######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007439 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 478 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: البرهان في أصول الفقه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007439 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7439 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7439 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: صلاح بن محمد بن عويضة #META# 041.EdNUMBER :: الطبعة الأولى 1418 هـ - 1997 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المجلد الأول ### | مقدمة المؤلف # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر يا كريم # الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد واله ### | 1- # قال الشيخ الإمام1 أبو المعالي إمام الحرمين رضي الله عنه حق على كل من ~~يحاول الخوض في فن من فنون العلوم أن يحيط بالمقصود منه وبالمواد التي منها ~~يستمد [ذلك] الفن وبحقيقته [وفنه] وحده2 إن أمكنت عبارة سديدة على صناعة ~~الحد وإن عسر فعليه أن يحاول الدرك بمسلك التقاسيم والغرض من ذلك أن يكون ~~الإقدام على تعلمه مع حفظ من العلم الجملى بالعلم الذي يحاول الخوض فيه. ~~فأصول الفقه مستمدة من الكلام والعربية والفقه. ### | 2- # والكلام نعني به معرفة العالم وأقسامه وحقائقه وحدثه والعلم بمحدثة وما ~~يجب له من الصفات وما يستحيل عليه وما يجوز في حقه والعلم بالنبوات وتميزها ~~بالمعجزات عن دعاوى المبطلين وأحكام النبوات والقول فيما يجوز ويمتنع من ~~كليات الشرائع ولا يندرج المطلوب من الكلام تحت حد وهو يستمد من الإحاطة ~~بالميز بين العلم وما عداه من الاعتقادات والعلم بالفرق بين البراهين ~~والشبهات ودرك مسالك النظر. ### | 3- # ومن مواد أصول الفقه العربية فإنه يتعلق طرف صالح منه بالكلام على مقتضى ~~الألفاظ [ولن] يكون المرء على ثقة من هذا الطرف حتى يكون محققا مستقلا ~~باللغة والعربية. ### | 4- # ومن مواد الأصول الفقه فإنه مدلول الأصول ولا يتصور درك3 الدليل دون درك ~~المدلول ثم يكتفي الأصولي بأمثلة من الفقه [يتمثل بها] في كل. PageV01P007 # باب من أصول الفقه فإن قيل فما الفقه قلنا هو في اصطلاح علماء الشريعة ~~العلم بأحكام التكليف فإن قيل معظم متضمن مسائل الشريعة ظنون قلنا ليست ~~الظنون فقها وإنما الفقه العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون ولذلك قال ~~المحققون أخبار الآحاد وأقيسة الفقه لا توجب عملا لذواتها وإنما يجب العمل ~~بما يجب به العلم بالعمل وهي الأدلة القاطعة على وجوب العمل عند رواية ~~أخبار الآحاد وإجراء الأقيسة. ### | 5- # فإن قيل فما أصول الفقه قلنا هي أدلته وأدلة الفقه هي الأدلة السمعية ~~وأقسامها نص الكتاب ونص السنة المتواترة والإجماع ms001 ومستند. # جميعها قول الله تعالى:. # ومن هذه الجهة تستمد أصول الفقه من الكلام. ### | 6- # فإن قيل تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا يلفى إلا في الأصول وليست قواطع ~~قلنا حظ الأصولي إبانة القاطع في العمل بها ولكن لا بد من ذكرها ليتبين ~~المدلول ويرتبط الدليل به. # فصل. ### | 7- # قد ذكرنا أن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية ونحن نذكر الآن معنى ~~الأحكام ذكرا جمليا ثم نفصلها بعد ذلك. ### | 8- # فليس الحكم المضاف إلى متعلقه صفة فيه ثابتة فإذا قلنا شرب الخمر محرم لم ~~يكن التحريم صفة ذاتية للشرب وإذا أوجبنا الشرب عند الضرورة فهو كالشرب ~~المحرم عند الاختيار والمعنى بكونه محرما أنه متعلق النهى وبكونه واجبا ~~متعلق الأمر وليس لما يتعلق به قول قائل على جهة صفة حقيقية من ذلك القول ~~وهو كتسميتنا الشيء معلوما مع القطع بأنه ليس له من تعلق العلم به صفة ~~حقيقية. ### | 9- # ثم من أحكام الشرع التقبيح والتحسين وهما راجعان إلى الأمر والنهي فلا ~~يقبح شيء في حكم الله تعالى لعينه كما لا يحسن شيء لعينه. ### | 10- # وقسمت [المعتزلة الأفعال] قسمين فقالوا يثبت حكم القبح والحسن في أحدهما ~~مستدركا بالعقل غير متوقف على ورود الأمر والنهي ثم قسموا هذا القسم قسمين ~~فزعموا أن أحدهما يدرك القبح والحسن فيه ضرورة ببديهة العقل. # PageV01P008 # والثاني: يدرك الأمران فيه بالنظر العقلي الجامع بينه وبين الضروري ~~ومثلوا ذلك في التقبيح بالكذب الذي لا فائدة فيه والكذب المفيد فقالوا ما ~~لا يفيد من الكذب يدرك قبحه ببديهة العقل والمفيد ملحق بغير المفيد بمسلك ~~[لهم] نظري سنذكره في شبههم وكذلك قولهم في الظلم الذي لا يفيد مع المفيد ~~منه فهذا أحد القسمين. # والقسم الثاني: ما يقضي الشرع بالتقبيح فيه والتحسين والعقول لا تستدركها ~~وزعموا أن معظم تفاصيل الشريعة في المأمورات والمنهيات تنحصر في هذا القسم ~~ثم قالوا إنما يرسم الشارع عليه السلام منها ما يرسم لوقوعها في المعلوم ~~ألطافا داعية إلى الخير والشارع إنما يأمر بما يعلم أن امتثال أمره فيه ~~يدعو إلى المثابرة على المستحسنات العقلية وكذلك القول ms002 في نقيضها من النهي ~~في التفصيل. # واضطرب1 النقلة عنهم في قولهم يقبح الشيء لعينه أو يحسن فنقل عنهم أن ~~القبح والحسن في المعقولات من صفات أنفسها ونقل عنهم أن القبح صفة النفس ~~وأن الحسن ليس كذلك ونقل ضد هذا عن الجبائي2 وكل ذلك جهل بمذهبهم فمعنى ~~قولهم يقبح ويحسن الشيء لعينه أنه يدرك ذلك عقلا من غير إخبار مخبر. ### | 11 - # وقد سلك القاضي [أبو بكر3 - رحمه الله] في الرد عليهم مسلكين:. # أحدهما أنه قال ما ادعيتم الضرورة فيه فأنتم منازعون فيه ويتبين ذلك ~~بمخالفة عددنا لهم وافترائهم في دعوى الضرورة فإن ما يدرك بمبادئ العقول لا ~~يجوز في استمرار العرف مخالفة الجمع العظيم فيه وإنما ينشأ الخلاف في ~~النظريات لانقسام الناس إلى الناظرين والمضربين ثم ينقسمون بعد افتتاح ~~النظر لاختلاف القرائح4 والطبائع ولهذا لا يجوز اتفاق العقلاء في نظري عقلي ~~كما لا يسوغ. PageV01P009 # اختلافهم في ضروري ثم إذا ظهر النزاع وبطل دعوى الضرورة في الأصل بطل ~~النظر المستند إليه فإن قيل أنتم توافقوننا في تقبيح ما نقبحه وتحسين ما ~~نحسنه ولكنكم تنسبون ذلك إلى السمع فيئول الخلاف إلى المأخذ وليس ذلك بدعا ~~قلنا نحن نريكم من أصلنا تحسين ما تقبحونه ادعاء منكم وذلك أنا نقول إيلام ~~البهائم والأطفال لا أعواض لها وليس مترتبا على استحقاق سابق حسن والإيلام ~~على هذا الوجه قبيح بضرورة العقل عندكم. # والمسلك الثاني للقاضي: أنه قال: نرى كذبة تنجى أمما والكف عنها 1ذريعة ~~إلى هلاكهم فما وجه قبحها؟ ومعتمدكم الرجوع إلى [تعاقل] العقلاء فلئن جاز ~~لكم تحسين ألم لنفع يبر قدره عليه فما المانع من مثل ذلك في الكذب؟ وهذا لا ~~جواب عنه حتى استجرأ بعض المتأخرين وشبب2 بتحسين الكذب في الصورة المفروضة ~~فقيل له فجوز أن يخلق الله تعالى عن قول المبطلين كذبا نافعا يكون كاذبا به ~~والكذب عندهم من صفات الفعل إذ هو من أقسام الكلام فتبلد ولم يحر جوابا. ### | 12- # والمسلك الحق عندي في ذلك الجامع لمحاسن المذاهب الناقض لمساويها أن نقول ~~لسنا ننكر ms003 أن العقول تقتضي من أربابها اجتناب المهالك وابتدار المنافع ~~الممكنة على تفاصيل فيها وجحد3 هذا خروج عن المعقول [ولكن ذلك في حق ~~الآدميين] . [والكلام في مسألتنا مداره] على ما يقبح ويحسن في حكم الله ~~تعالى وإن كان لا ينالنا منه ضرر ولا يفوتنا بسببه نفع لا يرخص العقل في ~~تركه وما كان كذلك فمدرك قبحه وحسنه من عقاب الله تعالى إيانا وإحسان إلينا ~~عند أفعالنا وذلك غيب والرب سبحانه وتعالى: لا يتأثر بضررنا ونفعنا فاستحال ~~والأمر كذلك الحكم بقبح الشيء في حكم الله تعالى وحسنه ولم يمتنع إجراء ~~هذين الوصفين فينا إذا تنجز ضرر أو أمكن نفع بشرط أن لا يعزى إلى الله ولا ~~يوجب عليه أن يعاقب أو يثيب. # وتتمة القول فيه أنه لو فرض ورود الأمر الجازم من الله سبحانه وتعالى: من ~~غير وعيد على تركه لما كان للحكم بالوجوب معنى معقول في حقوقنا. ~~PageV01P010 # فليتأمل الناظر في هذا فهو من لطيف الكلام ولا يغمض معه في النفي ~~والإثبات شيء على المتأمل في هذا الباب. # شبه المعتزلة1:. ### | 13- # قال أبو هاشم2: من تصدى له أمر مرغوب فيه وهو يناله بالصدق ويناله بالكذب ~~على حد سواء فالعقل يتقاضاه الصدق فدل ذلك على أن الكذب قبيح لعينه قلنا له ~~كيف يستويان والكاذب ملوم شرعا فإن قال أفرض ذلك في حق من لم يبلغه الشرع ~~قلنا قد يكون في قوم يعتقدون اعتقادكم فإن انتهى الأمر في التصوير إلى ~~حقيقة الاستواء لم يسلم له قضاء العقل بتعيين الصدق. # شبهة أخرى:. ### | 14- # فإن قالوا البراهمة مع إنكارهم الشرائع قبحت وحسنت قلنا جهلوا كجهلكم فلا ~~استرواح3 إلى مذهبهم هذا إن عزوا التقبيح والتحسين إلى حكم الله تعالى وليس ~~الأمر كذلك فإنهم يردون ما يحسنون ويقبحون إلى حقوقنا الناجزة وقد اشتمل ~~كلامنا على تسليم ذلك. # مسألة. ### | 15- # ترسم بشكر المنعم لا يدرك وجوب شكر المنعم بالعقل عندنا وهذا يندرج تحت ~~الأصل الذي سبق عقده وقال من خالف في الجملة المتقدمة وجوب شكر المنعم مدرك ~~بالعقل وليس ذلك عند المخالفين ms004 واقعا في قسم الضروريات وإنما هو مدرك ~~بالنظر منوط بمسلك لهم نوضحه في شبههم. ### | 16- # والبرهان القاطع في بطلان ما صاروا إليه أن الشكر تعب للشاكر ناجزا. ~~PageV01P011 # ولا يفيد المشكور شيئا فكيف يقضي العقل بوجوبه فإن قيل إنه يفيد الشاكر ~~الثواب الجزيل في الآجل والعقل قاض باحتمال التعب العاجل لارتقاب النفع ~~الآجل المربى على التعب المحتمل قلنا: كيف يدرك ذلك بالعقل ومن أين يعرف ~~العقل هذا؟ والمشكور يقول: لا يجب على نفعك ابتداء وما نفعتني فأعوضك فإن ~~قيل يدرأ الشاكر بالشكر العقاب المرتقب على ترك الشكر قلنا كيف يعلم ذلك؟ ~~والكفر والشكر سيان في حق المشكور فإن قيل إن لم يقطع بالعقاب لم يأمنه ~~قلنا إذا تحقق استواء الأمرين فارتقاب العقاب على ترك الشكر كارتقابه على ~~فعله ولا يبقى بعد ذلك مضطرب. ### | 17- # ومما ذكره الأستاذ أبو إسحاق1 - رحمه الله عليه - في مفاوضة له إذ قال ~~الشاكر متعب نفسه وهو ملك خالقه فقد يتوقع على تنقيص ملك المالك من غير ~~إذنه فيما لا ينفع به المالك عقابا. ### | 18- # وللخصوم مسلكان: أحدهما: التعلق [بتعاقل] العقلاء شاهدا فيزعمون أن الشكر ~~واجب شاهدا ثم يقضون بذلك على الغائب وهذا ظاهر السقوط فإن ما ذكروه إن سلم ~~لهم فهو من جهة انتفاع المشكور والرب تعالى متعال عن قبول النفع والضر كما ~~سبق. # والمسلك الثاني: في توقع العقاب وقد اندرج تحت ما سبق سؤالا وجوابا. ### | 19- # ومما يعد من غوامض الأسئلة كلام للخصوم في وجوب النظر والمسألة وإن كانت ~~مرسومة في الشكر فكل ما يدعى الخصم وجوبه عقلا فمأخذ الكلام فيه واحد. # فإن قالوا: لو لم نقض بوجوب النظر عقلا لانحسمت دعوة الأنبياء عليهم ~~السلام وخصموا إذا دعوا فلم يجابوا فإن المدعوين يقولون لا ننظر فيما جئتم ~~به فإن الوجوب مستدرك بالشرع ولم يتقرر عندنا شرع يتضمن وجوب النظر. ~~PageV01P012 # وهذا أولا ليس برهانا في إثبات وجوب النظر فيقع الدور في لزوم الدعوى ولا ~~يستمر هذا برهانا في إثبات وجوب النظر وإنما هي غائلة أبدوها في دعوة ~~الأنبياء وحقها أن ms005 تذكر في مشكلات الدعوة والإجابة. ### | 20- # ثم نفس العقل لا يدرك به وجوب النظر [البتة] ولا بد من فكر مفض على زعمهم ~~إليه فامتناع المدعوين عن الفكر المرشد إلى وجوب النظر العقلي كامتناعهم عن ~~النظر المرشد إلى الواجب السمعي فإن تعسف غبي وزعم أن نفس العقل يدرك به ~~وجوب النظر كان مباهتا ملتزما ألا يخلو عاقل في مضطرب أحواله عن العلم ~~بوجوب النظر وكيف يستقيم ادعاء ذلك مع مخالفتنا لهم أم كيف ينقدح ما قالوه ~~مع قيام البرهان القاطع الذي أقمناه على مخالفتهم؟ ### | 21- # فإن قالوا يبعث الله إلى كل مدعو ملكا ينفث في روعه ويردده بين إمكان ~~العقاب لو ترك النظر واستحقاق الثواب لو نظر ثم العقل يستحثه على اجتناب ~~العقاب قلنا هذا يوجب أن [لا] يخلو مدعو عن تقابل خاطرين ونحن نعلم معظم ~~المدعوين مضربين عن هذه الفنون ولو سلم ما قالوه من معنى فكيف يدرك المدعو ~~كلام الملك والكلام عند الخصوم أصوات وإن أدركه فلا يبالي به وأي حاجة إلى ~~ذلك وفي دعوى النبي مقنع عما هذوا به؟ ### | 22- # ثم التحقيق فيه أن النظر ممكن وإنما يمتنع إيجاب مالا يمكن إيقاعه فإن ~~امتنع ممتنع تعرض للوعيد الذي بلغه النبي ولا يشترط في وجوب الشيء علم ~~المخاطب بوجوبه عليه بل يشترط تمكنه من العلم والسر في ذلك أن النظر الأول ~~لا يتصور إلا كذلك سواء فرض أخذه من السمع المنقول أو من مدارك العقول وعن ~~هذا قيل إن القربة التي لا يتصور التقرب بها إلى الله تعالى هي النظر ~~الأول. # مسألة. ### | 23- # لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع بناء على أن [الأحكام] هي الشرائع ~~بأعيانها وليست الأحكام صفات للأفعال وهذه المسألة تفرض فيما لا يقضى ~~الخصوم فيه بتقبيح عقلي أو تحسين. # وقد افترقت المعتزلة فذهب بعضهم إلى أن مالا يعين العقل فيه قبحا ولا ~~حسنا فهو على الحظر قبل ورود الشرع وذهب آخرون إلى أنه على الإباحة. # فأما أصحاب الحظر فيلزمون الأضداد التي لا انفكاك عن جميعها وليس يتحقق ~~العرو عن ms006 جملتها فإن حظروا جميعها كان ذلك تكليف مالا يستطاع وإن خصصوا. # PageV01P013 # بالحظر شيئا عن شيء من غير تقبيح العقل وتحسينه لم يخف سقوط هذا المذهب ~~وإن خصصوا الحظر بما يعتقدون جواز الخلو عنه أصلا فمرجعهم إلى أن التصرف في ~~ملك الغير من غير إذنه قبيح وقد مضى من الكلام ما يدرأ هذا الفن. ### | 24- # ثم قال الأستاذ رحمه الله من ملك بحرا لا ينزف واتصف بالجود واستغنى عن ~~وجود الملك ومملوكه عطشان لاهث والجرعة تروية والنفية من الماء تكفيه ~~ومالكه ناظر إلى عطشه فلا يدرك بالعقل تحريم القدر النزر من البحر الذي لا ~~ينقصه ما يؤخذ منه نقصا محسوسا ولا حاجة إلى هذا الفن مع وضوح مسالك ~~البرهان. # وأما أصحاب الإباحة فلا خلاف على الحقيقة بيننا وبينهم فإنهم لم يعنوا ~~بالإباحة ورود خبر عنها وإنما أرادوا استواء الأمر في الفعل والترك والأمر ~~على ما ذكروه. # نعم لو قالوا حق على المالك أن يبيح فهذا ينعكس [عليهم] الآن بالتحكم في ~~تفاصيل النفع والضر على من لا ينتفع ولا يتضرر. # فصل # يجمع التكليف ومعناه ومن يكلف وما يجوز التكليف به. ### | 25- # فأما التكليف فقد قال القاضي أبو بكر1 - رحمه الله - إنه الأمر بما فيه ~~كلفة والنهي عما في الامتناع عنه كلفه وإن جمعتهما قلت الدعاء إلى ما فيه ~~كلفة وعد الأمر على الندب والنهي على الكراهية من التكليف. ### | 26- # والأوجه عندنا في معناه أنه إلزام ما فيه كلفة فإن التكليف يشعر بتطويق ~~المخاطب الكلفة من غير خيرة من المكلف والندب والكراهية يفترقان [بتخيير] ~~المخاطب والقول في ذلك قريب فإن الخلاف فيه آيل إلى المناقشة في عبارة ~~الشرع نعم الشرع يجمع الواجب والحظر والندب والكراهية فأما الإباحة فلا ~~ينطوي عليها معنى التكليف. # وقد قال الأستاذ2 - رحمه الله -: إنها من التكليف وهي هفوة ظاهرة. ~~PageV01P014 # ثم فسر قوله بأنه يجب اعتقاد الإباحة والذي ذكره رد الكلام إلى الواجب ~~وهو معدود من التكليف فإن قيل هل تعدون الإباحة من الشرع قلنا هي معدودة ~~منه على تأويل أن الشرع ورد ms007 بها. ### | 27- # ونحن نذكر بعد ذلك من يكلف وما يكلف به وذلك يستدعي قولا مقنعا في تكليف ~~مالا يطاق. # فقد نقل الرواة عن [الشيخ] أبي الحسن1 الأشعري رضي الله عنه أنه كان يجوز ~~تكليف مالا يطاق ثم نقلوا اختلافا عنه في وقوع ما جوزه من ذلك وهذا سوء ~~معرفة بمذهب الرجل فإن مقتضى مذهبه أن التكاليف كلها واقعة على خلاف ~~الاستطاعة وهذا يتقرر من وجهين:. # أحدهما: أن الاستطاعة عنده لا تتقدم على الفعل والأمر بالفعل يتوجه على ~~المكلف قبل وقوعه وهو إذ ذاك غير مستطيع ولا يدفع ذلك قول القائل إن الأمر ~~بالفعل نهى عن أضداده والمأمور بالفعل قبل الفعل إن لم يكن قادرا على الفعل ~~فهو قادر على ضد من أضداده ملابس له فإنا سنوضح أن الأمر بالشيء لا يكون ~~نهيا عن أضداده وأيضا فإن القدرة إذا قارنت الضد لم تقارن الأمر بالفعل ~~والفعل مقصود مأمور به وقد تحقق طلبه قبل القدرة عليه فهذا أحد الوجهين. # والثاني أن فعل العبد عنده واقع بقدرة الله تعالى والعبد مطالب بما هو من ~~فعل ربه ولا ينجى من ذلك تمويه المموه بذكره الكسب [فإنا سنذكر سر ما ~~نعتقده في خلق الأعمال] , [إذ لا يحتمله هذا الموضع] . ### | 28- # فإن قيل فما الصحيح [عندكم] في تكليف مالا يطاق قلنا إن أريد بالتكليف ~~طلب الفعل فهو فيما لا يطاق محال من العالم باستحالة وقوع المطلوب وإن أريد ~~به ورود الصيغة وليس المراد بها طلبا كقوله سبحانه وتعالى: {كونوا قردة ~~خاسئين} 2 فهذا غير ممتنع فإن المراد بذلك كوناهم قردة خاسئين. # فكانوا كما أردناهم وأما سر ما نعتقده في خلق الأعمال فلا يحتمله هذا ~~الموضع. PageV01P015 # فإن قيل قد كلف الله تعالى أبا جهل أن يصدقه فيما يخبر به وكان سبحانه ~~وتعالى: أخبر بأنه لا يصدقه فكان هذا تكليفا منه أن يصدقه بأنه لا يصدقه ~~وهذا طلب جمع النقيضين قلنا لا يصح تكليف التصديق على هذا الوجه على معنى ~~تحقيق الطلب ولكن كلفه الإيمان به وتصديق رسله والتزام شرائعه ms008 فأما تكليفة ~~الجمع بين نقيضين في التصديق فلا. # فإن قيل ما علم الله تعالى أنه لا يكون وأخبر على وفق علمه بأنه لا يكون ~~فلا يكون والتكليف بخلاف المعلوم جائز قلنا إنما يسوغ ذلك لأن خلاف المعلوم ~~مقدور في نفسه وليس امتناعة للعلم بأنه لا يقع ولكن إذا كان لا يقع مع ~~إمكانه في نفسه فالعلم يتعلق به على ما هو عليه وتعلق العلم بالمعلوم لا ~~يغيره ولا يوجبه بل يتبعه في النفي والإثبات ولو كان العلم يؤثر في المعلوم ~~لما تعلق العلم بالقديم [سبحانه وتعالى:] وتقرير ذلك في [فن] الكلام. # فهذا منتهى الغرض في منع تكليف مالا يطاق فنعود بعده إلى المقصود بالفصل ~~في ذكر من يكلف وما يقع التكليف به. ### | 29- # فالقول الوجيز أنه يكلف المتمكن ويقع التكليف بالممكن ولا نظر إلى ~~الاستصلاح ونقيضه. # مسألة. ### | 30- # السكران يمتنع تكليفه خلافا لطوائف من الفقهاء والدليل على امتناع تكليفه ~~استحالة فهم الخطاب والامتثال قصدا إليه غير ممكن دون فهم الخطاب فإن تمسك ~~الفقهاء بما يصح من أقوال للسكران وما ينزل فيه من أحواله منزلة الصاحي ~~فحكم الشرع بالصحة والفساد متبع [ولا] استحالة فيه وإنما الاستحالة في ~~توجيه الخطاب على من لا يفهم الخطاب. ### | 31- # فإن قيل هل يجوز تكليف الناسي في استمرار نسيانه قلنا القول فيه كالقول ~~في السكران. # مسألة. ### | 32- # المكره لا يمتنع تكليفه لإمكان الفهم والامتثال وإن كان على الكره. # وذهبت المعتزلة إلى أن المكره على العبادة لا يجوز أن يكون مكلفا بها ~~وبنوا ذلك على. # PageV01P016 # أصلهم في وجوب إثابة المكلف والمحمول على الشيء لا يثاب عليه وهذا الأصل ~~باطل عندنا فلا يمتنع التكليف من غير إثابة وقاعدة القول في الثواب والعقاب ~~تستقصي في غير هذا الفن. # وقد ألزمهم القاضي رحمه الله [إثم] المكره على القتل فإنه منهي عنه آثم ~~به لو أقدم عليه وهذه هفوة عظيمة فإنهم لا يمنعون النهى عن الشيء مع الحمل ~~عليه فإن ذلك أشد في المحنة واقتضاء الثواب وإنما الذي منعوه الاضطرار إلى ~~فعل مع الأمر به. ms009 # مسألة: ### | 33- # ذهب بعض أصحاب أبي حنيفة1 إلى أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة وظاهر ~~مذهب الشافعي2 رحمه الله أنهم مخاطبون بها. # وفصل فاصلون من العلماء بين المأمورات والمنهيات وقالوا هم معاقبون على ~~ارتكاب المنهيات غير معاقبين على ترك المأمورات. ### | 34- # والقول في هذه المسألة يتعلق بطرفين أحدهما في جواز المخاطبة عقلا وإمكان ~~ذلك والثاني في وقوع ذلك إن ثبت جوازه فأما الجواز فالذي حمل الصائرين إلى ~~منع ذلك والقضاء باستحالته أنه لو فرض الخطاب بإقامة الفروع لكان ذلك خطابا ~~بتصحيح الفروع وذلك مستحيل مع الإصرار على الكفر وفي تجويز مخاطبتهم بإقامة ~~الشرائع مع تقدير استمرارهم على الكفر تجويز تكليف ما لا يطاق وقد سبق ~~بطلانه وهذا منقوض أولا باعتقاد النبوات واعتقاد صدق الأنبياء عليهم السلام ~~فإن ذلك غير ممكن فيمن لا يعتقد الصانع المختار ولا خلاف أن الكفار أجمعين ~~مخاطبون بتصديق الأنبياء عليهم السلام وإن اقتضى وقوع ذلك. PageV01P017 # تقديم قواعد العقائد في الإلهيات وكذلك المحدث مأمور بالصلاة عند دخول ~~وقتها وإن كان لا يتأتي منه إقامتها ما لم يقدم رفع الحدث عليها. # ثم التحقيق في ذلك كله عندي أن الكافر في حال كفره يستحيل أن يخاطب ~~بإنشاء فروع على الصحة وكذلك القول فيما يقع آخرا من العقائد في حق من لم ~~يصح عقده في الأوائل وكذلك المحدث مستحيل أن يخاطب بإنشاء الصلاة الصحيحة ~~مع بقاء الحدث ولكن هؤلاء مخاطبون بالتوصل إلى ما يقع آخرا ولا يتنجز الأمر ~~عليهم بإيقاع المشروط قبل وقوع الشرط ولكن إذا مضى من الزمان ما يسع الشرط ~~والمشروط والأوائل والأواخر فلا يمتنع أن يعاقب الممتنع على حكم التكليف. # معاقبة من خالف أمرا توجه عليه ناجزا فمن أبي ذلك قضى عليه قاطع العقل ~~بالفساد ومن جوز تنجيز الخطاب بإيقاع المشروط قبل وقوع الشرط فقد سوغ تكليف ~~ما لا يطاق ومن أراد أن يفرق بين الفروع وبين أواخر العقائد وبين صلاة ~~المحدث فهو مبطل قطعا. # وقد نقل عن أبي هاشم الجبائي أنه قال ليس المحدث مخاطبا بالصلوات [ولو ~~استمر ms010 حدثه دهره لقي الله تعالى غير مخاطب بصلاة في عمره] . # فإن أراد الرجل ما ذكرناه فهو الحق الذي لا خفاء به وإن أراد أنه لا ~~يعاقب على ترك الصلاة لتركه التوصل إليها فقد خرق إجماع الأمة فهذا هو ~~الكلام في طرف الجواز. ### | 35- # فإن قيل إن ثبت لكم الجواز على تأويل التوصل وفرض العقاب فكيف الواقع من ~~ذلك قلنا ذكر القاضي رحمه الله أن ذلك من [مجال] الفقهاء وهو مظنون مطلوب ~~من مسالك الظنون. # والذي نراه أن الكفار مأمورون بالتزام الشرع جملة والقيام بمعالمة تفصيلا ~~فمن أنكر وقوع وجوب التوصل إليه فقد جحد أمرا معلوما وهذا على التقدير مترق ~~عن مرتبة الظنون. # فإن قيل أتقطعون بأنهم معاقبون في الآخرة على ترك فروع الشرع قلنا أجل ~~والموصل إليه أنه قد ثبت قطعا وجوب التوصل وثبت أن تارك الواجب. # متوعد بالعقاب إلا أن يعفو الله تبارك وتعالى وتقرر في أصل الدين ومستفيض ~~الأخبار أن الله لا يعفو عن الكفار. # PageV01P018 ### | القول في العلوم ومداركها وأدلتها ### | مدخل # ... # القول في العلوم ومداركها وأدلتها. ### | 36- # الوجه تصدير الباب بقول مقنع في العقل فإنا سنسند حقائق العلوم إلى مدارك ~~العقل ولا بد من الإحاطة بحقيقته على حسب ما يليق بهذا المختصر. # قال القاضي [أبو بكر1 رحمه الله] العقل من العلوم إذ لا يتصف بالعقل خال ~~عن العلوم كلها وليس من العلوم النظرية فإن النظر لا يقع ابتداؤه إلا ~~مسبوقا بالعقل فانحصر في العلوم الضرورية وليس كلها فإنه قد يخلو عن العلوم ~~بالمحسوسات من اختلت عليه حواسه وإن كان على كمال من عقله ثم لم يزل يبحث ~~حتى قال العقل علوم ضرورية لا يخلو عنها المتصف بالعقل ولا يتصف بها من لا ~~يتصف بالعقل ثم سبر على ما زعم واستبان أن العقل علوم ضرورية بجواز ~~الجائزات واستحالة المستحيلات ولا يتصف بهذه الفنون إلا عاقل كما لا يتصف ~~بها من ليس بعاقل فهذا لباب كلامه بعد تطويل وإطناب. # والذي ذكره رحمه الله فيه نظر فإنه بنى كلامه على أن العقل من ms011 العلوم ~~الضرورية لأنه لا يتصف بالعقل عار من العلوم كلها وهذا يرد عليه أنه لا ~~يمتنع كون العقل مشروطا بعلوم وإن لم يكن منها وهذا سبيل كل شرط ومشروط. # فإن قيل ما الذي يبطل ما ذكره القاضي رحمه الله في معنى العقل قلنا نرى ~~العاقل يذهل عن الفكر في الجواز والاستحالة وهو عاقل. ### | 37- # فإن قيل فما العقل [عندكم] قلنا ليس الكلام فيه بالهين وما حوم عليه أحد ~~من علمائنا غير الحارث2 [بن أسد] المحاسبي رحمه الله فإنه قال العقل غريزة ~~يتأتى بها درك العلوم وليست منها فالقدر الذي يحتمل هذا المجموع ذكره أنه ~~صفة إذا ثبتت تأتي بها التوصل إلى العلوم النظرية ومقدماتها من الضروريات ~~التي هي مستند النظريات. PageV01P019 # ولا ينبغي أن يعتقد الناظر في هذا الكتاب أن هذا مبلغ علمنا في [حقيقة ~~العقل] ولكن هذا الموضع لا يحتمل أكثر من هذا فإذا ثبت ما حاولناه في العقل ~~فنتكلم بعده في إثبات العلوم وذكر تفاصيلها وحدها ومداركها والأدلة عليها ~~إن شاء الله تعالى. # فصل ### | 38- # لم ينكر من يبالي به من العقلاء أصل العلوم ونقل أصحاب المقالات عن ~~السوفسطائية إنكار العلوم وهم أربع فرق. # قال فريق منهم وهم غلاتهم نعلم ألا علم أصلا وعمموا الجحد في الضروري ~~والنظري. # وقال فريق [منهم] لم يثبت عندنا علم بمعلوم فلم يعلم انتفاء العلوم. # وقال فريق لا ننكر العلوم ولكن ليس في القوة البشرية الاحتواء عليها لأن ~~الذين يحاولونها سيالون لا يستقرون في حال وإنما تحصل الثقة لمستقر ينتظم ~~آخر عثوره على المطلوب بإنشاء الطلب. # وذهبت فرقة إلى أن العقود المصممة كلها علوم فمعتقد قدم العالم على علم ~~ومعتقد حدثه على علم ومثلوا ذلك باختلاف أحوال ذوي الحواس فالصحيح يدرك ~~الماء الفرات عذبا ويدركه من هاجت عليه المرة الصفراء ممقرا [مرا] . ### | 39- # وقد اختلف المحققون في مكالمتهم فذهب الأكثرون إلى الانكفاف عنهم فإن ~~غاية المناظر اضطرار خصمه إلى الضروريات فإذا كان مذهبهم جحدها والتمادي ~~فيها فكيف الإنتفاع بمكالمتهم؟ ومن النظار من كلمهم بالتقريبات وضرب ~~الأمثال وإلزام ms012 التناقض فقال للأولين أنكرتم العلوم وادعيتم العلم ~~بانتفائها [كلها] وهذا تناقض لا ينكره عاقل. # والذي أراه أنه لا يتصور أن يجتمع على عقدهم فرقة من العقلاء من غير فرض ~~تواطوء على الكذب. # PageV01P020 ### | فصل في حد العلم وحقيقته. ### | 40- # قال قائلون منا العلم تبين المعلوم على ما هو به وهذا مدخول من جهة أن ~~التبين مشعر بوضوح الشيء عن إشكال وهذا يخرج العلم القديم عن الحد. # وقال [الشيخ] أبو الحسن رحمه الله العلم ما يوجب لمن قام به كونه عالما. # وهذا وإن كان يطرد وينعكس فهو مدخول فإن من جهل العلم وحمله جهله به ~~[على] السؤال عنه فهو جاهل بكل اسم مشتق منه ووضوح ذلك يغنى عن بسطه وأصدق ~~شاهد في فساده جريانه في كل صفة يفرض السؤال عنها وهو بمثابة قول القائل ~~العلم ما علمه الله تعالى علما. # وقال الأستاذ أبو بكر1 [بن فورك] رحمه الله العلم ما يصح من المتصف به ~~إحكام الفعل وإتقانه. # وليس من المقولات في حد العلم أظهر فسادا من هذا فإنه أولا حد العلم ~~بكيفية العمل وخلى معظم العلوم على أن العلم لا يتأتى به الإحكام دون ~~القدرة فيلزم من ذلك إدراج القدرة في حد العلم وإخراجها عن الرأي الذي رآه. # وقالت المعتزلة2: حد العلم اعتقاد الشيء على ما هو به مع طمأنينة النفس. # وهذا بعد تطويل لا يليق بهذا المجموع باطل باعتقاد المقلد المصمم على ~~عقده فإنه ليس علما عندهم وإن أنكروا الطمأنينة فيه كانوا مباهتين فإنا نرى ~~الحشوي3 من الحنابلة مصمما على عقد يتعلق بالمعتقد على ما هو به مع إنكاره. ~~PageV01P021 # النظر ولو نشر بالمنشار لم يكع ولم يرجع وكيف يتجه إنكار الطمأنينة ~~والكفار مطمئنون إلى كفرهم ومن أنكر ذلك منهم مع اتفاقهم على الإخبار عن ~~طمأنينتهم وهم الجم الغفير والعدد الكثير الذي لا يحويهم بلد ولا يحصيهم ~~عدد فقد خرق حجاب الهيبة واستأصل قاعدة العرف فقد بطل حدهم. # وقال القاضي أبو بكر رحمه الله: العلم معرفة المعلوم على ما هو به فإذا ~~قيل ms013 له المعرفة هي العلم قال مجيبا الحد هو المحدود بعينه ولو كان غيره لم ~~يكن حده وإنما على الحاد أن يأتي بعبارة يظن السائل عالما بها إن جهل ما ~~سأل عنه فإن جهل العبارات كلها فسحقا سحقا. # ولست أرى ما قاله القاضي سديدا فإن الغرض من الحد الإشعار بالحقيقة التي ~~بها قيام المسئول عن حده وبه تميزه الذاتي عما عداه وهذا لا يرشد إليه ~~تغاير العبارات فإن قيل قد تتبعتم عيون كلام المحققين بالنقض فما المرتضى ~~عندكم في حقيقة العلم وهل العلم مما تحويه صناعة الحد أم لا فليس كل شيء ~~محدودا. ### | 41- # قلنا: الرأي السديد عندنا أن نتوصل إلى درك حقيقة العلم بماحثة نبغي بها ~~ميز مطلوبنا مما ليس منه فإذا انتفضت الحواشي وضاق موضع النظر حاولنا ~~مصادفة المقصد جهدنا. ### | 42- # فنقول: الجهل عقد يتعلق بالمعتقد على خلاف ما هو به والعلم خالفه في ذلك ~~ويتميز عنه والشك والظن يترددان بين معتقدين وهو بخلافهما في ذلك فلا يبقى ~~إلا النظر في عقد يتعلق بالمعتقد على ما هو به من مقلد في ذلك مع التصميم ~~والاستقرار مع القطع بأنه ليس علما والنظر في العلم الحق وما يتميز به عن ~~عقد المقلد فليجرد الناظر فكره لمحاولة المميز بينهما فإن استتب له ذلك فقد ~~أحاط بحقيقة العلم فإن ساعدت عبارة سديدة في الحد حد بها وإن لم تساعد ~~اكتفى بدرك الحقيقة ولم يضر تقاعد العبارة فليس كل من يدرك حقيقة شيء تنتظم ~~له عبارة عن حده ولو فرضنا رفض اللغات ودروس العبارات لاستقلت العقول بدرك ~~المعقولات وإيضاح ذلك بالمثال أن ذا العقل يدرك [حقيقة] رائحة المسك ولو ~~رام أن يصوغ عبارة عنها لم يجدها. # فنقول: عقد المقلد إذا لم يكن له مستند عقلي فهو على القطع من جنس الجهل ~~وبيان ذلك بالمثال أن من سبق إلى عقده أن زيدا في الدار ولم يكن فيها. # PageV01P022 # ثم استمر العقد فدخلها زيد فحال المعتقد لا يختلف وإن اختلف المعتقد وعن ~~ذلك نقل النقلة عن عبد السلام بن ms014 الجبائي وهو أبو هاشم أنه كان يقول العلم ~~بالشيء والجهل به مثلان وأطال المحققون ألسنتهم فيه وهذا عندي غلط عظيم في ~~النقل فالذي نص عليه الرجل في كتاب الأبواب أن العقد الصحيح مماثل للجهل ~~وعنى بالعقد اعتقاد المقلد وقد سبق أن الوجه القطع بمساواة عقد المقلد ~~الجهل فإذا ظهر ذلك قدمنا أمرا آخر وقلنا الشاك يرتبط عقده بأن زيدا في ~~الدار أم لا والمقلد سابق إلى أحد المعتقدين من غير ثقة مستمر عليه إما عن ~~وفاق أو عن سبب يقتضيه اتباع الأولين وحذار مخالفة الماضين. # ومن أحكام عقد المقلد أنه لو أصغى إلى جهة في التشكيك ولم يضرب عن حقيقة ~~الإصغاء لتشكك لا محالة كالذي يتنبه وهو يأرق في وقفته. ### | 43- # ومن عجيب الأمر ظن من ظن أن العلم [عقد من العقود أو نوع منها] وهو عندي ~~نقيض جميعها فإن معنى العقد ربطك الفكر بمعتقد والاعتقاد افتعال منه والعلم ~~يشعر بانحلال العقود وهو الانشراح والثلج والثقة. # وحق ذي العلم ألا يتصور تشككه وإن تناهى في الإصغاء إلى جهة التشكيك فإن ~~أورد متحذق مسلكا في التشكيك على واثق بالعلم الحق كان العالم على حالات ~~إحداها أن يتبين له سقوط جهة التشكيك والأخرى ألا يفهمها ولا يتخالجه ريب ~~في معلومة لعدم علمه بما أورد عليه والأخرى أن ينقدح له اندفاع الشك ولا ~~يتحرر له عبارة في دفعه ويرى معارضة جدلا محجاجا. ### | 44- # وقد يقرأ على العالم المحقق في أمر سؤال صادر عن عقد له تقليدي والسؤال ~~يلزم لزوما لا دفع له لو كان ذلك العقد علما فإذا كان الأول علما والثاني ~~نقيضه فلا يستريب ذو التحصيل في بطلان عقده ولا يستطيع لو أنصف مراء وقد ~~يكيع عن تغير عقده حذارا من أمر فتثور منه ثوائر في عقد التقليد والعلم ~~السابق [يجاذبه] وليس ذلك شكا أرشدتم فيما تقدم وإنما هو إيثار ذهول عن ~~الأول ليستمر ما يحاوله من الاستقرار على العقد التقليدي [و] لن يبالي بذلك ~~إلا من ضعف غريزة عقله وهذا أوان الوقوف على ms015 هذا المنتهى فإن مجاوزته تزيد ~~على قدر هذا المجموع وسأتحفك إن ساعدت الأقدار بلباب هذه الفنون مستعينا ~~بالله وهو خير معين. # PageV01P023 # فصل # يحوي الأقاويل في مدارك العلوم. ### | 45- # حكى أصحاب المقالات عن بعض الأوائل حصرهم مدارك العلوم في الحواس ومصيرهم ~~إلى أن لا معلوم إلا المحسوسات. # ونقلوا عن طائفة يعرفون بالسمنية أنهم ضموا إلى الحواس أخبار التواتر ~~ونفوا ما عداها. # وحكى عن بعض الأوائل أنهم قالوا لا معلوم إلا مادل عليه النظر العقلي ~~وهذا في ظاهره مناقض للقول الأول ومتضمنة أن المحسوسات غير معلومة. # والذي أراه أن الناقلين غلطوا في نقل هذا عن القوم وأنا أنبه على وجه ~~الغلط. # قال الأوائل العلوم كل ما تشكل في الحواس وما يفضي إليه نظر العقل مما لا ~~يتشكل فهو معقول فنظر الناقلون إلى ذلك ولم يحيطوا باصطلاح القوم وقال ~~المطلعون من مذاهبهم على أن لا معلوم إلا المحسوس من أصلهم أن المدارك ~~تنحصر في الحواس وقال من رآهم يسمون النظريات معقولات من أصل هؤلاء أن ~~المدارك منحصرة في سبل النظر وهذا ظن ولا أرى خلافا في المعنى وقال قائلون ~~مدارك العلوم الإلهام. # وقال آخرون من الحشوية المشبهة لا مدارك للعلوم إلا الكتاب والسنة ~~والإجماع وقال المحققون مدارك العلوم الضروريات التي تهجم مبادئ فكر ~~العقلاء عليها والنظريات العقليات والسمعيات على ما سيأتي تفصيلها فأما ~~الضروريات فإنها تقع بقدرة الله تعالى غير مقدورة للعباد والنظريات في رأى ~~معظم الأصحاب مقدورة بالقدرة الحادثة. ### | 46- # والمرتضى المقطوع به عندنا أن العلوم كلها ضرورية والدليل القاطع على ذلك ~~أن من استد نظره وانتهى نهايته ولم يستعقب النظر ضد من أضداد العلم ~~بالمنظور فيه فالعلم يحصل لا محالة من غير تقدير فرض خيرة فيه ولن يبلغ ~~المرء مبلغ التحقيق في ذلك حتى يعرف مذهبنا في حقيقة النظر وسنبدي أنه تردد ~~في أنحاء الضروريات ومراتبها على ما سيأتي شرحنا عليه في هذا الفصل إن شاء ~~الله تعالى. # PageV01P024 ### | 47- # فأما المعتزلة فإنهم فهموا أن العلوم ليست مباشرة بالقدرة وعلموا أن ~~النظر يستعقبها استعقابا لا ms016 دفع له فزعموا أن النظر يولدها توليد الأسباب ~~مسبباتها. # والمقدور الذي هو مرتبط التكليف والثواب هو النظر عندي. ### | 48- # ثم رتب أئمتنا أدلة العقل ترتيبا ننقله ثم نبين فساده ونوضح مختارنا ~~فنكون جامعين بين نقل تراجم المذاهب والتنبيه على الصواب منها. # قالوا أدلة العقول تنقسم أربعة أقسام أحدها بناء الغائب على الشاهد ~~والثاني إنتاج المقدمات النتائج والثالث السبر والتقسيم والرابع الاستدلال ~~بالمتفق عليه على المختلف فيه. # ثم قالوا أما بناء الغائب على الشاهد فلا يجوز التحكم به من غير جامع ~~عقلي ومن التحكم به شبهت المشبهة وعطلت المعطلة وعميت بصائر الزنادقة. # فقالت المشبهة: لم نر فاعلا ليس متصورا وقالت المعطلة: الموجود الذي لا ~~يناسب موجودا غير معقول ثم حصروا الجوامع في أربع جهات أحدها الجمع بالعلة ~~والثاني الجمع بالحقيقة والثالث الجمع بالشرط والرابع الجمع بالدليل فأما ~~الجمع بالعلة فكقول [مثبتي] الصفات إذا كان كون العالم عالما شاهدا [معللا] ~~بالعلم لزم طرد ذلك غائبا. # والجمع بالحقيقة كقول القائل حقيقة العالم شاهدا من له علم فيجب طرد ذلك ~~غائبا. # والجمع بالشرط كقولنا العلم مشروط بالحياة شاهدا فيجب الحكم بذلك على ~~الغائب. # [والجمع] بالدليل كقولنا الحدوث والتخصيص والإحكام يدل على القدرة ~~والإرادة والعلم شاهدا فيجب طرد ذلك غائبا. # وأما بناء النتائج على المقدمات فهو كقولنا الجواهر لا تخلو عن حوادث ~~مستندة إلى أولية فهذه هي المقدمة والنتيجة أن مالا يخلو عن الحوادث لا ~~يسبقها. # والاستدلال بالمتفق على المختلف كقياسنا الألوان على الأكوان [في] ~~استحالة تعري الجواهر عنها. # فهذا سياق كلام الأصحاب في ذلك. # PageV01P025 # ثم قالوا قد تكون المقدمة ضرورية والنتيجة نظرية وهذا هو الأكثر كقولنا ~~تحرك الجوهر ولم يكن متحركا فهذه مقدمة ضرورية نتيجتها أنه لا بد والحالة ~~هذه من فرض زائد على الذات. # وقد تكون المقدمة نظرية والنتيجة ضرورية كقولنا الجوهر لا يخلو عن ~~الحوادث التي لها أول وهذه مقدمة نظرية لا يتوصل إليها إلا بدقيق النظر ~~والنتيجة أن ما لا يخلو عن الحوادث التي لها أول حادث وهذا ضروري. ### | 49- # فأما نحن فلا ms017 نرتضى شيئا من ذلك فأما بناء الغائب على الشاهد فلا أصل له ~~فإن التحكم به باطل وفاقا والجمع بالعلة لا أصل له إذ لا علة ولا معلول ~~عندنا وكون العالم عالما هو العلم بعينه. # والجمع بالحقيقة ليس بشيء فإن العلم الحادث مخالف للعلم القديم فكيف ~~يجتمعان في الحقيقة مع اختلافهما فإن قيل جمعتهما العلمية فهو باطل مبنى ~~على القول بالأحوال وسنوضح بطلانها على قدر مسيس الحاجة. # والقول الجامع في ذلك أنه إن قام دليل على المطلوب في الغائب فهو المقصود ~~ولا أثر لذكر الشاهد وإن لم يقم دليل على المطلوب في الغائب فذكر الشاهد لا ~~معنى له وليس في المعقول قياس وهذا يجري في الشرط والدليل. # وأما المقدمة والنتيجة فلست أرى في عد ذلك صنفا من أدلة العقول معنى ولا ~~حاصل للفصل بين النظري والضروري والعلوم كلها ضرورية كما سبق تقريره. # والاستدلال بالمتفق على المختلف لا أصل له فإن المطلوب في المعقولات ~~العلم ولا أثر للخلاف والوفاق فيها. # وأما السبر والتقسيم فمعظم ما يستعمل منه باطل فإنه لا ينحصر في نفى ~~وإثبات كقول من يقول لو كان الإله مرئيا لرأيناه الآن فإن المانع من الرؤية ~~القرب المفرط أو البعد [المفرط] أو الحجب إلى غير ذلك مما يعدونه وهذا الفن ~~لا يفيد علما قط ويكفى في رده قول المعترض بم تنكرون على من يثبت مانعا غير ~~ما ذكرتموه فلا يجد السابر المقسم من ذلك محيصا. # فأما التقسيم الدائر بين النفي والإثبات فقد ينتهض ركنا في النظر الصحيح ~~كما ذكرناه في كتاب النظر في الكلام. # PageV01P026 # فصل # يجمع قول الأصحاب في مراتب العلوم وما نختار من ذلك. ### | 50- # قال الأئمة رحمهم الله مراتب العلوم في التقسيم الكلي عشر. # الأولى: علم الإنسان بنفسه ويلتحق بذلك علمه بما يجده ضروريا من صفاته ~~كألمه ولذاته. # والدرجة الثانية: تحوي العلوم الضرورية كالعلم باستحالة المستحيلات وهذا ~~دون الدرجة الأولى من حيث إنه يستند العلم فيه إلى فكر في ذوات المتضادات ~~وتضادها. # والثالثة: تجمع العلوم بالمحسوسات وهذه الرتبة دون الثانية ms018 لأن الحواس ~~عرضة الآفات والتخييلات. # والمرتبة الرابعة تحوي العلم بصدق المخبرين تواترا وهذا دون العلم ~~بالمحسوسات ولما يتطرق إلى إخبار المخبرين من [إمكان] التواطؤ وإن كثر ~~الجمع فلا بد من نوع من الفكر ولذلك ألحق الكعبي هذا القسم بالنظريات. # والمرتبة الخامسة: العلم بالحرف والصناعات وهي محطوطة عما تقدم لما فيها ~~من المعاناة والمقاساة وتوقع الغلطات. # والمرتبة السادسة: في العلوم المستندة إلى قرائن الأحوال كالعلم بخجل ~~الخجل ووجل الوجل وغضب الغضبان وإنما استأخرت هذه المرتبة لتعارض ~~الاحتمالات في محامل الأحوال وخروجها عن الضبط. # والمرتبة السابعة: العلوم الحاصلة بأدلة العقول وهي مستأخرة لا محالة عن ~~الضروريات المذكورة في المراتب السابقة. # والثامنة: العلم بجواز النبوات وابتعاث الرسل وجواز ورود الشرائع. # والتاسعة: في العلم بالمعجزات إذا وقعت. # والعاشرة: في العلم بوقوع السمعيات الكلية ومستندها الكتاب والسنة ~~والإجماع. # PageV01P027 ### | 51- # ثم في بعض الأقسام التي ذكروها مواقع خلاف على ما نشير إليها. # فمن الجملة التي اختلف فيها الخائضون في التقسيم المحسوسات فقال قائلون ~~كلها في درجة واحدة وقال آخرون السمع والبصر مقدمان على ما سواهما ثم من ~~هؤلاء من قدم البصر على السمع لتعلقه بجميع الموجودات بزعمه ومنهم من سوى ~~بينهما. ### | 52 - # وذهب بعض أصحاب الأقاويل إلى تقديم السمع على البصر لوجهين أحدهما أن ~~السمع لا يحتاج إلى الأشعة المتعرضة للحركات والتعريجات والأخر أن السمع لا ~~يختص في دركه بجهة بخلاف البصر وذكر القتبي1 هذا واختاره وذكر أن الباري ~~سبحانه وتعالى: قدم السمع على البصر فقال: {أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا ~~يعقلون} 2 ثم قال تعالى: {ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا ~~لا يبصرون} 3 وجمع من هذا كثيرا وهو ولاج هجوم على مالا يحسنه ومما قاله: ~~إن الله لم يبتعث أصم وفي الأنبياء عليهم السلام عميان. # ومما خاض فيه الخائضون أنا قدمنا ما يدرك بالحواس على ما يدرك بالعقل وهو ~~اختيار شيخنا أبي الحسن الأشعري4 رحمة الله عليه وقدم القلانسي المعقولات ~~بالأدلة النظرية على المحسوسات من حيث إن العقل مرجع المعقولات ومحلها ms019 ~~ومرجع المحسوسات إلى الحواس وهي عرضة الآفات فهذه جمل من المقالات. ### | 53- # والحق عندنا بعيد نازح عن هذه المسالك وما أرى المقسمين بنوا تقاسيمهم ~~إلا على الرضا والقناعة لعقود ظاهره لا تبلغ الثلج ومسلك اليقين ومن أحاط ~~بحقيقة العلم واعتقد العلوم كلها ضرورية لم يتخيل فيها تقديما [ولا] ~~تأخيرا. # نعم الطرق إليها قد يتخيل أن فيها ترتيبا في تعرضها للزلل فأما العلوم في ~~نفسها إذا حصلت على حقيقتها فيستحيل اعتقاد ترتيبها. PageV01P028 # فصل # فيما يدرك بالعقل لا غير وفيما يدرك بالسمع لا غير وفيما يجوز فرض إدراكه ~~بهما جميعا. ### | 54- # فأما مالا يدرك إلا بالعقل فحقائق الأشياء ودرك [استحالة] المستحيلات ~~وجواز الجائزات ووجوب الواجبات العقلية لا التكليفية الضرورية منها ~~والنظرية. # وأما ما لا يدرك إلا بالسمع فوقوع الجائزات وانتفاؤها وأما ما يشترك فيه ~~السمع والعقل وبذكره ينضبط ما تقدم من القسمين فنقول فيه كل مدرك يتقدم على ~~ثبوت كلام صدق فيستحيل دركه من سمع فإن مستند السمعيات كلها الكلام الحق ~~الصدق. # وبيان ذلك بالمثال: أن وجود الباري سبحانه وتعالى: وحياته وأن له كلاما ~~صدقا لا يثبته سمع فأما من أحاط بكلام صدق ونظر بعده في جواز الرؤية وفي ~~خلق الأفعال وأحكام القدرة فما يقع من هذا الفن بعد ثبوت مستند السمعيات لا ~~يمتنع اشتراك السمع والعقل فيه. # فصل # يشتمل على مقدار من مدارك العقول تمس الحاجة إليه في مسائل الأصول. ### | 55- # فنقول لا يجول العقل في كل شيء بل يقف في أشياء وينفذ في أشياء ولا يحصل ~~مقدار غرضنا في هذا المجموع من مضمون هذا الفصل العظيم القدر إلا بتقديم ~~قاعدة موضع استقصائها كتاب النظر من الكلام. # فالنظر عندنا مباحثة في أنحاء الضروريات وأساليبها ثم العلوم الحاصلة على ~~أثرها كلها ضرورية كما سبق تقرير ذلك وتلك الأنحاء يئول حاصل القول فيها ~~إلى تقاسيم منضبطة بالنفي والإثبات منحصرة بينهما يعرضها العاقل على الفكر ~~العقلي ويحكم فيها بالنفي والإثبات فإن كان ينقدح فيها نفى أو إثبات قطع به ~~وليس للدليل تحصيل إلا تجريد الفكر من ذي ms020 نحيزة صحيحة إلى جهة يتطرق إلى ~~مثلها العقل فإذا استد النظر وامتد إلى اليقين والدرك فهو الذي يسمى نظرا ~~ودليلا. # وبيان ذلك بالأمثلة الهندسية والأرتماطيقية والكلامية فمن المقدمات ~~الهندسية ما تهجم العقول عليها من غير احتجاج إلى فكر كالعلم بأن الجزء أقل ~~من الكل والكل. # PageV01P029 # أكثر من الجزء والخطوط المستقيمة الخارجة من مركز الدائرة إلى محيطها ~~متساوية إلى غير ذلك من الأمثلة إلى تسمى المصادرات. # فإذا بنى المهندس على هذه المقدمات شكلا وركب عليها دعاوي وبرهنها بما ~~يستند إلى تلك المقدمات فقد يحتاج في ترتيب الاستخراج إلى فكر طويل وإذا ~~أحاط بما يبغيه فعلمه به على حسب علمه بالمقدمات وكذلك القول في العدديات. # ويقول المتكلم في الجسم الساكن إذا تحرك [قد] تجدد أمر لم يكن وهذا مهجوم ~~عليه من غير نظر ثم إن استد فكره في جهة إثبات [الأعراض] [قال] هذا التجدد ~~جائز أم لا فيفرض التقسيم بين النفى والإثبات ثم يفكر فيطيل فكره أو يقصره ~~على التفاوت في احتداد القرائح وكلالها فيعلم من غير وسيلة ما يسمى دليلا ~~أن الحكم بوجوب التحرك محال فيعلم الجواز ثم يعن له تقسيم آخر في أن ما علم ~~جوازه يثبت لنفسه أم لا فيفكر كما تقدم فيتعين له أحد القسمين تعيينا ~~ضروريا. # فهذا هو التردد في أنحاء الضروريات ولكنها لما انقسمت إلى مهجوم عليه ~~وإلى ما يحتاج فيه إلى تقسيم وفكر سمى أحد القسمين نظريا والثاني ضروريا. # فإذا تقرر ذلك فالقول الضابط في مقصود الفصل أن كل ما يتجه فيه تقسيم ~~مضبوط وينقدح تعيين أحدهما فهو الذي يتطرق العقل إليه وما لا ينضبط فيه ~~التقسيم أو ينضبط ولا يهتدي العقل مع الفكر الطويل إلى تعيين أحدهما فهو من ~~[محارات] العقل. # وبيان ذلك بمثالين: أحدهما: أن من أخذ يبغي جواز رؤية الباري سبحانه ~~وتعالى: من النظر في أن مصحح الرؤية ماذا فهذا وقبيله لا يحصره النفي ~~والإثبات فلا ينتهي النظر فيه قط إلى العلم. # وأما المثال الثاني: فهو أن من نظر وقد عن له ms021 تقسيم بين نفى وإثبات في أن ~~الجوهر هل يجوز أن يخلو عن الألوان أم لا فهذا تقسيم منضبط ولكن العقل لا ~~يعين أحد القسمين وإن تمادى فيه فكر العاقل أبد الآباد ومن أراد أن يأخذ ~~ذلك من القياس على الأكوان فقد نأى عن مسلك العقل فليس في العقل قياس. # والتحقيق فيه: أن النظر الذي اقتضى استحالة العرو عن الأكوان إن قام في ~~الألوان أغناك عن الاستشهاد بالأكوان فإذا لم يقم في الألوان فالعقل لا ~~يحكم على الأكوان بحكم الألوان من غير بصيرة. # PageV01P030 ### | 56- # ومما يتعين على الطالب الاهتمام به في مضايق هذه الحقائق أن يفصل بين ~~موقف العقل وبين تبلده وقصوره لفرض عوائق تعوق. ### | 57- # ومما يجب الاعتناء به الميز بين الجواز الذي هو حكم مدرك [بالعقل] وبين ~~الجواز الذي معناه التردد. # ونحن نذكر لمساق كل مقصد مسلكا مؤيدا بمثال على قدر ما يليق بهذا المجموع ~~إن شاء الله تعالى. # فأما الموقف الذي يحكم به ويحيل تعديه فهو الإحاطة بأحكام الإلهيات على ~~حقائقها وخواصها فأقصى إفضاء العقل إلى أمور [جملية] منها والدليل القاطع ~~في ذلك رأى الإسلاميين أن ما يتصف به حادث موسوم بحكم النهاية يستحيل أن ~~يدرك حقيقة مالا يتناهى وعبر الأوائل عن ذلك بأن قالوا تصرف الإنسان في ~~المعقولات بفيض ما يحتمله من العقل عليه ويستحيل أن يدرك الجزء الكل ويحيط ~~جزء طبيعي له حكم عقلي بما وراء عالم الطبائع وهذه العبارات وإن كانت ~~مستنكرة في الإسلام فهي محومة على الحقائق ولكن لا يعدم العاقل العلم بكلى ~~ما وراء [عالم] الطبائع فأما الاحتواء على الحقيقة فهو حكم سلطنة الكل على ~~الجزء. # وأما [ما يحمل] على تبلد العقل فهو ما يقتضيه طارئ من الاعتلال أو ~~الاختلال ولا يكاد ينكر ذلك العاقل من نفسه ثم يتصدى له طوران أحدهما أن ~~يعلم قصوره والمطلوب مضطرب العقل والثاني أن يتمارى أنه مضطرب العقل أم لا ~~وبالجملة لا يحكم لمن هذا حاله بتوقف العقل كحكمنا الأول فيما تقدم. ### | 58- # وقد صار معظم الأوائل إلى أن درك ms022 خواص الأجسام [وحقائقها] من مواقف ~~العقول [فليس] من الممكن أن يدرك بالعقل الخاصية الجاذبة للحديد في ~~المغناطيس وهذا عندي فيه نظر فإنها وإن دقت فهي من عالم الطبائع فالجزئي من ~~العقل مسيطر على كل الطبائع ولكن ينقدح [عندي] في ذلك أمر يحمل التعذر عليه ~~وهو إن تهيأ مفيض العقل من الإنسان للفيض الطبيعي فلا يكاد يبلغ هذا ~~التركيب والتهيؤ مبلغا يفيض من العقل عليه ما يحيط بالخواص وأيضا فليست ~~الخاصية قضية طبيعية محضة وإنما هي سلطنة النفس في المحل المختص ولا بعد في ~~قصور [جزئي] العقل عن سلطان النفس. # وبالجملة لا يقوم برهان على التحاق هذا [القسم] بالمواقف إلا أن يعتمد ~~المعتمد. # PageV01P031 # الاستقراء ويعلم أن هذا لو كان ممكنا لجرى الإمكان في زمان ما مع تكرر ~~المقتضيات والله المستعان. ### | 59- # وأما الميز بين الجواز المحكوم به وبين الجواز بمعنى التردد والشك فلائح ~~[واضح] ومثاله أن العقل يقضي بجواز تحرك جسم ساكن وهذا الجواز حكم مبتوت ~~للعقل وهو نقيض الاستحالة وأما الجواز بمعنى التردد والشك فكثير ونحن نكتفي ~~فيه بمثال واحد فنقول تردد المتكلمون في انحصار الأجناس كالألوان فقطع ~~قاطعون بأنها غير متناهية في الإمكان كآحاد كل جنس وزعم آخرون أنها منحصرة ~~وقال المقتصدون لا ندري أنها منحصرة أم لا ولم يثبتوا مذهبهم على بصيرة ~~وتحقيق. # والذي أراه قطعا أنها منحصرة فإنها لو كانت غير منحصرة لتعلق العلم منها ~~بأجناس لا تتناهى على التفصيل وذلك مستحيل فإن استنكر الجهلة ذلك وشمخوا ~~بآنافهم وقالوا الباري سبحانه عالم بما لا يتناهى على التفصيل سفهنا عقولهم ~~وأحلنا تقرير هذا الفن على أحكام الصفات [في الكلام] وبالجملة علم الله ~~تعالى إذا تعلق بجواهر لا تتناهى فمعنى تعلقه بها استرساله عليها من غير ~~فرض تفصيل الاحاد مع نفى النهاية فإن ما يحيل دخول مالا يتناهى في الوجود ~~يحيل وقوع تقديرات غير متناهية في العلم والأجناس المختلفة التي فيها ~~الكلام يستحيل استرسال العلم عليها فإنها متباينة بالخواص وتعلق العلم بها ~~على التفصيل مع نفى النهاية محال وإذا لاحت ms023 الحقائق فليقل الأخرق بعدها ما ~~شاء. # فصل # مدارك العلوم في الدين ثلاثة في التقسيم الكلي. ### | 60- # أحدها: العقول والمطلوب منها درك الجواز في كل جائز ودرك المخصص له ~~بالوجه الذي وقع عليه ودرك وجوب مخالفة المخصص للجائزات في أحكام الجواز ~~ودرك وجوب صفات المخصص [التي] لا يصح كونه مخصصا دونها فهذا حظ العقل المحض ~~في الديانات. ### | 61- # والمدرك الثاني: هو المرشد إلى ثبوت كلام صدق وهذا لا يتمحض العقل فيه ~~فإن مسلكه المعجزات وارتباطها بالعادات انخراقا واستمرارا والقول في ذلك ~~يطول. # PageV01P032 ### | 62- # والمدرك الثالث أدلة السمعيات المحضة وهي إذا فصلت على مراسم العلماء ~~[ثلاثة] الكتاب والسنة والإجماع وعد عادون خبر الواحد والقياس والتحقيق في ~~ذلك يستدعي تقديم أصلين ثم بعدهما نعد السمعيات. ### | 63 - # فأحد الأصلين: في ذكر ما يقع الاستقلال به في إثبات العلم بكلام الله ~~سبحانه وتعالى: الصدق ولا مطمع في استقصاء القول في ذلك ولكن القدر الذي ~~يتفطن له العاقل أن العالم لا يخلو عن نطق النفس ثم النطق النفسي لا يكون ~~إلا على حسب تعلق العلم وإذا كان كذلك لم يكن إلا صدقا وإن فرض فارض إجراء ~~شيء في النفس على خلاف العلم فهو وسواس وتقديرات لا يتصور فرضها [إلا ~~حادثة] وهذا القدر على إيجازه مقنع في غرض هذا الفصل. ### | 64- # والأصل الثاني: في إثبات اقتضاء المعجزة صدق من ظهرت على يديه ولا سبيل ~~إلى الخوض في شرائطها وأحكامها كملا ولكن قدر غرضنا من ذلك أن المعجزة تكون ~~فعلا لله سبحانه وتعالى: خارقا للعادة ظاهرا على حسب سؤال مدعى النبوة مع ~~تحقيق امتناع وقوعه في الاعتياد من غيره إذا كان يبغي معارضة ووجه دلالتها ~~يقرب من إشعار قرائن الأحوال بالعلوم البديهية فإذا قال من يدعى النبوة قد ~~علمتم ربا مقتدرا على ما يشاء وتحققتم أن إحياء الموتى ليس مما يدخل تحت ~~مسالك الحيل ومدارك القوى البشرية وإنما ينفرد بالقدرة عليه إله الخلق ~~تعالى ثم يقول أي رب إن كنت صادقا في دعواي فأحي هذه العظام الرميم فإذا ~~ائتلفت وتمثلت شخصا ينطق ms024 فلا يستريب ذو لب في أن ذلك جرى قصدا إلى تصديقه. # وهذا يناظر ما ضربه القاضي أبو بكر رحمة الله عليه في كتبه مثلا حيث قال ~~إذا تصدى ملك للداخلين عليه في مهم سنح وأخذ الناس مجالسهم وتأزر المجلس ~~بأهله ثم قام قائم بمرأى من الملك ومسمع فقال أنا رسول الملك إليكم وآية ~~رسالتي أن ألتمس من الملك أن يقوم ويقعد خارقا عادته المألوفة فيفعل ثم ~~يقول أيها الملك إن كنت رسولك فصدقني بقيامك وقعودك فإذا طابقه الملك قطع ~~الحاضرون بتصديقه إياه من غير فكر وروية وانصرفوا واثقين على ثلج من الصدور ~~وهذا ليس قياسا وإنما أثبتناه مثلا وإيناسا وإلا فإظهار المعجزة على شرطها ~~بهذه المثابة يفيد العلم بصدقة ضرورة من غير احتياج إلى [نظر] . # فإن قيل: أيتصف الرب سبحانه وتعالى: بالاقتدار على أن يظهر على يد كذاب ~~مع ما يعتقد في العقيدة من أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء؟ قلت:. # PageV01P033 # معتقدي وجوب وصف الرب سبحانه بهذا لا محالة. # فإن قيل فما المانع من وقوع ذلك وكل مقدور ممكن [الوقوع] وإنما لا يقع ~~خلاف المعلوم من حيث علمناه معلوما؟ فبأي مسلك يتوصل إلى أن من يعتقد صادقا ~~هو كذلك؟ وما يؤمن كونه كذابا ومراد الباري - سبحانه وتعالى - يعضده بخوارق ~~العادات إظهارا للضلالات وإغواء للخلق؟ وهذا لا يليق بقدر هذا الكتاب ولكن ~~إذا انتهى الكلام إليه نثبت بديعة شافية. # ونقول قد أجرينا في أدراج الكلام أن المعجزات تجرى مجرى قرائن الأحوال ~~والرب سبحانه وتعالى: قادر على ألا يخلق لنا العلم الضروري بخجل الخجل عند ~~ظهور قرائن الأحوال بل هو قادر على أن يخلق عندها الجهل ولكن تجويز ذلك لا ~~يغض من يقيننا بالعلم الحاصل ولو فرض خرق هذه العادة لعدم العاقل مذاق هذا ~~العلم. # وكذلك لو فرضنا ظهور المعجزة على حقها لحصل العلم ضروريا عندها مع سبق ~~العلم بالصانع واعتقاد أنه المقتدر [بقدرته] على هذا الفن [كقدرته على كل ~~شيء] وما أتى منكر لصدق نبي حق إلا من جهات ms025 منها التردد في إثبات صانع ~~مختار ومنها اعتقاد الواقع تخييلا ومنها اعتقاده موصولا إليه بالغوص على ~~العلوم والإحاطة بالخواص فأما من لم تخطر له هذه الفنون وهدى للحق الواضح ~~واعتقد أن المعجزة فعل الله ولا يتوصل إلى مثلها محتال وقد وقعت على موافقة ~~الدعوى فإنه لا يستريب مع ذلك في صدق من ظهرت عليه المعجزة ولو خرق الله ~~سبحانه وتعالى: العادة في إظهارها على أيدي الكذابين لانسلت العلوم عن ~~الصدور كما سبق تمثيله في قرائن الأحوال. ### | 65- # ونقول بعد هذين الأصلين الأصل في السمعيات كلام الله تعالى وهو مستند قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لا يثبت عندنا كلام الله تعالى إلا [من] جهة ~~من يثبت صدقه بالمعجزة إذا أخبر عن كلام الله تعالى فمال السمع إلى كلام ~~الله تعالى وهو متلقى من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومستند الثقة ~~بالتلقي منه ثبوت صدقه والدال على صدقة المعجزة والمعجزة تدل من جهة نزولها ~~منزلة التصديق بالقول وذلك مستند إلى اطراد العرف في إعقاب القرائن للعلم ~~وثبوت العلم بأصل الكلام لله تعالى يدل عليه وجوب اتصاف العالم بالشيء ~~بالنطق الحق. # PageV01P034 # الصدق عما هو عالم به فإذا ذكرنا في مراتب السمعيات الكتاب فهو الأصل ~~وإذا ذكرنا السنة فمنها تلقى الكتاب والأصل الكتاب فأما الإجماع فقد أسنده ~~معظم العلماء إلى نص الكتاب وذكروا قول الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من ~~بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين} 1 [الآية] وهذا عندنا ليس ~~على رتبة الظاهر فضلا عن ادعاء منصب النص [فيها] وإنما يتلقى الإجماع من ~~أمر متعلق بالعادة أولا فإن علماء الدهر إذا قطعوا أقوالهم جزما في مظنون ~~وعلم استحالة التواطؤ منهم فالعرف يقضى باستناد اعتقادهم واتفاقهم إلى خبر ~~مقطوع به عندهم وسيأتي ذلك مفردا في كتاب الإجماع إن شاء الله تعالى فإذا ~~ليس الإجماع في نفسه دليلا بل العرف قاض باستناده إلى خبر والخبر مقبول من ~~أمر الله تعالى بقبوله وأمر الله من كلامه وكلامه متلقى من رسول ms026 الله صلى ~~الله عليه وسلم وصدق رسوله من مدلول تصديق الله تعالى إياه بالمعجزة وما ~~ذكرناه من [الخبر] في أثناء الكلام عنينا به الخبر المتواتر النص الذي ثبت ~~أصله وفحواه قطعا. # فأما خبر الواحد إن عد من مراتب السمعيات فلا نعني بذكره أنه يستقل بنفسه ~~ولكن العمل عنده يستند إلى خبر متواتر وإلى إجماع مستند إلى الخبر المتواتر ~~وكذلك القول في القياس. # وبالجملة أصل السمعيات كلام الله تعالى وما عداه طريق نقله أو مستند إليه ~~فهذا بيان العقلي المحض والسمعي المحض والمتوسط بينهما. ### | 66- # فإن قيل قد أثبتم النطق لله تعالى بالعقل المحض وقد عددتموه فيما تقدم من ~~الرتبة المتوسطة قلنا الرتبة المتوسطة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~المتعلق بالمعجزة والذي ذكرناه قبل من ثبوت الصدق متوسطا فإياه عنينا إذ لا ~~يثبت حكم إلهي سمعي إلا بعد تقدم العلم بوجوب الصدق لله تعالى فلو كان ~~الصدق لله تعالى في نفسه ثبت بالسمع ومستند كل سمع كلام الله تعالى لأدى ~~[ذلك] إلى إثبات الكلام بالكلام وهذا لا سبيل إليه ولا ينتظم العقد فيه ~~وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرتبط بالسمع أيضا وإنما يتردد بين حكم ~~العرف وقضايا العقل. ### | 67- # قال الأصوليون الأدلة العقلية هي التي [يقتضي] النظر التام فيها العلم ~~بالمدلولات وهي تدل لأنفسها وما هي عليه من صفاتها ولا يجوز تقديرها غير ~~دالة. PageV01P035 # [كالفعل] الدال على القادر والتخصيص الدال على المريد والإحكام الدال على ~~العالم فإذا وقعت هذه الأدلة دلت لأعيانها من غير حاجة إلى قصد قاصد إلى ~~نصبها أدلة. # وأما السمعيات فإنها تدل بنصب ناصب إياها أدلة وهي ممثلة باللغات ~~والعبارات الدالة على المعاني عن توقيف من الله تعالى فيها أو اصطلاح صدر ~~عن الاختيار. ### | 68- # وتمام الغرض في ذلك أن المعقولات تنقسم إلى البدائه وهي التي يهجم العقل ~~عليها من غير احتياج إلى تدبر وإلى ما لا بد فيه من فرط تأمل فإذا تقرر على ~~سداده أعقب العلم الضروري إن لم يطرأ آفة ثم ليس في العقليات على ms027 الحقيقة ~~انقسام إلى جلي وخفي فإن قصاراها كلها العلم الضروري ولكن يتطرق إليها ~~نوعان من الفرق أحدهما أن الشيء قد يحوج إلى مزيد تدبر لبعد القريحة عن ~~معاناة الفكر في أمثاله ولا شيء ينال طال الفكر فيه أو قصر إلا بتجريد ~~الفكر في جهة الطلب فهذا نوع من الفرق بين النظرين. # والنوع الثاني: أن الناظر قد يبغي شيئا نازحا بعيدا يقع بعد عشر رتب مثلا ~~من النظر ويطول الزمان في استيعاب معناها وقد يطرأ على الناظر في الأواخر ~~نسيان الأوساط والأوائل فيتخبط النظر وقد يكون المطلوب في الرتبة الثالثة ~~مثلا فيقرب المدرك ولا يتوعر المسلك ولا يطرأ من الذهول في ذلك ما يطرأ على ~~من يتعدد عليه رتب النظر ويطول الزمان في استيعاب جميعها على الطالب قبل ~~مطلوبه فهذا هو تفاوت النظر والناظر وإلا فليس في حقيقة النظر العقلي ~~المفضي إلى العلم تفاوت. ### | 69- # ثم البرهان ينقسم إلى البرهان [المستد] وإلى البرهان الخلف. # فأما البرهان المستد فهو النظر المفضى بالناظر إلى عين مطلوبه وبرهان ~~الخلف هو الذي لا يهجم بنفسه على تعيين المقصود ولكن يدير الناظر المقصود ~~بين قسمى نفى وإثبات ثم يقوم البرهان على استحالة النفي فيحكم الناظر ~~بالثبوت أو يقوم على استحالة الثبوت فيحكم الناظر بالنفي. # والأحكام الإلهية كلها تستند إلى البرهان الخلف وبيان ذلك بالمثال أن من ~~اعتقد على الثقة صانعا ثم ردد النظر بين كونه في جهة وبين استحالة ذلك عليه ~~فلا يهجم النظر على موجود لا في جهة ولكن يقوم البرهان القاطع على استحالة ~~قديم في جهة فيترتب عليه لزوم القضاء بموجود لا في جهة. # PageV01P036 # وإذا تكلمنا في مسالك العقول من غير فرض الكلام في الإله سبحانه وصفاته ~~فالنظر المستد يجرى في جميع مطالب العقل إلا في شيئين:. # أحدهما: ما يتعلق بأحكام الأزل ونفى الأولية. # والثاني: ما يتعلق بنفى الإنقسام عن الجوهر الفرد. # فهذا القدر كاف في التنبيه على مسالك العقول والسمع واستكمال ذلك يستدعي ~~طرفا من الكلام صالحا في البيان ومعناه فقد رسمه الأصوليون وطولوا ms028 أنفاسهم ~~فيه ونحن الآن نبتدىء به بعون الله وتوفيقه. # PageV01P037 ### | الكتاب الأول: القول في البيان ### | مدخل # ... # الكتاب الأول: القول في البيان. # الكلام في هذا الفصل يتعلق بثلاثة فنون أحدها في ماهية البيان والاختلاف ~~فيه والثاني في مراتب البيان والثالث في تأخير البيان عن مورد اللفظ إلى ~~وقت الحاجة. # مسألة: # اختلفت عبارات الخائضين في هذا الفن في معنى البيان. ### | 70- # فذهب بعض من ينسب إلى الأصوليين إلى أن البيان إخراج الشيء من حيز ~~الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح وهذه العبارة وإن كانت محمومة على المقصود ~~فليست مرضية فإنها مشتملة على ألفاظ مستعارة كالحيز والتجلي وذوو البصائر ~~لا يودعون مقاصد الحدود إلا في عبارات هي قوالب لها تبلغ الغرض من غير قصور ~~ولا ازدياد يفهمها المبتدئون ويحسنها المنتهون. # وقال قائلون البيان هو العلم وهو غير مرضى فإن الإنسان ينهي الكلام إلى ~~حد البيان ويحسن منه أن يقول ثم البيان وإن لم يفهم المخاطب وقد يقول بينت ~~فلم يتبين. ### | 71- # والقول المرضى في البيان ما ذكره القاضي أبو بكر حيث قال البيان هو ~~الدليل ثم الدليل ينقسم إلى العقلي والسمعي كما نفصل القول فيه والله ~~سبحانه وتعالى: مبين الأمور المعقولة بنصب الأدلة العقلية عليها والمسمع ~~المخاطب مبين للمخاطب ما يبغيه إذا استقل كلامه بالإبانة والإشعار بالغرض ~~فهذا منتهى المقصود في هذا الفن. # مسألة في مراتب البيان: # فأما الكلام في مراتب البيان فلا نجد بدا من نقل المقالات فيه ليكون ~~الناظر. # PageV01P039 # خبيرا بها ثم نذكر عند نجازها المختار عندنا إن شاء الله تعالى. ### | 72- # قال الشافعي رضي الله عنه في باب البيان في كتاب الرسالة1: # المرتبة الأولى: في البيان لفظ ناص منبه على المقصود من غير تردد وقد ~~يكون مؤكدا واستشهد في هذه المرتبة بقوله سبحانه وتعالى: {فصيام ثلاثة أيام ~~في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} 2 فهذا في أعلى مراتب البيان. # والمرتبة الثانية: كلام بين واضح في المقصود الذي سيق الكلام له ولكن ~~يختص بدرك معانيه وما فيه المستقلون وذوو البصائر واستشهد بآية الوضوء ~~فإنها ms029 واضحة ولكن في أثنائها حروف لا يحيط بها إلا بصير بالعربية. # والمرتبة الثالثة: ما جرى له ذكر في الكتاب وبيان تفصيله محال على ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو كقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} 3 ~~فتفصيله قدرا وذكر مستحقه محال على رسول الله عليه الصلاة والسلام ولكن ~~الأمر به ثابت في الكتاب. # والمرتبة الرابعة: الأخبار الصحيحة التي لا ذكر لمقتضياتها في كتاب الله ~~تعالى وإنما متعلقها من الكتاب قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا} 4. # والمرتبة الخامسة: القياس المستنبط مما ثبت في الكتاب والسنة. # فهذه مراتب تقاسيم البيان عنده فكأنه رضي الله عنه آثر ارتباط البيان ~~بكتاب الله تعالى من كل وجه ولهذا قال في صفة المفتى من عرف كتاب الله ~~تعالى نصا واستنباطا استحق الإمامة في الدين فهذا مسلك الشافعي في ترتيب ~~مراتب البيان. ### | 73- # وقال أبو بكر بن داود الأصفهاني أغفل الشافعي رحمه الله في المراتب ~~الإجماع وهو من أصول أدلة الشريعة فإن تكلف متكلف وزعم أن الإجماع يدل من ~~حيث استند إلى الخبر فاكتفى بذكر الأخبار فهلا ذكر الإجماع أولا واكتفى ~~بذكره عن القياس لاستناده إليه فالقياس مستند إلى الإجماع وهو مستند إلى ~~الخبر وقد عده الشافعي ولو ذكر الإجماع لكان أقرب إذ هو أعلى من القياس ثم ~~كان يندرج. PageV01P040 # القياس تحت متضمنات الإجماع ولا دفع للسؤال. ### | 74- # وذكر بعض الأصوليين صنفا آخر من الترتيب فقال: # الرتبة الأولى النص والثانية الظاهر المحتمل التأويل والثالثة اللفظ ~~المتردد بين احتمالين من غير ترجيح وظهور في أحدهما كالقرء ونحوه. # وهذا ساقط فإن ما ذكره هذا القائل آخرا من المجملات هو نقيض البيان ~~والظاهر ليس بيانا أيضا مع تطرق الاحتمال إليه ولولا ما قام من القاطع على ~~وجوب العمل به لما اقتضى بنفسه عملا. ### | 75- # وقال قائلون: المرتبة الأولى فيها لفظ الشارع صلى الله عليه وسلم. # والثانية فحوى فعل الشارع صلى الله عليه وسلم الواقع بينانا كصلاته مع ~~قوله صلوا كما رأيتموني أصلى1. # والمرتبة الثالثة في إشارة الرسول صلى الله ms030 عليه وسلم كما صح في الحديث2 ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال: "الشهر هكذا وهكذا, وهكذا" فأشار بأصابعه ~~العشر وحبس واحدة في الثالثة. # والمرتبة الرابعة الكتابة وهي دون الفعل والإشارة لما يتطرق إليها من ~~الإيهام والتحريف لا سيما مع الغيبة. # والمرتبة الخامسة في المفهوم وهو ينقسم إلى مفهوم الموافقة والمخالفة كما ~~سيأتي إن شاء الله تعالى. # والسادسة: في القياس وهو ينقسم إلى ما في لفظ الشارع صلى الله عليه وسلم ~~إشارة إليه كقوله3: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " [فقالوا: نعم يا رسول الله, ~~فقال: "فلا إذا" فكان"] ذلك إيماء إلى تعليل فساد البيع بما يتوقع من ~~النقصان عند الجفاف. PageV01P041 # وإلى ما ليس في لفظ الشارع صلى الله عليه وسلم له ذكر ثم له مراتب لسنا ~~لها الآن. ### | 76- # والقول الحق عندي أن البيان هو الدليل وهو ينقسم إلى العقلي والسمعي. # فأما العقلي فلا ترتيب فيه على التحقيق في الجلاء والخفاء وإنما يتباين ~~من الوجهين المقدمين في التعدد [وفي] الاحتياج إلى مزيد فكر وترو. # فأما السمعيات فالمستند فيها المعجزة وثبوت العلم بالكلام الصدق الحق لله ~~سبحانه وتعالى: فكل ما كان أقرب إلى المعجزة فهو أولى بأن يقدم وما بعد في ~~الرتبة أخر. # وبيان ذلك [أن كل] ما يتلقاه من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من رآه ~~فهو مدلول المعجزة من غير واسطة والإجماع من حيث يشعر بخبر مقطوع به يقع ~~ثانيا والمدلولات المتلقاة من الإجماع [و] منها خبر الواحد والقياس يقع ~~ثالثا ثم لها مراتب في الظنون ولا تنضبط وإنما غرضنا ترتيب البيان ومن ~~ضرورة البيان تقدير العلم. # فإن قيل: لم, لم تعدوا كتاب الله تعالى؟ قلنا: هو مما تلقى من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فكل ما يقوله الرسول فمن الله تعالى فلم يكن لذكر الفصل ~~بين الكتاب والسنة معنى فهذا منتهى الغرض في تقسيم البيان والله المستعان. # مسألة في تأخير البيان: ### | 77- # اعلم أن البيان لا يسوغ تأخيره عن وقت الحاجة والمعنى به توجه الطلب ~~التكليفي فإذا فرض ذلك ms031 استحال أن يؤخر بيان المطلوب ولو فرض ذلك لكان ~~مقتضيا تكليف مالا يطاق وقد سبق القول في استحالته. # وأما تأخير البيان إلى وقت الحاجة عند ورود الخطاب فجائز عند أهل الحق. ### | 78- # ومنع المعتزلة ذلك وأوجبوا اقتران البيان بمورد الخطاب والكلام عليهم ~~يحصره ثلاثة أقسام. # أحدها: البرهان الحق فنقول لا يمتنع ما منعتموه وقوعا وتصورا وليس ~~كامتناع المستحيلات وفرض اجتماع المتضادات فلئن فرض استحالته فهو متلقى على ~~زعمكم من فن الاستصلاح والقول بالصلاح والأصلح فرع من فروع مذهبهم في ~~التقبيح والتحسين العقليين وقد استأصلنا قاعدتهم فيما يدعونه من ذلك على ~~أن. # PageV01P042 # معتضدهم فيما يدعونه من ذلك الرجوع إلى [معاقلات] العقلاء وليس ببدع أن ~~يقول القائل ربما يعلم الله تعالى صلاح عباده في أن يبهم عليهم الخطاب حتى ~~يعتقدوه مبهما ثم إذا استمروا بين لهم التفصيل عند الحاجة ولو بين لهم أولا ~~لفسدوا فيبطل ما ذكروه من كل وجه فهذا مسلك. # والمسلك الثاني: يتعلق بمناقضتهم مذهبهم هاهنا بأصلهم في النسخ فإن النسخ ~~عندهم بيان مدة التكليف [ولم يكن] هذا البيان مقترنا بمورد الخطاب الأول ~~وليس لهم عن هذا جواب. # والمسلك الثالث: يتعلق بمطالبتهم [بما] رأينا الشرع عليه فنقول قد ورد ~~الأمر بالحج ولم يقترب به تفاصيله جملة واحدة وكذلك القول في الصلاة وغيرها ~~من قواعد الشريعة فلم يبق لمذهبهم متعلق. # فإن قالوا: مخاطبة المكلف بما لا يفهم لا فائدة فيه, قلنا: هذا عين ~~المذهب وفيما ذكرناه ما يبطله. # فإن قالوا: مخاطبة العربي بلفظ محتمل في اللغة كمخاطبة الأعجمي بالعربية, ~~قلنا: ونحن لا نمنع من ذلك إذا فهم [العجمي] على الجملة أنه مأمور والعجم ~~مأمورون بأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم ثم [يفسر] لهم ~~في وقت الحاجة. # PageV01P043 ### | القول في اللغات ومأخذها وذكر ألفاظ جرى رسم الأصوليين بالكلام عليها ### | مدخل # ... # القول في اللغات ومأخذها وذكر ألفاظ جرى رسم الأصوليين بالكلام عليها. ### | 79- # اعلم أن معظم الكلام في الأصول يتعلق بالألفاظ والمعاني أما المعاني ~~فستأتي في كتاب القياس إن شاء الله تعالى وأما ms032 الألفاظ فلا بد من الاعتناء ~~بها فإن الشريعة عربية ولن يستكمل المرء خلال الاستقلال بالنظر في الشرع ما ~~لم يكن ريانا من النحو واللغة ولكن لما كان هذا النوع فنا مجموعا ينتحى ~~ويقصد لم يكثر منه الأصوليون مع مسيس الحاجة إليه وأحالوا مظان الحاجة على ~~ذلك الفن واعتنوا في فنهم بما أغفله أئمة العربية واشتد اعتناؤهم بذكر ما ~~اجتمع فيه إغفال أئمة اللسان وظهور مقصد الشرع وهذا كالكلام على الأوامر ~~والنواهي والعموم والخصوص وقضايا الاستثناء وما يتصل بهذه الأبواب ولا ~~يذكرون ما ينصه أهل اللسان إلا على. # PageV01P043 # قدر الحاجة الماسة التي لا عدول عنها. # ونحن نذكر الآن مسائل على شرط هذه الترجمة إن شاء الله. # مسألة: ### | 80- # اختلف أرباب الأصول في مأخذ اللغات فذهب ذاهبون إلى أنها توقيف من الله ~~تعالى وصار صائرون إلى أنها تثبت اصطلاحا وتواطؤا وذهب الأستاذ أبو إسحاق ~~الإسفرائييني رحمه الله في طائفة من الأصحاب إلى أن القدر الذي يفهم منه ~~قصد التواطؤ لا بد أن يفرض فيه التوقيف. # والمختار عندنا أن العقل يجوز ذلك كله فأما تجويز التوقيف فلا حاجة إلى ~~تكلف دليل فيه ومعناه أن يثبت الله سبحانه وتعالى: في الصدور علوما بديهية ~~بصيغ مخصوصة بمعان فيتبين العقلاء الصيغ ومعانيها ومعنى التوقيف فيها أن ~~يلقوا وضع الصيغ على حكم الإرادة والاختيار. # وأما الدليل على جواز وقوعها اصطلاحا فهو أنه لا يبعد أن يحرك الله تعالى ~~نفوس العقلاء لذلك ويعلم بعضهم مراد بعض ثم ينشئون على اختيارهم صيغا ~~وتقترن بما يريدون أحوال لهم وإشارات إلى مسميات وهذا غير مستنكر وبهذا ~~المسلك ينطق الطفل على طول ترديد المسمع عليه ما يريد تلقينه وإفهامه. # فإذا ثبت الجواز في الوجهين لم يبق لما تخيله الأستاذ رحمه الله وجه ~~والتعويل في التوقيف وفرض الاصطلاح على علوم تثبت في النفوس فإذا لم يمتنع ~~ثبوتها لم يبق لمنع التوقيف والاصطلاح بعدها معنى ولا أحد يمنع جواز ثبوت ~~العلوم الضرورية على النحو المبين. # فهذا خط الأصول من هذه المسألة. ### | 81- # فإن قيل فإذا أثبتم ms033 الجواز في الوجهين عموما فما الذي اتفق عندكم وقوعه ~~قلنا ليس هذا الآن مما يتطرق إليه بمسالك العقول فإن وقوع الجائز لا يستدرك ~~إلا بالسمع المحض ولم يثبت عندنا سمع قاطع فيما كان من ذلك وليس في قوله ~~سبحانه وتعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} 1 دليل على أحد الجائزين فإنه. ~~PageV01P044 # لا يمتنع أن اللغات لم يكن يعلمها فعلمه الله تعالى إياها ولا يمتنع أن ~~الله تعالى أثبتها ابتداء وعلمه إياها. # مسألة: ### | 82- # ذهب بعض من ينتمي إلى أصحابنا في طوائف من الفرق إلى أن اللغات لا يمتنع ~~إثباتها قياسا وإنما قالوا ذلك في الأسماء المشتقة كالخمر فإنها من التخمير ~~أو المخامرة فقال هؤلاء إن خصصت العرب في الوضع اسم الخمر بالخمر النية ~~العنبية فيجوز تسمية النبيذ المشتد خمرا لمشاركته الخمر النية فيما منه ~~اشتقاق الاسم. ### | 83- # والذي نرتضيه: أن ذلك باطل لعلمنا أن العرب لا تلتزم طرد الاشتقاق وأقرب ~~مثال إلينا أن الخمر ليس في معناها الإطراب وإنما هي من المخامرة أو ~~التخمير فلو ساغ الاستمساك بالاشتقاق لكان كل ما يخمر العقل أو يخامره ولا ~~يطرب خمرا وليس الأمر كذلك. # والقول الضابط فيه: أن الذي يدعى ذلك إن كان يزعم أن العرب أرادته ولم ~~تبح به فهو متحكم من غير ثبت ولا توقيف فإن اللغات على خلاف ذلك ولم يصح ~~فيها ادعاء نقل وإن كان يزعم أن العرب لم تعن ذلك فإلحاق الشيء بلسانها وهي ~~لم ترده محال والقايس في حكم من يبتدئ وضع صيغة. # فإن قيل الأقيسة الحكمية يدور فيها هذا التقسيم قلنا أجل ولكن ثبت قاطع ~~سمعي على أنها متعلق الأحكام فإن نقلتم قاطعا من أهل اللسان اتبعناه. # ثم السر فيه أن الإجماع انعقد علة وجوب العمل عند قيام ظنون القايسين فلم ~~تكن الظنون موجبة علما ولا عملا وليس في اللغات عمل فإن كنتم تظنون شيئا ~~فلا نمنعكم من الظن ولكن لا يسوغ الحكم بالظن المجرد فإن تعلق هؤلاء ~~بالأسماء المشتقة من حيث الأفعال كأسماء الفاعلين والمفعولين التي تجري على ms034 ~~قضية واحدة فقد ثبت في هذه من طريق النقل اطراد القياس فاتبعناه ولا يجرى ~~هذا في محل النزاع قطعا. ### | 84- # في ألفاظ استعملتها العرب فجرت في ألفاظ الشارع صلى الله عليه وسلم على ~~أنحاء لم تعهد في اللغة المحضة كالصلاة والزكاة والحجج والعمرة وما في ~~معناها. # فالصلاة في اللسان: الدعاء وقيل: هي ملازمة الشيء من قولهم صلى النار. # PageV01P045 # واصطلى بها ومنه المصلى في السباق. # والزكاة هي: النمو والحج والعمرة القصد ثم الشارع سمى عبادة مخصوصة صلاة ~~وكذلك القول في أخوات هذه اللفظة فما وجه ذلك؟. # قال قائلون: نقل الشرع الألفاظ اللغوية عن حكم وضع اللسان إلى مقاصد ~~الشرع. # وقال آخرون: هي مقرة على حقائق اللغات لم تنقل ولم يزد في معناها وهو ~~اختيار القاضي أبي بكر رحمه الله. # وذهب طوائف من الفقهاء إلى أنها أقرب وزيد في معناها في الشرع. # وقالت المعتزلة: الألفاظ تنقسم ثلاثة أقسام أحدها الألفاظ الدينية وهي ~~الإيمان والكفر والفسق: فهي عندهم منقولة إلى قضايا في الدين فالإيمان في ~~اللسان التصديق والكفر من الكفر وهو الستر والفسق الخروج وهذا الذي ذكروه ~~على قواعدهم في أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا دينا وليس كافرا أيضا وإنما هو ~~فاسق. # والقسم الثاني: الألفاظ اللغوية وهي القارة على قوانين اللسان. # والقسم الثالث: الألفاظ الشرعية وهي الصلاة والصوم وأخواتها فهي مستعملة ~~في فروع الشرع. # وسر مذهبهم في الدينية والشرعية يئول إلى ما حكيناه عن الفقهاء من أنها ~~مقرة زيد في معناها. # أما القاضي رحمة الله عليه فإنه استمر على لجاج ظاهر فقال الصلاة الدعاء ~~والمسمى بها في الشرع دعاء عند وقوع أقوال وأفعال ثم الشرع لا يزجر عن ~~تسمية الدعاء المحض صلاة وطرد ذلك في الألفاظ التي فيها الكلام. # وهذا غير سديد فإن حملة الشريعة مجمعون على أن الركوع والسجود من الصلاة ~~ومساق ما ذكره [أن] المسمى بالصلاة الدعاء فحسب وليس الأمر كذلك. ### | 85- # وأما المختار عندنا فيقتضي بيانه تقديم أصل هو مقصود في نفسه وبه يتم غرض ~~المسألة فنقول: # PageV01P046 # قد ذكر الأصوليون أن في ms035 الألفاظ ما هو عرفي وللعرف احتكام فيه ووجه ~~احتكام العرف فيه يحصره شيئان أحدهما أن تعم استعارته عموما يستنكر معها ~~استعمال الحقيقة وهذا كقول القائل: الخمر محرمة وهذا مستعار متجوز فإن ~~الخمر لا تكون مرتبط التكليف وإنما يتعلق التكليف بأحكام أفعال المكلفين ~~فالمحرم إذا شرب الخمر وتعاطيها ولو قال قائل: ليست الخمر محرمة لكان قائلا ~~هجرا ويكثر تطاير ذلك في اللسان والشرع فهذا أحد الوجهين. # والثاني: يخصص العرف أسماء ببعض المسميات ووضع الاسم يقتضي ألا يختص وهذا ~~كالدابة فإنها مأخوذة من دب يدب وهو مبني بناء فاعل على قياس مطرد في أسماء ~~الفاعلين ثم يقال فلان دب ولا يسمى دابة إلا بعض البهائم والحشرات كالحيات ~~ونحوها. # فإذا تبين هذا بنينا عليه غرضنا وقلنا الدعاء التماس وأفعال المصلي أحوال ~~يخضع فيها لربه عز وجل ويبغى بها التماسا فعمم الشرع عرفا في تسمية تلك ~~الأفعال دعاء تجوزا واستعارة وخصص اسم الصلاة بدعاء مخصوص فلا تخلو الألفاظ ~~الشرعية عن هذين الوجهين وهما متلقيان من عرف الشرع فمن قال إن الشرع زاد ~~في مقتضاها وأراد هذا فقد أصاب الحق وإن أراد غيره فالحق ما ذكرناه ومن قال ~~إنها نقلت نقلا كليا فقد زل فإن في الألفاظ الشرعية اعتبار معاني اللغة في ~~الدعاء والقصد والإمساك في الصلاة والصوم والحج فهذا حاصل هذه المسألة. # PageV01P047 ### | فصل: [في ألفاظ] جرى رسم الأصوليين بالخوض فيها فلا وجه لإخلاء هذا المجموع عنها. ### | 86- # منها: اللغة من لغي يلغى إذا لهج بالكلام وقيل لغي يلغا والكلام هو ~~المفيد والمفيد جملة معقودة من مبتدأ وخبر وفعل أو فاعل والكلم جمع كلمة ~~كالنبق والنبقة واللبن واللبنة وهي تنطلق على ما يفيد وعلى مالا يفيد ~~والكلم الذي ينتظم الكلام [منه] اسم وفعل وحرف جاء لمعنى. ### | 87- # فالاسم كقولك: رجل ودابة وكل مادل على معنى سمى به ثم. # PageV01P047 # الأسماء تنقسم إلى متمكن وإلى غير متمكن فأما غير المتمكن فهو الذي يحتاج ~~الناظر إلى فكر في إلحاقه بقبيل الأسماء كقولك أين وكيف ومتى وما في معناها ~~وهي كلها ms036 مبنيات لا يدخلها الإعراب لمشابهتها الحروف1 والمتمكن مالا يستراب ~~في كونه اسما وهو ينقسم إلى ما يسمى الأمكن وهو ما ينصرف ويجر2 ومعنى ~~الانصراف قبول الجر والتنوين3 وما لا ينصرف يسمى متمكنا ولا يجر4 ولا ينون. ### | 88- # والأفعال صيغ دالة على أحداث أسماء مشعرة بالأزمان والأحداث هي المصادر ~~وهي أسماء ولكنها لصيغ الأفعال كالتبر للصور المصوغة. # ثم الأفعال5 مبنية خلا المضارع والمضارع ما يلحق أوله إحدى الزوائد ~~الأربع. # الهمزة والياء والتاء والنون في قولك أفعل تفعل يفعل نفعل. ### | 89- # والحروف صلات بين الأسماء والأفعال وهي كلها مبنية ثم إنها تنقسم أربعة ~~أقسام:. PageV01P048 # أحدهما: ما لا يغير اللفظ والإعراب ويغير المعنى كقولك زيد منطلق ثم تقول ~~هل زيد فالإعراب على ما كان وقد تغير المعنى من التحقيق إلى الاستفهام. # والثاني: ما يغير اللفظ والإعراب ولا يغير المعنى تقول زيد في الدار ثم ~~تقول إن زيدا في الدار فقد تغير الإعراب والمعنى بحاله. # والثالث: ما يغير اللفظ والمعنى تقول زيد خارج ثم تقول لعل زيدا خارج ~~فالإعراب قد تغير وتغير المعنى من التحقيق إلى الترجي. # والرابع: مالا يغير اللفظ ولا المعنى وهي الزوائد قال الله سبحانه ~~وتعالى: {فبما رحمة من الله لنت} 1 معناه فبرحمة من الله. # ثم تكلموا في أمور هي محض العربية ولست أرى ذكرها ولكن أذكر منها ما تكلم ~~فيه أهل النظر من الفقهاء والأصوليين ثم لا أجد بدا من ذكر معاني حروف ~~كثيرة الدوران في الكتاب والسنة وبالله التوفيق. # مسألة: ### | 90- # ذهب بعض فقهائنا إلى أن الباء إذا اتصل بالكلام مع الاستغناء عنه اقتضى ~~تبعيضا وزعموا أنه في قوله سبحانه وتعالى: {وامسحوا برؤوسكم} 2 يتضمن ذلك ~~وهذا خلف من الكلام لا حاصل له وقد اشتد نكير ابن جنى في سر الصناعة على من ~~قال ذلك فلا فرق بين أن يقول مسحت رأسي وبين أن يقول مسحت برأسي والتبعيض ~~يتلقى من غير الباء كما ذكرته في الأساليب. # وقال الشافعي رحمه الله تدخل الباء بمعنى "على" قال الله تعالى: {ومنهم ~~من إن تأمنه ms037 بدينار لا يؤده إليك} 3 أي على دينار. # وقال سيبويه4 رحمه الله وترد بمعنى أجل قال الله سبحانه وتعالى: {ولم. ~~PageV01P049 # أكن بدعائك رب شقيا} 1 أي ولم أكن لأجل دعائك شقيا وقال غيره هي بمعنى ~~"في" أي في دعائك. # وقد يكون زائدا لا معنى له تقول رضيت به ورضيته ومعناه الظاهر الإلصاق في ~~مثل قولك مررت بزيد ومن أحكامه تعدية الفعل اللازم تقول قمت وقمت به وذهبت ~~به وهذا قياس جار [مطرد] . # مسألة: ### | 91- # خاض الفقهاء في الواو العاطفة وأنها هل تقتضي ترتيبا2 أو جمعا3 فاشتهر من ~~مذهب الشافعي رحمه الله المصير إلى أنها للترتيب. # وذهب أصحاب أبي حنيفة رحمه الله إلى أنها للجمع. ### | 92- # وقد زل الفريقان فأما من قال: إنها للترتيب فقد احتكم في لسان العرب فإنا ~~باضطرار نعلم من لغتها ولسنها أن من قال رأيت زيدا وعمرا لم يقتض ذلك تقديم ~~رؤية زيد وقد يعلم الناطق والمخاطب أن رؤية عمرو كانت متقدمة ويحسن نظم ~~الكلام كذلك. # ومن أصدق الشواهد في إبطال ادعاء الترتيب أن العرب استعملت الواو في باب ~~التفاعل فقالت تقاتل زيد وعمرو ولو قالت تقاتل زيد ثم عمرو لكان خلفا. # فإن قيل إذا قال الزوج للتي لم يدخل بها أنت طالق وطالق طلقت واحدة ولم ~~تلحقها الثانية ولو كانت الواو تقتضي جمعا للحقتها الثانية كما تطلق ~~تطليقتين إذا قال لها أنت طالق طلقتين وهذا تلبيس لا يتلقى من مثله مأخذ ~~اللسان والسبب في أن الثانية لا تلحقها أن الطلاق الثاني ليس تفسيرا لصدر ~~الكلام والكلام الأول تام فبانت به وإذا قال أنت طالق طلقتين فالقول الأخير ~~بعد استكمال الكلام الأول في حكم البيان له فكأن الكلام بآخره فهذا وجه ~~الرد على من يرى الواو. PageV01P050 # مرتبة وأما من زعم أنها للجمع فهو أيضا متحكم فإنا على قطع نعلم أن من ~~قال رأيت زيدا وعمرا لم يقتض ذلك أنه رآهما معا. # فإذا مقتضى الواو العطف والإشتراك وليس فيه إشعار بجمع ولا ترتيب. # نعم قد ترد في غير غرض المسألة ms038 بمعنى الجمع إذا قلت لا تأكل السمك وتشرب ~~اللبن أي لا تجمع بينهما ومنه قول الشاعر1: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم. # فلا تكون الواو عاطفة في ذلك فإن أردت العطف قلت لا تأكل السمك وتشرب ~~اللبن وأنت تعني النهي عن كل واحدة منهما والمعنى لا تأكل السمك ولا تشرب ~~اللبن وترد الواو في باب المفعول معه بمعنى "مع" تقول استوى الماء والخشبة ~~وجاء البرد والطيالسة قال سيبويه رحمه الله قد ترد [الواو] بمعنى إذ وهي ~~التي تسمى واو الحال قال الله سبحانه وتعالى: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم ~~أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} 2 أي إذ طائفة [ {قد ~~أهمتهم أنفسهم} ] . ### | 93- # فأما الفاء فإن مقتضاها التعقيب3 والتسبيب4 والترتيب5. PageV01P051 # ولذلك تستعمل جزاء تقول إن تأتني فأنا أكرمك وإذا جرى جزاء فهو الذي ~~عنيناه بالتسبيب ثم من ضرورة التسبيب الترتيب والتعقيب. # وقد ترد الفاء مورد الواو للعطف والتشريك وأكثر ما يلفى كذلك في أسماء ~~البقاع كقول1 امرىء القيس2: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل. # فأما "ثم" فمن العواطف ولكن للترتيب مع التراخي وبالله التوفيق. # مسألة تحوى مراسم الأصوليين في معاني الحروف: # ونحن نذكر فيها لمعا مفيدة يستقل بها من لم يحط بالعربية. ### | 94- # فمنها "ما" وقد تكون حرفا وقد تكون اسما. # فأما ما يقع حرفا فينقسم إلى "ما" له معنى وإلى ما ليس له معنى. # فأما ما له معنى فهو "ما" النافية وهي تدخل على الاسم والفعل تقول ما قام ~~زيد [وما زيد قائم] . # وإن اتصلت "ما" بالإبتداء أو الخبر فأهل الحجاز يرون إحلالها محل ليس ~~فيرفعون بها الاسم وينصبون الخبر وهي لغة القرآن قال الله عز وجل: {ما هذا ~~بشرا} 3 وبنو تميم لا تعمل ما النافية لأنها تدخل على الاسم والفعل وقياس ~~"ما" يدخل على البابين أعني الاسم والفعل ألا يعمل في واحد منهما. # وأما ما ليس له معنى فما الكافة لعمل ما يعمل دونها تقول ms039 أن زيدا منطلق. # وإنما زيد منطلق وما الزائدة في مثل قوله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت ~~لهم} 4. # وأما ما وقع اسما فينقسم إلى منكوروموصول أما المنكور ففي الاستفهام ~~والشرط والتعجب تقول: ما تفعل؟ وأنت مستفهم معناه أي شيء تصنع؟. ~~PageV01P052 # وأما الشرط فتقول ما تفعل أفعل والتعجب كقولك ما أحسن زيدا قال سيبويه ~~تقديره شيء حسن زيدا. # وأما ما ليس بمنكور فهو الموصول الذي لا يقوم بنفسه دون صلته وصلته جملة ~~من مبتدأ وخبر1 [أو فعل وفاعل] 2 وهو بمعنى الذي تقول أعجبني الذي تصنع ~~وأعجبني ما تصنع. # وقد تقع "ما" ظرفا زمنيا في مثل قولك آتيك ما أكرمتني أي مدة إكرامك ~~أياي. # وقد تقع مصدرا قال الله عز وجل: {والسماء وما بناها} 3 معناه وبنائها ~~فيقع الفعل معه بتأويل المصدر. ### | 95- # وأما "أو" فهي للتردد والتشكك تقول رأيت زيدا أو عمرا. ### | 96- # و "أم" في معناه إلا أنه قد يقع في وضع الكلام مقرونا بالإستفهام تقول ~~أزيدا رأيت أم عمرا ولا تقول رأيت زيدا أم عمرا ولا أرأيت زيدا أو عمرا. # وتحقيق الفصل بينهما أن "أم" إذا استعلمت في قضية الاستفهام فمطلقها قاطع ~~بوقوع أحد الشيئين اللذين ردد السؤال فيهما وإنما يسأل عن عين الواقع. # والكلام في الباب يمثل بأي فإذا قلت أزيدا رأيت أم عمرا كان معناه أيهما ~~رأيت وأما "أو" فليس ذلك من حكمه ويجوز أن يعتقد من يقول أرأيت زيدا أو ~~عمرا أنه لم ير واحدا منهما واستقصاء ذلك يتعلق بفن العربية. # وقد تكون "أو" بمعنى التخيير في الجنس كما تقول جالس الحسن أو ابن سيرين ~~معناه جالس هذه الطبقة من أهل الخير. # وذهب بعض الحشوية4 من نحوية الكوفة إلى أن "أو" قد ترد بمعنى الواو ~~العاطفة واستشهدوا بقوله سبحانه وتعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} ~~5, PageV01P053 # وقوله: {عذرا أو نذرا} 1 وقوله: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} 2 وهذا ~~"زلل" عظيم عند المحققين فلا تكون "أو" بمعنى الواو قط وقوله جل وعلا أو ~~يزيدون عند أصحاب ms040 المعاني كالزجاج3 والفراء4 وغيرهما محمول على تنزيل ~~الخطاب على قدر فهم المخاطب والتقدير وأرسلناه إلى عصبة لو رأيتموهم لقلتم ~~مائة ألف أو يزيدون. # وعليه خروج قوله تعالي: {وهو أهون عليه} 5 والرب عز وجل لا يتعاظمه أمر ~~ولكن المعنى إن الإعادة أهون في ظنونكم فإذا اعترفتم بالإقتدار على ~~الإبتداء والإعادة أهون عندكم فلم منعتموها؟. # وفي هذا المعنى قوله تعالى: في خطاب موسى وهارون عليهما السلام إذ بعثهما ~~إلى فرعون: {لعله يتذكر أو يخشى} 6 والترجي لا يليق بحكم علام الغيوب ولكن ~~المعنى كونا على رجائكما في تذكيره إذ لو أطلعهما على الغيب في إبائه لما ~~شمرا في الدعوة. # وقوله تعالى: {عذرا أو نذرا} 7 تقرب "أو" فيه من التخيير في قول القائل ~~جالس الحسن8 أو ابن سيرين9 وقوله تعالى: {آثما أو كفورا} 10 يتجه فيه ما ~~ذكرناه. PageV01P054 # وقال الزجاج1 هو على مذهب التكريرالمؤكد والآثم هو الكفور بعينه وقد تكون ~~"أو" بمعنى إلى في قولك لا أفارقك أو تقضيني حقي معناه إلى أن تقضيني حقي. ### | 97 - # وأما "هل" فمعناه الإستفهام و"هل" تدخل على الاسم والفعل تقول هل قمت هل ~~زيد في الدار وقد تكون هل بمعنى قد قال المفسرون في قوله سبحانه وتعالى: ~~{هل أتى على الإنسان حين من الدهر} 2 معناه قد أتى على الإنسان وقد تكون ~~بمعنى التقرير قال الله تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} 3 وإذا اتصل ~~به "لا" كان بمعنى الحث والتحريض تقول هلا جئتنا وأنت تبغي الحث على ~~المجىء. ### | 98- # وأما "لا" فمقتضاه النهي ثم قد تكون للتبرئة فتتصل إذا باسم منكور مبني ~~على الفتح ولا ينون ويدل إذ ذاك على نفى الجنس تقول لا ريب في الأمر ولا ~~رجل في الدار. # وتقع في جواب القسم تقول والله لا أدخل الدار وقد تكون زائدة يستقل ~~الكلام دونها والغرض تقرير نفي اشتمل الكلام عليه قال الله تعالى: {ما منعك ~~ألا تسجد} 4 معناه ما منعك أن تسجد ولكن لما اشتمل الكلام على المنع ~~ومقتضاه النفي فكان في ms041 حكم التأكيد للمنع حتى كأنه تكرير له ولا تزاد "لا" ~~إلا لهذه الشريطة. # فإن قيل "لا" زائدة في قوله تعالى: {لا أقسم} 5 وليس في الكلام نفى تؤكده ~~لا قيل هو رد لقول الكفار ودعاويهم وقوله: {أقسم} افتتاح القسم وفي الشاذ ~~لأقسم. ### | 99- # وأما "لو" فتدل على امتناع الشيء لامتناع غيره تقول لو جئتني جئتك أي ~~امتناع مجيئى لامتناع مجيئك. # وقد تكون بمعنى "إن" قال الله سبحانه وتعالى: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ~~ولو أعجبتكم} 6 معناه وإن أعجبتكم. PageV01P055 # وقد تفيد معنى التقليل كقوله صلى الله عليه وسلم:1 "اتقوا النار ولو بشق ~~تمرة" وقوله صلى الله عليه وسلم لخاطب الواهبة نفسها2 "التمس ولو خاتما من ~~حديد". ### | 100- # وأما "لولا" فهي لامتناع الشيء بسبب وجود غيره تقول: لولا زيد لأكرمتك أي ~~امتنع إكرامي إياك لوجود زيد عندك. # وقد تكون بمعنى "هلا" قال الله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} ~~3 معناه هلا نفر. ### | 101- # وأما "من" فحرف جار خافض لا يدخل إلا على اسم ومعناه التخصيص والتبعيض ~~تقول أخذت الدراهم من الكيس. # وقد يرد مؤكدا للتعميم واستغراق الجنس قال سيبويه4 رحمه الله إذا قلت ما ~~جاءني رجل فاللفظ عام ولكن يحتمل أن يؤول فيقال ما جاءني رجل بل رجلان أو ~~رجال فإذا قلت ما جاءني من رجل اقتضى نفى جنس الرجال على العموم من غير ~~تأويل. # وقد تكون بمعنى "على" قال الله سبحانه وتعالى: {ونصرناه من القوم} 5 أي ~~على القوم. ### | 102- # و"عن" بمعنى من إلا في خصائص "ثلاثة" منها أن من للانفصال والتبعيض وعن ~~لا تقتضى الفصل تقول أخذت من مال زيد لأنك فصلته "عنه" وأخذت عن علمه ولهذا ~~اختصت الأسانيد بالعنعنة. # و"من" لاتكون إلا حرفا و"عن" قد تكون اسما تدخل "من" عليه تقول أخذت من ~~عن الفرس جله. ### | 103- # وأما "إلى" فحرف جار وهو للغاية قال سيبويه رحمه الله إن اقترن. ~~PageV01P056 # "بمن" اقتضى تحديدا ولم يدخل الحد في المحدود فتقول بعتك من هذه الشجرة ~~إلى تلك الشجرة فلا يدخلان في البيع. # وإذا ms042 لم تقترن "بمن" فيجوز أن يكون تحديدا ونجوز أن تكون بمعنى مع قال ~~الله تعالى: {لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} 1 إنه معناه مع أموالكم وقال ~~جل وعز: {من أنصاري إلى الله} 2 أي مع الله ومنه قوله سبحانه وتعالى: ~~{وأيديكم إلى المرافق} 3 [معناه: مع المفراق] . # و"من" تدخل على الزمان والمكان تقول من مكة إلى المدينة ومن الجمعة إلى ~~الجمعة. ### | 104- # وأما "مذ ومنذ" فيختصان بالزمان ولا يدخلان على المكان واستعمالهما في ~~الزمان أفصح من استعمال "من" تقول منذ أسبوع أنتظره وهو أحسن من قولك من ~~أسبوع4. # وإذا استعملت "من" قرينة "إلى" لم تقم "عن" مقامها أصلا فإن قيل زيد أفضل ~~من عمر من أي قبيل قلنا هو لاقتضاء الغاية والمعنى ساوى. # زيد عمرا في فضله وابتدأ زيد زيادة عليه في الفضل كما تقول سرت من البصرة ~~إلى بغداد ولهذا لا تستعمل "عن" في الباب. ### | 105- # وأما "على" فلفظه تقع اسما وفعلا وحرفا فأما الفعل فمن علا يعلو وأما ~~الاسم فتقول أخذته من على الفرس وأما الحرف فتقول دخلت على فلان ودخل علي. ### | 106- # وأما "حتى" فعلى أوجه قد تكون بمعنى الغاية5 تقول أكلت. PageV01P057 # السمكة حتى رأسها تعني إلى رأسها فقد أنبأت أنك لم تأكل رأسها. # وتكون بمعنى العطف: تقول: أكلت السمكة حتى رأسها معناه ورأسها. # وتكون بمعنى الاستئناف تقول: أكلت السمكة حتى رأسها أي ورأسها مأكول وقد ~~أنشسد البيت المشهور على الوجوه الثلاثة وهو قول القائل1: # ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها. # وقد تكون بمعنى إلى: مثل أن تقول: لا أفارقك حتى تقضيني حقي أي إلى أن ~~تقضيني حقي. ### | 107- # وأما "إي" فمعناه أجل قال الله عز وجل: {قل إي وربي} 2. ### | 108- # وأما بل فللاستدراك واستئناف الكلام تقول ما رأيت زيدا بل عمرا. ### | 109- # وأما "نعم وبلى" فمعناهما قريب إلا أن بلى لا تستعمل إلا في جواب كلام ~~يشتمل على نفى كقوله سبحانه وتعالى: {ألست بربكم قالوا بلى} 3 قال سيبويه ~~لو قالوا نعم لكان نفيا للربوبية. # وأما "نعم" فللإثبات فإذا ms043 قال قائل: أرأيت زيدا فليكن جوابك إذا كنت ~~رأيته: نعم. PageV01P058 ### | 110- # وأما "من" فلا تكون إلا اسما "بخلاف" ما فإنه قد يكون اسما وقد يكون حرفا ~~كما سبق ثم "من" قد يكون موصولا وقد يكون منكورا. # أما المنكور فيكون استفهاما في قولك من في الدار ويكون شرطا في قولك من ~~جاءني أكرمته وأما الموصول فمثل قولك: رأيت من عندك معناه الذي عندك. ### | 111- # فأما إذا فهو للجزاء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم1: "أينقص ~~الرطب إذا يبس؟ ", قالوا: نعم, قال: "فلا إذا". ### | 112- # وأما "أي" فيكون جزءا مما يضاف إليه فإذا قلت أي الثياب عندك فأي من ~~الثياب وهو اسم معرب يعمل فيه ما بعده إلا حروف الجر فإنها لا تعمل فيه ~~تقول أيهم أكرمت وعرفت أيهم جاءك قال الله جل وعز: {لنعلم أي الحزبين أحصى} ~~2. # فهذه جمل اعتاد الأصوليون الكلام عليها فحرصنا على التنبيه على مقاصد ~~قويمة عند أهل العربية مع اعترافنا بأن حقائقها تتلقى من فن النحو. ~~PageV01P059 ### | تقسيم الأصوليين للكلام ### | 113- # ثم لما قسم أهل العربية الكلام إلى الاسم والفعل والحرف قسم الأصوليون ~~الكلام على غرضهم تقسيما آخر فقالوا: # أقسام الكلام: الأمر والنهي والخبر والاستخبار وهذا قول القدماء. # واعترض المتأخرون فزادوا بزعمهم أقساما زائدة على هذه الأقسام الأربعة ~~وحاولوا بزيادتها القدح في حصر الأولين الكلام في الأقسام الأربعة والذي ~~زادوه. # التعجب والتلهف والتمني والترجي والقسم والنداء والدعاء قال الأستاذ أبو ~~إسحاق رحمه الله النداء ليس كلاما مستقلا وإنما هو طرف مستفتح والمنادى ~~بعده يرتقب قسما من أقسام الكلام وذلك القسم يدخل تحت الأقسام وهذا فاسد ~~لأن قول القائل: "يا زيد" كلام تام باتفاق اهل اللسان يجوز فرض السكوت ~~عليه. # PageV01P059 # وقال الأستاذ رحمه الله أيضا التلهف والتمني والترجي من أقسام الخبر وهي ~~تتضمن إخبار المرء عن نفسه بأحوال وضعت الألفاظ لها. # وهذا أيضا غير سديد لأنه لا كلام إلا ويمكن أن يدخل بهذا التأويل تحت ~~الخبر فيقال الأمر مخبر عن اقتضاء إيجاد الفعل بالأمر وكذلك القول في ~~النهي. # فالوجه أن تقول: ms044 أما التعجب فلا شك في كونه من قسم الخبر والقسم لا يستقل ~~دون مقسم به ومقسم عليه وإذ ذاك يلتحق بالخبر فأما بقية الأقسام التي اعترض ~~بها فهي قادحه. ### | 114- # والوجه عندي أن يقال الكلام طلب وخبر واستخبار وتنبيه فالطلب [يحوي] : ~~الأمر والنهي والدعاء. # والخبر يتناول أقساما واضحة ومنها التعجب والقسم. # والاستخبار يشتمل على الاستفهام والعرض. # والتنبيه يدخل تحته التلهف والتمني والترجي والنداء إلا أنه ينقسم إلى ~~تنبيه الغير وهو النداء وإلى إعراب عما في النفس وهو على صيغة تنبيه النفس ~~وهذه الفنون جعلت كالأصوات الدالة مثل قولك: آه وإيه وإيها وما في معناها. # ونحن الآن نستعين بالله سبحانه وتعالى: ونذكر الأوامر ثم النواهي وما ~~يتعلق بهما ثم نذكر الألفاظ العامة والخاصة والاستثناء ونذكر النص والظاهر ~~والمجمل والمحكم والمتشابه إن شاء الله عز وجل تمت مقدمة البرهان ويتلوها ~~على نسقه أوله. # PageV01P060 ### | باب الأوامر ### | مدخل # ... # باب الأوامر # مسألة: ### | 115- # الأمر من أقسام الكلام والقول فيه وفيما بعده من معاني الصيغ والألفاظ ~~[يستدعي] تقديم قول في إثبات كلام النفس على رأى أهل الحق. # فالكلام الحق عندنا قائم بالنفس ليس حرفا ولا صوتا وهو مدلول العبارات ~~والرقوم والكتابة وما عداها من العلامات. # واختلف جواب الشيخ أبي الحسن رضي الله عنه في تسمية العبارات كلاما فرأيه ~~الظاهر أنها إن سميت كلاما فهو على التجوز بمثابة تسميتها علوما من حيث ~~إنها تدل عليها وتشعر بها وقال في جواب المسائل البصرية إنها كلام على ~~الحقيقة وكذلك كلام النفس. # والتحقيق في ذلك أن كلام النفس جنس ذو حقيقة كالعلم والقدرة ونحوهما على ~~مذهب أهل الحق وإذا كان كذلك فالجنس الذي هو كلام [لعينه هو القائم بالنفس] ~~. # والعبارات ليست في نفسها على حقيقة الكلام ولو فرض ما جرى من الاصطلاح ~~عليها على غيرها من العلامات كنقرات ورمزات أو ماضاهاها مما يتفق التواطؤ ~~على نصبه علما لحلت محل العبارات. # وأما المعتزلة وكل من خالف عصبة أهل الحق فإنهم متفقون على نفى كلام ~~النفس صائرون إلى أن الكلام هو العبارات في خبط ms045 طويل لسنا له الآن. # ومن سر مذهبهم أن الكلام ليس جنسا متميزا بحقيقة ذاتية فلا نجد بدا من. # ذكر ما يقع الاستقلال به في إثبات كلام النفس. ### | 116- # فنقول الآمر يجد في نفسه اقتضاء وطلبا للمأمور به والصيغة التي تتضمنها ~~دالة عليه وهذا المعنى بكلام النفس فإن قيل ذلك الذي سميتموه اقتضاء هو ~~إرادة امتثال الأمر قلنا قد يأمر الآمر غيره ويفهم المأمور منه الاقتضاء ~~فهما. # PageV01P061 # ضروريا مستندا إلى قرائن الأحوال والآمر يريد من المأمور أن يخالفه لغرض ~~له. # وصور الأئمة رحمهم الله في ذلك صوة نأتي بها ونقص باقى الأسئلة عليها. # فنقول: إذا أدب الرجل عبدا له فلم يقع ذلك عند صاحب الأمر وسلطان البقعة ~~موقع الرضا وكاد أن يبطش به فاعتذر المؤدب وذكر أن عبده لا يرتسم مراسمه ~~فأفضى الكلام إلى تكذيبه في معاذيره فحاول تصديق ذلك وأمر العبد والحالة ~~هذه فلا نشك أنه يريد منه أنه يخالفه والإقتضاء ثابت. # فإن قيل: ما يصدر منه في الصورة المفروضة لا يكون أمرا. # قلنا: قد فهم العبد ضرورة منه والحالة ملتبسة عليه ما كان يفهمه من ~~أوامره وجاحد ذلك مباهت ثم كيف ينتهض هذا عذرا لو لم يكن ما جاء به أمرا ~~وغرضه أن يبين مخالفته لأمره. # فإن قيل: ذلك الذي يجده من الإقتضاء هو العلم بكيفية نظم الصيغة قلنا ~~الصيغة المنبئة عن العلم بالصيغة ليست هذه وإنما هي قول القائل مثلا صيغة ~~الأمر حروفها ونظمها [ونضدها] كذا وكذا فأما قول القائل افعل فليس معناه ~~العلم بهذه الحروف بلا تطويل فمعنى "افعل" هو كلام النفس فقد لاح أنه ليس ~~إرادة ولا علما بكيفية الصيغة فلم يبق إلا ما حاولناه. ### | 117- # ثم أثبت المعتزلة النظر طلبا زائدا على الإرادة وأنكروا الفكر النفسي. # والهواجس وعندي أن وجدان المرء جريان الفكر من قبيل الضروريات فكل ما ~~حملوا كلام النفس عليه ففي النفس كلام عنه. # والذي يحقق هذا أن العلم الحق يدركه العالم من نفسه إدراكه الامه ولذاته ~~وكذلك الإرادة التي ليست توقانا وشهوة ولذلك اعتاص ms046 وأشكل محلها وحمل ~~الأوائل أمرها على النفس والعقل المباينين لعوالم الأفلاك. # وأما الفكر فإنه يحس في النفس إحساس الآلام واللذات. # ففي هذا القدر مقنع في إثبات كلام النفس وهو على إيجازه يفيد الناظر ~~الاستقلال والإيماء إلى غوائل غامضة ونحن نذكر بعد ذلك القول في حقيقة ~~الأمر. # PageV01P062 # مسألة في حقيقة الأمر. ### | 118- # الأمر هو القول المقتضى بنفسه طاعة المأمور بفعل المأمور به فذكرنا القول ~~يميز الأمر عما عدا الكلام وذكرنا المقتضى إلى استتمام الكلام يميزه عما ~~عدا الأمر من أقسام الكلام وقولنا بنفسه يقطع وهم من يحمل الأمر على ~~العبارة فإن العبارة لا تقتضي بنفسها وإنما تشعر بمعناها عن اصطلاح أو ~~توقيف عليها وذكرنا الطاعة يميز الأمر عن الدعاء والرغبة من غير جزم في طلب ~~الطاعة. ### | 119- # فأما المعتزلة فقد أوضحنا من مذاهبهم أن الكلام ليس جنسا. # عندهم متميزا بحقيقة وإنما هو العبارة وقالوا على حسب ذلك الأمر قول ~~القائل لمن هو دونه افعل وهذا مدخول فإنه لو قال المرء لمن في درجته: افعل ~~لكان أمرا وليست هذه اللفظه يعينها كل الأمر بل يصدر عن كل مصدر صيغة تسمى ~~على هذا الرأي أمرا. # ولو اهتدوا لبناء الأمر على حقيقة أصلهم لما التزموا تحديد الأمر وهو قسم ~~لا حقيقة لأصله والمطلوب من الحدود الإشعار بالحقائق ورب حقيقة تعقل ولا ~~ينتظم عنها عبارة وكيف يحاول حد ما لا حقيقة له. ### | 120- # ثم من أصلهم أن اللفظ الذي ذكروه ونبهوا به على أمثاله إنما يكون أمرا ~~بثلاث إرادات إحداها أرادة اللافظ وجود اللفظة والإرادة الثانية تتعلق بجعل ~~اللفظ أمرا والثالثة تتعلق بامتثال المأمور المخاطب الأمر. ### | 121- # وإيضاح ذلك عندهم أن الإنسان قد يهذي في نومه فيجري صيغة الأمر وهو لا ~~يريد وجودها لمنافاة النوم حالة الإرادة والعلم فكان شرطه إرادة وجود اللفظ ~~لإخراج هذه الحالة وأما اشتراطه تعلق الإرادة بجعل اللفظ أمرا فسببه أن ~~الإنسان قد يحكى صيغة الأمر وهو يبغي بها رفع حرج أو تهديدا على مذهب قوله ~~سبحانه وتعالى: {اعملوا ما شئتم} 1 فإذا تردد اللفظ ms047 كما ذكرناه فلا بد من ~~إرادة تخصصه بجهة الأمر. # وأما إرادة المأمور به من المأمور فهي القاعدة والمعول إذ لا يتصور عندهم ~~أمر بشيء من غير إرادة له وهذا مذهب البصريين. PageV01P063 ### | 122- # فأما الكعبي فإنه شرط إرادتين تتعلق إحداهما بوجود اللفظ. # والأخرى بالامتثال فأما وقوع اللفظ أمرا فصفة تلزم اللفظ فلا حاجة في ~~تحصيلها إلى إرادة. ### | 123- # ولا يتبين مذهبهم إلا بذكر قواعدهم في الصفات التي تعزى إلى النفوس غير ~~معلله بمعان قائمة بها. # فقد قالوا الصفات التي لا تعلل تنقسم إلى ما يقال فيها إنها صفات النفس ~~وإلى ما ليست كذلك فأما صفة النفس فهي التي تلزم النفس وجودا وعدما ككون ~~الجوهر جوهرا وكذلك القول في صفات جميع الأجناس من التي قضوا بثبوتها في ~~[العدم] . # وأما ما ليست صفة نفس فهي منقسمة إلى ما تلزم من غير مقتض لها وإلى ما ~~يقتضي مقتضيا يتعلق بها فأما القسم الأول مما انتهى الكلام إليه الآن فقد ~~سموه التابع للحدوث وذلك كتحيز الجوهر فإنه يلزم عند الحدوث ويثبت من غير ~~افتقار إلى مقتض يقتضيه وكذلك القول في قيام العرض بالمحل وأما القسم ~~الثاني فيقتضيه العلم والإرادة والقدرة فأما ما تقتضيه القدرة فالحدوث فحسب ~~وأما ما يقتضيه العلم فالإحكام وأما ما تقتضيه الإرادة فمنها وقوع النعمة ~~ثوابا ومنها وقوع النقمة عقابا ومنها وقوع اللفظ أمرا وهو ما نحن فيه وكأن ~~الكعبي قد رأى وقوع الأمر من قبيل الصفات التابعة للحدوث. # فإن نحن حاولنا الرد عليهم على إيجاز أفردنا كل فن بكلام مستقل. ### | 124- # فأما ما ذكروه من صفات النفس فهو مستند إلى مصيرهم إلى إثبات. # الأشياء على حقائقها وخواصها وصفات أنفسها في العدم وهذا تصريح منهم بقدم ~~العالم فإنا على اضطرار نعلم أن الثبوت هو الوجود بعينه فليس من يطلق ~~الثبوت وينكر الموجود بأسعد حالا ممن يعكس ذلك عليه ومن ظن منهم أنه يتمكن ~~من فصل بين مذهبهم ويين معتقد أصحاب الهيولي فقد ظن محالا. ### | 125- # وأما الصفات التابعات للحدوث فقولهم مختبط فيها فإنهم زعموا أن التحيز ms048 ~~واجب والحدوث الواقع بالقدرة جائز فنقول لهم بم تنكرون على من يزعم أن ~~التحيز جائز والحدوث عنده واجب فإن قالوا: لا بد من التحيز عند حدوث الجوهر ~~قلنا نعم ولا بد من الحدوث عند التحيز فلا يختص واحد منهما بمزية. # PageV01P064 # تقتضي إحالة الوجوب عليه دون مقارنة. # والقول الحق فيهما: أن كل واحد منهما جائز ولكن إذا فرض ثبوت أحدهما تعين ~~ثبوت الثاني فهما إذا متلازمان فقد كفى هذا القدر وأغنى عن التطويلات. # فأما مصيرهم إلى أن الحدوث من أثر القدرة فباطل مع مصيرهم إلى أن الذوات ~~ثابته أزلا فإذا ثبتت فما معنى الحدوث فيها؟ # نعم, لا يطرأ على الجوهر على رأيهم إلا التحيز فلئن كان الثبوت في الذات ~~يقتضي التحيز فليثبت التحيز أزلا فإذا اعترف بذلك معترفون منهم كالشحام. # فقد جاهر بقدم العالم. # فأما ما قدره واقعا بالعلم وهو الإحكام فلا حاصل له ولا معنى للإحكام ~~عندي فإنه إن عني به وقوع جوهر مثلا بجنب جوهر على مناسبة فليس ذلك أمرا ~~ثابتا محققا واستقصاء القول في ذلك يتعلق بأحكام الأكوان من فن الكلام ثم ~~إن قدر ذلك أمرا ثابتا فهلا قيل توقعه القدرة على شرط كون القادر عالما إذ ~~وقوع الحدوث مشروط بكون الموقع عالما به ثم لم يكن الحدوث من اثار العلم ~~فليطرد ذلك في كل متجدد. # وأما قولهم: إن الحدوث من اثار القدرة فقد وضح أنه الثبوت بعينه وقولهم ~~بقدم الذات يصدهم عن إثبات ثبوت هو الحدوث إذ لو جاز ذلك من غير تغير لجاز ~~المصير إلى طريان جهات في الثبوت مع استمرار الوجود ولا معنى للإطناب في ~~الواضحات. ### | 126- # وأما ما قدروه من آثار الإرادة وهو مقصود المسألة وما تقدم عليه فهو في ~~حكم التوطئة والتمهيد. # فنقول: قد أثبتم معاشر البصريين لقول القائل افعل على حكم الأمر صفة ~~فزعمتم أن اللفظ يتميز بها عما يقع حكاية وهذا بهت ومناكرة فإن اللفظ أصوات ~~متقطعة وحروف منتظمة وهي ممن يبغي أمرا كهى ممن يحكى قطعا وليس للأصوات في ~~ذواتها صفات ms049 تميز قبيلا عن قبيل نعم الامر يجد في نفسه إرادة وتجريد قصد. # ثم التطم البغداديون والبصريون فنسب البصريون الكعبي إلى التحكم بإثبات ~~صفة لذوات الأصوات وقال الكعبي مجيبا ما نسبتموني إليه قد التزمتموه إذ ~~أثبتم. # PageV01P065 # الصفة من أثر الإرادة فلا فرق في أصل الصفة. # فإن قيل ما أنكرتموه منهم يلزمكم مثله في العبارة عن الأمر القائم بالنفس ~~فقد يلفظ اللافظ بقوله افعل وهو يبغى حكاية وقد يلفظ وهو ينتحى تعبيرا عن ~~الأمر القائم بالنفس فكيف يقع اللفظ عبارة عن الأمر وما يتردد بين جائزين ~~لا يختص بأحدهما إلا بالإرادة فبم يصير اللفظ عبارة عن الأمر. ### | 127- # قلنا المسلك الحق عندنا في ذلك أنه لا بد من قصد إلى إيقاع اللفظ مشعرا ~~بالأمر القائم بالنفس ولكن ليس لذلك اللفظ منه صفة وإنما يحصل الإشعار ~~بقرائن الأحوال ولو هدى المعتزلة لذلك لما ارتكبوا [في مذهبهم] ما ارتكبوه ~~في مذاهبهم. # وحاصل القول أن المراد الحقيقي هو الأحوال المقترنة باللفظ فإن كان في ~~عين اللفظ مزيد من رفع صوت أو غيره فهو ملتحق بفن الأحوال. # مسألة في صيغة الأمر. ### | 128- # الصيغة هي العبارة المصوغة للمعنى القائم بالنفس وهذه المسألة مترجمة بأن ~~الأمر هل له صيغة وهذه الترجمة إذا أطلقناها فالمراد بها أن الأمر القائم ~~بالنفس هل صيغت له عبارة مشعرة به. # وإذا قال نفاة كلام النفس للأمر صيغة فنفس الصيغة عندهم هي الأمر فصيغة. # الأمر إذا أضيفت إلى الأمر لم تكن الإضافة حقيقية وهي في مذهب قول القائل ~~نفس الشيء وذاته فإذا لاح ما نعني بالصيغة في كل مسلك فقد اختلفت الاراء في ~~المقصود المعنوي من المسألة. ### | 129- # فالمنقول عن الشيخ أبي الحسن1 رضي الله عنه ومتبعيه من الواقفية أن العرب ~~ما صاغت للأمر الحق القائم بالنفس عبارة فردة وقول القائل افعل متردد بين ~~الأمر والنهي نظرا إلى مذهب الوعيد وإن فرض حمله على غير النهي فهو متردد ~~بين رفع الحرج على مذهب قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} , وبين الاقتضاء ~~ثم هو في مسلك الاقتضاء متردد بين ms050 الندب والإيجاب فتبين من مجموع ما ذكرناه ~~تردد اللفظ عند الواقفية بين هذه الجهات كلها. PageV01P066 # ثم اختلف أصحابه في تنزيل مذهبه فقال قائلون اللفظ صالح لجميع هذه ~~المحامل صلاح اللفظ المشترك للمعاني التي هيئت اللفظة لها. # وقال آخرون: ليس الوقف مصيرا إلىدعوى الاشتراك وضعا في اللسان ولكن ~~المعنى به أنا لا ندري على أي وضع جرى قول القائل "افعل" في اللسان فهو إذا ~~مشكوك فيه على هذا الرأي. # ثم نقل بعض مصنفي المقالات أن أبا الحسن رحمه الله يستمر على القول ~~بالوقف مع فرض القرائن وهذا زلل في النقل بين والوجه أن يورك بالغلط على ~~الناقل فإنه لا يعتقد الوقف مع فرض القرائن الحالية على نهاية [الوضوح] ذو ~~تحصيل. ### | 130- # والذي أراه في ذلك قاطعا به أن أبا الحسن رحمه الله لا ينكر صيغة تشعر ~~بالوجوب الذي هو مقتضى الكلام القائم بالنفس نحو قول القائل أوجبت. # وألزمت أو ما شاكل ذلك وإنما [الذي] تردد فيه مجرد قول القائل افعل من ~~حيث ألفاه في وضع اللسان مترددا فإذا كان هذا كذلك فما الظن به إذا اقترن ~~بقول القائل [افعل] لفظ أو ألفاظ من القبيل الذي ذكرناه مثل أن تقول افعل ~~حتما [أو] افعل واجبا. # نعم: قد يتردد في أن الصيغة التي فيها الكلام إذا اقترنت بالألفاظ التي ~~ذكرناها ما المشعر بالأمر النفسي؟ الألفاظ المقترنة بقول القائل افعل؟ أم ~~هي في حكم التفسير لقول القائل افعل وهذا تردد قريب. # ثم ما نقله النقلة يختص بقرائن المقال على ما فيه من الخبط فأما قرائن ~~الأحوال فلا ينكرها أحد. # فهذا هو التنبيه على سر مذهب الشيخ أبي الحسن والقاضي رحمهما الله وطبقة ~~الواقفية. ### | 131- # فأما المعتزلة فلم يقف على حقيقة مذهبهم إلا خواص الأصوليين فذكر بعضهم ~~أن "افعل" لرفع الحرج ثم يصير مع الاقتران بالوعيد على الترك مقتضيا إيجابا ~~وبالاقتران بوعد الثواب على الفعل مع [التخيير] في الترك مقتضيا استحبابا ~~وأصل اللفظ لو تجرد لرفع الحرج. # PageV01P067 # وذهب ذاهبون منهم إلى أن مقتضاه عند الإطلاق الندب وهو ms051 أقرب إلى حقيقة ~~مذهب القوم من الأول وإن لم يكن ناصا على سر مذهب القوم. # وصرح صاحب المغنى في شرح العمد بسر المذهب فقال الصيغة التي فيها الكلام ~~موضوعة للدلالة على إرادة مطلقها الامتثال فهذا مقتضاها ثم لا يكون المراد ~~إلا طاعة بيد أن الطاعة تنقسم إلى المستحب والمستحق فإن اقترن باللفظ وعيد ~~كان الوعيد دالا على الوجوب ومدلول اللفظ الإرادة فحسب فيخرج منه إذا أن ~~اللفظ ليس مترددا بين معنيين وإنما معناه الإرادة والوجوب متلقى من الوعيد ~~المقترن به. ### | 132- # وأما جميع الفقهاء فالمشهور من مذهب الجمهور منهم أن الصيغة التي فيها ~~الكلام للإيجاب إذا تجردت عن القرائن وهذا مذهب الشافعي رحمه الله ~~والمتكلمون من أصحابنا مجمعون على اتباع أبي الحسن في الوقف ولم يساعد ~~الشافعي1 منهم غير الأستاذ أبي إسحاق2. ### | 133- # والذي يقتضيه الترتيب المفضي إلى درك الحق البداية بذكر متعلق مذهب ~~الواقفية والاعتراض عليه ثم إذا نجز أتبعنا مذهب المعتزلة بالرد عليهم ثم ~~نذكر معتصم الفقهاء ثم نختم القول بالحق المبين. # فأما الواقفية فحاصل كلامهم راجع إلى منهاج واحد وإن ترددت العبارة عنه ~~ونحن نسرده فنقول قول القائل "افعل" ليس مختصا بمحل أخذا من مسالك العقول ~~فإن العقول لا تجول في مقتضيات العبارات فمن ادعى اختصاص اللفظ بجهة ~~فسيتلقى ما يدعيه من النقل والنقل ينقسم إلى الشرع واللسان فإن قيل هو ~~متلقى من اللسان قيل لمن يدعي ذلك أتنقل هذا منصوصا عليه أم تستفيده ~~استنباطا من مأخذ اللغة فإن زعم المخاطب أن النقل فيه صريح من العرب فهو ~~مباهت ثم يرد عليه تقسيمه فيقال النقل ينقسم إلى ما يقع متواترا وإلى ما ~~يقع آحادا فإن ادعى الثقل آحادا لم3 يحتفل به فإن نقل الآحاد لا يوجب علما ~~والمطلوب في هذه المسألة العلم وإن ادعيت النقل تواترا كان ذلك محالا فإن ~~النقل المتواتر يوجب العلم الضروري ويتضمن استواء طبقات [جميع] العقلاء في ~~دركه كما سيأتي [ذلك] مشروحا في أحكام الأخبار ونحن معاشر الواقفية مصرون ~~على المخالفة مستمرون. PageV01P068 # عليها على مر ms052 الآباد من غير نكر وعناد فقد بطل التلقي من جهة النقل ~~الصريح. # فإن زعم من نخاطبه أن يتلقى اختصاص الصيغة من مأخذ اللغة ومصادرها ~~ومواردها فمعنى ذلك أنه ألفى اللفظ الذي فيه الخلاف مستمرا للإشعار بالمعنى ~~الذي يعتقده وهذا لا يمكن ادعاؤه فإن هذه الصيغة واردة على وجوه لا سبيل ~~إلى جحدها. # فإن صار صائر إلى حمل بعض الوجوه على اقتضاء القرائن كان متحكما وكانت ~~الجهة التي عينها حرية بأن تقدر فيها القرينة أيضا وإذا تحقق تعارض الأقوال ~~وتساويها فيتضمن ذلك الوقف لا محالة. # وإن نسب المخاطب مذهبه إلى الشرع رد عليه تقسيم النقل الصريح والأخذ من ~~الاستنباط كما سبق في اللغة وجرى الكلام على نحو ما مضى في اللغة. # هذا مساق كلام القاضي أبي بكر رحمه الله في مصنفاته. ### | 134- # والوجه في الرد والاعتراض عليه أن نقول للمتمسك بهذه الطريقة أبن لنا ~~أصلك في اللفظ أتقول إنه مشترك أم تزعم أن ذلك غير معلوم منه أيضا فإن زعم ~~أن اللفظ مشترك رد عليه تقاسيم الطريقة في العقل والنقل والتصريح والتلويح ~~فإن الحكم على العرب بوضع اللفظ مشتركا ادعاء مفتقر إلى مستند إذ من أبواب ~~اللغات الألفاظ المشتركات وإن زعم طارد الطريقة أنه لا يدري شيئا من ذلك لم ~~يترك والركون إلى هذه العمامة العمياء والجهالة الجهلاء وقيل له اللفظ الذي ~~فيه الكلام متردد في اللسان كثير التدوار في الحوار فكيف يجوز في مطرد ~~العادة أن تتقرض العصور وتعتقب الدهور على إطلاق هذا اللفظ على تكرر وكرور ~~لا يبحث عنه باحث ولا يبغى الوقوف على معناه وهذا محال لا سبيل إلى ~~اعتقاده. # وقد رأيت كلام القاضي مائلا إلى دعوى الإشتراك أخذا من وجدانه هذا اللفظ ~~على جهات في الكلام وإذا رجع إلى هذا المرجع لاح على قرب وكثب سقوط ما ~~اختاره وأمكن أن يقال بم تنكرون على من يزعم أن التردد لمكان اختلاف ~~القرائن وهذا لا سبيل إلى دفعه إلا بقاطع وتنسل بفرض هذا عليه دعوى القطع ~~من يده وينعكس على ms053 الجهالة وقد بان بطلانها. # PageV01P069 # فهذا مقنع في إبطال ما اعتمده الواقفية وشفاء الغليل يتبين في آخر ~~المسألة إن شاء الله تعالى. # فإن عبر من الواقفية عن محاولة روم الوقف معبر فقال: إذا قال السيد ~~لغلامه: افعل حسن منه الاستفهام والاستعلام لاستبانة المراد في الوجوب أو ~~غيره كان ذلك ركيكا من الكلام واتجه في درئه على القرب: أن ذلك إن حسن على ~~الندور فعند تخيل إشكال في قرائن الأحوال والغالب أن يعد المراجع في ذلك ~~متكلفا وقد يستحق بدون ذلك التأديب. ### | 135- # فأما المعتزلة فقد بنوا حقيقة أصلهم على اقتضاء الصيغة الإرادة وقد تقدم ~~الرد عليهم فيه محالا على فن الكلام والله سبحانه وتعالى: أمرنا بالإيمان ~~على التعميم ولا يريد الإيمان ممن كفر ولا مطمع في الخوض في هذا الأصل ~~العظيم. ### | 136- # وأما الفقهاء: فلا أرى لهم كلاما مرضيا يعول على مثله في ابتغاء القطع ~~ولكن من أظهر ما ذكروه أن الصحابة الماضين والأئمة المتقدمين رضي الله عنهم ~~أجمعين كانوا يتمسكون بمطلق الأمر في طلب إثبات الإيجاب ولا ينزلون عنه إلا ~~بقرينة [تنبه] عليه. # وهذا المسلك لا يصفو من شوائب النزاع ويتطرق إليه أنهم كانوا يفعلون ذلك ~~فيما اقترن به اقتضاء الإيجاب وكل مسلك في الكلام تطرق إليه إمكان لم يفض ~~إلى القطع. ### | 137- # فإن قيل قد أبطلتم الوقف ومذهب المعتزلة والفقهاء فما المختار عندكم قلنا ~~قد حان الآن أن نبتدىء المسلك الحق في صيغة المباحثة والتقسيم ومبادرة ~~أطراف الكلام بالإسقاط حتى يقرب تعيين المدرك. # ثم إذ ذاك نطبق المفصل ونهجم على مدرك الحق. # فنقول: من أنكر أن العرب ما فصلت بين قول القائل افعل وبين قوله لا تفعل ~~فليس من التحقيق على شيء فإنا على اضطرار نعلم الفصل في ذلك كما نعلم الفصل ~~بين قول القائل "فعل" وبين قوله "ما فعل" ولا معنى لبسط ذلك مع وضوحه فإذا ~~سقط هذا رددنا النظر إلى الإباحة التي هي تخيير ولا اقتضاء فيها ولا طلب ~~وقلنا لا شك في فصل العرب بين قول من يقول لا ms054 حرج عليك. # PageV01P070 # فعلت أو تركت وبين قوله افعل فإن الصيغة الأخيرة مقتضاها الطلب لا محالة ~~وليس في الإباحة من معنى الطلب شيء. # فقد لاح سقوط الإباحة عن متضمن الصيغة ولم يبق إلا الندب. # والندب من ضرورة معناه [التخيير] في الترك وليس في قول القائل "افعل" ~~تخيير في الترك أصلا. # وقد تعين الان أن نبوح بالحق ونقول "افعل" طلب محضلا لا مساغ فيه لتقدير ~~الترك فهذا مقتضى اللفز المجرد عن القرائن. # فإن قيل فهذا مذهب الشافعي رحمه الله وأتباعه وهو المصير إلى اقتضاء ~~اللفظ إيجابا قلنا ليس كذلك فإن الوجوب عندنا لا يعقل دون التقييد بالوعيد ~~على الترك وليس ذلك مقتضى تمحيض الطلب فإذا الصيغة لتمحيض الطلب والوجوب ~~مستدرك من الوعيد وبين هذا وبين ما حكيناه عن عبد الجبار مضاهاة في المسلك ~~وبيان عظيم في المغزى والمدرك. # وأنا أبنى على منتهى الكلام شيئا يقرب ما [اخترته] من مذهب الشافعي رحمه ~~الله. # فأقول ثبت في [وضع] الشرع أن التمحيض في الطلب متوعد على تركه وكل ما كان ~~كذلك لا يكون إلا واجبا وهذا منتهى المسألة وبالله التوفيق. # فصل: ### | 138- # الصيغة التي تكلمنا على أصلها تفرض مطلقة ومقيدة وتتعلق بها وهي مطلقة ~~مسائل جمة وتتعلق بها وهي مقيدة مسائل وأحكام. # ونحن نبدأ بأحكام الإطلاق ونسرد مسائله ثم نذكر التقييد ومعناه وأحكام ~~المقيد وما يقع التقييد به من حال أو مقال أو سوابق أو لواحق احق إن شاء ~~الله. # PageV01P071 ### | فصل: الصيغة تفرض مطلقة ومقيدة - القول في الصيغة المطلقة # ... # القول في الصيغة المطلقة. # مسألة: ### | 139- # صيغة الأمر إذا وردت مطلقة ففي اقتضائها على رأي من لا يتوقف تكرير ~~الإمتثال خلاف بين الأصوليين: # PageV01P071 # فذهب ذاهبون إلى أنها تقتضي التكرير على استيعاب الزمان مع الإمكان وهذا ~~اختيارالأستاذ أبي إسحاق رحمه الله. # وذهب الأكثرون إلى أنها لا تقتضي عند الإطلاق إلا الامتثال مرة واحدة. ### | 140- # ونحن نذكر ما لكل فريق ثم نختم المسألة بالمختار عندنا. # أما الصائرون إلى اقتضاء التكرير فمعتقدهم الأقوى عندهم اعتبار الأمر ~~بالنهي وفي ذلك مسلكان. # أحدهما: أن ms055 الأمر اقتضاء إثبات والنهي اقتضاء انكفاف وهما يجتمعان في أصل ~~الاقتضاء والإطلاق فإذا تضمن أحدهما استيعاب الزمان كان الثاني في معناه. # والوجه الثاني في التمسك بالنهي: أن الأمر بالشيء نهى عن أضداد المأمور ~~به وإذا كان كذلك فالنهي يقتضي الانكفاف عن أضداد المأمور به عموما ومن ~~ضرورة الانكفاف عنها إدامة الامتثال فإن المحل لا يخلو عن الأضداد كلها لا ~~سيما الأكوان وهي معظم أفعال المكلفين وهذا الذي تمسك به هؤلاء باطل. # أما الاعتبار بالنهي مطلقا بمسلك القياس فمردود [فإن قضايا] الألفاظ لا ~~تثبت بالأقيسة وقد سبق في ذلك قول بالغ. # وأما المسلك الثاني فلا أصل له فإن الأمر عندنا لا يتضمن نهيا عن أضداد ~~المأمور به وسيأتي القول في ذلك مشروحا إن شاء الله تعالى. # ولو فرض تسليم ذلك فلا مستروح فيه فإن النهي يقتضي الاستيعاب هو النهي ~~المجرد المقصود فأما ما يقع ضمنا فهو في [اقتضاء الانكفاف عن] الأضداد على ~~حسب اقتضاء الأمر في الامتثال فإذا كان الخصم يعتقد أن صيغة الأمر تقتضي ~~الامتثال مرة واحدة فتضمنها النهي عن الأضداد على هذا النحو يقع وهذا ممثل ~~بالصيغة المقيدة بالمرة الواحدة فإنها تتضمن على هذا الرأي المسلم جدلا ~~نهيا عن الأضداد من غير استيعاب والسبب في ذلك أن ما يقع ضمنا فإنه يتبع ~~المتضمن في مقتضاه لا محالة. # ومما تمسك به أصحاب التكرار أن قالوا الأمر يقتضي وجوب اعتقاد الامتثال ~~والعزم عليه قبل الإقدام على الامتثال نفسه ثم العقد أو العزم يعمان ولا ~~يختصان فليكن الإمتثال المقصود كذلك. # PageV01P072 # وهذا ركيك1 لا أصل له فإن اعتقاد الوجوب ليس من مقتضيات الأمر وإنما هو ~~من حكم العقد الصحيح المفضي بصاحبه إلى الإذعان لأوامر الله ولو فرض الأمر ~~مقيدا بالامتثال مرة واحدة لكان القول في العقد على هذا النحو فلا حاصل ~~لهذا الكلام. # وإن طمع من لا يحيط بالحقائق أنه يسلم له دوام اعتقاد وجوب الامتثال في ~~الصيغة المطلقة على معنى أن الامتثال يدوم وجوبه والعقد بحسبه فهذه غباوة ~~وذهول عن محل الخلاف ms056 ومن شرط هذا المجموع أن نقتصر فيه على الرمز إلى ~~[أمثال] هذه المخالات وأما العزم فسأذكر فيه فصلا مستقصى في المسألة التي ~~تلي هذه إن شاء الله تعالى. ### | 141- # وأما الصائرون إلى أن الصيغة [المطلقة] تقتضي امتثال المأمور به مرة ~~واحدة فقد تمسكوا بمسلكتين. # أحدهما: يشتمل على الاستشهاد بالأمثلة. # والثاني: يتضمنه معنى [يرونه] معتمدهم. # فأما الأمثلة فقد قالوا: إذا قال قائل: تصدق زيد أو ليتصدق زيد2 لم يتضمن ~~ذلك إدامته بل يشعر بالفعل مرة واحدة فليكن صيغة الأمر كذلك ومما استشهدوا ~~به البر في اليمين ثم أوردوا الحنث نظيرا للنهي فقالوا من حلف ليفعلن بر ~~بالمرة الواحدة وهو نظير الأمر فإذا حلف لا يدخل الدار فمتضمنه الانكفاف ~~عنه عموما وهذا يناظر النهي. # وهذا المسلك غير مرضى عند المحققين فإن مساقه القياس واعتبار اللفظ ~~باللفظ وهو محسوم عند المحققين فإن أمكن تحقيق اللفظ نقلا واستنباطا فهو ~~المفيد وإن كان بالتعويل على القياس فهو ساقط ولا سيما مع العلم بتفاوت صيغ ~~الأفعال واختلاف مقتضياتها. # والمسلك الثاني للقوم أنهم قالوا من امتثل الأمر مرة يسمى ممتثلا ولو كان ~~ما جاء به بعض مقتضى اللفظ لما ساغ تسميته ممتثلا وهذا ساقط فإنه يجري مثله ~~في. PageV01P073 # الأمر المقيد بالتكرار وهو في القيام بالامتثال موصوف في قدر ما جاء به ~~بحكم الموافقة وعليه الاستتمام. ### | 142- # فإن قيل: فما المختار وقد أبطلتم بزعمكم مسلك الفريقين وليس بين النفي ~~والإثبات مرتبة قلنا الصيغة المطلقة تقتضي الامتثال والمرة الواحدة. # لا بد منها وأنا على الوقف في الزيادة عليها فلست أنفيه ولست أثبته ~~والقول في ذلك يتوقف على القرينة والدليل القاطع فيه أن صيغة الأمر وجملة ~~صيغ الأفعال عن المصدر والمصدر لا يقتضي استغراقا ولا يختص بالمرة الواحدة ~~والأمر استدعاء المصدر فنزل على حكمه ووجب من ذلك القطع بالمرة الواحدة ~~والتوقف فيما سواها فإن المصدر لم يوضع للاستغراق وإنما هو صالح لو وصف به ~~وسيأتي ذلك مشروحا بعد هذا وذلك يستدعي إبانة بقرينة. # فإذا [وضح] هذا مستقلا طاب بعده ضرب صيغ الأفعال ms057 مثالا فإذا قال القائل ~~تصدق زيد لم يتضمن اختصاصا بصدقة واحدة بل الأمر فيه على حسب ما نبهنا عليه ~~في الأمر. # فإن قيل: مقتضى ما ذكرتموه أن النهي لا يتضمن استيعاب الزمان بالانكفاف ~~[بل] يقتضي الانكفاف مرة واحدة ويتوقف فيما عداها قلنا لو كان النهي متلقى ~~من المصدر لكان كذلك وإنما هو متلقى من النفي والنفي المضاف إلى واحد منكر ~~من جنس يقتضي التعميم فإذا قال القائل لم أر رجلا اقتضى هذا نفى الرؤية عن ~~جنس الرجال وإذا قال رأيت رجلا اقتضى واحدا من الجنس فالنفي الذي في النهي ~~قرينة تقتضي الاستغراق ولا يتصور على هذا أن يكون النهي إلا مقترنا وليس ~~الأمر كذلك فلزم فيه الاستغراق فوجب تنزيل الأمر على حكم المصدر المحض. # وإن راجع باحث فيما ذكرناه من اقتضاء النفي العموم فليس ذلك من غرض هذه ~~المسألة ولا شك فيه. # والقدر الكافي في التنبيه على اقتضاء النفي العموم أن الإثبات يختص بثابت ~~والنفي لا اختصاص له فكان الجنس كالشخص في حقه. # مسألة: ### | 143- # الصيغة المطلقة التي فيها الكلام إن قيل إنها تقتضي استغراق الأوقات ~~بالامتثال فمن ضرورة ذلك الفور والبدار واستيعاب الصيغة في موردها اقتضاء ~~مبادرة الامتثال. # PageV01P074 # فإذا جرى التفريع على المذهب الآخر في أن الصيغة لا تقتضي استغراق الزمان ~~فعلى هذا اختلف الأصوليون فذهب طائفة إلى أن مطلق الصيغة يقتضي الفور ~~والبدار إلى الامتثال وهذا [معزى] إلى أبي حنيفة1 رحمه الله ومتبعيه. # وذهب ذاهبون إلى أن الصيغة المطلقة لا تقتضي الفور وإنما مقتضاها ~~الامتثال مقدما أو مؤخرا وهذا ينسب إلى الشافعي2 رحمه الله وأصحابه وهو ~~الأليق بتفريعاته في الفقه وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول. # وأما الواقفية فقد تحزبوا حزبين فذهب غلاتهم في المصير إلى الوقف إلى أن ~~الفور والتأخير إذا لم يتبين أحدهما ولم يتعين بقرينة فلو أوقع المخاطب ما ~~خوطب به عقيب فهم الصيغة لم يقطع بكونه ممتثلا ويجوز أن يكون غرض الآمر فيه ~~أن يؤخر وهذا سرف عظيم في حكم الوقف. # وذهب [المقتصدون] ms058 من الواقفية إلى أن من بادر في أول الوقت كان ممتثلا ~~قطعا فإن أخر وأوقع الفعل المقتضى في آخر الوقت فلا يقطع بخروجه عن عهدة ~~الخطاب وهذا هو المختار عندنا. # وذهب القاضي أبو بكر3 رحمه الله إلى ما شهر عن الشافعي من حمل الصيغة. # على إيقاع الامتثال من غير نظر وقت مقدم أو مؤخر وهذا بديع من قياس مذهبه ~~مع استمساكه بالوقف وتجهيله من لا يراه. ### | 144- # ومما يتعين التنبيه له أمر يتعلق بتهذيب العبارة فإن المسألة مترجمة بأن ~~الصيغة على الفور أم على التراخي فأما من قال إنها على الفور فهذا اللفظ لا ~~بأس به ومن قال إنها على التراخي فلفظه مدخول فإن مقتضاه أن الصيغة المطلقة ~~فالوجه أن يعبر عن المذهب الأخير المعزو إلى الشافعي والقاضي رحمهما الله ~~بأن يقال الصيغة تقتضي الامتثال ولا يتعين لها وقت. ### | 145- # وإذا بانت المذاهب فنذكر بعدها معتمد كل فريق ونتعقبه بالنقض ونجرد بعد ~~المباحثة توجيه ما اخترناه فلتقع البداية بأصحاب الفور. PageV01P075 # فمما اعتمدوه أن الصيغة إذا وردت واقتضت إيجابا لم يخل القول بعد ذلك من ~~أن يقال يعصى المخاطب بالتأخير عن وقت الفهم والإمكان وهذا معنى الفور أو ~~يقال لا يعصي بتأخير الامتثال ثم لا ينضبط جواز التأخير بوقت ولا يتعين له ~~زمان فلو مات المخاطب بعد امتداد الزمن وما كان امتثل لم يخل الأمر فيه إما ~~أن ينسب إلى العصيان أو لا ينسب إليه. # فإن قيل إنه مات غير عاص فهذا إسقاط الإيجاب بالكلية قطعا وإن قيل مات ~~عاصيا كان ذلك مناقضا لجواز التأخير فإنه فعل ما له أن يفعل فإن قيل جوز له ~~التأخير بشرط سلامة العاقبة كان ذلك ربط التكليف بلبس وعماية. ### | 146- # وهذا الذي ذكروه ينقضه وجهان: أحدهما: المعارضة بمناقضات لا درء. # لها فإن الأمة أجمعت على وجوب قضاء الصلوات التي فاتت بأعذار ثم العمر ~~وقتها على الفسحة وكذلك الكفارات والذي ذكره هؤلاء يقتضي مساقة امتناع وجوب ~~شيء على الفسحة وليس ما اعتمدوه متلقى من قضية الصيغة لدى الإطلاق وإنما ms059 هو ~~مبني على استحالة ذلك في مقتضي الوجوب. # والذي يوضح هذا المسلك من غير استشهاد بمسألة أن العقل لا يحيل اقتضاء ~~شيء على الإيجاب مع تقدير عمر المخاطب ظرفا له ولا يخالف في تجويز ذلك ~~مخالف فيبينه وفي الاعتراف بهذا سقوط أصل الكلام فقولنا فيما استنكروه على ~~صيغة التقسيم في اللفظ المطلق كقولهم في الصيغة المقيدة بجواز التأخير فهذا ~~وجه في الجواب كاف. # والوجه الثاني: في تعيين قسم من الأقسام التي ذكروها والمقطوع به أن ~~المخاطب إذا مات بعد الإمكان ولم يمتثل لقى الله سبحانه وتعالى: عاصيا ~~وللفقهاء في هذا اختباط [طويل] لسنا لذكره الآن ولكن ما رأيناه مقطوعا به ~~[أجزناه] ولا مبالاة بقول من يقول من الفقهاء إنه مات غير عاص. ### | 147- # وما ذكروه على ذلك من ارتباط الأمر بجهالة في العاقبة تهويل لا تحصيل له ~~فإن هذا النوع من الجهالة محتمل وإنما الممتنع جهالة تمنع فهم الخطاب أو ~~إمكان الامتثال أما ما يمنع فهم الخطاب فبين وأما ما ينافى الإمكان فهو مثل ~~أن يقال لشخص أعتق عبدا من عبيد الدنيا وهو معين عند الامر ولم يعينه ~~للمخاطب. # PageV01P076 # فإن وافق عتقه تقديره كان ممتثلا وإن لم يوافقه عرضه للعقاب فهذا ينقدح ~~وجه امتناعه على ما سيأتي شرحنا عليه في كتاب النواهي إن شاء الله تعالى. # فأما تكليف المرء شيئا مع تقدير عمره مهلة وفسحة وهو أنه إن امتثله فاز ~~بالأجر وإن أخلى العمر منه تعرض للمعصية فلا استحالة في هذا. ### | 148- # ومما تمسك به هؤلاء وهو قريب المأخذ مما سبق أن قالوا إذا اقتضت الصيغة ~~إيجابا فالواجب ما لا يجوز تركه واتصاف المأمور به بالوجوب ناجز فليمتنع ~~تركه إذ لو جاز تركه في الزمان الأول من أزمنة الإمكان لما كان متصفا ~~بالوجوب فيه وهذا قد استهان به من لم يحط بالحقائق وهو صعب عسر وربما يحرر ~~ذلك فيقال الواجب ما يتعين الإقدام عليه فإذا لم يتعين الإقدام عليه في ~~الزمان الأول لم يكن واجبا فيه وهذا مع إعواصه لا يتأتى للقوم ms060 التعلق به ~~لإثباتهم واجبا مقيدا بجواز التأخير كما سبق ذكره في الطريقة الأولى ولكن ~~الإشكال قائم في النفس في الصورة المتفق عليها. ### | 149- # وقد تردد جواب القاضي رحمه الله في هذا المقام لاستشعاره إشكال الكلام ~~فمما ذكره أن التأخير عن الزمان الأول إنما يسوغ ببدل قائم مقام الفعل ~~المقتضى ولولاه لسقط حكم الوجوب على ما اقتضاه مساق الطريقة ثم زعم أن ~~البدل هو العزم على الامتثال في الاستقبال وقال من أخر الامتثال غير مخطر ~~بباله العزم عصى ربه تعالى ثم يتعرض له كذلك في كل وقت يتعين ويتردد بين ~~الامتثال وبين العزم إلى آخر وقت الإمكان ثم ذلك الوقت يتعين [للفعل] . ### | 150- # وهذا خروج عظيم عن مسلك التحقيق وفيه أولا التزام أمر اقتحاما عليه من ~~غير أن يشعر اللفظ به وقد صار هذا الحبر إلى الوقف في أصل الصيغة من حيث ~~إنه لم يسنح له من اللفظ وجه قاطع ثم التزم في مساق الكلام بإثبات العزم ~~الذي ليس في اللفظ إشعار به وفيما صار إليه خصلة أخرى عظيمة الموقع [وهي] ~~أنه إذا وجب في كل وقت الفعل أو العزم فقد أخرج الفعل عن كونه واجبا فإن من ~~مذهبه وأصل كل محقق أن الواجب من خصال كفارات اليمين واحد لا بعينه فإذا ~~ردد في كل وقت تخييره بين الفعل والعزم فقد أخرج الفعل عن كونه واجبا جزما ~~وردد الوجوب بينه وبين غيره فالواجب بينه فالواجب إذا أحدهما ثم إنما كان ~~يستقيم ما ذكره لو ساعده نقلة الشريعة وقد أجمع المسلمون قاطبة على أنه لا ~~يجب على المخاطب الاعتناء بالعزم في كل وقت لا يتفق الامتثال فيه ولو لم ~~يخطر للمخاطب عزم أصلا. # PageV01P077 # وجرى منه الامتثال في أثناء العمر والواجب على التخيير فليس من العلماء ~~من يعصيه لتركه العزم فيما سبق. ### | 151- # وكذلك من صار إلى اتصاف الصلاة بالوجوب في أول وقتها مع اتساع الزمان فلا ~~نقول يجب على المكلف أن ينتبه لأول الوقت فلا يخليه عن فعل أو عزم ولكن لو ~~أضرب عنه ثم ms061 أقام الصلاة في وسط الوقت لم ينسب إلى المعصية ولم يبؤ بالإثم. ### | 152- # والذي أراه في طريقة القاضي رحمه الله أنه إنما يوجب العزم في الوقت ~~الأول ولا يوجب تجديده ثم يحكم بأن ذلك العزم ينسحب حكمه على جميع الأوقات ~~المستقبلة وهذا كانبساط النية على العبادة الطويلة [مع عزوب] النية ولا ~~ينبغي أن يظن بهذا الرجل العظيم غير هذا على أنا لا نرى ذلك رأيا. ### | 153- # فإن قيل فما وجه الجواب عن السؤال وكيف السبيل إلى حل الإشكال قلنا قد ~~اشتهر من مذهب الشافعي رضي الله عنه المصير إلى أن الصلاة تتصف بالوجوب في ~~أول الوقت وظهر خلاف أبي حنيفة له رضي الله عنه ثم صح من. # نصه واتفاق ذوي التحقيق من أصحابه أن من أخر الصلاة عن أول وقتها ومات في ~~أثناء الوقت لم يلق الله تعالى عاصيا فإن كان كذلك فلا معنى عندي لوصف ~~الصلاة بالوجوب في أول الوقت إلا على تأويل وهو أن الصلاة لو أقيمت في أول ~~الوقت لوقعت على مرتبة الواجبات وأجزأت وهي على القطع كالزكاة تعجل قبل ~~حلول الحول ولا يدرأ هذا التحقيق قول الفقهاء إن عبادات الأبدان لا تقدم ~~على أوقات وجوبها فإن الذي ذكرناه إظهار منا لخلاف ما استبعدوه قطعا. # وسبيل مكالمة أصحاب أبي حنيفة في ذلك إذا استنكروا الوجوب على حكم جواز ~~التأخير كسبيل مكالمة أصحاب الفور في الطريقة الأولى وإن تفطنوا لنفي ~~المأثم في الصلاة وسلم لهم ذلك فلا وجه لمناكرتهم ومناظرتهم مع تسليم ذلك ~~فإن أصر مصر على المخالفة لم ينتظم ذلك إلا مع تأثيم من يموت في أثناء ~~الوقت فقد ذهب إلى ذلك شرذمة من الأصحاب فهذا قولي في الأمر المؤقت. # فأما الأمر المسترسل على العمر فالذي أراه فيه أن من أخره فلا يقطع القول ~~فيه بنفى الإثم عنه ولا يطلق إلا مشروطا فعلى هذا إذا الحج واجب على ~~المستطيع في أول سنة الاستطاعة وعليه لو أخر الخطر في التعريض للمأثم ~~والخوف في نفسه. # PageV01P078 # ألم ناجز وهذا معنى قول القائل ms062 من مات ولم يحج انبسطت المعصية على جميع ~~سنى الإمكان فليفهم الناظر ما ذكرناه. # والذي يكشف الغطاء فيه أن الواجب المحقق المضيق لا يتميز عما ليس واجبا ~~بوقوع العقاب بالتارك لا محالة فإن فضل الله مأمول وأمور العاقبة غيب فيئول ~~حاصل الأمر إلى الرهب والخوف وليس بعد هذا البيان بيان وهو نجاز الطريقة. ### | 154- # ومما تمسك به أصحاب الفور النهي [على] النسق المقدم في مسألة التكرار ~~فقالوا النهي يتنجز مقتضاه فليكن الأمر في معناه وقد سبق الكلام على النهي. # والذي نجدده الآن أن الخوض في هذه المسألة مشروط بالتوافق على أن الصيغة ~~لا تقتضي استغراق الأوقات وإذا كان كذلك فالنهي بالاتفاق يقتضي الاستغراق ~~فكيف يتجه تنزيل الأمر على النهي. # ومما تعلق به المتكلفون أن قالوا يجب الاعتقاد على الفور فليكن الامتثال ~~كذلك وقد أوضحنا أن الاعتقاد أمر كلي لا اختصاص له بصيغة خاصة وإنما هو حكم ~~جملي يتعلق بتطويق الشريعة وتصديق منهيها صلوات الله عليه وسلامه وهو يجري ~~في الأمر المقيد بجواز التأخير كما سبق. # وشرطنا قبض الكلام بعد الوضوح وإعداد جمام التقرير للمشكلات فهذا منتهي ~~مسلك أصحاب الفور. ### | 155- # فأما من لم ير الفور وجوز التأخير فمن مسالكهم ما ذكره القاضي أبو بكر ~~رحمة الله عليه معتمدا لنفسه في اختيار هذا المذهب وذلك أنه قال الأوقات ~~يعبر بها عن حركات الفلك واعتقاب طلوع الشمس وغروبها وهذه المعاني لا تعلق ~~للتكاليف بها فإنها خارجة عن متعلق إرادات المكلفين واعتقاد ارتباط تعلق ~~الامتثال المتلقي من الصيغة المطلقة بها بمثابة اعتقاد تعلق الامتثال ~~بتارات وحالات تطرأ كالتغيم والإصحاء وغيرهما فالوجه فهم الامتثال وقطعه عن ~~الأوقات فإن كان يجوز تقدير تعليق التكليف بها تصريحا وتقييدا فيجوز فرض ~~ذلك في التارات التي ذكرناها من التغيم والصحو وربما عضد كلامه الذي استاقه ~~في نفي تعيين الزمان بالمكان فإن المكان لا يتعين وإن كان الفعل يقع في ~~مكان لا محالة فليكن الزمان كذلك. # PageV01P079 # وقد تكلف بعض أصحاب الفور وزعم أنه يتعين للامتثال المكان الذي يصادف ~~المخاطب فيه الإمكان ms063 في أول الزمان وهذا وإن كان كذلك فهو ساقط من جهة أن ~~هذا إنما يثبت لاعتقاد تعين أول الزمان وفي مفارقة المكان تأخير عن أول ~~الزمان فكان ذلك من حكم الزمان لا من حكم المكان. # وهذا الذي ذكره رحمه الله بالغ في التخيل وقد [يكيع] عنه من ليس بذي حظ ~~وافر في التحقيق. ### | 156- # وسبيل مفاتحته بالكلام أن نقول الابتدار إلى الامتثال أو تجويز التأخير ~~مما لا ينكر عده من مقاصد الآمرين ولذلك تنافس المتنافسون ومن عد النظر في ~~هذا الفن من قبيل النظر في تقدير ارتباط الامتثال بالتغيم والإصحاء فقد ~~جانب الإنصاف واستوطأ مركب الإعتساف وهذا لا خفاء به قبل الخوض في المحاجة ~~وحل ما موه به. # ثم الذي يخطر له ما ذكرناه من البدار ونقيضه قد لا يخطر له الوقت والزمان ~~وحقيقتهما فاستبان أن ما ذكره ليس بالمرضى في مساق التحقيق ويطرد في عرف ~~المتخاطبين البحث عما ذكرناه ويبعد البحث عما استشهد به من الحالات ~~والتارات فكان تقدير مبادرة الامتثال في حكم غرض من الآمر يفرض فهمه ~~والإحاطة به من غير نظر في الوقت. ### | 157- # ثم القول [الحق] فيه أن الأمر اقتضاء ناجز والمقتضى مطلوب على [الوجوب] ~~وحق الوفاء بالطلب التنجيز مع الإمكان فمن أراد مداراة هذا بالإيهام [بذكر] ~~الأوقات وخروجها من الإرادات فقد أبعد. ### | 158- # ومما تمسك به الفقهاء الصائرون إلى أن الامتثال هو المطلوب في أي وقت فرض ~~أن قالوا إن الأمر يمثل بالبر في اليمين وإذا قال القائل لأدخلن الدار لم ~~يتعين لإقسامه الوقت الأول ولكن مهما فرض الدخول كان برا وقد أوضحنا أن هذا ~~المسلك مدخول فإنه قياس لفظ على لفظ مع العلم بتغاير معاني الصيغ وتفاوت ~~قضاياها عند تغاير محالها ثم قول القائل لأدخلن الدار في حكم وعد مؤكد ~~بالقسم والأمر طلب ناجز فليقتض الوفاء الناجز وهذا وإن كنت لا أرضاه فلم ~~أورده معتمدا عليه وإنما ذكرته لإظهار إمكان تخيل الفرقان بين الصيغتين. # PageV01P080 ### | 159- # فأما من قال من أصحاب الوقف إن من بادر إلى إيقاع الفعل المطلوب ms064 لم يقطع ~~بكونه ممتثلا فهذا مجاحدة وخروج عن حكم اللسان بديهة وضرورة فإن من أطلق ~~الصيغة [ولم تثبت] قرينة تقتضي التأخير فالمخاطب إذا ابتدر عد مسارعا إلى ~~الطاعة [وكان ممتثلا قطعا] ومن أنكر هذا فهو. # ملتحق بمن يعاند في مظان الضرورات فالذي يجب القطع به أن المبتدر ممتثل ~~والمؤخر عن أول زمان الإمكان لا يقطع في حقه بموافقة ولا مخالفة فإن اللفظ ~~صالح للامتثال والزمان الأول وقت له ضرورة وما وراءه لا تعرض له. ### | 160- # فإن قيل: قد أجريتم في أثناء الكلام لفظة واقعة إذ قلتم إن الطلب ناجز ~~قلنا لا يستقل هذا الكلام بإثبات غرض فإن الطلب ليس مجحودا وإنما محل ~~التردد أنه طلب مقتضاه إيقاع المطلوب ناجزا أو هو طلب مرسل مقتضاه إيقاع ~~المطلوب في أي وقت كان ومن ظن أنه يسلم له أن الأمر طلب إيقاع ناجز فقد طمع ~~في تسليم المسألة من غير دليل. ### | 161- # وإذا نجزت المباحثة عن هذه المآخذ فالذي أقطع به أن [المطالب] مهما أتى ~~بالفعل فإنه بحكم الصيغة المطلقة موقع المطلوب وإنما التوقف في أمر آخر وهو ~~أنه إن بادر لم يعص وإن أخر فهو مع التأخير ممتثل لأصل المطلوب وهل يتعرض ~~للإثم بالتأخير فقيه التوقف. # وأما وضع التوقف في أن المؤخر هل يكون كمن يوقع ما طلب منه وراء الوقت ~~الذي يتأقت به الأمر حتى لا يكون ممتثلا أصلا فهذا بعيد فإن الصيغة المطلقة ~~مسترسلة ولا اختصاص لها بزمان وعن هذا أجمع المسلمون على أن كل مأمور به ~~بأمر مطلق [إن لم] يجز تأخيره [فقد امتثل] فإذا فرض تأخيره ثم إقامته فليس ~~ما أقيم مقضيا قضاء وإنما هو مؤدي حتى كأن الذي يوجب الفور يقدر للأمر ~~غرضين أحدهما إيقاع المطلوب والثاني البدار به ولن يبلغ الزمان الأول في ~~الإمكان مع اعتقاد الفور والبدار فيه مبلغ الوقت المؤقت في صيغة اللفظ وهذا ~~واضح بين لا إشكال فيه. # وكأن هذه الطريقة التي استقر عليها الاختيار تجمع محاسن المذاهب كلها من ~~النظر إلى استرسال اللفظ وتوقع ms065 اللوم والقطع بالامتثال للمبادر ورد التوقف ~~إلى اللوم في التأخير مع القطع بوقوع الفعل مهما وقع امتثالا فإن اللفظ لا ~~اختصاص له بوقت معين. # PageV01P081 # مسألة [لفظية] : ### | 162- # ذهب القاضي أبو بكر رحمه الله في جماعة من الأصوليين إلى أن المندوب إليه ~~مأمور به والندب أمر على الحقيقة وهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر ما يقتضي ~~الإيجاب. # قال القاضي المندوب إليه طاعة ولم يكن طاعة لكونه مرادا لله تعالى فإنا ~~لا نمنع أن لا يريد الله تعالى طاعة زيد ويأمره بها ويريد عصيانه وينهاه ~~عنه فلا يتلقى كون الشيء طاعة من الإرادة على مذهب أهل الحق فلم يبق إلا ~~كونه مأمورا به. # وهذا الذي ذكره القاضي رحمه الله رام به مسلك القطع وليس الأمر على ماظنه ~~فإنه يتجه أن يقال: المندوب إليه طاعة من حيث كان مقتضى ممن له الإقتضاء ~~فمن أين يلزم أن كل اقتضاء أمر؟ وهذه المسألة ليس فيها فائدة وجدوى من طريق ~~المعنى فإن الإقتضاء مسلم وتسميته أمرا يؤخذ من اللسان لا من مسالك العقول ~~ولا يمكن جزم الدعوى على أهل اللغة في ذلك فقد يقول القائل ندبتك وما أمرتك ~~وهو يعني ما جزمت عليك الأمر وقد يقول أمرتك استحبابا فالقول في ذلك قريب ~~ومنتهاه آيل إلى اللفظ. # مسألة:. ### | 163- # ذهب بعض أئمتنا رحمهم الله إلى أن الأمر بالشيء نهى عن أضداد المأمور به ~~وهؤلاء قدروا عين الأمر نهيا وزعموا أن اتصافه بكونه أمرا نهيا بمثابة ~~اتصاف الكون الواحد بكونه قربا من شيء بعدا من غيره. # والذي مال إليه القاضي رحمه الله في آخر مصنفاته أن الأمر في عينه لا ~~يكون نهيا ولكنه يتضمنه ويقتضيه وإن لم يكن عينه. # ثم الذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداد ~~المنهى عنه والأمر بالشيء نهى عن جميع أضداد المأمور به. # وأما المعتزلة فالأمر عندهم هو العبارة وقول [القائل] : افعل أصوات ~~منظومة معلومة وليست هي علم نظم الأصوات في قول القائل لا تفعل فلا يمكنهم ~~أن يقولوا الأمر هو ms066 النهي فقالوا الأمر بالشيء يقتضي النهي عن أضداده تضمنا ~~كما ذهب إليه القاضي ولكن الأمر عند القاضي هو القائم بالنفس. # PageV01P082 # ونحن نقول أما من قال [إن] الأمر هو النهي بعينه فقوله عرى عن التحصيل ~~فإن القول القائم بالنفس الذي يعبر عنه بافعل مغاير للقول الذي يعبر عنه ~~بلا تفعل وممن جحد هذا سقطت مكالمته وعد مباهتا وهذا القدر كاف في إسقاط ~~هذا المذهب. # وأما ما ذكره القاضي رحمه الله آخرا من أن الأمر بالشيء ليس عين النهي ~~ولكنه يقتضيه ويتضمنه فليس يعني بهذا الإقتضاء الذي أطلقه المعتزلة فإن ذلك ~~الإقتضاء الذي ذكروه راجع إلى فهم معنى من لفظ مشعر به وهذا لا يتحقق في ~~كلام النفس فإن ما يقوم بالنفس لا إشعار له بغيره وإنما هو معنى في نفسه ~~وذاته على حقيقته وخاصيته فالمعني بالاقتضاء على رأى القاضي أن قيام الأمر ~~بالنفس يقتضي أن يقوم بالنفس معه قول هو نهى عن أضداد المأمور به كما يقتضي ~~قيام العلم بالذات قيام الحياة بها ولا معنى لما قال غير هذا وهذا باطل ~~قطعا فإن الذي يأمر بالشيء قد لا يخطر له التعرض لأضداد المأمور به إما ~~لذهول وإما لإضراب فلم يستقم الحكم بأن قيام الأمر بالنفس مشروط بقيام ~~النهي. ### | 164- # وإذا لاح سقوط المذهبين انبنى عليه ما هو الحق المبين عندنا وهو أن الأمر ~~بالشيء لا يقتضي النهي عن أضداده ونحن نخصص إثبات هذا المختار بذكر حقيقة ~~المسألة. # فنقول الامر بالشيء متردد بين أن يكون ذاكرا لأضداده وبين أن يكون ذاهلا ~~عنها فإن كان ذاهلا فالذي قدمناه بالغ فيه ولا خفاء بأن الذاهل عن الشيء ~~غير عالم به ويستحيل أن يقوم بالنفس قول متعلق بالشيء مع الذهول عنه فأما ~~إذا كان ذاكرا للأضداد عالما بأن الاتصاف بالشيء منها يمنع إيقاع المأمور ~~به فقد يتخيل المتخيل في هذه الحالة أنه يقوم بالنفس نهى عن أضداد المأمور ~~به [المقتضى] فإذا كان كذلك فليس الزجر عن الأضداد مقصود الآمر وإنما يخطر ~~له النهي لو خطر ليكون ms067 الانكفاف عن الأضداد ذريعة إلى إيقاع الامتثال وليس ~~تقدير خطور أمرها بالبال متضمنا قيام زجر عنها مقصود والذي يجرد قصده إلى ~~النهي عن شيء يعلم قيام [زجر] عنه مقصود بذاته والذي يحقق الغرض فيه فرض ~~أمر مستحيل يشعر بتكميل الغرض وهو أن الآمر لو قدر تجويز مجامعة الأضداد ~~لكان لا [يأبى] وقوعها مع المأمور به ولو نهى عنها قصدا لأباها فإذا خطور ~~الانكفاف عن الأضداد ببال الآمر آيل إلى امتناع المأمور به خلقة معها لا ~~إلى قصد نفي الأضداد وهذا نهاية الوضوح. # PageV01P083 ### | 165- # فأما من قال النهى عن الشيء أمر بأحد أضداد المنهى عنه فقد اقتحم أمرا ~~عظيما وباح بالتزام مذهب الكعبي في نفي الإباحة على ما سنذكر ذلك في باب ~~النهي فإنه إنما صار إلى ذلك من حيث قال لا شيء مقدر مباحا إلا وهو ضد ~~محظور فيقع من هذه الجهة واجبا فإن ترك المحظور واجب وسنتكلم عليه إن شاء ~~الله تعالى. ### | 166- # ومن قال الأمر بالشيء نهى عن الأضداد أو متضمن للنهي عن الأضداد وليس ~~النهي عن الشيء أمرا بأحد الأضداد من حيث تفطن لغائلة الكعبي فقد تناقض ~~كلامه فإنه كما يستحيل الإقدام على المأمور [به] دون الانكفاف عن أضداده ~~فيستحيل الانكفاف عن المنهى عنه دون الاتصاف بأحد الأضداد ولا يمتنع وجوب ~~شيء من أشياء فهذا نجاز المسألة. # مسألة. ### | 167- # إذا وقع المأمور به المقتضى على حسب الإقتضاء أجزأ وكفى والمسألة مترجمة ~~بأن موافقة الأمر تتضمن الإجزاء [أم لا] ؟. # وذهب بعض المستطرفين في علم الأصول من الفقهاء إلى أن الإجزاء لا يثبت ~~إلا بقرينة وإن وقع الفعل على حسب الاقتضاء وسقوط هذا المذهب واضح لا حاجة ~~إلى تكلف فيه ولكن تحرير الكلام على أوقع وجه وأقربه أن نقول لمن يشبب ~~بالخلاف في المسألة أتسلم أن الأمر لا يقتضي حالة الإطلاق تكرير الفعل ~~المقتضي فإن لم يسلم ذلك رددنا الكلام إلى المساق المقدم في الرد على أصحاب ~~التكرار وإن سلم ذلك وقد وقع الامتثال فلا معنى للإجزاء إلا قيام المخاطب ~~بموجب الأمر ms068 من غير أن يبقى طلبة من قضية الأمر فلئن فرض فارض اقتضاء أمر ~~آخر فلا بد من تقدير أمر جديد ولا منع من تقدير ذلك ولا يتصور مع هذا الفن ~~من الكلام مرادة وتشبيب باعتراض. ### | 168- # فإن قيل الحاج إذا أفسد حجة فهو مأمور بالمضي في فاسد الحج وإذا مضى فيه ~~كما أمر لزمه في مستقبل الزمان افتتاح حج صحيح فلم يقع إذا مضيه مجزئا عنه ~~وإن كان مأمورا به وهذا قول من يتلقى الحقائق في الأصول من خيالات في مضطرب ~~الظنون المتعلقة بالفروع. # PageV01P084 # فنقول إن كان ما خاض فيه أولا حجا صحيحا مفروضا فالخطاب بإيقاع حج صحيح ~~قائم دائم والإفساد مناف للحج لحق الامتثال وليس المضي في الفاسد مقتضى ~~الأمر بالحج الصحيح وإنما هو متلقى من أمر جديد مختص بالحج فثبت الجريان في ~~الفاسد بأمر وبقى على المفسد حق القيام بالأمر الأول وإن كان الحج تطوعا ~~فيجب القضاء على المفسد بأمر جديد وليس ذلك من مقتضى الأمر بالمضي وهذا لا ~~غموض فيه. # وقد يعتاص على الفقيه الفرق بين الفساد والفوات والتحلل بعذر الإحصار وحظ ~~الأصول في هذه المسائل تقدير أمر جديد في كل مالا يتلقى من الأمر الأول ~~وهذا ليس بالعسر بل هو مقطوع به ولست أرى هذه المسألة خلافية ولا المعترض ~~فيها بإشكال الفقه معدودا خلافه. # مسألة: ### | 169- # الأمر بالشيء يتضمن اقتضاء ما يفتقر المأمور به إليه في وقوعه فإذا ثبت ~~في الشرع افتقار صحة الصلاة إلى الطهارة فالأمر بالصلاة الصحيحة يتضمن أمرا ~~بالطهارة لا محالة وكذلك القول في جميع الشرائط وظهور ذلك يغني عن تكلف ~~دليل فيه فإن المطلوب من المخاطب إيقاع الفعل الصحيح والإمكان لا بد منه في ~~قاعدة التكليف ولا تمكن من إيقاع المشروط دون الشرط. # فإن قيل لا يتأتى في مطرد العرف استيعاب الوجه بالغسل دون أخذ أطراف من ~~الرأس وليس غسل الرأس مأمورا به قلنا إذا كان لا يتأتى استغراق محل الفرض ~~إلا بما ذكره المعترض فلا بد منه ولكن ليس ما ذكره من قبيل ms069 الشرائط التي ~~اعتنى الشرع بإثباتها والتنصيص عليها فإنها قد تثبت مقصودة للشارع في مساق ~~أمره وما ذكره السائل آيل إلى حكم التأتى المعتاد. # وكذلك القول في استصحاب الإمساك عن المفطرات في جزء من الليل آخرا وفي ~~جزء من منقطعه أولا إذ ليس من الممكن حصر الإمساك في النهار من غير أخذ ~~طرفين من الليلتين فقد قال المحققون ما كان كذلك فليس مقصود العبادة ولا ~~نطلق القول بأنه شرطها الواقع مقصودا شرطا ويظهر أثر ذلك بأن الصائم يخص ~~النية بالإمساك الواقع في النهار فلو كان الإمساك المستظهر به من العبادة ~~لوجب بسط النية عليه. # PageV01P085 ### | 170- # فالقول في ذلك ينقسم إلى ثلاثة أقسام:. # أحدها: يتعلق بالمتلقى من صيغة الأمر وهو المقصود. # والثاني: يتلقى مما يثبت فيما سبق شرطا وهذا مستفاد من الأمر بالإيقاع ~~وإن لم يكن ما قدر شرطا جزءا من المأمور به وليس يخرج الشرط عن كونه مقصود ~~الشارع عليه السلام وهو ثابت في مقتضى الأمر بالمشروط وصيلة ووسيلة [شرعية] ~~. # والقسم الثالث: ما يتعلق بالإمكان وليس مقصودا للشارع ولا مشروطا ولا ~~شرطا ولكنه في حكم الجبلة يضاهى الشرط وإن لم يكن شرطا شرعا وهذا له التفات ~~إلى الانكفاف عن أضداد المأمور به في محاولة امتثال الأمر [كما تقدم ذكره ~~فليس الانكفاف مقصود الآمر ولكن لا بد منه في إيقاع المأمور به] . # فإن قيل: أيجب على سكان البوادي أن يسعوا في ابتناء مدينة ليقيموا الجمعة ~~فيها قلنا هذا الآن من فن الخرق فإن المتبدين غير مأمورين بالجمعة ولو ~~أمروا بها مع كون الجمعة مشروطة بالبنيان لوجب عليهم أن يسعوا في تحصيله. # هذه جملة من الكلام في الصيغة المطلقة ونحن نذكر الآن الصيغة المقيدة ~~ووجوه التقييد فإذا نجز ما يتعق بهذا القسم مذهبا وخلافا وقد تقدم القول في ~~[الصيغة] المطلقة فنذكر بعد نجاز القسمين مسائل في أحكام الأوامر لا تختص ~~بالإطلاق والتقييد. # PageV01P086 ### | فصل: [الصيغة المقيدة] . # مسألة: ### | 171- # فأول ما نذكر أن الصيغة التي تسمى مطلقة لا تكون إلا مقترنة بأحوال تدل ~~على أن مطلقها ليس ms070 يبغي بإطلاقها حكاية وليس هاذيا بها فإذا لا تلقى صيغة ~~على حق الإطلاق وإذا كان كذلك وثبت للأحوال قرائن في إرادة النطق بالصيغة ~~قصدا إليها وإصدارا لها عما يختص بمقصود المطلق في معناها ولم [يعلم] من ~~الأحوال إلا ما وصفناه فما ذكرناه في قسم الإطلاق ثم إذا كانت الصيغة ~~مقصودة للمطلق فنفرض في قسم التقييد معها قرائن زائدة على ما ذكرناه الآن. # PageV01P086 # وهي تنقسم إلى قرائن مقال وإلى قرائن أحوال. # أما الأحوال فلا سبيل إلى ضبطها تجنيسا وتخصيصا ولكنها إذا ثبتت لاح ~~للعاقل في حكم طرد العرف أمور ضرورية. # وبيان ذلك أن الذي يدخل تحت الوصف من حال الخجل إطراق واحمرار إلى غير ~~ذلك ولا يمكن التعويل على هذه الصفات [فقد] يحمر ويطرق من ليس بالخجل وكذلك ~~القول فيما ضاهى ذلك. # ولا يمكن أن يدعى أن العلوم الضرورية عند قرائن الأحوال تحصل غير ~~[مرتبطة] بها ولكن منها أحوال يعسر إدراجها تحت الوصف وإنما يدركها العيان ~~ولذلك قال الفقهاء للذي يعاين من الصبي امتصاص الثدي وتحرك اللهاة وجرجرة ~~الغلصمة في التجرع أن يجزم الشهادة على الرضاع ولو شهد بهذه الأحوال فقط لم ~~يقض القاضي بالرضاع فإن ما يدركه الشاهد المشاهد لا يناله وصف. # ومما نذكره في حكم القرائن أن اقتضاءها للعلوم الضرورية وإن أشعر بارتباط ~~قرائن فليست تجري عند المتكلمين مجرى أدلة العقول فإن الأدلة العقلية إذا ~~تمت في الفكر ولم يعقبها مضاد ضروري للعلم بالمدلول فلا بد من وقوع العلم ~~به مع ذكرالمدلول في النفس فلو قلب الله تعالى مجرى العوائد لم يمنع قيام ~~قرائن الأحوال من غير علم نعتاده الآن فهي من وجه متعلقة بالعلم ومن وجه ~~ليست مقتضية له لأعيانها اقتضاء واجبا بل هي جارية على عوائد مطردة. # فهذا المقدار لم نجد بدا من التنصيص عليه في قرائن الأحوال ثم إذا لم ~~نطمع في تجنيسها فلا نتشعب في تفاصيلها مسائل وأما قيود المقال بألفاظ ~~لغوية فيفهمها من يعرف العربية وإذا تمهد ما ذكرناه فنرسم بعده مسائل تترى ~~إن ms071 شاء الله عز وجل. # مسألة: ### | 172- # ما ثبت فيه الحظر ثم ورد فيه صيغة الأمر فهل يكون الحظر السابق قرينة في ~~صرف الصيغة عن قضية الإيجاب على رأى من يراه اضطرب الأصوليون فيه فذهب ~~بعضهم إلى أن الصيغة المطلقة فيما تقدم الحظر فيه محمولة على رفع الحظر ~~والحرج. # وقال القاضي رحمه الله لو كنت من القائلين بالصيغة لقطعت بأن الصيغة. # PageV01P087 # المطلقة بعد الحظر مجرأة على الوجوب. # وقال قائلون: إن ورد الحظر مؤقتا وكان منتهاه صيغة في الاقتضاء فهي ~~الإباحة والغرض من مساق الكلام مد الحظر إلى غاية وهو كقوله تعالى: {وإذا ~~حللتم فاصطادوا} 1. # وأما القاضي رحمه الله فقد تمسك بأن الصيغة [المطلقة] قائمة والحكم ~~الماضي ليس مقترنا بها فليس الحظر فيما سبق قرينة حالية وليس من القيود ~~المقالية فلزم اجراء الصيغة على حكم الوضع في اللسان. # وقد ذكر القاضي رحمه الله في بعض تصانيفه مسلكا لطيفا في كتاب ~~"التأويلات" فقال: الصيغة لو لم يسبقها حظر فيسوغ حملها على الإباحة ولكن ~~علىالحامل أن يأتي بدليل يعضد التأويل به بحيث يترقى مجرد الظن عن إشعار ~~الصيغة بالوجوب وإذا تقدم حظر فالأمر في ذلك أخف وسيأتي ذلك مقررا وليس لمن ~~يدعى أن الصيغة على الإباحة متعلق به احتفال. ### | 173- # والرأي الحق عندي الوقف في هذه الصيغة فلا يمكن القضاء على مطلقها وقد ~~[تقدم الحظر لا بالإيجاب ولا بالإباحة] فلئن كانت الصيغة في الإطلاق موضوعة ~~للاقتضاء فهي مع الحظر المتقدم مشكلة فيتعين الوقوف إلى البيان. ### | 174- # وذكر ذكر الأستاذ أبو إسحاق رضي الله عنه أن صيغة النهي بعد تقدم الوجوب ~~محمولة على الحظر والوجوب السابق لا ينتهض قرينة في حمل النهي على رفع ~~الوجوب وادعى الوفاق في ذلك. # وليست أرى ذلك مسلما أما أنا فساحب ذيل الوقف عليه كما قدمته في صيغة ~~الأمر بعد الحظر وما أرى المخالفين الحاملين للصيغة على الإباحة يسلمون ~~ذلك. # مسألة: ### | 175- # الصيغة إذا تضمنت فعلا مؤقتا فإذا انقضى الوقت فات الامتثال. ### | 176- # والرأي الحق أن تلك الصيغة لا تتضمن إيقاع المأمور به تداركا وقضاء ms072 بعد ~~الوقت فلئن ثبت قضاء فبأمر مجدد. PageV01P088 ### | 177- # وذهب بعض الفقهاء إلى أن القضاء يجب بالأمر الأول والدليل على بطلان ذلك ~~أن القاضي ليس ممتثلا فإن الممتثل هو الموافق لمقتضى الصيغة وإذا لم يكن ~~القضاء امتثالا لم يكن الأمر اقتضاء له. # والذي يحقق ذلك أن الفعل يقيد بالزمان ويقيد بالصفات ثم الواقع على خلاف ~~الصفات ليس من مقتضيات الصيغة فالواقع وراء الأوقات كذلك ولا حاجة إلى ضرب ~~الأمثال في ذلك مع القطع بأن الأمر المؤقت مقتضاه محصور في الزمان ومن ~~ضرورة الحصر النفي عن طرفي الحاصر فإذا انقضى الوقت فليس إلا الحكم بفوات ~~المستدعى وليس تقدير إيقاع الفعل بعد الزمان إلا كتقدير إيقاعه قبل الزمان. # وذكر الأستاذ أبو إسحاق رحمه الله مسلكا لا نرضاه فشبه الأمر المؤقت ~~بالإجارة المعينة زمانا في استيفاء المنافع فإن المدة المضروبة إذا مضت في ~~يد [المكرى] فقد فات مقصود العقد وليس للمستأجر أن يستبدل عنها مدة مثلها ~~فأمر الله سبحانه وتعالى: عباده صرف لأفعالهم في جهات التكليف على حكم ~~الاستحقاق فإذا مضى الوقت كان مضيه كمضي مدة الإجارة فهذا الذي ذكره من فن ~~القياس في مقتضى الألفاظ ثم هو اعتبر الأصل بمسألة فرعية وفيما قدمناه ~~مقنع. # وأما من قال: إن القضاء يجب بالأمر الأول فإنه سلك مسلكين أحدهما تشوف ~~إلى حكم اللسان والمفهوم مما يطلق في مثل وذلك أنهم قالوا القضاء ~~والاستدراك أمر مألوف معروف فلو كان لا يستفاد من اللفظ لما عقل معنى ~~القضاء قلنا لا حاصل لهذا الكلام فإن الذي يقضي لا يمكن أن يحكم على الامر ~~بأنك عنيت بلفظك ما أتيت به وإذا لم يمكنه ذلك فلا معنى للقضاء تلقيا من ~~الأمر المطلق. # وأما تسمية الاستدراك [قضاء] عند فرض أمر مجدد فمن جهة مضاهاة الواقع ~~آخرا لما استدعى أولا. # والمسلك الثاني: مقتضاه التعلق بقواعد الشريعة في ثبوت قضاء المؤقتات ~~وهذا ساقط فإن الأمر لا يطرد فيه بل هو على الانقسام فلا تعلق بذلك ثم إن ~~ثبت ذلك في الشرع فلتقدير أمر مجدد ولا ms073 يستمر الاستمساك بالشرع ما لم يتضح ~~انتفاء أمر جديد مع اطراد القضاء ولا سبيل إلى إثبات ذلك. # PageV01P089 # مسألة: ### | 178- # الأمر بالشيء من أشياء إذا كان محمولا على الوجوب يقتضي وجوب شيء واحد ~~منها. # ونقل أصحاب المقالات عن أبي هاشم أنه قال الأشياء كلها واجبة والمسألة ~~تمثل بالخلال المذكورة في كفارة اليمين وهذه المسألة أراها عرية عن التحصيل ~~فإن النقل إن صح عنه فليس آيلا في التحقيق إلى خلاف معنوي وقصاراه نسبة ~~الخصم إلى الخلل في العبارة فإن أبا هاشم اعترف بأن تارك الخلال لا يأثم ~~إثم من ترك واجبات ومن أقامها جميعا لم يثبت له ثواب واجبات ويقع الامتثال ~~بواحدة فلا يبقى مع هذا لوصف الخصال بالوجوب تحصيل. # وتأويل هذا اللفظ عند البهشمية أنه ما من خصلة من الخصال التي وقع ~~[التخيير] فيها إلا وهي لو فرضت واقعة لكانت واجبة. # وهذا مغزى المسألة ثم طولها المتكلمون فألزموه ما سلمه فيما قدمنا ذكره ~~وألزموه الأمر بإعتاق عبد من عبيد الدنيا فإن ذلك لا يتضمن وجوب إعتاق عبيد ~~جميع العالم ولو صح الخلاف فلا حاجة في إيضاح سقوط مذهب الخصم إلى ضرب ~~الأمثال فإنا على قطع نعلم أن من قال لمخاطبه افعل شيئا من هذه الأشياء ~~الثلاثة فليس يطالبه بالأشياء الثلاثة وإنما يطالبه بواحد منها ويفوض ~~الخيرة في التعيين إليه. ### | 179- # وذكر بعض الناس لأبي هاشم كلاما لا يليق بحذقه وكيسه وهو متقول عليه فيه ~~وذلك [أنه قيل: لو لم يقض] بوجوب الأشياء كلها لأدى ذلك إلى التباس الواجب ~~على المكلف مع استمرار التكليف والطلب وهذا غير سائغ. # فنقول: لا يخفى سقوط هذا الكلام على المتأمل فإن من المستحيل إثبات واجب ~~لا يتوصل المكلف إلى تعيينه لو حاول ذلك فيدوم الطلب ويعسر الامتثال ويلتحق ~~ذلك بتكليف المحال فأما إيجاب شيء من أشياء مع تخيير المكلف في تعيين ما ~~يشاء فلا عسر فيه. # وقد نجز ما أردنا إلحاقه بقسم التقييد ونحن نذكر الآن مسائل مرسلة في ~~الأوامر معدودة من الطوام الكبار متلفتة إلى فن الكلام ms074 ونوضح قرب مأخذها ~~وسهولة مدركها مستعينين بالله وحده إن شاء الله تعالى. # PageV01P090 ### | فصل: مسائل متفرقة حول الأوامر # مسألة: ### | 180- # اشتهر من مذهب شيخنا أبي الحسن1 علي بن إسماعيل الأشعري رضي الله عنه ~~مصيره إلى أن المعدوم الذي وقع في العلم وجوده واستجماعه شرائط التكليف فهو ~~مأمور معدوما بالأمر الأزلي وقد تمادى المشغبون عليه وانتهى الأمر إلى ~~انكفاف طائفة من الأصحاب عن هذا المذهب وقد سبق القلانسي2 رحمه الله من ~~قدماء الأصحاب إلى هذا وقال كلام الباري تعالى في الأزل لا يتصف بكونه أمرا ~~ونهيا ووعدا ووعيدا وإنما يثبت له هذه الصفات فيما لا يزال عند وجود ~~المخاطبين كما يتصف الباري بحانه وتعالى بكونه خالقا رازقا فيما لا يزال. # والوجه مكالمة القلانسي أولا وإيضاح الرد عليه فإن مسلم للشيخ أبي الحسن ~~رحمه الله أن الكلام القديم هو القائم بالنفس وهو على حقيقته وخاصيته وإذا ~~كان كذلك فكون الكلام أمرا نهيا من حقيقته النفسية وصفته الذاتية والحقائق ~~يستحيل تجديدها وليس لله تعالى من كونه خالقا رازقا حكم راجع. # إلى ذاته وإنما المعنى بكونه خالقا وقوع الخلق بقدرته ونقول لأبي العباس ~~أيضا قد أثبت كلاما خارجا عن كونه أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا إلى استتمام ~~أقسام الكلام وذلك مستحيل قطعا فلئن جاز ذلك فما المانع من المصير إلى أن ~~الصفة الأزلية ليست كلاما أزلا ثم يستجد كونه كلاما فيما لا يزال فقد لاح ~~سقوط مذهبه. ### | 181- # ثم ذكر الأئمة رحمهم الله في محاولة إثبات كون المعدوم مأمورا مسلكين لا ~~أرضاهما ولكني أطردهما فأذكر الاعتراض عليهما ثم أشمر للبحث عن مسلك الحق ~~فمما ذكروه في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم في حكم من يبتدىء أمرا ثم ~~انقلابه إلى رحمة الله تعالى ورضوانه لا يوجب سقوط أوامره عن المكلفين فهو ~~في حكم معدوم امر فإذا لم يمتنع ذلك لم يمتنع أمر لمعدوم. # وهذا فن ركيك فإن الفرق على اختلاف المذهب متفقون على أن المعدوم يستحيل ~~أن يكون آمرا فكيف يسوغ الاستشهاد بممتنع وفاقا؟ ثم الرسول صلى ms075 الله عليه ~~وسلم ليس مستقلا بأمره وإنما هو مبلغ أمر الله تعالى فإذا التبليغ لم يؤثر ~~موت المبلغ صلى الله عليه وسلم ومن له الأمر حقا لم يزل ولا يزال سبحانه ~~وتعالى: فهذا أحد المسلكين. PageV01P091 ### | 182- # والمسلك الثاني للأصحاب: أن المعدوم يجوز أن يكون مأمورا به فلا يمتنع أن ~~يكون مأمورا وهذا عرى عن التحصيل فإن المعنى بكون المعدوم مأمورا به أن ~~المخاطب اقتضى منه أن يوقع ما ليس واقعا وهذا لامتناع فيه بل هو مقصود ~~الآمر فأما تقدير تعليق الأمر بالمعدوم وتوجيه الطلبة عليه فلا يضاهي ما ~~تمسك به هذا القائل من تقدير كون المأمور به غير محصل عند توجيه الطلب به ~~فقد سقط المسلكان. ### | 183- # فإن قيل: فما الذي ترونه؟ قلنا: نذكر طريقة للشيخ على أقصى الإمكان ثم ~~ننبه على غائلة هائلة ونحيل التقصي عنها على فن الكلام. # فالذي ذكر الشيخ رحمه الله أنه لا يمتنع قيام الأمر منا بالنفس مع غيبة ~~المأمور فإن المزمع على أمر غائب يجد في نفسه الأمر على حقيقته وجدان العلم ~~والإرادة وسائر معاني النفس ثم إذا شهد المأمور ارتبط [به الأمر] عند بلوغه ~~إياه وإذا لم يمتنع ذلك في كلامنا فهو المعنى بثبوت الأمر أزلا. ### | 184- # ثم قال شيخنا رحمه الله: المعدوم مأمور على تقدير الوجود وليس هو على حكم ~~المأمورين ناجزا والعدم مستمر وغرض المسألة إثبات الأمر أزلا من غير مأمور ~~ولا محاولة إثبات المنتفي مأمورا مع استمرار العدم. # وهذه المسألة إنما رسمت لسؤال المعتزلة إذ قالوا: لو كان الكلام أزليا ~~لكان أمرا ولو كان أمرا لتعلق بالمخاطب في عدمه فإذا بينا أنه لا يمتنع ~~ثبوت الأمر من غير ارتباط بمخاطب فقد اندفع السؤال فال الأمر إلى أن ~~المعدوم مأمور على شرط الوجود وهذا منتهى مذهب الشيخ رضي الله عنه. ### | 185- # فأقول: إن ظن ظان أن المعدوم مأمور فقد خرج عن حد المعقول وقول القائل ~~إنه مأمور على تقدير الوجود تلبيس فإنه إذا وجد ليس معدوما ولا شك أن ~~الوجود شرط في كون المأمور مأمورا. ms076 # وإذا لاح لك بقي النظر في [أمر بلا مأمور] وهذا معضل الأرب فإن الأمر من ~~الصفات المتعلقة بالنفس وفرض متعلق له محال والذي ذكره في قيام الأمر بنا ~~في غيبة المأمور فهو تمويه ولا أرى ذلك أمرا حاقا وإنما هو فرض تقدير وما ~~أرى الأمر لو كان كيف يكون وإذا حضر المخاطب قام بالنفس الأمر الحاق ~~المتعلق به والكلام الأزلي ليس تقديرا فهذا مما نستخير الله تعالى فيه وإن ~~ساعف الزمان أملينا. # PageV01P092 # مجموعا من الكلام ما فيه شفاء الغليل إن شاء الله تعالى. # مسألة: ### | 186- # ذهب الأصوليون من أصحاب الشيخ أبي الحسن رضي الله عنه إلى أن الفعل في ~~حال الحدوث مأمور به ونقلوا عن المعتزلة خلافهم في ذلك ومصيرهم إلى أن ~~الحادث لا يتصف بكونه مأمورا به في حال الحدوث وبنى المشايخ هذه المسألة ~~على الإستطاعة وتعلقها بالفعل حالة الحدوث [وزعموا على أن الحادث يتصف ~~بكونه مقدورا عليه في حال الحدوث] وزعموا [أيضا] أنا من حيث نعتقد كون ~~الحادث مقدورا بالقدرة الحادثة متعلقا للاستطاعة نحكم على مقتضى ذلك بكونه ~~مأمورا به إذا ثبت الأمر فيه. # والمعتزلة بنت على أصلها [في] استحالة تعلق الأمر بالحادث من حيث قالوا ~~[الحادث] ليس متعلقا للقدرة كالباقي المستمر الوجود وما لا يكون مقدورا لا ~~يكون مأمورا به. # ومذهب شيخنا رحمه الله أن القدرة الحادثة تقارن حدوث المقدور ولا تسبقه ~~وليس امتناع [تقدمها] متلقى من قضايا القدرة فإن القدرة الأزلية متقدمة على ~~الحوادث لا محالة وإنما امتنع تقدم القدرة الحادثة على رأى أبي الحسن رحمه ~~الله من جهة اعتقاده استحالة بقائها وهذا مطرد عنده في الأعراض أجمع ولو ~~تقدمت القدرة لعدمت عند حدوث المقدور فلا يكون المقدور متعلقا للقدرة وذلك ~~مستحيل عنده فكان اشتراطه اقتران القدرة الحادثة بالمقدور مأخوذا مما نبهت ~~عليه من أصله. # ومذهب أبي الحسن رحمه الله مختبط عندي في هذه المسألة فأما مصيره إلى ~~تعلق القدرة الحادثة بالحادث في حال حدوثه فلست ألتزم الان ذكر مباحثني عنه ~~ولكن أكشف السر في مقصود المسألة ms077 وأضمنه رمزا ليستقل به المستفل البصير ~~فيما هو المختار الحق ولتقع البداية أولا بغرض المسألة فأقول: ### | 187- # أولا: لا حاصل لتعلق حكم الأمر بالقدرة على مذهب أبي الحسن رحمه الله فإن ~~القاعد في حال قعوده مأمور بالقيام باتفاق أهل الإسلام وقد قدرة له على ~~القيام عند أبي الحسن [في حالة القعود] فكيف يستتب له تلقى حكم تعلق الأمر ~~من تعلق القدرة ومن لا قدرة له أصلا مأمور عنده ثم لو تنزلنا على حكمه في. # PageV01P093 # المصير إلى أن الحادث مقدور فيستحيل مع ذلك كونه مأمورا به فإن اقتران ~~القدرة بالحادث معناه أنه بها وقع وهي في اقتضائها له نازلة معه منزلة ~~العلة المقترنة بالمعلول الموجبة على رأى من يثبت العلة والمعلول فهذا وجه ~~هذه المسألة إن اتجه. # وإن تفطن ذكى لوجه الحق خطر له في معارضة ذلك أن القدرة لا توجب المقدور ~~لعينها إذ لو أوجبته لاستحال خلو القدرة عن المقدور وذلك يبطل إثبات القدرة ~~الأزلية فإنها غير مقارنة للحوادث ولو فرض اقتران العالم بها لكان أزليا ~~[والأزلي] يستحيل أن يكون مقدورا وفي خروجه عن كونه مقدورا سقوط القدرة فإن ~~القدرة من غير مقدور محال. # ومن أنصف من نفسه علم أن معنى القدرة التمكن من الفعل وهذا إنما [يعقل] ~~قبل الفعل وهو غير متخيل في واقع حادث في حالة الحدوث. # فلو سلم مسلم لأبي الحسن رحمه الله ما قاله في القدرة جدلا من تنزيل ~~القدرة مع المقدور منزلة العلة مع المعلول وهيهات أن يكون الأمر كذلك "ولو" ~~كان فلا يتحقق معه كون الحادث مأمورا به فإن الأمر طلب [و] اقتضاء وكيف ~~يتصور أن يطلب كائن ويقتضى حاصل فقد لاح سقوط مذهبه في كل تقدير. # نعم قد يقال في الحادث هذا هو الذي أمر المخاطب به فأما أن ينجزم القول ~~في تعلق الأمر به طلبا واقتضاء مع حصوله فلا يرتضى هذا المذهب لنفسه عاقل. # مسألة. ### | 188- # ذهب أصحابنا إلى أن المخاطب إذا خص بالخطاب ووجه الأمر عليه أو كان ~~مندرجا مع اخر تحت عموم ms078 الخطاب وهو في حالة اتصال الخطاب به مستجمع لشرائط ~~المكلفين فهو يعلم كونه مأمورا قطعا. ### | 189- # ونقلوا عن المعتزلة مصيرها إلى أنه لا يعلم ذلك في أول وقت توجه الخطاب ~~عليه ما لم يمض زمان الإمكان ومتعلقهم فيه أنه غير عالم ببقاء الإمكان له ~~إلى وقت انقراض زمان يسمع الفعل المأمور به والإمكان شرط التكليف والجاهل ~~بوقوع الشرط جاهل بالمشروط لا محالة. ### | 190- # وسلك القاضي رحمه الله مسلكين: يتضمن أحدهما التشغيب. # PageV01P094 # المحض وذلك أنه قال أجمع المسلمون قاطبة قبل أن أظهر المعتزلة هذا الرأي ~~[على] أن المكلفين على علم بكونهم مأمورين ومن أبى ذلك والتزم إطلاق القول ~~بأنه ليس على البسيطة من يعلم كونه مأمورا فقد باهت الشريعة وراغم أهل ~~الإجماع. # وهذا الذي ذكره رضي الله عنه تهويل لا تحصيل وراءه فإن إطلاقات الشرع لا ~~تعرض على مأخذ الحقائق وإنما تحمل على حكم العرف والتفاهم الظاهر وهذا ~~كإطلاق الشرع تحريم الخمر وإنما المحرم تناولها وكإطلاق المسلمين إضافة ~~القتل إلى القاتل مع القطع بأن إزهاق الأرواح من الأشباح من مقدورات الإله ~~سبحانه وتعالى:. # والمسلك الثاني للقاضي يلتفت إلى أصله في النسخ فإن من مذهبه أن الحكم ~~يثبت قطعا ثم يرفع بعد ثبوته بالنسخ فقال بانيا على ذلك إذا توجه الأمر على ~~المخاطب ثم فرض موته أول زمان إمكانه فقد تحقق حكم الخطاب أولا قطعا فإن ~~انقطع الإمكان انقطع بانقطاعه ما كان ثبت قطعا كما نبهنا عليه في النسخ. # وهذا عندي في نهاية السقوط فإن القاضي يسلم أن الإمكان شرط توجه الأمر ~~ولا يؤمر إلا متمكن فإذا تبين بعد تقرير اتصال الأمر زوال التمكن فكيف ~~يعتقد ثبوت التكليف وقد بان آخر أن لا إمكان ولا وجه إذا بان ذلك إلا ~~الإطلاق بأنا تبينا أن الأمر لم يكن متوجها فلا يتوجه القطع بتوجه أمر ~~تكليف إلا مع القطع بالإمكان أو مع اعتقاد التكليف من غير إمكان وهذه قسمة ~~بديهية لا يتصور مزيد عليها. ### | 191- # فقد خرج عن المباحثة أن المختار ما عزى إلى المعتزلة في ذلك. ms079 # وأما النسخ فسنأتي فيه بالعجائب والآيات إن شاء الله تعالى. # وقد نجز بنجاز هذه المسألة أحكام الأوامر الكلية ونحن الآن نأخذ في ~~النواهي إن شاء الله تعالى. # PageV01P095 ### | باب القول في النواهي ### | مدخل # ... # باب القول في النواهي. ### | 192- # النهي قسم من أقسام الكلام القائم بالنفس وهو في اقتضاء الانكفاف عن ~~المنهى عنه بمثابة الأمر في اقتضاء به والقول في صيغته كالقول في صيغة ~~الأمر. # ثم الواقفية على معتقدهم في الوقف إذا قال القائل لا تفعل والرد عليهم ~~كما سبق. ### | 193- # والمختار الحق: أن الصيغة المطلقة تتضمن جزم الاقتضاء في الانكفاف عن ~~المنهى عنه كما قدمناه في الأمر إذا قلنا إن الصيغة المطلقة تتضمن جزم ~~الاقتضاء في المأمور به. # ونحن نرسم الآن ما يخص النهي ومقتضاه إن شاء الله تعالى. # مسألة. ### | 194- # ذهب المحققون إلى أن الصيغة المطلقة في النهي تتضمن فساد المنهى عنه ~~وخالف في ذلك كثير من المعتزلة وبعض أصحاب أبي حنيفة1. ### | 195- # وهذه المسألة لا يظهر مقصودها إلا بتقديم القول في الصلاة في الدار ~~المغصوبة. # فالذي صار إليه جماهير الفقهاء أنها مجزئة صحيحة. # وذهب أبو هاشم2 وأتباعه إلى أنها فاسدة غير مجزئة والأمر بالصلاة مستمر ~~على من أتى بصورة الصلاة في الدار المغصوبة وعزى هذا المذهب إلى طوائف من ~~سلف الفقهاء وقيل إنه رواية عن مالك بن أنس رضي الله عنه. # وأما القاضي أبو بكر رضي الله عنه فإنه قال: ليست الصلاة المقامة في ~~الدار المغصوبة طاعة ولكن الأمر بالصلاة يرتفع وينقطع بها. # ونحن نبدأ بذكر متعلق ابن الجبائي ونذكر اختباط الناس في محاولة الانفصال ~~عنه ثم نوضح المرتضى عندنا مستعينين بالله تعالى. ### | 196- # قال أبو هاشم الصلاة فيها أكوان فإذا وقعت في الدار المغصوبة فهي معصية ~~إذ الكون في البقعة المغصوبة محرم منهي عنه والأكوان التي تقع في الصلاة ~~مأمور بها ويستحيل وقوع الشيء الواحد مأمورا به منهيا عنه فلا شك أنه لا ~~يتعدد. PageV01P096 # الكون بفرض الصلاة حتى يقدر كونان أحدهما من الصلاة وهو مأمور به والثاني ~~غصب وهذا باطل لا مراء فيه ms080 ولو هذى هاذ بتقدير كونين فالذي يعد من الصلاة ~~[منهما] واقع في البقعة المغصوبة فيجب القضاء بكونه غصبا منهيا عنه وإذا ~~تبين كونه منهيا عنه [واستحال وقوع المنهى عنه] مأمورا به فيبقى الأمر على ~~المخاطب به إلى أن يرتسمه وقد تكلم المعترضون على ما ذكر من وجوه نشير إلى ~~عيونها ونوضح بطلانها ثم نعقبها بما نراه ونرضاه. ### | 197- # فمن وجوه كلامهم معارضته بمسائل مع تقدير تسليمه لها وهو لا يسلم شيئا ~~منها فقيل له: من تعين عليه قضاء دين والطلب به متوجه عليه وهو متمكن من ~~الأداء فيحرم بالصلاة فإنها تصح وإن كان مكثه في مكانه تركا لحركاته ~~الواجبة عليه في جهة السعي في أداء الدين. # وأبو هاشم لا يسلم ذلك ولا أمثاله وليس هو ممن تزعه التهاويل. ### | 198- # ومما ألزمه القاضي رضي الله عنه من هذا الفن أنه قال: المصلى في حال ~~غفلاته ليس قائما بحقيقة العبادة وما يجري من أركان الصلاة في استمرار ~~الغفلة معتد به وإن كان المأمور به عبادة وهذا وإن كان أوقع مما ذكره غيره ~~فلست أراه لازما أصلا فإن الأمة مجمعة على أنه لا يجب إيقاع أركان الصلاة ~~على حقائق العبادات وإنما تكفى النية المقترنة بالعقد وينسحب حكمها وإن ~~عزبت في نفسها [على] الصلاة وهذا بعينه جار في الإيمان فلا يجب على المرء ~~إيقاع المعرفة على حقائق العبادات إذ ما وجبت المعرفة إلا مرة واحدة ثم ~~يستمر حكمها ما لم يطرأ ضد خاص للمعرفة فإذا لم يقع الأمر بإيقاع الأركان ~~على حقيقة العبادة. ### | 199- # وإنما غائلة كلام أبي هاشم في إثباته كون الصلاة معصية والمعصية لا تقع ~~مأمورا بها على جهة حقيقة العبادة ولا على جهة أخرى فإن الأمر بالشيء ~~والنهي عنه يتناقضان ولا بعد في الاكتفاء بصور الأفعال وإن لم يقترن بها ~~حضور الذهن وشهود النية. ### | 200- # فإن قال قائل: أجمع المسلمون على تسمية الصلاة عبادة بجملتها قلنا نعم ~~هذا من الإطلاقات المتجوز بها ومعظم ما يطلق من أمثالها يغلب التجوز عليه ~~وقد سبق منا في مواضع ms081 أن الحقائق ليست معروضة على أطلاقات الشرع وليست هي ~~محمولة على حكم الحقائق فهذا فن من كلام المعترضين. # PageV01P097 ### | 201- # فأما القاضي رضي الله عنه فقد سلك مسلكا آخر فقال أسلم أن الصلاة في ~~الدار المغصوبة لا تقع مأمورا بها ولكن يسقط التكليف بالصلاة عندها كما ~~يسقط التكليف بأعذار تطرأ كالجنون وغيره. # وهذا حائد عندي عن التحصيل غير لائق بمنصب هذا الرجل الخطير فإن الأعذار ~~التي ينقطع الخطاب بها محصورة فالمصير إلى سقوط الأمر عن متمكن من الامتثال ~~ابتداء ودواما بسبب معصية لابسها لا أصل له في الشريعة. # ثم غاية القاضي رضي الله عنه في مسلكه هذا ادعاء الإجماع على سقوط الأمر ~~عمن يقيم الصلاة في البقعة المغصوبة ثم أخذ يطول دعواه في ذلك ويعرضها ~~قائلا لم تأمر أئمة السلف رضي الله عنهم الغصاب بإعادة الصلاة التي أقاموها ~~في الأرض المغصوبة والذي ادعاه من الإجماع لا يسلم فقد كان في السلف ~~متعمقون في التقوى يأمرون بالقضاء بدون ما فرضه القاضي رحمه الله وتقدير ~~الإجماع مع ظهور خلاف السلف عسر ثم إن صح عنهم ما ذكروه فكما نقل عنهم سقوط ~~الأمر نقل عنهم أن الموقع صلاة مأمور بها فلئن كان يعتصم على الخصم ~~بالإجماع فلا ينبغي أن يجريه في عين ما ينقله ولعل من ادعى الإجماع في أن ~~الصلاة المجزئة ليست معصية أسعد حالا في دعوى الإجماع ممن يدعى وفاق ~~الماضين على أسقاط الأمر بسبب معصية. ### | 202- # فإذا لاح بطلان هذه الوجوه فقد جاز أن نذكر طريقة التحقيق ونبوح بالسر ~~والغرض فنسلم أن الأكوان التي بنى الخصم الكلام عليها معصية من جهة وقوعها ~~غصبا وندعى وراء ذلك أنه مأمور بها من جهة أخرى وليس ذلك ممتنعا بل هو الحق ~~وقد أجرى الفقهاء هذه الألفاظ ولم يستقلوا بإيضاحها. # ونحن نقول ليس تحيز مكان مخصوص من مقصود الصلاة ولم يثبت ذلك من خصائص ~~شرائط الصلاة والقول في ذلك يلوح بضرب مثال. # فإذا قال القائل لعبده: خط هذا الثوب [أو] لا تقعد اليوم ثم قال له لا ms082 ~~تدخل داري هذا اليوم فإذا عصاه وجاوز حكم نهيه وتعداه ودخل داره ولم يزل ~~قائما كما أمره أو خاط الثوب الذي رسم خياطته فلاشك أنه يعد ممتثلا في ~~الخياطة وإن عصاه بدخول الدار فإنه في أمره بالخياطة لم يشترط عليه لزوم ~~بقعة مخصوصة ولذلك يحسن من العبد أن يقول إن عصيتك بدخول الدار لم أعصك. # PageV01P098 # فيما أمرتني به من إدامة القيام طول النهار ولا يشك ذو عقل أن دوام ~~القيام الذي اتصل الأمر به مرسلا في الدار التي نهى السيد عن دخولها في ~~كونه امتثالا للأمر كالقيام الذي يفرض في غير تلك الدار التي نهاه السيد ~~عنها وذلك يئول إلى اتباع المقصود لكل ذي أمر والفعل وإن اتحد فقد تعدد صوب ~~قصد الامر والناهي فلم يبعد وصفه بكونه مأمورا به من وجه منهيا عنه من وجه. # والذي يكشف الغطاء في ذلك أن الفعل لا يكتسب من كونه متعلقا للأمر والنهى ~~صفة وإنما معني كونه مأمورا به [أنه] المقول فيه افعل ومعنى كونه منهيا عنه ~~تعلق النهي به ثم لا يمتنع فرض قولين أحدهما على الإطلاق ولا تقييد له بحال ~~والثاني على وجه آخر [نعم] النهي عن الشيء مقصودا والأمر به مقصودا ممتنع. ### | 203- # وما ذكرناه وما لم نذكره نضبطه الآن بأقسام ثلاثة فنقول: # إذا ورد أمر بشيء على وجه فلا يجامعه النهي عنه على ذلك الوجه بل هما ~~يتعاقبان ويتناقضان فهذا قسم. # والقسم الثاني: أن يفرض أمر مطلق يتبين منه أن مقصود الامر تحصيله ثم ~~يفرض نهى عن إيقاع ذلك المأمور السابق على وجه مع التعرض في النهي [للأمر] ~~قصدا إليه فما كان كذلك فالنهي يقتضي إلحاق شرط بالمأمور حتى إذا فرض وقوعه ~~على مراغمة النهي فإنه يقال فيه: إنه ليس امتثالا ويلتحق تقدير الإجزاء فيه ~~مع تجريد القصد إلى النهي بالقسم الأول. # والقسم الثالث: أن يجري الأمر مطلقا ويتبين أن الغرض إيقاع المأمور به من ~~غير تخصيص بحال ومكان ثم يرد نهى مطلق عن كون في مكان من غير تخصيص ms083 له ~~بموجب الأمر الأول فيقع النهي مسترسلا لا تعلق له بمقصود [الأمر ويبقى ~~الأمر مسترسلا لا تعلق له بمقصود] النهي فإذا انقطع ارتباط أحدهما بالآخر ~~ووقع الفعل على حسب الأمر مخالفا للنهي قيل فيه إنه وقع مقصودا للأمر ~~المطلق منهيا عنه بالنهي المؤخر فلا يمتنع والحالة هذه اجتماع الحكمين ~~وينزل هذا منزلة [تعدد] الامر والناهي وهذا في غاية الوضوح. # فإذا انساق ما ذكرناه انعطفنا علة القول في الصلاة في الدار المغصوبة ~~وقلنا: لم يثبت النهي عن الكون في الدار المغصوبة في وضع الشرع متعلقا ~~بمقصود الصلاة فاسترسل النهي منقطعا عن اغراض الصلاة وبقيت الصلاة على ~~حكمها فإن صح نهى مقصود عن الصلاة في الدار المغصوبة فلا. # PageV01P099 # تصح كما لا [تصح] صلاة المحدث لما صح نهيه عن الصلاة مع الحدث فهذا تمام ~~المقصود في المقدمة الموعودة. ### | 204- # ونحن الآن نرجع مآل الكلام إلى القول [في أن النهي هل يدل] على الفساد. # أما من صار من المعتزلة والفقهاء إلى أن صيغة النهى لا تدل على الفساد ~~فمتعلقهم إجزاء الصلاة في الدار المغصوبة وفيما قدمناه الآن مقنع في درء ~~هذا الكلام. # فنقول ما صح النهي عنه مقصودا في غرض [النهي] فهم لا يخلون فيه إما أن ~~يقولوا النهي لا يقتضي التحريم أو يسلموا اقتضاءه له فإن زعموا أنه لا ~~يقتضيه أثبتنا ذلك عليهم بما أثبتنا به اقتضاء صيغة الأمر الطلب الجازم على ~~أن النهي لو تقيد بالتحريم فهو عند هؤلاء لا يتضمن الفساد ومنع الإجزاء فلا ~~معنى لربط الأمر بالمنع والتسليم في ذلك فإذا تبين أن المنهى عنه محرم في ~~مقصود الآمر فيستحيل أن يكون موافقا [للأمر] والمعنى بالفاسد ما يقع حائدا ~~عن موجب الامتثال على ما سنذكر حد الصحيح والفاسد فإذا النهي الخاص المختص ~~بغرض الآمر يتضمن فساد المنهى عنه واستمرار الأمر بعده. # والصلاة في الدار المغصوبة قد تقرر أمرها ووضح انفصال مسألتنا عنها وفي ~~هذا بلاغ كامل. # مسألة: ### | 205- # مما يتعلق بالمناهي الرد على الكعبي في مصيره إلى أنه لا مباح في الشريعة ms084 ~~وبني ذلك على أن كل فعل يشار إليه فهو في عينه ترك لمحظور وترك المحظور ~~واجب فلا شيء على هذا إلا ويقع واجبا من جهة وقوعه تركا لمحظور وإن قيل ~~تارك الزنا بالقعود كتاركه بالقيام فليس يمتنع فرض واجب غير معين من أشياء ~~وتعيينه إلى خيرة المخاطب. # وسبيل مكالمته ينبني على ما تنجز الفراغ منه الآن وقد مضى في الأوامر إذ ~~تكلمنا في أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن أضداد المأمور به بما يكشف ~~المقصود في ذلك. # PageV01P100 # وحاصل القول في هذه المسالك رد الأمر إلى القصد والغرض من النهي عن الزنا ~~ألا يكون الزنا لا أن يكون ضد من أضداده فالمباحات مقصودة منتحاه بقصد ~~الإباحة وليست مقصودة بالإيجاب وما عندنا أن الكعبي ينكر ذلك ونحن لا ننكر ~~أن المباحات تقع ذرائع إلى الانكفاف عن المحظورات. # والذي يوضح ما نحاول: أن الزنا محظور لنفسه وهو ترك للقتل فليكن محظورا ~~من حيث إنه زنا واجبا من حيث إنه ترك للقتل ومن لم يتفطن لوقوع المقاصد في ~~الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة ثم إنكار الإباحة هجوم ~~عظيم على الإجماع فإن الكعبي ورهطه مسبوقون بإجماع الأمة على الإباحة ووجهه ~~ما ذكرناه آنفا. # مسألة: ### | 206- # المكروه لا يدخل تحت الأمر المطلق عند المحققين وإن لم يكن محرما وسيأتي ~~الكلام على معنى نهى الكراهية. # وذهب ذاهبون من الفقهاء [إلى] أنه داخل تحت الأمر والدليل على ما ارتضاه ~~المحققون أن الأمر طلب واقتضاء والمكروه ليس مطلوبا ولا مقتضى فكيف يقع ~~امتثالا للاقتضاء؟ مع تحقيق المنع عنه فضلا عن الاقتضاء والمباح لا يقع ~~مأمورا به لأن من حقيقته التخير فيه فإذا لم يدخل المباح تحت الأمر فكيف ~~يندرج تحت [قضيته] المزجور عنه؟ # وهذه المسألة مثلها الأئمة بالترتيب في الوضوء وقالوا الأمر بالوضوء عند ~~القيام جازم محمول على الإيجاب والاقتضاء البات والوضوء المنكس عند من لا ~~يرى الترتيب مستحقا مكروه فلا يدخل تحت مقتضى الأمر فيبقى الأمر متوجها إلى ~~وقوع امتثال مقتضى مطلوب. # هذا منتهى كلام ms085 الأصحاب في ذلك. ### | 207- # والذي أراه أن ما ذكروه إن لم يصدر عن رأى مخمر فلا حاصل له وإن صدر هذا ~~القول عن ذي بصيرة فهو تلبيس ووجه الكشف فيه أنا لا ننكر وقوع الشيء مجزيا ~~مسقطا فرض الامتثال المحتوم وإن كان وقوعه على حكم الكراهية ومن [تتبع] ~~قواعد الشريعة ألفى من ذلك أمثلة تفوق الحصر فلا يمتنع إذا. # PageV01P101 # اجتماع الإجزاء مع الحكم بالكراهية. # وإن ادعى من يرى الترتيب واجبا أن المكروه ليس بامتثال وملابسه ليس ~~ممتثلا فنتيجة كلامه أن الأمر الجازم باق بعد الوضوء المنكس وإذا كان كذلك ~~فالترتيب بحكم الخطاب والإيجاب مستحق. # فإذا استثمر اللبيب هذا الكلام كان مغزاه إثبات وجوب الشيء من حيث ثبت ~~على مذهب الخصم كراهيته وهذا من فن العبث وكيف يطمع المحصل في إفضاء هذا ~~الكلام إلى التحقيق مع اعترافه بأن المكروه لا يمتنع أن يقع امتثالا. # فإذا بلغت المباحثة منتهاها فالوجه عندي في هذه المسألة ردها إلى مأخذ ~~الكلام في الصلاة في الدار المغصوبة فليفرض الأمر مطلقا عاما شاملا للمنكس ~~والمرتب وإن لم يظهر في الآية ما يشعر بالترتيب لم يحمل نهي الكراهية عند ~~القائل به على كراهة لا [تتعرض] لمقصود الأمر وإنما [تتلقى] من مأخذ آخر ~~وقد تقرر هذا الفن مرددا في مسائل. # ثم الذي حمل من لا يشترط الترتيب على تسليم الكراهية وقوع الوضوء على ~~خلاف ما عرف وألف من عادة السلف الصالح رضي الله عنهم أو وقوعه على وجه ~~يخالف في صحته طوائف من حملة الشريعة من غير عذر ولا عسر في ارتياد ~~الموافقة. # مسألة: ### | 208- # من توسط أرضا مغصوبة على علم فهو متعد مأمور بالخروج عن الأرض المغصوبة ~~ثم الذي ذهب إليه أئمتنا أجمعون أنه إذا استفتح الخروج واشتد في أقرب ~~المسالك وأخذ فيه على مبلغ الجهد فليس هو مع التشمير واجتناب التقصير ~~ملابسا عدوانا بل هو منسلك في سبيل الامتثال. ### | 209- # وقال أبو هاشم هو إلى الانفصال عاص وقد عظم النكر عليه من جهة أن من فيه ~~الكلام ليس يألو جهدا ms086 في الامتثال فإذا كانت حركاته امتثالا استحال أن تكون ~~محتسبة عليه عدوانا. # وهذا المسلك ناء عن طريق القول في الصلاة في الدار المغصوبة فإن العدوان ~~في تلك المسألة غير مختص بالصلاة وحكمها فانفصل غرض الصلاة عن مقتضى النهي ~~عن الغصب كما سبق مقررا والأمر بالخروج فيما نحن فيه مدفوعون إليه مماس. # PageV01P102 # للعدوان على حكم المضادة فكان الحكم للخارج بملابسة الامتثال في جهة ترك ~~العدوان مناقضا لاستصحاب حكم العدوان عليه وهذا يلزم أبا هاشم جدا من حيث ~~إنه جعل أكوان الغاصب خارجة عن وقوعها طاعة في جهة الصلاة ورأى تقرير ذلك ~~مناقضا فكيف يحكم على الخارج بالامتثال مع استمرار حكم العدوان عليه. ### | 210- # والذي هو الحق عندي أن القول في ذلك معروض على مسألة من أحكام المظالم ~~وهو أن من غصب مالا وغاب به ثم ندم على ما تقدم وثاب واسترجع وآب وأتى ~~بتوبته على شرطها فالذي ذهب إليه المحصلون أن سقوط ما يتعلق بحق الله تعالى ~~يتنجز إما مقطوعا به على رأى وإما مظنونا على رأى وأما ما يتعلق بمظلمة ~~الآدميين فالتوبة لا تبرئ منه ولست أعني به الغرم وإنما أعني به الطلبة ~~الحاقة في [القيامة] . # فأما المغارم فقد ثبتت من غير انتساب إلى المآثم كالذي يجب على الطفل ~~بسبب ماجنى وأتلف. # والسبب في بقاء المظلمة مع حقيقة الندم وتصميم العزم على استفراغ كنه ~~الوسع في محاولة الخروج عن حق الآدمي أن الذي تورط فيما تندم عليه [الآن هو ~~مضطر إلى الخروج كالمضطر إلى الميتة فيحل له ذلك كالميتة] ولا ينجيه الندم ~~ما لم يخرج عما خاض فيه. ### | 211- # فإذا وضح ذلك انعطفنا على غرض المسألة قائلين من تخطى أرضا مغصوبة نظر ~~فإن اعتمد ذلك متعديا فهو مأمور بالخروج وليس خارجا عن العدوان والمظلمة ~~لأنه كائن في البقعة المغصوبة والمعصية مستمرة وإن كان في حركاته في صوب ~~الخروج متمثلا للأمر وهذا يلتفت إلى مسألة الصلاة في الدار المغصوبة فإنها ~~تقع امتثالا من وجه وعصيانا واعتداء من وجه فكذلك الذاهب إلى صوب الخروج ms087 ~~ممتثل من وجه عاص لبقائه من وجه. # فإن قيل: إدامة حكم العصيان عليه يتلقى من ارتكابه نهيا والإمكان معتبر ~~في المنهيات اعتباره في المأمورات فكيف الوجه في إدامة معصيته فيما لا يدخل ~~في وسعه الخلاص منه قلنا تسببه إلى ما تورط فيه آخرا سبب معصيته فليس هو ~~عندنا منهيا عن الكون في هذه الأرض مع بذله المجهود في الخروج منها ولكنه ~~مرتبك في المعصية مع انقطاع تكليف النهي عنه وهذا تمام البيان في ذلك. # PageV01P103 ### | 212- # ويظهر الغرض منه بمسألة ألقاها أبو هاشم حارت فيها عقول الفقهاء وأنا ~~أذكرها وأوضح ما فيها. # وهي: أن من توسط جمعا من الجرحى وجثم على صدر واحد منهم وعلم أنه لو بقي ~~على ما هو عليه لهلك من تحته ولو انتقل عنه لم يجد موقع قدم إلا بدن آخر ~~وفي انتقاله إهلاك المتنقل إليه فكيف حكم الله تعالى وما الوجه؟ # وهذه مسألة لم أتحصل من قول الفقهاء فيها على ثبت والوجه المقطوع به سقوط ~~التكليف عن صاحب الواقعة مع استمرار حكم سخط الله تعالى وغضبه عليه أما وجه ~~سقوط التكليف فلأنه يستحيل تكليفه ما لا يطيقه ووجه استمرار حكم العصيان ~~عليه تسببه إلى ما لا مخلص له منه. # ولو فرض إلقاء رجل رجلا على صدر واحد كما سبق الفرض والتصوير بحيث لا ~~ينسب الواقع إلى اختيار ذلك فلا تكليف عليه ولا عصيان. # ومما أخرجه على ذلك: أن من خالط أهله في نحر السحر قاصدا إيقاع ذلك ~~الوقاع بحيث إذا طلع الفجر اقترن بمطلعه الانكفاف والنزع وهذا القصد عسر ~~التصور مع غموض مدرك أوائل الفجر فإن تصور ثم نزع المواقع مع أول الفجر ~~فالذي أراه أنه يفسد صومه من جهة أنه تسبب إلى وضع المخالطة في مقارنة ~~الفجر وإن كان منكفا وإن خالط أهله ظانا أنه في مهل من بقية الليل ثم طلع ~~الفجر فابتدر النزع فلا يفسد والحالة هذه صومه فهذا منتهى الغرض من المسألة ~~والفقهاء لا يفصلون هذا التفصيل ويحكمون بأن النازع لا يفطر وإن ms088 قصد وتعمد ~~كما فرضناه من جهة أنه نازع مع أول الفجر تاركا للعمل وهذا ليس بالمرضى. # مسألة: ### | 213- # السجود بين يدي الصنم مع قصد التقرب به إليه محرم منهي عنه على مذهب ~~علماء الشريعة. ونقل عن أبي هاشم أنه لا يرى تحريم السجود ويقول إنما ~~المحرم القصد وهذا لم أطلع عليه من مصنفات الرجل مع طول بحثي عنها فالذي ~~ذكره من نقل مذهبه أن السجود لا يختلف صفته وإنما المحظور المحرم القصد ~~وهذا يوجب أن لا يقع السجود طاعة من جهة تصور وقوعه مقصودا على وجه التقرب ~~إلى الصنم ومساق ذلك يخرج الأفعال الظاهرة قاطبة عن كونها قربا وهذا خروج ~~عن دين الأمة ثم لا يمتنع أن يكون الفعل مأمورا به مع قصد منهيا عنه مع ~~نقيضه. # PageV01P104 # مسألة: ### | 214- # إذا اتصلت صيغة "لا" في النفى بجنس من الأجناس فقد اضطرب فيها رأى أصحاب ~~الأصول مثل قوله عليه السلام:1 "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل", ~~ومذاهبهم يحصرها فنان من الكلام. # أحدهما: أن اللفظة مجملة والثاني أنها ليست بمجملة فأما الصائرون إلى ~~دعوى الإجمال فقد اختلفوا في جهة الإجمال فصار صائرون إلى أنها مجملة من ~~جهة أن اللفظة بظاهرها متضمنة انتفاء الجنس وقوعا ووجودا وليس الأمر كذلك ~~فاقتضى هذا وقفا وإلحاقا للفظة بالمجملات وهذا باطل من وجهين أحدهما أنا ~~على قطع نعلم أن رسول الله عليه السلام إذا تعرض لأحكام الشرائع لم يرم إلا ~~بيان الحكم وتأسيس الشرع وتبيين جهات التعبد وهذا مقطوع به ومن ظن غير ذلك ~~فإنما يغالط نفسه فهذا وجه والوجه الثاني أن الصوم لفظ شرعي [عام] في عرف ~~الشرع والذي نفاه الشارع صلى الله عليه وسلم الصوم الشرعي لا الإمساك الحسي ~~وينقدح أيضا في الرد على هؤلاء أنا إذا تحققنا وقوع الجنس الذي ذكروه فقد ~~اضطررنا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرده فإن خبره [لا] يقع على ~~خلاف مخبره فيتبين إذا والحالة هذه استبانة خروج [ذلك] اللفظ عن مسالك ~~الاحتمال ورد معنى اللفظ إلى الحكم. ms089 # فإن قال قائل: هذا مشكل في صدق الرواة قلنا المسألة في اللفظ جارية كقوله ~~سبحانه وتعالى: {لا إكراه في الدين} 2 وغيره. # وذهب نازلون عن هذه المرتبة إلى صرف دعوى الإجمال إلى تردد اللفظ بين نفي ~~الجواز ونفي الكمال وهذا اختيار القاضي أبي بكر3 رضي الله عنه وهو مردود ~~عندي فإن اللفظ ظاهر في نفي الجواز خفي جدا في نفي الكمال فإن الذي ليس ~~بكامل صوم والرسول عليه السلام تعرض لنفي الصوم. ### | 215- # فمذهبنا المختار: أن اللفظ ظاهر في نفي الجواز مجاز في نفي الكمال على ما ~~سنوضح مراتب التأويلات ومناصبها في كتاب التأويلات إن شاء الله. ~~PageV01P105 ### | 216 - # وذهب جمهور الفقهاء إلى أن اللفظة عامة تتناول نفي [الوجود] ونفي الحكم ~~ثم تبين أن الوجود غير مراد فكان ذلك تخصيصا بمسلك الحس وقضية العقل وهذا ~~وإن هذي به الفقهاء ركيك فإن اللفظ إنما يعم مسميين يتصور اجتماعهما وإذا ~~فرض نفي الوجود فكيف يفهم معه نفى في بقاء الحكم؟. # وذهب ذاهبون من الفقهاء إلى أن الوجود غير معنى بالنفي ولكن اللفظ عام في ~~نفي الجواز والكمال وهذا يسقط بالمنهاج المقدم فإن الجواز إذا انتفى لم ~~يعقل معه نفى كمال ومن ضرورة نفي الكمال ثبوت الجواز فقد بطلت دعوى الإجمال ~~في اللفظة ودعوى العموم. # واستبان ظهور اللفظ في نفي الجواز وكونه مؤولا في نفي الكمال. # PageV01P106 ### | فصل: في معنى الأحكام الشرعية ### | 217- # قد اشتمل ما جرى من الأوامر والنواهي على ذكر الوجوب والحظر والندب ~~والكراهية والإباحة ونحن نذكر الآن حقيقة كل حكم من هذه الأحكام في مقتضى ~~الشرع. # فأما الواجب فقد قال قائلون: الواجب الشرعي هو الذي يستحق المكلف العقاب ~~على تركه وهذا بعيد عن مذهب أهل الحق في الثواب والعقاب فإنا لا نرى على ~~الله تعالى استحقاقا والرب تعالى يعذب من يشاء وينعم من يشاء وإن صدر هذا ~~الرسم من المعتزلة فهو يلائم أصلهم ولكنه منقوض عليهم بالصغائر مع اجتناب ~~الكبائر فإن من معتقدهم إنها تقع من فاعلها مكفرة وإن كانت محرمة ويفرض من ~~قبيل ms090 المأمورات ما هو كالصغائر من فن المحظورات ثم لا يستحق تارك تلك ~~المأمورات عقابا مع المحافظة على جلة المأمورات وإن كانت واجبا فقد ظهر ~~بطلان هذا الحد. # وقال قائلون: الواجب ما توعد الله تعالى على تركه بالعقاب وهذا القائل ظن ~~أنه لما ترك لفظ الاستحقاق فقد أتى بالحد المرضى وليس الأمر كذلك فكم من ~~تارك واجبا لا يعاقبه الله ولو كان معينا بالوعيد لحل به العقاب إذ لو لم ~~يكن كذلك لكان [عين ذلك] الوعيد خلفا تعالى الله سبحانه [عن ذلك] . # PageV01P106 # وقال قائلون: الواجب ما يخاف المكلف العقاب على تركه وهذا ساقط أيضا ~~منتقض بما يحسبه المرء واجبا فإنه يخاف العقاب على تركه وقد لا يكون كذلك. ### | 218- # والمرضى في معنى الواجب: أنه الفعل المقتضى من الشارع الذي يلام تاركه ~~شرعا وإنما ذكرنا المقتضى من الشارع فإنه معنى الإيجاب ثم قيدناه باللوم ~~لينفصل عن المندوب إليه ولا مراء في توجه اللوم ناجزا. # فإن قيل: من ترك شيئا لم يعلمه واجبا لا يلام وإن كان واجبا في علم الله ~~تعالى قلنا: هذا مغالطة فلا تكليف على الغافل الناسي عندنا ولا وجوب على من ~~لا يعلم الوجوب فهذا ما أردناه في معنى الواجب. ### | 219- # فأما معنى الندب فالمندوب إليه هو الفعل المقتضى شرعا من غير لوم على ~~تركه. # مسألة: ### | 220- # اضطرب1 الأصوليون في معنى المكروه وسبب اضطرابهم [أنه] يستتب لهم أن ~~يجعلوا نهى الكراهية في اقتضاء الانكفاف عن المنهى عنه بمثابة أمر الندب في ~~اقتضاء الإقدام وذلك أنهم قالوا: استيعاب معظم الأزمان على حسب الإمكان ~~بالنوافل مستحب غير محتوم وليس ترك ذلك مكروها ولو كان ما ندبنا إلى ~~الانكفاف عنه مكروها للزم أن يقال ترك استيعاب وقت الإمكان [بالنوافل] ~~مكروه فإذا لم [نقل] ذلك وعسر ضبط نهى الكراهية بما ضبط أمر الندب [به] ~~فلذلك اضطرب العلماء بعد اليأس عن هذا المأخذ في معنى المكروه فذهب بعضهم ~~إلى أن المكروه ما اختلف في حظره وهذا مزيف فإن الكراهية ثبتت وفاقا في بعض ~~القضايا مع انعقاد الإجماع ms091 على نفي الحظر. # وقال شيخي أبو القاسم2 الإسكافي:3 المكروه ما يخاف العقاب على فعله. ~~PageV01P107 # وهذه عثرة ظاهرة فإن حاصل ما ذكره يئول إلى أن المكروه ما خيف حظره وهذا ~~بعينه هو الذي ذكرناه قبل هذا ورددنا عليه. ### | 221- # والحق المقطوع به عندي: أن نهى الكراهية في معنى أمر الندب فهو بالإضافة ~~إلى الحظر كالندب بالإضافة إلى الإيجاب ولا يجوز أن يتخيل مرتبة القطع ~~بانتفاء الحظر لاقتضاء الانكفاف إلا هذا والمستريب [في] هذا مضرب عن مدرك ~~الحق. ### | 222- # فأما ما ذكرته في صدر المسألة وقدرته منشأ اضطراب المذاهب فسبيل الكشف ~~عنه أنه لم يرد نهى مقصود عن ترك النوافل المستغرقة لأوقات الإمكان ولكن ~~الانكفاف عن التروك في حكم الذريعة إلى الإقدام على النوافل وقد ذكرت في سر ~~ما اخترته أن الأمر بالشيء لا يقتضي نهيا عن الضد مقصودا للآمر فنهى ~~الكراهية إذا ما يرد مقصودا. # ثم المنهيات على حكم الكراهية على درجات كما أن المندوبات على رتب ~~متفاوتات فليتأمل الناظر هذا التنبيه ولينظر كيف اختبطت المذاهب على ~~العلماء لذهولهم عن قاعدة القصد وهي سر الأوامر والنواهي. # ثم الكراهية في أصل اللسان ضد الإرادة وليس المراد بها ذلك في هذا الفن ~~بل هي لفظة مصطلح عليها عند الأصوليين فالمراد بها المنهى عنه قولا مرادا ~~كان للرب تعالى أو مكروها. ### | 223- # فأما المحظور فهو ما زجر الشارع عنه ولام على الإقدام عليه والمكروه ما ~~زجر عنه ولم يلم على الإقدام عليه. ### | 224- # وأما المباح فهو ما خير الشارع فيه بين الفعل والترك من غير اقتضاء ولا ~~زجر. # PageV01P108 ### | فصل: يجمع محامل الصيغ التي يقال فيها صيغ الأمر ### | 225- # أما المطلق منها فقد سبق الكلام في محمله وإنما تتعدد المحامل بالقيود ~~ونحن نذكر منها جملا تشارف الاستيعاب إن شاء الله عز وجل. # PageV01P108 # فقد ترد الصيغة بمعنى الندب كقوله تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} ~~1 وترد بمعنى الإرشاد إلى الأحوط كقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} 2 ~~وهذا وإن كان ندبا فالمقصود منه التنبيه على الأحوط وترد بمعنى الدعاء ~~كقوله ms092 تعالى: {ربنا اغفر لنا ذنوبنا} 3 والدعاء استدعاؤك ما تحاول ممن هو ~~فوقك وترد بمعنى التهديد كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} 4 وترد بمعنى ~~التعجيز كقوله تعالى: {كونوا قردة خاسئين} 5 وترد إنذارا كقوله تعالى: {قل ~~تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} 6 وترد بمعنى الإكرام كقوله تعالى: {ادخلوها ~~بسلام آمنين} 7 وترد بمعنى الإهانة كقوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم} 8 وإنما حمل هذا على الإهانة وما قبله على الإكرام لأن الآخرة ليست ~~دار طلب ورد بمعنى الإنعام كقوله تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} 9 وهذا ~~وإن كان فيه معنى الإباحة فإن الظاهر منه تذكير النعمة وترد بمعنى التسوية ~~كقوله تعالى: {فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم} 10 وترد بمعنى الإباحة ~~كقوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} 11 وترد بمعنى التأديب والتمرين على ~~حسن الأدب كقوله عليه السلام لعبد الله بن عباس وكان صغيرا "كل مما يليك" ~~12 وقد ترد بمعنى التمني ومنه قول القائل13: # "ألا أيها الليل الطويل ألا انجل" # وترد بمعنى التعجيز كقوله تعالى: {فأتوا بسورة من مثله} 14 وقوله تعالى: ~~{قل كونوا حجارة أو حديدا} 15 وترد بمعنى التحكيم والتفويض كقوله تعالى: ~~{فاقض ما أنت قاض} 16. # ثم صيغ الأمر من جميع ما ذكرناه ما يقتضي الإيجاب وفيما يقتضي الندب خلاف ~~كما تقدم والوجوه الباقية ليست من معاني الأمر. PageV01P109 ### | 226- # وأما صيغة النهي إذا تقيدت فإنها ترد على وجوه على مناقضة الأمر لا يعسر ~~على الباحث طلبها ومطلقها للحظر والمقيد منها يرد على وجوه. # منها التنزية ومنها الوعيد ومنها الدعاء كقوله تعالى: {ربنا لا تزغ ~~قلوبنا بعد إذ هديتنا} 1 ومنها الإرشاد كقوله تعالى: {لا تسألوا عن أشياء ~~إن تبد لكم} 2 تسؤكم ومنها بيان العاقبة كقوله تعالى: {لا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء} 3 وترد بمعنى التحقير والتقليل كقوله ~~تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم} 4 وترد بمعنى إثبات ~~اليأس كقوله تعالى: {لا تعتذروا اليوم} 5. PageV01P110 ### | باب العموم والخصوص ### | مدخل ms093 # ... # باب العموم والخصوص. ### | 227- # قال المحققون من أئمتنا لعام والخاص قولان قائمان بالنفس كالأمر والنهي ~~والعبارات [تراجم عنهما] وأثبتوا ذلك في صدر هذا الكتاب إثباتهم الأمر ~~المقتضى النفسي في مفتتح كتاب الأوامر ثم ردوا اهتمامهم إلىالقول في صيغة ~~العموم وهذا الذي صدروا الكتاب به ليس بالهين عندي فإنا وجدنا اقتضاء نفسيا ~~وطلبا مختلجا في الضمير لا يناقض كراهية وجود المقتضى على ما سبق ذلك متضحا ~~فسمينا الطلب النفسي أمرا وأوضحنا من طريق اللسان تسمية العرب إياه كلاما ~~فأما العموم والخصوص فما أراهما كذلك في الوضوح. # ويظهر أن يقال: [عموم] النفس علوم بمعلومات على جهات في الإرادة ~~والكراهية أو غيرهما فأقصى ما يذكره في هذا أن كل ما يثبت العلم به ففي ~~النفس حديث عنه منفصل عن العلم وهو الذي يسمى الفكر والعلم محيط بمعنى ~~الجميع وفي النفس فكرته وحديث عنه فليعلم طالب هذا الشأن أن معظم ما يحسبه ~~من لم يعظم حظه في الحقائق علما فهو فكر وهو المعنى بكلام النفس. # ومن دقيق ما يتعلق بمدارك العقول أن فكر النفس [متعلقة بالمعلومات] ~~والمعتقدات ولا تتعلق النفس بالعلم الحق وهذا الآن [يتعلق] بالقول في النطق ~~النفسي ولا مطمع في مفاتحته فضلا عن استقصائه. # ومهما ظن ذو الفكر أنه ناطق بالعلم فهو [متخيل] العلم معلوما منطوقا به ~~وهذا هو الذي اختلج في عقول المتكلمين وطيش أحلامهم حتى اضطربوا في أن ~~العلم بالشيء هل هو علم بأنه علم به وهذا الذي اختبطوا فيه اضطراب منهم في ~~فكر النفس لا في العلم نفسه. # ونحن في الأحايين نرمز إلى تلويحات في هذا المجموع [لنتشوف] عند نجازه ~~إلى العلوم الإلهية ونستحث على طلبها مسألة. ### | 228- # ونعود الان إلى المقصود اللائق بما نحن فيه ونقول: اختلف الأصوليون في ~~صيغة العموم اختلافهم في صيغة الأمر والنهي [فنقل] مصنفو المقالات عن ~~الشيخ. # PageV01P111 # أبي الحسن والواقفية أنهم لا يثبتون لمعنى العموم صيغة لفظية وهذا النقل ~~على هذا الإطلاق زلل فإن أحدا لا ينكر إمكان التعبير عن معنى الجمع بترديد ~~ألفاظ مشعرة به ms094 كقول القائل رأيت القوم واحدا واحدا لم يفتني منهم أحد ~~وإنما كرر هذا اللفظ قطعا لو هم من يحسبه خصوصا إلى غير ذلك وإنما أنكر ~~الواقفية لفظة واحدة مشعرة بلفظ الجمع ووافق الملقب بالبرغوث من متكلمي ~~المعتزلة وابن الراوندي الواقفية فيما نقل عنهم. # وذهبت طائفة يعرفون بأصحاب الخصوص إلى أن الصيغ الموضوعة للجمع نصوص في ~~اقل الجمع مجملات فيما عداه إذا لم يثبت قرينة تقتضي تعديتها إلى أعلى ~~الرتب. # [وأما الفقهاء فقد قال جماهيرهم الصيغ الموضوعة للجميع نصوص في الأقل] ~~وظواهر فيما زاد عليه لا يزال اقتضاؤها في الأقل بمسالك التأويل وهي فيما ~~عدا الأقل ظاهرة مؤولة. ### | 229- # والذي صح عندي من مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الصيغة العامة لو صح ~~تجردها عن القرائن لكانت نصا في الاستغراق وإنما التردد فيما عدا الأقل من ~~جهة عدم القطع بانتفاء القرائن المخصصة. ### | 230- # ومما زل فيه الناقلون أنهم نقلوا عن أبي الحسن ومتبعية أن الصيغة وإن ~~تقيدت بالقرائن فإنها لا تشعر بالجمع بل تبقى على التردد وهذا وإن صح النقل ~~فيه فهو مخصوص عندي بالتوابع المؤكدة لمعنى الجمع كقول القائل رأيت القوم ~~أجمعين أكتعين أبصعين فأما ألفاظ صريحة تفرض مقيدة فلا يظن بذي عقل أن ~~يتوقف فيها. # ثم نقل عن أبي الحسن مذهبان حسب ما مضى في صيغى الأمر أحدهما الحكم بكون ~~اللفظ مشتركا بين الواحد اقتصارا عليه وبين أقل الجمع وما فوقه ونقل عنه ~~أنه كان يقول لا أحكم بالاشتراك ولا أدرى للصيغ مجملا ولا مفصلا ولا ~~مشتركا. # ومسالك حجاج الواقفية في هذه المسالة وطرق الجواب عنها كما تقدم في مسألة ~~الأوامر فلا معنى لإعادتها. ### | 231- # والذي نحن نذكره الآن مسلك الحق وما هو المرتضى عندي فأقول. # PageV01P112 # والله المستعان: الألفاظ التي يتوقع اقتضاء العموم فيها منقسمة فمن ~~أعلاها وأرفعها الأسماء التي تقع أدوات في الشرط وهي تنقسم إلى ظرف زمان ~~[وإلى] ظرف مكان واسم مبهم يختص بمن يعقل كقولك من أتاني أكرمته واسم مبهم ~~يختص [بما لا] يعقل في رأى ولا يختص بمن ms095 يعقل في رأى كوقوع ما شرطا. # وكل اسم وقع شرطا عم مقتضاه فإذا قلت من أتاني اقتضى كل آت من العقلاء ~~وإذا قلت متى ما جئتني اقتضى كل زمان وإذا قلت حيثما رأيتني اقتضى كل مكان ~~وما يقع منكرا منفيا فهو كذلك يتعين [أيضا] القطع بوضع العرب إياه للعموم ~~كقولهم: لم أر رجلا. # صيغ الجموع: ### | 232- # وأما صيغ الجموع فلو قسمناها على مراسم صناعة النحو لأطلنا أنفاسنا لكنا ~~نذكر مراسم على قدر مسيس الحاجة إليها [فالجمع] ينقسم إلى جمع سلامة وإلى ~~جمع تكسير. # فأما جمع السلامة فهو الذي يسلم فيه بناء الواحد وهو ينقسم إلى جمع ~~الذكور [وإلى] جمع الإناث فأما جمع الذكور فبزيادة واو قبلها ضمة ونون ~~بعدها في محل الرفع وبزيادة ياء قبلها كسرة ونون [بعدها] في محل النصب ~~والجر. # وأما الإناث فالاسم المؤنث ينقسم إلى اسم ليس في اخره عم للتأنيث وإلى ~~اسم في آخره علم للتأنيث فأما ما ليس فيه علم للتأنيث فجمع السلامة فيه ~~بزيادة ألف وتاء في الوصل والوقف بضمها في محل الرفع وبكسرها في محل الجر ~~والنصب تقول جاءني الهندات ورأيت الهندات ومررت بالهندات وأما ما في آخره ~~علم للتأنيث فينقسم إلى ما يكون هاء في الوقف وتاء في الوصل وإلى ما يكون ~~ألفا ما يكون هاء [فإذا] حاولت الجمع فيه حذفت الهاء من الواحدة وزدت ألفا ~~وتاء كما تقدم فتقول في مسلمة مسلمات. # وأما ما يكون علامة التأنيث فيه ألفا فينقسم إلى ألف ممدودة وإلى ألف ~~مقصورة فأما إذا كانت الألف ممدودة كقولك في صحراء وخنفساء فتقلب الهمزة ~~واوا وتزيد ألفا وتاء إذا لم يكن [المذكر منه] أفعل كقولك صحراوات ~~وخنفساوات [تقلب الهمزة واوا] . # فأما إذا كان المذكر فيه أفعل فالعرب لا تنطق بجمع السلامة فيه بل تقول ~~في. # PageV01P113 # الحمراء حمر ومن مشكل الحديث قوله صلى الله عليه وسلم1: "ليس في ~~الخضراوات زكاة" والرسول عليه السلام لم يرد جمع الخضراء الذي مذكرها أخضر ~~وإنما أجراها لقبا على نوع من الإتاء والدخل. # وأما ما ms096 ألفه مقصورة كالحبلى والسكري فجمع السلامة على الطرد فيها ~~بانقلاب الألف ياء وزيادة الألف والتاء بعدها فتقول في حبلى حبليات وسكريات ~~وغضبيات فهذه تراجم جمع السلامة. ### | 233- # فأما جمع التكسير فهو الذي نكسر فيه بناء الواحد ثم قد يكون ذلك بزيادة ~~حرف كثوب وثياب وكلب وكلاب وقد يكون بنقصان حرف كرغيف ورغف قد يكون بتبديل ~~حركة في صدر الكلمة كأسد وأسد. # ثم حظ الأصول منها أن الجمع بنفسه ينقسم انقساما آخر [فمنه] ما هو جمع ~~القلة وهو في وضع اللسان [لما] دون العشرة وله أبنية تحتوي عليها كتب أئمة ~~النحو كالأفعل والأفعال والأفعلة والفعلة مثل الأكلب والأجمال والأغطية ~~والصبية. # ومنها ما هو جمع الكثرة كالفعول والفعال ونحوها. # وإنما نبهنا على هذا المقدار ليتبين للناظر خلو معظم الخائضين في هذا ~~الفن عن التحصيل إذا أطلقوا القول في الصيغة ولم يفصلوها إلى الجمع وغيره ~~ثم لم يفصلوا الجمع إلى جمع القلة وإلى جمع الكثرة. ### | 234- # ونحن نقول أما ما ذكرناه قبل تقاسيم الجموع من الشروط والتنكير في النفي ~~فلا شك أنه لاقتضاء العموم ودليلنا عليه كدليلنا على تسمية العرب جارحة ~~مخصوصة رأسا. # وأما المجموع فجمع القلة لم يوضع للأستغراق قطعا وإجماع أهل اللسان على ~~ذلك كاف مغن عن تكلف إيضاح واللغة نقل فليت شعري بم نتعلق إذا عدمناه وأما ~~جمع الكثرة فهو في وضع اللسان للاستغراق فإن العرب استعملته قطعا مسترسلة ~~على آحاد الجنس ووضعته لها ثم إن اتصل بها استثناء بقى مقتضى اللفظ على ما ~~عدا المستثنى وإن كان مطلقا فمقتضاه الاستغراق فإن تقيد بقرينة حالية نزل ~~على حسبها. PageV01P114 # ونحن من هذا المنتهى [نفرع] ذروة في التحقيق لم [يبلغ] حضيضها ونفترع ~~معنى [بكرا] هو على التحقيق منشأ اختباط الناس في عماياتهم والله ولي ~~التوفيق. ### | 235- # فأقول: الألفاظ تنقسم في منهاج غرضى أربعة أقسام يقع اثنان منها في طرفين ~~في النفي والإثبات ويتوسطها اثنان فأما الواقع طرفا في ثبوت الاقتضاء ~~المتناهى في الوضوح فهو الذي يسمى نصا على ما سيأتي. # PageV01P115 ### | فصل: معقود: في معنى النص ms097 والظاهر والمجمل. ### | 236- # وضبط هذا القسم في غرضنا أن اللفظ إذا كان في اقتضاء معناه من عموم أو ~~خصوص أو ما عداهما بحيث لا يفترض انصرافه عن مقتضاه بقرائن حالية وفرض سؤال ~~وتقدير مراجعة واستفصال في محاولة تخصيص أو تعميم فهو الذي نعنيه ولا يتطرق ~~إلى هذا القسم إلا إمكان انطلاق اللسان بكلم في غفوة أو غفلة وهو الذي يسمى ~~الهذيان أو إجراء كلمة ناصة في الوضع في معرض حكاية أو محاولة تقويم اللسان ~~على نضد حروفها. # فإذا فرض انتفاء تخيل الهذيان به والتفاف اللسان وقصد الحكاية ومحاولة ~~تقويم نظم الحروف وتحقق قصد مطلق اللفظ إلى استعماله في معناه الموضوع له ~~فلا يتصور وراء ذلك انحراف اللفظ وانصرافه عن معناه الذي وضع له وهذا كذكر ~~عدد في اللفظ معدود فإنه ناص في المسميات المعدودة لا محيد عنها بتخيل ~~قرينة وكذلك ما لا يتطرق إليه تأويل. # فهذا طرف والمقصود منه رمز إلى المرتبة العليا في النص لا استيعاب ~~الأقسام. ### | 237- # والطرف الأخير هو المصدر فإنه غير مختص بواحد من الأحداث وليس موضوعا ~~أيضا للعموم واستغراق الجنس. # وقد قال بعض من حوم على التحقيق ولم يرد مشرعه: إن المصدر صالح للجمع ~~وليس موضوعا للإشعار به وهو في حكم اللفظ المشترك بين مسميات فإنه صالح ~~لآحادها على البدل وليس موضوعا لجميعها كالجموع والصيغ العامة وكذلك المصدر ~~صالح للواحد وللجمع غير موضوع لقصد الاحتواء على آحاد الجنس وهذا. # PageV01P115 # زلل وذهول عن مدرك الحق ومسلك العربية. # والقول البين فيه أن المصدر لا يصلح للجمع ولا يتهيأ للإشعار به فلو قصد ~~به [مطلقه] جمعا لم يكن كالذي يقصد [بإطلاق المعين] بعض ما يسمى به فإن ~~المصدر على رأى الكوفيين مرتب على الفعل فرع له وهو أصل الفعل على رأى ~~البصريين والفعل يتفرع عنه وقد يستحيل تخيل الجمع في الفعل فالمصدر في هذا ~~المعنى حال محل الفعل وإن كان اسما ولم يوضع المصدر إلا لتأكيد الفعل فأما ~~أن يكون للإشعار بواحد أو بجمع أو بالتهيؤ للصلاح لهما فلا فإنه ms098 ناء عن هذا ~~الغرض ولو فرض اقتران قرينة بذكر المصدر مشعرة بالجمع فلا يصير المصدر ~~مقتضيا جمعا لمكان القرينة بل القرينة قد يفهم منها قصد الجمع وهو كما إذا ~~اقترنت بالفعل. # فحاصل القول في ذلك أنه لا مناسبة بين المصدر وبين الجمع لا من جهة الوضع ~~له ولا من جهة التهيؤ والصلاح. # فإن حاول المتكلم التعرض للعدد رد المصدر عن حكم إطلاقه وزاد هاء فوجد ~~ثنى وجمع فقال ضربته ضربة وضربتين وضربات. # فإن قيل: أليس يحسن أن يقال ضربته ضربا كثيرا فلو لم يكن مشعرا بالعدد ~~لما جاز وصفه بالكثرة وعن هذا صار بعض أهل العربية إلى أن المصدر صالح ~~للجمع وإن لم يكن مشعرا به كما حكيته [قبل هذا] عن بعض الأصوليين. # قال سيبويه: قول القائل كثيرا صفة والموصوف لا يشعر بالصفة ولو أشعر بها ~~لاستغنى بنفسه عنها ولجرت الصفة مجرى التأكيد للموصوف إذا قال القائل رأيت ~~زيدا نفسه وليس الأمر كذلك فقول القائل ضربت زيدا ضربا كثيرا كقوله ضربت. # زيدا ضربا شديدا والسر في ذلك المصدر صالح لأن يوصف بالكثرة كما أن الرجل ~~صالح لأن يوصف بجهات وليس اسم الرجل موضوعا لها ولا مشعرا بشيء منها فلينظر ~~طالب هذا الشأن في ذلك وليتبين الفرق بين صلاح اللفظ للشيء وضعا وبين صلاحه ~~للوصف به فهذا بيان الطرفين. ### | 238- # فأما القسمان المتوسطان فعلى مرتبتين نحن [واصفوهما] :. # أحد القسمين: ما وضع في اللسان للعموم فلو لم تثبت قرينة وتبينا ~~انتفاءها. # PageV01P116 # لقطعنا باقتضاء اللفظ للعموم نصا ومن هذا القسم الاسم الواقع شرطا وهو ~~منحط عن النص في المرتبة الأولى من جهة أن النص لا يغير مقتضاه قرينة كما ~~تقدم وإذا اقترن بالشرط ما يقتضي تخصيصا حمل على المخصوص ولم يعد خلفا ولا ~~كلاما مثبجا وبيان ذلك بالمثال أن الرجل إذا أجرى ذكر أقوام معدودين فقال ~~صاحب المجلس من أتاني أعطيته دينارا أمكن أن يحمل على الذين جرى ذكرهم. ### | 239- # وأما القسم الثاني من القسمين المتوسطين: فهو الجمع الذي ليس جمع قلة فهو ~~فيما يزيد ms099 على أقل الجمع إن انتفت القرائن المخصصة ظاهر وليس بنص فلا يبعد ~~أن مطلق الجمع أراد خصوصا ولا ننكر ذلك في نظم الكلام بخلاف أدوات الشرط ~~وهذا ينحط عن القسم الثاني ومن أحاط بهذه الأقسام اتخذها مرجعه في كل مشكل ~~وأقامها ذريعة في صدر باب التأويلات كما سيأتي إن شاء الله. # وبنجاز الأقسام يتبين اختيارنا في القول في العموم والخصوص وما يقع نصا ~~منهما وظاهرا ونحن بعد ذلك نرسم المسائل في التفاصيل ونذكر في كل مسألة ما ~~يليق بها والله الموفق للصواب. # مسألة: ### | 240- # ذكر سيبويه1 وغيره من أئمة النحو أن جمع السلامة من أبنية جمع القلة وهذا ~~مشكل جدا فإن مصادمة الأئمة في الصناعة والخروج عن رأيهم لا سبيل إليه ~~والرجوع في قضايا العربية إليهم والاستشهاد في مشكلات الكتاب والسنة ~~بأقوالهم والأصوليون القائلون بالعموم مطبقون على حمل جمع السلامة إذا تجرد ~~عن القرائن المخصصة على الاستغراق وصائرون إلى تنزيله منزلة جمع الكثرة من ~~أبنية التكسير فأهم مقصود المسألة محاولة الجمع بين مسالك الأئمة. ### | 241- # والذي استقر عليه نظري في ذلك ما أنا مبديه الآن قائلا كل اسم علم معرفة ~~إذا ثنى فقد خرج عن كونه معرفة وكذلك إذا جمع فإذا قلت زيد [وأنت] تريد اسم ~~العلم فقد عرفت فإذا قلت زيدان فقد نكرت باتفاق أئمة العربية وكذلك إذا قلت ~~زيدون. # والسبب فيه أن الاسم المفرد العلم إنما يكون معرفة من حيث يعتقد أن ~~المسمى. PageV01P117 # منفرد في قصد المسمى حتى كأنه لا يرى حالة إطلاق الاسم العلم مشاركة فيه ~~لغير المسمى [فليس قول] القائل أقبل زيد على تقدير: أقبل زيد من الزيود إذ ~~لو كان كذلك لكان بمثابة قول القائل جاء رجل فالعلم موضوع بين المخاطب ~~والمخاطب على اعتقادهما اتحاد المسمى به فإذا ثنيت أو جمعت فقد ناقضت ما ~~منه تلقى التعريف من اعتقاد الاتحاد وقد بنيت الكلام على تعدد المسمى بزيد ~~فإذا لاح ذلك تبين أنه لا يتعرف المثنى والمجموع إلا بالألف واللام وهما ~~يعرفان كل نكرة فنعود بعد ذلك إلى ms100 مال الكلام في المسألة. ### | 242- # ونقول: ما نراه أن كل جمع نكرة فإنه لا يتضمن استغرقا ومصداق ذلك قوله ~~تعالى: {ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار} 1 فإذا عرف ولم يكن على ~~بناء التقليل فهو للأستغراق قال الله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} 2. # وهذا التفصيل يلتحق بما قدمناه من تفصيل القول في الجموع. # والذي يحصل الغرض في ذلك أنه لا منكر إلا ويليق به المعرفة من مستنده إلى ~~الجمع المعرف فتقول رأيت رجلا من الرجال كما تقول رأيت رجالا من الرجال ~~فالذي قاله سيبويه في جمع السلامة إذا لم يعرف وقد ذكر حمله على القلة إذ ~~ذكر حكم التثنية والجمع على التخصيص. # ولو فرض دخول الألف واللام في الاسم الواحد فقد يقتضي ذلك إشعارا بالجنس ~~كما سيأتي بعد ذلك فتقول الدينار أعز من الدرهم وأنت تبغي تفضيل الجنس على ~~الجنس وقد ينتظم من ذلك أن كل جمع في عالم الله فإنه لا يقتضي الاستغراق ~~بوضعه وإنما يتم اقتضاء الاستغراق بالألف واللام المعرفين فليتأمل الناظر ~~هذا السبر وليعلم أن الجمع من غير تقدير تعريف لأقل الجمع. # فإذا عرف ففيه الخلاف فأصحاب الخصوص يحملون الجمع وإن عرف على أقل الجمع ~~ويأبون ظهوره فيما عداه وهذا زلل فإن خصصوا قولهم بالجمع المنكر فلا خلاف ~~بيننا وبينهم وبهذا يتضح اختيارنا وهو استكمال الكلام. # مسألة: ### | 243- # قال أصحاب العموم النكرة في النفي تعم وفي الإثبات تخص. PageV01P118 # فلا بد من تفصيل القول في الطرفين عندنا. # فأما قولهم: النكرة في الإثبات تخص فغير مطرد فإن النكرة الواقعة في سياق ~~الشرط محمولة على العموم في قول القائل من يأتني بمال أجازه فلا يختص هذا ~~بمال مخصوص والسبب فيه أن النكرة إنما عمت في النفي لأنها في نفسها ليست ~~مختصة [بمعين] في قول القائل ما رأيت رجلا والنفي لا اختصاص له فإنه نقيض ~~الإثبات فإذا انضم النفي إلى التنكير اقتضى اجتماعهما العموم والشرط لا ~~اختصاص له بل مقتضاه العموم فالنكرة الواقعة في مساقه محمول عليه وحكم عموم ~~الشرط ms101 [منبسط] عليه إذ لو اختص المال لاختص الشرط المتعلق به والاختصاص ~~نقيض وضع الشرط المطلق فهذا على قولهم النكرة في الإثبات تخص. # فأما قولهم: النكرة في النفي تعم ففيه تفصيل لطيف. # فأقول: إذا قال القائل ما رأيت رجلا فهذا ظاهر في نفي الرؤية عن جنس ~~الرجال والتأويل يتطرق إليه قال سيبويه: يجوز أن يقول القائل: ما رأيت رجلا ~~وإنما رأيت رجالا وإذا كان ينتظم الكلام على هذا الوجه فليس التنكير مع ~~النفي نصا في اقتضاء العموم غير قابل للتأويل ووجه تطرق الاحتمال إليه الذي ~~نبهنا عليه فإذا قال القائل ما جاءني من رجل لم يتجه فيه غير التعميم فإن ~~"من" وإن جرت زائدة فهي مؤكدة للتعميم قاطعة للاحتمال الذي نبهت عليه ~~والنكرة إذا جرت في مساق شرط لم يتطرق إليها التأويل المذكور في النفي ولم ~~يسغ حملها من غير قرينة مخصصة على الخصوص. # مسألة: ### | 244- # اللفظ الموضوع للإشعار بالجنس الذي واحده بزيادة هاء كالتمر والتمرة ~~والشجر والشجرة وبابهما مما تردد فيه أصحاب العموم وهذه المسألة نجمع إليها ~~أخرى [ونفصل بينهما] . # فإذا قال القائل: الرجل أفضل من المرأة فهذا مما ترددوا فيه أيضا فقال ~~قائلون من المعممين: هو [للاستغراق والاستيعاب للجنس] وأنكر اخرون مقتضى ~~الاستغراق فيه. # PageV01P119 # والرأي الحق عندي والله أعلم البداية بالمسألة الأخيرة أن الرجل يعرف على ~~بناء تنكير سابق فيقول القائل أقبل رجل ثم يقول قرب الرجل والتقدير من ~~ذكرته مقبلا قد قرب فهذا تعريف [مرتب] على تنكير سابق فلا يقتضي هذا ولا ما ~~في معناه استغراقا وانطباقا على الجنس. # وإذا قال القائل الرجل أفضل من المرأة ولم يسبق تنكير ينعطف التعريف عليه ~~فهذا للجنس ومنه قوله تعالى: {الزانية والزاني} 1, {والسارق والسارقة} 2 ~~فإن من سبق تنكيره وظهر ترتيب التعريف عليه فهو غير محمول على استغراق ~~الجنس وفاقا فإن لاح في الكلام قصد الجنس في مثل قول القائل الدينار أشرف ~~من الدرهم ولم يسبق تنكير ينعطف عليه التعريف فهو للاستغراق وإن جرى هذا ~~الكلام ولم يدر أنه خرج [تعريفا لمنكر ms102 سابق أو إشعارا] بجنس فالذي صار إليه ~~معظم المعممين أنه للجنس. # والذي أراه أنه مجمل فإنه حيث يعم لا يعم لصيغة اللفظ وإنما يثبت عمومه ~~وتناوله الجنس بحالة مقرونة معه مشعرة بالجنس فإذا ورد اللفظ وليس جمعا ولا ~~موضوعا للإبهام المقتضى للاستغراق كما يجري في أدوات الشرط فالأمر متلقى في ~~الخصوص والعموم من القرينة فإذا لم ندرها لم يتجه إلى التوقف. # فإن قيل: أرأيتم لو قطعنا بانتفاء قرينتي العموم والخصوص فماذا ترون قلنا ~~لا ينتظم الكلام من قاصد إلى هذا اللفظ إلا مترتبا على تنكير أو مشعرا بجنس ~~في قصد المتكلم ففرضه من المتكلم على منتظم الكلام عربا عن إحدى قرينتي ~~العموم والخصوص في مقال أو حال محال فهذا قولنا في هذا الطرف. ### | 245- # وأما التمر والتمرة فمطلق اللفظ الذي واحده بزيادة الهاء للعموم عند ~~محققي المعممين. # وأنكر بعض أصحاب العموم ذلك من حيث أنه غير مستعمل في سياق وضعه للإبهام ~~كالشرط وليس جمعا أيضا وربما استمسك هؤلاء بأنه يجمع في نفسه فيقال تمور. # وهذا لا حاصل له فإن الإبهام والجمع عند منكري العموم في ألفاظ الجنس. ~~PageV01P120 # ثابته أيضا ووضوح ثبوتها يغنى عن بسط القول فيها وما ذكروه من جمع التمر ~~على تمور مردود من وجهين أقربهما أنه يعارضه امتناع قول القائل: تمر واحد ~~وهذا أظهر من متعلقهم ثم [التمور] جمع من حيث اللفظ وقد قال سيبويه: الناقة ~~تجمع على نوق النوق على نياق وهما جميعا من أبنية الكثرة ثم النياق على ~~أينق وهو مقلوب أنوق أو أينق في أمور تصريفية والأفعل جمع القلة وهذا الجمع ~~مردود إلى ألفاظ أقوام قالوا: نياق. # ومن بديع ما يتفطن له الفطن في ذلك أن التمر المطلق أحرى باستغراق الجنس ~~من التمور فإن التمر يسترسل على الجنس لا بصيغة لفظية والتمور ترده إلى ~~تخيل الوحدان ثم الاستغراق بعده بصيغة بعده بصيغة الجمع وفي صيغة الجمع ~~مضطرب بينهم وسرها يتبين في أقل الجمع. # مسألة: ### | 246- # اللفظ المشترك كالقرء واللون والعين وما في معناها إذا ورد مطلقا فقد ms103 ذهب ~~ذاهبون من أصحاب العموم إلى أنه محمول على جميع معانيه إذا لم يمنع منه ~~مانع ولم يفرق هؤلاء بين أن يكون اللفظ حقيقة في محامله وبين أن يكون حقيقة ~~في بعضها مجازا في بعضها. # وهذا ظاهر اختيار الشافعي1 فإنه قال في مفاوضة جرت له في قوله تعالى: {أو ~~لامستم النساء} 2 فقيل له: قد يراد بالملامسة المواقعة قال: هي محمولة على ~~اللمس باليد حقيقة وعلى الوقاع مجازا. # وقال قائلون: اللفظ المشترك إذا ورد مطلقا محمول على الحقائق ولا يحمل ~~على الحقيقة والمجاز جميعا. # وعظم [نكير] القاضي على من يرى الحمل على الحقيقة والمجاز جميعا وقال في ~~تحقيق إنكاره اللفظة إنما تكون حقيقة إذا انطبقت على معنى وضعت له في أصل ~~اللسان وإنما تصير مجازا إذا تجوز بها عن مقتضى الوضع وتخيل الجمع بين ~~الحقيقة والمجاز كمحاولة الجمع بين النقيضين. ### | 247- # والذي أراه أن اللفظ المشترك إذا ورد مطلقا لم يحمل في موجب. PageV01P121 # الإطلاق على المحامل فإنه صالح لاتخاذ معان على البدل ولم يوضع وضعا ~~مشعرا بالاحتواء عليها فادعاء إشعاره بالجميع بعيد عن التحصيل وهذا القول ~~يجري في الحقائق وجهات المجاز. # فإن قيل: يجوز أن يراد به جميع محامله قلنا: لا يمنع ذلك مع قرينة متصلة ~~مشعرة بذلك مثل أن يذكر الذاكر محامل العين فيذكر بعض الحاضرين لفظ العين ~~ويتبين من حاله أنه يريد تطبيقه على جميع ما جرى. # فإن قيل: فهل ترون حمل اللفظ على وجه في الحقيقة وآخر في المجاز قلنا: ~~نعم لا ننكره مع قرينة. # فإن قيل: بم تنفصلون عما ذكره القاضي؟ قلنا ما ذكره يئول إلى اشتقاق لفظ ~~المجاز والحقيقة فإذا رد الكلام إلى حمل الملامسة على الجس باليد الوقاع ~~فهما معنيان كغيرهما فهذا منتهى القول في ذلك. # مسألة في ألفاظ الشارع في حكايات الأحوال: ### | 248- # قال الشافعي: ترك الاستفصال في حكايات الأحوال مع الاحتمال يتنزل منزلة ~~العموم في المقال. # ونحن نضرب لذلك مثالا ننزل عليه بيان الغرض روى أن غيلان1 أسلم وتحته عشر ~~نسوة فقال [له] رسول ms104 الله صلى الله عليه وسلم2: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" ~~ولم يسائل غيلان عن كيفية عقوده عليهن في الجمع والترتيب فكان إطلاقه القول ~~دالا على أن لا فرق بين أن تتفق العقود عليهن معا أو تجري عقود مرتبة. ### | 249- # وهذا فيه نظر عندي من حيث إنه لا يمتنع أن الرسول عليه السلام كان عرف ~~ذلك فنزل جوابه على ما عرف ولم ير أن يبين لرجل حديث العهد بالإسلام علة ~~الحكم ومأخذه وعليه يجري معظم الفتاوي والمفتي يطلق جوابه للمستفتي إذا رأى ~~الجواب منطبقا على وفق الحادثة وإن كان ذلك الحكم لو أرسل لفصل فهذا وجه. ~~PageV01P122 # وإن تحقق استبهام الحال على الشارع صلى الله عليه وسلم وصح مع ذلك أنه ~~أرسل جوابه فهذا يقتضي لا محالة جريان الحكم على التفاصيل واسترساله على ~~الأحوال كلها ولكنا لا نتبين في كل حكاية تنقل إلينا أنها كانت مبهمة في حق ~~الرسول وجوابه المطلق كان مرتبا على استبهامها فمن هذه الجهة لا يبقى ~~مستمسك في محاولة التعميم وادعاء قصد ظهوره في حكايات الأحوال المرسلة. # ولكن وجه الدليل مع هذا واضح في قضية غيلان1 فإنه صلى الله عليه وسلم قال ~~له2: "أمسك أربعا" فأجملهن ولم يخصص الإمساك بالأوائل عن الأواخر وفوض ~~الأمر فيه إلى خيرة من كان أسلم. # وقال لفيروز الديلمى وقد أسلم على أختين, "اختر أيتهما شئت وفارق ~~الأخرى". ### | 250- # ثم نقل أصحاب المقالات عن أبي حنيفة أنه عمم أمورا لا يصير إلى تعميمها ~~شاد في الأصول فضلا عمن يتشوف إلى التحقيق فمنها أنه قال إذا روى الراوي أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قضى في كذا بكذا اقتضى ذلك عموم القضاء في غير ~~المحل المنقول مثل ما روى أنه قضى بالكفارة على من جامع في نهار رمضان وزعم ~~أبو حنيفة أن هذا يعم كل إفطار وهذا إن قاله تلقيا من اللفظ ومقتضى مساق ~~الكلام فهو خرق بين وإن قاله قياسا فمسلك القياس غير مردود على الجملة. # وقد قال الشافعي فيما نقله الرواة عن رسول الله صلى الله ms105 عليه وسلم أنه ~~قضى في الأموال بالشاهد واليمين فهذه الحجة تختص بمحلها كما نقلت واللفظ لا ~~يشعر بعمومه والأقيسة لا جريان لها في مراتب البينات فإنها مستندة إلى ~~التعبدات. # مسألة في أقل الجمع: ### | 251- # قد اضطرب رأي العلماء في ذلك فذهب ذاهبون إلى أن أقل الجمع ثلاثة وهذا ~~المذهب يعزى إلى ابن عباس وابن مسعود ولم ينقل عنهما تنصيص على ذلك ولكن ~~تبين مذهب ابن عباس بمصيره إلى أن الأخوين لا يحجبان الأم من الثلث إلى ~~السدس لأن المذكور في كتاب الله تعالى الإخوة وظهر للناقلين مذهب ابن مسعود ~~من مصيره إلى أن الثلاثة إذا اقتدوا برجل اصطفوا خلفه وإن اقتدى رجلان برجل ~~وقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ولا يصطفان وراء الإمام. PageV01P123 # وظاهر مذهب الشافعي في مواضع تعرضه للأصول يشير إلى هذا وذهب ذاهبون إلى ~~أن أقل الجمع اثنان والأستاذ أبو إسحاق رحمه الله يمل إلى هذا وقد ذهب إليه ~~جمع من المعتزلة. ### | 252- # وحق الناظر في هذه المسألة أن ييئس من العثور على مغزاها ما لم يستكملها ~~فإن المقصود منها يتبين على تدريج والذي أرى استفتاح الكلام به أن الصائرين ~~إلى أن أقل الجمع اثنان ربما يستمسكون بأشياء لا معتصم فيها وأنا [أفيد] ~~الناظر بذكر ما يتمسك به هؤلاء أمرين. # أحدهما بطلان استدلالهم والثاني إيضاح تمييز [مباينة مسلكهم] عن محل ~~النزاع. # فمما ذكروه قوله تعالى في شأن عائشة1 وحفصه2 رضي الله عنهما: {إن تتوبا ~~إلى الله فقد صغت قلوبكما} 3 والمراد بذلك قلباكما. # وهذا قلة معرفة بالعربية فإن مالا يتعدد من شخصين فالتعبير في اللغة ~~الفصيحة عنهما بصيغة الجمع فهذه صورة مستثناة ولها باب وقياس والدليل على ~~سقوط الاستشهاد بها أن ذكر صيغة التثنية غير مستحسن في هذا الفن. # ومما تمسكوا به الضمير الذي يعني به المتكلم نفسه وغيره متصلا ومنفصلا ~~فالضمير المنفصل في ذلك قول القائل نحن والمتصل كقوله فعلنا قالوا أقل معنى ~~هذا الفن وهو جمع اثنان. # وهذا أيضا مستثنى عن محل الخلاف فإنه باتفاق أهل اللسان ms106 موضوع لتعبير ~~المرء عن نفسه وغيره سواء كان واحدا أو جمعا واللغات لا تثبت قياسا كما سبق ~~تقريره وإنما معتمدها النقل فمن حاول إثبات شيء من اللغة تلقيا من قياس ~~بعضها على بعض فقد جانب مسلك السداد في مآخذها. PageV01P124 # فإذا آل الخلاف إلى صيغ الجموع التي تترتب في صيغ وضع اللسان مسبوقة بصيغ ~~التثنية سواء كانت للسلامة أو للتكسير فنقول: رجلان ورجال ومسلمان ومسلمون ~~فإذا تعين محل النزاع فليقع الكلام وراء ذلك. # فمن ركيك الكلام وغثه تشبيب من ذكرناه باشتقاق الجمع ومصيرهم إلى أن ~~الواحد إذا جمع إلى مثله فقد تحقق فيهما معنى الجمع فإن الخلاف ليس في معنى ~~لفظ الجمع المنتظم من الجيم والميم والعين وإنما الخلاف في حمل الرجال على ~~رجلين والمسلمين على مسلمين فإن سمى مسم بعض هذه الألفاظ جمعا فلا يحكم ~~بهذه اللغة التي استحدثها المتأخرون على موضوع اللفظ. ### | 253- # فإن قيل: فما المرتضى الآن؟ قلنا هذه المسألة موضوعة على رأى المعممين ~~فمطلق اللفظ معناه في مختارنا ما سبق وإن روجعنا في جواز رد اللفظ عند قيام ~~المخصصات على اثنين أو ثلاثة فعند ذلك ننادى ونقول: إن صار صائرون إلى أنه ~~يمتنع رد معنى اللفظ بالتخصيص إلى اثنين فنحن لا نمنع هذا فقد يبدو للرجل ~~رجلان فيقول: أقبل الرجال ونحن لا نسوى مع ذلك بين الثلاثة والاثنين والرد ~~إلى الثلاثة أهون من الرد إلى اثنين ويستدعي الرد إلى اثنين من ظهور مستند ~~التأويل ما لم يستدعه الرد إلى ثلاثة على ما سنوضح ذلك في كتاب التأويلات ~~إن شاء الله تعالى. # والذي أراه أن الرد إلى رجل واحد ليس بدعا أيضا ولكنه أبعد من الرد إلى ~~اثنين بكثير وها أنا أنزل هذه المراتب الثلاث على حقائقها ليتضح مأخذ كل ~~مرتبة. ### | 254- # أما فرض الرد إلى واحد فنضرب مثاله ثم نذكر سبيله ومجاله فإذا برزت ~~المرأة لرجل حسن من بعلها أن يقول في توبيخها أتتبرجين للرجال يالكعاء؟ وإن ~~لم تتبرج إلا لواحد وسبيل ضبط هذا القسم [في غرضنا] أن لا ms107 يعتقد أنه من ~~مقتضى اللفظ لا في الأقل ولا فيما يزيد عليه ولكن إذا تبين في مقصود ~~المتكلم استواء الواحد والجمع فلا يبعد إطلاق الجمع عند ظهور الواحد من ~~الجنس من جهة أن الأنفة والحمية إنما سببها التبرج للجنس آحادا وجمعا والذي ~~ينقم منها في الواحد ينقم منها في الجنس. # فإذا لاح الفن الذي أشرنا إليه في صوب قصده كان لفظ الجمع كلفظ الواحد ~~ولعل لفظ الجمع أمثل وأشكل وأوفق للقصد والغرض فإذا لم يكن في. # PageV01P125 # الكلام هذا النوع أو ما يدانيه لم ينقدح حمل صيغة الجمع على الواحد فإن ~~تحققنا عدم هذا الفن فلا وجه للرد للواحد وإذا ترددنا في اقتران مثل ذلك ~~باللفظ [تردد] وقوفنا عن القطع من جهة عدم الإحاطة بوجود القرينة وانتفائها ~~فهذا ما أرضاه في هذه المرتبة. ### | 255- # فأما الرد إلى اثنين فيسوغ [بما] يسوغ به الرد إلى الواحد ويسوغ بجنس آخر ~~وهو الإشعار بما يزيد على الثالث والجمع فيه من غرض التناصر فيقول القائل ~~إذا بدا رجلان يخافهما وكان لا يبالي بالواحد منهما أقبل الرجال وإطلاق ~~صيغة التثنية ها هنا أمثل وأوفق للنص على الغرض فإن من يحاذر التجمع يتقى ~~من الثلاثة أكثر مما يحاذره من اثنين فليس أطلاق الرجال بعيدا ولكن الأثر ~~كله للقرينة غير أن القرينة إنما تؤثر مع ما في طباع اللفظ من احتمال أثرها ~~والتقاسيم التي ذكرتها في إيضاح اختياري في صيغة العموم توضح ذلك كله. ### | 256- # فأما القول في الرتبة الثالثة وهو الرد إلى ثلاثة فلا يستدعي ذلك قرينة ~~حاقة في جنس مخصوص وبهذا تنفصل المسألة نعم إن لم يقم دليل وهو مستند ~~التأويل [فقد] بان وجوب الجريان على الظاهر فجمع الكثرة للاستغراق وإن ظهر ~~دليل هو أوضح في مسالك الظن من ظهور مقتضى اللفظ في الاستغراق فهذا أوان ~~تأويل كما سيأتي إن شاء الله تعالى مشروحا في كتاب التأويل وإن عد ما ظهر ~~مناقضا اللفظ فهذا أوان الوقوف. ### | 257- # وقد ذكر بعض الأصوليين أن من اثار الخلاف في معنى أقل الجمع ms108 أن الرجل إذا ~~قال لفلان على دراهم أو أوصى بدراهم فلفظ المقر والموصى محمول على أقل ~~الجمع فإن قيل أقل الجمع اثنان قبل حمل اللفظ عليهما وإن قيل: أقل الجمع ~~ثلاثة لم يقبل التفسير باثنين وما أرى الفقهاء يسمحون بهذا ولا أرى للنزاع ~~في أقل الجمع معنى إلا ما ذكرته فليعلم الناظر أن معظم الخلاف سببه توسط ~~[النظار] النظر من غير استتمام له وقد ظهر في [العقول] تباين الرتب الثلاث ~~وقل من يوفق لدرك سبب التباين فابتدروا إلى الاختلاف في أقل الجمع ولو هدوا ~~للإحاطة بالغايات لما كان لاختلافهم معنى. # PageV01P126 ### | فصل: في بقية أحكام الصيغة المطلقة ### | 258- # الألفاظ الموضوعة للعموم تنقسم إلى المطلق والمقيد فالمطلق ما يتعرى عن ~~قرينة تنافى مقتضى العموم والذي قدمناه في صدر هذا الكتاب إلى هذا الفصل في ~~بيان أحكام إطلاق الصيغ فإن جرى في أثناء الكلام للقرائن ذكر فإنما جرى ~~القول فيها لتحقيق قضايا الإطلاق ونحن الآن نجري مسائل في أحكام الإطلاق ~~بها استكمال هذا القسم. # فإذا نجزت ملنا إلى تقاسيم القرائن واستفتحنا بعدها قواعد التخصيص ومسائل ~~الاستثناء وميزنا بين التخصيص والاستثناء مستعينين بالله تعالى. # مسألة. ### | 259- # إذا ورد في الشرع لفظ يتناول في اللغة الأحرار والعبيد فهو عند المحققين ~~محمول على الجنسين وذهب بعض الضعفاء إلى أن المطلق من الألفاظ يختص ~~بالأحرار. # فنقول: مقتضى اللفظ من طريق اللغة لا نزاع فيه وقد تقرر أنا متعبدون ~~بالجريان على مقتضى الألفاظ اللغوية إذا صدرت من الشارع ولم يثبت مخصص مانع ~~من إجراء مقتضى اللفظ وهذا القدر مقنع فيما نريده. # والذي تخيله هؤلاء أن العبيد مستوعبون بحقوق السادة مستغرقون بتصريفهم ~~إياهم وتصرفهم فيهم فكانوا مستثنين عن مقتضى مطلق الألفاظ بما تقرر به ~~الشرع من أحوالهم في ذلك. # وهذا إيهام لا حاصل وراءه فإنه ثبت تعلق حقوق السادة [بهم] في وجوه وتلك ~~الوجوه لا تمنع اندراجهم تحت مقتضى ألفاظ الشارع صلى الله عليه وسلم في ~~غيرها فإن اجتمع ظاهر في العموم وقضية ثابته من أحكام الرق موجبها خروج ~~الرقيق عن ms109 أحكام العموم فإنها تجري مجرى المخصص ويخرج اللفظ إذ ذاك عن ~~حقيقته في الإطلاق. # ومثل ذلك يفرض في طبقات الخلق على تغير طباعهم وتفنن أنحائهم والله ~~الموفق. # PageV01P127 # مسألة: ### | 260- # إذا ورد في لفظ الشارع صلى الله عليه وسلم صيغة جمع السلامة كالمسلمين ~~والمؤمنين مما وضع مرتبا على بنية مؤمن في الذكور [عند الإطلاق] ففي تناول ~~هذه الصيغة عند الإطلاق للنساء خلاف. # فذهب ذاهبون إلى أنه يتناول النساء واستدلوا عليه بأن العرب إذا حاولت ~~التعبير عن الذكور والإناث بصيغ جمع السلامة فمن مذهبها المطرد تغليب ~~التذكير وهذا مشهور عنهم مسطور في كتب أئمة العربية. # والرأي الحق عندنا خلاف ذلك والذي تخيله هؤلاء وهم وزلل ولا يخفى على من ~~شدا طرفا من العربية أن قول القائل: مسلمان مبني على قول القائل [في الواحد ~~مسلم وقول القائل مسلمات مبنى على قوله] في الوحدان مسلمة وقول القائل ~~مسلمون مبني على مسلم ومسلمين وهذه التقاسيم أظهر من أن يحتاج في إثباتها ~~إلى تكلف وإطناب ثم ميزت العرب باب الإناث فقالوا مسلمة ومسلمتان ومسلمات ~~وما ذكره هؤلاء من تغليب علامة التذكير عند محاولة التعبير عن [الجنسين] ~~فصحيح على الجملة ولكنهم لم يفهموه على وجهه فإن ما ذكروه سائغ إن أريد ~~فأما أن يقال: وضع اللسان على أن المسلمين مسترسل على الرجال والنساء ~~استرساله على آحاد الرجال فلا والذي ذكروه صالح لو أريد وليس في اللسان ~~القضاء به إلا عند قرينة شاهدة عليه. # ولا شك إن ما ذكرناه مختص بصيغة جمع السلامة وأما الألفاظ التي تشتمل في ~~الوضع على الجنسين فلا شك في تناولها كالناس والقوم وما أشبههما. # مسألة: ### | 261- # من, من الألفاظ المبهمة وهي إحدى صيغ العموم في اقتضاء الاستغراق إذا وقع ~~شرطا ويتناول الذكور والإناث وذهب إلى هذا أهل التحقيق من أرباب اللسان ~~والأصول وذهب شرذمة من أصحاب أبي حنيفة إلى أنه لا يتناول الإناث واستمسكوا ~~بهذا المسلك في مسألة المرتدة فقالوا في قوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل ~~دينه فاقتلوه" 1 لا يتناول. PageV01P128 # النساء وإنما ms110 غرهم ما طرق مسامعهم من قول بعض العرب من ومنه ومنان ومنون ~~ومنات قال الشاعر1: # أتوا ناري فقلت منون2 أنتم؟ ... فقالوا: الجن قلت: عموا3 ظلاما. # وهذا قول الأغبياء الذين لم يعقلوا من حقائق اللسان والأصول شيئا. # ولا خلاف أن من إذا أطلق مبهما شرطا لم يختص بذكر أو أنثى جمع أو وحدان ~~وهذا مستمر في الألفاظ الشرعية وألفاظ المتصرفين في الحلول والعقود ~~والأيمان والتعليقات وهو الجاري في تفاهم ذوي العادات متفق عليه في وضع ~~اللغات فإذا قال القائل: من دخل الدار من أرقائي فهو حر لم يتخصص بالعبيد ~~الذكور وكذلك لو أوصى بهذه الصيغة أو ناط بها توكيلا أو إذنا في قضية من ~~القضايا. ### | 262- # ثم للعرب مذهبان شائعان فمنهم من يكني عن معنى من ومنهم من يرد الكناية ~~إلى لفظه وهما جاريان في التنزيل قال الله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك} 4 ~~وقال: {ومنهم من يستمعون إليك} 5 فكذلك القول في التذكير والتأنيث فهذا مما ~~لا يبدي المراء فيه إلا غبي. # وأما ما اغتر به هؤلاء من قول بعضهم: من ومنان فهذا من شواذ اللغة وليس ~~من ظاهر كلام العرب وإنما أورده سيبويه في باب الحكاية وبناء على محاكاة ~~الخطاب فإذا قال القائل: [جاء] رجل قلت: من؟ وإذا قال: جاء رجلان قلت: منا؟ ~~وإذا قال: أقبل رجال, قلت: منون؟ وإذا قال: أقبلت امرأة قلت: منه؟ وكذلك ~~منتان ومنات ثم ما ذكرناه ليس باللغة الغالبة في باب الحكاية أيضا. # والقول الجامع في هذا أن ما ذكروه وإن ساغ فالأفصح غيره فليس شرطا معتبرا ~~في تمييز الذكور والإناث بل هو مما نطق به الناطقون والقانون المتفق عليه ~~ما ذكرناه. PageV01P129 # مسألة: ### | 263- # اختلف الأصوليون في دخول المخاطب تحت الخطاب في مثل قول القائل لمأموره ~~من دخل هذه الدار فأعطه درهما فلو دخل هذا المخاطب الدار فهل يعطيه المأمور ~~بحكم اقتضاء اللفظ كما يعطى غيره من الداخلين. # قال قائلون هو بمثابة غيره ممن يدخل الدار وقال اخرون إنه غير داخل في ~~مقتضى قول نفسه. # وتعلق ms111 هؤلاء بأمثلة لا تحقيق للتعلق بها كقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} ~~1 فإنه غير داخل في مقتضى هذا القول وإن كان جل وعلا شيئا من حيث إنه ~~يستحيل أن يكون مخلوقا فثبت أنه لا يدخل المخاطب تحت الخطاب وهذا غير سديد ~~فإنه ينقدح للمعترض أن يقول إنما لم يدخل من حيث إن الخلق اختراع وإيجاد ~~لما لم يكن ولا يعقل ذلك إلا في محدث مفتتح الكون والرب تعالى قديم لم يزل ~~فكان عدم تناول مقتضى الكلام [له] لهذا المعنى لا لامتناع دخول المخاطب تحت ~~الخطاب. # ثم التعلق بالأمثلة والكلام في بناء القواعد والكليات ذهاب عن مسلك ~~التحصيل فإن آحاد الأمثلة يمكن حمل الأمر فيها على جهات من التخصيص لا ~~تنضبط فلا يستمر إذا مثل هذا في محاولة عقد الأصول. ### | 264- # والرأي الحق عندي: أنه يدخل المخاطب تحت قوله وخطابه إذا كان اللفظ في ~~الوضع صالحا له ولغيره ولكن القرائن هي المتحكمة وهي غالبة جدا في خروج ~~المخاطب من حكم خطابه فاعتقد بعض الناس خروجه عن مقتضى اللفظ والوضع وذلك ~~من حكم اطراد القرائن وغلبتها فإن من كان يتصدق بدراهم من ماله فقال في ~~تنفيذ مراده لمأموره من دخل الدار فأعطه درهما فلا خفاء أنه لا ينبغي أن ~~يتصدق عليه من ماله فحكمت القرائن وجرت على قضيتها واللفظ صالح ولو قال ~~[لمن يخاطبه] من وعظك فاتعظ ومن نصحك فاقبل نصيحته فلا قرينة تخرج المخاطب ~~فلا جرم إذا نصحه كان مأمورا بقبول نصيحته بحكم قوله الأول وبالله التوفيق. ~~PageV01P130 # مسألة: ### | 265- # إذا ورد خطاب مطلق في الكتاب العزيز [والسنة] يشمل الأمة بصيغة تصلح في ~~الوضع للرسول عليه السلام وهو كقوله: {يا أيها الذين آمنوا} وما في معناها ~~و {يا أيها الناس} فالذي صار إليه الأصوليون أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~داخل تحت الخطاب وذهب شرذمة لا يؤبه لهم إلى أنه غير داخل تحت الخطاب. # وهذا ساقط من جهة أن اللفظ صالح ووضع اللسان حاكم باقتضاء التعميم ~~والرسول من المتعبدين بقضايا التكليف كالأمة فإن ms112 قيل إنه على خصائص فالذي ~~يقتضي مرتبة الخطاب أن يخص بكل ما يكون معينا فيه وهذا هذيان فإن ثبوت ~~خصائص له في بعض القضايا لا يخرجه عن الأحكام العامة التي يشارك فيها الأمة ~~والخصائص بالإضافة إلى أحكام العموم قليل من كثير ثم كل جنس من الناس على ~~تفاوت الطبقات على خصائص فإن النساء مختصات بأحكام عن الرجال فكذلك ~~المسافرون مختصون عن المقيمين إلى غير ذلك من أصناف المكلفين ثم لا يقتضي ~~ذلك خروجهم عن قضايا الصيغ العامة وما ذكرناه تكلف وإلا ففي إشعار وضع ~~اللسان بالعموم ودخول الرسول عليه السلام في حكمه ومصير المحققين إلى وجوبه ~~والعمل بقضايا الظواهر مقنع في ذلك وبالجملة الخصوص في غير محل الخطاب لا ~~يقتضي تخصيصا في محل الخطاب. ### | 266- # وذهب بعض أئمة الفقهاء في ذلك إلى تفصيل فقال كان خطاب [لم يصدر] بأمر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغه ولكن ورد مسترسلا فالرسول مخاطب به ~~كغيره وكل خطاب صدر على الخصوص بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغه ~~فذلك الذي لا يتناوله كقوله تعالى: {يا أيها الناس} 1 وهذا ذكره الصيرفي2 ~~وارتضاه الحليمي3 وهو عندنا تفصيل فيه تخييل يبتدره من لم يعظم حظه من هذا ~~الفن. PageV01P131 # فأما القسم المسلم فلا حاجة إلى مرادة فيه وأما الخطاب المصدر بالأمر ~~بالتبليغ فهو يجري على حكم العموم عندنا فإن قوله: {يا أيها الناس} على ~~اقتضاء العموم في وضعه والقائل هو الله تعالى وحكم قول الله تعالى لا يغيره ~~أمر مختص بالرسول عليه السلام في تبليغه وكأن التحقيق فيه بلغني من أمر ربي ~~كذا فاسمعوه وعوه واتبعوه. # مسألة: ### | 267- # إذا وردت صيغة مختصة في وضع اللسان برسول الله عليه السلام فالذي صار ~~إليه أبو حنيفة وأصحابه أن الأمة معه في ذلك الخطاب شرع ولهذا تعلقوا في ~~عقد النكاح بلفظ الهبة بقوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن ~~أراد النبي أن يستنكحها} 1 [فالخطاب مختص به عندهم والأمة] متبعون النبي في ~~موجبه. ### | 268- # ونحن نقول إن جرى الكلام في مقتضى ms113 اللفظ فلا شك ولا امتراء في خروج الأمة ~~من موجبه ولكن وراء ذلك نظر فإن أصحاب رسول الله عليه السلام كان يحتج ~~بعضهم على بعض بالآيات التي وردت مختصة بخطاب المصطفى صلوات الله عليه وذلك ~~لما تقرر عندهم أن الأمة مشاركون للرسول في التكاليف وليس ذلك مستمرا أيضا. ### | 269- # وأنا أقول فيه ما ظهرت فيه خصائص الرسول عليه السلام كالنكاح والغنائم ~~وكان إذا ورد خطاب مختص في حكم اللسان برسول الله صلى الله عليه وسلم فما ~~أراهم كانوا يعتقدون مشاركته فيه لاقتضاء الصيغة التخصيص والعلم بخصائص ~~رسول الله صلى الله ليه وسلم فيما ظهر الخطاب فيه فأما ما لم يظهر فيه ~~خصائصه وورد فيه خطاب مختص به فهذا مجال النظر ولست أتحقق أيضا مسلكا قاطعا ~~من رأيهم في طرد اعتقاد المشاركة. ### | 270- # ومما يتعين له التنبيه الآن إلى أن يجيء تقريره في باب التأويلات أن كل ~~ظهور يتلقى من وضع اللسان فهو الذي يثبت عندنا وجوب العمل ما لم يمنع منه ~~مانع فأما غلبات الظنون في تقدير وقائع وعادات فما أراها [مناطا] للأحكام ~~وإن غلب الظن فيه كما غلب في إرادة الشارع عليه السلام بلفظه ما يشعر به ~~ظاهره. PageV01P132 # وهذا بمثابة تسويغنا للمؤول اعتماد الاحتمال على شرط عقد التأويل بالدليل ~~ثم لا يلتزم تنزيل الأمر على إمكان النسخ وإن كان محتملا فإن قطعنا بشيء من ~~ذلك حكمنا به وهذا كقطعنا أنهم كانوا يتأسون برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في أفعاله ويستبينون منها رفع الحرج عنهم إذا لم يظهر [لهم] اختصاص رسول ~~الله عليه السلام وهذا الفن مقطوع به فلا جرم المرتضى عندنا في حكم فعله ~~صلى الله عليه وسلم المنقول مطلقا استبانة رفع الحرج فيه عن الأمة إذا لم ~~يكن الفعل في محل خصائصه صلى الله عليه وسلم كما سيأتي بعد ذلك أحكام ~~أفعاله فالذي تيقناه في أفعاله لم نتيقنه في الخطاب المختص به صلى الله ~~عليه وسلم. # مسألة: ### | 271- # إذا خص رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من أمته بخطاب ms114 فهذا مما عده ~~الأصوليون من مسائل الخلاف فقالوا من العلماء من صار إلى أن المكلفين قاطبة ~~يشاركون المخاطب ومنهم من قال لا يشاركونه. # والقول في هذا عندي مردود إلى كلام وجيز فإن وقع النظر في مقتضى اللفظ ~~فلا شك أنه للتخصيص وإن وقع [النظر] فيما استمر الشرع عليه فلا شك أن خطاب ~~رسول الله وإن كان مختصا بآحاد الأمة فإن الكافة يلزمون في مقتضاه ما ~~يلتزمه المخاطب وكذلك القول فيما خص به أهل عصره وكون الناس شرعا في الشرع ~~واستبانة ذلك من عهد الصحابة ومن بعدهم لا شك فيه وكون مقتضى اللفظ مختصا ~~بالمخاطب من جهة اللسان لا شك فيه فلا معنى لعد هذه المسألة من المختلفات ~~والشقان جميعا متفق عليهما. # وهذه المسألة والتي قبلها في الصيغ الخاصة ولكنهما تعلقتا بما تقدم ~~عليهما فرأينا ذكرهما. # وقد نجزت الآن الألفاظ المطلقة في العموم ومقتضاها وحان الآن أن نذكر ~~الصيغ المقيدة المقترنة. # PageV01P133 ### | فصل: الصيغ المقيدة بالقرائن ### | 272- # فنقول: القرائن تنقسم إلى قرائن حالية وإلى قرائن لفظيه فأما القرائن ~~الحالية: فكقول القائل: رأيت الناس وأخذت فتوى العلماء ونحن نعلم أن حاله ~~لا يحتمل رؤية الناس أجمعين ومراجعة جميع العلماء فهذه القرينة وما في ~~معناها تتضمن تخصيص الصيغة وستتلوها مسائل حرية بالالتحاق بهذا القسم. # PageV01P133 # مسألة: ### | 273- # إذا ورد خطاب الشارع صلوات الله عليه وسلامه على سبب مخصوص وسؤال واقع عن ~~واقعة معينة فقد اختلف الأصوليون في أن الصيغة هل يتعدى سببها في اقتضاء ~~العموم أم يتضمن ورودها على السبب اختصاصها به؟. # فالذي صح عندنا من مذهب الشافعي اختصاصها به. # وعلىهذا يدل قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ~~إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} 1 الآية قال رضي الله عنه ~~كان الكفار يحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وكانوا ~~يتحرجون عن كثير من المباحات في الشرع فكانت سجيتهم تخالف وضع الشرع وتحاده ~~فنزلت هذه الآية مسبوقة الورود بذكر سجيتهم في البحيرة والسائبة ms115 والوصيلة ~~والحام والموقوذة وأكيلة السبع وكان الغرض منها استبانة كونهم على مضادة ~~الحق ومحادة الصدق حتى كأنه قال تعالى: "لا حرام إلا ما حللتموه". والغرض ~~الرد عليهم ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في مصيره ~~إلى حصر المحرمات فيما ذكر الله تعالى في هذه الآيات والذي نقله من يوثق به ~~من مذهب أبي حنيفة أن الصيغة مجراة على العموم وقد زاد على ادعاء العموم ~~أمرا منكرا إن صح عنه سنختم المسألة به. ### | 274- # ونحن نقول: إن كان جواب الشارع لا يفرض مستقلا بنفسه لولا تقدم السؤال ~~مثل أن يسأله رجل عن شيء معين قائلا: أيحل هذا؟ فيقول: نعم أو لا فلا سبيل ~~في ادعاء العموم فإن العموم فرع استقلال الكلام بنفسه بحيث يفرض الإبتداء ~~به من غير تقدم سؤال فإذ ذاك يستمسك المستمسكون باللفظ كما سنذكره ويتعلق ~~آخرون بالسبب. # فأما إذا كان الكلام لا يثبت له الاستقلال دون تقدم السؤال والسؤال خاص ~~والجواب تتمة له وفي حكم الجزء منه [فليس بموضع خلاف] . # وأما إذا كان كلام الشارع مستقلا بحيث لو قدر نطقه به ابتداء لكان ذلك ~~شرعا منه وافتتاح تأسيس فهذا موضع الكلام. PageV01P134 ### | 275- # والذي نرى القطع به التعلق بمقتضى الصيغة في أصل اللسان فإنا إن نظرنا ~~إلى معناها فهو عام وإن نظرنا إلى السبب فليس بدعا أن يسأل الرسول عليه ~~السلام عن شيء فيذكر في مقابلته تأسيس شرع يأخذ منه السائل خطه ويسترسل ~~مقتضى اللفظ على غيره. # فالقول البالغ فيه أن قصد التخصيص بالسبب الخاص يعارضه قصد ابتداء تمهيد ~~الشرع فإن لم يظهر قصد تأسيس الشرع لم يترجح قصد التخصيص بالسبب فإذا ~~تعارضا لم يحكم أحدهما على الثاني وتعين التمسك باللفظ ومقتضاه العموم ~~ولهذا اعتقد صحبه الأكرمون عدم اختصاص ألفاظه بالمكان والزمان والمخاطبين ~~وسبقوا إلى أن الناس الذين لم يخاطبوا مع المخاطبين شرع في الشرع ولا حاجة ~~إلى ذلك مع ما قررناه. # وما ذكره الشافعي من الكلام على الآية فهو في غاية الحسن ولكن ما ذكر لا ms116 ~~يفيد الحكم على الآية بل يفيد تطرق التأويل إليها ولولا ما مهدنا لكانت ~~الآية نصا وهي من آخر ما نزل على رسول الله صلى الله ليه وسلم ولم يدع أحد ~~من حملة علوم القرآن النسخ فيها. ### | 276- # وأنا أقول وراء ذلك: مقتضى هذا السياق الذي هو [مستمسك] إمام دار الهجرة ~~مالك رضي الله عنه يقتضي تحليل الحشرات والقاذورات والعذرات وغيرها من ~~النجاسات فلا يستمر إجراء الآية على العموم مع اعتقاد هذا الذي ادعيناه [و] ~~قطع السلف بالتحريم فيه فإن أنكر منكر هذا واندفع في تحليل هذه الأشياء علم ~~قطعا انسلاله عن ضبط المسألة واستيطاؤه مركب العقوق فرب شيء نتحققه بعد ~~انقراض العصور وإن لم نشهد أهلها وإن سلم مسلم تحريم ما ذكرناه ولم يقابل ~~الحقوق بالعقوق وهاب حجاب الإنصاف فيبطل بذلك ادعاء النص في العموم. # ثم نحن وإن كنا لا نرى تطرق التخصيص إلى اللفظ مقتضيا مصير اللفظ مجملا ~~كما سنذكره في مسائل الخصوص فإنا نعتقد أن ذلك إن جرى يخرج اللفظ عن مراتب ~~النصوص في العموم ويلحقه بقبيل الظواهر وهذا كاف في مسلك الكلام على هذه ~~الآية. ### | 277- # وقد حان الآن أن نذكر ما نقل من سرف أبي حنيفة في عدم الالتفات إلى السبب ~~فنقول أولا إذا حكمنا بتعميم اللفظ الوارد في السبب الخاص فلا شك أنا. # PageV01P135 # لا تشترط في تجويز تخصيصه [ما] يجوز به تخصيص [الألفاظ] المطلقة بل نقول ~~تخصيص اللفظ [بسبب] يقوى جانب المؤول ويخفف عليه مؤنة طلب دليل بالغ في ~~الوضوح على ما سيأتي بيان ذلك وأمثاله في باب التأويلات ولكنا نقول: لا ~~يجوز إخراج سبب اللفظ بطريق التخصيص عن مقتضى اللفظ فهو إذا صريح في سببه ~~ظاهر في غيره على ما ارتضيناه. ### | 278- # ونقل ناقلون عن أبي حنيفة أنه يجوز إخراج سبب اللفظ بالتخصيص وإنما ادعى ~~النقلة عليه ذلك من خبرين أحدهما حديث العجلاني في اللعان فإنه لاعن امرأته ~~وهي حامل ونفى حملها فانتفى ومنع أبو حنيفة1 نفى الحمل باللعان وإن لم يرد ~~في بيان اللعان عن المصطفى ms117 صلى الله عليه وسلم غير قصة العجلاني والحديث ~~الآخر حديث عبد بن زمعة2 وكان سأل عن ولد أمته في ملك يمين فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش" 3 فغلا أبو حنيفة في اللفظ حتى ألحق ~~الولد بالأب في النكاح وإن تيقنا استحالة العلوق من الزوج ولم يلحق ولد ~~المملوكة بمولدها [وإن] أقر بالوطء والافتراش [فالذي] عندي أنه لا يجوز أن ~~ينسب إلى [متعاقل] تجويز استخراج السبب تخصيصا وما نقل عنه محمول على أن ~~الحديثين لم يبلغاه بكمالهما وكان ضعيف القيام بجمع الأحاديث صارفا جمام ~~طلبه إلى الرأي مع القطع بأن الذين مضوا كانوا لا يتعلقون بالرأي ما لم ~~يتعجزوا عن تتبع ألفاظ الشارع. # فهذا ما أردنا ذكره في القرائن الحالية. PageV01P136 ### | القرائن التي ليست حالية ### | مدخل # ... # القرائن التي ليست حالية. # فأما القرائن التي ليست حالية فهي تنقسم إلى الاستثناء والتخصيص ونحن ~~نبدأ بالاستثناء. # PageV01P136 # مسائل الاستثناء: ### | 279- # الاستثناء استفعال من الثني يقال: ثنيت الشيء إذا صرفته وثنى الثوب إذا ~~كف وغطف عن أطراف الأذيال والأكمام ثم للاستثناء أدوات في اللسان يطول ~~استقصاء القول فيها ونحن نذكر أمها وأصلها ونضبط تراجم الاستثناء مبنية على ~~القواعد ثم ننعطف على المسائل الأصولية في قضايا الاستثناء فنقول: ### | 280- # أصل أدوات الاستثناء "إلا" ثم لا يخلو إما أن يتصل بكلام متضمنه إيجاب1 ~~وإثبات2 وإما أن يتصل بكلام مبني على النفي فإن كان في واجب ثابت فوضع ~~اللسان فيه اقتضاء النصب تقول جاء القوم إلا زيدا والتقدير أستثنى زيدا فهو ~~حرف دال على فعل ناصب قال الله تعالى: {فشربوا منه إلا قليلا منهم} 3 وقد ~~يرد ما بعد إلا مرفوعا وهو فصيح منطوق به تقول جاءني القوم إلا زيد وعليه ~~حمل قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} 4 وأنشد فيه: # وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان. # وإنما يسوغ ذلك لأمر نحن ننبه عليه فنقول من قولهم في اللغة الفصيحة: جاء ~~القوم غير زيد فينصبون "غير" على الاستثناء ويأخذون نصب "غير" مما ينتصب ms118 ~~بإلا5 في قولهم جاء القوم إلا زيدا فغير يدخل على ما يعمل فيه "إلا" ويجوز ~~أن يقال جاء القوم "غير" زيد أجروا غير نعتا للقوم والتقدير جاء القوم ~~المغايرون لزيد ثم لما أدخلوا "غير" على حكم إلا أدخلوا ما بعد إلا في لغة ~~على "غير" في مذهب الصفة فقالوا: جاء القوم إلا زيد. ### | 281- # وإذا اتصل بكلام مبني على النفي فلا يخلو إما أن يتم الكلام دونه أو لا ~~يتم فإن لم يتم الكلام دونه فاعتماد الكلام على النفي تعمل إلا وجرى الكلام ~~بوجوه [الإعراب كما يجري فرضه] لو فرض حذف إلا. PageV01P137 # فتقول ما جاءني إلا زيد وما رأيت إلا زيدا وما مررت إلا بزيد كما تقول ما ~~جاءني زيد وما رأيت زيدا وما مررت بزيد. ### | 282- # وإن كان الكلام المبني على النفي يتم دون "إلا" فللعرب مذهبان في إعماله ~~منهم من يجريه مجرى استثناء ومنهم من لا يرى إعماله ويقول ما رأيت أحدا إلا ~~زيدا وما جاءني أحد إلا زيدا على الإعمال والاستثناء وإلا زيد على ترك ~~الإعمال وهو في تقدير النحاة بدل عن أحد واختلف القراء في قوله تعالى: {ما ~~فعلوه إلا قليل منهم} 1 فقراءة العامة على ترك الإعمال وقرأ ابن عامر إلا ~~قليلا منهم على الاستثناء وهذا إذا قدمت قولك أحدا فأما إذا قدمت قولك: إلا ~~على قولك أحد لم يتجه إلا الإعمال والحمل على الاستثناء تقول: ما جاءني إلا ~~زيدا أحد والسبب فيه أن سقوط العمل على البدل والبدل لا يتقدم على المبدل ~~قال زهير2: # القوم ألب علينا فيك ليس لنا ... إلا الرماح وأطراف القنا وزر. # وقال الكميت3: # فمالي إلا آل أحمد شيعة ... ومالي إلا مشعب الحق مشعب. # نصب آل لما أخر قوله: شيعة ونصب [المشعب] الأول على هذا المذهب وكل ما ~~ذكرناه في الاستثناء من الجنس. ### | 283- # فأما الاستثناء من غير الجنس والكلام مبني على النفي حيث انتهى الترتيب ~~إليه فمذهب الاستثناء شائع فيه وفاقا فتقول: ما جاء أحد إلا حمارا ~~والتقدير: أستثنى حما فأما إذا أتيت ms119 بما بعد إلا على تقدير البدل فقد اختلف ~~فيه أهل اللسان فمنع الحجازيون البدل وعينوا الاستثناء ولم يروا وقوع ~~الحمار بدلا. PageV01P138 # عن أحد وقالوا إنما يبدل من أحد عاقل قال النابغة1: # وقفت فيها أصيلا لا أسائلها ... أعيت جوابا وما بالربع من أحد # إلا أوارى لأياما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد. # فنصب الأواري على الاستثناء ولم ير إجراءها بدلا عن أحد وهذه لغة القرآن ~~وبنو تميم جوزوا مذهب البدل فقالوا: ما جاءني أحد إلا حمار واعتلوا بأن ~~التعبير بالأحد عن غير من يعقل ليس بدعا في مثل قولك أقبل أحد الحمارين في ~~كلام يطول تتبعه. # فهذه التراجم لم نجد بدا من تصدير الباب بها ونحن الآن نعود إلى المسائل ~~[الأصولية] ونرسمها مسألة. # مسألة: ### | 284- # صيغة الاستثناء إذا انقطعت لم تعمل وألغيت وشرطها في الصحة أن تتصل ~~بالمستثنى عنه وتجري جزءا من الكلام والمرعى في الاتصال أن يعد الكلام ~~واحدا غير منقطع. ### | 285- # ورأى أصحاب المقالات أن ابن عباس كان يجوز فصل الاستثناء ويعمله وإن طال ~~الفصل بينه وبين المستثنى عنه وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يجوز ذلك في كتاب ~~الله تعالى دون غيره. # والرد على من يجوز فصل الاستثناء مدرك بالبديهة يغني وضوحه عن الإطناب في ~~شرحه ولو عملت الاستثناءات المنفصلة لم يثبت ثقة بالعهود والمواثيق ولما ~~أفضى عقد إلى اللزوم ولما علم صدق صادق وكذب كاذب مع ارتقاب الاستثناء فكل ~~ما نذكره تكلف بعد حصول القطع بأن العرب وغيرها من أرباب اللغات لا يرون ~~إمكان [تغيير] الألفاظ الناصة على معانيها وإلحاق الاستثناء بعدها بعد ~~تمادى الآباد وتطاول الأزمان والكلام المسكوت عليه في رفع اللسان غير ~~مستدرك بعد الفصل بالاستثناء. PageV01P139 # والغامض في هذه المسألة أن ابن عباس وهو حبر هذه الأمة ومرجوعها في ~~مشكلات القرآن كيف يستجيز انتحال مثل هذا المذهب على ظهور بطلانه؟ والوجه ~~اتهام الناقل وحمل النقل على أنه خطأ أو مختلق مخترع والكذب أكثر ما يسمع ~~ويمكن أن يحمل مذهبه على إضمار الاستثناء متصلا ثم يقع البوح بادعاء إضماره ~~مستأخرا ms120 فإذا ادعى مدع أن صاحب الكلام مصدق فهذا مذهب على كل حال وإن كان ~~مزيفا وقد صار إليه بعض أصحاب مالك. ### | 286- # وأما من قال من الفقهاء بتجويز تأخير الاستثناء في كلام الله تعالى دون ~~غيره فإنما حمله عليه خيال من مبادئ كلام المتكلمين الصائرين إلى أن الكلام ~~الأزلي واحد وإنما الترتيب في جهات الوصول إلى المخاطبين وإن كان كل تأخر ~~قد تأخر من الاستثناء به فذلك من سماع السامعين وفهم المخاطبين لا في كلام ~~رب العالمين. # وهذا من هؤلاء اقتحام العمايات والارتباك في غمرات الجهالات فإن استقر ~~هذا العقد في اتحاد كلام [الله تعالى] والحكم عليه ظاهر بما هو الاختلاف ~~حقا والواحد لا يختلف فثبت أن الواحد الذي حقه ألا ينقسم مستثنى عنه ~~واستثناء المستثنى عنه منفى والاستثناء نفي وهيهات أن يشتمل على ذلك فكر ~~عاقل غير مصروف عن درك الحقائق بعرف التقاليد ثم ليس الكلام مع هذا كله في ~~الكلام الأزلي وإنما الكلام في العبارات التي تبلغنا وهي محمولة على معاني ~~كلام العرب نظما ووصلا وفصلا ولا شك أنه لا ينتظم في وضع العربية فصل صيغة ~~الاستثناء عن العبارة التي تشعر بمستثنى عنه فهذا منتهى القول في ذلك. # مسألة: ### | 287- # إذا اشتمل الكلام على جمل واستعقب الجملة الآخرة استثناء فالمنقول عن ~~الشافعي1 رضي الله عنه: أن الاستثناء ينعطف على الجمل كلها ولا يختص ~~بالجملة الآخرة منها. # وقال أبو حنيفة2: هو مختص بالجملة الآخرة معينا. ### | 288- # وينبني على المذهبين مسألة في الوصايا والحبس وهي أن القائل إذا قال: ~~PageV01P140 # وقفت داري هذه على بني فلان ثم على بني فلان وعدد طوائف وميز بعضهم من ~~بعض ذكرا ثم قال عند ذكر الطائفة الأخيرة إلا أن يفسق منهم فاسق فلا يستحق ~~من المسمى شيئا فهذا يتضمن على رأى الشافعي اشتراط العدالة في جميع البطون ~~قبله وأبو حنيفة رضي الله عنه ومتبعوه يزعمون أن الاستثناء المتصل بالجملة ~~الأخيرة يتضمن اشتراط العدالة في المسمين آخرا والمذكورون قبلهم يستحقون ~~فسقوا أو اتقوا وذكر الأصوليون آية القذف مثالا مفروضا ms121 لإيضاح المذهبين ~~وترجيح أحدهما على الثاني وهوقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك ~~هم الفاسقون إلا الذين تابوا} 1 رأى الشافعي صرف "إلا" في قوله: {إلا الذين ~~تابوا} 2 إلى ما أمكن من الجمل المتقدمة ومنها قوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا} 3 وخصص أبو حنيفة معنى هذا الاستثناء بنبذ الفسق والتسمية به ~~فالقذفة فسقة إلا من تاب فسقط عنه بظهور التوبة اسم الفسق وأما حكم الرد ~~المستفاد من قوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} 4 فلا ينعطف ~~الاستثناء عليه وهو مستدام على التأييد كما أشعر به قوله تعالى: {أبدا} . # ونحن نذكر الآن ما قاله الأصوليون لكل فريق ثم نذكر ما هو المختار كدأبنا ~~في المسائل. ### | 289- # فمما ذكره [أصحاب] الشافعي أن الجمل إذا عطف بعضها على بعض فالواو ناسقة ~~عاطفة مشركة مصيرة جميع ما للعطف بها في حكم جملة مجموعة لا انعطاف ولا ~~ترتيب فيها فإذا قال القائل رأيت زيدا وعمرا اقتضى ذلك اشتراك المذكورين في ~~الرؤية وحاصل ذلك يتضمن المصير إلى جعل الجمل وإن ترتبت ذكرا جملة واحدة ~~ويقتضي ذلك استرسال الاستثناء عليها. # وهذا عندي خلى عن التحصيل مشعر بجهل مورده بالعربية والتشريك الذي ادعى ~~هؤلاء إنما يجري في الأفراد التي لا تستقل بأنفسها وليست جملا معقودة ~~بانفرادها كقول القائل رأيت زيدا وعمرا فأما إذا اشتمل الكلام على جمل وكل ~~جملة لو قدر السكوت عليها لاستقلت بالإفادة فكيف يتخيل اقتضاء الواو ~~التشريك. PageV01P141 # فيها؟ ولكل جملة معناها الخاص بها وقد يكون بعضها نفيا وبعضها إثباتا في ~~مثل قول القائل: أقبل بنو تميم وارفضت قريش وتألبت عقيل فكيف يتحقق ~~الاشتراك في هذه المعاني المختلفة التي لا يتصور الإشتراك فيها؟ فالواو لا ~~تكسب الجمل إعرابا فكيف تشركها في المعنى؟ والإطناب في ذلك لا معنى له نعم ~~تستعمل العرب الواو في تضاعيف ذكر الجمل لتحسين نظم الكلام لا للعطف المحقق ~~والتشريك. ### | 290- # وادعى بعض أصحاب الشافعي أن بعض أصحاب أبي ms122 حنيفة يقولون إن الرجل إذا ~~قال: نسوتي طالق وعبيدي أحرار ودوري محبسة إن شاء الله تعالى فهذا ~~الاستثناء راجع إلى [جميع] ما تقدم وما أراهم يسلمون ذلك إن عقلوا وإن ~~سلموا فمطالب القطع لا يغنى فيها التعلق بمناقضات الخصم وهفواته فليبعد ~~طالب التحقيق عن مثل هذا. ### | 291- # ونحن نقول: إذا اختلفت المعاني وتباينت جهاتها وارتبط كل معنى بجملة ثم ~~استعقبت الجملة الأخيرة مثنوية فالرأي الحق الحكم باختصاصه بالجملة الأخيرة ~~فإن الجمل وإن انتظمت تحت سياق واحد فليس لبعضها تعلق بالبعض كما قدمنا ~~تقريره وإنما ينعطف الاستثناء على كلام مجتمع في غرض واحد. # وإن اختلفت المقاصد في الجمل فكل جملة متعلقة بمعناها لا تعلق لها بما ~~بعدها والواو ليست لتغيير المعنى وإنما هي لاسترسال الكلام وحسن نظمه ~~والجملة الأخيرة تفصل الاستثناء عن الجملة المتقدمة من حيث إن الخائض في ~~ذكرها آخذ في معنى يخالف معنى الجملة المتقدمة مضرب عنه فيظهر والحالة هذه ~~اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة وبيان ذلك بالمثال: أن الرجل إذا قال ~~[أكرموا من يزورنا] وقد حبست على أقاربي داري هذه وبعت عقاري الذي تعرفونه ~~من فلان وإذا مت فأعتقوا عبيدي إلا الفاسق منهم فيبعد انصراف حكم الاستثناء ~~إلى الحبس أو إلى الأمر بالإكرام ثم ليس يبعد قصد العطف على الجميع إذا ~~أمكن [ولكن] يس يشعر ظاهر الكلام به فإذا قال [القائل] وقفت على بني فلان ~~داري وحبست على أقاربي ضيعتي وسبلت على خدمي وموالى غنمي إلا أن يفسق منهم ~~فاسق فلا يظهر اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة ولا يظهر انعطافه على ~~الجمل كلها والأمر في ذلك موقوف على المراجعة والبيان. # والسبب فيه أن مساق الخطاب في الجمل كلها واحد ولكن الجمل منفصلة في ~~الذكر فجر اتحاد المقصود وفصل الجمل إجمالا ووقفا. # PageV01P142 ### | 292- # وأما آية القذفة فإنها خارجة عن القسمين جميعا على ما سنوضحه الان قائلين ~~قوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} 1 حكم في جملة وقوله تعالى: ~~{وأولئك هم الفاسقون} 2في حكم التعليل لحكم الجملة المتقدمة فإن الشهادة في ~~أمثال هذه ms123 المحال بالفسق ترد فإذا تاب رفعت التوبة علة الرد وانعطف أثرها ~~على الرد لا محالة فكأنه تعالى قال: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} 3 لأنهم ~~فاسقون إلا الذين تابوا وهذا يدرأ عنا سؤال من سأل فقال هلا حططتم الحد ~~بالتوبة فإنا نقول الحد في حكم المنقطع عن الرد فإنه موجب جريرة ارتكبها ~~والغرض من الحد الزجر عن أمثالها ولو سقط الحد بإظهار التوبة لاستجرأ ~~الفسقة على الأعراض فلم نر للحد ارتباطا بالرد والفسق وإنما ارتباطه بالزجر ~~الذي وضعه الشارع فكأنا عطفنا التوبة على جملة واحدة مؤذنة بالتعليل فلم ~~يلزم عطف أثرها على حكم جملة منقطعة عنها فإذا جرت مسألة قبول شهادة القذفة ~~لائحة مع استمساكنا بالحق المبين في مأخذ الأصول. ### | 293- # فإن قيل إذا حبس على فرق وطوائف وعقب على الجملة الأخيرة استثناء فبم ~~تفتون في موجب ذلك الاستثناء في الجمل السالفة قلنا أما من يعتقد ظهور ~~انعطاف الاستثناء في الجمل المتقدمة فلا يكاد يخفى قوله وأما أنا فعندي ~~الوقف فإن وجدت قرينة حاكمة اتبعتها فإن لم أجدها لم أحكم بالاستحقاق في ~~الجمل الماضية في محل الاستئناف فإني لم أتحقق استحقاقهم فيها ولا يثبت ~~الاستحقاق إلا بثبت فإن الأصل عدمه وهذا تقرب فائدته من فائدة مذهب من ~~يعتقد ظهور انعطاف الاستثناء على جميع المذكورين. # مسألة: ### | 294- # إذا استغرق الاستثناء الجميع كان باطلا لغوا واستقر الكلام المتقدم عليه ~~في جميع مقتضاه كما يستقر كلام لا يستعقبه استثناء وإن أبقى الاستثناء شيئا ~~وإن قل نفذ وبقى ما أبقاه الاستثناء. ### | 295- # وذكر القاضي أن شرط صحة الاستثناء أن يكون مضمونه أقل من نصف المستثنى ~~عنه ولم يتمسك إلا باستبعاد لا يليق بمنصبه التعلق بمثله فقال: إذا قال ~~القائل لفلان: عندي عشرة إلا تسعة وخمسة أسداس وخمسة حبات عد ذلك من. ~~PageV01P143 # الهزء وعد صاحبه ملغزا فالاستثناء لاستدراك قليل بالإضافة إلى المذكور ~~أولا وهذا الذي ذكره دعوى عرية وتهاويل لا تحصيل لها ومساقها يبطل ~~الاستثناء كرة إذ يقال للمستثنى كان من حقك ألا تعترف إلا بالفاضل بعد ~~استثنائك ms124 فإذا قلت: عشرة لم يقبل منك نفي شيء منها والذي ذكره من أن ~~الاستثناء في وجه حسن الكلام يقل مضمونه عن المبقى بعده فلسنا ننكر أن ~~الأحسن ما ذكره وأما رد غيره فلا سبيل إليه ولو قال القائل: لفلان على تسعة ~~وخمسة أسداس وخمس حبات كان ذلك تطويلا والأحسن أن يقول: لفلان على عشرة إلا ~~حبة فليس كل ما يوضح الأحسن يرد غيره. # مسألة: ### | 296- # ذكر الفقهاء اختلاف الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما في الرجل إذا قال ~~لفلان على ألف درهم إلا ثوبا ثم ذكر ثوبا لا يستغرق قيمة الألف المذكورة ~~وذكر وجها [معقولا] في استثناء قيمة الثوب عن الألف وجعل ذكر الثوب عبارة ~~عن قيمته فهذا مقبول عند الشافعي مردود عند أبي حنيفة وسوغ أبو حنيفة ~~استثناء الكيل بعضه من بعض وإن اختلفت الأجناس ردا إلى التأويل الذي ذكره ~~الشافعي في الثوب وكذلك جوز استثناء المكيل من الموزون والموزون من المكيل ~~في مرادات وفرق وجمع بين الفقهاء. ### | 297- # وحظ الأصول من هذه المسألة أن الجنس إذا اختلف فلا يجري الاستثناء فيه ~~على حقيقته ومن ضرورة الاستثناء الحقيقي مجانسة المستثنى للمستثنى منه فإن ~~صح في مسالك الظنون التعبير بالثوب عن قيمته فالمستثنى القيمة إذ هي مجانسة ~~للمستثنى منه لا الثوب بعينه [فالأصح بعد وضوح ذلك ألا يعتقد ثبوت ~~الاستثناء من غير الجنس فإن جرى لفظ] "إلا" في كلام فصيح لم يكن استثناء ~~وكان ذلك بمعنى لكن مع استفتاح كلام بعده] وهو كثير في القرآن الكريم ~~وألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {لا يسمعون فيها لغوا ولا ~~تأثيما إلا قيلا سلاما, سلاما} 1 [وليس السلام] من فن اللغو والتأثيم ومن ~~ضرورة الاستثناء الحقيقي أن تستخرج شيئا كان يدخل تحت لفظك لو أطلقته مجردا ~~عن الاستثناء فإن ذلك يكون صارفا لمقتضى اللفظ فأما مالا يفرض دخوله إذا ~~أطلق اللفظ كيف يتخيل خروجه وهذا واضح. PageV01P144 # فإن قيل: فما الذي حسن صيغة الاستثناء في ذلك مع خروجه عن حقيقة الباب؟ ~~قلنا: تقدير {لا ms125 يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما} 1 أي لا يسمعون فيها إلا ~~قليلا وجرى ما قبله في حكم التأكيد لنفي ما سوى السلامة وعلى هذا جرى ما ~~يضاهي ذلك. PageV01P145 ### | فصل: الفرق بين الاستثناء والتخصيص ### | 298- # قد ذكرنا ما يتعلق بالأصول من أحكام الاستثناء وقد كنا قسمنا قبل القرائن ~~إلى الاستثناء والتخصيص ونحن نذكر الآن بعد نجاز مسائل الاستثناء حقيقة ~~التخصيص والفرق بينه وبين الاستثناء ثم نندفع بعد هذا في قواعد التخصيص ~~وتقاسيم القول فيها. ### | 299- # [فنقول] : التخصيص إفراد الشيء بالذكر في اصطلاح الأصوليين تقول خصص فلان ~~الشيء بالذكر إذا أفرده واللفظ الخاص هو الذي ينبئ عن أمر يجوز إدراجه مع ~~غيره تحت لفظ آخر والخاص الذي لا يتصف بالعموم هو الذي يتناول واحدا فحسب ~~والعام هو الذي لا يثبت فيه مقتضى الخصوص كالمعلوم والمذكور والمخبر عنه ~~ورب لفظ هو خاص بالإضافة إلى عام فوقه وهو عام بالإضافة إلى خاص دونه ~~فالزيدان عام بالإضافة إلى زيد خاص بالإضافة إلى الزيدين وأمثلة ذلك تكثر. # ثم ذكر أرباب الأصول طرفا في الفرق بين التخصيص والاستثناء ونحن نذكر ~~حقيقة الفرق بينهما ثم نورد ما أوردوه تحقيقا لما نمهده. ### | 300- # فالاستثناء مع المستثنى عنه في حكم الكلام الواحد المسوق لما يبقى من ~~الاستثناء فإن قلت: عشرة إلا خمسة كان مجموع الكلام عبارة عن خمسة ولا ~~تقول: تبين بالاستثناء أن العشرة الواقعة في صدر الكلام عبارة عن الخمسة ~~وهذا محال لا يعتقده لبيب بل ذكر العشرة مع ذكر مطلقها إلا خمسة مجموعها ~~ينص على الخمسة الباقية ولو فرض مجرد العشرة لكان نصا في العدد المعنى به ~~ولو فرض استئخار إخراج الخمسة للغا الاستثناء وعد نسخا وقطعا لبعض العشرة ~~بعد اعتقاد الثبوت. # PageV01P145 ### | 301- # والتخصيص تبيين المراد باللفظ الموضوع ظاهره للعموم فلا يقع التخصيص جزءا ~~من الكلام الوارد عاما بل ذلك اللفظ ظاهره للاستغراق ولا يمنع أن يعنى به ~~فإذا بان أن مطلقه عنى به خصوصا أو ظن ذلك به على ما سنذكر مسالك الظنون في ~~التأويلات إن شاء الله تعالى فهذا هو ms126 الذي يسمى تخصيصا ولا يكون المخصص إذا ~~نصا في العموم ولو كان نصا لما تبين أن المراد به غير ما هو نص فيه أو بعضه ~~فهذا حقيقة الفرق. # ثم يقتضي ما ذكرناه أمورا يفترق فيها الاستثناء والتخصيص منها. ### | 302- # أن التخصيص قد يتبين بقرائن الأحوال ولا يفرض ذلك في وضع الاستثناء فإذا ~~قال القائل: رأيت الناس فالقرينة شاهدة بأنه لم ير جميعهم وإذا قال رأيت ~~عشرة فلا قرينة تدل على حمل العشرة على خمسة والاستثناء يتصل فإنه يعد جزءا ~~من الكلام كما تمهد والتخصيص لا يمتنع انفصاله [في وضع الكلام فإنه تبيين] ~~ولا يمتنع استئخار البيان عن اللفظ في وضع اللسان كالاستثناء فإن الانفصال ~~يخرجه عن كونه استثناء كما سبق ومن منع تأخير البيان عن مورد الخطاب فلا ~~يأخذ منعه من وضع اللسان وإنما يتلقاه مما يعتقده من القول بالاستصلاح على ~~ما سيأتي طرف منه بعد ذلك في حكم الخصوص والعموم. # وهذا القدر مقنع في محاولة الفرق بين البابين فإن الغرض في كل فن بيان ~~مقصوده والازدياد بعد البيان لا يفيد. ### | 303- # وليعلم الناظر أن ما نذكره في العموم والخصوص إنما يختص بالأسماء دون ~~الأفعال والحروف فإن الحروف لا تستقل بمعان حتى تقدر خاصة أو عامة والأفعال ~~لا يلحقها الجمع والتثنية كما سبق الرمز إليه وكل ما لا يتطرق إليه معنى ~~التعميم لا يلحقه معنى التخصيص فإنهما معنيان متعاقبان على التناقض لا يثبت ~~أحدهما إلا حيث يتصور ثبوت الثاني فانحصر طلب التعميم والتخصيص في الأسماء. ### | 304- # ثم نحن نذكر الآن ما يقبل التخصيص وحكم اللفظ إذا خصص ثم نذكر ما يقع به ~~التخصيص ونصل مختتم الكلام بالقول في التأويلات فلا أرى في علم الشريعة ~~بابا أنفع منه لطالب الأصول والفروع وهذا الترتيب يقتضي ذكر حقيقة النص ~~والظاهر والمجمل والمفسر والمتشابه والمحكم وما في كل فن من الوفاق والخلاف ~~إن شاء الله تعالى. # PageV01P146 # مسألة: ### | 305- # لا يمتنع ورود اللفظ العام [مع] استئخار المخصص عنه إلى وقت الحاجة وذهب ~~جماهير المعتزلة إلى منع ذلك وهذا من ms127 فروع القول في تأخير البيان عن مورد ~~الخطاب إلى وقت الحاجة ولكنا أقمنا رسمها لتجرى المسألة منتظمة في الكلام ~~للعموم والخصوص ولزيادة نوردها. # أما وجه التحاقها بما تقدم في أحام البيان فهو أن المخصص ليس جزءا من ~~الكلام المصدر بالصيغة العامة بخلاف الاستثناء وإنما هو بيان المراد باللفظ ~~تأويلا فلا يجب اتصاله كما يجب [في] الاستثناء والمستثنى عنه وليس تأخير ~~البيان مستحيل الوقوع عقلا فإن رد الخصم استحالة ذلك إلى الاستصلاح والقول ~~بموجب رعاية صلاح العباد فهو أصل لا يساعدون عليه ولا يمتنع أن يقع في ~~المعلوم أن استصلاح العباد في تأخير البيان إلى وقت الحاجة فلم يبق لما ~~منعوه وجه وقد ذكرنا هذا المسلك فيما سبق. ### | 306- # والذي [نزيده] أن الخطاب الذي يخصصه مقتضى العقل يجوز فرض وروده وإن كان ~~يستأخر عن [مورده] الإحاطة بإرادة الخصوص منه أخذا من أساليب العقول وهذا ~~متفق عليه ولا ينجى الخصوم منه قولهم إن العقل عتيد والنظر ممكن فإن ذلك ~~يستدعي تمادى أمد وتطاول زمن ولو اتصل التخصيص لفظا ونطقا لأغنى عن النظر ~~وليس لهم عما ألزموه جواب ولا حاجة إلى التزامهم ذلك مع ما مهدناه. ### | 307- # ونختتم المسألة بإلزامهم ورود عمومات الكتاب مع استئخار تبين خصوصها عن ~~موردها فإنا على اضطرار من عقولنا نعلم أن الأحكام التي اقتضتها الصيغ ~~مطلقة ثم فصلتها سنن الرسول صلى الله عليه وسلم على ممر الزمان عند اعتقاب ~~الوقائع كثيرة ومن أنكر ذلك وادعى أنه لم يرد خطاب مقتضاه عموم في الكتاب ~~إلا فصله رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثر مورده فقد ادعى [أمرا] ~~منكرا وقال بهتانا وزورا ومما نضربه مثالا آية السرقة فإنها [إذ وردت] لم ~~يبتدر رسول الله صلى الله عليه وسلم تفصيل أحكامها في الأقدار والأحراز ~~[ونصاب المسروق] في مجلس واحد بل كان لا يعتني بالإكباب على البيان اعتناءه ~~بوظائف النقل فضلا عن المفترضات وكان إذا وقعت واقعة روجع فيها فيبين قدر ~~الغرض ويقتصد وجاحد ذلك مباهت معاند. # PageV01P147 # مسألة: ### | 308- # إذا وردت الصيغة الظاهرة في ms128 اقتضاء العموم ولم يدخل وقت العمل بموجبها ~~فقد قال أبو بكر1 الصيرفي من أئمة الأصول: يجب على المتعبدين اعتقاد العموم ~~فيها على جزم ثم إن كان الأمر على ما اعتقدوه فذلك وإن تبين الخصوص [تغير] ~~العقد. # وهذا غير معدود عندنا من مباحث العقلاء ومضطرب العلماء وإنما هو قول صدر ~~عن غباوة واستمرار في عناد ونحن نقول لمن ينتحل هذا المذهب: أيجوز أن يبين ~~الخصوص بالآخرة فإن قال: "لا" فتقدير ورود الخصوص متأخرا محال إذا ويتصل ~~القول في ذلك بالرد على الذين أوجبوا اتصال البيان بمورد الخطاب وأبو بكر ~~هذا من الرادين على هؤلاء في تصانيفه وإن زعم صاحب هذا المذهب أن تبين ~~الخصوص ممكن فكيف يتصور جزم العقد مع اشتماله على تجويز أن يتبين الأمر على ~~خلاف ما جزم العقد به والتردد والجزم متناقضان. ### | 309- # والذي يكشف الغطاء في هذه المسألة أن المتعبد قبل أن [يحين] العمل يتردد ~~وقد يغلب على ظنه العموم لظهور اللفظ في اقتضائه ثم إذا لم يرد مخصص ودخل ~~وقت تكليف العمل فيقع ذلك على وجهين أحدهما القطع بالتعميم فينهض اللفظ ~~العام مع ما يبدو من القرائن نصا وقد يقع ذلك نصا في مسالك الظنون فإن ~~العمل لا ينحصر في مدارك القطع فالمقطوع [به] وجوب العمل بالعموم فأما أن ~~يعتقد إرادة العموم فلا وهذا يطرد في كل مالا يكون قاطعا كأخبار الاحاد ~~والأقيسة الظنية فالمقطوع به في جميع هذه الأبواب وجوب العمل به والاعتقاد ~~جازم في وجوب العمل وهذا يستند إلى دليل قاطع مغاير لما يجري في مجاري ~~الظنون فأما جزم العقد في أن مطلق اللفظ أراد التعميم فلا وجه له. ### | 310- # وإن قال الصيرفي: هذا المذهب من شعب الوقف وقد ظهر بطلانه قلنا الباطل من ~~مذهب الواقفية إنكارهم ظهور الألفاظ في مقاصدها ونحن لا نلتزم من حيث ~~أبطلنا مذهبهم جعل الظواهر نصوصا فكيف يستقيم هذا الكلام ومورده يجوز تبين ~~خصومه كما ذكرنا في أثناء الكلام؟ PageV01P148 # مسألة: ### | 311- # اللفظ الظاهر في العموم إذا اقتضى العقل خصوصه فهو مخصص بدليل ms129 العقل ~~وأنكر بعض الناشئة ذلك وأبوا أن يسموا هذا الفن تخصيصا وهذه المسألة قليلة ~~الفائدة نزرة الجدوى والعائدة فإن تلقى الخصوص من مأخذ العقل غير منكر وكون ~~اللفظ موضوعا للعموم في أصل اللسان لا خلاف فيه مع من يعترف ببطلان مذهب ~~الواقفية وإن امتنع ممتنع من تسمية ذلك تخصيصا فليس في إطلاقه مخالفة عقل ~~ولا شرع فلا أثر لهذا الامتناع ولست أرى هذه المسألة خلافية في التحقيق. # فإن قالوا: التخصيص في حكم البيان وكتاب الله تعالى لا يبينه إلا كلام ~~الله وكلام الرسول عليه السلام يخبر عن الله تعالى ومرجع تبيينه إلى كلام ~~الله تعالى قلنا: ليس التخصيص جزءا من الكلام المتصل المشتمل على الصيغة ~~العامة كما سبق تقريره وإنما هو تبين فإذا ورد الظاهر مخالفا للمعقول فيعلم ~~أن المراد به الخصوص الموافق له والمعنى بكون العقل مخصصا أنه مرشد إلى ~~المراد منه فهذا تمام ما أردناه. # مسألة: ### | 312- # الصيغة الظاهرة في العموم إذا تطرق إليها التخصيص فقد صار جماهير ~~المعتزلة وطوائف من أصحاب الرأي أنها صارت مجملة في بقية المسميات لا يسوغ ~~التمسك بها إلا أن يرد خطاب بتنزيلها على بقية المسميات تعبدا بالعمل ~~بموجبها وتمسك هؤلاء بأن اللفظ إذا خصص وهو في أصل الوضع للعموم فقد عسر ~~إجراؤه على موجب أصل الوضع ولم يحصل على ثبت فيما بقى من المسميات فلا ~~اللفظ وضع له خصوصا ولا نحن تمكنا من إعماله على حكم اللغة فيتضمن ذلك ~~إجمالا وإبهاما. وقال معظم الفقهاء: وقد تعبدنا بالعمل بالظاهر إذا لم يمنع ~~مانع فإذا لاح مخصص ولم يتعلق بما بقى ولا مانع من إجراء اللفظ على مقتضاه ~~في الباقي فيتعين. ### | 313- # وقال القاضي أبو بكر: إذا خص اللفظ صار مجازا على خلاف ما صار إليه ~~جماهير الفقهاء فإن تجوز به عما وضع له في اقتضاء العموم ولكنه مجاز يجب ~~العمل به فإنا أخذنا العمل بالظواهر التي ليست نصوصا من عادة أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كما سنقرر ذلك عند ذكرنا حقائق المجملات والظواهر ms130 ~~والنصوص. # PageV01P149 # ثم علمنا قطعا أن جميع الألفاظ المتعلقة بالأحكام من الكتاب والسنة يتطرق ~~إليها الخصوص وإن استوعب الطالب عمره مكبا على الطلب الحثيث فلا يطلع على ~~عام شرعي لا يتطرق إليه الخصوص ونحن نعلم ضرورة أنهم ما كانوا يقفون عن ~~العمل إذا لاحت لهم مثنوية أو ظهر مخصص فالدال على عملهم بالظواهر على هذا ~~الوجه مقرر فاقتضى عموم هذا القول أن يوجب إعمال الظواهر في بقية المسميات ~~مع الحكم بكون اللفظ مجازا من حيث جاز موجب الوضع. # والذي أراه في ذلك أنه اشترك في اللفظ موجب الحقيقة والمجاز جميعا أما ~~العمل فكما قرره القاضي ووجه اشتراك الحقيقة والمجاز أن تناول اللفظ لبقية ~~المسيمات لا تجوز فيه فهو من هذا الوجه حقيقة في التناول واختصاصه بها ~~وقصوره عما عداها جهة في التجوز فالقول الكامل أن العمل واجب واللفظ حقيقة ~~في تناول البقية مجاز في الاختصاص. # PageV01P150 ### | فصل: في معنى النص والظاهر والمجمل والمتشابه والمحكم # قد ذكرنا أن الأولى تقديم كلام يحوى حقيقة النص والظاهر والمجمل ~~والمتشابه والمحكم حتى إذا نجز الغرض فيه أعقبناه بما يقع التخصيص به ثم ~~أوردنا الكلام في رتب التأويلات والمقبول منها والمردود. # معنى النص ### | 314- # فلتقع البداية بالنص وقد اختلفت عبارات الأصحاب في حقيقته فقال بعضهم هو ~~لفظ مفيد لا يتطرق إليه تأويل وقال بعض المتأخرين هو لفظ مفيد استوى ظاهره ~~وباطنه واعترض بعض المتكلمين على ذكر اللفظ في محاولة تحقيق النص فقال ~~الفحوى تقع نصا وإن لم يكن معناها مصرحا به لفظا. # وهذا السؤال ساقط لأن الفحوى لا استقلال لها وإنما هي مقتضى لفظ على نظم ~~ونضد مخصوص قال تعالى في سياق الأمر بالبر والنهي عن العقوق والاستحثاث على ~~رعاية حقوق الوالدين: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} 1 فكان سياق الكلام ~~على هذا الوجه مفيدا تحريم الضرب العنيف ناصا وهو متلقى من نظم. ~~PageV01P150 # مخصوص فالفحوى إذا آيلة إلى معنى الألفاظ. ### | 315 - # ثم اعتقد كثير من الخائضين في الأول [عزة] النصوص حتى قالوا [إن] النص في ~~الكتاب قوله ms131 عز وجل: {قل هو الله أحد} 1 وقوله: {محمد رسول الله} 2 وما ~~يظهر ظهورهما ولا يكاد هؤلاء يسمحون بالاعتراف بنص في كتاب الله تعالى وهو ~~مرتبط حكم شرعي وقضوا بندور النصوص في السنة حتى عدوا أمثلة معدودة محدودة ~~منها: قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار3 الأسلمي في الأضحية لما ~~ضحى ولم يكن على النعت المشروع: "تجزئك ولا تجزىء 4 أحدا بعدك", وقوله عليه ~~السلام: "واغد يا أنيس 5 إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" 6 وهذا قول من ~~لا يحيط بالغرض من ذلك والمقصود من النصوص الاستقلال بإفادة المعاني على ~~قطع مع انحسام جهات التأويلات وانقطاع مسالك الاحتمالات وهذا وإن كان بعيدا ~~حصوله بوضع الصيغ ردا إلى اللغة فما أكثر هذا الغرض مع القرائن الحالية ~~والمقالية وإذا [نحن] خضنا في باب التأويلات وإبانة بطلان معظم مسالك ~~المؤولين استبان للطالب الفطن أن جل ما يحسبه الناس ظواهر معرضة للتأويلات ~~فهي نصوص وقد تكون القرينة إجماعا واقتضاء عقل أو ما في معناهما ولو رددنا ~~إلى تتبع اللفظ فليست جهات الإمكان منحسمة على ما استشهد به هؤلاء في ~~ابتغاء التنصيص وإنما استد التأويل في الآية التي متضمنها التوحيد ~~لاعتضادها بمقتضى العقل وكم للحشوية المشبهة من خبط يناقض حقيقة التوحيد ~~وشفاء الغليل في ذلك يظهر في باب التأويلات إن شاء الله عز وجل. ~~PageV01P151 ### | 316- # فأما الشافعي فإنه يسمى الظواهر نصوصا في مجاري كلامه وكذلك القاضي أبو ~~بكر وهو صحيح في أصل وضع اللغة فإن النص معناه الظهور يقال نصت الظبية إذا ~~عنت وظهرت ومنه المنصة لكرسي العروس التي تظهر عليه وهي تجلى ونص الرجل في ~~السير إذا أسرع فيه وفي الحديث "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير ~~العنق في إفاضته من عرفة في طريق المأزمين فكلما وجد فجوة نص". # وهذا الآن كاف في معنى النص. # معنى الظاهر. ### | 317- # فأما الظاهر قال القاضي هو لفظة معقولة المعنى لها حقيقة ومجاز فإن أجريت ~~عى حقيقتها كانت ظاهرا وإذا عدلت إلى جهة المجاز ms132 كانت مؤولة والذي ذكره ~~صحيح في بعض الظواهر وتبقى من الظواهر أقسام لا تحويها العبارة التي ذكرها ~~فإنه ذكر تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز وجعل وجه الظهور الجريان على ~~الحقيقة. # ويخرج مما ذكره المجازات الشائعة المستفيضة في الناس المنتهية في جريانها ~~حائدة عن الحقيقة إلى منتهى لا يفهم منها حقيقة موضوعها كالدابة فإنها من ~~دب يدب قطعا وهي على بناء فاعل مترتب على قياس مطرد في الفعل المتصرف ~~وحملها على الدبيب المحض حيد عن الظاهر فإنها مختصة بأشياء تدب فهذا في ~~ظاهره جهة المجاز وتأويله جهة الحقيقة وكذلك الألفاظ الشرعية كالصلاة ~~وغيرها فحقيقتها في ألفاظ الشرع من أبعد التأويلات إذا طلب الطالب الحمل ~~عليها. ### | 318- # قال الأستاذ أبو إسحاق:1 الظاهر لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير بجهة ~~الفهم منه معنى وله عنده وجه في التأويل مسوغ لا يبتدره الظن والفهم ويخرج ~~على هذا ما يظهر في جهة الحقيقة ويؤول في جهة المجاز وما يجري على الضد ~~منه. # فمن الظواهر إذن مطلق صيغة الأمر فالصيغة ظاهرة في الوجوب مؤولة في الندب ~~والإباحة كما سبق في القول في محامل الصيغ. # ومنها صيغة النهي المطلقة فهي ظاهرة في التحريم مؤولة إذا حملت على ~~التنزيه. PageV01P152 # ومنها النفي الشرعي المطلق في قوله صلى الله عليه وسلم1: "لا صيام لمن لم ~~يبيت الصيام من الليل" فهي ظاهرة في نفي الجواز مؤولة في نفي الكمال. # ومنها حمل الصيغ المطلقة الموضوعة في اللغة للعموم على وجه العموم ظاهر ~~مؤول حمله على وجه في الخصوص. # ومنها تلقى المفهوم من التخصيص على الشرط الذي سيأتي والاستمساك به تعلق ~~بالظاهر وتركه في حكم التأويل. ### | 319- # ثم الظهور قد يقع في الأسماء وقد يقع في الأفعال وقد يقع في الحروف ~~فوقوعه في الأسماء والأفعال بين ووقوعه في الحروف مثل: "إلى" فإنه ظاهر في ~~التحديد والغاية مؤول في الحمل على الجمع وهذه معاقد تفصلها التأويلات إن ~~شاء الله تعالى. # معنى المجمل. ### | 320- # فأما المجملات فقد يطلق المجمل على العموم في قولك أجملت الحساب إذا جمعت ~~آحاده ms133 وأدرجته تحت صيغة جامعة لها. # ولكن المجمل في اصطلاح الأصوليين هو المبهم والمبهم هو الذي لا يعقل ~~معناه ولا يدرك مقصود اللافظ ومبتغاه من قولهم أبهمت البئر إذا سددته ~~وردمته ومنه سمى الكمي: البهمة وهو المقنع المبرقع الذي لا يدري من هو. ### | 321- # ثم المجمل على أقسام فقد يكون اللفظ مجمل الحكم والمحل كقولك لفلان في ~~بعض مالي حق فالحكم وهو الحق مجهول والمحل وهو بعض المال مجهول. # ومنها أن يكون الحكم مجهولا والمحل معلوما كقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم ~~حصاده} 2 فالمحل الذي هو مورد الحق معلوم وهو الزرع والحكم الذي وقع ~~التعبير عنه بالحق مجهول القدر والصفة والجنس. # ومنها ما يكون الحكم منه معلوما والمحل مجهولا: كقول القائل لنسائه: ~~PageV01P153 # إحداكن طالق أو لعبيده أحدكم حر فالحكم الطلاق والعتاق وهو معلوم ومحلهما ~~مجهول. # ومنها ما يكون [المحكوم] فيه معلوما والمحكوم له وبه مجهولين ومنه قوله ~~تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} 1 فالمحكوم فيه القتيل ~~والمحكوم له الولى وهو مجهول وكذلك المحكوم به مجهول لأن السلطان مجهول في ~~وصفه. # ومن وجوه الإجمال أن يكون اللفظ موضوعا لمعنيين أو أكثر وعلمنا أن المراد ~~به أحد معانيه وهو مثل العين والقرء وسائر الألفاظ المشتركة. # ومن وجوه الإجمال أن يكون اللفظ بحيث لو فرض الاقتصار عليه لظهر معناه ~~ولكنه وصله باستثناء مجهول فانسحب حكم الجهالة على اللفظ كقوله تعالى: ~~{أحلت لكم بهيمة الأنعام} 2 وهذا لو قدر الاقتصار عليه لكان مفهوما عند من ~~يدريه ثم قال: {إلا ما يتلى عليكم} 3 فانعكس الإجمال على أول المقال. # ومن وجوه الإجمال أن يرد لفظ موضوعه في اللسان العموم ولكنا نعلم أن ~~العقل ينافى جريانه على حكم العموم فمقتضى اللفظ على الإجمال إلى أن ينهى ~~العاقل نظره العقلى. ### | 322- # وأما قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} 4 فقد تردد جواب الشافعي ~~في أن قوله وأحل الله البيع من المجملات وسبب تردده أن لفظ الربا مجمل وهو ~~مذكور في حكم الاستثناء عن البيع والمجهول إذا ms134 استثنى من المعلوم انسحب على ~~الكلام كله إجمال. # والمرضى عندنا أن البيع الذي لا مفاضلة فيه بوجه من الوجوه مستفاد من ~~قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} 5 بلا إجمال وكل صفة اشتملت على ~~جهة من جهات الزيادات فالأمر فيها على الإجمال فإن الأمر يشعر بالزيادة ولا ~~يحرم كل زيادة. # فهذا كاف في ذكر المجملات وهذا موضوع توطئة وترجمة والتفصيل محال على باب ~~التأويلات. PageV01P154 # معنى المحكم والمتشابه. ### | 323- # فأما المحكم والمتشابه فقد ذهب عمرو بن عبيد1 وواصل بن عطاء2 إلى أن ~~المحكم الوعيد بالفسقة من مرتكبي الكبائر [بناء على أصله] . # والمتشابه: الوعيد الملتحق بأصحاب الصغائر. # وقال الأصم:3 المحكم ما احتج به البارئ سبحانه وتعالى: من نعوت الرسول ~~صلى الله عليه وسلم في كبت المنكرين والمتشابه ما ذكر من نعوته في القرآن ~~وقال بعضهم: المحكم أي القرآن كلها والمتشابه: الحروف المتقطعه وقيل: ~~المحكم: الناسخ والمتشابه: المنسوخ وقال أبو إسحاق الزجاج المتشابه أمر ~~الساعة ووقت وقوعها وما عداه محكم. # وكان المنكرون يحفون في السؤال عنه قال الله تعالى: {يسألونك كأنك حفي ~~عنها} 4 وقال: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} 5 وكان يقول عليه السلام:6 ~~"ما المسئول عنها بأعلم من السائل" وحمل قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا ~~الله} 7 فقال معناه وما يعلم مآله وآخره إلا الله قال ومصداق ذلك قوله في ~~سورة الأعراف: {هل ينظرون إلا تأويله} 8 يعني القيامة وما فيها. ### | 324- # والمختار عندنا أن المحكم كل ما علم معناه وأدرك فحواه. # والمتشابه هو المجمل وقد سبق معناه. ### | 325- # فإن قيل هل بقى في كتاب الله تعالى وقد استأثر الله تعالى برسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم مجمل قلنا اضطراب العلماء فيه فمنع مانعون هذا ~~واستروحوا إلى قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} 9 وقال أيضا لو سوغ ~~اشتمال القرآن على مجملات لتطرق إلى القرآن وجوه من المطاعن. PageV01P155 # وقال قائلون: لا يمتنع اشتمال القرآن على مجملات لا يعلم معناها إلا ~~الله. ### | 326- # والمختار عندنا أن كل ما يثبت التكليف في [العمل به يستحيل] ms135 استمرار ~~الإجمال فيه فإن ذلك يجر إلى تكليف المحال ومالا يتعلق بأحكام التكليف فلا ~~يبعد استمرار الإجمال فيه واستئثار الله تعالى بسر فيه وليس في العقل ما ~~يحيل ذلك ولم يرد الشرع بما يناقضه. # وقد نجز ما نحاوله في بيان النص والظاهر والمجمل والمحكم والمتشابه. # ونحن نفتتح القول فيما يجوز به تخصيص عموم الكتاب والسنة ونرسم في ذلك ~~مسائل تأتي على تمام الغرض في ذلك إن شاء الله تعالى. # PageV01P156 ### | ما يخصص به عموم الكتاب والسنة # مسألة: ### | 327- # عموم الكتاب هل يخصص بالخبر الناص الذي نقله الآحاد اختلف في ذلك ~~الخائضون في هذا الفن فذهب ذاهبون إلى منع ذلك ومتعلقهم فيه أن الكتاب أصله ~~ثابت قطعا والخبر الذي فيه الكلام ناقلوه متعرضون للزلل فلا يجوز أن يحكم ~~على الثابت قطعا بما أصله مشكوك فيه وذهب الفقهاء ال إلى تخصيص عموم الكتاب ~~بخبر الواحد. # ورأى القاضي الوقف في المحل الذي يتعارض فيه الخبر ومقتضى لفظ الكتاب فإن ~~أصل الخبر يتطرق إليه سبيل الظنون المراد بالعموم في الكتاب في مظنة الظنون ~~فضاهى معنى الكتاب في التعرض [للتردد] أصل الخبر الناص فمن ذلك وجب التوقف ~~في قدر التعارض وإجراء اللفظ العام من الكتاب في بقية المسميات. ### | 328- # والذي نختاره القطع بتخصيص الكتاب بخبر الواحد فإن قدوتنا في وجوب العمل ~~بالظاهر المحتمل والخبر المعرض لإمكان الزلل [سنة] أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولولا أنا عثرنا على ذلك من سيرتهم لما كنا نقطع بوجوب عمل ~~مستند إلى الظنون ونحن نعلم أنهم كانوا يرجعون إلى الخبر الناص الذي ينقله ~~كل موثوق به في تفسير مجملات الكتاب وتخصيص الظواهر ويجرون ذلك مجرى ~~التفسير ومن أبدى في ذلك ريبا كان غير واثق بوجوب العمل بأخبار الآحاد. # PageV01P156 # وما ذكره القاضي وإن كان متجها في مسلك العقل فالمتبع في وجوب العمل ما ~~ذكرناه ومن شك في أن الصديق رضي الله عنه لو روى خبرا عن المصطفى صلى الله ~~عليه وسلم في تخصيص عموم الكتاب لابتدره الصحابة قاطبة بالقبول فليس على ~~دراية ms136 في قاعدة الأخبار على ما سيأتي إن شاء الله. # مسألة: ### | 329- # اضطرب الناس في تخصيص عموم الكتاب بالقياس على النحو المتقدم ومذهب ~~القاضي الوقف كما سبق. ### | 330- # والمختار عندنا في هذه المسألة الوقف فإنا وجدنا [فيما سلف] معتصما ~~مقطوعا به في مصير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخبر الذي ~~ينقله النقلة في معارضة اللفظ العام من الكتاب ولسنا نجد مثل هذا في القياس ~~ولا يستتب لنا دعوى القطع في تقديم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~القياس على عموم الكتاب وإذا تعارض الأمر في مسالك الظنون كما ذكره القاضي ~~ولم نجد أمرا مثبوتا سمعيا فيتعين الوقف ثم يحصل من الوقف ما يحاوله الفقيه ~~إذا قدر التعارض فيه وإذا وقف فيه فقد سقط الاعتصام به من لفظ الكتاب ~~ومقصود الفقيه بما يستمسك به من التخصيص شيئان: # أحدهما: إسقاط الاحتجاج بما يعارضه القياس من الظاهر وهذا يستوي فيه ~~المخصص والواقف. # والثاني: الدعاء إلى العمل بالقياس الذي عارضه الظاهر وهذا ينكره الواقف ~~وفيه يختلف المسلكان. # مسألة: ### | 331- # تخصيص الخبر العام المتواتر بالقياس أو الخبر الناص الذي نقله الآحاد ~~كتخصيص عموم الكتاب بهما وقد مضى القول فيه. # فأما تخصيص خبر الواحد العام بالقياس ففيه الخلاف المقدم ورأينا الوقف. # ولا وقع لسبق الناظر إلى اجتماع جهتين من الظن في أصل الخبر وفحواه ~~فإنهما جميعا ينقدحان في القياس ولو لم يظهر إلا وجه واحد في الظن كفى ذلك ~~في اقتضاء الظن الوقف ولسنا نجد أمرا مقطوعا به سمعيا [في أصل الخبر ~~وفحواه] ثم ما أطلقناه من العموم وما ذكرناه من إطلاق القياس كلام مجمل ~~وتفصيله في. # PageV01P157 # كتاب التأويل. وكم من لفظ يراه كثير من الناس عاما ولا عموم له عند ذوي ~~التحقيق وكم من لفظ يعتقده الفقهاء ظاهرا وهو عند [ذوي] التحقيق نص. # فهذه الجمل ذكرناها مبهمة وتحقيقها على التفصيل محال على باب التأويلات. ### | 332- # وذكر الأصوليون في انتظام هذا الفن من الكلام التردد في التخصيص بمذهب ~~الصحابي وهذا سنذكره في كتاب الاجتهاد عند ذكرنا أن ms137 أقوال الصحابة إذا لم ~~يستمر الاجتماع فيها هل [تكون] حجة أم لا ونذكر تفاصيل الخلاف والوفاق في ~~هذا النوع. # مسألة في حمل المطلق على المقيد: ### | 333- # الوجه تنزيل هذه المسألة على مثال أولا حتى إذا جرت المسألة في صورة ~~ذكرنا اختلاف المذاهب في العبارات عن ضبط صور الخلاف والوفاق ثم نذكر معتمد ~~كل مذهب ونتتبع بالنقض كل ما لا يصح ونجرى على دأبنا في إثبات الصحيح بعد ~~البحث عن المسالك الفاسدة فنقول ذكر الله تعالى الرقبة في كفارة القتل ~~وقيدها بالإيمان فقال: {فتحرير رقبة مؤمنة} 1 وذكر الرقبة في كفارة الظهار ~~مطلقة ولم يقيدها بالإيمان فقال: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} 2 فاضطربت ~~الاراء. # فرأى الشافعي تنزيل الرقبة المطلقة في كفارة الظهار على التقييد بالإيمان ~~في كفارة القتل ثم اضطربت أصحابه في تأويل مذهبه فذهب ذاهبون إلى أن المطلق ~~محمول على المقيد بحكم اللفظ ومقتضى اللسان ولا حاجة إلى استنباط قياس ~~وإبداء تأويل للمطلق مقيد وهؤلاء يزعمون أن نفس المقيد يوجب تقييد المطلق. # وصار صائرون إلى أن المطلق يحمل على المقيد بقياس مستجمع لشرائط الصحة ~~يقتضي الجمع بين المطلق والمقيد. ### | 334- # ثم فصل نقلة المذاهب القول وجعلوه ثلاثة أقسام وعبروا عن التقاسيم ~~بعبارتين فقال قائلون إذا اجتمع المطلق والمقيد في واقعة واحدة فالمطلق ~~محمول على المقيد وفاقا وإن وقعا في واقعتين متباعدتين فلا حمل ومثلوا هذا ~~بتقييد. PageV01P158 # الشهادة بالعدالة وجريان ذكر الرقبة في الكفارة مطلقا معرى عن ذكر ~~العدالة والأصلان متباعدان لا يجمعهما مأخذ فلا يحمل المطلق [في أحدهما] ~~على المقيد في الثاني فإن قربت الواقعتان بعض القرب ولم يبعد في مأخذ ~~الظنون تلاقيهما ككفارة الظهار وكفارة القتل فهذا موضع الخلاف فالذي يراه ~~الشافعي حمل المطلق على المقيد في مسألة الخلاف المقدم بين أصحابه. # وهذه العبارة عن الأقسام المشتملة على صور الوفاق والخلاف. ### | 335- # وذكر آخرون عبارة أقرب من هذه فقالوا: إذا جرى إطلاق وتقييد واتحد قبيل ~~الموجب والموجب فليس إلا حمل المطلق على المقيد مثل أن تطلق الرقبة في ~~كفارة القتل ms138 وتفرض مقيدة في مواضع أخر فإذا اختلف الموجب والموجب فلا حمل ~~كالشهادة والكفارة. # وإذا اختلف الموجب واتفق صنف الموجب مثل كفارة القتل وكفارة الظهار فهذا ~~موضع التردد. ### | 336- # وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنهم منعوا حمل الرقبة المطلقة في كفارة الظهار ~~على الرقبة المقيدة بالإيمان في كفارة القتل وبنوا حقيقة أصلهم في ذلك على ~~قاعدة لهم في النسخ. # والمسألة حرية بأن تذكر في مسائل النسخ وهي مناسبة لأحكام العموم والخصوص ~~فابتدرناها في كتاب العموم والخصوص ونحن الآن ننبه على ما تخيلوه أخذا من ~~النسخ. # قالوا: قوله في كفارة الظهار: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} 1 مقتضى ~~الآية إجزاء الرقبة المطلقة فمن قيدها بالإيمان كان زائدا على النص ~~والزيادة على النص نسخ ووجه ادعائهم كونها نسخا أن مقتضى الخطاب يتضمن ~~الإجزاء مع الإطلاق والزائد يرفع الإجزاء في الإطلاق وهو متضمن الآية ~~فاقتضت الزيادة رفع ما تضمنه الإطلاق من الإجزاء فكان ذلك نسخا من هذه ~~الجهة ولا يدعى محقق أن الزيادة اقتضت نسخا على الإطلاق إذا لم تكن مرتبطة ~~بالمزيد عليه بعض الارتباط ووجه الارتباط ما أشرنا إليه من أن اقتضاء ~~الإطلاق الإجزاء دون رعاية صفة في الرقبة فمن زاد صفة كان مدعيا نسخا في ~~الإجزاء المتلقى من مطلق الخطاب. PageV01P159 # ولا امتناع في نسخ القرآن على الجملة ولكنه لا يثبت نسخ القرآن بأخبار ~~الاحاد والمقاييس المظنونه وليس مع من شرط الإيمان في رقبة الظهار ما يجوز ~~نسخ القرآن به فهذا منتهى كلام القوم. ### | 337- # ومن ادعى من أصحاب الشافعي وجوب حمل المطلق على المقيد من طريق اللفظ لم ~~يذكر كلاما به اكتراث وأقرب طريق لهؤلاء أن كلام الله في حكم الخطاب الواحد ~~وحق الخطاب الواحد أن يترتب المطلق فيه على المقيد وهذا من فنون الهذيان ~~فإن قضايا الألفاظ في كتاب الله تعالى مختلفة متباينة لبعضها حكم التعلق ~~والاختصاص ولبعضها حكم الاستقلال والانقطاع فمن ادعى تنزيل جهات الخطاب على ~~حكم كلام واحد مع العلم بأن في كتاب الله تعالى النفي والإثبات والأمر ~~والزجر والأحكام المتغايرة ms139 فقد ادعى أمرا عظيما ولا يغني في مثل ذلك ~~الإشارة إلى اتحاد الكلام الأزلي ومضطرب المتكلمين على الألفاظ وقضايا ~~الصيغ وهي مختلفة لا مراء فيها فسقط هذا الفن ولم يبق بعد سقوطه إلا ~~مسلكان. # أحدهما ما ادعاه أصحاب أبي حنيفة من أن الزيادة على النص نسخ واستقصاء ~~القول في ذلك يأتي في كتاب النسخ. ### | 338- # ولكنا نذكر الآن [حظ] حكم العموم والخصوص من هذه المسألة وفيه مقنع وبلاغ ~~ونحصر ما نحاوله في ثلاثة أوجه من الكلام أحدهما يحوي مناقضات الخصوم بحيث ~~لا يجدون عنها محيصا وإذا وجهت عليهم سكتوا لها مقرين بالحق أو نطقوا ~~بالصدق فمما يلزمهم اشتراطهم سلامة الرقبة عن كثير من العيوب وهذا تقييد ~~منهم للمطلق وليقع الإلزام في صفات لم يرجعوا في اشتراطها إلى قاطع كمصيرهم ~~إلى اشتراط نطق الرقبة وامتناع إجزاء الأخرس مع تجويزهم إعتاق الأقطع الذي ~~بقيت له يد فإن هذي هاذون [منهم] وزعموا أن الرقبة يقتضي إطلاقها كمال ~~الخلقة والسلامة مستفادة من إطلاق الرقبة قيل هذا مما لا يرضاه منتسب إلى ~~التحقيق فإنا على اضطرار نعلم أن اسم الرقبة ينطلق على المعيبة انطلاقه على ~~السليمة ولو كانت تسمية الرقبة المعيبة رقبة مجازا لكان تسميتها إنسانا ~~وآدميا مجازا ولا ينتمي إلى التزام هذا المذهب ذو مسكة في عقله ولو أردنا ~~أن نضرب الأيمان في البر والحنث ومجاري إطلاق الألفاظ وجدنا مقالا ومجالا ~~ثم نقول لم أجزأ الأقطع والرقبة مطلقة؟ ولم امتنع إجزاء الأخرس والخلقة ~~كاملة؟ وكيف يرجو الخلاص من مثل هذا الخبط ذو فهم؟ وقد قيد هؤلاء [ذوي] ~~القربى. # PageV01P160 # بالفقر والاستحقاق في قوله تعالى: {ولذي القربى} 1 ولم يعتصموا في هذا ~~التقييد بقاطع يجوز نسخ القرآن بمثله فهذا أحد الوجوه الثلاثة. ### | 339- # والوجه الثاني أن نقول أتدعون أن ذكر الرقبة على الإطلاق نص في إجزاء كل ~~رقبة حتى لو تخيل متخيل اختصاص الإجزاء ببعض الرقاب كان خارما لمقتضى النص ~~خارجا عن الفحوى المقطوع بها؟ أم ترون فهم الإجزاء مظنونا متلقى من الظاهر ~~فإن ادعوا كونه قاطعا بحيث ms140 لا يتطرق إليه التأويل كان ذلك بهتانا ومعاندة ~~في مسلك العقول فإن الرب تعالى ذكر الرقبة مطلقة وذكر الطعام والكسوة على ~~الإطلاق ولم يتعرض لتفصيلها وإنما استاقها استياقا لا يشتمل على التزام ~~البيان والتفصيل كما جرى ذلك في قوله تعالى: {والسارق والسارقة} 2 وقوله ~~تعالى: {الزانية والزاني} 3 وقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} 4 فهذه الآي ~~لتأصيل الأصول ولا يمتنع أن يقع البيان في التفاصيل بعد استفادة التأصيل ~~ووضوح احتمال ما ذكرناه يغنى اللبيب عن البسط في ذلك. # وإن اعترفوا بأن الإجزاء ظاهر فقد كفونا المؤنة وأقروا بالحق فإن إزالة ~~الظاهر ليس في حكم النسخ وهذا هو الوجه الثاني من الكلام. ### | 340- # والوجه الثالث أن الرقبة المطلقة تعم كل رقبة فحملها على خصوص من الرقاب ~~عين التخصيص وقد قسم المحصلون التخصيص قسمين أحدهما قصر على بعض المسيمات ~~من غير فرض تمييز ما وقع القصر عليه من غيره بصفات كحمل قوله تعالى: {إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين} 5 على ثلاثة منهم والقسم الثاني تخصيص تمييز ~~وهو حمل المطلق المتناول في الإطلاق للمختلفات على مسميات متيزة بصفات عن ~~أغيارها كحمل المشركين على أهل الحرب دون المهادين وأهل الذمة وكحمل السرقة ~~على إخراج مخصوص من محل مخصوص في مقدار مخصوص وعلى الجملة المطلق يتناول ~~المختلفات تناول عموم على ظهور لا على [تنصيص لا] يتطرق إليه إمكان تأويل. ### | 341- # وإذا لاح ما ذكرناه بنينا عليه ما نختاره ونقول لا يحمل المطلق عندنا. ~~PageV01P161 # على المقيد لا في حكم الإطلاق ولا في حكم التقييد ولكن المطلق عام يتصرف ~~فيه بما يتصرف بمثله في العمومات فإن لاح تأويل واعتضد بدليل وترتب على ~~الشرط الذي سنذكره في باب التأويل وأثر ظهور الدليل العاضد للتأويل على ~~ظهور العام حكم به كان المقيد أو لم يكن فليس في تقييد الحكم بمجرده ما ~~يوجب حمل المطلق على المقيد نعم إن انقدح قياس على المقيد يتسلط مثله على ~~التخصيص إما على حكم المعارضة كما ارتضيناه إذ صرنا إلى الوقف أو على حكم ~~القضاء بالتخصيص كما صار ms141 إليه الجمهور [كان] ذلك [أحد] ما يتمسك به ولا ~~معنى لاشتراطه واقعا في ألفاظ الشرع فكم من عموم خص وليس على وفق ذلك ~~التخصيص حكم مقيد في لفظ الشرع فإن التخصيص مستند إلى خبر الواحد على قطع ~~كما سبق ذلك في اختيارنا ويستند عند معظم الفقهاء إلى القياس الجلي ولا ~~يطيب التصرف في تفصيل ذلك إلا في أبواب التأويل. ### | 342- # فإن قيل فما معتمدكم في اشتراط ذكر الإيمان في الرقبة في كفارة الظهار ~~فهل ترون القياس على كفارة القتل قلنا هذا الآن ليس من شرط هذا الفن فإن ~~غاية مقصودنا أن نلحق الكلام على المطلق بتخصيص العموم وندرجه في مسالك ~~الظنون وقد ثبت ذلك قطعا وانتفى المراء عنه وليس من شرطنا وراء ذلك تفصيل ~~مسالك الظنون فإنه محض الفقه. # وقد نجز غرضنا في هذه المسألة بذلك وفيها طرفان يستقصى أحدهما في كتاب ~~النسخ عند ذكرنا وراء ذلك تفصيل القول في الزيادة على النص والثاني في باب ~~التأويلات وقد توضح فيها أن الرقبة في الاية التي فيها الكلام ليس لها حكم ~~العموم أيضا وما سيقت قصدا إلى تعميم كل رقبة وإنما أثبتت مع سائر خلال ~~الكفارات ذكرا لتراجم الأصناف مع إحالة البيان على صاحب الشرع وهذا يأتي ~~على أحسن وجه إن شاء الله. # مسألة: ### | 343- # الصحابي إذا روى خبرا وعمل بخلافه فالذي ذهب إليه الشافعي أن الاعتبار ~~بروايته لا بعمله. ### | 344- # وقال أصحاب أبي حنيفة لا يجوز الاحتجاج بما رواه إذا كان عمله مخالفا له. # PageV01P162 ### | 345- # والذي نرضاه أن نفصل القول فيما أتاه ورواه فنقول إن تحققنا نسيانه لما ~~رواه فلا يتخيل عاقل في ذلك خلافا ولا شك أن العمل بروايته وإن روى خبرا ~~مقتضاه رفع الحرج والحجر فيما كان يظن فيه التحريم والحظر ثم رأيناه يتحرج ~~فالاستمساك بروايته أيضا وعمله محمول على الورع والتعلق بالأفضل وإن ناقض ~~عمله روايته مع ذكره لها ولم يحتمل محملا في الجمع فالذي أراه امتناع ~~التعلق بروايته فإنه لا يظن بمن هو من أهل الرواية أن يعتمد مخالفة ما ms142 رواه ~~إلا عن ثبت يوجب المخالفة. # واللفظ الوجيز فيه: أنه إن فعل ماله فعله فالاحتجاج بما رواه وإن فعل ما ~~ليس له أن يفعله أخرجه ذلك عن رتبة الثقة وأدنى المنازل فيه أن يجر إلى ~~مرويه ظنونا متعارضة في الدين يقتضي الوقف بعضها. ### | 346- # وكل ما ذكرناه غير مختص بالصحابي فلو روى بعض الأئمة حديثا وعمله مخالف ~~له فالأمر على ما فصلناه. ### | 347- # وقد اعترض للأئمة أمور أسقطت آثار أفعالهم المخالفة لروايتهم وهذه كرواية ~~أبي حنيفة خبر خيار المجلس مع مصيره إلى نفى خيار المجلس فهذه المخالفة غير ~~قادحة في الرواية من جهة أنه ثبت من أصله تقديم الرأي على الخبر فمخالفته ~~محمولة على انتحاله هذا الرأي الفاسد وهو بين من فحوى كلامه. # ومن رواة الحديث مالك بن أنس وهو لا يقول بخيار المجلس ولكن الصحيح عنه ~~أن الذي حمله على هذا تقديمه عمل أهل المدينة على الأخبار الصحيحة والنصوص ~~الصريحة فمهما جرى شيء من قبيل ما ذكرناه فالتعويل على الحديث المروي فإن ~~روى الراوي خبرا وكان الأظهر أنه لم يحط بمعناه ورب حامل فقه غير فقيه ~~فمخالفته لا أثر لها في الرواية. # والضابط للنفي والإثبات ما أجريناه في درج الكلام حيث قلنا إن وجدنا ~~محملا للفعل غير احتمال للمخالفة فالتعلق بالرواية وإن لم نجد محملا إلا ~~المخالفة فيمتنع التعلق بالحديث. ### | 348- # فإن قالوا: رتبتم الكلام قبولا وردا على تحقيق النسيان والذكر فما تقولون ~~إذا لم يتحقق واحد منها؟ قلنا: الوجه والحالة هذه التعلق بالمروى فإنه من ~~أصول الشريعة ونحن على تردد فيما يدفع التعلق به فلا يندفع الأصل بسبب هذا. # PageV01P163 # التردد نعم إن غلب على الظن أنه خالف الحديث قصدا ولم نتحققه فهذا يعضد ~~التأويل ويؤيده ويحقق معتضده من الدليل ويحط مرتبة الظاهر كما سيأتي. ### | 349- # ولو روى الصحابي خبرا وأوله وذكر محمله فتأويله مقبول عند الشافعي1 ولذلك ~~تعلق بتأويل عمر بن الخطاب2 رضي الله عنه في قوله عليه السلام:3 "لا تبيعوا ~~الورق بالورق إلا هاء وهاء" فذكر الشافعي أربعة أوجه في معنى ms143 اللفظ وقدم ~~فيها التقابض في المجلس لحمل عمر رضي الله عنه "راوي الحديث" اللفظ عليه ~~وهذا يتعلق به كلام من أحكام التأويل سيأتي مشروحا. ### | 350- # ولو روى راو وكان إذ روى عدلا ثم فسق بعد روايته وتخلل زمن لا يغلب على ~~الظن انعطاف غوائل الفسق على حال الرواية ثم إنه في زمن فسقه خالف ما رواه ~~فلا أثر لمخالفته فإنه محمول على تجريه لا على محمل عنده في الحديث فهذا ~~منتهى الغرض في ذلك. # مسألة: ### | 351- # إذا ورد لفظ من الشارع وله مقتضى في وضع اللسان ولكن عم في عرف أهل ~~الزمان استعمال ذلك اللفظ على خصوص في بعض المسميات:. # فالذي رآه الشافعي: أن عرف المخاطبين لا يوجد تخصيص لفظ الشارع. # وقال أبو حنيفة: العرف من المخصصات وهو مغن عن التأويل والمطالبة ~~بالدليل. # وضرب العلماء لذلك مثالا وهو: نهيه عليه السلام عن بيع الطعام بالطعام ~~فزعم بعض أصحاب أبي حنيفة: أن الطعام في العرف موضوع للبر وحاولوا حمل ~~الطعام في لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جرى العرف فيه. ### | 352- # وهذا الذي ادعوه من العرف ممنوع وهم غير مساعدين عليه ولو قدر. ~~PageV01P164 # ذلك مسلما لهم بمجرد العرف فمجرد العرف لا يقتضي تخصيصا فإن القضايا ~~متلقاة من الألفاظ وتواضع الناس عبارات لا يغير وضع اللغات ومقتضى ~~العبارات. # فإن قالوا: الناس مخاطبون على أفهامهم قلنا فليفهموا من اللفظ مقتضاه ~~لاما تواضعوا عليه ولو تواضع قوم على تخصيص أو تعميم ثم طرقهم اخرون لم ~~يشاركوهم في تواضعهم فإنهم لا يلتزمون أحكام تواطئهم فالشرع وصاحبه كيف ~~يلزمهم حكم تواضع المتعاملين وقد خاطب المصطفى بشريعة العربية الأعاجم على ~~اختلاف لغاتها على تقدير أن يسعوا في درك معاني الألفاظ التي خوطبوا بها ~~والمسألة موضوعة فيه إذا لم يكن الرسول صاحب الشريعة ناطقا بما ينطق أهل ~~العرف فلو ظهر منه مناطقة أهل زمانه بما اصطلحوا عليه فلفظه في الشرع لا ~~ينزل على موجب اللسان وإنما مأخذ المسألة في ظن الخصوم أن الشارع وإن لم ~~يكن من الناطقين ms144 باصطلاح أصحاب العرف فإنه لا يناطقهم إلا بما يتفاوضون به ~~وليس الأمر كذلك كما قدمناه. # وقد انتجز الكلام في قضية الألفاظ العامة والخاصة وما يقتضي التخصيص ~~ومالا يقتضيه على الجملة والتفصيل محال على باب التأويل ونحن نرى الآن أن ~~نذكر قولا بالغا في مفهوم الخطاب ليكون جامعا بين المنطوق به وبين المسكوت ~~عنه ثم إذا انتهى القول فيه استفتحنا باب التأويل مستعينين بالله تعالى. # PageV01P165 ### | فصل: القول في المفهوم ### | 353- # ما يستفاد من اللفظ نوعان أحدهما متلقى من المنطوق به المصرح بذكره ~~والثاني ما يستفاد من اللفظ وهو مسكوت عنه لا ذكر له على قضية التصريح. # فأما المنطوق به فينقسم إلى النص والظاهر وقد قدمنا فيهما تأصيلا وتفصيلا ~~ما يقنع الناظر ولم يندرج المجمل في هذا التفسير لأنا حاولنا تقسيم ما يفيد ~~وأما ما ليس منطوقا به ولكن المنطوق به مشعر به فهو الذي سماه الأصوليون ~~المفهوم والشافعي قائل به وقد فصله في الرسالة أحسن تفصيل ونحن نسرد معاني ~~كلامه. ### | 354- # فمما ذكره أن قال: المفهوم قسمان: مفهوم موافقة, ومفهوم مخالفة. # PageV01P165 # أما مفهوم الموافقة: فهو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق للحكم ~~في المنطوق به من جهة الأولى وهذا كتنصيص الرب تعالى في سياق الأمر ببر ~~الوالدين على النهي عن التأفيف فإنه مشعر بالزجر عن سائر جهات التعنيف. # وأما مفهوم المخالفة فهو ما يدل من جهة كونه مخصصا بالذكر على وجه سيأتي ~~الشرح عليه على أن المسكوت عنه مخالف للمخصص بالذكر كقوله عليه السلام: "في ~~سائمة الغنم الزكاة" هذا التخصيص يشعر بأن المعلوفة لا زكاة فيها. # وذكر الأستاذ أبو بكر بن فورك في مجموعاته فصلا لفظيا بين قسمى المفهوم ~~فقال ما دل على الموافقة فهو الذي يسمى مفهوم الخطاب وما دل على المخالفة ~~فهو الذي يسمى دليل الخطاب وهذا راجع إلى تلقيب قريب. # وذهب أبو حنيفة إلى نفي القول بالمفهوم ووافقه جمع من الأصوليين. ### | 355- # وأما منكرو صيغ العموم ولما يتطرق إليها من تقابل الظنون فلا شك أنهم ~~ينكرون المفهوم فإن ms145 تقابل الظنون فيه أوضح وهو بالتوقف أولى. # وشيخنا أبو الحسن مقدم الواقفية وقد نقل النقلة عند رد الصيغة والمفهوم ~~وفي كلامه ما يدل على القول بالمفهوم فإنه تعلق في مسألة الرؤية بقوله ~~سبحانه: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} 1 وقال [لما] ذكر الحجاب على ~~إذلال الأشقياء أشعر ذلك بنقيضه في السعداء وقد تحققت على طول بحثي عن كلام ~~أبي الحسن أنه ليس من منكري الصيغ على ما اعتقده معظم النقلة ولكنه قال في ~~مفاوضة مع أصحاب الوعيد بإنكار الصيغ وال مذهبه إلى إنكار التعلق بالظواهر ~~فيما ينبغي القطع فيه ولا نرى له المنع من العمل بقضايا الظواهر في مظان ~~الظنون. # نعم باح القاضي بجحد الصيغ في المواضع التي تقدم ذكرها في العقليات ~~والعلميات وصرح بنفي المفهوم. ### | 356- # ثم من أنكر المفهوم لم يجحد ما يسمى الفحوى في مثل قوله تعالى: {فلا تقل ~~لهما أف} 2 ثم اضطربوا فيه فقال قائلون كل ما دل من جهة الموافقة من حيث ~~أشعر الأدنى بالأعلى فهو معترف به. PageV01P166 # وذهب المنتمون إلى التحقيق من هؤلاء إلى أن الفحوى الواقعة نصا مقبولة ~~قطعا وليس ثبوتها من جهة إشعار الأدنى بالأعلى ولكن مساق قوله تعالى: ~~{وبالوالدين إحسانا} 1 إلى مختتم الآية مشتمل على قرائن في الأمر بالتناهي ~~في البر يدل مجموعها إلى تحريم ضروب التعنيف وليس يتلقى ذلك من محض التنصيص ~~على النهي عن التأفيف إذ لا يمتنع في العرف أن يؤمر بقتل شخص وينهى عن ~~التغليظ عليه بالقول والمواجهة بالقبيح وضابط مذهب هؤلاء أن المقطوع به ~~يستند إلى قرائن مجتمعة ولا سبيل إلى نفى القطع وما يتطرق إليه الظنون فهو ~~من المفهوم المردود عندهم وإن كان مقتضيا للموافقة عند القائلين بالمفهوم. ### | 357- # ومما تردد فيه من رد المفهوم الشرط وأبوابه فذهب الأكثرون إلى الاعتراف ~~باقتضاء الشرط وتخصيص الجزاء به وغلا غالون بطرد مذهبهم في رد اقتضاء الشرط ~~تخصيص الجزاء به وهذا سرف عظيم. ### | 358- # ومن قال بالمفهوم حصر مفهوم الموافقة في إشعار الأدنى في قصد المتكلم ~~بالأعلى ثم ms146 ينقسم ذلك إلى ما يقع نصا وإلى ما يقع ظاهرا فالواقع نصا ~~كالمتلقى من قوله: {فلا تقل لهما أف} 2 وما يقع ظاهرا كقوله: {ومن قتل ~~مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} 3 فقال الشافعي تقييد القتل بالخطأ في إيجاب ~~الكفارة يدل على أن إيجابها في قتل العمد أولى وهذا الذي ذكره ظاهر غير ~~مقطوع به إذ يتطرق إليه إمكان اخر سوى ما ذكره الشافعي من إشعار الأدنى ~~بالأعلى. ### | 359- # فأما مفهوم المخالفة فقد حصره الشافعي في وجوه من التخصيص منها التخصيص ~~بالصفة كقوله4: "في سائمة الغنم زكاة" 5 وكقوله عليه السلام6: "لي الواجد 7 ~~ظلم" ومنها التخصيص بالعدد والتقدير والتخصيص بالحد والتخصيص بالمكان ~~والزمان وظاهر هذه التخصيصات في هذه الجهات يتضمن نفى المسكوت عنه. ~~PageV01P167 # في الأمر المقصود في المخصص المنطوق به ونص رضي الله عنه على أن تخصيص ~~المسميات بألقابها يتضمن نفى ما عداها. # وذهب أبو بكر1 الدقاق من أئمة الأصول إلى أن التخصيص بالألقاب ظاهر في ~~نفي ما عدا النصوص عليه وقد صار إلى ذلك طوائف من أصحابنا. # وما ذكره الشافعي2 من حصر القول بالمفهوم في الجهات التي عدها من ~~التخصيصات حق متقبل عند الجماهير ولكن لو عبر معبر عن جميعها بالصفة لكان ~~ذلك منقدحا فإن المعدود والمحدود موصوفان بعدهما وحدهما والمخصوص بالكون في ~~مكان وزمان موصوف بالاستقرار فيهما فإذا قال القائل زيد في الدار فإنما يقع ~~خبرا ما يصلح أن يكون مشعرا عن صفة متصلة بظرف زمان أو بظرف مكان والتقدير ~~مستقر في الدار أو كائن فيها والقتال واقع يوم الجمعة فالصفة تجمع جميع ~~الجهات التي ذكرها ومن ينكر المفهوم فإنه يأبى القول في جميع هذه الوجوه. # ونحن الآن نعقد مسألتين تشتمل إحداهما على تعارض القائلين بالمفهوم ~~ومنكريه [وتحتوي] على ما نختاره فيه وتشتمل الثانية على مكالمة الدقاق3 ~~وإبداء السر في التخصيص بالألقاب فلتقع البداية بالمسألة الأولى:. # مسألة. ### | 360- # يذكر وجوه احتجاج القائلين بالمفهوم ونتتبع ما لا نرضى منها بالإفساد ثم ~~نعقبها بوجه الحق. # فمن طرقهم أنه صار إلى القول ms147 بالمفهوم أئمة العربية منهم أبو عبيدة4 معمر ~~بن المثنى وهو إمام غير مدافع ولئن ساغ الاحتجاج بقول أعرابي جلف من. ~~PageV01P168 # الأقحاح فالاحتجاج بقول أبي عبيدة أولى وقد قال في قول الرسول صلى الله ~~عليه وسلم1: "مطل الغنى ظلم" يدل على أنه لا ملام على المقتر وقد قال في ~~قوله عليه السلام2: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ ~~شعرا" وهذا يدل على توبيخ من لا يعتني بغير الشعر فأما من جمع إلى علومه ~~علم الشعر فلا يلام عليه والشافعي من القائلين بالمفهوم وقد احتج [بقوله] ~~الأصمعي3 وصحح عليه دواوين الهذليين. # وهذا المسلك فيه نظر فإن الأئمة قد يحكمون على اللسان عن نظر واستنباط ~~وهم في مسالكهم في محل النزاع مطالبون بالدليل والأعرابي ينطقه طبعه فيقع ~~التمسك بمنظومه ومنثوره ولا يعدم من يتمسك بهذه الطريقة المعارضة وقصارى ~~الكلام تجاذب ونزاع واعتصام بنفس المذهب. ### | 361- # طريقة أخرى لمثبتي المفهوم قالوا وردت أخبار نقلها آحاد وهي لو جمعت ~~لالتحق معناها بالمستفيض4 الذي لا يستراب فيه وسبيله سبيل الحكم بجود حاتم5 ~~وشجاعة علي والأقاصيص المأثورة عنهما أفراد ثم نقل هؤلاء جملا من أخبار ~~الآحاد وزعموا أنها تشعر بإثبات القول بالمفهوم فمما ذكروه ما روى عن يعلى6 ~~بن أمية أنه قال لعمر بن الخطاب7 ما بالنا نقصر وقد أمنا وأشار إلى قوله. ~~PageV01P169 # تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} 1 فقال لقد تعجبت ~~مما تعجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "صدقة تصدق ~~الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" 2. ### | 362- # ونحن لا نتجاوز خبرا من متمسكاتهم حتى نورد من طريق التفصيل عليهم ما ~~يسقط معتصمهم فنقول على هذا الحديث قد كان ثبت وجوب الصلاة أربعا في غير ~~حالة الخوف [واستقر الشرع عليه وورد القصر مخصوصا بحالة الخوف] فاعتقدوا ~~وجوب الإتمام في غير حالة الخوف على ما تمهد الشرع عليه فلم يكن [ذلك] قولا ~~بالمفهوم والذي يحقق ذلك أنه لو فرض مع ما تقدم تخصيص بلقب لكان ms148 ما عدا ~~المخصوص مقرا على ما استمر الشرع عليه قبل ذلك وإن لم يكن للألقاب مفهوم ~~على أن الآية اقتضت التخصيص على صيغة الشرط فإنه تعالى قال: {إن خفتم} وقد ~~قال بتخصيص الشرط معظم من أنكر المفهوم. ### | 363- # ومما تعلقوا به قوله تعالى: {ستغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} 3 قيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"لأزيدن على السبعين" 4 قلنا هذا لم يصححه أهل الحديث أولا5 وقد قال القاضي ~~رضي الله عنه: من شدا طرفا من العربية لم يخف عليه أن قول الله تعالى لم ~~يجر تحديدا بعدد على تقدير أن الزائد عليه يخالفه وإنما جرى ذلك مويسا من ~~مغفرة المذكورين وإن استغفر لهم [ما يزيد على السبعين] فكيف يخفى مدرك هذا ~~وهو مقطوع به عمن هو أفصح من نطق بالضاد؟. ### | 364- # وما يطلقونه من هذا الفن ما روى أن ابن عباس6 كان لا يرى حجب الأم من ~~الثلث إلى السدس باثنين من الإخوة والأخوات ويحتج بقوله تعالى: {فإن ~~PageV01P170 # كان له إخوة فلأمه السدس} 1 وكان يرى أن الأمر في الاثنين بخلاف الإخوة ~~وقال لعثمان2 رضي الله عنه محتجا عليه: ليس الأخوان إخوة في لسان قومك, ~~قلنا: أولا انفراده بهذا المذهب ومخالفته جملة الصحابة يعارض احتجاجه وقد ~~قيل إنه لما قال لعثمان ليس الأخوان إخوة في لسان قومك قال له عثمان ردا ~~عليه إن قومك حجبوها باثنين يا صبي ثم قد تمهد للأم الثلث بالنص ثم استبان ~~ردها إلى السدس في حالة مخصوصة فرأى ابن عباس3 تقرير ما عدا تيك الحالة على ~~ما تمهد مطلقا قبل الحجب والرد. ### | 365- # وربما يستدلون بأن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقدوا ~~أنه لا غسل على من يواقع ويكسل ولا ينزل واعتصموا بقوله عليه السلام4: ~~"الماء من الماء" ومعناه وجوب استعمال الماء من نزول الماء قلنا قد كان ~~الشرع على ذلك في ابتداء الإسلام وقد نقل الرواة فيه أخبارا. # منها ما ms149 روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بدار رجل من الأنصار ~~فناداه فتريث قليلا ثم برز ورأسه تقطر ماء فاستبان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان مخالطا أهله وقد اغتسل فقال صلى الله عليه وسلم: "لعلنا ~~أعجلناك لعلنا أقحطناك إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك" 5 ثم تبين نسخ هذا ~~الأصل بما روى عن عائشة6 رضي الله عنها أنها قالت: "إذا التقى 7 الختانان ~~فقد وجب الغسل", فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا"8 فلم ~~يصح الاحتجاج بقوله عليه السلام: "الماء من الماء" 9 وإنما نقل مذهب أقوام ~~على الإطلاق وله محمل كما ذكرناه. PageV01P171 # وبالجملة ليس يخلو المتمسك لهولاء من وجه أو وجوه [توهى] ما يحولونه ~~ويتخذونه معولهم فكيف يسوغ التعلق بالمحتملات في محاولة القطع والبتات؟. ### | 366- # ثم قال القاضي هذه الأخبار وإن زادت أضعافا مضاعفة فلا [تبلغ] مبلغ ~~الاستفاضة فإن رواة هذه الأقاصيص لو اجتمعوا على نقل قصة واحدة لم تتواتر ~~بنقلهم والمعتبر في ذلك أنا مضطرون إلى العلم بجود حاتم وشجاعة على ولا نجد ~~في أنفسنا العلم الضروري باعتقاد الأولين اقتضاء التخصيص نفى ما عدا ~~المخصص. ### | 367- # طريقة أخرى لأصحاب المفهوم ضعيفة: وهي أنهم قالوا: إذا قال الرجل لمن ~~يخاطبه: اشتر لي عبدا هنديا اقتضى ذلك نهيه عن شراء من ليس هنديا قالوا هذا ~~ومثله مما لا يتمارى فيه أهل اللسان. # فنقول: لا حاصل لهذا الفن فإن المأمور كان محجورا عليه مقبوضا على يديه ~~في حق من [وكله] قبل أن وكله واستنابه ثم ثبت التوكيل على الخصوص واستمر ما ~~كان ثبت قبل في غير المحل المخصوص بالصفات والذي يقطع الشغب عنا أن فرض ~~التخصيص باللقب في هذا بمثابة فرض التخصيص بالصفات. ### | 368- # فأما الإمام الشافعي فإنه احتج في إثبات القول بالمفهوم بأن قال إذا خصص ~~الشارع موصوفا بالذكر فلا شك أنه لا يحمل تخصيصه على وفاق من غير انتحاء ~~قصد التخصيص وإجراء الكلام من غير فرض تجريد القصد إليه يزري بأوساط الناس ~~فكيف يظن ms150 ذلك بسيد الخليقة صلى الله عليه وسلم؟ فإذا تبين أنه إذا خصص فقد ~~قصد إلى التخصيص فينبني على ذلك أن قصد الرسول عليه السلام في بيان الشرع ~~يجب أن يكون محمولا على غرض صحيح إذ المقصود العرى عن الأغراض الصحيحة لا ~~يليق بمنصب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ثبت القصد واستدعاؤه غرضا ~~فليكن ذلك الغرض آيلا إلى مقتضى الشرع وإذا كان كذلك وقد انحسمت جهات ~~الاحتمالات في إفادة التخصيص انحصر القول في أن تخصيص الشيء الموصوف بالذكر ~~يدل على أن العاري عنها حكمه بخلاف حكم المتصف بها والذي يعضد ذلك من طريق ~~التمثيل أن الرجل إذا قال السودان إذا عطشوا لم يروهم إلا الماء عد ذلك من ~~ركيك الكلام وهجره وقيل لقائله لا معنى لذكرك السودان وتخصيصهم مع العلم ~~بأن من عداهم في معناهم. # PageV01P172 ### | 369- # وهذا تحرير كلام الشافعي وهو على مساقه بالغ حسن ولكن يرد عليه على ~~انطباق تخصيص للأشياء بألقابها ويلزم من مضمون طلب الفائدة من التخصيص ~~المصير إلى أن الشارع إذا خصص شيئا باسمه [الذي ليس مشتقا] اقتضى ذلك نفى ~~الحكم فيما عداه ولو لم يكن كذلك لكان تخصيصه من غير قصد أو قصده من غير ~~غرض أو غرضه غير محمول على مقاصد الشرع وكل ذلك محظور لا سبيل إلى التزامه ~~وإن كان ما ذكرناه في اللقب مسوغا لزم تسويغ مثله في الموصوف فإذا لا يستقل ~~الكلام متعلقا بالتخصيص إلا بأحد وجهين إما أن [يطرد] في الألقاب كما ذهب ~~إليه الدقاق وإما أن يوضح مع التمسك بالتخصيص أمرا يوجب ما ذكرناه في ~~الموصوف دون غيره وليس في كلام الشافعي التزام ذلك على ما ينبغي من اختصاص ~~أثر التخصيص بالموصوفات. ### | 370- # وقد حان الآن أن نبدأ مسلك الحق على وجه يشتمل بيان المختار ونبين تدريج ~~الكلام على مراتبه ونوضح [القاصد في الأطراف] فنقول لا يتبين المقصد من ~~المسألة إلا باستفتاح التفصيل في آحاد الصور حتى إذا نجزت نرد الكلام إلى ~~الضابط لها فنقول لا يتبين المقصد من المسألة ms151 إلا بذكر صور فمن الصور التي ~~يجب الاعتناء بها الشرط والجزاء فإن سلم اقتضاء الشرط تخصيص الجزاء به ~~تعدينا هذه المرتبة وإن استقر على النزاع اكتفينا معه بنسبته إلى الجهل ~~باللسان أو إلى المراغمة والعناد فنحن نعلم من مذهب العرب قاطبة أنها وضعت ~~باب الشرط لتحصيص الجزاء به فإذا قال القائل من أكرمني أكرمته فقد أشعر ~~باختصاص إكرامه [بمن يكرمه] ومن جوز أن يكون وضع هذا الكلام على أن يكرم ~~مكرمه ويكرم غيره أيضا فقد نأى وبعد فآل الكلام معه إلى التسفيه والجهل ~~والإحالة على تعلم مذاهب العرب ولسنها [وحوارها] ولنعد إلى خصلة أخرى وهي ~~التتمة وهي أنا نكتفي فيما ندعى بظهور الاختصاص ولا نحاول قطعا ناصا لا ~~يتطرق إليه إمكان فإذا أنكر منكر ظهور ما ذكرناه ظهر فساد قوله وانحطت ~~رتبته عن استحقاق المفاوضات فهذا منتهى المراد في هذا الطرف. ### | 371- # ومما نذكره التحديد بالزمان والمكان أو العدد ونقول مما ظهر في الكلام ~~ظهورا لا يستجاز المراء فيه أن الحدود تتضمن حصر المحدودات ولذلك تساق ~~ولهذا الغرض تصاغ فإذا كان الحكم وراء المحدود كالحكم فيما يحويه الحد فلا ~~غرض في الحد وظهور ذلك لا يجحد وهو من صور مسألة المفهوم ومن الصور. # PageV01P173 # تخصيص الموصوفات بالذكر كقوله عليه السلام: "في سائمة الغنم زكاة" 1 ~~وقوله: "لي الواجد ظلم" 2 وهذا الفن عمدة المسألة وملتطم الكلام فليقع به ~~فضل اعتناء والله المستعان. ### | 372- # فأقول إذا كانت الصفات مناسبة للأحكام المنوطة بالموصوف بها مناسبة العلل ~~معلولاتها فذكرها يتضمن انتفاء الأحكام عند انتفائها كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "في سائمة الغنم زكاة" 3 فالسوم يشعر بخفة المؤن ودرور المنافع ~~واستمرار صحة المواشي في صفو هواء الصحاري وطيب مياه المشارع وهذه المعاني ~~تشير إلى سهولة احتمال مؤنة الإرفاق بالمحاويج عند اجتماع أسباب الارتفاق ~~بالمواشي وقد انبنى الشرع على رعاية ذلك من حيث خصص وجوب الزكاة بمقدار ~~كثير وأثبت فيه مهلا يتوقع في مثله حصول المرافق فإذا لاحت المناسبة جرى ~~ذلك على صيغة التعليل. # وكذلك النهي عن ms152 لي الواجد فإن الموسر المقتدر ذا الوفاء والملاء إذا طلب ~~بما عليه لم يعذر بتأخير الحق للمستحق وهذا في حكم التعليل لانتسابه إلى ~~الظلم إذا سوف وماطل. # فإن طولبنا بإثبات القول بالمفهوم فيما نصننا عليه فالقول الواضح فيه أن ~~ما أشعر وضع الكلام بكونه تعليلا فهو أظهر عندي في اقتضاء التخصيص الذي من ~~حكمه انتفاء الحكم عند انتفاء الصفة من الشرط والجزاء فإن العلة إذا اقتضت ~~حكما تضمنت ارتباطه بها وانتفاءه عند انتفائها وإذا قال القائل: إنما أكرم ~~الرجل لاختلافه إلى كان ذلك أوضح في تضمن اختصاص إكرامه بمن يختلف إليه من ~~قوله من اختلف إلى أكرمته. ### | 373- # فإن قيل [إن] العلل الشرعية ليس من شرطها أن تنعكس والمفهوم تعلق بادعاء ~~العكس قلنا هذا الآن كلام من لم يحط بما أوردناه والقول في العلل المستنبطة ~~وشرائطها وقوادحها ليس مما نحن فيه بسبيل فإن غرضنا التعلق بما يقتضيه ~~اللفظ في وضع اللسان اقتضاء ظاهرا ولا شك إن صيغة التعليل يظهر منها للفاهم ~~ما أدرناه والقول في مآخذ العلل المستثارة لا [يؤخذ] من مقتضى العبارات ~~والألفاظ فهذا ما أردناه. PageV01P174 ### | 374- # فإن قيل خصصتم بالذكر [الصفات] المناسبة للأحكام وقد أطلق القائلون ~~بالمفهوم أقوالهم بإثبات المفهوم بكل موصوف فأثبتوا في ذلك ما هو الحق قلنا ~~الحق الذي نراه أن كل صفة لا يفهم منها مناسبة للحكم فالموصوف بها كالملقب ~~بلقبه والقول في تخصيصه بالذكر كالقول في تخصيص المسميات بألقابها فقول ~~القائل زيد يشبع إذا أكل كقله الأبيض يشبع إذ لا أثر للبياض فيما ذكر كما ~~لا أثر للتسمية بزيد فيه ولنا كلام طويل على قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل" 1 تقصيناه في "الأساليب" فليطلبه ~~[مريده] من ذلك الكتاب ومن سر هذا الفصل أن شرط العلة المخيلة المستنبطة ~~السلامة عن جمل من الاعتراضات والقوادح ولا يشترط شيء من ذلك في القول ~~بمفهوم كلام الشارع إذا اشتمل على ذكر موصوف وفهم من الصفة مناسبة فإن ~~الكلام في ذلك يدار على فهم ms153 الخطاب لا على شرائط العلل ولا يتضح الغرض [في ~~ذلك] مع كل هذا التقرير إلا بذكر المسألة المعقودة على الدقائق. # مسألة: ### | 375- # قد سفه علماء الأصول هذا الرجل في مصيره إلى أن الألقاب إذا خصصت بالذكر ~~تضمن تخصيصها نفي ما عداها وقالوا: هذا خروج عن حكم اللسان وانسلال عن ~~تفاوض أرباب وتفاهمهم فإن من قال رأيت زيدا لم يقتض ذلك إنه لم ير غيره ~~قطعا. ### | 376- # وعندي أن المبالغة في الرد عليه سرف ونحن نوضح الحق الذي هو ختام الكلام ~~قائلين لا يظن بذي العقل الذي لا ينحرف عن سنن الصواب أن يخصص بالذكر ملقبا ~~من غير غرض وإذا رأى الرائي طائفة والخبر عن رؤية جميعهم عنده مستو لاتفاوت ~~فيه وهو في سماع من يسمع كذلك فلا يحسن أن يقول والحالة هذه رأيت فلانا ~~فينص على واحد من المرئيين نعم إن ظهر غرض في أن المذكور في جملة من راه ~~فقد ظهر عند المتكلم فائدة خاصة يفيدها السامع فإذ ذاك يحسن تخصيصه بالذكر ~~ولا خفاء بذلك. # فإن قيل: [هذا] الذي ذكرتموه ميل إلى مذهب الدقاق قلنا: الذي نراه أن ~~التخصيص باللقب يتضمن غرضا مبهما كما أشرنا إليه ولا يتضمن انتفاء ما عدا. ~~PageV01P175 # المذكور واللفظ في نفسه ليس متضمنا نفى ما عدا المذكور بل وضع الكلام إذا ~~رد الأمر إلى المقصود يقتضي اختصاص المذكور بغرض ما للمتكلم والصفة ~~المناسبة في وضعها تقتضي نفي الحكم عند انتفاء الصفة فظهر القول بمفهوم ~~الصفة وظهر اقتضاء التخصيص باللقب غرضا مبهما فإنا نقول وراء ذلك لا يجوز ~~أن يكون من غرض المتكلم في التخصيص نفى ما عدا المسمى يلقبه فإن الإنسان لا ~~يقول رأيت زيدا وهو يريد الإشعار بأنه لم ير غيره فإن هو أراد ذاك قال إنما ~~رأيت زيدا وما رأيت إلا زيدا فاستبان بمجموع ذلك أن تخصيص الملقب بالذكر ~~ليس يخلو عن فائدة هي غرض للمتكلم منها حكاية الحال وإن بلغنا الكلام مرسلا ~~اعتقدنا غرضا مبهما ولم نر انتفاء غير المسمى من فوائد التخصيص. ### | 377- # ومن ms154 تمام الكلام فيه أن متكلفا لو فرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: في عفر الغنم الزكاة فهذا عندنا لا مفهوم له وهو كالمخصوص بلقبه ~~ولكن يبعد من الرسول صلى الله عليه وسلم النطق بمثله وليس من الحزم أن يفرض ~~من الشارع كلام لغو ويتعب في طلب فائدته فقد بان الآن مراتب العلماء. # فقد صار قوم إلى إبطال المفهوم وهذا ذهول عن فائدة الكلام وصار قوم إلى ~~أن لكل تخصيص مفهوما كالدقاق وهذا الرجل ابتدر أمرا لا ينكر وهو أن العاقل ~~لا يخصص مذكورا هزلا وليس كل الغرض موقوفا على نفي ما عدا المسى واعتبر ~~الشافعي الصفة ولم يفصلها واستقر رأيي على تقسيمها وإلحاق ما لا يناسب منها ~~باللقب وحصر المفهوم فيما يناسب وهذا منتهى الكلام. # مسألة. ### | 378- # فقد ذكرنا أن المفهوم ينقسم إلى ما يقع نصا غير قابل للتأويل ويغلب ذلك ~~في مفهوم الموافقة إذا انتهى إلى المرتبة العليا وإذ ذاك يسمى عند أرباب ~~الأصول الفحوى والغالب على مفهوم المخالفة الظهور والانحطاط عن رتبة النصوص ~~فما يقع ظاهرا من تقاسيم المفهوم فالقول الضابط فيه: أنه نازل منزلة اللفظ ~~الموضوع للعموم وضعا ظاهرا فيجوز ترك المفهوم بما يسوغ به تخصيص العموم ~~وهذا نفصله في باب التأويل إن شاء الله تعالى. ### | 379- # وغرضنا الآن بعد إلحاق المفهوم باللفظ الموضوع للعموم أمران: # PageV01P176 # أحدهما: أن ترك جميع المفهوم بدليل يقوم بمثابة تخصيص العموم وليس كرفع ~~جميع مقتضى اللفظ. # والقول المقنع فيه: أن المفهوم ليس مستقلا بنفسه وليس جزءا من الخطاب ~~بذاته ولكنه من مقتضيات اللفظ فإن اقتضى ظهور أمر تركه فاللفظ بمقتضياته ~~باق وفي تقدير رفع جميع متعلقات المنطوق رفع جميع مقتضى اللفظ وتعطيله ~~ومعناه فكان المفهوم كبعض مسميات العموم. # وإيضاح ذلك أنا ألفينا اللفظ الموضوع للعموم يستعمل تارة للاستغراق وتارة ~~لبعض المسميات فلما استمر الأمران لم يكن في التخصيص خروج عن مقتضى اللسان ~~[وإن] كان الظاهر الجريان على العموم وكذلك نرى العرب تخصص الشيء بصفة وهي ~~تبغي نفي المخبر عنه عند ms155 انتفاء الصفة وقد لا تريد ذلك فليس قصد نفي ما عدا ~~المخصص أمرا مقطوعا به فكان ترك المفهوم ورفع أصل التخصيص من السائغ الذي ~~لا يستنكر مثله وشفاء غليل الطالب موقوف على وقوفه على حقائق التأويلات ~~وهذا أحد الأمرين. ### | 380- # والثاني: أن التخصيص إذا جرى موافقا لما يصادف ويلقى في مستقر العرف ~~فالشافعي لا يرى الاستمساك بالمفهوم فيه ويصير إلى حمل الاختصاص على محاولة ~~تطبيق الكلام على ما يلقى جاريا في العرف وقد ذكر الشافعي في الرسالة كلاما ~~بالغا في الحسن في هذا وذلك أنه قال إذا تردد التخصيص بين تقدير نفى ما عدا ~~التخصيص وبين قصد أخراج الكلام على مجرى العرف فيصير تردد التخصيص بين ~~هاتين الجهتين كتردد اللفظ بين جهتين في الاحتمال واللفظ إذا تعارض فيه ~~محتملات التحق بالمجملات كذلك التخصيص مع التردد يلتحق بالمجملات ثم ضرب ~~لذلك أمثلة من الكتاب منها قوله تعالى: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} ~~1 فاستشهاد النساء مع التمكن من استشهاد الرجل مما لا يجري العرف به للعلم ~~بما في ذلك من الشهرة وهتك الستر وعسر الأمر عند إقامة الشهادة فيقتضي ~~التقييد إجراء للكلام على موجب العرف ومنها قوله تعالى: {فليس عليكم جناح ~~أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} 2 وقوله عليه السلام: "المسافر وماله على قلت ~~إلا ما وقى الله" 3 فجرى ذلك على الأعم الأغلب في أحوال المسافرين فلم يكن. ~~PageV01P177 # للتخصيص بالخوف مفهوم ومنها قوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ~~فلا جناح عليهما فيما افتدت به} 1 فظاهر الآية اختصاص [المفاداة] بحالة ~~الشقاق وقد رأى الشافعي حمل ذلك على العرف الجاري في مثله في أن الزوجين لا ~~يتخالعان ولا يتقامطان على الحب والمقة والتصافي وإنما تسمح المرأة ببذل ~~المال المحبوب ويستبدل الزوج عنها مالا إذا أظهرا تقاليا وشقاقا فكان جريان ~~التخصيص على حكم العرف وعلى هذا حمل الشافعي حديث عائشة2 رضي الله عنها إذ ~~روت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال3: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ~~فنكاحها ms156 باطل" فمقتضى التخصيص لو اتسق القول بالفهوم أن يصح النكاح بلفظها ~~إذا أذن وليها ولكن الشافعي قال إنما تزوج المرأة نفسها إذا كانت متبرجة ~~كاشفة جلباب الحياء عن وجهها مؤثرة لنفسها الخروج عن دأب الخفرات فإذ ذاك ~~تستبد بنفسها وإن بقي فيها ملتفت إلى الأولياء فإنها تفوض أمرها إليهم فإن ~~عضلوها حملت خاطبها على رفع الأمر إلى القاضي فجرى التخصيص على حكم العرف ~~أيضا ونظائر ذلك كثيرة في الكتاب والسنة فهذا مساق كلام الشافعي. ### | 381 - # والذي أراه في ذلك أن اتجاه ما ذكره من حمل الأمر على خروج الكلام على ~~مجرى العرف لا يسقط التعلق بالمفهوم نعم يظهر مسالك التأويل ويخفف الأمر ~~على المؤول في مرتبة الدليل العاضد للتأويل والدليل عليه أن عين التخصيص لا ~~يتضمن نفي ما عدا المخصص ولو صير إلى ذلك ففيه تطرق إلى مذهب الدقاق وإنما ~~ظهر نفي ما عدا المخصوص في إشعار المنطوق به شرطا أو تحديدا أو تعليلا ~~ومقتضى اللفظ لا يسقط باحتمال يئول إلى العرف والذي يحقق ذلك أنه لما قال ~~يعلى4 بن أمية لعمر5 بن الخطاب رضي الله عنهما في قوله تعالى: {أن تقصروا ~~من الصلاة إن خفتم} 6 أنقصر وقد أمنا قال عمر تعجبت مما تعجبت منه7 ولم ~~ينكر عليه اعتقاد المفهوم من طريق اللسان وقد صار محمد8 بن الحسن. ~~PageV01P178 # إلى تنزيل مذهبه على مفهوم حديث عائشة ومنطوقه في النكاح بغير ولي فلست ~~أرى المفهوم في هذا الفن متروكا من غير فرض دليل ومن حاسيك الصدور ترك ~~المفهوم في مسألة النكاح بلا ولي وما ذكر في هذا الفصل فأنا أوفيه حظه إذا ~~ذكرت طرق تأويلات المفهومات إن شاء الله تعالى. # مسألة: ### | 382- # ما صار إليه المحققون أن قوله صلى الله عليه وسلم:1 "تحريم الصلاة ~~التكبير وتحليلها التسليم" يتضمن حصرها بين القضيتين في التكبير والتسليم ~~وذهب طوائف من أصحاب أبي حنيفة إلى تنزيل هذا على المفهوم وقضوا بأنهم من ~~حيث لم يروا القول به لا يلزمون نفي ما عدا التكبير والتسليم وتمسكوا بهذا ms157 ~~المسلك في قوله صلى الله عليه وسلم2: "الشفعة فيما لم يقسم". ### | 383- # وهذان فنان عندنا ونحن نخصص المثال الأول والثاني بما يليق بكل واحد ~~منهما فأما قوله عليه السلام: "وتحريمها التكبير" 3 فمقتضاه الحصر لا محالة ~~وليس هذا من فن المفهوم المتلقى من تخصيص الشيء بالذكر كما سبق مفصلا وهذا ~~يقرر من وجهين: # أحدهما: النقل والاحتكام إلى ذوي الحجا والأحكام في كل لسان ولغة فإذا ~~قال القائل: زيد صديقي لم يتضمن هذا نفي الصداقة عن غيره والقول بالمفهوم ~~لا يتضمن في سياق هذا الكلام حصرا للصداقة ولا قصرا لها على زيد المذكور ~~صدرا ومبتدأ ولو قال القائل: صديقي زيد اقتضى هذا أنه لا صديق له غيره وهذا ~~مما لا يبعد ادعاء إجماع أهل اللسان فيه ومن أبدى في ذلك مراء كان مباهتا ~~محكوما عليه بالعناد فهذا وجه. # والوجه الآخر: أن ترتيب الكلام أن تقول زيد صديقي فإن وضع المبتدأ. ~~PageV01P179 # ذكر معرف تبتدره الأفهام حتى إذا فهم أسند إليه خبر لا يستقل معلوما في ~~نفسه فينتظم من ارتباط الخبر به في إفادة السامع ما [يقدر] المتكلم أنه ليس ~~عالما به فإذا قلب الكلام وقال صديقي زيد لم يصلح قوله صديقي صدرا مبدوءا ~~به فإنه يترقب بعد البداية به خبره فحملت العرب تقديمه وصرف الاهتمام به ~~على حصر معناه في زيد المذكور بعده ولولا ذلك لما انتظم الكلام وهذا معنى ~~لا يفضي إلى القطع بنفسه والمعتمد القاطع النقل كما ذكرناه فهذا في أحد ~~الفنين وقد تحصل منه أنه ليس من المفهوم في شيء وإنما مأخذه ما ذكرناه. ### | 384- # وأما الفن الثاني وهو "الشفعة فيما لم يقسم" 1 فوجه التمسك به لا يتلقى ~~من البناء على المفهوم وإنما مأخذه أن اللام في قوله الشفعة لتعريف الجنس ~~فكأنه عليه السلام حصر جنس الشفعة فيما لم يقسم. ### | 385- # وقد نجز مقدار غرضنا من الكلام عن النص والظاهر والأمر والنهي والعموم ~~والخصوص والمنطوق والمفهوم والمجمل والمفسر فهذه هي المراتب المقصودة في ~~هذا الفن ولا يبقى بعد نجازها إلا ذكر ms158 مراتب التأويلات وما يقبل منها وما ~~يرد وبيان مستنداتها ولكني أرى أن أخلل بين نجاز هذه المراتب وبين ~~التأويلات القول في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها من متعلقات ~~الشرع والتأويلات والمحامل في حكايات الأحوال تتعلق بها. # فنبتدئ مستعينين بالله تعالى بذكر أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~نعقب نجازها بكتاب التأويلات إن شاء الله تعالى. PageV01P180 ### | باب القول في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم ### | مدخل # ... # باب القول في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### | 386- # الكلام في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم يستدعي تقديم صدر من القول ~~في عصمة الأنبياء عليهم السلام ونحن نذكر منه القدر الذي تمس الحاجة إليه ~~ثم نعود إلى نظم الكلام فنقول: ### | 387- # لا شك أن المعجزة تدل على صدق النبي عليه السلام فيما يبلغه عن الله ~~تعالى فتجب عصمته عن الخلف في مدلول المعجزة ولو لم يكن كذلك لما كانت ~~المعجزة دالة. # فأما الفواحش والموبقات والأفعال المعدودة من الكبائر فالذي ذهب إليه ~~طبقات الخلق استحالة وقوعها عقلا من الأنبياء وإليه مصير جماهير أئمتنا. ### | 388- # وقال القاضي: هي ممتنعة ولكن مدرك امتناعها السمع ومستندة الإجماع ~~المنعقد من حملة الشريعة على الأمن من وقوع الفواحش من الأنبياء ولو رددنا ~~إلى العقل لم يكن في العقل ما يحيلها فإن الذي يتميز به النبي عن غيره ~~مدلول المعجزة ومتعلقها والكبائر ليست مدلولها بوجه فلا تعلق للمعجزة ~~بنفيها ولا بإثباتها نعم لو كان فيما ذكره من تنبي وتحدي به أنه منزه عن ~~الفواحش واستشهد على صدقه بقيام المعجزة فوقعت على حسب الدعوى فكل ما أدرجه ~~في كلامه إذا ارتبط قيام المعجزة به فنعلم على القطع إذ ذاك وجوب صدقه في ~~جميع مخبراته ولا اختصاص لتعلق المعجزة بفن من الأخبار فإنها تقع على ~~مطابقة دعوى النبي ووفقها فإن قامت ودعواه شيء واحد دلت على صدقه فيه وإن ~~قامت ودعواه أشياء وقد استشهد على جميعها بقيام المعجزة دلت على صدقه في ~~جميعها والمختار عندنا ما ذكره ms159 القاضي. ### | 389- # وأما الصغائر ففي إثباتها أولا كلام كثير لسنا له الآن ولكن الذي نعنيه ~~بذكر الصغائر مالا يتضمن فسق من صدر منه وانسلاله عن نعت. # PageV01P181 # العدالة وهذا أيضا إحالة على جهالة ولكن الكلام يجمل في غير مقصوده ~~[ويتبين في مقصوده] . ### | 390- # والذي صار إليه أئمة الحق [أنه] لا يمتنع صدورها عن الرسل عقلا وترددوا ~~في المتلقى من السمع في ذلك فالذي ذهب إليه الأكثرون أنها لا تقع منهم ثم ~~اضطربوا وتخبطوا في تأويل آى مشهورة في قصص المرسلين والذي ذهب إليه ~~المحصلون أنه ليس في الشرع قاطع في ذلك نفيا وإثباتا والظواهر مشعرة ~~بوقوعها منهم. ### | 391- # ومما نقدمه قبل الخوض في الغرض النسيان فلا امتناع في تجويز وقوعه فيما ~~لا يتعلق بالتكاليف فأما ما يفرض متعلقا بالتكاليف ففيه اضطراب ونحن قاطعون ~~بأنه لا يمتنع وقوعه عقلا إلا أن يقول النبي أنه لا يقع منى نسيان ويقيم ~~المعجزة عليه وهذا مطرد في كل خبر يتردد بين الصدق والكذب. # فإذا تأيد بقيا المعجزة تعين الصدق فيه [و] إذا لم يتأيد بقيام المعجزة ~~على الاختصاص به ففيه الكلام والنسيان إن لم يقع انتفاؤه مدلولا للمعجزة ~~فهو مسوغ عقلا والظواهر دالة على وقوعه من الرسل. ### | 392- # وقد قال من لم يحط بمأخذ الحقائق إنهم عليهم السلام غير مقرين على ~~النسيان بل ينبهون على قرب وهذا لا تحصيل له فليس يمتنع أن يقروا عليه ~~زمانا طويلا ولكن لا ينقرض زمانهم وهم متسمرون على النسيان وهذا متلقى من ~~الإجماع لا من مسالك العقول. # فهذا القدر مقنع فيما نبغيه في ذلك وفي أدراجه ملامح كافية في إيضاح ~~المختار والدليل عليه. ### | 393- # ونحن نقول بعد ذلك إذا لم يبعد وقوع الذنب من الرسول عليه السلام فكيف ~~يتخيل الناظر وجوب الاقتداء به في فعل؟ وإن بنينا الأمر على امتناع وقوع ~~الذنب منه فالكلام يقع وراء ذلك في حكم فعله. # PageV01P182 ### | حكم فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ### | 394- # وأجمع تقسيم فيه أن نقول فعله صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى ما شهد عليه ~~قول منه ms160 ناص وإلى ما لم يشهد عليه قول ناص فأما ما يشهد عليه قول منه فهو ~~كأفعاله. # PageV01P182 # في صلاته في قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 1 وكأفعاله في نسكه مع قوله: ~~"خذوا عني مناسككم" 2 فهذا الفن خارج عن متعلق الغرض من الكلام في الأفعال ~~فإن الأقوال هي المتبعة في هذا القسم والأفعال في حكم الأعلام ولكنا ذكرنا ~~ذلك لاستيعاب الأقسام. ### | 395- # فأما ما ورد غير مقترن بقول شاهد عليه فينقسم إلى الأفعال الجبلية التي ~~لا يخلو ذو الروح عن جميعها كالسكون والحركة والقيام والقعود وما ضاهاها من ~~تغاير أطوار الناس فإذا ظهر ذلك فلا استمساك بهذا الفن من فعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. ### | 396- # وأما ما لم يقترن به ما يدل على كونه من الأفعال الجارية في العادات فإنه ~~ينقسم إلى ما يقع بيانا وإلى مالا يظهر ذلك فيه. # فأما ما يقع بيانا فهو بمثابة ورود [قول] في الكتاب على إجمال فإذا وقع ~~من رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم فعل في حكاية حال أو مراجعة ~~وسؤال فظهور قصده في بيان الإجمال ينزل منزلة القول المقترن بالفعل الشاهد ~~عليه. ### | 397- # فأما ما لم يظهر فيه قصد البيان فهو ينقسم إلى ما يقع في سياق القرب ~~ويظهر كونه في قصد الرسول عليه السلام قربة وإلى مالا يقع في سياق القرب ~~فأما ما يقع قربة في قصده فهو الذي اختلف فيه الخائضون في هذا الفن فذهب ~~طوائف من المعتزلة إلى أن فعله صلى الله عليه وسلم محمول على الوجوب ويتعين ~~اتباعه فيه وذهب إلى هذا المذهب ابن سريج وأبو علي بن أبي هريرة من ~~أصحابنا. # وذهب ذاهبون إلى أن فعله لا يدل على الوجوب ولكنه محمول على الاستحباب ~~وفي كلام الشافعي ما يدل على ذلك. # وذهب الواقفية إلى الوقف فإنهم في ظواهر الأقوال سباقون إليه فالفعل الذي ~~لا صيغة له بذلك أولى. ### | 398- # فأما من صار إلى أن فعله على الوجوب فمما استدلوا به قوله تعالى: ~~PageV01P183 # {وما آتاكم الرسول فخذوه} 1 وهذا ms161 الاستدلال مدخول فإن من يقف لا يسلم أن ~~فعله يعدوه ويقول بحسب ذلك إن فعله ليس هو مما آتانا به الرسول عليه السلام ~~وفعله مختص به لا يتعداه وقد تكلم هؤلاء على الآية من وجه واقع وهو قول ~~شيخنا أبي الحسن فإنه قال أراد ما أمركم به الرسول فخذوه والشاهد لذلك قوله ~~تعالى: {وما نهاكم عنه فانتهوا} 2 والنهي إنما يقارنه على مضادة الأمر ~~وبالجملة الآية محتملة وغاية المستمسك بها أن يسلم له ظهورها في غرضه ~~والظهور مع تطرق فنون الظنون لا يقنع في القطعيات. # ومما تمسك به هؤلاء أن قالوا: أجمع المسلمون قبل اختلاف الآراء على أنه ~~يجب على الأمة التأسي برسولها ومتابعته ومن متابعته أن يوافق في أفعاله. # وهذا زلل عظيم فإن منصب النبوة يقتضي كون النبي متبوعا على معنى أنه مطاع ~~الأمر فأما وجوب متابعته في أفعاله فليس ذلك مدلول معجزته ولا قضية نبوته ~~ولا حكم مرتبته [والملك] الذي يتبع أمره لا يفعل مثل ما فعله إلا إذا أمر ~~به. ### | 399- # فأما من صار إلى أن الفعل يدل على الاستحباب فيما يقع قربة فهذا أقرب ~~قليلا من المسلك الأول في القسم الذي فيه الكلام فإنا لم نفرض قولنا إلا ~~فيما يقع من الرسول في معرض القرب فإذا ظهر تقربه بفعل إلى الله تعالى فقد ~~يظن الظان أن الأمة في ذلك بمثابته فإنه أسوة الخلق وقدوتهم في قربه ~~وعبادته وليس ذلك كالفعل المرسل الذي ينقل عنه من غير أن يبين كونه قربة في ~~حقه. # وهذا الرأي غير سديد أيضا فإن ما ثبت قربة في حق المصطفى فليس في نفس ~~الفعل ما يتضمن الدعاء إلى مساواته فيه والفعل في نفسه لا صيغة له وليس ~~بدعا أن يختص صاحب الشريعة بشيء دون أمته لعلو منزلته ورتبته وهذا متمسك ~~الواقفية إذا حاولوا إثبات الوقف. ### | 400- # والرأي المختار عندنا: أنه يقتضي أن يكون ما وقع منه مقصودا قربة محبوبا ~~مندوبا إليه في حق الأمة وشرطنا انتحاء الوسط في كل مسلك والنزول عن طرفي ~~السدف ms162 في الإثبات والنفي فمن ادعى أن الفعل بعينه يقتضي ذلك فهو زلل فإن ~~الفعل لا صيغة له ومن ادعى أنه لا يتأسى بفعل المصطفى صلى الله عليه وسلم ~~فيما ثبت. PageV01P184 # قصد القرب فيه فقد أبعد أيضا. # والوجه في ذلك أن يقال ثبت عندنا أن صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كانوا يتحرون لأنفسهم في القربات ما يصح عندهم من فعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكانوا إذا اختلفوا في قربة فروى لهم صادق موثوق به عن المصطفى ~~صلى الله لعيه وسلم فعلا كانوا يتبدرونه ابتدارهم أقواله ولا ينكر هذا منصف ~~فالوجه أن نقول إن رددنا إلى الفعل ومقتضاه أو إلى مدلول المعجزة فإنهما ~~يفضيان إلى الوقف كما قال الواقفية ولكن تأكد عندنا من عمل أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم التأسي به في كيفية أفعاله في قربة فليحمل هذا على ~~الإجماع [ولا يقطع] به في مقتضى العقل والمعجزة وكل ذلك فيما ظهر وقوعه على ~~قصد القربة من الرسول صلى الله عليه وسلم. ### | 401- # فأما فعله المرسل الذي لا يظهر وقوعه منه على قصد القربة فقد ذهب طوائف ~~من حشوية الفقهاء إلى أنه محمول على الوجوب كالذي سبق في القرب وقد عزى ذلك ~~إلى ابن سريج بعض النقلة وهذا زلل وقدر الرجل عن هذا أجل ومذهب الوجوب وإن ~~لاح بطلانه في القرب فهو على حال يصلح أن يكون معتقدا لمعتقد من حيث إنه ~~يقول هو إمام الخليقة في الطاعة فإذا لم يظهر انتفاء الوجوب بنى الأمر على ~~الوجوب أخذا بالأحوط فأما التزام هذا المذهب في كل فعل يصدر منه وإن لم ~~يظهر كونه قربة فبعيد جدا. ### | 402- # فإن قيل: فما المرتضى في هذا القسم؟ قلنا: أما الواقفية فيطردون مذاهبهم ~~في الوقف ومذهبهم في هذه الصورة أظهر وأما أصحاب الندب فقد يصيرون إليه وهو ~~رديء مزيف بمثل ما زيفنا به مذهب أصحاب الوجوب في هذا القسم فإن انقسام ~~فعله [إلى الواجب وغيره كانقسام فعله] إلى المندوب وغيره فالمختار إذا أن ~~فعله ms163 لا يدل بعينه ولكن يثبت عندنا وجوب حمله على نفى الحرج فيه عن الأمة ~~ومستند هذا الاختيار إلى علمنا بأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ~~اختلفوا في حظر أو إباحة فنقل الناقل في موضع اختلافهم فعلا عن المصطفى ~~لفهموا منه أنه لا حرج على الأمة في فعله وجاحد هذا جاهل بمسالك النقل فضلا ~~عن المعنى واللفظ وأما ادعاء اعتقادهم أن فعله واجب على غيره أو مندوب ~~مستحب فدعوى عرية لا تستند إلى قضية المعجزة ولا إلى عادتهم ولا إلى صفة ~~الفعل. # فهذا منتهى القول في أقسام أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نجاز ~~الغرض في هذا الفصل. # PageV01P185 ### | فصل: يحوي بقايا من أحكام الأفعال # حكم الأفعال التي تظهر فيها خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم. # - 403قد تبين أن معتصمنا ما ظهر لنا من دأب أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في اعتقاد القربة فيما يجري عن المصطفى في سياق القربة وفي ~~اعتقاد نفي الحرج فيما لا يظهر فيه قصد القربة منه ولم نتحقق على حاصل في ~~فن من أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما يتعلق بقبيل يظهر في ~~خصائصه فليس عندنا نقل لفظي ولا معنوي في أنهم رضي الله عنهم كانوا يقتدون ~~به في هذا النوع ولم يتحقق عندنا نقيض ذلك فهذا محل الوقف. # - 404فلينظر الناظر كيف لقطنا من كل مسلك خياره وقررنا كل شيء على واجبه ~~في محله وهذه غاية ينبغي أن ينتبه من يبغي البحث عن المذاهب لها فإنه يبعد ~~أن يصير أقوام كثيرون إلى مذهب لا منشأ له من شيء ومعظم الزلل يأتي أصحاب ~~المذاهب من سبقهم إلى معنى صحيح لكنهم لا يسبرونه حق سبره ليتبينوا ~~بالاستقراء أن موجبه عام شامل أو مفصل ومن نظر عن نحيزة سليمة عن منشأ ~~المذاهب فقد يفضى به نظرة إلى تخير [طرف] من كل مذهب كدأبنا في المسائل. # حكم فعلى الرسول صلى الله عليه وسلم المختلفين المؤرخين. # - 405 ومما نذكره في أحكام الأفعال ms164 بعد ثبوت التأسي به على التفصيل ~~المقدم أنه إذا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلان مؤرخان مختلفان ~~فقد صار كثير من العلماء إلى أن التمسك بآخرهما واعتقاد كونه ناسخا للأول ~~وتنزيلهما منزلة القولين المنقولين المؤرخين فإن آخرهما ناسخ لأولهما إذا ~~كانا نصين وللشافعي صغو إلى ذلك وهو مسلكه الظاهر في كيفية صلاة الخوف بذات ~~الرقاع فإنه صحت فيها رواية ابن عمر1 وصالح2 بن خوات فرأى الشافعي رواية ~~ابن خوات متأخرة ورأى رواية ابن عمر في غير تلك الغزوة فقدرها في غزاة ~~سابقة عليها وربما سلك مسلكا آخر فسلم اجتماع الروايتين في غزاة واحدة ~~ورآهما متعارضتين ثم تمسك من طريق القياس. PageV01P186 # بأقرب المسلكين إلى الخضوع والخشوع وقلة الحركة. ### | 406- # وذهب القاضي: إلى أن تعدد الفعل مع التقدم والتأخر أو غير ذلك محمول على ~~جواز الأمرين إذا لم يكن في أحدهما ما يتضمن حظرا. # والذي ذكره القاضي ظاهر في نظر الأصول فإن الأفعال لا صيغ لها ولكن إذا ~~ادعى مدع أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتمسكون بالأحداث ~~فالأحدث فهو منصف والقول في ذلك على الجملة ملتبس فإن [ادعاء] ذلك عليهم في ~~الأفعال على الخصوص نأي عن القطع وإن استمر فيه قطع فلا يبعد أنهم كانوا ~~يرون الأخير أفضل أحواله وأولى أفعاله. # مسألة. ### | 407- # مما يتعلق بالكلام في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان حكم ~~تقريره غيره على أمر. # فالذي ذهب إليه جماهير الأصوليين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~رأى مكلفا يفعل فعلا أو يقول قولا فقرره عليه ولم ينكر عليه كان ذلك شرعا ~~منه في رفع الحرج فيما رآه. # قالوا: من لم ير التعلق بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة تردد ~~أفعاله بين خواصه وبين ما يشاركه فيه غيره فإنه يقول: إذا قرر غيره على أمر ~~كان ذلك شرعا فإن تقريره يتعلق بالمقرر وكان ذلك في حكم الخطاب له وقد تمهد ~~أن خطابه للواحد في حكم الخطاب للأمة. # وهذا ms165 كما ذكروه ولكن فيه مستدرك فإنه لا يبعد أن يرى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أبيا عليه ممتنعا من القبول منه على أمر فلا يتعرض له وهو معرض ~~عنه لعلمه بأنه لو نهاه لما قبل نهيه بل يأباه وذلك بأن يكون من يراه ~~منافقا أو كافرا فلا يحمل تقريره هؤلاء وسكوته عنهم على إثبات الشرع فهذا ~~تفصيل لا بد منه في التقرير. # مسألة: ### | 408- # استدل الشافعي رضي الله عنه في إثبات القافة بتقرير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مجززا المدلجي على قوله إذ قال لما نظر إلى أسامه وزيد وهما تحت ~~قطيفة وقد بدت منهما أقدامهما إن هذه الأقدام بعضها من بعض فاستبشر رسول ~~الله وسره ما قاله,. # PageV01P187 # في القصة المشهورة وموضع الاستدلال للشافعي تقرير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذلك الرجل. ### | 409- # قال القاضي هذا فيه نظر فإن قول مجزز كان موافقا لظاهر الحال وكان ~~المنافقون يبدون غمزة في نسبة زيد وأسامة قاصدين به أذى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكان الشرع حاكما بالتحاق [أسامه بزيد] فجرى قول مجرزا منطبقا ~~على وفق الشرع والظاهر والأمر المستفيض الشائع وهو بمثابة ما لو قال فاسق ~~مردود الشهادة هذه الدار لفلان يعزوها إلى مالكها وصاحب اليد فيها فلو قرر ~~الشارع مثل هذا الرجل [على] قوله لم يكن ذلك حكما منه بأقوال الفسقة في محل ~~النزاع وقيام الحاجات إلى إقامة البينات. # وإن انتصر [منتصر للشافعي] قائلا إنما استدل الشافعي [باهتزاز] رسول الله ~~صلى الله ليه وسلم ومن تمام كلام [الشافعي] أن الرسول لا يسره إلا الحق ~~فإذا سره قول مجزر تبين أنه من مسالك الحق قيل: يمكن أن يحمل ذلك على علم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم برجوع العرب إلى أقوال القافة والقيافة لم ~~تزل عندهم مرجوعا إليها وهي من أبواب الكهانة وكان [المغمز] منهم فلما رأى ~~ما يكذبهم سره ما ساءهم. ### | 410- # فأقصى الإمكان في ذلك أن الرسول لو لم يكن معتقدا قبول قول القائف لعده ~~من الزجر والفأل والحدس ms166 والتخمين ولما أبعد أن يخطئ في مواضع وإن أصاب في ~~مواضع فإذا تركه ولم يرده كان الكلام على الأنساب بطريق القيافة فهذا من ~~هذا الوجه قد يدل على أنه مستند الأنساب فهذا هو الممكن في ذلك. # وقد انتجز بنجازه أحكام الأفعال والأقوال. # وأنا أرى على أثر ذلك أن أتكلم في شرع من قبلنا وأوضح مذاهب الناس فيه ~~فإن من العلماء من قدر شرائع الأنبياء الماضية شرعا لنا إذا لم يثبت في ~~شرعنا ناسخ له على التعيين. # PageV01P188 ### | باب القول في التعليق بشرائع الماضين ### | 411- # اضطربت المذاهب في ذلك فصار صائرون إلى أنا إذا وجدنا حكما في شرع من ~~قبلنا ولم نر في شرعنا ناسخا له لزمنا التعلق به وللشافعي ميل إلى هذا وبنى ~~عليه أصلا من أصوله في كتاب الأطعمة وتابعه معظم أصحابه. ### | 412- # وذهب ذاهبون من المعتزلة إلى أن التعلق بشرع من قبلنا غير جائز عقلا ~~وبنوا مذهبهم على أن ذلك لو قدر لأشعر بحطيطة في شريعتنا ولتضمن ذلك أيضا ~~إثبات حاجة إلى مراجعة من قلنا وهذا حط من مرتبة الشريعة وغض من منصب ~~المصطفى عليه السلام. ### | 413- # وصار صائرون إلى أن ذلك لا يمتنع عقلا ولكنه ممنوع شرعا واعتصموا بما روى ~~أن رسول الله صلى الله لعيه وسلم بلغه أن عمر كان يراجع اليهود في أقاصيص ~~بني إسرائيل فسأله رسول الله صلى الله ليه وسلم عن ذلك ونهاه عن صنيعه ~~وقال1: "لو كان ابن عمران حيا لما وسعه إلا اتباعي". ### | 414- # والمختار عندنا أن العقل لا يحيل إيجاب اتباع أحكام شرع من قلنا إذا لم ~~يرد في شرعنا ناسخ له وما ذكره بعض المعتزلة من أن ذلك غض من الدين وحط من ~~مرتبة الشريعة [وتنفير من اتباع شرعة الحق] ساقط لا حاجة إلى إيضاح بطلانه ~~ولكن ثبت عندنا شرعا أنا لسنا متعبدين بأحكام الشرائع المتقدمة والقاطع ~~الشرعي في ذلك: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يترددون في ~~الوقائع بين الكتاب والسنة والاجتهاد إذا لم يجدوا متعلقا فيهما وكانوا لا ~~يبحثون ms167 عن أحكام الكتب المنزلة على النبيين والمرسلين قبل نبينا عليهم ~~الصلاة والسلام. ### | 415- # فإن قيل: امتنع ذلك عليهم من جهة أن أهل الأديان السابقة حرفوا كتبهم ~~وغيروها عن الوجوه التي نزلت عليها قلنا هذا باطل من وجوه:. # أحدها: أن ما ذكروه يجر مساقه إلى أنه لا يجب التتبع للشرائع المتقدمة ~~لمكان PageV01P189 # التباسها واندراسها فكأن هؤلاء وافقوا المذهب وخالفوا في العلة. # والوجه الثاني أنه لو كان لنا متعلق في شرع من قبلنا لنبهنا الشارع على ~~مواقع التلبيس حتى لا يتعطل علينا مرجع الأحكام والوجه الثالث أنه كان أسلم ~~من الأحبار المطلعين على مواقع التغيير طائفة منهم عبد الله1 بن سلام وقد ~~استشهد الله به في نص القرآن وقال: {ومن عنده علم الكتاب} 2 [وقال: {وشهد ~~شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم} 3] وأسلم كعب4 الأحبار في ~~زمن عمر وكان المنتهى في علوم الأديان والإحاطة بالكتب وبالجملة لم يثبت قط ~~رجوع إمام في عصر من الأعصار إلى تتبع الأحكام من الملل السابقة فانتهض ما ~~ذكرناه قاطعا شرعيا فيما نحاوله. ### | 416- # فإن تمسك فقهاؤنا بقوله سبحانه وتعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين ~~اتبعوه وهذا النبي} 5 وقوله: {ملة أبيكم إبراهيم} 6 وقوله: {شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا} 7 قيل: المراد بمساق هذه الآي الرد على المشركين ~~وبيان إطباق النبيين على الدعاء إلى التوحيد وكان إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم على مسلكه المعروف رادا على عبدة الأوثان فلما بلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بهم جرت الآى المشتملة على ذكر إبراهيم صلى الله عليه وسلم في ~~تأييد التوحيد والرد على عبدة الأوثان. # مسألة: ### | 417- # مما ذكره الأصوليون متصلا بهذا الفن القول فيما كان النبي عليه السلام. ~~PageV01P190 # قبل أن يبعثه الله نبيا وهذا ترجع فائدته وعائدته إلى ما يجرى مجرى ~~التواريخ ولكن مأخذه الأصول كما سنبين الآن. ### | 418- # فذهبت المعتزلة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن على اتباع نبي ولكن ~~على شريعة العقل في اجتناب القبائح وإتيان المحاسن العقلية وزعموا أنه لو ms168 ~~عهد متبعا قط لكان في ذلك غميزة فيه لما بعث نبيا. # وهذا كلام مستندة أصلان باطلان أحدهما القول بشريعة العقل وقد أبطلناه ~~والثاني أن ما ادعوه من إفضاء اتباعه إلى منقصة في منصبه فهذا قد تكرر منهم ~~مرارا ووضح سقوطه. ### | 419- # وذهب ذاهبون إلى أنه كان على شريعة إبراهيم عليه السلام كما قدمناه في ~~المسألة السابقة وقد أوضحنا أنها واردة في التوحيد والتمسك بها في هذه ~~المسألة ليس بشيء قطعي وغاية ما يسلم لهم ظاهر معرض للتأويل وقد تقرر أن ~~الظواهر لا يسوغ التمسك بها في محاولة القطعيات ثم يعارضها قوله تعالى: ~~{شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} 1. ### | 420- # وذهب ذاهبون إلى أنه كان على شرع نوح لهذه الآية فإن تعلق بها صاحب هذا ~~المذهب فأية إبراهيم تعارضها. ### | 421- # وصار طائفة ممن ينتمي إلى التحقيق إلى أنه كان على شريعة عيسى فإنها آخر ~~الشرائع قبل شريعة المصطفى وكان الخلق عامة مكلفين بها وكان الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من المكلفين. # وهذا غير سديد من جهة أنه لم يثبت عندنا أن عيسى عليه السلام كان مبعوثا ~~إلى الناس كافة ولو ثبت ابتعاثه إليه فقد كانت شريعته دارسة الأعلام مؤذنة ~~بالانصرام والشرائع إذا درست سقط التكليف بها. ### | 422- # وقال القاضي لم يكن عليه السلام على شرع وقطع بهذا ولكنه لم يأخذه من ~~مأخذ المعتزلة حيث أحالوا ذلك عقلا بل القاضي قطع بجواز ذلك في العقل ولكن ~~متعلقة فيما صار إليه أنه عليه السلام لو كان على ملة لاقتضى العرف ذكره ~~لها [لما بعث نبيا] ولتحدث بذلك أحد في زمانه وبعده فإن الأمر ظاهر لا. ~~PageV01P191 # يكاد يخفى في مستقر العادات على ما سيأتي ذلك مستقصى في كتاب الأخبار وما ~~يجب أن يتواتر منها. ### | 423- # والمختار عندنا أن الأمر في ذلك ملتبس فلا وجه لجزم القول في نفي ولا ~~إثبات وما ذكره القاضي من اقتضاء العادة ظهور دين مثله عليه السلام فهو في ~~مسلكه بين ولكن يعارضه أنه لو لم يكن على دين أصلا لذكر فإن ذلك ms169 أبدع وأبعد ~~من المعتاد مما ذكره القاضي فقد تعارض الأمران. # والوجه أن يقال: كانت العادة انخرقت برسول الله عليه السلام في أمور منها ~~انصراف الناس عن أمر دينه والبحث عنه فهذا منتهى القول في ذلك. # ونحن الآن بتوفيق الله وتأييده نبتدىء [الكلام] في التأويل مستعينين ~~بالله تعالى وهو خير معين. # PageV01P192 ### | باب التأويلات ### | 424- # التأويل رد الظاهر إلى ما إليه ماله في دعوى المؤول وإنما يستعمل إذا علق ~~بما يتلقى من الألفاظ منطوقا ومفهوما والألفاظ تنقسم انقساما أولا إلى ~~المجمل والمجمل الذي لا يستقل بإفادة المعنى وإلى ما ليس مجملا. # فأما المجمل فلا يسوغ فرض الاستدلال به حتى يقدر احتياج المستدل عليه إلى ~~تأويله فإذا حسب المستدل المجمل ظاهرا اكتفى المستدل عليه بإبدائه كونه ~~مجملا فإذا اشتغل المستدل عليه بتفسيره كان مجاوزا حد النظر متعديا مسلك ~~الجدال مائلا إلى الانحلال فليكتف ببيان الإجمال وفيه سقوط استدلال ~~المستدل. # فأما ما ليس مجملا فينقسم إلى النص الظاهر وقد قدمنا ما يتميز به أحد ~~البابين عن الثاني ومسائل هذا الكتاب تفصل تلك الضوابط إن شاء الله تعالى. # فالنص ما لا يتطرق إلى فحواه إمكان التأويل وينقسم إلى ما ثبت أصله قطعا ~~كنص الكتاب والخبر المستفيض وإلى ما لم يثبت أصله قطعا كالذي ينقله الآحاد ~~ولا مجال [لتأويل] في النوعين وإنما يتعلق الكلام فيهما بتقديم المراتب عند ~~فرض المعارضات مثل أن يعارض نص متواتر نص الكتاب إن أمكن ذلك أو يعارض خبر ~~ناص مستفيض خبرا مثله أو يعارض خبر نقله الآحاد ما ثبت أصله قطعا أو يعارض ~~مثله والقول في ذلك يأتي مشروحا في آخر كتاب التأويل إن شاء الله تعالى. ### | 425- # والقول الوجيز الآن فيه على [ما] تقتضيه التوطئة والتمهيد أن الناظر يقدم ~~ما يقتضي العقل والشرع جميعا تقديمه عند تفاوت المراتب فإن استوت المراتب ~~وتحقق التعارض والألفاظ نصوص فالكلام في ذلك يئول إما إلى الإسقاط وإما إلى ~~الترجيح على ما يأتي في كتاب الترجيح إن شاء الله تعالى. ### | 426- # فأما الظاهر الذي يتطرق إمكان التأويل إليه ms170 وإنما ظهوره في جهته مظنون ~~غير مقطوع به فعليه ينبني هذا الكتاب. # PageV01P193 ### | 427- # والوجه تصدير هذا الفصل بأمرين: # أحدهما إبانة بطلان الاستدلال بالظاهر فيما المطلوب منه القطع لأن ظهور ~~معناه غير مقطوع به فلا يسوغ وضع الاستدلال به [على ما هذا سبيله] وإن قدر ~~ذلك من مستدل أشعر بجهله بأحد أمرين إما أن يجهل كونه ظاهرا أو يعتقده نصا ~~والأمر على خلاف ما يقدره وإما أن يجهل تمييز مواقع العلوم عن مجال الظنون ~~والجاهل بالوجه الأول أحق بأن يعذر من الجاهل بالرتبة الثانية ثم إذا فرض ~~ذلك في المستدل فليس من حق المستدل عليه أن يشتغل بالتأويل بل يكفيه أن ~~يبين تطرق الاحتمال وخروج اللفظ عن القواطع. # وإذا وضح ذلك التحق الظاهر في محل طلب العلم بالمجملات التي لا تستقل ~~بأنفسها. ### | 428- # والثاني أن الظاهر حيث لا يطلب العلم معمول به والمكلف محمول على الجريان ~~على ظاهره في عمله وقد قدمنا في [أثناء] الكلام [في ذلك] قولا بالغا وإن ~~حاولنا تجديد العهد به فالمعتمد فيه والأصل والتمسك بإجماع علماء السلف ~~والصحابة ومن بعدهم فإنا نعلم على قطع أنهم كانوا يتعلقون في تفاصيل ~~الشرائع بظواهر الكتاب والسنة وما كانوا يقصرون استدلالاتهم على النصوص ومن ~~استراب في تعلقهم بالقياس لم يسترب في استدلالهم بالظواهر ولم يؤثر منع ~~التعلق بالظواهر عمن بخلافه ووفاقه مبالاة وإن ظهر خلاف فاستدلالنا قاطع ~~بالمسلك الذي ذكرناه ومستنده الإجماع وسبيل نقل الإجماع التواتر. ### | 429- # فإن قيل أنتم تعلمون وجوب العمل بالظاهر وربط العلم بالمظنون محال وهذا ~~رددوه مرارا وبان مسلك الحق فيه إذ قلنا: الظاهر بنفسه لا يثبت علما بوجوب ~~العمل وإنما المفيد للعلم الإجماع فهو يقتضي العلم بوجوب العمل وليس يتطرق ~~إليه ظن وهذا نجريه في [خبر] الواحد والأقيسة المظنونة وقد صدرنا الكتاب ~~بذلك لما حاولنا بيان ماهية أصول الفقه فإذا تبين جواز التعلق بالظواهر في ~~المحال التي ذكرناها وتأويل الظواهر على الجملة مسوغ إذا استجمعت الشرائط ~~التي سنصفها إن شاء الله تعالى ولم ينكر أصل التأويل ذو مذهب وإنما ms171 الخلاف ~~في التفاصيل وإن قدرنا فيه خلافا فالمعتمد في الرد على المخالف إجماع من ~~سبق فإن المستدلين بالظواهر كانوا يؤولونها في مظان التأويل وهذا معلوم ~~اضطرارا كما علم أصل الاستدلال ثم إذا ثبت جواز التأويل فلا يسوغ التحكم به ~~اقتصارا عليه. # PageV01P194 # من غير عضد له بشيء إذ لو ساغ ذلك لبطل التمسك بالظواهر واكتفى المستدل ~~عليه بذكر تطرق الإمكان إلى الظاهر وهذا إن قيل به يسقط أصل الاستدلال ~~ويلحق جمال الإجمال بما يطلب فيه العلم المحض. # فإذا وضح أن أصل التأويل مقبول وتبين أن [التحكم] به مردود فيفتح بعد ذلك ~~الكلام في تفصيل التأويل وما يعضد كل قسم منه من فنون الدليل. ### | 430- # ولجميع مسائل الباب عندنا ضبط في النفي والإثبات هو المتبوع وإليه المرجع ~~والذي أراه في طريقة الإفهام رسم مسائل في التأويلات اضطرب العلماء فيها ~~فقبلها بعضهم وردها آخرون ونحن نطردها على وجوهها ونبين المختار منها حتى ~~إذا نجزت نبهنا بعد نجازها على سر الكتاب. # مسألة. ### | 431- # استدل الشافعي رضي الله عنه في اشتراط الولي في النكاح بحديث عائشة فإنها ~~روت عن النبي عليه السلام أنه قال1: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل". الحديث. # وتعرض أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه لذكر محامل وتأويلات ونحن نشير إلى ~~وجوهها على إيجاز حتى يفضي الكلام إلى مقصود هذه المسألة. ### | 432- # قال قائلون: الحديث محمول على الصغيرة فأنكر عليهم وقيل لهم ليست الصغيرة ~~امرأة في حكم اللسان كما ليس الصبي رجلا وألزموا سقوط التأويل على مذهبهم ~~فإن الصغيرة لو زوجت نفسها انعقد النكاح صحيحا موقوف النفاذ على إجازة ~~الولي وقد قال عليه السلام2: "فنكاحها باطل" ثم أكد البطلان بتكرير الباطل ~~ثلاثا وكان عليه السلام إذا أراد تأكيدا كرر ثلاثا. # فقالوا: وجه تسمية نكاحها باطلا أنه إلى البطلان مصيره عند فرض رد الولي ~~واستشهدوا بقوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} 3 قيل: لهم نكاحها يتردد بين ~~النفوذ عند تقدير الإجازة من الولي وبين الرد عند فرض الرد منه ولا يسوغ ~~والحالة هذه التعبير ms172 عن إحدى العاقبتين مع تجويز الأخرى وإنما يعبر عما ~~سيكون بالكائن فيما يكون لا محالة كالموت الذي إليه مصير كل ذي روح. ~~PageV01P195 ### | 433- # ومن تأويلاتهم أنهم يحملون لفظ الرسول على الأمة وزعموا أنه لا يمتنع ~~تسمية [الأمة امرأة كما لا يمتنع تسمية] السيد وليا ورد ذلك عليهم بوجهين ~~أحدهما أنه نكاح صحيح موقوف كما ذكرنا في الصغيرة ومنتهى الكلام فيه كما ~~سبق والثاني: أنه عليه السلام قال: "فإن مسها فلها المهر", ومهر الأمة ~~لمولاها. ### | 434- # وزعم من يدعي التحقيق والتحذق من متأخريهم أن الحديث محمول على المكاتبة ~~واستفادوا بالحمل عليها على زعمهم استحقاقها المهر ثم الأمر عند هؤلاء قريب ~~في حمل المرأة على الأمة والولي على المولى ومن هذا المنتهى منشأ مقصود ~~المسألة. ### | 435- # ذهب معظم الفقهاء من أصحابنا وغيرهم إلى أن هذا الصنف من التأويل مقبول. ### | 436- # وقال القاضي: هو مردود قطعا وعزا هذا المذهب إلى الشافعي قائلا: إنه على ~~علو قدره كان لا يخفى عليه هذه الجهات في التأويلات وقد رأى الاعتصام بحديث ~~عائشة اعتصاما بنص وقدمه على الأقيسة الجلية وكان ذلك شاهد عدل في أنه رضي ~~الله عنه كان لا يرى التعلق بأمثال هذه المحامل. # ومجموع ما نوضح به هذه المسألة طرق نعددها. ### | 437- # الأولى: أنه عليه السلام ذكر أعم الألفاظ إذ أدوات الشرط من أعم الصيغ ~~وأعمها ما ووأي فإذا فرض الجمع بينهما كان بالغا في محاولة التعميم وقرائن ~~الأحوال متقبلة عند الكافة فإذا قال من ظهرت به مخايل الضجر لمرضه أو إلمام ~~مهم به لبوابه لا تدخل على أحدا فلو أدخل البواب كل ثقيل ولم يدخل أقواما ~~مخصوصين زاعما أني حملت لفظك على الذين منعته لم يقبل ذلك منه. # فإذا ابتدأ الرسول عليه السلام حكما ولم يجره جوابا عن سؤال ولم يضفه إلى ~~حكاية حال ولم يصدر منه حلا للإعضال والإشكال في بعض المحال بل قال مبتدئا ~~وإليه ابتداء الشرع بأمر الله وشرح ما أعضل من كتاب الله: "أيما امرأة" ~~فانتحى أعم الصيغ وظهر من حاله قصده تأسيس الشرع بقرائن ms173 بينة فمن ظن ~~والحالة هذه أنه أراد المكاتبة على حيالها دون الحرائر اللواتي هن الغالبات ~~والمقصودات فقد قال محالا ولا يكاد يخفى أن الفصيح إذا أراد بيان خاص شاذ. # PageV01P196 # فإنه ينص عليه ولا يضرب عن ذكره وهو يريده ولا يأتي بعبارة مع قرائن دالة ~~على قصد التعميم وهو يبغى النادر قال الشافعي الشاذ [ينتحى] بالنص [عليه] ~~ولا يراد على الخصوص بالصيغة العامة. ### | 438- # الطريقة الثانية أن التعلق بالظاهر يقتضي ظهوره في مقصود المتكلم من جهة ~~وضع اللسان ومن جهة العرف والتأويل الذي يصغى إليه ثم يطالب بالدليل عليه ~~وهو الذي ينساغ من ذي الجد من غير أن يتولج في فن الهزء والهزل واللغز وما ~~يقع كذلك فهو مردود. # وبيان ذلك بالأمثلة أن الرجل إذا قال رأيت أسدا فقد يعني السبع المعروف ~~وقد يعني به رجلا عجوما مقداما فهذا مساغ لا ينافيه الجد ولكنه تأويل فلو ~~قال رأيت أسدا ويعني رجلا دميما أو أبخر لم يكن ذلك وجها منساغا فإن هذا لا ~~يطلقه أرباب اللغات على انتحاء مسالك التأويل ولا على الجريان على الظواهر ~~فإن أراد مريد ذلك كان ملغزا وإن ادعى جاهل تأويل مثل هذا الوجه لم يقبل ~~ذلك منه ومن الأمثلة التي ذكرناها أن من قال رأيت جمعا من العلماء ثم لما ~~روجع فسر بقطيع من البقر ذهابا منه إلى أنها على [علوم] تتعلق بمصالحها ~~ومضارها ومنافعها وكذلك لو فسره برؤية سفلة من الجهلة ثم زعم أنهم من ~~العلماء لم يقبل ذلك ولم يعد من المحامل المسوغة وإذا قال القائل لا تمنع ~~فلانا شيئا من مالي ثم فسره بكسرة أو شربة عد جاهلا أو هازلا. ### | 439- # ثم اختتم كلامه بطريقة ثالثة تعضد ما تقدم وتستقل بنفسها فقال فقد سلم ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم المخالف والمؤالف أنه كان على النهاية ~~القصوى من الفصاحة ولا حاجة إلى الإطناب في إثبات هذا ولا يخالف من معه ~~مسكة من العقل أن الحمل على ما ذكره هؤلاء يحط الكلام عن مرتبة الفصاحة ~~والجزالة ويحل ms174 المتكلم به محل الحصر العيى الذي يعمم في غير غرض ويبتغي ~~التخصيص من غير إشعار به وكل ما يتضمن إلحاق كلام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالمستهجن الغث فهو مردود على قائله. ### | 440- # ثم لما استكمل رضي الله عنه الطرق ختم كلامه بأن قال كل ما قدمته توطئة ~~[وتمهيد] وضرب أمثال وأنا أعلم على الضرورة والبديهة أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لم يرد بقوله: "أيما امرأة" المكاتبة دون غيرها. # PageV01P197 # فهذا منتهى القول في هذا ولا مزيد على ما ذكره القاضي. ### | 441- # فإن احتج من يسوع هذا الفن بأن [قال:] الإماء والمكاتبات داخلان تحت ~~العموم عند فرض التمسك بظاهر العموم وكل ما يدخل تحت الظاهر في العموم لا ~~يبعد تنزيل العموم عليه تخصيصا وهذا الذي ذكروه فإنه لا يعارض ما نبهنا ~~عليه فليس المعتبر فيما يقبل ويرد أقيسة وتشبيهات وتلفيق عبارات ولكن إنما ~~يسوغ في التأويلات ما يسوغه الفصحاء وقد قدمنا في صدر هذا المجموع انحسام ~~مسلك القياس في اللغات فإن إرادة النوادر مع إرادة الظواهر ليست بدعا وكذلك ~~إرادة بعض ما يظهر باللفظ العام ليس مستنكرا على شرائط ستأتي فأما إرادة ~~الأقل الأخص باللفظ الأعم الأشمل فهو مردود بالوجه الذي قدمناه. ### | 442- # فإن قالوا: التخصيص حال في تمييز حكم عموم اللفظ محل الاستثناء ثم يجوز ~~إطلاق لفظ عام يعقبه استثناء لا ينفى إلا الشاذ الأخص [فليسغ] ذلك في ~~التخصيص أيضا وهذا من الطراز الأول فإنه قياس وتشبيه وتلفيق عبارات مع ~~معاندة القطع. # ثم لا يجوز أن يصدر من الرسول عليه السلام مثل هذا الاستثناء وقد منع ~~القاضي مثله من غير الرسول عليه السلام على ما ذكرناه في مسائل الاستثناء ~~ومن جوز ذلك من غير الرسول عليه السلام فهو في حكم النص المصرح به وإن جيء ~~به في صيغة ركيكة والرسول منزه عن مثل ذلك فقد لاح الغرض من هذه المسألة. # مسألة: ### | 443- # استدل الشافعي رضي الله عنه في اشتراط تبييت النية في صوم رمضان بقوله ~~صلى الله عليه وسلم1: "لا صيام لمن ms175 لم يبيت الصيام من الليل", فذكر ~~المخالفون أسئلة تداني ما اشتلمت عليه المسألة الأولى ونحن نعيدها على ~~الإيجاز ونتعداها إلى فن آخر من التأويل المردود. ### | 444- # فمما ذكروه حمل الحديث على القضاء والنذر المطلق وهذا مردود بالمسالك ~~المقدمة فإنه عليه السلام قال: ابتداء "لا صيام" ولا النافية إذا اتصلت على ~~حكم التبرئة باسم منكور وجاء الاسم [بعدها] مبنيا على الفتح كان بالغا في. ~~PageV01P198 # اقتضاء العموم فإذا قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: ابتداء لأبناء على ~~سؤال ولا تطبيقا للكلام على حال "لا صيام" فظن ظان أن الصوم الذي هو ركن ~~الإسلام وهو القاعدة في الصيام لم يعنه ولم يرده وإنما أراد ما يقع فرعا ~~للفرائض الشرعية كالمنذورات وفرعا للأداء كالقضاء فقد أبعد ونأي عن مأخذ ~~الكلام وهلم جرا إلى استتمام الطرق المقدمة في المسألة الأولى. ### | 445- # وذكر أصحاب أبي حنيفة مسلكا آخر في التأويل وعزوه إلى الطحاوي1 وذكروا ~~أنه كان يتبجح به وهو أنه قال: أراد صلى الله عليه وسلم نهى الرجل عن ~~الاكتفاء بنية صوم الغد في بياض نهار اليوم فقال: فعليه أن يؤخر النية إلى ~~غيبوبة الشمس حتى يكون بإيقاع النية في الليل مبيتا وزعم هذا المؤول أن ~~مسلكه هذا يجري في جميع أنواع الصيام فرضها ونفلها وهذا كلام غث لا أصل له ~~وهو يحط من مرتبة الطحاوي أن صح النقل عنه. ### | 446- # والدليل على بطلانه وجهان قريبان أحدهما أن هذا اللفظ لو سمعه عربي ناشئ ~~من منبع اللغة لم يسبق إلى فهمه النهي عن إيقاع نية صوم الغد في يوم قبله ~~وبالجملة هذه صورة شاذة نادرة تجري في أدراج الكلام للوسواس يضعها ~~المتكلفون وظاهر الخطاب ينزل على ما يفهمه المخاطبون فإن أنكر الخصم أن ~~المفهوم من الخطاب ما ذكرناه سقطت مكالمته ولم يبق إلا أن يرد إلى حكم ~~اللسان وتفاهم أهل التحاور وإن اعترف أن هذا هو الظاهر فحمل كلام الرسول ~~عليه السلام على نادر شاذ باطل بالمسلك الذي ذكرناه. ### | 447- # والوجه الثاني: أن هذا الفن إنما يذكر نهيا عن الذهول ms176 وتحذيرا من الغفلة ~~واستحثاثا على تقديم التبييت وهذا يجري مجرى الفحوى التي لا ينكرها محصل ~~فإذا حمل حامل ذلك على النهي عن التقديم على الليل كان ذلك نقيض مقصود ~~الخطاب. ### | 448- # والكلام الوجيز فيه: أن مقصود الخطاب الأمر بتقديم النية, والنهي عن ~~PageV01P199 # تأخيرها عن وقت التبييت وموجب ما ذكره النهي عن التقديم والأمر بالتأخير ~~وليس تخيل ما ذكره هذا القائل في اليوم الذي يلي الغد بأولى من تخيله من ~~يوم قبله بسنة. ### | 449- # واعلم هديت لرشدك أن هذه الفنون من الكلام ما كانت تجري في عصور العلماء ~~الأولين وإنما أقدم [عليها] المتأخرون لأمرين أحدهما: التعري عن مأخذ ~~الكلام والثاني: الاستجراء على دين الله تعالى والتعرض لخرق حجاب الهيبة ~~نعوذ بالله منه. ### | 450- # مما وجه على هذا الحديث من التأويل حمل النفي فيه على نفي الكمال وهذا ~~أقرب قليلا إلى مسالك التأويلات ولكنه مردود من وجهين أحدهما: أن حمل هذا ~~اللفظ على نفي الكمال غير ممكن في القضاء والنذر وهما من متضمنات الحديث ~~وإذا تعين حمل [اللفظة] على حقيقتها في بعض المسميات تعين ذلك في سائرها ~~فإن الإنسان الفصيح ذا الجد لا يرسل لفظه وهو يبغي حقيقتها من وجه ومجازها ~~من وجه. # فإن قالوا: ليس القضاء والنذر مقصودين كما ذكرتم قلنا: نعم ولكن الشاذ لا ~~يعني باللفظ العام تخصيصا واقتصارا عليه وانحصارا عليه ولا يمتنع أن يشمله ~~العموم مع الأصول. # والذي يحقق هذا أنه لو حمل لفظه على نوع من الصوم ثم حمل فيه على نفي ~~الكمال لما كان اللفظ عاما أصلا وكان مختصا بنوع واحد وهو من أعم الصيغ كما ~~تقدم تقريره والدليل عليه أن ما ذكروه من أن الرسول عليه السلام لم يرد ~~القضاء والنذر ليس مذهبا لذي مذهب فإنه إذا امتنع قبول التأويل من غير دليل ~~فلأن يمتنع من غير مذهب أولى. # مسألة: ### | 451- # استدل الشافعي رضي الله عنه في نكاح المشركات بالقصص المشهورة في الذين ~~أسلموا على العشر والخمس والأختين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~[لغيلان] وقد أسلم على ms177 عشر نسوة ثم راجع الرسول عليه السلام في مفارقتهم أو ~~إمساكهن فقال عليه السلام: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" 1 وقال للذي أسلم على ~~أختين: PageV01P200 # "أمسك أيتهما شئت وفارق الأخرى" 1. # فجرت تلك الأقاصيص نصوصا عند الشافعي في أن الكفار إذا أسلموا على عدد من ~~النساء لا يوافق حصر الإسلام فعليهم أن يمسكوا عدد الإسلام ويفارقوا ~~الباقيات ولا يؤاخذون برعاية الأوائل والأواخر ولا يكلفون الجريان على ~~أحكام التواريخ ووجه التمسك بين فإنه عليه السلام علم أنهم على حداثة العهد ~~بالإسلام ولم يخبروا تفاصيل الأحكام ثم أطلق لهم الخيرة في إمساك من شاءوا ~~على شرط رعاية عدد الإسلام. ### | 452- # فوجه المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة سؤالين ركيكين أحدهما يسقطه اللفظ ~~فلتقع البداية به ومقصود المسألة السؤال الثاني فأما ما. # يدفعه اللفظ فدعواهم أنه أمرهم أن يختاروا الأوائل وهذا يدفعه قوله عليه ~~السلام لصاحب الأختين: "اختر أيتهما شئت وفارق الأخرى", وقال عليه السلام ~~لبعضهم وقد أسلم على خمس: "اختر أربعا وفارق واحدة", قال صاحب الواقعة ~~فعمدت إلى أقدمهن صحبة ففارقتها فلا حاجة إلى الإطناب في ذلك وهو على ~~معاندة اللفظ. ### | 453- # فأما الثاني وهو المقصود الذي عقدت المسألة له فهو أنهم قالوا إنه عليه ~~السلام أراد بقوله: "أمسك أربعا" أن يمسكهن ويجدد عليهم الأنكحة على موجب ~~الشرع. # وهذا عند المحققين سرف ومجاوزة حد وقلة احتفال بكلام الشارع فإن الرسول ~~عليه السلام ذكر لفظ الإمساك أولا وموجبه الاستدامة واستصحاب الحال والثاني ~~أن النقلة لم ينقلوا تجديد العقود بل رووا الحكايات رواية من لا يستريب ~~أنهم استمروا في عدد الإسلام على مناكحتهم فيهن وكان المخاطبون على قرب عهد ~~والرسول صلى الله عليه وسلم لا يخاطبهم إلا بما يقرب من أفهامهم والتعبير ~~عن ابتداء النكاج بالإمساك بعيد جدا ناء عن المحامل الظاهرة وفي القصص أنهم ~~جاءوا سائلين عن الفراق أو الإمساك فانطبق جواب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على سؤالهم ثم النكاح على الابتداء لا يختص بهن بل جوازه سائغ في نسوة ~~العالم وقوله: "أمسك", أمر وما ذكروه ms178 تخيير فينتظم من جوامع الكلام ما يحل ~~محل قرائن الأحوال التي تفضى إلى العلم بإرادة المتكلم. PageV01P201 # وهذا وإن كان يستدعي مزيد تقرير في النظر ففي هذا المقدار تأصيل الكلام ~~والمحصل ذو المنة يورده إيرادا مقررا وإن أردنا أن نأتي بكلام قريب جدا ~~يستوي في [نيله و] الإفهام به المتشدق البليغ وذو العي الحصر قلنا: ### | 454- # إن جحدا معاند إفضاء ما ذكرناه إلى الغرض نصا لم يجحد ظهور ما ذكرناه ~~وغلبة الظن في صغو قصد الشارع إلى ما قررناه ولا خلاف بين العالمين ~~بالظواهر أن تأويلاتها لا تقبل غير مقترنة بأدلة وغاية المتمسك بهذا المسلك ~~أن يأتي بقياس مظنون ومعنى الظن في أنه يحسبه أنه منصوب الشارع ظنا منه ~~وتقديرا وقد غلب على الظن مقصود الشارع في لفظه [فما يغلب متصلا] بلفظه على ~~الظن أولى مما يغلب على الظن كونه منصوبا للشارع في فنون الأقيسة وهذا يقع ~~من الظن بعيدا بدرجات عن الظن المختص بلفظ المصطفى عليه السلام. ### | 455- # فإن قيل: كأنكم تبنون هذا على تقديم الخبر على القياس فتثبتون استواء ~~الظنين ثم تقدمون إحدى المرتبتين وقد لا تساعدون على تقديم الخبر [على ~~القياس] قلنا ما أهون إثبات هذا علينا وسنذكره مستقصى في كتاب الأخبار. # ثم هذه المسألة لا تختص بهذا المأخذ فإن من يرى هذا الفن من التأويل ~~يطرده في تأويل ظواهر القرآن والأخبار المتواترة وإن كان القياس [لا] يقدم ~~على نصوص القرآن والسنة المتواترة. ### | 456- # والذي يقطع مادة الإشكال في ذلك أنا نعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كانوا إذا وجدوا ما يظهر عندهم قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيه اكتفوا به ولم يميلوا إلى غيره ورأوا من يركن إلى القياس لإزالة ظاهر ~~ما صح عندهم في حكم [الراد لخبر] رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو تتبع ~~المتتبع الأخبار التي رويت لهم فعملوا بها لوجدها ظواهر والجحد في هذا ~~المقام الآن إنكار البديهة ومداره الضرورة ثم معتضد القياس عملهم به لا غير ~~فإن أنصف الخصم علم ms179 أنهم كانوا لا يقيسون في هذه الحال وإن ركب رأسه وطرد ~~شماسه لم يمكنه أن يثبت قياسهم في هذه الصورة ولهذا لا يطمع فيه إلا أخرق ~~ولا شك أنهم ما قاسوا في كل محل. ### | 457- # فليتخذ الناظر هذا الفصل معتضدة الأقوى في هذه المسألة وأمثالها وهنالك ~~استبان أن كل ما ظهر في قصد الشارع لم يجر مخالفة ظاهر قصده بقياس فلهذا لم ~~يشتغل الأوائل المتقدمون بما أنشاه ناشئة الزمان من التأويلات المزخرفة ولم ~~يكن ذلك لغفلتهم عن أمثالها. # PageV01P202 # مسألة: ### | 458- # مما يجريه أبناء الزمان في أدراج الاعتراضات ادعاء أمور من طريق الاحتمال ~~من غير نقل فحاولوا بها مداراة الاستدلال. # وهذا بمثابة قول بعض أصحاب أبي حنيفة في المسألة التي تقدمت في نكاح ~~المشركات حيث قالوا لم يكن في عدد النساء حصر في ابتداء الشرع ولعل الذين ~~أسلموا كانوا نكحوا في الشرك حين لا حصر وكانت تلك الأنكحة على الصحة ولما ~~أسلموا كان الحصر مستقرا في الشرع فلم يبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنكحتهم السابقة الموافقة في وقت وقوعها موجب الشرع ولم يقرر عليها ~~بالكلية. ### | 459- # وسبيل الكلام على هذا الصنف أن نقول لم يثبت ما ذكروه من أحكام الإسلام ~~في ابتداء الأيام ولا مبالاة بما جاءوا به فلفظ الرسول عليه السلام محمول ~~على ما الشرع عليه الآن ومن قدر أمرا على مخالفة ما يصادفه الآن فدعواه من ~~غير حجة مردودة عليه وهذا متفق عليه فإن أمثال هذه الاحتمالات لو طرقت إلى ~~حكايات الأحوال وأقوال الرسول فيها لما انتظم الاستدلال بواحد منها فإن هذه ~~الفنون المدافعة للاستدلال ممكنة في كل أصل. ### | 460- # فإن قيل أليس تأويل الظواهر مقبولا بالاحتمال قلنا ليس الاحتمال مقتضيا ~~قبول التأويل ولكنا رأينا الأولين على الجملة يتمسكون بالتأويلات وكما. # رأيناهم متفقين على التأويل مع التعويل على دليل يعضده رأيناهم غير ~~مكتفين بهذه الإمكانات وهذا بمثابة دعوى النسخ من غير ثبت فإن من ادعى نسخا ~~فقد ادعى ممكنا ولكن لا يقبل منه بالإجماع إلا بثبت يعول عليه. # فإن نقل أصحاب ms180 أبي حنيفة من التواريخ [الصحيحة] أن الحصر لم يكن في ~~ابتداء الإسلام فيعسر التمسك بتلك الأقاصيص وعلى المتمسك بها أن يثبت ~~وقوعها بعد الحصر وإلا كان الاستدلال معرضا لإجمال واحتمال ومثل هذا ~~الاحتمال مع ثبوت الأصل في حكايات الأحوال ينزل منزلة الاحتمال في صيغ ~~الأقوال. ### | 461- # ولكن لو صح ما ذكروه انقدح وراءه نوعان من الكلام: # أحدهما: أنه إن استقام النقل فيما ادعوه وهيهات فهو مما ادعاه ناشئة ~~الزمان في الحصر في العدد فأما الجمع بين الأختين فلم [يصر] أحد إلى أنه ~~عهد مسوغا. # PageV01P203 # في صدر الشريعة وقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} 1 ~~معدود عند المفسرين من باب الاستثناء من غير الجنس والمراد من قوله: {إلا ~~ما قد سلف} 2 [ما سلف] في الجاهلية قبل مبعث المصطفى صلى الله عليه وسلم ~~والدليل عليه أنه قال: {إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} 3 وكان إذا جرى ~~على صيغته فصيفته تتضمن الإخبار عما مضى فهذا وجه. ### | 462- # والوجه الآخر أنا نقول لو صح ما ادعوه من صحة مناكح المشركين لكان قياس ~~الشرع يقتضي أن يبطل جميعها عند ورود الحجر والحصر بالتدافع كما إذا نكح ~~[الرجل] رضيعتين جميعا أرضعتهما امرأة وثبتت الأخوة بينهما فاستدامة ~~نكاحهما ممتنعة وتخصيص ارتفاع النكاح بأحدهما لا سبيل إليه فلزم تدافع ~~النكاحين فإذا سلموا أن طريان الحجر لا يوجب التدافع قام عليهم مسلك في ~~القياس [قبل] لهم به كما ذكرناه في مسائل الفقه فليطرد الناظر مقصود هذه ~~المسألة في أمثالها وليحمل الخصم على تصحيح النقل فيما يدعيه ولا يكتفي ~~بمجرد الاحتمال أصلا. # مسألة: ### | 463- # إن صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله4: "من ملك ذا رحم محرم فهو ~~حر" فلا يصح تأويل متبعي الشافعي [إذا حاولوا] حمل اللفظ على الذين هم عمود ~~النسب وهم الأصول أو الفصول وهذا الفن مما لا يلفى في الزمان من يجحده وهو ~~باطل قطعا عند ذوي التحقيق وهذه المسألة عبرة لأمثالها فليمعن الناظر النظر ~~فيها مستعينا بالله تعالى. ### | 464- # فنقول قصد ms181 رسول الله صلى الله عليه وسلم للتعميم واضح لائح في قوله5: " ~~من ملك ذا رحم محرم" فإن ذلك مما نقل عنه ابتداء لا في حكاية حال ولا جوابا ~~عن سؤال ولا في قصد حل إعضال وكان يعتاد تأسيس الشرع ابتداء فإذا قال من ~~ملك ذا رحم محرم تبين أنه أراد المحارم من ذوي الرحم أجمعين ولو أراد ~~الآباء. PageV01P204 # والأمهات والبنين وعلم تخصيصهم بهذه القضية لنص عليهم فإذا ذكر الأقارب ~~ثم علم أنهم ينقسمون إلى المحارم وغيرهم فخص الحكم الذي نص عليه بالمحارم ~~من ذوي الأرحام تقرر أنه قصد بذلك الضبط والتشوف إلى ما يسميه أهل الصناعة ~~الحد فكيف يستقيم أن يظن به عليه السلام أنه أراد الذين هم عمود النسب وجرى ~~أيضا كلامه مجرى تعظيم أمر الرحم إذا انضمت إليه المحرمية فانتظم من مجموع ~~ما ذكرناه ظهور قصد التعميم من الرسول فمن رام مخالفة قصده لم يقبل منه وإن ~~عضده بقياس فمستنده ظن المستنبط أنه مراد الشارع وليس له في ألفاظه ذكر فما ~~يظهر من لفظ الرسول عليه السلام كيف يترك بما يظنه القايس على بعد من لفظ ~~الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ### | 465- # والقول الضابط في ذلك: أنه لو تقدم قياس مظنون على ظاهر من لفظ الرسول ~~عليه السلام لاقتضى ذلك تقديم مرتبة القياس على مرتبة الخبر وسنبين أن ~~الخبر مقدم على القياس. ### | 466- # والقدر المقنع فيها: أن لو [رددنا] إلى عقولنا لما سفكنا الدماء المحقونة ~~في أهبها ولما حللنا الأبضاع المعظمة بأقيسة مستندها ظنون ولكنا ألفينا صحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكرمين يقيسون في غير موارد النصوص وثبت ~~عندنا بالقاطع السمعي أن الإجماع حجة فإذا وقع العمل عند القياس بإجماعهم ~~والإجماع مقطوع به ثم كانوا لا يقيسون ما وجدوا خبرا وكان الراوي البدوي ~~الموثوق به إذا روى خبرا وظهر لهم قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~تعميم حكم لم يعرجوا على التأويلات البعيدة لأقيسة تعن لهم. # فإذا الألفاظ المأثورة على ثلاث مراتب عندنا: ### | 467- # المرتبة الأولى أن ms182 يلوح للمؤول أن الشارع لم يقصد التعميم [بها] فما كان ~~كذلك فلا يسوغ الاستدلال بحكم العموم فيه ولا حاجة إلى التأويل فيه وهذا ~~نضرب فيه أمثالا منها أن الرسول عليه السلام قال1: "ما سقت السماء ففيه ~~العشر وما سقي بنضح أو دالية ففيه نصف العشر" فإذا استدل الحنفي بهذا ~~الظاهر في إثبات العشر في كل ما تنبته الأرض كان ذلك مردودا عليهم فإن ~~الرسول استاق. PageV01P205 # كلامه هذا للفرق بين السيح والنضح لا للتعرض لجنس ما يجب فيه العشر فإذا ~~ظهر أن هذا الفن من العموم لم يقصده الشارع وإن جرى في كلامه اللفظ ~~[الصالح] له وهو "ما سقت السماء" 1 فالاستمساك به في قصد التعميم باطل إذ ~~ظهر من كلامه خلافه ومن أمثلة ذلك استدلال من استدل من أصحاب أبي حنيفة ~~بقوله تعالى: {وثيابك فطهر} 2 أن قالوا كل ما يقع به التطهير مندرج تحت ~~مقتضى الأمر. قال الشافعي3: الغرض من الآية التعرض [لأصل] التطهير لا ~~التعرض لأصل التخصيص والتعميم في آلات التطهير والذي يحقق ذلك أن الباحث عن ~~آلة التطهير عند اتصال هذا الخطاب به سائل عن الشيء على وجهه والذي يحقق ~~ذلك قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} 4 استاق الآية لبيان ~~كيفية الوضوء ولم يخصص الغسل بآلة مخصوصة مع اختصاصها بالماء وفاقا. # فهذه مرتبة فلتقس على الأمثال التي ذكرناها ما في معناها. ### | 468- # والمرتبة الثانية أن يظهر قصد التعميم من الشارع عليه السلام فهذا لا ~~يسوغ تأويله بقياس مظنون كما سبق. ### | 469- # والمرتبة الثالثة أن يرد اللفظ ولا يقترن به ما يدل على قصد التعميم ولا ~~ما يدل على نقيضه فهذا ملتطم التأويل وموقف التشاجر بين المستدل باللفظ ~~وبين مدعى التأويل بمعاضدة بالقياس. # والقول في هذه المرتبة عندي هين مدركه والحكم الجملي فيه أن الأمر في ذلك ~~أيضا ليس متروكا سدى بل على الناظر أن يزن حكم ظنه قياسه ومبلغ ظنه في عموم ~~اللفظ وضعا فإن رجحت كفة ظنه في القياس حكم يغالب ظنه وإن غلب الظن ms183 في الشق ~~الآخر أتبع الحكم موجب اللفظ وإن استويا فقد قال القاضي يقف الناظر فلا ~~يعمل بهما وأنا أقول يعمل بالخبر فإن الظنين إذا تساويا فالخبر مرجح لعلو ~~المرتبة وهذا مثله قوله عليه السلام إنما الأعمال بالنيات فإذا تمسك ~~الشافعي به في الطهارة كان تمسكه به معرضا للتأويل على القانون المقدم ~~فنتخذ. PageV01P206 # هذه عبرة في مسائل الشرع. # مسألة: ### | 470- # مما رده المحققون من طرق التأويل ما يتضمن حمل كلام الشارع من جهة ركيكة ~~تنأى عن اللغة الفصحى فقد لا يتساهل فيه إلا في مضايق القوافي وأوزان الشعر ~~فإذا حمل حامل آية من كتاب الله أو لفظا من ألفاظ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على أمثال هذه المحامل وأزال الظاهر الممكن إجراؤه لمذهب اعتقده فهذا ~~لا يقبل. ### | 471- # ومن أمثلة ذلك حمل الكسر على الجوار في قوله: {وأرجلكم إلى الكعبين} 1 من ~~غير مشاركة المعطوف عليه في المعنى وهذا في حكم الخروج عن نظم الإعراب ~~بالكلية وإيثار ترك الأصول لإتباع لفظة, لفظة في الحركة وهذا ارتياد الأردأ ~~من غير ضرورة وإذا اضطر الشاعر إليه في مضايق القوافي لم يعد ذلك من [حسن] ~~شعره كما قال امرؤ القيس2:. # كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل. # فقوله: مزمل خبر عن قوله كبير أناس جار معه مجرى الصفة ووجه الكلام كبير ~~أناس مزمل في بجاد ولكنه أتبع كسرة اللام الكسرات المتقدمة لما كانت ~~القافية على الكسرة. # - 472وقال من أحاط بعلم هذا الباب حمل قراءة من قرأ [ {وأرجلكم} بالفتح ~~على المسح في الرجل] والمصير إلى أنه محمول على محل رءوسكم أمثل وأقرب إلى ~~قياس الأصول من حمل قراءة الكسر على الجوار فإن كل مجرور اتصل الفعل به ~~بواسطة الجار فمحله النصب وإنما الكسر فيه في حكم العارض فاتباع المعنى ~~والعطف على المحل من فصيح الكلام ومن كلامهم: يا عمر الجواد فإن المنادى ~~المفرد العلم وإن كان مبنيا على الرفع فأصله النصب فرد الصفة إلى محله ~~وأصله حسن بالغ. ### | 473- # فالمختار إذا في قوله: "وأرجلكم" ms184 ما ذكره متبوع الجماعة وسيد الصناعة ~~سيبويه إذ قال الكلام الجزل الفصيح يسترسل في الأحايين استرسالا ولا. ~~PageV01P207 # تختلف مبانيه لأدنى تغيير في معانيه وترى العرب المسح قريبا من الغسل فإن ~~كل واحد منهما إمساس العضو ماء فإذا جرى في الكلام عطف مقتضاه التشريك ~~وتقارب المعنيان لم يبعد إتباع اللفظ, اللفظ وهو كقول قائهم: # ولقد رأيتك في الوغى متلقدا سيفا ورمحا # والرمح يعتقل ويتأبط ولا يتقلد ولكن التقلد والاعتقال حملان قريبان وهو ~~مسكوت عنه في المعطوف فسهل احتماله ومنه قول الآخر1: # فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجهلتين ظباؤها ونعامها. # قال سيبويه2: وهذا الذي ذكرناه وجه لا يخرج الكلام عن أساليب البلاغة ~~والجزالة وتبسط المتكلم [واسحنفاره] وعدم انصرافه عن [استرساله] في ~~التفاصيل أحسن وأبلغ من خرم اتساق الكلام لدقائق في المعاني لا تحتفل بها ~~العرب ثم عضد ما قاله بأن قال ذكر الرب تعالى فرض الرجلين ذكره فرض اليدين ~~وربط منتهى الغرض في الرجلين بالكعبين ربطه واجب منتهى فرض اليدين ~~بالمرفقين ومن يكتفي بالمسح فلا معنى لذكر الكعبين عنده وهذا راجع إلى ~~إطباق حملة الشريعة قبل ظهور الاراء على غسل الرجلين ولما أراد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يبين الوضوء غسل رجليه فاجتماع هذه الأمور في القرآن ~~والسنة وفعل السلف أظهر من الجريان على ما يقتضيه ظاهر العطف. ### | 474- # ومآل الكلام في المسألة راجع إلى أن من حمل كلام الشارع على وجه ركيك من ~~غير ضرورة مخققه ولا قافية مضيقة جره ذلك إلى نسبة الشارع إلى الجهل ~~باختيار فصيح الكلام أو إلى ارتياد الركيك من غير غرض وكلا الوجهين باطل. ### | 475- # فإن قيل بناء فعالل و [فعاليل] مما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة وصرفه ~~معدود من ضرورات الشعر وفي القرآن قراءات عصبة من القراء سلاسلا وأغلالا ~~[وقواريرا] فما وجه صرف ذلك وليس صرفه مسوغا في سعة الكلام. PageV01P208 # قلنا اختلف أصحاب المعاني في ذلك فقال قائلون الألف في سلاسلا تضاهى ~~إطلاق القوافي ثم قد تبدل العرب الألف نونا فتستروح إلى عينها استرواحها ~~إلى ms185 استرسال الألف وفي [الغايات] ومقاطع الآيات بعض أحكام القوافي والصحيح ~~أن الأصل صرف كل اسم متمكن وليس في صرف ما لا ينصرف خروج عن وضع الكلام ~~وإنما منع الصرف في حكم تضييق طارئ على الكلام وأما كسر الجوار فخارج عن ~~القانون كما سبق تقريره. # ولسنا نلتزم الآن تتبع كل مشكلة في القرآن وإنما غرضنا أن نبين أن ~~الاحتكام بتأويل يتضمن صرف الكلام إلى وجه ركيك في محل الظن غير سائغ من ~~غير غرض. # مسألة: ### | 476- # مما غلظ الشافعي1 فيه القول على المؤولين كل ما يؤدي التأويل فيه إلى ~~تعطيل اللفظ. # وخرج الشافعي على ذلك مسائل مستفادة ونحن نرى أن نفردها مسألة, مسألة: ### | 477- # ونبدأ الآن بالكلام على قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} 2 الآية قال ~~الشافعي أضاف الله تعالى الصدقات بلام الاستحقاق إلى أصناف موصوفين بأوصاف ~~فرأى بعض الناس جواز الاقتصار على بعضهم ذاهبا إلى أن المرعى الحاجة وهذا ~~في التحقيق تأسيس معنى يعطل تقييدات أمر الله تعالى فلو كانت الحاجة هي ~~المرعية لكان ذكرها أكمل وأشمل وأولى من الأقسام التي اقتضاها اللفظ ~~ومقتضاها الضبط. # فإذا قال المؤول: الغرض التعرض للحاجة في جهة من هذه الجهات كان معطلا ~~مؤولا فإن الحاجة قد لا تستمر في بعض الأصناف كالعاملين عليها وكبعض ~~الغارمين الذين يتحملون الحمالات لتطفئة [لنائرة] , والفتن الثائرة فقد بطل ~~التعويل على الحاجة. # وإن كان أبو حنيفة3 يرعى الحاجة في جميع الأصناف فالمصير إلى الكفاية. ~~PageV01P209 # ببعض جهات الحاجات تحكم والنص مصرح بذكر جميع الحاجات في معرض التشريك ~~والعطف والتمليك ولو كان المراد ما تخيله المؤول لكان وجه الكلام إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين فاستبان أن ما صار إليه المعترضون تعطيل وليس ~~بتأويل. ### | 478- # واحتج الشافعي بالوصية على هؤلاء ولم يظن أن أحدا يجسر أن يقدم فيها على ~~منع وتمام كلامه أنه إذا تعين اعتبار لفظ الموصى واعتقاده نصا فيجب تنزيل ~~لفظ الكتاب على مثل ذلك وقد أحدث بعض المتأخرين منعا في الوصية وزعموا أنها ~~بمثابة الصدقات فيجوز صرفها إلى واحد من ذوي الحاجات وهذا ms186 باطل قطعا فإن ~~الوصايا تتلقى من ألفاظ الموصين فإذا صرف واحد طائفة من ماله إلى جهات ~~عددها كان كما لو صرفها إلى أشخاص معينين [فهذا منتهى المراد في هذه ~~المسألة] . # مسألة: ### | 479- # مما عده الشافعي من القبيل المقدم الكلام على قوله تعالى: {فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى} 1 فقال علق الله الاستحقاق بالقرابة ولم يتعرض لذكر ~~الحاجة فاعتبر أبو حنيفة الحاجة ولم يشترط القرابة والذي ذكره مضادة ~~ومحادة. # وقد ينقدح عندي نوع من الكلام في ذلك وهو أن يقال: حرمت الصدقات على ذوي ~~القربى فكان فائدة ذكرهم في خمس الفيء والغنيمة إيضاح أنه لا يمتنع من صرف ~~ذلك إليهم امتناع صرف الصدقات وهذا مما لا ينبغي أن [يغتر به] فإن صيغة ~~الآية ناصة على سبب الاستحقاق لهم على حكم التخصيص والتشريف والتنويه ~~والتنبيه على عظم أقدارهم فمن أراد حمل ذلك مع ما ذكرناه على جواز أن يصرف ~~إليهم مع معارضة هذا الجواز جواز حرمانهم فقد عطل فحوى الآية. # وهذا يعظم وقعه عليهم مع مصيرهم إلى أن اشتراط الإيمان في رقبة الظهار ~~زيادة على النص فإن الرقبة مطلقة والقرابة في الآية مطلقة فيلزمهم أن ~~يعتقدوا اشتراط الحاجة معها في حكم الزيادة. # والذي نختتم المسألة به وهو البالغ: أنهم لو حتموا صرف شيء إلى القرابة, ~~PageV01P210 # وشرطوا الحاجة لقرب ما ذكروا بعض القرب فأما وأصلهم أن المخصوصين من نسب ~~الرسول والدانين من شجرته كالعجم الطماطم فلا يبقى مع هذا لمذهبهم وجه. # مسألة. ### | 480- # من فاسد تصرفات أصحاب أبي حنيفة قولهم في قوله تعالى: {فإطعام ستين ~~مسكينا} 1 تقديره فإطعام طعام ستين مسكينا قصدوا بهذا رد العدد إلى الطعام ~~كي ينتظم لهم مذهبهم في جواز صرف الأطعمة إلى مسكين واحد. # وهذا كلام خارج عن الضبط لا يخفى درك فساده على من شدا طرفا من العربية ~~ونحن نذكر في ذلك على الإيجاز قولا بليغا. # فنقول: الإطعام مما يتعدى إلى مفعولين والفعل المتعدى إلى مفعولين ينقسم ~~قسمين قسم يتعدى إلى مفعولين لا ينتظم منها مبتدأ وخبر لو ms187 فرض حذف الفعل ~~فتقول أعطيت زيدا درهما وأطعمت عمرا طعاما فلا يتسق من زيد والدرهم وعمرو ~~والطعام مبتدأ وخبر عند تقدير حذف الفعل فلا تقول زيد درهم ولا عمرو طعام. # والقسم الثاني: ما يتعدى إلى مفعولين ينتظم منهما مبتدأ وخبر إذا حذف ~~الفعل كقوله ظننت زيدا عالما فلو حذفت الفعل فقلت زيد عالم لكان كلاما ~~مفيدا فما كان مفعولاه مبتدأ وخبرا تقديرا فإذا ذكر المتكلم أحد المفعولين ~~تعين ذكر الثاني لما بين المفعولين من ارتباط الخبر بالمخبر عنه وما يختلف ~~المفعولان فيه كالقسم المقدم فلا يمنع ذكر أحدهما والسكوت عن الثاني فتقول ~~أعطيت زيدا وتقتصر وتقول أعطيت درهما ولا تذكر الموهوب له وقد تذكرهما ~~والكل فصيح بالغ والسبب فيه أنه لا ارتباط لأحد المفعولين بالثاني من طريق ~~الإخبار وإنما البناء للفعل والمخبر يتخير إن أحب أسنده إليهما وإن أحب ~~أسنده إلى أحدهما فالتعويل على الفعل في باب الإعطاء ولهذا لا يسوغ تعطيل ~~عمله وإن تقدم المفعولان في وجه الكلام فتقول زيدا درهما أعطيت فإذا تقدم ~~مفعولا ظننت لم يقع فعل الظن موقعا فتقول زيد عالم ظننت لا يتجه غيره وإن ~~وسطت الفعل تخيرت بين الإعمال والإلغاء فإن شئت قلت زيد ظننت عالم وإن شئت. ~~PageV01P211 # قلت: زيدا ظننت عالما وإن قدمت الفعل فوجه الكلام الإعمال لظهور الاعتناء ~~بالفعل إذا قدم. ### | 481- # فإذا ثبت ما نبهنا عليه من هذه القاعدة رجع بنا الكلام بعد هذا إلى قوله ~~تعالى: {فإطعام ستين مسكينا} 1 والمساكين معطون والطعام في هذا التقدير ~~المفعول الثاني فقد جرى الكلام على إظهار أحد المفعولين وترك الثاني لما في ~~الكلام من الدليل عليه وقد أوضحنا أن ذلك سائغ غير ممتنع وإذا ظهر أحد ~~المفعولين أشعر ظهوره بقصد المتكلم إلى تصديق الاعتناء به والاكتفاء في ~~الثاني بما في الكلام من الدلالة عليه وطعام المسكين مشعر بقدر سداده ~~وكفايته فلم يجر للقدر المذكور ذكر ووقع الاعتناء بذكر عدد الآخذين. # هذا بيان الكلام فمن عذيرنا ممن يقدر حذف المظهر المعتبر وإظهار المفعول ~~المسكوت عنه ms188 وهذا عكس الحق ونقيض الصدق وتغيير قصد الكلام بوجه لا يسيغه ذو ~~عقل وقد أجرينا في "الأساليب" و"العمد" مسائل ومعتمد المذاهب فيها الأخبار ~~وتناهينا في الكلام عليها فمن أرادها فليطلبها في مواضعها كمسألة خيار ~~المجلس وبيع العرايا والمصراة وغيرها. # ومن أعظم ما انبسط الكلام فيه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ~~البر بالبر في مسألة الحفنة [بالحفنتين] فلم نرسم هذه المسائل واكتفينا ~~بإيرادها في مواضعها. # مسألة: ### | 482- # إذا ظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ يدل على تعليل حكم فلا يرى ~~الشافعي إزالة ذلك الظاهر بقياس وهذا كما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما سئل عن بيع الرطب بالتمر قال للسائل: "أينقص الرطب إذا يبس؟ ", فقال: ~~نعم, قال عليه السلام: "فلا إذا" 2 فعلل منع بيع الرطب بالتمر بنقصان الرطب ~~عند الجفاف عن التمر وهذا وإن لم يكن نصا في وضع اللسان في التعليل بحيث لا ~~يقبل إمكان التأويل فهو ظاهر فيه فمن أراد أن يزيل هذا الظاهر بقياس كان ما ~~يحاوله مردودا عليه والسبب فيه أن أصل قياسه إذا كان القياس قياسا معنويا ~~معلل والقايس مطالب بإثبات العلة وسيتعلق إذا طولب بمسلك من الظنون وظهور ~~كلام الرسول في التعليل. PageV01P212 # مقدم على ما يظهر في ظن المستنبط ويرجع بناء الكلام إلى تقديم مرتبة ~~الخبر على مرتبة ظن القياس وهذا إذا لم يجد المؤول العاضد تأويله بالقياس ~~لأصل قياسه كلاما يظهر للشارع في تعليل أصل القياس فإن وجد ذلك من كلام ~~الشارع استوت المنزلتان والتحق ذلك بالتعارض وسيأتي قول بالغ في التعارض في ~~كتاب الأخبار إن شاء الله تعالى. # مسألة: ### | 483- # إذا وردت مناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [في عقود] وظهر من شيم ~~العلماء القائمين بالشرع حملها على الفساد فإذا اتفق التعلق بنهي عن العقد ~~وهو على صيغ سائر المناهي فالشافعي لا يقبل حمله على الكراهية وهذا كنهيه ~~عليه السلام عن نكاح الشغار فمن أراد حمله على الكراهية قيل له قد ثبت من ms189 ~~عادات السلف الماضين حمل أمثال [ما ذكرناه] وتمسكنا به على الفساد وهذا ~~الذي تعلقنا به على صورة سائر المناهي ونحن نعلم بما تحقق عندنا من شيم ~~الماضين أن هذا لو نقل إليهم لجروا فيه على ما القوه في أمثاله فمن أراد ~~مخالفة ما ظهر لنا منهم كان في حكم المخالف لهم. ### | 484- # وهذا عندي لا يبلغ في السقوط مبلغ ما تقدم من التأويلات في المسائل لا ~~سيما والذي مثلنا به نواه في البيع والنكاح في وضعه بعيد الشبه بالبيع فلا ~~يلزم من جريانهم على حمل المناهي في البيع القابل للفساد بالشروط الحكم ~~بمثل ذلك عليهم في النكاح البعيد عن قبول الفساد بالشرط وهذا الذي ذكرناه ~~من المسائل لم نقصد بها حصر ما يفسد ويصح فإن ذلك لا ينحصر ولكن رمنا ~~بإيرادها الإيناس بها [وإجراءها] أمثالا وشواهد في تمهيد الأصول. ### | 485- # والضابط المنتحل من مسائل هذا الكتاب أن المؤول يعتبر بما يعضد التأويل ~~به فإن كان ظهور المؤول زائدا على ظهور ما عضد التأويل به فالتأويل مردود ~~وإن كان ما عضد التأويل به أظهر فالتأويل صائغ معمول به وإن استويا وقع ذلك ~~في رتبة التعارض والشرط استواء رتبة المؤول وما عضد التأويل به فإن كان ~~مرتبة المؤول مقدمة فالتأويل مردود وكل ذلك إذا كان التأويل في نفسه محتملا ~~فإن لم يكن محتملا فهو في نفسه باطل والباطل لا يتصور أن يعضد بشيء. # فليتخذ الناظر ما ذكرناه مرجوعة ومعتبره في جميع مسائل الشريعة. # PageV01P213 # عود إلى ترتيب الكتاب. ### | 486- # وقد نجز مرادنا في التأويل تفصيلا وتأصيلا ونحن الآن نجدد العهد بترتيب ~~يشتمل على ما مضى من الكتاب وعلى ما سيأتي منه حتى يتجدد عهد الناظر بترتيب ~~أبواب الكتاب فإن معرفة الترتيب من أظهر الأعوان على درك مضمون العلوم ~~القطعية فنقول والله المستعان:. ### | 487- # مقصود هذا الفن ذكر أصول الفقه على حقائقها ومراتبها و [مناصبها] ~~وتفاصيلها وجملها فأصول الفقه أدلته كما صدرنا الكتاب به وما يحال عليه ~~أحكام الشرع وتعتقد مرتبطا لها ثلاثة أقسام نطق الشارع والإجماع الحاصل ms190 من ~~حملة الشريعة وهم علماؤها ومسالك الاستنباط من مواقع ألفاظ الشارع وهو ~~القياس فأما نطق الشارع فنعني به قول الله تعالى: وقول الرسول عليه السلام ~~وينقسم الصنفان إلى النص والمجمل والظاهر وقد سبقت مفصلة فيقع القول في ~~مقتضيات الألفاظ فنا كبيرا وصنفا عظيما ويحوي العموم والخصوص وصيغة الأمر ~~والنهي وما يلحق بهذه الأبواب وقد مضى جميع ذلك ثم قول الرسول عليه السلام ~~ينقسم إلى متواتر وإلى ما ينقله الاحاد كما سيأتي إن شاء الله تعالى فأما ~~قول الله فهو الذي أجمع المسلمون عليه من السور والآيات في القرآن وألحق ~~بعض المتكلمين القراءات الشاذة بأخبار الآحاد وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى ~~والحق المختار عندنا في كتاب الأخبار. # وقد ذكرنا أحكام الألفاظ وبقى علينا تقاسيم أخبار الرسول عليه السلام ~~ومواقعها والمقطوع به منها والظنون. # ونحن الآن نفتح كتاب الأخبار على أشمل وجه وأوجزه فإذا انتجز عقبناه ~~بالإجماع ثم نذكر بعده كتاب القياس ثم نعقبه بكتاب الترجيح ثم نذكر بعده ~~النسخ ثم إذا انتجز ذكرنا الفتوى وصفات المفتين والاستفتاء وما على ~~المستفتين وأوصاف المجتهدين ونختتم الكتاب بالقول في تصويب المجتهدين وهو ~~غاية الغرض من هذا المجموع فنبتدئ الآن. # PageV01P214 ### | باب الأخبار ### | مدخل # ... # باب الأخبار. ### | 488- # الأخبار صنف من أصناف الكلام وهو قائم بالنفس عند معتقد كلام النفس ~~والعبارات تراجم عنه وقد ذكرنا في إثبات كلام النفس [والغوائل] المتطرقة ~~إلى مثبتيه ما فيه مقنع للمعتبر ومضطرب للمتفكر. # والخبر هو الذي يدخله الصدق والكذب ويتميز بذلك عن جميع أقسام الكلام ~~كالأمر والنهي والاستخبار على ما قدمنا رأى كل فريق في تقاسيم الكلام. # فرأى القاضي: الصدق والكذب على التنويع بلفظ أو [إذ ذلك] أمثل من الإتيان ~~بهما فإن من قال الخبر يدخله الصدق والكذب أو هم إمكان اتصالهما بخبر واحد ~~وإذا ردد ونوع فقال ما يدخله الصدق أو الكذب فقد تحرز من ذلك والذي تقتضيه ~~صناعة الحد ارتياد أبلغ الألفاظ وأبعدها عن الإيهام وأقربها إلى الأفهام ~~والذي لم يأت بالكلام على صيغة التنويع قال لسنا نحاول حد ms191 خبر واحد وإنما ~~نتعرض لجنس الخبر والصدق والكذب يجريان في جنس الخبر والقول في ذلك قريب. ### | 489- # فإن قيل: لم سمى الأصوليون ما نقله الرواة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أخبارا ومعظمها أوامر ونواه؟ # فأجاب القاضي عن ذلك بوجهين أحدهما: أن حاصل جميعها [آيل إلى الخبر] ~~فالمأمور به في حكم المخبر عن وجوبه وكذلك القول في النواهي وبهذا دلت ~~المعجزة على وجوب قبولها منه والمعجزة تدل على الصدق والسر فيه أنه عليه ~~السلام ليس آمرا على الاستقلال وإنما الآمر حقا الله تعالى وموضع صيغ الأمر ~~من المصطفى صلى الله عليه وسلم في حكم الأخبار عن أمر الله فهذا وجه تسمية ~~جميع المنقول خبرا. ### | 490- # والوجه الثاني: أنها سميت أخبارا لنقل النقلة المتوسطين وهم مخبرون عمن ~~روى لهم والذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا لا يقولون إذا ~~بلغهم أمر أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم [بل يقولون أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم] فالمنقول إذا استجد اسم الخبر في المرتبة الثالثة إلى ~~حيث انتهى. # PageV01P215 # ثم أول ما نبتديه القول في تقاسيم الأخبار إلى المتواتر والمنقول آحادا ~~وإذا تم غرض القسمين نجز بنجازه معظم مقصود الكتاب فلتقع البداية [بالخبر] ~~المتواتر. # PageV01P216 ### | القول في الخبر المتواتر ### | 491- # الذي يقتضيه الترتيب أن نصدر الخبر بذكر شرائطه ونصف الخبر المتواتر ثم ~~نذكر قول الناس فيه وفي إفضائه إلى العلم. # فنقول: ذكر الأصوليون شرائط الخبر المتواتر: # منها أن يخبر المخبرون عما علموه [ضرورة فإذ ذاك يتضمن العلم ويقتضيه ~~فأما إذا أخبروا عما علموه] نظرا فنفس خبرهم لا يقتضي علما وإن أخبر أهل ~~الزمان قاطبة بحدث العالم لم يفد خبرهم علما وكانت طلبات العقل قائمة إلى ~~[حين] قيام البرهان والذين أخبروا عن كثير من النظريات زائدون على عدد ~~النقلة تواترا. # والسبب في ذلك: أن النظر مضطرب العقول ولهذا يتصور الاختلاف فيه نفيا ~~وإثباتا فلا يستقل بجميع وجوه النظر عاقل والعقلاء ينقسمون أولا: إلى راكن ~~إلى الدعة والهوينى من برحاء كد النظر وإلى ناظر ثم ms192 النظار ينقسمون ~~ويتحزبون أحزابا لا [تنضبط] على أقدار القرائح في انتهاء ذكائها واتقادها ~~وبلادتها واقتصادها ومن [أعظم] أسباب اختلافهم اعتراض القواطع والموانع قبل ~~استكمالها النظر فلا يتضمن أخبار المخبرين في مجارى النظريات صدقا ولا ~~كذبا. ### | 492- # وقيد طوائف من الأصوليين هذا الركن الذي فيه نتكلم باشتراط إسناد الأخبار ~~إلى المحسوس ولا معنى لهذا التقييد فإن المطلوب صدر الخبر عن العلم الضروري ~~ثم قد يترتب على الحواس ودركها وقد يحصل عن قرائن الأحوال ولا أثر للحس ~~فيها على الاختصاص فإن الحس لا يميز [احمرار] الخجل والغضبان عن احمرار ~~المخوف المرعوب وإنما العقل يدرك تمييز هذه الأحوال ولا معنى إذا للتقييد ~~بالحس. ### | 493- # والوجه اشتراط صدر الأخبار عن البديهة والاضطرار ثم لا نظر إلى تفاصيل ~~مقتضيات العلوم الضرورية فهذا شرط. # PageV01P216 ### | 494- # [ومما يشترط] في الخبر المتواتر الذي يفضي إلى العلم صدوره عن عدد وقد ~~اضطرب الناس في ذلك اضطرابا فاحشا فنقل أصحاب المقالات عن النظام أنه قال ~~قد يتضمن إخبار الواحد العلم الضروري فلا يشترط على موجب هذا النقل عنده ~~عدد ولا يتضح مذهبه الآن نبين حقيقته عند ذكرنا الحق المختار. ### | 495- # وذهب من سواه من الخائضين في هذا الفن إلى اشتراط العدد ثم تباينت ~~مذاهبهم فيه فلم يغادروا على اختلاف الاراء عددا في الشرع وهو مرتبط حكم أو ~~جار وفاقا في حكاية حال إلا مال ذاهبون بالاعتقاد إليه فذهب قوم إلى اعتبار ~~الأربعين مصيرا إلى عدد الجمعة عند بعض الفقهاء وذهابا إلى أن هذا العدد هو ~~الذي نزل فيه قوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} ~~1 نزلت هذه الآية لما امن أربعون من الرجال وكملت العدة بإسلام عمر وذكر ~~بعضهم عدد رجال بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر وذكر آخرون عدد أهل بيعة ~~الرضوان وهم كانوا ألفا وسبعمائة واعتبر آخرون السبعين لقوله تعالى: ~~{واختار موسى قومه سبعين رجلا} 2 وقال طوائف من الفقهاء ينبغي أن يبلغوا ~~مبلغا لا يحويهم بلد ولا يحصيهم عدد وهذا سرف ومجاوزة حد وذهول عند مدرك ~~الحق. ms193 ### | 496- # وقال القاضي أعلم أن عددهم يزيد على أقصى العدد المرعى في بيانات الشريعة ~~وزعم أن إخبار الأربعة لا يتضمن العلم فإنه عدد بينة الزنا ونحن نعلم أن ~~البينات في تفاصيل الحكومات لا تثمر العلوم وما زال القضاة مكتفين بغلبات ~~الظنون في أقضيتهم ثم لم يقطع القاضي بأن إخبار الخمسة يوجب العلم ولم ينفه ~~وإنما محل قطعه أن الأربعة لا يوجب إخبارهم العلم. # وذكر القاضي رحمه الله في بعض مصنفاته أن الوجه في درك ذلك أن يمتحن ~~اللبيب أخبار المخبرين عن الضروريات فلا يجد من نفسه العلم على عدة مخصوصة ~~والمخبرون يتزايدون والممتحن في ذلك يحس وجدان نفسه وما يدركه من الثلج ~~واليقين ويتخذ [العدد الذي] اتصل بأخبارهم علمه [معتبرا] . ### | 497- # والذي أراه أن هذه المذاهب منقسمة فمنها ما هو مصروف عن مدرك. ~~PageV01P217 # الحق ومنها ما هو محوم وليس بوارد ونحن نتتبع جميعها بالنقض حتى إذا بطلت ~~لاح من منتهى بطلانها الحق المبين ونستفتح عند ذلك وجه الحق مستعينين ~~بالله. ### | 498- # ونبدأ باتباع مذاهب أصحاب الأعداد ونتكلم على جميعهم بثلاثة أنواع من ~~الكلام أحدها: أن نعارض بعض المذاهب ببعض فلا يتجه عند تعارضها ترجيح بعض ~~على بعض وإن عن ترجيح فليس ذلك من مدارك الحق المقطوع به فإن الترجيحات ~~ثمراتها غلبات الظنون في مطرد العادة. ### | 499- # والثاني: أنه لا يتعلق شيء من هذه الأعداد التي هي مستندات المذاهب ~~بالأخبار وإنما هي قضايا واتفاقات جرت في حكايات أحوال وليس في العقل ما ~~يقضى بمناسبة شيء منها [لاقتضاء العلم فلا وجه لاعتبار شيء منها] . ### | 500- # والوجه الثالث: أن المطلوب من الخبر المتواتر وجدان الصدق على ثلج من ~~الصدر في المخبر عنه وما من عدد تمسك به طائفة إلا ويمكن فرض تواطئهم على ~~الكذب فكيف يفيد النظر إلى عدد ربط به مقصود غير مناسب للمطلوب من الخبر ~~المتواتر مع إمكان تصور الخبر على حكم الخلف الذي يبغى سامع الخبر انتفاءه. # وبالجملة: الأعداد التي تمسك بها هؤلاء منقسمة إلى [ما تقدر] معتبرة في ~~أقاصيص وحكاية أحوال على وفاق وكان ms194 لا يمتنع أن يقع أقل من تلك المبالغ أو ~~أكثر وإلى ما ورد في أحكام لا تعلق لها بالصدق والكذب فلا معنى للتمسك بها. ### | 501- # وأما ما ذكره القاضي فهو موافق فيما أخرجه عن الضبط ونفاه حيث قال ليس ~~الأربعة عدد التواتر فأما تردده في الخمسة فلا وجه له فإنا لا نبعد في مجرى ~~الاعتياد التواطؤ على الكذب من خمسة وستة وليس ذلك من الأمور البديعة ~~المعدودة من نوادر وقائع الزمان والذي جعله معتبرا من أمر البينات ليس ~~بالمرضى فيما نطلبه فإن مما ورد الشرع به الاستظهار بمزيد العدد في الوقائع ~~الخطيرة وقد يستظهر القاضي بعد تمام عدة البينة بالتماس مزيد في الشهود ثم ~~ما يفرض من مزيد لا يفضى إلى العلم المقطوع به فلئن كان الخامس خارجا عن ~~عدد البينات فهو داخل في الاستظهار المأذون فيه ولم نذكر هذا الفصل لنتخذه ~~معولنا ولكنا عارضنا القاضي بما ينقض عليه مذهبه. # PageV01P218 ### | 502- # وأما من قال إن عدد التواتر لا يحويهم بلد ولا يحصيهم عدد فقد أسرف فإن ~~التواتر يقع بدون ذلك وإذا أخبر جمع كثير في بلدة عن واقعة شاهدوها واستجمع ~~إخبارهم الشرائط المرعية التي نحن في تفصيلها فيحصل العلم الضروري بإخبارهم ~~وهم بعض من أهل البلدة والخروج عن إمكان العدد لا يعتبر شرطا وليس عدد معظم ~~أهل الدنيا خارجا عن إمكان البشر. # فإذا بطلت هذه المذاهب ولم يبق إلا مذهب النظام فسندرجه في مجاري الكلام ~~المشتمل على اختيار الحق. ### | 503- # فإن قيل فماذا ترضون في ذلك؟ # قلنا: الخوض فيما نؤثره يستدعي تقديم أمر وهو أن العلوم الحاصلة على حكم ~~العادات وجدناها مرتبة على قرائن الأحوال وهي لا تنضبط انضباط المحدودات ~~بحدودها ولا سبيل إلى حجدها إذا وقعت وهذا كالعلم بخجل الخجل ووجل الوجل ~~ونشط الثمل وغضب الغضبان ونحوها فإذا ثبتت هذه القرائن ترتب عليها علوم ~~بديهية لا يأباها إلا جاحد ولو رام واجد العلوم ضبط القرائن وصفها بما ~~تتميز به عن غيرها لم يجد إلى ذلك سبيلا فكأنها تدق عن العبارات وتأبى على ms195 ~~من يحاول ضبطها بها. # وقد قال الشافعي رحمه الله: من شاهد رضيعا قد التقم ثديا من مرضع ورأى ~~فيه اثار الامتصاص وحركات الغلصمة وجرجرة المتجرع لم يسترب في وصول اللبن ~~إلى جوف الصبي وحل له أن يشهد شهادة باتة بالرضاع ولو أنه لم يبت شهادته في ~~ثبوت الرضاع ولكنه شهد على ما رأى من القرائن وأطنب في وصفها واستعان ~~بالوصافين المعرفين فبلغ ذكر القرائن مجلس القاضي فلا يثبت الرضاع بذلك لأن ~~ما سمعه القاضي وصف لا يبلغ مبلغ العيان والذي يفضي بالمعاين إلى درك ~~اليقين يدق مدركه عن عبارة الوصافين ولو قيل لأذكى خلق الله قريحة وأحدهم ~~ذهنا افصل بين حمرة الخجل وحمرة الغضب وبين حمرة المرعوب لم تساعده عبارة ~~في محاولة الفصل فإن القرائن لا تبلغها غايات العبارات. ### | 504- # فإذا تمهد ذلك قلنا لا يتوقف حصول العلم بصدق المخبرين على حد محدود وعدد ~~معدود ولكن إذا ثبتت قرائن الصدق ثبت العلم به فإذا وجدنا رجلا مرموقا عظيم ~~الشأن معروفا بالمحافظة على رعاية المروءات حاسرا رأسه, # PageV01P219 # شاقا جيبه حافيا وهو يصيح بالثبور والويل ويذكر أنه أصيب بوالده أو ولده ~~وشهدت الجنازة ورؤى الغسال مشمرا يدخل ويخرج فهذه القرائن وأمثالها إذا ~~اقترنت بإخباره تضمنت العلم بصدقه مع القطع بأنه لم يطرأ عليه خبل وجنة ~~والذي ذكره النظام ما أراه إلا في مثل هذه الصورة فإنه لا يخفى على غبي من ~~حثالة الناس أن الواحد قد يخبر صادقا [وقد يخبر] كاذبا فلا تقع الثقة ~~بأخباره. # ولكن لعله قال: لا يبعد أن يحصل الصدق بإخبار واحد فعزى إليه جزم القول ~~في ذلك مطلقا وليس من الإنصاف نسبة رجل من المذكورين إلى الخروج عن المعقول ~~من غير غرض. ### | 505- # وإذ ذكرت إمكان حصول العلم بصدق مخبر واحد فإني [أفرض] تخلف العلم بالصدق ~~عن إخبار عدد كثير وجم غفير إذا جمعتهم إيالة وضمنهم في اقتضاء الكذب حالة ~~فإن الملك قد يواطئ قواد الجند في مكيدة ليواطئوا [بالمترتبين في جملتهم] ~~وغرضه إخفاء أمره ليشن غارة فيقع التواطؤ على ms196 الكذب فيما أشرنا إليه ولا ~~تعويل على العدد بمجرده أصلا. # ولكن إذا انتفى ما ذكرناه من [تقدير] جامع على التواطؤ وبلغ المخبرون ~~مبلغا لا يقع في طرد العادة اتفاق تعمد الكذب فيهم ولا يجري ذلك من أمثالهم ~~سهوا وغلطا أيضا فتصير حينئذ الكثرة مع انتفاء أسباب التواطؤ قرينة ملحقة ~~بالقرائن التي ترتبت عليها العلوم فالعدد في عينه ليس مغنيا إذ يتصور معه ~~تقدير حالة ضابطة وإيالة حاملة على الكذب رابطة للكذب. ### | 506- # وأنا الآن أنخل للناظر جميع مصادر المذاهب ليحيط بها ويقضى العجب من ~~الاطلاع عليها [ويتنبه لسبب] اختلاف الاراء فيها ويجعل [جزاءنا] منه دعوة ~~بخير. ### | 507- # أما النظام فإنما نظر إلى إمكان الصدق مع القرينة وإن اتحد المخبر ولم ~~[يطرد] ذلك في كل أحد. ### | 508- # ونقل النقلة عن السمنية أنهم قالوا: لا ينتهى الخبر إلى منتهى يفضي إلى ~~العلم بالصدق وهو محمول على أن العدد وإن كثر فلا يكتفي به حتى ينضم إليه ~~ما يجري مجرى القرينة من انتفاء الحالات الجامعة. # PageV01P220 ### | 509- # وذهب الكعبي1 إلى أن العلم بصدق المخبرين تواترا نظري وقد كثرت المطاعن ~~عليه من أصحابه ومن عصبة الحق والذي أراه تنزيل مذهبه عند كثرة المخبرين ~~على النظر في ثبوت إيالة جامعة وانتفائها فلم يعن الرجل نظريا عقليا وفكرا ~~سبريا على مقدمات ونتائج وليس ما ذكره إلا الحق. ### | 510- # وظن ظانون أن العدد معتبر فانقسموا قسمين: فاختبط قوم ولم يجدوا متعلقا ~~عقليا فارجحنوا إلى أعداد سمعية وكان هؤلاء أبعد البرية عن درك الحق. # وتفطن آخرون لبطلان هذا المأخذ مع الإصرار على التشوف إلى العدد فغلا ~~غالون فقالوا: هم الذين لا يحويهم بلد وهذا كلام ركيك واقتصد القاضي فضبط ~~ما رآه دون عدد التواتر وبقى على تردد في عدد التواتر. ### | 511- # ومن عجيب الأمر وهو خاتمة الكلام ما أبديه الآن قائلا الكثرة من جملة ~~القرائن التي تترتب عليه العلوم المجتناة من العادات مع انضمام انتفاء ~~الإيالات عنها وكل قرينة تتعلق بالعادة يستحيل أن تحد بحد أو تضبط بعد وما ~~عندي أن ذلك يخفى على [المستطرفين] ms197 في هذا الفن فليت شعري كيف تشوفوا إلى ~~ضبط ما يستحيل ضبطه ثم اختلفوا وتقطعوا؟. ### | 512- # وأنا أقول: المحكم في ذلك العلم وحصوله فإذا حصل استبان للعاقل ترتبه على ~~القرائن فإن العلم في العادة لا يحصل هزلا وقد يختلف ذلك باختلاف الوقائع ~~وعظم أخطارها وأحوال المخبرين وهذا هو المنتهى الذي ليس بعده مطلب لمتشوف. # ونحن نذكر بعد ذلك مجامع من كلام الناس في شرط التواتر وراء ما ذكرناه ~~بعضها قريب مقتصد وبعضها باطل. ### | 513- # فمما ذكره الأصوليون في شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة وعنوا به أن ~~العصور إذا تناسخت فلا يكفي توافر الشرائط وكمال العدد في طرف النقل من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مثلا بل ينبغي أن يدوم ذلك في كل عصر وقد ينقلب ~~التواتر آحادا وقد يندرس ما تواتر دهرا على ما سيأتي ذلك مشروحا فالمتواتر ~~من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم في حقوقنا ما اطردت الشرائط فيه عصرا ~~بعد عصر حتى انتهى إلينا وهذا لا خفاء به ولكنه ليس من شرائط التواتر وحاصل ~~ذلك أن التواتر قد ينقلب. PageV01P221 # آحادا وليس الأمر كذلك ولكنه من تفاصيل القول فيما يتواتر وينقلب آحادا ~~وليس من شرائط وقوع التواتر. ### | 514- # وذكر بعض أصحاب المقالات عن اليهود: أنها اشترطت في التواتر أن يكون في ~~المخبرين أصحاب ذلة وصغار وزعموا أنه إذا كان أصحاب الأخبار أصحاب الاختيار ~~ولم يختلط بهم أقوام هم تحت صغار الانتهار فقد يظن بذوي الاختيار الاستجراء ~~على الكذب. # وهذا ساقط فإنا على اضطرار نعلم أن الجمع العظيم مع رعاية القرائن ~~المذكورة إذا أخبروا عن واقعة عاينوها نعلم صدقهم وإن لم يكن من جملتهم أهل ~~ذلة ومثل هذا لا يعارضه تشكيك المتخيلين وما تشبثوا به من اجتراء أهل ~~الاختيار على الكذب معكوس عليهم بإمكان حملهم على الكذب انتهارا وإجبارا. ### | 515- # والجملة في ذلك أن التواتر من أحكام العادات ولا مجال لتفصيلات الظنون ~~فيها فليتخذ الناظر العادة محكمة. # وقد أتى هذا المقدار على أسرار لا تحويها أسفار وهو على إيجازه لا يغادر ~~وجها من ms198 البيان تمس إليه الحاجة وينزل كل كلام وراءه كالفضل المستغنى عنه. # PageV01P222 ### | فصل: في تقاسيم الأخبار ### | 516- # ذكر الأئمة رضي الله عنهم تقاسيم الأخبار وقالوا: إنها ثلاثة أقسام: # أحدها: ما يقطع بصدقه, والثاني: ما يقطع بكذبه, والثالث: مالا يقطع فيه ~~بواحد منهما. ### | 517- # فأما ما يقطع بصدقه فمنه ما يوافق المعقول ثم المعقول ينقسم إلى ضروري ~~مهجوم عليه وإلى نظري يوصل إليه صحيح النظر فأما الخبر عن الضروري فكقول ~~القائل الضدان لا يجتمعان وكإخبار المخبر عن المحسوسات ونحوها من البدائه ~~وأما الخبر عن النظري فكقول القائل العالم حادث مفتقر إلى صانع مختار إلى ~~غير ذلك. ### | 518- # ومما يتخالج في الصدر من هذا القسم أن المعترض قد يعترض فيقول خير المخبر ~~في الفنون التي ذكرتموها ليس مقتضيا صدقا وإنما السبيل المفضى إلى درك. # PageV01P222 # المخبر به نظر العقول في ضرورتها والأمر في ذلك قريب فإن الغرض منه عد ما ~~يوصف بالصدق من الأخبار وما ذكرنا بهذه الصفة ومما يحكم بصدقه ما يقتضي ~~اطراد العادة موافقته وهو الخبر المتواتر الذي سبق وصفه ووضح أن تلقى الصدق ~~منه مستند إلى مستقر العادة والقرائن العرفية. ### | 519- # وذكر الأستاذ أبو إسحاق رحمه الله قسما آخر بين التواتر والمنقول آحادا ~~وسماه المستفيض وزعم أنه يقتضي العلم نظرا والمتواتر يقتضيه ضرورة ومثل ذلك ~~المستفيض وما يتفق عليه أئمة الحديث. # وهذا الذي ذكره مردود عليه فإن العرف واطراد الاعتياد لا يقضي بالصدق فيه ~~ولا نرى وجها في النظر يؤدي إلى القطع بالصدق نعم ما ذكره مما يغلب على ~~الظن الصدق فيه فأما أن يفضي إلى العلم به فلا. ### | 520- # وقال الأستاذ أبو بكر [بن فورك رحمه الله] : الخبر الذي تلقته الأئمة ~~بالقبول محكوم بصدقه وفصل ذلك في بعض مصنفاته فقال إن اتفقوا على العمل به ~~لم يقطع بصدقه وحمل الأمر على اعتقادهم وجوب العمل بخبر الواحد وإن تلقوه ~~بالقبول قولا وقطعا حكم بصدقه. ### | 521- # قال القاضي: لا يحكم بصدقه وإن تلقوه بالقبول قولا وقطعا فإن تصحيح ~~الأئمة للخبر مجرى على حكم الظاهر فإذا استجمع خبر من ms199 ظاهره عدالة الراوي ~~وثبوت الثقة به وغيرها مما يرعاه المحدثون فإنهم يطلقون فيه الصحة ولا وجه ~~إذا للقطع بالصدق والحالة هذه. # ثم قيل للقاضي: لو رفعوا هذا الظن وباحوا بالصدق فماذا تقول؟ فقال مجيبا: ~~لا يتصور هذا فإنهم لا يتوصلون إلى العلم بصدقه ولو قطعوا لكانوا مجازفين ~~وأهل الإجماع لا يجتمعون على باطل. ### | 522- # ومن أقسام الصدق مدلول المعجزة والتحق به صدق النبي وصدق كل من صدقه ~~النبي عليه السلام. ### | 523- # فأما القسم الثاني من الأقسام الثلاثة [فهو] ما يقطع بكونه كذبا وهو ~~[متنوع فمنه ما يخالف المعقول ضرورة أو نظرا وهو مناقض لما يوافق المعقول] ~~في القسم الأول. # PageV01P223 # ومنه ما يجري على وجه يكذبه حكم العادة وهذا يتفنن فنونا منها: # أن يخبر آحاد بوقوع حادثة عظيمة حكم العادة فيها أن تشيع لو وقعت فإذا لم ~~تشع تبين كذب المخبرين وهي كإخبار أقوام من الآحاد عن مقتلة هلك فيها أمم ~~في البلدة على قرب من العهد وكالإخبار عن دخول ملك صقعا فهذا وما في معناه ~~حكم العرف فيه الشيوع وهذا من الأصول العظيمة التي تستند إليها أمور خطيرة ~~وتتوجه فيها غائلة هائلة ونحن نعددها ونأتي بمجامعها إن شاء الله تعالى. ### | 524- # فمما نبينه على ذلك إيضاح بهت الروافض في ادعاء النص على علي كرم الله ~~وجهه في الإمامة فإن هذا لو كان لما خفي عن أهل بيعة السقيفة ولتحدثت به ~~المرأة على مغزلها ولأبداه مخالف أو موالف وبهذا المسلك يتبين بطلان قول من ~~يقول إن القرآن الكريم قد عورض فإن ذلك لو جرى لما خفي وبه يتبين فساد قول ~~العيسوية إذ قالوا في التوراة إن موسى آخر مبعوث فإن ذلك لو كان لذكره ~~أحبار اليهود في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما أبدوا عنه معدلا ~~إلى تحريف [نعت] رسول الله عليه السلام وتبديل الأقرن بالأبلج والأدهم ~~بالأشقر إلى غير ذلك من تحريفاتهم. ### | 525- # والقول الواضح في ذلك أن مسلك العلم بصدق الخبر المتواتر على ما سبق وصفه ~~أن المخبرين لا يتواطئون عند ms200 زوال القرائن الضابطة والإيالات الحاملة على ~~التواطؤ ويئول مستند القول إلى مطرد العرف وهذا المسلك بعينه مطرد في شيوع ~~الفنون التي ذكرناها. ### | 526- # ثم ما يقضى العرف فيه بالشيوع ينقسم فمنه ما يثبت على الشيوع عند الوقوع ~~وينقله المخبرون تواترا زمنا ثم [يتناقص] اهتمام النقلة بنقله حتى ينتهي ~~إلى نقل الآحاد وقد يفضى طول الأمد إلى دروسه ومنه ما يتمادى زمان التواتر ~~فيه إذا قامت في النفوس دواعي نقله. # والقسم الأول يمثل بدخول ملك بلدة أو ما ضاهاها والقسم الثاني يمثل ~~بالأمور الدينية فإن همم أصحاب الدين متوفرة على نقل الجليات فيه فإن وهي ~~فبالحري أن يتداعى إلى الأخبار الدينية الدروس. ### | 527- # ومما يتعلق بذلك أن الجمع العظيم إذ تواطئوا على الكذب لأمر إيالي فإن ~~كذبهم يستبين على ممر الزمان في [حكم] العرف وينكشف الغطاء فيه على قرب. # PageV01P224 ### | 528- # فهذه الأصول مهدناها وبينا ما يستند من أمور الدين إليها ونحن نوجه الآن ~~أسئلة يتعين الاعتناء بالبحث عنها ونذكرها أولا ثم نتعقبها بالكلام عليها ~~إن شاء الله. ### | 529- # فمنها: أن حجة الوداع كانت من أظهر الوقائع وقد اختلف الرواة في حج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فنقل طائفة أنه أفرد ونقل اخرون أنه قرن. # ومنها: أن انشقاق القمر كان من أعظم الآيات ثم لم يثبت النقل فيه تواترا ~~على أنه أمر ديني. # ومنها: وهو أعوصها إفراد الإقامة وتثنيتها فإن بلالا كان يقيم بعد الهجرة ~~إلى انقلاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رضوانه في اليوم والليلة خمس ~~مرات ثم اختلف النقلة فيه وغاية بعض العلماء أن يثبت ظهور رواياتهم ومحل ~~الإشكال أنه كيف لم ينقل تواترا؟ ### | 530- # فهذه الأسئلة يتعين الاعتناء بالانفصال عنها وتنزيلها محالها: # فأما إحرام رسول الله عليه السلام فسبب التردد في نقله أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان على تردد في أمره وقيل: إنه مطلقا ينتظر الوحي فنزل عليه جبريل أن ~~يجعله حجا هكذا رواه جابر بن عبد الله وهو أحسن الرواة سياقا للرواية وهذا ~~إلى علم الصحابة بأن الإفراد والقرآن ms201 جميعا مسوغان ولا يبعد في حكم العادة ~~عدم الاعتناء بالأفضل والأكمل ولا يمتنع أن يلتحق بما ذكرناه في أثناء ~~الكلام وهو ما يقتضى العرف إشاعته أولا مع إفضاء الأمر إلى الدروس على ~~[قرب] وليس هذا ببعيد في السبر. # وبالجملة ما ذكرناه من حكم الشيوع متلقى من ضرورات العقول فليس فيه مراء ~~فإن عورضنا بواقعة وجهل السائل فيها جريانها على خلاف الأصل الممهد لم يقبل ~~ذلك منه قطعا واعتقد في الواقعة خروجها عن حكم القاعدة ومباينتها لها في ~~وجه ثم الخيرة إلينا أن أحببنا اقتصدنا على إجمال ذلك وإن أحببنا تكلفنا ~~محملا يقتضي الخروج عن حكم العرف ولا سبيل إلى تشكيك الأنفس في [الضروريات] ~~بسبب تخييلات وإلزامات. ### | 531- # فأما انشقاق القمر فذهب بعض علماء الإسلام إلى أن معنى قوله تعالى: # PageV01P225 # {وانشق القمر} 1 أنه سينشق عند قيام الساعة وشهد لذلك ذكره مقترنا ~~باقتراب الساعة والشيء إذا تناهى قربه يقام الماضي فيه مقام المستقبل قال ~~الله تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} 2 معناه سيأتي أمر الله وقد مال ~~الحليمي3 إلى هذا المذهب ويمكن أن يقال انشقاق القمر آية ليلية لعله جرى ~~والخلق نيام والمتيقظون في أكنان لا يترقبون القمر وإن لحظة لاحظ وفاقا ~~فغير بدع أن [يحمله] على تشعب في أشعة البصر وانعراج عن الاستداد فهذا وجه ~~التكلف فيه فإن وقع الانشقاق فلا محل لعدم الشيوع فيه إلا ما ذكرناه ~~والتعويل على ما سبق من أن الأمر الضروري لا تخرمه التخييلات. ### | 532- # وأما أمر الإقامة وهو من أغمض الأسئلة فإنها من الشعائر الجلية المتكررة ~~فلم ينقدح عند القاضي وجه في عدم الشيوع إلا أنه قال لعله كان يثنى مرة ~~ويفرد أخرى فلم يشع واحد منهما وهذا قد يعترض عليه وجوب الشيوع في أن بلالا ~~رضي الله عنه كان يفعل تارة هكذا وتارة هكذا ثم المعتمد عندي [في ذلك] أن ~~الصحابة رضي الله عنهم هونت أمر الإفراد والتثنية فلم يعتنوا بالإشاعة فإذا ~~أشاعوا أفضى إلى الدروس وليس ذلك بدعا فيما ليس من العزائم وهذا ms202 تنضم إليه ~~بدع ثارت مع [تواتر] من أصحاب سلطنة واقتهار فإنه جرى من آخر أيام على كرم ~~الله وجهه إلى قريب من مائة سنة دواه تشيب النواصي واستجرأ على تغيير ما ~~كان منوطا بالأمراء وكانت الجماعة وإقامة شعائرها من أهم ما يهتم به ~~الأمراء فلعل الشيوع على حكم العادة كان قد أثبت ثم ألهى الناس عنه ما ~~أحدثه النابغون وحقنا أن نحكم الأصول فيما نأتي ونذر ولا نسلك بمسلك ~~الحقائق ذبا عن مذهب. ### | 533- # فإن زعم زاعمون أن ما ذكرتموه يتوجه في النص على علي رضي الله عنه قلنا: ~~لو كان لظهر يوم السقيفة فإن خلافة أبي بكر رضي الله عنه ما كانت أيدت ~~بشوكة قاهرة وإنما كان الأمر فوضى وهذا واضح وأيضا فإن [أمر] الولايات من ~~أخطر الأشياء في العادات ولا تتشوف النفوس لنقل شيء تشوفها إلى ما يتعلق ~~بالولايات ففيها تطير الجماجم عن الغلاصم وتتهالك النفوس في الملاحم وهذا ~~مطرد في أحكام العادات وفي عرف أهل الديانات والولايات. PageV01P226 # وأما الإقامة فشعار مسنون ليس بالعظيم الوقع في العرف والشرع وقد يمر ~~بالناس أيام لو روجعوا عن كيفية الإقامات في الجماعات لم يذكروها. ### | 534- # ومما يلزم من هذا الفن اضطراب الرواة في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فتح مكة عنوة وصلحا وهذا قريب [فإن أصل] دخوله عليه السلام مع أكمل العدد ~~والعدد منقول متواترا ولا شك أنه عليه السلام لم يلق قتالا والأمر وراء ذلك ~~تقديرات تختبط فيها النقلة فلم يلزم مع تمادى الأمر وطول الزمن استمرار حكم ~~الشيوع فيها. # وقد نجز ما حاولناه في هذا القسم إذ قلنا: كل خبر يخالفه حكم العرف فهو ~~كذب. ### | 535- # ومما [نذكره] من أقسام الكذب أن يتنبأ متنبئ من غير معجزة فيقطع بكذبه ~~وهذا مفصل عندي: # فأقول: إن تنبأ متنبئ وزعم أن الخلق كلفوا متابعته وتصديقه من غير آية ~~فهو كاذب فإن مساقه مفض إلى تكليف ما لا يطاق وهو الأمر [بالعلم] بصدقه من ~~غير سبيل مؤد إلى العلم فأما إذا قال ما كلف ms203 الخلق اتباعي ولكن أوحى إلى ~~فلا يقطع بكذبه. ### | 536- # فإن قيل: من أصلكم القول بالكرامات الخارقة للعادات فإذا أخبر المخبر أن ~~جبلا يقلع له من أصله فهذا إخبار يخالف حكم العرف والعادة ويلزم منه أن ~~يقال: أخبرنا مخبر ونحن في كن أن الجبل المظل القريب منا قد يقلع الآن ~~ينبغي أن يجوز صدقه الآن حملا على الكرامة وهذا يهدم أحكام العرف وما يتلقى ~~[منه] . # قلنا: هذا مما نستخير الله فيه فلا وجه للتشكيك في كذب هذا المخبر وإنما ~~تجوز الكرامات وقوعا عند عموم انخراق العادات ومصير الأمر إلى حالة لا ~~يستبعد أهل العادة صدق المخبر فيما يخبر عنه فلينعم المنتهى إلى هذا الفصل ~~نظره وليتدبر غائلته بالبدل. ### | 537- # فأما القسم الثالث: فهو الذي لا يقطع فيه بالصدق ولا الكذب وهو الذي نقله ~~الاحاد من غير أن يقترن بالنقل قرينة تقتضي الصدق أو الكذب. # PageV01P227 # على ما سبقت الإشارة إلى القرائن فهذا الصنف لا يفضى إلى العلم بصدق ~~المخبر [ولا] يقطع بكذبه أيضا. # ونحن نستعين بالله ونستفتح الآن القول في أخبار الآحاد والله الموفق ~~للسداد أخبار الآحاد. # مسألة: ### | 538- # ما ذهب إليه علماء الشريعة ومفتوها وجوب العمل عند ورود خبر الواحد على ~~الشرائط التي سنصفها ثم أطلق الفقهاء القول: بأن خر الواحد لا يوجب العلم ~~ويوجب العمل وهذا تساهل [منهم] والمقطوع به: أنه لا يوجب العلم ولا العمل ~~فإنه لو ثبت وجوب العمل مقطوعا به لثبت العلم بوجوب العمل وهذا يؤدي إلى ~~إفضائه إلى نوع من العلم وذلك بعيد فإن ما هو مظنون في نفسه يستحيل أن ~~يقتضي علما مبتوتا فالعمل بخبر الواحد مستند إلى الأدلة التي سنقيمها على ~~وجوب العمل عند خبر الواحد وهذا تناقش في اللفظ ولست أشك أن أحدا من ~~المحققين لا ينكر ما ذكرناه. # وذهب طوائف من الروافض إلى أن خبر الواحد لا يناط به وجوب العمل وهؤلاء ~~أنكروا الإجماع إذا لم يكن في المجمعين قول الإمام القائم في هذيان طويل. ~~وقد مال إلى ذلك بعض المعتزلة. ### | 539- # ثم افترق نفاة العمل ms204 بخبر الواحد: فذهب بعضهم إلى أن العقل يحيل التعبد ~~بالعمل به [وذهب] الأكثرون إلى أنه لا يستحيل ورود الشرع به وهو من تجويزات ~~العقل ثم افترق هؤلاء من وجه آخر فذهب ذاهبون إلى أن في الشرع ما يمنع ~~التعلق به وقال اخرون: لم تقم دلالة قاطعة على العمل به فتعين الوقف وقد ~~أكثر الأصوليون وطولوا أنفاسهم في طرق الرد على المنكرين. ### | 540- # والمختار عندنا مسلكان أحدهما يستند إلى أمر متواتر لا يتمارى فيه إلا ~~جاحد ولا يدرؤه إلا معاند وذلك أنا نعلم باضطرار من عقولنا أن الرسول عليه ~~السلام كان يرسل الرسل ويحملهم تبليغ الأحكام وتفاصيل الحلال والحرام وربما ~~كان يصحبهم الكتب وكان نقلهم أوامر رسول الله عليه السلام على سبيل الآحاد ~~ولم تكن العصمة لازمة لهم فكان خبرهم في مظنة الظنون وجرى هذا مقطوعا. # PageV01P228 # به متواترا لا اندفاع له إلا بدفع التواتر ولا يدفع المتواتر إلا مباهت ~~فهذا أحد المسلكين. # والمسلك الثاني: مستند إلى إجماع الصحابة وإجماعهم على العمل بأخبار ~~الاحاد منقول متواترا فإنا لا نستريب أنهم في الوقائع كانوا يبغون الأحكام ~~من كتاب الله تعالى فإن لم يجدوا للمطلوب ذكرا مالوا إلى البحث عن أخبار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يبتدرون التعويل على نقل الأثبات ~~والثقات بلا اختلاف فإن فرض مزاع بينهم فهو آيل إلى انقسامهم قسمين: فمنهم ~~من كان يتناهى في البحث عن العدالة [الباطنة] ولا يقنع بتعديل العلانية ~~وربما كان يضم إلى استقصائه تحليف الراوي ومنهم من كان لا يغلو في البحث ~~فأما اشتراط التواتر فعلى اضطرار نعلم أنهم [ما كانوا] يرونه فإن أنكر منكر ~~الإجماع فسيأتي إثباته على منكريه في أول كتاب الإجماع إن شاء الله تعالى ~~فهذا هو المعتمد في إثبات العلم بخبر الواحد. ### | 541- # وأما الرد على من يزعم أن تكليف العمل [بخبر الواحد] يستحيل في العقل ~~فهين فقد تكرر مرارا أن إطلاق الاستحالة يتردد بين أن يستحيل وقوعه وجودا ~~كاستحالة اجتماع الضدين ونحوها وهذا ساقط فإن تقدير اتباع العمل عند اتفاق ~~أمر ms205 يغلب على الظن غير مستحيل قطعا والواحد منا يكتسبه في حق مأموره وعبده ~~والمحالات يستحيل تقدير وقوعها شاهدا وغائبا فهذا قسم. # وقد نقول: ليس يستحيل تقدير وقوعه استحالة اجتماع الضدين ولكن يستحيل ~~وقوعه لما فيه من استفساد الخلق وهذا ينجر الآن إلى الصلاح والأصلح ~~والاستفساد والاستصلاح وكل ذلك مرتب على التقبيح والتحسين العقليين وقد سبق ~~القول فيهما في صدر هذا المجموع. ### | 542- # على أنا [إن] رمنا انتقالا عن هذه المحاجة فليس يتجه لهم ادعاء نقيض ~~الاستصلاح فإنه لا يمتنع في العقل أن يقع في علم الله تعالى أن الخلق لو ~~كلفوا اتباع غلبات الظنون لصلحوا ولو تركوا سدى إلى وجدان اليقين لفسدوا أو ~~كادوا فقد بطل جميع ما ذكروه وإذا تقرر الجواز عقلا وقد قامت الدلالة ~~السمعية كما تقدم ذكره لم يبق مضطرب يلوذ الخصم به. # فإن قيل: ليس في العقل ما يوجب العمل بخبر الواحد وليس في كتاب الله ~~تعالى ناص عليه ولا مطمع في التواتر والإجماع مع قيام النزاع ويستحيل أن ~~يثبت. # PageV01P229 # خبر الواحد بخبر الواحد وإذا انحسم المسلك العقلي والسمعي فقد حصل الغرض. # قلنا: بنيتم كلامكم على أمرين أنتم منازعون فيهما أحدهما أنكم قلتم لم ~~يستند العمل بخبر الواحد إلى التواتر وقد أوضحنا استناده إليه والثاني أنا ~~نقلنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم على العمل بخبر الواحد فقولكم: أن لا ~~إجماع خطأ ونحن تمسكنا بإجماع سابق على مسائل الخلاف وإن تمسكوا بأن في ~~إيجاب العمل [بخبر الواحد] ادعاء العلم بوجوبه بخبر الواحد فقد تكلمنا عليه ~~وبينا القول فيه فهذا لباب المسألة ومقصودها المنتخل المحصل. ### | 543- # ولكنا نذكر وراء ذلك عيونا من شبهات المخالفين حتى يشتمل الكلام على ~~المسلك الحق واستيعاب جماهير وجوه القول استدلالا وسؤالا وانفصالا وقد ~~يستدلون بظاهر قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} 1 والمخبر الذي ليس ~~معصموما عن الخطأ وإمكان [تعمد] الكذب [لا] يتضمن خبره علما فهو بحكم ~~[القرآن] مما لا يجوز اقتفاؤه واحتذاؤه وهذا مما لا يسوغ التمسك به فإن ~~مضمون الآية ms206 النهي عن اقتفاء الظنون من غير ضبط متأيد بمراسم الشارع وليس ~~الغرض الإضراب عن كل ما ليس معلوما فالمقصود إذا النهي عن المجازفة في ~~الظنون ثم غاية المتمسك بالآية أن يسلم له عموم معرض للتأويل ولا يجوز ~~التعلق بالظواهر فيما يبتغي القطع فيه فالجواب الحق أن المتبع هو الدليل ~~القاطع على وجوب العمل بخبر الواحد وقد قدمنا ما فيه مقنع في ذلك وذلك ~~الدليل هو المقتفى لا الخبر وفيه غنية وقد تقرر هذا مرارا. ### | 544- # وربما يعودون إلى استبعاد تعليق الأمور الخطيرة بأقوال مخبرين لا يمنع أن ~~يعتمدوا الكذب أو يزلوا من غير قصد. # فإذا روى واحد ظاهر العدالة خبرا مقتضاه سفك دم فالاستمرار على حقن الدم ~~وانتظار قاطع فيه أغلب على الظن وأرجح في مسلكه وقد تكلمنا على ذلك وأوضحنا ~~أن المعتمد هو الخبر المتواتر من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~إجماع الأمة وهما يفيدان العلم على قطع ثم ما ذكروه منقوض عليهم بشهادة ~~الشهود في تفاصيل القضاء فإن الأمور الخطيرة تربط بها وإن كانت لا تفضي إلى ~~القطع وهي متلقاة. PageV01P230 # بالقبول وكذلك قول المفتى مقبول وإن كان متعرضا لما ذكروه في مضطرب ~~الأوهام فقد سقط معلوهم فإن اعتذروا عن الشهادات والفتوى وزعموا أنها ~~مستندة إلى الإجماع فهذا قولنا في خبر الواحد. # مسألة: ### | 545- # ذهبت الحشوية1 من الحنابلة وكتبة الحديث إلى أن خبر الواحد العدل يوجب ~~العلم وهذا خزي لا يخفى مدركه على ذي لب. # فنقول لهؤلاء أتجوزون أن يزل العدل الذي وصفتموه ويخطئ فإن قالوا لا كان ~~ذلك بهتا وهتكا وخرقا لحجاب الهيبة ولا حاجة إلى مزيد البيان فيه. # والقول [القريب] فيه أن قد زل من الرواة والأثبات جمع لا يعدون كثرة ولو ~~لم يكن الغلط متصورا لما رجع راو عن روايته والأمر بخلاف ما تخيلوه. # فإذا تبين إمكان الخطأ فالقطع بالصدق مع ذلك محال ثم هذا في العدل في علم ~~الله تعالى ونحن لا نقطع بعدالة واحد بل يجوز أن يضمر خلاف ما يظهر ولا ~~متعلق ms207 لهم إلا ظنهم أن خبر الواحد يوجب العمل وقد تكلمنا عليه بما فيه ~~مقنع. # مسألة: ### | 546- # ذهب الجبائي2 إلى أن خبر الواحد لا يقبل بل لا بد من العدد وأقله اثنان ~~وهذا الذي قاله غير متلقى من مسالك العقول فإنها لا تفرق بين الواحد ~~والاثنين وإمكان الخطأ يتطرق إلى اثنين تطرقه إلى الواحد فيتعين عليه أن ~~يسند مذهبه هذا إلى سبيل قطعي سمعي وهو لا يجده أبدا. ### | 547- # وما ذكرناه من [التمسك] بكتب الرسول عليه السلام ورسله يجري عليه فإنه ~~كان لا يتكلف جمع رسولين إلى كل صوب بل كان يبعثهم ويحملهم نقل الشريعة على ~~ما تقتضيه الأحوال مفردين ومقترنين وهذا بين. # وكذلك مسلك الإجماع فإنا نعلم قطعا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كانوا يعملون في الوقائع بالأخبار التي ترويها الاحاد من جملة الصحابة ~~ولا نستريب أنه لو PageV01P231 # وقعت واقعة واعتاص مدرك حكمها فروى الصديق رضي الله عنه فيها خبرا عن ~~الصادق المصدوق عليه السلام لابتدروا العمل به ومن ادعى أن جملة الأخبار ~~التي استدل بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكام الوقائع رواها ~~أعداد فقد باهت وعاند وخالف ما المعلوم الضروري بخلافه. ### | 548- # فإن قيل: أليس كان على يستظهر برواية العدد؟ وروى أن أبا موسى1 الأشعري ~~لما استأذن على عمر2 ولم يأذن له انصرف ورده عمر وعاتبه في انصرافه وقال ~~هلا وقفت فقال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول3: "الاستئذان ثلاثة فإن ~~أذن لكم وإلا فانصرفوا ", فقال: إن جئت بمن يشهد لك وإلا أوجعت طهرك ضربا ~~فجاء بأبي سعيد4 الخدري فشهد له. # ولما التبس على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الجدة في الميراث ~~[قال] المغيرة5 بن شعبة: "أشهد أن رسول الله عليه السلام أطعم الجدة ~~السدس"6 قال أبو بكر7: لا, أو تأتي بمن يشهد لك: فكان ذلك من أبي بكر ~~اشتراط عدد في الرواة. ### | 549- # قلنا: أما على كرم الله وجهه فلم ينقل عنه اشتراط العدد ولكنه كان يحلف ~~بعض الرواة وهذا رأى انفرد ms208 به استظهارا وأما ما جرى للصديق والفاروق رضي ~~الله عنهما فمحمول على الاستظهار لريبة معترضة وأحوال مقتضية PageV01P232 # مزيد تغليب على الظن وهذا جرى منهم على شذوذ وندور كدأب القضاة في بعض ~~الحكومات إذا استدعوا مزيدا على الأعداد المرعية في البينات فمن ادعى أن ~~ذلك كان أصلا عاما في جميع الروايات والرواة فقد ادعى نكرا وقال هجرا. # ثم ما ذكره يؤدي إلى رد معظم الأحاديث إذا تطاولت العصور وتناسخت الأزمان ~~والدهور فإنه شرط في النقل عن كل راو وراويين والأعداد إذا تضاعفت أربت عند ~~طول الأعصار على عدد التواتر. # وهذا منتهى القول في العدد والكلام في بقية الكتاب يتعلق بفصول فصل في ~~صفة الرواة وفصل مشتمل على التعديل والجرح وفصل في الإسناد والإرسال وآخر ~~في كيفية التحمل وآخر في كيفية الرواية. # PageV01P233 ### | فصل: في صفة الرواة ### | 550- # العقل والإسلام1 والعدالة2 معتبرة وأصحاب أبي حنيفة3 وإن قبلوا شهادة ~~الفاسق لم يجسروا أن يبوحوا بقبول رواية الفاسق فإن قال به [قائل] فقوله ~~مسبوق بإجماع من مضى على مخالفته. ### | 551- # فأما البلوغ فقد اختلف الأصوليون في اشتراطه وتردد الفقهاء في ذلك أيضا ~~وعليه بنوا اختلافهم المشهور في قبول قوله في رؤية الهلال والقاضي يرى رد ~~روايته وهو المختار عندنا. # والدليل عليه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما راجعوا الصبيان ~~الذين كانوا يخالطون رسول الله عليه السلام ويلجون على ستوره مع مسيس ~~حاجتهم إلى من يخبرهم عن دقائق أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء ~~الحجب فلم يؤثر عن أحد من الحكام والمفتين. PageV01P233 # إسناد حكمه في قضية إلى رواية صبي والذين اعتنوا [بجمع] الروايات وتأليف ~~المسندات لم ينقلوا عن صبي أصلا والذي يعضد الطريقة أن معولنا في إثبات ~~العمل بأخبار الاحاد إرسال رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبه ورسله وبعثه ~~ولاته وإجماع الصحابة ولا مأخذ سوى هذين: # فأما المأخذ الأول: فلم يبعث عليه السلام رسولا صبيا ولم يحمله أداء بيان ~~حكم الشريعة وأما الإجماع: فعلى ما سبق تقريره وليس في العقول ما يرشد ms209 إلى ~~القبول والرد. ### | 552- # ثم ذكر القاضي طريقة لطيفة فقال: الصبي إن كان غير متكامل التمييز فلا شك ~~في ردهم روايته وإن كان مميزا فقد بلغه أنه غير مؤاخذ بالكذب ولا يزعه عن ~~الهجوم عليه وازع وهذه الصفة منه تؤمنه عن اللائمة ومحذور المعتبة ~~[فبالحري] أن يجريه على الخلف وفي النفوس على الجملة صغو بين إلى التحريف ~~ونقل الأعاجيب فإذا الصبا أولى بأن ينتهض ردا للرواية من الفسق وما ذكرناه ~~يغنى عن التمسك برد أقاريره وألفاظ عقوده فإن هذا من القياس الفقهي فلا ~~يثمر قطعا. # ونحن نرى القطع برد روايته وفي كلام القاضي في بعض مصنفاته تشبيب بإلحاق ~~هذه المسألة بالمظنونات وهذا ظاهر رأى الفقهاء والذي نراه القطع بالرد كما ~~تقدم. # مسألة: # في رواية المستور الذي لم يظهر منه نقيض العدالة ولم يتفق البحث الباطن ~~عن عدالته1. ### | 553- # تردد المحدثون [في روايته] والذي صار إليه المعتبرون من الأصوليين أنه لا ~~تقبل روايته وهو المقطوع به عندنا. # والمعتمد فيه الرجوع إلى اجماع الصحابة فإنا نعلم منهم بمسلك الاستفاضة ~~والتواتر أنهم كانوا لا يقبلون روايات المجان والفسقة وأصحاب الخلاعة ولو ~~PageV01P234 # ناداهم إنسان برواية لا يبتدروا العمل [بروايته ما لم يبحثوا عن حالته ~~ويطلعوا على باطن عدالته ومن ظن أنهم كانوا يعملون] برواية كل مجهول الحال ~~فقد ظن محالا وظهور ذلك مغن عن [تقريره] وإذا كنا نتعلق في العمل بالرواية ~~بإجماعهم [فإن لم نتحقق إجماعهم على التوقف في العمل برواية المستور لم نجد ~~متعلقا نتمسك به في قبول روايته] فكيف وقد استمر لنا قطعا منهم التوقف في ~~المجهول المستور الحال؟ ### | 554- # والذي أوثره في هذه المسألة ألا نطلق رد رواية المستور ولا قبولها بل ~~يقال رواية العدل مقبولة ورواية الفاسق مردودة ورواية المستور موقوفة إلى ~~استبانة حالته ولو كنا على اعتقاد في حل شيء فروى لنا مستور تحريمه فالذي ~~أراه وجوب الانكفاف عما كنا نستحله إلى استتمام البحث عن حال الراوي وهذا ~~هو المعلوم من عادتهم وشيمهم وليس ذلك حكما منهم بالحظر المترتب على ~~الرواية وإنما ms210 هو توقف في الأمر فالتوقف عن الإباحة يتضمن الانحجاز وهو في ~~معنى الحظر فهو إذا حظر مأخوذ من قاعدة في الشريعة ممهدة وهي التوقف عند ~~بدء ظواهر الأمور إلى استتبابها فإذا ثبتت العدالة فالحكم بالرواية إذ ذاك. ### | 555- # ولو فرض فارض التباس حال الراوي واليأس من البحث عنها بأن يروي مجهول ثم ~~يدخل في غمار الناس ويعسر العثور عليه فهذه مسألة اجتهادية عندي والظاهر أن ~~الأمر إذا انتهى إلى اليأس لم يلزم الانكفاف وانقلبت الإباحة كراهية. ### | 556- # فإن قيل: أليس روى أن أعرابيا شهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~رؤية الهلال فأمر النبي عليه السلام بالصيام ولم يبحث عن حال الأعرابي ~~قلنا: لعله علمه وأحاط به علما فلا يصح التمسك بمثل هذا مع تعارض ~~الاحتمالات فيه والمطلوب القطع. ### | 557- # فإن قالوا: الأصل نقيض الفسق فليطرد قبول الرواية إلى تحقق الفسق قلنا: ~~هذه دعوى عرية عن البرهان وهو في التحقيق اقتصار على ترجمة المذهب فإنا ~~نقول: الرواية قبولها موقوف على ظهور العدالة ومن يخالف يزعم أن الرد منوط ~~بظهور الفسق وعلى الجملة لسنا نرتضي التمسك بالتخييلات في مسالك القطعيات ~~وفي كل أصل من الأصول قاعدة كلية معتبرة فكل تفصيل رجع إلى الأصل فهو جار ~~على السبيل المطلوب وكل ما لم نجد مستندا فيه ومتعلقه تخييل ظن فهو. # PageV01P235 # مطرح والأصل في العمل بالأخبار إجماع الصحابة وقد قررنا سبيله فما ذكروه ~~ليس قادحا فيه فلا يحتفل به. ### | 558- # فإن قيل: ثبت في الشرع الأمر بتحسين الظن [بآحاد] المسلمين إلى أن يظهر ~~ما يناقض ذلك وإذا رددنا رواية المستور كان ذلك منافيا لتحسين الظن به قلنا ~~هذا من الطراز الأول فلا احتفال به. # على أنا أمرنا بتحسين الظن حتى لا تطلق الألسنة بالمطاعن فهذا فائدة ~~تحسين الظن فأما أن يقال: [نبتدر] إلى إراقة الدماء وتحليل الفروج برواية ~~كل هاجم على الرواية بناء على تحسين الظن فهذا لا يتخيله إلا خلو من ~~التحصيل والله الموفق. # PageV01P236 ### | فصل: في التعديل والجرح ### | 559- # إذا تقرر أن الفاسق مردود الرواية وواضح ms211 أن القبول متوقف على ظهور ~~العدالة ولا يقع الاكتفاء بظاهر الستر فنحن نذكر وراء ذلك التعديل والجرح ~~المعتبرين في الرواة ونقدم على غرضنا أصلا وهو مرجوع الكتاب وأصل الباب في ~~أخبار الآحاد. # فنقول: قد لاح لنا [على] السبر والمباحثة أن المعنى المعتمد في قبول ~~الرواية ظهور الثقة بقول الراوي وكل ما لا يجزم الثقة فليس شرطا في ~~[الرواية وما يجزم] الثقة ففيه الكلام وليس في الرواة والروايات تعبدات ~~شرعية كما وردت توقيفات الشرع بأمثالها في رتب الشهادات [ومنازل] البينات ~~من نحو اعتبار العدد وألفاظ مخصوصة ومكان معلوم إلى غير ذلك ومن التعبدات ~~المرعية في الشهادة اشتراط الحرية فليتخذ الناظر الثقة في الرواية معتبره ~~فيما يأتي ويذر فعليه إحالة معظم الكلام. # والدليل القاطع فيه الرجوع إلى شيم الأولين فإنا نعلم أنهم كانوا يقبلون ~~الرواية عند ظهور الثقة من المرأة والمملوك قبولهم من الحر وقد رددنا [على] ~~من يتخيل اعتبار العدد في الرواية فإذا تمهد ذلك وستكون لنا عودات إليه ~~فالكلام في التعديل والجرح متفرع على ذلك ونحن ننقل المذاهب فيهما ونؤثر ~~المختار عندنا ونؤكده بالحجاج اختيارا للإيجاز إن شاء الله تعالى. # PageV01P236 ### | 560- # فالتعديل والجرح يقعان على وجهين أحدهما التصريح والثاني: الضمن فأما ~~وقوعهما تصريحا فقد قال قائلون: لا بد من ذكر أسبابها جميعا ولا يكفى إطلاق ~~التعديل والجرح. # قال الشافعي رحمه الله: إطلاق التعديل كاف فإن أسبابه لا تنضبط ولا تنحصر ~~وإطلاق الجرح لا يكفي فإن أسبابه مما اختلف الناس فيه فقد يرى بعض الناس ~~الجرح بما لو أظهره لم يوافق عليه فلا بد لذلك من ذكر أسباب الجرح وهذا ~~مذهبه رضي الله عنه في تعديل الشهود وجرحهم. # وقال بعض الأصوليين: يكفي إطلاق التعديل والجرح جميعا ولا حاجة إلى ~~التعرض للأسباب فيهما. # وقال القاضي رضي الله عنه: إطلاق الجرح كاف فإنه يخرم الثقة وهي المعتبرة ~~وإطلاق التعديل لا يحصل الثقة حتى يستند إلى أسباب ومباحثات وهذا الذي ذكره ~~القاضي رضي الله عنه أوقع في مآخذ الأصول. ### | 561- # والذي أختاره أن الأمر في ذلك ms212 يختلف بالمعدل والجارح فإن كان المعدل ~~إماما [موثوقا به في الصناعة] لا يليق به إطلاق التعديل إلا عند علمه ~~بالعدالة الظاهرة فمطلق ذلك كاف منه فإنا نعلم أنه لا يطلقه إلا عن بحث ~~واستفراغ وسع في النظر [فأما] من لم يكن من أهل هذا الشأن وإن كان عدلا رضا ~~إذا لم يحط علما بعلل الروايات فلا بد من البوح بالأسباب وإبداء المباحثة ~~التامة. # والجرح أيضا يختلف باختلاف أحوال من يجرح والعامى العرى عن والتحصيل إذا ~~جرح ولم يفصل فلا يكترث بقوله فأما من يثير جرحه المطلق خرم الثقة فمطلق ~~جرحه كاف في اقتضاء التوقف. # فهذا بيان المذاهب والإيماء إلى مستند كل فريق وذكر المختار مؤيدا بمعتبر ~~الباب هو بيان التصريح بالتعديل والجرح. ### | 562- # ثم قال المحققون: يكفي في التعديل والجرح قول واحد وذهب بعض المحدثين إلى ~~اشتراط العدد وهذا مما ليس يحتفل به فإنه قد ثبت أن أصل الرواية لا يعتبر ~~فيه العدد فلا معنى للاحتكام باشتراطه في التعديل والجرح ولا يشك منصف أن ~~الصديق رضي الله عنه وغيره من جلة الصحابة رضي الله عنهم لو فرض. # PageV01P237 # انفراده بتعديل أو جرح لما كان أهل العصر يعتبرون انضمام قول آخر إلى قول ~~المعدل أو الجارح وهذا كله [مرتبط] بالثقة كما تقدم فإذا كان قول الواحد ~~يفيد الثقة كفى وإذا كان الجارح الواحد يخرمها أفاد جرحه ردا أو توفقا. ### | 563- # فأما التعديل والجرح الواقعان ضمنا فلتقع البداية بالتعديل فمما عد في ~~التعديل ضمنا إطلاق الرجل العدل الرواية عن الرجل من غير تعرض له بجرح أو ~~تعديل فهذا مما اختلف في المحدثون والأصوليون: # فذهب ذاهبون إلى أن إطلاق الرواية تعديل ومنع آخرون ذلك والرأي فيه عندي ~~التفصيل فإن ظهر من عادة ذلك الراوي الانكفاف عن الرواية عمن يتغشاه ريب ~~واستبان أنه [لا يروي إلا] عن موثوق به فرواية مثل هذا الشخص تعديل وإن ~~تبين من عادته الرواية عن الثقة والضعيف فليست روايته تعديلا وإن أشكل ~~الأمر فلم يوقف على عادة مطردة لذلك الراوي في الفن ms213 الذي أشرنا إليه فلا ~~يحكم بأن روايته تعديل وهذا من أصناف ما يعد تعديلا ضمنا. ### | 564- # ومما يذكر في هذا القسم عمل الراوي بما رواه مع ظهور إسناده العمل إلى ~~الرواية وقد قال قائلون: إنه تعديل وقال آخرون: ليس بتعديل. # [والذي أرى] فيه أنه إذا ظهر أن مستند فعله ما رواه ولم يكن ذلك من مسالك ~~الاحتياط فإنه تعديل وإن كان ذلك في سبيل الاحتياط لم يقض بكونه تعديلا فإن ~~المتحرج قد يتوقى الشبهات كما يتوقى الجليات وهذا ينعطف أيضا على الثقة ~~واعتبارها. # وهذا نجاز الكلام في هذا الفن. # مسألة: ### | 565- # قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه إذا لم نجد معتصما مقطوعا به في العمل ~~بخبر الواحد قطع برده وإن لم يظهر له قاطع ناص في الرد وبنى ذلك على أن ~~معتمدنا في العمل بأخبار الاحاد قطعا إجماع من قبلنا فحيث لا نجد قاطعا لا ~~نحكم بالعمل إذ لو حكمنا به لكنا بانين القطع بالعمل على غير قاطع وهذا لا ~~سبيل إليه. # PageV01P238 # وهذا الذي ذكره وإن كان مخيلا فالذي أراه [أنه] يلتحق بالمجتهدات ويتعين ~~على كل مجتهد فيه الجريان على حكم اجتهاده. # والدليل القاطع فيه أنا نعلم أنه كان يقع في عصر أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أحاديث يقبلها بعض ويتوقف عن قبولها اخرون ثم كان القابلون ~~لها لا يعابون ولا يكثر النكير عليهم من الرادين وكانوا يجرون ذلك مجرى ~~المجتهدات في مظان الاحتمالات فإذا [قطعنا] بوقوع ذلك منهم وإلحاقهم ذلك ~~بمواقع التحري والتوخي فقد صادفنا قاطعا في وجوب العمل بالاجتهاد في مجال ~~الظن وهذا بالغ حسن فإذا جرت أمثال من المجتهدات أحلناها على هذا القانون. # مسألة: ### | 566- # جرى رسم الأصوليين بعقد مسألة في فن من التعديل والجرح مشتملة على تعديل ~~صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما تمس الحاجة إليها في أصول الإمامة ~~[ولكنها] قد تتعلق ببعض مسائل الشرع ففي الفقهاء من طرق مسالك الطعن والغمز ~~إلى أقوام من مشاهير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي ms214 هريرة1 وابن ~~عمر2 وغيرهما. # ونحن نذكر نكتا قاطعة يتخذها المرء وزره ومعتضدة إذا عارضه طعان يحاول ~~مغمزا في [رواة] أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة. ### | 567- # فمما نصدر القول به الآيات المشتملة على تقريظهم وإطرائهم وحسن الثناء ~~عليهم كآية أهل البيعة بيعة الرضوان فإنه تعالى قال: {لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} 3 والآيات الواردة في المجاهدين مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم [كثيرة] واتفق المفسرون على أن قوله تعالى: {كنتم ~~خير أمة أخرجت للناس} 4 واردة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ~~هم معدلون بنصوص الكتاب مزكون بتزكية الله تعالى [إياهم] . PageV01P239 ### | 568- # ومن أقوى ما يعتصم به على الجاحدين المعاندين سيرة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإنه كان يعرف أهل النفاق بأعيانهم لا يخفى عليه [مضمر] الشقاق ~~بينهم وقد سماهم بأعينهم لصاحب سره ومؤتمنه حذيفة1 بن اليمان وكان عليه ~~السلام يبجل أهل الإخلاص منهم وينزلهم منازلهم ويحل كلا على خطره في مجلسه ~~وكانوا رضي الله عنهم معدلين بتعديله عليه السلام مزكين أبرارا وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعتمدهم في نقل آثاره وأخباره ويسألهم عن أخبار ~~غابت عنه وكانوا عنه ناقلين ومخبرين واشتهر ذلك من سيرته صلى الله عليه ~~وسلم فيهم فكان ذلك مسلكا قاطعا في ثبوت عدالتهم بتعديل الرسول عليه السلام ~~إياهم عملا وقولا. ### | 569- # ومما يتمسك به في أبي هريرة2 رضي الله عنه أن عمر مع تنزهه عن المداراة ~~والمداجاة والمداهنة اعتمده وولاه في زمانه أعمالا جسيمة وخطوبا عظيمة وكان ~~يتولى زمانا على الكوفة وكان يبلغه روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلو لم يكن من أهل الرواية لما كان يقرره عمر3 رضي الله عنهما مع العلم ~~بإكثاره. # وقد اجتمع السابقون على الرواية عن هؤلاء وكذلك الأئمة المعتبرون من أهل ~~الحديث قال محمد4 بن إسماعيل البخاري روى عن أبي هريرة سبعمائة من أولاد ~~المهاجرين والأنصار وأما ابن عمر فلا يتعرض للقدح فيه إلا جسور وقد زكاه ms215 ~~جبريل عليه السلام إذ قال لرسول صلى الله عليه وسلم5: "نعم الرجل عبد ~~الله". # فقد ثبت تعديلهم بنصوص الكتاب وسيرة الرسول عليه السلام واتفاق الصحابة ~~والتابعين وأئمة الحديث رضي الله عنهم أجمعين ولا احتفال بعد ذلك بمطاعن ~~النابغة الثائرين بعد انقراض الأئمة الماضين. PageV01P240 ### | 570- # فأن قيل: ما تمسكتم به من تعديل الرسول عليه السلام إياهم وإكرامه لهم إن ~~سلم لكم فإنه ليس متضمنا نصا بعصمتهم في مستقبل الزمان وقد أحدث بعضهم هنات ~~واقتحموا موبقات يزول بأدناها نعت العدالة واستقامة الحالة وربما اندفعوا ~~في أقاصيص وأحوال جرت في مثار الفتن ولو تتبعناها لطال المغزى والمرام ~~وتعدى الكلام حد الاختصار. # فالوجه المحصل لغرضنا القاطع الشغب عنا أن نقول: لا يتعلق متعلق بشيء ~~يبغى به طعنا إلا وينقدح مثله متطرقا إلى من يعدله الطاعن ويؤدي مساق إلى ~~الطعن في جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل مسلك يفضي إلى تعميم ~~الطعن في جلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مردود من سالكه فهذا ~~وجه مقطوع به عظيم الوقع والخطر. ### | 571- # والذي يعضد ذلك أن من تعلق بشيء من المطاعن في معين من الصحابة فعورض ~~بمثله فيمن يوافق على تعديله فسينتهض الطاعن لحمل ما عورض به على محامل في ~~الجواز وتحسين الظن ويتجه أمثالها وأجلى منها فيمن ذكره وإذا تعارضت ~~الأقوال على نحو واحد وعسر الجمع بينها والقضاء بها ولم يكن بعضها أولى من ~~بعض فالوجه سقوطها والإضراب عنها والاستمساك بما تمهدت به عدالتهم من ~~المسالك المتقدمة. ### | 572- # وإنما تعدينا طور الاقتصار قليلا لسؤال به اختتام الإشكال وفي جوابه ~~تحقيق الانفصال وهو أن قائلا لو قال غايتكم حملكم ما نقل من هناتهم على ~~وجوه ممكنه في الجواز ولستم قاطعين بها بل وافقتم الطاعنين على أنه لا يجب ~~عصمة غير المرسل عليه السلام فإذا ترددت أحوالهم فليقتض ترددها [وقوفا] عن ~~تعديلهم فإن التردد يناقض الحكم البات. # وسبيل الجواب عن هذا أن نقول هذا أولا نزول عن التصريح بالطعن ورضا بأن ~~ينكف عن تعديلهم ففيه ms216 ظهور بطلان القطع بالطعن. # على أنا نقول: ما ذكرتموه مدفوع بالإجماع فإن الأمة مجمعة على أنه لا ~~يسوغ الامتناع عن تعديل جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذكره ~~هذا السائل يوجب التوقف في تعديل كل نفر من الذين لابسوا الفتن وخاضوا ~~المحن ومتضمن هذا الانكفاف عن الرواية عنهم وهذا باطل من دين الأمة وإجماع ~~العلماء فانتهض الإجماع على. # PageV01P241 # بطلان هذا [الطرف] حجة باتة على بناء الأمر على تحسين الظن وردهم إلى ما ~~تمهد لهم من المآثر بالسبيل السابقة وهذا من نفائس الكلام. # ولعل السبب الذي أتاح الله الإجماع لأجله أن الصحابة هم نقلة الشريعة ولو ~~ثبت توقف في رواياتهم لانحصرت الشريعة على عصر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولما استرسلت على سائر الأعصار. # PageV01P242 ### | فصل: في المراسيل 1 والمسندات وذكر المذاهب فيها وإيضاح المختار منها. ### | 573- # نصدر هذا الفصل بذكر صور المرسلات ثم ننقل المقالات ونشير إلى عمدة كل ~~فريق ونختتم الكلام بالمرتضي المختار عندنا. # فمن صور المراسيل أن يقول التابعي:2 قال رسول الله صلى الله عله وسلم ~~فهذا إضافة إلى الرسول عليه السلام مع السكوت عن ذكر الناقل عنه3 وهذا يجري ~~في الرواة بعضهم مع بعض في الأعصار المتأخرة عن عصر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وإذا قال واحد من أهل عصر: قال فلان وما لقيه ولا سمى من أخبر عنه فهو ~~ملتحق بما ذكرناه. # ومن الصور أن يقول الراوي: أخبرني رجل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو عن فلان الراوي من غير أن يسميه4. # ومن الصور أن يقول: أخبرني رجل عدل موثوق به رضا عن فلان أو عن ~~PageV01P242 # رسول الله عليه السلام. # ومن صور المراسيل: إسناد الأخبار إلى كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإنما التحق هذا القسم بالمرسلات من جهة الجهل بناقل الكتب ولو ذكر من يعزو ~~الخبر إلى الكتاب ناقله وحامله التحق الحديث [بالمسندات] فهذه صور ~~المراسيل. # حكم العمل بالمراسيل وقبولها. ### | 574- # وأبو حنيفة1 قائل بجميعها قابل لها عامل بها والشافعي2 ms217 رضي الله عنهما لا ~~يعمل بشيء منها ومتعلق أصحاب أبي حنيفة أن الراوي إذا كان في نفسه عدلا ثقة ~~فروايته محمولة على وجه يقتضي القبول ولو عين من روى عنه وعدله وكان من أهل ~~التعديل لقبل تعديله كما قبلت روايته فإذا أرسل الحديث جازما وأطلق الرواية ~~باتة أشعر بنهاية الثقة. ### | 575- # وقال بعض أئمة الحديث إذا قال التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان ذلك أولى من ذكره معينا منهم فإنه لا يحكم بإثبات قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مع السكوت عن ذكر من نقله إلا مع انتفاض قلبه عن الشبهات ~~وطرق الريب وإذا ذكر معينا فكأنه لا يتقلد صحة الرواية وإنما يكل الأمر إلى ~~الناظرين فيمن روى عنه. ### | 576- # ومما تمسك به القائلون بالمراسيل أن أخبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مقبولة وإن كان في بعضها إرسال لا سيما أخبار الذين كانوا صبية في عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وفرت حظوظهم من العلوم بعد انقلاب رسول ~~الله إلى رحمه الله صلى الله عليه وسلم كابن عباس3 وابن الزبير4 وغيرهما ~~رضي الله عنهم ثم كانت أخبارهم مقبولة في الصحابة والتابعين مع القطع بأن ~~معظمها مراسيل ونحن نتتبع ذلك على ما ينبغي عند ذكرنا ما نختاره إن شاء ~~الله تعالى. ### | 577- # وأما الشافعي رضي الله عنه فإن استدل على رد المراسيل بأن الراوي. ~~PageV01P243 # إذا لم يذكر من روى له فهو مجهول في حقوقنا وقبول خبر من نجهله ولا نعرفه ~~مستجمعا للصفات المرعية لا وجه له وربما علم الراوي تعديل من روى الحديث ~~ولو ذكره لغيره لعرف المخبر عنه ما لم يعرفه فإذا الإضراب عن ذكر الراوي ~~يخرم الثقة ويطرق إلى القلوب التردد فإذا سمى الراوي من حدثه وعدله وطرد ~~الناظرون الجرح إن وجدوه واستمر الزمن ولم يعثر على [سبب] جارح فيحصل به ~~الثقة وإذا لم يسم المروى عنه فليست العدالة مقطوعا بها لأن معتمدها أمور ~~ظاهرة وأسباب الجرح أخفى منها والتعديل على الإبهام مع تركه ms218 تسمية المعدل ~~لا يتضمن الثقة في حق غير المعدل هذا معتمد الشافعي ويقوى كلامه جدا في بعض ~~الصور كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى. ### | 578- # وما اعتمده أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه أولا يعارض هذا المسلك فيوهنه. # وما ذكروه من أمر الصحابة رضي الله عنهم وإرسالهم الحديث فقد قال القاضي ~~منتصرا للشافعي: ثبوت الاحتجاج بما أطلقه أحداث أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الروايات مع ترددها بين الإسناد والإرسال لا يثبت الاحتجاج ~~بما تحقق الإرسال فيه إلا من جهة القياس والأقيسة الظنية المعنوية منها ~~والشبهية يقتضي ما يصح منها على السبر العمل ولا يسوغ استعمالها في ~~القطعيات في النفى والإثبات. # حاصل التمسك بذلك اعتبار ما تحقق فيه الإرسال بما تعارض فيه احتمال ~~الإسناد والإرسال فقد بطل على ما زعم هذا المسلك. ### | 579- # فإذا وضح اعتبار ما تمسك به النفاة والمثبتون فقد جاز أن نوضح المختار ~~قائلين: وقد ثبت أن المعتمد في الأخبار ظهور الثقة في الظن الغالب فإن ~~انخرمت اقتضى انخرامها التوقف في القبول وهذا الأصل مستندة الإجماع الذي ~~ثبت نقله من طريق المعنى استفاضة وتواترا فإذا سبرنا ما ردوه وما قبلوه ~~يحصل لنا من طريق السبر أنهم لم يرعوا صفات تعبدية كالعدد والحرية وإنما ~~اعتمدوا الثقة المحضة [فلتعتبر هذه قاعدة في الباب] . # ومساقها يقتضي رد بعض وجوه الإرسال وقبول بعضها فإذا قال الراوي سمعت ~~رجلا يقول: قال فلان فليس في هذا المسلك من الرواية ما يقتضي الثقة فالوجه ~~القطع بردها وإن قال سمعت رجلا موثوقا به عدلا رضا يقول سمعت. # PageV01P244 # فلانا وكان الراوي من يقبل تعديله لعدالته واستقامة حالته وعلمه بالجرح ~~والتعديل ودرايته فهذا يورث الثقة لا محالة. ### | 580- # وليست الثقة على قضية واحدة بل هي على أنحاء ولها مبتدأ ومنتهى ووسائط ~~بينهما ويبعد أن يشترط في الراوي أن يعرفه كل من يبلغه خبر مسند حتى يسنده ~~إليه وإذا استحال اشتراط هذا لزم على الاضطرار تعديل حال من يلتزم موجب ~~الإخبار على تعديل الأئمة المشهورين وعرفانهم فإذا قال ms219 أخبرني الثقة أو من ~~لا أتمارى فيه خيرا ونبلا فقد أفضى ذلك إلى المطلب المقصود في الثقة أو من ~~لا أتمارى فيه خيرا ونبلا فقد أفضى ذلك إلى المطلب المقصود في الثقة وكذلك ~~إذا قال الإمام الراوي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا بالغ في ثقته ~~بمن روى له فليطرد الطارد ما ذكرناه طردا وعكسا في صور الإرسال وليحكم في ~~رده وقبوله بموجب الثقة. ### | 581- # ثم مخالفة الشافعي في أصول الفقه شديدة وهو ابن بجدتها وملازم أرومتها ~~ولكني رأيت في كلام الشافعي ما يوافق مسلكي هذا وتقر به الأعين. # قال رحمه الله: مرسلات ابن المسيب1 حسنة وشبب بقولها والعمل بها وقال في ~~كتاب الرسالة العدل الموثوق به إذا أرسل وعمل بمرسله العاملون قبلته. # وقد تعرض القاضي لتفصح كلام الشافعي في هذا الفصل فقال قوله مراسيل ابن ~~المسيب حسنة لست أدري ما الذي يحسنها؟ وقد بلغت عن هذا الحبر أنه قال في ~~بعض مجموعاته تتبعت مراسيل سعيد فألفيت معظمها مسندا من غير طريقه. # وهذا فيه نظر فإن التمسك بإسناد من أسند وعليه إحالة العمل والقبول لا ~~على المراسيل فأما العمل إن لم يكن على وفاق فلا وقع له وإن كان على وفاق ~~فالتمسك [بالإجماع] فهذا معترضه على الشافعي. ### | 582- # والذي لاح لي أن الشافعي ليس يرد المراسيل ولكن يبغي فيها مزيد تأكيد بما ~~يغلب على الظن من جهة أن الإرسال على حال يجر ضربا من الجهالة في المسكوت ~~عنه فرأى الشافعي [أن يؤكد الثقة] فليثق الناظر بهذا المسلك الذي ذكرته ~~فعلى الخبير سقط وقد عثرت من كلام الشافعي على أنه إن لم يجد إلا المراسيل ~~مع PageV01P245 # الاقتران بالتعديل على الإجمال فإنه يعمل به فكأن إضرابه [عن] المراسيل ~~في حكم تقديم المسانيد عليها وهذا إذا اقترن المرسل بما يقتضي الثقة وهذا ~~منتهى القول في ذلك والله أعلم. ### | 583- # وقد سمى الأستاذ أبو بكر بن فورك رحمه الله قول التابعي قال رسول الله ~~عليه السلام وقول تابع التابعي: قال الصحابي - منقطعا وسمى ذكر الواسطة ms220 على ~~الإجمال مرسلا مثل أن يقول التابعي قال رجل: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفي كلام الشافعي إشارة إلى هذا وليس ذلك متعلقا بفرق معنوي وإنما هو ~~ذكر ألقاب في الباب ذكرناها حتى يطلع الناظر عليها إذا وجدها في كلام ~~الأئمة والقول في الرد والقبول على ما تفصل وتحصل. # PageV01P246 ### | فصل: في تحمل الرواية وجهة تلقيها ومن يصح منه تحملها ### | 584- # فنقول: إذا روى الشيخ الذي منه التلقي شفاها ونطق بما سمعه لفظا ووعاه ~~السامع وحواه فهذا هو التحمل والتحميل. ### | 585- # ولو كان الحديث يقرأ والشيخ يسمع نظر: فإن كان يحيط بما يحرفه القارئ ولو ~~فرض منه تصريف وتحريف لرده فسكوته والأخبار التي تقرأ بمثابة نطقه والحديث ~~يستند بذلك فإن قيل: هذا تنزيل منكم للسكوت منزلة القول وهذا من خصائص من ~~يجب له العصمة قلنا: إخباره تصريحا ونطقا كان تحميلا للرواية من جهة أنه ~~أفهم بما أسمع السامع من عباراته. # فإذا كان الحديث يقرأ وهو يقرر ولا يأبى مع استمرار العادات في أمثال ذلك ~~فهذا على الضرورة حال محل التصريح بتصديق القارئ ومن لم يفهم من. # هذه القرائن ما ذكرناه فلا يفهم أيضا من الإخبار النطقي. # وأما ما ذكره السائل من أن السكوت [إنما ينزل منزلة التقرير ممن يجب ~~عصمته فيقال: السكوت مع القرائن التي وصفناها] ينزل منزلة النطق ثم النطق ~~ممن لا يعصم عرضة للزلل أيضا ولكنا تعبدنا بالعمل بظواهر الظنون مع العلم ~~بتعرض النقلة لإمكان الزلل وتعمد الخلف والكذب ثم ما ذكرناه يتأيد بإجماع ~~أهل الصناعة فما زالوا يكتفون بما وصفناه في تلقى الأحاديث من المشايخ وهذا ~~إذا كان الشيخ يدري ما يجري. # PageV01P246 # ويلتحق بهذا القسم أن يكون عنده للأحاديث التي تقرأ عليه نسخة مهذبة وكان ~~ينظر فيها فهذا ثبت يكتفي [بمثله] ولا يشترط استقلال الشيخ بحفظ الأحاديث ~~عن ظهر قلبه. ### | 586- # وإذا كان لا يحيط بها وكان لا ينظر في نسخة يعتمدها ولو فرض التدليس عليه ~~لما شعر فإذا قرئ عليه على هذه الصفة شيء من مسموعاته فهذا باطل ms221 قطعا فإن ~~التحمل مرتب على التحميل فإذا لم يحمل الشيخ السامع الرواية فكيف يحملها ~~وأي فرق بين شيخ يسمع أصواتا وأجراسا لا يأمن تدليسا والتباسا وبين شيخ لا ~~يسمع ما يقرأ عليه؟ والغرض المطلوب الفهم والإفهام. # وتردد جواب القاضي فيه إذا كانت النسخة بيد غير الشيخ وكانت الأحاديث ~~تقرأ وذلك الناظر عدل مؤتمن لا يألو جهدا في التأمل وصغوه [الأظهر] إلى أن ~~ذلك لا يصح فإن الشيخ ليس على دراية فيه فلم ينهض مفهما محملا فلئن جاز ~~الاكتفاء بنظر الغير فينبغي أن يجوز الاكتفاء بقراءة القارىء المعتمد من ~~النسخة المصححة فهذا ما يتعلق بالتحمل وفيه بيان الغرض من التحميل. ### | 587- # ثم المرعى في صفة [المتحمل] الاستمكان من الفهم والتحمل والمعتبر في صفته ~~هو المعتبر في صفة متحمل الشهادة ثم إذا نجزت النوبة والشيخ على خبرة مما ~~يجرى فلا حاجة أن يقول الشيخ للقارئ: كما قرأت أو أصبت أو ما جرى هذا ~~المجرى من الألفاظ وقد اشترط بعض المحدثين ذلك فإن كان هذا مذكورا للتأكيد ~~والاستقصاء فالأمر فيه قريب وإن ذكر هؤلاء ذلك شرطا في صحة التحمل ~~[والتحميل] فهو ساقط عند قرائن الأحوال كما تقدم وصفها حالة محل التصريح ~~بالقول قطعا والتعويل على وقوع الإفهام والفهم وتحقق الإحاطة والعلم ووضوح ~~ذلك يغنى الناظر عن مزيد البيان. # مسألة: ### | 588- # إذا قال الشيخ المتلقى عنه: أجزتك أن تروى عني ما صح عندك من مسموعاتي أو ~~عين كتابا وأجاز له الرواية عنه فقد تردد الأصوليون في ذلك. # فذهب ذاهبون إلى أنه لا يتلقى بالإجازة حكم ولا يسوغ التعويل عليها عملا ~~ورواية. # PageV01P247 ### | 589- # والذي نختاره جواز التعويل عليها فإن المعتمد في الباب الثقة فإذا تحقق ~~سماع الشيخ وذكر المتلقى منه سماعه وسوغ له إسناد مسموعاته إلى إخباره فلا ~~فرق بين أن يعلق الإخبار بها جملة وبين أن يعلقه تفصيلا وقد تمهد بما تقدم ~~أن إفصاحه بالنطق ليس شرطا فإن الغرض حصول الإفهام وترتب الفهم عليه وهذا ~~يحصل بالإجازة المفهمة. # ثم هي على مراتب: # أعلاها: الإشارة إلى كتاب وربطه ms222 إجازة الرواية مع الإخبار عن صحة السماع ~~فيه وقد يؤكد بعض المحدثين هذا القسم بالمناولة وهي أن يناول الشيخ المتلقى ~~عنه كتابا ويقول: دونكه فاروه عني ولست أرى في المناولة مزيد تأكيد. # فإذا فوض المجيز إلى المتلقى تصحيح المسموعات ولم ينص عليها فهذه إجازة ~~مترتبة على عماية والأمر في تصحيحها موكول إلى صحة بحث الراوي عن ثبوت سماع ~~الشيخ مع انتفاض الشيخ عن التحريفات وهذا يعسر دركه ويتطرق إليه جهات من ~~الجهالات تنخرم الثقة بأدناها. # فإن كان المتلقى معولا على خطوط مشتملة على سماع الشيخ فلست أرى ذلك ~~مقنعا. # وإن تحقق ظهور سماع موثوق به فإذ ذاك وهيهات. ### | 590- # ومما يتعلق بتتميم الكلام في هذا أن الذي مستندة الإجازة يعمل بما يتلقاه ~~ويعمل غيره بما رواه على هذه الجهة ولكن [اللائق به أن يذكر جهة] تلقيه ~~الإجازة فإن ذلك أدفع للبس وأرفع للريب فإن قال: "حدثني" فلان أو أخبرني ~~مطلقا فلست أرى ذلك خلفا محضا لتحقق الثقة وقد تقدم أن نفس لفظ الشيخ ليس ~~شرطا وليس قوله حدثني في الإجازة عبارة مرضية لائقة بالتحفظ والتصون فالوجه ~~البوح بالإجازة. # وللمحدثين مواضعات يرتبونها ويقولون في بعضها: أخبرني وفي بعضها: حدثني ~~وليست على حقائق وليسوا ممنوعين من اصطلاحهم ولكل طائفة في الفن الذي ~~تعاطوه عبارات مصطلحة. # PageV01P248 # مسألة: ### | 591- # إذا وجد الناظر حديثا مسندا في كتاب مصحح ولم يسترب في ثبوته [واستبان] ~~انتفاء اللبس والريب عنه ولم يسمع الكتاب من شيخ فهذا رجل لا يروى ما رآه. ### | 592- # ولكن الذي أراه أنه يتعين عليه العمل به ولا يتوقف وجوب العمل على ~~المجتهدين بموجبات الأخبار على أن تنتظم لهم الأسانيد في جميعها. # والمعتمد في ذلك أن روجعنا فيه [الثقة] والشاهد له أن الذين كانوا يرد ~~عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أيدي نقلة ثقات كان يتعين ~~عليهم الانتهاء إليها والعمل بموجبها ومن بلغه ذلك الكتاب ولم يكن مخاطبا ~~بمضمونه ولم يسمع من مسمع كان كالذين قصدوا بمضمون الكتاب ومقصود الخطاب. # ولو قال هذا الرجل: رأيت ms223 في صحيح محمد بن إسماعيل البخاري ووثقت باشتمال ~~الكتاب عليه فعلى الذي سمعه يذكر ذلك أن يثق به ويلحقه بما تلقاه بنفسه ~~ورآه ورواه من الشيخ المسمع. # ولو عرض ما ذكرناه على جملة المحدثين لأبوه فإن فيه سقوط [منصب] الرواية ~~عند ظهور الثقة وصحة الراوية وهم عصبة لا مبالاة بهم في حقائق الأصول. ### | 593- # وإذا نظر الناظر في تفاصيل هذه المسائل صادفها خارجة في الرد والقبول على ~~ظهور الثقة وانخرامها وهذا هو المعتمد الأصولي فإذا صادفناه لزمناه وتركنا ~~وراءه المحدثين ينقطعون في وضع ألقاب وترتيب أبواب. # مسألة: ### | 594- # إذا قال الصحابي: من السنة كذا1 فقد تردد فيه العلماء فذهب ذاهبون ~~PageV01P249 # إلى أن قوله: هذا محمول على النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا فإن السنة إذا أطلقت تشعر بحديث ~~الرسول عليه السلام. # وأبي المحققون هذا فإن السنة هي الطريقة وهي مأخوذة من السنن والاستنان ~~فلا يمتنع أن يحمل ما قاله على الفتوى وكل مفت ينسب فتواه إلى شريعة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم مستند الفتوى قد يكون نقلا وقد يكون استنباطا ~~واجتهادا فالحكم بالرواية مع التردد لا أصل له. # وكذلك إذا قال: أمرنا بكذا1 فهو بمثابة قوله: من السنة كذا فهذا منتهى ~~القول في التحميل والتحمل ويلتحق الآن بذلك مسائل. # مسألة: ### | 595- # إذا نقل الراوي العدل خبرا من شيخ فروجع الشيخ فيه فأنكره. # فالذي ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة وطوائف من المحدثين: أن ذلك يوهى الحديث ~~ويمنع العمل به. # وأطلق الشافعي القول بقبول الحديث وإيجاب العمل به. # وذكر القاضي في ذلك تفصيلا ونزل مطلق كلام الشافعي - رحمه الله - عليه ~~فقال: إن قال الشيخ المرجوع إليه: كذب فلان الراوي عني أو قال: غلط وما ~~رويت له قط ما ذكر فإذا جزم الرد عليه أوجب ذلك سقوط تلك الرواية2 فإن ردد ~~الشيخ قوله ولم يثبت الرد على الراوي عنه ولكنه قال لست أذكر هذه الرواية ~~فهذا لا يتضمن ردا رواية إذا كان ms224 الراوي عن الشيخ موثوقا به. ### | 596- # فأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم احتجوا بالشهادة على الشهادة فإن الفروع وإن ~~كانوا عدولا إذا شهدوا ولم يمض القاضي قضاءه بشهادتهم حتى PageV01P250 # روجع الأصول فتوقفوا في أصل الشهادة اقتضى ذلك أبطال شهادة الفروع وامتنع ~~أيضا التمسك بها والفروع في حكم الناقل عن الأصل شهادته وربما أطلقوا ~~استدلالا وقالوا قد ذكرتم أن التعويل على ظهور الثقة ولا شك أن التردد من ~~الشيخ أو تصريحه بالرد على الراوي عنه يوهى الثقة ويخرمها ويتضمن التوقف. ### | 597- # وقال الشافعي: أما الشهادة فلا يجوز اعتبار الرواية بها لا فيها من ~~التعبدات التي لا يعتبر شيء منها في الروايات فإذا أمكن حمل ما ذكروه في ~~الشهادة على وجه في التعبد فلا يسوغ اعتبار الرواية بها وإن اتجه للخصم ~~تقدير انخرام الثقة استغنى باتجاه ذلك عن القياس على الشهادة ثم قال ~~الشافعي رحمه الله الذي يؤكد سقوط اعتبار الرواية بالشهادة أنه لا يجوز ~~اعتماد شهادة الفروع مع إمكان مراجعة الأصول ويجوز اعتماد رواية الثقة من ~~غير مراجعة لشيخه فيها فوضح بذلك افتراق البابين في غر ما دفعنا إليه ولو ~~شبب مشبب بوجوب مراجعة الشيخ في الرواية عند الإمكان لم يترك [ورأيه] ورد ~~عليه بقاطع لا استرابة فيه وهو أنا نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم كان يروى ~~بعضهم لبعض أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيتلقونها بالقبول ولا ~~يلتزمون على الطرد مراجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الإمكان وكذلك ~~القول في رواية بعضهم عن البعض وهذا الذي ذكره الشافعي تأكيد متغنى عنه ~~والتعويل على ما ذكرناه من حمل أمر الشهادة على التعبد وإمكان ذلك كاف في ~~إبطال الاستدلال به و [أما] ما ذكروه من ادعاء وهاء الثقة فباطل لا أصل له ~~والقول فيه عندنا يحققه التفصيل الذي أشار إليه القاضي. ### | 598- # فإن قال الشيخ: لست أذكر هذه الرواية والراوي عنه قاطع بروايته مع ظهور ~~عدالته واستقامة حالته فالوجه حمل تردد الشيخ على الذهول والنسيان ولا يوهن ~~قطع الذاكر تردد غيره فالثقة ms225 إذا لم تسقط ولا تنحزم انخراما يسقط الاعتبار ~~بالرواية ولكن لو فرض تصديق الشيخ الراوي لدى المراجعة لكان ذلك أظهر في ~~الثقة وأوضح في اقتضاء الاعتماد ونهاية الثقة ليست شرطا في أصل القبول ~~وإنما يؤثر تفاوت الدرجات فيها في الترجيحات على ما سيأتي في كتابها وهذا ~~بمثابة إضافة رواية رجل عدل إلى رواية إمام الدهر وموثوق العصر ومن إليه ~~الرجوع في الأمر فلا شك أن رواية العدل تنحط عن مثل هذا الشخص برتب ظاهرة ~~ولا يوجب ذلك رد رواية العدل بل يتعين حملها على القبول. # وقد قال الشافعي: لو روى عدل خبرا في أثناء خصومة وكان فحواها حجة. # PageV01P251 # على الخصم فالرواية مقبولة ولا تجعل للتهمة موضعا إذا كان الراوي عدلا ~~وكذلك إذا وقعت الرواية جارة منفعة إلى الراوي أو إلى [والده أو] ولده فلا ~~ترد الرواية مع ظهور عدالة الراوي وإن كانت الشهادة مردودة في أمثال ذلك ~~فإذا لا يعارض تردد من شيخ قطعا من راو عدل معارضة تحبط الثقة المعتبرة. ### | 599- # وهذا إذا لم يصرح الشيخ بالرد فأما إذا كذبه أو قطع بنسيته إلى الغلط فقد ~~يظهر انخرام الثقة في هذه الحالة وادعى القاضي على الشافعي أنه قال ترد ~~الرواية في مثل هذه الصورة. # والذي أختاره فيها أن نزل قول الشيخ القاطع بتكذيب الراوي عنه مع [رواية ~~الثقة العدل عنه منزلة] خبرين متعارضين على التناقض فإذا اتفق ذلك فقد ~~يقتضي الحال سقوط الاحتجاج بالروايتين وقد يقتضي ترجيح رواية على رواية ~~بمزيد العدالة في إحدى الروايتين أو غير ذلك من وجوه الترجيح فلا فرق بين ~~ذلك وبين تعارض قولين من شيخ وراو عنه. # PageV01P252 ### | فصل: في كيفية الرواية وتفصيلها وما يقبل منها وما يرد # مسألة: ### | 600- # ما ذهب إليه معظم الأصوليين أن رواية الخبر على المعنى من غير اعتناء ~~باللفظ جائزة إذا كان الراوي المترجم عنه قاطعا بأنه أدى معنى اللفظ الذي ~~بلغه وامتنع من ذلك معظم المحدثين وشرذمة من الأصوليين. ### | 601- # والدليل على الجواز مع القطع وانتفاء الريب أمور:. # منها أن أصحاب رسول ms226 الله صلى الله عليه وسلم كانوا ينقلون معنى واحدا في ~~قصة واحدة بألفاظ مختلفة ولا محمل لذلك إلا اعتناؤهم بنقل المعنى وها قاطع ~~في فنه ومما تواتر عنهم في ذلك أنهم كانوا يرددون العبارات في محاولة إفهام ~~من لا يفهم وهذا بعينه تعرض للمعنى ومما يشهد له في ذلك أن الرسول عليه ~~السلام كان يحمل رسله تبليغ أوامره ونواهيه ولا يكلفهم حفظ ألفاظه ومن جحد ~~ذلك فهو مباهت فكان أصحابه رضي الله عنهم يصرفون عنايتهم إلى الألفاظ التي ~~يفهمون أنهم متعبدون بتحفظها كألفاظ التشهد وغيرها وكانوا لا يجرون جميع ما ~~يسمعون من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المجرى. # والذي يحقق ذلك أنا على قطع نعلم أن الرسول عليه السلام كان يقصد أن. # PageV01P252 # تمتثل أوامره وكان لا يبغى من ألفاظه غير ذلك. # والذي يوضح ما قدمناه أنه عليه السلام كان مبتعثا إلى العرب والعجم ولا ~~يتأتى إيصال معنى أوامره إلى معظم خليقة الله سبحانه وتعالى إلا بالترجمة ~~ومن أحاط بمواقع الكلام عرف أن إحلال الألفاظ من ثقة محل الألفاظ أقرب إلى ~~الاقتصاد من نقل المعاني من لغة إلى لغة. # فإن استدل من منع ذلك بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال1: ~~"نضر الله امرا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها", قلنا: هذا أولا من ~~أخبار الاحاد ونحن نحاول الخوض في مخاض القطعيات وقد قال بعض المحققين من ~~أدى المعنى على وجهه فقد وعى وأدى والتأويل الصحيح لو رمنا الكلام على ~~الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أراد بذلك من لا يستقل بفهم المعنى على ~~القطع وتتميم الحديث شاهد فيه فإنه عليه لسلام قال في آخره: "فرب حامل فقه ~~غير فقيه [ورب] حامل فقه إلى من هو أفقه منه", فيشهد مساق الكلام على أن ما ~~قاله فيه إذا كان يتوقع من الناقل زللا ولو ترجم. # مسألة: ### | 602- # من سمع حديثا مشتملا على أحكام فهل له أن ينقل بعضها دون بعض بقدر مسيس ~~الحاجة ولا يسوق ms227 الحديث على وجهه؟ اختلف العلماء في ذلك فمنع بعضهم ~~الاقتصار على بعض الحديث وهذا قريب من التزام نقل اللفظ على وجهه وأجاز ذلك ~~اخرون. ### | 603- # والمرضى [عندنا] التفصيل فإن كان ما سكت الراوي عنه حكما يتميز عما نقله ~~ولم يكن للمسكوت عنه تعلق بالمنقول وكان لا يختل البيان في المروى بترك بعض ~~الحديث فيجوز تخصيص البعض بالنقل على هذا الشرط وإن كان يختل البيان في ~~القدر المنقول بسبب ترك المسكوت عنه فهذا إخلال في النقل ممتنع. ### | 604- # وقد تردد كلام الشافعي على خبرين ونحن نذكر سياق كلامه فيهما وبه يتم غرض ~~المسألة قال الشافعي رحمه الله: نقل بعض النقلة عن ابن مسعود2: PageV01P253 # أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة ليستنجي بها فرمى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الروثة [وقال: "إنها رجس" 1 وروى بعض الرواة ~~أنه رمى بالروثة] ثم قال ابغ لي ثالثا والسكون عن ذكر الثالث ليس يخل بنقل ~~الرواية وبيان [أنها] رجس ولكن قد يوهم النقل على هذا الوجه جواز الاكتفاء ~~بحجرين فلا يجوز مع هذا الإيهام الاقتصار على بعض الحديث ويحمل رواية ~~المقتصر على أنه لم يبلغه غير ما رواه. # - 605والذي أختاره في هذا المسلك أن الراوي إن قصد إثبات منع استعمال ~~الروث ونقل ما يدل على ذلك من رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الروثة ~~وحكمه بأنها نجسة فهذا سائغ غير بعيد وإن لم يعلق روايته بقصده منع استعمال ~~الروثة ولكنه استفتح الرواية غير متعلقة بغرض معين فلا يسوغ الاقتصار على ~~ذكر رمى الروثة فإن ذلك يوهم جواز الاكتفاء بحجرين كما ذكر الشافعي [فهذا ~~أحد الخبرين] . ### | 606- # والخبر الثاني في هذا القبيل: حديث ماعز2 في الرجم في مقابلة ما روى أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال3: "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم". # قال الشافعي رحمه الله: هذا منسوخ بحديث ماعز فإن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمر برجمه ولم ينقل أنه جلده ثم استوفى الشافعي الكلام في صيغة ~~الأجوبة عن أسئلة وجهها ms228 على ما نسوقها على وجهها قال فإن قيل لعله جلده ~~ورجمه قيل له كانت قصة مشهورة من مشاهير القصص ولو جلد لنقل. # فإن قيل: رب تفصيل في القصة لا يتفق نقله ودواعي النفوس إنما تتوفر على ~~نقل كليات الأقاصيص وقد صح في الحديث المقدم التصريح بالجلد فلا يعارضه ~~التعلق بعدم النقل في حديث مع اتجاه وجه ترك النقل فيه. PageV01P254 # قال الشافعي مجيبا: الأمر كذلك والحق أحق أن يتبع ولولا أن أبا الزبير1 ~~روى عن جابر:2 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا ولم يجلده3 لكنا ~~[لا] نعارض الحديث الأول بقصة ماعز. ### | 607- # قال القاضي: ما ذكره الشافعي يتأكد بالإجماع على ترك الجلد وليس ما ذكره ~~القاضي مسلما ففي السلف من يجمع بين الجلد والرجم ولولا ذلك لما اعتني ~~الشافعي بالكلام على الحديث ثم قال القاضي: وما أرى الحديث الأول إلا هفوة ~~فإن من يقتل الأحجار أي معنى لجلده مائة وهو يدق بالأحجار إلى الموت؟ فلعل ~~الراوي سمع الجلد في البكر فاطرد على ذكره في الثيب ولا نهاية لمواقع إمكان ~~الغلطات في الروايات. # وهذا الذي ذكره القاضي لا يسوغ التعلق بمثله في رد روايات الثقات ولكن ~~تقوى به مسالك التأويل وتظهر غلبات الظنون وهذا منتهى القول في ذلك. # مسألة: ### | 608- # إذا روى طائفة من الأثبات قصة وانفرد واحد منهم بنقل زيادة فيها فالزيادة ~~من الراوي الموثوق به مقبولة عند الشافعي وكافة المحققين ومنع أبو حنيفة ~~التعلق بها. # واستدل الشافعي بأن انفراد بعض الناقلين بالاطلاع على مزيد ليس بدعا ~~والناقل قاطع بالنقل فلا يعارض قطعه ذهول غيره وإذا ظهرت عدالة الراوي ولم ~~يعارض نقله نقل يعارضه فلا يسوغ [اتهام] مثبت في نقله لعدم نقل غيره ~~والدليل عليه أنه لو شهد جمع مجلس الرسول عليه السلام فنقل بعضهم حديثا ولم ~~ينقل غيره من الحاضرين شيئا منه فهو مقبول ولا يسوغ تقدير الخلاف فيه فإن ~~معظم الأحاديث التي نقلها الاحاد والأفراد عزوها إلى مشاهد لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومجالسه بين PageV01P255 # أصحابه كان ms229 [كذلك] ولو شرط نقل كل من شهد لرد معظم الأحاديث. # والذي يعضد ما ذكرناه أن [الشهادات] تبر في وجوه من التعبدات على ~~الراويات وهي تضاهيها في أصل اعتبار الثقة ثم لو شهد جمع من العدول رجلا ~~وشهدوا على إقراره لإنسان وانفرد عدلان من الشهود الحضور بمزيد في شهادتهما ~~فهي مقبولة ولا يقدح فيها سكوت الباقين عنها فإذا كان ذلك لا يقدح في ~~الشهادات مع أنها قد ترد بالتهم فالروايات بذلك أولى وليس ما ذكرناه من فن ~~القياس ولكنا أوردنا ما أوردناه استشهادا في تحقيق الثقة. ### | 609- # قال الشافعي: من متناقض القول الجمع بين قبول رواية القراءة الشاذة في ~~[القرآن] وبين رد الزيادة التي ينفرد بعض الرواة الثقات مع العلم بأن سبيل ~~إثبات القرآن أن ينقل استفاضة وتواترا فما كان أصله كذلك إذا قبلت الزيادة ~~فيه شاذة نادرة فلأن تقبل فيما سبيل نقله الاحاد كان أولى. ### | 610- # وهذه المسألة عندي بينة إذا سكت الحاضرون عن نقل ما تفرد به بعضهم فأما ~~إذا صرحوا بنفى ما نقله عند إمكان إطلاعهم على نقله فهذا يعارض قول المثبت ~~ويوهيه وقد أرى قبول الشهادة على النفي إن فرض الاطلاع عليه تحقيقا. # مسألة. ### | 611- # كل أمر خطير ذي1 بال يقتضي العرف نقله إذا وقع تواترا إذا نقله آحاد فهم ~~يكذبون فيه منسوبون إلى تعمد الكذب أو الزلل وقد أجرينا هذا في أدراج أحكام ~~التواتر ووجهنا أسئلة مخيلة وانفصلنا عنها. # وقال أبو حنيفة بانيا على هذا: لا يقبل خبر الواحد فيما يعم2 به البلوي ~~فإن سبيل ما كان كذلك أن ينقل استفاضة. ### | 612- # ونحن نقول: رد أبو حنيفة أخبار الاحاد في تفاصيل ما يعم به البلوي وأسند ~~مذهبه إلى ذلك وهذا زلل بين فإن التفاصيل لا تتوافر الدواعي بها على نقلها ~~توافرها على الكليات فنقل الصلوات الخمس مما يتواتر فأما تفصيلها في ~~الكيفية فلا يقضي العرف بالاستفاضة والدليل القاطع فيه أنه لو كان مما ~~يتواتر لنقل PageV01P256 # تواترا فإذا لم ينقل نقيضه مع القطع بأنه لا بد من وقوع أحدهما [دل] على ms230 ~~أن ما ورد خبر الاحاد فيهمن قبيل ما لا يجب التواتر فيه على حكم الاعتياد. # وتمام البيان فيه أنا إنما نكذب المنفرد بالنقل في كلى متواتر قطعا لو ~~وقع أو في تفصيل يقضي العرف التواتر فيه ثم لا بد أن يتواتر نقيض ما نقله ~~المنفرد بنقله. # مسألة. ### | 613- # ظاهر مذهب الشافعي أن القراءة الشاذة التي لم تنقل تواترا لا يسوغ ~~الاحتجاج بها ولا تنزل منزلة الخبر الذي ينقله آحاد من الثقات ولهذا نفى ~~التتابع واشتراطه في صيام الأيام الثلاثة في كفارة اليمين ولم ير الاحتجاج ~~بما نقله الناقلون من قراءة ابن مسعود في قول الله تعالى: {فصيام ثلاثة ~~أيام} 1 متتابعات. # وشرط أبو حنيفة التتابع وتعلق بهذه القراءة ولا يكاد يخفى أولا على ذي ~~بصيرة أن العمل بزيادة في القرآن بنقل الاحاد يناقض رد ما ينفرد به بعض ~~الثقات من الزيادات في الأخبار التي لا تقتضي العادة نقلها متواترا. ### | 614- # والذي يحقق سقوط الاحتجاج بالقراءة الشاذة أمران أحدهما أن القرآن قاعدة ~~الإسلام وقطب الشريعة وإليه رجوع جميع الأصول ولا أمر في الدين أعظم منه ~~وكل ما يجل خطره ويعظم وقعه لا سيما من الأمور الدينية فأصحاب الأديان ~~يتناهون في نقله وحفظه ولا يسوغ في اطراد الاعتياد رجوع الأمر إلى نقل ~~الاحاد ما دامت الدواعي متوفرة والنفوس إلى ضبط الدين متشوفة وهذا يستند ~~إلى ما سبق تمهيده فيما يقتضي تواتر الأخبار فهذا وجه. # والوجه الثاني: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعوا في زمن ~~أمير المؤمنين عثمان2 بن عفان رضي الله عنه على ما بين الدفتين واطرحوا ما ~~عداه وكان ذلك عن اتفاق منهم وابن مسعود لما شبب بنكر ناله من خليفة الله ~~تعالى أدب بين ولم ينكر على عثمان في ذلك منكر وكل زيادة لا تحويها الأم ~~ولا تشمل عليها الدفتان فهي غير معدودة في القرآن. PageV01P257 ### | 615- # وأما ما يتعلق باختلاف القراءة في إعراب القرآن فليس مما يحوي المصحف ~~المجمع عليه مخالفة له فإنه لم يثبت في المجموع في الأم قطع ms231 في التعرض لذلك ~~فكان الأمر فيه محالا على نقل القراءة تواترا فإن خالج قلب من لم يعن بحفظ ~~القرآن ريب في تواترها فذلك لأنه ليس من القراء والمرعى في التواتر ما ~~يتلقى من أهل ذلك الشأن والتواتر ينقسم منه ما يعم الكافة لاشتراكهم في ~~سببه كنقل الدول والبلدان ومنه ما يختص به طوائف وفرق لاختصاصهم بالاعتناء ~~به. ### | 616- # ولا ينبغي أن ينسبنا الناظر والمنتهى إلى هذا المقام إلى تقصير فيما ~~يتعلق بمحل الإشكال في نقل القرآن العظيم فإنه قطب عظيم لم يشف القاضي فيه ~~الغليل1 في كتاب "الانتصار" وإن عد ذلك من أجل مصنفاته وفي نفسي أن أجمع من ~~ذلك ما تقر به الأعين إن شاء الله تعالى وحظ هذه المسألة مما ذكرنا أن نقل ~~الآحاد في القرآن يلتحق بنقل الاحاد فيما يقتضي العادة في التواتر وهذا ~~كاف. # وقد نجزت مسائل الأخبار. PageV01P258 ### | الكتاب الثاني: كتاب الإجماع ### | مدخل ### | ثلاثة مسائل في الإجماع - المسألة الأولى: في تصور الإجماع وقوعا # ... # الكتاب الثاني: كتاب الإجماع. ### | 617- # أصدر هذا الكتاب مستعينا بالله تعالى بثلاث مسائل ثم نخوض بعد نجازها في ~~ترتيب الكتاب تأصيلا وتفصيلا. # إحدى المسائل الثلاث: في تصور الإجماع وقوعا والأخرى في [كونه] حجة وذكر ~~الخلاف [فيه] والأخرى في المسالك الدالة على كون الإجماع حجة. # مسألة: ### | 618- # ذهب طوائف من الناس إلى أن الإجماع لا يتصور وقوعه واشتد كلام القاضي ~~ونكيره على هؤلاء وتعدى حد الإنصاف قليلا. # ونحن نسلك [مسلكنا] في استيعاب ما لكل فريق حتى إذا لاحت نهايات النفي ~~والإثبات وضح منها مدرك الحق. ### | 619- # فأما الذين منعوا تصور الإجماع فإنهم قالوا قد اتسعت خطة الإسلام ووقعته ~~وعلماء الشريعة متباعدون في الأمصار ومعظم البلاد المتباينة لا تتواصل ~~الأخبار فيها وإنما يندرج المندرج من طرف إلى طرف بسفيرات ورفيقات ولا يتفق ~~انتهاض رفقة ومدها مدة واحدة من الشرق إلى الغرب فكيف يتصور والحالة هذه ~~رفع مسألة إلى جميع علماء العالم ثم كيف يفرض اتفاق آرائهم فيها مع تفاوت ~~الفطن والقرائح وتباين المذاهب والمطالب وأخذ كل جيل صوبا في ms232 أساليب الظنون ~~فتصور اجتماعهم في الحكم الظنون بمثابة تصور اجتماع العالمين في صبيحة يوم ~~على قيام أو قعود أو أكل مأكول ومثل ذلك غير ممكن في اطراد العادة نعم إن ~~انخرقت لنبي أو ولى على رأى من يثبت الكرامات [فنعم] وبالجملة لا يتصور ~~الإجماع مع اطراد العادة فهذا قول هؤلاء ثم زادوا إيهاما آخر فقالوا لو فرض ~~الإجماع فكيف يتصور النقل عنه تواترا والحكم في المسألة الواحدة ليس مما. # PageV01P259 # تتوفر الدواعي على نقله. # فقد أسندوا كلامهم إلى ثلاث جهات مترتبات في العسر أولها: تعذر عرض مسألة ~~واحدة على الكافة والأخرى عسر اتفاقهم والحكم مظنون والثالثة تعذر النقل ~~تواترا عنهم واختتموا هذه بأن قالوا لو ذهب ذاهب من العلماء إلى مذهب فما ~~الذي يؤمن من بقائه عليه وإصراره على مذهبه إلى أن يطبق النقل طبق الأرض ~~فهذه عين كلام هؤلاء. ### | 620- # قال القاضي معترضا عليهم متتبعا مسالكهم: نحن نرى إطباق جيل من الفار ~~يربى عددهم على عدد المسلمين وهم متفقون على ضلالة يدرك بأدنى فكر بطلانها ~~فإذا لم يمتنع إجماع أهل الدين على الإحاطة بذلك منهم وإن أردنا فرض ذلك في ~~الفروع فنحن نعلم إجماع علماء أصحاب الشافعي على مذهبه في المسائل مع تباعد ~~الديار وتنائي المزار وانقطاع الأسفار فبطل ما زخرفه هؤلاء. # ثم قال القاضي: لا يمتنع تصور ملك تنفذ عزائمه في خطة أهل الإسلام إما ~~باحتوائه على البيضة أو بعلو قدره واستمكانه من إحضار من يشاء من المماليك ~~بجوازم أوامره المنفذة إلى ملوك الأطراف وإذا كان ذلك ممكنا فلا يمتنع أن ~~يجمع مثل هذا الملك علماء العالم في مجلس واحد ثم يلقى عليهم ما عن له من ~~المسائل ويقف على خلافهم ووفاقهم فهذا وجه في التصوير بين لا يتوقف تصوره ~~على فرض خرق العادة فهذا منتهى كلامه. ### | 621- # ونحن نفصل الآن القول في ذلك قائلين: لا يمتنع الإجماع عند ظهور دواع ~~مستحثه عليه داعية إليه ومن هذا القبيل كل أمر كلى يتعلق بقواعد العقائد في ~~الملل فإن على القلوب روابط في ms233 أمثالها حتى كأن نواصي العقلاء تحت ربقة ~~الأمور العظيمة الدينية ومن هذا القبيل ما استشهد به القاضي من اجتماع جموع ~~الكفار على ما وقتوه من دينهم ومنه اجتماع أتباع إمام على مذهبه فإن كل من ~~رأسه الزمان يصرف إليه قلوب الأتباع وبذلك يتصل النظام وهذا مستبين في ~~الجلي والخفي. # [وما] صوره القاضي من إحضار جميع العلماء ليس منكرا فقد تكون أطراف ~~المماليك في حق الملك العظيم كأنها بمرأى منه ومسمع فلا يبعد ما قاله على ~~ما صوره. # PageV01P260 ### | 622- # وأما فرض اجتماع على حكم مظنون في مسألة فردة ليست من كليات الدين مع ~~تفرق العلماء واستقرارهم في أماكنهم ونتفاء داعية تقتضي جمعهم فهذا لا ~~يتصور مع اطراد العادة فإذا من أطلق التصور أو عدم التصور فهو زلل والكلام ~~المفصل إذا أطلق نفيه أو إثباته كان خلفا ومن ظن أن تصور الإجماع وقوعا في ~~زماننا في آحاد المسائل المظنونة مع انتفاء الدواعي الجامعة هين فليس على ~~بصيرة من أمره نعم معظم مسائل الإجماع جرى من صحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهم مجتمعون أو متقاربون فهذا منتهى الغرض في تصوير الإجماع. # PageV01P261 ### | المسألة الثانية: في كونه حجة إذا وقع ### | 623- # ما ذهب إليه الفرق المعتبرون من أهل المذاهب أن الإجماع في السمعيات حجة ~~وأول من باح بردة النظام ثم [تابعه] طوائف من الروافض وقد يطلق بعضهم كون ~~الإجماع حجة وهو في ذلك ملبس فإن الحجة عنده في قول الإمام القائم صاحب ~~الزمان وهو منغمس في غمار الناس فإذا استفر الإجماع كان قوله من جملة ~~الأقوال فهو الحجة وبه التمسك. ### | 624- # وعمدة نفاة الإجماع أن العقول لا تدل على كون الإجماع حجة وليس يمتنع في ~~مقدور الله تعالى أن يجمع أقوام لا يعصم آحادهم عن الخطأ على نقيض الصواب ~~فإذا ليس في العقل متعلق في انتصاب الإجماع حجة فلم يبق إلا تتبع الأدلة ~~السمعية وتعيين انتفاء القاطع فيها والقاطع نص الكتاب أو نص السنة متواترا ~~والمسألة عرية عنهما فلا دليل إذا على أن الإجماع حجة وهذا ms234 الكلام مخيل ~~بالغ في فنه إن لم يسلك المسلك المرضى في تتبعه. ### | 625- # ثم تمسك القائلون بالإجماع بآي من كتاب الله تعالى ونحن نذكر أوقعها فمما ~~استدل به الشافعي قول الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى} 1 الآية {ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت ~~مصيرا} فإذا أجمع المؤمنون على حكم في قضية فمن خالفهم فقد شاقهم المعترضون ~~وظني أن معظم تلك الاعتراضات الفاسدة تكلفه المصنفون حتى ينتظم لهم أجوبة ~~عنها ولسن لأمثالها. PageV01P261 # بل أوجه سؤالا واحدا يسقط الاستدلال بالآية فأقول إن الرب تعالى أراد ~~بذلك من أراد الكفر وتكذيب المصطفى صلى الله عليه وسلم والحيد عن سنن الحق ~~وترتيب المعنى ومن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين المقتدين به نوله ~~ما تولى فإن سلم ظهور ذلك فذلك وإلا فهو وجه في التأويل لائح ومسلك في ~~الإمكان واضح فلا يبقى للمتمسك بالآية إلا ظاهر معرض للتأويل ولا يسوغ ~~التمسك بالمحتملات في مطالب القطع وليس على المعترض إلا أن يظهر وجها في ~~الإمكان ولا يقوم للمحصل عن هذا جواب إن أنصف. ### | 626- # فإن تمسك مثبتو الإجماع بما روى عن النبي عليه لسلام أنه قال1: "لا تجتمع ~~أمتي على ضلالة" وقد روى الرواة هذا المعنى بألفاظ مختلفة فلست أرى للتمسك ~~بذلك وجها لأنها من أخبار الاحاد فلا يجوز التعلق بها في القطعيات وقد تكرر ~~هذا مرارا. # ولا حاصل لقول من يقول هذه الأحاديث متلقاة بالقبول فإن المقصود من ذلك ~~يئول إلى أن الحديث مجمع عليه وقصاراه إثبات الإجماع بالإجماع على أنه لا ~~تستتب هذه الدعوى أيضا مع اختلاف الناس في الإجماع. # ثم الأحاديث متعرضة للتأويلات القريبة المأخذ الممكنة فيمكن أن يقال قوله ~~صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على ضلالة بشارة منه مشعرة بالغيب في ~~مستقبل الزمان مؤذنه بأن عليه السلام لا ترتد إلى قيام الساعة وإذا لم يكن ~~الحديث مقطوعا به نقلا ولم يكن في نفسه نصا فلا وجه للاحتجاج به في مظان ~~القطع. ms235 ### | 627- # فإن قيل قد تحقق أن العقول لا تدل على ثبوت الإجماع واستبان أنه ليس في ~~السمعيات قاطع دال على أن الإجماع واجب الاتباع فلا معنى بعد ذلك إلا الرد ~~والإجماع عصام الشريعة وعمادها وإليه استنادها. # قلنا الإجماع حجة قاطعة والطريق القاطع في ذلك أن نقول للإجماع صورتان ~~نذكرهما ونذكر السبيل المرضى في إثبات الإجماع في كل واحدة منهما إحداهما: ~~أن نصادف علماء العصر على توافرهم في أطراف الخطة وأوساطها مجمعين على حكم ~~مظنون وللرأي فيه مضطرب فنعلم والحالة هذه أن اتفاقهم. PageV01P262 # إن وقع لا يحمل على وفاق اعتقاداتهم وجريانها على منهاج واحد فإن ذلك مع ~~تطرق وجوه الإمكان واطراد الاعتياد مستحيل بل يستحيل اجتماع العقلاء على ~~معقول مقطوع به في أساليب العقول إذا كان لا يتطرق إليه إلا بإنعام نظر ~~وتسديد فكر وذلك لاختلاف الناظرين في نظرهم فإذا كان حكم العادة هذا في ~~النظر القطعي فما الظن بالنظر الظني الذي لا يفرض فيه قطع فإذا تقرر أن ~~اطراد الاعتياد يجيل اجتماعهم على فن من النظر فإذا ألفيناهم قاطعين بالحكم ~~لا يرجعون فيه رأيا ولا يرددون قولا فنعلم قطعا أنهم أسندوا الحكم إلى شيء ~~سمعي قطعي عندهم ولا يبعد سقوط النقل فيه فهذا مسلك إثبات الإجماع في هذه ~~الصورة. ### | 628- # فأما الصورة الثانية وهي إذا أجمعوا على حكم مظنون وأسندوه إلى الظن ~~وصرحوا به فهذا أيضا حجة قاطعة والدليل على كونه حجة أنا وجدنا العصر ~~الماضية والأمم المنقرضة متفقة على تبكيت من يخالف إجماع العلماء علماء ~~الدهر فلم يزالوا ينسبون المخالف إلى المروق والمحادة والعقوق ولا يعدون ~~ذلك أمرا هينا بل يرون الاجتراء على مخالفة العلماء ضلالا بينا فإجماعهم ~~على هذا مع [الإنصاف كالقطع] في مجال الظن عند نظر العقل فإذا التحق هذا ~~بإجماعهم قطعا في حكم مظنون قطع به المجمعون من غير ترديد ظن فليكن الإجماع ~~على تبكيت المخالف وتعنيفه مستند قاطع شرعي ولا يبعد أن يكون ذلك بعض ~~الأخبار التي ذكرناها تلقاها من تلقاها من فلق في رسول الله صلى ms236 الله عليه ~~وسلم وعلم بقرائن الحال قصد المصطفى عليه السلام في انتصاب الإجماع حجة ثم ~~علموا ذلك وعملوا واستمروا على القطع بموجبه ولم يهتموا بنقل سبب قطعهم ~~[فقد] تقرر [الآن] انتصاب الإجماع دليلا قاطعا وبرهانا ساطعا في الشرع. # PageV01P263 ### | المسألة الثالثة: في المسالك الدالة على كون الإجماع حجة # ... # المسألة الثالثة: ### | 629- # في التنصيص على المسلك الذي ثبت الإجماع به إذ لا مطمع في إسناده إلى ~~العقل وكذلك لا مطمع في إسناده إلى دليل قاطع سمعي هجوما عليه من غير ~~اعتبار واسطة. # [فإذا] الواسطة التي هي العمدة النظر في قضيات اطراد العادات كما سبق ~~تقرير ذلك في الصورتين ثم إذا أنعم الباحث نظره كان متعلقه دليلا قاطعا ~~سمعيا يشعر الإجماع به. # PageV01P263 # فإن قيل ما ذكرتموه إخراج الإجماع عن كونه حجة قلنا هذه الآن غباوة فإن ~~ذا التحصيل لا يطمع في كون إجماع الناس حجة لعينه وإنما المطلوب المكتفي به ~~استناده إلى حجة والدليل عليه أن قول المصطفى صلوات الله عليه في نفسه ليس ~~بحجة ولكنه مشعر بتبليغ قول الله تعالى حقا صدقا [وهو المطلوب المقصود] ~~وليس وراء الله للمرء مذهب. # PageV01P264 ### | الفنون الأربعة في الإجماع ### | الفن الأول: في عدد المجمعين وصفتهم # ... # فصل: ### | 630- # الكلام بعد هذه المسائل الثلاث في أربعة فنون. # أحدها: في عدد المجمعين وصفتهم. # والثاني: في الزمن لمعتبر في الإجماع. # والثالث: في كيفية الإجماع قولا أو سكوتا أو فعلا. # والرابع: فيما يثبت بالإجماع وفيما لا يثبت. ### | 631- # فأما الفن الأول: فإنه ينقسم إلى مسائل خلافية وفصول مذهبية ومجموع القول ~~فيه يقع في نوعين: # أحدهما: في صفة المجمعين, والثاني: في عددهم. # فأما الصفة: فلا شك أن العوام ومن شدا طرفا قريبا من العلم لم يصر بسبب ~~ما تحلى به من المتصرفين في الشريعة وليسوا من أهل الإجماع فلا يعتبر ~~خلافهم ولا يؤثر وفاقهم وأما المفتون المجتهدون فلا شك في اعتبارهم وأما ~~الذين تبحروا في الأصول وقواعد الشرع وأطراف من الفقه والذين تبحروا في ~~يجمعه مضمون المسألة التي نرسمها [إن شاء الله تعالى] . # مسألة: ### | 632- # ذهب القاضي ms237 إلى أن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه يعتبر خلافه ووفاقه. # والذي ذهب إليه معظم الأصوليين خلاف ذلك فإن من وصفه القاضي ليس. # PageV01P264 # من المفتين ومن لم يكن منهم ووقعت له واقعة لزمه أن يستفتي المفتين فيها ~~فهو إذا من المقلدين ولا اعتبار بأقوالهم فإنهم تابعون غير متبوعين وحملة ~~الشريعة مفتوها والملقدون فيها. # واحتج القاضي لمذهبه بأن قال: من وصفته من أهل التصرف في الشرع وهو ممن ~~يستضاء برأيه ويستهدي بنهجه وأنحائه في مجلس الاشتوار وإذا كان كذلك فخلافه ~~يشير إلى وجه من الرأي معتبر وإذا ظهر على اعتباره في الخلاف انبنى عليه ~~اعتبار الوفاق وعضد ما قاله بأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ~~في النظر في المشكلات لا ينكرون على ذوي الفطن والأكياس [من الناس] رأيهم ~~إنكار توبيخ وتقريع وتحذير من مخالفة الإجماع وأهله فإن ابن عباس كان يفاوض ~~حلة الصحابة رضي الله عنهم وما كان بلغ بعد مبلغ المجتهدين. # وهذا الذي ذكره القاضي فيه نظر فإنه ما أظهر ابن عباس الخلاف إلا بعد ~~استجماعه خلال الكمال فمن ادعى أنه وقت مخالفته ما كان من المجتهدين فقد ~~أحال قوله على عماية لا تحقق فيها. # وعلى الجملة: إذا أجمع المفتون وسكت المتصرفون فيبعد أن يتوقف انعقاد ~~الإجماع على مراجعتهم وأخذ رأيهم فإن الذين لا يستقلون بأنفهم في جواب ~~مسألة ويتعين عليهم تقليد غيرهم فوجوب مراجعتهم محال وإن فرض عدم الإنكار ~~عليهم إذا أبدوا وجها في التصرف إن سلم ذلك فهو محمول على إرشادهم وهدايتهم ~~إلى سواء السبيل وإن أبدوا أقوالهم إبداء من يرغم الإجماع فالإنكار يشتد ~~عليهم. ### | 633- # والقول المغنى في ذلك: أنه لا قول لمن لم يبلغ مبلغ المجتهدين وليس بين ~~من يقلد ويقلد مرتبة ثالثة فإن قيل إذا أجمع المفتون والمتصرفون الذين لم ~~يبلغوا ذروة الفتوى فهذا إجماع مقطوع به وإذا أجمع المفتون وخالفهم ~~المتصرفون فيلتحق هذا بما لا يقطع بكونه إجماعا وإنما يقوم الإجماع حجة إذا ~~كان النظر مقطوعا به قلنا النظر السديد يتخطى كلام القاضي ms238 وعصره ويترقى إلى ~~العصر المتقدم ويفضي إلى مدرك الحق قبل ظهور هذا الخلاف. # فأما التحقيق- خالف القاضي أو وافق- أن المجتهدين إذا أطبقوا لم يعد خلاف ~~المتصرفين مذهبا محتفلا به فإن المذاهب لأهل الفتوى فإن شبب القاضي بأن ~~المتصرف الذي ذكره من أهل الفتوى في كلامه تشبيب بهذا فنشرح القول في. # PageV01P265 # كتاب الفتوى والكلام الكافي في ذلك أنه إن كان مفتيا اعتبر خلافه. # مسألة: ### | 634- # ذهب معظم الأصوليين إلى أن الورع معتبر في أهل الإجماع والفسقة وإن كانوا ~~بالغين في العلم مبلغ المجتهدين فلا يعتبر خلافهم ووفاقهم فإنهم بفسقهم ~~خارجون عن الفتوى والفاسق غير مصدق فيما يقول وافق أو خالف. ### | 635- # وهذا فيه نظر عندي فإن الفاسق المجتهد لا يلزمه أن يقلد غيره [بل يلزمه ~~أن يتبع في وقائعه ما يؤدي إليه اجتهاده وليس له أن يقلد غيره] فكيف ينعقد ~~الإجماع عليه في حقه واجتهاده مخالف اجتهاد من سواه وإذا بعد انعقاد ~~الإجماع في حقه استحال انعقاد بعض حكمه حتى يقال انعقد الإجماع من وجه ولم ~~ينعقد من وجه. # فإن قيل هو عالم في حق نفسه باجتهاده مصدق عليه فيما بينه وبين ربه وهو ~~مكذب في حق غيره فلا يمتنع انقسام أمره على هذا الوجه فينقسم حكم الإجماع ~~في حقه قلنا هذا محال فإن الفاسق لا يقطع بكذبه ولا يقطع بصدقه فهو كعالم ~~في غيبته فإن تاب كان كما لو آب الغائب فهذا ما تمس الحاجة إلى ذكره من ~~صفات المجمعين. ### | 636- # والقول الضابط في كل ما لم نذكره أن كل ما لا يعتبر عند المفتين فهو غير ~~معتبر في المجمعين كالحرية والذكورة وغيرهما والكافر وإن حوى م علوم ~~الشريعة أركان الاجتهاد فلا معتبر بقوله أصلا وافق أو خالف فإنه ليس من أهل ~~الإسلام والحجة في إجماع المسلمين والمبتدع إن كفرناه لم نعتبر خلافه ~~ووفاقه وإن لم نكفره فهو من المعتبرين إذا استجمع شرائط المجتهدين وقد قبل ~~الشافعي شهادة أهل الأهواء ولم ينزلهم منزلة الفسقة فهذا أحد طرفي هذا ~~الفن. ### | 637- # فأما الكلام في عدد المجمعين ms239 فإن كان علماء العصر بالغين مبلغا لا يتوقع ~~منهم التواطؤ وهم الذين يسمون عدد التواتر فلا شك في انعقاد الإجماع ~~بوفاقهم وإن فرض نقصان عدد علماء العصر عن هذا المبلغ فهذا موضع التردد. # مسألة. ### | 638- # ذهب بعض أهل الأصول إلى أنه لا يجوز انحطاط علماء العصر عن مبلغ. # PageV01P266 # التواتر فإنهم قومة للملة وحفظة للشريعة وقد ضمن الله قيامها ودوامها ~~وحفظها إلى قيام الساعة ولو عاد العلماء إلى عدد لا ينعقد منهم التواطؤ فلا ~~يتأتي منهم الاستقلال بالحفظ. # وقال الأستاذ: يجوز بلوغ عددهم إلى مبلغ ينحط عن عدد التواتر ولو أجمعوا ~~كان إجماعهم حجة ثم طرد قياسه فقال يجوز ألا يبقى في الدهر إلا مفت واحد ~~ولو اتفق ذلك فقوله حجة كالإجماع. ### | 639- # والذي نرتضيه- وهو الحق- أنه يجوز انحطاط عددهم بل يجوز شغور الزمان عن ~~العلماء وتعطيل الشريعة وانتهاء الأمر إلى الفترة وهذا نستقصيه في كتاب ~~الفتوى إن شاء الله تعالى فأما من قال إن إجماع المنحطين عن مبلغ التواتر ~~حجة فهو غير مرضى فإن مأخذ الإجماع يستند إلى طرد العادة كما تقدم ذكره ومن ~~لم يحن إسناد الإجماع إليه لم تستقر له قدم فيه. # فهذا حاصل القول في أوصاف المجمعين وعددهم. # PageV01P267 ### | الفن الثاني: في الزمن المعتبر في الإجماع # ... # الفن الثاني: # فأما الفن الثاني: فهو القول في الزمان وتفصيل المذهب في اشتراط انقراض ~~العصر في انعقاد الإجماع. # مسألة: ### | 640- # اختلفت مسالك القائلين بالإجماع في اشتراط انقراض المجمعين في انعقاد ~~الإجماع. # فذهب أقوام إلى أنه لا يحكم بانعقاد الإجماع ما بقى من المجمعين أحد. # ثم هؤلاء يقولون: لو أجمع العلماء في عصر ثم لحقهم لاحقون وبلغوا رتبة ~~المجتهدين فلا يعتبر انقراضهم إذ قد يلحقهم اخرون وهذا يفضي إلى عسر تصوير ~~الانقراض فالمرعى إذا انقراض الذين أجمعوا أولا. # ومن مقتضى هذا المذهب أنه لو رجع واحد من المجمعين فهو سائغ وتعود ~~المسألة نزاعية بعد ما كانت تظن إجماعه وإنما يمتنع الخلاف إذا استمروا على ~~الوفاق حتى انقرضوا. # ثم قال هؤلاء: لو اتفق اجتماع العلماء ومصيرهم إلى مذهب ms240 في واقعة ثم. # PageV01P267 # خر عليهم سقف على القرب أو عمهم وجه من وجوه الهلاك فقد انبرم إجماعهم في ~~ذلك الحكم وإن كان ذلك في زمن قريب ولو بقوا زمنا طويلا مصممين على ما ~~قالوه لم ينعقد الإجماع ما لم ينقرضوا. # وقال القاضي: إذا أجمعوا قامت الحجة من غير استئخار وانتظار انقراض ولو ~~فرض خلاف بعد الوفاق كان المخالف خارجا عن حكم الإجماع خارقا ربقة الوفاق. # وقال الأستاذ أبو إسحاق وطائفة من الأصوليين: إن كان الإجماع قوليا لم ~~يشترط فيه الانقراض وإن كان حصوله بسكوت جماهير العلماء على قول واحد منهم ~~من غير إبداء نكير عليه فهذا النوع يشترط في انعقاده ووجوب الحكم به انقراض ~~العصر خليا عن إظهار الإنكار. ### | 641- # والحق المرضى عندنا: أن الإجماع ينقسم إلى مقطوع به وإن كان في مظنة الظن ~~وإلى حكم مطلق أسنده المجمعون إلى الظن بزعمهم فأما ما قطعوا به على خلاف ~~موجب الاعتياد فتقوم الحجة به على الفور من غير انتظار واستئخار فإنا ~~أوضحنا أن ذلك إذا اتفق فهو محمل على رجوعهم إلى أصل مقطوع به عندهم وتقدير ~~خلاف ذلك مخالف موجب طرد العادة والعادة لا تنخرق لا في لحظة ولا في آماد ~~متطاولة إن اتفقوا على حكم وأسندوه إلى الظن فلا يتم الإجماع ولا ينبرم مع ~~إسنادهم ما أفتوا به إلى أساليب الظنون ما لم يتطاول الزمن فإن الإجماع على ~~الحكم مع الاعتراف بالتردد في الأصل لا يعد إجماعا وإطباقا ولو فرض من ~~[بعضهم] إظهار خلاف ما عن لهم على البدار لم يعد ذلك المخالف والحالة كما ~~صورناه عاقا خارقا حجاب الهيبة فإنهم إذا قالوا: قالوا قرنوه بما يرخى طول ~~الناظر المتفكر وسوغ له طرق التفكير نعم إن استمروا على حكمهم ولم ينقدح ~~على طول الزمن لواحد منهم خلاف فهذا الآن يلتحق بقاعدة الإجماع وهذا عسر ~~التصور فإن المظنون مع فرض طول الزمن فيه يبعد أن يسلم عن خلاف مخالف من ~~الظانين فإذا تصور فالحكم ما ذكرناه فإن امتداد الأيام يبين إلحاقهم ~~بالمصرين ms241 ويرفعهم عن رتبة المترددين ويتجه إذ ذاك توبيخ المخالفين ~~ومخاطبتهم بأن ما ذكرتموه لو كان وجها معتبرا لما أغفله العلماء المفتون. # PageV01P268 # وشرط ما ذكرناه أن يغلب عليهم في الزمن الطويل ذكر تلك الواقعة وترداد ~~الخوض فيها فلو وقعت الواقعة فسبقوا إلى حكم فيها ثم تناسوها فلا أثر ~~للزمان والحالة هذه. # ثم إذا لاح أن المعتبر ظهور الإصرار بتطاول الزمن فلو قالوا عن ظن ثم ~~ماتوا على الفور كما تقدم تصوير ذلك فلست أرى ذلك إجماعا من جهة أنهم أبدوا ~~وجها من الظن ثم لم يتضح إصرارهم فهذا هو المغزى. ### | 642- # ثم لو روجعنا في ضبك ذلك الزمان فقد أحوجنا إلى كشف الغطاء فإنا سنقول ~~مجيبين: المعتبر زمن لا يفرض في مثله استقرار الجم الغفير على رأى إلا عن ~~حامل قاطع أو نازل منزلة القاطع على الإصرار وهذا إذا يمنع تصوير الإصرار ~~مع البوح بالظن في جميع الزمان إلا أن يتكلف متكلف فيه وجها فنقول: وقد ~~يفهم ظهور وجه من الظن فإن الأمر البالغ الجلي الظني تبتدره العلماء ~~ابتدارهم اليقين ولكن لا يلوح جلاؤه إلا بالإصرار. # وللفطن أن يقول: من انتهى إلى هذا المنتهى فقد اعتزى إلى القطع فإن ما ~~بلغ في الوضوح مبلغا يجمع شتات الرأي فهو مسلك متبوع قطعا فليفهم الناظر ما ~~يلقى إليه. ### | 643- # وإما إطلاق القاضي القول بقيام الحجة من غير تفصيل ففي أطراف كلامنا ما ~~يدرؤه واشتراط الموت مع طول الزمن لا معنى له والاكتفاء به على قرب لا طائل ~~وراءه. # وما ذكره الأستاذ أبو إسحاق من ربط الإجماع السكوتي بالانقراض فغير مرضى ~~فإنا سنوضح أن سكوت العلماء على قول قائل محل الظن لا يكون إجماعا ثم ما ~~ذكره يلزمه اعتبار الزمان إذا باحوا بصدور حكمهم عن موجب الظن كما قدمناه ~~ثم لا معول على الانقراض فالذي اخترناه استثمار طرق الحق في المسالك كلها ~~فهذا منتهى القول في الزمان وما يتعلق به. # PageV01P269 ### | الفن الثالث: في وجه انعقاد الإجماع # فأما الفن الثالث: فمضمونه تفصيل القول في وجه انعقاد الإجماع. ms242 ### | 644- # والكلام في ذلك تفصله مسائل خلافية وفي أدراجها فصول مذهبية. # PageV01P269 # ونرسم المسائل أولا ونذكر ما فيها ونجرى في أثنائها ما يتعلق بحكاية ~~المذاهب ثم إذا نجز الفن ختمناه بضابط يسهل التناول ويبين صور الخلاف ~~والوفاق. # مسألة: ### | 645- # إذا قال واحد في شهود علماء العصر فكان ذلك القول موافقا لبعض مذاهب ~~العلماء في محل الاجتهاد ومسلك الظن فسكت العلماء عليه ولم يبدوا نكيرا على ~~القائل فهو يكون تركهم النكير تقريرا نازلا منزلة إبداء الموافقة قولا. # اختلف الأصوليون في ذلك فظاهر مذهب الشافعي وهو الذي يميل إليه كلام ~~القاضي أن ذلك لا يكون إجماعا. # والذي مال إليه أصحاب أبي حنيفة أنه إجماع وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق ~~فنذكر ما تمسك به أصحاب أبي حنيفة ونتتبعه ثم نذكر المختار عندنا. # فإن قالوا: أهل الإجماع معصومون عن الزلل والعصمة واجبة لهم كما تجب ~~للبني ثم إذا رأى [النبي] مكلفا يقول قولا متعلقا بأحكام الشرع فسكت عنه ~~ولم ينهه كان ذلك تقريرا منه نازلا منزلة التصريح بالتصديق وإبداء الوفاق. # وهذا الذي ذكروه لا حاصل له فإنه أولا محاولة إثبات الإجماع بطريق القياس ~~وهذا ما لا سبيل إليه فإن الأقيسة المظنونة لا مساغ لها في القطعيات وغاية ~~هذا الكلام تشبيه صورة بصورة وقياس حالة من قوم على حالة من الشارع عليه ~~السلام. # والذي يوضح فساد هذا المسلك: أنه لا يمتنع في مقتضى العقل ورود التعبد ~~باعتقاد تقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم شرعا مع التعبد بالعلم بأن ~~سكوت العلماء لا ينزل منزلة تصريحهم بالقول فإذا لم يكن هذا ممتنعا في حكم ~~العقل ولم يقم دليل قاطع سمعي على تنزيل سكوت العلماء منزلة سكوت الشارع ~~عليه السلام فقد فسد هذا الاعتبار وال حاصلة إلى محاولة إثبات مقطوع به ~~بمسلك هو في مجرى مظنون ثم لا عذر للشارع في السكوت على الباطل فإن الحق ~~عتيد عنده وإن لم يكن فتلقى وجه الحق من مورد الوحي الذي هو بمر صاده هين ~~عليه فأما أهل الإجماع إذا سكتوا في محل ms243 ظن حيث يرون للاجتهاد مساغا ~~ومضطربا فسكوتهم محمول على تسويغ ذلك القول لذلك القائل فلاح الفرق مع ~~الاستغناء عنه فإن القطعي لا ينتظم فيه جمع فيحوج إلى الفرق. # PageV01P270 ### | 646- # فالمختار إذا مذهب الشافعي فإن من ألفاظه الرشيقة في المسألة لا ينسب إلى ~~ساكت قول ومراده بذلك أن سكوت الساكتين له محملان: أحدهما: موافقة القائل ~~كما يدعيه الخصم والثاني تسويغ ذلك القول الواقع في محل الاجتهاد لذلك ~~القائل وهذا ممكن بطرد العرف غير ملتحق بالنوادر. # والدليل عليه أنا لو فرضنا اجتماع العلماء في مجلس وقام سئل إلى رجل حنفي ~~وسأله عن مسألة اختلف العلماء فيها فلو أجاب المفتى الحنفي بما يوازى مذهب ~~أبي حنيفة فسكت الحاضرون عليه لابتدرت الأوهام إلى حمل سكوتهم على التسويغ ~~في محل الاجتهاد وتمهيد عذر المفتي المعرب عن مذهبه المسوغ وإذا تردد ~~سكوتهم كما ذكرناه والإجماع هو القول الجازم المبتوت فيستحيل ادعاؤه على ~~صفته وشروطه في محل تقابل الاحتمالات. # وهذا يتضح بصورة تناقض صورة الخلاف وهي أن واحدا لو ذكر على رءوس الأشهاد ~~وجمع المفتين قولا خرق به الإجماع وخالف دين الأمة فالمفتون لا يسكتون عليه ~~بل يثورون مبادرين إلى الإنكار عليه وتجهيله وتسفيه عقله وذلك لأن الذي جاد ~~به ليس قولا ينقدح تسويغه لقائل فهذا معنى قول الشافعي لا ينسب إلى ساكت ~~قول. ### | 647- # ونحن نصور هذه المسألة في صورتين ونذكر في كل واحدة منها ما يليق بها حتى ~~يستبين الناظر وجوه مجاري الكلام في نظائرهما من مسائل الشرع. # فنقول: قد يدعى أصحاب أبي حنيفة في بعض المسائل انتشار قول الصحابي في ~~علماء العصر مع سكوتهم وتركهم الإنكار ثم يبنون عليه أن سكوتهم تقرير نازل ~~منزلة التصديق بالقول ولا يستمر لهم إثبات الانتشار وذلك كتعلقهم تقرير ~~نازل منزلة التصديق بالقول ولا يستمر لهم إثبات الانتشار وذلك كتعلقهم ~~بقضاء عثمان رضي الله عنه بتوريث المبتوتة في قصة تماضر زوجة عبد الرحمن بن ~~عوف رضي الله عنه ويتجه في هذه الصورة وأمثالها أسئلة قبل الانتهاء إلى ~~ابداء الخلاف في المسألة. ms244 # منها: أنا نقول: ما ادعيتموه من الانتشار في كافة علماء الأمصار فأنتم ~~منازعون فيه وليس كل قضاء يقضي به إمام أو وال من الولاة يشاع ويذاع في ~~كافة العلماء ومن اعتاص عليه حكم من قضايا مطرد العادة في العصور المنقرضة ~~فليصور مثله في عصره فإن الأزمنة وأهلها على التداني في أحكام العادات ونحن ~~نعلم في زمننا أن أقضية القضاة لا تنتشر في كافة العلماء وهذا السؤال إذا ~~حققنا المباحثة فيه لم يجد الخصم. # PageV01P271 # عنه مهربا ولم يبق بيده مستمسك يحاول به إثبات غرضه فهذا نوع من السؤال ~~متقدم على الخلاف في المسألة التي نحن فيها. ### | 648- # والسؤال الثاني أن نقول إن ثبت الانتشار فلعل بعض العلماء أنكر فدعوى ~~سكوتهم لا اعتضاد له بثبت وتحقيق وغاية الخصم فيه أن يقول لو جرى إنكار ~~لاشتهر وعنه جوابان واقعان أحدهما أنه إنما يشتهر كل خطب ذي بال وإنكار ~~واحد من العلماء على قاض من القضاة ليس من الأمور الجسيمة التي تتوفر ~~الدواعي على نقلها فهذا وجه والوجه الثاني أن نقول لعله اشتهر أولا ثم ~~انصرفت الدواعي عن المواظبة على تذكاره ودرس ما كان متواترا وذلك كثير في ~~العرف وهذه الطلبات لا محيص عنها ولا يتواصل الخصم معها إلى تصوير صورة ~~المسألة من الانتشار وعدم الإنكار على قطع استمرار فإن تأتي له التصوير ~~وهيهات فما قدمناه قاطع من تقابل الاحتمالات في محامل السكون ولا سبيل إلى ~~القطع مع التردد فهذه إحدى الصورتين. ### | 649- # والصورة الثانية لا يتجه فيها بعض هذه الأسئلة وهي كتعلق أصحاب أبي حنيفة ~~في ترك انتظار بلوغ الأطفال في الاقتصاص بحديث قتل الحسن بن علي رضي الله ~~عنهما عبد الرحمن بن ملجم وفي الورثة صبيان فلا سبيل في هذه القصة إلى ~~ابداء مراء في الانتشار فإن الأمر عظيم والخطب جسيم ولكن ينقدح ادعاء نكير ~~من بعض العلماء من غير انتشار الإنكار وسبيل التقرير ما مضى ثم وراء تسليم ~~ذلك الدليل القاطع الذي قدمناه وين1م إلى تحقيقه حكم الأب في ترك الاعتراض ~~على الأئمة ms245 فإنه ليس للعلماء إذا جرى قضاء قاض بمذهب مسوغ أن ينكروا عليه ~~مع نفوذ قضائه فهذا إذا وجه في الاستحثاث على السكوت فهذا منتهى القول في ~~هذه المسألة. ### | 650- # وبعد ذلك كله غائلة هي خاتمة المسألة وغاية سرها ونحن نبديها في معرض ~~سؤال وجواب فإن قيل إن اتجه في حكم العادة سكوت العلماء على قول مجتهد فيه ~~مظنون في مسألة فاستمرارهم على السكوت زمنا متطاولا يخالف العادة قطعا إذا ~~كان يتكرر تذاكر الواقعة والخوض فيها ومن لم يجعل السكوت إجماعا فإنما ~~يستقيم له مطلوبة في السكوت في الزمان القصير ولهذا السؤال اشترط بعض ~~المحققين في الأصول في الإجماع السكوتي انقراض العصر. # PageV01P272 ### | 651- # وأنا أقول لا يتصور دوام السكوت مع تذاكر الواقعة في حكم العادة قطعا ~~وهذه صورة يحيل العقل وقوعها فإن هؤلاء سيخوضون فيها إما بوفاق أو خلاف لما ~~[يبدون حكمه] وافقوا أو خالفوا فإذا لم يتصور استمرار السكوت حتى يبنى عليه ~~ادعاء القطع ومن عجيب الأمر أن هذا القائل أحال إدامة السكوت من غير قطع ~~ولم يعلم أنهم لو أضمروا القطع لأبدوه ولم يسكتوا إذا تطاول الزمان فرجعت ~~صورة المسألة على الضرورة إلى السكوت في الزمان القصير وفيه الاحتمالات ~~التي قدمناها ولا قطع من الاحتمال وهذا منتهى المسألة تصويرا وتقريرا. # مسألة: ### | 652- # إذا اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قولين واستمروا على ~~الخلاف فالذي صار إليه معظم المحققين أن اختراع قول ثالث خرق [للإجماع] . # وذهب شرذمة من طوائف الأصوليين إلى أن ذلك لا يكون مخالفة الإجماع ~~واستدلوا بأمر تخيلوه على نقيض الصواب فقالوا اختلافهم يناقض الاتفاق ويفيد ~~الناظر أن المسألة في محل الظنون والخلاف متطرق إليها ولهذا لا يتضمن المنع ~~من قول ثالث بل لو قيل: إنه متضمن جواز الخلاف لكان ذلك قريبا وعضدوا هذا ~~بأن قالوا التنصيص على القولين من غير قطع فريق بتخطئة الآخر بمثابة ~~تصريحهم بأن الأمر مظنون وكل ذي ظن على ظنه. ### | 653- # وهذا الذي ذكروه ساقط فإن الذي انتهض معتمدا للإجماع بعد السبر والمباحثة ~~ما ms246 تحصل وتنخل من قولنا إن المجتمعين قد يقطعون بما أجمعوا عليه وقد ~~يسندونه إلى الظن فإن قطعوا فالأمر فيه متلقى من حكم العادة وهي قاضية لا ~~محالة بإسناد المجمعين إلى قاطع فإن أسندوا المحكوم به إلى الظن فمعتمد ~~الإجماع في هذه الصورة قطع العلماء في العصر الماضية بتبكيت من يخالف وليس ~~ذلك أمرا معقولا فيستند القطع بالتبكيت إلى قاطع. ### | 654- # فإذا تجدد العهد بالمسلك الحق في الصورتين قلنا بعد ذلك إن ذكر علماء ~~العصر قولين وقطعوا بنفي ثالث سواهما ورددوا الظن في القولين فنفيهم الثالث ~~قطع في حصر الحق في القولين فإن فرض من يخترع مذهبا ثالثا فهو مخالف لإجماع ~~مقطوع به وإن لم يصرحوا بنفي ثالث على قطع فتركهم التعرض له وحصرهم التردد ~~في القولين في حكم اتفاقهم على حكم مظنون مع التصريح باستناده. # PageV01P273 # إلى الظن والتبكيت يتطرق إلى من قال قولا ثانيا والعلماء الماضون على ~~خلافه كذلك يتطرق التبكيت إلى من يخترع مذهبا ثالثا لم يصر إليه صائر من ~~المتقدمين وإن كانوا مختلفين. # وما ذكره الخصم تلبيس لا حاصل له فإن الصائرين إلى القولين سوغوا الخلاف ~~منحصرا في القولين وهم قاطعون بنفي ما وراءهما أو ظانون وكلا الوجهين في ~~نفي القول الثالث إجماع فقطعه ملحق بالقطع بالحكم الواحد وظن نفي القول ~~الثالث ملحق بالإجماع على مذهب واحد مع الإسناد إلى الظن. ### | 655- # فإن رددوا كلاما واستدلوا به شاديا مبتديا فالسبب فيه والوجه في كشفه ما ~~ننبه عليه فنقول. # وقد ذكرنا أن القول الواحد المظنون إذا فرضنا الاتفاق عليه لم يكن ~~الاتفاق عليه وهو مظنون إجماعا على القرب حتى يتمادى الزمن عليه على ما سبق ~~تقريره في مسألة اشتراط انقراض المجمعين فإذا كان ذلك والقول واحد فهو أولى ~~أن يعتبر والعلماء على قولين فإن ترديد القولين نهاية في تطريق الظنون ولو ~~قيل تمادى الزمن المعتبر في هذه الصورة يبر على تماديه في اتحاد القول لكان ~~حقا مبينا فهذا مغزى المسألة. # مسألة: ### | 656- # إذا اختلف علماء العصر على قولين ثم رجع المتمسكون بأحد ms247 القولين إلى ~~القول الآخر وصاروا مطبقين عليه فالذي ذهب إليه معظم الأصوليين أن هذا ~~إجماع وذهب القاضي إلى أن هذا لا يكون إجماعا. # وإذا انقرض العلماء على سجية الاختلاف ثم أجمع علماء العصر الثاني على ~~أحد القولين فالاختلاف في هذه الصورة أظهر. # قال قائلون: هذا ليس بإجماع ولو تعلق متعلق بالقول المضرب عنه لم يكن ~~خارقا للإجماع وميل الشافعي رضي الله عنه [في أثناء ما يجريه] إلى هذا وقال ~~قائلون: هذا إجماع. # وأما القاضي فلا شك أنه لا جعل هذا أجماعا ومن مذهبه أن المختلفين في ~~العصر الأول لو [رجعوا] إلى قول واحد لم يكن ذلك إجماعا فإذا كان هذا غور. # PageV01P274 # مذهبه فكيف الظن به والإجماع من أهل العصر الثاني ثم إنه يستدل على تمهيد ~~قاعدته بنكته واحدة فيقول: إذا اختلف علماء عصر على مذهبين فقد ظهر ~~اختلافهم في التحليل والتحريم مثلا ثم تضم تقرير كل قوم أصحابهم على مذهبهم ~~إجاعا من كافتهم على أن الخلاف سائغ فيحصل في ضمن الخلاف مع التقرير ~~الإجماع على جواز الخلاف فإذا فرض الرجوع إلى قول واحد فهذا غير منكر عملا ~~ووقعا ولكنه مسبوق بالإجماع على تسويغ الخلاف وهذا يجري في العصر الواحد ~~فإذا جرى فيه فلأن يجري في العصرين أولى. ### | 657- # وأما الذين جعلوا الاتفاق على قول من القولين السابقين إجماعا فإن بعضهم ~~يتعلق ويستدل على بعض باجتماع المختلفين على أحد القولين قبل أن ينقرضوا ~~ويقولون أيضا لو وقعت واقعة فاتفق علماء العصر على حكم واحد فيها كان ~~اتفاقهم حجة وإطباقهم على قول واحد يجري هذا المجرى. # ولا يستقر لهؤلاء قدم إلا بتخييل هو نكتتهم وعنها صدر ما قدمناه وذلك ~~أنهم قالوا المختلفون كأنهم بعد على تردد النظر وليس التردد مذهبا محققا ~~وإنما يتلقى الإجماع من استقرار العلماء وليس تردد المترددين حجة على ~~مخالفة قطع القاطعين. ### | 658- # والرأي الحق عندنا ما نبديه الآن: فنقول: إن قرب عهد المختلفين ثم اتفقوا ~~على قول فلا أثر للاختلاف المتقدم وهو نازل منزلة تردد ناظر واحد أولا مع ~~استقراره ms248 آخرا وإن تمادى الخلاف في زمن متطاول [على قولين] بحيث يقضي العرف ~~بأنه لو كان ينقدح وجه في سقوط أحد القولين على طول المباحثة لظهر ذلك ~~للباحثين فإذا انتهى الأمر إلى هذا المنتهى فلا حكم للوفاق على أحد القولين ~~وذلك أن ما صورناه من اختلافهم في الزمان مع مشاورة الذكر وترديد البحث ~~يقتضي ما ذكره القاضي من حصول وفاق ضمني على أن الخلاف في هذه المحال سائغ ~~وشفاء الغليل في ذلك أن رجوع قوم وهم جم غفير إلى قول أصحابهم حتى لا يبقى ~~على ذلك المذهب الثاني أحد ممن كان ينتحله لا يقع في مستقر العادة فإن ~~الخلاف إذا رسخ وتناهى وتمادى الباحثون ثم لم يتجدد بلوغ خبر أو آية أو أثر ~~يجب الحكم بمثله فلا يقع في العرف دروس مذهب طال الذب عنه فإن فرض فارض ذلك ~~فالإجماع فيه محمول على أنه بلغ الراجعين أمر سوى ما كانوا يخوضون فيه في ~~مجال الظنون ثم غاية النظر إن انتهى الأمر إلى هذا أنهم إن قطعوا بذلك. # PageV01P275 # فوفاقهم إجماع حملا على هذا وعلى هذا انبنى أصل الإجماع وإن فرض فارض عدم ~~القطع مع الرجوع عن المذهب القديم فهذا يعيد في التصوير وإن تصور ذلك على ~~تكلف فما أرى ذلك بالغا مبلغ الإجماع فإنه لا ينقدح فيه دعوى تبكيت من ~~يتعلق بالقول [المرجوع عنه] حسب انقداح ذلك في مواقع القطع وإذا ظهر في ~~التردد زال ادعاء الإجماع فإن الإجماع واجب الاتباع وهو المقطوع به فهذا ~~قولنا مع اتحاد العصر. ### | 659- # فأما إذا انقرض علماء العصر مع طول الزمان فإن المعتمد عندنا طول الزمان ~~على الخلاف ثم [إذا] اجتمع علماء العصر الثاني على أحد المذاهب فالوجه أن ~~لا يجعل ذلك إجماعا لما قرره القاضي من استنباط الإجماع على [تسويغ] الخلاف ~~وما ذكره الأولون من اعتبار هذه الصورة جمع بترديد ناظر أولا واستقراره ~~آخرا فقول عرى عن التحصيل فإن استمرار العلماء الغواصين المعتنين بالبحث ~~المتدارك على الخلاف قطع منهم بأن لا سبيل إلى القطع فإن ms249 اجتمع في العصر ~~الثاني قوم على أحد المذاهب فهو اجتماع وفاقي على مذهب مسبوق بقطع الأولين ~~بنفى القطع وتسويغ الخلاف وأين يقع هذا ممن يتردد أولا ثم يتمم نظره؟ # والذي يحقق ذلك أن المذاهب التي انتحلها الأولون جرت بها أقضية وأحكام ~~ونيط بها سفك دماء وتحليل فروج من غير إنكار فريق على فريق والمتردد في ~~نظره لا ينوط بتردده حكما ومن العبارات الرشيقة للشافعي أنه قال: المذاهب ~~لا تموت بموت أصحابها فيقدر كأن المنقرضين أحياء ذابون عن مذاهبهم وتحقيق ~~هذا ما ذكرناه. # مسألة: ### | 660- # إذا اتفق أهل الإجماع على عمل ولم يصدر منهم فيه قول فقد قال قوم من ~~الأصوليين فعل أصحاب الإجماع كفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبق ~~تفصيل المذاهب في أفعال رسول الله عليه السلام ومتعلق هؤلاء أن العصمة ~~ثابته لأهل الإجماع ثبوتها للشارع فكانت أفعالهم كفعل الشارع صلى الله عليه ~~وسلم. ### | 661- # قال القاضي: وهذا غير مرضي عند المحققين من أوجه منها أن اجتماع أهل ~~الإجماع على فعل يبعد تصويره فإنهم لا يعصمون عن الخطأ والزلل ولكن وفاقهم ~~على قول حجة على الترتيب المقدم وإن زعم زاعم أنه يجب. # PageV01P276 # عصمتهم عن زلل عن الفعل فمعنى ذلك أن العصمة تجب لجميعهم فأما أن تجب ~~لآحادهم عن زلل عن الفعل فمعنى ذلك أن العصمة تجب لجميعهم فأما أن تجب ~~لآحادهم فلا فلم يمتنع صدر الزلل عن بعضهم وإذا كان كذلك فكيف يتأتي في ~~العادة تصور عدد لا يسوغ منهم التواطؤ ثم يطبقون على فعل واحد فإن تكلف ~~متكلف في تصويره فإنما يمكن فرضه إذا اجتمعا في مجلس واحد ثم إن تصور فلا ~~احتفال به فإن متعلق الإجماع في الصورتين المتقدمتين ما قدمناه وليس يتحقق ~~ذلك في الفعل فإنه لا يمتنع إذا فرض جمعهم أن يفعلوا فعلا ويعترف كل واحد ~~منهم بأنه عاص به. ### | 662- # والذي أراه أنه إن تيسر فرض اجتماعهم في الفعل فهو حجة وهو خارج على ~~الأصل الذي هو مستند الإجماع فإن أصحاب رسول الله صلى الله ms250 عليه وسلم لو ~~جمعهم مجلس وقدم إليهم شيء فتعاطوه وأكلوه فمن حرمه عد خارقا للإجماع ~~وتناهى أهل العصر في تبكيته فإذا يدل فعلهم على ارتفاع الحرج على حسب ما ~~قدمناه في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا إلى الفعل المطلق فإن ~~تقيد بقرينة دالة على وجوب أو استحباب ثبت ما دلت القرينة عليه. # PageV01P277 ### | الفن الرابع: في الأمر الذي ينعقد الإجماع فيه وفيما ينعقد الإجماع عنه ### | 663- # فأما ما ينعقد الإجماع فيه حجة ودلالة فالسمعيات [ولا] أثر للوفاق في ~~المعقولات فإن المتبع في العقليات الأدلة القاطعة فإذا انتصبت لم يعارضها ~~شقاق ولم يعضدها وفاق. ### | 664- # وأما ما ينعقد الإجماع عنه فالقول ينقسم فيه كما تقدم فإن كان المجمعون ~~قاطعين على الحكم في مجال الظنون فلا يتأتى فرض هذا الإجماع إلا عن قاطع ~~وإن أسندوا إجماعهم إلى ظن لم يمتنع أيضا ثم مستند الإجماع في كونه حجة قطع ~~أهل الإجماع بتقريع من يخالف الإجماع. # فهذا مجامع القول في الإجماع تفصيلا وتأصيلا وقد حاولنا جهدنا في إدراج ~~مسائل الكتاب تحت التقاسيم وقد شذت مسائل قريبة منها ونحن نرسمها الآن ~~مرسلة إن شاء الله تعالى. # PageV01P277 ### | مسائل متفرقة في الإجماع # مسألة: ### | 665- # اختلف الأصوليون في أن الإجماع في الأمم السالفة هل كان حجة. # فزعم زاعمون أن إثباته حجة من خصائص هذه الأمة فإنها أمة مفضلة على سائر ~~الأمم مزكاة بتزكية القرآن قال الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} 1 ~~وقال تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} 2. # ومنع مانعون هذا الفرق فقالوا لم يزل الإجماع حجة في الملل. # وقال القاضي لست أدري كيف كان ولا يشهد له موجب عقلي على وجوب التسوية ~~ولا على وجوب الفرق ولم يثبت عندنا في ذلك قاطع من طريق النقل فلا وجه إلا ~~التوقف. ### | 666- # والذي أراه: أن أهل الإجماع إذا قطعوا فقولهم في كل مسألة يستند إلى حجة ~~قاطعة فإن تلقى هذا من قضية العادات والعادات لا تختلف إلا إذا انخرقت فأما ~~إن فرض إجماع من قبلنا على مظنون من غير قطع ms251 فالوجه الآن ما قاله القاضي ~~فإنا لا ندري أن الماضيين هل كانوا يبكتون من يخالف مثل هذا الإجماع أم لا ~~وقد تحققنا التبكيت في ملتنا. # مسألة. ### | 667- # نقل أصحاب المقالات عن مالك رضي الله عنه أنه كان يرى اتفاق أهل المدينة ~~يعني علماءها حجة وهذا مشهور عنه ولا حاجة إلى تكلف رد عليه فإن صح النقل ~~فإن البقاع لا تعصم ساكنيها ولو اطلع مطلع على ما يجري بين لابتي المدينة ~~من المجاري قضى العجب فلا أثر إذا للبلاد ولو فرض احتواء المدينة على جميع ~~علماء الإسلام فلا أثر لها فإنه لو اشتمل عليهم بلدة من بلاد الكفر ثم ~~أجمعوا لاتبعوا والظن بمالك رحمه الله لعلو درجته أنه لا يقول بما نقل ~~الناقلون عنه نعم قد يتوقف في الأحاديث التي نقلها علماء المدينة ثم ~~خالفوها لاعتقاده فيهم أنهم أخبر من غيرهم بمواضع الأخبار وتواريخها. ~~PageV01P278 # مسألة: ### | 668- # إذا اتفق علماء التابعين على حكم في واقعة عنت في زمنهم فإجماعهم كإجماع ~~الصحابة رضي الله عنهم وذهب بعض المنتمين إلى الأصول إلى أن الحجة في إجماع ~~الصحابة. # وهذا تحكم لا أصل له فإن الدال على وجوب الإجماع في الأعصار واحد كما ~~تقدم وليس للتحكم بتخصيص عصر وجه لا في عقل ولا في سمع وهو بمثابة قول من ~~يقول لا احتجاج إلا في قياس الصحابة ولولا إرادتنا الإتيان على جميع ~~المسائل وإلا كنا نضرب عن أمثال هذا. # مسألة. ### | 669- # إذا ذهب معظم العلماء إلى حكم وخال فيه واحد منهم وكان من المعتبر في ~~الخلاف والإجماع فلا ينعقد الإجماع مع خلافه. # وقال ابن جرير الطبري لا يعتد بخلافه ويسمى عاقا شاقا حجاب الهيبة وطرد ~~هذا في الاثنين وسلم أن مخالفة الثلاثة معتبرة. # وكل ما ذكره مردود عليه فإن الإجماع هو الحجة والذي نحن فيه ليس بإجماع ~~والثلاثة إذا نسبوا إلا ثلاثة آلاف كالواحد إذا نسب إلى ألف. # مسألة. ### | 670- # من فروع القول في اشتراط انقراض العصر من شرط انقراض العصر بالمجمعين ~~فالمذهب الظاهر لهؤلاء أن علماء العصر لو أجمعوا ثم ms252 التحق بهم مجتهدون ~~ناشئة في الزمن وخالفوهم والمجمعون الأولون مصرون وقد انقرضوا فالمسألة ~~إجماعية فإن التلاحق لو كان يمنع انعقاد الإجماع مع فرض الخلاف من ~~المتلاحقين لما استقرت ثقة بالإجماع فإن العلماء يتلاحقون وقال قائلون ممن ~~شرط الانقراض خلاف المتلاحقين في بقاء المجمعين. ### | 671- # وهذا لعمري قياس هذه الطريقة وإن كان يفضى ذلك إلى عسر في تصوير الإجماع ~~وإنما قلنا: القياس على اشتراط الانقراض هذا لأن اتفاق الأولين ليس إجماعا ~~بعد بل الأمر موقوف فإذا خالف مخالفون كان هذا الخلاف واقعا قبل الحكم ~~بانعقاد الإجماع فأما من لا يشترط الانقراض فلا شك أنه يجعل المخالفين ~~خارقين للإجماع. # PageV01P279 ### | 672- # ومقصود هذه المسألة سؤال وجواب عنه فإن قال قائل: قد أحدث ابن عباس رضي ~~الله عنه أقوالا خالف بها اتفاق جملة الصحابة وما كان ابن عباس في ابتداء ~~العصر من أهل الإجماع فعلى ماذا يحمل ذلك؟ قلنا: لا محمل لتسويغ هذا إلا ~~شيئان. # أحدهما: أن يقدر الصحابة رضي الله عنهم على تردد إلى أن استقل ابن عباس ~~وأظهر مذهبه وكذلك كانوا في معظم مسائل الفرائض فهذا وجه. # والوجه الثاني: أن يفرض وقوع تلك المسائل في زمن بلوغه مبلغ الاجتهاد وقد ~~كان يجري ابن عباس مذهبه مجرى من يبدى احتمالا ولا يعتقده وحمل على ذلك ~~مذهبه في المتعة وتخصيص الربا بالنسيئة وقال عيسى بن أبان خلاف ابن عباس ~~ومن تابعه من علماء الصحابة غير معتبر أصلا وهذا على الإطلاق باطل فإن فصل ~~فالوجه ما قدمناه. # مسألة: ### | 673- # فشا في لسان الفقهاء أن خارق الإجماع يكفر وهذا باطل قطعا فإن من ينكر ~~أصل الإجماع لا يكفر والقول في التكفير والتبرؤ ليس بالهين ولنا فيه مجموع ~~فليتأمله طالبه نعم من اعترف بالإجماع وأقر بصدق المجمعين في النقل ثم أنكر ~~ما أجمعوا عليه كان هذا التكذيب آيلا إلى الشارع عليه السلام ومن كذب ~~الشارع كفر. # والقول الضابط فيه: أن من أنكر طريقا في ثبوت الشرع لم يكفر ومن اعترف ~~بكون الشيء من الشرع ثم أنكره كان منكرا للشرع وإنكار ms253 جزئه كإنكار كله ~~والله أعلم. # نجز النصف الأول من كتاب البرهان بحمد الله المعين المستعان على يدي ~~حاجبه كاتبه أبي زيد حمد بن جعفر بن بشار رحمه الله في النصف من شوال سنة ~~إحدى وستمائة هجرية النبوية صلوات الله عليه بمحروسة دمشق حماها الله ~~تعالى. # [هذه خاتمة الجزء الأول من النسخة "د"] . # PageV01P280 ### | المجلد الثاني ### | الكتاب الثالث: كتاب القياس ### | مدخل # ... # الكتاب الثالث: كتاب القياس 1 ### | 676- # القياس مناط الاجتهاد وأصل الرأي ومنه يتشعب الفقه وأساليب الشريعة وهو ~~المفضى إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام الوقائع مع انتفاء الغاية والنهاية فإن ~~نصوص الكتاب والسنة محصورة [مقصورة] ومواقع الإجماع معدودة مأثورة فما ينقل ~~منهما تواترا فهو المستند إلى القطع وهو معوز قليل وما ينقله الاحاد عن ~~علماء الأعصار ينزل منزلة أخبار الاحاد وهي على الجملة متناهية ونحن نعلم ~~قطعا أن الوقائع التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها. ### | 677- # والرأي المبتوت المقطوع به عندنا أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى ~~متلقى من قاعدة الشرع والأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع القياس وما ~~يتعلق به من وجوه النظر والاستدلال فهو إذا أحق الأصول باعتناء الطالب ومن ~~عرف مآخذه وتقاسيمه وصحيحه وفاسده وما يصح من الاعتراضات عليها وما يفسد ~~منها وأحاط [بمراتبها] جلاء وخفاء وعرف مجاريها ومواقعها فقد احتوى على ~~مجامع الفقه. ### | 678- # وإن نحن خصصنا هذا الكتاب بفضل بسط فسببه مانبهنا عليه من عظم خطره ~~واشتداد مسيس الحاجة إليه وابتنائه على أفضائه إلى مالا نهاية له مع انضباط ~~مأخذه فليس النظر في الشرع مفوضا إلى استصلاح كل أحد فهي إذا متناهية ~~الأصول غير متناهية الجدوى والفوائد وهذا قد يحسبه الفطن المبتدئ متناقضا ~~وسيأتي القول فيه [مشروطا مشروحا] إن شاء الله تعالى. ### | 679- # ثم الذي يقتضيه الترتيب أن نبتدىء القول في ماهية القياس ثم نبتني عليه ~~نقل [المذاهب] في اعتقاد صحته وفساده ونبين المختار عندنا حتى إذا ثبت وجوب ~~القول بالقياس على الجملة رتبنا بعده تراجم الكتاب على نظام وخضنا في ~~الوفاء ببيان الجمل والتفاصيل. PageV02P003 ### | الباب الأول: القول في ماهية ms254 القياس ### | مدخل # ... # الباب الأول: فصل: القول في ماهية القياس. ### | 680- # لما كان القول في الصحة والفساد والرد والقبول مبنيا على الإحاطة بماهية ~~الشيء اقتضى الترتيب تقديم هذا الباب. # وإذا قيل لنا: ما القياس؟ عرفنا أولا أنا لم نسأل عن الصحيح والفاسد ~~وإنما طولبنا بإثبات رسم مشعر بالقياس صحيحه وفاسده قطعيه وظنيه عقليه ~~وشرعية فنذكر أقرب رسم يقرب من الوفاء بالاحتواء على الغرض ثم نذكر ما عداه ~~ونبين وجه تطرق الاعتراض عليه ثم نختتم الفصل بأمرين بهما الختام والتمام. ### | 681- # فأقرب العبارات ما ذكره القاضي إذ قال: # "القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر يجمع ~~بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما"1. # فقوله: حمل معلوم على معلوم أراد به اعتبار معلوم بمعلوم وذكر المعلوم ~~حتى يشتمل الكلام على الوجود والعدم والنفي والإثبات فإنه لو قال حمل شيء ~~على شيء لكان ذلك حصرا للقياس في الموجودات وسبيل القياس أن يجري في ~~المعدوم والموجود ثم فسر الحمل لما كان فيه ضرب من الإجمال عند تقدير ~~الاقتصار عليه فقال في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما ثم لما علم أن ~~[التحكم] بالحمل ليس من القياس [بسبيل] وإنما [القايس] من يتخيل جامعا ~~ويبني عليه ما يبغيه مبطلا كان أو محقا ذكر الجامع فقال بجامع ثم صنفه إلى ~~حكم وصفة في نفى أو إثبات فهذه ترجمة كلامه على الجملة. ### | 682- # وذكر غيره عبارات في [روم ضبط القياس نائية عن الصواب] فمن [مقرب] مع ~~إخلال ومن مبعد. # والمعتبر في العبارات العبارة التي جمعها القاضي وكل من أتى بها فقد طبق. ~~PageV02P005 # غاية الإمكان ومن خرم شيئا منها تطرق إليه على قدر خرمه اعتراض على ما ~~سنبين الآن. ### | 683- # قال بعض المتأخرين: القياس رد فرع إلى أصل بما يجمع بينهما وهذا فيه ~~إيهام من الوجوه التي أخل بها من تقييدات كلام القاضي فإنه لم يتعرض للحكم ~~الذي يطرد القياس له ولم يفصل الجامع. ### | 684- # وقال الأستاذ أبو بكر: القياس حمل الشيء على الشيء لإثبات حكم بوجه شبه ms255 ~~وذكر الشيء يخرج الأقيسة المتعلقة بالنفي وكذلك ذكر إثبات الحكم لم يتعرض ~~لنفيه. # وقد يزيد بعض الناس نفيه وهذه الطبقة وإن تطرق إلى كلامهم ضرب من الخلل ~~فهم على المطلوب يحومون وإياه يبغون. ### | 685- # ونقل بعض أصحاب المقالات عبارات نائية عن جهة الصواب بالكلية فنقلوا أنه ~~قال بعضهم: القياس إصابة الحق وهذا خرق وخروج عن الحق فإن من وجد نصا لا ~~يسمى قايسا وإن أصاب الحق. # وقال بعضهم: القياس هو الاجتهاد في طلب الحق وهذا فاسد فإن من كان يجتهد ~~في طلب نص ليس قايسا إلى غير ذلك مما لا نرى التطويل بذكره. ### | 686- # وأما ما نرى ختم الفصل به فشيئان: # أحدهما: أنا إذا أنصفنا لم نر ما قاله القاضي حدا فإن الوفاء بشرائط ~~الحدود شديد وكيف الطمع في حد ما يتركب من النفي والإثبات والحكم والجامع ~~فليست هذه الأشياء مجموعة تحت خاصية نوع ولا تحت حقيقة جنس وإنما المطلب ~~الأقصى رسم يؤنس الناظر بمعنى المطلوب وإلا فالتقاسيم التي ضمنها القاضي ~~كلامه تجانب صناعة الحد فهذا مما لا بد من التنبه له. # وحق المسئول عن ذلك أن يبين بالواضحة أن الحد غير ممكن وأن الممكن ما ~~ذكرناه ثم يقول أقرب عبارة في البيان عندي كذا وكذا والفاضل من يذكر في كل ~~مسلك الممكن الأقصى فهذا أحد الأمرين. ### | 687- # والثاني: أن القياس قد يتجوز في إطلاقه في النظر المحض من غير تقدير فرع ~~وأصل إذ يقول المفكر قست الشيء إذا افتكر فيه ولكن هذا تجوز. # PageV02P006 # أصل القياس اعتبار معلوم بمعلوم وإذا قال القائل قست الأرض فمعناه ذرعتها ~~بمقياس مهيأ لذرعها وبيني وبين فلان قيس رمح أي قدر معتبر بقدر رمح فهذا ~~منتهى القول في ذلك. # ونحن نذك بعده المقالات في رد القياس وقبوله وتفصيل القول فيه. # PageV02P007 ### | فصل: القول في ذكر المقالات في قبول القياس ورده ### | 688- # الوجه أن نذكر المذاهب المتعلقة بالأصل ردا وقبولا ثم نذكر مسائل الخلاف ~~على هذا المنهاج ثم نعقد بعد ذلك بابا في المذاهب [المقتضية رد] بعض ~~الأقيسة الصحيحة عندنا وقبول ms256 بعضها. # فنبدأ بالكلام على الجملة ونقول في رسم التقسيم القياس فيما ذكره أصحاب ~~المذاهب ينقسم إلى عقلي وشرعي1 ثم الناظرون في الأصول والمنكرون تفرقوا على ~~مذاهب. ### | 689- # فذهب بعضهم إلى رد القياس وقال [الناقلون] هذا مذهب منكري النظر والقول ~~في إثباته يتعلق بفن من الكلام وقد أنهينا القول فيه نهايته. ### | 690- # وقال قائلون بالقياس العقلي2 والسمعي وهذا مذهب الأصوليين والقياسين من ~~الفقهاء. ### | 691- # وذهب ذاهبون إلى القول بالقياس العقلي وجحدوا القياس الشرعي وهذا مذهب ~~النظام وطوائف من الروافض والإباضية3 والأزارقة4 ومعظم فرق الخوارج إلا ~~النجدات5 منهم فإنهم اعترفوا بأطراف من القياس. ### | 692- # وصار صائرون إلى النهي عن القياس العقلي والأمر بالقياس الشرعي ~~PageV02P007 # وهذا مذهب أحمد بن حنبل1 والمقتصدين من أتباعه فليسوا ينكرون إفضاء نظر ~~العقل إلى العلم ولكنهم ينهون عن ملابسته والاشتغال به. ### | 693- # وذهب الغلاة من الحشوية2 وأصحاب الظاهر إلى رد القياس العقلي والشرعي. ### | 694- # وأنا أقول: أطلق النقلة القياس العقلي فإن عنوا به النظر العقلي فهو في ~~نوعه إذا استجمع شرائط الصحة مفض إلى العلم مأمور به شرعا والقياس الشرعي ~~متقبل [شرعا] معمول به إذا صح على السبر اللائق به كما سيأتي شرح ذلك في ~~أبواب الكتاب إن شاء الله تعالى. # وإن عنى الناقلون بالقياس العقلي اعتبار شيء بشيء ووقوف نظر في غائب على ~~استثارة معنى من شاهد فهذا باطل عندي لا أصل له وليس في المعقولات قياس ~~[وقد فهم عنا ذلك طالب المعقولات] . # والأمر المختص بهذا الفن الكلام في الأقيسة الشرعية وذكر الخلاف المتعلق ~~بجملتها. ### | 695- # فقد ذهب النظام3 ومن تابعه من الضلال4 والحشوية إلى إنكار القياس الشرعي ~~والذين ردوا القياس اختلفوا في طريق رده فقال بعضهم الخوض فيه قبيح لعينه. ### | 696- # وقال آخرون: في التعبد به منع الناس من المسلك الأقصد الأسد وعنوا به أن ~~التنصيص على مواقع الإشكال أقطع للنزاع وأرفع للدفاع وأجلب للطمأنينة وأنفى ~~لرهج الخلاف وأدعى إلى الائتلاف ويجب على الله تعالى PageV02P008 # وجوب الحكمة أن يستصلح عباده فيما يتعلق بأمر الدين. ### | 697- # وقال قائلون الأقيسة متفاوته لا قرار لها في المظنونات وإنما ms257 يرجح الظن ~~على حسب القرائح [وكل يظن أمرا] يليق بمبلغ فكره. ### | 698- # وقال قائلون: في أصول الشريعة ما لا يصح على السبر كإيجاب العقل على ~~العاقلة وإيجاب ذبح البهائم البريئة بسبب ارتكاب المكلف محظورات الحج ~~واسترقاق أولاد الكفار وإن حكم لهم بالإسلام مع السبي ثم تبقى وصمة الرق في ~~نسلهم ما توالدوا على الإسلام قالوا: فلا وجه والحالة هذه إلا اتباع ~~النصوص. ### | 699- # وذهب من نفاة القياس طائفة إلى أنه مردود بنصوص الكتاب والسنة. # ونحن نذكر مسلك كل فريق ونتتبعه بالنقض ونرسم مسألة في جواز التعبد ~~بالقياس [فإذا نجزت عقدنا بعدها المسألة الكبرى في وقوع التعبد بالقياس] . # مسألة: [في جواز التعبد بالقياس] . ### | 700- # ذهب علماء الشريعة وأهل الحل والعقد إلى أن التعبد [بالقياس] في مجال ~~الظنون جائز غير ممتنع وقد ذكرنا مذاهب المخالفين في الجواز فأما من ذهب ~~إلى أن الخوض فيه والأمر به قبيح لعينه فقد تعلق بأن الظنون أضداد العلوم ~~وضد العلم في معنى الجهل والجهل قبيح لعينه وهذا مبنى أولا على التقبيح ~~والتحسين بالعقل وقد صدرنا هذا المجموع بالرد على القائلين بذلك بما فيه ~~مقنع ثم لو قدرنا تسليم ذلك جدلا فهذا باطل من أوجه. # منها: أن الغفلة والغشية والبهيمية أضداد منافية للعلوم وهي من خلق الله ~~تعالى ومن رأى هؤلاء أن الله تعالى لا يخلق قبيحا ثم ذكروه جحد للشريعة فإن ~~من أنكر ربط الأقضية والحكومات بالشهادات المستندة إلى بحث قريب وسبر يسير ~~لا يطلع على الباطن من أحوال الشهود فقد أنكر قاعدة من الشرع عظيمة لا يبوء ~~بجحدها من وفر الإسلام في صدره وكذلك قول المفتين مظنون عند المستفتين ~~والتعويل على قول الثقات في أحكام المعاملات وتصديق الأثبات في أمن السبل ~~والطرقات لا ينكره عاقل فإذا أعضلت الإشكالات وتعارضت الاحتمالات فالرجوع ~~إلى غالب الظن في كل فن دأب ذوي البصائر وهو من ثمرات العقول فكيف يعد من ~~مستقبحاتها ومعظم وجوه الرأي والنظر في العواقب ظنون ومتى لم يتبع صاحبه ~~أرشدها لزم أن يفعل ما يتفق وهو الخرق بعينه ms258 نعم الاكتفاء بالظن. # PageV02P009 # مع القدرة على ثلج الصدر وطمأنينة النفس [قد] يعد قصورا أو تقصيرا ~~وخصومنا لم يبدوا في مواقع أقيستنا مسالك في اليقين ينتحونها وإنما يبغون ~~رد جنس الظنون حيث لا يرجعون فيه إلى يقين والنظر يضاد العلم وهو واجب ~~والشك المتقدم على النظر عند أبي هاشم حسن وهو الداعية الجالبة لافتتاح ~~النظر. # فهذا وجه الرد على من قبح الخوض فيه لكونه نقيض العلم لعينه. ### | 701- # وأما من قال: في حمل الخلق على ملتطم الظنون وحجرهم [عن] درك اليقين ترك ~~استصلاحهم والاستصلاح في الدين محتوم فهذا مبني على التحسين والتقبيح وقد ~~ظهر بطلان مذهبهم فيهما. # ثم ما ذكروه باطل بقواعد العقائد فإنها منوطه بدقائق النظر ولا يتوصل إلى ~~أدراكها إلا الأكياس من طبقات الناس ثم انقسام طباق الخلق يوجب ازورار ~~طرقهم في [وجوه] النظر ومجاري أحوالهم [في ذلك] أصدق الشواهد والمحن وهو ~~سبب افتراق الفرق ثم معظم الخليقة لا يبغون الحقيقة بل يرجحنون إلى التقليد ~~ولو حمل الله الخلق على الحق المبين بآية تظل لها الرقاب خاشعة لأوشك ألا ~~يتفرقوا. # ولا يغنى مما ألزمناهم قول القائل: مسالك العقول [عتيدة] والبراهين ~~موجودة والشواهد مشهودة وطرق الصواب معدودة فإن كل ناظر يزعم أن مسلكه الحق ~~وقوله الصدق. # ثم إنما كان يستقيم ما ذكروه لو دعونا إلى اليقين وزيفوا بسببه طرق ~~الظنون فأما وهم بعد رد القياس لا يرجعون إلى يقين ومعقل في الدين حصين ~~وغايتهم التعطيل والتبطيل والانسلال عن ربقة التكليف والانحلال عن ربط ~~[التصريف] وترك الناس سدى يموج بعضهم في بعض على موعد وخبر وقول مزخرف ~~وإمام منتظر فلا يدعو إلى الخروج من محاسن الشريعة إلى هذه المسالك إلا ~~هازئ بنفسه مستهين بدينه. ### | 702- # و [أما] من قال: الأقيسة لا قرار لها وفنون النظر على حسب الفكر فقصاراه ~~آيل إلى تقبيح الظن وإيجاب الاستصلاح وشرع اليقين وقد تكلمنا على المسلكين. # ثم الأمر ليس على ما تخيلوه بل للظنون المرعية والأقيسة المعتبرة ~~الشرعية. # PageV02P010 # المرضية روابط وضوابط لا يعرفها إلا الغواصون على ما سيأتي ms259 تفصيلها إن ~~شاء الله تعالى. # ومن حمل كل ظن على جودة القريحة وحدة الطبع فقد أنكر وجه الرأي وتقريب ~~أرباب الألباب وتطلعهم بالفكر الصائب على حجب الغيوب ولو قيل هو عماد ~~الصلاح في الدين والدنيا ودعامة المراشد لم يكن بعيدا والشارع فيما استن ~~كالعاقل الذي يمهد للطلبة طرق الحكمة ومسالك النفع والدفع ثم يكلهم إلى ~~إتعاب الفكر النقية عن الأقذاء والكدر. # ثم إن أضربوا [عما] رأيناه واجتنبوه فهل معهم يقين ادعوه؟ أم الغرض قطع ~~النظر عن بقية المراشد وانتحاء المقاصد وغمس الناس في غمرات [المتاهات] . # وعلى كل الحالات التشوف بالظن إلى الخير اجتناب الضير أحرى من حل الرباط ~~وقطع أسباب الاستنباط وتخيير الخلق بين التفريط والإفراط. ### | 703- # وأما من أشار إلى أن قواعد في الشرع لا تعقل معانيها كضرب العقل على ~~العاقلة واسترقاق الأطفال. # فهذا القائل يتشبث بالوقيعة في الشريعة واتخاذ هذه الجهات إلى المطاعن ~~ذريعة والقياس يعترف بالوقوف عند هذه المواقف وانقسام الشرع إلى ما يجري ~~فيه الأقيسة وإلى ما يجب فيه الانحصار والاقتصار على موارد النصوص فلا يجب ~~من وقوف الرأي في مسلك انحسامه من جميع الوجوه وذلك مستبين بما يعرض ~~للإنسان في مآربه وأوطاره فقد يتغشاه عماية ويستبهم عليه عاقبتها وقد يلوح ~~له وجه الصواب فيما يأتي ويذر ثم العقل لا يحسم طريق الرأي لاستعجامه في ~~بعض الوجوه فقد بطل جميع ما حاولوه. ### | 704- # وأما من ادعى أن القياس مردود بنصوص القران العظيم فقد ادعى أمرا محالا ~~وغايته التلبيس بذكر آية ما سيقت لما دفعنا إليه كقوله تعالى: {ولا تقف ما ~~ليس لك به علم} 1 إلى غير ذلك والمراد أن ينهى عن الحيد عن مدرك اليقين مع ~~إمكانه ومجاوزة مراسم المراشد بالحدس والتخمين. # ونحن لا ندعو إلى كل ظن ثم التمسك بالمجملات أو بالظاهر في مواضع. ~~PageV02P011 # القطع باطل ونعارض ما ذكروه بالآي الدالة على الأمر بالنظر والاستحثاث ~~على الاعتبار ويتطرق إلى ما يعارضون به من الأعتراضات ما تطرق إلى ما ~~استدلوا. ### | 705- # فإن قالوا: وجوب العمل معلوم عندكم مقطوع ms260 به وهذا العلم مرتب على الظن ~~ويستحيل أن ينتج الظن علما. # قلنا: الأقيسة لا تقتضي العلم بوجوب العمل لأعيانها والعمل لا يقع بها ~~وإنما يقع عندها والعلم بوجوبه مستند إلى أدلة قطعية [سنبديها] وقد تقرر ~~هذا الفن في مواضع من هذا الكتاب. ### | 706- # ومن تمويهاتهم في ذلك قالوا: إذا لم يمتنع انتهاض الظن علما بالعمل ~~فينبغي [أن] تبعدوا أن ينتصب الظن علما في العلم بوقوع الرؤية. # قلنا لو قام دليل قاطع على أن وقوع الظن علم ينصبه الله تعالى لوقوع شيء ~~رؤية كانت أو غيرها لم يبعد ذلك ومستند العلم ناصب الظن لا عينه. ### | 707- # والذي تمسك به النظام ورهطه وهو معتصم القوم أن العقول لا تدل على وجوب ~~العمل بالظنون وإنما يبغي الناظر ذلك إن كان من مآخذ السمع ثم لا يقع ~~الاكتفاء بالظواهر فإن إثبات القياس عند القائلين به مقطوع به وقواطع السمع ~~نص الكتاب أو نص السنة المتواترة وليس في إثبات القياس نص كتاب ولا نص سنة ~~متواترة. # والإجماع قد نفاه النظام [أصلا] وزعم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دعوا الناس إلى اتباع الإجماع وراموا أن يتخذوا رءوسا فقرروا الإجماع ~~وأسندوا إليه ما يرون وأخذوا يحكموا مسترسلين فيما لا نهاية له وأصول ~~الشريعة مضبوطة. # ومن قال بالإجماع يقول: القول بالقياس مختلف فيه ومعظم الأمة على رده ~~فادعاء الإجماع فيه محال ولا نص ومسالك العقول منحسمة فلم يبق بالقول على ~~القياس دليل. # وربما عضدوا ذلك بأن يقولوا: الأمارات التي يستنبطها القياسيون لا تقتضي ~~الأحكام لأعيانها فإن الشدة المطربة التي يعتقدها القياسيون علة في تحريم ~~الخمر كانت ثابته قبل الشرع وفي الملل السالفة ولا تحريم وكانت الخمر مباحة ~~في بدء الإسلام مع قيام الشدة والإطراب والقايس لا يتوهمها موجبة لعينها ~~وإنما يتوهم نصب. # PageV02P012 # الشارع لها وليس في العقل ولا قواطع السمع ما يدل على ذلك. ### | 708- # قلنا: مستند وجوب العمل بالقياس الإجماع وما ذكره النظام كفر وزندقة ~~ومحاولة استئصال قاعدة الشرع لأنه إذا نسب حامليها إلى ما هذى به ms261 فبمن يوثق ~~وإلى قول من يرجع؟ وقد رد القياس وطرد مساق رده إلى الوقيعة في أعيان الأمة ~~ومصابيح الشريعة فإذا لا نقل ولا استنباط ولا تحصل الثقة على ما قاله بآي ~~القران فإنه لا يبعد على المنكر الجاحد إدعاء ما قاله في التحريف والتصريف ~~وكتم البعض وتغيير مقتضى البعض فلم تختص غائلته ومماراته بالقياس بل عمت ~~قاعدة الشريعة. ### | 709- # وأما من اقتصر في قطع ارتباط القياس بالإجماع على قوله: القياس مختلف فيه ~~فادعاء الإجماع في محل النزاع محال. # فأنا نقول لهؤلاء: إنما كان يستقيم ما ذكرتموه لو كنا نحتج عليكم بإجماع ~~أهل الزمان المشتمل عليكم فأما متمسكنا فإجماع أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومن بعدهم من أئمة التابعين إلى أن نبغت الأهواء واختلفت الاراء ~~على ما سنقرره الآن فخلافكم مسبوق بالإجماع ولا مبالاة به. ### | 710- # فهذي قواعد منكري القياس وعيون شبههم وقد تقرر الفراغ من الرد على من ~~ينكر جواز التعبد بالقياس وأوضحنا الرد على من زعم أنه لا طريق إلى إثباته ~~بقاطع عقلي أو سمعي وقد حان الآن أن نبين وقوع التعبد بالقياس وانعقاد ~~الإجماع على العمل به. # PageV02P013 ### | فصل: في وقوع التعبد بالقياس بعد بيان الجواز # فنقول والله المستعان: ### | 711- # نحن نعلم قطعا أن الوقائع التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة وأقضيتهم ~~تزيد على المنصوصات زيادة لا يحصرها عد ولا يحويها حد فإنهم كانوا قايسين ~~في قريب من مائة سنة والوقائع تترى والنفوس إلى [البحث] طلعة وما سكتوا عن ~~واقعة صائرين إلى أنه لا نص فيها والآيات والأخبار المشتملة على الأحكام ~~نصا وظاهرا بالإضافة إلى الأقضية والفتاوى كغرفة من بحر لا ينزف. # وعلى قطع نعلم أنهم ما كانوا يحكمون بكل ما يعن لهم من غير ضبط وربط، # PageV02P013 # وملاحظة قواعد متبعة عندهم وقد تواتر من شيمهم أنهم كانوا يطلبون حكم ~~الواقعة من كتاب الله تعالى فإن لم يصادفوه فتشوا في سنن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فإن لم يجدوها اشتوروا ورجعوا إلى الرأي. ### | 712- # والذي يوضح ما ذكرناه أنهم مع اختلاف ms262 مذاهبهم في مواقع الظنون ومواضع ~~التحري ما كانوا ينكرون أصل الاجتهاد والرأي وإنما كان بعضهم يعترض على بعض ~~ويدعوه إلى ما يراه هو ولو كان الاجتهاد حائدا عن مسالك الشريعة لأنكره ~~منهم منكر وإذا لاح المعنى فترديد العبارات عنه هين. ونحن نوضح المقصد ~~بأسئلة وتخييلات وأجوبة عنها: ### | 713- # فإن قيل: قد صح من بعضهم التغليظ على بعض في مسائل كقول ابن عباس في رد ~~العول مع من كان يكلمه وقولهم في الرد عليه وقد صح انتهاء القول إلى ~~المباهلة [في] الأقاصيص المشهورة. # قلنا: لم ينكر أصل الاجتهاد أحد منهم وإنما كانوا ينتاظرون في الذب عن ~~وجوه الاجتهاد والدعاء إلى غيرها من الاجتهاد وكانوا مجمعين على الأصل ~~مختلفين في التعيين والتفصيل نحو اختلاف علماء الدهر. ### | 714- # فإن قيل: غايتكم في هذا ادعاء اجتهاد بعضهم وسكون الباقين وقد ذكرتم في ~~مسائل الإجماع أنه لا ينسب إلى ساكت قول. # قلنا: هذا باطل من أوجه منها أنه لم يخل أحد من علماء الصحابة من ~~الاجتهاد في مسائل وإن لم ينقل عنهم الاجتهاد في مسألة واحدة فقد صح النقل ~~المتواتر في مصير كل واحد منهم إلى أصل الاجتهاد في مسائل قضى فيها أو أفتى ~~بها ثم أحداث قاعدة في الشريعة تستند إليها الأحكام بل يصدر عنها معظم ~~الشريعة مما لا يجوز السكوت عليه لو لم يكن ثابتا وإنما يسوغ السكوت عن ~~المظنونات وليس من تكلم في القياس ردا وقبولا ممن يجترئ بالظن بل كل فريق ~~قاطعون بما يذكرون ويعتقدون وقد ذكرنا مسألة الانتشار وأنه لا يجوز السكوت ~~مع طول الزمان وتذاكر أهله ولو كان الأمر مظنونا فكيف يسوغ في مطرد العرف ~~تصرف علماء الصحابة في مذاهب الاجتهاد على الدوام من غير فتور فيه ثم يسكت ~~عنه من يعتقد بطلانه. ### | 715- # فإن قالوا: بم تنكرون على من يزعم أنهم كانوا يتلقون الأحكام من ~~استنباطات من الظواهر والعمومات وفحوى الخطاب. # PageV02P014 # قلنا: لا أصل لهذه المقالة وهي كمحاولة تسبيع الغزالة [فأنى تفي] الظواهر ~~ومقتضياتها بالأحكام التي طبقت طبق الأرض والأقضية التي ms263 فاتت الحد والعد ~~وقد أوضحنا بالنقل المتواتر عنهم أنهم كانوا يقدمون كل متعلق بنص وظاهر ثم ~~كانوا يشتورون وراء ذلك ويثبتون الأحكام على وجوه الرأي واعتبار المسكوت ~~عنه بالمنصوص عليه. ### | 716- # فقد تبين بمجموع ما ذكرناه إجماع الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ومن ~~بعدهم على العمل بالرأي والنظر في مواقع الظن ومن أنصف من نفسه لم يشكل ~~عليه إذا نظر في الفتاوى والأقضية أن تسعة أعشارها صادرة عن الرأي المحض ~~والاستنباط ولا تعلق لها بالنصوص والظواهر. ### | 717- # فإن قالوا: قد روى عن جمع من أئمة الصحابة رد الرأي والرد على القائلين ~~به قال أبو بكر1 رضي الله عنه: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في ~~كتاب الله برأيي؟ "2 وقال ابن مسعود3 رضي الله عنه: "لو عملتم بالرأي ~~لحللتم كثيرا مما حرم الله وحرمتم كثيرا مما أحل الله تعالى"4 إلى غير ذلك ~~من أفراد اثار فقد عورضوا بأضعافها وذكروا أولا إشارة الرسول عليه السلام ~~إلى القياس في الأخبار. # منها: ما روى أنه عليه السلام سئل عن قبلة الصائم، فقال للسائل: "أرأيت ~~لو تمضمضت بماء ثم مججته" 5 فكان ذلك منه قياسا للقبلة على المضمضة وقال ~~عليه السلام لضباعة الأسدية وقد ذكرت له حجا على أبيها وسألته عن إمكان ~~أدائه فقال: "أرأيت لو كان على أبيك دينا أكنت تقضينه؟ " 6 قالت: نعم، قال: ~~"فدين الله أحق بالقضاء"، وقول ابن مسعود7 في حديث بروع8 بنت واشق وقد كانت ~~فوضت بعضها فردد ابن مسعود السائل شهرا ثم قال:9 "إني أقول فيها [برأيي] . ~~PageV02P015 # فإن أصبت فمن الله تعالى وإن أخطأت فمني ومن الشيطان أرى لها مثل مهر ~~نسائها لا وكس1 فيه ولا شطط2. ### | 718- # قال الإمام: ومن رام منا أن ننقل اجتهادات الصحابة بطريق الاحاد فقد ~~[تكلف] أمرا عسرا فإن ما ثبت النقل فيه تواترا عسر النقل فيه من طريق ~~الاحاد ومن أراد أن ينظم إسنادا عن الأثبات بالعنعنة أن رسول الله صلى الله ~~عليه سلم كان يصلي الفجر ركعتين لم يتمكن منه وهذا يناظر ms264 في المعقولات ~~محاولة إثبات الضروريات والمحسوسات بطريق المباحثات فإنه معوز لا سبيل إليه ~~وقد اضطررنا وكل منصف [معنا] إلى العلم بأن الذين [مضوا] كانوا يسندون جل ~~الأحكام إلى النظر والرأي وكيف يطمع الطامع في معارضة ذلك بألفاظ محتملة ~~ينقلها الاحاد ولو كانت نصوصا لما عارضت التواتر. ### | 719- # ثم ما تمسكوا به من قول الصديق3 وابن مسعود4 رضي الله عنهما لا حجة فيه ~~فأما الصديق فإنه قيد كلامه بالرأي في كتاب الله تعالى وأراد به مخالفة ~~المفسرين الذين إلى قولهم الرجوع وهذا ممنوع عندنا وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "من قال في القران برأيه فليتبوأ مقعده من النار" 5 فلا ~~حجة إذا فيما رووه عن الصديق رضي الله عنه. # وأما قول ابن مسعود فلا متعلق له فإن فيه ما يدل على أن الرأي المجرد لا ~~يطرد إذ قد يلقاه من أصول الشرع ما يمنعه من الجريان فعلى كل ناظر ألا يتبع ~~رأيه المحض حتى يربطه بأصول الشريعة ومن أعمل الرأي المجرد أحل وحرم على ~~خلاف الشريعة فلا حجة إذا في قوله. ### | 720- # واحتج الشافعي6 ابتداء بحديث معاذ بن جبل7 رضي الله عنهما. PageV02P016 # قال له الرسول عليه السلام لما بعثه إلى اليمن ["بم تحكم يا معاذ؟ " قال: ~~بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: بسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ ~~"، قال: أجتهد رأيي، فقال عليه الصلاة والسلام: "الحمد لله الذي وفق رسول ~~رسوله لما يرضاه رسول الله"] وهو مدون في الصحاح وهو متفق على صحته1 لا ~~يتطرق إليه التأويل فإنه رضي الله عنه انتقل من الوحي والتنزيل إلى سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انتقل منهما عند تقديره فقدهما إلى الرأي ~~ولا يجوز أن يقال: أراد بالرأي رأي استنباط من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ~~عليه السلام فإن ذلك لو كان على هذا الوجه لكان متعلقا بالكتاب والسنة. ### | 721- # فإن قيل: خبر الواحد لا يقتضي العلم وإثبات القياس يقتضي أمرا مقطوعا ~~قلنا قد ثبت عندنا بالقواطع العمل بخبر الواحد ms265 كما قد تقرر في صدر كتاب ~~الأخبار وعرفنا من طريق التواتر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أخبر ~~معاذا أن العمل بالرأي سائغ وأخبر معاذ الذين أرسل إليهم أن النبي عليه ~~السلام أخبرني أن العمل بالرأي إذا لم تكن الواقعة في كتاب ولا سنة واجب ~~كانوا يتبعونه ولو روى الصديق أو غيره من أئمة الصحابة على رؤوس الإشهاد أن ~~الرسول عليه السلام شرع القياس والعمل به لكان الذين لم يبلغهم ذلك يتلقونه ~~بالقبول ويبتدرون إلى القياس ويسارعون إلى تمهيد قواعده وسبله وإذا كان ~~القياس مغزاه العمل فالدال عليه دال على العمل فلا فرق بين أن يستند القياس ~~إلى قاطع بدرجة وبين أن يستند إليه بدرجات. ### | 722- # فهذا منتهى ما أردناه في إثبات [القياس وإثبات] تجويز التعبد بالقياس ~~والرد على منكريه وإثبات وقوع ما أثبتنا جوازه وتتبع اعتراضات الحاحدين فيه ~~ونحن نذكر بعد ذلك مسلك النهرواني والقاساني وابن الجبائي في تفصيل ما يقبل ~~ويرد من النظر. # مسألة: ### | 723- # ذهب النهرواني والقاساني إلى أن المقبول من مسالك النظر في مواقع الظنون ~~شيئان: # أحدهما: ما دل كلام الشارع على التعليل به ولهذا صيغ منها ربط. الحكم ~~PageV02P017 # بالأسماء المشتقة كقوله تعالى: {والسارق والسارقة} 1 وقوله سبحانه ~~وتعالى: {الزانية والزاني} 2 فما منه اشتقاق الاسم في فحوى الكلام منصوب ~~علما. # ومن هذا القبيل ما روى أنه سها فسجد وزنى ما عز فرجمه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم [فالفاء] تقتضي ربطا وتسبيبا وذلك مشعر بالتعليل إلى غير ذلك مما ~~يأتي مفصلا في ترتيب الأبواب فهذا أحد الأمرين. # وربما يلحقون بهذا الفحوى نحو قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} 3 ففحوى ~~النهي عن التأفيف يمنع ما يزيد عليه من التعنيف والضرب والإهانة. ### | 724- # والأمر الثاني: إلحاق ما يكون في معنى المنصوص عليه بالمنصوص عليه وهو ~~كقوله عليه السلام: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" 4 ثم قالوا لو جمع ~~جامع بولا في كوز وصبه في الماء الراكد لكان في معنى البول في الماء. # وما عدا هذين من ms266 سبل النظر فهو مردود عند هؤلاء. ### | 725- # وأما أبو هاشم فقد قال بهذين الوجهين وزاد وجها ثالثا وقال إذا ثبت أن ~~المكلف مطالب بشيء واعتاص عليه الوصول [إليه] يقينا فاعلم أنه مأمور يبذل ~~المجهود [في طلبه] والتمسك بالأمارات المفضية إلى الظنون فيه ومثل هذا ~~القول بوجوب طلب استقبال القبلة عند إشكال جهاتها فقال يتعين طلبها بالتمكن ~~من جهة الظن ولما أوجب الله تعالى المثل في الجزاء ولم يبينه لنا تبينا أنه ~~كلفنا طلب المثل لما قال تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} 5. ### | 726- # فنقول ما اعترفتم به أنتم مساعدون عليه وهو يلتحق بقبيل النصوص والظواهر ~~والمباحثة وراء هذه الجهات أفتزعمون أن الفتاوى والأقضية في الأعصار ~~الخالية تنحصر في هذه الجهات؟ فإن قلتم بذلك فقد باهتم وعاندتم مدارك ~~الضرورات فإن ما في النصوص إشعار بتعليله ملتحق بالظواهر وما نراه يبلغ في ~~الكتاب والسنة مائة عدد وما يذكره أبو هاشم معوز النظير في موارد الشرع ~~والأحكام. PageV02P018 # الجارية في نوادر الوقائع قد عدت العد وجاوزت الحد فأين يقع ما ذكره مما ~~جرت فيه فتاوى المفتين؟ وينجر الكلام إلى المسلك المقدم في المسألة الأولى ~~فإن أبدوا شبهة لم يخل من الوقوع في أحد الشقين: إما أن يتعرض لمنع جواز ~~التعبد بالقياس وقد مر القول فيه مستقصى وإما أن يتعرض لعدم الوقوع مع ~~الاعتراف بالجواز وقد تقدم القول البالغ في ذلك فما استفاد هؤلاء بما أودوه ~~إلا اعترافا بمسائل معدودة والدليل عليهم قائم فيما أنكروه. ### | 727- # ثم تتبع المحققون كلامهم فيما وافقوا فيه وأبدوا لهم صفحة الخلاف ~~وطالبوهم بتثبيت ما أقروا به وقالوا: لم قلتم إن ما عرض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بتعليله في حق البعض فتلك العلة مطردة على الكافة مع القطع بأنها ~~لا تدل لنفسها وإنما تدل بنصب ناصب إياها علما ولا يجب من نصبه علما في حق ~~زيد انتصابه في حق عمرو ولو قال الرجل لمن يخاطبه: بع عبدي هذا فإنه سيء ~~الأدب فإنه يبيعه بحكم الإذن فلو أساء عبد آخر أدبه ms267 لم يبعه جريا على ~~تعليله بيع الأول بإساءة الأدب. # فإن قالوا: إذا قال الرجل لولده: لا تأكل هذه الحشيشة فإنها سم اقتضى ذلك ~~نهيه عن تعاطي كل سم. # قلنا: ليس ذلك من حكم اللفظ ولكن ما أظهر من الإشفاق والحث على الحذار من ~~مواقعة الضرر هو الذي اقتضى تعميم الأمر وقد قال المحققون لولا ما تحقق في ~~سياق الخطاب من قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} 1 من نهاية الحث على البر ~~لما أبعدنا النهي عن التأفيف مع الأمر بضرب العنق وقد يأمر السلطان بقتل ~~الرجل المعظم ويتقدم إلى الجلاد بألا يستهين به قولا وفعلا. ### | 728- # والغرض مما نذكره يتبين الآن بأمر هو الشأن كله فنقول. # إن تجرد اللفظ عن القرائن فالقياس بماذا ولا مفزع في إثباته إلا ما ~~اعتصمنا به في إثبات وجوب النظر فإن [تمسكوا به ساقهم إلى القول بوجوب ~~النظر] فإن مواقع فتاوى [المفتين] ليست مختصة بما ذكروه وإن اقترنت باللفظ ~~قرينة أوجبت التعميم. # والذي قبلوه إذا موجب اللفظ وقضية ظاهره وليس من أبواب النظر في ورد ولا ~~صدر فال حاصل الكلام قولهم بتعيين الظواهر. PageV02P019 ### | 729- # فإن قيل: أنتم لا تصححون أيضا كل نظر ومتعلقكم فيما تصححونه الإجماع من ~~الأولين فلا تنقلون فيه لفظا جامعا مانعا حتى يكون مرجعكم فيما تأتون ~~وتذرون وتصححون وتبطلون وإلا فالأقاصيص المتفرقة لا ضبط لها فكيف ينضبط لكم ~~منها ما يصح وما يفسد فقد اعترفتم بأن لا مدرك غير التعلق بما صدر منهم ~~وهذا سؤال مشكل لا يتأتى الجواب عنه في معرض الأجوبة عن الأسئلة ولكن القدر ~~المتعلق بمقصود المسألة: # أنا نعلم ضرورة أن النظر الذي حكموا به زائد على ما اعترف هؤلاء به ~~بأضعاف مضاعفة وآلاف مؤلفة فقد ثبت نظر أنكروه وليس من شرط توجه الكلام ~~عليهم أن نذكر [مأخذنا] في التصحيح والإفساد ولو حاولنا ذلك لم نتوصل إليه ~~إلا بذكر أسباب وتبويب أبواب ورب كلام لا يبينه إلا التفصيل. # وتفصيل ما يصح ويفسد [واستناد] كل دعوى فيها إلى الحق هو لباب القياس ms268 ~~ونحن نضمن للناظر الموفق إلا يتنجز الكتاب وفي صدره غلة لم يشفها وعلة لم ~~يداوها والله المستعان. # وقد تنجز الكلام الآن على الجملة وجاز أن نرسم بعده تقاسيم تشير إلى ~~أغراض الكتاب يتخذها الطالب دستوره والله ولي التوفيق. # PageV02P020 ### | الباب الثاني: القول في تقاسيم النظر الشرعي ### | مدخل # ... # الباب الثاني: القول في تقاسيم النظر الشرعي. ### | 730- # [اعلم أن] النظر العقلي لا يفي [بتراجم] أبوابه وذكر مباديه وأسبابه هذا ~~المجموع فالغرض الآن إذا مردود إلى النظر الشرعي. # ومجامعه إلحاق الشيء [المسكوت] عنه بالمنصوص عليه والمختلف فيه بالمتفق ~~عليه لكونه في معناه أو تعليق حكم بمعنى مخيل به مناسب له في وضع الشرع مع ~~رده إلى أصل ثبت الحكم فيه على وفق نظر وربط حكم كما ذكرناه من غير أن يجد ~~الناظر أصلا متفق الحكم يستشهد عليه وهذا هو المسمى الاستدلال [وتشبيه ~~الشيء بالشيء لأشباه خاصة يشتمل عليها] من غير التزام كونها مخيلة مناسبة ~~وهو المسمى قياس الشبه فهذه وجوه النظر في الشرع. ### | 731- # [فأما] إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به لكونه في معناه فمن أمثلته أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: "لايبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل به"1 فجمع ~~البول في إناء وصبه في الماء في معنى البول فيه. # ومنها قوله عليه السلام: "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه" 2 فجرى ذكر ~~العبد والأمة في معناه. # ونص الرسول عليه السلام في حديث عبادة بن الصامت3 على إجراء الربا في ~~البر والشعير والتمر والملح وقال القاضي: الأرز في معنى البر والزبيب في ~~معنى التمر وهذا [القسم] يترتب على ما سيلفى مشروحا. PageV02P021 ### | 732- # والقدر اللائق بغرضنا: أن نثبت ما يعلم ثبوته على اضطرار من غير حاجة ~~[إلى نظر] واعتبار وهو كإلحاق صب البول في الماء الراكد بالبول فيه وما ~~أنكر هذا الجنس إلا حشوية لا يبالى بقولهم وهم في الشرع كمنكرى البدائه في ~~المعقولات وهؤلاء داود وطائفة من أصحابه وقد قال القاضي لا يعتد بخلاف ~~هؤلاء ولا ينخرق الإجماع بخروجهم عنه وليسوا معدودين من علماء الشريعة. ms269 ### | 733- # ومن هذا الفن ما يحتاج فيه إلى فكر قريب وهو ينقسم إلى الجلي البالغ وإلى ~~ما ينحط عنه: # فالجلي: كإلحاق الأمة بالعبد في الحديث الذي ذكرناه وسبب الوضوح أن ما ~~منه اشتقاق العبد يتحقق في الأمة فإذا العبودية تجمعها وقد يقال: عبدة ~~للأمة فإذا انضم هذا إلى علم العاقل باستواء أثر العتق في العبد والأمة ~~واعتقاد تماثل السريان فيهما وتشاكل عسر التجزئة ترتب على ذلك القطع بتنزيل ~~الأمة منزلة العبد. ### | 734- # وما يتخلف الاشتراك عنه في معنى الاسم فهو دون ما ذكرناه وإن كان معلوما ~~فهو كتنزيل [نبيذ] الزبيب منزلة [نبيذ] التمر لو صح حديث ابن مسعود في ~~الحكاية المروية ليلة الجن ولا يأبى هذا [الإلحاق ذو] حظوة من التحصيل ~~ولسنا نرى إلحاق الأرز بالبر في الربويات من قبيل القطعيات وإلحاق الزبيب ~~بالتمر أقرب وليس مقطوعا به من قبل أن التمر قوت غالب عام فقد يرى الشارع ~~فيه استصلاحا ولم يبلغنا أن أمة من الأمم كانت تجتزئ بالزبيب. # مسألة: ### | 735- # ما علم قطعا بهذه الجهات التحاقه بالمنصوص عليه فلا حاجة فيه إلى استنباط ~~معنى من مورد النص وبيان وجود ذلك المعنى في المسكوت عنه بل العقل يسبق إلى ~~القضاء بالإلحاق ويقدره بالمنصوص عليه وإن لم ينظر في كونه معللا بمعنى ~~مناسب مخيل أو غير مخيل ولو قدر معللا فلا يتوقف ما ذكرناه من الإلحاق على ~~تعيين علته المستنبطة وإذا كان كذلك فقد اختلف أرباب الأصول في تسمية ذلك ~~قياسا فقال قائلون إنه ليس من أبواب القياس وهو متلقى من فحوى الخطاب. # وقال آخرون: هو من القياس وهذه مسألة لفظية ليس وراءها فائدة معنوية ولكن ~~الأمر إذا رد إلى حكم اللفظ فعد ذلك من القياس أمثل من جهة أن النص غير ~~مشعر به من طريق وضع اللغة وموجب اللسان ولو قال رجل: من أعتق نصفا من. # PageV02P022 # عبدي فالنصف الأخير منه حر فلو أعتق معتق النصف من أمة لم [ينفذ] إعتاقه ~~إنشاء ولا سراية لأن لفظه هو المتبع ولم يثبت في حكم اللفظ استرسال ms270 أحكام ~~الشرع فتبين أن حكم اللفظ لا يقتضى ذلك وإنما يثبت هذا في لفظ الشارع من ~~حيث تقرر في وضع الشرع أن الأحكام لا تنحصر على الصور بل تسترسل ولو قال ~~الشارع قاطعا لطريق القياس: "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه دون الأمة", ~~كان الكلام متناقضا فوضح أن تلقى ذلك مما تمهد لا من أجل اعتبار المسكوت ~~عنه بالمنطوق به. ### | 736- # ثم ينقسم ذلك أقساما ويتنوع أنواعا فمنه الجلي المقطوع به ومنه المظنون ~~الذي لا يثبت فيه العلم فالوجه أن يسمى ذلك قياسا وإن عني من أبي تسمية ذلك ~~قياسا أن لفظ الشارع كاف فيه من غير سبر وفكر فهو صحيح. # فهذا القدر كاف في توطئة الكلام في هذا القسم. # القسم الثاني: قياس العلة. ### | 737- # والقسم الثاني من أقسام النظر الشرعي: استنباط المعاني المخيلة المناسبة ~~من الأحكام الثابتة في مواقع النصوص والإجماع ثم إذا وضح ذلك على الشرائط ~~التي سنشرحها [وثبتت تلك] المعاني في غير مواقع النص وسلمت عن المبطلات ~~فهذا القسم يسمى قياس العلة وهو على [التحقيق] بحر الفقه ومجموعه وفيه ~~تنافس النظار وأكثر القول في هذا الكتاب يتعلق ببيان صحيحه وفاسده وذكر ~~الاعتراضات الصحيحة والفاسدة عليه. # وأنا أرى أن أصدر القول فيها بالطرد ومعناه وذكر المذاهب في قبوله ورده ~~واختيار المسلك الحق فيه إن شاء الله تعالى. # مسألة: [في الطرد] . ### | 738- # الطرد هو الذي لا يناسب الحكم ولا يشعر به ولو فرض ربط نقيض الحكم [به] ~~لم يترجح في مسلك الظن قبل البحث عن القوادح النفى على الإثبات ولم يكن من ~~فن الشبه على ما نصفه هذا هو الطرد. ### | 739- # وقد ذهب المعتبرون من النظائر إلى أن التمسك به باطل وتناهى القاضي في ~~التغليظ على من يعتقد ربط حكم الله تعالى به. # PageV02P023 ### | 740- # وذهب طوائف من أصحاب أبي حنيفة إلى أنه حجة من حجج الله تعالى إذا سلم من ~~الانتقاض وجرى على الاطراد. ### | 741- # وذهب الكرخي إلى أن التعلق به مقبول جدلا ولا يسوغ التعويل عليه عملا ولا ~~فتوى. ### | 742- # وقد أكثر المحققون ms271 في وجوه الرد على أصحاب الطرد وحاصل ما ذكروه يئول إلى ~~وجوه منها: # أن أقيسة المعاني لم تقتض الأحكام لأنفسها وإنما ظهر لنا من دأب أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم التعلق بها إذا عدموا متعلقا من الكتاب ~~والسنة فكان مستند الأقيسة الصحيحة إجماعهم على ما سبق تقريره. # والذي تحقق لنا من مسلكهم النظر إلى المصالح والمراشد والاستحثاث على ~~اعتبار محاسن الشريعة فأما الاحتكام بطرد لا يناسب الحكم لا يثير شبها فما ~~كانوا يرونه أصلا فإذا لم يستند الطرد إلى دليل قاطع سمعي بل يتبين أنهم ~~كانوا يأبونه ولا يرونه ولو كان الطرد مناطا لأحكام الله تعالى لما أهملوه ~~وعطلوه فقد استمرت الطريقة قاطعة من وجهين: # أحدهما: أنا أوضحنا أنه ليس للطرد مستند معلوم ولا مظنون وليس هو في نفسه ~~مقتضيا حكما لعينه. # والآخر: أنا نعلم إضرابهم عن مثله في النظر في أحكام الوقائع كما نعلم ~~إكبابهم على تطبيق الأحكام على المصالح الشرعية وهذه طريقة واقعة. ### | 743- # ومن أوضح ما يعتصم [به] أن مناط الأعمال في الشريعة ينقسم إلى معلوم ~~ومظنون وما لا يتطرق إليه علم ولا ظن فذاكره ومعلق الحكم به متحكم وقد أجمع ~~حملة الشريعة على بطلان الاحتكام. # فإن ادعى الطارد ظنا [تبين] خلفه وكذبه فإن للظن في مطرد العرف أسبابا ~~كما أن للعلوم النظرية طرقا مفضية إليها ومن ادعى أنه يظن أن وراء الجبل ~~المظل غزالة من غير أن يبين لظنه مرتبطا أو سببا كان صاحب هذه المقالة ~~كاذبا أو مخيلا فإذا بطل التحكم ولم ينقدح ظن ولا علم والذي ربط به ثبوت ~~الحكم لو نسب إلى نفيه لكان كما لو نسب إلى إثباته فلا يبقى للتعلق به وجه. # PageV02P024 ### | 744- # و [قد] انتهى كلام القاضي والأستاذ في هذا إلى ما نرمز إلى مبادئه فإنهما ~~قالا من طرد عن غرة فهو جاهل [غبي] ومن مارس قواعد الشرع واستجاز الطرد فهو ~~هازئ بالشريعة مستهين بضبطها مشير إلى أن الأمر إلى القائل كيف أراد. ### | 745- # فإن قيل: سلامته عن النقض تغلب على ms272 الظن انتصابه علما قلنا: هذا الطارد ~~مطالب بتصحيح مطرده فهو الذي طرده والصورة التي فيها النزاع عند المعترض ~~على الطرد [نقض للطرد] . ### | 746- # فإن قال الطارد: فقد اطرد في غير محل النزاع. # قيل له: جريانه في غير محل النزاع لا يوجب القضاء بالطرد في غيره وعلى ~~الطارد أن يثبت كونه علما فيما ادعى جريانه فيه. # فإن تمسك بنفس الجريان قيل: هذا جريان في مسائل معدودة فلا ينتهض علما ~~ولا يجب منها الحكم على جميع الشريعة فإنما يكون ما ذكره مخيلا لو جرى ~~الطرد في جميع المسائل وساوقه الحكم على حسب طرد الطارد. # فآل النزاع إلى [أن] ما جرى على وفاق هل هو علة فإذ ذاك ربما تخيل من لا ~~تحصيل له أن الجاري علة وسنبين أن الأمر ليس كذلك. ### | 747- # بعد هذا قلنا: إذا كان الطارد منازعا في طرده فكيف [يصح أن] يستدل بالطرد ~~وحاصل استدلاله أنه يقول الدليل على صحة طردي دعواي اطراده في صور النزاع ~~فلا يبقى بعد هذا الذي عقل تعلق بالطرد المحض في مسائل معدودة. ### | 748- # ثم قال القاضي: لو كان التمسك بالطرد سائغا لما عجز عنه أحد من طبقات ~~الخلق ولما كان في اشتراط [استجماع] أوصاف المجتهدين معنى. # فإن زعم زاعم أن شرط الطرد أن يسلم من العوارض والمبطلات ولا يتهدى إليها ~~إلا العالم. # قيل له: ليطرد العامى ثم يراجع العالم فإذا انتهى التصرف في الشرع إلى ~~هذا المنتهى كان ذلك هزءا بقواعد الدين. ### | 749- # ثم نقول: علماء الشريعة صرفوا مباحثتهم في الوقائع العرية عن النصوص ~~والإجماع إلى [ما يرونه] مشعرا بالحكم مشيرا إليه مخيلا به وقد ضرب. # PageV02P025 # الحليمي لذلك مثلا فقال: من رأى دخانا وثار له الظن أن وراءه حريقا كان ~~محوما على الإصابة قريبا من نيلها. # فإن قال: [وقد رأى غبارا] إن وراءه حريقا لم يكن ما جاء به علما على ما ~~أنبأ عنه وأقيسة الشريعة أعلام الأحكام وهذا بمنزلة الطارد. # فإن تنسم نسيما أرجا فقال: إن وراءه حريقا كان ذلك في محل فساد الوضع من ~~حيث ms273 إنه استدل بالشيء على نقيضه. # وهذا القدر فيه بلاغ ومقنع في الرد على أصحاب الطرد. ### | 750- # فأما من جوز الجدل به ومنع تعليق ربط الحكم به عقدا وعملا وفتوى وحكما ~~[فقد] ناقض فإن المناظرة مباحثة عن مآخذ الشرع والجدل يستاقها على أحسن ~~ترتيب وأقربه إلى المقصود وليس في أبواب الجدل ما يسوغ استعماله في النظر ~~مع الاعتراف بأنه لا يصلح أن يكون مناطا للحكم وغاية المعترض كفى المئونة ~~وعاد الكلام نكدا وعنادا [وأضحى] لجاجا وخرج عن كونه حجاجا. ### | 751- # فأما الطاردون فمما تمسكوا به أن قالوا: للشارع أن ينصب الطرد علما وإن ~~لم يكن مناسبا للحكم وإذا لم يمتنع ذلك لم يمتنع من المستنبط تقديره. # وهذا لا حاصل له فإن للشارع تأسيس الحكم وما يذكره من علم يجري مجرى الحد ~~ولو ذكر الشارع الحكم من غير علة لقوبل بالقبول فإذا حده صدق والمستنبط ~~ممنوع من التحكم بالحكم كما سبق فإن ظن شيئا بمسلك شرعي أبداه وعرضه على ~~القواعد وليس للطارد مسلك ظني ولا له منزلة الابتداء بوضع الحكم. # ولو جاز أن يتحكم بنصب الطرد لجاز أن يتحكم بنصب الحكم وهو في التحقيق ~~كذلك فإن الطارد يتحكم بالحكم في صورة يدعيها وهو منازع فيها. ### | 752- # وما عدوه مستروحا لهم أن قالوا: المعاني المخيلة المناسبة للحكم لا توجب ~~لعينها كما لا يوجب الطرد الحكم لذاته إذ الشدة التي اعتقدت مخيلة في إثارة ~~التحريم كانت ثابته والخمر حلال فإذا العلل كلها وإن اعتقدت مخيلة إذا كانت ~~لا توجب الأحكام لأعيانها فهي كالطرد. # قلنا: هذا فاسد لا حاصل له فإنا لا نرتضى المخيل من جهة الإخالة ولكن ~~إذا. # PageV02P026 # صادفناه وظنناه موافق لعلل الصحابة ومسالكهم رضي الله عنهم في النظر فهو ~~الدليل على وجوب العمل لا نفس الإخالة ولم يثبت تمسك الصحابة بالطرد فلا ~~يبقى للمستنبط وجه يبنى عليه الظن بأن ما طرده منصوب الشارع فال الأمر إلى ~~التحكم المحض وهو باطل من دين الأمة كما سبق تقريره. # مسألة: ### | 753- # إذا ذكر المستنبط علة مخيلة مناسبة ولكنها منتقضة فقيدها ms274 بلفظ يدرا النقض ~~فالذين يتمسكون بالطرد المحض لا يمتنعون من التمسك بها والذين ردوا الطرد ~~اختلفوا في ذلك. # فذهب المحقون: إلى أن ذلك الوصف الزائد الذي لاحظ له في الفقه على حياله ~~ولا على تقدير ضمه محذوف غير محتفل به والدليل على ذلك هو الدليل على إبطال ~~الطرد فإن حاصل القول في الرد على القائلين به نسبتهم إلى التحكم ولا فرق ~~بين التحكم بما هو على صيغة علة وبين التحكم بصيغة [تقيدت] العلة بها. ### | 754- # وهذه المسألة لا تصفو قبل ذكر النقض وحقيقته ورده وقبوله فإن الخصم قد ~~يقول فائدة هذه الزيادة درء النقض فإذا ظهرت فائدته في الكلام خرج عن كونه ~~متحكما به من حيث نتج فائدة وهي اندفاع النقض وليس كما إذا كان الكلام ~~بجملته طردا غير مناسب لأن صاحبه حرى أن ينسب إلى التحكم. # فالوجه أن يقال: إن كانت المسألة التي ترد نقضا لو حذفت الزيادة تفارق ~~محل العلة بفرق فقهي فالمذكور دونه بعض العلة والاقتصار على بعض العلة لا ~~يجدي فائدة وإن كان لا ينقدح فرق فقهي فالعلة منتقضة لا يعصم فيها لفظ لا ~~يفيد فقها ولا يشعر بفرق معنوي وهو بمثابة تعليل الرجل حكما مع تقييد العلة ~~بنعيق غراب أو ما في معناه مما لا يفيد حتى إذا ألزم شيئا اتخذ ما ذكره ~~مدراه وهذا من الفن الذي يأنف منه المحقق وسنعود إلى تحقيق ذلك في باب ~~النقض إن شاء الله تعالى. ### | 755- # فإذا ثبت أن التقييد بما لا فقه له لا يفيد فلو فرض التقييد باسم غير ~~مشعر في وضع اللسان بفقه ولكن مباينة المسمى لما عداه مشهورة عند النظار ~~فهل يكون التقييد بمثل هذا اللفظ محصنا للعلة وهذا كتقييد العلة بالطلاق في ~~قول القائل جزء [حله الحل] فإضافة الطلاق إليه نافذة كالجزء الشائع. # PageV02P027 # فإذا قال الملزم: العلة تنتقض بالنكاح ولفظ الطلاق لا فقه فيه فيكون من ~~جواب المعلل أن الطلاق سلطانه ونفوذه يفارق النكاح إذ تسميته تشير إلى ~~خصائصه فذكره كذكر خاصية تفيد فقها. # وهذا ms275 مما تردد فيه أرباب الجدل ولعل الأقرب تصحيحه فإن ذلك جار مجرى ~~اصطلاح النظار على عبارات يتواطئون عليها مشعرة بأغراضهم. # فهذا مقدار غرضنا الآن في الطرد وما يليق به ونحن نذكر بعده تفصيل القول ~~فيما تثبت به علل الأصول. # PageV02P028 ### | فصل: القول في تصحيح علة الأصل في أقيسة المعاني ### | 756- # إذا ثبت حكم في أصل متفق عليه وادعى المستنبط أنه معلل بمعنى أبداه فهو ~~مطالب بتصحيح دعواه في الأصل وادعى بعض الأغبياء أنه لا يسوغ ذلك ولكن على ~~المعترض أن يبطل ذلك برده إن كان عنده مبطل وهذا قول من لا يحيط بمنازل ~~النظر وحقائق الأقيسة. # فإذا ادعى مدعي أن المعنى الذي أبداه علة للحكم فهذه دعوى عرية عن ~~البرهان من جهة أن التحكم ينصب العلل غير سائغ كما سبق في الرد على ~~الطاردين فلا بد من ظهور وجه في ظن المستنبط يوجب تخيل معنى مخصوص في ~~انتصابه علما وهو مطالب بإبدائه فإذا اقتصر على محض الدعوى كان ادعاؤه ~~المجرد في نصب العلل كادعائه الحكم في محل النزاع وكادعائه كون صورة النزاع ~~كمسألة متفق عليها من غير ذكر جامع ومن أنكر أن ادعاء معنى الأصل في حقيقة ~~الدعوى وصورتها فقد جحد الضرورة وإن اعترف الخصم أنها دعوى وألزم قبولها من ~~غير برهان فقد تناهى في الاحتكام وانحط عن رتبة النظار بالكلية. ### | 757- # فإن زعم زاعم: أني نصبت علما كانت الصحابة تنصبه للأحكام علما قيل له ~~كانوا ينصبون كل عام لكل حكم أو كانوا يرون لذلك مسالك تخصيص بعض الأعلام ~~فإن زعم أنهم كانوا ينصبون كل شيء علما فقد ظهر اجتراؤهم وقصارى كلامهم ~~العود إلى الطرد. # وإن سلموا أنهم كانوا يثبتون الأحكام لوجوه هي عللها فيقال لمن ادعى نصب ~~العلم: ما الدليل على أن ما نصبته من جنس منصوب الصحابة فيرجع حاصله. # PageV02P028 # إلى القول بالمطالبة بالدليل فإن [قيل] الدليل على ثبوت المدعى علما عجز ~~المعترض عن الاعتراض عليه فهذا كلام سخيف فإن المعترض واقف موقف المسترشد ~~سائل خصمه إثبات دليل فكيف يحسن رد الدليل ms276 إلى عجزه وقدرته ولو اعترف بعجزه ~~عن الاعتراض لم ينتهض عجزه علما على انتصاب ما ادعاه المجيب علما. # وهذا القدر [من التنبيه] كاف إذ هو من الكلام الغث ويكفي التنبيه في مثل ~~هذا المقام. ### | 758- # فإذا ثبت ذلك اختتمناه بأمر نجعله فاتحة الغرض وقلنا لا بد أن يكون لذلك ~~العلم وجه عند ناصبه ولأجله يفتي به ويلزم العمل بموجبه والمسئول يريد منه ~~أن يبديه وكل ذلك مبني على أبطال الطرد فإذا لا بد من إثبات معنى في الأصل ~~دينا أو جدلا وقد اضطربت الاراء في السبل التي تتضمن إثبات علة الأصل. # مسالك الباحثين في إثبات علة الأصل. # ونحن نذكر مسالك النظار في ذلك مسلكا, مسلكا ونذكر في كل مكان ما يليق به ~~إن شاء الله تعالى. ### | 759- # فمما اعتمده المحققون وارتضاه الأستاذ أبو إسحاق إثبات علة الأصل بتقدير ~~إخالته ومناسبته الحكم مع سلامته عن العوارض والمبطلات ومطابقته الأصول ~~وعبر الأستاذ [عنه] في تصانيفه بالاطراد والجريان ولم يعن الطرد المردود ~~فإنه من أشد الناس على الطاردين ولكنه عرض بالإخالة وقرنه باشتراط الجريان ~~وعني بالجريان السلامة [عن] المبطلات. ### | 760- # فإن قيل: إذا أبدى المعلل وجها مرتضى في الإخالة قبل وقيل له ليس كل مخيل ~~علما وليس كل استصلاح وجها مرتضى في الأحكام فمن أين زعمت أن ما أبديته من ~~قبيل ما يعتد عليه إذ الإخالات منقسمة ووجوه الاستصلاح منتفية والشرع لا ~~يرى تعلق الحكم بجميعها ولم تضبط الرواة مسالك الظنون للصحابة وأنحائهم ~~فإذا بطل دعوى التعلق بكل مصلحة ولم يتبين لنا ما اعتمده الأولون فكيف تدل ~~نفس الإخالة. # قلنا: قد يتبين لنا أنهم رضي الله عنهم في الأزمان المتطاولة والآماد ~~المتمادية ما كانوا ينتهون إلى وجوه مضبوطة بل كانوا يسترسلون في الاعتبار ~~استرسال. # PageV02P029 # من لا يرى لوجوه الرأي انتهاء ويرون طرق النظر غير محصورة ثم كان ~~اللاحقون يتبعون السابقين ولا يعتنون بذكر وجوه في الحصر لا تتعدى فعلمنا ~~بضرورة العقل أنهم كانوا يتلقون معاني ومصالح من موارد الشريعة يعتمدونها ~~في الوقائع التي لا نصوص فيها ms277 فإذا ظنوها ولم يناقض رأيهم فيها أصل من أصول ~~الشريعة أجروها واستبان أنهم كانوا لا يبغون العلم اليقين وإنما كانوا ~~يكتفون بأن يظنوا شيئا علما. # فإذا ظهرا الإخالة وسلم المعنى من المبطلات وغلب الظن كان ذلك من قبيل ما ~~يتعلق به الأولون قطعا. ### | 761- # وأنا أقرب في ذلك قولا [فأقول] : إذا ثبت حكم في أصل وكان يلوح في سبيل ~~الظن [استناد] ذلك إلى أمر ولم يناقض ذلك الأمر شيء فهذا هو الضبط الأقصى ~~الذي لا يفرض عليه مزيد. # فإذا أشعر الحكم في ظن الناظر بمقتضى استنادا إليه فذلك المعنى هو ~~المظنون علما وعلة لاقتضاء الحكم فإذا ظهر هذا وتبين أن الظن كاف وتوقع ~~الخطأ غير قادح ولا مانع من تعليق الحكم كان ذلك كافيا بالغا. ### | 762- # ومما يعضد به الغرض أن كل حكم أشعر بعلة ومقتضى ولم [يدرأه] أصل في الشرع ~~فهو الذي يقضي بكونه معتبر النظر فإن الشارع ما أشار إلى جميع العلل ~~واستنبط نظار الصحابة رضي الله عنهم وكانوا يتلقون نظرهم مما ذكرته قطعا. # فإن قيل: فالإخالة مع السلامة هي الدالة إذا. # قلنا: لا ولكن إذا ثبتت الإخالة ولاحت المناسبة واندفعت المبطلات التحق ~~ذلك بمسلك نظر الصحابة رضي الله عنهم فالدليل إجماعهم إذا كما تقدم في ~~إثبات القياس على منكريه. ### | 763- # فإن قيل: قد ثبت من رأيكم أنه لا يخلو واقعة عن حكم الله تعالى ما دامت ~~أصول الشريعة محفوظة وثبت أن النظر ليس مسترسلا في وجوه المصالح كلها ومآخذ ~~الأحكام مضبوطة والوقائع المتوقعة لا ضبط لها فكيف يستند ما لا نهاية له ~~إلى المتناهي؟ وهذا سؤال عسر جدا. # ونحن نقول: أولا: انضباط المآخذ مسلم والحكم بأن حكم الله يجرى في. # PageV02P030 # كل واقعة مسلم مع انتفاء النهاية. # والسبيل فيه أن كل فن من فنون الأحكام يتعارض فيه نفى وإثبات ثم لا محالة ~~لا يلفى أصل يعارضه نقيض له إلا والنهاية تنتفي عن أحد المتقابلين لا ~~محالة. # وبيان ذلك بالمثال: أن الأعيان النجسة [مضبوطة محصورة والذي ليس بنجس لا ~~نهاية له فكل ms278 ما ثبتت نجاسته] اتبع النص فيه وكل ما أشكل أمره فإن كان في ~~وجوه النظر ما يقتضي إلحاقه بالأعيان النجسة ألحق بها وإن لم يظهر وجه ~~يقتضى ذلك التحق بما لا نهاية له من الطاهرات فينتظم من هذه الجملة في ~~النفي والإثبات ما لا نهاية له وكذلك القول في جميع [مسالك] الأحكام وهذا ~~من نفائس الكلام وسنقرره على أحسن الوجوه إن شاء الله تعالى في كتاب ~~الاجتهاد وهذا منتهى الغرض في إثبات علة الأصل بطريق الإخالة. ### | 764- # وأما ما اعتمده الشافعي وارتضاه ولا معدل عنه ما وجد إليه سبيل فهو دلالة ~~كلام الشارع في نصبه الأدلة والأعلام فإذا وجدنا ذلك ابتدرناه ورأيناه أولى ~~من كل مسلك [ثم] ذلك يقع على وجوه. # منها ما يقع على صيغة التعليل صريحا كقوله تعالى: {كي لا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم} 1. # ومنها: ما يتضمن التعليل ويشعر به إشعارا ظاهرا وهو يقع على وجوه نضرب ~~أمثلتها. # فمنها: قوله عليه السلام لمن سأله عن بيع الرطب بالتمر: "أينقص الرطب إذا ~~[يبس] ؟ " فقال السائل: نعم, فقال عليه السلام: "فلا إذا" 2 فجرى ذلك منه ~~متضمنا تعليلا بنقصان الرطب عن وزن التمر عند الجفاف. # وقد تكلم بعض من لا يعد من أهل البصيرة بالعربية على هذا الحديث فقال ~~معنى الحديث أنه إذا نقص فلا يباع الناقص بالتمر الذي لم ينقص وأكد هذا عند ~~نفسه بأن قال "إذا" يتعلق بالاستقبال والفعل المضارع المتردد بين الحال ~~والاستقبال إذا تقيد "بإذا" تجرد للاستقبال وانقطع عن احتمال الحال وكذلك ~~جملة نواصب الأفعال المضارعة إذا تعلقت بها فإنها تمحضها للاستقبال فقوله: ~~"إذا" تصرف النهي إلى الاستقبال عند فرض النقصان في الرطب. PageV02P031 ### | 765- # وهذا قول عرى عن التحصيل من وجوه: # منها: أن السائل سأله عن بيع الرطب بالتمر في الحال فيبعد أن يضرب عن محل ~~السؤال ويتعرض للاستقبال وكان قد شاع في الصحابة رضي الله عنهم تحريم ربا ~~الفضل فرد الجواب إليه والإضراب عن محل السؤال غير لائق بمنصب الرسول عليه ~~السلام ثم لم يجر لفعل ms279 مستقبل ذكر في الحديث فلما جرى السؤال متعلقا بصيغة ~~المصدر فإنه عليه السلام سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال عليه السلام بعد ~~مراجعة السائل وأخذ جوابه "فلا إذا" 1 و "إذا" قد تستعمل على أثر جمل ليس ~~فيها لفعل مستقبل ذكر وقد يستعمل متصلا بالفعل غير عامل فيه فإنه يجري عند ~~النحويين مجرى ظننت فإن تقدم واتصل بالفعل عمل كقولك في جواب كلام إذا أكرم ~~زيدا وإن توسط جاز إلغاؤه عن العمل وجاز أعماله كقولك [زيدا إذا أكرمه ~~ويجوز أكرمه بالرفع وإن أخرته لم يجز إعماله كقولك] زيد أكرمه إذا بالرفع ~~لا غير وإذا لم يعمل كان كالتتمة للكلام والصلة الزائدة التي لا احتفال بها ~~ولا وقع لها في تغير معنى وتخصيصه باستقبال عن حال ولكنه إذا اتصل بكلام ~~مصدر بالفاء اقتضى تسبيبا وتعليلا كما قال عليه السلام: "فلا إذا" ثم السر ~~في ذلك أن الرسول عليه السلام استنطق السائل بالعلة وما كان يخفى عليه ~~السلام أن الرطب ينقص إذا يبس فلما نطق السائل وقع تعليل الرسول عليه ~~السلام مرتبا على نطق السائل على [جفاف] الرطب معناه إذا علمت ذلك فلا إذا. ### | 766- # ومما يجري تعليلا صيغة تتضمن تعليق الحكم باسم مشتق. # فالذي أطلقه الأصوليون في ذلك أن ما منه اشتقاق الاسم علة للحكم في موجب ~~هذه الصيغة كما قال تعالى: {والسارق والسارقة} 2 فاقطعوا أيديهما وكما قال: ~~{لزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} 3 فتضمن سياق الآيتين ~~تعليل القطع والحد بالسرقة والزنا. # وهذا الذي أطلقوه مفصل عندنا فإنا نقول: إن كان ما منه اشتقاق الاسم ~~مناسبا للحكم المعلق بالاسم فالصيغة تقتضي التعليل كالقطع الذي شرع مقطعة ~~للسرقة والجلد المثبت مردعة عن فاحشة الزنا وفي الايتين قرائن تؤكد هذا ~~منها قوله تعالى: {جزاء بما كسبا نكالا من الله} 4 وقوله. PageV02P032 # تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} 1 وإن لم يكن ما منه اشتقاق ~~الاسم مناسبا للحكم فالاسم المشتق عندي كالاسم العلم. # وتعلق أئمتنا في تعليل ربا الفضل ms280 [بالطعم] بقوله عليه السلام: "لا تبيعوا ~~الطعام بالطعام" 2 فوقف على إثبات كون [الطعم] مشعرا بتحريم التفاضل وإلا ~~فالطعام والبر بمثابة واحدة ولو علق الحكم [بهما] . ### | 767- # وإذا ثبت بلفظ ظاهر قصد الشارع في تعليل حكم بشيء فهذا أقوى متمسك به في ~~مسالك الظنون فإن المستنبط إذا اعتمد إيضاح الإخالة وإثبات المناسبة وتدرج ~~منه إلى تحصيل الظن فإن صحب الرسول عليه السلام كانوا رضي الله عنهم يعلقون ~~الأحكام بأمثال هذه المعاني. # فالذي يتضمنه ونظنه أبعد في الإشعار بأن ما استنبطه منصوب الشارع من لفظ ~~منقول عن الرسول عليه السلام مقتض للتعليل. ### | 768- # والقول الوجيز أن ما يظهر من قول الرسول عليه السلام في نحو وجهة يتقدم ~~على ما يظهر من طريق الرأي لما تقرر من تقديم الخبر على القياس المظنون ~~فإذا تطرق إلى كل واحد منهما الظن وانحسم القطع تقدم الخبر لمنصبه واستأخر ~~الرأي وصيغ التعليل ظاهرة في قصد صاحب اللفظ إلى التعليل. # وقد ذكرت في كتاب التأويل: أنه إذا قصد الشارع تعميم حكم ولاح ذلك وظهر ~~في صيغة كلامه لم يسغ مدافعة مقتضى العموم بقياس مظنون وقد ذكرنا من هذه ~~الجملة في كتاب التأويل ما نحن الآن فيه وأوضحنا أن ما يظهر قصد التعليل ~~فيه وإن لم يكن نصا فلا يجوز إزالة ظاهر التعليل بقياس لا يستند إلى تعليل ~~الشارع ظاهرا فإنا لو فعلنا ذلك كنا مقدمين ظن صاحب الرأي على ما ظهر فيه ~~قصد الشارع وهذا محال. # وإن استند قياس من يحاول إزالة ظاهر التعليل إلى ظاهر آخر في التعليل ~~يخالف ما فيه الكلام فينظر إذ ذاك في الظاهرين نظرنا في المتعارضين كما ~~سيأتي في كتاب الترجيح إن شاء الله تعالى. ### | 769- # فإن قيل: قد علل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوب الوضوء على المستحاضة ~~بكون. PageV02P033 # الخارج دم عرق فإنه قال عليه السلام: "توضئي فإنه دم عرق" 1 فاقتضى ذلك ~~وجوب الوضوء بخروج الدم من كل عرق. # قلنا: قال بعض أصحابنا ما ذكره صلى الله عليه وسلم تعليل في محل ms281 مخصوص ~~فإنها سألت عن دم يخرج من مخرج الحدث فجرى جوابه عليه السلام حكما وتعليلا ~~منزلا على محل السؤال وكان السؤال عن خروج الدم من محل الحدث ومعظم ما يجري ~~على صيغ التعليل في ألفاظ الشارع لا يكون فيه تعرض للمحل بل يكون طلب المحل ~~محالا على الطالب الباحث وكذلك تلفى تعليلات القرآن كالسرقة والزنا ~~وغيرهما. # والجواب المرضى عندنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقصد إيجاب ~~الوضوء والاعتناء بتعليله وإنما غرضه نفى وجوب الغسل [ورفع] حكم الحيض عند ~~اطراد الاستحاضة ولما اشتبه على السائلة أن الخارج حيض أم لا قصدت السؤال ~~عما أشكل عليها فأبان صلى الله عليه وسلم أن الخارج ليس بالحيض الذي يزجيه ~~الرحم وإنما هو عرق وحكمه الوضوء وهذا بين من فحوى كلامه عليه السلام. ### | 770- # فإن قيل: لم تركتم تعليل رسول الله صلى الله عليه وسلم تخيير المعتقة ~~بملكها نفسها حتى تقضوا على حسب ذلك بأنها تخير وإن اعتقت تحت حر فإنه عليه ~~السلام قال لبريرة: "ملكت نفسك فاختاري", وهذا تعليل الخيار بانطلاق حجر ~~الرق وهو يجري في العتق تحت الحر جريانه في العتق تحت العبد؟ # قلنا: قال المحدثون: لا نعرف هذا اللفظ فعلى ناقله التصحيح ثم إن صح ~~فسبيل الكلام عليه أنه لم يرد تعليل الخيار بملكها نفسها فإنه لو أراد أنها ~~ملكت نفسها تحقيقا لما احتاجت إلى الخيار في محل النكاح. # قال القاضي: إن ملكت محل النكاح فليس [للخيار] معنى وإن ملكت غير مورد ~~النكاح لم يشعر ذلك بالخيار في محل النكاح فالمراد إذا ترديد العبارة عن ~~ثبوت الخيار لها كما يقال لمن ثبت له حق فسخ عقد ملكت الفسخ فافسخ فمعنى. ~~PageV02P034 # الحديث إذا ملكت [الخيار] فاختاري وكانت أعتقت تحت عبد فهذا وجه الكلام. ### | 771- # ثم إنا نجري ذكر هذه الأمثلة تهذيبا للأصول وتدريبا فيها وإلا فحق ~~الأصولي ألا يلتفت إلى مذاهب أصحاب الفروع ولا يلتزم مذهبا مخصوصا في ~~المسائل المظنونة الشرعية فهذا غاية ما أردناه في هذا الفن. # السبر والتقسيم. ### | 772- # ومما أجراه ms282 القاضي وغيره من الأصوليين في محاولة إثبات علل الأصول السبر ~~والتقسيم1. # ومعناه على الجملة: أن الناظر يبحث عن معان مجتمعة في الأصل ويتتبعها ~~واحدا, واحدا ويبين خروج آحادها عن صلاح التعليل به إلا واحدا يراه ويرضاه ~~وهذا المسلك يجري في المعقولات على نوعين: فإن كان التقسيم العقلي مشتملا ~~على النفي والإثبات حاصرا لهما فإذا بطل أحد القسمين تعين الثاني للثبوت. # وإن لم يكن التقسيم بين نفى وإثبات ولكنه كان مسترسلا على أقسام يعددها ~~السابر فلا يكاد يفضي القول فيها إلى علم. # وقصارى السابر المقسم أن يقول: سبرت فلم أجد معنى سوى ما ذكرت وقد تتبعت ~~ما وجدته. # فيقول الطالب: ما يؤمنك أنك أغفلت قسما لم تتعرض له فلا يفلح السابر في ~~مطالب العلوم إذا انتهلا الكلام إلى هذا المنتهى. ### | 773- # [فأما السبر] في المسائل الشرعية الظنية فإن دار بين النفى والإثبات ولاح ~~المسلك الممكن في سقوط أحد القسمين كان ذلك سبرا مفيدا كما [سنبين] الآن ~~معنى السبر وجدواه. PageV02P035 # وإن كان التقسيم الظني مرسلا بين معان لا يضبطها حصر كما ذكرناه في ~~المعقولات ورددناه فيها فقد قال بعض الأصوليين: إنه مردود في المظنونان ~~أيضا فإن منتهاه إحالة السابر الأمر على وجدانه. # وهذا غير سديد فإن هذا الفن من التقسيم إنما يبطل في القطعيات من حيث لا ~~يفضي إلى العلم والقطع وإذا استعمل في المظنونات فقد يثير غلبة الظن فإن ~~المسألة المعروفة بين النظار إذا كثر بحثهم فيها عن معانيها ثم تعرض السابر ~~لإبطال ما عدا مختاره فقال السائل: لعلك أغفلت معنى عليه التعويل. # قيل: هذا تعنت فإنه لو فرض معنى لتعرض له طلاب المعاني والباحثون عنها ~~والذي تحصل من بحث السابرين ما نصصت عليه والغالب على الظن أنه لو كان ~~للحكم المتفق عليه علة لأبداها المستنبطون المعتنون بالاستثارة فتحصل من ~~مجموع ذلك ظن غالب في مقصود السابر وهو منتهى غرض الناظر في مسائل الظنون. ### | 774- # وإذا ثبت ما ذكرناه في معنى السبر وتنويعه وما يفيد منه وما لا يفيد ~~فنرجع الآن إلى غرضنا ms283 في إثبات معنى الأصل فنقول: # قد عد القاضي السبر من أقوى الطرق في إثبات علة الأصل وهذا مشكل جدا فإن ~~من أبطل معاني لم يتضمن إبطاله لها إثبات ما ليس يتعرض له بالبطلان فإنه لا ~~يمتنع أن يبطل ما لم يتعرض له أيضا فإنه لا يتعين تعليل كل حكم فعد السبر ~~والتقسيم مما تثبت به العلل بعيد لا اتجاه له. # والذي يوضح المقصد في ذلك: أنه لو انتصب على معنى ادعاه المستنبط دليل ~~فلا يضر أن يفرض لذلك الحكم علة أخرى وارتباط الحكم بعلل لا امتناع فيه ~~وإنما تتعارض العلل إذا تناقضت موجباتها فيمتنع الجمع بينها فإذا كانت ~~متوافقة متظاهرة لم تتناقض. # فيتبين أن إبطال معان تتبعها السابر لا أثر له في انتصاب ما أبقاه ولو ~~أقام الدليل على كلمة معنى لم يتوقف انتصابه معنى موجبا للحكم على تتبع ما ~~عداه بالإبطال فلا حاصل على هذا التقدير للسبر والتقسيم في إثبات علل ~~الأصول. ### | 775- # والآن ينشأ من منتهى هذا الكلام أمور خطيرة في الباب. # منها: أنه لو ثبت اتفاق القايسين على كون حكم في أصل معللا ثم اتجه. # PageV02P036 # للسابر إبطال كل معنى سوى ما رآه وارتضاه فلا يمتنع والحال هذه أن يكون ~~السبر مفيدا غلبة الظن في انتهاض ما لم يبطل علما. # ومستند ثبوته في التحقيق الإجماع على أصل التعليل ولكن [ثبت] الإجماع على ~~الأصل مبهما وأفضى السبر إلى التعيين فحصل منه ومن الإجماع ما أراده ~~المعلل. # فإن قدر مقدر إبطال ما أبقاه السابر وقد استتب له مسلك الإبطال فيما سواه ~~كان مقدرا محالا مؤديا إلى نسبة أهل الإجماع إلى الخلف [والباطل] . ### | 776- # فإن قيل: كيف يكون إجماع القايسين حجة وقد أنكر القياس طوائف من العلماء ~~قلنا الذي ذهب إليه ذوو التحقيق أنا لا نعد منكري القياس من علماء الأمة ~~وحملة الشريعة فإنهم مباهتون أولا على عنادهم فيما ثبت استفاضة وتواترا ومن ~~لم يزعه التواتر ولم يحتفل بمخالفته لم يوثق بقوله ومذهبه. # وأيضا: فإن معظم الشريعة صدر عن الاجتهاد والنصوص لا تفي ms284 بالعشر من معشار ~~الشريعة فهؤلاء ملتحقون بالعوام وكيف يدعون مجتهدين ولا اجتهاد عندهم وإنما ~~غاية التصرف التردد على ظواهر الألفاظ فهذا منتهى ما اتصل الكلام به. # PageV02P037 ### | فصل: تعليل الحكم بأكثر من علة ### | 777- # ومما يتصل بذلك: القول في اجتماع العلل للحكم الواحد. # وقد اضطرب الأصوليون في هذا: فذهب طوائف إلى أنه لا يعلل حكم بأكثر من ~~علة واحدة. # وذهب الجماهير إلى أنه لا يمتنع تعليل حكم بعلل. # وذهب المقتصدون إلى أن ذلك لا يمتنع [على الجملة] لا عقلا ولا شرعا فإن ~~الدم يجوز أن يعزى استحقاقه إلى جهات ومقتضيات كل مقتض لو انفرد بنفسه ~~لاستقل في إثارة الحكم هذا لا امتناع فيه. # وأما إذا ثبت الحكم مطلقا لأصل وكان أصل تعليله وتعيين علته لو ثبت ~~تعليلا موقوفا على استنباط المستنبط فيمتنع أن تفرض علتان يتوصل إليهما ~~بالاستنباط وللقاضي إلى هذا صغو ظاهر في كتاب "التقريب" [وهو] اختيار ~~الأستاذ أبو بكر بن فورك ونحن نذكر ما يتمسك به كل فريق: # PageV02P037 ### | 778- # فأما من جوز وضعا واستنباطا تعليل حكم بعلل فمسلكه واضح وطريقة لائح ~~وإنما الاعتناء بالتنبيه على مسالك الآخرين. # فمما تعلقوا به أن قالوا: أجمع أهل القياس على اتحاد علة الربا واتخذ كل ~~فريق إبطال ما يدعيه الاخرون المخالفون ذريعة إلى إثبات ما يدعيه علة ولو ~~كان يسوغ إثبات حكم بعلل لكان هذا المسلك غير متجه ولا مفيد والذي يحقق ذلك ~~أنهم أجمعوا على التعلق بالترجيح وإنما ترجح العلل إذا تعارضت ولو كان لا ~~يمتنع اجتماعها لكان الترجيح لغوا فيها فإن من ضرورة الترجيح الاعتراف ~~باستجماع كل علة شرائط الصحة لو قدرت منفردة فإذا تناقضت يرجح بعضها على ~~بعض وإذا لم يمتنع اجتماعهما لم يكن للترجيح معنى. ### | 779- # ومن جوز تعليل حكم بعلتين لم يبعد أن تكون إحداهما أولى من الأخرى ~~والترجيح لا يفيد إلا تلويحا في ظهور بعض العلل. # والكلام على هذا من أوجه: # أحدها: أن تعليل ربا الفضل ليس مقطوعا به عند المحققين وليس منكر تعليله ~~منتسبا إلى جحد القياس ومن عرف ms285 مسالك كلامنا في "الأساليب" تبين ظهور ميلنا ~~إلى اتباع النص وإلى إثباتنا الربا في كل مطعوم بقوله عليه السلام: "لا ~~تبيعوا الطعام بالطعام" 1 وربا الفضل في النقدين لا يتعداهما ولا ضرورة ~~تحوج إلى ادعاء علة قاصرة وقد أجريت مسألة الربا على التزام اتباع مذهب ~~الشافعي ومحاذرة مخالفته في تعليله تحريم ربا الفضل في الأشياء الأربعة ~~بالطعم المتعدى في محل النص. ### | 780- # وأنا الآن أبدى اختياري في منع تعليل ربا الفضل وأبدأ القول في النقدين ~~فأقول: قد وضح إبطال الوزن في النقدين ولم يبق إلا النقدية والعلة القاصرة ~~لا تثمر مزيدا في الحكم ولا تفيد جدوى في التكليف فإن الحكم ثابت بالنص. # ومن قال بالعلة القاصرة أبداها وانتحاها حكمة في حكم الشرع [ولسنا] نبعد ~~ذلك ولكن يتعين في [ادعاء] العلة القاصرة أن يكون المدعى مشعرا بالحكم ~~مناسبا له مفضيا بالطالب إلى التنبيه على محاسن الشريعة والتدرب في مسالك ~~المناسبات وشرط ذلك الإخالة لا محالة وليست النقدية مشعرة بتحريم ربا الفضل ~~على ما قررت. PageV02P038 # في "الأساليب" فقد خرجت النقدية عن كونها حكمة [مستثارة] ومسلكا من محاسن ~~الشريعة ولم يتعلق بها حكم زائد على مورد النص وبطل ما ادعى متعديا ولاح ~~سقوط التعليل في النقدين. # وأما الأشياء الأربعة فقد أوضحنا أن الطعم ليس مخيلا بالتحريم وبينا أن ~~قول النبي عليه السلام: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" الحديث لا يتضمن تعليلا ~~بالطعم ما لم يقرر المستدل بالخبر كون الطعم مخيلا مناسبا وحققنا أن المشتق ~~إذا لم يشعر بإخالة حل محل اللقب والسبر قصاراه إبطال ما يدعيه الخصم علة ~~وليس في إبطال مدعى الخصم إثبات لغيره ولم يثبت بالإجماع كون تحريم ربا ~~الفضل معللا وكيف يستقيم دعوى الإجماع في تعليله وقد أنكر ابن عباس رضي ~~الله عنه تحريم ربا الفضل؟ ### | 782- # وذهب طوائف من القايسين إلى منع التعليل مع الاعتراف بالحكم والترجيح ~~باطل مع تجويز ارتباط الحكم بعلل. # فلم يبق إلا طريقة تكلفتها في "الأساليب" وهي أن الرسول عليه السلام أباح ~~ربا الفضل في الجنسين وحرمه في ms286 الجنس الواحد فدل ذلك على ارتباط حكم ~~التحريم بالمقصود من هذه الأجناس والمقصود منها الطعم لا الكيل والوزن فإن ~~هذه الأجناس لا تقتني لتكال أو توزن وإنما تتخذ لينتفع بها ثم عد رسول الله ~~من كل جنس فذكر البر لأنه يطعم قوتا والشعير يقتات ويدخر وينتفع به من وجوه ~~والتمر قد يقتني والملح يراد لتطييب الأطعمة واصلاحها فكأنه صلى الله عليه ~~وسلم ذكر الأجناس الغالبة من الأطعمة ونبه بذكرها على ما يجمعها وهو الطعم ~~ثم أبان برفع الحرج عند اختلاف الجنس [التعلق] بالمقاصد وطردت هذا في مسألة ~~النقدين على هذا الوجه. # فهذا وإن صح فهو من فن قياس الدلالة وهو عندي من أبواب الشبه على ما ~~استقصى القول فيه إن شاء الله تعالى. ### | 783- # ولكن إنما يستقيم التشوف إلى مثل ذلك لو جرى في الباب سليما وقد رأينا ~~ربا النساء محرما في الجنسين فلو كان التعلق بالمقصود صحيحا للزم طرده في ~~ربا النساء إذ وقوع البر في الذمة ليس ممتنعا إذا لم يكن رأس مال السلم ~~مطعوما فلم امتنع إسلام الشعير في البر مع تفاوت المقاصد؟ وباب ربا النساء ~~فرع ربا الفضل فإذا جرى تعليل في ربا الفضل وجب أن يناسب ربا النساء فيما ~~يليق به. # PageV02P039 # فإذا لا إخالة ولا تنبيه من الشارع ولا شبه بين العقاقير والفواكه وبين ~~الأشياء الأربعة. # فقد بطل قياس الدلالة وفسد التعلق بالترجيح وأغنى ذكر [النقدين] فيما ~~يتعلق بالحكم وأغنى ذكر الطعام عن تكلف استنباط علة فالوجه التعلق بالنهي ~~عن بيع الطعام بالطعام. # وإذا حاول الخصم تخصيصا لم يجد دليلا يعضد به تأويلا فثبت الظاهر وقد ~~امتنع تخصيصه أيضا على الخصم وإذا رووا في حديث عبادة بن الصامت وكذلك ما ~~يكال ويوزن فهو موضوع مختلق باتفاق المحدثين. ### | 784- # وإذا قال من لم يزد على الأشياء الستة لو كان تحريم التفاضل في كل مطعوم ~~لكان ذكر الطعام أوجز وأوقع وأعم وأجمع فذكره أصنافا مخصوصة يشعر بقصر ~~الحكم عليها. # فيقال لهؤلاء: لا ينفع ما ذكرتموه مع صحة النهي عن ms287 بيع الطعام بالطعام ~~وليس في ذكر بعض الأطعمة ما يتضمن تخصيص اللفظ العام في الطعام إذ الألقاب ~~لا مفهوم لها وقد ذكرنا في أثناء الكلام وجها وأوضحنا أنه لا يمتنع حمل ذكر ~~الشارع لها على إبانة اطراد تحريم الربا في جميع ما يطعم مع انقسامه إلى ~~القوت وغيره. # فتبين قطعا أن الربا يجري في كل مطعوم للخبر الوارد فيه وهو وارد في ~~النقدين للنص فيهما. # وسبيل المسئول في المسألتين أن يذكر الحكم ويتمسك بالخبر ويحوج الخصم إذا ~~حاول إزالة الظاهر إلى دليل فإذا ابتدر إلى ذكر طريقة في القياس نتبعها ~~بالنقض وهذا جرى معترضا في الكلام. ### | 785- # وقد عاد بنا الكلام إلى أن ما استشهد به من منع ربط حكم بعلتين من تخاوض ~~العلماء في علة الربا باطل في مسلك الأصول فإنا أوضحنا أن ما استشهدوا به ~~مما لا يعلل عندنا والكلام في التفصيل مع منع أصل التعليل فاسد حايد عن ~~المقصد ثم لا يمتنع لو قيل بتعليل الربا أن يجمع القايسون في أصل معين على ~~اتحاد العلة فيه ثم يتنافسوا في طلبها وهذا الإجماع لو فرض في صورة مخصوصة ~~لا يتضمن القضاء بمنع ارتباط حكم في صورة أخرى بعلتين أو بعلل فلا تعلق إذا ~~فيما استشهدوا به من علة الربا. # PageV02P040 # وبما يتمسك هؤلاء بأن يقولوا المتبع في إثبات القياس والعمل به سيرة ~~الصحابة رضي الله عنهم وقد صح عنهم تعليق الحكم بالمعنى الفرد المستثار من ~~الأصل الواحد فاتبعوا فيه. # وأما ربط الحكم بعلتين مستنبطتين من أصل واحد بحيث يجري كل واحد منهما في ~~مجاري اطرادهما وينفرد بمجاري أحكامهما فلم يثبت في مثل هذا نقل ولو كان ~~مثل هذا سائغا ممكن الوقوع لا تفق في الزمان المتمادي ولنقله المعتنون ~~[بأمر الشريعة] ونقل السبر فإذا لم ينقل ذلك دل على أنه لم يقع [وإذا لم ~~يقع] في الأمد الطويل تبين أن الحكم الواحد لا يعلل إلا بعلة واحدة متلقاة ~~من أصل واحد. # فهذا لا حاصل له فإن أصحاب الرسول عليه السلام ما ms288 كانوا يجرون على مراسم ~~الجدليين من نظار الزمان في تعيين أصل والاعتناء بالاستنباط منه وتكلف ~~تحرير على الرسم المعروف المألوف في قبيله وإنما كانوا يرسلون الأحكام ~~ويعقلونها في مجالس الاشتوار بالمصالح الكلية فلو كانوا لا يبدون علة في ~~قضية إلا معتزية إلى أصل معين ثم صح في البحث عن نقل الرواة ما ذكره هذا ~~المعترض لكان كلاما. ### | 786- # ومما ارتبك في الخائضون في هذه المسألة أن الذين سوغوا تعليق الأحكام ~~بعلل تعلقوا بتحريم المرأة الواحدة بعلة الحيض والإحرام للصلاة والصيام ~~وقالوا قد يجب قتل الرجل بأسباب كل واحد منها لو انفرد لثبت علة على ~~الاستقلال. # وقال من يخالف هؤلاء إنما يناط بالمحل تحريمات ولكن لا يظهر أثر تعددها ~~وقد يتكلف المتكلف فيجد بين كل تحريمين تفاوتا وهذا بين في القتل فإن من ~~استحق القتل قصاصا وحدا فالمستحق قتلان ولكن المحل يضيق على اجتماعهما ولو ~~فرض سقوط أحدهما لبقى الثاني ولا يكاد يصفو تعليق تحقيق حكم واحد بعلتين ~~تصورا فهذا منتهى المطالب في النفى والإثبات. ### | 787- # والذي يتحصل عندنا في ذلك أن الحكم إذا ثبت في أصل ولاح للمستنبط فيه ~~معنى مناسب للحكم فيحكم في مثل ذلك مع سلامة المعنى المظنون منتهضا عن ~~المبطلات بكون الحكم معللا ويتبين له أن ربط الحكم بهذا المعنى الفرد لائح ~~منحصر في مطالب الشريعة ويجوز تعليق الحكم بمثل هذا المعنى فإنه لم يصح عن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضبط المصالح التي تنتهض عللا للأحكام ~~ولا إطلاق تعليق الحكم بكل مصلحة تظهر للناظر وذي رأى. # فمسلك الضبط: النظر في مواقع الأحكام مع البحث عن معانيها فإذا لاحت. # PageV02P041 # وسلمت تبين أنه معنى متلقى من أصول الشريعة وليس حايدا عن المآخذ ~~المضبوطة. # فهذا هو المسلك الحق في درك وقوع المعنى في ضبط الشرع ولهذا رد الحذاق ~~[الاستدلال الذي لا يستند] إلى أصل فإن صاحبه لا يأمن وقوعه في مصلحة لا ~~يناط حكم الشرع بمثلها ولو فرض في أصل معنيان فصاعدا لم يترتب عليهما ~~استفادة الضبط ولم يأمن ms289 المستنبط وقوع أحدهما خارجا عن حصر الشرع وضبطه ~~وليس واحد من المعنين بهذا التقدير أولى من الثاني فمن هذه الجهة يتعارضان ~~فلا يمتنع ترجيح أحدهما على الثاني. ### | 788- # فإن قال قائلون: بم تنفصلون عن الحائض المحرمة الصائمة؟ # قلنا: قد قدمنا جوابا عن هذا سديدا عندنا فإنا نقدر اجتماع تحريمات وآية ~~ذلك أنا ألفينا التحريم قد استقل به الحيض المحض والمفروض إذا في حكم أصول ~~تجتمع تعليلها وتزدحم أحكامها. ### | 789- # ولباب هذا الفصل سيأتي في الاستدلال فلا يعتقدن المرء [بأن هذا] اختيارنا ~~في هذه المسألة حتى يقف على ما نراه في الاستدلال رأيا وإن أبى الطالب ~~استعجال الصواب في هذه المسألة فليثق بامتناع علتين لحكم واحد. # والدليل القاطع فيه قبل الانتهاء إلى المباحثة عن أسرار الاستدلال أن ذلك ~~لو كان ممكنا وقد طال نظر النظار واختلاف مسالك الاعتبار في المسائل وما ~~اتفقت مسألة إلا والمختلفون فيها يتنازعون في علة الحكم تنازعهم في الحكم ~~ومن تدبر موارد الشريعة ومصادرها اتضح له ما نقول على قرب. ### | 790- # فمن أمثلة ذلك مسألة الربا ومن ادعى أنها مختصة من بين سائر المسائل ~~باتفاق الإجماع على اتحاد العلة فيها فقد أحال الأمر على إبهام والمنصف لا ~~يستريب في أن خوض النظار في مسألة الربا كخوضهم في غيرها من المسائل ولما ~~ثبت الخيار للمعتقة تحت الرقيق وكان ذلك مجمعا عليه والإجماع مستند إلى ~~الحديث ثم اختلف العلماء في إثبات الخيار للمعتقة تحت الحر ومنشأ اختلافهم ~~في ذلك من اختلافهم في تعليل الخيار في حق المعتقة تحت الرقيق فاعتل أبو ~~حنيفة رحمه الله بأنها ملكت نفسها وزعم أن ذلك يجري في حق المعتقة تحت الحر ~~وأبطل الشافعي رحمه الله هذا التعليل واعتل بالضرار على ما يحرره أصحابه ~~وكذلك الإفتاء في كل مسألة يبحث الناظر عنها. # PageV02P042 ### | 791- # ونحن نقول بعد هذا التنبيه: تعليل الحكم الواحد بعلتين ليس ممتنعا عقلا ~~وتسويغا ونظرا إلى المصالح الكلية ولكنه ممتنع شرعا وآية ذلك أن إمكانه من ~~طريق العقل في نهاية الظهور فلو كان هذا ثابتا شرعا [لما ms290 كان] يمتنع وقوعه ~~على حكم النادر والنادر لا بد أن يقع على مرور الدهور فإذا لم يتفق وقوع ~~هذه المسألة وإن لم يتشوف إلى طلبه طالب لاح كفلق الإصباح أن ذلك ممتنع ~~شرعا وليس ممتنعا عقلا ولا بعيدا عن المصالح وهذه نهاية لا تتعدى في هذا ~~الفن وإنما نشأ هذا الكلام كله من قولنا في السبر والتقسيم. ### | 792- # والآن كما عاد بنا الكلام إليه فإذا أبطل السابر أشياء نص عليها فأخرجها ~~عن كونها عللا ولم يبق إلا واحد اتجه عند ذلك وجهان من الكلام: # أحدهما: تعين ما بقي للتعليل به. # والثاني: بطلانه أيضا والتحاق الحكم بما لا يعلل كما سنفصل ذلك إن شاء ~~الله تعالى وهذا التردد فيما بقي يدل على أن السبر المجرد إذا انتهى إلى ~~معنى واحد ووقف عنده لم يدل على تعينه [للتعليل] وإن كان ذلك المعنى غير ~~مخيل فهو يبطل أيضا بكونه طردا فلينجر السبر عليه وليتخذ السابر هذا مسلكا ~~في إبطال ما أبقاه وليحكم بأن الحكم غير معلل ولو استمكن الناظر من إبداء ~~الإخالة في معنى من المعاني مع التزام السلامة لبطل التعليل بغيره من ~~المعاني من غير أن يتجشم سبرا. ### | 793- # فإن قيل: لو أبدى الخصم معنى آخر مخيلا قلنا هذا لا يكون أبدا وإن صح ~~فيما أبداه أشعرنا بالاختلال للإخالة الأولى إذ لو فرض جريان الإخالة فيهما ~~أدى إلى تعليل حكم بعلتين ولو كان ذلك سائغا لاتفق وقوعه. ### | 794- # ويبقى وراء هذا موقف آخر وهو: تجويز تقابل مخيلين مع ترجيح أحدهما على ~~الثاني وهذا من أدق مواقف النظر في الترجيح ولا ينبغي للإنسان أن يتعب نفسه ~~في هذا التقدير فإن أرباب النظر وإن ذكروا في مسألة الربا طرق الترجيح فذلك ~~شعبة من الكلام في المسألة ومعظم الاعتناء بإبطال كل فريق علة من يخالفهم ~~ولكن إجراؤهم الترجيح يدل على اعتقادهم امتناع اجتماع العلل. ### | 795- # فقد نجز مرادنا من هذا الفصل وقد ابتدأناه ابتداء من يجوز اجتماع العلتين ~~وأردنا أن نفيد الناظر بهذا المسلك كيفية النظر ووجوه ازورار الطرق ms291 حتى يقر ~~الحق في نصابه ويتبين تقرير المختار عندنا والتنصيص على لبابه. # PageV02P043 ### | فصل: الطرد والعكس ### | 796- # ومما ذكره الجدليون وتردد فيه القاضي الطرد والعكس فذهب كل من يعزي إليه ~~الجدل إلى أنه أقوى ما يثبت به العلل وذكر القاضي1 أبو الطيب الطيري أن هذا ~~المسلك من أعلى المسالك المظنونة وكاد يدعى إفضاءه إلى القطع وإنما سميت ~~هذا الشيخ لغشيانه مجلس القاضي مدة واعتلاقه أطرافا من كلامه ومن عداه ~~حثالة وغثاء. ### | 797- # واستدل هؤلاء بأن الغرض الأقصى من النظر والمباحثة عن العلل غلبة الظن ~~وهذا المقصود يظهر جدا فيما يطرد من غير انتقاض وينعكس وكأن الحكم يساوقه ~~إذا وجد وينتفي إذا انتفى وإذا غلب على الظن تعليق الحكم المتفق عليه في ~~الأصل المعتبر بمعنى فلم يبطل كونه علة بمسلك من المسالك فقد حصل الغرض من ~~غلبة الظن وعدم الانتقاض وينزل ذلك منزلة الإخالة السليمة لدى العرض على ~~الأصول وللقاضي صغو ظاهر إلى ذلك. # ثم ظهور الدليل يرتبط بالطرد والعكس وهو في العكس أبين من جهة أن الطارد ~~في محل النزاع مدع اطراده وهو منازع فيه لا محالة والدليل يستند ظهوره إلى ~~الاتفاق على الانعكاس. ### | 798- # وهذا من غوامض الفصل فإن الانعكاس ليس شرطا في العلل السمعة عند جماهير ~~الأصوليين والطرد شرط ثم الذي هو شرط الصحة وركنها ليس دليلا على الصحة ~~والذي لا يشترط وهو الانعكاس ينتهض دليلا. ### | 799- # وذهب بعض الخائضين في هذا الشأن إلى أن الأمر بهما جميعا يتم فإن محل ~~التمسك مساوقة الأمر الذي يقال إنه علة وذلك تقرر بثبوته إذا ثبت وانتفائه ~~إذا انتفى. ### | 800- # وقال القاضي في معظم أجوبته لا يجوز التعلق بالطرد والعكس في. ~~PageV02P044 # محاولة إثبات العلة فإن الطرد لا يعم في صور الخلاف على وفاق إذ لو كان ~~يعم لما ثبت الخلاف في المحل الذي يدعى الطارد الطرد فيه والعكس ليس شرطا ~~في العلة التي تجري دليلا وعلامة فقد صار الطرد واقعا في محل النزاع وبعد ~~اعتبار العكس من جهة أنه غير معتبر كما سنذكره على أثر هذا الفصل ms292 ومن التزم ~~نصب شيء علما لم يلتزم نصب نفيه علما في نفي مقصوده كما سيأتي الشرح عليه ~~في مسلك العكس إن شاء الله تعالى فالطرد إذا متنازع فيه والعكس ليس من ~~مقتضيات نصب الإعلام والعلامات. # وقال أيضا: معتمدنا في قاعدة القياس تأصيلا وفيما يرد ويقبل تفصيلا ما ~~يصح عندنا من أمر الصحابة رضي الله عنهم فما تحققنا ردهم إياه رددناه وما ~~تحققنا به عملهم قبلناه وما لم يثبت [لدينا فيه ثبت تعديناه فإنا على قطع ~~نعلم أن جميع وجوه النظر ليست] مقبولة ولا مردودة والعقول لا تحتكم فيها ~~مصححة ولا مفسدة فإنها إنما تحكم على الأنفس وصفاتها وما هي عليه من ~~حقائقها والعلل السمعية لا تدل لذواتها فإذا ثبت هذا فقد رأينا الصحابة رضي ~~الله عنهم ينوطون الأحكام بالمصالح على تفصيل لها. # فأما الطرد والعكس فلم يؤثر عنهم التعلق به وليس هو من معنى طلب المصالح ~~[في شيء] حتى يقال استرسالهم في طريق الحكم بالمصالح من غير تخصيص شيء منها ~~يقتضي التعلق بالطرد والعكس. ### | 801- # وهذا الذي ذكره القاضي فيه نظر عندي فإن الغاية القصوى في مجال الظنون ~~غلبتها متعلقة بقصد الشارع والمصالح التي تعلق بها صحب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لم يصادفوا في أعيانهم تنصيصا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتخصيصا لها بالذكر ولو صادفوا ذلك لما كانوا متمسكين بالنظر والرأي فإن ~~معاذا جر الأمة لم يذكر الرأي في القصة المشهورة إلا بعد فقدان كل ما يتعلق ~~به من الكتاب والسنة ولا نراهم كانوا يرون التعلق بكل مصلحة فالوجه في ~~تحسين الظن بهم أنهم كانوا يعلقون الأحكام بما يظنونه موافقا لقول الرسول ~~عليه السلام في منهاج شرعه وكانوا يبغون ذلك في مسالكهم ولا يكاد يخفى على ~~ذي بصيرة أن الطرد والعكس يغلب على الظن انتصاب الجاري فيهما علما في وضع ~~الشرع فمن أنكر ذلك في طرق الظنون فقد عاند ومن ادعى أن الصحابة رضي الله ~~عنهم كانوا يأبون التعلق بطريق يغلب على الظن مراد الشارع وكانوا يخصصون ms293 ~~نظرهم بمغلب دون مغلب فقد ادعى بدعا. # PageV02P045 ### | 802- # فإن قال قائل: لم ينقل ذلك في عينه فالسبب فيه أنهم كانوا ما أجروا ذكر ~~أصل [واستنباطا] منه وإن كان ذلك هو الطريقة المثلى عند القايسين وما لا ~~يستند إلى أصل فهو استدلال مختلف فيه ولكنهم ما اعتنوا إلا بذكر المعاني ~~فاكتفوا بإطلاقها عن ذكر أصولها وما تكلفوا جمعا وإن كان الجمع معتبرا ~~باتفاق النظار والمسائل لا تشهد بصورها ما لم تربط الفروع بها والذي تحصل ~~منهم التوصل إلى ابتغاء غلبة الظن في بغية الشارع على أقصى الجهد. ### | 803- # وأنا أقول: لو ثبت عندهم أو عرض عليهم انتفاء حكم عند انتفاء علم وثبوته ~~عند ثبوته لابتدروه ابتدارهم الأخبار لا طرق النظر فإن ما ثبت من ذلك يعزى ~~إلى الشارع في النفي والإثبات وكانوا يحومون على إشارته وتنبيهاته كما ~~يتعلقون يظاهر ألفاظه وصريح عباراته فليقطع المحصل قوله بما انتهى إليه ~~الكلام من الاستمساك بالطرد والعكس. ### | 804- # وما ذكره القاضي من كون الطرد [متنازعا] فيه وكون العكس مستغنى عنه فمن ~~التشدق والتفيهق الذي يستزل به من لا يعد من الراسخين وسبيل الكلام عليه أن ~~نقول مجموعهما هل يغلب على الظن انتصاب ما اطرد وانعكس علما أم لا فإن زعم ~~أنه لا يغلب انتسب إلى العناد وإن سلم إفادته غلبة الظن وقد تقرر أن ~~القايسين غايتهم أن يظنوا ظهور علم على حكم وهم يعترفون بأن الجهات التي ~~تفضي إلى غلبة الظن ليست منحصرة ومن تأمل مجارى كلامهم لم يسترب في أمرين. # أحدهما: أن الأولين رضي الله عنهم ما كانوا يشيرون إلى أمور محصورة ~~مضبوطة يتبعونها اتباع من يقتفي اثار نصوص وتوقيفات ولو كانوا على ضوابط ~~وحدود يتخذونها مرجعهم لما كانوا ينظرون فيه رأيا وإنما كان رجوعا إلى ضبط ~~الشارع وتوقيفه فهذا أحد الأمرين. # والأمر الثاني: أنهم كانوا لا يرون حمل الخلق على الاستصلاح بكل رأى ~~وإنما كانوا يحومون على قواعد الشريعة ويستثيرون منها ما يظنونه. # فيخرج من هذين الأمرين أن مبتغاهم كان أن يغلب على ظنهم مراد الشارع ms294 في ~~علم يرتبط الحكم به. ### | 805- # فإن قيل: إذا جعلتم الطرد والعكس مسلكا في إثبات علة الأصل فهل تشترطون ~~العكس وما رأيكم فيه؟ قلنا: نعقد في ذلك مسألة وبها حصول الغرض على التمام ~~فيما سبق وفيما سئلنا عنه. # PageV02P046 # مسألة: [في حكم اشتراط العكس في علة القياس] . ### | 806- # ذهب بعض المنتمين إلى الأصول إلى أن الانعكاس لا بد منه في العلل وإن ~~كانت مظنونة وذهب الجماهير إلى أن الانعكاس ليس شرطا في العلل السمعية ~~المظنونة ونحن نورد ما لكل فريق ثم نوضح الحق والمقام الذي تشعبت منه ~~الاراء فأما من شرط العكس فقد يأتي بأمر لفظي لا حاصل له ويقول العلل وإن ~~كانت مظنونة فينبعي أن تكون على مضاهاة العلل [العقلية] القطعية حتى لا ~~يفترقا إلا في كون أحداهما مظنونة والآخرى مقطوعا بها ثم العلل العقلية يجب ~~انعكاسها فلتكن السمعية كذلك وهذا ساقط لا أصل له ولولا الوفاء بإيفاء ما ~~ذكر في هذا المجموع وإلا كنا لا نذكر أمثال ذلك. # فنقول لهؤلاء: العلل العقلية لا حقيقة لها ومن طلب الإحاطة بذلك فهو محال ~~على دقيق الكلام في العلة والمعلول ثم يقال لهم ما يسمى علة سمعية فهي ~~أمارة في مسلك الظن وحقها أن تقابل بالأدلة العقلية ثم الأدلة العقلية إذا ~~اقتضت في ثبوتها مدلولاتها لم يقتض انتفاؤها انتفاء مدلولاتها كالفعل إذا ~~دل على الفاعل لم يدل عدمه على عدم الفاعل والإحكام إذا دل على علم المحكم ~~له يدل التثبج على الجهل وكذلك الأمارات في سبيل الظنون إذا دلت على ثبوت ~~أمر لم يدل انتقاؤها على انتفائه وهذا مما يستدل به من لم يشترط العكس. ### | 807- # وقد تعلق الجمهور بأن العكس لو كان شرطا لوجب ألا يقتل إلا قاتل من حيث ~~كان القتل علة قتل القاتل ولا يقتل المرتد فإذا كان الحكم الثابت لعلة يطرد ~~مع ارتفاعها لثبوت علة أخرى تخلفها عند ارتفاعها دل ذلك على أن الانعكاس ~~ليس شرطا. # فإن قيل: امتنع الانعكاس لعلة فليقل الطارد وقد نقض عليه طرده إنما تركت ~~حكم الطرد ms295 فيما التزمت لعلة فلما كان الطرد شرطا لم يكن بد من الاطراد فلو ~~كان العكس شرطها لتعين ذلك أيضا وكذلك كل حكم يفرض تعلقه بعلل. # ولمن يشترط العكس أن يقول القتل الواجب بالقتل يعدم بعدم القتل وإنما ~~الواجب عند عدم القتل قتل آخر ولكن المحل يضيق عن القتلات ويفوت بإيقاع ~~واحد منها [به] . # والدليل على ذلك أنها مختلفة الأحكام على وجه لا يخفى مدرك اختلافه. # PageV02P047 # على الفقيه ويستحيل أن تختلف الأحكام في الشيء الواحد فإن ما يطرده هذا ~~القائل في التحريم بالحيض والإحرام والعدة والردة ويزعم أنها أحكام فإذا ~~زالت علة منها زال حكمها بزوالها وإنما الثابت حكم آخر وإن اتسم بسمة ~~التحريم فدخول المختلفات تحت صفة واحدة عامة لا يوجب اتحادها. # وإذا ألزم هؤلاء الأدلة العقلية قالوا مجيبين: الفعل يدل على الفاعل ~~وعدمه يشعر بانتفاء الفاعلية فإن الفاعلية هي وقوع الفعل على الحقيقة. # وأما الإحكام فلا حقيقة له والمثبج في حال تثبيجه محكم على معنى وقوعه ~~على حسب مراد الموقع وبسط القول في هذا لا يحتمله هذا الفن وإذا خضنا في ~~بيان المختار في ذلك عدنا إلى الأدلة العقلية عودة أخرى إن شاء الله تعالى. ### | 808- # ومما يتعلق به من لا يشترط العكس أن يقول: انتفاء التحريم ورفع الحرج من ~~الأحكام فإذا تعلق التحريم بعلم لم يجب أن ينتصب عدمه علما [لحكم] آخر ومن ~~التزم نصب شيء علما لم يلزمه أن ينصب علما في نقيضه. # وهذا وإن كان مخيلا فلا تحصيل له فإن الانعكاس معناه انتفاء الحكم ~~وانتفاء الحكم ليس حكما وقد ذكرنا فيما قدمنا أن الحل في التحقيق إن كان ~~بمعنى رفع الحرج فليس بحكم وإن كان المعنى به أنه مخبر عنه في معنى حكم ~~الحل فهو في هذا الحكم ملحق بالشرع على معنى أنه لم يتصل بالعقلاء قبل ورود ~~الشرع خبر من له الأمر وإلا فالحرج منتف قبل ورود الشرع وقياس التحريم [أن ~~يثبت التحريم ثم أصل] انعكاسه انتفاء التحريم لا ثبوت حكم آخر مناقض ~~للتحريم فقد وهت ms296 هذه الطريقة. ### | 809- # ومما تمسك بن بعض من نفى اشتراط الانعكاس ما قدمناه في أدراج [الكلام] من ~~الأدلة العقلية فإنها إذا دلت بوجودها على مدلول لم يدل عدمها على عدمه ولا ~~يخطر لم يعد نفسه حبرا في الأصول تفص عن هذا فإن الدليل العقلي مشعر ~~بالمدلول قطعا والأمارة الظنية مشعرة بالمظنون ظنا ولو لم يشعر الدليل ~~القاطع بمدلوله لم يكن دليلا عليه ولا شك أن إشهار القاطع بمتعلقه فوق ~~إشعار الأمارة بالمظنون فإذا قوى الإشعار في الطرد كان اقتضاؤه الانعكاس ~~أظهر ومع ذلك لم ينعكس الدليل فالمظنون بذلك أولى وهذا على وضوحه ساقط فلن ~~يحيط بالانفصال عنه من لم يتلقف من حقائق النظر. ### | 810- # والقدر الذي يحتمله هذا الكتاب: أن تعليق الدليل العقلي بمدلوله لا. # PageV02P048 # حقيقة له والعلوم كلها ضرورية والنظر تردد في أنحاء العلوم الضرورية ~~والعلم المسمى ضروريا هو الذي يهجم العقل عليه من غير فكر والنظر الأول ~~الذي يلي [البديهي] الهجمي هو الذي يحوج إلى أدنى فكر وتجريد تفكر العقل ~~نحو المطلوب ثم [ينبني] على الدرجة الأولى ثانية وعلى الثانية ثالثة ~~فالسوابق تلتحق بالضروريات الهجميات. ### | 811- # ولا بد من ضرب مثال يستعين به الناظر في هذه المسألة وفي نظائرها إذا ~~انجر الكلام إلى الأدلة القطعية فنقول إذا تغير الجوهر فتغيره مدرك معلوم ~~من غير مسيس الحاجة إلى فكر ثم يربط هذا الناظر فكره بأن هذا التغير جائز ~~هو أم واجب فنعلم على القرب جوازه ولا ينتصب عليه شيء يتعلق بالجواز ولكن ~~الطالب بفكره يدرك وهو ممثل بما يتأتى بناظر البصر بعض التأتي فإنه قد يحدق ~~نحو بصره قليلا ثم إذا أدركه التحق بالمدركات التي تقرب منه ثم إذا علم ~~جوازه فكر في أنه يقع بنفسه أم يستند إلى مقتض فيترتب عليه غير بعيد ويعلم ~~على اضطرار أن الجائز لا يقع من غير مقتض ويلتحق هذا بالمراتب الضرورية ثم ~~يفكر في تعيين المقتضى إلى حيث ينتهي نظره. ### | 812- # ومثال ذلك في الهندسيات: أن الأوليات المذكورة في المصادرات أمور تسليمية ~~كقول القائل الكل أكثر ms297 من الجزء وكل شيئين يساوي كل واحد منهما [ثالثا] ~~فهما متساويان ثم يبني الأشكال على أمثال هذه المقدمات وإذا أدركه كان ~~العلم بها على نحو العلم بالمقدمات ولا معنى للدليل إلا بناء مطلوب على ~~مقدم ضروري. # وقد يحتاج الناظر إلى قليل فكر وذلك يختلف باختلاف القرائح فقد يجرى ~~الجواد جريانا لا [نحس] في أثنائه وقفاته إن كانت وقد يطول تردد البليد. # ومما يطرق الخلل إلى النظر الحيد عن السنن المفضي إلى مقصده وبيانه ~~بالمثال أن الذي يبغي مقتضيا إذا حاد عن طلب الجواز وأخذ يفكر في الطول ~~والعرض وللون فهذا حائد لا ينتهي إلى مقصده وقد يؤتى الناظر من نسيان ~~المقدمات وإلا فالمشكل انقطاع مدركه كمدرك المقدمات في المقالة الأولى من ~~كتاب الاستقصات. ### | 813- # فخرج من هذا التنبيه العظيم أن دليل العقل ليس شيئا متعلقا بمتعلق حتى ~~يفرض فيه إشعار في الطرد ونقيض له في العكس. # والأمارات الشرعية مصالح تقتضى أحكامها وهي على التحقيق متعلقة بها فقد ~~بان افتراق البابين والمطلوب بعد من حقيقة المسألة بين أيدينا. # PageV02P049 # وقد قالوا: إذا كانت العلامات الشرعية لا تقتضي أحكامها لأعيانها وإنا ~~وجه اقتضائها لها نصب الشارع إياها وإن صح في ذلك نقل فهي علل منقولة [وإن ~~لم يثبت نقل وظنها المستنبط كان نصب الشارع إياها] مظنونا فهي إذا كيف فرضت ~~منصوبة تحقيقا أو ظنا. # ومن قال لمن يخاطبه: إذا أومأت إليك فاعلم أني أريد منك أن تقوم فعدم ~~الإيماء لا يدل على عدم إرادة القيام فقد يريد منه القيام بعلامة أخرى وقد ~~ينصب على الشيء الواحد أعلاما وهذا على التحقيق حكم العلل الشرعية وهذا هو ~~التدليس الأخير وإذا نحن أوضحنا مسلك الحق فيه استفتحنا بعده تمام الكشف عن ~~غاية البيان واختتمنا المسألة على وضوح لا مراء بعده. # - 814 فنقول: هذا القبيل الذي ذكره السائل من فن مالا يخيل ولا يناسب ~~المستدعي فإن الإشارة لا تختص باقتضاء القيام لا عن علم ولا عن غلبة ظن وهي ~~بالإضافة إلى القيام كهى بالإضافة إلى القعود فليفهم الناظر ms298 ذلك أولا ~~وليتفطن له. # - 815ثم نقول بعد: هذه الصفات إذا نصبت أعلاما فإنها في غالب الأمر تذكر ~~في مساق شرط أو على قضية تعليل فإن ذكرت على مساق لشرط فقد قررت في مسألة ~~المفهوم أن انتفاء الشرط يتضمن انتفاء المشروط ومن خالف في القول بالمفهوم ~~لم يخالف في الشرط واقتضائه نفى المشروط عند انتفاء الشرط. # فإذا لا نسلم أن ما يجري من هذه الصفات في مساق الشرط لا يقتضي [انتفاء ~~عند فرض الانتفاء] وإن لم يجر صيغة الشرط في عينها وجرى في معناها فالأمر ~~يجري هذا المجرى فهو بمثابة أن تقول إذا أومأت إليك فقم "فإذا" وإن لم تكن ~~من أدوات الشرط فمعناه الشرط مع اقتضاء التأقيت على ما سبق الرمز إليه في ~~معاني الحروف وإن جرت على صيغة التعليل فالتعليل أبلغ في اقتضاء النفى عند ~~فرض انتفاء العلة وهذا مما سبق القول فيه أيضا في المفهوم فما ادعاه السائل ~~من أن نصب الأعلام لا يقتضى انتفاء الأحكام عند انتفائها ساقط لا أصل له ~~وهو إذا تأمله المتأمل مردود إلى القول بالمفهوم في الشرط والعلة فهذا صدر ~~الكلام في ذلك. # - 816ولكنا مع ذلك لا نبعد أن تعلق المتعلق مشروط بأفراد شرائط بحيث ~~يستقل ذلك المشروط بكل واحد منها مثل أن يقول: أن أتيتني [أو كاتبتني] أو ~~ذكرتني بخير على ظهر الغيب أكرمتك فالإكرام متعلق بكل شرط من هذه الشرائط. # PageV02P050 # من غير أن يشترط اجتماعها وإذا كان التعلق على هذا الوجه لم يبعد أن ~~ينتفي الإتيان ويثبت الإكرام لمكان المكاتبة أو لشرط آخر يفرض. ### | 817- # فإذا لاح هذا انعطفنا على الغرض وبحنا بالمقصود وقلنا: سيأتي في تفصيل ~~الاعتراضات الصحيحة أن النقض مفسد للعلة في بعض الصور قطعا وفي بعضها بضرب ~~من الاجتهاد وطرق القطع منحسمة ولكن النقض على حال ممثل بالخلف في الوفاء ~~بالمشروط عند ثبوت الشرط. # فإذا قال قائل: إن جئتني أكرمتك فإذا جاءه ولم يكرمه كان ذلك في حكم ~~الخلف ولو جرى إكرامه من غير مجيء كان هذا مخالفا لحكم ms299 الشرط من طريق ~~التضمن ولم يكن معدودا خلفا صريحا فيفارق الطرد العكس مثل ما يفارق الخلف ~~الوفاء بالمشروط عند وجود الشرط في إثبات مجيء المشروط دون الشرط. # وإذا قال القائل: إن جئتني أكرمتك وإن لم تجئني أكرمتك فالذي جاء به وإن ~~كان على صيغة الشرط فهو خارج عن باب الشرط باتفاق أهل اللسان والتقدير ~~أكرمك إن جئتني أو لم تجئني. ### | 818- # ونحن الآن نقول: من حكم كل ما يثبت علة أن ينعكس وأن يكون لوجوده على ~~عدمه مزية ولو لم يكن كذلك لما كان لكون الشيء علة معنى ثم إذا كان الشيء ~~مخيلا [وثبت كونه علة شرعا] فجهة اقتضاءه النفى عند انتفائه من جهة تأثير ~~الإخالة وإن لم يكن مخيلا وثبت كونه علة شرطا فجهة اقتضائه النفى عن ~~انتفائه كونه شرطا كما تقرر في قاعدة المفهوم ومع هذا كله لا يمتنع أن ~~تنتفي العلة ويثبت الحكم بعلة أخرى وكذلك القول في الشرط من حيث أنه يجوز ~~ربط مشروط بآحاد شرائط فإن لم يصح تعليل الحكم الواحد بعلل فيتعين العكس في ~~كل علة ولكنه لو امتنع العكس لخبر أو إجماع فهذا الآن يستدعي مقدمة في ~~النقض. # مقدمة في النقض. ### | 819- # فلو اطردت العلة على صور المعاني وتلقتها صورة تخالف حكمها في مقتضى ~~الطرد وكان حكمها غير معلل ففي بطلان العلة بذلك كلام سيأتي مشروحا. ### | 820- # فعدم الانعكاس لخبر أو إجماع موضع الخلاف فمن رأى ما قدمته نقضا اضطربوا ~~في مثل هذه الصورة في العكس فذهب الأكثرون إلى أنه غير ضائر. # PageV02P051 # فإن الانعكاس ضمن العلة كالمفهوم والنقض في حكم الوارد على نص الكلام. # وصار صائرون إلى أنا نتبين بتقاعد العلة عن مقتضاها بطلانها في طردها ~~فهذا موضع الخلاف [في المسألة] . ### | 821- # والمختار إذا انتهى الكلام إلى هذا المجر أن هذا غير مبطل للعلة ولكن ~~ينشأ من هذا الموضع فصل جدلي ممتزج بأمر ديني فنقول. # أولا: دينا حق على كل مجتهد أن يفتى بعكس العلة إذا لم يمنع من ذلك مانع ~~ولم يحجز حاجز فإن اقتضى الانعكاس ms300 جهة في الاجتهاد فلا يجوز تعطيله ولكن ~~إذا طولب في النظر فالوجه ألا يلتزم ما لأجله ترك العكس فإنه إذا ثبت جوازه ~~ترك العكس بسب والكلام في محل العكس خارج عن محل الخلاف فمطالبة المعلل ~~بإبداء العذر في ترك الانعكاس خروج عن المسألة إذ محل الطرد هو المعنى. # وسر المسألة قصر الكلام على المقصود وحصره في أوجز الطرق حتى تجدى وتثمر ~~على قرب وكثب. # وكمال البيان فيه: إن من طرد علة فانتقضت علته ولاح الفرق بين صورة النقض ~~ومحل التعليل فالعلة باطلة قطعا فإن ما انتهض فرقا صيغة في التعليل أخل ~~المعلل بذكره فكأنه ذكر بعض العلة ولو تقاعدت العلة عن العكس وظهرت علة ~~تقتضي امتناع العكس لم ينقدح ذلك في العلة بل كان ذلك عذرا عاما في عدم ~~الانعكاس وقد نجز غرضنا من الكلام في الانعكاس الآن. ### | 822- # وإنما أجرينا ذكر هذا الطرف وإن كان لائقا بباب الاعتراضات لاتصاله ~~بالقول بالعلتين وبه تم إيضاح الغرض من هذا الفن وتقرر أنا لم نلف حكما ~~متفقا عليه مرتبطا بعلتين مع تحقيق الاتحاد في الحكم. # وإذا كان كذلك فالحكم الثابت مع انتفاء العلة إن لم يستند إلى نص أو ~~إجماع فهو مساو للحكم الأول في الاسم ومخالف له في المأخذ والحقيقة وهو ~~كتعليلنا تحريم المحرمة بإحرامها ثم إذا حلت وكانت حائضا فهي محرمة وإن زال ~~الإحرام ولكن تحريم الحيض مخالف لتحريم الإحرام في وصفه وكيفيته وكذلك إذا ~~علل المعلل إباحة الدم بالقتل الموجب للقصاص ثم لم تنعكس العلة لمكان الردة ~~أو غيرها من مقتضيات القتل فليس هذا من عدم الانعكاس فإن القتل الواجب ~~بالقتل ينتفي بانتفاء القتل. # PageV02P052 ### | 823- # فإن قيل: قد أنكرتم وجدان حكم معلل بعلتين فما قولكم في الولاية المطردة ~~على الطفل والمجنون وهي قضية واحدة معللة بالجنون والصبا؟ # قلنا: الولاية الثابتة على المجنون ضرورية إذ لا يتوقع من المجنون تصرف ~~وفهم ونظم عبارة والولاية على الصبي المميز لمكان الغبطة وطلب الأصلح فإن ~~الصبي يعقل ما يقول ويفعل ومن كان آنسا بتفاصيل الولايات ms301 لم يعدم فرقا بين ~~الولاية على المجنون والولاية على الصبي [المميز] فإن فرض صبي غير مميز فهو ~~المجنون بعينه ولا أثر للصبا ولا يقع به تعليل فإن الولاية الحقيقية بالصبا ~~هي ولاية الاستصلاح. ### | 824- # وقد تناهى الشافعي في [الغوص] على ما ذكرناه حتى لا يرى توريث ذي قرابتين ~~بالقرابتين جميعا إذا كانت إحداهما أقرب من الأخرى وقال القرب الأقرب يعدم ~~أثر القرب الأبعد حتى كأنه ليس قريبا وكذلك الصبا مع سقوط التمييز ليس ~~معتدا به وهذا آخر القول في تأصيل قياس المعنى وما تثبت به علل الأصول وقد ~~حان الآن أن نحوم على قياس الشبه. # القول في قياس الشبه 1. ### | 825- # ومن أهم ما يجب الاعتناء به تصوير قياس الشبه وتمييزه عن قياس المعنى ~~والطرد ولا يتحرر في ذلك عبارة خدبة مستمرة في صناعة الحدود ولكنا لا نألوا ~~جهدا في الكشف فقياس المعنى مستندة معنى مناسب للحكم مخيل مشعر به كما تقدم ~~والشبه لا يناسب الحكم مناسبة الإخالة وهو متميز عن الطرد فإن الطرد تحكم ~~محض لا يعضده معنى ولا شبه. ### | 826- # وإنما يتضح القول في ذلك بالأمثلة ثم بالحجاج. # فإذا قلنا طهارة عن حدث أو طهارة حكمية فافتقرت إلى النية كالتيمم لم يكن ~~قولنا طهارة عن حدث مقتضية من طريق الإخالة للنية ولكن فيه شبه مقرب لإحدى ~~الطهارتين من الأخرى وقد عبر الشافعي2 عن تقريب إحداهما من الأخرى ~~PageV02P053 # فقال: طهارتان فكيف تفترقان؟ وكذلك إذا, قلنا: غسل حكمي فلا يتعدى الظاهر ~~إلى داخل الفم كغسل الميت فهو تشبيه مقرب وليس بمثابة الطرد الذي لا يخيل ~~ولا يثير شبها مغلبا على الظن. ### | 827- # ثم الشبه ينقسم إلى تشبيه حكمي وإلى [تشبيه] حسي. # فالحكمي ما ذكرناه والحسي كقول أحمد1 أحد الجلوسين في الصلاة فكان واجبا ~~كالجلوس الأخير. وكقول أبي حنيفة: تشهد فلا يجب كالتشهد الأول وفي الشرع ~~تعبد بالنظر إلى الأشباه الحسية الخلقية كالقول في جزاء الصيد والقيافة ~~مبناها على النظر إلى الأشباه الجلية والشمائل الخفية. ### | 828- # ولا ينتهي هذا المقدار إلى تمام البيان في تصوير قياس الشبه ms302 ونحن نزيد ~~فنقول إلحاق الشيء بالمنصوص عليه لكونه في معناه متقبل مقطوع به وإن لم يكن ~~الحكم المنصوص عليه معللا أو كان معللا ولم يطلع الناظر بعد [على] ذلك من ~~حاله وقد قدمنا في ذلك قولا بالغا فما قرب من المنصوص عليه جدا بحيث يحصل ~~العلم بالتحاقه فهو في الرتبة العليا وما بعد قليلا وعارض العلم نقيضه من ~~ظن أو شك فهذا مما يغلب على الظن الالتحاق به من غير معنى وهو الشبه. # ثم تعليلات الظنون في درجات المظنون على مراتب فإذا تناهى البعد وثار ~~بحيث لا يلوح مقتضى ظن ولا موجب علم فهو الطرد المردود. ### | 829- # والشبه ذو طرفين أدناه قياس في معنى الأصل مقطوع به. # وأبعده لا يستند إلى علم ولا ظن وكل طارد ذاكر شبها حسيا أو حكميا لا ~~يخيل ولا يغلب على الظن. # ومن أصدق ما تميز به الطرد عن الشبه أن تعليق الحكم بما يعد طردا يضاهى ~~في مسلك الظن تعليق نقيضه به فلا يترجح أحدهما على الثاني إلا من جهة اطراد ~~أحدهما فيما يبغيه الطارد ويدعيه والشبه يتميز عن هذا. # ونحن نبين ذلك بمثال يحوي المقطوع به في الرتبة العليا والشبه الذي نحن ~~في محاولة تصويره والطرد الذي نرده. # فلو ثبت مثلا كون النية شرطا في التيمم لكان الوضوء في معناه قطعا وإلحاق ~~الوضوء بالتيمم تشبيه ولا يليق بقول القائل طهارة حكمية نفى النية [فانماز] ~~الشبه. PageV02P054 # المقبول به عن نقيضه وإذا قال الحنفي طهارة بالماء فأشبهت إزالة النجاسة ~~كان ذلك طردا. # ولو قيل: طهارة بالماء فافتقرت إلى النية لم يكن في هذا بعد يناقض نفى ~~النية حتى يقال نفي النية أليق اللفظ من إثباتها وإن انتصروا لذلك فغايتهم ~~أن يقولوا ما ذكرناه شبه [خلقي] وقد هذى بعض المتأخرين فقال: الماء طهور ~~بجوهره. # وغرضنا التنبيه على المنازل فإن استقام للخصم وجه من الشبه فالأصولي لا ~~يعرج على مذاهب أصحاب الفروع ثم نزيد الكلام إن ناضل الخصم بشبيه إلى ~~الترجيح [وسننبه] على مسلكه في هذا الفصل إن ms303 شاء الله تعالى. ### | 830- # ومما ذكره القاضي في تمثيل تعارض الأشباه القول في أن العبد المملوك هل ~~يملك؟ # فمن زعم أنه يملك شبهه في إمكان صدور التصرف منه بالحر واعتضد بأنه عاقل ~~في جنسه يتأتى منه السياسة والإيالة والضبط والقيام على المملوكات وإنما ~~يملك من يملك لذلك وللعبد فيه شبه بالحر وهذا يعتضد بتصوير ملك النكاح له. # ومن أبى تصوير الملك له تعلق بأنه على شبه المملوكات في استحالة ~~الاستقلال وفي نفوذ تصرف المالك فيه على حسب تقدير النفوذ في المملوكات ~~[جمع فشابه] المملوك الذي يقام عليه ولا يقوم بنفسه. ### | 831- # وهذا الذي ذكره ليس من قياس الشبه عندي فإن كل متعلق في المسألة في شقي ~~النفي والإثبات منخرط في سلك المعنى المخيل المناسب ثم الإخالات على رتب ~~ودرجات فمنها الخفي ومنها الجلي ومنها المتوسط بين الخفاء والجلاء. # ولعلنا أن نأتي في ضبك مداركها بأقصى الإمكان إن شاء الله تعالى. ### | 832- # ومما أجراه القاضي في ضبط تصوير الشبه أن قال قياس المعنى هو الذي يستند ~~إلى معنى يناسب الحكم المطلوب بنفسه من غير واسطة وقياس الشبه هو الذي ~~يستند إلى معنى [و] ذلك المعنى لا يناسب الحكم المطلوب بنفسه ولكن ذلك ~~المعنى يغلب على الظن أن الأصل والفرع لما اشتركا فيه فهما مشتركان في ~~المعنى المناسب وإن لم يطلع عليه القايس. ### | 833- # وهذا الذي ذكرناه على حسنه لا يضبط قياس الشبه فإنا نجري قياس # PageV02P055 # الشبه حيث لا يعقل معناه فيه تقريبا له من الذي يقال فيه إنه [في] معنى ~~الأصل فإذا كان القياس ألشبهي يجري حيث لا معنى فلا توجه لضبطه بالإشعار ~~بالمعنى المناسب. # وقد ينقدح في محل إمكان المعنى فيما ذكره القاضي [فضل] نظر فإن دركه إذا ~~كان ممكنا للمجتهد لم يجز له الاجتزاء بالشبه بل عليه أن يبحث عما لا يشعر ~~به الشبه من المعنى فإذا لاح للناظر الشبه المشعر [بالاجتماع] في المعنى ~~كان ذلك في حكم السابقة المقتضية تتمة النظر. # وسنعود إلى تفصيل ذلك بكلام يشفى الغليل ونأتي على كل تفصيل ms304 إن شاء الله ~~تعالى وإنما نحن الآن في تصوير الشبه ثم الكلام يقع وراء ذلك في الرد ~~والقبول وإثبات الحق. # فصل: ### | 834- # ومما أرى تقديم رسمه ربط الأحكام بالأحكام وهو كثير الجريان والجولان في ~~أساليب الظنون كقول القائل من نفذ طلاقه نفذ ظهار إلى ما ضاهى ذلك وهذا ~~ينقسم إلى ما يشعر بالمعنى المخيل [المناسب] إشعارا بينا وإلى ما يستعمل ~~شبها محضا فالمشعر بالمعنى كما ضربناه من المثال استدلالا على نفوذ الظهار ~~بنفوذ الطلاق فإنه يجمعهما اقتضاء كل واحد منهما تحريم البضع مع كون الزوج ~~مالكا للبضع متمكنا من التصرف فيه والتحريم على وجه ينفرد باستدراكه أو على ~~وجه مبين يستدعي رفعه عقدا مجددا والظهار محرم كالطلاق فربط أحدهما بالآخر ~~يلوح منه المعنى الجامع بينهما. ### | 835- # وهذا القسم سماه بعض المتأخرين قياس الدلالة من حيث إنه يتضمن شبها دالا ~~على المعنى. # وهؤلاء قسموا الأقيسة إلى قياس المعنى وهو الذي يرتبط الحكم فيه بمعنى ~~مناسب للحكم مخيل مشعر به. # وإلى قياس الدلالة وهو الذي يشتمل على ما لا يناسب بنفسه ولكنه يدل على ~~معنى جامع وإلى قياس الشبه المحض وهو الذي لا يشعر بمعنى مناسب أصلا ولا ~~يكون في نفسه مناسبا. # ثم اختيار النظار قياس الدلالة لإعرابه عن المقصود على القرب فإن المعنى ~~لو # PageV02P056 # أبداه المعلل ونوزع فيه وفي مناسبته وطريق اعتباره وإشعاره لقال: التحريم ~~إلى الزوج والله المحرم كتحريم الطلاق بالإضافة إلى الطلاق فإذا كان عقبى ~~الكلام يستدعي الاستشهاد بالطلاق فذكر الطلاق أول مرة على الابتداء يتضمن ~~المعنى ويصرح بالاستدلال عليه. ### | 836- # فأما الحكم الذي هو شبه محض فهو كقول القائل: قربة ينقضها الحدث فيشترط ~~فيها الموالاة قياسا للطهارة على الصلاة فانتقاض القربة بالحدث حكم وربط ~~الموالاة بالحدث من طريق الشبه فليس في بطلانها بهذا الحكم ما يشعر باشتراط ~~المتابعة على التحقيق. ### | 837- # وقد يقرب من هذا القسم تشبيه الوضوء بالتيمم وتشبيه غسل الجنابة بغسل ~~الميت. # ومما يلتحق بهذا القسم تصوير الشبه اعتبارنا التكبير في حكم التعيين ~~وامتناع قيام غيره مقامه بالركوع الذي لا ms305 تقوم هيئة من الهيئات مقامه وإن ~~تضمن خشوعا واستكانة تامة. ### | 838- # والقاضي أحيانا يقول: ليس هذا بقياس فإن تعيين التكبير متناه على انحسام ~~مسلك القياس وتحرير القياس في منع القياس مناقضة والتباس ولكن صاحب هذا ~~المذهب يقرر ابتناء الصلاة على الاتباع ويوضح بعدها عن المعاني. # ونضرب في ذلك الأمثال للإيضاح لا للقياس. # وهذا يضاهي من سبل المعقولات المخاوضة في الضروريات فإن الاستدلال فيها ~~محال ولكن المتمسك بدعوى الضرورة قد يبسط المقال ويضرب فيه الأمثال ويبغي ~~بإيرادها اجتزاء مخالفة خصمه وارعواءه عن جحده وعناده. # وأحيانا يقول هذا قياس الشبه فيما لا يعقل معناه والجوابان متقاربان لا ~~يظهر بينهما اختلاف المعنى. ### | 839- # ومن تمام القول في تصوير ما نحن فيه: أن المعنى الذي ادعاه المعلل علة ~~وعلما لم يظهر كونه مخيلا وإنما أثبت [المتمسك] به انتصابه علما من جهة ~~الطرد والعكس ورأيت ذلك مسلكا في انتصاب المعنى علة فهذا في أصح أجوبة ~~القاضي يلتحق بالشبه فإن المعنى هو المناسب وما يغلب على الظن انتصابه من ~~غير إخالة. # PageV02P057 # فمسلكه الشبه فهذا بيان صورة قياس الشبه وما يلتحق به وهذا منتهى غرضنا ~~من هذا التصدير في محاولة التصوير. وقد حان أن ننقل المذاهب في رد قياس ~~الشبه وقبوله ونوضح الحق عندنا. # مسألة: ### | 840- # قال القاضي في كثير من مصنفاته: قياس الشبه باطل وإلى هذا صغوه الأظهر ~~وتابعه طوائف من الأصوليين وذهب معظم الفقهاء إلى قبول قياس الشبه والقول ~~به فأما من رده فمتعلقه أن الشبه ليس مناسبا للحكم ولا مشعرا به فشابه ~~الطرد فإن الطرد إنما رد من جهة أنه لا يناسب الحكم. وإن زعم القائل بالشبه ~~أنه مناسب فليس من شرط الأصولي أن يتكلم في تفاصيل الفقه ولكنه يقول إن كان ~~مناسبا على شرط الفقهاء فهو قياس المعنى ونحن لا ننكره وإنما ننكر قسما ~~سميتموه الشبه وزعمتم أنه زائد على المعنى المخيل المناسب فهذا لباب كلام ~~القاضي حيث يرد قياس الشبه وسنرد عليه في خاتمة الكلام. ### | 841- # وإنما أخرنا ذلك لأن الغرض لا يلوح دون ذكر معتصم ms306 القائلين بقياس الشبه ~~وقد أكثر الفقهاء وما أتوا بكلام يفلح [المتمسك] به والذي نرتضيه متعلقا في ~~الشبه أمران. # أحدهما: أن نقول قد أوضحنا في مواضع أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى ~~وعن قضية تكليفية وسنكشف الغطاء فيه في كتاب الفتوى إن شاء الله تعالى. # وإذا تمهد ذلك قلنا: من مارس مسائل الفقه وترقى عن رتبة الشادين فيها ~~ونظر في مسالك الاعتبار تبين أن المعنى المخيل لا يعم وجوده المسائل بل لو ~~قيل لا يطرد على الإخالة المشعرة عشر المسائل لم يكن مجازفا وهذه الطريقة ~~إنما يدريها من توغل في مسائل الفقه فأمعن النظر فيها وهذا واضح جدا بالغ ~~الموقع. وعضد القاضي في [التقريب] هذه الطريقة بمناظرات أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الفرائض سيما مسائل الجد وفي هذا نظر فإنها معان بيد ~~أنها تكاد تتعارض وإنما تعب المجتهدون فيها بالترجيح فهذا مسلك مقنع جدا. ### | 842- # والمسلك الثاني: أن الغرض من قياس المعنى غلبات الظنون وكل مسلك # PageV02P058 # في قبيله وجنسه ما ستعقب العلم عند قرب النظر فإذا بعد وأثار ظنا كان ~~متقبلا في المظنونات وقد ذكرنا أن إلحاق الشيء على قرب بالمنصوص عليه وهذا ~~الذي يسمى القياس في معنى الأصل معلوم مقطوع به والشبه على فنه ومنهاجه غير ~~أنه لا يتضمن علما ويتقضي ظنا وهذا كأقيسة المعاني فإن الشارع لو نص على ~~تعليل الحكم بعلة على وجه لا يتطرق إلى تنصيصه تأويل فهذا في فنه مقطوع به. # وإن لم يفرض نص ولا إجماع ولاح في الحكم المنصوص عليه معنى مناسب فهذا ~~مظنون الالتحاق بما فرضناه معلوما في هذا الطريق فيترتب مسلك الظن في قياس ~~المعنى على النص على المعنى ترتب الشبه على الذي يقال إنه في معنى الأصل. # ومستند كل فريق في البابين أصل لو ثبت كان مقتضيا علما وليس هذا الذي ~~ذكرناه قياسا في إثبات نوع من القياس فإن هذا ليس بالمرضى عند من يحيط ~~بمأخذ الأصول ولكنا رسمنا القسمين معلوما ومظنونا. ### | 843- # ونحن نقول وراء ذلك: إنا ms307 لا يمكننا أن ننص على مسلك معين أو مسالك وندعى ~~أن نظر الصحابة ومن بعدهم كان منحصرا فيه والذي يسمى المعنى ليس يقتضي ~~الحكم لعينه وليس كل مخيل عله في الحكم. # والقدر الذي ثبت: أنهم كانوا يلحقون ما لا ذكر له في المنصوصات ~~بالمنصوصات إذا غلب على ظنهم أنه يضاهيها بشبه أو بمعنى وليس من يدعى حصر ~~النظر في المعاني بأسعد حالا ممن يدعى حصر المعاني في الأشباه. # واستتمام الكلام فيه بما ذكرناه مقدما حيث قلنا النظر في الشبه يوقع في ~~مستقر العادة غلبة الظن كما أن النظر في المعنى يوجب ذلك. # ومن أنكر وقوع الظن كان جاحدا للعلم على قطع فإن العلم بوقوع الظن مقطوع ~~به وإذا انتظم ظن في إلحاق الشيء بأصل الشرع ولم يدرأه دارئ وألفى قبيله ~~إذا ظهر مقتضيا علما فليس بعد هذا التقرير كلام مع ما تقدم من أن الرجوع ~~إلى المجمعين حتم ولم يثبت في مآخذهم ضبط. ### | 844- # فإن قيل: لسنا نسلم إفضاء الشبه إلى غلبة الظنون. # قلنا هذا الآن عناد [منكم ونكد] فإن من أنكر وقوع الظن بكون الوضوء ~~كالتيمم وكل واحد منهما معنى يراد معين للصلاة والحدث استباحة أو رفعا فقد ~~راغم. # PageV02P059 # وإذا قيل له: قياس المعنى لا يفيد ظنا لم يرجع في تحقيق ذلك إلا إلى مثل ~~ما ذكرناه والسر فيه أن جحد الظن في هذه المسالك مراغمة للعلم بالظن. ### | 845- # وما ذكره القاضي في تقسيم القول بأن الشبه مناسب للحكم أو غير مناسب فهذا ~~أوان الجواب عنه. # فنقول: الشبه مع ما ادعيت من انقطاع المناسبة أيغلب على الظن أم لا فإن ~~أبى حصول غلبة الظن فقدره أجل وأعلى من هذا وإن اعترف به راجعناه في المعنى ~~الذي تحصل غلبة الظن لأجله ولا مناسبة. # وعندي أن الأشباه المغلبة على الظن وإن كانت لا تناسب الأحكام فهي تناسب ~~اقتضاء تشابه الفرع والأصل في الحكم فهذا هو السر الأعظم في الباب فكأن ~~المعنى مناسب للحكم من غير فرض ذكر أصل نظرا إلى المصالح الكلية والأصل ms308 ~~يعني لانحصار المصلحة في أصول الشريعة فإن كل مصلحة لا تنتهض علة والشبه لو ~~جرد لا يقتضي الحكم كما لو لم يفرض إلا الوضوء لم يكن في قول القائل طهارة ~~حكمية أو عن حدث اقتضاء النية لا علما ولا ظنا وإذا ثبت التيمم فذكر الحدث ~~يناسب مشابهة الوضوء للتيمم والشبه من ضرروته مشبه ومشبه به والمعنى مستقل ~~إذا ناسب اقتضاء الحكم لو ثبت الاستدلال والقول به. ### | 846- # وهذا منتهى القول في الشبه: تصويرا واحتجاجا واختيارا وقد اشتمل ما ~~ذكرناه على تقسيم الأقيسة المظنونة. # ونحن نذكر بعد ذلك فصلا مما جمعه الأصحاب في تقاسيم الأقيسة ونطرد ما ~~قالوه ونسوقه على وجهه ثم نذكر ترتيبا حسنا [ينبه الناظر على جميع قواعد ~~القياس] ثم نذكر ما يعلل وما لا يعلل ثم نذكر طريق الاعتراضات الصحيحة منها ~~والفاسدة ثم نذكر قولا بالغا في الاستدلال ثم نختتم الكتاب بالمركب وما فيه ~~وينتجز به القياس إن شاء الله تعالى. # PageV02P060 ### | فصل: في مراتب الأقيسة ### | 847- # يحوي ما يعد منها وفاقا وما يختلف في عده منها ويتضمن بيان ترتيبها في ~~الجلاء والخفاء. ونحن نذكر أجمع طريقة الأصحاب وأحواها ثم نذكر ما عندنا في ~~معناها ومغزاها. # PageV02P060 # قالوا: أولها: إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من طريق الفحوى والتنبيه ~~المعلوم كإلحاق الضرب وأنواع التعنيف بالنهي عن التأفيف فهذا في الدرجة ~~العليا من الوضوح. # وقد صار معظم الأصوليين إلى أن هذا ليس معدودا من أقسام الأقيسة بل هو ~~متلقى من مضمون اللفظ والمستفاد من تنبيه اللفظ وفحواه كالمستفاد من صيغته ~~ومبناه ومن سمى ذلك قياسا فمتعلقة أنه ليس مصرحا به والأمر في ذلك قريب. ### | 848- # والقسم الثاني: ما نص الشارع على تعليله على وجه لا يتطرق التفصيل ~~والتأويل إليه أصلا وقد ثبت لفظ الشارع قطعا فإذا ثبت الحكم واستند إلى ~~النص القاطع في تعليله فمن ألحق بالعلة المنصوصة المسكوت عنه بالمنطوق به ~~كان قياسا. # قال الأستاذ أبو بكر هذا ليس بقياس وإنما هو استمساك بنص لفظ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإن لفظ التعليل ms309 إذا لم يقبل طرق التأويل عم في كل ما ~~تجرى العلة فيه وكان المتعلق به مستدلا بلفظ ناص في العموم. ### | 849- # القسم الثالث: إلحاقك الشيء المنصوص عليه لكونه في معناه وإن لم تستنبط ~~علة لمورد النص وهو كإلحاقك الأمة بالعبد في قوله عليه السلام: "من أعتق ~~شركا له في عبد قوم عليه" 1 وهذا القسم مما اختلف في تسميته قياسا أيضا كما ~~تقدم ذكره. ### | 850- # والقسم الرابع: قياس المعنى: وهو أن يثبت حكم في أصل فيستنبط له المستنبط ~~معنى ويثبته بمسلك من المسالك التي قدمناها [و] لم يصادفه غير مناقض للأصول ~~فيلحق كل مسكوت عنه وجد فيه ذلك المعنى بالمنصوص عليه وقد تقدم استقصاء ~~القول فيما يثبت به علل الأصول وشرط هذا القسم أن يكون المعنى مناسبا للحكم ~~مخيلا مشعرا به على ما تقدم وهذا القسم هو الباب الأعظم في أقيسة الشرع ~~وفيه نزاع القايسين وتعارض أقوالهم. ### | 851- # والقسم الخامس: قياس الشبه ونحن على قرب عهد بوصفه. ### | 852- # وألحق ملحقون قياس الدلالة بهذه الأقسام [واعتقدوه] قسما سادسا ولا معنى ~~لعده قسما على حياله وجزءا على استقلاله فإنه يقع تارة منبئا عن معنى وتارة ~~شبها وهو في طوريه لا يخرج عن قياس المعنى أو الشبه فهذه تقاسيم كلية ~~ذكرها. PageV02P061 # من حاول ترتيب الأقيسة. # - 853 [والرأي] عندنا أن نجري الترتيب على خلاف ذلك فنقول مطلوب الناظر ~~ينقسم إلى معلوم ومظنون. # فأما المعلوم: فلا معنى لذكر الترتيب فيه فإن [العلوم] لا تتفاوت عند ~~وقوعها فإن فرض تفاوت في القرب وبعد المأخذ وطول النظر فهو من مقدمات ~~العلوم وإلا فلا يتصور علم أبين من علم. # - 854 والأقسام الثلاثة المقدمة من المعلومات ومن أنكرها كان جاحدا وقد ~~استجرأ على جحد بعضها أقوام يعرفون بأصحاب الظاهر ثم إنهم تحزبوا أحزابا ~~وتفرقوا فرقا فغلا بعضهم وتناهى في الانحصار على الألفاظ وانتهى به الكلام ~~إلى أن قال: من بال في إناء وصبه في ماء لم يدخل تحت نهى الرسول عليه ~~السلام إذ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم". # وهذا عند ذوي ms310 التحقيق جحد الضرورات ولا يستحق منتحله المناظرة كالعناد في ~~بدائه العقول. # ومما يحكى في هذا الباب ما جرى لابن سريج مع أبي بكر بن داود قال له ابن ~~سريج أنت تلتزم الظاهر وقد قال الله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} ~~1 فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرتين؟ # فقال مجيبا: الذرتان ذرة وذرة فقال ابن سريج فلو عمل مثقال ذرة ونصف ~~فتبلد وظهر خزيه وبالجملة لا ينكر هذا إلا أخرق ومعاند. ### | 855- # وأما المظنون: فينقسم إلى قياس المعنى والشبه ثم قد يتردد بين القسمين ما ~~يلتحق تارة بالمعنى وتارة بالشبه على ما نفصله. ### | 856- # وأما قياس المعنى: فهو الذي يناسب كما سبق وصفه ثم هذا القسم في نفسه ~~يترتب رتبا لا تقبل الضبط فمنها الجلي ومنها الخفي ثم الجلاء والخفاء فيها ~~من ألفاظ النسبة فكل محتوش بطرفين جلي بالإضافة إلى ما دونه خفي بالإضافة ~~إلى ما فوقه. PageV02P062 # والسر في ذلك يتبين بفرض تعارض معنيين لو قدر انفراد كل واحد منهما ~~"بالإضافة" مستقلا لاقتضى حكما لاستجماعه عند استقلاله شرائط الصحة فإذا ~~عارضه معنى مقتضاه نقيض مقتضاه كمعنيين يتعارضان في التحليل والتحريم ~~فسيأتي سبيل النظر فيهما. # ويئول الكلام إلى حالتين إحداهما أن يرجح أحد المعيين على الثاني بوجه من ~~وجوه الترجيح على ما سنشرح الترجيحات في كتابها. ### | 857- # وتقاسيمها يضبطها في غرضنا شيئان: # أحدهما: أن يكون أصل المعنى في وصفه أوضح وأبين والآخر أبعد فهذا ترجيح ~~من نفس المعنى. # والثاني: أن يعضد أحد المعنيين بما يؤيده ويعضده على ما سيأتي. # فإن اختص أحد المعنيين بالظهور في أسلوب النظر واحتاج مبدي المعنى الآخر ~~إلى تكلف في إبدائه فيقال فيهما إن أحدهما أجلى من الثاني. # وهذا ممثل بالعقليات المفضيات إلى القطع [فالذي] يقرب من العلم البديهي ~~إذا قيس بما يبعد عنه بعض البعد [كان أجلى] فهذان يضربان مثلين للجلي من ~~المظنونان والخفي منها. # فما قرب من الأصول القطعية فهو الجلي بالإضافة إلى ما بعد من العلم فلتكن ~~العلوم السمعية مستند الخفاء والجلاء والإنسان يعلم ثم يتجاوز ms311 محل العلم ~~قليلا فيظن ظنا غالبا ثم يزداد بعدا فيزداد الظن ضعفا. # فهذا وجه التفاوت في الظنون. # وهو فيه إذا كان ظهور الترجيح من ظهور المعنى في نفسه ولو كان الترجيح في ~~الاعتضاد فالمعنيان في أنفسهما متقاربان فأسباب العضد في أحدهما إذا رجحته ~~على معارضه أثبت له رتبة الجلاء بالإضافة إليه ورجع حاصل القول إلى أن ~~الجلاء والخفاء راجعان إلى الترجيحات والترجيحات يحصرها القرب من المعلوم ~~والاعتضاد بالمؤيدات ثم لا يتأتى في ذلك ترتيب وحصر حتى يحصره بعد أو حد ~~وإن كانت في الحقيقة مضبوطة معدودة فهذا قولنا في مراتب المظنونات ~~المعنوية. ### | 858- # ثم جمله أقيسة المعاني مقدمة على أعلى رتبة تفرض [في] الشبه والسبب فيه ~~أن المقيس على أصل بمعنى مشابه له فيه وزائد عليه بالإخالة على الشبه على ~~وجه. # PageV02P063 # لو صح الاستدلال لا ستقل دليلا دون أصله ثم بعد آخر مرتبة من مراتب ~~المعاني لاستفتاح الأشباه وهي على مراتب ودرجات كما ذكرناه في ترتيب ~~المعنويات. ### | 859- # وقد اتخذنا المعاني المعلومة أصولا ورتبنا عليه المعاني المخيلة قربا ~~وبعدا فنتخذ ها هنا كون الشيء في معنى أصله أصلا ونفرض النزول عنه إلى ~~الأشباه فما قرب منه فهو مقدم على ما بعد عنه ثم كما يعتمد قياس المعنى ~~الجلاء والخفاء في الإخالة فالشبه يعتمد أمرين: # أحدهما: وقوعه خصيصا بالحكم المطلوب وهو نظير الجلي الظاهر من نفس ~~المعنى. # والآخر: اعتضاده بكثرة الأشباه وهذا يناظر اعتضاد أحد المعنيين بما ~~يؤازره ويظافره. # وبيان ذلك بالمثال: أن كون الوضوء حكما غير متعلق بغرض يختص باشتراط قصد ~~يصرفه إلى جهة امتثال الأمر إذ لا غرض ومهما لاح اختصاص الشبه فيكاد أن ~~يكون مناسبا والجافي قسم المعنى ولكن الشبه لو التزمه [معنى] فقد يعسر عليه ~~كرده على شرائط المعاني فيصير الإيماء إلى المعنى مقدما للشبه ومقربا وإن ~~كان مسلك المعنى لا يستقل فيه. # وأما كثرة الأشباه فلا حاجة إلى ضرب مثال فيها وستأتي أبواب الترجيح ~~حاوية لها منطوية عليها إن شاء الله تعالى. ### | 860- # وقدم الأصوليون أشباه الأحكام على الأشباه ms312 الحسية وليس الأمر على هذا ~~الإطلاق فأن الأمر يختلف بالمطلوب فإن كان المطلوب أمرا محسوسا فالشبه ~~الحسي أخص به وأمس له كطلب المثل في الجزاء وإن كان المطلوب حكما فالشبه ~~الحكمي حينئذ أقرب. ### | 861- # وأقصى الإمكان في هذا المجال الضيق [التنبيه] ودرك الحقائق موكول إلى ~~جودة القرائح فإذا قارنها التوفيق بان المعنى والشبه فقياس الدلالة مقدم ~~على الشبه المحض من جهة إشعاره بالمعنى. # وما يثبت الطرد والعكس مقدم على الشبه الذي لا يتصف بذلك فإن الطرد ~~والعكس يجريان في مجال الظنون والحسيات مجرى ظهور لفظ الشارع والشبه يبعد ~~من. # PageV02P064 # هذا فليتخذ الناظر هذه المراسم قدوته وإمامه. # ولو قيس المخيل السديد بالمطرد المنعكس فهو مقدم على المطرد المنعكس ~~لتحققنا كون مثله معتمد الصحابة رضي الله عنهم ولتكلفنا إلحاق المطرد ~~المنعكس به ومنه ثار الخلاف المتقدم في [أن] الطرد والعكس مما يسوغ ~~الاحتجاج بهما أم لا؟ ### | 862- # وليعلم المنتهى إلى هذا الموضع أن المعنى قد يتناهى في الخفاء ويظهر ~~للمجتهد جريان الطرد والعكس وإن عن للمجتهد في مثل هذا المجال تقديم العكس ~~فلا بأس فإن المعنى إذا تناهى خفاؤه فإنه يكاد يخرج عن حكمنا بأن الصحابة ~~رضي الله عنهم كانوا يحكمون به والظاهر في الانعكاس ملتحق بظواهر ألفاظ ~~الشارع. ### | 863- # ثم لا ينبغي أن يظن ظان أن القول في هذا ينتهي إلى القطع بل هو موكول إلى ~~نظر النظار واجتهاد أصحاب الاعتبار وكيف لا يكون كذلك والتقديم والتأخير ~~مستنده الترجيح ومنشأ الترجيح الظن. # وعلى هذا قد يعرض تقديم الشبه الجلي على المعنى الخفي والعلة فيه أنه إذا ~~انتهى الخفي إلى مبلغ يحول الكلام في إخراجه [على جنس الإخالة والشبه الذي ~~فيه الكلام لا ينقدح في إخراجه] عن قبيل الشبه قول فإذ ذاك ينظر الناظر ~~[ويردد] رأيه في تقديم ما يقدم وتأخير ما يؤخر. # مسألة: ### | 864- # قال القاضي ليس في الأقيسة المظنونة تقديم ولا تأخير وإنما الظنون على ~~حسب الاتفاقات. # وهذا بناه على أصله في أنه ليس في مجال الظن مطلوب هو تشوف الطالبين ~~[ومطمع] نظر المجتهدين ms313 قال بانيا على هذا إذا لم يكن مطلوب فلا طريق إلى ~~التعيين وإنما المظنون على حسب الوفاق. # وهذه هفوة عظيمة هائلة لو صدرت من غيره [لفوقت] سهام التقريع نحو قائله ~~وحاصله يئول إلى أنه لا أصل للاجتهاد وكيف يستجيز مثله أن يثبت الطلب ~~والأمر به ولا مطلوب وهل يستقل طلب دون مطلوب مقدر ومحقق فليت شعري من أين ~~يظن المجتهد؟ فإن الظنون لها أسباب. # فمن أقدم إقدام من لا يعتقد تشوفا ولا تطلبا كيف يظن ثم فيما ذكره خروج. # PageV02P065 # عظيم عن ربقة الوفاق فإنا على اضطرار نعلم من عقولنا أن الأولين كانوا ~~يقدمون مسلكا على مسلك ويرجحون طريقا على طريق وكيف يسنح للمجتهد مسالك ~~فيرى بعضها أقرب من بعض ولو تمكنت بمبلغ جهدي من إخفاء هذا المذهب والسعي ~~في انمحاقه لبذلن فيه كنه جهدي فإنه وصمة في طريق هذا الحبر وهو على الجملة ~~هفوة عظيمة وميل عن الحق واضح. # PageV02P066 ### | فصل: فيما يعلل وفيما لا يعلل # [اختلف أهل الأصول فيما يعلل وفيما لا يعلل] . ### | 865- # من أحاط بما قدمناه من الطرق التي تتضمن إثبات العلل هان عليه مدرك هذا ~~الفصل واطرد له النفى والإثبات على أقرب وجه وتمام الغرض يحصل بهذا النوع ~~من النظر مع الالتفات إلى تقاسيم الأقيسة. # والذي تمس الحاجة إليه الآن النظر في قياس المعنى وقياس الشبه فمهما أراد ~~الناظر وقد ثبت حكم في الشرع أن يتبين أنه معلل بمعنى بحث على المعاني ~~المناسبة فإن وجد في محل الحكم معنى مناسبا للحكم فطرده ولم يبطل ولم ~~يتناقض أصلا عرف كون الحكم معللا. # ومن لطيف الكلام في ذلك أن يتوصل إلى الكلى والجزئي بهذا النوع من النظر ~~ليتبين بما ذكرناه كون الحكم معللا ويتحقق عنده مع ذلك تعيين العلة وإن ~~اعتضد ذلك بإيماء الشارع كان ذلك بالغا أقصى المراد فيه. ### | 866- # فإن نظر الناظر ولم يلح له معنى مناسب للحكم مخيل به فيعلم أن الحكم ليس ~~معللا بمعنى ويرتد نظره إلى قياس الشبه وهذا أوسع الأبواب فإنه يجري عند ~~إمكان المعنى ms314 وسيثمر أيضا عند عدم المعنى ولا ينحسم قياس الشبه إلا عند ~~إشارات النصوص إلى قطع الأشباه. # وبيان ذلك بالمثال أن قياس الشبه على منهاج ما يسمى في معنى الأصل غير ~~أنه معلوم والشبه يبعد عنه بعض البعد وإن كان على شبه وقد ضرب بعض المحققين ~~لهما مثلين فقال. # الملتحق بالمنصوص لكونه في معناه يضاهي ارتباط العلم بقرائن الأحوال. # وإذا ظهرت مخايل خجل أو وجل وأحاط بهما الناظر تبين من المنظور إليه أمرا ~~وإن كانت تلك الأحوال لا تتحرر عبارة عن اقتضائها العلوم فهذا مثال ما ~~يعلم. # PageV02P066 # ومثال الشبه المظنون الذي لا يبلغ مبلغ العلم أحوال تدانى ما ذكرناه. ~~ويتطرق إليه الاحتمال: كمثل الذي يرى رجلا قد احمر وجهه وقد أسمعه مسمع ~~شيئا فقد يغلب على الظن غضبه وقد يجوز الناظر أنه فزع بما سمع وإن رأى في ~~نفسه تغيظا وتكرها فهذا مثال الأشباه. ### | 867- # وقد ينحسم الشبه وما يقال إنه في معنى الأصل بقضية لفظية أو أمر متعلق ~~بحكاية حال. # وبيان ذلك بالمثال أن سهل1 بن [أبي حثمة] روى القصة المشهورة في حديث ~~حويصة2 ومحيصة3 وعبد الله بن سهل4 وأن عبد الله قتل بخيبر "القصة"5 وقد عرض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمين ابتداء على المدعين ثم اتخذ الشافعي6 ~~رضي الله عنه هذا الحديث معتمده ورأى البداية بالمدعين في الدماء عند ظهور ~~اللوث ولم يجر في لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في ألفاظ الذين ~~رفعوا القصة إلى مجلسة تعرض [للوث] ولا مطمع في استناد اشتراط البداية ~~بالمدعين باللوث إلى معنى صحيح على السبر مستجمع للشرائط المرعية ولكن ~~الشافعي نظر إلى القصة فراها في اللوث وأن الإحن والذحول كانت عتيدة بين ~~اليهود والمسلمين فلم ير البداية بالمدعى منقاسة في الخصومات وعلم أن هذا ~~المقدار من التلويح في الإشعار بظهور صدق المدعين كاف في منع إلحاق القتل ~~[العرى عن اللوث بالواقع منه] على مظنة اللوث. # ومبنى المسألة على الشبه فقطع بتخييل اللوث إلحاق غيره وأوضح بانحسام ~~مسالك الأشباه في ms315 محاولة إلحاق غير اللوث باللوث. PageV02P067 # فمهما ثبت حكم بنص ولم يكن فيه معنى مناسب وظهر للناظر اختصاصه بحالة ~~تمنع تخيل الإلحاق بالمنصوص علما أو تشبيها ظنيا فلا يتحقق الإلحاق في ~~الشبه ويتعين الاقتصار على مورد النص فليتأمل الناظر ذلك فيما يأتي ويذر. ### | 868- # وقد تحصل من مجموع ما ذكرناه أن الذي لا يعلل أصلا هو الذي لا ينقدح فيه ~~معنى مناسب ولا شبه وقد ذكرنا ما يقطع الشبه والمعلل هو الذي ينقدح فيه ~~معنى مخيل أو شبه على شرط السلامة. # مسألة: ### | 869- # نقل [أصحاب] المقالات عن أصحاب أبي حنيفة أنهم لا يرون إجراء القياس في ~~الحدود والكفارات والتقديرات والرخص وكل معدول به عن القياس وتتبع الشافعي ~~مذاهبهم وأبان أنهم لم يفوا بشيء من ذلك فنسرد كلام الشافعي على وجهه ثم ~~نعود إلى مراسم الحجاج والخلاف واختيار الحق. ### | 870- # قال الشافعي: أما الحدود فقد كثرت أقيستكم فيها حتى عديتموها إلى ~~الاستحسان وقد زعمتم في مسألة شهود [الزنا] أن المشهود عليه مرجوم وما يجري ~~الاستحسان فيه فهذا أعوص على مذاهب القائلين به من الأقيسة فلا يمتنع جريان ~~القياس فيه. ### | 871- # وأما الكفارات فقد قاسوا فيها الافطار بالأكل على الإفطار بالوقاع وقاسوا ~~قتل الصيد ناسيا على قتله عامدا مع تقييد النص بالعمد في قوله تعالى: {ومن ~~قتله منكم متعمدا} . # وأما المقدرات فقد قاسوا فيها ومما أفحشوا فيه تقديراتهم بالدلو والبئر ~~من غير ثبت ولا استناد إلى خبر أو أثر. ### | 872- # وأما الرخصة فقد قاسوا فيها وتناهوا في العبد فإن الاقتصار على الأحجار ~~في الاستجمار ومن أظهر الرخص ثم اعتقدوا أن كل نجاسة نادرة كانت أو معتادة ~~مقيسة على الأثر اللاصق بمحل النحو وانتهوا في ذلك إلى نفى استعمال الأحجار ~~مع قطع كل منصف بأن الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهموا هذا ~~التخفيف منه في نجاسة ما يعم به البلوى عملا وعلما وكانوا على تحرزهم في ~~سائر النجاسات على الثياب والأبدان ثم قال الشافعي: من شنيع ما ذكروه في ~~الرخص إثباتهم لها على خلاف وضع الشارع ms316 فيها فإنها مبنية تخفيفا وإعانة على ~~ما يعانيه المرء في سفره. # PageV02P068 # من كثرة أشغاله فأثبتوها في سفر المعصية مع القطع بأن الشرع لا يرد ~~بإعانة العاصي على المعصية فهذا الذي ذكروه يزيدونه على القياس إذ القياس ~~تقرير المقيس عليه قراره وإلحاق غيره به وهذا قلب لموضع النص في الرخص ~~بالكلية. ### | 873- # وأما المعدول عن القياس فقد ضرب الشافعي في الاستجمار فيه مثلا وهو بين ~~من جهة أن النجاسة إنما يعفى عنها عند فرض تعذر الاحتراز وليس الأمر كذلك ~~في غير نجاسة البلوى فإن استعمال الماء يسير لا عسر فيه. # وقال: زعمتم أن القهقهة تبطل الصلاة واعتقد تم ذلك معدولا عن القياس ثم ~~زعمتم أنها تبطل صلاة ذات ركوع وسجود ولا تبطل صلاة الجنازة ولم ينقدح لكم ~~فرق معنوي ولكنكم اعتقدتم قضية جرت لو صحت في صلاة من الصلوات الخمس ورأيتم ~~أن تقتصروا على مورد النص ثم قلتم القهقهة تبطل صلاة النفل وإن لم تكن ~~القضية في النفل فليت شعري ما الذي عن لكم في التخصيص من وجه والإلحاق من ~~وجه. ### | 874- # وقال في مساق هذا الكلام: اعتمدتم في الوضوء بنبيذ التمر الخبر وقد جرى ~~في الوضوء واعتبرتم الغسل به ولم تعتبروا نبيذ الزبيب بنبيذ التمر مع ~~اشتمال كلام الرسول عليه السلام لو صح الحديث على التنبيه لذلك فإنه قال ~~عليه السلام: "ثمرة طيبة وماء طهور"، فهذه جمل جمعها الشافعي في مساق هذه ~~المسألة عليهم وبالجملة ليس معهم من علم الأصول قليل ولا كثير وإن أقام ~~واحد منهم لقب مسألة فسننقضها في تفصيل الفروع فإن صاحبهم ما بنى مسائله ~~على أصول وإنما أرسلها على ما تأتي له فمن أراد من أصحابه ضبط مسائله بأصل ~~تناقض عليه القول في تفصيل الفروع. ### | 875- # ونحن نرد الكلام إلى الحجاج فنقول لهم لم منعتم إجراء القياس في هذه ~~الأصول؟ فإن قالوا: الحدود تدرأ بالشبهات والأقيسة مظنونة فلا ينبغي أن ~~نهجم على إثباتها بمظنون والظان معترف ببقاء إمكان وراء ظنه فيحصل بذلك ~~الإمكان الدرء. ### | 876- # وهذا الذي ذكروه يعارضه القصاص ms317 لأنهم لم يمتنعوا من إجراء القياس فيه وإن ~~كان يندرئ بالشبهات ويبطل ما ذكروه بالعمل بخبر الواحد في الحدود فإنه ليس ~~مقطوعا به ولا خلاف في قبوله والذي ذكروه إنما كان يستمر أن لو كانوا لا ~~يثبتون الحد في مظنون وهذا باطل قطعا. # PageV02P069 # ثم الجواب فيه أن وجوب العمل بالقياس ليس مظنونا وقد تمهد ذلك في مواضع ~~من الكتاب فسقط ما ذكروه ثم إن كانت الحدود تسقط بالشبهات والكفارات تجب ~~معها فلم يمتنع إجراء القياس فيها وهي بمثابة سائر المغارم. ### | 877- # وأما المقدرات فقد قالوا فيها لا تتعدى العقول إلى معان تقتضيها فلا يجري ~~القياس فيها. # قلنا: إن كان ينحسم فيها المعاني المخيلة المناسبة فلم ينسد مسلك ~~الأشباه. ### | 878- # وأما الرخص فقد قالوا فيها: إنها منح من الله تعالى وعطايا فلا نتعدى بها ~~مواضعها فإن [في] قياس غير المنصوص على المنصوص [في] الأحكام الاحتكام على ~~المعطى في غير محل إرادته وهذا هذيان فإن كل ما يتقلب فيه العباد من ~~المنافع فهي منح من الله تعالى ولا يختص بها الرخص. # فإن قيل: فما الذي ترون؟ # قلنا: قد وضح بما قدمناه ما يعلل وما لا يعلل ونحن نتخذ تلك الأصول ~~معتبرنا في النفي والإثبات فإن جرت مسالك التعليل في النفي والإثبات ~~أجريناها وإن انسدت حكمنا بنفي التعليل ولا يختص ذلك بهذه الأبواب. ### | 879- # ومما نختتم القول به: أن التعليل قد يمتنع بنص الشارع على وجوب الاقتصار ~~وإن كان لولا النص أمكن التعليل وهو كقوله تعالى: {إن أراد النبي أن ~~يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} 1 وقال عليه السلام: "وإنما أحلت لي ~~ساعة من نهار ثم عادت حرمتها كيوم خلق الله السموات والأرض" 2 وقال لأبي ~~بردة3 بن نيار وقد جاء بعناق وكان لا يملك غيرها فأراد التضحية بها رغبة في ~~مساهمة المسلمين "تجزىء عنك ولن تجزىء عن أحد بعدك" 4. # فمهما منعنا نص من القياس امتنعنا وكذلك لو فرض إجماع على هذا النحو وهو ~~كالاتفاق على أن المريض لا يقصر وإن ساوى المسافر في الفطر. ms318 PageV02P070 # فإذا لم يكن منع من هذه الجهات فالمتبع في جواز القياس إمكانه عند ~~الشرائط المضبوطة فيه والمتبع في منعه امتناعه وعدم تأتيه على ما يشترط ~~فيه. ### | 880- # فهذه جملة كافية فيما يعلل وما لا يعلل ونحن نختتمها بكلام نفيس قائلين: ~~رب شيء يمنع فيه جريان القياس وامتناعه في أمرين وأمور ولن يصفو هذا الفصل ~~على ما نحب ونؤثر إلا باستقصاء القول في ذلك. # ومثاله: أن الكتابة فيها أمور لا تنقاس وأمور يتطرق إليها القياس وكذلك ~~القول في النكاح والإجارة والمعاملة المسماة قراضا مع النظر في المساقاة. # وحق الناظر أن يتدبر هذه المواقف ويتبين المواقع التي يجري فيها القياس ~~والمواقف التي يقف عندها ولا يطرد فيها القياس نظرا إلى محل الوقف وكذلك لا ~~يطلق إثباتا نظرا إلى المحل المنقاس وكل كلام مفصل في موضع فإطلاق النفي ~~والإثبات فيه خلف إن كان نصا أو ظاهرا مؤولا. # فالكتابة مع اعتقاد ثبوتها عقد من العقود مستند إلى الإيجاب والقبول ~~والتراضي منطو على عوض من شرطه أن يكون معلوم الوصف والمقدار فهذه الأصول ~~جارية على قياس سائر المعارضات فمن قاس عليها في هذه الأحكام معاوضة أو ~~قاسها على معاوضة فهو قايس في محل القياس. # والذي لا ينقاس من الكتابة أصلها فإنها على الحقيقة معاملة الملك بالملك ~~فمن سوغ معاملة متضمنها ذلك ورام قياسا على الكتابة كان قايسا في محل لا ~~يجري القياس فيه. ### | 881- # ثم القول في ذلك ينقسم إلى ما ينقدح فيه مصلحة كلية تصلح لتمهيد الأصول ~~والقواعد وإلى مالا يتجه فيه ذلك على ظهور. # فأما ما يظهر فيه أمر كلي فهو كخواص النكاح فإنها مربوطة بأمر ظاهر في ~~استصلاح العباد فتلك الأمور لا يلفى لها نظير في غير النكاح فإنا إنما ~~نتكلم في خواص النكاح ولو قدرنا وجدان نظير [لها] لما كان ما فيه الكلام ~~خاصا ولما تحقق تميز الأصول بخواصها وتحيزها بمقاصدها ولصارت القواعد كلها ~~في التكليف تحت ربقة واحدة ضابطة في طريق الاستثناء وهذا محال. # فمن اعترف بأصل وأراد أن يعتبر خاصيته بأمر ms319 آخر فهو خارج عن الاعتبار. # PageV02P071 # المرضي، والقياس الكلي والجزئي ومن أراد إثبات أصل منازع ذي خاصية فإنه ~~لا يلقى لما بينته نظيرا إن حاوله فإن حاول إثبات ذلك ولم يكن في ثبوته بد ~~من أحد أمرين فإما أن يسنده إلى ثبت من قول الشارع وإما أن يتمسك ~~بالاستدلال إن صح القول به ولو ثبت أصل ذو خاصية فأراد الناظر أن يثبت أصلا ~~مشتملا على قريب من تلك الخاصية فهذا متقبل عند الشافعي في طريق القياس. ### | 882- # وبيان ذلك بالمثال: أن القراض مقتطع عن سائر المعاملات بخاصية فيه مقصودة ~~وهو أنه لا يتأتي استنماء المال وتثميره من كل واحد منهما وإنما يعرفه من ~~يعرف التجارات ووجهها ولو أثبت للمنصوب للتجارة أجرا معلوما وهو مستحق ربح ~~أو خسر فقد لا يجد جده إذا كان لا يرقب لنفسه حظا من الربح فيثبت القراض ~~مشتملا على الربح على حسب التشارط والتراضي. # فرأى الشافعي المساقاة في معنى القراض [في خاصية القراض] فاعتبرها به ~~واحترز عن الإجارات في المزارع وغيرها ثم اعتبر ذلك بعد الاستظهار بالحديث ~~الذي رآه نصا في المساقاة. ### | 883- # ثم أجرى في المسألة كلاما بدعا فقال: لم يعهد القراض في زمن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأول ما جرى هذا الضرب من المعاملة في زمن عمر رضي الله ~~عنه في قضية مشهورة لابنيه رضي الله عنهما فقال الشافعي: لا ينقدح الإجماع ~~من غير ثبت ولو كان في القراض خبر لذكر وعنى بنقله فلا معنى لجواز اعتقاده ~~حقا بسبب أصل واحد من الأصول ولا سيما إذا كانت المعاملة عامة والحاجة فيها ~~مطردة والناس كانوا يعتنون بنقل الأصول العامة على قضية واحدة ثم بعد مساق ~~كلامه قال: لا أدري للقراض أصلا إلا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في المساقاة. ### | 884- # فإن قيل: هذا منه قلب لمجاري القياس فإن المختلف فيه يعتبر بالمتفق عليه ~~والذي ذكره اعتبار المتفق عليه بالمختلف فيه. # قلنا: الشافعي يرسل تصرفه على قواعد الشريعة غير معرج على موضع الوفاق ~~والخلاف ms320 ثم ما ذكره ليس بقياس وإنما هو يتعلق على حصول الغرض بمسلك أصولي ~~لا يهتدي إليه غيره فإنه أثبت أن الإجماع لا يعقد هزلا ثم مزجه بمآخذ ~~العادات وهي من أعظم القواعد في أصول الشريعة وما يتعلق بالنقل وعدم النقل. ### | 885- # ومما ينبغي أن يتنبه الناظر له قبل الكلام في تحرير المسائل وضرب ~~الأمثال: # PageV02P072 # أن خواص الأصول لو اعتبر بعضها ببعض لكانت كل خاصية بدعا بالإضافة إلى ~~الأخرى ولكن لو استد نظر الموفق ورأى كل شيء على ما هو عليه تبين له أن ~~النظر السديد يقتضي تقرير كل خاصية وعدم اعتبارها بغيرها. # وبيان ذلك: أن الإجارة موضوعها يقتضي أعلام المنافع بالمدة أو بالعمل ~~الموصوف فإنها من عقود المعاوضات والمكايسات ولو أثبت المنافع فيها مجهولة ~~لكان إثباتها كذلك خارجا عن مقصود العقد والنكاح أثبت مؤبدا والتأبيد يجر ~~جهالة ولكن هذه الجهالة منطبقة على مقصود النكاح إذ الغرض منه الوصلة ~~والاستمتاع على الائتلاف وهذا ينتقض بالتأقيت وليست منافع البضع متمولة له ~~حتى يدعى لمكان أعواضها تقديرها وليست المناكحات من عقود المغابنات فإذا ~~خاصية كل عقد وإن خالفت خاصية آخر فمعناها في موضوعها كمعنى الأعلام في ~~موضع الأحكام فليس الإعلام موضوعا لعينه وإنما عين لعوض يقتضيه. # فكل كلام يجريه القايس ويسوقه يخالف موضوع المعاملة وإن كان يجد لما ~~[ذكره] شواهد [وأمثلة] في غير الموضع الذي ينظر فيه فذلك الكلام حائد. ### | 886- # وإذا تعارض معنيان: وترجح أحدهما بالأمثال واعتضد الآخر بما يشعر به ~~خاصية الأصل فهو أرجح عند الشافعي على ما سيأتي مشروحا [في كتاب] الترجيح ~~إن شاء الله تعالى وهذا كله فيه إذا كان الأصل لا ينقدح فيه توجيه معناه ~~كليا. # وقد ثبت أصل لا يتجه فيه استصلاح عام ظاهر كالكتابة فإنها مائلة جدا عن ~~الأصول وأقصى ما يذكر فيها استحثاث السادة على الإعتاق والعبيد على الكسب ~~في تلك الجهة وهذا في حكم أمر خفى يرد على أمر جلي على حكم المناقشة فإن ~~المالكية لها قضية جلية في منع معاملة العبيد والأمر الخافي في توقع ms321 العتق ~~ليس مضاهيا في مراتب المعاني لقضية المالكية فإن مقتضى الملك أجلى وليست ~~الكتابة فيما ذكرناه كالنكاح المختص بخاصية عن البيع فإنهما أصلان كل واحد ~~منهما منقطع عن الثاني وليس واحد منهما واردا على الثاني على حكم المعارضة ~~والمناقضة ورود الكتابة على المالكية فما كان كذلك فهو المنتزع عن القياس ~~من حيث أنا تخلينا لأحكام الملك جريانا ثم الكتابة صرفتها عن جريانها بخلاف ~~الأصول الواقعة أفرادا. # فالآن لو أراد مريد أن يلحق معاملة بالكتابة إلحاق الشافعي المساقاة ~~بالقراض # PageV02P073 ### | 891- # منها: أن قائلا لو قال: إن استقام ما ذكرتموه في الوضوء فما وجهه في ~~التيمم وهو تغبير الوجه؟ وذلك يناقض ما استروحتم إليه. # فيقال [له] : إن خرج التيمم عن كونه معقول المعنى لم يلزم من خروجه خروج ~~الوضوء ومن يبدي في الوضوء معنى لا يلزم طرده في التيمم فهذا وجه. # والوجه الآخر: أن التيمم أقيم بدلا غير مقصود في نفسه ومن أمعن النظر ~~ووفاه حقه تبين أن الغرض من التيمم إدامة الدربة في إقامة وظيفة الطهارة ~~فإن الأسفار كثيرة الوقوع في أطوار الناس وإعواز الماء فيها ليس نادرا فلو ~~أقام الرجل الصلاة غير طهارة ولا بدل عنها لتمرنت نفسه على إقامة الصلاة من ~~غير طهارة والنفس ما عودتها تتعود وقد يفضى ذلك إلى ركون النفس إلى هواها ~~وانصرافها عن مراسم التكليف ومغزاها فهذا سؤال والجواب عنه. ### | 892- # فإن قال قائل: لو توضأ المرء وأسبغ وضوءه ثم عمد إلى تراب فتعفر به أو ~~تطلى بالطين وصلى صحت صلاته فلو كان الوضوء متعينا للتنقي لوجب أن ينتقض ~~بما وصفناه لأنه إذا وجب الوضوء بتوقع الغبار فبتحققه أولى وهذا واقع على ~~هذه الطائفة وقد تكلفوا جوابا عنه. # فقالوا: الأصول إذا تمهدت على قواعدها واسترسلت على حكم العرف المطرد ~~فيها فلا التفات إلى ما يشذ ويندر وضربوا لذلك أمثلة مبنية على مغمضات من ~~قضايا الأصول. # منها: إن النكاح شرع لتحصين الزوجين من فاحشة الزنا وغيره من المقاصد ~~والحرة محتاجة إلى التحصين بالمستمتع الحلال كالرجل ثم حق عليها ms322 أن تجيب ~~زوجها مهما رام منها استمتاعا ولا يجب على الرجل إجابتها وغرض الشارع في ~~تحصينها على قضية واحدة ولكن لما خص الرجل بالتزام المؤن والمهر والقيام ~~عليها اختص بالاستحقاق ومنه الاستيلاء والملك فاكتفى الشارع في جانبها ~~باقتضاء جبلة الرجل والإقدام على الاستمتاع والأمر مبني على أحوال ~~الملتزمين الشريعة والمعظمين لها ومن انحصر مطلبه في الحلال واستمكن منه ~~واستحثته الطبيعة عليه وتغلب عليه المغارم فإنه سيعتاض عنها قضاء أربه ~~ومستمتعه وكذلك يقل في الناس من يطلى ويتضمخ بالقاذورات فكان ذلك موكولا ~~إلى ما عليه الجبلات. # PageV02P075 # وإنما الذي قد يتسامح فيه أهل المروءات إقامة الطهارات من غير مصادفة ~~الغبرات تخفيفا فخصص الشارع الأمر بالتنقي بالأحوال التي لا يظهر استحثاث ~~الطبع فيها. ### | 893- # ومن الأصول الشاهدة في ذلك: أن البيع إنما جوزه الشرع لمسيس الحاجة إلى ~~التبادل في الأعواض ثم لم ينظر الشارع إلى التفاصيل بعد تمهيد الأصول فلو ~~باع الرجل ما يحتاج إليه واستبدل عنه مالا يحتاج إليه فالبيع مجرى على صحته ~~فإن هذا لا يعم وقوعه وما في النفوس من الدوافع والصوارف [في ذلك] وازع ~~كامل وتكثر نظائر ذلك في قواعد الشرع. ### | 894- # فإن قال قائل: ما بال الوضوء يختص وجوبه بوقوع الحدث وأجمع علماء الشرع ~~على أن الأحداث موجبة للوضوء وليست ملطخة أعضاء الوضوء والذي ثبت موجبا ~~وفاقا غير ملطخ ولم يحوج إلى غسل الأعضاء والذي يلطخ الأعضاء لا يوجب ~~الوضوء. # فقالوا مجيبين: غاية هذا السؤال خروج وقت الوضوء عن كونه معقول المعنى ~~وهذا لا ينافى كون أصله معقولا. # وأما ما أدرجوه في أثناء الكلام من أن تلطيخ الأعضاء لا يوجب تنقيتها ~~وغسلها فهذا هو السؤال الذي انتجز الجواب عنه الآن. ### | 895- # وقد تكلف بعض النظار في ذلك كلاما وقال لا تدخل الأحداث تحت الحجر ~~واعتمادها من غير أرب يناقض دأب أهل المروءة فجمع الشارع بين الأمر بالوضوء ~~للغرض الكلي في التنقي وبين تأقيته بالأحداث حتى ينتهض مطهرا طاهرا ومردعة ~~عن الأحداث من غير إرهاق مسيس حاجة ثم هذا النظر يتضمن منعا ms323 من غير تحريم ~~وإذا استمر المكلف على هذه المراسم انتظم له منها محاسن الشيم في كل معنى ~~فهذا الباب ما جاء به الفريقان اعتراضا وجوابا في هذا الطرف. ### | 896- # فأما ما ذكره أصحاب أبي حنيفة رحمه الله في أن إزالة النجاسة معقولة ~~المعنى فيتوجه عليهم في هذا الشق سؤال لا ينقدح لهم عنه جواب فإنه يقال لهم ~~إزالة النجاسة لا تجب لغير الصلاة فما علة وجوبها للصلاة وهلا صحت الصلاة ~~معها؟ فإن تكلفوا في تعليل وجوب الإزالة كلاما فغايتهم أن المصلى مأمور أن ~~يأخذ للصلاة أنقى زي وأحسن هيئة والأمر بالتطهر مندرج تحت هذه الجملة. # PageV02P076 # فهذا غير مستقيم دليلا وهذا على الحقيقة أعادة للمذهب والسؤال قائم فلم ~~يجب التنقى؟ وهلا احتمل ذلك كما احتمل في غير الصلاة وهذا ينعكس بستر ~~العورة ثم ما بالها لم تؤثر في سائر العبادات فلا يكادون يرجعون إلى حاصل ~~وهو أجلى مما ادعاه الذين عللوا وجوب الوضوء بما ذكرناه فإذا لم ينتظم في ~~وجوب رفع العين معنى ولم يظهر في وجوب إمساس أعضاء الوضوء [بمائع] معنى ~~فهلا قام في الوضوء كل مائع مقام الماء كما قام مقامه في الإزالة. # فإن قالوا: الإزالة متحققة حسا بالخل. # قلنا: فاستيعاب الوجه وغيره من أعضاء الوضوء على حكم الوضاءة حاصل بماء ~~الورد حسا وهذا سيئول إلى تدقيق وهو أنه إن فرض الماء أرق المائعات وأدفعها ~~فقد يعتقد مع ذلك أنه لا يقوم غيره مقامه في حقيقة الرفع فأما حيث لا مرفوع ~~وإنما الغرض إمساس أعضاء وهذا المعنى يحصل بكل مائع إلى غير ذلك من فصول ~~تطول ولم نذكر هذه الطريقة لنعتقدها ولكنا أصيبنا أن نصير هذه المسألة ~~ومسائل يعدها أمثالا لفائدة سنربطها إن شاء الله تعالى [بغرضنا في التحقيق] ~~فلينظر الناظر في هذه المسألة واللواتي بعدها نظر من يعدها أمثالا ويستعدها ~~لما يستعقب المسائل به إن شاء الله تعالى. # مسألة: ### | 897- # قال الخائضون في هذا الفن: رب أصل يتطرق إليه التعليل من وجه ويتقاعد عنه ~~التعليل من وجه وضربوا لذلك أمثلة ms324 ونحن نذكر منها مثالا أو مثالين ثم يقيس ~~الناظر بما نذكره ما لم نذكره. # فمن أمثلة ذلك اختصاص القطع بالنفيس وهذا على الجملة معلل بأمر ظاهر وهو ~~أن أربا العقول لا يهجمون على التغرير بالأرواح والمخاطرة بالمهج بسبب ~~التافه الوتح وإن غرر مغرر فإنه يربط قصده بمال نفيس. # قالوا: هذا معلوم على الجملة ويشهد له القواعد الزجرية التي تستحث ~~الطبائع على الهجوم على الفواحش فيها فانتصبت الحدود مزحزحة عنها والمحرمات ~~التي لا صغو ولا ميل للطبائع إليها لم يرد الشرع في المنع عنها بحدود بل ~~وقع الاكتفاء بما في جبلات النفوس من الارعواء عنها مع الوعيد بالعذاب ~~الشديد والتعرض للأئمة والخروج عن سمة العدالة في الحالة الراهنة ثم قال ~~هؤلاء: القياس وإن اقتضى. # PageV02P077 # الفصل على الجملة بين التافه والنفيس فليس فيه التنصيص على النفيس ومبلغه ~~فكان ذلك موكولا إلى الشرع ونصاب السرقة منصوص عليه. ### | 898- # ومن أمثلة ذلك النصب في أموال الزكاة والأقيسة قد ترشد إلى اختصاص وجوب ~~الإرفاق بالأموال المحتملة له المتهيئة لارتفاق مالكها فيكون الإرفاق في ~~مقابلة الاستمكان من الارتفاق ثم القدر المرفق لا ينص عليه الرأي فاتبع ~~القايسون فيه مراسم الشريعة وإن عللوا الأصل تعليلا كليا. ### | 899- # ثم لما ذكر القاضي ما ذكرناه من مسالك الفقهاء انعطف عليه فقال كيف يطمع ~~الطامع في الميز بين الخسيس والنفيس وذلك يختلف بهمم النفوس والخسة ~~والنفاسة لا يتصف بها مبلغ بعينه بل هما من أحكام النسب والإضافات فقد ~~يستعظم الفقير الفلس ولا تكثر القناطير في حق الملك وهذا ينسحب على النصب ~~فإن القانع بالبلاغ قد يجتزئ بالارتفاق عما ينقص عن النصاب وذو البسطة ~~[والعيلة] والذرية الضعاف لا ترفغه العشرون والمائتان من التبرين. # فإن قال قائل: بنى الشارع الأمر على الوسط وهو شوف الاعتدال في كل شيء ~~فإن طرفي الاعتدال لا ينضبطان بل هما مردودان إلى حكم الوسط فيقال له أوسط ~~الناس لا يكثر في أعينهم الربع ولا الدينار في مقابلة ما يلقون من الأغرار ~~وإن وقع [الفرض] في ذوي الغرامة الذين انتهى ms325 بهم الاستجراء إلى اقتحام ~~العظائم فهؤلاء قد يصادمون الأغرار مستقبلين من غير مآرب ظاهرة ولا يكاد ~~ينضبط في ذلك معنى. ### | 900- # ثم وجه القاضي [على نفسه] السؤال المعروف في الخمر فإنها لا تغنى عن ~~مرارتها لعينها وإنما تعني لما لا يحصل إلا عند الاستكثار منها وهي النشوة ~~والطرب والسكر ثم يتعلق بتعاطي القليل منها من الحد ما يتعلق بتعاطي الكثير ~~وقد تكلف الفقهاء وجوها من الكلام لا نراها ونقتصر على أقربها متناولا وذلك ~~أنهم قالوا قليل الخمر داع إلى الكثير وليس في الإكثار منها عند الاستمكان ~~من جنسها ركوب خطر واقتحام غرر فلو لم يوضع الحد في القليل لدعا إلى الكثير ~~منه والغرر في المهج مع قلة المال كاف في الورع فهذا منتهى المطلوب في ذلك. # وإذا لاح مسلك الكلام في النفي والإثبات في هذه المسائل فنحن نذكر بعدها ~~كلاما وجيزا يتخذه الناظر معتبره ويرقى به عن تعارض وجوه الكلام في فن يقصد ~~منه بغية القطع فنقول. # PageV02P078 ### | الباب الثالث: في تقاسيم العلل والأصول ### | 901- # هذا الذي ذكره هؤلاء أصول الشريعة ونحن نقسمها خمسة أقسام. # أحدها: ما يعقل معناه وهو أصل ويئول المعنى المعقول منه إلى أمر ضروري لا ~~بد منه مع تقرير غاية الإيالة الكلية والسياسية العامية وهذا بمنزلة قضاء ~~الشرع بوجوب القصاص في أوانه فهو معلل بتحقق العصمة في الدماء المحقونة ~~والزجر عن التهجم عليها فإذا وضح للناظر المستنبط ذلك في أصل القصاص تصرف ~~فيه وعداه إلى حيث يتحقق أصل هذا المعنى [فيه] وهو الذي يسهل تعليل أصله ~~ويلتحق به تصحيح البيع فإن الناس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم لجر ذلك ضرورة ~~ظاهرة فمستند البيع إذا آيل إلى الضرورة الراجعة إلى النوع والجملة ثم قد ~~تمهد في الشريعة أن الأصول إذا ثبتت قواعدها فلا نظر إلى [طلب] تحقيق ~~معناها في آحاد النوع وهذا ضرب من الضروب الخمسة. ### | 902- # والضرب الثاني: ما يتعلق بالحاجة العامة ولا ينتهي إلى حد الضرورة وهذا ~~مثل تصحيح الإجارة فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور ms326 عن ~~تملكها وضنة ملاكها بها على سبيل العارية فهذه حاجة ظاهرة غير بالغة مبلغ ~~[الضرورة المفروضة في البيع وغيره ولكن حاجة الجنس قد تبلغ مبلغ] ضرورة ~~الشخص الواحد من حيث إن الكافة لو منعوا عما تظهر الحاجة فيه للجنس لنال ~~آحاد الجنس ضرار لا محالة تبلغ مبلغ الضرورة في حق الواحد وقد يزيد أثر ذلك ~~في الضرر الراجع إلى الجنس ما ينال الاحاد بالنسبة إلى الجنس وهذا يتعلق ~~بأحكام الإيالة والذي ذكرناه مقدار غرضنا الآن. ### | 903- # والضرب الثالث: ما لا يتعلق بضرورة [حاقة] ولا [حاجة] عامة ولكنه يلوح ~~فيه غرض في جلب مكرمة أو في نفي نقيض لها ويجوز أن يلتحق بهذا الجنس طهارة ~~الحدث وأزالة الخبث وإن أحببنا عبرنا عن هذا الضرب وقلنا: ما لاح ووضح ~~الندب إليه تصريحا كالتنظيف فإذا ربط الرابط أصلا كليا به تلويحا كان ذلك ~~في الدرجة الأخيرة والمرتبة الثانية البعيدة في المقايس وجرى وضع التلويح ~~فيه مع الامتناع. # PageV02P079 # عن التصريح وضع حمل المكلفين على مضمونه مع الاعتضاد بالدواعي الجبلية ~~كما سبق تقرير هذا في المسالك السابقة والصور الممثلة. ### | 904- # والضرب الرابع: ما لا يستند إلى حاجة وضرورة وتحصيل المقصود فيه مندوب ~~إليه تصريحا ابتداء وفي المسلك الثالث في تحصيله خروج عن قياس كلي وبهذه ~~المرتبة يتميز هذا الضرب من الضرب الثالث. # وبيان ذلك بالمثال: أن الغرض من الكتابة تحصيل العتق وهو مندوب إليه ~~والكتابة المنتهضة سببا في تحصيل العتق تتضمن أمورا خارجة عن الأقيسة ~~الكلية كمعاملة السيد عبده [و] كمقابلته ملكه بملكه والطهارات قصاراها ~~إثبات السبب وجوبا إلى إيجاب ما لا تصريح بإيجابه وليس فيها اعتراض على أصل ~~آخر سوى ما ذكرناه من التصريح والتلويح وقد مثلناها بوضع الشرع النكاح على ~~تحصين الزوجين. ### | 905- # والضرب الخامس من الأصول: ما لا يلوح فيه للمستنبط معنى أصلا ولا مقتضى ~~من ضرورة أو حاجة أو استحثاث على مكرمة وهذا يندر تصويره جدا فإنه إن امتنع ~~استنباط معنى جزئي فلا يمتنع تخيله كليا ومثال هذا القسم العبادات البدنية ~~المحضة فإنه لا ms327 يتعلق بها أغراض دفعية ولا نفعية ولكن لا يبعد أن يقال ~~تواصل الوظائف يديم مرون العباد على حكم الانقياد [وتجديد العهد بذكر] الله ~~تعالى ينهى عن الفحشاء والمنكر وهذا يقع على الجملة ثم إذا انتهى الكلام في ~~هذا القسم إلى تقديرات كأعداد الركعات وما في معناها لم يطمع القايس في ~~استنباط معنى يقتضي التقدير فيما لا ينقاس أصله فهذا بيان ضروب الأصول على ~~الجملة. ### | 906- # ونحن الآن تعطف عليها ونذكر في كل أصل ما يليق بمذهب القياسين إن شاء ~~الله تعالى. # فأما الضرب الأول: فهو ما يستند إلى الضرورة فنظر القايس فيه ينقسم إلى ~~اعتبار أجزاء الأصل بعضها ببعض وإلى اعتبار غير ذلك الأصل بذلك الأصل إذا ~~اتسق له الجامع فأما اعتبار الجزء بالجزء مع استجماع القياس لشرائط الصحة ~~فهو يقع في الطبقة العليا من أقيسة المعاني. # ومن خصائص هذا الضرب أن القياس الجزئي فيه وإن كان جليا إذا صادم القاعدة ~~الكلية ترك القياس الجلي للقاعدة الكلية. # PageV02P080 # وبيان ذلك بالمثال: إن القصاص معدود من حقوق الآدميين وقياسها رعاية ~~التماثل عند التقابل على حسب ما يليق بمقصود الباب وهذا القياس يقتضي ألا ~~تقتل الجماعة بالواحد ولكن في طرده والمصير إليه هدم القاعدة الكلية ~~ومناقضة الضرورة فإن استعانة الظلمة في القتل ليس عسيرا وفي درء القصاص عند ~~فرض الاجتماع خرم أصل الباب. # وحاصل القول في ذلك يئول إلى أن مقابلة الشيء بأكثر منه ليس يخرم أمرا ~~ضروريا فهذا معنى تسميتنا لهذا جزئيا وإلا فالتماثل في الحقوق المغربة إلى ~~الآدميين من الأمور الكلية في الشريعة غير أن القاعدة التي سميناها كلية في ~~هذا الضرب مستندها أمر ضروري والتماثل في التقابل أمر مصلحي والمصلحة إذا ~~لم تكن ضرورة جزء بالإضافة إلى الضرورة وهذا يعضد فيما أجريناه مثلا في ~~القصاص بأمر آخر وهو أن مبنى القصاص على مخالفة [الأعواض جمع] وأن أعواض ~~المتلفات مبناها على جبران الفائتان كالمثلى إذا تلف وضمن بالمثل وكالقيمة ~~إذا جبرت متقوما متلفا فالقصاص لا يجبر الفائت ولا يسد مسده والغالب فيه ms328 ~~أمر الزجر وحظ مستحقه منه شفاء الغليل وهذا ميل قليل بالقياس إلى مأرب ~~الناس في [الأعواض] فلما خرج أصله عن مضاهاة الأعواض هذا الخروج احتمل فيه ~~الخروج عن قياس التماثل لدى التقابل. ### | 907- # وإذا قسنا الأطراف عند فرض الاشتراك في قطعها بالنفوس كان ذلك واقعا جليا ~~معتضدا بالمعنى الأصلي وهو الضرورة في الصون مع اجتماع الأطراف والنفوس في ~~كونها مصونة بالقصاص. # وهذا في نهاية الوضوح لا [يغض] شيء منه إلا فرض [صدور] القطع من شخصين مع ~~تمييز أحد الفعلين عن الثاني فإنه إذا جرى ذلك لم يقطع يد واحد منهما فإن ~~منع مانع ذلك وقال يقطع من يد كل واحد من الجانبين مثل ما قطعه من يد ~~المجني عليه فهذا انفصال على وجه ولكن يبقى مع ذلك أن يد المجني عليه مبانة ~~باشتراكهما ولا يبان يد واحد من الجانبين والإبانة معصومة بالقصاص وإذا كان ~~القطع مما يقبل القسمة فقد يتناوش المتناظران عند ذلك الكلام [و] يتجاذبان ~~أطراف النظر فهذا هو اعتبار الجزء بالجزء في الضرب الأعلى من القياس. ### | 908- # ولو أراد القايس أن يعتبر قاعدة أخرى بقاعدة والضرورة الكلية تجمعهما. # PageV02P081 # فهذا متقبل معمول به أيضا فإذا اعتبر القايس حدا واجبا بقصاص أو قصاصا ~~بحد فذلك حسن بالغ وكذلك إذا اعتبر معتبر عقدا تمس الضرورة إليه بالبيع كان ~~حسنا على شرط السلامة فخرج من مجموع ذلك جريان القياس من الوجهين في هذا ~~الضرب أحدهما الجزء بالجزء والضرورة شاملة لهما والثاني اعتبار غير ذلك ~~الأصل بذلك الأصل والجامع الضرورية الكلية. ### | 909- # وأما الضرب الثاني: وهو ما يبنى على الحاجة كالإجارة فلا خلاف في جريان ~~قياس الجزء منه على الجزء فأما اعتبار غير ذلك الأصل بذلك الأصل مع جامع ~~الحاجة فهذا امتنع منه معظم القياسين. ### | 910- # ونحن نرى أن ننبه قبل تبيين القول فيه على أمر وهو أن الإجارة [جازت] ~~خارجة عن الأقيسة التي سميناها جزيئة في القسم الأول فإن مقابلة العوض ~~الموجود [بالعوض] المعدوم خارج عن القياس المرعي في المعاوضات فإن قياسها ~~ألا يتقابل إلا موجودان ms329 ولكن احتمل ذلك في الإجارة لمكان الحاجة وقد ذكرنا ~~أن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في [حق] آحاد الأشخاص والبيع ~~يلتحق بقاعدة الضرورة من جهة مسيس الحاجة إلى تبادل العروض والعروض لا تعني ~~لأعيانها وإنما تراد لمنافعها ومتعلق تصرفات الخلق في الأعيان محال منافعهم ~~منها وإذا أطلق الفقيه ملك العين أراد به الاستمكان من التصرف الشرعي على ~~حسب الإرادة ما بقيت العين ثم المنافع إذا قدرت نوعا من العروض وظهر مسيس ~~الحاجة [إليها] في المساكن والمراكب [وغيرها] التحق هذا بالأصول الكلية ~~واشتراط مقابلة الموجود بالموجود من باب الاستصلاح والحمل على الأرشد ~~والأصلح ولا يظن تعلق هذا الفن بالحاجة ولهذا يسمى [القياس] الجزئي وليس ~~المراد بكونه جزئيا جريانه في شخص أو جزء ولكن الأصل الذي لا بد من رعايته ~~الضرورة. # ثم الحاجة والاستصلاح في حكم الوجوه الخاصة في حكم الجزء عند النظر في ~~حكم الضوابط الكلية فإذا القياس على الإجارة إذا استجمع الشرائط لا يدرؤه ~~إلا الاستصلاح الجزئي في مقابلة الموجود بالموجود وهذا كقياسك النكاح مثلا ~~في وجه الحاجة إلية على الإجارة. ### | 911- # ومن قال: الإجارة [خارجة] عن القياس فليس على بصيرة في قوله فإنها إن ~~خرجت بخروجها عن الاستصلاح فهي جارية على مقتضى الحاجة والحاجة هي. # PageV02P082 # الأصل والاستصلاح بالإضافة إليها فرع. ### | 912- # وأنا أضرب لذلك مثلا تقديرا فأقول من سبق عقده قبل ورود الشرائع إلى ~~تقدير ورودها بالمصالح فإنه يسبق مع هذا العقد إلى درء الحاجات والضرورات ~~ويختبط في وجوه الاستصلاحات فإنه يتعارض فيها الظنون بالإضافة إلى الحالات ~~والدرجات فيتوقف لا جرم فيها الضبط على ورود الشرائع ثم إذا تمهد باب من ~~الاستصلاح بالشرع جرى القياس فيه ومستنده يكاد أن يكون غيبا لا يطلع العقل ~~على حقيقته فيكله إلى فاطر البرية سبحانه وتعالى. # ثم قد يظهر الاستصلاح وهو مع ذلك جزئي فإن متضمنة حجرة على مطلق من غير ~~حاجة ولا ضرورة في أمر تطرق المطلق فيه إلى البدل الكلي من غير منع ولا حجر ~~ولكن ضنة النفوس وازعة مع وفور عقلها ms330 عن السرف والبذل العرى عن العوض وقد ~~يحملها السرف وفرط الشره على أغرار وأخطار في المعاملات مغباتها وخيمة ~~وغوائلها عظيمة والله تعالى عليم بها فسيصلح الله عباده بما علمه من غيبهم ~~ولو تطرق إلى العقل الوازع عن البدل العرى عن العوض خلل طرد الشارع حجرا ~~ولهذا يطرد الحجر على الصبيان والسفهاء. # فإذا باب الاستصلاح غايته تقليد وتفويض الأمر إلى مالك الأمر وهو باب ~~محاسن الشريعة وقد يعيب [كلى] الاستصلاح [وجزؤه] عن الناظر ومن هذا القبيل ~~عندي تحريم ربا الفضل والحجر المتمهد في ربا [النسيئة] . ### | 913- # ومن دقيق ما يجري في هذا الفن وهو العلق النفيس في هذا القبيل أن الشافعي ~~ألحق إثبات الخيار والأجل [بأبواب] الرخص من جهة أن [قياس] التقابل في ~~المعاوضات أن يخرج العوض عن ملك أحد المتعاقدين حسب دخول مقابله في ملكه ~~وإذا حل أحد العوضين وتأجل الثاني كان ذلك خارجا عن هذا القانون وكذلك ~~الخيار الطارئ على العقد المبني على اللزوم في حكم الرخص والتأجيل أثبت ~~فسحة [لمن لا يملك الثمن] [في الحال ورجاء أن يتمحله] إلى منقرض الآجال ~~والخيار أثبت لتروي من لا بصيرة له وعدم الدراية في السلع أعم وأغلب من ~~المعرفة بها. ### | 914- # والقول في ذلك عندنا أن [أصل] البيع مستندة الضرورة أو الحاجة النازلة ~~منزلة الضرورة واللزوم [فيه] بمطلق البيع قد لا يستند إلى الضرورة نعم لو ~~قيل لا يفضى البيع قط [إلى لزوم] جر ذلك ضرارا بينا من حيث لا يثق ~~المتعاوضان بما يتقابضان وكان من الممكن أن يقال إذا تراضى المتعاقدان على ~~الإلزام لزم وإن. # PageV02P083 # أطلقاه فالحكم [بلزومه] من غير تراضيهما [فيه] مصلحي وليس ضروريا [وكذلك] ~~المصير إلى اقتضاء مقتضى العقد حلول العوضين مصلحي. # فإذا تمهد ذلك فشرط الخيار والأجل لا يخرم أمرا ضروريا فليفهم الفاهم ذلك ~~وليتئد إذا انتهى إلى هذا المقام. ### | 915- # ولكن الشافعي نظر إلى تعبدات الشارع فقد مهد في العقود تمهيدا عاما وإن ~~لم يكن مستنده إلى ضرورة مدركة بالعقول أو حاجة ثم رأى ما يطرأ عليها ~~بمثابة ما ms331 يطرأ على وظائف العبادات [من] الرخص والتخفيفات وإن كانت ~~العبادات في أصولها غير مستندة إلى أغراض وإلا فالقاعدة الكلية اتباع ~~الحاجة [والضرورة] أو أتباع رضا المطلقين فإن [ألحق ملحق الخيار] والأجل ~~بالرخص من جهة [ندورهما] بالإضافة إلى [ما] تمهد في التعبد والاستصلاح في ~~العقود وإلا فاتباع الرضا من غير اقتحام أمر كلي أمس للقياس الكلي من ~~الاستصلاحات وأنا أذكر [الآن] مسألة كلية يقضى الفطن العجب منها فأقول. # [مسألة] : ### | 916- # لو درست تفاصيل الشريعة وتعافى نقلتها وبقيت أصولها على [بال] من حملة ~~الدين فالذي يقتضيه التحقيق تصحيح كل بيع استند إلى رضا ولو لم يقل به ~~وتفاصيل الاستصلاحات لا تطلع عليها العقول ولا يحسم باب البيع ففي انحسامه ~~ضرورة عظيمة وقد ذكرت طرفا من هذا [في] الكتاب [الغياثي] والغرض منه الآن ~~أن الكلى ما يتطرق إليه العقل مع نسيان التفاصيل وهذا كاف في هذا الضرب. ### | 917- # وأما الضرب الثالث: وهو ما لا ينتسب إلى ضرورة ولا إلى حاجة وغايته ~~الاستحثاث على مكارم الأخلاق ووضع الاستصلاح [ينافي] إيجاب ذلك على كافة في ~~عموم الأوقات [لعسر] الوفاء به والقدر الذي على يقتضيه الاستصلاح لا ينضبط ~~بقدر أفهام المكلفين [ودرك المتعبدين] فإذا عسر الضبط وتعذر الإيجاب العام ~~فيثبت الشارع وظائف [تدعو] إلى مبلغ المقصود الواقع في [علم] الغيب وإن كان ~~لا ينضبط هو في عينه لنا. # ويعضد هذا [القسم] في غالب الأمر وبأمور جلية حتى كان الشريعة تتأيد ~~بموجب الجبلة والطبيعة فيكل إليها قدرا ويثبت للوظائف قدرا وهذا كالوضوء ~~فليس [ينكر] العاقل ما فيه من إفادة النظافة [والأمر بالنظافة] على استغراق ~~الأوقات [يعسر] الوفاء به. # PageV02P084 # فوظف الشارع [الوضوء] في أوقات وبنى الأمر على [أفادته] المقصود وعلم ~~الشارع أن أرباب العقول لا يعتمدون نقل الأوساخ والأدران إلى أعضائهم ~~البادية منهم فضلا فكان ذلك نهاية في الاستصلاح ومحاولة الجمع بين [تحصيل] ~~أقصى الإمكان في هذه المكرمة ورفع [التضييق في التدنس والتوسخ] إذا حاول ~~المرء ذلك فهذا وضع هذا الفن. ### | 918- # ولكن إزالة النجاسة أظهر في هذا الفن من النظافة ms332 الكلية المرتبة على ~~الوضوء فإن النجاسات تتقذر في الجبلات واجتنابها أهم في المكارم والمروءات ~~من اجتناب [الشعث] والغبرات. # ولهذا ذهب طوائف من الفقهاء إلى أنه يحرم على الإنسان التضمخ بالنجاسات ~~من غير حاجة ماسة والشافعي نص هذا في الكثير وقد ردد [في] مواضع من [كتبه] ~~تحريم لبس جلد الميتة قبل الديباغ وحرام على المرء لأن يلبس جلود الكلاب ~~والخنازير فتميز ظهور الغرض في إزالة النجاسة عن النظافة الكلية المعينة في ~~الوضوء ولهذا خصص الشافعي الوضوء بالنية من حيث التحق بالتعبدات العرية عن ~~الأغراض وضاهى العبادات [البدنية] . ### | 919- # ثم هذا الضرب الذي يفضى الكلام إليه يضيق نطاق القياس فيه فليس للناظر أن ~~يؤسس في هذا الضرب أصلا يتخيل فيه مثل هذا المعنى الذي تكلفنا نظم العبارة ~~[منه] لمعتبره بالقاعدة الثانية. # والسبب فيه أن هذا يدق مدرك النظر فلا يستقل بالتطرق إليه القوى البشرية ~~ولا ينبغي أن يؤتى الإنسان عن خداع فإن مجال الظنون متسع لما يظهر ويدق ~~فإنا لم نؤمر بربط الحكم لكل مظنون. ### | 920- # فالقول الوجيز فيه أن المعنى الذي ذكرناه في هذه القاعدة الثانية محال ~~على غيب ينفرد بعلمه الشارع وعليه ابتني الإيهام الكلى بين التصريح ~~والتلويح المذكورين في الطهارة [فإنا قلنا] تعميم الأمر بالنظافة عسر ورفعه ~~مناقض للمكارم والمحاسن والقدر المعين لا تدركه أوهام البشر ولا عسر في ~~امتثال أمر الشارع في طهارات متعلقة بأوقات [ثم الفطن] يظن أنها في علم ~~الشارع منطبقة على القدر المقصود الواقع في الغيب وليس من الممكن ربط الظن ~~به فضلا عن دركه يقينا. ### | 921- # فإذا كان هذا مبنى الأصل الثابت فكيف يطمع الطامع في تأسيس أصل [وتقعيده ~~قاعدة] تضاهى الطهارة في [وفائها] بالغرض الغيبي ولهذا نقول في هذا. # PageV02P085 # الضرب: لا يجوز قياس غيره عليه وليس كالضرب الأول والثاني المتعلقين ~~بالضرورة [والحاجة] فإن أمرهما بين ودركهما سهل. # ثم للشرع تصرف في الضروريات به يتم الغرض في القسمين الأولين وذلك أن ~~الذي لا يستباح إلا بالضرورة لفحشه أو بعده عن الحل فقد يرعى الشرع فيه ~~تحقق وقوع ms333 الضرورة ولا يكتفى بتصورها في الجنس وهذا كحل الميتة ورب شيء ~~يتناهى قبحه في مورد الشرع فلا تبيحه الضرورة أيضا بل يوجب الشرع الانقياد ~~للتهلكة والانكفاف عنه كالقتل والزنا في حق المجبر عليهما. ### | 922- # فإذا الضرورات على ثلاث أقسام: فقد لا تبيح الضرورة نوعا يتناهى قبحه كما ~~ذكرناه وقد تبيح الضرورة الشيء ولكن لا يثبت حكمها كليا في الجنس بل يعتبر ~~تحققها في كل شخص كأكل الميتة وطعام الغير والقسم الثالث ما يرتبط في أصله ~~[بالضرورة] ولكن لا ينظر الشرع في الآحاد والأشخاص وهذا كالبيع وما في ~~معناه وإنما كان كذلك لأنه لا أثر للفكر العقلي في تقبيح البيع والتبادل في ~~الأعواض فكفى تخيل الضرورة في القاعدة ولا التفات إلى الآحاد فإن الأمر في ~~ذلك مبنى على قاعدة كلية وليس البيع قبيحا في نفسه عرفا أو شرعا. ### | 923- # فأما الطهارات وما يضاهيها فقصاراه تحصيل أمر بوظائف واجبة من غير تصريح ~~بوجوب المقصود فلا جريان للقياس في هذا الباب على معنى أن يعتبر غير الباب ~~بالباب. # وعلى هذا ينبني سد باب القياس في الأحداث فإنها مواقيت الطهارات وثبتها ~~الشرع في أمر مغيب عن دركنا ولم يثبت الطهارة عامة بل خصصها تخصيصا نقدر ~~نحن بظنوننا أنها تأتى على تحصيل النظافة فكيف نستجيز إثبات وقت فيما لا ~~نطلع على إثبات أصله. ### | 924- # ثم [قال] القاضي رحمه الله كما لا تثبت الأحداث بالقياس فلا مجال للقياس ~~أيضا في نفي الأحداث وهذا [علق مضنة] فليقف الناظر عنده ليقف عليه فإن ~~احتكم محتكم باثبات حدث من غير ثبت فلا حاجة إلى قياس في درء مذهب الخصم ~~[وإن] عزاه فيما زعم إلى قياس فالوجه أبطال قياسه وقد ذكرنا بطلان القياس ~~في إثبات الحدث. # PageV02P086 ### | 925- # وإن تمسك بظاهر يتعرض مثله للتأويل في غير هذا الباب وأراد المعترض إزالة ~~الظاهر بقياس فقياسه مردود فإن القياس كما لا يهتدي إلى تأقيت الطهارة لا ~~يهتدي إلى نفي تأقيتها ولو ظن الظان أن القياس ألا ينتقض الطهر بشيء فهذا ~~قول يصدر عن قلة البصيرة كما ذكرناه ms334 في استبهام الأمر في أوقات الطهر فإذا ~~استبهم ثبوت الشيء استبهم نفيه وإذا صودف ظاهر لزم اتباعه ولم يثبت في ~~معارضته قياس ومن ينفي الحدث فليكن [متمسك المطالبة] بثبت فيه والظاهر ~~معتصم معمول به [والعبادات] وإن استرسلت في جريانها فتجري في هذه المضايق ~~مجرى التنبيهات للقرائح الذكية والفطن فإذا حاصل كلام الراد إلى المطالبة ~~بالإثبات فإذا وجد شيء يعمل بمثله سقط ما كان يتمسك به وليس معه ثبت في ~~النفي. ### | 926- # ومما يتعلق بتمام الكلام في هذا الفصل أن القياس الجزئي في الأصل الذي ~~فيه نتكلم لا يتصور أن يجري معنويا. # نعم لا ينحسم فيه قياس الشبه فإن كل ما يتطرق إليه العلم يتطرق إليه الظن ~~فإذا ينبني على هذا أن إثبات كون الملامسة حدثا بالقياس على خروج الخارج من ~~السبيلين لا مطمع فيه فإنه لا يجمعهما معنى ولا شبه. ### | 927- # فأما اعتبار أصحاب أبي حنيفة خروج النجاسات من غير السبيلين بما يخرج من ~~السبيلين ففيه فقه وغايتهم في ذلك تشبيه نجاسة تنفصل من محل الخلاف ~~بالنجاسة التي تنفصل عن أحد السبيلين فإذا أحسنوا الإيراد قربوا الشبه ~~واعتبروا الخارج بالخارج والمخرج بالمخرج. ### | 928- # ولأصحاب الشافعي أن يقولوا: لا نسلم فإن خروج النجاسة من أحد السبيلين لا ~~يقتضي الوضوء لأمر يتعلق بالنجاسة فإن الذي يبتدر إلى الفهم من أمر النجاسة ~~رفعها عن محلها وإزالتها عن موردها فأما ربط إيصال الماء إلى غير مورد ~~النجاسة عند اتصال النجاسة بمحل آخر فلا محمل لذلك إلا التأقيت. # ثم الذي يليق [بالتأقيت] على ما تمهده القول فيه أن يربط [سبب نظافة] ~~الأعضاء البارزة فضلا بما يتكرر في الجبلة على اعتياد لائق به حتى تنتهض ~~الطهارة وظيفة مكررة متعلقة بأوقات يغلب تكررها فأما الرعاف وما في معناه ~~فليس في حكم ما يتكرر. # PageV02P087 ### | 929- # وليعلم الناظر أنهم وإن شبهوا على الظاهر فقطع شبههم بما ذكرناه أقيس ~~للغرض وأقرب إلى الدرك وخاصية النجاسة ساقطة الاعتبار في الأصل والفرع ~~[المعتبر به] المتفق عليه. ### | 930 - # نعم [بحق] ردد الإمام1 [المطلبي] قوله فيه إذا انسد ms335 المسلك المعتاد ~~وانفتح سبيل آخر للنجاسة المعتادة الخارجة من المحل على ما يفصله الفقيه ~~والسبب فيه أن هذا الآن يشبه النجاسة المعتادة الخارجة من المحل المعتاد من ~~جهة أن الطبيعة تقتضى تكرر دفع الفضلات من السبيل المنفتح فهذا منتهى الغرض ~~في ذلك. ### | 931- # وأما الضرب الرابع: فقد مثلناه بالكتابة فهو في الأصل كالضرب الثالث الذي ~~انتجز الفراغ منه في أن الغرض المخيل الاستحثاث على مكرمة لم يرد الأمر على ~~التصريح بإيجابها بل ورد الأمر بالندب إليها فان العتق في الابتداء محثوث ~~عليه مندوب إليه. # فهذا الضرب يتميز عن الضرب الثالث المقدم عليه فإن الشرع احتمل فيه خرم ~~قاعدة ممهدة وهي امتناع معاملة المالك عبده وامتناع مقابلة الملك بالملك ~~على صيغة المعاوضات ولم يجر مثل ذلك في الضرب الثالث وإن اختص الضرب الثالث ~~بإيجاب الطهارة ولا تجب الكتابة على رأي معظم العلماء. ### | 932- # وذهب مالك رحمه الله2 في طوائف من السلف إلى وجوبها وإسعاف العبد إذا ~~طلبها ووجد فيها خيرا ومأخذ مذهبه في ذلك يقرب من إيجاب الطهارات مع العلم ~~بأن النظافة في نفسها لا تجب بأمر مقصود وتعلق أيضا بظاهر الأمر في قوله ~~تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} 3. ### | 933- # والشافعي رحمه الله رأي الإيتاء واجبا كما أنبا [عنه] قوله تعالى: ~~{وآتوهم من مال الله} 4 فكان هذا مما اعترض به عليه إذ أجرى إحدى الصيغتين ~~PageV02P088 # على [اقتضاء] الإيجاب وحمل الأخرى على الاستحباب. ### | 934- # فأما ما أشرنا إليه من تشبيه هذا الضرب على رأي مالك [بالطهارات فهو] ~~يصلح لعقد المذهب وإلا فقد مهدنا أن القياس لا يجرى في محاولة تأصيل الأصول ~~على هذا الوجه وإنما يجري [طرف] من التشبيه في [جزيئات] النوع من غير خروج ~~عنه. # وأما التعلق بالظاهر فأوجه ولكن الشافعي لم يعتمد في إيجاب الإيتاء مجرد ~~الظاهر لكن عول على سير الصحابة رضي الله عنهم وما كان منهم ونقل آثارا ~~مطابقة لمعتقده وضم إليه أن الكتابة يتضمنها إرفاق من كل وجه والإيتاء منه ~~وقد رآه الأولون على الاطراد يتضمنها والتبرعات لا تطرد ms336 سيما في الأموال ~~والكتابة تلزم في حق السيد ومن متضمنها الرفق المنقول وما تقرر يلزم شيئا ~~إذا صح لم يلزم الإقدام عليه على أن لا أرى مذهب الشافعي مسألة أضيق ~~[مسلكا] من الإيتاء. ### | 935- # ونحن نقول وراء ذلك: أما مالك فسوى بين الكتابة وبين باب الطهارات في ~~إثبات إيجاب الأصل ولاح على أصله [إجراء] قسم الكتابة في وضع الشرع على باب ~~الطهارات [باحتمال] أمور خارجة عن أقيسة المعاوضات فيها والشافعي لم يوجب ~~الكتابة وقال للشرع تعبد في الإيجاب متبع وإن لم يكن منقاسا كإيجاب الطهارة ~~وإن لم تجب النظافة وللشارع أحكام في رفع حجره وإطلاق حجر القياس اطراده ~~كما جرى في الكتابة فكان احتمال الشرع لهذا في الكتابة على خلاف القياس ~~[مضاهيا لإيجاب الشرع الطهارة على خلاف القياس] . # ويخرج من ذلك تعادل الضربين في خروج الطرفين عن القياس فانتهض إيجاب ~~الطهارة [محصلا] لمكرمة النظافة كما انتهض رفع الحجر في الكتابة مرعيا في ~~تحصيل العتاقة. # ثم قال الشافعي: في رفع الحرج في الكتابة ترغيب مالي يتعلق بغرض بين في ~~تحصيل الكسب فإن العبد يحرص إذا [طمع] في العتاقة [والسيد] يتحصل على كسب ~~كان لا يتحصل له بغير الكتابة بظاهر الظن فخرجت الكتابة عن قبيل القرب ~~لظهور الغرض منها ولم يكن في الطهارات غرض ناجز [فلاق] بها ترغيب في الثواب ~~وهذا يقتضي إلحاقها بالقرب المفتقرة إلى النيات فهذا تأسيس القول في ~~البابين ونحن الآن. # PageV02P089 # نرسم مسألة في قسم الكتابة تمس إليها حاجة الفقيه. # مسألة: ### | 936- # قد ثبت أن الكتابة الفاسدة تثبت فيها أحكام مشابهة لأحكام الكتابة ~~الصحيحة. # فرأى أصحاب أبي حنيفة أن يعتبروا البيع الفاسد بالكتابة الفاسدة وقضوا ~~بأن البيع الفاسد يفيد الملك إذا اتصل به القبض على تفصيلهم المعروف. # وقد امتنع طوائف من أئمتنا من قبول هذا القياس. # ونحن نكشف الغطاء فيه مستعينين بالله تعالى بعد ذكر مسلك الفريقين ~~اعتراضا وجوابا. ### | 937- # قال الشافعي رحمه الله: لا يقبل القياس في الفرعين فان الكتابة الصحيحة ~~خارجة عن قياس المعاملات [والفاسدة] متفرعة عليها فإذا انحسم مسلك ms337 القياس ~~في الأصلين ترتب عليه امتناع القياس في الفرعين. # فقال أصحاب أبي حنيفة: إذا ثبتت الكتابة والتحقت بالمعاوضات الصحيحة فلا ~~ننظر بعد ثبوتها إلى خروجها عن القياس ولكنها يقضي فيها وعليها بقضاء ~~المعاوضات حتى نقول يشترط في المعاوضات ولا تنحسم الأقيسة في التفاصيل مع ~~إمكانها بخروج أصل الكتابة عن قياس المعاوضات واعتبار البيع الفاسد ~~بالكتابة الفاسدة من النظر في التفاصيل بعد تسليم الأصل وتنزله على حكم ~~التوقف والفاسد في كل باب حائد عن موجب التعبد لذلك فسد فإذا لم يمتنع ~~التحاق الفاسد بالصحيح في الكتابة مع حيد الكتابة الفاسدة عن الصحيحة ~~فينبغي ألا يمتنع مثل ذلك في البيع وكل أصل مقر على قانونه منقاسا كان أو ~~غير منقاس والفاسد في كل باب حائد عن مراسم الشرع. # فهذا منتهى كلام الفريقين مع فضل بيان شاف في الإيراد لا يستقبل به فقيه ~~ليس له حظوة وافرة من الأصول. ### | 938- # ونحن الآن نقول: هذا الجمع لا ينتظم في مناظم المعاني ولا يستبد في ذلك ~~قياس معنوي من جهة أن شرط المعنى اتجاهه أو انقداحه في الأصل ثم إذا تقرر ~~في الأصل معنى واطرد في الفرع فإذا ذاك يجمع الجامع بالمعنى وليس [معنا] ~~معنى. # PageV02P090 # فقيه يتضمن تنزيل الكتابة الفاسدة منزلة الكتابة الصحيحة فإن الذي [لا] ~~يتمارى فيه الناظر في الدرجات الأول من نظره أن الفاسد ليس مطلقا للشرع ~~والأحكام تثبت إذا جرت أسبابها موافقة الشرع ويهون على الرشيد الفطن تقرير ~~خروج الكتابة الفاسدة في نزولها منزلة الكتابة الصحيحة عن القياس المعنوي ~~والاعتبار الكلي وإذا فعل ذلك انحسم مطمع الخصم في قياس المعنى وآل النظر ~~إلى التشبيه. ### | 939- # فإن تفطن الخصم وسلم انحسام المعنى واجتزأ بالتشبيه وقال: البيع الفاسد ~~بالإضافة إلى الصحيح في تشبيه الكتابة الفاسدة بالإضافة إلى الصحيحة ولا ~~يلتزم إبداء معنى في الأصل وإظهاره في الفرع. # فعلى الناظر في ذلك وقفة وإمعان نظر فيما يدرأ هذا المسلك وهو النقض ~~الصريح فإن لم ننزل كل فاسد منزلة الصحيح إذ النكاح الفاسد ليس كالصحيح في ~~إثبات حق ms338 لا على جواز ولا على لزوم وأقرب من ذلك البيع نفسه فإن فاسده من ~~غير قبض لم ينزل منزلة صحيحة والتشبيه شرطه الطرد وأحق قياس بالبطلان ~~والنقض قياس الشبه فإن المتمسك بالمعنى قد يعن له طرد المعنى ما لم يمنعه ~~مانع وأما الشبه فقصاراه ظن على بعد فإذا عارضه نقض وهى وانحل. # فهذا فن من الكلام واقع يضطرهم إلى النزول عن الشبه والترقي إلى معنى وعن ~~هذا قالوا: ما اتسع طرقه فالفاسد أحد طرقه وزعموا أن الاتساع يشعر بإحلال ~~الفاسد محل الصحيح ومهما اضطروا إلى المعنى وحاولوه افتضحوا واجترءوا ولا ~~يكاد يخفى إبطال هذا المسلك وما في معناه فإذا بطل الجمع المعنوي وانتقض ~~الشبه لم يبق لمتمسكهم بالكتابة الفاسدة وجه. ### | 940- # ومما نذكره في ذلك أن الكتابة الفاسدة في وضعها مخالفة للبيع الفاسد على ~~رأى المخالف فإن المكاتب كتابة فاسدة يتسلط على أكسابه [بنفس العقد] تسلطا ~~صحيحا وتنفذ تصرفاته فيها على الصحة نفوذها في الكتابة الصحيحة وليس البيع ~~الفاسد كذلك وإن اتصل بالقبض وهذا يستعمل أيضا في [معرض النقض] المعنوي. ### | 941- # ومن دقيق القول في ذلك أن تحصيل العتاقة بوجود الصفة مما يجب القضاء ~~بصحته فإن تعليق العتاقة على أداء العوض الفاسد صحيح وإن فسد العوض ثم ~~التعليق إذا صح فقياسه ألا يرفع وأثر فساد الكتابة في رفع وجوب التعليق ~~وهذا. # PageV02P091 # خارج ظاهر الخروج عن قياس بابين أحدهما حكم المعاوضة والثاني حكم تعليق ~~العتق والعتق أنفذ التصرفات وأغلبها فالوجه استيلاء حكمه فإن مؤقته يتأبد ~~ومبعضه يتمم فكيف اكتسب ما ليس يفسد وإن ذكر على صيغة الفساد [قضية] الفساد ~~[من] معاملته واهية بالفساد والجواز فهذا يمنع من [التشبيه] ويعارض ما يأتي ~~به [المشبه] وينزل في المظنونات منزلة بعد الشيء وإن عن التحاق بالمنصوص ~~عليه لكونه في معناه وقياس الشبه مستند إلى القياس الذي يقال فيه إنه في ~~معنى الأصل فهذا منتهى كلام الفقهاء. ### | 942- # وأنا أذكر مسلكا أصوليا يغنى عن جميع ذلك فأقول: وقد مهدت أن القوانين ~~المبنية على المكارم الكلية لا يجرى فيها ms339 تمهيد أصل قياسا على أصل وإنما ~~الأقيسة في الأصول إذا لاحت المعاني وإنما تظهر المعاني في الضرورات ~~والحاجات وأقرب قطاع الشبه تعدد الأصول فيما لا ينقدح فيه جامع ضروري أو ~~حاجى. # والذي نختتم به الكلام أن أصلين مستندهما المحاسن والمكارم لا تشبه فروع ~~أحدهما فروع الثاني من جهة تعلق كل واحد بأمر [غيبي لا يضبطه الفكر إذ لا ~~يجري كل مقصود في الغيب على قضية واحدة. ### | 943- # فإذا لاح ذلك وتجدد العهد به فالبيع من الضروريات فكيف ينقدح تشبيه فاسده ~~بفاسد قسم لا ضرورة فيه ولا حاجة؟ وهذا قاطع للشبه بالكلية فإذا انقطع ~~[الشبه] ولم يلح معنى لم يرتبط الأصل بالفرع. ### | 944- # نعم إذا كفى الشافعي احتجاج الخصم [بالكتابة] بقيت عليه غائلة في انتقاض ~~ما يطرده [من] معناه بالكتابة. # فان قال: المعنى حيد الفاسد عن وضع الشرع والمصير إلى أن الفاسد غير معتد ~~به ولا تنتقل الأملاك إلا بمسلك شرعي وإذا نحن اعتمدنا ذلك صدمتنا الكتابة ~~الفاسدة نقضا فلا وجه إلا مسلكان في دفعه: # أحدهما: أن يدعى أن الكتابة صحيحة في جهة مقصودها وقد تناهينا في تقريب ~~ذلك في "الأساليب". # والمسلك الثاني: وهو الأصولي ألا يلتزم في أقيسة المعاني النقض بالمنتزع ~~عنها كما سنمهده في باب النقض إن شاء الله تعالى. # PageV02P092 ### | 945- # والضرب الخامس: متضمنه العبادات [البدنية] التي لا يلوح فيها معنى مخصوص ~~لا من مآخذ الضرورات ولا من مسالك الحاجات ولا من مدارك المحاسن كالتنظيف ~~في الطهارة والتسبب إلى العتاقة في الكتابة ولكن يتخيل فيها أمور كلية تحمل ~~عليها المثابرة على وظائف الخيرات ومجاذبة القلوب بذكر الله تعالى والغض من ~~العلو في مطالب الدنيا والاستئناس بالاستعداد للعقبى. # فهذه أمور كلية لا ننكر على الجملة أنها غرض الشارع في التعبد بالعبادات ~~البدنية وقد أشعر بذلك نصوص من القرآن العظيم في مثل قوله تعالى: {إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} 1 ولا يمتنع أيضا أن يتخيل فيها أمر آخر ~~وهو أن الإنسان يبعد منه الركوب إلى السكون فالقوى المحركة تحركه لا محالة ~~فإن تركت ms340 تحركت في جهات الشهوات وإذا استحثت بالرغبة والرهبة على العبادات ~~انصرفت حركاتها إلى هذه الجهات وهذا فن لا يضبطه القياس ولا يحيط به نظر ~~المستنبط والأمر فيه محال على أسرار الغيوب والله تعالى المستأثر به فلا ~~يسوغ اعتبار ضرب إحداها في جهة اختصاصها ولا يسوغ اعتبارها في إثبات قضيتها ~~الخاصة بغيرها من الضروب فإنا منعنا اعتبار ضرب بضرب فيما لا يستند إلى ~~ضرورة وحاجة وإن كان يغلب على الظن [تعين] مقصود منه على منهاج الأمر ~~بالمحاسن فلأن يمتنع ذلك من العبادات التي لا يتعين منها مقصد [أولى وأحرى] ~~. ### | 946- # فأما اعتبار [البعض من هذا الضرب بالبعض] فقد ينقدح فيه معان فقهية نحو ~~اعتبار القضاء بالأداء في اشتراط تبييت النية والجامع أن النية قصد ومرتبطه ~~الحال أو [عزم] ومتعلقه الاستقبال وقد أمرنا بإيقاع الصوم أداء وقضاء ~~وعبادة والعبادات إنما تقع على قضية التقرب بالقصد وما مضى لا على حكم ~~القرب يستحل انعطاف القصد والعزم عليه فهذا من [أجلى] المعاني المعتمدة ~~وكذلك ما ضاهاها. ### | 947- # فأما ما يثبت برسم الشارع ولم يكن معقول المعنى فلا يسوغ القياس فيه وهذا ~~كورود الشرع بالتكبير عند التحريم والتسليم عند التحليل ومن هذا القبيل ~~اتحاد الركوع وتعدد السجود فمن اراد أن يعتبر غير التكبير بالتكبير مصيرا ~~إلى أنه تمجيد وتعظيم فقد بعد بعدا عظيما وزال من القاعدة الكلية فإن إيجاب ~~الذكر عند التحليل ليس معقول المعنى. PageV02P093 ### | 948- # وإذا قال الحنفي: معنى التكبير معقول قيل [له] : اشتراط ما يتضمن تمجيدا ~~عند التحريم غير معقول ولا ينفع الاكتفاء يكون التكبير معقول المعنى فإن ~~هذا يرجع إلى وضع اللسان ومعنى الصيغ وليس هذا من معاني الشرع في ورد ولا ~~صدر. ### | 949- # قال الشافعي رضي الله عنه: في مجاري كلامه في رتب النظر من قال لا غرض ~~للشارع في تخصيص التكبير وفي الاستمرار عليه ولا غرض لصحبة ومن بعدهم من ~~نقله الشرائع والقائلين بها في التكبير على التخصيص وقد استتب الناس عليه ~~مع تناسخ العصور واعتقاب الدهور قولا وعملا وتناوله الخلف عن السلف حتى ms341 لو ~~فرض عقد الصلاة بغيره لعد نكرا وحسب هجرا [فمن] قال والحالة هذه لا اثر ~~لهذا الاختصاص وإنما هو أمر [وفاقي] فقد نادى على نفسه بالجهل بمقاصد ~~الشريعة وقضايا مقاصد المخاطبين فيما يؤمرون به وينهون عنه ولو كان غير ~~التكبير كالتكبير لكان ذكر الشارع التكبير كلاما عريا عن التحصيل نازلا ~~منزلة قول القائل ابتداء أيحرم على الجنب سورة آل عمران مع القطع بان غيرها ~~من السور بمثابتها ولا ينطق المبتدئ بها إلا ويبين لغوه على عمد إن لم يكن ~~ساهيا. ### | 950- # فإذا ثبت قطعا أن تخصيص التكبير ثابت فإن اعترفوا بتعيينه [بدءا] ثم ~~طعموا في اعتبار غير التكبير بالتكبير بجامع التمجيد وهو بعينه جار في ~~الاستحباب فقد طعموا في غير مطمع فالخصم بين أمرين: # أحدهما: أن ينكر قصد التخصيص من الشارع فيكون مباهتا قريبا ممن يجحد ~~الضرورات في المعقولات وإن اعترفوا بالتخصيص في وجه وأرادوا الجمع في وجه ~~آخر ينقضه ما سلموه من التخصيص فقد تناقض كلامهم. # ويخرج مما ذكرناه أن التكبير مخصوص غير معقول الاختصاص فرفع الاختصاص مع ~~ثبوته محال. ### | 951- # ومن نظر, نظر ذي غرة فقاس غير التكبير على التكبير أوطأه إذ ذاك تطرق ~~فاحشة لا يبوء بها من وقر الدين في صدره وهو إقامة عمد الحدث مقام التسليم ~~من جهة أن التسليم يناقض الصلاة مناقضة الحدث إياها ومن استجاز في محاسن ~~الشريعة أن يلحق عمد الحدث بما يجيزه الشارع من التسليم في اختتام الصلاة ~~فهو بين معاند يظهر خلاف ما يضمر وبين من أعمى الله تعالى بصيرته نسأل. # PageV02P094 # الله تعالى التوفيق ونعوذ به من الانهماك في أوضار التقليد. ### | 952- # ثم أن أجرى مجر [في] هذا القسم كلاما [ظاهره] التشبيه مثل أن يقول تعين ~~الركوع كتعين التكبير وامتناع إقامة السجود مقامه يضاهي امتناع إقامة غير ~~التكبير مقامه فقد تردد كلام الشافعي في ذلك فتارة يسميه استشهادا والمعنى ~~به أن ذلك يذكر تقريبا وتحقيقا لمنع القياس ويضرب أمثالا وهو مشبه بتقرير ~~الضرورات على من يجحدها فإنه لا [يجدي] مع جاحدها مسلك نظري ms342 والوجه في ~~مكالمته إن ريم ذلك تقريب الأمر بضرب الأمثال فهذا مسلك. # وقد ويقول الشافعي: هذا من مآخذ قياس الشبه فإن الاختصاص بالتكبير مأخذه ~~مأخذ الاختصاص في الركوع وإذا شبه احدهما بالثاني كان ذلك من قياس الشبه ~~وإن كان [نتيجته] منع القياس فإن الاختصاص حكم مطلوب والقياس الشبهي جار ~~فيه. # نعم القياس المعنوي لا يجري إذ الاختصاص معناه [نفي] المعنى المتعدي من ~~محل التخصيص والتنصيص [فطلب] المعنى حيث لا معنى بعيد هذا وقد نجز غرضنا من ~~تقاسيم هذه [الضروب] فان عدنا إلى تقاسيم المعنى بعد ذلك كان ذلك لغرض آخر ~~ونحن نرى أن نقف حيث انتهينا ونستفتح القول في الاعتراضات. # PageV02P095 ### | الباب الرابع: الاعتراضات وأقسامها ### | فصل: القول في الاعتراضات الصحيحة # ... # الباب الرابع: الاعتراضات وأقسامها. ### | 953- # [ونقسمها قسمين: # أحدهما: يشتمل على ما يصح عند المحققين ولا احتفال بما يشذ من خلاف منقول ~~عمن لا اكتراث به. # والقسم الثاني: يحتوي على ما يفسد من الاعتراضات عند المحققين] . # فصل: القول في الاعتراضات الصحيحة. ### | 954- # [الأول] منها: المنع 1. # وهو يتوجه على الأصل ويقدر متوجها على الفرع فأما المنع في الأصل فإنه ~~يجري من وجوه: # أحدها: منع كون الأصل معللا فإن الأحكام تنقسم باتفاق النظار إلى ما يعلل ~~وإلى مالا يعلل فمن استمسك بأصل فهم مطالب بتثبيت كونه معللا2 وهو عندي ~~إنما يتوجه على من لم يذكر تحريرا بعد فأما إذا حرر فإنه قد ادعى أن ما ~~أبداه من الوصف علة في حكم الأصل فان الفرع في العلة [المحررة] يرتبط ~~بالأصل بمعنى الأصل وهو الجامع وسبيل افتتاح النظر من طريق القياس أن يبين ~~الرجل حكما في الأصل3 ويطلب علته فإذا صحت عنده علة الحكم وألفاها متعدية ~~أصلها موجودة في غيره فإنه يحكم فيما توجد العلة فيه بحكم الأصل الذي ثبت ~~عنده تعليله فأما إذا لم تظهر علة [فلم يأت بديل] فلا وجه [لعد] المنع في ~~هذا المقام اعتراضا فإن المسئول إذا ذكر الأصل واقتصر عليه فلا ينتهض ~~السائل للاعتراض بل يرتقب استتمام PageV02P097 # الكلام وما ذلك إلا لأنه لم ms343 يدخل وقت الاعتراض بعد. # وان اقتصر على ذكر الأصل وضم إليه ادعاء كون الفرع بمثابه عد عريا عن ~~التحصيل من جهة أنه لم يذكر ربطا ولم يأت بصيغة قياس بعد فسبيل مكالمته إذا ~~تردد وتبلد أن ينبه على اقتصاره على بعض صيغة القياس فإن ذكر معنى ادعاه ~~علة فإن استمكن منه ففي ضمنه إثبات القول كونه معللا. ### | 955- # ومن لطيف القول في ذلك أن تعيين العلة وإثبات أصل التعليل مسلك واحد فإن ~~الإنسان يستبين كون الشيء معللا بأن يتجه فيه معنى يصلح لكونه علة وليس من ~~الممكن أن يعرف بطريق الاستنباط كون الشيء معللا على الجملة نعم إن انعقد ~~عليه إجماع أو ورد فيه نص فيستند [الاعتقاد] إليهما وإن كان التلقي من ~~الاستنباط فتعيين العلة وتثبت الأصل في التعليل يثبت بمسلك واحد فهذا تحقيق ~~القول في المطالبة بكون الأصل معللا وبيان محله ومنصبه في الجدل. ### | 956- # والنوع الثاني من المنع: إنكار وجود ما ادعاه المستنبط علة وهذا كثير ~~التدوار في المركبات فإن من قاس على انبة خمس عشرة سنة فقد يدعى بلوغها ~~فينكره الخصم فهذا وما يضاهيه إنكار وجود العلة وعلى المطالب فيه أن [يثبت] ~~بطريقة على ما سيأتي [ذلك] في تقاسيم المركبات إن شاء الله تعالى. ### | 957- # والنوع الثالث: منع الحكم في الأصل 1 فإذا توجه ذلك على المسئول تعين ~~عليه إثباته فإن [أثبته] بطريق إثباته استد قياسه وكان بانيا والبناء مقبول ~~[من المسئول] ولو رددنا إلى حكم الدين فليس فيه ما يمنع سائلا من نصب دليل ~~ولكن مواقف النظار وأهل الجدال على مسلك رأوه اقرب المسالك [إلى الدرك] ~~وأقصدها فأثبتوا الدليل والبناء والابتداء للمسئول وأقاموا السائل مقام ~~المعترض حتى ينتظم على القرب غرض ويلوح في المطلوب مدركه فلو تصدى كل واحد ~~للدليل والاعتراض لانتشر الكلام وطال المرام ولا ينقضي مجلس [عن] فائدة ثم ~~المسئول لا يدل في كل موضع بل يدل حيث [يبنى] ولو اعترض على علة أبداها. ~~PageV02P098 # السائل معارضا معترضا أو مسندا إليها تأويل ظاهر فإذا أورد المسئول عليها ~~نقضا ms344 فمنعه السائل لم يكن للمسئول إثباته بالدليل فإنه بإثباته النقض لا ~~يستفيد إثبات مذهبه الذي سئل عن إثباته وإنما يستفيد إبطال علة السائل وهو ~~في هذا المقام معترض والاعتراض والبناء إذا اجتمعا انتشر الكلام ووقع ~~المعنى المحذور الذي لأجله أقام الجدليون بانيا ومعترضا. # ثم قد يأتي السائل بما يصلح للبناء وهو يبغي به الاعتراض بطريق المعارضة ~~كما سيأتي ذلك فأما المسئول فيضطر إلى الاعتراض [بطريق المعارضة] إذا عارض ~~السائل. ### | 958- # والنوع الرابع من المنع: المنع من كون ما أبداه المسئول علة 1 # فيقال: ما الدليل على أن ما أظهرته علة فيتمسك المسئول بما يثبت به العلل ~~وقد مضى القول فيه مفصلا. ### | 959- # فوجوه المنع إذا على ما نظمه هؤلاء أربعة: المنع من أصل التعليل ~~والمطالبة بتعيين 0 التعليل] والمطالبة بتحقيق [وجود] ما ادعاه المعلل علة ~~ومنع الحكم والمطالبة بإثبات ما عينه. ### | 960- # وزاد بعض المتكلفين منع القياس والمطالبة بإثبات أصل القياس وهذا ليس ~~بشيء [فإنا] في الاعتراضات على القياس وقد ثبت أصله على منكريه فهذه وجوه ~~المنع في الأصل. ### | 961- # فأما المنع في الوصف2 فلا يتجه فيه إلا منع واحد وهو منع وجود علة الأصل ~~في الفرع وباقي الوجوه توجه على الأصل فإن من وجوه المنع في الأصل المطالبة ~~بأن ما أظهره والمستنبط يصلح لكونه علة وهذا حقه أن يخصص بالأصل إذ منه ~~الاستنباط وإليه الرد به والاعتبار إذا ثبت صلاح ذلك المعنى لكونه علة لم ~~يحتج إلى ذلك في الفرع وقد انتجز الفراغ منه فلا يبقى مع الفراغ من مطالبات ~~الأصل إلا ممانعة في أن المعنى الذي ثبت علة في الأصل غير موجود في الفرع ~~وهذا يسمى منع الوصف وقد انتهى غرضنا من القول في المنع PageV02P099 # و [الثاني] من الأعتراضات الصحيحة: طلب الإخالة. # - 962ذا وهذا من أهم الأسئلة وأوقعها في الأقيسة المعنوية فعلى المتمسك ~~بما يدعيه معنى أن يوضح [مناسبته] للحكم واقتضاءه له وإشعاره به فإذا عجز ~~عن ذلك مع ادعائه المعنى كان ذلك انقطاعا منه بينا. ### | 963- # قد وقد قال القاضي رحمه الله ms345 في بعض مجاري كلامه: ليس هذا من الأسئلة ~~والاعتراضات بل حق على كل مسئول أن يبدأ بإظهار الإخالة قبل أن يطالب بها ~~فإنه لا يكون آتيا بصورة القياس المعنوي إلا على هذا الوجه ولو سكت عن ~~إظهاره كان مقتصرا على بعض العلة. # نعم لو ضمن تعليله لفظا ظاهرا أشعر بالإخالة كفى ذلك فإن وجه السائل طلبا ~~كان منسوبا إلى القصور عن درك لفظ التعليل هذا إذا كان تمسكه بقياس المعنى. ### | 964- # فأما إذا تمسك بقياس الشبه فلا مناسبة ولا إخالة على الوجه المذكور في ~~المعاني ولكن قد يحتاج المشبه إلى إظهار الشبه الخصيص المغلب على الظن ~~فيكون الطلب بذلك والجواب عنه على حسب ذلك كما إذا شبهنا الوضوء بالتيمم ~~فقد التزمنا أن نذكر شبها أو أشباها تقرب الفرع من الأصل وإن كان لا يقتضي ~~الحكم اقتضاء الإشعار والإخالة ولا يقع الاكتفاء بأمور عامة لا تغلب على ~~الظن ولا يتعرض المشبه لأمر عام إلا وينتقض عليه تشبيهه وإذا تصون عن النقض ~~بارتياد خصوص الأشباه فقد خصص شبها مغلبا على الظن. # و [الثالث] من الاعتراضات الصحيحة: القول بالموجب 1. ### | 965 - # ولا شك أنه إذا استد على شرطه أسقط الاستدلال وقطع المستدل. # ثم الأصوليون تارة يقولون2: القول بالموجب ليس اعتراضا وهو لعمري كذلك ~~لأنه لا يبطل العلة لأنه إذا جرت العلة وحكمها متنازع فيه فلأن تجري وحكمها ~~متفق عليه أولى ولكن المتمسك بها في محل النزاع منقطع فإنه أبداها محتجا ~~PageV02P100 # بها وهو يروم إثبات المتنازع [فيه] وقد تبين أن الأمر على خلاف ما قدر ~~وهو بمنزلة ما لو رام إثبات المختلف فيه ونصب علة في غير محل النزاع. ### | 966- # ثم القول بالموجب ينشأ من اعتناء المعلل بموجب الحكم ولا يتصور قول ~~[بالموجب] ومضمون العلة نفي حكم وإثبات حكم فإن المعلل يثبت ما ينفيه الخصم ~~من الحكم أو ينفي ما يثبته فكيف يتصور المطابقة والأمر كذلك؟ # نعم، إذا قال الحنفي في مسألة ماء الزعفران: ماء طاهر خالطه طاهر ~~فالمخالطة لا تمنع صحة الوضوء قال السائل [الشافعي] المخالطة ms346 لا تمنع. # ثم ينقسم في هذا مقام السائل فقد ينقدح له [إبداء مقتضى] آخر سوى ما ذكره ~~المعلل مع الاستمرار على الخلاف في الحكم فهذا إن اتفق فهو الغاية في هذا ~~الفن من الاعتراض والغالب في ذلك أن يكون المعلل ذاكرا لبعض ما هو [علة] ~~عند السائل فيبين المعترض أنه ليس موجبا على حياله وهو كما ضربناه مثالا ~~الآن فإن المخالطة لها أثر عند الشافعي ولكنها بمجردها لا توجب منع ~~الاستعمال. # فإن زاد المسئول فقال: المخالطة المغيرة لا توجب منع الاستعمال ألزم ~~السائل القول بالموجب أيضا فإن المخالطة المغيرة لا تمنع التوضؤ فإن زاد ~~وقيد الاعتلال بتفاحش التغيير وإمكان الاحتراز لم يجد أصلا يقيس عليه فإن ~~حذف التعرض للموجب فقال: ماء طاهر خالطه طاهر فيجوز التوضؤ به انتقضت العلة ~~كماء الباقلاء إذا كان مغليا بالنار وهذا مضيق يدفع فلا يجد المعلل محيصا ~~عن التعرض للنقض أو القول بالموجب. # - 967 ومما يطرأ في هذا الفن شيء ليس للرد والقبول فيه مجال وقد ينتهي ~~الأمر بين المعترض والمجيب إلى قريب من الإلباس ونحن نبين الوجه فيه. # [فإذا] قال الشافعي في مسألة تمكين العاقلة مجنونا: جنون أحد المتواطئين ~~لا يوجب درء الحد عن الموصوف بالعقل كجنون الموطوءة. # فقد يقول الحنفي: الجنون ليس دارئا وإنما الدارئ خروج وطء المجنون عن ~~كونه زنا فليست المرأة ممكنة زانيا. # فيقول المجيب: إن صح ما قلت فالجنون هو الذي أخرج فعله عن هذه التسمية ~~وغرضي إسقاط أثر الجنون فيقول المعترض: نصبت الجنون علة وهو عندي علة العلة ~~وإطلاق التعليل [بالجنون] يشعر بكونه مماسا للحكم من واسطة فيجر التفاوض # PageV02P101 # لبسا والذي يختاره المعلل أن [يقي] [علته] مواقع اللبس حتى لا يكون ~~متمسكا بما يلتحق بمجملات الألفاظ على ما سنعقد في ذلك فصلا إن شاء الله ~~تعالى. ### | 968- # فالوجه إذا أن نقول: لا ينتهض الجنون سببا فإن قيل بموجب علته أمكن الدفع ~~فإنما يؤثر وإن كان لا يستقل يسمى سببا وإن كان لا يحسن تسميته موجبا ما لم ~~يستقل وحفر البئر ms347 سبب الهلاك في الشرع وتسمية سببا لا يجحده أحد من حملة ~~الشريعة وإن كان لا يستقل ما لم ينضم إليه أسباب. # وإذا قال القائل: ثبت هذا الحكم بأسباب كان كلاما منتظما ومعناه أنه أثبت ~~باجتماع أسباب ولا يحسن أن يقال ثبت هذا الحكم بعلل إذا كانت كل واحدة لا ~~تستقل بالاقتضاء فإن العلة المركبة من أوصاف يجوز أن يسمي كل وصف منها سببا ~~في الحكم من حيث إنه لا بد منه وليس كل وصف علة وإنما العلة مجموع الأوصاف ~~وإذا قال القائل لا ينتهض كذا سببا وكان لما ذكره أثر عند الخصم ولا يستقل ~~الحكم دونه فلا يمكنه والحالة هذه أن يقول بموجب العلة. # و [الرابع] من الاعتراضات: النقض. ### | 969- # وهو تخلف الحكم في بعض الصور مع وجود ما أدعاه المعلل [علة] ذهب معظم ~~الأصوليين إلى أن النقض يبطل العلة المستنبطة. # وحكى أصحاب المقالات عن طوائف من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله أنهم قالوا ~~ليس النقض من مبطلات العلل ولكن متى عورضت علة المعلل بنقض فعليه تعليل تلك ~~المسألة التي ألزمها نقضا والفصل بينهما وبين [المسائل] التي ادعى اطراد ~~العلة فيها. # ونحن نذكر مسالك الفريقين ولا نتعدى مسلكا حتى نتبعه بما عندنا فيه ثم ~~نذكر عند نجاز المسألة ما هو الحق المبين عندنا. ### | 970- # فأما الصائرون إلى أن النقض يبطل العلة فقد تمسكوا بطرق: منها أنهم ~~قالوا: النقض يلحق العلة بعد أن نقضت بالقول المتكافئ والأقوال المتكافئة ~~ساقطة وبيان ذلك بالمثال: أن من قال في محاولة إثبات تحليل النبيذ: مائع ~~فيحل [كالماء] والمعلل غير مبالي بدخول الخمر وغيرها نقضا والمعترض يقول: ~~مائع فيحرم كالخمر وهو أيضا لا يحتفل بما يرد عليه من النقض وليس أحد ~~المسلكين بأولى من الثاني # PageV02P102 # وهذا فيه نظر عندنا من جهة أن بطلان المسلكين كان لوقوعهما طردين خارجين ~~عن مسالك المعاني والأشباه المعتبرة فلا يكاد يقوى التعلق بهذا والمعترض ~~متمكن من إبداء وجه من الإبطال سوى ما ادعاه المتمسك بالطريقة. ### | 971- # ومما تمسك به هؤلاء أن قالوا: من يدعى ms348 علة لا يخلو إما أن يدعيها عامة أو ~~يدعيها خاصة [فإن ادعاها خاصة] فلتنحصر على محل النص وإن ادعاها عامة ولم ~~تعم فليست وافية بحكم العموم فإنها إذا تعدت لم يكن محل في تعديها أولى من ~~محل. # وهذا على رشاقته لا يستقل دليلا فإن للمعترض أن يقول أطردها ما لم يمنعني ~~مانع فإن ظهر مانع عللته واستمرت على الطرد في غيره. ### | 972- # ومما تتعلق به هذه الطائفة: أن من يطرد العلة مدع جريانها متحديا ~~باطرادها مشبه بمدعى النبوة المؤيدة بالمعجزة فإنه يتحدى بها قائلا لا يأتي ~~أحد بمثلها فلو أتي آت بها بطل تحديه. # وهذا تخيل لا حاصل له من جهة أن من يعلل النقض لا يتحدى بعموم العلة ~~والمعجزة لا تدل على الصدق قطعا مع فرض صدورها من كذاب. ### | 973- # وربما يستدل القاضي رحمه الله لهؤلاء بكلام منشؤه الأصل والقاعدة ~~المعتبرة في الباب وهو أنه قال قد عرفنا تمسك الأولين بالمعاني الجارية ~~فاتبعناهم ولم يثبت عندنا أن معانيهم كانت تنقض ولا ينفكون عنها فهذا مما ~~لا يقطع بثبوته عن الأولين ولا معتصم في إثبات العمل بالقياس إلا الإجماع ~~والاتباع. # وهذا الكلام وإن كان آثر مما تقدم فقد ينقدح فيه أن يقول قائل: ما صح ~~عندنا أنهم كانوا يحذرون ويحترزون ويتصونون تصون المتأخرين ولكنهم يطلقون ~~المعاني ثم إن عن مخالف عللوه وميزوه عما فيه الكلام [إذ] كان كلامهم ~~تأسيسا وابتداء ولم يكن كلامهم محررا يدور في النفوس [منضجا] بنار الفكر ~~متقدا بذكاء السبر فلا وجه لما ذكره القاضي إذا. ### | 974- # وأما من لم يرد النقض مفسدا للعلة: فإنه يتمسك بوجوه منها أن الصيغ ~~العامة الواردة لا يمتنع تخصيصها إذا قامت دلالات تقضي التخصيص فإن لم تقم ~~جرت الصيغة على عمومها ولفظ المعلل لا يزيد منصبه على لفظ الشارع ثم ~~المتمسك بالصيغة العامة من لفظ [الشارع] يتعلق بها وهي على تجويز أن يخصص ~~بدلالة. # PageV02P103 ### | 975- # وقد قال القاضي: هذا إنما يلزم من يثبت للعموم صيغة ولست منهم. # وقال أيضا في إلزام المعتزلة: البيان عندكم لا ms349 يتأخر عن مورد الخطاب ~~ويقتضي ذلك أن تقترن القرائن المخصصة باللفظ فهو مع قرائنه محمول على ~~الخصوص وهذا يناظر في علة المعلل ما يتقيد بقرينة مخصصة حذرا مما يفرض نقضا ~~واردا على اللفظ العام. # وقال أيضا متحكما على من أثبت للعموم صيغة: التخصيص- على رأي هؤلاء- هو ~~الاطلاع على قرينة ولو فرضت صيغة عامة في وضعها متجردة عن القرائن اللفظية ~~والحالية لكانت نصا في اقتضاء العموم. # فإذا ليس للتخصيص معنى إلا ذهاب المخصص عن قرينة مخصصة ثم اطلاعه عليها. ### | 976- # والذي ذكره القاضي في إلزام من منع تأخير البيان عن وقت مورد الخطاب لازم ~~كما ذكره. # وأما الاحتكام على المعممين بأن الصيغة لو قدر ورودها مجردة لكانت نصا ~~ففي كلام الشافعي رحمه الله رمز إلى التزام ذلك. # والذي نراه رأيا على مذهب المعممين أن اللفظة إن كانت مجردة عن قرائن ~~الحال والمقال فليست نصا في اقتضاء العموم ولكنها ظاهرة والصيغ منقسمة إلى ~~ما يقع نصا في الوضع وإلى ما يقع ظاهرا والصيغة المجردة في العموم من ~~الظواهر فإن من أطلقها في محاوراته ثم زعم أنه لم يرد بها الاستغراق المحقق ~~لم يكن آتيا منكرا ولكن يقدر مؤولا نعم إن اقترنت بالصيغة قرينة لفظية أو ~~حالية تحسم مواد التأويل والتخصيص فالصيغة إذ ذاك نص لاقترانها بما يلحقها ~~بالمنصوص عليه وقد مضى في ذلك قول شاف في كتاب العموم والخصوص. ### | 977- # والجواب إذا عن استمساك هؤلاء بتخصيص العام أن تخصيصه ليس انحرافا عن ~~موجب اللسان واقتضاؤه العموم ليس نصا قاطعا ولو رددنا [القياس] لما علمنا ~~بموجب ظاهر مع تعرضه للتأويل فإن العمل المبتوت لا يرتبط بمشكوك فيه أو ~~مظنون والعمل بموجب الظاهر معلوم ولا يترتب العلم على الظن والعمل بالظاهر ~~مستنده إجماع الماضين وهو مقطوع به ثم تبين منهم التأويل والتخصيص عند قيام ~~الأدلة المعارضة لوجه الظن في الظاهر كما تقرر في كتاب التأويل قوانين ~~الكلام فيما يقبل ويرد. # PageV02P104 ### | 978- # وأما المعلل فإنه مستنبط علة مظنونة ومعتمدة في استنباطها ظنه لصلاحها ~~فإذا طرأت مسألة [قاطعة لها] مانعة ms350 من طردها انبتر ظنه وبطل مستند استنباطه ~~إذ ليست العلة التي استنبطها معولة في نفسها على ظاهر أو تنصيص فلا معنى ~~للتعلق بالعموم على أن ما نحاوله في النفي والإثبات محاولة القطع وتأسيس ~~الأصول والأقيسة لا تجول في مواضع القطع وإنما تجولها في المظنونات. ### | 979- # ومما تعلق به من يجوز تخصيص العلة أن قال: إذا لم يبعد تخصيص العلة بزمان ~~لم يبعد اختصاصها بمسائل وأراد بذلك أن الشدة المطربة علة في تحريم الخمر ~~ولم تكن علة قبل نزول تحريمها وهذا كلام. # ساقط فإن المعاني الظنية في الأقيسة العملية لا تقتضي الأحكام لأعيانها ~~ولكن تتبع في موارد الشرع بها أو بأمثالها وكان الشرع متبعا فيها ويجوز ~~تقدير النسخ عليها والذي نحن فيه من [فن] الاستنباط المظنون بعد قرار ~~الشريعة والانتقاض يوهي ظن المستنبط على تحقيق فأين يقع هذا من جواز تبديل ~~الأحكام؟ ### | 980- # ومما تعلق به هؤلاء جواز تخصيص علة الشارع قالوا: فإذا لم يمتنع ذلك في ~~علة الشارع والصدق ألزم له فلا يلزم المستنبط ما لم يلزم الشارع. # وهذا أيضا كلام غث فإن الشارع إذا علق الحكم بعلة لا تناسب صح وإن كان ~~ذلك طردا لو صدر من المستنبط. # وسيكون لنا كلام في تخصيص علة الشارع في مسألة معقودة إن شاء الله تعالى ~~فهذه عيون كلام الفريقين. ### | 981- # والمسلك الذي نختاره أن المستنبط إذا نصب علة فورد على مناقضة طردها نقض ~~فإن كان ينقدح من جهة المعنى فرق بين ما يرد نقضا وبين ما نصبه المعلل علة ~~له فإن علته تبطل بورود النقض والسبب فيه أنه إذا نظم فرقا بين ما ألزم ~~وبين محل العلة فيصير ما عكسه في محل العلة قيدا لما أطلقه علة ويتبين بهذا ~~أنه ذكر في الابتداء بعض العلة وأظهر أنه علة مستقلة فإذا أراد التقييد ~~وانتظمت له علة [مقيدة] فالعلة الآن سليمة ولكنه منقطع من جهة ادعائه في ~~أول الأمر وابتدائه أن ما جاء به دليل مستقل [و] لو لم يصرح بكونه دليلا ~~تاما فالحالة المعهودة بين النظار ms351 قرينة مصرحة [بذلك] فإنه يسأل أولا عن ~~الحكم فإذا أبان مذهبه [فيه] طولب بالدليل عليه فإذا ذكر كلاما في إسعاف ~~السائل المطالب بالدليل وقطعه وسكت على. # PageV02P105 # منقطعه كان ذلك مشعرا بادعائه أن ما جاء به كلام تام ولو جلس الناس ~~يشتورون باحثين فذكر ذاكرا معنى وسبره وخبره فلم يطرد فقيده تقيدا فقهيا ~~كان كذلك له إذ هو في مهلة النظر ومحاولة استتمام الاجتهاد فهذا حقيقة ~~القول في ذلك. ### | 982- # ولو اعترضت مسألة على العلة نقضا وكان لا ينقدح فرق بينها وبين محل العلة ~~فإن لم يكن الحكم فيها معللا مجمعا عليه أو ثابتا بمسلك قاطع سمى غير أن ~~المعلل استثناها بمذهبه فعلته تبطل فإنه مناقض لها وتارك للوفاء بحق العلة ~~فإذا لم يف بحق طردها فكيف يلزم الخصم حق طردها في موضع قصده؟ ### | 983- # وإن طرأت مسألة اجتماعية وكان لا ينقدح بينها وبين العلة فرق فهذا موضع ~~الأناة والاتئاد. # فإن كان الحكم الثابت فيها على مناقضة علة المعلل معللا بعلة معنوية ~~جارية فورودها ينقض العلة من جهة أنها منعت العلة الجريان وعارضها بفقه وهي ~~آكد في اقتضاء بطلان علة المعلل من المعارضة كما سيأتي فإن المعارضة لا ~~تهجم على الطرد بالقطع بل يستقى حكمها من أصل آخر لا ينقض طرد العلة بل ~~يصطدم موجب العلة على التناقض في محل البحث فإذا كانت المعارضة وهي على هذه ~~الصفة ناقضة فالتي ترد مناقضة وقاطعة للطرد أولى بالإبطال. ### | 984- # وإن طرأت المسألة قاطعة للطرد ولم ينقدح فرق وكان لا يتأتى تعليل الحكم ~~فيها على المناقضة بعلة فقهية [فهذا] موضع التوقف. ### | 985- # وقد ذكر القاضي على الجملة ترددا في أن القول ببطلان العلة بما يقطع ~~طردها من القطعيات أو من المجتهدات حتى يقال كل مجتهد فيه مصيب أو مؤاخذ ~~بحكم اجتهاده. # والذي أراه في ذلك أن الصور التي قدمناها قواطع ومبطلات قطعا وإنما النظر ~~والتوقف في المسألة المانعة من الطرد التي لا ينقدح فرق بينها وبين محل ~~العلة ولا يتأتى في تعليل حكمها على المناقضة معنى وكانت تلك ms352 المسألة مما ~~يقال فيها: إنها لا يعقل معناها فإذا تصورت [المسألة بهذه الصورة انقسم ~~القول فيها عندي أيضا. # فإن كان حل العلة من المسألة اللازمة واقعة [موقع] ما يكون في معناه علما ~~وقطعا فالعلة تبطل أيضا من جهة أن التحاق ما في معناها [بها معلوم] وأصل ~~وضع العلة مظنون ولا يعارض ظن [علما] . # PageV02P106 # وإن لم يكن محل العلة منها بهذه المثابة وإنما جرت تلك المسألة شاذة فعند ~~ذلك قد يظن الظان أنها تقطع العلة وتنقضها من جهة أن المستنبط إذا عثر ~~عليها وهى ظنه في نصب ما ظنه علة إذا وجد في الأصل الشرع ما يخالف ذلك ~~ويجوز أن ينقدح له ما عينه علة مناط الحكم إلا أن يمنعه استثناء شرعي لا ~~يعقل معناه. ### | 986- # والقاضي إنما تردد في هذه الصورة وهي لعمري موضع التردد والذي نراه فيها ~~أن ورودها لا يقطع العلة إذا كانت العلة [فقهية] مناسبة وإنما يلزم المعلل ~~إجراء المعنى ما استمكن منه. # والدليل عليه أنا نجد في الشريعة عللا فقهية متفقا عليها في الصحة وقد ~~طرأ عليها استثناء الشرع في مواقع لا تعلل وهذا كجريان العلة في اختصاص كل ~~متلف أو متعد أو ملتزم بالضمان ولا أحد ينكر جريان هذا المعنى في الشرع مع ~~العلم بأن العاقلة تحمل العقل وحملها له خارج [عن القاعدة] فإذا وجد أمثال ~~ذلك [في] قاعدة الشريعة بنينا عليه طرد المعنى الفقهي المناسب ولم نكع عن ~~التمسك به لورود شيء لم يعلل وأنا فيما ذكرته على قطع فإن معتمدنا فيما ~~نأتي [ونذر] ونقبل ونرد من طريق العلل الاتباع للإجماع وقد علمنا قطعا ~~جريان هذه العلل [في الكليات] وإن استثنى الشارع منها ما استثنى فمنكر هذه ~~المعاني وقد تأيدت بالإجماع كمنكر أصل القياس. # والسر في ذلك أن مالا يعقل معناه في مستثنى الشارع والمستثنى لا يقاس ~~عليه وكأنه منقطع عن كثر الشريعة ولا يعتبر شيء منه ولا يعترض به على شيء ~~فهذا سبيل إجرائها فإن كان ينقدح فيها معنى على حال فهو ملتحق بالأقسام ms353 ~~المبطلة التي تقدم ذكرها فهذا بيان الأصل ونحن نضرب أمثالا وننزل عليها ~~تحقيق ما نبغيه نفيا وإثباتا. ### | 987- # فنقول: إذا أردنا إجراء علة في تخصيص الغرامة لمختص بسببها و [مقتضيها] ~~طردناها غير ملتزمين بتحميل العاقلة على قطع وتحملهم لا يعترض على ما تمهد ~~من المعنى فلو ظن ظان أنه ينقدح في تحمل العاقلة معنى يصلح على السبر مأخوذ ~~في المعاونة فهذا غير سديد فإن ذلك لا يجري فيما يتفق تلفه من الأموال وهو ~~أعم وجودا وأغلب وقوعا [من] القتل الواقع خطأ أو على شبه العمد ثم الإعانة ~~في الشريعة إنما تجب إذا كان المعان معسرا وعلى هذا نظمت أبواب النفقات ~~[والكفارات] فالقاتل خطا يتحمل عنه وإن كان من أيسر أهل زمانه فليس لمثل ~~هذه التخييلات اعتبار. # PageV02P107 ### | 988- # وكذلك إذا طردنا طريقة في إيجاب المثل في المثليات التي تتشابه أجزاؤها ~~فألزمنا عليها إيجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من التمر في مقابلة ~~لبن المصراة لم يحتفل بهذا الإلزام ولا تعويل على قول المتكلفين إذ زعموا ~~أن اللبن [المحتلب] في أيام ابتلاء الغزارة والبكاءة يقع مجهول القدر. # فرأى الشافعي رضي الله عنه فيما ورد الشارع فيما يقل ويكثر إثبات مقدر من ~~جنس درءا للنزاع فإن هذا لا جريان له أصلا ويلزم طرد مثله في كل مثلي جهل ~~مقداره وليس لبن المصراة مما يعم ويغلب الابتلاء بالحكم فيه وإن أمثال هذه ~~المعاني البعيدة إنما تثبت بعض الثبوت إذا تقيدت وتأيدت بعموم البلوى على ~~أنها لو كانت كذلك أيضا لكانت من المعاني الكلية التي لا تتخلص في مسالك ~~العرض على السبر ثم تعيين جنس التمر كيف يهتدى إلى تعليله؟ # وإنما المطلوب فيما فرضنا الكلام في الجنس المعدول إليه لا في المقدار ~~فإن ما ذكر من دوام النزاع يقدر انقطاعه بتقدير مقدار من النقدين وهما ~~أثمان الأشياء إذا عسر تقدير الأمثال فاطرد إذا ما ذكرناه واستبان أن أمثال ~~هذه المستثنيات لا تعترض على القياس المعنوي. ### | 989- # ومما يضرب مثلا الكتابة الفاسدة فإذا قال الشافعي الملك لا ms354 ينتقل إلا ~~بمسلك شرعي والفاسد حائد عن سبيل الصحة غير واقع الموقع المطلوب في الشريعة ~~فلا وقوع له في مقصود العقد الصحيح كان ذلك كلاما بالغا حسنا. # فإن ألزم [الخصم] عليه الكتابة الفاسدة فإنها في تحصيل مقصود الكتابة ~~نازلة منزلة الكتابة الصحيحة. # والوجه أن يقال للملزم أتعترف بخروج الكتابة الفاسدة عن قاعدة المعاني أو ~~تدعي جريان المعنى فيها؟ # فان ادعى جريان المعنى [فيها] فلا يفي بإظهاره إذ ليس في يدي من يتمسك ~~بالكتابة الفاسدة إلا تشبيه محض ولا يستقل معنى يصحيحه السبر في إحلال ~~الكتابة الفاسدة محل الكتابة الصحيحة. # فإن قال الملزم: ليس على المناقض أن يبدي جامعا معنويا بين صورة النقض ~~وبين محل علة الخصم فتكليفكم إيانا إبداء معنى التكليف شطط فإن النقض يلزم ~~من جهة قطعة طرد العلة لا من جهة انتظام رابط بينه وبين محل النزاع وهذه ~~مزلة يجب # PageV02P108 # التثبت عندها. # فإنا نقول للخصم: ما رأيك في علة يطردها الطارد ومضمونها: ألا تزر وزارة ~~وزر أخرى فهل تبطل عندك بتحمل العاقلة العقل فإن سبق إلى مذهب [من] يبطل ~~العلة بورود مثل ذلك عليه بطل عليها مذهبه بما تقدم ونسب إلى رد باب عظيم ~~من العلل المتفق على صحتها فإن الأمة قاطبة مجمعون على طرد هذه العلة [مع ~~اعترافهم بما شذ منها ولا يحكمون على هذه العلة] في هذه القاعدة الكلية ~~بالفساد لشذوذ مسألة عن القاعدة ورأى ذوى الأبصار ألا يحكموا بالشاذ على ~~الكل ولكنهم لا يتركون الشاذ على شذوذه ويعدونها كالخارج عن المنهاج. ### | 990- # وإن قال الملزم: أسلم أن ما ذكرتموه لا يبطل بتحمل العاقلة قلنا لهم ~~والكتابة الفاسدة عندنا بهذه المثابة. # وآية ذلك: أن معناها الجلي يجري في الكتابة الفاسدة وإن فسد عوضها فليس ~~يفسد معنى تعليق العتق فيها وهذا يشير إلى فرق. # قلنا: ما ذكرته خارج عن الطريقة فإنه إيماء إلى وجه من الصحة لو استمر ~~القول فيه والذي نحاوله ألا يثبت للفاسد حكم أثبت للصحيح لجلب مسألة. ### | 991- # وإن قال الخصم: خذوا الكتابة في منزلة المناقضة ms355 شبها فإن الشبة في ~~الأقيسة صحيح مع افتقارها إلى الجوامع فلأن يلزم مسلك الشبه نقضا أولى وليس ~~على الناقض جمع. # قلنا: هذا أوان كشف الغطاء في هذه المحال. # فنقول: لا مشابهة بين صحيح الكتابة وصحيح البيع فإذا لم يتشابها في منزلة ~~الصحة فكيف يتشابهان في الفساد؟ # وإن [قنع] الملزم بلفظ يجمع البابين ألزم على مقصوده إيراد تحمل العاقلة ~~على أبواب الغرامات فلاح بما تمهد أنه لا متمسك للخصم بالكتابة الفاسدة على ~~وجه لا على سبيل التعليل ولا على سبيل المناقضة. ### | 992- # ومن أمثلة هذا الفصل الاكتفاء بالخرص على من يدعونا إلى التقدير بالكيل ~~أو الوزن الضابطين فالأصل الضبط بالممكن في كل جنس ولكن الخرص أثبته الشرع ~~لحاجة في قضية مخصوصة فهو من المستثنيات ولكن قد ينقدح في هذه. # PageV02P109 # المحال أن الوزن أضبط من الكيل ثم الكيل متعين في بعض الأشياء مع أمكان ~~الوزن فالخرص في محل الحاجة كالكيل في المكيل [بالإضافة إلى الوزن] . # فلا يتضح خروج الخرص بالكلية عن القانون حسب اتضاح خروج تحمل العاقلة ~~والكتابة الفاسدة. # والسبب في ذلك ما جاء [به] من المعنى من شوائب التعبد في تعين الكيل مع ~~إمكان الوزن ولكن وإن كان الأمر كذلك فالأصل الرجوع إلى العرف فيما يعد ~~تقديرا فالخرص معدود من الحدس والتخمين المجانب لمدارك اليقين وعلى الجملة ~~بين الداعي إلى التقدير وبين ملزم الخرص تجاذب وتداور من مثل ما ذكرناه ~~والوجه درء الخرص بالمسلك الذي ذكرناه كما تقدم. ### | 993- # فإن علل معلل في قطع الخيار عند ظن [صفة في العبد المبيع] من غير تصريح ~~والكلام مفروض في ظهور مخايل وأمارات مشعرة بالصفة المطلوبة فثبوت الخيار ~~عند التصرية إذا قال به المعلل [ينقض تعليله] فإن إشعار التصرية بإبداء ~~غزارة اللبن واضح وليس ببعيد عن مسلك المعنى تعليل الخيار فيه وإذا لم ينقض ~~تعليله ببعد التعليل [على] حال لزم ما يجري التعليل فيه نقضا. # فآل [مآل] الكلام إلى أن ما يورد نقضا إن كان لا ينقدح فيه وجه سديد على ~~جلاء أو خفاء في المعنى ms356 فقد استمسك المعلل بالمعنى ولا مبالاة بما وقع ~~مستثنى عن المسلك الذي ارتضيناه فإن كان يثبت فيه معنى وإن خفي وبلغ خفاؤه ~~مبلغا لو عورضت علته بعلة في رتبة علة المعلل لكانت رتبة علة المعلل مرجحة ~~فالالتباس بين الرتبتين لا ينتهض دارئا للنقض ولا احتفال بتخيل معنى [كلي] ~~يظنه الظان على بعد كالمعاونة في تحمل العقل وسبيل تداينه من الكتابة ~~الفاسدة فهذه مجامع الكلام في ذلك. ### | 994- # وقد رسم القاضي رحمه الله مسألة في أن الحكم ببطلان العلة عند ورود النقص ~~وصحتها قطعي أو ظني وقد ظهر ميله إلى إلحاق ذلك بالظنيات وقد ذكرنا فيما ~~تقدم أن القاضي إنما وقف إذ كان النقض لا يعلل وقد بينا في التفصيل الذي ~~انتجز الآن مدرك الحق وهو مقطوع به عندنا فليتبع الناظر تأمله وليستعن ~~بالله تعالى. # مسألة: ### | 995- # اختلفت مذاهب الأصوليين في أن علة الشارع هل يرد عليها ما يخالف # PageV02P110 # طردها فذهب الأكثرون إلى أن ذلك غير ممتنع في علة الشارع من جهة أن قوله ~~متبع في تخصيصه وتعميمه [و] لا معترض عليه إذا خصص علة بمحل ولم يعملها في ~~غير ما نص عليه والمستنبط معتمدة ظنه وإذا تقاعد المستنبط عن الجريان ضعف ~~مسلك ظنه وليس له أن يحتكم بتخصيص العلة. ### | 996- # وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أن علة الشارع يجب طردها كما يجب في العلة ~~المستنبطة. ### | 997- # وهذه المسألة عندنا قريبة المأخذ نزرة الفائدة ليس فيها جدوى من طريق ~~المعنى والوجه فيها أن ما نصبه الشارع على صيغة العلة إن لم يكن نصا في ~~كونه علة بل كان ظاهرا في هذا الغرض فإذا ورد عليه ما يمنع جريان العلة ~~فيظهر منه أن الشارع لم يرد التعليل وإن ظهر ذلك منه في مقتضى [لفظه] ~~وتخصيص الظواهر ليس بدعا. # وأن نص على التعليل على وجه لا يقبل التأويل تصدى في ذلك نوع آخر من ~~النظر وهو أن ما نصبه علة إن عم نصبه على صفة لا يتطرق إليها تخصيص ببعض ~~الصور التي تطرد العلة فيها [فلا] مطمع ms357 في اعتراض ما يخالف طرد العلة وقد ~~ثبت والأمر على ما صورناه على القطع أمران: # أحدهما: انتصاب المعنى المذكور علة، والآخر: جريانه على اطراد من غير ~~اعتراض مخالف ونص الشارع لا يصادم. # وإن نص الشارع على نصب شيء على الجملة ونص على تخصيصه في كونه علة بمسائل ~~معدودة ومواقع محدودة فليس يمتنع ذلك على هذا الوجه فإن علل الأحكام لا ~~تقتضيها لذواتها وأعيانها وإنما تصير أعلاما عليها إذا نصبت ثم إذا نصبها ~~الشارع في محال على الخصوص دون غيرها فلا معترض عليه في تنصيصه وتخصيصه. # ولو نص على نصب علة على وجه لا يقبل أصل النصب تأويلا ولم يجر في لفظ ~~الشارع تنصيص على التعميم على وجه لا يؤول ولا تنصيص على التخصيص بمواقع ~~مخصوصة فحكم هذا اللفظ الإجراء على العموم ولكن لا يمنع قيام دليل على ~~تخصيص العلة ببعض الصور. ### | 998- # فأما ما ذكرنا أن للشارع أن يصرح بالتخصيص ولا يكون في تصريحه. # PageV02P111 # بالتخصيص تناقض مع التنصيص على التعليل في موقع الخصوص فإذا كان لا يمتنع ~~التصريح [بهذا وليس في اللفظ ما يأباه إباء النصوص وليس يمتنع إزالة ~~الظواهر] فيخرج من مجموع ذلك أنه لا يمتنع تخصيص العلة ببعض المسائل. ### | 999- # والأستاذ أبو إسحاق يمنع النص على التعليل على وجه لا يقبل التأويل مع ~~تجويز التخصيص ويقول: إن تعرض اللفظ لقبول الخصوص في جريانه لزم أن يكون في ~~وضعه متعرضا للحمل على غير قصد التعليل ولو كان نصا في قصد التعليل فهو نص ~~في قصد التعميم إذ لو لم يكن كذلك لكان خروجه عن حكم العلة في بعض المسائل ~~متضمنا خروجه عن حقيقة العلة في أصل الوضع وذلك يخالف موجب التنصيص على ~~كونه علة. # وهذا الذي ذكره يعترض عليه التنصيص على النصب مع التنصيص على التخصيص ~~ببعض المسائل فإن ذلك سائغ في الوضع ولو كان التخصيص ببعض المحال مخرجا ~~للمنصوب عن كونه علما لكان الجمع بين التنصيص على النصب والتخصيص متناقضا ~~وفي كلام الأستاذ تشبيب بمنع هذا وهو في مجاري كلامه ms358 جسور هجوم على منع ما ~~لا سبيل إلى منعه فإن قدر منه القول بهذا رد الكلام معه إلى ما تقدم ذكره ~~من كون هذا غير ممتنع من جهة أن أعلام الأحكام لا تقتضيها لأعيانها وإنما ~~معنى كونها عللا أنها أعلام تنتصب بنصب الشارع. # وإذا كان كذلك [فلا معترض] على من ينصب علما في تعميمه وتخصيصه ولذلك لا ~~يمتنع أن ينصب الشارع علما مثله متى طرده ولم يتضمن إشعارا ولا شبها ~~مقبولا. ### | 1000- # فهذا منتهى القول في هذا الفصل. # وعلى الجملة تخصيص المستنبط علة ينفصل عن تخصيص الشارع فإنه ليس للمستنبط ~~وضع العلل على اختياره وإنما له النظر إلى درك ما يتخيله موضوعا بمسلك ~~الظنون وإذا لم تجر العلة عامة فقد وهى ظنه على ما فصلنا القول في ذلك كما ~~نفصل القول فيه قبل أن بينا المختار فيما يجوز ويمتنع # PageV02P112 # فصل: # [في] توابع القول في النقض جدلي يعين على مدرك المقصود المعنوي. ### | 1001- # فإذا نصب الناصب علما مستنبطا وذكر لفظا مقتضاه العموم فطرا نقص فقال: ~~أخصص لفظي بغير المسألة الواردة نقضا فإن [تقييد] اللفظ إلى فكيف السبيل ~~إلى ذلك؟ والقول في هذا يتصل الآن بتفسير العلم وما يقبل منه وما لا يقبل. # وأما التخصيص: فيترتب الأمر فيه على ما يسوغ ويمتنع من طريق المعنى أولا ~~فإن خصص تخصيصا يمنعه فهو غير مقبول منه وقد [ذكرنا] في تفصيل المعنى ~~المقصود من هذا الفصل ما يبطل العلة من [النقوض] وإن كان ذكر تخصيصا لو صرح ~~به لم يمتنع مثل أن تكون المسألة الواردة غير معللة وقد تقرر أن ما لا يعلل ~~في حكم المستثنى فإذا أطلق المعلل [لفظه] عاما ثم لما ورد عليه مثل ما ~~وصفناه الآن حاول تخصيص [عموم لفظه فهذا الآن تعلق بالجدل فإن المسألة ~~الواردة ليست مبطلة من طريق] المعنى. # فقال قائلون من الجدليين: إطلاقه لفظه إشارة في بناء الكلام منه فإنه ~~معمم للكلام ملتزم طردا فإذا وردت المسألة بإزائه لم يف بما التزمه. ### | 1002- # ونحن نقول: الأحسن أن يشير إلى ما يرد ms359 تصريحا وتلويحا مثل أن يقول هذه ~~علة ما لم يستثن الشارع فإن لم يتعرض لهذا فلا معاب فإن العلل إنما يلتزم ~~المستنبط طردها إذا لم يحتكم الشارع في استخراج بعض المسائل فليس على من ~~يطرد علة في الغرم على المتلف أو علة في نفي الغرم على من لم يتلف التعرض ~~للعاقلة وحملها وهذا يظهر في الذي طرأ استثناؤه والقول في ذلك كله قريب من ~~المعنى واعتقاد كون الوارد غير خارج. ### | 1003- # ومما يتعلق بالتفسير أن المعلل إذا ذكر لفظة مجملة ثم استفسر السائل ~~ففسرها فقد اختلف الجدليون في ذلك فجوزه بعضهم وامتنع منه المحققون فإن ~~الغرض من المناظرة التفاوض بما يعلم ويفهم ومن ذكر لفظا مجملا وسكت عنه ~~فحاله مشعر بإسعافه على قطع السائل الطالب بالدليل ومن حكم إسعافه إياه أن ~~[يفهمه] ما طلبه وإذا لم يفهمه فقد أظهر أنه مسعف والأمر على خلاف ما أظهر. # فإن ذكر لفظا مفهوما في وضعه واستراب السائل فيه واستفسر فالذي يأتي # PageV02P113 # به المجيب من إرشاد وهداية ليس تفسيرا وإنما هو تنبيه للسائل على قصوره ~~عن درك ما هو مفهوم في وضعه ويخرج من جملة ذلك أنه ليس على المعلل تفسير ~~فيما ذكرناه. # فإن أتى بمجمل فقد قصر وعد ذلك من سوء الإيراد وإن لم يكن منقطعا في ~~المعنى فإن أتى بلفظ مستقل مفهوم في وضع اللسان فلا حاجة إلى التفسير والذي ~~نذكره عند [الاستبهام] على السائل سبر تقصير لا سبر تفسير وقد [نجز القول] ~~في النقض وهو في التحقيق تخلف الحكم مع وجود العلة المدعاة ونحن نبتدىء ~~الآن: # القول في تخلف العلة مع جريان الحكم. # [الخامس من الاعتراضات] . ### | 1004- # وهو الاعتراض المترجم بعدم التأثير1 ونحن نجري في رسم هذا الفن على مسالك ~~الأولين وتقسيمهم ثم نذكر بعد نقل مراسمهم وجه التحقيق إن شاء الله تعالى. ### | 1005- # قال أصحاب الجدل: عدم التأثير ينقسم: # إلى ما يقع في وصف العلة وإلى ما يقع في أصلها. # [فأما] الواقع في [الوصف] 2 فهو عدم الانعكاس وقد سبق في ذلك قول ms360 بين ~~بالغ يطلع على الأسرار والنهايات ونحن نذكر الآن ما يليق بهذا المقام ولا ~~نغادر مضطربا معنويا ولا جدليا. # فنقول: العلة [المعنوية] إذا اطردت فإنها كما تشعر بالحكم في اطرادها فقد ~~يشعر عدمها بعدم الحكم [على حال] ولكن لا يبلغ [إشعار] العدم بانتفاء الحكم ~~[مبلغ] إشعار الوجود بالوجود. # وسبب ذلك أنه لا يمتنع في وضع المعاني ارتباط حكم بعلل تجويزا وإن كنا ~~ادعينا فيما تقدم أن ذلك غير واقع وأن ما ظنه الخائضون في هذا الفن حكما ~~معللا PageV02P114 # بعلل في التحقيق أحكام وهو كقولهم تحريم المحرمة الصائمة المعتدة الحائض ~~معلل بهذه العلل المزدحمة وقد ذكرنا أن كل قضية من هذه القضايا توجب حكما ~~مغايرا لحكم القضية فلا يعدم الأنيس بالفقه استمكانا من تقدير التعدد في ~~الموجبات بوجوه ترشد إلى التغاير والاختلاف. # وقد يظن الظان [في هذا المقام] أن المسئول إذا فرض الكلام في طرف من ~~أطراف المسألة لغرض وإيضاح كلام فصورة الغرض تختص بعلة وتشبهها مع سائر ~~الأطراف علة عامة وإذا كان كذلك فقد علل الحكم في هذا الطرف بعلة خاصة هي ~~مقصود الفارض وعلة عامة وهذا على حسنه غير صاف عن القذى والكدر. ### | 1006- # وأنا أضرب في ذلك أمثلة توضح الغرض فأقول. # إذا قدم الغاصب الطعام [المغصوب] إلى إنسان مضيفا فأكله المضاف ظانا أن ~~الطعام ملك المقدم المضيف فقرار الضمان في قول الشافعي على المقدم ومعتمد ~~هذا القول تقدير التغرير وكون [الغرور] مناطا للضمان. # وقد قال أبو حنيفة لو أكره الغاصب إنسانا على تناول ذلك الطعام فالقرار ~~على الطاعم وإن كان مجبرا [موجرا] كما إذا كان مختارا في التناول. # فإذا فرض الفارض الكلام في صورة [الإكراه] فهذه الصورة لا يجرى فيها عموم ~~التعليل بالتغرير إذ الإجبار ينافى الاغترار ومن ضرورة الاغترار فرض ~~الاختيار في المغرور مع استناد اختياره إلى اغتراره فأما المجبر المكره فلا ~~يتصور تصوره مغترا وإن فرض منه ظن فليس ذلك الاغترار المعنى. # فهذا النوع من الفرض غير معنى من جهة أنه يجانب محل السؤال أولا [والفرض] ~~المستحسن ms361 هو الواقع في طرف يشتمل عليه عموم سؤال السائل وذلك محمول على ~~استشعاره انتشار الكلام في جميع الأطراف وعدم وفاء مجلس واحد باستتمام ~~الكلام فيها فإذا فرض المجيب فيستفيد بالفرض فيه التعريف على قرب ومهما ~~تعرض المجيب للكلام فيما لم يشتمل عليه سؤال السائل لم يكن للكلام وجه إلا ~~البناء إذ له أن يثبت كلاما في غير محل السؤال ثم يبنى عليه محل السؤال ~~وليس [ذلك] من الفرض وإنما هو بناء. # ولست أرى في البناء في المسألة التي فرضناها وجها فإنه إذا ثبت [أن] ~~الضمان # PageV02P115 # لا يستقر على المكره فكيف ينبني عليه عدم القرار على المختار الطاعم ولا ~~معتمد في التقدير على المختار إلا الاغترار؟ وهو مفقود في [الإجبار] وشرط ~~البناء جمع فقيه بين ما عليه البناء وبين محل السؤال. # نعم أساء أبو حنيفة رحمه الله إذ قرر الضمان على من لا اختيار له إساءة ~~لا ارتباط لها بمأخذ الكلام في صورة الغرور. ### | 1007- # ونحن نفرض صورة من الفرض المستحسن يتبين بها قصارى المقصود فنقول: إذا ~~سأل السائل عن نفوذ عتق الراهن فسؤاله يعم المعتق المعسر والموسر [و] إذا ~~رأى المسئول [فرض الكلام] في المعسر فمحمل كلامه يندرج تحت سؤال السائل ~~والفارض يستفيد بالفرض في المعسر أمرين: # أحدهما: دفع أسئلة قد يعتاص الجواب عنها على [البكي] الذي لا تطاوعه ~~العبارة فإن من أسئلة الخصم سريان العتق إلى ملك الشريك فإذا كان يسرى ~~سلطانه إلى غير ملك المعتق فقد يبعد عن محل ملكه مع صحة عبارته فإذا وقع ~~الفرض في المعسر فلا يلزم في أطراف الكلام سريان العتق فإن عتق المعسر غير ~~سار على أصل الشافعي فهذه فائدة. # وأعلى منها أن الخصم قد يتمسك في أطراف الكلام في أن قيمة العبد في فرض ~~المالية نازلة منزلة العبد فليس الراهن المعتق [مفوتا على المرتهن] غرضه من ~~الاستيثاق بالمالية فإذا أقام قيمة العبد رهنا مقامه فهو غير معترض على محل ~~حق المرتهن. # وهذا الفن من الكلام لا حقيقة له إذ ليس هو معنى من ms362 ينفذ عتق الراهن فإن ~~عتقه لا ينفذ عند من ينفذه لإمكان إقامة القيمة مقامه بل سبب نفوذه صحة ~~عبارته وثبوت ملكه فيستفيد الفارض بفرضه دفع هذا الكلام الواقع فضلة لا أثر ~~لها [فليكن] قصد المحقق إذا فرض مثل ذلك. ### | 1008- # والآن نذكر في هذا الفن الغرض الذي استفتحنا القول في الفرض لأجله فنقول: ~~يتجه للفارض في المعسر أن يقول: استأصل المعتق المعسر لو نفذ عتقه حق ~~المرتهن بكماله مشيرا إلى أنه لا يجد ما يبذله غارما فيظهر كلامه من جهة ~~الاستئصال والتسبب إلى قطع حق المرتهن من الاستيثاق بالكلية. # وهنا وقفة محتومة على طالب الغايات فنقول: من منع نفوذ العتق يكتفى بما # PageV02P116 # يقرره بأن نفوذ العتق لو قبل منه أدى إلى قطع حق لازم للمرتهن في عين ~~الرهن فإذا كفى هذا فأي حاجة إلى التعرض لقطع المالية وحسم الطلب في القيمة ~~يوشك لو تفطن الفارض أنه يقع في المحذور الذي نبهنا عليه الآن وهو النطق ~~بما لا اعتناء به ولا وقع له. # فإن قال قائل: ما المانع من ازدحام علتين في هذه الصورة إحداهما قطع ~~المالية بالكلية والثانية قطع حق المرتهن عن العين المخصوصة فيكون امتناع ~~النفوذ معللا بعلة خاصة وهي قطع المالية وأخرى عامة وهي قطع الحق عن عين ~~العبد [فإن] هذا مما يعم الموسر والمعسر وإنما تتبعنا هذا الكلام مع فوائد ~~جمة لهذا الغرض. ### | 1009- # ونحن نقول: هذا ليس بشيء فإن المالية ليست مرعية في حق المرتهن وإنما ~~المعتبر حق استيثاقه بعين يتمسك به إذا اعترض له توقعات العسر في الذي يقع ~~في الذمم وهو [يأنس] مستوثقا بالعين التي استمسك بها فهذا غرض الرهن وإذا ~~لم يكن الراهن مطالبا بالدين فقد خرج عن مقصود الرهن ولهذا السر لا يجوز ~~رهن الدين نعم لو فرض من الراهن إتلاف الرهن فالشرع يتقاضاه أن يقيم قيمته ~~مقامه إذ مسلك الشرع إثبات الضمان جبرانا لكل فائت فلا ينبغي أن تعد قضايا ~~الشرع في مظان الضرورات من القضايا الوضعية في تأسيس الأصول. # وهذا يناظر عندي ms363 مسلكين في توزيع العوض على مختلفين في أحد شقى العقد عند ~~مسيس الحاجة في شفعة لو فرض تلف أحد العوضين. ### | 1010- # وقد زل جماهير الفقهاء فاعتقدوا التوزيع مقصود العقد كما نبهت عليه في ~~مسألة العجوة في "الأساليب" وهذا زلل في سوء مدرك فإن العقد ما انبنى على ~~التوزيع وإنما هو أمر ضروري أحوج إثبات الشفعة إليه وهو إذ ذاك أقرب معتبر. ### | 1011- # وإن اعتقد الفارض في الراهن المعسر الفصل بينه وبين الموسر صار إلى أن ~~الراهن إذا كان موسرا نفذ عتقه ويلزمه إحلال القيمة محل العبد وإن كان ~~معسرا لا ينفذ عتقه لتعذر تغريمه وإفضاء الإعتاق فيه لو قدر نفوذه إلى ~~إبطال اختصاص المرتهن باستيثاقه بالكلية وشبه [ذلك] بتفصيل مذهبه في تسرية ~~عتق الشريك إذا كان موسرا ومنع تسريته إذا كان معسرا فاتحاد العلة على هذا ~~المذهب أوضح فإن صاحبه متشوف إلى اعتبار انقطاع علقة المرتهن من غرض ~~الوثيقة بالكلية وليس لبطلان حق المرتهن من غير الراهن عنده وقع أصلا ولذلك ~~يبعد عتق الموسر. # PageV02P117 # الراهن فلم ينتظم على المسلكين علتان عامة وخاصة في صورة الفرض. ### | 1012- # ومما نجريه مثالا في ذلك أن الشافعي رحمه الله إذا فرض [من هو على مذهبه] ~~الكلام في مسألة ضمان المنافع في طرف الإتلاف وطرد ما يرتضيه فيه فقد يعتقد ~~الفطن أنه يجتمع في هذا الفرض معنيان. # أحدهما: الإقدام على الإتلاف وهو من أقوى أسباب الضمان ولذلك [اختار] ~~الفارض [تعيين هذا] الطرف وتخصيصه بالكلام المختص به وقد اجتمع فيه الإتلاف ~~والتلف تحت اليد العادية وهذا أقرب مسلك في تخيل اجتماع معنيين لحكم واحد. ### | 1013- # ونحن نقول فيه: العلة في الضمان الإتلاف في هذه الصورة فحسب فإن التلف ~~[الحاصل] تحت اليد العادية إنما يضمن من جهة اعتداء ذي اليد ومنعه الحق ~~مستحقه فصار الضياع الذي وقع مساويا في أطراد منع المعتدى مشبها بالإتلاف ~~فإذا تحقق الإتلاف لم يبق لتخيل التلف على دوام المنع المشبه بالإتلاف معنى ~~والإتلاف هو المشبه به واعتقاد اجتماع المشبه والمشبه به في صورة واحدة ~~محال. ### | 1014- # وأنا ms364 أشبه هذا المساق من الكلام بمسألة أصولية ذكرناها في أوائل هذا ~~المجموع وهي قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من ~~الليل" 1 فقد ذهب ذاهبون إلى أن الصيغة عامة في نفي الكمال والجواز وهذا ~~زلل فإن العموم إنما يتحقق إذا أمكن اعتقاد اجتماع المسميات تحت قضية اللفظ ~~المقدر عاما حتى يكون اللفظ شاملا لها وهذا لا يتحقق فيما فيه الكلام فإن ~~الجواز إذا انتفى لم يتحقق مع انتفائه تخيل نفى الكمال إذ من ضرورة نفى ~~الكمال [إجزاء] الشيء وجوازه على حكم النقصان وقد قررنا ذلك بما فيه أكمل ~~مقنع. ### | 1015- # وقد تبين بمجموع ما ذكرناه في تقاسيم الفرض أنه لا يكاد يجتمع معنيان ~~وقوعا يصلح كل واحد منهما لتعليل الحكم الواحد ولكن إن لم يقع هذا ولم يتفق ~~فليس في العقل عند النظر في قواعد الشرع بالتعبد ما يحيل ذلك. # ولو قدرنا وقوع هذا المجوز لما اقتضى انتفاؤه معنى عدم الحكم إذ الحكم في ~~هذا التقدير مستقل بما بقى من المعاني فليس إشعار عدم المعنى بانتفاء الحكم ~~على PageV02P118 # نحو إشعار ثبوت المعنى بثبوت الحكم. ### | 1016- # وأقرب مثال فيما نحاوله من الفصل بين الإشعارين أن نقول العلة المفردة ~~المعنوية تناسب الحكم مناسبة الاستقلال بالاقتضاء ولو فرضت علة مركبة من ~~صفات فقهية فلا يناسب وصف واحد من الأوصاف الحكم واقتضاءه مناسبة العلة ~~المفردة المستقلة ولكنه لا يعرى عن مناسبة لائقة بالحكم مستمدة من قضية ~~فقهية الأوصاف. # فلو قدرنا عللا وقدرنا انتفاء جميعها ولم يرد شرع باطراد الحكم مع انتفاء ~~جميع العلل فإن الحكم ينتفي عند ارتفاض العلل جميعا إذ يستحيل [تقدير] بقاء ~~الحكم غير مرتبط بوصف أو علة وإذا زال بعضها كان لزوال البعض أثر في ~~[النفس] يضاهي زوال ترجيح وتأكد ونحن لا ننكر اجتماع الترجيحات وزوال وصف ~~واحد من العلة [المركبة من الأوصاف تتضمن انتفاء الحكم لاختلال العلة] إذ ~~هي مركبة وشرطها تكامل أوصافها فكان انتفاء الحكم محالا على [اختلال] العلة ~~أصلا ولم [نورد] الوصف الواحد مثلا ونحن ms365 [نريد أن نشبهه] في كل الوجوه ~~بآحاد العلل عند [تقدير] اجتماعها وإنما أوردناه لانحطاط حظه من الإشعار عن ~~حظ العلة المستقلة عند تكامل الصفات فكل وصف من أوصاف العلة عند توافيها ~~على حظ وكل علة من العلل التي قدرنا اجتماعها إذا انتفت على حظ من اقتضاء ~~الانتفاء فشابه خفاء إشعار انتفاء علة من علل بانتفاء الحكم خفاء إشعار ~~آحاد الصفات عند توافيها بالحكم. ### | 1017- # وإذا تقرر ما ذكرناه فنقول بعده إذا طرد المعلل علة فاطردت له وهو يعتقد ~~اتحاد العلة ولو يقم عنده توقيف في ثبوت الحكم عند انتفاء العلة فإنه يعتقد ~~لا محالة انتفاء الحكم عند انتفاء العلة ويلتزم ذلك غير أنه لا يلزمه في ~~مراسم الجدل أن يبدي توقيفا مقتضيا منع الانعكاس إن كانت العلة لا تنعكس. ### | 1018- # وهذا يستدعي مزيد كشف الآن. # فنقول والله المستعان قد ذكرنا ترددا في أن العلة إذا امتنع اطرادها ~~بمسألة غير معللة مستندها توقيف فهل يتضمن [ذلك] بطلان العلة؟ وهل يوهى ~~مسلك ظن المستنبط في روم الطرد؟ فمن سبق إلى اعتقاد كون هذا قاطعا للطرد لا ~~يقول إذا قام توقيف مانع من الانعكاس تضمن ذلك بطلان روم الطرد وذلك ~~الإشعار لا يحط # PageV02P119 # الإشعار بالعكس عن الإشعار بالطرد. # على أنا ذكرنا أن الطرد لا ينقطع بمواقع الاستثناء أصلا ومن اعتقد ~~انقطاعه فقوله أقرب من قول من يصير إلى عدم الانعكاس متضمن بطلان الطرد. # فليفهم الناظر ما يلقى إليه من تفاوت المراتب في مآخذ النظر إن كانت ~~مستوية في عقده. # ولهذا المعنى نقول: إذا اعترضت مسألة على مناقضة الطرد غير معللة فعلى ~~المتمسك بالعلة أن يبين خروج المسألة المعترضة عن المعللات والتحاقها ~~بالمستثنيات في أدب الجدل وليس على من ألزم عدم الانعكاس أن يبين السبب ~~التوقيفي المانع من الانعكاس فإن ذلك لو فرض الخوض فيه كان داعية إلى ~~انتشار الكلام والخروج عن الضبط الجدلي وإن كنا نرى أن العلل غير مجتمعة ~~وقوعا وعلى المجتهد فيها أن يبحث عن طرق المناظر في الطرد والعكس وليس كل ~~ما ms366 يلتزمه المجتهد في ترددات اجتهاده يذكره في مفاوضة من يناظره. ### | 1019- # فإن قيل: هل يسوغ أن يضع المستدل كلامه مبنيا على الدعاء إلى العكس؟ # قلنا: لا يستقل في هذا كلامه المطلق بل يحتاج إلى أن يقرر معناه ويبين ~~فساد ما عداه مما انتحله الخصم وادعاه ثم يشير إلى [انتفاء] التوقيف المانع ~~من الوفاء بالعكس فينتظم من مجموع ذلك الدعاء إلى العكس لما ذكرناه من ~~الإشعار [الخفي] به وعليه يخرج التعلق بالعلة القاصرة حيث يصح ويظهر بطلان ~~ما يقدر متعديا فيدعو المتمسك بالعلة القاصرة خصمه إلى الوفاء بمقتضى العكس ~~وسيكون لنا إلى ذلك عودة إن شاء الله تعالى عند الكلام في العلة القاصرة. # فهذا هو الذي أردنا إيراده في حقائق العكس في هذا المقام وقد يخرج ذلك في ~~الاستدلال أيضا. # وكل ما ذكرناه معدود عند أصحاب الجدل من عدم التأثير في الوصف. # PageV02P120 # الكلام عن عدم التأثير في الأصل. ### | 1020- # فأما ما عد من عدم التأثير في الأصل1 فنحن نمثله ونتكلم عليه فنقول: إذا ~~علل الشافعي منع نكاح الأمة الكتابية وقال: أمة كافرة فلا يحل لمسلم ~~[نكاحها] كالأمة المجوسية ولا أثر للفرق في الأصل [فإن الحرة المجوسية ~~محرمة والتمجس يستقل بإثارة منع النكاح والرق مستغنى عنه وذكر الرق عديم ~~التأثير في الأصل] والذي صار إليه المحققون فساد العلة بما ذكرناه. # وذهب ذاهبون إلى أن التمسك بذلك صحيح من جهة أن للرق أثرا على الجملة في ~~المنع فذكره مع التمجس ليس عريا عن إشعار وإن كان لا يحتاج إليه. # وزعم هؤلاء أن هذه الزيادة مع ما فيها من الإشعار بالمنع على خفاء مشبهة ~~بشهادة شاهد ثالث وقد استقلت الحكومة بشهادة عدلين. # وهذا غير سديد فإن الرق في الأصل ليس علة ولا وصفا لعلة فوقع التعرض له ~~لغوا ولا حكم له لما فيه من الإشعار على بعد إذ كان لا ينتهض علة ولا ركنا ~~لعلة وليس هذا كما استشهد به من يصحح ذلك في شهادة الشاهد الثالث فإن ذلك ~~استظهار في الحكومة والشاهد الثالث متهيئ لأن ms367 يقدر أحد الشاهدين الواقعين ~~ركنا ولا يتصور أن يقع الرق المجرد ركنا في محاولة التحريم على التعميم فقد ~~نأى ما نحن فيه عما استشهد به من تقدم وتعين القول قطعا من سقوط العلة. ### | 1021- # وما ذكرناه فيه إذا كان للوصف أثر على بعد في أصل الحكم المطلوب وإن كان ~~لا يؤثر في تفصيله. # فأما إذا كان الوصف الزائد غير محتاج إليه ولم يكن معه إشعار نظر فإن لم ~~يكن في ذكره غرض فهذا لغو لا وقع له ولا يقضى بأنه يبطل العلة إذا كانت ~~مستقلة مع حذف الزيادة ولكن ينسب ذاكرها إلى الهذر وذكر ما لا يحتاج إليه ~~وهذا في مراسم الجدل كترك السنن والهيئات في العبادات. # ولو كانت العلة تنتقض لو قدر حذف الزيادة والزيادة لا إشعار لها فهي عند ~~المحققين منحذفة غير عاصمة من النقض. PageV02P121 # وذهب القائلون بالطرد إلى قبول هذا ورأوا ذلك أولى من الطرد المجرد من ~~حيث انطوت العلة على فقه على حال ووجه ولصاحب هذه الزيادة درء النقض. ### | 1022- # ونحن نقول: إن كان النقض ينفصل عن محل العلة فذاكر العلة غير آت بتمام ~~العلة ولا يقع الانفصال بالزيادة التي أثبتها والعلة باطلة. # وإن كانت المسألة المعترضة [غير معللة فلا ضير في ذكر الزيادة فإنها ~~منبهة على كون المسألة المعترضة] ملتحقة باستثناء الشارع وقد جرى التنبيه ~~على ذلك. # وتقدم فهذا تمام القول فيما أردناه. ### | 1023- # وعلينا الآن فضل كلام في فصل الأصحاب بين عدم التأثير في الوصف [وعدم] ~~التأثير في الأصل. # فنقول: عد الجدليون عدم التأثير في الوصف قولا في العكس كما تفصل وفسروا ~~عدم التأثير في الأصل بذكر صفة لا تستقل علة وعلة الأصل تستقل دونها والذي ~~نراه أن القسمين ينشآن من الأصل فإن فرض الأصل معللا بعلل [فالعلة] الواحدة ~~لا يتضمن انتفاؤها انتفاء الحكم وهذا منشؤه من تعدد العلة في الأصل وإن ~~اتحدت العلة جر ذلك الانعكاس والقول في ذلك كما مضى. # فوضح أن تقسيم الكلام إلى الأصل والوصف لا حاصل له. ### | 1024- # ونحن الآن نسرد في بسط ms368 المقالات كلاما مجموعا في الخلاف والوفاق حتى ~~يجدها الناظر مجموعة فقد أطلنا [التقرير] بعض الإطالة فنقول: # ذهب شرذمة إلى اشتراط الانعكاس جملة وهذا مذهب مهجور وعلى قلة البصيرة ~~محمول ولست أعدها مقالة معتدا بها فأما التزام الانعكاس مع اتحاد العلة ~~وانتفاء توقيف مانع منه فلا بد. # منه عندنا وقد ذهب ذاهبون إلى أنه لا يلزم لأن إشعار النفي كالمنفى ~~والمقصود طرد خفي لا استقلال له. # والإنصاف في ذلك أن يقال: إنه لا يلزم في الاجتهاد والمطالبة به لا تحسن ~~في الجدل والمعلل إذا ألزم فله الاكتفاء برد الأمر إلى إبهام في المانع من ~~العكس فهذا بيان المقالات في العكس. # PageV02P122 ### | 1025- # فأما ما به قوة عدم التأثير في الأصل فينقسم إلى مخيل وإلى ما لا يخيل. # فأما الصفة المشعرة إذا كانت علة الأصل يستقل دونها الحكم وهي لا تستقل ~~علة فالوجه القطع ببطلانها ومن الجدليين من لم يبطلها. # وإن لم تكن مناسبة [ولا] حاجة فهي من اللغو كما مضى وإن رام المعلل بها ~~دفع نقض فهذا على ما تقدم شرحه فمن الناس من قبله. # والمختار عندنا أن النقض إن كان فقهيا لم تغن هذه الصفة والوجه ذكر الفقه ~~الفاصل بين ما اعترض به وبين محل العلة وإن كان الغرض من ذكرها التنبيه على ~~مسألة غير معللة فهذا مستحسن ولكنه لا يلزم الذكر في الرأي الواضح فهذه ~~مجامع المذاهب وقد نجز بنجازها القول في عدم التأثير و [الخامس] من ~~الاعتراضات: فساد الوضع 1: ### | 1026 - # وهو على أنحاء وأقسام [وحاصل] القول فيه يحصره نوعان. # أحدهما: أن يبين المعترض أن القياس موضوع على خلاف ما يقتضيه ترتيب ~~الأدلة وهذا يشمل فنونا وقد تقدم القول فيها. # أحدها: أن يكون على مخالفة الكتاب، والآخر: أن يكون على مخالفة السنة ~~والكتاب والسنة مقدمان على قياس المستنبط وكذلك القول في الخبر الذي ينقله ~~الآحاد على الصحة المألوفة في أمثالها فخبر الواحد مقدم كما تقدم ذكره. # ومن هذا الفن محاولة الجمع بالقياس بين شيئين فرق بينهما الخبر أو محاولة ~~الفرق بين ms369 شيئين اقتضى الخبر الجمع بينهما. # ولا معنى لتعديد وجوه المخالفات فإنها ترتبط بالتزام عد مقتضيات الشرع ~~ولا معنى للإسهاب بعدها. PageV02P123 # ويكفى فيما نرومه أن القياس إذا خالف وضعه موجب متمسك في الشرع هو مقدم ~~على القياس والقياس مردود فاسد الوضع [فهذا أحد النوعين] . ### | 1027- # والنوع الثاني: أن يقع المعنى الذي ربط القايس الحكم به مشعرا بنقيض قصد ~~القايس وهذا بالغ في إفساد القياس وهو زائد على إفساد القياس على الطرد وقد ~~قدمنا أن الطرد إنما يرد من جهة أنه لا يناسب الحكم ولا يشعر به [فالذي لا ~~يشعر به] بل يشعر بخلافه [أولى] أن يرد وهذا كذكر سبب يشعر بالتغليظ في روم ~~تخفيف أو على العكس من ذلك. # مسألة: ### | 1028- # إذا اعتبر القايس القصاص بالدية في الثبوت على الشركاء حيث يبغى ذلك أو ~~اعتبر الدية بالقصاص في السقوط حين يلتمسه أو قاس الحد على المهر [في طلب ~~الثبوت أو المهر على الحد] في محاولة السقوط فقد أطلق طوائف من الجدليين ~~أقوالهم بفساد القياس صائرين إلى أن العقوبات تدرأ بالشبهات وأروش الجنايات ~~تثبت الشبهات فاعتبار أحد البابين بالآخر فاسد الوضع. ### | 1029- # وسنبين القياس الصحيح باعتبار ما يسقط بالشبهة [بما] لا يسقط بها أو على ~~العكس وهذا أطلقه حذاق في كتبهم. # وليس الأمر عندي كذلك على الإطلاق فإن المهر وإن كان قد يجب مع الشبهة ~~فلا يقضى الشرع بثبوته أبدا ولكنه قد يسقط في بعض الأحوال [وكذلك القصاص] ~~فإن كان يتعرض للسقوط بالشبهة فلا شك أنه [يجب] في بعض الأحوال. # فإذا تعرض القايس لحالة يقتضى حكم الإخالة فيها اجتماع القصاص والدية في ~~السقوط واجتماعهما في الثبوت فقد تعرض جاريا لتبيين الرشاد والسداد وليس ~~يلتزم القايس في التفصيل قياس باب القصاص على باب الدية فلو حاول ذلك لكان ~~مبطلا. # فتحصل من مجموع ذلك أن المتبع في هذا أن اعتبار الباب بالباب مع ~~افتراقهما في أصل الوضع محال متناقض لما عليه وضع الشرع. # وذلك إذا التزم الجامع أن يجب القصاص حيث تجب الدية أو تسقط الدية حيث ms370 ~~يسقط القصاص. # PageV02P124 ### | 1030- # فأما إذا كان القياس جزئيا ناصا على بعض الصور فينظر في الجامع فإن أخال ~~وصح على الطرد حكم بصحته. # وإن لم يخل أو صادف صورة يقتضى وضع الباب مفارقة أحدهما الثاني في صورة ~~الجمع فالقياس فاسد في وضعه. # وعلى هذا النسق لا يطلق القول ببطلان قياس الرخص على الوظائف الثابتة ولا ~~ننكر أيضا عكس ذلك. ### | 1031- # والغرض من مضمون هذه المسألة أن افتراق البابين على الجملة فيما نحن فيه ~~ليس يوجب افتراقهما أبدا بل إن أطلق ذلك فالمراد به الافتراق في خصوص أحكام ~~في صورة معينة فليجتنب الجامع في جمعه محل افتراق البابين وليلزم مع هذا ~~الاجتناب شرائط الأقيسة فهذا الرشد والمسلك القصد. # والسادس- من الاعتراضات- القلب 1: ### | 1032- # وهو ينقسم إلى قلب فيه التصريح بالحكم وإلى قلب وضعه إبهام الغرض. # فأما القلب الصريح: فقد مثله أهل هذا الشأن [بأن] الشافعي إذا قال عضو من ~~أعضاء الطهارة فلا يتقدر الفرض فيه بالربع قياسا على سائر الأعضاء فيقول ~~الحنفي عضو من أعضاء الطهارة فلا يكتفي فيه بما ينطلق عليه الاسم قياسا على ~~سائر الأعضاء وهو مما ظهر فيه الاختلاف. ### | 1033- # فذهب ذاهبون إلى رده وتمسكوا بأن ما جاء به القالب ليس مناقضا ~~PageV02P125 # لمقصود المعلل ومقصود المعلل نفى التقدير بالربع وضده أن يتقدر بالربع ~~فلا يستمكن القالب من ذلك أبدا فإن أصل المعلل والقالب واحد ولا يتصور أن ~~يشهد أصل واحد على التصريح بنقيضين وإن فرض إجزاء ذلك فالأصل يشهد لأحد ~~الوجهين دون الثاني فالقلب إذا حائد عن مقصد المعلل ومحل العلة وهو في حكم ~~معارضة في غير محل التعليل والمعارضة إذا لم تجر على المناقضة المحققة ~~بموجب العلة فهي غير قادحة لوقوعها مجانبة لمقصود العلة. ### | 1034- # ومن قال: إن القلب قادح استدل بأن العلة وقلبها في الصورة التي ذكرناها ~~مشتملان على حكمين لا سبيل إلى الجمع بينهما فإن من يكتفي بالاسم لا يقدر ~~ومن يقدر لا يكتفي بالاسم فإذا كان كذلك فقد تحقق اشتمال العلة والقلب على ~~أمرين لا يتأتى التزام جمعهما على الموافقة فكان ذلك ms371 كالتصريح بالمناقضة. ### | 1035- # ثم للقلب عند القائل به مرتبة على المعارضة من جهة أن العلتين ~~المتعارضتين تعتزى كل واحدة منهما إلى أصل لا يشهد للعلة الأخرى والأصل ~~متحد في العلة وقلبها [فكان ذلك أبين] في التناقض. # ومن أسرار هذا أن القالب لا يأتي بالقلب وهو يجوز كونه متعلقا بما يريده ~~ولو كان رام ذلك لكانت العلة قلبا لما يبغيه فإن كان القلب قادحا من جهة ~~كونه قلبا فعلة الخصم قلب القلب فإذا وضع القالب على الإبطال وهو في حكم ~~معارضة الفاسد بالفاسد وإبانة عدم شهادة الأصل على المراد فالعلة إذا عورضت ~~بأخرى فلا يمتنع ارتباط الحكم بإحداهما للترجيح كما سيأتي مفصلا إن شاء ~~الله تعالى فهذا مغزى قول الفريقين. ### | 1036- # ونحن نقول: ما وقع الاستشهاد به في حكم مسح الرأس باطل [لا] من جهة القلب ~~ولكن من جهة جريان الكلام من الجانبين طردا فإن إطلاق اسم العضو لا يشعر ~~بمقصود المعلل ولا مقصود القالب فخرج الكلامان عن رتبة الإشعار ووقعا ~~طردين. # فإن قيل: إن لم [يستد] القياس المعنوي فهلا قدر أحد الكلامين شبها وهلا ~~قدرا شبهين متعارضين قلنا ما نرى الأمر كذلك فإن أعضاء الوضوء غير متشابهة ~~لا في أقدار محل الفرض ولا في كيفية تأدية الفرض إذ بعضها مستوعب وبعضها ~~غير مستوعب وبعضها مغسول وبعضها ممسوح. # فإذا قال القائل: عضو من أعضاء الطهارة فلا يتقدر فرضه بالربع فليس. # PageV02P126 # الذي جاء به من الشبه في شيء إذ ليس في عضو من الأعضاء ما ينافى تقديرا ~~وإنما لها أوضاع في الشرع وفاقية وهي في وضع الشرع على التقارب فمن يبغى ~~شبها في التسوية في نفي أو إثبات فليس كلامه واقعا في مظنة التشبيه. # فإن عاود معاود بأن الأعضاء الثلاثة التي هي أصل القياس متساوية في عدم ~~التقدير بالربع والمطلوب التشبيه في هذه الخصلة قيل له: هي وإن لم تتقدر ~~ففرضها مختلف الأقدار في وضعها فلم يتأصل فيها شبه في ثبوت ولا نفى وما ~~[يتخيله] القائل على بعد يصادمه ما تقرر من وقوع فرائضها ms372 على التفاوت في ~~الشرع والمتمسك بما لم يقع في جميعها لا حاصل له إذ لم يقع في الوجه ~~واليدين ما وقع في الرجلين ولم يقع في الرجلين ما وقع في الوجه واليدين لما ~~ذكرناه من ابتناء الأصل على التفاوت فلم [يمنع أن] يتفق الربع في الرأس ولا ~~يقع في سائر الأعضاء. ### | 1037- # نعم، لو قال القائل: ورد ذكر الرأس محلا للمسح وثبت بالسنة المأثورة أن ~~الاستيعاب غير واجب ولم يثبت توقيف في مقدار والتقدير استنباط واعتبار ~~[والتحكم] به محال فيبقى اسم المسح مطلقا مع بطلان المصير إلى طرفي ~~الاستيعاب والتقدير فيتعين والحال هذه حمله على أقل مقتضيات الاسم. # فهذا مسلك حسن بالغ في المسألة ولكنه ليس من القياس بسبيل وإنما هو متلقى ~~من الكتاب والسنة وإبطال [الاحتكام] بالتقدير فليس قياسا ولا يستقل في هذا ~~الطريق ظاهر الكتاب ولا يقتضى ما نقل أن النبي عليه السلام مسح بناصيته ~~وظاهر عمامته ولا يختص إبطال مذهب الخصم في التقدير بل لا بد من التعرض ~~لإبطال اشتراط الاستيعاب بالسنة وإبطال التقدير وإذا بطلا وانحسم جواز فهم ~~كل واحد منهما من ظاهر الخطاب لم يبق للمسح مصرف إلا التنزيل على أقل مقتضى ~~التسمية. # وأين يقع هذا من القياس؟ وإنما هو مسلك بدع جدا لا يعهد له نظير. ### | 1038- # فإن قيل لو قدر التعليل الذي ذكرتموه مثلا مخيلا مناسبا وقدر القلب ~~مناسبا في غرضه فماذا كنتم تقولون قلنا هذا أولا لا يتصور فليثق الفاهم ~~بهذا فإن الأصل الواحد لا يجوز أن يدل على حكمين نقيضين ويشعر بكل واحد ~~منهما. # وإذا كان لا يتفق وقوع الشيء فلا معنى لتقدير بفرض الكلام عليه فإن كانت ~~إخالة فإنها تختص بالعلة ويقع القلب طردا ويختص بالقلب وتقع العلة طردا ثم # PageV02P127 # يبطل ما وقع طردا ولا معنى والحالة هذه لابتغاء مسلك في البطلان وراء ما ~~ذكرناه فإن الطرد ليس على صيغ الأدلة حتى يتوقع فيه اعتراض وإنما هو دعوى ~~عرية بمثابة دعوى المذاهب. ### | 1039- # ولو تكلف متكلف في محال الأشباه استمساك المعلل والقالب بوجهين ms373 من الشبه ~~يطابق في طريق الظن كل وجه من الشبه مراد صاحبه في الوجه الذي أبداه معللا ~~أو قالبا. # فهذا إن تشبثوا به موضع الكلام وتلتبس به الحظوظ المعينة بالمراسم ~~الجدلية فلا يشك ذو نظر أن القلب لا يعارض العلة معارضة المضادة ومناقضة ~~النفي للإثبات بل يقع القلب للعلة في طرفين فيتجه من طريق الجدل إذا كان ~~المسئول هو المقلوب عليه أن يقول للسائل: لم تتعرض لمقصود علتي؟ وأنت محمول ~~على حصر كلامك في الاعتراض على مساق كلامي ممنوع عما يكون فرضا وتخصيصا ~~للكلام بجانب من جوانب المسألة فهذا وجه لائح من وجوه الجدل. ### | 1040- # وإن قال السائل: اتباع المقاصد أولى من التمسك بالصيغ والألفاظ فالعلة ~~وقلبها يعسر الجمع بينهما مذهبا ومعنى والمعارضة المناقضة على التصريح إنما ~~كانت اعترافا من جهة استحالة الجمع بينها وبين العلة وإذا تحقق عسر الجمع ~~بين مقتضى العلة وموجب القلب كان القلب في وجه قدح المعارضة كالمعارضة. # وقد تحقق هذا النوع من الكلام بأن المجتهد إذا استنبط علة لعمل أو فتوى ~~وعن له وجه من القلب فلا يحل له إمضاء الاجتهاد بموجب العلة [ما لم] يدفع ~~القلب وإذا كان كذلك فشرط سلامة العلة السلامة من القلب والمسئول قد التزم ~~الإتيان بعلة سليمة من الاعتراضات فعليه الوفاء بالملتزم ويقع القلب على ~~هذا التقدير مطالبة بتسليم العلة عما يقدح فيها. # وإذا اتجه هذا المسلك المعنوي لم تقف له تلفيقات الجدليين. ### | 1041- # ومما يحقق الغرض والمقصد منه أن منصب السائل في وضع الجدل يمنعه من ~~الدليل ويحصر كلامه في التعرض للاعتراضات ثم إذا عارض علة المسئول بعلة فهو ~~في مقام المستدلين ولكن قبل ذلك لوقوع ما أتى به اعتراضا. ### | 1042- # فهذا منتهى كلام الجدليين وأصحاب المعاني من الأصوليين ولى بعد # PageV02P128 # المسلكين نظر آخر وهو مختاري. # فأقول: إن كان مضمون القلب تعرضا لطرد لا يناسب مضمون العلة من طريق ~~المعنى ولكن اتفق مذهب الخصم في الطرفين على مقتضى في نفي أو إثبات ولا ~~يمتنع أن يفرق بينهما فارق فيثبت أحدهما وينفى الثاني ms374 ولكن القائل قائلان ~~أحدهما: يثبت أمرا والثاني: ينفيه ولو قدر مصير صائر إلى إثبات أحدهما: ~~ونفى، الثاني: لم يكن ذلك متناقضا فإذا وقع القلب والعلة على هذا النسق ~~فالقالب فارض وقلبه غير قادح [لا] جدلا ولا معنى إذ لا تعلق لواحد من ~~الطرفين بالثاني وكأن المسئول فرض الكلام في طرف وفرض السائل الكلام في طرف ~~آخر وهذا ممنوع لا شك فيه. # ويمكن أن نمثل [هذا] بما قدمناه في العلة والقلب في مسح الرأس لو أخذنا ~~بكونهما شبهين فإن المعلل قال في حكم علته: لا يتقدر الفرض بالربع وقال ~~القالب: لا يكتفى بالاسم [ولا يمتنع من طريق المعنى ألا يتقدر بالربع ولا ~~يكتفى بالاسم] وهذا يقوى جدا إذا صح مذهب معتبر غيرهما. # والأمر كذلك في المسح فإن مالكا رضي الله عنه أوجب الاستيعاب فلا ينتهض ~~اتفاق مذهبي [الخصمين] في الطرفين على نفي وإثبات سببا في توجه الاعتراض ~~إذا لم يكن الكلام في وضعه قادحا. # فأما إذا كان في القلب تعرض من طريق المعنى لمناقضة مقتضى العلة أصلا ~~وسياقا وتفريعا فهذا إذ ذاك قدح من جهة تلاقي العلة والقلب على قضية ~~التناقض ضمنا وإن لم يتلاقيا صريحا. # وهذا بمثابة قول القائل: مكث في محل مخصوص فلا يكون قربة لعينه كالوقوف ~~بعرفة وغرض المعلل اشتراط الصوم في الاعتكاف ولكنه لم يستمكن من اشتراط ذلك ~~صريحا لأنه لو صرح به لم يجد أصلا. # فإذا قال الشافعي: مكث فلا يشترط في وقوعه قربة صوم كالوقوف بعرفة فهذا ~~القلب لم يتعرض للعلة تعرضا بينا فكان قادحا. ### | 1043- # والقول الضابط في ذلك أن قول القائل لا يستقل بإثبات مذهبة من جهة أنه لا ~~يكتفى بانضمام كل عبادة إلى الاعتكاف ولكن لم يتأت له التصريح فأبهم. # PageV02P129 # وأثبت طرفا من المذهب فإذا استمكن القادح تصريحا في مصادمته فيما [شبب] ~~به تلويحا كان ذلك قدحا معينا. # - 1044وفي القلب شيء يجب التنبه له وهو أن الصوم عبادة مستقلة فوقوعها ~~شرطا بعيد وهي عبادة معينة في ذاتها والخصم لا يكتفي بانكفاف المعتكف عن ms375 ~~المفطرات حسب اكتفاء المصلي الصائم بالإمساك والذي وقع القياس عليه لا ~~يشترط فيه قربة مستقلة بل هو ركن من عبادة فكان لزوم القلب متجها. # - 1045ولو علل الشافعي بما ذكرناه على صيغة القلب فقال: مكث في مكان ~~مخصوص فلا يشترط في وقوعه قربة صوم كالوقوف بعرفه. # فقال الحنفي: فلا يقع بمجرده قربة كالوقوف بعرفة فهذا معترض لعله الشافعي ~~من جهة أن متضمن القلب [إنكار] وقوع المكث المحض قربة فعلى الشافعي أن يدرا ~~هذا القلب ودرؤه ممكن بأن يقول الوقوف جزء في عبادة وليس الاعتكاف من الصوم ~~ولا الصوم من الاعتكاف إذ ليسا عبادة واحدة واشتراط عبادة في عبادة بعيد ~~خلا الإيمان فإنه أصل ولا يعقل ملابسة فرع دونه وليس القلب في صورته [مبطلا ~~إبطالا] لا يستدرك كالنقض فإنه لا ينفع بعد اتجاهه فرق ولا تعليل فإن القلب ~~وإن اتجه فهو في معرض المعارضة وإذا عورضت علة المجيب وتمكن من إبطال ما ~~عورض به وترجيح علته سلمت العلة واندفعت المعارضة. # فهذا منتهى الكلام في القلب المصرح به. ### | 1046- # فأما القلب المبهم فينقسم قسمين: # أحدهما: إبهام في غير تسوية. # والآخر: إبهام بالتسوية. # فالإبهام من غير تسوية مثل أن يقول الحنفي صلاة شرع فيها الجماعة فلا ~~يثنى فيها الركوع في ركعة واحدة قياسا لصلاة الخسوف على صلاة العيدين فيقول ~~القالب فجاز أن تختص بزيادة كصلاة العيدين إذ فيها تكبيرات زائدة فهذا قلب ~~مبهم. ### | 1047- # والقاضي رحمه الله قضى بإبطال هذا القلب وذكر وجوها [نسردها] ونتتبعها. # PageV02P130 # منها: أنه قال: هذا الذي ذكره القالب ينقلب عليه فإن المعلل يقول: لا ~~تختص بزيادة وهي ركوع وإذا كان كذلك فالقلب لو كان فادحا لوجب أن يفسد من ~~حيث يقدح إذا أمكن قلب القالب وإذا فسد لم ينقدح. # وهذا الذي ذكره غير سديد فإن هذا الذي فرضه قلبا للقلب هو إعادة العلة ~~وليس أمرا زائدا عليها ولا قلب في عالم الله تعالى إلا وهو بهذه الصفة وغرض ~~القالب أن يورد ما يقتضي تعارضا وإذا ذكر المعلل علته في معرض القلب فهو ms376 ~~[مقرر] لوجه التعارض وهو القادح وهو بمثابة ما لو عورضت علته بعلة أخرى ~~فأعاد المجيب علته على صيغة المعارضة لما عورض به فثمرة هذا اعترافه بتعارض ~~العلتين. ### | 1048- # ومما تمسك به القاضي أن قال: المصرح مرجح على المبهم فلو قدر القلب ~~معارضة لوجب سقوطه من جهة [ظهور ترجح الصريح] عليه. # وهذا غير سديد أيضا فإن ما ذكره إن كان وجها في الترجيح فقد يعارضه ترجيح ~~أقوى منه فرب مبهم أفقه من صريح فلا ينبغي أن يحتكم بتقديم كل صريح على كل ~~مبهم ويرد الأمر في هذا إلى منازل الترجيح وفي المصير إلى هذا قبول القلب ~~والنظر إلى الترجيح. ### | 1049- # ومما تمسك به القاضي أيضا أن قال: المبهم قاصر النظر والمصرح تام النظر ~~ولا يعارض نظر قاصر نظر تاما فإن النظر القاصر لا يناط به حكم. # وهذا تلبيس من جهة أن القالب ناط بقلبه ما يجوز أن يكون معتقدا مستقلا ~~ومذهبا تاما في النفي والإثبات وإنما يقصر الاجتهاد [مالا] يشعر بمذهب تام ~~مستقل ثم غرضه [مما] أتى به القدح فإذا ظهر ما أتى به القادح تلاقي القلب ~~والعلة علي قضية المناقضة فقد ظهر غرض القادح. ### | 1050- # فإن قيل: فما المرضي عندكم؟. # قلنا: قدمنا أنه لا يجري في مواقع الظنون علة وقلبها إلا وهما طرديان أو ~~أحدهما طردي وإن كانا معنويين فلا تلاقي بينهما بل يقعان في طرفين لا يمنع ~~إثبات أحدهما ونفي الثاني فإن تلاقيا على قضية متناقضة فلا بد أن يكونا ~~طردين أو يكون أحدهما فقهيا والثاني خليا عن الفقه. # نعم، قد يفرض الفطن في مجال الأشباه اشتمال كل واحد منهما على شبه # PageV02P131 # فإن اتفق ذلك فالقلب وإن كان مبهما إذا ناقض فقد عارض فتعين الاعتناء ~~بدفعة بما يندفع به معارضة العلة فهذا قسم من الإبهام في القلب. ### | 1051- # فأما القسم الثاني:- وهو قسم التسوية- فمثاله أن يقول الحنفي في طلاق ~~المكره مكلف قاصد إلى لفظ الطلاق فأشبه المختار. # فإذا قال الشافعي: فيستوي إقراره وإنشاؤه كالمختار فهذا الفن مختلف فيه ~~وكل ما ذكرناه في القلب المبهم ms377 الذي لا تسويه فيه يعود في ذلك فإن التسوية ~~لا بد فيها من الإبهام وقد أخذ فصل الإبهام [بحظه] . # ولقالب التسوية مزية مزيد يتعرض لها فإن الشيئين اللذين سوى القالب ~~بينهما لو فصل غرضه فيهما لكان مطلوبه مناقضا لحكم الأصل فإن الشافعي ~~[يبغي] بالتسوية بين إقراره وإنشائه ألا يقع الإنشاء ولا ينفذ في الفرع كما ~~لا ينفذ الإقرار وهما جميعا نافذان في الأصل. # فصار صائرون ممن يقبل القلب المبهم إلى رد التسوية لهذا المعنى. ### | 1052- # والأستاذ أبو إسحاق رحمه الله يختار قبول قلب التسوية ويقول: غرض القالب ~~التسوية المبهمة وهي على قضية معقولة معتقدة وإذا ثبتت جرت على المسائل ردا ~~وقبولا. # وبيانه فيما ضربناه مثلا: أن الإقرار والإنشاء يظهر تساويهما على تعين ~~المثارات ويستفيد بإثباتهما أمرا واقعا في الإقرار فاتجه مراده [ولا ~~احتفال] بما ذكره الرادون من مناقضة الأصل إذ لا مناقضة في مقصود التسوية. # والأمر على ما ذكره الأستاذ أبو إسحاق وهو الحق المبين عندنا ولكن القالب ~~في الصورة التي ذكرناها أراه طاردا فإن التقييد بالتكليف لا أثر له إذ ~~يستوي من غير المكلف إقراره وإنشاؤه طاردا ووجه قبول التسوية استرسالها على ~~عموم الأحوال فلينظر الناظر في منازل القلب نظرا أوليا في الطرد والإخالة ~~ثم لينظر ثانيا في التلاقي على التناقض وعدم التلاقي وليحصر إمكان القلب إن ~~كان في ملتطم [الأشباه] ثم ليعقده مبهما كان أو مصرحا به وليتكلم عليه ~~كلامه على المعارضات وتندرج التسوية تحت المبهمات وقد نجز القول في القلب. # PageV02P132 # والسابع - من الاعتراضات -: المعارضة 1. ### | 1053- # فإذا نصب المجيب علة التحريم فأتى السائل المعترض بعلة في التحليل كان ما ~~جاء به اعتراضا صحيحا في نوعه ثم هو مقبول منه في رسم الجدل. # وذهب بعض الجدليين إلى أن المعارضة غير مقبولة من السائل لأنه ينتهض ~~مستدلا. # والذي تقتضيه مراسم الجدل أن يحصر السائل كلامه في الاعتراضات المحضة ~~والعلة التي عارض بها على صيغة الأدلة والسائل يحتاج في الوفاء بإثباتها ~~إلى تقرير علتها بالأدلة فان القياس لا يستقل إذ ثبتت علة أصله ms378 [بمسلك] من ~~المسالك المتقدمة في إثبات علل الأصول وإن لم يأت السائل بذلك كان ما جاء ~~به أمرا غير مثمر وإن أثبت علة الأصل [مصورة] بصورة [البانين] وخرج عن رتبة ~~السائلين الهادمين. ### | 1054- # وهذا مسلك ضري به طوائف من المنتمين إلى الجدل وهو عرى عن التحصيل عند ~~ذوي التحقيق من وجوه. # منها: أن المعارضة اعتراض من جهة أن العلة التي تمسك بها المجيب لا تستقل ~~ما لم يسلم عنها وقد حصل الوفاق على تسليم الاعتراض للسائل وهو لم يبد ~~العلة ثانيا مثبتا لمذهبه وإنما أبداها معترضا بها والذي حاول منها في ~~الاعتراض محقق [كائن] فليسغ منه المعارضة اعتراضا. # والذي يكشف الحق في ذلك أن المجيب لما كان بانيا فلو عارضت علته علة عسر ~~عليه إفسادها وترجيح علته على ما عورض به كان ذلك مبطلا لغرضه والسائل إذا ~~عارضه لا يلتزم وراء المعارضة إفسادا ولا ترجيحا لأنه جرد قصده إلى ~~الاعتراض فتبين أن ما أتى به اعتراضا فهو اعتراض واقع وإنما [الممتع] من ~~السائل أن يعارض ويضم إلى المعارضة الترجيح أو أفسادا وراء المعارضة كدأب ~~من يبني ويثبت هذا إن فعله كان مجاوزة لمراسم الجدل. PageV02P133 ### | 1055- # ومن الدليل على قبول [العلة و] المعارضة أن المجيب التزم إذ نطق بالعلة ~~[تصحيحها] والوفاء بإتمام هذا الغرض منها [في مسلك الظن] ولن يتم هذا الغرض ~~ما لم تسلم العلة عن المعارضة ولو قيل أظهر الاعتراضات وأكثرها وقوعا ~~المعارضات في تقابل الظنون لكان ذلك ترجيحا فالمقصود أنه لا يتطرق الكلام ~~ما لم يغلب على الظن ثبوت علة المجيب ومن ضرورة ذلك درء المعارضات عنها ~~والسائل مرتب في مراسم النظر لإيراد ما يقدح لو ثبت فإذا فعل ما رتب له ~~شيئا تصدى المجيب لدفعه والجواب عنه فيكونان متعاونين على البحث اعتراضا ~~وجوابا. # والذي ذكره هؤلاء [من] أن السائل ممنوع من الإتيان بصورة الدليل لا طائل ~~وراءه فإن صورة الأدلة ما امتنعت من حيث إنها تسمى أدلة وإنما امتنعت إذا ~~كان السائل مضربا عن قصد الاعتراض آتيا بكلام على ms379 الابتداء ليس اعتراضا ~~فهذا يخرم شرط الجدل من جهة أن السائل إذا كان كذلك مع المسئول لا يتلاقيان ~~على مباحثة والغرض من المناظرة التعاون على البحث والفحص. ### | 1056- # وبالجملة إذا كان يقبل من السائل اعتراض لا يستقل في نوعه كلاما فلأن ~~يقبل منه كلام ينقدح ويستقل اعتراضا أولى. # ولم يختلف أرباب النظر قاطبة في أن المجيب إذا تمسك بظاهرة فللسائل أن ~~يؤوله فإذا كان التأويل مقبولا منه فمن ضرورته اعتضاده بدليل وإذا جاء بما ~~يعضد التأويل فهو دليل فإن قبل من جهة كونه عضد التأويل الواقع اعتراضا ~~فليقبل معارضة القياس بالقياس على قصد الاعتراض وإن تشبث متشبث بمنع قبول ~~التأويل من صاحب التأويل فقد تصدى لأمرين عظيمين: # أحدهما: أن يقبل التأويل منه من غير دليل وهذا خرق فإن المستدل معترف ~~بتوجه التأويل [وإمكانه] مقر بأن متمسكه ظاهر وليس بنص فهذا أحد الأمرين. # والثاني: أن يفسد باب التأويل على السائل ويتوخى المناظرة بذكر المسئول ~~ظاهرا وهذا اقتحام عظيم وأن التزم السائل أن يعارض الظاهر بالظاهر فقد ~~يقدمه [في هذا المقام] ثم في هذا اعتراف بقبول المعارضة فليجر مثله في ~~الأقيسة. ### | 1057- # فإذا تبين أن المعارضة من أقوى الاعتراضات الصحيحة المفسدة فالجواب عنها ~~ينحصر في مسلكين: # PageV02P134 # أحدهما: أن يتصدى المجيب لإفساد ما عورض به بمسلك من المسالك المذكورة في ~~الاعتراضات الصحيحة. # والثاني: أن يرجح علته على ما عورض به على ما سيأتي شرح قواعد الترجيح ~~وتفاصيلها في كتاب الترجيح إن شاء الله تعالى. # فإذا لم يتأت أحد المسلكين كان منقطعا. ### | 1058- # ومن أسرار المعارضات أنه إذا غلب على الظن استواء العلتين فسدتا فلو قال ~~قائل: ترجيح السائل غير مقبول ابتداء وانحسام الترجيح يفسد ما جاء به وليس ~~بين هذين المسلكين مسلك. # قيل: هذا منتهى غرض السائل ومنه قال المحققون معارضة الفاسد بالفاسد ~~اعتراض صحيح وعند ذلك يتبين تحقيق المعارضة الصادرة من السائل إذ غرضه ~~الإفساد المحض لا البناء. ### | 1059- # ثم مما يتصل بأحكام المعارضة أن المجيب إذا رجح علته لم ينحسم على السائل ~~مسلك معارضه الترجيح ms380 بالترجيح فليفعل ذلك وليجرد قصده إلى طلب المساواة ~~فإنها إذا ثبتت فسد بها كلام المسئول ومن خرق السائل أن يتشوف إلى الزيادة ~~على قصد المساواة فإنه إذا فعل ذلك كان ذاهبا إلى مضاهاة قول البانين ولا ~~يبعد أن ينسب فيه إلى الجهل بمراسم الجدل. # فلو ذكر المسئول ترجيحا فعارضه السائل بترجيحين وفي أحدهما كفاية في طلب ~~المساواة فهو مجاوز لسواء القصد وإن عارض بترجيح واحد [ولكنه أوقع] من كلام ~~المسئول فهذا يقبل منه فإنه قد لا [يجد] غيره ومنعه من الإتيان به يمنعه من ~~معارضة العلة بعلة أجلى منها وأظهر في بوادي الظنون. # والسبب في قبول هذا الفن أن ما في الترجيح من مزية القوة والظهور لا يمكن ~~قطعه من الكلام وهو إذ جيء به اعتراض فليقبل اعتراضا إذ لم يقبل بناء ~~وابتداء فهذا منتهى الكلام في ذلك. ### | 1060- # ومما يتعلق بالمعارضة وهو مفتتح القول في الفرق أن السائل إذا اقتصر على ~~معارضة علة الأصل بعلة أخرى [بحكم الأصل ولم] يأت بعلة مستقلة ذات فرع وأصل ~~على ما نعهده من صيغ التعليل فهذا يستند أولا إلى ما سبق تمهيده من أن. # PageV02P135 # الحكم الواحد هل يعلل بعلتين؟ وقد مضى في ذلك قول بالغ. # فمن لم يمنع تعليل حكم بعلتين لم يعتد بما جاء به السائل اعتراضا من جهة ~~أن ثبوت ما أورده السائل [علة] منتهى مراده ولو سلم له ما يحاوله لم يندفع ~~دليل المسئول وقد ذكرنا ما نختاره في ذلك وأنهينا الكلام غاية انفصل القول ~~عنها مع القطع بأن الحكم الواحد لا يعلل بعلتين فليقع التعويل على المختار ~~ووراءه عرض الفصل فإنا رأينا امتناع ذلك وقوعا وإن كان لا يمتنع من ناحية ~~التجويز العقلي فينشأ من ذلك قضية جدلية لطيفة مشوبة بحقائق الأصول. # مسألة: ### | 1061- # إذا قبلنا من السائل معارضة العلة بالعلة المستقلة فلو عارض علة الأصل ~~التي جعلها المسئول رابطة القياس بعلة أخرى وزعم أن العلة ما أبداها معترضا ~~لا ما أتى به المعلل جامعا رابطا فمن الجدليين من يرى ذلك ms381 اعترضا واقعا ~~وأوجب على المجيب الجواب عنه ومنهم من لم يره اعتراضا فالمذهبان جميعا في ~~المسألة المعقود مبنيان على منع تعليل الحكم بأكثر من علة واحدة. ### | 1062- # فأما من رأى ذلك اعتراضا فوجهه أن من شرط سلامة علة الخصم عروها عن ~~المعارضة من جهة امتناع [تعدد] العلة فإذا أبدى المعترض علة أخرى فقد عارض ~~معارضه يمتنع معها لو صحت تقديرا ثبوت علة المجيب كما يمتنع ذلك في العلتين ~~المستقلتين الجاريتين على التناقض في التعارض. # وحقيقة هذا المذهب آيل إلى أن المعلل لا يستقل كلامه ما لم يبطل بمسلك ~~السبر كل ما عدا علته مما يقدر التعليل به فإذا علل ولم يسبر فعورض في معنى ~~الأصل بعلة فكأنه طولب بالوفاء بالسبر وتتبع كل ما سوى علته بالنقض. ### | 1063- # ومن لم ير ذلك اعتراضا استدل بأن إبداء معنى آخر من المعارض على صورة ~~دعوى عرية عن الدليل وقد سبق المسئول في إثبات معنى أصله بالدليل إما ~~معتنيا به بعد طرد العلة ومضمنا ذلك علته من جهة إشعارها ووفقها وإخالتها ~~والسائل إذا أبدى معنى غير مقرون بدليل على تهيئة وصلاحه لكونه علة للحكم ~~فصيغة كلامه معارضة كلام مدلول عليه بدعوى فهذا القائل لو أبدى المعنى ~~وقرنه بما يعد دليلا على إثبات المعنى كانت معارضة مقبولة ويتعين إذ ذاك ~~على المسئول الجواب عنه. # PageV02P136 ### | 1064- # فيرجع مطلب المسألة المبينة على امتناع تعليل الحكم بعلتين فصاعدا إلى ~~أنا هل نوجب على المعلل بعد إثباته [علته] التتبع والسبر أم لا؟ وذلك يجري ~~وكلام السائل دعوى محضة ولو أتى السائل بدليل على ما أبداه من معناه فيتعين ~~الجواب عنه على هذا الأصل وهذه المسألة التي ذكرناها متصلة بالمعارضة ~~وتحقيقها [يعود] في الفرق وحقائق القول فيه. # PageV02P137 ### | فصل: في الفرق # 1. ### | 1065- # فأما الفرق فقد ظهر خلاف أرباب الجدل [فيه] قديما وحديثا فذهب ذاهبون إلى ~~أنه ليس باعتراض وسبق إليه طوائف من الأصوليين وذهب جماهير الفقهاء إلى أنه ~~من أقوى الاعتراضات وأجدرها بالاعتناء به فأما من لم يعده اعتراضا مقبولا ~~فإن متعلقه وجوه. # منها: أن ms382 الجامع لم يلتزم بجمعه مساواة الفرع للأصل في كل القضايا وإنما ~~مغزاه ومنتهاه إثبات اجتماع الأصل والفرع في الوجه الذي يبغيه فإذا استتب ~~له ما يريده من ذلك وينتحيه وكان وجها يعترف به الفقيه في قصد الجمع ~~ويرتضيه فالفرق يقع وراءه وهو قار على حاله وصاحب الجمع معترف بأنه غير ~~ملتزم اجتماع الفرع والأصل في كل ورد وصدر وكل سؤال استمكن المعلل من ~~الاعتراف بمقتضاه مع الاستمرار على مقصده من العلة فليس قادحا وإنما ~~الاعتراض القادح ما يرد مناقضا لمقصود المسألة نعم إن تمكن من [وقف موقف ~~الفارقين] من إبطال الجمع فذاك السؤال اعتراض مقبول وليس فرقا وإنما يتحقق ~~هذا بان يخرم ما جاء به المعلل زاعما أنه مناسب مخيل فيتبين أن الذي تعلق ~~به غير مشعر بالحكم ويلتحق كلامه بالطرد المقضي ببطلانه فإذا تمكن السائل ~~من ذلك فلا حاجة به إلى الفرق وإنما الفرق هو الواقع بعد سلامة فقه الجمع ~~فينبغي ألا يلتزم لما سبق من أنه غير مناقض لمقصود المعلل. PageV02P137 ### | 1066- # وذهب معظم المحققين إلى قبول الفرق وعده من الأسئلة الواقعة. # واحتج القاضي رحمه الله بأن متبوعنا في الأقيسة والعمل بها وما درج عليه ~~الأولون قبل ظهور الأهواء واختلاف الآراء ولقد كانوا يجمعون ويفرقون وثبت ~~اعتناؤهم بالفرق حسب ثبوت تعلقهم بالجمع وقد ثبت ذلك في وقائع جرت في مجامع ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. # منها: القصة الجارية في إرسال عمر بن الخطاب1 رضي الله عنه رسوله وتحميله ~~إياه تهديد مومسة وإجهاضها بالجنين لما بلغها الرسالة ثم أنه رضي الله عنه ~~جمع الصحابة واستشارهم في الجنين فقال عبد الرحمن بن عوف2 رضي الله عنه: ~~إنه مؤدب ولا أرى عليك بأسا، فقال علي3 رضي الله عنه: إن لم يجتهد فقد غشك ~~وإن اجتهد فقد أخطأ أرى عليك الغرة. # قال القاضي رحمه الله: كانوا رضى الله عنهم لا يقيمون مراسم الجمع ~~والتحرير ويقتصرون على المرامز الدالة على المقاصد فكأن عبد الرحمن بن عوف ~~رضي الله عنه حاول تشبيه تأديبه بالمباحات ms383 التي لا تعقب ضمانا وجعل الجامع ~~أنه فعل ما له أنه يفعله. # فاعترض عليه علي رضي الله عنه وشبب الفرق وأبان أن المباحات المضبوطة ~~النهايات ليست [كالتعزيرات] التي يجب الوقوف فيها دون ما يؤدى إلى إتلافات. # ولو تتبع المتتبع مناظرات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل ~~الجد وغيرها من قواعد الفرائض لألفى معظم كلامهم في المباحثات جمعا وفرقا ~~ويهون على الموفق تقدير جريان الجمع والفرق من الأولين مجرى واحدا في طريق ~~النقل المستفيض. ### | 1067- # فهذا كلام القاضي ولا يتبين مدرك الحق إلا بتفصيل نبديه وفيه تبين ~~PageV02P138 # مدرك الحق في الفرق. # فنقول: رب فرق يلحق جمع الجامع بالطرد وإن كان لولاه لكان الجمع فقهيا ~~فما كان كذلك فهو مقبول لا محالة غير معدود من الفروق التي يختلف فيها ومن ~~آية هذا القسم أن الفارق [يعيد] جمع الجامع ويزيد فيه ما يوضح بطلان أثره ~~ومثال ذلك أن الحنفي إذا قال في مسألة البيع الفاسد معاوضة جرت على تراض ~~فتفيد ملكا كالصحيح فيقول الفارق المعنى في الأصل أنها معاوضة جرت على وفق ~~الشرع [فنقلت] الملك بالشرع بخلاف المعاوضة الفاسدة فينتهض هذا الكلام إذا ~~وفي صاحبه بتحقيقه مبطلا إخاله كلام المعلل وما أدعاه من إشعاره بالحكم ~~فهذا النوع مقبول ومن خصائصه إمكان البوح منه بالغرض لا على سبيل الفرق بأن ~~يقول السائل: لا تعويل على التراضي بل المتبع الشرعي في الطرق الناقلة إلى ~~حد ما يعرفه الفقيه. ### | 1068- # ومما يقع مدانيا لهذا أن الحنفي إذا قال طهارة بالماء فلا تفتقر إلى ~~النية كإزالة النجاسة فالفارق يعيد كلامه ويزيد قائل: المعنى في الأصل أنها ~~طهارة بالماء عينيه والوضوء طهارة حكمية ومقصودة أن [يخرم] فقه الجامع ~~ويلحقه بالطرد. # وهذا محطوط عما استشهدنا به أولا من جهة أنا نرى مدار الكلام في هذه ~~المسألة على الأشباه وقد يظن الحنفي أن الطهارة بالماء أشبه بالطهارة ~~بالماء والفارق يدعى مسلكا فقهيا وإنما يبغي تشبيها ومدار الكلام في ~~المسألة الأولى على اتباع التراضي أو اتباع الشرع فليفهم الفاهم ما ms384 يلقى ~~إليه من حقائق الكلام. ### | 1069- # ومما نجريه مثلا أن المالكي إذا قال الهبة عقد تمليك فيترتب على صحة ~~الإيجاب والقبول فيها الملك [كالمعاوضة] فإذا قال الفارق: المعاوضة متضمنها ~~النزول عن المعوض والرضا بالعوض وذلك يحصل بنفس العقد والتبرع عقد لا ~~يقابله عوض فيشترط فيه [الإقباض] المشعر بنهاية الرضا [لم يكن هذا الفرق ~~مبطلا بالكلية فقه الجمع ولكن سره أن الجامع أبدا يجمع بوصف عام] والفارق ~~يفرق بوجه خاص فإن لم يبطل ما أبداه من خصوص الفرق في عموم الجمع فهذا مما ~~تنازع فيه الأصوليون وإن أبطل فقه الجمع فلا شك في كونه اعتراضا. # PageV02P139 ### | 1070- # ثم الفرق والجمع إذا ازدحما على فرق فاصل في محل النزاع فالمختار فيه ~~اتباع الإخالة فإن كان الفرق [أخيل] أبطل الجمع وإن كان الجمع [أخيل] سقط ~~الفرق وإن استوى أمكن أن يقال: هما كالعلتين المتناقضتين إذا ثبتا على صيغة ~~التساوي وأمكن أن يقال: الجمع مقدم من جهة وقوع الفرق بعده غير مناقض له ~~والجامع يقول: لم ألتزم انسداد مسالك الفرق كما ذكره الذين ردوا الفرق ~~فالأوجه اتجاهه ووجوب الجواب عنه. ### | 1071- # فإن قيل: هلا قلتم: الفرق يشتمل على معارضة معنى الأصل ثم معارضة العلة ~~بعلة مستقلة في جانب الفرع فهو على التحقيق سؤالان؟ قلنا: قد قال بقبول ~~المعارضة كل معتبر عليه معول ومضى في معارضة معنى الأصل ما فيه مقنع ~~والكلام في الفرق وراء ذلك فإنه ينتظم من مجموع كلام الفارق فقه يناقض قصد ~~الجامع وهو خاصية الفرق وسره ومن رد الفرق لا يرد المعارضة بل يرد خاصية ~~الفرق. ### | 1072- # وحاصل القول في مذاهب الجدليين يئول إلى ثلاثة مذهب: # أحدها: رد الفرق جملة وإنما يستمر هذا المذهب مع المصير إلى رد المعارضة ~~في جانبي الأصل والفرع جميعا وخاصية الفرق مردودة هذا عند القائل بما سبق ~~تقريره من أن الجامع إذا استمر جمعه لم يحتفل بالافتراق في وجه لم يقع له ~~التعرض ورد الفرق على الإطلاق يستند إلى إبطال المعارضة في الأصل والفرع ~~وعدم المبالاة بوقوع الفرق من وجه بعد ms385 استمرار الجمع من الجهة التي أرادها ~~الجامع. # فهذا مذهب وهو عند المحصلين ساقط مردود. ### | 1073- # والمذهب الثاني: وهو معزو إلى ابن سريج وهو مختار الأستاذ أبي إسحاق رحمه ~~الله: أن الفرق ليس سؤالا على حياله واستقلاله وإنما هو معارضة [معنى] ~~الأصل بمعنى ومعارضة العلة التي نصبها المسئول في الفرع بعلة مستقلة ~~ومعارضة العلة بعلة مقبولة فإن تردد المترددون في معارضة معنى الأصل فالفرق ~~عند هذا القائل آيل إلى ما ذكره والمقبول منه المعارضة وقد مضى القول بالغا ~~في قبول المعارضة. ### | 1074- # والمذهب الثالث: وهو المختار عندنا وارتضاه كل من ينتمي إلى التحقيق من ~~الفقهاء والأصوليين أن الفرق صحيح مقبول وهو وإن اشتمل على معارضة معنى ~~الأصل ومعارضته علة [الفرع] بعلة فليس المقصود منه المعارضة وإنما الغرض ~~منه مناقضة الجمع. # PageV02P140 # ثم الصحيح المقبول منه ينقسم على الوجه المقدم إلى ما يبطل فقه الجمع ~~رأسا ويلحقه بالطرد وهذا على التحقيق ليس هو الفرق المطلوب فإنه أبدى سقوط ~~فقه علة الخصم على صيغة مخصوصة. # ومنه مالا يحيط فقه الجمع بالكلية ولكنه يشتمل على فقه آخر مناقض لقصد ~~الجامع ثم ذلك ينقسم إلى زائد في الإخالة على العلة وإلى مساويها كما سبق. ### | 1075- # والقول الوجيز فيه أن قصد الجمع ينتظم بأصل وفرع ومعنى رابط بينهما على ~~شرائط بينة والفرق معنى يشتمل على ذكر أصل [وفرع] وهما يفترقان فيه وهذا ~~يقع على نقيض غرض الجمع ومن ضرورته معارضة معنى الأصل والفرع ولكن الغرض ~~منه مضادة الجمع بوجه فقه أو بوجه شبه إن كان القياس من فن الشبه فعلى هذا ~~إذا لو سمى [مسم] الفرق معارضة لم يكن مبعدا ولكن ليس الغرض منه الإتيان ~~بمعارضة على الطرد والعكس لاتصال أحدهما بالآخر بل القصد منه فقه ينتظم من ~~معارضتين يشعر بمفارقة الأصل للفرع على مناقضة الجمع. # فهذا سر الفرق وسنبين أثر ذلك في التفاصيل. ### | 1076- # ومن وفر حظه من الفقه وذاق حقيقته استبيان أن المعارضة الكبرى التي عليها ~~تناجز الفقهاء وتنافس الكلام على الفرق والجمع أبدا يأتي بما يخيل اقتضاء ~~الجمع ms386 ويكون ما يأتي به في محل يأتي الفرق صفة عامة بالإضافة إلى الفرق ~~ويأتي الفارق بأخص منه مع الاعتراف به ويبين أن الفرع والأصل إذا افترقا في ~~الوجه الخاص كان الحكم بافتراقهما أوقع من الحكم باجتماعهما للوصف العام ثم ~~يتجاذبان أطراف الكلام. # فهذا قول بالغ في تحقيق المذهب وسر كل رأي وبيان المختار الذي ينتحيه ~~المحققون وما مهدناه يتهذب بمسائل نذكرها تترى إن شاء الله تعالى. # مسائل في الفرق. # مسألة: ### | 1077- # إذا ذكر الفارق معنى في الأصل مغايرا المعنى المعلل وعكسه في الفرع وربط ~~[به] الحكم مناقضا لحكم علة الجامع فهل يشترط رد معنى الفرع إلى الأصل على ~~القول بقبول الفرق. # PageV02P141 # ذهب طوائف من الجدليين إلى أن ذلك لا بد منه وهذا ينبني على أصلين: ~~أحدهما: المصير إلى إبطال الاستدلال على ما سيأتي القول فيه مشروحا بعد ~~نجاز القول في القياس إن شاء الله تعالى ومن ينفي الاستدلال لا يجوز ~~الاستمساك قط بمعنى غير مستند إلى أصل وإن كان مناسبا مخيلا فهذا أحد ~~الأصليين. # و [الأصل] الثاني: أن الغرض من الفرق المعارضة [والمعارضة] ينبغي أن ~~تشتمل على علة مستقلة. # فهذا مأخذ هذا المذهب. ### | 1078- # قال القاضي رحمه الله: رأينا تصحيح الاستدلال على ما سيأتي ولو كنت من ~~القائلين بإبطال الاستدلال لقبلته على صيغة الفرق فإن الغرض [من الفرق] ~~إبداء فقه يناقض غرض الجامع وهذا يحصل من غير رد إلى أصل ثم قد يقع الكلام ~~وراء ذلك في ترجيح العلة على ما أبداه الفارق من حيث إن العلة مستندة إلى ~~أصل وما أظهره الفارق لا أصل له وفيه كلام يطول استقصاؤه في الترجيح. # فآل حاصل القول في هذه المسألة إلى أن من يري الفرق معارضة ينزل منزلة ~~المعارضات ومن يرى خاصية الفرق [في] مضادة جمع الجامع فلا يشترط فيه ما ~~يشترط في العلة المستقلة. # مسألة: # قريبة المأخذ من التي تقدمت: ### | 1079- # ذهب ذاهبون من الذين صاروا إلى أن شرط الفرق استناده في جانب الفرع إلى ~~أصل [إلى] أن الفارق إذا أبدى في الأصل معنى ms387 مغايرا لمعنى المعلل فينبغي أن ~~يرد ذلك أيضا إلى أصل فيأتي في كلامه في شقي الفرع والأصل بأصلين ولا شك أن ~~صدر هذا الكلام عن رأي من ينكر الاستدلال ولا يراه حجة. # وذهب آخرون ممن يشترط استناد الفرع إلى الأصل إلى أن ذلك غير مشروط في ~~الأصل واحتج كل فريق على مخالفة بما عن له. ### | 1080- # فأما من لم يشترط ذلك فتمسك بأن الغرض الأظهر من الفرق معارضة معنى الأصل ~~والتحاقه في محل النزاع فإذا [أيد] ذلك بأصل فقد وفى بالمعارضة في محل ~~الخلاف فكفاه ذلك وأيضا فإنا لو [كلفناه] إلحاق معناه الذي أبداه. # PageV02P142 # في جانب الأصل بأصل فقد لا يمتنع في ذلك الأصل الذي نقدره معارضه معنى ~~آخر ثم قد ينقدح رد ذلك المعنى إلى أصل ثابت. # ويلزم من مساق ذلك أن يقال إذا عورض معنى الأصل فعلى المسئول وقد عورض ~~معناه بمعنى غيره أن يأتي بمعناه الذي ادعاه بأصل [آخر] فإنه والمعترض ~~تساويا في ادعاء معنيين فليس أحدهما [بالاحتياج] إلى إبداء أصل آخر أولى من ~~الثاني إذ المسألة فيه [إذا] لم يبطل أحدهما معنى صاحبه بل اقتصر على ~~معارضته ثم لا يزالان كذلك في كل مستند وتتعطل المسألة عن غرضها وتحوج ~~المعلل والمعترض إلى أصول لا ينتهي القول فيها إلى ضبط وهذا ظاهر البطلان. ### | 1081- # وقد نقل بعض النقلة: أن من صار إلى التزام ذلك يذهب إلى أن الكلام لا يقف ~~أو ينتهي الكلام إلى أصل يتحد معناه ولا يتأتي معارضة فيه وهذا تكلف عظيم ~~وأمر معوص. # ومن شرط ذلك يقول: كل كلام لا أصل له فهو استدلال مردود وإذا تأتي معارضة ~~معنى الأصل بمعنى آخر فقد صار معنى الأصل متنازعا فيه فلا بد من تأييد ~~الكلام بأصل غيره. ### | 1082- # والكل عندنا ضبط وتخليط ومن أحاط بسر الفرق واستبان أن الغرض منه هذا لم ~~يتخيل كل هذا الانحلال ولم يشترط في الفرق إلا ما يليق ويطلب منه وهو مضادة ~~قصد الجامع كما سبق تقريره. # مسألة: ### | 1083- # وإذا تمكن الفارق من إبداء معنى ms388 في الأصل مغاير لمعنى الجامع وعكسه في ~~الفرع من غير مزيد فهو الفرق الذي فيه الكلام. # وإن احتاج إلى إبداء مزيد في جانب الفرع فقد ظهر اختلاف الجدليين فيه ولا ~~معنى للتطويل فمن اعتقد الفرق معارضة فمقتضى مذهبه أن الزيادة ممتنعة فإن ~~الفارق معارض والمعارضة تنقسم إلى ما يذكر على صيغة الفرق وإلى ما يذكر ~~ابتداء ولا أثر لاختلاف الصيغ عند هذا القائل والغرض المعارضة المحضة. ### | 1084- # ومن طلب من الفرق الخاصية التي ذكرناها وهي مضادة الجمع فيخرم هذه القضية ~~عند مسيس الحاجة إلى ذكر زيادة ومزية في جانب الفرع فإنا قد أوضحنا أن ~~الفارق مستمسك بجهة خاصة مرتبة على الجهة العامة التي جمع بها الجامع # PageV02P143 # مشعرة باقتضاء الافتراق. # فإذا كان عكس معنى الأصل على قضية الخصوص غير مشعر بنقيض ما أشعر به ~~الوصف العام لم يكن الفرق مستقلا بذاته جاريا على حقيقته وخاصيته فإن كان ~~يتأتى مع مزية في إشعار بالافتراق فهو على تكلف وبعد فإن صفوة الفرق مأخوذة ~~من متلقي النفي والإثبات والطرد والعكس من غير احتياج إلى مزيد ولا شك [أن] ~~المزيد المذكور في جانب الفرع يقع خارجا عن قضية الفرق إذ ليس لها في جانب ~~الأصل ذكر على الثبوت إذ لو كان لها ذكر لكان الفرق جاريا على سداده وقد ~~يذكر الفارق مزيد الدرء قاعدة ولو لم يذكرها لو ردت تلك القاعدة نقضا فيقع ~~عند ذلك الكلام في أن القواعد هل تنقض الأقيسة إذا كانت مستقلة؟ وقد قدمنا ~~في ذلك أبلغ قول في فصل النقض فلا حاجة إلى إعادته. # مسألة: ### | 1085- # مما ذكره الذاكرون على صيغة الفرق وليس هو على التحقيق فرقا وإن كان ~~مبطلا للعلة ما ننص عليه الآن. # فنقول: إذا جمع الجامع [بين] مختلف فيه ومتفق عليه في تفصيل حكم [وأصل] ~~ذلك الحكم منفي في الأصل مثل أن يقول الحنفي في منع اشتراط [تعيين] النية ~~ما تعين أصله لم يشترط فيه تعين النية: كرد الغصوب والودائع. # فنقول: أصل النية ليس مرعيا في الأصل وهو معتبر في ms389 محل النزاع وهذا قد ~~نورده على صيغة الفرق وليس بفرق ولكن الجمع باطل باتفاق الأصوليين فإن ~~الكلام في تفصيل النية يقع فرعا لتسليم أصل النية وأبو حنيفة رضي الله عنه ~~لا يراعي التعيين مع اشتراط أصل النية صائرا إلى أن أصل النية كاف مغن عن ~~التفصيل والتعيين فكيف يتأتى الاستمساك بما لا يشترط أصل النية. # فيه ولا يعد من قبيل القربات فهذا إذا باطل من قصد الجامع وصيغة الفرق ~~تقرر الجمع ويقع وراءه افتراق في أمر [أخص] منه كما تمهد ذكره فيما سبق. # PageV02P144 ### | فصل: في الاعتراض على الفرع مع قبوله في الأصل ### | 1086- # والقول الوجيز في ذلك: أن كل ما يعترض به على العلل المستقلة فقد يذكر ~~فرضه موجها على القول الفارق في جانب الفرع ونحن وإن كنا لا نرى الفرق ~~معارضة فمستنده إلى صورة معارضة ثم تلك الصورة في النفي والإثبات تثبت خاصة ~~كما سبق تقريرها فإذا بطل مستند الفرق بطل الفرق فأما الكلام المظهر في ~~جانب الأصل فحاصله ادعاه معنى آخر وينتظم عليه الخلاف القائم في أن الحكم ~~هل يعلل بعلتين؟ # فمن لم يمتنع من تعليل الحكم بعلتين فقد يقول: أنا قائل بهما وإنما يتأتى ~~ذلك إذا استمكن من طرد المعنى الذي أبداه الفارق في جانب الأصل على وجه ~~يطابق مذهبه. # وأما نحن فلا نرى تعليل حكم بعلتين أمرا واقعا وإن لم نستبعده في مساق ~~الأقيسة أن لو قدر وقوعه. # والأولون يرون الفرق سؤالين [وقول] المعلل في الأصل بالمعنيين إذا جرى له ~~ذلك غير كاف فإن الكلام في جانب الفرع قائم بعد والسؤالان على هذا الرأي لا ~~ارتباط لأحدهما بالثاني فكأن الفارق وجه سؤالين فتعرض المعلل للجواب على ~~أحدهما. ### | 1078- # ونحن نقدر الآن لأنفسنا مذهبا لا نعتقده ونبني عليه سرا هو خاتمة الكلام ~~في الفرق. # فنقول: لو كنا من القائلين بتعليل حكم واحد بعلتين لما رأينا مصير المعلل ~~إلى القول بهما جوابا عن سؤال من جهة أن الفرق وإن اشتمل على كلامين فهو في ~~حكم سؤال واحد وقد استقل كلام ms390 الفارق وجرى مرامه في الإشعار بالفرق فإذا ~~قال المعلل بالعلتين في الأصل لم يخرم ذلك غرض الفارق والجواب الخاص عن ~~الفرق الواقع السالم عما يعترض على المعاني والمعلل عدم إشعاره بإثارة ~~الفرق أو يتبين ترجيح مسلك الجامع عن طريق الفقه في اقتضاء الجمع على مسلك ~~الفارق. # مسألة: ### | 1088- # إذا لم يذكر الفارق معنى [في] الأصل معكوسا من الفرع ولكنه # PageV02P145 # أطلق في جانب الأصل حكما ونفاه في الفرع فهذا مما طول فيه القاضي نفسه. # والكلام عندنا فيه قريب وقد ذكرنا وقع ذلك في العلل ابتداء وسميناه فيما ~~يظن قياس الدلالة أو قريبا من الأشباه. # فإذا قال القائل: من صح طلاقه صح ظهار كالمسلم فليس ما جاء به من فن ~~المعاني المختصة المشعرة بالحكم وإن كان مقبولا. # فإذا وقع الفرق على هذه الصفة نظر فإن كانت العلة على نحوها قبل ذلك في ~~الأصل ووقع الكلام في التلويح والترجيح وتقريب الأشباه فإن كان القياس ~~معنويا فقهيا وجرى الفرق على صيغة إلحاق حكم بحكم فهذا من الفارق محاولة ~~معارضة المعنى المناسب بالأشباه أو ما هو في معناها ولا يقع ذلك موقع ~~القبول فإن أدنى المعاني المناسبة يتقدم على أعلى الأشباه المظنونة وهذا ~~يهذبه الترجيح إن شاء الله تعالى. # وقد انتهى غرضنا في القول في الفرق وانتهى بانتهائه الكلام على ~~الاعتراضات الصحيحة في قواعدها. # PageV02P146 ### | فصل: القول في الاعتراضات الفاسدة ### | 1089- # ما يفسد من الاعتراضات لا ينحصر وفي ضبط ما يصح منها كما تقدم حكم بفساد ~~ما عداه. # وإنما نعقد هذا الباب للكلام على اعتراضات استعملها بعض من لابس الجدل ~~وهي باطلة عند المحققين فلا نذكر صيغا منها إلا وفيها خلاف ونحن نرتبها ~~ونرسمها مسائل أن شاء الله تعالى. # مسألة: ### | 1090- # إذا استنبط القايس علة في محل النص وكانت مقتصرة عليه منحصرة فيه لا ~~تتعداه فالعلة صحيحة عند الشافعي رضي الله عنه ونفرض المسألة في تعليل ~~الشافعي تحريم ربا الفضل في النقدين بالنقدية وهي مختصة بالنقدين لا ~~تعدوهما. # وقال بعض أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه: إذا لم تتعد ms391 العلة محل. # PageV02P146 # النص كانت باطلة. # والمعتمد في صحة العلة أنها مستجمعة شرائط الصحة إخالة ومناسبة وسلامة عن ~~الاعتراضات ومعارضات النصوص وهي على مساق العلل الصحيحة ليس فيها إلا ~~[اقتصارها] وانحصارها على محل النص وحقيقة هذا يئول إلى أن النص يوافق ~~مضمون العلة ويطابقها وهذا بأن يؤكد العلة ويشهد بصحتها أولى من أن يشهد ~~على فسادها وليس يمتنع في حكم الله تعالى ووضع شرعه أن تكون العلة ~~المستثارة هي العلة المرعية [الشرعية] في القضية التي ثبت حكمها بالنص فإذا ~~لم يمتنع ذلك وقوعا ولم يوجد إلا موافقة النص ومطابقته لموجب العلة فلا وجه ~~[للحكم] بفسادها. ### | 1091- # ويتوجه وراء ذلك سؤالان: والانفصال عنهما يبين حقيقة المسألة. # أحدهما: أن قائلا لو قال العلة تستنبط وتستثار لفوائدها ولا فائدة في ~~العلة القاصرة فإن النص يغني عنها ولسنا نمنع الظان أن يظن حكمه في مورد ~~النص ومن اكتفى بهذا التقدير سوعد وليس ذلك محل الخلاف المعنى بالصحة ~~والفساد فإن الغرض إبانة كون العلة القاصرة مأمورا بها ومعنى صحتها ~~موافقتها الأمر ومعنى فسادها عدم تعلق الأمر بها ولا حرج على المفكرين في ~~استنباط حكم إذا لم يكن استنباطهم مناطا لأمر فيخرج من ذلك أن القائل ~~بالعلة [القاصرة] إن لم يظهر لها فائدة لزمه الاعتراف بكونها ساقطة ~~الاعتبار خارجة عن تعلق الأمر الشرعي ولقد أضطرب أرباب الأصول عند هذا ~~المنتهى. ### | 1092- # ونحن نذكر المختار من طرقهم ونعترض على ما يتطرق الاعتراض إليه ثم ننص ~~على ما نراه. # قال قائلون ممن يصحح العلة القاصرة: فائدة تعليل تحريم التفاضل في ~~النقدين تحريم التفاضل في الفلوس [إذا جرت نقودا وهذا خرق من قائله وضبط ~~على الفرع والأصل فإن المذهب أن الربا لا يجري في الفلوس] إن استعملت نقودا ~~فإن النقدية الشرعية مختصة بالمصنوعات من التبرين والفلوس في حكم العروض ~~وإن غلب استعمالها. # ثم أن صح هذا المذهب قيل لصاحبه إن كانت الفلوس داخلة تحت أسم الدراهم ~~فالنص متناول لها والطلبة بالفائدة قائمة وإن لم يتناولها النص فالعلة ~~متعدية إذا. # PageV02P147 # والمسألة مفروضة في ms392 العلة القاصرة. ### | 1093- # وقال قائلون: العلة القاصرة تفيد بعكسها فإذا ثبتت النقدية علة في ~~النقدين فالنص مغن عن محل طرد العلة ولكن عدم النقدية يشعر بانتفاء تحريم ~~الربا والنص على [اللقب] لا مفهوم له فهذا وجه إفادة العلة. # ويتوجه على هذا وجوه من الكلام واقعة لا استقلال بالجواب عنها: # منها أن الانعكاس لا يتحتم في علل الأحكام ولا يمتنع ثبوت علة يناط الحكم ~~بها مع انتفاء العلة المعينة وإذا كان ذلك لا يمتنع فالعكس يضطر إلى إبطال ~~ما يدعيه الخصم من العلة في معارضة العكس فإن لم يقدر على ذلك لم يستقل ~~كلامه وإن تمكن من إفساد ما يبديه الخصم من العلل المتعدية فلا حاجة أيضا ~~إلى تكلف العكس فإن الأحكام تثبت غير متعلقة بدلالة وأمارة فليكتف الناظر ~~بالنص في محل إثبات الحكم [ثم يكفيه في محل العكس عدم الدلالات على ثبوت ~~نقيض الحكم] الذي يشهد عليه النص في محله ورجع حاصل القول إلى تكلفة طردا ~~وعكسا من غير فائدة. # ومما يوضح الغرض في ذلك أن العلة إنما تنعكس ويتعين التعلق بها في إثبات ~~نقيض حكم الطرد وبعكسها بشرطين: # أحدهما: أن تكون مخيلة في الطرد والعكس يشعر العدم فيها بالعدم كما يشعر ~~الوجود فيها بالوجود. # والآخر: ألا تخلف العلة الزائلة في الثبوت علة فإن لم تخلف علة وأحال ~~النفي في الانتفاء إحالة الثبوت في الإثبات فإذ ذاك يتصور محل الطرد. # والعكس بصورة مسألتين مشتملتين على علتين وكل واحدة منهما سليمة عما ~~يشترط سلامة العلل عنها وإذا كان الأمر كذلك فلتكن النقدية مخيلة حتى يتخيل ~~فيها الانعكاس وليست النقدية مخيلة فقهية فقد سقط طلب إفادتها من جهة ~~الانعكاس. ### | 1094- # فإن قال قائل: إذا سلمتم أن العلة إذا لم تفد فلا يحكم عليها بصحة ولا ~~فساد ولا تقدر متعلقا لأمر ولا نهي وعدت خطرة في مجاري الوسواس وخرجت عن ~~الرتب المعول بها في الأقيسة فأين تستعمل هذه العلة القاصرة؟ # [قلنا] : إن كان كلام الشارع نصا لا يقبل التأويل فلا نرى للعلة القاصرة ~~وقعا ولكن ms393 يمتنع عن الحكم بفسادها لما ذكرناه في صدر المسألة وإنما [يفيد] ~~إذا كان. # PageV02P148 # قول الشارع ظاهرا يتأتى تأويله ويمكن تقدير حمله على الكثير مثلا دون ~~القليل فإذا سنحت علة توافق الظاهر فهي تعصمه عن التخصيص بعلة أخرى لا ~~تترقى [في] مرتبتها على المستنبطة القاصرة. ### | 1095- # ثم في ذلك سر وهو: أن الظاهر إذا كان يتعرض للتأويل ولو أول لخرج بعض ~~المسميات ولارتد الظاهر إلى ما هو نص فيه فالعلة في محل الظاهر كأنها ثابتة ~~في مقتضى النص متعدية إلى ما اللفظ ظاهر فيه حيث عصمته عن التخصيص والتأويل ~~فكان ذلك إفادة وإن لم يكن تعديا حقيقيا فلا يتجه غير ذلك في العلة القاصرة ~~فليفهم الفاهم ما يرد [عليه من] ذلك. ### | 1096- # فإن قيل: قول الرسول عليه السلام: "لا تبيعوا الورق بالورق"، الحديث1 نص ~~أو ظاهر؟ فإن زعمتم أنه نص فالتعليل [بالنقدية] باطل وإن كان ظاهر فالأمة ~~مجمعة على إجرائه في القليل والكثير فقد صار بقرينة الإجماع نصا فأي حاجة ~~إلى التعليل؟ فهذا منتهى القول فيه. # فنقول: أما الحظ الأصولي فقد وفينا به والأصول لا تصح على الفروع فإن ~~تخلفت مسألة فلتمتحن بحقيقة الأصول فإن لم تصح فلتطرح. ### | 1097- # فإن قيل: ما ذكرتموه تصريح بإبطال التعليل بالنقدية. # قلنا: لم نر أحدا ممن خاض في مسائل الربا على تحصيل فيما نورده ونصدره ~~والصحيح عندنا: أن مسائل الربا شبهية ومن طلب فيها إخالة اجترا على العرب ~~كما قررناه في مجموعاتنا ثم الشبه على وجوه فمنها التعلق بالمقصود وقد بينا ~~أن المقصود من الأشياء الأربعة الطعم والمقصود من النقدين النقدية وهي ~~مقتصرة لا محالة وليست علة إذ لا شبه لها ولا إخالة فيها ولكن لما انتظم ~~فيها اتباع المقصود عد من مسالك الأشياء الأربعة وليس بعد هذا نهاية. ### | 1098- # السؤال الثاني: فإن قال قائل: النص مقطوع به والعلة مستنبطة مظنونة ومجال ~~الاجتهاد عند انعدام القواطع فلتبطل العلة القاصرة من حيث إنها مظنونة وهذا ~~قريب المأخذ من السؤال الأول فإن غايته ترجع إلى أن لا فائدة فيها ولا أثر ms394 ~~لها وما اخترناه يدرأ هذا فإنا بينا أن العلة إنما تستنبط ولفظ الشارع ~~ظاهر. PageV02P149 # ثم نبهنا على التحقيق. ### | 1099- # وقد ذكر بعض المنتمين إلى الأصول وهو: الحليمي طريقة [وأخذ] يتبجح بها ~~وقال: من ينشئ نظره لا يدري أيقع على قاصرة أم متعدية فإن العلم بصفة العلة ~~غير ممكن حالة إنشاء النظر فيجب النظر من هذه الجهة. # وقائل هذا قليل [النزل] فإن الخصم لا ينكر هذا وإنما الخلاف فيما تحقق ~~قصوره فما قول هذا الشيخ إذا انكشف النظر والعلة قاصرة؟ ولا مزيد إذا على ~~ما تقدم. ### | 1100- # ثم تكلم القائلون بالعلة القاصرة إذا عارضتها علة متعدية وثبت بمسلك قاطع ~~من إجماع أو غيره اتحاد العلة في مورد النص فأي العلتين أقوى؟ # فذهبت طوائف من الفقهاء إلى أن المتعدية أقوى من حيث إنها المفيدة ~~والقاصرة يغنى النص عنها. # وذهب الأستاذ أبو إسحاق: إلى أن القاصرة أولى فإن النص شاهد لحكمها. # وامتنع آخرون من الترجيح من جهة التعدي والقصور. # وكل ذلك عندنا خارج عن حقيقة المسألة: ومن أطلع على ما قدمناه هانت عليه ~~هذه المدارك وآل القول إلى أن القاصرة والمتعدية إذا سنحتا في مورد ظاهر ~~والظاهر شاهد للقاصرة وهو أيضا شاهد في مضمونه للمتعدية فإن المتعدية ~~تستوعب محل الظاهر وتزيد فقد استويا في الشهادة واختصت المتعدية بالإفادة ~~وهي المعتبرة في تقدير توجه الأمر بالقياس فإذا جرت المتعدية سليمة لم يقدح ~~فيها غير معارضة القاصرة. ### | 1101- # والذي يظهر عندي أن المتعدية أولى وهذا إذا استوتا في المرتبة جلاء ~~وخفاء. # وسيعود هذا الفصل بعينه في كتاب الترجيح إن شاء الله تعالى. # وما قدرناه لا يجري في [النقدين] فإن العلة التي عداها الخصم فيها باطلة ~~من وجوه سوى المعارضة وإنما الذي ذكرناه كلام مرسل حيث يتصور سلامة القاصرة ~~والمتعدية ولو فرضت كل واحدة منهما مفردة. # PageV02P150 # مسألة: ### | 1102- # ومن الاعتراضات الفاسدة: أنه إذا تعلق المتعلق بما يدل على فساد في الفرع ~~واستشهد به على فساد الأصل كان ذلك مقبولا عند المحققين وقد يناكد في ~~مدافعه ذلك بعض الجدليين ويقول التفريع ms395 تسليم الأصل وخوض في تسليم الفرع ~~والتصرف في الفرع اعتراف بصحة الأصل وثبوته فإذا قلنا: نكاح لا يفيد الحل ~~مع إمكان الاستمتاع وجهوا هذا السؤال. # وهذا الاعتراض فاسد لا خفاء بسقوطه فإن [صحة] الأصول إذا كانت تقتضي صحة ~~الفروع [ففساد الفروع] يدل على فساد الأصول وإنما يستمر هذا الاعتبار إذا ~~قدر المعتبر أن الأصل إذا صح مقتضاه نقيض ما ثبت في الفرع في محل الاعتلال ~~وإذا ثبت ذلك كان ذلك باعتبار حكم الفرع في نهاية الظهور وغاية القايسين ~~الوصول إلى غلبات الظنون ولا مزيد على ما فيه الكلام فإذا ثبت اقتضاء أصل ~~حكما وتبين أن ذلك الحكم غير ثابت ظهر أن الأصل لم يثبت على الصحة ولا يبقى ~~مع هذا الإلحاح الجدلي ولجاجة في عبارة الأصل والفرع معنى. ### | 1103- # ومن لطيف الكلام في ذلك أن من لا يقول بالاستدلال ويزعم أن كل معنى ~~يستدعي الاستناد إلى أصل وإن كان مخيلا فالذي يقتضيه قياسه أن يستثني هذا ~~الفن ويقول به وإن لم يجد [أصلا] فإنه إذا سلم اقتضاء العقد حكما ثم لم ~~يثبت مقتضاه فلا يستريب في اختلال العقد إذا تخلف عن اقتضائه. # ثم من صحح هذا النوع اضطربوا في أنه [هل هو] من قياس المعنى أو من قياس ~~الشبه فقال قائلون هو من أجلى الأشباه وقال آخرون: هو من أقيسة المعاني ~~والصحيح عندنا أنه من أقيسة الدلالة كقول القائل من صح طلاقه صح ظهار بل ~~هذا الذي نحن فيه أعلى [منه] فإنه تعلق بغير مقتضى الشيء ولا يجوز المحصل ~~مباينة المقتضى مقتضاه والطلاق والظهار حكمان متغايران. # مسألة: ### | 1104- # ومن الاعتراضات الفاسدة: أنه إذا طرد طارد علة في حكم واستمر له فقال ~~المعترض: هلا طردتها في حكم آخر بعينه؟ # PageV02P151 # فهذا الاعتراض فاسد مثاله: أنا إذا اعتبرنا كون الشيء مقتاتا مستنبتا في ~~تعلق العشر فإنا نسلم هذا الاعتبار عن وجوه الاعتراضات الواقعة فقال ~~المعترض بعد: هلا اعتبرتم [ذلك] في تحريم ربا الفضل فإذا أبطلتموه في الربا ~~فأبطلوه في الزكاة. # فنقول: هذا لا وجه له ms396 فإن من طرد علة في حكم فلا يلتزم إلا كونها مشعرة ~~به إن كانت معنوية مع السلامة عن الوجوه المبطلة ولا سبيل إلى تكليف المعلل ~~طرد علته في جميع الأحكام فإن زعم المعترض أن تحريم الربا في معنى الزكاة ~~كان مدعيا مطالبا بإثبات ما يدعيه. # هذا حكم الجدل في المسلك الحق وليس من المدافعات ولكن الناظر البالغ مبلغ ~~الاجتهاد إذا كان يبغي مدرك مأخذ الكلام فحق عليه أن يعرف انفصال كل باب ~~عما عداه في سبيله وليس كل ما يلتزمه المجتهد في نفسه يلزمه البوح به في ~~النظر. # مسألة: ### | 1105- # ومن الاعتراضات الفاسدة: # التعرض للفرق بين الأصل والفراغ بما هو نتيجة [افتراقهما] في الاجتماع ~~والخلاف. # ومثاله: إذا قاس القايس النبيذ المشتد على الخمر فقال المعترض: مستحل ~~الخمر كافر ومستحل النبيذ لا يفسق وهذا يرجع حاصله إلى أن تحريم الخمر متفق ~~عليه ثابت من جهة الشرع قطعا ومنكر ذلك جاحد للشرع وتحريم النبيذ مختلف ~~فيه. # ومن هذا الجنس قول أصحابنا في طلب الفرق بين المدبرة والمستولدة: إن ~~القضاء ببيع المستولدة منقوض بخلاف المدبرة وهذا باطل لصدره عن افتراق ~~الأصل والفرع في ظهور الحكم في الأصل وكونه مجتهدا فيه في الفرع. # مسألة: ### | 1106- # ومن الاعتراضات الفاسدة: قول القائل: الحكم يثبت في الأصل متأخرا ~~والمعلول لا يسبق العلة فإذا قسنا الوضوء في الافتقار إلى النية على التيمم ~~قالوا: ثبوت التيمم متأخر عن الوضوء. # PageV02P152 # والجواب عن ذلك لائح ولا يليق بهذا المجموع ذكر أمثال ذلك إلا رمزا ~~فنقول: إذا ثبت اشتراط النية في التيمم فاعتبار الوضوء به في الحال متجه ~~وسؤال المعترض مباحثة عن أمر منقض وحقه ألا يتعرض لما مضى فإن الناظر في ~~تأخر النزاع قد لا يشك في أن النية في الوضوء كانت عند مثبتيها مدلولة ~~بدلالة أخرى قبل ثبوت التيمم فإذا ثبت التيمم دل عليها والعلامات قد تترتب ~~تقدما وتأخرا وذلك غير مستنكر في دلالات العقول فما الظن بالأمارات؟ # ثم لا يمتنع أن يقال: إذا ثبت كون الوضوء في معنى التيمم ثم ثبتت ms397 النية ~~في التيمم أرشد ذلك من طريق السبر والاستناد إلى أن النية كانت مرعية في ~~الوضوء فيما سبق وهذا تكلف مستغنى عنه فإن المناظرات لا تدار على الأحكام ~~الماضية ومنتهى هذا السؤال آيل إلى المطالبة بما دل على [النية قبل] ثبوت ~~التيمم وهذا لا يلزم الجواب عنه. # [مسألة] : ### | 1107- # ومن الاعتراضات الفاسدة: # جعل المعلول علة والعلة معلولا مثاله: إنا إذا قلنا في ظهار الذمي: من صح ~~طلاقه صح ظهار كالمسلم فإذا قال المعترض: جعلتم الظهار معلولا والطلاق علة ~~وأنا أقول في الأصل المقيس عليه [المسلم] : إنما صح طلاقه لأنه صح ظهار ~~فأجعل ما جعلتموه علة معلولا وما جعلتموه معلولا علة فإذا كان لا ينفصل ما ~~ادعيتموه عما ادعيناه ولا يتأتى تميز العلة عن المعلول لم يصح فإن باب ~~العلة ينبغي أن يتميز بحقيقته وخاصيته عن باب المعلول وقد يستشهد هذا ~~السائل بلقب قرع مسامعه من المعقولات ويقول: العلة والمعلول في الشرعيات ~~على مضاهاة العلل في العقليات ثم العلة العقلية متميزة عن المعلول فليكن ~~الأمر كذلك في السمعيات. # وهذا عند ذوي التحقيق ركيك من الكلام وإنما يتوجه هذا الفن من الاعتراض ~~على قياس الدلالة كالطلاق والظهار وما أشبهها فإن الغرض أن يدل باب على باب ~~بوجه يغلب على الظن ومن يروم ذلك يتمسك بالمتفق عليه من البابين ويجعله ~~علما ودلالة على المختلف فيه فإن كان هذا المعترض يتشبث برد قياس الدلالة ~~ويجعل ما ذكره عبارة عن هذا المقصود فالوجه إثبات هذا الباب من القياس وقد ~~تقدم ذكر ذلك. # PageV02P153 # وإن كان يعترف بقياس الدلالة فالذي ذكره جار فيه ثم لا ننكر أن يكون ~~الظهار علما دالا على الطلاق حيث تمس الحاجة إلى ذلك والغرض ألا يختلف ~~البابان إذا غلب على الظن اجتماعهما فقد تبين سقوط الاعتراض. ### | 1108- # وأما مل ذكره من الاستشهاد بالعلة والمعلول في المعقول فما أبعدهم عن ذلك ~~وهو عمدة صناعة الكلام. # والذي انتهى إليه اختيارنا بعد استيعاب معظم العمر في المباحثة أن ليس في ~~العقل علة ولا معلول فكون العالم عالما ms398 هو العلم فيه بعينه وإنما صار إلى ~~القول بالعلة والمعلوم من أثبت الأحوال وزعم أن كون العالم عالما معلول ~~والعلم علة له وهذا مما لا نرضاه ولا نراه. # ثم العلل الشرعية لا تجري مجرى المعقولات فإن الأحكام العقلية تستند إلى ~~صفات الأنفس والذوات والعلل الشرعية مستندها النصب وليست هي مقتضية ~~معلولاتها لأنفسها وإذا كان انتصابها عللا راجعة إلى نصب ناصب إياها أعلاما ~~فلا يمتنع تقدير [حكمين] كل واحد منهما علم على الثاني مشعر بوقوعه عند ~~وقوعه. # [مسألة] : ### | 1109- # ومن الاعتراضات الفاسدة: # أن يقول القائل: هذا الذي نصبته علما هو صورة المسألة فالعلة حقها أن ~~تكون زائدة على الحكم وهذا لا حاصل له فإن الذي نصبه [الناصب علما] إن أخال ~~وجرى سليما عن المبطلات غير معترض على الأصول فلا معنى لقول القائل أنها ~~صورة المسألة إذ لا علة في عالم الله تعالى إلا وهي كذلك فالوجه إقامة ~~شرائط العلة واطرح هذا الفن من السؤال. # وحظ هذا الفن من التحقيق أن من نص على صورة المسألة وميزها بخاص وصفها ~~فلا يتصور أن يجد أصلا متفقا عليه وإن ذكر عبارة تعم صورة المسألة وأصلا ~~متفق عليه فالوجه الذي به العموم هو الجمع ولا تتصور العلل إلا كذلك. # فهذا منتهى المراد في هذا وقد نجز بنجازه [الكلام في] الاعتراضات الصحيحة ~~والفاسدة. # PageV02P154 # القول في المركبات. # فصل ### | 1110- # وهذا يستدعي تجديد العهد بالطرق التي تثبت بها علل الأصول وقد سبقت ~~فليجدد الناظر عهده بها مما تقدم في هذا المجموع ولا مطمع والمسألة مختلف ~~فيها في علة تكون في الأصل متفقا عليها فإنها لو كانت مجمعا عليها وهي م ~~موجودة في محل النزاع فلا يتصور والحالة هذه الخلاف في الفرع. # ومما تمس الحاجة إلى ذكره أن من ذكر في علة الأصل صفة مضمونة إلى أخرى ~~وكانت [إحداهما] تستقل بإثبات الحكم المطلوب في الأصل وهذا النوع من ~~التعليل باطل مثل: أن نقول في النكاح بلا ولي أنثى فلا تزوج نفسها كالصغيرة ~~فكأنه ذكر الأنوثة والصغير في الأصل فهذه مقدمات لا ms399 بد من التنبه لها. ### | 1111- # ثم التركيب يقع في الأصل والوصف. # فأما التركيب في الأصل، فمنه البين والفاحش ومنه ما لا يتفاحش. # ونحن [نرسم الصور] ونذكر في كل صورة ما يليق بها ثم نذكر قولا جامعا بعد ~~نجاز الصور والأقوال فيها. # فمن الصور أن يقول المعلل: أنثى فلا تزوج نفسها كابنة خمس عشرة سنة ~~والخصم يعتقد أنها صغيرة ولو كانت كذلك لكان ما جاء به المعلل قياسا على ~~الصغيرة وقد ذكرنا بطلانه وإن ثبت أنها كبيرة فسيمنع الحكم ويقضي بأنها ~~تزوج نفسها. ### | 1112- # والذي ذهب إليه طوائف من الجدليين القول بصحة التركيب وحاصل كلامهم يئول ~~إلى أن الحكم متفق عليه والمعلل يلتزم إثبات الأنوثة علة فإن أثبتها ثبتت ~~العلة وتشعب المذاهب بعد ذلك لا أصل له وإن لم يتمكن المعلل من إثبات ما ~~ذكره في الفرع علة في الأصل فالذي جاء به باطل وإن لم يكن مركبا فإذا لا ~~أثر للتركيب كان أو لم يكن وإنما المتبع إثبات علل الأصول. # وهذا باطل عند المحققين فإن المخالف يقول: ظننت ابنة الخمس عشرة صغيرة # PageV02P155 # ولو كانت كذلك لكان القياس على الصغيرة باطلا كما تقدم إلحاقا بالقياس ~~على ما لو مس وبال وإن ثبت بما يغلب على الظن أن ابنة الخمس عشرة بالغة ~~فلها أن تزوج نفسها ولا يخلو التقدير من هذين فالعلة مرددة بين منع الحكم ~~في الأصل على تقدير وبين سقوط العلة على تقدير. ### | 1113- # فإن قيل: أرأيتم لو أثبت المعلل الأنوثة علة. # قلنا: ما نراه يقدر على ذلك فإن فرض إمكان ذلك فالعلة لا أصل [لها] ويرجع ~~الكلام إلى الاستدلال المحض كما سنذكره بعد نجاز القول في المركبات فإن ~~قيل: يثبت المعلل أن الأنوثة علة في ابنة الخمس عشرة قلنا: مع اعتقاد صغرها ~~أو مع ثبوت بلوغها فإن ثبت بلوغها فالحكم ممنوع وإن ثبت وإن ثبت صغرها ~~فالصغر مستقل بالمنع. ### | 1114- # صورة أخرى: # إذا قلنا في تزويج الأب البكر: بكر فيزوجها أبوها مجبرا كبنت الخمس عشرة ~~فهذه الصورة دون الأولى فإنه وإن ثبت صغرها ms400 فالقياس على البكر الصغيرة غير ~~ممتنع عند الشافعية إذ مجرد الصغر لا يثبت ولاية الأب فإن الثيب الصغيرة لا ~~يزوجها أبوها عندهم فتصدى في الأصل تقدير منع بأن يقول الخصم: ابنة الخمس ~~عشرة صغيرة فإذا أنكر عليه قال: هذا مظنون فإن ثبت أنها بالغة فلا يجبرها ~~الأب ولا شك أن من يقول بالتركيب يقبل هذا. # وهذه الصورة تنفصل عن الأولى فإن الأولى تبطل على تقدير الصغر والبلوغ ~~جميعا [والصورة] الثانية لا تبطل على تقدير الصغر ولكن يتوجه على تقدير ~~الكبر منع من الخصم [ويضطر المعلل] إلى رد القياس إلى الصغيرة بالبكر فيلغو ~~تعيين خمس عشرة. # PageV02P156 ### | فصل: التركيب في الوصف ### | 1115- # وأما التركيب في الوصف: فمنه المتفاحش وهو أن يقول الشافعي في قتل المسلم ~~بالذمي: من لا يستوجب القصاص بقتل شخص بالمثقل لا يستوجب بقتله بالسيف ~~كالأب في ابنه. # PageV02P156 # فهذا يصححه بعض الجدليين بناء على ما تقدم وهو على نهاية الفساد عندنا ~~فإن المثقل على رأي الخصم ليس آلة القصاص فإن ثبت أنه ليس آلة القصاص كان ~~القصاص باطلا [آيلا] إلى أن من لا يستوجب القصاص بقتل شخص خطأ لا يستوجب ~~بقتله عمدا وإن ثبت أنه آلة القصاص منع الخصم الحكم فالعلة بين منع بطلان. ### | 1116- # وقد يجري في الوصف تركيب قريب يضاهي عند المحققين التمسك بمناقضة الخصم ~~وشرط ذلك أن يكون مشعرا بفقه. # ومثاله: قولنا في الثمرة التي لم تؤبر أنها تتبع الشجرة في مطلق التسمية ~~ما يستحقه الشفيع من الشجرة يدخل تحت مطلق تسميتها كالأغصان. # ووجه الفقه أن الشفعة في وضعها لا تختص بالمنقولات فأشعر أخذ الشفيع ~~الثمرة بكون الثمرة معدودة من إجزاء الشجرة ملتحقة بها. # فأما إذا قال الخصم: سبب أخذها قطع ضرار مداخلة المشترى ولذلك أثبت أخذ ~~الثمار المؤبرة [للشفيع] فالوجه أن يقول الحكم المطلوب ثابت والمناسبة كما ~~تريدها ظاهرة ومعناكم ظاهر على السبر فقد جرى هذا فقها وسببه مناقضتكم ~~فليسند التعلق به وما يتعلق تعلقا ظاهرا فإنه يتضمن إلحاق الثمرة بأجزاء ~~الشجرة وهو المقصود الأقصى. # والتركيب البعيد لا ms401 يناسب غرض المسألة والتعويل فيه على [زلل] الخصم. ### | 1117- # مسألة أخرى ليست من محل النزاع بسبيل. # [كغلط] يتفق في سن البلوغ فلا تعلق له بتزويج المرأة أو امتناع ذلك عليها ~~فإذا توصل ذو الجدل إلى صورة فيها غلط للخصم عنده في حد البلوغ فإنا نستجيز ~~طالب المعنى [استثارة] غرض النكاح من غلطه [في] سن البلوغ. ### | 1118- # وإذا اعتبرنا القصاص [في النفس بالقصاص في الطرف] في صورة نفرضها في قتل ~~المسلم بالذمي وذلك إذا فرضنا في المسلم والذمية ثم اعتبرنا النفس بالطرف ~~كان الاعتبار واقعا مناسبا لغرض [المسألة] إما من جهة [تشبيه] أو من جهة ~~إشارة إلى معنى فقه فإذا ذهبوا يخبطون في الأطراف كان ذلك من مناقضاتهم ~~وسوء نظرهم وعلى هذا يجري تدرب النظار في مناقضات الخصوم. # فهذا منتهى القول فيما يصح ويبطل من التركيب في الأصل والوصف. # PageV02P157 # مسألة: في التعدية ### | 1119- # ثم ضري أهل الزمان بفن من الكلام يسمونه التعدية وهو عرى عن التحصيل ولكن ~~لا سبيل إلى تعرية هذا المجموع عن ذكره والتنبه على فساده فنفرض [من صوره] ~~صورة في التركيب ونرتب عليها صورة التعدية. # فإذا قلنا: أنثى لا تزوج نفسها كبنت الخمس عشرة فيقول المعترض المعنى ~~فيها أنها صغيرة وعدى ذلك إلى منع استقلالها بالتصرفات واطراد ولاية الولي ~~عليها. # فإذا قال القائل: دعواك الصغر ممنوعة وكذلك فروعها. # قال المعدي: كذلك الأنوثة ليست علة وقد ادعيتها علة وعديتها إلى فرعك ~~فادعيت الصغر علة وعديتها إلى فروعي فاستوى القدمان وآل الأمر إلى التزامك ~~إبطال علتي أو ترجيح علتك. # وقد ينقدح للمعدي جهتان في التعدية و [ذلك] إذا قال المعلل: بكر فيجبرها ~~أبوها كبنت الخمس عشرة فينقدح للمعدي أن [يقول المعنى فيها أنها صغيرة وعدى ~~ذلك إلى اضطراد الحجر عليها فهذا وجه في التعدية وقد] يقول: المعنى فيها ~~أنها صغيرة واعديها إلى جواز تزويجها مجبرا وإن كانت ثيبا وهذا يطرد للمعدي ~~في الصغيرة الثيب التي يتفق على صغرها. ### | 1120- # ثم تكلم أصحاب التركيب على التعدية من وجوه لست أرى ذكر معظمها. # فمنها: أنهم قالوا: ms402 معناي مسلم الوجود وهو الأنوثة وإنما أنازع في إثباته ~~علة وهذا يجري في [كل] علة مستثارة في محل الاجتهاد وما ادعيته علة لا أسلم ~~وجوده فإن اشتغلت بإثبات وجوده كنت منتقلا إلى مسألة أخرى ليست من مسألتنا ~~بسبيل والانتقال ممنوع لا سبيل إليه ويستوي فيه السائل والمسئول. # فهذا وجه التضييق الذي تخيله المركبون فلو عدى المسئول لم يقبل منه فإن ~~دليل المسئول إنما يقبل في نفس المسألة أو فيما تنبني عليه فإنه إذا احتاج ~~إلى إثبات مسألة لا تعلق لها بمحل النزاع فقد عد متنقلا. ### | 1121- # وقد يسلك المركب في إبطال التعدية مسلكا آخر فيقول: لو ثبت معناك # PageV02P158 # لقلت به ضمنا إلى معناي فإن الحكم لا يمتنع ثبوته بعلتين وهذا قد لا يجري ~~في بعض المركبات فإنا إذا قلنا: بكر فتجبر كما ذكرناه فذكر المعدي الصغر لم ~~يمكنا أن نجعل الصغر علة في الإجبار فإن الثيب الصغيرة لا تجبر عندنا. ### | 1122- # وقال الأستاذ أبو إسحاق وهو من المركبين: سبيل المركب إذا عورض بالتعدية ~~أن يقول: معناي عندكم دعوى غير مثبتة [بما] تثبت به معاني الأصول أم قد ~~يثبت مدلولا فإن لم يقم عليه دليل [فلست] معللا بعد ولا مقيما متمسكا في ~~محل النزاع فابتدارك إلى معارضتي بالتعدية غير متجه وإن اعترفت بكون معناي ~~ثابتا فمعناك الذي ابتدأته ليس مناقضا لمعناي وإنما تقدح المعارضة إذا جرت ~~مناقضة في المقتضى. # فهذا مضطرب المركبين والمعدين. # وقد بان أصلنا فيما نقبله ونرده في تركيب الأصل والفرع. ### | 1123- # ونحن الآن نجمع المقصود والمدرك الحق في تقسيم فنقول: # الأقيسة [الخلية] عن معنى التركيب في الأوصاف والأصول بينة وقد قدمنا ~~تقاسيمها وذكرنا مراتبها. # فأما ما يليق بما نحن فيه فينقسم إلى قسمين: # أحدهما: يتلقى انتظامه من مذهب الخصم لا تعلق له بمحل النزاع ولا يشعر به ~~ولا يقتضيه بطريق التشبيه وهذا كمصير أبي حنيفة إلى أن بنت الخمس عشرة ~~صغيرة فهذا لا يناسب تزويج المرأة نفسها ولا امتناع ذلك منها وليس منها على ~~معنى ولا تشبيه ومذهبه ذكر التركيب فهو ms403 إذا [تعقيد] على الشادين والمبتدئين ~~ومدافعة لهم عن مسلك الرشد وتعميه عليهم. # وقد أجمع الناظرون في هذا الباب أن هذا القسم لا يجوز أن يكون مستند ~~الفتوى ولا الحكم وليس هو مناطا لحكم الله تعالى لا معلوما ولا مظنونا فهذا ~~هو المردود فإن الجدل الحسن المأمور به هو الذي [يقرب] من مثار الأحكام ~~[فيرشد] إلى مناطها وهذا القسم هو المردود عندنا. ### | 1124- # وأما التركيب المشعر بفقه كما قدمنا تصويره فينقسم إلى قسمين: # منه ما الحكم فيه مع المعنى الفقيه متفق عليه فما كان كذلك فهو مقبول. # PageV02P159 # مستند للفتوى والحكم ووجوب العمل وهذا كقياسنا القصاص في النفس على ~~القصاص في الطرف في بعض صور الوفاق وإن وقع القصاص في الطرف مركبا عند ~~الخصم كان التركيب منه معدودا من خبطه وتعلق القياس بالإجماع على الحكم ~~والمعنى الفقيه أو وجه لائح في التشبيه فهذا قسم. ### | 1125- # والقسم الثاني من هذا: أن ينفرد الخصم بتسليم الحكم ثم يبتدئ منه تركيبا ~~فهذا لا ينتهض مستند الفتوى والحكم ولكن يجوز التمسك به في المناظرة كما ~~يجوز التمسك بمناقضة الخصم والسبب فيه أن المناقضات لها تعلق بفقه المسألة ~~وفي المباحثة عنها التنبيه على مآخذ الكلام والتدرب في الجدل المفضى إلى ~~مدرك الحق وهذا من فوائد المناظرات. ### | 1126- # فيترتب من مجموع ما ذكرنا مركب مردود حكما ونظرا ومركب معمول به حكما ومن ~~ضرورته أن يكون مقبولا نظرا ومركب مقبول نظرا والغرض منه التدرب في المسلك ~~المطلوب في المناظرات وليس معمولا به في فتوى ولا قضاء. # وقد نجز بهذا تمام القول في المركبات بل وفي تقاسم الأقيسة وما يصح وما ~~يفسد من الاعتراضات وطرق الانفصال عنها ونحن الآن نفتتح الكلام في ~~الاستدلال. # PageV02P160 ### | الكتاب الرابع: كتاب الاستدلال ### | القول في الاستدلال ### | مدخل # ... # الكتاب الرابع: كتاب الاستدلال. # القول في الاستدلال. ### | 1127- # اختلف العلماء المعتبرون والأئمة الخائضون في الاستدلال وهو: معنى مشعر ~~بالحكم مناسب له فيما يقتضيه الفكر العقلي من غير وجدان أصل متفق عليه ~~والتعليل المنصوب جار فيه. ### | 1128- # فذهب القاضي وطوائف من متكلمي الأصحاب إلى رد ms404 الاستدلال وحصر المعنى فيما ~~يستند إلى أصل. ### | 1129- # وأفرط الإمام إمام دار الهجرة مالك بن أنس في القول بالاستدلال فرئي يثبت ~~مصالح بعيدة عن المصالح المألوفة والمعاني المعروفة في الشريعة وجره ذلك ~~إلى استحداث القتل وأخذ المال بمصالح تقتضيها في غالب الظن وإن لم يجد لتلك ~~المصالح مستندا إلى أصول ثم لا وقوف عنده بل الرأي رأيه ما استند نظره ~~وانتقض عن أوضار التهم والأغراض. ### | 1130- # وذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنهما إلى [اعتماد] ~~الاستدلال وإن لم يستند إلى حكم متفق عليه في أصل ولكنه لا يستجيز النأي ~~والبعد والإفراط وإنما يسوغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبهية بالمصالح ~~المعتبرة وفاقا وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول قارة في ~~الشريعة. ### | 1131- # فالمذهب إذا في الاستدلال ثلاثة: # أحدها: نفيه والاقتصار على اتباع كل معنى له أصل. # والثاني: جواز إتباع وجوه الاستصلاح والاستصواب قربت من موارد النص أو ~~بعدت إذا لم يصد عنها أصل من الأصول الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع. # PageV02P161 # والمذهب الثالث: هو المعروف من مذهب الشافعي: التمسك بالمعنى وإن لم ~~يستند إلى أصل على شرط قربه من معاني الأصول الثابتة. ### | 1132- # أما القاضي فإنه احتج بأن قال: الكتاب والسنة متلقيان بالقبول والإجماع ~~ملتحق بهما والقياس المستند إلى الإجماع هو الذي يعتمد حكما وأصله متفق ~~عليه. # أما الاستدلال فقسم لا يشهد له أصل من الأصول الثلاثة وليس يدل لعينه ~~دلالة أدلة العقول على مدلولاتها فانتفاء الدليل على العمل بالاستدلال دليل ~~انتفاء العمل به. # وقال أيضا: المعاني إذا حصرتها الأصول وضبطتها المنصوصات كانت منحصرة في ~~ضبط الشارع وإذا لم يكن يشترط استنادها إلى الأصول لم تنضبط واتسع الأمر ~~ورجع الشرع إلى اتباع وجوه الرأي واقتفاء حكمة الحكماء فيصير ذوو الأحلام ~~بمثابة الأنبياء ولا ينسب ما يرونه إلى ربقة الشريعة وهذا ذريعة في الحقيقة ~~إلى إبطال أبهة الشريعة ومصير إلى أن كلا يفعل ما يراه ثم يختلف ذلك ~~باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه ~~الأولون. ### | 1133- # وأما الشافعي فقال: إنا نعلم ms405 قطعا أنه لا تخلو واقعه عن حكم الله تعالى ~~معزو إلى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم على ما سنقرره في كتاب الفتوى. # والذي يقع به الاستقلال هاهنا: أن الأئمة السابقين لم يخلوا واقعه [على] ~~كثرة المسائل وازدحام الأقضية والفتاوى عن حكم الله تعالى ولو كان ذلك ~~ممكنا لكانت تقع وذلك مقطوع به أخذا من مقتضى العادة وعلى هذا علمنا بأنهم ~~رضى الله عنهم استرسلوا في بناء الأحكام استرسال واثق [بانبساطها] على ~~الوقائع متصد لإثباتها فيما يعن ويسنح متشوف إلى ما سيقع ولا يخفى على ~~المنصف أنهم [ما] كانوا يفتون فتوى من فتوى من تنقسم الوقائع عنده إلى ما ~~يعرى عن حكم [الله] وإلى ما لا يعرى عنه. # فإذا تبين ذلك بنينا عليه المطلوب وقلنا: لو انحصرت مآخذ الأحكام في ~~المنصوصات والمعاني المستثارة منها لما اتسع باب الاجتهاد فإن المنصوصات ~~ومعانيها المعزوة إليها لا تقع من متسع الشريعة غرفة من بحر ولو لم يتمسك ~~الماضون بمعان في. # PageV02P162 # وقائع لم يعهدوا أمثالها لكان [وقوفهم عن] الحكم يزيد على جريانهم وهذا ~~[إذا] صادف تقريرا لم يبق لمنكري الاستدلال مضطربا. ### | 1134- # ثم عضد الشافعي هذا بأن قال: من سبر أحوال الصحابة رضي الله عنهم وهم ~~القدوة والأسوة في النظر لم ير لواحد منهم في مجالس الاشتوار تمهيد أصل ~~واستثارة معنى ثم بناء الواقعة عليه ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير ~~التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن فإذا ثبت اتساع الاجتهاد واستحال حصر ما ~~اتسع منه في المنصوصات وانضم إليه عدم احتفال علماء الصحابة تطلب الأصول ~~أرشد مجموع ذلك إلى القول بالاستدلال. ### | 1135- # ومما يتمسك به الشافعي رضي الله عنه أن يقول: إذا استندت المعاني إلى ~~الأصول فالتمسك بها جائز وليست الأصول وأحكامها حججا وإنما الحجج في المعنى ~~ثم المعنى لا يدل بنفسه حتى يثبت بطريق [إثباته] وأعيان المعاني ليست ~~منصوصة وهي [المتعلق] فقد خرجت المعاني عن ضبط النصوص وهي متعلق النظر ~~والاجتهاد ولا حجة في انتصابها إلا تمسك الصحابة رضي الله عنهم بأمثالها ms406 ~~وما كانوا يطلبون الأصول في وجوه الرأي فإن كان الاقتداء بهم فالمعاني ~~كافية وإن كان التعلق بالأصول فهي غير دالة ومعانيها غير منصوصة. ### | 1136- # ومن تتبع كلام الشافعي لم يره متعلقا بأصل ولكنه ينوط الأحكام بالمعاني ~~المرسلة فإن عدمها التفت إلى الأصول [مشبها] كدأبه إذ قال طهارتان فكيف ~~يفترقان؟ ولا بد في التشبيه من الأصل كما سنجري في ذلك فصلا إن شاء الله ~~تعالى. ### | 1137- # وأما ذكره القاضي من المسلك الأول ففي طرد كلام الشافعي ما يدرؤه ولو ~~قيل: لم يصح في النقل عن واحد طرد القياس على ما يعتاده بنو الزمان من ~~تمثيل أصل واستثارة معنى منه وربط فرع به لكان ذلك أقرب مما قال القاضي. ### | 1138- # وأما ما ذكره من خروج الأمر عن الضبط والمصير إلى انحلال ورد الأمر إلى ~~آراء ذوي الأحلام فهذا إنما يلزم مالكا رضي الله عنه ورهطه إن صح ما روى ~~عنه كما [سنقيم] الآن واضح الرأي على أبي عبد الله مالك رضي الله عنه أولا ~~حتى إذا انتجز ضممنا [النشر] وأنهينا النظر وأتينا بمسلك اليقين والحق ~~المبين مستعينين بالله تعالى وهو خير معين. # PageV02P163 ### | 1139- # فنقول لمالك رحمه الله: [أتجوز] التعلق بكل رأي فإن أبي لم نجد مرجعا نقر ~~[عنده] إلا التقريب الذي ارتضاه الشافعي رضي الله عنه كما سنصفه وإن لم ~~يذكر ضبطا وصرح: بأن ما لا نص فيه ولا أصل له فهو مردود إلى الرأي المرسل ~~واستصواب ذوي العقول فهذا الآن اقتحام عظيم وخروج عن الضبط ويلزم منه ما ~~ذكره القاضي رحمه الله. ### | 1140- # وما نزيده الآن قائلين: لو صح التمسك بكل رأي من غير قرب ومداناة لكان ~~العاقل ذو الرأي العالم بوجوه الإيالات إذا راجع المفتين في حادثة فأعلموه ~~أنها ليست منصوصة في كتاب ولا سنة ولا أصل لها يضاهيها لساغ والحالة هذه أن ~~يعمل العاقل بالأصوب عنده والأليق بطرق الاستصلاح. # وهذا مركب صعب لا يجترئ عليه متدين ومساقه رد الأمر إلى عقول العقلاء ~~وإحكام الحكماء ونحن على قطع نعلم أن الأمر بخلاف ذلك. # ثم وجوه ms407 الرأي تختلف بالأصقاع والبقاع والأوقات ولو كان الحكم ما ترشد ~~إليه العقول في طرق الاستصواب ومسالكه تختلف للزم أن تختلف الأحكام ~~[باختلاف] الأسباب التي ذكرناها. # ثم عقول العقلاء قد تختلف وتتباين على النقائض والأضداد في المظنونات ولا ~~يلزم مثل ذلك فيما له أصل أو تقريب فإن [شوف] الناظرين إلى الأصول الموجودة ~~فإذا رمقوها واتخذوها معتبرهم لم يتباعد أصلا اختلافهم. # ولو ساغ [ما قاله] مالك رضي الله عنه إن صح عنه لاتخذ العقلاء أيام كسرى ~~أنو شروان في العدل والإيالة معتبرهم. # وهذا يجر [خبالا لا] استقلال به. ### | 1141- # وإن أخذ مالك رحمه الله وأتباعه يقربون وجه الرأي من القواعد الثابتة في ~~الشريعة فالذي جاءوا به مذهب الشافعي رحمه الله على ما سنصف طريقة. # وإنما وجهنا ما ذكرناه على [من] يتبع الرأي المجرد ولا يروم ربطة بأصول ~~الشريعة ويكتفي ألا يكون في الشريعة أصل يدرؤوه من نص كتاب أو سنة أو ~~إجماع. ### | 1142- # فإن قيل: فما معنى التقريب الذي نسبتموه إلى الشافعي؟ # قلنا: هذا [محز] الكلام ونحن نقول: قد ثبتت [أصول] معللة اتفق القايسون. # PageV02P164 # على عللها فقال الشافعي أتخذ تلك العلل معتصمي وأجعل الاستدلالات قريبة ~~منها وإن لم تكن أعيانها حتى كأنها مثلا أصول والاستدلال معتبر بها واعتبار ~~المعنى بالمعنى تقريبا أولى من اعتبار صورة بصورة بمعنى جامع فإن متعلق ~~الخصم من صورة الأصل معناها لا حكمها فإذا قرب معنى المجتهد والمستدل فيما ~~يجتهد إلى الشرع ولم يرده أصل كان استدلالا مقبولا. # وهذا يتبين برسم مسألة واستقصاء القول فيها ونحن نجريها ونذكر ما فيها ~~حتى تنتج الأصول والمعاني والاستدلالات. # مسألة: ### | 1143- # الرجعية محرمة الوطء عند الشافعي وهي مباحة الوطء عند أبي حنيفة رضي الله ~~عنهما. # ومعتمد الشافعي: أنها متربصة في تبرئة الرحم وتسليط الزوج على شغل رحمها ~~في الزمان الذي تؤمر فيه بالتبرئة متناقض. # وهذا معقول فإن المرأة لو تربصت قبل الطلاق [واعتزلها] الزوج لم يعتد بما ~~جاءت به عدة فلو كانت تحل قبل الطلاق وبعده لما كان لاختصاص الاعتداد بما ~~بعد الطلاق معنى ولم ms408 يطلب الشافعي بهذا المعنى أصلا وما ذكره قريب من ~~القواعد فإنه كلام منشؤه من فقه العدة ثم عضده بما قبل الطلاق. ### | 1144- # وقال بعض أصحابه: نقيس الرجعية على البائنة في العدة. # ويتسع الآن القول في إثبات الحكم بالعلتين ونفى ذلك والغرض يتبين بفرض ~~أسئلة وأجوبة عنها. # فإذا قلنا: معتدة فتكون محرمة كالمعتدة البائنة فيقول [المعترض: المعنى] ~~في تحريمها أنها بائنة وهذا المعنى يستقل باقتضاء الحكم ولا خلاف أن ~~البينونة علة في اقتضاء التحريم فليقع الاكتفاء بها. # وربما أكد السائل كلامه بأن قياس الرجعية على البائنة بمثابة قياس ~~البالغة على الصغيرة بجامع الأنوثة فإذا قال القائل: أنثى فلتلحق بالصغيرة ~~كان ذلك مردودا فإن الصغر بمجرده يستقل نافيا للاستقلال فلا أثر للأنوثة ~~وقد قدمنا ذلك في العلل المركبة وهذا القول يلتحق بقول القائل: مس فصار كما ~~لو مس وبال. # PageV02P165 # وقد أجاب عن ذلك الأولون فقالوا: لسنا ننكر كون البينونة علة ولكن العدة ~~علة أخرى وليس بين العلتين تعارض إذ ليس بين حكميهما تناقض ولا يمتنع. # ارتباط الحكم الواحد بعلتين وأما القياس على الأنثى الصغيرة فهو في صوره ~~كقياس الرجعية على البائنة ولكن الأنوثة ليست مخيلة والمستدل بتلك الصورة ~~طارد فكان بطلان العلة لذلك وكذلك سبيل القياس على ما لو مس وبال. ### | 1145- # فإن قيل: قد قدمتم أن الحكم لا يعلل بعلتين فلم سوغتموه الآن؟ # قلنا: حاصل كلامنا فيما مضى آيل إلى أن ذلك غير ممتنع من طريق النظر فإن ~~العلل الشرعية أمارات ولا يمتنع انتصاب أمارات على حكم واحد كما لا يمتنع ~~ازدحام أدلة عقلية على مدلول واحد وإنما كان يمتنع تقدير ذلك أن لو كانت ~~الأمارات موجبات كالعلل العقلية عند مثبتيها فإنها موجبة معلولاتها فيمتنع ~~على هذا التقدير ثبوت موجبين لموجب واحد مع الاستقلال بأحدهما وينجر القول ~~إلى سقوط فائدة إحدى العلتين وهذا لا يتحقق في العلامات ولكنا مع هذا قلنا: ~~هذا الذي لا يمتنع في مسلك النظر لم يتفق وقوعه ثم أوردنا صورا يتعلق بها ~~في ظاهر الأمر حكم بعلل وأوردنا أنها ms409 أحكام تعلل بعلل وإنما يتخيلها الناظر ~~حكما واحدا لضيق المحل عن الوفاء بأعدادها عند ازدحامها. # وقد سبق في هذا قول مقنع تام. # والغرض من تجديد العهد به أن القايس على البائنة [يستدل بأن] يقول: اجتمع ~~في البائنة المعتدة علتان وتحريمان: أحد التحريمين تحريم البينونة وانقطاع ~~النكاح وهذا لا يختص بالعدة فإنها لو [أبينت] قبل الدخول من غير عدة لحرمت ~~والتحريم الثاني تحريم التربص فهذا هو المطلوب وهو المعلل بالعدة وليس في ~~هذا التقدير إثبات حكم واحد بعلتين فإن أنكر [منكر] كون العدة علة فعلى ~~السابر الجامع أن يثبت ذلك بما يثبت به علل الأصول. # فهذا وجه الكلام. ### | 1146- # ونحن نذكر الآن في هذا الفن سرا بديعا يتخذه الناظر معتبرا في أمثاله فإن ~~قال قائل: إنما يستقيم ما ذكرتموه من تجريد النظر إلى العدة بأن تقدروا ~~زوال البينونة وتمحض العدة من غير انقطاع النكاح ولو كان كذلك لكان ما ~~تعتقدونه أصلا عين مسألة الخلاف فإن المعتدة التي ليست بائنة هي الرجعية ~~وينقدح في هذا السؤال # PageV02P166 # الذي اعتمدناه في رد التركيب إذ قلنا المركب يقول إن كانت ابنه الخمس ~~عشرة كبيرة فالحكم ممنوع كذلك إن فرض تجريد العدة عن البينونة فيكون الحكم ~~ممنوعا عند الخصم وهذا الذي نحن فيه نوع من التركيب في العلل ومهما سلم ~~الجامع ثبوت علة أبداها المعترض [في الأصل] سوى ما وقع الجمع به فيتوجه ~~تقدير المنع على هذا الترتيب الذي ذكرناه. # وهذا من لطيف الكلام في هذا الباب فليتنبه الناظر له وهو يجري في القياس ~~على ما لو مس وبال [لو] كان قوله مس مخيلا فإن رجع الكلام إلى أنه مس فصار ~~كما لو مس فلا يستبد التعلق بالعدة في اقتضاء التحريم إلا استدلالا. ### | 1147- # فإن قيل: لو قال من يحرم الرجعية معتدة فشابهت المعتدة عن وطء شبهة طارئ ~~على النكاح فهل يصلح هذا وهل يستقيم [تقدير عدة الشبهة] أصلا؟. # قلنا: هذا على اطراده من أحسن فنون الطرد فإن المعتدة في الأصل مشغولة ~~الرحم بماء محترم لغير الزوج وفي ms410 إقدام الزوج على وطئها اختلاط الماءين ولا ~~خلاف أن التحريم في الأصل معلل بهذا لا غير. # ومن يريد جمعا في متعلق له إلا اسم المعتمدة فكان طاردا فإن أخذ يبدي [في ~~عدة المعتدة الرجعية] ما ذكرناه استدلالا من كونها متربصة عن الزوج لم ~~يتحقق هذا في الأصل فالعلة [الأولى] فيها إخالة ربط حكم أو حكمين متماثلين ~~بعلتين وهذه العلة إن ردت إلى طالب الإخالة فالأمة مجمعة على أن الفرع ~~والأصل غير مجتمعين في المعنى المقتضى فلا يبقى الاجتماع إلا في نعت واسم. # والذي يحقق ذلك أن العدة عن الغير تمنع ابتداء النكاح لغير من عنه العدة ~~ولو كانت العدة من الزوج ولم تقع الحرمة الكبرى لما امتنع على الزوج النكاح ~~فاستبان أن محرم الرجعية إن عول على العدة لم يجد أصلا. ### | 1148- # فإن قيل: فما رأيكم في استعمال ذلك استدلالا؟ # قلنا: هو الآن يتعلق بفن من الفقه ولكن إذا انتهى الكلام إليه نأتي فيه ~~بما يليق بهذه المحال ونقول: إن تمسك المحرم بمناقضة التربص المستدعي ~~البراءة للوطء الشاغل فلست أرى هذا المعنى واقعا من جهة أن الوطء عند الخصم ~~لو جرى لانقطعت العدة وإنما الممتنع [اجتماع] العدة والتشاغل بالوطء على ~~مذهب من يبيح. # PageV02P167 # الرجعية بل هو رجعة عنده ثم الرجعة والعدة عنده لا [يجتمعان] ولكن ~~[طريان] الرجعة يتضمن انقطاع العدة فليكن الوطء كذلك. ### | 1149- # فإن قيل فما الرأي في قول من يتمسك بالاحتساب بالعدة؟ ويقول: ولو كانت ~~مستحلة كما كانت لما احتسبت الأقراء [عدة] كما لو وجدت صورة الأقراء قبل ~~الطلاق؟ # قلنا: هذا أمثل قليلا وهو في التحقيق تمسك بالعكس وجواب الخصم عنه [أوضح ~~منه] فإنه يقول الطلاق في غير الممسوسة ينجز البينونة وهو في الممسوسة يثبت ~~المصير إلى البينونة وذلك يحصل بالخلو عن العدة والعدة زمان الجريان إلى ~~البينونة وهذا لا يتحقق قبل الطلاق إذ ليس قبله مرد إلى البينونة يتوقع ~~المصير إليها فالذي أوجب الفصل بين ما قبل الطلاق وبعده في الاعتداد ما ~~ذكرناه والتي انقضت عدتها بعد الطلاق [و] ms411 صارت بريئة الرحم تلتحق بالتي لم ~~تمس أصلا فهذا وجه الكلام. ### | 1150- # فإن تعلق المحرم بان الطلاق أوجب المصير إلى البينونة فليكن هذا محرما لم ~~يستبد هذا أيضا من جهة أن الزوج إذا علق الطلاق الثلاث بمجيء رأس الشهر لم ~~تحرم المرأة في الأمد المضروب فإن كانت البينونة هي المحرمة فهي منتظرة غير ~~واقعة وإن كان الطلاق هو المحرم فلم ينتصب دليلا عليه بعد. # فإن قيل: لو كانت مستحلة لما احتيج إلى الرجعة فللخصم أن يقول الرجعة ~~تقطع وقوع البينونة فإنها لو تركت لصارت إليها. ### | 1151- # ولم نذكر هذه المعارضات إلا ليستبين الناظر وجه التمسك بالمعاني التي لا ~~أصول لها واعتماد المستدل على الإخالة والمناسبة فالوجه في مسألة الرجعية ~~إذا اعترضت أن تقع البداية بأن الوطء لا يكون رجعة [وثبت] ذلك سهل كما سبق ~~منا التدرج إليه في "الأساليب". # وإذا ثبت ذلك بنينا عليه تحريم الوطء قائلين: إذ لم يكن الوطء رجعة لم ~~تنقطع به العدة فيؤدي إباحة الإقدام عليه إلى الجمع بين دوام التربص لتفريغ ~~الرحم وبين إباحة شاغلة وهذا وإن لم يستند إلى أصل فهو معنى قويم ومسلك ~~مستقيم. # PageV02P168 ### | فصل: في ضابط ما يجري فيه الاستدلال ### | 1152- # فإن قيل: قد [أثبتم] الاستدلال ولم تقبلوه على الإرسال وزعمتم أن المقبول ~~منه ما يلتفت إلى الأصول ويضاهي معانيها ولم تأتوا في ذلك بقول ضابط يستبين ~~به المردود من المقبول. # قلنا: الوجه في ذلك أن نقول: إذا ثبت حكم متفق عليه في أصل ثم رام ~~المستنبط إثارة معنى يعتقده مناطا للحكم [فما الضبط] فيما يقبل منه وما ~~يرد؟ فليقل المستدل: كل معنى لو ربط به حكم متفق عليه في أصل لجرى و [استد] ~~فإذا اعتبره المستدل عليه من غير إسناد إلى أصل كان مقبولا إذ المعنى الذي ~~يبديه المستنبط لا يشترط فيها أن يسنده إلى معنى الذي يبديه وفاقي مماثل له ~~ولكن يكفي أن يناسب ويسلم على السبر ويثبت ببعض الطرق المذكورة في إثبات ~~العلل فكل علة إذا لا يشترط في ثبوتها أن تعهد ms412 ثابته بعينها [قبل أن يرى] ~~المستنبط مثلها في غير محل الاستنباط فكل معنى في أصل فمتعلقه معنى وهو في ~~حكم مستدل به وليس التعلق بحكم الأصل ولا بحصول الوفاق عليه. ### | 1153- # وإن قربنا العبارة قلنا: ليعتقد المستدل صورة مختلفا فيها متفقا على ~~حكمها [ولير] رأيه في استنباط معناه وإن كان لا يستد فكره إلا بمستند. # وبالجملة لا يحدث الناظر [الموفق] مسلكا إلا وبينه وبين ما تمهد في الزمن ~~الماضي من السلف الصالح مداناة. # والذي ننكره من مالك رضي الله عنه [تركه] رعاية ذلك وجريانه على ~~الاستدلال في الاستصواب من غير [اقتصاد] . # ونحن نضرب في ذلك مثالا ثم نذكر بحسبه لمالك مذهبا. ### | 1154- # فلو قدر وقوع واقعة حسبت نادرة لا عهد بمثلها فلو رأى ذو نظر جدع الأنف ~~أو اصطلام الشفة وأبدى رأيا لا تنكره العقول صائرا إلى أن العقوبات مشروعة ~~لحسم الفواحش وهذه العقوبة لائقة بهذه النادرة فمثل هذا مردود. # ومالك رضي الله عنه التزم مثل هذا في تجويزه لأهل الإيالات القتل في ~~التهم العظيمة حتى نقل عنه الثقات أنه قال: أنا أقتل ثلث الأمة لاستبقاء ~~ثلثيها. ### | 1155- # فإن قيل: فبم تردون ما ذكره؟. # PageV02P169 # قلنا: تبين من نظر الصحابة رضي الله عنهم في مائة سنة ومن نظر أئمة ~~التابعين أن ما قال مالك رضي الله عنه وما استشهدنا به لا يحكم به. # ونحن نعلم أن الأمد الطويل لا يخلو عن جريان ما يقتضى مثل ما يعتقده مالك ~~ثم لم يجر. # وشذت واقعة في العقوبات واضطرب فيها رأي الصحابة وهي حد الشارب فجرى فيه ~~واشتهر ولم يستجيزوا الاستجراء على تقدير زيادة فيه إلا بعد أن يثبتوا أنه. # لم يكن مقدرا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كأنهم أجروه مجرى ~~التعزيرات. # قال على رضي الله عنه: أما أنا [لا أقتل] في حد وأجد في نفسي [شيئا إلا ~~حد الشارب فإنه شيء رأيناه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، # فليكن هذا سبيلا قاطعا في الرد على مالك رحمه الله ومن نحا نحوه ms413 وفيه ~~تنبيه على ما نريده. # فصل ### | 1156- # فإن قال قائل: ما الاعتراض على الاستدلال؟. # قلنا: الاستدلال معنى مخيل قد يتطرق إليه من الاعتراضات ما يتطرق إلى ~~معنى يبديه المستنبط مخيلا في أصل غير أن [للمعنى] المستند إلى أصل تعلقا ~~به فقد يتوجه كلام على الأصل بفرق أو غيره والاعتراضات على الاستدلال الذي ~~لا يستند إلى أصل تنتحي نحو المعنى فحسب ويتوجه عليه النقض إن أمكن ~~والمعارضة وشرط ثبوته ألا يناقض أصول الأدلة. ### | 1157- # وأنا أرى الكلام عليه محصورا في أوجه: # أحدها: المناقشة في الإخالة والإشعار. # والآخر: طلب النقض إن كان. # والآخر: تقديم مقتضى أصل علته. # والآخر: معارضته بمعنى آخر [يناقضه] . # فهذي مجامع الاعتراضات على الاستدلال ويفسد من الاعتراضات عليه ما يفسد ~~من الاعتراضات على ما يستند إلى أصل. # PageV02P170 # وقد تمهد فيما تقدم مسلك الصحيح من الاعتراضات والفاسد. # ولا شك أنه لا يتصور استقلال التشبيه بنفسه فإن التشبيه معناه تقريب شيء ~~من شيء بما يغلب على الظن من غير [التزام] معنى مخيل ومن ضرورة ذلك أصل ~~متفق عليه. # فإن قيل: هل يترجح المعنى المستند إلى أصل على المعنى الذي لا أصل له؟ # قلنا: هذا نستقصيه في كتاب الترجيح إن شاء الله تعالى. # PageV02P171 ### | فصل: في استصحاب الحال ### | 1158- # قد قال باستصحاب الحال قائلون ثم اختلفوا. # فذهب بعضهم إلى أنه دليل بنفسه ولكنه مؤخر عن الأقيسة وهو آخر متمسك ~~الناظر. # وقال قائلون: لا يستقل الاستصحاب دليلا ولكن يسوغ الترجيح به والوجه أن ~~نصوره ثم نؤثر ما هو المختار عندنا فيه. ### | 1159- # فإذا ثبت حكم متعلق بدليل ولم يتبدل مورد الحكم فليس هذا من مواقع ~~الاستصحاب فإن الحكم معتضد بدليل وهو مستدام فدام الحكم بدوامه قد يقول بعض ~~من لا يحيط بالحقائق: لا يمتنع تقدير نسخ ولكنه غير محتفل به والحكم مستصحب ~~إلى نقل ناسخ على ثبت فيلتحق هذا الفن عند القائل بالاستصحاب. # فهذه مناقشة لفظية فإنه ثبت بالدليل القاطع قيام الدليل إلى يوم نسخه فإن ~~سمى مسم هذا استصحابا لم يناقش في لفظ وليس مقصود الفصل منه ms414 بسبيل. ### | 1160- # فأما إذا ثبت حكم في صورة ثم تغيرت وحالت ورام الناظر طرد الحكم الثابت ~~في الصورة الأخرى فإن لم [يكن للصورة] الثانية تعلق بالأولى ولم يكن تغيرها ~~مرتبا على الصورة الأولى فلا معنى للاستصحاب في مثل ذلك. # كالذي يبغى أن يستصحب حكما في صدقة البقر في صدقة الغنم ولا يترتب أحد ~~الجنسين على الثاني تصورا ولا تقديرا. # PageV02P171 # وهذا بعينه محاولة جمع بدعوى عرية من غير معنى جامع ولا وجه في الشبه ~~غالبا على الظن وهو احتكام مجرد. ### | 1161- # فأما إذا ترتبت صورة على صورة فإن تغيرت عليها فأثبتت في الخلفة عليها ~~فعند ذلك يقول قائلون نستصحب الحكم الثابت في الصورة الأولى ونجريه في ~~الثانية. # وهذا باطل عندنا غير صالح للاستدلال ولا للترجيح فإن الصورتين متغايرتان ~~وإن أثبتت إحداهما على الأخرى تصورا وكلفة فلا معنى لقول القائل: أستصحب ~~[الحكم] وقد تغير المورد [وتغاير] المحل فلا يمتنع تغاير الحكمين لذلك وهذا ~~كقول القائل في استئناف الفريضة عند أبي حنيفة في زكاة الإبل فقد اطردت ~~فريضة الإبل على نصب معلومة فينبغي أن يستصحبها وراء المائة والعشرين حتى ~~لا يوجبها إلا على ذلك القياس. # وقد عورضوا بأن فريضة الإبل إذا ثبتت وجب استصحابها وذلك [قاض بمنع] ~~العود إلى الشاة. # والقائلان ذاهلان عن الحقيقة فلا معنى للاستصحاب من الفئتين وما قاله ~~أصحابنا أمثل لاعتضاده بفقه وهو المعتمد دون الاستصحاب وذلك أن الشاة أثبتت ~~ابتداء اجتنابا لتشقيص مع [أن] إيجاب بعير مجحف بالخمس من الإبل فالعود إلى ~~الشاة مع كثرة الإبل بعيد وهذا ليس استصحابا. ### | 1162- # فإن قيل: من استيقن الطهارة وشك في الحدث فالحكم استصحاب الطهارة وكذلك ~~نقيض هذ1 وكذلك من تيقن النكاح وشك في الطلاق فالجواب كذلك فهل هذا الفن ~~مما يلحق باستصحاب الحال [أم لا] ؟ # قلنا: هذا لباب الفصل ونحن نقول فيه قول الفقيه يستصحب يقين الطهارة فيه ~~تجوز فإن اليقين لا يصحب الشك فليس المعنى بقولهم لا يترك اليقين بالشك ~~أنهم على يقين مع التردد في الحدث ولكن المراد به أن ما تقدم ms415 من الطهر يقين ~~فيبقى الحكم ما تيقناه والقول فيه: إذا طرأ الشك لم يخل المشكوك فيه من ~~ثلاثة أحوال: ### | 1163- # أحدها: أن يرتبط بعلامة بينة في محل الظنون فما كان كذلك فلاجتهاد هو ~~المتبع ولا التفات إلى ما تقدم فإنه يتصدى للمرء شك في بقاء ما سبق ~~واجتهاده ظاهر في زواله والاجتهاد مقدم. # PageV02P172 ### | 1164 - # فإن ثبتت علامة خفية كالعلامات التي يقع التمسك بها في تمييز النجس من ~~الطاهر في الأواني وفي والثياب فإن عارض يقين النجاسة يقين الطهارة فعلم ~~صاحب الإناءين أن أحدهما نجس والآخر طاهر فليس التمسك بيقين الطهارة بأولى ~~من التمسك بيقين النجاسة فيضطر إلى التمسك بالعلامات وإن خفيت. # [وإن لم يوجد] يقين النجاسة ولكنا تيقنا طهارة وشككنا في طريان نجاسة ~~وثبتت علامة خفية ففي التعلق بها قولان: # أحدهما: أنها ضعيفة وإن تناهى المرء في تصويرها محاولا إظهار ما وقع في ~~النفس فليفهم الناظر ما يرد عليه فالتعلق بالاستصحاب أولى على قول والتمسك ~~بها أولى على قول. ### | 1165- # وإن تقدم يقين وطرأ شك وليس لما فيه علامة جلية ولا خفية فعند ذلك تأسيس ~~الشرع على التعلق بحكم ما تقدم وهذا نوع من الاستصحاب صحيح وسببه ارتفاع ~~العلامات وليس هذا من فنون الأدلة ولكنه أصل ثابت في الشريعة مدلول عليه ~~بالإجماع وإن طرأ مثل ذلك في منازل المجادلات فأراد [المستدل] أن يدعو ~~الخصم إلى موجب الاستصحاب وكانت الصورة على نحو ما ذكرناها فذلك [سائغ] ~~والدليل عليه اعتباره بنظائره بتشبيه أو تقريب معنوي فليلحق ذلك بأبواب ~~القياس إذا. ### | 1166- # ولا يستمر هذا إلا بسبر وهو تمام الكلام. # ومعناه أن يدعى أولا انتفاء الدليل عند قيام التردد ثم لا يتوصل إلى ذلك ~~إلا بتخيل جهات الأدلة وإبانة انتفائها في محل الكلام ثم يستمر بعد هذا ما ~~يحاوله من اعتبار صورة بصورة. # وبيان ذلك بالمثال: أن المسئول عن وجوب الأضحية يقول الأصل براءة الذمة ~~فلا معنى لشغلها إلا بثبت وهذا لو اقتصر عليه لاستقل كلاما مفيدا مستقيما ~~وحاصله يئول إلى أنه لم يقم عندي دليل ms416 على وجوب الأضحية وإذا قسم وسبر ~~وتتبع مواقع تعلقات الخصم بالنقض استمر له ما ذكرناه في الاستصحاب. # فهذا منتهى الغرض في ذلك وقد نجز بنجازه القول المقصود في الاستدلال ~~والحمد لله وحده. # PageV02P173 ### | الكتاب الخامس: كتاب الترجيح ### | مدخل ### | تعريف الترجيح وأقوال العلماء فيه # ... # الكتاب الخامس: كتاب الترجيح. ### | 1167- # الترجيح تغليب بعض الأمارات على بعض في سبيل الظن ولا ينكر القول به على ~~الجملة مذكور وقبله منكرو القياس واستعملوه في الظواهر والأخبار وحكى ~~القاضي عن [الملقب بالبصري وهو جعل] 1 أنه أنكر القول بالترجيح2 ولم أر ذلك ~~في شيء من مصنفاته مع بحثي عنها وسأذكر شيئا ينبه على إمكان ذلك في النقل. ### | 1168- # والدليل القاطع في الترجيح إطباق الأولين ومن تبعهم على ترجيح مسلك في ~~الاجتهاد على مسلك هذا ما درج عليه الأولون قبل اختلاف الآراء وكانوا رضي ~~الله عنهم إذا جلسوا يشتورون تعلق معظم كلامهم في وجوه الرأي بالترجيح وما ~~كانوا يشتغلون بالاعتراضات والقوادح [وتوجيه النقوض] . # وهذا أثبت بتواتر النقل في الأخبار والظواهر وجميع مسالك الأحكام فوضح أن ~~الترجيح مفطوع به3. ### | 1169- # واستدل القاضي رحمه الله لمن حكى الخلاف عنه في نفي الترجيح بالبينات في ~~الحكومات فإنه لا يترجح بينة على بينة بعد استقلال كل واحدة لو انفردت. # وهذا مردود فإن العلماء من يرى ترجيح البينة على البينة وهو مالك رضي ~~الله عنه وطوائف من علماء السلف وليس من الإنصاف إلزام مجتهد فيه على القول ~~في مسألة مسلكها القطع. PageV02P175 # ثم إن ظن ظان أن لا ترجيح في البينة ورآها مستندة إلى توقيفات تعبدية ~~فهذا لا يعارض ما ثبت قطعا تواترا في الترجيح والعمل به وليس متعلق مثبتي ~~الترجيح تجويزا ظنيا فينتقض بشيء أو يقاس على شيء. ### | 1170- # فإذا ثبت أصل الترجيح فلا سبيل إلى استعماله في مسالك القطع. # فإذا أجرى المتكلم في مسلك قطعي صيغة ترجيح أشعرت بذهوله أو غباوته وما ~~يفضى إلى القطع لا ترجيح فيه فإنه ليس بعد العلم بيان ولا ترجيح وإنما ~~الترجيحات تغليبات لطرق الظنون ولا معنى لجريانها في القطعيات فإن ms417 المرجح ~~أغلب في الترجيح وهو مظنون [والمظنون] غير جار في مسلك القطع فكيف يجرى في ~~القطعيات ترجيح ما لا يجرى أصله فيها؟ # مسألة: ### | 1171- # أطلق الأئمة القول بأن المعقولات لا ترجيح فيها وهذا سديد لا ننكره ولكنا ~~أوضحنا في الديانات أن العوام لا يكلفون بلوغ الغايات ودرك حقائق العلوم في ~~المعتقدات وإنما يكلفون تحصيل عقد متعلق بالمعتقد على ما هو به مع التصميم ~~ثم عقدهم لا يحصل في مطرد العادة هجوما وافتتاحا من غير استناد إلى مسلك من ~~مسالك النظر وإن كان غير تام وإذا كان كذلك فالترجيحات عندهم في قواعد ~~العقائد قد تجرى فإن عقودهم ليست علوما ومأخذها كمأخذ الظنون في حق من يعلم ~~أنه ظان وهذا الذي ذكرناه لا يناقض ما ذكره الأئمة فإنهم زعموا أن ~~الترجيحات لا وقع لها في مدارك العلوم وما ذكروه حق لا نزاع فيه وإنما ~~يكتفى من العوام بعقود سليمة ليست علوما فتجرى عقائدهم مجرى الظنون في ~~المظنونات. # مسألة: ### | 1172- # قال الأئمة رضي الله عنهم: الترجيحات لا تستعمل في المذاهب من غير نصب ~~أمارات فإن كل ذي مذهب مدع قبل أن يدل والدعاوى لا تقبل الترجيح إذ الترجيح ~~في نفسه لا يستقل دليلا والمذهب لو كفى ترجيحه لكان الترجيح مستقلا لإثبات ~~المذهب وما كان كذلك كان دليلا مستقلا بنفسه. # وهذا يتطرق إليه استثناء عندنا على تفصيل نشير إليه الآن ثم نقرره في ~~كتاب الفتاوى إن شاء الله تعالى. # PageV02P176 # فليعلم الناظر أن المستفتى لا يتخير في تقليد من شاء من المفتين ولكن ~~عليه ضرب من النظر في تخير واحد منهم لمزية يتخيلها أو يظنها لمن يختاره ~~وسيأتي ذلك مشروحا في موضعه إن شاء الله تعالى. # وإن كان كذلك فمتعلق المستفتى ترجيح مجرد وقد ينقدح أن يقال: ما يغلب على ~~ظنه تخصيص واحد من العلماء فهو دليل مثله فالقول في هذا يئول إلى عبارة ~~ونحن الآن نرسم ما يترجح به مذهب الإمام المطلبي الشافعي رضي الله عنه. # مسألة: ### | 1173- # أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا ms418 بمذاهب أعيان الصحابة ~~رضي الله تعالى عنهم بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا ~~وبوبوا الأبواب وذكروا أوضاع المسائل وتعرضوا للكلام على مذاهب الأولين. # والسبب فيه أن الذين درجوا وإن كانوا قدوة في الدين وأسوة للمسلمين فإنهم ~~لم يفتنوا بتهذيب مسالك الاجتهاد وإيضاح طرق النظر والجدال وضبط المقال ومن ~~خلفهم من أئمة الفقه كفوا من بعدهم النظر في مذاهب الصحابة فكان العامي ~~مأمورا باتباع مذاهب السابرين. ### | 1174- # ثم نحن نوضح وراء ذلك ما يتعلق به منتحل المذهب على الجملة في اختيار ~~مذهب الشافعي ومجامع الكلام في ذلك يحصرها طرق. # أحدها: أن السابق وإن كان له حق الوضع والتأسيس والتأصيل فللمتأخر الناقد ~~حق التتميم والتكميل وكل موضوع على الافتتاح قد يتطرق إلى مبادئه بعض ~~التثبيج ثم يتدرج المتأخر إلى التهذيب والتكميل فيكون المتأخر أحق أن يتبع ~~لجمعه المذاهب إلى ما حصل السابق تأصيله وهذا واضح في الحرف والصناعات فضلا ~~عن العلوم ومسالك الظنون وهذه الطريقة يقبلها كل منصف وليس فيها تعرض لنقض ~~مرتبة إمام. ### | 1175- # فإذا حصلنا المقصود مع الاعتراف للمتقدمين بفضل السبق فالذي يتم به الغرض ~~أن الصديق أفضل من طلعت عليه الشمس بعد النبي عليه السلام ثم اشتغال من ~~بعده بالسبر أوجب على العوام ألا يبتدروا مذهب الصديق رضي الله عنه مع علو ~~منصبه وارتفاع قدره. # PageV02P177 # فإن قيل: يلزمكم على هذا أن توجبوا الاقتداء بمن بعد الشافعي من الأئمة ~~على ما ذكرتموه. # قلنا: إن ثبت لأحد بعده من الأئمة من المزية والفضل وتهذيب ما لم ينتظم ~~وكشف ما لم يتبين فلا يناقض مسلك الطريقة ولكنا لسنا نرى أحدا بلغ هذا ~~المحل وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب الفتوى إن شاء الله تعالى. ### | 1176- # طريقة أخرى: # وهي أن نقول: المذاهب [تمتحن] بأصولها فإن الفروع تستد باستدادها وتعوج ~~باعوجاجها وهذا النوع [من النظر] هو الذي يليق بالمستفتين ومنتحلي المذاهب ~~وسبيل محنة الأصول معرفتها أفرادا في قواعد ثم معرفة ترتيبها وتنزيل كل أصل ~~منها منزلته. # فإذا تبين ذلك فأصول الشريعة الكتاب والسنة والإجماع ثم ms419 الأقيسة الظنية ~~علامات انتصبت على الأحكام [أعلاما] بأصل من الأصول الثلاثة مقطوع به كما ~~سبق شرح ذلك. # ثم لها مراتب ودرجات ومناصب فإذا نظر الناظر إلى منصب الشافعي عرف أنه ~~أعرف الأئمة بكتاب الله تعالى فإنه عربي مبين والشافعي تفقأت عنه بيضة ~~قريش. # ولا يخفى تميزه عن غيره فيما نحاوله ثم يتعلق معرفة الناسخ والمنسوخ ~~وأسباب النزول بمعرفة الروايات ومقامه لا يخفى في الأخبار ومعرفة الرجال ~~وفقه الحديث والإجماع يتلقى من معرفة الآثار وما يصح نقله من الوفاق ~~والخلاف وهذا بيان الأصول. ### | 1177- # وأما تنزيلها منازلها [فإنه شوف] الشافعي فإنه قدم كتاب الله تعالى ثم ~~أتبعه بسنة رسوله عليه السلام ثم إذا لم يجدها تأسى بالصحابة رضي الله عنهم ~~في التعلق بالرأي الناشئ من قواعد الشريعة المنضبطة أصولها ولم ير التعلق ~~بكل استصواب لما فيه من الانحلال والانسلال عن ضبط الشريعة ثم رأى قواعد ~~الشريعة منقسمة إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل فاستحث على الاتباع فيما لا ~~يعقل معناه وقد يقيس إذا لاحت الأشباه وأما ما يعقل معناه فمغزاه فيه ~~المعنى [المخيل] # PageV02P178 # المناسب وهو في ذلك يلتفت إلى قواعد الشرع ويدور عليها. ### | 1178- # ومن بديع نظره أنه قد يعن له معنى مخيل ولكن يراه منقوضا [بما لا يعلل] ~~فيلحقه بما لا يعلل وهذا مسلكه في منع القيم في الزكوات فإن غرض الزكاة سد ~~الخلة والحاجة وهو وإن كان معقولا فلا جريان له فرأى الأتباع فيه معنى السد ~~مع الخلاص [من] غرر المخالفة ثم جعل كون الزكاة عبادة عضدا لذلك كالمرجح به ~~ولا حاجة إلى ذكر [مذهب] غيره فإن في هذا تنبيها على مقتضاه. ### | 1179- # طريقة أخرى: وهي تشتمل على نظر كلي إلى الفروع وهذا يتأتى بضبط ورد نظر ~~إلى الكليات فالشريعة متضمنها مأمور به ومنهي عنه ومباح. # فأما المأمور به: فمعظمه العبادات فلينظر الناظر فيها وأما المنهيات ~~فأثبت الشرع في الموبقات منها زواجر ولا يكاد يخفى احتياط كثير من الناس ~~فيها وبالجملة الدم معصوم بالقصاص ومسألة المثقل يهدم حكمة الشرع فيه ~~والفروج ms420 معصومة بالحدود ولا يخفى ما فيها من الاضطراب والأموال معصومة عن ~~السراق بالقطع وقد أثبت من [نعنيه] ذرائع إلى إسقاطه سهلة المدارك وأعيان ~~الأموال مستردة من الغصاب. # وقد بان للفقيه مسالك الناس الذين خالفوا مذهب الشافعي1 فمن نظر إلى ~~الأصول ثم نظر نظرا كليا إلى الفروع لم يخف عليه من يكون أولى بالاتباع وإن ~~قصر [نظر] بعض المستفتين عن فهم ما ذكرناه فلا عليه لو [احتذى] بقول النبي ~~عليه السلام: "الأئمة من قريش" 2 ولم أجد أحدا من أصحاب المذاهب معتزيا إلى ~~طينة قريش بالمسلك الواضح إلا الشافعي ولا خلاف في اختصاصه بذاك وأبو حنيفة ~~من الموالى ومالك كذلك [على ما حكى بعض الناس] فهذه مرامز كافية فيما ~~نحاوله وإذا أردنا أن نعبر عن الأئمة الثلاثة الناخلين المرموقين الذين ~~طبقت مذاهبهم طبق الأرض مالك والشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهم قلنا: ### | 1180 - # أما أبو حنيفة فلا ننكر [اتقاد] فطنته وجودة قريحته في درك عرف المعاملات ~~ومراتب الحكومات فهو في هذا الفن واستمكانه من وضع المسائل بحسنه ~~PageV02P179 # على النهاية ولكنه غير خبير بأصول الشريعة وهي في حقه منقسمة إلى أصل ~~جهله [أو] أغفله وذهل عنه وإلى آخر تمسك به وما رعاه وما [عقله] وانتهض ~~لتبويب الأبواب انتهاض من لم يستمد من القواعد ومن عجيب أمره أنه لم يعتن ~~بجمع الأخبار والآثار ليبني عليها مسائله ولكنه يوصل الفروع بناء على ما ~~يراه ثم يستأنس بما يبلغه وفاقا. ### | 1181- # وأما الإمام مالك فلا يشق غباره في ضبط ما يصح من الأخبار والآثار ~~والأقضية ووقائع الصحابة ولا يدرك آثاره في درك سبل الصحابة والطرق التي ~~منها يتطرق الخلل وإمكان الزلل إلى النقلة فقد كان يقول في مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت بعدد أساطين هذا المسجد من يقول: حدثني أبي ~~فلان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أستجز أن أروى عنهم حديثا. # فقيل له أكنت لا تثق بهم فقال كنت [لا] أتهم صدقهم ولو نشروا بالمناشير ~~ما كذبوا على ms421 رسول الله عليه السلام ولكن لم يكونوا من أهل [هذا] الشأن. # ولكنه ينحل بعض الانحلال في الأمور الكلية حتى يكاد أن يثبت في الإيالات ~~والسياسات أمورا لا تناظر قواعد الشريعة وكان يأخذها من وقائع وأقضية لها ~~محامل على موافقة الأصول بضرب من التأويل فكان يتمسك بها ويتخذها أصولا ~~ويبنى عليها أمورا عظيمة. # كما روى أن عمر رضي الله عنه قال للمغيرة: وكان قد أخذ قذاة من لحيته فظن ~~عمر [به] استهانة فقال: أبن ما أبنت وإلا أبنت يدك. # ونقل عنه مشاطرة خالد وعمرو بن العاص1 على أموالهما فاتخذ ذلك أصلا فرأى ~~إراقة الدم وأخذ أموال بتهم من غير استحقاق لمصالح إيالية حتى انتهى إلى أن ~~قال: أقتل ثلث الخلق في استبقاء ثلثيهم. # وكان من الممكن أن يحمل قول عمر رضي الله عنه2 على التغليظ بالقول ~~PageV02P180 # وكانوا يعتادون ذلك وكذلك من بعدهم. # وأخذه الأموال محمول على علمه بانبساط خالد وعمرو فيما لا يستحقان من مال ~~الخمس وأموال المسلمين ولا يبلغ من حزم عمر درك مبلغ ذلك فإذا أمكن هذا فلا ~~وجه لإطلاق أيدي الولاة في الدماء والأموال. ### | 1182- # وأما الشافعي1 فإنه أعرف خلق الله بأصول الشريعة وأضبطهم لها وأشدهم كيسا ~~[واتقادا] في مآخذها وتنزيلها منازلها [وترتيبها على مراتبها ويشهد ذلك ~~بالثقة فيها سابقا إليه] ولكن لم تتنفس مدته ولم تتسع مهلته فلم يتشوف إلى ~~وضع مسائل بديعة وكان متصديا للإجابة عن كل ما يسأل عنه واخترم وقد نيف على ~~الخمسين وكان ذلك الأمد لا يتسع لأكثر من ضبط الأصول فيها فهان على أصحابه ~~البناء عليها. ### | 1183- # وهذا بيان منازلهم وسنذكر في كتاب الفتوى أنه يتعين على المستفتى نظر كلي ~~في [تخير] قدوته وسنصف ذلك النظر وحده. # ثم نقول: ليس على المستفتى تعلق بمبادئ النظر في كل مسألة يأخذ فيها جواب ~~قدوته وهذا متفق عليه في المظنونات. ### | 1184- # ونقل عن الأستاذ أبي إسحاق أنه قال: إذا اشتملت المسألة على مدرك قطعي ~~وجب على العامي الاحتواء عليه فإن كانت المسألة عملية فتلتحق بالعقائد التي ~~لا يسوغ ms422 العقل التقليد فيها. ### | 1185- # وهذا عندنا سرف ومجاوزة حد فإنا لا نرى أولا في العقائد ما يراه وقد ظهر ~~اختيارنا فيما عليهم من عقائدهم وأما إلحاق قطعيات الشرع بالعقائد فعظيم ~~فإن الشريعة تحتوي على مائة ألف مسألة وأكثر مستندها القطع وتكليف العامي ~~الإحاطة بها في معاملاته التي يمارسها ظاهر الفساد وهو اقتحام خرق الإجماع. # مسألة: ### | 1186- # ذهب معظم الأصوليين إلى أن المجتهد لا يجوز له الاقتصار على ترجيح مذهب ~~على مذهب من غير تمسك بما يستقل دليلا. PageV02P181 # وحكى صاحب المغنى وهو عبد الجبار في كتابه المترجم بالعمد عن بعض أصحابه ~~جواز الاكتفاء بالترجيح وسقوط هذا المذهب واضح فإن الترجيح الحقيقي ينشأ من ~~منتهى الدليل فإذا لم يكن دليل لم يثبت الترجيح تصورا وإن فرض تمسك بمبادئ ~~نظر وسمى ذلك ترجيحا فهو نظر فاسد لقصوره ولا ترجيح بالفاسد والنظر يفسد ~~بقصوره تارة وبحيد عن المدرك المطلوب أخرى. ### | 1187- # فإن قيل: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفاوضهم يكتفون ~~بمسالك الترجيحات وما كانوا يمهدون أدلة مستقلة ثم يبنون عليها ترجيحات وهم ~~الأسوة. # قلنا: هذه دعوى عرية لا أصل لها فإنهم كانوا يبنون أحكاما على معان سديدة ~~وعلى تقريبات شبهية وهذا مدرك الشرع وكانوا لا يعتنون برد المعاني إلى ~~الأصول لا عن جهل بها ولكنهم علموا أن معتمد الأحكام المعاني. # فأما الاقتصار على الترجيحات فادعاؤه عليهم تخرص [بين] [نعم] قد نقول: ~~إذا عريت واقعة عن نظر قويم ولاحت فيه مخيلة على بعد ولا يكون مثلها دليلا ~~فقد يجوز التمسك بها تجويزا للمجتهد استصحاب الحال وإن رأينا أن نذكر في ~~آخر هذا المجموع طرفا صالحا من حكم شغور الزمان عن المفتين وحملة الشريعة ~~ذكرنا طرفا صالحا في ذلك إن شاء الله تعالى. # القول في ترجيحات الأدلة. ### | 1188- # إنما مظنة الترجيحات تعارض صور الأدلة وهي في غرضنا ألفاظ منقولة ومعان ~~مستنبطة. # فأما الألفاظ فتنقسم إلى النصوص التي لا تقبل التأويل وإلى الظواهر. # فأما النصوص فتنقسم إلى ما ينقل قطعا واستوت في النقل ويلتحق بهذا القسم ~~ما ms423 ينقل من غير قطع ولكن تستوي النصوص في [طريق] النقل من غير ترجيح آيل ~~إلى الثقة والتغليب فيها ونحن نرسم ما يتعلق بهذا القسم. # PageV02P182 # مسألة: ### | 1189- # إذا تعارض نصان على الشرط الذي ذكرناه وتأرخا فالمتأخر ينسخ المتقدم1 ~~وليس ذلك من مواقع الترجيح. ### | 1190- # فإن تطرق إلى أحد النصين ظن النسخ من غير قطع فهذا نصفه ونصوره ثم نذكر ~~المذاهب فيه. # قال الشافعي في مسألة المس: قيس بن طلق2 راوي حديث الخصم وهو ممن تقدم ~~إسلامه3 وأبو هريرة4 ممن روى [أحاديثنا] وكان إسلامه بعد الهجرة بست سنين ~~فرأينا إمكان النسخ تطرق إلى ما رواه قيس. # وكذلك صح عن النبي عليه السلام [في مرض موته] أنه قال: "إنما جعل الإمام ~~ليؤتم به فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون" 5. # ولكن الشافعي تعلق بجلوس النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته والمقتدون ~~به قيام وراءه فكان هذا من أواخر أفعاله والحديث الذي رويناه مطلق فيغلب ~~على الظن أنه كان في صحته. # ومن هذا القبيل أخبار الدباغ مع ما رواه عبد الله بن عكيم6 الجهني قال: ~~ورد علينا كتاب النبي عليه السلام قبل موته بشهر "لا تنتفعوا من الميتة ~~بإهاب ولا عصب" 7. PageV02P183 # فأحاديث الدباغ كانت مطلقة غير مقيدة بتاريخ فالغالب على الظن جريانها ~~قبل هذا التاريخ ولكن الشافعي رد حديث عبد الله لأنه كان محالا على الكتاب ~~وناقل الكتاب مجهول ليس بمذكور فالتحق الحديث بالمرسلات فهذا تصوير ما ~~أردناه. ### | 1191- # قال الشافعي: إن تجرد نص ولم يعارضه آخر فإمكان النسخ مردود ومدعيه مطالب ~~بنقل النسخ ولا يكتفى في هذا المقام بغلبة الظن فإن تعارض نصان وتطرق إلى ~~أحدهما مسلك من المسالك التي صورناها فعند ذلك يرى الشافعي ترجيح النص الذي ~~لا يتطرق إليه ظن النسخ على الآخر [ورأيه أولى] من الحكم بتساقط النصين عند ~~تعارضهما. ### | 1192- # وقال قائلون: النصان متعارضان فإن الذي اتجه فيه إمكان النسخ ظنا لا يخفى ~~سقوطه والنص الآخر يهى به ويحط عن منزلته والتمسك بمرتبة أخرى دون النصوص ~~أولى ولا يبقى مع تعارض النصين ms424 إلا ظن ترجيح ومجرد الترجيح لا يجوز التمسك ~~به. ### | 1193- # ووجه الحق في ذلك: أن الحادثة إذا عريت عن مسلك [يعد] من سبل مسالك ~~الأحكام وتعارض خبران نصان وتطرق إلى أحدهما إمكان النسخ وعدم المجتهد ~~متعلقا سواهما فالوجه التمسك بالخبر الذي لا يتطرق إليه ظن النسخ وهذا أولى ~~من تعطيل الحكم وتعرية الواقعة عن موجب الشرع وهذا يناسب القول في مآخذ ~~الأحكام عند عرو الزمان عن المفتين ولعلنا نختتم هذا المجموع بطرف صالح منه ~~يقع به الاستقلال. # فإن وجد المتناظران مسلكا من مآخذ [الأحكام] سوى الخبرين مثل أن يجد ~~للقياس مضطربا فالوجه النزول عن الخبرين جميعا والتمسك بالقياس ثم الخبر ~~الذي بعد عن ظن النسخ يستعمل ترجيحا لأحد القياسين [على الآخر] . # فهذا وجه مدرك الحق في ذلك وهو أصل في كتاب الترجيح وسنسند إليه أمثاله. # PageV02P184 # مسألة: ### | 1194- # إذا تعارض خبران نصان نقلهما الآحاد واستوى الرواة في الصفات المرعية في ~~حصول الثقة ولكن كان أحدهما أكثر رواة. # فالذي ذهب إليه الأكثرون الترجيح بكثرة العدد [وهو مذهب الفقهاء] وذهب ~~بعض المعتزلة إلى منع الترجيح بكثرة العدد واحتجوا في ذلك بالشهادة فإنه لا ~~ترجح بينة على بينة بكثرة العدد. # وهذا الذي ذكروه مما اختلف الفقهاء فيه: ### | 1195- # فذهب معظم أصحاب مالك وشرذمة من أصحاب الشافعي إلى أن البينة المختصة ~~بمزيد العدد في الشهود مقدمة على البينة التي تعارضها. # والمسألة على الجملة مظنونة وللاجتهاد فيها مجال ثم معظم قواعد الشهادات ~~منوطة بالتعبدات والروايات مدار أصولها وتفاصيلها على الثقة المحضة ولهذا ~~لا تعتبر فيها الحرية والعدد في [أصل القبول] وكثرة الروايات توجب مزيدا في ~~غلبة الظن. # وقد قال القاضي رحمه الله تعالى: تقديم الخبر على الخبر بكثرة الرواة لا ~~أراه قاطعا وإنما أراه من مسالك الاجتهاد. ### | 1196- # والوجه في هذا عندنا: أن المجتهدين إذا لم يجدوا متمسكا إلا الخبر وتعارض ~~في الواقعة خبران واستوى الرواة في العدالة والثقة وانفرد بنقل أحدهما واحد ~~وروى الآخر جمع فيجب العمل بالخبر الذي رواه الجمع. # وهذا مقطوع به فإنا على قطع نعلم أن ms425 أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لو تعارض لهما خبران كما وصفنا والواقعة في محل لا تقدير للقياس فيه ولا ~~مضطرب للرأي لما كانوا يعطلون الواقعة بل كانوا يرون التعلق بما رواه ~~الجمع. ### | 1197- # فأما إذا كان في المسألة قياس وخبران متعارضان كثرت رواة أحدهما فالمسألة ~~الآن ظنية فإن الخبر الذي نقله الواحد يضعف بالخبر الذي يعارضه فيبعد أن ~~يستقل دليلا. # والذي يقتضيه هذا المسلك النزول عنهما والتمسك بالقياس وترجيح القياس ~~الذي يعضده الخبر الذي يرويه الجمع ولو تجرد القياس في الجانب الآخر [فهو] # PageV02P185 # متمسك [الحكم ومتعلقه فهذا وجه ولكن قد نظن أن أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كانوا يقدمون] الخبر الذي يرويه الجمع ويضربون عن القياس كدأبهم ~~في تعظيم الخبر وتقديمه ولسنا على قطع في ذلك فإنا لا نثبت أصول الشريعة ~~إلا بمستند قطعي فما قطعنا به أثبتناه وما غلب على ظننا ترددنا فيه ~~وألحقناه بالمظنونات. ### | 1198- # فآل حاصل القول إلى أن الخبر وإن رواه جمع من الثقات إذا عارضه خبر نقله ~~عدل واحد فيسقط ما رواه الجمع عن رتب الأدلة المقطوع بها فإن عدمنا مأخذا ~~سواهما كان تعلقنا بالأرجح تعلق من لا يجد مضطربا سوى الترجيح ومحض الترجيح ~~لا يتعلق به عند فقد الأدلة كما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى. ### | 1199- # فأما إذا وجدنا [أدلة فالمسألة إذ ذاك ظنية منزلة على ما يؤدى إليه ~~اجتهاد الناظر وكذلك إذا وجدنا] القياس موافقا للخبر الذي نقله الواحد ~~فالمسألة ظنية أيضا وإن كان القياس في جانب الخبر الذي رواه الجمع [فلا شك ~~أن الحكم بذلك القياس المرجح بالخبر الذي رواه الجمع] فهذه جوامع القول في ~~ذلك. ### | 1200- # وقد ذكرنا في تعارض الخبرين إذا تطرق إلى أحدهما إمكان النسخ من الجهات ~~التي ذكرناها [أن] الوجه النزول عنهما والتمسك بالأقيسة إن وجدناها ولم ~~[نردد] في ذلك تغليب ظن. # والسبب فيه أنا ظننا ظنا غالبا بالصحابة رضي الله عنهم اعتبار الترجيح ~~بالثقة والعدد ورددنا القول ولم يسنح لنا مثل ذلك فيما يتطرق إليه النسخ ms426 ~~إمكانا إذ تبينا من تفحصهم عن أسباب الثقة ما يغلب على الظن الترجيح بها ~~وتقديم الأخبار على الأقيسة تعظيما لها إذا رجع الأمر إلى التفاوت في ~~الثقة. # [فإن ظهر لنا ظن عندنا في وقائع] بلغته أنهم نظروا في إمكان النسخ نظرهم ~~في الثقة نزلنا تلك [المسألة] هذه المنزلة وعاد القول إلى التعارض إلا فيما ~~يمنع منه متمسك لما قدمنا تمهيده من أن التعارض في التساقط [أقوى] في نظر ~~الناظرين من الاعتصام بترجيح ظني فهذا منتهى المراد. ### | 1201- # ومما نذكره في فروع هذا الفصل أنه إذا روى راويان خبرين وكل. # PageV02P186 # واحد منهما [ثقة] مقبول الرواية لو انفرد ولكن في أحدهما مزية ظاهرة في ~~قوة الحفظ والضبط والاعتناء بالوعي فهذا مما يرى أهل الحديث مجمعين على ~~التقديم [فيه] . # وهو كما روى عبيد1 الله بن عمر العمري [مع ما رواه أخوه عبد الله2 بن عمر ~~العمري] في سهم الفارس من المغنم3 فقال الأئمة: حديث عبيد الله مقدم وإن ~~كان أخوه عبد الله عدلا فإن بينهما تفاوتا بينا قال محمد بن إسماعيل ~~البخاري: بينهما ما بين الدينار والدرهم والفضل لعبيد الله وهذا وإن ظهر من ~~خدمة الحديث فإذا رجع الأمر إلى العلم فالقول عندي في الخبرين مع اختصاص ~~إحدى الروايتين بالمزية كالقول في اختصاص أحد الخبرين بكثرة الرواة مع ~~الاستواء في الصفات المرعية وقد سبق ذلك مفصلا. # غير أن التمسك بحديث عبيد الله حتم من جهة أن القول متعلق بالتقدير وهو ~~متلقى من توقيف الشارع ولا مجال للقياس فيه والرأي لا يضبط منتهى الغناء ~~والكفاية. ### | 1202- # فهذا من المنازل التي يتعين فيها الاستمساك بالخبر ولا نظر لذي الرأي على ~~استرسال كلى وهو موافق لمذهب الشافعي فإن نظرنا إلى الغناء فلا يكاد يخفى ~~أن غناء الفارس يزيد على ضعف غناء الراجل فلا موقف ينتهى [إليه] فيستعمل ~~الرأي كليا ويستعمل الخبر توقيفا ينتهى إليه. ### | 1203- # ومما يتصل بذلك [أنه] إذا روى أحد الخبرين ثقة وروى الآخر جمع. ~~PageV02P187 # لا يبلغ آحادهم مبلغ راوي الخبر الآخر في الثقة والعدالة فاجتمع مزية ms427 ~~الثقة وقوة العدد فمن أهل الحديث من يقدم مزية العدد ومنهم من يقدم مزية ~~الثقة. # والمسألة لا تبلغ مبلغ القطع والغالب على الظن التعلق بمزية الثقة إذا ~~ظهرت فإن الغالب على الظن أن الصديق رضي الله عنه لو روى خبرا وروى جمع على ~~خلافه خبرا لكان الصحابة يؤثرون رواية الصديق. # ومأخذ الكلام في جميع هذه الفنون واحد فليرجع الناظر إلى المعتبر الممهد ~~أصلا وتفصيلا وليميز مواقع القطع من الظن. # مسألة: # في تقديم أحد الخبرين على الآخر بموافقة أقضية الصحابة رضي الله عنهم. ### | 1204- # القول في حقيقة هذه المسألة يستدعى مقدمة من كتاب الإجماع فنقول: إن ~~اجتمع علماء العصر على [مذهب] واستمر الإجماع على الشرائط المرعية فلا يبقى ~~للتعلق بالخبر والحالة هذه وقع فإن الخبر إن كان منقولا آحادا فلا خفاء بما ~~ذكرناه. # ولو فرضنا خبرا متواترا وقد انعقد الإجماع على خلافه فتصويره عسر فإنه ~~غير واقع ولكنا على التقدير نقول لو فرض ذلك فالتعلق بالإجماع أولى فإن ~~الأمة لا تجتمع على الضلالة ويتطرق إلى الخبر إمكان النسخ فيحمل الأمر على ~~ذلك قطعا لا وجه غيره ونقطع بهذا. ### | 1205- # فإن قيل: الخبر المتواتر النص من الأدلة القاطعة وكذلك الإجماع فلم قدمتم ~~الإجماع؟. # قلنا: لأن الخبر عرضة لقبول النسخ والإجماع لا ينعقد متأخرا إلا على قطع ~~فلا يتصور حصول الإجماع على باطل وتطرق النسخ إلى الخبر ممكن فالوجه حمل ~~الإجماع على القطع الكائن وحمل الخبر على مقتضى النسخ استنادا أو تنبيها ~~على تقدير استثناء والمستحيل حصول الإجماع على حكم مع خبر نص على مناقضته ~~مع الإجماع على أنه غير منسوخ فهذا مما لا يتصور وقوعه حتى يتكلم فيه في ~~تقديم أو تأخير وإنما الكلام في خبر مطلق. # ثم الذي أراه [أن] من ضرورة الإجماع على مناقضه الخبر النص المتواتر أن # PageV02P188 # يلهج أهل الإجماع بكونه منسوخا فهذا قولنا في الإجماع. ### | 1206- # أما إذا فرض خبر على شرط الصحة نقله الآحاد وجرت أقضية [أئمة من] الصحابة ~~على مخالفته فكيف الوجه؟ # ذهب مالك رحمه الله إلى تقديم ما ms428 صار إليه أهل المدينة يعني علماءها وروي ~~عنه في تحقيق ذلك تمسك بأخبار تشير إلى تعظيم المدينة وأهلها فإن صح ذلك ~~فهو ضعيف وإن كان مذهبه النظر في مذاهب العلماء الذين كانوا وإنما أجرى ذكر ~~[أهل] المدينة لتوافر العلماء بها في ذلك الزمن فهذا قريب على ما سيأتي ~~الشر حليه إن شاء الله. ### | 1207- # وقال الشافعي رحمه الله: لا نظر إلى الأعمال والأقضية إذا لم يتفق عليها ~~أهل الإجماع والتعلق بالخبر أولى. # ونحن نذكر ما تمسك به الشافعي ثم نذكر بعده المختار عندنا. # قال الشافعي: الحجة في الخبر وما نقل من عمل على خلافه فهو منقول عن ~~أقوام ليست أقوالهم حجة ولا معنى لترك الحجة لما ليس بحجة. # ويمكن أن يعبر عن هذا فيقال: العاملون بخلاف الخبر محجوجون به ولا يقدم ~~قول محجوج بحجة على الحجة. # وقال الشافعي في بعض مجاري كلامه: لو [عاصرت] العاملين بخلاف الخبر ~~لحاججتهم وجادلتهم العين, العين ولا يتعين ذلك بانقراضهم. # وقد يقول: لو وجدت قياسا يخالف أقضية أقوام من الأئمة لتمسكت به ولم أبال ~~بمن ينازعني والخبر مقدم على القياس فإذا قدمت القياس على قولهم فكيف أترك ~~الخبر المقدم على القياس بقولهم؟. # وقال رضى الله عنه: إن كان تقديم أقضية الصحابة لتحسين الظن بهم ولا تجب ~~لهم العصمة فتحسين الظن بخبر الشارع المعصوم [أولى] . ### | 1208- # والرأي الحق عندنا [في ذلك] يوضحه تقسيم فنقول: # إن تحققنا بلوغ الخبر [طائفة من أئمة الصحابة وكان الخبر] نصا لا يطرق ~~إليه تأويل ثم ألفيناهم يقضون بخلاف مع ذكره والعلم به فلسنا نرى التعلق ~~بالخبر إذ # PageV02P189 # لا محمل لترك العمل بالخبر إلا الاستهانة والإضراب وترك المبالاة أو ~~العلم بكونه منسوخا وليس بين هذين التقديرين لاحتمال ثالث مجال. # [وقد] أجمع المسلمون قاطبة على وجوب اعتقاد تبرئتهم عن القسم الأول ~~فيتعين حمل عملهم مع الذكر والإحاطة بالخبر على العلم بورود النسخ وليس ~~[ما] ذكرنا تقديما لأقضيتهم على الخبر وإنما هو استمساك بالإجماع على وجوب ~~حمل عملهم على وجه يمكن من الصواب [فكأنا] تعلقنا بالإجماع ms429 في معارضة ~~الحديث وليس في تطريق إمكان النسخ إلى الخبر غض من قدره عليه السلام وحط من ~~منصبه وقد قدمنا في كتاب الإجماع أن الإجماع في نفسه ليس بحجة ولكن [إجماع] ~~أهله يشعر بصدر ما أجمعوا عليه [عن] حجة. # فهذا قول في قسم وهو: إذا بلغهم الخبر وعملوا بخلافة ذاكرين له. ### | 1209- # فأما إذا لم يبلغهم أو غلب على الظن أنه لم يبلغهم فالتعليق بالخبر حينئذ ~~وظني بدقة نظر الشافعي في أصول الشريعة أنه رأى التقديم للخبر في مثل هذه ~~الصورة. ### | 1210- # وإن غلب على الظن أن الخبر بلغهم وتحققنا أن عملهم مخالف له فهذا عندي ~~مقام التوقف والبحث فإن لم نجد في الواقعة متعلقا سوى الخبر والأقضية ~~فالوجه التعلق بالخبر وإن وجدنا مسلكا في الدليل سوى الخبر فالتمسك به ~~أولى. ### | 1211- # ومما ينبغي أن يتنبه الناظر له: أن مذاهب الصحابة إذا نقلت من غير إجماع ~~فلا نرى التعلق بها وإذا نقلت في معارضة خبر نص على المخالفة التي لا تقبل ~~تأويلا فتعين التعلق بالمذاهب وليس هذا على الحقيقة تعلقا بالمذاهب وإنما ~~هو تعلق بما صدرت المذاهب عنه وما ذكرناه في أئمة الصحابة يطرد في أئمة ~~التابعين وأئمة كل عصر ما لم تقف على خبر. # وبيان ذلك بالمثال: أن مالكا رضي الله عنه يرى تقديم أقضية الصحابة رضي ~~الله عنهم على الخبر مطلقا من غير تفصيل وقد لا نأمن أن يكون بعض تلك ~~الأقضية ممن لم يبلغه الخبر أو بلغه ونسيه. # فإذا لم يفصل مالك تبينا أنه لم يكن مطلعا على حقيقة هذا الأصل فلا جرم ~~نقول: إذا روى مالك خبرا وخالفه لم نبل بمخالفته من حيث لا نثق بتحقيق منه ~~في. # PageV02P190 # مأخذ الباب ولذلك ثبت خيار المجلس بما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر عن ~~الرسول عليه السلام ولم يقل مالك بخيار المجلس. ### | 1212- # ومما يجب تنزيله على هذا القسم: أن جمعا لو بلغهم خبر ثم صح عندنا عملهم ~~بخلافة بعد تطاول زمن وجوزنا ذهولهم عنه ونسيانهم له فليخرج ذلك على ~~التقاسم ms430 في تطاول غلبة الظن كما سبق. # وما ذكرناه في جمع فهو في المجتهد الواحد الموثوق بعدالته وأمانته ~~بمثابته في جمع. ### | 1213- # ولو صح خبر وعمل به جمع ولم يعمل به جمع والفريقان ذاكران الخبر والمسألة ~~مفروضة حيث لا احتمال إلا النسخ. # فالذي أراه تقديم عمل المخالفين فإنه لا يحمل أمرهم إلا على ثبت وتحقيق ~~وعمل العاملين يحمل على التمسك بظاهر الخبر. ### | 1214- # وليعلم الناظر إذا انتهى إلى هذا المقام أن الكلام في هذه المضايق ينتهي ~~إلى حال يعسر التصوير فيها فلا ينبغي للإنسان أن يسترسل في قبول كل ما ~~يتصور عليه. # ومن هذا القبيل ما انتهينا إليه فإنه يبعد قطع قوم بالمخالفة مع تصحيح ~~الخبر وقطع آخرين بالعمل فلا بد أن يشيع المخالفون ما عندهم ويبحث عنه ~~العاملون. # [نعم قد يتفق عمل العاملين في صقع من غير غوص وتحقيق وبحث عن حالة ~~المخالفين] . # فهذا منتهى القول في ذلك وهو مقدمة غرضنا في الترجيح. ### | 1215- # فإذا تعارض خبران صحيحان وعمل بأحدهما أئمة من الصحابة. # فقد رأى الشافعي ترجيح ذلك الخبر على الخبر الذي [عارضه و] لم يصح العمل ~~به واستشهد بما رواه أنس1 في نصب الغنم إذ عارضه ما رواه علي2 رضي ~~PageV02P191 # الله عنه فيها وعمل الشيخين يوافق ما رواه أنس [فقال رضي الله عنه أقدم ~~حديث أنس] . # وهذا مما يجب التأني [فيه] فليس ما استشهد به مما يقال فيه إن عمل ~~الصحابة خالف خبرا إذ لم يصح عندنا أنهم بلغهم حديث على رضي الله عنه ثم لم ~~يعلموا به ولكن قد يظن ذلك ظنا. ### | 1216- # فإن قيل: فما الوجه والحالة كما وصفتم؟. # قلنا: نرى الحديثين متعارضين فإن معارضة أحدهما الثاني ليس مما يسقطه ~~ترجيح ظني في أحد الجانبين ثم لو صح أنه بلغهم الحديثان ثم عملوا بأحدهما ~~فليس هذا من الترجيح ولكنه يتعلق بالقسم المتقدم وهو أن أقضية أئمة الصحابة ~~بخلاف الخبر مع العلم به والذكر له كيف الوجه فيه وقد تقدم ما فيه بلاغ. ### | 1217- # ومما يجب التفطن له أن النصب مقادير ولا مجال ms431 فيها للرأي والخبران وإن ~~رأينا تعارضهما فيخرج وجوب العمل بما عمل به الصحابة رضي الله عنهم على ~~الرأي المتقدم في أنا إذا عدمنا مسلكا للحكم ولم نظفر إلا بما يقع ترجيحا ~~لا استقلال له ولو ثبتت الأدلة فالتمسك بما لا يستقل أولى من تعريه الواقعة ~~عن حكم. # فالوجه إذا التعلق بحديث أنس لما ذكرنا آخرا والله أعلم. # مسألة: ### | 1218- # إذا تعارض خبران نصان وانضم إلى أحدهما قياس يوافق معناه [الخبر] فقد ~~اختلف العلماء في ذلك: # فالذي ارتضاه الشافعي أن الحديث الذي وافقه القياس مرجح على الآخر واستدل ~~بأنه قال إذا اختص أحد الحديثين بما يوجب تغليب الظن تلويحا فهو مرجح على ~~الآخر ومجرد التلويح لا يستقل دليلا فإذا اعتضد أحد الحديثين بما يستقل ~~دليلا فلأن يكون مرجحا أولى. ### | 1219- # وقال القاضي: إذا تعارض الخبران كما ذكرناه في تصوير المسألة تساقطا ويجب ~~العمل بالقياس والمسلكان يفضيان إلى موافقة حكم القياس ولكن الشافعي يرى ~~متعلق الحكم بالخبر المرجح بموافقة القياس والقاضي يرى العمل بالقياس وسقوط ~~الخبرين. # PageV02P192 # واستدل القاضي بأن قال: الخبر مقدم في مراتب الأدلة على القياس [فيستحيل] ~~ترجيح خبر على خبر بما يسقطه الخبر ومن أحاط بمراتب الأدلة لم يتعلق ~~بالقياس في واقعة فيها خبر صحيح فإن القياس مع الخبر الصحيح المستقل الواقع ~~نصا في حكم اللغو الذي لا حاجة إليه وما يقدم على القياس إذا خالفه فهو ~~مقدم عليه أيضا إذا وافقه فالقياس إذا لا وقع له مع ثبوت الخبر والتعارض ~~يوجب سقوط التعلق بالخبرين فإذا سقطا فالتعلق بعد سقوطهما. ### | 1220- # والقول في ذلك عندي لا يبلغ مبلغ الإفادة ويجوز لمن ينصر نص الشافعي في ~~ذلك أن يقول: إنما يقدم الخبر إذا لم يعارضه خبر فإذا تعارضا افتقر أحدهما ~~إلى التأكيد بما يغلبه على الآخر. # فهذا منتهى القول ولا قطع والعمل بما اجتمع عليه الخبر والنظر. # ونبني على هذا مسائل نسردها ونبين الحق فيها منها: # [مسألة] : ### | 1221- # أنه إذا تعارض خبران واعتضد أحدهما بقياس الأصول وكان أقرب إلى القواعد ~~الممهدة. # قال الشافعي: يقدم ما ms432 يوافق القواعد. # ومثال ذلك: الخبران المتعارضان [في صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع فالذي ~~رواه ابن عمر فيه ترددات كثيرة والترددات تخالف نظم الصلاة ورواية خوات ابن ~~جبير ليس فيها حركات وترددات فرأى الشافعي رضي الله عنه تقديم خبر خوات ~~وهذا يتصل تحقيقه بموافقة القياس لإحدى الروايتين ومخالفة الأخرى فكان ~~العمل بموجب القياس أولى ثم يئول الكلام إلى أن رواية خوات مرجحة بالقياس ~~أم الروايتان متعارضتان والتعلق بالقياس بعدهما؟ ### | 1222- # ويجري في هذه الواقعة نوعان من النظر: أحدهما: أنه لا يمتنع جريان ~~الصلاتين الموصوفتين في الروايتين. # وقد مال الشافعي في بعض أجوبته إلى تجويزهما جميعا ثم آثر رواية خوات من ~~طريق التفصيل وهذا متجه حسن فإنه يبعد أن تختلف روايتان في واقعة واحدة ~~اختلاف رواية ابن عمر وخوات. # PageV02P193 # وإذا روى عدلان لفظين من غير تاريخ فالظن بهما الصدق ويقدر [تقدم] أحدهما ~~[وتأخر] الآخر فإذا اعتاص معرفة ذلك منهما قيل: تعارضا. # فأما إذا تعلقت الروايتان بحكاية واحدة وظهر التفاوت في النقل فالوجه أن ~~يحمل الأمر على جريانهما جميعا ويرد الترجيح إلى الفضيلة فهذا وجه. # ومما يتعلق بما نحن فيه أنا إذا حملنا الرواية المختارة على الجواز ولم ~~نجوز غيرها فليس في روايتنا منع لما رواه ابن عمر فإذا لا تعارض في الحقيقة ~~إلا من وجهة واحدة وهي أن يدعي الاتحاد وتنسب إحدى الروايتين إلى الوهم ~~والزلل ثم لا يتعين لذلك أحدهما فيتمسك بالقياس وهذا بعيد عما تعبدنا به من ~~تحسين الظن بالرواة والمختار تجويز ما اشتملت عليه الروايتان ورد الأمر إلى ~~التفصيل. ### | 1223- # وقد ذكر القاضي وجها في تقديم رواية ابن عمر رضي الله عنهما وهو أنه قال: ~~إنها نافلة عن المألوف في القواعد فيجب حملها على تثبيت الناقل والرواية ~~الأخرى ليست كذلك وقد يشعر بعدم التثبيت وبناء الأمر مطلقا على ما عهد في ~~الشرع. # وهذا غير سديد وهو تحويم على تخصيص عدل بوهم وزلل بموافقة الأصول فيما ~~رواه ثم [في] رواية خوات أنواع من الإثبات لا تعهده في القوانين والقواعد ~~فلا وجه ms433 لما ذكره. # مسألة: ### | 1224- # ومنها: إذا تعارض خبران ووافق أحدهما حكم اقترن من كتاب الله تعالى فقد ~~رجح بعض العلماء الخبر الذي وافقه حكم القرينة. # ومثال ذلك الخبران المتعارضان في العمرة فيروى أن النبي عليه السلام قال: ~~"الحج جهاد والعمرة تطوع" 1 وعارضه ما روى أنه عليه السلام قال: "الحج ~~والعمرة نسكان فرضان لا يضرك بأيهما بدأت " 2 ثم خبر الفريضة وافق حكم ~~القرآن في كتاب الله تعالى فإنه قال: {وأتموا الحج والعمرة لله} 3. ~~PageV02P194 # وهذا فيه نظر فإن إتمام الحج يتعرض لفرضه ابتداء لا في الحج ولا في ~~العمرة وهما مقترنان وفاقا في وجوب الإتمام بعد الشرع فيهما ولم نذكر هذا ~~إلا أن الشافعي ذكره فتيمنا بإيراد كلامه. # مسألة: ### | 1225- # إذا تعارض خبران ولم يترجح احدهما على الثاني ولم يتطرق إلى واحد منهما ~~نسخ فيما يعلم أو يظن وعريت الواقعة عن دلالة أخرى فحكمهما عند الأصوليين ~~الوقف عن الحكم فيها وإلحاق الصورة بالوقائع كلها قبل ورود الشرائع وهذا ~~حكم الأصول. ### | 1226- # ولكن ما أراه: أن الشريعة إذا كانت متعلقة بالمفتين ولم يشغر عنهم ~~[الزمان] فلا يقع مثل هذه الواقعة [إذ] لو فرض تجويز ذلك لوجب في حكم ~~العادة وقوعه لا محالة فإذا لم يقع مثله في الأزمان على تطاولها وقد اشتملت ~~على كل ممكن على التكرر [فارتقاب] واقعة شاذة لا نظير لها ولا مداني محال ~~في حكم العادة وسيأتي شرح ذلك في كتاب الفتوى. # وإن تحقق التعارض والتساوي بين النصين وانحسم مسلك التأويل ووجدنا للحكم ~~متعلقا من طريق القياس [أو الاستدلال] وآخر مسلكه استصحاب الحال فهذا مما ~~تقرر القول فيه قبل من أن الخبر الذي يوافقه مرجح به أو الخبران يتساقطان ~~بالتعارض والمعنى مجرد للتعلق به. # PageV02P195 ### | فصل: في تعارض الظواهر ### | 1227- # [كل ما] قدمناه في تعارض النصوص. # وأما إذا تعارض ظاهران يتطرق التأويل إلى كل واحد منهما فتتسع مسالك ~~الترجيح فإن مبنى التعلق بالظاهر على غلبات الظنون وهي حرية بالترجيحات. # فإذا تعارضا وتأيد أحدهما بمزية ثقة في الراوي أو العدد في الرواة فالوجه ~~التمسك ms434 بما تأيد بهذه الجهات وليس كالنصين فيما قدمناه فإنا تحققنا [من] ~~طرق الماضين أنهم في غلبات الظنون كانوا يبغون ترجيح ظن على ظن. # PageV02P195 # وإنما توقفنا في تعارض النصوص من جهة أن معارضة النص بالنص يوهي التعلق ~~به واقتضاؤه إياه يزيد على ما يتعلق به الترجيح وأيضا فإنا لم نتحقق مثالا ~~في تعارض النصيين مع ترجيح أحدهما بمزية البينة والعدد ولم ينقل لنا مسلك ~~الأولين في مثل ذلك حتى نتخذه معتبرا. # [وأما ما] يتعلق بالظنون [فقد] استبنا على قطع استرسال الأولين في ~~الاستمساك بما يتضمن مزية في تغليب الظن فإذا تعارض ظاهران ولم يكن أحدهما ~~في الثبوت والتعرض للتأويل بأولى من الثاني ولم يتطرق إلى أحدهما ما يوجب ~~تغليب الظن فتعارضهما والحالة هذه كتعارض النصين على ما تقدم. # مسألة: ### | 1228- # إذا تعارض ظاهران أحدهما من الكتاب والآخر من السنة فقد اختلف أرباب ~~الأصول. # فقال بعضهم: يقدم كتاب الله تعالى وقال آخرون: تقدم السنة وقال آخرون: ~~هما متعارضان. ### | 1229- # فأما من قدم الكتاب فمتعلقه قول معاذ1 إذ قال: "أحكم بكتاب الله فإن لم ~~أجد فبسنة رسول الله فإن لم أجد اجتهد رأيي" 2 واشتهر في أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم الابتداء بالكتاب ثم طلب السنة إن لم يجدوا متعلقا من ~~الكتاب. ### | 1230- # ومن قدم السنة احتج بأن السنة هي المفسرة للكتاب وإليها الرجوع في بيان ~~مجملات الكتاب وتخصيص ظواهره وتفصيل محتملة. ### | 1231- # والصحيح عندنا الحكم بالتعارض فإن الرسول عليه السلام ما كان يقول من ~~تلقاء نفسه شيئا وكل ما كان يقول فمستنده أمر الله تعالى وما ذكره معاذ ~~فمعناه أن ما يوجد فيه نص من كتاب الله تعالى فلا يتوقع فيه خبر يخالفه ~~فمبني الأمر فيه على تقديم الكتاب ثم آي الكتاب لا تشتمل على بيان الأحكام ~~والأخبار أعم وجودا [منها] ثم طرق الرأي لا انحصار لها فجرى الترتيب منه ~~بناء على هذا في الوجود. PageV02P196 # ونحن فرضنا المسألة في ظاهرين ليسا نصين وكذلك ما ادعاه من ابتدار ~~الصحابة الكتاب فهو منزل على ما ذكرناه. # فأما ms435 كون السنة مفسرة فلا تعلق [فيه] فإنا نقول أن روى تفسيرا للكتاب فلا ~~خلاف في قبوله وتنزيل الكتاب عليه ومعظم التفاسير منقولة آحادا وليس هذا من ~~غرضنا وكذلك لو كان الخبر الذي نقله الأثبات نصا في معارضه ظاهر فالنص مقدم ~~على الظاهر من الكتاب والسنة. # وقد ذكرنا هذا في تخصيص العموم وأشرنا إلى خلاف فيه والذي ذكرناه الآن هو ~~المختار. ### | 1232- # وقال القاضي رحمه الله: إن تعارض ظاهر خبر نقله الآحاد فهما متعارضان ~~وهذا لست أراه كذلك فإن الظاهرين متساويان في تطرق التأويل إلى كل واحد ~~منهما والكتاب يختص [بثبوته على جهة القطع] ولا أعرف خلافا [أنه] إذا تعارض ~~ظاهران من الأخبار أحدهما منقول تواترا والآخر منقول آحادا فالمتواتر يقدم ~~فليكن الأمر كذلك في تقديم الكتاب على السنة. # مسألة: ### | 1233- # قال الله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} 1 ~~الآية وهذه الآية من آخر ما نزل ولا خلاف أنها ليست منسوخة. # وقد تعلق مالك رحمه الله بموجبها ونزل مذهبه عليها فحرم ما اقتضت الآية ~~تحريمه وأحل ما عداه ورأى الشافعي رحمه الله التعلق بأخبار نقلها الآحاد ~~وترك موجب الآية لها. # منها: أنه عليه السلام نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من ~~الطير2 وحرم الفواسق3 وحرم الحمر الأهلية4 والأخبار في تحريمها PageV02P197 # بعد التحليل في الصحاح. # وتقديم أخبار الآحاد على نص الكتاب مشكل في غير محل الإجماع وليس القرآن ~~في مرتبة الظواهر في هذا الغرض ولكنه يشتمل على النفي والإثبات والإبقاء ~~والاستثناء وهذا أبعد في التأويل من الأخبار التي رويت في معرض المناهي. # وصيغ النهي ليست نصوصا في التحريم والتنزيه غالب في كثير من المطعومات. ### | 1234- # والذي اعتمده الشافعي في الكلام على الآية تنزيلها على [سبب] في النزول ~~يدل عليه ما قبل الآية التي فيها الكلام وما بعدها وذلك أنه قال: زعمت ~~اليهود أن الشحوم محرمة وذكر تفاصيلهم في البحيرة والسائبة ونسبوا النبي ~~عليه السلام إلى أنه بغير حكم الله تعالى من تلقاء نفسه ms436 وأباح طوائف من ~~الكفار الميتة وجادلوا المسلمين فيها وكانوا يقولون: تستحلون ما تقتلون ولا ~~تستحلون ما يقتله الله تعالى وأباح آخرون الخنزير والدم فأنزل الله تعالى ~~أنه لم يحرم إلا ما أحلوه وأنهم مراغمون لما أنزل الله تعالى على نبيه عليه ~~السلام وتجري الآية على مذهب من يقول لمن يخاطبه لم تأكل اليوم حلاوى؟ ~~فيقول المجيب: لم آكل اليوم إلا الحلاوى. ### | 1235- # وهذا [استكراه] عندي في الكلام على الآية ولكن يعضده عندي ما هو مجمع ~~عليه في أمور ومذهب مالك مسبوق بالإجماع فيها فإنا لا نشك في اجتناب أصحاب ~~النبي عليه السلام أكل الحشرات وغيرها واعتقادهم أنها بمثابة المحرمات ~~وكذلك الخمر محرمة وليس لها ذكر في هذه الآية ونزولها مسبوق يتحريم الخمر ~~فإذا ظاهر الآية متروك بالإجماع ولا يعتد [مع تحققه] بخلاف مالك بعده ~~فينتظم من ذلك الآية على ما ذكره الشافعي. # مسألة: ### | 1236- # إذا ورد عام وخاص في حادثة وتسلط الخاص [على العام] إجماعا وورد مثله عام ~~وخاص فالوجه تنزيل العام على موجب الخاص. # ومثال موضع الخلاف والوفاق ما نصفه الآن أما المتفق عليه فتنزيل قوله # PageV02P198 # قوله عليه السلام: "في الرقة ربع العشر" 1 على قوله: "ليس فيما دون خمس ~~أواق من الورق صدقة" 2 والحديث الأول يعم القليل والكثير والحديث الثاني ~~يخص الزكاة بالنصاب فهذا متفق عليه وسببه أن المقيد من الخبرين نص في نفي ~~الزكاة عما قصر عن خمس أواق والخبر الأول ظاهر غير مقصود والغالب على الظن ~~أن المراد بيان قدر الزكاة. ### | 1237- # فأما ما أختلف العلماء فيه وهو [في] معنى ما وصفناه فقوله عليه السلام: ~~"فيما سقت السماء العشر" مع قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" ~~3. # فلم يعتبر أبو حنيفة النصاب وتعلق بظاهر قوله عليه السلام: "فيما سقت ~~السماء العشر" 4 وقال الشافعي أقصى الممكن منه تسليم ظاهره. # على أن الأمر على خلاف ذلك فإنه لا يخفى على الفاهم أن الغرض من مساق ~~الحديث الفصل بين العشر وبين نصف العشر فإنه عليه السلام قال: "فيما ms437 سقت ~~السماء العشر وفيما سقى بنضح أو دالية نصف العشر"5 وخمسة أوسق نص فلا عذر ~~لأبي حنيفة في تركه. # وضرب الشافعي ما [في الورق] من الخبرين مثالا ورأى ما ذكره مسلكا قطعيا ~~وألحق الشافعي بهذا الفن قوله عليه السلام: "في أربعين شاة, شاة" 6 مع ~~قوله: "في سائمة الغنم الزكاة". # وهذا دون القسم الأول فإن اشتراط السوم متلقى من المفهوم ونفي الزكاة عما ~~PageV02P199 # دون خمسة أوسق منصوص عليه على وجه لا يقبل التأويل. # مسألة: # - 1238 إذا تعارض عمومان من الكتاب [أو السنة] فظاهرهما التناقض والتنافي ~~مثل قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} 1 فهذا ظاهر في وضع السيف ~~فيهم حيث يثقفون. # وقال في آية أخرى حتى: {يعطوا الجزية عن يد} 2 فظاهر الآية أخذ الجزية من ~~كل كافر كتابيا كان أو وثنيا. # وقال عليه السلام: "خذ من كل حالم دينارا" 3. # وظاهر هذا جواز أخذ الجزية من أصناف الكفار من غير تفصيل. # وقال عليه السلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" 4 ~~وظاهر هذا أن الجزية لا تؤخذ وأن ليس بيننا وبين الكفار إلا السيف أو ~~الإسلام. ### | 1239- # وقال بعض الفقهاء فيما ذكرناه وأمثاله: الوجه الجمع بين الظاهرين في ~~المقدار الممكن فنأخذ الجزية من أهل الكتاب لآية الجزية ونضع السيف فيمن ~~ليس متمسكا بكتاب ولا شبهة كتاب لظاهر الآية الواردة في القتل. # وزعم هؤلاء أن هذا يتضمن استعمال مقتضى كل واحدة من الآيتين وكذلك القول ~~في الخبرين وهؤلاء يرون تصرفا في الظواهر مستقلا بنفسه غير محتاج إلى إقامة ~~دلالة. ### | 1240- # وهذا مردود عند الأصوليين فالظاهر إذا تعارضهما إلا أن يتجه تأويل وينتصب ~~عليه دليل كما أوضحنا سبيل ذلك في كتاب التأويلات. # وما ذكره الفقهاء من الجمع احتكام لا أصل له ولو لم يقم عليه دليل لكان ~~PageV02P200 # ذلك الممسك متضمنا تعطيل الظاهرين وإخراجهما من حكم العموم من غيره دليل ~~وليس أحد الظاهرين أولى بالتسليط على الثاني من الآخر وكل عموم خص فلا بد ~~من عضد تخصيصه بدليل ونحن إنما نخص ms438 الجزية بالكتابيين بأخبار وآثار مسطورة ~~في كتب الفقه. # والغرض من هذا الفصل إجراء الظاهرين على تعارضهما من غير أن يجعل أحدهما ~~دليلا في تخصيص الثاني ثم يجعل الثاني دليلا في تخصيص الأول وهذا لا سبيل ~~إليه. # ولكن اتجه في كل ظاهر تخصيص افتقر ذلك التخصيص إلى دليل غير الظاهرين وإن ~~لم يتجه تعلقنا بالترجيح إن وجدناه فإن لم نجد نزلنا عن التعلق بالظاهرين. # مسألة: ### | 1241- # إذا تعارض ظاهران وأحدهما وارد على سبب خاص والثاني غير مطلق وارد على ~~سبب. # أما من قال بتخصيص اللفظ العام بمورده فلا شك أنه يخصصه به. # وأما من رأى التمسك بالعموم دون السبب فإذا تعارض عمومان كما وصفناه ~~والتفريع على أن الاعتبار بعموم اللفظ فإنه يوهيه ويحطه عن رتبة عموم اللفظ ~~المطلق والترجيح يغلب على الظن من منشأ الدليل. # واللفظ العام يغلب على الظن حمله على مقتضى شموله فإذا عارضه لفظ آخر ~~ينحط عنه في غلبة الظن آخر عن الأول. # وهذا هو السر الأخفى في الترجيحات فلا وجه للترجيح من طريق النظر في ~~النصوص إلا أن يحمل ذلك على عمل المجمعين والظاهر يقوى وقع الترجيح فيها ~~وهو متضح في طريق النظر فإن المتعلق فيه غلبة الظن وقد تحقق من الأولين في ~~تعارض الظواهر الاستمساك بالأظهر فالأظهر. # مسألة: ### | 1242- # إذا تعارض ظاهران وفي أحدهما ما يقتضي التعليل في [صيغة التعميم] فهو ~~مرجح على العام الذي عارضه وليس فيه اقتضاء التعليل والسبب فيه أن التعليل. # PageV02P201 # في صيغة العموم من أقوى الدلالات على ظهور قصد التعميم حتى ذهب ذاهبون ~~إلى أنه نص ممتنع تخصيصه فإن قدر نصا فلا شك في تقديمه على الظاهر المعرض ~~للتأويل وإن اعتقد ظاهرا فهو مرجح على معارضه لاختصاصه بما يوجب تغليب ~~الظن. ### | 1243- # وكشف الغطاء في هذا عندنا وهو مما أراه سر هذه الأبواب ولم نسبق بإظهاره ~~فنقول إذا صدر من الشارع كلام غير مقيد بسؤال ولا حكاية حال ولاح قصد ~~التعميم من إجرائه الحكم الذي فيه العموم مقصودا [لكلامه] [فما] يقع كذلك ~~فاللفظ في المتماثلات ms439 نص وليس من الظواهر والضابط فيه أنما لا يخلو عن ذكر ~~المتكلم وعلمه وقت قوله واللفظ في الوضع يتناوله وقد لاح بانتفاء التقييدات ~~وقرائن الأحوال قصد التعميم فلو تخيل متخيل قصر اللفظ على بعض المسميات ~~المتماثلة لكان ذلك عندنا خلفا وتلبيسا وإنما يسوغ الخروج عن مقتضى اللفظ ~~وضعا فيما يجوز تقدير ذهول المتكلم عنه وهذا في حكم التعميم بناء عظيم. # وتمام الغرض فيه بذكر معارض لذلك على المناقضة فنقول مستعينين بالله ~~تعالى: ### | 1244- # لو ظهر لنا خروج معنى عن قصد المتكلم وكان سياق الكلام يفضي إلى تنزيل ~~غرض الشارع على قصد آخر فلست أرى التعلق بالعموم الذي ظهر فيه خروجه عن قصد ~~الشارع وهو كقوله عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بنضح أو ~~دالية نصف العشر" 1 فالكلام مسوق لتعيين [العشر ونصف العشر فلو تعلق الحنفي ~~بقوله عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر"، ورام تعليق العشر بغير ~~الأقوات فلسنا نراه متعلقا بظاهر فهذا طرف. ### | 1245- # ولو نقل لفظ ولم يظهر فيه قصد التعميم ولا تنزيل الكلام على مقصود آخر ~~فهذا هو الذي أراه ظاهرا وهو الذي يتطرق التخصيص إليه. ### | 1246- # وقد رأى القاضي التعلق بالقسم الأول الذي أخرجته عن الظواهر على رأي ~~المعممين ثم قال: هذا يعارضه أدنى مسلك في الظن ويتسلط عليه التأويل ~~والتخصيص والرأي عندي فيه قد قدمته. PageV02P202 # والدليل عليه: أن الشارع إذا كان مقصوده بيان العشر ونصف العشر لو أخذ ~~يفصل الأجناس وهو يبغي غيرها يعد ذلك تطويلا نازلا عن الوجه المختار في ~~اللغة العالية فتقدير التعميم يشير إلى أنه [لو لم] يرد العموم لفصل ~~الأجناس ولو فصلها لكان مائلا عن الوجه الأحسن في النظم. # وإذا تمهد هذا الأصل فالذي ذكره الأصحاب من أن علة الشارع لا تنقض محمول ~~على تقدير ما قصد التعميم فيه نصا فليفهم الناظر ذلك وليقف عليه عند هذا ~~وقفة باحث. # مسألة: ### | 1247- # وإذا تعارض ظاهران وقد تطرق التخصيص إلى أحدهما فالمذهب الذي ذهب إليها ~~المحققون أن الذي لم يتطرق إليه تخصيص مرجح. # فأما المعتزلة ms440 فإنهم قضوا بأن اللفظ الذي خص في بعض المسميات صار مجملا ~~في الباقي ولا يعارض المجمل ظاهرا. # وأما أهل الحق وإن لم يحكموا بالإجمال فإنهم يرون تعميم اللفظ في الباقي ~~أضعف في حكم الظن من اللفظ الذي لم يجر فيه تخصيص فإذا لاح وجه في غلبة ~~الظن من منشأ ظهور الظاهر كان ذلك ترجيحا مقبولا. # مسألة: ### | 1248- # إذا تعارض ظاهران أو نصان وأحدهما أقرب إلى احتياط فقد ذهب أكثر الفقهاء ~~إلى أن الأحوط مرجح على الثاني وزعموا أن الذي يقتضيه الورع وإتباع السلامة ~~هذا واحتجوا بأن قالوا: اللائق بحكمة الشريعة ومحاسنها الاحتياط فإذا تعارض ~~لفظان غلب على الظن أن الذي نقله صاحب الاحتياط صدق وكأن القواعد تغلب على ~~الظن ذلك وتؤازر الرأي في ذلك. ### | 1249- # وقال القاضي: لا مستروح إلى هذا ولا معنى للترجيح بالسلامة وما ذكره ~~هؤلاء من شهادة الأصول وإثارتها تغليب الظن يعارضه أن العدل الذي نقل ~~الثاني لا يتهم ولا يظن به العدول عن قاعدة الاحتياط إلا بثبت واختصاص ~~بمزية حفظ. # PageV02P203 # وقد يتخيل أن ما جاء به الأخر بناه على ما [رآه] من ظاهر الاحتياط وحمل ~~عليه نظم لفظه من غير ثبت في النقل ثم قال القاضي: لا وجه للترجيح وإن ~~انقدح ما ذكرناه آخر فيما لا يوافق الاحتياط انخرمت الشهادة كما ذكرناها ~~أولا فالوجه التعارض. # مسالة: ### | 1250- # إذا تعارض لفظان متضمن أحدهما النفي ومتضمن الثاني الإثبات فقد قال جمهور ~~الفقهاء: الإثبات مقدم. # وهذا يحتاج إلى مزيد تفصيل عندنا: فإن كان الذي [نقله النافي] إثبات لفظ ~~عن الرسول عليه السلام مقتضاه النفي فلا يترجح [على ذلك] اللفظ الذي متضمنه ~~الإثبات لأن كل واحد من الراويين متثبت فيما نقله. # وهو مثل أن ينقل أحدهما أن الرسول عليه السلام أباح شيئا وينقل الثاني ~~أنه قال لا يحل وكل ناف في قوله مثبت. # فأما إذا نقل أحدهما قولا أو فعلا ونقل الثاني أنه لم يقل ولم يفعل ~~فالإثبات مقدم لأن الغفلة تتطرق إلى المصغي المستمع وإن كان محدا والذهول ~~عن بعض ما يجري ms441 أقرب من تخيل شيء لم يجر له ذكر. # مسألة: ### | 1251- # إذا تعارض ظاهران أو نصان أحدهما يوافق المعروف المعتاد والآخر ما جرى به ~~العرف فالقول في هذا كالقول في موافقة أحد المنقولين للاحتياط ومخالفة ~~الآخر إياه وقد مضى فيه قول بالغ. # والمختار التعارض في المسألتين. # فهذا الذي ذكرناه كلام بالغ في ترجيح الألفاظ النصوص منها والظواهر ومن ~~أحاط بها وأحكم أصولها لم يخف عليه مدرك الكلام فيما يرد عليه من أمثالها. # PageV02P204 ### | باب في ترجيح الأقيسة ### | مراتب قياس المعنى # ... # باب: في ترجيح الأقيسة. ### | 1252- # هذا الباب هو الغرض الأعظم من الكتاب وفيه تنافس القياسون وفيه أتساع ~~الاجتهاد وهو يستدعي تجديد العهد بمراتب الأقيسة فنقول: # المرتبة العليا المعدودة من مسالك القياس ما يقال: إنه في معنى الأصل وقد ~~سبق تأصيله وتفصيله وتقدم القول في أنه: هل يعد من الأقيسة أو يعد من ~~مقتضيات الألفاظ وهو على كل حال مقدم على ما بعده. # والسبب فيه أنه ملتحق بأصله قطعا والتحاقه به مقطوع غير مظنون ولا شك في ~~تقديم مراتب العلوم على درجات الظنون ثم يلي ذلك من قياس المعنى ما يطرد ~~وينعكس ويليه القياس الذي يسمى قياس الدلالة كما سبق وصفه ويلي ذلك قياس ~~الشبه فأما ما يعلم فلا ترتيب فيه. # مراتب قياس المعنى. ### | 1253- # وأما قياس المعنى فهو على مراتب لا يضبطها ضابط فإن مسالك الظنون لا ~~يتأتى حصرها وهي وإن كانت منحصرة من جهة تعيين مناسبتها لأصولها الشريعة ~~فلا يتأتى للناظر الوصول إلى ضبطها بعد وربطها بحد ولكنا نحرص على تقريب ~~الأمور والإشراف على ما يكاد أن يكون تشوفا إلى الضبط ونتقي فيما نحاوله ~~مصالح لا نرى تقدير ها مأخذ الأحكام ونحاذر فيها الوقوع في منخرق مذهب مالك ~~ومتسع مسلكه المفضى إلى الخروج عن الحصر والضبط. # ثم قد ذكرنا في الاستدلال طرفا من ذلك ونحن نعيده ونزيده تقريرا وتقريبا ~~فنقول: ### | 1254- # إذا وجدنا أصلا استنبطنا منه معنى مناسبا للحكم فيكفي فيه ألا يناقضه أصل ~~من أصول الشريعة ويكفي في الضبط فيه استناده إلى أصل متفق ms442 الحكم [ومرجوعنا] ~~في ذلك وجداننا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسترسلين في استنباط ~~المصالح من أصول الشريعة من غير توقع وقوف عند بعضها. ### | 1255- # فأما المعنى الذي لا نجد له أصلا ولا مستندا فهو الذي سميناه الاستدلال ~~ونحن نرى التعلق به كما مهدنا القول فيه. # PageV02P205 # ولا يجوز التعلق عندنا بكل مصلحة ولم ير ذلك أحد من العلماء ومن ظن ذلك ~~بمالك رضي الله عنه فقد أخطأ فإنه قد اتخذ من أقضية الصحابة رضي الله عنهم ~~أصولا وشبه بها مأخذ الوقائع فمال فيما قال إلى فتاويهم وأقضيتهم فإذا لم ~~ير الاسترسال في المصالح ولكنه لم يحط بتلك الوقائع على حقائقها وهذا ~~كبنائه قواعد على سيرة عمر رضي الله عنه في أخذه شطرا من مال خالد وعمرو ~~وقد قدر ذلك تأديبا منه. # وهذا زلل فإنه لا يمتنع أنه رآهما آخذين من مال الله تعالى ما لا يستحقان ~~أخذه على ظن وحسبان وكان يرعى طبقة الرعية بالعين الكالئة والأليق بشهامته ~~وإيالته أن نظره الثاقب كان بالمرصاد لما يتعديان فيه الحدود عامدين أو ~~خاطئين إذ كانا موليين على مال الله تعالى وإذا أمكن ذلك وهو الظاهر فحمله ~~على التأديب لا وجه له ولو صح عنه أخذ مال رجل غير متصرف في مال الله تعالى ~~لكان يظهر ما تخيله مالك. # وكذلك كل واقعة ربط مالك أصلا من أصوله بها فإنه لا يرى ذلك الأصل ~~استحداث أمر وهو عند الباحثين ينعطف على أبلغ وجه إلى قواعد الشريعة. # فخرج مما ذكرناه أن مالكا ضم وقائع الصحابة إلى الأمور الظاهرة من ~~الشريعة ولم يظن بهم افتتاح أمر من عند أنفسهم ولكنه قال: الأخبار [منقسمة] ~~إلى ما نقلت صريحا وإلى ما فهمنا ضمنا فإنا لا نظن بأئمة الصحابة استقلالهم ~~بأنفسهم في تأسيس أصول فهذا بيان مذهبه. ### | 1256- # ونحن نرى الاقتصار في مآخذ الأحكام على أصول الشريعة وأقضية الصحابة ~~محمولة عليها ولا نتخيل أخبارا استندوا بها وسكتوا عن نقلها مع علمنا بأنهم ~~كانوا يبرئون أنفسهم عن الاستقلال ويعضدون ما يحكمون ms443 به بما يصح عندهم من ~~أخبار الرسول عليه السلام وهذا وجه انفصال أحد المذهبين عن الثاني ثم ~~الاستدلال المقبول هو المعنى المناسب الذي لا يخالف مقتضاه أصلا من أصول ~~الشريعة كما ذكرناه في المعنى المستنبط من الأصول ويظهر أثر ذلك بضابط في ~~النفي والإثبات وهو أن كل معنى لو أطرد جر طرده حكما بديعا لم يعهد مثله في ~~الزمان الأطول فيدل خروج أثره عن النظير على خروج معناه المقتضى عن كونه ~~معتبرا. # والدليل عليه أنه لو كان معتبرا لوجب في حكم العادة القطع بوقوع مثله في. # PageV02P206 # الزمن المتمادي وبمثل هذا المسلك قطعنا [بأنه] لا تخلو واقعة عن حكم الله ~~تعالى وإذا كان أثر المعنى لا يعدم نظيرا قريبا ولم يقتض طرد المعنى مخالفة ~~أصل من الأصول فهو استدلال مقبول معمول به. # وبيان ذلك بالمثال: أن مالكا لما زل نظره كان آثر ذلك تجويز قتل ثلث ~~الأمة مع القطع بتحرز الأولين عن إراقة محجمة دم من غير سبب متأصل في ~~الشريعة ومنه [تجويزه التأديب] بالقتل في ضبط الدولة وإقامة السياسة وهذا ~~إن عهد فهو من عادة الجبابرة وإنما حدثت هذه الأمور بعد انقراض عصر ~~الصحابة. ### | 1257- # فإذا تجدد العهد بما ذكرناه فنحن نرسم بعده مراتب في الإخالات وننزل كل ~~مرتبة منزلتها ونرى أن مدركها على حقائقها مشرف على طرف المعاني فإذا عسر ~~الوفاء باستيعاب أمثلة الأقيسة المعنوية في هذا المجموع فالوجه أن نتخذ ~~أصلا من أصول الشريعة يشتمل على مجامع القول في وجوه الإخالات ونبين فيه ~~وجوه الترتيب فيها وما يقع في الرتبة العليا والرتبة التي تليها إلى ~~استيعاب مدارك الفقه ومعانيها ثم [يقيس] الفطن على ما نرسمه فيها ما ~~يدانيها. # المرتبة الأولى: ### | 1258- # فليقع الكلام في القصاص وما يقتضى إيجابه وما يوجب اندفاعه فنقول أوجب ~~الله القصاص في نص كتابه زجرا للجناة وكفا لهم وأشعر بذلك قوله تعالى: ~~{ولكم في القصاص حياة} 1 واتفق المسلمون على هذه القاعدة ولم ينكرها من ~~طبقاتهم منكر. # ثم قال أئمة الشريعة: كل مسلك يطرق إلى الدماء ms444 الهرج على جريان واسترسال ~~واستمكان من غير حاجة إلى أمر نادر ومعاناة شاقة فهو مردود فإن المقصود ~~المتفق عليه من القصاص صيانة الدماء وحفظ المهج فمن خالف هذا فهو لو قدر ~~ثبوته [ناقض] له والثالث نصا وإجماعا لا سبيل إلى نقضه. # فإذا تمهد [ذلك] فكل معنى يستند إلى هذه القاعدة ويوافقها من غير اختلاف ~~في مجراه فهو على المرتبة العليا من أقيسة المعاني. ### | 1259- # وهذا يمثل [بالقول في القتل] بالمثقل. PageV02P207 # ولا شك أن من نفي القصاص به مناقض للقاعدة من جهة أن القصد إلى القتل ~~بهذه الآلات أمر ثابت وهو ممكن لا عسر في إيقاعه وليس القتل به مما يندر ~~[فإذا لم يعسر ولم يندر] فكان نفي القصاص بالقتل بها مضادا لحكمة الشريعة ~~في القصاص. # فإذا ناكر الخصم العمدية في القتل بهذه الآلات سفه عقله ولم يستفد به ~~إيضاح عسر القتل. ### | 1260- # وإن شبب بتعبد في آلة القصاص وكان ذلك في حكم العبث فإن تقدير التعبد مع ~~ما تمهد من الحكمة يناقض الحكمة المرعية في العصمة فليفهم الفاهم مواقع ~~التعبد. ### | 1261- # وإن تمسك بصورة في العكس وقال الجرح الذي لا يغلب اقتضاؤه إلى الهلاك إذا ~~أهلك أوجب القصاص كان هذا غاية في خلاف الحق فإن الجرح لاختصاصه بمزيد ~~الغور وإمكان السريان إذا اقتضى القصاص حسما لمادة الجناية وردعا للمعتدين ~~فكيف يستجيز ذو الدين أن يبنى عليه إسقاط القصاص بالقتل الذي يقع بالأسباب ~~التي تقتل لا محالة؟ # وليعتبر المعتبر عن هذا الأصل فإنه أجلى أقيسة المعاني وأعلى مرتبة فيها ~~فإنه لا حاجة في ربطه بالقاعدة إلى تكلف أو تقرير أو تقريب وتحرير. # ولو قيل: هو الأصل بعينه [و] ليس ملحقا به لم يكن [بعيدا] . ### | 1262- # ومخالف ما يقع في هذه المرتبة مائل عن الحق على قطع وليس القول فيها ~~دائرا في فنون الظنون وما يكون بهذه الصفة لا يتصور أن يعارضه معارض. ### | 1263- # ونضرب لهذا مثالا آخر قياسا. # فنقول: الغرض من شهادة الشهود إيضاح المقصود المشهود به ثم للشرع تعبدات ~~وتأكيدات في رتب البينات على حسب ms445 أقدار المقاصد. # وأعلى البينات بينة الزنا فإذا شهد على صريح الزنا أربعة من الشهود ~~العدول وتناهى القاضي في البحث وانتفت مسالك التهم فهذا أقصى الإمكان في ~~الإيضاح والبيان فلو شهدوا وأقر المشهود عليه مرة واحدة لم يؤثر إقراره ~~ووجب القصاص بموجب البينة فإن إقراره تأكيد البينة ولا يحط من مرتبة البينة ~~شيئا. # فإذا قال أبو حنيفة: إذا أقر المشهود عليه مرة سقطت البينة ولم [يثبت] ~~بذلك. # PageV02P208 # الإقرار شيء لم يجز أن يكون هذا مضمون في أصل الشريعة المحمدية فإن ~~الإقرار لم يعارض البينة مناقضا ثم هو ذريعة يسيرة غير عسيرة في ترك ~~البينات ثم المقر لا يحلف حتى يتخيل ارعواؤه ولو طلبنا أمثال ذلك وجدنا منه ~~الكثير. # المرتبة الثانية: ### | 1264- # تعتمد على قياس معتضد بالأصل ولكنه قد يلقى الجامع احتياجا إلى مزيد ~~تقرير وتقريب ويعن للخصم تخيل فرق وإن كان إفساده هينا. # ومثال ذلك: أنه قد ثبت وجوب القصاص على المشتركين في القتل وهذا مستند ~~إلى قاعدة الشرع في تحقيق العصمة وزجر الجناة فإن الاستعانة في أمثال ذلك ~~ليست بالعسيرة والقتل على [الاشتراك] غالب الوقوع فاقتضى معنى القصاص في ~~الأصل إيجاب القتل على الشركاء وهذا يتطرق إليه الكلام قليلا من جهة أن كل ~~واحد [منهم] ليس قاتلا وفعل كل واحد منهما يخرج أفعال شركائه عن الاستقلال ~~بالقتل وقتل غير القاتل فيه مخالفة الموضوع المشروع في تخصيص القتل ~~بالقاتل. # وفيه وجه آخر: وهو أن إمكان القتل بالمثقل فوق إمكان الاستعانة وعن هذا ~~تردد بعض العلماء في إيجاب القصاص على الشركاء وصرح بعض المفتين بأن قتل ~~المشتركين خارج عن القياس. # والمعتمد فيه قول عمر رضي الله عنه إذ قال: "لو تمالا عليه اهل صنعاء ~~لقتلتهم به"، فنشأ من منتهى هذا الكلام أن الجاني محرم الدم معصوم [فإذا ~~تطرقت الاحتمالات لم يجز الهجوم على قتل معصوم] . ### | 1265- # والمسلك الحق عندنا أن المشركين يقتلون بحكم قاعدة القصاص ولا نظر إلى ~~خروج بعضهم عن الاستقلال بالقتل إذا كان يظهر بسبب درء القصاص [عنهم] هرج ~~ظاهر فلا نظر ms446 مع الظهور إلى انحطاط إمكان الاشتراك قليلا عن الانفراد ~~بالقتل بالمثقل فإنه يعارض ذلك أن المنفرد لا يستمكن استمكان المشتركين ~~ويتطرق إلى الاستقلال بالقتل عسر [من وجه] حتى تمس الحاجة إلى فرض كلام في ~~أيد وضعيف أو تقدير اغتيال [فيعتدل] المسلكان حينئذ وخروج كل واحد عن كونه ~~قاتلا لا وقع له مع إفضاء درء القصاص إلى الهرج مع العلم بأن القصاص ليس ~~على قياس الأعواض. # PageV02P209 # وأما كون الجاني معصوما فلا أثر له في هذا المقام مع أنه سعى في دم من ~~غير أن يفرض له تقدير عذر فكان ما أقدم عليه مسقطا حرمته وخارما عصمته ~~والشبهات إنما تنشأ من فرض أمر يقدر للجاني عذرا على قرب أو على بعد وهو ~~منشأ الشبهات على ما سنوضحه إن شاء الله تعالى. ### | 1266- # فإذا تمهدت هذه القاعدة [فغرض هذه] المرتبة إلحاق فرع بهذا الأصل مع ~~تقدير الوفاق فيه. # فنقول في الطرف: إنه صين بالقصاص على المنفرد فليصن بالقصاص على ~~المشتركين كالنفس وهذا أجلى ولكنه في أعلى مراتب الظنون. ### | 1267- # فإن قيل: ما سبب خروج هذا القياس عن مسالك العلوم مع استبانة [استقائه] ~~من القاعدة كما ذكرتموه؟ قلنا: في القاعدة على الجملة نظر. # أما إسقاط أصل القصاص عن المشتركين فمعلوم بطلانه قطعا فإنه مبطل لحكمة ~~العصمة وأما قتل واحد من المشركين لا بعينه مع تفويض الأمر إلى رأى من له ~~القصاص فليس يرد ذلك ولكنه يقع في مجال الظنون. # ثم في إلحاق الطرف بالنفس ثلاثة أشياء يطرق كل واحد إليه الظن: # أحدها: أن قائلا لو قال: لو أفضى قطع الطرف إلى النفس لوجب القصاص على ~~المشتركين وتقرير ذلك مردعة لهم فلا يؤدي ذلك إلى الهرج هذا وجه واقع ~~ودافعه أنه لو صح لسقط القصاص في الطرف أصلا فإذا جرى القصاص مع الاندمال ~~أشعر ذلك باعتناء الشرع بتخصيصه بالصور حتى كأن الطرف مع النفس كزيد مع ~~عمرو في أن كل واحد منهما مقصود بالصون. ### | 1268- # والوجه الثاني: مما يقتضي الظن ظن الخصم أن ما ذكرناه من الجمع في ms447 حكمه ~~القصاص ينقضه تمييز فعل أحد الشريكين في القطع عن فعل الشريك الثاني فإذا ~~كان كذلك فهو ممكن غير عسير ثم لا قصاص على واحد منهما وهذا إن سلم فهو ~~لعمري قادح في الجمع وقد صح فيه منع كما يعرف الفقهاء. ### | 1269- # والوجه الثالث: أن الطرف مما يقبل التبعيض فيصور الخصم أن القطع الواقع ~~على صورة الشركة يحمل على وقوعه على التبعيض إذا كان المجني عليه قابلا ~~للتبعيض. # PageV02P210 # وهذا زلل فإن إمكان تصوير ما يسقط القصاص لا يدرؤه إذا لم يكن وكان بدله ~~ما يشابه الاشتراك في الروح فلو توجهت هذه الجهات وبعد القول في الأصل بعض ~~البعد كان ذلك دون المرتبة الأولى المستندة إلى العلم [والقطع] فهذا واضح ~~جدا. # ومن حكم وضوحه أنه لا يثبت له معارض إذ لو قدر له معارض لكان ناشئا من ~~تقدير شبهة توجب المحافظة على حكمة العصمة في حق الجاني ومآخذ الشبهات ما ~~يشير إليه المعاذير ولا عذر للجاني. # وإن حاول الخصم تسبيب المعارضة في جهة أن واحدا لم يقطع اليد بطل ذلك ~~عليه بالنفس. # ولو رجع وزعم أن القصاص على الشركاء على خلاف القياس كان ذلك روم اعتراض ~~وقد أوضحنا بطلانه والمخيلة العظمى في ظهور قياس المعنى امتناع المعارضة ~~المحوجة إلى الترجيح. # فإن عارضوا القصاص في الطرف بقطع السرقة وشبهوا الاشتراك في قطع اليد ~~بالاشتراك في سرقة نصاب لم يكن ما جاءوا به مأخوذا من قاعدة القصاص. # ونحن لم نعن بامتناع المعارضة انسداد المسالك البعيدة وإنما المعارضة ~~الحاقة ما ينشأ من وضع الكلام ولا شك [في] أن قطع السرقة بعيد في أصله ~~وتفصيله عن القصاص فإن الأصل المعتبر في قطع السرقة أخذ مال غير تافه على ~~الاختفاء من حرز مثله والغرض بشرع القطع ردع السارق عن تناول المال والنفيس ~~وفي النفس مزجرة عن ركوب الأخطار بسبب التافه. # وهذا المعنى يوجب نفي القطع عن الشركاء فإن كل واحد منهم على حصته من ~~المسروق وذلك المقدار لا حاجة إلى إثبات رادع عنه. # وهذا لا يتحقق في ms448 القصاص أصلا [فيما نحن فيه] فإن معتمده الصون وتمهيد ~~العصمة وليس في قاعدته انقسام إلى التافه والنفيس وخروج كل جان عن ~~الاستقلال بكل الجناية لا يسقط القصاص عنه إذ لو قيل به لخرم قاعدة الصون ~~على أنه محقق في النفس كما سبق. ### | 1270- # وإذا لم تكن المعارضة على حقها في منشأ الاجتهاد لم ينتظم فرق # PageV02P211 # ورجع كلام المحقق إلى تباين القاعدتين وتباعدهما وإيضاح ابتناء كل واحد ~~منهما على أصل غير معتبر في القاعدة الأخرى. # وهذا لا ينتظم فرقا ويدخل في أقسام فساد الوضع ووجب نسبه الخصم إلى البعد ~~عن مأخذ الكلام والاكتفاء بتلفيق لفظي عرى عن التحقيق. ### | 1271- # والذي يحقق ذلك أن من سرق نصابا واحدا في دفعات [وهو في كل دفعة] يهتك ~~حرزا لم يستوجب قطعا ولو قطع جان يدا واحدة بدفعات استوجب القصاص عند ~~الإبانة. ### | 1272- # ويتعلق بالكلام في هذا القسم أمر يتعين الاعتناء به وهو مزلة مالك ونحن ~~نقول فيه: إذا ثبت ارتباط حكم في أصل بحكمة مرعية فيجوز الاستمساك بعينها ~~في إلحاق الفرع بالمنصوص عليه في عين الحكم المنصوص. # ولا يجوز تقدير حكم آخر متعلق بحكمة تناظر الحكمة [الثابتة] [في الأصل ~~المنصوص عليه فإن هذا يجر إلى الخروج عن الضبط ويفضي في مساقه إلى الانحلال ~~فإن الحكمة الثانية] لو قدرت لدعت إلى ثالثه ثم لا وقوف إلى منتهى مضبوط. ### | 1273- # وبيان ذلك بالمثال: أن المال صين بشرع القطع إبقاء له على ملاكه وزجرا ~~للمتشوفين إليه ولو فرض تعرض للحرم بمراودات دون الوقاع فأدناها يبر على ~~أقدار الأموال ولا يسوغ نقل القطع إليه وكذلك القول في أمثاله. ### | 1274- # وعند ذلك انتشر مذهب مالك وكاد يفارق ضوابط الشريعة واعتصم بألفاظ وعيدية ~~معرضة للتأويل منقولة عن جلة الصحابة وقد يدنو المأخذ جدا فيزل الفطن إذا ~~لم يكن متهذبا دربا بقواعد الاجتهاد. ### | 1275- # وبيان ذلك [بالمثال] أنا إذا قلنا: قطع السرقة مشروع لصون الأموال وزجر ~~السارقين فألزمنا عليه ما إذا نقب الواحد الحرز وسرق الآخر فلا قطع على ~~وواحد منهما وهذا يخرم الحكمة المرعية في [صون] ms449 الأموال فإن [التسبب] إلى ~~ما ذكرناه يسير ممكن. # وهذا على الحقيقة غامض من جهة أن الشخص الواحد إذا نقب وسرق فقد أخرج ~~النقب الحرز عن حقيقته ولم يقدم على المال إلا وهو في مضيعة ثم لم نقل لا ~~قطع عليه من حيث انفصل هتك الحرز عن أخذ المال وكان من الممكن أن # PageV02P212 # يختص القطع بمن يتسلق على الحرز ويأخذ المال من غير هتك. # وهذا مجال ضيق ويتجه فيه خلاف العلماء وحق الأصولي ألا يعرج على مذهب ولا ~~يلتزم الذب عن مسلك واحد ولكن يجري مسلك القطع غير ملتفت إلى مذاهب الفقهاء ~~في الفروع. ### | 1276- # ثم القول الممكن في السارق والناقب أن صون الأموال وإن اثبت فهو مخصوص ~~بالسرقة من الحرز وليس [إلينا] وضع الحكم والمصالح ولكن إذا وضعها الشارع ~~اتبعناها. ### | 1277- # ومن لطيف الكلام في ذلك أن المعلل إذا قيد تعليله [الفقهي] المعنوي يقيد ~~غير مخيل لا على معنى الاستقلال ولا على الانضمام إلى أركان العلة المركبة ~~فذلك التقييد مطرح في مسلك المعاني وطرق الإخالة إلا فيما نصفه وهو تقييد ~~الكلام بحكم معين تعلق بحكمة معلومة. # وهذا كذكرنا صون المال عن السراق فإذا ألزمنا صون الحرم لم نلتفت إليه ~~ولم نلتزم فرقا بين الصورتين فإن ذلك إنما ينشأ من رعاية المصلحة مع ~~الانحصار على الحكم المنصوص عليه. # ثم ما ذكرناه ليس مختصا بحكم واحد بل هو مطرد في جمله المصالح الشرعية ~~فكل مصلحة مختصة [بحكمها] وغاية القايس ضم جزئي في المنصوص عليه إلى ~~القاعدة الكلية. ### | 1278- # فإن قيل: إذا قسم الطرف في حق الاشتراك على النفس فهل تنسبون إلى المحذور ~~الذي ذكرتموه من مجاوزة موارد المصالح؟. # قلنا: إن كان ذلك مجاوزة فلا قياس إذا وينبغي أن يجتنب المنتهي إلى هذا ~~المقام طرفي القياس والانحلال. # فنقول: ساوى الطرف النفس في الأصل وهو القصاص ثم ثبت الصون في النفس ~~بإجراء [القصاص] على المشتركين فرمنا إلحاق الطرف المساوي للنفس [في أصل ~~القصاص بالنفس] في فرع اقتضاه أصل القصاص وهذا غاية المطلوب في ارتباط ~~الفرع بالأصل واقتضاء ms450 الأصل الفرع. ### | 1279 - # وإذا بلغ الكلام هذا المبلغ فليعلم الناظر أن أسد المذاهب في القول. # PageV02P213 # بالقياس الحق واجتناب الخروج عن الضبط مذهب الشافعي. # ولست أرى في مسالكه حيدا إلا في أصل واحد لم يحط بسر مذهبه [فيه فهمي] ~~وهو: إثباته قتل تارك الصلاة فإنه لم يرد فيه نص وتقريب القول فيه يتضمن ~~حكمه لم يثبت أصلها وهذا مشكل جدا فإن طمع [من] قصر فكره بتشبيه المأمور به ~~بالمنهي عنه كان ذلك بعيدا غير لائق بمذهب هذا الإمام. # وهذا القدر كاف في التنبيه وقد نجز غرضنا في القول في المرتبة الثانية من ~~قياس المعنى. # المرتبة الثالثة: ### | 1280- # نمثلها في القول بالمكره على القتل وفيه ثلاثة مذاهب: # أحدها: أن القصاص على المكره دون المكره. # والثاني: وهو قياس مبين أن القصاص على المكره دون المكره وهو مذهب زفر. # والثالث: أن القصاص يجب عليهما وهو مذهب الشافعي. ### | 1281- # وأبعد المذاهب عن الصواب إيجاب القصاص على المكره دون المكره المحمول ~~فإنه زعم أن فعل منقول إلى مكره وكأنه آلة له. # وهذا ساقط مع المصير إلى [أن] النهي عن القتل متجه مستمر على المكره ~~القاتل فكيف يتحقق كونه آلة مع تكليف الشرع إياه ومن ضرورة كون الشيء آلة ~~انقطاع التكليف عنه فتخصيص المكره بإلزام القصاص مع ما ذكرناه لا أصل له. ### | 1282- # [ووجه] مذهب زفر في القياس لائح وهو: أنه رأى المحمول ممنوعا ولم ير أثر ~~الإكراه في سلب المنع والنهي والمباشرة تغلب على السبب إذا استقلت فارتبط ~~بها التكليف والتصريف من الشارع. ### | 1283- # والذي يختاره أصحاب الشافعي ينبني على ما ذكرناه لزفر في استقلال ~~المباشرة وهذا يقتضي إيجاب القصاص على القاتل المحمول ولكن لم ير هؤلاء ~~إحباط الإكراه وإسقاط أثره [بالكلية] فإنه موقع القتل غالبا والإكراه من ~~أسباب تقرير الضمان فيبعد تعطيله وإخراجه من البين وبعد إحباط المباشرة ~~فالوجه تنزيلها منزلة الشريكين ولا شك أن فعل كل واحد من الشريكين يضعف فعل ~~صاحبه من. # PageV02P214 # جهة أنه يخرجه عن كونه قتلا ثم لم يسقط الاشتراك القصاص عنهما. # فإذا لم يصر ms451 أحد إلى إسقاط القصاص عن الحامل والمحمول لضعف ما صدر عن كل ~~واحد منهما أما ضعف المباشر فمن جهة كون المباشرة [محمولا] وأما ضعف ~~الإكراه فمن جهة كون المكره المحمول منهيا واستمرار التكليف يوهي أثر ~~الإكراه فليس أحدهما بالضعف أولى من الثاني فلا سبيل إلى تخصيص القصاص ~~بأحدهما وقد ثبت أن القصاص أولى بأحدهما وقد ثبت أن القصاص لا يسقط عنهما ~~وقرب تنزيلهما منزلة الشريكين. ### | 1284- # ولكن القول في هذا ينحط عن القول في الشريكين من جهة اختلاف السبب ~~والمباشرة وخروج كل واحد منهما عن قياس بابه ثم يتعارض مأخذ مذهب زفر وأبي ~~حنيفة والترجيح لزفر. ### | 1285- # ومأخذ إيجاب القصاص عليهما يتشوف إلى جمع نكتتي المذهبين مع امتناع إسقاط ~~القصاص [عنهما جميعا وإيجاب القصاص] على شهود الزنا إذا رجعوا بعد إقامة ~~الرجم أظهر من إيجاب القصاص على المكره الحامل من جهة أن الإكراه يضعف ~~ببقاء التكليف على المحمول ولا خيرة للقاضي بعد إقامة البينة وليس ممنوعا ~~منع المكره المحمول بل النية أوجبت على القاضي إقامة الرجم ولذلك لم يختلف ~~قول الشافعي في وجوب القصاص عليهم اختلافه في المكره. # أما الشهود على القصاص إذا رجعوا فإن فرض رجوع المدعي واعترافه فلا وجه ~~لوجوب القصاص على الشهود فالطريق القطع بتغليب المباشرة وإن فرض الكلام في ~~استمرار المدعي على دعوى الاستحقاق فهذا ينحط في مرتبة الاجتهاد عن شهود ~~الزنا فإن المدعي على خيرته. # ولو ذهبنا نستقصي هذه الأمثلة لطال الكلام وإنما غرضنا التنبيه. ### | 1286- # ولم يوجب الشافعي عقوبة في هذا المساق أبعد من إيجابه حد الزنا على ~~المرأة إذا نكلت عن اللعان بعد لعان الرجل فإن هذا سفك دم بقول المدعي وهو ~~في مسلك القياس يداني إيجاب القصاص بأيمان المدعي في مسلك لوث القسامة ~~ولولا الخبر لما اقتضى القياس ذلك. ### | 1287- # وهذا أوان تغليب حق المدعي عليه من طريق القياس. # قال الشافعي: إذا كان القصاص لحقن الدم والهلاك لا يستدرك وإذا رجع # PageV02P215 # الغرض إلى حقن دم الباقين فرعاية حقن دم الجاني وهو غير مسفوك أولى ~~واللعان أبعد ms452 من القسامة من جهة أن الشرط فيها ظهور اللوث عند الحاكم وهو ~~غير مشروط في اللعان غير أن المعتمد في القسامة الخبر الصريح والمعتمد في ~~اللعان يستند إلى شيئين: # أحدهما: أنا لا نجد بدا من الخروج عن قانون الحجج فالاستمساك بظاهر ~~القرآن العظيم أقرب وحمل العذاب على الجنس بعيد. # وبالجملة نفي إيجاب الحد وتغليب حقن دمها أقرب عندي إلى مأخذ الشريعة. ### | 1288- # ومن عجيب الأمر أن قول الشافعي اختلف في القصاص: # هل يجب بأيمان القسامة؟ ولم يختلف في وجوب الحد على المرأة مع تعرض الحد ~~الواجب [لله تعالى] فيه للسقوط بما لا يسقط القصاص به وسبب هذا أن خبر ~~القسامة ورد في [الغرم] وآية اللعان اشتملت على ذكر العذاب وهذا وغيره في ~~أمثال ما ذكرناه من قواعد الشريعة. # ونحن نختتمه بأمر بديع يقضي الفطن [العجب] منه: ### | 1289- # فالمرتبة الأولى: العلمية تكاد أن لا تكون جزءا من المنصوص عليه. # والمرتبة الأخيرة: نعنى اللعان والقسامة لا يستقل المعنى فيها ولم نرسمها ~~مرتبة في القياس من حيث لم نرها مستقلة. # فهذه جملة كافية في التنبيه على المراتب وضابطها القريب من القاعدة ~~والبعيد منها مراتب قياس الشبه. ### | 1290- # ونحن نذكر الآن مراتب قياس الشبه. # فنقول: مجال هذا القسم [عند] انحسام المعنى المخيل المناسب فإذا لم نجد ~~معنى للحكم الثابت أو صادفنا ما يخيل غير صحيح على السبر فالوجه رد النظر ~~إلى التشبيه. ### | 1291- # ثم مراتب الأشباه تنقسم إلى القريب والبعيد انقسام [مراتب] قياس المعنى. # فالواقع في المرتبة الأولى هو الذي يسميه الأصوليون في معنى الأصل ولا ~~يريدون به المعنى المخيل وهذا إذا وقع معلوما كان في المرتبة العالية. # PageV02P216 # وقد سبق [القول في] الاختلاف فيها هل يسمى قياسا أو هو ملتقى من الألفاظ ~~والنص؟ ### | 1292- # والوجه عندنا في ذلك أن يقال إن كان في اللفظ إشعار به من طريق اللسان ~~فلا نسميه قياسا كقوله عليه السلام من أعتق شركا له في عبد قوم عليه فهذا ~~وإن كان في ذكر فالعبودية مستعملة في الأمة وقد يقال للأمة عبدة وأما إذا ~~لم ms453 يكن لفظ الشارع مشعرا في وضع اللسان بما ألحق به فهو قياس مفض إلى العلم ~~وهو قاعدة الأشباه بعد ونظيره إلحاق الشافعي عرق الكلب بلعانة في التعبد ~~برعاية العدد والتعفير. ### | 1293- # فإذا زال العلم وكان الشبه يفيد غلبة الظن ولا يفسد لدى السبر والعرض على ~~الأصول [فهو مقبول] وإن لم يفد غلبة الظن فهو الطرد المردود عند المحققين ~~والأشباه بين طرفي قياس المعنى والطرد. ### | 1294- # والذي لاح من كلام الشافعي أن أقرب الرتب من المراتب المعلومة إلحاق ~~الزبيب بالتمر في الربا وأبعد منه قليلا بحيث لا يخرج عن الرتبة إلحاق ~~[الرز بالحنطة والذرة بالشعير ثم يلي هذه الرتبة] الوضوء بالتيمم في ~~الافتقار إلى النية ولهذا قال الشافعي [مستبعدا] طهارتان فكيف تفترقان؟ ### | 1295- # ونحن نقول في ذلك كل شبة يعتضد بمعنى كلي فهو بالغ في فنه وذلك إذا كان ~~المعنى لا يستقل مخيلا مناسا. # وبيان ذلك فيما وقع المثل به: أن التيمم ليس فيه غرض ناجز وقد بينا من ~~كلى الشريعة أنها [مبنية] على الاستصلاح فإذا لم يلح صلاح ناجز يظهر من ~~المآخذ الكلية ربط ما لا غرض فيه ناجز بصلاح في العقبى وهو التعرض للثواب ~~ولا سبيل إليه إلا بقصد التقرب فإذا وجدنا طهرا كذلك متفقا عليه ثم كان ~~المختلف فيه غير معقول المعنى ظهر فيه وقع التشبيه في الافتقار إلى النية ~~المحصلة غرض العقبى. ### | 1296- # فليتخذ الناظر هذا معتبرا في الرتبة الأولى من الأشباه المظنونة ولم يبلغ ~~مرتبة العلم للاختلاف الواقع بين الطهرين في أحكام وشرائط. # وإلحاق المطعومات التي لا تقدر بكيل ووزن طريقة الأشباه عندنا فإن مسالك. # PageV02P217 # الإخالات باطلة فلا يبقى إلا التشبيه. # ثم سبيل هذا التشبيه النظر إلى المقصود من المنصوص عليه وقد لاح أن ~~المقصود هو الطعم وبطل اعتبار القوت لمكان الملح وسقط اعتبار [التقدير] ~~لجريانه في الجنسين والجنس على وتيرة واحدة ولاح النظر إلى المقصود مع ~~الاعتراف بأنه غير مستند إلى معنى معقول وهذا ينحط عما يتعلق بغرض في ~~العقبى كما ذكرناه في القسم الأول من المظنونات. # ولولا ما ms454 ثبت عندنا في الاضطرار إلى تعليل المنصوصات في الربا لما لاح ~~لنا فيها معنى ولا شبه ولكن إذا اضطررنا إليه لإجماع القياسين وجدنا إتباع ~~المقصود أقرب مسلك ولهذا وقع في المرتبة الثانية. ### | 1297- # فإن قيل: هل ترون الشبه الخلقي في غير مجانسة ومماثلة معتبرا؟. # قلنا: لا، إلا أن نشير إلى أن اعتبار الخلقي أصل الشريعة كما ثبت ذلك في ~~جزاء الصيد وقد ثبت قريب منه في الحيوانات المشكلة في الحل والحرمة. # وما ذكره أبو حنيفة في [اعتبار الانطراق] والانطباع في الجواهر المعدنية ~~في الزكاة طرد عندنا. ### | 1298- # ومن أبواب الشبه ما يتعارض فيه المعنى والشبه على التناقض فيقع لذلك ~~الشبه ثانيا وهو كالتردد في أن قيمة العبد هل تضرب على العاقلة؟ # فالذي يقتضيه القياس المعنوي عدم الضرب اعتبارا بجملة المملوكات والذي ~~يقتضيه الشبه اعتباره بالحر. # فإن قيل: هذا أيضا في الشبه الخلقي وقد أنكرتموه. # قلنا: ليس الأمر كذلك فإن العبد يفرض قتله على الجهة التي يفرض فيها قتل ~~الحر إذ قد يظن على بعد أن سبب التعاون في الحمل في الديات ما يقع [من] ~~الخطأ بالقتل بين أصحاب الأسلحة وهذا يتفق في الحر والعبد على جهة واحدة. ### | 1299- # ومما يلتحق بهذا الفن القول في تقدير أروش أطراف العبيد بالسبب الذي يقدر ~~[به] أطراف الأحرار فالذي يقتضيه القياس المعنوي نفي التقدير واعتبار ما ~~ينتقص من القيمة نظرا إلى المملوكات سيما على رأي تقديره قيمه العبيد ~~وتنزيلهم منزلة البهائم التي تضمن بأقصى قيمتها وهذا مذهب ابن سريج والظاهر # PageV02P218 # من مذهب الشافعي أنها تقدر ومعتمده الشبه. ### | 1300- # فإن قيل: فما الوجه في المثالين؟. # قلنا: الوجه في مسألة التقدير مذهب الشافعي فإن الشارع أثبت [للحر] بدلا ~~حتى لا يحبط إذا قتل خطأ ثم قاسموا أطرافه بجملة بمعان لا تنتهي أفهام ~~المستنبطين إلى ضبطها وكان من الممكن ألا [تتقدر] أروش أطراف الحر فإنا ~~ألفينا في جراح الأحرار حكومات غير مقدرة فلئن اقتضى شرف الحر تقدير دينه ~~فهذا لا يطرد في أطرافه فلما تأصل في الطرف تقدير وطرف العبد في ms455 العبد كطرف ~~الحر في الحر فلا التفات إلى خروج قيمة العبد عن التقدير. ### | 1301- # فإن قيل: [فقدروا] أطراف البهائم. # قلنا: لم يتحقق فيها أنها تقع موقع أطراف الأحرار في الأحرار فهذا الشبه ~~أولى من المعنى الكلي من جهة أنه أجلى وأليق بالغرض وأميز للمقصود هذا ~~والمضمون من الحر والعبد الدمية. ### | 1302- # أما القول في تحمل العقل والقيمة فالأظهر عندنا التمسك بالمعنى لعبد تحمل ~~العاقلة العقول عن مدارك العقول وقد يظن أن العبيد لا يخالفون الأحرار في ~~تعاطيهم الأسلحة وإن ذكر فيهم ذلك فقد يتعدى إلى الدواب في تجاول الفرسان ~~فكان تقدير أروش أطراف الأحرار معللا بمعان اعتقدناها ولم ندرك حقيقتها ~~وضرب العقل [يشبه] تحكم المالك على المملوكين [فالأحزم] أن [لا] يضطرب فيها ~~[بالخطى] الوساع. ### | 1303- # ومما يعده الفطن قريبا مما نحن فيه إلحاق القليل من الدية بالكثير في ~~الضرب على العاقلة. # ونحن نرى ذلك المسلك الأعلى من الشبه من جهة أن أصل الضرب ثابت وهو جاز ~~في القليل عند كثرة الشركاء جريانه في الكثير وليس هو مبينا على الإجحاف ~~بالمحمول عنه فإن الدية محمولة على الموسرين فكأن الضرب ثبت في الشرع ~~مسترسلا [على الأقدار] من غير اعتبار مقدار وهذا من جملة الأمثلة التي ~~ذكرناها تكاد أن تلتحق بالمرتبة المعلومة أو تدانيها. ### | 1304- # فهذه قواعد الأشباه المعتبرة ونحن نجدد فيها ترتيبا بعد ما وضحت. # PageV02P219 # الأصول ونبني الغرض على سؤال وجواب وهو السر وكشف الغطاء. ### | 1305- # فإن قيل: إن تعلق الناظر بوجه من الشبه فما وجه تقريره إذا نوقش فيه؟. # فإن قال المشبه: ما ذكرته يغلب على الظن. # فقال له المعترض: ليس كذلك فما سبيل درئه وكيف الجواب عن سؤاله؟ # ولا شك أن غلبة الظن لا تحصل إلا مستندة إلى شبه يقتضيها ولا بد من ذكره ~~وبه يتميز الشبه عن الطرد وكل شبه يقتضي الظن فلا بد أن تنتظم عبارة وعربة ~~عنه ثم أن تأتي وانتظم ذلك سالما عن القوادح فهو معنى إذا فترجع الأشباه ~~إلى معان خفية ويبطل تقسيم الأقيسة إلى المعنوي والشبهي. ### | 1306- # قلنا: هذا السؤال ms456 بحث عن لباب الفصل وحقيقته فلا يتصور استقلال [شبه] دون ~~ما ذكره السائل ولكن سبيل القول فيه أن الشبه يستند إلى مأخذين هما الأصل ~~وبعدهما أمر ثالث ينبه [عليه] . # أحدهما: الأمثلة وجريانها على مقتضى الشبه. # وهذا كإلحاقنا اليسير بالكثير في الضرب على العاقلة والمستند فيه ضرب حصة ~~آحاد الشركاء مع تناهيها في القلة وينضم إليه بطلان اعتبار المواساة ~~المشروعة بسبب خيفة الإجحاف. # فيخرج [مما] ذكرناه وأمثاله أن ضرب العقل لا ينتهي إلى موقف في قلة [ولا ~~كثرة] وليس هذا معنى مخيلا [مناسبا] وإنما هو متلقى من أصل الوضع بالمسلك ~~الذي ذكرناه فهذا إذا ظهر قليلا التحق [بالقسم] الذي يسمى قياسا في معنى ~~الأصل كما سنذكره في آخر هذا الفصل فهذا وجه. ### | 1307- # والوجه الثاني: وهو الذي يدور عليه معظم الأشباه إن ثبت معنى على الجملة ~~في قصد الشارع ولا يدخل في الإمكان ضبطه بعبارة وهذا كعلمنا أن الشارع قدر ~~أرش يد الحر بنصف الدية لنسبة لها مخصوصة إلى الجملة لا يضبطها والإصبع ~~دونها في [الغناء] وهذا لا شك فيه ولكنا إذا أردنا أن نطلع عليه وعلى الوجه ~~الذي لأجله يقتضي التشطير لم يكن ذلك ممكنا وهذا يناظر علمنا بأن الشارع ~~فرق بين التافه والنفيس من المسروق ثم قدر النفيس بدينار أو ربع دينار. # PageV02P220 # فالأصل معلوم ولا اطلاع على المعنى الذي يقتضي هذا المقدار ويناسبه. # فإذا تمهد ذلك وكان اعتبار يد العبد بيد الحر شبها فإنا نعلم أن غناء يد ~~العبد من جملته كغناء يد الحر من جملته فهذا إذا يستند إلى معنى معتقد [على ~~الجملة] من قصد الشارع ولكن لا سبيل إلى التنصيص عليه. # ومهما اتجه هذا النوع كان بالغا جدا مقدما على المعاني الكلية المناسبة. ### | 1308- # فأما الأمر الثالث الموعود: فالتشبيه بالمقصود وهذا لا استقلال له إلا أن ~~يضطر إلى التمسك بتقدير علم الحكم المنصوص عليه. # ومثال ذلك الأشياء الستة المنصوص عليها في الربا فلو هجم الناظر عليها ~~ولم يتقدم عنده وجوب طلب علم لم يعثر على فقه قط ولا شبه ms457 فإن الفقه مناسب ~~جار مطرد سليم على السبر والشبه متلقي من أمثلة أو مخيل معنى جملي والرأي ~~لا يقضي بواحد منهما في نصب الطعم علما ولكن إذا ثبت طلب العلم وانحسم ~~المعنى المسبور والجملي فلا وجه إلا أن يقال: إذا لم يثبت الحكم لأعيان هذه ~~الأشياء ثبت لمعانيها هي المقصودة منها. ### | 1309- # ثم ينتصب على ذلك شاهدان: # أحدهما: من قبيل التخصيص وهو اختلاف الحكم باتحاد الجنس واختلافه. # والثاني: عموم قوله عليه السلام: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" 1 [إلا مثل ~~بمثل] فهذه معاقد الأشباه ثم لا حاجة إلى تكلف الميز بينها وبين الطرد. ### | 1310- # فإن قيل: المعلوم الذي يسمى قياسا في معنى الأصل ما مستند العلم فيه؟. # قلنا: اكتفى بعض الضعفة بادعاء العلم وانتهى إلى دعوى البديهة وزعم أن ~~جاحده في حكم جاحد الضرورات. # ونحن نوضح الحق في ذلك ونقول: كون العتق في العبد بمثابة كونه في الأمة ~~والرق فيهما أيضا على وتيرة واحدة وهذا معلوم قطعا ولا يمتنع أن ينص الفصيح ~~على واحد من الأمثال ويرغب عن التعلق بالألفاظ العامة ويجعل ما ذكره مثالا ~~PageV02P221 # لحكم يؤسسه [كالواحد] منا إذا أراد أن يبين حكم البيع فقد يقول: من باع ~~[ثوبا] فقد زال ملكه عنه فيؤثر ضرب مثل لخفته عليه في مجارى الكلام وهذا أن ~~ساغ لا استكراه فيه ولا يمتنع في تحكمات الشرع تخصيص سريان العتق بالعبد. # لكن لو كان كذلك لتعين في حكم البيان التنصيص على التخصيص [فإذا] لم يجر ~~ذلك انتظم من مجموعة القطع بثبوت القياس في معنى الأصل. ### | 1311- # ولو نص الشارع على موصوف وذكر فيه حكما تقتضيه تلك الصفة اقتضاء اختصاص ~~فهذا النوع من التخصيص بتضمن نفي ما عدا المنصوص وهو المفهوم وقاعدته كقوله ~~عليه السلام: "في سائمة الغنم الزكاة" 1 فأما لو قدر مقدر من الشارع أن ~~يقول في عفر الغنم زكاة فهذا ليس في مرتبة المفهوم ولا يصلح [أيضا] لإجراء ~~مثالا بخلاف العبد الذي يجرى مثالا في المملوكين. # فإذا لا يقول الشارع مثل هذا فإنه من التخصيص العرى ms458 عن الفائدة. # فليفهم الناظر هذه المنازل والترتيب بعد ذلك كله. ### | 1312- # فالمرتبة الأولى: للمعلوم وقد بينا مأخذه. ### | 1313- # والمرتبة الثانية: لما يتلقى من الأمثلة كإلحاق القليل من العقل [في ~~الضرب] على العاقلة بالكثير فإن ذلك قريب جدا من الرتبة المعلومة. ### | 1314- # والمرتبة الثالثة: ما يستند إلى معنى كلى لا تحيط الأفهام والعبارات ~~بتفصيله كما ذكرناه في تقدير أروش الأطراف وافتقار طهارة الحدث إلى النية. ### | 1315- # وأنا أرى الطهارة تنحط في الرتبة عن تقدير الأروش فإن تقدير الأروش يستند ~~إلى أغراض ناجزة نعتقد أصولها ونقصر عن درك تفصيلها وأمر الثواب خفي في ~~الطهارة لا يتأتى فيه من الاطلاع ما يتأتى في مستند تقدير الأروش فلا بأس ~~إذا لو قدر افتقار الطهارة إلى النية كرتبة متأخرة عن تقدير أروش أطراف ~~العبيد. # وأما نصب المقاصد فمسترسل كما سبق تقديره في الربويات فهذا لا يستقل ~~بنفسه دون الإرهاق إلى نصب العلم وهو دون المرتبة الثالثة. ### | 1316- # ونحن نختم هذا الأصل بمسألة يتعارض فيها شبهان فنقول: PageV02P222 # اختلف العلماء في أن العبد هل يملك؟. # ومأخذ الكلام من طريق التشبيه ما نصفه أما من يقول يملك فشبهه بالحر من ~~جهة أن الحر فطن مؤثر مختار طلوب لما يصلحه دافع لما يضره لبيب فطن أريب ~~والعبد في هذا كالحر فهذا شبه فطري غير عائد إلى [الصورة] وإنما راجع إلى ~~المعاني التي بها يتهيأ الإنسان لمطالبة ومآربه. ### | 1317- # ومن منع كونه مالكا شبهه بالبهائم من حيث إنه مسلوب القصد والاختيار ~~مستوعب المنافع باختيار مالكه حتى كأنه لا اختيار له والتعلق بهذه الأشياء ~~أقرب فإن القائل الأول تمسك بالأمور الخلقية ومن منع الملك تمسك بمأخذ ~~الأحكام فكان ما قاله أقرب فإن الرق حكم غير راجع إلى صفات حقيقية خلقية ~~وحاصلة سقوط استبداد شخص وتهيؤه لتصرف غيره وهذا يناقض صفات المالكين فإن ~~حكم الملك الاستقلال ثم أقام الشارع المالك طالبا للمملوك فيما يسد حاجته ~~ويكفي مؤنته والحاجة [التي] لا يتصور فيها الكفاية أثبتها الشارع للمملوك ~~بإذن مالكه وهو حق المستمتع في النكاح. ### | 1318- # فإن قيل: السيد إذا ملك ms459 عبده فالحق لا يعدوهما فإن كان استغراق السيد ~~إياه يمنعه من صفات المالكين فإذا ملكه المولى وجب أن يملك. # قلنا: هذا يلزم الخصم في تصوير إلزام الملك [له] ثم التمليك لم يخرجه عن ~~كونه مملوكا متحكما عليه فلم يجامعه التمليك كما لم يجامعه إلزام الملك ~~فإذا زال الرق عنه ملك حينئذ وإذا ثبت له حق [الاستقلال] بأن كاتبه فيتصور ~~له ملك على ضعف على حسب ما يليق به. # فهذا المعتبر في النظر إلى [أقرب] الأشباه [وأدنى المآخذ] فيها. # وما تعلق به الأولون موجبة أن لا فرق لأن خلقه وصفاته كصفات الحر فإذا ~~تصور كونه مملوكا سقط هذا الاعتبار وجلى الشرع حكمه. # فصل ### | 1319- # المرتبة الأولى: من قياس المعنى: هو النتيجة الأولى لما صح من معنى ~~القاعدة ويناظرها في مأخذ الأشباه ما يقال إنه في معنى الأصل. # PageV02P223 # وما يستأخر من أقيسة المعاني عن رتبة العلم ويقع في أعلى مراتب الظنون ~~كاعتبار الإطراف بالنفس يناظر من الأشباه ما ثبت بظواهر الأمثلة كاعتبار ~~القليل من ضرب العقل على العاقلة بالكثير. # وما يبعد عن المرتبة الأولى في المعاني المظنونة يناظر ما يتعلق بتقدير ~~الأروش في أطراف العبيد ثم ما يتعلق بالأمور المغيبة كتقدير الثواب في ~~الطهارة وما ثبت معللا من جهة الشارع ولم يعقل وجه المناسبة فيه كقوله عليه ~~السلام: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " 1 يناظر ما يضطر إليه من اعتبار المقاصد ~~في الربويات. ### | 1320- # فأما رتبة العلم فلا يترجح فيها مطلوب على مطلوب فإن العلوم لا تفاوت ~~فيها. # وإن انحططنا عن رتبة العلم فآخر مراتب المعاني مقدم على أعلى مراتب ~~الأشباه إلا أن يسترسل المعنى ويختص بالشبه كاعتبار نقصان القيمة في أطراف ~~العبيد أخذا من المعاني الكلية مع التقدير أخذا من التشبيه بالأحرار. # وهذا لا يتطرق إليه قطع إذ لو كان مقطوعا به لما عد من خفيات المظنونات. # وإلحاق القليل بالكثير في ضرب العقل [على العاقلة] أظهر من المعنى الكلي ~~فيه فإن من تمسك بالمعنى الكلي ينقطع طرد كلامه بمحل الوفاق في ضرب العقل ~~على ms460 العاقلة ويضطر أن يقف موقف الطالبين [ويقول] الأصل تخصيص الغرم بالجاني ~~فأقيموا دليلا في محل النزاع. # وإذا طالب ذكرنا مسلكا من ضرب الأمثلة فكان في حكم شبه لا يعارضه معنى ~~غير أن الشبه ينبغي أن يكون على نهاية القوة في محاولة النقل من أصل كلي ~~إلى الإلحاق بما هو عن قياس المعنى. # ولا مزيد في القوة على ما ذكرناه والمسألة مع ذلك مظنونة وليس هذا كتقدير ~~ارش طرف العبد فإن من يوجب ما ينقص بطرد معنى فلا ينتقض عليه فيبغي اعتبار ~~صاحب الشبه بالأخص فلينظر الناظر إلى جولان الحقائق في هذه المضايق. ~~PageV02P224 ### | فصل: في مراتب قياس الدلالة ### | 1321- # أحدث المتأخرون لقبا لباب من أبواب القياس وراموا بذلك التلقيب تمييز فن ~~كثير في مسالك الأحكام جار على منهاج واحد وهو عند المحققين إذا صح يلتحق ~~بقياس الشبه من وجه وقد يتأتى في بعض أمثلته وجه يلحقه بقياس المعنى واللقب ~~الذي تواضعوا عليه هو قياس الدلالة وهو كقول الشافعي في الذمي من صح طلاقه ~~صح ظهار كالمسلم. ### | 1322- # والذي يقتضيه الترتيب تصدير الفصل بأن المستدل بهذا النوع يتوجه عليه ~~سؤال المطالبة لا محالة كما ذكرنا قريبا منه [فيما تمحض] شبها فللمعترض أن ~~يقول: وأي مناسبة بين الطلاق والظهار؟ ولم يجب أن يتساويا ثبوتا ونفيا؟ مع ~~العلم بانقسام الأحكام إلى التساوي والتفاوت؟ فإن لم يبحث المطالب ويبدي ~~وجها كان مقصرا. ### | 1323- # ثم ينقدح في الخروج عن المطالبة مسلكان نجريهما ثم ننهي كل واحد منهما ~~النهاية المطلوبة ثم مسلك الحق وراء الاستقصاء المقول والمنقول. # فإن قال المطالب: الطلاق مقتضاه التحريم والحل والكفر لا ينافي ذلك ومحل ~~التصرف قابل له والظهار فيما ذكرته كالطلاق [ولا ينافي الكفر المنكر والزور ~~كما لا ينافي التصرف في الطلاق] وإذا سلك هذا المسلك لم يبعد أن يكون ما ~~ذكره جامعا بين الطلاق والظهار معنويا وقد يتمكن المطالب من منع يضاهي ما ~~ذكرناه على ما يورده الفقهاء. # فهذا النوع إذا سلك صاحب هذا المسلك يلتحق بأقيسة المعاني. ### | 1324- # والمسلك الثاني: في الخروج عن المطالبة ms461 ألا يخوض المطالب في التزام طريق ~~المعاني المستقلة الجامعة من طريق المعنى وهذا القسم ينقسم قسمين: # أحدهما: أن يرد الأمر إلى طريق الاطراد والانعكاس وقد ذكرنا أن الطرد ~~والعكس معتبر معتمد وقد قدمنا في ذلك قولا بالغا فليقل المطالب اقترن ~~الطلاق [بالظهار] ثبوتا ونفيا واقترنا في الصبي ومن لا يعقل انتفاء فكذلك ~~القول في اقترانهما ثبوتا وانتفاء باختلاف صفات المحل في البقاء في النكاح ~~والبينونة عنه فهذا مسلك مرضى. # PageV02P225 ### | 1325- # والقسم الثاني من هذا القسم: أن يذكر المطالب بين ما استشهد به وبين ~~المتنازع فيه شبها غير مخيل ولكنه يستقل في طريق الشبه فهذا مضطرب النظار ~~فيما ذكرناه. ### | 1326- # وأنا أقول: إذا تحقق وجوب الخروج عن المطالبة فلا يستقل بتمهيد قياس ~~الدلالة إلا فطن دراك فإن المعلل لو سلك طريق [إبداء] المعنى فقد بين أن ما ~~اعتمده وسكت عليه لم يكن كلاما [تاما] فإن إبداء المناسب إذا كان محتوما ~~ولم يكن في الكلام الأول ذلك فسكوت المطالب بالدليل على [ما جاء] به يتضمن ~~اعتقاد كونه مستقلا فإذا بين أن [التمام] في الجواب عن المطالبة فقد لاح أن ~~ما أبداه مفتاح الحجة ومبدؤها وقد سكت عنه سكوت من يراه تاما مستقلا فهذا ~~وجه. ### | 1327- # والوجه الآخر: أنه جعل أصل قياسه المسلم فيما تمثلنا به. # والآن إذا أبدى معنى جامعا بين الطلاق والظهار فقد صار الطلاق أصلا ~~للظهار وخرج الكلام الأول عن نظمه وترتيبه وإن أبدى وجها من الشبه بين ~~الطلاق والظهار فقد التزم الجمع تشبيها وهو تتمة الكلام [كما] قدمناه في ~~المعنى المستقل وينقدح فيه تغيير الترتيب والنظم كما تقدم فإذا لا بد من ~~مناسبة فقهية أو شبهية وكلاهما ينافي المسلك الأول الذي اعتمده. ### | 1328- # وإذا انتبه الناظر [للغائلة] التي ذكرناها فلا يظن أنها تشبيب برد هذا ~~النوع من القياس فإنا من القائلين به ولكن الوجه في تمهيد هذا النوع ودفع ~~المطالبة شيئان: # أحدهما: الطرد والعكس كما تقدم وفيه التغليب المطلوب وتقرير نظر الدلالة ~~الأولى [من] غير مسيس حاجة إلى إتمام أو تعيين أصل بتقدير ms462 الصرف عن ~~الاعتبار بالمسلم ويرد الأمر إلى اعتبار الظهار بالطلاق ومن اللطائف ~~الجدلية في ذلك أن مطلق الشرط يشعر بالعكس فلا يكون من صاغ [العلة] على ~~صيغة الشرط بإبداء الطرد والعكس مظهرا لما لم يتضمنه الكلام الأول. # والصحيح عندنا التحاق ذلك بالأشباه. # PageV02P226 ### | 1329- # ومن تتمة القول فيه: إن قياس المعنى إذا انعكس كان العكس فيه ترجيحا فإذا ~~لم يلتزم المعلل المعنى وتمسك بالاطراد والانعكاس كان متمسكه شبها وكان ~~قريبا من القسم الثاني الذي يستند إلى ضرب الأمثلة كما قدمناه في إلحاق ~~القليل بالكثير في ضرب العقل على العاقلة. ### | 1330- # ومما ينقدح في هذا النوع أن يقول المتمسك به: # الأصل المسلم وظهاره والفرع الكافر وظهاره والجامع بينهما شبه الطلاق ~~فنفوذ الطلاق من المسلم والذمي شبه جامع بينهما في الظهار فغلب على الظن ~~وهذا وإن كان يستمر شبها فكل شبه يعتضد كما ذكرت في تقاسيم الأشباه فإن ~~تمكن الجامع من إبداء معتضد الشبه كما تقدم مفصلا كان حسنا وإن أراد ~~الاجتزاء بالطرد والعكس عاد إلى المسلك الأول. # والأحزم في قياس الدلالة الاكتفاء بالطرد والعكس فهذا النوع من القياس ~~يجري في الأغلب من المسائل التي يكون المعنى ممكنا فيها ولكن يطول الكلام ~~في تقريره وتتسع العبارة في محاولة ضم نشره والمناظر المتحذق يبغي ضم أطراف ~~الكلام وإرهاق الخصم بالمسلك الأقرب والسبيل المهذب إلى مضيق التحقيق في ~~إيراد فرق يعسر إيراده على شرطه. # فلو تكلف المناظر الجمع بين الطلاق والظهار بمعنى مناسب لكثرت المطالبات ~~في وجوه المناسبات ولم يأمن الجامع من التعرض للنقض ما لم يتناه في التصون ~~والتحرز فيؤثر والحالة هذه جعل الطلاق وصفا ويربط الظهار به حكما ويتخذ ~~المسلم أصلا ويجعل معتمده في إثبات الطريقة جريانها طردا وعكسا. ### | 1331- # ومما يتعين الإحاطة به في هذا الصنف [أن] المعنى المخيل حكم مناسب لحكم ~~أو صورة تنبئ العبارة عنها وتقع مناسبة وقد يكون الجامع نفي حكم أو نفي مع ~~ظهور المناسبة والسلامة عن المبطلات فإذا ظهرت الإخالة واتضحت السلامة قيل: ~~معنى مخيل مناسب جامع مستند إلى أصل. ms463 فلو قال المطالب وراء ذلك: فلم زعمت ~~أن الحكم الذي قدر وصفا يقتضي الحكم الذي فيه النزاع؟ # كان الجواب الكافئ فيه إيضاح الإخالة مع استمرار السلامة فإن أراد ~~المطالب إبداء فرق بين الحكم المجعول وصفا وبين محل النزاع لم ينتظم فيه ~~كلام على صورة الفرق ونظمه. # PageV02P227 ### | 1332- # نعم قد يبدى كلاما يقدح في المناسبة ويتعين على المستدل قطع ما دونه ~~واستقلال مناط الحكم المتنازع فيه بمناسبة وإخالة. # وبيان ذلك بالمثال: أنا إذا طلبنا مسلك المعنى وقلنا: كلمة تتضمن التحريم ~~فيثبت حكمها في حق الذمي كالطلاق وكان معنى التحريم مع قبول المرأة له ~~واتصاف الكافر بالاستمكان منه مناسبا للنفوذ. # فإذا قال الخصم: التحريم ينقسم إلى ما يقع تصرفا [محضا] في مورد النكاح ~~غير متعلق بحق الله تعالى وإلى ما يتعلق بحق الله تعالى [وتحريم الظهار ~~يتعلق بحق الله تعالى] والاستحقاق في في مورد النكاح قائم لم ينخرم والكافر ~~لا يخاطب بما يقع حقا لله تعالى فقصد المعترض بهذا يرجع إلى [توهين] ~~الإخالة في التحريم المطلق فيتعين الإجابة بطريقها وليس ما جاء به فرقا على ~~نظمه المعروف. ### | 1333- # فإذا قلنا في هذه المسألة: من صح طلاقه صح ظهار فنحن رابطون نفوذا بنفوذ ~~ولكن في تصرفين مختلفين يتأتى جعل أحدهما [أصلا والآخر] فرعا ونصب الجامع ~~بينهما وإذا أمكن الجمع تصور الفرق ولا يمكن الجمع بين حكم مناسب لشيء وبين ~~ذلك الشيء فلما أمكن الفرق ظهرت المطالبة بالجمع وتميز هذا الصنف عما يتمحض ~~فقها مناسا فكان القسم الذي فيه الكلام بين قياس المعنى من جهة مناسبة تصرف ~~تصرفا على الجملة مع الجريان على السلامة وبين مسالك الأشباه من جهة تطرق ~~المطالبة بالجمع وعدم التزام المعلل له. # والذي [يحيك في الصدر] أن المعنى إذا أمكن فهو [أولى] ونصبه في مراتب ~~الأقيسة أعلى والتمسك بالأدنى مع الاستمكان من الأعلى لا [يتجه] في طرق ~~الفتوى والنظر تدوار على تمهيد طرق الاجتهاد التي هي مستند الفتوى فسبيل ~~الجواب عنه أن نقول: ### | 1334- # إذا اشتملت المسألة المظنونة على مراتب من الأدلة متفاوتة ms464 فلا حرج على ~~المستدل لو تمسك بأدنى المراتب وإنما يظهر تفاوت الرتبتين إذا تناقض موجب ~~الحجتين فيقدم موجب الأعلى على الأدنى فأما إذا توافقت شهادات المراتب ~~المختلفة على مقتضى الوفاق فلا معاب على من يتمسك بالأدنى وكذلك إذا اشتملت ~~المسألة على خبر نص وقياس ولا يمتنع التمسك # PageV02P228 # بالقياس الموافق الخبر وإنما يمتنع التمسك بقياس يخالفه نعم إذا كان ~~المطلوب في المسألة علما فلا وجه للتمسك بقياس لا يقتضي العلم. ### | 1335- # وحاصل القول في هذا الفن إذا انتهى الكلام إليه يحصره أقسام. # أحدها: يطلب العلم وما كان كذلك فالمطلوب منه ما يفضي إلى العلم ولا حكم ~~لتفاوت الرتب بعد استواء [الجميع] في الأفضاء إلى العلم. ### | 1336- # والقسم الثاني: ما تتفاوت الرتب فيه ومتعلق جميعها ظنون. # والرأي عندنا تسويغ التمسك بالجميع على ما يراه المستدل. # ومنع بعض الجدليين التمسك بالأدنى مع التمكن من الأعلى وهذا فيه نظر إذا ~~تميزت المراتب بالقواطع وإن كانت كل مرتبة في نفسها لا تقتضى علما فأما إذا ~~كان تفاوت الرتب مظنونا فلا يمتنع وفاقا من التمسك بأدنى آحاد الرتب. ### | 1337- # ومما يتعلق باستكمال الكلام في هذا الفصل أنه قد يتعلق ثبوت بنفي أو نفي ~~بثبوت على مضاهاه قياس الدلالة وليس من قياس الدلالة في شئ وهو كقول القائل ~~من لا يملك التصرف [يل] الوالى التصرف منه أو من يستقل بالتصرف لا يلي ~~الوالى منه ما يستقل به. # فهذا إذا سلم يلتحق بأقيسة المعاني فإنه مناسب مخيل ولا ينتظم بين النفي ~~والإثبات فرق. ### | 1338- # وقياس الدلالة [يتميز] عن محض قياس المعنى بهذا فإنه لا يمتنع رسم [فرق] ~~بين وصف قياس الدلالة والحكم المنوط به ويمتنع ذلك بين نفي التصرف وإثبات ~~الولاية وإثبات التصرف ومنع نفي الولاية. ### | 1339- # فهذا منتهى القول على قدر ما يليق بهذا المجموع في قياس الدلالة فإذا نجز ~~قدر الحاجة في مراتب الأقيسة حان أن نرجع بناء الكلام إلى الترجيح فنقول. # PageV02P229 ### | فصل: [الترجيح في الأقيسة] . ### | 1340- # إنما يجري الترجيح في أقيسة لا يعترض عليها إلا من وجهة التعارض ثم الأصل ~~المعتبر ms465 في الترجيح [الخصيص] بالأقيسة [ينشأ] من تفاوت الرتب مع اجتماع ~~الجميع في الظن. # PageV02P229 # فأما اقيسة المعاني فمستندها قاعدة معنوية معلومة ولا ترجيح في معلوم ~~فإذا انحط المعنى عن العلوم فقد تقدم ترتيب مسالك الظنون والأرجح: فالأرجح ~~أقربها إلى المعنى المعلوم وقد مضى ترتيبها في القرب والبعد. ### | 1341- # ومما يتعلق بالترجيح في المعاني النظر فيما يثبتها وقد تقدم القول مثبتات ~~المعاني ورجع الحاصل إلى مسلكين: # أحدهما: إيماء الشارع. # والثاني: الإخالة [مع السلامة. # وما يثبته الشرع مقدم على الإخالة] التي لا دلالة في لفظ الشارع عليها ~~والسبب فيه أن ما أشار الشارع إلى التعليل به أمن المستنبط من الوقوع في ~~متسع المصالح التي لا يحصرها ضبط الشريعة وهذا أمر عظيم في الاجتهاد وهو ~~محذور الحذاق من أهل النظر ثم الإخالة على الرتب المقدمة. ### | 1342- # ومن الأسرار في ذلك: أن الاستدلال يصح القول به وإن لم يستند إلى أصل ~~حكمه متفق عليه على الرأي الظاهر فلو عارض استدلال لا اصل له معنى مستندا ~~إلى أصل فالمستند إلى الأصل مرجح على الاستدلال والسبب فيه انحصاره في حكم ~~ثابت شرعا متفق عليه والمستدل على خطر الخروج عن الضبط. ### | 1343- # فهذه قواعد الترجيح في أقيسة المعاني. # ثم أدناها مرجح على أعلى الأشباه المظنونة كما سبق في ذلك قول بالغ. ### | 1344- # فإذا تعارض شبه خاص ومعنى عام كلي فقد قدمنا وجه الرأي فيه فلا نعيده. ### | 1345- # والاستدلال إذا عارضه شبه [ومن] ضرورة الشبه استناده إلى أصل فالذي ذهب ~~إليه المحققون تقديم الشبه لمكان استناده إلى أصل. # وقدم الأستاذ أبو إسحاق رحمه الله تعالى الاستدلال على الشبه والقول في ~~ذلك يتعلق بالظن عندنا فليعمل كل مجتهد على حسب ما يؤدي إليه إجتهاده. ### | 1346- # فهذه مجامع الأقوال في ترجيح الأقيسة لا يشذ عنها إلا أفراد مسائل اضطراب ~~فيها الجدليون ونحن نرسمها مسألة مسألة وفي استيفائها استكمال القول في ~~الترجيح. # PageV02P230 ### | مسائل تشذ عن القاعدة العامة للترجيح # مسألة: ### | 1347- # إذا تعارضت علتان إحداهما منعكسة والآخرى غير منعكسة فالذي ذهب إليه معظم ~~الأصوليين أن الانعكاس من المرجحات المعتمدة. # وهذا ms466 يتجه جدا على قولنا إن الانعكاس مع الاطراد دليل صحة العلة وقد ~~قدمنا في حقيقة العكس قولا بالغا مغنيا عن الإعادة. # ونحن نذكر من اسراره مأخذا يستدعيه ويقتضيه أمر الترجيح فنقول: ### | 1348- # القياس الشبهى إذا اطرد وانعكس كان الانعكاس مخيلة معتمدة جدا فإن أقوى ~~متعلقات الأشباه الأمثلة كما قدمنا ذكرها والاطراد والانعكاس فن الأمثلة ~~المغلبة على الظن فإذا فرضنا تعارض شبهين انعكس أحدهما دون الثاني كان ذلك ~~ترجيحا مقتضيا مزيد تغليب الظن لا يجحده في هذا المقام إلا غبي بمآخذ ~~الأقيسة ومراتبها. ### | 1349- # وإن فرض الانعكاس في أقيسة المعاني فلا بد من ذكر تقسيم في ذلك منبه على ~~سر العكس أولا ثم يعود الكلام إلى غرضنا من الترجيح فنقول: رب معنى مخيل ~~مناسب لا يشعر انتفاؤه لانتفاء الحكم في وضعه وربما يشعر انتفاؤه بانتفاء ~~الحكم الذي اقتضاه الطرد. # وبيان ذلك بالمثال: أنا قلنا في تحريم النبيذ: مشتد مسكر فهذا يناسب ~~التحريم من جهة إفضاء السكر إلى الاستجراء على محارم الله تعالى والاستهانة ~~بأوامره وعدم الشدة لا يشعر بالتحليل. ### | 1350- # وإذا قلنا: مستقل بالتصرف فلا يولى عليه كان الاستقلال مشعرا بنفي ~~الولاية وعدم الاستقلال مشعر بإثبات الولاية فإذا تمثل النوعان في قياس ~~المعنى بنينا عليه غرضنا وقلنا: إن لم يكن المعنى بحيث يخيل عدمه عدم حكم ~~الطرد وفرض مع ذلك انعكاسه فقد تجمعت فيه الإخالة والشبه فإذا عارضه معنى ~~غير منعكس ولم يكن في وضعه بحيث يشعر عدمه بعدم الحكم فالمنعكس مقدم عليه ~~بطريق الترجيح إذا اجتمع فيه إخالة فقهية وقوة شبهية. # PageV02P231 ### | 1351- # فإن تعارض معنيان وأحدهما يشعر في الطرد والعكس نفيا وإثباتا والثاني ~~يخيل من وجه الطرد ولا يخيل من جهة العكس فان انعكس المخيل ولم ينعكس ما لا ~~يخيل فالمنعكس مرجح وسبب ترجيحه قوة الإخالة وإن لم ينعكس ما لا يخيل من ~~جهة العكس بسبب علة أخرى خلفت العلة الزائلة فالوجه ترجيحها على العلة التي ~~لا تخيل في العكس فإن عدم الانعكاس فيما يخيل من جهة الانعكاس محمول على ~~ثبوت علة اخرى خلفت ms467 العلة الزائلة وقوة الإخالة لا تزول. ### | 1352- # وتحقيق هذا: أنا قدرنا عند انتفاء العلة التي فيها الكلام انتفاء علة ~~أخرى [لانتفي] الحكم لقوة الخالة [وشدة] الارتباط [ومقتضى 9 اقتران الحكم ~~والعلة وهذا المعنى لا يتحقق فيما لا يقتضي الإخالة في جهة العكس. ### | 1353- # فلو لم تنعكس علة مقتضاها الانعكاس لمكان علة اخرى [خالفت] وانعكست التي ~~لا تخيل في جهة العكس فقد اختلف المحققون في ذلك: # فقدم مقدمون المنعكس لاجتماع قوة الإخالة في الطرد وقوة الشبه في العكس ~~وذهب أخرون إلى تقديم العلة التي تخيل في جهة العكس لاختصاصها بقوة ~~الإخالة. # وأدنى مأخذ المعاني مقدم على أعلى مسالك الاشباه ولا يقدح في قوة الإخالة ~~عدم الانعكاس إذا ثبتت علة تخلف العلة في الطرد. ### | 1354- # ومما يتم به الغرض في ذلك أن العلة إذا أخالت في العكس فالعلة المخالفة ~~يجب أن تكون أقوى من [إخالة] العلة الأولى في العكس لا محالة. ### | 1355- # فإن امتنع الانعكاس لنص أو إجماع فهذا موضوع التوقف. # قال قائلون: عدم الانعكاس مفسد للعلة من حيث إنه أثر في فقهه وإخالته ~~فكان هذا كالنقض في الطرد. # وقال المحققون: لا يبطل العلة فلها في الثبوت دلالة وعلة عدم الحكم عدم ~~العلة أمكن الانعكاس فالإجماع [قدح انتفاء الحكم] في تقدير العدم علة ~~والنقض يخرج وجود العلة عن كونه علة والقول في النقض طويل وقد سبق تفصيله ~~فيما تقدم فهذا هو اللآئق بغرض الترجيح في فصل الانعكاس. # PageV02P232 # مسألة: ### | 1356- # وقد تقدم القول في العلة القاصرة المقتصرة على محل النص فإذا رأينا صحتها ~~فلو فرضنا علة متعدية عن محل النص ففي ترجيحها على القاصرة خلاف. ### | 1357- # وحاصل ما قيل فيه ثلاثة مذاهب: # أحدها: وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق ترجيح القاصرة. # والثاني: وهو المشهور ترجيح المتعدية. # والثالث: وهو اختيار القاضي أنه لا ترجح إحداهما على الأخرى بالقصور ~~والتعدي. ### | 1358- # وأول ما يجب به الافتتاح تصوير المسألة: # فإن فرضنا علتين: قاصرة ومتعدية في نص واحد فالقول في هذا ينبني على أن ~~الحكم الواحد هل يعلل بأكثر من علة واحدة وهذا أصل قد ms468 سبق تمهيده. # فإن لم يمتنع اجتماعهما فلا معنى لترجيح إحدى العلتين على الأخرى ولكن ~~الوجه القول بالعلتين والقاصرة والمتعدية متوافيتان في محل النص الواحد لا ~~تناقض بينهما ولا تعارض فإن المتعدية مستعملة مقول بها وراء النص. # وإن لم نر اجتماع [العلتين لحكم واحد فإذ ذاك] ينقدح الكلام في ترجيح ~~القاصرة على المتعدية. ### | 1359- # [أما الجمهور] من أرباب الأصول فذاهبون إلى ترجيح المتعدية ووجه قولهم أن ~~العلل [تعني] كفوائدها والفائدة المتعدية فإن النص يغنى عن القاصرة فكان ~~التمسك بالمتعدية أولى ومن رجع القاصرة احتج بأنها متأيده بالنص وصاحبها ~~آمن من الزلل في حكم العلة فكان التمسك بها أولى. ### | 1360- # ووجه القاضي: إن الفوائد بعد صحة العلل [وصحة العلل] ترتبط بما يصحهها ~~مما يقتضي سلامتها عن المبطلات فإذا دل الدليل على الصحة. # واستمرت دعوى السلامة فلا نظر وراء ذلك في النتائج والفوائد قلت أو كثرت ~~وليس من الرأى الترجيح بحكم العلة وهو النتيجه والفائدة. # PageV02P233 # والترجيح الحقيقي إنما ينشأ من مثار الدليل على الصحة وفائدة العلة في ~~مرتبة ما يدعى لها. ### | 1361- # وقول القاضي في المسلك الذي ذكره أوجه الأقوال في مقتضى الأصول. # وما رآه الجمهور من النظر إلى الفوائد متروك بما ذكرناه وما اعتبره ~~الأستاذ في مطابقة النص لحكم العلة القاصرة غير معتبر لما نبهنا عليه من أن ~~حق المرجح ألا ينظر إلى حكم العلة ولا يرجح به بل الترجيح بما يصحح به ~~العله ويقتضى مزيد تغليب الظن فيه. # وما ذكره مرجح العلة القاصرة من الأمن [لا وقع] له فإنه راجع إلى استشعار ~~[خيفة] لا إلى تغليب ظن وتلويح متلقى من مسالك الاجتهاد. ### | 1362- # والذي [يبتغى] وراء ما ذكرناه أن العلة المتعدية إذا صحت على السبر ولم ~~يناف صحتها طارىء فقد وجدنا معنى على شرط الصحة ومقتضاه اعتبار غير المنصوص ~~عليه بالمنصوص عليه وهو مستند إلى أصل ثابت منشؤه من قاعدة شرعية. # فلست أدري ردها لمكان حكمة تسنح من الفكر منطبقة على محل النص فإن ~~المعاني إذا اتصفت بالصفات التي ذكرناها من اجتماع الأمور المرعية والسلامة ms469 ~~عن المبطلات والاستناد إلى منصوص عليه. # فالأولون من الأئمة كانوا مسترسلين على العمل بها وليس ما يجرى في الفكر ~~من العلة القاصرة مناقضا فلا وجه لترك المتعدية قطعا. # وإنما المتروك من قول من يرجح العلة المتعدية [تعلقه] بالفوائد ومصيره ~~إلى أن العلة [تعنى] لثمرتها وفوائدها وهذا واه ضعيف فالوجه التعلق ~~باسترسال المجمعين على العمل بالقياس كما ذكرناه وهذا إذا ضمه الناظر إلى ~~ما حصلناه من القول في العلة القاصرة انتظم له فيه حقيقة المراد. ### | 1363- # [وعندنا أن] هذه المسألة غير [واقعة في الشريعة وإنما هي مقدرة] والشريعة ~~عرية عن اتفاق وقوعها. ### | 1364- # فإن قيل: قد علل أبو حنيفة رحمه الله تعالى الربا في النقدين. # PageV02P234 # بالوزن وهو متعد إلى كل موزون وعلل الشافعي رحمه الله بكونهما جوهري ~~النقدين وهذا مقتصر على محل النص. # فما قولكم في ذلك؟. ### | 1365- # قلنا: الوزن على باطلة عند الشافعي والقول في التقديم والترجيح يتفرع على ~~اتصاف كل واحدة من العلتين بما يقتضى صحتها لو انفردت. ### | 1366- # ومن تمام الكلام في ذلك أن العلة القاصرة لو صح القول بها إن كانت غير ~~مخيلة في جهة العكس فلا معارضة ولا مناقضة [والنقدية] ليست مخيلة في جهة ~~العكس فكيف يتوقع اقتضاؤها نفي الحكم في العكس؟ وقد ذكرنا في مراتب الأقيسة ~~أن علة الربا في الأشياء الستة واقعة آخرا في درجات الأشباه ولا يتسلط ~~المستنبط عليها [إلا] بتقدير الإرهاق والاضطرار إلى استنباطها. # فلسنا نرى للمسألة الموضوعة جدوى ولا فائدة. ### | 1367- # فإن قال قائل: لو استنبط ناظر علة في محل التحريم فصادف اجتهاده علة ~~قاصرة ورأى محل النزاع عكسا لها واستنبط مستنبط آخر في محل تحليل مجمع عليه ~~علة متعدية وصورة النزاع طردها فما القول والحالة هذه؟ # قلنا: لا يتصور أن يعارض عكس طردا فإن الطرد في منزلة العلة والعكس يقع ~~في حكم [العضد] للإخالة على طريق التبعية ولا يقابل ما هو أصل ما يقع فرعا ~~في معرض التلويح. # وهذا على التحقيق لو قيل به مصير إلى معارضة العلة ترجيحا. ### | 1368- # فإذا لم يتصور في اجتماع العكس ms470 قاصرة ومتعدية على حكم التوافق [نظرا] إلى ~~الترجيح ولم يتحقق تعارض بين قاصرة ومتعدية في أصلين مختلفين فإن القول ~~يرجع إلى معارضة الطرد والعكس وهذا لا سبيل إليه. ### | 1369- # فإن قيل: علة الشافعي في تثبيت الخيار للمعتقة تحت العبد قاصرة وقد ~~قدمتموها على العلة المتعدية لأبي حنيفة قلنا هذا ساقط من أوجه: # أحدها: أن ما اعتمده أصحاب أبي حنيفة من تعليل الخيار باطل في نفسه فلا ~~ينتهى القول فيه إلى مقام الترجيح. # PageV02P235 # ومنها: أن الرأي الظاهر عندنا ألا يعلل خيار المعتقة [تحت العبد] كما ~~حققنا في "الأساليب". # ومنها: أن من يثبت الخيار للمعتقة تحت الحر يزعم أن قصة بريرة كانت واقعة ~~والزوج. # حر فلا معنى للاستشهاد بهذه الصورة في ادعاء الوقوع والاستشهاد به. ### | 1370- # فإذا هذه المسألة تقديرية لا نراها واقعة وقد [كنا] ذكرنا أن اجتماع ~~العلل للحكم الواحد ينساغ في نظر العقول [ولكنه غير متفق وقوعا في الشرع] ~~فلا معنى لإعادة ما سبق فهذا منتهى المراد [في ذلك] . # ثم فرع الجدليون وراء هذا مسألتين نرسمهما وهما عريتان عن الفوائد. # مسألة: ### | 1371- # قال من يرجح العلة المتعدية: إذا تعارضت علتان فروع إحداهما أكثر من ~~[فروع] الأخرى [وهما جميعا متعديتان] فكثيرة الفروع منهما مقدمة على ~~الأخرى. # وقد ذكرنا أن أصل الكلام في المتعدية والقاصرة غير واقع وإنما يتكلم ~~المتكلم على التقدير فالقول في المتعديتين يجرى على ذلك النحو فليس في ~~المتفق عندنا علتان على الوفاق لحكم واحد منصوص عليه ومجمع عليه وكل واحدة ~~على شرط الصحة. ### | 1372- # فإن قدر المقدر فرضهما فلسنا نرى تعطيل العلة الكثيرة الفروع لمكان أخرى ~~تساويها في بعض مقتضياتها فليس هذا [إذا] لو اتفق [من] مسالك الترجيح في ~~شيء فلو فرضنا علتين متناقضتين في محل النزاع وأصلاهما مختلفان فلا يقع ~~الترجيح بكثرة فروع إحداهما قطعا ومن خالف في ذلك لم نبال به وإنما تتخصص ~~إحدى العلتين بما يقتضي تغليبا على الظن والترجيح عائد إلى تلويح ظني وهذا ~~القدر كاف. # مسألة: ### | 1373- # من اعتقد أن كثرة الفروع تقتضي ترجيحا رسم مسألة وتكلم فيها ms471 مجادلا بما ~~يصفه. # والغرض ألا يعرى هذا المجموع عما [قيل في] أصول الترجيح. # قال هؤلاء: إذا كثرت فروع علة وقلت فروع أخرى ولكن القليلة الفروع. # PageV02P236 # اعتضدت بنظائر لها تضاهي في عدتها فروع العلة الكثيرة [الفروع] كانت كثرة ~~النظائر في معارضة كثرة الفروع. ### | 1374- # وبيان ذلك بالمثال: أن الشافعي خصص لزوم الكفارة العظمى من جملة المفطرات ~~بالوقاع ورأى إتيان المرأة في المأتى الأصل وفيه واقعة الأعرابي وعدى علته ~~إلى إيلاج الحشفة في كل فرج. # -1375 واعتبر أبو حنيفة في إيجاب الكفارة الفطر [بمتنوع] [المفطرات] ~~فكانت فروعه أكثر ولكن للاختصاص بالوقاع نظائر كثيرة كالغسل والحد ووجوب ~~المهر وتكميله والإحصان والتحليل فكانت هذه النظائر في الاختصاص مضاهية ~~لكثرة الفروع في علة الخصم. ### | 1376- # وهذا قول عرى عن التحصيل في مساق كلام هذا القائل إلى [أن نذكر] حقيقة ~~المسألة فإن النظائر التي ذكرناها ما نراها معللة فلا وجه للاعتضاد بها. # وإن تمسك متمسك بها في مسلك الأشباه [فلا] تعلق أيضا بها فإن ثبوت ~~[الأحكام بالوقاع] على الاختصاص لا يغلب على الظن أن يختص بها كل حكم ينقل ~~فيه ولا يجري مجرى الأمثلة التي ذكرناها للرتبة العليا من أقيسة الأشباه. # ومن فهم ما تقدم تميز عنده ما نحن فيه عما سبق. ### | 1377- # وبالجملة: إن تلك الأمثلة تجري في غير المطلوب إذ النظر في اعتبار القليل ~~بالكثير في ضرب العقل اعتضد بالقليل في حق الشريك وكان ذلك ناشئا من عين ~~المطلوب والضرب مسترسل لا توقف فيه فلا أصل إذا لما ذكر هذا الإنسان. # ثم إنما يستقيم ما ذكره لو كانت علة الخصم صحيحة دون تقدير المعارضة ~~وليست كذلك ولو صحت لما عارضتها علة أخرى تساويها وتوافقها في بعض ~~مقتضياتها. # وقد ينشأ من فرض هذه المسألة أصل في الترجيح فليتأمله الناظر. ### | 1378- # فأما مسلك أبي حنيفة فمردود من جهة التناقض المنقول عنه في مذهبه وإنما ~~المذهب المطرد مذهب مالك في تعليقه الكفارة بكل فطر هاتك حرمة الصوم من غير ~~مناقضة فإذا استنبط ذلك من محل النص وهو الوقاع واستنبطناه فلا نرى ms472 لترجيح ~~ما يستنبطه وجها مع جريان ما اعتبره مالك وإن تعلقنا بالأشباه وادعينا أن ~~الوطء. # PageV02P237 # يجب أن يكون على مزية اعتبارا [بالنسك] فهذا شبه على بعد في معارضة معنى ~~الهتك [وليس من الانصاف معارضة شبه على هذا النعت بمعنى جار في محل النزاع ~~وإن لم نر تعليل الكفارة لم ينتفع بهذا ما لم نبطل معنى الهتك] لمالك ~~وبالجملة قوله في تعميم الكفارة متجه جدا والعلم عند الله وليس هذا من ~~القول في قواعد الترجيح ولكن وضع المسألة على ما وصفناه. # مسألة: متعلقة ببقايا الكلام في هذا الفن. ### | 1379- # قال قائلون من أصحاب الشافعي رضي الله عنه: إذا تعارضت علتان وإحداهما ~~أكثر فروعا بيد أن الأخرى منطبقة على الأصل والفرع من غير تأويل والكثيرة ~~الفروع تحتاج إلى تقدير [تأويل] في بعض مجاريها فهذا يغض من جريانها ويقدح ~~في الترجيح بكثرة فروعها. ### | 1380- # وبيان ذلك: أن إذا اعتبرنا في القرابة المقتضية للنفقة والعتق البعضية ~~وهذا يجري في الوالدين والمولودين على انطباق. # واعتبر أبو حنيفة رضي الله عنه الرحم والمحرمية وفروع علته وإن كانت ~~مركبة أكثر فإنها تتناول الأصول والفروع غير أن الرحم والمحرمية لا يجريان ~~إلا على تأويل بين الذكرين والأنثيين وذلك بأن يقدر أحدهما ذكرا والآخر ~~أنثى. # وهذا ركيك من الكلام لا ينساغ مثله لمتشوف إلى تحصيل وذلك أن الرحم لا ~~تأويل فيه وكذلك المحرمية ولكن لا يظهر التحريم لا لتقاعد العلة ولكن لعدم ~~المحل. ### | 1381- # وليس من الرأي التعويل على مثل هذا بعدما قدمنا القول في كثرة الفروع ~~وقلتها وقد انتهى الغرض في هذا الفن ونحن نأخذ بعده في رسم مسائل في سائر ~~أغراض المرجحين إن شاء الله تعالى. # PageV02P238 ### | مسائل في أغراض المرجحين # مسألة: ### | 1382- # ذهب ذاهبون إلى أن ما تجاذبه أصلان وتعارض في إلحاقه بأحدهما نظر النظار ~~فمن تمكن من توفير شبهى الأصليين كان مسلكه مرجحا ومثلوا ذلك بالقول في ~~يمين اللجاج والغضب فإنها بين النذر الذي يوجب الوفاء وبين اليمين التي ~~توجب # PageV02P238 # الكفارة فمن خير بين الوفاء والكفارة كان مسلكه مرجحا من ms473 جهة توفير شبهى ~~الأصليين. ### | 1383- # وهذا مزيف عندنا من جهة أنه ترجيح مذهب لا ترجيح علة جارية على شرط الصحة ~~وقد قدمنا في أول [الكتاب] أن المذاهب لا ترجح [و] مأخذ مسألة يمين اللجاج ~~من [الآثار عندنا] وكل من سلك هذا المسلك فهو يزعمه [يوفر] شبهين من أصلين ~~على إبعاد في الكلام وهو على القرب بقطعة عنهما جميعا وهو غافل عما يأتي. # وبيانه أن مقتضى النذر إلتزام الوفاء [لا تجويزه] ومقتضى اليمين التزام ~~الكفارة والتخيير مباين للمقتضيين ووضوح ذلك مغن عن بسط القول فيه. # مسألة: ### | 1384- # إذا تعارضت علتان واختصت إحداهما بالاستناد إلى أصول ففي الترجيح بكثرة ~~الأصول خلاف بين أهل الأصول. # فذهب بعضهم: إلى أن ذلك يقتضي ترجيحا من جهة أنها في محل الشواهد وكثرة ~~الشهادات تغلب على الظن وهو المقصود بالترجيح واستشهد هؤلاء بكثرة الرواة ~~في تعارض الخبرين. ### | 1385- # والرأي الحق عندنا يقتضي تفصيلا. # فإن كان المعنى الجامع واحدا وكان مستندا إلى أصول فلست أرى الترجيح ~~بكثرة الأصول والحالة هذه فإن الدلالة على الحكم [هي] المعنى وإنما يذكر ~~الذاكر الأصل استئناسا به وأمنا من الوقوع في متسع الظنون مع العلم بأن ~~مسالكها مضبوطة في الشريعة وهذا يحصل بأصل واحد وليس عدد الأصول بمثابة عدد ~~الرواة فإن التعويل في الأخبار على الثقة وظهورها في الظن وهذا يزداد ~~بزيادة عدد الرواة ولو استمكن القايس من جوامع وكل جامع معنى مستقل مستند ~~إلى أصل ولم يتمكن الخصم إلا من معنى واحد فلا شك أن من كثرة معاينة مع ~~الاستواء في الرتب مقدم لكثرة الدلالات وهذا الآن يناظر كثرة الرواة. # ولكن إذا عارض معنى الخصم معنى آخر ثم أتى بمعان فهذا من باب ترجيح دليل ~~بدليل وقد تقدم القول فيه وهو متعلق بلفظ [بعدما وضح] أن صاحب. # PageV02P239 # المعاني يقدم مذهبه. ### | 1386- # ومما يتصل بهذا الفصل أن الناظر في مسلك الأشباه قد يلقى صورة تضاهي كثرة ~~الأصول والترجيح بها واقع. # ومثاله: أن أحمد بن حنبل رحمه الله جوز المسح على العمامة تشبيها بالمسح ~~على الخفين ومنعه الشافعي ms474 رحمه الله تشبيها بالوجه واليدين. # فإذا ما يمنع المسح فيه أكثر وهذا يقوي من جهة أن الكلام في قربه واحدة ~~تشتمل عليها رابطة فكثرة الأمثلة فيها تقرب من مآخذ الأشباه وليس هذا كأصول ~~متبددة يجمعها معنى واحد فليفهم الناظر ما يرد عليه. ### | 1387- # فإن قيل: إلحاق الرجل بالرأس أخص وأمس من جهة أن التخفيف يتطرق إليها. # قيل: هذا باطل فإن ما ابتنى على التخفيف أشعر ابتناؤه عليه باكتفاء الشرع ~~به حتى لا مزيد وهذا يعتضد بأمر واقع وهو تيسير مسح الرأس مع العمامة من ~~غير احتياج إلى [تنحيتها] بخلاف القدم والخف ثم محل الأشباه في الرخص ~~البعيدة عن مدارك المعاني الجزئية والكلية ضيق جدا والأصل اتباع الأصل. # مسألة: ### | 1388- # إذا تعارض قياسان ومع أحدهما ظاهر معرض للتأويل فالعلماء على مذاهب. # قال بعضهم: إذا كان الظاهر بحيث يسوغ تأويله بالقياس الذي يعارضه فلا وقع ~~له ولا ترجيح به والقياسان متعارضان. # وقال قائلون: القياس الذي يعتضد بالظاهر مرجح وقال آخرون القياسان ~~يتساقطان والتعلق بالظاهر. ### | 1389- # فأما من أسقط الظاهر فمذهبه مردود وذلك أن تأويل الظاهر إنما ينساغ إذا ~~اعتضد بقياس غير معارض والمسألة مفروضة في تعارض القياسين. # وإذا بطل هذا المذهب فالمذهبان الآخران بعده متقاربان وحاصلهما يئول إلى # PageV02P240 # تقديم المذهب الذي توافق عليه الظاهر والقياس. ### | 1390- # والعبارة السديدة: ترجح القياس المعتضد بالظاهر فإن الظاهر لا يستقل ~~دليلا مع قياس يصلح لإزالة الظاهر فإذا لم يستقل دليلا واعتضد به قياس ~~أفاده ترجيحا وتلويحا ولا مرد على من أسقط القياسين وتمسك بالظاهر والأمر ~~بعد بطلان المذهب الأول قريب. # مسألة: ### | 1391- # إذا تعارض قياسان واعتضد أحدهما بمذهب صحابي. # فمن يقول: مذهب الصحابي حجة عد هذا من انضمام دليل إلى أحد القياسين وهذا ~~يقتضى تقديم المذهب الذي تطابق عليه القياس ومذهب الصحابي. # ويقع الكلام في أن هذا هل يسمى ترجيحا أم لا؟ وإذا كنا لا نرى التعلق ~~بمذهب الصحابي فلا أثر له في الترجيح وقوله كقول بعض علماء التابعين ومن ~~بعدهم. ### | 1392- # وإن اعتضد القياس بمذهب صحابي شهد له الشارع بمزية علم ms475 في ذلك الفن كقوله ~~عليه السلام أفرضكم زيد فهذا على المذهب الظاهر يقتضى ترجيحا وإن كنا لا ~~نرى قول الصحابي حجة وذلك لما في هذا التوافق من تغليب الظن مع المصير إلى ~~أن مجرد قوله ليس بحجة. ### | 1393- # ثم قال الشافعي رضي الله عنه قول زيد في الفرائض أرجح من قول معاذ وإن ~~[قال رسول الله صلى الله عليه وسلم] : "أعرفكم بالحلال والحرام معاذ" 1 ~~وذلك أن شهادة الرسول عليه السلام لزيد2 أخص في الفرائض3 وأدل على اختصاصه ~~بمزية الدرك فيها. # وكذلك مذهبه مع انضمام قياس أرجح من مذهب علي رضي الله عنه وإن قال ~~الرسول عليه السلام: "أقضاكم علي" 4 وهذا أوضح وأبين مما قدمناه في ~~PageV02P241 # في معاذ فإن شهادة الشارع له بمزية النظر في القضاء تشير إلى التفطن لقطع ~~الشجار وفصل الخصومة والتهدي إلى تمييز المبطل عن المحق والشهادة بمزية ~~العلم في الحلال والحرام أوقع في مظان الاجتهاد والشهادة بمزية العلم في ~~الفرائض أخص من الجميع فهذه إذا ثلاث مراتب. ### | 1394- # فإذا لم يكن في الواقعة قياس واجتمعت هذه المراتب فالقول في تقليد من ~~يقلد يتعلق بكتاب الفتوى وبيان المفتى والمستفتى وسنستقصي القول في مذاهب ~~الصحابة. ### | 1395- # فإن قيل: إذا اعتضد مذهب يقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فما الرأي فيه ~~وقد قال عليه السلام: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" 1 قلنا: هذا ~~أعم عندنا من الشهادة لعلي بمزية العلم في القضاء فإنا نجوز أن الرسول عليه ~~السلام أشار إلى الاستحثاث على اتباعهما في الخلافة وإبداء الطاعة فإذا ~~انضم إلى المراتب في الشهادة للصحابة رضي الله عنهم مرتبة رابعة فأعلاها ~~وأولاها في التعلق أخصها وتليها الشهادة لمعاذ2 وتليها الشهادة لعلي3 رضي ~~الله عنه ثم يلي ما ذكرناه الشهادة لأبي بكر4 وعمر5 رضي الله عنهما. ### | 1396- # ثم قال الشافعي: قول على في الأقضية كقول زيد6 في الفرائض وقول معاذ في ~~التحليل والتحريم إذا لم يتعلق بالفرائض كقول زيد في الفرائض. # مسألة: ### | 1397- # إذا تعارضت علتان وإحداهما مستندة إلى أصل مجمع عليه ms476 [أو إلى نص] والأخرى ~~ليست كذلك فالمستندة إلى الإجماع أو إلى محل النص مرجحة. # وبيان ذلك بالمثال: أن أبا حنيفة رحمه الله إذا أوجب الكفارة في الطعام ~~وقاسه على الوقاع فعلته مستندة إلى محل الإجماع والنص. PageV02P242 # ونحن إذا أبقينا الكفارة واستنبطنا القياس من [بلع] الحصاة لم يكن مستند ~~[قياسنا] مجمعا عليه وهو [أظهر] ما يعتني به في الترجيح. # ولكن لا ينتهي القول مع أبي حنيفة إلى الترجيح فإن ما استنبطه باطل وإنما ~~يقع الترجيح وراء الاستقلال نعم مصادمة مالك عسرة [فإنه] لا يناقض ولا يوجد ~~معه أصل به مبالاة. ### | 1398- # ومن هذا القبيل الذي ذكرناه أن أبا حنيفة إذا استنبط علة في عتق الأمة ~~تحت العبد وعداها إلى الأمة المعتقة تحت الحر فعلته إن صحت مستندة إلى محل ~~النص فإن وجدنا محلا مجمعا عليه في نفي الخيار واستندنا إليه علة في عتق ~~الأمة تحت الحر تفاوتت العلتان. ### | 1399- # وهذا تقدير ذكرناه: تمثيلا وإلا فعله أبي حنيفة باطلة في تلك المسألة ~~والصحيح عندي قصور العلة رأسا على خيار المعتقة تحت العبد كما ذكرنا في ~~"الأساليب" فليتنبه الناظر لهذا الأصل العظيم في الترجيح وليكن على بال ~~منه. # مسألة: ### | 1400- # إذا تقابلت علتان إحداهما ذات وصف واحد والأخرى ذات وصفين فصاعدا. # فذهب بعض الجدليين إلى تقدم التي هي ذات وصف واحد وعللوا بأمرين: # أحدهما: أن ذات الوصف الواحد تكثر فروعها وفوائدها. # والآخر: أن الاجتهاد يقل فيه وإذا قل الاجتهاد قل الخطر. ### | 1401- # وهذا المسلك باطل عند المحققين. # فأما كثرة الفروع فقد سبق القول فيه ثم إطلاق هذا القول لا وجه له فرب ~~علة. # ذات وصف لا تكثر فروعها وربما تكون قاصرة لا تعدو محل النص فإن فرض فارض ~~ازدحام علتين على أصل واحد [و] لم تكونا قاصرتين فإذ ذاك ذات الوصفين أقل ~~فروعا ويعود الكلام إلى تعليل حكم بعلتين. ### | 1402- # ونحن نقول [و] قد انتهى الكلام إلى هذا الحد: # من يتمسك بذات الوصفين لا يخلو إما أن يقول لا تستقل العلة بالوصف # PageV02P243 # الواحد فعليه إبانة بطلانها ولا يكون ms477 هذا الكلام في محل الترجيح وإما أن ~~يقول تستقل العلة بالوصف الواحد فلا معنى إذا لما يريده ولا يتعلق هذا ~~بالترجيح. ### | 1403- # وهذا نمثله بقولين للشافعي في علة الربا: مذهبه في الجديد أن العلة الطعم ~~في الأشياء الأربعة وضم في القديم التقدير إلى الطعم. # فإن كان يرى في القديم الاقتصار على الطعم فاسدا تعين بيان فساد الاقتصار ~~وإن كان يرى ذلك مسوغا فليس التقدير وصفا في العلة قطعا. # ولكن إن ذكره ذاكر فغايته أن يكون الكلام في التقدير أظهر منه دونه ويكون ~~هذا بمنزلة من يتخذ صورة من صور الخلاف ويرى الكلام فيها أقرب. # فالقول بالتقديرين جميعا خارج عن محل الترجيح وإنما أجرينا هذا مثالا ~~وإلا فلا ريب في أن الشافعي رأى في القديم الاقتصار على الطعم فاسدا. ### | 1404- # وأما ما ذكره من تقديم ذات الوصف من [قلة] الاجتهاد فقول ركيك فإن ~~[النظر] في الأدلة وترجيح بعضها على بعض لا يتلقى من جهة الخطر واستشعار ~~الخوف. # والذي يحقق ذلك أن صاحب العلة ذات الوصف الواحد إن لم ينظر في ذات ~~الوصفين فاجتهاده قاصر وهو على رتبة المقلدين والمقتصرين على طريق من ~~الاجتهاد. # وإن نظر في ذات الوصفين ولم ير التعلق بها فقد كثر اجتهاده وتعرض للغرر ~~ولكن أدى اجتهاده إلى النفي فإن رأى ذات الوصف صحيحة فذات الوصفين عنده ~~عديمة التأثير في أحد وصفيها. # وكل ذلك يفسد نهاية الاجتهاد فسقط الركون إلى قلة الاجتهاد واستشعار ~~الخوف وتبين أن اقتحام الخطر حتم على كل مجتهد. # مسألة: ### | 1405- # إذا تضمنت إحدى العلتين نفيا والأخرى إثباتا فقد صار بعض الناس إلى تقديم ~~العلة المثبتة وهذا قول من لا يثبت فيما يأتي به فإن الترجيح لا ينشأ من ~~النفي والإثبات فربما يكون الإثبات أغلب في مسالك الظنون وربما يكون الأمر ~~على [الظن في] . # PageV02P244 # العكس فليتبع المتبع طريق التغليب على الظن مع الانحصار في مسالك الشريعة ~~غير معرج على نفي أو إثبات. ### | 1406- # ويتصل بهذه المسألة: أن إحدى العلتين إذا انطبقت على أصل مستقر في الشرع ~~وتضمنت الأخرى النفل ms478 عنه فهذا مقام النظر فقد قال قائلون النافلة أولى ~~لاشتمالها على الزيادة واستشهدوا بخبرين أحدهما يثبت قول الشارع والآخر ~~ينفيه فالمثبت أولى لاختصاصه بمزية درك يقدر ذهول النافي عنه. # وهذا قد فصلناه في ترجيح الأخبار. ### | 1407- # ولكن لو سلمنا الآن فليس مما نحن فيه بسبيل من جهة أن مأخذ الأخبار يستند ~~إلى بصيرة النافلة ومرتبته في الدرك وقد يختص المثبت بها والعلل لا تؤخذ من ~~هذا المأخذ ولكن مسالكها معلومة مسورة فلتعرض ولينظر الناظر فيها ثم لا يقع ~~الترجيح [بحسبها] . # نعم الوجه تقديم العلة المنطبقة على الأصل المستقر فإنه في حكم الشهادة ~~المؤكدة للعلة والنافلة تحتاج إلى مزيد وضوح يصادم قرار الأصل الذي يناقضها ~~وإذا كان كذلك فالترجيح بمطابقة الأصل المستقر أولى. # ونقول بحسب ذلك: إذا تقابلت علتان في الحكم بالحظر والتحليل [فالتحليل ~~في] أصل الحظر علته أغلب فالمرجح العلة الحاظرة إلا أن تختص المحللة بمزية ~~ظاهرة. # فهذا سر القول في هذا الفصل. # مسألة: ### | 1408- # إذا تقابلت علتان إحداهما حكم والأخرى أمر ثابت محسوس فلا يقع بينهما ~~ترجيح. # وذهب بعض الجدليين إلى أن المحسوس مرجح من جهة أن ثبوته معلوم قطعا. # وهذا الفن ساقط عندنا فإن الحكم عندنا ثابت قطعا وإن لم يكن ثبوته مقطوعا ~~به والقول فيه يتعلق بما مهدناه في استناد إحدى العلتين إلى مقطوع به وتردد ~~الأخرى فأما إذا كان الحكم مجمعا عليه فلا وجه لما قاله هؤلاء. # PageV02P245 # مسألة: ### | 1409- # إذا كانت إحدى العلتين تعم الأحوال كعلة الشافعي في منع بيع الكلب فإنه ~~اعتبر النجاسة وكانت العلة الأخرى تختص ببعض الأحوال كالانتفاع الذي تمسك ~~به أبو حنيفة في جواز البيع وهذا لا يجري في الجرو. # فقد قال قائلون: [تقدم] العلة التي تعم الأحوال. # وهذا عندنا عرى عن التحصيل فإن الجرو من جنس ما ينتفع به فلا ينتصب من ~~مثل هذا شئ له وقع في مأخذ الأدلة. ### | 1410- # ورأينا في مسألة الكلب أن التعلق بالنجاسة شبه لا يتأتى الوفاء بتقديرها ~~معنى فقهيا ولكنه شبه مطرد. # وقول أبي حنيفة في الانتفاع معنى فقهي ms479 ولكنه منتقض والشبه المطرد مقدم ~~على المخيل المنتقض فهذا وجه الكلام. ### | 1411- # والأمر المتبع في ترجيح الأقيسة ما مهدناه قبل الخوض في رسم المسائل ~~ولكنا استوعبنا بهذه المسائل ما خاض فيه الخائضون وأوفينا على الاستيعاب ~~وإن تركنا شيئا لم نتعرض له فقد مهدنا ما يرشد إلى [قواعد] القول فيه والله ~~المستعان. # PageV02P246 ### | باب النسخ ### | مدخل # ... # باب النسخ. ### | 1412- # النسخ في وضع اللغة معناه الرفع ومنه قولهم نسخت الشمس الظل ونسخت الريح ~~آثار القوم1. # ومعناه في التواضع بين الأصوليين وحملة الشريعة مختلف فيه فأقرب عبارة ~~منقولة عن الفقهاء أن النسخ هو اللفظ الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعي مع ~~تأخير عن مورده. # وقال القاضي أبو الطيب2: الدال على انتهاء أمد العبادة وهذا مزيف من ~~PageV02P246 # جهة أن النسخ لا يختص بالعبادات والحدود تعني للجمع والاحتواء. # ولم يقيد كثير من الفقهاء الكلام بالتأخير وهذا يرد عليه الألفاظ ~~المتضمنة للتأقيت على الاتساق والاتصال كقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل} 1 فهذه الألفاظ ليست نسخا وفيها بيان انتهاء الآماد وليس ما ذكرناه ~~مذهبا. # ولكن أتى قوم من اختلال العبارة وقلة تصورهم عما يرد عليها. ### | 1413- # والمذهب الذي يعزى إلى الفقهاء ما ذكرناه عاما للأحكام مقيدا بشرط ~~التأخير. # وحقيقته ترجع إلى أن النسخ في حكم البيان لمعنى اللفظ والمكلفون قبل ~~وروده [لا يقطعون بتناول] اللفظ الأول جميع الأزمان على التنصيص وإنما ~~يتناولها ظاهرا معرضا للتأويل. # فالنسخ عندهم تخصيص اللفظ بالزمان كما أن ما يسمى تخصيصا هو إزالة ظاهر ~~العموم في المسميات. ### | 1414- # وقد صرح الأستاذ أبو إسحاق: بأن النسخ تخصيص الزمان. ### | 1415- # وقالت المعتزلة النسخ هو اللفظ الدال على أن الحكم الذي دل عليه اللفظ ~~الأول زائل في المستقبل على وجه لولاه لثبت مع التراخي. # ومذهبهم قريب من مذهب الفقهاء وقال القاضي أبو بكر بن الطيب النسخ رفع ~~الحكم بعد ثبوته. # وهو لا يحتاج إلى التقييد بالتأخير فإن اللفظ الذي ينتظم لقصد التأقيت ~~ليس فيه رفع حكم بعد ثبوته في قصد الشارع ومعتمد القاضي أن الحكم يثبت على ~~التحقيق مؤبدا ثم ms480 يزول بعد ثبوته. ### | 1416- # ونحن نذكر لباب كلام القاضي في إتباع من يخالفه ثم نذكر بعد نجاز تفاوضهم ~~ما هو الحق عندنا. # قال القاضي رحمه الله: إذا كان النسخ في حكم البيان لمعنى اللفظ فلا فرق ~~بينه وبين التخصيص وإزالة ظاهر اللفظ. PageV02P247 # وهذا في التحقيق إنكار للنسخ وموافقة لجاحديه من اليهود وغلاة الروافض ~~ويلزم منه تجويز النسخ بما يجوز به التخصيص حتى لا يمتنع نسخ نصوص القرآن ~~والأخبار المتواترة بالخبر الذي ينقله الآحاد وبالقياس على رأى من يرى ~~التخصيص به. ### | 1417- # وهذا الذي ذكره القاضي [عندنا] تشعيب غير مستند إلى مأخذ من القطع. # فأما نسبته القوم إلى موافقة من ينكر النسخ فمردود من جهة أن منكريه لا ~~يرون تخصيص الألفاظ في الزمان. # وما ذكره من إلزامهم تجويز النسخ بما يجوز التخصيص به كلام غير سديد فإن ~~المعتمد في التخصيص ما ظهر من سيرة الصحابة رضي الله عنهم فلولا إزالتهم ~~الظواهر لما أزلناها وقد رأيناهم لا يرون النسخ بما يرون التخسيس به فلا ~~وقع إذا لهذا الكلام. # وإن تعلق متعلق باقتضاء النسخ الرفع في اللغة كان ذلك ركيكا من الكلام ~~فإن مثل هذا الأصل العظيم لا يتلقى من اشتقاق اللغة مع اتساعها لتطرق ~~التأويلات إليها. ### | 1418- # ثم إذا وضح ما ذكرناه فإن نفتتح بعده سؤالا موجها على القاضي ينكشف به ~~وجه الحق فنقول: # إذا أثبت الله تعالى حكما على المكلفين فمعناه تعلق قوله الأزلي به في حق ~~المكلفين فإذا علم [الله] أنه سيرد عليهم ما يسميه العلماء نسخا فخبره ~~الأزلي يتعلق بتقديره وتحقيقه ويستحيل أن يتعلق خبره بثبوته على الأبد ~~وارتفاعه على [الجمع] فإن ذلك لو قدر لكان [تناقضا] فلا معنى إذا لحقيقة ~~الرفع بعد الثبوت وهذا ما لا جواب عنه. # ويتصل به أن اللفظ الأول الوارد على المكلفين إذا اقتضى تأبيدا فهو متضمن ~~بشرط ألا يرد ما ينفي التأبيد وكان التقدير فيه أن المكلفين متعبدون بالحكم ~~الأول أبدا بشرط ألا يرد عليهم ما ينافيه وهذا الشرط وإن لم يكن مصرحا به ~~فهو ثابت ms481 قطعا. ### | 1419- # ولا يسوغ فهم الناسخ والمنسوخ مع تنزيه كلام الله تعالى عن. # PageV02P248 # التناقض واعتقاد استحالة البداء عليه إلا على هذا الوجه. # فإذا الحكم الذي يرد النسخ عليه في علم الله تعالى غير مؤبد ولا لبس على ~~الله تعالى وإنما حسب المتعبدون أمر بأن خلاف ما حسبوه ولو تحققوا لكانوا ~~في استمرار الحكم الأول مجوزين للتقدير الذي ذكرناه فلا يكونون [إذا] ~~قاطعين بالتأبيد في الحكم مع تجويزهم ورود ما ينافيه وعلمهم بأنه لا تبديل ~~لقول الله عز وجل وموجب علمه فيرجع والحالة هذه النسخ إلى انعدام شرط دوام ~~الحكم الأول والنسخ إظهار لذلك بعد أن كان مستورا عن المخاطبين ويرجع ~~التقدير في الحكم الأول إلى أن الحكم ثابت بشرط ألا ينسخ فإذا ظهر النسخ لم ~~يكن مقتضاه رفع ما تحقق ثبوته ولكن كان إبداء [لانتفاء شرط] الاستمرار. # والعبارة عن هذا المقصود أن النسخ هو اللفظ الدال على ظهور انتفاء شرط ~~دوام الحكم الأول. ### | 1420- # فإن قيل: لا فرق بين هذا الاختيار وبين مذاهب الفقهاء. # قلنا: لا فرق بين هذا وبين مذاهبهم في أن الحكم الثابت في علم الله وقوله ~~تعالى لا يزول لما قدمناه. # ولكن في كلام الفقهاء ما يدل على أن اللفظ الدال على الحكم الأول ظاهر في ~~الأزمان معرض للتأويل تعرض الألفاظ العامة للتخصيص. # وهذا فيه إيهام لا حاجة إليه فإن اللفظ العام في وضعه ليس نصا في استغراق ~~المسميات وليس كذلك موجب اللفظ في تأبيد الحكم فإنا نجوز ورود النص في ~~استغراق الزمان مطلقا مع ورود الناسخ بعده وليس ذلك من جهة تأويل اللفظ في ~~وضعه وإنما هو من جهة [تقدير] شرط مسكوت عنه وهو متضمن كل أمر يجوز تقدير ~~نسخه. ### | 1421- # فإن قيل: لو قال الشارع: هذا الحكم مؤبد عليكم لا ينسخه شيء فهل يجوز ~~تقدير النسخ فيه والحالة هذه؟ # قلنا: إذا ثبت هذا المعنى نصا لم يجز ورود [النسخ عليه] فإن [في] تقدير ~~[ورود] النسخ عليه تجويز الخلف ولهذا اعتقدنا تأبيد شريعتنا ولا يكاد يبقى ~~خلاف معنوي مع ms482 الفقهاء. # PageV02P249 # وما ذكرناه إن كان تنبيها لم [ينتبه] إليه [بحث] الفقهاء [و] إشارة إلى ~~تهذيب لفظ في التعرض لإظهار الشرط [المقدر] الذي لا بد منه فإذا رجع إلى أن ~~الثابت في علم الله تعالى لا ينسخ التفتت المذاهب إلى الوفاق فإن وافق ~~القاضي ما ذكرناه فلا خلاف وإن أصر على أن النسخ يتضمن رفعا لم يكن لمذهبه ~~وجه. ### | 1422- # والنسخ فيما اخترناه مثل ما نصفه. # فنقول: إذا توجه الأمر الجازم على معين فهو مشروط بأن يبقى إمكانه فإذا ~~اخترم تبينا لم يكن مأمورا فإن توجه الأمر مشروط بالإمكان والأمر وإن كان ~~مطلقا فالإمكان مشروط [فيه] وإن لم يجر ذكره تصريحا. # وقد ذكرنا في ذلك قولا بليغا في كتاب الأوامر ونقلنا في ذلك لجاج القاضي ~~وطريق تتبعه بالنقض مع بناء الأمر على [امتناع] تكليف ما لا يطاق. # مسألة: ### | 1423- # منعت اليهود النسخ وتابعهم على منعه غلاة الروافض من التناسخية وغيرهم ~~وافترق نفاته فرقتين: # فذهب أكثرهم إلى أن النسخ ممتنع عقلا. # فنقول لهؤلاء: إن زعمتم أن وقوعه مستحيل وأن [امتناعه من] جهة استحالة ~~وقوعه فقد جحدتم البديهة فإنا نعلم على اضطرار أن ذلك ممكن الوقوع. ### | 1424- # وإن جحدتم ذلك من جهة أن المأمور به الأول مستحسن فلو فرض النهي عنه ~~لتضمن [ذلك] كونه مستقبحا وفي ذلك خروجه عن حقيقة الأولى فقد قدمنا في أول ~~الكتاب أن الاستحسان والاستقباح لا يرجعان إلى حقائق الأفعال وصفات ذواتها. # ثم القول في النسخ غير مفروض فيما يزعم المخالفون أنه حسن لعينه أو قبيح ~~لعينه وإنما تفرض مسائل النسخ في التفاصيل التي تتفق أرباب العقول على أن ~~مداركها الشرع لا غير. ### | 1425- # وإن زعموا أن النسخ ممتنع من جهة إفضائه إلى البداء والقديم سبحانه ~~وتعالى متعال عنه فلا حقيقة لهذا فإن البداء إن أريد به تبين ما لم يكن ~~متبينا في علمه فليس هذا من شرط النسخ فإن الرب تعالى كان عالما في أزلة. # PageV02P250 # تفاصيل ما يقع فيما لا يزال ولئن كان يلزم من تجدد الإحكام البداء لزم من ~~تجدد الحوادث ms483 إماتة وإحياء وإعاشة [وإرداء] ما ادعاه هؤلاء وليس الأمر ~~كذلك. ### | 1426- # فإن ردوا الامتناع إلى ما يتعلق باستصلاح العباد واستفسادهم فهذا غير ~~مرضى عندنا في حكم الله تعالى ثم لا يمتنع في غيبه أن يكون الاستصلاح في ~~تبديل الأحكام كلما فتر قوم في امتثال الأحكام أرسل الله تعالى إليهم ~~مبتعثا جديدا بحكم جديد فلا وجه لادعاء الاستحالة من طريق العقل. ### | 1427- # وزعم زاعمون أن النسخ ممتنع من جهة السمع. # وادعى طوائف من اليهود: أن موسى عليه السلام أنبأهم أن شريعته مؤبدة إلى ~~قيام الساعة وزعم هؤلاء أن طريق معرفة ذلك من دينهم كطريق معرفتنا بذلك من ~~ديننا. ### | 1428- # وهذا باطل من وجهين: # أحدهما: أن الأمر لو كان كذلك لما قامت معجزة عيسى عليه السلام ومعجزة ~~محمد صلى الله عليه وسلم بعده على نسخ ملة موسى فإن أنكروا قيام المعجزة رد ~~الكلام معهم إلى أصل النبوات وكان سبيل إنكارهم معجزة من بعد موسى كسبيل ~~إنكار من يجحد معجزة موسى. ### | 1429- # والوجه الثاني: أن ما ادعوه من دينهم لو كان صريحا لأظهروه وباحوا به من ~~عصر نبينا عليه السلام ولا تخذوا ذلك أقوى عصمهم ولو فعلوا ذلك لنقله ~~الناقلون متواترا لأن الأمر الخطير لا يخفى وقوعه وتتوفر الدواعي على نقله ~~فقد ثبت جواز النسخ عقلا وشرعا. ### | 1430- # ولو أردنا أن نبتدئ الدليل على جوازه فأقرب مسلك فيه التمسك بمعجزة عيسى ~~بعد موسى عليهما السلام ثم التمسك بالإجماع في تحريم الخمر بعد ثبوت ~~تحليلها في صدر الشرع وهذا على من ينكر النسخ من اهل الملة ممن ينتمي إلى ~~المسلمين ثم نقول لهؤلاء: لا شك في مخالفة [دين نبينا] محمد صلى الله عليه ~~وسلم دين موسى وعيسى عليهما السلام في معظم قواعد الشريعة فكيف السبيل إلى ~~تصديق الأنبياء مع إنكار النسخ؟ وهذا فيه أكمل مقنع. # PageV02P251 ### | مسألة: مترجمة بالنسخ قبل الفعل ### | 1431- # وهذه الترجمة فيها خلل من جهة أن كل نسخ واقع فهو متعلق بما كان يقدر ~~وقوعه في المستقبل فإن النسخ لا ينعطف على مقدم سابق. # والغرض من هذه المسألة ms484 أنه إذا فرض ورود أمر بشيء فهل يجوز أن ينسخ قبل ~~أن يمضي من وقت اتصال الأمر به زمن يتسع لفعل المأمور به؟ ### | 1432- # فالذي ذهب إليه أهل الحق جواز ذلك وأطبقت المعتزلة على منعه وساعدهم على ~~ذلك طوائف من الفقهاء. ### | 1433- # والدليل على تجويزه كالدليل على تجويز أصل النسخ فالوجه رد الكلام إلى ~~التقاسيم السابقة في مسالك العقول التي يتلقى منها الجواز والاستحالة. ### | 1434- # فإذا قالوا: النسخ يرجع إلى بيان مدة التكليف وليس رافعا لما ثبت في حكم ~~الله تعالى [ولو جوزنا النسخ في صورة الخلاف لكان ذلك رافعا للحكم لا ~~محالة. # قلنا: ما ذكرناه من اختيارنا يجيب عن هذا فإنا نقول النسخ راجع إلى إظهار ~~انتفاء لشرط بقاء الحكم فإن الحكم الموجه مشروط بألا ينسخ فإذا ثبت النسخ ~~قبل انقضاء زمان يسع الفعل بان أنه لا حكم أصلا. # وهو من طريق التمثيل كزوال إمكان المكلف قبل استتمام الفعل. ### | 1435- # وإذا رد المعتزلة الكلام إلى استصلاح العباد لم يخف خلافنا لهم في أصل ~~ذلك ثم لا يبعد في مجاري أحكام الغيب أن يكون الاستصلاح في أن يخاطبوا ~~ويقبلوا ثم يرفع عنهم التكليف حتى يؤجروا على صدق نياتهم ويوفوا مالا ~~يستقلون به في علم الله تعالى. ### | 1436- # ثم استدل أصحابنا في تجويز النسخ قبل الفعل بما جرى في قصة الخليل عليه ~~السلام وابنه الذبيح الحق أو إسماعيل عليهم السلام. # ووجه التمسك أن الأمر بالذبح نسخ قبل وقوعه. ### | 1437- # فإن زعم المخالف أن المأمور به كان شدا وربطا وتلا للجبين كان ذلك باطلا ~~من وجهين: # PageV02P252 # أحدهما أن الخليل عليه السلام اعتقد وجوب الذبح [ولو لم يكن] الأمر كذلك ~~لما كان هذا بلاء عظيما كما أشعر به القرآن العظيم وهذا مقطوع به ويستحيل ~~أن يكون معتقد النبي عليه السلام في الذي خوطب به خطا. # ثم الفداء دليل على ارتفاع الذبح بعد وقوعه الأمر [به] وقيام الفداء مقام ~~ما كان المأمور به من الذبح. ### | 1438- # فإن [تعلقوا] بقوله تعالى: {قد صدقت الرؤيا} 1. # قيل لهم: لم يقل: قد حققت [أوأ] وقعت ms485 ما أمرت به بل قال صدقت وليس من شرط ~~التصديق إيقاع ما يتعلق التصديق به. ### | 1439- # وقال بعض المخالفين: وقع الذبح وجرت المدية وكانت تقطع ويلتحم ما انقطع ~~وهذا بهت عظيم إذ لو كذلك لكان هذا أحق منقول وأظهر معجزة تتوفر الدواعي ~~على نقلها ونص القرآن مع ما فيه من القيود والقرائن أصدق شاهد في ذلك فإنه ~~قال: {فلما أسلما وتله للجبين وناديناه} ولو كان ذبح لما وقع الاقتصار على ~~ذكر التل للجبين دون وقوع المأمور به ثم ذكر الفداء بعد هذا مشعر بأن الذبح ~~المأمور به لم يقع وأن الفداء قائم مقامه. # وهذا منتهى المثال في ذلك. # مسألة: ### | 1440- # قطع الشافعي جوابه بأن الكتاب لا ينسخ بالسنة وتردد قوله في نسخ السنة ~~بالكتاب والذي اختاره المتكلمون وهو الحق المبين أن نسخ الكتاب بالسنة غير ~~ممتنع. # والمسألة دائرة على حرف واحد وهو أن الرسول لا يقول من تلقاء نفسه أمرا ~~وإنما يبلغ ما يؤمر به كيف فرض الأمر ولا امتناع بأن يخبر الرسول الأمة ~~مبلغا بأن حكم آية يذكرها قد رفع عنكم. # ويرجع حاصل القول في المسألة إلى أن النسخ لا يقع إلا بأمر الله تعالى ~~ولا. PageV02P253 # ناسخ إلا الله والأمر كيف فرض جهات تبليغه لله تعالى فهذا القدر فيه ~~مقنع. ### | 1441 - # فإن زعم الفقيه أن القرآن معجزة بخلاف السنة فليس المنسوخ نفس القرآن ~~وإنما المنسوخ حكمه ولا إعجازه في الحكم [و] هذا عرى عن التحصيل. ### | 1442- # وإن تعلقوا بقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها} 1 فهذا خبر من الله تعالى وليس فيه ما يتضمن استحالة الوقوع وفيها ~~الخلاف بل لا يمتنع تأويل الظواهر ولا وقع لها في القطعيات. ### | 1443- # ثم لا محمل لقول القائل: لا تنسخ السنة بالقرآن. # فيقال لمن أنتحل هذا المذهب: نزول القرآن بخلاف السنة ممتنع أم لا فإن ~~منعه كان منكرا من القول وإن جوزه وزعم أن الرسول يسن عند نزوله سنة بخلاف ~~السنة الأولى فيقع نسخ السنة بالسنة فهذا من الهزء واللعب ms486 والتلاعب ~~بالحقائق وكيف يقدر وقوف النسخ وقد ورد القرآن. # وبالجملة إلى الله مصير الأمور ومنه النسخ والإثبات والرسول عليه السلام ~~مبلغ في البين وهذا القدر كاف. PageV02P254 ### | مسألة: مشهورة بالزيادة على النص ### | 1444- # ومدارها على تحقيق تصويرها فإذا ورد نص في شيء [واقتضى] وروده الاقتصار ~~على المنصوص عليه والحكم بالإجزاء فكان ذلك مقطوعا تلقيا من اللفظ والفحوى ~~ولو فرضنا زيادة مشروطة لتضمن ثبوتها نسخ الإجزاء في المقدار الأول لا ~~محالة ولا [يسوغ] تقدير الخلاف في ذلك. ### | 1445- # وإن اقتضى ما ورد به أولا الإجزاء وجواز الاقتصار اقتضاء ظاهرا وكان ~~يتطرق التأويل إليه في منع الإجزاء فلو فرضت زيادة كانت في معنى إزالة ~~الظاهر الأول ولم يتضمن نسخا اعتبارا بكل ظاهر يزال بحكم التأويل. # وهذا مما لا أرى فيه للخلاف مساغا. ### | 1446- # وإذا ثبت هذان الطرفان وهما حظ الأصول فالكلام بعدهما في # PageV02P254 # ألفاظ ظنها الظانون نصوصا وهي ظواهر ثم القول في تفاصيلها مستقصى في ~~"الأساليب" ولكنا نضرب للتمثيل صورا: # منها: أن أصحاب أبي حنيفة ظنوا أن من أثبت النية في الطهارة فقد زاد على ~~النص والكلام في ذلك مشهور. # وأقرب مسلك فيه: أنا لا نبعد أن يكون غرض الآية مقصورا على بيان [أفعال ~~الطهارة] وتقدير هذا لا يخالف نصا ولا فحوى وليس مع تجويز هذا لإدعاء النص ~~وجه. # ومنها: قوله تعالى في كفارة الظهار: {فتحرير رقبة} 1 قال أصحاب أبي ~~حنيفة: زيادة الإيمان نسخ الأجزاء في الرقبة المطلقة وقد أوضحنا أن هذا ~~تخصيص عموم. # ومنها قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان} 2. # قالوا إثبات الشاهد واليمين يخالف هذا الحصر وهذا لا وجه له مع أن هذا ~~الاحتياط مندوب إليه ونحن لا ننكر الندب [إلى بينة] كاملة مغنية عن الحلف. # ومنها قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا} 3 الآية مع استدلال الخصم ~~بها في معنى التغريب. # وهذا من أظهر ما يتمسكون به وليس نصا فإنه لا يمتنع اشتمال الآية على بعض ~~العقوبة وإحالة تمامها إلى بيان الرسول عليه السلام إذ ليس في ms487 الآية للرجم ~~في حق المحصن ذكر. # فهذا بيان حقيقة القول في المسألة. # مسألة: ### | 1447- # أجمع العلماء على أن الثابت قطعا لا ينسخه مظنون فالقرآن لا ينسخه الخبر ~~المنقول آحادا والسنة المتواترة لا ينسخها ما نقله غير مقطوع به ووراء ما ~~ذكرناه حقيقة هي كشف الغطاء. PageV02P255 # ونحن نبينها بسؤال وجواب عنه: # فإن قيل ما المانع من انتصاب دليل قاطع على أن الخبر إذا نقله العدول يجب ~~ترك حكم القرآن عند نقلهم؟. # قلنا هذا غير ممتنع لو ورد ولكن لم يرد ثم لو قدر وروده فالنسخ يتلقى من ~~الدليل القاطع والخبر المنقول آحادا في حكم العلم الذي يقع العمل عنده لا ~~به وقد تكرر هذا الفن مرارا في مسائل هذا المجموع. # وهذا الذي ذكرناه في الخبر يطرد في القياس أيضا. # مسألة: ### | 1448- # يجوز نسخ رسم آية من القرآن في التلاوة مع بقاء حكمها ويجوز تقدير نسخ ~~حكمها مع بقاء رسمها في آي القرآن. # وقد منع مانعون من المعتزلة الأمرين وصار إلى منع أحدهما دون الآخر [على ~~البدل] صائرون. # وما ذكرنا في طريق إثبات الجواز في مسالك هذا الكتاب يجري على المنكر ~~للجواز في هذه المسألة. # ثم الأمر بالتلاوة على نظم القرآن حكم غير القرآن فيؤل القول في الحقيقة ~~إلى نسخ حكم فأما عين القرآن فلا يرد عليه نسخ [أصلا] . # مسألة: ### | 1449- # إذا ثبت النسخ ولم يبلغ خبره قوما فهل يثبت النسخ في حقهم قبل بلوغ الخبر ~~إياهم؟. # هذا ما أختلف فيه الأصوليون. # وعندنا أن المسالة إذا حقق تصويرها لم يبق فيها خلاف فإن قيل على من لم ~~يبلغه الخبر الأخذ بحكم الناسخ قبل العلم به فهذا ممتنع عندنا وهو من فن ~~تكليف ما لا يطاق وهو مستحيل في تكليف الطلب وإن أريد بثبوت النسخ في حق من ~~لم يبلغه الخبر أن الخبر إذا بلغه لزمه تدارك أمر فيما مضى فهذا لا امتناع ~~فيه وإذا ردت المذاهب المطلقة في النفي والإثبات إلى هذا التفصيل لم يبق ~~للخلاف تحصيل. # PageV02P256 # مسألة: # - 1450لا يمتنع نسخ الحكم من غير بدل ms488 عنه ومنع ذلك جماهير المعتزلة وهذا ~~تحكم منهم والدليل على جوازه ما تمهد في مسألة التجويز في أصل النسخ فلا ~~معنى للإعادة بعد وضوح المقصد. # مسألة: ### | 1451- # إذا ورد نص واستنبط منه قياس ثم نسخ النص تبعه القياس المستنبط [منه] . # وقال أبو حنيفة: لا يبطل القياس وإن نسخ النص وقد جرى له هذا المسلك في ~~الأخذ من صوم [يوم] عاشوراء [في ترك حكم التبييت] لما اعتقد وجوبه ثم ثبت ~~نسخ وجوبه. ### | 1452- # والقول الواقع في ذلك عندنا أن المعنى المستنبط من الأصل الأول إذا نسخ ~~أصله [بقي] معنى لا أصل له فإن صح استدلالا نظرنا فيه وإن لم يصح أبطلناه. # PageV02P257 ### | فصل: في الفرق بين النسخ والتخصيص ### | 1453- # قال الفقهاء: النسخ تخصيص في الأزمان دون المسميات المندرجة تحت ظاهر ~~اللفظ والمعتزلة يقرب مأخذ كلامهم من مآخذ كلام الفقهاء فإن النسخ عند ~~هؤلاء بيان معنى اللفظ وأما القاضي فإنه يقول التخصيص بيان المراد باللفظ ~~العام والنسخ رفع الحكم بعد ثبوته. # والمختار عندنا: أن التخصيص بيان المراد باللفظ والنسخ [لا تعلق له ~~بمقتضى اللفظ] ولا يتضمن رفع حكم ثابت ولكنه إظهاره ما ينافي شرط استمرار ~~الحكم الأول كما سبق تقريره [والله أعلم وأحكم] . ### | 1454- # ثم الكتاب وقد نجز بحمد الله [ومنة] وحسن توفيقه الغرض من هذا المجموع في ~~الأصول ونحن نرسم بعد ذلك مستعينين بالله تعالى كتابا جامعا في الاجتهاد ~~والفتوى يقع مصنفا برأسه وتتمة لهذا المجموع إن شاء الله تعالى. ~~PageV02P257 ms489