه ذو دخل # إني لأصرم من يصارمني ... وأجد وصل من ابتغى وصلي # وأخي إخاء ذي محافظة ... سهل الخليقة ماجد الأصل # حلو إذا ما جئت قال ألا ... في الرحب أنت ومنزل السهل # نازعته كأس الصبوح ولم ... أجهل مجدة عذرة الرجل # إني بحبلك واصل حبلي ... وبريش نبلك رائش نبلي # ما لم أجدك على هدى أثر ... يقرو مقصك قائف قبلي # وشمالي ما قد علمت وما ... نبحت كلابك طارقا مثلي # - 34 - وقال: # جزعت ولم أجزع ms041 من البين مجزعا ... وعزيت قلبا بالكواعب مولعا # وأصبحت ودعت الصبا غير أنني ... أراقب خلات من العيش أربعا # فمنهن قولي للندامى ترفقوا ... يداجون نشاجا من الخمر مترعا # ومنهن ركض الخيل ترجم بالقنا ... يبادرن سربا آمنا أن يفزعا # ومنهن نص العيس والليل شامل ... تيمم مجهولا من الأرض بلقعا # خوارج من برية نحو قرية ... يجددن وصلا أو يقربن مطمعا # ومنهن سوفي الخود قد بلها الندى ... تراقب منظوم التمائم مرضعا # تعز عليها ريبتي ويسوءها ... بكاه فتثنى الجيد أن يتضوعا # بعثت إليها والنجوم طوالع ... حذارا عليها أن تقوما فتسمعا # فجاءت قطوف المشي هيابة السرى ... يدافع ركناها كواعب أربعا # يزجينها مشي النزيف وقد جرى ... صباب الكرى في مخها فتقطعا # تقول وقد جردتها من ثيابها ... كما رعت مكحول المدامع أتلعا # وجدك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا # فبتنا تسد الوحش عنا كأننا ... قتيلان لم يعلم لنا الناس مضرعا # تجافى عن الماثور بيني وبينها ... وتدنى على السايري المضلعا # إذا أخذتها هزة الروع أمسكت ... بمنكب مقدام على الهول أروعا ### | علقمة الفحل الشاعر الجاهلي ### | ترجمة الشاعر # هو علقمة بن عبدة، بن النعمان التميمي، من نجد وسادات تميم وشعرائهم ~~المشهورين المتوفي عام 561 م. # شب وترعرع في بادية نجد وكان للبيئة أثرها في الشاعر فأرهفت حسه وصقلت ~~خياله وجلت قريحته، وألهمته الشعر الرصين الرائع الديباجة، الفخم الأسلوب ~~الذي يمتلك المشاعر ويستلب الحواس الحقيق بأن يلقب صاحبه بالفحل. # وسبب تلقيبه بهذا اللقب كما يقال -أنه ابن امرأ القيس وخلفه على زوجته ~~بعد تحاكمهما إليها. وتفصيل الخبر أن علقمة ضاف امرأ القيس - وصديقا له - ~~فتذاكرا القريض، وادعاه كل منهما على صاحبه، ولج في ذلك فقالت لهما "أم ~~جندب" وكانت سليمة الذوق: قولا شعرا تصفان فيه الخيل وتذكران الصيد على ~~قافية واحدة وروى واحد، لأنظر أيكما أشعر فرضيا بحكمها وأنشداها على ~~البديهة قصيدتين كبيرتين وأول قصيدة امرئ القيس: # خليلي مرابي على أم جندب ... لنقضي لبانات الفؤاد المعذب # وأول قصيدة علقمة: # ذهب من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقا كل ms042 هذا التجنب # ولما فرغا من إنشادهما قالت أم جندب لبعلها علقمة أشعر منك. فقال وهو ~~يكاد يتميز من الغيظ: وكيف ذاك؟ قالت لأنك قلت: # فللسوط ألهوب وللساق ذرة ... وللزجر منه وقع أهوج منعب # فزجرت فرسك وجهدته بسوطك ومريته بساقك، وقال علقمة: # فأدركهن ثانيا من عنانه ... يمر كمر الرائح المتحلب # فأدرك الطريدة وهو ثان من عنان فرسه. لم يضربه بسوط ولا مراه بساق، ولا ~~زجره فتزبد وجهه. وقال لها ما هو بأشعر مني ولكنك له وامق وطلقها فخلفه ~~عليها علقمة وسمي لذلك الفحل. ويروى أن علقمة لقب بالفحل تمييزا له عن سمي ~~من قومه هو علقمة بن سهل أحد بني ربيعة بن مالك التميمي، وكان شاعرا مثله، ~~ومن شعره: # يقول رجال من صديق وصاحب ... أراك أبا الوضاح أصبحت ثاويا # فلن يعدم الباقون قبرا لجثتي ... ولن يعدم الميراث من المواليا # PageV01P023 # وخفت عيون الباكيات وأقبلوا ... إلى ما لهم قد بنت عنه بماليا # حراصا على ما كنت أجمع قبلهم ... هنيئا لهم جمعي وما كنت واليا # وقد وفد علقمة على الحارث الوهاب سيد بني غسان ملك الشام ومدحه بقصيدته # طحا بك قلب في الحسان طروب ... يعيد الشباب عصر حان مشيب # وكان أخو علقمة شاس أسيرا عند الحارث مع عدة رجال من بني تميم فطلب علقمة ~~إطلاقهم وكان سبب أسرهم على ما يروى أن الحارث الغساني خطب إلى المنذر ~~ابنته هندا فوعده بها وكانت هند لا تريد الرجال فصنعت بجلدها شبه البرص ~~فندم المنذر على تزويجها وأمسكها عن ملك غسان فنشبت الحرب بسبب ذلك وأسر ~~خلق كثير من أصحاب المنذر منهم شاس بن عبدة أخو علقمة فلما مدح علقمة ~~الحارث بقصيدته المذكورة وطلب منه فك أسر أخيه لبى الملك دعاءه وأطلق له ~~أخاه وكل الأسرى من قبيلته. ومن شعر علقمة الجيد قصيدة مطلعها: # هل ما علمت وما استودعت مكتوب ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم # أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... أثر الأحبة يوم البين مشكوم # والنقاد يعجبون بشعر علقمة إعجابا شديدا. # اجتمع الزبرقان بن ms043 بدر وعمرو بن الأهتم والمخبل السعدي وعلقمة الفحل قبل ~~أن يسلموا وبعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فنحروا جزورا واشتروا خمرا ~~ببعير، وجلسوا يشوون ويأكلون، فقال أحدهم وقد لعبت برأسه سورة الحميا: لو ~~أن قوما طاروا من جودة أشعارهم لطرنا. وقال كل منهم لصاحبه أنا أشعر منك، ~~ثم تحاكموا إلى أول من يطلع عليهم. ومن غرائب المصادفات أن يكون أول طالع ~~حكم العرب وقاضيها الحصيف الرأي ربيعة بن حذار الأسدي. ولما طلع رحبوا به ~~وقالوا له: أخبرنا أينا أشعر؟ قال أخاف أن تغضبوا. فأمنوه من ذلك. فقال: ~~أما أنت يا زبرقان فإن شعرك كلحم لا أنضج فيؤكل؛ ولا ترك نيئا فينتفع به. ~~وأما أنت يا عمرو فإن شعرك كبرد حبرة يتلألأ فيه البصر فكلما أعدته نقص. ~~وأما أنت يا مخبل فشعرك شهب من نار الله يلقيها على من يشاء. وأما أنت يا ~~علقمة فإن شعرك كمزادة قد أحكم خرزها فليس يقطر منها شيء. وقال ابن ~~الأعرابي (150-240 ه) لم يصف أحد قط الخيل إلا احتاج إلى أبي دؤاد، ولا وصف ~~الخمر إلا احتاج إلى أوس بن حجر ولا وصف أحد النعامة إلا احتاج إلى علقمة ~~بن عبدة ولا اعتذر أحد في شعره إلا احتاج إلى النابغة الذبياني. # وقال أبو عبد الله بن سلام الجمحي المتوفي عام 231 ه في كتابه طبقات ~~الشعراء لابن عبدة ثلاث روائع جياد لا يفوقهن شعر: الأولى "طحا بك قلب في ~~الحسان طروب" والثانية "ذهبت من الهجران غير مذهب"، والثالثة "هل ما علمت ~~وما استودعت مكتوم". وقد شارك ابن سلام في رأيه هذا ابن رشيق القيرواني في ~~كتابه "العمدة" وقد ذكره ابن سلام في الطبقة الرابعة من شعراء الجاهلية. # وقال ابن سعيد المغربي (610-693 ه) في كتابه "عنوان المرقصات والمطربات" ~~"معاني الغوص في شعر علقمة معدومة، وأقرب ما وقع له قوله: # أوردتها وصدور العبس مسنفة ... والصبح بالكوكب الدري منحور # يشير إلى أن كوكب الصبح مثل سنان الحربة طعن به فسال منه دم الشفق وإذا ~~تبين ms044 هذا المعنى كان من المرقصات.. وقوله: # يحملن أترجة نضح العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم # يشير إلى أن ما نال هذه المرأة من مضض السير واصفرار لونها كالأترجة ~~وأنها كلما تحركت تزيد طيبا! ومنه أخذ ابن الرمى وغيره تشبيه المرأة ~~بالروضة لطيب ثغرها". # وقال أبو عمرو بن العلاء (68-154 ه) أعلم الناس بالنساء علقمة بن عبدة ~~حيث يقول: # فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب # إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له من ودهن نصيب # يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب # وكانت العرب - كما يقول حماد الراوية - تعرض أشعارها على قريش، فما قبلوا ~~منها كان مقبولا، وما ردوا منها كان مردودا، فقدم علقمة بن عبدة فأنشدهم ~~قصيدته التي أولها: # هل ما علمت وما استودعت مكتوم؟ ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم # فقالوا: هذا سمط الدهر.. ثم عاد إليهم في العام المقبل فأنشدهم درته التي ~~مطلعها "طحابك" فقالوا: هاتان سمطا الدهر. # PageV01P024 # وقد عمر علقمة طويلا، وتوفي عام 561، ويروي بعض الباحثين أنه عمر بعد ذلك ~~طويلا وتوفي 265؛ وله أبناء شعراء منهم خالد، وعلي، ولعلي ابن شاعر اسمه ~~عبد الرحمن. ### | شرح المختار من شعر علقمة # - 1 - قال علقمة بن عبدة يمدح الحارث بن أبي شمر الغساني: # طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب # يكلفني ليلي وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب # منعمة لا يستطاع كلامها ... على بابها من أن تزار رقيب # إذا غاب عنها البعل لم تفش سره ... وترضى إياب البعل حين يؤوب # فلا تعدلي بيني وبين مغمر ... سقتك روايا المزن حيث تصوب # سقاك يمان ذو حي وعارض ... تروح به جنح العشي جنوب # وما أنت أم ما ذكرها ربعية ... يخط لها من ثرمداء قليب # فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب # إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له من ودهن نصيب # يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب # فدعها وسل الهم عنك بحسرة ... كهمك فيها بالرداف ms045 خبيب # وناجية أفنى ركيب ضلوعها ... وحاركها تهجر فدؤوب # وتصبح عن غب السرى وكأنها ... مولعة تخشى القنيص شبوب # تعفق بالأرطى لها وأرادها ... رجال فبذت نبلهم وكيب # إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتي ... لكلكلها والقصر بين وجيب # لتبلغني دار امرئ كان نائيا ... فقد قربتني من نداك قروب # إليك "أبيت اللعن" كان وجيفها ... بمشتبهات هو لهن مهيب # تتبع أفياء الظلال عشية ... على طرق كأنهن سبوب # هداني إليك الفرقدان ولاحب ... له فوق أصراء المتان علوب # بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض، وأما جلدها فصليب # فأوردتها ماء كأن جمامه ... من الأجن حناء معا وصبيب # تراد على دمن الحياض فإن تعف ... فإن المندى رحلة فركوب # وأنت امرؤ أفضت إليك أمانتي ... وقبلك ربتني فضعت ربوب # فأدت بنو كعب بن عوف ربيبها ... وغودر في بعض الجنود ربيب # فوالله لولا فارس الجون منهم ... لآبوا خزايا والإياب حبيب # تقدمه حتى تغيب حجوله ... وأنت لبيض الدارعين ضروب # مظاهر سربالي حديد عليهما ... عقيلا سيوف مخذم ورسوب # فجالدتهم حتى اتقوك بكبشهم ... وقد حان من شمس النهار غروب # تجود بنفس لا يجاد بمثلها ... وأنت بها يوم اللقاء تطيب # قاتل من غسان أهل حفاظها ... وهنب وقاس جالدت وشبيب # تخشخش أبدان الحديد عليهم ... كما خشخشت يبس الحصاد جنوب # كأن رحال الأوس تحت لبانه ... وما جمعت جل معا وعنيب # رغا فويهم سقب السماء فداحض ... بشكته لم يستلب وسليب # كأنهم صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهن دبيب # فلم تنج إلا شطبة بلجامها ... وإلا طمر كالقناة نجيب # وإلا كمي ذو حفاظ كأنه ... بما ابتل من حد الظبات خضيب # وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب # وما مثله في الناس إلا قبيله ... مساو ولا دان لذاك قريب # فلا تحرمني نائلا عن جنابة ... فإني امرؤ وسط القباب غريب # فلست لإنسي ولكن لملاك ... تنزل من جو السماء يصوب # - 2 - وقال علقمة أيضا: # هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم # أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبة يوم البين مشكوم # لم أدر بالبين حتى ms046 أزمعوا طعنا ... كل الجمال قبيل الصبح مزموم # رد الإماء جمال الحي فاحتملوا ... فكلها بالتزيديات معكوم # عقلا ورقما تظل الطير تتبعه ... كأنه من دم الأجواف مدموم # يحملن أترجة نضج العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم # كأن فارة مسك في مفارقها ... للباسط المتعاطي وهو مزكوم # فالعين مني كأن غرب تحط به ... دعماء حاركها بالقنب محزوم # قد عريت حقبة حتى استطف لها ... كتر كحافة كير القين ملموم # كأن غسلة خطمي بمشفرها ... في الخد منها وفي اللحيين تلغيم # PageV01P025 # قد أدبر العر عنها وهي شاملها ... من ناصع القطران الصرف ترسيم # تسقي مذانب قد زالت عصيفتها ... حدورها من أتي الماء مطموم # من ذكر سلمى وما ذكرى الأوان لها ... إلا السفاه وظن الغيب ترجيم # صفر الوشاحين ملء الدرع خرعبة ... كأنها رشأ في البيت ملزوم # هل تلحقي بأولي القوم إذ شحطوا ... جلذية كأتان الضحل علكوم # تلاحظ السوط شزرا وهي ضامرة ... كما توجس طاوي الكشح موشوم # كأنها خاضب زعر قوائمه ... أجنى له باللوى شرى وتنوم # يظل في الحنظل الخطبان ينقفه ... وما استطف من التنوم مخدوم # فوه كشق العصا لأيا تبينه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلوم # حتى تذكر بيضات وهيجه ... يوم رذاذ عليه الريح مغيوم # فلا تزيده في مشيه نفق ... ولا الزفيف دوين الشد مسؤوم # يكاد منسمه يختل مقلته ... كأنه حاذر للنحس مشهوم # يأوي إلى خرق زعر قرادتها ... كأنهن إذا بركن جرثوم # وضاعة كعصي الشرع جؤجؤه ... كأنه يتناهى الروض علجوم # حتى تلافى وقرن الشمس مرتفع ... أدحي عرسين فيه البيض مركوم # يوجي إليها بإنقاض ونقنقة ... كما تراطن في أفدانها الروم # صعل كأن جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم # تحفه هقلة سطعاء خاضعة ... تجيبه بزمار فيه ترنيم # بل كل قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عريفهم بأثافي الشر مرجوم # والجود نافية للمال مهلكة ... والبخل مبق لأهليه ومذموم # والمال صوف قرار يلعبون به ... على نقادته واف ومجلوم # والحمد لا يشترى إلا له ثمن ... مما تضن به النفوس معلوم # والجهل ذو عرض لا يستراد له ... والحلم آونة في الناس معدوم # ومطعم الغنم يوم ms047 الغنم مطعمه ... أنى توجه والمحروم محروم # ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لابد مشؤوم # وكل بيت وإن طالت إقامته ... على دعائمه لابد مهدوم # قد أشهد الشرب فيهم مزهور رنم ... والقوم تصرعهم صهباء خرطوم # كاس عزيز من الأعناب عتقها ... الغض أربابها حانية حوم # تشفى الصداع ولا يؤذيك صالبها ... ولا يخالطها في الرأس تدويم # عانية قرقف لم تطلع سنة ... يجنها مدمج بالطين مختوم # ظلت ترقرق في الناجود يصفقها ... وليد أعجم بالكتان مفدوم # كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مقدم بسبا الكتان ملثوم # أبيض أبرزه للضح راقبه ... مقلد قضب الريحان مفعوم # وقد غدوت على قرني يشيعني ... ماض أخو ثقة بالخير موسوم # وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم تجيء به الجوزاء مسموم # حام كأن أوار النار شامله ... دون الثياب ورأس المرء معموم # وقد أقود أمام الحي سلهبة ... يهدي بها نسب في الحي مغلوم # لا في شظاها ولا أرساغها عتب ... ولا السنابك أفناهن تقليم # سلاءة كعصا النهدي غل بها ... ذو فيئة من نوى قران معجوم # تتبع جونا إذا ما هيجت زجلت ... كأن دفا على علياء مهزوم # يهدي بها أكلف الخدين مختبر ... من الجمال كثير اللحم عبثوم # إذا ترغم من حافاتها ربع ... حنت شغاميم في حافاتها كوم # وقد أصاحب فتيانا طعامهم ... خضر المزاد ولحم فيه تنشيم # وقد يسرت إذا ما الجوع كلفه ... معقب من قداح النبع مقروم # لو ييسرون بخيل قد يسرت بها ... وكل ما يسر الأقوام مغروم # - 3 - وقال علقمة أيضا يعارض امرأ القيس: # ذهبت من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقا كل هذا التجنب # ليالي لا تبلى النصيحة بيننا ... ليالي حلوا بالستار فغرب # مبتلة كأن أنضاء حليها ... على شادن من صاحة متربب # محال كأحواز الجراد ولؤلؤ ... من القلقى والكبيس الملوب # إذا ألحم الواشون للشر بيننا ... تبلغ رس الحب غير المكذب # وما أنت أم ما ذكرها ربعة ... تحل بأير أو بأكناف شربب # أطعت الوشاة والمشاة بصرمها ... فقد أنهجت حبالها للتقضب # وقد وعدتك موعدا لو وفت به ... كموعود عرقوب أخاه بيثرب # PageV01P026 # وقالت متى تبخل عليك بعثلل ms048 ... تشك وإن يكشف غرامك تدرب # فقلت لها فيئ فما تستفزني ... ذوات العيون والبنان المخضب # ففاءت كما فاءت من الآدم مغزل ... بيشة ترعى في أراك وحلب # فعشنا بها من الشباب ملاوة ... فأنجح آيات الرسول المخبب # فإنك لم تقطع لبانة عاشق ... بمثل بكور أو رواح مؤوب # بمجفرة الجنبين حرف شملة ... كهمك مرقال على الأين دغلب # إذا ما ضربت الدف أوصلت صولة ... ترقب مني غير أدنى ترقب # بعين كمرآة الصناع تديرها ... لمحجرها من النصيف المنقب # كأن بحادتها إذ ما تشذرت ... عثاكيل عذق من سميحة مرطب # تذب به طورا وطورا تمره ... كذب البشير بالرداء الهذب # وقد أغتدي والطير في وكناتها ... وماء الندى يجري على كل مذنب # بمنجرد قيد الأوابد لاحه ... طراد الهوادي كل شأن معرب # بغوج لبانيه ثم بريمه ... على نفث راق خشية العين مجلب # كميت كلون الأرجوان نشأته ... لمع الرداء في الصوان المكعب # ممر كعقد الأندري يزينه ... مع العتق خلق مفعم غير جأنب # له حرتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورة وسط ربرب # وجوف هواء تحت متن كأنه ... من الهضبة الخلقاء زحلوف ملعب # قطاة تكردس المحالة شرفت ... إلى سند مثل الغيط الم1اب # وغلب كأعناق الضباع مصيغها ... سلام النظى يغشى بها كل مركب # وسمر يفلقن الظراب كأنها ... حجارة غيل وارسات بطحلب # إذا ما افتصنا لم نخاتل بجنه ... ولكن نادى من بعبد ألا اركب # أحاتفة لا يلعن الحي شخصه ... صبورا على العلات غير مسبب # إذا انفدوا زادا فإن عنانه ... وأكرعه مستعملا حير مكسب # رأينا شياها ترتعين خميلة ... كمشي العذارى في الملاء المهدب # فينا تمارينا وعقد عذاره ... خرجن علينا كالجمار المثقب # فأتبع أدبار الشياه بصادق ... حثيث كغيث الرائح المتحلب # ترى الفأر عن مسترغب القدر لائحا ... على جدد الصحراء من شد ملهب # خفى الفأر من أنفاقه فكأنما ... تجلله شؤوب غيث منقب # فظل لنيران الصريم غماغم ... يداعسهن بالنضي المعلب # فهاو على حر الجبين ومتق ... بمدراته كأنها ذلق مشعب # وعادى عداء بين ثور ونعجة ... وتيس شبوب كالهشيمة قرهب # فقلنا ألا قد كان صند لقانص ... فخبوا علينا فضل برد مطنب # فظل ms049 الأكف يختلفن بحاند ... إلى جؤجؤ مثل المداك المخضب # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب # ورحنا كأنامن جؤاثى عشية ... نعالي النعاج بين عدل ومحقب # وراح كشاة الربل ينغض رأسه ... أذاة به من صائك متحلب # وراح يباري في الجناب قلوصنا ... عزيزا علينا كالجباب المسبب # قال الأعلم: كمل جميع ما رواه الأصمعي من شعر علقمة، ونذكر قطعا من شعره ~~مما رواه أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي (القالي) عن الطوسي وابن ~~الأعرابي وغيرهما. # - 4 - وقال في فكه أخاء شأسا: # دافعته عنه بشعري إذ ... كان لقومي في الفداء جحد # فكان فيه ما أتاك وفي ... تسعين أسرى مقرنين صفد # دافع قومي في الكتيبة إذ ... طار لأطراف الطبات وقد # فأصبحوا عند ابن جفنة في ال ... أغلال منهم والحديد عقد # إذ مخنب في المخنبين وفي الن ... هكة غي بادئ ورشد # - 4 - وقال علقمة أيضا: # تراءت وأستار من البيت دونها ... إلينا وحانت غيلة المتفقد # بعيني مهاة يخدر الدمع منهما ... بريمين شتى من دموع وإثمد # وجيد غزال شارد فردت له ... من الحلي سمطى لؤلؤ وزبرجد # - 6 - وقال علقمة أيضا أو علي بن علقمة في يوم الكلاب الثاني: # ود نفير للمكاور أنهم ... بنجدران في شاء الحجار الموقر # أسعيا إلى نجران في شهرناجر ... حفاة وأعيا كل أعيس مسفر # وقرت لهم عيني بيوم حذنة ... كأنهم تذبيح شاء معتر # عمدتم إلى شلو تنوذر قبلكم ... كثير عظام الرأس ضخم المذمر # - 7 - وقال علقمة أيضا: # PageV01P027 # وأخي محافظة طليق وجهه ... هش جررت له الشواء بمسعر # من بازل ضربت بأبيض باتر ... بيدي أغر يجر فضل المئزر # ورفعت راحلة كأن ضلوعها ... من نص راكبها سفائف عرعر # حرجا إذا هاج السراب على الصوى ... واستن في أفق السماء الأغبر # - 8 - وقال في مولى له، وينسب هذا الشعر لابنه خالد: # ومولى كمولى الزبرقان دملته ... كما دملت ساق تهاض بها وقر # إذا ما أحالت والجبائر فوقها ... أتى الحول لا برء جبير ولا كسر # تراه كأن الله يجدع أنفسه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر # ترى الشر قد أفنى ms050 دوائر وجهه ... كضب الكدى أفنى أنامله الجفر # - 9 - وقال علقمة وينسب هذا الشعر لحفيده عبد الرحمن بن علي بن علقمة: # وشامت بي لا تخفي عداوته ... إذا حمامى ساقته المقادير # إذا تضمنني بيت برابية ... آبوا سراعا وأمسى وهو مهجور # فلا يغرنك جري الثوب معتجرا ... إني امرؤ في عند الجد تشمير # كأنني لم أقل يوما لعادية ... شدوا ولا فتية في موكب سيروا # ساروا جميعا وقد طال الوجيف بهم ... حتى بدا واضح الأقراب مشهور # ولم أصبح جمام الماء طاوية ... بالقوم وردهم للخمس تبكير # أوردتها وصدور العيس مسنفة ... والصبح بالكوكب الدري منحور # تباشروا بعد ما طال الوجيف بهم ... بالصبح لما بدت منه تباشير # بدت سوابق من أولاه نعرفها ... وكبره في سواء الليل مستور # كمل المختار من شعر علقمة بن عبدة التميمي. ### | النابعة الذبياني 535 - 604 م # - 1 - هو زيادة بن معاوية من غيظ بن مرة من ذبيان من قيس من مضر؛ وكنيته ~~أبو أمامة، ولقب بالنابغة لنبوغه في الشعر وهو كبير دفعة واحدة بعد أن ~~أحكمته التجارب ومشى به السن وهو أحد الأشراف الذين غض الشعر منهم، ويعد من ~~شعراء الطبقة الأولى مع امرئ القيس، وكانت تضرب له قبل بسوق عكاظ فتأتيه ~~الشعراء تعرض عليه أشعارها فيفاضل بينهم. # وكان النابغة من أشراف قومه، ومع تكسبه بالشعر فإنه كان يعتز بنفسه، لا ~~كما صنع الأعشى. وكان يقصد الملوك ويمدحهم في غير صنعة فيجزلون له العطاء. ~~اتصل بالنعمان بن المنذر أبي قابوس ملك الحيرة الذي تولى الملك من عام 580 ~~- 602 م، ومدحه بقصائد رائعة كثيرة، فقربه النعمان إليه، وصار أثيرا عنده ~~ومن ندمائه، وغمره بعطائه الجزل، حتى صار النابغة يأكل في صحاف الذهب ~~والفضة، ثم غضب عليه.. وتختلف الروايات في سبب ذلك. # قيل إن النابغة رأى زوجة النعمان "المتجردة" يوما في حين غفلة فسقط ~~نصيفها عن وجهها فاستترت بيدها وذراعها، فقال فيها قصيدته: # أمن آل أمية رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزود # فامتلأ النعمان غضبا وأوعد النابغة فهرب.. وقيل إن غضب النعمان عليه ms051 لأن ~~أحد خصوم النابغة وهو عبد القيس التميمي ومرة بن سعد السعدي نظما هجاء في ~~النعمان على لسان النابغة وأنشد النعمان أبياتا منها: # قبح الله ثم ثنى بلعن ... وارث الصائغ الجبان الجهولا # من يضر الأدنى ويعجز عن ض ... ر الأقاصي ومن يخون الخليلا # يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدو فتيلا # وكانت أم النعمان بنت صائغ من فدك - بلدة قريبة من المدينة - فنبر ~~النابغة من ذلك الشعر، ولكنه خاف على نفسه فهرب إلى الشام. # وقيل ان سبب وعد النعمان للنابغة أنه كان هو والمنخل اليشكري جالسين في ~~مجلس النعمان ومعهم زوجته المتجردة، فقال النعمان للنابغة: صفها في شعرك. ~~فقال قصيدته: # أمن آل مية رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزود # PageV01P028 # فلحقت المنخل غيرة، فقال للنعمان: ما يستطيع أن يقول هذا الشعر إلا من ~~عرف. فحقد النعمان على النابغة وعلم بذلك فخافه وهرب. وقيل إن النابغة وصف ~~امرأة بقصيدته "يا دار مية بالعلياء فالسند" فوشى للنعمان أنه يعني زوجته ~~المتجردة.. وأيا ما كان فقد كان لوشايات خصوم النابغة أثرها في تغير قلب ~~النعمان وسخطه عليه، فهرب وأتى قومه، ثم شخص إلى ملوك غسان بالشام، وكانوا ~~أعداء لملوك الحيرة، فاتصل النابغة بعمرو بن الحارث الأصغر ملك غسان ومدحه ~~ومدح أخاه النعمان وظل لديه حتى مات، وملك أخوه النعمان، فأقام عنده أثيرا ~~لديه. ولكنه كان يحن إلى بلاط النعمان بن المنذر ملك الحيرة، ويرسل إلى ~~الملك قصائد من اعتذارياته الرائعة يتبرأ فيها مما رمى به ويعتذر مما كان. ~~وتوالت اعتذاراته على النعمان فعفا عنه فعاد إليه وعاشره في الحيرة.. ويقال ~~أن النابغة استجار ببعض المقربين لدى النعمان فكلموه في شأنه، حتى أمنه ~~وأمر له بمائة بعير. ويقال أن النابغة علم بمرضه فلم يملك صبره وسار إليه ~~فألفاه في مرضه فمدحه. ثم عوفي النعمان فأمنه وأقام عنده، وظل النابغة ~~عظيما شريفا مكرما عند الملوك والأمراء، وتوفي عام 604 م. # - 2 - وفي الأغاني ترجمة طويلة له، وكذلك في الشعر والشعراء لابن قتيبة ms052 ~~كما عرض له ابن سلام في طبقات الشعراء، وكذلك شعراء النصرانية، وكذلك صاحب ~~كتاب تاريخ الأدب في العصر الجاهلي، وأخرج الأستاذ عمر الدسوقي كتابا عنه، ~~كما نشر عدد عنه في سلسلة "الروائع".. وعرض له صاحب الجمهرة، والمرزباني في ~~الموشح، وكثير من العلماء، كما كتب عنه الزيات وجورجي زيدان وأصحاب الوسيط ~~والمفصل، وسواهم. # وشعر النابغة لطيف رقيق إذا تملكته عاطفة قوية من إشفاق أو حماسة أو رهبة ~~كما ترى في أهاجيه ومدائحه واعتذارياته، وقيل عنه أشعر الناس إذا رهب وهو ~~في اعتذارياته حزين عميق الحزن قلق مضطرب يداخله التشاؤم واليأس الشديد ذلك ~~كله لأن خيال الشاعر دقيق واسع، يسمو إلى درجة عالية في إكمال الصورة ~~وإيضاح المشابهات، يتوسع بالتشبيه، ويفسح له خياله المجال في التصوير، كما ~~في وصفه للفرات أو لغيره. # وتمتاز معانيه بالدقة والانسجام والتآلف والصدق والقرب من العقل والبعد ~~عن التعقيد والغموض، مع مراعاة المخاطبين، ومع البصر بمواقع الكلام. # وقد أجاد النابغة في المدح والاعتذار والعزل والفخر إجازة بالغة كما أجاد ~~في الوصف والرثاء والحكمة إجادة دون ذلك. # وأسباب إجادته في المدح معروفة منها حب المال، وخصب الخيال، وقوة الذكاء، ~~وميله إلى التجويد والتنقيح، والتهذيب إلى غير ذلك من الأسباب. # وإجادته في الاعتذار كذلك كان الباعث عليها الرهبة والخوف مع الرغبة ~~والأمل. أما الوصف فقد أجاد في بعض دون البعض الآخر، فأجاد في وصف الثور ~~والوحش والفرات وما إلى ذلك. # وقال الأصمعي: لم يكن النابغة وزهير وأوس يحسنون صفة الخيل، ولكن طفيل ~~الغنوي أحسن في صفة الخيل غاية الإحسان. # - 3 - ويمتاز شعر النابغة ببلوغه غاية الحسن والجودة ونقاوته من العيوب ~~وجودة مطالع قصائده وأواخرها. وكان البدو من أهل الحجاز يحفظون شعره ~~ويفاخرون به لحسن ديباجته وجمال رونقه وجزالة لفظه وقلة تكلفه وليس له نظير ~~في وصف الإحساسات النفسية كالخوف وما شابه ذلك. # أجاد في المدح كما بلغ الغاية في الاعتذار واعتذارياته إلى النعمان من ~~عيون الشعر العربي وهي فن جديد من فنون الشعر الجاهلي. وتبلغ غاية الجودة ~~والإحسان ومنها ms053 قوله: # نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد # مهلا فداء لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مال ومن ولد # وقوله: # أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع # مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # وأنت ربيع ينعش الناس سيبه ... وسيف أعيرته المنية قاطع # أبى الله إلا عدله ووفاءه ... فلا النكر معروف ولا العرف ضائع # وقوله: # أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب # فبت كأن العائدات فرشنني ... هراسا به يعلى فراشي ويقشب # PageV01P029 # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # وقد عده بعض العلماء من شعراء المعلقات ومطلع معلقته: # يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد # وتقع في واحد وخمسين بيتا. وهي من قصائده الاعتذاريات، بدأها ببكاء ~~الاطلاق كالمألوف من أشعار الجاهلية، ثم انتقل من ذلك إلى وصف ناقته: # فقد عما ترى إذ لا ارتجاع له ... وانم القتود على عيرانة أجد # وشبهها بوحش وجرة، ثم أفاض كعادته في وصف وحش وجرة، والكلاب الصائدة، ~~ودخل من ذلك إلى النعمان: # فتلك تبلغني النعمان إن له ... فضلا على الناس في الأدنى وفي البعد # ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... وما أحاشي من الأقوام من أحد # ثم طلب إليه أن يكون حكيما في أمره، لا يقبل سعاية الساعين، ونفى عن نفسه ~~ما اتهم به # ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذا فلا رفعت سوطي إلى يدي # هذا لأبرأ من قول قذفت به ... كانت نوافذه حرا على الكبد # ثم مدحه بالكرم، وأنه يشبه نهر الفرات، واسترسل في وصف الفرات كعادته ~~أيضا.. وختمها بقوله: # ها إن تاعذرة إلا تكن نفعت ... فإن صاحبها قد تاه في البلد # ويظهر من شعره التدين والتزام مكارم الأخلاق، فهو يقول: # قالت ms054 أراك أخا رحل وراحلة ... تغشى متالف لن ينظرنك الهرما # حياك ربي فأنا لا يحل لنا ... لهو النساء وإن الدين قد عزما # مشمرين على خوص مزممة ... نرجو الإله ونرجو البر والطعما # وقوله: # تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي حومة المستأسد الحامي # وقوله: # نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما # وصيرته ملكا هماما ... من علا وجاوز الأقواما # وقدم عمر بن الخطاب النابغة على جميع الشعراء في غير موضع، وفضله على ~~جميع شعراء غطفان في موضع آخر، ويروى عن حسان قصة تدل على مكان النابغة عند ~~النعمان وفضله لديه على جميع الشعراء، وحسان منهم. وحضر النابغة سوق عكاظ ~~مرة فأنشده الأعشى ثم حسان ثم شعراء آخرون ثم الخنساء فقال لها: لولا أن ~~أبا بصير أنشدني لقلت إنك أشعر الجن والإنس، فقال له حسان: أنا أشعر منك ~~ومن أبيك. فقال له النابغة: يابن أخي إنك لا تحسن أن تقول: # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك أواسع # ومن روائع شعره قصيدته: # كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب # ومن معانيه المبتدعة قوله: # نبئت أن أبا قانوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد # وقوله: # فلو كفى اليمين بغتك خونا ... لا فردت اليمين عن الشمال # وأخذه عن المثقب العبدي فقال: # ولو أني تخالفني شمالي ... بنصر لم تصاحبها يميني # وقوله: # فحملتني ذنب امرئ تركته ... كذي العري يكوي غيره وهو رائع # وقد أخذت الكميت فقال: # ولا أكوى الصحاح براتعات ... بهن العر قبلي ما كوينا # وقوله وهو أحسن ما قيل في العفة: # رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب # وما يتمثل به من شعره: # ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد # وقوله: # واستبق ودك للصديق ولا تكن ... فتبا يعض بغارب ملحاحا # أخذه ابن ميادة فقال: # ما إن ألح على الإخوان أسألهم ... كما يلح بعض الغارب القتب # ومما يمثل به من شعره قوله: # لونها عرضت الأشمط راهب ... عبد الإله ضرورة متعبد # لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن ms055 لم يرشد # أخذه ربيعة بن مقروم فقال: # لو أنها عرضت لأشمط راهب ... في رأس مشرفة الذرى يتبتل # لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولهم من ناموسه يتنزل # ومن أمثالها ثم أصدق من قطاة - قال النابغة # تدعو القطاويها تدعى إذا نسبت ... يا حسنها حين تدعوها فتنسب # أخذه ابو نواس فقال أصدق من قوة قطاة قطا. ومن حكمه: # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب؟ # PageV01P030 # ومما سبق إليه قوله: # نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود # وقد أخذه أبو نواس فقال: # ضعيفة كر الطرف تحسب أنها ... قريبة عهد بالأفاقة من سقم # ومما يستحسن من قوله: # حسب الخليلين نأي لأرض بينهما ... هذا عليها وهذا تحتها بالي # وقوله: # المرء يأمل أن يعي ... ش وطول عيش قد يضره # تفنى بشاشته ويب ... قى بعد حلو العيش مره # وتخونه الأيام ح ... تى لا يرى شيئا يسره # كم شامت بي إن هلك ... ت وقائل: لله دره # ومما سبق إليه ولم يحسن تشبيهه قوله: # من وحش وجرة موشى أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد # فشبه الثور في بياضه والتماعه بالسيف المجرد من الغمد، ولم تسمع كلمة ~~"الفرد" إلا في هذا الشعر؛ وللطرماح في المعنى نفسه: # يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد # وهذا أكمل في التشبيه لدلالته على الاختفاء، والظهور المأخوذ من حركة هذا ~~الثور الوحشي. # وفضل ناقد أمام الأصمعي قول النابغة: # نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود # وقوله: # فإنك كالليل الذي هو مدكي ... وإن خلت أن المنتأى عنك أوسع # وقوله: # من وحش وجرة موشى أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد # فقال الأصمعي: أما تشبيهه مرض الطرف فحسن، إلا أنه هجنه بذكره العلة ~~وتشبيهه المرأة بالعليل، وأحسن منه قول عدي بن الرقاع العاملي: # وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم # وسنان أقصدة النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم # وأما تشبيه الإدراك بالليل فقد تساوى الليل والنهار فيما يدركانه، وإنما ~~كان سبيله أن يأتي بما ليس له ms056 سيم؛ حتى يأتي بمعنى ينفرد به ولو قال قائل: ~~إن قول "النمري" في هذا أحسن لو وجد مساغا إلى ذلك، حيث يقول: # فلو كنت بالعنقاء أو بسنامها ... لخلتك إلا أن تصد تراني # وأما قوله: "طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد" فالطرماح أحق بهذا المعنى؛ ~~لأنه أخذه فجوره، وزاد عليه، وإن كان النابغة اخترعه، وقول الطرماح هو: # يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد # فقد جمع في هذا البيت استعارة لطيفة بقوله "وتضمره البلاد" وتشبيهه اثنين ~~بقوله "يبدو وتضمر، ويسل ويغمد"؛ وجمع حسن التقسيم، وصحة المقابلة. # وقال جعفر أمام الأصمعي في مجلس الرشيد: لست أفص على شاعر واحد أنه أحسن ~~الناس في بيت تشبيها، ولكن قول امرئ القيس: # كائن غلامي إذ علا حال متنه ... على ظهر باز في السماء محلق # وقول عدي بن الرقاع: # يتعاوران من الغبار ملاءة ... غبراء محكمة هما نسجاها # تطوى إذا وردا مكانا خاسئا ... وإذا السنابك أسهلت نشراها # وقول النابغة: # بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلت لم يبد منهن كوكب # قال الأصمعي: قلت هذا حسن كله بارع، وغيره أحسن منه؛ وإنما يجب أن يقع ~~التعيين على ما اخترعه قائله، ولم يتعرض له أحد، أو تعرض له شاعر فوقه ~~دونه. فأما قول امرئ القيس: "على ظهر باز في السماء محلق". فمن قول أبي ~~داود. # إذا شاء راكبه ضمه ... كما ضم بازي السماء الجناحا # وأما قول عدي: "يتعاوران من الغبار ملاءة" فمن قول الخنساء: # جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر # وأول من نطق به جاهلي من بني عقيل، قال: # ألا يا دار الحي بالبرهان ... عفت حجج بعدي لهن ثماني # فلم يبق منها غير نؤدى مهدم ... وغيره أثاف كالركى دفان # وآثار هاب أورق اللون سافرت ... به الريح والأمطار كل مكان # قفار مريرات يحاز بها القطار ... ويضحى بها الجنان يعتركان # يثيران من نسج الغبار عليهما ... قميص أسمالا ويرتديان # وشارك عديا أبو النجم، وأورده في أحسن لفظ، قال يصف عيرا وأتانا، وما ~~أثاراه من الغبار بعدوهما: # ألقى بجنب القاع من حبالها ms057 ... سرباله وانشام في سربالها # وأما قول النابغة: "بأنك شمس والملوك كواكب" فقد تقدمه فيه شاعر قديم من ~~شعراء كندة يمدح عمرو بن هند، وهو أحق به من النابغة إذ كان أبا عذرته، ~~فقال: # PageV01P031 # وكادت تميد الأرض بالناس إذ رأوا ... لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب # هو الشمس وافت يوم سعد فأفضلت ... عل كل ضوء والملوك كواكب # قال الأصمعي: فكأني والله ألقمت جعفرا حجرا فاهتز الرشيد فوق سريره وكاد ~~يطير عجبا وطربا. وقال: والله لله درك يا أصمعي اسمع الآن ما كان عليه ~~اختياري ليقل أمير المؤمنين فقال عينت على ثلاثة أشعار أقسم بالله أني أملك ~~السبق بأحدها ثم قال الرشيد أتعرف يا أصمعي تشبيها أفخر أو أعظم في أحقر ~~مشبه وأصغره في أحسن معرض من قول عنترة الذي لم يسبقه إليه سابق ولا نازعه ~~منازع ولا طمع في مجاراته طامع حين شبه ذباب الروض العازب في قوله: # وخلا الذباب بها فليس مبارح ... غردا كفعل الشارب المترنم # هزجا يحك ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزناد الأجذم # ثم قال: يا أصمعي هذا من التشبيهات العقم التي لا تنتج، فقلت كذلك هو يا ~~أمير المؤمنين وبمجدك آليت ما سمعت قط أحدا يصف شعره بأحسن من هذه الصفة ~~ولا استطاع بلوغ هذه الغاية فقال مهلا لا تعجل.. أتعرف أحسن من قول الحطيئة ~~يصف لغام ناقته أو تعلم أحدا قبله أو بعده شبه تشبيهه، حيث يقول: # ترى بين لحييها إذا ما ترغمت ... لغاما كنسج العنكبوت الممدد # فقلت والله ما علمت أحدا تقدمه إلى هذا التشبيه، أو أشار إليه بعده ولا ~~قبله قال أتعرف بيتا أبدع وأوقع من تشبيه الشماخ لنعامة سقط ريشها وبقي ~~أثره في قوله: # كأنما منثنى أقماع ما مرطت ... من العفاء بليتيها الثآليل # فقلت ولا والله يا أمير المؤمنين، فالتفت إلى يحيى، فقال أوجب؟ فقال وجب، ~~ويؤخذ على النابغة بعض مبالغات في معانيه كقوله: # إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق # وكقوله: تقد السلوقى المضاعف نسجه=وتوقد بالصفاح نار الحباحب فقد ms058 ذهب إلى ~~أن سيفه يقطع الدرع المضاعف والفارس والفرس ثم يذهب في الحجارة فيقدح فيها ~~الشرر. ويؤخذ عليه قوله: # وكنت امرأ لا أمدح الدهر سوقه ... فلست على خير أتاك بجاحد # فتراه يمتن على ممدوحه بمدحه إياه، وجعله خيرا أتاه ولا يحسد عليه، وإنما ~~يحسن الثناء إذا كان خالصا من كل وجه. # وأخذوا عليه الخنونة في بعض معانيه، كقوله: # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد # - 1 - قال النابغة الذبياني يمدح النعمان ويعتذر إليه: # يا دار مية بالعلياء فالسند ... أفوت وطال عليها سالف الأبد # وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيت جوابا وما بالربع من أحد # إلا الأوارى لأيا ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد # ردت عليه أقاصيه ولبده ... ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد # خلت سبيل أني كان يحبسه ... ورفعته إلى السجفين فالنضد # أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا ... أحنى عليها الذي أحنى على لبد # فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له ... وانم القتود على عيرانة أجد # مقذوفة بدخيس النحض بازلها ... له صريف صريف القعو بالمسد # كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... يوم الجليل على مستأنس وحد # من وحش وجرة موشى أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد # فظل يعجم أعلى الروق منقبضا ... في حالك اللون صدق غير ذي أود # لما رأى واشق إقعاص صاحبه ... ولا سبيل إلى عقل ولا قود # قالت له النفس إني لا أرى طمعا ... وإن مولاك لم يسلم ولم يصد # فتلك تبلغني النعمان إن له ... فضلا على الناس في الأدنى وفي البعد # أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجى الشمال عليه جامد البرد # فارتاع من صوت كلاب فبات له ... طوع الشوامت من خوف ومن صرد # فبثهن عليه واستمر به ... صمع الكعوب بريات من الحرد # وكان ضمران منه حيث يوزعه ... طعن المعارك عند المحجر النجد # شك الفريصة بالمدرى فأنفذها ... طعن المبيطر إذ يشفى من العضد # كأنه خارجا من جنب صفحته ... سفود شرب نسوه عند مفتأد # ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا أحاشى من الأقوام من أحد # إلا سليمان إذ قال الإله ms059 له ... قم في البرية فاحددها عن الفند # PageV01P032 # وخيس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد # فمن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وادلله على الرشد # ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهي الظلوم ولا تقعد على ضمد # إلا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد # أعطى لفارهة حلو توابعها ... من المواهب لا تعطى على نكد # الواهب المئة المعكاء زينها ... سعدان توضح في أوبارها اللبد # والأدم قد حيست فثلا مرافقها ... مشدودة برحال الحيرة الجدد # والراكضات ذيول الريط فانقها ... برد الهواجر كالغزلان بالجرد # والخيل تمزع غربا في أعنتها ... كالطير تنجو من الشؤوب ذي البرد # احكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد # يحفه جانبا نيق وتتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد # قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد # فحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد # فكملت مئة فيها حمامتها ... وأسرعت حبسة في ذلك العدد # فلا لعمر الذي مسحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من جسد # والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسعد # ما قلت من سيء مما أتيت به ... إذن فلا رفعت سوطي إلى يدي # إلا مقالة أقوام شقيت بها ... كانت مقالتهم قرعا على الكبد # إذن فعاقبني ربي معاقبة ... قرت بها عين من يأتيك بالفند # أنبئت أن أبا قوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد # مهلا فداء لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مال ومن ولد # لا تقذفني بركن لا كفاء له ... وإن تأنفك الأعداء بالرفد # فما الفرات إذا هب الرياح له ... ترمى غواربه العبرين بالزبد # يمده كل واد مترع لجب ... فيه ركام من الينبوت والخضد # يظل من خوفه الملاح معتصما ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد # يوما بأجود منه سيب نافلة ... ولا يحول عطاء اليوم دون غد # هذا الثناء فإن تسمع به حسنا ... فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد # ها إن ذي عذرة إلا تكن نفعت ... فإن صاحبها مشارك النكد # - 2 - وقال يعتذر إلى النعمان بن المنذر: # عفا ms060 ذو حسا فرتني بالفوارع ... فجنبا أريك فالتلاع الدوافع # فتجمع الأشراج غير رسمها ... مصايف مرت بعدنا ومرابع # توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع # رماد ككحل العين لأيا أبينه ... ونؤى كجذم الحوض أثأم خاشع # كأن مجر الراميات ذيولها ... عليه حصير نمقته الصوانع # على ظهر مبناة جديد سيورها ... يطوف بها وسط اللطيمة بائع # فكفكفت مني عبرة فرددتها ... على النحر منها مستهل ودامع # على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع # وقد حال هم دون ذلك شاغل ... مكان الشغاف تبتغيه الأصابع # وعيد أبو قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالضواجع # فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع # يسهد من ليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع # تناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طورا وطورا تراجع # أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع # مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع # لعمري وما عمري علي بهين ... لقد نطقت بطلا على الأقارع # أقارع عوف لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع # أتاك امرؤ مستبطن لي بغضة ... له من عدو مثل ذلك شائع # أتاك بقول هلهل النسج كاذب ... ولم يأت بالحق الذي هو ناصع # أتاك بقول لم أكن لأقوله ... ولو كبت في ساعدي الجوامع # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأتمن ذو أمة وهو طائع # بمصطحبات من لصاف وثبرة ... يزرن إلالا سيرهن التدافع # سماما تبارى الريح خوصا عيونها ... لهن رذايا بالطريق ودائع # عليهن شعث عامدون لحجهم ... فهن بأطراف الحي خواضع # PageV01P033 # لكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوي غيره وهو راتع # فإن كنت لاذ والضعن عني مكذب ... ولا حلفي على البراءة نافع # ولا أنا مأمون بشيء أقوله ... وأنت بأمر لا محالة واقع # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع # أتوعد عبدا لم يخنك أمانة ... وتترك عبدا ظالما وهو ضالع # وأنت ربيع ينعش الناس سيله ... وسيف أعيرته ms061 المنية قاطع # أبى الله إلا عدله ووفاءه ... فلا النكر معروف ولا العرف ضائع # وتسقى إذا ما شبت غير مصرد ... بزوراء في حافاتها المسك كانع # - 3 - وقال أيضا: # كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب # تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآئب # وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب # علي لعمر ونعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب # حلفت يمينا غير ذي مثنوية ... ولا علم إلا حسن ظن بصاحب # لئن كان للقبرين قبر بجلق ... وقبر بصيداء الذي عند حارب # وللحارث الجفني سيد قومه ... ليلتمسن بالجيش دار المحارب # وثقت له بالنصر إذ قيل قذ غزت ... كتائب من غسان غير أشائب # بنو عمه دنيا وعمرو بن عامر ... أولئك قوم بأسهم غير كاذب # إذا ما غزوا في الجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب # يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم ... من الضاريات بالدماء الدوارب # تراهن خلف القوم خزرا عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب # جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب # لهن عليهم عادة قد عرفنها ... إذا عرض الخطي فوق الكواثب # على عارفات للطعان عوابس ... بهن كلوم بين دام وجالب # إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا ... إلى الموت إرقال الجمال المصاعب # فهم يتساقون المنية بينهم ... بأيديهم بيض رقاق المضارب # يطير فضاضا بينها كل قونس ... ويتبعها منهم فراش الحواجب # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # تورثن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب # تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب # بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كإبزاغ المخاض الضوارب # لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم ... من الجود والأحلام غير عوازب # محلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب # رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب # نحييهم بيض الولائد بينهم ... وأكسية الإضريج فوق المشاحب # يصونون أجسادا قديما نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب # ولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب # حبوت بها ms062 غسان إذ كنت لاحقا ... بقومي، وإذ أعيت علي مذاهبي # - 4 - وقال أيضا: # إني كأني لدى النعمان خبره ... بعض الأود حديثا غير مكذوب # بأن حصنا وحيا من بني أسد ... قاموا فقالوا حمانا غير مقروب # ضلت حلومهم عنهم وغرهم ... سن المعيدي في رعي وتعزيب # قاد الجياد من الجولان قائظة ... من بين منعلة تزجى ومجنوب # حتى استغاثت بأهل الملح ما طمعت ... في منزل طعم نوم غير تأويب # ينضحن نضح المزاد الوفر أتأفها ... شد الرواة بماء غير مشروب # قب الأياطل تردى في أعنتها ... كالخاضبات من الزعر الظنابيب # شعث عليها مساعير لحربهم ... شم العرانين من مرد ومن شيب # وما بحصن نعاس إذ تؤرقه ... أصوات حي الأمرار محروب # ظلت أقاطيع أنعام مؤبلة ... لدى صليب على الزوراء منصوب # فإذ وقيت بحمد الله شرتها ... فانجى فزار إلى الأطواد فاللوب # ولا تلاقى كما لاقت بنو أسد ... فقد أصابتهم منها بشؤبوب # لم يبق غير طريد غير منفلت ... وموثق في حبال القد مسلوب # PageV01P034 # أو حرة كمهاة الرمل قد كبلت ... فوق المعاصم منها والعراقيب # تدعو قعينا وقد عض الحديد بها ... عض الثقاف على صم الأنابيب # مستشعرين قد الفوا في ديارهم ... دعاء سوع ودعمي وأيوب # - 5 - وقال يهجو زرعة بن عمرو: # نبئت زرعة والسفاهة كاسمها ... يهدي إلى غرائب الأشعار # فحلفت يا زرع بن عمر وأنني ... بما يشق على العدو ضراري # أرأيت يوم عكاظ حين لقيتني ... تحت العجاج فما شققت غباري # إذا اقتسمنا خطتينا بيننا ... فحملت برة واحتملت فجار # فلتأتينك قصائد وليدفعن ... جيش إليك قوادم الأكوار # رهط بن كوز محقي أدراعهم ... فيهم ورهط ربيعة بن حذار # ولرهط حراب وقد سورة ... في المجد ليس غرابهم بمطار # وبنو قعين لا محالة أنهم ... آتوك غير مقلمي الأظفار # سهكين من صدأ الحديد كأنهم ... تحت السنور جنة البقار # وبنو سواءة زائرك بوفدهم ... جيشا يقودهم أبو المظفار # وبنو جذيمة حتى صدق سادة ... غلبوا على خبت إلى تعشار # متكنفي جني عكاظ كليهما ... يدعو بها ولدائهم عرعار # قوم إذا كثر الصياح رأيتهم ... وقرا غداة الروع والإنفار # والغاضريون الذين تحملوا ... بلوائهم سيرا لدار ms063 قرار # تمشي بهم أدم كأن رحالها ... علق هريق على متون صوار # شعب العلاقيات بين فروجهم ... والمحصنات عوازب الأطهار # برز الأكف من الخدام خوارج ... من فرج كل وصيلة وإزار # شمس موانع كل ليلة حرة ... يخلفن ظن الفاحش المغيار # جمعا يظل به الفضاء معضلا ... يدع الإكام كأنهن صحارى # لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم ... طفحت عليك بناتق مذكار # حولي بنو دودان لا يعصونني ... وبنو بغيض كلهم أنصاري # زيد بن زيد حاضر بعراعر ... وعلى كنيب مالك بن حمار # وعلى الرميثة من سكين حاضر ... وعلى الذثيمة من بني سيار # فيهم بنات المسجدي ولا حق ... ورقا مراقلها من المضمار # يتجلب اليعضيد من أشداقها ... صفرا مناخرها من الجرجار # تشلى توابعها إلى ألاقها ... خبب السباع الوله الأبكار # إن الرميث مانع أرماحنا ... ما كان من سخم بها وصفار # فأصبن أبكارا وهن بإمة ... أعجلنهن مظنة الإعذار # - 6 - وقال أيضا: # كانت سعاد وأمسى حبلها انجذما ... واحتلت الشرع فالأجزاع من اضما # إحدى بلي وما هام الفؤاد بها ... إلا السفاه وإلا ذكرة حلما # ليست من السود أعقابا إذا انصرفت ... ولا تبيع بجنبي نخلة البرما # غراء أكمل من يمشي على قدم ... حسنا وأملح من حاورته الكلما # قالت أراك أخا رحل وراحلة ... تغشى متالف لن ينظرنك الهرما # حياك ربي فإنا لا يحل لنا ... لهو النساء وإن الدين قد عزما # مشمرين على خوص مزممة ... نرجو الإله ونرجو البر والطعما # هلا سألت بني ذبيان ما حسى ... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما # وهبت الريح من تلقاء ذي أرل ... تزجى مع الليل من صرادها صرما # صهب الظلال أتين التين عن عرض ... بزحين غيما قليلا ماؤه شبما # ينبئك ذو عرضهم عني وعالمهم ... وليس جاهل شيء مثل من علما # إني أتمم أيساري، وأمنحهم ... مثنى الأيادي، وأكسوا الجفنة الأدما # وأقطع الخرق بالخرقاء قد جعلت ... بعد الكلال تشكى الأين والسأما # كادت تساقطني رحلي وميثرتي ... بذي المجاز ولم تحسن به نعما # من قول حرمية قالت وقد ظعنوا ... هل في مخفيكم من يشتري أدما # قلت لها وهي تسعى تحت لبتها ... لا تحطمنك إن البيع قد ms064 زرما # باتت ثلاث ليال ثم واحدة ... بذي المجاز تراعى منزلا زيما # فانشق عنها عمود الصبح حافلة ... عدو النحوص تخاف القانص اللجما # تحيد عن أستن سود أسافله ... مشى الإماء الغوادي محمل الحزما # أو ذي رشوم بحوضي بات منكرسا ... في ليلة من جمادى أحضلت ديما # بات بحقف من البقار يحفزه ... إذا استكف قليلا تربه انهدما # PageV01P035 # مولى الريح روقيه وجبهته ... كالهبرقي تنخى ينفخ الفحما # حتى غدا مثل نصل السيف منصلتا ... يقرو الأماعز من لبنان والأكما # - 7 - وقال يعتذر إلى النعمان ويمدحه: # كتمتك ليلا بالجمومين ساهرا ... وهمين هما مستكنا وظاهرا # أحاديث نفسي تشتكي ما يريبها ... وورد هموم لن يحدن مصادرا # تكلفني أن يفعل الدهر همها ... وهل وجدت قبلي على الدهر قادرا # ألم تر خير الناس أصبح نعشه ... على فتية قد حاوز الحي سائرا # ونحن لديه نسأل الله خلده ... يرد لنا ملكا وللأرض عامرا # ونحن نرجي الخلد إن فاز قدحنا ... ونرهب قدح الموت إن جاء قامرا # لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا ... وأصبح جد الناس يطلع عاثرا # وردت مطايا الراغبين وعريت ... جيادك لا يخفى لها الدهر حافرا # رأيتك ترعاني بعين بصيرة ... وتبعث حراسا علي وناظرا # وذلك من قول أتاك أقوله ... ومن دس أعدائي إليك المآبرا # فآليت لا آتيك إن جئت مجرما ... ولا أبتغي جارا سواك مجاورا # فأهلي فداء لامرئ إن أتيته ... تقبل معروفي وسد المفاقرا # سأكعم كلبي أن يريبك نبحه ... وإن كنت أرعى مسحلان فحامرا # وحلت بيوتي في يفاع ممنع ... يخال به راعي الحمولة طائرا # تزل الوعول العصم عن قذفاته ... وتضحى ذراه بالسحاب كوافرا # حذارا على ألا تنال مقادتي ... ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا # أقول وإن شطت بي الدار عنكم ... إذا ما لقينا من معد مسافرا # ألكنني إلى النعمان حيث لقيته ... فأهدى له الله الغياث البواكرا # وصبحه فلج ولا زال كعبه ... على كل من عادى من الناس ظاهرا # ورب عليه الله أحسن صنعه ... وكان له على البرية ناصرا # فألفيته يوما يمير عدوه ... وبحر عطء يستخف المعابرا # - 8 - وقال يعتذر إلى النعمان بن المنذر، ويمدحه: ms065 # أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب # فبت كأن العائدات فرشنني ... هراسا به يعلى فراشي ويقشب # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب # لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب # ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب # ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب # كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا # فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب؟ # فإن أك مظلوما فعبد ظلمته ... وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب # - 9 - وقال أيضا: # لقد نهيت بني ذبيان عن أقر ... وعن تربهم في كل أصفار # وقلت يا قوم إن الليث منقبض ... على براثنه لوثبة الضاري # لا أعرفن ربرجا حورا مدامعها ... كأن أبكارها نعاج دوار # ينظرن شررا إلى من جاء عن عرض ... بأوجه منكرات الرق أحرار # خلف العضاريط لا يرقين فاحشة ... مستمسكات بأقتاب وأكوار # يذرين دمعا على الأشفار منحدرا ... يأملن رحلة حصن وابن سيار # إما عصيت فإني غير منفلت ... مني اللصاب فجنبا حرة النار # أو أضع البيت في سوداء مظلمة ... تقيد الغير لا يسري بها الساري # تدافع الناس عنا حين تركبها ... من المظالم تدعى أم صبار # ساق الرفيدات من جوش ومن عظم ... وماش من رهط ربعي وحجار # قرمى قضاعة حلا حول حجرته ... مدا عليه بسلاف وأنفار # حتى استقل بجمع لا كفاء له ... ينفي الوحوش عن الصحراء جرار # لا يخفض الرز عن أرض ألم بها ... ولا يضل عن مصباحه الساري # وعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل علي بأن أخشاك من عار # - 10 - # PageV01P036 # وقال النابغة يرد على بدر بن حذار ويذكر حزيما وزبان ابني سيار بن عمرو ~~بن جابر لأنه بلغه أنهما أعانا بدرا ورويا شعره فيه: # ألا من مبلغ عني حريما ... وزبان الذي ms066 لم يرع صهري # فإياكم وعورا داميات ... كأن صلاءهن صلاء جمر # فإني قد أتاني ما صنعتم ... وما وشحتم من شعر بدر # فلم يك نولكم أن تشقذوني ... ودوني عازب وبلاد حجر # فإن جوابها في كل يوم ... ألم بأنفس منكم ووفر # ومن يتربص الحدثان تنزل ... بمرلاه عوان غير بكر # - 11 - وقال أيضا: # قالت بنو عامر خالوا بنو أسد ... يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام # يأبى البلاء فلا نبغي بهم بدلا ... ولا نريد خلاء بعد إحكام # فصالحونا جميعا إن بدا لكم ... ولا تقولوا لنا أمثالها عام # إني لأخشى عليكم أن يكون لكم ... من أجل بغضائهم يوم كأيام # تبدو كواكبه والشمس طالعة ... لا النور نور ولا الإظلام إظلام # أو تزجروا مكفهرا لا كفاء له ... كالليل يخلط أصراما بأصرام # مستحقبي خلق المادي يقدمهم ... شم العرانين ضرابون للهام # لهم لواء بكفي ماجد بطل ... لا يقطع الخرق إلا طرفه سام # يهدي كتائب خضرا ليس يعصمها ... إلا ابتدار إلى موت بإلجام # كم غادرت خيلنا منكم بمعترك ... للخامعات أكفا بعد أقدام # يا رب ذات خليل قد فجعن به ... وموتمين وكانوا غير أيتام # والخيل تعلم أنا في تجاولها ... عند الكعان أولو بؤسي وإنعام # ولوا وكبشهم يكبو لجهته ... عند الكماة صريعا جوفه دام # - 12 - وقال في أمر بني عامر: # ليهنئ بني ذبيان أن بلادهم ... خلت لهم من كل مولى وتابع # سوى أسد يحمونها كل شارق ... بألفي كمي ذي سلاح ودارع # قعودا على آل الوجيه ولاحق ... يقيمون حولياتها بالمقارع # يهزون أرماحا طوالا متونها ... بأيد طوال عاريات الأشاجع # فدع عنك قوما لا عتاب عليهم ... هم ألحقوا عبسا بأرض القعاقع # وقد عسرت من دونهم بأكفهم ... بنو عامر عسر المخاض الموانع # فما أنا في سهم ولا نصر مالك ... ومولاهم عبد بن سعد بطامع # إذا نزلوا ذا ضرغد وعتائدا ... يغنيهم فيها نقيق الضفادع # قعودا لدى أبياتهم يثمدونها ... رمى الله في تلك الأنوف الكوانع # - 13 - وقال يصف المتجردة زوج النعمان بن المنذر: # أمن آل مية رائح أو مغتد ... عجلان ذا زاد وغير مزود # أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما ms067 تزل برحالنا وكأن قد # زعم البوارح أن رحلتنا غدا ... وبذاك خبرنا الغداف الأسود # لا مرحبا بغد ولا أهلا به ... إن كان تفريق الأحبة في غد # حان الرحيل ولم تودع مهددا ... والصبح والإمساء منها موعدي # في إثر غانية رمتك بسهمها ... فأصاب قلبك غير أن لم تقصد # غنيت بذلك إذ هم لك جبرة ... منها بعطف رسالة وتردد # ولقد أصابت قلبه من حبها ... عن ظهر مرنان بسهم مصرد # والنظم في سلك يزين نحرها ... ذهب توقد كالشهاب الموقد # صفراء كالسيراء أكمل خلقها ... كالغصن في غلوائه المتأود # والبطن ذو عكن لطيف طيه ... والإتب تنفجه بثدي مقعد # محطوطة المتنين غير مفاضة ... ريا الروادف بضة المتجرد # قامت تراءى بين سجفي كلة ... كالشمس يوم طلوعها بالأسعد # أو درة صدفية غواصها ... بهج متى يرها يهل ويسجد # أو دمية من مرمر مرفوعة ... بنيت بآجر تشاد بقرمد # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد # بمخضب رخص كأن بنانه ... عدم يكاد من اللطافة يعقد # نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود # نجلو بقادمتي حمامة أيكة ... بردا أسف لثاته بالإثمد # كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى # زعم الهمام بأن فاها بارد ... عذب مقبله شهي المورد # زعم الهمام "ولم أذقه" أنه ... عذب إذا ما ذقته قلت ازدد # PageV01P037 # زعم الهمام "ولم أذقه" أنه ... يشفى بريا ريقها العطش الصدى # أخذ العذارى عقده فظمنه ... من لؤلؤ متتابع متسرد # لو أنها عرشت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد # لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد # بتكلم لو تستطيع سماعه ... لدنت له أروى الهضاب الصخد # وبفاحم رجل أثيث نيته ... كالكرم مال على الدعام المسند # فإذا لمست لمست أخثم جاثما ... متحيزا بمكانه ملء اليد # وإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسة بالعبير مقرمد # وإذا نزعت نزعت عن مستحصف ... نزع الحزور بالرشاء المحصد # لا وارد منها يحور لمصدر ... عنها، ولا صدر يحور لمورد # وإذا يعض تشده أعضاؤه ... عض الكبير من الرجال الأدرد # ويكاد ينزع جلد من يصلى به ... بلوافح مثل السعير الموقد # - 14 ms068 - وقال يمدح بني عذرة: # لقد قلت للنعمان يوم لقيته ... يريد بني حن ببرقة صادر # تجنب بني حن فإن لقاءهم ... كريه وإن لم تلق إلا بصابر # عظام اللهى أولاد عذرة إنهم ... لهاميم يستلهونها بالحناجر # وهم منعوا وادي القرى من عدوهم ... بجمع مبير للعدو المكاثر # من الواردات الماء بالقاع تستقى ... بأعجازها قبل استقاء الحناجر # بزاخية ألوت بليف كأنه ... عفاء قلاص طار عنها تواجر # صغار النوى مكنوزة ليس قشرها ... إذا طار قشر التمر عنها بطائر # هم طردوا عنها بليا فأصبحت ... بلي بواد من تهامة غائر # وهم منعوها من قضاعة كلها ... ومن مضر الحمراء عند التغاور # وهم قتلوا الطائي بالحجر عنوة ... أبا جابر واستنكحوا أم جابر # - 15 - وقال يمدح غسان حين ارتحل من عندهم راجعا: # لا يبعد الله جيرانا تركتهم ... مثل المصابيح تجلو ليلة الظلم # لا يبرمون إذا ما الأفق جلله ... برد الشتاء من الأمحال كالأدم # هم الملوك وأبناء الملوك لهم ... فضل على الناس في اللأواء والنعم # أحلام عاد وأجساد مطهرة ... من المعقة والآفات والإثم # - 16 - وقال أيضا: # جمع محاشك يا زيد فإنني ... أعددت يربوعا لكم وتميما # ولحقت بالنسب الذي عبرتني ... وتركت أصلك يا يزيد ذميما # عيرتني نسب الكرام وإنما ... فخر المفاخر أن يعد كريما # حدبت على بطون ضنة كلها ... إن ظالما فيهم وإن مظلوما # لولا بنو عوف بن بهثة أصبحت ... بالنغف أم بني أبيك عقيما # - 17 - وقال أيضا: # أبلغ بني ذبيان أن لا أخالهم ... بعبس إذا حلوا الدماخ فأظلما # بجمع كلون الأعبل الجون لونه ... ترى في نواحيه ذهيرا وحذيما # هم يردون الموت عند لقائه ... إذا كان ورد الموت لابد أكراما # - 18 - وقال لعضام بن شهبرة الجرمي حاجب النعمان بن المنذر: # ألم أقسم عليك لتخبرني ... أمحمول على النعش الهمام # فإني لا ألام على دخول ... ولكن ما وراءك يا عصام # فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشهر الحرام # ونمسك بعده بذناب عيش ... أجب الظهر ليس له سنام # - 19 - وقال أيضا يمدح النعمان بن الحارث الأصغر وكان قد خرج إلى بعض ~~متنزعاته: # إن يرجع النعمان ms069 نفرح ونبتهج ... ويأت معدا ملكها وربيعها # ويرجع إلى غسان ملك وسؤدد ... وتلك المنى لو أننا نستطيعها # وإن يهلك النعمان تغر مطيه ... ويلق إلى جنب الفناء قطوعها # وتنحط حصان آخر الليل نحطه ... تقضقض منها أو تكاد ضلوعها # على إثر خير الناس إن كان هالكا ... وإن كان في جنب الفراش ضجيعها # - 20 - وقال أيضا: # فإن يك عامر قد قال جهلا ... فإن مظنة الجهل الشباب # فكن كأبيك أو كأبي براء ... توافقك الحكومة والصواب # ولا تذهب بحلمك طاميات ... من الخيلاء ليس لهن باب # فإنك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب # فإن تكن الفوارس يوم حسى ... أصابوا من لقائك ما أصابوا # فما إن كان من نسب بعيد ... ولكن أدركوك وهم غضاب # PageV01P038 # فوارس من منولة غير ميل ... ومرة، فوق جمعهم العقاب # - 21 - وقال يهجو يزيد بن عمرو بن الصعف الكلابي: # لعمرك ما خشيت على يزيد ... من العحر المضلل ما أتاني # كأن التاج معصوبا عليه ... لأذواد أصبن بذي أبان # فحسبك أن تهاض بمحكمات ... تمر بها الروى على لساني # فقبلك ما شتمت وقاذعوني ... فما نزر الكلام ولا شجاني # يصد الشاعر الثنيان عني ... صدود البكر عن قرم هجان # أثرت الغي ثم نزعت عنه ... كما حاد الأزب عن الطعان # فإن يقدر عليك أبو قبيس ... تمط بك المعيشة في هوان # وتخضب لحية غدرت وخانت ... بأحمر من نجيع الجوف آني # وكنت أمينه لو لم تخنه ... ولكن لا أمانة لليمان # - 22 - وقال يرثي النعمان بن الحارث بن أبي شمر الغساني: # دعاك الهوى واستجهلتك المنازل ... وكيف تصابى المرء والشيب شامل # وقفت بربع الدار قد غير البلى ... معارفها والساريات الهواطل # أسائل عن سعدى وقد مر بعدنا ... على عرصات الدار سبع كوامل # فسليت ما عندي بروحة عرمس ... تخب برحلي تارة وتناقل # موثقة الأنساء مضبورة القرا ... نعوب إذا كل العتاق المراسل # كأني شددت الرحل حين تشذرت ... على قارح مما تضمن عاقل # أقب كعقد الأندي مسحج ... حزابية قد كدمته المساحل # أضر بجرداء النسالة سمحج ... يقلبها إذ أعوزته الحلائل # إذا جاهدته الشد جد وإن ونت ms070 ... تساقط لا وان ولا متخاذل # وإن هبطا سهلا أثار عجاجة ... وإن علوا حزنا تشظت جنادل # ورب بني البر شاء ذهل وقيسها ... وشيبان حيث استبهلتها المنازل # لقد عالني ما سرها وتقطعت ... لروعاتها مني القوى والوسائل # فلا يهنئ الأعداء يصرح ملكهم ... وما عتقت منه تميم ووائل # وكانت لهم ربعية يحذرونها ... إذا خضخضت ماء السماء القبائل # يسير بها النعمان تغلي قدوره ... تجيش بأسباب المنايا المراحل # تحث الحداة جالزا بردائه ... بقي حاجبيه ما يثير القنابل # يقول رجال ينكرون خليقتي ... لعل زيادا "لا ابا لك" غافل # أبي غفلتي أني إذا ما ذكرته ... تحرك داء في فؤادي داخل # وإن تلادى إن ذكرت وشكتي ... ومهري وما ضمت لدي الأنامل # حباؤك والعيس العتاق كأنها ... هجان المها تحدى عليها الرحائل # فإن تك قد ودعت غير مذمم ... أواسي ملك ثبتتها الأوائل # فلا تبعدن إن المنية موعد ... وكل امرئ يوما به الحال زائل # فما كان بين الخير لو جاء سالما ... أبو حجر إلا ليال فلائل # فإن تحي لا أملل حياتي وإن تمت ... فما في حياتي بعد موتك طائل # فآب مصلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل # سقى الغيث قبرا بين بصرى وجاسم ... بغيث من الوسمي قطر ووابل # ولا زال ريحان ومسك عنبر ... على منتهاه ديمة ثم هاطل # ونبت حوذانا وعوف منورا ... سأتبعه من خير ما قال قائل # بكى حارث الجولان من فقد ربه ... وحوران منه موحش متضائل # قعودا له غسان يرجون أوبه ... وترك ورهط الأعجمين وكابل # قال الأعلم الشنتمري في شرحه للديوان: كمل جميع ما رواه الأصمعي من شعر ~~النابغة نصل به قصائد متخيرة مما رواه غير الأصمعي إن شاء الله تعالى. # - 23 - وقال: # غشيت منازلا بعريتنات ... فأعلى الجزع للحي المبن # تعاورهن صرف الدهر حتى ... عفون؛ وكل منهمر مرن # وقفت بها القلوص على اكتئاب ... وذاك تفارط الشوق المعني # أسائلها وقد سفحت دموعي ... كأن مفيضهن غروب شن # بكاء حمامة تدعو عديلا ... مفجعة على فنن تغني # ألكي يا عيين إليك قولا ... سأهديه إليك: إليك عني # قوافي كالسلام إذا استمرت ... فليس يرد مذهبها التظني ms071 # بهن أدين من يبغي أذاتي ... مداينة المداين فليدني # أتخذل ناصري وتعز عبسا ... أيربوع بن غيظ للمعن # كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن # تكون نعامة طورا وطورا ... هوى الريح تنسج كل فن # PageV01P039 # تمن بعادهم واستبق منهم ... فإنك سوف تترك والتمني # لدى جرعاء ليس بها أنيس ... وليس بها الدليل بمطمئن # إذا حاولت في أسد فجورا ... فإني لست منك ولست مني # فهم درعي التي استلامت فيها ... إلى يوم النسار، وهم مجني # وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إني # شهدت لهم مواطن صادقات ... أتيتهم بود الصدر مني # وهم ساروا لحجر في خميس ... وكانوا يوم ذلك عند ظني # وهم زحفوا لغسان بزحف ... رحيب السرب أرعن مرجحن # بكل مجرب كالليث يسمو ... على أوصال ذيال رفن # وضمر كالمداح مسومات ... عليها معشر أشباه جن # غداة تعاورته ثم بيض ... دفعن إليه في الرهج المكن # ولو أني أطعتك في أمور ... قرعت ندامة من ذاك سني # - 24 - وقال أيضا: # أتاركة تدللها قطام ... وضنا بالتحية والكلام # فإن كان الدلال فلا تلجي ... وإن كان الوداع فبالسلام # فلو كانت غداة البين منت ... وقد رفعوا الخدور على الخيام # صفحت بنظرة فرأيت منها ... تحيت الخدر واضعة القرام # ترائب يستضيء الحلي فيها ... كجمر النار بدر بالظلام # كأن الشذر والياقوت منها ... على جيداء فاترة البغام # خلت بغزالها ودنا عليها ... أراك الجزع أسفل من سنام # تسف بريره وترود فيه ... إلى دبر النهار من البشام # كان مشعشعا من خمر بصرى ... نمته البخت مشدود الختام # تمين قلاله من بيت رأس ... إلى لقمان في سوق مقام # إذا فضت خواتمه علاه ... يبيس القمحان من المدام # على أنيابها بغريض مزن ... تقبله الجباة من الغمام # فأضحت في مداهن باردات ... بمنطلق الجنوب على الجهام # تلذ لطعمه وتخال فيه ... إذا نبهتها بعد المنام # فدعها عنك إذا شطت نواها ... ولجت من بعادك في غرام # ولكن ما أتاك عن ابن هند ... من الجزم المبين والتمام؟ # فداء ما تقل النعل مني ... إلى أعلى الذؤابة للهمام # ومغراه قبائل غائظات ... على الذهيوط في لجب لهام # يقدن ms072 مع امرئ يدع الهوينى ... ويعمد للمهمات العظام # أعين على العدو بكل طرف ... وسلهبة تجلل في السمام # وأسمر مارن يلتاح فيه ... سنان مثل نبراس النهام # وأنباه المنبئ أن حيا ... حلولا من حزام أو جذام # وأن القوم نصرهم جميع ... فئام مجلبون إلى فئام # فأوردهن بطن الأتم شعثا ... يصن المشي كالحداء التؤام # على إثر الأدلة والبغايا ... وخفق الياجيات من الشآم # فباتوا ساكنين وبات يسرى ... يقربهم له ليل التمام # فصيحهم بها صهباء صرفا ... كأن رؤوسهم بيض النعام # فذاق الموت من بركت عليه ... وبالناجين أظفار دوامي # وهن كأنهن نعاج رمل ... يسوين الذيول على الخدام # يوصين الرواة إذا ألموا ... شعث مكرهين على الفطام # وأضحى ساطعا بحبال حسمي ... دقاق الترب محتزم القتام # فهم الصالبون ليدركوه ... وما راموا بذلك من مرام # إلى صعب المقادة ذي شريس ... نماه في قروع المجد نامي # أبوه قبله وأبو أبيه ... بنوا مجد الحياة على إمام # فدوحت العراق فكل قصر ... يجلل خندق منه وحام # وما تنفك محلولا عراها ... على متناذر الأكلاء طام # - 25 - وقال يمدح النعمان بن وائل بن الجلاح الكلبي: # أهاجك من سعدك مغنى المعاهد ... بروضة نعمي فذات الأساود # تعاورها الأرواح ينسفن تربها ... وكل ملث ذي أهاضيب راعد # بها كل ذيال وخنساء ترعوي ... إلى كل رجاف من الرمل فارد # عهدت بها سعدى وسعدى غريرة ... عروب تهادى في جوار خرائد # لعمري النعم الحي صبح سر بنا ... وأبياتنا يوما بذات المراود # يقودهم النعمان منه بمحصف ... وكيد يغم الخارجي مناجد # وشيمة لا وان ولا واهن القوى ... وجد إذا خاب المفيدون صاعد # فآب بأبكار وعون عقائل ... أوانس يحميها امرؤ غير زاهد # PageV01P040 # يخططن بالعيدان في كل مقعد ... ويخبأن رمان الثدي النواهد # ويضربن بالأيدي وراء براغز ... حسان الوجوه كالظباء العواقد # غرائر لم يلقين بأساء قبلها ... لدى ابن الجلاح ما يثقن بوافد # أصاب بني غيظ فأصحوا عباده ... وحللها نعمى على غير واحد # فلابد من عوجاء تهوى براكب ... إلى ابن الجلاح سيرها الليل قاصد # تخب إلى النعمان حتى تناله ... فدى لك من رب طريفي وتالدي # فسكنت نفسي بعدما طار روحها ... وألبستني ms073 نعمى ولست بشاهد # وكنت امرأ لا أمدح الدهر سوقة ... فلست على خير أتاك بحاسد # سبقت الرجال الباهشين إلى العلا ... كسبق الجواد اصطاد قبل الطوارد # علوت معدا نائلا ونكاية ... فأنت لغيث الحمد أول رائد # - 26 - وقال في وقعة عمرو بن الحارث الأصغر الغساني ببني مرة بن عوف بن ~~سعد بن ذبيان: # أهاجك من أسماء رسم المنازل ... بروضة نعمي فذات الأجاول # أربت بها الأرواح حتى كأنما ... تهادين أعلى تربها بالمناخل # وكل ملث مكفهر سحابه ... كميش التوالي مرثعن الأسافل # إذا رجفت فيه رحى مرجحنة ... تبعق ثجاج غزير الحوافل # عهدت بها حيا كراما فبدلت ... حناطيل آجال النعام الجوافل # ترى كل ذيال يعارض ربربا ... على كل رجاف من الرمل هائل # يثرن الحصى حتى يباشرن برده ... إذا الشمس مجت ريقها بالكلاكل # وناجية عديت في متن لاحب ... كسحل اليماني قاصد للمناهل # له خلج تهوى فرادى وترعوي ... إلى كل ذي نيرين بادي الشواكل # وإني عداني عن لقائك حادث ... وهم أتى من دون همك شاغلي # نصحت بني عوف فلم يتقبلوا ... وصاتي ولم تنجح لديهم وسائلي # فقلت لهم لا أعرفن عقائلا ... رعابيب من جنبي أريك وعاقل # ضوارب بالأيدي وراء براغز ... حسان كآرام الصريم الخواذل # خلال المطايا يتصلن وقد أتت ... قنان أبير دونها والكواثل # وخلوا له بين الجناب وعالج ... فراق الخليط ذي الأذاة المزايل # ولا أعرفني بعد ما قد نهيتكم ... أجادل يوما في شوي وجامل # وبيض غريرات تفيض دموعها ... بمستكره يذرينه بالأنامل # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل # مخافة عمرو أن تكون جياده ... يقدن إلينا بين حاف وناعل # إذا استعجلوها عن سجية مشيها ... تتلع في أعناقها بالجحافل # شوازب كالأجلام قد آل رمها ... سماحيق صفرا في تليل وفائل # ويقذفن بالأولاد في كل منزل ... تشحط في أسلائها كالوصائل # ترى عافيات الطير قد وثقت لها ... بشبع من السخل العتاق الأكائل # برى وقع الصوان حد نسورها ... فهن لطاف كالصعاد الذوابل # مقرنة بالعيس والأدم كالقنا ... عليها الحبور محقبات المراجل # وكل صموت نثلة تبعية ... ونسج سليم كل قضاء ذائل # علين بكديون ms074 وأبطن كرة ... فهن وضاء صافيات العلائل # عتاد امرئ لا ينقض البعد همه ... طلوب الأعادي واضح غير خامل # تحين بكفيه المنايا وتارة ... تسحان سحا من عطاء ونائل # إذا حل بالأرض البرية أصبحت ... كئيبة وجه غبها غير طائل # يؤم بربعي كأن زهاءه ... إذا هبط الصحراء حرة راجل # - 27 - وقال يمدح النعمان بن المنذر: # أمن ظلامة الدمن البوالي ... بمرفض الحي إلى وعال # فأمواه الدنا فعويرضات ... دوارس بعد أحياء حلال # تأبد لا ترى إلا صوارا ... بمرقوم عليه العهد خال # تعاورها السواري والغوادي ... وما تذرى الرياح من الرمال # أثيت نبته جعد ثراه ... به عوذ المطافل والمتالي # يكشفن الألاء مزينات ... بغاب ردينة السحم الطوال # كأن كشوحهن مبطنات ... إلى فوق الكعوب برود خال # فلما أن رأيت الدار قفرا ... وخالف بال أهل الدار بالي # نهضت إلى عذافرة صموت ... مذكرة تجل عن الكلال # فداء لامرئ سارت إليه ... بعذرة ربها عمي وخالي # ومن يغرف من النعمان سجلا ... فليس كمن يتيه في الضلال # PageV01P041 # فإن كنت امرأ قد سؤت ظنا ... بعبدك والخطوب إلى تبال # فأرسل إلى بني ذبيان فاسأل ... ولا تعجل إلي عن السؤال # فلا عمر الذي أثنى عليه ... وما رفع الحجيج إلى إلال # لما أغفلت شكرك فانتصحني ... وكيف ومن عطائك جل مالي # ولو كفي اليمين بغتك خونا ... لأفردت اليمين من الشمال # ولكن لا تخان الدهر عندي ... وعند الله تجزية الرجال # له بحر يقمص بالعدولي ... وبالخلج المحملة الثقال # مضر بالقصور تذود عنها ... قراقير النبيط إلى التلال # وهوب للمخيسة النواجي ... عليها القانئات من الرحال # - 28 - وقال أيضا: # ألا أبلغا ذبيان عني رسالة ... فقد أصبحت عن منهج الحق جائره # أجدكم لن تزجروا عن ظلامة ... سفيها ولن ترعوا لذي الود آصره # فلو شهدت سهم وأبناء مالك ... فتعذرني من مرة المتناصره # لجاءوا بجمع لم ير الناس مثله ... تضاءل منه بالعشي قصائره # ليهنئ لكم أن قد نفيتم بيوتنا ... مندى عبيدان المحلئ باقره # وإني لألقى من ذوي الضعن منهم ... وما أصبحت تشكو من الوجد ساهره # كما لقيت ذات الصفا من حليفها ... وما انفكت الأمثال في الناس سائره # فقالت ms075 له أدعوك للعقل وافيا ... ولا تغشيني منك بالظلم بادره # فوثقها بالله حين تراضيا ... فكانت تديه المال غبا وظاهره # فلما توفي العقل إلا أقله ... وجارت به نفس عن الحق جائره # تذكر أني يجعل الله جنة ... فبصبح ذا مال ويقتل واتره # فلما رأى أن ثمر الله ماله ... وأثل موجودا وسد مفاقره # أكب على فأس يحد غرابها ... مذكرة من المعاول باتره # فقام لها من فوق جحر مشيد ... ليقتلها أو تخطئ الكف بادره # فلما وقاها الله ضربة فأسه ... وللبر عين لا تغمض ناظره # فقال تعالى نجعل الله بيننا ... على مالنا أو تنجزي لي آخره # فقالت يمين الله أفعل أنني ... رأيتك مسحورا يمينك فاجره # أبى لي قبر لا يزال مقابلي ... وضربة فأس فوق رأسي فاقره # - 29 - وقال أيضا: # ودع أمامة والتوديع تعذير ... وما وداعك من قفت به العير # وما رأيتك إلا نظرة عرضت ... يوم النمارة والمأمور مأمور # إن إلى الفول حي وإن بعدوا ... أمسوا ودونهم ثهلان فالنير # هل تبلغينهم حرف مصرمة ... أجد القفار وإدلاج وتهجير # قد عريت نصف حول أشهر جددا ... يسفى على رحلها بالحيرة المور # وفارقت وهي لم تجرب وباع لها ... من الفصافص بالنمي سفسير # ليست ترى حولها إلفا وراكبها ... نشوان في جوة الباغوث مخمور # تلقى الإوزين في أكناف دارتها ... بيضا وبين يديها التين منشور # لولا الهمام الذي ترجى نوافله ... لقال راكبها في عصبة سيروا # كأنها خاضب أظلافه لهق ... قهد الإهاب تربته الزنانير # أصاخ من نبأة أصغى لها أذنا ... صماخها بدخيس الروق مستور # من حس أطلس تسعى تحته شرع ... كأن أحناكها السفلى مآشير # يقول راكبها الجني مرتفقا ... هذا لكن ولحم الشاة محجور # تمت القصائد المختارة من شعر النابغة. ### | زهير بن أبي سلمى ### | ترجمة الشاعر # - 1 - هو زهير بن ربيعة الملقب بأبي سلمى، من قبيلة مزينة من مضر. # كان يقيم هو وقومه في بلاد غطفان وأسرته أسرة شاعرة فكان أبوه شاعرا وخال ~~أبيه - واسمه بشامة بن الغدير - شاعرا؛ جمع إلى الشعر الحكمة وجودة الرأي، ~~وكانت غطفان إذا أرادوا الغزو أتوه فاستشاروه وصدروا عن رأيه، فإذا ms076 رجعوا ~~من الحرب قسموا له مثل ما يقسمون لأفضلهم، وقد لازمه زهير وأخذ عنه الشعر ~~وجودة الرأي. وكان زوج أمه أوس بن حجر - شاعرا. وكان أبو شاعرا وأخته سلمى ~~شاعرة، وابناه - كعب ويجير - شاعرين، وابن ابنه المضرب بن كعب بن زهير كان ~~كذلك شاعرا. # PageV01P042 # وكانت بلاد غطفان ساحة للعداء الشديد والحرب المستعرة بين قبيلتين من ~~قبائلهما وهما عبس وذبيان، وكانت هذه الحروب وهذا العداء سببا في ثروة ~~أدبية كبيرة من شعر ملئ بالفخر والهجاء والتحريض على القتال والأخذ بالثأر، ~~ومن قصص تدور وقائعها على ما كان بين الفريقين. فكثير من شعر عنترة العبسي ~~مثلا يصف الأطوار الأخيرة لحرب داحس والغبراء الطاحنة، وكان كثير من شعر ~~زهير يدور حول السلم بين القبيلتين والدعوة إليه وإظهار نتائجه، والإعجاب ~~برجلين من رؤساء ذبيان، وهما هرم بن سنان والحارث بن عوف، سعيا في الصلح ~~بين عبس وذبيان واحتملا ديات القتلى ونشرا السلام في غطفان، فكان هذا داعيا ~~لزهير ليصور حبه للسلام واستفظاعه للحرب وأهوالها، وليمدح هذين العظيمين ~~على ما قاما به من جهود لتوطيد دعائم السلم في هذه الجزيرة العربية ~~المتنافرة المتخاصمة. # وقد مدح هرم بن سنان بمدائح كثيرة، وأجزل هرم له العطاء وله نحو العشرين ~~قصيدة، يمدحه هو والحارث بن عوف بها؛ لسعيه في الصلح بين عبس وذبيان. ومات ~~قبل البعثة بقليل. # وكان سنان أبو هرم سيد غطفان وماتت أمه وهي حامل به. وقالت: إذا أنا مت ~~فشقوا بطني. فإن سيد غطفان فيه، فلما ماتت شقوا بطنها فاستخرجوا منه سنانا. ~~وفي بني سنان يقول زهير: # قوم أبوهم سنان حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا # لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قدم بأولهم أو مجدهم قعدوا # جن إذا فزعوا أنس إذا أمنوا ... مرزؤون بهاليل إذا قصدوا # محسدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ماله حسدوا # وقال زهير في هرم بن سنان: # وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب فواصله # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي ms077 أنت سائله # أخو ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يتلف المال نائله # وقال زهير أيضا في هرم بن سنان وأهل بيته: # من أهل بيت يرى ذو العرش فضلهم ... يبني لهم في جنان الخلد مرتفق # المطعمين إذا ما أزمة أزمت ... والطيبين ثيابا كلما عرقوا # كأن آخرهم في الجود أولهم ... إن الشمائل والأخلاق تتفق # إن قامروا قمروا أو فاخروا فخروا ... أو ناضلوا نضلوا أو سابقوا سبقوا # تنافس الأرض موتاهم إذا دفنوا ... كما تنافس عند الباعة الورق # قال الميداني في مجمع أمثاله عند قولهم أجود من هرم: هو هرم بن سنان بن ~~أبي حارثة المري وقد سار بذكر جوده المثل، وقال زهير بن أبي سلمى فيه: # إن البخيل ملوم حيث كان ... ولكن الجواد على علاته هرم # هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيظلم # ووفدت ابنة هرم على عمر، فقال لها: ما كان الذي أعطى أبوك زهيرا حتى ~~قابله من المديح بما قد سار فيه، فقالت: أعطاه خيلا تنضى، وإبلا تتوى ~~وثيابا تبلى ومالا يفنى. فقال عمر: لكن ما أعطاكم زهير لا يبليه الدهر، ولا ~~يفنيه العصر.. ويروى أنها قالت: ما أعطى هرم زهيرا قد نسي. قال: لكن ما ~~أعطاكم زهير لا ينسى. # - 2 - وزهير من شعراء الطبقة الأولى من شعراء الجاهلية، وفضله كثير ممن ~~لهم معرفة بنقد الشعر على امرئ القيس والنابغة وأضرابهما، وقال أناس: هو ~~أشعر العرب وعده عمر أشعر الشعراء لأنه لا يعاظل بين الكلام ولا يتتبع ~~حواشيه ولا يمدح أحد بغير ما فيه. وذكره الأصمعي قال: كفاك من الشعراء ~~أربعة: "زهير إذا طرب والنابغة إذا رهب والأعشى إذا غضب وعنترة إذا كلب". # وكان زهير يتأله ويتعفف في شعره، ويدل شعره على إيمانه بالبعث كقوله: # يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينتقم # وكان عمر بن الخطاب يعجب بقوله: # فإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء # يعني يمينا أو مناقرة إلى الحاكم أو برهان. ومما جرى من شعره مجرى المثل ~~قوله: # وهل ينبت الخطى ms078 إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل ### | أسباب شاعرية زهير # PageV01P043 # كان زهير شاعرا مجيدا معدودا من فحول الشعراء في الجاهلية، وكان النقاد ~~يضعونه مع امرئ القيس والنابغة والأعشى في طبقة واحدة، هي الطبقة الأولى من ~~شعراء الجاهلية. وكان الذي بلغ به إلى هذه المنزلة الكبيرة في الشعر، ووثق ~~أسباب شاعريته عدة أسباب كثيرة منها: أولا - هذه البيئة العربية البدوية ~~الشاعرة. # ثانيا - تلك النهضة الأدبية في الشعر التي كانت تموج بها نجد والقرى ~~العربية في عصر زهير. # ثالثا - وراثته الشعر عن أسرته. فقد كان خاله بشامة بن الغدير شاعرا ~~وكانت أسرة زهير من ذريته من المجيدين في الشعر قالوا: "لم يتصل الشعر في ~~أهل بيت من العرب كما اتصل في بيت زهير" فأبوه وأبناؤه وأحفاده وأخته ~~الخنساء كلهم من الشعراء المجيدين. # رابعا - اشترك زهير في الملاحم الحربية في الجزيرة العربية. وفي حرب داحس ~~والغبراء، والحروب تثير الشاعرية، وتهيج الخيال، وتحرك الشعور، وتبعث على ~~الكلام. # خامسا - المنافسات الأدبية بين زهير والشعراء المعاصرين له، كانت سببا ~~أيضا من أسباب نضوج شعره وشاعريته. # سادسا - قصد زهير بشعره إلى المدح كان يدفعه إلى الإجادة والتهذيب في ~~شعره، مما رفع من مكانته، وقوى أسباب الرغبة في نفسه وشاعريته. ### | أثر حياة زهير في شعره # أولا - نشأته في أسرة شاعرة جعلته يجود من شعره ويهذب من شاعريته. # ثانيا - اتصاله بهرم وتوالي أيادي هرم عليه جعله يجود في المدح. # ثالثا - مشاهدته حرب داحس والغبراء الطاحنة، ومآسيها الدامية، دفعه إلى ~~نظم الشعراء في التنفير من الحرب والدعوة إلى السلام. # رابعا - تجارب زهير وخبرته بالحياة أنضجت شعر الحكمة عنده. # خامسا - التنافس الأدبي بينه وبين الشعراء، وتلمذته على أوس بن حجر، ~~دفعاه إلى تجويد شعره والعناية بتهذيبه. # - 3 - ### | خصائص شعره # أولا - من حيث الألفاظ: كان زهير يختار ألفاظه اختيار، ويبالغ في ~~اختيارها بذوقه وفطرته الأدبية، وقد يسرف في الغرابة حينا، ولكن لا يخلو ~~أغلب شعره من سهولة في اللفظ حينا، وجزالة وقوة غالبتين عليه أحيانا. # ثانيا - من حيث الأسلوب: وأسلوب زهير من ms079 أساليب الشعراء المجددين ~~المصنعين في شعرهم، وأنتم تعلمون مذهب زهير في الروية وتهذيب الشعر وتنقيحه ~~للوصول به إلى منزلة الكمال الفني في النظم وإدراكا للمنزلة السامية بين ~~الشعراء. ومذهب الروية في شعر زهير واضح كل الوضوح في جميع قصائده، ويتجلى ~~في عدة مظاهر في أسلوب زهير، من إمعان في تنقيح الأسلوب ونفي كل ما يعاب ~~به، وإسقاط كل ما يؤخذ عليه، ومن إدخال الرونق والبهاء والجمال على كل بيت ~~من أبيات قصيدته، ومن قصد للسهولة والوضوح والإمتاع واللذة الفنية التي ~~تبعث على الإعجاب والروعة والتأثر. # ويغلب على شعر زهير ألوان كثيرة من الصنعة، يدخلها فيه من استعارة وتشبيه ~~وكناية وطباق، ولكن هذه الألوان الفنية تجيء في شعره عفو القريحة، من غير ~~قصد إليها وتعمل لها وتكلف فيها وغلو في طلبها، وإنما تنبعث من ذوق الشاعر ~~وموهبته وروحه الصناع الموهوب وهذه الخصائص التي امتاز بها أسلوب زهير كانت ~~هي السبب الأهم في تقديم كثير من النقاد له، ويجمع أغلبهم على وصف أسلوبه ~~بالخلو من التعقيد والتكلف، وبالمساوقة للطبع وبالسهولة والوضوح في قوة ~~وجزالة.. وعلى أي حال، فأسلوب زهير ذوب شاعريته وملكاته في الشعور، ومذهبه ~~في الصنعة الذي شهر به، والذي أخذه عنه تلاميذه من أمثال الحطيئة، وكعب ابن ~~شاعرنا زهير. # ثالثا - من حيث المعاني: ومعاني زهير كما قلت تنبع من نفسه وتصدر عن حسه، ~~وتتصل بمظاهر البيئة في حياته لا يمعن فيها في طلب المحال، ولكنه يعمد إلى ~~الصدق فإذا بالغ في أداء المعنى اختار طريق المبالغة المقبولة فقال مثلا: # فلو كان حمد يخلد الناس أخلدوا ... ولكن حمد الناس ليس بمخلد # PageV01P044 # وإذا أراد أن يجود في المدح اختار ما هو أليق به وأقرب إلى ذوق الناس في ~~عصره من وصف ممدوحه بالبطولة والشجاعة والعفة والنائل الكثير، والتهلل عند ~~ورود العفاة ولكنه لا يزعم أبدا أن ممدوحه فعل المعجزات وصنع المستحيلات ~~ونالت قدرته السموات، كما يزعم المحدثون من الشعراء. وتشيع في معاني زهير ~~الحكمة الصادقة، والتجربة الصحيحة، والخبرة الواعية بالحياة وأحداثها ~~ومشكلاتها. ms080 ومن ثم عد من شعراء الحكمة في الشعر الجاهلي. # رابعا - من حيث الخيال: ومعاني زهير لا يسوقها سوق الحس والمشاهدة فحسب، ~~ولكنه يتكئ فيها على خياله، ليبرزها في ألوان مجنحة من صنعة الخيال المتصرف ~~في ملكات النفس والشعور وهذا الخيال عند زهير من صنعته أن يقرب البعيد، ~~ويسهل الصعب من المعاني ويوضح الغامض، وأجنحة هذا الخيال في مبالغة مقبولة ~~أو استعارة صادقة، أو كناية قريبة، أو تشبيه مستطرف في ثنايا شعره. # خامسا - من حيث الأغراض: أجاد زهير إجادة عالية في الحكمة والمدح والغزل، ~~وقارب من الإجادة في الوصف والفخر والعتاب، وكان متوسطا في الهجاء والرثاء ~~والاعتذار.. وقد مضت نماذج لهذه الفنون من شعره، ولكن الذي نريد أن نتحدث ~~عنه هو أسباب تجويده في المدح.. وهذه الأسباب من أهمها: أولا: حرص زهير على ~~تسجيل بعض مآثر سادات العرب الذين كان لهم مكان مرموق في الحياة الجاهلية، ~~وأثر واضح في فض مشكلات الحرب بين قبائلها. # ثانيا: الوفاء الذي طبعت عليه نفس زهير وشدة تأثر بأيدي ممدوحيه عليه. # ثالثا: اعتزازه بمفاخر القبيلة، ومجدها ومآثرها، مما كان يدفعه إلى مدح ~~قومه. # رابعا: اتصاله بهرم وتوالي أيادي هرم عليه.. كل هذه الأسباب جعلته جيد ~~المدح. ولذلك قالوا: "كان أشعر الناس امرئ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، ~~والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب". ويقصدون من ذلك أن أجود شعر امرئ ~~القيس كان في وصف الخيل والصيد، وأجود شعر زهير كان في المدح، وأجود شعر ~~النابغة كان في الاعتذار، وأجود شعر الأعشى كان في وصف الخمر. # - 4 - وكان زهير ينقح شعره مدة طويلة فتسمى كبار قصائده "الحوليات"، وعد ~~من عبيد الشعر.. ولذلك كان زهير "أبعد الشعراء عن سخف، وأجمعهم لكثير من ~~المعنى في قليل من اللفظ، وأكثرهم أمثالا في شعره".. وكان لا يتتبع حوشي ~~الكلام ولا يمدح الرجل إلا بما يكون فيه. # والظاهر أن طول تهذيبه لشعره إنما كان في طوال قصائده.. وهي أربع: أحداها ~~مطلعها: # قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم ms081 # والثانية: # إن الخليط أجد البين فانفرقا ... وعلق القلب من أسماء ما علقا # والثالثة: # بأن الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... وذودوك اشتياقا أية سلكوا # والرابعة: # لمن طلل برامة لا يريم ... عفا وخلا له حقب قديم # تظهر هذه الروية في شعره كل الظهور، فهو هادئ رزين في تفكيره، يتخير ~~المعاني التي تناسب موضوعه، ويتخير لهذه المعاني خير الألفاظ، يرفق مواضع ~~الرفق، ويشتد في مواضع الشدة. # كذلك عرف بالميل إلى الحكمة، جرب الدهر وحلب أشطره وخبر الناس وعرف ~~نفوسهم فعمد إلى صياغة ذلك كله في شعره -وكان ملهما - فأتى بما لم يسبق ~~إليه وقد أعجب المسلمون في الصدر الأول بحكمه، وفضله بعضهم من أجلها على ~~سائر الشعراء، لما فيها من صدق القول، وحسن النظر، ولما فيها من نظرات تتفق ~~ومبادئ الإسلام كقوله: # فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم # يؤخر فوضع في كتاب فيدحر ... ليوم حساب أو يعجل فينقم # وخير شعره هو في مدح هرم بن سنان، كقوله: # قد جعل المبتعون الخير في هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا # من يلق يوما على علاقة هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا # ليث بعثر يصطاد الليوث إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا # يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا # لو نال حي من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا # وقوله: # دع ذا وعد القول في هرم ... خير البداة وسيد الحضر # لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر # ولأنت أوصل من سمعت به ... لشوابك الأرحام والصهر # PageV01P045 # ولنعم حشو الدرع أنت إذا ... دعيت نزال ولج في الذعر # وأراك تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري # أثنى عليك بما علمت وما ... سلفت في النجدات من ذكر # والستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر # ولما مات هرم رثاه زهير بقصيدته: # إن الرزية لا رزية مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلت # إن الركاب لتبتغي ذا مرة ... بجنوب نخل إذا الشهور أحلت # ينعين ms082 خير الناس عند شديدة ... عظمت مصيبته هناك وجلت # ولنعم حشو الدرع كان إذا سطا ... نهلت من العلق الرماح وعلت # وأولى قصائده معلقته التي مطلعها: # أمن أم أو في دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم # وهي في تسعة وخمسين بيتا وموضوعها إطراء الصلح بين عبس وذبيان ومدح هرم ~~والحارث بن عوف لقيامهما بهذا العمل الجليل. # - 5 - وقد ظهر منذ حين شرح لديوان زهير بن أبي سلمى، ويهو يقع في نحو 460 ~~صفحة من القطع الكبير، وطبع بمطبعة دار الكتب المصرية - وللديوان قصة فإنه ~~منذ سنوات أتيح للمستشرق المعروف الأستاذ أوجست فيشر الاطلاع على مخطوط ~~قديم بمكتبة الجمعية الألمانية الشرقية بمدينة هلة، شرح فيه مصنفه ديوان ~~الشاعر الجاهلي الكبير زهير بن أبي سلمى المزني وديوان ولده كعب. ويمتاز ~~هذا المخطوط بأنه نسخة ديوان زهير فيه أقدم نسخه المعروفة جميعا، إذ يرجع ~~تاريخها إلى سنة 533 هجرية، كما أن ديوان كعب فريد لا يعرف له نسخة ثانية. ~~ويقول الأستاذ فيشر في وصفه إنه مخطوط بقلم لغوي يدير، يندر أن تفوته غلطة، ~~كتبه بخط واضح كامل الشكل، ومما يذكر أن هذا المخطوط كان قد عثر عليه ~~الأستاذ ألبرت سوتسن في زيارة له لدمشق 1783، وآلت ملكيته إلى الجمعية ~~الألمانية بعد وفاته وليس زهير في حاجة إلى تعرف، فهو أحد ثلاثة كانوا ~~أقطاب الشعر في الجاهلية والمقدمين على سائر الشعراء. وكان يسمي قصائده ~~المطولة "الحوليات" لكثرة ما يعود إليها بالنظر والتروية والتنقيح، حتى كان ~~الأصمعي يقول "زهير والحطيئة وأشباههما من الشعراء عبيد الشعر لأنهم نقحوه ~~ولم يذهب فيه مذهب المطبوعين". # ورغم مكانة زهير هذه، فإن ديوانه لم يطبع غير مرة واحدة منذ قرابة نصف ~~قرن، وكانت الحاجة ماسة لذلك، إلى إعادة نشره من جديد على طريقة التحقيق ~~العلمي الحديث.. وهذلت ما تكفلت به الطبعة التي بين أيدينها. # ورواية زهير وشارحه في هذه الطبعة هو الإمام أبو العباس أحمد بن يحيى بن ~~زيد الشيباني المعروف بثعلب اللغوي الكوفي الحجة. وقد كان كما يقول عنه ~~القطربلي "من الحفظ ms083 والعلم وصدق اللهجة والمعرفة بالغيب ورواية الشعر ~~القديم ومعرفة النحو على مذهب الكوفيين على ما ليس عليه أحد" ووصفه المبرد ~~بأنه "أعلم الكوفيين" على رغم ما كان بينهما من تنافس ونزاع. وذكر له ابن ~~النديم اثنين وعشرين كتابا في النحو والأدب واللغة، من أشهرها كتاب الفصيح ~~المعروف باسمه. وله شرح على ديوان الأعشى نشره المستشرق رودلف جيد، وشرح ~~ديوان زهير الذي نحن بصدده، وقد تواتر الإجماع بروايته له في سائر نسخ ~~الديوان المعروفة بغير شك أو خلاف. أما شرح ديوان كعب فالمحقق الأوجه ~~لنسبته لثعلب. ويقطع الأستاذ فيشر بأنه للسكري اللغوي البصري (المتوفي سنة ~~275ه) .. ويرجح ذلك عنده ما ورد في نهاية المخطوط حيث ذكر ناسخه بعد الفراغ ~~من شعر كعب: "تم شعر كعب في رواية السكري"، ثم ما ورد في رواية بعض القصائد ~~مما يغلب أن يكون رواية من غير أهل الكوفة. ### | المختار من شعر زهير # - 1 - قال زهير بن أبي سلمى: # أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم # ودار لها بالرقمتين كأنها ... مراجيع وشم في نواشر معصم # بها العين والآرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل محثم # وقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلأيا عرفت الدار بعد توهم # أثافي سفعا في معرس مرجل ... ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلم # فلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا انعم صباحا أيها الربع واسلم # تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... تحملن بالعلياء من فوق جرثم # علون بأنماط عتاق وكلة ... وراد حواشيها مشاكهة الدم # PageV01P046 # ووركن في السوبان يعلون متنه ... عليهن دل الناعم المتنعم # وفيهن ملهى للصديق ومنظر ... أنيق لعين الناظر المتوسم # بكرن بكورا واستحرن بسحرة ... فهن لوادي الرس كاليد للفم # جعلن القنان عن يمين وحزنه ... ومن بالقنان من محل ومحرم # ظهرن من السوبان ثم جزعنه ... على كل قيني قشيب مفأم # كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم # فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم # سعى ساعيا غيط ابن مرة بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم ms084 # فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم # يمينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حل من سحيل ومرم # تدار كتما عبسا وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم # وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا ... بمال ومعروف من الأمر نسلم # فأصبحتما منها على خير موطن ... بعيدين فيها من عقوق ومأتم # عظيمين في عليا معد وغيرها ... ومن يستبح كنزا من المجد يعظم # فأصبح يجري فيهم من تلادكم ... مغانم شتى من إقال المزنم # تعفى الكلوم بالمئين فأصبحت ... ينجمها من ليس فيها بمجرم # ينجمها قوم لقوم غرامة ... ولم يهريقوا بينهم ملء محجم # فمن مبلغ الأحلاف عني رسالة ... وذبيان هل أقسمتم كل مقسم # فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم # يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم # وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم # متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا أضربتموها فتضرم # فنعرككم عرك الرحى بثقالها ... وتلقح كشافا ثم تحمل فتتئم # فنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم # فتعلل لكم مالا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفير ودرهم # لعمري لنعم الحي حر عليهم ... بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم # وكان طوى كشحا على مستكة ... فلا هو أبداها ولم يتجمجم # وقال سأقضي حاجتي ثم أتقي ... عدوي بألف من ورائي ملجم # فشد ولم تفزع بيوت كثيرة ... لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم # لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم # جريء متى يظلم يعاقب بظلمه ... سريعا، وإلا يبد الظلم بظلم # رعوا ما رغوا من ظمئهم ثم أوردوا ... غمارا تسيل بالرماح وبالدم # فقضوا منايا بينهم ثم أصدروا ... إلى كلأ مستوبل متوخم # لعمرك ما جرت عليهم رماحهم ... دم ابن نهيك أو قتيل المثلم # ولا شاركوا في القوم في دم نوفل ... ولا وهب منهم ولا ابن المحزم # فكلأ أراهم أصبحوا يعقلونهم ... علالة ألف بعد ألف مصتم # تساق إلى قوم لقوم غرامة ... صحيحات مال طالعات بمخرم # لحي حلال يعصم الناس أمرهم ... إذا طلعت ms085 إحدى الليالي بمعظم # كرام فلاذوا لوتر يدرك وتره ... لديهم ولا الجاني عليهم بمسلم # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبالك يسأم # رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم # وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم # ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم # ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم # ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم # ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم اليأس يظلم # ومن هاب أسباب المنية يلقها ... ولو رام أسباب السماء بسلم # ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهدم # ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبه ... إلى مطمئن البر لا يتجمجم # ومن يغترب يحسب عدوا صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم # ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... ولو خالها تخفى على الناس تعلم # ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ... ولا يغنها يوما من الدهر يسأم ### | تحليل لمعلقة زهير # PageV01P047 # هذه المعلقة هي أثر آخر من آثار البلاغة العربية القديمة، يقع في تسعة ~~وخمسين بيتا، وصاحبها هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني. نشأ في ~~أقاربه بني غطفان وتخرج في الشعر على خال أبيه بشامة بن الغدير، وكان يروي ~~لأوس بن حجر أيضا وكان أوس زوج أمه، فكان شاعرا فحلا، كما كان صائب الرأي ~~عاقلا حازما حكيما وكان يتأله ويتعفف في شعره.. ويدل شعره على إيمان ~~بالبعث: # يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم حساب أو يعجل فينقم # وفضله عمر بن الخطاب على الشعراء، لأنه كان لا يعاظل بين القول ولا يتبع ~~حوشي الكلام ولا يمدح الرجل إلا بما هو فيه. # وكان زهير أحكمهم شعرا، وأبعدهم من سخف وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل ~~من المنطق وأشدهم مبالغة في المدح. # كانت حرب داحس والغبراء بين عبس وبيان تؤرق زهيرا وتضنيه، وتثير شاعريته. ~~ولما سعى هرم بن سنان والحارث ms086 بن عوف المريان في الصلح وحقن الدماء وتحملا ~~ديات القتلى أنطلقت تلك المأثرة زهيرا، فنظم معلقته هذه يمدح هذين السيدين، ~~وينوه بعملهما الجليل ويدعو إلى السلم وينفر من الحرب ويصف مآسيها وآلامها، ~~وهي قصيدة رائعة، تمتاز بحكمها الكثيرة، وكان زهير ذا حكمة في شعره.. وقد ~~بدأ زهير معلقته بذكر الديار وزيارته لها ووقوفه فيها عشرين عاما طوالا ~~يتذكر ذكريات حبه ووفائه، قال: # أمن أم أوفى دمنه لم تكلم ... بحوماته الدراج فالمتثلم # وقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلأيا عرفت الدار بعد توهم # فلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا أنعم صباحا أيها الربع واسلم # ثم أخذ يصف النساء اللاتي ارتحلن عنها، فيتبعن ببصره كئيبا حزينا، ويصف ~~الطريق التي سلكنها، والهوادج التي كن فيها، والمياه التي نزلنها، في عذوبة ~~وسهولة وجمال، إلى أن يقول: # فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصى الحاضر المتخيم # تذكرني الأحلام ليلى ومن تطف ... عليه خيالات الأحبة يحلم # ثم ينتقل إلى مدح هرم الحارث والإشادة بمنقبتهما الكريمة في إنقاذ السلام ~~وإطفاء الحرب بين عبس وذبيان وتحملهما ديات القتلى من ما لهما، وقد بلغت ~~ثلاثة آلاف بعير. قال: # سعى ساعيا "غيظ بن مرة" بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم # فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم # يمينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم # تداركتما عبسا وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم # وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا ... بمال ومعروف من الأمر نسلم # فأصبحتما منها على خير موطن ... بعيدين فيها من عقوق ومآثم # ثم ندد بالحرب ووصف فظائعها؛ ودعا إلى السلم وأكده وأوجبه على ~~المتحاربين، قال: # وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم # متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا ضربتموها فتضرم # ثم ينصح قومه بأن يبقوا على السلم، ويندد بالحصين بن ضمضم وبآثار عمله في ~~تهييج الشر وإعادة نار المحرب، وكان الحصين حين اجتمع القوم للصلح قد حمل ~~على رجل له عنده ثأر في الحرب فقتله، ويعيد التنويه بالرجلين ms087 اللذين احتملا ~~ديات القتلى واحدا واحدا على غير جريرة كانت منهما. # ثم ينتقل من هذا المجال الرهيب مجال النصح والتوجيه وتأكيد السلام، إلى ~~مجال الحكمة الإنسانية العامة، حكمة الرجل المجرب للحياة الذي ذاقها ~~وخبرها، وعاش في خضمها، ثم امتد به العمر فزهدها وانصرف عنها.. قال: # ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عند ويذمهم # إلى أن قال: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبالك يسأم # وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم # رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم # ويختمها بتأكيد معروف السيدين الممدوحين عليه فيقول: # سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتم ... ومن يكثر التسآل يوما سيحرم # - 2 - وقال أيضا يمدح سنان بن أبي حارثة المري: # صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل # PageV01P048 # وقد كنت من سلمى سبين ثمانيا ... على صبر أمر ما يمر وما يحلو # وكنت إذا ما جئت يوما لحاجة ... مضت وأجمت، حاجة الغد ما تخلو # وكل محب أحدث النأي عنده ... سلو فؤاد غير حبك ما يسلو # تأوبني ذكر الأحبة بعده ما ... هجعت ودوني قلة الحزن فالرمل # فأقسمت جهدا بالمنازل من منى ... وما سحقت فيها المقادم والقمل # لأرتحلن بالفجر ثم لأدأبن ... إلى الليل إلا أن يعرجني طفل # إلى معشر لم يورث اللؤم جدهم ... أصاغرهم وكل فحل له نجل # تربص فإن تقو المروراة منهم ... وداراتها لا تقو منهم إذن نخل # فإن تقويا منهم فإن محجرا ... وجزع الحسا منهم إذن قلما يخلو # بلاد بها ندمتهم وألفتهم ... فإن تقويا منهم فإنهما بسل # إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم ... طوال الرماح لا ضعاف ولا عزل # بخيل عليها جنة عبقرية ... جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا # وإن يقتلوا فيشتفى بدمائهم ... وكانوا قديما من مناياهم القتل # عليها أسود ضاريات لبوسهم ... سوابغ بيض لا تخرقها النبل # إذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل # قضاعية أو أختها مضرية ... يحرق في حافاتها الخطب الجزل # تجدهم على ما خيلت ms088 هم إزاءها ... وإن أفسد المال الجماعات والأزل # يحشونها بالمشرفيات والقنا ... وفتيان صدق لا ضعاف ولا نكل # تهامون نجديون كيدا ونجعة ... لكل أناس من وقائعهم سجل # هم ضربوا عن فرجها بكتيبة ... كبيضاء حرس في طوائفها الرجل # متى يشتجر قوم تفل سرارتهم ... هم بيننا فهم رضا وهم عدل # هم جددوا أحكام كل مضلة ... من العقم لا يلقى لأمثالها فصل # بعزمة مأمور مطيع وآمر ... مطاع فلا يلقى لحزمهم مثل # ولست بلاق بالحجاز مجاورا ... ولا سفرا إلا له منهم حبل # بلاد بها عزوا معدا وغيرها ... مشاربها عذب وأعلامها ثمل # هم خير حي من معد علمتهم ... لهم نائب في قومهم ولهم فضل # فرحت بما خبرت عن سيديكم ... وكانا امرأين كل أرهما يعلو # رأى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو # تداركتما الأحلاف قد ثل عرشهم ... وذبيان قد زلت بأقدامها النعل # فأصبحتما منها على خير موطن ... سبيلكما فيه وإن أحرثوا سهل # إذا السنة الشهباء بالناس أجحفت ... ونال كرام المال في الحجرة الأكل # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا بها حتى إذا نبت البقل # هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن يسروا يغلوا # وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل # على مكتريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل # وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل # وإن قام فيهم حامل قال قاعد ... رشدت، فلا غرم عليك ولا خذل # سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يفعلوا، ولم يليموا، ولم يألوا # فما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل # وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في مناتها النخل # - 3 - وقال يمدح خصن بن حذيفة بن بدر: # صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله # وأقصرت عما تعلمين وسددت ... علي سوى قصد السبيل معادله # وقال العذارى إنما أنت عمنا ... وكان الشباب كالخليط زايله # فأصبحت ما يعرفن إلا خليفتي ... وإلا سواد الرأس والشيب شامله # لمن طلل كالوحي عاف منازله ... عفا الرس منه فالرسيس فعاقله # فرقد فصارات فأكناف ms089 منعج ... فشرقي سلمى: حوضه فأجاوله # فوادي البدي فالطوي فنادق ... فوادي القنان: جزعه فأفاكله # وغيث من الوسمي حو تلاعه ... أجابت روابيه النجا وهواطله # هبطت بممسود النواشر سابح ... ممر أسيل الخد نهد مراكله # تميم فلوناه فأكمل صنعه ... فتم وعزته يداه وكاهله # أمين شظاه لم يخرق صفاقة ... بمنقبة ولم تقطع أباجله # PageV01P049 # إذا ما غدونا نبتغي الصيد مرة ... متى نره فإننا لا نخاتله # فبينا نبغي الصيد جاء غلامنا ... يدب ويخفى شخصه ويضائله # فقال شياه راتعات بقفرة ... بمستأسد القريان حو مسائله # ثلاث كأقواس السراء مسحل ... قد اخضر من لس الغمير جحافله # وقد خرم الطراد عنه جحاشه ... فلم تبق إلا نفسه وحلائله # فقال: أميري ما ترى رأي ما نرى ... أنختله عن نفسه أم نصاوله # فبتنا عراة عند رأس جوادنا ... يزاولنا عمن نفسه ونزاوله # ونضربه حتى اطمأن قذاله ... ولم يطمئن قلبه وخصائله # وملجمنا ما إن ينال قذاله ... ولا قدماه الأرض إلا أنامله # فلأيا بلأي ما حملنا وليدنا ... على ظهر محبوك ظماء مفاصله # فقلت له سدد وأبصر طريقه ... وما هو فيه عن وصاتي شاغله # وقلت: تعلم أن للصيد غرة ... وإلا تضبعها فإنك قاتله # فتمع آثار الشياه وليدنا ... كشؤبوب غيث يحفش الأكم وابله # نظرت إليه نظرة فرأيته ... على كل حال مرة هو حامله # يثرن الحصى في وجهه وهو لاحق ... سراع تواليه صياب أوائله # فرد علينا العير من دن إلفه ... على رغمه يدمى نساه وفائله # ورحنا به ينضو الجياد عشية ... مخضبة أرساغه وعوامله # بذي ميعة لا موضع الرمح مسلم ... لبطء ولا ما خلف ذلك خاذله # وأبيض فياض يداه غمامة ... على معئفيه ما تغب فواضله # بكرت عليه غدوة فرأيته ... قعودا لديه بالصريم عواذله # يفدينه طورا وطورا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله # فأقصرن منه عن كريم مرزأ ... عزم على الأمر الذي هو فاعله # أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله # وذي نسب ناء بعيد وصلته ... بمال وما يدري بأنك واصله # وذي نعمة تممتها وشكرتها ... وخصم يكاد يغلب ms090 الحق باطله # دفعت بمعروف من القول صائب ... إذا ما أضل الناطقين مفاصله # وذي خطل في القول يحسب أنه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله # عبأت له حلما وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله # حذيفة ينميه وبدر كلاهما ... إلى باذخ يعلو على من يطاوله # ومن مثل حصن في الحروب، ومثله ... لإنكار ضيم، أو لأمر يحاوله؟ # أبي الضيم والنعمان يخرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقله # عزيز إذا حل الخليفان حوله ... بذي لجب لجاته وصواهله # يهد له ما دون رملة عالج ... ومن أهله بالغور زالت زلازله # وأهل خباء صالح ذات بينهم ... قد احتربوا في عاجل أنا آجله # فأقبلت في الساعين أسأل عنهم ... سؤالك بالشيء الذي أنت جاهله # - 4 - وقال يمدح هرم بن سنان وأباه وإخوته: # إن الخليط أجد البين فانفرقا ... وعلق القلب من أسماء ما علقا # وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع وأمسى الرهن قد غلقا # وأحلفتك ابنة البكري ما وعدت ... فأصبح الحبل واهنا خلقا # قامت تراءى بذي ضال لتحزنني ... ولا محالة أن يشتاق من عشقا # بجيد مغزلة أدماء خازلة ... من الظباء تراعى شادنا خرقا # كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت ... من طيب الراح لما يعد أن عتقا # شج لسقاة على ناجودها شبما ... من ماء لينة لا طرقا ولا زنقا # مازلت أرمقهم حتى إذا هبطت ... أيدي الركاب بهم من راكس فلقا # دانية لشروري أو قفا أدم ... يسعى الحداة على آثارهم حزقا # كأن عيني في غربي مقتلة ... من النواضح تسقى جنة سحقا # تمطو الرشاء فتجري في ثنايتها ... من المحالة ثقبا رائدا قلقا # لها متاع وأعوان غدون به ... قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا # وخلفها سائق يحذو إذا خشيت ... منه اللحاق تمد الصلب والعنقا # وقابل يتغنى كلما قدرت ... على العراقي يداه قائما دفقا # يحيل في جدول تخبو ضفادعه ... حبو الجواري ترى في مائه نطقا # يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغم والغرقا # PageV01P050 # بل اذكرن خير قبس كلها حسبا ... وخيرها نائلا وخيرها خلقا # القائد الخيل منكوبا دوابرها ... قد أحكمت حكمات القد والأبقا # غزت ms091 سمانا فآبت ضمرا خدجا ... من بعد ما جنبوها بدنا عققا # حتى يئوب بها عوجا معطلة ... تشكو الدوابر والأنساء والصفقا # يطلب شأو امرأين قدما حسنا ... نالا الملوك وبذا هذه السوقا # هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا # أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا # أغر أبيض فياض يفكك عن ... أيدي العناة وعن أعناقها الربقا # وذاك أحزمهم رأيا إذا نب ... أمن الحوادث عادى الناس أو طرقا # فضل الجياد على الخيل البطاء فلا ... يعطى بذلك ممنونا لا نزقا # قد جعل المبتغون الخير في هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا # وليس مانع ذي قربى وذي رحم ... يوما ولا معدما من خابط ورقا # إن تلق يوما على علاته هرما ... تلق السماحة منه والندى خلقا # ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كدب الليث عن أقرانه صدقا # يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا # هذا وليس كمن يعيا بخطته ... وسط الندى إذا ما ناطق نطقا # لو نال حي من الدنيا بمنزلة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا # - 5 - وقال أيضا: # بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... وزودك اشتياقا أية سلكوا # رد القيان جمال الحي فاحتملوا ... إلى الظهيرة أمر بينهم لبك # ما إن يكاد يخليهم لوجهتهم ... تخالج الأمر إن الأمر مشترك # ضحوا قليلا قفا كتبان أسنمة ... ومنهم بالقسوميات معترك # ثم استمروا وقالوا إن مشربكم ... ماء بشرقي سلمى قيد أوركك # يغشى الحداة بهم وعث الكثيب كما ... يغشى السفائن موج اللجة العرك # هل تبلغني أذني دراهم قلص ... يزحى أوائلها التبغيل والرتك # مقورة تتبارى لا شوار لها ... إلا القطوع على الأنساع والورك # مثل النعام إذا هيجتها ارتفعت ... على الواجب بيض بينها الشرك # وقد أروح أمام الحي مقتنصا ... قمرا مراتعها القيعان والنبك # وصاحبي وردة نهد مراكلها ... جرداء لا فحج فيها ولا صكك # مرا كفاتا إذا ما الماء أسهلها ... حتى إذا ضربت بالسوط تبترك # كأنها من قطا الأجباب حلأها ... ورد وأفرد عنها أختها الشرك # جونية كحصاة القسم مرتعها ... بالسي ما تنبت القفعاء ms092 والحسك # أهوى لها أسفع الخدين مطرق ... ريش القوادم لم ينصب له السبك # لا شيء أسرع منها وهي طيبة ... نفسا بما سوف ينجيها وتترك # دون السماء وفرق الأرض قدرهما ... عند الذنابى، فلا فوت ولا درك # عند الذنابي لها صوت وأزملة ... يكاد يخطفها طورا وتهتلك # حتى إذا هوت كف الغلام لها ... طارت وفي كفه من ريشها بتك # ثم استمرت إلى الوادي فألجأها ... منه وقد طمع الأظفار والحنك # حتى استغاثت بماء لا رشاء له ... من الأباطح في حافاته البرك # مكلل بأصول النبت تنسجه ... ريح خريق لضاحي مائه حبك # كما استغاث بسيء فز غيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك # فزل عنها وأوفى رأس مرقبة ... كمنصب العتر دمى رأسه النسك # هلا سألت بني الصيداء كلهم ... بأي حبل جوار كنت أمتسك # فلن يقولوا بحبل واهن خلق ... لو كان قومك في أسبابه هلكوا # يا حار لا أرمين منكم بداهية ... لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك # فاردد يسارا لا تعف علي ولا ... تمعك بعرضك إن الغادر المعك # ولا تكونن كأقوام علمتهم ... يلوون ما عندهم حتى إذا نهكوا # طابت نفوسهم عن حق خصمهم ... مخافة الشر فارتدوا لما تركوا # تعلمن ها "لعمر الله" ذا قسما ... فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك # لئن حللت بجو في بني أسد ... في دين غمرو وحالت بيننا فدك # ليأتينك مني منطق قذع ... باق كما دنس القبطية الودك # - 6 - وقال أيضا: # PageV01P051 # تعلم أن شر الناس حي ... ينادي في شعارهم يسار # ولولا عسبه لرددتموه ... وشر منيحة عسب معار # إذا جمحت نساؤكم إليه ... أشظ كأنه مسد مغار # يبربر حين يغدو من بعيد ... إليها وهو قبقاب قطار # كطفل ظل يهدج من بعيد ... ضئيل الجسم يعلوه انبهار # إذا أبزت به يوما أهلت ... كما تبزى الصفائد والعشار # فأبلغ إن عرضت لهم رسولا ... بني الصيداء إن نفع الجوار # فإن الشعر ليس له مرد ... إذا ورد المياه به التجار # - 7 - وقال أيضا: # أبلف بني نوفل عني وقد بلغوا ... مني الحفيظة لما جاءني الخبر # القائلين يسارا لا تناظره ... غشا لسيدهم في الأمر إذا أمروا ms093 # إن ابن ورقاء لا تخشى غوائله ... لكن وقائعه في الحرب تنتظر # لولا ابن ورقاء والمجد التليد له ... كانوا قليلا فما عزوا ولا كثروا # المجد في غيرهم لولا مآثره ... وصبره نفسه والحرب تستعر # أولى لهم ثم أولى أن تصيبهم ... مني بواقر لا تبقي ولا تذر # وأن يعلل ركبان المطي بهم ... بكل قافية شنعاء تشتهر # - 8 - وقال أيضا يمدح الحارث: # أبلغ لديك بني الصيداء كلهم ... أن يسارا أتانا غير مغلول # ولا مهان ولكن عند ذي كرم ... وفي حبال وفي غير مجهول # يعطي الجزيل ويسمو وهو متئد ... بالخيل والقوم في الرجراجة الجول # وبالفوارس من ورقاء قد علموا ... فرسان صدق على جرد أبابيل # في حومة الموت إذ ثابت حلائبهم ... لا مقرفين، ولا عزل، ولا ميل # في ساطع من غيابات ومن رهج ... وعثير من دقاق الترب منخول # أصحاب زند وأيام لهم سلفت ... من حاروا أعذبوا عنه بتنكيل # أو صالحوا فله أمن ومنتفذ ... وعقد أهل وفاء غير مخذول # - 9 - وقال يمدح هرم بن سنان المري: # قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم # لا الدار غيرها بعدي الأنيس ولا ... بالدار لو كلمت ذا حاجة صمم # دار لأسماء بالغمريز ماثلة ... كالوحي ليس بها من أهلها أرم # وقد أراها حديثا غير مقوية ... السر منها فوادي الجفر فالهدم # فلا لكان إلى وادي الغمار، ولا ... شرقي سلمى، ولا قيد، ولا رهم # شطت بهم قرقرى: برك بأيمنهم ... والعاليات، وعن أيسارهم خيم # عوم السفين، فلما حال دونهم ... فند الفريات فالعتكان فالكرم # كان عيني وقد سال السليل بهم ... وعبرة ما هم لو أنهم أمم! # غرب على بكرة أو لؤلؤ قلق ... في السلك خان به رباته النظم # عهدي بهم يوم باب القريتين ... زال الهماليج بالفرسان واللجم # فاستبدلت بعدنا دارا يمانية ... ترعى الخريف فأدنى دارها ظلم # إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كن الجواد على علاته هرم # هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيظلم # وإن أتاه خليل يوم مسئلة ... يقول لا غاثب مالي ولا حرم # القائد الخيل منكوبا دوابرها ... منها الشنون ms094 ومنها الزاهق الزهم # قد عوليت فهي مرفوع جواشنها ... على قوائم عوج لحمها زيم # تنبذ أفلاءها في كل منزلة ... تفتح أعينها العقبان والرخم # فهي تتلع بالأعناق يتبعها ... خلج الأجرة في أشداقها ضجم # تخطو على ربذات غير فائرة ... تحذى وتعقد في أرساغها الخدم # قد أبدأت قطفا في المشي منشرة ال ... أكتاف تنكبها الحزان والأكم # يهوى بها ماجد سمح خلائقه ... حتى إذا ما أناخ القوم فاحتزموا # صدت صدودا عن الأشوال واشترفت ... فبلا تقلقل في أعناقها الجذم # كانوا فريقين يصغون الزجاج على ... قعس الكواهل في أكتافها شمم # وآخرين ترى الماذي عدتهم ... من نسج داود أو ما أورثت إرم # هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا ... لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا # ينظر فرسانهم أمر الرئيس وقد ... شد السروج على أثباجها الحزم # يمرونها ساعة مريا بأسوقهم ... حتى إذا ما بدا للغارة النعم # PageV01P052 # شدوا جميعا وكانت كلها نهزا ... تحشك درتها الأرسان والجذم # ينزعن إمة أقوام لذي كرم ... بحر يفيض على العافين إذ عدموا # حتى تآوى إلى لا فاحش برم ... ولا شحيح إذا أصحابه غنموا # يقسم ثم يسوي القسم بينهم ... معتدل الحكم لا هار ولا هشم # فضله فرق أقوام ومجده ... مالم ينالوا وإن جادوا وإن كرموا # قود الجياد وإصهار الملوك وصبر ... في مواطن لو كانوا بها سئموا # ينزع إمة أقوام ذوي حسب ... مما ييسر أحيانا له الطعم # ومن ضريبته التقوى ويعصمه ... من سيئ العثرات الله والرحم # مورث المجد لا يغتال همته ... عن الرياسة لا عجز ولا سأم # كالهندواني لا يحزنك مشهده ... وسط السيوف إذا ما تضرب البهم # - 10 - وقال زهير أيضا يمدح هرما: # لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن شهر؟ # لعب الزمان بها وغيرها ... بعدى سوافي المور والقطر # قفرا بمندفع النحائت من ... ضفوى أولات الضال والسدر # دع ذا وعد القول في هرم ... حير البداة وسيد الحضر # تالله قد علمت سراة بني ... ذبيان عام الحبس والأصر # أن نعم معترك الجياع إذا ... خب السفير وسابي الخمر # ولنعم حشو الدرع أنت إذا ... دعيت نزال ولج في الذعر # حامي الذمار ms095 على محافظة ال ... جلى أمين مغيب الصدر # حدب على المولى الضريك إذا ... نابت عليه نوائب الدهر # ومرهق النيران يحمد في ال ... لأواء غير معلن القدر # ويقيك ما وفى الأكارم من ... حوب تسب به ومن غدر # وإذا برزت به برزت إلى ... صافي الخليقة طيب الخبر # متصرف للمجد معترف ... للنائبات يراح للذكر # جلد يحث على الجميع إذا ... كره الظنون جوامع الأمر # فلأنت تفرى ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفرى # ولانت أشجع حين تتجه ال ... أبطال من ليث أبي أجر # ورد عراض الساعدين حدي ... د الناب بين ضراغم غثر # يصطاد أحدان الرجال فما ... تنفك أجريه على ذحر # والستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر # أثنى عليك بما علمت وما ... سلفت في النجدات والذكر # لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر # - 11 - وقال أيضا: # عفا من آل فاطمة الجواء ... فيمن فالقوادم الحساء # فذو هاش فميث عريينات ... عفتها الريح بعدك والسماء # فذروة فالجناب كأن خنس النعاج ... الطاويات بها الملاء # يشمن بروقه ويرش أرى ال ... جنوب على حواجبها العماء # فلما أن تحمل آل ليلى ... جرت بيني وبينهم ظباء # جرت سنحا فقلت لها أجيزي ... نوى مشمولة فمتى البقاء؟ # تحمل أهلها منها فبانوا ... على آثر من ذهب العفاء # كأن أوابد الثيران فيها ... هجائن في مغابنها الطلاء # لقد طالبتها ولكل شيء ... وإن طالت لجاجته انتهاء # تنازعها المها شبها ودر الن ... حور وشاكهت فيها الظباء # فأما ما فويق العقد منها ... فمن أدماء مرتعها الخلاء # وأما المقلتان فمن مهاة ... وللدر الملاحة والصفاء # فصرم حبلها إذ صرمته ... وعادى أن تلاقيها العداء # بآرزة الفقارة لم يخنها ... قطاف في الركاب ولا خلاء # كأن الرحل منها فوق صعل ... من الظلمان جؤجؤه هواء # أصك مصلم الأذنين أجنى ... له بالسي تنوم وآء # أذلك أم شتيم الوجه جأب ... عليه من عقيقته عفاء # تربع صارة حتى إذا ما ... فنى الدحلان عنه والإضاء # ترفع للقنان وكل فج ... طباه الرعي منه والخلاء # فأوردها حياض صنيبعات ... فألفاهن ليس بهن ماء # فشج بها الأماعز فهي ms096 تهوى ... هوي الدلو أسلمها الرشاء # فليس لحاقه كلحاق إلف ... ولا كنجائها منه نجاء # وإن مالا لوعث خازمته ... بألواح مفاصلها ظماء # يخر نبيذها عن حاجبيه ... فليس لوجهه منه غطاء # يغرد بين خرم مفضيات ... صواف لم يكدرها الدلاء # PageV01P053 # يفضله إذا اجتهدا عليه ... تمام السن منه والذكاء # كأن سحيله في كل فجر ... على أحساء يمئود دعاء # فآض كأنه رجل سليب ... على علياء ليس له رداء # كأن بريقه برقان سحل ... جلا عن متنه حرض وماء # فليس بغافل عنها مضيع ... رعيته إذ غفل الرعاء # وقد أغدو على ثبة كرام ... نشاوى واجدين لما نشاء # لهم راح وراووق ومسك ... تعل به جلودهم وماء # يجرون البرود قد تمشت ... حميا الكأس فيهم والغناء # تمشى بين قتلى قد أصيبت ... نفوسهم ولم تغرق دماء # وما أدرى وسوف إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء # فإن قالوا: النساء مخبئات ... فحق لكل محصنة هداء # وإما أن يقول بنو مصاد ... إليكم إننا قوم براء # وإما أن يقولوا قد وفينا ... بذمتنا فعادتنا الوفاء # وإما أن يقولوا قد أبينا ... فشر مواطن الحسب الإباء # وإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو حلاء # فذلكم مقاطع كل حق ... ثلاث كلهن شفاء # فلا مستكرهون لما منعتم ... ولا تعطون إلا أن تشاءوا # جوار شاهد عدل عليكم ... وسيان الكفالة والتلاء # بأي الجيرتين أجرتموه ... فلم يصلح لكم إلا الأداء # وجار شار معتمدا إليكم ... أجاءته المخافة والرجاء # فجاور مكرما حتى إذا ما ... دعاه الصف وانقطع الشتاء # ضمنتم ماله وغدا جميعا ... عليكم نقصه وله النماء # ولولا أن ينال أبا طريف ... إسار من مليك أو لحاء # لقد زارت بيوت عليم ... من الكلمات آنية ملاء # فتجمع أيمن منا ومنكم ... بقسمة تمور بها الدماء # سيأتي آل حصن حيث كانوا ... من المثلات باقية ثناء # فلم أر معشرا أسروا هديا ... ولم أر جاء بيت يستباء # وجار البيت والرجل المنادي ... أمام الحي عقدهما سواء # أبى الشهداء عندك من معد ... فليس لما تدب له خفاء # تلجلج مضغة فيها أنيض ... أصلت فهي تحت الكشح داء # غصصت بنيئها فبشمت منها ... وعندك لو أردت ms097 لها دواء # وإني لو لقيتك فاجتمعنا ... لكان لكل مندية لقاء # فأبرئ موضحات الرأس منه ... وقد يشفى من الجرب الهناء # فمهلا آل عبد الله عدوا ... مخازي لا يدب لها الضراء # أرونا سنة لا عيب فيها ... يسوى بيننا فيها السواء # فإن تدعوا السواء فليس بيني ... وبينكم بني حصن بقاء # ويبقى بيننا قدع وتلفوا ... إذن قوما بأنفسهم أساءوا # وتوقد ناركم شررا ويرفع ... لكم في كل مجمعة لواء # - 12 - وقال زهير أيضا يمدح هرما: # لمن طلل برامة لا يريم ... عفا وخلا له حقب قديم # تحمل أهله منه فبانوا ... وفي عرصاته منهم رسوم # يلحن كأنه يدا فتاة ... ترجع في معاصمها الوشوم # عفا عن آل ليلى بطن ساق ... فأكثبة العجالز فالقصيم # تطالعنا خيالات لسلمى ... كما يتطلع الدين الغريم # لعمر أبيك ما هرم بن سلمى ... بملحي إذا اللؤماء ليموا # ولا ساهى الفؤاد ولاعبي ال ... لمسان إذا تشاجرت الخصوم # وهو غبث لنا في كل عام ... يلوذ به المخول والعديم # وعود قومه هرم عليه ... ومن عاداته الخلق الكريم # كما قد كان عودهم أبوه ... إذا أزمتهم يوما أزوم # كبيرة مغرم أن يحملوها ... تهم الناس أو أمر عظيم # لينجو من سلامتها وكانوا ... إذا شهدوا العظائم لم يليموا # كذلك خيمهم ولكل قوم ... إذا مستهم الضراء خيم # وإن سدت به لهوات ثغر ... يشار إليه جانبه سقيم # مخوف بأسه يكلاك منه ... عتيق لا ألف ولا سئوم # له في الذاهبين أروم صدق ... وكان لكل ذي حسب أروم # - 13 - وقال أيضا: # ألا أبلغ لديك بني تميم ... وقد تأتيك بالخبر الظنون # بأن بيوتنا بمحل حجر ... بكل قرارة منها نكون # إلى قلهى تكون الدار منا ... إلى أكتاف دومة فالجحون # بأودية أسافلهن روض ... وأعلاها إذا خفنا حصون # نحل بسهلها فإذا فزعنا ... جرى منهن بالأصلاء عون # PageV01P054 # وكل طوالة وأقب نهد ... مرا كلها من النعداء جون # تصمر بالأصائل كل يوم ... تسن على سنابكها القرون # وكانت تشتكي الأضغان منها ال ... لجون الخب واللحج الحرون # وخرجها صوارخ كل يوم ... فقد جعلت عرائكها تلين # وعزتها كواهلها وكلت ... سنابكها وقدحت العيون # إذا رفع السياط لها ms098 تمطت ... وذلك من علالتها متين # ومرجعها إذا نحن انقلبنا ... نسيف البقل واللبن الحقين # فقري في بلادك إن قوما ... متى يدعوا بلادهم يهونوا # أو انتجعي سنانا حيث أمسى ... فإن الغيث منتجع معين # متى تأتيه تأتي لج بحر ... تقاذف في غواربه السفين # له لقب لباغي الخير سهل ... وكيد حين تبلوه متين # - 14 - وقال أيضا: # رأيت بني آل امرئ القيس أصفقوا ... علينا وقالوا: إننا نحن أكثر # سليم بن منصور وأفناه عامر ... وسعد بن بكر والنصور وأعصر # خذوا حظكم يا آل عكرم واذكروا ... أواصرنا والرحم بالغيب تذكر # خذوا حظكم من ودنا إن قربنا ... إذا ضرستنا الحرب نار تسعر # وإنا وإياكم إلى ما تسومكم ... لمثلان أو أنتم إلى الصلح أفقر # إذا ما سمعنا صارخا معجت بنا ... إلى صوته ورق المراكل ضمر # وإن شل ريعان الجميع مخافة ... نقول جهارا ويلكم لا تنفروا # على رسلكم إنا سنعدي وراءكم ... فتمنعكم أرماحنا أو سنعذر # وإلا فإنا بالشر به فاللوى ... نعقر أمات الرباع ونيسر # - 15 - وقال أيضا: # لعمرك والخطوب مغيرات ... وفي طول المعاشرة التقالي # لقد باليت مظعن أم أوفى ... ولكن أم أوفى لا تبالي # - 16 - وقال أيضا: # إن الرزية لا رزية مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلت # إن الركاب لتبتغي ذا مرة ... بجنوب نخل إذا الشهور أحلت # ينعون خير الناس عند كريهة ... عظمت رزيتهم هناك وجلت # ولنعم حشو الدرع كان إذا سطا ... نهلت من العلق الرماح وعلت # - 17 - وقال زهير أيضا: # ألا ليت شعري هل ترى الناس ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا # بدا لي أن الله حق فزادني ... إلى الحق تقوى الله ما كان باديا # بدا لي أن الناس تفنى نفوسهم ... وأموالهم ولا أرى الدهر فانيا # وإني متى أهبط من الأرض تلعة ... أجد أثرا قبلي جديدا وعافيا # أراني إذا ما بت بت على هوى ... وأني إذا أصبحت أصبحت غاديا # إلى حفرة أهدى إليها مقيمة ... يحث إليها سائق من ورائيا # كأني وقد خلفت تسعين حجة ... خلعت بها عن منكبي ردائيا # بدا لي أني لست مدرك ما ms099 مضى ... ولا سابقي شيء إذا كان جاثيا # أراني إذا ما شئت لاقيت آية ... تذكرني بعض الذي كنت ناسيا # وما إن أرى نفسي تقيها كريهتي ... وما إن تقي نفسي كرائم ماليا # ألا لا أرى على الحوادث باقيا ... ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا # وإلا السماء والبلاد وربنا ... وأيامنا معدودة واللياليا # ألم تر أن الله أهلك تبعا ... وأهلك لقمان بن عاد وعاديا # وأهلك ذا القرنين من قبل ما ترى ... وفرعون جبارا طغى والنجاشيا # ألا لا أرى ذا أمة أصبحت به ... فتتركه الأيام وهي كما هيا # ألم تر للعمان كان بنجوة ... من الشر لو أن امرأ كان ناجيا # فغير منه ملك عشرين حجة ... من الدهر يوم واحد كان غاويا # لم أر مسلوبا له مثل ملكه ... أقل صديقا باذلا أو مؤاسيا # فأين الذين كان يغطى جياده ... بأرسائهن والحسان الغواليا # وأين الذين كان يعطيهم القرى ... بغلاتهن والمئين الغواديا # وأين الذين يحضرون جفانه ... إذا قدمت ألقوا عليها المراسيا # رأيتهم لم يشركوا بنفوسهم ... منيته لما رأوا أنها هيا # خلا أن حيا من رواحة حافظوا ... وكانوا أناسا يتقون المخازيا # فساروا له حتى أناخوا ببابه ... كرام المطايا والهجان المتاليا # فقال لهم خيرا وأثنى عليهم ... وودعهم وداع أن لا تلاقيا # PageV01P055 # وأجمع أمرا كان ما بعده له ... وكان إذا ما اخلولج الأمر ماضيا # - 18 - وقال زهير أيضا لأم ولده كعب: # قالت أم كعب لا تزرني ... فلا والله مالك من مزار # رأيتك عبتني وصددت عني ... فكيف عليك صبري واصطباري # فلم أفسد بنبك ولم أقرب ... إليك من الملمات الكبار # أقيمي أم كعب واطمئني ... فإنك ما أقمت بخير دار # - 19 - وقال زهير يمدح هرم بن سنان أيضا عن أبي عمرو المفضل: # خشيت ديارا بالبقيع فثهمد ... دوارس قد أقوين من أم معبد # أربت بها الأرواح كل عشية ... فلم يبق إلا آل خيم منضد # وغير ثلاث كالحمام خوالد ... وهاب محيل هامد متلبد # فلما رأيت أنها لا تجيبني ... نهضت إلى وجناء كالفحل جلعد # جمالية لم يبق سيري ورحلتي ... على ظهرها من نيها غير محفد # متى ما تكلفها مآبة ms100 منهل ... فتستعف أو تنهك إليه فتجهد # برده ولما يخرج السوط شأوها ... مروحا جنوح الليل ناجية الغد # كهمك إن تجهد تجدها نجيحة ... صبورا وإن تسترخ عنها تزيد # وتنضح ذفراها بجون كأنه ... عصيم كحيل في المراجل معقد # وتلوى بربان العسيب تمره ... على فرج محروم الشراب مجدد # تبادر أغوال العشي وتاتقي ... علالة ملوي من القد مخصد # كخنساء سفعاء الملاطم حرة ... مسافرة مزؤودة أم فرقد # غدت بسلاح مثله يتقى به ... ويؤمن جأش الخائف المتوحد # وسامعتين تعرف العتق فيهما ... إلى جذر مدلوك الكعوب محدد # وناظرتين تطرحان قذاهما ... كأنهما مكحولتان بإثمد # طباها ضحاء أو خلاء فحالفت ... إلي السباع في كناس ومرقد # أضاعت فلم تغفر لها خلونها ... فلاقت بيانا عند آخر معهد # دما عند شلو تخجل الطير حوله ... وبضع لحام في إهاب مقدد # وتنفض عنها غيب كل خميلة ... ونخشى رماة الغوث من كل مرصد # فجالت على وحشيها وكأنها ... مسربلة في رزاقى معضد # ولم تدر وشك البين حتى رأتهم ... وقد قعدوا أنفاقها كل مقعد # وثاروا بها من جانبيها كليهما ... وحالت وإن تجشمنها الشد تجهد # تبذ الألى يأتينها من ورائها ... وإن تتقدمها السوابق تصطد # فأنقذها من غمرة الموت أنها ... رأت أنها إن تنظر النبل تقصد # نجاء مجد ليس فيه وتيرة ... وتذيبها عنها بأسحم مذود # وجدت فألقت بينهن وبينها ... غبارا كما فارت دواخن غرقد # بملتئمات كالخذاريف قوبلت ... إلى جوشن خاطى الطريقة مسند # إلى هرم تهجيرها ووسيجها ... تروح من الليل التمام وتغتدي # إلى هرم سارت ثلاثا من اللوى ... فنعم مسير الواثق المتعمد # سواء عليه أي حين أتيته ... أساعة نحس يتقي أم بأسعد # أليس بضراب الكماة بسيفه ... وفكاك أغلال الأسير المقيد # كليث أبي شبلين يحمي عرينه ... إذا هو لاقى نجدة لم يعرد # ومدره حرب حميها يتقى به ... شديد الرجام باللسان وباليد # وثقل على الأعداء لا يضونه ... وحمال أثقال ومأوى المطرد # أليس بفياض يداه عمامة ... ثمال اليتامى في السنين محمد # إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية ... من المجد من يسبق إليها يسود # سبقت إليها كل طلق مبرز ... سبوق إلى الغايات غير مجلد # كفضل ms101 جواد الخيل يسبق عفوه ال ... راع وإن يجهدن يجهد ويبعد # تقي نقي لم يكثر غنيمة ... بنهكة ذي القربى ولا بحقلد # سوى ربع لم يأت فيه مخونة ... ولا رهقا من عائذ متهود # يطيب له أو افتراض بسيفه ... على دهش في عارض متوقد # فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ... ولكن حمد الناس ليس بمخلد # ولكن منه باقيات وراثة ... فأورث بنيك بعضها وتزود # تزود إلى يوم الممات فإنه ... ولو كرهته النفس آخر موعد # - 20 - وقال يمدح سنان بن أبي حارثة: # أمن آل ليلى عرفت الطلولا ... بذي حرض ماثلات مثولا # بلين وتحسب آياته ... ن عن فرط حولين رقا محيلا # إليك سنان الغداة الرحي ... ل أعصى النهاة وأمضى الفئولا # PageV01P056 # فلا تأمني غزو أفراسه ... بني وائل وازهبيه جديلا # وكيف اتقاء امرئ لا يئو ... ب بالقوم في الغزو حتى يطيلا # بشعث معطلة كالقسي ... غزون مخاضا وأدين حولا # نواشز أطباق أعناقها ... وضمرها قافلات قفولا # وإذا أدلجوا لحوال الغوا ... ر لم تلف في القوم نكسا ضئيلا # ولكن جلدا جميع السلا ... ح ليلة ذلك عضا بسيلا # فلما تبلج ما فوقه ... أناخ فشن عليه الشليلا # وضاعف من فوقها نثرة ... يرد القواضب عنها فلولا # مضاعفة كأضاة المسي ... ل تغشى على قدميه فضولا # فنهنهها ساعة ثم قا ... ل للوازعين خلوا السبيلا # فأتبعهم فيلقا كالسراب ... جأواء تتبع شخبا ثعولا # عناجيج في كل رهو ترى ... رعالا سراعا تبارى رعيلا # جوانح يخلجن الظبا ... ء يركضن ميلا وينزعن ميلا # فظل قصيرا على صحبه ... وظل على القوم يوما طويلا # @طرفة بن العبد ### | ترجمته والمختار من شعره ### | طرفة الشاعر الشاب 540 - 565 م ### | ترجمة الشاعر ### | تمهيد # طرفة شاعر صاحب شخصية واضحة في شعره، وصاحب مذهب واضح في حياته، وداعية ~~من دعاة اللهو واللذة والعبث، وشاب جمع إلى فتوة الشاب وطيشه حكمة الشيوخ ~~وتفكيرهم، ويعجب النقاد والمستشرقون به وبشخصيته وشعره إعجابا شديدا؛ وشعره ~~صورة واضحة لحياته كل الوضوح، بما كان فيها من مطامح وآمال وآلام وأحداث. ### | أسرة الشاعر وبيئته ### | 1 - # وطرفة شاعر فحل من أعلام الشعر الجاهلي، وهو من ربيعة ms102 من بكر بن وائل ~~إحدى قبيلتيها العظيمتين المشهورتين - وهما بكر وتغلب - فهو بكري ربعي. # وربيعة أخت مضر في الشرف والسيادة وضخامة الحسب والقوة والعدد. وبكر أخت ~~تغلب في المجد والجاه والعزة والأنفة، وهما جميعا من ربيعة. ومن شعراء بكر: ~~الحارث بن حلزة الشاعر الجاهلي المشهور والمعدود من أصحاب المعلقات، وتوفي ~~أواخر القرن السادس الميلادي، ومنهم المرقش الأكبر والمرقش الأصغر. # ذلك هو نسب الشاعر بين العرب وحسبه، أما أسرته القريبة فهي سعد بن مالك ~~من بني قيس. إذ هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس ~~بن ثعلبة من بكر بن وائل من ربيعة بن نزار من عدنان الجد الأعلى للعرب ~~الحجازيين العدنانيين كما علمت.. واسم طرفة عمرو، وكنيته أبو عمرو. ### | 2 - # كان قومه في عزة ومنعة بعددهم وحسبهم وشرفهم ومكانتهم بين العرب وكان جده ~~سفيان موصوفا بالشرف والرئاسة، وكان أبو شابا قويا ظاهر الفتوة والجرأة ~~والإقدام، مات وطرفة طفل صغير. وترك غير طرفة ابنا آخر اسمه معبد ورد ذكره ~~في معلقة طرفة: # إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي على الجيب يا ابنة معبد # وأم طرفة اسمها وردة، وورد ذكرها في شعره، قال: # ما تنظرون بحق وردة فيكمو ... صغر البنون ورهط وردة غيب # ولا نعلم من أمر وردة هذه شيئا آخر غير هذا البيت، ولكننا نعرف أن ~~المتلمس الشاعر خال طرفة، فهو غالبا أخو وردة لأمه وأبيه، وتكون هي بنت عبد ~~المسيح من بني ضبيعة من بكر من ربيعة من عدنان، فصلة القرابة واضحة بين ~~أسرتي والدته وأبيه. ### | 3 - # كان طرفة وقومه يعيشون في البحرين، وهي واقعة في شرق الجزيرة العربية ~~وتمتد من عمان إلى حدود العراق، ومن أشهر مدنها هجر التي ضرب المثل بكثرة ~~تمرها، فقالوا: "كناقل التمر إلى هجر"، ومن مدنها كذلك "قطر" كان يسكن ~~البحرين قبائل كثيرة من العرب، وجوها جميل معتدل نوعا لقربها من البحر، وهي ~~قريبة من الحيرة وكانت تخضع لنفوذها.. والقبائل التي تعيش فيها والشعراء ~~الذين نشأوا في ms103 أرضها لهم صلات واضحة بملوك الحيرة الذين يخضعون لنفوذ ~~أكاسرة الفرس وسلطانهم. # وهذه البقعة من أرض الجزيرة العربية قريبة من العراق وإيران، يمر بها ~~الكثير من المسافرين بين هذه البلاد، وهي خاضعة للحيرة، والحيرة ملتقى ~~الأفكار والديانات والمذاهب المختلفة، وتعيش في ظلال قسط من الحضارة، ~~والنصرانية منتشرة فيها، فلابد أن يكون لكل هذه العوامل الظاهرة أثرها في ~~عقلية أبنائها وتفكيرهم في الحياة، وفي عقلية وتفكير شاعرنا طرفة بوجه خاص. # PageV01P057 ### | 4 - # ولا يفوتنا أن نذكر أن المرقش الأصغر والمرقش الأكبر من أسرة طرفة ~~الشاعر. فالمرقش الأصغر 560 م عم طرفة. والمرقش الأكبر 552 م عم المرقش ~~الأصغر. # ومن أقارب طرفة خاله المتلمس 580 م. ويعد من الطبقة الثانية عند بعض ~~النقاد، وله قصيدة سينية في الجمهرة وقد نظمها بعد قتل ابن أخته طرفة يوقظ ~~فيها بكرا ويدعوها إلى الانتقام من عمرو بن هند ملك الحيرة، ويقول فيها: # يا آل بكر ألا لله أمكمو ... طال الثواء وثوب العجز ملبوس # أغنيت شاتي فأغنوا اليوم تيسكمو ... واستحمقوا في مراس الحرب أو كيسوا # وتتصل حياة المتلمس بحياة طرفة اتصالا وثيقا، كما سترى فيما نقصه عليك في ~~القريب. وترجم له ابن قتيبة. # ويقول صاحب الأغاني عنه: "وهو من شعراء الجاهلية المغلين المفلسين ويرى ~~صاحب "الأدب الجاهلي" على مذهبه من إنكار الشعر الجاهلي أن شعر المتلمس ~~"مخترع منحول"، وأنه قد يكون المتلمس نفسه أيضا شخصا روائيا مخترعا وهو رأي ~~غريب. ### | نشأة الشاعر وحياته ### | 1 - # لا ندري متى ولد طرفة على وجه التحديد. وإن كان قد أدرك عهد عمرو بن هند ~~ملك الحيرة، وأمر عمرو بقتله في أوائل حكمه، وقد حقق بعض المؤرخين ~~والمستشرقين أن عمرو بن المنذر الثالث المشهور بابن هند تولى ملك الحيرة ~~عام 562 م، فإذا كان طرفة قد قتل في مطلع حكمه، فيكون تاريخ موته نحو عام ~~565 م، وإن كان جورجي زيدان يذكر أن وفاته سنة 550 م. # وقد قتل طرفة وهو شاب صغير في العشرين أو الخامسة والعشرين أو السادسة ~~والعشرين من ms104 عمره على اختلاف الروايات، إذ تقول أخته الخرنق تبكيه: # عددنا له ستا وعشرين حجة ... فلما وتوفاها استوى سيدا ضخما # فجعنا به لما رجونا إبابه ... على خير حال، لا وليدا ولا قحما # فيكون ميلاد طرفة نحو عام 540 ميلادية وتكون حياته على الراجح من سنة 540 ~~إلى 565 م. ويجعل باحث آخر ميلاده عام 538 م، والرأيان متقاربان. ### | 2 - # نشأ طرفة في هذه البيئة العامة من بلاده، وتلك البيئة الخاصة من أسرته ~~وحسنها، يجول ببصره في هذه الفيافي المترامية القبح ومشاهدها، ويصعد بفكره ~~في هذه الحياة البدوية، وما خالطها من أفكار وأديان ومبادئ ليفهمها ~~ويتمثلها، وأخذ يعيش بين حسب كريم وعدد كثير وحمية ظاهرة. ولكنه فوجئ وهو ~~طفل صغير بوفاة والده، فكان لذلك أثره البليغ في نفسه وحياته، فكفله أعمامه ~~وقاموا بواجب تربيته. # وبعثت بيئته وحياته ووراثته مواهب الشاعرية في نفسه، فنظم الشعر وهو ~~صغير، يصف فيه مناظر الصحراء وألوان حياته فيها، ولذاته منها، وما يجده من ~~قومه من تقصير في حق رعايته، ويشيد فيه بمجد قومه وأحسابهم، ويذود عن شرفهم ~~وحياضهم ويهجو خصومه وخصومهم. # وكان ليتمه أثره الواضح فيه منذ حداثته فشب متوقد الذهن، مضطرم الشعور، ~~حاد العاطفة سريع التأثر والغضب قوي الفطرة، صادق النظر يفزع إلى هجاء من ~~يشعر منه بتقصير نحوه كما كان لحسبه ومجد قومه أثره في اعتزازه بنفسه، ~~وتمجيده لشخصيته، وحبه الظهور بمظهر البطل الشجاع والشاب المقدام. # وأول شعر قاله هو هذه الأبيات التي أنشدها حين وجد أعمامه يظلمونه ~~ويغتصبون حقا لوردة أمه إذ أبوا أن يقسموا مال أبيه، ومنعوا حق أمه منه ~~فثارت نفسه واشتعلت شاعريته، وقال: # ما تنظرون بحق وردة فيكم ... صغر البنون ورهط وردة غيب # قد يبعث الأمر العظيم صغيره ... حتى تظل له الدماء تصبب # والظلم فرق بين حي وائل ... بكر تساقبها المنايا تغلب # إلى أن قال: # أدوا الحقوق تفر لكم أعراضكم ... إن الكريم إذا يحرب يغضب ### | 4 - # وأخذ الشعر يميل إلى اللهو ويسرف فيه ويعتنق البطالة والدعة والعبث ويهجو ~~قومه وسواهم، ويسير ms105 وفق رغبات نفسه ونوازعها. ويذهب إلى حوانيت الخمر ~~ويشربها مع نداماه وأصدقاء لهوه. فأخذ أهله يلومونه وينصحونه ويعاتبونه، ~~حتى ضاق بعتابهم، فاقتاد راحلته يسير متنقلا بين القبائل والأحياء. # سار إلى اليمامة وأناخ راحلته بفناء قتادة بن سلمة الحنفي فمدحه بقصيدة، ~~ذكر فيها طرفة إسراف ابن عمه عبد عمرو في تنقصه وشتمه، ثم افتخر بنفسه، ~~وخلص إلى مدح قتادة، وذكر ما كان من صنيعه مع قومه حين أتوه في قحط أصابهم ~~فأكرم وفادتهم وبذل لهم من ماله وأكرم مثواهم ورفدهم، قال: # PageV01P058 # إن امرأ سرف الفؤاد يرى ... عسلا بماء سحابة شتمي # وأنا امرؤ ألوي من القص ... ر البادي وأغشى الدهم بالدهم # وأصيب شاكله الرمية إن ... صدت بصفحتها عن السهم # إلى أن قال: # أبلغ قتادة غير سائله ... من الثواب وعاجل الشكم # إني حمدتك للعشيرة إذ ... جاءت إليك مرقتة العظم # ففتحت بابك للمكارم حين ... تواصت الأبواب بالأزم # فسقى بلادك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمه تهمي # وتعيره حبيبته لسيره في البلاد وتنقله فيها بعيدا عن أهله وبلاده فيقول: # تعير سيري في البلاد ورحلتي ... ألا رب دار لي سوى حر دارك # وليس امرؤ أفنى الشباب مجاورا ... سوى حبه إلا كآخر هالك # ألا رب يوم لو سقمت لعادني ... نساء كرام من حي ومالك # وطال تنقله في البلاد فذهب إلى اليمن، ثم رحل منها إلى النجاشي في ~~الحبشة، وقال في اطراده إلى النجاشي قصيدته: لخولة بالأجزاع من إضم طلل. # ولم فزعته الغربة وحرق قلبه الحنين إلى أهله وبلده، عاد إلى الموطن الذي ~~هجره، فأمده أخوه "معبد" بمال من ماله، ولكنه أتلفه في لذاته ولهوه وعبثه. ### | 4 - # ثم قصد أملا في إصلاح حاله ملك الحيرة عمرو بن المنذر الثالث الذي يلقب ~~باسم أمه حتى اشتهر بعمرو بن هند، وتولى ملك الحيرة عام 554 م كما يقول ~~البعض، أو عام 562، أو 563 كما يرجح آخرون. وكان الشعراء يرحلون إليه ~~وينشدونه قصائدهم في مدحه فيجزل لهم العطاء. فوفد عليه طرفة مع خاله ~~المتلمس فأحسن وفادتهما وجعلهما في حاشية أخيه قابوس بن ms106 المنذر وكان مرشحا ~~للملك بعده، وكان شابا يميل إلى اللهو والترف، ويخرج إلى الصيد، فكان يخرج ~~معه طرفة إذا خرج وينادمه على الشراب، وهكذا اطمأن به الحال، واستقرت حياته ~~بعض الاستقرار. ولكن طرفة الشاعر لم يرضه أن يكون تابعا لأحد، أو أن يشعر ~~بأنه أقل شرفا ومجدا من إنسان. ### | 5 - # طرفة وابن عمه عبد عمرو: كان عبد عمرو بن بشر بن مرثد بن سعد بن مالك ~~زوجا للخرنق أخت طرفة، وكان عبد عمرو سيدا كريما شجاعا مطاعا في قومه، ظاهر ~~الثراء والقوة والفتوة، وكان من أجمل العرب، كما كان أثيرا رفيع المنزلة ~~عند عمرو بن هند يداعيه وينادمه، وسيد أهل زمانه كما يقولون. # فجاءت أخت طرفة تشكو إليه شيئا من أمر زوجها، فغضب الشاعر وهجاه بعد ذلك ~~بقصيدته: # أيا عجبا من عبد عمرو وبغيه ... لقد رام ظلمي عبد عمرو فأنعما # ولا خير فيه غير أن له عني ... وأن له كشحا إذا قام أهضما # يظل نساء الحي يعكفن حوله ... يقلن: عسيب من سرارة ملهما # وبدأت الخصمة والشحناء بين الشاعر وابن عمه، وفيه أيضا يقول من قصيدة له: # ألا أبلغ عبد الضلال رسالة ... وقد يبلغ الأنباء عنك رسول # دببت بسري بعد ما قد علمته ... وأنت بأسرار الكرام نسول # وكيف تضل القصد والحق واضح ... وللحق بين الصالحين سبيل # ومنها: # وأعلم علما ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل # وإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوارته لدليل # قتل طرفة: 1 - كان ملك الحيرة عمرو بن هند جبارا عنيدا متكبرا، لا يرى في ~~الناس من يدانيه شرفا ومجدا، وكان له يوم بؤس ويوم نعيم كل سنة، يركب يوم ~~بؤسه فيقتل أول من يلقاه، وفي يوم نعيمه يقف الناس ببابه فإن اشتهى حديث ~~رجل أذن له فأصاب مجدا ومالا وملك ثلاثا وخمسين سنة، وكان العرب تهابه هيبة ~~شديدة، وكان أخوه قابوس ولي عهده جبارا متكبرا مستبدا كذلك. ولم يرض طرفة ~~الشاعر عن طغيانهما واستبدادهما وكبريائهما، فنظم قصيدة يهجوهما بها، وهي ~~طويلة.. ms107 ومنها: # فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور # لعمرك إن قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير # ومنها: # ولما أن أنخت إلى مليك ... مساكنه الخورنق والسدير # لينجزني مواعد كاذبات ... بطي صحيفة فيها غرور # فأوعدني فأخلف ثم ظني ... وبئس خليقة الملك الفجور # وتمادى طرفة في هجاء عمرو بن هند وأسرته. ومما هجاه به قوله: # ولا خير فيه غير أن له غنى ... وأن له كشحا إذا قام أهضمها # PageV01P059 # تظل نساء الحي يعكفن حوله ... يقلن عسيب من سرارة ملهما ### | 2 - # وبلغ ذلك عمرو بن هند فامتلأ حقدا وغضبا على طرفة وأضمر له الشر. # قالوا: إن الذي نقل إليه أهاجي طرفة فيه هو عبد عمرو ابن عمر الشاعر، ~~فثارت حفيظة الملك عليه، ولكنه كره العجلة عليه لمكان قومه فتظاهر بالرضا ~~عن طرفة والتنويه به وبشعره، حتى أمن الشاعر ولم يخفه على نفسه وظن أنه قد ~~رضي، فقدم طرفة والمتلمس على عمرو بن هند يتعرضان لفضله ومعروفه وكان ~~المتلمس أيضا قد هجا عمرو بن هند الملك في قصيدة من شعره، وكان في نفس ~~الملك موجدة عليه يكتمها عنه كذلك. # أظهر عمرو بن هند الاحتفاء بالشاعرين، وتلطف معهما تلطفا جميلا وكتب لكل ~~منهما كتابا إلى عامله بالبحرين وأوهمهما أنه أمر لهما بعطاء كثير سيدفعه ~~إليهما هذا العامل عندما يتوجهان إليه بهجر، وقال لهما: انطلقا إليه فخذا ~~جوائزكما منه، وكان قد أعطاهما هدية من عنده وحملهما. # ولعل إيثاره لهذا الأسلوب في الانتقام من الشاعرين لخوفه من قبيلتهما - ~~بكر - حتى لا يرمى الملك بقتلهما، أو بمثابة الرد على قول طرفة في هجائه: # لينجزني مواعد كاذبات ... بطي صحيفة فيها غرور # كان مكتوبا في صحيفة المتلمس: "باسمك اللهم، من عمرو بن هند إلى المكعبر: ~~إذا جاءك كتابي هذا مع المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيا"، وكذلك كانت ~~صحيفة طرفة. # وخرج الشاعران من بلاط الملك، فلما وصلا النجف قال المتلمس: يا طرفة إنك ~~غلام حديث السن، والملك من عرفت حقده وغدره، وكلانا قد هجاه فلست آمنا أن ~~يكون قد ms108 أمر بشر، فهلم فلننظر في كتبنا هذه، فإن يكن قد أمر لنا بخير مضينا ~~فيه، وإن تكن الأخرى لم نهلك أنفسنا، فأبى طرفة أن يفك خاتم الملك، وعدل ~~المتلمس إلى غلام من غلمان الحيرة عبادي، فأعطاه الصحيفة ليقرأها، والغلام ~~لا يعرف المتلمس ولا من كتب الصحيفة، فقرأها فقال: ثكلت المتلمس أمه، ~~فانتزع المتلمس الصحيفة من يده، واتبع طرفة فلم يلحقه. ### | 3 - # ألقى المتلمس الصحيفة في نهر الحيرة، وسار هاربا إلى الشام وهو يقول: # وألقيتها بالشنى من جنب كافر ... كذلك أقنو كل قط مضلل # رضيت لها بالماء لما رأيتها ... يجول بها التيار في كل جدول # وأخيرا استقر به المقام عند بني غسان فأكرموا وفادته، وأخذ الشاعر يهجو ~~ملوك الحيرة وبني المنذر، فشق ذلك على عمرو بن هند، وكان بنو غسان قد قتلوا ~~أباه يوم "أباغ" فحلف ألا يدخل المتلمس العراق ولا يطعم بها حتى يموت، وكتب ~~إلى عماله بنواحي الريف يأمرهم أن يأخذوا المتلمس إن قدروا عليه وهو يمتار ~~طعاما أو يدخل الريف، وفي ذلك يقول المتلمس يحرض قومه بعد قتل طرفة: # يا آل بكر ألا لله دركمو ... طال الثواء وثوب العجز ملبوس # ومنها: # آليت حب العراق الدهر أطعمه ... والحب يأكله في القرية السوس # وقال: # أيها السائلي فإني غريب ... نازح عن محلتي وصميمي # وقال: # إن العراق وأهله كانوا الهوى ... فإذا نآنا ودهم فليبعدوا # ومات ببصرى بأرض الشام نحو عام 580 م. ### | 4 - # وأما طرفة فقد سار حتى قدم على عامل البحرين ربيعة بن الحرث العبدي على ~~الأرجح بهجر، فدفع إليه كتاب عمرو بن هند فقرأه فقال: هل تعلم يا طرفة ما ~~أمرت به؟ قال: نعم، أمرت أن تجيرني وتحسن إلي. فقال: يا طرفة بيني وبينك ~~خؤولة أنا لها راع حافظ فاهرب في ليلتك هذه فإني قد أمرت بقتلك، فاخرج قبل ~~أن تصبح ويعلم بك الناس. فقال طرفة: اشتدت عليك جائزتي فأردت أن أهرب؟ فسكت ~~ربيعة، وأصبح الصباح فأمر بحبسه ولم يقتله، وكتب إلى عمرو بن هند ابعث إلى ~~عملك من تريد ms109 فإني غير قاتله، فبعث عمرو بن هند رجلا من تغلب فاستعمله على ~~البحرين وأمره بقتل طرفة وربيعة بن الحارث العبدي، فاجتمعت بكر تريد الفتك ~~بالعامل الجديد، ولكنها لم تستطع، وجيء بطرفة إليه فقال له: إني قاتلك لا ~~محالة فاختر لنفسك ميتة تهواها. فقال: إن كان ولابد فاسقني الخمر وافصدني. ~~ففعل به ذلك، فما زال ينزف دمه حتى مات. # قال صاحب الجمهرة 215 ه وقبر طرفة اليوم معروف بهجر بأرض لبنى قيس بن ~~ثعلبة، ويروى أنه قال قبل صلبه: # فمن مبلغ أحياء بكر بن وائل ... بأن ابن عبد راكب غير راجل # PageV01P060 # على ناقة لم يركب الفحل ظهرها ... مدببة أطرافها بالمناجل # وقال أيضا: # لعمرك ما تدري الطوارق بالحا ... ولا زاجرات الطير ما الله فاعل # وهكذا انتهت حياة هذا الشاعر الشاب طرفة، وودع الدنيا وداع الناقم عليها، ~~الساخط من ظلمها وآلامها، وكان قتله نحو عام 565 م. ### | 6 - # ورثت الخرنق أخاها طرفة وبكته بكاء شديدا، وهجت عبد عمرو الذي وشى به إلى ~~الملك عمرو بن هند فقالت: # ألا ثكلتك أمك عبد عمرو ... أبا الخزيات وأخيت الملوكا # فيومك عند زانية هلوك ... تظل لرجع مزهرها ضحوكا # وقال المتلمس يحرض قوم طرفة: # أبني "قلابة" لم تكن عاداتكم ... خذ لدنية قبل خطة معضد # وقال: # من مبلغ الشعراء عن أخويهم ... خبرا فتصدقهم بذاك الأنفس # أودى الذي علق الصحيفة منهم ... ونجا حذار حبائه المتلمس # الق الصحيفة لا أبا لك إنه ... يخشى عليك من الحباء النقرس ### | شعر طرفة ### | أهم الدراسات عن طرفة وشعره # والدراسات عن طرفة كثيرة، ولكنها لا تزال غامضة. ### | 1 - # ذكره ابن سلام 231ه في كتابه "طبقات الشعراء". ### | 2 - # وترجم له ابن قتيبة 276 ه في الشعر والشعراء ترجمة صغيرة جدا. ### | 3 - # وذكر بعض أخباره أبو زيد الأنصاري 215 ه في كتابه جمهرة أشعار العرب. ### | 4 - # وذكر أبو الفرج بعض أخباره في الأغاني في ترجمته للمتلمس وفي مواضع أخرى. ### | 5 - # وشرح الزوزني معلقته في كتابه "شرح المعلقات السبع" كما شرحها النعساني ~~في كتابه "نهاية الأرب في شرح معلقات ms110 العرب" وقد ذكر كل منهما تصديرا ~~للمعلقة ضمنه بعض أخباره، ورواها صاحب الجمهرة. وقد طبعها العلامة "وليرس" ~~في مدينة بونا 1829 م. ### | 6 - # وطبع شعره مع شعر خمسة من شعراء الجاهلية هم امرؤ القيس والنابغة وزهير ~~وعلقمة وعنترة في مجموعة تسمى "العقد الثمين" والذي جمعها هو والمستشرق ~~الألماني وليم بن الورد البروسي، وطبع شعره أيضا مع شعر امرؤ القيس وزهير ~~في مجموعة أخرى مختصرة من الأولى سميت: العقد الثمين أيضا، وهي منقولة عن ~~النسخة المطبوعة في لندرة عام 1870، وطبعت هذه المجموعة في المطبعة ~~اللبنانية ببيروت سنة 1886. # وشرح ديوان يعقوب بن السكيت 244 ه، وشرحه أيضا الأعلم الشنتمري، وقد نشر ~~شرحه مع ترجمة فرنسية للمستشرق "مكس سلغسون" الذي كتب رسالة عن حياة طرفة ~~ونال بها درجة علمية في التاريخ واللغات من جامعة باريس عام 1892 م، وطبع ~~هذا المستشرق أشعار طرفة بشالون بفرنسا سنة 1900. ### | 7 - # وعده صاحب كتاب "شعراء النصرانية" من شعراء النصارى وأرخ له (298 - 320 ~~ج1) . ### | 8 - # وترجم له البغدادي في خزانة الأدب ترجمة موجزة (414 - 1) وكذلك ترجم ~~جورجي زيدان (116-1) . ### | 9 - # كما ترجم له الزيات وأصحابه الوسيط والمفصل والأستاذ هاشم في كتاب "الأدب ~~العربي وتاريخه في العصر الجاهلي" والدكتور طه حسين في الأدب الجاهلي ~~وسواهم من الباحثين والمؤلفين. # وذكره اسكندر ابكاريوس السوري في كتابه "روضة الأدب في طبقات شعراء ~~العرب" وله ترجمة في حياة الحيوان للدميري وفي المجلة الآسيوية الفرنسية ~~عام 1841 مقال عنه وعن المتلمس. ### | طبقته وآراء النقاد فيه ### | 1 - # جعله ابن سلام الجمحي 231 ه في الطبقة الرابعة من طبقات شعراء الجاهلية، ~~وعد معه: عبيد بن الأبرص وعلقمة بن عبدة وعدي بن زبده. وقال عنه: وهو أشعر ~~الناس واحدة. # وجعله أبو عبيدة 209 ه في الطبقة الثانية مع الأغشى ولبيد، أما الطبقة ~~الأولى عنده فهي: امرؤ القيس والنابغة وزهير. ووافقه على ذلك أبو زيد 215 ~~في الجمهرة. ### | 2 - # ويقول ابن مقبل في طرفة: هو أشعر الناس وكذلك يروى عن النضر بن شمبل أما ~~أبو عمرو بن ms111 العلاء 154ه فكان يقول: أشعر الناس أربعة: امرؤ القيس والنابغة ~~وطرفة ومهلهل. ويقول قتيبة بن مسلم: أشعر الجاهلية امرؤ القيس وأضربهم مثلا ~~طرفة. ويقول لبيد بن ربيعة الشاعر الجاهلي المشهور: أشعر الناس الملك ~~الضليل ثم الشاب القتيل ثم الشيخ أبو عقيل. وأشاد به وبشاعريته جرير ~~والأخطل. كما ذكره المرزباني في كتابه الموشح والثعالبي في كتابه خاص ~~الخاص. # PageV01P061 ### | 3 - # ويقول ابن قتيبة فيه ما قاله ابن سلام: فهو أجودهم طويلة وهو صاحب ~~المعلقة "لخولة أطلال" وليس عند الرواة من شعره وشعر عبيد بن الأبرص ~~القليل. # ويقول فيه صاحب الجمهرة: هو أشعرهم إذ بلغ بحداثة سنه ما بلغ القوم في ~~طوال أعمارهم فجب وركض معهم. # وسئل حسان من أشعر الناس فقال قبيلة أم قصيدة. قيل كلاهما قال أما أشعرهم ~~قبيلة فهذيل، وأما أشعرهم قصيدة فطرفة. # وسئل جرير من أشعر الناس؟ قال الذي يقول: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا - ~~البيت. # وقال القالي في أماليه حدثنا أبو بكر بن الأنباري، نبأنا أبو حاتم، نبأنا ~~عمارة بن عقيل، نبأنا أبي: يعني عقيل بن بلال، سمعت أبي يعني بلال بن جرير ~~يقول عن أبيه جرير دخلت على بعض خلفاء بني أمية، فقال ألا تحدثني عن ~~الشعراء؟ فقلت بلى قال: فمن أشعر الناس؟ قلت ابن العشرين، يعني طرفة. قال ~~فما تقول في ابن أبي سلمى والنابغة؟ قلت كانا ينيران الشعر ويسديانه. قال ~~فما تقول في امرئ القيس بن حجر؟ قلت: اتخذ الخبيث الشعر نعلين يطؤهما كيف ~~يشاء. قال: فما تقول في ذي الرمة؟ قلت: قدر من الشعر على ما لم يقدر عليه ~~أحد. قال فما تقول في الأخطل؟ قلت: ما باح بما في صدره من الشعر حتى مات. ~~قال: فما تقول في الفرزدق؟ قلت: بيده نبعة الشعر قابضا عليها. قال: فما ~~أبقيت لنفسك شيئا. قلت: بلى، والله يا أمير المؤمنين، أنا مدينة الشعر، ~~التي يخرج منها ويعود إليها. # ويقول السيوطي 911 في المزهر: طرفة من المقلين وفضل الناس بواحدة وهي ~~معلقته "لخولة أطلال"، وله سواها يسير ms112 لأنه قتل صغيرا حول العشرين فيما ~~روي. # ويقول فيه صاحب الأدب الجاهلي على مذهبه في إنكار الشعر الجاهلي ~~وانتحاله: "معلقة طرفة تبدو فيها شخصية قوية ومذهب في الحياة واضح هو مذهب ~~اللهو واللذة، وهذه الشخصية ظاهرة البداوة والإلحاد، وهذا الشعر واضح لا ~~تكلف فيه ولا انتحال، وفي المعلقة شعر وصفي صنعه علماء اللغة وشعر صدر عن ~~الشاعر حقا وهو الذي سجل عواطف الشاعر وآراءه في الحياة. ### | طرفة والشعراء الجاهليون # والشعراء الجاهليون باعتبار أزمنتهم ثلاث طبقات: 1 - الطبقة الأولى، ومن ~~شعرائها المهلهل 530 م والشنفري 510، وتأبط شرا 530م، وسواهم من الشعراء. ### | 2 - # الثانية، ومن شعرائها: امرؤ القيس 560 م، والسموأل 560 م، وعلقمة الفحل ~~561 م والمرقش الأصغر نحو عام 560 م، والمرقش الأكبر 552 م، وعبيد 555 م، ~~والمتلمس 580 م والحارث ابن حلزة 580 م، والمثقب العبدي 587 م، والأفوه ~~الأودي 570 م ومنها طرفة 565 م، ولقد عاش طرفة إبان هذه النهضة الشعرية ~~التي حمل لواءها امرؤ القيس ومن عاصره أو جاء بعده من الشعراء. ### | 3 - # الطبقة الثالثة، ومن شعرائها: النابغة 604 م، وعمرو بن كلثوم 600 م، ~~وحاتم 605 م، وعروة بن الورد 596 م، وعنترة 651 م، والأعشى 629 م، وزهير ~~630 م، ولبيد 662 م، وسواهم. ### | أسباب شاعريته # كانت كل الظروف تعمل عملها في خلق شاعرية طرفة وتكوينها: 1 - فالصحراء ~~تغذي الخيال وتثير العاطفة والشعور وتلهم الناس بآيات الشاعرية وموهبتها. ~~فضلا عن مشاهدها المنوعة التي تستثير المشاعر والملكات. ### | 2 - # وأسرة الشاعر بما كان فيها من أعلام في الشعر جعلته يرث هذه المواهب ومن ~~أسرته المرقش الأكبر، وخاله هو المتلمس، وكانت أخته الخرنق شاعرة، كما كان ~~من شعراء بكر قومه: الحارث بن حلزة، وسواه. ### | 3 - # ومجد طرفة وحسبه أنطقاه وألهماه القول والبيان، وكما يقول الشاعر: # فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت ### | 4 - # ويتمه أليس هو الذي أثار فيه بواعث الشعر وأسبابه الأولى وأمده بهذه ~~العاطفة المتأججة المشتعلة، وتلك الملكة القوية الحادة؟. ### | 5 - # ورحلة ms113 الشاعر في البلاد ما بين اليمامة واليمن والحبشة إلى الحيرة وبعض ~~أرجاء البلاد العربية أمدته بمدد لا ينفذ وبثروة فنية وفكرية واسعة مما ظهر ~~في شعر الشاعر وأفكاره وآرائه وحكمته. ### | 6 - # والخصومات العنيفة بين قومه وخصومهم من تغلب وسواها، وبين الشاعر ~~والعاصرية، كابن عمه عبد عمرو، وكعمرو بن هند ملك الحيرة وسواهما هذه ~~الخصومات هي التي أججت شاعريته وأحكمت فنه. # PageV01P062 ### | 7 - # يضاف إلى ذلك فطرة الشاعر وخلقه وصفاته من حدة الذهن واضطرام الشعور ~~وثوران العواطف والتهاب المشاعر، إلى ما سوى ذلك من أسباب الشعر وبواعثه في ~~نفس الشاعر. # ولا عجب ذلك، فقد كانت ملكات البلاغة والشعر قوية في نفس طرفة حتى في ~~طفولته، ولقد روي أن المتلمس شاعر ربيعة في زمانه وخال طرفة وقف على مجلس ~~لقومه من بني قيس بن ثعلبة فاستنشدوه، فأنشدهم شعرا، جاء فيه: # وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم # والصيعرية: سمة تكون للإناث خاصة فقال له طرفة وهو غلام - وطرفة لا يعرفه ~~-: استنوق الجمل، أي وصفت الجمل بوصف الناقة وخلطت، فذهبت كلمته مثلا، وضحك ~~القوم وغضب المتلمس، ونظر إلى لسان طرفة وقال: ويل لهذا مني. يعني رأسه من ~~لسانه. ويروى أن تلك القصة كانت مع عمرو بن كلثوم لا مع المتلمس (40 و 41 ~~جمهرة أشعار العرب) . ### | خصائص شاعريته # أولا، من حيث الألفاظ: يجمع طرفة بين العذوبة الجميلة السلسة والوحشية ~~الغريبة المعقدة في ألفاظه. فإذا وصف رأيت ألفاظا بعيدة غريبة قوية ضخمة ~~مسرفة في حوشيتها وغرابتها، وإذا فخر أو هجا رأيته يقرب من السهولة والوضوح ~~في لفظه، وإذا أرسل الحكمة رأيت جمالا وسلاسة وسهولة. # والظاهر أن مرجع ذلك هو حياة الشاعر الشعرية، فقد بدأ في صغره ينظم ~~الشعر، يصف به مشاهد الطبيعة وروائعها الماثلة أمام بصره، وكانت شاعريته في ~~بدء أمرها قوية خشنة قوة البداوة وخشونة الصحراء، فقوي في ألفاظه وأغرب، ثم ~~أخذت شاعريته تنضج وبدأ يكثر من قصائده في الفخر بأحسابه وهجاء خصومه فأخذت ~~ألفاظه تلين وتسهل، ثم خبر الحياة وطاف في ms114 الأرجاء وشاهد ألوانا من التفكير ~~والمذاهب والآراء، فكانت شاعريته قد كمل نضجها. فبدأت ألفاظه تسلس وتسهل ~~وتقرب من ذوق البدوي المتحضر الذي يبعد عن حياة الخشونة ومظاهر الإغراب في ~~البداوة. # ثانيا، من حيث الأسلوب: وأسلوب طرفة قوي جزل رصين، يمتاز بالمتانة، وأسر ~~اللفظ وفخامة الأسلوب وقوة القافية مع سهولتها. # تجد فيه جزالة وقوة في كثير من شعره، ورقة وسهولة في بعض غزله وفي حكمته ~~وفي عتابه وفي وصف مطامحه وآماله وآلامه. # والجزالة والرقة تختلف موضعها باختلاف المقام ومواطن الكلام وفنونه ~~والمناسبات التي تسنح للشاعر فتجعل نفسه مرحة فرحة أو تجعلها مكتئبة كزة ~~نافرة. # وفي أسلوبه معاظلة في التركيب وتعقيد في الكلام حينا، وفي غالب الأحايين ~~نجد وضوحا ودقة تصوير وجمال تعبير وقرب مأخذ وسهولة عرض ورشاقة بيان. # ثالثا، من حيث المعاني والأخيلة: معاني طرفة تتصل بنفسه وحياته وقبيلته ~~وبالصحراء والبادية التي عاش فيها وبتاريخ قومه وأحسابهم وبالحياة العربية ~~عامة اتصالا وثيقا. # وطرفة في معانيه قريب، واضح أحيانا، وخفي معقد حينا، يقتصر على بيان ~~الحقيقة، قليلة الغلو والمبالغة، يصور الحقائق والواقع تصويرا قويا. # وخياله خيال يقظ مشبوب حاد. يحلق قريبا من الحياة والواقع، يظهر في أسلوب ~~الاستعارة والتشبيه أحيانا، ويجنح إلى القصد والاعتدال والصدق. وفي معانيه ~~معان مكرورة، متقاربة الخيال. وطرفة على أي حال من المقلين في الشعر، ~~ومعلقته سبب شهرته وتمتاز بوفرة معانيها وتنوع أغراضها وقوة قافيتها وصدق ~~تصويرها. # رابعا، من حيث أغراض الشعر وفنونه: ولقد نظم طرفة الشعر في أغراض كثيرة ~~وأجاد فيها إجادة بليغة. ومن أهم هذه الأغراض: 1 - الهجاء: فقد كان طرفة ~~هجاء. هجا عمرو بن هند الملك، كما هجا ابن عمه عبد عمرو. وهجا قومه كما هجا ~~أعداءهم، وتنبأ له المتلمس منذ طفولته بالقتل بسبب نشأته وفطرته على ~~الهجاء. # ترجع أسباب ميله إلى الهجاء إلى توقد عاطفته وحدة شعوره واضطرام حسه وإلى ~~قوة اعتزازه بنفسه وشدة تأثره مما يشعر به من تقصير في حقه من قومه وسواهم ~~وإلى يتمه الذي جعله يتوهم العداوة من الصديق والضر ms115 حتى من القريب. # يقول في قومه: # أدوا الحقوق تفر لكم أعراضكم ... إن الكريم إذا يحرب يغضب # ويقول في ابن عمه: # ولا خير فيه غير أن له غنى ... وأن له كشحا إذا قام أهضما # ويقول في عمرو بن هند: # فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور # PageV01P063 ### | 2 - # الفخر: ولقد كان طرفة يشعر بحسب قومه ومجدهم بين العرب وكثرة عددهم ~~وقوتهم وشوكتهم، ويعتز بذلك اعتزازا كبيرا، وينظم شرف قومه في قصائده، ~~فيمدحهم بحماية الجار، وقرى الضيف والغناء في الحرب وجلال المجلس ووقاره، ~~ويسوي ذلك من مظاهر الفخر وألوانه. # (أ) قال في قومه من قصيدة في الفخر: # يزعون الجهل من مجلسهم ... وهم أنطارى ذي الحلم الصمد # سماء الفقر أجواد الغنى ... سادة الشيب، مخاريق المرد # (ب) وقصيدته: # أصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستعمر # وقف على الفخر بقومه وأحسابهم ومجدهم.. وهي إحدى قصائده الجياد وأشاد بها ~~ابن سلام وسواه من النقاد، بدأها بالنسيب والتغزل في محبوبته "هر" في أبيات ~~طويلة، ثم ذكر الناقة في بيتين، ثم التفت إلى نفسه وقومه فافتخر ببأسهم ~~وكرمهم وبطولتهم ومكانتهم بين العرب واعتزازهم بالخيل للحرب والنضال، فخرا ~~قويا كثيرا، جاء فيه قوله: # وهم ما هم إذا ما لبسوا ... نسج داود لبأس محتضر # ولقد تعلم بكر أننا ... آفة الجزر مساميح يسر # ولقد تعلم بكر أننا ... فاضلو الرأي وفي الروغ وقر # ثم ختمها بالرضاء على قومه وذكر ما آل إليه من رشد: # ولقد كنت عليكم عاتبا ... فعقبتم بذنوب غير مر # كنت فيكم كالمغطى رأسه ... فانجلى اليوم قناعي وخمر # سادرا أحسب غي رشدا ... فتناهيت وقد صابت بقر # ويبدو من هذه الأبيات أنه نظمها بعد عودته إثر تنقله بين الأحياء ~~والبلاد، وأن قومه أعانوه بمالهم وعطفهم، وأنه رضي بعد سخط، واطمأن فيهم ~~بعد قلق، ورشد بعد غي. # (ج) ويقول طرفة من قصيدة في الفخر؛ ختمها بحكمته: # إنا لنكسوهم وإن كرهوا ... ضربا يطير خلاله شرره # والمجد ننميه ونتلده ... والحمد في الاكفاح ندخره # (د) ويقول يفتخر بقومه وأبيه من قصيدة طويلة ms116 بدأها بالحديث عن نفسه ~~وغربته وتنقله بين القبائل: # وأنمي إلى مجد تليد وسورة ... تكون تراثا عند حي لهالك # أبي أنزل الجبار عامل رمحه ... عن السرج حتى خر بين السنابك # _ه) ويفتخر بقومه وبطولتهم وما سجلوه في أمسهم البعيد من مجد تليد وبطولة ~~نادرة في حروبهم يوم التحاليق، وهو يوم من أيام حرب البسوس وكان لبكر على ~~تغلب، وذلك في قصيدة مطلعها: # سائلوا عنا الذي يعرفنا ... بقوانا يوم تحلاق اللمم # وهي وقف على الفخر ويقول فيها: # نزع الجاهل في مجلسنا ... فترى المجلس فينا كالحرم # وتفرعنا من ابني وائل ... هامة المجد وخرطوم الكرم # نمسك الخيل على مكروهها ... حين لا يمسك إلا ذو كرم # (و) ويفتخر بنفسه في قصيدته في مدح قتادة الحنفي وقد مضت الإشارة إليها، ~~وكذلك قصيدته: # أشجاك الربع أم قدمه ... أم رماد دارس حممه # قد ذكر فيها شيئا من تاريخ قومه إبان حرب البسوس، وسعى الغلاق" أحد قواد ~~ملك الحيرة بين تغلب وقومه بكر من أجل الصلح، وكان الغلاق يميل إلى تغلب، ~~وهدد طرفة فيها تغلبا بالعودة إلى الحرب باللسان وبالسيوف جميعا، وعلى ~~الجملة، فقد كان طرفة مجيدا في فخره، كما كان لاذعا في هجائه. ### | 3 - # الغزل: ويتغزل طرفة في شعره بخولة: # لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد # وينسبها إلى قومها الحنظليين فيقول من قصيدة بدأها بذكر خوله: # فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل حبل من وصل # ويذكرها في معلقته بالمالكية ولعل ذلك نسبة إلى مالك بن ضبيعة من عمومة ~~الشاعر. ويتغزل بهر "أصحوت اليوم أم شاقتك هر" كما يتغزل بهند "لهند بحزان ~~الشديف طلول"، وبسلمى: # ديار سليمى إذ تصيدك بالمنى ... وإذ حبل سلمى منك دان تواصله # وهو في غزله يذكر الديار ويقف عليها ويبكيها كما في معلقته، ويذكر خيال ~~الحبيب وسراه إليه، ويصف جمال حبيبته وتقاطيع جسمها كما في قصيدته "أصحوت ~~اليوم"، ويدعو لدارها بالمطر كما في قصيدته "لخولة بالأجزاع من إضم طلل". # وله قصيدة مفردة في الغزل قصرها عليه، ومطلعها: # أتعرف رسم الدار ms117 قفرا منازله ... كجفن اليماني زخرف الوشي ماثله # وهي في محبوبته سليمى أو سلمى، بدأها بذكر ديارها، ثم قال: # PageV01P064 # ديار سليمى إذ تصيدك بالمنى ... وإذ حبل سلمى منك دان تواصله # وإذ هي مثل الرئم صيد غزالها ... لها نظر ساج إليك تواغله # غنينا وما نخشى التفرق حقبة ... كلانا غرير ناعم العيش باجله # ليالي أقتاد الصبا ويقودني ... يجول بنا ربعانه ونجاوله # ثم يصف خيالها الذي سرى إليه من مكان بعيد ويتعجب لاهتدائه إليه، ثم ~~يقول: # وقد ذهبت سلمى بعقلك كله ... فهل غير صيد أحرزته حبائله # كما أحرزت أسماء مرقش ... بحب كلمع البرق لاحت مخايله # ثم يذكر قصة المرقش مع محبوبته أسماء، ويختمها بقوله: # فوجدي بسلمى مثل وجد مرقش ... بأسماء إذ لا تستفيق عواذله # قضى نحبه وجدا عليها مرقش ... وعلقت من سلمى خبالا أماطله # وبعد، فمعاني طرفة في غزله قليلة بدائية وشتان بينه وبين امرئ القيس في ~~هذا الباب والنقاد يقولون إن طرفة لا يحسن العشق، أليس هو الذي يقول: # وإذا تلسنني ألسنها ... أنني لست بموهون قفر # أي إذا افتخرت عليه افتخر عليها لأنه ليس بضعيف ولا دنيء. وهو الذي يقول: # فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل حبل من وصل # وأين هذا من قول امرئ القيس: # أغرك مني أن حبك قائلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل ### | 4 - # الوصف: وهو كثير في شعر طرفة، ويمتاز بغرابة اللفظ وقوة الأسلوب وصدق ~~الوصف وصحة التصوير والرسم، ويبدو فيه أثر بيئته واضحا، فوصفه للسفينة في ~~معلقته يرجع إلى كثرة ما شاهد من سفن تسير في البحر في البحرين وسواها. ~~ووصف الصحراء كما وصف الناقة والفرس ومجالس الشراب، والغيث والرعد، وسوى ~~ذلك من مشاهد الصحراء ومناظرها، ولاشك أن شعره يتصل بالصحراء اتصالا وثيقا ~~لأنه صورة منها ورسم لمناظرها وألوان الحياة والطبيعة فيها، ونماذج وصفة في ~~معلقته فارجع إليها. ### | 5 - # الحكمة: وهي كثيرة في شعر طرفة، عميقة رائعة تدل على صدق النظر وقوة ~~الفراسة وعلى ثقوب الذهن وحدة الفكر، وهي مبكرة في طرفة الشباب، ولعل ~~أسفاره ورحلاته وبيئته وقربه ms118 من ألوان الحياة والتفكير في الحيرة قد نمتها ~~فيه رغم صغر سنه، ومعلقته فيها الكثير من الحكم.. ومن حكمه قوله: # والأثم داء ليس يرجى برؤه ... والبر برء ليس فيه معطب # والصدق يألفه اللبيب المرتجى ... والكذب يألفه الدني الأخيب # ويقول: # وليس امرؤ أفنى الشباب مجاورا ... سوى حيه إلا كآخر هالك # ويقول: # للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدى ساقه قدمه # وسوى ذلك من صادق حكمه وبعيد فراسته وتفكيره للأمور وحكمه عليها. ### | شعر طرفة في ميزان النقد ### | 1 - # قال الأصمعي: لم يكن طرفة يحسن أن يتعشق. قال في قصيدته: # أصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستعر # أرق العين خيال لم يقر ... طاف والركب بصحراء بسر # أي زار في مكان لا يزار فيه، فتراه يقول هذا القول، أنه لم ينم ولم يهج ~~من حبها، ثم يقول: # وإذا تلسنني ألسنها ... إنني لست بموهون غمر ### | 2 - # وقال المبرد: عاب الناس قول طرفة: # أسد غيل فإذا ما شربوا ... وهبوا أمون وطمر # فقيل إنما يهبون عند هذه الآفة التي تدخل على عقولهم، وفضلوا قول عنترة: # وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم # وإذا صحوت فأقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي # فخبر عنترة أن جوده باق لأنه لا يبلغ من الشراب ما يثلم عرضه. قالوا: ~~وقول عنترة حسن جميل إلا أنه أتى به في بيتين، هلا قال كما قال امرؤ القيس: # سماحة ذا، وبر ذا، ووفاء ذا ... ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر # قال الصولي: وقد تبغ حسان طرفة، فقال وهو أعيب من الأول: # ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء # فقول طرفة خير من هذا، لأنه قال "أسد غيل فإذا ما شربوا" فجعل الشجاعة ~~لهم قبل الشرب، وحساب قال نشرب فنشجع ونهب كأنا ملوك إذا شربنا، فلهذا كان ~~قول طرفة أجود، وقول عنترة أحسن، لأنه احترس من عيب الإعطاء على السكر وأن ~~السكر زائد في سخائه، فقال: "وإذا شربت فإنني مستهلك - البيتين". # وقال زهير: # أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك ms119 المال نائله # PageV01P065 # فهذا من أحسن الكلام، يريد أنه لا يشرب بماله الخمر، ولكنه يبذله للحمد. ~~وقال البحتري: # تكرمت من قبل الكؤوس عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرما ### | 3 - # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بقول طرفة، ولا يقيم وزنه: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # وكان ابن عباس يقول إنه كلام نبي يجمع الحكمة والمثل. ### | 4 - # ويقال إن أمير شعره قوله: # قد يبعث الأمر الكبير صغيره ... حتى تظل له الدماء تصيب ### | 5 - # ويمتثل من شعره قوله: # بحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم ### | 6 - # وقال ناقد أمام الأصمعي إن طرفة أحسن الناس تشبيها في قوله: # ووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه نقي اللون لم يتخدد # وفي قوله: # يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفايل باليد # قال الأصمعي: فقلت هذا حسن، وغيره حسن منه، وقد شركه في هذا المعنى جماعة ~~من الشعراء، وبعد فطرفة صاحب واحد لا يقطع بقوله مع التجوز، وإنما يعد ~~أصحاب الواحدة. # قال: ومن أصحاب الواحدة؟ قلت الحرث بن حلزة في قوله: # آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء # والأسعر الجعفي في قوله: # هل دان قلبك من سليمى فاشتفى ... ولقد عنيت بحبها فيما مضى # والأفوه والأودي في قوله: # إن ترى رأسي فيها نزع ... وشواتى خلة فيها دوار # وعلقمة في قوله: # طحابك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشبب # وسويد بن أبي كاهل في قوله: # بسطت رابعة الحبل لنا ... فوصلنا الحبل منها فاتسع # وعمرو بن كلثوم في قوله: # ألا هبي بصحنك فأصبحينا ... ولا تبقى خمور الأندرينا # وعمرو بن معد يكرب في قوله: # أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع ### | 7 - # وقال طرفة: # يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفايل باليد # أخذه لبيد فقال يصف ثورا: # تشق خمائل الدهنا يداه ... كما لعب المقامر بالفيال ### | 8 - # وقال طرفة: # وبلاد زعل ظلمانها ... كرجال الحبش تمشى بالعمد # قد تبطنت وتحتي جسرة ... غير أسفار كمخراق وحد # أخذه لبيد ms120 فقال: # وبلاد زعل ظلمانها ... كحزيق الحبشيين الزجل # قد تبطنت وتحتي جسرة ... حرج في مرفقيها كالقتل ### | 9 - # ولطرفة أبيات مشهورة منها: # كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحة # ومنها: # قد يبعث الأمر العظيم صغره ... حتى تظل له الدماء تصبب # وقوله: # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند # وقوله: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # وقوله: # ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر # وقوله: # نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الأدب فينا ينتقر # وقوله: # تذكرون زعل نقاتلكم إذا لا يضير معدما عدمه # وقوله: # للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدى ساقه قدمه ### | 10 - # وينسب إليه شعر منحول، ومنه قصيدته: # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك، بعض الشر أهون من بعض ### | 11 - # ويقول امرؤ القيس في ديار محبوبته: # وقوفا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل # أخذه طرفة بنفسه فقال: # وقوفا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد ### | 12 - # ويقول طرفة في الفخر بنفسه: # إذا القوم قالوا: من فتى؟ خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد # أخذه النهشلي فقال في الفخر بقومه: # لو كان في الألف منا واحد فدعوا ... من فارس؟ خالهم إياه يعنونا # فالمعنى واحد. ولكن طرفة: أ - أسلوبه بدوي مطبوع جزل عن أسلوب النهشلي. # PageV01P066 # ب - ومعناه أتم، فقال قال: "القوم" وهو يشمل القليل والكثير مهما تجاوز ~~العدد. وقال النهشلي "الألف" فقصر بهذا التسديد. وقال طرفة "من فتى" وقال ~~النهشلي "من فارس"، فشمل كلام طرفة تميزه عليهم بالشجاعة والجود وكرم الخلق ~~وسمو النفس وجلال المحتد وسواها، من حيث قصر النهشلي فخره على الشجاعة. ~~وقال طرفة "فلم أكسد ولم أتبلد" وهي زيادة لا نظير لها في بيت النهشلي. ### | شرح المختار من شعر طرفة # - 1 - قال طرفة بن العبد البكري: # لخولة أطلال ببرقة تهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد # وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد # كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من ms121 دد # عدولية أو من سفين ابن يامن ... يجور بها الملاح طورا ويهتدي # يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم التراب المفايل باليد # وفي الحي أحوى بنفض المرد شادن ... مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد # خذول تراعى ربربا بخميلة ... تناول أطراف البرير وترتدي # وتبسم عن ألمى كان منورا ... تخلل حر الرمل دعص له ندي # سقته إياة الشمس إلا لثاته ... أسف، ولم تكدم عليه، بإثمد # ووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه نقي اللون لم يتحدد # وإني لأمضي لهم عند احتضاره ... بعوجاء مرقال تروح وتغتدي # أمون كألواح الإران نصأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد # حمالية وجناء تردى كأنها ... سفنجة تبرى لأزعر أربد # تبارى عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وطيفا فوق مور معبد # تربعت القفين في الشول ترتعي ... حدائق مولى الأسرة أغيد # تريع إلى صوت المهيب وتتقي ... بذي خصل روعات أكلفت ملبد # كان جناحي مضرحي تكنفا ... حفافية شكا في العسيب بمسرد # فطورا به خلف الزميل وتارة ... على حشف كالشن ذار مجدد # لها فخذان أكمل النحض فيهما ... كأنهما بابا منيف ممرد # وطي محال كالحنى خلوفه ... وأجرنة لزت بدأي منضد # كأن كناسي ضالة يكنفانها ... وأطر قسي تحت صلب مؤبد # لها مرفقان أفتلان كأنما ... تمر بسلمى دالج متشدد # كقنطرة الرومي أقسم ربها ... لتكتنفن حتى تشاد بقرمد # صهابية العثنون مؤجدة القرا ... بعيدة وخد الرجل موارة اليد # أمرت يداها فتل شزر وأجنحت ... لها عضداها في سقيف مسند # جنوح دفاق عندل ثم أفرعت ... لها ستفاها في معالي مصعد # كأن علوب النسغ في دأياتها ... موارد من خلقاء في ظهر قردد # تلافى وأحيانا تبين كأنها ... بنائق غر في قميص مقدد # وأتلع نهاض إذا صعدت به ... كسكان بوصي بدجلة مصعد # وجمجمة مثل العلاة كأنما ... رعى الملتقى منها إلى حرف مبرد # وخد كقرطاس الشآمي ومشفر ... كسبت اليماني قده لم يجرد # وعينان كالماء بتين استكنتا ... بكهفي حجاجي صخرة قلت مورد # طحوران عوار القذى فتراهما ... كمكحولتي مذعورة أم فرقد # وصادقتا سمع التوجس للسرى ... لهجس خفي أو لصوت مندد # مؤللتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي شاة بحومل مفرد # وأروع نباض أحذ ms122 ململم ... كمرداة صخو من صفيح مصمد # وإن شئت سامي واسط الكور رأسها ... وعامت بضبعيها نجاء الخفيدد # وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوي من القد محصد # وأعلم مخزوت من الأنف مارن ... عتيق متى ترجم به الأرض تزدد # على مثلها أمضى إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفريك منها وأفتدي # وجاشت إليه النفس خوفا وخاله ... مصابا لو أمسى على غير مرصد # إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد # أحلت عليها بالقطيع فأجذمت ... وقد خب آل الأمعز المتوقد # فذالت كما ذالت وليدة مجلس ... ترى ربها أذيال سحل ممدد # ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد # وإن تبغني في حلقه القوم تلقني ... وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد # متى تأتني أصبحك كأسا روية ... وإن كنت عنها ذا غنى وازدد # PageV01P067 # وإن يلتق الحي الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الشريف المصمد # نداماي بيض كالنجوم وقينة ... تروح علينا بين برد ومجسد # رحيب قطاب الجيب منها رفيقة ... بحس الندامى بضة المتجرد # إذا نحن قلنا أسمعينا انبرت لنا ... على رسلها مطروفة لم تشدد # إذا رجعت في صوتها خلت صوتها ... تجاوب أظآر على ربع ردي # وما زال تشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريقي ومتلدي # إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد # رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممدد # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # فإن كنت لا تستطيع منع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي # فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي # فنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما نعل الماء تزبد # وكرى إذا نادى المضاف محنبا ... كسيد الغضى نبهته المتورد # وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعمد # كأن البرين والدماليج علقت ... على عشر أو خروع لم يعضد # فذرني أرةي هامتي في حياتها ... مخافة شرب في الممات مصرد # كريم يروي نفسه في حياته ... ستعلم إن متنا غدا أبنا الصدى # أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر ms123 غوي في البطالة مفسد # ترى جثوتين من تراب عليهما ... صفائح صم من صفيح منضد # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدد # أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر ينفد # لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد # متى ما يشأ يوما يفده لحتفه ... ومن يك في حبل المنية ينقد # فمالي أراني وابن عمي مالكا ... متى أدن منه ينأ عني ويبعد # يلوم وما أدري علام يلومني ... كما لامني في الحي قرط بن أعيد # وأيأسني من كل خير طلبته ... كأنا وضعناه إلى رمس ملحد # على غير شيء قلته غير أنني ... نشدت ولم أغفل حمولة معبد # وقربت بالقربى وجدك إنه ... متى يك عهد للنكيثة أشهد # وإن أدع للجلى أكن من حماتها ... وإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد # وإن يقذفوا بالقذع عرضك أسقهم ... بشرب حياض الموت قبل التهدد # بلا حدث أحدثته وكمحدث ... هجائي وقذفي بالشكاة ومطردي # فلو كان مولاي امرأ هو غيره ... لفرج كربى أو لأنظرني غدي # ولكن مولاي امرؤ هو خانقي ... على الشكر والتسآل أو أنا مفتد # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند # فذرني وخلقي إنني لك شاكر ... ولو حل بيني نائيا عند ضرغد # فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربي كنت قيس بن مرثد # فأصبحت ذا مال كثير وزارني ... بنون كرام سادة لمسود # أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد # فآليت لا ينفك كشحي بطانة ... لعضب رقيق الشفرتين مهند # حسام إذا ما قمت منتصرا به ... كفى العود منه البدء ليس بمعضد # أخي ثقه لا ينثني عن ضريبة ... إذا قيل مهلا قال حاجزه قدي # إذا ابتدر القوم السلاح وجدتني ... منيعا إذا بلت بقائمه يدي # وبرك هجود قد أثارت مخافتي ... بواديها أمشي بعضب مجرد # فموت كهاة ذات خيف جلالة ... عقيلة شيخ كالوبيل يلندد # يقول وقد تر الوظيف وساقها ... ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد # وقال ألا ماذا ترون بشارب ... شديدا علينا بغيه متعمد # وقال ذروه إنما نفعها له ms124 ... وإلا تكفوا قاصي البرك يزدد # فظل الإماء يمتللن حوارها ... ويسعى علينا بالسديف المسرهد # فإن مت فأنعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب ياابنة معبد # ولا تجعليني كامرئ ليس همه ... كهمي ولا يغنى غنائي ومشهدي # بطيء عن الجلى سريع إلى الخنا ... ذليل باجماع الرجال ملهد # فلو كنت وغلا في الرجال لضرني ... عداوة ذي الأصحاب والمتوحد # PageV01P068 # ولكن نفى عني الرجال جراءتي ... عليهم وإقدامي وصدقي ومحتدي # لعمرك ما الأيام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود # عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فإن القرين بالمقارن مقتدي # لعمرك ما أمري علي بغمة ... نهاري ولا ليلي علي بسرمد # ويوم حبست النفس عند عراكه ... حفاظا على عوراته والتهدد # على موطن يخشى الفتى عنده الردى ... متى تعترك فيه الفرائص ترعد # وأصفر مضبوح نظرت جواره ... على النار واستودعته كف مجمد # أرى الموت أعداد النفوس ولا أرى ... بعيدا غدا ما أقرب اليوم من غد # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأحبار من لم تزود # ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتا ولم تضرب له وقت موعد # وما لام نفسي مثلها لي لائم ... ولا سد فقري مثل ما ملكت يدي # تحليل القصيدة: 1 - طرفة بن العبد البكري شاعر جاهلي مشهور، نشأ يتيما في ~~كفالة أعمامه، يؤثر اللهو والدعة والبطالة ويدمن الخمر ويهجو الناس، حتى ~~الملك عمرو بن هند الذي أضمر له الشر وأرسله لعامله بالبحرين فقتله ولم ~~يتجاوز السادسة والعشرين. وتقول أخته الخرنق في رثائه: # عددنا له ستا وعشرين حجة ... فلما توفاها استوى سيدا فخما # وكان طرفة ملتهب المشاعر والعواطف حاد التفكير واللسان متأجج الشاعرية ~~نظم الشعر يصور فيه حياته وآماله وبطالته يصف فيجيد الوصف ويأتي بالحكمة ~~العالية والفكرة الرائعة "وهو أجود الجاهليين طويلة كما يقول ابن قتيلة ~~وشعره قليل بأيدي الرواة. ### | 2 - # ومطلع هذه المعلقة الرائعة: # لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد # وقد عد بها الشاعر من فحول الشعراء الجاهليين ومشهوريهم، واستحق من أجلها ~~أن يضعه أبو عبيدة في الطبقة الثانية منه وابن سلام ms125 في الطبقة الرابعة وأن ~~يذهب بعض الشعراء والنقاد إلى أنه أشعر الجاهليين. وهي أطول المعلقات، ~~أبياتها خمسة أو عشرة ومائة بيت، وتمتاز بكثرة معانيها وجزالة أسلوبها ~~نظمها طرفة بعد عودته إلى أرض قومه إثر تنقله في الأحياء حين كان مغاضبا ~~لقومه وعشيرته وقبل أن يتصل بملوك الحيرة وينادمهم. # ويبدو من روح المعلقة ولهجتها أن الشاعر نظمها عتابا لابن عمه، ويبدو ~~أيضا أن السبب في عتابه له أن أخاه "معبدا" كان له إبل يرعاها هو وأخوه ~~طرفة فأغبها طرفة في المرعى حتى دخلت مرعى ابن عمه فحجزها، فلام معبد أخاه ~~وألقى عليه عبء طلبها واستردادها من ابن عمه فذهب طرفة إليه فلم يجد كلامه ~~معه فعاد ثائرا غاضبا، ونظم قصيدته يعاتب فيها عبد عمرو عتابا شديدا قاسيا ~~مما نقرؤه في المعلقة، في قوله: # فمالي أراني وابن عمي مالكا ... متى أدن منه ينأ عني ويبعد # وأيأسني من كل خير طلبته ... كأنا وضعناه على رمس ملحد # على غير شيء قلته غير أنني ... نشدت فلم أغفل حمولة معبد # وإن أدع للجلى أكن من حماتها ... وإن تأتك الأعداء بالجهد أجهد # فلو كان مولاي امرأ هو غيره ... لفرج كربي أو لأنظرني غدي # ولكن مولاي امرؤ هو خانقي ... على الشكر والتسآل أو أنا مفتدي # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند # فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد # فأصبحت ذا مال كثير وعادني ... بنون كرام سادة لمسود # ولما سمع عبد عمرو بن مرثد معلقة طرفة أرسل إليه، فقال له أما الولد ~~فالله يعطيكه وأما المال فلا تبرح حتى تكون من أوسطنا فيه وأمر سبعة من ~~أبنائه وثلاثة من بني أبنائه أن يعطوه عشرا عشرا من الإبل ففعلوا. ### | 4 - # ويذكر بعض الباحثين من المستشرقين أن المعلقة لم توضع مرة واحدة، كقوله: # إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي على الجيب ياابنة معبد # وما يليه من أبيات قالها وهو في سجن البحرين قبيل موته وهذا خطأ في البحث ms126 ~~فلم يقل طرفة هذه الأبيات وهو في سجن البحرين بل نظمها ونظم القصيدة كلها ~~مرة واحدة وهو صحيح مقيم في أرض قومه والقصيدة قطعة واحدة من الشعر الحي ~~والتصوير الرائع والديباجة الساحرة والوصف الصادق. # PageV01P069 ### | 4 - # وتمتاز المعلقة بوفرة معانيها وتنوع أغراضها وجمعها بين السهولة والغرابة ~~في اللفظ وبين الرقة والمتانة في الأسلوب وبين الحكمة واللهو والجد والهزل ~~في النهج والحياة. # وتصور الشاعر وحياته وأمانيه ومطامحه ولذاته ولهوه وبيئته والحياة فيها ~~تصويرا جميلا رائعا حد الدقة والإحكام والجمال. ### | 5 - # وحدة القصيدة وفنونها: ونحن نقف أمامها معجبين بجمالها وانسجامها وقوة ~~شاعريتها وتأجج عواطف الشاعر فيها، وهذه الوحدة التامة الظاهرة على أغراضها ~~وفنون القول فيها. # (أ) بدأها الشاعر بالغزل فذكر أطلال خولة محبوبته ووقف عليها وبكاها: # لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد # وقوفا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد # ثم يذكر قباب خولة وهي ظاعنة ويشبهها بالسفينة تشبيها جميلا قويا، فيقول: # كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد # عدولية أو من سفين ابن يامنيجور بها الملاح طورا ويهتدي # يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفايل باليد # وهو في هذا الوصف يرسم صورة جميلة للسفن الكبيرة التي كان يراها ويشاهدها ~~تسير في الماء على شواطئ البحرين وسواها. # ثم يصف جمال محبوبته وينعتها نعتا جميلا قويا مؤثرا عذبا، يدل على امتلاء ~~نفسه بالحب، وعلى خضوعه لأسر الجمال: # وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن ... مظاهر شمطي لؤلؤ وزبرجد # وتبسم عن ألمي كأن منورا ... تخلل حر الرمل دعص له ندى # ووجه كأن الشمس حلت رداءها ... عليه، نقي اللون لم يتخدد # (ب) ثم يأخذ الشاعر في وصف ناقته التي يسير عليها ليسلي عن نفسه الهموم ~~والأحزان، ووصفه لها طويل في خمسة وثلاثين بيتا، ويجيء به في لفظ غامض ~~غريب، لا تكاد تفهمه إلا بصعوبة وعسر ومشقة ومراجعة وطول عناء. # قال طرفة فيما قال في وصف ناقته: # وإني لأمضي الهم عند احتضاره ... بهوجاء مرفال تروح وتغتدي # أمون كألواح ms127 الأران نسأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد # إلى أن يقول: # وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوى من القد محصد # على مثلها أمضى إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك منها وأفتدي # وجاشت إليه النفس خوفا وخاله ... مصابا ولو أمسى على غير مرصد # (ج) ثم يفتخر الشاعر بنفسه ويفرغ لها. ويصف فتوته وكرمه ولذاته ومجده، ~~ولهوه بشرب الراح، في وضوح وسهولة فيقول: # إذا القوم قالوا: من فتى خلت أنني ... عنيت، فلم أكسل ولم أتبلد # ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد # وإن تأتني في حلقة القوم تلقني ... وإن تقتنصني في الحوانيت تصطد # وإن يلتق الحي الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الرفيع المصمد # راماي بيض كالنجوم وقينة ... تروح علينا بين برد ويحسد # ثم يذكر أثر لهوه وشربه الخمر في حياته وبين قبيلته، ويتحدث عن لذاته في ~~الحياة ويصفها، ويلوم من يعذله في اللهو والإسراف، ويفند رأيهم ويقول: إن ~~الكريم المسرف والبخيل المقتر مآلهما واحد إلى القبر: # ومازال تشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريقي ومتلدي # إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد # رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممدد # ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي # ويعتد بلذاته اعتدادا كبيرا وبذكرها: # فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي # فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزيد # وكرى إذا نادى المضاف مجنبا ... كسيد الغضا نبهته المتورد # وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الطراف الممدد # أي شرب الراح وركوب الخيل، واللهو مع امرأة جميلة: # أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوى في البطالة مفسد # أرى الموت يعنام الكرام ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدد # PageV01P070 # أرى الدهر كنزا ناقصا كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر ينفد # لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد # (د) ثم ينتقل إلى عتاب ابن عمه مالك وقد ms128 سبق أن ذكرناه في أول المعلقة. # (ه) ثم يعود إلى التحدث عن نفسه ووصفها بالذكاء والشجاعة، ويتنبأ بموته ~~ويطلب من ابنة أخيه معبد أن تبكيه إذا مات: # إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي على الجيب يا ابنة معبد # ولا تجعليني كامرئ ليس همه ... كهمي، ولا يغنى عنائي ومشهدي # وهو في هذا البيت يعرض بابن عمه. # (و) ثم ينتقل إلى الحكمة فيأتي منها بحكم رائعة وأمثال بليغة رويت على مر ~~الزمان: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # لعمرك ما الأيام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدى # لعمرك ما أدرى وأتى لواجل ... أفي اليوم أقدام المنية أو غد # إذا أنت لم تنفع بودك أهله ... ولم تنك بالبؤس عدوك فابعد # - 2 - وقال يصف أحواله وتنقله في البلاد ولهوه: # أصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستمر # لا يكن حبك داء قاتلا ... ليس هذا منك ماوي بحر # كيف أرجو حبها من بعد ما ... علق القلب بنصب مستسر # أرق العين خيال لم يقر ... طاف والركب بصحراء يسر # جازت البيد إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفور خدر # ثم زارتني وصحبي هجج ... في خليط بين برد ونمر # تخلس الطرف بعيني برغز ... وبخدي رشاء آدم غر # ولها كشحا مهاة مطفل ... تقترى بالرمل أفنان الزهر # وعلى المتنين منها وارد ... حسن النبت أثيث مسبكر # جأبة المدرى لها ذو جدة ... تنفض الضال وأفنان السمر # بين أكتاف خفاف فاللوى ... مخرف تحنو لرخص الظلف حر # تحسب الطرف عليها بحدة ... يا لقومي للشباب المسبكر # حيثما قاظوا بنجد وشتوا ... حول ذات الحاذ من ثني وقر # فله منها على أحيانها ... صفوة الراح بملذوذ خصر # إن تنوله فقد تمنعه ... وتريه النجم يجري بالظهر # ظل في عسكرة من حبها ... ونأت شحط مزار المدرر # فلئن شطت نواها مرة ... لعلي عهد حبيب معتكر # بادن تجلو إذا ما ابتسمت ... عن شتيت كأقاح الرمل غر # بدلته الشمس من منبته ... بردا أبيض مصقول الأشر # وإذا ms129 تضحك تبدي حببا ... كرضاب المسك بالماء الخصر # صادفته حرجف في تلعة ... فسجا وسط بلاط مسبطر # وإذا قامت تداعى قاصف ... مال من أعلى كثيب منقعر # تطرد القر بحر صادق ... وعكيك القيظ، إن جاء، بقر # لا تلمني إنها من نسوة ... رقد الصيف مقالبت نزر # كبنات المخر يمأذن كما ... أنبت الصيف عساليج الخضر # فجعوني يوم زموا عيرهم ... برخيم الصوت ملثوم عطر # وإذا تلسنني ألسنها ... إنني لست بموهون فقر # لا كبير دالف من هرم ... أرهب الليل ولا كل الظفر # وبلاد زعل ظلمانها ... كالمخاض الجرب واليوم الخدر # قد تبطنت وتحتي جسرة ... تتقى الأرض بملثوم معز # فترى المرو إذا ما هجرت ... عن يديها كالفراش المشفتر # ذاك عصر وعداني أنني ... نابى العام خطوب غير سر # من أمور حدثت أمثالها ... تبتري عود القوي المستمر # وتشكى النفس ما صاب بها ... فاصبري إنك من قوم صبر # إن تصادف منفسا لا تلفنا ... فرح الخير ولا نكبوا لضر # أسد غيل فإذا ما فزعوا ... غير أنكاس ولا هوج هذر # ولي الأصل الذي في مثله ... يصلح الآبر زرع المؤتبر # طيبوا الباءة، سهل ولهم ... سبل إن شئت في وحش وعر # وهم ما هم إذا ما لبسوا ... نسج داود لبأس محتضر # وتساقى القوم كأسا مرة ... وعلا الخيل دماء كالشقر # ثم زادوا أنهم في قومهم ... غفر ذنبهم غير فخر # لا تعز الخمر إن طافوا بها ... بسباء الثول والكوم البكر # فإذا ما شربوها وانتشوا ... وهبوا كل أمون وطمر # PageV01P071 # ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر # ورثوا السؤدد عن آبائهم ... ثم سادوا سؤددا غير زمر # نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الأدب فينا يفتقر # حين قال الناس في مجلسهم ... أقتار ذاك أم ريح قطر # بجفان تعترى نادينا ... من سديف حين هاج الصنبر # كالجوابي لا تني مترعة ... لقرى الأضياف أو للمحتضر # ثم لا يخزن فينا لحمها ... إنما يخزن لحم المدخر # ولقد تعلم بكر أننا ... آفة الجزر مساميح يسر # ولقد تعلم بكر أننا ... واضحوا الأوجه في الأزمة غر # ولقد تعلم بكر أننا ... فاضلو الرأي وفي الروع وقر # ولقد ms130 تعلم بكر أننا ... صادقو البأس وفي المحفل غر # يكشفون الضر عن ذي ضرهم ... ويبرون على الآبي المبر # فضل أحلامهم عن جارهم ... رحب الأذرع بالخبر أمر # دلق في غارة مسفوحة ... ولدى البأس حماة ما نفر # تمسك الخيل على مكروهها ... حين لا يمسكها إلا الصبر # حين نادى الحي لما فزعوا ... ودعا الداعي وقد لج الذعر # أيها الفتيان في مجلسنا ... حردوا منها ورادا وشقر # أعوجيات طوالا شربا ... دوخل الصنعة فيها والضمر # من يعابيب ذكور وقح ... وهضبات إذا ابتل العذر # جافلات فوق عوج عجل ... ركبت فيها ملاطيس سمر # وأنافت بهواد تلع ... كجذوع شذبت عنها القشر # علت الأيدي بأجواز لها ... رحب الأجواف ما إن تنبهر # فهي تردى فإذا ما ألهبت ... طار من إحمائها شد الأزر # كائرات وتراها تنتحي ... مسلحبات إذا جد الحضر # دلق الغارة في إفزاعهم ... كرعال الطير أسرابا تمر # تذر الأبطال صرعى بينها ... ما يني منهم كمي منعفر # ففداء لبني قيس على ... ما أصاب الناس من سر وضر # خالتي والنفس قدما إنهم ... نعم الساعون في القوم الشطر # وهم أيسار لقمان إذا ... أغلت الشتوة أبداء الجزر # لا يلحون على غارمهم ... وعلى الأيسار تيسير العسر # كنت فيكم كالمغطى رأسه ... فانجلى اليوم قناعي وخمر # ولقد كنت عليكم عاتبا ... فعقبتم بذنوب غير مر # سادرا أحسب غيي رشدا ... فتناهيت وقد صابت بقر # - 3 - وقال طرفة أيضا # أشجاك الربع أم قدمه ... أم رماد دارس حممه # كسطور الرق رقشه ... بالضحى مرقش يشمه # لعبت بعدي السيول به ... وجرى في ريق رهمه # فالكثيب معشب أنف ... فتناهيه فمرتكمه # جعلته حم كلكلها ... لربيع ديمة تثمه # حابسي رسم وقفت به ... لو أطيع النفس لم أرمه # لا أرى إلا النعام به ... كالإماء أشرفت حزمه # تذكرون إذ نقاتلكم ... لا يضر معدما عدمه # أنتم نخل نظيف به ... فإذا جز نصطرمه # وعذاريكم مقلصة ... في دعاع النخل تجترمه # عجز شمط معالكم ... تصطلي نيرانه خدمه # خير ما ترعون من شجر ... يابس الطحماء أو سحمه # فسعى الغلاق بينهم ... سعي خب كاذب شيمه # أخذ الأزلام مقتسما ... فأتى أغواهما زلمه # والقرار بطنه غدق ... زينت جلهاته ms131 أكمه # ففعلنا ذلكم زمنا ... ثم دانى بيننا حكمه # إن تعيدوها نعدلكم ... من هجاء سائر كلمه # وقتال لا يغبكم ... في جميع جحفل لهمه # رزه قدم وهب وهلا ... ذي زهار جمة بهمه # يتركون القاع تحتهم ... كمراغ ساطع قتمه # لا ترى إلا أخا رجل ... آخذا قرنا كملتزمه # فالهبيت لا فؤاد له ... والتثبيت ثبته فهمه # للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدى ساقه قدمه # - 4 - وقال في عبد عمرو بن بشر بن مرثد: # هند بحزان الشريف طلول ... تلوح وأدنى عهدهن محيل # وبالسفح آيات كأن رسومها ... يمان وشته ريدة وسحلول # أربت بها نتاجة تزدهي الحصى ... وأسحم وكاف العشي هطول # فغيرن آيات الديار مع البلى ... وليس على ريب الزمان كفيل # بما قد أرى الحي الجميع بغبطة ... إذا الحي حي والحلول حلول # PageV01P072 # ألا أبلغا عبد الضلال رسالة ... وقد يبلغ الأنباء عنك رسول # دببت بسري بعدما قد علمته ... وأنت بأسرار الكرام نسول # وكيف نضل المصد والحق واضح ... وللحق بين الصالحين سبيل # وفرق عن بيتيك سعد بن مالك ... وعوفا وعمرا ما تشي وتقول # فأنت على الأدنى شمال عرية ... شآمية تزوى الوجوه بليل # وأنت على الأقصى صبا غير قرة ... تذاءب، منها مرزغ ومسيل # فأصبحت فقعا نابتا بقرارة ... تصوح عنه والذليل ذليل # وأعلم علما ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل # وإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل # وإن امرأ لم يعف يوما فكاهة ... لمن لم يرد سوءا بها لجهول # تعارف أرواح الرجال إذا التقوا ... فمنهم عدو يتقى وخليل # - 5 - وقال حين أطرد فصار في غير قومه: # قفي ودعينا اليوم يا ابنة مالك ... وعوجي علينا من صدور جمالك # قفي لا يكن هذا تعلة وصلنا ... لبين، ولا ذا حظنا من نوالك # أخبرك أن الحي فوق بينهم ... نوى غربة ضرارة لي كذلك # ولم ينسني قد لقيت وشفني ... من الوجد أني غير ناس لقاءك # وما دونها إلا ثلاث مآوب ... قدرن لعيس مسنفات الحورك # ولا غرو إلا جارتي وسؤالها ... ألا هل لنا أهل؟ سئلت كذلك # تعير سيري البلاد ورحلتي ... ألا ms132 رب دار سوى حرداك # وليس امرؤ أفنى الشباب مجاورا ... سوى حيه إلا كآخر هالك # ألا رب يوم لو سقمت لعادني ... نساء كرام من حي ومالك # ظللت بذي الأرطى فويق مثقب ... ببيئة سوء هالكا أو كهالك # ترد عليها الريح ثوبى قاعدا ... إلى صدفي كالحنية بارك # رأيت سعودا من شعوب كثيرة ... فلم تزعيني مثل سعد بن مالك # أبر وأوفى ذمة يعقدونها ... وخيرا إذا ساوى الدرا بالحوارك # وأنمى إلى مجد تليد وسورة ... تكون تراثا عند حي لهالك # أبى أنزل الجبار عامل رمحه ... على السرج حتى قر بين السنابك # وسيفي حسام أختلي بذبابه ... قوانس بيض الدار عين الدوارك # - 6 - وقال أيضا في اطراده إلى النجاشي: # لخلوة بالأجزاع من إضم طلل ... وبالسفح من قو مقام ومحتمل # تربعه مرباعها ومصيفها ... مياه من الأشراف يرمى بها الحجل # فلا زال غيث ربيع وصيف ... على دارها حيث استقرت له زجل # مرته الجنوب ثم هبت له الصبا ... إذا مس منها مسكنا عد ملا نزل # كأن الخلايا فيه ضلت رباعها ... وعوذا إذا ما هزه رعده اجتفل # لها كبد ملساء ذات أسرة ... وكشحان لم ينقض طواءهما الحبل # إذا قلت هل يسلو اللبانة عاشق ... تمر شؤون الحب من خولة الأول # وما زادك الشكوى إلى متنكر ... تظل به تبكي وليس به مظل # متى تر يوما عرصة من ديارها ... ولو فرط خول تسجم العين أو تهل # فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل حبل من وصل # ألا إنما أبكي ليوم لقيته ... بجرثم قاس كل ما بعده جلل # إذا جاء مالا بد منه فمرحبا ... به حين يأتي لا كذاب ولا علل # ألا إنني شربت أسود حالكا ... ألا بجلى من الشراب ألا بجل # فلا أعرفي إن نشذتك ذمي ... كداعي هديل لا يجاب ولا يمل # - 7 - وقال يهدد المسيب بن علس، ويمدح قتادة بن مسلمة الحنفي وأصاب قومه ~~سنة، فبذل لهم: # إن امرأ سرف الفؤاد يرى ... عسلا بماء سحابة شتمي # وأنا امرؤ أكوى من القصر ال ... بادي وأغشى الدهم بالدهم # وأصيب شاكلة الرمية إذ ... صدت بصفحتها عن السهم ms133 # وأحر ذا الكفل القداة على ... أنسائه فيظل يستدمي # وتصد عنك مخيلة الرجل ال ... عريض موضحة عن العظم # بحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم # أبلغ قتادة غير سائله ... منه الثواب وعاجل الشكم # أني حمدتك للعشيرة إذ ... جاءت إليك مرقة العظم # ألقوا إليك بكل أرملة ... شعثاء تحمل منقع البرم # ففتحت بابك للمكارم ح ... ين تواصت الأبواب بالأزم # PageV01P073 # وأهنت إذ قدموا التلاد لهم ... وكذاك يفعل مبتنى النعم # فسقى بلادك ... غير مفسدها # صوب الغمام وديمة تهمى # - 8 - وقال طرفة يهجو عبد عمرو بن بشر وكان وقع بينهما شر: # يا عجبا من عبد عمرو وبغيه ... لقد رام ظلمي عبد عمر فانعما # ولا خير فيه غير أن له غنى ... وأن له كشحا إذا قام أهضما # يظل نساء الحي يعكفن حوله ... يقلن عسيب من سرارة ملهما # له شربتان بالنهار وأربع ... من الليل حتى آض سخدا مورما # ويشرب حتى يغمر المحض قلبه ... وإن أعطه أترك لقلبي مجثما # كان السلاح فوق شعبة بانة ... ترى نفخا ورد الأسرة أسحما # - 9 - وقال طرفة أيضا يهجو عمرو بن هند وأخاه قابوس بن هند: # فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور # من الزمرات أسبل قادماها ... وضرتها مركنة درور # يشاركنا لها رخلان فيها ... وتعلوها الكباش فما تنور # لعمرك إن قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير # قسمت الدهر في زمن رخي ... كذاك الحكم يقصد أو يجور # لنا يوم وللكروان يوم ... تطاردهن البائسات ولا نطير # فأما يومهن فيوم نحس ... تطاردهن بالحدب الصقور # وأما يومنا فنظل ركبا ... وقوفا ما نحل وما نسير # - 10 - وقال يعتذر إلى عمر بن هند حين بلغه أنه هجاه فتوعده: # إني وجدك ما هجوتك وال ... أنصاب يسفح بينهن دم # ولقد هممت بذاك إذ حبست ... وأمر دون عبيدة الوذم # أخشى عقابك إن قدرت ولم ... أغدر فيؤثر بيننا الكلم # - 11 - قال طرفة في حق لأمه ظلمته: # ما تنظرون بحق وردة فيكم ... صغر البنون ورهط وردة غيب # قد يبعث الأمر العظيم صغيره ... حتى تظل له الدماء تصبب # والظلم فرق حيي ms134 وائل ... بكر تساقيها المنايا تغلب # قد يورد الظلم المبين آجنا ... ملحا يخالط بالذعاف ويقشب # وقراف من لا يستفيق دعارة ... يعدى كما يعدى الصحيح الأجرب # والإثم داء ليس يرجى برؤه ... والبر برء ليس فيه معطب # والصدق يألفه الكريم المرتجى ... والكذب يألفه الدنيء الأخيب # ولقد بدا لي أنه سيغولني ... ما غال عادا والقرون فأشعبوا # أدوا الحقوق نفر لكم أعراضكم ... إن الكريم إذا يحرب يغضب # - 12 - وقال يذكر يوم قضة: # سائلوا عنا الذي يعرفنا ... بقوانا يوم تخلاق اللمم # يوم تبدى البيض عن أسؤقها ... وتلف الخيل أعراج النعم # أجدر الناس برأس صلدم ... حازم الأمر شجاع في الوغم # كامل يحمل آلاء الفتى ... نبه سيد سادات خضم # خير حي من معد علموا ... لكفي والجار وابن عم # يجبر المحروب فينا ماله ... ببناء وسوام وخدم # نقل للشحم في مشتاتنا ... عقر للنيب طراد القرم # نزع الجاهل في مجلسنا ... فنرى المجلس فينا كالحرم # وتفرعنا من ابني وائل ... هامة العز وخرطوم الكرم # من بني بكر إذا ما نسبوا ... وبني تغلب ضرابي البهم # حين يحمى الناس نحمي سربنا ... واضحي الأوجه معروفي الكرم # بحسامات تراها رسبا ... في الضريبات مترات العصم # وفحول هيكلات وقح ... أعوجيات على الثأو أزم # وقنا جرد وخيل ضمر ... شرب من طول تغلاك اللجم # أدت الصنعة في أمتنها ... فهي من تحت مشيحات الحزم # تتقي الأرض برح وقح ... ورق يقعرن أنباك الأكم # وتفرى اللحم من تغدائها ... والتغالي فهي قب كالعجم # خلج الشد ملحات إذا ... شالت الأيدي عليها بالجذم # قدما تنضو إلى الداعي إذا ... خلل الداعي بدعوى ثم عم # بشباب وكهول نهد ... كليوث بين عريس الأجم # نمسك الخيل على مكروهها ... حين لا يمسك إلا ذو كرم # نذر الأبطال صرعى بينها ... تعكف العقبان فيها والرخم # - 13 - وقال طرفة أيضا يهجو بني المنذر بن عمرو: # من الشر والتبريح أولاد معشر ... كثير ولا يعطون في حادث بكرا # هم حرمل أعيا على كل آكل ... مبير ولو أمسى سوامهم دثرا # PageV01P074 # جماد بها البسباس نرهض مغزها ... بنات اللبون والسلاقمة الحمرا # فما ذنبنا في أن أداءت خصاكم ... وأن كنتم في ms135 قومكم معشرا أدرا # إذا جلسوا خيلت تحت ثيابهم ... خرانق توفى بالضغيب لها نذرا # أبا كرب أبلغ لديك رسالتي ... أبا جابر عني ولا تدعن عمرا # هم سودوا رهوا تزود في استه ... من الماء خال الطير واردة عمرا # - 14 - وقال طرفة أيضا لعمر بن هند يلوم أصحابه في خذلانهم: # أسلمى قومي ولم يغضبوا ... لسوءة حلت بهم فادحه # كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه # كلهم اروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحه # - 15 - وقال طرفة أيضا: # أعرف رسم الدار قفرا منازله ... كجفن اليماني زخرف الوشي ماثله # بتثليث أو نجران أو حيث تلتقي ... من النجد في قيعان جاش مسابله # ديار لسلمى إذ تصيدك بالمنى ... وإذ حبل سلمى منك دان تواصله # وإذ هي مثل الرئم صيد غزالها ... لها نظر ساج إليك تواغله # غنينا وما نخشى التفرق حقبة ... كلانا غرير ناعم العيش باجله # ليالي أقتاد الصبا ويقودني ... يجول بنا ريعانه ونجاوله # سمالك من سلمى خيال ودونها ... سواد كثيب عرضه فأمايله # فذو النير فالأعلام من جانب الحمى ... وقف كظهر الترس تجرى أساجله # وأنى اهتدت سلمى وسائل بيننا ... بشاشة حب باشر القلب داخله # وكم دون سلمى من عدو وبلدة ... يجار بها الهادي الخفيف ذلاذله # يظل بها غير الفلاة كأنه ... رقيب يخافى شخصه ويضائله # وما خلت سلمى قبلها ذات رجلة ... إذا قسوري الليل جيبت سرابله # وقد ذهبت سلمى بعقلك كله ... فهل غير صيد أحرزته حبائله # كما أحرزت أسماء قلب مرقش ... بحب كلمع البرق لاحت مخايله # وأنكح أسماء المراذي يبتغي ... بذلك عوف أن تصاب مقاتله # فلما رأى أن لا قرار يقره ... وأن هوى أسماء لابد قاتله # ترحل من أرض العراق مرقش ... على طرب تهوى سراعا رواحله # إلى السرو أرض ساقه نحوها الهوى ... ولم يدر أن الموت بالسرو عائله # فغودر بالفردين: أرض نطية ... مسيرة شهر دائب لا يواكله # فيا لك من ذي حاجة حيل دونها ... وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله # لعمري لموت لا عقوبة بعده ... لذي البث أشقى من هوى لا يزايله # فوجدي بسلمى مثل وجد ms136 مرقش ... بأسماء إذ لا تستفيق عواذله # قضى نحبه وجدا عليها مرقش ... وعلقت من سلمى خيالا أماطله # - 16 - وقال طرفة أيضا: # إني من القوم الذين إذا ... أزم الشتاء ودوخلت حجره # يوما ودونيت البيوت له ... فثنى قبيل ربيعهم قرره # رفعوا المنيح وكان رزقهم ... في المنقيات يقيمه يسره # شرطا قويما ليس يحبسه ... لما تتابع وجهة عسره # تلقى الجفان بكل صادقة ... ثمت تردد بينهم حيره # وترى الجفان لدى مجالسنا ... متحيرات بينهم سؤره # فكأنها عقرى لدى قلب ... يصفر من أغرابها صقره # إنا لنعلم أن سيدركنا ... غيث يصيب سوامنا مطره # وإذا المغيرة للهياج غدت ... بسعار موت ظاهر ذعره # ولو وأعطونا الذي سئلوا ... من بعد موت ساقط أزره # إنا لنكسوهم وإن كرهوا ... ضربا يطير خلاله شرره # والمجد ننميه ونتلده ... والحمد في الأكفاء ندخره # نعفو كما تعفو الجياد على ال ... علات والمخذول لا ندره # إن غاب عنه الأقربون ولم ... يصبح بريق مائه شجره # إن التبالي في الحياة ولا ... يغنى نوائب ماجد عذره # كل امرئ فيما ألم به ... يوما يبين من الغنى فقره # - 17 - وقال طرفة أيضا: # إنا إذا ما الغيم أمسى كأنه ... سما حبق ثرب وهي حمراء حرجف # وجاءت بصراد كأن صقيعه ... خلال البيوت والمنازل كرسف # وجاء قريع الشول يرقص قبلها ... من الدفء والراعي لها متحرف # ترد العشار المنقيات شظيها ... إلى الحي حتى يمرح المتصيف # تبيت إماء الحي تطهى قدورنا ... ويأوي إلينا الأشعث المتجرف # PageV01P075 # ونحن إذا الخيل زايل بينها ... من الطعن نشاج مخل ومزعف # وجالت عذارى الحي شتى كأنها ... توالى صوان والأسنة ترعف # ولم يحم فرج الحي إلا ابن حرة ... وهم الدعاء المرهق المتلهف # ففئنا غداة الغب كل نقيذة ... ومنا الكمي الصابر المتعرف # وكارهة قد طلقتها رماحنا ... وأنقذنها والعين بالماء تذرف # نرد النجيب في حيازيم غصة ... على بطل غادرنه وهو مزعف # - 18 - وقال أيضا: # وركوب تعزف الجن به ... قبل هذا الجيل من عهد أبد # وضباب سفر الماء بها ... غرقت أولاجها غير السدد # فهي موتى لعب الماء بها ... في غثاء ساقه السيل عدد # قد تبطنت بطرف هيكل ... غير مرباء ms137 ولا جأب مكد # قائدا قدام حي سلفوا ... غير أنكاس ولا وغل رفد # نبلاء السعي من جرثومة ... تترك الدنيا وتنمى للبعد # يزعون الجهل في مجلسهم ... وهم أنصار ذي الحلم الصمد # حبس في المحل حتى يفسحوا ... لابتغاء المجد أو ترك الفند # سمحاء القفر، أجواد الغنى ... سادة الشيب، مخاربق المرد ### | عنترة العبسي ### | ترجمة الشاعر # - 1 - عنترة بن شداد العبسي أحد شعراء العرب وفرسانهم وأبطالهم ومن أصحاب ~~المعلقات. # أمه كانت أمة حبشية يقال لها زبيبة، وكان لعنترة أخوة من أمه عبيد وكان ~~هو عبدا أيضا لأن العرب كانت لا تعترف ببني الإماء إلا إذا امتازوا على ~~أكفائهم ببطولة أو شاعرية أو سوى ذلك. # ولكن عنترة سرعان ما اعترف أبوه به لبسالته وشجاعته، وكان السبب في ذلك ~~أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس فأصابوا منهم فتبعهم العبسيون ~~فلحقوهم فقاتلوهم وفيهم عنترة، فقال له أبوه: كر يا عنترة. فقال له: العبد ~~لا يحسن الكر إنما يحسن الحلاب والصر. فقال: كر وأنت حر. فكر وقاتل يومئذ ~~فأبلى واستنقذ ما في أيدي القوم من الغنيمة، فادعاه أبوه بعد ذلك. # وعنترة أحد أغربة العرب، وهم ثلاثة: عنترة وأمه سوداء، وخفاف بن ندبة ~~السلمى وأبوه عمير وأمه سوداء وإليها نسب، والسليك بن السلطة السعدي. # وكان عنترة من أشجع الفرسان وأجود العرب بما ملكت يداه وكان لا يقول من ~~الشعر إلا البيتين والثلاثة حتى سابه رجل فذكر سواده وسواد أمه وأنه لا ~~يقول الشعر. فقال عنترة: والله إن الناس ليترافدون الطعمة فما حضرت أنت ولا ~~أبوك ولا جدك مرفد الناس وإن الناس ليدعون في الغارات فيعرفون بتسويمهم فما ~~رأيتك في خيل مغيرة في أوائل الناس قط، وإن اللبس ليكون بيننا فما حضرت أنت ~~ولا أبوك ولا جدك خطة فصل، وإني لأحضر اللبس وأوفي المغنم وأعف عند المسألة ~~وأجود بما ملكت يدي وأفصل الخطة الصماء وأما الشعر فستعلم، فكان أول ماقاله ~~معلقته المشهورة: # هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم؟ # وحضر عنترة حرب داحس والغبراء وحسن ms138 فيها بلاؤه وحمدت مشاهده وعاش طويلا ~~حتى كبر ومات نحو سنة 615 م. # وقد عشق عنترة في شبابه بنت عمه عبلة وكان ذلك قبل أن يحرره أبوه ويدعيه ~~فأبى عمه أن يزوجه ابنته وهو عبد فحفزه ذلك للمعال وعظائم الأمور وهاج ذلك ~~من شاعريته فاجتمع له الشعر السلس القوي والشجاعة النادرة والمروءة ~~المأثورة. # وكان عنترة ينوه عن نسبه في شعره، من ذلك قوله: # إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري واحمي سائري بالمنصل # وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيرا من معمم مخول # وقضى عنترة كل عمره في الحروب والقتال وقول الشعر فصارت العرب تعده من ~~فحول أبطالها وأخذت تروى عند النوادر والأحاديث ومازالت الرواية بذلك تنتقل ~~من جيل إلى آخر ويزداد فيها حتى صارت مع الزمان رواية كبيرة كتبت أخيرا ~~وتعرف الآن بقصة عنترة بن شداد العبسي ويلتذ بقراءتها إلى الآن كثيرون من ~~أهالي الشام ومصر. # - 2 - ويمتاز شعر عنترة بعذوبة الأسلوب وسهولة اللفظ ورقة المعنى ومعلقته ~~من أجمل المعلقات وأكثرها انسجاما وأبدعها وصفا وأشدها حماسة وفخرا وله ~~حلاوة الغزل ومتانة الفخر، وديوانه مطبوع ولكن أكثره منحول عليه.. # ومما سبق إليه ولم ينازع فيه قوله: # إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل # PageV01P076 # وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيرا من معمم مخول # ومن إقراطه قوله: # وأنا المنية في المواطن كلها ... والطعن مني سابق الآجال # وكثيرا ما يتغنى في شعره بمكارم الأخلاق كقوله: # ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل # وقوله: # وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى توارى جارتي مأواها # ومن محاسن شعره قوله: # ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل # وأنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا البيت، فقال: "ما وصف لي أعرابي ~~قط فأحببت أن أراه إلا عنترة". # وعده صاحب الجمهرة ثاني أصحاب المجمهرات. قال: "وقد أدركنا أكثر أهل ~~العلم يقولون إن بعدهن (السموط وهي المعلقات) سبعا ما هن بدونهن ولقد تلا ~~أصحابهم أصحاب الأوائل فما قصروا وهن المجمهرات ms139 لعبيد بن الأبرص، وعنترة بن ~~عمرو وعدي بن زيد ونشر بن أبي خازم وأمية بن أبي الصلت وخداش بن زهير ~~والنمر بن تولب. # وذكره أبو عبيدة في الطبقة الثالثة من الشعراء. # ويقول ابن قتيبة وكان لا يقول من الشعراء إلا البيت والبيتين والثلاثة ~~حتى سابه رجل من قومه فذكر سواده وسواد أمه وغيره ذلك، وأنه لا يقول الشعر ~~فقال عنترة والله إن الناس ليترافدون الطعمة فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك ~~مرفد الناس قط وإن الناس ليدعون في الغارات فيعرفون بتسويمهم فما رأيتك في ~~خيل مغيرة في أوائل الناس قط وإن اللبس ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أبوك ~~ولا جدك حطة فصل وإنما أنت فقع بقرقر وإني لأحتضر البأس وأوفى المغنم وأعف ~~عن المسألة وأجود بما ملكت يدي وأفضل الخطة الصماء وأما الشعر فستعلم. # فكان أول ما قال: هل غادر الشعراء من متردم وكانت العرب تسميها المذهبة. ### | المختار من شعر عنترة العبسي # - 1 - قال عنترة العبسي: # هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم # أعياك رسم الدار لم يتكلم ... حتى تكلم الأصم الأعجم # ولقد حبست بها طويلا ناقتي ... أشكو إلى سفع رواكد جم # يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحا دار عبلة واسلمي # دار لآنسة غضيص طرفها ... طوع العناق لذيذة المتبسم # فوقفت فيها ناقتي وكلها ... فدن، لأقضي حاجة المتلوم # وتحل عبلة بالجواء وأهلنا ... بالحزن فالصمان فالمتثلم # حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم # حلت بأرض الزائرين فأصبحت ... عسرا علي طلابك ابنة مخوم # علقتها عرضا وأقتل قومها ... زعما لعمر أبيك ليس بمزعم # ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم # كيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلنا بالغيلم # إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمت ركابكم بليل مظلم # ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم # فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسحم # إذ تستبيك بأصلتي ناعم ... عذب مقبله لذيذ المطعم # وكأنما نظرت بعيني شادن ... رشإ من الغزلان ليس بتوءم ms140 # وكأن فارة تاجر بقسيمة ... سبقت عوارضها إليك من الفم # أو روضة أنفا تضمن نبتها ... غيث قليل الدمن ليس بمعلم # جادت عليها كل عين ثرة ... فتركن كل حديقة كالدرهم # سحا وبسكابا فكل عشية ... يجري عليها الماء لم يتصرم # فترى الذباب بها يغني وحده ... هزجا كفعل الشارب المترنم # غردا يسن ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزناد الأجذم # تمسي ويصبح فوق ظهر حشية ... وأبيت فوق سراة أدهم ملجم # وجشيتي سرج على عبل الشوى ... نهد مراكله نبيل المحزم # هل تبلغني دارها شدنية ... لعنت بمحروم الشراب مصرم # خطارة غب السرى زيافة ... تطس الإكام بكل خف مثيم # وكأنما أقص الإكام عشية ... بقريب بين المنسمين مصلم # يأوي إلى حزق النعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم # يتبعن قلة رأسه وكأنه ... زوج على حرج لهن مخيم # صعل يعود بذي العشيرة بيضه ... كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم # PageV01P077 # شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم # وكأنما تنأى بجانب دفها ال ... وحشي من هزج العشي مؤوم # هر جنيب كلما عطفت له ... غضبى اتقاها باليدين وبالفم # أبقى لها طول السفار مقرمدا ... سندا ومثل دعائم المتخيم # بركت على ماء الرداع كأنما ... بركت على قصب أجش مهضم # وكأن ربا أو كحيلا معقدا ... حش القيان به جوانب قمقم # ينباع من ذفرى غضوب جسرة ... زيافة مثل الفنيق المقرم # إن تغد في دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلم # أثنى علي بما علمت فإنني ... سمح مخالقتي إذا لم أظلم # فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل ... مر مذاقته كطعم العلقم # ولقد شربت من المدامة بعدما ... ركد الهواجر بالمشوف المعلم # بزجاجة صفراء ذات أسرة ... قرنت بأزهر في الشمال مقدم # فإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافر لم يكلم # وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي # وحليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فريصته بشدق الأعلم # عجلت يداي له بمارق طعنة ... ورشاش نافذة كلون العندم # هلا سألت القوم يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي # إذ لا أزال على رحالة سابح ... نهد تعاوره الكماة مكلم # طورا ms141 يعرض للطعان وتارة ... يأوي إلى حصد القسي عرمرم # يخبرك من شهد الوقائع أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم # فأرى مغانم لو أشاء حويتها ... ويصدني عنها الحيا وتكرمي # ومدجج كره الكماة نزاله ... لا ممعن هربا ولا مستسلم # جادت يداي له بعاجل طعنة ... بمثقف صدق الكعوب مقوم # برحيبه الفرغين يهدي جرسها ... بالليل معتس السباع الضرم # كمشت بالرمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم # وتركته جزر السباع ينشنه ... ما بين قلة رأسه والمعصم # ومشك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم # ربذ يداه بالقداح إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوم # بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوءم # لما رآني قد قصدت أريده ... أبدى نواجذه لغير تبسم # فطعنته بالرمح ثم علوته ... بمهند صافي الحديدة مخذم # عهدي به شد النهار كأنما ... خضب اللبان ورأسه بالعظلم # يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم # فبعثت جاريتي فقلت لها اذهبي ... فتحسسي أخبارها لي واعلي # قالت رأيت من الأعادي غرة ... والشاة ممكنة لمن هو مرتم # وكأنما التفتت بجيد جداية ... رشاء من الغزلان حر أرثم # نبئت عمرا غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم # ولقد حفظت وصاة عمي بالضحا ... إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم # في حومة الموت التي لا تشتكي ... غمراتها الأبطال غير تغمغم # إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولم أني تضايق مقدمي # لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم # يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبنان الأدهم # مازلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه، حتى تسربل بالدم # فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم # لو كان يدري ما المحاورة أشتكي ... أو كان يدري ما جواب تكلمي # والخيل تقتحم الخيار عوابسا ... ما بين شيظمة وأجرد شيظم # ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم # ذلل جمالي حيث شئت مشايعي ... قلبي، وأحفزه برأي مبرم # إني عداني أن أزورك فاعلمي ... ما قد علمت وبعض مالم تعلمي # حالت رماح أنني بغيض دونكم ... وزرت جواني الحرب ms142 من لم يجرم # ولقد كررت المهر يدمى نحره ... حتى اتقتني الخيل يا بني حذيم # ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابني ضمضم # الشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم ألقهما دمي # إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزرا لخامعة ونسر قشعم ### | تحليل القصيدة # PageV01P078 # أ - عنترة بن عمرو بن شداد العبسي 615 م أحد فرسان العرب وأبطالها ~~وشعرائها، كان عبدا أسود. وكان لا يقول من الشعر إلا البيتين أو الثلاثة، ~~فخاصمه رجل وعيره بسواده وسواد أمه وسوى ذلك وأنه لا يقول الشعر. فقال ~~عنترة: والله إن الناس ليترافدون الطعام فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك ~~مرفد الناس قط، وإن الناس ليدعون في الغارات فيعرفون بتسويمهم فما رأيتك في ~~خيل مغيرة في أوائل الناس قط، وإن اللبس ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أبوك ~~ولا جدك خطة فصل. وإني لأحضر البأس وأوفى المغنم، وأعف عن المسألة، وأجود ~~بما ملكت يدي، وأفصل الخطة الصماء، وأما الشعر فستعلم. فغاب حينا وعاد إليه ~~فأنشده معلقته: # هل غادر الشعر من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم # وهي أجود شعره. وكان العرب تسميها الذهبية. # وشجاعة عنترة وبسالته دفعت أباه إلى أن يستلحقه بنسبه، وإلى أن يزوجه عمه ~~ابنته عبلة، وكان فارس داحس والغبراء، كما كان فارس عبس، وأحد أغربة العرب ~~المشهورين. # ب - تحليل ونقد للمعلقة: 1 - هي إحدى المعلقات السبع، ومن روائع الشعر ~~العربي القديم مطلعها: # هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم ### | 2 - # وتمتاز بالسهولة واللين الباديين فيها، والذين قلما يوجدان في الشعر ~~النجدي القديم، والذين لا يخلوان من فخامة وجزالة واضحة جلية، سهلة اللفظ، ~~قريبة المعنى، ليس بينها وبين النفس حجاب من هذه الجزالة التي تكاد تبلغ ~~الغرابة، وإنما تسير في سهولة ويسر، وترتفع عن الإسفاف والابتداء دون تورط ~~في الغلظة والإغراب، وعنترة فيها رقيق في غزله والإشادة ببطولته، بل هو ~~رقيق في حديثه عن أعدائه. أليس هو الذي يقول: # فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على ms143 القنا بمحرم # بل هو رقيق على فرسه، يألم لألمه، ويشقى لشقائه، ويرى بكاءه، ويسمع توجعه ~~حين تعبث به رماح الأعداء: # فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلى بعبرة وتحمحم # لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي # وعنترة لا تنتهي به الرقة إلى الضعف، كما لا تنتهي به الشدة إلى العنف، ~~وكما لا ينتهي به السكر إلى ما يفسد الأخلاق والمروءة، أو الصحو إلى ~~التقصير والعيب والبخل، وهو مقدم إذا كانت الحرب عفيف إذا قسمت الغنائم، ~~يحاول أن يصف من أخلاقه ما يشرف به الرجل العربي الكريم، مما يستغنى عن ~~الإبانة عنه، فيقول هذه الكلمة الرائعة: "وكما علمت شمائلي وتكرمي". # المعلقة تصوير واضح لنفسية الشاعر ومشاعره وحياته وعواطفه وبطولته وقوته ~~وبأسه ونضاله للأعداء، ولا عجب فهي تنبع من نفسه وحياته وتصورهما تمام ~~التصوير. # ولو لم نعرف عنترة أو نسمع بأخباره وحياته، لعرفناه من معلقته بطلا ~~مقداما، وشجاعا فارسا، وعربيا كريم الخلق، رقيق العاطفة، حار الشعور، يضع ~~روحه في كفه، ويبذلها مضحيا في سبيل كرامته وشرفه وبطولته. ### | 3 - # وقد سار فيها على نهج غيره من الشعراء فذكر الديار كما ذكروها، ووصف ~~الناقة كما وصفوها، وافتخر بالكرم والنجدة والبطولة. # وفيها معان قلما انتهى إلى مثلها غير عنترة من الشعراء ولم يخطئ ابن سلام ~~حين قال إن هذه القصيدة نادرة فهي نادرة حقا، وكأنها طائفة من الأنغام ~~الموسيقية الكثيرة المختلفة فيما بينها أشد الاختلاف، وفيها نغمة واحدة ~~متصلة منذ بدء القصيدة إلى نهايتها تظهر واضحة حينا، وتحسها النفس وإن لم ~~تسمعها الأذن حينا آخر. وهذه النغمة التي تكون وحدة هذه القصيدة كما كونت ~~الوحدة في معلقة لبيد هي حديث الشاعر إلى صاحبته واستحضار صورتها في الفسة ~~منذ بدء القصيدة. ولكن بين هذه النغمة في قصيدة عنترة وقصيدة لبيد فرقا ~~واضحا جدا، فهي في قصيدة عنترة حلوة رقيقة تمازج النفس فتمتزج بها لأن ~~عنترة فيما يظهر كان حلو النفس، رقيق القلب، قوي العاطفة، جاءه ذلك من أنه ~~عز بعد ذلة، وتحرر ms144 بعد رق، فهو قد شقي في صباح وطفولته، واحتمل الأذى في ~~شبابه والذل الذي يمتزج بالنفس فيصفي عواطفها ويلطف حدتها. على حين نجد هذه ~~النغمة عند لبيد غليظة خشنة، لبيد يتحدث عن صاحبته في أول القصيدة ويذكرها ~~أثناءها ولكنه ليس متهالكا عليها ولا متحرجا من الصد عنها، فهو يبادل ~~القطيعة بالقطيعة والهجر بالهجر. أما عنترة فيقول: # PageV01P079 # ولقد نزلت تلافظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم ### | 4 - # وفيها عدة تشبيهات رائقة، كتشبيه الظليم وقد تبعته النعام بالعبد الأسود ~~وقد ثابت إليه الإبل: # تأوي له قلص النعام كما أوت ... حزق بجانبه لأعجم طمطم # ومثل هذا التشبيه الرائع الذي يعجب به النقاد من القدماء ويحبونه، في ~~الأبيات التي وصف فيها ثغر صاحبته بالجمال وطيب النشر فذكر فأرة المسك وذكر ~~الروضة الأنف التي ألح عليها الغيث حتى زكا نبتها وكثر فيها الذباب مبتهجا ~~نشوان مترنما: # وكأن فأرة تاجر بقسيمة ... سبقت عوارضها إليك من الفم # أو روضة أنفا تضمن نبتها ... غيت قليل الدمن ليس بمعلم # جادت عليه كل بكر حرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم # سحا وتسكابا فكل عشية ... يجري عليها الماء لم يتصرم # وخلا الذباب فيها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم # هزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم ### | 5 - # وكثير جدا من أبيات هذه المعلقة قد ظفر بحظ كبير من الإيجاز والامتلاء ~~والبراءة من اللغو والفضول، حتى جرى مجرى الأمثال، فأي الناس لا يتمثل ~~قوله: # وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم # وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي # أو قوله: # ينبئك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم # أو قوله: # ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابني ضمضم # الشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لقيتهما دمي # مما احتذاه جميل فقال: # وليت رجالا فيك قد نذر وأدمى ... وهموا بقتلي يا بثين لقوني # أو قوله: # إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكل نسر قشعم # وجل هذه القصيدة يجري مجرى المثل وينشد على اختلاف ms145 العصور والبيئات ~~والظروف. فلا يمل إنشاده ولا تحس النفس نوا عنه، أو نفورا منه، وإنما تحس ~~كأنها تجري فيه أو كأن هذا الشعور مرآة صافية صادقة لكل نفس كريمة ولكل قلب ~~ذكي، ولكل خلق نقي. # ذلك لأن عنترة بحياته وشخصيته ومشاعره وعواطفه وآماله وآلامه كان كأنما ~~يتحدث عن النفوس ويصف حياة الناس، ويأخذ من تجاربه وخبرته ومن فراسته ~~وذكائه أساليبه وصوره ويستمد من إلمامه بالحياة ومعرفته ببيئته مادة بيانه ~~وشعوره وشعره. # فعنترة في معلقته شاعر يتحدث عن البطولة في البداية وعن المجتمع الذي كان ~~يعيش فيه وعن الحياة التي كان يتأثر بها وعن عواطف الشاعر وعن دخائل نفسه ~~حديث المصور الماهر والشاعر العبقري. # وبعد، فكل ما في المعلقة جيد وكل أبياتها خليق أن نطيل الوقوف عنده ونفكر ~~فيه والإعجاب به، كما يقول الدكتور طه حسين. # (ج) وفنون المعلقة كثيرة. ### | 1 - # بدأها عنترة بالغزل في ابنة عمه عبلة ومخاطبة دارها ذات الذكريات ~~الجميلة، قال: # هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم # يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحا دار عبلة واسلمي # وتحل عبلة بالجواء وأهلنا ... بالحزن فالصمان فالمتثلم # حبيت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم ### | 2 - # واسنطرد إلى وصف الروضة: # أو روضة أنقا تضمن نبتها ... غيث قلل الدمن ليس بمعلم # جادت عليه كل بكر حرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم # وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم # هزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح لمكب على الزناد الأجذم ### | 3 - # ثم يصف ناقته في أبيات كأبيات طرفة تمتاز بالغرابة: # هل تبلغني دارها شدنية ... لعنت بمحروم الشراب مصرم ### | 4 - # ثم يفتخر بنفسه وشجاعته: # أثنى علي بما علمت فإنني ... سهل مخالطتي إذا لم أظلم # فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل ... مر مذاقته كطعم العلقم # وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافر لم يكلم # وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي # ويستمر في التنويه بشجاعته إلى أن يقول: # ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من ms146 دمي # فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم # PageV01P080 # لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم # يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم # مازلت أرميهم بثغرة نحرة ... ولبانه حتى تسربل بالدم # فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلى بعيرة وتحمحم # لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي # ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس: ويك عنتر أقدم ### | 5 - # ثم يختمها بتهديد ابني ضمضم، وكانا قد نذرا دمه وتربصا له لأنه قتل ~~أباهما في الحرب. قال: # ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابني ضمضم # الشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم ألقهما دمي # إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكل نسر قشعم # - 2 - وقال عنترة يذكر يوم الفروق: # ألا قاتل الله الطلول البواليا ... وقاتل ذكراك السنين الخواليا # وقولك للشيء الذي لا تناله ... إذا ما هو احلولى ألا ليت ذاليا # ونحن منعنا بالفروق نساءنا ... نطرف عنها مشعلات غواشيا # حلفنا لهم والخيل تردى بنا معا ... نزايلكم حتى تهزوا العواليا # عوالي زرقا من رماح ردينة ... هرير الكلاب ينقين الأفاعيا # تفاديتم أستاه نيب تجمعت ... على رمة من العظام تفاديا # ألم تعلموا أن الأسنة أحرزت ... بقيتنا لو أن للدهر باقيا # أبينا أن تضب لثاتكم ... على مرشقات كالظباء عواطيا # وقلت لمن أحضر الموت نفسه ... ألا من لأمر حازم قد بدا ليا # وقلت لهم ردوا المغيرة عن هوى ... سوابقها وأقبلوها النواصيا # فما وجدونا بالفروق أشابة ... ولا كشفا ولا دعينا مواليا # وإنا نقود الخيل حتى رؤوسها ... رؤوس نساء لا يجدن فواليا # تعالوا إلى ما تعلمون فإنني ... أرى الدهر لا ينجي من الموت ناجيا # - 3 - وقال عنترة أيضا في يوم عراعر: # ألا هل أتاها أن يوم عراعر ... شفى سقما لو كانت النفس تشتفي # فجئنا على عمياء ما جمعوا لنا ... بأرعن لا خل ولا متكشف # تماروا بنا إذ يمدرون حياضهم ... على ظهر مقضي من الأمر محصف # وما نذروا حتى غشينا بيوتهم ... بغية موت مسبل الودق مزعف # فظلنا نكر المشرفية ms147 فيهم ... وخرصان لدن السمهري المثقف # علالتنا في كل يوم كريهة ... بأسيافنا والقرح لم يتقرف # أبينا فلا نعطى السواء عدونا ... قياما بأعضاد السراء المعطف # بكل هتوف عجسها رضوبة ... وسهم كسير الحميري المؤنف # فإن يك عز في قضاعة ثابت ... فإن لنا برحرحان وأسقف # كتائب شهبا فوق كل كتيبة ... لواء كظل الطائر المتصرف # وغادرن مسعودا كأن بنحره ... شقيقة برد من يمان مفوف # - 4 - وقال عنترة أيضا يهجو عمارة بن زياد: # أحولي تنفض استك مذرويها ... لتقتلني، فهأنذا عمار # ومتى ما تلقني فردين ترجف ... روانف إليتيك وتستطارا # وسيفي صارم قبضت عليه ... أشاجع لا ترى فيها انتشارا # وسيفي كالعقيقة وهو كمعي ... سلاحي لا أفل ولا فطارا # وكالورق الخفاف وذات غرب ... ترى فيها عن الشرع ازورارا # ومطرد الكعوب أحض صدق ... تخال سنانه بالليل نارا # ستعلم أينا للموت أدنى ... إذا دانيت بي الأسل الحرارا # ومنجوب له منهن صرع ... يميل إذا عدلت به الشوارا # أقل عليك ضرا من قريح ... إذا أصحابه ذمروه سارا # وخيل قد زحفت لها بخيل ... عليها الأسد تهتصر اهتصارا # - 5 - وقال عنترة أيضا: # نأتك رقاش إلا عن لمام ... وأمسى حبلها خلق الرمام # وما ذكرى رقاش إذا استقرت ... لدى الطرفاء عند ابني شمام # ومسكن أهلها من بطن جزع ... تبيض به مصاييف الحمام # ووقفت وصحبتي بأرينبات ... على أقتاد عوج كالسمام # فقلت تبينوا ظعنا أراها ... تحل شواحطا جنح الظلام # وقد كذبتك نفسك فاكذبنها ... لما منتك تغريرا قطام # ومرقصة رددت الخيل عنها ... وقد همت بإلقاء الزمام # PageV01P081 # فقلت لها اقصري منه وسيرى ... وقد قرع الرجائز بالخدام # أكر عليهم مهري كليما ... قلائده سبائب كالقرام # كأن دفوف مرجع مرفقيه ... توارثها منازيع السهام # تقعس وهو مضطمر مضر ... بقارحه على فأس اللجام # يقدمه فتى من خير عبس ... أبوه وأمه من آل حام # - 6 - وقال عنترة: # طال الثواء على رسوم المنزل ... بين اللكيك وبين ذات الحرمل # فوقفت في عرصاتها متحيرا ... أسل الديار كفعل من لم يذهل # لعبت بها الأنواء بعد أنيسها ... والرامسات وكل جون مسبل # أفمن بكاء حمامة في أيكة ... ذرفت دموعك فوق ظهر المحمل # كالدر ms148 أو فضض الجمان تقطعت ... منه عقائد سلكه لم توصل # لما سمعت دعاء مرة إذ دعا ... ودعاء عبس في الوغى ومحلل # ناديت عبسا فاستجابوا بالقنا ... وبكل أبيض صارم لم ينحل # حتى استباحوا آل عوف عنوة ... بالمشرفي وبالوشيج الذبل # إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري، وأحمي سائري بالمنصل # إن يلحقوا أكرر، وإن يستلحموا ... أشدد، وإن يلفوا بضنك أنزل # حين النزول يكون غاية مثلنا ... ويفر كل مضلل مستوهل # ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل # وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيرا من معم مخول # والخيل تعلم والفوارس أنني ... فرقت جمعهم بطعنة فيصل # إذ لا أبادر في المضيق فوارسي ... ولا أركل بالرعيل الأول # ولقد غدوت أمام راية غالب ... يوم الهياج وما غدوت بأعزل # بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل # فأجبتها إن المنية منهل ... لابد أن أسقى بكاس المنهل # فاقني حياءك لا أبالك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل # إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل # والخيل ساهمة الوجوه كأنما ... تسقى فوارسها نقيع الحنظل # وإذا حملت على الكريهة لم أقل ... بعد الكريهة ليتني لم أفعل # عجبت عبيلة من فتى متهذل ... عاري الأشاجع شاحب كالمنصل # شعث المفارق منهج سرباله ... لم يدهن حولا ولم يترجل # لا يكتسي إلا الحديد إذا اكتسى ... وكذاك كل مغاور مستبسل # قد طال مالبس الحديد فإنما ... صدأ الحديد بجلده لم يغسل # فتضاحكت عجبا وقالت قولة ... لا خير فيك كأنها لم تحفل # فعجبت منها كيف زلت عينها ... عن ماجد طلق اليدين شمردل # لا تصرميني يا عبيل وراجعي ... في البصيرة نظرة المتأمل # فلرب أملح منك دلا فاعلمي ... وأقر في الدنيا لعين المجتلي # وصلت حبالي بالذي أنا أهله ... من ودها وأنا رخي المطول # يا عبل كم من غمرة باشرتها ... بالنفس ماكادت لعمرك تتجلى # فيها لوامع لو رأيت ذهاءها ... لسلوت بعد تخضب وتكحل # إما تريني قد نحلت ومن يكن ... غرضا لأطراف الأسنة ينحل # فلرب أبلج مثل بعلك بادن ... ضخم على ظهر الجواد مهبل # غادرته متعفرا أرصاله ms149 ... والقوم بين مجرح ومجدل # فيهم أخو ثقة يضارب نازلا ... بالمشرفي وفارس لم ينزل # ورماحنا تكف النجيع صدورها ... وسيوفنا تخلى الرقاب فتختلي # والهام تندر بالصعيد كأنها ... تلقى السيوف بها رؤوس الحنظل # ولقد لقيت الموت يوم لقيته ... متسربلا والسيف لم يتسربل # فرأيتنا ما بيننا من حاجز ... إلا المجن ونصل أبيض مفصل # ذكر أشق به الجماجم في الوغى ... وأقول لا تقطع يمين الصيقل # ولرب مشعلة وزعت رعالها ... بمقلص نهد المراكل هيكل # سلس المعذر لاحق أقرابه ... متقلب عبثا بفأس المسحل # نهد القطاة كأنها من صخرة ... ملساء يغشاها المسيل بمحفل # وكأن هاديه إذا استقبلته ... جذع أذل وكان غير مذلل # وكأن مخرج روحه في وجهه ... سربان كانا مولجين لجيئل # وكأن متنيه إذا جردته ... ونزعت عنه الجل متنا ايل # وله حوافر موثق تركيبها ... صم النسور كأنها من جندل # PageV01P082 # وله عسيب ذو سبيب سابغ ... مثل الرداء على الغني المفضل # سلس العنان إلى القتال فعينه ... قبلاء شاخصة كعين الأحول # وكأن مشيته إذا نهنهته ... بالنكل مشية شارب مستعجل # فعليه أقتحم الهياج تقحما ... فيها وأنقض انقضاض الأجدل # - 7 - وقال عنترة: # ظعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى بينهم الغراب الأبقع # خرق الجناح كأن لحي رأسه ... جلمان، بالأحبار هش مولع # فزجرته ألا يفرخ عشه ... أبدا، ويصبح واحدا يتفجع # إن الذين نعبت لي بفراقهم ... قد أسهروا ليلى التمام فأوجعوا # ومغيرة شعواء ذات أشلة ... فيها الفوارس حاسر ومقنع # فزجرتها عن نسوة من عامر ... أفخاذهن كلهن الخروع # وعرفت أن منيتي إن تأتني ... لا ينجني منها الفرار الأسرع # فصبرت عارفة لذلك حرة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلع # - 8 - قال عنترة أيضا: # ألا يا دار عبلة بالطوى ... كرجع الوشم في رسغ الهدي # كوحي صحائف من عهد كسرى ... فأهداها لأعجم طمطمي # أمن رو الحوادث يوم تسمو ... بنو جرم لحرب بني عدي # إذا اضطربوا سمعت الصوت فيهم ... خفيا غير صوت المشرفي # وغير نوافذ يخرجن منهم ... بطعن مثل أشطان الركي # وقد خذلتهم ثعل بن عمرو ... سلاميوهم والجرولي # - 9 - وقال عنترة أيضا: # أمن سهية دمع العين مذروف ... لو أن ذا منك قبل اليوم ms150 معروف # كأنها يوم صدت ما تكلمني ... ظبي بعسفان ساجي الطرف مطروف # تجللتني إذ أهوى العصا قبلي ... كأنها صم يعتاد معكوف # المال مالكم والعبد عبدكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف # تنسى بلائي إذا ما غارة لفحت ... تخرج منها الطوالات السراعيف # يخرجن منها وقد بلت رحائلها ... بالماء تركضها المرد الغطاريف # قد أطعن الطعنة النجلاء عن عروض ... تصفر كف أخيها وهو منزوف # لاشك للمرء أن الدهر ذو خلف ... فيه تفرق ذو إلف ومألوف # - 10 - وقال عنترة أيضا: # لا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب # إن الغبوق له وأنت مسوءة ... فتأوهي ماشئت ثم تحوبي # كذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي # إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك، تكحلي، وتخضبي # ويكون مركبك القعود وزحله ... وابن النعامة عند ذلك مركبي # وأنا امرؤ إن يأخذوني عنوة ... أقرن إلى شر الركاب وأجنب # إني أحاذر أن تقول ظعيني ... هذا غبار ساطع فتلبب # - 11 - وقال عنترة أيضا: # وفوارس لي قد علمتهم ... صبر على التكرار والكلم # يمشون والماذي فوقهم ... يتوقدون توقد الفحم # كم من فتى فيهم أخي ثقة ... حر أغر كقوة الرئم # ليسوا كأقوام علمتهم ... سود الوجوه كمعدن البرم # عجلت بنو شيبان مدتهم ... والبقع أستاها بنو لأم # كنا إذا نفر المطي بنا ... وبدا لنا أحواض ذي الرضم # نعدى فنطعن في أنوفهم ... نختار بين القتل والغنم # إنا كذلك يا سهى إذا ... غدر الحليف نمور بالخطم # وبكل مرهقة لنا نفذ ... بين الضلوع كطرة القدم # - 12 - وقال عنترة أيضا: # كأن السرايا بين قو وقارة ... عصائب طير ينتحين لمشرب # وقد كنت أخشى أن أموت ولم تقم ... قرائب عمرو وسط نوح مسلب # شفى النفس مني أو دنا من شفائها ... ترديهم من حالق متصوب # تصيح الردينيات في حجباتهم ... صياح العوالي في الثقاف المثقب # كتائب تزحى فوق كل كتيبة ... لواء كظل الطائر المتقلب # - 13 - وقال عنترة أيضا: # هديكم خير أبا من أبيكم ... أعف وأوفى بالجوار وأحمد # وأطعن في الهيجا إذا الخيل صدها ... غداة الصياح السمهري المقصد # فهلا وفي الغوغاء عمرو بن ms151 جابر ... بذمته وابن اللقيطة عصيد # سيأتيكم عني وإن كنت نائيا ... دخان العلندي دون بيتي مذود # قصائد من قبل امرئ يحتديكم ... بني العشراء فارتدوا وتقلدوا # - 14 - وقال أيضا: # PageV01P083 # تركت جرية العمري فيه ... شديد العير معتدل سديد # جعلت بني الهجيم له دوارا ... إذا تمضى جماعتهم تعود # إذا تقع الرماح بجانبيه ... تولى قابعا فيه صدود # فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحق له الفقود # وهل يدري جرية أن نبلى ... يكون جفيرها البطل النجيد # كأن رماحهم أشطان بئر ... لها في كل مدلجة خدود # - 15 - وقال عنترة أيضا: # خذوا ما أسأرت منها قداحي ... ورفد الضيف والأنس الجميع # فلو لاقيتني وعلي درعي ... علمت علام تحتمل الدروع # تركت جبيلة بن أبي عدي ... ببل ثيابه علق نجيع # وآخر منهم أجررت رمحي ... وفي البجلي معبلة وقيع # - 16 - وقال عنترة أيضا: # قد أرعدوني بأرماح معلبة ... سود لقطن من الجومان أخلاق # لم يسلبوها ولم يعطوا بها ثمنا ... أيدي النعام فلا أسقاهم الساقي # عمرو بن أسود فازباء قاربة ... ماء الكلاب عليها الظبي معناق # - 17 - وقال أيضا في قتل قرواش وقتل عبد الله بن الصمة أخي دريد: # نجا فارس الشهباء والخيل جنح ... على فارس بين الأسنة مقصد # ولولا يد نالته منا لأصبحت ... سباع تهادى شلوه غير مسند # فلا تكفر النعمى وأثن بفضلها ... ولا تأمنن ما يحدث الله في غد # فإن يك عبد الله لاقى فوارسا ... يردون خال العارض المتوقد # فقد أمكنت منك الأسنة عانية ... فلم نجز إذ تسعى فتيلا بمعبد # - 18 - وقال عنترة وتروى للربيع بن زياد العبسي: # إن تك حربكم أمست عوانا ... فإني لم أكن ممن جناها # ولكن ولد سودة أرثوها ... وشبوا نارها لمن اصطلاها # فإني لست خاذلكم ولكن ... سأسعى الآن إذ بلغت إناها # - 19 - وقال عنترة أيضا: # إذا لاقيت جمع بني أبان ... فإني لائم للجعد لاحي # كأن مؤشر العضدين جحلا ... هدرجا بين أقلبة ملاح # تضمن نعمتي فعدا عليها ... بكورا أو تعجل في الرواح # ألم تعلم لحاك الله أني ... أجم إذا لقيت ذوي الرماح # كسوت الجعد جعد بني أبان ... سلاحي بعد ms152 عري وافتضاح # - 20 - وقال أيضا: # سائل عميرة حيث حلت جمعها ... عند الحروب بأي حي تلحق # أبحق قيس أم بعذرة بعدما ... رفع اللواء لها وبئس الملحق # واسأل حذيفة حين أرث بيننا ... حربا ذوائبها بموت تخفق # فلتعلمن إذا التقت فرساننا ... بلوى النجيزة أن غنك أحمق # - 21 - وقال في قتل ورد بن حابس نضلة الأسدي: # غادرن نضلة في معرك ... يجر الأسنة كالمحتطب # فمن يك عن شأنه سائلا ... فإن أبا نوفل قد شجب # تذاءب ورد على أثره ... وأدركه وقع مرد خشب # تدارك لا يتقي نفسه ... بأبيض كالقبس الملتهب # - 22 - وقال أيضا: # ومكروب كشفت الكرب عنه ... بضربة فيصل لما دعاني # دعاني دعوة والخيل تردى ... فما أدرى أباسمي أم كناني # فلم أمسك بسمعي إذ دعاني ... ولكن قد أبان له لساني # فكان إجابتي إياه أني ... عطفت عليه خوار العنان # بأسمر من رماح الخط لدن ... وأبيض صارم ذكر يمان # وقرن قد تركت لدى مكر ... عليه سبائب كالأرجوان # تركت الطير عاكفة عليه ... كما تردى إلى العرس البواني # ويمنعهن أن يأكلن منه ... حياة يد ورجل تركضان # فما أوهى مراس الحرب ركني ... ولكن ما تقادم من زماني # وقد علمت بنو عبس بأني ... أهش إذا دعيت إلى الطعان # وأن الموت طوع يدي إذا ما ... وصلت بنانها بالهندواني # ونعم فوارس الهيجاء إذا ما ... علقوا الأعنة بالبنان # هم قتلوا لقيطا وابن حجر ... وأردوا حاجبا وابني أبان # - 23 - وقال أيضا: # طربت وهاجتك الظباء السوانح ... غدت منها سنيح وبارح # فمالت بي الأهواء حتى كأنما ... بزندين في جوفي من الوجد قادح # تعزيت عن ذكرى سهية حقبة ... فبح عنك منها بالذي أنت بائح # لعمري لقد أعذرت لو تعذريني ... وخشنت صدرا غيبة لك ناصح # PageV01P084 # أعادل كم من يوم حرب شهدته ... له منظر بادي النواجذ كالح # فلم أر حيا صابروا مثل صبرنا ... ولا كافحوا مثل الذين نكافح # إذا شئت لاقاني كمي مدجج ... على أعوجي بالطعان مسامح # نزاحف زحفا أو نلاقي كتيبة ... تطاعننا أو يذعر السرح صائح # فلما التقيننا بالجفار تضعضعوا ... وردت على أعقابهن المسالح # وسارت رجال نحو أخرى عليهم ال ms153 ... حديد كما تمشى الجمال الدوالح # إذا ما مشوا في السابغات حسبتهم ... سيولا وقد جاشت بهن الأباطح # فأشرع رايات وتحت ظلالها ... من القوم أبناء الحروب المراجح # ودرنا كما دارت على قطبها الرحى ... ودارت على هام الرجال الصفائح # بهاجرة حتى تغيب نورها ... وأقبل ليل يقبض الطرف سائح # تداعى بنو عبس بكل مهند ... حسام يزيل الهام والصف جانح # وكل رديني كأن سنانه ... شهاب بدا في ظلمة الليل واضح # فخلوا لنا عوذ النساء وخببوا ... عباديد منها مستقيم وجامح # وكل كعاب خدلة الساق فخمة ... لها منيت في آل ضبة طامح # تركنا ضرارا بين عان مكبل ... وبين قتيل غاب عنه النوائح # وغمرا وحيانا تركنا بقفرة ... تعودهما فيها الضباع الكوالح # يجرون هاما فلقتها سيوفنا ... تزيل منهن اللحى والمسائح # - 24 - وقال أيضا: # وكتيبة لبستها بكتيبة ... شهباء باسلة يخاف رداها # خرساء ظاهرة الأداء كأنها ... نار يثب وقودها بلظاها # فيها الكماة بنو الكماة كأنهم ... والخيل تعشر في الوغى بقناها # شهب بأيدي القابسين إذا بدت ... بأكفهم بهر الظلام سناها # صبر أعدوا كل أجرد سابح ... ونجية ذبلت وخف حشاها # يغدون بالمستلثمين عوابسا ... قودا تشكى أينها ووجاها # يحملن فتيانا مداعس بالقنا ... وقرا إذا ما الحرب خف لواها # من كل أروع ماجد ذي صولة ... مرس إذا لحقت خصي بكلاها # وصحابة شم الأنوف بعثتهم ... ليلا وقد مال الكرى بطلاها # وسريت في وعث الظلام أقودهم ... حتى رأيت الشمس زال ضحاها # ولقيت في قبل الهجير كتيبة ... طعنت أول فارس أولاها # وضربت قربى كبشها فتجدلا ... وحملت مهري وسطها فمضاها # حتى رأيت الخيل بعد سودها ... حمر الوجوه خضن من جرحاها # يعثرن في نقع النجيع جوافلا ... ويطأن من حمى الوغى صرعاها # فرجعت محمودا برأس عظيمها ... وتركتها جزرا لمن ناءاها # ما استمت أنثى نفسها في موطن ... حتى أوفى مهرها مولاها # ولما رزأت أخا حفاظ سلعا ... إلا له عندي بها متلاها # أغشى فتاة الحي عند خليلها ... وإذا غزا في الحرب لا أغشاها # وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يوارى جارتي مأواها # إني امرؤ سمح الخليقة ماجد ... لا أتبع النفس اللجوج هواها ms154 # ولئن سألت بذاك عبلة أخبرت ... لا أريد من النساء سواها # وأجيبها إما دعت لعظيمة ... وأعينها وأكف عما ساها # - 25 - وقال عنترة أيضا في قتل قراوش العبسي: # ومن يك سائلا عني فإني ... وجروة لا ترود ولا تعار # مقربة الشتاء ولا تراها ... وراء الحي يتبعها المهار # لها بالصيف أصبرة وجل ... ونيب من رائمها غزار # ألا أبلغ بني العشراء عني ... علانية فقد ذهب السرار # قتلت سراتكم وخسلت منكم ... خسيلا مثلما خسل الوبار # ولم نقتلكم سرا ولكن ... علانية وقد سطع الغبار # فلم يك حقكم أن تشتمونا ... بني العشراء إذ جد الفخار # - 26 - وقال يرثي مالك بن زهير العبسي وتولى قتله بنو بدر: # لله عينا من رأى مثل مالك ... عقيرة قوم أن حرى فرسان # فليتهما لم يجريا نصف غلوة ... وليتهما لم يرسلا لرهان # وليتهما ماتا جميعا ببلدة ... وأخطأهما قيس فلا يريان # لقد جلبا حينا وحربا عظيمة ... تبيد سراة القوم من غطفان # وكان فتى الهيجا ويحمى ذمارها ... ويضرب عند الكرب كل بنان ### | دراسات لبعض الشعراء الجاهليين ### | عمر بن كلثوم 500 - 600 م # PageV01P085 # - 1 - ### | حياته ### | تمهيد # هو عمرو بن كلثوم، أحد شعراء الجاهلية وفرسانهم وأشرافهم، ومن أصحاب ~~المعلقات، ومكانته في الشعر الجاهلي تضارع مكانة كثير من الشعراء وإن كان ~~ليس له ديوان شعر معروف. ### | نسبه # هو أبو الأسد عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن ربيعة بن زهير التغلبي، ~~من تغلب بن وائل، وتغلب هم من الأهم في الشرف والسيادة والمجد وضخامة العدد ~~وجلال المحتد والأرومة. وأسرته سادات تغلب ورؤساؤها وفرسانها حتى قيل: لو ~~أبطأ الإسلام لأكلت تغلب الناس.. كان أبوه كلثوم سيد قومه وأمه ليلى بنت ~~المهلهل أخي كليب المشهور، واشتهرت أمه ليلى بالأنفة وعظم النفس، كما كانت ~~لجلالة محتدها من فضليات السيدات العربيات قبل الإسلام. ### | بيئته وموطنه # ولد ونشأ عمرو بن كلثوم في أرض قومه التغلبيين، وكانوا يسكنون الجزيرة ~~الفراتية وما حولها، وتخضع قبيلته لنفوذ ملوك الحيرة مع استقلالهم التام في ~~شؤونهم الخاصة والعامة، والحيرة كما نعلم إمارة عربية أقامها الفرس على ~~حدود الجزيرة ms155 العربية، وحموها بالسلاح والجنود. ### | نشأته وحياته # ولد عمر بين مجد وحسب وجاه وسلطان، فنشأ شجاعا هماما خطيبا جامعا لخصال ~~الخير والسؤدد والشرف، وبعد قليل ساد قومه وأخذ مكان أبيه وله من العمر خمس ~~عشرة سنة، وقال الشعر وأجاد فيه وإن كان من المقلين. # قاد عمر الجيوش وحارب أعداء قومه وكان مظفرا في كثير من أيامهم وحروبهم، ~~وأكثر ما كانت فتن تغلب وحروبها مع أختها بكر بن وائل بسبب الحرب المشهورة ~~"البسوس"، وفي آخر الأمر أصلح بينهما المنذر ملك الحيرة وأخذ من كل منهما ~~رهينة من الغلمان مائة غلام من أشرافهم حتى لا يعودوا إلى القتال، ولما ~~تولى الحيرة عمرو بن هند عام 562 م حذا حذو أبيه، فحدث أن عمرو بن هند وجه ~~قوما من بكر وتغلب إلى جبل طيء في أمر من أموره، فنزلوا على ماء لبني شيبان ~~وهم من بكر، فأبعدوا التغلبيين عن الماء حتى ماتوا عطشا، وقيل بل أصابتهم ~~شموم في بعض مسيرهم فهلكوا وسلم البكريون، فطلب التغلبيون دينهم من بكر، ~~واختصما وتحاكما إلى عمرو بن هند، وكان سيد تغلب هو عمرو بن كلثوم، وشاعر ~~بكر هو الحارث بن حلزة، فتفاخرت القبيلتان بين يديه، وفي هذا الموقف قال ~~الحارث بن حلزة معلقته يفتخر فيها ببكر وقال عمرو بن كلثوم بعض معلقته ~~يفتخر فيها بتغلب، وأثرت قصيدة الحارث بن حلزة على عمرو بن هند، فقضى لبكر ~~حقدا على تغلب وحسدا لعمرو، لإدلاله بشرفه وحسبه ومجده. # PageV01P086 # ويقال إن عمرو بن هند الملك - وكان جبارا متكبرا مستبدا - كان يريد إذلال ~~عمرو وإهانته ويضمر ذلك في نفسه، وأنه كان جالسا يوما مع ندمائه، فقال لهم: ~~"هل تعلمون أحدا من العرب تأنف أمه من خدمة أمي هند؟ فقالوا نعم، أم عمرو ~~وبن كلثوم. قال: ولم؟ قالوا لأن أباها مهلهل بن ربيعة وعمها كليب بن وائل ~~أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب وابنها عمرو وهو سيد قومه، ~~وكانت هند عمة امرئ القيس بن حجر الشاعر المشهور وكانت أم ليلى بنت مهلهل ms156 ~~هي بنت أخي فاطمة بنت ربيعة التي هي أم امرئ القيس وبينهما هذا النسب، ~~فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن يزير أمه، فأقبل ~~عمرو بن كلثوم من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب، وأقبلت ليلى ~~بنت مهلهل في ظعن من بني تغلب، وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين ~~الحيرة والفرات وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا في وجوه بني تغلب، فدخل ~~عمرو بن كلثوم على عمرو بن هند في رواقه. ودخلت ليلى وهند في قبة من جانب ~~الرواق، وكان عمرو بن هند أمر أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف وتستخدم ~~ليلى، فدعا عمرو بمائدة ثم دعا بطرف، فقالت هند: ناوليني يا ليلى ذلك ~~الطبق، فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها فأعادت عليها فصاحت ليلى: ~~"واذلاه، يا لتغلب! " فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه ونظر إليه ~~عمرو بن هند فعرف الشرفي وجهه فوثب عمرو بن كلثوم إلى سيف لعمرو بن هند ~~معلق بالرواق ليس هناك سيف غيره فضرب به رأس ابن هند وقتله وكان ذلك نحو ~~سنة 569م ونادى عمرو في بني تغلب فانتبهوا مافي الرواق وساقوا نجائبه ~~وساروا نحو الجزيرة وجاشت نفس ابن كلثوم وحمى غضبه وأخذته الأنفة والنخوة ~~فنظم بعض معلقته في هذه الحادثة، يصف فيها حدثه مع ابن هند ويفتخر بأيام ~~قومه وغاراتهم المشهورة. # وهكذا عاش عمرو عظيما من عظماء الجاهلية وأشرافهم وفرسانهم، عزيز النفس ~~مرهوب الجانب، شاعرا مطبوعا على الشعر.. وعمر طويلا حتى مات نحو سنة 600 م. # ولعمرو ابن اسم عتاب بن عمرو بن كلثوم، كان كأبيه شجاعا فارسا وهو الذي ~~قتل بشر بن عمرو بن عدس، كما أن مرة بن كلثوم أخا عمرو بن كلثوم هو الذي ~~قتل المنذر بن النعمان بن المنذر ملك الحيرة، ولذلك يقول الأخطل التغلبي ~~مفتخرا: # ابني كليب إن عمى اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا # ماضر تغلب وائل: أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران # قومي همو قتلوا ابن ms157 هند عنوة ... عمرا، وهم قسطوا على النعمان # - 2 - ### | شعر عمرو بن كلثوم ### | أهم الدراسات عنه # كتب عن عمرو بن كلثوم من الأدباء والباحثين: أ - منهم من المحدثين: جورجي ~~زيدان، وأصحاب الوسيط والمفصل، والزيات وصاحب شعراء النصرانية. # ب - ومن القدماء: أبو زيد الأنصاري في الجمهرة، وابن سلام في طبقات ~~الشعراء، وأبو الفرج في الأغاني، وابن قتيبة في الشعر والشعراء. # ج - وشرح معلقته ورواها: الزوزني في كتابه "شرح المعلقات السبع"، ~~والنعساني الحلبي في كتابه نهاية الأدب في شرح معلقات العرب، ورواها صاحب ~~الجمهرة، وهي سبعة ومائة بيت. وقد طبعت المعلقة في مدينة بونا سنة 1819 مع ~~ترجمتها اللاتينية بقلم كوزغارتن. ### | معلقة الشاعر ### | 1 - # عمرو بن كلثوم جاهلي قديم، قتل عمر بن هند الملك، أمه ليلى بنت مهلهل بن ~~ربيعة وعمها كليب أعز العرب، ووالده كلثوم بن عتاب فارس العرب، وكان عمرو ~~سيدا في قومه من بني تغلب، وتوفي في أواخر القرن السادس الميلادي. # وعمرو شاعر قوي الشاعرية مجيد، ومعلقته "ألا هي بصحنك فاصبحينا" مشهورة، ~~وهي من جيد شعر العرب وإحدى السبع المعلقات، وكان قام بها خطيبا فيما كان ~~بينه وبين عمرو بن هند. # يمتاز عمر في شعره بالبديهة والارتجال، وبأسلوبه الرائق، وأغراضه ~~العالية. وهو مقل لم ينظم في فنون الشعر جميعها، وكل ما روي عنه معلقته ~~وبعض مقطوعات لا تخرج من موضوعها. أجاد في الفخر إجادة منقطعة النظير. ### | 2 - # والمعلقة مشهورة بالرقة والسلاسة والسهولة، وفيها تكرير في بعض معانيها ~~وألفاظها، ومبالغة واضحة شديدة في الفخر مما لم يؤلف نظيرها في الشعر ~~الجاهلي، مثل: # إذا بلغ الرضيع لنا فطاما ... تخر له الجبابر ساجدينا # ومثل: # PageV01P087 # لنا الدنيا ومن أضحى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا ### | 1 - # بدأها عمر بن كلثوم بوصف الخمر، وهذه المعلقة فريدة في هذه الناحية، فلم ~~تبدأ معلقة أو قصيدة بوصف الخمر في الجاهلية إلا هذه القصيدة، ولعل سر ذلك ~~أن تغلب كانت النصرانية موجودة في بعض ربوعها، وأن الخمر كانت شائعة في هذه ~~الربوع، قال: # ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقى ms158 خمور الأندرينا # مشعشعة كأن الحصى فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا # صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا # وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا # وكأس قد شربت ببعلبك ... وأخرى في دمشق وقاصرينا # إذا صمدت حمياها أريبا ... من الفتيان خلت به جنونا # ب - ثم يأخذ في الغزل ووصف محبوبته وجمالها: # قفي قبل التفرق يا ظعينا ... نخبرك اليقين وتخبرينا # قفي نسألك هل أحدثت صرما ... لوشك البين أم خنت الأمينا # أفي ليلى يعاتبني أبوها ... وإخوتها وهم لي ظالمونا # ج - ثم ينتقل إلى الفخر بقومه ومجدهم وعزتهم، ويهدد الملك عمرو بن هند ~~وينذره ويتوعده في أسلوب قوي جزل مع عذوبة وجمال، والظاهر أن ذلك كان أيام ~~التحاكم أمام عمر بن هند والمفاخرة بين تغلب وبكر: # أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا # بأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا # وأيام لنا غر طوال ... عصينا الملك فيها أن ندينا # ورثنا المجد قد علمت معد ... نطاعن دونه حتى يبينا # والجزء التالي من المعلقة يبدو أنه نظم بعد قتل عمرو بن هند، وهو: # بأي مشيئة عمر بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا # تهددنا وتوعدنا رويدا ... متى كنا لأمك مقتوينا # وأن قناتنا يا عمر أعيت ... على الأعداء تملك أن تلينا # ثم ينتقل إلى ذكر وقائع قومه مفتخرا بها على بكر، ومنها يوم خزاز، ثم ~~يختمها بفخر قوي، منه: # وأنا الحاكمون بما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا # وأنا النازلون بكل ثغر ... يخاف النازلون به المنونا # إذا ما الملك سام الناس خسفا ... أبينا أن نقر الخسف فينا # ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وموج البحر نملؤه سفينا # إذا بلغ الفطام لنا رضيع ... تخر له الجبابر ساجدينا # لنا الدنيا ومن أمسى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا # وبعد، فالمعلقة من روائع الفخر، ويقال إنها كانت تزيد على الألف بيت، ~~وإنما وصل إلينا بعضها مما حفظه الناس منها. # والغالب - كما ذكرنا - أن الشاعر نظمها على مرتين: في مفاخرته ms159 ليكون عند ~~عمرو بن هند، وفي حادثة أمه، ولذلك رأينا فيها إشارة إلى كلتيهما وقد وقف ~~عمر بن كلثوم بهذه المعلقة في سوق عكاظ فأنشدها في موسم الحج وكان بنو تغلب ~~يعظمونها ويرويها صغارهم وكبارهم، لما حوته من الفخر والحماسة مع جزالتها ~~وسهولة حفظها. # وقد أثرت هذه القصيدة في نفوس قبيلة تغلب وفخروا بها، واتخذوها أنشودتهم، ~~حتى قال فيها بعض البكريين: # إلهي بني تغلب عن جل أمرهم ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم # يفاخرون بها مذ كان أولهم ... يا للرجال لشعر غير مسؤوم # والميزة الواضحة فيها السهولة والقوة، والاعتداد بالنفس والقبيلة، ~~المبالغة في الفخر، وأنها شعر صدر عن سيد قومه يعترف فيه بسيادته وسيادة ~~قبيلته ومجدها وأيامها وبطولة أبطالها وانتصاراتهم. # وبدؤها بالخمر يرجع إلى انتشار النصرانية في تغلب وانتشار الخمر بينهم. ~~وتكاد تكون هي القصيدة الوحيدة في بدئها بالخمر على غير عادة الشعراء ~~الجاهليين. # ويعجب النقاد بمعلقة عمرو إعجابا شديدا، قال ابن قتيبة: وهي من جيد شعر ~~العرب وإحدى السبع المعلقات. وقدمه بها النقاد وقال مطرف عن عيسى بن عمرو: ~~لو وضعت أشعار العرب في كفة وقصيدة عمرو بن كلثوم في كفة لمالت بأكثرها. ### | آثار من شعر عمرو ### | 1 - # روى صاحب ديوان الحماسة لعمرو بن كلثوم أبياتا له من خير الأبيات يمتدح ~~فيها بقومه، هي: # معاذ الإله أن تنوح نساؤنا ... على هالك، أو أن نضج من القتل # PageV01P088 # قراع السيوف بالسيوف حلنا ... بأرض براح ذي أراك وذي أثل # فما أبقت الأيام ملمال عندنا ... سوى جذم أذواد محذفة النسل # ثلاثة أثلاث، فأثمان خيلتنا ... وأقواتنا وما نسوق إلى القتل ### | 2 - # وله يتوعد عمرو بن أبي حجر الغساني: # ألا فاعلم أبيت اللعن أنا ... على عمد سنأتي ما نريد # تعلم أن محملنا ثقيل ... وأن زياد كبتنا ديد # وأنا ليس حي من معد ... يوزننا إذا لبس الحديد ### | 3 - # ومعلقته مشهورة ومطلعها: # ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا # يبدؤها بوصف الخمر، وينتقل منها إلى الغزل إذ يقول: # قفي قبل التفرق يا ظعينا ... نخبرك اليقين وتخبرينا # ثم ms160 ينتقل إلى موضوع المعلقة، ويظهر أن هذا الموضوع مقسم إلى قسمين عملا ~~في زمنين مختلفين، أولهما عمل أيام التحاكم أمام عمر بن هند والمفاخر بين ~~تغلب وبكر ويبتدئ من قوله: # أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا # بأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا # ويفخر فيه بنفسه وقومه: # ورثنا المجد قد علمت معد ... نطاعن دونه حتى يبينا # والثاني عمل بعد قتله عمرو بن هند، وأوله: # بأي مشيئة عمرو بن هند ... نطيع بنا الوشاة وتزدرينا؟ # بأي مشيئة عمرو بن هند ... نكون لقيلكم فيها قطينا؟ # تهددنا وتوعدنا!! رويدا ... متى كنا لأمك مقتوينا # فإن قناتنا يا عمرو أعيت ... على الأعداء قبلك أن تلينا ### | آراء النقاد في شعره ### | 1 - # قال الكميت: عمر بن كلثوم أشعر الناس، وذكره في المزهر مع أصحاب الواحدة ~~وأولهم طرفة، ومنهم عنترة، والحارث بن حلزة، وشاعرنا عمرو بن كلثوم. ### | 2 - # وجعله ابن سلام في الطبقة السادسة من شعراء الجاهلية، وهم أربعة رهط لكل ~~واحد منهم واحدة، وأولهم عمرو بن كلثوم، ثم الحارث بن حلزة وعنترة، وسويد ~~بن أبي كاهل اليشكري. ### | 3 - # وقد قدمه بعض النقاد وقالوا: هو من قدماء الشعراء وأعزهم نفسا وأكبرهم ~~امتناعا وأجودهم واحدة، وقال عيسى بن عمر: لله در عمر أي حلس شعر ووعاء ~~علم، لو أنه رغب فيما رغب فيه أصحابه، من الشعراء.. وإن واحدته لأجود سبعهم ~~- يعني السبع المعلقات -. وذكر أبو عمرو بن العلاء أن عمرو بن كلثوم لم يقل ~~غير واحدته - معلقته - ولولا أنه افتخر فيها وذكر مآثر قومه ما قالها. ~~وجعله صاحب شعراء النصرانية من شعراء الطبقة الأولى. ### | 4 - # وقيل إنه كان ينشد عمرو بن هند وهو المحرق الثاني من ملوك الحيرة، فبينما ~~هو ينشده في صفة جمل إذ حالت الصفة إلى صفة ناقة، فقال طرفة "استنوق ~~الجمل"، والبيت الذي قاله عمرو: # وإني لأمضي الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم # فقال عمرو: وما يدريك يا صبي؟ فتشاتما. فقال عمرو بن المنذر: سبه يا ~~طرفة، فقال قصيدته: # أشجاك الربع أم قدمه ms161 ... أم سواد دارس حممه # حتى بلغ قومه: # فإذا أنتم وجمعكمو ... حطب للنار نضطرمه # فقال عمرو بن كلثوم يتوعد عمرو بن هند: # ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # بأي مشيئة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا؟ # ويروى أن هذه القصة كانت بين طرفة والمتلمس، وأنه ما كان ليجترئ على عمرو ~~بن كلثوم بمثل هذا لشدته في قومه. # ويروى لعمرو ذي الطوق. # صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا # وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا # فاستلحقهما عمرو بن كلثوم في معلقته. والاستلحاق أخذ الشاعر بيتا مما ~~سبقه على الجهل المثل (216-2 العمدة) . # ويرى الدكتور طه حسين في كتابه الأدب الجاهلي أن عمرو بن كلثوم قد أحيط ~~بطائفة من الأساطير، وأن معلقته لا يمكن أن تكون هي أو أكثرها جاهلية، وأن ~~والرواة شكوا في بعضها، وأن معلقة الحارث أمتن وأرصن من معلقة ابن كلثوم.. ~~وذكر أخيرا أنه يرجح أن المعلقتان منتحلتان. ### | خصائص شعر عمرو # PageV01P089 # أ - وعمرو بن كلثوم شاعر غمر البديهة رائق الأسلوب، نبيه الغرض وإن كان ~~مقلا، لم يتقلب في فنون الشعر ولم يرخ العنان لسليقته، شغلته الرياسة وخوض ~~الحروب وتكسب الشعراء بالشعر عن أن يفيض في الشعر ويطرق أكثر أبوابه، ولذلك ~~لم يشتهر إلا بمعلقته التي قامت له مقام الشعر الوفير، لحسن لفظها وانسجام ~~عبارتها ووضوح معناها ورشاقة أسلوبها وعلو فخرها ونباهة مقصدها، ورويت له ~~مقطعات، لم يخرج فيها عن أغراض معلقته.. ولعل شهرته بالخطابة لا تقل عن ~~شهرته بالشعر. # ب - وأسباب شاعريته ترجع إلى: 1 - أسرة الشاعر وكثرة الشعراء منها ومن ~~قبيلته. ### | 2 - # بيئته في الجزيرة الفراتية واتصالها بثقافات كثيرة منها ثقافة النصرانية ~~التي انتشرت فيها، ومنها الثقافة الفارسية التي لابد أن تكون قد أحدثت ~~آثارها في هذه النواحي الخاضعة لنفوذ الحيرة وملوكها. ### | 3 - # مجد الشاعر وحسبه فقد أنطقاه بهذا الشعر الرائع والفخر القوي البليغ. ### | 4 - # كثرة الخصومات والحروب بين تغلب وبكر، وقد شاهدها الشاعر وأججت ثورة ~~الشاعرية في نفسه. ### | 5 ms162 - # الخصومات الأدبية بينه وبين خصمه شاعر بكر ### | الحارث بن حلزة # ، إلى غير ذلك من بواعث شاعريته. # ج - وأهم أغراض الشعر عند عمرو هو الفخر، ومن أولى من عمرو بن كلثوم بأن ~~يفتخر بمجده ومجد قومه وحسبهم وشرفهم ومحتدهم الرفيع وفخره في معلقته صفحة ~~من تاريخ قومه الحربي والسياسي. # د - ومهما كان فأسلوب عمرو يمتاز بقوته وسلاسته وحلاوته، وتمتاز معانيه ~~بالوضوح وكثرة المبالغة وبالصراحة وروح الصحراء البادية فيه. ### | نثر الشاعر ### | 1 - # قال عمرو من خطبة له: أما بعد، فإنه لا يخبر عن فضل المرء أصدق من تركه ~~تزكية نفسه، ولا يعبر عنه في تزكية أصحابه أصدق من اعتماده إياهم برغبته ~~وائتمانه إياهم على حرمته. ### | 2 - # وأوصى عمرو بن كلثوم التغلبي بنيه، فقال من وصية له: "زوجوا بنات العم ~~بني العم، فإن تعديم بهن إلى الغرباء، فلا تألوا بهن الأكفاء، وأبعدوا بيوت ~~النساء من بيوت الرجال، فإنه أغض للبصر، وأعف للبشر، ومتى كانت المعاينة ~~واللقاء، ففي ذلك داء من الأدواء، ولا خير فيمن لا يغار لغيره، كما يغار ~~لنفسه. وقل من انتهك حرمة لغيره، إلا انتهكت حرمته، وإذا حدثتم فعوا، وإذا ~~حدثتم فأوجزوا، وموت عاجل خير من ضنى آجل وما بكيت من زمان، إلا دهاني بعده ~~زمان وربما شجاني، من لم يكن أمره عناني، وما عجبت من أحدوثة إلا رأيت ~~بعدها أعجوبة، واعلموا أن أشجع القوم العطوف وخير الموت تحت ظلال السيوف ~~الخ". (والوصية بتمامها في بلوغ الأرب ج3) . # الحارث بن حلزة ### | حياته # من يشكر بن وائل، فارس مقدام وشاعر مجيد، وسيد من سادات بكر، كما كان ~~عمرو بن كلثوم سيد تغلب وشاعرها، وهو أحد شعراء المعلقات، ومطلع معلقته: # آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء # وكان سبب إنشاده هذه القصيدة أن عمرو بن هند ملك الحيرة - وكان جبارا ~~عظيم السلطان - جمع بين بكر وتغلب وأصلح بينهم، وأخذ من الحيين رهنا من كل ~~حي مائة غلام. فكف بعضهم عن بعض، وكان أولئك الرهن يكونون معه في سيره ~~يغزون معه، فأصابتهم سموم ms163 في بعض مسيرهم فهلك عامة التغلبيين وسلم ~~البكريون، فقالت تغلب لبكر بن وائل: أعطونا دية غلماننا، فأبت بكر ذلك ~~فاجتمعت تغلب إلى عمرو بن كلثوم واجتمعت بكر إلى النعمان بن هرم اليشكري، ~~واجتمع الجمع عند الملك عمرو بن هند، وتلاحى عمرو بن كلثوم والنعمان بن هرم ~~أمام الملك فغضب عمرو بن هند، وكان يؤثر بني تغلب على بكر، واشتد غضبه على ~~بكر والنعمان صاحبهم فقام الحارث بن حلزة وارتجل قصيدته ارتجالا وهو متوكئ ~~على قوسه، وكان الملك يسمع قصيدة الحارث من وراء حجاب لأنه كان لا يحب رؤية ~~أحد فيه سوء، وكان الحرث به وضح فلما أنشد القصيدة أدناه حتى خلص إليه.. ~~ويقال إن الحارث عندئذ كان طاعنا في السن وكان فوق المائة، وترى أثر السن ~~ونضوجها وحكمتها وحلمها ووقارها في القصيدة واضحا جليا حيث رد على تغلب في ~~أناة وهدوء وحملها تبعة الحرب واستدرج عمرو بن هند إلى أن يكون في جانب ~~قومه فمدحه ومدح قومه، وبها قضى عمرو لبكر على تغلب، وأطلق رهنهم وكانوا ~~عدة فتيان من أشراف بكر. وقد بدأها بالغزل ووصف الناقة، ثم وصل إلى غرضه من ~~الخصومة بين بكر وتغلب: # PageV01P090 # وأتانا عن الأراقم أنبا ... ء، وخطب نعنى به ونساء # ويرد على عمرو بن كلثوم بقوله: # أيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو، وهل لذاك بقاء؟ # ثم يأخذ في مدح عمرو بن هند: # فملكنا بذلك الناس حتى ... ملك المنذر بن ماء السماء # ملك أضلع البرية لا يو ... جد فيها لما لديه كفاء؟ # وفي المعلقة بعد ذلك أبيات لها قيمة كبيرة في شرح أحداث تاريخية وسياسية، ~~من صلح كان بين تغلب: # واذكروا حلف ذي المجاز وما قد ... م فيه العهود والكنفلاء # وأيام كانت بين تغلب أخرى غلبت فيها تغلب: أعلينا جناح كندة: أن يغنم ~~غازيهم، ومنا الجزاء؟ وعداء قديم كان بين المنذر ملك الحيرة والتغلبيين لما ~~امتنوا به من نصرته وعلى العكس من ذلك ولاء البكريين لملوك الحيرة. وينتقل ~~من ذلك إلى مدح عمرو بن هند وآبائه: # أيها ms164 الناطق المبلغ عنا ... عند عمرو، وهل لذاك انتهاء؟ # ملك مقسط وأفضل من يم ... شي، ومن دون ما لديه الثناء؟ # وطبعت المعلقة في أوربا لأول مرة عام 1827 م. # وعلى الجملة، فقد كان عمرو بن كلثوم في قوله أعز نفسا وأعلى قدرا، وضع ~~نفسه وقومه موضع الند لعمرو بن هند وقومه.. وكان الحارث أحكم وأعقل. # وضع الحارث أمام نفسه غرضا تحايل على الوصول إليه، في دهاء وإيماء وملق، ~~حتى وصل إليه فحكم له ولقومه. ### | شعره # يمتاز الحارث بالبديهة والارتجال وقوة الشاعرية، وبتعدد فنون الشعر في ~~معلقته وكثرة غريبها وإحكام نظمها على طولها، واشتمالها على كثير من أيام ~~العرب ووقائعها، حتى قال أبو عمرو الشيباني: "لو قالها في حول لم يلم". # ومن شعره في غير المعلقة: # من حاكم بيني وبين ... الدهر مال على عمدا # أودى بسادتنا وقد ... تركوا لنا حلقا وجردا # خيلي وفارسها ورب ... أبيك كان أعز فقدا # فلو أن ما يأوي إلى ... أصاب من ثهلان هدا # فضعي قناعك إن ريب ... الدهر قد أفنى معدا # فلكم رأيت معاشرا ... قد جمعوا مالا وولدا # فعش بجد ولا يضر ... ك النوك ما لاقيت جدا # والعيش خير في ظلا ... ل النوك ممن عاش كدا ### | معلقة الحارث بن حلزة ### | 1 - # الحارث بن حلزة اليشكري من بكر، كان سيدا في قومه، وشاعرا مجيدا، ارتجل ~~معلقته ارتجالا في مجلس عمرو بن هند، يستدني بها عطفه، ويستجلب رضاءه ويذود ~~بها عن قومه، وكان هوى عمرو بن هند مع تغلب، فتحول إلى العطف على البكريين ~~بسبب هذه القصيدة الرائعة. وليس للحارث إلا آثار قليلة من الشعر مع معلقته ~~هذه. ### | 2 - # وتمتاز هذه المعلقة بإحكام نسجها وتنوع أغراضها، وبأنها أثر من آثار ~~البديهة والارتجال. # أ = بدأها بالغزل في محبوبته أسماء: # آذنتنا بينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء # بعد عهد لنا ببرقة شما ... ء فأدنى ديارها الخلصاء # لا أرى من عهدت فيها فأب ... كي اليوم دلها وما يحير البكاء # ب - ثم انتقل إلى وصف ناقته، وكما يقول: # أتلهى بها الهواجر إذ كل ms165 ... ابن هم بلية عمياء # ج - ثم يعاتب إخوانه من بني تغلب لصلفهم على قومه: # إن إخواننا الأراقم يغلو ... ن علينا في قيلهم إحفاء # يخلطون البريء منا بذي الذن ... ب ولا ينفع الخلي الخلاء # أجمعوا أمرهم عشاء، فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء # من مناد، ومن مجيب، ومن تص ... هال خيل خلال ذاك رغاء # أيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو وهل لذاك بقاء؟ # فبقينا على غراتك إنما ... قبل ما قد وشى بنا الأعداء # فبقينا على الشناءة تنمي ... نا حصون وعزة قعساء # ثم يمدح الملك عمرو بن هند حينا، ويستمر في عتاب إخوانه من تغلب حينا ~~آخر: # ملك مقسط، وأفضل من يم ... شي ومن دون ما لديه الثناء # أيما خطة أردتم فأدو ... ها الينا تمشي بها الأملاء # ويسير على هذا النهج من المدح والعتاب. # د - ثم يفتخر بقومه ومجدهم وأيامهم في صدق وجمال وقوة عاطفة: # هل علمتم أيام ينتهب النا ... س غوارا لكل حي عواء # PageV01P091 # إلى آخر هذه القصيدة الرائعة، التي يصح لنا أن نعدها ملحمة شعرية مصغرة، ~~تنطق بمجد بكر ومفاخرها في الحرب والسلم في الجاهلية. # مختارات من المعلقة: # وأتانا من الحوادث والأن ... باء خطب نعنى به ونساء # أن إخواننا الأراقم يغلو ... ن علينا في قيلهم إحفاء # يخلطون البريء منا بذي الذن ... ب، ولا ينفع الخلي الخلاء # زعموا أن كل من ضرب العي ... ر موال لنا، وأنا الولاء # أجمعوا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء # من مناد، ومن مجيب، ومن تص ... هال خيل، خلال ذاك رغاء # أيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو، وهل لذاك بقاء # لا تخلنا على غراتك، إنا ... قبل ما قد وشى بنا الأعداء # فبقينا على الشناءة تنمي ... نا حصون، وعزة قعساء # قبل ما اليوم بيضت بعيون ... الناس فيها تعيط وإباء # وكأن المنون تردى بنا أر ... عن جونا ينجاب عنه العماء # مكفهرا على الحوادث لا تر ... توه للدهر مؤيد صماء # أيما خطة أردتم فأدو ... ها إلينا تمشي بها الأملاء # إن نبشتم ما بين ملحة فالصا ... قب فيه الأموات والأحياء ms166 # أو نقشتم، فالنقش يحشمه النا ... س، وفيه الصلاح والإبراء # أو سكتم عنا، فكنا كمن أغ ... مض عينا في جفنها أقذاء ### | أمية بن أبي الصلت 550 - 624 م # - 1 - ### | حياة الشاعر ### | نسبه وأسرته # هو أمية بن عبد الله أبي الصلت بن أبي ربيعة بن عوف بن أمية الثقفي شاعر ~~ثقيف، وأحد المتلمسين للدين في الجاهلية، ومن أشراف قبيلته ورؤسائها. # أبوه أبو الصلت من سادات ثقيف، وأمه رقية بنت عبد شمس بن مناف. وكان ~~والده شاعرا، وله قصائد يمدح فيها سيف بن ذي يزن 579 م ويشيد بالفرس الذين ~~ساعدوه على تحرير اليمن من نير الحبشة واحتلالها، ومنها هذه القصيدة التي ~~نظمت عام 573 م، والرسول ابن عامين. # لا يطلب الوتر إلا كابن ذي يزن ... في البحر لجج للاعذام أحوالا # ويروى: خير أي أقام. # ومنها في الفرس: # لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن ترى لهم في الناس أمثالا # بيضا مرازبه غرا جحاجحه ... أسدا تربب في الغيضات أشبالا # لا يرمضون إذا حرت مغافرهم ... ولا ترى منهم في الطعن ميالا # من مثل كسرى وسابور الجنود له ... أو مثل وهرز يوم الحبش إذ صالا # فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا # تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا # وتنسب القصيدة لأمية نفسه لا لأبيه في بعض المصادر. ### | بيئته ومولده # ولد أمية في أواسط القرن السادس الميلادي، ونشأ بالطائف، وهي مصيف أهل ~~مكة ومتنزههم، وروضة خصبة وسط الصحراء القاحلة، وأطيب البلاد العربية هواء ~~وأجملها مناخا وأكثرها بساتين وكروما وزرعا وفاكهة وعيونا وهي في الجنوب ~~الشرقي لمكة وبينهما خمسة وسبعون ميلا. ويقول الشاعر: # تشتو بمكة نعمة ... ومصيفها بالطائف # وكانت الفترة التي عاش فيها أمية فترة عجيبة في تاريخ العرب، فالاحتلال ~~الحبشي لليمن قد انتهى وصحبه امتداد نفوذ الفرس على هذه البلاد واختلاط ~~العقليات العربية والفارسية وتجاورها وتبادل التفكير والثقافات الطارئة وقد ~~وعى العرب لهذه الألوان الطريفة من القصص والأساطير والأخبار والعقائد ~~والمحاورات التي هي جزء من ثقافة الفارسي ms167 الأصيلة أو المستمدة من ثقافات ~~الهند وعلومها. # أما بيئة الطائف الأدبية فإنها على أي حال لم تصل نهضة الشعر فيها إلى ما ~~وصلت إليه في نجد، كان فيها شعراء وليس شعرهم بالكثير، والسبب في ذلك كما ~~يرى ابن سلام هو قلة الحروب والخصومات بين أهل الطائف، وأنه إنما يكثر ~~الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء، وهذا هو السبب أيضا في قلة شعر قريش ~~وأهل عمان، ولم ينبع في الطائف سوى أبي الصلت، وابنه أمية وهو أشعرهم، ~~وغيلان بن سلمة وكنانة بن عبد يا ليل. ### | نشأته وحياته # نشأ أمية في هذه البيئة، وشب شاعرا يرث من أبيه مواهب الشعر وملكاته، ~~وأخذ يمارس التجارة وظل يمارسها طول عمره، فتارة إلى الشام وتارة إلى ~~اليمن. # PageV01P092 # واتصل بالفرس في اليمن وسمع محاوراتهم وقصصهم، كما اتصل بالكهان والأحبار ~~والقسس في الشام وسمع عظاتهم، وشاهد مظاهر القلق الروحي البادية في تفكير ~~بعض العرب المتعبدين أمثال: زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل، ويبدو أنه ~~كان عالما بغير العربية على ما يظهر فاطلع على كتب القدماء وخصوصا التوراة ~~والإنجيل. # وهكذا نشأ أمية مفطورا على التدين، موهوبا ملكات الشاعرية القوية ~~الجياشة. # وسافر إلى الشام في رحلات تجارية كما سافر إلى اليمن فلقي في رحلته بعض ~~المتدينين هناك وسمع أخبارهم وعظاتهم، فرغب عن عبادة الأوثان وزهد في ~~الدنيا، واستزاد النظر في الأديان وطلبها من أهل الكتاب، وروى الكثير من ~~أخبار اليهود والنصارى وأقاصيص الشيوخ في الجاهلية من الذين يعبدون الله ~~على دين إبراهيم وإسماعيل، وخاض في التوحيد وأمر الآخرة وتعبد ولبس المسوح ~~وحرم الخمر والزنا والقمار على نفسه، ورأى في الكتب الدينية ما يبشر ببعثة ~~نبي من العرب فطمع في أن يكون هو النبي المنتظر، وأخذ يدعو الناس إلى ~~الحيفية دين إبراهيم وإسماعيل ويظهر التأله طمعا في نزول الوحي عليه، ومع ~~ميله إلى الحنيفية ملة إبراهيم السمحاء فقد كان لا يقلع عن التردد على ~~الأديار، يجافس الرهبان ويختلف إلى الكنائس، يحاور القسس ويخبر الناس أن ~~نبيا يخرج قد ms168 أطل زمانه. # ولما بعث محمد رسول الله صلوات الله عليه وقام بالدعوة، أدرك أمية الحسد ~~وكفر به، وقال: "إنما كنت أرجو أن أكونه"، فنزل قوله تعالى: "واتل عليهم ~~نبأ الذي أتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين"، ثم ~~أخذ يحرض على الرسول ويرثي قتل أعدائه في موقعة بدر، فنهى عن رواية شعره في ~~ذلك، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا سمع شعره في التوحيد يقول "آمن ~~لسانه وكفر قلبه"، ويقول "كاد ليسلم" كما روى الإمام مسلم في صحيحه: ولم ~~يطق أمية - بعد أن شاهد ذيوع الدعوة وانتشار الإسلام - أن يقيم على مقربة ~~منه، فذهب بابنيه إلى أقصى اليمن ولكنه عاد إلى الطائف ثانيا بعد هجرة رسول ~~الله إلى المدينة. وبقي بها إلى أن توفي في السنة التاسعة من الهجرة عام ~~624م، ويروون أنه لما مرض مرضته التي مات فيها جعل يقول "قد دنا أجلي وهذه ~~المرضة منيتي وأنا أعلم أن الحيفية حق ولكن الشك يداخلني"، وأنه لما دنت ~~وفاته أغمي عليه قليلا ثم أفاق وهو يقول: # لبيكما لبيكما ... هأنذا لديكما # لا مال يفيدني ... ولا عشيرة تنجيني. # وأغمي عليه ثم أفاق وهو يقول ذلك البيت ويصله بقوله: "لا برئ فاعتذر ولا ~~قوي فانتصر" وأغمي عليه ثالثة ثم أفاق وهو ينشد البيت المذكور ويصله ببيت ~~آخر بعده هو: # إن تغفر اللهم تعفر جما ... وأي عبد لك لا ألما # وأقبل على القوم فقال: قد جاءني وقتي فكووا في أهبتي. واستمر يحدثهم حتى ~~كان آخر قوله هذه الأبيات: # كل عيش وإن تطاول دهرا ... منتهى أمره إلى أن يزولا # ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا # فاجعل الموت نصب عينيك واحذر ... غولة الدهر، إن للدهر غولا # وقد تكون هذه القصة من أساطير الرواة. # وبذلك انتهت حياة أمية، ومات ولم يؤمن بدين الإسلام والتوحيد، بعد أن كان ~~داعية الطهر والتوحيد، وتوفي عام 9 ه وفي كتاب شعراء النصرانية أن وفاته ~~كانت في السنة الثانية من الهجرة. ### | ألوان من ms169 حياته ### | 1 - # كان لأمية ابن عاق فأنشد فيه قصيدته: # غذوتك مولودا وعلتك يافعا ... تعل بما أحنى عليك وتنهل # إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت ... لشكواك إلا ساهرا أتململ # كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيناي تهمل # تخاف الردى نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت وقت مؤجل # فلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل # جعلت جزائي منك هجرا وغلظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل # وسميتني باسم المفند رأيه ... وفي رأيك التفنيد لو كنت تعقل # فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل # وهي نمط جميل من الشعر العالي، وتصوير لما لقي أمية من ابن من أبنائه من ~~جفاء وعقوق. # PageV01P093 ### | 2 - # واتصل أمية أكثر ما اتصل بعبد الله بن جدعان التيمي وهو سيد من سادات ~~قريش، وكان جوادا مضيافا، وكان أمية كثير المدح له، وكان ابن جدعان يعطيه ~~عطاء جزلا، كما كان يفعل هرم بن زهير. # ومن شعره فيه: # أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء # وعلمك بالحقوق وأنت فرع ... لك الحسب المهذب والسناء # كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء # تبارى الريح مكرمة ومجدا ... إذا ما الكلب أحجره الشتاء # إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء # فأرضك كل مكرمة بناها ... بنو تيم وأنت لها سماء # فهل تخفى السماء على بصير ... وهل بالشمس طالعة خفاء؟ # ويقول فيه أيضا: # عطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... يبذل وما كل العطاء يزين # وليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين # ويقول فيه أيضا حين صنع ابن جدعان الفالوذ ووضع موائده بالأبطح إلى باب ~~المسجد، ونادى الناس فحضروا وكان هذا أول أكلهم له وحضر أمية فقال: # ومالي لا أحييه وعندي ... مواهب يطلعن من النجاد # له داع بمكة مشمعل ... وآخر فوق دارته ينادي # إلى ردح من الشيزى ملاء ... لباب البر يلبك بالشهاد # إلى آخر هذه الأبيات الطرفة التي تنسب أيضا إلى أبي الصلت. # هذا وابن جدعان هو عبد الله بن جدعان التيمي. ms170 وقد كان من مشاهير الأجواد، ~~وممن سارت بجوده الأمثال في الأقطار والبلاد. وكان يسمى بحاسي الذهب لأنه ~~كان يشرب في إناء من الذهب. وقالوا في المثل أقرى من حاسي الذهب. وكان من ~~قريش، وفيه قال أبو الصلت الثقفي أو ابنه أمية: # له داع بمكة مشمعل وآخر فوق دارته ينادي # إلى ردح من الشيزري ملاء لباب البر يلبك بالشهاد # وكان في ابتداء أمره على ما يروى صعلوكا ترب اليدين، وكان مع ذلك شريرا ~~فاتكأ لا يزال يجني الجنايات فيعقل عنه أبوه وقومه حتى أبغضه عشيرته ونفاه ~~أبوه وحلف لا يؤويه أبدا، فخرج في شعار مكة حائرا ثائرا يتمنى الموت أن ~~ينزل به فرأى شقا في جبل فظن أن فيه حية فتعرض للشق يريد أن يكون فيه ما ~~بقتله فيستريح فلم ير شيئا فدخل فيه، فإذا فيه ثعبان عظيم له عينان تقدحان ~~كالسراجين، وإذا هو مصنوع من ذهب وعيناه ياقوتتان، فكسره وأخذ عينيه ودخل ~~البيت، فإذا جثث طوال على سرر لم ير مثلهم طولا وعظما، وعند رؤوسهم لوح من ~~فضة تاريخهم وإذا هم رجال من ملوك جرهم وآخرهم موتا الحرث بن مضاض، وإذا ~~عليهم ثياب من وشى لا يمس منها شيء إلا انتثر كالهباء من طول الزمان مكتوب ~~في اللوح عظات. وإذا في وسط البيت كوم عظيم من الياقوت واللؤلؤ والذهب ~~والفضة والزبرجد فأخذ منه ما أخذتم علم على الشق بعلامة، وأغلق بابه ~~بالحجارة وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج منه يسترضيه ويستعطفه ووصل عشيرته ~~كلهم فسادهم وجعل ينفق من ذلك الكنز، ويطعم الناس ويفعل المعروف وفي ~~القاموس، وربما كان يحضر النبي صلى الله عليه وسلم طعامه. وكانت له جفنة ~~يأكل منها القائم والراكب لعظمها، بل كانت جفنته يأكل منها الراكب على ~~البعير، وسقط فيها صبي فغرق ومات. وعبد الله بن جدعان تيمي يكنى أبا زهير، ~~وهو ابن عم عائشة رضي الله تعالى عنها. ولذلك قالت يا رسول الله إن ابن ~~جدعان كان يطعم الطعام ويقري الضيف ويفعل المعروف، فهل ينفعه ذلك ms171 يوم ~~القيامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي ~~يوم الدين. وكان ابن جدعان ممن حرم الخمر في الجاهلية بعد أن كان بها مغرى ~~وذلك أنه سكر ليلة فصار يمد يديه ويقبض على ضوء القمر ليأخذه، فضحك منه ~~جلساؤه فأخبر بذلك حين صحا فحلف أن لا يشربها أبدا. فلما كبر وهرم أراد بنو ~~تميم أن يمنعوه من تبذير ماله ولاموه في العطاء فكان يدعو الرجل فإذا دنى ~~منه لطمه لطمة خفيفة ثم يقول له: قم فأنشد لطمتك واطلب ديتك فإذا فعل ذلك ~~أعطته بنو تميم من مال ابن جدعان. # - 2 - ### | شعر أمية ### | أهم الدراسات عن أمية وشعره ### | 1 - # كتب عن أمية ابن سلام في طبقات الشعر وابن قتيبة الشعر والشعراء وذكره ~~الأغاني والمرزباني والدميري وصاحب خزانة الأدب، وابن رشيق في العمدة. # PageV01P094 # وترجم له صاحب شعراء النصرانية وجورجي زيدان، وصاحب كتاب الأدب العربي ~~وتاريخه في العصر الجاهلي، وترجم له السباعي بيومي، والزيات، وأصحاب ~~الوسيط. # وعده صاحب الجمهرة من أصحاب المجمهرات - وهي سبع قصائد تلي المعلقات في ~~المنزلة الأدبية - وروى مجمهرته: # عرفت الدار قد أقوت سنينا ... لزينب إذ تحل بها قطينا # وألف أحد أساتذة كلية اللغة العربية رسالة فيه وفي حياته وشعره وهي ~~مخطوطة بمكتبة الكلية. # وطبع ديوانه المستشرق الألماني "فريدرك شولتهيس" عام 1911 معتمدا على عدة ~~مصادر، منها شرح محمد ابن حبيب العالم الرواية م 245 ه. # وطبع لأمية ديوان في بيروت عام 1943، إلى غير ذلك من شتى الدراسات عن ~~أمية. ويلاحظ أن بعض الباحثين يعدون أمية جاهليا لأنه قد توفي بعد ظهور ~~الإسلام بقليل ولأن أكثر آثاره الشعرية نظم قبل الإسلام، ولبيد جاهلي مع ~~أنه توفي عام 41 ه لأنه لم ينظم في الإسلام شيئا. # وبعضهم يجعله من المخضرمين، لأنه توفي بعد الهجرة ورثى من قتل في بدر من ~~المشركين. # - 3 - ### | مكانته في الشعر وآراء النقاد فيه ### | 1 - # قال أبو عبيدة: اتفقت العرب على أن أشعر أهل المدن أهل يثرب، ثم عبد ~~القيس ms172 (سكان البحرين) ، ثم ثقيف والطائف وان أشعر ثقيف أمية. # وذكره ابن سلام في شعراء الطائف حين تكلم على شعراء القرى، وقال: وأمية ~~أشعر أهل الطائف. # وكان الكميت يقول: أمية أشعر الناس، قال كما قلنا ولم نقل كما قال. # وقال الأصمعي كما في الأغاني: ذهب أمية بعامة ذكر الآخرة، وذهب عنترة ~~بعامة ذكر الحروب وذهب عمر بعامة ذكر الشباب، وكان أبو عبيدة والأصمعي ~~يقولان، عدي في الشعراء بمنزلة سهيل في النجوم يعارضها ولا يجري معها وكذلك ~~أمية. # وجعله صاحب كتاب شعراء النصرانية من شعراء الطبقة الثانية وذكر ما نصه. ~~وقيل انه من الطبقة الأولى، وهذا مبالغة شديدة منه. # - 4 - ### | أسباب شاعريته # هناك أسباب كثيرة كونت شاعرية أمية وأثرت فيها.. منها: 1 - عصره وبيئته: ~~فقد كان العصر الجاهلي وكانت البيئة العربية عامة والطائف خاصة من بيئات ~~الشعر والأدب والبلاغة والبيان، وجو الطائف وجمالها وكثرة خيراتها ومزارعها ~~واستقرار الحياة فيها، كل ذلك كان له أثره في شاعرية الشاعر ولا ريب. ### | 2 - # وراثته الشعر عن أسرته: فقد كان أمية من أسرة شاعرة، واشتهر أبوه بالشعر، ~~وامتدت تلك المواهب الفنية فتوارثها أبناء أمية، وكان ابنه القاسم شاعرا ~~وينسب إليه وإلى أبيه. # قوم إذا نزل الغريب بدارهم ... ردوه رب صواهل وقيان # وإذا دعوتهم لكل ملمة ... سدوا شعاع الشمس بالفرسان # إلى آخر هذه الأبيات. ### | 3 - # ثقافته ورحلاته: فقد ألم أمية بثقافات واسعة واختلط بالحياة والناس ~~والعناصر في رحلاته التجارية إلى اليمن والشام، مما كان له أثره في شعره ~~وشاعريته. ### | 4 - # فطرته على حب التدين: فقد دفعه ذلك إلى مخالطة رجال الأديان والتحدث ~~إليهم والتأثر بعظاتهم، مما جعل قلبه رقيق العاطفة والشعور، وهما أساس ~~الأدب والشعر، ومما جعله يلون شعره بهذا الروح الديني القوي الغلاب. ### | 5 - # اختلاطه بالحياة الأدبية وبالشعراء في الطائف ومكة وسائر بلاد الجزيرة ~~العربية شابا ورجلا وكهلا، مما جعل الشعر أقرب إلى قلبه وروحه من أي شيء ~~سواه. # إلى غير ذلك من بواعث الشعر وأسبابه في نفس أمية. # إن شعر أمية جدير بأوفر عناية وأدق ms173 درس لأنه وقد ذكر ما ذكر من أنباء ~~الرسل وأمور الآخرة لا يعدو واحدة من اثنتين إما أن يكون قد قيل قبل نزول ~~القرآن أو بعد بدء نزوله وفي أثنائه، فإن كانت الأولى فهو وثيقة فريدة في ~~الدلالة على ما عرف بعض العرب لذلك العهد من تلك الشؤون، وإن كانت الثانية ~~فقد أراد به صاحبه لا محالة معارضة القرآن فانقطع وتخلف ولم يستطع الكفار ~~أن يشغبوا به. # وهذه أبيات من شعره تدل على طريقته، والأرجح أن نسبتها إليه صحيحة فإنها ~~من قصيدة استشهد سيبويه ببيت منها وعنى بروايتها شراح كتابه، وقل أن يجوز ~~عليهم غير صحيح. # قال أمية يذكر إرسال موسى وهارون إلى فرعون وفي الأبيات روح التأثر ~~بالقرآن: # وأنت الذي فضل من سيب ونعمة ... بعثت إلى موسى رسولا مناديا # فقال أعني بابن أمي فانتي ... كثير به، يارب صل لي جناحيا # PageV01P095 # وقلت لهارون اذهبا فتظاهرا ... على المرء فرعون الذي كان طاغيا # وقولا له هل أنت سويت هذه ... بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا # وقولا له هل أنت رفعت هذه ... بلا عمد أرفق إذن بك بانيا # وقولا له هل أنت سويت وسطها ... منيرا إذا ما جنه الليل ساريا # وقولا من أخرج الشمس بكرة ... فأصبح ما مست من الأرض ضاحيا # وقولا له من أنبت الحب في الثرى ... فأصبح منه البقل يهتز رابيا # فأصبح منه حبه في رؤوسه ... ففي ذاك آيات لمن كان واعيا # - 5 - ### | خصائص شعره ### | أولا، من حيث الأسلوب والألفاظ # يعد أمية من أكبر شعراء القرى العربية على قلة الشعر فيهم، غير أن الذي ~~أزرى بشعره في نظر بعض النقاد حتى أسقطوا الاحتجاج به كثرة استعماله ~~للتدخيل من العبرية والسريانية في شعره، كما أنكروا عليه حق التعريب لشدة ~~مخالطته للأعاجم وإن كان عربيا صريحا، كما أنكروه على عدي لإدخاله الكثير ~~من ألفاظ الفرس في شعره. قال ابن قتيبة: "واني بألفاظ كثيرة لا تعرفها ~~العرب وكان يأخذها من الكتب، منها قوله: وخان أمانة الديك الغراب. ومنها ~~قوله: قمر وساهور يسيل ويغمد". وزعم ms174 أهل الكتاب أن الساهور غلاف القمر يدخل ~~فيه إذا انكسف. وعلماؤنا لا يرون شعره حجة.. وكان أمية يسمي الله في بعض ~~أشعاره "السلطيط" وفي بعضها "التغرور"، وربما اقتبسهما من الحبشية أو ~~صاغهما على صيغ تلك اللغة، فالأحباش يسمون الله في اللغة الأمحرية ~~"أغزابهم" فلعلها كانت قبلا أقرب إلى "التغرور". # ومهما كان فإن في أساليب أمية بل وفي معانيه أشياء لم تكن العرب تعرفها، ~~ولاشك أنه قرأها في بعض الكتب فأدخلها في شعره، وكان أمية يسمي السماء ~~صاقورة وحاقورة. وكان قلق اللفظ سخيف النسج نابي القافية. كل هذا إنما كان ~~في شعر أمية الديني. أما شعره الغير الديني فأرى عليه طلاقة الأسلوب وسهولة ~~اللفظ وعذوبة العبارة وحلاوتها ورقتها وطلاوة البيان. كما في مدائحه لابن ~~جدعان وقصيدته في ابنه وسواهما. ### | ثانيا، من حيث المعاني والأخيلة # انصرفت قريحة أمية إلى المعاني الدينية فاشتهر بها أمره، واصطبغ بها ~~شعره، فوصف الله عز وجل وذكر الحشر والحساب والجنة والنار والملائكة كما ~~ذكر خلق الأرض والسموات. قال ابن سلام: "وكان أمية كثير العجائب في شعره، ~~يذكر فيه خلق السموات والأرض، ويذكر الملائكة، ويذكر من ذلك ما لم يذكره ~~أحد من الشعراء. # ونظم حوادث التوراة كخراب سدوهم وقصة إسحاق وإبراهيم، وأدخل في الشعر ~~معاني لم يألفها الشعراء، ولم يعرفها العرب، فكان مذهب أمية في شعره غير ~~معهود في عصره، وكان سببا في أن ينحله العلماء ما جاء على شاكلة تلك ~~المعاني من الشعر ولم يعرفوا قائله، مما كان له أثره في عدم عناية الأدباء ~~والرواة والنقاد بشعره، وإهمالهم له. ويقول الحجاج: "ذهب قوم يعرفون شعر ~~أمية وكذلك اندراس الكلام". # وذكر كثيرا من العجائب والقصص الخيالية والأساطير الخرافية وخلق العالم ~~وفنائه وأحوال الآخرة وصفات الخالق والخشوع له. مما يتخلله شيء من الحكم ~~والأمثال. # ولا شك أن شعر أمية الذي لم يصطبغ بصبغته الدينية يخلو من هذه السمات ~~ويسير الشاعر فيه على نهج الشعراء الجاهليين، من صدق المعنى وبساطته ~~وسذاجته، مع تلون الثقافة فيه إلى حد ما، لثقافة أمية ms175 الواسعة. ومع البعد ~~عن الخيال الكاذب والمبالغة المفرطة فيه. # ويأخذ في شعره الكوني والديني من أساليب ومعاني وروح القرآن الكريم كما ~~في قوله من قصيدة: # عند ذي العرش يعرضون عليه ... يعلم الجهل والكلام الخفيا # يوم نأتيه وهو رب رحيم ... إنه كان وعده مأتيا # يوم نأتيه مثل ما قال فردا ... لم يذر فيه راشدا وغويا # أسعيد سعادة أنا أرجو ... أم مهان بما كسبت شقيا # رب كلا حتمته وارد النا ... ر كتابا حتمته مقضيا # إذ لا يتأتى أن يحمل ذلك على المصادفة والاتفاق، ولا على أنه أخذه مما ~~قرأ من الكتب. # ولا شك أن ثقافة أمية الواسعة جعلته يستمد معانيه وأفكاره وأخيلته من ~~كثير من الثقافات والمصادر. ### | ثالثا، من حيث أغراض الشعر وفنونه # ويمكننا أن نقسم شعر أمية إلى قسمين: ### | (أ) شعره في غير الدين # PageV01P096 # وقد نحا أمية فيه منحى الشعراء في الأغراض والمعاني والأسلوب: 1 - فنظمه ~~في المديح، كما في مدائحه السابقة لابن جدعان التي يظهر عليها روح الشاعرية ~~ومواهبها العالية القوية الأخاذة المندفقة. ### | 2 - # ونظمه في الرثاء، ومن ذلك قصائد له كثيرة، منها قوله يرثي زمعة بن الأسود ~~وأخاه عقيلا من بني أسد: # عين بكى بالمسبلات أبا الحا ... رث لا تذخري على زمعة # وعقيل بن أسود أسد البأ ... س ليوم الهياج والدقعة # فعلى مثل هلكهم حوت الجو ... زاء لا خانة ولا خدعة # وهم الأسرة الوسيطة من كع ... ب وفيهم كذروة القمعة # أنبتوا من معار سعر الرأ ... س وهم ألحقوهم المنعة # فبنو عمهم إذا حضر البأ ... س عليهم أكبادهم وجعة # وهم المطعمون إذا أقحط القط ... ر، وحالت فلا ترى قزعة # وقال يرثي قتلى بدر وفيهم عتبة وشيبة ابنا خاله: # ألا بكيت على الكرا ... م بني الكرام أولى الممادح # كبكا الحمام على فرو ... ع الأيك في الغصن الجوانح # يبكين حرى مستكي ... نات يرحن مع الروائح # مثالهن الباكيا ... ت المعولات من النوائح # من يبكهم يبكي على ... حزن ويصدق كل مادح # أولا ترون لما أرى ... ولقد أبان لكل لامح # أن قد تغير بطن مك ms176 ... ة فهي موحشة الأباطح # من كل بطريق لبط ... ريق نفى اللون واضح # ومن السراطمة الخلا ... جمة الملاوثة المناجح # القائلين الفاعل ... ين الآمرين بكل صالح # المطعمين الشحم فو ... ق الخبز شحما كالأنافح # لكرامهم فوق الكرا ... م مزية وزن الرواجح # كتثاقل الأرطال بال ... قسطاس في الأيدي النوافح # خذلتهم فئة وهم ... يحمون عورات الفضائح # ولقد عناني صوتهم ... من بين مستسق وصائح # لله در بني علي ... أيم منهم وناكح # إن لم تغيروا غارة ... شعواء تجحر كل نابح # بالمقربات المبعدا ... ت الطامحات مع الطوامح ### | 2 - # الفخر: كانت مادة الفخر أمام أمية كثيرة لمجد بيت أبيه من ثقيف وبيت أمه ~~من عبد شمس، وكان قوله فيه فائقا بالغا وإن كان مقلا، ولعل إقلاله في هذا ~~الباب ناشئ كما يقول السباعي بيومي من ميله إلى الناحية الدينية التي تزهد ~~الإنسان في مفاخر هذه الحياة، ولذا يغلب أن تكون مجمهرته في الفخر قد قيلت ~~قبل أن يتوغل في الورع والتدين، وهي حافلة بماله ولقومه من مكانة وعلاء. ~~وقد جاءت متفقة مع معلقة ابن كلثوم وزنا ورويا ومتحدة معها في كثير من ~~المعاني والأساليب لما فيه طبع أمية من ميل إلى السهل النازع إليه عمرو دون ~~غيره من رجال المعلقات، ومنها: # فإما تسألي عني لبيني ... وعن نسبي أخبرك اليقينا # ثقي أني النبيه أبا وأما ... وأجداد سموا في الأقدمينا # ورثنا المجد عن كبرى نزار ... فأورثنا مآثرنا البنينا # وأرصدنا لريب الدهر جردا ... تكون متونها حصنا حصينا # وسيأتي تحليل لها. ### | 4 - # ونظم الشعر في الوصف المعنوي لا الحسي، كما في قصيدته في عقوق ابنه، وهو ~~بذلك يخالف جميع شعراء الجاهلية الذين عنوا بمظاهر الصحراء الحسية ووصفها، ~~أما الوصف الحسي فليس له وجود في شعر أمية الذي نظمه في غير الكونيات وشؤون ~~الدين ولكنه كثير جدا في شعره الديني وإن كان هذا الوصف الحسي لا يتناول ~~الصحراء ومشاهدها وإنما يتناول الكون والسماء والأرض ووصف الحياة نفسها. ### | (ب) شعره الديني # وهو كثير ويغلب على شعر أمية وقد نظمه في أغراض كثيرة منها: 1 - القصص ms177 ~~كما في وصفه لسفينة نوح وأسطورة تطويق الحمامة التي دلت أصحاب السفينة على ~~الأرض اليابسة فأعطوها هذا الطوق وكما في قصيدته في ذكر إبراهيم ونذره ولده ~~لله وما كان من حديث الذبح وكما في ذكره لقصة مريم وذكره لخراب سدوم وهي ~~مدينة لوط وما وقع له مع قومه. وكما في قصيدته في غارة الأحباش على الكعبة ~~وإشارته إلى قصة الفيل، وكما في كلامه عن قنزعة الهدهد وخرافة الديك ~~والغراب وصداقتهما القديمة وقصة ثمود ورسالة موسى وهرون، إلى غير ذلك من ~~قصصه وأساطيره. # PageV01P097 ### | 2 - # شعره في الكونيات وهو كثير كوصفه للكون وخلقه، وللجنة والنار والملائكة، ~~وسوى ذلك من نواحي هذا الفن. ### | 3 - # شعره في توحيد الله وهو كثير جدا في شعره. # ويظهر في شعر أمية الديني الضعف الفني، لصعوبة الكلام في أمور الدين ~~ولأنه كان يعارض القرآن في بعض معانيه فعجز وضعف وخذي. # - 6 - ### | نماذج من شعر أمية ### | 1 - # قال في سفينة نوح وخرافة تطويق الحمامة إذ دلت من فيها على اليابسة: # وأرسلت الحمامة بعد سبع ... نزل على المهالك لا تهاب # فجاءت بعدما ركضت بقطف ... عليه الثأط والطين الكثاب # فلما فتشوا الآيات صاغوا ... لها طوقا كما عقد السخاب # إذا ماتت تورثه بنيها ... وإن تقتل فليس له استلاب # جزى الله الأجل المرء نوحا ... جزاء البر ليس له كذاب # بما حملت سفينته وأنجت ... غداة أتاهم الموت الغلاب # وفيها من أرومته عيال ... لديه لا الظماء ولا السغاب ### | 2 - # وقال في نذر إبراهيم ولده وإرسال الله بالفداء حين هم بالذبح واستسلم ~~الذبيح: # ولإبراهيم الموفى بالنذر ... احتسابا وحامل الأجزال # بكره لم يكن ليصبر عنه ... أو يراه في معشر أقتال # ابني إني نذرتك لله ... شحيطا فاصبر فدى لك خالي # فأجاب الغلام أن قال فيه ... كل شيء لله غير انتحال # أبتي إنني جزيتك بالله ... تقيا به على كل حال # فاقض ما قد نذرته لك واكفف ... عن دمي أن يمسه سربالي # واشدد الصفد أن أحيد عن ال ... سكين حيد الأسير ذي الاغلال # بينما يخلع السرابيل عنه ... فكه ربه بكبش ms178 جلال # قال خذه وأرسل ابنك إني ... للذي فعلتم غير قالي # ربما تجرع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال ### | 3 - # وقال في خراب سدوم مدينة قوم لوط: # ثم لوط أخو سدوم أتاها ... إذ أتاها برشدها وهداها # راودوه عن ضيفه ثم قالوا ... قد نهيناك أن تقيم قراها # عرض الشيخ عن ذاك بنات ... كظاء بأجرع مرعاها # غضب القوم عند ذاك وقالوا: ... أيها الشيخ خطبة تأباها # أجمع القوم أمرهم وعجوز ... خيب الله سعيها ورجاها # أرسل الله عند ذاك عذابا ... جعل الأرض سفلها أعلاها # ورماها بحاصب ثم طين ... ذي حروف مسمم إذ رماها # ويروى مسوم أي معلم. ### | 4 - # وقال في قصة مريم: # وفي دينكم من رب مريم آية ... منبئة بالعبد عيسى بن مريم # تدل عليها بعدما نام أهلها ... رسول فلم يحصر ولم يترمرم # فقال ألا لا تجزعي وتكذبي ... ملائكة من رب عاد وجرهم # أنيبي وأعطي ما سئلت فإنني ... رسول من الرحمن يأتيك بابنم # فقالت له أنى يكون ولم أكن ... بغيا ولا حبلى ولا ذاب قيم # فسبح ثم اغترها فالتقت به ... غلاما سوى الخلق ليس بتوأم # فقال لها إني من الله آية ... وعلمني والله خير معلم # وأرسلت لم أرسل غويا ولم أكن ... شقيا ولم أبعث بفحش ومأثم ### | 5 - # وقال في حادثة الفيل وأن الدين الحق هو حنيفية إبراهيم بعد ذكر شيء من ~~آيات الله: # إن آيات ربنا باقيات ... ما يمارى فيهن إلا الكفور # خلق الليل والنهار فكل ... مستبين حسابه مقدور # ثم يجلو النهار رب كريم ... بمهاة شعاعها منشور # حبس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يحبو كأنه معقور # لازما حلقة الجران كما قطر ... رمن صخر كبكب محدور # حوله من ملوك كندة أبطا ... ل ملاويث في الحروب صقور # خلفوه ثم انذعروا جميعا ... كلهم عظم ساقه مكسور # كل دين يوم القيامة عن ... د الله إلا دين الحنيفة زور ### | 6 - # وقال في إرسال الله إلى فرعون موسى وهارون: # وأنت الذي من فضل من ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولا مناديا # فقلت له فاذهب وهارون فادعوا ... إلى الله فرعون الذي كان ms179 طاغيا # وقولا له هل أنت سويت هذه ... بلا وتد حتى اطمأنت كما هي # وقولا له هل أنت رفعت هذه ... بلا عمد؟ أرفق إذن بك بانيا # وقولا له هل أنت سويت وسطها ... منيرا إذا ماجنه الليل هاديا؟ # PageV01P098 # وقولا له من يرسل الشمس غدوة ... فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا # وقولا له من ينبت الحب في الثرى ... فيصبح منه البقل يهتز رابيا؟ # وقد مضت برواية أخرى. ### | 7 - # وقال في قنزعة الهدهد وأنها مكان حمله أمه في قفاه: # غيم وظلماء وغيث سحابة ... أيام كفن واستراد الهدهد # يبغي الفرار بأمه ليجنها ... فبنى عليها في قفاه بمهد # مهدا وطبا فاستقل بحمله ... في الطير يحملها ولا يتأود # فتراه يدلج ماشيا بجنازة ... منها وما اختلف الجديد المسند # إلى غير ذلك من قصصه وأساطيره. ### | 8 - # وقال في التوحيد: # الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبحنا ربى ومسانا # رب الحنيفة لم تنفد خزائنه ... مملوءة، طبق الآفاق سلطانا # ألا نبي لنا منا فيخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس محيانا؟ # بينا يرببنا آباؤنا هلكوا ... وبينا نقتني الأولاد أفنانا # وقد علمنا لو أن العلم ينفعنا ... أن سوف يلحق أخرانا بأولانا ### | 9 - # وقال في خلق الكون وفناء الخلق وعاقبة الناس مجرمين ومتقين: # إله العالمين وكل أرض ... ورب الراسيات مني الجبال # بناها وابنتي سبعا شدادا ... بلا عمد يرين ولا حبال # وسواها وزينها بنور ... من الشمس المضيئة والهلال # ومن شهب تلألأ في دجاها ... مراميها أشد من النضال # وشق الأرض فانبجست عيونا ... وأنهارا من العذب الزلال # وبارك في نواحيها وزكي ... بها ما كان من حرث ومال # فكل معمر لابد يوما ... وذي دنيا يصبر إلى زوال # ويفنى بعد جدته ويبلى ... سوى الباقي المقدس ذي الجلال # وسبق المجرمون وهم عراة ... إلى ذات المقامع والنكال # فنادوا ويلنا ويلا طويلا ... وعجوا في سلاسلها الطوال # فليسوا ميتين فيستريحوا ... وكلهم بحر النار صالي # وحل المتقون بدار صدق ... وعيش ناعم تحت الظلال # لهم ما يشتهون وما تمنوا ... من الأفراح فيها والكمال # - 7 - ### | بعض المنحول من شعره # هذا وقد نخل لأمية شعر كثير، وينفي الأصمعي ms180 عنه القصيدة المنسوبة إليه ~~التي منها: # من لم يمت غبطة يمت هرما ... الموت كأس فالمرء ذائقها # وينسبها لرجل من الخوارج، ونقد قوله "الموت كأس". # وينسب هذه القصيدة لأمية: الزبير بن بكار عن شيوخه وعن الحسن البصري ~~أيضا. # - 8 - كلمة أخيرة: وبعد، فهذا هو تحليلنا لشعر أمية، ومنه يبدو أنه عبقري ~~في بابه، ونسيج وحده في أغراضه الدينية والكونية على الرغم مما فيها من ضعف ~~في الأسلوب والتركيب لغرابة المعاني التي نظمها. # أما أمية في شعره البعيد عن الدين فيكاد يكون قريبا من زهير، وشبيها ~~بالحطيئة وسواه من الشعراء المجيدين. # - 9 - مجمهرة أمية وتحليلها: 1 - وهي قصيدة غير طويلة نظمها أمية في ~~الفخر بقومه وأحسابهم. وتشبه في شاعريتها وموضوعها وروحها ووزنها وقافيتها ~~وخيالها وكثير من معانيها وأساليبها قصيدة عمرو بن كلثوم أو معلقته: # ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقى خمور الأندرينا ### | 2 - # ومطلع المجمهرة: # عرفت الدار قد أقوت سنينا ... لزينب إذ تحل بها قطينا ### | 3 - # وبعد أبيات في الغزل وذكر الطلول يقول مفتخرا: # فإما تسألي عن لبينى ... وعن نسبي أخبرك اليقينا # ثقي أني النبيه أبا وأما ... وأجدادا سموا في الأقدمينا # ورثنا المجد عن كبرى نزار ... فأور لنا مآثرنا البنينا # وكنا حيثما علمت معد ... أقمنا حيث ساروا هاربينا # وتخبرك القبائل من معد ... إذا عدوا سعاية أولينا # بأنا النازلون بكل ثغر ... وأنا الضاربون إذا لقينا # وإنا المانعون إذ أردنا ... وإنا المقبلون إذا دعينا # وإنا الرافعون على معد ... أكفا في المكارم ما بقينا # نشرد بالمخافة من أتانا ... ويعطينا المقاده من يلينا # PageV01P099 ### | 4 - # والقصيدة خلو من الروح الديني وقد يكون نظمها في بدء حياته الشعرية وقبل ~~أن يقف نفسه وحياته وشعره على شؤون الدين وذلك يوضح لنا أسباب احتذائه ~~لعمرو بن كلثوم، فالشاعر في أول حياته في الشعر كثيرا ما يقلد النابغين من ~~الشعراء ويحتذيهم، وبين القصيدتين موازنة أدبية طويلة في كتابي موقف النقاد ~~من الشعر الجاهلي. # وأصحاب المجمهرات هم عبيد وعنترة وأمية وعدي وبشر بن أبي خازم وخداش بن ~~زهير والنمر بن تولب. # بعض ms181 ما أخذ عليه: 1 - أخذ عليه قوله: # والشمس تطلع كل آخر ليلة ... حمراء مطلع لونها متورد # تأبى فلا تبدو لنا في رسلها ... إلا معذبة وإلا تجلد # فما شأن الشمس تجلد. ### | 2 - # وأخذ عليه قوله: # له ما رأت عين البصير وفوقه ... سماء الإله فوق سبع سمائيا # فقد خرج عن الاستعمال الفصيح لجمعه سماء على فعائل والقياس جمعها على فول ~~ولأنه أقر الهمزة العارضة في الجمع، مع أن اللام معتلة، وهذا غير معروف، ~~ألا ترى أنهم يقولون خطيئة وخطايا لا خطائي، ولأنه أجرى ياء "سمائي" مجرى ~~الباء في ضوارب ففتحها في موضع الجر، والمعروف أن تقول هؤلاء جوار ومررت ~~بجوار فتحذف الياء والنون، وهذه الأوجه ذكرها صاحب الخزانة. # دين أمية: لم يكن أمية وثنيا، وجعله البعض نصرانيا ومنهم المسعودي، وروى ~~صاحب الإصابة أنه مات مسلما ونسبوا إليه شعرا في مدح الرسول، والذي يراه ~~أنه كان متحنفا، ويقول: # كل دين يوم القيامة عند ... الله إلا دين الحنفية زور # مصادر ثقافته الدينية: 1 - حنيفية وما كانت تمده به من آراء في الحياة ~~والإله والكون. ### | 2 - # كتب أهل الكتب الدينية التي اطلع عليها أمية كما يبدو ذلك بوضوح شعره، ~~ومنها التوراة والإنجيل. ### | 3 - # الأساطير والقصص والذي كان ذائعا في العصر الجاهلي، وما تلقفه من أفواه ~~الأحبار والكهان، وما سمه من أساطير فارسيا. ### | 4 - # آراؤه الخاصة في الدين والوجود. ### | 5 - # القرآن الكريم، وهو أهم مصادر ثقافته الدينية. ### | آراء المستشرقين في أمية # وقد أعمى التعصب الديني بعض المستشرقين (أ) فذهب المستشرق الفرنسي كليمان ~~هيوار (1854 - 1927) إلى أن شعر أمية كان من مصادر القرآن، وأن الرسول ألف ~~القرآن متأثرا فيما تأثر به بثقافات أمية الدينية في شعره، وهو رأي باعثه ~~التعصب الممقوت. # (ب) وذهب المستشرق الألماني (شولتهيس) إلى أن الأمية منهجا مستقلا، ومن ~~ثم أخذ يوازن بين القرآن وشعر أمية وذهب في خطأ جسيم إلى أن أمية كان أدق ~~في كثير من الأحيان في النقل عن الكتب القديمة وأنه كان أعلم وأبعد مدى في ~~الثقافة من محمد وأن ms182 المصدر الذي نقل عنه كل منهما واحد، وينكر رأي هيوار ~~في أي شعر أمية كان من مصادر القرآن، ويرى أن القرآن كتاب محمد. # وجاء في دائرة المعارف الإسلامية: أن القصائد والمقطوعات التي وصلت إلينا ~~منسوبة إلى أمية، يمكن قسمتها بحسب موضوعها قسمين كبيرين، أصغرهما يتكون من ~~قصائد وأبيات قيلت في مدح أشخاص وبخاصة في مدح رجل من أغنياء مكة هو عبد ~~الله بن جدعان، وهي لا تختلف في جوهرها عن نظائرها عند غيره من شعراء العرب ~~القدماء، أما القسم الأكبر الذي يبدأ بالقصيدة الثالثة والعشرين، فبدل ~~دلالة كاملة على النزعة التي يمكن تسميتها بالحنيفية، وأساسها القول بإله ~~واحد هو رب العباد، ونرى فيها صورا شبيهة بالوحي عن مقام الله وملائكته، ~~وحكايات عن الخلق وآراء تتعلق بيوم القيامة والجنة والنار، وفيها دعوة إلى ~~عمل الخير، وإشارات إلى عبر أخذ بعضها من أخبار العرب من عاد وثمود، وبعضها ~~من قصص التوراة عن الطوفان وإبراهيم ولوط وفرعون. وابن أبي الصلت مولع إلى ~~جانب هذا بقص الحكايات على ألسنة الحيوان. ونلاحظ في شعره أيضا ذكرا ~~للأعمال السحرية.. ومن قصته عن إبراهيم: # ولإبراهيم الموفى بالنذر ... احتسابا وحامل الأجزال # يكره لم يكن ليصبر عنه ... أو يراه في معشر أقتال # ومن يقرأ هذه القصة وما شابهها في القرآن الكريم يعلم صحة ما نقول من أن ~~أمية في هذا الباب متكلف متصنع، محاك لم يحكم المحاكاة، بل إنه نظام وليس ~~بشاعر، وهذا لا يخليه من بعض أبيات كان له فيها بعض الإجادة في هذا الباب. # PageV01P100 # وقال ابن سلام فيه: وكان أمية كثير العجائب، يذكر في شعره خلق السموات ~~والأرض ويذكر الملائكة، ويذكر من ذلك ما لم يذكره أحد من الشعراء. وقال أبو ~~عبيدة: "اتفقت العرب على أن أشعر أهل المدن أهل يثرب، ثم عبد القيس، ثم ~~ثقيف، وأن أشعر ثقيف أمية بن أبي الصلت". وقال الكميت: "أمية أشعر الناس، ~~كما قلنا ولم نقل كما قال". وقال الأصمعي: "ذهب أمية بعامة ذكر الآخرة وذهب ~~عنترة بعامة ذكر الحرب، وذهب ms183 عمر بن أبي ربيعة بعامة ذكر الشباب". # ونقول: تلك آراء العلماء في شعر أمية، ولكن ما بين أيدينا من شعره لا ~~ينزله هذه المنزلة، فلعل كثيرا من شعره الجيد قد ذهب مع الزمان. # وقال أبو الفرج في أغانيه: "كان أمية بن أبي الصلت في نظر في الكتب ~~وقرأها، ولبس المسوح تعبدا، وكان ممن ذكر إبراهيم وإسماعيل والحنفية وحرم ~~الخمر، وشك في الأوثان، وكان محققا. والتمس الدين، وطمع في النبوة، لأنه ~~قرأ في الكتب أن نبيا يبعث من العرب فكان يرجو أن يكون هو، فلما بعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم قيل له: هذا الذي كنت تستريث وتقول فيه فحسده عدو الله ~~وقال إنما كنت أرجو أن أكونه فأنزل الله عز وجل "واتل عليهم نبأ الذي ~~آتيناه آياتنا فانسلخ منها". # وهو الذي يقول: # كل دين يوم القيامة عند الل ... ه إلا دين الحنيفة زور # فأنت ترى من هذا أنه كان متألها يعبد الله على دين إبراهيم، ويتوقع أن ~~يكون هو صاحب الرسالة الذي بشرت به الكتب التي عكف عليها بالدرس. فلما لم ~~يكن ما خط في سجل القدر موافقا لما وقر في نفسه، غلب جهله على حلمه، وسيطر ~~حسده على فكره، فلم يؤمن بالنبي عليه السلام، ولم ينهل من حياض شريعته. قال ~~ابن عتيبة في طبقات الشعراء: "وكان أمية يخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه، ~~وكان يؤمل أن يكون ذلك النبي، فلما بلغه خروج النبي صلى الله عليه وسلم كفر ~~به جسدا". ولما بلغه خبر وقعة بدر والذين قتلوا بها من ذوي قرابته قال ~~قصيدته التي يرثي فيها من قتل من قريش ويحرضهم على أخذ الثأر: # ألا بكيت على الكرا ... م بني الكرام أولى الممادح # كبكا الحمام على فرو ... ع الأيك في الغصن الجوانح # ثم أخذ يفيض في وصف قتلى بدر حتى لم يدع مكرمة إلا ألصقها بهم إلى أن ~~قال: # خذلتهم فئة وهم ... يحمون عورات الفضائح # الضاربين التقدمية ... بالمهندة الصفائح # قال ابن هشام بعد رواية هذه القصيدة: "تركنا منها ms184 بيتين نال فيهما من ~~أصحاب الرسول". وجاء في دائرة المعارف الإسلامية: "والأخبار مختلفة في ~~موقفه بالنسبة للنبي وللإسلام، ولعل الأرجدح أنه لم يلق النبي وأبى أن يصدق ~~بدعوته، يؤيد هذا ما يتجلى في قصيدته المذكورة من عطف على قريش.. وأيا ما ~~كان من شأن هذه الروايات فقد اتفقت جميعا على أنه مات كافرا ولم يؤمن ~~بالنبي عليه السلام، روى صاحب الأغاني بسنده قال: "لما أنشد النبي صلى الله ~~عليه وسلم قول أمية: # الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبحنا ربى ومسانا # رب الحنيفة لم تنفد خزائنه ... مملوءة بطبق الآفاق سلطانا # ألاني لنا منا فيخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس مجرانا # إلى أن قال: # يا رب لا تجعلني كافر أبدا ... واجعل سريرة قلبي الدهر إيمانا # واخلط به بنيتي واخلط به بشري ... واللحم والدم ما عمرت إنسانا # فقال صلى الله عليه وسلم "آمن شعره وكفر قلبه". ولولا ما نعرف من غلبة ~~الكذب على كثير من الشعراء لقلنا إن هذه الأبيات منحولة على أمية كما نحل ~~الكثير غيرها ولكنا قد تعودنا من الشعراء غير ذلك، فلا بعد في أن تكون من ~~شعره. ولقائل أن يقول إن هذه القصيدة قيلت قبل مبعث النبي عليه السلام، وقد ~~اتفق الرواة كما قدمنا على أنه كان موحدا حنيفيا، فلم نشك في نسبتها إليه؟. ### | الشنفرى الأزدي # من شعراء العرب وفتاكهم، ومن أشهر العدائين فيهم هو والسليك وعمرو بن ~~براق وتأبط شرا. # PageV01P101 # ويروى أنه حلف مرة ليقتلن من بني سلامان مائة رجل فقتل منهم تسعة وتسعين، ~~فاحتالوا عليه فأمسكوه وكان الذي أمسكه أسير بن جابر أحد العدائين ~~المشهورين، رصده حتى نزل في مضيق ليشرب الماء فوقف له فأمسكه ليلاثم قتله، ~~فمر رجل منهم بجمجمته فضربها برجله، فدخلت شظية من الجمجمة في عينيه فمات ~~منها، فتمت القتلى مئة. # ومن أحسن شعره قصيدته "لامية العرب": # أقيموا بني أمي صدور مطيعكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل # وعليها شروح كثيرة، وقد طبعها العلامة سلوستر دي ساسي في كتابه "الأنيس ~~المفيد" ترجمت للفرنسية بقلم العلامة ms185 فرستال، كما ترجمت إلى اللغة ~~النمساوية مرارا. # نماذج من شعر الشنفرى: - 1 - # أقيموا بن أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل # فقد حمت الحاجات والليل مقمر ... وشد لطيات مطايا وأرحل # وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متعزل # ولي دونكم أهلون: سيد عملس ... وأرقط ذهلول وعرفاء حيأل # هم الأهل لا مستودع السر ذائع ... لديهم ولا الجاني بما جر يخذل # وكل أبي باسل غير أنني ... إذا عارضت أولى الطرائد أبسل # وإن مدة الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل # وما ذاك إلا بسطة عن تفضل ... عليهم وكان الأفضل المتفضل # وأني كفاني فقد من ليس جازيا ... بحسنى ولا في قربه متعلل # ثلاثة أصحاب: فؤاد مشيع ... وأبيض إصليت وصفراء عيطل # هتوف من الملمس المتون يزينها ... رصائع قد نيطت إليها ومحمل # إذا زل عنها السهم حنت كأنها ... مرزأة عجلى ترن وتعول # ويصف الشنفرى الذئاب الجائعة في لاميته فيقول: # وأعدو على القوت الزهيد كما غدا ... أزل تهاداه النتائف أطحل # غدا طاويا يعارض الريح هافيا ... نجوت بأذناب الشعاب وبعسل # فلما لواه القوت من حبت أمه ... دعا فأجابته نظائر نحل # مهللة شيب الوجوه كأنها ... قداح بكفي ياسر تنقلقل # أو الخشرم المبعوب حثحث دبره ... محابيض أرادهن سام معسل # مهرته فوه كأن شدوقها ... شقوق العصى كالحالات وبسل # فضج وضجت بالبراج كأنها ... وإياه نوح فوق علياء ثكل # وأغضى وأغضت وأقسى وأقست به ... مراميل عزاها وعزته مرمل # شكا وشكت ثم ارعوى بعد وارعوت ... وللصبر إن لم ينفع الشكو أجمل ### | لقيط بن يعمر # هو شاعر جاهلي قديم مقل، ذكر ابن الشجري أنه كان كاتبا في ديوان كسرى، ~~ولم يكن بيد الناس من شعره في زمن صاحب الأغاني إلا قصيدة كتب بها إلى قومه ~~يحذرهم ما اعتزمه كسرى من غزوهم وقتالهم، وقطع أخرى لطاف متفرقة، فإذا صحب ~~رواية ابن الشجري - وفي ما قاله أبو الفرج ما يقويها وإن لم يصرح وكان لقيط ~~قد خدم الأكاسرة وكتب لهم - فهو أقدم من بلغنا خبره ممن أتقن الفارسية من ms186 ~~العرب وأجدرهم بأن يتأثر بها شعره. # وليس من المستطاع اليوم وقد ضاع شعر لقيط تعيين ما كان لعلمه بالفارسية ~~واتصاله بخدمة الملوك من أثر فيه، ولكن القصيدة التي بقيت له وانتهت إلينا ~~تتميز من شعر ذلك العهد بأنها نسق واحد لا خلة فيه ولا وثبة، وأنها لا تبدأ ~~معنى حتى تتمه وتستوفيه، ولا تنتقل عنه إلى آخر حتى يكون هو الذي أدى إليه ~~واقتضاه. ولعل خير ما يدل على مذهب الشاعر ويكشف عن طريقته إثبات أبيات ~~منها تجمع إلى وضوح الدلالة كثيرا من الفائدة. # قال لقيط يحذر قومه عاقبة أمرهم إذا قهرهم الفرس، ويذكرهم بما يحل بهم ~~إذا دارت عليهم الدائرة وغلبهم الأجنبي على سلطانهم، ويوصيهم باجتماع ~~الكلمة والتشمير للحرب وتقليد زمامهم من توفرت فيه خلالها وتمت له أداتها: # هيهات لا مال من زرع ولا إبل ... يرجى لغابركم إن أنفسكم جدعا # لا تلهكم إبل ليست لكم إبلا ... إن العدو بعظم منكم قرعا # لا تثمروا المال للأعداء إنهم ... إن يظفروا يحتووكم والتلاد معا # يا قوم إن لكم من إرث أولكم ... إن ضاع آخره أو ذل واتضعا # ماذا يرد عليكم عن أولكم ... مجدا قد أشفقت أن يفنى وينقطعا # فلا تغرنكم دنيا ولا طمع ... أن تنعشوا بزماع ذلك الطمعا # PageV01P102 # يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرا ... على نسائكم كسرى وما جمعا # يا قوم بيضتكم لا تفجعن بها ... إني أخاف عليها الأزلم الجذعا # هو العناء الذي تبقى مذلته ... إن طار طائركم يوما وإن وقعا # هو القتاد الذي يجتث أصلكم ... فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا # قوموا قياما على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا، قد ينال الأمن من فزعا # وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا # لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا # لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه ... هم تكاد حشاه تحطم الضلعا # مسهد النوم تعنيه أموركم ... تروم منها إلى الأعداء مطلعا # ما انفك يحلب در الدهر أشطره ... يكون متبعا طورا ومتبعا # وليس بشغله مال يثمره ... عنكم ms187 ولا ولد يبغي له الرفعا # قد استمر على شرر مريرنه ... مستحكم السن لا قحما ولا ضرعا ### | أبو دؤاد الأيادي # شاعر قديم كان على خيل المنذر بن النعمان من ملوك الحيرة، أكثر من وصف ~~الخيل في شعره، وأجاد وبرع حتى قال أبو عبيدة أنه أوصف الناس للفرس في ~~الجاهلية والإسلام، وقال ابن الأعرابي: لم يصف أحد قط الخيل إلا احتاج إلى ~~أبي دؤاد وقدمه: الخطيئة وأبو الأسود الدؤلي على جميع الشعراء ومع ذلك كانت ~~الرواة - على ما قال الأصمعي - لا تروي شعره ولا شعر عدي بن زيد، ~~لمخالفتهما مذهب الشعراء. ### | عدي بن زيد 480 - 587 م ### | بيت عدي # هو عدي بن زيد بن حماد، ينتهي نسبه إلى مضر، وكان من بيت مشهور بالكتابة ~~والأدب. # هاجر أجداده من اليمامة إلى الحيرة، ونزلوا على أبناء خؤولتهم فيها، ثم ~~استقروا بها واتصلوا بملوك الحيرة ونالوا جوائزهم. # وتعلم جده حماد الكتابة ونبغ فيها وكان أول من تعلمها من أسرته، وصار ~~كاتب النعمان الأكبر. # ونشأ والده زيد في رعاية أمه الطائية وأبيه حماد ولما توفي حماد كفله ~~صديق له من كبار تجار الفرس وقوادهم.. فتعلم زيد العربية، وأجاد الكتابة ~~وحذق الفارسية وتولى وظيفة في دولة كسرى حيث كان يحمله على البريد في ~~حوائجه وصار من المقربين في دولته كما كان أثيرا لدى المنذر بن ماء السماء ~~الذي ولي عرش الحيرة بعد موت النعمان (505-554 م) . ### | مولده ونشأته # وولد عدي ونشأ في هذا المجد والجاه وفي ظلال والده ونفوذه، وتعلم العربية ~~والكتابة بها في الكتاب بالحيرة كما تعلم الفارسية والكتابة بها في ديوان ~~كسرى حتى خرج من أفهم الناس وأفصحهم بالعربية ونظم الشعر وتعلم الفروسية ~~ووصف لكسرى بأنه أفصح الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية مع الجمال الفائق ~~والذكاء العجيب والبديهة الحاضرة، فأثبته كسرى في ديوانه وكان أول من كتب ~~بالعربية فيه. ### | بيئته # في هذه البيئة العامة، وفي الحيرة عاصمة إمارة المناذرة ولد ونشأ عدي. # وكانت الحيرة إمارة عربية على حدود الجزيرة العربية ومملكة كسرى، وكان ~~أمراؤها خاضعين للنفوذ ms188 الفارسي. # وكانت الحيرة كذلك ملتقى للثقافة الفارسية والعربية ومنتدى واسعا للأدب ~~والشعر، يظللها ألوان من الحضارة والتقاليد الفارسية وكانت النصرانية سائدة ~~فيها كما كان أئمة الشعراء يفدون إليها لينعموا بجوائز المناذرة وصلاتهم ~~السنية وكان ممن قصد إليها النابغة والأعشى وعلقمة وحسان وسواهم. # كما كان تنقل عدي بين البلاد الفارسية سببا في تنوع ثقافته، وسعة معارفه، ~~وتعدد مشاهده، وكثرة تجاربه، وتباين البيئات التي عاش فيها. ### | حياته # انتقل عدي من الحيرة إلى المدائن حيث كان يعمل كما ذكرنا في ديوان كسرى، ~~يؤذن له عليه في الخاصة، وهو معجب به، قريب منه، كما أصبح له نفوذه عند ~~أمراء الحيرة، فعلا له بذاك صيت عظيم، وذكر كريم. # وكانت إقامته الغالبة في المدائن عاصمة كسرى فإذا أراد المقام بالحيرة في ~~منزله مع أهله استأذن كسرى فأقام فيهم الشهر والشهرين وكثيرا ما كان ينزل ~~البادية قريبا من الحيرة. # PageV01P103 # وأرسله كسرى رسولا له إلى إمبراطور الدولة الرومانية الشرقية ~~بالقسطنطينية وأكرمه القيصر وطاف به في أرجاء مملكته الواسعة، وكان من ~~البلاد التي زارها في هذه الرحلة دمشق ويؤثر له فيها قصيدة قالها وكانت ~~فيما يروى أول شعر نظمه. ومن هذه القصيدة: # رب دار بأسفل الجزع من دو ... مة أشهى إلى من جيرون # وندامى لا يفرحون بما نا ... لوا ولا يرهبون صرف المنون # وقدم عدي المدائن على كسرى بهدية قيصر، وبلغة خبر موت والده أثناء رحلته ~~فاستأذن كسرى في زيارة أهله بالحيرة فتلقاه ملكها في وجوه الناس يعزونه. # وتزوج عدي هندا بنت النعمان بن المنذر، وكانت من أجمل نساء أهلها ~~وزمانها، وكان لعدي فضل في تولي النعمان عرش الحيرة بعد المنذر، فعظمت ~~منزلة عدي في دولة المناذرة، وخاصة أن النعمان ربي على يد أستاذه عدي، ثم ~~وشى الوشاة به إلى النعمان فحبسه حتى مات في حبسه. ### | شخصيته وأخلاقه # كان عدي من أجمل الناس، وأشدهم ظرفا، وأكثرهم أدبا، وكان واسع الحيلة ~~كثير الدهاء والذكاء كبير المعرفة والتجربة والخبرة بالحياة والناس، وكان ~~لطيف المعاشرة، قوي الألفة والوفاء لأصدقائه. # وكان حسن الكلام ms189 رائع البيان، ساحر الحديث، بادي الفصاحة واللسن. # أما ديانته فيقول مؤلف كتاب "شعراء النصرانية": إنه كان نصرانيا، وكذلك ~~كان أبوه وأمه وأهله. ويروى أن النعمان ملك الحيرة كان يعبد الأوثان، وأنه ~~خرج يتنزه بظهر الحيرة ومعه عدي بن زيد فمرا على مقابرها فقال له عدي: أبيت ~~اللعن، أتدري ما تقول هذه المقابر؟ قال: لا. قال: إنها تقول: # أيها الركب المخبون ... على الأرض المجدون # فكما أنتم كنا ... وكما نحن تكونون # فدخلت قلب النعمان الرقة وحب التدين، فرجع وتنصر. # ولست أجد مظهرا لنصرانية عدي في شعره، فليس فيه ما يوجد في شعر أمية بن ~~أبي الصلت مثلا من أساطير دينية وقصص الأنبياء، وما إلى ذلك، وأما الحكمة ~~في شعره فلا تدل على نصرانيته، بل قد تدل على أنه كان متحنفا. # ويروى أنه كان له كتاب في تاريخ الروم، أخذ عنه المسعودي، وهذا بعيد. ### | شاعريته # - 1 - كان لوراثات عدي العربية الأصيلة المطبوعة على البلاغة والبيان ~~والشعر أثر في تنشئته الشعرية، كما كان لفطرته واستعداده الشخصي وثقافته ~~وميله إلى التدين آثار في تنمية ملكاته وإرهاف مشاعره وذوقه وعاطفته ~~ووجدانه، مما يساعد على تكوين ملكات الشعر ومواهبه. # وكانت بيئته الحيرة المتحضرة ومشاهدها، وكثرة رحلاته في البلاد، واتصاله ~~بالملوك وخبرته الواسعة، وذكاؤه العجيب، باعثا على تقوية خياله وكثرة ~~معانيه، وسهولة أساليبه في الشعر. # ولقد سمع عدي وهو صغير الشعراء في الحيرة، ينشدون ملوكها الشعر الجيد، ~~والمدائح العالية والقصائد المحبرة كالنابغة، وحسان، وعلقمة، والأعشى، ~~والمتلمس، وطرفة، وسواهم. فغذى ذلك الجو الأدبي شاعريته وأيقظ فطرته ~~الأدبية، ونشأه على الشعر ونظمه. # وكانت المنافسات الأدبية، ورغبته الحافزة في الفوق على أقرانه وفي ~~استدامة نفوذه وجاهه الذين كانا له، مما يدفعه إلى قوله الشعر والإجادة ~~فيه، إلى غير ذلك من بواعث شاعريته وأسبابها. # - 2 - ويمتاز شعر عدي بكثرة المعاني وتنوعها ودقتها مع الوضوح والصدق، ~~ولعل هذه الكثرة راجعة إلى أثر حياته وبيئته وثقافته في شعره.. والحكمة ~~والتجربة الصادقة تشيعان في معانيه. # وخياله خيال غذي بالحضارة، فقلت صور البادية وأثرها فيه وفي ms190 شعره وتكثر ~~فيه الصور العقلية وتقل الصور المادية في شعره، ومن ثم اتكأ خياله على ~~العقل والفطنة لا على المحسات والمشاهدات المادية، وهو مقتصد في تشبيهاته ~~ومجازاته. # ويمتاز أسلوبه بشيوع الرقة والسهولة، وعدم ظهور الجزالة ووضوحها فيه، ~~ويرجع ذلك إلى بيئته الحضرية التي عاش فيها وهي بيئة الحيرة، وإلى كثرة ~~إقامته بالمدائن، ورحلاته إلى بلاد الشام وسواها، مما أشاع في شعره ~~السهولة، ولذلك كثر الغناء به، وقد كانت هذه السهولة مدعاة إلى اللين، مما ~~عابه النقاد عليه، حتى قال ابن سلام فيه: # PageV01P104 # "وعدي كان يسكن الحيرة ويراكز الريف، فلان لسانه، وسهل منطقه فحمل عليه ~~شيء كثير، وتخليصه شديد، واضطرب فيه خلف، وخلط فيه المفضل فأكثر". وقال ابن ~~قتيبة: "كان عدي يسكن بالحيرة ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شيء ~~كثير جدا، وعلماؤنا لا يرون شعره حجة". # وقد عدد صاحب الأغاني بعض الألحان التي صنعت في شعره. ونحن لا نوافق ~~النقاد على مؤاخذة عدي بهذه الرقة، وبتلك السهولة، مادام الشعر غير متكلف ~~ولا مصنوع. ولقد انقضى عصر البداوة في الأسلوب، وأصبحنا الآن نعيش في حياة ~~جديدة لا تخالف حياة أجدادنا الأولين، وهذه الحياة وتلك الحضارة لا ترى في ~~السهولة ما يستحق النقد والعيب. ### | التاريخ الأدبي لعدي # سجل أبو الفرج صاحب الأغاني حياة عدي وشعره في الجزء الثاني من كتابه، ~~كما جمع الكثير من أخباره وشعره مؤلف كتاب "شعراء النصرانية" في القسم ~~الرابع من الكتاب. وذكره ابن سلام في طبقات الشعراء، وابن قتيبة في الشعر ~~والشعراء، والمرزباني في الموشح. وأخرج بعض المعاصرين بحثا عنوانه "زعامة ~~الشعر الجاهلي بين امرئ القيس وعدي بن زيد". # وقد جمع أبو سعيد السكري وجماعة أخرى شعر عدي في القرن الثالث الهجري - ~~كما ذكر ابن النديم - في الفهرست - وذلك رواية عن هشام الكلبي وابن ~~الأعرابي والضبي وسواهم. ### | ألوان من حياة عدي بن زيد وشعره # كان نصرانيا وكذلك أبوه وأمه وأهله، وكان أبوه ممن حذق الفارسية وأجادها ~~وتوصل إلى كسرى، فجعله على البريد ولم يكونوا يفعلون ذلك إلا بأولاد ms191 ~~المرازية، ولما ولد له عدي وتحرك وأيفع طرحه في الكتاب حتى حذق العربية. ثم ~~أسلمه أبوه إلى صديق له من مرازبة الفرس فجعله مع ابنه في كتاب الفارسية ~~فاختلف إليه زمنا، حتى خرج من أفهم الناس بها وأفصحهم بالعربية وقال الشعر ~~وتعلم الرمي بالنشاب ولعب لعب العجم على الخيل بالصوالجة وغيرها، ووفد ~~المرزبان على كسرى فذكره له وقال إن عندي غلاما من العرب وهو أفصح الناس ~~وأكتبهم بالعربية والفارسية والملك محتاج إلى مثله فرغب فيه وجعله في كتاب ~~الديوان وأوفده إلى قيصر فأكرمه وحمله إلى عماله على البريد ليريه بسطة ~~سلطانه وعظيم شأنه وأقام عدي بالمدائن يؤذن له على كسرى في الخاصة وهو معجب ~~به قريب منه فإذا أراد المقام بالحيرة في منزله ومع أهله استأذنه فأقام ~~فيهم الشهر والشهرين وأكثر وأقل. وقد أثر كل هذا في شعر عدي فلان لسانه ~~وسهل منطقه كما قال ابن سلام، وذهب مذهبا خالف فيه الشعراء كما قال ~~الأصمعي، وكان لمكان الدين منه يتلطف في دعوة النعمان إلى النصرانية حتى ~~نقله من الوثنية إليها، ويتوسل لذلك بالشعر فيضع من الأبيات ما يجعله حديثا ~~عن المقابر أو غيرها، فإذا خرج للنزهة أو الصيد ومرا بها قال أتدري ما تقول ~~هذه المقابر قال لا قال فإنها تقول: # من رآنا فليحدث نفسه ... أنه موف على قرن زوال # وصروف الدهر لا يبقى لها ... ولما تأتى به صم الجبال # رب ركب قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال # والأباريق عليها فدم ... وجياد الخيل تردى في الجلال # عمروا دهرا بعيش حسن ... آمني دهرهم غير عجال # ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر يودي بالرجال # وكذاك الدهر يودي بالفتى ... في طلاب العيش حالا بعد حال # وقد ظلت هذه المعاني وأشباهها مما يتصل بالدين تعتلج في صدره وتهجس في ~~نفسه وتصطبغ بها خواطره حتى نفئها في غرر شعره وعيون قصائده التي كتب بها ~~من حنسه إلى النعمان: # لم أر مثل الفتيان في غ ... ين الأيام ينسون ما عواقبها # ينسون إخوانهم ومصرعهم ... وكيف ms192 تعتاقهم مخالبها # ماذا ترجى النفوس من طلب ال ... خير وحب الحياة كاربها # تظن أن ليس يصيبها عنت الد ... هر، وريب المنون صائبها # ويقول عدي: # ليس شيء على المنون بباق ... غير وجه المسيح الخلاق # فبرئ صدري من الظلم للرب ... وحنث بمعقد الميثاق # وشاهد ذلك حاضر في مصارع من غبر من الأمم وسلف من الملوك: # أيها الشامت المعير بالد ... هر: أأنت المبرأ الموفور # أم لديك العهد الوثيق من الأ ... يام، بل أنت جاهل مغرور # PageV01P105 # من رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير # أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور # وبنو الأصفر الكرام ملوك ... الروم لم يبق منهم مذكور # وأخو الحضر إذ بناء وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور # شاده مرمرا وجلله كلسا ... فللطير في ذراه وكور # لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور # وتذكر رب الخورنق إذا أق ... بل يوما وللهدى تفكير # سره ماله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضا والسدير # فارعوى قلبه فقال: وما غب ... طة حي إلى الممات يصير ### | شعراء النسيب في العصر الجاهلي # وهم كثيرون ومنهم: المرقش الأكبر 552 م، وعبد الله بن العجلان 566 م، ~~ومالك، وعنترة، ومسعود بن خراشة التميمي وقد أدرك الإسلام، ومنظور بن زبان ~~الفزاري. # ولهم شعر رائع وقصائد كثيرة قصروها على الغزل وحده كما في قصيدة المرقش ~~الأكبر: سرى ليلا خيال سليمى. # وقد يبدو أن نسيب فن إسلامي بدأه عمر بن أبي ربيعة وجميل وكثير وطبقتهم، ~~والحقيقة أن هؤلاء كانوا يحتذون مثالا لمن تقدمهم، وما أظن أحدا بلغ من صفة ~~النساء ما بلغ النابغة حين سأله النعمان أن يصف امرأته المتجردة، أو ما بلغ ~~المنخل اليشكري والمرار العدوي وسويد بن أبي كاهل وشعر المرقشين الأكبر ~~والأصغر وعبد الله بن العجلان النهدي وقيس بن الحدادية، ممن صدقوا الحب ~~ونسبوا في لفظ عفيف ومعنى نزيه مشهور معروف.. قال المرقش الأكبر: # سرى ليلا خيال من سليمى ... فأرقني أصحاب هجود # فبت أدير أمري كل حال ... وأرقب أهلها وهم ms193 بعيد # على أن قد سما طرفي لنار ... يشب لها بذي الآرطي وقود # حواليها مهاجم التراقي ... وآرام وغزلان رقود # نواعم لا تعالج بؤس العيش ... أوانس لا تروح ولا ترود # يرحن معا بطاء المشي بدا ... عليهن المحاسد والبرود # سكن ببلدة وسكنت أخرى ... وقطعت المواثق والعهود # فما بالي أفي ويخان عهدي ... وما بالي أصاد ولا أصيد # ورب أسيلة الخدين بكر ... منعمة لها فرع وجيد # وذو أشر شتيت النبت عذب ... نقي اللون براق برود # لهوت بها زمانا من شبابي ... وزارتها النجائب والقصيد # أناس كلما أخلقت وصلا ... عناني منهم وصل جديد # وقال: # نواعم أبكار سرائر بدن ... حسان الوجوه لينات السوالف # يهدلن في الآذان كل مذهب ... له زبد يعيان به كل واصف # قصرن شقيا لا يبالين غيه ... يعوجن من أعناقها بالمواقف # نشرن حديثا آنسا فوضعته ... خفيضا فلا يلغى به كل طائف # ولعبد الله بن العجلان: # ألا أبلغا هند أسلامي فإن نأت ... فقلبي مذ شطت بها الدار مدنف # ولم أر هندا بعد موقف ساعة ... بأنعم في أهل الديار تطوف # أنت بين أتراب تمايس إذ مشت ... دبيب القطا أو هن منهن أقطف # أشارت إلينا في خفاء وراعها ... سراة الضحى مني على الحي موقف # وقالت تباعد يا ابن عمي فإنني ... منيت بذي صول يغار ويعتف # وقال: # خليلي زورا قبل شحط النوى هندا ... ولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا # ولا تعجلا لم يدر صاحب حاجة ... أغيا يلاقى في التعجل أم رشدا # ومرا عليها بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لوجهيكما قصدا # وقولا لها ليس الضلال أجارنا ... ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا # وقال قيش بن الحدادية من قصيدة طويلة: # أجدك أن نعم نأت أنت جازع ... قد اقتربت لو أن ذلك نافع # قد اقتربت لو أن في قرب دارها ... نوالا ولكن كل من ضن مانع # وقد جاورتنا في شهور كثيرة ... فما نولت والله راء وسامع # وظني بها حفظ لغيبي ورعية ... لما استرعيت والظن بالغيب واسع # فقالت لقاء بعد حول وحجة ... وشحط النوى إلا لذي العهد قاطع # وقد يلتقي بعد الشتاء أولو ms194 النوى ... ويسترجع الحي السحاب اللوامع # ومنها: # كأن فؤادي بين شقين من عصا ... حذار وقوع البين والبين واقع # يحث بهم حاد سريع نجاؤه ... ومعرى عن الساقين واللوب واسع # PageV01P106 # فقلت لها يا نعم حلى محلنا ... فإن الهوى يا نعم والعيش جامع # فقالت وعيناها تفيضان عبرة ... بأهلي بين لي متى أنت راجع # فقلت لها تالله يدري مسافر ... إذا أضمرته الأرض ما الله صانع # فشدت على فيها اللثام وأعرضت ... وأمعن بالكحل السحيق المدامع # وإني لعهد الود راع وإنني ... بوصلك مالم يطوني الموت طامع # فنصيب هذا العصر من النسيب كما رأيت أوفر وأجود مما توهم الأدباء، وهو ~~أصل ينتمي إليه بارع النسيب الإسلامي من قريب. ### | لبيد بن ربيعة ### | حياته وشعره # لبيد بن ربيعة من بني عامر بن صعصعة، وهي قبيلة مضرية، وأمه من بني عبس. ~~كان في الجاهلية شريفا جوادا شجاعا شاعرا وقد أدرك الإسلام وأسلم، وعمر ~~طويلا حتى مات في خلافة معاوية عام 41ه. وأكثر شعره قاله قبل الإسلام، فلما ~~أسلم لم يقل إلا قليلا. # وهو شاعر بدوي يصف في شعره حياة بدوية صحراوية ولاسيما في معلقته التي ~~مطلعها: # عفت الديار محلها فمقامها ... بمن تأبد غولها فرجامها # ويظهر أنه قالها في شبابه وهي تمثل الشعر البدوي في متانته وقوته. # وفي شعره بعد ذلك - وهو الذي عمله في الكهولة والشيخوخة على مايظهر - أثر ~~الحكمة وقوة الشعور الديني كزهير، مثل قوله: # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعدما هو ساطع # وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولابد يوما أن ترد الودائع # وما الناس إلا عاملان: فعامل ... يتبر ما يبنى، وآخر رافع # وقصيدته التي مطلعها: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نفيم لا محالة زائل # وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل # وقصيدته: # إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي والعجل # أحمد الله ولا ند له ... بيديه الخير ماشاء فعل # من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل # وكان لبيد أحدث أصحاب المعلقات عصرا وآخرهم موتا. # وشعر لبيد مثال للفخامة ms195 والقوة والمتانة والبداوة فتراه فخم العبارة قوي ~~اللفظ قليل الحشو مزدانا بالحكمة العالية والموعظة الحسنة. # ولبيد من أحسن الجاهليين تصرفا في الرثاء وفخره قوي ينم عن شرفه وعزته ~~ومجده وحسبه العريق. وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصدق كلمة ~~قالها شاعر كلمة لبيد "ألا كل شيء ما خلا الله باطل". # وقد نظم لبيد الشعر في جاهليته وجرى به على سنن الأشراف والفرسان كعنترة ~~وعمرو بن كلثوم فلم يتكسب بشعره ولذلك ترى فيه ولاسيما معلقته قوة الفخر ~~والتحدث بالفتوة والنجدة والكرم وإيواء الجار وعزة القبيلة، ولم ينظم شعرا ~~بعد أن أسلم. # هذا ويقدم لبيد بعض النقاد محتجين بأنه أفضلهم في الجاهلية والإسلام ~~وأقلهم لغوا في شعره، وقالت عائشة رضي الله عنها: رحم الله لبيدا ما أشعره ~~في قوله: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب # لا ينفعون ولا يرجى خيرهم ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب # وكان لبيد جوادا شريفا في الجاهلية والإسلام وقصص جودة كثيرة. ### | ديوان لبيد # شرحه السكري والشيباني والأصمعي وابن السكيت والطوسي. ولم يصل إلينا من ~~ذلك كله إلا نصف شرح الطوسي في مخطوطة طبعها في فيينا يوسف ضياء الدين ~~الخالدي المقدسي سنة 1880 وفيها عشرون قصيدة هي الجزء الثاني من الديوان ~~وقد صدرت بمقدمة عن الديوان والشاعر. # وكذلك عنى بالديوان المستشرق هوبر الذي طبعه في ليدن سنة 1981 ووضع مقدمة ~~له في حياة لبيد، وأخرجه بإشراف بروكلمان. # ول ### | معلقة لبيد # شروح، وقد نشرها دي ساسي وقد ترجمها إلى الفرنسية أيضا. ### | مصادر حياة لبيد # ترجم له صاحب الأغاني في الجزء الرابع عشر، وابن قتيبة في الشعر والشعراء ~~وذكره ابن سلام في طلبقات الشعراء والمرزباني في الموشح. # وترجم له صاحب كتاب "تاريخ الأدب العربي في العصر الجاهلي"، والزيات في ~~كتابه تاريخ الأدب العربي، وأصحاب الوسيط والمفصل وسواهم. وترجم له أيضا في ~~سلسلة الروائع. # معلقة لبيد # PageV01P107 # لبيد بن ربيعة العامري من سادة العامريين القيسيين وأشرافهم وكان يقال ~~لأبيه ربيعة المعتربن وعمه ملاعب الأسنة عامر بن مالك ms196 أخذ أربعين مرباعا في ~~الجاهلية. # كان لبيد من شعراء الجاهلية وفرسانهم وقال الشعر في الجاهلية في كل غرض، ~~وأجرك الإسلام وأسلم وهجر الشعر وأقام بالكوفة إلى أن مات عام 41ه مائة ~~وسبع وخمسين سنة. # وسئل لبيد من أشعر الناس؟ فقال: الملك الضليل، ثم الشاب القتيل، ثم الشيخ ~~أبو عقيل يعني نفسه. وهو من أصحاب المعلقات، وكان نظم لبيد الجاهلية فجم ~~العبارة منضد اللفظ قليل الحشو مزدانا، فالحكمة العالية ثعات، وهو أحسن ~~الجاهليين تصرفا في الرثاء، وأكثرهم قدرة على تصوير عواطف المفجوع الحزين ~~بلفظ رائق وألوب مؤثر، وقدمه بعض النقاد "لأنه أفضل الشعراء في الجاهلية ~~والإسلام، وأقلهم لغوا في شعره". # ومعلقته لبيد تمتاز بقوة اللفظ ومتانة الأسلوب، وبما فيها من تصوير ~~للبادية والحياة والأخلاق فيها. # أ - بدأها لبيد بذكر الديار وخلوها من أصحابها وتعرضها للرياح والأمطار ~~تعبث بها ويمحو معالمها. قال: # عفت الديار محلها فمقامها ... بمعنى تأبد غولها فرجامها # وجلا السيول عن الطول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها # فوقفت أسألها، وكيف سؤالنا ... صما خوالد ما يبين كلامها # ثم يصف رحيل أحبابه عنها، حتى يقول: # بل ما نذكر من "نوار" وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها # مرية، حلت بفيد، وجاورت ... أهل الحجاز، فابن منك مرامها # وأخيرا، يرى لا أن يتسلى ويتعزى حتى يصل إلى رجائه وأمله، ولكن أن يقطع ~~أمله منها ويترك رجاءه فيها ويقطع صلته بها مادامت نوار قد تغير وصلها: # فاقطع لبانة من تعرص وصله ... ولشر واصل خلة صرامها # ب - ثم يأخذ في وصف ناقته في لفظ غريب وتعبير بدوي متين، ويطيل في هذا ~~الوصف ويشبهها بالأتان الوحشية وبالظبية الرؤوم المفجوعة إلى أن يقول: # فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أرجية السراب كامها # أقضي اللبانة لا أفرط ريبة ... أو أن يلوم بحاجة لوامها # أولم تكن تدري نوار بأنني ... وصال عقد حبائل جذامها # تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها # ج - ثم يتحدث عن نفسه وعزتها، ولذات الراح التي شارك فيها، وشجاعته ~~وبطولته في مواقف النزال والنضال، وكرامه وسخائه، ms197 ونواله للجار الفقير ~~والضيف النازل والجار الغريب وللبائسين والمساكين: # وجزور أيسار دعوت لحتفها ... بمغالق متشابه أعلامها # فالضيف والجار الغريب كأنما ... هبطا تبالة مخصبا أهضامها # تأوي إلى الأطناب كل رزية ... مثل البلية قالص أهدامها # د - ثم يفتخر بقومه ومآثرهم ورفهم ومجدهم فيقول: # من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها # فبنوا لنا بيتا رفيعا سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها # فاقنع بما قسم المليك فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها # وإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأعظم حظنا قسامها # فهم السعاة إذا العشيرة أفظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها # وهم ربيع للمجاور فيهم ... والمرملات إذا تطاول عامها ### | أعشى قيس 535 - 629م ### | حياته ### | 1 - # صناجة العرب أعشى قيس المعروف بالأعشى الأكبر، وهو أبو بصير ميمون بن ~~جندل بن شراحبيل بن عوف بن سعد من قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل من ربيعة بن ~~نزار بن معد بن عدنان. # وقيس بن ثعلبة من أشهر القبائل شاعرية وأكثرهم شعراء، والأعشى هو أحد ~~الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، وكانت العرب تتغنى بشعره وتسميه صناجة ~~العرب. # ولقب بالأعشى لضعف في بصره. ### | 2 - # والده قيس بن جندل يسمى قتيل الجوع، قال جهنام البكري: # أبوك قتيل الجوع قيس بن جندل ... وخالك عبد من خماعة راضع # روي أنه دخل غارا يستظل به من لفح الحر فوقعت صخرة فسدت الغار فمات جوعا. # وأمه أخت المسيب بن علس الشاعر 580م من بني خماعة من بني ضبيعة وتزوج ~~امرأة من بني عنزة من هزان ثم طلقها. # PageV01P108 ### | 3 - # ولد الأعشى بقرية من قرى اليمامة يقال لها منفوحة ونشأ راوية لخاله ~~المسيب وتتلمذ عليه في الشعر وبدأ حياته شابا فقيرا ماجنا يلعب القمار ~~ويشرب الخمر، ثم سكن الحيرة وتردد على النصارى فيها يأتيهم ويشرب الخمر ~~معهم، ثم جاب الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها يمدح ملوكها وأمراءها: # قد جبت مابين بانقيا إلى عدن ... وطال في العجم تردادي وتسياري # ويقول: # وطوفت للمال آفاقه ... عمان فحمص فأورشليم # أتيت النجاشي في داره ... وأرض النبيط وأرض العجم # وكان تطوافه ms198 سببا في كثرة معارفه وسعة ثقافته. # اتصل بنصارى نجران وبأهل الحيرة وبشريح بن السموءل اليهودي صاحب تيماء ~~بحصنه "الأبلق" وعده بعض الباحثين من النصارى، والظاهر أنه لم يؤمن بدين ~~وأن مسحة العقيدة النصرانية التي قد تبدو على شعره إنما كان منشؤها كثرة ~~تردده على الحيرة ومعاشرته لأهلها. # وكان يوافي سوق عكاظ وينشد فيه شعره فيحفظ عنه ويغني به ولذلك كانت العرب ~~تضيفه وتهاديه ليمدحها ويطير ذكرها. # قيل إن عبد العزى المحلق الكلابي كان أبوه من أشراف العرب فمات، وقد أتلف ~~ماله وبقي المحلق وثلاث أخوات له لم يترك لهم إلا ناقة واحدة وحلتي برود ~~جيدة فأقبل الأعشى في بعض أسفاره يريد منزله باليمامة، فنزل الماء الذي به ~~المحلق فقراه أهل الماء فأحسنوا قراه فأقبلت عمة المحلق فقالت يا ابن أخي ~~هذا الأعشى نزل بمائنا وقد قراه أهل الماء والعرب تزعم أنه لم يمدح قوما ~~إلا رفعهم ولم يهج قوما إلا وضعهم، فاحتل في زق خمر من عند بعض التجار ~~فأرسل إليه بهذه الناقة والزق وبردى أبيك، فوالله لئن اعتلج الكبد والسنام ~~والخمر في جوفه ونظر إلى عطفيه في البرد ليقولن فيك شعرا يرفعك به. قال: ما ~~أملك غير هذه الناقة وأنا أتوقع رسلها، فأخذت عمته تحضه، ثم دخل عليها وقال ~~قد ارتحل الرجل. قالت الآن والله أحسن ما كان القرى تتبعه ذلك مع غلام أبيك ~~فحيثما أدركه أخبره عنك أنك كنت غائبا عند نزوله الماء وأنك لما وردت فعلمت ~~أنه كان به كرهت أن يفوتك قراه، فإن هذا أحسن لموقعه عنده. فمازالت به حتى ~~فعل ذلك فخرج مولاه يتبع الأعشى، فكلما مر بماء قيل له: قد ارتحل أمس عنه، ~~حتى صار إلى منزله بمنفوحة، فوجد عنده جماعة من الفتيان قد غداهم بغير لحم ~~وسقاهم، فقرع الباب فقال لهم: انظروا من هذا. فدخلوا عليه وقالوا: رسول ~~المحلق الكلابي أتاك بكيت وكيت، ومازالوا به حتى أذن له، فدخل وأدى الرسالة ~~فقال له: أقرئه السلام وقل: وصلتك رحم سيأتيك ثناؤها. وقام الفتيان فنحروا ms199 ~~الجزور وأخذوا يشوون ويأكلون ويشربون من الخمر، فلما شبع الأعشى قال: # أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي تعشق # فسارت القصيدة وشاعت في العرب، فما أتى على المحلق سنة حتى زوج إخوته ~~الثلاث كل واحدة على مائة ناقة، فأيسر وشرف. # ويروى أن امرأة كسدت عليها بناتها فأتت الأعشى وسألته أن يشبب بواحدة ~~فواحدة منهن وبعثت له هدايا فما زال يشيب بواحدة منهن واحدة حتى زوجن ~~جميعا. ### | 4 - # وفد الأعشى على كسرى، وقصد النعمان بن المنذر وأنشده: # إليك ... أبيت اللعن # كان كلالها # تروح مع الليل الطويل وتغتدي # ثم أنشده قصيدته: # أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذي هوان تزارا # ويقال: إن الأعشى أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد ورحل به إلى ~~الملوك والأمراء وكان يغنى بشعره، فكانت العرب تسميه صناجة العرب، وكان بين ~~علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل مفاخرة، وكان الأعشى يمدح عامر بن الطفيل ~~ويهجو علقمة، ومما قال فيه: # علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر # فلما بلغ ذلك علقمة نذر دمه وجعل له على كل طريق رصدا، فخرج الأعشى يوما ~~يريد وجها فأخطأ به الدليل فألقاه في ديار عامر، فأخذه رهط علقمة فأتوه به ~~فقال: # علقم قد صيرتني الأمور ... إليك وما أنت لي منقص # فهب لي نفسي فدتك النفوس ... ولازلت تنمو ولا تنقص # PageV01P109 # فهم علقمة بقتله، ثم دخل إلى أمه، فقال لها: قد أمكنني الله من هذا ~~الأعمى الخبيث. قالت: فما تراك فاعلا به؟ قال سأقتله شر قتله. فقالت: يا ~~بني قد كنت أرجوك لقومك عامة وإني اليوم لأرجوك لنفسك خاصة وإنما الرأي أن ~~تكسوه وتحمله وتسيره إلى بلاده، فإنه لا يمحو عنك ماقاله إلا هو. ففعل ما ~~أمرته به وأحسن صلته، فقال الأعشى: # علقم يا خير بني عامر ... للضيف والصاحب والزائر # والضاحك السن على همه ... والغافر العثرة للعائر # ومدح شريح بن السموءل والأسود بن الهنذر أخا النعمان لأمه وكان من تيم ~~الرباب وهي قبائل من الياس بن مضر وكان ms200 أخوه ولاه عليهم وقد كان عنده أسرى ~~من بني سعد بن ضبيعة، فأتاه الأعشى ومدحه بقصيدته: # ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي وما ترد سؤالي # وسأله أن يطلقهم ففعل. وهذه القصيدة عند بعض العلماء معدودة من المعلقات ~~وبعضهم يذكر أن معلقته هي قصيدته: # ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل # وبعضهم يجعل معلقته هي مدحته للرسول: # ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا # وهي قصيدة رائعة. # ومدح قيس بن معد يكرب الكندي، وسواه. # وقال الأعشى يمدح السموءل، ويستجير بابنه شريح بن السموءل من رجل كلبي ~~كان الأعشى هجاه ثم أغار على قوم كان الأعشى نازلا فيهم، فأسره وهو لا ~~يعرفه، ثم سار حتى نزل بشريح بن السموءل فأحسن ضيافته، ومر بالأسرى فناداه ~~الأعشى: # سريح، لا تسلمني بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القد أظفاري # قد سرت ما بين بلقاء إلى عدن ... وطال في العجم تكراري وتسياري # فكان أكرمهم عهدا وأوثقهم ... عقدا أبوك بعرف غير إنكار # كالغيث مااستمطروه جاد وابله ... وفي الشدائد كالمستأسد الضاري # كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار # إذ سامه خطتي خسف فقال له ... قل ما تشاء فإني سامع حار # فقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر. وما فيهما حظ لمختار # فشك غير طويل ثم قال له: ... اقتل أسيرك، إني مانع جاري # هذا له خلف إن كنت قاتله ... وإن قتلت كريما غير خوار # وسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... رب كريم وقوم أهل اطهار # فاختار أدراعه كي لا يسب به ... ولم يكن وعده فيها بخنار # فجاء شريح الكلبي فقال: "هذا الأسير المنصور" فقال "هو لك" فأطلقه وقال ~~له الأعشى "إن تمام إحسانك إلى أن تعطيني ناقة ناجية وتخليني الساعة" ~~فأعطاه ناقة ناجية، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح ~~هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: "ابعث إلي الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه ~~وأعطيه" فقال: "قد مضى" فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه. # ولما وفد الأعشلا إلى النبي صلى ms201 الله عليه وسلم، مدحه بقصيدته التي ~~أولها: # ألم تغمض عيناك ليلة أرمدا ... وعاك ما عاد السليم المسهد # وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا # وفيها يقول لناقته: # فأليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفا حتى تزور محمدا # نبي يرى مالا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا # متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله يدا # فبلغ خبره قريشا قط، فرصدوه على طريقه وقالوا: هذا صناجة العرب ما مدح ~~أحدا قط إلا رفع قدره. # فلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا ~~لأسلم. قالوا: إنه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك. قال: وما هي؟ فقال أبو ~~سفيان بن حرب: الزنا. قال: لقد تركني الزنا وتركته، ثم ماذا؟ قالوا: ~~القمار. قال لعلي إن لقيته أن أصيب منه عوضا من القمار، ثم ماذا؟ قالوا: ~~الربا. قال: ما دنت ولا أدنت، ثم ماذا؟ قالوا: الخمر. قال أوه! أرجع إلى ~~صبابة قد بقيت في المهراس فأشربها. # PageV01P110 # قال له أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن وهو ~~الآن في هدنة، فتأخذ مائة من الإبل، وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما ~~يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وإن ظهر علينا أتيته. ~~فقال: ما أكره ذلك. قال أبو سفيان: يا معشر قريش، هذا الأعشى! والله لئن ~~أتى محمدا وأتبعه ليضر من عليكم نيران العرب بشعره. فاجمعوا له مائة من ~~الإبل. ففعلوا، فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان بقاع منفوحة رمى به بعيره ~~فقتله. ### | شعر الأعشى ### | 1 - # للأعشى ديوان شعر كبير طبع مرارا، وقد قدمه كثير من النقاد محتجين بكثرة ~~طواله الجياد وتصرفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر، وقيل إنه أمدحهم ~~للملوك وأوصفهم للخمر وأغزرهم شعرا وأحسنهم قريضا. وقال عبد الملك بن مروان ~~لمؤدب أولاده: أدبهم برواية شعر الأعشى فإن لكلامه عذوبة، قاتله الله ما ~~كان أعذب بحره وأصلب صخره فمن ms202 زعم أن أحدا من الشعراء أشعر من الأعشى فليس ~~يعرف الشعر. # ومهما كان فهو أحد الأربعة الذين وقع الاتفاق على تقديمهم على من عداهم ~~وهم: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى، فهو من الطبقة الأولى عند كثير من ~~النقاد ويروى أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا ~~رغب والأعشى إذا طرب. ### | 2 - # ويمتاز شعره بمعارفه الواسعة، وقد أدخل فيه ألفاظا فارسية لإقامته في ~~الحيرة، ووصف سيل العرم والقصر الأبلق. # وأكثر الأعشى من وصف الخمر وما إليها من نديم وساقي وقينة وعود وأطال في ~~ذلك حتى عد إمام الأخطل وأبي نواس. ### | 3 - # وعلى أي حال، فعلى شعره رونق الحسن وطلاوة الأسلوب والبراعة في وصف الخمر ~~والإجادة مع الطول. # ولقوة طبعه وجلبة شعره سمي صناجة العرب حتى ليخيل إليك إذا أنشدت شعره أن ~~آخر ينشده معك. ولجلالة شعر الأعشى وأثره بين العرب كان يرفع الوضيع الخامل ~~وتضع الخامل الشريف. # ومن شعره قصيدته التي مدح بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعدها بعضهم ~~من المعلقات، ومطلعها: # ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا # وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم حلة مهددا # ولكن أرى الدهر الذي هو خائن ... إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا # شباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا # فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفي حتى تلاقي محمدا # متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله ندى # نبي يرى مالا يرون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا # له صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم يمنعه غدا # ومن شعر الأعشى قصيدته اللامية المعروفة التي يقول منها: # صدت هريرة عنا ما تكلمنا ... جهلا بأم خليد حبل من تصل؟ # أئن رأت رجلا أعشى أضربه ... ريب المنون ودهر مفند خبل # قالت هريرة لما جئت زائرها: ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل # إما ترينا حفاة، لا نعال لنا ... إنا كذلك ما نحفى وننتعل # وقد أقود الصبا يوما، فيتبعني ... وقد يصاحبني ms203 ذو الشرة الغزل # وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلوب شلشل شول # في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل # نازعتهم قضب الريحان متكئا ... وقهوة مزة رواوقها خضل # لا يستفيقون منها، وهي راهنة ... إلا بهات وإن علوا وإن نهلوا # يسعى بها ذو زجاجات له نطف ... قلص أسفل السربال معتمل # ومستجيب تخال الصنج يسمعه ... إذا ترجع فيه القينة الفضل # والساحبات ذيول الربط آونة ... والرافلات على أعجازها العجل # من كل ذلك يوم قد لهوت به ... وفي التجارب طول اللهو والغزل # أبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفك تأتكل # ألست منتهيا عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت لأبل # كناطع صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل # تغرى بنا رهط مسعود وإخوته ... يوم اللقاء، فتردى، ثم تعنزل # لا أعرفنك إن جدت عداوتنا ... والتمس النصر منكم عوض تحتمل # PageV01P111 # نلحم أبناء ذي الجدين إن غضبوا ... أرماحنا، ثم تلقاهم، وتعتزل # لا تقعدون، وقد أكلتها حطبا ... تعوذ من شرها يوما وتبتهل # سائل بني أسد عنا، فقد علموا ... أن سوف يأتيك من أنبائنا شكل # واسأل قشيرا وعبد الله كلهم ... واسأل ربيعة عنا كيف نفتعل # إنا نقاتلهم حتى نقتلهم ... عند اللقاء، وإن جاروا وإن جهلوا # قد كان في آل كهف إن هم احتربوا ... والجاشرية من يسعى وينتضل # إني لعمر الذي خطت مناسمها ... تخدى، وسيق إليه الباقر الغيل # لئن قتلتم عميدا لم يكن صددا ... لنقتلن مثله منكم، فنمتثل # لئن منيت بنا عن غب معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننفتل # لا تنتهون، ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل ### | السموأل بن عاديا # كان السموءل يهوديا مشهورا بالوفاء وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق، كانت ~~العرب تنزل فيه فيضيفها، وبالسموءل يضرب المثل في الوفاء. يقال أوفى من ~~السموءل، لأنه فضل قتل ابنه على التفريط في أمانة أودعها عنده امرؤ القيس ~~لما سار إلى الشام يريد قيصر، وكانت الأمانة أدرعا وفي ذلك يقول السموءل: # وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت ms204 # وأوصى عاديا يوما بأن لا ... تهدم يا سموءل ما بنيت # بني لي عاديا حصنا حصينا ... وماء كلما شئت استقيت # ومن أشعاره المعروفة قصيدة يمدح بها قومه، أوردها أبو تمام في كتاب ~~الحماسة، مطلعها: # إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل # وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل # وكان للسموءل أخ شاعر أيضا وابن يدعى شريحا مدحه الأعشى في شعره.. وعلى ~~ما يقول المحققون: إن السموءل عاش في أواخر الجيل السادس ومات في أوائل ~~الجيل السابع وكان معاصرا للأعشى، ويقال إنه توفي سنة 560م. ### | حاتم الطائي # - 1 - اشتهر بالجود والكرم حتى جرى ذكره مجرى الأمثال فيقال "أجود من ~~حاتم الطي" وقد وصل إلينا من شعره قليل جاء في ديوان الحماسة وكتاب الأغاني ~~وغيرهما من كتب الأدب، وله ديوان معروف باسمه وتوفي حاتم سنة 605م، وقبره ~~بعوارض، وهو جبل لبني طي، ويحكى عن جوده الحكايات الكثيرة، ومن غريبها أن ~~نفرا من بني أسد مروا بقبر حاتم فقالوا: نزلنا بحاتم فلم يقرنا، وجعلوا ~~ينادون: يا حاتم ألا تقرى أضيافك؟ ثم ناموا جميعا وكان رئيس القوم رجلا ~~يقال له أبو الخيبري فنام أيضا، حتى إذا كان السحر وثب وجعل يصيح: وا ~~رحلتاه. فقال له أصحابه: مالك! قال: خرج والله حاتم بالسيف وأنا أنظر إليه ~~حتى عقر ناقتي. قالوا: كذبت. فنظروا إلى راحلته فإذا هي منخزلة لا تنبعث. ~~قالوا والله قراك. فظلوا يأكلون من لحمها ثم أردفوه فانطلقوا فساروا، وإذا ~~راكب يلحقهم فنظروا فإذا هو عدي بن حاتم راكبا قارنا جملا أسود فلحقهم وقال ~~أيكم أبو الخبيرى فدلوه عليه فقال جاءني أبي في النوم فذكر لي شتمك له وأنه ~~قرى راحلتك لأصحابك وقد قال في ذلك أبياتا ورددها حتى حفظتها وهي: # أبا الخيبرى وأنت امرؤ ... حسود العشيرة شتامها # فماذا أردت إلى رمة ... بداوية صخب هامها # تبغي أذاها وإعسارها ... وحولك غوث وانعامها # وإنا لنطعم أضيافنا من ال ... كرم بالسيف نعتامها # وقد أمرني أن أحملك على جمل فدونكه ms205 فأخذوه وركبه وذهبوا. # ولم يبلغ أحد في الجود ما بلغ حاتم، وهو من بني الحشرج من طي وأحد شعراء ~~الجاهلية.. ويكنى أبا عدي وأبا سفانة.. وأدرك ابنه الإسلام وأسلم. # قال عدي قلت يا رسول الله: إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال: إن ~~أباك أراد أمرا فأدركه يعني الذكر. وكانت سفانة بنته أتى بها إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالت، يا محمد هلك الولد، وغاب الرافد فإن رأيت أن ~~تتخلى عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي سيد قومه، وكان يفك العاني ~~ويحمي الذمار ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ولم يطلب إليه ~~طالب قط حاجة فرده، أنا ابنة حاتم طي.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا ~~جارية هذه صفة المؤمن لو كان أبوك إسلاميا لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن ~~أباها كان يحب مكارم الأخلاق. # PageV01P112 # قال ابن الأعرابي كان حاتم من شعراء الجاهلية، وكان جوادا يشبه جوده ~~شعره، ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفرا إذا قاتل ~~غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا ضرب بالقداح فاز، وإذا سابق سبق، وإذا أسر أطلق. ~~وكان إذا أهل رجب نحر في كل يوم عشرة من الإبل وأطعم الناس واجتمعوا عليه، ~~وكان أول ما ظهر من جوده أن أباه خلفه في إبله وهو غلام، فمر به جماعة من ~~الشعراء، فيهم عبيد بن الأبرص، وبشر بن أبي خازم، والنابغة الذبياني، ~~يريدون النعمان بن المنذر، فقالوا هل من قرى؟ ولم يعرفهم. فقال أتسألوني ~~القرى وقد رأيتم الإبل والغنم، انزلوا فنزلوا فنحر لكل واحد منهم، وسألهم ~~عن أسمائهم، فأخبروه ففرق فيهم الإبل والغنم، وجاء أبوه فقال: ما فعلت؟ قال ~~طوقتك مجد الدهر طةق الحمامة وعرفه القضية، فقال أبوه إذا لا أساكنك بعدها ~~أبدا ولا آويك. فقال حاتم: إذا لا أبالي. # ومن حديثه، أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة، فلما كان بأرض عنزة ناداه ~~أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الاسار والقمل. فقال: ويحك ما أنا في بلاد ms206 ~~قومي وما معي شيء، وقد أسأت بي إذ نوهت باسمي ومالك مترك، ثم ساوم به ~~العنزيين واشتراه منهم فخلاه وأقام مكانه في قيده حتى أتى بفدائه فأداه ~~إليهم. # وحدثت ماوية امرأة حاتم أن الناس أصابتهم سنة فأذهبت الخف والظلف فبتنا ~~ذات ليلة بأشد الجوع فأخذ حاتم عديا وأخذت سفانة فعللناهما حتى ناما، ثم ~~أخذ يعللني بالحديث لأنام، فرققت لما بعد من الجهد فأمسكت عن كلامه لينام ~~ويظن أني نائمه، فقال لي أنمت مرارا فلم أحبه، فسكت ونظر من وراء الخباء ~~فإذا شيء قد أقبل فرفع رأسه، فإذا امرأة تقول: يا أبا سفانة قد أتيتك من ~~عند صبية جياع. فقال أحضريني صبيانك فوالله فأشبعنهم. قالت: فقمت سريعا ~~فقلت بماذا يا حاتم فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل، فقام إلى ~~فرسه فذبحه ثم أجج نارا وقال اشتوى وكلي وأطعمي ولدك. وقال لي أيقظي صبيتك ~~فأيقظتهم، ثم قال والله إن هذا للؤم أن تأكلوا وأهل الصرم حالهم كحالكم ~~فجعل يأتي الصرم بيتا بيتا ويقول: عليكم النار فاجتمعوا وأكلوا وتقنع ~~بكسائه وقعد ناحية حتى لم يوجد من الفرس على الأرض قليل ولا كثير ولم يذق ~~منه شيئا. # - 2 - ولحاتم الطائي شعر كثير وهو من البلاغة بمكان، والمذكور في ديوانه ~~بعض منه ومن شعره يخاطب امرأته ماوية بنت عبد الله: # أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد # إذا ما صنعت الزاد فالتمس له ... اكيلا فإني لست آكله وحدي # أخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذ مات الأحاديث من بعدي # وإني لعبد الضيف مادام ثاويا ... وما في إلا تلك من شيمة العبد # عني بذي البردين عامر بن أحيمر بن بهدلة. وكان من حديث البردين حين لقب ~~به أن الوفود اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء وهو المنذر بن امرئ القيس، ~~وماء السماء قيل أمه، نسب إليها لشرفها، وقيل لقبت بماء السماء لصفاء نسبها ~~ويقال لنقاء لونها، ويراد أنها كماء السماء لم يحتمل كدورة. وأخرج المنذر ~~بردين يوما يبلو ms207 الوفود، وقال ليقم أعز العرب قبيلة فليأخذهما، فقام عامر ~~بن أحيمر فأخذهما وائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر. فقال له المنذر: أأنت أعز ~~العرب قبيلة؟ قال العز والعدد في معد، ثم في نزار ثم في مضر، ثم في خندف ثم ~~في تميم، ثم في سعد ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا ~~فلينافرني. فسكت الناس، فقال المنذر هذه عشيرتك كما تزعم فكيف أنت في أهل ~~بيتك وفي نفسك؟ فقال أنا أبو عشرة وأخو عشرة وخال عشرة، وعم عشرة، وأما أنا ~~في نفسي فشاهد العز شاهدي ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها عن مكانها ~~فله مائة من الإبل؟ فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، ففاز بالبردين. # ومن شعر حاتم أيضا قوله: # وعاذلة قامت علي تلومني ... كأني إذا أعطيت مالي أضيمها # أعاذل أن الجود ليس بمهلكي ... ولا مخلد النفس الشحيحة لومها # وتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيبة في اللحد بال رميمها # ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها # ومن ذلك قوله أيضا: # أكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف أصحابي حين حاجتنا معا # PageV01P113 # أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا # وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا # وانك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا # وقال أيضا: # أما والذي لا يعلم السر غيره ... ويحيي العظام البيض وهيم رميم # لقد كنت أختار القرى طاوي الحشا ... محافظة من أن يقال لئيم # وإني لأستحيي يميني وبينها ... وبين فمي داجي الظلام بهيم # وقال أيضا: # ولما رأيت الناس هرت كلابهم ... ضربت بسيفي ساق أفعى فخرت # وقلت لأصباء صغار ونسوة ... بشهباء من ليل الثمانين قرت # عليكم من الشطين كل ورية ... إذا النار مست جانبيها أرمعلت # وقال أيضا: # لا تشتري قدري إذا ما طبختها ... على إذا ما تطبخين حرام # ولكن بهذاك اليفاع فأوقدي ... بجزل إذا أوقدت لا بضرام # وقال أيضا: # وقائلة أهلكت بالجود مالنا ... ونفسك حتى ضربت نفسك جودها # فقلت ms208 دعيني إنما تلك عادتي ... لكل كريم عادة يستعيدها # وهو القاتل لغلامه يسار، وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه ~~فأوقد نارا في بقاع من الأرض، لينظر إليها من أضل الطريق ليلا فيصمد نحوه: # أوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا واقد ريح صر # عل يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفا فأنت حر # وقال أيضا: # أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتنا في طلابكم العذر # أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر # أماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر # أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما حل في مالي النذر # أماوي لا يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر # ترى إن ما أنفقت لم يك ضرتي ... وأن يدي مما بخلت به صفر # إذا أنا دلاني الذين بلونني ... بمظلمة لج جوانبها غبر # وراحوا سراعا ينفضون أكفهم ... يقولون قد أدمى أظافرنا الحفر # أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر # وقد يعلم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر # ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى باخوته الدهر # غنينا زمانا بالتقصد والغنى ... وكل سقانا وهو كاسينا الدهر # فما زادنا مأوى على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحلامنا الفقر # وله قصيدة طويلة تتعلق بالكرم ومكارم الأخلاق، وهي مسطورة في الخماسة ~~البصرية وغيرها.. وهي هذه: # وعاذلتين هبتا بعد هجعة ... تلومان متلافا مفيدا ملوما # تلومان لما غور النجم ضلة ... فتى لا يرى الإنفاق في الحمد مغرما # فقلت وقد طال العتاب عليهما ... وأوعدني تماني أن تبينا وتصرما # ألا لا تلوماني على ما تقدما ... كفى بصروف الدهر للمرء محكما # فإنكما لا ما مضى تدركانه ... ولست على ما فاتني متندما # فنفسك أكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى مدى الدهر مكرما # أهن للذي تهوى البلاد فإنه ... إذا مت كان المال نهبا مقسما # ولا تشقين فيه فيسد وارث ... به حين ms209 تغشى أغبر الجوف مظلما # يقسمه غنما ويشرى كرامة ... وقد صرت في خط من الأرض أعظما # قليلا به ما يحمدنك وارث ... إذا نال مما كنت تجمع مغنما # تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما # وعوراء قد أعرضت عنها فلم تضر ... وذمي أود قومته فتقوما # وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما # ولا أخذل المولى وإن كان خاذلا ... ولا أشتم ابن العم إن كان مفحما # ولا زادني عنه منأى تباعدا ... وإن كان ذا نقص من المال مصرما # وليل بهيم قد تسربلت هوله ... إذا الليل بالنكس الدنيء تجهما # ولن يكسب الصعلوك حمدا ولا غنى ... إذا هو لم يركب من الأمر معظما # لحا الله صعلوكا مناه وهمه ... من العيش أن يلقى لبوسا ومغنما # PageV01P114 # ينام الضحى حتى إذا نومه استوى ... تنبه مثلوج الفؤاد مورما # مقيم مع المثرين ليس ببارح ... إذا نال وجدي من الطعام ومجثما # ولله صعلوك يساور همه ... وتمضي على الأحداث والدهر مقدما # فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة إن نالها عد مغنما # إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما # ويغشى إذا ما كان يوم كريهة ... صدور العوالي فهو مختضب دما # يرى رمحه ونبله ومجنه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما # وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد فتى هيجا وطرفا مسموما # فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما # وعلى الجملة فشعر حاتم صوره لنفسه وأخلاقه وجوده، ولذلك قال ابن ~~الأعرابي: جوده يشبه شعره. # وهو غزير البحر، فياض بالأمثال والحكم والمعاني المتصلة بالجود واللوم ~~عليه وما يتصل به من جمال الذكر وحسن الأحدوثة. # وقد ترى بعض التفاوت في شعره، وذلك إنما يرجع إلى كثرة المدسوس عليه، ~~وجمع شعره في ديوان طبع بلندن وبيروت. وتوفي حاتم نحو سنة 45 ق. ه. # - 3 - ويقول فيه الشريشي في شرح المقامات: أبو عدي فارس شاعر جاهلي أحد ~~الأجواد الذين يضرب بهم المثل بل هو أشهر منهم، وهم كعب بن أمامة وهرم بن ~~سنان وحاتم، وكان إذا قاتل ms210 غلب وإذا غنم أنهب وإذا سئل وهب وإذا قامر سبق ~~وإذا أسر أطلق وإذا أثر أنفق ويقال إنه لا يعرف ميت قرى أضيافه إلا هو وذلك ~~أن ركبا من العرب نزلوا بموضع قبره وقد نفذ زادهم وفيهم رجل يكنى أبا خيبرى ~~فجعل يقول: أبا سفانة أما تقرى أضيافك أبا سفانة إن أضيافك جياع، ويعيدها، ~~فلما نام ثار من نومه وهو يقول: وا راحلتاه عقرت والله ناقتي، فقال له ~~أصحاب: وكيف؟ قال رأيت أبا سفانة قد انشق عنه قبره فاستوى قائما ينشدني: # أبا خيبرى لأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة لوامها # وماذا تريد إلى رمة ... بداوية صخب هامها # أتبغي أذاهم وأسعارها ... ودونك طي وأنعامها # ثم عمد إلى سيفي فانتضاه من غمده وعقر ناقتي وقال: دونكم فما أيقظني إلا ~~رغاؤها، وإذا الناقة ترغو ما تنبعث، فقالوا قد والله قراك حاتم. فنحروها ~~وأكلوا وتزودوا واقتسموا متاع أبي خيبرى واستمروا لوجهتهم فلما صاروا في ~~الظهيرة وضح لهم راكب يجنب بعيرا يؤم سمتهم حتى التقوا فقال لهم أفيكم أبو ~~خيبرى؟ قالوا نعم، فقال فإن عدي بن حاتم رأى أباه البارحة وهو يقول إن أبا ~~خيبرى وأصحابه استقروني فقريتهم ناقته فعوضه منها وزده بكرا يحمل عليه ~~متاعه وهذه الناقة وهذا البكر فارتحل أبو خيبرى الناقة وتخفف هو وأصحابه من ~~أزوادهم على البكر ومضوا بأتم قرى.. وأدرك عدي ابنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وروى عنه، وكان يحدث أصحابه بهذا الحديث بعد إسلامه.. وقال الشاعر في ~~عدي: # أبوك أبو سفانة الخير لم يزل ... لدن شاب حتى مات في الخير راغبا # قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا # وكانت سفانة بنته من أجود نساء العرب وكان أبوها يعطيها الصرمة من إبله ~~فتهبها وتعطيها للناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الغويين إذا اجتمعا في ~~المال أتلفاه فإما أن أعطي وتمسكي وإما أن أمسك وتعطي فإنه لا يبقى على هذا ~~شيء. فقالت والله لا أمسك أبدا. قال وأنا لا أمسك أبدا، قالت فلا نتجاور، ~~فقاسمها ماله ms211 وتباينا.. وحكي أن أمه كانت من أسخى الناس وأقراهم للضيف ~~وكانت لا تحبس شيئا تملكه، وهي عتبة بنت عفيف بن عمرو بن عبد القيس، فلما ~~رأى إخوتها إتلافها حجروا عليها ومنعوها مالها حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ~~ألم ذلك أعطوها سرمة من إبلها، فجاءتها امرأة من هوازن تسألها، فقالت دونك ~~الصرمة فخذيها فوالله لقد عضني من الجوع مالا أمنع بعده سائلا أبدا.. ثم ~~أنشأت تقول: # لعمري لقد ما عضني الجوع عضة ... فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا # فقولا لهذا اللائم اليوم أعفني ... فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا # فماذا عسيتم أن تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو عذل من كان معانا # وهل ما ترون اليوم إلا طبيعة ... وكيف بتركي ياابن أم الطبائعا؟ # PageV01P115 # فقد اكتنفه الجود من أمه وأبيه.. وقالت امرأته النوار: أصابتنا سنة ~~اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء وضنت المراضع عن أولادها فما تبض بقطرة ~~فأيقنا بالهلاك، فوالله إني لفي ليلة صبيرة بعيدة الطرفين إذ تضاعى صبيتنا ~~جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام إلى الصبيين وقمت إلى الصبية فوالله ما ~~سكتوا إلا بعد هدأة من الليل وأقبل يعللني بالحديث فعرفت ما يريد فتناومت، ~~فلما تغورت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال من هذا فقالت جاريتك ~~فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون من الجوع عواء الذئب فما وجدت معلولا إلا ~~عليك أبا عدي، فقال اعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم فأقبلت تحمل اثنين ويمشي ~~إلى جانبها أربعة كأنها نعامة حولها رثالها، فقام إلى فرسه فوجا لبتها ~~بمدية فخرت ثم كشط الجلد ودفع المدية إلى المرأة وقال: شأنك. فاجتمعنا على ~~اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا ويقول هبوا أيها القوم عليكم ~~بالنار فاجتمعوا، والتف في ثوبه ناحية ينظر إلينا والله إن ذاق منها مزعة، ~~وإنه لأحوج إليها منا فأصبحنا وما على الأرض منها إلا عظم وحافر فأنشأ ~~يقول: # مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقول لشيء فات ما فعلا # ولا تقولي لشيء كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت معطي ms212 العنس والجملا # يرى البخيل سبيل الماء واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا # ولم يكن يمسك شيئا ما عدا فرسه وسلاحه فإنه كان لا يجود بهما.. وذكر ~~الحريري أن عقيلا تمثل بقول حاتم: شنشنة أعرفها من أخزم. # - 4 - ويروى أن الحكم بن أبي العاص خرج ومعه عطر يريد الحيرة، وكان ~~بالحيرة سوق يجتمع إليها الناس كل سنة، فمر في طريقه بحاتم بن عبد الله ~~الطائي، فسأله الجوار في أرض طيء حتى يصير إلى الحيرة، فأجاره، ثم أمر حاتم ~~بجزور فنحرت وطبخت، ثم دعاهم إلى الطعام فأكلوا ولما فرغوا من الطعام طيبهم ~~الحكم من طيبه. # وكان النعمان بن المنذر قد جعل لبني لام ربع الطريق طعمة لهم، لأن بنت ~~سعد بن حارثة بن لأم كانت عنده ومر سعد بن حارثة بحاتم ومعه قومه من بني ~~لام، فوضع حاتم سفرته وقال: اطعموا حياكم الله! فقالوا: من هؤلاء الذين معك ~~يا حاتم؟ قال هؤلاء جيراني. قال له سعد: فأنت تجير علينا في بلادنا! قال ~~له: أنا ابن عمكم وأحق من لم تخفروا ذمته. فقالوا: لست هناك! وأرادوا أن ~~يفضحوه، ووثبوا إليه وتناول سعد حاتما، فأهوى له حاتم بالسيف، وأطار أرنبة ~~أنفه، ووقع الشر حتى تحاجزوا ثم قالت بنو لام لحاتم: بيننا وبينك سوق ~~الحيرة فنماجدك، ثم وضعوا تسعة أفراس رهنا ووضع حاتم فرسه رهنا عند رجل من ~~كلب وخرجوا حتى انتهوا إلى الحيرة. وسمع بذلك إياس بن قبيصة الطائي فخاف أن ~~يعينهم النعمان بن المنذر ويقويهم بماله وسلطانه للصهر الذي بينهم وبينه ~~فجمع رهطه من بني حية، وقال: يا بني حية إن هؤلاء القوم قد أرادوا أن ~~يفضحوا ابن عمكم في مماجدته، فقال رجل منهم: عندي ناقة سوداء ومائة ناقة ~~حمراء أدماء، وقام آخر فقال: عندي عشرة حصن على كل حصان منها فارس مدجج لا ~~يرى منه إلا عيناه، وقال حسان بن جبلة الخير: قد علمتم أن أبي قد مات وترك ~~خيرا كثيرا، فعلى كل خمر ولحم أو طعام ما أقاموا في سوق ms213 الحيرة، ثم قام ~~إياس فقال: على مثل جميع ما أعطيتم كلكم - وحاتم لا يعلم بشيء مما فعلوا. # وذهب حاتم إلى ابن عمه وهم بن عمرو، وكان مصارما له لا يكلمه فقالت له ~~امرأته: أي وهم، هذا والله أبو سفانة حاتم قد طلع. فقال: ما لنا ولحاتم! ~~أثبتي النظر. فقالت: ها هو. قال: ويحك! هو لا يكلمني، فما جاء به إلي؟ ثم ~~نزل حتى سلم عليه فرد سلامه وحياه ثم قال له: ما جاء بك يا حاتم؟ قال: ~~خاطرت على حسبك وحسبي. قال في الرحب والسعة، هذا مالي وعدته تسعمائة بعير ~~فخذها مائة مائة حتى تذهب الإبل أو تصيب ما تريد. # ثم إن إياس بن قبيصة قال لقومه: احملوني إلى الملك، وكان به نقرس، فحمل ~~حتى أدخل عليه فقال: أنعم صباحا أبيت اللعن! فقال النعمان: وحياك إليهك. ~~فقال إياس: أنمد أختانك بالمال والخيل وجعلت بني ثعل في قعر الكنانة! أظن ~~أختانك أن يصنعوا بحاتم كما صنعوا بعامر بن جوين لم يشعروا أن بني حية ~~بالبلد؟ فإن شئت والله ناجزناك حتى يسفح الوادي دما فليحضروا مجادهم غدا ~~بمجمع العرب. # PageV01P116 # فعرف النعمان الغضب في وجهه وكلامه فقال له: يا أحلمنا لا تغضب فإني ~~سأكفيك. وأرسل النعمان إلى سعد بن حارثة وإلى أصحابه فقال: انظروا ابن عمكم ~~حاتما فأرضوه، فوالله ما أنا بالذي أعطيكم مالي تبذرونه وما أطيق بني حية. # فخرج بنو لام إلى حاتم وقالوا له: أعرض عن هذا المجاد ندع أرش أنف ابن ~~عمنا. قال: لا والله لا أفعل حتى تتركوا أفراسكم ويغلب مجادكم، فتركوا أرش ~~أنف صاحبهم وأفراسهم وقالوا: قبحها الله وأبعدها! فعمد إليها حاتم فعقرها ~~وأطعمها الناس. # - 5 - ولما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طيء فريقا من جنده، ~~يقدمهم على عليه السلام، فزع عدي بن حاتم الطائي - وكان من أشد الناس عداء ~~لرسول الله - إلى الشام فصبح على القوم، واستاق خيلهم ونعمهم ورجالهم ~~ونساءهم إلى رسول الله. # فلما عرض عليه الأسرى نهضت من بين القوم سفانة بنت ms214 حاتم، فقالت: يا محمد، ~~هلك الوالد، وغاب المرافد. فإن رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب! ~~فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي ~~الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ويحمل الكل، ويعين ~~على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فرده خائبا، أنا بنت حاتم الطائي!. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقا، لو كان ~~أبوك مسلما لترحمنا عليه. خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق. ثم ~~قال: "ارحموا عزيزا ذل، وغنيا افتقر، وعالما ضاع بين جهال". وامتن عليها ~~بقومها فأطلقهم تكريما لها. # فاستأذنته في الدعاء له، فأذن لها. وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا. فقالت: ~~أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلا لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم ~~قوم إلا جعلك سببا في ردها عليه. # فلما أطلقها رجعت إلى أخيها عدي وهو بدومة الجندل، فقالت له: يا أخي إيت ~~هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله. فإني قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة. ~~ورأيت خصالا تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف ~~قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإن يكن نبيا فللسابق فضله، وإن ~~يكن ملكا فلن تزال في عز ملكه، فقدم عدي إلى رسول الله فأسلم، وأسلمت ~~سفانة!. # - 6 - ويروى أن عبد قيس بن خفاف البرجمي أتى حاتم طيء في دماء حملها عن ~~قومه، فأسلموه فيها، وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني. وكان ~~شريفا شاعرا شجاعا. # فلما قدم عليه قال: إنه وقعت بيني وبين قومي دماء فتواكلوها، وإني حملتها ~~في مالي وأهلي، فقدمت مالي وأخرت أهلي، وكنت أملي، فإن تحملتها فرب حق قد ~~قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائم لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك، ~~ثم أنشأ يقول: # حملت دماء للبراجم جمة ... فجئتك لما أسلمني البراجم # وقالوا سفاها: لم حملت دماءنا ... فعلت لهم: يكفي الحمالة حاتم # متى آته فيها يقل لي مرحبا ... وأهلا ms215 وسهلا أخطأتك الأشائم # فيحملها عني، وإن شئت زادني ... زيادة من جلت عليه المكارم # يعيش الندى ما عاش حاتم طيء ... فإن مات قامت للسخاء مآتم # ينادين: مات الجود معك فلا ترى ... مجيبا له ما حام في الجو حائم # وقال رجال: أنهب العام ماله ... فقلت لهم: إني بذلك عالم # ولكنه يعطى من أموال طيء ... إذا جلف المال الحقوق اللوازم # فيعطى التي فيها الغنى وكأنه ... لتصغيره تلك المطية جارم # بذلك أوصاه عدي وحشرج ... وسعد وعبد الله تلك القماقم # فقال له حاتم: إني كنت لأحبن مثلك من قومك، هذا مرباعي من مغارة على بني ~~تميم خذه وافرا، فإن وفى بالحمالة، وإلا كملتها لك، وهو مائنا بعير سوى ~~نيبها وفصالها، مع أني لا أحب أن تؤبس قومك بأموالهم. # فضحك أبو جبيل، وقال: أي بعير دفعته إلي، وليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه ~~بريء، فدفعها إليه وزاده مائة بعير فأخذها وانصرف راجعا إلى قومه، فقال ~~حاتم في ذلك: # أتاني البرجمي أبو جبيل ... لهم في حمالته طويل # فقلت له: خذ المرباع منها ... فإني لست أرضى بالقليل # على حال ولا عودت نفسي ... على علاتها علل البخيل # فخذها إنها مائنا بمير ... سوى الناب الرذية والفصيل # PageV01P117 # فلا من عليك بها، فإني ... رأيت المن يزرى بالجميل # فآب البرجمي وما عليه ... من أعباء الحمالة من فنيل # يجر الذيل ينفض مذرويه ... خفيف الظهر من حمل ثقيل! # - 7 - وقالت ماوية امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض، واغبر أفق ~~السماء وراحت الإبل حدبا حدابير، وضنت المراضع على أولادها، فما تبض بقطرة، ~~وحلقت ألسنة المال، وأبقنا بالهلاك. فوالله أنا لفي ليلة صنبر، بعيدة مابين ~~الطرفين، إذ تضاغى صبيتنا جوعا: عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى ~~الصبيين، وقمت أنا إلى الصبية، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، ~~فتناومت. # فلما تهورت النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد. فقال حاتم: من هذا؟ ~~قالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت ~~معلولا إلا عليك يا أبا عدي. فقال: أعجليهم فقد ms216 أشبعك الله!. # فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي بجانبها أربعة، كأنها نعامة حولها ~~رثالها، فقام حاتم إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخر. ثم كشطه ودفع المدية إلى ~~المرأة، فقال لها: شأنك! فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل. ثم جعل يمشي الحي ~~يأتيهم بيتا بيتا فيقول: هبوا أيها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا والتفع ~~وجلس في ناحية ينظر إلينا. فوالله إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا، ~~فأصبحنا وما على ظهر الأرض من الفرس إلا عظم وحافر، فأنشأ حاتم يقول: # مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا # ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت أعطي السهل والجبلا # يرى البخيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا # - 8 - ولما تزوج حاتم ماوية، وكانت من أحسن النساء، لبثت عنده زمنا ثم إن ~~ابن عم له يقال له مالك قال لماوية: ما تصنعين بحاتم؟ فوالله لئن وجد شيئا ~~ليتلفنه، ولئن لم يجد ليتكلفن، ولئن مات ليتركن ولده عيالا على قومه، طلقي ~~حاتما وأنا أتزوج بك، فأنا خير لك منه وأكثر مالا، وأنا أمسك عليك وعلى ~~ولدك. فقالت ماوية: صدقت إنه لكذلك فلم يزل بها حتى طلقت حاتما. # وكانت النساء أو بعضهن يطلقن الرجال في الجاهلية. وكان طلاقهن أنهن يحولن ~~أبواب بيوتهن إن كان الباب إلى المشرق جعلنه إلى المغرب، وإن كان الباب قبل ~~اليمن جعلنه قبل الشام، فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلقته فلم يأتها. # فأتى حاتم فوجدها قد حولت باب الخباء فقال لابنه: يا عدي ما ترى أمك؟ ما ~~عدا عليها! قال: لا أدري غير أنها غيرت باب الخباء، وكأنه لم يلحن لما قال. ~~فدعاه فهبط به بطن واد. # وجاء قوم فنزلوا على باب الخباء، كما كانوا ينزلون فتوافى خمسون رجلا ~~فضاقت بهم ماوية ذرعا، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى مالك فقولي له إن أضيافا ~~لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلا فأرسل إلينا بنات نقرهم ولبن نعبقهم. # وقالت لجاريتها: انظري إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلي ms217 منه وإن ~~ضرب بلحييه على زوره فارجعي ودعيه. # فلما أتت مالكا وجدته متوسدا وطبا من لبن، فأيقظته وأبلغته الرسالة ~~وقالت، إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكانه، فأدخل يده في رأسه وضرب ~~بلحييه على زوره، فقال لها: أقرئي عليها السلام، وقولي لها هذا الذي أمرتك ~~أن تطلقي حاتما من أجله. فما عندي من كبيرة، قد تركت العمل، وما كنت لأنحر ~~صفية غزيرة بشحم كلاها، وما عندي لبن يكفي أضياف حاتم. # فرجعت الجارية فأخبرتها بما رأت منه، وأعلمتها بمقالته، فقالت لها: ويلك ~~ائتي حاتما فقولي له: إن أضيافك قد نزلوا الليلة بنا، ولم يعلموا بمكانك، ~~فأرسل إلينا بنات ننحرها ونقرهم، وبلبن نسقهم، فإنما هي الليلة حتى يعرفوا ~~مكانك. # فأتت الجارية حاتما فصرخت به، فقال حاتم لبيك، قريبا دعوت، فقالت: إن ~~ماوية تقرأ عليك السلام، وتقول لك: إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة، فأرسل ~~إليهم بناب ننحرها لهم ولبن نسقهم. فقال: نعم وأبي! ثم قام إلى الإبل فأطلق ~~اثنتين من عقاليهما، ثم صاح بهما حتى أتى الخباء، فضرب عراقيبهما، فطفقت ~~ماوية تصيح وتقول: هذا الذي طلقتك فيه، تترك ولدك وليس لهم شيء. # - 9 - # PageV01P118 # وكانت امرأة من العرب من بنات ملوك اليمن ذات جمال وكمال، وحسب ومال، ~~فآلت ألا تزوج نفسها إلا من كريم، ولئن خطبها لئيم لتجد عن أنفه، فتحاماها ~~الناس حتى انتدب إليها زيد الخيل، وحاتم بن عبد الله، وأوس بن حارثة ~~الطائيون، فاتحلوا إليها. # فلما دخلوا عليها قالت مرحبا بكم، ما كنتم زوارا، فما الذي جاء بكم؟ ~~قالوا: جئنا زوارا خطابا، قالت أكفاء كرام، ثم أنزلتهم وفرقت بينهم وأسبغت ~~لهم القرى، وزادت فيه. # فلما كان اليوم الثاني بعثت بعض جواريها متنكرة في زي سائلة تتعرض لهم، ~~فرفع إليها زيد وأوس شطر ما حمل إلى كل واحد منهما، فلما صارت إ لى رحل ~~حاتم دفع إليها جميع ما كان من نفقته، وحمل إليها جميع ما حمل إليه. # فلما كان اليوم الثالث دخلوا عليها، فقالت ليصف كل واحد منكم نفسه في ~~شعره، ms218 فابتدر زيد وأنشأ يقول: # هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... عند الطعان إذا ما احمرت الحدق # وجاءت الخيل محمرا بوادرها ... بالماء يسفح من لباتها العلق # والجار يعلم أني لست خاذلة ... إن ناب دهر لعظم الجار معترق # هذا الثناء، فإن ترضى فراضية ... أو تسخطي فإلى من تعطف العنق؟ # وقال أوس بن حارثة: إنك لتعلمين أنا أكرم أحسابا، وأشهر أفعالا من أن نصف ~~أنفسنا لك، أنا الذي يقول فيه الشاعر: # إلى أوس بن حارثة بن لأم ... ليقضي حاجتي ولقد قضاها # فما وطئ الحصا مثل ابن سعدى ... ولا لبس النعال ولا احتذاها # وأنا الذي عقت عقيقته، وأعتقت عن كل شعرة فيها عنه نسمة، ثم أنشأ يقول: # فإن تنكحي ماوية الخير حاتما ... فما مثله فينا ولا في الأعاجم # فتى لا يزال الدهر أكبر همه ... فكاك أسير أو معونة غارم # وإن تنكحي زيدا ففارس قومه ... إذا الحرب يوما أقعدت كل قائم # وإن تنكحيني تنكحي غير فاجر ... ولا جارف جرف العشيرة هادم # ولا متق يوما إذا الحرب شمرت ... بأنفسها نفسي كفعل الأشائم # وإن طارق الأضياف لاذ برحله ... وجدت ابن سعدى للقرى غير عائم # فأي فتى أهدى لك الله فاقبلي ... فإنا كرام من رؤوس أكارم # وأنشأ حاتم يقول: # أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم عذر # أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر # أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما: حل في مالنا النزر # أماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر # أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر # ترى إن ما أنفقت لم يك ضائري ... وأن يدي مما بخلت به صفر # أماوي إني رب واحد أمه ... أخذت فلا قتل عليه ولا أسر # وقد علم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر # أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر # وإني لا آلو بمالي صنيعة ... فأوله زاد وآخره ذخر ms219 # يفك به العاني ويؤكل طيبا ... وما إن يعريه القداح ولا القمر # ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى بإخوته الدهر # غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر # فما زادنا بأوا على ذي قرابة ... غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر # وما ضر جارا ياابنة القوم فاعلمي ... يجاورني ألا يكون له ستر # بعيني عن جارات قومي غفلة ... وفي السمع مني عن أحاديثها وقر # فقالت أما أنت يا زيد فقد وترت العرب، وبقاؤك مع الحرة قليل، وأما أنت يا ~~أوس فرجل ذو ضرائر، والدخول عليهن شديد، وأما أنت يا حاتم فمرضي الأخلاق، ~~محمود الشيم، كريم النفس، وقد زوجتك نفسي. ### | شعراء النسيب في العصر الجاهلي # وهم كثيرون ومنهم: المرقش الأكبر 552 م، وعبد الله بن العجلان 566 م، ~~ومالك، وعنترة، ومسعود بن خراشة التميمي وقد أدرك الإسلام، ومنظور بن زبان ~~الفزاري. # ولهم شعر رائع وقصائد كثيرة قصروها على الغزل وحده كما في قصيدة المرقش ~~الأكبر: سرى ليلا خيال سليمى. # PageV01P119 # وقد يبدو أن نسيب فن إسلامي بدأه عمر بن أبي ربيعة وجميل وكثير وطبقتهم، ~~والحقيقة أن هؤلاء كانوا يحتذون مثالا لمن تقدمهم، وما أظن أحدا بلغ من صفة ~~النساء ما بلغ النابغة حين سأله النعمان أن يصف امرأته المتجردة، أو ما بلغ ~~المنخل اليشكري والمرار العدوي وسويد بن أبي كاهل وشعر المرقشين الأكبر ~~والأصغر وعبد الله بن العجلان النهدي وقيس بن الحدادية، ممن صدقوا الحب ~~ونسبوا في لفظ عفيف ومعنى نزيه مشهور معروف.. قال المرقش الأكبر: # سرى ليلا خيال من سليمى ... فأرقني أصحاب هجود # فبت أدير أمري كل حال ... وأرقب أهلها وهم بعيد # على أن قد سما طرفي لنار ... يشب لها بذي الآرطي وقود # حواليها مهاجم التراقي ... وآرام وغزلان رقود # نواعم لا تعالج بؤس العيش ... أوانس لا تروح ولا ترود # يرحن معا بطاء المشي بدا ... عليهن المحاسد والبرود # سكن ببلدة وسكنت أخرى ... وقطعت المواثق والعهود # فما بالي أفي ويخان عهدي ... وما بالي أصاد ولا أصيد # ورب أسيلة الخدين بكر ... منعمة لها فرع ms220 وجيد # وذو أشر شتيت النبت عذب ... نقي اللون براق برود # لهوت بها زمانا من شبابي ... وزارتها النجائب والقصيد # أناس كلما أخلقت وصلا ... عناني منهم وصل جديد # وقال: # نواعم أبكار سرائر بدن ... حسان الوجوه لينات السوالف # يهدلن في الآذان كل مذهب ... له زبد يعيان به كل واصف # قصرن شقيا لا يبالين غيه ... يعوجن من أعناقها بالمواقف # نشرن حديثا آنسا فوضعته ... خفيضا فلا يلغى به كل طائف # ولعبد الله بن العجلان: # ألا أبلغا هند أسلامي فإن نأت ... فقلبي مذ شطت بها الدار مدنف # ولم أر هندا بعد موقف ساعة ... بأنعم في أهل الديار تطوف # أنت بين أتراب تمايس إذ مشت ... دبيب القطا أو هن منهن أقطف # أشارت إلينا في خفاء وراعها ... سراة الضحى مني على الحي موقف # وقالت تباعد يا ابن عمي فإنني ... منيت بذي صول يغار ويعتف # وقال: # خليلي زورا قبل شحط النوى هندا ... ولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا # ولا تعجلا لم يدر صاحب حاجة ... أغيا يلاقى في التعجل أم رشدا # ومرا عليها بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لوجهيكما قصدا # وقولا لها ليس الضلال أجارنا ... ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا # وقال قيش بن الحدادية من قصيدة طويلة: # أجدك أن نعم نأت أنت جازع ... قد اقتربت لو أن ذلك نافع # قد اقتربت لو أن في قرب دارها ... نوالا ولكن كل من ضن مانع # وقد جاورتنا في شهور كثيرة ... فما نولت والله راء وسامع # وظني بها حفظ لغيبي ورعية ... لما استرعيت والظن بالغيب واسع # فقالت لقاء بعد حول وحجة ... وشحط النوى إلا لذي العهد قاطع # وقد يلتقي بعد الشتاء أولو النوى ... ويسترجع الحي السحاب اللوامع # ومنها: # كأن فؤادي بين شقين من عصا ... حذار وقوع البين والبين واقع # يحث بهم حاد سريع نجاؤه ... ومعرى عن الساقين واللوب واسع # فقلت لها يا نعم حلى محلنا ... فإن الهوى يا نعم والعيش جامع # فقالت وعيناها تفيضان عبرة ... بأهلي بين لي متى أنت راجع # فقلت لها تالله يدري مسافر ... إذا أضمرته الأرض ما الله صانع ms221 # فشدت على فيها اللثام وأعرضت ... وأمعن بالكحل السحيق المدامع # وإني لعهد الود راع وإنني ... بوصلك ما لم يطوني الموت طامع # فنصيب هذا العصر من النسيب كما رأيت أوفر وأجود مما توهم الأدباء، وهو ~~أصل ينتمي إليه بارع النسيب الإسلامي من قريب. ### | لبيد بن ربيعة ### | حياته وشعره # لبيد بن ربيعة من بني عامر بن صعصعة، وهي قبيلة مضرية، وأمه من بني عبس. ~~كان في الجاهلية شريفا جوادا شجاعا شاعرا وقد أدرك الإسلام وأسلم، وعمر ~~طويلا حتى مات في خلافة معاوية عام 41ه. وأكثر شعره قاله قبل الإسلام، فلما ~~أسلم لم يقل إلا قليلا. # وهو شاعر بدوي يصف في شعره حياة بدوية صحراوية ولاسيما في معلقته التي ~~مطلعها: # PageV01P120 # عفت الديار محلها فمقامها ... بمن تأبد غولها فرجامها # ويظهر أنه قالها في شبابه وهي تمثل الشعر البدوي في متانته وقوته. # وفي شعره بعد ذلك - وهو الذي عمله في الكهولة والشيخوخة على ما يظهر - ~~أثر الحكمة وقوة الشعور الديني كزهير، مثل قوله: # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعدما هو ساطع # وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولابد يوما أن ترد الودائع # وما الناس إلا عاملان: فعامل ... يتبر ما يبنى، وآخر رافع # وقصيدته التي مطلعها: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نفيم لا محالة زائل # وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل # وقصيدته: # إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي والعجل # أحمد الله ولا ند له ... بيديه الخير ما شاء فعل # من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل # وكان لبيد أحدث أصحاب المعلقات عصرا وآخرهم موتا. # وشعر لبيد مثال للفخامة والقوة والمتانة والبداوة فتراه فخم العبارة قوي ~~اللفظ قليل الحشو مزدانا بالحكمة العالية والموعظة الحسنة. # ولبيد من أحسن الجاهليين تصرفا في الرثاء وفخره قوي ينم عن شرفه وعزته ~~ومجده وحسبه العريق. وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصدق كلمة ~~قالها شاعر كلمة لبيد "ألا كل شيء ما خلا الله باطل". # وقد نظم لبيد الشعر في ms222 جاهليته وجرى به على سنن الأشراف والفرسان كعنترة ~~وعمرو بن كلثوم فلم يتكسب بشعره ولذلك ترى فيه ولاسيما معلقته قوة الفخر ~~والتحدث بالفتوة والنجدة والكرم وإيواء الجار وعزة القبيلة، ولم ينظم شعرا ~~بعد أن أسلم. # هذا ويقدم لبيد بعض النقاد محتجين بأنه أفضلهم في الجاهلية والإسلام ~~وأقلهم لغوا في شعره، وقالت عائشة رضي الله عنها: رحم الله لبيدا ما أشعره ~~في قوله: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب # لا ينفعون ولا يرجى خيرهم ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب # وكان لبيد جوادا شريفا في الجاهلية والإسلام وقصص جودة كثيرة. ### | ديوان لبيد # شرحه السكري والشيباني والأصمعي وابن السكيت والطوسي. ولم يصل إلينا من ~~ذلك كله إلا نصف شرح الطوسي في مخطوطة طبعها في فيينا يوسف ضياء الدين ~~الخالدي المقدسي سنة 1880 وفيها عشرون قصيدة هي الجزء الثاني من الديوان ~~وقد صدرت بمقدمة عن الديوان والشاعر. # وكذلك عنى بالديوان المستشرق هوبر الذي طبعه في ليدن سنة 1981 ووضع مقدمة ~~له في حياة لبيد، وأخرجه بإشراف بروكلمان. # ول ### | معلقة لبيد # شروح، وقد نشرها دي ساسي وقد ترجمها إلى الفرنسية أيضا. ### | مصادر حياة لبيد # ترجم له صاحب الأغاني في الجزء الرابع عشر، وابن قتيبة في الشعر والشعراء ~~وذكره ابن سلام في طلبقات الشعراء والمرزباني في الموشح. # وترجم له صاحب كتاب "تاريخ الأدب العربي في العصر الجاهلي"، والزيات في ~~كتابه تاريخ الأدب العربي، وأصحاب الوسيط والمفصل وسواهم. وترجم له أيضا في ~~سلسلة الروائع. # معلقة لبيد # لبيد بن ربيعة العامري من سادة العامريين القيسيين وأشرافهم وكان يقال ~~لأبيه ربيعة المعتربن وعمه ملاعب الأسنة عامر بن مالك أخذ أربعين مرباعا في ~~الجاهلية. # كان لبيد من شعراء الجاهلية وفرسانهم وقال الشعر في الجاهلية في كل غرض، ~~وأجرك الإسلام وأسلم وهجر الشعر وأقام بالكوفة إلى أن مات عام 41ه مائة ~~وسبع وخمسين سنة. # وسئل لبيد من أشعر الناس؟ فقال: الملك الضليل، ثم الشاب القتيل، ثم الشيخ ~~أبو عقيل يعني نفسه. وهو من أصحاب المعلقات، وكان نظم ms223 لبيد الجاهلية فجم ~~العبارة منضد اللفظ قليل الحشو مزدانا، فالحكمة العالية ثعات، وهو أحسن ~~الجاهليين تصرفا في الرثاء، وأكثرهم قدرة على تصوير عواطف المفجوع الحزين ~~بلفظ رائق وألوب مؤثر، وقدمه بعض النقاد "لأنه أفضل الشعراء في الجاهلية ~~والإسلام، وأقلهم لغوا في شعره". # ومعلقته لبيد تمتاز بقوة اللفظ ومتانة الأسلوب، وبما فيها من تصوير ~~للبادية والحياة والأخلاق فيها. # أ - بدأها لبيد بذكر الديار وخلوها من أصحابها وتعرضها للرياح والأمطار ~~تعبث بها ويمحو معالمها. قال: # عفت الديار محلها فمقامها ... بمعنى تأبد غولها فرجامها # PageV01P121 # وجلا السيول عن الطول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها # فوقفت أسألها، وكيف سؤالنا ... صما خوالد ما يبين كلامها # ثم يصف رحيل أحبابه عنها، حتى يقول: # بل ما نذكر من "نوار" وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها # مرية، حلت بفيد، وجاورت ... أهل الحجاز، فابن منك مرامها # وأخيرا، يرى لا أن يتسلى ويتعزى حتى يصل إلى رجائه وأمله، ولكن أن يقطع ~~أمله منها ويترك رجاءه فيها ويقطع صلته بها مادامت نوار قد تغير وصلها: # فاقطع لبانة من تعرص وصله ... ولشر واصل خلة صرامها # ب - ثم يأخذ في وصف ناقته في لفظ غريب وتعبير بدوي متين، ويطيل في هذا ~~الوصف ويشبهها بالأتان الوحشية وبالظبية الرؤوم المفجوعة إلى أن يقول: # فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أرجية السراب كامها # أقضي اللبانة لا أفرط ريبة ... أو أن يلوم بحاجة لوامها # أولم تكن تدري نوار بأنني ... وصال عقد حبائل جذامها # تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها # ج - ثم يتحدث عن نفسه وعزتها، ولذات الراح التي شارك فيها، وشجاعته ~~وبطولته في مواقف النزال والنضال، وكرامه وسخائه، ونواله للجار الفقير ~~والضيف النازل والجار الغريب وللبائسين والمساكين: # وجزور أيسار دعوت لحتفها ... بمغالق متشابه أعلامها # فالضيف والجار الغريب كأنما ... هبطا تبالة مخصبا أهضامها # تأوي إلى الأطناب كل رزية ... مثل البلية قالص أهدامها # د - ثم يفتخر بقومه ومآثرهم ورفهم ومجدهم فيقول: # من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها # فبنوا لنا بيتا رفيعا سمكه ... فسما إليه ms224 كهلها وغلامها # فاقنع بما قسم المليك فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها # وإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأعظم حظنا قسامها # فهم السعاة إذا العشيرة أفظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها # وهم ربيع للمجاور فيهم ... والمرملات إذا تطاول عامها ### | أعشى قيس 535 - 629م ### | حياته ### | 1 - # صناجة العرب أعشى قيس المعروف بالأعشى الأكبر، وهو أبو بصير ميمون بن ~~جندل بن شراحبيل بن عوف بن سعد من قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل من ربيعة بن ~~نزار بن معد بن عدنان. # وقيس بن ثعلبة من أشهر القبائل شاعرية وأكثرهم شعراء، والأعشى هو أحد ~~الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، وكانت العرب تتغنى بشعره وتسميه صناجة ~~العرب. # ولقب بالأعشى لضعف في بصره. ### | 2 - # والده قيس بن جندل يسمى قتيل الجوع، قال جهنام البكري: # أبوك قتيل الجوع قيس بن جندل ... وخالك عبد من خماعة راضع # روي أنه دخل غارا يستظل به من لفح الحر فوقعت صخرة فسدت الغار فمات جوعا. # وأمه أخت المسيب بن علس الشاعر 580م من بني خماعة من بني ضبيعة وتزوج ~~امرأة من بني عنزة من هزان ثم طلقها. ### | 3 - # ولد الأعشى بقرية من قرى اليمامة يقال لها منفوحة ونشأ راوية لخاله ~~المسيب وتتلمذ عليه في الشعر وبدأ حياته شابا فقيرا ماجنا يلعب القمار ~~ويشرب الخمر، ثم سكن الحيرة وتردد على النصارى فيها يأتيهم ويشرب الخمر ~~معهم، ثم جاب الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها يمدح ملوكها وأمراءها: # قد جبت مابين بانقيا إلى عدن ... وطال في العجم تردادي وتسياري # ويقول: # وطوفت للمال آفاقه ... عمان فحمص فأورشليم # أتيت النجاشي في داره ... وأرض النبيط وأرض العجم # وكان تطوافه سببا في كثرة معارفه وسعة ثقافته. # اتصل بنصارى نجران وبأهل الحيرة وبشريح بن السموءل اليهودي صاحب تيماء ~~بحصنه "الأبلق" وعده بعض الباحثين من النصارى، والظاهر أنه لم يؤمن بدين ~~وأن مسحة العقيدة النصرانية التي قد تبدو على شعره إنما كان منشؤها كثرة ~~تردده على الحيرة ومعاشرته لأهلها. # وكان يوافي سوق عكاظ وينشد فيه شعره فيحفظ عنه ويغني ms225 به ولذلك كانت العرب ~~تضيفه وتهاديه ليمدحها ويطير ذكرها. # PageV01P122 # قيل إن عبد العزى المحلق الكلابي كان أبوه من أشراف العرب فمات، وقد أتلف ~~ماله وبقي المحلق وثلاث أخوات له لم يترك لهم إلا ناقة واحدة وحلتي برود ~~جيدة فأقبل الأعشى في بعض أسفاره يريد منزله باليمامة، فنزل الماء الذي به ~~المحلق فقراه أهل الماء فأحسنوا قراه فأقبلت عمة المحلق فقالت يا ابن أخي ~~هذا الأعشى نزل بمائنا وقد قراه أهل الماء والعرب تزعم أنه لم يمدح قوما ~~إلا رفعهم ولم يهج قوما إلا وضعهم، فاحتل في زق خمر من عند بعض التجار ~~فأرسل إليه بهذه الناقة والزق وبردى أبيك، فوالله لئن اعتلج الكبد والسنام ~~والخمر في جوفه ونظر إلى عطفيه في البرد ليقولن فيك شعرا يرفعك به. قال: ما ~~أملك غير هذه الناقة وأنا أتوقع رسلها، فأخذت عمته تحضه، ثم دخل عليها وقال ~~قد ارتحل الرجل. قالت الآن والله أحسن ما كان القرى تتبعه ذلك مع غلام أبيك ~~فحيثما أدركه أخبره عنك أنك كنت غائبا عند نزوله الماء وأنك لما وردت فعلمت ~~أنه كان به كرهت أن يفوتك قراه، فإن هذا أحسن لموقعه عنده. فمازالت به حتى ~~فعل ذلك فخرج مولاه يتبع الأعشى، فكلما مر بماء قيل له: قد ارتحل أمس عنه، ~~حتى صار إلى منزله بمنفوحة، فوجد عنده جماعة من الفتيان قد غداهم بغير لحم ~~وسقاهم، فقرع الباب فقال لهم: انظروا من هذا. فدخلوا عليه وقالوا: رسول ~~المحلق الكلابي أتاك بكيت وكيت، ومازالوا به حتى أذن له، فدخل وأدى الرسالة ~~فقال له: أقرئه السلام وقل: وصلتك رحم سيأتيك ثناؤها. وقام الفتيان فنحروا ~~الجزور وأخذوا يشوون ويأكلون ويشربون من الخمر، فلما شبع الأعشى قال: # أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي تعشق # فسارت القصيدة وشاعت في العرب، فما أتى على المحلق سنة حتى زوج إخوته ~~الثلاث كل واحدة على مائة ناقة، فأيسر وشرف. # ويروى أن امرأة كسدت عليها بناتها فأتت الأعشى وسألته أن يشبب بواحدة ~~فواحدة ms226 منهن وبعثت له هدايا فما زال يشيب بواحدة منهن واحدة حتى زوجن ~~جميعا. ### | 4 - # وفد الأعشى على كسرى، وقصد النعمان بن المنذر وأنشده: # إليك ... أبيت اللعن # كان كلالها # تروح مع الليل الطويل وتغتدي # ثم أنشده قصيدته: # أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذي هوان تزارا # ويقال: إن الأعشى أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد ورحل به إلى ~~الملوك والأمراء وكان يغنى بشعره، فكانت العرب تسميه صناجة العرب، وكان بين ~~علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل مفاخرة، وكان الأعشى يمدح عامر بن الطفيل ~~ويهجو علقمة، ومما قال فيه: # علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر # فلما بلغ ذلك علقمة نذر دمه وجعل له على كل طريق رصدا، فخرج الأعشى يوما ~~يريد وجها فأخطأ به الدليل فألقاه في ديار عامر، فأخذه رهط علقمة فأتوه به ~~فقال: # علقم قد صيرتني الأمور ... إليك وما أنت لي منقص # فهب لي نفسي فدتك النفوس ... ولازلت تنمو ولا تنقص # فهم علقمة بقتله، ثم دخل إلى أمه، فقال لها: قد أمكنني الله من هذا ~~الأعمى الخبيث. قالت: فما تراك فاعلا به؟ قال سأقتله شر قتله. فقالت: يا ~~بني قد كنت أرجوك لقومك عامة وإني اليوم لأرجوك لنفسك خاصة وإنما الرأي أن ~~تكسوه وتحمله وتسيره إلى بلاده، فإنه لا يمحو عنك ما قاله إلا هو. ففعل ما ~~أمرته به وأحسن صلته، فقال الأعشى: # علقم يا خير بني عامر ... للضيف والصاحب والزائر # والضاحك السن على همه ... والغافر العثرة للعائر # ومدح شريح بن السموءل والأسود بن الهنذر أخا النعمان لأمه وكان من تيم ~~الرباب وهي قبائل من الياس بن مضر وكان أخوه ولاه عليهم وقد كان عنده أسرى ~~من بني سعد بن ضبيعة، فأتاه الأعشى ومدحه بقصيدته: # ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي وما ترد سؤالي # وسأله أن يطلقهم ففعل. وهذه القصيدة عند بعض العلماء معدودة من المعلقات ~~وبعضهم يذكر أن معلقته هي قصيدته: # ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل # وبعضهم يجعل معلقته هي ms227 مدحته للرسول: # ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا # وهي قصيدة رائعة. # ومدح قيس بن معد يكرب الكندي، وسواه. # PageV01P123 # وقال الأعشى يمدح السموءل، ويستجير بابنه شريح بن السموءل من رجل كلبي ~~كان الأعشى هجاه ثم أغار على قوم كان الأعشى نازلا فيهم، فأسره وهو لا ~~يعرفه، ثم سار حتى نزل بشريح بن السموءل فأحسن ضيافته، ومر بالأسرى فناداه ~~الأعشى: # سريح، لا تسلمني بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القد أظفاري # قد سرت ما بين بلقاء إلى عدن ... وطال في العجم تكراري وتسياري # فكان أكرمهم عهدا وأوثقهم ... عقدا أبوك بعرف غير إنكار # كالغيث مااستمطروه جاد وابله ... وفي الشدائد كالمستأسد الضاري # كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار # إذ سامه خطتي خسف فقال له ... قل ما تشاء فإني سامع حار # فقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر. وما فيهما حظ لمختار # فشك غير طويل ثم قال له: ... اقتل أسيرك، إني مانع جاري # هذا له خلف إن كنت قاتله ... وإن قتلت كريما غير خوار # وسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... رب كريم وقوم أهل اطهار # فاختار أدراعه كي لا يسب به ... ولم يكن وعده فيها بخنار # فجاء شريح الكلبي فقال: "هذا الأسير المنصور" فقال "هو لك" فأطلقه وقال ~~له الأعشى "إن تمام إحسانك إلى أن تعطيني ناقة ناجية وتخليني الساعة" ~~فأعطاه ناقة ناجية، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح ~~هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: "ابعث إلي الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه ~~وأعطيه" فقال: "قد مضى" فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه. # ولما وفد الأعشلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مدحه بقصيدته التي ~~أولها: # ألم تغمض عيناك ليلة أرمدا ... وعاك ما عاد السليم المسهد # وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا # وفيها يقول لناقته: # فأليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفا حتى تزور محمدا # نبي يرى مالا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا # متى ما تناخى ms228 عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله يدا # فبلغ خبره قريشا قط، فرصدوه على طريقه وقالوا: هذا صناجة العرب ما مدح ~~أحدا قط إلا رفع قدره. # فلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا ~~لأسلم. قالوا: إنه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك. قال: وما هي؟ فقال أبو ~~سفيان بن حرب: الزنا. قال: لقد تركني الزنا وتركته، ثم ماذا؟ قالوا: ~~القمار. قال لعلي إن لقيته أن أصيب منه عوضا من القمار، ثم ماذا؟ قالوا: ~~الربا. قال: ما دنت ولا أدنت، ثم ماذا؟ قالوا: الخمر. قال أوه! أرجع إلى ~~صبابة قد بقيت في المهراس فأشربها. # قال له أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن وهو ~~الآن في هدنة، فتأخذ مائة من الإبل، وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما ~~يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وإن ظهر علينا أتيته. ~~فقال: ما أكره ذلك. قال أبو سفيان: يا معشر قريش، هذا الأعشى! والله لئن ~~أتى محمدا وأتبعه ليضر من عليكم نيران العرب بشعره. فاجمعوا له مائة من ~~الإبل. ففعلوا، فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان بقاع منفوحة رمى به بعيره ~~فقتله. ### | شعر الأعشى ### | 1 - # للأعشى ديوان شعر كبير طبع مرارا، وقد قدمه كثير من النقاد محتجين بكثرة ~~طواله الجياد وتصرفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر، وقيل إنه أمدحهم ~~للملوك وأوصفهم للخمر وأغزرهم شعرا وأحسنهم قريضا. وقال عبد الملك بن مروان ~~لمؤدب أولاده: أدبهم برواية شعر الأعشى فإن لكلامه عذوبة، قاتله الله ما ~~كان أعذب بحره وأصلب صخره فمن زعم أن أحدا من الشعراء أشعر من الأعشى فليس ~~يعرف الشعر. # ومهما كان فهو أحد الأربعة الذين وقع الاتفاق على تقديمهم على من عداهم ~~وهم: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى، فهو من الطبقة الأولى عند كثير من ~~النقاد ويروى أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا ~~رغب والأعشى إذا طرب. ### | 2 - # ويمتاز ms229 شعره بمعارفه الواسعة، وقد أدخل فيه ألفاظا فارسية لإقامته في ~~الحيرة، ووصف سيل العرم والقصر الأبلق. # وأكثر الأعشى من وصف الخمر وما إليها من نديم وساقي وقينة وعود وأطال في ~~ذلك حتى عد إمام الأخطل وأبي نواس. # PageV01P124 ### | 3 - # وعلى أي حال، فعلى شعره رونق الحسن وطلاوة الأسلوب والبراعة في وصف الخمر ~~والإجادة مع الطول. # ولقوة طبعه وجلبة شعره سمي صناجة العرب حتى ليخيل إليك إذا أنشدت شعره أن ~~آخر ينشده معك. ولجلالة شعر الأعشى وأثره بين العرب كان يرفع الوضيع الخامل ~~وتضع الخامل الشريف. # ومن شعره قصيدته التي مدح بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعدها بعضهم ~~من المعلقات، ومطلعها: # ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا # وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم حلة مهددا # ولكن أرى الدهر الذي هو خائن ... إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا # شباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا # فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفي حتى تلاقي محمدا # متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله ندى # نبي يرى مالا يرون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا # له صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم يمنعه غدا # ومن شعر الأعشى قصيدته اللامية المعروفة التي يقول منها: # صدت هريرة عنا ما تكلمنا ... جهلا بأم خليد حبل من تصل؟ # أئن رأت رجلا أعشى أضربه ... ريب المنون ودهر مفند خبل # قالت هريرة لما جئت زائرها: ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل # إما ترينا حفاة، لا نعال لنا ... إنا كذلك ما نحفى وننتعل # وقد أقود الصبا يوما، فيتبعني ... وقد يصاحبني ذو الشرة الغزل # وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلوب شلشل شول # في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل # نازعتهم قضب الريحان متكئا ... وقهوة مزة رواوقها خضل # لا يستفيقون منها، وهي راهنة ... إلا بهات وإن علوا وإن نهلوا # يسعى بها ذو زجاجات له نطف ... قلص أسفل السربال معتمل # ومستجيب تخال ms230 الصنج يسمعه ... إذا ترجع فيه القينة الفضل # والساحبات ذيول الربط آونة ... والرافلات على أعجازها العجل # من كل ذلك يوم قد لهوت به ... وفي التجارب طول اللهو والغزل # أبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفك تأتكل # ألست منتهيا عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت لأبل # كناطع صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل # تغرى بنا رهط مسعود وإخوته ... يوم اللقاء، فتردى، ثم تعنزل # لا أعرفنك إن جدت عداوتنا ... والتمس النصر منكم عوض تحتمل # نلحم أبناء ذي الجدين إن غضبوا ... أرماحنا، ثم تلقاهم، وتعتزل # لا تقعدون، وقد أكلتها حطبا ... تعوذ من شرها يوما وتبتهل # سائل بني أسد عنا، فقد علموا ... أن سوف يأتيك من أنبائنا شكل # واسأل قشيرا وعبد الله كلهم ... واسأل ربيعة عنا كيف نفتعل # إنا نقاتلهم حتى نقتلهم ... عند اللقاء، وإن جاروا وإن جهلوا # قد كان في آل كهف إن هم احتربوا ... والجاشرية من يسعى وينتضل # إني لعمر الذي خطت مناسمها ... تخدى، وسيق إليه الباقر الغيل # لئن قتلتم عميدا لم يكن صددا ... لنقتلن مثله منكم، فنمتثل # لئن منيت بنا عن غب معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننفتل # لا تنتهون، ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل ### | السموأل بن عاديا # كان السموءل يهوديا مشهورا بالوفاء وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق، كانت ~~العرب تنزل فيه فيضيفها، وبالسموءل يضرب المثل في الوفاء. يقال أوفى من ~~السموءل، لأنه فضل قتل ابنه على التفريط في أمانة أودعها عنده امرؤ القيس ~~لما سار إلى الشام يريد قيصر، وكانت الأمانة أدرعا وفي ذلك يقول السموءل: # وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت # وأوصى عاديا يوما بأن لا ... تهدم يا سموءل ما بنيت # بني لي عاديا حصنا حصينا ... وماء كلما شئت استقيت # ومن أشعاره المعروفة قصيدة يمدح بها قومه، أوردها أبو تمام في كتاب ~~الحماسة، مطلعها: # إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل # PageV01P125 # وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل ms231 # وكان للسموءل أخ شاعر أيضا وابن يدعى شريحا مدحه الأعشى في شعره.. وعلى ~~ما يقول المحققون: إن السموءل عاش في أواخر الجيل السادس ومات في أوائل ~~الجيل السابع وكان معاصرا للأعشى، ويقال إنه توفي سنة 560م. ### | حاتم الطائي # - 1 - اشتهر بالجود والكرم حتى جرى ذكره مجرى الأمثال فيقال "أجود من ~~حاتم الطي" وقد وصل إلينا من شعره قليل جاء في ديوان الحماسة وكتاب الأغاني ~~وغيرهما من كتب الأدب، وله ديوان معروف باسمه وتوفي حاتم سنة 605م، وقبره ~~بعوارض، وهو جبل لبني طي، ويحكى عن جوده الحكايات الكثيرة، ومن غريبها أن ~~نفرا من بني أسد مروا بقبر حاتم فقالوا: نزلنا بحاتم فلم يقرنا، وجعلوا ~~ينادون: يا حاتم ألا تقرى أضيافك؟ ثم ناموا جميعا وكان رئيس القوم رجلا ~~يقال له أبو الخيبري فنام أيضا، حتى إذا كان السحر وثب وجعل يصيح: وا ~~رحلتاه. فقال له أصحابه: مالك! قال: خرج والله حاتم بالسيف وأنا أنظر إليه ~~حتى عقر ناقتي. قالوا: كذبت. فنظروا إلى راحلته فإذا هي منخزلة لا تنبعث. ~~قالوا والله قراك. فظلوا يأكلون من لحمها ثم أردفوه فانطلقوا فساروا، وإذا ~~راكب يلحقهم فنظروا فإذا هو عدي بن حاتم راكبا قارنا جملا أسود فلحقهم وقال ~~أيكم أبو الخبيري فدلوه عليه فقال جاءني أبي في النوم فذكر لي شتمك له وأنه ~~قرى راحلتك لأصحابك وقد قال في ذلك أبياتا ورددها حتى حفظتها وهي: # أبا الخيبرى وأنت امرؤ ... حسود العشيرة شتامها # فماذا أردت إلى رمة ... بداوية صخب هامها # تبغي أذاها وإعسارها ... وحولك غوث وانعامها # وإنا لنطعم أضيافنا من ال ... كرم بالسيف نعتامها # وقد أمرني أن أحملك على جمل فدونكه فأخذوه وركبه وذهبوا. # ولم يبلغ أحد في الجود ما بلغ حاتم، وهو من بني الحشرج من طي وأحد شعراء ~~الجاهلية.. ويكنى أبا عدي وأبا سفانة.. وأدرك ابنه الإسلام وأسلم. # قال عدي قلت يا رسول الله: إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال: إن ~~أباك أراد أمرا فأدركه يعني الذكر. وكانت سفانة بنته أتى بها ms232 إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالت، يا محمد هلك الولد، وغاب الرافد فإن رأيت أن ~~تتخلى عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي سيد قومه، وكان يفك العاني ~~ويحمي الذمار ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ولم يطلب إليه ~~طالب قط حاجة فرده، أنا ابنة حاتم طي.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا ~~جارية هذه صفة المؤمن لو كان أبوك إسلاميا لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن ~~أباها كان يحب مكارم الأخلاق. # قال ابن الأعرابي كان حاتم من شعراء الجاهلية، وكان جوادا يشبه جوده ~~شعره، ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفرا إذا قاتل ~~غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا ضرب بالقداح فاز، وإذا سابق سبق، وإذا أسر أطلق. ~~وكان إذا أهل رجب نحر في كل يوم عشرة من الإبل وأطعم الناس واجتمعوا عليه، ~~وكان أول ما ظهر من جوده أن أباه خلفه في إبله وهو غلام، فمر به جماعة من ~~الشعراء، فيهم عبيد بن الأبرص، وبشر بن أبي خازم، والنابغة الذبياني، ~~يريدون النعمان بن المنذر، فقالوا هل من قرى؟ ولم يعرفهم. فقال أتسألوني ~~القرى وقد رأيتم الإبل والغنم، انزلوا فنزلوا فنحر لكل واحد منهم، وسألهم ~~عن أسمائهم، فأخبروه ففرق فيهم الإبل والغنم، وجاء أبوه فقال: ما فعلت؟ قال ~~طوقتك مجد الدهر طةق الحمامة وعرفه القضية، فقال أبوه إذا لا أساكنك بعدها ~~أبدا ولا آويك. فقال حاتم: إذا لا أبالي. # ومن حديثه، أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة، فلما كان بأرض عنزة ناداه ~~أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الاسار والقمل. فقال: ويحك ما أنا في بلاد ~~قومي وما معي شيء، وقد أسأت بي إذ نوهت باسمي ومالك مترك، ثم ساوم به ~~العنزيين واشتراه منهم فخلاه وأقام مكانه في قيده حتى أتى بفدائه فأداه ~~إليهم. # PageV01P126 # وحدثت ماوية امرأة حاتم أن الناس أصابتهم سنة فأذهبت الخف والظلف فبتنا ~~ذات ليلة بأشد الجوع فأخذ حاتم عديا وأخذت سفانة فعللناهما حتى ناما، ثم ~~أخذ يعللني بالحديث ms233 لأنام، فرققت لما بعد من الجهد فأمسكت عن كلامه لينام ~~ويظن أني نائمة، فقال لي أنمت مرارا فلم أحبه، فسكت ونظر من وراء الخباء ~~فإذا شيء قد أقبل فرفع رأسه، فإذا امرأة تقول: يا أبا سفانة قد أتيتك من ~~عند صبية جياع. فقال أحضريني صبيانك فوالله فأشبعنهم. قالت: فقمت سريعا ~~فقلت بماذا يا حاتم فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل، فقام إلى ~~فرسه فذبحه ثم أجج نارا وقال اشتوى وكلي وأطعمي ولدك. وقال لي أيقظي صبيتك ~~فأيقظتهم، ثم قال والله إن هذا للؤم أن تأكلوا وأهل الصرم حالهم كحالكم ~~فجعل يأتي الصرم بيتا بيتا ويقول: عليكم النار فاجتمعوا وأكلوا وتقنع ~~بكسائه وقعد ناحية حتى لم يوجد من الفرس على الأرض قليل ولا كثير ولم يذق ~~منه شيئا. # - 2 - ولحاتم الطائي شعر كثير وهو من البلاغة بمكان، والمذكور في ديوانه ~~بعض منه ومن شعره يخاطب امرأته ماوية بنت عبد الله: # أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد # إذا ما صنعت الزاد فالتمس له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي # أخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذ مات الأحاديث من بعدي # وإني لعبد الضيف مادام ثاويا ... وما في إلا تلك من شيمة العبد # عني بذي البردين عامر بن أحيمر بن بهدلة. وكان من حديث البردين حين لقب ~~به أن الوفود اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء وهو المنذر بن امرئ القيس، ~~وماء السماء قيل أمه، نسب إليها لشرفها، وقيل لقبت بماء السماء لصفاء نسبها ~~ويقال لنقاء لونها، ويراد أنها كماء السماء لم يحتمل كدورة. وأخرج المنذر ~~بردين يوما يبلو الوفود، وقال ليقم أعز العرب قبيلة فليأخذهما، فقام عامر ~~بن أحيمر فأخذهما وائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر. فقال له المنذر: أأنت أعز ~~العرب قبيلة؟ قال العز والعدد في معد، ثم في نزار ثم في مضر، ثم في خندف ثم ~~في تميم، ثم في سعد ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا ~~فلينافرني. ms234 فسكت الناس، فقال المنذر هذه عشيرتك كما تزعم فكيف أنت في أهل ~~بيتك وفي نفسك؟ فقال أنا أبو عشرة وأخو عشرة وخال عشرة، وعم عشرة، وأما أنا ~~في نفسي فشاهد العز شاهدي ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها عن مكانها ~~فله مائة من الإبل؟ فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، ففاز بالبردين. # ومن شعر حاتم أيضا قوله: # وعاذلة قامت علي تلومني ... كأني إذا أعطيت مالي أضيمها # أعاذل أن الجود ليس بمهلكي ... ولا مخلد النفس الشحيحة لومها # وتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيبة في اللحد بال رميمها # ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها # ومن ذلك قوله أيضا: # أكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف أصحابي حين حاجتنا معا # أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا # وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا # وانك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا # وقال أيضا: # أما والذي لا يعلم السر غيره ... ويحيي العظام البيض وهيم رميم # لقد كنت أختار القرى طاوي الحشا ... محافظة من أن يقال لئيم # وإني لأستحيي يميني وبينها ... وبين فمي داجي الظلام بهيم # وقال أيضا: # ولما رأيت الناس هرت كلابهم ... ضربت بسيفي ساق أفعى فخرت # وقلت لأصباء صغار ونسوة ... بشهباء من ليل الثمانين قرت # عليكم من الشطين كل ورية ... إذا النار مست جانبيها أرمعلت # وقال أيضا: # لا تشتري قدري إذا ما طبختها ... على إذا ما تطبخين حرام # ولكن بهذاك اليفاع فأوقدي ... بجزل إذا أوقدت لا بضرام # وقال أيضا: # وقائلة أهلكت بالجود مالنا ... ونفسك حتى ضربت نفسك جودها # فقلت دعيني إنما تلك عادتي ... لكل كريم عادة يستعيدها # PageV01P127 # وهو القاتل لغلامه يسار، وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه ~~فأوقد نارا في بقاع من الأرض، لينظر إليها من أضل الطريق ليلا فيصمد نحوه: # أوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا واقد ريح صر # عل يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفا فأنت حر # وقال أيضا: ms235 # أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتنا في طلابكم العذر # أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر # أماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر # أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما حل في مالي النذر # أماوي لا يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر # ترى إن ما أنفقت لم يك ضرتي ... وأن يدي مما بخلت به صفر # إذا أنا دلاني الذين بلونني ... بمظلمة لج جوانبها غبر # وراحوا سراعا ينفضون أكفهم ... يقولون قد أدمى أظافرنا الحفر # أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر # وقد يعلم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر # ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى باخوته الدهر # غنينا زمانا بالتقصد والغنى ... وكل سقانا وهو كاسينا الدهر # فما زادنا مأوى على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحلامنا الفقر # وله قصيدة طويلة تتعلق بالكرم ومكارم الأخلاق، وهي مسطورة في الخماسة ~~البصرية وغيرها.. وهي هذه: # وعاذلتين هبتا بعد هجعة ... تلومان متلافا مفيدا ملوما # تلومان لما غور النجم ضلة ... فتى لا يرى الإنفاق في الحمد مغرما # فقلت وقد طال العتاب عليهما ... وأوعدني تماني أن تبينا وتصرما # ألا لا تلوماني على ما تقدما ... كفى بصروف الدهر للمرء محكما # فإنكما لا ما مضى تدركانه ... ولست على ما فاتني متندما # فنفسك أكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى مدى الدهر مكرما # أهن للذي تهوى البلاد فإنه ... إذا مت كان المال نهبا مقسما # ولا تشقين فيه فيسد وارث ... به حين تغشى أغبر الجوف مظلما # يقسمه غنما ويشرى كرامة ... وقد صرت في خط من الأرض أعظما # قليلا به ما يحمدنك وارث ... إذا نال مما كنت تجمع مغنما # تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما # وعوراء قد أعرضت عنها فلم تضر ... وذمي أود قومته فتقوما # وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما # ولا ms236 أخذل المولى وإن كان خاذلا ... ولا أشتم ابن العم إن كان مفحما # ولا زادني عنه منأى تباعدا ... وإن كان ذا نقص من المال مصرما # وليل بهيم قد تسربلت هوله ... إذا الليل بالنكس الدنيء تجهما # ولن يكسب الصعلوك حمدا ولا غنى ... إذا هو لم يركب من الأمر معظما # لحا الله صعلوكا مناه وهمه ... من العيش أن يلقى لبوسا ومغنما # ينام الضحى حتى إذا نومه استوى ... تنبه مثلوج الفؤاد مورما # مقيم مع المثرين ليس ببارح ... إذا نال وجدي من الطعام ومجثما # ولله صعلوك يساور همه ... وتمضي على الأحداث والدهر مقدما # فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة إن نالها عد مغنما # إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما # ويغشى إذا ما كان يوم كريهة ... صدور العوالي فهو مختضب دما # يرى رمحه ونبله ومجنه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما # وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد فتى هيجا وطرفا مسموما # فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما # وعلى الجملة فشعر حاتم صوره لنفسه وأخلاقه وجوده، ولذلك قال ابن ~~الأعرابي: جوده يشبه شعره. # وهو غزير البحر، فياض بالأمثال والحكم والمعاني المتصلة بالجود واللوم ~~عليه وما يتصل به من جمال الذكر وحسن الأحدوثة. # وقد ترى بعض التفاوت في شعره، وذلك إنما يرجع إلى كثرة المدسوس عليه، ~~وجمع شعره في ديوان طبع بلندن وبيروت. وتوفي حاتم نحو سنة 45 ق. ه. # - 3 - # PageV01P128 # ويقول فيه الشريشي في شرح المقامات: أبو عدي فارس شاعر جاهلي أحد الأجواد ~~الذين يضرب بهم المثل بل هو أشهر منهم، وهم كعب بن أمامة وهرم بن سنان ~~وحاتم، وكان إذا قاتل غلب وإذا غنم أنهب وإذا سئل وهب وإذا قامر سبق وإذا ~~أسر أطلق وإذا أثر أنفق ويقال إنه لا يعرف ميت قرى أضيافه إلا هو وذلك أن ~~ركبا من العرب نزلوا بموضع قبره وقد نفذ زادهم وفيهم رجل يكنى أبا خيبري ~~فجعل يقول: أبا سفانة أما تقرى أضيافك أبا سفانة إن أضيافك جياع، ويعيدها، ~~فلما نام ms237 ثار من نومه وهو يقول: وا راحلتاه عقرت والله ناقتي، فقال له ~~أصحاب: وكيف؟ قال رأيت أبا سفانة قد انشق عنه قبره فاستوى قائما ينشدني: # أبا خيبري لأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة لوامها # وماذا تريد إلى رمة ... بداوية صخب هامها # أتبغي أذاهم وأسعارها ... ودونك طي وأنعامها # ثم عمد إلى سيفي فانتضاه من غمده وعقر ناقتي وقال: دونكم فما أيقظني إلا ~~رغاؤها، وإذا الناقة ترغو ما تنبعث، فقالوا قد والله قراك حاتم. فنحروها ~~وأكلوا وتزودوا واقتسموا متاع أبي خيبري واستمروا لوجهتهم فلما صاروا في ~~الظهيرة وضح لهم راكب يجنب بعيرا يؤم سمتهم حتى التقوا فقال لهم أفيكم أبو ~~خيبري؟ قالوا نعم، فقال فإن عدي بن حاتم رأى أباه البارحة وهو يقول إن أبا ~~خيبري وأصحابه استقروني فقريتهم ناقته فعوضه منها وزده بكرا يحمل عليه ~~متاعه وهذه الناقة وهذا البكر فارتحل أبو خيبري الناقة وتخفف هو وأصحابه من ~~أزوادهم على البكر ومضوا بأتم قرى.. وأدرك عدي ابنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وروى عنه، وكان يحدث أصحابه بهذا الحديث بعد إسلامه.. وقال الشاعر في ~~عدي: # أبوك أبو سفانة الخير لم يزل ... لدن شاب حتى مات في الخير راغبا # قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا # وكانت سفانة بنته من أجود نساء العرب وكان أبوها يعطيها الصرمة من إبله ~~فتهبها وتعطيها للناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الغويين إذا اجتمعا في ~~المال أتلفاه فإما أن أعطي وتمسكي وإما أن أمسك وتعطي فإنه لا يبقى على هذا ~~شيء. فقالت والله لا أمسك أبدا. قال وأنا لا أمسك أبدا، قالت فلا نتجاور، ~~فقاسمها ماله وتباينا.. وحكي أن أمه كانت من أسخى الناس وأقراهم للضيف ~~وكانت لا تحبس شيئا تملكه، وهي عتبة بنت عفيف بن عمرو بن عبد القيس، فلما ~~رأى إخوتها إتلافها حجروا عليها ومنعوها مالها حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ~~ألم ذلك أعطوها سرمة من إبلها، فجاءتها امرأة من هوازن تسألها، فقالت دونك ~~الصرمة فخذيها فوالله لقد عضني ms238 من الجوع مالا أمنع بعده سائلا أبدا.. ثم ~~أنشأت تقول: # لعمري لقد ما عضني الجوع عضة ... فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا # فقولا لهذا اللائم اليوم أعفني ... فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا # فماذا عسيتم أن تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو عذل من كان معانا # وهل ما ترون اليوم إلا طبيعة ... وكيف بتركي ياابن أم الطبائعا؟ # فقد اكتنفه الجود من أمه وأبيه.. وقالت امرأته النوار: أصابتنا سنة ~~اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء وضنت المراضع عن أولادها فما تبض بقطرة ~~فأيقنا بالهلاك، فوالله إني لفي ليلة صبيرة بعيدة الطرفين إذ تضاعى صبيتنا ~~جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام إلى الصبيين وقمت إلى الصبية فوالله ما ~~سكتوا إلا بعد هدأة من الليل وأقبل يعللني بالحديث فعرفت ما يريد فتناومت، ~~فلما تغورت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال من هذا فقالت جاريتك ~~فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون من الجوع عواء الذئب فما وجدت معلولا إلا ~~عليك أبا عدي، فقال أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم فأقبلت تحمل اثنين ويمشي ~~إلى جانبها أربعة كأنها نعامة حولها رثالها، فقام إلى فرسه فوجا لبتها ~~بمدية فخرت ثم كشط الجلد ودفع المدية إلى المرأة وقال: شأنك. فاجتمعنا على ~~اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا ويقول هبوا أيها القوم عليكم ~~بالنار فاجتمعوا، والتف في ثوبه ناحية ينظر إلينا والله إن ذاق منها مزعة، ~~وإنه لأحوج إليها منا فأصبحنا وما على الأرض منها إلا عظم وحافر فأنشأ ~~يقول: # مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقول لشيء فات ما فعلا # PageV01P129 # ولا تقولي لشيء كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت معطي العنس والجملا # يرى البخيل سبيل الماء واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا # ولم يكن يمسك شيئا ما عدا فرسه وسلاحه فإنه كان لا يجود بهما.. وذكر ~~الحريري أن عقيلا تمثل بقول حاتم: شنشنة أعرفها من أخزم. # - 4 - ويروى أن الحكم بن أبي العاص خرج ومعه عطر يريد الحيرة، وكان ~~بالحيرة سوق يجتمع إليها الناس كل ms239 سنة، فمر في طريقه بحاتم بن عبد الله ~~الطائي، فسأله الجوار في أرض طيء حتى يصير إلى الحيرة، فأجاره، ثم أمر حاتم ~~بجزور فنحرت وطبخت، ثم دعاهم إلى الطعام فأكلوا ولما فرغوا من الطعام طيبهم ~~الحكم من طيبه. # وكان النعمان بن المنذر قد جعل لبني لام ربع الطريق طعمة لهم، لأن بنت ~~سعد بن حارثة بن لأم كانت عنده ومر سعد بن حارثة بحاتم ومعه قومه من بني ~~لام، فوضع حاتم سفرته وقال: اطعموا حياكم الله! فقالوا: من هؤلاء الذين معك ~~يا حاتم؟ قال هؤلاء جيراني. قال له سعد: فأنت تجير علينا في بلادنا! قال ~~له: أنا ابن عمكم وأحق من لم تخفروا ذمته. فقالوا: لست هناك! وأرادوا أن ~~يفضحوه، ووثبوا إليه وتناول سعد حاتما، فأهوى له حاتم بالسيف، وأطار أرنبة ~~أنفه، ووقع الشر حتى تحاجزوا ثم قالت بنو لام لحاتم: بيننا وبينك سوق ~~الحيرة فنماجدك، ثم وضعوا تسعة أفراس رهنا ووضع حاتم فرسه رهنا عند رجل من ~~كلب وخرجوا حتى انتهوا إلى الحيرة. وسمع بذلك إياس بن قبيصة الطائي فخاف أن ~~يعينهم النعمان بن المنذر ويقويهم بماله وسلطانه للصهر الذي بينهم وبينه ~~فجمع رهطه من بني حية، وقال: يا بني حية إن هؤلاء القوم قد أرادوا أن ~~يفضحوا ابن عمكم في مماجدته، فقال رجل منهم: عندي ناقة سوداء ومائة ناقة ~~حمراء أدماء، وقام آخر فقال: عندي عشرة حصن على كل حصان منها فارس مدجج لا ~~يرى منه إلا عيناه، وقال حسان بن جبلة الخير: قد علمتم أن أبي قد مات وترك ~~خيرا كثيرا، فعلى كل خمر ولحم أو طعام ما أقاموا في سوق الحيرة، ثم قام ~~إياس فقال: على مثل جميع ما أعطيتم كلكم - وحاتم لا يعلم بشيء مما فعلوا. # وذهب حاتم إلى ابن عمه وهم بن عمرو، وكان مصارما له لا يكلمه فقالت له ~~امرأته: أي وهم، هذا والله أبو سفانة حاتم قد طلع. فقال: ما لنا ولحاتم! ~~أثبتي النظر. فقالت: ها هو. قال: ويحك! هو لا يكلمني، ms240 فما جاء به إلي؟ ثم ~~نزل حتى سلم عليه فرد سلامه وحياه ثم قال له: ما جاء بك يا حاتم؟ قال: ~~خاطرت على حسبك وحسبي. قال في الرحب والسعة، هذا مالي وعدته تسعمائة بعير ~~فخذها مائة مائة حتى تذهب الإبل أو تصيب ما تريد. # ثم إن إياس بن قبيصة قال لقومه: احملوني إلى الملك، وكان به نقرس، فحمل ~~حتى أدخل عليه فقال: أنعم صباحا أبيت اللعن! فقال النعمان: وحياك إليهك. ~~فقال إياس: أنمد أختانك بالمال والخيل وجعلت بني ثعل في قعر الكنانة! أظن ~~أختانك أن يصنعوا بحاتم كما صنعوا بعامر بن جوين لم يشعروا أن بني حية ~~بالبلد؟ فإن شئت والله ناجزناك حتى يسفح الوادي دما فليحضروا مجادهم غدا ~~بمجمع العرب. # فعرف النعمان الغضب في وجهه وكلامه فقال له: يا أحلمنا لا تغضب فإني ~~سأكفيك. وأرسل النعمان إلى سعد بن حارثة وإلى أصحابه فقال: انظروا ابن عمكم ~~حاتما فأرضوه، فوالله ما أنا بالذي أعطيكم مالي تبذرونه وما أطيق بني حية. # فخرج بنو لام إلى حاتم وقالوا له: أعرض عن هذا المجاد ندع أرش أنف ابن ~~عمنا. قال: لا والله لا أفعل حتى تتركوا أفراسكم ويغلب مجادكم، فتركوا أرش ~~أنف صاحبهم وأفراسهم وقالوا: قبحها الله وأبعدها! فعمد إليها حاتم فعقرها ~~وأطعمها الناس. # - 5 - ولما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طيء فريقا من جنده، ~~يقدمهم على عليه السلام، فزع عدي بن حاتم الطائي - وكان من أشد الناس عداء ~~لرسول الله - إلى الشام فصبح على القوم، واستاق خيلهم ونعمهم ورجالهم ~~ونساءهم إلى رسول الله. # PageV01P130 # فلما عرض عليه الأسرى نهضت من بين القوم سفانة بنت حاتم، فقالت: يا محمد، ~~هلك الوالد، وغاب المرافد. فإن رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب! ~~فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي ~~الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ويحمل الكل، ويعين ~~على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فرده خائبا، أنا بنت حاتم الطائي!. # فقال ms241 النبي صلى الله عليه وسلم: يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقا، لو كان ~~أبوك مسلما لترحمنا عليه. خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق. ثم ~~قال: "ارحموا عزيزا ذل، وغنيا افتقر، وعالما ضاع بين جهال". وامتن عليها ~~بقومها فأطلقهم تكريما لها. # فاستأذنته في الدعاء له، فأذن لها. وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا. فقالت: ~~أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلا لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم ~~قوم إلا جعلك سببا في ردها عليه. # فلما أطلقها رجعت إلى أخيها عدي وهو بدومة الجندل، فقالت له: يا أخي إيت ~~هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله. فإني قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة. ~~ورأيت خصالا تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف ~~قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإن يكن نبيا فللسابق فضله، وإن ~~يكن ملكا فلن تزال في عز ملكه، فقدم عدي إلى رسول الله فأسلم، وأسلمت ~~سفانة!. # - 6 - ويروى أن عبد قيس بن خفاف البرجمي أتى حاتم طيء في دماء حملها عن ~~قومه، فأسلموه فيها، وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني. وكان ~~شريفا شاعرا شجاعا. # فلما قدم عليه قال: إنه وقعت بيني وبين قومي دماء فتواكلوها، وإني حملتها ~~في مالي وأهلي، فقدمت مالي وأخرت أهلي، وكنت أملي، فإن تحملتها فرب حق قد ~~قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائم لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك، ~~ثم أنشأ يقول: # حملت دماء للبراجم جمة ... فجئتك لما أسلمني البراجم # وقالوا سفاها: لم حملت دماءنا ... فعلت لهم: يكفي الحمالة حاتم # متى آته فيها يقل لي مرحبا ... وأهلا وسهلا أخطأتك الأشائم # فيحملها عني، وإن شئت زادني ... زيادة من جلت عليه المكارم # يعيش الندى ما عاش حاتم طيء ... فإن مات قامت للسخاء مآتم # ينادين: مات الجود معك فلا ترى ... مجيبا له ما حام في الجو حائم # وقال رجال: أنهب العام ماله ... فقلت لهم: إني بذلك عالم # ولكنه يعطى من أموال طيء ... إذا جلف المال الحقوق ms242 اللوازم # فيعطى التي فيها الغنى وكأنه ... لتصغيره تلك المطية جارم # بذلك أوصاه عدي وحشرج ... وسعد وعبد الله تلك القماقم # فقال له حاتم: إني كنت لأحب ن مثلك من قومك، هذا مرباعي من مغارة على بني ~~تميم خذه وافرا، فإن وفى بالحمالة، وإلا كملتها لك، وهو مائنا بعير سوى ~~نيبها وفصالها، مع أني لا أحب أن تؤبس قومك بأموالهم. # فضحك أبو جبيل، وقال: أي بعير دفعته إلي، وليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه ~~بريء، فدفعها إليه وزاده مائة بعير فأخذها وانصرف راجعا إلى قومه، فقال ~~حاتم في ذلك: # أتاني البرجمي أبو جبيل ... لهم في حمالته طويل # فقلت له: خذ المرباع منها ... فإني لست أرضى بالقليل # على حال ولا عودت نفسي ... على علاتها علل البخيل # فخذها إنها مائنا بمير ... سوى الناب الرذية والفصيل # فلا من عليك بها، فإني ... رأيت المن يزرى بالجميل # فآب البرجمي وما عليه ... من أعباء الحمالة من فنيل # يجر الذيل ينفض مذرويه ... خفيف الظهر من حمل ثقيل! # - 7 - وقالت ماوية امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض، واغبر أفق ~~السماء وراحت الإبل حدبا حدابير، وضنت المراضع على أولادها، فما تبض بقطرة، ~~وحلقت ألسنة المال، وأبقنا بالهلاك. فوالله أنا لفي ليلة صنبر، بعيدة مابين ~~الطرفين، إذ تضاغى صبيتنا جوعا: عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى ~~الصبيين، وقمت أنا إلى الصبية، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، ~~فتناومت. # PageV01P131 # فلما تهورت النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد. فقال حاتم: من هذا؟ ~~قالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت ~~معلولا إلا عليك يا أبا عدي. فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله!. # فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي بجانبها أربعة، كأنها نعامة حولها ~~رثالها، فقام حاتم إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخر. ثم كشطه ودفع المدية إلى ~~المرأة، فقال لها: شأنك! فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل. ثم جعل يمشي الحي ~~يأتيهم بيتا بيتا فيقول: هبوا أيها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا والتفع ~~وجلس في ناحية ينظر إلينا. ms243 فوالله إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا، ~~فأصبحنا وما على ظهر الأرض من الفرس إلا عظم وحافر، فأنشأ حاتم يقول: # مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا # ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت أعطي السهل والجبلا # يرى البخيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا # - 8 - ولما تزوج حاتم ماوية، وكانت من أحسن النساء، لبثت عنده زمنا ثم إن ~~ابن عم له يقال له مالك قال لماوية: ما تصنعين بحاتم؟ فوالله لئن وجد شيئا ~~ليتلفنه، ولئن لم يجد ليتكلفن، ولئن مات ليتركن ولده عيالا على قومه، طلقي ~~حاتما وأنا أتزوج بك، فأنا خير لك منه وأكثر مالا، وأنا أمسك عليك وعلى ~~ولدك. فقالت ماوية: صدقت إنه لكذلك فلم يزل بها حتى طلقت حاتما. # وكانت النساء أو بعضهن يطلقن الرجال في الجاهلية. وكان طلاقهن أنهن يحولن ~~أبواب بيوتهن إن كان الباب إلى المشرق جعلنه إلى المغرب، وإن كان الباب قبل ~~اليمن جعلنه قبل الشام، فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلقته فلم يأتها. # فأتى حاتم فوجدها قد حولت باب الخباء فقال لابنه: يا عدي ما ترى أمك؟ ما ~~عدا عليها! قال: لا أدري غير أنها غيرت باب الخباء، وكأنه لم يلحن لما قال. ~~فدعاه فهبط به بطن واد. # وجاء قوم فنزلوا على باب الخباء، كما كانوا ينزلون فتوافى خمسون رجلا ~~فضاقت بهم ماوية ذرعا، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى مالك فقولي له إن أضيافا ~~لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلا فأرسل إلينا بنات نقرهم ولبن نعبقهم. # وقالت لجاريتها: انظري إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه وإن ~~ضرب بلحييه على زوره فارجعي ودعيه. # فلما أتت مالكا وجدته متوسدا وطبا من لبن، فأيقظته وأبلغته الرسالة ~~وقالت، إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكانه، فأدخل يده في رأسه وضرب ~~بلحييه على زوره، فقال لها: أقرئي عليها السلام، وقولي لها هذا الذي أمرتك ~~أن تطلقي حاتما من أجله. فما عندي من كبيرة، قد ms244 تركت العمل، وما كنت لأنحر ~~صفية غزيرة بشحم كلاها، وما عندي لبن يكفي أضياف حاتم. # فرجعت الجارية فأخبرتها بما رأت منه، وأعلمتها بمقالته، فقالت لها: ويلك ~~ائتي حاتما فقولي له: إن أضيافك قد نزلوا الليلة بنا، ولم يعلموا بمكانك، ~~فأرسل إلينا بنات ننحرها ونقرهم، وبلبن نسقهم، فإنما هي الليلة حتى يعرفوا ~~مكانك. # فأتت الجارية حاتما فصرخت به، فقال حاتم لبيك، قريبا دعوت، فقالت: إن ~~ماوية تقرأ عليك السلام، وتقول لك: إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة، فأرسل ~~إليهم بناب ننحرها لهم ولبن نسقهم. فقال: نعم وأبي! ثم قام إلى الإبل فأطلق ~~اثنتين من عقاليهما، ثم صاح بهما حتى أتى الخباء، فضرب عراقيبهما، فطفقت ~~ماوية تصيح وتقول: هذا الذي طلقتك فيه، تترك ولدك وليس لهم شيء. # - 9 - وكانت امرأة من العرب من بنات ملوك اليمن ذات جمال وكمال، وحسب ~~ومال، فآلت ألا تزوج نفسها إلا من كريم، ولئن خطبها لئيم لتجد عن أنفه، ~~فتحاماها الناس حتى انتدب إليها زيد الخيل، وحاتم بن عبد الله، وأوس بن ~~حارثة الطائيون، فاتحلوا إليها. # فلما دخلوا عليها قالت مرحبا بكم، ما كنتم زوارا، فما الذي جاء بكم؟ ~~قالوا: جئنا زوارا خطابا، قالت أكفاء كرام، ثم أنزلتهم وفرقت بينهم وأسبغت ~~لهم القرى، وزادت فيه. # فلما كان اليوم الثاني بعثت بعض جواريها متنكرة في زي سائلة تتعرض لهم، ~~فرفع إليها زيد وأوس شطر ما حمل إلى كل واحد منهما، فلما صارت إلى رحل حاتم ~~دفع إليها جميع ما كان من نفقته، وحمل إليها جميع ما حمل إليه. # PageV01P132 # فلما كان اليوم الثالث دخلوا عليها، فقالت ليصف كل واحد منكم نفسه في ~~شعره، فابتدر زيد وأنشأ يقول: # هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... عند الطعان إذا ما احمرت الحدق # وجاءت الخيل محمرا بوادرها ... بالماء يسفح من لباتها العلق # والجار يعلم أني لست خاذلة ... إن ناب دهر لعظم الجار معترق # هذا الثناء، فإن ترضى فراضية ... أو تسخطي فإلى من تعطف العنق؟ # وقال أوس بن حارثة: إنك لتعلمين أنا أكرم أحسابا، ms245 وأشهر أفعالا من أن نصف ~~أنفسنا لك، أنا الذي يقول فيه الشاعر: # إلى أوس بن حارثة بن لأم ... ليقضي حاجتي ولقد قضاها # فما وطئ الحصا مثل ابن سعدى ... ولا لبس النعال ولا احتذاها # وأنا الذي عقت عقيقته، وأعتقت عن كل شعرة فيها عنه نسمة، ثم أنشأ يقول: # فإن تنكحي ماوية الخير حاتما ... فما مثله فينا ولا في الأعاجم # فتى لا يزال الدهر أكبر همه ... فكاك أسير أو معونة غارم # وإن تنكحي زيدا ففارس قومه ... إذا الحرب يوما أقعدت كل قائم # وإن تنكحيني تنكحي غير فاجر ... ولا جارف جرف العشيرة هادم # ولا متق يوما إذا الحرب شمرت ... بأنفسها نفسي كفعل الأشائم # وإن طارق الأضياف لاذ برحله ... وجدت ابن سعدى للقرى غير عائم # فأي فتى أهدى لك الله فاقبلي ... فإنا كرام من رؤوس أكارم # وأنشأ حاتم يقول: # أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم عذر # أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر # أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما: حل في مالنا النزر # أماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر # أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر # ترى إن ما أنفقت لم يك ضائري ... وأن يدي مما بخلت به صفر # أماوي إني رب واحد أمه ... أخذت فلا قتل عليه ولا أسر # وقد علم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر # أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر # وإني لا آلو بمالي صنيعة ... فأوله زاد وآخره ذخر # يفك به العاني ويؤكل طيبا ... وما إن يعريه القداح ولا القمر # ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى بإخوته الدهر # غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر # فما زادنا بأوا على ذي قرابة ... غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر # وما ضر جارا يا ابنة القوم فاعلمي ... يجاورني ألا يكون له ستر # بعيني عن ms246 جارات قومي غفلة ... وفي السمع مني عن أحاديثها وقر # فقالت أما أنت يا زيد فقد وترت العرب، وبقاؤك مع الحرة قليل، وأما أنت يا ~~أوس فرجل ذو ضرائر، والدخول عليهن شديد، وأما أنت يا حاتم فمرضي الأخلاق، ~~محمود الشيم، كريم النفس، وقد زوجتك نفسي. ### | أعشى قيس 535 - 629م ### | حياته ### | 1 - # صناجة العرب أعشى قيس المعروف بالأعشى الأكبر، وهو أبو بصير ميمون بن ~~جندل بن شراحبيل بن عوف بن سعد من قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل من ربيعة بن ~~نزار بن معد بن عدنان. # وقيس بن ثعلبة من أشهر القبائل شاعرية وأكثرهم شعراء، والأعشى هو أحد ~~الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، وكانت العرب تتغنى بشعره وتسميه صناجة ~~العرب. # ولقب بالأعشى لضعف في بصره. ### | 2 - # والده قيس بن جندل يسمى قتيل الجوع، قال جهنام البكري: # أبوك قتيل الجوع قيس بن جندل ... وخالك عبد من خماعة راضع # روي أنه دخل غارا يستظل به من لفح الحر فوقعت صخرة فسدت الغار فمات جوعا. # وأمه أخت المسيب بن علس الشاعر 580م من بني خماعة من بني ضبيعة وتزوج ~~امرأة من بني عنزة من هزان ثم طلقها. # PageV01P133 ### | 3 - # ولد الأعشى بقرية من قرى اليمامة يقال لها منفوحة ونشأ راوية لخاله ~~المسيب وتتلمذ عليه في الشعر وبدأ حياته شابا فقيرا ماجنا يلعب القمار ~~ويشرب الخمر، ثم سكن الحيرة وتردد على النصارى فيها يأتيهم ويشرب الخمر ~~معهم، ثم جاب الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها يمدح ملوكها وأمراءها: # قد جبت مابين بانقيا إلى عدن ... وطال في العجم تردادي وتسياري # ويقول: # وطوفت للمال آفاقه ... عمان فحمص فأورشليم # أتيت النجاشي في داره ... وأرض النبيط وأرض العجم # وكان تطوافه سببا في كثرة معارفه وسعة ثقافته. # اتصل بنصارى نجران وبأهل الحيرة وبشريح بن السموءل اليهودي صاحب تيماء ~~بحصنه "الأبلق" وعده بعض الباحثين من النصارى، والظاهر أنه لم يؤمن بدين ~~وأن مسحة العقيدة النصرانية التي قد تبدو على شعره إنما كان منشؤها كثرة ~~تردده على الحيرة ومعاشرته لأهلها. # وكان يوافي سوق ms247 عكاظ وينشد فيه شعره فيحفظ عنه ويغني به ولذلك كانت العرب ~~تضيفه وتهاديه ليمدحها ويطير ذكرها. # قيل إن عبد العزى المحلق الكلابي كان أبوه من أشراف العرب فمات، وقد أتلف ~~ماله وبقي المحلق وثلاث أخوات له لم يترك لهم إلا ناقة واحدة وحلتي برود ~~جيدة فأقبل الأعشى في بعض أسفاره يريد منزله باليمامة، فنزل الماء الذي به ~~المحلق فقراه أهل الماء فأحسنوا قراه فأقبلت عمة المحلق فقالت يا ابن أخي ~~هذا الأعشى نزل بمائنا وقد قراه أهل الماء والعرب تزعم أنه لم يمدح قوما ~~إلا رفعهم ولم يهج قوما إلا وضعهم، فاحتل في زق خمر من عند بعض التجار ~~فأرسل إليه بهذه الناقة والزق وبردى أبيك، فوالله لئن اعتلج الكبد والسنام ~~والخمر في جوفه ونظر إلى عطفيه في البرد ليقولن فيك شعرا يرفعك به. قال: ما ~~أملك غير هذه الناقة وأنا أتوقع رسلها، فأخذت عمته تحضه، ثم دخل عليها وقال ~~قد ارتحل الرجل. قالت الآن والله أحسن ما كان القرى تتبعه ذلك مع غلام أبيك ~~فحيثما أدركه أخبره عنك أنك كنت غائبا عند نزوله الماء وأنك لما وردت فعلمت ~~أنه كان به كرهت أن يفوتك قراه، فإن هذا أحسن لموقعه عنده. فمازالت به حتى ~~فعل ذلك فخرج مولاه يتبع الأعشى، فكلما مر بماء قيل له: قد ارتحل أمس عنه، ~~حتى صار إلى منزله بمنفوحة، فوجد عنده جماعة من الفتيان قد غداهم بغير لحم ~~وسقاهم، فقرع الباب فقال لهم: انظروا من هذا. فدخلوا عليه وقالوا: رسول ~~المحلق الكلابي أتاك بكيت وكيت، ومازالوا به حتى أذن له، فدخل وأدى الرسالة ~~فقال له: أقرئه السلام وقل: وصلتك رحم سيأتيك ثناؤها. وقام الفتيان فنحروا ~~الجزور وأخذوا يشوون ويأكلون ويشربون من الخمر، فلما شبع الأعشى قال: # أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي تعشق # فسارت القصيدة وشاعت في العرب، فما أتى على المحلق سنة حتى زوج إخوته ~~الثلاث كل واحدة على مائة ناقة، فأيسر وشرف. # ويروى أن امرأة كسدت عليها بناتها ms248 فأتت الأعشى وسألته أن يشبب بواحدة ~~فواحدة منهن وبعثت له هدايا فما زال يشيب بواحدة منهن واحدة حتى زوجن ~~جميعا. ### | 4 - # وفد الأعشى على كسرى، وقصد النعمان بن المنذر وأنشده: # إليك ... أبيت اللعن # كان كلالها # تروح مع الليل الطويل وتغتدي # ثم أنشده قصيدته: # أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذي هوان تزارا # ويقال: إن الأعشى أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد ورحل به إلى ~~الملوك والأمراء وكان يغنى بشعره، فكانت العرب تسميه صناجة العرب، وكان بين ~~علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل مفاخرة، وكان الأعشى يمدح عامر بن الطفيل ~~ويهجو علقمة، ومما قال فيه: # علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر # فلما بلغ ذلك علقمة نذر دمه وجعل له على كل طريق رصدا، فخرج الأعشى يوما ~~يريد وجها فأخطأ به الدليل فألقاه في ديار عامر، فأخذه رهط علقمة فأتوه به ~~فقال: # علقم قد صيرتني الأمور ... إليك وما أنت لي منقص # فهب لي نفسي فدتك النفوس ... ولازلت تنمو ولا تنقص # PageV01P134 # فهم علقمة بقتله، ثم دخل إلى أمه، فقال لها: قد أمكنني الله من هذا ~~الأعمى الخبيث. قالت: فما تراك فاعلا به؟ قال سأقتله شر قتله. فقالت: يا ~~بني قد كنت أرجوك لقومك عامة وإني اليوم لأرجوك لنفسك خاصة وإنما الرأي أن ~~تكسوه وتحمله وتسيره إلى بلاده، فإنه لا يمحو عنك ما قاله إلا هو. ففعل ما ~~أمرته به وأحسن صلته، فقال الأعشى: # علقم يا خير بني عامر ... للضيف والصاحب والزائر # والضاحك السن على همه ... والغافر العثرة للعائر # ومدح شريح بن السموءل والأسود بن الهنذر أخا النعمان لأمه وكان من تيم ~~الرباب وهي قبائل من الياس بن مضر وكان أخوه ولاه عليهم وقد كان عنده أسرى ~~من بني سعد بن ضبيعة، فأتاه الأعشى ومدحه بقصيدته: # ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي وما ترد سؤالي # وسأله أن يطلقهم ففعل. وهذه القصيدة عند بعض العلماء معدودة من المعلقات ~~وبعضهم يذكر أن معلقته هي قصيدته: # ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق ms249 وداعا أيها الرجل # وبعضهم يجعل معلقته هي مدحته للرسول: # ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا # وهي قصيدة رائعة. # ومدح قيس بن معد يكرب الكندي، وسواه. # وقال الأعشى يمدح السموءل، ويستجير بابنه شريح بن السموءل من رجل كلبي ~~كان الأعشى هجاه ثم أغار على قوم كان الأعشى نازلا فيهم، فأسره وهو لا ~~يعرفه، ثم سار حتى نزل بشريح بن السموءل فأحسن ضيافته، ومر بالأسرى فناداه ~~الأعشى: # سريح، لا تسلمني بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القد أظفاري # قد سرت ما بين بلقاء إلى عدن ... وطال في العجم تكراري وتسياري # فكان أكرمهم عهدا وأوثقهم ... عقدا أبوك بعرف غير إنكار # كالغيث مااستمطروه جاد وابله ... وفي الشدائد كالمستأسد الضاري # كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار # إذ سامه خطتي خسف فقال له ... قل ما تشاء فإني سامع حار # فقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر. وما فيهما حظ لمختار # فشك غير طويل ثم قال له: ... اقتل أسيرك، إني مانع جاري # هذا له خلف إن كنت قاتله ... وإن قتلت كريما غير خوار # وسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... رب كريم وقوم أهل اطهار # فاختار أدراعه كي لا يسب به ... ولم يكن وعده فيها بخنار # فجاء شريح الكلبي فقال: "هذا الأسير المنصور" فقال "هو لك" فأطلقه وقال ~~له الأعشى "إن تمام إحسانك إلى أن تعطيني ناقة ناجية وتخليني الساعة" ~~فأعطاه ناقة ناجية، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح ~~هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: "ابعث إلي الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه ~~وأعطيه" فقال: "قد مضى" فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه. # ولما وفد الأعشلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مدحه بقصيدته التي ~~أولها: # ألم تغمض عيناك ليلة أرمدا ... وعاك ما عاد السليم المسهد # وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا # وفيها يقول لناقته: # فأليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفا حتى تزور محمدا # نبي يرى مالا ترون وذكره ... أغار ms250 لعمري في البلاد وأنجدا # متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله يدا # فبلغ خبره قريشا قط، فرصدوه على طريقه وقالوا: هذا صناجة العرب ما مدح ~~أحدا قط إلا رفع قدره. # فلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا ~~لأسلم. قالوا: إنه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك. قال: وما هي؟ فقال أبو ~~سفيان بن حرب: الزنا. قال: لقد تركني الزنا وتركته، ثم ماذا؟ قالوا: ~~القمار. قال لعلي إن لقيته أن أصيب منه عوضا من القمار، ثم ماذا؟ قالوا: ~~الربا. قال: ما دنت ولا أدنت، ثم ماذا؟ قالوا: الخمر. قال أوه! أرجع إلى ~~صبابة قد بقيت في المهراس فأشربها. # PageV01P135 # قال له أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن وهو ~~الآن في هدنة، فتأخذ مائة من الإبل، وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما ~~يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وإن ظهر علينا أتيته. ~~فقال: ما أكره ذلك. قال أبو سفيان: يا معشر قريش، هذا الأعشى! والله لئن ~~أتى محمدا وأتبعه ليضر من عليكم نيران العرب بشعره. فاجمعوا له مائة من ~~الإبل. ففعلوا، فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان بقاع منفوحة رمى به بعيره ~~فقتله. ### | شعر الأعشى ### | 1 - # للأعشى ديوان شعر كبير طبع مرارا، وقد قدمه كثير من النقاد محتجين بكثرة ~~طواله الجياد وتصرفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر، وقيل إنه أمدحهم ~~للملوك وأوصفهم للخمر وأغزرهم شعرا وأحسنهم قريضا. وقال عبد الملك بن مروان ~~لمؤدب أولاده: أدبهم برواية شعر الأعشى فإن لكلامه عذوبة، قاتله الله ما ~~كان أعذب بحره وأصلب صخره فمن زعم أن أحدا من الشعراء أشعر من الأعشى فليس ~~يعرف الشعر. # ومهما كان فهو أحد الأربعة الذين وقع الاتفاق على تقديمهم على من عداهم ~~وهم: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى، فهو من الطبقة الأولى عند كثير من ~~النقاد ويروى أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير ms251 إذا ~~رغب والأعشى إذا طرب. ### | 2 - # ويمتاز شعره بمعارفه الواسعة، وقد أدخل فيه ألفاظا فارسية لإقامته في ~~الحيرة، ووصف سيل العرم والقصر الأبلق. # وأكثر الأعشى من وصف الخمر وما إليها من نديم وساقي وقينة وعود وأطال في ~~ذلك حتى عد إمام الأخطل وأبي نواس. ### | 3 - # وعلى أي حال، فعلى شعره رونق الحسن وطلاوة الأسلوب والبراعة في وصف الخمر ~~والإجادة مع الطول. # ولقوة طبعه وجلبة شعره سمي صناجة العرب حتى ليخيل إليك إذا أنشدت شعره أن ~~آخر ينشده معك. ولجلالة شعر الأعشى وأثره بين العرب كان يرفع الوضيع الخامل ~~وتضع الخامل الشريف. # ومن شعره قصيدته التي مدح بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعدها بعضهم ~~من المعلقات، ومطلعها: # ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا # وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم حلة مهددا # ولكن أرى الدهر الذي هو خائن ... إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا # شباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا # فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفي حتى تلاقي محمدا # متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله ندى # نبي يرى مالا يرون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا # له صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم يمنعه غدا # ومن شعر الأعشى قصيدته اللامية المعروفة التي يقول منها: # صدت هريرة عنا ما تكلمنا ... جهلا بأم خليد حبل من تصل؟ # أئن رأت رجلا أعشى أضربه ... ريب المنون ودهر مفند خبل # قالت هريرة لما جئت زائرها: ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل # إما ترينا حفاة، لا نعال لنا ... إنا كذلك ما نحفى وننتعل # وقد أقود الصبا يوما، فيتبعني ... وقد يصاحبني ذو الشرة الغزل # وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلوب شلشل شول # في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل # نازعتهم قضب الريحان متكئا ... وقهوة مزة رواوقها خضل # لا يستفيقون منها، وهي راهنة ... إلا بهات وإن علوا وإن نهلوا # يسعى بها ذو زجاجات له ms252 نطف ... قلص أسفل السربال معتمل # ومستجيب تخال الصنج يسمعه ... إذا ترجع فيه القينة الفضل # والساحبات ذيول الربط آونة ... والرافلات على أعجازها العجل # من كل ذلك يوم قد لهوت به ... وفي التجارب طول اللهو والغزل # أبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفك تأتكل # ألست منتهيا عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت لأبل # كناطع صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل # تغرى بنا رهط مسعود وإخوته ... يوم اللقاء، فتردى، ثم تعنزل # لا أعرفنك إن جدت عداوتنا ... والتمس النصر منكم عوض تحتمل # PageV01P136 # نلحم أبناء ذي الجدين إن غضبوا ... أرماحنا، ثم تلقاهم، وتعتزل # لا تقعدون، وقد أكلتها حطبا ... تعوذ من شرها يوما وتبتهل # سائل بني أسد عنا، فقد علموا ... أن سوف يأتيك من أنبائنا شكل # واسأل قشيرا وعبد الله كلهم ... واسأل ربيعة عنا كيف نفتعل # إنا نقاتلهم حتى نقتلهم ... عند اللقاء، وإن جاروا وإن جهلوا # قد كان في آل كهف إن هم احتربوا ... والجاشرية من يسعى وينتضل # إني لعمر الذي خطت مناسمها ... تخدى، وسيق إليه الباقر الغيل # لئن قتلتم عميدا لم يكن صددا ... لنقتلن مثله منكم، فنمتثل # لئن منيت بنا عن غب معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننفتل # لا تنتهون، ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل ### | السموأل بن عاديا # كان السموءل يهوديا مشهورا بالوفاء وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق، كانت ~~العرب تنزل فيه فيضيفها، وبالسموءل يضرب المثل في الوفاء. يقال أوفى من ~~السموءل، لأنه فضل قتل ابنه على التفريط في أمانة أودعها عنده امرؤ القيس ~~لما سار إلى الشام يريد قيصر، وكانت الأمانة أدرعا وفي ذلك يقول السموءل: # وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت # وأوصى عاديا يوما بأن لا ... تهدم يا سموءل ما بنيت # بني لي عاديا حصنا حصينا ... وماء كلما شئت استقيت # ومن أشعاره المعروفة قصيدة يمدح بها قومه، أوردها أبو تمام في كتاب ~~الحماسة، مطلعها: # إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل # وإن هو لم يحمل على ms253 النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل # وكان للسموءل أخ شاعر أيضا وابن يدعى شريحا مدحه الأعشى في شعره.. وعلى ~~ما يقول المحققون: إن السموءل عاش في أواخر الجيل السادس ومات في أوائل ~~الجيل السابع وكان معاصرا للأعشى، ويقال إنه توفي سنة 560م. ### | حاتم الطائي # - 1 - اشتهر بالجود والكرم حتى جرى ذكره مجرى الأمثال فيقال "أجود من ~~حاتم الطي" وقد وصل إلينا من شعره قليل جاء في ديوان الحماسة وكتاب الأغاني ~~وغيرهما من كتب الأدب، وله ديوان معروف باسمه وتوفي حاتم سنة 605م، وقبره ~~بعوارض، وهو جبل لبني طي، ويحكى عن جوده الحكايات الكثيرة، ومن غريبها أن ~~نفرا من بني أسد مروا بقبر حاتم فقالوا: نزلنا بحاتم فلم يقرنا، وجعلوا ~~ينادون: يا حاتم ألا تقرى أضيافك؟ ثم ناموا جميعا وكان رئيس القوم رجلا ~~يقال له أبو الخيبري فنام أيضا، حتى إذا كان السحر وثب وجعل يصيح: وا ~~رحلتاه. فقال له أصحابه: مالك! قال: خرج والله حاتم بالسيف وأنا أنظر إليه ~~حتى عقر ناقتي. قالوا: كذبت. فنظروا إلى راحلته فإذا هي منخزلة لا تنبعث. ~~قالوا والله قراك. فظلوا يأكلون من لحمها ثم أردفوه فانطلقوا فساروا، وإذا ~~راكب يلحقهم فنظروا فإذا هو عدي بن حاتم راكبا قارنا جملا أسود فلحقهم وقال ~~أيكم أبو الخبيري فدلوه عليه فقال جاءني أبي في النوم فذكر لي شتمك له وأنه ~~قرى راحلتك لأصحابك وقد قال في ذلك أبياتا ورددها حتى حفظتها وهي: # أبا الخيبرى وأنت امرؤ ... حسود العشيرة شتامها # فماذا أردت إلى رمة ... بداوية صخب هامها # تبغي أذاها وإعسارها ... وحولك غوث وانعامها # وإنا لنطعم أضيافنا من ال ... كرم بالسيف نعتامها # وقد أمرني أن أحملك على جمل فدونكه فأخذوه وركبه وذهبوا. # ولم يبلغ أحد في الجود ما بلغ حاتم، وهو من بني الحشرج من طي وأحد شعراء ~~الجاهلية.. ويكنى أبا عدي وأبا سفانة.. وأدرك ابنه الإسلام وأسلم. # قال عدي قلت يا رسول الله: إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال: إن ~~أباك أراد أمرا فأدركه ms254 يعني الذكر. وكانت سفانة بنته أتى بها إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالت، يا محمد هلك الولد، وغاب الرافد فإن رأيت أن ~~تتخلى عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي سيد قومه، وكان يفك العاني ~~ويحمي الذمار ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ولم يطلب إليه ~~طالب قط حاجة فرده، أنا ابنة حاتم طي.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا ~~جارية هذه صفة المؤمن لو كان أبوك إسلاميا لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن ~~أباها كان يحب مكارم الأخلاق. # PageV01P137 # قال ابن الأعرابي كان حاتم من شعراء الجاهلية، وكان جوادا يشبه جوده ~~شعره، ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفرا إذا قاتل ~~غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا ضرب بالقداح فاز، وإذا سابق سبق، وإذا أسر أطلق. ~~وكان إذا أهل رجب نحر في كل يوم عشرة من الإبل وأطعم الناس واجتمعوا عليه، ~~وكان أول ما ظهر من جوده أن أباه خلفه في إبله وهو غلام، فمر به جماعة من ~~الشعراء، فيهم عبيد بن الأبرص، وبشر بن أبي خازم، والنابغة الذبياني، ~~يريدون النعمان بن المنذر، فقالوا هل من قرى؟ ولم يعرفهم. فقال أتسألوني ~~القرى وقد رأيتم الإبل والغنم، انزلوا فنزلوا فنحر لكل واحد منهم، وسألهم ~~عن أسمائهم، فأخبروه ففرق فيهم الإبل والغنم، وجاء أبوه فقال: ما فعلت؟ قال ~~طوقتك مجد الدهر طةق الحمامة وعرفه القضية، فقال أبوه إذا لا أساكنك بعدها ~~أبدا ولا آويك. فقال حاتم: إذا لا أبالي. # ومن حديثه، أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة، فلما كان بأرض عنزة ناداه ~~أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الاسار والقمل. فقال: ويحك ما أنا في بلاد ~~قومي وما معي شيء، وقد أسأت بي إذ نوهت باسمي ومالك مترك، ثم ساوم به ~~العنزيين واشتراه منهم فخلاه وأقام مكانه في قيده حتى أتى بفدائه فأداه ~~إليهم. # وحدثت ماوية امرأة حاتم أن الناس أصابتهم سنة فأذهبت الخف والظلف فبتنا ~~ذات ليلة بأشد الجوع فأخذ حاتم عديا وأخذت سفانة ms255 فعللناهما حتى ناما، ثم ~~أخذ يعللني بالحديث لأنام، فرققت لما بعد من الجهد فأمسكت عن كلامه لينام ~~ويظن أني نائمة، فقال لي أنمت مرارا فلم أحبه، فسكت ونظر من وراء الخباء ~~فإذا شيء قد أقبل فرفع رأسه، فإذا امرأة تقول: يا أبا سفانة قد أتيتك من ~~عند صبية جياع. فقال أحضريني صبيانك فوالله فأشبعنهم. قالت: فقمت سريعا ~~فقلت بماذا يا حاتم فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل، فقام إلى ~~فرسه فذبحه ثم أجج نارا وقال اشتوى وكلي وأطعمي ولدك. وقال لي أيقظي صبيتك ~~فأيقظتهم، ثم قال والله إن هذا للؤم أن تأكلوا وأهل الصرم حالهم كحالكم ~~فجعل يأتي الصرم بيتا بيتا ويقول: عليكم النار فاجتمعوا وأكلوا وتقنع ~~بكسائه وقعد ناحية حتى لم يوجد من الفرس على الأرض قليل ولا كثير ولم يذق ~~منه شيئا. # - 2 - ولحاتم الطائي شعر كثير وهو من البلاغة بمكان، والمذكور في ديوانه ~~بعض منه ومن شعره يخاطب امرأته ماوية بنت عبد الله: # أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد # إذا ما صنعت الزاد فالتمس له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي # أخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذ مات الأحاديث من بعدي # وإني لعبد الضيف مادام ثاويا ... وما في إلا تلك من شيمة العبد # عني بذي البردين عامر بن أحيمر بن بهدلة. وكان من حديث البردين حين لقب ~~به أن الوفود اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء وهو المنذر بن امرئ القيس، ~~وماء السماء قيل أمه، نسب إليها لشرفها، وقيل لقبت بماء السماء لصفاء نسبها ~~ويقال لنقاء لونها، ويراد أنها كماء السماء لم يحتمل كدورة. وأخرج المنذر ~~بردين يوما يبلو الوفود، وقال ليقم أعز العرب قبيلة فليأخذهما، فقام عامر ~~بن أحيمر فأخذهما وائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر. فقال له المنذر: أأنت أعز ~~العرب قبيلة؟ قال العز والعدد في معد، ثم في نزار ثم في مضر، ثم في خندف ثم ~~في تميم، ثم في سعد ثم في كعب، ثم في عوف، ms256 ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا ~~فلينافرني. فسكت الناس، فقال المنذر هذه عشيرتك كما تزعم فكيف أنت في أهل ~~بيتك وفي نفسك؟ فقال أنا أبو عشرة وأخو عشرة وخال عشرة، وعم عشرة، وأما أنا ~~في نفسي فشاهد العز شاهدي ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها عن مكانها ~~فله مائة من الإبل؟ فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، ففاز بالبردين. # ومن شعر حاتم أيضا قوله: # وعاذلة قامت علي تلومني ... كأني إذا أعطيت مالي أضيمها # أعاذل أن الجود ليس بمهلكي ... ولا مخلد النفس الشحيحة لومها # وتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيبة في اللحد بال رميمها # ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها # ومن ذلك قوله أيضا: # أكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف أصحابي حين حاجتنا معا # PageV01P138 # أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا # وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا # وانك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا # وقال أيضا: # أما والذي لا يعلم السر غيره ... ويحيي العظام البيض وهيم رميم # لقد كنت أختار القرى طاوي الحشا ... محافظة من أن يقال لئيم # وإني لأستحيي يميني وبينها ... وبين فمي داجي الظلام بهيم # وقال أيضا: # ولما رأيت الناس هرت كلابهم ... ضربت بسيفي ساق أفعى فخرت # وقلت لأصباء صغار ونسوة ... بشهباء من ليل الثمانين قرت # عليكم من الشطين كل ورية ... إذا النار مست جانبيها أرمعلت # وقال أيضا: # لا تشتري قدري إذا ما طبختها ... على إذا ما تطبخين حرام # ولكن بهذاك اليفاع فأوقدي ... بجزل إذا أوقدت لا بضرام # وقال أيضا: # وقائلة أهلكت بالجود مالنا ... ونفسك حتى ضربت نفسك جودها # فقلت دعيني إنما تلك عادتي ... لكل كريم عادة يستعيدها # وهو القاتل لغلامه يسار، وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه ~~فأوقد نارا في بقاع من الأرض، لينظر إليها من أضل الطريق ليلا فيصمد نحوه: # أوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا واقد ريح صر # عل يرى نارك من يمر ms257 ... إن جلبت ضيفا فأنت حر # وقال أيضا: # أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتنا في طلابكم العذر # أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر # أماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر # أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما حل في مالي النذر # أماوي لا يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر # ترى إن ما أنفقت لم يك ضرتي ... وأن يدي مما بخلت به صفر # إذا أنا دلاني الذين بلونني ... بمظلمة لج جوانبها غبر # وراحوا سراعا ينفضون أكفهم ... يقولون قد أدمى أظافرنا الحفر # أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر # وقد يعلم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر # ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى باخوته الدهر # غنينا زمانا بالتقصد والغنى ... وكل سقانا وهو كاسينا الدهر # فما زادنا مأوى على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحلامنا الفقر # وله قصيدة طويلة تتعلق بالكرم ومكارم الأخلاق، وهي مسطورة في الخماسة ~~البصرية وغيرها.. وهي هذه: # وعاذلتين هبتا بعد هجعة ... تلومان متلافا مفيدا ملوما # تلومان لما غور النجم ضلة ... فتى لا يرى الإنفاق في الحمد مغرما # فقلت وقد طال العتاب عليهما ... وأوعدني تماني أن تبينا وتصرما # ألا لا تلوماني على ما تقدما ... كفى بصروف الدهر للمرء محكما # فإنكما لا ما مضى تدركانه ... ولست على ما فاتني متندما # فنفسك أكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى مدى الدهر مكرما # أهن للذي تهوى البلاد فإنه ... إذا مت كان المال نهبا مقسما # ولا تشقين فيه فيسد وارث ... به حين تغشى أغبر الجوف مظلما # يقسمه غنما ويشرى كرامة ... وقد صرت في خط من الأرض أعظما # قليلا به ما يحمدنك وارث ... إذا نال مما كنت تجمع مغنما # تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما # وعوراء قد أعرضت عنها فلم تضر ... وذمي أود قومته فتقوما # وأغفر عوراء الكريم ms258 ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما # ولا أخذل المولى وإن كان خاذلا ... ولا أشتم ابن العم إن كان مفحما # ولا زادني عنه منأى تباعدا ... وإن كان ذا نقص من المال مصرما # وليل بهيم قد تسربلت هوله ... إذا الليل بالنكس الدنيء تجهما # ولن يكسب الصعلوك حمدا ولا غنى ... إذا هو لم يركب من الأمر معظما # لحا الله صعلوكا مناه وهمه ... من العيش أن يلقى لبوسا ومغنما # PageV01P139 # ينام الضحى حتى إذا نومه استوى ... تنبه مثلوج الفؤاد مورما # مقيم مع المثرين ليس ببارح ... إذا نال وجدي من الطعام ومجثما # ولله صعلوك يساور همه ... وتمضي على الأحداث والدهر مقدما # فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة إن نالها عد مغنما # إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما # ويغشى إذا ما كان يوم كريهة ... صدور العوالي فهو مختضب دما # يرى رمحه ونبله ومجنه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما # وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد فتى هيجا وطرفا مسموما # فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما # وعلى الجملة فشعر حاتم صوره لنفسه وأخلاقه وجوده، ولذلك قال ابن ~~الأعرابي: جوده يشبه شعره. # وهو غزير البحر، فياض بالأمثال والحكم والمعاني المتصلة بالجود واللوم ~~عليه وما يتصل به من جمال الذكر وحسن الأحدوثة. # وقد ترى بعض التفاوت في شعره، وذلك إنما يرجع إلى كثرة المدسوس عليه، ~~وجمع شعره في ديوان طبع بلندن وبيروت. وتوفي حاتم نحو سنة 45 ق. ه. # - 3 - ويقول فيه الشريشي في شرح المقامات: أبو عدي فارس شاعر جاهلي أحد ~~الأجواد الذين يضرب بهم المثل بل هو أشهر منهم، وهم كعب بن أمامة وهرم بن ~~سنان وحاتم، وكان إذا قاتل غلب وإذا غنم أنهب وإذا سئل وهب وإذا قامر سبق ~~وإذا أسر أطلق وإذا أثر أنفق ويقال إنه لا يعرف ميت قرى أضيافه إلا هو وذلك ~~أن ركبا من العرب نزلوا بموضع قبره وقد نفذ زادهم وفيهم رجل يكنى أبا خيبري ~~فجعل يقول: أبا سفانة أما تقرى أضيافك أبا ms259 سفانة إن أضيافك جياع، ويعيدها، ~~فلما نام ثار من نومه وهو يقول: وا راحلتاه عقرت والله ناقتي، فقال له ~~أصحاب: وكيف؟ قال رأيت أبا سفانة قد انشق عنه قبره فاستوى قائما ينشدني: # أبا خيبري لأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة لوامها # وماذا تريد إلى رمة ... بداوية صخب هامها # أتبغي أذاهم وأسعارها ... ودونك طي وأنعامها # ثم عمد إلى سيفي فانتضاه من غمده وعقر ناقتي وقال: دونكم فما أيقظني إلا ~~رغاؤها، وإذا الناقة ترغو ما تنبعث، فقالوا قد والله قراك حاتم. فنحروها ~~وأكلوا وتزودوا واقتسموا متاع أبي خيبري واستمروا لوجهتهم فلما صاروا في ~~الظهيرة وضح لهم راكب يجنب بعيرا يؤم سمتهم حتى التقوا فقال لهم أفيكم أبو ~~خيبري؟ قالوا نعم، فقال فإن عدي بن حاتم رأى أباه البارحة وهو يقول إن أبا ~~خيبري وأصحابه استقروني فقريتهم ناقته فعوضه منها وزده بكرا يحمل عليه ~~متاعه وهذه الناقة وهذا البكر فارتحل أبو خيبري الناقة وتخفف هو وأصحابه من ~~أزوادهم على البكر ومضوا بأتم قرى.. وأدرك عدي ابنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وروى عنه، وكان يحدث أصحابه بهذا الحديث بعد إسلامه.. وقال الشاعر في ~~عدي: # أبوك أبو سفانة الخير لم يزل ... لدن شاب حتى مات في الخير راغبا # قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا # وكانت سفانة بنته من أجود نساء العرب وكان أبوها يعطيها الصرمة من إبله ~~فتهبها وتعطيها للناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الغويين إذا اجتمعا في ~~المال أتلفاه فإما أن أعطي وتمسكي وإما أن أمسك وتعطي فإنه لا يبقى على هذا ~~شيء. فقالت والله لا أمسك أبدا. قال وأنا لا أمسك أبدا، قالت فلا نتجاور، ~~فقاسمها ماله وتباينا.. وحكي أن أمه كانت من أسخى الناس وأقراهم للضيف ~~وكانت لا تحبس شيئا تملكه، وهي عتبة بنت عفيف بن عمرو بن عبد القيس، فلما ~~رأى إخوتها إتلافها حجروا عليها ومنعوها مالها حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ~~ألم ذلك أعطوها سرمة من إبلها، فجاءتها امرأة من هوازن تسألها، ms260 فقالت دونك ~~الصرمة فخذيها فوالله لقد عضني من الجوع مالا أمنع بعده سائلا أبدا.. ثم ~~أنشأت تقول: # لعمري لقد ما عضني الجوع عضة ... فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا # فقولا لهذا اللائم اليوم أعفني ... فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا # فماذا عسيتم أن تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو عذل من كان معانا # وهل ما ترون اليوم إلا طبيعة ... وكيف بتركي ياابن أم الطبائعا؟ # PageV01P140 # فقد اكتنفه الجود من أمه وأبيه.. وقالت امرأته النوار: أصابتنا سنة ~~اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء وضنت المراضع عن أولادها فما تبض بقطرة ~~فأيقنا بالهلاك، فوالله إني لفي ليلة صبيرة بعيدة الطرفين إذ تضاعى صبيتنا ~~جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام إلى الصبيين وقمت إلى الصبية فوالله ما ~~سكتوا إلا بعد هدأة من الليل وأقبل يعللني بالحديث فعرفت ما يريد فتناومت، ~~فلما تغورت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال من هذا فقالت جاريتك ~~فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون من الجوع عواء الذئب فما وجدت معلولا إلا ~~عليك أبا عدي، فقال أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم فأقبلت تحمل اثنين ويمشي ~~إلى جانبها أربعة كأنها نعامة حولها رثالها، فقام إلى فرسه فوجا لبتها ~~بمدية فخرت ثم كشط الجلد ودفع المدية إلى المرأة وقال: شأنك. فاجتمعنا على ~~اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا ويقول هبوا أيها القوم عليكم ~~بالنار فاجتمعوا، والتف في ثوبه ناحية ينظر إلينا والله إن ذاق منها مزعة، ~~وإنه لأحوج إليها منا فأصبحنا وما على الأرض منها إلا عظم وحافر فأنشأ ~~يقول: # مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقول لشيء فات ما فعلا # ولا تقولي لشيء كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت معطي العنس والجملا # يرى البخيل سبيل الماء واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا # ولم يكن يمسك شيئا ما عدا فرسه وسلاحه فإنه كان لا يجود بهما.. وذكر ~~الحريري أن عقيلا تمثل بقول حاتم: شنشنة أعرفها من أخزم. # - 4 - ويروى أن الحكم بن أبي العاص خرج ومعه عطر يريد الحيرة، ms261 وكان ~~بالحيرة سوق يجتمع إليها الناس كل سنة، فمر في طريقه بحاتم بن عبد الله ~~الطائي، فسأله الجوار في أرض طيء حتى يصير إلى الحيرة، فأجاره، ثم أمر حاتم ~~بجزور فنحرت وطبخت، ثم دعاهم إلى الطعام فأكلوا ولما فرغوا من الطعام طيبهم ~~الحكم من طيبه. # وكان النعمان بن المنذر قد جعل لبني لام ربع الطريق طعمة لهم، لأن بنت ~~سعد بن حارثة بن لأم كانت عنده ومر سعد بن حارثة بحاتم ومعه قومه من بني ~~لام، فوضع حاتم سفرته وقال: اطعموا حياكم الله! فقالوا: من هؤلاء الذين معك ~~يا حاتم؟ قال هؤلاء جيراني. قال له سعد: فأنت تجير علينا في بلادنا! قال ~~له: أنا ابن عمكم وأحق من لم تخفروا ذمته. فقالوا: لست هناك! وأرادوا أن ~~يفضحوه، ووثبوا إليه وتناول سعد حاتما، فأهوى له حاتم بالسيف، وأطار أرنبة ~~أنفه، ووقع الشر حتى تحاجزوا ثم قالت بنو لام لحاتم: بيننا وبينك سوق ~~الحيرة فنماجدك، ثم وضعوا تسعة أفراس رهنا ووضع حاتم فرسه رهنا عند رجل من ~~كلب وخرجوا حتى انتهوا إلى الحيرة. وسمع بذلك إياس بن قبيصة الطائي فخاف أن ~~يعينهم النعمان بن المنذر ويقويهم بماله وسلطانه للصهر الذي بينهم وبينه ~~فجمع رهطه من بني حية، وقال: يا بني حية إن هؤلاء القوم قد أرادوا أن ~~يفضحوا ابن عمكم في مماجدته، فقال رجل منهم: عندي ناقة سوداء ومائة ناقة ~~حمراء أدماء، وقام آخر فقال: عندي عشرة حصن على كل حصان منها فارس مدجج لا ~~يرى منه إلا عيناه، وقال حسان بن جبلة الخير: قد علمتم أن أبي قد مات وترك ~~خيرا كثيرا، فعلى كل خمر ولحم أو طعام ما أقاموا في سوق الحيرة، ثم قام ~~إياس فقال: على مثل جميع ما أعطيتم كلكم - وحاتم لا يعلم بشيء مما فعلوا. # وذهب حاتم إلى ابن عمه وهم بن عمرو، وكان مصارما له لا يكلمه فقالت له ~~امرأته: أي وهم، هذا والله أبو سفانة حاتم قد طلع. فقال: ما لنا ولحاتم! ~~أثبتي النظر. فقالت: ms262 ها هو. قال: ويحك! هو لا يكلمني، فما جاء به إلي؟ ثم ~~نزل حتى سلم عليه فرد سلامه وحياه ثم قال له: ما جاء بك يا حاتم؟ قال: ~~خاطرت على حسبك وحسبي. قال في الرحب والسعة، هذا مالي وعدته تسعمائة بعير ~~فخذها مائة مائة حتى تذهب الإبل أو تصيب ما تريد. # ثم إن إياس بن قبيصة قال لقومه: احملوني إلى الملك، وكان به نقرس، فحمل ~~حتى أدخل عليه فقال: أنعم صباحا أبيت اللعن! فقال النعمان: وحياك إليهك. ~~فقال إياس: أنمد أختانك بالمال والخيل وجعلت بني ثعل في قعر الكنانة! أظن ~~أختانك أن يصنعوا بحاتم كما صنعوا بعامر بن جوين لم يشعروا أن بني حية ~~بالبلد؟ فإن شئت والله ناجزناك حتى يسفح الوادي دما فليحضروا مجادهم غدا ~~بمجمع العرب. # PageV01P141 # فعرف النعمان الغضب في وجهه وكلامه فقال له: يا أحلمنا لا تغضب فإني ~~سأكفيك. وأرسل النعمان إلى سعد بن حارثة وإلى أصحابه فقال: انظروا ابن عمكم ~~حاتما فأرضوه، فوالله ما أنا بالذي أعطيكم مالي تبذرونه وما أطيق بني حية. # فخرج بنو لام إلى حاتم وقالوا له: أعرض عن هذا المجاد ندع أرش أنف ابن ~~عمنا. قال: لا والله لا أفعل حتى تتركوا أفراسكم ويغلب مجادكم، فتركوا أرش ~~أنف صاحبهم وأفراسهم وقالوا: قبحها الله وأبعدها! فعمد إليها حاتم فعقرها ~~وأطعمها الناس. # - 5 - ولما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طيء فريقا من جنده، ~~يقدمهم على عليه السلام، فزع عدي بن حاتم الطائي - وكان من أشد الناس عداء ~~لرسول الله - إلى الشام فصبح على القوم، واستاق خيلهم ونعمهم ورجالهم ~~ونساءهم إلى رسول الله. # فلما عرض عليه الأسرى نهضت من بين القوم سفانة بنت حاتم، فقالت: يا محمد، ~~هلك الوالد، وغاب المرافد. فإن رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب! ~~فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي ~~الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ويحمل الكل، ويعين ~~على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة ms263 فرده خائبا، أنا بنت حاتم الطائي!. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقا، لو كان ~~أبوك مسلما لترحمنا عليه. خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق. ثم ~~قال: "ارحموا عزيزا ذل، وغنيا افتقر، وعالما ضاع بين جهال". وامتن عليها ~~بقومها فأطلقهم تكريما لها. # فاستأذنته في الدعاء له، فأذن لها. وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا. فقالت: ~~أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلا لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم ~~قوم إلا جعلك سببا في ردها عليه. # فلما أطلقها رجعت إلى أخيها عدي وهو بدومة الجندل، فقالت له: يا أخي إيت ~~هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله. فإني قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة. ~~ورأيت خصالا تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف ~~قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإن يكن نبيا فللسابق فضله، وإن ~~يكن ملكا فلن تزال في عز ملكه، فقدم عدي إلى رسول الله فأسلم، وأسلمت ~~سفانة!. # - 6 - ويروى أن عبد قيس بن خفاف البرجمي أتى حاتم طيء في دماء حملها عن ~~قومه، فأسلموه فيها، وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني. وكان ~~شريفا شاعرا شجاعا. # فلما قدم عليه قال: إنه وقعت بيني وبين قومي دماء فتواكلوها، وإني حملتها ~~في مالي وأهلي، فقدمت مالي وأخرت أهلي، وكنت أملي، فإن تحملتها فرب حق قد ~~قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائم لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك، ~~ثم أنشأ يقول: # حملت دماء للبراجم جمة ... فجئتك لما أسلمني البراجم # وقالوا سفاها: لم حملت دماءنا ... فعلت لهم: يكفي الحمالة حاتم # متى آته فيها يقل لي مرحبا ... وأهلا وسهلا أخطأتك الأشائم # فيحملها عني، وإن شئت زادني ... زيادة من جلت عليه المكارم # يعيش الندى ما عاش حاتم طيء ... فإن مات قامت للسخاء مآتم # ينادين: مات الجود معك فلا ترى ... مجيبا له ما حام في الجو حائم # وقال رجال: أنهب العام ماله ... فقلت لهم: إني بذلك عالم # ولكنه يعطى ms264 من أموال طيء ... إذا جلف المال الحقوق اللوازم # فيعطى التي فيها الغنى وكأنه ... لتصغيره تلك المطية جارم # بذلك أوصاه عدي وحشرج ... وسعد وعبد الله تلك القماقم # فقال له حاتم: إني كنت لأحب ن مثلك من قومك، هذا مرباعي من مغارة على بني ~~تميم خذه وافرا، فإن وفى بالحمالة، وإلا كملتها لك، وهو مائنا بعير سوى ~~نيبها وفصالها، مع أني لا أحب أن تؤبس قومك بأموالهم. # فضحك أبو جبيل، وقال: أي بعير دفعته إلي، وليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه ~~بريء، فدفعها إليه وزاده مائة بعير فأخذها وانصرف راجعا إلى قومه، فقال ~~حاتم في ذلك: # أتاني البرجمي أبو جبيل ... لهم في حمالته طويل # فقلت له: خذ المرباع منها ... فإني لست أرضى بالقليل # على حال ولا عودت نفسي ... على علاتها علل البخيل # فخذها إنها مائنا بمير ... سوى الناب الرذية والفصيل # PageV01P142 # فلا من عليك بها، فإني ... رأيت المن يزرى بالجميل # فآب البرجمي وما عليه ... من أعباء الحمالة من فنيل # يجر الذيل ينفض مذرويه ... خفيف الظهر من حمل ثقيل! # - 7 - وقالت ماوية امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض، واغبر أفق ~~السماء وراحت الإبل حدبا حدابير، وضنت المراضع على أولادها، فما تبض بقطرة، ~~وحلقت ألسنة المال، وأبقنا بالهلاك. فوالله أنا لفي ليلة صنبر، بعيدة مابين ~~الطرفين، إذ تضاغى صبيتنا جوعا: عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى ~~الصبيين، وقمت أنا إلى الصبية، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، ~~فتناومت. # فلما تهورت النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد. فقال حاتم: من هذا؟ ~~قالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت ~~معلولا إلا عليك يا أبا عدي. فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله!. # فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي بجانبها أربعة، كأنها نعامة حولها ~~رثالها، فقام حاتم إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخر. ثم كشطه ودفع المدية إلى ~~المرأة، فقال لها: شأنك! فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل. ثم جعل يمشي الحي ~~يأتيهم بيتا بيتا فيقول: هبوا أيها القوم، عليكم بالنار، ms265 فاجتمعوا والتفع ~~وجلس في ناحية ينظر إلينا. فوالله إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا، ~~فأصبحنا وما على ظهر الأرض من الفرس إلا عظم وحافر، فأنشأ حاتم يقول: # مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا # ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت أعطي السهل والجبلا # يرى البخيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا # - 8 - ولما تزوج حاتم ماوية، وكانت من أحسن النساء، لبثت عنده زمنا ثم إن ~~ابن عم له يقال له مالك قال لماوية: ما تصنعين بحاتم؟ فوالله لئن وجد شيئا ~~ليتلفنه، ولئن لم يجد ليتكلفن، ولئن مات ليتركن ولده عيالا على قومه، طلقي ~~حاتما وأنا أتزوج بك، فأنا خير لك منه وأكثر مالا، وأنا أمسك عليك وعلى ~~ولدك. فقالت ماوية: صدقت إنه لكذلك فلم يزل بها حتى طلقت حاتما. # وكانت النساء أو بعضهن يطلقن الرجال في الجاهلية. وكان طلاقهن أنهن يحولن ~~أبواب بيوتهن إن كان الباب إلى المشرق جعلنه إلى المغرب، وإن كان الباب قبل ~~اليمن جعلنه قبل الشام، فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلقته فلم يأتها. # فأتى حاتم فوجدها قد حولت باب الخباء فقال لابنه: يا عدي ما ترى أمك؟ ما ~~عدا عليها! قال: لا أدري غير أنها غيرت باب الخباء، وكأنه لم يلحن لما قال. ~~فدعاه فهبط به بطن واد. # وجاء قوم فنزلوا على باب الخباء، كما كانوا ينزلون فتوافى خمسون رجلا ~~فضاقت بهم ماوية ذرعا، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى مالك فقولي له إن أضيافا ~~لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلا فأرسل إلينا بنات نقرهم ولبن نعبقهم. # وقالت لجاريتها: انظري إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه وإن ~~ضرب بلحييه على زوره فارجعي ودعيه. # فلما أتت مالكا وجدته متوسدا وطبا من لبن، فأيقظته وأبلغته الرسالة ~~وقالت، إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكانه، فأدخل يده في رأسه وضرب ~~بلحييه على زوره، فقال لها: أقرئي عليها السلام، وقولي لها هذا الذي أمرتك ~~أن تطلقي حاتما ms266 من أجله. فما عندي من كبيرة، قد تركت العمل، وما كنت لأنحر ~~صفية غزيرة بشحم كلاها، وما عندي لبن يكفي أضياف حاتم. # فرجعت الجارية فأخبرتها بما رأت منه، وأعلمتها بمقالته، فقالت لها: ويلك ~~ائتي حاتما فقولي له: إن أضيافك قد نزلوا الليلة بنا، ولم يعلموا بمكانك، ~~فأرسل إلينا بنات ننحرها ونقرهم، وبلبن نسقهم، فإنما هي الليلة حتى يعرفوا ~~مكانك. # فأتت الجارية حاتما فصرخت به، فقال حاتم لبيك، قريبا دعوت، فقالت: إن ~~ماوية تقرأ عليك السلام، وتقول لك: إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة، فأرسل ~~إليهم بناب ننحرها لهم ولبن نسقهم. فقال: نعم وأبي! ثم قام إلى الإبل فأطلق ~~اثنتين من عقاليهما، ثم صاح بهما حتى أتى الخباء، فضرب عراقيبهما، فطفقت ~~ماوية تصيح وتقول: هذا الذي طلقتك فيه، تترك ولدك وليس لهم شيء. # - 9 - # PageV01P143 # وكانت امرأة من العرب من بنات ملوك اليمن ذات جمال وكمال، وحسب ومال، ~~فآلت ألا تزوج نفسها إلا من كريم، ولئن خطبها لئيم لتجد عن أنفه، فتحاماها ~~الناس حتى انتدب إليها زيد الخيل، وحاتم بن عبد الله، وأوس بن حارثة ~~الطائيون، فاتحلوا إليها. # فلما دخلوا عليها قالت مرحبا بكم، ما كنتم زوارا، فما الذي جاء بكم؟ ~~قالوا: جئنا زوارا خطابا، قالت أكفاء كرام، ثم أنزلتهم وفرقت بينهم وأسبغت ~~لهم القرى، وزادت فيه. # فلما كان اليوم الثاني بعثت بعض جواريها متنكرة في زي سائلة تتعرض لهم، ~~فرفع إليها زيد وأوس شطر ما حمل إلى كل واحد منهما، فلما صارت إلى رحل حاتم ~~دفع إليها جميع ما كان من نفقته، وحمل إليها جميع ما حمل إليه. # فلما كان اليوم الثالث دخلوا عليها، فقالت ليصف كل واحد منكم نفسه في ~~شعره، فابتدر زيد وأنشأ يقول: # هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... عند الطعان إذا ما احمرت الحدق # وجاءت الخيل محمرا بوادرها ... بالماء يسفح من لباتها العلق # والجار يعلم أني لست خاذلة ... إن ناب دهر لعظم الجار معترق # هذا الثناء، فإن ترضى فراضية ... أو تسخطي فإلى من تعطف العنق؟ # وقال أوس ms267 بن حارثة: إنك لتعلمين أنا أكرم أحسابا، وأشهر أفعالا من أن نصف ~~أنفسنا لك، أنا الذي يقول فيه الشاعر: # إلى أوس بن حارثة بن لأم ... ليقضي حاجتي ولقد قضاها # فما وطئ الحصا مثل ابن سعدى ... ولا لبس النعال ولا احتذاها # وأنا الذي عقت عقيقته، وأعتقت عن كل شعرة فيها عنه نسمة، ثم أنشأ يقول: # فإن تنكحي ماوية الخير حاتما ... فما مثله فينا ولا في الأعاجم # فتى لا يزال الدهر أكبر همه ... فكاك أسير أو معونة غارم # وإن تنكحي زيدا ففارس قومه ... إذا الحرب يوما أقعدت كل قائم # وإن تنكحيني تنكحي غير فاجر ... ولا جارف جرف العشيرة هادم # ولا متق يوما إذا الحرب شمرت ... بأنفسها نفسي كفعل الأشائم # وإن طارق الأضياف لاذ برحله ... وجدت ابن سعدى للقرى غير عائم # فأي فتى أهدى لك الله فاقبلي ... فإنا كرام من رؤوس أكارم # وأنشأ حاتم يقول: # أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم عذر # أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر # أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما: حل في مالنا النزر # أماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر # أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر # ترى إن ما أنفقت لم يك ضائري ... وأن يدي مما بخلت به صفر # أماوي إني رب واحد أمه ... أخذت فلا قتل عليه ولا أسر # وقد علم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر # أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر # وإني لا آلو بمالي صنيعة ... فأوله زاد وآخره ذخر # يفك به العاني ويؤكل طيبا ... وما إن يعريه القداح ولا القمر # ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى بإخوته الدهر # غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر # فما زادنا بأوا على ذي قرابة ... غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر # وما ضر جارا يا ابنة القوم فاعلمي ms268 ... يجاورني ألا يكون له ستر # بعيني عن جارات قومي غفلة ... وفي السمع مني عن أحاديثها وقر # فقالت أما أنت يا زيد فقد وترت العرب، وبقاؤك مع الحرة قليل، وأما أنت يا ~~أوس فرجل ذو ضرائر، والدخول عليهن شديد، وأما أنت يا حاتم فمرضي الأخلاق، ~~محمود الشيم، كريم النفس، وقد زوجتك نفسي. PageV01P144 ms269